أحمد ياسين :ينحني المجد أمام العمالقة ، وتبقى أسماؤهم رايات خير وجهاد شامخة

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
أحمد ياسين :ينحني المجد أمام العمالقة ، وتبقى أسماؤهم رايات خير وجهاد شامخة

بقلم: د. محمد إبراهيم المدهون

ينحني المجد أمام العمالقة ، وتبقى أسماؤهم رايات خير وجهاد شامخة ، تحرق وجوه الأعداء وتشيع الدفء والأنس في نفوس المستضعفين ، يتراقص النور وينبعث الضياء من هذا النجم الساطع ... إنه القدر الكوني لإعادة الروح إلى الجسد ( ياسين) ... أهو مجرد أسم عابر ..!! بل هو جذر متأصل في أعماق التاريخ الفلسطيني .. وشجرة كريمة مباركة أصلها ثابت وفرعها في السماء .. إنه نموذجاً فريداً صنع التاريخ ، وعنواناً ضخماً تضم آلافاً من الأبطال الذين عرفتهم ساحات الجهاد في فلسطين

(ياسين) تلك الشمعة المضيئة .. الشعلة المتقدة ، شجرة جذرها يمتد إلى النبوة المطهرة ، وهو حلقة في سلسلة كبيرة ، وهو زلزال صرخ في وجه الاحتلال الغاشم (لا) فكان البركان.. وهو دفع ثمناً دمه ودموعه وماله .. وهو قد أثبت أن الكف يمكن أن ينتصر على المخرز ، وأن الصبر الجميل والجهاد الطويل يملك التصدي لقوى الباطل الجامحة ، وهو النموذج الأروع والقدوة الأمثل التي حفرت لشعبنا مكانته اللائقة ومنزلته السامية .. يستحيل على الذاكرة أن تطمس النور الساطع من هذا النموذج الخالد ، وأنوار الشهادة والشهداء تعبق ذكره وترفع أسمه .

كانت الشهادة أسمى أمانيه ، وكانت دعاءه الذي لا يتوقف, علم يوماً أن أحد البسطاء من مخيمه (الشاطئ) قد رأى في المنام الشهيد محمود الخواجا وهو يقول له أبلغ الشيخ أحمد السلام وقل له أن مكانه محجوز عندنا ونحن في انتظاره, فرح يومها الشيخ فرحاً شديداً. وقد أكرمه الله بحفظ جسده النحيل رغم استهدافه بثلاث صواريخ .

في الليلة الظلماء غابت الذروة الشماء وافتقد البدر الذي رحل ، وهو يبني بيت الشموخ والكبرياء ، ولم يكتمل البناء بعد ، وها هي حلة قشيبة من الشهداء الذين نسجهم الشيخ الشهيد (أحمد ياسين) بجهاده وعلمه. رحل الشيخ الشهيد (أحمد ياسين) بعد أن أسس مدرسة الجهاد والمقاومة ، وأصبح معلماً بارزاً وركناً عتيداً في قلعة الجهاد والاستشهاد .

وكانت البداية الرائدة في انطلاق حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وكتائبها على يد مؤسسها (الشيخ أحمد ياسين) المقعد الذي يهابه الاحتلال ... (ياسين) رجل القيادة والقرار الاستراتيجي الذي ولد في قرية (الجورة) ، (قضاء المجدل) الفلسطينية عام 1936 م، التحق (بمدرسة الجورة) الابتدائية ، ثم أكمل المرحلة الإعدادية عام 1955 م ، ثم التحق بالمدرسة الثانوية واسترعت (جماعة الإخوان المسلمين) نظر (الشيخ أحمد ياسين) ، فقرر في عام 1955 م إعطاء البيعة (لجماعة الإخوان) المسلمين ، وفي عام 1960 م أصيب الشيخ (أحمد ياسين) بالشلل بعد أدائه لإحدى القفزات الرياضية الصعبة، ورغم ذلك عمل الشيخ (أحمد ياسين) مدرساً ، وكان لبقاً ، ذكياً في دعوته ، وتعرض الشيخ لاعتقال أكثر من مرة عام 1965 م ، إبان الضربة القاسية التي تعرض لها الإخوان في (مصر) و(قطاع غزة) ، وفي العام 1968 م اختير الشيخ (أحمد ياسين) لقيادة الحركة في فلسطين ، فبدأ ببناء جسم الحركة ، فأسس (الجمعية الإسلامية) ثم (المجمع الإسلامي) ، وبدأ التفكير للعمل العسكري وقال يومها حين تمتلك حركتنا مسدساً سوف نبدأ العمل العسكري ، فأسس تنظيماً عسكرياً وزوده بالأسلحة ، فعاجلته السلطات الإسرائيلية بالاعتقال في عام 1982 م ، وحكم عليه بالسجن لمدة ثلاثة عشر عاماً ، ثم ما لبث أن خرج من السجن في صفقة تبادل أسرى مع (منظمة أحمد جبريل) في العام 1984 م ، وكان للشيخ اليد الطولى في تفجير الانتفاضة الأولي، وإشعال فتيلها ، فأسس مع نفر من إخوانه حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بعد خمسة أيام من بدء الانتفاضة ، وذلك بتاريخ 14/12/1987 ، واعتقل المرة الرابعة ، وفي 17/5/1989 في الضربة التي وجهت لحماس في قطاع غزة في عام 1989 م على يد الجيش الإسرائيلي ، وحكم عليه بالسجن المؤبد ، إضافة إلى خمسة عشر عاماً . وقد تم الإفراج عنه يوم 1/10/1997 م ، متوجهاً إلى الأردن للعلاج إبان صفقة مشعل ، وعاد إلى قطاع غزة شيخ الانتفاضة (الشيخ أحمد ياسين) وذلك في اليوم التاريخي المشهود 6/10/1997م قائلاً أن حركة (حماس) لن تلتزم أي وقف لإطلاق النار مع إسرائيل قبل زوال الاحتلال الإسرائيلي ، وداعياً إلى ضرورة الوحدة الوطنية ورص الصفوف واستقبله عشرات الآلاف من جماهير فلسطين. زمن ثم قاد انتفاضة الأقصى حتى اندحار الاحتلال عن قطاع غزة وليلحق بإخوانه الشهداء من القادة العظام شهيداً في قصف صاروخي استهدفه بعد صلاة فجر الاثنين 22-3-2004 بعد أن فشلت محاولة اغتياله الأولى في سبتمبر 2003.

ليس غريباً أن يضفي الله من الهيبة على رجل مقعد ما يرفع مكانته بين الخلق ، ويدفع الشباب أن يلتفوا حوله ، ويجعل المحتلين والمتخاذلين معاً يحسبون له ألف حساب. عرف العالم (أحمد ياسين) القيادة والرأي والقرار والكلمة ، حين تلقاه لا تصدق عينيك وهو رهين المحبسين في العصر الحديث إعاقته الجسدية ، وزنزانته الموصدة عليه التي تحول بينه وبين التمتع بنسمات الحرية ، ولو على امتداد ساحة السجن الكبير ، فلسطين السلبية .. وليس غريباً أن تتابعه عدسات وكالات الأنباء ، ومسجلات الإذاعات العالمية إذا همس بكلمة أو أومأ بإشارة لأنه صاحب الرأي الحصيف والقرار النافذ والكلمة المسموعة .

(الشيخ الشهيد أحمد ياسين) الرجل المقعد الذي أرعب الظالميــن وحيّر إسرائيل . هذه الكتلة من اللحم التي لا تقوم على عظام ، وهذا الجسد الذي ماتت معظم أعضاؤه إلا القلب ينبض بالإيمان ، والعقل يفيض بالعمق والتفكير واللسان بحركه الوجدان ، في عينيه بريق بشفافية المسلم الذي يرى بنور الله وفراسة المؤمن التي لا تخيب.

(أحمد ياسين) عرف بين إخوانه بالتخطيط ولم يعرف بالصخب ، وعرف ببعد النظر دون الالتفات للتهريج أو اللغط والخصومة وعرف بالتواضع في مركزه القيادي المرموق ، ولم يعرف بالاستعـلاء ، وعرفه إخوانه بصدق التوجه إلى الله وغرس البذور في حقل الله المثمر الذي تنبت السنبلة فيه سبع سنابل أكثر من التبجح ووضع البذور في حقول الخلق المعرضة للبوار ، ومن هنا ظل الرجل شامخاً لا يطأطىء رأسه ، راسخاً لا يتزعزع مثل رواسي الجبال . (الشيخ الشهيد أحمد ياسين) البداية التي انطلق من رحمها (حماس و القسام) ، فزلزلوا عرش الطواغيت وأعادوا بناء المعادلة.

(الشيخ الشهيد أحمد ياسين) ... ما أجملك وأنت تدخل بوابة القبر وقد اصطفت ملائكة السماء ، صفوفاً صفوفاً تنثر عليك الرياحين وتغمرك بالطيب ، ثم ها هو (صلاح شحادة) يقف من بعيد ينتظر إلى أن يصل إليه الدور ليطوقك بكلتا يديه، لم يتغير فيه شيئ . يقبلك من جبينك ووجنتيك ، ثم صف الشهداء إبراهيم المقادمة, إسماعيل أبو شنب, الجمالين وآخرين وصف من الكتائب يحيى و محي الدين وسهيل وعبد الحكيم وآخرين ، يدعونك الآن حتى تستريح من عناء الرحلة ، يدعونك تستريح من وعثاء السفر . كانت رحلتك طويلة ، آن لهذا الفارس أن يمد قدميه ويلصق ظهره بالأرض ويغمض عينيه وينام .

الشهيد الشيخ ملحمـة خالدة لا تنتهي ... والياسين مدرسة عز نظيرها والمدرسة مشرعـة الأبواب .. تؤذن أن في الطريق سالكين قد سبقوك .. وأن الدرب الممهرة بالدم .. المسيجة بالتضحية .. المعبدة بالجهاد المتنوع اللامحدود لازال فيها متسع للسالكين .. ولازال في الوقت متسع . وإن التوثيق واجب كي تبقى مدرسة الياسين تتوارثها الأجيال كي تحدث أبناءك قصص العظام وتعلمهم أبجديات المقاومة .. وتقدم لهم القدوة شاخصة في دماء نازفة .. وأرواح توّاقة .

قدوة من ذات العصر الذي تحياه كي لا تعتذر بتغير الأيام والأزمان ... القدوة في أولئك النفر العظام الذين تمنطقوا بالشهادة وتسلحوا بالعقيدة .. وقدموا لأمتنا وشعبنا النموذج الأروع ، ورفعوا أسهم قضيتنا وتقدر العظمة بمقدار ما يقدم المرء لدينه وأمته وشعبه من عطاء .

إذا كانت قرأت قصة الشيخ فعد إليه ثانية فهو سلاح في مواجهة النوائب يدفع فيك العزم والهمة ... أو ادفعه إلى من أحببت كي تقذف فيه الروح. وأنبأ الجميع أن ( الشيخ الشهيد الياسين) مدرسة عظيمة خالدة ، وجدير أن يسطر تاريخها بمداد النـــــور والنار ليبقى سجلاً تتوارثه الأجيال حتى يأذن الله بالنصر والتمكيـن.

الإمام الياسين والقائد المقادمة خلاصة تجربة

لقد قام الشهيد الإمام الياسين والقائد المقادمة أحسن قيام بأداء دور القائد في فلسطين الجريحة، فالتفّت الملايين من الناس حولهما وآمنت بخطهما واتبعت نهجهما، واستشهدا تطبيقاً لمبادئهما، وجماهيرهما ماتزال تواصل طريقه في فلسطين الشهادة. وآمنت بهما الطلائع الواعية من ذوي البصائر وأصحاب العقيدة الإسلامية الراسخة، ولا عجب في ذلك، فقد كان عهدهم بهذين المعلمين الشهيدين بعيداً فلطالما تثقفوا في مدرستهما وتدارسوا روائعهما وتعلّموا منهج الإسلام العظيم علىيديهما.

قدّم الإمام الياسين والقائد المقادمة في تجربتهما الطويلة منهاجاً عملياً في التعامل مع القضية وتحريكها باتجاه الهدف الإسلامي، ويمكن أن نستخلص أهم سمات هذا المنهاج بما يلي

أولاً إنّ الأمّة في فلسطين لم تعد بحاجة إلى المزيد من التوعية والمهام الفكرية، إنّما تحتاج إلى قائد يعيشها وتعيشه في علاقة حب متبادلة، فالقائد الذي يمنح الأمّة قلبه، يجدها سخيةً في منحه الولاء، تُعطي الروح والجسد بكل أريحية، وليس بعد هذا وفاء.

قلب القائد هو التعبير الواقعي عن مصداقية القيادة وجدارتها في رسم الطريق للأمّة والتفاعل بها ومعها. وقلبُ القائد هو شرط أول في القائد الميداني.

ثانياً لقد استطاع الإمام الياسين والقائد المقادمة أن يَفهما الأمّة، ولأنّهما فهِماَها بعمق ودقة فإنهما تمكنا من التأثير فيها، والأمّة تريد القائد الذي يفهمها... ويراها وتراه بلا حجاب أو ستار.. إنّها تريد قيادة ميدانية تتقدم الصفوف بشجاعة، وعند ذاك تبادر إلى فعل كل ما يراد منها، تحول إيماءته إلى موقف... وإشارته إلى فعل... ورأيه إلى تيار.

ثالثاً إنّ الأمّة لم تعد بحاجة إلى المزيد من التوعية والتنضيج، بل هي واعية وناضجة بما فيه الكفاية، وهل هناك نضج ووعي أكثر من إرادة الثورة والتضحية، وقد أدرك الإمام الياسين والقائد المقادمة هذه الحقيقة وعملا على أساسها، فقد كانا (رحمهما الله) يركزان على ثقافة الثورة وليس ثورة الثقافة. كانا يريدان ثقافة الفعل لا الفعل الثقافي.

وهذا ما يدعونا إلى تقييم دائم لجماهيرنا لمعرفة مستوى النضج والوعي على أسس موضوعية تقدر مستوى النضج، وتقدر نقاط التحول التاريخي في مسارات الأمّة وحركتها.

رابعاً يخطئ من يفكر بأنّ الإنسان الفلسطيني يتعب أو يرهقه طول السير، فهو يتجدد مع الأيام، يتمرد على الجراح والحزن، والأكثر من ذلك يستطيع أن يبدع القوة.. يجمع الأشلاء ليحولها إلى عملاق يتحدى.. يؤلف من دموع المحنة نشيداً متحدياً... ويحول الآهات صرخة ثورة. وهذا ما بينه الشهيد الياسين في مسيرة عطائه، وجاء من بعده رواد مدرسته ليسيروا في هذا الاتجاه، ويحقق نجاحاً تاريخياً تشهد له أرض فلسطين بجماهيرها ونخيلها ومساجدها، ولا حاجة بعد ذلك لمزيد شهود.

خامساً كان الإمام الياسين والقائد المقادمة وكما يفهم من تجربتهما ومن بعض الأحاديث الخاصة ـ يؤمنان بضرورة المبادرة القيادية عندما تكون مطابقة للحكم الشرعي، وأن العمل بالتكليف الشرعي هو ضمانة للمواصلة والاستمرار، وعدم الميل إلى تعقيد المشروع بالدراسات المستفيضة التي تقتله بحثاً ونقاشاً فإذا ما خرج إلى شمس الواقع خرج أرمدَ من كثرة ما أرهقه سهر النقاش. وهما في ذلك يؤمنان بأهمية التحرك والفعل الجماهيري.

فالأمّة ليست موضوعاً للنقاش والتأمل، إنما هي قوة بحاجة إلى استثمار وتحريك باتجاه الهدف المطلوب، ولا يحرك هذه القوة قائد النظرية فحسب بل قائد النظرية والتطبيق.

وخلاصة القول أنّ الياسين كان ظاهرة في العمل الإسلامي ومدرسة في الموقف القيادي، كما كان القائد الشهيد المقادمة ظاهرة رائدة ولدت في عصرها لتحدث التغيير في مرتكزات المفاهيم السائدة، وأخالف كل الذين يقولون أنّهما ولدا في غير عصرهما.

لقد صنع الياسين والمقادمة العصر الذي يريدان، وإذا بالشعب في فلسطين يفتح عينيه ليجد رافداً جديداً من العمل الرائد الأنمودج.