أزمة الانتماء في مصر

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
أزمة الانتماء في مصر

بقلم:عبدالخالق فاروق و محمد فرج

مركز الحضارة العربية

محتويات

مقدمة الناشر

يتعرض هذا الكتاب لأكثر من الموضوعات إثارة للجدل ليس فقط فى أوساط المشتغلين بالعمل السياسي أو الأكاديمي بل وفى أحادث وحوارات رجل الشارع العادي .

فمما لا شك فيه أن صورة المجتمع المصري قد تبدلت خلال العقدين الأخيرين بطريقة تكاد تكون جذرية ، فإلى جانب المتغيرات التي أصابت جوهر البناء الإقتصادى والسياسي وغيرت إلى حد بعيد من طبيعة البناء الإجتماعى والطبقي فقد حدث ما يشبه الانقلاب فى سلم القيم المجتمعية السائدة ، فتقدمت حزمة من القيم التي كانت تقليديا تعد سلبية المضمون لتحتل صدارة القيم السائدة بل والمفضلة لدى جمهرة الرأي العام .

وقد أثارت ، ولا تزال بالطبع ، هذه التبدلات جدلا واسعا فى كل أروقة المجتمع وكان من المنطقي أن يفسح مركز الحضارة العربية المجال أمام هذا الكتاب ليدلى مؤلفاه بدلوهما فى تفسير ما جرى فى المجتمع وتقصى أسبابه وتحرى مظاهره المختلفة ، وذلك بغض النظر عما قد يكون بهذا الصنف من آراء قد لا تعبر بالضرورة عن قناعات أو اتجاهات يتبناها المركز فى هذا الصدد وإنما لابد من إثارة الموضوع لأهميته البالغة البينة وإثارة الجدل حوله وإثراء المكتبة العربية به لافتقارها لتناوله ، ولإتاحة المجال لكل الاتجاهات قاطبة للتفاعل فيه والتعامل معه .

ونحن إذ نقدم للقارئ العربي هذا الجهد الكبير تحدونا ثقة كاملة فى أن تثير الآراء الواردة فيه ما تستحقه من حوار وجدل يدفعان أصحاب وجهات النظر المختلفة إلى إبداء ما يعتقدونه فى تفسيرهم للتحولات القيمية فى المجتمع .

لا سيما وأن موضوع القيم وتفسيرها يأتي فى طليعة الموضوعات الخلافية سواء بين المتخصصين الأكاديميين أو فى أوساط السياسيين .

فهناك من يرى أن القيم السائدة ترتبط إلى حد بعيد بالأوضاع الاقتصادية والطبقية بينما يذهب آخرون إلى القول بأن القيم تجسد أوضاعا أكثر ثباتا من البناء الإقتصادى والإجتماعى المتغير بطبيعته ، فهي تفصح عن جماع الخبرة التاريخية لأمة بالحياة ودروسها المستفادة ، وهى فى ذلك أكثر التصاقا بخصائص الشخصية الإقليمية كما تفصح عنها دراسات الجغرافيا السياسية .

وإلى أبعد من ذلك يعتقد فريق ثالث أن القيم ، بجوانبها الإيجابية والسلبية ، تبقى متعايشة داخل المجتمع وتتبادل فيما بينها مكان الصدارة ( القيم السائدة ) بحسب الظروف والمتغيرات التي يصادفها المجتمع بسبب العوامل الخارجية ( الغزو – العلاقات ) أو العوامل الداخلية من سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية أيضا .

وبالجملة فإن مكونات القيم وروافدها تبدو أكثر تعقيدا مما يظن حتى ليصعب النظر إليها بوصفها مجرد متغير تابع لعوامل أخرى ، إذ هي أيضا تسهم إلى حد بعيد فى تحديد قسمات المسار الإجتماعى حتى لتسمه بصفاتها المجتمعية الفارقة.

ومهما يكن من أمر الخلافات التي تنتظم حولها آراء المشتغلين بترسم منحنى السلم القيمى فى مجتمعنا فهذا الكتاب هو بلا جدال أحد أهم الإسهامات التي يمكن أن يطلع عليها القارئ العربي قبل أن تغرب آخر أيام القرن العشرين خاصة وأن المؤلفين لهما باع طويل ودور مشهور فى الجدل الفكري والسياسي الذي يحتدم فى مصر والوطن العربي مدار العقود الثلاثة الأخيرة .

مقدمة :الناشر

عشرون عاما... تكون الآن وقد مرت منذ أعلن الرئيس السابق ( أنور السادات) عن انتهاج الدولة فى مصر لسياسة الانفتاح الإقتصادى .

عشرون عاما.. هي فى عمر الشعوب والأمم تكاد لا تذكر فى مصر وفى العالم العربي اكتست ملامح مختلفة تناقضت فيها مقاييس الزمن وحسابات الحركة .

عشرون عاما.. تكثفت فيها المعطيات والمتغيرات ، وتاهت فيها الملامح والخطوط ودارت خلالها دوامات الأفكار ، وتصارعت عبرها الاتجاهات والثقافات واصطدمت فى أحيان كثيرة بالحديد والنار .

عشرون عاما.. تشكلت فيها خطوط الوطن من جديد .. وإن بصورة دامية وحزينة .

لقد جاءت الخطوط والملامح الجديدة أشبه ما تكون بلوحة سريالية أنتجتها قريحة مجنونة .

هنا .. وعبر كل لحظة ، كانت زوايا الرؤية غير مستقرة .. ولا مستمرة ، كل شيء قابل للحركة صعودا وهبوطا .. حلما وواقعا .

عشرات .. بل مئات الآلاف يتحركون فى هذا الاتجاه أو ذاك ينتظرون دورهم فى هذه الحركة الدائبة والمستمرة حتى لو كانت حركة من الثبات . . المهم أن هناك حركة أو حتى الوهم بالحركة .

وعلى هذا الإيقاع الهادئ أحيانا .. الصاخب أحيانا أخرى .. الهادر فى معظم الأحايين .

لعب من كان فى مخططهم أن تتداخل الألوان .. وأن تختلط المشاعر .. وباختصار أن تتوه المعالم بين الحق والواجب .. بين العدو والصديق وأخيرا بين الوطن ولصوصه .

هكذا لم تعد الرأسمالية عيبا فى مجتمع يئن من صرخات جائعة .

وبالمقابل لم تعد الاشتراكية فى المفهوم العام سوى توزيعا للفقر بقدر متساو .. ثم لم تعد الولايات المتحدة الأمريكية والغرب قوى استعمارية بل أصدقاء كأعز ما يكون الأصدقاء .

وأخيرا ..

سقط آخر المحرمات ، فلم تعد إسرائيل عدوا متربصا ، بل أبناء عمومة وأصحاب مصلحة فى تنمية المنطقة وتحضر أهلها ؟

وسط هذا الخضم الهائل من التيارات والمتغيرات صمت الناس ، وبصرف النظر عن قدرة الجهاز الإعلامي على التضليل والتحييد ، كان صمت الناس فى مصر وربما فى غيرها من شعوب المنطقة العربية مفزعا .. مفزعا .. وإن جاء تعبيرا عن واقع موضوعي يجسد تيارا من المشاعر والأحلام ، معلنا عن سمات عصر جديد جاء مع تفشى حلم علاء الدين النفطي منذ عام 1974 فصاعدا .

نعم .. كانت هناك مؤامرة واسعة ، شارك فيها أطراف عديدون ، مصريون وغير مصريين ، سعوديون وغيرهم .. أمريكيون وإسرائيليون ، هذه حقيقة يدركها الجميع الآن ، خاصة بعد اندلاع نيران الحرب المجنونة والمدفوعة على شواطئ الخليج العربي عام 1980 ثم حرب تدمير العراق عام 1991 فهنا الأدوار تحددت والأولويات كشفت عن الوجه القبيح لهذا النظام العربي أو ذاك ، وكشفت فى المحصلة النهائية عن مسرح العرائس العربية وامتدادات الخيوط الساحرة .

ولكننا نقول .. قبل هذا وبعده ، أن ثمة تطورا موضوعيا جرى خلال العشرين عاما الماضية على امتداد الرقعة الجغرافية العربية ، كان يدفع شعوبها نحو ما نسميه حالة " الاسترخاء النضالي " ثم نزولا إلى حالة " القبول بالهزيمة القومية دون معقب " هجرة الملايين من مواطني وعمال الأقطار العربية الفقيرة فى عصر النفط ( مصر ، سوريا ، لبنان ، فلسطين ، السودان ، تونس .. الخ ).

إلى تلك التي تراكمت على شواطئها الثروة الجديدة ، بقدر ما كان يؤدى إلى ميوعة البني الطبقية فى هذه المجتمعات بقدر ما صاحبه من نمو غير مسبوق ولا معهود فى الغطرسة الإسرائيلية والأمريكية .. والخط المنحدر يتجه إلى مالا نهاية .

تسوية الخطوة الكيسنجرية (1973) والحرب الأهلية الوحشية فى لبنان بهدف اقتراع الوجود العربي المقاوم (1975) والتدخل السوري لضرب نجاحات الثورة الفلسطينية والقوى الوطنية اللبنانية بالتدخل العسكري (1976) ومذابح المخيمات الفلسطينية ، فزيارة السادات المشئومة إلى القدس المحتلة (1977) فاتفاقيتا كامب ديفيد (1978) فالغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان وبداية تأسيس ما يسمى بالحزام الأمني لإسرائيل فى الجنوب .

ثم معاهدة السادات – بيجين (1979) فحرب الخليج والأصابع الأمريكية الخفية (1980) فضرب المفاعل النووي العراقي (1981) ثم الغزو الإسرائيلي الوحشي ل لبنان واحتلال عاصمته ( 1982) فالاعتداء الإسرائيلي الجوى على تونس وضرب مقر منظمة التحرير الفلسطينية فى حمام الشط ( 1985) فالقرصنة الجوية الأمريكية على طائرة مدينة مصرية (1985) ثم تدخل أطلنطي مباشر فى الخليج العربي وبطلب استغاثة مذلة من قطر على أرض تونس وبيد فرقة اغتيالات إسرائيلية .

وأخيرا وليس آخرا تدمير العراق عام 1991 وتقسيمه وحصار ليبيا وبداية تفتيت السودان وتجويع الصومال .

كل ذلك مصحوبا بدعم أمريكي وسياسي على أعلى مستوى وبوقاحة غير معهودة فى تاريخ العلاقات الدولية المعاصرة .

وبعد كل هذا .. فما زال الحكماء العرب .. كل حكام العرب يتخبطون ود الولايات المتحدة الأمريكية " ويناضلون " بكل جهد وتفانى للحصول على تأييدها .. أو حتى تحييدها ؟

نعم .. لوحة سريالية مجنونة .. بيد أن هذه ليست كل الخطوط والملامح الحزينة وإنما هي المظاهر العامة والخطوط العريضة فداخل هذه التفاعلات والملامح العامة ، يكمن الكثير مما هو حزين بدوره .. إنها سمات واتجاهات الأفراد وقيمهم الاجتماعية والأخلاقية .

فإذا كانت الأخلاق هي فى التعبير الأخير ، مشتقة من حقائق الوضع الإقتصادى الذي بلغة هذا المجتمع أو ذاك فإن التحليل العلمي للمظاهر العامة التي ذكرناها سوف يشار إليها باعتبارها نتائج ضرورية لجذور ومقدمات سابقة ، وإن عادت هذه المظاهر العامة لتغذى من مشاعر الإحباط الفردية ولتكرس من بعض تلك المقدمات والجذور .

ولكن .. كيف يتوقف التحليل العلمي أمام الظواهر بالرصد والتحليل لمعرفة المقدمات والجذور المسئولة عنها أو على الأقل لم تكن من القوة بحيث تتصدى لبوادرها وتوقف مداها المدمر على الأصعدة السياسية والثقافية والنفسية لشعوب المنطقة العربية ؟

هذا هو السؤال المركزي فى هذا الجهد البحثي الذي استمر لسنوات عشر أخذ بقدر ما تعلمنا نحن من خلاله .

ونبادر بالقول .

إن محاولتنا هذه تظل برغم كل ما بذلتاه لكي تأتى بتفسير اقتصادي واجتماعي لحالة الجزر القومية فى مصر الآن ، تظل مجرد محاولة ، قد يكون فضلها الوحيد أنها قد حاولت تأسيس هذا التحليل على جمع مفردات الواقع المعقد بصورة مستحيلة لكي نستخلص منه جملة مفيدة فحسب ، وهى بهذا المعنى تفتح بابا واسعا للمناقشة والحوار والاستكمال من جانب كافة القوى الوطنية لملامح البلاتوه الحزين ، وذلك كخطوة أولى نحو صياغة مشروع وطني وشعبي جديد يمسك بالحلقة الأساسية لأحداث ذلك التغيير المنشود .

نعود إلى سؤالنا المشكلة ، كيف حدث كل هذا ؟

ومنذ متى ؟

وإلى أين ؟

نقطة هناك فى مساحة الزمن ، وفى مساحة الذاكرة القومية ، تبدأ عندها صيرورة العذاب القومي ، قد نختلف فى رصدها وتأريخها .. هل هي دخول قوات الاحتلال الانجلو فرنسي إلى المنطقة ؟

هل هو نمط حكم محمد على فى مصر؟

أو ربما طول فترة الاحتلال العثماني بكل ما اتسم بعد ذلك به من وحشية وجمود ؟

هل هي الممارسة السياسية لأحزاب ما قبل 1952 ؟

أما أنها تأتى بعد ذلك عندما امتد حكم الضباط والعسكر مذ ذلك التاريخ وحتى يومنا الراهن تقلبت فيها الموازين وتبدلت خلالها الاتجاهات والبرامج ؟

بالقطع هناك نقطة .. وإلا لصدقنا تلك المقولة العنصرية والمغلوطة والتي ترى أن هناك ضعفا أصيلا فى الشخصية المصرية والعربية .

من جانبنا –وبعد قراءة فى التاريخ المصري الحديث – فقد اعتبرنا أن هذه النقطة تبدأ بظهور العسكر على مسرح السياسة المصرية – والعربية – أي منذ يوليو عام 1952 .

صحيح أن ما قبلها لم يكن لامعا وبراقا .

ولكن المؤكد الآن أن ما بعدها كان يثير الفزع والخوف لدى الكثيرين .. وبادئ ذي بدء ، فإن تحليلنا لا ينطلق من إدانة مسبقة للتجربة الناصرية وأسلوبها فى الحكم ولإدارة .. ذلك أن قراءة فى تاريخ العالم الثالث بعد الحرب العالمية الثانية تشير إلى الطابع الموضوعي لهذا النمط واتجاهه للسيادة والسيطرة فى مجتمعات لم يكتمل بنيانها الطبقي ومن ثم لم تتبلور التجسدات السياسية لهذه الطبقات وبخاصة الطبقة العمالية فيها .

إذا .. لماذا 23 يوليو عام 1952 بالتحديد ؟

قد يبدو ذلك غريبا لدى البعض .

مثيرا للحنق والضيق لدى البعض الآخر .. دافعا إلى الدهشة لدى الآخرين ، خاصة وأن القراءة الأولى للفصل الأول من هذا الكتاب تشير إلى أن هناك تقييما إيجابيا بصورة عامة يحمله الباحثان للتجربة الناصرية ولقائدها .

بيد أن جوهر هذا التقييم سوف يتوقف ليس عند حدود الإنجازات المادية والقومية التي حققتها هذه الحقبة التاريخية .

وإنما سوف يمتد من منظور تاريخي للتوقف بالتساؤل التالي :

ما هو الثمن النفسي لتلك التجربة على قطاعات واسعة من الشباب والفئات الحية والنشطة فى المجتمع من المنظور المستقبلي ؟

وبمعنى آخر ما هو نصيب التجربة الناصرية فيما نشهده حاليا من تفاقم مظاهر السلبية واللامبالاة بين فئات واسعة فى المجتمع المصري ؟

والتدقيق الجدلي لمسار هذه التجربة الغنية فى الكثير من جوانبها ، سوف يستخلص حقيقة مؤلمة كانت ولا زالت تمثل القاعدة التي تأسست عليها كل التطورات السياسية والاجتماعية فى مصر فيما بعد حقبة 15 مايو نقصد بها ملامح الخوف المعزز بغياب أية صلاحية سياسية خارج إطار الحزب السياسي الواحد والنظام الشمولي الذي جعل من شخص رئيس الجمهورية مصدرا لكل الصلاحيات والمبادرات والأفعال منذ ذلك التاريخ وحتى وقتنا الراهن وإن اختلفت الأشكال .

فدولة المخابرات كانت قد قطعت الطريق أمام تواصل شعبي حقيقي مع الخط السياسي والإعلامي للتجربة الناصرية وعدائها -الذي لا شك فيه – للاستعمار وإسرائيل .

وبالمقابل فقد ظلت التعبيرات السياسية والتجسدات التنظيمية للقوى الأكثر جذرية فى معاداتها للاستعمار وإسرائيل ( اليسار المصري ) أضعف كثيرا من هموم اللحظة وإيقاعات أحداثها المتلاحقة والمأساوية ..

وبرغم أن التباشير الأولى لسياسة الانفتاح الإقتصادى ، كانت تبشر باحتدام الصراع الإجتماعى فى البلاد بصورة غير مسبوقة ( مظاهرات عمال حلوان والمحلة فى يناير ومارس 1975) مما كان يفتح طاقة نور فى كتلة الظلام القادمة فى صحبة هنري كيسنجر ، فإن المعدل العكسي المتمثل فى الحقبة النفطية وهجرة ملايين المصريين والعرب أو حتى حلمهم الممتد للهجرة كان كفيلا بأن يجهض هذا الأمل – ولو إلى حين – وليضيف إلى حالة الميوعة الطبقية فى البلاد بعدا جديدا .

وإذا كانت الثقافة هي ذلك التيار أو التيارات من المشاعر والأحاسيس المدركة لدى فئات اجتماعية واسعة كما أنها المدركات الواعية والموجهة لدى فئات اجتماعية أضيق نطاقا ، فإن الإنسان المصري – وربما العربي أيضا – قد وجد نفسه فى تلك الحقبة التاريخية إزاء اتجاهين متصارعين كل منهما يمثل منحنى تغريبيا مدمرا ، يدفعانه إلى الانفصال والانفصام عن الاندماج فى قضاياه الوطنية والقومية وتكريس مظاهر حصاره النفسي داخل دائرة الثروة الفردية المحققة فعلا أو المرغوب فيها .

ومن هنا ، وجدت الدائرة الانشقاقية الشريرة ، رافدا جديدا للاستمرار والتواصل . فمن جهة برز التيار البراجماتى المستند إلى مفهوم السوبرمان الأمريكي والمعزز بطاقة اختراق هائلة وبيئة صالحة لاستقباله وعبرت عن ذلك وسائل الإعلام المصرية المسموعة والمقروءة والمرئية وبخاصة الهدم المنظم ( التليفزيون ) .

يكفى فى هذا المجال مراجعة حجم ومضمون الحملة الإعلامية التي صاحبت زيارة كيسنجر ونيكسون للقاهرة منذ عام 1973 وحتى الآن لنكتشف مدى التضليل والتزييف الواسع المدى الذي تعرض له وعى وعقل الإنسان المصري بهدف زرع قيم ومفاهيم الارتباط بالغرب الإمبريالي والطموح لتقليده واللهاث وراءه .

وعلى الجانب الآخر اندفع التيار السلفي ( الإسلامي ) بفعل الدعم والمساندة المادية والمعنوية التي تلقاها من مراكز الثروة الجديدة ( أقطار الخليج ) معززا سطوته كل يوم من جراء الفشل المزدوج الذي أصاب السياسات الحكومية والتيارات اليسارية على حد السواء وطرح هذا التيار السلفي الجديد رؤية ظلامية للثقافة الإنسانية مصحوبا بدعوة للنزوع الأخروي فى وقت انغمس فيه كبار أنصاره ومريديه فى ملذات ومداخل الحياة الدنيا ..

بل إن المراقب عن كثب لمخرجات آلة الطباعة المصرية والعربية خلال تلك المرحلة سوف يلاحظ مدى غلبة الطابع السلفي على الثقافة العربية ، وسوف يجد المرء نفسه إزاء جملة من الأطروحات المعادية والنافية للعلم من حيث كونه علما حتى لدى هؤلاء الذين ينظر إليهم باعتبارهم أنصار للفكر المستنير فى أوساط هذه التيارات السلفية .

لقد كتب أحدهم قائلا " إن القصور فى تعاليم الصليبية ونسيانها للمعهد القديم جعل العلوم الإنسانية تنشأ لتسد الفراغ الواقع فكانت علوم النفس والاجتماع والاقتصاد والسياسة " ( محمد الغزالهموم داعية ص 93 ) – هكذا ينظر هؤلاء إلى العلم وتطوره والمعرفة الإنسانية ومسارها .

هكذا أصبح الإنسان المصري محاصرا بين المثلث الجهنمي المتمثل فى نموذج السوبرمان الأمريكي عبر وسائل الإعلام الحكومية من جهة والرؤية الظلامية السلفية الدينية من جهة أخرى وأخيرا ثروته الموجودة أو المرغوبة . ووسط هذه التيارات من الأفكار السابح وسطها هذا الإنسان كان كل شيء يدفعه دفعا إلى حالة من الانتحار المعنوي والإغراب الإجتماعى والقومي .

وفى مجال السلوك ، كان من الطبيعي أن ينعكس ذلك التغيير الموضوعي ، على الذات الفردية للإنسان المصري – والعربي عموما – حيث تشير كل المظاهر إلى تنامي مشاعر " الأنا " والنزوع الفردي المصحوب بهروبية مفزعة ومدمرة لكل القيم الجماعية التي استقرت فى الوجدان المصري والعربي لعقود طويلة ماضية .

والمتابع عن كثب للوقائع الفعلية للحياة المصرية والعربية وما يتاح منها للنشر – وهى محدود قطعا بالقياس بالمساحة الحقيقية للواقع – سوف يجد أننا دوما إنسانية يحياها شعب بأسره يمتد من المحيط حتى شواطئ الخليج .

فحالات التفكك الأسرى فى مصر الواضحة للعيان ، والغش الجماعي والفردي فى النظام التعليمي وسيادة مفاهيم الفهلوة والشطارة وقيم المضاربة والمقامرة المدعومة من أجهزة الإعلام الحكومية ( فوازير رمضان مثلا ) وبالمقابل تدهور قيم العمل المنتج وانتشار البغاء الفكري والجسدي كلها مظاهر منعكسة لحالة من الصراع الإجتماعى المفتقد إلى قنوات إيجابية للتغيير الجماعي .

يكفى للتعرف على عمومية الظاهرة المرضية أن نشير إلى المصاحبات الكوميدية لأكثر الحوادث درامية فى التاريخ الحديث ، فبينما كانت بيروت تتعرض لحصار إسرائيلي لم تشهده صراعات المنطقة من قبل من حيث القسوة والوحشية ، كانت الشعوب العربية جميعها – ربما دون استثناء جاد – مشغولة عن بكرة أبيها بالحادث الأكثر أهمية وهو مشاهدة مباريات كأس العالم لكرة القدم المنعقدة فى العاصمة الأسبانية " مدريد.

وفى نفس اللحظة تقريبا التي كانت بيروت الغربية المحاصرة تتعرض لأبشع قصف جوى وبحري وبرى إسرائيلي ( الخميس الأسود ) كانت جماهير الجزائر ذات المليون شهيد تستعد للخروج فى مظاهرة احتجاج عارمة ضد المحكم الرياضي الذي لم يحتسب ضربة جزاء للفريق الجزائري الوطني وأخرجه بالتالي من البطولة الرياضية .

وفى مصر ، كان المناخ العام الذي أشرنا إليه منذ قليل ، ومع تزايد حدة الأزمة الاقتصادية فى المجتمع ، أن أدى بدوره إلى اتساع رقعة الأنشطة الإجرامية والتشكيلات العصابية الخارجية عن القانون ، وشملت الظاهرة فيمن شملت أبناء فئات اجتماعية لم تكن من قبل تدخل فى دائرة نشاطها ..

وعزز من سيادة هذه القيم الإنسانية تفشى حالات القمع السياسي لقوى المعارضة السياسية ، وزيادة حالات التعذيب الجسدي للمعارضين خاصة اليساريين والجماعات الدينية منذ مطلع عقد الثمانينات لتصبح سمة من سمات نظام الحكم .

نقول عززت هذه الممارسات من نزوع الإنسان المصري نحو العزلة والخوف واللامبالاة والانطواء بعيدا عن المساهمة فى العمل العام .. ومن ثم محاولة الهجرة بعيدا بعيدا إلى حيث تستطيع الأقدام أن تبتعد وإلى حيث تتمكن الروح أن تهرب .

كما ساهمت حالات الفساد السياسي والنهب الذي تزايد وتكثيف مشاعر الانطواء لدى فئات واسعة من المصريين واستقر فى وجدان الكثيرين مصداقية الأمثال الشعبية القديمة " حاميها حراميها " و" المياه لا تصعد إلى العالي " إلى آخر تلك القيم السلبية عموما .

كان لابد لكل هذا أن ينعكس فى مرمى البصر السياسي للقوى السياسية المختلفة على الساحة المصرية سواء تلك التي نالت – لاعتبارات متعلقة بالنظام الحاكم فحسب – حظا بالاعتراف الحكومي بها أو القوى السياسية غير العلنية والتي لم تحظ بعد بالاعتراف القانوني والرسمي .

فجاءت برامجها عموما ورؤاها السياسية قاصرة عن فهم التطورات الجارية فى جوهرها وعن رصد اتجاهات الحركة المستقبلية .

وهكذا خلت السياسة المصرية بصورة تكاد تكون تامة ، من وجود فصيل سياسي قادر على طرح الساحة السياسية المصرية بصورة تكاد تكون تامة ، من وجود فصيل سياسي قادر على طرح منظور مستقبلي لإنقاذ الوطن من محنته يكتسب مصداقية ويجسده التفاف جماهيري مناسب وفعال .

صحيح أن هناك أفكار وبرامج ورؤى ، ولكنها ظلت أسيرة لمفاهيم غير تلك التي تحكم حركة الأفراد فى عصر الانفتاح والنفط .

فى أقصى اليمين كانت الجماعات الدينية والسلفية بكل عنفوانها وسطوتها ، عاجزة عن أن تخرج عن دائرة نفوذها العشائرية والإقليمية فى أقصى جنوب الوادي وفى بيئة عانت من الحرمان التاريخي ولا زالت .

وبالقطع فإن صدام فصائل هذا التيار ( خاصة الانقلابيين ) بجهاز الدولة المصري لم تكن تسير وفقا لبرنامج واضح لحل مشاكل الوطن وفقرائه وهكذا ظلت الجماعات الدينية بكافة تياراتها ( الإخوانالجهادالجماعة الإسلاميةحزب التحرير الإسلامي .. الخ ).

مجرد محاولة للتبلور حول معطى ديني بالأساس فى عصر تاريخي تتخذ فيه القيم الجمالية والأخلاقية طابع متغير على الدوام .

ومن ثم فإنه لم يكن ليدون طويلا حالة الانتعاش والابتهاج التي أصابت أفراد هذه الجماعات بعودة حكم الخليفة والأئمة فى طهران عام 1979 فما هي إلا شهور وسقطت أول تجربة معاصرة من هذا النوع فى اختبارات الصلاحية الإنسانية وأخذت هذه الجماعات فى التراجع عن تأييدها والتهليل لها ( مجلتي الدعوة والاعتصام ) معتذرة باختلاف العقائد بين أهل السنة والجماعة وأهل الشيعة .

وبرغم ما حققته بعض من هذه الجماعات ( الإخوان المسلمين ) من نجاحات سياسية أحيانا بفعل بساطة شعاراتها وابتكارها فى أساليب الدعاية والتنظيم ، فإنها قوة فاشية شهدها التاريخ الإنساني الحديث ، كان محكوما عليها فى الأجل الطويل بأن تظل إحدى القوى السياسية دون أن تكون أكثرها تأثيرا .

ولا شك أن الرصد الإجتماعى لظاهرة صعود التيار الديني فى مصر ، سوف يكشف طابع العلاقة الجدلية بين توسع النفوذ السياسي والفكري بهذا التيار وبين تمدد الفئات البينية فى البورجوازية الصغيرة المصرية خلال المرحلة الأولى من الانتعاش النفطي ( 74 – 1981 ) كما ساهمت عوامل أخرى عديدة ومتداخلة فى تغذية ذلك النزوع اليميني عموما فى المجتمع بعضها استهدفته قوى اجتماعية فى الداخل وبعضها الآخر نشطت فى تأثيره قوى إقليمية ودولية ارتبطت مصالحها باتجاه بندول السياسة المصرية – وهى مركز كل التحولات العربية – إلى اليمين شيئا فشيئا وأخيرا كان بعضها مرتبطا بانحسار النفوذ الفكري لقوى اليسار المصري واستغراق معظم فصائله وسلفية من نوع آخر وخطير .

والمراجع لأدبيات هذه الفصائل سوف يدهشه ذلك التكرار المزعج فى المقولات والمفاهيم وتلك الدوجما المسيطرة على أطروحاتها ، فلم نشهد تشريحا اجتماعيا وطبقيا مبدعا لجوهر هذه التحولات القادمة مع عصر الإنفتاح والنفط .

ولم تستطع هذه الفصائل على صعيد الممارسة التنظيمية والجماهيرية أن تحقق اشتباكا جادا مع القوى الاجتماعية الأكثر تعرضا لمخاطر السياسات الجديدة للحكم واتجاهاته خاصة الطبقة العاملة ، ومن ثم ظلت هذه الفصائل محاصرة فى دوائر وصفوف طلابية وبرجوازية صغيرة محدودة التأثير والفاعلية وباختصار فإن القصور الذاتي لقوى اليسار طوال عقدي السبعينات والثمانينات كان قد اندمج بدوره فى هذا الظرف الموضوعي الذي يمر به المجتمع المصري وطبقاته ليصبح جزءا من الأزمة العامة .

وبين هذا وذاك تعددت القوى وتداخلت الأفكار ( التجمع – العمل – الناصريون – الوفد ) والنظام القاسم المشترك بينها هو " الحفاظ على شعرة معاوية " بينها وبين النظام والحكم أملا فى تمثيل سياسي مناسب لهذا الطرف أو ذاك فى مؤسسات الحكم وإتاحة قدر من الحريات السياسية تسمح لها بالحركة الجماهيرية بعيدا عن الرقابة المشددة التي تمارسها أجهزة الأمن والاستخبارات ، وتشل بالتالي حركتها ومبادرتها الجماهيرية .

وفى ظل العجز السياسي العام ، أو الركود السياسي بتعبير آخر ، وفى ظل مناخ من الهزيمة والانكسار القوميين تعززه كل يوم ممارسات إسرائيل العدوانية والقبح الأمريكي أخذت مظاهر العنف السياسي تتسلل إلى المجتمع المصري واتخذت هذه المرة أشكالا تنظيمية مستقلة ( الحركة الشعبية اليسارية – تنظيم الجهاد الديني – منظمة ثورة مصر الناصرية – التنظيم الناصري المسلح – الناجون من النار ) تنهج أسلوب الكفاح المسلح وذلك وسط تيار من التعاطف الشعبي المتسع المدى والمتصاعد إلى الذروة فى حالة منظمة ثورة مصر ، مما لا يخفى دلالته السياسية على المحللين والمهتمين بالتطور السياسي فى البلاد .

إذا ..

ما الذي يحمله المستقبل فى جعبته لمصر وبالتالي للعرب ؟

هل مزيد من الاغتراب وافتقاد الهوية والهزيمة القومية ؟

يبدو لنا أن هذا الفرض – برغم أننا نعيشه حاليا – إلا أنه ضد حركة التاريخ بكل ما تحمله الكلمة من معنى .

فلم يشهد التاريخ – على حد علمنا – انزواء قومية بمثل هذه الصورة ولصالح نموذج أكثر رجعية وأقل تحضرا بمنظور الصراعات التاريخية الكبرى .

وبرغم أوجه الشبه العديدة بين المشروع الإستيطانى الأنجلوسكسونى فى مطلع القرن السابع عشر فى القارة الأمريكية وإسرائيل كمشروع استيطاني استعماري فى المنطقة العربية إلا أن هناك نقاط فارقة تجعل من المستحيل أن تكتمل صيرورة هذا الأخير كالنموذج الأمريكي والأوروبي فى الأمريكتين .

فإذا كان الأول مدفوعا باضطهاد دينا قد ذهب إلى موطن الذهب والثروة الجديدة ، فإن الأخير هو محاولة للتبلور والاستمرار حول المعطى الديني بالأساس .

وإذا كان الأول مشروعا حضاريا رأسماليا فى بيئة كانت تعيش فى علاقات إنتاج بدائية فإن الأخير قد جاء كمشروع رأسمالي فى بيئة كانت تترسخ فيها كل يوم علاقات الإنتاج الرأسمالية .

وهكذا فإن الأول كان منسجما مع إيقاع عصره ، وكان غازيا بالجديد والمتقدم أما الأخير فإنه وليد مشوه للماضي آتيا معه بكل وحشية هذا الماضي ليزرع بذور العنف والقسوة وليحصد هو وحده حصادها المر .

وبالتالي فليس من المقرر أن تستمر الضياع القومي والهزيمة القومية طويلا .. ولكن ماذا إذا كانت هذه الحالة هي وليدة حماية أنظمة سياسية واجتماعية عربية ؟

ها تتداخل مهام التغيير الإجتماعى بقضايا التحرر الوطني ، فليس من المتصور أن تنكسر تلك الحلقة الشريرة فى غياب هانوى عربية – على حد تعبير القائد الفلسطينية البارز جورج حبش – ولا يمكن فى ظروف صراع معقد كالصراع العرى – الصهيوني بتداعياته الدولية والتدخلات الإمبريالية أن تصمد هانوى عربية واحدة فربما يستدعى الأمر أكثر من هانوى عربية . الاحتمالات مفتوحة .. وطاقة الشعوب عندما تتفجر فلا يدرى أحد حدود عطائها .

يبقى فى هذه المقدمة المطولة نقطة تحتاج إلى بعض السرد والإيضاح ، نظرا لما تمثله من معنى خاص لدى كاتبي هذا المؤلف والخاصة بالأسباب التي أدت إلى تأخر إعداده وإصداره لأكثر من عشر سنوات كاملة بسبب من ظروف الاعتقال التي طالت أحدنا عام 1985 وعام 1989 والأوضاع المعيشية غير المواتية التي أصابت الآخر فقد جاءت فكرة هذا الكتاب بداية منذ عام 1979 .

حينما تولى الزميل عبد الخالق فاروق إصدار دراسته " الإنفتاح الإقتصادى والجرائم الاجتماعية " المتضمنة بنشرة جماعة الدارسات السياسية والاقتصادية " التي كان قد ساه فى تأسيسها مع آخرين بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية فى العام السابق مباشرة .

ثم أدخلت عليها بعض التعديلات ، وتم نشرها بمجلة شؤون عربية التي كانت تصدرها وحدة المجلات بجامعة الدول العربية بتونس ويتولى رئاسة تحريرها وقتئذ الأستاذ الدكتور أنيس صابغ تحت عنوان " الآثار الاجتماعية للانفتاح الإقتصادى .. دراسة فى نسق القيم والمفاهيم " وذلك فى شهر نوفمبر من عام 1981 .

وبعدها بفترة تولى الزميل محمد فرج نشر دراسته الأخرى بعنوان " أزمة الانتماء فى مصر " فى عدد مارس من عام 1984 فى المجلة غير الدورية " موقف " التي كان هو أحد القائمين عليها وقت ذاك .

ثم توالى بعد ذلك نشر بعض الدراسات لكلينا حول هذا الموضوع فى بعض الدوريات العلمية ( المنار – قضايا فكرية – شؤون عربية ) واستدعى الأمر بفعل ذلك الاهتمام المشترك بالموضوع الاتفاق على صيغة علمية تسمح لنا باستكمال التحليل الإقتصادى والإجتماعى فى البلاد وهكذا جاءت فكرة الكتاب فى أواخر عام 1984 تقريبا .

وقد أدى نشر مباحث من الكتاب فى بعض الدوريات العلمية الإشارة إليها إلى تحديد منطقي لتقسيم موضوعات البحث وإجراء توسعات فى بعض أجزائه .

وبهذا انفرد الزميل / محمد فرج بعرض الفصل الأول ( باستثناء المبحث الرابع ) والرابع والخامس ( باستثناء الأجزاء الخاصة والمسرح والصحافة والتليفزيون ).

وقد تولى الزميل/ عبد الخالق فاروق الفيصل الثاني والثالث والسادس علاوة على الأجزاء الإضافية من فصول الزميل محمد فرج .

والحق أن مشكلة الواقع الإجتماعى وجوهر هذا الجهد البحثي قد عبرنا عنها فى صياغة عبارتي " التجريف الإجتماعى " و" التبلور الطبقي " كقطبي الحركة ولعلى أؤكد أن هذه الصياغة البسيطة قد لخصت فى عبارتين مفهومنا المشترك لجدل حركة الواقع الإجتماعى فى مصر الآن وفى المستقبل المنظور .

ولا يسعنا فى ختام هذه المقدمة سوى أن نقدم خالص الشكر وتقديرنا لتلك الجهود التي بذلها بعض أساتذتنا وأصدقائنا فى قراءة مخطوطة هذا الكتاب وإبداء الرأي والملاحظات بشأن بعض فصوله ، وبرغم ما كان يستدعى ذلك منا إعادة النظر فى بعض أجزاء الكتاب عملا بالكثير من هذه الانتقادات وتجشم عناء إعادة صياغة فصول بكاملها فإنه على أية حال كان مصدرا لسعادتنا وترحيبنا .

ولعلنا لا نستطيع أن نوفى كل هؤلاء حقهم من الشكر والتقدير ، خاصة أن القائمة قد تطول لتستغرق صفحات بكاملها ولكنا نخص بالشكر الزميل الصديق محمد نور الدين على تلك القراءة الدقيقة والحريصة لسطور المخطوطة والتعليق على الكثير منها كما نتوجه بالشكر إلى الأستاذ الدكتور / فؤاد زكريا الذي حالت ظروف سفره دون قراءة بقية فصول الكتاب وكان لملاحظاته دورها الكبير فى إعادة صياغة بعض المفاهيم والتوقف بالمراجعة عند بعض المصطلحات .

أما أستاذنا الدكتور/ محمد دويدار فقد كان لتشجيعه لنا منذ بداية نشر بعض مباحث هذا الكتاب عامي 1978 و 1981 دوره البالغ الأهمية فى الاندفاع بالفكرة حتى صورتها التي بين أيديكم ولا يفوتنا أن نوجه الشكر والتقدير إلى أستاذنا الدكتور جلال أمين على ما استقطعه من وقته الثمين فى قراءة مخطوطة الكتاب وإبداء الكثير من الملاحظات والتي أخذنا بها .

أما الصديق الأستاذ على عبد الحميد رئيس مركز الحضارة العربية فقد تحمل مشكورا عناء المخابرة بطبع كتاب بهذا الحجم وبهذه التكلفة فى ظل مناخ غير موات ثقافيا وسياسيا فى مصر ، لأسباب لعل هذا الجهد يحاول أن يجد تفسيرا لبعضها .

كما نتوجه بالشكر إلى الأستاذ محمود عبد الحميد الذي كان لحرصه وجديته دورها فى الانتماء من طباعة هذا العمل وكذلك الأستاذ جمال فاروق الذي عانى فى مراجعة المخطوطة .

فلهم جميعا ولكل الرفاق والأصدقاء الذين قرأوا المخطوطة فى بعض مراحلها وأبدوا ملاحظاتهم فى تلك المسيرة الشاقة خالص شكرنا وتقديرنا وإن كان ذلك لا يعفينا وحدنا من أية أخطاء أو قصورات تكون قد تسربت من تحت أيدينا هنا أو هناك .

المؤلفان

الفصل الأول : التطور التاريخي لأزمة الانتماء فى مصر

" لقد عقدت اتفاقا مع شعبي يتكلمون بموجبه على هواهم وأتصرف أنا على هواي "

فردريك الكبير قيصر روسيا

المبحث الأول : الانتماء قبل عام 1952 : لمحة عامة

تبلورت مشاعر الانتماء الوطني فى مصر – والعالم العربي – فى القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين فى ظل مواجهة حادة مع الحملات الاستعمارية الأوربية – الفرنسية والبريطانية وتجسدت بشكل جلي فى ثورتي القاهرة الأولى والثانية ، كما بلغت إحدى قممها فى الثورة العرابية وعكست التجسدات الفكرية والثقافية فى ذلك الوقت شكلا من أشكال البلورة الفكرية لمشاعر الانتماء فى المجتمع المصري ، كما وجد ذلك التجسد والتبلور استمراره فى التيار الفكري للحزب الوطني بقيادة مصطفى كامل و محمد فريد بعد ذلك .

وكانت ثورة الجماهير المصرية فى عام 1919 ، ثم ثورات العمال والطلبة فى الثلاثينات والأربعينات التي بلغت قمة تجسدها فى اللجنة الوطنية للعمال والطلبة ، ثم الكفاح المسلح ضد ثكنات جيش الاحتلال البريطاني عام 1951 .. الخ.

تعبيرا عن نقله كيفية جديدة تبلورت فى إطارها التجسدات الجديدة لمشاعر الانتماء للوطن فى مصر .

وقد انعكست هذه النقلة الكيفية الجديدة من ذلك التبلور الصريح للنمو الرأسمالي فى المجتمع المصر ، خاصة فيما بين الحربين الأولى والثانية العالميتين كما عكس ذلك النمو الرأسمالي نفسه فى مظاهر من التمايز الطبقي اتخذت أشكالا حزبية ونقابية وجماعات ثقافية فصاغ بذلك أرضا جديدة – اجتماعية – لانطلاق مشاعر الانتماء للوطن .

وكان معنى ذلك أن مشاعر الانتماء الوطني المعادية للاستعمار بين جماهير مصر فى ذلك الحين وهى أعمق وأوسع من مجرد التجسدات الفكرية للوعي القومي – قد بدأت تكتسب أبعادها الطبقية – الاجتماعية التي انبثقت منها كافة التجسدات الفكرية والسياسية التي تنازعت الواقع المصري فى ذلك الحين وإن كانت قد ظلت محاصرة بدرجة التطور التي كان يمر بها المجتمع المصري أي بظروف وعلاقات فترة انتقالية تتمثل فى درجة النمو الرأسمالي فى مجتمع مستعمر كما كانت بالتالي خاضعة للسيادة الفكرية والسياسية لبرجوازية ناشئة ترتبط بأعمق الروابط بكبار ملاك الأراضي ، ولكنها نشأت في ظل وجود الإحلال الأجنبي الذي يعرقل تطورها ونموها المستقل فتنازعها الرغبة فى الاستقلال بالسوق والسلطة وخشية الجماهير التي تتصاعد حركتها فى نفس الوقت .

وقد قام هذان القطبان اللذان يتنازعان البرجوازية المصرية بصياغة الملامح العامة لسلوكها الوطني تجاه القوى الاستعمارية فأكسبها هذا السلوك – ملامحه التهادنية الإصلاحية التي تتعلق بأوهام الاستقلال باللعب على التناقضات الدولية واستبعاد حركة الجماهير وشل تنظيماتها .

ودخلت البرجوازية المصرية – فى ذلك الوقت – فى تناقض حاد داخل دائرة الاستقلال والتبعية ، كان من نتيجته فشل الأحزاب البرجوازية قبل 1952 فى حل المسألة الوطنية المحتدمة لصالح الاستقلال .

وانعكس ذلك – بالضرورة – على مشاعر الانتماء القومي بين جماهير السكان فى مصر ، بصورة أدت إلى تنامي الوعي بالانتماء الطبقي داخل دائرة الوعي بالانتماء القومي المعادى للاستعمار .

وقد بدا ذلك واضحا فى تنامي الأطروحات الاجتماعية – كالإصلاح الزراعي مثلا – وتنامي الأفكار الثورية البرجوازية الصغيرة والعمالية .

وقد ساهم هامش الديمقراطية ونظام الأحزاب فى التنامي رغم قيود الوجود الإستعمارى وفزع البرجوازية المصرية من حركة الجماهير ، وقيود الحكم الملكي على الديمقراطية الليبرالية نفسها فى ذلك الوقت .

وعلى قاعدة من هذه الأرض الموضوعية كانت حركة الجيش المصر فى يوليو 1952 بعد ما يقرب من أربعة أعوام على حرب فلسطين وشهور قليلة على حريق القاهرة .

وتنتمي ثورة الجيش في يوليو 1952 على تلك الدرجة التي وصلت إليها مشاعر الانتماء الوطني المعادى للاستعمار فى مصر بكل ما يحيط بهذه المشاعر من فشل برجوازي متمثل فى سلوك الأحزاب البرجوازية القديمة وبكل ما يدعم هذه المشاعر من وعى اجتماعي وليد ومعنى ذلك أن فكر قادة يوليو – الذي تجسد فى البداية فى الشعارات ذات النقاط الست كان تعبيرا عاما عن درجة النمو التي بلغتها قدرة الطبقات الاجتماعية ومنظماتها السياسية والفكرية والتي لم تكن بقادرة على حسم الصراع الإجتماعى والسياسي بصورة نهائية لصالح إحداهما .

ومن الناحية التاريخية فإن حركة الجيش فى يوليو 1952 رغم أنها كانت فى أحد جوانبها نتاجا لأزمة البرجوازية المصرية ( العاجزة عن حل قضية الجلاء ) فإنها قد قامت بحل أزمة البرجوازية وقامت فى نفس الوقت بعرقلة حركة الجماهير التي كانت آخذة فى التبلور والنمو بقيامها بكبح مظاهرا لوعى الطبقي المستقل التي كانت تكسب مشاعر الانتماء للوطن أبعادها الاجتماعية العميقة .

إن الدرجة التي كانت تصنع حالة الغليان فى المجتمع المصري ، والناتجة من حدود العلاقات الاجتماعية والحركة السياسية فى البلاد ودرجة النفوذ أو العزلة للأفكار التي كانت تتنازع المجتمع كانت لابد أن تطبع حركة انقلابية بالطابع الذي أفرزها وولدها أي الطابع البرجوازي الذي حدد سلوكها السياسي والفكري تجاه طبقات المجتمع .

ولكن هذا الوضع التاريخي نفسه كان قد أكسب ثورة يوليو كحلقة خاصة بسلطتهم وضعا " بونابرتيا " يكاد يقف فوق الطبقات الاجتماعية يوجه النضال نحوها جميعا بدء بكبار ملاك الأرض وانتهاء بالطبقة العاملة وتجسد وعيها الفكري والسياسي .

إن سمة هامة من سمات وانتماءات وعلاقات الكوكبة التحى قادت حركة الجيش فى يوليو 1952 قد ساهمت فى إحاطة وضع السلطة الجديدة بملامحه البونابرتية الخاصة .

فقادة يوليو الذين ينتمون فى معظمهم إلى أصول برجوازية صغيرة والذين كانت وسيلتهم فى الثورة على النظام القديم تتمثل فى الانقلاب العسكري ولا تعتمد على حزب جماهيري ثوري ، لا يرتبطون بوشائج عميقة بأفراد الطبقة البرجوازية ولا بتجسداتها السياسية ( حزب الوفد على سبيل المثال ) ولكنهم فى نفس الوقت كان لا يمكنهم تمثل حركة البرجوازية الصغيرة الثورية لظروف موضوعية عميقة تجعلهم فى نفس الوقت يمثلون إحدى حلقات الثورة البرجوازية فى مصر ويعبرون بالتالي عن الأهداف الأساسية للبرجوازية المصرية التي كانت قد نمت وتمحورت أهدافها حول الاستقلال بالسوق والسلطة .

لقد مكنت تلك السمة المذكورة – الانقلاب العسكري وعدم الارتباط بأفراد الطبقة البرجوازية – سلطة يوليو من اكتساب نوع من الاستقلال النسبي وتحررها من الارتباط بالبرامج التنفيذية والتوجهات السياسية المباشرة للطبقة البرجوازية الكبيرة .

ٍوقد عكس هذا الاستقلال النسبي لسلطة يوليو نفسه على مجمل سلوكها التالي وخاصة بعد انتهاء الغزو الثلاثة لمصر وتأميم شركة قناة السويس وخلق أوضاعا طبقية وسياسية جديدة كان لها أعظم الأثر على مشاعر الانتماء فى مصر .

المبحث الثانى : الانتماء فى عهد جمال عبد الناصر

مما لا شك فيه أن النجاحات المبكرة لثورة يوليو كان لها أعظم الأثر على مشاعر الانتماء بين جماهير مصر فإحساس عارم بالكرامة الوطنية ، وبحب الوطن قد تفجر لنجاح كوكبة يوليو فى الاستيلاء على السلطة وطرد الملك ثم توزيع بعض أراضى الإصلاح الزراعي على الفلاحين والمعدمين وقد عبر هذا الإحساس عن نفسه أثناء الغزو الثلاثي لمصر حيث الرغبة الحقيقية الجارفة بين الجماهير فى فداء الوطن ببذل الدماء .

وقد ساهم وجود إسرائيل كرأس حربة للاستعمار من إحدى الزوايا وسقوط سلطة يوليو تجاه طبقات العمال بإخراج مظاهراتها بهدف حل أزمة الحكم فى مارس 1954 وإلغاء نظام تعدد الأحزاب ، كانت فى مجملها عناصر مبكرة جدا تضرب بعمق فى الأعماق الاجتماعية لمشاعر الانتماء للوطن وتدفع بها داخل دائرة المفهوم البرجوازي .

وساهم الخطر الصهيوني فى الدفع نحو هذا الاتجاه ليسيد من مفهوم السلطة للشعور بالانتماء من خلال وحدة وطنية لا طبقية تتصدى للخطر الخارجي .

وتكلفت الظروف الموضوعية بعد حرب 1956 بإنجاح ذلك المفهوم وترسيخه بين جماهير السكان فقد أفرزت إجراءات سلطة يوليو الأساسية ، الإصلاح الزراعي الأول وعمليات التمصير ثم التأميم ، فئة طبقية جديدة تكونت لها مصالح برجوازية خاصة بها لتستمدها من سيطرتها على السلطة السياسية بعد أن أصبح فى حوزتها ثروة عامة تكونت من السيطرة على الأرض التي لم توزع وبنوك المال الأساسية التي مصرت وحصة الأجانب فى عدد من الشركات الصناعية والزراعية ثم هذه المصانع والشركات نفسها بعد تأميمها مع المجموعة الرأسمالية لبنك مصر بعد ذلك .

وقد أصبحت هذه الفئة الطبقية البرجوازية ذات قوة وباس شديدين على مستوى السيطرة السياسية والاقتصادية وجدير بالذكر أن القوة السياسية لتلك الفئة لم تكن لتستمد من أنى تنظيم سياسي –الإتحاد القومي أو الإتحاد الإشتراكى مثلا – بقدر ما كانت تستمد من السلطة وأجهزتها مباشرة ومدعومة بتعاطف جماهيري واسع .

وهذا ما يدفعنا إلى القول بأن هذه الفئة الجديدة الحاكمة لم تصنع سطوتها السياسية على المجتمع وسيطرتها السياسية على الجماهير بالقمع البوليسي وحده وإن كان ذلك القمع قد قام بدور لا يمكن إنكاره فى تدجين مشاعر الانتماء ومفاقمة الانكفاء على الذات بعد ذلك .

إن الظروف التي تشكلت فيها تلك الفئة البرجوازية الجديدة بما صاحبها من إجراءات اجتماعية هي التي صاغت إمكانيات النجاح النسبي فى صياغة مشاعر الانتماء وفق ما تبتغى وما تريد .

فلم تلجأ هذه الفئة – ومفكروها – إلى انتهاج أسلوب الوعظ الأخلاقي لصياغة وجدان الإنسان المصري بقدر ما كانت الظروف الموضوعية تقوم بنفسها بذلك الوعظ وإن كانت السلطة قد صاحبت الإجراءات الاجتماعية بضجيج ( اشتراكي ) على الصوت .

لقد نجحت السلطة الجديدة فى استثمار نهوض الوعي القومي الذي نما فى مواجهة الاستعمار البريطاني قبل عام 1952 ثم ازدهار هذا الوعي بعد حرب 1956 بعد أن خلصته من مقومات الوعي الطبقي المستقل الذي كان قد بدأ ينمو أيضا قبل عام 1952 .

ولعل ذلك النجاح فى استثمار نهوض الوعي القومي وإنهاضه بعكس التقاء تلك الحاجة الموضوعية لدى تلك الفئة الجديدة الصاعدة التي تبتغى بناء قاعدة صناعية قوية مع الحاجة الجماهيرية التحى تمثل طموحها الأعمق فى الاستقلال فأفرزت الأفكار الموجهة التي حركت المجتمع فى ذلك الوقت .

وقد قامت الإمبريالية بشروطها المجحفة لبناء السد العلى على سبيل المثال وإسرائيل الصهيونية بتحرشاتها التي تذكر بخطر وجودها بدور عميق فى بلورة ملامح جديدة فى وعى تلك الفئة البرجوازية الجديدة ، كما قامت البرجوازية التقليدية بتخلفها وهامشيتها وخشيتها من المشاركة فى البرامج الاقتصادية للسلطة الجديدة بدفع تلك الفئة خطوات هامة باتجاه التبلور الذي يحدد موقفها من الذات ومن الطبقات الأخرى .

وكانت التأميمات الكبرى عام 1961 تعبيرا عن درجة عليا من درجات التبلور الطبقي لتلك الفئة الجديدة المرتكزة على سلطة الدولة .

وبينما قامت الإجراءات المبكرة لسلطة يوليو خاصة تأميم قناة السويس وخروج الثالوث الاستعمار بعد غزو 1956 بصنع شعبية واسعة للسلطة الجديدة ولعبد الناصر بصفة خاصة قامت تأميمات 1961بما صاحبها من حديث واسع عن " التحول الإشتراكى " بتمكين الفئة البرجوازية الجديدة من " مظاهر الصراع الطبقي " فى البلاد وبالتالي كبح إمكانيات نمو الوعي المستقل بالإنماء الطبق فى مصر .

فقد قامت تلك الإجراءات بتمكين الفئة الجديدة من جر مجمل طبقات المجتمع خلفها بعد أن تمكنت من تدشين جداراتها الخاصة فى قيادة المجتمع نحو ما أسمته بالحل ( الإشتراكى ) .

كما قامت تلك الإجراءات فى ارتباطها مع النسق الذي أحدثته الإجراءات السابقة بدء من الإصلاح الزراعي .. الخ.

بعملية جذب واسعة للتيارات الفكرية التقدمية نحو الفكر البرجوازي الذي عبر عن نفسه وعن طبقته الجديدة بشعارات سياسية براقة .

كما قامت تلك التيارات التقدمية بدورها التالي وبطريقة جدلية فى إكساب تلك الشعارات السياسية أبعادا خاصة .

وبالطبع فقد أفرز تسلسل الإجراءات الاجتماعية والسياسية التي اتخذتها سلطة يوليو ظواهر اجتماعية هامة فقد قامت تلك الإجراءات بتوسيع قاعدة الطبقة العاملة الصناعية توافقا مع التوسع الذي حدث مع البناء الجديد ، وكان ذلك من شأنه أن يعطى ملامح جديدة للطبقة العاملة المصرية وهى ملامح من أبرزها الحداثة التي تمثلها تلك القطاعات الجديدة التي انضمت لصفوف الطبقة العاملة بملامحها الفلاحية.

ومن زاوية أساسية تنتمي تلك القطاعات الجديدة إلى تراث النضال العمالي النقابي والسياسي السابق على ثورة 1952 بقدر ما كانت تنتمي إلى نظام يوليو الذى نقلها من العمل فى الريف إلى العمل فى المدينة بأجر ثابت يخلفه استقرار قوانين العمل والأجور التي سنتها السلطة الجديدة.ٍ

وفى الريف كان لتوزيع أراضى الإصلاح الزراعي أثر لا ينكر كذلك فقد كان للتسويق التعاوني ونشر الجمعيات الزراعية التي يدخل مجلس إدارتها لعقد الإيجار الثابت بين المؤجر والمستأجر وتحديده لقيمة إيجار الفدان بسبعة أمثال الضريبة وكذلك إقامة المدارس ، والحديث الواسع عن مجانية التعليم ، وإقامة صهاريج المياه النقية .. الخ .

أثرة فى خلق أشكال واسعة من الالتفاف حول سلطة الفئة الجدية والاستجابة لتوجهاتها الوطنية والاجتماعية.

وفى صفوف البرجوازية الصغيرة المثقفة فى الريف والمدينة خلقت إمكانيات الصعود الطبقي المرتكزة على الالتزام بتعيين الخريجين وقوانين الترقي فى الوظائف الحكومية وشركات القطاع العام أشكالا من الالتفاف حول تلك السلطة الجديدة .

وقد مكنت هذه الأوضاع الجديدة هذه الفئة من النجاح فى جذب أوسع السكان للالتفاف حول شعاراتها السياسية التي كانت لا تزال تحمل مضمونا تقدميا لمواجهة الإستعماروالطبقات القديمة .

وقد صاغ ذلك المناخ مشاعر الانتماء فى ذلك الوقت فخلق جماهير قومية تنتمي إلى ثورة يوليو .

وقد تعلم الشباب أنهم جيل يوليو ، جيل مجانية التعليم ومواجهة الاستعمار أنهم بشكل أكثر جلاء جيل عبد الناصر كما كان يقال .

إن الانتماء الوطني كان يتخذ بسرعة مظاهر الانتماء إلى حاكم – بطل صنعت منه الظروف التاريخية ودرجة التطور التاريخي فى المجتمع المصري والعربي فى معظم الأحيان تجسيدا للوعي القومي وللأماني القومية فى ذلك الوقت .

ولعل ذلك المظهر الذي اتخذته مشاعر الانتماء ظل يمثل – من زاوية أخرى – الثغرة التي كشفت عن نفسها بعد ذلك لإمكانيات الانتكاس بمشاعر الإنماء فى البلاد .

فقد كان ذلك المظهر لا ينبئ عن انتماء حقيقي ينمو بقدر ما كان ينبئ عن مشاعر انتماء مختلطة بتشوهات عميقة من الجائز أن تكون لها جذورا فرعونية تخلق انتماء ينتكس . ولقد ساهم نظام يوليو نفسه فى صياغة تشوهات الانتماء للوطن .

فمشاعر الانتماء للثورة والزعيم والتي كانت تخلق جماهيريا قومية فى مظهرها العام كانت مختلطة بمشاعر من الرعب والخوف والتفتيت .

إن الشكل العام لحركة المجتمع فى ذلك الوقت كان يبدو وكأنه يعبر عن وحدة واحدة متماسكة بصلابة كما كانت مشاعر الانتماء للثورة والزعيم تبدو أيضا مشاعر جماعية متضافرة تخرج من الحناجر فى هتافات الفداء بالروح والدم ولكن الصورة فى عمقها كانت تختلط بها ظلال أخرى متعددة الألوان تفتح ثغرات تلك الوحدة المتماسكة وتلك المشاعر الجماعية وتختلط بالرعب الزى يعكس نوازع الشك تجاه الآخرين كالسوس فى أى وحدة ويجنح بالعناصر النشطة في المجتمع نحو الصمت إما إحباطا أو اغترابا أو إيثارا للسلامة أو نتيجة لقرارات العزل السياسي والاعتقال .

ولذلك فإن مظاهر التبلور الطبقي التي سبقت ثورة يوليو وتجسدت فى تيارات فكرية وتحركات سياسية ونقابية ظلت ماثلة فى ذهن السلطة العسكرية الجديدة وتجسدت فى سلوكها وعلاقتها مع الجماهير وكما كان استبدال حركة الجماهير المستقلة المنظمة وإبداعاتها المتمثلة باللعب على التناقضات الدولية بين إمبريالية وأخرى ملمحا من ملامح الحركة السياسية البرجوازية المصرية وكان استبدال تنظيم حركة الجماهير باستثمار التناقض بين الشرق الاشتراكي والغرب الرأسمالي ملمحا من ملامح الحركة لسياسية للسلطة الجديدة .

ولذلك كانت المواجهة العنيفة لأي بادرة مستقلة للجماهير ولأي تيار فكرى يطمح فى البقاء مستقلا بحركته السياسية ( وهى ما شهده عدد ليس بقليل من برجوازيات العالم الثالث وبخاصة فى المنطقة العربية ) .

وقد تركت المواجهة العنيفة بين السلطة المصرية وكل من تجسدات لفكر الماركسي وتيار الإخوان المسلمين فى مدن وريف مصر بالملاحقة والاعتقال والتفتيش الهمجي بحجة البحث عن السلاح آثارا حادة من الرعب الذي يكمن فى النفس البشرية .

كما كان لاستبدال أية منظمات جماهيرية مستقلة بمنظمات مصنوعة فارغة المضمون ومنتمية مباشرة للأجهزة البوليسية التي يتقلد رجالها بحكم الوظيفة أعلى المناصب السياسية والتنظيمية – و الاتحاد الاشتراكي والتنظيم الطليعي مثالان مشهوران – أثار وخيمة على أية إمكانية لتنظيم حقيقي لحركة الجماهير فى المجتمع وبالتالي على أية إمكانية لتطوير مشاعر الانتماء الجماعي للوطن .

والمثال البارز فى تلك الوجهة تمثل فى الدور الذي أنيط به للنقابات المهنية ونقابات العمال بشكل خاص .

فقد قامت السلطة بأسلوب محكم بخلق تبعية تلك النقابات لأجهزتها السياسية والبوليسية بشكل أساسي ، ومناجل ذلك قامت بخلق أرستقراطية عمالية نقابية مرتبطة بمصالح السلطة أكثر من ارتباطها بمصالح الطبقة العمالية ، وكرست ذلك باشتراط عضوية النقابات للإتحاد الإشتراكى العربي وبعمليات التدخل فى الانتخابات بالشطب والاستبعاد والتعيين .. الخ .
وبالطبع فقد ضرب هذا السلوك باتجاه خلق انتماء ارستقراطي نقابي للسلطة وباتجاه عرقلة أية بادرة لنمو انتماء عمالي للطبقة العاملة بعد أن كان فكرها الثوري غائبا بين المثقفين الذين جذبهم التيار الفكري الجارف للسلطة الجديدة .
لقد ضربت تلك العلاقات بين السلطة والناس بكل قوة فى استقلال حركة الطبقات الاجتماعية وكرست وجودا للشعب المصري يتساوى مع عملية الجمع الحسابي للأفراد المفصلين .
ومعنى ذلك أن مشاعر الانتماء للوطن ، كانت قد أصبحت مشاعر للانتماء للسلطة – الزعيم أو " الوطن الزعيم " وكانت أيضا قد فرغت من أية انتماءات طبقية من مشاعر الانتماء للوطن .
كما كانت ههذ المشاعر نفسها مختلطة مع مشاعر الخوف والشك فى الآخرين داخل دائرة شريرة من الحس البوليسي بفعل الجدران .. التحى أصبح لها أذان .
ومن المؤكد أنتلك الإختلاطات للمشاعر كانت مختفية خلف الإنجازات التقدمية للسلطة الناصرية ، ولم تفصح عن نفسها فى ذلك الوقت فى أشكال من الفعل ورد الفعل الصريح .
ولكن دلالة ذلك تمثلت فى أن الإنسان المصري الذي كان قد بدأ يصبح إنسانا سياسيا فاعلا قبل 1952 كف عن أن يكون كذلك بعد الثورة فقد أصبح يكره السياسة ويمقتها وترتعد فرائصه لمجرد ذكر اسمها أنه يريد أن يأكل خبزا والسياسة لا تطعم ولا تغنى من جوع بل أصبحت تترادف مع الرحيل خلف الشمس .
ولعل هذه الحالة بالذات ظلت تعبر عن نفسها فى عقل المواطن المصري وحركته الآن لتستكمل نفسها بملامح عصرية جديدة .

ومعنى ذلك أن الانتماء السياسي الحر – كتعبير عن الانتماءات الطبقية والوطنية لم يكن ملمحا بارزا للإنسان المصري العامي فى عهد عبد الناصر رغم أن عضويته فى الإتحاد الإشتراكى كانت إجبارية لشغل بعض الوظائف الهامة ، وعلينا أن نستثنى من هذه النتيجة قسما من الشباب تعامل مع الشعارات السياسية للفئة البرجوازية الصاعدة – حينذاك – بعد أن دمجها ببعض الإجراءات الوطنية والاجتماعية للسلطة السياسية ومثل بعد ذلك تيارا ناصريا بعد أن أعطى أبعاد أيديولوجية خاصة لتلك الشعارات التقدمية العامة لنظام عبد الناصر، كتعبير عن انتماء سياسي يدخل رغم كل شيء فى دائرة الانتماء للوطن الزعيم التي تحدثنا عنها .

المبحث الثالث: الانتماء بعد هزيمة يونيو

جاءت هزيمة يونيو 1967 لتضرب بقوة فى مشاعر الانتماء التي صاغها عبد الناصر ، أي لتضرب بشكل أساسي فى مشاعر الانتماء " للسلطة – الزعيم " أو " للوطن – الزعيم " .

وبالرغم من حالة الركود التي كانت قد أصابت المواطن المصري قبل الهزيمة بعد أن تحول الشعب المصر فى ذلك الوقت إلى محصلة الجمع الحساب للأفراد ، وبعد أن اختزل الفعل الإيجابي للإنسان المصري – من زاوية عامة – إلى مجرد عمليات الاحتشاد لاستقبال الزعيم أو سماع خطبه وانتظار قراراته وأعماله هو وبعد أن اندمج فعل المواطن المصري فى فعل الزعيم وإبداعه كانت هزيمة يونيو 1967 أيضا ضربة قاسية ومفاجئة لكل القيم والثوابت التي ترسخت فى ذهن الإنسان المصري فى ذلك الوقت.

فالسلطة المقتدرة القادرة الجبارة التي غذت مشاعر الكرامة الوطنية وصاغت مشاعر الانتماء داخل دائرة الاستعداد لمواجهة الخطر الخارجي ومؤامرات الإستعار والصهيونية قد هزمت فجأة وفى ساعات قليلة وفى أول مواجهة .

أن مشاعر الكرامة الوطنية غير المنضبطة وغير المنظمة وغير الفاعلة قد أصيبت بهزة عنيفة مفاجئة بعد أن كانت قد سلمت زمام فعلها للسلطة القادرة والزعيم الملهم خاصة وأن شحنا عنيفا للكرامة الوطنية – والغزو القومي – كان قد تم سريعا بفعل البيانات والخطب المتتالية لعبد الناصر حول سحب قوات الطوارئ الدولية قبيل الحرب وقد أكسب ذلك الشحن العنيف السريع الهزيمة عنفا استثنائيا .

إن قدرة الشعب المصري وتحالف قوى الشعب العاملة التي ترسخت فى ذهن المواطن المصري تكشفت عن عجز بالغ على الفعل بعد أن تكشفت عن غياب أية قوى متحالفة .

فقد كانت تلك القدرة الجمعية للشعب قد اندمجت فى قدرة السلطة القادرة والزعيم القادر ليتبقى منها للمواطن المصري – والشعب المصري بالتالي – شعوره الطيب الراكد غير الفاعل بالكرامة والانتماء الوطني لقيادة وطنية قادرة.

وتكشفت المنظمات الجماهيرية التي أقامتها سلطة يوليو عن مجرد سرادقات لا تملك تنظيم أية قوى وتعرقل نمو أية حركة سوى حركات الهتاف ببذل الروح والدم .

وعكس هذه الوضع نفسه فى مشاعر قلق بالغة الحدة وشعور بالعجز بالغ القسوة وعبرت هذه المشاعر عن نفسها فى خروج الناس إلى الشارع فى 9 و 10 يونيو خاصة حين اندمج الإعلان عن الهواجس التي كانت قد تكونت عند الناس عن الهزيمة – النكسة –مع استقالة الزعيم الملهم .

لقد سقطت سلطة يوليو بعد هزيمة 1967وتحررت مشاعر الانتماء الوطني من مشاعر الانتماء للسلطة ولكن هذه المشاعر كان لا يمكنها فى ظل تلك الظروف أن تتحرر من كل ما علق بها من تشوهات بضربة واحدة وعلى الأخص فى ظل الهزيمة .

فقد صنع رجوع عبد الناصر عن استقالته ورفعه لشعارات إزالة آثار العدوان ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة وتطهير الجيش ومحاكمات الطيران .. الخ .

التفاف حول الزعيم – الفرد وبينما تحررت مشاعر الانتماء للوطن من مشاعر الانتماء للسلطة فإنها لن تتحرر من مشاعر الانتماء للزعيم المخلص واستمرت أيضا مشاعر لأفراد الشعب ولم ترتق لمشاعر شعب منظم .

وفى هذا المجال قامت لجان المواطنين من أجل المعركة بتفريغ مشاعر الانتماء للوطن والكرامة الوطنية التي تجسدت – هنا – كرد فعل للهزيمة من أية إمكانية للفعل والإبداع واستمرت أجهزة البوليس فى القيام بدورها فى كبح جماح تلك المشاعر عند أية بادرة للنمو المستقل .

ولكن الهزة العنيفة التي أحدثتها هزيمة يونيو لم تكن لتختزل نتائجها فى ذلك المظهر الجديد لمشاعر الإنماء للزعيم – المخلص فقد ، فقد تنازعت تلك المشاعر العامة مشاعر الإحباط والقنوط وفقدان الثقة والرغبة فى الانتقام من قادة الهزيمة ، وهى كلها تدخل فى دائرة مشاعر القلق والعجز التي أحدثتها الهزيمة المفاجئة كما انعكس ذلك فى الكتابات الفكرية والإبداعات الأدبية التي دخلت فى دائرة من دوائر النقد العنيف للذات وللمجتمع .

كما كانت تظاهرات العمال والطلبة فى فبراير و نوفمبر 1968 خاصة بعد إعلان الأحكام ضد قادة الطيران ظاهرة جديدة .

ومن الملفت للنظر أن تلك الظاهرة الجديدة قد تنازعتها المشاعر التي ذكرناها مع نمو وعى جنيني للانتماء للوطن عبر عن نفسه فى استقلالية تلك التظاهرات عن أي دفع من الأجهزة السياسية الحاكمة ، ومعنى ذلك أن تلك الفئة الاجتماعية قد أحست لأول مرة – بعد يوليو – أنها جماعة فى وطن وليست مجرد مجموعة أفراد ، أنها تملك بحركتها كفئة إمكانيات التأثير فى القرار السياسي أنها تملك حق الرفض وحق المطالبة الجماعية وبدا ذلك واضحا فى الوعي بالحاجة للديمقراطية السياسية وضرورة التغيير .

إن القيمة التاريخية لهذه الظاهرة الجديدة بعد الهزيمة بعام واحد أنها كانت أول اقتحام جماعي جسور للشارع المصري ، معلنة انتهاء إمكانيات السلطة فى جذب كافة طبقات المجتمع خلف قيادتها فى جبهة داخلية متراصة ومحاطة بسياج من حديد ، ومعلنة حقيقة المشاعر الكامنة التي تتنازع الإنسان المصري فى ذلك الحين ومعلنة فى نفس الوقت أن وعيا بالانتماء الطبقي قد بدأ يأخذ طريقه إلى طبقات المجتمع المحكومة ويأخذ طريقه بالتالي إلى مشاعر الانتماء للوطن .

كما عكست هذه الأمور نفسها على تفكير السلطة السياسية وأجهزتها فبدأ الحديث عن ضرورة التغيير وضرورة البحث عن النغمة الصحيحة .

وكان بيان 30 مارس هو التعبير السياسي لبرنامج السلطة الناصرية لاستيعاب تلك المتغيرات والنوازع التي ظهرت بعد الهزيمة .

والجوهري فى تلك الخطوة التي قامت بها السلطة أنها حاولت بها حل المشكلات والإشكاليات الجديدة الناجمة عن النكسة وخصوصا اقتحام الجماهير المستقل للشارع بنفس الخط الفكري السابق على الهزيمة والذي كانت قد تمكنت به من السيطرة على المجتمع وحكمة منفردة بعد تطعيم ذلك الخط بالطبع ببعض الشعارات الجديدة .

فالحديث عن الديمقراطية لم ينعكس فى أية بادرة ديمقراطية فى المجال السياسي والحديث عن التغيير لم ينعكس إلا على بعض الرموز السياسية فى السلطة وفى الإتحاد الإشتراكى العربي وفى منظمة الشباب .

ومن زاوية أساسية قامت إجراءات السلطة ودعايتها فى تلك الفترة بمحاولات دءوبة لبناء جبهة داخلية متماسكة وفقا لشعار " لا صوت يعلو فوق صوت المعركة " بكبح جماح ذلك الوعي الجنيني بالانتماء الطبقي الذي بدأ يعبر عن نفسه بالخروج للشارع المصري وداخل أروقة الإتحاد الإشتراكى نفسه – ومنظمة الشباب أيضا وبإلقاء كل المثالب التي أنتجت الهزيمة على المحيطين بالرئيس فدفع ذلك فى إذكاء مشاعر الانتماء للزعيم المخلص على حساب أي انتماء آخر ولكن فى ظروف جديدة .

وقد ساهمت الاشتباكات العسكرية مع جيش العدة الصهيوني فى تنمية تلك الوجهة في الوجدان الشعبي العام خاصة أثناء اشتباكات حرب الاستنزاف الشهيرة دون أن تتمكن من القضاء على ذلك الوعي الجديد أيضا التي اتخذت من طرح أسلوب حرب الشعب إمكانية للنصر على العدو .

وبينما ساهم ذلك فى إضافة بعض الثوابت الجديدة وتحديد دائرة الأعداء والأصدقاء بشكل صريح كانت ظاهرة جديدة تحتية تنبثق من مناخ الهزيمة لتفتتت فى عقد كل الثوابت والقيم التي تكونت وتبلورت عبر إجراءات عهد عبد الناصر التقدمية .

لقد تحددت دائرة الأعداء بشكل واضح فى العدو الصهيوني لذي يحتل سيناء وفى أمريكا الاستعمارية التي تقف وراء العدو الصهيوني بكل قوة وتحددت دائرة الأصدقاء فى الإتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية وحركات التحرر الوطني فى العالم الثالث .

ولكن مناخ الهزيمة كان من شأنه أن يفرز وجهة أخرى فى عمق المجتمع حيث يولد ظاهرة جديدة تقوم بفعلها فى الذهاب بمشاعر الانتماء بعيدا حيث الانتماءات الدينية .

فقد عكست الهزيمة نفسها أيضا فى نقد دينية للنظام الناصري بعد أن دمجه هذا لنقد مع النظام الإشتراكى الدولي ، حيث الهزيمة نقمة من الله لابتعاد المجتمع المصري عن الإسلام ولارتباط عبد الناصر بالإتحاد السوفيتي الملحد ، وبسبب تطبيق الاشتراكية وعدم تطبيق الشريعة .. الخ .

ورغم أن الظاهرة السياسية – الدينية كانت قد استأنفت تبلورها الجديد فى مناخ الهزيمة إلا أنها ظلت تقوم بدورها بطريقة كامنة وتتحسس طريقها فى حذر ، حتى كان استشراؤها بعد ذلك فى ظروف تالية وملابسات أخرى أنتجت الجماعات الإسلامية الجديدة .

أنتجت الظروف التي تلت الهزيمة إذن شكلا أساسيا من أشكال الانتماء فى وجدان الشعب المصري تمثل فى استبدال الانتماء " للسلطة – الوطن – الزعيم " بالانتماء إلى الزعيم – المخلص فى إطار مضمون وطني معاد للاستعمار الأمريكي وإسرائيل الصهيونية ووفق فكرة أساسية موجهة تتمثل فى شعاري إزالة آثار العدوان ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة ، مع بزوغ شكلين حديثين للانتماء الطبقي والديني كما حددنا تأثيرهما ودلالات بروزهما الجديد .

وقد انعكست المساحات الشعبية التي تتخذها أشكال الإنماء هذه فى ذلك المشهد الرهيب لجنازة عبد الناصر .

فلم يكن موت عبد الناصر حدثا عاديا فى المجتمع المصري ، فقد مات الزعيم – المخلص مات وهو منغرس فى الوجدان المصري كزعيم ملأ الساحة المصرية والعربية بإنجازاته الوطنية والاجتماعية وبانتصاراته وانكساراته .

وكان قد انعكس وجوده وحضوره بشكل عميق فى وجدان كل من مؤيديه ومنتقديه ومريديه والذين يكرهون وجوده أيضا ، وبالطبع لم يكن ذلك الحضور انعكاسا للكفاءات الشخصية لعبد الناصر كزعيم ملهم فقط بقدر ما صنعت ذلك الحضور وعمقت تلك الكفاءات الشخصية ظروف تاريخية واجتماعية وأوضاع دولية تطور المجتمع المصري داخل مؤثراتها الأساسية .

المبحث الرابع : الدلالات الاجتماعية والسياسية لأحداث 15 مايو 1971

سيظل للجدل الدائر حول 15 مايو 1971 أهمية قصوى للمؤرخين والمهتمين عموما بقضايا التطور الإقتصادى والإجتماعى والسياسي فى مصر .

لما يتضمنه ذلك التاريخ من دلالات عميقة سوف يحتل مكانا خاصا ومميزا ليس على المستوى المصري فحسب وإنما كنقطة تحول فى تاريخ مماثل لدول العالم الثالث بشكل عام والشرق العربي على وجه الخصوص .

والحقيقة الجديرة بالتسجيل هنا أنه سيكون من الصعب – إن لم يكن من المستحيل – فهم المغزى التاريخي لهذا الحدث دون التناول العلمي لطبيعة الأزمة الاجتماعية والسياسية المصرية قبل وفاة الرئيس عبد الناصر ومن ثم غيابه عن المسرح السياسي يوم 28 سبتمبر 1970 وبالتالي ضرورة تحديد ملامح خريطة توزيع القوى الطبقية فى البلاد عشية تفجر الصراع فى 15 مايو 1971 .

مسار الثورة المصرية

طوال السنوات التي أعقبت الانتصار السياسي المحدود للرأسمالية المصرية أثر اندلاع الثورة الكبرى 1919 ومن خلال تحقيقها لوجودها السياسي بوجود الاحتلال البريطاني وعبر إقامة أشكالها التمثيلية والنيابية ( مجلس النواب والشيوخ وحكومة منتخبة على الطراز الغربي ) كان من الضروري استكمال سيطرة الطبقة الجديدة المهيمنة على بقية الطبقات الاجتماعية من عمال وفلاحين وبرجوازية صغيرة مدنية بعد أن تنامي الإحساس الوطني لدى هذه الفئات ورفضها المتصاعد للوجود الاستعمار البريطاني مقابل عجز – بل وأحيانا تواطؤ – من جانب رموز وقيادات الأحزاب المصرية أدى كل ذلك لانفضاض جماهيري أخذ يتزايد يوما بعد آخر عن هذه الأحزاب واتسعت بالمقابل دائر الفعل والتأثير للحركات السياسية المناوئة ( المنظمات الشيوعية ، حزب مصر الفتاة والإخوان المسلمين ) وهكذا أخذ يتبلور تيار سياسي جديد أفرزته الأزمة العامة للنظام الإجتماعى والسياسي فى عقدي الثلاثينات والأربعينات .

وجاءت الأحداث الدرامية عام 1951 واشتداد حدة الكفاح المسلح ضد قوات الاحتلال على طول ضفاف القتال لتؤكد طبيعة الرياح العاصفة التي ستهب على مصر فى السنوات اللاحقة ولم يفلح بالقطع المشهد الميلودرامى للزعيم مصطفى النحاس بإعلانه إلغاء معاهدة 1936يوم 26 أكتوبر 1951 فى احتواء الأزمة المحتدمة التي أخذت فى الأتساع ووصلت ذروتها بحريق القاهرة يوم 26 يناير 1952 .

وهكذا نستطيع تحديد الطبيعة المركبة للأزمة المصرية عشية 23 يوليو 1952 فى مستويين :

الأول : المستوى الإقتصادى والإجتماعى :

فقد عجزت البرجوازية المصرية طوال ثلاثين عاما السابقة عن استكمال هيكلها الصناعي الذي يكفل لها قدرا من الاستقلال النسبي عن السوق الإمبريالي فحتى عام 1950 لم تكن الصناعة الثقيلة تتجاوز 2 % من إجمالي رؤوس الأموال الموظفة فى القطاع الصناعي هذا بينما تبلغ الصناعات الاستهلاكية 74 % والصناعات الوسيطة ( التي يتجه معظمها لتغذية الصناعات الاستهلاكية ) إلى 24 % كما لم تتعد الاستثمارات الصناعية الجديدة عام 1951] نحو 2 مليون جنيه وهى ما لم تكن تتعدى 5 % من إجمالي الاستثمارات الجديدة لذلك العام ..
وفى القطاع الزراعي كان هناك 12 ألف مالك يستحوذون على أكثر من 35 % من أجود الأراضي الزراعية هذا فى الوقت الذي بلغ عدد الأسر التي لا تملك أرضا زراعية على الإطلاق نحو 1و6 من عشرة مليون أسرة ( أي ما نسبته 60 % من سكان الريف المصري فى ذلك الحين ) .
ويشير ( روبرت تينجر ) إلى أن مصر كانت أول دول القارة الأفريقية والشرق الأوسط التي طرحت فيها قضية اختلال توزيع الدخل والعدالة الاجتماعية بمثل هذه الحدة والوضوح عشية ثورة 23 يوليو 1952 .

الثانى : المستوى السياسي والأيدلوجي :

كما كان للفشل المتوالي للمفاوضات البريطانية بشأن جلاء جيش الاحتلال أثر بعيد على تنامي وعى قطاعات عريضة من الشعب المصري بعجز هذه الأحزاب عن تحقيق الجلاء التام كما عكست كتابات بعض الأدباء المصريين وأن لم تخل كتاباتهم من المطالبة بالتغيير ( نجيب محفوظ ورواية زقاق المدق ، توفيق الحكيم ورواية عودة الروح )
وهكذا جاء يوم 23 يوليو 1952 يحمل بشرا بانتقال سياسي واقتصادي سوف يترك أثر واضحا على حركة التوازنات السياسية فى مصر وبقية دول العالم العربي .
23 يوليو ومأزق الانتقال التاريخي
كان الانتقال التدريجي فى وعى القوى السياسية الجديدة ( ذات الأصول العسكرية ) والتي تنتمي فى معظمها للفئات البرجوازية الصغيرة – يتجه فى تفاعل جدلي فريد مع حركة الفعل والفعل المضاد من جانب الأطراف المشاركة فى الخريطة السياسية المصرية والعربية وخلال سنوات التحدي الكبرى ( 1956 وما بعدها ) أخذت صفوف حركة الضباط الأحرار تتبلور وتفرز يوما بعد آخر قواها السياسية الصاعدة وهكذا لم يكن التغيير المتوالي فى الأشكال السياسية ( هيئة التحرير – الإتحاد القومي – الإتحاد الاشتراكي ) وفى المراكز القيادية للأشخاص المؤسسين للحركة سوى تعبير عن الخلافات العميقة فى الرؤى الاجتماعية والتمايز الطبقي والأيدلوجي .
فإذا كان القوام الأساسي لمجلس القيادة قد حافظ على استمراره تجاه الضربات الموجعة الموجهة لنفوذ كبار ملاك الأراضي فإن الخلافات والانقسامات قد أخذت فى البروز مع الخطوات اللاحقة فى مجال تحجيم دور المشروع الرأسمالي الخاص فى البنية الاقتصادية المصرية ( التأميمات الكبرى عام 61 وما تلاها ) وهنا نستطيع تحديد أهم إنجازات الفترة الناصرية وفى فترات صعودها التاريخي ( 19521966) فى الآتي .

1-ضرب نفوذ كبار ملاك الأراضي سياسيا واقتصاديا فبينما كان حجم تمثيلهم النسبي فى المجالس النيابية السابقة تتراوح ما بين 55 % إلى 37 % فى المتوسط فإنه قد انخفض إلى أقل من 5 % فى أول مجلس نيابي للثورة ( مجلس الأمة عام 1957) كما جاءت الإصلاحات الزراعية المتتالية لتوجه ضربة موجعة إلى مركزهم الإقتصادى فى الريف لصالح الفئات الوسطى من المالكين الزراعيين ( 20 فدان فأقل ) .

2- تحقيق بعض التقدم فى المجال الصناعي حيث ارتفعت نسبة رؤوس الأموال الموظفة فى الصناعات الثقيلة إلى 7 % والصناعات الوسيطة إلى 44 % وانخفض نصيب الصناعات الاستهلاكية إلى 49 % وذلك عام 1970 وبدعم مكثف من جانب الإتحاد السوفيتي أمكن إقامة نحو 950 مشروعا صناعيا اعتمدت عليهم السلطة الجديدة فى سياستها فى المجالات الاجتماعية والتعليمية والسياسية .. الخ .

3-كما حدث بعض التقدم فى مجال الخدمات الاجتماعية ( الصحة – التعليم - .. الخ ) وانخفض عدد الأسر التي تعيش تحت خط الفقر من 35 % عام 1958 إلى 26 و8 من عشرة % عام 1965 فى الريف المصري وتحسن النصيب النسبي لكاسبي الأجور والمرتبات بالنسبة للناتج المحلى الإجمالي من 17 % عام 51 / 1952 إلى 32 و 9 من عشرة % عام 1965 .

4-كما اتسعت الشرائح البرجوازية الصغيرة – وبخاصة الموظفين والعناصر الكتابية – حيث زاد عدد الهيئات العامة من هيئة واحدة عام 1951 إلى 46 هيئة عامة 1970 وبالإجمال وصل عدد الوحدات المركزية ( هيئات عامة – وزارات – شركات .. الخ ) لنو 300 وحدة عام 1970 وهكذا ارتفع عدد موظفي الدولة من 60 ألفا عام 1952 إلى أكثر من 3 مليون عام 1970 .

وإذا كانت إحدى السمات المميزة لتجربة 23 يوليو هو الطابع البراجماتى الذي عبر عنه بوضوح شعار ( التجربة والخطأ ) فإن السلوك الإقتصادى وشروط التحدي الخارجي والداخلي قد فرضت واقعا اقتصاديا واجتماعيا من الصعب التراجع عنه دون التخلي عن الوجود السياسي للفئة الحاكمة الجديدة فالقطاع العام – الذي أصبح أداة تحقيق الأهداف السياسية والاقتصادية للنخبة الجديدة بات حقيقة واقعة كما أضافت القيادة بطابعها الخاص للتجربة فى ارتباطها بالتطلعات الوحدوية لإقامة دولة عربية واحدة وسوق عربية واحدة ( اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية 1957 ثم السوق العربية المشتركة ).
بيد أن المأزق الذي وجدت فيه سلطة يوليو إزاء عشية تقييم الخطة الخماسية ( 61 / 1965) واستفحال المعارضة البرجوازية التقليدية وتدعيم الرأسمالية الدولية ( هيئات التمويل الدولية والولايات المتحدة ) للأخيرة وزيادة حدة الأصوات المطالبة بطرح أسهم الشركات العامة فى بورصة الأوراق المالية من داخل النظام ذاته وما أصيب نظام يوليو بنكسة 1967 حتى نشطت العناصر المؤيدة للنظام سابقا والتي تمكنت من تحقيق تراكم مالي ( سواء عن طريق استنزاف القطاع العام أو بطرق غير مشروعة ) لصالح إعادة ترتيب البيت من الداخل وإقامة صلات بالاحتكارية الدولية .
لقد حافظ وجود الرئيس عبد الناصر فى السلطة على التوازن الإجتماعى والسياسي القائم فى صلب بنية نظامه وفى صلب بني الفئة البيروقراطية المهيمنة سياسيا واقتصاديا بالارتكاز على نموذج رأسمالية الدولة .
فلم تكن السلطة الجديدة ولا الفئة البيروقراطية التي تميزت منذ عمليات التمصير وهيمنت منفردة بعد عمليات التأميم فى الستينات تمثل فى بنيتها اتجاها واحدا ، كما لم تكن تمثل كتلة صماء متماسكة حول أهداف موحدة بل كانت تحتويها التناقضات التي من أبرزها :

1- تناقضات وخلافات بين الاحتفاظ برءوس الأموال الممصرة أو بيعها لتدعيم برجوازية المشروع الخاص .

2- تناقضات وخلافات حول حجم القطاع العام وعلاقته بالقطاع الخاص وما بين مزيد من التوسع لقطاع رأسمالية الدولة أو تقليص هذا القطاع لحساب القطاع الخاص .

3- تناقضات وخلافات حول الدائرة المسموح بها فى العلاقات الدولية بين الشرق الإشتراكى والغرب الرأسمالي .

4- بالإضافة إلى تناقض موضوعي عميق بين المصالح الخاصة لأفراد البيروقراطية فى الاستثمار الخاص ونموذج ملكية الدولة للقطاع العام أي ذلك التناقض النابع من الطبيعة البرجوازية لأفراد الفئة البيروقراطية بين مصالح الأفراد ومصالح الفئة الطبقية ككل فى مرحلة الستينات .

إن هذه التناقضات والخلافات الداخلية ظلت كامنة ومتعايشة داخل السلطة فى إطار من التوازن المتأرجح الذي يميل إلى هذا الاتجاه مرة وإلى الاتجاه الآخر مرة أخرى .
وما أن توفى عبد الناصر حتى تفجر الصراع وبدأ العد التنازلي ليس فحسب لـ 15 مايو 1971 وإنما للانفتاح والصلح مع إسرائيل والولايات المتحدة .
15 مايو والانتقال التاريخ
بتولي السادات السلطة فى أكتوبر 1970تبدأ مرحلي الصراع المكشوف بين جناحين فى قمة الهرم السياسي المصري.
فهناك فئة البيروقراطية ( ذات الأصول العسكرية ) التي تنظر إلى وجودها كوريث شرعي وحيد للتجربة الناصرية صاحبة الإنجازات الاقتصادية الضخمة وبرز على رأس هذه المجموعة السيد على صبري رئيس وزراء الخطة الخماسية الأول ( 61 / 1965 ) وشعراوى جمعة ومحمد فائق وكثيرون غيرهم وعلى الرغم من التنافر القائم بين بعض أفراد الفئة البيروقراطية إلا أن الانسجام الموضوعي فى الرؤى السياسية والاجتماعية فى هذه المرحلي كان بمثابة الأساس فى تحقيق التكتل السياسي سواء فى اللجنة المركزية للإتحاد الإشتراكى أو فى اللجنة التنفيذية العليا التي كانت مصدر صنع القرار فى البلاد .
وفى مواجهة هذا التكتل برز تكتل مغاير أخذ ينسج خيوطه شيئا فشيئا وانسجمت رؤياهم تجاه مجموعة من القضايا أبرزها الأسلوب الأمثل لحل الصراع العربي – الصهيوني عبر الولايات المتحدة والمفاوضات مع إسرائيل وإعادة فك الإشتباك بين الدولة والمشروع الخاص .
ولم يكد يمضى أيام قليلة على تولى الرئيس الجديد السلطة حتى صدر القانون رقم 34 لسنة 1970 بتعديل أوضاع الحراسات ( أكتوبر 1970) ليدعو القوى الاجتماعية القديمة إلى التراص الطبقي فى مواجهة الوصايا البيروقراطية الناصرية ذات النزوع " الإشتراكى " ثم جاءت مبادرة 4 فبراير 1971 لتزيد من حدة التناقض وتدفع بالأمور إلى لحظة الحسم التاريخي المرتقبة .
وإذا كانت المجموعة البيروقراطية قد باتت معروفة للجميع – نظرا لما أسفرت عنه محاكمات مايو الشهيرة – فإن مجموعة الرأسماليين ( أنصار الرئيس الجديد ) قد أخذت فى الظهور واحدا بعد الآخر فيما بعد ذلك .
ولعل من المؤشرات ذات الدلالة فى هذا السياق صدور قانون الإنفتاح الأول ( قانون 65 لسنة 71 ) بعد الانتصار الساحق للبرجوازية التقليدية فى مايو بحوالي أربعة شهور فحسب ( سبتمبر 1971) الذي يعد بحماية رؤوس الأموال العربية والأجنبية المستثمرة فى مصر ، لقد نظر هؤلاء إلى 23 يوليو باعتبارها جوادا قد أدى دوره بشكل يحقق مستقبلا أقصى درجة من درجات الانسجام فى البنية البرجوازية المرتقبة وهكذا آن الأوان لإعادة توزيع الأدوار وتحول حلفاء النظام " الإشتراكى " بالأمس إلى أنصار للانفتاح الإقتصادى والصلح مع الاحتكارات الغربية .
ثم توالت القوانين والقرارات المنظمة للأوضاع الاقتصادية فى مصر ( والتي بلغت حتى منتصف 1976 نحو 124 قانونا ) والتي أعادت بالضرورة ترتيب الأوضاع الاجتماعية فى مصر .
ومما لا شك فيه أن انتصار الرأسمالية التقليدية فى صراع 15 مايو وتتويج أشد الفئات الرأسمالية تفسخا وتبعية للغرب الرأسمالي على قمة الهرم السياسي فى مصر ( الفئة الكمبرادورية وأصحاب التوكيلات التجارية ) كان له أثر بالغ على مسار الصراع الرئيسي بين العرب وإسرائيل فى أدق مرحلة من تاريخ الصراع بالمنطقة .
فزيادة الارتباط الأمريكي – المصري وفتح جسور التعامل والتعاون الإستراتيجي مع الولايات المتحدة وإسرائيل قد اثر تأثيرا خطيرا على ميزان القوى السياسية والعسكرية فى المنطقة وفتح الطريق أمام اختلال المفاهيم وتشوه الأهداف الوطنية والقومية فى أعين الملايين من المصريين الذين تعلقت بآذانهم وتركزت بعقيدتهم أن العدو الرئيسي لمصر والعرب هو إسرائيل والاستعمار.
وإذا كان إعلان سياسة الإنفتاح الإقتصادى باعتبارها الخط الرسمي لسياسة الدولة المصرية قد جاء عام 1974 فإن المؤشرات الأولى لها قد بدأت قبل ذلك بكثير ( سبتمبر 1971 ثم 21 أبريل 1973 وحتى صدور القانون رقم 43 لسنة 1974 ) الذي لم تستغرق مناقشته فى مجلس الشعب أحد عشر يوما فى 6 جلسات ( 21 مايو حتى أول يونيو 1974) برغم ما تضمنه من نصوص فى غاية الأهمية والخطورة .

وعلى أية حال لقد أعادت سلطة 15 مايو رسم الخريطة الطبقية فى المجتمع .

ونستطيع أن نستخلص من العرض السابق حقيقتين على جانب كبير من الأهمية :

فأولا : كان لانتصار مجموعة الرأسماليين أنصار الرئيس السادات ( وفئاتها الكمبرادورية وسماسرة رأس المال الدولي ) فى صراع السلطة يوم 15 مايو 1971 وفى مرحلة من أدق مراحل التاريخ المصري – حيث الاحتلال العسكري الإسرائيلي والضغوط الأمريكية والأوربية وإعادة هضم السوق المصرية والعربية فى إطار السوق الرأسمالي الدولي أبعادا خطيرة على مسار حركة الصراع العربي الإسرائيلي وعلى توازنات القوى السياسية داخل مصر وخارجها .
ثانيا : أن النتائج التي تمخضت عنها السنوات العشر من تاريخ مصر السياسي ( 71 – 1981 ) وانعكاساتها الآنية والمستقبلية على حركة المتغيرات المختلفة وعلى تطلعات ونظرة الإنسان المصري ونسق قيمة ومفاهيمه سوف تترك آثارها السلبية لسنوات عقود أخرى قادمة.

المبحث الخامس : الانتماء فى عهد السادات

عبر السادات عن حضور عبد الناصر فى الوجدان الشبعى بإعلانه السير على طريق الزعيم الخالد وتحيته لصورته فى مجلس الأمة بطريقته المسرحية الشهيرة .

وإذا كانت هزيمة 1967 قد وجهت ضربة قاصمة لاندماج مشاعر الانتماء للوطن فى الانتماء السياسي فإن موت عبد الناصر كان قد حول تمحور تلك المشاعر حول الزعيم – المخلص إلى نوع من الفراغ حاول السادات ملأه بإعلان انتمائه على الذين قالوا نعم والذين قالوا لا .

ولكن أمورا عديدة كانت قد تراكمت لتطبع تلك الفترة التاريخية بطابعها وتضافرت أزمة اللاسلم واللاحرب مع الأزمة الاقتصادية التي بدأ الشعب المصري يتلمس طريق الوعي بمفرداتها المجزأة المنعكسة فى تدهور ظروف المعيشة لكي تصوغ العنوان العام لتداخل المشاعر فى تلك الفترة .

إن إضراب عمال حلوان فى بداية السبعينات لم يكن مجرد استهلال لذلك العهد الجديد بقدر ما كان تعبيرا عن مستوى تلك التراكمات الاجتماعية التي كانت تتم وكانت قد بدأت تفصح عن نفسها .

كما لم يكن اعتصام طلاب الجامعات فى العاصمة بعد خطاب الضباب الشهير الذي أفرز مد وقف إطلاق النار مجرد تعبير عن القلق الذي يتنازع مشاعر تلك الفئة المتعلمة بقدر ما كان امتدادا لبدايات مشاعر الانتماء الحدية التي تنازعت المجتمع المصرة بعد الهزيمة ، وتعبيرا عن تلك التراكمات الاجتماعية والثقافية التي كانت قد بدأت تعبر عن نفسها فى أشكال جديدة من الوعي بين طبقات المجتمع تعبر عن نفسها أيضا فى حركة السلطة .

فبينما كانت تلك التراكمات الاجتماعية والسياسية تعبر عن نفسها فى ذلك الاعتصام الذي فتح عهد التظاهرات الطلابية والعمالية بعد ذلك وتعبر عن نفسها فى ذلك الوقت فى تعدد الانتماءات الفكرية والسياسية مدعمة ميولا ناصرية وماركسية وليبرالية ودينية بين المثقفين كانت تلك التراكمات الاجتماعية أيضا تعبر عن نفسها فى قمة السلطة السياسية لتفرز انقلاب مايو 1971 .

ولم يكن من شأن سلطة مايو 1971 أن تنفصل فى توجهاتها الخاصة بالعلاقة بين السلطة والناس وبين الناس والوطن عن توجهات سلطة يوليو 1952 فى ذلك الشأن ولكن بينما تمكنت سلطة يوليو 1952 من دمج مشاعر الانتماء للوطن فى مظاهر الانتماء للسلطة فى ظل الظروف التي ذكرناها لم يكن لسلطة مايو 1971 أن تتمكن من ذلك الدمج فى ظل الظروف الجديدة .

وبالطبع لم يعن ذلك أبدا أن تكف سلطة مايو 1971 عن الدأب فى محاولات ذلك الدمج كما تبتغى وتريد لذلك تمثلت الوجهة الأساسية رغم كل إشكاليات تحققها فى إبقاء مشاعر الانتماء للوطن فى دائرة المشاعر المجزأة الشخصية للأفراد .

ولم تكن الترجمة العملية لتلك الوجهة الأساسية سوى العمل الدءوب لإجهاض المظاهر الجديدة للانتماء كلما حاولت التعبير عن نفسها ( قمع التنظيمات المستقلة الناصرية والماركسية ) .

إن سلطة مايو التي كانت تعبيرا عن استيعاب سريع لكافة التحولات الاجتماعية الجديدة فى المجتمع المصري وداخل الطبقي الحاكمة كانت قد كفت عن إمكانيات صون مشاعر الكرامة الوطنية التي تكونت عبر سنوات مواجهة الاستعمار وكبار الملاك قبل الهزيمة والتي اتخذت مظاهر جديدة كرد فعل للنكسة لأنها كانت فى ذات الوقت تستوعب بسرعة فائقة كافة الميول الرجعية والانهزامية التي تكونت تحت ضغط الاحتلال وخاصة بعد أن كفت البرجوازية الحاكمة بفعل تلك التحولات حولها وداخل بنيتها عن القدرة على الاستمرار فى التمسك بشعاراتها الوطنية والاجتماعية التقدمية فى العهد الناصري فبرزت داخلها التمزقات وتفاقمت ميولها الرجعية كحل لأزمتها وأزمة حكمها ودشنت طريقها الجديد وشعاراتها الجديدة التي اتخذت من التسوية والصلح مع العدو عنوانا كبيرا لها .

وكانت حرب أكتوبر 1973 لحظة خاصة فى ذلك السياق ، فالبرغم من أنها كانت عملا عسكريا عنيفا إلا أنها كانت أيضا ذلك المعبر الزى تم عبره حفر مجرى الصلح مع العدو أي أنها كانت تعبيرا عن الوجهة السياسية بشكل عنيف ومن الغريب أنها أيضا لم تكن تحسينا لشروط التسوية كما تمت بعد ذلك .

وبينما كانت تلك اللحظة الخاصة التي مثلتها الحرب بين الجماهير لحظة تنازعتها مشاعر الخروج من القلق والتمزق الذي أصاب الكرامة الوطنية والرغبة فى الانتقام من العدو ومواجهته مع الرغبة الشعبية فى تحرير الأرض كانت تلك اللحظة الخاصة بالنسبة للسلطة تعنى استهدافها الأصيل لمحاصرة تلك المشاعر الشعبية بهدف استثمارها فى دائرة الانتماء للسلطة وللزعيم المؤمن الجديد .

وبالطبع فقد كانت للميول الرجعية التي تحدثنا عنها سطوة القيادة فى ذلك الطريق الجديد الذي دشنته مدافع حرب أكتوبر لتتنازع الدعاية الجديدة أحاديث نصر أكتوبر المجيد – التي ستكون آخر الحروب – وأحاديث السلم والصلح لتتكشف المحصلة النهائية عن تكريس آثار هزيمة 1967 .

وبينما انعكست الهزيمة 1967 والشعارات الدعائية التي رفعت بعدها فى محاولات لتخليص الكرامة الوطنية من الجراح التي علقت بها فأعلت من قيم الصمود والتحرر الوطني ومواجهة العدو انعكس " نصر أكتوبر " فى محاولات دءوبة لزرع الهزيمة فى وجدان الشعب بفرملة مشاعر الكراهية ضد الاستعمار فحرب أكتوبر هي آخر الحروب وتكفينا إسالة الدماء بلا جدوى .. الخ .

وقد تم كل ذلك فى دائرة من مفاقمة الشعور الزائف بالنصر المجيد والنهائي وإراحة الضمير الوطن طالما قد انتصرنا وقمنا بكل ما بوسعنا عمله وعلى أمريكا التي أصبحت صديقة أن تستكمل الصورة فليس بإمكاننا أبدع مما كان .

ولكن حرب أكتوبر 1973 لم تكن مناظرة لحرب 1956 من زوايا متعددة ولذلك لم تتمكن سلطة السادات بعد حرب أكتوبر من أن تكون مناظرة لسلطة عبد الناصر بعد عدوان 1956 الثلاثي وإن كانت سلطة السادات قد حاولت استثمار حرب أكتوبر من أجل انفراد بالسلطة فى ظل أوضاع معاكسة.

إن الفئة الطبقية التي كانت تتمكن من قيادة المجتمع بعد حرب 1956 وتملك ما تقدمه فى ذلك الوقت من حلول اجتماعية وفكرية لمشكلات المجتمع والتي تمكنت بعد تأميمات 1961 من جر كافة طبقات المجتمع وتياراته الفكرية للالتفاف حول شعاراتها لم تكن فى وضعها الجديد وتحولاتها الجديدة بعد الهزيمة بقادرة على فعل نفس الشيء بعد حرب أكتوبر 1973 بعد أن أصابها التمزق والوهن وافتقدت لأية إمكانية لطرح حلول ناجحة اجتماعية وفكرية لإشكاليات المجتمع الجديدة سوى تلك الحلول الناجمة عن توجهاتها الرجعية الجديدة التي تفاقم من أزمة المجتمع .

إن تلك الفئة الطبقية البرجوازية التي كانت قد اصطدمت بكبار ملاك الأرض والبرجوازية التقليدية الكبيرة أي برجوازية المشروع الرأسمالي الفردي كفئة طبقية صاعدة وقائدة للنمو الرأسمالي تملك توجهات وطنية واجتماعية انتقالية اتخذت طابع العداء للاستعمار وسيادة أسلوب رأسمالية الدولة المرتكز على القطاع العام كانت قد تفسخت وتحولت وتبلورت لها مصالح جديدة فاتجهت لتوسيع مجالات استثمارها بالإرتباط بملاك الأرض وإطلاق العنان لسيادة المشروع الفردي ليتحول شعار تذويب الفوارق بين الطبقات إلى تقنين توسيعها ومفاقمة الفوارق بين الأثرياء والفقراء وفق شعارات الإنفتاح الإقتصادى ودعه يعمل أي شيء شرط أن يدفع الضرائب فيفعل كل شيء ولا يدفع أي ضرائب .. الخ .

أي أن السلطة فى وضعها الجديد لم يكن باستطاعتها أن تجر كافة طبقات المجتمع وتياراته الفكرية خلفها بعد حرب أكتوبر وهى فى نفس الوقت تقنن تحولاتها الرجعية وتتجه نحو صياغة توسع طبقي رجعى – محلى وأجنبي تنبثق منه شعارات التحالف مع الإمبريالية الأمريكية والصلح مع إسرائيل.

وفى الدائرة العفوية الشعبية كانت الدعاية الواسعة " نصر " أكتوبر الذي حققه أبناء الشعب مسوغا لإنهاء المعاناة المعيشية طالما قد تحقق النصر وتفتحت العيون تبحث عن بوادر الرخاء المنتظر وقد دفعت هذه الدائرة مشاعر الانتماء الطبقي التي كانت قد برزت بعد هزيمة يونيو نحو مزيد من البروز والنمو خاصة الثراء فى المجتمع وعلى قمة السلطة السياسية كانت قد بدأت مظاهرها تلوح .

ولذلك شهد المجتمع المصري أشكالا متباينة من مظاهر الاحتجاج والمطالبة بتحسين شروط المعيشة وعبرت تلك المظاهر عن نفسها فى إضرابات المصانع ومؤتمرات العمال وتظاهراتهم فى القاهرة و الإسكندرية والمحلة الكبرى وغيرها كما تجسد ذلك فى أشكال أخرى من نفاذ الصبر فى الأحياء الشعبية والمدن الإقليمية تجاه أي تعنت يأتي من أقسام البوليس لتصبح " الأحداث المؤسفة " ظاهرة عامة تأخذ شكل مظاهرات الاحتجاج .

وعلى أرض من الأزمة الاقتصادية المتفاقمة بفعل التحولات الاجتماعية الجديدة التي تفاقم من ظاهرة الإثراء الفاحش والفقر المدقع تمت محاولات دغدغة مشاعر المواطنين داخل دائرة مفزعة لبيع الوهم وهم الرخاء القادم فتفاقمت وعود الرخاء التي تتناثر معها مفردات يوتوبيا عجيبة لمجتمع الوفرة واشتراكية التمليك لا التجريد التي كان وجهها الآخر قمع أي حركة مطلبيه وتجريد المواطن المصري من تحقيق أحلامه البسيطة على أرض الوطن .

وداخل تلك الدائرة الشريرة من تفاقم الأزمة الاقتصادية وبيع أوهام الرخاء القادم حدثت صدمة جماهير مصر التي عبرت عن نفسها فى انتفاضة 18 ، 19 يناير العارمة بعد ارتطام الأوهام على صخرة الواقع الذي تمثل آنذاك فى رفع الأسعار .

لقد كانت الأزمة الاقتصادية تملك أيضا إمكانيات واسعة من الإبداعات الشريرة التي انعكست على المجتمع المصري بعد تبلورها بشكل منهجي خطير .

فبينما كانت تلك الأزمة الاقتصادية تعكس تجسداتها على الجماهير الفقيرة بدفعهم نحو مزيد من الانتماء الطبقي خاصة فى أوساط الطبقة العاملة كانت السلطة التي تفاقم بإجراءاتها من انعكاسات تلك الأزمة على الأوضاع المعيشية لجماهير الشعب تقوم فى الوقت نفسه بدمج أسباب تلك الأزمة الاقتصادية مع خطتها فى إدانة كافة الحروب ضد الاستعمار وخاصة حروبنا الصهيونية معلنة أن الأزمة الاقتصادية بسبب حروبنا من اجل العرب ومن أجل فلسطين .

إن حروبنا الوطنية فى 1948 وفى 1956 وفى 1967 وفى 1973 لم تكن من أجل استقلال الوطن بل كانت من أجل العرب ومن أجل فلسطين .

لقد جرى تبرير الأزمة الاقتصادية بالحرب وجرى إخفاء التحولات الاجتماعية الرجعية بالحرب وجرى زرع الهزيمة في الوجدان المصري بالأزمة الاقتصادية التي سببتها الحرب أي جرى تكريس الهزيمة بنصر أكتوبر المجيد .

وعبر الخطة الجهنمية لزرع الهزيمة فى النفوس أي لمحاصرة مشاعر الانتماء الوطني جرت محاصرة مشاعر الانتماء الطبقي لصياغة انتماء مستحيل للسلطة وللزعيم المؤمن بصفة خاصة .

ورغم أن الشعار العام الذي رفعته سلطة مايو 1971 كان " الديمقراطية " فإن القمع البوليسي كان يلعب دورا رئيسيا فى استكمال محاصرة مشاعر الانتماء فى ذلك العهد .

ومعنى ذلك أن القمع البوليسي لم يكن بمقدره وحده أن يكون له ذلك التأثير الحاد دون عمل أساس لأوضاع اقتصادية واجتماعية وفكرية جديدة كانت قد تغلغلت فى بيئة المجتمع المصري وتمكنت من إفراز آثارها المدمرة .

فلم يكن إقدام السادات على إلغاء الحراسات سوى الضوء الأخضر لانطلاق أصحاب الملكيات الكبيرة فى اكتناز الثروة وانطلاق فئات جديدة نحو الثراء عبر المشروع الرأسمالي الفردي وعبر المضاربة والاحتيال ولم يكن إحياء الفئات الرجعية القديمة سوى الضوء الأخضر لانطلاق فئات رجعية جديدة واستشراء الفكر الرجعى القديم والجديد .

وعلى سبيل المثال لم يكن إلغاء الإتحاد الإشتراكى العربي ضيقا بنظام الحرب الواحد بقدر ما كان يعكس وضعا جديدا انكشف عن العوائق التي تمثلها صيغة قوى الشعب العاملة على انطلاق السيول الرجعية الجديدة داخل السلطة الساداتية .

لقد كشف ذلك الوضع عن عدم إمكانية انطلاق السلطة الجديدة بأيدلوجية قديمة ودون أن تتحرر قوى التحالف من الإطار الذي أصح لا يعبر عن أي تحالف ، ولعل المناقشة التي دارت فى ذلك الوقت حول مسألة إقامة المنابر الثابتة أو المنابر المتحركة أو المستقلة كانت تعبر عن ذلك الوضع .

إن السلطة التي كانت قادرة فى عهد عبد الناصر على جذب كافة التيارات الفكرية للدوران حول شعارات لم تعد قادرة على ذلك فى عهد السادات ولذلك لم يعد الإطار ملائما بل صار عائقا أمام الانطلاق .

وبالطبع كان إعلان فك التحالف الذي كان قد فك فى الواقع – مناسبة للحديث عن الديمقراطية التي يمنحها الزعيم المؤمن .

وكما دمج الحديث عن الأزمة الاقتصادية فى الحديث عن الحرب من أجل العرب والفلسطينيين وفى الحديث عن الصديق الأمريكي وعزيزي " كيسنجر " لزرع الهزيمة وأوهام الرخاء القادم تم دمج الحديث عن الديمقراطية ، بالهجوم على قوى اليسار- أعداء الوطن – والتحالف مع التيارات الدينية الجديدة التي كانت قد بدأت تنمو بعد الهزيمة كنوع من أنواع الانتماء المنعكس واستخدامها فى المعركة ضد مظاهر الانتماء الطبقي التي برزت فى حركة طلاب الجماعات وإضرابات وتظاهرات العمال كما برزت فى انتماءات فكرية جديدة بين المثقفين المصريين .

وفى عملية الدمج فوجئ المواطن المصري بتبدل مواقع الأعداء والأصدقاء حيث كان طرد الخبراء السوفيت تحررا والتحالف مع أمريكا تحضرا والصلح مع إسرائيل عملا حضاريا يفتح لنا مجالات الرخاء وخلق مجتمع الوفرة .

وكما أفرزت عملية الدمج الثانية تحالفا بين السلطة والجماعات الإسلامية الجديدة لضرب ظواهر الانتماء الطبقي فإنها ساهمت أيضا مع بروز مظاهر الفساد فى استشراء ظاهرة الانتماء الديني كنوع من أنواع الهرب من المجتمع الفاسد بالهجرة داخل الذات والانعزال عن المجتمع .

ورغم أن الديمقراطية تخلق إنسانا سياسيا فإنها كانت فى طبعتها المصرية تهدف إلى ازدراء السياسة وكراهية العمل السياسي وفقدان أي انتماء .

لقد فاقمت الأوضاع الاجتماعية الجديدة والتوجهات السياسية للسلطة الطبقية من الهواجس الشعبية حول وهم الرخاء ووهم الديمقراطية ووهم الوطن داخل دائرة من الإنهاك الممنهج للمواطن المصري .

وقد ارتكزت تلك الدائرة من الإنهاك على قاعدة من تراكمات التحولات الرجعية فى البلاد وغياب أى فكرة يمكنها أن تتقدم بالمجتمع وتخرج المواطن المصري من دائرة أزماته فدفعته نحو الهجرة أو على الأقل أدخلته فى دائرة انتظار حل أزماته بالهجرة عند أول فرصة بدورانه داخل نفسية الهجرة .

وكانت إجراءات الإنفتاح الإقتصادى قد قامت بخلق عدة ظواهر اقتصادية أفرزت تفاقم الحلول الفردية ونفسية التنقل والهجرة وفك استقرار الطبقات الاجتماعية فأصبحت ظاهرة الازدواج فى هياكل الأجور بين القطاع العام وشركات الاستثمار ظاهرة شديدة التأثير .

كما طرأ التحول فى أوضاع بعض الحرف مثل السباكة أو النقاشة .. الخ.

كذلك فقد كان لوجود المناطق الحرة وما أفرزته من مهن جديدة داخل المنطقي أو عبرها آثارها المدمرة أيضا .

أى أن إجراءات الإنفتاح الإقتصادى كانت تعكس نفسها داخل قطبي الثراء الفاحش والفقر المدقع لتحدث نوعا من التفكيك الإجتماعى تحت وهم الصعود الطبقي بالخبطات العشوائية داخل المجتمع أو بالهجرة خارجه .

وقد أحدث ذلك الوضع خلخلة فى مشاعر الانتماء الطبقي بالارتكاز على دائرة من قلقلة استقرار الطبقات الاجتماعية وأوهام الحل الفردي .

إن أوهام الحل الفردي قد وجدت لنفسها طريقا فى إمكانيات هجرة العمال فى شكات القطاع العام للعمل فى شركات الاستثمار خاصة بين الأجيال الفنية الجديدة وأبرز الكفاءات الفنية فى تلك الشركات كما أكدت شروط العمل فى شركات الاستثمار التي لا تحكمها ضمانات الاستقرار من نفسية التنقل بالإمكانية أو بالوهم – بين شركة استثمارية وأخرى أو بالسفر خارج البلاد .

وعلى الرغم من أن العمل فى شركات الاستثمار أو الهجرة للعمل فى الخارج لا يمكنها استيعاب كل القادرين على العمل – وظواهر البطالة الصريحة تنتشر فى تلك الظروف – إلا أن نفسية التنقل والهجرة فى ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية تكون لها سطوة ويكون لنماذجها فعل السحر .

وبينما تعكس تلك الظواهر للتنقل والهجرة إلى الخارج فى توازنها مع ظواهر داخل الذات مشاعر لا منتمية فى المحصلة النهائية تنبثق وتستشري من درجة الإنهاك التي تعرضت لها الطبقات الاجتماعية وتعرض لها الفرد فى المجتمع المصري حتى صار لا ينتمي انتماء حقيقيا إليه .

إن الانتماء للثروة – أو لوهم الثروة – يصير لمحا بارزا فى مثل تلك الظروف كما تبرز فى تلك اللحظات السمات العامة للشخصية الفهلوية التي تنتمي انتماء زائفا للوطن كمعادل لبروز الطابع الطفيلي للبرجوازية الحاكمة وإجراءاتها .

ومعنى ذلك أن السلطة فى عهد السادات التي عملت جاهدة من أجل محاصرة مشاعر الانتماء الوطني من أجل الصلح مع العدو ومحاصرة الانتماء الطبقي من أجل التحولات الاجتماعية والانفراد بالحكم لم تنجح فى توجيه مشاعر الانتماء للزعيم المؤمن بل قهرت الإنسان المصري بتفريغ محتويات انتمائه للوطن الذي كان قد بدأ يسلك طريقه عبر الانتماء الطبقي بكل مظاهره الاجتماعية والفكرية والثقافية .

وبينما استثمر السادات مشاعر الانتماء الديني باتجاه ذلك الهدف الرجعى الخطير إذ به يتجرع كأسه المر فى المنصة الرهيبة .

وبينما عبرت مشاعر الانتماء التي صاغها عبد الناصر عن نفسها فى جنازته عام 1970 عبرت أيضا مشاعر الانتماء التي صاغها عهد السادات عن نفسها فى جنازته عام 1981 لم يكن كل ما حدث فى عهد السادات عملا خارقا للعادة وإن كان ما حدث للمواطن المصري فى عهده مذهلا .

وهو ليس عملا خارقا للعادة لأنه لا يمكن استيعابه ودراسته وفهمه وتفسيره فى إطاره الإجتماعى التاريخي .

إن الطبقات الاجتماعية التي كانت قد بدأت تتخذ وضعا شبه مستقر بعد إجراءات عهد عبد الناصر كان الإنفتاح الإقتصادى وإجراءات عهد السادات تعيد إجراء صياغتها من جديد لتخلق لحظة انتقالية جديدة تتسم بتفكيك الطبقات وقلقلة استقرارها السابق داخل من الردة الاجتماعية والفكرية .

وقامت تلك اللحظة الانتقالية بإفراز سطوة الحل الفردي لدى المواطن المصري لتفرز بدورها مشاعر انتمائها الخاصة .

إن أوهام الحل الفردي قد اتخذت مستوياتها العميقة فى تلك اللحظة لأن استقرار الطبقات الاجتماعية السابقة كان قد تأثر تأثرا عميقا بغياب أي استقلال حقيقي لتلك الطبقات عن حركة لطبقة السائدة وسيطرة فكرها البرجوازي ولأن تفكيك الطبقات التالي وقلقلة استقرارها كان قد بدأ يتم فى اللحظة التي كان فيها ذلك الاستقرار ما فتئ يعبر عن نفسه بشكل جنينا وفى ظل غياب فكر اجتماعي جديد مؤثر .

ولذلك فقد طبعت أشكال التعبير الطبقي الجديد بالطبع العام لتلك اللحظة الجديدة التي يتنازع عنصرا الاستقرار السابق والتفكيك اللاحق أي فى داخل دائرة تنازعها مشاعر انتماء جماعية لكنها ليست سوى محصلة الجمع الحسابي لمشاعر إفراد طبقة أو مجموعة طبقات منفرطة وليس منظمة ومشاعر انتماءات فردية تعمقها الإجراءات التالية بما تزرعه من أوهام الحل الفردي .

إن حركة الجماهير المنتفضة داخل بوتقة تلك اللحظة التاريخية الجديدة لم تجد أبدا استمرارا لحركتها داخل تجسدات نقابية أو سياسية جماهيرية مستقرة بل تكشفت دائما عن مواجهة فردية .

كما عكست تلك اللحظة التاريخية الانتقالية نفسها على جماعات المثقفين التي كانت قد بدأت تندفع نحو انتماءات فكرية جديدة وعديدة فتسربت الهجرة والحل الفردي أيضا إلى المثقفين المصريين .

ولكن عناصر تلك اللحظة التاريخية كانت قد خلفت بين المثقفين والمفكرين دائرة عامة تنازعت حركتهم الفكرية والسياسية التي غالبا ما تنازعتها محاولات المحافظة على مكتسبات الاستقرار السابق ومقاومة التفكيك التالي بكل عناصره وإجراءاته الجديدة .

ولعل حركة المعارضة المصرية حول قضية القطاع العام التي يتنازعها عصرا المحافظة عليه ومقامة بيعه وتفكيكه تمثل نموذجا عاما تتجسد فيه العناصر التى احتوت حركة المثقفين المصريين فى تلك اللحظة التاريخية.

كما عكست تلك اللحظة الانتقالية نفسها على الإبداعات الفكرية والأدبية فراحت تعبر عن خواء النفس البشرية وفردية الإنسان المعاصر وسلبية المواطن ، كما عكست نفسها فى نماذج جديدة من الإبداعات الأدبية التي راحت تغوص فى الهموم الخاصة للنفس البشرية وتغلف بالغموض وتبرر عزلتها عن الناس بشتى الحجج النظرية والجمالية .

إن المحصلة النهائية لتراكم الإجراءات الاجتماعية والتوجهات الفكرية التي حركت المجتمع المصري منذ يوليو 1952 كانت قد تجسدت بشكل صريح فى تلك اللحظة الانتقالية الجديدة لتفرز أزمة اجتماعية شاملة عبرت عن نفسها فى أزمة فكرية حادة .

إن هذه الأزمة الفكرية يمكن إعطاء بعض ملامحها العامة فى انتهاء الدور التقدمي للفكر البرجوازي بعد أن دشنت أزمته هزيمة 1967 التي تعمقت بعد " نصر أكتوبر المجدي " وذلك فى نفس الوقت الذي قامت فيه إجراءات ذلك الفكر البرجوازي الاجتماعية والسياسية بعرقلة النمو المستقل للفكر الإجتماعى الثوري الذي وجد نفسه – أو وجدته الطبقات الاجتماعية – بعد هزيمة 67 وخاصة بعد حرب أكتوبر 1973 محاصرا بمنهج الفكر البرجوازي نفسه بعد أن تمكن من التغلغل فى أعماقه ليطبعه ويحدد له مساراته لتكون وجهات ذلك الفكر الجديد فى المحصلة النهائية محاصرة بحدود الفعل الذي لا يتحول أبدا إلى فعل مستقل.

وبينما تمكن الفكر البرجوازي من قيادة المجتمع المصري منفردا – رغم كل شيء – فى عهد عبد الناصر جاذبا خلفه التيارات الفكرية الأخرى ليدمجها فى توجهاته ولتعطى تلك التيارات نفسها لتلك التوجهات أبعادا خاصة بفعل الدور التقدمي لذلك الفكر البرجوازي فى ذلك العهد ، فقد تمكن ذلك الفكر البرجوازي – أيضا – وبعد هزيمته وتفاقم تياراته الرجعية من الاستمرار منفردا فى طرح حلوله الرجعية التي تدمر المجتمع وتفقد المواطن المصري هويته ، ودون أن يتمكن الفكر الإجتماعى للطبقات الشعبية من طرح بدائله التقدمية لحل المشكلات الجديدة طالما كان قد تشبع بمنهج الفكر البرجوازي ووقع فى جبته وحوصر فى مساراته .

إن اللحظة التي أعلن فيها الفكر البرجوازي عن هزيمته النهائية بنمو تياراته الرجعية لم تتمكن من إعلان بديل فكرى يملك فكرة موجهة تلتف حولها حركة الجماهير وتتقدم بها لإنقاذ المجتمع من مشاكل الغزو الإستعمارى الخارجي والغزو الرجعى فتمكن الغزو الخارجي من إحراز بعض النجاحات الخطيرة وتمكن الغزو الداخلي من صياغة المجتمع وفق أهدافه وهواه .

وبينما يفرز هذا الوضع وفى داخل دائرة الأزمة الاجتماعية والفكرية الشاملة بوارا اجتماعيا وفكريا وهجرة خارج المجتمع وداخل الذات وحلولا فردية فإنه يفرز أيضا عنفه الخاص الذي يكاد يدمر المجتمع ولا ينقذه وقد تمثل ذلم فى مظاهر العنف البرجوازي والديني أي فى عنف سبتمبر 1981 وعنف أكتوبر 1981 وما بعدها .

ولذلك فإن مهمة ملحة تقع على عاتق الفكر الإجتماعى تتمثل فى إنقاذ المجتمع المصري من أزمته الشاملة والخروج من تلك اللحظة الانتقالية الخاصة المدمرة .

ففي مثل هذه اللحظات الانتقالية – لأن أي مجتمع لا يمكنه أن يستمر كذلك – يكون الوطن نهبا لإمكانيات الغزو الإقتصادى والفكري والثقافي وتكون مهمة جماعة المثقفين والمفكرين والعلماء فى المجتمع مهمة أساسية فى كشف مظاهر الغزو والتصدي لها وكشف نقاط الضعف والقوة فى المجتمع التي يتسرب الغزو منها أو تلك التي يتحطم على صلابتها .

الفصل الثاني : اختلال توزيع الدخل والموارد

يا بخت من يقدر يقول واللي فى ضميره يطلعه . يا بخت من يقدر يفضفض بالكلام وكل واحد يسمعه "

صلاح جاهين

أولا : المواصلات .

ثانيا : الإسكان.

ثالثا : اختلال الخدمات الصحية والعلاجية .

رابعا : اختلال السياسيات الضرائبية .

ما أن خمدت نيران حرب السادس من أكتوبر عام 1973 حتى شرع السادات مرة أخرى فى اتخاذ الخطوات العملية لترتيب ( البيت ) من الداخل – على حد تعبيره – بحيث تستجيب مع ما استقر عليه الاتفاق ، وانصياعا لمقتضيات وشروط الصلح مع الإمبريالية الأمريكية وما هي إلا بضع شهور على عقد اتفاقية فك الاشتباك الأولى فى مارس 1974 ، حتى بدأ العد التنازلي للإعلان وتنفيذ السياسة الجديدة التي أطلق عليها " الانفتاح الإقتصادى " ولم يمض بضع أيام إلا وجاءت ورقة أكتوبر فى أبريل عام 1974 لتعلن عصر الانفتاح وجاءت الطبعة الأولى من القانون الإنفتاحى الشهير رقم 43 لسنة 1974 والتي تعرض بدوره لجملة من التعديلات والتغيرات استجابة لموازين القوى الطبقية فى الداخل والضغوط الرأسمالية الدولية فى الخارج ..
وبحلول النصف الثاني من عام 1976 كانت ترسانة القوانين الانفتاحية الجديدة – والتي بلغت 124 قانونا – قد غطت مجمل أوجه النشاط الإقتصادى فى مصر وفرضن بالضرورة واقعا اجتماعيا جديدا أخذ يطفو بإفرازاته على السطح رويدا رويدا ليجرف معه وقائع الثبات النسبي فى نسق القيم ومعايير الأخلاق لأعوام الستينات الخوالي .
فى البداية لم ينتبه للمضمون الحقيقي والاتجاه الرئيسي للسياسة الاقتصادية الجدية ، سوى نفر قليل من المثقفين ذوى الميول اليسارية ولكن لم تكن لتمضى شهور عام 1974 وتبدأ تباشير العام الجديد حتى أحس الجميع دوامة الأسعار واستشعرت الطبقات الشعبية مذاق الموت غرقا فى محيط من الجوع والحرمان وهكذا جاءت مظاهرات عمال حلوان والمحلة فى يناير و مارس 1975 تتويجا لأوضاع مرحلة قديمة وصفحة جديدة يبدأ بها تاريخ جديد للصراع الطبقي فى مصر .
وهنا سنجد لزاما علينا قبل التعرض للوقائع والمعطيات الاجتماعية والقيمية الجديدة أن نرصد تلك التغيرات التي طرأت على الواقع الإقتصادى ذاته على أننا سوف نتجاوز- نظرا للطابع الخاص لموضوع بحثنا – عن تلك المعطيات التي تندرج فى باب المناقشة التفصيلية ( مثل ميزان المدفوعات وتدهوره ، المديونية الخارجية وتفاقمها ، اختلال التوازن بين القطاعات الإنتاجية من ناحية والخدمية والتوزيعية من ناحية أخرى ) وكل ما يعنيا من جملة هذه الوقائع تلك التي تتصل اتصالا مباشرا بواقع الإنسان المصري وحياته المعيشية والتي ستبدو تأثراتها فى نسق قيمه مفاهيمه ومن ثم ممارساته الاجتماعية والسيكولوجية ( نمط توزيع الناتج المحلى الإجمالي فى أبرز مظاهره وأشكاله مثل أزمة المواصلات والإسكان والسياسات الضرائبية والخدمات الصحية ) .
فى الفصل الثالث نجد أنفسنا حيال وقائع الانحراف الإجتماعى المباشرة تلك الموضوعة التي ربما قد أشار إليها بعض الباحثين والتي أعتقد أنها لم تستوف حقها بعد من المناقشة، خاصة لما تمثله من خطورة آتية ومستقبلية على حياة الإنسان المصري واتجاهاته القيمية وممارساته الاجتماعية والسياسية .
إن النتائج التي تمخضت عن الانفتاح فى مجال السلوك الإجتماعى والنفسي قد صبغت المجتمع المصري بطابع مدمرأنانى ، عكست نفسها فى النهاية على نسق القيم فكانت زيادة معدلات سرقة السيارات وانتشار ممارسة البغاء وتفشى ظاهرة تعاطي الرشوة والاختلاس وتنامي عمليات السطو والاغتصاب .. الخ.
هذه الظواهر المرضية التي تفشت فى عصر الانفتاح .

المبحث السادس:ملامح الأزمة العامة للاقتصاد المصري

يعانى الاقتصاد المصري مجموعة من الإختلالات الهيكلية أخذت تتشابك وتتعقد عاما بعد آخر ، خاصة بعد أن اتسع مجال السوق ( العرض والطلب ) فى توجيه الموارد وتحديد الأولويات منذ عام 1974 فصاعدا ويؤكد الإقتصادى الأمريكي charles elindbom على أن الخصيصة الجوهرية فى اقتصاد يعتمد على جهاز السوق هو الاتجاه نحو عدم العدالة فى توزيع الدخل والثروة وبالتالي فى عدم القدرة على تلبية المطالب المشروعة لمحدودي الدخل .
وبانتهاج النظام السياسي فى مصر لسياسة الانفتاح الإقتصادى والسياسي الشامل على السوق الرأسمالي الدولي اتسعت وتسارعت معدلات الاندماج فى ذلك السوق ومن ثم تعمقت تلك الإختلالات فانعكست فى صورتها المالية فى تفاقم العجز فى الموازنة العامة للدولة وبالتالي ازداد الاعتماد على الوسائل التضخمية لتمويل ذلك العجز ( الاقتراض من الجهاز المصرفي ) وكذلك زاد الاعتماد على القروض الأجنبية والمحلية وهو ما أدى فيما بعد إلى زيادة الأعباء على الموازنة ذاتها لحلول آجال تسديد هذه الديون .

على أية حال نستطيع أن نشير إلى أبرز خمسة اختلالات هيكلية يعانى منها الاقتصاد المصري فى الوقت الراهن :

أولا : اختلال هيكل الناتج المحلى الإجمالي :

سواء كان ذلك راجعا إلى تباين وتفاوت معدلات النمو بين القطاعات السلعية من جهة وبين القطاعات الخدمية والتوزيعية من جهة أخرى حيث تشير المؤشرات الإحصائية المتاحة إلى أن الفترة 75 / 1980 أما قطاع الزراعة والري فلم تزد نسبة الزيادة السنوية خلال الفترة عن 1و 7 من عشرة % فى المتوسط تقريبا أو كان الاختلال يكمن فى تفاوت معدلات النمو بين القطاعات السلعية وبصفة خاصة الناتج الزراعي وبين معدلات النمو السكاني .
ونشير بصفة خاصة إلى ذلك الاختلال الخير ، باعتباره مسئول بصورة أساسية عن الفجوة الغذائية التي تعانيها مصر حاليا .
كما يتجسد هذا الاختلال فى عدم التوازن بين المزايا العديدة التي منحت لقطاع الأعمال الخاص والاستثمار والمشترك فى البلاد وفقا لقوانين الاستثمار وبين مستويات إنتاجه التي مازالت دون المستوى المطلوب وهو ما سنتعرض له بالتفاصيل بعد قليل .
ثم أخيرا الاختلال فى مصادر النقد الأجنبي ، حيث مخاطر الاعتماد على مصادر للدخل ليس للقرار المحلى أو قدرة السيطرة عليها وتوجيهها سواء لاعتبارات دولية وإقليمية ( السياحة – عوائد قناة السويس – البترول ) أو لأسباب سيكولوجية وسياسية ( تحويلات المصريين ) .

ثانيا : اختلال نمط توزيع الدخول :

سواء كان هذا التوزيع بين الحضر والريف أو بين سكان الريف بعضهم البعض أو بين سكان المدن وأنفسهم وبصفة عامة فهناك اختلال حاد فى توزيع الدخول بين كاسبي الأجور والمرتبات من جهة وعوائد حقوق التملك ( الربح – الفوائد – الريوع ) من جهة أخرى .
ووفقا للمتاح من البيانات ودراسات العينة حول إنفاق الأسرة المصرية حتى عام 1981 فإن هناك 5 % من السكان يستحوذون وحدهم على 34 % من الدخل القومي ، كما أن هؤلاء والـ 5 % الذين يأتون بعدهم مباشرة فى سلم توزيع الدخل يستحوذون على 45 % من الاستهلاك العائلي ( والبالغ حتى عام 82 / 1983 نحو 15 و 1 من عشرة مليار جنيه ) ويضفى عدم التوازن الراهن بين الأجور والأسعار مزيدا من التدهور فى نصيب عوائد العمل وإذا أخذنا بمقياس خط الفقر لعام 1984 ( أقل من 150 جنيه شهريا للأسرة ) فسنجد النتائج التالية :

- لدينا 4 و 3 من عشرة مليون مشتغل بالحكومة والقطاع العام .

- لدينا 3 و 3 من عشرة حائز لأراضى زراعية أقل من فدان .

- نحو 2 مليون مواطن يعملون بالقطاع غير المنظم .

أي لدينا نحو 10 مليون مشتغل وعامل يتقاضون أقل من 200 جنيه شهريا وبأخذ متوسط الإعالة فى الأسرة المصرية فإن هناك 30 مليون نسمه يعيشون تحت مستوى خط الفقر فى الريف والمدن المصرية .

ثالثا : اختلال التوازن فى التعامل مع العالم الخارجي :

وتزايد العجز فى ميزان المدفوعات ويعود ذلك بصفة أساسية إلى تزايد تعاملاتنا مع السوق الرأسمالي الدولي حيث زادت وارداتنا من 55 % عام 1973 من هذه الكتلة إلى 80 % عام 1980 ثم إلى أكثر فيما بعد ذلك.
وبالقطع لا يمكن القول بأن ذلك يعود إلى ضعف طاقاتنا الإنتاجية وقدرتنا التصديرية إلى دول الغرب الراسمالى ، فبرغم الصحة الشكلية للمقولة فإن هناك حقائق أخرى قد تغيب عن البعض نذكر منها انغلاق هذه الأسواق تقريبا بعضها البعض سواء فى الحاصلات الزراعية ( دول السوق المشتركة ) أو بنظام الحصص الأمريكية ( الملابس الجاهزة – السيارات .. الخ ).
ونموذج الصناعات الجاهزة والتريكو المصرية التي دمرت تقريبا بعد قطع العلاقات التجارية أوتجميدها مع الكتلة الاشتراكية عام 1976 وعدم تسوق منتجاتها فى الدول الرأسمالية يستدعى مزيدا من التأمل .
كما كان لتقلبات أسعار الصرف الدولية وخاصة الدولار الأمريكي آثار تضخمية على الاقتصاد المصري عبر معامل التجارة الخارجية وبهذا اتسعت الفجوة بين وارداتنا من الخارج وصادراتنا لتصل إلى ثلاثة مليارات جنيه تقريبا عام 83 / 1984 ثم إلى 14 مليارا نهاية عام 1991 بحلول تسديد القروض الأجنبية وانهيار أسعار النفط فى الأعوام الأخيرة واستمرار هذا الاتجاه لسنوات أخرى قادمة فإن الموقف سيتجه للتدهور فى ميزان رأس المال كذلك .
هذه الأوضاع تستدعى مراجعة جذرية لسياسات الإنتاج والاستهلاك المحلى من جهة وضبط حركة التجارة الخارجية بحيث يقلل من نسبة الواردات ووقف صور الاقتراض من العالم الخارجي لعدة سنوات قادمة .

رابعا : اختلال النظام الضريبي المصري :

حيث يقدر نصيب الفقراء من حصيلة الضرائب سنويا بنحو 70 % إلى 73 % فى صورة ضرائب رسوم الإنتاج وضرائب على الأجور والمرتبات .. الخ .
بينما ظلت حصيلة الضرائب التي تجبى من رجال المال والأعمال دون مستوى 15 % هذا فى الوقت الذي تشير فيه كل الدلائل الاقتصادية على ما تحقق من انتعاش فى عالم المال والتجارة خلال السنوات الممتدة من عام 1974 وحتى عام 1994 والتي دفعت المصادر الرسمية المصرية إلى الإعلان عن وجود أكثر من خمسة آلاف ملياردير مصري ونحو مائتي ألف مليونير آخرين .
ووفقا لما ذكره السيد وزير المالية فى مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 85/ 1986 فإن قيمة الواردات المعفاة من الجمارك فى عام 82 / 1983 بلغت نحو 2923 مليون جنيه ثم انخفضت قليلا فى العام 83 / 1984 إلى 2151 مليون جنيه .
فإذا أخذنا فى الاعتبار ما يصدره الجهاز المركزي للمحاسبات عن المشروعات الاستثمارية ومدى مساهمتها المتواضعة فى الناتج القومي ( إنتاجا وتصديرا ) وما يصدره جهاز التعبئة العامة والإحصاء عن هذه المشروعات كذلك فإننا نستطيع أن نستخلص أن معظم هذه المزايا الضريبية والجمركية ( والتي تعد بالمنظور البعيد المدى خصما من موارد المجتمع واستنزافا للفائض الإقتصادى ) لم تكن لصالح استثمار انتاجى وتصنيعي فمنذ عام 1974 وحتى منتصف 1985 لم تتجاوز رءوس أموال المشروعات الاستثمارية التي أنشأت وفقا لقانون الاستثمار الشهير 43 لسنة 1974 وتعديلاته نحو 2985 و2 من عشرة مليون جنيه بواقع 250 مليون جنيه كل عام ) معظمها بالعملة المحلية ( 80 % ) .
وعن نمط التوظيف الإستثمارى ، تشير نفس المصادر إلى أن ما تم توظيفه من رءوس الأموال هذه فى مجال الصناعة لم تتجاوز 899 مليون جنيه ( بنسبة 21 و 2 من عشرة % من إجمالي رءوس أموالها ) بينما اتجهت النسبة العظمى ( 53 و6 من عشرة % ) إلى قطاع المقاولات وتوظيف الأموال والبنوك والمستشفيات الاستثمارية وذلك منذ عام 1974 حتى عام 1986.
لقد أصبح من المناسب فى ضوء خطة طويلة الأجل لإصلاح مسار الاقتصاد المصري ، مراجعة قاعدة الجباية الضريبية والعمل على توسيعها وليس تقليصها كما يجرى حاليا .

خامسا : اختلال النظام المصرفي :

اتسمت السنوات العشرة الأخيرة ، ليس بالإفراط فى الإصدار النقدي ومنح الائتمان والاعتماد المتزايد على الوسائل التضخمية لتمويل عجز الموازنة فحسب ، بل تميزت كذلك بمعدلات عالية لنزح ودائع المصريين من خلال البنوك التجارية والمشتركة من الداخل إلى الخارج سواء كان ذلك يتم بصورة قانونية أو بصورة غير قانونية .
وإذا قارنا بين متوسط معدل النمو السنوي لعرض النقود فى الاقتصاد المصري ( 30 % ) وبين المعدل السنوي المتوسط لنمو الناتج المحلى الإجمالي ( 8 % ) ( بما فيها البترول ) خلال العشر سنوات التي تبدأ من عام 1974 نجد أن هذا التفاوت الواسع كان أحد مصادر تزايد التضخم وارتفاع الأسعار فى مصر بصورة غير مسبوقة .
أما البنوك العاملة فى مصر ( وعددها مائة بنك تقريبا ) فإنها تحتاج منا إلى وقفة خاصة .
فقد كان ضمن الأهداف الأولى لإنشاء البنوك الخاصة التجارية والبنوك المشتركة (الأجنبية والمصرية ) وكذلك فروع البنوك الأجنبية هو جذب رءوس الأموال من الخارج إلى داخل مصر ، وإجراء عمليات حقن مستمرة لتمويل المشروعات الاستثمارية والصناعية بصفة خاصة .
بيد أن التجربة قد أسفرت عن نتيجة مختلفة تماما ، فبدلا من ذلك قامت هذه البنوك ليس فقط بالمضاربة على الجنيه المصري لصالح الدولار – كما أثبتت بعض التحقيقات لدى بعض هذه البنوك وإنما تم تحويل كمية ليست بقليلة من ودائع المصريين والخارج إلى المراكز الرئيسية لهذه البنوك فى الخارج سواء فى الولايات المتحدة الأمريكية أو أوربا الغربية للاستفادة من فروقات أسعار الصرف الدائنة ، وهو ما يمثل خصما خطيرا من موارد العملات الأجنبية المتاحة فى مصر ولصالح بنوك الخارج والمراسلين .
ولقد قمنا بتحليل الميزانيات السنوية لهذه البنوك خلال الفترة الممتدة من عام 1975 وحتى مارس 1988 ( الأصول والخصوم ) فتبين أن ودائع هذه البنوك ( التجارية والمشتركة ) بالخارج تربو على 8849 و 3 من عشرة مليون جنيه بالعملات الصعبة وهو ما يعادل رءوس أموال المشروعات الاستثمارية التي أنشأت فى البلاد والمناطق الحرة مستفيدة من مزايا وتسهيلات القانون رقم 43 لسنة 1974 خلال الخمسة عشر عاما الماضية ( انظر الفصل الثالث ) .
أما التسهيلات الائتمانية وعمليات فتح الإعتمادات المصرفية فإن أهم ما تميزت بها الفترة الماضية الإفراط فى منح التسهيلات بصورة تخرج فى أحيان كثيرة عن ضرورات وشروط الأمان المصرفي المتعارف عليها .

فماذا قدمت البنوك المشتركة وفروع البنوك الأجنبية ؟

هذا ما سنتناوله فى الفصل الثالث من هذه الدراسة .

المبحث السابع نمط توزيع الدخل القومي فى ظل الانفتاح الإقتصادى

تعانى دراسات قياس توزيع الدخل القومي فى مصر – كما فى غيرها من دول العالم الثالث – من صعوبات لا حصر لها تنبع بعضها من قصور قاعدة البيانات والإحصاءات المتكاملة والمستندة إلى نماذج متطورة ومناسبة لجمع وتحليل البيانات وتنبع بعضها الآخر من طبيعة الانعكاسات السياسية المباشرة التي ترتبط بمؤشرات ونتائج مثل هذه الدراسات على ما تسميه النخب العسكرية الحاكمة الإستقرارالإجتماعى والأمن القومي.
ويزداد الأمر صعوبة حينما يتعرض المجتمع المعنى إلى حالة من الاستقطاب الطبقي المركز بحيث تتنامى عمليات تركز الثروة فى أيدي فئات اجتماعية محدودة العدد من ناحية ويتقلص النفوذ الإقتصادى والتأثير الإجتماعى للفئات الاجتماعية الوسطى وتتكثف عمليات الإفقار النسبي وطبقات أخرى تمثل الثقل والأغلبية فى النسيج الإجتماعى الوطني من ناحية أخرى .
ولذا لم يكن من المناسب أو المعقول إجراء عمليات إصلاح اقتصادي جدي وفعالة فى المجتمع المصري منذ عام 1974 لتغيرات اقتصادية واجتماعية وسياسية هامة دون أن تتوافر قاعدة متكاملة من المعلومات والبيانات بشأن هيكل توزيع الدخل القومي بين الفئات الاجتماعية المختلفة ومع ذلك فإن عواصف شتاء عام 1977 كانت من العنف بحيث انعكست سلبا على البحث العلمي والأكاديمي فى البلاد وهكذا توقفت عمليات المتابعة الدقيقة للمتغيرات الاقتصادية التي حفلت بها السنوات الممتدة من عام 1974 وحتى الآن .
فدراسات ميزانية الأسرة بالعينة التي تجريها أجهزة الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء تكاد تكون قد توقفت عند نتائج دراسة " ميزانية الأسرة لعام 74/ 1975 " فى وقت كانت الدلائل والمظاهر تشير إلى أن ثمة جديدا فى الحياة المصرية ونمط الاستهلاك حتى تلك التي أعدت وصدرت عن " ميزانية الأسرة لعام 81 / 1982 " فإن ما شابها من قصور وعدم اتساق فى بعض جوانبها قد أصابت عمليات البحث فى هذا المجال بالكثير من عدم الوضوح .

والحقيقة أن إجراء دراسة حول هيكل توزيع الدخل القومي فى مصر خلال العشرين عاما الماضية ينبغي أن يتوقف بالتحليل والتدقيق فى ظواهر ثلاث :

الأولى : النمو الكبير فى الوزن المالي والإقتصادى لما يسمى بالاقتصاد الخفي أو ما يسميه د . عبد الفضيل وجيهان دياب الأموال السوداء فى الاقتصاد المصري وتأثيراتها بفعل ما أطلق عليه البعض مضاعف الفساد فى صورها المختلفة من رشاوى وعمولات .. الخ. بحيث نستطيع أن نشير بثقة أن الكميات الاقتصادية الرسمية لا تعكس على الإطلاق الهيكل الحقيقي للأنشطة الاقتصادية ونمط توزيع الدخول .

الثانية : التأثيرات الاقتصادية للحقبة النفطية على الاقتصاد المصري خاصة خلال الفترة الأولى للانتعاش النفطي ( 19741981) سواء بالنسبة لتحويلات المصريين العاملين بالخارج وتأثيرها السلبي ( التضخم ) والإيجابي ( انتعاش بعض الأنشطة وخاصة قطاعات المقاولات والتجارة والمال ) وانعكاسات ذلك على الخريطة الاقتصادية المصرية ومستوى التشابكات والتعاملات بين مختلف القطاعات الإنتاجية والسلعية .. الخ .

الثالثة : تأثير ذلك الانتعاش المؤقت على خلق طبقة كربونات فى مصر تتعيش من مدفوعات الفائدة الشهرية أو السنوية التي تتقاضاها من البنوك وشركات توظيف الأموال من جراء إيداع مدخراتها لديها والتي يقدر عددهم فى مصر حاليا بنحو مليون مواطن وكذا اتجاه الكثيرون من العاملين فى المصالح الحكومية والقطاع العام ( 25 % من قوة العمل فى مصر حاليا ) للعمل الإضافي أو ما يسميه الدكتور فوزي منصور دخول الظل وبالتالي يصبح من الصعب الاعتماد على مؤشر خط الفقر كمحدد لنمط توزيع الدخول والفئات المتدرجة فيه بفعل اعتماد الدراسات التي أخذت بع على البيانات الإحصائية الرسمية التي أغفلت أثر التغيرات الجديدة على واقع المستويات المعيشية الراهنة .

فعلى سبيل المثال تشير دراستا إبراهيم العيسوي ورمزي زكى إلى انخفاض النصيب النسبي للأجور من الناتج المحلى الإجمالي من 50 و 4 من عشرة % عام 1973 إلى 45 و 8 من عشرة % مقابل ازدياد الوزن النسبي لعوائد حقوق التملك ( الأرباح والريوع الزراعية والعقارية ومدفوعات الفائدة ) من 49 و 6 من عشرة % إلى 54 و 2 من عشرة % خلال نفس الفترة وقد واصلت نسبة الأجور من الناتج المحلى الإجمالي انخفاضها فيما بعد ذلك حتى بلغت عام 1982 نحو 29 و 4 من عشرة % وفقا لتقارير الجهاز المركزي للمحاسبات .
ويستخلص الباحثان من ذلك نتيجة مؤكدة أم نسبة الأسر الفقيرة التي تعيش تحت خط الفقر الذي حددته منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة قد ازدادت بصورة كبيرة وتشير أحدث دراسات البنك الدولي إلى أن سياسات الأجور والمرتبات فى مصر خلال الفترة 19821987 قد أدت لتخفيض الجور والمرتبات بنحو 10 %من قيمتها الحقيقية سنويا كما أن العاملين يعانون من خصم حقيقي فى أجورهم تعادل 40 % بسبب التضخم وسياسات الإصلاح الإقتصادى .
وبرغم أن ظواهر عديدة تؤكد صحة هذه النتائج من زوايا اجتماعية معينة إلا أن اعتماد مؤشر مستوى الدخل السنوي للفرد أو الأسرة بالاستناد إلى المقياس المعتمد من هيئات الأمم المتحدة المشار إليه وبالاعتماد على البيانات الحكومية المصرية لتوزيع الدخل تصح فى حاجة إلى إعادة نظر .
وينبغي مع ذلك أن نعيد النظر فى بعض هذه النتائج فى ضوء الظواهر الثلاث السابق الإشارة إليها وكذا مراجعة المحتويات الإحصائية الخاصة بعوائد حقوق التملك التي أخذت فى التزايد خلال الحقبة النفطية بسبب ارتفاع حصيلة بيع البترول المصري الذي يندرج بدوره فى بنود عوائد التملك .
كما أن مراجعة الإحصاءات الخاصة بالإنفاق الإستهلاكى العائلي فى البلاد خلال الفترة من 69 / 1970حتى عام 85 / 1986 تعطى مؤشرات قد يكون من المفيد التوقف عندها بالتحليل فوفقا لما هو متاح فإن حجم هذا الإنفاق الإستهلاكى الخاص ( بالأسعار الجارية ) قد ازداد من 1991 و 1 من عشرة مليون جنيه عام 69 / 1970 إلى أكثر من 18668 مليون جنيه عام 85 / 1986 كما هو موضح فى البيان التالي :
جدول رقم ( 1)

تطور الإنفاق الإستهلاكى العائلي فى مصر خلال الفترة 70 / 1971– 85 / 1986بالمليون جنيه

المصدر: البنك الأهلي المصري ، النشرة الاقتصادية ، المجلدين ( 32 ) و ( 39 ) الإعداد ( الأول ) و( الثالث ) للسنوات 1979 ، 1986 على الترتيب وكذلك مجلس الشعب ، الفصل التشريعي الرابع ، دور الانعقاد العادي الثاني تقرير الخطة والموازنة يونيه 1986 ص 48 .

ويهمنا أن نبدى مجموعة من الملاحظات :

الأولى :فبرغم الفترة الشكلية فى حجم الإنفاق الإستهلاكى للمصريين خلال العشرين عاما الماضية والتي قاربت التسعة أضعاف فإن استخدام الأرقام القياسية الرسمية – التي هي عادة أقل كثيرا من الرقم الحقيقي – يكشف أن هذه الزيادة لم تحدث تحسنا حقيقيا فى مستوى استهلاك المصريين باستثناء الفئات التي نجحت فى التعاقد والعمل بالخارج وتمكنت بالتالي من إجراء تحسينات محدودة فى أنماط استهلاكها ( المسكن – الأجهزة الكهربائية والسلع المعمرة ) بل أننا بمقارنة بيانات العمودين ( 2 ) و ( 5 ) نجد أن معدلات التطور الإستهلاكى آخذة فى التناقص عاما بعد آخر ونستخلص أن حجم الإنفاق الإستهلاكى العائلي لعام 85 / 1986 لا يمثل سوى 1 و8 من عشرة من الاستهلاك العائلي لعام 1970 / 1971 فإذا أخذنا بعين الاعتبار معدلات النمو السكاني خلال العشرين عاما الماضية حيث زاد سكان مصر من 35 مليون عام 1970 إلى 48 مليون نسمة عام 1986 أي بمعدل نمو يزيد عن 2 و 8 من عشرة % سنويا نستنج أن معدل نمو استهلاك الضروريات ظل متواضعا للغاية ووفقا للحالة فى عام 85 / 1986 فإن الاستهلاك العائلي على الغذاء قد بلغ 10491 مليون جنيه ألا بنسبة 6 % تقريبا من إجمالي الاستهلاك العائلي.
أما الإنفاق على السلع غير الغذائية والخدمية فقد بلغ نحو 8177 مليون جنيه وظل الإنفاق الحكومي والعام يدور حول 7019 مليون جنيه خلال ذلك العام أي بنسبة 27 و 3 من عشرة % من إجمالي الاستهلاك النهائي بالمجتمع وتظهر بيانات حديثة نسبيا أن هناك تضاربا كبيرا بين الأجهزة الرسمية بشأن حجم الاستهلاك العائلي فى البلاد ويقدم البيان الذي تضمنه تقرير مجلس الشورى للجنة الشئون المالية والاقتصادية عن ضبط الاستهلاك القومي عام 1922 صورة واضحة لهذا التضارب والتناقض .
جدول رقم ( 2 )

إجمالي الإنفاق العائلي على المستوى القومي فى الفترة 81 / 2819 – 89 / 1990 " بالمليون جنيه وأسعار 86 / 1987 "

المصدر : مجلس الشورى : التقرير المبدئي للجنة المالية والاقتصادية .

عن موضوع " ضبط الاستهلاك القومي " 1992 ص 25 .

فالاستهلاك العائلي وفقا للأسعار الجارية الواردة فى الجدول رقم (1) والمتضمنة فى تقرير مجلس الشعب المصري تختلف تماما عن الأرقام الواردة فى تقرير مجلس الشورى وإن كنا نرجح صحة ودقة تقرير مجلس الشعب المصري الواردة فى الجدول رقم (1) .
الثانية : إن الرياح التضخمية التي اجتاحت الاقتصاد المصري منذ عام 1974 والاندماج المتزايد للاقتصاد المصري فى السوق الرأسمالي الدولي الذي دخل عصر الكساد التضخمي قد أدى إلى انخفاض حقيقي وباستخدام الرقم القياسي لأسعار المستهلكين خلال الفترة المشار إليها آنفا والتي تظهر متوسط التضخم ما بين 7 % إلى 15 % سنويا فإن زيادة الإنفاق الإستهلاكى الخاص تبدو متواضعة بصورة ملحوظة ..
وبالمقابل فإن الفئات الاجتماعية المرتبطة بحركة التجارة الداخلية والخارجية ( الوكلاء التجاريين – السماسرة – تجار جملة ونصف جملة ) قد استفادوا بصورة كبيرة من معدلات التضخم هذه وبالتالي تحسن وضعهم فى التأثير على عملية صياغة وصنع القرار التشريعي والتنفيذي .
وقد حاولنا من واقع تقارير الغرف التجارية ب القاهرة والمحافظات الأخرى عامي 85 / 1986 التعرف على اتجاهات التضخم وارتفاع أسعار أهم السلع الضرورية فأظهر التحليل أن معدل ارتفاع أسعار السلع الغذائية الضرورية خلال عام واحد قد تراوحت بين 3 % فى بعض السلع ونحو 20 % لبعضها الآخر وبالتالي فمن المؤكد أن الزيادة الكبيرة فى الإنفاق الإستهلاكى العائلي تعود فى وجهها الآخر إلى ارتفاع أسعار أهم الحاجيات الاستهلاكية .
الثالثة : أن السياسة المالية للحكومة طوال العشرين عاما الماضية كانت بمثابة أداة من أدوات التغذية العكسية لعوامل التضخم الجامح فى الاقتصاد المصري فالتمويل بالعجز اتخذ أبعادا فى غاية الخطورة حيث ازداد البنكنوت المصدر من 467 مليون جنيه فى ديسمبر 1965 إلى أن بلغ 1812 مليون جنيه فى فبراير 1978 وتجاوز فى يونيه عام 1985 نحو 7350 مليون جنيه وقد أدى هذا الإفراط فى استخدام أسلوب الاقتراض من الجهاز المصرفي إلى دفع حلزون التضخم إلى أعلى مستوى شهده الاقتصاد المصري فى تاريخه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الآن .

وفى محاولة من جانب عدد من الباحثين لقياس مدى عدالة الأجور بين مختلف المجموعات الوظيفية المختلفة تبين من المؤشرات ذات الدلالة نذكر منها :

(1)أن الرقم القياسي للأجر الحقيقي فى القطاعات السلعية قد انخفض من 100 عام 1975 ( باعتبار عام 1975 يمثل سنة الأساس ) إلى( 95,8 ) عام 1977ثم تحسنت قليلا عام 80 /1981 إلى 118,9 .
وبالمقابل قفز الرقم القياسي للأجر الحقيقي للمشتغل فى قطاعات التوزيع إلى 185,2 خلال نفس الفترة مما يعكس اختلالا هيكليا واجتماعيا فى نفس الوقت .. وفى دراسة سرية قام بها الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة – حول متوسط الأجر الحقيقي للعاملين بقطاع الأعمال الحكومي من واقع الموازنة للدولة للعام المالي 83 / 1984 تبين وباستخدام الرقم الرسمي القياسي لأسعار المستهلكين لعام 1984أن متوسط الأجر الحقيقي للعاملين لشركات القطاع العام لا يتجاوز 1/4 متوسط الأجر الرسمي الذي تظهره بيانات الحكومة وهى يدور فى المتوسط حول 400 جنيها سنويا للمشتغل مقابل 1800 إلى 2100 جنيها كأجر اسمي ) وبرغم أن هذا المتوسط يغفل تباينات توزيع الدخل بين المجموعات الوظيفية المختلفة ونمط التشوه الحادث فعلا فى هياكل الأجور بالمصالح الحكومية المختلفة ( لوائح خاصة ، كادر عام ... الخ ).
(2)إن فجوة الأجور بين العاملين بالقطاع الحكومي من جهة وشركات القطاع العام من جهة أخرى آخذة فى التزايد وكذلك فإن الفجوة بين هذين القطاعين وبين المشروعات الاستثمارية الخاصة والأجنبية والمشتركة قد تعدت كل التصورات الممكنة بحيث أصبح وجودها يشكل عبء اجتماعيا ونفسيا مفزعا للعاملين فى الحكومة والقطاع العام وهكذا بات حلم الملايين من العاملين فى مصر أما الهجرة والعمل فى أحد الأقطار النفطية العربية أو على الأقل العمل فى إحدى المؤسسات الاستثمارية حتى لو أدى ذلك لمطالبة العديد منهم ببيع شركات الحكومة إلى هذه المؤسسات أو إدماجها فى إحدى الفروع الأجنبية ليشكلا شركة استثمارية بصرف النظر عن مخاطر ذلك على الاقتصاد المصري .
(3)كما أسهمت التغيرات الاقتصادية وفتح المجال أمام القطاع الرأسمالي الفردي فى مصر وتحريره من كافة القيود السعرية والضريبية إلى بروز فجوة واسعة فى مستوى الأجور والإنفاق ، وقد تبين فى " بحث ميزانية الأسرة بالعينة 81/ 1982 " أن نسبة ما ينفقه أفراد العينة على الطعام والشراب فقط فى مدن الجمهورية قد تجاوز 50,7 % وإذا أضفنا إليها الدخان والمكيفات والملابس ترتفع إلى أكثر من 68 % أما فى الريف فيزداد الأمر سوء حيث تبلغ هذه النسبة 60,9 % من إجمالي إنفاقهم وإذا أضفنا نفس المجموعتين السابقتين ترتفع النسبة إلى 76,7 % أما وسائل الثقافة والتسلية فلن تتجاوز 0,8 % .
والمدهش هنا هو تجاهل جميع المسئولين الرسميين وأبواق الدعاية الحكومية مرارة الواقع فترتفع الأصوات بين الحين والآخر مطالبة بالاستجابة لشروط مؤسسات التمويل الدولية ( صندوق النقد الدولي ) لإلغاء الدعم الذي لم يتجاوز فى موازنة السنة المالية 83/ 1984نحو 1686 مليون جنيه بينما بلغت الإعفاءات الجمركية والضريبية عام 1982 وحدها نحو 1923 مليون جنيه .

نحن هنا إزاء ظاهرتين متسقتين من حيث الشكل والمضمون :

فأولا :هناك معدل زيادة سنوي متواضع للأجور الاسمية لم يتجاوز 13 % خلال السنوات العشر (74-1984 ) وبنحو 15% خلال السنوات العشر اللاحقة ( 84-1994) .
ثانيا :هناك معدل تضخم سنوي تراوح بين 30-40% سنويا ابتلع كل زيادة اسمية فى الأجور ودفع بكاسبيها إلى قاع المدينة وأوحال الجريمة غير المنظورة ( الرشوة ) والمنظورة ( الاختلاس ) وبالتوازي تسير عملية منح التسهيلات والإعفاءات الجمركية والضرائبية على قدم وساق لأصحاب رؤوس الأموال والمستثمرين من كل صوب وحدب والأخيرون تبدو علاقات التشابك الإجتماعى والعائلي بينهم وبين صناع القرارات السياسية حميمة للغاية .
يؤكد أحد الاقتصاديين على أن إعادة توزيع الدخل لصالح أصحاب الملكية قد تمت أساسا لصالح طبقة جديدة – غير منتجة من وجهة النظر الاجتماعية – التي تعمل على الكسب السريع من المضاربة والسمسرة واستغلال النفوذ والمشكلة هي أن الطبقة تتميز بارتفاع ميلها للاستهلاك مع ما يترتب على ذلك من شيوع أنماط الاستهلاك الترفي وتعمل هذه الأنماط من خلال أثر التقليد والمحاكاة على خلق التناقض بين التطلعات الاستهلاكية والدخول المتواضعة ، الأمر الذي يؤدى إلى السعي وراء المال بأي وسيلة وبالتالي فإنها تدفع على الانحراف والفساد.
إن هذا المحيط بشكل عام قد خلق واقعا من الاغتراب الفردي والجماعي ظهر ذلك جليا فى حالات التمرد المتعددة الأشكال والمتباينة المنابع الفكرية وكذلك الهجرات الجماعية والفردية إلى الخليج تحت عنوان ( العمل فى الخارج ) سواء للبلاد العربية أو الأجنبية .
ومسألة توزيع الدخل ليست قاصرة على تلك الأشكال المعروفة ( أجور وأرباح .. الخ ) فحسب بل هي تهد من وجهة النظر الاجتماعية أشمل من ذلك وأعمق وتوزيع الموارد الاقتصادية فى المجتمع يعبر بذاته عن نمط محدد من توزيع الدخل .
ومما لا شك فيه أن عمليات تخصيص الموارد المحدودة أصلا سوف تعكس ليس آليات العرض والطلب المرتكزة على المعطيات الجديدة فحسب وإنما تعكس مدى التأثير السياسي للقوى الاجتماعية الرأسمالية الجديدة فى عملية صنع القرار وصياغة التشريعات والقوانين في المجلس النيابي ليتأسس بذلك حلف طبقي جديد يسعى دائما عبر سيطرته المطلقة على إدارة التشريع والتنفيذ لتوجيه الموارد الاقتصادية والمالية لخدمة أغراضه المحدودة والأنانية .

المبحث الثامن اختلال تخصيص الموارد الاقتصادية فى ظل الانفتاح

إذا كان ثمة صعوبات حقيقية فى إجراء دراسات شاملة وموثوق بها حول نمط توزيع الدخل القومي والتوزيعات الأجرية الرسمية والظلية بين مختلف القوى والطبقات الاجتماعية فى البلاد فإن تخصيص وتوزيع الموارد المادية والخدمية المحدودة فى المجتمع بحد ذاتها عن نمط من أنماط توزيع الدخل .
وبالقطع فإن من غير المقصود أن تكون مثل هذه الإدارة الاقتصادية مقطوعة الصلة عن شبكة المصالح المعقدة والمتعددة المسالك والدروب بين أصحاب القدرات المالية والاقتصادية من ناحية ومتخذي القرارات التشريعية ( المجلس النيابي ) والتنفيذية ( رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء والوزراء .. الخ ) من ناحية أخرى .
سنحاول هنا التعرض إلى قطاعات اقتصادية وخدمية رئيسية ، تشكل فى تقديرنا عصب الحياة الاجتماعية المصرية وعقدة العقد فى التركيبة النفسية والسلوكية للأفراد والفئات الاجتماعية المختلفة خلال العشرين عاما الماضية وهذه القطاعات هي :

- النقل والمواصلات .

- الإسكان .

- الخدمات الصحية والعلاجية .

- السياسة الضرائبية .

ولا يعنى ذلك بالضرورة أن هذه القطاعات هي التي تعانى من مظاهر الاختلال فى توجهاتها السياسية العامة بقدر ما يأتي تركيزنا عليها ، من واقع تداخلها المعقد بالحياة كما سبق وأسلفنا ، ومن دافع الاعتراف بالثقل الذي تشكله فى الأداء الاقتصادي والمالي فى الاقتصاد المصري وانعكاساتها على الأوضاع الاجتماعية والثقافية والتعليمية بل وحتى السياسة لمختلف الفئات والطبقات الاجتماعية فى البلاد .
أولا : النقل والمواصلات :
لسنوات طويلة ظلت مشكلة النقل والمواصلات من أهم المشاكل التي تواجه الفقراء فى مصر وفى ظل حملات إعلامية مكثفة لزيادة الإنتاج وتنمية مشاعر الانتماء كانت نصالها تتكسر كل يوم أمام الممارسة اليومية الطبقية التي تواجه هذا الإنسان وهو فى طريقه إلى مواقع العمل والإنتاج حيث يعانى من عذاب المواصلات والنقل فى وقت كانت مظاهر الترف البادية على الوزراء ورؤساء مجالس الإدارات ليست فى حاجة إلى تعليق .
وبرغم قدم هذه الظواهر فى المجتمع المصري سواء قبل 1952 أو بعدها ، إلا أن سنوات الانفتاح كانت قد أضافت وعمقت من هذه المشاعر الاغترابية بفعل التناقض الذي بدا أكثر وضوحا وأكثر حدة .
وبالقطع لم ينجح حراك الحقبة النفطية وتمكن الكثيرون من شراء السيارات الخاصة أو حتى أجرة ( تاكسي ) تستخدم لكلا الغرضين ( تجارى – عائلي ) فى التخفيف من حدة المشاعر المترسبة فى الأعماق بالغبن للذين قدر لهم أن يظلوا يعملون فى مواقع الإنتاج والخدمة المدنية فى مصر ذاتها .
لقد كان استحضار هذه المشاعر من اللاوعي إلى الممارسة ، يتم صباح ومساء كل يوم أثناء استخدام العامل أو الموظف لوسائل النقل العام فى المدن أو الريف .
فعلى سبيل المثال بينما كان عدد ركاب وسائل النقل بالمدن المصرية عام 69/ 1970 قد بلغ نحو مليون راكب يوميا فإن عدد السيارات العامة ( الأتوبيس ) المخصصة لنقل هؤلاء إلى مواقع عملهم لم تكن تزيد عن 1990 سيارة أي أن هناك سيارة واحدة لكل 1657 راكبا وإذا أخذنا بالاعتبار عدد ساعات التشغيل للسيارة ومستوى الخدمة المرورية فى ذلك الوقت فإن السيارة التي كان من المفترض أن تحمل 70 مواطنا على الأكثر فى الدور الواحد ( الفرده ) كانت تحمل فى الواقع أكثر من مائة راكب عن ذلك فى ساعات الذروة .
وإذا أضفنا إلى ذلك ركاب الضواحي والبالغ عددهم نحو 0,5 مليون راكب وركاب السكك الحديدية البالغ عددهم عام 1965 نحو 172 مليون راكب فإن تأثير هذا الواقع اليومي كان يدفع فى مسار القطعية والاغتراب بين الأهداف الوطنية والقومية من جهة والطموحات والمعاناة اليومية لملايين الفقراء من جهة أخرى لتخلق بذلك أرضا حقيقية لبيع الوهم بالرخاء والسلام فيما بعد عام 1973 وهنا يثور التساؤل ما الذي أضافته سنوات الانفتاح على هذه المعطيات ؟

نستطيع رصد أربعة ظواهر جديدة فى هذه المنظومة المعقدة :

أولا : برز اندفاع كبير نحو شراء السيارات الخاصة والأجرة خلال سنوات الانفتاح وساهمت قرارات الاستيراد بدون تحويل عمله والسماح بشراء أكثر من سيارتين للشخص الواحد سنويا من الخارج منذ عام 1976 فى زيادة حدة هذه الاندفاعات وتنشيط تجارة السيارات والضغط بالتالي على موارد النقد الآجنبى المتاحة للمجتمع من ناحية والضغط كذلك على متخذي القرارات لزيادة المخصصات المالية والاعتمادات الهادفة لتوسيع شبكة الطرق وإقامة الكباري لتخفيض الاختناقات المرورية بالمدن الكبرى ويكفى أن نشير إلى أن عدد السيارات الملاكي المرخص لها بالسير فى طرق الجمهورية قد ازدادت من 56448 سيارة عام 1952 إلى 108222 سيارة عام 1970 ( بمتوسط زيادة سنوية قدره 5,1 % ).
ثم أخذت فى الزيادة بقفزات كبيرة بعد ذلك فبلغت عام 1980 نحو 335644 سيارة ( أي متوسط زيادة سنوية خلال هذه الفترة بلغ 21% تقريبا ثم قفزت بعد ذلك حتى تجاوزت 875 ألف سيارة ملاكي عام 1991 وإذا أمكن تحديد حجم الإنتاج المصري من سيارات الركوب الخاصة والمطروحة بالسوق المحلية والتي لا تتجاوز سنويا 5 آلاف سيارة خاصة فإننا نستخلص أن عدد السيارات المستوردة سنويا تتراوح بين 25 ألف إلى 40 ألف سيارة من جميع الماركات .
وبقدر حجم المبالغ المخصصة لشراء السيارات خلال السنوات الخمس الأولى من الانفتاح ( 76- 1980 ) وسريان قرارات التيسيرات الجديدة بنحو 300 إلى 350 مليون دولار هذا بخلاف المبالغ المخصصة لاستيراد قطع غيارها والتي تتجاوز 150 مليون دولار وقد ازدادت وطأة هذه الممارسات الاجتماعية والاقتصادية بعد ذلك التاريخ ، حيث شهدت أسعار هذه السيارات ارتفاعا كبير سواء فى الأسواق المحلية أو الدولية كما شهدت شوارع القاهرة والمحافظات المختلفة ظهور سيارات خاصة يتجاوز سعر الواحدة نصف مليون جنيه ( مرسيدس 500) هذا فى الوقت الذي يشير فيه التقرير السنوي للبنك المركزي المصري لعام 82/1983 إلى أن حجم الأموال المخصصة لاستيراد سيارات خاصة لم يتجاوز ذلك العام 50 مليون جنيه بخلاف التيسيرات الجمركية التي منحت لنوعيات معينة منها طوال السنوات العشر الماضية .
وهو ما عبر عنه بوضوح أحد الوزراء المصريين عام 1977 على صفحات الجرائد قائلا ( أي تثريب على من يملك نقدا أجنبيا ليستورد سيارة ليستخدمها أهله وذووه حتى يوفر عليهم متاعب الزحام فى وسائل النقل العام وإذلال سائقي التاكسيات هل نحرم عليه ذلك ونطلب منه أن يتحمل كما يتحمل الآخرون غير ميسوري الحال لأن المساواة فى الظلم عدل ) .
وقد أظهرت إحدى الدراسات الهامة التي أعدتها مجموعة عمل مشتركة ( أمريكية ومصرية ) حول ( النقل والتخطيط الإقليمي ) فى مصر أن فاقد تشغيل السيارات الخاصة فى مصر يصل إلى 500 مليون جنيه ، كما قدرت الدراسة أن تكاليف الاستثمارات والمصروفات اللازمة لاستيعاب 45 ألف سيارة خاصة جديدة فى طرق الجمهورية عام 198483/ تعادل 1000 مليون جنيه ( ألف مليون جنيه ) وذلك بتوسيع الطرق القائمة وإضافة طرق جديدة وكذا تكاليف الوقود والصيانة نظرا لارتفاع معدل استهلاك الوقود للمركبات فى مصر الذي ازداد من 44 لتر كل مائة كيلو عام 1973إلى 49 لتر عام 1978 ثم إلى 54 عام 1982 وهو ما يمكن توفيره فى حالة الاعتماد على النقل العام وإجراء التحسينات اللازمة بشأنها .
كما قدرت نفس الدراسة أن مشغولية الطريق للراكب الواحد للسيارة الخاصة تعادل ثماني مرات إلى ست عشرة مرة لراكب الأتوبيس العام وذلك على اعتبار أن 70% من الرحلات اليومية لركاب العاصمة والبالغ عددهم 4,5 مليون راكب تقوم بها وسائل النقل العام بينما تقوم السيارات الخاصة بنقل ما يقل عن 15% من ركاب العاصمة أما الباقي فيتوزع بين ركاب مترو مصر الجديدة (6%) وخطوط الضواحي والسكك الحديدة (9%) وإذا أخذنا على سبيل المقارنة – فى حساب متوسط خدمة النقل لسكان أعلى قمة الهرم الاجتماعي فى مصر والفئات المتوسطة والبالغ عددهم نحو 4 مليون مواطن ( 10% من سكان ريف ومدن الجمهورية ) يتركز أكثر من نصفهم بالمدن المصرية مقابل نحو 10 مليون مواطن يستخدمون وسائل النقل العام بالمدن وأتوبيسات المحافظات يوميا وذلك حسب الموقف عام 1980 فإن نصيب الفئة الأولى هي سيارة خاصة لكل 12 مواطن مقابل سيارة أتوبيس لكل 1569 مواطنا ( باستبعاد سكان الضواحي والسكك الحديدية ) .
وإذا استبعدنا الأتوبيسات الاحتياطية وغير الصالحة للخدمة فإن الرقم يتضاعف لنحو سيارة واحدة لكل 300 مواطن تقريبا .
ثانيا : الظاهرة الثانية التي أفرزتها سنوات الانفتاح الاقتصادي والحقبة النفطية فى مجال النقل والمواصلات هي الاتجاه المتعاظم من جانب الأفراد لتوجيه مدخراتهم للاستثمار فى شراء السيارات الأجرة ( سرفيس وتاكسي ) حيث زاد عدد هذه السيارات المرخص بها من 21267 سيارة عام 1970 إلى 98773 سيارة عام 1980 ( متوسط زيادة سنوية تبلغ 36% خلال الفترة ) ثم إلى نحو 250 ألف سيارة أجرة عام 1991 وهو ما أدى لنقل جزء من عبء النقل العام للسكان من الدولة إلى القطاع الرأسمالي الفردي وتحمل الآلاف من المواطنين بالأعباء المالية المترتبة على ذلك الانتقال كما أن هذه الظواهر قد أدت إلى اتساع رقعة المساحة الاقتصادية المخصصة لدخول الظل خاصة العاملين بالحكومة والقطاع العام الذين اتجه عدد ليس بالقليل منهم إلى هذا الشكل الاستثماري لتغطية الفجوة بين مصروفاته الأسرية المتعاظمة بفعل موجات التضخم الجامح بالمجتمع والمرتبات المحدودة .
كما يلاحظ المرء التطور الكبير الذي طرأ على استخدام السيارات النقل والمقطورة كأحد أشكال الاستثمار الفردي حيث زاد عددها من 37264 سيارة ومقطورة عام 1973 إلى 130042 سيارة ومقطورة عام 1980 ( بمتوسط زيادة سنوية بلغ 35,6% خلال الفترة ) ويظهر البيان المتاح من إدارة المرور بوزارة الداخلية أن التركيز النسبي الأعلى لتراخيص سيارات النقل والمقطورة أصبح فى محافظات الصعيد وبخاصة سوهاج وأسيوط وهو ما يحمل دلالات اجتماعية واقتصادية وسياسية سوف نتعرض إليها فى الفصل السادس من هذا المؤلف .
جدول رقم (3)
عدد السيارات فى جمهورية مصر العربية التي تحمل أرقاما من أقسام المرور والموجودة بالحركة فى نهاية ديسمبر خلال الفترة من 1973 إلى 1991 .

المصدر : وزارة الداخلية : الإدارة العامة للمرور ، إدارة الإحصاء 1992.

ثالثا : إن هذه القفزة الكبيرة فى أعداد السيارات بشوارع الجمهورية عموما والعاصمة ( القاهرة ) بشكل خاص قد أدى إلى ازدياد حوادث الطرق وأصاب المجتمع وأفراده عموما بدرجة من الاضطراب والإحساس بالقلق والتوتر المستمرين ( وهو ما سنتعرض له تفصيلا بعد قليل ) يكفينا هنا عرض الجدول التالي لحوادث المرور فى مصر :
جدول رقم (4)

القتل والإصابة الخطأ من حوادث المرور 19691991.

المصدر: تقارير الأمن العام ، وزارة الداخلية للسنوات من سنة 1969 حتى 1974 أما بعد ذلك فمصدره الإدارة العامة للمرور – قسم الإحصاء .
ويتبين بوضوح مدى القفزة الكبيرة فى حوادث المرور المسجلة لدى وزارة الداخلية فقد بلغ عدد الحوادث عام 1991 حوالي 19577 حادثا ترتب عليها هذا العدد من القتلى والمصابين كما بلغت التلفيات نحو 10072 ونستطيع القول بأن هناك حوادث أخرى تصل إلى أضعاف هذا العدد المسجل لا يتم تسجيلها أو الإبلاغ عنها بسبب بساطة التلفيات والإصابات أو التصالح وأن كان ذلك لا ينفى الطابع الاضطرابي والقلق النفسي لسكان المدن المصرية .
ومن ناحية أخرى فإن هذا العدد الهائل من السيارات قد رفع نسبة التلوث بالمدن الكبرى فى مصر ، ففي القاهرة قدرت بعض الدراسات التي قام بها فريق من الخبراء المصريين والأمريكيين أن كمية العادم من كل سيارة يصل إلى 8 أقدام مكعبة فى الدقيقة تحوى 63% من غاز أول أكسيد الكربون السام ومع كثافة السير على الطرق ( القاهرة مثلا يعبر شوارعها المحدودة أكثر من مليون سيارة فى اليوم الواحد ) فلنا أن نتصور هذا الجحيم الذي يحياه سكان العاصمة وخاصة الفقراء منهم .
لقد كانت حقائق الواقع المر دافعا أمام بعض الجهات الحكومية والرسمية لتناولها والإشارة إليها ففي دراسة شعبة المواصلات – المنبثقة من المجلس القومي للإنتاج – أكدت ضرورة التركيز على خدمات النقل العام ووسائل انتقال الجماهير بدلا من الاستثمار فى الطريق العلوية لصالح أصحاب السيارات الخاصة الذين لا تتجاوز نسبتهم 1,5% من سكان العاصمة .
وهو ما سبق وأكد عليه الدكتور على الجر يتلى فى دراسته القيمة عن الاقتصاد المصري فى ربع قرن قائلا ( إن الدولة قد سارت مؤخرا على سياسة خاطئة إذ سمحت بزيادة كبيرة فى استيراد السيارات الخاصة بدلا من زيادة الاعتمادات المخصصة للنقل العام بأنواعه ) .
رابعا: برغم ما تحمله الظاهرة الرابعة من إيجابية إلا أن استمرار الطابع الطبقي لتوزيع الخدمات الاتصالية لصالح الفئات الاجتماعية المتربعة على قمة الهرم الاجتماعي فى البلاد وبعض الفئات الوسطى جعلت من الصعب الحديث عن تطور إيجابي عام فى المجتمع فى مجالات الاتصالات الهاتفية والتلكس ووسائل الاتصال الدولية
ووفقا لما هو متاح من هيئة المواصلات السلكية واللاسلكية فإن عدد السنترالات الهاتفية قد زاد من 405 سنترالا عام 1967 بطاقة قدرها 306 ألف خط تليفوني إلى 507 سنترالا عام 1975 بطاقة بلغت 373 ألف خط تقريبا ثم تحسن لحال عام 1985 بزيادة عدد السنترالات إلى 939 سنترالا بطاقة تجاوزت المليون خط تقريبا ( 1,1 مليون خط تليفوني ) وفى يونيه 1995 بلغت خطوط الهاتف العاملة نحو 2,7 مليون خط موزعة بين 2 مليون فى خدمات المنازل بنسبة 55,2 % و583 ألف خط لخدمات التجاري ( رجال أعمال وغيرهم ) بنسبة 38,3% أما الخدمات الهاتفية الحكومية فقد بلغت 139ألف خط بنسبة 26,6 % .
بيد أن تحليل التوزيع الجغرافي يظهر أن أكثر من 75% من هذا التحسن قد طرأ بصورة أساسية فى المدن والمحافظان الحضرية ( القاهرة ، الاسكندرية ، الجيزة ، بور سعيد ، الإسماعيلية ) وظل الحال دون المستوى المأمول بالريف كما أن التوزيع الاجتماعي يظهر أن هذه التوسعات جاءت لصالح فئات وسطى أو أخذت وضعها على قمة الهرم الاجتماعي أثناء الحقبة النفطية .
ويبدو الأمر مماثلا إلى حد كبير بالنسبة لخطوط التلكس التي تقوم أساسا على خدمة قطاعات المال والأعمال .
جدول رقم (5)

تطور الخدمات الاتصالية خلال الفترة من 1967 -1985.

المصدر : هيئة المواصلات السلكية واللاسلكية 1986 وجريدة الجمهورية بتاريخ 199315/7/وبالكتاب الاحسائى السنوي يونيه 1996 ص 165 . (....) بيانات غير متاحة .
هذا التوسع في الخدمة الهاتفية والاتصالات خلال الفترة ( من جهاز هاتف لكل 114 مواطنا عام 1967 إلى جهاز واحد لكل 42 مواطنا عام 1985 ثم جهاز هاتف لكل 25 مواطنا ) لم يكن سوى إضافة لاختلال قائم فعلا في توزيع الموارد والخدمات في المجتمع ذلك أن مراجعة التوزيع الاقليمى لهذا التوسع تظهر أن 80% من خطوط الهاتف القائمة تتركز في المحافظات الحضرية الأربعة ( القاهرةالاسكندريةبور سعيدالسويس ) وبقية المدن بالمحافظات الأخرى ولا يتجاوز نصيب ريف الجمهورية والذي يقطنه 54% من سكان مصر سوى 20% من خطوط الهاتف .
وبالمقابل فإن تحليل تركز التوسعات الجديدة للخدمات الهاتفية فى المدن نفسها يكشف عن تباين اجتماعي عميق الدلالة ذلك أن نحو 30% من خطوط الهاتف توجد لدى المشروعات والمحال التجارية كما أن إدخال نظام الاشتراك السريع ( بنظام الدفع الفوري ) قد أدى إلى تشوهات إضافية .
ولا شك أن استمرار نظام تخصيص وتوزيع الموارد المستند إلى آليات العرض والطلب بكل ما يصاحبه عادة فى بلد متخلف من تداخل هياكل سعريه وتكاليف دولية سوف تؤدى على المدى المتوسط والطويل إلى تركزات اقتصادية للثروة معوقة لقوى الإنتاج ذاتها .
ثانيا : الإسكان :
عندما عرفت التجمعات البشرية الأولى ظاهرة الاستنبات الطبيعي ( الزراعة ) وأجاد الإنسان بالتالي إنتاج غذائه بنفسه من خلال عملية الزراعة عرف لأول مرة في تاريخه معنى الاستقرار .
ولم يخرج المصريون القدماء عن صيرورة هذا القانون التاريخي بل لقد مزجوه بتراثهم المبدع فكانت ضفاف النيل ووديانه مستقرا لهم من قوة الطبيعة ووحشيتها وكانت الحضارة المصرية خير شاهد على مهارة هذا الإنسان وقدرته الخلاقة .
ومع الزراعة والاستقرار عرف الإنسان كيف يقيم مسكنا له بديلا عن ظلام الكهوف وبهذا تحولت مضامين الاستقرار المعيشية ( المتمثل في إنتاج الطعام ) إلى رحابة الاستقرار الحضاري وبهذا المعنى كانت ثلاثية الوجود الانسانى منذ الأزل مالا نهاية ( الزراعة – المسكن – الاستقرار ) .
وحينما يفتقد الإنسان هذا البنيان المادي المسمى ( مسكنا ) يفتقد بالضرورة الاستقرار والأمن وتهتز القيم لديه وتختل معايير الضبط الاجتماعي فيمثل العنف والسيطرة والاغتصاب قانون الممارسة الفردية والجماعية وتتحول دعوات الحب والتسامح إلى مجرد ترانيم كهنوت وسط طقوس الغابة .

المدعى العام " الاشتراكي " الأسبق – أنور حبيب – لم يجد مناصا من الاعتراف بهذا الارتباط الموضوعي ففي حديث له يقول ( الشباب حينما لا يجد مسكنا ماذا ستكون النتيجة ؟


أليس انتشار التحلل الخلقي .. فورة الشباب هذه أين تذهب ؟

العائلات ستتفكك .. الانحلال سينتشر ؟

نحاول هنا معرفة إجابات ثلاث : ما هي حجم المشكلة ؟

ما ها طبيعة المشكلة ؟

ثم أخيرا ما هي الانعكاسات المباشرة للأزمة الإسكانية في سلوك الإنسان المصرى ؟

من وجهة النظر الرسمية ( الحكومة ) فإن الأزمة هي نتيجة لتضافر عدد من الأسباب التاريخية التي ولدت الأزمة بشكلها الحالي وتتمثل هذه الأسباب والمعطيات في النقاط التالية :

1- معدلات النمو السكاني المرتفعة ( 2,4 % تقريبا )

2- التوزيع السكاني النوعي وأثره في مشكلة الإسكان .

3- ارتفاع معدلات الهجرة من الريف إلى المدينة .

4- اختلال التوازن في العلاقة بين المالك والمستأجر .

5- الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية للسكان وأثرها على مشكلة الإسكان .

فإذا حاولنا التعمق في النقاط السابقة فإنا سنجد أنفسنا في الحقيقة تجاه بعض القضايا التي يمكن دمج بعضها إلى بعض لتشكل في النهاية محاور ثلاث أكثر تماسكا في المناقشة المزمع إجراؤها هنا لقضية الإسكان .
سوف نعتبر هذا النقاط صالحة لأن تكون محاور المناقشة العلمية والموضوعية لأزمة الإسكان في مصر .

1- معدلات النمو السكاني وعمليات النزوح من الريف إلى المدينة :

قد يكون من المناسب التوقف عند المضامين الاجتماعية والتاريخية للظاهرتين محل الدراسة هنا ، فالتجربة التاريخية لمجتمعات صناعية متقدمة تعطينا مقدمات صحيحة للأبعاد والشروط الخاصة الملازمة لهذه الظاهرة فغالبا ما صاحب النمو الصناعي والتمكين الاجتماعي والسياسي للطبقة البرجوازية الصاعدة في هذه المجتمعات عمليات تحضر واسعة ( أي انتقال نسب مرتفعة من سكان الريف إلى المدينة ) مع زيادة معدلات الوفيات .
يسعفنا هنا النموذج الانجليزي .. فقد شهدت بريطانيا خلال أربعين عاما فحسب ( 1870- 1910) تزايدا سكانيا يعد بمقياس الرسميين المصريين انفجارا _ بلغ 58%خلال الفترة ) ومع ذلك لم يتوقف النمو الصناعي والتوسع في استيعاب المهاجرين من الريف إلى المدينة بصرف النظر عن الظروف التاريخية لنمو الرأسمالية في انجلترا على حساب المستعمرات ، كل ما حاولت التدليل عليه من هذا المثال أن هذه المشكلة ( زيادة السكان وعمليات الهجرة الداخلية ) يمكن السيطرة عليها عبر وسائل عديدة ( تخطيط المدن ، تقريب الفوارق بين الريف والمدينة ربط الريف بشبكة تصنيع وخطة تحضر .. الخ ).
ولا يكفى تعليق الفشل الحكومي في مواجهة مشاكل الأغلبية على شماعة ( معدل النمو السكاني .. الخ ).

والتي هي في المحل الأول نتاج هذا الفشل وليست سببا له .

نعود لمناقشة الموضوع وفق4ا للتطورات الملموسة .

ففي تعداد 1966 كان معدل الزيادة الطبيعية 2,5% سنويا وكان معدل المواليد 41 في الأقل انخفض ( وفقا لتعداد عام 1976 ) إلى 2,3% سنويا ومعدل مواليد إلى 35 في الألف تقريبا ومع أن الفترة ( 60- 1966 ) كانت فترة الانفجار السكاني وكذلك فترة تزايد عمليات الهجرة من الريف إلى المدينة حيث قفز نسبة سكان المدن المصرية إلى إجمالي سكان الجمهورية من 31% عام 1950 إلى 38% عام 1960 ثم إلى 41 % عام 1966 وبرغم ذلك فإن كافة المؤشرات لم تكن تشير إلى إحساس عام بوجود أزمة إسكان في البلاد وبالقطع لم يكن ذلك وليد الصدفة بقدر ما كان تعبيرا عن سياسة مستقرة للحكومة الناصرية استندت إلى توجهات اجتماعية إصلاحية في جوهرها وهكذا ظل نصيب استثمارات الإسكان طوال السنوات الأولى من عمر النظام ( 52-1960) تدور حول 28% سنويا مما أمكن معه تنفيذ بناء 52 ألف وحدة سكنية سنويا في المتوسط وكان للتشريعات الاجتماعية المتتالية في مجال الإسكان ( تخفيض الإيجارات وفاعلية لجان تقدير القيمة الايجارية ) دورها في تولى الدولة المبادرة في هذا المجال وتخفيض عبء تأثيرها النفسي المدمر على قطاعات واسعة من السكان وبالتالي على الإنتاج .
وبرغم المآخذ على سياسات الاستثمار والإسكان خلال هذه الفترة وبخاصة ما يتعلق منها بالتركيز على مظاهر المشكلة في المدينة دون الريف إلا أنه يمكن القول بصورة عامة أن هذه السياسة الناصرية كانت قد كرست درجة من الاستقرار الاجتماعي بالمدينة في مجال الإسكان حيث لم تكن نسبة ما تنفقه الأسرة المصرية عموما على المسكن يتجاوز المعدل المتعارف عليه دوليا ( 10-18% من الدخل الشهري ).
وبمقارنة ذلك بالوضع الراهن حيث تصل هذه النسبة إلى 50% في المتوسط وتتجاوز في أحيان كثيرة ذلك وعلى سبيل المقارنة يمكن التدقيق في الإعلانين التاليين الذين نشرتهما الصحف المصرية في عامي 1966 و 1978 عن أسعار الشقق الجديدة .
جدول رقم (6)
مجموعة سكنية من المستويين الاقتصادي والمتوسط ( مشروع ناصر للإسكان ) 1966 مع أولوية التمليك .

الأقسام على 15 سنة .

جدول رقم (7)

أسعار بيع الشقق بمجمع السلام 1978.

المصدر : جريدة الأهرام 12/12/1978 .

وإذا أمكنا المقارنة بين المتوسط السنوي لأجر المشتغل في مصر خلال نفس الفترة وارتفاع نسبة الوحدات السكنية نستطيع بالتالي الحكم على مدى التأثير السلبي للأوضاع الإسكانية الجديدة على عاتق الكثيرين في البلاد ووفقا للبيانات المتاحة فإن متوسط الأجر السنوي للمشتغل في مصر عام 1966 يتراوح بين 144 جنيها إلى 250 جنيها نجد أن هذا المتوسط عام 1978 مع مراعاة موجات التضخم الجامع بعد عام 1974 – لم يكن يزيد عن 243 جنيها إلى 350 جنيها سنويا في ذلك الحين ومن هنا فإن تضاعف الأجر السنوي للمشتغل في مصر خلال هذه الفترة ( 19661978) قد قابله تضاعف سعر الوحدة السكنية لنفس المستوى المتوسط مثلا ( 75مترا ) بأكثر من اثني عشرة ضعفا .
على أي حال فإننا لا نستطيع أن نسير في اتجاه تقرير اللجنة القومية للإسكان التي شكلها د. مصطفى خليل عام 1979 باعتبار أن عمليات النزوح من الريف إلى المدينة تمثل أحد أسبابا تفاقم أزمة الإسكان وذلك لعدة أسباب ومظاهر مؤكدة :
أولا: أن عمليات النزوح من الريف إلى المدينة تكاد تكون قد توقفت منذ هزيمة يونيه 1967 حيث لم يرتفع سكان المدن المصرية من إجمالي سكان الجمهورية بعد ذلك تقريبا ( من 41% عام 1966 إلى 44% عام 1976 ثم استمرت هكذا حتى عام 1986 ) .
ثانيا: إن هذه الفترة قد شهدت أيضا عمليات نزوح من الريف والمدينة المصرية عموما إلى الأقطار العربية النفطية والعراق في حركة لم تهدأ أو تتوقف لحظة لتعريض حالة الحرمان التاريخي لفئات اجتماعية منتجة وصاحب ذلك عمليات تحضر وتوسع في الخدمات الضرورية لسكان الريف كنتاج متأخر نسبيا لمشروع السد العالي ( كهربة الريف ) وما صاحب ذلك من انتشار أجهزة التليفزيون والفيديو بالريف المصري وذلك على الرغم من استثمار بعض ظواهر الحرمان السابقة ( المياه النقية .. الخ).
حيث تشير المصادر الإحصائية أنه في عام 1976 كان نحو 36% من ألسر بالريف المصري تعانى من انعدام مصادر المياه النقية وبالتالي يعتمدون على الترع والقنوات للشرب وقضاء حوائجهم أم الكهرباء فقد كان 81% من ألأسر يفتقر إليها وفى عام 1986 فإن نسبة الأسر التي تعانى من انعدام مصدر للمياه النقية ظلت كما هي مقابل انخفاض نسبة الأسر الريفية التي تفتقر إلى الكهرباء كمصدر للطاقة والإنارة من 81% عام 1976 إلى 21,1% فقط عام 1986 .
بل إننا بالمقابل نجد أن الاستثمارات الحكومية المخصصة للإسكان قد انخفضت من 28% خلال الفترة ( 52-1960 ) إلى 10,3 % خلال الفترة ( 71-1978) ثم أخذت في الانخفاض بعد ذلك حتى 6% عام 1980 ثم إلى أقل من 5,7% خلال السنوات (82/ 1983-86- 1987) وبالتالي انسحبت الحكمة المصرية من هذا المجال لتترك الإسكان في مهب عوامل العرض والطلب والسيطرة الرأسمالية الفردية بكل ما تتسم به من استغلال .
ينبغي أن نشي إلى أن تقرير اللجنة الحكومية للإسكان المشار إليه كان بتركيزه على جوانب المشكلة في المدينة دون الريف قد كرس أحد المفاهيم الطبقية المستندة على إهمال مشكلات سكان الريف ودفعها إلى دائرة النسيان الحكومي وهو ما سيكون له تأثير مدمر على البنية الإنتاجية والرقعة الزراعية بتحويل جزء كبير منها إلى منشآت سكنية لتعويض هذا الإهمال الحكومي ومن ثم ترك أمر حلها إلى الحلول الفردية ولرأس المال الخاص الذي دائما ما يتحرك وفقا لأسلوب ( الخبطات ) والربح السريع ، وهو ما يشير إليه تشارلز ابرامز بقوله " إنه من المستحيل استثارة القطاع الخاص على توفير مسكن لذوى الدخل المحدود .

يكشف البيان التالي هذه الحقيقة من واقع التراخيص الممنوحة للقطاع الخاص في مصر للإسكان

جدول رقم( 8 )
عدد الوحدات السكنية التي تم تنفيذها للقطاع الخاص بالمحافظات موزعة حسب المستوى خلال الفترة من 1974-1986.

المصدر : وزارة التعمير والمجتمعات العمرانية الجديدة والإسكان والمرافق ، الإدارة العامة لبحوث الإسكان وتوجيه البناء 1988 .

علينا أن نلاحظ الآتي :

أولا : أن هذا البيان يقتصر على التراخيص الرسمية الممنوحة للقطاع الخاص ( أفراد – جمعيات – اتحاد ملاك .. الخ ).فقط أي انه لا يتضمن حركة البناء التي تتم خارج نطاق التراخيص الرسمية ... وهذه الحركة من الاتساع بحيث أن إدخالها سوف يقدم صورة تكاد تكون مختلفة تماما لما يقدمه البيان السابق ، يكفى عموما ملاحظة حزام المساكن والعشش التي تحاصر مدينة القاهرة شرقا ( منشية ناصر – الدويقة .. الخ ).وجنوبا _ طولون – البساتين .. الخ ) وشمالا وغربا ( .. الخ ). وهى في معظمها غير مصرح بها وتفتقر للكثير من الشروط الصحية والإنسانية.
ثانيا : أن هذا البيان لا يعكس من وجهة أخرى طبيعة الاتجاهات المتنامية للحيازة والملكية في المساكن الجديدة حيث يلاحظ اتجاها مطردا – حتى في الأحياء الشعبية إلى الإسكان بنظام التمليك ( أي بيع الوحدات السكنية دون الإيجار ) وبالتالي فإن عدد متعاظم من هؤلاء الذين حصلوا على تراخيص لإقامة وحدات سكنية اقتصادية يقومون ببيعها بنظام التمليك وليس هناك أية سيطرة حكومية حقيقية على هذه التحركات العكسية وتقتصر القوانين في هذا المجال على توقيع جزاء الغرامة الضئيلة ( 500 جنيها ) هذا ما كان هناك مجال لتطبيق الجزاء القانوني .
ثالثا : وبرغم ذلك نستطيع بتحليل بيانات الجدول السابق ملاحظة الاتجاه المستمر لانخفاض نسبة تنفيذ الإسكان الاقتصادي خلال الفترة ( من 60% عام 1074 إل 54,8 % عام 198685/) مقابل اتجاه متعاظم لتنفيذ وحدات الإسكان المتوسط والفاخر وهو ما يتم عرضها غالبا في صورة التمليك " والمجتمعات السكانية المتكاملة . أن نتائج تعداد عام 1986 يعطى مؤشرات اجتماعية واقتصادية على درجة عالية من الخطورة في هذا المجال وهو ما سنتناوله حالا .
2افتقار للموارد والإمكانيات :
هل تقتصر الموارد المتاحة في المجتمع المصري عن حل أزمة الإسكان التي يعانى منها مئات الآلاف من الشباب في مصر؟

بمعنى آخر حل الأزمة أزمة طلب أم أزمة توزيع ؟

إن مدخل الإجابة الصحيح عن هذا السؤال تستدعى بادئ ذي بدء أن نحدد ملامح الأزمة الإسكانية أو بمعنى أدق مناطق الخلل الممتد منذ مطلع السبعينات .

يشير أحد أهم خبراء الإسكان في مصر إلى ذلك على النحو التالي :

أولا : أن 93% من أزمة الإسكان تخص الطلب على الإسكان الاقتصادي والشعبي لمحدودي الدخل ( العمال والفلاحون والموظفون ) .

ثانيا : أن هناك اختلال في سوق الإيجارات حيث لا يتمكن الكثيرون من توفير المبالغ الكبيرة التي يطالب بها الملاك في صورة مقدم إيجار أو خلو رجل .

فلنرى كيف يتم توزيع الموارد المتاحة فعلا في مصر لنتعرف على الآليات الاجتماعية التي تطبع بطابعها التوزيع الاقتصادي لهذه الموارد .
في عام 1976 كان حجم الإنتاج المصري من الأسمنت يعادل 3,2 مليون طن وتم تغطية فجوة الاحتياجات باستيراد مليون طن أخرى من أسبانيا تسرب معظمها كما يؤكد وكيل شعبة تجار الأسمنت بالجيزة إلى أربعة تجار كبار ومنهم إلى مشروعات الإسكان الفاخر والتمليك والفنادق الكبرى.
وفى هذا الإطار طالبت اللجنة القومية للإسكان التي شكلها د. مصطفى خليل عام 1979 بأن يكون نصيب القطاع الخاص من استثمارات قطاع الإسكان في خطة ( 1981-1984 ) أكثر من 65% وأن يخص الإسكان المتوسط وفوق المتوسط 45% من إجمالي الوحدات المنفذة .
وهكذا اندفعت شركات القطاع الحكومي إلى تأسيس شركات مشتركة من القطاع الخاص والأجنبي وذلك للاستفادة من هذا الوضع الجديد والتخلص من الأعباء الاجتماعية والدور الأخلاقي فبدأت شركة القاهرة للإسكان والتعمير وانجرفت إليها الشركات الحكومية السبعة وقتئذ وفى عام 1983 كان عدد الشركات الحكومية العاملة في مجال الإسكان والتشييد قد بلغت 56 شركة انزلقت معظمها تقريبا في شراكة مع شركات أجنبية ومحلية هذا بخلاف 25 ألف مقاول قطاع خاص مسجلين لدى وزارة الإسكان ونحو 56 شركة مقاولات خاصة ومشتركة بلغ حجم التشييدات المنفذة لعام 198382/ وحدة نحو 2518 مليونا من الجنيهات وبرغم ما تشير إليه وزارة التخطيط من أن شركات القطاع العام قامت بتنفيذ نحو 77% من إجمالي هذه التشييدات إلا أننا من واقع معرفة نمط الأداء والمقاولة من الباطن نستطيع أن نؤكد أن معظم عمليات التشييد يقوم بها مقاولو القطاع الرأسمالي الفردي وهو ما يحمل عادة هذه التشييدات بمبالغات في تكاليف البناء والتشييد .
على أية حال ..فبرغم زيادة الإنتاج المصري من مادة الأسمنت إلى نحو 6 مليون طن في عام 1986 ثم إلى 11 مليون طن عام 1990 وتضاعف حجم الإنتاج كذلك من حديد التسليح فإن نمط التخصيص ما زال يخضع لقوى اجتماعية معينة تعبر عنها :

1- حركة البناء الواسعة في مجال الإسكان الفاخر والتمليك .

2- نشاط التشييد الحكومي في مجال الكباري العلوية وما إليها والتي تسعى فعليا إلى التخفيف من أزمة مرورية يرجع سببها كذلك إلى نفس الطبقة الاجتماعية التي تسيطر على هذه الحركة المرورية بفعل تضخم أعداد السيارات الخاصة منذ عام 1974 وحتى الآن .

نستطيع أن ندلل على صحة نتائجنا هذه من واقع المقارنة بين رقمين وردا في إحصاءات الإسكان والسكان لعامي 1976 ، 1986 فوفقا لتعداد عام 1976 فإن عدد الوحدات السكنية التي تبين أنها خالية ليلة التعداد في حضر الجمهورية قد بلغ 18 ألاف وحدة سكنية ( بنسبة 3,4 % من إجمالي مساكن الحضر ) كان معظمها عبارة عن شقق مفروشة .
وفى عام 1986 فإن عدد الوحدات السكنية التي لم يتم حيازتها بعد ( خالية ) قد بلغت على مستوى الجمهورية نحو 938996 أي بنسبة 16% من إجمالي المساكن بالجمهورية وإذا أخذنا المحافظات الحضرية الأربعة فقط ( القاهرةأسكندريةبور سعيدالسويس ) فإن عدد هذه الوحدات الخالية تصل إلى 345391 وحدة سكنية ومقارنة هذه الأوضاع السكنية بأوضاع الزواج في مصر خلال التعدادات الثلاثة الأخيرة ( 1960 ، 1976، 1986 ) تبين أن نسبة من لم يتزوج أبدا قد ازدادت من 18% عام 1960 إلى 25,8% عام 1976 ثم إلى 25,9% عام 1986 وكذلك فقد انخفضت نسبة المتزوجين من 70,2% إلى 63,8% ثم إلى 64,8% على الترتيب .
وفى دراسة قامت بها مجموعة عمل من ضباط مديرية أمن الجيزة برئاسة العميد على حلمي عن ظاهرة " اختطاف البنات" استخلصت الدراسة أن ( أغلب حالات الخطف كانت بغرض ممارسة الجنس وأن سبب انتشار هذه الظاهرة يرجع إلى الوضع الاقتصادي وارتفاع الأسعار وأزمة الإسكان وانتشار أفلام الرعب والجنس .
3- اختلال التوازن بين المالك والمستأجر :
كان لابد أن ينعكس هذا الواقع الموضوعي الجديد في مجال البناء والإسكان على الهيكل القانوني والدعوات السياسية والمجادلات البرلمانية بشأن مدى تناسب المعطيات الجديدة مع التوازن القديم بين المالك المستأجر سواء في تعبيراته المالية ( القيمة الإيجازية – مقدم الإيجار .. الخ ).
أو صياغاته السلوكية والاجتماعية ( حق الطرد ، تجميد الإيجارات ، حق التمليك دون تدخل إداري .. الخ ألح ).
كل ذلك تحت دعوى جديدة أطلق عليها " تشجيع رأس المال الخاص في مجال الإسكان وأدى كل ذلك إلى إعادة ترتيب وفرز الصفوف أو الكتل الاجتماعية لصالح التوجهات الجديدة .
وبالقطع فإذا كانت الحكومة المصرية قد انسحبت – تقريبا – من مجال الإسكان عموما والاقتصادي خصوصا وتركت لعوامل العرض والطلب ولرأس المال الخاص المصري والعربي الوصول إلى نقاط توازنية جديدة فإن الحاجة قد أصبحت ماسة على صعيد البناء القانوني والتشريعي لنقاط توازنية جديدة تعكس هذه الموازين الطبقية في المجتمع .
جدول رقم (9)

التوزيع النسبي للوحدات السكنية حسب نوع الحيازة عام 1986 ( حضر المحافظان )

المصدر : جهاز التعبئة العامة والإحصاء ، مرجع سابق ص 21 .

فإذا حاولنا من خلال المصطلحات والتعريفات التعدادية المعتمدة لدى أجهزة الإحصاء في مصر التعرف على هيكل الحيازة السكنية الراهنة كأحد المؤشرات والمداخل للتعرف على الخطوط الطبقية للعلاقات الإيجازية في المدينة والريف المصري حتى عام 1986 فإن النتيجة تبدو كالتالي :

أولا : أن عدد المباني على مستوى الجمهورية قد بلغ 7706330 مبنى منها 2311843 مبنى بحضر المحافظات ونحو 5394487 مبنى في ريف هذه المحافظات .

ثانيا : أن هذه المباني تشتمل على نحو 11314538 وحدة سكنية تأوي جميع سكان الجمهورية منها 5858971 وحدة سكنية بحضر محافظات الجمهورية ونحو 5455567 وحدة سكنية بريف هذه المحافظات .

ثالثا : من حيث نوع المباني نجد أن حضر المحافظات تحتوى على 336983 عمارة ونحو 1049379 منزل ونحو 20903 فيلا وحوالي 492537 بيت ريفي وهذا بخلاف المباني الجوازية من عشش وما في حكمها أو يقدر عددهم بنحو 90 ألفا ) .

رابعا: أما ريف المحافظات فهي تحتوى على 68691 عمارة ونحو 707841 منزلا وحوالي 11094 فيلا أما البيوت الريفية فيقدر عددها بنحو 4202516 هذا بخلاف المباني الجوزاية ويقدر عددها بنحو 54 ألفا .

خامسا: إذا استبعدنا المباني الحكومية والعامة التي تملك معظم ساكنيها هذه الوحدات السكنية فإن عدد المباني الخاصة في حضر الجمهورية يقدر بنحو 2,1 مليون مبنى وهذا الرقم يعنى أن حضر الجمهورية به نفس العدد من الملاك .

سادسا : بمعرفة توزيع الوحدات السكنية في هذه المحافظات حسن نوع الحيازة نجد أن هناك 2614156 وحدة سكنية في صورة إيجار ( أي بنسبة 44,6% من إجمالي الوحدات بحضر المحافظات ) وهؤلاء يقيم فيها نحو 13 مليون مواطن ( متوسط الأسرة المصرية 5 أفراد ) وهؤلاء يشكلون نحو 61% من جملة سكان حضر المحافظات.

سابعا : أما الذين يقيمون بوحدات سكنية ملكا لهم فيقدر عددهم بنحو 8,1 مليون مواطن وهؤلاء يشكلون ما نسبته 38,5% من سكان حضر المحافظات وعدد الوحدات الملك 1,8 مليون ) .

ثامنا : أما الحيازات بنظام التمليك فيقدر عددها بنحو 259 ألف وحدة سكنية ونستطيع أن نتصور أن معظمها يسكنها أسر ناشئة جديدة امتلكتها بعد رحلة عمل بالخارج ومن المتصور كذلك أن بعض هؤلاء كان يقيم بوحدات سكنية سابقة وأن عدد ليس بقليل منهم ما زال يحتفظ بهذه الحيازة القديمة .

تاسعا : أما ريف المحافظات فإن الوحدات السكنية ( البالغ عددهم نحو 5,5 مليون وحدة ) تتوزع على النحو التالي :

- 212450 وحدة سكنية في صور إيجار بنسبة 3,9 % .
- 4569773 وحدة سكنية في صور ملك بنسبة 83,8% .
- 673344 وحدة سكنية في صور أخرى بنسبة 12,3 % .
فلا نستطيع أن نتحدث عن علاقات صراعية ( ملاك ومستأجرين) في العقارات والوحدات السكنية بالريف المصري ومن ثم فإن إثارة القضية على المستوى السياسي والتشريعي إنما يعنى محاولة إيجاد نقاط توازن جديدة لصالح فئة اجتماعية تدعم مركزها الاقتصادي – والسياسي في حقبة الانفتاح الاقتصادي ومدعومة بنفوذ هيئات التمويل الدولية بهدف إعادة ترتيب العلاقات الاجتماعية والسياسية في مصر بما يضمن استقرار هيمنة الغرب على القرار السياسي في البلاد .

ثالثا :

تتغذى مشاعر الغربة والاغتراب في مصر حاليا ، من روافد عدة ومنابع جافة شديدة القسوة والوحشية في وقعها الانسانى والمادي ، فإذا كانت الاستقطاب الحادة على صعيد توزيع الدخل في المجتمع المصري قد وجدت لنفسها مسارب لتخفيض الضغوط النفسية والمادية من على كاهل الفقراء بفعل موجات النزوح والهجرة إلى أقطار النفط أو بفعل دخول الظل والأعمال الإضافية لمئات الآلاف المتضريين من نتائج حقبة الانفتاح ، فإن معطيات تخصيص الموارد المستندة على توزيع القوى الطبقية في المجتمع ، أدخلت هذه الفئات والطبقات الفقيرة في سباق مجنون تقطعت في لهيبه الدامي الأنفاس وتساقطت المئات – بل الألوف – ضحايا الوهم بإمكانية الخلاص الفردي ولعل من أبرز هذه اليباقات الجديدة ، تلك المتعلقة بالظواهر والآليات الخاصة بالخدمات الصحية والعلاجية في البلاد منذ عام 1974 وحتى الآن .
ولقد نص دستور 1971 – ومن قبله دساتير الحقبة الناصرية – على بعض الحقوق المتعلقة بهذا المجال ، فجاء في المادة (16) ما نصه ( تكفل الدولة الخدمات الثقافية والاجتماعية والصحية وتعمل بوجه خاص على توفيرها للقرية في يسر وانتظام رفعا لمستواها ) كما نصت (17) على نفس المعنى بالقول ( تكفل الدولة خدمات التأمين الاجتماعي والصحي ومعاشات العجز عن العمل والبطالة للمواطنين جميعا .. ) وكذلك أوردت المادتين (7)، (8) نصوصا بنفس المعنى فماذا كان وقع النصوص الدستورية والمواد القانونية في الواقع الملموس ؟ .

قبل أن نتطرق بالتحليل والعرض للمظاهر الجديدة في سياق بحثنا عن إجابة لهذا السؤال ينبغي بادي ذي بدأ أن نميز في مجال السياسة الصحية بين معنيين :

الأول : السياسة الصحية الوقائية .

الثاني : السياسة الصحية العلاجية .

على أننا سوف نقتصر – لطبيعة الموضوع – على المعنى الأخير

الصحة العلاجية
ترتكز السياسة الصحية العلاجية على ثلاثة مرتكزات تتعامل بحيث يؤثر غياب إحداها أو ضعف مستوى فاعليته وأداءه على الصحة العلاجية في البلاد برمتها وهذه المرتكزات هي :

1- توافر البنية الأساسية للعلاج ونقصد بها المستشفيات العامة والوحدات الصحية بالريف ومستوى التجهيزات اللازمة _ أجهزة طبية ، أسرة .. الخ )

2- الخبرة الطبية والتمريضية ذات المستوى المناسب والمتطور والمحكومة بإطار فكرى بناء يحترم حدود المهنة ويستوعب مضمونها الانسانى .

3- صناعة دوائية متطورة .

سنحاول باستعراض مسار التطور الذي طرأ على هذه المرتكزات خلال العشرين عاما الماضية نصل إلى مضمون الإجابة على تساؤلنا السابق .
فمن جهة شهدت فترة الصعود الناصري ( 19521965) توسعا ملحوظا في الاستثمارات الجديدة بالنسبة للخدمات الاجتماعية عموما ( التعليم – الإسكان .. الخ ).
والصحية على وجه الخصوص ، وهكذا زادت المبالغ المخصصة للقطاع الصحي من 8 مليون جنيه عام 1952 إلى 76 مليون جنيه عام 1966 ومن ثم زادت عدد الأسرة المتاحة من 25 ألاف سرير إلى نحو 73 ألف سرير عام 1971 موزعة على نحو 49 مستشفى مركزي ( معظمها بالقاهرة والإسكندرية ) وما يربو على 65 وحدة صحية وريفية.
جدول رقم (10)

عدد الأسرة المتاحة بالقطاع الصحي على مستوى الجمهورية حتى يوليو 1971.

المصدر وزارة الصحة ، الكتاب السنوي لعام 1971 ، صادر في يوليه 1972.

نستخلص من البيان السابق مجموعة من الحقائق :

الأولى : باستبعاد ما توفره السجون والقطاع الخاص نستخلص أن عدد ألأسرة المتاحة بالقطاع الصحي الحكومي قد بلغ عام 1971 نحو 68274 سريرا، تقوم على خدمة حوالي 34 مليون مواطن ( وباستبعاد 2,1 مليون مواطن آخرين يشغلون مركزا اجتماعيا يتيح لهم الاستفادة من نظام العلاج الصحي الخاص ) فإن ذلك يعنى أن متوسط عدد الأسرة المتاحة لكل ألف من السكان قد بلغ سريران تقريبا .
الثانية : أما الحقيقة الثانية التي نستخلصها من البيانات المتاحة حتى ذلك التاريخ أن عدد الأسرة بأجر لدى مستشفيات وزارة الصحة والقطاع العام والجامعات قد بلغت 5253 سريرا أي نسبة 7,7% من إجمالي المتاح .
وسنلاحظ أن هذه النسبة سوف تتعاظم بعد عام 1974 وانتهاج الدولة لسياسة الانفتاح الاقتصادي ، لتبلغ تقريبا ثلث إجمالي الأسرة المتاحة لدى مستشفيات وزارة الصحة .
الثالثة: بينما كانت الأسرة التي تتيحها مستشفيات القطاع الخاص حتى منتصف عام 1971 لا تتجاوز 3752 سريرا تضمهم 0116 مستشفى خاص .
فإن عام 1981 سوف يشهد زيادة عدد هذه المستشفيات الخاصة إلى 282 مستشفى تشتمل على نحو 7816 سريرا محكومة بقوانين السوق الرأسمالي بكل قسوته المنافية أصلا لمهنة الطب والتطبيب . هذا عن ملامح البنية الأساسية ومستوى تجهيزها المتواضع ( فنيا وماديا ) حتى عام 1974 أما بالنسبة للمرتكز الثاني ( الخبرة الطبية والتمريضية ).
فحتى عام 1971 كان عدد الأطباء العاملين في مستشفيات وزارة الصحة ووحداتها المختلفة فقد بلغ 6678 طبيبا ( حيث ظل المعدل 4,9 طبيبا لكل عشرة آلاف مواطن ) مقابل 15,3 في الولايات المتحدة و11,4 في كندا و16,2 في الأرجنتين أما بقية الأقطار العربية كانت تعانى من نقص واضح في الأطباء وهيئات التمريض ، أما بالنسبة للممرضات فقد بلغ عدد الاتى يعملن في مستشفيات وزارة الصحة حتى عام 1971 ( نظام ثلاث بعد الإعدادية ) واللاتي بلغ عددهن 12557 ممرضة حاولت وزارة الصحة وضع خطة خمسيه ترمى إلى سد الانفتاح والنفط بعد عام 1974 جعلت من الصعب أن تجنى الخدمات الصحية في مصر ثمار هذه الخطة وهكذا ظل مستوى الخدمة الطبية والتمريض متواضعا خلال هذه الفترة خاصة بالنسبة للمستشفيات الحكومية المختلفة .

أما بالنسبة للصناعة الدوائية :

فقبل عام 1961 كانت صناعة الدواء في معظمها تخضع لقوانين السوق الرأسمالي وتتحكم فيها الشركات الخاصة ، بيد أن حركة التأميمات في ذلك العام والتي شملت شركات الدواء الخاصة ، قد تكلفت بإعادة صياغة البناء الاجتماعي لهذه الصناعة ، فبات القطاع الحكومي يسيطر على نحو 85% من الإنتاج الدوائي المحلى وأنشئت المؤسسة المصرية العامة للأدوية في العام التالي مباشرة لتتولى الإشراف على قطاع الدواء .
ومن ألأمور ذات الدلالة اتجاه الحكومة في ذلك الحين إلى تخليص أسعار الأدوية المستوردة وألبان الأطفال بمقدار 25% .
وهكذا تمكن الإنتاج المحلى من زيادة نصيبه بالنسبة لاجمالى الاستهلاك في مصر من 10% عام 1952 إلى 60% عام 1961 ثم إلى 80% عام 1979 .
وبهذا ارتفعت قيمة الاستهلاك الظاهري للدواء في مصر من 4,8مليون جنيه عام 195352/ إلى أكثر من 88,4 مليون جنيه عام 1975 ثم إلى 954 مليون عام 1994 .
إلى هنا وبرغم قصور مستوى الخدمات الصحية ولعلاجية في الفترة الممتدة من عام 1952حتى عام 1973 إلا أن الطابع المميز لهذه الفترة هو توافر مستوى من الخدمة يلبى – في حدود – حاجة الفقراء والطبقات الشعبية في البلاد من واقع ما تقرره التقارير الصحية الرسمية بأن أكثر الفئات الاجتماعية إصابة بالأمراض وأكثرها ترددا على المستشفيات الحكومية هم العمال الزراعيون والعمال الصناعيون والصيادون والموظفون .

فماذا أضاف الانفتاح الاقتصادي والحقبة النفطية في هذا المجال ؟

نستطيع أن نشير إلى ظواهر ميزت الفترة الممتدة من عام 1974 وحتى اليوم في مجال الصحة في مصر :

الأولى : توسع الاستثمار الفردي والخاص في مجال الصحة وما اكب ذلك من إضفاء طابع تجارى مدمر على الصعيدين النفسي والاجتماعي لقيمة هذه المهنة وقدسيتها.

الثانية : تدهور الخدمة الصحية بالمستشفيات الحكومية ووحداتها الصحية بالريف والتوسع كذلك في نظام العلاج بأجر وقصور الأداء الطبي والتمريض بهذه المستشفيات .

الثالثة : نزوح واسع للكادرات الطبية والتمريضية من مصر للعمل بالأقطار العربية النفطية وما صاحب ذلك من آثار خطيرة على المستوى الصحي في مصر ذاتها .

الرابعة : تضخم غير مسبوق في أسعار الأدوية المختلفة من جراء ازدياد نصيب القطاع الرأسمالي الفردي المستورد لهذه الأدوية ومجاراة الحكومة المصرية نفسها لهؤلاء واتجاه شركات الأدوية الحكومية إلى المغالاة بدورها في رفع أسعار منتجاتها بشكل يهدد بصورة حقيقية حياة الآلاف من في مصر .

قد يكون من المناسب التوقف هنا وتناول كل واحدة من هذه الظواهربشىء من التفصيل .
فإذا أخذنا الظاهرة الأولى ، يلاحظ المحلل أن هذه المستشفيات الخاصة قد ازدادت من 116 مستشفى عام 1971 بعدد أسرة بلغت 3572 سريرا ( بمتوسط 35 سريا لكل مستشفى ) إلى 282 مستشفى عام 1982 بعدد أسرة بلغ 7916 سريرا ( يتراوح عدد الأسرة من ماتئى سرير في بعضها إلى 20 سريرا في بعضها الآخر ) وقد قدرت التكلفة الاستثمارية لهذه المستشفيات الجديدة بنحو 400 مليون جنيه كما تضاعفت العيادات الخاصة تقريبا خلال نفس الفترة حتى بلغت 12500 عيادة خاصة ثم زادت إلى 30912 عيادة خاصة عام 1995 .
وإذا راجعنا الأسعار لواحدة من كبرتان المستشفيات الخاصة الجديدة ( كليوا بارتا ) فإننا نصاب بحالة من القلق تجاه علاقة ذلك بالممارسات التي تمارس من قبل هذه المستشفيات والتي تصل أحيانا إلى رفض استقبال حالات حوادث الطريق أو التوقف عن إتمام العلاج لبعض المرضى حتى يقوموا بتسديد مبالغ كبيرة في صورة ( عربون ) وهو ما دفع بعض المسئولين لانتقاد هذه الممارسات وهذه المصحات الخاصة .
جدول رقم (11)

أسعار الإقامة العلاجية بمستشفى كليوا باترا الخاصة ( بدون مصاريف العلاج ) .

أسعار الإقامة في اليوم اعتبارا من 19871/7/.

يضاف 12% خدمة على إجمالي الفاتورة عدا الأدوية .

وفى حملة تفتيشية لأجهزة العلاج الحر بوزارة الصحة أمكن حصر 500 معمل أسنان خاص تعمل بدون ترخيص بالقاهرة والمحافظات المختلفة وكذلك ضبط عشر مستشفيات خاصة تقوم باستغلال فاحش للجمهور .

ومن ناحية أخرى فإن استنزاف هذه المصحات الخاصة لموارد المجتمع لا يتوقف عند هذه الحدود فإن انتزاعها لأفضل الكوادر الطبية والتمريضية – بفعل تفاوت الأجور بينها وبين القطاع الحكومي من المستشفيات الحكومية والذين سبق لهم التدريب على آلاف المرضى الفقراء المترددين على هذه المستشفيات الحكومية يجعلنا نفترض أن لهذه المصحات دورا في تدهور الخدمة العلاجية بالمستشفيات الحكومية .

ونأتي إلى انعكاس هذه الظاهرة على تدهور مستوى الأداء بالمستشفيات والمصحات الحكومية فقد كان من نواتج الحقبة النفطية أن اتسعت حركة هجرة الكوادر الطبية والتمريضية من مصر إلى هذه الأقطار النفطية فحتى عام 1972 لم يكن الأطباء المصريين المهاجرين إلى البلاد الغربية والأقطار العربية يزيد عن 5 آلاف طبيب قفز هذا العدد عام 1982 ليصل إلى 25 ألفا من مختلف التخصصات ومعظمهم ممن زاول المهنة الأكثر من سبع سنوات أما الممرضات فإن المصادر الإحصائية المتاحة تشير إلى أن عددهن بالأقطار العربية عام 1971 لم تكن تزيد عن 1469 ممرضة معظمهن ممن زاول المهنة لثلاث سنوات فأكثر ولهذا قدرت دراسة المجالس القومية المتخصصة حجم العجز في هذه المهنة عام 1981 بأكثر من 14 ألف ممرضة حتى يتسنى توافر خدمة تمريضية مناسبة في مصر ذاتها .

جدول رقم (12)

توزيع الممرضات بالجمهورية حسب جهة العمل عام 1979

المصدر : القوى العاملة في مجال التمريض المجالس القومية المتخصصة 1981 .

وقد صاحب هذا النقص في الخبرة الطبية والتمريضية تقلص في الاستخدامات الاستثمارية للخدمات الصحية وتضاؤل أهميتها من إجمالي الاستخدامات الاستثمارية في المجتمع ككل وتسجل خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية لعام 198584/ ما مقداره 148 مليون جنيه للخدمات الصحية ( بما يعادل 26% من الاستخدامات الاستثمارية المخصصة لقطاع الخدمات الاجتماعية لذلك العام ) وأقل من 3% من إجمالي الاستخدامات الاستثمارية الواردة بالخطة ككل لذلك العام ويعترف واضعو الخطة بأن الطاقة السريرية في مصر حاليا ( 84-1985) انخفضت إل 1,99 سرير لكل ألف مواطن ، وبالطبع فإن هذا المعدل يغفل التفاوت الحادث بين المستويات الاجتماعية للمرضى من ناحية وكذا للتوزيع الاجتماعي الراهن للخدمة السريرية بين فئتين اجتماعيتين في البلاد :

الأولى : الفئات الاجتماعية التي تتربع على قمة الهرم الاجتماعي في مصر ويقدر حجمها بنحو 10% من السكان تقريبا ( أي نحو 4,5 مليون مواطن ) يقوم على خدمتهم :

أ‌- 10 آلاف سرير بالمستشفيات الخاصة والرأسمالية في مصر .
ب‌- 35 ألف سرير بالمستشفيات الحكومية تسمى العلاج بأجر وتتفاوت أسعارها من قسم إلى آخر وهى متاحة لمن يملك دفع الفاتورة عموما .
وبهذا نستطيع أن نستخلص حقيقة أن معدل الطاقة السريرية لهذه الفئات الاجتماعية هي سرير واحد لكل مائة مواطن أي 10 أسرة لكل ألف من هؤلاء المواطنين .

الثانية : الطبقات الاجتماعية الشعبية وهؤلاء يمثلون نحو 80% من المجتمع المصري ويمثلهم العمال الصناعيون والعمال الزراعيون والموظفون والحرفيون والفلاحون ويبلغ عددهم حاليا نحو 45 مليون مواطن تقوم على خدمتهم نحو 97000 سرير ( بما فيها ألاف سرير بأجر ) موزعين عام 1991 على النحو التالي

أ‌- أسرة وزارة الصحة 65674 سرير .
ب‌- أسرة الوحدات الحكومية الأخرى 20704 سرير .
ج- أسرة القطاع العام 11000 سرير .
وبالتالي فإن متوسط الطاقة السريرية هنا هي 2 سرير لكل ألف مواطن تقريبا وبرغم محاولات بعض الأجهزة المسئولة التخفيف من حدة عمليات الاستقطاب الاجتماعي في مجال الصحة العامة بكل ما يحمله من تأثيرات مدمرة على المجتمع وأفراده وذلك بتوسيع دائرة نفوذه المفهوم والممارسة التجاريتين في مجال الطب قد أدى لقصور تجربة التأمين الصحي فجاءت ميتة منذ اللحظة الأولى , وعبر عن ذلك مستوى الأداء في مستشفيات التأمين الصحي وارتفاع أنين الشكوى من عشرات الآلاف وقد أثبتت دراسة لوزارة الصحة خلال عام 1976 وحدة قد بلغت 43790 شكوى أما الربع الأول من عام 1977 فقد تجاوزت عدد الشكاوى العشرة آلاف شكوى ولا تتوقف التأثيرات السلبية للاستقطاب الاجتماعي فى الخدمات الصحية والعلاجية بصورته القاسية عند هذه الحدود التي عرضنا إليها قبل قليل فالمستوى الغذائي وتدهور نصيب الفرد من أهم المكونات والعناصر الغذائية الضرورية تضيف أبعاد أخرى حيث تشير دراسة أعدها معهد المكونات والعناصر الغذائية الضرورية تضيف أبعاد أخرى للصورة .
حيث تشير دراسة أعدها معهد التغذية – التابع لوزارة الصحة – إلى ذلك بالقول أن 22% من الأطفال في مصر يعانون من نقص التغذية المزمن بل وتصل هذه النسبة إلى 27% من إجمالي أطفال الصعيد والوجه القبلي وبالمقابل فإن الدراسة تشير إلى أن هذه النسبة لا تزيد عن 1,1% من أطفال الطبقات الاجتماعية الأكثر ثراء في المجتمع المصري ، وتعود هذه الظاهرة لدى أطفال الفئات الاجتماعية المتربعة على قمة الهرم الاجتماعي في مصر إلى عوامل وراثية أكثر من كونها راجعة إلى سوء التغذية أما الأنيميا – وفقر الدم الراجع أيضا إلى سوء التغذية.
فإن الدراسة تعود للقول أن نسبة المصابين به بين أطفال الفقراء في المجتمع المصري تصل إلى 40% في المتوسط مقابل 17% لدى أطفال الفئات الاجتماعية الأكثر ثراء فإن الدراسة نفسها تؤكد أن غالبية أفراد الشعب المصري يعانون م أمراض سوء التغذية في مختلف الأعمار حيث تصل نسبة المواطنين الذين يقل استهلاكهم من البروتين الحيواني ( اللحوم والدواجن والأسمال ) عن الحد المطلوب (15جرام – يوميا ) إلى نحو 47,5% من إجمالي الأسر في مصر يتزامن مع نمو ظواهر الفقر وسوء توزيع الدخل والثروة وانعكاساتها في مجال التغذية والصحة بروز وسيادة ظواهر جديدة تؤدى في المحصلة النهائية لزيادة مظاهر الفقر والاختلال الصحي العام ونقصد بالظواهر الجديدة ظاهرتين متداخلتين :

الأولى : اتساع دائرة نفوذ الإخطبوط التجاري الرأسمالي في مجال الأدوية من الخارج .

الثانية : اتجاه شركات الأدوية الحكومية إلى الاندماج في آليات السوق الرأسمالي الدولي والخضوع لآليات العرض والطلب المحلى ومن ثم اتخاذ قرارات برفع أسعار المواد الدوائية بدأت منذ عام 1977 برفع أسعار بعض الأدوية بنسبة تجاوزت غل 30% واستمرت حتى وقتنا الراهن بصورة تثير القلق والفزع في دائرة واسعة من المواطنين والمرضى .

فمنذ عام 1976 سمح للقطاع الفردي باستيراد الأدوية كما أعيد صياغة هيكل الصناعة بحيث أخذت الشركات المشتركة ( رأسمال مصري – أجنبي ) في بسط نفوذها شيئا فشيئا على صناعة الأدوية في مصر حيث ارتفعت نسبة إنتاجها من 18% عام 1971 إلى 28 % عام 1979 كما نجحت إحدى الشركات الأمريكية " سكويت " في الدخول إلى الصناعة منفردة مثلما حدث في قطاع التأمين التجاري وغيره من لقطاعات ويكفى أن نذكر أن حجم هذا السوق قد بلغ عام 1984 نحو 593 مليون جنيه وفي عام 1985 بلغ نحو 690 مليون جنيه وفى عام 1994 بلغ هذا السوق ما يقارب مليار جنيه مصري .

والبيان التالي يشير إلى تطور قيمة الاستهلاك الظاهري الدوائي في مصر خلال السنوات الأخيرة :

جدول رقم (13)
تطور قيمة الاستهلاك الظاهري الدوائي ( بسعر البيع للجمهور بالمليون جنيه ) من عام 1976 حتى عام 1994 .

المصدر : إستراتيجية السياسة الدوائية ، مرجع سابق ص 74 أما عام 1984 فمصدره جريدة الأهرام بتاريخ 198521/2/وعام1994 مصدره جريدة الأهرام بتاريخ / /1995 .

كما يبدو واضحا فإن القطاع الرأسمالي الفردي ( الخاص ) قد ازداد نصيبه في تسويق الأدوية في مصر سواء بالاستيراد من الخارج أو بالإنتاج المحلى ، وهو ما دفع هذا " الكارتل " الجديد إلى محاولة رشوة الدكتور إبراهيم بدران – وزير الصحة عام 1978 – بهدف السيطرة على سوق الدواء في مصر وتحطيم سيطرة القطاع الحكومي عليه .
ومن المؤكد أن ارتفاع الأسعار المتتالي للأدوية خاصة تلك المتعلقة بأمراض الفقراء – تخرج أعداد متزايدة من دائرة الاستهلاك اليومي بكل ما لذلك من تأثيرات مدمرة ليس على صعيد الإنتاج والإنتاجية فحسب وإنما على درجة الانتماء والإحساس بالمواطنة في مجتمع يتسم بكل هذه الملامح والممارسات اللاإنسانية ..
رابعا : اختلال السياسات الضريبية :
منذ تلك اللحظة التي ترسخ فيها النمط الرأسمالي للإنتاج وانفصل المنتج عن أدوات إنتاجه وبرز دور المصنع كشكل رئيسي من أشكال الإنتاج في القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر تبلور في سياقه الانفصال بين الضريبة ( والإتاوة ) الجماعية للطبقات الاجتماعية الأدنى في السلم الاجتماعي للمجتمع الاقطاعى القديم ( أقنان الأرض وطوائف المدن والتجار ) والضريبة الشخصية التي أخذت تتشكل وتتنوع في النظام الاقتصادي والاجتماعي الجديد .
على أية حال ، فتحت تأثير الكتابات المبكرة للاقتصاديين الكلاسيك ( أدم سميث – دافيد ريكاردو ) التي حصرت دور الدولة البرجوازية في مهام الدولة الحارسة ( الدفاع – الأمن – العدالة ) لم يكن من المتصور أن تكون للضريبة دور يتجاوز الحدود المرسومة لها باعتبارها آخر أدوات الحكومة في الحصول على الإيرادات العامة لتغطية النفقات العامة في إطار الوظائف الثلاث المشار إليها ومع الكساد العظيم الذي أصاب المجتمعات الرأسمالية في أوربا وأمريكا عام 1929 والذي استمر بسنواته الخمس ليزعزع بقوة أسس البناء الاجتماعي الرأسمالي .
برز إلى سطح الحياة الفكرية أفكار الاقتصادي البريطاني الشهير " جون كينز " منذ عام 1933 والذي بلور مجموعة من ألأفكار الجديدة التي عصفت في النهاية ومن خلال كتابه الشهير ( النظرية العامة في التشغيل والفائدة والنقود ) عام 1936 بأسس النظرية الاقتصادية الكلاسيكية وليخلع على الدولة البرجوازية دورا أكثر فاعلية وأوفر نشاطا سواء على المستوى المالي أو الاقتصادي والاجتماعي وهكذا قدر للضريبة العامة – بمختلف أنواعها – أن تصبح محورا أساسيا من محاور الفكر الاقتصادي والاجتماعي في المجتمع الرأسمالي المعاصر .
ومن ذلك الحين وحتى الآن لم تنقطع يوما الدراسات في المجتمعات الرأسمالية المركزية عن تبيان الأثر الهام للضريبة في حفظ التوازن الاجتماعي بين مختلف الطبقات الاجتماعية فايفا ميللر تؤكد على دور الضريبة في تأمين الأوضاع المعيشية للفقراء في الولايات المتحدة وبريطانيا .

وفى بريطانيا بلغ الإنفاق الحكومي عام 1978 نحو 73 مليار جنيه استرلينى مولت على النحو التالي :

- 23 مليار جنيه بواسطة الضرائب المباشرة على الأشخاص ( أي نسبة 32%)

- 25 مليار جنيه ضرائب على نشاط الأعمال والشركات ( بنسبة 34%)

- 25 مليار جنيه أخرى عن طريق الضرائب المباشرة الآخرة ( بنسبة 34%) ونقطة البداية دائما هو قياس الآثار التوزيعية للضريبة على الدخول والمستويات المعيشية لمختلف الطبقات الاجتماعية .

ويساهم مكتب الإحصاء المركزي في بريطانيا بدور كبير من خلال نشر التقارير الدورية منذ عام 1960 حول الضرائب والإنفاق الحكومي على مختلف الخدمات الاجتماعية ( لصحة – التعليم .. الخ ).

ويعتمد نجاح النظام الضريبي في المجتمعات الرأسمالية المركزية على عوامل ثلاثة :

العامل الأول : رأى عام وتراث تاريخي محبذ لتأدية الضريبة العامة .

العامل الثاني : نظام تحصيل ضريبي كفء وفعال .

العامل الثالث : نظام قانوني رادع تصل عقوباته إلى حد الاغتيال المعنوي للمتهربين من تأدية الضريبة العامة .

فماذا عن النظام الضريبي المصري ؟

يعتمد النظام الضريبي عموما على ثلاثة أركان أساسية هي التشريعات الضريبية والسياسات المتبعة والأجهزة التي تتولى التنفيذ .
ويؤكد البعض أن النظام الضريبي المصري يفتقر إلى سياسات واضحة تعبر عن مضمون هذا النظام وتوجهاته الاجتماعية بيد أن نظرة فاحصة للإطار العام تكشف عدم دقة هذا التعبير في المجتمع الرأسمالي المتخلف فالرأي عندي – أن عدم وضوح السياسات الضرائبية في معظم دول العام الثالث وفى مصر تحديدا ، هو بمثابة هدف اجتماعي وسياسي واضح ومحدد ، يعكس طبيعة التشوهات الطبقية والقيمية للطبقة المسيطرة من جهة وحقيقة النشاطات الاقتصادية غير الإنتاجية والهامشية من جهة أخرى .
لذا فإن قياس النظام الضريبي المصري – خاصة في عهد الانفتاح على الامبريالية – بمقاييس الراشدة في المجتمعات الأوربية والأمريكية هو خطا اجتماعي وسياسي وإن ظل أمنية نبيلة وحلم مشروع يراود الأكاديميين والمصلحين الاجتماعيين فغلبة الطابع المضارب والعقاري على الطبقة الرأسمالية المصرية ومن ثم أسلوب المقامرة وتشوه التجسدات السياسية لهذه الطبقة ( الأحزاب – المؤسسات -0الاتحادات ..الخ ) يدفعها باستمرار إلى التهرب الضريبي وذلك على الرغم من المزايا والإعفاءات التي حصلت عليها طوال سنوات الانفتاح الاقتصادي كما سيتبين بعد قليل .

على أية حال لقد مر النظام الضريبي المصري بأربعة مراحل متميزة :

المرحلة ألأولى
وهى التي بدأت بتول محمد على حكم مصر ودفعه طموحه لبناء إمبراطورية واسعة إلى صياغة نظام جديد يقوم على فصل الخزانة المصرية عن النظام المالي العثماني ، واعتمد نظام محمد على – إلى جانب احتكاره للمحاصيل الرئيسية في مصر – على الفلاحين والمنتفعين بالأرض الزراعية التي أعاد بدوره توزيعها وفقا لنظام جديد.
بيد أن انكسار تجربة محمد على وتوقيع اتفاقية " بالمة آطة " بين انجلترا من جهة والباب العالي العثماني من جهة أخرى عام 1838 ثم معاهدة لندن الموسعة عام 1840 – التي فرضت حرية دخول وخروج البضائع الانجليزية والفرنسية إلى مصر دون سداد رسوم جمركية عليها كل ذلك قد أدى لانهيار النظام الضريبي المصري الوليد ومنذ ذلك التاريخ وحتى توقيع اتفاقية عام 1936 ظل النظام المالي المصري تابعا للسياسات المالية التي تتخذ في داوينينج تسريت " ببريطانيا .
المرحلة الثانية
وتبدأ بعد نجاح الأحزاب المصرية في الائتلاف وتوقيع معاهدة 1936 بينها من جهة والحكومة البريطانية منجهة أجرى والتي نصت في أحد بنودها على إلغاء نظام الامتيازات الأجنبية في مصر .
وعل الفور شرعت الحكومة المصرية في إصدار قانون ضريبي جديد فصدر القانون رقم 14 لسنة 1939 وقضى في نصوصه على فرض ضريبة على إيرادات رؤوس الأموال المنقولة وعلى الأرباح التجارية والصناعية وكسب العمل ثم استكمل بقوانين أخرى لاحقة وبرغم التسهيلات والمزايا التي وفرتها سلسلة القوانين المتلاحقة ( أبرزها القانون الذي أصدرته الحكومة العسكرية الجديدة رقم 123 لسنة 1953 ) فقد ظل الطابع المضارب والمقامر هو الغالب على نشاط الطبقة الرأسمالية المميزة لهذه المرحلة .
المرحلة الثالثة
بعد أن تبين للنظام الناصري عجز الرأسمالية التقليدية في مصر عن المساهمة في بناء المشروع القومي ، بدأت مرحلة المطاردة ( التأميم والحراسات ) وعمليات التحجيم ( الضرائب ) لهذه الطبقة وأنشطتها المختلفة فصدرت مجموعة من القوانين الضرائبية ( 155 لسنة 1961 و 1927 لسنة 1962 ) وهكذا ألغت بضربة واحدة كل المزايا والإعفاءات التي قررتها في مطلع الخمسينات للنشاط الرأسمالي الفرادى في مصر وتصدر المشروع الاقتصادي الحكومي ( القطاع العام ) مركز الصدارة .
وبرغم ما اتسمت به الفترة الناصرية من توازن اجتماعي محكوم برادع أمنى شديد القسوة إلا أننا سنلاحظ أن الضرائب غير المباشرة ( التي تمس أوضاع الفقراء بشكل محدد ) ظلت تمثل ما نسبته 70% من حصيلة الضرائب خلال عقد الستينات .
المرحلة الرابعة
بانتهاج النظام السياسي في مصر لسياسة الانفتاح الاقتصادي وصدور قانون الانفتاح الشهير ( رقم 43 لسنة 1974 وتعديلاته بالقانون رقم 32لسنة 1977 ) بدأت " الفوضى المنظمة" للإعفاءات الجمركية والضريبية وأعيد صياغة البناء القانوني والتشريعي في مصر بحيث يتلاءم مع التوجهات الجديدة والمرحلة الجديدة فعلى سبيل المثال نص القانون 32 لسنة 1977 ( المعدل لقانون الانفتاح الأول 43 لسنة 1974 ) في مادته (16) على أنه ( مع عدم الإخلال بأية إعفاءات ضريبية أفضل مقرر في قانون آخر تعفى ا{باح المشروعات من الضريبة على الأرباح التجارية والصناعية وملحقاتها وتعفى الأرباح التي توزعها من الضريبة على إيرادات القيم المنقولة وملحقاتها بحسب الأحوال ومن الضريبة على الإيراد بالنسبة للأوعية المعفاة من الضرائب النوعية وذلك لمدة خمس سنوات اعتبارا من التاريخ المحدد لاستحقاق الرسم القانوني ولأول مرة وكذا ما نصت على المادتين 46،47 من نفس القانون .
لذا جاء القانون الضريبي الأول في حقبة الانفتاح ( رقم 46 لسنة 1978 ) تعبيرا عن طبيعة المرحلة فأضاف بدوره إعفاءات جديدة مثل فوائد الودائع بالبنوك وصناديق التوفير كما استبعد القانون فرض ضريبة على الاستغلال الزراعي .
وهكذا تم تضييق نطاق المجتمع الضريبي بسبب استبعاد أوعية ضريبية هامة وقد يكون من المناسب ونحن بصدد تحليل ما أسفرت عنه هذه " الفوضى الطبقية المنظمة " في مجال اختلال توزيع الدخل والثروة القومية التعرض لها من زوايا ثلاث هي :

الأولى : العبء الضريبي على الطبقات الاجتماعية المختلفة .

الثانية : المتأخرات الضريبية .

الثالثة : التهرب الضريبي . فلنناقش كلا بشيء من التفصيل .

أ‌- العبء الضريبي على الطبقات الاجتماعية المختلفة .

يتفق معظم الباحثين والدارسين للنظام الضريبي المصري على عدم عدالة هذا النظام الضريبي واعتمد معظمهم كإطار تحليلي لدراستهم .
المقارنة بين حصيلة كل من الضرائب المباشرة من جهة والضرائب غير المباشرة من جهة أخرى .
فالأولى – وكما هو معروف – تمس في جوهرها أصحاب عوائد الملكية وكبار رجال المال والأعمال في مصر ، بينما الثانية تنصب أساسا على أصحاب عوائد العمل وجماهير الفقراء في البلاد .
وبالنظر للتشوه الاقتصادي والاجتماعي في مصر فغالبا ما يتمكن أصحاب عوائد حقوق التملك من رأسماليين وتجار .. الخ.
من نقل عبء ضرائبهم غير المباشرة إلى إجمالي حصيلة الضرائب في مصر ظلت تتراوح بين 66% إلى 75 % خلال الثلاثين عاما الماضية .
وبعد مراجعة دقيقة لكل بنود الضرائب المباشرة ، تبين الترتيب المتبع حاليا يستند أساسا على شكل وطريقة جباية الضريبة ويغفل المضمون الاجتماعي للضريبة فعلى سبيل المثال نجد أن ضريبة الأجور والمرتبات مدرجة في بنود الضرائب المباشرة وبالنظر لكون هذه الضريبة تقع على عائق العمال والموظفين العاملين في القطاع الحكومي والقطاع الخاص فسيكون من المناسب من وجهة النظر الاجتماعية والتحليلية – إعادة دمجها في قائمة حصيلة الضرائب غير المباشرة وحذفها من حصيلة الضرائب المباشرة مما يتيح تقديم صورة أكثر واقعية للمضمون الاجتماعي والطبقي للنظام الضريبي المصري .
كما أن تحليل كل بند من بنود حصيلة الضرائب المباشرة ومعرفة مصادر تمويلها يتيح صورة واقعية عن من يدفع الضرائب في مصر ومن يتهرب من سدادها بين مختلف الطبقات الاجتماعية في البلاد .
جدول رقم (14)

تطور حصيلة الضرائب المباشرة في مصر خلال الفترة 198281/-94-1995

المصدر : حتى عام 198786/مصدره مجلة التشريع المالي والضريبي ، العدد 263 بتاريخ نوفمبر 1988أما بعد ذلك فمصدره مصلحة الضرائب ، الإدارة العامة للتحصيل .

ويظهر البيان السابق الحقائق التالية :

1- أن ضريبة الأرباح التجارية والصناعية والتي تتحملها بالأساس المشروعات الصناعية والخدمية والتجارية المختلفة في المجتمع يقع عبء 40% من حصيلتها في المتوسط سنويا على عاتق شركات القطاع العام وقد جرى فصل هذه الضريبة في العام المالي 82/1983 عن ضريبة شركات الأموال مما أدى لانخفاض حصيلتها وارتفاع حصيلة شركات الأموال كما هو موضح في البيان السابق .
2- أما ضريبة شركات الأموال والتي تعد من أكبر الأوعية الضريبية حيث زادت من 1360 مليون جنيه عام 198382/إلى 8817 مليون جنيه عام 199594/ فهي تتأتى أساسا من مصادر حكومية ثلاثة هي الضريبة على رسوم المرور في قناة السويس ومن مبيعات الهيئة العامة للبترول ومن البنك المركزة المصري والبنوك العاملة في مصر أي أنها باختصار تأتى من مصادر عامة وليس من القطاع الرأسمالي الخاص الذي يحظى بجميع أنواع الإعفاءات الضرائبية والجمركية .
كما أن السبب في ارتفاع حصيلة ضريبة شركات الأموال هو إعادة احتساب هذه الضريبة وفقا لسعر صرف الدولار بسعر السوق أي من 70 قرشا إلى 224 قرشا ثم إلى 338 قرشا .
3- وبالنسبة لضريبة المهن غير التجارية ( كالأطباء – المحامون .. الخ ) فهي هزيلة لدرجة تدعو للرثاء ؛ والمجتمع يدرك كيف تحول سوق الطب إلى ما يشبه سوق عكاظ يفتقر إلى قيم أخلاقية مستقره وإلى نظام للحساب والعقاب في حالات الأخطاء الشائعة وكيف تحولت أجور الأطباء في العيادات الخاصة إلى سباق حلزوني وكيف أصبحت أسعار العلاج بالمستشفيات الخاصة الاستثمارية إلى ضرب من الفجور والسفور بلا حياء ولا خجل .
4- أما ضريبة التركات ورسم الأيلوية فبرغم تضاءل حصيلتها إلا أن أصحاب المصالح وأصحاب المواريث قد شنوا حملة شعواء في أجهزة الإعلام ومجلسي الشورى والشعب طوال عامي 1987 و1988 باعتبار هذه الضريبة مخالفة للشريعة الإسلامية حتى نجحت جهودهم وصدر القانون 228 لسنة 1989 بإلغاء هذه الضريبة وخفض رسوم الأيلولة إلى حد ثم الهزال ثم جرى إلغاء ضريبة رسم الأيلولة بدوره عام 1966 .
5- أما ضريبة القيم المنقولة ( فوائد الأسهم والسندات والبنوك ) فيقع عبئا على عاتق أصحاب عوائد التملك من حملة الأسهم والسندات وأذون الخزانة وأصحاب الودائع بالبنوك أي على كامل التصرفات الرأسمالية.
فإذا ما اعتبرنا أن 50% من حصيلة ضريبة الأرباح التجارية والصناعية يقع على عاتق أصحاب المشروعات الخاصة والرأسماليين وكذا ضريبة القيم المنقولة والمهن غير التجارية وضريبة التركات ورسم الأيلولة وكذلك الضرائب العقارية فإننا نستطيع أن نستخلص أم مجموع الضرائب المتنوعة التي يقع عبئها على عاتق الأغنياء والرأسماليين من مجموع حصيلة الضرائب المباشرة لم يتجاوز عام 94/ 1995 نحو 1800 مليون جنيه من مجموع 14993 مليون جنيه أي بواقع 12% من حصيلة هذه الضرائب المباشرة وبالتالي لا تشكل سوى 4% من إجمالي حصيلة الضرائب في مصر ذلك العام ( مباشرة وغير مباشرة ) فلنا أن نتصور حجم الكارثة المجتمعية التي يحياها الفقراء ويسدد فاتورتها الفقراء ومحدودي الدخل وحدهم في البلد ؟

وحتى يكتمل تحليلنا نعرض في البيان التالي تطور حصيلة الضرائب غير المباشرة خلال نفس الفترة :

جدول رقم (15)

تطور حصيلة الضرائب غير المباشرة في مصر خلال الفترة 81/1982 –1995 94/

المصدر : حتى عام1986 85/ مصدره مجلة التشريع المالي والضريبي العدد ( 263 ) نوفمبر 1998 أما عام 94/1995 فمصدره الموازنة العامة للدولة ذلك العام .

ونلاحظ أن العبء الأكبر لضرائب الاستهلاك ( 85% في المتوسط ) تقع على عاتق المستهلكين عموما ومعظمهم من محدودي الدخل أما الرسوم الجمركية فإن معظمها يتحمله القادمون من الخارج والعاملون المصريون في البلدان العربية ويصحبون هدايا ؛ والجزء الذي يقع على عاتق أصحاب الأعمال والمشروعات فيجرى نقله عبر ما يسمى في الأدب الضريبي نقل عبء الضريبة للمستهلكين أما ضريبة التمغة والتي شهدت قفزة هائلة خلال الخمسة عشر عاما الماضية من 29 مليون جنيه عام 198281/ إلى 2665 مليون جنيه عام1995 94/فإن 75% منها يقع على الصرفيات الحكومية ومبيعات طوابع التمغة ووثائق السفر والزواج وتمغة وثائق التأمين وأعمال البورصة وفواتير استهلاك المياه والكهرباء والغاز والإقرارات والشيكات المصرفية والشكاوى والطلبات . الخ.
أي أن 90% منها يتحمله محدودي الدخل والمواطنون دون تمييز بين مستويات دخولهم وأوضاعهم الاجتماعية ومرتكزهم الاقتصادية وكذلك يمكن القول بالنسبة للضرائب السيادية المتنوعة ( كضريبة الملاهي ودور السينما والدفاع الأمني .. الخ ) .
لقد شهد عقدا السبعينات والثمانينات تقدم الهدف المالي ( تعظيم الحصيلة ) على ما عداه من الأهداف الاجتماعية والاقتصادية للنظام الضريبي المصري وكان من الطبيعي أن يزداد عبء الضريبة على الفقراء مقابل تقلص وانكماش المجتمع الضريبي بفعل هوجة الإعفاءات الجمركية والضرائبية التي منحت للمشروعات الرأسمالية من مختلف الأشكال وكذا اتساع ظاهرة التهرب الضريبي خاصة لكبار الممولين وهو ما سنعود لتناوله تفصيلا بعد قليل .
فعلى سبيل المثال فبينما بلغت حصيلة الأرباح التجارية والصناعية والقيم المنقولة والمهن غير التجارية عام 1979 نحو 169 مليون جنيه نجد أن الضرائب المفروضة على السلع الضرورية ( السكر – الأدوية – الصابون .. الخ ).
يرتفع الرقم ليصل إلى 308 مليون جنيه وبالمقابل فإن الضرائب المفروضة على السلع الكمالية ( أجهزة التكييف – الفورمايكا – سيارات الركوب – قطع غيار السيارات – المشروبات الكحولية .. الخ.
لم تزد حصيلتها عامي 1977 و 1978 عن 2 إلى 3 مليون جنيه على الترتيب .
لقد كانت هذه الأوضاع حصيلة سياسات تشريعية قانونية بدأت منذ إعلان سياسة الانفتاح الاقتصادي في البلاد منذ منتصف عام 1974 والتي ركزت جهودها على تلبية المطالب الملحة لأصحاب رؤوس الأموال في الداخل والخارج واستهدفت في الأساس تخفيف الواقع الضريبي على هذه الطبقات .
أما بالنسبة للمؤشر الثاني وهو الحد من التفاوت الكبير في الثروات والدخول ومعرفة مدى تحقيق النظام الضريبي لهذا الهدف فيتبين من تتبع المثال والموضح في الجدول رقم(17) والخاص بقياس الوقع الضريبي على ممول خاضع للضريبة العامة على الدخل في حالتين :

- الأولى عندما يكون دخل الخاضع للضريبة 5,000 جنيه .

- الثانية عندما يتضاعف هذا الدخل عشرة أضعاف ليصبح 50,000 جنيه وذلك في ظل ثلاثة أوضاع تسود فيها قوانين ضريبية مختلفة للمقارنة .

جدول (16)

قياس الواقع الضريبي على ممول خاضع للضريبة على الدخل طبقا للقوانين الانفتاحية

المصدر : النشرة الاقتصادية للبنك الأهلي المصري 1984 ، مرجع سابق ص 33 .

يبدو واضحا كيف أن المشرع اتجه في القوانين الضرائبية الجديدة ( 46 لسنة 1978 و 157 لسنة 1981 و 87 لسنة 1983 ) لتخفيف العبء الضريبي على كبار المولين .
فما كان يزيد عن عشرة آلاف جنيه فرض عليه في القانون القديم ( 115 لسنة 1961 ) 90 % كضريبة أما في القانون الجديد ( 46 لسنة 1978) فقد انخفض سعر الضريبة إلى 35% ثم انخفض حتى وصل إلى 15 % وفقا للقانون رقم 87 لسنة 1983 .
وهنا يتبين إلى أي مدى اهتم المشرع خلال حقبة الانفتاح والصلح بتخفيف العبء الضريبي على أصحاب عوائد التملك وهو ما يعبر عنه ضريبيا بتدهور الوقع الضريبي لكبار الممولين ولم تقف سلسلة التنازلات والمصالح المتبادلة عند هذا الحد فقد توالت القوانين الضريبية التي ركزت في جوهرها على تخفيف هذا العبء مقابل زيادته على صغار الممولين وملايين المستهلكين الفقراء في البلاد .

ب‌- المتأخرات الضريبية :

تعد ظاهرة المتأخرات الضرائبية ، من الظواهر المرتبطة بحقيقتين أساسيتين في النظام الضريبي المصري فالأولى تتمثل في ضعف كفاءة هذا النظام وقدرته على الجباية المنظمة والمحكمة من واقع حصر فعلى للمجتمع الضريبي والثانية تتمثل في سيادة مفهوم غير إيجابي بين المجتمع الضريبي عموما من وجهة والدولة بأجهزتها المختلفة من جهة أخرى وهو ما يؤدى إلى إهدار مفهوم الدفاتر المحاسبية وفوضى التقدير الجزافي في ربط الضريبة على مختلف فئات الممولين .
يكفينا أن نشير في هذا الصدد إلى حقيقة أن حجم القضايا المتداولة في المحاكم الابتدائية بين مصلحة الضرائب والممولين في مصر حتى 30 يونيه 1989 قد تجاوز عددها 43 ألف قضية وأن هذا العدد ( رصيد ) قد توقف في أول شهر أبريل عام 1990 عند رقم 31670 قضية .
وبرغم أهمية هذا الموضوع وحيويته بالنسبة لرسم السياسات الاقتصادية والمالية في البلاد فإنه لا يتوافر بيان دقيق حول هذه المتأخرات لدى القطاعين الحكومي والخاص .

ويشير البيان التالي إلى تطور هذه الظاهرة خلال السنوات المتاح عنها بيانات حتى الآن .

الجدول رقم (17)

تطور المتأخرات الضريبية خلال الفترة من 1974 حتى 1981 " بالمليون جنيه "

المصدر: البنك الأهلي المصري ، النشرة الاقتصادية ، مرجع سابق ص 54 .

وكما هو واضح لقد ارتفعت المتأخرات الضريبية من 330,8 مليون جنيه عام 1974 إلى أكثر من 647,2 مليون جنيه عام 80/ 1981 ( باستثناء متأخرات مصلحة الضرائب العقارية ) أي تضاعف خلال أقل من 6 سنوات ( بمعدل سنوي 16% تقريبا ) معظمها يأتي من ممولي ضريبة الأرباح التجارية والصناعية والجمارك .
بل وتؤكد معظم الدراسات التي أعدتها مصلحة الضرائب أن معظم متأخرات القطاع الرأسمالي الفردي غير مؤكد الجباية ففي عام 1979 وحدها بلغت متأخرات القطاع الحكومي ( العام ) نحو 33,9 % من إجمالي المتأخرات جميعها مؤكدة التحصيل ( أما القطاع الرأسمال الفردي 66,1% من إجمالي المتأخرات ) فغير مؤكدة التحصيل وهو ما يظهره الجدول التالي :
جدول رقم ( 18)

بيان رصيد المتأخرات الضريبية حتى 19791/11/ " بالمليون جنيه "

المصدر : مصلحة الضرائب العامة المراقبة العامة للإحصاء .

وبالقطع لا يمكن النظر لمشكلة المتأخرات الضريبية – أو حتى التهرب الضريبي – دون ربطها بالنسق القيمى العام الذي يحكم المجتمع المصري خلال حقبة الانفتاح فالرشوة التي باتت أحد وسائل الخلاص الفردي لعدد ليس بقليل من شاغلي الوظيفة تدفع باستمرار إلى اختلال الحصيلة الضريبية ومن ثم يزداد اهتمام واضعي السياسات على المتاح فعلا وهو ما يؤدى إلى فرض مزيد من الضرائب على الفقراء وزيادة أسعار السلع الضرورية .

ت‌- التهرب الضريبي :

من أكثر الموضوعات حساسية وإثارة للجدل الواسع في مصر قضية " التهرب الضريبي " وحتى الآن لا يمتلك جهاز من أجهزة الإحصاء في البلاد حصرا دقيقا حول هذه الظاهرة الخطيرة والمدمرة وخطورة الظاهرة تكمن في كونها أحد مفردات السلوك اليومي للممولين على اختلاف درجاتهم المالية أو العلمية .
تمتد شبكة الانحراف السلوكي هذه من أساتذة الجامعات , وكبار الأطباء والرأسماليين إلى المدرسين وصغار الحرفيين ومن على شاكلتهم .
سلسلة حلزونية تغذيها مشاعر الانتماء ووسائل الخلاص الفردي في حقبة " البحث عن الذات " على سبيل المثال حينما أعيد حصر الممولين المتعاملين مع القطاع الحكومي لتطبيق نظام " البطاقة الضريبية " تبين أن هناك 90 ألف ممول لم تكن لهم ملفات ضريبية سابقة ؟
ويتكرر نفس الشيء عام 1978 مما أدى لارتفاع الضرائب المحصلة من ممولي الأرباح التجارية والصناعية والقيم المنقولة غير التجارية من 62,5 مليون جنيه إلى 169 مليون جنيه عام 1979 أي بزيادة تصل إلى 170%.
وبالنسبة للممولين لضريبة الأرباح التجارية والصناعية فقد تبين أن نسبة من لم يقدموا إقراراتهم الضريبية خلال فترة التحليل حوالي 67% من إجمالي عدد ممولي هذه الضريبة في المتوسط وبالنسبة لممولي ضريبة المهن غير التجارية فإن نسبة من لم يقدموا إقراراتهم تبلغ في المتوسط 70% من إجمالي عدد الممولين لهذه الضريبة خلال سنوات الدراسة ( 19811987) وضريبة الدخل 60% في المتوسط وهو ما يظهره البيان التالي .
جدول رقم ( 19 )

بيان حركة الإقرارات الضريبية خلال الفترة 81-1986

المصدر :مجلة التشريع المالي والضريبي العدد ( 263 ) مرجع سابق .

ويشير مسلسل محاكمات الفساد الشهير في مصر ( عصمت السادات ، توفيق عبد الحي ، تجار العملة .. الخ ).
إلى أن التهرب الضريبي هو السلوك الطبيعي لكبار رجال المال والأعمال والمهن الحرة في مصر سواء كان هذا النشاط مشروعا قانونا أو مشروعا سلوكا .
وربما تقدم إلينا جهود الإدارة العامة لمباحث الضرائب والرسوم صورة تقريبية لحجم ظاهرة التهرب الضريبي في المجتمع المصري .
ووفقا لها فإن ما تم ضبطه من قضايا تهرب ضريبي عام 1995 بلغ 1192 قضية مستندا على مستوى الجمهورية وبلغت إجمالي الإيرادات المهربة نحو 8 مليار جنيه مستحق عنها ضرائب .
كما أن الحملة المنظمة التحى شنت طوال عامي 1988 و 1989 لإلغاء ضريبة التركات ورسم الأيلولة تحت دعوى مخالفتها للشريعة الإسلامية لم تكن سوى مطالب لكبار رجال المال والأعمال الجدد الذين استاءوا من وجود نصر المادة 155 من القانون 157 لسنة 1981 والتي نصت على ( إذا توفى الممول وكانت تركته تكشف عن زيادة عما ورد بأخر إقرار ثروة مقدم منه مضافا إليه الأرباح أو الإيرادات التي أظهرتها إقرارات الضريبة السنوية ...

وعجز الورثة عن إثبات مصدر الزيادة في تركة مورثهم فيكون لمصلحة الضرائب .. الخ .

أي أن اكتشاف التهرب الضريبي للمورث بعد وفاته هو المصدر الحقيقي لانزعاج تلك الفئات الاجتماعية التي أدارت هذه الحملة من مقاعد مجلسي الشعب والشورى وفى دائرة الصحافة الحكومية بحيث تمكنت فعلا من استصدار القانون رقم 228 لسنة 1989 الذي ألغى فعليا ضريبة التركات ورسم الأيلولة هذا في الوقت الذي صدر فيه القانون رقم 229 لسنة 1989 القاضي بفرض ضريبة على مرتبات العاملين المصريين بالخارج كما صدر القانون رقم 224 لسنة 1989 الذي قضى بزيادة رسم الدمغة ، كما أضاف أعباء جديدة على محدودي الدخل في المجتمع المصري .
وفى نفس الوقت الذي أصدر فيه مجلس الشعب القانون رقم 47 لسنة 1984 الذي قضى بفرض ضرائب جديدة على الأجور المتغيرة التي تمنح للعاملين في الحكومة والقطاعين العام والخاص ( حوافز – أجور إضافية – مكافآت ) فإنه أصدر القانون رقم 100 لسنة 1987 الذي قضى بمضاعفة مرتبات الوزراء وكبار رجال الدولة وإعفائهم ( المادة الخامسة ) من الخضوع للضريبة بالنسبة لبدلات السفر والمعاشات الخاصة بهم .
وبالقطع لا يمكننا مناقشة ظاهرة التهرب الضريبي أو المتأخرات الضريبية أو التوزيع الطبقي للعبء الضريبي دون ربطها بالظاهرة الأساسية والقانون الأساسي للمجتمع المصري ألا وهى اختلال توزيع الدخل القومي بين طبقات المجتمع المختلفة .

الفصل الثالث: مظاهر الاغتراب في المدينة المصرية

" هناك شيء في نفوسنا حزين قد يختفي ولا يبين . ولكنه مكنون شيء غريب .. غامض .. حنون

صلاح عبد الصبور

أولا : البغاء .

ثانيا : الاختلاس والرشوة .

ثالثا : سرقة السيارات .

رابعا : جرائم التموين .

خامسا : جرائم البنوك وتجارة العملات الأجنبية والمخدرات .

المبحث التاسع:الاغتراب .. الإطار العام

بداية ماذا نعنى بالاغتراب كمشخص حضاري لأزمة الإنسان المعاصر ؟


ثم ما هي التجسدات السلوكية المباشرة لهذا المفهوم في الواقع الحياتي اليوم للمواطن المصري خاصة في السنوات الخمس عشرة الأخيرة ؟

وبالمقابل ما الذي نقصده تحديدا بمصطلح الانتماء ؟

وما هي الصلات القائمة بين هذين المفهومين من ناحية والإطار الأخلاقي الذي تتعايش في ظلاله مختلف الطبقات الاجتماعية والفئات العمرية في مصر ، الآن من ناحية أخرى ؟

هذه التساؤلات المشروعة تمثل عينة من القضايا الكبرى التي شغلت – ولا زالت تشغل – دوائر البحث والفكر في مصر منذ عشرين عاما تقريبا .
ومما لا شك فيه أن في الإجابة على هذه التساؤلات المتشابكة يكمن التحليل الدقيق لمجريات الصراع الاجتماعي والثقافي الجاري في البلاد في الوقت الراهن كما يمكننا مثل هذا التحليل من استشراف أفق المستقبل المنظور لعلاقات القوى الاجتماعية وخريطة التوازنات السياسة وباختصار تحديد وتيرة الصراع الطبق في البلاد ، بأشكاله المتنوعة شديدة التعقيد والتداخل .
لقد كان الفيلسوف الألماني المثالي البارز ولهلم هيجل ( 1770-1831) أول من استخدم مصطلح الاغتراب للتعبير عن حالة الانفصال التي يعانيها الإنسان بين ذاته والأشياء أو بتعبير آخر ذلك الانقسام الذي تعنيه الذات الإنسانية بين محاولة أن تكون فاعلة وحدها ومقررة لمصيرها وبين الواقع الذي يفرض أشكال من السيطرة الخارجية على هذه النفس الإنسانية .
والحقيقة أن المفهوم الهيجلى للاغتراب الانسانى في آتون معارك السيطرة والسيادة الاجتماعية والاقتصادية للحضارة الرأسمالية الجديدة قد امتد من مجال الفلسفة واللاهوت الكنسي لتنسج خيوطها شيئا فشيئا على مختلف فروع المعرفة الإنسانية الحديثة وبخاصة في مجال علم النفس ( السيكلوجيا ) وعلم الاجتماع البرجوازي الحديث ( السيكولوجيا )
فعلى سبيل المثال أخذت مدارس علم النفس الوليدة – خاصة قبل بروز كتابات كارل ماركس ( شاركو – بروير – فرويد ) تدور داخل دائرة المفاهيم الميتافيزيقية والتفسير الاستنباطي للظواهر النفسية وأهملوا أو كادوا دور المؤثرات الاجتماعية والاقتصادية في تشكيل السلوك سواء كان هذا السلوك على الصعيد الفردي والذاتي " الانتحار " أو على صعيد الممارسات الإجرامية .
فظاهرة الانتحار باعتبارها تجسيدا لأقصى مظاهر الاغتراب الانسانى وأكثرها مأساوية نظرت إليها مدارس علم النفس المثالية باعتبارها مرض عقلي نتيجة ما أسموه الاضطرابات الانهباطية وركزوا على التكوين المولد للانتحار دون الأخذ بالاعتبار السياق الاجتماعي والثقافي الشامل للوجود الانسانى .
وهكذا حصر هيجل وكل الفلاسفة المثاليون اللاحقون مفهوم الاغتراب في دائرة الإنسان " الذات " دون التعرض للمعطيات الاقتصادية والاجتماعية المسئولة عن ذلك الإحساس وبكلمة أسقط التراث الهيجلى تلك الظاهرة ، من سياقها التاريخي وعزلوها قسرا عن عمليات التطور الاقتصادية والاجتماعية التي تحكم صيرورة الوجود الانسانى .
ستصير هذه المهمة من نصيب كارل ماركس ( 1818 – 1883 ) الذي أعاد تلك الصلة الحميمة بين دياليكتيك هيجل ، كأداة رئيسية من أدوات التحليل الفلسفي من ناحية والواقع الحي بكل مشتملاته الاجتماعية الاقتصادية من ناحية أخرى .
فعبر هذه الأداة – الديالكتيك – أعاد ماركس تحليل وتركيب صور التطور التاريخي للحضارة البشرية القديمة ، فاكتشف قوانين التطور الاقتصادي – الاجتماعي ( المادية التاريخية ) وبالمقابل أعيد النظر في مفهوم " هيجل " للاغتراب والذي اعتبره ماركس " انفصال العامل والمنتج عن نتاج عمله في المجتمع الرأسمالي الحديث ، القادر على الفصل بين الملكية وناتج العمل .
وانطلاقا من كون الفرد كائنا اجتماعيا ، انصب الجهد البحثي لماركس حول مسألة واحدة هي إبراز العلاقة الجدلية بين الإنسان الاجتماعي الفاعل وبين أعماله العديدة المتباينة والمتناقضة .
ومنذ تلك اللحظة التي برزت على ساحتي الفكر والفعل ، أفكار كارل ماركس ، انقسمت العلوم الإنسانية إلى قسمين متناقضين وإن كان البعض يشير إلى التأثيرات الحية التي أحدثها فكر ماركس ومنهجه التاريخي في كافة المدارس المثالية بدورها .
فعلى سبيل المثال – وليس الحصر – بينما اهتمت مدارس علم النفس بالذات الفرد ومشكلاته العقلية والنفسية كدافع للاختلال النفسي أو الانتحار ، فقد جاءت دراسة البروفيسور أميل دور كايم عام 1897 الشهيرة حول الانتحار ، بأسلوب ومنهج تماما ، حيث ربط بين هذه الظاهرة الفردية في شكلها بأساسها الاجتماعي وانتقل بذلك إلى موقع أقرب للتحليل الماركسي ومع ذلك ينبغي الإشارة إلى أن مفهوم الاغتراب لم يعد مقتصرا – كما طرحه ماركس في منتصف القرن الماضي – على الانفصال الحادث بين العامل من ناحية وإنتاجه من ناحية أخرى ، فقد امتد لمفهوم على يد مجموعة من الكتاب الماركسيين ليشمل " كل مظاهر الحرمان المادي والمعنوي للأفراد والطبقات المنتجة من نتاج عملهم في المجتمع الرأسمالي الحديث .
ولذا فقد نجد من التبسيط المخل ، ما تصوره البعض من إمكانية القضاء على مظاهر الاغتراب في المجتمع الاشتراكي وذلك بمجرد تحقيق قدر كاف من السلع المادية والتسهيلات الثقافية مما يؤدى إلى انخفاض وقت العمل وتزايد وقت الفراغ .

ذلك أنه برغم اتفاقنا حول قدرة المجتمع والاقتصاد الاشتراكي على تحسين أوضاع الطبقات ومن ثم اتجاه توزيع الثروة والدخل إلى التوازن والتكافؤ إلى حد بعيد فإن ذلك على الجانب الآخر لا ينفى استمرار بعض مظاهر الاغتراب وإن كان بصورة أقل ، لارتباط ذلك بحقيقتين رئيسيتين :

الأولى : طبيعة مرحلة التحول في ا لمجتمع الاشتراكي التي قد تستدعى التضحية بطموحات الجيل الأول للثورة – وربما الثاني – من أجل تعديل بنية الإنتاج المادي للسلع الضريبية ولقوى الإنتاج .

الثانية : طبيعة التطور الانسانى وتباين المشاعر والاهتمامات من جماعة لأخرى ومن جيل لآخر على أية حال ، لقد فتحت كتابات كل من هيجل وماركس الباب على مصراعيه لدراسات تطبيقية ( أمبيريقية ) حول هذا الموضوع .

فدراسة g nettler في الولايات المتحدة ، أكدت العلاقة الحميمة بين حالة الشباب الأمريكي المغترب وتدنى درجة مشاركتهم في الحياة العامة ( الانتخابات مثلا ) كما ربط الكاتب بين واقعة الاغتراب في المجتمع الأمريكي والسلوك الاجرامى لدى قطاعات واسعة من الشباب هناك .
وينطلق تحليل " نيتلر " من اعتبار أن الاغتراب الاجتماعي " حالة لا يشعر فيها الفرد بالانتماء لمجتمعه المحلى أو وطنه " .
كما قام البروفيسور كلارك عام 1959 وعالم النفس الأمريكي d ratz عام 1960 في دراستين مستقلتين بإبراز العلاقة القائمة بين النسق القيمى والسلوك الانتخاب والتصويتى لأفراد المجتمع الأمريكي من ناحية ، ومستويات دخولهم من ناحية أخرى .
أما البروفيسور سنترز فقد حاول الربط بين ناتج العمل والدخل الشخصي بدرجة الشعور بالانتماء لطبقة اجتماعية محددة .
ومما لا شك فيه أن التقلبات وحالات القلق التي تنتاب قطاعات محددة في المجتمع الذي يتعرض نسق قيمه لتقلبات عنيفة ( مصر الآن ) تدفع بإحساس الاغتراب إلى مستوى أكثر صعوبة وإن كانت هي ذاتها مغذاة بإحساس أولى " بالاغتراب " .
وقد برزت بعض الدراسات النفسية التي حاولت البحث عن العلاقة بين حالات القلق هذه ومستوى محدد من الاغتراب الفردي ومن أبرز الدارسين لهذا النوع من الموضوعات " اوتورانك " والفرد آلر وكارن هورنى وكارل يونج .
وإذا اعتبرنا أن أحد عناصر " التكوين الاجتماعي " للطبقات المختلفة ، هو نسق قيمها ومفاهيمها فإن من شأن التقلب والاهتزاز الحادث فيها أن تزداد حالات التوتر الاجتماعي وتتسع دائرة العنف الفردي والجماعي ، كما تتحول الجريمة من إطار السلوك الفردي المنحرف إلى إطار السلوك الجماعي المنظم والواعي .
وبرغم أن الإنسان من منظور تاريخي – هو خالق هذه القيم ، فإنها تعود بدورها للحضور على مسرح حياته الخاصة لتؤثر تأثيرا كبيرا على شخصه وسلوكه وفكره .
وبالقطع فإن التعريف الأكاديمي البرجوازي للقيم ، والذي يستهدف بالأساس طمس التباينات والتناقضات الكائنة في صميم قيم ومفاهيم وسلوك كل طبقة اجتماعية ، لا يؤدى إلا لإضافة المزيد من الضبابية إلى المفهوم كما أن من شأن استخدام مصطلحات مثل : المجرد – الجماعة – الشعب – الأمة ... الخ.
التمويه عن حقيقة انتظام هذه الجماعات في طبقات متصارعة ومتناقضة . وتوفر أدوات النشر والإعلام الفعالة _ إذاعة – صحافة – تليفزيون ... الخ ).
التي تسيطر عليها الطبقة البرجوازية ، قدران إضافية هائلة في سيادة قيم وأيدلوجية هذه الطبقة على بقية الطبقات ومن ثم تحاول إضفاء صفة الإجماع أو الكلية على قيمها الخاصة لتقيم على هذا الأساس القاعدة القانونية والأخلاقية اللتين تتوليان بدورهما حماية وتوطيد هيمنتها السياسية والاقتصادية .
عموما ، فإذا كان الاغتراب – كما عرفناه – هو ( انفصال الإنسان المنتج عن نتاج عمله المادي والمعنوي ) فإن الانتماء هو على النقيض يمثل " ذلك الشعور بالتوحيد الكامل طبقة اجتماعية محددة مدعوما بوعي تاريخي لدور هذه الطبقة على مسرح الحياة " .
نتقل الآن إلى محاولة الاقتراب من مظاهر الاغتراب في المدينة المصرية ، ونستطيع هنا أن نحدد روافد أربعة رئيسية ، لعبت ولا زالت تلعب دورا خطيرا في تعميق إحساس الاغتراب واللاانتماءات لدى المواطن المصري وبخاصة قطاعات الشباب وهذه الروافد هي :

الرافد الأول :

غياب المشاركة السياسية وحرية التعبير عن الرأي وما يرتبط بها من عداء مستحكم من قبل النظام العسكري في مصر تجاه كل بادره من بوادر العمل التنظيمي المستقل للجماهير والفئات الاجتماعية المتضررة من السياسات القائمة في البلاد .
ويتمثل ذلك بوضوح في سيطرة أجهزة الأمن ( المخابرات العامة – مباحث أمن الدولة ) على النقابات العمالية والمهنية والاتحادات الطلابية والأندية الرياضية والجمعيات الخيرية والاجتماعية ، بل وحتى المساجد ودور العبادة ..
مع ما واكب كل ذلك طوال الثلاثين عاما الماضية من عمليات تعذيب وحشية سقط على أثرها عدد ليس بقليل من الضحايا سواء من التنظيمات الشيوعية أو الإخوان المسلمين ( 1954، 1959، 1965، 1977،1981 ، 1983، 1987 .. الخ ).
مما أدى لسيادة مناخ محبط لدى قطاعات الشباب ، وتنامي الإحساس بالعجز واليأس وتفاقم الإحساس بأهمية البحث عن خلاص فردى ( الهجرة والعمل بالخارج ) بمعزل عن الخلاص الجماعي للوطن .

الرافد الثاني :

تفاقم الأزمة الاقتصادية في مصر ، خاصة بعد عام 1973 بصورة لم يسبق لها مثيل في تاريخ مصر الاقتصادي والاجتماعي ، واتساع دائرة الفئات الاجتماعية المعوزة ، والتي تساقطت على مختلف المكونات المادية لطموح الشباب ( المسكن – التأثيث – المرتبات .. الخ ) بحيث بدا من المستحيل الاستمرار في ظل الظروف القائمة خاصة بعد تفجر أسعار النفط وإتاحة فرصة نادرة خفضت من حدة الغليان في الداخل .

الرافد الثالث :

تفجر أسعار النفط وتراكم الثروات لدى عرب النفط " وما أحدثه ذلك من نمو غير متوقع في النشاط الاقتصادي والعمراني ذا الطراز الغربي في أقطار الخليج والاستعانة المتزايدة بالعمالة العربية عموما والمصرية خصوصا في المرحلة الأولى ( حتى عام 1979 ) مما أعاد فرز مستويات الدخول من ناحية وفاقم من مظاهر التضخم في مصر ذاتها من ناحية أخرى ، كما عزز بصورة أساسية من مركز القوى الدينية الرجعية المدعومة هذه المرة بالبترولارات السعودية والخليجية والمشحونة بأحاسيس دينية غيبية شديدة التعقيد والتداخل .

الرافد الرابع :

الاختلال الاستراتيجي في إدارة الصراع العربي – الصهيوني في أعقاب حرب 1973 – والذي أدى في المحصلة النهائية إلى الهيمنة الإسرائيلية والأمريكية على المنطقة العربية ودخول المنطقة العربية عصر انحطاط حضاري شامل ،و نزاعات نظامية غير مبررة مفهومه مع اضمحلال دور الثورة الفلسطينية على الساحتين العسكرية والفكرية والانزلاق بعد عام 1974 في أوهام وسراديب التسوية السياسية والدويلة الفلسطينية .. وبالمقابل تعززت مواقف الأنظمة العربية الموالية للغرب بالمنطقة والداعية إلى المساومة والتفاوض ، وهو ما أدى لسيادة مناخ كثيب على مختلف قطاعات الشباب النشط سياسيا والمهتم عموما بالعمل العام في مصر .
لقد ساهمت هذه الروافد مجتمعة في صياغة وجدان ومشاعر مهزومة من الداخل قابلة لشروط استسلام للأمة العربية ككل .

وهكذا تجسدت هذه الشروط الاغترابية من الناحية الموضوعية في ممارسات سلوكية هروبية جديدة يمكن حصر أبرزها في الآتي :

- عدم الرضا الوظيفي .
- الهجرة والعمل بالأقطار النفطية .
- الجرائم .
قد يكون من المناسب التوقف هنا قليلا . فدراسات الرضاء الوظيفي في السنوات الأخيرة تشير إلى تنامي إحساس بعدم الانتماء إلى مؤسسات العمل ولأهدافها بين العاملين في البلاد بعد عام 1974م .
فمفهوم الرضاء الوظيفي المتعدد الأبعاد يعتمد على ثلاثة عناصر أساسية هي مدى الرضا بسياسات العمل بالمؤسسة ، ومدى الرضا بعلاقات العمل ثم أخيرا مدى الرضا بالعمل ذاته وقد أمكن عبر قياس معدل العمل ودرجة التغيب أو التمارض بعينة مختارة من المؤسسات الحكومية والاقتصادية في مصر ، استخلاص نتائج على درجة عالية من الأهمية والدلالة بخصوص سيادة مشاعر عد التكامل بين الأفراد وبين مؤسساتهم .
وعلى صعيد الآثار النفسية لهذه المعطيات الجديدة ، ربط البعض بين تأثير هذا الاضطراب والقلق على إنتاجية العمل لمن تبقى منهم داخل البلاد .
أما الدراسة التطبيقية التي أعدها " مغاورى " التي أجريت على عينة من طلبة جامعة عين شمس _ التربية – الهندسة – الآداب ) وعددها 334 طالبا وطالبة من مختلف الفئات الاجتماعية فقد استخلص منها أن اغترابهم الاجتماعي سواء عن الذات أو عن الجامعة يشكل نسبة عالية جدا ونفس الحقيقة توصل إليها د . محمد علوان في دراسته عن المشاركة السياسية للشباب في المجتمع المصري .
يشير أحد المحللين النفسيين إلى ذلك في علاقته بالنهم الاستهلاكي المجنون ، وبالأزمة الاقتصادية الطاحنة بقوله ( نحن نعيش في مجتمع خائف ى يشعر الفرد فيه بأي أمان ، وهو يدفع الناس لعملية سباق لاهث حتى يلحقوا أي شيء قبل الآخرين ، وحين يحصل الفرد على ما يريد لا يشبع به ويواصل السعي والجري والتنافس وراء شيء آخر ، وهذا دليل على أننا خائفون نجوع للاستهلاك دائما لأننا لا نشبع حاجاتنا الحقيقية به ) .
وقد غذى من مشاعر الاغتراب داخل حدود الوطن تحرك حلم " علاء الدين النفطي " المدعوم بمشاهدة يومية لعمليات الفرز المستمرة التي تجرى في مستويات الدخول والمعيشة على المدى القصير بين المصريين العاملين بالأقطار وبين المصريين الباقين في الداخل ، وهكذا ازدادت يوما بعد آخر حركة الهجرة المشروعة وغير المشروعة ( السلكاوى ) كلما أتيحت الفرصة إلى ذلك فزاد عدد المصريين بالأقطار العربية من 462 ألف عام 1973 إلى أن بلغوا نحو 4,2 مليون مواطن معظمهم في سن العمل بنهاية عام 1988 وهو ما سنعود لتناوله تفصيلا بعد قليل .
كما برزت ولثاني مرة في تاريخ مصر المعاصرة ، حركة الهجرة الواسعة للفلاحين المصريين من الأرض الزراعية للعمل في الأقطار العربية النفطية كعمال بناء وتشييد ووصل الحال ببعضهم أن اضطروا إلى بيع ممتلكاتهم الشخصية ومصوغات زوجاتهم للحصول على ثمن تذكرة السفر للخارج .
لقد أخذت هذه الظواهر في التفاعل عبر عقود طويلة بيد أن تغيرات عقد السبعينات كانت حاسمة بحيث دفعت السفينة بعيدا عن مرساها القديم ولم تكد تحل الأسابيع الأولى من خريف عام 1981 حتى تحولت الهمهمات إلى صرخات مدوية مصحوبة بفرقعة الرصاص لتصيب في مقتل أول من دفع السفينة في الخضم العاصف .

المبحث العاشر : الاغتراب والعنف الجماهيري

منذ تلك اللحظة التاريخية البعيدة التي افترق فيها الإنسان عن ناتج عمله وتصارعت الجماعات والقبائل البدائية حول مناطق الزراعة ومنابع المياه وبرز إلى المسرح التاريخي انقسام المجتمع الانسانى إلى طبقات متناحرة ، منذ تلك اللحظة بات العنف والعنف المضاد السمة الأساسية للوجود الانسانى برمته .

وبالقطع لم تكن ممارسة العنف من جانب الطبقات السائدة في ا لمجتمع القديم ( المجتمع العبودى أو المجتمع الاستبدادي القائم على الحكومة المركزية في الهند والصين ومصر ) محكوما بأي إطار قانوني أو أخلاقة ، وفى المقابل لم تكن ثورات الطبقات المقهورة أو المضطهدة تخضع بركان عنفها إلى إطار أخلاقي مماثل .

بيد أنه منذ بزغت إلى مسرح الوجود الانسانى المعاصر الطبقة البرجوازية الحديثة في أوربا ( القرن الخامس عشر فصاعدا ) ترددت في أزقة الفقراء وفى ردهات قصور النبلاء أصوات المفكرين البرجوازيين أمثال " جون ولوك " و " توماس هوبز " و " دافيدهيوم " بانجلترا و " جان جاك روسو " و " مونتسكو" و " فولتير " في فرنسا حول الحق والالتزام " ورفعت شعارات الخبز والحرية " والأرض لمن يفلحها " وقد أفلحت هذه الأفكار في النهاية في تعبئة جماهير الفقراء وحرفيي المدن وأقنان الريف لتحطيم قلاع المجتمع الاقطاعى القديم ولترفع شعار " الحرية – الإخاء – المساواة " على رايات جيوش الثوار إلى بقية أصقاع أوربا لتدق أجراس الحرية وعصر الليبرالية الرأسمالية في أرجاء واربا والأمريكتين .

منذ تلك اللحظة أصبحت ممارسات العنف تخضع لقوالب قانونية ودستورية تضمن تكريس هذا البناء الاقتصادي – الاجتماعي الجديد وتوفر له صيرورة البقاء والنمو .

وهكذا تبدلت صيغ وأشكال استخدام العنف الطبقي في العصر الرأسمالي فصيغت في قواعد قانونية وأنشئت مؤسسات للقمع المنظم ( نظم للتقاضي والمحاماة – الجيش – البوليس .. الخ ).

وبهذا تحولت أفكار المفكرين البرجوازيين الأوائل ، التي غالبا ما ارتمت في أحضان الرومانسية الثورية أو النزعة الإنسانية – قبل سيطرة الطبقة الرأسمالية على الحكم في أوربا – لتوظف في خدمة أشد الأفكار رجعية وتخلفا حيث استبعدت من دائرة تأثيرها واهتمامها مصالح وحقوق بقية الطبقات الاجتماعية وبخاصة الطبقة العمالية .

كما أعيدت صياغة القواعد الأخلاقية لتخدم مصالح استغلال الطبقة الجديدة لبقية الطبقات المنتجة ووفرت أقصى أشكال العنف لمن يخرج عن هذه القواعد الأخلاقية والأطر القانونية .

وفى هذا السياق ينظر الفقه القانوني البرجوازي لحركات التمرد الجماعية والتذمرات الطبقية التي تتباين أشكالها ( انتفاض – لإضراب – ثورة – حرب أهلية .. الخ ) باعتبارها جرائم سياسية واجتماعية يستحق قادتها والمشاركين فيها أقصى أشكال العقاب الزى غالبا ما يرسو على منصة الإعدام .

بيد أن هذه النظرة الحقوقية البرجوازية لحركة التمرد الاجتماعي تتسم بالازدواجية والنفاق الاجتماعي فهؤلاء الحقوقيون غالبا ما يقفون مكتوفي الأيدي أمام الجرائم اليومية التي يرتكبها ممثلي أجهزة السلطة البرجوازية ( البوليس – الجيش ) ورجال الحكم عندما يتعلق الأمر بخيانتهم الصريحة لمصالح الملايين من الفقراء في المجتمع ويزداد الأمر سوءا في المجتمعات الرأسمالية المتخلفة ( مصر مثلا ) بفعل سيادة قيم الاستبداد الشرقي من ناحية وانخراطها المتأخر نسبيا في المنظومة الرأسمالية الدولية من ناحية أخرى ( القرن التاسع عشر ) .

ولذا فهذه الطبقة البرجوازية الهجينة لم تنل من تراث البرجوازية الأوربية في مجال الحقوق والواجبات والفقه الدستوري والقانوني عموما سوى تلك القشور التي تضمن لها استمرار الوجود والهيمنة على مسرح الفعل السياسي في تلك البلدان ولو بالحديد والنار .

وعلى عكس العنف الفردي الذي هو عنف متبادل بين الأفراد وبعضهم البعض يأتي العنف الجماعي الجماهيري من روافد اجتماعية وسياسية محددة ويلعب دورا مؤثرا فى تراكماته اليومية على مجمل النظام الاجتماعي والسياسي القائم .

ونقصد هنا بالعنف الجماهيري العنف الذي هو بمثابة اعتداء جماعي – تلقائي أو منظم – على السلطة العامة ممثلة في أشخاص رسمية وأبنية حكومية سواء لأجهزة الشرطة أو مفتشي التموين أو مأموري الضرائب .. الخ .

والحقيقة أن تعريفنا هذا للعنف يشتمل على ظاهرتين قد تبدوان منفصلتين في لحظة وإن كانتا مرتبطتين على المدى البعيد .

الظاهرة الأولى :

العنف التلقائي غير الواعي وغير المنظم من قوى سياسية أو اجتماعية محددة مثل حالات الهجوم العفوي المباشر على أقسام الشرطة ومراكز البوليس أعوام ( 1975 ، 1976، 1984 ) على امتداد الجمهورية كرد لعمليات التعذيب التي أودت بحياة بعض المواطنين هناك ( أقسام الدرب الأحمر – الموسكى – الخليفة – السيدة زينب – الساحل – الجمالية – المحلة – الفيوم .. الخ ).
والتي أطلقت عليها أجهزة الإعلام الحكومية ( الحوادث المؤسفة ).
وقد ساهم في ارتفاع حدة العنف ، افتقار الطبقات الشعبية لأي آمال في حل مظالمهم الاجتماعية والاقتصادية بصورة جدية .
يكفى على سبيل المثال أن نشير إلى أن عدد النزاعات القضائية التي أصبحت الحكومة طرفا فيها قد ازدادت من 47697 قضية عام 1952 إلى 213776 قضية عام 1964 ثم قفزت بعد ذلك لتصل إلى 301266 قضية عام 1981 أي بمعدل يتجاوز 631% خلال الفترة ( 52- 1981) وبمعدل يصل إلى 141% خلال الفترة ( 64- 1981 ) فحسب .
و قد ترادف مع ذلك الاتجاه المتزايد للعنف وحمل السلاح سواء بصورة مشروعة وقانونية _ الحصول على ترخيص ) أو بصورة غير مشروعة ..
وهكذا تشير مصادر وزارة الداخلية إلى أن صرح لهم بحمل السلاح من الأفراد – دون أفراد جهاز الشرطة والقوات المسلحة والوزراء والمحافظون وأعضاء مجلس الشعب – قد بلغ نحو 270 ألف مواطن حتى عام 1985بل إن هذه المصادر تؤكد بأن ما صدر من تراخيص حمل السلاح للأفراد عام 85 فحسب قد قارب الأربعين ألفا .
كما استيقظ المجتمع فجأة في أواخر عام 1997 على ما أطلقت عليها أجهزة الإعلام " ظاهرة البلطجية " في الشارع المصري حيث زاد عدد المسجلين فحسب لدى أجهزة الشرطة كممارسين لمهنة البلطجة في العاصمة المصرية وحدها إلى 21 ألف مسجل ناهيك عن غير المسجلين بل إن المصادر نفسها قد قدرت عدد من يمارسون البلطجة والارتزاق من ورائها بما يتجاوز في مصر الآن نحو نصف مليون شخص يشكلون تشكيلات عصابية وإجرامية ويعملون في حماية رجال الأعمال الجدد في مصر والفنانين غيرهم .

الظاهرة الثانية :

العنف الجماهيري الواعي والمنظم والذي تقوده قوى سياسية شرعية أو غير شرعية من خلال الاضطرابات والتظاهرات العمالية والطلابية التي شهدتها مصر بعد عام 67 وازدادت انتشارا بعد عام 1974.
وعلى أية حال فإن المسار المعقد والتفاعل الجدلي بين الظاهرتين لا يمكن دراستهما خارج سياق الصراع الاجتماعي والسياسي الجاري في مصر منذ عام 1967 فصاعدا .
وبرغم ندرة البيانات والإحصاءات الرسمية الدقيقة حول هذا الموضوع سواء تلك التي توردها وزارة الداخلية أو وزارة الداخلية أو وزارة العدل لأسباب سياسية أو أمنية فإننا سنحاول تحليل المتاح من هذه البيانات لنستخرج المسار العام للظاهرة .
شهدت السنوات التي أعقبت هزيمة الخامس من يونيه 1967 نموا ملحوظا في أعداد هذه القضايا المسجلة لدى أجهزة الأمن ودوائر القضاء ففي عام 1966 كانت حوادث العنف الجماهيري ضد ممثلي السلطة العامة نحو 37 حادثة أخذت في الزيادة بعد ذلك على النحو التالي .

1967 40 حادثة .

1968 44 حادثة .

1969 56 حادثة .

1970 58حادثة.

ولا تشمل بالطبع هذه البيانات حالات الهياج السياسي المنظم الذي حفلت به السنوات التي أعقبت هزيمة يونيو 1967.
وإذا صنفنا قضايا العنف الجماهيري خلال الفترة تبين لنا أن معظمها اتجه ضد رجال الشرطة بنسبة 40,8 % يليها مفتشي التموين ( 22,5 % ) ثم بقية ممثلي السلطة العامة .
ويفسر الأستاذ بات موربلى المدير المساعد للوكالة الفيدرالية الأمريكية هذه الظاهرة بقوله ( إن الشرطة في أدائها لدورها تعمل كخادمة للطبقات العليا وكسلطة ذات سيادة بالنسبة للطبقات الدنيا ) .
وهو ما عاد وأكده أحد الخبراء بقوله ( إن العنف الجماهيري الموجه للسلطة في بلادنا هو عنف يمارسه الفقراء دون غيرهم – ولعل جماهيرية هذا العنف قد حددت منذ البداية انتماءه الطبق ) .
" فطبقية السلطة " تواجهها طبقية العنف الجماهيري وهذه إحدى الحقائق المستخلصة من دراسة العنف الجماهيري في بلادنا .
يكفى مراجعة سريعة لبعض حوادث الصدام بالعنف بين قوات الشرطة وجماهير الفقراء ليتأكد الطابع الطبقي لذلك العنف .
فقضيتي بلبيس ( رقم 89 لسنة 1972 ) وسمنود ( رقم 3980 لسنة 1975 ) تمثل تصدى من الفلاحين الفقراء ومستأجري الأرض الزراعية لقوات الشرطة التي حاولت طردهم من الأرض التي يتعايشون منها لإعادتها إلى مالكيها الذين هم في نفس الوقت أعضاء في أجهزة السلطة .
والحقيقة الثانية التي نستخلصها من دراسة العنف الجماهيري أنه برغم الحصار الناصري للصراع الطبقي في مصر فلم تصلح كل الإجراءات المتخذة – بقسوتها المعروفة – في طمس معالم الصراع الاجتماعي الجاري وإنما كل ما نجحت فيه هو ضغطها إلى أدنى مستوى ممكن .
والحقيقة أن اتخاذ خطوات ملموسة في اتجاه التسوية لم تكن على الجانب الآخر من المحيط الأطلنطي تعنى سوى إعادة صياغة خريطة القوى الطبقية في مصر ذاتها ضمانا لاستمرارية العلاقة الخاصة بالولايات المتحدة ( والنظام الرأسمالي عموما ) بتوفير قاعدة اجتماعية قوية وقادرة على رسم السياسات الداخلية والخارجية للبلاد .
هكذا وفي أعقاب حرب السادس من أكتوبر مباشرة ، شرع الرئيس أنور السادات في اتخاذ خطوات سريعة متلاحقة مستهدفا إعادة بناء جسور الثقة والتفاهم مع الولايات المتحدة وإسرائيل .
وجاءت ورقة أكتوبر ( أبريل 1974 ) لتضع الإطار السياسي والاجتماعي لحركة النظام في مصر تحت شعار الانفتاح الشامل على المعسكر الغربي والصهيوني موضع التطبيق .
وبالقطع لم يكن من المتصور أن تمر السياسات الجديدة وشعارات الديمقراطية دون تفاعل مباشر ودرامي مع حرمان شعب من حرياته السياسية طوال العشرين عاما السابقة على الإجراءات الجديدة فاشتعلت نيران المعارضة والرفض للسياسات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة وتحركت الكتل السياسية التي لم يكن لها حق الحركة أو الهمس خلال الحقبة الناصرية لتشكل بؤرا مؤثرة في حركة الطبقات الشعبية ( إضرابات المصانع – ومظاهرات الشوارع طوال أعوام 1975، 1976 ، 1977 ) .
وهكذا أخذ العنف الجماهيري المنظم يتصدر حركة الفئات المختلفة وتوارى قليلا العنف التلقائي غير المنظم وغير الواعي وتراوحت شعارات الرفض والتذمر من أقصى شعارات اليسار السياسية والاقتصادية إلى أقصى شعارات الجماعات الإسلامية التي بثت الروح فيها من جديد من قبل النظام الحاكم نفسه في لعبة توازنية محفوفة بالمخاطر .
سوف تصير حرب " الكل ضد الطل " والفرد ضد الكل " في منحنى صاعد من الآن فصاعدا حتى انفجار الشعب الواسع يومي 18 ، 19 يناير عام 1977 لتؤكد النفي الطبقي لآليات النظام الاقتصادي والاجتماعي السائد في مصر .
لم يكن أمام نظام الرئيس السادات سوى اللجوء إلى المزيد من العنف الطبقي المنظم فصدرت أشد القوانين قسوة وغرابة في تاريخ الفقه القانوني والدستوري المصري .
ومنذ ذلك التاريخ بدأت سنوات المطاردة البوليسية الكبرى لقوى اليسار بمختلف فصائلها والتي بلغت خلال خمس سنوات فحسب ( 1977 1981 ) أكثر من 25 حملة أمنية اعتقل خلالها أكثر من 5500 من العناصر النشطة في معارضة نظام الحكم .
وبالمقابل ظلت الساحة خالية تماما لقوى وجماعات اليمين الديني ( الاسلامى والمسيحي ) التي ثبت بعد ذلك أن صلاتها وطيدة بكبار رجال الأمن وسياسات النظام لضرب نفوذ اليسار الماركسي والناصري .
على أية حال باتخاذ الرئيس السادات قراره بزيارة القدس المحتلة وتوقيع معاهدة الصلح المهينة مع الكيان العنصري الصهيوني ، انقطعت حبال المودة بين الطرفين وتسممت الآبار بين النظام وبعض هذه الجماعات وبدأ نزوع نحو الاستقلال والعمل خلف ظهر الأجهزة الأمنية لشراء وتخزين الأسلحة انتظارا للحظة الصدام المرتقبة .
بالقطع لم تنج التحركات من تحرشات مستمرة من جانب هذه الجماعات بالطوائف المسيحية هو ما دفع الأخيرة باستمرار إلى اتخاذ موقف الحذر المصحوب بارتماء أكثر فأكثر في العباءة الأمريكية للبحث عن منقذ من التطرف الاسلامى .
وهكذا دخلت الساحة السياسة المصرية إلى عنف من نوع جديد وخطير على الكيان التاريخي للوطن نفسه ( الفتنة الطائفية ) .
بهذا وجد الرئيس السادات نفسه في مأزق يصعب الفكاك منه ، ولم يجد من تراث البرجوازية المصرية سوى العنف والاعتقال في مواجهة الجميع هذه المرة .
وبحملة الاعتقالات الواسعة في سبتمبر عام 1981 والتي شملت رموز مختلف القوى السياسية ( الشرعية وغير الشرعية ) وتلويح رئيس الجمهورية في إحدى خطبه باحتمال اعتقال 7 آلاف آخرين من الجماعات الدينية تشملهم قائمة أعدتها أجهزة الأمن – التي سبق وأشرفت على معاونتهم وتحت قيادة محافظ أسيوط محمد عثمان إسماعيل – جاءت لحظة نادرة توجت مسلسل العنف المتبادل بحادث المنصة الميلودرامي الذي راح ضحيته رئيس الدولة ذاته .

فماذا بعد السادس من أكتوبر عام 1981 ؟

باغتيال السادات في ذلك المشهد المثير ثم مسلسل أحداث أسيوط الدامي اشتدت حملات الاعتقال واتسمت بطابع شديد الوحشية ، في الوقت الذي انفضت فيه معتقلات الرئيس السابق واستقبال الرئيس الجديد ( حسنى مبارك ) لقادتهم امتلأت بالمقابل معتقلات النظام الجديد بالوافدين الجدد ، الذين ارتبط معظمهم بالجماعات الدينية .
وشهدت هذه المعتقلات أبشع عمليات التعذيب في التاريخ السياسي لمصر التي شملت هذه المرة أبرز تيارين سياسيين في مصر ( الجماعات الدينية والشيوعية ) .
وبرغم إعلان حالة الطوارئ وفرض الأحكام العرفية في أعقاب مقتل رئيس الجمهورية السابق فإن حالات العنف الجماهيري التلقائي وغير المنظم قد شهدت انتعاشا جديدا بدءا من عام 1982 ، وتركزت معظمها في مواجهة رجال الشرطة ( من أبرزها أحداث الفيوم 1984 وأحداث هفوة بكفر الشيخ عام 1985 .. الخ ).

وذلك عشية الانتخابات التشريعية في مايو من عام 1984 م .

وفى أغسطس عام 1984 شهدت الساحة السياسية المصرية وافدا جديدا نحى بدوره كل المسلمات جانبا وفتح كل الاحتمالات ، وقد تمثل ذلك الجديد باستخدام العنف المنظم من جانب إحدى الجماعات السياسية السرية في اغتيال الملحق الادارى في السفارة الإسرائيلية بالقاهرة " زيفى كدار " في يونيه من نفس العام .
وهكذا باتت أفق المستقبل تحمل أكثر من علامة استفهام حول مستقبل العنف السياسي في مصر وكذا مستقبل لنظام السياسي فيها .
ثم تصاعد العنف السياسي بدءا من عام 1991 بين أجهزة الدولة ومسئوليها ورموزها من ناحية والجماعات السياسية الدينية ( الإسلامية ) من ناحية أخرى في إطار من العنف الأعمى والإرهاب المنظم ليطال أبرياء وليطيح بأي أمل في تعزيز وتكريس دور وتأثير المجتمع المدني وتنظيماته على أوجه الحياة في البلاد وليدخلنا في أتون صراع دموي بين قوتين غير ديمقراطيتين .

المبحث الحادي عشر : الاغتراب وظاهرة النزوح والهجرة

تلازمت حركة الهجرة الإنسانية من مكان لآخر مع مسار الإنسان بحثا عن سبل العيش وتلافيا للأخطار والكوارث التي تواجهه هنا أو هناك لذا لا نستطيع أن نتحدث عن طابع معاصر لحركة الهجرة البشرية فهي التزامن التاريخي للإنسان منذ بدء الخليقة .

ولا غرو والحال كذلك في أن نذكر أن عامل الطرد والجذب التي تكمن وراء هذه الظاهرة على مدار التاريخ القديم هي نفسها التي تحكم الظاهرة في أشكالها المعقدة ومظاهرها العديدة في عالمنا المعاصر .

بيد أن تشابك الظرف الخاص بالمجتمع المصري خاصة بعد انتهاج الدولة لسياسة الانفتاح الاقتصادي بالإطار العام لظاهرة الهجرة قد أفرز لنا ظاهرة مختلفة من الناحيتين الكمية والكيفية .

ويمكننا في هذا السياق أن نميز ثلاثة أشكال لظاهرة الهجرة المصرية :

الأولى : انتقال من الريف المصري إلى المدن الكبرى فبينما كان سكان المدن عام 1882 لا تتعدى نسبتهم 19% من جملة سكان القطر المصري ارتفعت عام 1950 إلى 31% ثم إلى 38% عام 1960 ثم استمرت في الزيادة حتى بلغت عام 1976 نحو 44% ووفقا للتعداد الاحصائى الأخير ( 1986) فإنها قد ظلت عند مستواها السابق .
الثانية : حركة الانتقال غير المنظم للأفراد والكادرات من القطاعين العام والحكومي إلى القطاع الاستثماري والانفتاحي ( مصري – أجنبي ) وإذا كانت أحدث إحصاءات لهذا القطاع الاستثمار تشير إلى أن حجم مساهمته في العمالة بالمجتمع المصري لا تتعدى 74 ألف فرصة عمل ( بنوك – شركات تأمين – شركات استثمار .. الخ ).
أو نحو 3,4% من حجم العمالة الكلية في المجتمع المصري ( منذ عام 1974 حتى الآن ) فإننا نستطيع أن نجزم بأن معظم هذه العمالة المدربة من قبل لا تمثل فرص عمل جديدة بقدر ما هي حركة انتقال للكادرات العلمية والفنية العاملة في القطاع العام والحكومي إلى القطاع الخاص والأجنبي بفعل تفاوت الأجور والمرتبات بين القطاعين .

الثالثة : حركة نزوح مستمرة تتم من الريف والمدن المصرية على حد سواء إلى الأقطار العربية النفطية وتشير أرقام وزارة الخارجية المصرية مؤخرا أن عدد المصريين العاملين بهذه الأقطار عام 1982 قد تجاوز 2,9 مليون موطن وإذا أضفنا إليهم المغادرين تحت بنود أخرى ( بعثات علمية سياحة .. الخ ).

ومعظمهم لا يعود إلى البلاد فإن الرقم يقترب إلى 3,2 مليون مواطن بنسبة 7,1% من جملة سكان الجمهورية وهو معدل حرج ويتطلب نظرة متأنية ليس بهدف التضييق على حركة الهجرة والعمل بالخارج إنما لدراسة أبعاد هذه الظاهرة في ارتباطها بمفهوم الانتماء والاغتراب .

1- المراحل التاريخية لهجرة العمالة إلى الأقطار النفطية :

يستطيع المحلل لظاهرة الهجرة المصرية إلى الأقطار النفطية التمييز بين ثلاث مراحل تاريخية لكل منها سماتها الخاصة وملامحها المميزة :

المرحلة الأولى :
وقد امتدت منذ منتصف الخمسينات وحتى أكتوبر عام 1973 وخلال هذه المرحلة اتسمت الهجرة المصرية بسمات ثلاث رئيسية :

السمة الأولى :

إنها هجرات مرتدة في معظمها تتراوح بين ثلاث إلى خمس سنوات .

السمة الثانية :

إن معظم المهاجرين من تخصصات علمية مختلفة تصدرها العاملون في مجال التدريس وسلك التعليم فمن جملة المصريين المهاجرين للخارج عام 1968 والبالغ عددهم نحو 300 ألف مصري _ 89% بالأقطار العربية ) نجد 143 ألف يعملون في مجال التدريس بمختلف مراحل التعليم وتشير نفس الدراسة إلى أن نسبة المدرسين المصريين إلى إجمالا المدرسين بالأقطار النفطية عام 1967 كانت 60% في السعودية و34% في الكويت .

السمة الثالثة :

إن الحكومة المصرية ظلت خلال هذه المرحلة تتحمل نحو 70% من نفقات هؤلاء المعارين والمبعوثين للأقطار العربية وإن أخذت هذه النسبة بالانخفاض بعد ذلك التاريخ لتصل إلى أدنى مستوى لها عام 1978 حيث لم تزد عن 8% فقط .
المرحلة الثانية :
وهى التي أعقبت رفع الأقطار العربية النفطية لأسعار نفطهم الخام وحتى منتصف عام 1981 وهكذا ازدادت الدخول القومية لمجموعة الأقطار العربية النفطية من أقل من 7 آلاف مليون دولار عام 1972 إلى 54 ألف مليون دولار عام 1979 .

وعلى عكس المرحلة الأولى فقد اتسمت الهجرة المصرية خلال هذه المرحلة بسمات مختلفة تماما يمكن تحديدها في سمات ثلاث :

السمة الأولى :

إنها باتت هجرات شبه دائمة ما إن يبدأها العامل أو المدرس أو المهندس المصري حتى يصعب التنازل عنها حيث أصبحت امتيازا شخصيا ليس من السهل التخلي عنها وعن مميزاتها أو مأساويتها في آن واحد .

السمة الثانية :

اتساع قاعدة المهاجرين خلال هذه المرحلة فبينما كان عدد المصريين المهاجرين حتى عام 1973 نحو 400 ألف مصري نجد العدد قد قفز عام 1976 إلى 1,4 مليون مواطن ثم بحلول تباشير عام 1983 كان عدد المصريين المهاجرين يزيدون عن 3,2 مليون مواطن مصري من جميع التخصصات والمهن الفنية والعلمية وساهمت الفروق الأجرية بين ما يحصل عليه المصري في بلده وبين عمله في قطر عربي نفطي في تفشى " حلم الدين النفطي " بين الكثيرين .
وهكذا هاجر أكثر من 60% من قوة العمالة في قطاع البناء والتشييد في مصر إلى دول الخليج وليبيا كما ارتفع عدد المدرسين المصريين المعارين للأقطار النفطية من 143 ألف عام 1968 إلى 218 ألف عام 1978 وبرغم ازدياد نسبة المدرسين المصريين من إجمالي المدرسين في السعودية والكويت ( 84% و 44% على التوالي ) عام 1977 إلا أنه قد لوحظ انخفاض نسبة المهن والتخصصات الفنية ككل من إجمالي العمالة المصرية في الكويت من 52% عام 1965إلى 29,5% عام 1975 وبالمقابل ازدادت نسبة عمال الإنتاج – خاصة والتشييد من 21,8% إلى 38,3% خلال نفس الفترة .
وقد ساهمت حركة الهجرة هذه – من ضمن جملة أسباب أخرى – في ارتفاع معدل التضخم في مصر وفى ارتفاع أجر العاملين في قطاع البناء والتشييد في مصر بمعدل يتراوح بين 350% إلى 550% .

السمة الثالثة :

باتساع قاعدة الهجرة في مصر بات من الصعب – إن لم يكن من المستحيل – السيطرة الحكومية عليها ، وهكذا ازدادت التعاقدات الشخصية على حساب الاعارات الحكومية كما باتت تحويلات المصريين العاملين بالخارج أحد أهم مصادر الدخل القومي في مصر بل تجاوزت أحيانا دخل قناة السويس والسياحة معا ، وبهذا تبدلت المواقع ، وعاما بعد آخر أصبح ميزان المدفوعات والاقتصاد المصري بالتالي – أسير التقلبات التي تحدث في تحويلات المصريين سنويا والتي قاربت الأربعة آلاف مليون دولار .
ويظهر البيان التالي حجم التعاقدات المصرية والمسافرين لأسباب أخرى للأقطار العربية النفطية خلال الفترة من 1980 حتى عام 1986 .
جدول رقم (20)

التعاقدات والمسافرين لأسباب أخرى للأقطار العربية النفطية خلال الفترة من 1980 حتى عام 1986 .

المصدر : النشرة السنوية لوزارة القوى العاملة والتدريب للسنوات المشار إليها .

وحتى يتبين مقدار الزيادة الصافية في أعداد المسافرين والمتعاقدين الجدد للعمل في الأقطار العربية فإننا سوف نصف هذه التعاقدات وفقا لثلاثة أنواع هي التعاقدات الشخصية والاعارات الحكومية والقطاع الخاص وهو ما يظهر البيان التالي :
جدول رقم (21)

التعاقدات والمسافرين لأسباب أخرى للأقطار العربية النفطية خلال الفترة 1981- 1986 .

المصدر : المرجع السابق .

ويلاحظ أن التعاقدات الشخصية تمثل تعاقدات المصريين الذين يعملون بالقطاعين الحكومي والعام ، وقد حصلوا على إجازات خاصة – أو استقالات – للسفر وإتمام التعاقد وهؤلاء يعمل معظمهم في مجالي التدريس والأعمال الفنية والإدارية بالأقطار العربية النفطية كما يبينها الجدول التالي :
جدول رقم (22)

التعاقدات التي تمت لمصريين مع الأقطار العربية حسب الأقسام الرئيسية للمهن خلال الفترة بين 1981-1986 .

المصدر: وزارة القوى العاملة والتدريب النشرة السنوية للسنوات المشار إليها .

ويظهر البيان السابق أن الغالبية العظمى من المسافرين إلى الأقطار العربية هم من العمالة الفنية وعمال الإنتاج وقد حاولت مجموعة من الباحثين تقدير حاجة مصر من العمالة من تسعة تخصصات فحسب لتعويض النقص منها خلال الفترة ( 79-1984) فأظهرت دراستهم أن هذا النقص يعادل 576 ألفا من مختلف المهن للإحلال محل العمالة المهاجرة وهو تقدير متحفظ للغاية باعتراف الباحثين أنفسهم وقد كان من النتائج الاجتماعية والسلوكية لاتساع دائرة الباحثين عن عمل بالخارج انتعاش جرائم النصب والاحتيال حتى أن عام 1984 وحده قد شهد ضبط 113 عصابة تدبر مكاتب مشبوهة للسفريات كما تم ضبط أكثر من 663 حالة تزوير في أوراق رسمية وذلك من أجل السفر إلى الخارج .

ويقدم إلينا البيان التالي صورة لحجم الطموح غير المحدود للمصريين للنزوح والعمل بالخارج خلاصا من حالة الحرمان والمأزق الاقتصادي والمعيشي .

جدول رقم ( 23)

عدد المصريين الذين تقدموا للحصول على جوازات سفر خلال الفترة من 1980-1986

المصدر : إدارة الجوازات والجنسية 1987 .

المرحلة الثالثة :
والتي تبدأ بتفجير التناقضات الداخلية لدول الأوبك وتدهور سيطرة هذه الدول على سوق النفط والطاقة الدوليين وبداية تقلص دورها في هذا السوق ومن ثم التدهور المتوالي في أسعار نفطهم الخام وذلك بدء من مؤتمر الدوحة عام 1979 وازداد وضوحا بعد مؤتمر فيينا عام 1981 وقد برز ذلك في حالات الركود التي تعانى منها معظم دول الخليج العربي وخاصة السعودية في مختلف أوجه النشاط الاقتصادي وبشكل خاص في دورة الإنشاء والتشييد التي تمثل محور الانتعاش في اقتصاديات هذه الأقطار.
وكذا بداية الإحلال الواسع للعمالة المحلية محل العمالة المصرية والأجنبية وكذلك الاستعانة بالعمالة الأسيوية والهندية محل العمالة العربية والمصرية وهو ما من شأنه بداية عودة أعداد متزايدة من المصريين في السنوات العشر القادمة بكل ما يحمله ذلك من احتمالات مفتوحة سوف نعالجها في الفصل السادس من هذا المؤلف .

2- الجوانب السلوكية للهجرة المصرية :

معظم الدراسات التي تعرضت لظاهرة الهجرة المصرية ركزت بحثها على الجوانب الكمية فشغل الجزء الخاص بالأبعاد الاقتصادية الايجابية والسلبية ( تحويلات المصريين العاملين بالخارج أثره على اختلال التركيب المهني والفني في البلاد والتضخم ... الخ ).
المساحة الأكبر في هذا الموضوع . بيد أنه آن الأوان هلكى يهتم المفكرون المصريون والمثقفون الوطنيون بالأبعاد النفسية والسياسية والأخلاقية لما نسميه " سلوك الهجرة " في ضوء حقيقة يبدو من المناسب أن نذكرها ليتبين للجميع خطورة حركة الهجرة على النسق الاجتماع والسياسي والثقافي والأخلاقي في مصر ففي تقرير وزارة الداخلية عام 1981 حول إنجازات مصلحة الجوازات والجنسية تبين أن عدد المصريين الذين تقدموا لاستخراج جوازات السفر خلال السنوات ( 1973-1981 ) قد وصل إلى 20 ( عشرين ) مليون مواطن مصري من جميع المحافظات والمهن .

ألا يستدعى هذا الرقم وقفة ؟

أعتقد أن المسئولية الوطنية تتطلب هذه الوقفة لمعرفة إلى أين يتجه الإنسان المصري ؟

فقبل الحقبة النفطية ( أ في الستينات ) كانت معظم عمليات الهجرة والعمل بالخارج تتم عبر شكلين أساسين هما : الإعارة الحكومية والبعثات العلمية وفى عام 1968 بلغ عدد المغادرين للبلاد سواء للعمل أو التعليم نحو 68 ألف مواطن بيد أن الحقبة النفطية وفوضى الانفتاح الاقتصادي قد جرفت كل الثوابت في خضم أمواج هادرة من البترودولارات ومن ثم لجأ الجميع وبدرجات متفاوتة إلى البحث عن أى وسيلة – بصرف النظر عن مدى قانونيتها أو أخلاقيتها – للعمل بالخارج فازدادت جرائم التزوير وبخاصة تزوير شهادات الخبرة وجوازات السفر وشهادات المعاملة العسكرية وما إلى ذلك وتنامي الإحساس بالغربة والاغتراب داخل الوطن وصحبه عدم الرضاء الوظيفي الزى هو في تحليل فيكتور فروم الحالة التي لا يتكامل فيها الفرد مع وظيفته وعمله فيصبح إنسانا لا تستغرقه الوظيفة ولا يتعامل معها من خلال طموحه الوظيفي ورغبته في النمو والتقدم وتحقيق أهدافه الاجتماعية من خلالها .
والظاهرة التي نحن بصددها ( الهجرة ) قد أفرزت أنماطا من السلوك وقوالب للتفكير وألوان من المشاعر المشحونة بالانفعالات مدمرة اجتماعيا .
لقد قام بعض الدارسين بحساب ما يسمى " فجوة الأجور والمرتبات بين مصر والبلاد النفطية فالمهندس المصري في الخارج يحصل على عشرة أضعاف ما يحصل عليه في بلاده وكذلك المحامون أما بالنسبة للأطباء وأساتذة الجامعات فليس هناك مجال للمقارنة فالفجوة قد تتجاوز الخمسين ضعفا أما عمال البناء والتشييد فقد ارتفعت أجورهم في الداخل في محاولة يائسة لتقريب مستويات أجورهم مع نظرائهم في الأقطار النفطية حيث شهدت السنوات الممتدة من عام 1975 وحتى 1983 ارتفاع أجورهم بنسبة تراوحت بين 350% إلى 550% .
وإذا أخذنا في الاعتبار الظروف التاريخية التي مر بها النظام السياسي في مصر منذ عام 1952 وغياب المشاركة السياسية في المؤسسات المختلفة وسيطرة فئة اجتماعية ونخبة معينة على عملية صنع القرار السياسي في المجتمع لأدركنا الجذور الكامنة وراء هذا الانفجارالهروبى .
ففي دراسة أعدتها إحدى الباحثات الاجتماعيات تبين أن نسبة مشاركة الشباب المصري في النشاط السياسي والعمل العام لا تتجاوز 6,6% هذا في الوقت الذي تزيد فيه هذه النسبة بإيطاليا وفرنسا عن 70% من إجمالي هذه الفئات العمرية وعلى سبيل المثال في حوار بين رئيس تحرير الأهرام الاقتصادي وأحد المبعوثين المصريين في كندا يؤكد المبعوث على هذا المعنى الهروبي بقوله إنه يلزمه بعد الانتهاء من الدراسة – الدكتوراه – أن يعمل على الأقل 5 سنوات حتى يدخر 50 ألف جنيه ثمنا لشقة عادية في مدينة المهندسين وإنه عندما يكون قد ادخر هذا المبلغ تكون الجامعة قد فصلته ، ثم قال بمرارة ( غريبة بلادنا تفتح ذراعيها لاستقبال أي شخص إلا أبناءها ) .
ولا شك أن الإحساس العام بسيادة مناخ الفساد ، وتزايد الحالات التي تكشف اختلال المعايير الاجتماعية والأخلاقية في البلاد يساهم إلى حد كبير في تنامي الإحساس بالذاتية والفردية وينمى على الجانب الآخر نزوعا للانفصام عن معطيات هذا الواقع الأناني متخذا من العقيدة الدينية والمنطلقات السلفية غطاء وبهذا يدخل المجتمع وفئاته الشبابية – المفترض فيها أن تكون ذخيرة قوى التغيير – في حالة من انعدام الوزن وافتقاد القدرة على تبنى برنامج اجتماعي وسياسي وثقافي يحقق الهدفين في آن واحد ، هدف إحداث التغيير المطلوب وهدف ملائمة هذا التغيير مع التطور التاريخي وسمات العصر الذي نحياه .

3- تأثير حركة الهجرة على التركيب الاجتماعي والتوجهات السياسية :

لعل من أخطر القضايا التي تثيرها حركة الهجرة المصرية هي علاقتها بقضيتين حيويتين ينبغي لنا ألا نغفلهما ونحن بصدد طرح منظور مستقبلي لتنمية المجتمع والإنسان المصري :

القضية الأولى :

أثر حركة الهجرة على إعادة تشكيل الفئات الاجتماعية المختلفة أو ما يسميه علماء الاجتماع الحراك الاجتماعي .

القضية الثانية :

التأثيرات السلبية لحركة الهجرة على مفهوم الوحدة العربية والانتماء القومي .
على الرغم من أن معالجة هاتين القضيتين يتطلب جهودا ضخمة تتجاوز الحيز المحدود لعرضنا هنا إلا أننا نود طرح الخطوط العريضة للمسألة والتنبيه إلى المخاطر الحقيقية التي تواكب حركة الهجرة المصرية .

أولا : الهجرة والحراك الاجتماعي :

تمثل عمليات الحراك الاجتماعي – أي الانتقال من وضع أكثر تقدما في السلم الاجتماعي – الأساس الذي يبقى على استمرار وتوطيد الهياكل الاجتماعية ويحافظ على قدر من استقرار النظم السياسية الرأسمالية المعاصرة وقد اتسمت الحقبة الناصرية بقدر ما من السيولة في حركة القوى الاجتماعية وبخاصة للفئات الاجتماعية المتوسطة ( البرجوازية الصغيرة والمتوسطة ) مما مكن النظام الناصري من تحقيق قدر من الاستقرار والتماسك الاجتماعي والتفت حوله قطاعات متزايدة من الفئات الاجتماعية الجديدة ( خريجي الجامعات والكادرات البيروقراطية والتكنوقراطية ) بيد أن رياح السبعينات كانت عاصفة ومختلفة الاتجاه ، وجاءت ثورة الأسعار عام 1973 وثروة البلاد النفطية وحاجة هذه البلاد إلى أيدي عاملة خاصة في مجال التشييد والبناء ومختلف أفرع الخبرات لتدشن عصرا جديدا وصفحة جديدة في التاريخ الانسانى والاجتماعي في المنطقة العربية .
فمن الآن فصاعدا لم يعد التدرج في السلم الاجتماعي في البلاد المصدرة للعمالة ( وأبرزها مصر ) يتوقف على العطاء والانتماء للداخل والاندماج في هرمية التركيبة المحلية ، بقدر ما بات الأمر متوقفا على السفر والعمل في إحدى البلاد النفطية وأصبحت عملية الحراك تتم بتمويل خارجي وفقا لآليات غير تنموية من وجهة النظر طويلة الأجل .
أضف إلى ذلك ، النمط الغالب في توظيف العوائد المالية للأفراد في حال العودة ؛ فمعظم العائدين يحملون وهما بإمكانية الثراء عن طريق العمل التجاري وقطاع الخدمات والتوزيع ( البوتيكات ) وهو ما من شأنه في النهاية تدعيم النشاط الهامشي في الاقتصاد المحلى وتوسيع نفوذ الطبقة البرجوازية الصغيرة والتجارية في التركيبة الاجتماعية المصرية .

ثانيا : الهجرة ومفهوم الوحدة القومية :

لعل من أخطر الهجرة المصرية هو انعكاساتها السلبية على الشعور القومي لدى أطراف العلاقة ( عرب نفط – عرب العمالة ) فالتصورات الأولية للعلاقات العربية الجديدة بعد عام 1973 كانت تشير إلى أن طبيعة التشابك الاقتصادي ونمو التعامل المصلحى بين مختلف الأقطار العربية من شأنه تدعيم المشاعر القومية ووعى الشعوب العربية بأهمية وحيوية عملية الوحدة العربية على المدى الطويل .
بيد أن التجربة كانت مرة والنتائج كانت مؤلمة للمصريين في الخارج وبالنظر لافتقاد معظم المهاجرين المصريين لوعى طبقي واضح تجاه عملية استثمارهم واستغلالهم بالخارج ، وعدم قدرتهم على تمييز الطابع الاجتماعي الرأسمالي للعمل ( عربي رأسمالي – عربي عامل ) فانسحبت التناقضات على أرضية ( ضد قومية ) وأعيدت صياغة العلاقة في صورة ( عربي – مصري ) واستغل بعض الحكام – بسوء نية – هذا التناقض المزعوم وتم توظيفه لصالح قطع العلاقات بين مصر وبقية الشعوب العربية وتنفيذ الأهداف الاستعمارية للولايات المتحدة وإسرائيل .
ولا نستطيع هنا بالطبع أن ننفى الطابع الانتهازي لبعض المسئولين العرب وأجهزة الدعاية في عدد من الدول النفطية ولذا لا يمكننا تجاوز طابع الدائرة الانشقاقية الشريرة المغذاة من جانبها جهات معادية لعملية الوحدة العربية التي باتت أحد أهم أهداف القوى الوطنية والثورية في المنطقة العربية .

المبحث الثاني عشر : الاغتراب والظاهرة الإجرامية

يقول الأستاذ تانينبوم أستاذ علم الجريمة أن الجريمة في بلد ما هي انعكاس كامل للحالة الاجتماعية ينبغي هنا أن نضيف على مقولة الأستاذ " تانينبوم " أن الأوضاع الاقتصادية هي المحك الذي تتبلور حوله الظروف الاجتماعية .

من هذا المنظور فإننا نرى أن السلوك المنحرف يتشكل وفقا للمؤثرات الاجتماعية وليس كما تدعى نظرية الأستاذ " لامبروزو" بمثابة مشكلة فردية خاصة تكمن عوامل الانحراف في الشخصية مع نمو الذات الإنسانية نفسها .

والظاهرة الإجرامية – بمعايير المجتمع في اللحظة المعينة – ليست قاصرة على مجتمع دون آخر بل إنها سلوك مرتبط بظروف المجتمع ونمط وأشكال الصراع الاجتماعي ، فالجريمة هي في التحليل الأخير صراع طبقي منحرف وهى بهذا المعنى نتاج عملية الاغتراب في المجتمع الرأسمالي وانفصال العامل عن نتاج عمله .

في انجلترا إبان فترة ازدهارها التاريخي ومع التوسع الهائل في الصناعة والأرباح الضخمة التي يحصل عليها الرأسماليون من جراء عمليات توسيع الأسواق المستمرة كانت الطبقة العاملة الانجليزية تعانى من أسوأ الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية مما دفع بأعداد كثيرة إلى أتون الجريمة .

جدول رقم ( 24)

أعداد المقبوض عليهم والجرائم في انجلترا خلال الفترة من 1805-1842

المصدر: فردريك انجلز حال الطبقة العاملة في انجلترا مرجع سابق ص 157 .

وقد جاءت هذه الإساءات على حد تعبير انجلز ضد الملكية الخاصة ، أي أنها نشأت في بعض صورها من " الحاجة " حيث أن ما لدى الإنسان ر يسرقه .
ربما كان ما حدث في ألمانيا أعوام الأزمة الاقتصادية الحادة التي مرت بها على إثر الهزيمة في الحرب العظمى ( 1914-1918 ) دليلا جديدا على عالمية الظاهرة وارتباطها بالحاجة.
فجريمة سرقة المنازل عام 1919 كانت 114502 حالة قفزت في الأعوام التالية قفزات رشيقة حتى وصلت القمة ( 1923 ) فكانت 308005 جريمة ونفس الشيء في جريمة السطو الليلي ( المسلح ) على المنازل من 45253 حالة إلى 59430 حتى عاودت الانخفاض ففي عام 1924 انخفضت الأولى إلى 180076 حالة وانخفضت الثانية إلى 44454 حالة وما أن حل عام 1926 حتى انخفضت تماما فوصلت الأولى إلى 78175 حالة والثانية 17172 حالة .
وبالنسبة لمصر شهدت بدورها نوعا مماثلا إبان أزمة القطن عام 1920 حيث أي انخفاض أسعار القنطار من 30 ريال إلى 18 ريال إلى إشعال النار في الأوضاع والعلاقات الاجتماعية فارتفعت جرائم الجنايات من7502 جريمة عام 1920 إلى 8681 عام 1921 وبعد أن انجلت الأزمة عام 1922 هبطت الجريمة إلى 8360 ثم توالت في الانخفاض عام 1922 إلى 7699 ثم عام 1924 إلى 1007 جنايات وهكذا .
ولا يجد المحلل الدقيق لتطور ظاهرة الجريمة خاصة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية / مناصا من الاعتراف بتعقد هذه الظاهرة وتنوع أساليبها وتداخل أسبابها الاجتماعية منها والذاتية بحيث بات من الصعب الإشارة إلى التفسير الاقتصادي وحده كإطار تحليلي .
فعلى سبيل المثال – وليس الحصر – تلعب وسائل الإعلام والإعلان دورا خطيرا في صياغة السلوك الاجرامى لقطاعات ليست قليلة في المجتمعات الرأسمالية المركزية ( خاصة الولايات المتحدة ) .

وهذا يعود لينعكس بدوره في النسق القيم في معظم الدول الرأسمالية المتخلفة ( ومنها مصر ) فأفلام الرعب والجنس والكاراتيه والتي تعكس قيما اجتماعية ونمطا سلوكيا محددا يتم استزراعهما بقسوة في التركيب السيكولوجي – المشوه أصلا بفعل عوامل عديدة لأجيال ما زالت في طور التكوين في هذه البلدان .

فعندما تشير الإحصاءات الرسمية الأمريكية بأن كل 10 ثواني تقع حادثة سرقة في الولايات المتحدة ولا تمضى 24 دقيقة إلا ويقع حادث قتل ، بل يقدر مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي أن عدد ضحايا العنف الفردي خلال السبعة عشر عاما (1963-1980) قد تجاوز أربعمائة ألف مواطن أمريكي .

ويزداد الأمر سوءا حينما تؤكد هذه المصادر أنه خلال عام 1980 وحده تم تسجيل أكثر من 82 ألف حادث اغتصاب لسيدات وفتيات أمريكيات وأجانب بالمقارنة بنحو 17 ألف حادثة عام 1960 كما تعرض أكثر من نصف مليون شخص لحوادث السطو المسلح بما يعنى تضاعف هذه الجريمة لأكثر من مائة ضعف ما كان عليه الحال عام 1960 .

وتقر جهات الشرطة والتحقيقات بأن ما تم ضبطه من مرتكبي هذه الجرائم لا يتجاوز 19% وان النسبة الساحقة منهم من الشباب وذلك على الرغم من أن ما تنفقه الحكومة الأمريكية سنويا لمكافحة الجريمة يعادل 26 ألف مليون دولار .

وإذا ما انتقلنا من الجريمة بمفهومها الاجتماعي إلى الجريمة في إطارها الأدنى مستوى ( تعاطي المخدرات مثلا ) تواجهنا حقائق تمثل تناقضات نموذجين حضاريين ففي المجتمعات المتخلفة ترتبط ظاهرة تعطى المخدرات بواقع الاغتراب والاستغلال والحرمان الاجتماعي الذي تعنيه الطبقات الفقيرة والمنتجة في تلك المجتمعات بينما في النموذج المركزي ( أمريكا ) نجد اغترابا ذا طابع خاص ينتمي إلى اغتراب قطاعات واسعة من السكان عن نتاج حضارتهم .

وفى دراسة لعالم الاجتماع الهندي كوبرا عن ظاهرة تعاطي المخدرات في الهند أفادت دراسته بأن العمال في المدن الصناعية الكبرى من أكثر الفئات الاجتماعية إقبالا على تعاطي المخدرات وقد فاقت نسبتهم إلى المتعاطين جميعا حوالي 25% أما الأستاذ " بوعبود " في المغرب فقد استخلص من دراسته بأن أكثر الفئات تعاطيا في مراكش هم العمال الصناعي وأن انتشار هذا النوع من الجريمة يزداد في الطبقات الفقيرة بحثا عن الهروب من واقع المجتمع الرأسمالي القائم على النهب والاستغلال وبالمقابل أظهرت بعض الدراسات في الولايات المتحدة أن من بين 220 مليون أمريكي يسكنون القارة يوجد 42 مليون أمريكي ( أي حوالي 20% من السكان ) يدخنون المخدرات ويحرقون حوالي 30 ألف رطل كل يوم من الماراجونا إلى جانب 66 ألف رطل كوكايين يشمونها سنويا وهذا يكلف الأمريكيين ما يوازى 45 مليار دولار سنويا .

على أية حال فإذا كان القانونيون ينظرون إلى ظاهرة الاغتراب الاجتماعي في إطاره العملي ( الجريمة ) باعتبارها انتهاكا للمعايير فإن الرؤية الاجتماعية والاشتراكية تنظر إليها من خلال علاقتها بوتيرة الصراع الاجتماعي ودرجة الاستقطاب الطبقي الجاري .

ومن ثم يتحدد موقع الجريمة هنا باعتبارها صراعا طبقيا منحرف يبدأ من نقطة " الخلاص الفردي " وينطلق في مسار شديد التعقيد والمأساوية.

*والسؤال كيف هي الصورة في مصر الآن ؟

تبدو الصورة أكثر قتامه ففي ظل الحملة المحمومة لتنشيط السياحة نمت واستفحلت جرائم البغاء والدعارة ( الجسدية والفكرية على حد تعبير د. محمد دويدار ) ومع المزيد من التسهيلات لعمليات خروج ودخول أرباح الشركات ورأس المال عموما تفاقمت عمليات التهريب ومع تشجيع عوامل الربح نقضت الدولة يدها رويدا رويدا عن النشاط الاقتصادي وشهدت بعض الجرائم ( التموين والسوق السوداء .. الخ ) انتعاشا ملحوظا .
سوف نتناول كلا من هذه الظواهر المرضية بالتحليل وما يهمنا التأكيد عليه أن مطاحن القيم الجديدة والأزمة الاقتصادية الحادة قد سحقت تحتها الأنا الأعلى للفرد ( الضمير ) وتحت تأثير وهج المال أصيبت العيون بالعمى والرءوس بالدوران ورفع شعار ( أنا ومن بعدى الطوفان ) فوق الجميع في تسابق مجنون نحو هذا الوحش " المال " على حد تعبير كارل ماركس .

أولا : جريمة البغاء:

عرفت المسيرة البشرية هذا النوع اللاإنسانى في الممارسة الاجتماعية والعاطفية من قديم الأزل وإن كان قد تبدى في صور ومظاهر متعددة ، فأحيانا يكون رداء الكهنوتية والطقوس الدينية القديمة وأحيانا أخرى يكون المشاعة في مجتمع قائم على العبودية ونظام الجواري شكلا آخر فالتاريخ يحدثنا عن نساء ( آمون ) يهبن أنفسهن للآلهة ليصبحن نساء ( آمون) وبعد أن يكبرن في العمر يذهبن إلى بيوتهن ليتزوجن بعد ذلك ومع التطور الذي لحق بالحياة بمرور العصور والحضارات المختلفة شملت ضمن ما شملته ( مهنة البغاء ) فأحيانا تجرم ويمنع ممارستها علانية وأحيانا أخرى يصرح بها وتتحول هنا النقيصة فضيلة والمرض صحة وقد لمس القانون الروماني في سياق عمقه وشموله هذه الممارسة المريضة معرفا إياها بأنها المهنة التي تختارها النساء بإباحة أنفسهن لكل راغب طلبا للمال .
وقد اعترفت الدولة المصرية بالدعارة – كمهنة ارتزاق لأول مرة في عهد ( المعز الجاشنكير التركانى ) وبدعم من وزيره الأسعد شرف الدين هبة الله عام 1250 م ( 648هـ ) بل وفرضت عليها ضرائب رسمية أطلق عليها وقتئذ " الحقوق السلطانية والمعاملات الديوانية " وعندما وفدت إلى مصر جحافل الغزو الأجنبي – ممثلة في الحملة الفرنسية عام 1798 م – ازداد انتشار هذا النوع من الممارسة الاجتماعية واشتهر حي الأزبكية ( الذي كان مقرا لجنود الحملة وضباطها ) بأنها وكر ممارسة هذا النوع من الرذائل وفى عهد محمد على قام بإصدار فرمان 1837 م الذي حرم وجرم هذه المهنة ولكن ما هي إلا فترة لم تتجاوز خمسين عاما حتى عاد الانتشار العلني لهذا لجريمة وذلك مع قدوم جيش الاحتلال الانجليزي لمصر عام 1882 وأصدر الانجليز ( إبداعاتهم الخاصة ) في هذا المجال – الذي هو نتاج الاحتلال الانجليزي بصفة خاصة في بواكير نمو البرجوازية والمجتمع الصناعي.
فظهرت اللوائح التنظيمية لممارسة الدعارة ( مثل لائحة 1885 ثم لائحة 1896 ثم لائحة 1905 ) والتي قضت بضرورة الكشف الأسبوعي على العاهرات وما إلى ذلك من إجراءات وعلى إثر إلغاء المحاكم المختلطة عام 1937 جرم القانون من جديد هذا النوع من الممارسة فنصت المادة 272 على عقاب ( كل من يعول في معيشته على كسب امرأة من الدعارة ) ويرجع البعض انتشار هذا النوع إلى عوامل سيكولوجية وأخرى بيولوجية والحقيقة أنها تعود في المحل الأول لجملة من العوامل الاجتماعية ( تفكك الأسرة تحت معاول الأزمات الاقتصادية ) وهذا ما يؤكده العلامة بونجر حينما يقول بأن ( معظم البغايا يأتين من بيئات اقتصادية محرومة ) .

سياسة الانفتاح الاقتصادي تدعم البغاء :

مع موجة التشريعات الانفتاحية التي شهدتها مصر بدءا من إصدار القانون 43 لسنة 1974 في يونيه من ذلك العام وحتى يوليه 1976 والتا بلغت نحو 124 قانونا شملت أوجه الحياة في مصر مهدت الأرض وسويت لانتشار بعض الأمراض الاجتماعية المصاحبة بالضرورة لهذا المناخ الجديد وفى مقدمتها البغاء .
لقد سمح الانفتاح بانتشار نظام الشقق المفروشة تدعيما للنشاط السياحي ولمواكبة حركة الاستثمارات وافتتاح مكاتب لأصحاب التوكيلات والشركات الأجنبية فإذا نظرنا إلى ذلك في ضوء واقع الأزمة المتصاعدة في مصر ( اقتصاديا واجتماعيا ) وتدنى مستوى المعيشة مع توزيع الاستثمارات للاقتصاد المصري بحيث يستحوذ قطاع السياحة على 22% من استثمارات عام 1979 هذا بينما كان المخصص لقطاع الإسكان لا يزيد عن 12% .
ويربط ( إميل دوركايم ) بين النسق الأخلاقي ومدى التغيرات الاقتصادية والسياسية الواسعة والبعدية المدى وعلى ذلك فحينما ننظر لظاهرة البغاء فإننا نتناولها في كليتها فالصراع من أجل البقاء يأخذ في ظل الانفتاح أشكالا جديدة بكل انحطاط القيم البالية والمهترأة إنسانيا وأخلاقيا ويؤكد المسؤلون في أجهزة الشرطة على هذه الحقائق فبقدر ما تزداد السياحة في بلد من البلاد ينشط المتاجرون بالبغاء في مواسم السياحة عنها في الأوقات الأخرى وتواجهنا بعض الحقائق في مجال الدراسة والإحصاء نعرض منها ما يلي :

1- في ظل اشتراط القانون رقم 68 لسنة 1951 شرط ( الاعتياد ) على أساس توجيه الاتهام ونظرا لصعوبة الضبط لطبيعة الجريمة – حيث الطابع العلني – يمثل صعوبات فعلية أمام تحديد علمي دقيق لحجم الظاهرة وكل ما تقدمه إحصاءات وبيانات وزارة الداخلية – مع ما يشوبها من قصور سنوضحها بعد قليل – مؤشرات جزئية وهذا ما يؤكده أحد رجال الشرطة أنفسهم بقوله ( فالنقص في أعداد هذه الجرائم يدل على نقص نشاط أو كفاءة أجهزة الشرطة المختصة بتتبعها وضبطها ) .

2- هناك بعض الجرائم يسميها د . سيد عويس الجرائم غير المنظورة لا تنشر الأجهزة الرسمية التقارير الحقيقية عنها كاملة وذلك لأسباب سياسية أو أمنية .

في ضوء الحقائق سوف نتناول إحصاءات وزارة الداخلية وهى المتاحة إلى الآن باعتبارها مؤثرات عامة فحسب .

جدول رقم ( 25)

بعض قضايا الآداب العامة خلال الفترة .1970- 1987

المصدر : تقارير الأمن العام من عام 1970 حتى عام 1978 ثم بعد ذلك من د. صلاح المنسي مرجع سابق جدول رقم 23 ص 230 .

يكشف البيان السابق جملة من الحقائق أبرزها الارتفاع الملحوظ في القضايا المضبوطة والتي حكم فيها القضاء – ولا شك أن هناك الكثير من القضايا التي حفظت لأسباب متعددة مثلما حدث في شبكة تديرها ممثلة معروفة أو لعدم ثبوت الاتهام.. الخ.
وإذا أضفنا إلى ذلك بعض البنود الأخرى( مخالفة قانون الملاهي التي بلغت عام 178 وحدها 217 قضية ) لارتفع الرقم السابق إلى حدود كبيرة وعلينا أن نطرح السؤال التالي على بساط البحث – ما هي الأسباب الموضوعية لنمو واستفحال هذا النوع من الجريمة فىمصر ؟
خاصة إذا أدركنا أن هذه الجريمة قد تصدرت خلال العقدين الأخيرين قائمة الجرائم التي ترتكبها المرأة المصرية حيث كانت نسبتها 37,4% من مجموع جرائمها يليها القتل ثم تجارة المخدرات ؟

في تقديرنا هناك تفاعلات ثلاثة أدت إلى تلك النتيجة هي :

أولا : مناخ مناسب يدفع باستمرار باتجاه الفساد الأخلاقي والانحراف الاجتماعي .

ثانيا : أزمة اقتصادية متفاقمة تتسع آثارها لتشمل قطاعات أوسع فئوية لم تكن في حقبة الستينات تدخل في دائرة الخناق الاقتصادي ( الفئات الوسطى ) .

ثالثا : استعداد كبير مضغوط إلى أقصى حدود بفعل الظروف السابقة لدى البعض يدفعهن بناء ثقافي ذات طابع باروكى ففي ذرا المجتمع البورجوازي خاصة .

تنطلق وسائل إشباع الرغبات المتناهية في السوء والانحراف وتدخل في كل لحظة في نزاع مع القوانين البورجوازية نفسها وذلك يغدو الاستمتاع ضربا من الفجور وحيث يختلط الذهب بالوحل والدم تسعى الثروة النابعة من المقامرة والمضاربة بطبيعة الحال إلى وسائل الإشباع .
ويتمثل الجانب الاقتصاد للمشكلة فيما يخلفه المجتمع الرأسمالي دائما من سلع جديدة ومعها تظهر رغبات وحاجات جديدة قد يقصر الفرد في إشباعها وهذا ييسر سبل الاتجار بالأجساد ولعل زبائن الشقق المفروشة بما أتاحوا من مناخ قد أضاف المزيد من عوامل التفكك والقلق النفسي .
نترك لمهندس شاب – زوج لإحدى السيدات اللاتي تعرضن لمعاكسات زبائن هذه الشقق – يعبر عن هذا القلق يتحدث بمرارة قائلا ( تصور زوجتك طالعة الأسانسير وراكب معاها واحد وبدون معرفة سابقة يقوم يقدم لها زجاجة بارفان .. معناها إيه.. الواحد يرتكب جريمة ويضيع مستقبله ويشرد أسرته ويقتل مين .
كلب متصور كل نساء القاهرة رخيصات يحصل عليهن ببلوزة وزجاجة بارفان ) وهذا هو طبيب شاب يعبر عن معاناته بفعل التناقضات القائمة ( في الوقت الذي تركب فيه شغالة تعمل مع مدام ( نرى ) – قوادة كبيرة – سيارة مرسيدس من طراز ( 220 s ) ثمنها كذا ألف جنيه يعنى يا محترم ثمن العربية يساوى مرتبي في كذا سنة دون أن أنفق ولا مليم .

إذا حاولنا أن نحدد العلاقة بين وقائع ومعطيات الأزمة الاقتصادية التي يعانى منها الفقراء أصلا ممثلة في أزمة الإسكان وبين جريمة البغاء نكتشف ما يلي:

أولا : أشار تقرير لجنة الإسكان بمجلس الشعب إلى ذلك الارتباط حيث جاء فيه ( إن هذا التكدس وهذه الظروف قد أدت إلى انتشار الانحراف والرذائل وما يستتبعها من جرائم وقد أوضحت إحدى دراسات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء هذا الارتباط حيث تبين من إحصاء عام 1976 أن نسبة السكان الذين لم يسبق لهم الزواج قد ارتفعت من 17,9% في تعداد 1960 إلى 24,9% في تعداد عام 1976 كما زادت أيضا نسبة الإناث اللواتي لم يسبق لهن الزواج أكثر من الذكور ويرجع ذلك إلى أثر التعليم والظروف المعيشية وأزمة الإسكان في رفع سن الزواج إن التكدس الحادث في الإسكان – حيث تصل إلى 2,5 فرد / غرفة وإقامة 100 ألف أسرة في المقابر هو تركيز جبري للخطيئة والذين لم ينغمسوا بعد في دوامة الدمار الأخلاقي الذي يحيط بهم يغوصون يوميا إلى الأعمق ويفقدون يوميا مزيدا من قدرتهم على مقاومة إفساد الأخلاق وتأثير الحاجة والعفن والشرور المحيطة .

ثانيا : في دراسة أعدتها مجموعة عمل من مديرية أمن الجيزة برئاسة العميد على حلمي عن ظاهرة خطف البنات وعلاقتها بالأوضاع الاقتصادية أكدت الدراسة أن 95% من جرائم الخطف كانت لممارسة الجنس وأن أغلب الجناة من محدوى الدخل وأرجع ذلك إلى الأزمة الاقتصادية وأزمة الإسكان وبالتالي ارتفاع تكاليف الزواج وانتشار أفلام الجنس والرعب وأخيرا أوصت الدراسة بتيسير نفقات الزواج على الشباب لأن الجريمة غالبا تكون لإرضاء الغريزة وقد أدى تفاقم الظاهرة وانتشار ( خطف البنات ) إلى تناول العديد من المهتمين بالقضايا الفكرية الجادة لها فالدكتورة نوال السعداوى ترى أن الازدواجية تقود بطبيعة الحال إلى التناقضات حيث أن حوادث الاعتداء الجنسي على البنات والأطفال ليست بالقليلة في مجتمعنا لأن مثل هذه الحوادث لا يدرى عنها أحد وإذا ضبطت بالصدفة فإن كثيرا من الأسر تتكتم الأمر حفاظا على سمعة الأسرة وبناتها والجديد في ممارسة هذه الجريمة _ جرائم احتراف البغاء ) هو الارتفاع الملحوظ وغير العادي في انحراف الطالبات وانغماسهن في هذه الممارسة ويؤكد هذه الحقيقة حسين نعمان – وكيل النائب العام للآداب.

قائلا ( للأسف فإن ظاهرة انحراف الطالبات منتشرة بشكل يفوق كل ما نتصوره ولكن الاتى يقعن في أيدي الشرطة نسبتهن ضئيلة ) ويحدثنا أحد رجال الآداب المقدم أسامة عبد الجواد رئيس مكتب مكافحة الآداب بالقاهرة – عن هذه الظاهرة فيقول إن صغر السن بالنسبة للقوادة حتى وصل 18 سنة وزيادة نسبة المتعلمات فيهن وظاهرة الانتقال من الحواري والمناطق الشعبية إلى الشوارع في مستوى الشيراتون والهيلتون لقد تركزت جرائم المرأة المصرية خلال السنوات الخمس عشر ( 19731988 ) على جرائم خمس تتصدرها جريمة البغاء حيث مثلت 37,4% من مجموع جرائمها ولا شك أن القفزة التي شهدتها دخول هؤلاء البغي بفعل خطة تطوير مستمرة للاقتصاد الوطني كل ذلك دفع بدخولهن من 4 جنيهات في المتوسط يوميا لأكثر من مائتي جنيها يوميا.

وهو ما يؤدى فعل السحر لدفع المزيد من الفتيات إلى أتون ذلك المستنقع الآسن ، أضف إلى ذلك البنيان الثقافي المشوه الذي يترادف بين الحرية والفوضى والذي يتحكم في وسائل الثقافة والفنون والإعلام عامة حيث تسود القيم التجارية القائمة على الربح من وراء عرض أفلام الجنس والرقصات العارية وأجسام النساء وتأوهات المطربين والمطربات ليل نهار في الراديو وعرض الأفخاذ والنهود العارية في صفحات المجلات .

ومن الأمور المؤسفة والتي عمقت مشاعر العداء والكراهية من المصريين تجاه العرب والتي استثمرها السادات فيما بعد – هو ارتباط هذه الممارسة غير الإنسانية وغير الأخلاقية بالسياح العرب وبخاصة عرب النفط لدول الخليج وقد حاولنا تتبع هذه الظاهرة فيما بعد عام 1978 وبخاصة بعد 1979 ، فوجدنا تقلصا ذا دلالة في حجم القضايا المقدمة والمضبوطة في مجال البغاء .

فيذكر تقرير مصلحة الأمن العام لعام 1995 بأن جريمة ممارسة البغاء عادة قد انخفضت عام 1994 إلى 465 قضية وفى عام 1995 زادت إل 542 قضية فإذا أضفنا إليهم إدارة محال للبغاء والاتجار بالبغاء واستغلاله داخل وخارج البلاد والتحريض علنا على الفسق والفعل الفاضح علنا ومخالفات قانون الملاهي والأندية .. الخ.

فإن الرقم يرتفع إلى 38516 قضية عام 1994 وإلى 44180 قضية عام 1995 .

ثانيا: الاختلاس والرشوة:

تمثل عملية الاختلاس والرشوة في المجتمع الرأسمالي الحديث إحدى أهم أدوات عالم المال والتجارة في نمو الثروة وتوسيع دائرة التبادل الاقتصادي.
وإذا أضفنا إليها إثر الإعلان والدعاية لأمكننا أن نحدد ضلعين من أضلاع المثلث الذي تتأسس قاعدته على مدى تنوع الهيكل الاقتصادي وطبيعة دورة الانتهاج والتوزيع في المجتمع الرأسمالي المعاصر.
وبرغم ما تحتويه القوانين السائدة في مختلف المجتمعات من نصوص تجرم هذه الممارسة وتحرمها ، فإن ذلك لم يحل يوما دون إتيانها والاستمرار فيها بيد أنه حينما تتسع دائرة هذا السلوك ، وتتصادم بصورة مكشوفة مع القانون السائد لا يجد القائمون على النظام والدولة من وسيلة سوى اللجوء إلى النص وتوجيه بعض الضربات لتحجيم هذا السلوك ووضعه في إطاره الذي لا يهدد البناء الاقتصادي والاجتماعي ككل وهذا ما أظهرته تجارب مختلف الأنظمة الحديثة ، ولعل أبرز ما كشفته لجنة السناتور " تشيرش " عضو مجلس الشيوخ الأمريكي عام 1974 والذي جاءت أعمال لجنته بعد أن زكمت الأنوف رائحة الرشاوى والفضائح المالية التي تقوم بها الشركات الأمريكية وشراء ذمم بعض كبار المسئولين في كافة دول العالم لتسهيل مبيعاتها حيث قال :ورما خبيثا يعمل الآن على الفتك بالمجتمع الغربي إنه الفساد بعينه.

ويظهر البيان التالي صورة لحجم الرشاوى التي قدمتها الشركات الأمريكية لتسهيل مبيعاتها على مستوى العالم عام 1975 :

جدول رقم ( 26 )

بيان بالرشاوى والشركات الأمريكية التي دفعتها والأشخاص والدول الذين تسلموا هذه الرشاوى حتى عام 1975.

المصدر: مجلة اليقظة، الكويت العدد ( 477 ) بتاريخ 5 إبريل "نيسان 1976.

إذا حاولنا الانتقال في معرض تشريحنا للواقع الاجتماعي في مصر في ظل شروطنا الثلاثة التي أشرنا إليها من قبل فإن التناول العلمي لظاهرتي الاختلاس والرشوة تؤكد على أنهما ليستا بجديدتين على واقع الحال في بلادنا فمع كل منعطف من المنعطفات الحادة التي صاحبت عملية التطور الاقتصادي والاجتماعي يكون الاختلاس والرشوة إحداهما أو كليهما معا ضرورة منطقية وأهم ما يجب الإشارة إليه هنا أن غياب الرقابة الشعبية والجماهيرية على سوائل وأدوات الإنتاج وغياب المشاركة السياسية من جانب المنتجين وشكلية المؤسسات وفردية اتخاذ أخطر القرارات كل هذه العوامل لعبت دورا في تفشى هذه الجرائم ولذلك فإن الضرورة العلمية تقضى بتناول هاتين الجريمتين في سياق ارتباطهما بظاهرتي الفساد الادارى والسياسي وبالتالي استعراضهما كجزء من السياق الاجتماعي العام ألا في ضوء اتجاهات المجتمع وقيمه ونظرة الفئات الاجتماعية المختلفة لهذه الجريمة أو الظاهرة .
يعرف قانون العقوبات المصري جريمة الاختلاس بأنها ( تصرف الشخص في شيء تصرف مالكه علما بأن هذا الشيء ملك الدولة وليس ملكا للأفراد ) .
والحقيقة أنه مع اتساع نطاق الملكية العامة بعد تأميمات 1961 ، تحولت جرائم السطو وصراع الأفراد على الملكية من دوائر المنازعات المدنية إلى دائرة الاختلاس باعتبار الشيء محل النزاع قد بات من الملكية العامة فعلى سبيل المثال بينما لم تسجل الإحصاءات الرسمية في مصر عام 1898 أي واقعة اختلاس فإن عام 1918 قد شهد حالات اختلاس زادت عام 1928 إلى 35 ثم إلى 220 حالة اختلاس عام 1958 وبعدها بعشر سنوات 1968 سجلت 639 حالة اختلاس انخفضت بعد ذلك عام 1971 إلى 362 حالة معظمها تبديد وفقد في عهد حكومية ومخزية وفى السنوات الخمسة عشر الأخيرة في مصر لوحظ كثرة عدد قضايا وحوادث الاختلاس وكذلك تنوعا بصورة مذهلة ( اختلاس من البنوك ، الحوادث المخزية .. الخ ).
واتساع القاعدة الاجتماعية للمشاركة فيها وهو ما تحجم أجهزة الإحصاء والتفتيش عن نشر تقارير تفصيلية بشأنها وإن كان من الممكن من خلال المتابعات اليومية اكتشاف مدى صحة هذه النتيجة .

ويفسر أحد المتخصصين حقيقة أن جرائم الاختلاس قد اجتذبت بعض الذين يشغلون مستويات وظيفية عالية بعد أن كانت مقصورة على المستويات الدنيا والفقيرة ، بسبب ظهور مغريات استهلاكية تمثلها البضائع المستوردة وإمكانية تشغيل رؤوس الأموال الصغيرة في أعمال مربحة مثل تجارة الشنطة وتشغيل وتأثيث الشقق المفروشة للسياح العرب .. الخ .

كل ذلك خلق بقنواته الضرورة المنطقية لاستمرار وتزايد جرائم الاختلاس وإذا أضفنا إلى كل ذلك الارتفاع المستمر والجنوني في أسعار جميع السلع والضروريات مما يجعل المرتبات غير كافية مع ضرورة محافظة الفئات الاجتماعية ( أعضاء مجالس الإدارة ووكلاء الوزارات مثلا ) على مستواهم المعيشي الذي وفرته سنوات الستينات لأدركنا طبيعة المناخ الاقتصادي الذي يفرض الانحراف على عدد من هؤلاء .
وقد أخذت حوادث الاختلاس في الزيادة بعد ذلك ففي عام 1979 بلغت أعدادها التي أبلغت لوزارة المالية فحسب 192 حادث وتم حصر قيمتها التي تجاوزت 421 ألف جنيه.
جدول رقم (27)

بيان بحوادث الاختلاسات التي أبلغت لوزارة المالية.

المصدر: د. إبراهيم أبو غار ( تحليل جرائم الاختلاس من خلال الجهاز الإداري والسلطة، المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية ب القاهرة أبحاث غير منشورة ص 38 أما أعوام 1977 حتى عام 1979 فمصدر وزارة المالية، الإدارة العامة للتفتيش المالي والمراجعة العامة لحوادث الاختلاسات ص 9. أما أعوام 1983 وما بعدها فمصدرها د . صلاح منسي مرجع سابق ص 223 .

هذا الجدول لا يشمل بالقطع على ما أظهره مسلسل فضائح محاكمات البنوك أعوام 1928 ، 1983، 1984 والتي يبدو من خلالها أن حجم عمليات السطو على ودائع المدخرين ومنح قروض بدون ضمانات كافية قد تجاوز 500 مليون جنيه خلال السنوات العشر ( 19751985 ).
ومن جهة أخرى فحسب التوزيع الادارى للجهات التي وقعت فيها حالات الاختلاس يظهر أن قطاع التعليم في المقدمة يليه الحكم المحلى ثم وزارة المالية نفسها .
وفقا للدراسة الجيدة التي قام بها د . صلاح منسي ومعاونوه حول الجريمة في مصر ومن واقع تقارير النيابة الإدارية لجريمة الاختلاس والتي تحال إلى النيابة العامة لخطورتها فإن فترة الدراسة الأولى ( 63- 1970) والتي شملت 49 شهرا بلغت هذه القضايا 1235 قضية اختلاس وإذا أضفنا إليها قضايا التزوير ( وعددها 1174 قضية ) والرشوة ( 28 قضية ) فإن العدد يصل إلى 2690 قضية بنهاية عام 1970 قفز العدد بعد ذلك خلال فترة الدراسة الثانية ( 75 – 1982 ) والتي شملت 45 شهرا فقط إلى 1378 قضية اختلاس و1644 قضية تزوير و 163 قضية رشوة فيصل العدد إلى3225 قضية .

بيد أن ملامح الصورة لا تتوقف هنا فقد ازدادت المخالفات المالية والإدارية بشكل ملحوظ خلال السبعينات والثمانينات عما كان عليه الحال في الستينات والخمسينات وهو ما يظهره البيان التالي :

جدول رقم ( 28 )

جرائم الاختلاس والمخالفات المالية والإدارية خلال الفترة من 19671987 .

المصدر : د. صلاح منسي، مرجع سابق ص 223. ...بيانات غير متاحة.

فإذا كانت الجرائم المحالة من النيابة الإدارية إلى النيابة العامة قد تقلصت كما يبدو من البيان السابق فإن التخفيف التشريعي الذي أخل على قانون العقوبات المصري بهدف إضفاء درجة من المرونة نظرا لاتساع دائرة المخالفات المالية وجرائم الاختلاس ومن هنا انخفضت أعداد جرائم الاختلاس ظاهريا مقابل حدوث قفزة كبيرة في المخالفات المالية والإدارية في الثمانينات .
وتكشف تقارير الإدارة العامة لمباحث الأموال العامة عن جوانب أخرى من الصورة حيث بلغ عدد القضايا التي تم ضبطها بمعرفة الإدارة العامة وفروعها الجغرافية عام 1992 نمو 3520 قضية قفزت في العام التالي (1993 ) إلى 7227 قضية موزعة كالتالي :
جدول رقم ( 29)

القضايا التي تم ضبطها بمعرفة الإدارة العامة لمباحث الأموال العامة خلال عامي 1992 و 1993

المصدر: وزارة الداخلية مكافحة جرائم الأموال العامة، الإدارة العامة لمباحث الأموال العامة 1994 ص 7 (...) بيانات غير متاحة.

ومن ضمن أسبابا انخفاض معدلات جرائم التزييف والتزوير في الفروع الجغرافية للإدارة العامة لمباحث الأموال العامة هي:

1- تغيير وإحلال رؤساء وضباط أقسام مكافحة جرائم الأموال العامة واستبدالهم بآخرين ليس لديهم الخبرة الكافية .

2- اهتمام مديريات الأمن وتركيزها على مكافحة جرائم الإرهاب وإشراك رؤساء وضباط الأموال العامة في الكمائن والمأموريات المتعلقة بمكافحة جرائم الإرهاب .

ومن الأمور ذات المغزى في هذا السياق – التي قد تكون للصدفة وحدها دورا في هذا – زيادة أعداد حوادث الحريق في مصر ، والتي كشف التحقيق للكثير منها أنه ذو شبهة جنائية بهدف إخفاء اختلاسات أو تلاعب في عهد مالية والجدول التالي يشير إلى هذه الظاهرة :

جدول رقم (30)

حوادث الحريق والإنقاذ والإصابات والوفيات وقيمة المعرض للخطر والخسائر خلال الفترة من 19741980

المصدر: وزارة الداخلية، قطاع التخطيط والمتابعة والرقابة، إدارة الإحصاءات المركزية. هذه هي بعض الأسباب وراء الزيادة الملحوظة لانغماس قطاعات وظيفية في تعاطي الاختلاس فالفساد الادارى هو نتيجة طبيعية للتفكك في البناء الاجتماعي مما يؤدى في عملية تغذية عكسية إلى عدم التوافق بين أهداف المؤسسات الرسمية الإدارية والحكومية من جهة وبين أعضائها من جهة أخرى والجديد أيضا في ظاهرة ( جريمة ) الاختلاس هو زيادة المبالغ المختلسة لتصل إلى مليون جنيه كما هي حالة بنك مصر وشركة النصر للزجاج والشركة المصرية للأخشاب ، ووزارة الاقتصاد والشركات القابضة في ظل عمليات الخصخصة الواسعة الانتشار .. الخ.

وتقرر هذه الممارسات بدورها قيما خاصة بها فشعار ( المال السايب يعلم السرقة ) أو شعار ( اسرق الحكومة قبل أن تسرقك .. الخ ) تمثل نسفا للقيم يسعى لتكريس وجوده باستمرار في واقعنا الجديد .
وإذا حاولنا تناول ظاهرة الرشوة فأول ما يواجهنا من حقائق هو غياب أي بيانات صحيحة ودقيقة تنسجم مع الانتشار غير العادي لهذه الظاهرة وهذا بلا شك من طبائع الأشياء حيث طقوس ( التعاطي ) لهذه الجريمة 0 من حيث السرية والسرعة – حائلا منيعا لجهاز الضبط وبالتالي من حصر الحجم الفعلي لها .
وتعرف المادة 103 مكرر من قانون العقوبات المرتشي بأنه ( كل موظف عمومي يطلب لنفسه أو لغيره أو قبل أو أخذ وعدا أو عطية لأداء عمل يعتقد خطأ أو يزعم أنه من أعمال وظيفته أو الامتناع عنه ) وإذا أضفنا إلى التعاطي المباشر للرشوة استعمال السيارات الحكومية في الأغراض الخاصة باعتبارها جريمة رشوة ( كما كيفتها الجهات القانونية الحكومية ) تبدو المؤشرات مفزعة .
فخلال عام 1983 وحدة تم ضبط نحو 5077 سيارة حكومية تعمل في غير أغراضها الرسمية بينما كان الرقم في العام السابق لا يتجاوز 3555 مخالفة وخلال الشهرين الأولين من عام 1983 وحدهما تم ضبط أكثر من 1721 سيارة حكومية أحيل معظمها إلى النيابة الإدارية التي أظهرت بدورها أن حصيلة عام 1982 وحده كانت أكثر من 10700 مخالفة إدارية و 545 حالة باختلاس وتزوير وسرقة وإهمال جسيم ونحو 7010 مخالفة مالية وفى عام 1987 بلغت عدد المخالفات الإدارية نحو 19572 والمخالفات المالية ما يزيد عن 25750 مخالفة ( انظر جدول رقم 28 ) .
والحقيقة أن مظاهر الرشوة والاختلاس تتعدد وتتباين إلى درجة معقدة للغاية فعلى سبيل المثال في دراسة قامت بها مجموعة عمل من ضباط السكة الحديد تبين أن أعداد من تم ضبطهم يتهربون من دفع ثمن التذكرة مثير فبينما كان عدد هؤلاء الأشخاص عام 1975 نحو 381 ألفا نجدهم قد تزايدا في العام التالي إلى 495 ألفا إلى 607 آلاف عام 1977 .
كما تبين أن عدد قضايا المهربات الجمركية في السكة الحديد قد ازدادت من 46 قضية عام 1975 إلى 118 ثم إلى 185 عامي 1976، 1977 على التوالي.
وتشير بعض تقارير الأمن العام إلى تطور الجريمة الاقتصادية في مصر خلال عقد الثمانينات بصورة جديرة بالتأمل والبحث ووفقا لها فقد زادت جرائم السرقة وإصدار شيك بدون رصيد وجرائم خيانة الأمانة والتزوير في المحررات العرفية وجرائم النصب وغيرها بصورة كبيرة وهو ما يظهره البيان التالي :
جدول رقم ( 31)

تطور جنح وجنايات الجريمة الاقتصادية في مصر خلال الفترة من 19801988

المصدر : د. صلاح منشى – مرجع سابق ص 304 .

وإذا أضفنا إلى هذا الواقع ما أفادت به مباحث الكهرباء حول القيمة التقديرية لجريمة سرقة الكهرباء والتي تصل إلى أكثر من 4 مليون جنيه سنويا تبين لنا إلى أي مدى يتجسد السلوك اللاانتمائى للمواطن المصري وقد يكون من الإنصاف القول بأن الشعور العام السائد لدى قطاعات واسعة من الطبقات الشعبية والمدعوم بمسلسل فضائح سرقات كبار رجال الدولة والرأسماليين يرسخ على الجانب الآخر وعيا زائفا بأن الحل الأمثل هو " سرقة الحكومة قبل أن تسرقك " وليس البحث عن مخرج شعبي وديمقراطي للمأزق الذي تعيشه مصر منذ سنوات طويلة .

ثالثا: سرقة السيارات:

شهدت السنوات العشرين الأخيرة زيادة كبيرة في أعداد السيارات المرخص لها بالسير في طريق الجمهورية وتصدرت الزيادة في أعداد السيارات الخاصة ( الملاكي ) بجميع أنواعها قائمة السيارات المرخص لها في أنحاء الجمهورية حيث ازدادت الأخيرة من 153 ألف سيارة ملاكي عام 1973 إلى 415 ألف سيارة عام 1983 ثم إلى 1,3 مليون سيارة بنهاية 1993 .
وتشير بعض الإحصاءات المتاحة أن متوسط عدد السيارات المستوردة سنويا خلال السنوات العشر ( 74-1984 ) كانت تتراوح بين 40 ألف سيارة إلى 65 ألف سيارة سنويا وأنها قد زادت عن هذا المعدل فيما بعد ذلك.

وتعبر هذه الأرقام عن حالة من الرواج التجاري من ناحية، كما أنها تعكس درجة من الحراك الاجتماعي لدى فئات اجتماعية ومهنية محددة بفعل نواتج الحقبة النفطية من ناحية أخرى.

بيد أن الوجه الآخر للعملة، هو الزيادة المطردة في أعداد العاطلين والباحثين عن عمل من خريجي الجامعات والمدارس المتوسطة، والذي قدرها نائب رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية والتخطيط ( د. عبد الرازق عبد المجيد عام 1979 ) بأكثر من مليون ونصف المليون عاطل كما أن إضافة أوضاع العاطلين بصورة غير رسمية ( البطالة المقنعة ) وتكدس المصالح والمؤسسات الحكومية بأعداد تفوق مستوى حاجات تسيير دولاب الإنتاج الحكومي تعطى ملامح قاسية لواقع اقتصادي – واجتماعي ونفسي يعيشه هؤلاء البابا في وقت شهدت فيها البلاد قفزات جنونية في أسعار كافة الضروريات المعيشية .
وهكذا برزت إلى سطح الحياة في مصر أشكال جديدة للجرائم الاقتصادية أبرزها جرائم سرقة السيارات التي تؤكد الدوائر الأمنية المسئولة أنها أخذت مكان الصدارة في جرائم الشباب بعد عام 1975 .

والحقيقة أن معظم البيانات الإحصائية المتاحة تتسم بقدر عال من التضارب والغموض ويزيد من صعوبة الحصر الفعلي لهذه الممارسة المنحرفة والموجهة إلى حد أشكال الملكية الخاصة ثلاثة أسباب:

السبب الأول : شروط الكتمان والسرية التي تغلف تلك الدراسات التي أعدتها إدارات وزارة الداخلية حول هذه الظاهرة.

السبب الثاني : تورط أعداد ليست قليلة من أبناء بعض كبار رجال الدولة في تشكيل عصابات منظمة لسرقة السيارات ونجاح بعض الوساطة في احتواء وعدم عرضه على النيابات المختصة وبالتالي القضاء وهو ما يؤدى تلقائيا إلى عدم حصره في إحصائيات الأمن العام .

السبب الثالث : أن عمليات ضبط سرقة السيارات ما زالت دون مستوى 35% من جرائم سرقة السيارات سنويا ، وبالتالي فإنه من الصعب الاعتماد على الأرقام الرسمية المتاحة باعتبارها تمثلا لحجم الحقيقي لهذه الممارسة الإجرامية الجديدة ففي عام 1977 لم تتجاوز نسبة ما تم ضبطه من إجمالي هذه الجرائم 29% وفى عام 1982 وصلت إلى ( 38% ) ثم بلغ ما تم ضبطه عام 1995 نحو 1107 سيارة بنسبة 61% من إجمالي السيارات المبلغ عنها .

وتشير نفس المصادر الأمنية إلى التقلبات من عام لآخر في عدد حوادث سرقة السيارات حيث لا تحتفظ بمعدل مستقر ، ففي عام 1982 بلغت حجم الحوادث المسجلة لدى أجهزة الأمن 195 حادثة سرقة قفزت في الشهور الثلاثة الأولى من عام 1983 وحدة إلى 326 حادثة سرقة جديدة ثم بلغت عام 1995 نحو 1808 سيارة مسروقة وقد قامت مجموعة بحث من خبراء المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية ، بتحليل مرتكبي بعض الجرائم من واقع البيانات التي أتاحتها مصلحة الأمن العام بوزارة الداخلية – فتبين أن 75% من مرتكبي هذه الجرائم من الشبان دون سن الثلاثين سنة .
فمن جملة 2121 جنحة سرقة سيارات قدمت للقضاء – بخلاف ما لم يقدم للقضاء ولا يعرف مرتكبوه خلال العشر سنوات ( 19731982) تبين أن 1716 جنحة قام بها أفراد دون سن الثلاثين عاما .
جدول رقم ( 32 )

تحليل لجنح السيارات وفقا لفئات العمر على مستوى الجمهورية خلال الفترة من 19731982 .

المصدر : أطلس الجريمة ، المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية ، 1985 .

فإذا تذكرنا أن هذا العدد ( 2121 جنحة سرقة سيارة ) لا تمثل في المتوسط سوى 35% من إجمالي حوادث سرقة السيارات لأدركنا مدى اتساع هذه الممارسة واتساع القاعدة الاجتماعية لممارسيها وتضيف دراسة أخرى حول جرائم الطلبة رتوشا جديدة في بلاتوه الحزن الاجتماعي للوطن ، فعدد الطلبة المتهمين في سرقة السيارات خلال الفترة من 1977 حتى 1982 فحسب قد بلغوا 132 طالبا بنسبة 12,8 % من إجمالي جنح سرقة السيارات .
وفى تقرير مصلحة الأمن العام لعام 1995سجلت الإحصاءات المبلغة نحو 1808 جنحة سرقة سيارات لم يضبط منها سوى 1107 جنحة بنسبة 61% هذا بخلاف جنح السرقات من داخل السيارات وعددها 6287 جنحة.
وإذا أخذنا التوزيع الجغرافي لحوادث السيارات التي تم ضبطها نجد أن 55% منها تقع بالقاهرة تليها الاسكندرية بنسبة 20% تقريبا تليها محافظة الجيزة بنسبة 13% تقريبا وهو ما يعد منسجما مع حالة التركيز النسبي في عدد السيارات المرخصة بالمحافظات الثلاث .
وقد يكون من المناسب أن نشير إلى النتائج التي أظهرتها دراسة أخرى أعدتها إدارة الرقابة الجنائية والإحصاء بمصلحة الأمن العام عن ظاهرة انغماس الطلبة في الجرائم خلال السنوات ( 72- 1982 ) فقد تبين أن نسبة مشاركة الطلبة في الجرائم المسجلة ازداد من 2,7% من إجمالي الجرائم المسجلة عام 1977 إلى 4,8% عام 1982 حيث بلغت عدد قضايا الجنايات التي ارتكبها طلبة خلال الفترة المشار إليها نحو جناية نصفها تقريبا جاء في القتل العمد ثم الضرب المفضي إلى الموت وأخيرا هتك العرض .
أما جنح السرقة التي ارتكبها الطلبة فقد بلغت 1105 جنحة تركزت في جريمة سرقة المساكن ( 649) جنحة ثم سرقة متاجر ( 293 ) ثم سرقة السيارات ( 142 ) جنحة وأخيرا سرقة المواشي ( 21) جنحة.
هذه المؤشرات تؤكد حقيقة واحدة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الخانقة تعزز أنماطا سلوكية وممارسات من العنف والانحراف ينبغي التوقف عندها ليس من قبيل تغليظ العقوبات – وهو ما درج عليه أصحاب الملكيات الخاصة والقانونيون ورجال المال والأكاديميون – وإنما تحديد أطر اجتماعية واقتصادية لتجاوز المعطيات الراهنة بكل ثقلها النفسي على جيل بأكمله .

رابعا: جرائم التموين:

شهدت جرائم التموين بدورها قفزة كبيرة غير عادية بدأ من عام 1974 فصاعدا ولعل الظروف الاقتصادية وما صاحبها من افتقاد السلع وحدوث اختناقات في عملية التوزيع واتساع حجم النمو الطفيلي والسمسرة والسوق السوداء قد أضاف الجديد من الأزمات لأصحاب الدخول المحدودة وأضاف على الجانب الآخر – أصحاب النشاط الطفيلي – مزيدا من الثروات .
تعطينا الأرقام الإحصائية المتاحة لدى أجهزة الأمن عن عدد القضايا التي قدمت للقضاء فحسب في مجال التموين دلالة واضحة فقد قفزت من أقل من 9 آلاف قضية عام 1970 إلى أكثر من 27 ألف قضية في عام 1978 ثم إلى أكثر من 100 ألف قضية عام 1986 ثم عادت للانخفاض قليلا عام 1987 فوصلت إلى نحو 88 ألف قضية زادت عام 1994 إلى 99456 قضية ثم إلى 96976 قضية عام 1995 .
جدول رقم ( 33 )

تطور قضايا التموين في مصر 19701987

المصدر: تقارير مصلحة الأمن العام للسنوات المشار إليها.

والحقيقة أن هذه الأرقام برغم ضخامتها ، لا تعكس الحجم الحقيقي لممارسة السوق السوداء والمتاجرة غير المشروعة في أقوات المواطنين وذلك لعدة أسباب :

الأول : أن هذه القضايا تقف عند حدود طبقية معينة ، بمعنى أن كبار التجار والزارعين ومنهم بعض الساسة وكبار رجال الدولة يقومون بشكل محدد وواضح بخرق قواعد التسعيرة الرسمية دون أن يقدم أحد منهم للمحاكمة " مزارع الفاكهة والخضروات " وتقتصر حملات رجال الشرطة والتموين على صغار الباعة والجائلين الذين هم بدوهم ضحية لاختلاس السوق أو السياسات السعرية . بل إن الكبار هؤلاء نجحوا في الضغط على الحكومة حتى تم إلغاء التسعيرة الجبرية للسلع الزراعية والخضراوات منذ عام 1986.

الثاني : بالرجوع إلى التوزيع التفصيلي لأنواع هذه القضايا تبين أن النسبة العظمى لها تتركز في الخضر والفاكهة ( 30% إلى 50% تقريبا ) يليها البقالة ثم المخابز وهو ما يظهره البيان التالي :

جدول رقم ( 34 )

بعض قضايا التموين خلال الفترة من 71-1978

المصدر: تقارير الأمن العام مصلحة الأمن العام لأعوام من 71- 1978.

ومن الجدولين السابقين :

يمكن ملاحظة سلسلتين زمنيتين بينهما فروقات واضحة ما قبل 1974 وما بعدها حيث نجد الارتفاع المضطرد بعد عام 1974 وهو ما يعطى دلالات ذات مغزى في سياق تحليلنا للظاهرة .
فالمناخ الذي يتوج عمليات المضاربة والسمسرة في إدارة دولاب النشاط الاقتصادي هو المسئول الأول عن تلاعب قطاعات من التجار والسماسرة بأقوات الشعب وتساهم النظم الرأسمالية في الإنتاج والتوزيع للحاصلات الزراعية في تمهيد الأرض لانتشار مثل هذه الأنشطة بكل نتائجها الوخيمة على حياة الملايين من الفقراء في مصر .

خامسا : جرائم المخدرات والبنوك وتجارة العملات :

مثلما أنه من الصعب فهم فحوى النصوص القانونية وأصولها وتطورها ، بمعزل عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية في مجتمعاتنا المعاصرة ، فإنه سيكون من المستحيل كذلك ، فهم الظواهر الإجرامية دون البحث عن أساس اجتماعي محدد يوفر الإطار المرجعي لتفسير هذه الجريمة أو تلك ووضعها في سياقها الموضوعي الصحيح .
ينطبق هذا المبدأ العام على الجرائم، من حيث كونها سلوكا منحرفا اجتماعيا وثقافيا على حد تعبير د. سيد عويس .
ومن ثم فمن المتصوران تكون للجريمة – التي هي في التحليل البسيط سلوك بشرى – مستوى آخر، يمكن أن نسميه " الجرائم المنظمة من جانب جهاز الدولة ذاته " خاصة في لحظات التدهور، والتي تتجلى بكل مظاهرها المأساوية في دول العالم الثالث.
فما نعتبره جريمة بالأمس – حيازة العملات الأجنبية مثلا – قد نعتبره في مرحلة أخرى حقا من حقوق المواطنة وتعبيرا عن انفتاح واسع على مفاهيم الليبرالية .
وهكذا فإن الدولة لا تضع القوانين إلا على أساس من المبادئ التي يقوم عليها النظام الاقتصادي والاجتماعي ذاته وطبيعة اختيارات وأولويات القائمين على هذا الجهاز الطبقي أي أن للأشكال القانونية محتوى اجتماعي يتبدل بعمق .
وانطلاقا من هذا الأساس، يتم معالجة شئون السياسة والقانون، وهو ما أدركه بعض القائمين بهذه الأنشطة الإجرامية، سواء في مصر أو في غيرها.
وعندما تصطدم مصالح الدولة – من حيث كونها الجهاز المنظم والحارس لمصالح الطبقة المهيمنة ككل – ببعض هذه الفئات التي تمارس أنشطة تخرج عن الأطر المتفق عليها ، فإنها تقوم بذلك في لحظة يبدو فيها أن الأخيرين قد أخذوا يتحركون خارج الإطار أو الرقعة المسموح بها .
ففي كولومبيا على سبيل المثال ، لم تتحرك أجهزة الدولة لضرب نشاط تجار الكوكايين والهيروين – برغم معرفتها باتساع نشاطهم وتسليحهم لعصابات ضخمة تبين فيما بعد أنها تربو على المائة والثمانين ألف مسلح – إلا حينما اغتيل وزير العدل الكونجرس وزعيم أحد الأحزاب اليمينية " بابو اسكوبار " بسبب معارضة الوزير لتجارة الكوكاين ، وهنا أعلن رئيس الجمهورية الكولومبى حالة الطوارئ وألقى القبض على أربعمائة قاض تبين أن لهم علاقات مشبوهة بتجار الكوكاين كما ضبط أكثر من مائتين وثمانين ضابطا للشرطة يتقاضون رشاوى من مافيا المخدرات التي بلغ عدد أفرادها ( 180) ألف مسلح أطلق عليهم فيما بعد " مافيا ميدلين " .
وفى مصر ، وبرغم مسلسل المحاكمات الشهيرة لكبار رجال المال والسياسة وبعض نواب مجلس الشعب ( رشاد عثمان – نائب رشيد – عصمت السادات وأبنائه .. الخ ).
والتي أظهرت النشاط غير المشروع لعدد ليس بقليل من هؤلاء فإن السرية التي تغلف إحصاءات هذه القضايا ،بل وتضارب المتاح منها ، ومحدودية المواجهات بين النظام السياسي في مصر من ناحية وهذه العصابات من ناحية أخرى ، كل ذلك تحول دون استخلاص نتائج موضوعية حول حجم الظاهرة وتضيف أعباء إضافية لعملية البحث الشاقة في عالم كل ما يدور فيه يتم بسرية مطلقة .

*هنا لابد وأن نطرح السؤال التالي : إذا كانت هذه الظاهرة وهذه التجارة ( المخدرات ) موجودة في الواقع المصري منذ عقود طويلة ماضية فما هو الجديد الذي طرأ عليها في عقد السبعينات ؟

الحقيقة أن معظم الدراسات التي أجريت على ظاهرة تعاطي ( أو إدمان ) المخدرات بأنواعها التقليدية مثل الحشيش والأفيون سواء في الهند ( البروفيسير كوبرا ) أو مراكش ( بوعبود ) أو في مصر ( د. مصطفى سويف وآخرون ) قد أكدت أن أكثر الفئات والطبقات الاجتماعية إقبالا على المخدرات هم الفقراء وعمال المدن بشكل خاص .
بيد أن الدراسة التحليلية لأنماط أو هيكل المتعاطين في عقد السبعينات سواء من حيث الطبيعة النوعية الشديدة الخطورة للمواد المخدرة ( حبوب تخليقية – هيروين – كوكاكيين.. الخ ).
أو من زاوية الأفراد ذاتهم وأعمارهم وفئاتهم الاجتماعية تعطينا نتائج مغايرة ومن ثم تقدم إلينا إطارا سيسيولوجيا مختلفا عن الإطار القديم ومناهج للبحث جديدة كل الجدة ...

إننا هنا إزاء حصار نفسي قاس ، وانهيار اجتماعي شامل ويمكننا الاستدلال على ذلك من عدة حقائق أوردتها الدراسات والتقارير الأمنية المتاحة لدينا حتى الآن وهى :

الحقيقة الأولى:

أنه بحلول عام 1984 بلغ عدد المدمنين للمخدرات بجميع أنواعها نحو مليون شخص وهؤلاء يعادلون 7% من جملة السكان ( أكثر من 16 سنة ) وهى نسبة مرتفعة للغاية .

الحقيقة الثانية :

أن 58% من هؤلاء تتراوح أعمارهم ما بين 16 عاما و22 عاما هذا علاوة على 14% آخرين تقل أعمارهم عن 16% سنة.
وهذه الدراسة تتطابق مع دراسة أخرى بالعينة أعدها د. ممتاز أحمد عن " هيكل إدمان المخدرات خلال الفترة 79 – 1984 " وفقا للمترددين على العيادة المركزية للإدمان بالعتبة وقد تبين أن متوسط أعمال المترددين للعلاج قد انخفضت في المتوسط من 42 عاما إلى 32 عاما وكذا فإن معظم المدمنين كانوا من المتزوجين بينما ارتفعت نسبة العزاب من 17% إلى 32 % خلال الفترة .

الحقيقة الثالثة:

وقد تبين أن نسبة المتعلمين ( ثانوي – فوق متوسط – جامعا ) قد ازدادت بدورها من 10% عام 1979 إلى 15% عام 1984 وكذلك زادت نسبة المدمنين من الأميين من 38% إلى 46%.

الحقيقة الرابعة:

تبين أن نسبة تعاطي الأفيون إلى جملة المواد المخدرة التي يتعاطاها المدمنون في عينة الدراسة قد تقلص من 33% عام 1979 إلى 1% فحسب عام 1984 مقابل زيادة استخدام الأقراص المخدرة من 6% إلى 56% خلال نفس الفترة. وكذا الحقن من 4% إلى 16% كما طفت إلى السطح – بعد غياب أربعين عاما – أقصى أدوات التدمير الذاتي للبشر( الهيروين – الكوكاكين ) بصورة خطيرة وذلك برغم الارتفاع الباهظ لأسعارها ( 110 دولار للجرام الواحد ) .
جدول رقم ( 35 )

بيان بالأعمار المختلفة عند بدء تعاطي المخدرات بين عينة من الطلبة المتعاطين

المصدر : د. مصطفى سويف وآخرون " تعاطىت المواد المؤثرة في الأعصاب بين الطلاب ...دراسات ميدانية في الواقع المصري المجلد الثالث .

وهنا تفرض نواتج الحقبة النفطية نفسها على السلوك الاجتماعي المصري، فقد كان من أبرز نواتج هذه الحقبة أنها أعادت فرز أنماط ومستويات الدخول والمعيشة بحيث عمقت التشوه الاجتماعي والثقافي في آن معا.
وبالقطع لم يكن ذلك الفرز متسقا ومنسجما مع الإنتاجية الحقيقية للعامل الوافد بقدر ما كان ذلك نتاج وضع استثنائي جعل التناسب بين الناتج الحدي لعنصر العمل والأجر أمرا مستحيلا مما انعكس أثره سلبيا على فهم الوافدين الجدد وعظمهم من العمالة غير الماهرة .
ومن الفئات البورجوازية الصغيرة ( عمال بناء وتشييد – كتبة .. الخ ) للعلاقات الاقتصادية والفجوة الكبيرة بين مستويات أجورهم الاستثنائية هذه ومستويات الأجور والأسعار في بلدانهم الأصلية ( مصر ) فاندفعوا في تسابق مجنون للاستحواذ الاستهلاكي والعقاري وكافة أنماط التملك، وترادف مع ذلك تدهور مركز مصر السياسي على المستوى العربي والإقليمي.
وبداية إجراء تحولات اجتماعية واقتصادية ذو منحنى خطر على الصعيد الثقافي فانفلتت طموحات الأفراد – كذرات متناثرة – عن الأطر الحاكمة والضابطة للطموحات والغايات الوطنية والقومية وتوقفت عمليات الاستقطاب والفرز الوطني ( خاصة مع تنامي نغمة الصلح مع إسرائيل ) وساهمت المخططات الأمريكية على امتداد الرقعة الجغرافية العربية ( الاستغراق الاستهلاكي البوهيمى ) في تعميق شيزوفرنيا اجتماعية لدى هؤلاء الأفراد ما بين شعور بالتعالي على الآخرين – المدعوم بقدرة استهلاكية وبذخية دون سند موضوعي آخر – وبين إحساس متنامي بفعل حالات الاضطهاد الواسعة التي تعرض لها معظمهم من رأسمالي النفط .
ولعبت أجهزة الإعلام المصرية – خاصة التليفزيون – دورها في تعميق روح لاغتراب والانفصام لدى هؤلاء المصريين الرحل. وهكذا تفشى سلوك اللامبالاة في الداخل والخارج واندفعت أعداد متزايدة من الشباب إلى دائرة التدمير الذاتي .
فسجلت حالات الانهيار النفسي والعصبي ارتفاعا كبيرا.
حيث بلغ عدد المترددين على الأقسام النفسية والعقلية بالمستشفيات التابعة لوزارة الصحة عام 1984 وحده ما يزيد على 113 ألف مريض .
كما ازدادت حالات الانتحار والشروع فيه المسجلة فحسب لدى مصلحة الأمن العام .
ويبدو أن ظاهرة الانتحار – التي هي أقصى درجات اليأس والانهيار المعنى – قد أخذت في الانتشار وذلك مع ملاحظة أن ما تم الإبلاغ عنه أو تسجيله لدى أجهزة الأمن يعد محدودا مقارنة بالممارسة الفعلية والشروع في الانتحار التي تحدث في الحياة اليومية للمواطنين فعلا .

الحقيقة الخامسة:

تظهر الجهود المحمومة من جانب أجهزة مكافحة المخدرات ، أن الكميات المضبوطة من المواد من المواد المخدرة بمختلف أنواعها – برغم ضخامتها – لا تمثل سوى 15% من إجمالي الكميات التي تهرب فعلا إلى البلاد أو التي يتم الاتجار بها ، بل ويقدر أحد كبار رجال مكافحة المخدرات هذه الكمية المتداولة بنحو 4 مليار جنيه أي ما يعادل 15% من الدخل القومي في البلاد .
وتتوزع الأنواع المتداولة من المخدرات ، أن الكميات المضبوطة من المواد المخدرة بمختلف أنواعها – برغم ضخامتها – لا تمثل سوى 15% من إجمالي الكميات التي تهرب فعلا إلى البلاد أو إلى يتم الاتجار بها ، بل ويقدر أحد كبار رجال مكافحة المخدرات هذه الكمية المتداولة بنحو 4 مليار جنيه أي ما يعادل 15% من الدخل القومي في البلاد .
وتتوزع الأنواع المتداولة من المخدرات في مصر حاليا بين أربعة أنواع رئيسية من الحشيش والحبوب المخدرة بمختلف أنواعها والكوكايين والهيروين ، ويعد النوعان الأخيران من أخطر هذه الأنواع وأحدثها أثرا على متعاطيها ، وقد لوحظ أنها وافد جديد كان قد انقطع عن سوق المخدرات منذ أربعين عاما مضت ، ويبدو أن هناك إصرارا من جانب جهات دولية محددة لإدخالها إلى مصر بشكل حاسم لتدمير ما تبقى من وجود معنوي للشباب المصري .
وقد ظلت أجهزة المكافحة طوال السنوات العشر الأخيرة تلهث وراء المهربين في محاولة مستميتة لتدمير هذا الوافد الجديد ، وبرغم ازدياد الكميات المضبوطة من 255 جرام فحسب عام 1980 إلى 20 كيلو جرام عام 1984 ثم إلى 41 كيلو جرام خلال الثلاث شهور الأولى من عام 1985 فإن العميد محمد عباس – رئيس العمليات بإدارة مكافحة المخدرات – يقدر ما يتم تداوله في مصر من هذه المواد بنحو 250 كيلو جرام سنويا .
أما الحشيش فقد أمكن ضبط 43 ألف كيلو جرام عام 1982 فحسب قفزت في العام التالي إلى 66 ألف كيلو جرام بزيادة قدرها 55% في عام واحد ، كما تم ضبط 890 كيلو جرام من مادة الأفيون عام 1982 كذلك أما العام التالي فقد تم ضبط 252 كيلو جرام وهو ما يظهره البيان التالي :
جدول رقم (36)

جملة ما تم ضبطه من مواد مخدرة في مصر خلال الفترة 81-1995

استبعدنا الحشيش السائل والأفيون السائل لضآلة الكميات المضبوطة وكذلك بودرة الحشيش ومواد أخرى على الحالة النفسية وسوائل أخرى مخدرة . ... بيانات غير متاحة.

المصدر : الإدارة العامة لمكافحة المخدرات، التقرير السنوي لعام 1986 أما السنوات التالية لذلك تم جمعها من تقارير الأمن العام لأعوام 1987 و 1988 .

أما عام 1989 فمصدره التقرير السنوي للإدارة العامة لمكافحة المخدرات . وعامي 91و 1992 فمصدره تصريحات مدير الإدارة للمخدرات لجريدة الوفد بتاريخ 8 فبراير 1993 وعامي 1994 و 1995 فمصدره تقرير مصلحة الأمن العام لعام 1995 ص 179.
فإذا ما طبقنا قاعدة ال20% أو 15% هذه باعتبار هذه الكميات المضبوطة تمثل 15% أو 20% من إجمالي ما يتم تهريبه فعلا داخل البلاد لأمكننا استخلاص نتيجة على جانب كبير من الأهمية وهى أن الكميات المتداولة من المخدرات هي كالآتي :
جدول رقم (37)

الكميات المتداولة من المخدرات الرئيسية في مصر عام 1984

وإذا أخذنا بالأسعار السائدة والمعلن عنها من قبل أجهزة الإعلام الرسمية .
فإننا نستخلص أن هذه التجارة تربو على الخمسة مليارات جنيه وتصل أحيانا إلى 8 مليار جنيه أي ما يعادل 25% من الدخل القومي للبلاد في ذلك العام .
قفزت عام 1988 إلى ما يقارب 12 مليار جنيه مصري وبالقطع لا تتوقف امتدادات الأخطبوب المدمر عند حدود التهريب من الخارج إلى داخل مصر بل إن هذا الرواج التجاري قد أدى لزيادة المساحات المزروعة بالنباتات التي يصنع منها الأفيون ( الخشخاش ) والأفيون ( القنب ) وفى عام 1982 وحده تم ضبط أكثر من 3344 مليون شجيرة خشخاش بالوجه القبلي ...
وفى العام التالي تم اكتشاف نحو 2463 ألف مليون شجيرة وفى عام 1988 بلغت نحو 2,4 مليون شجيرة للأولى و7,5مليون شجيرة للنوع الثاني هذا بخلاف ما لم يتم ضبطه أو اكتشافه سواء بسبب التمويه الجيد للمزارعين والمجرمين أو بسبب تراخى أجهزة الضبط ذاتها .
وسوف نعود بعد قليل لتناول العلاقة السرية بين رواج سوق المخدرات في مصر برواج سوق تجارة العملات غير المشروعة لتتبين ذلك النسيج الأخطبوطي وشبكة المصالح التي لعبت دورا خطيرا – بالمضاربة على الجنيه المصر – وفى رفع معدلات التضخم في مصر ورفع قيمة الدولار الأمريكي بصورة لم يسبق لها مثيل في التاريخ الاقتصادي للبلاد .

وقبل ذلك قد يكون من المناسب عرض البيان التالي حول عدد القضايا التي قدمت للقضاء فحسب في مجال تجارة المخدرات والتي تعكس الوجود الاجتماعي لهؤلاء وحجم القاعدة الاجتماعية التي يرتكز عليها عالم المخدرات والتي تعكس الوجود الاجتماعي لهؤلاء القاعدة الاجتماعية التي يرتكز عليها عالم المخدرات في مصر :

جدول رقم ( 38)

حصيلة الأحكام في قضايا المخدرات في عام 1982

المصدر: جريدة الأهرام 24/11/ 1983 .

فإذا كان عدد الذين ضبطوا وقدموا إلى المحاكم في مجال تجارة المخدرات قد بلغ 6261 مواطنا خلال عام واحد زاد عددهم في الأعوام التالية ليصل إلى 9922 قضية عام 1987 وإلى 12600 قضية عام 1992 كما زاد عدد المتهمين بصورة ملحوظة.
فكيف نتصور عدد المسجلين عموما لدى أجهزة الأمن المتاجرين في هذه السموم وأعوانهم. إننا هنا إزاء عصابات منظمة يقدر عدد المنخرطين فيها بنحو 50 ألف إلى 100 ألف شخص يتوزعون بين مستوياتها المختلفة ( تهريب – توزيع – تخزين.. الخ ).
وهم يشكلون قوى اجتماعية بقدر ما هم بؤر إجرامية.
إذا ما انتقلنا من دهاليز المخدرات وعالم السموم إلى دنيا المال والتجارة فسوف تفاجئنا جرائم من نوع جديد ، تدفع بالمجتمع المصري واقتصاد بمجمله إلى حافة الهاوية ..
ونحن هنا لن نحصر إطار بحثنا في دائرة الانحراف الفردي لبعض القائمين على هذه البنوك – برغم أهمية استخلاص دلالات تلك الحوادث – بقدر ما ستتجه معالجتنا لآليات عمل الجهاز المصرفي والائتماني ذاته خلال العشر سنوات الماضية .
فمنذ أن انتهج النظام السياسي في مصر لسياسة الانفتاح والاندماج في الاقتصاد الرأسمالي صدرت مجموعة من القوانين أعادت ترتيب كل الأوراق على الساحتين الاقتصادية والاجتماعية ، وكان من هذه القوانين في مجال النقد – القانون رقم 97 لسنة 1976 " بتنظيم التعامل بالنقد الأجنبي " وإذا شئنا الدقة قلن " فوضى التعامل بالنقد الاجنبى " .
فبينما كان القانون رقم 80 لسنة 1947 الصادر في العصر الملكي – ينص في مادته الأولى على حظر " التعامل في أوراق النقد الأجنبي أو تحويل النقد من مصر أو إليها كما يحظر كل تعهد مقوم بعملة أجنبية وكل مقاصة منطوية على تحويل أو تسوية كاملة أو جزئية بنقد أجنبي " .
وكذلك نصت المادة الثانية منه على حظر " استيراد وتصدير أوراق النقد على اختلاف أنواعها."

نجد بالمقابل أن المادة الأولى من القانون 97 لسنة 1976 تنص على " أن لكل شخص طبيعي أو معنوي غير الجهات الحكومية والهيئات العامة ووحدات وشركات القطاع العام أن يحتفظ بكل ما يؤول إليه يمكن أن يحوزه من نقد أجنبي من غير عمليات التصدير السلعي والسياحة ..

وللأشخاص الذين أجيز لهم الاحتفاظ بالنقد الأجنبي طبقا للفقرة السابقة الحق في القيام بأية عملية من عمليات النقد الأجنبي في ذلك التحويل للداخل والخارج والتعامل داخليا واستمرارا لنفس الاتجاه وتدعيمه جاء في المادة 131 من القانون رقم 32 لسنة 1977 بتعديلات قانون الانفتاح الأساسي رقم 43 لسنة 1974 ما نصه " يكون تحويل الأموال المستثمرة إلى مصر وإعادة تصديرها إلى الخارج وكذلك الأرباح المحققة وفقا للقانون وبأعلى سعر للنقد الأجنبي القابل للتحويل بواسطة السلطات المصرية " .
وبكلمة أسقط هذا النص عبارة " بالسعر التشجيعي " الواردة في نصر القانون الأصلي " 43 لسنة 1974" ليقرر مبدأ تحويل الأرباح والأموال للخارج بأعلى سعر معلن من البنك المركزي.
وهكذا انفتح باب واسع ليس فحسب لتجارة العملات الأجنبية وحرمان ميزان المدفوعات للدولة من تحويلات المصريين ، وإنما – وهذا هو الأهم – المضاربة الواسعة على الجنيه المصري وتدمير مركزه في نطاق التعامل المحلى وهو ما أدى في النهاية لانفجار هيكل الأسعار الداخلية وتدهور مستويات المعيشة للطبقات الشعبية التي تشكل الأغلبية الساحقة في مصر .
والحقيقة أن التضييق القانوني لجريمة " تهريب النقد " بفعل نصوص القانونيين الانفتاحيين " رقم 43 لسنة 1974 وتعديلاته والقانون 97 لسنة 1976" قد طمست المعالم الحية لتفشى هذه الجرائم وجعلت من المستحيل العثور على بيان إحصائي دقيق يعكس حقيقة الاستنزاف الهائل للثروة الوطنية في مصر.

*فعلى سبيل المثال – وليس الحصر – سجلت التقارير السنوية لمصلحة الأمن العام انخفاضا واضحا في عدد القضايا – وليس الجرائم – المقدمة للقضاء في مجال تهريب النقد من 1186 قضية عام" 1972 بحصيلة لم تتجاوز نصف مليون جنيه " فهل يعنى ذلك انخفاض وتقلص ممارسة جرائم تهريب النقد في ظل الانفتاح الاقتصادي ؟

عموما فلنترك الإجابة على هذا السؤال إلى تحليلنا لآليات عمل الجهاز المصرفي في البلاد في ضوء القوانين الجديدة .
وبرغم غياب مثل هذه البيانات الدقيقة حول التحويلات النقدية سواء من الخارج إلى الداخل أو العكس ، فإننا باستخدام ثلاث مؤشرات لنمو النشاط المالي في البلاد خلال السنوات العشر الأخيرة نستطيع الاقتراب أكثر فأكثر إلى تحديد مدى مناسب للتجارة غير المشروعة للنقد الأجنبي وكذا جرائم البنوك في مجال تهريب النقد ومنح ائتمان بدون ضمانات كافية وهذه المؤشرات هي :

أولا : النمو الكبير في النشاط المصرفي سواء من حيث الودائع أو من حيث الائتمان والقروض الممنوحة خاصة للقطاعين العائلي والأعمال الخاصة.

ثانيا : قياس حجم مدخرات المصريين العاملين بالخارج وذلك من خلال تقدير متوسطات الأجور والميول الحدية للاستهلاك والادخار لدى فئات المصريين الاجتماعية والمهنية بالأقطار العربية النفطية.

ثالثا : تحليل الميزانيات السنوية للبنوك التجارية وبنوك الأعمال والاستثمار ( الأصول / الخصوم ) وكشف آليات عمل هذه البنوك وحجم الإيداعات والقروض الممنوحة للخارج.

مما لا شك أن القرارات والقوانين التي صدرت منذ عام 1974 وحتى الآن ، قد ساهمت مساهمة أكيدة في نمو نشاط الجهاز المصرفي بدرجة كبيرة وهو ما عزز من شأن فئات اجتماعية خاصة العائدين من البلاد النفطية التي أصبحت تتعيش من الريوع الشهرية التحى تتحقق من جراء إيداعاتهم المصرفية من ناحية وأنعش السوق السوداء للعملات الأجنبية من ناحية أخرى ، ويؤكد ذلك القفزة الهائلة التي تحققت في ودائع القطاع العائلي حيث زادت من 69,1 مليون جنيه عام 1974 إلى أكثر من 7217,3 مليون جنيه في يونيه 1983 ( في البنوك التجارية الحكومية والبنوك التجارية المنشأة وفقا لقانون الاستثمار فقط ) ثم قفزت إلى أكثر من 26 ألف مليون جنيه في يونيه عام 1988 وهو ما يظهره البيان التالي :
جدول رقم ( 39)

التوزيع القطاعي للودائع والقروض بالبنوك التجارية وبنوك الأعمال والاستثمار والبنوك المتخصصة في مصر حتى يونيه 1988

المصدر: البنك المركزي المصري ، التقرير السنوي لعام 198887/ ص 18، 181 ، 174 ، 175 .

فإذا تأملنا قليلا الأرقام الواردة في البيان السابق ، لتبين لنا الطبيعة المختلة لآليات عمل النظام المصرفي في السنوات الخمسة عشر الماضية .
فبينما بلغت أرصدة ودائع شركات القطاع العام لدى البنوك التجارية الحكومية الأربعة وبنوك الأعمال والاستثمار في 30 يونيه 1988 نحو 6604 مليون جنيه فإن حجم قروضها من نفس هذه البنوك قد تجاوز هذا المبلغ بكثير حيث بلغ في نفس الفترة 7477 مليون جنيه وهذا أمر طبيعي حيث من المفترض أن تقوم البنوك التجارية أو بنوك حيث من المفترض أن تقوم البنوك التجارية أو بنوك الأعمال والاستثمار بالحصول على الودائع من القطاعات الأخرى ( خاصة القطاع العائلي ) لتمويل الأنشطة الإنتاجية لوحدات القطاعين الحكومي والخاص .
ولكن على العكس من ذلك نلاحظ أن ودائع شركات القطاع العام لدى البنوك التجارية المنشأة وفقا لقانون الاستثمار في 19833/6/ قد بلغت 563 مليون جنيه بينما لم تتجاوز القروض التي حصلت عليها هذه الشركات من هذه البنوك سوى 192,8 مليون جنيه أي أن البنوك التجارية الخاصة قد قامت بتحويل جزء كبير من ودائع الأفراد المصريين إلى قطاعات أخرى خاصة قطاع الأعمال الخاص الذي نال نصيب الأسد في قائمة عملاء البنوك التجارية الخاصة حيث بلغت أرصدة القروض والتسهيلات الائتمانية التي حصل عليها شركات القطاع الخاص نحو 15242 مليون جنيه أي ضعف إيداعاته لدى نفس البنوك .
وازداد الأمر سوءا حتى يونيه 1988 حيث اتجهت معظم التوظيفات الائتمانية للبنوك التجارية وبنوك الأعمال والاستثمار لصالح شركات القطاع الخاص والتي بمراجعة الأنشطة المستفيدة من هذه التسهيلات الائتمانية تبين أن أكثرها في مجالات التجارة والقطاعات غير الموزعة ( نحو 85% ) مما يؤكد أن أرصدة ودائع المصريين ( القطاع العائلي ) لم توظف من خلال هذه البنوك لدعم البنية الإنتاجية الأساسية في المجتمع وحتى يتحقق توفير فرص عمل لملايين الشباب والعاطلين عن العمل في البلاد .
هنا نجد أن الحديث حول تمويل أنشطة القطاع الخاص يجرنا إلى طبيعة هذه الأنشطة التي كشفت عنها محاكمات عام 1983 – التي أطلقت عليها الصحافة المصرية _ مسلسل الفساد في البنوك " أنها في معظمها أنشطة غير إنتاجية إن لم تكن أنشطة غير مشروعة في تجارة العملات الأجنبية .
فإذا كان أحد أكبر عشرة أفراد في تجارة العملات في مصر ( سامي على حسن ) يقوم وحده بإدارة نشاط مالي قدره المدعى العام الاشتراكي " بنحو مليون جنيه سنويا ، تتم بالأساس عبر شركات وهمية أو واجهات تجارية وصناعية للحصول على ائتمان مصرفي يتوجه بالأساس إلى تمويل التجارة غير المشروعة في العملات الأجنبية سواء في داخل البلاد أو في البلاد العربية النفطية فلنا أن نتصور حجم التسهيلات الائتمانية التي حصل عليها بقية تجار العملات خلال السنوات العشر الأولى من عهد الانفتاح .
إن الحركة تتجه كما يبدو من خلال " دورة شيطانية " وتحالف غير مقدس بين كبار رجال المال والأعمال – المشروعة وغير المشروعة – وبين بعض أصحاب النفوذ في قمة الهرم السياسي والتشريعي في البلاد وهو ما أظهرته بعض محاكمات عامي 83، 84 الشهيرة ( عصمت السادات – رشاد عثمان – عبد الرحمن بركة – توفيق عبد الحي – سامي على حسن – مصطفى السعيد – عبد الخالق المحجوب – رفعت البشير ... الخ ) .
ويشير تقرير البنك المركزي لعام 198281/ إلى حقيقة أن نصيب قطاعات الأعمال الخاصة قد نالت نحو 93% من جملة القروض والتسهيلات الائتمانية الممنوحة من البنوك التجارية أي ما يعادل 5023,5 مليون جنيه خص منها قطاع الصناعة 32,7 % والتجارة 44,9% وقطاع الخدمات 13,7% أما الزراعة فلم تزد نصيبها عن 1,7% .
نأتي بعد ذلك إلى قياس حجم مدخرات وتحويلات المصريين لما لها من أهمية في مجال النشاط المالي والمصرفي وفى التجارة غير المشروعة سواء تجارة المخدرات أو السوق السوداء للعملات الأجنبية من جهة أخرى فمن واقع دراسة ميزانية الأسرة بالعينة سواء تلك التي أعدت عام 196564/ أو دراسة عام 74/1975 أو دراسة ميزانية الأسر عام 81/1982 أمكن تحديد نمط إنفاق مختلف الفئات الاجتماعية من واقع مستويات الدخول ومستويات المعيشة وأمكن كذلك استخلاص الميل الحدي للادخار والاستهلاك للفئات الاجتماعية التي تقع في أدنى سلم التركيب الطبقي فىمصر وق ضمنا نتائج دراستنا هذه بالجدول التالي :
جدول رقم (40)

التوزيع الجغرافي للعمالة المصرية في الدول العربية وفقا لمستويات الدخول حتى نهاية أغسطس عام 1990 .

ويبدو واضحا أن تحويلات المصريين أو ادخارهم السنوي وفقا للمستويات السائدة للأجور والأسعار بالأقطار العربية النفطية حتى أغسطس 1990 تتراوح ما بين 7715 مليون جنيه و14450 مليون جنيه أي بمتوسط عام يدور حول عشرة مليارات جنيه سنويا .

ويشير تقرير البنك الدولي بالحرف إلى أن حجم مدخرات المصريين العاملين بالخارج والمودعة في بنوك خارج مصر تزيد سنويا بمقدار 3 مليار دولار عن ما يتم تحويله إليها أي أن حجم المدخرات خلال عشرين عاما تزيد عن 60 مليار دولار.

بيد أن مقارنة هذا الرقم بما تم تحويله فعلا من دخول ومدخرات هؤلاء يتبين أن هناك فجوة واسعة تتراوح ما بين 4 مليارات جنيه و6 مليارات جنيه فإلى أين تتسرب هذه الأموال ؟

يبدو أننا إزاء روافد ثلاثة تصب في مستنقع آسن لاستنزاف الاقتصاد المصري وهذه الروافد هي :

1- الاستيراد بدون تحويل عملة وتمويل الرحلات السياحية والدينية المختلفة ( حج وعمرة ..الخ ) .

2- تجارة المخدرات بمختلف أنواعها والتي تمول بصفقات تتم في معظمها مع عصابات دولية منظمة إلى درجة معقدة للغاية.

3- الاستيلاء على مدخرات المصريين بالخارج لصالح كبار رجال الأعمال والنفوذ وتحويلها إلى ودائع بالبنوك الأجنبية بأوربا وأمريكا للحيلولة دون السلطات المصرية – إذا ما رغبت في توجيه ضربة لكبار رجال الأعمال والمال أو حدوث ثورة شعبية – وثرواتهم الحقيقية.

وسوف نعالج جانبا من هذا الموضوع بعد قليل حين التعرض لتحليل الميزانيات السنوية لنشاط البنوك التجارية وبنوك الأعمال والاستثمار لتبيان عمليات التهريب المنظمة والمقننة التي تتم بواسطة هذه البنوك وإيداع جانب كبير من ودائع المصريين بالعملات الأجنبية إلى مراكزها في الولايات المتحدة وأوربا .
ويهمنا هنا قبل التعرض لعمليات الاستنزاف المنظم من جانب القطاع المصرفي الأجنبي والمشترك في مصر لودائع المصريين داخل مصر أن نبين حجم ودائع المصريين في البنوك العاملة فى مصر ذاتها والتي تربو حاليا ( 1993) على 80 ألف مليون جنيه لا تمثل سوى 25% من إجمالي ودائع المصريين في الأوعية المصرفية الدولية والإقليمية ولدى شركات توظيف الأموال .
جدول رقم (41)

ودائع الأفراد بالعملات الأجنبية والمحلية لدى البنوك العاملة في مصر خلال الفترة 19741993( بالمليون جنيه ) .

المصدر : حتى نهاية عام 1981 مصدر د. محمود عبد الفضيلة .. تأملات في المسألة الاقتصادية المصرية ص 37 وبعد ذلك فمصدره البنك المركزي المصري ، المجلة الاقتصادية ، المجلد (28) العدد الثالث 87/1988 ص 471 ، ص 487 . أما عام 1993 فمصدره التقرير السنوي للبنك المركزي لعام 92/1993 ص 61 .

ومن أكثر الأمور إثارة للإضراب في التحليل الاقتصادي والمالي لمجمل الهياكل التمويلية المتاحة في المجتمع المصري ، غياب أية بيانات عن حجم ودائع المصريين لدى شركات توظيف الأموال التي تحجم على نفسها عن نشر البيانات الخاصة بمراكزها المالية ، كما أن نسب الفوائد المرتفعة التي كانت تمنحها هذه الشركات ( حتى عام 1988 ) دون أن يقابلها توظيف إنتاجي بارز في المجتمع المصري يضع علامات استفهام حول مصير هذه الودائع ومدى الضمانات الممنوحة لودائع صغار المدخرين الذين هم في معظمهم من المصريين العاملين بالأقطار العربية الخليجية .
والحقيقة أن تحليلا دقيقا لميزانيات البنوك العاملة فى مصر ( الخصوم / الأصول ) خلال السنوات العشر الأخيرة سيكشف جانبا من عمليات الاستنزاف المنظمة التي مورست على الاقتصاد المصري ، وانعكست بشكل شديد على حياة الملايين من الطبقات المحدودة الدخل ( عمال ، فلاحين ، موظفين .. الخ ).
وبرغم غياب إحصاءات دقيقة في هذا الشأن – خاصة لبنوك الأعمال والاستثمار فإننا قد استخلصنا من واقع المتاح من أرقام وتوزيعات البنود المختلفة تحديدا لشبكة الصلات المالية والمصرفية بين البنوك التجارية في مصر من جهة ( حكومية أو منشأة وفقا لقانون الاستثمار ) وبين المراكز المصرفية خارج مصر من جهة أخرى وهو ما يظهره البيان التالي :
جدول رقم (42)

حجم التحويلات المصرفية للبنوك التجارية في مصر لبنوك الخارج خلال الفترة 1972-1993 .

المصدر : البنك المركزي المصري ، المجلة الاقتصادية المجلدان 21،23 العدد الثاني لسنتي 1981 ، 1983 ص 254 ، ص 290 والمجلد 28 العدد الثالث 198887/ ص 359 والتقرير السنوي للبنك المركزي لعام 92/ 1993 ص 57 .

....بيانات غير متاحة.

علينا هنا أن ندقق بعض الشيء في هذا البيان ، فإذا ما خصمنا المستحق للبنوك في الخارج من المستحق على البنوك في الخارج لأمكننا معرفة حجم هذه التحويلات التي تشكل إهدارا للثروة الوطنية وتوظيف غير سليم لودائع المصريين في الخارج .
ففي عام 1972 كانت الصورة على النحو التالي : ( 58,0 – 64,5 == 6,5 مليون جنيه ) أي أن التحويلات والودائع كانت تأتى من الخارج إلى الداخل وهو ما يعنى زيادة فرص وقنوات التمويل والاستثمار في مصر نفسها ، فما هي الصورة بعد عشر سنوات من الانفتاح ؟
في منتصف عام 1983 بلغ صافى ما تم تحويله إلى الخارج من هذه البنوك نحو 1502,2 مليون جنيه ( 3589,7 – 2087,5 ) وفى يونيه 1987 ازدادت الفجوة واتسعت فبلغت 2456,3مليون جنيه وفى مارس 1988 قفزت إلى 5778,8 مليون جنيه ( معظمها بالعملات الأجنبية ) وفى يونيه 1993 اتسعت الفجوة بصورة مذهلة لتتجاوز 22,6 مليار جنيه معظمها بالعملات الأجنبية .

أما بالنسبة لبنوك الأعمال والاستثمار وعددها تسعة وعشرين بنكا وفرعا لبنك أجنبي فإن حجم الاستنزاف يتزايد بدرجة ملحوظة عاما بعد آخر وهو ما تظهره بيانات الجدول التالي:

جدول رقم (43)

تحويلات بنوك الأعمال والاستثمار خلال الفترة 1975-1993

المصدر : تقارير البنك المركزي السنوية من عام 1975 حتى عام 1984 ، ثم بعد ذلك البنك المركزي المصري المجلة الاقتصادية المجلد (28) العدد الثالث 198887/ ص 367، ص 477 والتقرير السنوي للبنك المركزي المصري لعام 199392/ ص 57 .

... بيانات غير متاحة.

هنا نلاحظ أن صافى التعامل بين هذه الفروع ومراكزها في الخارج تكون دائما في صالح المراكز (الأم ) وعلى حساب الاقتصاد المصري واستنزاف ودائع أفراده .
ففي ديسمبر 1975 كان صافى التعامل تحويل أكثر من 21 مليون جنيه ( بالعملات الأجنبية ) قفزت في الأعوام اللاحقة خطوات رشيقة لتصل إلى 542,5 مليون جنيه في نهاية 1983 وفى مارس 1988 بلغ الفرق بين إيداعات بنوك الأعمال والاستثمار في الخارج وإيداعات الخارج لديها ما قدره 3070 مليون جنيه معظمها بالعملات الأجنبية .
ثم ازداد بعد ذلك ليصل في يونيه 1993 نحو 7853 مليون جنيه .
أي أن جملة التحويلات المالية من البنوك العاملة داخل مصر سواء كانت تجارية أو بنوك أعمال واستثمار حتى مارس 1988 تصل إلى 5778,8 + 3070,5 =8849,3 مليون جنيه معظمها بالعملات الصعبة . قفزت في يونيه 1993 إلى ما يزيد عن 32 مليار جنيه .
هذا عن التحويل أو التهريب الذي يتم وفقا للقانون أو برعاية قانونية أما تلك التي تتم بوسائل أخرى فلا يدرى أحد شيئا عنها.
بيد أنه وبعد أن ضيقت منافذ التهريب النقدي عبر القنوات القانونية بعد عام 1983 ، برز إلى المسرح الاقتصادي والمالي ظاهرة شركات توظيف الأموال ، التي استندت إلى مفهوم المضاربة في المال في الفقه الاسلامى القديم ، واستمدت من صعود التيار الديني سياسيا وتأجج المشاعر الدينية لدى فئات اجتماعية غير محدودة ومن رغبة مئات الآلاف من صغار المودعين الذين حققوا تراكمات مالية متفاوتة من جراء سفرهم والعمل بالأقطار العربية النفطية قوتها وزخمها وبالقطع.
كان لتفاوت معدلات الفائدة أو الريوع المالية الممنوحة من هذه الشركات ( الإسلامية ) وبين المعدلات المقررة في البنوك والمصارف الرسمية دورها في زيادة إقبال المصريين على إيداع مدخراتهم لدى هذه الشركات والتي قامت بدورها بعمليات توظيف خارجي لهذه الأموال عن طريق المضاربة على الذهب والعملات الأجنبية في أسواق لندن وزيورخ ونيويورك.
منا ثبت في حالات كثيرة أن خسائر هذه الشركات في هذه الأسواق الدولية والتي يلعب فيها رأس المال الصهيوني دورا مؤثرا كانت من الضخامة بحيث استدعت تدخلات لقوى إقليمية لدعمها ومساندتها ( العائلة المالكة السعودية) وهو ما كشف جوهر العلاقات السياسية والاقتصادية بين هذه المؤسسات ومصالح بعض الأقطار النفطية في تدوير موازى للتحويلات المالية للعمالة المصرية لديها بحيث تظل الأموال تدور وفقا لمصالح رأس المال الخليجي والغربي بدلا من توجيهها لصالح توسع حقيقي في بنية الإنتاج المصري فإذا كانت تقديرات عدد من الأجهزة المسئولة في مصر صحيحة أو قريبة من الدقة حول حجم هذه الأموال المودعة لدى شركات توظيف الأموال ( 258شركة ) والمقدرة بنحو 16 مليار جنيه بالعملات الأجنبية فإن الصورة تبدو مفزعة ومثيرة للتساؤل إن لم يكن للشبهات ؟
فإذا ما ربطنا هذه الخيوط جميعا بما يجرى في مجال التهرب الضريبي وتجارة المخدرات والعملات الأجنبية لأمكننا أن نحدد بوضوح معالم الألوان في بلاتوه قائم حزين.. ولكنه على أية حال بلاتوه حقيقي لا وجه للمبالغة فيه

الفصل الرابع: أزمة الانتماء في الريف

" الزهرة تنمو .. وكل شوكها لي .. وكل وردها لك ..

فولتير

تواجه القرية المصرية مأزقا حادا .

وقد تراكم هذا المأزق منذ سنوات بعدية، وازداد حدة في أعقاب إعلان سياسة الانفتاح الاقتصادي وبداية انخراط أعداد هائلة من سكان الريف المصري في الطاحونة الجهنمية للحقبة النفطية والهجرة إلى الأقطار العربية النفطية للعمل بها .
لقد تعقد هذا المأزق إلى الدرجة التي انكسرت فيها العلاقة التاريخية بين الفلاح المصري وأرضه الزراعية ، إذ أصبحت الفوارق في الدخول بين المهن غير الزراعية والمهن الزراعية كبيرة لغير صالح الأخيرة مما فاقم من حدة حركة الهجرة شبه الجماعية للمزارعين ليس للعمل في الأقطار النفطية فحسب ، وإنما أيضا في هجرة العمل الزراعي برمته والتحول إلى أنشطة أخرى داخل وخارج القرية بعد العودة من بلاد النفط .
ونحن في ذلك السياق نحاول في هذا الفصل التركيز على أهم ملامح ذلك المأزق الذي تواجهه القرية المصرية ، مستندين بشكل أساسي على بعض المؤشرات العامة والجداول الدالة وعلى عينة ميدانية للحيازات الزراعية في بعض القرى المصرية .

المبحث الثالث عشر : نمط توزيع الثروة الزراعية في مصر

ربما كانت أولى المؤشرات الدالة على ما تعانيه القرية المصرية من مأزق حاد يتمثل في نمط توزيع الثروة الزراعية في صورها المتعددة ( حيازات أو ملكية ، الثروة الحيوانية ، الميكنة الحديثة .. الخ ) .

وبينما تحظى الأرض الزراعية كثروة إجمالية على المستوى القومي ، بدراسات الأجهزة الزراعية والاقتصادية متجهة بذلك نحو بحث حل المسألة الزراعية بالتوسع الأفقي أو الرأسي فإن نمط توزيع الثروة عموما في القرية المصرية لا يحظى بالاهتمام الكافي رغم التأثير الحاد والحاسم لهذا التوزيع على تعقد المسألة الزراعية الذي يكاد يصل بكل جهود التوسع الأفقي أو الرأسي إلى طريق مسدود .

كما أن عدم الاهتمام الكافي ببحث مأزق التوزيع الراهن للحيازات الزراعية يقود من البداية وحتى النهاية إلى تجاهل المأزق الحقيقي الذي تواجهه الأغلبية العظمى من المنتجين في الريف الذين يمثلون فئة صغار الحائزين في مصر والذين يقع على عاتقهم وحدهم عبء إنتاج الغذاء الأساسي والضروري لسكان ريف مصر وحضرها . وداخل هذه الدائرة تحديدا – صغار الحائزين – تتسع دائرة التأثير الاجتماعي والنفسي بل وحتى القيمى لحقبة النفط وسيادة ممارسات اجتماعية جديدة على الريف المصري سوف تؤدى فعلها مباشرة في إطار تعميق سلوك ايجابي .

1- مؤشرات توزيع الملكية الزراعية :

إن الإحصاءات المتاحة حول توزيع الملكية الزراعية تشير إلى تفاوت هذا التوزيع بفعل التراكم التلقائي لعمليات التركز والافتقار الذي عبر السنين منذ أن وزعت الجفالك والأبعديات والعزب في عهد محمد على وسعيد ومنذ أن أصبحت الأرض الزراعية مشروعا للملكية والمضاربة والبيع .
لذلك نجد أن 5% فقط من الملاك في أيديهم ثروة تبلغ 48% من جملة مساحة الأرض الزراعية بينما أن 95% من الملاك لا يملكون سوى 52% من المساحة الصالحة للزراعة موزعة في قطع من فئة خمسة أفدنة فأقل .
كما تثبت المؤشرات الرسمية المتاحة أن تغيرا جوهريا لم يطرأ منذ الإصلاح الزراعي الأول عام 1952 وحتى عام 1990 في هذا المجال .
جدول رقم ( 44)

توزيع الملكية الزراعية في مصر خلال 1952-1990

المصدر : الجهاز المركزي والإحصاء ، الكتاب الاحصائى السنوي ( 52-1992) يونيو 1993 ص 86 إلى ص 92 وكذلك د. خديجة محمد الأعسر ، مرجع سابق ص 111 .

وبمقارنة الوضع بين عامي 1952 و 1990 نجد أن توزيع الملكية الزراعية في الريف المصري ، لم يحدث فيه من الناحية الأساسية – أى من ناحية التفاوت في التوزيع – تغييرا كبيرا وذلك برغم تزايد نسبة المساحة الإجمالية التي أصبحت في حوزة مالكي الحيازات الصغيرة ( خمسة أفدنة فأقل ) .
بيد أن تناقص المساحة الإجمالية للأرض الزراعية بمقدار 499 ألف فدان خلال نفس الفترة ، هو المسئول بصفة أساسية – كما يبدو – عن تناقض المساحة الكلية التي كانت في حوزة مالكي الحيازات المتوسطة والكبيرة نسبيا ( من عشرين فدانا حتى مائة فدان ) .
وإذا أخذنا في التناول التفصيلي لطبيعة توزيع الملكية داخل الفئتين الأساسيتين المشار إليهما للتعرف على طابع التركيبة الاجتماعية والاقتصادية للريف المصري في بدء حقبة الانفتاح والنفط .
جدول رقم ( 45 )

تطور الملكية الزراعية عامي 1965 و 1978 " المساحة والعدد بالألف "

نجد ثبات نمط توزيع الملكية الزراعية رغم كل الإصلاحات والتجاهل المستمر لجوهر المسألة الزراعية واللجوء دائما إلى الإصلاحات الجزئية المؤقتة سواء بتحديد سقف أعلى للملكية أو بتوزيع الأراضي المصادرة على عدد من الأسر الفقيرة أو المتوسطة .
وقد تبين أن حجم التصرف أو التعديل في التوزيع لم يزد عن 7% من مجموع مساحات الأراضي الصالحة للزراعة لكي يستفيد من ذلك التوزيع ما لا يزيد عن 150ألف عائلة لا تمثل سوى 5% من مجموع الأسر العاملة في الريف
فإذا أخذنا بعين الاعتبار أن إجمالي المساحة المملوكة قد تناقصت من 6,3 مليون فدان عام 1965 إلى 5,5 مليون فدان عام 1978 ، تبين لنا أن قانون التركيز والإفقار يقومان بدورهما بشكل متسارع حيث اتجاه ملاك خمسة أفدنة فأقل للإفقار المتزايد ويلحق بهم في هذا الاتجاه نفسه ملاك فئة خمسة أفدنة وحتى عشرة أفدنة .
ويشير البيان السابق إلى انخفاض مساحة الأرض الزراعية في الفترة ( 1971-1984 ) عنها في سابقتها ( 1952-1965 ) ورغم أن البيانات تشير إلى أن هذا الانخفاض في معظمه مرجعه الفترة البينية ( 1965- 1971 ) – والتي بلغ تقلص المساحة فيها نحو 792 ألف فدان بسبب من ظروف العدوان الاسرائيلى في يونيه 1967 – فإن نمط النمو المتبع في ظل الانفتاح الاقتصادي لم يسع لتعويض ذلك النقص المذكور نظرا لإهمال القطاعات السلعية لا سيما الزراعية ، بل ويمكن القول أن سياسات تلك الفترة لم تنجح في الحفاظ على حجم مساحة الأراضي الزراعية ثابتا فقد بلغ 5463 ألف فدان سنة 1984 بنقص 67 ألف فدان عن عام 1978 . و 27 ألف فدان عن سنة 1971 .
بيد أن هذه الصورة سوف تكتمل ملامحها برصد نمط الحيازة الزراعية باعتبارها تمثل الوجه الآخر من العملة في إطار النشاط الزراعي والفلاح .

2- مؤشرات توزيع الحيازة الزراعية :

بمقارنة التغيرات التي طرأت على القوى الاجتماعية الحائزة للأرض بجلاء التدهور ، فبينما يرتفع عدد الحيازة إلى الضعف بين عامي 1961 ، 1977 من 1381 ألف حائزة ( فئة 5 أفدنة فأقل ) إلى 2525 ألف حائز من نفس الفئة نجد التدهور الشديد للحائزين ( من فئة 5 أفدنة حتى عشرة ) من 170 ألف حائز إلى 130 ألف حائز خلال نفس الفترة .

ويتبدى التدهور في المساحة من 1,1 مليون فدان إلى 805 ألف فدان وهو ما يظهره البيان التالي :

جدول رقم ( 46 )

تطور التوزيع الحيارى في الزراعة المصرية خلال الفترة 1961- 1977

المصدر : الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ، مرجع سابق .

وقد كان أكثر الفئات تضررا من هذا التطور غير الايجابي في النمط الحيارى المصري هو فئة الحائزين لخمسة أفدنة فأقل والذين يشكلون القاعدة الاجتماعية لكل التغيرات الاجتماعية والسلوكية اللاحقة في عصر النفط والانفتاح .
جدول رقم (47)

هيكل حيازة الأرض الزراعية في عام 1982

المصدر : محمود زكى جابر ، مرجع سابق ، ص 1986 ، نقلا عن عبد السلام نوير ، مرجع سابق .

وهذا يظهر مقدار التشتت الذي حدث في حيازة الأرض الزراعية ؛ خاصة بين فئات الحيازات الصغيرة والقزمية .
كما أظهرت دراسة ميدانية أخرى على ثلاث قرى ب المنوفية ( هورين – كفر نفرة – الجلامشة ) عام 1982 ، أن درجة التشتت والتفاوت الحيارى بين الحائزين في هذه القرى عالية بدرجة أن النمط الحيارى الغالب هو الحيازات القزمية ( أقل من ثلاثة أفدنة ) .
وقد استخلصت الدراسة المشار إليها أنه من جملة 3152 ألف حائز لفئة خمسة أفدنة وأقل في مصر فإن 2 مليون فلاح منهم لا يحوزون فعلا سوى قطعة أرض ى تزيد مساحتها عن فدان واحد . وطبقا لقانون انتشار تفتت الأرض الزراعية وفى ظل توزيعها على سكان يزدادون كل يوم ويتوارثون الأرض جيلا بعد جيل نجد أن هذه الحيازات قد تحولت إلى شبه قراريط صغيرة والتي يطلب منها في ظل وضعها هذا أن تنتج معظم غذاء وكساء المجتمع كله .

وهكذا يبدو واضحا أنه بحلول عام 1984 كان حال الملكية والحيازة الزراعية تعود بالوضع إلى الوراء حيث نجد :

1- أن 0,9 % من الملاك يملكون 25,7% من الأراضي الزراعية في مصر .

2- أن 95,3% من الملاك يملكون 53% فقط من الأراضي الزراعية مع انخفاض في المساحة الزراعية .

المبحث الرابع عشر : الآثار الاقتصادية للانفتاح الاقتصادي في الريف المصري

على قاعدة من أوضاع التدهور الاقتصادي في الريف المصري تبرز أهم ملامح الأزمة الاجتماعية حيث نلاحظ بروز اتجاهين متصارعين ، فمن ناحية يشتد الاستغلال والعبء الواقع على كاهل فقراء ومتوسطي الفلاحين سواء بفعل إعادة تخطيط التركيب المحصولي أو من واقع التوزيع الراهن للملكية والحيازة الزراعية .

ومن ناحية أخرى برز تأثير وإمكانيات الحل الفردي خارج إطار العمل الزراعي ، وذلك بالهجرة إلى بلاد النفط خارجيا ، أو بالهجرة إلى المدن والحواضر الزراعية ، حيث قام ويقوم الصراع بين هذين الاتجاهين بتشكيل أوضاع اجتماعية وقيمة جديدة في الريف المصري تشكل أزمة الانتماء فيه .

وقد ساهمت الإجراءات التي اتخذتها السلطة الجديدة بعد عام 1971 في إعادة رسم ملامح التركيبة الطبقية في الريف المصري ، وتشابكت هذه الإجراءات مع التغيرات المفاجئة والكاسحة التي أحدثتها ثورة أسعار النفط بعد حرب أكتوبر 1973 ليشكلا معا واقعا اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا جديدا في ريف ومدن مصر كلها .

ونستطيع أن نشير إلى أهم هذه الإجراءات والتي أبرزها :

1- إلغاء الحراسات .

2- إلغاء القرار بقانون رقم 104 لسنة 1964 الذي كان يقضى بأيلولة ملكية الأراضي الزراعية التي استولى عليها الإصلاح الزراعي ( بالقوانين أرقام 178 لسنة 1952 و127 لسنة 1961 ) إلى الدولة وبالتالي عودة هذه لأراضى إلى كنف العائلات الكبيرة في الريف .

3- إلغاء الحد الأقصى للملكية الزراعية والمستصلحة ( قانون الأراضي الصحراوية عام 1981) . 4- إصدار القانون 67 لسنة 1975 القاضي بتحديد القيمة الايجارية للأراضي الزراعية بسبعة أمثال الضريبة العقارية السارية بدلا من الضريبة العقارية المربوطة في سبتمبر 1952 وما تضمنه هذا القانون من حق المؤجر في فسخ العقد وإلغاء الفصل في المنازعات وإسناد اختصاصها إلى المحاك .

5- إلغاء احتكار الدولة للتمويل الزراعي والسماح لرأس المال الخاص بإنشاء بنوك في الريف .

6- تصفية الحركة التعاونية ( القانون 176 لسنة 1976 ) وأحل محل الجمعيات التعاونية بنوك القرية .

7- إجراء تعديلات في قواعد منح الائتمان الزراع مثل أن يكون طالب الائتمان حائزا لأرض زراعية يقوم على زراعتها وألا يكون مدنيا للبنوك بأية قروض مستحقة السداد وألا يكون الأرض المطلوب الإقراض عليها محل نزاع ملكية .

8- ظهور نوع من الائتمان الاستثماري لمشروعات الاستثمار الغذائي وهو ما سنعود لتناوله تفصيلا بعد قليل .

9- إعفاء أصحاب الزراعة الرأسمالية من الضرائب على زراعتهم تشجيعا لهم ( القانون 46 لسنة 1978

10- ثم أخيرا إصدار القانون رقم 93 1992 الذي قضى بحق مالك الأرض الزراعية في فسخ عقد الإيجار وطرد المستأجر من حيازته الزراعية المستأجرة بعد خمس سنوات من سريان القانون .

وقد ترتب على كل ذلك مجموعة من النتائج قد يكون من المناسب التوقف عند بعضها وبحث دلالاتها وتداعياتها على سلوك وقيم الإنسان المصري في القرى والنجوع .

1- التغير في التركيب المحصولي في سنوات الانفتاح :

استقر التركيب المحصولي في معظم الأراضي الزراعية لسنوات طويلة في زراعة وإنتاج ما يسمى الزراعات التقليدية ( القمح – الأرز – القطن ) وعملت الهيئات الزراعية على ترسيخ هذا النمط بخلق دورة زراعية يعاقب مخالفها بالغرامة .
وفى ظل رياح التغيرات التي أتت بها سياسة الانفتاح الاقتصادي وإنهاء دور الجمعيات التع ونية الزراعية وخلق بنوك للقرى وتوجيه قروضها نحو إنشاء مزارع للدواجن تكرس هذا التركيب المحصولي على عاتق الأسر الفلاحية الصغيرة التي لم تتمكن من الإفلات من هذا النمط المحدد للتركيب المحصولي بسبب ضآلة قدراتهم المالية من ناحية ولغياب المنظمات النقابية الفلاحية المعبرة عن مصالحهم من ناحية أخرى .
وبالمقابل نجح أغنياء الريف وأصحاب الملكيات والحيازات الكبيرة والمتوسطة من الإفلات من هذا النظام ومن تحمل عبء زراعة المحاصيل التقليدية بالاتجاه نحو زراعة الخضر والفاكهة بما يحتاجه من آلات زراعية ميكانيكية ومن إقامة مزارع الدواجن .
ويستطيع المحلل للإحصاءات الرسمية أن يكشف جوهر هذا التحول ودلالاته الاجتماعية ، فقد زادت مساحة الأرض المزروعة بالخضروات من 761 ألف فدان عام 1970 إلى 2085 ألف فدان عام 1980 ، أي زيادة ثلاثة أضعاف .
وكذلك زادت المساحة المزروعة بالفاكهة من 243 ألف فدان خلال نفس الفترة وبالمقابل استحدثت محاصيل جديدة مثل فول الصويا الذي شهد نموا كبيرا أيضا من ثلاثة آلاف فدان إلى 109 ألف فدان خلال نفس الفترة .
جدول رقم ( 48)

تطور مساحة الأراضي المزروعة بالحدائق والخضروات خلال الفترة – 19721984 ." بالألف فدان "

تشير نفس المصادر إلى أن معالم الفترة ( 19701990) هي :

1- تزايد مساحة البرسيم المستديم والذرة الشامية وقصب السكر من 82 ألف فدان إلى 249 ألف فدان قصب والتوسع في محصول فول الصويا .

2- استقرار مساحة القمح تقريبا حول 1,4 مليون فدان .

3- تناقص مساحة الأرز والذرة الرفيعة .

4- التوسع المنظم في مساحة الخضر والفاكهة .

5- الهبوط الكبير في سماحة القطن وبالتبعية البرسيم التحريش .

6- التناقص الواضح في مساحة البقول .

وإذا قدرنا ما تتطلبه المحاصيل الجديدة ( اخضر والفاكهة ) من قدرات مالية وآلات زراعية وماكينات ري حديثة وما يتطلبه تغيير التركيب المحصولي التاريخي من مغامرة لا يقدم عليها صغار الفلاحين في ظل حصار قوانين الدورة الزراعية ، يمكننا أن نتصور كيف يزاح عبء إنتاج المحاصيل التقليدية الضرورية للمجتمع على كاهل الحيازات القزمية والفلاحين الفقراء بكل ما لذلك من آثار تؤدى إلى إفقار هؤلاء وإلى انكسار العلاقة بين الفلاح وأرضه الزراعية .

والحديث عن عبء زراعة المحاصيل التقليدية في ظل الحيازات القزمية وفى ظل سياسات التسعير الرسمية والتوريد الاجبارى الراهنة يصوره البيان التالي :

جدول رقم ( 49)

الفاض أو العجز في إنتاج فدان واحد وثلاثة أفدنة قمح ، ذرة ، قطن .

المصدر : تجميع الباحث من خلال ثلاثة جداول عن متوسطات الأسعار وإنتاج وتكاليف إنتاج الفدان من سجلات مركز البحوث والاقتصاد الزراعي - وزارة الزراعة ، والجداول الأصلية بالأهرام الاقتصادي العدد 721 ص 35 ، 36 .

فلو تصورنا حائزا لثلاثة أفدنة يقوم بزراعتها على مدار السنة وعلى أساس أن الدورة تجعله يقسم أرضه بالتساوي لزراعة المحاصيل الثلاثة ( القمح والذرة والقطن ) بالإضافة للبرسيم الذي بنوعية التحريش والمستديم – لا يزيد عن 77 جنيها لأسرة الحائز فقط ، فماذا لو كانت الأرض مؤجرة من مالك آخر ؟
تشير الحقائق الراهنة إلى أن الإيجار النقدي لفدان واحد سوف يلتهم هذا الفائض ويكون على الفلاح التصرف ببيع أحد ممتلكاته من الماشية أو الاستدانة لدفع قيمة الإيجار .
هكذا تسير علاقات الملكية والحيازة الزراعية في الريف المصري ، وكما يتضح فإن سياسات التسعير لهذه المحاصيل الإستراتيجية لم تراع مصلحة القائمين على إنتاجها فعلا ، بل نستطيع التأكيد بأن هذه السياسات التسعيرية قد استخدمت كأداة لإعادة توزيع الدخل من الزراعة إلى القطاعات الأخرى في المدن وهذا ما أدى في المحصلة الأخيرة إلى جمود الإنتاج الزراعي وعدم تطوره حيث أشارت دراسة " إستراتيجية الزراعة في الثمانينات " إلى أن صافى الفائض المحول من الزراعة إلى خارجها قد انخفض من 1200 مليون جنيه عام 74/1975 إلى 500 مليون جنيه عام 1980 .
ومن ثم فإن الفدان الواحد من الأرض الزراعية يدفع ضريبة ضمنية بالإضافة إلى أنواع الضرائب الأخرى بنحو 100 جنيه سنويا ( عام 1980) .
وتقود هذه الأوضاع فقراء الفلاحين إلى محاولات بائسة للخروج من هذا المأزق مثل اتساع أشكال الإيجار من الباطن والإيجار بالمشاركة وكلها علاقات اجتماعية وإنتاجية متخلفة ، كما نشهد اتساع محاولات " تبوير " الأرض الزراعية سواء بالتجريف أو البيع بهدف إقامة قمائن الطوب ثم أخيرا بهجرة الفلاح والعامل الزراعي من الريف المصري إلى المدن وتغيير نشاطه الاقتصادي أو بالهجرة إلى بلاد النفط وكلها أشكال تعبر عن انكسار العلاقة التاريخية بين الأرض والفلاح في مصر .

2- حجم الأرض الزراعية المفقودة :

يتضح مما سبق أن فئات الحيازة التي نسميها حيازات ( 5 أفدنة فأقل ) والتي تمثل نحو 52% من جملة مساحة الأرض الزراعية في بمصر ليست في الحقيقة سوى قطعا مقسمة ومفتتة من حيازات القراريط وإذا أخذنا في الاعتبار أن الحيازة الواحدة لا تعنى في الواقع أنها قطعة واحدة من الأرض بل قطعا متناثرة ، بين حوض زراعي وآخر ، لرأينا كيف أن التفتت يصل إلى مداره ويقود إلى تفتت لا نهائي . والأثر المباشر لهذا الوضع هو وجود مساحة زراعية لا بأس بها لا تزرع فعليا .
تتمثل في قطعة أرض على رأس الحقل لربط الماشية وإطعامها وتخزين السماد البلدي وأخرى لمرور القناة الرئيسية للري ثم أخيرا قطعة أرض كحدود تفصلها عن أرض الجيران .. الخ .
وتحدد بعض الدراسات مساحة الأرض المفقودة من جراء هذا النمط الحيارى بما يتراوح بين 15% إلى 20% من المساحة المزروعة أي ما يعادل نصف مليون فدان .
ومن الظواهر الخطيرة في الريف المصري من جراء عملية التفتت في الحيازة والملكية وكذا سياسات التركيب المحصولي والتسعير والتوريد الاجبارى ، ظاهرة الأرض الزراعية من قاعدة للإنتاج الزراعي إلى سلعة للمضاربة والبيع وتبدو تجليات هذه الظاهرة في عدد البين الجديدة والزحف العمراني وما يستتبعه من تآكل المساحة الزراعية ، وكأن الأرض التي كانت تنتج نباتا قد أصبحت تنتج بيوتا من الأسمنت والطوب الأحمر كل يوم .

وتؤكد دراسة أجريت على ثمانية قرى بمنطقة " برج نور الحمص " و " أجا " دقهلية عام 1977هذا الرأي :

1- فقد ثبت أن أكثر فئات الحيازة بيعا لأرضها كانت فئة أقل من فدان حيث بلغوا 160 حائزا باعوا الأرض مقابل 35 حائزا اشتروا أرضا .

2- كان البائعون من فئة ( واحد إلى ثلاثة أفدنة ) ثلاثين بائعا مقابل 60 اشتروا معظمهم من العاملين في الأقطار النفطية كمدرسين أو عمال زراعيين .

3- كما ثبت أن معظم المشترين من الفئات الدنيا ( أقل من ثلاثة أفدنة ) وعددهم 72 مشتريا ( بنسبة 75,8% من إجمالي المشترين ) كانت مهنتهم الأساسية بعيدة عن الزراعة كالعمل بالتجارة أو الحرف أو العمل الوظيفي .

4- و ثبت أن النسبة الغالبة من البائعين ( فئة أقل من ثلاثة أفدنة ) وبنسبة 72,6% من إجمالي البائعين كانوا من المشتغلين بالزراعة أساسا وليس لهم مهن أخرى أو مصدر دخل واضح .

وخلاصة هذا الوضع أن أصحاب الحيازات الصغيرة ( ثلاثة أفدنة فأقل ) لا يجدون سبيلا في ظل الأوضاع القاسية والمتردية لتدبير أمور معيشتهم سوى بيع الأرض الزراعية وهجرة العمل الزراعي ليلتهمها التوسع العمراني الدائر على قدم وساق .
ولذل فإننا في ظل هذه المعطيات لا نكاد مبالغين إذا رشحنا تلك المساحة التي تمثلها حيازات ( فدان فأقل ) لتنتقل من قاعدة للإنتاج الزراعي إلى قاعدة للتوسع العمراني خلال خمس سنوات أخرى قادمة .
ومعنى ذلك أن نفقد نحو 912 ألف فدان من أجود وأخصب الأراضي الزراعية خلال هذه الفترة .

3- تدهور خصوبة التربة الزراعية :

تشير الدراسات المتخصصة أن 50% من مساحة الأراضي المنزرعة في مصر هي أرض متوسطة وضعيفة الخصوبة وأن السنوات الأخيرة قد شهدت تدهورا في خصوبة التربة وارتفاع درجة الملوحة بسبب الإسراف في استخدام مياه الري مع قصور قنوات الصرف فضلا عن تجريف بعض المساحات لصناعة الطوب .
جدول رقم (50)

تصنيف مساحة الأرض المنزرعة تبعا لدرجة خصوبتها .

المصدر : معهد التخطيط القومي ؛ التنمية الزراعية في مصر ، مرجع سابق .

فالمحاصيل التقليدية ( كالقطن والقمح والذرة .. الخ ) من المجهدة بطبيعتها للتربة الزراعية ويزداد الأمر سوءا بفعل نظام الدورة الثنائية التي تجبر الزراع على تكرار هذه المحاصيل في نفس القطعة من الأرض لسنوات متتالية وهو ما أدى خلال عقد السبعينات إلى تدهور إنتاجية 794 ألف فدان مقابل 501 ألف فدان خلال عقد الستينات .

ويبقى التساؤل هل استطاعت عمليات الاصطلاح الجديدة ( وما عرف بالثورة الخضراء ) تعويض هذا الاستنزاف الهائل للثروة الزراعية ؟

في هذا الصدد يمكن رصد مرحلتين في تاريخ استصلاح الأراضي الحديثة في مصر :

الأولى : وهى التي صاحبت بناء السد العالي واستمرت حتى عام 197069/ وبلغ جملة ما تم استصلاحه خلالها نحو 891 ألف فدان ثم تقلصت هذه العملية الإنمائية منذ ذلك التاريخ وحتى عام 1975 فلم تزد الأراضي المستصلحة عن 21 ألف فدان ومنذ ذلك التاريخ وحتى عام 1980 لم تزد الأراضي الزراعية المستصلحة عن 51 ألف فدان أخرى .
الثانية : وهى التي بدأت بعد عام 1981 وشهدت نموا في حجم الأراضي المستصلحة حيث بلغ ما تم استصلاحه منذ ذلك التاريخ وحتى عام 1988 نحو 500 ألف فدان .
وقد أدى ذلك إلى هجرة أعداد كبيرة من المزارعين لأراضيهم سواء للخارج والعمل كعمال بناء وتشييد في الدول العربية النفطية أو بالبحث ‘ن نشاط اقتصادي آخر داخل مصر ليضيف إلى أعداد العمالة الهامشية بالمدن المصرية أعدادا هائلة جديدة تستوطن على هوامشها وعشوائيتها .

وكلها روافد إضافية للأزمة المجتمعية الشاملة التي تحياها البلاد منذ ربع قرن أو يزيد .

4- تدهور الأجور الزراعية :

إذا كان واقع التوزيع الحيارى للأراضي الزراعية يشير في أحد وجهيه إلى عملية الإفقار التي تصيب صغار الحائزين بينما يشير واقع الدورة الزراعية الراهنة ونظام التسعير والتوريد الاجبارى إلى الوجه الآخر لطاحونة الاستغلال التي يتعرض لها فقراء الريف فإن أوضاع التضخيم وارتفاع الأسعار للحاجات الأساسية لسكان الريف المصري خلال حقبة الانفتاح والانخراط في السوق الرأسمالي العالمي تؤدى بدورها إلى زيادة دائرة الفقراء والمعوزين في مجتمع الريف المصري بدخول فئة العمال الزراعيين في هذه الدائرة الشريرة .
ويظهر البيان التالي واقع التدهور في الأجور الحقيقية لفئة العمال الزراعيين خلال سنوات الانفتاح .
جدول ( 49)

الأرقام القياسية لكل من الأجور الزراعية ونفقة المعيشة .

المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء – الكتاب السنوي ( 52-1989) ، يوليو 1990 ص 286،287 أما بعد 1984 فمصدره المجلة الاقتصادية للبنك المركزي ، المجلد (28) 198887/ ص 495 .

حيث يكشف البيان السابق أنه بينما كانت الأجور الزراعية النقدية 106,5 جنيه في عام 1976 ترتفع إلى 141,2 جنيه في عام 1979 فإن القيمة الحقيقية لهذه الأجور في ظل التضخم والغلاء وارتفاع نفقات المعيشة قد تدهورت من 63,4 جنيه عام 1976 إلى 56,7 جنيه عام 196766/ وهكذا بالنسبة إلى بقية السنوات وإن كان قد تلاحظ ازدياد حدة التدهور في عقد الثمانينات .
وقد أدى هذا التناقص المستمر عاما بعد آخر في أعداد المشتغلين بالزراعة إلى تزايد قوة الطرد القروية وضعف الإنتاجية الزراعية .
فبينما كان عدد المشتغلين بالزراعة عام 1967 يصل إلى 3,87 مليون مزارع ازدادوا في بداية عهد الانفتاح إل 4,2 مليون نجد أنه قد أخذ في التناقص بعد ذلك إلى 4,1 مليون عام 1979 ثم إلى 4,4 مليون مزارع عام 1986 .
ربما كانت هذه الظاهرة طبيعية في بداية عصر الصناعة في مصر حيث تحول جزء كبير من السكان الريفيين للعمل في الصناعات الحديثة حيث انخفض سكان الريف المصري من 80% في أوائل القرن العشرين إلى 60% عام 1966 ثم إلى 56% عام 1976 وأخيرا نحو 54% عام 1986 .
ويتفاقم دور القرية المصرية كقوة طرد للسكان في السبعينات مع تنامي قوة ونفوذ وهو الحل الفردي عبر الهجرة والعمل بالخارج .
فالقرية بوضعها عشية انتهاج النظام السياسي في البلاد لسياسة الانفتاح وبداية عصر الحقبة النفطية لم تكن بقادرة على خلق مجالات واسعة خارج نطاق الإنتاج الزراعي فهي لا تتسع مثلا لنشر ورش صيانة الآلات والسيارات أو ورش إنتاج الموبيليات ومعارض السيارات ولا تتسع كذلك لغيرها من الأنشطة الصناعية ، كما لم تذهب إليها شركات الاستثمار الجديدة .. الخ .
وباستثناء انتشار مزارع الدواجن والتوسع في تجارة الماشية ثم اتساع أعمال البناء والتشييد فلم تتعزز قناعات لدى فقراء الريف بإمكانية حل مشاكلهم داخل القرية المصرية .
ومع تفاعل كل هذا ببؤر ومناطق الجذب النفطية الجديدة لاحظنا هجرة أكثر من 2 مليون فلاح وعامل زراعي لأرضهم وقراهم إلى هذه الأقطار وعمل عدد الفلاحين الذين ينتمون إلى قرية واحدة من قرى الدلتا هاجروا وأقاموا بالسعودية فبلغ عددهم 174 فردا كما أظهر نفس الحصر أن 150 آخرين من أبناء نفس القرية كانوا مهاجرين إلى لبنان و الأردن و سوريا و العراق وثلاثين آخرين في ليبيا وستة آخرين في ميلانو بإيطاليا ومن هنا بلغ المجموع الكلى والى 360 فردا من أبناء القرية خارج قريتهم في وقت واحد .
وعلى هذا المنوال يمكن تصور أنه لا يوجد منزل في قرية من القرى المصرية إلا وهاجر منه أحد الأبناء للبحث عن العمل والرزق خارج الوطن .

5- تعميق التبعية والفجوة الغذائية :

كان من نتائج كل هذه السياسات ( إعادة توزيع التركيب المحصولي – تدهور التربة .. الخ ) خلال عقدي السبعينات والثمانينات أن أدى إلي تعميق التبعية للغرب الرأسمالي والولايات المتحدة تحديدا وهو ما أصبح يعرف بأزمة الخبز والقمح أو الفجوة الغذائية .
ويظهر البيان التالي مقدار الكارثة الاقتصادية وتداعياتها السياسية من جراء هذه السياسات .
جدول رقم (50)

نسب الاكتفاء الذاتي لأهم المحاصيل الزراعية في مصر 1960- 1985

أما عام 1993 فمصدره التقرير السنوي المركزي المصري لعام 92م1993 ص 17 .

ويلاحظ أن الفجوة الغذائية من مجموعة الحبوب قد ازدادت من 1,25 مليون طن عام 1960 بقيمة مليون دولار إلى أن بلغت 7,1 مليون طن عام 1982 بقيمة 1437 مليون دولار ثم إلى 13 مليون طن بقيمة 1781 دولار في نهاية عام 1985 .
وقد ترتب على ذلك تقلص القدرة السياسية للنظام والحكم في مواجهة عمليات الضغط السياسي والاقتصادي الغربي عموما والأمريكي على وجه الخصوص وبالمثل في ضعف القدرة التفاوضية أمام مطالب صندوق النقد الدولي وهيئات ومؤسسات التمويل الدولية التي تسيطر على سياستها بصورة حاسمة الولايات المتحدة وهو ما أدى في المحصلة النهائية إلى سرعة وعمق التغلغل الأمريكي في البنية الاقتصادية والاجتماعية المصرية سواء في المدن أو الريف تحت ذرائع المعونة في تعديل هيكل الزراعة المصرية والاقتصاد المصري .

6- إمكانيات وأوهام الثراء الفردي :

لكي تكتمل الصورة ، فإن قانون التركز والإفقار في ظل أوضاع الانفتاح والهجرة كان يملك إمكانيات واضحة لإبراز نموذج الحل الفردي والصعود الطبقي الدائر على قدم وساق بما يؤدى إلى تشويه البنية الاجتماعية وبالتالي تزييف الوعي الاجتماعي .
فالأرض التي تحولت في ظل الانفتاح من مجال الإنتاج الزراعي إلى مجال المضاربة والبناء العقاري وارتفع ثمنها كأرض بناء ، صارت إمكانية لأحلام الثراء السريع حتى لدى بعض فئات حائزي القراريط ، حيث تمكنهم كشبه معدمين من امتلاك عدة آلاف من الجنيهات .
وقد أحدثت هذه الإمكانيات فعلها وتركت أوهامها لتتحول إلى قوة مادية على أرض الواقع الفلاحى وفى مقابل ذلك كانت هذه الإمكانية نفسها تدفع بعدد من الملاك الغائبين الصغار وبالطبع تحت تأثير قوى اجتماعية لها مصلحة في ذلك للعمل على طرد الحائزين الفقراء الذين يستأجرون أرضهم وقد أحرزوا عدة نجاحات في ذلك في ظل مناخ دولة الانفتاح على مصالح العمال والفلاحين وصغار الموظفين ، كما أحرزت بعض المناطق الفلاحية صمودا في مواجهة عمليات الطرد هذه .
كذلك فإن بعضا من الذين باعوا القراريط أو وفروا عدة آلاف من الجنيهات من عملهم في بلاد النفط تجسدت أمامهم إمكانيات للحل الفردي كاستثمار أموالهم في مزارع الدواجن البيضاء أو محطات إنتاج البيض الصغيرة التي قدمتها الدولة والرأسمالية العالمية كنموذج للمستشير الصغير .
وبالفعل انتشرت مزارع الدواجن بشكل كبير من مزرعة واحدة عام 1971 إلى نحو 22 ألف مزرعة عام 1981 وكذا مناحل النحل من 949 ألف خلية عام 1977 إلى 1363 ألف خلية عام 1985 وبينما وجد أغنياء الريف إمكانيات الاستثمار الجديدة في التحول إلى زراعة الخضر والفاكهة والخروج من حصار الدورة الزراعية والمحاصيل التقليدية غير المربحة وكذلك في ملكية الجرارات الزراعية وماكينات الري التحى ازدادت بدورها من 21 ألف جرارا عام 1975 إلى 33 ألف جرار عام 1980 كما ارتفع عدد آلات الري من 13 ألف إلى 59 ألف وكذا ماكينات الدارس من 1,9 ألف إلى حوالي 18 ألف خلال نفس الفترة . إن الفئات الفقيرة وجدت إمكانيات أخرى في عربات النقل الصغيرة ( تويوتا .. الخ ).
كنقل البضائع أو للركاب أو كمجال للاستثمار والحراك الاجتماعي وفى أغلب الأحوال مكنت أوضاع الهجرة العائدين من العمل في الخارج من تحسين أوضاع السكن القديمة .. كما مكنت البعض من حل مشاكل الزواج وإن كانت قد دفعت مرة أخرى إلى المغالاة في متطلبات تكوين الأسر الجديدة .
جدول رق ( 51)

تطور حجم الثروة الحيوانية في مصر خلال الفترة 1972-1984

المصدر : الجهاز المركزي للتنمية العامة والإحصاء .

جدول رقم (52)

تطور عدد المركبات بالحركة في محافظات الجمهورية خلال الفترة 75/81

المصدر : الإدارة العامة للمرور – قسم الإحصاء .

نخلص من الصفحات السابقة أنه بينما كان ولا يزال قانون التركز والإفقار الرأسمالي يلعب دوره في التمايز الاجتماعي في الريف والمدينة إلى مداه ، كانت أوضاع الانفتاح والهجرة تلعب دورها في تغليف هذا التمايز الاجتماعي خالقة تشوه في البنية الاجتماعية حيث إمكانيات الحل الفردي بما يعكسه من أوهام كبيرة على المجتمع الريفي كله .
وهكذا تعطى وتجسد نماذجها خالقة توسع في الفئات البينية ( البورجوازية الصغيرة ) بما تنتجه هذه الفئات في ظل هذه الأوضاع من مزاج فردى ونفسية تتدهور لديها مشاعر الانتماء الطبقي والوطني حيث تصبح هذه الفئات الصاعدة ( إمكانية واقعية أو وهما ) مجالا خصبا لحمل الوعي الزائف الممثل لمصالح الفئات العليا .
وبينما كان قانون التركز والإفقار يدفع ببعض الفئات والتجمعات الفلاحية الفقيرة نحو مزيد من التبلور والتشكل والتصدي لمحاولات طردها من الأرض أو الإضراب عن التوريد الاجبارى لبعض المحاصيل مثل " الأرز والقصب " فإن قانون الحل الفردي بما أنتجه من فئات بينية لديها أوهام اللحاق بالفئات العليا ( بالعمل أو بضربات الحظ ) كان يحبط ذلك التبلور الاجتماعي .

الفصل الخامس :أزمة الانتماء .. وأدوات تزييف الوعي

" فخلف كل قيصر يموت ... قيصر جديد "

أمل دنقل

يلتقي المواطن بالدولة في حياته ومعاناته اليومية ، سواء كان هذا الالتقاء من خلال رموزها المباشرة ( العمدة ، الشرطي .. الخ ).

أو من خلال الرموز السياسية ، ( رئيس الدولة ، الحكومة .. الخ ) لكنه قد لا يسأل نفسه – طوال حياته – عن مضمون هذه الدولة ، كما يتمنى أصحاب السلطة أن يظل المواطن في إطار هذه الحالة ، يلتقي برموز الدولة ولا يسأل عن مضمونها ، يعانى من وجودها ويعتبر هذه المعاناة وهذا الوجود أمرا طبيعيا قدريا وأزليا .

ولكن ثمة مشكلة تحدث منذ البداية في قلب هذه العلاقة بين المواطن والدولة، فبينما يسعى أصحاب السلطة بوسائل متعددة إلى تصوير الدولة كخادم لكل المواطنين ، كدولة لكل الشعب ، لكل الطبقات .. الخ .

يلتقي المواطن بالدولة – غالبا – من باب وجهها القمعي ، بالتقائه في مفردات وتفاصيل حياته بأجهزته القمعية ، بالرموز المباشرة للسلطة من خلال هذه الأجهزة .

يتعرف المواطن خلال هذه المفردات والتفاصيل ، وعبر التقائه بهذه الرموز على سطوة وجبروت وقدرة الدولة ، يتعرف المواطن على الدولة كجهاز مدجج بالسلاح ، فيتعرف على الدولة كانطباع وتصور غامض – باعتبارها قوة متسلطة .

ولا يكون المسعى الأساسي لأصحاب السلطة متمثلا في إنكار هذا الوجه القمعي للدولة ، بل في تبريره .

إن العمل على تلطيف وتزويق الوجه القمعي للدولة يظل متجاوزا مع إبراز قوة الدولة القمعية وقدرتها التسلطية الرادعة ، أي القادرة على حفظ النظام والأمن ، ويظل العمل على إبراز قوة الدولة وقدرتها أحد المساعي المحورية لأصحاب السلطان ، في مواجهة الطبقات المحكومة ، بهدف ردع الأخيرة وإبراز ضعفها أمام قوة الدولة .

إن المسعى الأساسي لأصحاب السلطة – كما قلنا – ليس إنكار صفة الدولة كقوة للقمع ، بل تبرير هذه الحقيقة المتجسدة في الواقع العيان ، وتبرير الدولة الموجودة ، ويتم ذلك من الناحية الجوهرية بتصوير وتقديم الدولة باعتبارها جهاز لكل الطبقات أي بإنكار المنشأ الطبقي والطبيعة الطبقية للدولة .

وعلينا أن نضيف ، أن عملية تبرير الدولة بهذه الكيفية ليست عملية دعائية بسيطة ، بل عملية معقدة تدخل في صميم عملية الصراع الطبقي ولا تنفصل عنها ، أي أن الجانب الدعائي السياسي المباشر لتبرير الدولة يتم في الواقع على هامش هذه العملية الطبقية المعقدة ، مستندا على قوة الطبقة المهيمنة اقتصاديا وبالتالي عبر سيطرتها على جهاز الدولة .

كما علينا أن نضيف هنا أن عملية التمايز النسبي التي حدثت في المجتمع الرأسمالي الحديث ، بين جهاز الدولة الرأسمالية والمجتمع المدني ، أي بين العلاقات السياسية والعلاقات الاقتصادية عبر جهاز الدولة البيروقراطي ، وتفتت العلاقات الإقطاعية والتطورات التي حدثت مع تطور أشكال الحكم وأشكال التنظيم السياسية الحديثة ( ظهور الديمقراطية وحق الاقتراع العام وإمكانية تبادل السلطة .. الخ ).

قد أدت إلى إمكانية طمس المضمون الطبقي للدولة ، وسهلت تقديمها لكل الطبقات باعتبارها دولة شعبية ، دولة كل الشعب على الرغم من حقيقتها كدولة لرأس المال .

ولا يستهدف هذا الفصل إعادة طرح موضوع الدولة ، إلا بهدف تلمس ملامح وآليات دورها الأيدلوجي ، أي دورها وآليات عملها لتزييف الوعي الطبقي للطبقات المحكومة ، وفى سبيل هذه المهمة المحددة رأينا تقسيم هذا الفصل إلى ثلاثة مباحث .

يتعرض الأول لبعض الإشارات الجوهرية حول الدولة والدور الأيدلوجي للدولة ، ويتعرض الثاني للوعي الاجتماعي ويتعرض المبحث الثالث لأهم الأجهزة الأيدلوجية للدولة باعتبارها أدوات التأثير في الوعي الاجتماعي عبر عمليات التنشئة الاجتماعية والسياسية للمواطنين .

المبحث الخامس عشر : الدور الأيديولوجي للدولة

يرتبط ميلاد الدولة ، منذ أنماطها الأولى ، بتدهور المجتمعات المشاعية البدائية وتحول العلاقات القائمة على روابط الدم إلى علاقات وصلات اقتصادية داخل مجموعات أعرض من الأسر والقبائل أي بنشأة الملكية وانقسام الثروة وتملك العبيد ، أي بنشأة الطبقات والعلاقات السياسية .

وقد قام أنجلز ( 1820-1895) بتتبع ودراسة انحلال المجتمع المشاعى القديم ، وعمليات تراكم الثروات وانقسام الطبقات ونشأة الدولة ، مستندا إلى الأبحاث الهامة لهنرى مورجان ( 1818 – 1888 ) حول عشائر الهنود الحمر في أمريكا الشمالية ، ومضيفا إليها الاكتشافات التي كانت متوفرة آنذاك عن القبائل القديمة ، وأعاد تركيبها وتحليلها مقدما أسس الارتباط بين السلطة والثروة ، ومقدما الأسس الطبقية لنشأة الدولة .

وحسب أنجلز ، فإن تشكيل ارستقراطية تحوز الثروة وتركز السلطة الاجتماعية في أيديها ، ظلت دائما المؤشر الأول لظهور الدولة ، لترتبط الدولة منذ نشأته بحائزي الثروة ، ولتظل بعد ذلك الحقيقة الجوهرية لارتباط ميلاد الدولة بعملية الانقسام الطبقي ولتكشف عن الطبيعة الطبقية للدولة .

وقد ظلت هذه الحقيقة الجوهرية مجالا لدراسات جديدة يقوم بها علماء الأنثروبولوجيا الاجتماعية والسياسية على اختلاف منابعهم وتوجهاتهم الفكرية ، يتتبعون فيها عمليات التحول والانقسام الطبقي للقبائل في أفريقيا والهند القديمة ، ويتتبعون من خلالها مظاهر نشأة الدولة وأهم ملامحها الأولى .

كما أن هذه الحقيقة الجوهرية لا تتناقض مع تنوع أشكال وملامح نشأة الدولة بفعل الاختلافات البيئية خاصة بين الشرق والغرب ، بين بلدان الري النهري وبلدان الري الطبيعي ، فعلى قاعدة من تلك الحقيقة الطبقية لنشأة الدولة يضيف ماركس ( 1818 – 1883 ) دور تلك الظروف البيئية الخاصة ببلدان الري النهري ، كأساس لترتيب وظيفة اقتصادية مبكرة للدولة في الشرق ( خاصة مصر والهند وبلاد ما بين النهرين وإيران ) باعتبارها عوامل ساهمت في الميلاد المبكر للدولة المركزية المتميزة بتضخم جهازها البيروقراطي الموظف للعناية بالأشغال العامة وبناء القنوات والسدود والتحكم في توزيع المياه وزراعة الأرض . ومنذ أن وجدت الدولة وأصبحت حقيقة واقعة ، جرى التعامل معها والتعرف عليها من خلال دورها الذي تقوم به وخلال أجهزتها ، العسكرية والمدنية .

فتتعرف الدراسات الاجتماعية والسياسية والتاريخية على هذا الدور – كمضمون للدولة – من خلال التعرف على التاريخ الاقتصادي الاجتماعي كتاريخ لصراع الطبقات وليس كتاريخ لما يقوله أصحاب السلطة عن أنفسهم وعن دولتهم .

إن الصراعات الاجتماعية – الاقتصادية والسياسية والأيدلوجية تدور دائما حول الدولة ، حول من يسيطر على جهاز الدولة ، وينبئنا التاريخ المكتوب عن حقيقة دامغة تقول : إن الدولة تصبح تحت سيطرة من يحسم الصراع لصالحه ، سواء جرى في خضم هذا الصراع تغيير جذري للدولة القديمة وإنشاء دولة جديدة أم جرت السيطرة على نفس أجهزة الدولة القديمة وتعديلها بما يخدم مصالح السلطة الجديدة وينبئنا هذا الصراع حول الدولة عن تلك العلاقات الجدلية بين الثروة والسلطة ، حيث السيطرة على الثروة كمجال للسيطرة الاقتصادية تستدعى ضرورة الهيمنة السياسية لحماية الثروة المكتنزة ، أي ضرورة السيطرة على جهاز الدولة .

وبالطبع فإن هذا الصراع حول الدولة تتحكم فيه جملة من الشروط الموضوعية والذاتية ، على اعتبار أن الصراعات الاجتماعية الكبرى التي تحسم نتيجتها بصعود طبقة جديدة إلى الحكم ، ليست مجرد نزاعات إدارية لمجموعة من البشر حول دولة من الورق .

ولكن ما يمكن استخلاصه من ذلك هو التعرف على الطبيعة الطبقية للدولة ، تلك الطبيعة التي يمكن قراءتها في جدل العلاقة بين الثروة والسلطة ، بين الهيمنة الاقتصادية والهيمنة السياسية ، كما يمكن قراءتها في حقيقة وجود الصراعات الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية في المجتمع ، أي في حقيقة اختلاف وتعارض المصالح الطبقية ودور الدولة في هذا الصراع الطبقي ، كما يمكن قراءة ذلك في كل عصور ما بعد المشاعية البدائية ، في القول بضرورة وجود الدولة ، كما في الصراع من أجل الدولة .

الدولة العربية أيضا – إذا جاز التعميم – تدعى أنها تجسيد للإرادة الشعبية ، إنها ككل دولة منذ أن أنشئت الدولة يتمحور دورها الأيدلوجي في العمل على أن تختم الاعتراف العام من قبل المجتمع الأشكال القائمة لتحصيل الثروة ، ألا لتثبيت وتخليد الانقسام الطبقي ، وحق الطبقة المالكة في استغلال الطبقات غير المالكة ، وسيادة الأولى اقتصاديا وسياسيا وأيدلوجيا .

ولكن جهاز الدولة العربية المعاصرة يحمل معه تمثلاته وإرثه التاريخي : السلطانية المملوكية والمركزية البيروقراطية العتيقة الملكية الوراثية والوظيفة الاقتصادية المركزية ، كما قامت الظروف المحلية والدولية بطبع نشأة وتطور نمط الإنتاج الرأسمالي في المجتمعات العربية بطابع الضعف والتشوه والتخلف ، وطبع البرجوازية العربية بنفس الطابع مدخلة في صميم تكوينها الموروث التاريخي المتحول في صور عصرية ، وانعكس ذلك على طابع الدولة العربية المعاصرة وأشكال حكمها ونظمها السياسية .

لذلك فإننا نتعرف في الدولة العربية على تضخم أجهزتها القمعية ، وعلى ضعفها المرتكز على ضعف وتخلف الطبقة الرأسمالية ، وبالتالي نتعرف على عنفها العاقل في مواجهة ليس الطبقات الشعبية فحسب بل أيضا في مواجهة قطاعات من الطبقة البرجوازية المالكة غير المشاركة في الكتلة الحاكمة ، غير المشاركة في السلطة السياسية ، مولدة معارضة سياسية من هذه القطاعات للكتلة الطبقية الحاكمة ( الوفد مثلا ) .

وفى هذا الإطار فقط . نستطيع أن نفهم تعميم الباحث التونسي هشام جعيط حين يقول " إن الدولة العربية ما زالت لا عقلانية ، واهنة ، وبالتالي عنيفة ، مرتكزة على العصبيات والعلاقات العشائرية ، على بنية عتيقة للشخصية " فالدولة العربية الحديثة – في مصر على سبيل المثال – تنتمي إلى نمط الدولة الرأسمالية ، ليس فقط بقيامها على قاعدة من سيادة نمط الإنتاج الرأسمالي ، وتفتت العلاقات الطبقية الإقطاعية ، وسيادة العمل المأجور ، بل لانفصال جهازها السياسي عن العلاقات الاقتصادية المباشرة ، على الرغم من بروز طابعها التدخلى في شكل نظام رأسمالية الدولة ، وغلب أشكال الحكم الفردية وتخلف النظام السياسي .

وعموما فإن الدولة الرأسمالية ترتكز على هذه القاعدة من انفصال جهازها عن العلاقات الاقتصادية المباشرة في القيام بدورها الأيديولوجي ، السياسي والقانوني ، بالعمل على إبقاء تفتت الطبقات المحكومة كأفراد أمام الدولة ، هذا التفتت وجهه الآخر هو العمل على خلق إجماع هؤلاء المواطنين الأفراد ، حول النظام ، أي كسب ولاء الأفراد للدولة ، وضرب الوعي بولائهم لطبقاتهم ، والبرجوازية مرتكزة على سلطة الدولة لا تقوم بهذا الدور المزدوج كدعاية فقط ، بل كدور في الصراع السياسي والأيديولوجي ، أي كعمل معقد في قلب عملية الصراع الطبقي ، أي كقمع ، وكتزييف للوعي الاجتماعي .

قبل نمط الدولة الرأسمالية تتداخل المستويات الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية ، تنحل الدولة كلية في الأجهزة القمعية ، وكدولة سلطانية وملكية وراثية ، ورغم ذلك نستطيع التعرف على الدور الأيديولوجي للدولة ، ولكن كأيديولوجيا جاهزة ، مورثة ، منحلة في الجهاز القمعي السلطاني ، في الملك بوصفه ( الإله – الملك ) ، أو بوصفه ( ابن الإله ) أو بوصفه ظل الله في الأرض ، أو يحكم باسم الآلهة ، أو باسم الدين .. الخ .

ومنذ أن نشأ الفكر السياسي والاجتماعي بحث المفكرون عن شرعية أيديولوجية للدولة ، عن وجه أدبي ، أوصى أفلاطون ( 427-347 ق م ) بتوجيه التعليم ، وحبذ جاك روسو ( 1712-1778 ) تأسيس دين مدني ، ولاحظ ابن خلدون ( 1332- 1406 ) وميكيا فيلى ( 1469-1527 ) أن الدعوة الدينية تزيد الدولة قوة على قوة العصبية .

في المجتمع الرأسمالي تمايزت مستويات الصراع الطبقي وتمايزت بالتالي –أجهزة هذا الصراع وتميزت الرأسمالية بأجهزتها السياسية والأيديولوجية ، النيابية والتربوية والإعلامية .. الخ ، أي تميز الدور الأيديولوجي للدولة ، فنستطيع التعرف عليه عبر دور هذه المؤسسات المعاصرة والمستقرة أي عبر دورها في عمليات التنشئة الاجتماعية وتوجيه الرأي العام ( صحافة – إذاعة – تليفزيون – سينما .. الخ ) وتشكيل الوعي الاجتماعي

المبحث السادس عشر : الوعي الاجتماعي والوعي الزائف

الوعي الاجتماعي إذا هو جملة الآراء والمفاهيم والأفكار والتصورات ، والنظريات السياسية والقانونية والأخلاقية والجمالية والفلسفة الأخلاقية والدين ، الممثلة للجانب الروحي من حياة المجتمع .

ومن الناحية الجوهرية نستطيع التعرف على تبعية الوعي الاجتماعي للوجود الاجتماعي ، فالبشر إذ يطورون إنتاجهم المادي وعلاقات الإنتاج ، يغيرون من تفكيرهم ونتاج تفكيرهم أي يشكلون الوعي ويطورونه .

ولكن هذه العلاقات الأساسية ليست علاقة تبعية ميكانيكية بسيطة ، بل معقدة وجدلية ، يكتسب فيها الوعي الاجتماعي استقلالية نسبية تمكنه من إعادة التأثير في الوجود الاجتماعي وتطويره ، كما أن عملية تشكيل الوجود الاجتماعي للوعي ليست مجرد عملية عفوية مباشرة فقط ، بل يؤثر الوجود الاجتماعي بطريقة حاسمة في أذهان الناس من خلال حشد من الروابط المتوسطة مثل الدولة ونظام الدولة والعلاقات القانونية والسياسية ، أي تجرى عملية إعادة تشكيل الوعي بطريقة منظمة .

كما أن الاستقلالية النسبية للوعي وإمكانياته في التأثير في الوجود الاجتماعي يمكن التعرف عليها أيضا من خلال تعقيد بنية الوغى الاجتماعي نفسه ، ودور بعض مكوناته النظرية كالمفاهيم العلمية والفلسفية والفنية ، تلك التي تتوقف في تطورها على جملة من المعطيات المتراكمة ، ويخضع تطورها بشكل كبير على الجهود العلمية ، والمنظمة المرتكزة على الاستيعاب النظري لتطور العلوم الطبيعية والاجتماعية .. الخ ، أي القائمة على جهد فكرى منظم .

وبالنظر إلى بنية الوعي الاجتماعي ، نستطيع أن نميز بين مجالات ثلاثة ودرجات ثلاثة للوعي ، تتمثل في السيكولوجيا الاجتماعية والأيديولوجية والعلم ، كما نستطيع التمييز بين أشكال ( أنواع ) مختلفة للوعي الاجتماعي ، مثل الوعي السياسي والوعي الحقوقي ( القانوني ) والوعي الأخلاقي والوعي الفلسفي والوعي الجمالي والوعي الديني .

ولا يرجع مثل هذا التمييز بين مجالات وأشكال الوعي بسبب وجودها متجاورة ، بل بسبب إمكانيات رصد الاختلافات والطرق الخاصة لتكون كل منها داخل بنية الوعي ، وبسبب خصوصية كل منها في العمل والانتشار والتأثير في الجماعات والطبقات الاجتماعية ، وقدرة كل شكل منها على التأثير في الأشكال الأخرى للوعي .

وعلى سبيل المثال نستطيع تمييز الوعي السياسي ، من خلال ذلك الدور المتميز للأيديولوجية السياسية ، باعتبارها مجموعة الآراء التي تجسد نظريا السياسة التي تنتهجها طبقة معينة تجاه الطبقات الأخرى ، وباعتبارها الأيديولوجية التي تحدد بنية الدولة ومضمون نشاطات أجهزتها ومؤسساتها ، أي من خلال عكسها المباشر لمصالح طبقة ما في أشكال منظمة ومجسدة نظريا .

كما أن هذه السمات الخاصة للوعي السياسي ودوره المؤثر ، تنبثق من حقيقة أن الأيديولوجية السياسية تمثل تلك الحقيقة الوسيطة التي تربط البنية التحتية الاقتصادية بكل البنية الفوقية الأيديولوجية ، فهي إحدى أشكال الأيديولوجية الأكثر صلة بالاقتصاد وتعكسه في شكل أشد تركيزا ، ونتيجة لذلك ، فإن أي أيديولوجية سياسية لابد وأن تترك بصماتها على هذه الأشكال الأخرى اتجاها أيديولوجيا عاما .

كذلك يمكن التمييز بين ثلاثة مجالات للوعي الاجتماعي ، تمثل في تفاعلها وتكاملها بنية الوعي الاجتماعي المنعكس – جدليا – عن الوجود الاجتماعي ، هي السيكولوجيا الاجتماعية والايدولوجيا والعلم .

فالوعي الاجتماعي هو البنية الفوقية والروحية للمجتمع ، لا ينبثق منه جملة الآراء والمفاهيم أو الأفكار كنظريات متبلورة تعبر عن الطبقات الاجتماعية بصورة عفوية ، بل ويقوم مفكرو الطبقات وطلائعها المثقفة ببلورة جملة الآراء والمفاهيم المعبرة عن المصالح الطبقية في صورة نظريات سياسية وقانونية .. الخ .

تقوم على الرؤية الممنطقة والتحليل والبرهنة كأيديولوجية ، وكذلك لا ينشأ العلم القائم على البحث والبرهان والتجريد بصورة عفوية .

إن ما ينشأ عفويا من الناحية الجوهرية هو الوعي العفوي للجماهير ، هو الرؤية العفوية المنبثقة مباشرة عن التجربة والمعيشية أثناء عمليات الصراع الطبقي والصراع الاقتصادي ، فيظهر هذا الوعي التلقائي في صور من المشاعر والأحاسيس والآراء والأفكار الغامضة ، كما يعبر هذاالوعى العفوي عن نفسه في صور من التحركات العفوية للصراع التي تنتج داخلها جنين الوعي الطبقي .

ويعبر عن هذا الوعي العفوي الجماهيري بما يحمله من أجنة الوعي الطبقي بمصطلح السيكولوجيا الاجتماعية .

وهذه السيكولوجيا مشبعة في الواقع بالأيدلوجيا ، ذلك أنها تحتوى – مع المشاعر والأحاسيس والرؤى العفوية – على جملة من الآراء والأفكار والقيم الطبقية ، سواء المتكونة عفويا كأجنة للوعي الطبقي أو المنقولة عبر عمليات التنشئة الاجتماعية والسياسية وعمليات البث الأيديولوجي لأفكار الطبقة المهيمنة في المجتمع عبر الأجهزة الإعلامية والتربوية .. الخ .

وعبر تأثير المعارف العلمية التي تحظى بالانتشار عبر أدوات النشر المختلفة .

وتظل هذه الدائرة من مجالات الوعي الاجتماعي مجالا للتأثير الأيديولوجي عبر عمليات الصراع الطبقي السياسي والأيديولوجي ، وراءه بهدف إبقائه كسيكولوجيا مشبعة بالرؤى الزائفة وتطويره ليصبح وعيا ذاتيا ، أيديولوجيا ، طبقيا ، لطبقات لا تقف عند مجرد وجودها الاجتماعي كطبقات في ذاتها ، بل تتحول لطبقات لذاتها ، أي طبقات واعية حقيقيا بمصالحها وأهدافها .

وتقوم الطبقة البرجوازية في المجتمع الرأسمالي بكبح ومقاومة إمكانيات تطوير الوعي الطبقي للطبقات الشعبية بوجه عام ، وللطبقة العاملة على وجه الخصوص ، وذلك بالصراع من أجل استمرار الوعي اجتماعي عند درجة السيكولوجيا ، المتخلصة من جنين الوعي الطبقي الناشئ عفويا ، والمشبعة بالأفكار والآراء البرجوازية أي بالصراع من أجل سيادة الوعي الزائف في المجتمع .

وتقوم البرجوازية بهذا الصراع معتمدة على سيطرتها على جهاز الدولة أي عبر امتلاكها لأدوات إنتاج الفكر البرجوازي وأجهزة تسييده في المجتمع ، فتتعرف من خلال ذلك على حقيقة أن الأفكار السائدة في المجتمع هي أفكار وآراء الطبقات المهيمنة اقتصاديا وسياسيا .

ولأن البرجوازية بهذا الدور في صراع مع الأفكار والآراء والنظريات المعبرة عن مصالح الطبقات الشعبية فإن دورها يظل مشبعا بالقمع ، في سبيل إجهاض إمكانيات بروز أجنة الوعي الطبقي عبر الحركات والنضالات العفوية ، أي في سبيل إجهاض تحول الصراع الطبقي الاقتصادي إلى صراع طبقي سياسي .

وأيديولوجيا تقوم البرجوازية بتقديم أيديولوجيتها المعبرة عن مصالحها الاقتصادية والسياسية وتعمل على تسييدها باعتبارها أيديولوجية كل الطبقات المتعارضة المصالح والأهداف ، أي تقدم البرجوازية وعيها الطبقي في صورة وعى لا طبقي ، وإذا نظرنا إلى هذه العملية الأيديولوجية كعملية طبقية واعية من قبل البرجوازية تعرفنا على هذا الوعي المقدم للجماهير كوعي كاذب .

إن عملية تسييد هذا الوعي البرجوازي الزائف فىالمجتمع بكل تفاصيل وآليات نشره هي ما يمكن النظر إليها كعملية تجزئة وتشويه لحقائق المجتمع وتزييف لمصالح الطبقات المحكمة ، كعملية تزييف للوعي الاجتماعي .

ومن الناحية الجوهرية تسعى عملية تزييف الوعي هذه إلى إبقاء الطبقات الشعبية كمجرد طبقات في ذاتها ، لا بالحيلولة دون تحولها إلى طبقات لذاتها تمتلك الوعي الطبقي الحقيقي بمصالحها الاقتصادية والسياسية فحسب ، بل وتكريس تفتت هذه الطبقات إلى أفراد متنافسين ومعزولين في مواجهة الطبقة المهيمنة ، في مواجهة سلطة الدولة .

المبحث السابع عشر :الرأسمالية المصرية وأدوات تزييف الوعي

تميزت المجتمعات الرأسمالية عن مجتمعات ما قبل الرأسمالية بامتلاكها لمنجزات التقدم الاجتماعي والتطور الصناعي ، وقد انعكس هذا التطور على جهاز الدولة بصورة لم يسبق لها مثيل ، فقد انعكس هذا التطور على أجهزة الدولة العسكرية ( الجيش والبوليس ) وعلى أجهزتها الأيديولوجية ، التربوية والإعلامية .. الخ.

كما تظهر كآلة بيروقراطية ضخمة تجند المواطنين من كافة الطبقات لتسيير هذه الآلة .

وفى ظل هذا الوضع ، تتولى – بكفاءة أكثر من ذي قبل – عملية تشكيل الوعي الاجتماعي ، فتتمكن البرجوازية عبر الآليات والأدوات الحديثة للدولة من تسييد أيديولوجيتها في المجتمع بطريقة مباشرة وغير مباشرة ، بطريقة أكثر عن ذي قبل ، وأكثر كفاءة من ذي قبل .

وتقوم المؤسسات التربوية والإعلامية والدينية – كأجهزة أيديولوجية ثابتة ومستقرة – بدورها في هذا المجال عبر عمليات التنشئة الاجتماعية والسياسية للمواطنين ، كأجهزة تحمل رسائلها التربوية والإعلامية والأخلاقية مضمون – وتفاصيل – الرسالة الأيديولوجية للبرجوازية المهيمنة اقتصاديا في المجتمع .

وفى هذا الإطار ، سوف نقوم في هذا المبحث بالتعرض لكل من المؤسسة التعليمية ، والإعلامية والمؤسسة الدينية ، في سبيل الكشف عن المحاور لآليات عملها باعتبارها أدوات أيديولوجية للدولة ، وباعتبارها حاملة لأيديولوجية الطبقة المهيمنة اقتصاديا وسياسيا في المجتمع المصري .

أولا : المؤسسة التعليمية :

تنهض المؤسسة التعليمية – المدرسة والجامعة – بدورها الطبقي في المجتمع الرأسمالي باعتبارها جهازا مشبعا بالوعي السائد فىالمجتمع ، جهازا محملا بالأيديولوجية السائدة ، جهازا موجها لعملية تربوية واعية ، لعملية تنشئة اجتماعية واعية ، وذلك بهدف تسييد أو إنشاء منظومات معينة من القيم ، وإكساب التلاميذ لبعض المعارف العلمية والمهارات الفنية الضرورية لإنشاء الكوادر الفنية ، لتغذية مؤسسات الإنتاج القائمة وتغذية الجهاز البيروقراطي للدولة .
وخلف دور المدرسة المتمثل في تقديم بعض المعارف العلمية وإكساب التلاميذ لبعض المهارات الفنية ، وترتيب المواطنين بإعطائهم الشهادات الدراسية الضرورية لعملية التوظيف فىالمجتمع الحديث ، يتخفى الدور الطبقي والأيديولوجي للمؤسسة التربوية ، فتقدم العملية التربوية باعتبارها مجرد عملية تعليم محايدة وموضوعية لكافة طبقات الشعب ، ومجرد إمكانية موضوعية لعمليات الترقي الطبقي وتحسين ظروف المعيشة لأبناء الطبقات العمالية والفلاحية .. الخ .
وتنفذ هذه الصورة عن التعليم إلى عقول التلاميذ ، وكذلك إلى رجال الفكر التربوي ، مكونة قاعدة للوعي الزائف بالعملية التربوية ودورها الاجتماعي ، وتنهض فوق هذه القاعدة جملة من ألأوهام حول موضوعية وحيادية المناهج الدراسية ، ليتمكن الفكر التربوي التقليدي – من إعادة نشر هذه الأوهام في صور من النظريات التربوية المحلاة بطرائق البحث العلمي والمطعمة بالدراسات النقدية لبعض الجوانب الفنية والجزئية في العملية التعليمية مساهما بذلك في تكريس الوعي الزائف وتمرير الأيديولوجيات السائدة .
وتدخل العملية التربوية من خلال هذه الصور الزائفة في الوعي الجماهيري كأيديولوجية سائدة ، كوعي مقلوب وكاذب وبتدعيم هذا الوعي الزائف لجملة أخرى من ألأفكار السائدة حول التعليم ، مثل تقديم العملية التعليمية باعتبارها مفتوحة أمام الجميع بشكل متساو بغض النظر عن الإمكانيات المادية للطبقات ، وباعتبار نتائجها الدراسية ليست سوى تعبير عن اختلافات الذكاء بين التلاميذ وبالتالي اختلاف قدراتهم العقلية على التحصيل العلمي واستيعاب المعارف العلمية والمهارات الفنية والتي تقدمها المناهج الدراسية .. الخ .
وتصل هذه الأفكار إلى ذروتها في اعتبار العملية أداة " محايدة " لعمليات الترقي الطبقي للجميع ، لتختفي خلف هذه الأفكار أوضاع التمايز الاجتماعي في المجتمع ، وانعكاسها على العملية التعليمية ، كما يتخفى دور النظام التعليمي في تكريس هذه الأوضاع الطبقية وإعادة إنتاج التمايز الطبقي في نفس الوقت .
ويمكننا التعرف على هذا الدور الطبقي كنتيجة لتفاعل أوضاع التمايز الطبقي والنظام التعليمي القائم في ظاهرة التسرب من المدارس ، حيث تؤكد الدراسات التي أجريت على هذه الظاهرة للعام الدراسي 76/1977 في مصر – على سبيل المثال – إن أعلى نسبة للتسرب كانت من أبناء الفلاحين 45,6% وأقل نسبة كانت بين أبناء التجار 3,4% أما أبناء العمال فكانت نسبة التسرب بينهم 32,6% وأبناء الموظفين 6,7% كما وجد أن المتسربين لا يوجد بينهم حالة واحدة لذوى الدخل المرتفع ، بينما كانت نسبة التسرب 37,5% لذوى الدخل المتوسط و 56,2% لذوى الدخل المنخفض .
كما لا تقف ظاهرة التسرب عند المرحلة الابتدائية ، بل تمتد للمرحلة الإعدادية ، ويشير تقرير البنك الدولي – في هذا الصدد – إلى أن من نجحوا في الصف السادس الابتدائي عام 197473/ كانوا 73% لم يلتحق منهم بالمرحلة الإعدادية في 197574/ إلا 64,3% فقط ، وأن الذين نجحوا في إتمام الشهادة الإعدادية 74/1975 كانوا 66,7% من الذين تقدموا للامتحان ، لم يلتحق منهم بالمرحلة الثانوية سوى 56,3% فقط .
كما يقوم نظام التعليم الثانوي بدوره الطبقي عبر انقسامه بين مدارس فنية لإعداد العمال المهرة ومدرسة ثانوية عامة تمثل دور الحلقة الدراسية الوسيطة للالتحاق بالتعليم الجامعي .
وتؤدى الأوضاع الطبقية السائدة إلى حصر مدارس التعليم الفني لأبناء الفقراء في نفس الوقت الذي يؤدى فيه غياب فرص العمل لخريجي الجامعات إلى عملية تمايز طبقي تلقى بعبئها على أبناء الفقراء الذين يتمكنون من الالتحاق بالجامعة والحصول على شهادات التخرج فيها ، بل وأيضا بخضوع فرص العمل وإمكانيات الترقي الطبقي ( الواسطة والمحسوبية ) لحاجات مالكي الثروة والسلطة في المجتمع .
كما يظل نظام التعليم في المجتمع – بمدارسه وجامعاته – أداة لتخليق التمايز بين العمل الذهني والعمل العضلي بما يمثله هذا التمايز من نموذج لإعادة إنتاج البناء الطبقي إلى مداه في البلدان الرأسمالية المتخلفة والتابعة وفى ذلك التمييز الذي يتم بين خريجي المدارس النظامية ومدارس اللغات وبين خريجي الجامعات الوطنية الأجنبية خاصة الجامعة الأمريكية وقد أصبح هذا النموذج الأخير واضحا في مصر مع بدء الانفتاح على الغرب وضوحا في مصر مع بدء الانفتاح على الغرب وضوحا فظا والجدير بالذكر أنه خلال السنوات الممتدة من عام 1976 وحتى عام 1982 بلغ عدد المصريين الدارسين في الولايات المتحدة سواء في صورة منح أو بعثات علمية ( تتراوح مدتها من شهرين إلى خمس سنوات ) أكثر من 70 ألف طالب مصري سنويا ، وهو ما دفع المسئولين الأمريكيين بالسفارة الأمريكية بالقاهرة لتأسيس ما سمى " اتحاد الدارسين المصريين بالولايات المتحدة الأمريكية .
وحددت له أدورا اجتماعية ثقافية تدفع باتجاه الولاء والانتماء الثقافة والسياسي من جانب النخبة المصرية المثقفة للسياسة الأمريكية وللنموذج الأمريكي .تكشف الدراسات التربوية المعاصرة عن وظيفة النظام التربوي ودوره الفعال في توالد البناء الطبقي في المجتمع الصناعي فالهرم الطبقي ليس مجرد محصلة لبناء علاقات القوى المرتبطة بتوزيع السيطرة في المجال الاقتصادي ، بل إن ظروف توالد هذا النظام له صلة وثيقة بدور المؤسسات التربوية ، فبرغم شعارات " ديمقراطية التربية " و"تكافؤ الفرص التعليمية " التي تروج لها الأنظمة التعليمية المختلفة في معظم بلدان العالم.
فإن التربية في واقع الأمر تضطلع بمهمة انتقاء اجتماعي مؤسس على معايير ثقافية للطبقة المسيطرة ، ولذلك فإن وظيفة نقل المعرفة التي تقوم بها المدرسة تستخدم لمساندة الصفوة الاجتماعية ، ومؤازرتها للحصول على القوة بواسطة النجاح المدرسي ، وتمارس المدرسة هذه المهمة بنجاح باهر بحيث أنها تحظى لقبول والتأييد من قبل هؤلاء المستبعدين والمرفوضين والمهملين كنتيجة تربوية أيديولوجية تفضي دوما إلى السماح للقلة من الأفراد المتكاملين مع قيم الطبقة المهيمنة للوصول إلى أعلى المراتب التربوية وأيضا إلى قمة الهرم الاجتماعي .
وأسوأ ما تقوم به التربية الأيديولوجية هو حجبها لآليات عملها التي تولد ظروفا تحافظ على استمرار النظام الطبقي عن وعى جماهير الطلاب بشكل عام ، والطلاب المتضررين من النظام التعليمي بشكل خاص ، فالطلاب من الطبقات الشعبية الفقيرة يضفون شرعية على كل من الهرم الاجتماع والهرم التربوي حين يفسرون ظروفهم الاجتماعية الفقيرة بفشلهم الدراسي ومن خلال هذا الدور الطبقي – الأيديولوجي للتعليم ، نستطيع التعرف على التربية كأهم ميدان من ميادين العنف الرمزي في مقابل العنف البدني ، ففي ظل النظام الديمقراطي الحديث تعتمد الطبقات المسيطرة على النظام التربوي كمؤسسة للعنف الثقافي من أجل المحافظة على سيطرتها الاجتماعية والاقتصادية .
فثقافة الطبقة المسيطرة يتم تعريفها وتقديمها بوصفها " الثقافة " العامة لكل طبقات المجتمع ، ومنها يشتق محتوى التعليم الذي ينتقل إلى كل الفئات الاجتماعية من خلال النظام التربوي وما يحتويه المنهج من معرفة .
وفى هذا الإطار يقوم المنهج المدرسي بحمل أيديولوجية الطبقة المهيمنة في أشكال من ترتيب القيم الاجتماعية في تفاصيل مواد المنهج بهدف تثبيت وإعطاء مشروعية لبعض القيم السائدة كالعلاقة بين الرجل والمرأة ، بين الكبير والصغير والغنى والفقير .. الخ .
وبتقديم تفسيرات الطبقة المهيمنة للظواهر الاقتصادية والاجتماعية تكشف عنها دراسات تحليل المضمون لهذه المناهج كما لا يخلو المنهج الدراسي من التوجيهات السياسية المباشرة لأصحاب السلطة السياسية لتبرير العلاقات الاجتماعية وتوجهات الحرب والسلام للحكومات القائمة ، ولذلك تخضع هذه التوجهات الموجودة في مواد المنهج للتعديل والتبديل وفقا لتغيير التوجهات السياسية والحكومية مثل الانتقال من العداء للصلح مع العدو الصهيوني وتبدل العلاقات الخارجية مع الشرق أو الغرب .. الخ .
ولا يقوم المنهج الدراسي بدوره الأيديولوجي عبر احتوائه على أنواع معينة من المعارف العلمية والتاريخية والمجتمعية المجزأة والمشوهة فقط ، بل وبعدم احتوائه – أي إخفائه – لأنواع معينة من المعرفة ومن الحقائق التاريخية أيضا .
وعلى سبيل المثال – لا الحصر – نجد أن كتاب التاريخ للصف الأول الثانوي يتضمن موضوعات تاريخية عن بعض الثورات الاجتماعية والسياسية دون غيرها ، فنجد موضوعات عن الثورة الفرنسية والثورة الأمريكية مثلا دون أي موضوع أو إشارة للثورة الاشتراكية الروسية مثلا وكان مؤلفو هذا الكتاب قد وضعوا في أوائل الستينات فصلا عن الثورة الاشتراكية.
ولكن المسئولين في وزارة التربية في مصر حينذاك تمكنوا من حذف هذا الفصل قبل أن يرى النور ، وبرروا ذلك الانحياز الأيديولوجي بحمايتهم للأجيال الناشئة من " خطر " هذا اللون من المعرفة مؤكدين عدم حيادية المنهج عن طريق هيمنتهم في تحديد ما يجب أن يقدم وما يجب أن يخفى عن وعى التلاميذ في إطار حقائق التاريخ البشرى .
ويكتمل دور العملية التربوية الأيديولوجي المستهدف لتزييف الوعي الاجتماعي في المجتمع الرأسمالي بآليات تقديم هذه المعرفة المحمولة عبر المنهج المدرسي ، أي بنوع العلاقات التربوية الموجودة بين عناصر " المناخ المدرسي " خاصة نظام العلاقة بين المنهج والمعلم والتلميذ .
وهذه العلاقة في المدرسة عبارة عن علاقة " خطية " في اتجاه واحد من المنهج إلى المدرس إلى التلميذ ، وتتخذ فيها المعرفة التي يتضمنها المنهج صفة " الحقائق النهائية " التي لا تقبل الجدل ، وعلى المدرس أن يرددها ، وعلى التلميذ أن يحفظها لإعادة ترديدها في امتحان نهاية العام لإحراز النجاح .
وتقوم هذه العلاقة بدورها الأيديولوجي في صورة تكبيل وتعويق لانطلاق طاقات الطلاب وتطور قدراتهم الذهنية ، وتقوم بتشكيل أجيال تألف الخنوع وتتعود على الاستكانة تميل إلى السلبية ويعشش الخوف في جوانحها ، أي تعمل – أو تستهدف – خلق شخصية مقهورة عبر غياب أي علاقة حوارية – نقدية – تشعر طول الوقت بإحساس عميق بالجهل ، وإحساس عميق بالدونية أمام المنهج ، وأمام المعلم وهى صورة مكثفة لطابع العلاقات الطبقية التي تستهدفها الطبقة المهيمنة ، وبالعمل على تخليق شخصيات مقهورة ، أمام السلطة وأجهزة الدولة الرأسمالية ورموزها .
ثمة آلية أيديولوجية أخرى ترتبط بتلك الخطية المذكورة ، تتمثل في النمط السائد للعملية التعليمية تصفه الاتجاهات التربوية المعاصر بنمط التعليم " البنكي " حيث يستهدف أصحاب السلطة منه السيطرة على عقول الطلاب ، يجعلها " بنوكا " تخزن فيها بضائعهم الفكرية من أجل استلابهم وتزييف وعيهم .
وهذا النمط من التعليم السائد يسميه المفكر التربوي " باولوفرايرى " بنمط " تعليم المقهورين " حيث يحول هذا النمط بنظامه ومناهجه وأساليبه وطرق اختباراته دون اكتساب المقهورين للوعي والمعرفة وطرق تحصيلها كبحث مستمر من أجل اكتساب الحرية .
وتتفاعل هذه الآليات الأيديولوجية للنظام التربوي مع نظام القيم السائد في المجتمع الطبقي ، تلك القيم التي تملك الطبقة المهيمنة أدوات تسييدها فتتشربها العناصر المكونة للمناخ الدراسي مضيفة طابعا أيديولوجيا وسياسيا عاما على كل آليات العملية بنظامها ومناهجها المدرسية .
وعلى سبيل المثال ، تشير إحدى الدراسات الميدانية الهامة إلى نوع القيم السائدة بين العناصر البشرية – طلابا ومعلمين وموجهين وإداريين – المكونة للمناخ التعليمي بالمرحلة الثانوية لمحافظة السويس – ثانوي عام وصناعي وتجارى – مؤكدة على بعض المؤشرات الهامة في هذا المجال .

ومن هذه المؤشرات :

1- تشير الدراسة إلى أن جميع نسب الموافقة على قيمة " الملكية العامة " بين فئات العينة المختلفة لن تتعد 49,3% ويزداد رفض هذه القيمة حتى يصل إلى نسبة 85% عند معلمي الثانوي الصناعي ، والنسبة العامة لعدم الموافقة 61,2% .

2- ثلاث فئات فقط من فئات العينة توافق على قيمة " قيادة القطاع العام للتنمية " هم طلاب ثانوي عام بنسبة 66,4% ويرفض هذه القيمة معلمو التجاري والصناعي والإداريون والموجهون بنسب رفض 65% و 65,7% على التوالي .

3- من النتائج الملفتة للنظر رفض الإداريين والموجهين لقيمة " التمويل المحلى " بنسبة عالية تصل إلى 66,7% وكذلك وجود نسبة عالية لرفض هذه القيمة من العناصر الأخرى للعينة ، ومعنى ذلك تحبيذ ومباركة عمليات التمويل الأجنبي .

4- كذلك الأمر بالنسبة لتزكية " الإنتاج المحلى " حيث نجد نسبة عالية من عدم الموافقة أقلها عند طلاب التجاري ، حيث يصل الرفض إلى نسبة 44,8% .

5- وبالنسبة لقيمة " العمل الجماعي " نجد نسبة عالية من عدم الموافقة أقلها عند طلاب ثانوي عام ومعلمي ثانوي تجارى ، بنسبة رفض 35% .

6- ومن الملفت للنظر أن نلمح رفضا واضحا لقيمة " حرية إبداء الرأي " تصل عند طلاب ثانوي عام إلى نسبة 52,9% وعند طلاب ثانوي صناعي إلى نسبة 58,4% وعند معلمي ثانوي صناعا إلى نسبة 50% .

7- كما نلاحظ تدهور قيمة " الطموح " عند عناصر المناخ التعليمي حتى تصل ذروة عدم الموافقة على وجودها عند معلمي ثانوي صناعي بنسبة 55% ومعارضة عند طلاب ثانوي عام بنسبة 48,6% وعند طلاب تجارى بنسبة 44,8% وعند طلاب صناعي بنسبة 48% وعند معلمي ثانوي عام بنسبة 46,2% وعند معلمي تجارى بنسبة 45% .

وهكذا يتفاعل نمط النظام التربوي مع نوع المعرفة المتضمنة في المنهج مع نوع القيم السائدة بين عناصر المناخ التعليمي مفرزة هيمنة أيديولوجية الطبقة المسيطرة اقتصاديا وسياسيا على آليات عمل المؤسسة التعليمية ، ومبينة دورها كأداة أيديولوجية طبقية للدولة ، كأداة لإعادة إنتاج التمايز الطبقي وأداة لتزييف الوعي الاجتماعي .

ثانيا : المؤسسة الدينية :

منذ أن انتهى الصراع بين البرجوازية الصاعدة والمؤسسة الدينية التي كانت مسيطرة على جهاز الدولة إبان الثورة البرجوازية الفرنسية ، لم تكف البرجوازية المهيمنة اقتصاديا وسياسيا عن إعادة تطويع رجال الدين والمؤسسة الدينية لتوجهاتها السياسية والأيديولوجية .
وقد أفرز تطور تلك العلاقة الجدلية بين سلطة الدولة والمؤسسة الدينية إعادة إنشاء " فكر ديني رسمي مساند للطبقة المهيمنة وداخلا في صميم تكوين أيديولوجيي البرجوازية ، يجعلنا نتعرف على حمل المؤسسة الدينية الرسمية الأيديولوجية الطبقة المهيمنة على سلطة الدولة عبر تبينها وطرحها لذلك الفكر السياسي الديني الرسمي ، ونتعرف – بالتالي – على المؤسسة الدينية الرسمية كأداة أيديولوجية للدولة .
وفى الواقع المصري – ونسبيا العربي – يمكن التفرقة بين تيارين في الفكر الديني الاسلامى المعاصر على مستوى الحركة هما : تيار الإسلام الرسمي وتيار الإسلام الاعتراضي ، وبالنسبة للأول نجد المؤسسة الأصولية الأزهرية ، ومؤسساتها الداخلية – والإسلام مكون بارز في البنية الأيديولوجية للنظام السياسي سواء في مرحلة الستينات أو السبعينات وهو ما يتسق مع الدور التاريخي للأزهر وعلاقته مع النظام السياسي في مصر ... حيث استخدام المقولات الدينية في تبرير سياسات النظام الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، فضلا عن تمثيل جذور الشرعية وأحد أدواتها الوظيفية والسياسية في التعبئة والتبرير ( نموذج لذلك موقف الإمام الأكبر الشيخ حسن مأمون حركة الإخوان المسلمين في تصادمها مع النظام الناصري ) والموقف من الصراع العربي – الاسرائيلى في مراحله المختلفة .
وتدخل العلاقة بين المؤسسة الدينية والدولة من باب الاستغلال السياسي للدين بالعمل على ترويج الأيديولوجية البرجوازية عبر الفكر السياسي الديني الرسمي ، مقدمة إياه باعتباره الدين ، أو على الأقل التفسير السليم والفهم السليم للدين ، معتمدة في ذلك على الوضع التاريخي للمؤسسة الدينية ومستغلة المشاعر والعقائد الدينية عند المواطنين المختلطة بعناصر الفكر السياسي الديني الرسمي الشائع عبر الأجهزة المتعددة والمكونة بالتالي للثقافة السياسية العامة للمواطنين ، وبصفة خاصة الثقافة السياسية للفلاحين .
ولا تقف حدود الاستغلال السياسي للدين عند حدود تضمين الخطاب السياسي بجملة كبيرة من المقولات الدينية ، بل تصل إلى السيطرة المباشرة على المؤسسات الدينية وتحويلها لمؤسسات حكومية عبر تعيين كل من شيخ الأزهر ومفتى الديار وإقامة وزارة ( للأوقاف ) تخضع لها كل من المعاهد الدينية ، والمساجد ، وتمد فكرها السياسي الديني الرسمي إلى الصحف الدينية والبرامج الدينية – في كل من الإذاعة والتليفزيون ، وكل ذلك يتم من خلال مقولة سائدة : الحفاظ على الدين .
وعلى سبيل المثال ، فقد أنيط بوزارة الأوقاف مهام النهوض بأحوال المساجد جعلها أداة لتشكيل اتجاهات وسلوك الأفراد بما يتماشى مع أهداف النظام السياسية ، وقد ارتكزت الدولة في ذلك على حقيقة أن المسجد هو المكان الوحيد الذي يلتقي فيه أعداد كبيرة من الناس بحرية وبدون تصريح رسمي مسبق ، وفى سبيل أهداف السيطرة السياسية تقوم وزارة الأوقاف بتدريب أئمة المساجد ، وأنشأت لذلك إدارة خاصة هي الإدارة العامة للتدريب .
كما تم ربط الأئمة بوزارة الأوقاف سواء كموظفين متفرغين أو كأئمة بمكافآت ، ويجرى التحكم السياسي في التوجيه الرسمي لخطب أيام الجمع بإشارات رسمية ، وفى سبيل ارتباط الأئمة بالخط السياسي الحكومي القائمة تجرى عمليات التوقيف الادارى والفصل والإبعاد عن المساجد عند أية بادرة لاستخدام المساجد في المعارضة السياسية أو أي تفسير مخالف للتفسير الرسمي للدين .
وفى سبيل الاستغلال السياسي للدين ، تقوم الدولة في بعض الأوقات بتدعيم بعض التيارات السياسية الدينية بهدف ضرب تيارات سياسية أخرى كما حدث في الجامعة إبان نهوض الحركة الطلابية الوطنية وترفع شعارات دولة العلم والإيمان ، ولكنها في أوقات أخرى ترفع بقوة شعار " لا سياسة مع الدين " ذلك الشعار الذي لا تتعرف فيه على معنى فصل الدولة عن الدين ، بل ربط المؤسسة الدينية والفكر السياسي الديني أكثر بالسياسة العامة للدولة وللحكم القائم ، بهدف احتكار استخدام الدين والفكر الديني للترويج لأيديولوجية الطبقة المهيمنة اقتصاديا وسياسيا .
وفى إطار هذا الارتباط بين المؤسسة الدينية الرسمية والدولة ، تقوم المؤسسة الدينية بدورها الأيديولوجي عبر آلياتها الأيديولوجية بتقديم تفسير أيديولوجي ديني للأحداث وللظواهر الاجتماعية والسياسية ، ويقوم هذا التفسير على قاعدة أخلاقية وثقافية برجوازية ، حيث يقف مثل هذا التفسير عند سطح الأحداث والظواهر ومنتجاتها النهائية دون الغوص في أسبابها الاقتصادية والاجتماعية وباستبعاد أي محاولة للتفسير والتحليل الطبقي ، أي باستبعاد الأوضاع الطبقية وعلاقات الاستغلال الطبقي باعتبارها جذر الظواهر الاجتماعية والأزمات الاقتصادية والسياسية .. الخ .
وينعكس هذا التفسير الديني – أيضا – على تحليل العلاقات الدولية وخاصة الصراع بين حركة التحرر الوطني وقوى الاستعمار ، ذلك الصراع الذي يصبح أيضا مجرد صراع ديني بين الإسلام وأعداء [بالإسلام]] .. الخ ، كما تصبح الظواهر الاجتماعية نتاجا لوجود الخير والشر ، والأزمات الاقتصادية من فعل بعض الأشرار المعادين للقيم الخيرة والمعادين للأخلاق الحميدة والمعادين للدين .
ويرتبط مثل هذا التفسير بالأيديولوجية التي تعمل على إبعاد الطبقات الاجتماعية الشعبية عن رؤية أسبابا أوضاعها في الاستغلال الطبقي الاقتصادي والسياسي والأيديولوجي .
ولكن خطورة دور المؤسسة الدينية يتأتى من ربط تفسيرها السياسي والأيديولوجي البرجوازي بالدين ، باستغلالها للمشاعر الدينية للمواطنين من أجل تمرير أيديولوجية سياسية طبقية مساندة للطبقة المهيمنة ، باعتمادها على النص الديني في لغة خطابها السياسي واعتمادها على الموروث الديني بهدف إعطاء " قدسية " محددة لأحداث بشرية وأفعال بشرية وتوجهات سياسية معينة .
كما يمكننا التعرف على هذا الدور في الصراعات التي تنشأ بين التيارات الدينية نفسها ، وبين بعض المفكرين في إطار الفكر السياسي الديني ، واختلاف التفسيرات للنصوص .
تصل درجة وضوح هذا الدور السياسي الأيديولوجي للمؤسسة الدينية في مساندتها للتوجهات السياسية للدولة ، فتصل إلى ذروتها في إعطاء تفسير سياسي لاتفاقيات الصلح مع العدو الصهيوني بمقارنتها مع " صلح الحديبية " وتدعيمها بجملة واسعة من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية وقيام دار الإفتاء بدور بارز في هذا المجال .
كما يظهر ذلك الدور السياسي في اشتراك الطبقة المهيمنة للمسجد في الصراعات السياسية ، ويبدو ذلك جليا أثناء المعارك الانتخابية بتوجيه أئمة المساجد لمساندة الحكام والهجوم على المعارضين هجوما سياسيا يلبس ثوب الدين بما لذلك الدور السياسي – الديني من آثار أيديولوجية بارزة على وعى المواطنين .

ثالثا : المؤسسة الإعلامية :

تظهر المؤسسة الإعلامية كأداة أيديولوجية للطبقة اقتصاديا وسياسيا بصورة أكثر وضوحا من المؤسسة التربوية ، عبر الطبقة الحائزة للثروة على أجهزتها الضخمة في الصحافة ومحطات الإذاعة والتليفزيون ، كما تنبع أهميتها وخطورتها من قدرتها على اختراق الحواجز ، وتمكنها من توصيل رسالتها الأيديولوجية إلى المواطنين في منازلهم في إطار من " الترفيه والتسلية " عبر نماذج عديدة كالبرامج والتمثيليات الدرامية والإعلانات .. الخ .
كما تتمكن – خاصة عبر الإذاعة والتليفزيون – من تقديم رسالتها إلى كافة الطبقات الاجتماعية وإلى كافة الفئات العمرية ، من الطفل الذي لم يلتحق بالمدرسة إلى الشيخ العجوز ، فتتدخل ههذ الأجهزة في عمليات التنشئة الاجتماعية للطفل ، متفوقة ومتخطية غالبا لدور الأسرة في هذه العملية ، ومقدمة عبر برامجها قيما معينة منتقاة أيديولوجيا لا تتفق بالضرورة مع قيم البيئة الاجتماعية والطبقية التي تنتمي إليها الأسرة .
وتظهر خطورة الرسالة الأيديولوجية لوسائل الإعلام من خلال إمكانياتها البارزة في التأثير في كل جوانب السلوك الانسانى من خلال دورها في تكوين الصورة الذهنية عند الأفراد عن الدول والمواقف والأحداث ، فتؤثر بالتالي في الطريقة التي يدرك بها الناس الأمور ، والطريقة التي يفكرون بها ،، الخ .
باعتبارها قد أصبحت أهم مصدر للأخبار والمعلومات والمعارف عن العالم المحيط بنا في العصر الحديث .

وتقوم الطبقة المهيمنة اقتصاديا وسياسيا بتحميل أفكارها وآرائها لمضمون الرسالة الإعلامية عبر عملية تصنيف واختبار لنوع لقيم والأفكار والآراء والأخبار مستهدفة التحكم في عمليات التنشئة الاجتماعية والسياسية وتشكيل " الرأي العام" .

وإذا كانت وسائل الإعلام بفضل انتشارها الواسع تلعب دورا أساسيا في خلق وتكوين ما يسمى " بيئة الرأي " وإذا كان الناس غالبا يتحاشون العزلة الاجتماعية فإن المواطنين يميلون إلى أن يعبروا عن الآراء التي تؤيد ما يدركون أنها آراء سائدة أو شائعة بين الجماعة ويقيمون الآراء التي يرون أنها " غير شائعة " والمؤسسة الإعلامية تلعب دورا هاما في هذا المجال بتحكمها في تسييد بعض الآراء ونشرها بشكل واسع مكونة خصائص " الرأي العام " المعلن للجماهير .
أي أن وسائل الإعلام تقوم في هذا المجال بدور " قمعي " يتمثل في تسييد آراء وأفكار أصحاب السلطة الاقتصادية والسياسية ومكونة إطار الرأي العام .
وإطار للنظر إلى ألأمور ، إطارا للسلوك ، يحدد للمواطن ما ينبغي له أن يفصح عنه من آراء ، أو مجرد آراء لأقلية خارجة عن إطار الرأي العام للمجتمع وتوجهاته المقررة والمستقرة وعليه بالتالي أن يقمعها داخله أو يتخلى عنها ويتبنى بدلا منها تلك الآراء السائدة أو الشائعة .
ونتيجة ذلك يظهر وعى زائف في المجتمع يؤثر على حقيقة الرأي العام ، فإذا قمنا بقياس الرأي العام في المجتمع تقوم الطبقة المسيطرة فيه " بغسيل المخ " لأعضاء المجتمع بصورة منظمة ومنتظمة ، بطريقة مباشرة وغير مباشرة ، فإننا في الواقع لا نقيس الرأي العام ، والذي يفترض لتكونه " حرية " تداول المعلومات والحقائق ، والحق في الاجتماع والنقاش والتعبير الحر عن الرأي .. الخ ، بل نقيس الوعي الزائف الذي كونته المؤسسة الإعلامية.
وليس غريبا – في هذا الإطار- أن يصل باحثون غربيون يعيشون في نفس هذه المجتمعات إلى حقيقة وجود رأى عام زائف ووعى اجتماعي زائف في هذه المجتمعات الرأسمالية المتقدمة بأنظمتها " الديمقراطية" طالما تظل الحقيقة الجوهرية تقول بطبقية الدولة القائمة وباحتكارها للمؤسسة الإعلامية بأجهزتها الضخمة .
ولذلك نجد عالما اجتماعيا بارزا مث " بورديه " يذهب في دراسة هامة نشرها عام 1973 إلى أنه لا يوجد رأى عام بالمعنى الحقيقي في " فرنسا" كمل ينظر " بورديه " إلى عمليات قياس الرأي نفسها باعتبارها ذات وظيفة سياسية ، ووظيفتها الرئيسية هي وظيفة أيديولوجية لإشاعة الوهم حول وجود رأى عام .
فحين تنشر الجرائد الفرنسة مثلا 60% من الفرنسيين يرون كذا وكذا ، فهذا على وجه الدقة نوع من التضليل . والوظيفة السياسية ، التي تتمثل في حاجة السلطة إلى إضفاء الشرعية على النظام السياسي ، وبدلا من أن يقول السياسي – كما كان يحدث قديما إن " الله في جانبنا " فإنه يقول الآن " الرأي العام في صفنا " وفى مقابل ذلك يرى " بورديه " أن الطبقات الشعبية في ظل هذه الأوضاع والآليات واقعة في إطار من الأساطير التي تروج لها الأيديولوجية المسيطرة .
وبينما ينعكس شكل حكم البرجوازية في البلدان الرأسمالية المتقدمة عبر نظام الديمقراطية البرجوازية على شكل ملكية وسائل الإعلام وعلى إتقان أساليب وآليات رسالتها الأيديولوجية في نفس الوقت ، تنتج بكفاءة " في تزييف الراى العام وتزييف الوعي الاجتماعي .
ينعكس أيضا – شكل حكم البرجوازية في البلدان الرأسمالية المتخلفة عبر نظم الحكم الفردية والاستبدادية على شكل ملكية وسائل الإعلام ، منتجا تخلف المؤسسة الإعلامية وتخلف أساليب وآليات ومضمون رسالتها الأيديولوجية .
حيث تصبح المؤسسة الإعلامية في هذا لوضع هي أداة الاتصال الوحيدة – تقريبا بين الحكام والمحكومين تسيطر عليها النخبة الحاكمة وتراقب عملية تدفق المعلومات والآراء ، وتحول دون تسرب معلومات وآراء لا تتفق والخط السياسي بكافة الأساليب ، وتتحول رسائل الإعلام إلى مجرد أبواق للدعاية للنظام القائم وللحكومة القائمة .
وفى ظل هذه الأوضاع نستطيع التعرف على تخلف مضمون الرسالة الإعلامية كانعكاس لتخلف النظام السياسي وديماجوجية السلطات الحاكمة حيث يصبح الاعتماد على أساليب الإثارة والتعبئة الديماجوجية ، ومخاطبة العواطف دون مخاطبة العقل .. الخ .

أحد أساليب النخبة الحاكمة للحفاظ على موقعها إزاء الجماهير .

ولكنها تستخدم وسائل الإعلام أحيانا كمثير وأحيانا كمهدئ ، وفى سبيل الهدف الثاني تقوم وسائل الإعلام بتقديم مضامين تافهة رخيصة للتسلية وإبعاد الاهتمام بعيدا عن القضايا القومية ، وبعيدا عن المشاكل والأزمات الفعلية ، وفى ذلك نستطيع التعرف على طبيعة المبالغة في الاهتمام بمباريات كرة القدم واعتبار عمليات الفوز " انتصارات قومية " تؤلف من أجلها الأغاني والأناشيد ، كما نستطيع التعرف على حشو الرسالة الإعلامية بالمسلسلات والأفلام المحلية والأجنبية ، ونتعرف فيها على الدور السياسي الأيديولوجي للترفيه والتسلية .
ومن المتوقع في ظل هذا الوضع ، ألا تسمح النخبة السياسية الحاكمة بأي معارضة ، ولا بأي رأى مخالف بالارتفاع ، ومعنى هذا محدودية " النقد " الذي تسمح به داخل وسائل الإعلام وحصره – إن وجد – في حدود ضيقة وجزئية وهامشية وغير فعالة وإبعاده عن مواطن البحث عن جوهر الأزمات القائمة ، ليقوم النقد نفسه بدوره الأيديولوجي السياسي لحرف تفكير المواطنين وتفريغ سخطهم وتوجيه تصله تجاه الأفراد الأشرار أو تجاه بعض الظواهر الجزئية والهامشية .
وكما تتخفى الرسالة الأيديولوجية التي تبثها وسائل الإعلام خلف عمليات الترفيه والتسلية بهدف التهدئة ، تظهر الديماجوجيا في هذا الرسالة في أشكال من الإثارة والشعارات المتناقضة .
وفى إطار أسلوبي الإثارة والتهدئة المذكورين تقوم المؤسسة الإعلامية بدورها عبر تجزيء الحقائق وتقديم المعلومات الكاذبة والتركيز على بعض الأحداث دون غيرها ، وتضخيم بعض الأحداث والتهوين من البعض الآخر ، وتنتهج تجاه بعض الأحداث الداخلية أو الخارجية أسلوب " الصمت " والتجاهل في إطار عملية واعية لتصنيف الأحداث وترتيبها وإعادة تركيبها بما يخدم الرسالة الأيديولوجية للطبقة الحاكمة ، بما يخدم هدف تجهيل المواطنين وتزييف وعيهم وخلق رأى عام زائف ، ولكن مساند للسلطة القائمة وللنظام القائم ، حتى ولو كان هذا الرأي العام صامتا .
وفى سياق هذا الطرح المنهجي لآليات عمل المؤسسة الإعلامية لتزييف وعى المواطنين وصناعة اغتراب أفراد الطبقات الشعبية ، ربما يكون من المناسب التناول التفصيلي لبعض الأدوات الثقافية والإعلامية كأدوات نشر وتوزيع الفكر والثقافة بشكل واسع ، وبصفة خاصة السينما والمسرح والتليفزيون والكتاب بهدف رصد التحولات الأساسية التي حدثت لكل منها في السبعينات والثمانينات وكذلك دورها باعتبارها ذي دلالة في نفس الوقت على تشكيل وعى ومزاج الجماهير .

1- السينما :

في الثامن والعشرين من شهر ديسمبر عام 1895 ، شهد المقهى الكبير الكائن بشارع كابوسين " بالعاصمة الفرنسية " باريس أول عرض سينمائي تجارى في العالم .
ومنذ تلك اللحظة ، تملكت الطبقة الرأسمالية في أوربا – ومنها إلى بقية دول العالم – أداة فاعلة ومؤثرة لنشر أفكارها وترسيخ قيمها الاجتماعية ونسقها الفكري والأيديولوجي على بقية الطبقات الاجتماعية وبهذا دخل الصراع الأيديولوجي بين الرأسمالية والاشتراكية منحنى جديد فالانفتاح السينمائي ليس سوى تعبير أيديولوجي عن الفئات والطبقات السائدة في المجتمع والمنتجة لهذا الفن الجديد .
ولم تكد تمر أسابيع قليلة على هذا العرض السينمائي باصمة المال والجمال " باريس " إلا وكان الثغر البحري الهادئ " الاسكندرية " يشهد عرضا مشابها على هيئة صور متحركة بمقهى " زوانى " ومنها انتقل إلى القاهرة وبقية عواصم المحافظات وانتشرت دور العرض انتشارا هائلا بيد أن التاريخ الحقيقي للسينما المصرية – المدعومة بنشاط الجاليات الأجنبية في البلاد – يبدأ عام 1932 وهو تاريخ أول عرض سينمائي ناطق لفيلم " أولاد الذوات .
وعلى مدى ثمانية وخمسين عاما قدمت السينما المصرية ما يزيد على ألفى فيلم تم خلالها ترسيخ قيم الطبقة الرأسمالية المصرية وعبر عمليات الاقتباس الواسعة لمضامين السينما الأمريكية أعيد حشو أدمغة الجمهور المصري بنسق فكرى محدد وتم بالنهاية تهميش مشاعر هذه الجماهير وحصرها داخل دائرة الفهم البرجوازي وبرغم أن السينما – كأداة – هي مركبا جماليا واجتماعيا فإنها أيضا .
وهذا هو الأهم – منتجا اقتصاديا ومشروعا استثماريا ناهيك عن أهمية الأيديولوجية لذا وفى غمرة الحماس البرجوازي الصاعد ( بعد ثورة 1919 الكبرى ) للسيطرة على السوق المحلى قررت مجموعة طلعت حرب ويوسف قطاوى ( بنك مصر ) تأسيس شركة للتمثيل والسينما وتجهيز استديو مصري كامل يدفع هذه الصناعة – وهذه الأداة الأيديولوجية أيضا – خطوات كبيرة للأمام وهو ما تحقق فعلا عام 1935.
وبالقطع لم يكن ظهور هذا الفن الجديد سوى مقدمة لتكريس معطى اجتماعي وطبقي جديد يوظف في مقلمة دولاب الإنتاج السينمائي بصرف النظر عن هشاشة المضمون الفكري المطروح ( ممثلين – كومباس – منتجون – مخرجون – موظفون وفنيون – مكاتب توريد كزمباس .. الخ .. الخ ).
وقد ظلت السينما المصرية منذ بداية نشاطها وحتى الآن باستثناءات قليلة تندرج تحت ما يسميه " فرناند وسولانس " " واكتافيو جيتنيو " السينما الهوليودية أو سينما " الترفيه والتسلية " وبمعنى أكثر دقة سينما الوعي الزائف أو على حد تعبير الناقد السينمائي الكندي " أندريه باكيه " أنها سينما فائض القيمة .
أما تلك الأعمال الواقعية والجادة – المحدودة – التي عرضتها السينما المصرية فلم تتجاوز العشرين فيلما على مدى أكثر من خمسين عاما يمكن إدراجها تحت ما نسميه " الأعمال ذات الدلالات الفكرية " التي تعكس مشاكل وتناقضات البرجوازية الصغيرة برغم أنها تتم من داخل دائرة السينما التجارية وبرغم التدخل التدريجي من جانب الحكومة الناصرية في مجال السينما منذ عام 1955 .
والذي اتسع بعد عام 1962 وإنشاء المؤسسة المصرية العامة للسينما " فقد ظلت السينما المصرية تتسم بطابعها التجاري وطرحها لكل مخلفات القيم البرجوازية والأمريكية ويكفى أن نشير إلى أنه برغم الضجيج على الصوت حول الاستقلال عن المعسكر الاستعماري الغربي منذ عام 1961 والتوجيه نحو بناء الاشتراكية فقد ظلت السينما الغربية عموما والأمريكية خصوصا تشكل أكثر من 80% من عروض السينما المصرية .
جدول رقم ( 53 )

الأفلام الموزعة في مصر خلال الفترة 1954-1968 .

المصدر : عبد المعطى الشربينى " تسويق الفيلم المصري " دراسة تحليلية لمشكلات توزيعه " رسالة ماجستير في إدارة الأعمال كلية التجارة – جامعة عين شمس 1969 ص 53 .

ويبدو واضحا إلى أي مدى ظلت الغلبة والحضور الأيديولوجي المؤثر للسينما الغربية يساهم بدوره في تعميق مفهوم " السوبرمان " والحلم الأمريكي للثراء " وقد تبين أن نسبة الأفلام الأمريكية إلى إجمالي الأفلام الأجنبية المستوردة في مصر طوال العشرين عاما الماضية ( 1960-1980) تتراوح بين 77,8 إلى 53,8% وهو ما يظهر البيان التالي :
جدول رقم ( 54 )

عدد الأفلام المستوردة الأجنبية والأمريكية ونسبة كل منها خلال الفترة 1960-1980م

المصدر : حتى عام 1968 مصدره عبد المعطى شرف الشربينى ، مرجع سابق .

أما عام 1973 فصاعدا اتحاد الصناعات المصرية ، الكتاب السنوي لعام 1981 ص 569 .

وقد لعب القطاع الرأسمالي الفردي في مجال السينما دورا أساسيا في تعميق الأزمة بل والسطو على الإمكانيات المتاحة لقطاع السينما الحكومية فتمكن هذا القطاع الخاص من تمويل أكثر من 90% من الأفلام المنتجة خلال الفترة ( 62-1971) بأموال الحكومة المصرية وقدم أسوأ العروض السينمائية حتى من وجهة النظر البرجوازية وبذلك ساهم مساهمة أكيدة في سيادة الفيلم الأمريكي على عقلية الجمهور أصلا فباتت النجومية هي أحد أهم محددات المشاهد السينمائية في البلاد .
ففي استفتاء قامت به إحدى شركات الإنتاج السينمائي في [[مصر]ي عام 1963 بالتعاون مع إحدى المجلات الفنية المتخصصة تبين أن 59% من المشاركين في الاستفتاء قد ذكروا أهم دافع لمشاهدة الفيلم هو النجوم.
والجدير بالذكر أن نظام النجوم قد ظهر في السينما الأمريكية منذ عام 1909 على أثر تشكيل التنظيم الاحتكاري السينمائي الشهير لقد نجحت السينما التجارية الهابطة بحق في تكتيل ودمج الطبقات المستغلة في الوطن العربي بأسره في شبكة إنتاجها فهذا الواقع المتردي لم يكن يوما قاصرا على المجتمع المصري وإنما هو سمة من سمات البرجوازية العربية ولعل البيان التالي يلقى مزيدا من الضوء على هذه الحقيقة .
جدول رقم ( 55)

الأفلام المستوردة إلى الدول العربية خلال الفترة 1960-1966

المصدر: عبد المعطى مرجع سابق ص 84 .

وإذا حاولنا من جهة أخرى تحليل مضمون ما تطرحه السينما المصرية أو السينما الأجنبية أو ما يسمى " الرسالة الإعلامية " نجد التهميش المتعمد لحركة الطبقات الشعبية سواء في الأحداث الوطنية العظمى ( ثورة 1919 ) أو الكفاح الوطني والسري فيما بعد ذلك وبالمقابل تركيز الأضواء على الدور الايجابي الذي تقوم به الطبقات الرأسمالية ومدى إنسانيتها .
كما دفعت موجة انتشار الأفلام الجنسية وأفلام العنف والكاراتيه الأمريكية بصفة خاصة – بعض الأجهزة الثقافية الرسمية إلى التحذير من خطورة هذه الأنواع من الأفلام على سلوك الشباب إن الطابع الصنمى ينتقل إلى الإنسان وإلى فنه ليحولهما معا إلى أشياء تدخل دائرة التبادل على حد تعبير " أرنست فيشر " وعلى أية حال لقد أدى ظهور التليفزيون على ساحة الإعلام إلى التأثير بشكل لم يكن مسبوقا ليس فحسب على جمهور السينما والمسرح في مصر وإنما وهذا هو الأخطر على مجمل أوجه الحياة والتشريع في عملية تزييف الوعي الاجتماعي وتدجينه لصالح أشد الأفكار تخلفا ورجعية .

2- الإذاعة والتليفزيون :

علينا هنا أن نجسد ذلك الطرح النظري في أخطر الأدوات الإعلامية وأكثرها تأثيرا وفاعلية ، بالقطع فإننا نتجاوز النظرة التي تتسم بها عادة أبحاث الاتصال الجماهيري والتي ترتكز أكثر فأكثر على تأثير البرامج الدعائية على مشتريات السلع أو قبول وجهة نظر ما ، وذلك من خلال تركيزنا على الأثر التدرديجى أي الأثرالقيمى المتراكم .
فكما كانت السيطرة على السوق القومي واحدة من أغلى أهداف الطبقة البرجوازية الصاعدة في أوربا منذ مطلع القرن السابع والثامن عشر ، فإنه بعد أن تحققت لها هذه السيطرة بالثورات الثلاث الكبرى الانجليزية ( 1648) والأمريكية ( 1777) ثم من بعدها الثورة الفرنسية (1789) باتت السيطرة على عقول وقيم الطبقات الأخرى وخاصة طبقة العمال التي ما فتأت بين الحين والآخر تعلن تمردها الاقتصادي عبر الإضرابات عن العمل – والسياسي عبر حرب الشوارع والاستيلاء بين الفينة والأخرى على السلطة كما حدث في كوميونه باريس عام 1870 .
وهكذا استخدمت كل التطورات اللاحقة في قوى الإنتاج المادي والمكتشفات العلمية الحديثة في مجال الاتصالات لتدجين هذه الطبقات المتمردة وتحويلها إلى أداة سهلة القيادة للطبقة البرجوازية الحاكمة وبالقطع لم يكن ذلك ليقتصر على التركيب الاجتماعي في بلد المنشأ (أوربا ) وإنما انتقل ليلعب دورا أشد ضراوة في البلدان الرأسمالية المتخلفة .
فالثورات الإعلامية الثلاث ( المطبعة – السينما – الإرسال الإذاعي والتليفزيون ) قد دفعت بالسيطرة الأيديولوجية القيمية البرجوازية على بقية الطبقات خطوات بعيدة للأمام وإن كانت بالمقابل قد أدت لتشوه شديد القسوة في مفاهيم الطبقات الفقيرة حول مضامين أزمتها ودرجة وعيها بأسباب هذه الأزمات .
يكفى أن نشير على سبيل المثال وليس الحصر أن الشخص العادي في عالمنا المعاصر يتعرض يوميا لأكثر من 1500 رسالة إعلامية تؤثر بدرجة مدهشة على سلوكه وتوجهاته السياسية والثقافية .
ومما لا شك فيه أن آلة الإعلام الامبريالية ( والأمريكية تحديدا ) تمثل الأساس المرجعي لكل النغمات التي تعزفها أدوات الإعلام في الدول الرأسمالية المتخلفة وفى مقدمتها مصر .
ولعل هذا الواقع قد دفع منظمة الأمم المتحدة للثقافة والتربية والعلم " اليونسكو " والعلوم عام 1977 لتشكيل اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الاتصال " والتي طالبت في تقريرها الختامي بالتداول المتوازن للإعلام وبضرورة البحث عن " نظام دولي جديد للإعلام ذي الاتجاه الواحد .
تبدأ قصة الإرسال الاذاعى في مصر في الحادي والثلاثين من مايو عام 1934 أي متأخرة بنحو ستين عاما عن مثيلتها في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية .
وفى البداية منحت الحكومة المصرية عقد احتكار الإرسال الاذاعى إلى شركة " ماركونى " بيد أن الإدراك المتنامي من جانب الحكومة والطبقة الرأسمالية المصرية لخطورة الأداة الإعلامية وضرورة توظيفها المباشر من جانبها لتدجين مشاعر وقيم الطبقات المتمردة في ذلك الحين ( خاصة العمال والطلبة ) قد أدى إلى إنهاء الحكومة لعقد احتكار " ماركونى " وتسلمتها الحكومة المصرية رسميا في الرابع من مارس عام 1947 .
ومنذ ذلك الحين ازداد عدد ساعات الإرسال الاذاعى من الشبكة الرئيسية ( البرنامج العام ) ليصل عام 1952 إلى نحو إحدى عشر ساعة متواصلة هذا بخلاف أربعة ساعات للبرنامج الأوربي المحلى .
ومع المحاولات الناصرية اللاحقة لتوسيع هامش وجودها الاعلامى والسياسي في الداخل والخارج وتوسيع نطاق تبادل السلع الثقافية وذلك عبر تعميم كهربة الريف إلى أوسع نطاق ممكن ، أمكن تحقيق الضم الثقافي الأسرى للريف إلى قيم المدينة من خلال الإرسال الإذاعي والتليفزيوني فيما بعد .
على أية حال ارتفع متوسط عدد ساعات الإرسال الاذاعى بأكثر من الخمسة عشر ضعفا خلال الثلاثين عاما الماضية حيث بلغ أكثر من 163 ساعة يوميا عام 1983 / 1984 .
ثم إلى ما مزيد عن 193 ساعة يوميا في عام 88/ 1989 ولا يكفى هذا الحجم المذهل في ساعات الإرسال الاذاعى لنتبين مقدار غسيل المخ أو تزييف الوعي للفقراء في مصر من جانب الحكومة المصرية التي تمثل الطبقة الرأسمالية المسيطرة وإنما لنتقرب أكثر إلى التوزيع النوع لهذا الإرسال ثم إلى مضمون الرسالة الإعلامية المتضمنة في هذا الإرسال .
جدول رقم (56)

التوزيع النوعي للإرسال الاذاعى في مصر لعامي 83/1984 و 198988/

المصدر : اتحاد الإذاعة والتليفزيون الكتاب السنوي لعامي 83/1984 (ص 69) و 88/1989 ص 88 مرجع سابق ص 69 .

علينا هنا أن نبدى مجموعة من الملاحظات :

أولا : أن الحيز الترفيهي يشكل أكثر من 43,5% عام 84/1984 ، 41% عام 199888/ مما يؤكد أن وسائل الإعلام تهتم أساسا بعنصر الترفيه وتتجاهل إلى حد كبير عرض القضايا التي تهم الرأي العام وحركة قوى المعارضة .

ثانيا : أن المحتوى الثقافي – بصرف النظر عن عدم معرفة المعايير التي تتم وفقا لها عملية التصنيف هذه – يحمل محتوى ينتمي إلى قيم الطبقة المهيمنة على الدولة وعلى أدواتها الفكرية والإعلامية .

ثالثا : يشمل البث السياسي نشرات الأخبار وموجز الأنباء والتعليقات السياسية وهى كلها تعكس وجهة نظر الحكومة المصرية وبالتالي الطبقة المسيطرة وهو ما يؤدى إلى اتساع ظاهرة الذين لا رأى لهم في مثل هذه المجتمعات.

ومما لا شك فيه أن الإرسال الاذاعى قد ظل يمثل أحد أهم الأدوات الإعلامية والإخبارية إن لم يكن أهمها على الإطلاق لسكان المدن والقرى والمحافظات المختلفة بالبلاد لمدة تقارب الثلاثين عاما وقبل بداية الإرسال التليفزيوني في يوليه عام 1960 .
أي أن الإرسال الاذاعى قد ظل يمثل السيطرة الطبقية المحلية المباشرة للبرجوازية المصرية حيث لم تكن للسينما حتى ذلك التاريخ تأثيرا على سكان القرى والمحافظات البعيدة نظرا لتركز دور العرض بالمحافظات الأربعة الرئيسية ( القاهرةالاسكندريةالسويسالإسماعيلية ) .
والحقيقة أن التزييف الواسع والمزدوج ( المصري الرأسمالي – الأمريكي الاستعماري ) لوعى الطبقات المضطهدة في المجتمع المصري قد جاء في أعقاب ذلك المارد الجديد المسمى التليفزيون .
لم يكن قد مضى نحو نصف قرن على اختراع أداة العرض السينمائي في أوربا والولايات المتحدة حتى شرعت جهود بعض العلماء الأوربيين العاملين في شركات الإنتاج السينمائي في تطوير أدواتهم باتجاه خلق وسيلة أكثر فاعلية وتأثير تكون قادرة على تجاوز معطيات المشاهدة السينمائية إلى اقتحام غرف معيشة بل وغرف نوم مواطنيهم لتضمن سيادة نسق القيم البرجوازية على الجميع دون عائق وهكذا بدأت هذه الجهود في بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا منذ عام 1930 وكللت هذه الجهود بالنجاح بانتظام أول إرسال تليفزيوني في بريطانيا عام 1936 .
وبهذا دارت عجلة الإنتاج لبعض الشركات البريطانية ، ومنذ ذلك التاريخ حتى عشية اندلاع نيران الحرب العالمية الثانية ( سبتمبر 1939 ) كان عدد أجهزة التليفزيون المباعة هناك قد تجاوزت العشرين ألفا وبعودة الإرسال للانتظام مرة أخرى بعد نهاية الحرب بلغ عدد هذه الأجهزة نحو 5 مليون جهاز ( عام 1955) في بريطانيا وحدها .
وفى الولايات المتحدة ارتفع عدد حائزي التليفزيون من 13% عام 1950 إلى 68% من إجمالي السكان عام 1955 ثم إلى 90% عام 1962 وتجمع الدراسات المتخصصة في مجال الاتصال الجماهيري على خطورة وفاعلية الإرسال التليفزيوني بالنسبة لبقية مصادر الإعلام الأخرى مثل الصحافة والإذاعة والسينما ... الخ .

لتوافر شروط ثلاثة لا تجتمع لغيرها من أدوات الإعلام وهذه الشروط هي :

أولا : أنها أداة للاستمتاع لا تنتظر المشاهد حتى يأتي إليها وإنما هي تقتحم عليه مسكنه وتفرض نفسها فرضا .

ثانيا : ما ينشأ لدى مشاهديه من استعداد مسبق لتقبل ما يعرض عليهم أي ما يعرف في العلوم النفسية بالاستعداد النفسي للتوحد مع الأبطال أو الأشخاص محل إعجابهم .

ثالثا : أن وقت المشاهدة كبير إلى حد مدهش وأن تأثيره عبر حاستي ( النظر والسمع ) يعد فاعلا إلى أقصى الحدود .

على أية حال ، نرى من المناسب قبل التعرض لتجربة الإرسال التليفزيوني في مصر ومدى تفاعلها مع المعطيات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسلوكية أن نتوقف قليلا عند مشكلات هذه الأداة الإعلامية والاتصالية في أكثر النماذج الرأسمالية تقدما حتى تتبين بدرجة أكثر وضوحا تضاعف الأثر السلبي للإرسال التليفزيوني في النموذج المصري ، ومن ثم تحديد مدى الغزو الثقافي والحضاري الأمريكي والغربي في هذا المجال بشكل واضح وملموس .
فمنذ أن بدأ الإرسال التليفزيوني المنتظم في الدول الرأسمالية الصناعية ( خاصة انجلترا ) 1936 ثم عودته للانتظام في أوائل عام 1955 ، لم تنقطع هذه الدراسات التي حاولت تتبع الأثر القيمى ( الايجابي أو السلبي ) لهذه الأداة الإعلامية الجديدة .
وحتى منتصف عام 1975 بلغت هذه الدراسات نحو ألفين وثلاثمائة دراسة ومرجع عن التليفزيون .
لعل من أبرز هذه الدراسات التي أعدتها الأستاذة هيلد . ت هميلوت بطلب من هيئة الإذاعة البريطانية ومؤسسة نوفلد واستمرت أكثر من عامين ( 1956-1958) عن أثر التليفزيون على الأطفال والنشء في بريطانيا " .
بيد أن تركيز دراسة الأستاذة هيلد . ت هميلوت المبكرة عن تأثير هذه الأداة الإعلامية على الأطفال ( ما دون الثانية عشر ) قد أفقد الدراسة طابع الشمول وإن كان على أية حال لم يفقدها أهميتها .

فإذا حاولنا إجراء لنتائج أو نقاط بحث الدكتورة " هيلد " أمكننا استخلاص الحقائق التالية :

أولا : تأثير أفلام الغرب الأمريكية على الأطفال في بريطانيا :

لقد تبين من حصر إعداد البرامج التي تقوم على القناتين البريطانيتين الرئيسيتين وقتئذ هما b b c والمحطة التجارية itv أن القوام الرئيسي لمضمون البرامج هي قصص الغرب الأمريكية وقصص الجريمة والمغامرات القائمة على عنصر التباهي والتفاخر .
وقد كان من أهم القضايا التي شغلت فروض جميع الباحثين ، في مجال الإعلام بشكل عام والتليفزيون بشكل خاص هو إلى أي مدى تؤثر مثل هذه النوعية من الأفلام على السلوك العدواني لدى الأطفال ؟
وكان على الأستاذ gerbner أن يقدم إجابة محددة على ذلك التساؤل من واقع دراسته الشهيرة التي قام بها أوائل عام 1972 وذلك بتحليل مضمون العنف المتضمن بما يعرضه التليفزيون الأمريكي خلال الثلاث سنوات ( 1967-1969) وقد أبرز البحث مجموعة من الحقائق في هذا الصدد أهمها :

1- يوجد أعلى مستوى للعنف في التليفزيون التجاري الأمريكي إذ تحتوى كل عشرة برامج على ثمانية برامج للعنف .

2- برامج الكارتون للأطفال فيها العنف بدرجة مثيرة ، فمن 95 كارتونا عرضت في السنوات الثلاث محل الدراسة تبين أن أربعة منه فقط لا يحتوى على العنف .

وإذا أدركنا أن الأطفال في الولايات المتحدة ( 5-6سنوات ) يقضون أمام التليفزيون نحو 4 إلى 5 ساعات يوميا أمكننا أن نتعرف بدقة على النسق القيمى والأخلاقي ( القائم على تغليب عنصر القوة على الحق ) لدى النشء في الولايات المتحدة وتثير هذه المسألة السؤال التالي : من يقوم بالعنف ؟ وما هي وسيلة العنف ؟

وأخيرا ما هي نتائج هذا العنف ؟

الحقيقة أن الإجابة من واقع تحليل مضامين ما يقدمه التليفزيون الأمريكي بشكل خاص لا يخرج عن التالي :

من يقوم بالعنف هم البشر غالبا وأن وسيلة العنف هي الأسلحة بمختلف أنواعها ثم وبالنتيجة فإن الجروح والقتل هي المحصلة .
وكذا توقف الخبير الاستراتيجي الفرنسي الشهير " أندريه بوفر " لتحليل هذا النموذج الأمريكي ودرجة اضطرابه – برغم جاذبيته الشكلية لدى البعض – بقوله ( لا تستطيع النخبة الأمريكية المثقفة التي صدمتها النزعة المتزمتة إلا أن ترفض الإلزامات المفرطة لهذا المجتمع وافتقاره إلى روح إنسانية حقيقية وقد ارتمى الرافضون للمجتمع الأمريكي الجديد بدون روية .
في تعاطي المخدرات وفى اللواطة والتسول " الهيبيز " حتى أنهم اندفعوا إلى العنف الاجرامى في حادثة الحي الغربي ) .
وقد علق أحد أساتذة علم الإجرام في الولايات المتحدة نفسها ( جلوبك ) على ذلك النمط الأمريكي بقولة ( لابد أن يكون للتركيز الدائم على الجرائم المثيرة أثر نافذ على ذهن النشء ) .
وقد قام سميث ومجموعة من الباحثين بمشاهدة جميع البرامج التليفزيونية التي عرضت في مدينة نيويورك خلال أسبوع كامل من عام 1951 ووجد أن عدد أعمال العنف والتهديد التي ارتكبت في هذه البرامج قد بلغت 7065 عملا وإذا كانت دراسة سميث قد اعتمدت على التحليل الكمي فإن دراسة أخرى قد أجريت في بريطانيا في شهري فبراير و مارس من عام 1956.
واعتمدت على منهج التحليل الكيفي ولم تخرج النتائج عن ذلك كثيرا ، فمحطة bbc عرضت نحو 73% من تمثيليات الأطفال في صورة مغامرات وازدادت هذه النسبة في المحطة التجارية I t v وقد أدت هذه الوقائع في الولايات المتحدة إلى دعوة مجلس الشيوخ الأمريكي لتشكيل لجنة فرعية ( برئاسة السناتور كيفوفر ) عام 1956 لدراسة أثر التليفزيون على جناح الأحداث . وإن ظلت توصيات هذه اللجنة في النهاية حبيسة الأدراج ، فالسياسة الإعلامية – والتليفزيونية – تشكلها هناك على أية حال أصحاب المصالح والنفوذ .
لقد باتت البرامج التليفزيونية أحد أهم السلع التجارية في العالم الرأسمالي المعاصر وافتقدت بالتالي كثير من صفاتها الثقافية والإنسانية .

ثانيا : تأثير التليفزيون على نسق قيم الأطفال :

تبرز دراسة هيملوت ، حقيقة على جانب كبير من الأهمية ، لعلنا هنا نعتبرها من أبرز النتائج التي تكشف الدور الرجعى المتنامي لهذه الأداة الإعلامية من جهة ودورها في تزييف وعى النشء لتحليل مضمون ما قدمته برامج المحطتين الأساسيتين في بريطانيا – وقتئذ bbc itv يظهر أن النظرة العامة إلى الحرف اليدوية أنها عديمة القيمة والأهمية وتمجد نمط حياة الطبقة البرجوازية والمتوسطة وبمقارنة نتائج استطلاع آراء عينة الدراسة بالمجموعة الضابطة تبين أن عينة الدراسة أي الأطفال الذين يداومون على مشاهدة التلفزيون أكثر تطلعا إلى الطبقة المتوسطة والرغبة في شغل وظائفهم الإشرافية ( دون الإنتاجية ) .
بل إن التليفزيون البريطاني قد دعم النظرة المادية للأطفال وكذلك النجومية كما أن تحليل مضمون " التمثيليات " التي عرضها التليفزيون البريطاني تبين أن 75% من الشخصيات التي أذيعت في المحطتين الرئيسيتين ينتمون إلى الطبقة البرجوازية العليا بينما 7% فقط من الطبقة العاملة والأخيرون في أدوار ثانوية فمستوى معيشة الأولين مريحة والحجرات فسيحة ومؤثثة بطريقة فاخرة والشخصيات أنيقة الملبس وتملك سيارة في معظمها .
ومن ناحية أخرى فقد أدى التليفزيون لتضاؤل ميل الأطفال بل وحتى الكبار للقراءة والاطلاع فمشاهدة التليفزيون في بريطانيا يعد من أكثر الأنشطة استحواذا على وقت فراغهم وكذلك في الكويت ومصر .
وبالمقابل فإن التليفزيون هناك لا ينمى المعلومات العامة لدى الأطفال ويرجع ذلك إلى نمط المشاهدة الذي يفتقر للتفاعلية من المشاهد والقائمين على إعداد وعرض البرامج .
بل وتصل نتائج هذه الدراسات إلى أن الأطفال الأقل ذكاء ( والأغبياء ) هم الأكثر مشاهدة للتليفزيون في بريطانيا .

وأن الأطفال الذين يتمتعون بمستوى اجتماعي وعاطفي أفضل أقل مشاهدة للتليفزيون .

ثالثا : تأثير التليفزيون على البناء الأسرى :

يرتبط تأثير التليفزيون على البناء الأسرى بعمليتين حيويتين تجريان في آن واحد :

الأولى : وهى طابع عملية المشاهدة التي تتسم بطابع السلبية حيث تبدو المشاهدة كمحاولة هروبية ( ترفيهية ) تعيد للمشاهد توازنه الوهمي في واقع متعدد المشكلات .
الثانية : أن الآباء قد أناطوا للتليفزيون مهمة القيام بعملية التنشئة الاجتماعية من خلال استسلامهم هم أنفسهم لقيم التليفزيون واسترسالهم في المشاهدة أمام أبناءهم .
فالتليفزيون يقوم بجمع شمل الأسرة ولكن دون تفاعل ومن ثم فليس من المتصور أن يقيم علاقات تجانس أو تقارب بين أفراد الأسرة وهاتين العمليتين يمكن وصفهما بأنهما يكرسان واقع التفتت والانفصام .
حاولنا في الجزء السابق بيان الأثر السلبي لهذه الأداة الإعلامية الجديدة ، في مجتمعات تبدوا أكثر انفتاحا من الناحيتين الثقافية والديمقراطية وبالقطع فالتباين الواسع بين المعطيات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية هناك والأوضاع المصرية ، تؤكد فكرة " مضاعف الأثر السلبي .

لعدة أسبابا نذكر منها :

أولا : أن المناخ الليبرالي الواسع نسبيا الذي تعيش في ظله مختلف الطبقات الاجتماعية والفئات العمرية تؤدى إلى تنوع مصادر المعرفة من ناحية ونمو الحاسة النقدية للمستمع أو المشاهد للبرامج التليفزيونية في ناحية أخرى بعكس الحال في البلاد الرأسمالية المتخلفة ومنها مصر حيث نجد تراثا من العداء من قبل الطبقة الحاكمة وفى أجهزة الإعلام المختلفة لأي صوت معارض أونبرة نقدية .
ثانيا : أن تنوع أساليب قضاء وقت الفراغ لدى الأطفال عموما في هذه الدول تفترض تقليص عدد ساعات المشاهدة لأجهزة تزييف الوعي ( خاصة التليفزيون ) وهو ما يتناقض تماما لدى الأطفال المصريين حيث يؤثر انخفاض مستوى المعيشة من جهة وانعدام الرعاية الاجتماعية والرياضية وتخلف أجهزة ومؤسسات الشباب والطفولة إلى تنامي الأثر السلبي لأبسط الأدوات تناولا للطفل ( التليفزيون ).
ومن ثم تتضاعف عدد ساعات المشاهدة وبالتالي ترسيخ قيم وعادات اجتماعية قد تكون غير بناءة من وجهة النظر الاجتماعية والسياسية والثقافية كما اجتمعت على ذلك تلك الدراسات الجادة التي قدمها عدد من المهتمين بثقافة الطفل في مصر وهنا تجسدات الوعي الزائف ذاتها في السلوك المشاهد في السنوات الأخيرة لقطاعات الشباب والأطفال .
ثالثا : أن الغزو الثقافي يتجسد أكثر فأكثر في هذه الأداة الإعلامية الخطيرة ويتم استزراع قيم النموذج الأمريكي بقسوة في وجدان قطاعات واسعة من الشباب والأطفال ليس من شأنه فحسب تشويه نسق القيم لهؤلاء وخلق ازدواجية فكرية وسياسية وإنما وهذا هو الأهم خلق حالة اغتراب عن قضايا الوطن وهمومه والانتماء بمعناه الواسع لهذا النموذج الأمريكي الجذاب .
يكفى أن نشير إلى أن ما صدرته الولايات المتحدة الأمريكية عام 1981 فحسب إلى دول العالم الثالث من برامج تليفزيونية قد بلغ نحو 100 ألف ساعة .
كما أن دور السينما في العالم كله تخصص أكثر من نصف وقتها لعرض الأفلام الأمريكية . وهو ما دفع البعض إلى التحذير من تفاقم هيمنة الفكرالغربى عموما والأمريكي خصوصا أو على حد تعبير أحد العاملين في الحقل الدبلوماسي المصري " انتشار ومقبولة الإطار القيمى الأمريكي في العالم " .
فإذا كانت الإذاعة هي أداة السيطرة الطبقية من جانب الرأسمالية المصرية على بقية الطبقات فإن التليفزيون قد نقل أداة السيطرة الفعلية للرأسمالية العالمية عبر عمليات الغزو الثقافة وتصدير البرامج التليفزيونية من الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا إلى الواقع الاجتماعي المحلى .
فإذا أخذنا الإرسال التليفزيوني في مصر خلال إحدى السنوات كمثال لتحديد طبيعة التوجه الإعلامي من قبل النظام السياسي في مصر لبقية الطبقات الاجتماعية نكتشف إلى أي مدى تمثل تزييف الوعي هدفا أساسيا .
فقد بلغت عدد ساعات البث التليفزيوني خلال عام 198988/ نحو 11756 ساعة أي بمتوسط يومي يصل إلى 33 ساعة و13 دقيقة خص منها القناة الأولى نحو 41,64% بمتوسط يوميا والقناة الثانية 36,5% والقناة الثالثة 15,2 والرابعة 6,6% .
وبمقارنة عدد ساعات الإرسال في مصر ببلد متقدم كالسويد نجد أن الأخيرة لا تتعد نسبة البث التليفزيوني لديها 60% من ساعات البث التليفزيوني في مصر .
ويقرر الكتاب الاحصائى لاتحاد الإذاعة والتليفزيون حقيقة تكامل القنوات من حيث الأهداف العامة وتنافسها من حيث الشكل والإطار الفني فحسب والبيان التالي يشير إلى التوزيع النوعي ( البرامجى ) لساعات البث التليفزيوني لعام 198988/ .
جدول رقم (57)

التوزيع النوعي لساعات البث التليفزيوني لعام 88/1989 على القنوات الأربعة .

المصدر : اتحاد الإذاعة والتليفزيون ، الكتاب السنوي لعام 198988/ ص 130 .

قد يكون من المناسب التوقف هنا قليلا لإبراز مجموعة من الحقائق التي تلقى مزيدا من الضوء على هذا التوزيع وذلك بتحليل مضمون ما يقدم للمشاهدين عبر هذه البرامج .
فأولا : نلاحظ من هذه البيانات افتقار البث التليفزيوني المصري " للتوازن البرامجى " حيث غلبه البرامج الترفيهية التي تتضمن اهتماما كبيرا بالأنشطة الرياضية خاصة مباريات كرة القدم التي رغم مظهرها الحيادي ، ترسخ في الواقع تعصبا شديد التخلف من الناحيتين الاجتماعية والثقافية وتخلق اهتمامات للمواطنين بعيدة عن همومهم الطبقية والاجتماعية الحقيقية وكذا خلق المناخ المنافي لروح الانتماء للوطن ولقضاياه الكبرى .
ثانيا : نلاحظ كذلك التوسع في البرامج الدينية ( الإذاعة 18,8% والتليفزيون 9,2% ) كمحاولة لعلاج إفلاس الفكر والثقافة البورجوازية وإلباس هذا الإفلاس غطاء دينيا شرط ألا يبتعد هذا الغطاء عن نفس المضمون الاجتماعي الذي يكرس واقع الاستغلال القائم .
ثالثا : برغم غياب معايير واضحة حول أساس هذا التصنيف ( الثقافي مثلا ) فسوف نلاحظ أن بعض البرامج الترفيهية أو التي تحمل طابعا مقامرا ( فوازير رمضان مثلا ) على أساس أنها برامج ثقافية وتشير المتابعة الدورية للبرامج التي تقدم في شهر رمضان من كل عام إلى تنامي روح المضاربة والمقامرة في المجتمع بفعل برامج المسابقات ( الفوازير ) والفئات تحلقا حول هذه البرامج ( الإذاعة والتليفزيون ) هم الفقراء والذين يداعبهم حلم الثراء المفاجئ عبر جائزة من جوائز هذه المسابقات .
رابعا : وبالتوغل أكثر في مضامين البرامج الدرامية نكتشف أن هذا النوع من المغامرات والمقامرات تمتلئ بالمسلسلات المحلية منها والأجنبية وبخاصة الأمريكية حيث تتجاوز نسبة ما يقدم من المسلسلات الأمريكية بالتليفزيون المصري عموما ( المنوعات معظمها أمريكي ) نحو 40% من إجمالي المعروض ، وترتفع هذه النسبة في المسلسلات البوليسية لأكثر من 65% ومما لا شك فيه أن ما تحمله هذه المسلسلات من قيم وإمكانيات الحلول الفردية والسوبر مان ( رجل بستة ملايين دولار ) هي تجسيد حي لما نسميه " استزراع قيم سهلة مدمرة في آن معا " لعقلية المشاهد المصري والطفل المصري على وجه الخصوص وهو ما من شأنه تخليق المواطن " اللامنتمى " أو " المغترب " عن قضاياه الوطنية والاقتصادية والاجتماعية .
خامسا : نأتي إلى برامج الإعلانات والتي تشكل بحد ذاتها نمطا اقتصاديا يؤدى وظيفة اجتماعية وقيمي شديدة التأثير ففي دراسة قام بها البروفسير bandura وهو من رواد نظرية التعليم الاجتماعي عن تأثير الإعلانات التجارية على الأطفال في الولايات المتحدة تبين أن لهذا النوع من البرامج تأثير خطير على المشاهدين عموما والأطفال خصوصا حيث أظهرت دراسته 74,% من أطفال عينة الدراسة يغنون أغاني الإعلانات التجارية وبالمقابل يتبين بتحليل مضمون إعلانات التليفزيون المصري أن محتوى الإعلان الثقافي ( المسرح – الكتاب – المعارض الفنية – المؤتمرات العلمية .. الخ ).
تكاد تكون معدومة بينما تتعاظم مساحة الزمن التي تشغلها الإعلانات التجارية والاستهلاكية وهو ما دفع البعض للإشارة إلى تأثير التليفزيون على الأطر القيمية وإفساد الوعاء اللغوي للفكر المصري والعربي .
سادسا: نأتي أخيرا إلى أكثر أوجه الحركة الثقافية تأثرا بالإرسال التليفزيوني ألا وهى القراءة والاطلاع بالمكتبات العامة والحقيقة أننا لا نستطيع أن نجزم بأن انخفاض عدد القراء وحركة الاستعارة تعود أساس إلى تأثير التليفزيون السلبي فهذه الظاهرة هي حصيلة الاغتراب عموما الذي يعانيه قطاع واسع من الشباب المصري ، والذي بدأ في البروز منذ هزيمة يونيه عام 1967 إلى أقل من 13 ألفا عام 1980.
أما المكتبات الفرعية فقد شهدت انخفاضا مماثلا من 422 ألف إلى 184 ألف تقريبا خلال نفس الفترة والظاهرة تمتد إلى حركة الاستعارة كما أشرنا حيث انخفضت أعداد الكتب المعارة في دار الكتب من 90 ألف كتاب إلى 26 ألف عام 1980 أما المكتبات الفرعية فقد انخفضت من 734 ألف كتاب إلى 401 ألف تقريبا خلال نفس الفترة .

عموما سوف نعود لتناول هذه الظاهرة بالتفصيل في السطور القادمة .

3- المسرح .. الكتاب .. الصحافة :

تتميز هذه المعزوفة الثلاثية بكونها أدوات للتعبير تتجاوز أحيانا كثيرة القيود القاسية المفروضة على وسائل الإعلام والاتصال الأخرى في عالمنا المعاصر سواء كانت هذه الشروط أو القيود مفروضة من جانب السلطات والحكومات أو من جانب الطبقات البورجوازية المهيمنة ذاتها .
ذلك أن هذه النشاطات قد ارتبطت منذ فجر الحضارة الإنسانية خاصة الحضارتين اليونانية والرومانية بانتزاع الإنسان / الفرد والإنسان / الجماعة لحق التعبير عن أفكاره ومصالحه .
وهكذا جاء المسرح الدرامي للثلاثي اليوناني ( يوربيدس – اسخيلوس – سوفوكليس ) منذ خمسة قرون قبل ميلاد المسيح انعكاسا صادقا لواقع التناقض الاجتماعي والسياسي داخل المجتمع الأثيني القديم بين الحزب الارستقراطي من جهة والحزب الديمقراطي من جهة أخرى .
وكذلك تحمل مضامين مسرحيات " شكسبير " ( 1544-1616 ) تلك الروح القلقة لمجتمع يحتضن في جوفه ملامح عالم جديد وحضارة إنسانية أكثر تقدما من حضارة المجتمع الاقطاعى القائم وقتئذ ولذا فليس في وسع الفنان أن يجرب على حد تعبير " أرنست فيشر " شيئا غير ما يقدمه له عصره وظروفه الاجتماعية .
وفى مصر انتقلت قوالب المسرح الأوربي منذ مطلع القرن العشرين على يد مجموعة من الفنانين الشوام والمصريين ( جورج أبيض – يعقوب صنوع – زكى طليمات – يوسف وهبي .. الخ ).
بكل ما تحمله من مضامين وقوالب خاصة بالمجتمعات الأوربية وبالأشكال الدرامية التي باتت أحد أهم المعالم المميزة للحضارة الجديدة هناك .
والحقيقة أن المسرح المصري والعربي لم يحقق لنفسه وجودا مستقلا في رسالته إلا بظهور كتابات توفيق الحكيم منذ العقد الثاني من هذا القرن بمسرحيته الشهيرة ( أهل الكهف .. الخ ) .
وامتدت هذه المحاولات بتلاوينها الإصلاحية والاجتماعية في أعمال " الفريد فرج " و " نعمان عاشور " و " يوسف إدريس " منذ منتصف الأربعينات وحتى منتصف الستينات .
ومع اشتداد التناقضات الاجتماعية في مصر واتساع دائرة الاستقطاب الطبقي تبرز إلى السطح أكثر الأعمال الفنية والمسرحية اكتمالا واتساقا مع الطبقات الشعبية وطموحها وهكذا جاءت أعمال محمود دياب ونجيب سرور وغيرهما تعبير عن معطيات اجتماعية واقتصادية جديدة دخل بها المجتمع والفكر دائرة الصراع المتفاقم بحثا عن مخرج أكثر إنسانية .
ويربط أحد أبرز النقاد والمفكرين المصريين ( د. لويس عوض ) بين ظاهرة ازدهار المسرح المصري في الستينات وعملية المصالحة السياسية التي تمت بين الكتاب الاشتراكيين ونظام الرئيس عبد الناصر عام 1961 ويؤكد على أن ذلك التصالح ظل محصورا في دائرة الأدب والفن أكثر منه في مجال الفكر والعمل السياسي المستقل .
هذا الازدهار " الهش " شهد بدوره تدهورا وانحطاطا على إثر الهزيمة العسكرية التي تعرضت لها الأنظمة العربية في الخامس من يونيه عام 1967 والتي انعكست سلبا على قطاع الثقافة والفن بشكل عام والمسرح بصورة خاصة .
فمن الآن وصاعدا ، أخذ دور الرقابة يتزايد كلما تصاعدت نبرات المعارضة وتلميحات من جانب قطاع عريض من الكتاب والفنانين حتى أن البعض قد أطلق على عام 1969 عام مصادرة الأعمال الفنية والمسرحية حيث تم مصادرة نحو تسعة عملا مسرحيا وروائيا لكبار الكتاب المسرحيين المصريين .
فإذا أخذنا في الاعتبار الدور المتنامي للتليفزيون على عقل ونمط قيم وسلوك المواطن المصري خلال هذه الفترة فإن النتائج المنطقية لم تكن لتخرج عن تفشى الأعمال المسرحية والفنية الخالية من المضمون والتي ستتجه للبروز فأكثر بعد عام 1974 وسيطرة القطاع الرأسمالي الخاص على قطاع المسرح والسينما بكل مستجدات القيم التي صاحبت الحقبة النفطية .
فإذا أخذنا المؤشرات الإحصائية المتاحة برغم ما يشوبها عادة من عدم دقة تظهر أن ليالي العرض المسرحية لمسارح القطاع العام " قد انخفضت من 1360 ليلة عرض عام 65/1966 إلى أدنى مستوى لها عام 1980 حيث بلغت 751 ليلة عرض .
وبالمقابل انخفضت عدد المسرحيات المعروضة من 74 مسرحية إلى 20 مسرحية فقط خلال نفس الفترة .

هذا عن مسارح الدولة فماذا عن مسارح القطاع الخاص ؟

شهدت مسارح القطاع الخاص ، ازديادا في عدد الفرق المسرحية وكذا في عدد الرواد خاصة في السنوات الممتدة من عام 1975 وحتى أواخر عام 1979 وذلك بسبب انتعاش الحركة السياحية في مصر من جهة ( خاصة السياح العرب ) وكذلك بفضل الرواج المالي الذي أصاب قطاعات مهنية وحرفية محددة .

ويقدم البيان التالي صورة عن النشاط المسرحي في مصر بالقطاعين الحكومي والخاص طوال العشر سنوات الممتدة من عام 1971 وحتى عام 1980 .

جدول رقم ( 58)

النشاط المسرحي بالقطاعين الحكومي والخاص خلال الفترة 1971-1980

المصدر : وزارة الثقافة ، المجلس الأعلى للثقافة " الثقافة في عهد السادات " 1982 ص 209

وسنلاحظ من البيان السابق ، أنه برغم تزايد إيرادات القطاع المسرحي من 146 ألف جنيه عام 1971 إلى 479 ألف جنيه عام 1980 فإن عدد ليالي العرض المسرحية قد انخفضت بعد عام 1974 وكذا عدد المشاهدين قد انخفض بصورة ملموسة من 633 ألف مشاهد تقريبا إلى أقل من 565 ألف مشاهد خلال نفس الفترة وذلك على الرغم من التزايد الحادث في أعداد السكان ..
لقد كان هذا التدهور في النشاط المسرحي مواكبا للتحول الذي طرأ على مضمون ودور المسرح ومناظرا للتحول الذي طرأ على المجتمع ككل ومخاطبة فئات اجتماعية قديمة / جديدة نمت مع هذا التحول في مصر .

إذا انتقلنا من قطاع المسرح بكل ما يتسم به ن خصوصه وتفرد إلى الكتاب وحركة النشر والقراءة فسوف تواجهنا مجموعة من الحقائق القاسية :

الحقيقة الأولى :

إن التحليل الكمي لما أخرجته المطبعة الثقافية التابعة لأهم دور نشر في مصر وهى الهيئة العامة للكتاب خلال الفترة 1971 وحتى عام 1980 يشير إلى تدهور ثقافي شامل فعلى سبيل المثال انخفضت عدد الكتب العربية المؤلفة ( العناوين الجديدة ) انخفاضا كبيرا فمن 132 عنوانا ( كتابا ) عام 1971 إلى 79 عنوانا خلال عام 1980 وبالمقابل تدهورت عدد النسخ المطبوعة من 627 ألف نسخة تقريبا إلى 292 ألف فقط خلال نفس الفترة ، وكذا بالنسبة لبقية الكتب والمجلات وهو ما يظهره البيان التالي .
جدول رقم ( 59)

نشاط المطبعة الثقافية في مصر خلال الفترة 1971-1980

المصدر : الثقافة في عهد السادات ، مرجع سابق .

أي أن عدد النسخ المطبوعة من الكتب والمجلات قد انخفضت من 1,1 مليون نسخة عام 1971 إلى أقل من 600 ألف نسخة عام 1980 ( بمعدل انخفاض يصل إلى 50% خلال الفترة ) هذا على الرغم من الزيادة الكبيرة في أعداد السكان التي شهدتها مصر خلال نفس الفترة والتي تقدر بأكثر من 27% تقريبا ..

الحقيقة الثانية :

يرتبط تفسير ظاهرة التدهور في المطبوعات الثقافية بالطابع السلفي ( الصنمى ) الذي أصاب الثقافة المصرية خلال هذه الفترة فالتحليل الكيفي للمطبوعات نفسها من جانب وحجم الكتب الواردة من أقطاع الخليج والسعودية ( كتب التراث ) تشير إلى أغلبية المحتوى الديني السلفي على الثقافة المصرية خلال هذه الحقبة التاريخية نازعا كل سياق تاريخي عن التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي تشهده البلدان العربية وبخاصة مصر دافعا إياها إلى حافة هاوية سحيقة من التخلف والجهل .
وبالمقابل فإن هذه الفترة قد شهدت مطاردات بوليسية وإدارية للمجلات والكتب الاشتراكية بل وحتى الليبرالية والتي تحمل مضمونا ثقافيا جادا ( الألف كتاب – اخترنا لك – إعلام العرب – المسرح العالمي – الكاتب المصري – الطليعة .. الخ ).

والبيان التالي يشير إلى المحتوى الفكري للمطبوعات الثقافية في البلاد خلال هذه الفترة .

جدول رقم ( 60)

الكتب المؤلفة والمترجمة وعدد النسخ المودعة إيداعا قانونيا خلال الفترة من 19801984)

المصدر : مجلة رسالة المعلومات ، مركز المعلومات والتوثيق بالهيئة العامة للكتاب ، العدد الخامس 1986 ص 69 .

ستصير لهذا المستجدات على الساحتين الثقافية والاجتماعية نتائج وخيمة بالنسبة لتضييق النخبة الثقافية والمهتمين بالقراءة عموما .
فبينما كان عدد القراء في المكتبات العامة عام 1971 يربو على 32 ألفا فإنه أخذ في الانخفاض السريع عاما بعد آخر بلغ أدنى مستوى له ( 12 ألفا ) وكذلك فقد انخفض عدد المترددين على المكتبات الفرعية من 422 ألفا إلى 184 ألفا عام 1980 أما الكتب المعارة فقد انخفضت بدورها من 90 ألفا تقريبا إلى 26 ألفا خلال نفس الفترة .
جدول رقم (61)

عدد القراء والكتب المعارة والرصيد في كل من دار الكتب ومكتباتها الفرعية خلال الفترة من 19711980

المصدر : الثقافة في عهد السادات ، مرجع سابق ص 133

ويتبين من هذه الأرقام مدى التحول الذي طرأ على ميل المواطنين نحو التعامل مع الكتاب كأحد أدوات الفكر والثقافة وهى دلالة رغم طابعها الكمي تظهر مدى تدهور دور الكتاب لصالح الأدوات الإعلامية الأخرى وبخاصة التليفزيون وإذا كان هذا التحول في حد ذاته يعكس ميلا نفسيا واضحا للتعامل السهل الراكد والخامل مع الثقافة والفكر ، فالمؤكد أن مرد ذلك يعود إلى التحولات الاجتماعية العميقة وسيادة القيم الاستهلاكية في المجتمع .
ربما كانت الحسنة الوحيدة التي جاءت بها السنوات الأخيرة هو اهتمام حرم رئيس الجمهورية ( سوزان مبارك ) منذ أواخر عام 1990 بنشر المكتبات العامة ودعمها في جميع المناطق التعليمية والشبابية وهو ما ساهم في استعادة روح الاهتمام بالكتاب من جانب بعض أجهزة الدولة وعادة القراءة والاطلاع والاستعارة لدى عشرات الآلاف من طلاب المدارس في مصر .
نأتي أخيرا إلى الصحافة المصرية ، حيث يكاد يكون من المتفق عليه أن الصحافة المصرية والعربية عموما قد جاءت مختلفة بعض الشيء عن مثيلتها في أوربا .
حيث برزت الأخيرة كأداة من أدوات الصراع الاجتماعي والسياسي وفى أتون المعارك بين القوة الاجتماعية المختلفة منذ القرن السادس عشر تقريبا ، بينما نجد نشأة الصحافة العربية على يد الحكام أنفسهم ( العراق عام 1816 ثم مصر عام 1827 ) هذا على الرغم من ظهور الطباعة في أقطار الشام متأخرة عن ذلك التاريخ 1710 .
وبسبب من هذا الطابع الخاص لنشأة الصحافة العربية والمصرية ، وبفعل القهر والاضطهاد العثماني الوحشي للكتاب والصحفيين العرب المناوئين لسطوتهم ، لم تشهد الحركة الصحفية العربية نموا كبيرا حتى سقوط الخلافة العثمانية في تركيا ذاتها عام 1908 وكذا باستزراع قيم ومفاهيم الاستعمار الكولونيالى الأنجلوفرنسى منذ منتصف القرن التاسع عشر تقريبا .
والحقيقة أن الصحافة الشعبية المصرية في تاريخها الممتد نحو مائة عام أو يزيد ، ظلت المعبر عن أفكار النخب الفكرية للرأسمالية الناشئة وتياراتها المختلف وساء كان هذا التيار مهادن للاستعمار الأجنبي أو منتمى إلى تيار الطبقة الرأسمالية المصرية الصاعدة ومنذ صدور جريدة اللواء عام 1904 على يد الزعيم مصطفى كامل وحتى عام 1950 كانت هذه الصحف والمجلات التي صدرت في بمصر على يد الزعيم مصطفى كامل وحتى عام 1950 كانت هذه الصحف والمجلات التي صدرت في مصر قد بلغت 225 صحيفة ومجلة منها 22 صحيفة يومية وأسبوعية ( القاهرة وحدها 12 صحيفة يومية وأسبوعية ) ونحو 203 مجلة ( القاهرة وحدها 150مجلة ) وعلى الرغم من الانتقادات الحادة التي يمكن أن توجه للساحة الصحفية المصرية في ذلك الحين ولمستوى الأداء الحزبي والسياسي في البلاد عموما فقد ظلت كفة الترجيح تميل لصالح هذه الفترة إذا ما جاء دور المقارنة بالفترة التى أعقبت عام 1957 والاتجاه الناصري نحو استيعاب حركة الصحافة المصرية البورجوازية الطابع في تيار الحياة الجديدة المستندة على سيطرة الدولة المطلقة على حركة الفكر والفعل للأفراد والجماعات المختلفة .
وفى حصر حديث قمنا به عن عدد الصحف والمجلات الدورية المرخص بها والمنتظمة الصدور عام 1985 تبين أن هناك نتاج مر لفترة تأميم الصحافة وهيمنة التنظيم السياسي الواحد ( الاتحاد الاشراكى ثم مجلس الشورى ) في مجال الفكر والمتابعة الصحفية المستقلة .
فبرغم أن عدد هذه الصحف والمجلات والدوريات قد بلغت 308 صحيفة ومجلة ودورية فإن الملاحظ أن معظمها عبارة عن دوريات متخصصة ومحدودة الانتشار سواء لطابعها الاقليمى أو لتخصصها المهني أوالعلمى .
جدول رقم ( 62)

الصحف والمجلات والدوريات المرخص بها والمنتظمة الصدور في مصر وفقا لدورية إصدارها حتى عام 1985

المصدر : المجلس الأعلى للصحافة ، يناير 1986

فإذا اقتربنا أكثر لتوزيعها من حيث التخصص نجد أن معظمها عامة بنسبة 65% تقريبا يليها المجلات والصحف المتخصصة بنسبة 28% تقريبا ثم الصحف والمجلات الرياضية بنسبة 7% تقريبا .

ولكن إذا أعدنا التقسيم وفقا لغلبة العناصر النوعية للمقالات على مساحة النشر نجد الصورة كالآتي :

جدول رقم ( 63)

تصنيف الصحف والمجلات الصادرة بانتظام في مصر عام 1985 وفقا للموضوعات

المصدر : من إعداد الباحث استنادا إلى القائمة المقدمة من المجلس الأعلى للصحافة مرجع سابق .

هذا الخلل في المساحات المحدودة للنشر وعدم التوازن في الأداء الصحفي عموما ، في وقت تتعرض فيه مصر والوطن العربي بمجمله إلى أخطر هجمة عدوانية شهدها في تاريخه الحديث .
نخلص مما سبق أن أدوات الثقافة والصحافة والإعلام الحكومي تمثل أحد أهم أدوات تغريب الإنسان المصري وزرع روح محبطة ومستسلمة وتعميق شعور اليأس لدى ملايين الفقراء وهو ما يصيب في النهاية لصالح المخطط المرسوم لتدمير أي نهوض مصري ومن ثم عربي لبناء دولة عربية موحدة .

الفصل السادس : أزمة الانتماء والخريطة السياسية في مصر

" ليس ثمة أمة استطاعت أن تنهض من غير أن تطهرها نار "

غاندي

مما لا شك فيه أن الممارسة السياسية والحزبية في مجتمعنا المعاصر تتحدد في ضوء مجموعة من أنساق القيم والمعايير التي تجعل من الجدل السياسي محورا من أهم محاورها ومن ثم فإن الحديث حول واقع ومعطيات الخريطة السياسية المصرية في الوقت الراهن أو في المستقبل المنظور ، سوف يصبح حديثا بلا معنى إذا لم يكن في تماس مباشر وصلات وثيقة مع مسار التغيرات الاقتصادية والصراعات الاجتماعية التي يتحدد في ضوئها مختلف التوجهات السياسية .

ولعل الأهمية التي تدفعنا باستمرار إلى إعادة تكثيف الضوء على كل ما يجرى في مصر تتبع من مرارة السنوات التي أعقبت الزيارة الكارثة للرئيس المصري السابق للقدس في نوفمبر 1977 وما جرته على المنطقة العربية من نكسات وهزائم متتالية ونحن هنا لا نبالغ إذا قلنا إن الأحداث الدرامية التي شهدتها المنطقة العربية خلال الربع قرن الماضي أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن حصيلة التفاعلات والصراعات الداخلية في مصر تؤدى فعهل مباشرة على نطاق الجغرافيا والتاريخ العربيين فإذا ما كانت مصر قلعة للحرية والوحدة فالمنطقة كلها وشعوبها في حالة مد ثوري ، وبالمقابل فإن انهيار مصر من الداخل أو سيطرة قوى اليمين الرأسمالي المعادى للوحدة والحرية والمرتبط دوما بعجلة الاستعمار الأمريكي والدولي فإن المنطقة العربية وشعوبها تتحمل نتائج هذا التحول المأسوي .

وفى هذا الفصل نحول طرح احتمالات السيناريوهات المستقبلية لخريطة القوى السياسية والحزبية في مصر في ضوء توازن اجتماعي وسياسي شديد التعقيد يحمل في ثناياه عوامل تفجره وتغيره .

على أية حال ، ستكون معالجتنا هنا ذات زوايا ثلاث :

فينبغي بداية طرح المعطيات الاقتصادية والاجتماعية التي أفرزتها حقبة السبعينات وانعكاساتها – من خلال مظاهر محدد – على تعميق السلوك الاغترابي للإنسان المصري ثم معالجة الرؤى البرامجية قوى السياسية الراهنة في ارتباطها بالمعطيات السابقة .
ونأتي أخيرا لتحديد طبيعة التحالفات السياسية والحزبية ومستقبل بعض التيارات الحزبية على الساحة المصرية .

المبحث الثامن عشر :المعطيات الاقتصادية والاجتماعية خلال حقبة 1974-1994 م

يعكس واقع التراتب الطبقي في مجتمع ما خلال فترة تاريخية محددة تلك الدرجة من تطوره السياسي والاجتماعي بما تحتويه من أنساق للقيم الاجتماعية والسياسية ويطبق خبراء علم الاجتماع بمختلف مدارسهم وانتماءاتهم الفكرية والأيديولوجية على عمليات الصعود والهبوط الطبقيين .

الحراك الاجتماعي ولا يخفى عدد كبير من مخططي السياسات وصانع القرارات اهتمامهم اللامحدود بهذه الحركة الدائبة والمستمرة .

والحقيقة أن الشواهد التاريخية منذ أفول العصر الاقطاعى وسيطرة الطبقة الرأسمالية في أوربا قد بينت أن الفئات الوسطى في هذا السلم الاجتماعي غالبا ما يكون لدورها وتحيزها لأحد طرفي الصراع الاجتماعي الجاري تأثير كبير على مجراه ومساره بيد أن الطابع المحافظ لأفكارها ووضعها في التراتب الطبقي دائما ما يجعلها مخزنا للأفكار المعادية للتغيير إلا أن لحظات الأزمة الثورية وممارسة قطاعات واسعة من الجماهير للعنف الثوري غالبا ما يحسم ترددها لصالح الطرف الأقوى في الصراع الاجتماعي .

وتقدم التجربة التاريخية في مصر خلال العهد الناصري نموذجا يعتد به في دراسة واقع التوازن السياسي والاجتماعي ، كانعكاس لطبيعة التوازن الموسمي الذي برز واضحا خلال هذه الفترة .

( صراع المؤسسة العسكرية في عهد المشير عبد الحكيم عامر بالرئاسة شبه المدنية بقيادة جمال عبد الناصر ثم صراع أنور السادات بمراكز القوى السياسية فيما بعد .. الخ ) .

بيد أن سنوات الانفتاح الاقتصادي قد جرفت في سياقها العنيف ، ثوابت بدت للبعض أنها راسخة لعقود قادمة ، فالانفتاح على الغرب الرأسمالي ( ثقافيا – اقتصاديا – سياسيا .. الخ ).

وإعادة صياغة العلاقات الاجتماعية في الداخل في ظل مفاهيم طابع تجارى على المستويين الداخلي والخارجي قد أعادت بدورها فرز الطبقات الاجتماعية في مصر كما أدت لصياغة جديدة للمؤسسات السياسي والبني الفوقية ( القانونية والدستورية ) بحيث ترعى مثل هذا التغيير .

فإذا أخذنا الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الريف المصري خلال الفترة الأولى ( الناصرية ) نجد أنه مقابل تقليص وتصفية نفوذ كبار ملاك الأراضي ( مائة فدان فأكثر ) تحسنت أوضاع الملاك والحائزين المتوسطين فزاد نصيبهم من الدخل الزراعي من 25% عام 1950 إلى 33,2% عام 1966 وانخفض عدد الأسر الريفية التي تعيش تحت خطر الفقر من 35% عام 1958 إلى 26,8 % من إجمالي الأسر في الريف المصري عام 1965 إلا أن الدورة قد عادت في الاتجاه العكسي بعد عام 1974 فارتفعت أعداد الأسر التي تعانى من الفقر تحت المستوى المحدد دوليا عام 1982 إلى 65% بين سكان الريف والمدينة وازدادت بالمقابل عمليات توسيع الملكية الزراعية وسمح بتملك أكثر من مائتي فدان مما مثل ضغوطا حقيقية على المعدمين وصغار المزارعين فاتجهت أعداد هائلة منهم للهجرة شبه الجماعية للعمل في الأقطار العربية النفطية .

أما في المدينة فقد أشارت بعض الإحصاءات إلى انخفاض نصيب الأجور من الناتج المحلى من 46,8% عام 1970 إلى 30,4% عام 1979 .

وهكذا يبدو أن أوضاع سكان المدن المصرية لم يكن أحسن حالا بساكني الريف المصري ودراسة نمط إنفاق الأسرة عام 1975 _ دراسة بالعينة ) تشير إلى أن هذه النسب تتجه للانخفاض بمعدل متزايد طوال عقد الثمانينات وفقا للدراسة التي قامت بها د. كريمة كريم حول " أثر سياسات الإصلاح الاقتصادي على الأسر محدودة الدخل والأطفال في مصر .

وإذا نظرنا في زوايا أخرى فمقابل نمو ملحوظ للنفقات العامة من 208 مليون جنيه عام 1952إلى 1903 مليون جنيه عام 197170/ ثم 34 مليار جنيه 198584/ ازداد أعداد تلاميذ المدارس والجامعات المصرية من 2,2 مليون تلميذ عام 1952 إلى 5,4 مليون تلميذ ثم 10 مليون طالب وخلال نفس الفترة نجد إحلال نمط جديد ونمو كبير في المهن الحرفية في ظل انتعاش سوق البناء والتشييد في المنطقة العربية بعد ارتفاع أسعار النفط عام 1973 .

عموما فإذا استعرنا من الاقتصادي الأمريكي الشهير " والت رستو " مؤشرات الاستهلاك في المجتمع أو نسميه بالمصطلح الاقتصادي – دوال الرفاهية كمؤشر لاتجاهات الرياح الاجتماعية والاقتصادية في مصر خلال الفترة الأخيرة نلاحظ الآتي :

أولا  : حتى عام 1975 كان عدد السيارات الخاصة ( الملاكي ) المرخص لها بالسير في طرق الجمهورية لا تتعدى 155 ألف سيارة قفز عام 1991 إلى 877 ألف سيارة .

أي بمعدل زيادة 565% خلال الفترة ( بمتوسط زيادة سنوية قدرها 38% ) تركزت معظمها بمدينة القاهرة حيث ارتفعت عدد السيارات المرخص لها بالقاهرة من 75 ألف إلى 700 ألف سيارة في نهاية 1991 .

ثانيا  : بالنسبة للسيارات النقل والمقطورة – التي هي أحد أدوات الاستثمار الفردي في البلاد – نجد أن عددها قد تضاعفت عدة مرات من 38 ألف سيارة إلى 148 ألف سيارة عام 1981 ( بمعدل يصل إلى 390% أي بمتوسط سنوي 64,9% ثم إلى نحو 400 ألف عام 1991 ويلاحظ أن معظم هذه الزيادة قد اتجهت لمحافظات الصعيد وخاصة أسيوط وسوهاج مما يسترعى الانتباه تجاه شكل التركيبة الاجتماعية في الصعيد والدور المؤثر الذي سوف تلعبه هذه الفئات على المسرح السياسي مستقبلا .

ثالثا : لوحظ كذلك زيادة سيارات الأجرة ( تاكسي – سرفيس ) من 58ألف عام 1975 إلى نحو 100 ألف سيارة في نهاية عام 1980 ( أي بمعدل زيادة 72% خلال الفترة بمتوسط سننوى 14,5% ) ولا يخفى بالطبع العلاقة بين عمل المصريين بالخارج وبين هذا النمط الاستثماري الجديد ، وكذلك شكل التركيبة الهرمية في المجتمع المصري حيث يتحول عدد كبير من الأفراد من الوظائف الحكومية والمكتبية إلى القطاعات المهنية والحرفية( مثل التاكسي وسيارات السرفيس ) وه ما يدعم شرائح محددة من الطبقة البرجوازية الصغيرة ويميل بأفكارها غالبا في اتجاه اليمين والفكر المحافظ .

رابعا : بالنسبة للسلع المعمرة الأخرى ، فبرغم التقديرات والبيانات المتضاربة حول بعض منها فإننا في ضوء معدل نمو الاستهلاك العائلي من ناحية ومعدلات الإنتاج المحلى والاستيراد من الخارج ، قمنا بحساب أحجام الاستهلاك الراهن واستخلصنا أن عدد الثلاجات الموجودة لدى الأفراد في مصر تتراوح ما بين 6إلى 8 مليون ثلاجة من جميع الأنواع والماركات .

كما أن هناك نحو 10 مليون جهاز تليفزيون عادى ونحو 3 مليون جهاز ملون وذلك حتى نهاية 1985 بل إننا نشير إلى أن ما تم إنتاجه من أجهزة تليفزيون محلى في أربع سنوات فحسب ( 82/1984-198584/) قد بلغ نحو 3 مليون جهاز ( 1,6 مليون أبيض وأسود و 1,4 مليون ملون ) بلغت قيمتها النقدية نحو 353,8 مليون جنيه مصري وإذا أضفنا ما تم استيراده من أجهزة استقبال تليفزيوني التي بلغت 195 ألف جهاز خلال نفس الفترة فحسب فإن الصورة تبدو واضحة تجاه هذه الظاهرة .

أما أجهزة الفيديو والتي يقدرها البعض بأكثر من 3 مليون جهاز منذ عام 1974 حتى عام 1984 فإن البيانات المتاحة من اتحاد الغرف التجارية يدعم ذلك التقدير حيث أن ما تم إنتاجه محليا من هذه الأجهزة في ثلاث سنوات فحسب ( 1985/1982 ) قد بلغت 21122 بقيمة 21,2 مليون جنيه وأن ما تم استيراده في أربع سنوات فحسب ( 81/1982198584/ ) قد بلغ 416675 جهاز بقيمة 21,4 مليون جنيه وقد أدى هذا بدوره إلى خلق سوق واسعة لتبادل وبيع أشرطة الفيديو ، حتى إن ما تم حصره من أندية الفيديو المسجلة في القاهرة فحسب يربو على سبعمائة نادي وهو ما يتجاوز كل ما هو موجود في دولة مثل فرنسا .

ومن المؤشرات ذات الدلالة أيضا زيادة إيرادات قطاع الشئون المالية والاقتصادية باتحاد الإذاعة والتليفزيون عن الإعلانات التي تمثل أحد أوجه المؤثرات الفعالة ليس فحسب في مجال التسويق والتجارة وإنما – وهذا هو الأهم والأخطر – في مجال السلوك الاجتماعي والتركيب النفسي للمواطنين المصريين فقد ارتفعت هذه الإيرادات من 0,4 مليون جنيه عام 1974 إلى 4 مليون جنيه عام 1977 ثم قفزت إلى 22,8 مليون جنيه عام 83/1984 وأخيرا بلغت نحو 54 مليون جنيه بحلول عام 1994 كما أن مراجعة المساحة الزمنية التي تشغلها الإعلانات من إجمالي الإرسال التليفزيوني نجدها تتراوح بين 7% إلى 14% من وقت الإرسال يوميا فى السنوات الأخيرة .

وتغيب عنا حتى الآن إحصاءات دقيقة عن حجم أجهزة التكييف الموجودة في البلاد وإن كانت الأرقام المتاحة لعام 1979 و 1980 عن إنتاج القطاعين العام والخاص – لأجهزة التكييف في مصر " 2 حصان و1,5 حصان " تصل إلى 39 جهاز للعاملين فحسب ودون الأجهزة المستوردة من الخارج .

وتثير هذه التغيرات على المستويين الاقتصادي والاجتماعي قضية رئيسية وهى واقع ومستقبل المصريين العاملين بالخارج وكيفية توظيف أموالهم التي ستجسد معطيات جديدة ينبغي من الآن الاهتمام بها والتنبؤ بمسارها .

تشير التقديرات الأكثر تحفظا أن عدد المصريين العاملين بالأقطار العربية النفطية قد بلغ 4 مليون مصري بنهاية سنة 1990 ويتركز معظمهم في العراق و السعودية 2,25 مليون مصري ونظرا للتفاوت الكبير في دخول ومرتبات هؤلاء بالخارج سواء تباين التخصصات والمهارات أو نتيجة تفاوت الأجر المدفوع للتخصص ذاته من قطر عربي لآخر ، ( السعودية مقابل الأردن مثلا ) فسوف تتحفظ كثيرا تجاه التقديرات التي قدمها الدكتور رمزي زكى والتي أشار فيها إلى أن دخول المصريين بالخارج بلغت عام 1981 نحو 5660 مليون جنيه وأن ما يتم تداوله لخارج الجهاز المصرفي المصري من بنكنوت " السوق السوداء " يقدر بنحو 3,5 مليار جنيه سنويا وفى دراستنا هنا سنعتمد على افتراضات ثلاثة :

أولا : هناك ثلاثة مستويات للمهارة ومن ثم مستويات للأجر وكذلك للادخار والتحويل النقدي والعيني .

ثانيا  : هناك ثلاثة مستويات مقابلة من الوجود المصري تتحدد في الدوائر الثلاثة التالية :

1- دول ذات دخول مرتفعة نسبيا ووجود مصري متوسط " السعودية – الخليج .

2- دول ذات دخول متوسطة ووجود مصري متوسط " الجزائرليبياالأردن " .

3- دول ذات دخول ضئيلة ووجود مصري كبير نسبيا " العراقاليمن " .

ثالثا  : هذه المؤشرات سوف تعكس نفسها على المنفعة الحدية لأجر هذه الفئات بالمثل على المرونات الدخلية وأنماط الإنفاق وهو ما يبدو واضحا في تحويلات المصريين – أي ادخارهم بمعنى آخر – في ظل هذه المعطيات يمكن تحديد الأحجام التقريبية لسوق العملات الحرة في مصر وقد قمنا من جانبنا بدراسة تطورات معدلات الزيادة الحاصلة في وادع المصريين لدى البنوك التجارية والمشتركة في مصر وكذلك لحجم التحويلات النقدية والعينية والهدايا واستخلصنا من ذلك أن حجم تحويلاتهم " أي ادخارهم السنوي " بمختلف التخصصات والخبرات يتراوح حول 10 مليار جنيه سنويا يتم تصريفها عبر ثلاثة أشكال رئيسية هي :

1- عن طريق الهدايا والرسائل البريدية ( الطرود ) أو عن طريق التحويلات العينية الأخرى ( حجز شقق) أو أجهزة الاستهلاك المعمرة .

2- عن طريق تسريب جزء هائل للسوق الحرة للعملات " السوق السوداء " في مصر أو بواسطة فروع البنوك الخاصة والغير قانونية التى تمارس عملها في الأقطار النفطية أو عن طريق الاستيراد باسم المنطقة الحرة .

3- عنطريق الودائع في البنوك التجارية والمشتركة والأجنبية في مصر وشركات توظيف الأموال وكذلك بالتنازل عن جزء من مدخراتهم للسلطات بالمطارات والموانئ .

وبدراسة البيانات المتاحة حول تطور حجم ودائع الأفراد – سواء من رجال الأعمال أو المدخرين البسطاء خلال السنوات التي أعقبت إعلان سياسة الانفتاح الاقتصادي يلاحظ أن هذه الودائع قد ازدادت من 69 مليار جنيه العملات الحرة والمحلية كما هومبين في الجدول رقم ( 41) ثم تجاوزت 54 مليار جنيه في نهاية عام 1992 .

ومن أكثر الأمور إثارة للإضراب في التحليل الاقصادى لمجمل الهياكل التمويلية المتاحة في المجتمع المصري ، هو غياب أية بيانات عن حجم ودائع المصريين لدى شركات توظيف الأموال التي تحجم هي نفسها عن نشر البيانات الخاصة بمراكزها المالية، كما أن نسب الفوائد المرتفعة التي تمنحها هذه الشركات دون أن يقابلها توظيف بارز في المجتمع المصري ، يضع علامات استفهام حول مصير ههذ الودائع ومدى الضمانات الممنوحة لودائع صغار المدخرين ، الذين هم معظمهم من المصريين العاملين بالأقطار العربية الخليجية .

وقد ساهم التسابق المجنون بين معدلات التضخم وارتفاع الأسعار من جهة وأسعارا لفائدة الدائنة بالبنوك من جهة أخرى ، في جعل هذا النمط أحد أهم قنوات الاستثمار لصغار المدخرين " عشرة آلاف جنيه وحتى أقل من مائة ألف جنيه " ومن ثم ازدادت الأسر التي باتت تعتمد أكثر على ريوع ههذ الودائع .

على أية حال فإن الأرقام المتاحة عن التحويلات النقدية والعينية في يونيو 1988 تذكر أنها قد بلغت 3500 مليون وإذا أضفنا إليها نحو 1500 مليون أخرى قيمة الاستيارد بدون تحويل عملة لذلك العام فإن قيمة هذين البندين تقارب 5 مليار جنيه هذا علاوة على المشتريات الشخصية بالعملات الأجنبية " الحج – اكتتاب بالدولار في الشركات – شراء سلع بالدولار – مصاريف العلاج بالخارج ..الخ " فإن المحصلة النهائية تصل إلى 5 مليار دولار

يبقى بعد ذلك السيولة المالية المتوفرة لدى المصريين بالخارج وذويهم في مصر وهذه المدخرات وفقا للعملية الحسابية التي قمنا بها ومعروضة في الجدول رقم 40 تقارب 5 مليار أخرى تجد مكانها بعد فترة خارج إطار الجهاز المصرفي المصري عبر السوق الحرة للعملات الذي امتد من خلال شبكة واسعة من الأفراد " أكشاك سجائر – بازارات وسماسرة بالريف .. الخ " يصلا عددهم إلى 50 ألف شخص يتحكم في إدارة نشاطهم 100 تاجر وتشكل ههذ الشبكة الواسعة ركيزة إضافية من الركائز الاجتماعية المؤيدة لاستمرار الانفتاح وفوضى السوق الراهن في مصر .

إننا هنا – وكما هو واضح – إزاء قضيتين متشابكتين ، الأولى أن هناك قطاعات اقتصادية وخدمية كاملة يتم تمويلها أساسا عن طريق التحويلات النقدية وبخاصة قطاع الإسكان الفاخر والمتوسط في مصر ومن ناحية أخرى فنحن إزاء سوق منظم للعملات الأجنبية في مصر ، لم تفلح الجهود البوليسية في وقف زحفه المدمر على النشاط الاقتصادي.

وفى دراسة أعدها أحد الباحثين حول هذا الموضوع أشار إلى أنه برغم اتفاق معظم الباحثين والدارسين في مصر بوجود سوق للعملات الأجنبية توازى السوق الرسمية ويطرح بها سنويا أكثر من 3,5 مليار جنيه فإن عدد القضايا المضبوطة بلغ 768 قضية عام 1982 ولم تزد المبالغ المضبوطة بها عن 10,6 مليون جنيه .

ويكفى أن نذكر أن حملة واحدة على أربعة تجار قد ضبطت 20 مليون دولار وعملات أخرى مما يؤكد اتساع نطاق السوق السوداء للعملات الأجنبية .

على أية حال نستخلص من عرضنا السابق الحقائق التالية :

أولا : هناك حراك اجتماعي في مصر يختلف في مضمونه عن تلك العملية التي شهدتها الفترة الناصرية ، ويعتمد حراك الفترة الحالية " 74-1994 " على آليات عمل تمتد من الوكالات التجارية وفوضى السوق الرأسمالي في البلاد إلى الخارج وتحديدا عبر هجرة المصريين للعمل في الأقطار العربية النفطية .
ومن ثم فإن العملية مقطوعة الصلة بأي آليات تنموية في الداخل بل تستند أساسا على عجلة التبعية الاقتصادية للسوق الرأسمالي الدولي وفوضى المضاربة السعرية في العملات الأجنبية ويؤدى كل ذلك إلى تعميق تشوه توزيع الدخول في مصر حيث تشير بعض التقارير إلى أن هناك 5% من إجمالي السكان في البلاد ( أي 820 ألف مواطن ) يستحوذون على ما يقارب 50% من الاستهلاك العائلي في البلاد وبالطبع فإن هذه التقارير تغفل الدوائر غير الشرعية وغير القانونية التي تمثل جزءا هاما للغاية في توليد وتوزيع الدخول في مصر نقصد تحديدا تجارة المخدرات وتجارة العملات .
فهاتان التجارتان وحدهما يسيطران على أكثر من 8 مليار دولار سنويا وتضمن بقاءه شبكة واسعة من الموزعين " والجلابين " تقارب المائة ألاف شخص وتجارة بهذا الحجم لا ينبغي تجاهلها وتجاوز تأثيرها السىء على نمط توزيع الدخول في مصر وإضافتها إلى صورة الاختلال الرسمي في توزيع الدخول .
ثانيا  : لدينا نحو ثمانية آلاف شركة خاصة وبنك أقيمت بعد عام 1974 مستفيدة بمزايا قوانين الاستثمار وهى مشروعات مملوكة للرأسمال الخاص والأجنبي ، صحيح أن حجم الوظائف التي قدمتها لا يتعد 76 ألف مشتغل إلا أن بقاءه أو بقاء الأوضاع على ما هي عليه تمثل مطلبا حيويا هاما لأصحاب هذه المشروعات .
كما أن هناك 12 ألف مزرعة دواجن تقدم إليها الحكومة قروض تصل إلى 350 مليون جنيه سنويا وتتحمل الخزانة العامة تكاليف فروق أسعار الفائدة تصل إلى 25 مليون جنيه في السنة بالإضافة إلى تكلفة دعم الأعلاف المقدرة بنحو 120مليون جنيه وإذا أخذنا بعين الاعتبار بعض المهنيين الذين يرتبط مستوى نشاطهم بالمشروع الخاص وانتعاشه " فئة المحامين مثلا " فإن هناك فئات من مصلحتها استمرار الأوضاع على ما هى عليه .
''ثالثا : هناك المواطنون حائزو سلع الاستهلاك الكمالي " الفيديو والسيارة .. الخ.
والذين يقدر عددهم بنحو مليون مواطن فإننا نستنتج وجود 2,5 مليون مواطن في مصر يتمتعون بمستوى معيشي مرتفع وإذا أضفنا ذويهم الذين سيميلون غالبا إلى توجهاتهم السياسية فإن الرقم يصل إلى 5 مليون مواطن وهؤلاء جميعا يشكلون 8% تقريبا من إجمالي السكان عام 1990 يتربعون على قمة الهرم الاجتماعي في البلاد .
رابعا  : مقابل هؤلاء جميعا نجد أن هناك من 65% من سكان الريف المصري " أي نحو 25 مليون مواطن يعيشون تحت خط الفقر الذي حددته الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة كمستوى لا يتوفر فيها الحد الأدنى للمعيشة الإنسانية .
حيث نعرف أن 44% من سكان الريف محرمون من مصدر للمياه النقية كما أن هناك 21% لا يصل إليهم التيار الكهربائي وذلك وفقا لنتائج تعداد 1986.وغذا أضفنا إلى هؤلاء موظفي الدولة والحكومة – القطاع العام – الحكم المحلى .. الخ .
البالغ عددهم 4 مليون مواطن تقريبا أي هناك 13 مليون مواطن يعيشون دون المستوى الملائم اقتصاديا واجتماعا يعانون من أزمات عديدة في المسكن والمأكل والملبس وإذا أضفنا ذويهم فإن هناك 45 إلى 47 مليون مواطن يتوزعون على حضر وريف الجمهورية ويشكلون 73% من السكان يعانون من تدهور مستمر لمستوى معيشتهم هؤلاء ستتنازعهم قوى الإصلاح السياسي واليسار المصري خلال السنوات القادمة إذا توفرت آليات العمل الاجتماعي والسياسي الملائمة لأوضاعهم ووعيهم الاجتماعي .
خامسا  : كما تشير البيانات الرسمية عن حجم البطالة في المجتمع المصري حاليا إلى تفاقم هذه الظاهرة بكل انعكاساتها النفسية والاجتماعية والسياسية السلبية ، ووفقا لهذه المصادر فقد زاد عدد المتعطلين من 756 ألف عام 1984 إلى 2 مليون شخص عام 1986 .
وإذا أخذنا المتعطلين بعض الوقت فإن الرقم ربما يتجاوز ثلاثة ملايين عاطل وستؤدى عودة مئات الآلاف من المصريين العاملين في الأقطار العربية خلال العشر سنوات القادمة بفعل انحسار الحقبة النفطية إلى تزايد أعداد العاطلين في مصر بصورة غير مسبوقة في التاريخ المصري الحديث .
سادسا  : ووفقا لبيانات التعداد عام للسكان فىمصر عام 1976 فإن حجم لعمالة الهامشية " أو ما يسمى البروليتاريا الرثة " يصل إلى 400 ألف مواطن ومواطنة يتوزعون على مهن متنوعة كالباعة المتجولون – الحلاقون - الطهاة – خدم المنازل ,, الخ " والآخذة في الاتساع كما أظهرتها النتائج الأولية لتعداد 1986 .
وهذه العمالة الهامشية التي يقع موقعها الطبقي في أدنى السلم الاجتماعي سوف يكون من الصعب في الوقت الراهن تحديد توجهاتهم السياسية بفعل تدنى مستوى وعيهم السياسي وتضاؤل اهتماماتهم العامة وغياب أي إطار تنظيمي جماعي .
ربما يكون المناسب إجراء مقارنة بين نتائج التصويت الذي جرى بمناسبة الانتخابات التشريعية في أكتوبر 1976 و مايو 1984 ثم أبريل 1987 لنتبين مسار المشاركة السياسية ومستقبل التوازن السياسي في البلاد في العقد القادم .
ففي أكتوبر 1976 ( مطلع حقبة الانفتاح والنفط ) كان عدد المقيدين في جداول الانتخابات في مصر – وبصرف النظر عن الكثير من العيوب التي تشوبه – قد بلغ 9564482 مواطنا .
ولم يكن هؤلاء يمثلون أكثر من 43,8% من إجمالي المواطنين البالغين لسن التصويت ( 18 عاما فأكثر ) اى أن نحو 56,2% من إجمالي البالغين لسن التصويت غير مقيدين إما لافتقاد الثقة في النظام الانتخابي المصري لأسباب عديدة وإما ميلا للسلبية واللامبالاة .
على أية حال فقد كان عام 1976 ، هو عام افتتاح موسم الكرنفال الديمقراطي للنظام السياسي المعتمد منذ عام 1953 على مبدآ التعبئة السياسية والحزب الواحد ونبذ فكرة تعدد الأحزاب ومحاربتها بكل عنف وقسوة .
والحق فإن انتخابات عام 1976 ، كانت أفضل انتخابات شهدتها الساحة السياسية المصرية منذ عام 1952 حيث تقلصت التدخلات البوليسية واتسعت المشاركة السياسية لكافة القوى العلنية ( المنابر الرسمية ) وغير العلنية ( المنظمات اليسارية ) ولم تكن الجماعات الدينية السلفية قد برزت بصورة ملموسة في تلك الفترة وبرغم ذلك فلم يتجاوز عدد المشاركين في التصويت 3803973 مواطنا أو بنسبة 40% من إجمالي المقيدين في الجداول ونحو 17,5% من إجمالي البالغين لسن التصويت .
وقد كان من نتائج ههذ الانتخابات أن حصل الحزب الحاكم ( حزب مصر العربي الاشتراكي ) على 62,7% من الأصوات الصحيحة أما الجماعات العارضة ( منابر ومنظمات اليسار والمستقلين .. الخ ) فقد كان نصيبها 37,3% من الأصوات الصحيحة .
وقد تبين أن المستقلين عن المنابر الرسمية قد حصلوا وقتئذ على 27,5% من إجمالي الأصوات الصحيحة بل إن إحدى الدراسات قد أظهرت أن مرشحي المنظمات اليسارية ومنبر التجمع قد حصلوا وحدهم على نحو 19% بل إن إحدى الدراسات قد أظهرت أن مرشحي المنظمات اليسارية ومنبر التجمع قد حصلوا وحدهم على نحو 19% من إجمالي الأصوات الصحيحة .
أما في عام 1984 فقد كانت الخريطة الاجتماعية – ومن ثم السياسية – للبلاد قد تبدلت بفعل انعكاس السياسات الاقتصادية المتبعة منذ عام 1974 والتغيرات الإقليمية التي جرت بفعل ارتفاع أسعار النفط وتحول الصحراء العربية النفطية إلى مراكز جذب مالي وحضاري جديد .
لقد بلغ عدد المقيدين بالجداول الانتخابية في مايو 1984 عشية الانتخابات التشريعية نحو12,339,418, مواطنا وهؤلاء لا يشكلون سوى 54,06 % من إجمال البالغين لسن التصويت ( 18 عاما فأكثر ) في ذلك الحين .
وقد اتجه 5,323 ,086 مواطنا للإدلاء بأصواتهم أي بنسبة 43,7% من إجمالي المقيدين بالجداول كما أنهم لا يمثلون سوى 23,6% من إجمالي البالغين لسن الانتخابات أي أن ثلاثة أرباع الذين يحق لهم المشاركة في اختيار ممثليهم في المجلس التشريعي – الذي يعد أعلى سلطة من الناحية النظرية في البلاد يحجمون عن استخراج بطاقات انتخابية وهى ظاهرة في غاية الخطورة سواء في دلالتها الاجتماعية أو السياسية أو النفسية .
  • فما هو التوزيع التصويتى بصرف النظر عن التدخلات الواسعة التي شهدتها هذه الانتخابات ؟
لقد حصل الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم على 73% من إجمالي الأصوات الصحيحة ( أي نحو 3,856,372 صوتا صحيحا ) مقابل حصول أحزاب المعارضة الرسمية على 1,427,396 فقط من الأصوات الصحيحة أي ما يعادل 27% فحسب وهكذا فمقابل كل صوت واحد نالته أحزاب المعارضة الأربع ( تجمع – عمل – تحالف الوفد و الإخوان – الأحرار ) فإن الحزب الحاكم قد نال 2,7 صوتا ومن الأمور الملفتة للنظر ، ذلك الترابط الغريب بين انتشار الأمية في منطقة أو محافظة ما وبين نسبة الإقبال على التصويت الانتخابي بها.
فهذه العلاقة في مصر على عكس جميع قوانين علم الاجتماع والسياسة في عالمنا الحديث حيث تتجه إلى العلاقة الطردية فيزداد الإقبال على التصويت كلما ازدادت نسبة الأمية مما يجعلنا نتشكك أصلا في صحة عمليات التصويت ونسبة الإقبال المشار إليها .
فعلى سبيل المثال بينما تبلغ أعلى نسبة للأمية في مصر في محافظة الفيوم ، فإن نتائج التصويت في انتخابات مايو 1984 قد أظهرت أنها أعلى نسبة إقبال في محافظات الجمهورية حيث بلغت 61,6 % من إجمالي المقيدين بالجداول يليها المحافظات الثلاثة ( الشرقية – لمنوفية – المنيا ) في المحافظات الكبرى ( القاهرةالجيزةالأسكندرية ) لم تتعد 29,9% من إجمالي المقيدين بالجداول إذا قارنا بين الذين حضروا التصويت والبالغين لسن الانتخاب في هذه المحافظات الثلاث نجدها 16,2% .
أما محافظات القناة الثلاثة فإن نسبة الحضور لم تتعد 32,4% من إجمالي المقيدين بالجداول وهى لا تعادل أكثر من 26,2% من إجمالي البالغين لسن الانتخاب ( 18 عاما فأكثر ) أي أن الحكومة المصرية التي تتولى السلطة في البلاد منذ عام 1976 وحتى الآن هي حكومات أقلية الأقلية .

المبحث التاسع عشر :الرؤى البرنامجية للقوى والأحزاب السياسية 1970 -1994

تبدلت ملامح الخريطة السياسية في مصر خلال العشرين عاما الماضية تبدلا عميقا ، صحيح أن ملامح وإيقاع تلك التحولات في البناء الفوقي بشكل عام والبناء السياسي بشكل خاص لم تكن بنفس سرعة وتيرة التحولات شبه الجذرية التي طرأت على موازين القوى ولطبقات الاجتماعية المختلفة وعلى الهيكل الاقتصادي وأشكال التراتب الطبقي بفعل سياسة الانفتاح الاقتصادي .. بيد آن التغير الملموس في شكل الممارسة السياسة القائمة على التعددية الحزبية قد أصبحت حقيقة واقعة تفرض نفسها في إطار تحليل مستقبل البلاد في العقود القليلة القادمة .

ولقد فتحت الأحداث المأساوية لهزيمة 1967 ، والانهيار غير المتوقع للدفاعات العسكرية للنظام الناصري ، الباب لإعادة مناقشة البنية السياسية الناصرية وأعادت بالتالي – وبإلحاح هذه المرة – الدعوة لضرورة فض الاشتباك بين مختلف القوى والتيارات السياسية التحى ظلت تختفي تحت العباءة الناصرية – التنظيم السياسة الواحد – إما خوفا من البطش أو انسجاما مع طرحها وبرنامجها السياسي .

ولقد أظهرت المناقشات التي جرت في قمة الهرم السياسي الناصري ، في أعقاب هزيمة يونيه 1967 مباشرة ، أن الرئيس عبد الناصر نفسه كان أكثر إدراكا للصعوبات والمخاطر التي تهدد نظامه وصياغته القديمة لتحالف ما أسماه الميثاق " قوى الشعب العامل "وأخذ يعيد حساباته وبدأت تعبيرات سياسية ذات طبيعة حزبية تأخذ حيزا من تفكيره السياسي وقتئذ .

صحيح أن دعوة الرئيس عبد الناصر كانت تجد معارضة قوية من جانب كهنة المعبد ( الاتحاد الاشتراكي العربي ) بيد أنها بالمقابل كانت تعبيرا عن تململ قوى اجتماعية أفرزتها الحقبة الناصرية نفسها إلى جانب القوى القديمة من الصياغة الحديدية للممارسة السياسية القائمة وقتذاك .

لقد عبر عن هذا التململ الانفجار العفوي الواسع للشارع المصري في أعقاب صدور أحكام قادة الطيران في فبراير و نوفمبر من عام 1968 .

ذلك أن تحركات جموع عمال مصانع حلوان ومظاهرات طلبة الجامعات المصرية في هذه الفترة ومواجهة قوات الأمن والشرطة لهما بالعنف والقسوة قد دفعت بحمم البركان إلى الفوران وبآتون ناره إلى لحظة الاشتعال .

وإذا أخذنا بالاعتبار موقع هاتين الفئتين ( العمال – والطلبة ) اللتين ظلتا محسوبتين لسنوات طويلة كقوة دعم للنظام الناصري ، فإن دلالة ذلك لا تغيب عن المحلل الدقيق ، بحيث يمكن القول بأنه منذ ذلك التاريخ وضعت علامات استفهام حقيقية حول موقع النظام الناصري وإجراءاته في التركيبة الطبقية للبلاد وهكذا نشطت بعض القوى السياسية وبخاصة اليسار الشيوعي والجماعات الدينية ذات المنطلقات الانقلابية في اتجاه إعلان الوجود وتأكيد الفاعلية بعيدا عن التنظيم السياسي الحكومي في ذلك الحين ( الاتحاد الاشتراكي والتنظيم الطليعي ) .

ومنذ أواخر عام 1969 وبدايات 1970 شكلت مجموعات من الشباب المصري أول مجموعات من اليسار الجديد . كما شهدت هذه الفترة انتشار أفكار التكفير والتجهيل للمجتمع والدولة وصياغة أفكار دينية ذات طابع عصبوى وانعزالي .

عموما فبرغم محاولات الرئيس عبد الناصر ، لاحتواء انعكاسات الهزيمة على رصيده ورصيد نظامه من التأييد السياسي لدى قطاعات الشباب عبر طرحه برنامج " 30 مارس " عام 1968 للالتفاف على ذلك التذمر فإن الأزمة قد وزعت بصورة أصبح من المستحيل من الآن فصاعدا اقتلاعها وهكذا عندما تسلم الرئيس الجديد ( أنور السادات ) السلطة واستقرت مقاليد الأمور في يديه بعد انقلاب القصر في مايو 1971 أعيد طرح التساؤل من جديد بصوت مسموع هذه المرة .

  • إلى أين نسير ؟
بل أننا نستطيع أن نشير إلى وثيقة سابقة على " ورقة أكتوبر " مثلت تمهيدا وإعلانا للنوايا وهى الوثيقة الصادرة عن " المؤتمر المشترك للجنة المركزية ومجلس الشعب " قبل حرب أكتوبر بعدة أشهر وكان لتركيز هذه الوثيقة على الانفراج الدولي بين القوتين العظميين معنى خاص في إطار البحث عن مبرر لاحق للخضوع لشروط التسوية الأمريكية .

إن ورقة أكتوبر ( أبريل 1974 ) في محاولة للإجابة على ذلك السؤال الاستراتيجي قدمت التصور التالي :

" إن لدينا قطاعات الاقتصاد القومي ثلاثة ، القطاع العام والقطاع الخاص ولقطاع التعاوني ، وبسياسة الانفتاح الاقتصاد يتسع المجال أما الاستثمارات العربية والأجنبية وهذا كله في إطار من التخطيط الذي يرسم أهدافا إستراتيجية لتغيير صورة البلاد تغييرا جذريا .
فإذا ما ربطنا بين هذه المقولات وما تكشفت عنه الاتفاقيات بين وزير الخارجية الأمريكية ( د. هنري كسينجر ) في أولى زيارته للمنطقة بعد خصومة طويلة ( ديسمبر 1973 ) أمكننا معرفة أبعاد التغيرات الجذرية المطلوبة من انفتاح كهذا .
وبرغم أن السادات قد رفض في ورقة أكتوبر ما أسماه " تفتيت الوحدة الوطنية عن طريق تكوين الأحزاب " فإن موافقته على فكرة المنابر السياسية المتمايزة داخل التنظيم السياسي الواحد ( الاتحاد الاشتراكي العربي ) بعدها بأربعة أشهر فحسب لم تكن تعبيرا عن عدم وضوح الرؤية السياسية فحسب ،وإنما كانت انعكاسا لتفاعلات إقليمية ودولية داخل دائرة الصراع السياسي والطبقي الجاري في مصر منذ سنوات بعيدة .
وفى خطابه الذي ألقاه بمناسبة افتتاح أعمال المجلس التشريعي الجديد في 11 نوفمبر 1976 – أعلن الرئيس السادات موافقته على قيام أحزاب سياسية ثلاث طالما التزمت هذه الأحزاب بقواعد اللعبة " الديمقراطية " التي تضمنتها المعزوفة الشهيرة ( السلام الاجتماعي – الوحدة الوطنية – التحول الاشتراكي ) وبهذا اكتملت ملامح الماكياج الديمقراطي للنظام .
على أية حال ، فلم يكن من المتصور أن تأتى السلطة الجديدة بكل هذه التغيرات الاقتصادية والاجتماعية الحادة ، خلال الخمسة عشر عاما الماضية دون أن تحدث أثرها على المزاج السياسي لفئات واسعة من المصريين .
كما أن الاندفاع المتزايد ، وغير المبرر من منظور الحصافة السياسية – من جانب النظام المصري للصلح المهين مع إسرائيل والتحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة والانقلاب على المطامح المشروعة للشعوب العربية في التحرر والاستقلال والوصول إلى حد القطيعة مع الأقطار العربية والثورة الفلسطينية كل هذه التحولات الدراماتيكية كانت تتفاعل بدرجة شديدة التعقيد مع الظواهر الجديدة في البناء الفوقي والمؤسسي للتركيبة المصرية ( الأحزاب ) بحيث دفعت الأخيرة إلى الخروج من ألسر الساداتي لها ، وإخضاعها لشروط اللعبة المرسومة سلفا مما وضع نظام الرئيس السادات في مأزق لا فكاك منه .
كما ساهمت ظروف المعركة الانتخابية لتشكيل المجلس النيابي ( خريف 1976 ) في اشتباك الأفكار الانقلابية ( اليسارية والدينية على حد سواء ) مع شارع سياسي يغلى أفراده ويتحرقون للحظة الانطلاق من " قمقم " الصمت الناصري .
وبينما كانت المنظمات اليسارية الجديدة والجماعات الدينية السلفية تضغطان على النظام لتوسيع رقعة المشاركة السياسية كلا لصالحه ، كانت بالمقابل جماعات رجال الأعمال والرأسماليين يوسعون فعليا من هامش نفوذهم على القرار السياسي والاقتصادي معا ، بحيث أصبحوا القوة النافذة في طول البلاد وعرضها خلال النصف الثانى من السبعينات وحتى الآن .
فعلى سبيل المثال كتب أحد معبريهم في أحد أهم المجلات المتخصصة وقبل أيام فحسب من اندلاع مظاهرات 18،19 يناير عام 1977 يقول ( بعد حديث المسئولين عن الانفتاح فما تزال العوائق الممثلة في القوانين والقرارات المعوقة كما هي ، بل زادت خيبة أمل المستثمرين عندما صدر القانون رقم 11 لسنة 1975 الذي دعا إلى انعقاد الجمعيات العمومية وذهب المساهمون لحضور هذه لجمعيات .
وإذا بهم يجدون أنفسهم بلا حول ولا قوة أمام مجلس الإدارة المكون من البيروقراطيين الذين كانوا الأداة المنفذة للمعوقات التي سادت في عقد الستينات ) ثم يستطرد قائلا ( على المسئولين الذين عاصروا هذه الفترة ثم بدون تردد يجب أن يبدأو بتعديل ما ينبغي تعديله ويلغوا ما ينبغي إلغاؤه وذلك سعيا وراء تنقية الجو وعودة الثقة وفتح الأبواب التي أغلقتها العقول المتخلفة والنفوس الحاقدة .
في ظل هذا السيرك السياسي المنصوب من جانب أطراف إقليمية ( السعودية والخليج بصفة خاصة ) وأطراف دولية ( الولايات المتحدة وأوربا الغربية ) وأطراف داخلية ( الطبقة الرأسمالية المصرية ) تحددت ملامح التوجه السياسي / الاقتصادي للبلاد في عقدي السبعينات والثمانيات وبالقطع لم تكن هذه هي وحدها الفاعلة على المسرح السياسي المصري ، فهناك قوى اليسار الريديكالى الذي أخذ ينتشر شيئا فشيئا في الأوساط الطلابية والشعبية والذي عبر عن نفسه في اضطرابات الأعوام الخمسة الأولى من حكم الرئيس السادات.
وعندما حانت ساعة النزول الواسع لقوى اليسار إلى الشارع المصري الذي يتشوق للانفجار أثناء الانتخابات التشريعية في خريف عام 1976 ، التي تميزت بتقلص تدخل الأجهزة الأمنية والحكومية بشكل ملحوظ في مسارها أو نتائجها كانت كل الظروف قد هيأت لأكبر انفجار عفوي تشهده مصر منذ ثلاثين عاما تقريبا .
لقد حصل مرشحوا اليسار بكافة انتماءاتهم على ما يعادل 19% من مجموع الأصوات المشاركة في المعركة الانتخابية وهى بكل المقاييس ، وبعد طول حرمان لقوى اليسار من النشاط المستقل والمناوئ للسلطة تعد نجاحا وتعبيرا عن قاعدة اجتماعية وسياسية آخذة في التشكل لصالح هذا اليسار .
بيد أن نكوص نظام الرئيس السادات على شعارات الديمقراطية في أعقاب الانتفاضة الجماهيرية الواسعة يومي 18،19 عام 1977 وبداية مرحلة المطاردة البوليسية العنيفة لقوى اليسار المصري مختلف فصائلها والتي شملت ما يربو على خمسة آلاف كادر يساوى طوال السنوات الأربعة اللاحقة أعاد طرح علامات استفهام حول جدول الظهور العلني للجماعات والمنظمات الدينية واليسارية السرية .
كما لجأ نظام الرئيس السادات وأجهزة الأمن ، خاصة بعد اتساع دائرة المعارضين لسياسته بعد زيارته إلى القدس المحتلة في نوفمبر عام 1977 وبداية مرحلة التحالف غير الرسم بين نظام السادات من جهة والجماعات الدينية في مجملها من جهة أخرى إلى التضييق على كافة القوى السياسية القانونية منها وغير القانونية مما مهد السبيل إلى حملة الاعتقالات الواسعة في الثالث من سبتمبر عام 1081 ثم بالنهاية الميلودرامية لرأس النظام نفسه في السادس من أكتوبر من نفس العام .
والحقيقة أن الباحث السياسي والمحلل التاريخي لا يمكنه النظر لتطور التركيبة السياسية المصرية في العقدين الماضيين بمعزل عن قوتين أساسيتين مثلتا طوال التاريخ السياسي المصري الحديث الخميرة السياسية الفعالة لمختلف الظواهر الحية والأحداث البارزة وهما :

التيار الأول : السلفي الاسلامى :

بمختلف اتجاهاته وجماعاته سواء كانت هذه الجماعات تتبنى المنهج التدريجي ( مثل جماعة الإخوان المسلمين ) أو كانت جماعات انقلابية ( مثل جماعة الجهاد والتكفير والهجرة و الجماعة الإسلامية والتحرير الاسلامى ) .

التيار الثانى : اليسار الشيوعي :

والذي تتعدد تنظيماته وفصائله حتى قاربت الإحدى عشر تنظيما في الساحة السياسية المصرية تتبنى جميعا الماركسية وتعمل بصورة شبه سرية ، وتنقسم هذه التنظيمات بدورها إلى قسمين أساسيين أحدهما تيار مرحلي ( الحزب الشيوعي المصري والحزب الشيوعي المصري 8 يناير ) وتيارات راديكالية على صعيد الأفكار ( العمال – المؤتمر – التروتسكين .. الخ ) .
وبرغم ما أظهرته التطورات السياسية من فاعلية هذين التيارين وقدرتهما على الحركة والتأثير فإن قانون الأحزاب يحول دون ظهورهما القانوني – ولا نقول المشروع – في ساحة الجدل السياسي العلني في البلاد ولذا سيقتصر تحليلنا لشكل الخريطة السياسية والرؤى البرنامجية للأحزاب القانونية الأساسية وعددها 6 أحزاب حتى الآن على أننا سنعود في ثنايا تحليلنا لنلقى بعض الأضواء على الخطوط الأساسية والرؤى العامة لأبرز الجماعات أو المنظمات الممثلة للتيارين السالف الذكر.
تبدأ التجربة الحزبية الجديدة في مصر ، منذ خريف عام 1976 بعد انقطاع دام أكثر من عشرين عاما .
والحقيقة أن هذه التجربة قد ولدت مشوهة منذ اللحظة الأولى حيث فرضت مجموعة من القيود والعقبات أمام تشكيل الأحزاب المختلفة فمن الفرض القسرى بالسماح بإنشاء ثلاثة أحزاب جاءت من كنف التنظيم السياسي الواحد ( الاتحاد الاشتراكي ) وقسمت على هوى القائمين على السلطة ( يمين – وسط – يسار ) إلى ضرورة الالتزام بالمعزوفة الثلاثية ( السلاح الاجتماعي – الوحدة الوطنية – الحل الاشتراكي ) بعد تفريغهم منكل مضمون جذري بحيث تحولت إلى أداة في يد النظام السياسي وحزبه الحاكم لترويع وتحجيم أنشطة هذه الأحزاب إذا ما خرجت عن الحد المسموح والمقرر سلفا .
وهنا ينبغي أن نميز بين القانونية ومبدأ الشرعية ، فإذا كان الأول يرتبط باعتراف أجهزة الدولة ومؤسساتها بالوجود الرسمي لهذا الحزب أو ذاك وما يترتب على ذلك من مخاطبة سياسية وقبول شكلي فإن مبدأ الشرعية ، يتجاوز ضيق مساحة مفهوم القانونية ، ليصبح أساس شرعية هذا الحزب أو ذاك هو مدى تمثيله لمصالح اجتماعية وسياسية محددة بصرف النظر عن الاعتراف الحكومي بهذا الحزب أو حتى محاربته واعتقال أعضائه وأنصاره .
على أي حال ، فإذا كان هناك اتفاق عام حول مقولة أن الأحزاب السياسية هي التجسيد التنظيمي والقانوني لواقع التراتب الطبقي والصراع الاجتماعي في عالمنا المعاصر فمن المؤكد كذلك أن التجربة الحزبية في مصر ، لم تتبلور بعد ، بحيث نستطيع أن نشير إلى كل حزب وما يجسده من مصالح سياسية وطبقة اجتماعية بعينها .
ولعل الحقبة النفطية والانفتاح على الغرب الرأسمالي وما أديا إليه من رعونة الهياكل الطبقية وهامشية وجود بعض هذه الفئات الاجتماعية برغم تنامي نفوذها السياسي في عملية صنع القرار سواء على المستوى التنفيذي أو على المستوى التشريعي كل ذلك يجعل المرء أكثر احترازا في تحليله للبرامج السياسية للأحزاب القائمة .
ولعل هذا الواقع قد دفع البعض إلى الإشارة إلى شذوذ تكوين بعض الأحزاب في مصر ( حزب الأمة مثلا ) والشروط القاسية التي فرضها قانون الأحزاب لإقامة أحزاب جديدة ، مما ترتب عليه من عجز قوى سياسية حقيقية عن تكوين أحزاب لها بينما نجح آخرون لا يمثلون إلا أنفسهم في تكوين أحزابهم .

عموما ... يمكننا تقسيم الأحزاب السياسية ( الرسمية ) في مصر الآن إلى تيارين عريضين :

الأول : الأحزاب الرأسمالية ( والتي يلعب فيها الانفتاحيون دورا رئيسيا في توجهاتها ورسم سياستها ) وهى :

الحزب الوطني الديمقراطي ( حزب مصر العربي الاشتراكي سابق ) .
حزب الوفد الجديد .
حزب الأحرار .
حزب الأمة ( جاء بحكم قضائي صادر في 15/6/1983)

الثانى : الأحزاب الإصلاحية :

حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي .
حزب العمل الاشتراكي ( قبل تحالفه مع الإخوان المسلمين عشية انتخابات 1987)
الحزب العربي الديمقراطي الناصري .

** أما التيارات والقوى السياسية المحجوبة عن الشرعية وأبرزها تيارات الرفض الديني والتيارات اليسارية سنعالجها بصورة مستقلة عن تيارات الأحزاب الرسمية .

وينبغي قبل التعرض إلى مضمون البرامج السياسية والانتخابية لهذه الأحزاب أن نشير إلى حقيقتين على جانب كبير من الأهمية :

الحقيقة الأولى : أن عملية الفرز والبلورة الطبقية والسياسية لم تكتمل بعد ، وهى في سبيلها إلى الوضوح خاصة بعد زوال التأثيرات الفجائية وغير الأصلية للحقبة النفطية على الحراك الاجتماعي في البلاد .
الحقيقة الثانية : وبناء على ذلك ، لا نستطيع التوقف بالتحليل عند البرامج السياسية المعلنة لمعظم الأحزاب القائمة في مصر الآن باعتبارها تمثل الأساس الواضح لتوجهات هذا الحزب أو ذاك ولذا فسيكون من المناسب تناول افتتاحيات بعض صحف هذه الأحزاب ومنحاها العام لما تمثله الافتتاحية عادة من موقف قيادة الحزب المؤثرة وخطه السياسي العام .
كما ستتخذ من بعض خطابات قادة هذه الأحزاب مؤشرا لطبيعة القضايا والمشكلات التي تمثل لهذا الحزب والقيادات هما جماهيريا وتوجها سياسيا ذو دلالة خاصة .

أولا : الأحزاب الرأسمالية اليمينية :

1- الحزب الوطني الديمقراطي :

بعد الحزب الوطني الديمقراطي ، الامتداد الطبيعة للتنظيمات السياسية التي نشأت في كنف النظام السياسي والسلطة الحاكمة في البلاد منذ عام 1952 وهو بهذا الصفة بمثابة " الظل المدني " النظام العسكري القائم منذ ذلك التاريخ سواء في مراحل صعوده أو فترات انحداره وتدهوره .
والحقيقة أنه برغم تباين المراحل التاريخية ، وتمايزها من مرحلة لأخرى ، فإن السمة الأساسية لهذه التنظيمات ( هيئة التحرير – [[الاتحاد القومي] – الاتحاد الاشتراكيحزب مصرالحزب الوطني الديمقراطي ) هي سيادة مفهوم الطاعة والولاء لشخص الرئيس أو القائد المتربع على قمة السلطة والمستند بصورة حاسمة لدعم وتأييد المؤسسة العسكرية والذي دائما ما يكون أحد أعضائها الذي تنعقد له الزعامة في ضوء توازن معقد بين مؤسسات الدولة والمجتمع .
ولذا سيكون من الخطأ الاعتقاد بأن هذه الأحزاب المرتبطة بالسلطة منذ لحظة الولادة تجسد كيانات ومصالح طبقية مستقرة بقدر ما هي تجمع للمصالح " فحزب النظام " الذي يأتي على مسرح التاريخ عادة لسد الفراغ السياسي بعد الضربات التي وجهت إلى الكيانات الطبقية المختلفة وتجسداتها السياسية يعجز دائما عن تمثيل أشمل وأكمل لمصالح الطبقات الرأسمالية خاصة في ختام الفترة الانتقالية البونابرتية .
وهكذا تبرز من جديد التعبيرات السياسية والتنظيمية للرأسمالية القديمة الجديدة مشيعة باللعنات حزب النظام وزعامته متهمة إياه بكافة النعوت والصفات غير المستحبة برغم أن هذه التعبيرات السياسية الجديدة مدينة في ظهورها من جديد واستمرارها التاريخي لهذه المرحلة البونابرتية ذاتها.
عموما ... فإن محاولة البحث عن أساس فكرى " لحزب النظام " يصطدم دائما بالتغييرات السريعة التي تطرأ على النظام السياسي نفسه واتجاهات الرئيس فبينما استند الحزب في سنواته الثلاث الأولى ( 78-1981) على " ثورة التصحيح في مايو 1971 " كأساس لشرعيته فإن سنواته الثلاث اللاحقة ( عهد مبارك ) قد شهدت إهمالا يكاد يكون كاملا لهذا الأساس والعودة القهقرى إلى ثورة 23 يوليو كأساس لشرعية النظام والحزب .
بالقطع لا تعكس هذه العودة موقفا أيديولوجيا أو سياسيا أصيلا ، تؤكده الممارسة السياسية والاجتماعية للنظام والحزب ( إصلاح اجتماعي – عدم انحياز – ضرب كبار الملاك والرأسمالية .. الخ ) بقدر ما أملته اعتبارات التوازن السياسي القلق بين مختلف القوى السياسية والاجتماعية في البلاد التي وصلت إلى لحظة الانفلات عشية حادث المنصة المليودرامى .

ووفقا لنص البرنامج الانتخابي للحزب فهو " التعبير عن الالتزام بتطبيق مبادئ ثوري يوليو " وتتحدد مقوماته الفكرية في ثلاثة أسس :

الأولى : القيم الدينية حيث يعمل الحزب على مراجعة جميع القوانين لتتفق وأحكام الشريعة الإسلامية .

الثانية : القومية العربية وعروبة مصر .

الثالثة : الاشتراكية الديمقراطية( حكم الشعب بالشعب ولصالح الشعب ) .

ولا نجد في نصوص أو متون الأوراق النادرة للحزب وخصوصياته الفكرية أي ارتباط أو إلزام بين هذه المقومات وشكل الممارسة الفعلية للحكومة المصرية التي يفترض أنها تأتى تعبيرا عن الحزب الوطني وتجسيدا لبرنامجه وذلك على العكس من " الميثاق الوطني " الذي مثل وجهة نظر نظام الرئيس جمال عبد الناصر فى مطلع الستينات ومفهومه لمسار التطور الاقتصادي والاجتماعي لمصر سواء في الماضي أو الحاضر أو نظرته للمستقبل .
أما الجريدة الناطقة بلسان الحزب ( مايو ) فقد اقتصرت مساهمتها خلال سنوات إصدارها على الدفاع عن سياسات الحكومة وإجراءاتها وكذا مهاجمة أحزاب المعارضة ولا نستطيع أن نلتقط مقالة أو دراسة ذات طابع فكرى يسمح بالتعرف بدقة على إطار نظري يعكس بوضوح التركيبة الاجتماعية والثقافية للحزب الحاكم ولنظرته كحزب لمستقبل البلاد .

وفى سبيل المقارنة بين المحتوى الاجتماعي للعناصر القيادية للحزب الوطني الحاكم وبين المحتوى الاجتماعي للعناصر القيادية للاتحاد الاشتراكي العربي تبين الآتي :

1- أن نحو 80% من الهيئة البرلمانية للحزب الوطني الحاكم عام 1983 من رجال الأعمال وذوى نشاط تجارى استثماري متعدد الأوجه ( مزارع دواجن – توكيلات تجارية – مكاتب استيراد وتصدير – مشروعات تجارية مختلفة – أنشطة وساطة ) وبعض هؤلاء تبين أن لهم أنشطة غير مشروعة ( رشاد عثمان – توفيق عبد الحي – الفيومي .. الخ )
2- هناك نحو 5% من أعضاء الهيئة البرلمانية للحزب الحاكم ، موظفون ومهنيون .
3- بقية أعضاء هيئته البرلمانية (15% ) غير محددة أنشطتهم بشكل واضح .

أما لجانه القيادية _ المكتب السياسي – الأمانة العامة للحزب – أمانات المحافظات واللجان المحلية ) فيظهر من الحصر الذي قمنا به عام 1984 ( لم يتغير الوضع كثيرا حتى نهاية 1992 ) أن الأمانة العامة للحزب تتوزع على النحو التالي :

- 40% من أعضاء الأمانة العامة للحزب رأسماليون ورجال أ‘مال وأعضاء مجالس إدارة لبنوك أجنبية ومشتركة .
- 20% من المهنيين وأصحاب مكاتب استشارية .
- 20% من كبار الملاك الزراعيين .
- 20% غير محددو أنشطتهم .

وتختلف الملامح في بقية الهيئات والمستويات الحزبية بصورة مدهشة ، بحيث يصعب تحديد الوزن النسبي لكل فئة اجتماعية أو مهنية ، لقد مثل هؤلاء مركز الثقل الرئيسي في عملية اتخاذ القرارات ورسم السياسات العامة للحكومة والنظام وبالقطع فإن تحليلنا للمحتوى الاجتماعي لا يغفل الأيديولوجيا الرأسمالية السائدة في أوساط هذه الجمهرة الواسعة من المنضمين إلى حزب الحكومة والبالغ عددهم 4 مليون عضو كثر من 97% منهم أعضاء جدد نشطوا على الساحة السياسية خلال انتعاش الحياة السياسية المصرية منذ عام 1975 فصاعدا وارتبطوا " بحزب النظام " من باب تلاقى المصالح والأهداف قبل الموقف الفكري أو الأيديولوجي وعلى العكس من ذلك فإن تحليل التركيب الاجتماعي والمهني لهيئات الاتحاد الاشتراكي العربي القيادية ( اللجنة التنفيذية – اللجنة المركزية ) في عام 1970 تشير إلى الحقائق التالية :

- 95% من أعضاء اللجنة التنفيذية العليا من الضباط .
- 40% من أعضاء اللجنة المركزية من ضباط الجيش والشرطة والمهنيين .
- 20% من أعضاء اللجنة المركزية من الحرفيين والرأسماليين المتوسطين .
- 20% من أعضاء اللجنة المركزية من العمال أو الارستقراطية العمالية تحديدا .
- 20% من الفلاحين وأكثر من نصف هؤلاء من الفلاحين المتوسطين الذين يملكون خمسة أفدنة فأكثر .

ولم يكن هناك من كابح لجنوح هذه التركيبة الطبقية " لحزب النظام " ونزوعها نحو التصالح والانفتاح على الغرب الرأسمالي سوى توجهات عبد الناصر الشخصية ورؤيته لشكل الخريطة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يريدها ويعتبرها ملائمة للمجتمع والدولة ويكفى دليلا على ذلك أن عددا ليس بقليل من أبرز كوادر التجربة الناصرية ورموزها المؤثرة في الخمسينات والستينات قد أصبحوا في عقد السبعينات نجوم لامعة في عالم المال والتجارة بل والوكالة التجارية لمؤسسات وشركات دولية إمبريالية ...

وإذا عدنا بأدراجنا إلى المقومات الفكرية الثلاث التي يعتمد عليها الحزب الوطني الديمقراطي " والواردة في برنامجه الانتخابي عام 1984 نلاحظ أن كلا منها لا تعكس توجها حقيقيا للنظام أو الحزب ، فالحزب الوطني وحكومته شنت ولا زالت تشن أوسع عمليات المطاردة البوليسية المصحوبة بتعذيب جسدي سقط على أثره بعض الضحايا من الجماعات الإسلامية على مختلف توجهاتها وفصائلها وتقوم الهيئة البرلمانية للحزب بتعطيل مشروعات القوانين التي قدمها بعض رموز الإخوان المسلمين في مجلس لشعب والتي يدعى هؤلاء الأخيرون بأنها تتفق مع الشريعة الإسلامية .

وبالقطع فإن هذا التعطيل لا يمثل على الجانب الأخير موقفا من النظام الحاكم أو حزبه تجاه شكل الدولة والعلاقات الدستورية بين مختلف المؤسسات في المجتمع بقدر ما تنبع من صراع مصالح بين قيادات الرأسمالية المصرية المختلفة والمتصارعة والتي تجسد التيارات السياسية الدينية أحد أوجهها من المنظور التاريخي والاجتماعي بل أن تصريحات بعض قادة الجماعات الدينية وممارستهم السياسية والاقتصادية تعد بكل مقاييس الرشادة تدميرا متساعرا للبنية الاقتصادية القائمة ذاتها .

أما العنصر الثاني ( القومية العربية ) فإن الممارسة السياسية للنظام والحزب معا والخوض حتى النهاية في مسار التسوية السياسية غير المتكافئة وغير المتوازنة مع الكيان الصهيوني والامبريالية الأمريكية ( كامب ديفيد ومعاهدة السادات – بيجين ) قد دفع المنطقة العربية وشعوبها إلى هاوية لا قرار لها ودخلت المنطقة العربية في مصر – الفتنة الطائفية في السودان وتوريط النظام الليبي في تشاد والحرب الأهلية في اليمن .. الخ )

وبالقدر المعكوس الذي فهم فيه الرئيس السادات وطبقته مركز مصر التاريخي والجغرافي في المنطقة العربية كان الجانب الآخر ( إسرائيل والولايات المتحدة ) يدرك ألأثر المدمر لإخراج مصر من النظام الإقليمي العربي على بقية شعوب المنطقة ككل ولذل فإن رفع شعار دون بناء أسس تحقيقه لا يتعدى كونه ديماجوجية سياسية وخداعا لا ينطلي إلا على بسطاء العقول فالقومية التي هي سعى دءوب لمطابقة مستوى التطور الرأسمالي في منطقة ما مع حدودها اللغوية والثقافية أي تطابق السوق القومي العربي الواحد بالسلطة القومية العربية الواحدة تشترط تغليب عنصر التناقض الرئيسي بين النظام الاقليمى العربي ككل من جهة وبين الامبريالية والصهيونية من جهة أخرى .

وعلى النقيض من ذلك فإن نهج كامب ديفيد ( الأمريكي الاسرائيلى ) كان بمثابة تغليب للتناقضات الثانوية بين الأنظمة العربية وبعضها البعض على التناقض الرئيسي بين الأنظمة ككل وبين الامبريالية الغربية وإسرائيل .

والحقيقة التي لا مراء فيها هو أن منهج كامب ديفيد هو السمة المميزة للحركة السياسية العربية منذ هزيمة يونيه 1967 يتحرك في خطوطها جل النظم العربية بهذا القدر أو ذاك .،

بهذه الكيفية أو تلك وقد باتت شعارات التوحيد القومي جزءا من تراث البرجوازية العربية القومية منذ مطلع الأربعينات وأثبتت الأحداث منذ منتصف الستينات عجز هذه البرجوازية عن تحقيق شعاراتها في الواقع الملموس حتى بعد أن تمكنت أحزابها من الاستيلاء على جهاز الدولة ( فرعى حزب البعث في سوريا والعراق ) لذا فليس من المتصور أن يكون لشعار " القومية العربية " في نصوص البرنامج الانتخابي للحزب الوطني الديمقراطي " حزب كامب ديفيد في مصر " نصيب من المصداقية أو المشروعية .

ولا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة للدعامة الثالثة " لحزب النظام " أي وهى الاشتراكية الديمقراطية فوفقا للمحتوى الطبقي للحزب سواء على صعيد البشر أو على صعيد الأيديولوجيا السائدة بينهم – يصعب ممارسة سياسية " اشتراكية " إصلاحية على الطراز الناصري وتأكيد الحزب المستمر على ركيزته الاقتصادية المتمثلة في إتباع سياسة الانفتاح الاقتصادي وبيع القطاع العام ( الخصخصة ) ومواجهته بالعنف لأي خروج على هذه الدعامة الإستراتيجية في بنائه الفكري والسياسي حتى من جانب أعضائه .

كل ذلك قد خلق بناء اجتماعيا واقتصاديا دعمتها سنوات الحقبة النفطية العشر الماضية ، تراكمت مظاهر الثراء في جانب وكل مظاهر ووقائع البؤس والفقر في جانب آخر والحقيقة أن ركائز " اشتراكية البرجوازية الصغيرة الناصرية " مثل القطاع العام ولعبة التوازن الطبقي .. الخ.

" يجرى استبدالها والتخلص منها تدريجيا منذ عام 1971 بحيث أصبح الحديث حول الاشتراكية بمثابة غطاء ايديولوجى غير مفهوم وغير مبرر من جانب الطبقات الاجتماعية الرأسمالية الجديدة / القديمة التي دبت فيها الروح بعد عام 1974 وأصبحت تلعب دورا رئيسيا وحاسما في صنع القرار السياسي والاقتصادي في البلاد .

والشق الثاني من الشعار " الديمقراطية " يصعب الحديث عنها دون التوقف للاتفاق حول ما تعنيه في المجتمعات الحديثة حيث هي :

1- حق الكلام والنشر والتعبير .
2- حق عقد الاجتماعات والندوات والتظاهر السلمي والإضراب .
3- حق تأليف وتشكيل الأحزاب .
4- حق تنظيم القطاعات الجماهيرية المختلفة .
5- حق المعرفة والاطلاع على البيانات والمعلومات.

ويبدو أن ما تحقق في هذا المجال من جانب حكومة " الحزب الوطني الديمقراطي " يعد سلبيا إلى حد كبير ، فإذا كانت الأعوام التي أعقبت اغتيال رئيس الجمهورية السابق ومؤسس الحزب قد شهدت انفراجا نسبيا في مجال النشر وإصدار صحف المعارضة القانونية ،

فإن قبضة النظام وأجهزته قد ازدادت إحكاما في المجالات الأخرى التي بدونها تصبح الديمقراطية مجرد ديكورات فارغة من أي مضمون حقيقي بل إن عام 1983 قد شهد إصدار القانون رقم 114 سنة 1983 الخاص بإجراء الانتخابات على أساس القائمة النسبية المشروطة الذي افتقر إلى الدستورية والشرعية كما جاء في تقرير هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا في ديسمبر 1986 وبعد أن أجريت الانتخابات التشريعية في ضوء هذا القانون غير الدستوري .

على أي حال فالمراقب عن كثب للممارسة السياسية المصرية منذ إقرار التعددية الحزبية عام 1976 يساوره القلق والشك في فاعلية هذا النظام طالما ظلت الشروط الخاصة بسيطرة العسكريين على الحكم في البلاد قائمة .

ولعلنا في معرض التأكيد حول الانفصام القائم بين ما يطرحه الحزب الوطني في برنامجه الانتخابي من أفكار وبين شكل ممارسته السياسية الفعلية نشير إلى أن برنامج الحزب قد جاء خاليا من أي إشارة إلى اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام " السادات – بيجين " في معرض إبرازه لانجازات الحزب والحكومة هذا بينما لا يخفى جميع المسئولين – وعلى رأسهم رئيس الجمهورية ورئيس الحزب – بأن معاهدة كامب ديفيد ومسار التسوية المرتكن إليها يمثل القاعدة الأساسية لتوجهات النظام السياسية والدعائية بلا وعلاقاته الدولية والعربية .

وينطبق نفس الشيء بالنسبة للقضية الاقتصادية فعلى الرغم من أن برنامج الحزب الوطني الديمقراطي قد تضمن محاولة للتفرقة بين ما أسماه الانفتاح الانتاجى والانفتاح الاستهلاكي وتأكيده على أن مفهومه للانفتاح هو لصالح الأول " لجذب الاستثمارات فإن الممارسة الفعلية وتصدى الحزب بحزم وقسوة لوزير اقتصاده في أبريل 1985 وفى أعقاب قرارات يناير عام 1985 الشهيرة التي أصدرها هذا الوزير والتي كان من شأنها تقليص " نظام الاستيراد بدون تحويل عمله " وبداية ضرب نفوذ فئة المستوردين وتجار العملة كل ذلك كشف هشاشة شعارات الحزب الحاكم التي أوردها في برنامجه الانتخابي .

ويقاس على ذلك مسألة الدعم السلعي بين الأجور والأسعار .. الخ .

والجديد الذي برز في سياسات حكومة الحزب الوطني منذ مطلع عقد التسعينات هو حجم الثقل السياسي والتشريعي لجماعات رجال المال والأعمال واتخذ هذا الوجود شكلا مؤسسيا تتخذ فيها توصيات وقرارات ودراسات هذه الفئة الاجتماعية مجرى الفعل اليومي لسياسات النظام والحكم سواء بالنسبة لتسوية الصراع العربي – الاسرائيلى ( تمثل رجال الأعمال المصريين في مؤتمرات التعاون الاقتصادي للشرق الأوسط ) أو بالنسبة لقرارات بيع القطاع العام ( الخصخصة ) أو العلاقات الخاصة بالولايات المتحدة ( المجلس الرئاسي المصري – الأمريكي ) أو لجان الشراكة مع أوربا فنحن إزاء تحالف اجتماعي جديد يقود البلاد في طريق الاندماج الكامل بالسوق الدولي مع ما يترتب على ذلك من آثار بعيدة المدى على شكل البلاد والنظام الإقليمي العربي مستقبلا .

2- حزب الوفد الجديد :

تمثل عودة الوفد الجديد إلى مسرح الحياة السياسية المصرية عام 1978 وقدر الترحاب والالتفاف الواسع من جانب قطاعات اجتماعية عديدة معنى خاص في إطار التحليل السياسي والاجتماعي لواقع الخريطة الطبقية والفكرية في البلاد وكذا لمستقبل التوازن السياسي فيها .
وبالقدرالذى فهم فيه البعض هذا الالتفاف الجماهيري بأنه تحية لميراث الوفد الليبرالي كحزب للرأسمالية المصرية المحلية في مطلع هذا القرن وتصدره لقيادة الثورة البرجوازية المصرية عام 1919 بالقدر الذي تيقن فيه آخرون بأنه استفتاء جماهيري غير مشروط بإعلان إفلاس الصيغة السياسية العسكرية التي فرضت على البلاد وقواها السياسية المختلفة منذ عام 1952 .
بيد أن عودة حزب الوفد لم تكن من حيث الشكل أو المضمون – كظهوره القوى على مسرح التاريخ المصري منذ نوفمبر عام 1918 وقيادته لثورة 1919 فمنذ اختفاء الوفد عام 1953 وظهوره عام 1978 جرت مياه كثيرة سواء على صعيد البنية الاقتصادية والاجتماعية أو على صعيد التيارات السياسية وانساق القيم الفكرية والمفاهيم الأيديولوجية .
وبالقطع فإن هذه التغيرات لم تقتصر على ما جرى ويجرى في مصر ، وإنما امتدت آثارها في دائرة معقدة من الفعل إلى الرقعة الجغرافية للوطن العربي ككل بل وأحيانا إلى بقية دول العالم الثالث .
وبصرف النظر عن مواقع التأثير والتأثر المتبادلين ، وبصرف النظر كذلك عن تغيير وتبدل مركز الثقل الذي تشغله مصر قبل عام 1967 وبعدها من ناحية وبعد عام 1974 وقبلها من ناحية أخرى فإن النتيجة النهائية هي أن خريطة اجتماعية واقتصادية وسياسية قد تشكلت وإن رؤى هذا الحزب أو ذاك من هذه الخريطة سواء بالرفض أو القبول ستحدد موقعه في حاضر البلاد وفى مستقبلها كذلك .
ولذا فليس من المتصور أن يكون حزب الوفد " الجديد " متطابقا أو متماثلا مع حزب " الوفد القديم سواء من حيث البرنامج السياسي الذي يحمله أو من زاوية المحتوى الاجتماعي الذي تشكله مستوياته الحزبية المختلفة من أعلاها إلى أدناها .
فالانفتاح الاقتصادي الذي أعاد صياغة الخريطة الطبقية في البلاد بشكل غير مسبوق وتأثير الحقبة النفطية على توسيع البنية الطبقية وعلى حد تعبير الدكتور جمال حمدان – وما صاحب كل ذلك من " سعار استهلاكي " قد خلق ظروفا موضوعية وأرضا اجتماعية جديدة تماما في البلاد فلم تعد القمة المتربعة على الهرم السياسي والاجتماعي كما كانت عام 1952 ( مجتمع النصف بالمائة ) وإنما باتت بعد الانفتاح وفى ختام الحقبة النفطية تعادل 8% من أفراد المجتمع المصري كما كان لتربع الفئة التجارية الدولية " الكمبرادورية " على قمة الهرم اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا أثره البارز في سيادة نسق إعلامي ودعائي مؤثر وفاعل على بقية الفئات والطبقات الاجتماعية في البلاد .
ومما لا شك فيه أن قطاعا عريضا من الطبقة الرأسمالية المصرية الجديدة ، قد وجد أنه قد آن الأوان للتخلص من الميراث الناصري وصيغته السياسية الحديدية ولذا فهى من باب المصالح الواسعة تشارك في العمل السياسي وفى صفوف الوفد لإجراء إصلاح دستوري بعيد التوازن بين السلطات ويسمح بصورة نهائية بتهدئة الأوضاع ووضع الضوابط على الانفلات الاجتماعي لتهيئة أفضل شروط ممكنة للاستثمار الفردي المحلى والأجنبي .
وبالمقابل فإن قطاعا آخر لا يقل وزنه الاقتصادي والاجتماعي في الطبقة الرأسمالية المصرية – وهو القطاع التجاري والخدمي – ينظر بعين الشك إلى التقلبات التي تطرأ على إجراءات السلطة والنظام بفعل تعدد مصادر الضغوط وتنوع الاجتهادات داخل هذه السلطة ويدفعه قلقه المستمر إلى اللجوء إلى تهريب الأموال وتجميد النشاط بين الفينة والأخرى ، كلما لاحت في الأفق مخاطر العودة للإجراءات الناصرية ضد رأس المال .
ولا تقتصر القاعدة الاجتماعية لحزب الوفد " الجديد" على هؤلاء وأولئك وإنما تمتد إلى قطاعات ليست محددة من الطبقة الصغيرة وعناصرها النشطة في المدينة والريف والذين يطمحون لدور سياسي بعيدا عن هيمنة حزب الحكومة الذي ثبت فشله المتكرر في حل أزماتهم الاقتصادية المتفاقمة وينضوي تحت لواء حزب " الوفد " الجديد ذلك الزخم من أعضاء الوفد القدامى الذين تجاوز الخمسين عاما من عمرهم ويحملون بوفد سعد زغلول ومصطفى النحاس " حزب الأمة المصرية " الذي احتملت عباءته لسنوات طويلة قوى اجتماعية متعددة ومتضاربة في المجتمع المصري وقتئذ .

فبماذا قدم حزب الوفد " الجديد" نفسه إلى كل هؤلاء ؟

وكيف يتعامل مع المعطيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الجديدة ؟

الحقيقة إن هذا التماثل والتطابق في القاعدة الاجتماعية لحزب الوفد " الجديد " والحزب الوطني الديمقراطي الذي يلعب دور الظل المدني للنظام العسكري يجعل من الطبيعي أن تتماثل وتتشابه المواقف السياسية والاجتماعية للحزبين ، وباستثناء الإصلاح الدستوري الذي يطالب به حزب الوفد " الجديد فإن ما يطالب به الحزب على المستويين الاقتصادي والسياسة الدولية والإقليمية تقوم الحكومة المصرية والنظام الحاكم بممارستها فعلا .
عموما ... فإذا ما تمعنا النظر في خطابات أبرز قادة حزب الوفد " الجديد " وبخاصة السيد فؤاد سراج الدين الذي يمثل أحد أهم نقاط الارتكاز بين كافة تيارات الحزب وكذا برنامجه الانتخابي الذي قدم في أبريل عام 1984 نكتشف ذلك التطابق الفكري والأيديولوجي مع اختلاف في منابعها وتراثها التاريخي .

أولا : موقف حزب الوفد " الجديد من القضايا الاقتصادية .

اى تحتمل مواقف حزب الوفد " الجديد أي لبس أو غموض حول طبيعته الاجتماعية وإذا أخذنا كمحددات لهذه المواقف موقفه من ( القطاع العام ) والانفتاح الاقتصادي والعلاقات بالسوق الرأسمالي الدولي ونمط التخصص وتقسيم العمل الدوليين وسياسة مصر الدولية والعربية ، فإننا نستخلص مدى التقارب بين ما يدعو إليه الوفد وبيم ما تمارسه الحكومة المصرية فعلا .
فالحزب بداية مع تقليص دور الأعمال الحكومي ( القطاع العام ) إلى أقصى مدى ممكن ففي خطابه التاريخي بذكرى سعد والنحاس في 10 أغسطس 1983 م أعلن فؤاد سراج الدين ذلك بقوله ( نؤيد القطاع العام للإنتاج الكبير والصناعات الكبيرة وللمرافق العامة ولوسائل الإنتاج الحقيقية لكن ليس للأشياء التي يستطيع الفرد أن يديرها أفضل من الحكومة وهناك شركات قطاع عام تخسر ملايين الجنيهات سنويا الآن وكانت قبل التأميم تدر أموالا طائلة على أصحابها هذه الشركات الخاسرة الصغيرة لو بيعت للجمهور في شكل شركات مساهمة سوف تكسب الدولة منها ملايين الجنيهات وتسحب الحكومة جزءا من النقد وتخفف التضخم النقدي ).
ويتكرر نفس البرنامج الانتخابي للحزب الذي نشر بجريدة الوفد في أبريل عام 1984 بل ويذهب هذا البرنامج الانتخابي خطوة للأمام لإظهار العلاقة المتصورة بين القطاعين الحكومي ( القطاع العام ) والقطاع الخاص حيث يشير البرنامج إلى أن تدعيم القطاع العام يفيد الخاص ( وهكذا فإن وجود قطاع عام قوى تنعكس آثاره حتما على نواحي اقتصادية من أهمها تنشيط القطاع الخاص الذي قاس من الركود طويلا إبان التجربة الاشتراكية التي مرت بها البلاد ) ويطالب البرنامج بتنشيط سوق المال كوسيلة ( لاجتذاب المدخرات وانتعاش الشركات المساهمة من جديد ) ويقترح البرنامج بتخليص القطاع العام ( من الأعمال التي اقتحمت عليه والتي يمكن للقطاع الخاص أو القطاع المشترك أن يديرها بكفاءة وإنتاجية أكبر ) .
وبالطبع فإن هذا الموقف الذي يتماثل تماما مع ما تمارسه الحكومات المصرية منذ عام 1974 ينسجم مع تأييد الحزب لسياسة " الانفتاح الاقتصادي " موضع الضوابط " دون أن يحدد الحزب ما هي هذه الضوابط بدقة وما هي نوعيتها ؟ .
بل إن مطالبة البرنامج ( بتوفير كل الضمانات التي تكفل الطمأنينة والثقة لأصحاب رؤوس الأموال العرب والأجانب وتشجيعهم على استثمار أموالهم في مصر ) يغفل الطابع الريعى للاقتصاديات العربية ونمط التخصص وتقسيم العمل الدوليين الذي يجعل من الصعب تدفق رؤوس الأموال العربية والدولية للاستثمار في دول العالم الثالث بصفة عامة ومصر غير المستقرة سياسيا واجتماعيا بصفة خاصة ويتفرع من إيمان حزب الوفد بسياسة " الانفتاح الاقتصادي " مجموعة من القناعات تدعم مركز الرأسمالية على حساب ملكية رأسمالية الدولة وعلى حساب مصالح قطاعات واسعة من السكان فعلى سبيل المثال وليس الحصر يؤمن الحزب بترشيد سياسة دعم السلع الاستهلاكية وهى نفس المصطلحات التي تستخدمها حكومة " الحزب الوطني الديمقراطي " الحاكم والتي أثبتت السنوات العشر الأخيرة أنها تستهدف بها إلغاء الدعم تماما ، هذا في الوقت الذي يعترف فيه برنامج حزب الوفد " الجديد " بأن ارتفاع الأسعار قد أدى ( لزيادة الفقراء فقرا والأغنياء غنى ) ولم يحدد حزب الوفد كيف يوائم بين ترشيد أو إلغاء الدعم وضبط الحركة الحلزونية للتضخم وارتفاع الأسعار .
بل إن الحزب في محاولته لدعم مركز الرأسمالية الفردية يذهب إلى مدى التخبط بين مقدماته حول أزمة الإسكان واستفحالها وبين طرق حلها فبدلا من أن يصوغ موقف وسياسة لصالح الأغلبية الفقيرة التي تعانى من هذه الأزمة يطالب " بجعل تقدير القيمة الايجارية على أساس التكاليف الفعلية بالنسبة للإسكان الشعبي والاقتصادي تشجيعا للقطاع الخاص على المساهمة في هذا المجال " .
ويستطرد البرنامج ( وغنى عن البيان أن تعسف لجان تقدير الإيجار في تحديد الأجرة بما يقل عن التكاليف الفعلية يدفع أصحاب الأموال إلى توظيفها في أنشطة أخرى ) بل وتمتد مطالبة الحزب في مجال العلاقة بين المالك والمستأجر للأراضي الزراعية إلى حد المطالبة بنظام المزارعة ) الذي عفي عليه الزمان ويعتبر جزءا من العلاقات الاجتماعية في الريف المصري قبل عام 1952 .
أما موقف حزب الوفد " الجديد " في مجال السياسة الدولية والإقليمية ، فهو لا يختلف على الإطلاق مع سياسة النظام الحاكم ففي الوقت الذي يعلن برنامج الحزب الانتخابي بأنه ( لا مندوحة من اعتبار أن اتفاقية كامب ديفيد أصبحت منعدمة من أساسها وغير ذات موضوع ) يعود في مقطع آخر من البرنامج ليقول ( يرى حزب الوفد أنه لا يجوز لإسرائيل أن تطالب مصر بتنفيذ التزاماتها في معاهدة السلام بينما هي لا تحترم التزاماتها فيها ) ثم يفصح عن موقفه من الاعتراف بإسرائيل واستعداد الحزب – في حال تسلمه السلطة بالاعتراف بإسرائيل واحترام اتفاقية السادات بيجين بقوله ( ويؤيد الحزب السياسة الحكمية التي أعلنها السيد رئيس الجمهورية بعدم عودة السفير المصري إلى تل أبيب قبل أن تنسحب إسرائيل من لبنان ) أي أن الحزب لا يرفض من حيث ألمبدأ وجود سفير مصري في فلسطين المحتلة ولكن بشروط هي شروط النظام الحاكم في حقبة من أشد حقبات الوطن العربي سوادا وانحطاطا .
ولا تشغل القضية الفلسطينية حيزا مناسبا في برنامج الوفد يتناسب مع أهميتها على الصعيدين العربي والدولي وكذلك في خطه الدعائي ونشاطه السياسي فالحزب بهذا المعنى يرتكز في نشاطه ودعامته السياسية على مطالبته بإصلاح دستوري يعيد التوازن بين مؤسسات المجتمع والدولة ويؤدى لعودة العسكريين إلى ثكناتهم .
وبرغم أن المعمار الانشائى لبرنامج الوفد الانتخابي يعتمد بصورة أساسية على مطالبته بالإصلاح الدستوري والحريات العامة ، فإن إغفال البرنامج لحق الإضراب والاعتصام والتظاهر السلمي " يمثل أحد أوجه الوفد المناوئة لمصالح العمال الأجراء باعتبار الإضراب أحد أهم الوسائل الفعالة في يد هذه الطبقة للدفاع عن مصالحها الاقتصادية والحياتية .

3 حزبا " الأحرار " و الأمة " :

في إطار المحاولات المحمومة ، من جانب الرئيس أنور السادات لإعادة صياغة التركيبة الاجتماعية والسياسية في مصر بحيث تتلاءم مع التغيرات التي طرأت على توازن القوى الاقليمى ( الحقبة النفطية ) ومد جسور الصداقة والتعاون مع المعسكر ( أوربا وأمريكا ) جاءت صيغة المنابر ثم التعددية الحزبية بيد أن القيود العديدة التي وضعت منذ البداية حالت دون ظهور القوى السياسية الفاعلة على المسرح السياسي في البلاد علانية وظلت الأحزاب التي تحظى بالقبول الرسمي بمثابة هشة على سطح التيار الذي تموج أعماقه بالعديد من التنظيمات والقوى السياسية الحية والمتجددة .
وبالقطع فإن الصيغة الثلاثية ( يمين – يسار – وسط ) بقدر ما كانت غير متوافقة مع حركة الواقع بقدرماكانت مؤهلة للرسوب في أول امتحان جدي .
فحزب اليمين أراده السادات " الأحرار الاشتراكيون " ووضع على قمته أحد ضباط يوليو " مصطفى كامل مراد " وأحد أخلص معاونيه في انقلاب القصر يوم 15 مايو 1971 لم يكن مؤهلا بحكم تاريخه المضطرب والمتضارب أن يكون بؤرة استقطاب اليمين الرأسمالي في البلاد مهما علا الصوت بأقصى الشعارات تطرفا حول " القطاع الخاص " وضرورة تشجيعه وحرية الاستثمار ... الخ الخ .
إن البرجوازية المصرية التي عركت العمل الحزبي منذ ثورة عرابي قد أدركت بغريزتها وفطرتها السياسية أين تكمن مصالحها وكيف ومتى تعبر عن إرادتها السياسية خاصة إذا تعارضت أحيانا مع نظام الحكم القائم .
وهكذا كتب على حزب " الأحرار الاشتراكيون " أن يظل حزبا ورقيا ، وبمجرد ظهور الوفد على المسرح السياسي اتجهت عناصره البرلمانية – المحدودة العدد – للانضمام إلى الحزب الجديد وفى إطار اللهاث المحموم للاستمرار في عالم الأضواء ، تقلب الحزب من اتجاه لآخر وتخبطت قيادته وتعاركت إلى حد السباب والتشابك بالأيدي .
وتلاقت هذه الأزمة الموضوعية والفكرية لحزب بلا أعضاء بأعضاء بلا حزب " جماعة الشيخ صلاح أبو إسماعيل " وقد أدى ذلك إلى تغييرات ذات طابع شكلي حيث تخلى عن لفظة الاشتراكيون وعن تأييده لاتفاقتى كامب ديفيد .
ومع ذلك ظل الحزب دون انتشار جماهيري ولعل أصدق دليل على ذلك أن حجم الأصوات التي حصل عليها أعضاء الحزب المرشحون في الانتخابات التشريعية في مايو 1984 لم تتجاوز 36 ألف صوت .
أما حزب الأمة الذي جاء بحكم قضائي في أغسطس 1983 ، فبرغم طرحه الديني ( الاسلامى ) فهو لا يمثل أي ثقل في أوساط التيارات السياسية " الإسلامية " ولذا فقد ظل السيد أحمد الصباحي – رئيس الحزب – لشهور عديدة سابقة للانتخابات التشريعية في مايو 1984 يسعى جاهدا لإقناع بعض قيادات الإخوان المسلمين للانضمام للحزب واعتباره حزبهم لحين موافقة الحكومة والنظام على العودة العلنية والقانونية لحزب الإخوان المسلمين ،
ولم تنجح هذه لجهود في إقناع مكتب الإرشاد لاتخاذ مثل هذا القرار وفضلوا الانضمام إلى حزب الوفد " الجديد " وبهذا امتنع حزب الأمة عن الاشتراك في معركة الانتخابات التشريعية في مايو 1984 وبرر ذلك بأن الضمانات الحكومية لنزاهة الانتخابات غير كافية بينما الحقيقة أن الحزب لم يكن قادرا على الاشتراك لافتقاده لقوام فكرى وتنظيمي واضحين يسمحان له بالاشتراك النشط في الانتخابات ، كما وأن جريدة الحزب " الأمة " ظلت غير منتظمة الصدور طوال السنوات الثلاث من ظهور الحزب على الساحة السياسية والمصرية وهو نفس الموقف الذي تكرر عشية الانتخابات التشريعية في أبريل 1987 بصورة تدعو للدهشة .
وباختصار فإن المراقب عن كثب لحركة القوى السياسية على الساحة المصرية سواء في إطار المعمار الفكري أو في إطار الممارسة السياسية الفعلية ، يستخلص أن ثمة انفصال وانفصام واضحين بينهما ، ويعكس ذلك في حقيقة الأمر ، حالة التميع الطبقي التي طرأت على الخريطة الاجتماعية المصرية منذ عام 1974 مع التغيرات الحادة التي أعقبت انتهاج النظام لسياسة الانفتاح الاقتصادي وتزامن ذلك مع دخول المنطقة العربية عصر " الحقبة النفطية " .

تيارات الرفض الديني " الجماعات الإسلامية " :

ظلت العقدية الدينية لقرون طويلة تمثل الإطار الثقافي والأيديولوجي للجماعات البشرية في منطقة المثلث الحضاري الذهبي ( الحوض الجنوبي الشرقي للبحر الأبيض – الصين والهند ) وتكاد تجمع الوثائق التاريخية وجهود المؤرخين على أن حركة الأفراد والجماعات منذ فجر التاريخ في هذه المنطقة قد تركزت حول المعطى الديني بالأساس .
وبرغم أن هذه الشعوب والجماعات والقبائل قد استبدلت دياناتها أكثر من مرة كل بضعة قرون تقريبا فإنها لم تكن لتستطيع أن تعيش وتستقر دون وجود عقيدة ونظام كهنوتي خاص .
ومما لا شك فيه أن كثافة هذه العقيدة يزداد كلما تعرضت هذه الجماعات لمخاطر حياتية تهدد كيان الجماعة ، وتعرضها للذبول والاضمحلال وفى ظل بنية اقتصادية واجتماعية بدائية عاجزة عن تقديم إجابات حاسمة إزاء التحديات الجديدة فتظهر على مسرح التاريخ مفاهيم " الجيتو " وسلوكك العزلة وتبرز " الأنا " الجماعية هذه المرة في مواجهة الآخرين أي " الأغيار " مصحوبا بوهم التفوق والتعالي على الآخرين في استناده بعقدة نقص لا تجد منفسا لها إلا من خلال ترديد مقولة " التفوق الروحي " على الحضارة المادية والحقيقة إن المعمار الفلسفي ( الأيديولوجي ) للعقائد الدينية تمنح معتنقيها قدرا عاليا من التوافق النفسي البيئي – مع هذا الواقع المعاش سواء بالرفض أو القبول بيد أن منحنى الرفض عندما يتمكن من بعض أفراد أو جماعات " المؤمنين " يتحول إلى نوع من " الانتحار الاستشهادي " وداخل هذا الإطار يمكن فهم ظاهرة التيارات الإسلامية السلفية وعلاقتها ليس فحسب بالمحتوى الأيديولوجي للعقيدة الدينية وإنما في علاقتها كذلك بوتيرة الصراع الاجتماعي والسياسي الذي شهدته مصر منذ مطلع القرن الحالي .
وإذا كانت الظروف وتطور الحركة الإسلامية المصرية في انبعاثها الأول ( 1928-1954) قد باتت معروفة للمؤرخين والمحللين السياسيين الآن فإن ظاهرة الانبعاث الثاني " للجمعيات الإسلامية " في مطلع السبعينات من هذا القرن وحتى الآن ما زالت تخفى الكثير من أسرارها وخباياها عن المؤرخين والممارسين للحياة السياسية بحيث يصعب في أحيان كثيرة على خصومهم السياسيين تحديد الملامح الفكرية والسياسية والتنظيمية لهذه الجماعات الإسلامية .
ويزيد الأمر صعوبة أن الانبعاث الثاني لحركة جماعات الرفض الديني ، بكل ما يحيط بها من منعرجات حادة في شكل وتضاريس الخريطة الطبقية والسياسية والاقتصادية والعربية .
قد جاءت منقسمة على نفسها ؛ متباينة في أفكارها ومختلفة في وسائلها وطرق نشاطها .
وذلك على العكس من حركة التيار السلفي الاسلامى في انبعاثه الأول .
وإذا كان من المعروف حاليا مدى العلاقة الوثيقة بين النظام السياسي في مصر وأجهزته الأمنية من جهة ومؤسسة الأزهر والجمعية الشرعية وجماعات الطرق الصوفية من جهة أخرى فإن العلاقة بين " الجماعات الإسلامية " في مطلع العقد السابع من هذا القرن وبين النظام السياسي وأجهزته الأمنية يشوبها الكثير من التقلبات من النقيض إلى النقيض في إطار التناقض الأشمل داخل المجتمع المصري برمته .

ونستطيع هنا أن نضيف تيار الرفض الديني حاليا إلى قسمين أساسيين :

الأول : ما نسميه " التدريجيون " وفى طليعة تنظيم الإخوان المسلمين وبعض الجماعات الصغيرة المستقبلة عن الإخوان المسلمين ( الأمر بالمعروف وجماعة طه السماوي ... الخ ) .

الثاني : ما نطلق عليه " الانقلابيون " وفى مقدمة هؤلاء تنظيم الجهاد وجماعة التكفير والهجرة والجماعة الإسلامية وأخيرا وليس آخر فرع حزب التحرير الاسلامى في مصر .

وبرغم وجود نقط اتفاق عديدة بين التيارين كشعارات ( الشريعة الإسلامية – رفض الحضارة الغربية – عودة المرأة إلى البيت – نبذ التعامل مع الأقباط – محاربة العلمانية .. الخ الخ ).
فإن موقف كليهما من السلطة وأداتها من ناحية ودرجة تجهيل وتكفير المجتمع من ناحية أخرى تجعل من الصعب الالتقاء بينهما وتدفع بكل منها إلى إتباع أساليب مغايرة وأحيانا كثيرة مناقضة لأساليب وتكتيكات الطرف الآخر .
وبالقدر الذي كان للمسار المنحدر للصراع العربي الاسرائيلى منذ يونيه 1967 تأثيره على تعميق شعور الرفض للغرب ومؤامراته كان " للحقبة النفطية" وانتعاش المشروع الخاص الصغير ( البرجوازية الصغيرة ) تأثيره كذلك على خلق الشروط الموضوعية لنمو دور القيادة الدينية في الأوساط الجماهيرية ذات الأصول البرجوازية الصغيرة ( الأوساط الطلابية – وسكان الريف ) مع ما صاحب ذلك من انهيار نفوذ اليسار وتدهور مركزه السياسي والفكري والتنظيمي خلال السنوات العشر الماضية .
تعطينا القراءة المتأنية لبعض الصحف ومجلات ووثائق هذه التجسدات السياسية والفكرية لمحة عن مركزهم الطبقي على مسرح السياسة المصرية .
فبينما يعتبر الأستاذ عمر التلمسانى المرشد العام للإخوان المسلمين وكاتب افتتاحية مجلة الدعوة – الإخوان المسلمين ( كلمة الله على الأرض وخلفائه فيها ) وأنه ( المعارضة النزيهة بل الربانية ) يعلن المرشد العام بوضوح موقفه من الحكم والنظام السياسي بقوله ( أنا لا أقر الثورة على الحكام ) ويستطرد ( أن خسائر الشعب في الاصطدام بالحاكم وانشغال كل منهما بالآخر أضر على الوطن من المطالبة بالحريات في إصرار وتؤده وصبر واحتمال ) وفى افتتاحية العدد ( 51) من مجلة الدعوة – لسان حال الإخوان المسلمين – يقول الأستاذ التلمسانى ( أننا لا نتآمر على حكم ولا ننضم لجبهة حكم ولن نثير طلبة أو غير طلبة على الحكم ولن نلوث أيدينا بمال حرام لنشاغب الحكم ) .
وإذا عرفنا أن هذه الملاحظة والتودد تأتى في يوليه 1980 وبعد أن كان نظام الرئيس السابق قد ذهب إلى أبعد مدى في مسار التسوية الأمريكية الصهيونية فإنه سيكون من السهولة تحديد مركز هذه الجماعة التي تشكل الوعاء الأكبر في حركة التيار الاسلامى الراهن في الخريطة السياسية المصرية ولكن إذا كان ذلك فما هو أساس معارضة هذه الجماعة للنظام والحكم ؟

وما هو الأساس الاجتماعي الذي ترتكز في حركتها العامة ؟

إن افتتاحية العدد ( 23 ) تفصح عن النقطة الأساسية في معارضة الإخوان المسلمين للحكم والنظام وهى تنحصر في تطبيق الشريعة الإسلامية فإن من شأن ( تطبيق الشريعة الإسلامية والتي فيها وحدها البرء والشفاء من كل ما أصابنا من علل وأمراض ) .
هذا في الوقت الذي يفصح فيه كاتب الافتتاحية بالعدد ( 47) في معرض تشريحه لمظاهر الأزمة الاقتصادية كما يراها – عن فهمه المتحيز للملاك وعلى حساب فقراء الفلاحين ذلك عندما يقول ( والفلاح يستغل المالك أسوأ استغلال أسوأ استغلال والمستأجر يتعب المالك كل التعب وكل هذا جنته علينا الشيوعية والاشتراكية ) .
كما يقرر أحد القادة البارزين في هذا التيار – الشيخ صلاح أبو إسماعيل – نفس المعنى في معرض استنكاره لانتساب الاشتراكية إلى السلام بقوله ( كيف يؤيد الإسلام الحراسات والمصادرات وأكل أموال الناس بالباطل ) بل ويصل الكاتب بنفسه إلى مدى بعيد في إطار فتواه بأن ( تجارة العملات الأجنبية حلال ) وفى وضوح تام يحدد المرشد العام للإخوان المسلمين موقف جماعته من نظام الرئيس السادات بقوله ( أن غيرنا من الأحزاب والهيئات ينازعكم حكمكم ويريدون سلبكم إياه .. أما الإخوان فإنهم يتمنون الطمأنينة من أعماق قلوبهم ليكونوا لكم أنصارا إذ يدعونكم إلى الإصلاح فتستجيبون ) .
أما موقف الجماعة من القضية الفلسطينية والمنظمات الفدائية ، فقد كان أسوأ ما شهدته الساحة السياسية والفكرية المصرية وهو بجملة ترديد أجوف وغير مسئول للحرب النفسية الصهيونية والامبريالية والتي استخدمها الرئيس السادات في معرض هجومه على المقاومة الفلسطينية كتمهيد لاستسلامه المهين في كامب ديفيد .
يقول المرشد العام للإخوان المسلمين عن المنظمات الفلسطينية الفدائية ( إنها منظمات لا عمل لها إلا الاجتماعات والتصريحات والتنقل بين موسكو ونيويورك ولندن وباريس والحياة بذخ والنعيم في الفنادق الفاخرة ) .. ؟

وهكذا يتحدد بوضوح موقف جماعة الإخوان المسلمين فهم :

أولا: خلفاء الله على الأرض .

ثانيا : وهم ضد الاشتراكية والديمقراطية ومع الملاك ضد المستأجرين ودفاعهم عن حرية الرأي تقتصر فقط على حريتهم وحدهم في هذا المجال وهو ما أكده المرشد العام بوله ( ولا يدافع الإخوان عن ديمقراطية وحرية آراء القوى الأخرى وإنما تدافع وتتبارى عن نفسها فقط )

أما جماعات " الانقلابيون " فرغم ندرة كتاباتهم العلنية التي تعكس اتجاهات أفكارهم في مختلف القضايا ، فإن ما أتيح – أو تسرب – بصورة أو بأخرى تبين الخطوط العريضة لأفكارهم واتجاهاتهم الاجتماعية والسياسية والفكرية والتي يمكن أن نلخصها في النقاط التالية :

أولا : تكفير المجتمع وأفراده ومؤسساته حيث تتفق معظم هذه الجماعات على جاهلية المجتمع الراهن وباستثناء الجهاد الذي يقصرها على جاهلية مؤسسات الدولة وعصيان أفراد المجتمع فإن بقية التنظيمات الانقلابية تتفق على جاهلية المجتمع الراهن .
ثانيا : رفض كافة الصيغ والأطر الحزبية والدستورية والبرلمانية الراهنة ورد الحكم والتشريع إلى الله وحده أو ما يطلق عليها أبو الأعلى المودودى " الحاكمية لله " وفى هذا يقول مفتى الجماعة الإسلامية " الشيخ عمر عبد الرحمن " فحق التشريع غير ممنوح لأحد من الخلق غير ممنوح لهيئة من الهيئات ولا لحرب من الأحزاب ولا لبرلمان ولا لمجموع البشرية فمصدر الحكم هوا لله ) .
ثالثا : إن التغيير من المجتمع الجاهلي ( الكافر ) إلى المجتمع الاسلامى لن يتم إلا عبر انقلاب إسلامي وبممارسة أقصى أشكال العنف وهنا تختلف الجماعات الانقلابية عن جماعات التدريجيون في أن الأخيرين يقلبون اللعبة الانتخابية والبرلمانية والعمل من داخل مؤسسات النظام لإصدار قوانين الشريعة الإسلامية " واسلمة المجتمع " وتنوع سبل استخدام العنف من جماعة لأخرى فبينما ترى جماعة ( التكفير والهجرة ) إن المرحلة الحالية هي مرحلة " الاستضعاف " وبالتالي على المسلمين أن يهجروا هذا المجتمع في مجتمعات مغلقة في الصحراء وفى غيرها للاستعداد لغزو المجتمع الجاهلة – أسوة بما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهل مكة وهى ما يطلق عليها في أدبيات هذه الجماعة " مرحلة التمكين " .
ترى جماعات أخرى استخدام أساليب الاستنزاف وحرب العصابات أو الصدام السياسي بأجهزة السلطة كلما أتاحت الظروف ذلك لخلخلة البنية السياسية والعسكرية للنظام تمهيدا للقيام بانقلاب عسكري أو قيادة عصيان مدني كما حدث في إيران .
رابعا : رفض كافة المصطلحات السياسية الحديثة التي تنتمي إلى حضارة الغرب ومضامينها الاجتماعية مثل الاشتراكية والديمقراطية والقومية والوحدة العربية .. الخ الخ .
في الوقت الذي لم تقدم فيه الجماعات برنامجا وأفكارا في اتجاه إجابات محددة وواضحة عن القضايا والمشكلات المعاصرة مثل العلاقات الناتجة عن التصنيع والعلاقة بين الملاك والمستأجرين في الريف والمدينة وأشكال ضبط الأسعار – وإدارة الاقتصاد الوطني .. الخ .
خامسا : العمل من أجل استعادة الخلافة الإسلامية ، باعتبارها مركز النظام الاسلامى وغايته ونبذ أي دعوة للتوحيد القومي والاستناد في مشروعية النظام الاقليمى على العقيدة الإسلامية وحدها .
سادسا : برغم موقف الرفض الذي تتخذه هذه الجماعات من " إسرائيل " باعتبارها كيانا يهوديا (وليس استعماريا ) والنظر للصراع على أساس أنه صراع إسلامي يهودي فإن التركيز الاعلامى والعملي لهذه الجماعات وغيرها من جماعات التدريجيون كان يتجه في السنوات الساخنة في الصراع العربي الصهيوني ( 1979 ) فصاعدا في اتجاه الغزو السوفيتي لأفغانستان.
والدعوة على التطوع بالمال والنفس لدعم صفوف من أسموهم " المجاهدين الأفغان " وتناسوا عمليا ما جرته اتفاقيتا كامب ديفيد عام 1978 ومعاهدة ( السادات – بيجين ) متغيرات إستراتيجية عميقة في إدارة الصراع وسيادة إسرائيل المطلقة على المنطقة ومقدرتها وتكررها لغزو لبنان أكثر من مرة ( مارس 1978 ثم يونيه 1982 حتى وصل الأمر إلى احتلال أو لعاصمة عربية) ولم يكن للجماعات الدينية ( جماعة الإخوان المسلمين ) ظلت تراوح في مكانها لأكثر من ستة شهور بعد زيارته السادات للقدس المحتلة قبل أن تعلن رفضها للاتفاقية وتبرز محاكمة " خالد الاسلامبولى ورفاقه " أن البعد الوطني لعملية اغتيال رئيس الجمهورية السابق لم تكن واردة بقدر الإلحاح الذي يفرضه البعد الديني لتكرار استهزاء رئيس الجمهورية بالزى الاسلامى ورجال الدين الاسلامى .. الخ .

ثانيا : الأحزاب الإصلاحية :

الدعوة الإصلاحية في جوهرها محاولة للتوفيق بين مصالح الطبقات المتناقضة والمتصارعة في المجتمع الرأسمالي المعاصر ، وعندما تتوه معالم القوى السياسية الاستقطابية في هذا المجتمع ( الليبرالية البرجوازية – العمالية الثورية ) تتمدد التيارات الفكرية الإصلاحية وتتوسع تجسداتها التنظيمية والسياسية لتبتلع في ثناياها تلك البؤر والجماعات غير المؤثرة والمناهضة للنظام الرأسمالي ككل وصياغته المجتمعية .
وغالبا ما تعجز القوى السياسية والفكرية للطبقات الرأسمالية المتخلفة عن تحديد التخوم بين الدعوة للإصلاح والدعوة للثورة ، فتحسب أن الأولى هي الوجه العلني للثانية وهو ما يهدد – وهما – سلطتها وانفرادها بتقرير الأمور في المجتمع .
ونظرا لغياب تراث مميز للجناح الليبرالي في الطبقة الرأسمالية في العالم الرأسمالي المتخلف ( مصر مثلا ) فإن صراخ الذئب .. الذئب دائما ما يكون بمثابة خط الدفاع الأول – وربما الأخير أيضا – لهذه الطبقة حينما يعلو صوت الدعوة الإصلاحية ويتمك أنصارها من إحراز قدر من النجاح السياسي أو الانتخابي في مباراة تدور على أرض واحدة ووفقا لواعد صارمة ينبغي على لاعبيها احترامها والانصياع لحدودها وقيودها .
ومع ذلك ينبغي الاعتراف بأن الواقع الاجتماعي في أشكاله المتنوعة والمعقدة يفرز تجسدات فكرية وسياسية عديدة ومتباينة في التعبير عن الميول الإصلاحية خاصة في فترات الأزمات المستعصية التي يواجهها النظام الرأسمالي وتتهدده مخاطر الانفلات الاجتماعي ودائما ما تستند الدعوات الإصلاحية إلى كيان اجتماعي قائم ومصالح طبقية تعبر عنها الشرائح والفئات البينية من البرجوازية الصغيرة في الريف والمدينة تبدو في فهمها وتحركاتها كألوان الطيف بيد أن مسار الأزمة الاقتصادية وقسوتها تفرض مسارب محدده لنشاطات واتجاهات هذه الفئات الاجتماعية حتى لو بدا من المستحيل واقعيا الجمع بين النقيضين في الواقع الملموس .
ولعل التاريخ المصري الحديث قد قدم إلينا أقصى طاقات الإصلاح الكامنة في الطبقات الرأسمالية المصرية خلال الفترة الممتدة من عام 1952 وحتى أكتوبر 1973 بيد أن الحصاد المر للتجربة الناصرية فيما بعد ذلك التاريخ – سواء على صعيد البني الفوقي وبخاصة السياسي أو على صعيد القوى الطبقية – قد وضع علامات استفهام عديدة على منطلقاتها النظرية ( التجربة والخطأ ) وحتى من داخل صفوف التيار القومي والناصري ذاته .
فلم تعد الخريطة الطبقية المصرية – في تقدير هؤلاء – تحتمل وجود طبقة رأسمالية وطنية ، برغم تعليقهم بالخيط الرفيع عندما يتحدثون عن وجود أفراد من الطبقة الرأسمالية يتبنون موقفا وطنيا .
وبالقطع فإن التيار الفكري الاصلاحى في مصر ، اسبق في ظهوره تاريخيا عن التجربة الناصرية ( سلامة موسى – أحمد حسين – المنظمات الماركسية ) بيد أن التجربة الناصرية سوف تصبح من الآن فصاعدا بؤرة الاستقطاب يمينا أو يسارا بالنسبة لأفكار التيار الاصلاحى في الساحة المصرية برغم تباين وتحفظات البعض على جوانب القصور في التجربة الناصرية .

على أية حال سوف نتعرض لأهم ثلاث تيارات سياسية وفكرية إصلاحية علنية على الساحة المصرية وهى :

حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي :

جاء ميلاد حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي في فترة كانت تتزاحم فيها التغيرات على الساحتين المصرية والإقليمية .
فها هي صيغة الحزب السياسي الواحد تقبل القسمة الثلاثية ، غير المتساوية في جوهرها وها هو الرئيس السادات يسعى لتطبيق أفكار سلفه التي سبق وطرحها في أعقاب هزيمة عام 1967 ، ولكن في ديكور سياسي مختلف ، تضاء فيه خلفية المسرح بوهج الانتصار العسكري في أكتوبر 1973 وها هو النظام ينزلق في مسار التسوية الأمريكية الإسرائيلية بنشاط وهمة مصافحا في كل خطوة ، لورانس العرب الجديد " هنرة كسينجر " وها هو أخيرا يتيه فخرا وغرورا بطعم المقولة المزيفة التي لا يعلم أحد حتى الآن مصدرها وأغراضها .
وفى غمار كل ذلك كانت المنطقة العربية تدخل إلى عالم المال والأضواء الفسفورية بفعل ارتفاع أسعار النفط بصورة غير مسبوقة في تاريخهم كله ...
نحن على مسرح مختلف تماما عن مسرح الستينات ولكنا هنا مجرد عرائس في سيرك منصوب بدقة ومهارة ...
ولم يكن من المتصور في ظل هذا " المصباح النفطي للعم سام أن يقتصر رخاؤها على دول دون أخرى ، خاصة وأن بعض فقراء العرب ( مصر و سوريا ) قد اعتبروا أنه لولاهم ما تحققت هذه الثروة الطائلة لأصحاب العقال , ولذا أصبح من أهم محددات السياسة المصرية في ذلك الحين الاقتراب أكثر فأكثر من هذه الأقطار النفطية ، ومشاركتها ولو بحدود – في هذه الثروة ، حتى لو اقتضى الأمر التنازل عن مسلمات سياسية ودروس تاريخية لإدارة الصراع الإقليمي في المنطقة .
وقد أكدت دراسات جادة أن الأقطار النفطية ظلت طوال الأعوام الأربعة الأولى من الحقبة النفطية ( 1974 -1977) بمثابة البوابة الخلفية للاستعمار الأمريكي في صورته الجديدة وبالتالي لمسار التسوية غير المتكافئة الذي رسى بالسادات في كامب ديفيد القدس المحتلة .
وفى مصر ، كانت الزعاق تموج بتيارات متعددة ومتضاربة بصورة مدهشة فقد استعادت الجماعات السلفية والبرجوازية القديمة مركزها على المسرح السياسي والفكري بوضوح وتحدى ، ووجهت كل ما تملك من قوة سهام مسمومة وقاتلة للتجربة الناصرية ورمزها تحديدا ( جمال عبد الناصر ) ولم يخف الرئيس السادات تعاطفه مع هذه الحملات بل والمشاركة فيها أحيانا .
وعلى الجانب الآخر ، كانت تحولات أكثر عمقا في مجال الاقتصاد قد استكملت ملامحها وارتكزت مقوماتها في مجال التجارة والاستيراد والمقاولات والأنشطة المالية والمصرفية ، محصن وجودها بترسانة هائلة من القوانين التي صدرت منذ أواخر عام 1971 وحتى يوليو 1976 .
في ظل هذه الهجمة جاء " حزب التجمع " على المسرح السياسي وقدم نفسه منذ اللحظة الأولى باعتباره حزب ثورة 23 يوليو 1952 وخطها السياسي المتمثل في شعارات " الحرية .. الاشتراكية .. الوحدة " وإذا كانت " الاشتراكية " الناصرية ، كانت تعنى بالأساس العمل على " تذويب الفوارق بين الطبقات " وتجنب نار الصراع الطبقي وإقامة تحالف ما أسماه الميثاق " قوى الشعب العامل " فإن برنامج حزب التجمع عام 1977 قد اختط نفس الخط السياسي تقريبا.
حيث يؤكد البرنامج ذلك بقوله ( فالرأسمالية المصرية يجب الحفاظ على الدور الأساسي الذي ينبغي أن تضطلع به وتشجيعها على الاستثمار سواء في مجال الإنتاج الكبيرة التي تتناسب مع قدراتها المالية وكفاءتها الفنية أو في مجالات التجارة والتوزيع وبخاصة تجارة التجزئة وإن قيام القطاع الخاص بدوره المنشود في الزراعة والصناعة والتجارة ضمان لتنمية موارد البلاد ومضاعفة الدخل القومي وتعزيز الاستقلال الاقتصادي .
وهو ما عاد الحزب ليؤكد عليه في برنامجه السياسي المقدم للمؤتمر العام الأول للحزب ( ابريل 1980 ) بالنص على أن ( الحزب يؤمن بضرورة حل الصراع الطبقي سلميا كما جاء في الميثاق عن طرق تذويب الفوارق بين الطبقات ) .
ولم يكن بالطبع " الاستناد لفكرة تذويب الفوارق بين الطبقات ، دون الاعتماد على أساس فكرى يطرح قضية طبيعة السلطة الراهنة وفى المستقبل المنظور ، وقد وجد حزب التجمع هذا الأساس في مقولة اليسار التقليدي وهى " استكمال المهام الوطنية الديمقراطية " حيث يعلن بوضوح في برنامجه السياسي المقدم للمؤتمر العام ( يناضل حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي لاستكمال مهام الثورة الوطنية الديمقراطية ومواصلة السير على طريق التحول الاشتراكي الذي أعلنته ثورة 23 يوليو في إطار الشرعية القائمة في إطار الدستور والقوانين ومبادئ 23 يوليو الوطنية التقدمية ومبادئ 15 مايو كما عبر عنها دستور 1971 ) .
هذه الفكرة لا تنسجم فحسب مع البناء الرأسمالي الراهن ، ولا تتصادم مع الثلاثية الشهيرة لشرط تعدد الأحزاب ( السلام الاجتماعي – الوحدة الوطنية – التحول الاشتراكي ) وإنما هي تتسق تماما مع أفكار اليسار المصر منذ مطلع القرن العشرين وحتى أوائل عقد الستينات من هذا القرن كما وأنها على الجانب الآخر تتلاءم مع طبيعة الهيكل التنظيمي لحزب نشأ في ظروف تسامح سياسي مؤقت ومحسوب وفى ظل بنية سياسية اعتمدت لسنوات على الرأي الواحد والسلطة ذات الجبروت ولذا أفرزت هذه الشروط الموضوعية أحزابا لا تبتعد كثيرا عن النظام ، ولا تفترق بصورة ملحوظة عن المدى المسموح لمعارضتها .
وإذا كانت وقائع ومعطيات التجربة السياسية والاقتصادية اللاحقة على إعلان النظام إتباع سياسة الانفتاح الاقتصادي كانت مؤلمة لقطاعات واسعة من السكان فإن طموحات الملايين بالهجرة والعمل بالخارج حلا قد مثلت تنفيسا لهذه القطاعات الاجتماعية ، وبالمقابل جسدت مأزقا سياسيا وفكريا وجماهيريا للأحزاب الإصلاحية واليسارية على حد سواء .
وهكذا وجد حزب التجمع نفسه في مأزق متعدد الجوانب ، فهو من ناحية يدرك الآثار المدمرة والطويلة المدى لهذه السياسات على قدرة الاقتصاد والمجتمع المصري بمجموعه على مواجهة التحدي الاسرائيلى الأمريكي ويقلص قدرته على مواجهته العسكرية والاقتصادية ، كما أنه من ناحية أخرى عاجز عن استقطاب جماهير هى بالضرورة تدخل في دائرة اهتمامه وينبغي أن تدرك هذه الطبقات الدنيا ( العمال – الفلاحين والبرجوازية الصغيرة المدينية ) أن مصالحها على المدى البعيد تتحدد بمقدار تأييدها لبرنامجه وأفكاره .
وبالقطع ، فليس كل من يحمل أفكارا تدافع عن مصالح فئات اجتماعية محددة ، هو بالضرورة محلا لالتقاء هذه الفئات ومحط أنظارها ، وإنما يستدعى سد هذه الفجوة انتهاج سياسة تنظيمية ودعائية وخطة جماهيرية تؤدى إلى الالتحام مع هذه الفئات في مواقع إنتاجها ومراكز تجمعاتها السكنية وهو ما لم يكن النظام الحاكم وأجهزة أمنه على استعداد للقبول به على الإطلاق .
وهنا فإما أن يلجأ الحزب إلى تحدى الحصار وخوض معركة مستميتة فنجاز أهدافه وهو ما لم يكن ممكنا لحزب بتركيبة حزب التجمع وخطه الفكري وظروف تكوينه وإما الاستسلام لشروط " اللعبة الديمقراطية " والرقعة التنظيمية المحددة والمسموح بها لكل طرف في الملعب ، وهو ما استقر عليه الحال في المحصلة النهائية .
صحيح أن هذا الحزب ، قد شهد عض المتمردات على قواعد اللعبة وحدودها بيد أن الأمانة التاريخية تقتضى القول أن هؤلاء كانوا يعبرون في هذه اللحظة عن انتماءات أكثر عمقا وامتدادا من وجودهم في حزب التجمع ، وإذا شئنا الدقة نقول أن حزب التجمع في التحليل الأخير، ما هو إلا التقاء بعض الكيانات التنظيمية لفصائل اليسار المصري التقليدي وبعض الرموز السياسية القومية والناصرية غير مكتملة الوجود التنظيمي .
وإذا ما حاولنا تجريد أفكار حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي كما عبرت عنه وثائقه الأساسية وجريدته الجماهيرية ( الأهالي ) في المحاور الثلاث الأساسية وهى - البناء الاقتصادي والأزمة الاجتماعية.

- القضية الوطنية .

- الإصلاح الديمقراطي والدستوري .

نجد أن مواقف وبرامج حزب التجمع تعد متسقة ومنسجمة إلى أقصى مدى مع تراث التجربة الناصرية وإنجازاتها سواء في إطار الدفاع عن " القطاع العام " أو في إطار التدخل الحكومي النشط في قطاع التجارة والتوزيع .

ومثلما تناول كتاب اليسار المصري التقليدي في مطلع الستينات وفى أعقاب تنازلهم عن تنظيماتهم المستقلة ،واندماجهم في حزب النظام الناصري " الاتحاد الاشتراكي العربي والتنظيم الطليعي السري " هذه المرتكزات الاقتصادية والاجتماعية للنظام الناصري باعتبارها ركيزة ما أسموه " التحول الاشتاركى " والطريق اللارأسمالى " واسقطوا النواتج السلبية للتجربة الناصرية على صعيد الاقتصاد والاجتماع والسياسة فعل منظري حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي في عقدي السبعينات والثمانينات فالقطاع العام ، الذي هو أحد أشكال الملكية الرأسمالية في دول العالم الثالث يمثل مرحلة متميزة في دفع الهيكل الاقتصادي الرأسمالي كله بهذه الدول إلى أقصى مدى ممكن وفى صدام وتناقض مؤقت مع التقسيم الرأسمالي الدولي للعمل في منتصف الخمسينات ومطلع الستينات من هذا القرن .

وقد أثبتت بعض الدراسات التي قمنا بها في هذا المضمار أن معدل فائض القيمة المستنزف من عمال قطاع الأعمال الحكومي ( القطاع العام ) يعد أعلى من مثيله في القطاع الرأسمالي الفردي .

واستنادا لمفاهيم التوازن الطبقي وتذويب الفوارق بين الطبقات ، دافع الحزب دفاعا مستميتا عن استقرار الاعتمادات المالية للدعم السلعي بالموازنات السنوية للحكومة المصرية الذي بدأ منذ عام 1966 في محاولة من الحكومات المتعاقبة للتخفيف من حدة التضخم وارتفاع الأسعار على دخول محدودي الدخل .

وتشير أدبيات الحزب الكثيرة إلى استقرار وثبات هذه المواقف التي ترجى في جوهرها إلى إصلاح أحوال الطبقات الدنيا وتقليص المزايا الممنوحة لقطاع الأعمال المصري والأجنبي كما يعتمد موقف الحزب من الأزمة الاجتماعية والاقتصادية في الريف المصري على السعي الدءوب للحفاظ على التوازن الاجتماعي بين الملاك والمستأجرين في الحدود التي استقرت عندها الحقبة الناصرية ، ويرفض الحزب أي محاولة لتعديل هذه العلاقة لصالح الملاك بل إنه بالمقابل يطالب بتعديل هيكل التركيب المحصولي ورفع أسعار توريد الحاصلات الزراعية التقليدية التي تمس بصورة أساسية الحائزين والملاك الصغار .

ويستخلص المحلل السياسي لمضامين أفكار وبرنامج حزب التجمع الوطني التقدمي في مجال الطرح الاقتصادي ، حدود لا تبتعد كثيرا عن أفكار وطرح الميثاق الوطني الذي قدمه الرئيس جمال عبد الناصر في مطلع عقد الستينات وعكس نظرته ومفهومه لقضايا التطور الاقتصادي والاجتماعي السياسي في البلاد .

ويعكس الموقف المستقر والثابت نسبيا للحزب في قضية الأزمة الاقتصادية وتفسيره لها وحدود مطالباته لتجاوزها ، يتسم موقف الحزب في القضية الوطنية بطابع ترددي مثير للدهشة والاضطراب فالحزب الذي تدعم موقفه على الساحة السياسية المصرية في أذهان الكثيرين برفضه منذ اللحظة .

الأولى لزيارة السادات للقدس المحتلة في نوفمبر 1977 وتنبأ بنتائجها الوخيمة وهو ما أثبتتها الأيام فعلا عاد في مطلع عام 1982 و 1983 للحديث بصورة مختلفة مهادنا للرئيس الجديد ، وهو ما أصاب مصداقية الحزب لدى قطاعات من البرجوازية الصغيرة في المدن المصرية وبين أوساط المثقفين ، صحيح أن جذر هذا الموقف نجده منذ عام 1977 حينما أعلن الحزب موافقته على عقد مؤتمر دولي لحل النزاع العربي الاسرائيلى ورفض كافة محاولات التسوية الجزئية والحلول المنفردة .

فإنه يعود في برنامجه المقدم عام 1980 ليعلن قبوله مناطق منزوعة السلاح بقوله ( رفض كافة محاولات فرض نزع سلاح شامل أو جزئي على البلاد العربية إلا إذا كان الغرض منه إقامة منطقة منزوعة السلاح على جانبي الحدود مع إسرائيل) ويمتد هذا الموقف إلى أن يصل في البرنامج الانتخابي للحزب عام 1984 إلى صيغة ( إسقاط نهج كامب ديفيد بخطوات متصاعدة ) هذه الصيغ التوفيقية تعكس مأزق حزب التجمع كحزب للبرجوازية الصغيرة المصرية بكل ما تتسم به هذه الطبقة الاجتماعية من تذبذب وتردد .

تتجسد أزمة حزب التجمع الفكرية أكثر ما تتجسد حين يكون الحديث هو الأشكال السياسية الملائمة لممارسة الإنسان المصري لحرياته العامة بحيث تفقده الكثير من المصداقية وتحيط مفهومه وشعاراته حول الديمقراطية بضباب كثيف لدى رجل الشارع العادي ، ولدى النخب الفكرية في آن واحد .

ذلك إن دفاع حزب التجمع الوطني التقدمي عن التجربة الناصرية واستماتته في تبرير أخطائها خاصة في مجال الحريات العامة ، والنظام البوليسي الشمولي الرافض للتعددية السياسية يتصادم تماما مع نضال حزب التجمع وأعضائه في مجال الدعوة لإصلاح دستوري وديمقراطي شامل بالنظر لكون هذه البنية السياسية والدستورية غير الديمقراطية والاستبدادية في جوهرها والتي تشكل عبء على حركة الأحزاب والقوى السياسية المختلفة هي نتاج للتجربة الناصرية ولمفهومها للممارسة السياسية .

وبالقطع فلن تفلح صيغة " الرأسمالية الطفيلية " كمخرج فكرى أمام الحزب وقادته لتبرير مشروعية الممارسة السياسية الناصرية في عقد الستينات وعدم مشروعية الممارسة السياسية الراهنة والتي تعد امتداد للأولى ذلك أن جوهر هذه الفئة الاجتماعية الطفيلية ، سيجد أساسه في أحشاء المجتمع الناصري ذاته حيث تتلألأ في سماء المال والأعمال في حقبة الانفتاح أسماء ، ظلت تمثل في الحقبة الناصرية أبرز نجومها في عالم الثورة والطهارة .

وتجد ازدواجية حزب التجمع هنا أيضا في إصراره طوال سنواته الخمس الأولى على الاستناد في مشروعيته على مبادئ ثورتي 23 يوليو 1952 و 15 مايو 1971 وفى استمرار البنية القيادية للحزب لأكثر من عشرين عاما دون تغيير وفرض نهجها وسياستها بما يعكس وجها آخر لأزمة الحزب وأزمة الحياة الحزبية المصرية ككل

حزب العمل الاشتراكي :

جاءت نشأة حزب العمل الاشتراكي في أواخر عام 1978، في ظل ظروف سياسية واجتماعية معقدة ومثيرة للاضطراب .
فمن جهة كانت ذيول آثار غضبة الشارع المصري العنيفة يومي 18، 19 يناير 1977 ما زالت ماثلة بعنف يثير القلق لدى الطبقة الرأسمالية المصرية وللنخبة السياسية الحاكمة .
ومن جهة أخرى كان لرد الفعل رئيس النظام والحزب الحاكم ( أنور السادات ) لأحداث هذين اليومين العصيبين ما أدى لتفاقم هذه الأزمة وامتداد آثارها من الداخل لتطبع بطابعها الانفعالي العلاقات النظامية العربية .
وتحت وهم الثنائية الروكفلريه – نسبة إلى ديفيد روكفللر – اندفع الرئيس السادات في مغامرة محفوفة بالمخاطر إلى حد عرض الذهاب إلى أقصى مدى لتحقيق ما أسماه السلام والصلح بين العرب وإسرائيل فطريق الرخاء – دون التوقف عند مضمونه – يبدأ كما أشار عليه " ديفيد روكفللر " عبر تحقيق السلام وتسوية الصراع العربي – الصهيوني وهكذا اندفع السادات كعادته إلى زيارة القدس المحتلة وتوقيع اتفاقيتي كامب ديفيد في 17 سبتمبر من عام 1978 .
وهنا ... انفضت تحالفات سياسية بين النظام المصري من جهة وتيارات وقوى سياسية داخل مصر من جهة أخرى . وبالمقابل انفضت تحالفات سياسية – على الأقل ظاهريا – بين النظام في مصر وأنظمة عربية ووجد الرئيس السادات نفسه في عزلة خانقة في وقت أخذت أوهام الرخاء تتباعد عن أخيلة الكثيرين من داخل الحكم ذاتها .

واستدعت هذه المعطيات الجديدة ضرورة إعادة النظر في الصيغة السياسية التي اتخذها السادات أداة من أدوات مشروعيته وهى صيغة " التعدد الحزبي المشروط " فلم يعد من المقبول – من وجهة نظر الرئيس – أن تتمرد تلك الكيانات السياسية التي صنعها الرئيس على سياسته ونهجه ( خاصة حزب التجمع ) كما لم يعد من المتصور أن يطيح الرئيس بأحد أركان مشروعيته دون أن يخسر أصدقاءه في أوربا وأمريكا .. هؤلاء الذين سعى إليهم وبذل الكثير وتنازل عن الكثير من أجل أن يصبح في دائرة اهتمامهم .

وهكذا طرح على بساط البحث ، أهمية إعادة ترتيب الأوراق السياسية في الداخل وضرب النفوذ المتنامي للأحزاب والتنظيمات اليسارية – القانوني منها وغير القانوني – ذلك بعد أن فشل حزب " الأحرار الاشتراكيين " برئاسة مصطفى كامل مراد عن أداء دور المعارضة واستقطاب مؤثر في الشارع السياسي في البلاد .

وفى إطار هذه المناورة السياسية ، أعاد الرئيس السادات – في إحدى خطبه الاعتبار المعنوي لحزبين من أحزاب ما قبل ثورة 23 يوليو 1952 وهما الحزب الوطني بقيادة مصطفى كامل و فتحي رضوان والحزب الاشتراكي بقيادة أحمد حسين و إبراهيم شكري .

وبالطبع ، فقد اعتبر السادات أن حزبه " الوطني الديمقراطي " هو الامتداد الطبيعي لحزب مصطفى كامل وبقى لكوادر مصر الفتاة أن يتحركوا الإعلان حزبهم لعله ينجح في سحب النفوذ المتنامي من حول حزب التجمع والمنظمات اليسارية ولم يكن الضوء الأخضر الرئاسي هذا بعيدا عن شروط الرئيس وطبقا " لقواعد اللعبة الديمقراطية " على حد تعبير السادات نفسه ووصل الحال برئيس الجمهورية إلى حد أن يتنازل حزبه عن بعض أعضائه في مجلس الشعب ليكتمل النصاب القانوني لحزب المعارضة الجديد ، والذي قام بنفسه بتعميده وذلك بالتوقيع على أوراقه .

وبالقطع لم تكن هذه التصرفات لتمر في بيئة سياسية خصبة وغاضبة ، وبرغم وجود أحد وزراء السادات على رأس قيادة الحزب الجديد ( إبراهيم شكري ) وصهره ( محمود أبو وافية ) في الموقع الثاني ، فإن اتجاه الريح من قواعد الحزب الشابه كانت تدفع في اتجاه مختلف عن قيادته بعض الشيء .

ولم يكد يمر عام الحزب الجديد إلا وكانت عمليات الفرز والتصفية لرجال السادات داخله قد اكتملت ملامحها ، وأخذ الحزب بدافع الممارسة " البرجماتية " يتخذ مواقفا تقترب إلى حد كبير من مواقف حزب التجمع الوطني التقدمي الحدوى وبقية التيارات المعارضة الإصلاحية .

فمنذ أوائل عام 1980 أعلن الحزب رسميا استبدال موقف القبول المشروط لنهج كامب ديفيد إلى الرفض الحاسم لها ، كما أخذت لهجة الحزب وممثليه في مجلس الشعب وفى جريدته ( الشعب ) تتصاعد في مهاجمة سياسية الانفتاح الاقتصادي وآثاره المدمرة على المجتمع المصري وامتدت انتقادات الحزب وقياداته المؤثرة إلى مدى يمس نزاهة رئيس الجمهورية ويتساءل حول " الوضع الدستوري لحرم الرئيس " .

على أية حال .. فإن إجراء لمضمون أفكار حزب العمل الاشتراكي ، سواء في برنامجه المعلن أو في مواقف جريدته " الشعب " في مرحلتيها أو في بعض الدراسات السياسية ا, الاقتصادية المحدودة التي طرحها الحزب معبرا من خلالها عن وجهة نظره في القضايا الجماهيرية ، يجعل من الممكن تحديد موقع هذا الحزب على خريطة القوى السياسية والاجتماعية في البلاد وسوف نتخذ من القضايا الثلاثة الكبرى أساسا لهذا التحليل .

أولا : موقف حزب العمل من القضية الوطنية : .

يتسم موقف حزب العمل " الاشتراكي " من قضية الصراع العربي الصهيوني بطابع ترددي واضح كما يفتقر طرحه الفكري في هذا المجال إلى تأصيل وتعميق ، فنلاحظ أنه بينما كان الحزب في بداية ظهوره على المسرح عام 1978 موافقا على اتفاقي كامب ديفيد موافقة مشروطة فإنه عاد بعد توقيع السادات لمعاهدة ( السادات – بيجين ) في مارس 1979 ليعلن رفضه الكامل للاتفاقية ولنهج كامب ديفيد .
والمحلل عن قرب لخط دعاية الحزب وتحركاته الجماهيرية ، يجد أن هذا الرفض ظل محصورا في نطاقه الدعائي فحسب ، تستلزمه ضرورات عن خط النظام وأسلوبه دون أن تصل إلى جوهر الصدام الجماهيري والمكشوف معه .
والأمانة تقضى للقول بأن هذه السمة ليست قاصرة على هذا الحزب فحسب وإنما هي سمة مميزة لحركة الأحزاب السياسية التي نشأت برعاية النظام وموافقة السادات منذ عام 1976 .
وحزب العمل " الاشتراكي " في طرحه لبديل نهج كامب ديفيد يقترب إلى موقف حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي وإلى بعض فصائل اليسار التقليدي ، حيث نجد حديث حول المؤتمر الدولي أحيانا ، وحول مواجهة عسكرية أحيانا أخرى حيث يشير برنامج الحزب إلى ذلك بقول ( إذ أن رغبتنا في تحقيق السلام العادل في منطقتنا لا يجوز أن يصرفنا عن الاستعداد اللازم لتحرير أراضينا المحتلة بالقوة إذا لم يتم تحريرها بالطرق السلمية ) .
أي أن الأساس الحركة السياسية لتسوية الصراع واسترداد الأرض المحتلة هو الطرق السلمية ثم يأتي من بعد استخدام القوة ثم يستطرد البرنامج متشككا من أن ( السلام نفسه مع إسرائيل له محاذيره العسكرية والاقتصادية التي تتطلب منا اليقظة الدائمة حماية لأمننا القومي ) أما موقف الحزب من الثورة الفلسطينية فإن سنوات الحزب الأولى لم تشهد وضوحا في المواقف تجاه الثورة الفلسطينية وإن لم تخل جريدته في سنواتها الأولى وقبل سيطرة السلفيين عليها من إظهار لتأييدها الكامل مع منظمة التحرير الفلسطينية " وربما يسترعى نظر المحلل للخريطة السياسية وتوجهات قواها المختلفة أن ذلك لا يتفق مع طرح صيغ للتسوية ترمى إلى اعتماد الطرق السلمية في ظل توازن عسكري لصالح الكيان الصهيوني مما يحيل موقف الحزب المؤيد لمنظمة التحرير الفلسطينية وحق تقرير المصير إلى مجرد شعار دعائي وإعلامي أكثر منه موقفا سياسيا مدعوما بنشاط جماهيري مكثف لتعديل شروط المناخ الاستسلامي الذي ساد في عصر السادات .

ثانيا : موقف حزب العمل من الأزمة الاقتصادية :

يكاد موقف حزب العمل يقترب بصورة كبيرة من موقف حزب التجمع بالنسبة لرؤيتها لأسباب الأزمة الاقتصادية وطرق معالجتها فإذا كان حزب التجمع قد طرح صيغة " الرأسمالية الطفيلية " كمرادف وملازم لما أسموه الانفتاح الاستهلاكي ، والتي من شأن القضاء عليها فتح أوسع الأبواب لتحول الانفتاح من شكله الاستهلاكي إلى مفهومه الانتاجى .
فإن حزب العمل قد طرح نفس الصيغة تقريبا يفرق في برنامجه بين الانفتاح الاستهلاكي " والانفتاح الانتاجى " حيث ينص البرامج على أ،ه ( لكي تحقق سياسة الانفتاح الاقتصادي الأمل المنشود من ورائها ينبغي العمل سريعا على تحويله إلى انفتاح بإعداد دراسات للمشروعات الإنتاجية وطرحها للتمويل العربي والأجنبي مع ترشيد الاستيراد لوقف تيار السلع الاستهلاكية الكمالية المدمرة للمصالح الوطنية ماليا واقتصاديا واجتماعيا ) .
كما توقف الحزب في برنامجه عند مأساة القروض الخارجية وطالب بإيقافها ( والاستعاضة عنها بالاستثمارات العربية المشتركة في نطاق خطط التكامل الاقتصادي ) .
ويلاحظ هنا الطرح الاصلاحى ذلك أن الحزب لا يرفض التمويل العربي والأجنبي برغم ما أظهرته دراسات جادة على مدار العقدين الماضيين من وهمية هذا الزعم وفشل أي تجربة للنمو والتحديث تعتمد على رأس المال الأجنبي خاصة في دول العالم الثالث ولعل دراسة عادل حسين – وهو رئيس تحرير جريدة الحزب في مرحلتها الثانية – قد أكدت من واقع الوثائق الدور " الطروادي " الذي لعبته رؤوس الأموال العربية لصالح الامبريالية الأمريكية في مصر .
وفى دراسة أعدها حزب العمل تحت عنوان" الدعم بين الإلغاء والترشيد " يشدد الحزب على أهمية تحصيل الضرائب من الأغنياء حماية لهم لأنه ( يحول دون تفجير الطبقية ويحافظ على السلاح الاجتماعي وعلى استمتاعهم بثرواتهم ودخولهم إذا كانت مشروعه دون خوف أو إثارة ) .
ويصل التخبط الفكري بالحزب إلى حد المطالبة بالاندماج المتزايد في هيكل السوق الرأسمالي الدولي وذلك عندما يطالب برفع أسعار توريد الحاصلات الزراعية ( بحيث يستفيد الفلاح من أثمانها الحقيقية حسبما تحددها السوق العالمية على أن تقضى الحكومة ضريبة عليها مساوية للضرائب المفروضة على أرباح المهن الأخرى ) .
هكذا كما لو أن هيكل الأسعار العالمية حقيقة بالنسبة للاقتصاد المصري والواقع أن هيكل أسعار دولي تتحدد في ضوء التوازن بين مستويات الأجور ومستويات الأسعار في نظام اقتصادي واجتماعي مستقر نسبيا .
إما أن يطالب فريق – في محاولة لاكتساب عطف فئة اجتماعية بتحريك الأسعار لتطابق الأسعار الدولية فهو موقف غير مسئول وهو ما تمارسه الحكومات المصرية بشكل أو بآخر منذ عام 1974 وحتى وقتنا الراهن .
ويتحدد بالمقابل موقف حزب العمل بالنسبة " للقطاع العام " بصورة تكاد تميل ناحية حزب " الوفد الجديد " حيث يطالبان بقصر التدخل الحكومي على المشروعات الكبيرة التي لا يقدر عليها القطاع الرأسمالي الفردي وينص برنامج حزب العمل على ذلك بقوله ( وبالتخلص من المشروعات الصغيرة والضعيفة التأثير اقتصاديا والمحتاجة للإبداع الشخصي والصلات الخاصة بالمنتفعين فيها حتى يتم التركيز على قيادة القطاعات الاقتصادية الحاكمة للاقتصاد القومي والمشروعات القومية الكبرى ) .
كما تلعب اللفظية الأخلاقية دورا متكررا في البناء الانشائى لبرنامج الحزب حيث يتكرر ألفاظ مثل " مجتمع الفضيلة والنزاهة والمثوبة والعقاب " .. الخ.
وهى في جوهرها تعكس نزوع سوف يتعزز يوما بعد آخر في حزب العمل حتى يستقر عند التحالف مع أكبر الجماعات السلفية في البلاد عشية الانتخابات التشريعية في ابريل 1987 .

ثالثا : موقف حزب العمل من الحريات العامة والإصلاح الدستوري :

تتشابه مواقف أحزاب المعارضة الرسمية تقريبا فيما يتعلق بمطالبها بإجراء تحولات مؤثرة في شكل الممارسة السياسية العامة في المجتمع والتحرر من الصيغة الناصرية الحديدية التي أخلت بتوزيع السلطات في المجتمع المصري وركزتها بصورة حاسمة في يد الرئيس المتربع على " عرش الرئاسة " في البلاد.
ويلاحظ المرء تفاوت التركيز الدعائي لكل حزب تجاه هذه القضية فبينما تعتبر هذه المسألة هي " أم السياسة " لدى حزب الوفد وقياداته وجريدته ونشاطه ، فإنها تتقلص لدى حزبي العمل والتجمع لصالح قضية الأزمة الاقتصادية والاجتماعية .
وبالقدر الذي توقف التجمع عن ترديد نشيد الخلاص للحركة التصحيحية أو ثورة التصحيح في مايو 1971 خاصة بعد اغتيال رئيس هذه " الثورة التصحيحية " في أكتوبر 1981، فإن الملاحظ أن حزب العمل ظل وفيا ومقدرا لما أسماه ثورة التصحيح باعتبارها تصحيحا لثورة 23 يوليو 1952 والتي يصفها البرنامج بأنها ( أول ثورة تصحح أخطاءها من داخلها بقيام ثورة التصحيح في 15 مايو 1971 وإعلان مبدأ سيادة القانون وتعدد الأحزاب وتحقيق نصر أكتوبر العظيم) .
وإذا كان حزب الوفد الجديد قد أغفل نسبة تمثيل العمال والفلاحين في المجالس المنتخبة على اعتبارها ديكور من ديكورات النظام الناصري فإن موقف حزب العمل اوالتجمع قد اقترنا في هذه المسألة وإن كان لإغفالها للأثر السلبي لهذا الديكور الاجتماعي المتبقي من التراث الناصري معنى معاكس لنضالها من أجل ديمقراطية من أجل ديمقراطية وإصلاح دستوري حقيقيين يعيد التوازن الفعلي – وليس الشكلي – بين مختلف القوى الاجتماعية ويعبر عن توازن السلطات .
نستخلص من هذا العرض الموجز أن أفكار حزب العمل الاشتراكي " هي خليط من أفكار اليمين الرأسمالي والأطروحات البرجوازية الصغيرة الإصلاحية في الريف والمدينة مما يجعلنا نصنفه في خانة الأحزاب والتيارات السياسية المعبرة عن الشرائح المتوسطة والدنيا من الطبقة البرجوازية المصرية التي تحاصرها أحلامها الخاصة إصلاح اجتماعي واقتصادي ودستوري حقيقي في ظل بنية رأسمالية تابعة ومنهارة .

رابعا : مغزى التحالف الاسلامى : ( العمل – الأحرار – الإخوان ) :

لعل القارئ يلاحظ أننا قد دخلنا في قراءة برنامج العمل رغم التغيرات التي طرأت على توجهات هذا الحزب وخاصة بعد تحلفه الانتخابي مع الإخوان المسلمين بما كان له من آثار أبعد من مجرد التحالفات الانتخابية ، فقد كادت أن تصبح جريدة الشعب لسان حال الإخوان المسلمين والجماعات السياسية الإسلامية عموما ، وفتحت صفحاتها لنشاط الإخوان السياسي في داخل مصر وبصفة خاصة مجموعته البرلمانية ومجموعته الصحفية بما يقترب بهاتين المجموعتين من جماعة الإخوان ، وذلك أن الأفكار البرنامجية السابقة لم تنته بانتهاء دورها في كتابات الكتلة الباقية في حزب العمل برئاسة إبراهيم شكري وتوجهات عادل حسين ، بل ستظل مستمرة كأفكار وتوجهات المجموعة التي انشقت عن هذا الحزب بريسة أحمد مجاهد ، تلك المجموعة التي ما زالت قائمة وتعقد مؤتمراتها التنظيمية باعتبارها ممثلة للخط الأصلي لحزب العمل .
لكن ما يهمنا هنا هو أن هذا التحول الذي طرأ بالتحالف وبانشقاق يعكس أزمة هذا الحزب كجماعة سياسية تبحث عن قاعدة اجتماعية وسياسية لها .
ولعل هذه الأزمة تجسد بشكل واضح واقع أزمة الانتماء في المجتمع المصري وانعكاساته على الجماعات السياسية التي وجدت حتى الآن ، ولعلها نموذج للتعامل البراجماتى مع أزمة الانتماء وانعكاساتها بالمراهنة على الأوضاع الراهنة وما تفرزه من نفوذ للتوجهات السياسية الدينية .
فبينما كان تحالف الوفد مع الإخوان في انتخابات 1984 تحالفا انتخابيا لم ينعكس على التوجهات الليبرالية للوفد بتغليب التراث التاريخي الذي ينتمي أكثر إلى عودة الدين لله والوطن للجميع ووحدة الهلال والصليب .. الخ .
فإن الوفد بتوجهاته الرأسمالية الواضحة لديه رهانه الجماهيري – الانتخابي ، الذي يغنيه عن رهان الصعود عبر الإخوان ، حيث يتمثل هذا في الآثار الاجتماعية للانفتاح الاقتصادي وحقبة النفط وخاصة توسع نفوذ أيديولوجية الحل الفردي في صفوف قاعات واسعة من جماهير الشعب وحيث تلتقي هذه الأيديولوجية مع توجهات حزب الوفد ، وباعتباره حزبا برلمانيا لا يحتاج من هذه الجماهير أكثر من التقاء أوهامها مع دعايته لتتحول إلى أصوات في صناديق الانتخابات .
أما حزب العمل بتوجهاته الوسطية ، فقد كان مهددا بمصير حزب الأحرار بالنسبة لحزب الوفد ، كما لم يمكن باستطاعته أن يستمر كحزب خارج مقاعد البرلمان مثل حزب التجمع دون أن ينهار ويقترب من وضع حزب الأمة .
وانطلاقا من هذا الوضع ، ودون إغفال التأثيرات الفكرية المنبثقة من برنامجه السابق ومن تاريخ ومسارات حزب مصر الفتاة التاريخية ، ودون إغفال التحولات الفكرية لأهم رموزه الجديدة كعادل حسين بل وبفضلها أيضا كان من الملائم لهذا الحزب أن يدخل بقوة في مراهنة هدفها المباشر الأول الصعود إلى مقاعد البرلمان على أكتاف جماعة الإخوان ، وهدفها المباشر الثاني البحث عن قاعدة جماهيرية وسياسية باستثمار كل من جهوده في البرلمان ونفوذ التيارات السياسية الدينية وصعود المشاعر الدينية .
ولتحالف حزب العمل فيما سمى بالتحالف الاسلامى في انتخابات 1987 وحتى الآن مغزى التعبير ليس فقط عن انعكاسات أزمة الانتماء المجتمعية على الخريطة السياسية بالنسبة لحزب العمل وحده ، بل لكل الخريطة السياسية التي ما زالت في سياق من البحث عن التبلور الاجتاعى والسياسي المحدد .
فهي تبين ضمن ملامح أخرى كثيرة أننا ما زلنا بصدد جماعات سياسية حديثة الوجود تبحث لنفسها عن دور محدد وواضح ، أي تبحث لنفسها عن قاعدة اجتماعية واضحة ومتبلورة رغم الوضوح الفكري الأيويلويجى عند هذه الجماعة السياسية أو تلك وأمام هذا التبلور والوضوح كل المشكلات النابعة من درجة تبلور ونضج الصراع الاجتماعي في المجتمع المصري ومعوقاته الراهنة والمستقبلية .

3- الحزب العربي الديمقراطي الناصري :

يتفق المحللون للخريطة السياسية المصرية والممارسون للعمل السياسي في مصر على حقيقة الحضور الواضح والمؤثر أحيانا للتيار السياسي الناصري على مسرح الأحداث في البلاد خاصة بعد عام 1971 وبداية الصدام الممتد أحيانا بين الرئيس ( أنور السادات ) والجماعات والكتل اليمينية في النظام من جهة ورموز التجربة الناصرية وشبابها من جهة أخرى .
وبرغم أن التاريخ قد حمل إلينا عبر عقوده الخمس الماضية نماذج من هذه الولادة المتعسرة ( البيرونية – الديجوليتان - .. الخ ).
حيث يأتي التيار السياسي وتتبلور أفكاره بعد سقوط أو وفاة رمزه التاريخي فإن الجديد في الفكرة الناصرية هي أنها قد أعادت ولادتها في ذات لحظة تكامل نقيضها الاجتماع والسياسي والفكري في آن معا .
فالتيارات السياسية البرجوازية التقليدية ( الوفد – الحزب الوطني الديمقراطي – الجماعات السلفية الإسلامية ) برزت وتكاملت على ساحة العمل السياسي المصري بقوة وحضور في عقد السبعينات الذي يمكن أن تطلق عليه عقد مطاردة اليسار والناصريين الشباب .
وبالنظر لافتقاد التيار السياسي الناصري إلى إطار فكرى متماسك ، ووجود تنظيمي واسع فقد ظل هذا التيار اقرب إلى شحنة مشاعر مختلطة تترسب في أعماق الكثيرين دون أن تتحول إلى طاقة فعل منظمة ومؤثرة على مسرح السياسية المصرية .
وبالقطع فلن يكتب النجاح لتلك المحاولات المبكرة التي مثلتها مؤتمرات ناصر الفكرية بجامعة عين شمس منذ عام 1972 وحتى عام 1977 لإيجاد صياغة فكرية جماعية تمثل قاسما مشتركا للجماعات الناصرية المتناحرة .
وساهم في حالة التخبط وانعدام الفعل الجماعي المنسق ، غياب معظم كوادر التجربة الناصرية المدربين في سجون السلطة الجديدة من جهة ، وتدهور مركز اليسار المصري الفكري والتنظيمي منذ عام 1977 من جهة أخرى وهو ما كان يمكن أن يؤدى إلى دعم الأخير للناصريين ، لمواجهة الخطر المشترك الذي جسدته اتجاهات السلطة نحو التسوية الأمريكية الصهيونية وكذا للسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي اتبعتها هذه السلطة منذ عام 1974 .
ومع ذلك ، فقد استمرت محاولات توحيد هذه الجماعات ولعب خروج بعض الكوادر الناصرية من سجون النظام عام 1979 فصاعدا ( فريد عبد الكريم ، ضياء الدين داود، شعراوي جمعه ، محمد فائق ، على صبري .. الخ ) دورا في تنظيم الجهود المبعثرة ، وإصدار العديد من الدوريات التي حاولت بدورها إيجاد قاسم فكرى مشترك . وإذا كان جموع الناصريين في المرحلة السابقة على عام 1977 كانت تشهد رفضا حاسما لفكرة تعدد المنابر ووجود أحزاب سياسية وتنظيمات مستقلة ، وصلت إلى حد التصادم والتشابك الدموي مع الجماعات الماركسية الداعية لوجود مثل التنظيمات والأحزاب المستقلة فقد شهدت السنوات اللاحقة ، وبفعل اكتشاف واقع التركيبة الطبقية الجديدة التي أفرزتها سنوات الانفتاح الاقتصادي الخمس الأولى تحول الناصريين إلى تبنى فكرة تعدد الأحزاب بل والنزول إلى العمل السياسي باعتبارهم حزبا تحت التأسيس .
بيد أن ذلك لم ينف واقع التناقض والتعدد الداخلي في صفوف الناصريين ، وهو ما يعكس تباينا في الرؤى وتنوع - بل وأحيانا – تضارب في اتجاهات الحركة السياسية .

فبينما يلجأ الأستاذ محمد سيد أحمد إلى تقسيم التيار السياسي الناصري إلى قسمين هما :

القسم الأول : من أسماهم " ناصريو التجربة " أي هؤلاء الذين شاركوا منذ فترة مبكرة في السلطة الناصرية وتنظيماتها السياسية وهؤلاء أكثر استعدادا للتصالح مع نظام الرئيس مبارك مقابل تسوية بعض القضايا العالقة والاتفاق على بعض القضايا السياسية محل الخلاف ..
ويأتي على رأسي هؤلاء السيد على صبري ومحمد فائق وشعراوي جمعة وضياء داود ومجموعة 15 مايو .
القسم الثاني : من أمساهم " ناصريو الفكرة " أي هؤلاء الشباب الذين لم يشاركوا مباشرة في عقدي الخمسينات والستينات في تنظيمات السلطة الناصرية ولا في مؤسساتها التمثيلية وإنما هم جيل ظهر على الساحة في عقد السبعينات متأثرا بشعارات التجربة الناصرية ومستفيدا من سياستها وتوجهاتها الاجتماعية .
بيد أن هناك ما يدعونا للتحفظ على هذا القسم الذي يصب دون قصد في مجرى مفهوم صراع الأجيال ، دون أن يؤسس موقفه في علاقة جدلية مع التطورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي طرأت على الواقع السياسي المصري في عقدي السبعينات والثمانينات من هذا القرن ومع مستوى الفرز الذاتي للوعي النظري لدى كوادر التيار السياسي الناصري .
فنحن نرى قطاعا ليس بقليل من " ناصري الفكرة " يحتل أقصى مواقع اليمين في التيار الناصري بينما نلحظ رموزا بارزة في صفوف " ناصريو التجربة " دفعتهم رياح الوعي الذاتي والتغيرات الحادة على الساحة المصرية والعربية إلى أقصى صفوف اليسار الناصري .

لذا فقد يكون من المناسب أن نحلل مضمون أفكار تيارين في صفوف الناصريين :

التيار الأول : اليمين الناصري ويأتي على قمته من يطلق عليهم في الصفوف الناصرية " الطليعي " أي هؤلاء الذين لعبوا دورا سياسيا في تنظيمات السلطة قبل 15 مايو 1971 ويتحلق حولهم عدد ليس بقليل من الشباب الناصري ( ضياء داود – محمد فائق – الخ )
التيارالثانى : اليسار الناصري ويتصدرهم بعض رموز الجيل السابق وبعض الشباب ويتخلق حولهم قطاع كبير من الشباب الحديث التجربة والخبرة .
وبينما حافظت مواقف التيار الأول على الخطوط العريضة لأفكار " الميثاق الوطني " الذي طرحه جمال عبد الناصر في مطلع الستينات ، نجد التيار أقرب في التفكير وفى الحركة السياسية لمفاهيم اليسار الماركسي وأقدر في مجال الحركة الجماهيرية .
فالتيار الأول ينظر إلى الرأسمالية الوطنية باعتبارها ( ليست قوة أصلية من قوى الشعب العامل ولكنها تدخل في تحالف مع هذه القوى خاصة في مراحل التحول الثوري غير أن وجودها في التحالف مشروط بأن تقطع كل صلاتها بالاستعمار واحتكاراته وأن تقبل بقيادة الفلاحين والعمال ) هذه الفكرة لا تقف على قدميها في إطار تحليل البنية الطبقية لرأسماليات دول العالم الثالث ، نجد نقيضها لدى أنصار التيار الثاني حيث لا يوجد رأسمالية وطنية بالأساس ويتجاوز هذا الطرح إلى حد بعيد مفاهيم يطرحها مفكرون وقادة يساريون مثل محمود أمين العالم ، ونبيل الهلالي ورفعت السعيد ويوسف الجندي ويقترب بصورة تصل لدرجة التطابق مع فصائل يسارية راديطالية عديدة في الساحة المصرية وهو ما سنعود لتناله بعد قليل .
كذلك نجد تباينا في مواقف التيارين بالنسبة لمفهوم الصراع الطبقي ، فبينما يرى الأول التمسك بصيغة الميثاق الرامية إلى حله سلميا عن طريق تذويب الفوارق بين الطبقات فإن التيار الثاني يميل إلى فكرة حل الصراع عن طريق تصفية الركائز الطبقية الرأسمالية بالأساس .
ولا يعنى ذلك بالقطع أن التيارين لا يشكلان جسدا واحدا وحركة واحدة في الساحة السياسية المصرية وإنما ستنعكس تباينات الرؤى هذه فى المدى الذي يذهب له كل تيار فى تحالفاته السياسية وتحركاته التكنيكية وشعاراته ومنهجه في العمل الجماهيري .
فبينما نجد التيار الأول ( اليمين الناصري ) أميل إلى التنسيق والتحالف مع إطراف سياسية يمينية وإصلاحية في الساحة الحزبية ( حزب العمل – حوار الجماعات الإسلامية ) وفى عقد اتفاقيات مع قيادات في النظام والحكم ، فإن التيار الثاني يميل عادة إلى تنسيق مواقفه مع الجماعات اليسارية وحزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي

إذا ما الذي يمثله " الحزب العربي الديمقراطي الناصري " في هذا السياق ؟

جاءت الدعوة لتأسيس الحزب الاشتراكي العربي الناصري في عام 1983 محاولة لتجميع الفرقاء على الساحة الناصرية ، وساهمت بعض الشخصيات المؤثرة في هذا التيار ( فريد عبد الكريم مثلا ) في التقاء التيارين في منطقة الوسط السياسي ، بحيث تغلبت عناصر الصراع بينهم جميعا وبين النظام الحاكم وقانون الأحزاب على التناقضات في صفوفهم .
ثم تقدم تيار آخر يقوده ضياء