أحمد ياسين.. رجل العقيدة في ذكراه

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
أحمد ياسين.. رجل العقيدة في ذكراه

بقلم: وصفي عاشور أبو زيد

ذكرى استشهاد أحمد ياسين الحياة في القلوب.jpg

تمرُّ بنا الذكرى الرابعة لاستشهاد الرجل الرباني الشيخ المجاهد أحمد ياسين- تقبله الله في الشهداء- الذي اغتالته قوى الشر الصهيونية الغادرة بعد صلاة الفجر 22/3/2004 م، فلقي ربه صابرًا صائمًا محتسبًا، وهي ذكرى عزيزة علينا وعلى المسلمين في كل مكان، بل على الشرفاء والأحرار في العالم كله.

وهو- كما نعلم- كان عجوزًا مُقعَدًا، يجلس على كرسي لا يتحرَّك إلا إذا حُرِّك، ومع ذلك فإن دولةً تتزوَّد بالقنابل النووية وتملك من السلاح ما لا يملكه كل العرب والمسلمين في العالم.. هذه الدولة العظمى التي تتكفل أمريكا بتوفير العظمة لها وتُهدِّد بها العرب تحرَّكت لتقتل هذا الرجل مُقعَدًا المسلوب الحركة، وكأنها كانت مُقْدمةً على معركة هائلة أُعدِّت لها الصواريخ وخُطِّطت لها، وأشرف رئيس الحكومة (شارون) على إدارة المعركة حتى اغتيل الشيخ وتمزَّق، وبذلك بردت نار "إسرائيل"، ولا تعلم أن الأمر سيشعل المعركة أكثر؛ لأن الأمر ليس أمر أحمد ياسين، وإنما هو أمر العقيدة التي كان ينطوي عليها صدر أحمد ياسين.

وبرغم أن الرجل كان مٌقعَدًا فإنه كان يتمتَّع من العقيدة بما يبثه من الرعب والفزع في قلوبهم جميعًا، وإلى هذه العقيدة كانت تعود أهميته، كان يملك من العقيدة ما يهزم به كل أسباب الخوف، ومع أنه كان يعلم أن "إسرائيل" تُبيِّت له، فقد حاولت اغتياله من قبل فإنه كان يخرج من بيته بكل بساطة، كأنما يتوقَّع رحلةً عظيمةً تنقله إلى لقاءِ الله عزَّ وجل.

وقد أثبت هذا البطل للعاملين للإسلام أن الإرادةَ والتصميمَ والعزيمةَ القويةَ والهمةَ العاليةَ إنما تكمن في الإيمان القوي، وصوت الحق الهادر الفتي الذي يُحرِّك الأمةَ جمعاء، فلا يقف دونه دبابات ولا حتى ترسانة نووية، حتى وإن كان صاحبُه مسلوبَ القدرة على الحركة.

إنَّ أحمد ياسين كان رمزًا للعقيدة التي تخشاها أمريكا ويخشاها الصهاينة، أما الذين يتاجرون بالقضية الفلسطينية، والذين قبضوا الأموال مقابل الجاسوسية والمعلومات المخابراتية.. هؤلاء توارَوا جميعًا من المشهد وقتها، ولا وجودَ لهم ولا ذكرَ لهم؛ لأن القضية لا تعنيهم، أما الذين تعنيهم القضية فهم الذين ساروا على درب أحمد ياسين عندما قال: "الموت في سبيل الله أسمى أمانينا".

وهذا- في الواقع- ما يزعج راحة "إسرائيل" ويقض مضجعها، ولن تهدأ "إسرائيل" أبدًا حتى يتحقَّق قول الله عز وجل: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ﴾ (المائدة: من الآية 64).

هكذا ينبغي أن ننظر إلى مقتل الرجل.. إنه آيةٌ على الثبات الإيماني في وجه الإجرام، وهو يعلم- يقينًا- ما يملكه الكيان الصهيوني من طائرات "أباتشي" وقنابل نووية، ومع ذلك فلم يعبأ بذلك، وكأنه كان يسخر منهم قائلاً: "إنكم لن تستطيعوا أن تفعلوا شيئًا إلا أن تُعجِّلوا بلقاءِ ربي تبارك وتعالى".

إنَّ الشيخَ كان يُمثِّل قدوةً للأجيال؛ حيث إنَّ البعضَ كان يتصوَّر أن القادةَ يدفعون الأطفال للهول والموت ثم يختبئون هم خلفهم، ويخفون أبناءهم، فجاء أحمد ياسين ليقدِّم القدوةَ للصغار والكبار، قدوةً تُؤكد أننا جميعًا على خط النار مستهدفون، وينبغي أن ندفع ثمن الجنة، ولن يكون ثمنها إلا الشهادة، فلا نخاف ولا نرتعش، إنما نقبل عليها معتقدين أنه أقصر طريقٍ إلى لقاءِ الحبيب- عزَّ وجل- فهم لم يستطيعوا أن يقتلوه بطريقةٍ أفضل من طريقةٍ تجعله شهيدًا، ونحن نعلم أننا في عصرٍ انقلبت فيه الموازين؛ فمن يدافع عن أرضه وعرضه أصبح إرهابيًّا، أما "إسرائيل" التي تغتصب الأرض وتقتل الأطفال والنساء والشيوخ، وتمتلك من أسلحة الدمار ما لا يملكه العالم، فهي صاحبة الحق وهي المضطهدة التي لها الحق في الدفاع عن نفسها، وقد رأيناهم وقتها معترضين أن يبحث مجلس الأمن قضية اغتيال الرجل بحجةِ أنه إرهابي!!

أي إرهابٍ في هذا الرجل المحطَّم المُقعَد؟! وفيما تخافه "إسرائيل" غير أنه يحمل عقيدة تُرعب "إسرائيل" ومَن وراءها؟!

إنَّ كلَّ الذين تاجروا بالقضية اختفوا من المشهد، وهربوا فلم يعد لهم صوت، بل إنهم ينعمون بالمال الذي حصلوه من المتاجرةِ بها، أما أصحاب القضية الحقيقيون فهم هؤلاء الأبطال الذين تهون عندهم الدنيا في سبيل المبدأ والعقيدة، والذين لا يقاتلون من أجل الأرض فقط، إنما للأرض والعرض وللحفاظ على أرضٍ تحوي فيها المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، و"إسرائيل" على ما تملك من قوةٍ لا تملك واحدًا من هؤلاء الأبطال يستطيع أن يدفع روحه ثمن أرضه وعرضه ولو كان مال الدنيا كله هو الثمن، وكما قال القرآن عنهم- وكأنما كان يتنبأ بما ستكون عليه إسرائيل-: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (14)﴾ (الحشر)؛ فالقرى المحصنة هي المستوطنات، والجُدُر هي الجُدُر العازلة التي يُحيطون بها أنفسهم اليوم.

هكذا مات أحمد ياسين، لكنه لم يمت، إنما استأنف حياةً أبديةً جديدةً: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171)﴾ (آل عمران).

سوف يظل ذكره ولن ينقطع، ومن علامات ذلك أن هناك ستةً وُلدوا في قرية الشهيد أحمد ياسين في نفس اليوم الذي استُشهد فيه، وسُمُّوا جميعًا بـ"أحمد ياسين"، سوف يظل ذكره، وتدوم قدوته، وتستمر سيرته نبراسًا للذين أتوا بعده وملئوا الفراغ الذي تركه، وسيستمر الرعب الذي مثَّله مقتله في قلوبِ الذين يتخفَّون بالجدر، ويحتمون بالقرى المحصنة، والله غالبٌ على أمره، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون.