أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي

بقلم: علي محمد جريشه - محمد شريف الزيبق

بسم الله الرحمن الرحيم

محتويات

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين

أما بعد

فهذه الكلمات.. نسطرها في المذاهب الفكرية المعاصرة.. لتكون زادًا لطلاب الشريعة والدعوة.. بل زادًا لكل صاحب دعوة.

وليس الحديث عن المذاهب الفكرية المعاصرة سهلًا.. إن العصر يموج بنظريات ومبادئ تتنازع وتتصارع، وإنَّ حروب السلاح إِنْ هدأ أوارها، أو وضعت أوزارها, فلقد حلَّت محلها حروب الأفكار والعقائد..

- فالغرب يرفع راية العلمانية التي حبست الدين بين جدران الكنائس، وأبت عليه أن يكون له خارجها سلطان.

يرفع في مجال الاقتصاد مبادئ الرأسمالية.

ويرف في مجال السياسة مبادئ الديمقراطية.

ويغزو المجتمع الإسلاميّ بقيمه الجديدة؛ ليبتعد به عن قيم الإسلام ومُثُلِه, وفيها عزته وسعادته.

- والشرق الشيوعي يرفع راية الاشتراكية "العلمية" أوالشيوعية، يضلل بها الطبقات الساذجة، ويمنيها بأن الحكم "للصعاليك" أوطبقة البروليتاريا -كما يسمونها- ويمارس ضلاله وتضليله في الشرق الإسلاميّ..

ويصطدم بعقيدته.. فيطور أسلوب دعوته, أو "تكتيكها".. ليخدع جماهير المسلمين.

- ووسط قيم الغرب الفاسدة، وتضليل الشرق الكافر.. تعيش جماهير المسلمين بعد ما أصابها من تَخَلُّفٍ.. وبعدٍ عن منهج

الله ... تعيش أكثرها بين التمزق والضياع وافتقاد القيادة الراشدة، تتلمس النور وسط السراب, وتتحسس الطريق وسط الظلام، وماهي ببالغته حتى تعرف ما هو النور.. وما هو الطريق فتهتدي وتسلك.. وتسير على الدرب حتى النجاة.

وفي بابٍ تمهيديّ: نتحدث -بمشيئة الله- عن الواقع الأليم الذي تعيشه أمة الإسلام بين التخلف والتمزق

وأسباب ذلك..

وفي الباب الأول: نتحدث عما يجمع الغرب والشرق، ثم عمّا يمارسه الغرب المسيحيّ في الشرق الإسلاميّ.. قديمه وحديثه.

وفي الباب الثاني: نتحدث عن الغزو الماركسيّ لبلاد الإسلام.. أساسه من المبادئ وزيف هذه المبادئ، ثم مايفعلونه بالمسلمين في بلادهم، وما يحاولونه خارجها, كاشفين عن أسلوبهم وتكتيكهم الجديد.

وفي الباب الثالث: نتحدث عن الصهيونية أو "اليهودية العالمية" ومخططاتها, وجميعاتها السرية لتخريب العالم..

وفي الباب الرابع: نشير إلى رد الفعل لغزو الشرق والغرب لبلاد المسلمين, والحركات الإسلامية التي قامت مناهضةً لذلك للغزو، وما فيها من قصور، ثم نحاول أن نتبين النور والطريق ...

والله المستعان وعليه التكلان.
ولا حول ولا قوة إلّا بالله العليِّ العظيم.

باب تمهيدي

واقعٌ أليم الواقع أليمٌ ينطق بتخلُّفِ الأمة الإسلامية, ولم تكن كذلك

لقد عاشت أكثر من ألف سنة في مقدمة الأمم, بل لقد عاشت فترةً طويلةً هي الأمة الأولى في العالم كله, يعمل لها ألف حساب، ويطلب ودها، ويسعى أمثال إمبراطور ألمانيا للتقرب من خليفتها؛ فيرسل له الهدايا.. وحملت في خلال هذه الفترة حضارة الإسلام للدنيا كلها, حملتها بالعلم والخلق قبل أن تحمل السيف في وجه أعداء الإسلام، ولم تكره على عقيدتها أحدًا, فإن القرآن علمها أن {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين} 1، وإنما دخل الناس في دين الله أفواجًا لمًّا رأوا صفاء العقيدة وسموها، ولما شاهدوا جمال الخلق ورفعته, فأحسوا أن هذا الدين ينشء نشأً جديدًا, يخرجهم من "عبادة العباد إلى عبادة رب العباد, ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والأخرة".

وما عرفه الغرب من تقدمٍ, كان نتيجة احتكاكه بالشرق الإسلاميّ.

إن نقطة البدء في ذلك التقدم كانت حركة الإصلاح الدينيّ؛ حيث ثار الناس على ظلم الكنيسة واضطهادها، وثاروا على كثير من مفاهيمها المعقدة, بعدما رأوا صفاء العقيدة الإسلامية ويسرها، وسماحة الإسلام وسمو خلقه.. ثم كانت بذور النهضة الأوروبية العلمية أخذًا عن علماء المسلمين الذين تعلم الغربيون على أيديهم في جزر البحر الأبيض، وفي الأندلس، ومن قبل ذلك احتكوا بهم إبان الحروب الصليبية.

وإذا بدأ الغرب في نهضته.. بدأ الشرق الإسلاميّ في كبوته.

وكان لذلك أسباب عديدة, بعضها من أنفسنا، وبعضها خارجٌ عن إرادتنا.

أسباب من أنفسنا

{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} 1البقرة 256. 2الشورى 30.

تلك سنة الله في أرضه، وحكمه بين خلقه, لا يخفض قومًا بعد إذ رفعهم إلّا بما كسبت أيديهم، ولا يغيِّرُ بعد ذلك ما بهم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

وهو ما حدث بالأمة الإسلامية حين داخلها شيء من الغرور أن الله اختارها ولن يستبدل بها, ونسيت أن الاختيار مؤسس على أسبابه.

{تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} 1 وتحت هذه الشعب الثلاث يندرج الإسلام كله.

أ- إن أول ما أصاب الأمة الإسلامية بُعْدُهَا عن كتاب ربها وسنة رسولها, ومحاولة الأخذ من غير هذين النبعين الصافيين الأصليين، خاصةً بعد ما أوتي الغرب شيئًا من التفوق الحضاريّ على أساس ماديّ.
ب- وصحب ذلك انهزام داخليّ, أصاب شعور الأمة أو بعضها, فعدلت ما عند الناس بما عند الله, إن لم يداخلها الوسواس أنه أفضل.
ج- وصحب ذلك التقليدُ والمحاكاةُ.. ولم تكن تلك صفة الأمة الإسلامية, بل ليست هذه صفة الأمم الأصيلة.
إنها صفة القردة.. أن كانوا حيوانات.. أو كانوا ممن غضب الله عليهم ولعنهم, وجعل منهم القردة وعبدة الطاغوت.
د- ولازم ذلك كله الفرقة.تفككت الدولة الواحدة وأصبحت دويلات2، وتصارع الحكام على الدنيا، وأحلوا قومهم دار البوار..
والفرقة دائمًا فرصة العدو للنفاذ.. إن الصف المتلاحم المتلاصق لا يستطيع عدوٌّ أن يخترقه, أما الصف المضطرب المختلف الممزق فاختراقه سهل ويسير, والحزمة الواحدة قوية قد تستعصي على الكسر, أما العيدان المتفرقة فكسرها سهل يسير.
هـ- وأعقب ذلك كله تخلف عن مواكبة العصر فيما وصل إليه من أبحاث علمية تجريبية, وما فرض من إغلاق باب الاجتهاد, فينقلوا الغثَّ مع السمين, بل ينقلون الغثَّ أكثر مما ينقلون السمين، وهكذا رأينا ثمار البعثات الخارجية, أخذًا بقشور المدنية الغربية وفسادها, دون أخذ بلبابها. آل عمران 110.

2 انظر كيف تفككت الأمة الإسلامية الواحدة إلى دولة المغول الإسلامية في الهند, ودولة فارس، والدولة العثمانية، ودولة المماليك في مصر.

وانظر كيف هي الآن أشد تفككًا, وكيف تقوم فيها دول هي بالنسبة للأخرى بمثابة أحياء في مدينة.

أما الأسباب الخارجة عن أنفسنا

فهي التي فرضها أعداء الإسلام على المسلمين, وكانت نتيجةً لتخطيط أثيمٍ بدأ منذ الحروب الصليبية, وانتهى إلى الحرب الضارية التي تمارس الآن على العالم الإسلاميّ، ولكن بأسلوب جديد, وهو موضوع هذه الدراسة بإذن الله.

وقبل أن نغادر هذا الباب للحديث عن غزوة المسلمين, نشير إلى أنه رغم الضراوة الشديدة التي يمارسها أعداء الإسلام, فلا يزال الحلُّ بأيدينا..لا يزال بأيدينا النور..ولا يزال أمامنا الطريق..وبعد ذلك, فلقد خص الله هذه الأمة فجعلها قلب العالم كلِّه من كل ناحية.

- من ناحية المكان: هي مركز الدائرة بالنسبة للعالم كله، وهو ما يجعل لها مركزًا استراتيجيًّا خطيرًا لا يتوفر لأية أمة أخرى1.

- من ناحية الثروات: فلقد جمع الله فيها أنواع الثروات الأرضية بما يحقق اكتفاءً ذاتيًّا، وبما يحقق حاجة العالم كله إليها.

وليس الأمر قاصرًا على البترول, وتكفي هذه الإشارة.

- من ناحية الخامة البشرية: فإن الدراسة المنصفة للطبيعة البشرية وخصائصها, تجعل لهذه الأمة من الخصائص البشرية ما ليس لأمة أخرى, وبذلك تتحقق الوسطية لهذه الأمة على اختلاف وجوهها.

وصدق الله العظيم

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} 2.

وقبل ذلك, وبعد ذلك, ما قلناه من نور, ومن طريق, وهو ما نشير إليه -بمشيئة الله- في نهاية البحث كله.

1 سجَّل الدكتور حسين كمال الدين, الأستاذ بكلية الهندسة بجامعة الرياض, في بحث علميٍّ هامٍّ أن الكعبة المشرفة هي المركز لدائرة العالم كله؛ بحيث لو أردنا رسم دائرةٍ للعالم لكان لزامًا وضع السن على الكعبة المشرفة؛ ليمكن رسم هذه الدائرة.

"البحث قُدِّمَ لمؤتمر الفقه الإسلاميّ المنعقد بالرياض في ذي القعدة 1396".

2 البقرة 143.

توطئة

تقوم الحضارة الغربية الحديثة على أساسٍ من فكر فلسفيٍّ أرسى قواعده أمثال: ديكارت, صاحب منهج البحث الاستنباطي، وفرنسيس بيكون، صاحب المنهج التجريبيّ، وكومت، مؤسس المذهب الوضعي, وهو في جملته فكر ماديّ, نتج عنه بعد ذلك في أمريكا مذهب البراجماتزم أو المذهب العلمي، وهو الذي ساد الفكر الأميريكيّ منذ القرن الماضي.

وتقوم الماركسية كذلك على أساسٍ من فكرٍ ماديٍّ يعطي المادة كل شيء, ويفسر التاريخ على أساس منها, وقد أخذ كارل ماركس عن غيره من فلاسفة الغرب -كما سنشير بتفصيل في موضعه بإذن الله.

ولئن بقي في الغرب أثارة من دين وسط التيار الماديّ العارم, فإنها "غلالة" رقيقة لا نحسب أنها ستصمد طويلًا, ودليل ذلك إحصائيات كثيرة, ودليلة كذلك لجوء رجال الدين في الولايات المتحدة من أجل ترويج بضاعتهم إلى وسائل لا تتفق أبدًا مع الدين, وهو ما يحدث من دعوتهم الشباب من الجنسين عقب الصلوات إلى حفلات راقصة, تخفت فيها الأنوار, وتتلاصق الأجساد، وتنطلق الأنغام خافتة حالمة, توقظ الرغبة وتشعل الشهوة.

وبقايا الحمية الدينية عندهم لم تعد تظهر إزاء الانحرافات الخطيرة الواقعة في مجتمعاتهم, والتي تهدد مجتمعهم نفسه بالتصدع والسقوط, وإنما تظهر فقط إزاء الأديان الأخرى, وبالتحديد إزاء كل تجمع إسلاميٍّ يبغي إعادة مجد الإسلام -كما سنبينه من خلال هذا البحث.

وقيام الشرق والغرب رغم اختلافهما الظاهر على أساسٍ فكريٍّ واحد1 أمر يستلفت النظر, ويوحي بالتساؤل, تمامًا كما تشهد في طريقك بناءين مقامين على تصميمٍ هندسيٍّ واحد؛ فتشهد أن المصمم واحد, أو أنهما خريجا مدرسة واحدة, وكما نشهد خلق الله, فنجد من كل زوجين اثنين؛ الإنسان فيه الذكر والأنثى.

1 التفكير الماديّ العلميّ ينقسم إلى اتجاهين:

- الاتجاه الميكانيكي: وهو اتجاه ماديّ لا يرى وجودًا للروح أو العقل, فضلًا عن أن ينسب إليهما تدبير الجسم.

- الاتجاه الماديّ الديالكتيكي : ويرى أن وجود الروح والعقل نابع لوجود المادة، والاتجاهان بذلك ينكران الغيب أو يستبعدانه.

للدكتور البهيّ, الفكر الإسلاميّ الحديث وصلته بالاستعمار الغربيّ.

الحيوان فيه الذكر والأنثى.

النبات فيه الذكر والانثى.

الجماد فيه الموجب والسالب, كما في الكهرباء, والمغناطيس, والذرة.

فنخرج من هذا, أن الخالق الصانع, واحد -سبحانه وتعالى.

قيام المعسكرين المتنازعين على أساس فكريٍّ واحد, أمر يستلفت نفس النظر, ويوحي نفس التساؤل, وننظر فنجد كارل ماركس من أصل يهوديّ1, ونجد الثورة البلشفية قد مُولَت بأموال يهودية2.

ونجد كثيرًا من القيادات الشيوعية يهودية الأصل3.

ونجد الشعار الشيوعيّ هو الأفعى الرمزية, وهي رمز للأمة اليهودية، وبداخلها النجمة السداسية, وهي شعار اليهود كذلك4.

وننظر إلى الغرب, فنجد فكرة فصل الدين عن الدولة من عمل اليهود5, ونجد الحروب الصليبية6 وبعض الحروب العالمية من عملهم كذلك7.

وتجد بصماتهم في وعد بلفور، وفي الإعداد لدولة إسرائيل، وفي الاعتراف بدولة إسرائيل، والتدخل لمساعدتها.

كما نجد هذه البصمات في مثل: جون كنيدي، وفي عزل نيكسون -وهما من رؤساء الولايات المتحدة السبابقين، وفي بعض الأحداث في المنطقة الإسلامية والعربية.

ونعود إلى الأساس الذي بُنِيَ عليه الفكر الغربيّ والماركسيّ "المادة" فنجد التشابه بينه وبين ما يؤمن به اليهود, وكل إناء بما فيه ينضح, إن القرآن وصفهم {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} 8 أي: حياة ولوكانت رخيصة؛ لأن للمادة ثقلها في نفوسهم وقلوبهم.

وانتشار الأساس الماديّ يؤدي إلى الصراع على المادة، ثم يؤدي إلى الانزلاق في الشهوات, وكلًّا من الأمرين من سياسة اليهود {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} 9.

1 الشيوعية والإنسانية في شريعة الإسلام, للأستاذ عباس محمود العقاد.

2، 3 محمد خليفة التونسي "الخطر اليهودي" الطبعة الرابعة.

4 سرجي نيلوس "ترجمة البروتوكولات" المرجع السابق وما بعدها.

5، 6 وليام غاي كار "أحجار على رقعة الشطرنج" 13 تشرين 1958م

7 محمد خليفة التونسي, المرجع السابق.

8 البقرة 96.

9 سورة المائدة 64.

وما نود بعد ذلك أن نخوض في مدى سلامة البروتوكولات التي نشرها سرجي نيلوس لأول مرة في سنة 1902, بعد أن وصلت إليه -كما ذكر- في سنة 1901, فإنها من ناحية السند ضعيفة؛ إذ لم يعرف مصدرها الحقيقيّ حتى الآن1.

ولكن الأحداث التي جرت, والتي تجري, قد تؤكد صحتها وسلامة نسبتها, مما يشعر معه الإنسان أنه أمام ما قد يسمى بالحقائق المسلمة.

ووقوع الأحداث التي توقعها ناشرها بعد نشرها بفترات, أقلها خمسة عشر عامًا, وأطولها ما يقرب من الخمسين, يلقي ظلالًا على صحة هذه الوثائق, فقد تنبأ نيلوس أن يحاول اليهود الاستيلاء على السلطة في روسيا, وتَمَّ لهم ذلك بعدها بحوالي خمسة عشر عامًا, وتنبأ نيلوس أن تحاول الأفعى اقتحام الأستانة قبل أن تقوم دولة لليهود2.

وألغيت الخلافة الإسلامية في سنة 1343هـ, وكانت اليد الخفية تعمل في الظلام على تحطيمها.

وقامت دولة إسرائيل سنة1367هـ, واعترفت بها أمريكا, وأعقبتها روسيا في يوم واحد.

ومع ذلك كله, فيبقى احتمال وجود اليهود وراء الفكرين الغربيّ والشرقيّ من الناحية العلمية, مجرد احتمال, وإن كان احتمالًا راجحًا -لكنا نأخذه بحذر حتى لا نقع في "التهويل" كما لا ينبغي أن نقع في "التهوين" فكلاهما تطرف غير سليم, كلاهما إفراط وتفريط, وتبقى الاحتمالات الأخرى قائمة, وأن كانت مرجوحة, ومن بينها أن يكون الانتكاس قد أصاب الفطرة الإنسانية في الشرق والغرب في وقت واحد, فقامت

فلسفتهما وفكرهما على أساس أن:

"لا موجود إلّا المادة"3.

وهذا الأساس بغير إغراقٍ في الجانب الفلسفيّ ليس صحيحًا على إطلاقه؛ إذ لا شك بوجود أشياء غير المادة؛ فالفكر والفهم ليس أمرًا ماديًّا, وهو موجود, والمشاعر والعواطف ليست أمرًا ماديًّا, وهي موجودة.

والله -سبحانه وتعالى- ليس شيئًا ماديًّا, وهو -سبحانه وتعالى- موجود.

ولا يلزم للوجود أن تدركه الحواس بالبصر أو باللمس أو بالشم, كما يذهب أكثرهم, فإن الإدراك بالأثر أقوى وأشد، فأنت لا ترى

1 تعلمنا علوم السنة علمًا جليلًا, لم يصل إليه بعد علم الغرب, وهو علم الرجال, وما يتعلق بهم من جرح وتعديل، وهو علم دقيق بالغ الدقة, وتطبيق قواعده لمعرفة سند البروتوكولات إلى أبناء صهيون قد يؤدي -حتى الآن- إلى استبعادها, لكن الأحداث تؤيد وترجح صدق ما جاء فيها, أي: صدق نسبتها.

2 سرجي نيلوس, المرجع السابق .

3 الزميل الكبير الدكتور جعفر إدريس في محاضرة قيمة عن الماة, غير منشورة.

الكهرباء, ولكن تدرك أثرها وهو النور, وأنت لا ترى الروح, ولكن تدرك أثرها وهو الحياة, ثم إذا تدرجت مع الماديين وساءلتهم: من الذي أوجد المادة, فيستدرجون معك حتى يتدرج مثل: "دارون" إلى الخلية الأولى, ونقول له: من الذي أوجد الخلية الأولى؟ سيسكت بعضهم, وسيقول آخرون: المصادفة, أو الطبيعة, والساكتون أراحوا واستراحوا.

والقائلون بالمصادفة أو الطبيعة ندع فريقًا آخر يرد عليهم.

- إن القول بأن الحياة وجدت نتيجة حادث اتفاقيٍّ شبيه في مغزاه بأن نتوقع إعداد معجم ضخم نتيجة انفجار صدفي يقع في مطبعة1.

- لو جلس ستة من القرود على آلات كاتبة، وظلت تضرب على حروفها لملايين السنين, فلا يستبعد أن نجد من بعض الأوراق التي كتبوها قصيدة من قصائد شكسبير، وكذلك كان الكون الموجود الآن نتيجة عمليات عمياء ظلت تدور في المادة لبلايين السنيين2.

- ولو كان يمكن للكون أن يخلق نفسه, فإن معنى ذلك أن يتمتع بأوصاف الخالق، وفي هذه الحالة سنضطر أن نؤمن بأن الكون هو الإله, وهكذا ننتهي إلى التسليم بوجود الإله، ولكن إلهنا هذا سوف يكون عجيبًا, إلهًا غيبيًّا وماديًّا في آنٍ واحد, إنني أفضل أن أؤمن بذلك الإله الذي خلق العالم المادي وهو ليس بجزء من هذا الكون, بل هو حاكمه ومدبره, بدلًا من أن أتبنى هذه الخزعبلات3.

ويعقب القرآن على تلك القضية، ويصفها في تساؤل جميل:

- {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ، أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ} ؟ 4

وفي مكان آخر تساؤل آخر:

{أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ

تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} ؟

{أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ} .

{أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} .

1 البروفسور أيدوين كويكلين.

2 هكسلي.

3 جورج أبرل ديفس اقرأ تفصيلًا وعرضًا جميلًا في كتاب الإسلام يتحدى, مدخل علمي للإيمان, تأليف وحيد الدين خان, وتقديم ومراجعة عبد الصبور شاهين, الطبعة الثالثة, المختار الإسلامي 1972م.

4 سورة الطور 35، 36.

{أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} .

{أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} 1.

1 سورة النمل 63، 64.

الباب الأول: الإتجاه الغربي

الفصل الأول: مراحل الغزو الفكري الغربي

مدخل

الباب الأول:الإتجاه الغربي

الفصل الأول: مراحل الغزو الفكري الغربي

مقدمة

وجود الغرب المسيحي هنا في شرقنا الإسلاميّ لم يكن صدفة؛ بدأ بالوجود الماديّ العسكريّ, وتبعه الاستشراق والتبشير -الوجود المعنويّ, أعقبه مرةً أخرى الوجود العسكريّ -الاستعمار وتقطيع أوصال دول الخلافة الإسلامية, ثم أعقبه بَثٌّ فكريٌّ فصل الدين عن الدولة، وفكرة القومية، ثم الإجهاز على الخلافة الإسلامية، وأخيرًا, حين رحلت جنوده, أبقى له جنودًا آخرين من جلدتنا, ويتحدثون بلساننا, وبهم أجرى التغيير السياسيّ المطلوب، وأجرى التغيير الاجتماعيّ المقصود.

ولنحاول أن نقسمها إلى ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى:مرحلة ما قبل إسقاط الخلافة الإسلامية, ونتحدث عنها في مبحث أول.

المرحلة الثانية: مرحلة الإجهاز على الخلافة الإسلامية, ونتحدث عنها في مبحثٍ ثانٍ.

المرحلة الثالثة: مرحلة ما بعد إسقاط دولة الخلافة, ونتحدث عنها في مبحثٍ ثالث.

المبحث الأول: مرحلة ما قبل إسقاط الخلافة الإسلامية

أولا: الحروب الصليبية

المبحث الأول: مرحلة ما قبل إسقاط الخلافة الإسلامية

وتبدأ بالحروب الصليبية, ثم الاستشراق،ثم التبشير

أولًا: الحروب الصليبية

لسنا نكتب تاريخًا, ولكننا نستخلص عبرًا من الحقائق التاريخية المسلَّم بها, فمن هذه الحقائق أن الغرب جرد حملاتٍ غزت الشرق الإسلاميّ باسم الصليب وتحت رايته، وكان رجال الكنيسة في أوروبا يدفعون الملوك والشعوب إلى هذه الحروب1، فاتخذت بذلك طابعًا دينيًّا شكلًا وموضوعًا، وكان تفرق المسلمين إلى دويلاتٍ, وضعف دولتهم, مشجعًا لهم على ذلك الغزو, وليس صحيحًا ما يحاول بعض الكتاب العرب تصويره, من أنها كانت مجرد حملات استعمارية

1 أول من دعا إلى هذه الحروب الصليبية -كما يقول صاحب كتاب "حاضر العالم الإسلاميّ" هو البابا سلفستر الثاني سنة 1002م, ولكنه لم يوفق، ثم البابا خريغوريوس سنة 1075م, لكنها تأخرت حوالي عشرين سنة حتى سنة 1097, وكان كُتَّاب النصارى ومفكروهم يحرضون عليها كذلك, نذكر منهم: هلتون ساتيتو، ومارينو، بيين ديبوا، جيلوم دي نوجاري، ريموند لول بتراك.

وفي كتاب "تاريخ البابوات" تأليف السيد: فرناند هابوارد, بيان كيف ألَّب البابوات ملوك أوربا لحرب المسلمين, وكيف حاولوا بأنفسهم قيادة هذه الحروب الصليبية.. راجع "حاضر العالم الإسلاميّ" تأليف لوثروب ستودارد، نقله إلى العربية الأستاذ عجاج نويهض, وعلق عليه تعليقات مستفيضة الأمير شكيب أرسلان, دار الفكر, الطبعة الثالثة 1391هـ 1971م, وقد كتب كارلس الثامن إلى رئيس فرنسا رودس, يكاشفه بما نواه من نشر الديانة المقدسة الكاثوليكية, وتحرير المسيحيين مما هم فيه من الخنوع للأمية الجاحدة, وواسترداد الأراضي المقدسة المغصوبة, فأجابه رئيس الفرسان متيمنًا مؤملًا هذه المرة استئصال شاقة الأمة المعلونة؛ أمة محمد, من كتاب "مائة مشروع لتقسيم تركيا" -تأليف المسيو دجوقتارا الأمانيّ, المرجع السابق".

ويشير المؤرخون إلى أن الحملة الصليبية عند دخولها بيت المقدس في 15 يوليو 1099م, الموافق 3 رمضان 493, ذبحت أكثر من سعبين ألف مسلم حتى سبحت الخيل إلى صدورها في الدماء, وفي أنطاقيا, قتلوا في الطريق أكثر من مائة ألف مسلم.

راجع "حاضر العالم الإسلامي" وراجع كذلك جوستاف لوبون في كتابه: "حضارة العرب".

باحثةً عن المصالح الاقتصادية, نعم.. قد يكون الاستعمار والاستغلال الاقتصاديّ من أهدافها، لكنه بالتأكيد ليس الهدف الأول الرئيسيّ، أنما كان هذا هدفًا دينيًّا, ولم تكن حماسة رجال الدين المسيحيّ, ولا مشاركتهم في هذه الحملات عفوًا ولا لغوًا، ولكنه كان قصدًا إلى الانتقام من غزو الإسلام لقلب أوربا، حتى صار البحر الأبيض المتوسط بحيرةً إسلامية خالصةً، وحتى بلغ المسلمون جنوب فرنسا, ثم قصدًا بعد الانتقام إلى إدخال المسلمين في المسيحية ذاتها، وهو ما ستفسره المرحلة التالية لهذه الحروب, والأمر أن يفسرهما قول الله

-سبحانه وتعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}

1_وقوله: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا}

2-وقد يكون صحيحًا ما أشار إليه كاتب أمريكيّ3، من أن اليهود كانوا وراء الحروب الصليبية, قصدًا إلى أضعاف العالمين المسيحيّ والإسلاميّ -كما أشار، ثم تحقيقها لمزيد من الكسب والربا أثناء تلك الحروب.

لكن لو لم يحركهم اليهود لتحركوا كذلك, فإن ما بدا منهم في تلك الحروب يَنُمُّ عن حقد دفين، وما تخفي صدورهم أكبر.

العصمة في الإسلام للأمة لا للإمام:

ولئن كانت الدولة الإسلامية في ذلك الحين مفككة الأوصال, فلقد جعل الله من معجزات دينه بعد القرآن, هذه الأمة, فلقد حوَّلها القرآن بحقٍّ خير أمة أخرجت للناس، حتى صح ماقيل من أن العصمة في الإسلام للأمة لا للإمام, أخذًا من قول الرسول -صلى الله عليه وسلم: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" ثم استمدادًا من أحداث التاريخ التي ظلت معها الأمة الإسلامية صامدة شامخة برغم ما وُجِّهَ إلى صدرها وقلبها من سهام وحراب!.

انتفضت الأمة لمَّا رأت الصليب فوق رءوس أعدائها, انتفضت تحارب أعداء الله وأعداءها بكل سبيل، واسترخصت الدم والروح في سبيل الله, وتعجلت لقاء الله وجنته, فأعطاها الله الحسنيين: النصر والجنة, وارتدت حملات الصليب على أعقابها خاسرة بعد

1 البقرة 120.

2 البقرة 217.

3 الكاتب الأمريكي وليام غاي كار.

معارك طاحنة استمرت قرنين كاملين, وفي قصص التاريخ لبطولات المسلمين في هذه الحروب وتفننهم فيها, ما يحتاج إلى أن يكتب بأحرفٍ من نور.

وبرز نور الدين الشهيد محمود بن زنكي التركي, ثم برز صلاح الدين الأيوبي الكرديّ, وغيرهما ممن قادوا جماهير الأمة إلى النصر؛ لتثبت عالميّة هذه الدعوة, فلا فضل لعربيٍّ على أعجميٍّ إلا بالتقوى, وجاهد جماهير من التركستان الحبيبة -التي ترزح تحت الالحاد الشيوعيّ المجرم- وحرروا أرض الإسلام من جحافل الصليبية الحاقدة, بينما لم يجد هؤلاء من يقف إلى جوارهم يوم أعدمت روسيا منهم ثلاثة ملايين ‍!.

وأيقن الغرب المسيحيّ أنه مهما ضعفت دولة الإسلام, فإنه لن يستطيع النَّيْلَ منها ومن أمتها حتى ينال أولّا عقيدتها وفكرها.

وكانت المرحلة الثانية: مرحلة الاستشراق والتبشير.

ثانيًا: الاستشراق

وقبل أن يظهر التبشير كبديل عن الحروب لتحطيم عقيدة المسلمين وفكرهم, نشير إلى أن الحروب الصليبية أنتجت كذلك إنتاجًا فكريًّا, هو الاستشراق؛ إذ نفر قوم من الغربيين يدفعهم التعصب الصليبيّ إلى الكتابة عن الإسلام, فأفقدهم التعصب أمانة العلم، وعمدوا إلى تشويه الإسلام من عدة نواح:

- فرددوا أن القرآن من وضع محمد -عليه الصلاة والسلام، وأن سذاجة الصحابة وإيمانهم دفعهم إلى نقله على أنه من عند الله.
- وخلطوا في مصادر الأحكام الإسلامية بين المصادر الإلهية: القرآن والسنة, وبين الاجتهاد, ونظروا إلى الجميع على أنها من صنع البشر, فسووا بينها في المنزلة!
- ودعوا إلى التصرف الإسلاميّ لما يؤدي إليه في أكثر الأحيان من صرف أصحابه عن الجهاد, وهو أكثر ما يثير الصليبيين ويفزعهم.

راجع "الصوفية في الإسلام" للمستشرق نيلكسون.

وقد بدأ الاستشراق في الأندلس -أسبانيا- في القرن السابع الهجري، حين اشتدت حملة الصليبيين الأسبان على المسلمين, فدعا "الفونس" ملك قشتالة, ميشيل سكوت؛ ليقوم بالبحث في علوم المسلمين وحضارتهم، فجمع سكوت طائفةً من الرهبان في بعض الأديرة بالقرب من مدينة طليطلة, وشرعوا يترجمون بعض الكتب من اللغة العربية إلى لغات الفرنجة, ثم قدمها سكوت لملك صقيلة الذي أمر باستنساخ نسخ منها, وبعث بها هديةً إلى جامعة باريس.
وكذلك قام رئيس أساقفة طليطلة "ريمون لول" بنشاط كبير في الترجمة، ومع الزمن, توسع الأوربيون بالنقل والترجمة في مختلف الفنون والعلوم من الهيات وطب وهندسة وفلك وغيرها، وبعد اختراع الطباعة, أنشئت في أوربا مطابع عربية لطبع عدد من الكتب التي كانت تدرس في المدارس والجامعات الأوروبية.
ولم يكن عمل المستشرقين منفصلًا عن عمل المبشرين, بل كانت مهمة كل من الطائفتين تدخل في الأخرى, وكان فشل الصليبيين في حملاتهم المتوالية على الشرق الإسلاميّ دافعًا للمزيد من الاهتمام بالثقافة الإسلامية، وقد ظهرت أخيرًا وثيقةٌ خطيرةٌ تلقي الضوء على تحوّل الصليبيين من الغزو العسكري إلى الغزو الفكريّ، وهذه الوثيقة تتضمن وصية القديس "لويس" ملك فرنسا, وقائد الحملة الصليبية الثامنة, التي انتهت بالفشل والهزيمة ووقوع "لويس" في أسر المصريين في مدينة المنصورة، وقد بذل الملك لويس فدية عظيمة للخلاص من الأسر، وبعد أن عاد إلى فرنسا
أيقن أنه لا سبيل إلى النصر والتغلب على المسلمين عن طريق القوة الحربية؛ لأن تدينهم بالإسلام يدفعهم للمقاومة والجهاد وبذل النفس في سبيل الله؛ لحماية ديار الإسلام وصون الحرمات والأعراض به, والمسلمون قادرون دومًا للانطلاق من عقيدتهم إلى الجهاد ودحر الغزاة، وأنه لابد من سبيلٍ آخر، وهو تحويل التفكير الإسلاميّ وترويض المسلمين عن طريق الغزو الفكريّ, بأن يقوم العلماء الأوربيون بدراسة الحضارة الإسلامية، وهكذا تحولت المعركة من ميدان السلاح إلى معركة في ميدان العقيدة والفكر, بهدف تزييف عقيدة المسلمين الراسخة التي تحمل طابع الجهاد, وتدفع المؤمنين إلى الاستشهاد.
وقد سار الأوربيون في طريق تنفيذ وصية القديس "لويس" فيتزييف العقيدة الإسلامية, وامتصاص ما فيها من قوة وجهاد وإيمان عن طريق التفرقة بين العقيدة والشريعة، وتصوير الإسلام بصورة الدين الذي يبذل غاية همه في العبادة كالمسيحية، إلى أن وصلوا إلى الفصل بين الدين والدولة، وفقد المسلمون ذلك السر الخطير الكامن في أصالة عقديتهم وجوهر دينهم1.
ويرى كثير من الباحثين أن الاستشراق تولد من الاستعمار والتبشي

فالاستعمال: يرى في المفهوم الإسلاميّ السليم ما يعطي المجتمع الإسلاميّ قوةً تحول بينه وبين سيطرة الاستعمار، فعمل المستشرقون على تقويض العقيدة الإسلامية، وإحلال مفاهيم تحل الصداقة بين الدولة الغالبة والمغلوبة محلها، تحت اسم: الحضارة، أو العالمية، أو وحدة الثقافة والفكر البشريّ.

وأما التبشير: فإنه يستهدف الحيلولة دون توسيع الإسلام وانتشاره، وعدم منافسته للمسيحية في البلاد التي تحاول القيام بالتبشير ونشر المسيحية فيها.

والخطر الأكبر في نظر المبشرين هو في وصول مفاهيم الإسلام الصحيحة إلى عالم الغرب نفسه، ومما يذكر: أن المسلمين لما فتحوا مدينة القسطنطينية -عاصمة الدولة الرومانية الشرقية، وفيها مركز البابوية للكنائس الشرقية- هبَّ رجال الكنيسة, وقد هالهم الخطب العظيم، فأخذوا في الافتراء والتشنيع على الإسلام, وتشويه أحكامه الإلهية العادلة، وكان الدافع لهم في هذه الحملة الحيلولة بين رعاياهم الذين أقبلوا على الدخول في دين الله أفواجًا؛ ليصدوهم عن الإسلام الذي يبيح تعدد الزوجات والطلاق.

وجاءت الصهيونية فدخلت ميدان الاستشراق؛ لتحول دون اجتماع المسلمين في وحدة تقاوم اليهودية العالمية، وتواجه دولة اليهود الباغية -اسرائيل، والمستشرقون اليهود يعملون في هذا المجال.

1 "الإسلام في وجه التغريب: مخططات الاستشراق والتبشير" للأستاذ أنور الجندي .

تطور الاستشراق

وفي مطلع القرن الثالث عشر الهجري -أواخر القرن الثامن عشر الميلادي- عمد المستشرقون إلى تغيير أساليبهم, وأرادوا أن يظهروا بمظهر جديد, هوما زعموا من تحرير الاستشراق من الأغراض التبشيرية، والاتجاه به وجهة البحث العلميّ البحت, فأنشئت كليات لتدريس اللغات الشرقية في عواصم أوربا؛ مثل: لندن وباريس وليدن وبرلين وبطرسبرج وغيرها، وظهرت فيها أقسام خاصة لدراسة اللغة العربية, وبعض اللغات الإسلامية؛ كالفارسية والتركية والأردية, وكان الغرض منها تزويد السلطات الاستعمارية بخبراء في الشئون الإسلامية، ثم أخذ الطلاب المسلمون يؤمون هذه الكليات الأوربية للدراسة فيها، وبذلك تأثر الفكر الإسلاميّ بما يلقيه المستشرقون في أذهان هؤلاء المبعوثين من أبناء المسلمين, ثم تسلل المستشرقون إلى الدوائر العلمية, والجامعات في الدول الإسلامية، بل إلى المجامع العلمية في القاهرة ودمشق وبغداد، وقامت المؤسسات الدينية والسياسية والاقتصادية في الغرب بما كان يقوم به الملوك في الماضي؛ من الأغداق على المستشرقين، وتقديم المنح والمعونات لهم.

وقد أنشأت الدول الاستعمارية عدة مؤسسات في البلاد الإسلامية التي خضعت لنفوذها, لخدمة الاستشراق ظاهريًّا، وكان هدفها الحقيقيّ خدمة الاستعمار والتبشير الكاثوليكيّ والبورتستانتي، من هذه المؤسسات في مصر: المعهد الشرقي بدير الدومينيكان، والمعهد الفرنسي، وندوة الكتاب، ودار السلام، والجامعة الأمريكية، وفي لبنان: جامعة القديس يوسف -وهي جامعة بابوية كاثوليكية, وتعرف الآن بالجامعة اليسوعية, والجامعة الأمريكية ببيروت، وكانت تسمى من قبل: الكلية السورية الإنجيلية, وهي بروتستنتية، وفي سورية: مدارس اللاييك، والفرير، ودار السلام، وغيرها, وهكذا في كل الأقطار الإسلامية..

أهداف المستشرقين

أولًا: الحيلولة بين الشعوب النصرانية وبين الإسلام، فقد عمل المستشرقون على تشويه الإسلام وحجب محاسنه؛ لاقناع قومهم بعدم صلاحيته لهم نظام حياة، ولعل هذا هو أخطر الجوانب التي قام لأجلها

الاستشراق والتبشير, وذلك في أعقاب الحروب الصليبية, وعودة المحاربين إلى أوربا، يحملون صورة مشرقة لمعاملات المسلمين لهم, وسماحة الإسلام، وقد عمد رجال الكنيسة إلى إخراس الألسنة المنصفة، وحاولوا ترجمة القرآن لتزييف مفاهيمه وانتقاصها.

وقد استغل الاستشراق كراهية الأوربيين للإسلام بعد التوسع العثمانيّ في أوربا, وما صحبه من تعصب وحروب استمرت عدة قرون، فعمل المستشرقون على تعميق الكراهية والأحقاد في نفوس الأوربيين, وتغذيتها بالشبهات والأباطيل, بهدف حجب الإسلام عن أوربا, والحيلولة دون نفاذه إليها.

ثانيًا: تأييد الغزو الاستعماريّ لبلاد المسلمين, والعمل لتحطيم المقاومة الإسلامية، بتأويل الجهاد, وصرف أنظار المسلمين إلى الدعة, والقعود عن الجهاد في سبيل الله, ومدافعة الغزاة بالاشتغال بالعبادة والزهد, وتسميتها بالجهاد الأكبر, وتحطيم وحدة المسلمين, وتمزيق الدول الإسلامية، وعزل الشريعة الإسلامية عن التطبيق في المجتمع الإسلاميّ, وإحلال الأنظمة القانونية والاقتصادية والسياسية والتربوية لتحلَّ محلَّ الإسلام بالقوة.

ثالثًا: فصل المسلمين عن جذورهم الثابتة الأصيلة، بتشويه تلك الأصول، وعزلها عن مصادرها، وهدم المقوّمات الأساسية للكيان الفرديّ والاجتماعيّ والنفسيّ, أمام الاستعمار وثقافته وفكره، والتأثير في نفوس المسلمين, وزحزحة عقائدهم بما يفتح للتبشير المسيحيّ طريقًا إلى تحويل بعض ضعاف العقيدة إلى ملاحدة وأتباع1.

والخلاصة: فقد كان المستشرقون طلائع للمبشرين, يمهدون السبيل أمامهم؛ لتشكيك المسلمين في عقائدهم، ويفتحون أمام دعاة النصرانية السبيل للطعن في الإسلام ونبيه -صلى الله عليه وسلم- بأنواعٍ شتَّى من الشعوذة العلمية, باسم البحث والاستنتاج التحليليّ.

تلاميذ المستشرقين

وتبدو خطورة الاستشراق في آثاره الخطيرة التي يفرضها المستشرقون على مناهج التعليم والثقافة والفكر في العالم الإسلاميّ،

1 الإسلام في وجه التغريب.

وقد حرص المستشرقون على كسب الأنصار, واستخدام الأتباع؛ لترديد مفترياتهم على الإسلام، وافتعال معارك حول عقائده وآدابه ومختلف أحكامه؛ لتعميق المفاهيم التي يريدون فرضها وترسيخها في الأذهان، وتوسيع دائرة الانتقال بها.

ولقد كان طه حسين في مقدمة الذين أعلنوا الاعجاب والتقدير لمناهج المستشرقين، ويعتبر حامل لواء الدفاع عنهم وعن أهوائهم, وكثيرًا ما يقول: "أن هذه الحقيقة, أو تلك في تاريخ المسلمين, أو فكرهم, مما لا يرضى بها الاستشراق" وهذا أسلوب لا يقوم عليه إلّا واحدٌ من أهل التبعية، حتى قال بعضهم: أن طه حسين ليس إلّا مستشرقًا من أصل عربيٍّ, وقد كانت أمانته للفكر الغربيّ ولمذاهب الاستشراق تفوق أمانة المستشرقين أنفسهم، وهكذا كان متابعًا لهم، مقتنعًا بها يقولون إلى أبعد حدود الاقتناع، حتى في تلك المسائل الخطيرة، كقولهم ببشرية الرسول، وبشرية القرآن، وكانت كتاباته توحي بذلك, وإن لم يعلنه جهارًا، بعد أن صودر كتابه "في الشعر الجاهلي".

وأعجب ما في طه حسين ولاؤه الشديد لانطواء المسلمين تحت لواء الغرب، وانصهار الإسلام في بوتقة الأممية، والمسيحية واليهودية والغرب جميعًا, فهو لا يرى للعرب والمسلمين سبيلًا للنهضة إلّا في هذا الأنصهار, وهذا الاحتواء والذوبان، وقد صرّح بذلك في كتبه, وخاصَّةً ما أورده في كتاب "مستقبل الثقافة في مصر" فهو يرى أن العرب قومٌ مستعمرين؛ كالرومان والفرس.

ويظهر اتجاه طه حسين في حرصه على نشر الكتب التي تثير الشبهات, وفي مقدمتها "رسائل إخوان الصفاء" وتجديد طبع "ألف ليلة وليلة"، وعنايته بدراسة سير المجان من الشعراء في كتابه "حديث الأربعاء" وهو ثلاثة مجلدات, وقد خرج من دراستهم بشبهة مسمومة هي قوله: "إن القرن الثاني للهجرة كان عصر شكٍّ ومجون"، وقد اعتمد في بحثه على مصادر أساتذته من المستشرقين اليهود، وعلى "أنساب الأشراف" الذي طبع في الجامعة العبرية في القدس -التي تحتلها إسرائيل- وجارى مستشرقي اليهود في إنكار شخصية عبد الله بن سبأ -ابن السوداء، وفي الشك بوجود

إبراهيم وإسماعيل, وأعلن أنه يشك في وجودهما بالرغم من الإشارة إليهما في التوراة والقرآن1.

ومثل طه حسين في هذه التبعية للمستشرقين: سلامه موسى، وحسين فوزي، وزكي نجيب محمود، ومحمود عزمي، وعلى عبد الرازق, وغيرهم.

وقد لقحت مناهج المستشرقين في البحث والنقد العلميِّ قرائح كثير من تلاميذ المستشرقين؛ فنهجوا نهجهم, وأخذوا طريقهم فيما حاولوا من دراسات، وخاصةً في مجال الجامعة والثقافة والصحافة، وحملوا نفس الروح التي يحملها أساتذتهم في خصومة الإسلام، وكانوا أشد قسوةً على أهليهم من الغربيين2.

آثار الاستشراق

1- كان الاستشراق وراء كل شبهة أو دعوة خطيرة أحدثت تحولًا في المجتمع الإسلاميّ في العصر الحديث، فقد كان المستشرقون يلقون الشبهة أو الدعوة, ثم يتبعهم الكتاب والمفكرون الذين يكتبون باللغة العربية من أهل التبعية والتغريب والشعوبية, هذا واضح في الدعوة إلى العامية التي بدأها ولكوكس وويلمور وغيرهما, ثم تابعهما سلامة موسى, وأحمد لطفي السيد، في الدعوة إلى الإقليميات والقوميات الضيقة؛ كالفينيقية والفرعونية، بدأها فمبري وكرومر, وتابعهما طه حيسن ولطفي السيد

وغيرهما.

2- يعمل المستشرقون على إخضاع النصوص للفكرة التي يفرضونها حسب أهوائهم، والتحكم فيما يرفضونه أو يقبلونه من النصوص، وكثيرًا ما يحرفون النَّصَّ تحريفًا مقصودًا، ويقعون في سوء الفهم -وعن عمدٍ أحيانًا- في معنى النَّصِّ, حين لا يجدون مجالًا للتحريف.

3- يتحكم المستشرقون في المصادر التي يختارونها، فهم ينقلون من كتب الأدب ما يحكمون به في تاريخ الحديث النبويّ, ومن كتب

1 الإسلام في وجه التغريب، وقد كان هذا الإنكار, وأمور أخرى سببًا في طرد طه حسين من الجامعة المصرية, ومصادرة كتابه "في الشعر الجاهلي" ولكن نفوذ الاحتلال الإنجليزي, سرعان ما أعاده إلى الجامعة, ومضى به صعدًا لأعلى المناصب.

2 المرجع السابق .

التاريخ ما يحكمون به في تاريخ الفقه، ويصححون ما ينقهل الدميري في كتابه "الحيوان" ويكذبون ما يرويه الإمام مالك في "الموطأ"..

4- يجمع المستشرقون الشبهات المختلفة, ويؤلفون بينها؛ لاعطائها صورةً كاملة، مثال ذلك: ما قام به المستشرق الألمانيّ ولهلم هور نباخ -الأستاذ في جامعة بون بألمانيا- من جمع قطع ونتف وشذرات من كتاب "الإصابة" للحافظ ابن حجر، ثم ينشرها على أنها كتاب "الردة" لابن حجر, الذي ألفه أبو زيد بن الفرات, المتوفى عام 237هـ, وهو فارسيّ الأصل، وقد ضاع هذا الكتاب، فأشار ابن حجر إليه في بعض المواضع، فما كان من المستشرق ولهلم إلّا أن جمع هذه القطع على أنها تراجم لأشخاصٍ ارتدوا عن الإسلام، ولا يقوم بمثل هذا العمل إلّا مغرضٌ صاحب هوًى؛ لأنه يخالف البحث العلميّ السليم.

وشبيه بهذا ما أورده المستشرقون من الزعم بأن العرب كانوا قبل البعثة النبوية على حضارة ونهضة، وأن دور النبيّ -صلى الله عليه وسلم- لم يزد على أنه نهض بهم فنهضوا, مع أن الحقيقة الواضحة أن العرب في جاهليتهم كانوا قبائل متفرقة متصارعة، وأن الإسلام هو الذي وحَّدَهم في أمة واحدة، ودفعهم إلى آفاق النهوض والتوسع: {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُم} 1، {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} 2.

5- وقد حرص المستشرقون على التنويه بشأن "القرامطة" وإظهارهم بمظهر طلاب العدل والإصلاح، وهم الذين عجزوا عن أن يحققوا أيّ منهج يمكن أن يوصفوا به على أنهم دعاة حقٍّ حين أمتلكوا زمام الحكم في القرن الرابع الهجري، بل انكشف باطلهم وزيفهم، وظهرت حقيقتهم, صنائع لليهود انقضوا على الدولة الإسلامية بالتآمر والتعاون مع أعداء المسلمين وخصومهم.

6- وعمل المستشرقون على إحياء التراث الباطنيّ المجوسيّ

1 الانفال 63.

2 آل عمران 103.

والغنوص القديم, مستهدفين تحطيم أصالة الفكر الإسلاميّ، ويبدو هذا واضحًا في تركيزهم على إحياء كل المخطوطات التي تحمل هذه السموم، وخاصةً ما يتصل بالإلحاد والإباحية، وما يتصل بوحدة الوجود, والحلول والاتحاد، والمجون, أمثال: شعر بشار بن برد، وأبي نواس، وكتب الحلّاج وابن عربي، وابن سبعين، وكتب غلاة الرافضة والإسماعيلية والفاطميين.

7- ولا ريب أن أخطر آثار الاستشراق هو اعتبار كتب المستشرقين وبحوثهم مراجع أساسية في التاريخ واللغة والسيرة والفقه والعقائد وغير ذلك، وخاصةً في الجامعات والمعاهد العالية, أو في دراسات المبعوثين إلى الجامعات الغربية في أوربا وأمريكا، الذين يقعون دائمًا تحت سيطرة الاستشراق والأساتذة اليهود والنصارى المتعصبين، ثم يعودون إلى بلادهم فيحتلون مناصب التوجيه الثقافيّ والتعليميّ، ويفرضون ما تلقوه من الغرب من سموم باسم التجديد وحرية البحث.

وقد عملوا على نشر الموسوعات -دوائر المعارف- والقواميس؛ لتكون مراجع سهلة للباحثين،

وملؤوها بالسموم والشبهات مثل:

دائرة المعارف الإسلامية.
المنجد في اللغة والعلوم والآداب.
الموسوعة العربية الميسرة.

لهذا ينبغي على من يود الرجوع إلى هذه المصادر, أن يكون على حذرٍ تامٍّ، وأن يتنبه لما بين سطورها من مغالطات, أو تشويه, أو تحريف في النقل، على أن روح مؤلفيها في الحقد على الإسلام لا يخفى على المطالع الحصيف.

نماذج من أبحاث المستشرقين

1- يتابع يوسف شاخت أستاذه جولد تسيهر -وهما مستشرقان يهوديان- في الغض من شأن الشريعة الإسلامية، ويحاول الادعاء بأن الشريعة الإسلامية لا تختلف عن أعراف الجاهلية، وهو ادعاءٌ باطلٌ تصدى له كثيرٌ من الباحثين.

ومن أكاذيب شخت وأضاليله: الادعاء بأن للفكر الإغريقيّ فضلًا على الفكر الإسلاميّ، وقد أثبت علماء الغرب أنفسهم مثل: سيديو، درابر، وسارطون, وغيرهم, أن الإسلام هو الذي أدخل إلى الغرب المنهج العلميّ التجريبيّ، وأن الحضارة العالمية المعاصرة مدينةٌ للمسلمين بهذا النهج الذي هو أساس الحضارة الإسلامية.

2- أنكر برتلو أن تكون الكتب الكيمالية اللاتينية التي تحمل اسم جابر بن حيان, هي كتب عربية الأصل, كتبها عالم مسلم؛ لمجرد أن أصولها العربية فقدت، وقد تصدّى لبرتلو علماء راسخون ردوا عليه خطأه، بل اتهمه بعضهعم بالجهل والتحيز، وقال سارطون: إن أي شخص يعرف العربية لا يخطئ مطلقًا في اكتشاف أن هذه الكتب اللاتينية ترجمات لكتب عربية؛ إذ تبدو الأساليب العربية واضحةً من الترجمة اللاتينية، سواءً كانت لجابر أو لغيره.

3- ويزعم سدرسكي أن جانبًا مما ورد في القرآن أو التفاسير, والسير من الأخبار, يرجع إلى الإجادة اليهودية والتوراة والأناجيل, وقد بيّن الدكتوربشر فارس, فساد هذا الرأي, وقال: إن بين النصوص الاسلامية والنصوص اليهودية والمسيحية مسافات، وإن اتفق بعضها أو تقارب.

4- وحاول نلينو أن ينفي حقيقة أن قريشًا كانت أفصح العرب, وله في ذلك مغالطات واسعةٌ ترمي إلى التشكيك في هذه الحقيقة، ويقول: إن تفضيل لغة قريش لم يكن مصدره سوى حب العرب للرسول.

5- وزعم لويس شيخو اليسوعي, أن معظم شعراء الجاهلية وصدر الإسلام, كانوا نصارى، وأن الغسانيين كانوا نصارى، وهو قولٌ لا يُسَلِّمُ به المطلعون على أخبار العرب في عهد الجاهلية؛ لأن من الغساسنة مَنْ كان على الوثنية, ومنهم من دان باليهودية، وطائفة كانت

تدين بالنصرانية، وممن عدّهم نصارى من الشعراء, الأخنس بن شهاب, وامرؤ القيس، وأمية بن أبي الصلت, والسموأل.

وهكذا جرت بحوث المستشرقين وراء بثِّ الشبهات حول القرآن الكريم ولغته, والحديث الشريف والتشريع الإسلاميّ, ولا يتسع المقام للتوسع في ضرب الإمثال1.

المستشرقون المعتدلون

لا نكران أن طائفةً من المستشرقين اتسموا بالاعتدال والإنصاف، على تفاوتٍ فيما بينهم، فمنهم من أخطأ وأصاب, ومنهم من انتهى به البحث الحرِّ النزيه إلى الإيمان والإسلام، ويعتبر من الفريق الأول: "رينان" الذي انتهى به بحثه عن المسيح -عليه السلام- إلى إثبات أنه لم يكن إلهًا, ولا ابن إله، وإنما هو إنسانٌ يمتاز بالخلق السامي والروح الكريمة، وأن السير العربية للنبيّ محمد -صلى الله عليه وسلم- كسيرة ابن هشام, لها ميزةٌ تاريخيةٌ أكبر من الأناجيل المتداولة بين النصارى.

ومنهم: "كارلايل" الذي عَدَّ محمدًا -صلى الله عليه وسلم- في الأبطال, وخَصَّهُ بصفحات كثيرة من كتابه "الأبطال" يقول فيه: "من العار أن يصغي أيّ إنسان متمدين من أبناء هذا الجيل إلى وهم القائلين: أن دين الإسلام كذب، وأن محمدًا لم يكن على حقٍّ، فالرسالة التي دعا إليها هذا النبيّ ظلت سراجًا منيرًا أربعة عشر قرنًا من الزمان, لملايين كثيرة من الناس، وما الرسالة التي أداها محمد -صلى الله عليه وسلم- إلّا الصدق والحق، وما كلمته إلّا صوت حقٍّ صادقٍ صادرٍ من العالم المجهول، وما هو إلّا شبهات أضاء العالم أجمع، ذلك أمر الله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

ومنهم: "تولستون" أكبر كتاب روسيا، فإنه لما رأى الحملة الظالمة على الإسلام ورسوله, كتب رأيه معربًا عن الإعجاب بالإسلام، وتحدَّث عن المسيحية، فأنكر على المسيحيين اعتقادهم بألوهية المسيح، وخلص إلى أن بولس لم يفهم تعليم المسيح, بل طمسها، والكنيسة زادت تعاليم المسيح في العقيدة غموضًا, ويقول: أن المسيحيين

1 راجع: "دفاع عن العقيدة" للشيخ محمد الغزالي، "الإسلام في وجه التغريب: مخططات الاستشراق والتبشير" للأستاذ أنور مجدي.

واليهودية والمسلمين يعتقد جميعهم بالوحي الإلهيّ، فالمسلمون يعتقدون نبوة موسى وعيسى, ولكنهم يعتقدون كما اعتقد بأنه دخل التحريف والتشويه على كتب الديانتين، وهم يعتقدون بأن محمدًا خاتم الأنبياء، وأنه أوضح في القرآن تعاليم موسى وعيسى, كما قالاها دون زيادة ولا نقص, وينتهي بالحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديث الإكبار والتعظيم، وكان مما قاله تولستوي: "لا ريب أن هذا النبيّ من كبار الرجال المصلحين, الذين خدموا الهيئة الاجتماعية خدمةً جليلةً، ويكفيه فخرًا أنه هدى أمة برمتها إلى نور الحق، وجعلها تجنح للسلام، وتكف عن سفك الدماء، وتقديم الضحايا، ويكفيه فخرًا أنه فتح طريق الرقيّ والتقدم، وهذا عملٌ عظيمٌ لا يفوز به إلّا شخص أولي قوة وحكمة وعلمًا، ورجل مثله جدير بالاحترام والإجلال"، وقد كان جزاؤه على كلمة الحق التي قالها أن حرمه البابا من الرحمة1.

ومن المستشرقين الذين انتهى بهم البحث عن الحقِّ إلى الإسلام: اللورد هيدلي، واتيين دينيه -ناصر الدين- والشاعر الألماني الكبير: جوتيه، والدكتور جرينييه, الذي كان عضوًا في مجلس النواب الفرنسيّ، وقد سئل عن سبب إسلامه فقال: "إني تتبعت كل الآيات القرآنية التي لها ارتباط بالعلوم الطبية والصحية والطبيعية, والتي درستها من صغري، وأعلمها جيدًا، فوجدت هذه الآيات منطبقة كل الانطباق على معارفنا الحديثة، فأسلمت لأني تيقنت أن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- أتى بالحق الصراح, من قبل ألف سنة، من قبل أن يكون له معلم, أو مدرس من البشر، ولو أن كل صاحب فن من الفنون، أو علم من العلوم قارن كل الآيات القرآنية المرتبطة بما تعلم جيدًا, كما قارنت أيضًا، لأسلم بلا شكٍّ, إن كان عاقلًا خاليًا من الأغراض"2.

وصدق الله العظيم {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَق} 3.

1 التبشير والاستشراق: أحقاد وحملات" للمستشار محمد عزت إسماعيل الطهطاوي .

2 المرجع السابق و"أوربا والإسلام" للدكتور عبد الحليم محمود.

3 فصلت 53.

ثالثًا: التبشير

أيقن أعداء الإسلام أنه لا سبيل إليه وعقيدته حيَّةً في قلوب المسلمين, فكان بداية التبشير مع نهاية الحروب الصليبية فشلًا في مهمتها, وهو ما يصرح به "ملخص تاريخ التبشير"1.

ويقول القسيس المبشر زويمر: "أن جزيرة العرب التي هي مهد الإسلام, لم تزل نذير خطر للمسيحية2" ويكمل وليم جيفورد بالكراف المعنى فيقول: متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب، يمكننا حينئذ أن نرى العربيّ يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلّا محمد وكتابه3.

واتخذ التبشير لدعوة المسلمين أساليب عديدة, أظهرها لنا:

أ- المدارس المختلفة فتحت في أرجاء العالم الإسلاميّ، ولم تنج منها حتى عاصمة الخلافة الإسلامية نفسها4 وباشرت تلك المدارس التأثير على الطفولة البريئة والشبيبة الغضة من أبناء المسلمين, وكانت لها نتائج إيجابية محدودة, لكنها أن لم تمح في

1 كتاب "ملخص التبشير" لادوين بلس، أشار إليه، أ. ل شاتليه.

نقلها إلى العربية محب الدين الخطيب وساعد اليافي تحت عنوانه:

الغارة على العالم الإسلامي

2 قالها زويمر في مؤتمر لكنو بالهند سنة 1329هـ -1911م, وكان هو رئيس المؤتمر لماله في التبشير من سجلٍّ حافلٍ, المرجع السابق.

3 قالها وليم جيفورد في مؤتمر القاهرة للتبشير, المنعقد سنة 1324هـ 1906م، في منزل أحمد عرابي الذي صادره الإنجليز بعد ثورته.

4 في مؤتمر لكنو للتبشير, الذي تقدمت الإشارة إليه, قدَّم القسيس ترد بريد ج تقريرًا عن نشاط التبشير, وخص فيه دولة الخلافة العثمانية بنصيب أوفر, فقال: عن الإعمال المدرسية أن في استطاعة المسلمين التردد على مدارس وكليات التبشير, وبين جدران الكلية الإنجليزية في بيروت -الجامعة الأمريكية، وكانت تسمى الكلية السورية الانجيلية- 104 من المسلمين، وفي كلية الأستانة -واحسرتاه- 50, وفي كلية المبشرين في كدك باشا في الأستانة أيضًا 80، ومنذ بضع سنين صدر أذن خفي!! بجواز التردد على الكلية الأولى والثانية.

وعن التاليف قال:

كان طبع كتب التبشير مباحًا في تركيا منذ مدة طويلة "!! " ثم أشار إلى صعوبات التوزيع..
وعن الأعمال الطبية والخيرية قال: إنها منتشرة جدًّا في البلاد العثمانية.

وعن الأعمال النسائية قال: إن الحكومة سمحت ". . ." عقب إعلان القانون الأساسيّ لخمس فتيات مسلمات أن يتعلمون في كلية البنات الأمريكية؛ ليتهيأن لإدارة الأمور في مدارس الحكومة للبنات أن عددًا قليلًا من الفتيات المسلمات يتردد على مدارس إرساليات التبشير.

المجموع عقائد التلاميذ, فيكفي أنها بذرت فيها بذور الشك أو الانحراف1 ولا تزال من آثار تلك المدارس الجامعة الأمريكية في مصر، والجامعة الأمريكية في بيروت, الأمر الذ ي لا ينكره رجالات الغرب أنفسهم.

ويلحق بهذه الوسيلة تغريب التعليم, أو علمانيته, وهو ما فعلته انجلترا في مصر والهند, وما سوف نعرض له -بمشيئة الله- عند الكلام عن وسائل التبشير الحديثة.

ب- ومن أخطر هذه الوسائل البعثات إلى الدول المسيحية الغربية, وأول مثل لأثر البعثات ما حدث لرفاعة الطهطاوي الذي أقام في باريس من سنة 1242هـ -1826م, إلى سنة 1247هـ- 1831م, فقد عاد ذلك الشيخ بغير العقل الذي ذهب به.

- اختلت موازين الشيخ, فعاد يتحدث عن الرقص الذي رآه في باريس, بأنه نوع من العياقة والشلبنة, أي: الأناقة والفتوة, لا الفسق, الرقص وتلاصق الأجساد ليس فسقًا.

ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "لكل بني آدم حظٌّ من الزنا: فالعينان تزنيان، وزناهما النظر، واليدان تزنيان, وزناهما البطش, والرجلان تزنيان، وزناهما المشي، والفم يزني وزناه القبل، والقلب يهوى ويتمنى، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" 2.. صدق رسول الله -عليه الصلاة والسلام- وكذب الشيخ الطهطاوي.

- وتحدَّث عن المشاعر الوطنية ليحلها محل المشاعر الدينية, وراح يثير الجاهلية القديمة؛ فيتحدث عن مصر الفرعونية, وينسى مصر الإسلامية, وأعجب الطهطاوي بالحرية, لكنه لم يفهمها الفهم الإسلاميّ الذي تحقق به عبودية المسلم لله وحده، ويتحقق تحرره من كل عبودية لسوى الله, لكنه فهمها الفهم الغربيّ الذي قد يؤدي إلى التحرر من الأخلاق ومن الدين نفسه..!

1 في نفس المؤتمر قال استررد كروفورد: أن المسلمين يقتبسون من حيث لا يشعرون شطرًا من المدنية النصرانية, ويدخلونه في ارتقائهم الاجتماعيّ، وما دامت الشعوب الإسلامية تتدرج إلى غايات ونزعات ذات علاقة بالإنجيل, فإن الاستعداد لاقتباس النصرانية يتولد فيها عن غير قصد منها, ثم ختم تقريره بقوله: لقد أزف الوقت لارتقاء العالم الإسلاميّ, وسيدخل الإسلام في شكل جديد من الحياة والعقيدة, ولكن هذا الإسلام الجديد سينزوي ويتلاشى بالنصرانية " من المرجع السابق".

2 مسند أحمد صحيح, وله روايات أخرى كثيرة بألفاظ مختلفة, والمعنى واحد.

وقس على الشيخ رفاعة1 مَنْ ذهبوا بعده.

ج- ثم تأتي سائر وسائل التبشير؛ فتح المستشفيات, وبعث الإرساليات الطبية التي يقرر كثير من المبشرين في مؤتمراتهم وكتاباتهم أنها أدت إلى نتائج أسرع وأفضل من عمل القسس التبشيرية2.

د- ثم المحاضرات والندوات, والكتب والمجلات, والصحف والنشرات.. إلخ.

مؤتمرات التبشير

أما مؤتمرات التبشير فقد تعددت..

نذكر منها:

1- مؤتمر القاهرة سنة 1324هـ-1906م, المنعقد في منزل زعيم الثورة العرابية المسلم, في باب اللوق, تحت سمع الحكومة وبصرها!
2- مؤتمر ادنبرج سنة 1328هـ-1910م, في انجلترا.
3- مؤتمر لكنؤ سنة 1329هـ-1911م, بالهند.
4- مؤتمر القدس سنة 1343هـ-1924م.
5- مؤتمر القدس سنة 1354هـ-1935م.
6- مؤتمر القدس سنة 1380هـ-1961م.

وما بلغنا عنها إلّا القليل, واشهره ما نشرته مجلة "العالم الإسلاميّ".

1 راجع تحليلًا رائعًا للأستاذ الدكتور محمد محمد حسين -أستاذ الأدب الحديث بجامعة الإسكندرية- في كتابه "الإسلام والحضارة الغربية" نشر دار الفتح, ط2, 1393هـ, والكتيب عبارة عن محاضرتين ألقاهما بالكويت سنة 1385هـ, وهو يتناول اثر التغريب, وله في نفس الخط مؤلَّفٌ آخر تحت عنوان:

"حصوننا مهددة من الداخل"

-مجموعة مقالات نشرها في مجلة الأزهر..

2 يقول الطبيب بول هاريسون في كتابه: "الطبيب في بلاد العرب" لقد وجدنا نحن في بلاد العرب لنجعل رجالها ونساءها نصارى -إبراهيم خليل أحمد- المستشرقون والمبشرون في العالم العربيّ والإسلاميّ, من مكتبة الوعي العربيّ بالقاهرة 1384هـ, ويذكر الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه "الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية": أن الأفغانيين الذين خلعوا ملكهم: أمان الله خان؛ لأنه سمح لزوجته أن تخرج سافرة, قبلوا بعد ذلك أن يلغوا الحجاب, وتَمَّ ذلك عن طريق المقابلات ودور الولادة الطبية التي أنشأها المبشرون.

ولا نعتقد أن ما ينشر هو كل ما قيل وحدث..

ومع ذلك, فإننا نشير إلى نماذج من المؤتمرين الأول والثالث, تبعًا لما بلغنا عنهما.

في مؤتمر القاهرة, المنعقد في بيت الزعيم المصريّ المسلم:

أحمد عرابي:

تناول المؤتمر وسائل تبشير المسلمين بالنصرانية في كتاب خاصٍّ, كُتِبَ عليه نشرة خاصة؛ ليكون قاصرًا على فئة من المبشرين, وهومن إعداد القسيس الأمريكي: فليمنج.
ثم تعرض المؤتمر للأزهر, فنعى أن باب التعليم مفتوح للجميع، خصوصًا وأن أوقاف الأزهر الكثيرة تساعد على التعليم فيه مجانًا1.
وطالب سكرتير المؤتمر في مواجهة ذلك بإنشاء معهدٍ مسيحيٍّ لتنصير الممالك الإسلامية2 -قيل: إن أساس تكوين الجامعة الأمريكية في مصركان تنفيذًا لتلك الوصية.
ثم عرض المؤتمر لخريطة تنصير العالم الإسلاميّ في هذا العصر, وقدم القسيس زويمر -رئيس المؤتمر- بمعاونة بعض زملائه كتابًا تحت عنوان: "العالم الإسلاميّ اليوم" أشار إلى صلابة عقيدة المسلمين -وهو ما يقتضي الاشتداد في حربها- وقال ما نصه: "لم يسبق وجود عقيدة مبنية على التوحيد أعظم من عقيدة الدين الإسلاميّ الذي اقتحم قارتي آسيا وأفريقيا, وبث في مائتي مليون من البشر العقائد وشرائعه وتقاليده، وأحكم عروة ارتباطهم باللغة العربية".

ثم قدَّم القسيس زويمر بعض النصائح من بينها:

أ- وجوب اقناع المسلمين أن النصارى ليسوا أعداءهم.

ب- وأخطرها يجب تبشير المسلمين بواسطة رسل من أنفسهم

1 صادرتها الحكومة الثورية في مصر, في عهد الرئيس السابق جمال عبد الناصر.

2 جاء في مجلة "المجتمع" جمادى الآخر سنة 1397هـ, أن البابا شنودة قد اتفق مع الرئيس الأمريكيّ كارتر, على إنشاء جامعة نصرانيةٍ في مصر, وأن الرئيس كارتر في اجتماعه مع الرئيس السادات طلب منه ذلك فوافق الأخير, بشرط أن يكون تمويل الجامعة من الخارج.

ومن بين صفوفهم؛ لأن الشجرة يجب أن يقطعها أحد أعضائها.

وأخيرًا بَشَّرَ المبشرين ألَّا يقنطوا؛ إذ من المحقق أن المسلمين قد نما في قلوبهم الميل الشديد إلى علوم الأوربيين, وإلى تحرير النساء1.

وفي مؤتمر لكنؤ في الهند سنة 1329هـ "1911م":

كانت مواده كثيرةً, أخطرها:

- النظر في حركة الجامعة الإسلامية, ومقاصدها, وطرقها, والتأليف بينها وبين تنصير المسلمين.
- الارتقاء الاجتماعيّ والنفسيّ بين النساء المسلمات -يلاحظ اختيار الألفاظ المهذبة لتغطية المعنى المقصود, فإن المبشرين المسيحيين لا يهمهم في شيءٍ ارتقاء النساء المسلمات.

وكان أخطرها حديث زويمر, أشار إلى أن عبد الحميد -خليفة المسلمين- سجين في سلانيك, أشار إلى أنه لم يبق غير 800 و27.128 مسلمًا تحت سلطة الحكومات الإسلامية, وانتقلت السلطة على الباقين من الخلافة الإسلامية إلى أيدي كلٍّ من انجلترا وفرنسا وروسيا وهولندا, أشار إل أن عدد المسلمين الذي تحت سلطة الدول النصرانية سيزداد كثيرًا عقب انقلابات قريبة الحصول؟؟

وكان من بين قرارات المؤتمر:

"من الضروريّ العاجل, تأسيس مدرسة في مصر خاصة بالتبشير".
"دخول النساء في أعمال التبشير؛ لتنصير النساء المسلمات وأولادهن"2.
وهم الآن لا يدعون المسلمين إلى المسيحية, بل يحاولون تشويه الإسلام, وإضعاف قيمه3.

1 الغارة على العالم الإسلامي, المرجع السابق .

2 من المرجع السابق: الغارة على العالم الإسلامي.

3 في مؤتمر القدس, قال زويمر كلامًا خطيرًا؛

إذ رسم خط التبشير بعد ذلك:

ولكن مهمة التبشير التي ندبتكم دول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمدية, ليست في إدخال المسلمين في المسيحية, فإن هذا هدايةً لهم وتكريمًا "! " وإنما مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام؛ ليصبح مخلوقًا لا صلة له بالله, وفي نهاية كلمته قال: إنكم أعددتم نشأً في ديار المسلمين لا يعرف الصلة بالله, ولا يريد أن يعرفها, وأخرجتهم المسلم من الإسلام, ولم تدخلوه في المسيحية, وبالتالي جاء النشء الإسلاميّ طبقًا لما أراده له الاستعمار المسيحيّ؛ لا يهتم بالعظائم, ويحب الراحة والكسل, ولا يعرف همه من دنياه إلّا في الشهوات.

رابعًا: تقطيع أوصال دولة الخلافة

بغرم كل ما أحدثه التبشير من تخريب, لم يتخلَّ الغرب المسيحيّ عن العنف تأييدًا لهذا التخريب العقلي والقلبي, بالسند العسكريّ والسياسيّ، وإسهامًا بهذه الوسيلة في تحقيق نفس الغاية.

واتفقت الدولتان العظيمتان في ذلك الحين على تقطيع أوصال دولة الخلافة وتوزيع الأسلاب بينهما..

ففي منتصف القرن التاسع عشر سنة 1274هـ-1857م, تم استيلاء انجلترا على الهند, وانتقلت السلطة من شركة الهند الشرقية إلى التاج البريطاني، وزالت بذلك إحدى الدول الإسلامية الكبرى التي قامت في مستهلِّ القرن السادس عشر -دولة المغول في الهند, أو الدولة التيمورية نسبة إلى مؤسسها تيمورلنك.

وفي نفس السنة, كانت جيوش فرنسا تستكمل احتلال صحراء الإسلام الغربية التي بدأت باحتلال الجزائر سنة 1246هـ-1830م.

وبعد ذلك بقليل كان اقتطاع انجلترا لدرةٍ من دور الخلافة, كان احتلال مصر المسلمة سنة 1300هـ -1882م.

ثم كان اقتطاع سوريا ولبنان, واحتلال فرنسا لهما بعد الحرب العالمية الأولى, سنة 1328هـ -1920م, ومع بوارج القتال كانت بارجة تحمل "مومسات" ولما سُئِلَ القائد في دهشة, أجاب إجابة العالم ببواطن الأمور: إن تلك البوارج قد يزول أثرها, أما هذه البارجة, فإن أثرها لن يزول.

وقبل ذلك كانت جيوش إيطاليا تخترق البحر تجاه أراضي ليبيا, ترفع نشيدًا فاشستيا مجرمًا, يندد بالقرآن, ويهزأ بالإسلام, ويتوعد أمته بالسحق والفناء, جاء فيه: يا أماه! أتمي صلاتك ولا تبكي, بل اضحكى وتأملي, ألا تعلمين أن إيطاليا تدعوني وأنا ذاهب إلى طرابلس فرحًا مسرورًا لأبذل دمي لسحق الأمة الملعونة, ولأحارب الديانة الإسلامية التي تجيز البنات الأبكار للسلطان, سأقاتل بكل

1 الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربيّ, الدكتور محمد البهيّ.

قوتي لأمحو القرآن1.

وهكذا انتقل تصور المسألة الشرقية من كيف يؤقف الغرب زحف دولة الإسلام إلى داخله, إلى كيف يقطع الغرب أوصال دولة الخلافة الإسلامية, يوزعها فيما بينه, ثم يجهز على الرجل المريض.

ويأتي بعد ذلك, واستكمالًا للمخطط الأثيم, القضاء على الخلافة نفسها, وقد نفذوا فيها توصية أحد مؤتمراتهم, ألَّا يقطع الشجرة إلّا أحد أعضائها, لكن القضاء على الخلافة سبقته بعض الخطوات؛ أهمها: فصل الدين عن الدولة, وهو موضوع المبحث الثاني من هذا الفصل.

1 وقد جاء ذلك النشيد في نداءٍ لمجاهدٍ طرابلسيّ, وجهه إلى المسلمين, نشرته مجلةالرابطة الشرقيةالسنة الثالثة - العدد الثاني 25 جمادى الآخرة 1349-15 نوفمبر سنة 1930م.

المبحث الثاني: مرحلة إسقاط الخلافة الإسلامية

أولا: فصل الدين عن الدولة

لابد أن تسقط الخلافة الإسلامية قبل أن تقوم دولة إسرائيل

ذلك ما تنبأ به نيلوس بعد أن اطلع على بروتوكولات حكماء صهيون, وذلك منذ سنة 1319هـ -1901م1 وذلك يؤكده طلب "قرصو" زعيم اليهود في سالونيك, إلى السلطان عبد الحميد, إعطاء فلسطين لهم ليتخذوها وطنًا قوميًّا، فلما رفض الخليفة توعده الزعيم اليهوديّ2 وكان من بين من سلمه قرار العزل بعد ذلك اثنان من زعماء اليهود3.

ولابد أن يقطع الشجرة أحد أعضائها كما أوصى بذلك أحد مؤتمرات التبشير, لكن قبل أن تقطع الشجرة التي أظلت بلاد الإسلام منذ عهد النبوة, وقبل أن يقضى على البطل الإسلاميّ السلطان عبد الحميد, كان ثمة تمهيد, كان بث فكرة فصل الدين عن الدولة.

أولًا: فصل الدين عن الدولة

أشار الكاتب الأمريكي "وليام غاي كار"4 إلى أن فكرة فصل الدين عن الدولة, كانت من عمل اليهود، وبصرف النظر عما قاله "وليام غاي كار" فإن الواضح في الشرق الإسلاميّ أن الفكرة كانت غريبة عنه, ومن ثَمَّ, فإن الأيدي الأجنبية كانت وراءها, سواء كانت أيدي الصليبية المتعصبة, أو اليهودية الحاقدة.

ذلك أن فقهنا الإسلاميّ, ومن بعده فكرنا الإسلاميّ, لم يعرف مثل هذه الفكرة ولم يتصورها, بل إنه على العكس

1 الخطر اليهودي.

2 تنس المرجع السابق.

3 د. على جريشة, في المشروعية الإسلامية العليا .

4 في كتابه: أحجار على رقعة الشطرنج.

من ذلك يعرف أن قرآنه يحرم تجزئة الكتاب, ويعتبر ذلك كفرًا وفتنة وجاهلية.

ويعرف أن الوظيفة الأولى لهذا القرآن أن يحكم, لا أن يوضع على الأرفف والمناضد, أو تحشى به الجيوب والتمائم, أو تتغنى به وتتسلى بعض العمائم.

{اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} 1.

{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} 2.

{ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا} 3.

{فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} 4.

{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} 5.

{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} 6.

{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} 7.

{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} 8.

{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} 9.

{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ} 10.

1 سورة الأعراف الآية 3.

2 سورة إبراهيم الآية 1.

3 الجاثية 18.

4 المائدة 48

5 المائدة 49

6 المائدة 50

7 المائدة 44

8 المائدة 45

9 المائدة 47

10 المائدة 89

والدولة فيه قسم لا قسيم.

فكما ينظم شئون الفرد, وينظم شئون الأسرة, ينظم شئون الدولة وينظم شئون المجتمع الدوليّ {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} 1 {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً} 2 ذلك فقه الإسلام وفكره, الدولة جزء من الدين قسم له لا قسيم.

تاريخ الإسلام لم يعرف هذه الثقافة:

وليس في أحداثه ما يبررها.

فلئن عرفها الغرب كرد فعلٍ لاضطهاد الكنيسة للعلم والعلماء, وافتئاتها على عقائد الناس وعقولهم, حتى سولت لنفسها أن تصدر صكوك الغفران وقرارات الحرمان عن هوًى, وتحكم إذا كان ذلك, فإن شرقنا الإسلاميّ لم يعرف اضطهاد العلم والعلماء, بل حفظ لهم الإسلام, وحفظت لهم أمته أكرم مكانة وأعز منزلة, وكيف لا؟ وهم ورثة محمد -صلى الله عليه وسلم- على دينه وشرعه وميراثه.

ومن ثَمّ فلم يكن هناك محل, لا من الناحية الفكرية, ولا من الناحية التاريخية, لبَثِّ فكرة فصل الدين عن الدولة.

لكن الأمر كان يدبر بليل, واعتنق حزب الاتحاد والترقي في تركيا الفكرة, وعمل على ترويحها, ثم عمل عن طريق ضباطه على عزل عبد الحميد, ذلك الخليفة الذي رفض أن يعطي فلسطين وطنًا لليهود, وبصق في وجه زعيمهم قرصو.

وصارت الحكومة المدنية في أنقره هي التي تحكم, والخليفة في الأستانة بغير سلطانٍ تطبيقًا لفصل الدين عن الدولة.

1 الأنبياء 107.

2 سبأ 28.

ثانيًا: نشر القومية في مواجهة الخلافة

كانت اليد الخفية التي تعمل على تقويض الخلافة ببث فكرة فصل الدين عن الدولة, تعمل من ناحية أخرى عن طريق القومية.

إثارة القومية الطورانية داخل دولة الخلافة -تركيا.

وإثارة القومية العربية داخل الولايات المتحدة التابعة للخلافة.

والأولى: تعهدها حزب الاتحاد والترقي, وحزب تركيا للفتاة.

والثانية: انزلق إليها الشريف حسين, ظَنًّا منه أنها الوجه الآخر للإسلام1 واعتقادًا منه في حسن نوايا الجاسوس "لورانس" ومن ورائه ماكماهون, حتى انتهى الأمر إلى أن تحارب جيوش القومية العربية جيوش الخلافة الإسلامية, تعضدها الجيوش الإنجليزية التي سارت تحت راية فيصل بن الشريف الحسين؛ لتخرج سوريا لاستقبالها استقبال الفاتحين.

1 بدأت الدعوة إلى القومية العربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتألفت في بيروت جمعية سرية لهذا الغرض, في سنة 1292هـ-1875م, راجع تفصيلًا لذلك, بحثًا طيبًا: من عوامل ضعف المسلمين, للأستاذ سميح عاطف الزين, دار الكتاب اللبناني.

ونحن نحسن الظن بالشريف حسين على ما يبدو من رسائله المتبادلة بينه وبين الإنجليز, لكن يبقى حسابه على الله, فيظل قول الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ} [الممتحنة1] وكيف نسي الشريف ما فعلته انجلترا بالمسلمين, تعست كراسيّ الحكم التي تنسي المسلم دينه وشرفه وكرامته..

ثالثًا: إسقاط الخلافة الإسلامية

ولم يكن عبثًا, ولم يكن تدبير مصطفى كمال أتاتورك, ولا حزب الاتحاد والترقي, وما كان هؤلاء إلّا "النعل" الذي تلبسه القدم الغليظة الكارهة الكريهة!

وإلّا ففيم توقع نيلوس منذ سنة 1319هـ-1901م؟

وفيم قول مؤتمر التبشير: "أنا الشجرة لابد أن يقطعها أحد أعضائها؟ "

وفيم تهديد الزعيم اليهوديّ قرصو للسلطان عبد الحميد, بعد أن رفض إعطاء فلسطين لليهود..؟

فيم ذلك كله, وفيم قبله فكرة فصل الدين عن الدولة, ومصدرها المباشر الصليبية, ومصدرها الغير مباشر الصهيونية, كما يقرر وليام غاي كار.

وفيم قبله نشر القومية العربية على يد لورانس, الجاسوس الإنجليزي, ومن جرهم من أذقانهم وراء قدمه؟

وفيم شروط كيرزون الأربعة لاستقلال تركيا, وتسليمها للكماليين وهي:

1- قطع كل صلة بالإسلام.

2- إلغاء الخلافة.

3- إخراج أنصار الخلافة والإسلام من البلاد.

4- اتخاذ دستور علمانيّ بدلًا من الدستور القديم1.

فيم ذلك كله..

وإذا صحّ أن الخلافة كانت أشبه بالرجل المريض - وهم أول من أمرضوا- فهل يصح المريض بالعلاج؟

وماذا فعلوا بعد أن أجهزوا على الرجل المريض بخسةٍ ونذالةٍ, هل استبدلوا نظامًا خيرًا منه؟

وهل صاروا في مصاف الدول العظمى, بعد أن انسلخوا من إسلامهم.

إن تركيا وبعد مرور نصف قرن من إلغاء الخلافة فيها, لا توضع في الدرجة

1 يشير إليها الزميل الدكتور عبد المعطي بيومي, نقلًا عن الأستاذ أنور الجندي, في كتابه "العالم الإسلاميّ - الاستعمار السياسي والثقافي والاجتماعي".

ويؤكد النية إزاء الإسلامية, والقصد من وراء إسقاطها, ما جاء في كتاب "مائة مشروع لتقسيم تركيا" المسيو جوفار الإماني, ملخصًا في كتاب "حاضر العالم الإسلاميّ" -المرجع السابق, وأقوال رجال الدين في أوربا، وكتابهم، وساستهم مجمعًا على وجوب القضاء على الخلافة الإسلامية, وتقسيم التركة بين ملوك أوربا.

الثانية ولا الثالثة ولا الرابعة بين دول العالم, وكانت قبلها في الدرجة الأولى!.

أهذا هو الترقي يا حزب الترقي؟

ولقد سبقت إلغاء الخلافة تمثيلية لا يزال يتكرر مثلها في السنوات القريبة, كان لابد من صنع البطل "الذي يقطع الشجرة"1.

وبعد أن تغلغلت قوات اليونان والحلفاء داخل أراضي تركيا.

وبينما الخليفة حبيس الأستانة, بل وجيوش انجلترا, وتتبدل الهزيمة نصرًا, وينخدع العالم الإسلاميّ المسكين بالغازي العظيم, ثم يعلن بعدها إلغاء الخلافة الإسلامية.

ويعقبها سلسلة من الإجراءات, تنتهي إلى سلخ تركيا من إسلامها، وتحريم الأذان فيها, وتحريم الكتابة بلغة القرآن العظيم! ويقبل العالم الإسلاميّ على المصيبة! ولكن ولات حين مناص!.. فقد فات الأوان..؟

ويندب العالم الإسلاميّ خلافته وإسلامه.

يقول الشاعر أحمد شوقي:

يا أخت أندلس عليك سلام ... هوت الخلافة عنك والإسلام

طوى الهلال عن السماء فليتها ... طويت وعم العالمين ظلام

خفت الأذان فما عليك موحد ... يسعى ولا الجمع الحسان تقام

ويقول في أبيات من قصيدة أخرى:

بكت الصلاة, وتلك فتنة عابث ... بالشرع, عربيد القضاء وقاح

أفتى خزعبلة وقال ضلالة ... وأتى بكفر في البلاد بواح

ضجت عليك مآذن ومنابر ... وبكت عليك ممالك ونواحي

الهند والهة ومصر حزينة ... تبكي عليك بمدمع سحاح

والشام تسأل والعراق وفارس ... أمحا من الأرض الخلافة ماحي

1 راجع تحت عنوان: صناعة الزعيم في كتاب "عندما يحكم الطغاة" للدكتور جريشة

الناشر: دار الاعتصام, مصر.

حسب أتى طول الليالي دونه ... قد طاح بين عشية وصباح

وعلاقة فصمت عرى أسبابها ... كانت أبر علائق الأرواح

نظمت صفوف المسلمين وخطوهم ... في كل غدوة جمعة ورواح

استغفر الأخلاق لست بجاحد ... من كنت أدفع دونه وألاحي

أأقول من أحيا الجماعة ملحد؟ ... وأقول من رد الحقوق أباحي

فلتسمعن بكل أرض داعيًا ... يدعو إلى الكذاب أو لسجاح

ولتشهدن بكل أرض فتنة ... فيها يباع الدين بيع سماح

يفتي على ذهب المعز وسيفه ... وهوى النفوس وحقدها الملحاح

المبحث الثالث: مرحلة ما بعد إسقاط الخلافة الإسلامية

بات معلومًا أن العالم الإسلاميّ بعد الإجهاز على الخلافة الإسلامية، وما تبعها, وما سبقها من تقطيع لأوصال العالم الإسلاميّ، وما صاحب ذلك من حملات تبشير واستشراق, إن لم تنجح في تنصير المسلمين بما يكافئ الجهود والأموال المبذولة, فإنها أفلحت في بثِّ الشكوك والوهن في عقائد المسلمين وأفكارهم.

بات معلومًا أن العالم الإسلاميّ صار كجسدٍ مثخنٍ بالجراح, استرخى حتى يمنّ الله عليه بالعافية, أو يتحقق أمل بعيد للصهيونية, أن يلفظ أنفاسه الأخيرة, ومن ثم قد كان يكفي ما حدث..

لكن الصليبيين ومن وراءهم وعوا الدرس, وهو ما صرح به "جب": من أن صحوة الإسلام تتم بسرعة.. وخشي أعداء الإسلام هذه الصحوة!

فاتخذوا من الوسائل ما يضمن بقاء الجسد الممزق هامدًا مثخنًا بالجراح, وكان لهم في ذلك أكثر من سبيل,

أهمها:

التغيير السياسيّ، والاجتماعيّ في العالم الإسلاميّ, ولنعط كلًّا كلمة, بما يسمح به المقام.

الفصل الثاني: التغيير السياسيّ والاجتماعيّ في المنطقة الإسلامية

المبحث الأول: التغيير السياسيّ

منذ أتيح للغرب الصليبيّ أن يتسلط على الشرق الإسلاميّ, أخذ يحدث التغيير السياسيّ اللازم لبقاء سيطرته أولًا, ثم لتحقيق الهدف من هذه السيطرة ثانيًا, فكان:

احتلال فرنسا للجزائر سنة 1246هـ-1830م.

وتونس سنة 1299هـ-1881م.

ومراكش سنة 1330هـ-1912م.

وللشام سنة 1338هـ-1920م.

وكان احتلال بريطانيا سنة 1274هـ-1857م, للهند إيذانًا بزوال إحدى الدول الإسلامية الكبرى التي قامت في مستهلِّ القرن السادس عشر.

واحتلالها لمصر سنة 1300هـ-1882م.

والعراق سنة 1332هـ-1914م.

وفلسطين سنة 1337هـ-1819م.

ولم يكن ذلك التوزيع وليد الصدفة, فلقد كشف الاتفاق المنعقد بين بريطانيا وفرنسا سنة 1322هـ- 1904م عن جانب من سياسة تقطيع أوصال العالم الإسلاميّ.

وصحب ذلك التقسيم إثارة القوميات المختلفة؛ كالقومية الطورانية في تركيا, والقومية العربية في البلاد العربية, حتى اقتتل المسلمون تحت قيادة النصارى باسم القومية والتحرير!!

وقد صحب ذلك دعوة خبيثة إلى العلمانية, بمعنى: فصل الدين عن الدولة, تبنتها جماعات كثيرة مشبوهة الصلات والأهداف, من أمثال: حزب الاتحاد والترقي في تركيا, الذي كانت من قياداته قيادات يهودية من

يهود الدونمة..

وتبع ذلك..

ما رسم له أعداء الإسلام من قبل, حين عقدوا أكثر من مؤتمر للنظر في المسألة الشرقية وقد كانت في البداية تعني ردَّ الزحف الإسلاميّ الذي كانت تقوده تركيا على أوربا ثم لمَّا توقف المد, انتقل البحث إلى كيفية تقطيع أوصال الخلافة,ثم القضاء على الخلافة بعد ذلك.

ومهما يكن من أمر الأخطاء التي وقع فيها سلاطين تركيا, وفي مقدمتها: أنها جعلت عضلاتها أقوى من عقلها, ومهما يكن من أمر المظالم التي ارتكبها سلاطين تركيا, وفي مقدمتها التفرقة الظالمة بين بني الدين الوحد، وتميز الأتراك على غيرهم من بني الأوطان الأخرى.

مهما يكن من هذه وتلك -مما نسجه ونحذر منه- فلقد كانت الخلافة تظل المسلمين وتجمع شملهم، وترهب عدو الله وعدوهم.

من أجل ذلك, لم يكتف أعداء الإسلام بتقطيع أوصال دولة الخلافة، بل جاوزوا ذلك إلى القضاء على الخلافة نفسها, ومنع قيامها بعد ذلك في أي قطر أو وطن آخر!!

وسواء كان ما ارتكبه مصطفى كمال -الشهير بأتاتورك- كان بحسن نية, كرد فعلٍ لأحداث ذلك الحين التي خطط لها أعداء الإسلام بما يدفع أتاتورك إلى إلغاء الخلافة، أو كان بسوء نيةٍ, استجابةً للتخطيط اليهودي-الصليبي, الذي تبدَّى فيما ذكره كاتب روسي سنة 1319هـ-1901م بعدما طالع بروتوكولات حكماء صهيون, من أنه لا بد للأفعى اليهودية من أن تمر بالقسطنطينية لتصل إلى فلسطين1، وما أعقب ذلك من محاولة زعيم يهوديّ رشوة السلطان عبد الحميد لمنح فلسطين وطنًا قوميًّا لليهود, وبصق الخليفة المسلم فيس وجهه، ثم توعد

1 هو الكاتب الروسي سرجي نيلوس, راجع "الخطر اليهودي" لمحمد خليفة.

اليهودية للخليفة، وخلع الخليفة بعد ذلك بقرارٍ حمله ثلاثة؛ اثنان منهم من اليهود, ثم ما أعقب ذلك من إعلان وعد بلفور سنة 1336هـ-1917م, من جانب وزير الخارجية البريطانية, بمنح فلسطين وطنًا قوميًّا لليهود, وما تَمَّ من هجرةٍ لليهود في ظل ذلك الانتداب البريطانيّ، وانسحاب بريطانيا سنة 1367هـ- 1948م من فلسطين؛ ليتمكن منها اليهود بعد ذلك، واتفاق المعسكرين الشيوعيّ والرأسماليّ على الاعتراف بإسرائيل

وتدعيها..

الأمر الذي لا يزال حتى اليوم باديًا، فروسيا تمد إسرائيل بالقوة البشرية والقوة العقلية، وأمريكا تمدها بالقوة العسكرية والقوة التكنولوجية.

كل ذلك أو بعضه, قد يثير أو يشير إلى أن خطوة أتاتورك بإلغاء الخلافة لم تكن عن حسن نيةٍ, ابتغاء المصلحة الوطنية لتركيا, خاصةً إذا أضيف إليها ما قيل عن شروط كيرزون لمنح تركيا الاستقلال, ومن بينها إلغاء الخلافة الإسلامية.

نقول: سواء كانت جريمة أتاتورك بحسن نية أو بسوء نية, فلقد حققت لأعداء الإسلام ما بيغونه بنقص عرى الإسلام؛

أولها: الحكم, وآخرها الصلاة.

وكان المفروض أن تقف الحملة الضارية على الإسلام والمسلمين عند حدِّ تقطيع دولة الخلافة, والقضاء عليها, لكن الصليبيين وعوا من الإسلام درسًا هامًّا عن الإسلام والمسلمين, وهو ما صرح به أحدهم من أن صحوة الإسلام تتم بسرعة، وما صرَّح به بعضهم, من أن المسلمين أشد خطورة عليهم من اليهود والبلاشقة والشعوب الصفراء1.

1 كتبت إحدى المجلات الأمريكية تحت عنوان:

"محمد يتهيأ للعودة"

المسلمون رقدوا 500 سنة ويتحركون الآن ويتوثبون للسطان.

ومن هذه التصريحات ما قاله لورانس براون:

كنا نخوف من قبل بالخطر اليهوديّ والخطر الأصفر وبالخطر البلشفيّ, إلا أننا لم نجد هذا التخوف كما تخيلناه؛ لأننا وجدنا اليهود أصدقاءً لنا, وعلى هذا يكون كل مضطهد لهم عدونا الألد, ثم رأينا البلاشفة حلفاءً لنا أثناء الحرب الثانية, أما الصفر -اليابان والصين- فإن هناك دولًا ديمقراطيةً كبرى, تتكفل بقاومتها,

لكن الخطر الحقيقيّ:

كان من المسلمين, وفي قدرتهم على التوسع والإخضاع, وفي الحيوية المدهشة العنيفة التي يمتلكونها.

-وفي كلمة لمسؤول فرنسيّ سنة "1371هـ-1952م"

ليست الشيوعية خطرًا على أوربا -فيما يبدو لي- أن الخطر الحقيقيّ الذي يهددنا تهديدًا مباشرًا عنيفًا هو الخطر الإسلاميً, والمسلمون عالم مستقل كل الاستقلال عن عالمنا الغربيّ، فهم يملكون تراثهم الروحيّ الخاصِّ, ويتمتعون بحضارةٍِ تاريخيةٍ ذات أصالة, وهم جديرون أن يقيموا بها قواعد عالم جديد, دون حاجتهم إلى الاستغراب, وفرصتهم في تحقيق أحلامهم هي اكتساب التقدم الصناعيّ الذي أحرزه الغرب راجع:

- لم هذا الرعب كله من الإسلام, الأستاذ جودت سعيد.

- الخطر الصهيونيّ على العالم الإسلاميّ, الأستاذ ماجد الكيلاني.

- الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر, الدكتور محمد محمد حسين.

وبغض النظر عن مدى صحة ما قرره أولئك, من خطر الإسلام والمسلمين عليهم, فإن هذا هو الذي شكّل تفكيرهم، وكان الباعث وراء تصرفاتهم بعد ذلك..

الأسلوب الجديد:

وفي منتصف القرن العشرين، في الخمسينيات على وجه التحديد، قررت الولايات المتحدة الأمريكية أن ترث النفوذين: البريطاني والفرنسيّ في المنطقة؛ لتحقيق نفس الأهداف التي كان يحققها هذان النفوذان1.

لكن إن اتفقت الولايات المتحدة مع بريطانيا وفرنسا في الاستراتيجية والأهداف, فلقد اختلفت معهما في التكتيك والأسلوب, ومارست الولايات المتحدة في مهارةٍ ما يسمى بلعبة الأمم: تحقيقًا لأهدافها.

وكان أهم أساليبها في ذلك الانقلابات العسكرية التي تصنع عن طريقها البطل أو الزعيم الذي تتعلق به آمال الأمة، فيمتص بذلك ما يمور في باطنها، وما كان يمكن أن يؤدي إلى ثورة في غير صالحها وينحرف بهذه القوة، المواردة داخل الشعوب عن أهدافها التي تحقق فيها مصالح الغرب،

1 ما يلز كوبلاند -لعبة الأمم- , تعريب مراد سرخيس, التوزيع: دار الفتح للطباعة والنشر.

وقد أشار إلى اتصال السكرتير الأول للسفارة البريطانية في واشنطن "سيشل" بمساعدة وزير الخارجية لشئون الشرق الأدنى وأفريقيا؛ ليسلمه رسالة تشير إلى اعتزام بريطانيا إلى انهاء وصايتها على بعض أرجاء العالم لأزمة مالية تمر بها, فإنها لن تتمكن من القيام بأعباء مقاومة الشيوعية في كل من تركيا واليونان.

2 يشير مايلز كوبلاند, مندوب المخابرات المركزية الأمريكية في الشرق الأوسط, في كتابه "لعبة الأمم" إلى هذه الحقائق حين يقرر:

أ- لقد كان من المفهوم في التقارير والوثائق السرية للحكومة الأمريكية, في أوائل عام 1947م-1366هـ" أن دبلوماسيتنا وأجهزة مخابراتنا بالحالة التي كانت عليها في ذلك الوقت, يجب أن تعمل لإحداث تغييرات في قيادات بعض دول الشرق الأوسط.
ويشير المؤلف في الفصل الثاني من كتابه إلى حضور السفير البريطاني إلى وزارة الخارجية الأمريكية لإبلاغها بقرار الحكومة البريطانية وقف مساعدتنا لحكومتي تركيا واليونان, ويفسر ذلك بأن معناه انسحاب بريطانيا من الشرق الأوسط, وضرورة حلول أمريكا محلها في المنطقة لملء الفراغ.
ب- على العموم, فإن ما كنا نحاوله هو ملء الفراغ الناتج عن انسحاب بريطانيا من اليونان وتركيا, هذا الفراغ الذي يشمل كما قلنا من قبل جميع منطقة الشرق الأوسط , ثم يشير المؤلف إلى قرار وزير الخارجية الأمريكية "دين اتشيسون" بالتدخل, ولو بالأساليب غير النظيفة

القوة العسكرية المحلية تقوم بالدور الجديد:

لم تعد الشعوب تحتمل أن ترى السترة الصفراء الأجنبية تحكمها, مهما حاولت أن تدعي الصداقة أو حتى أن ترفع راية الإسلام1.
وكان لابد من أن ترحل السترة الصفراء الأجنبية, لكنّ الباطل لا يستغني عن القوة, وإلا تهاوى وسقط! ومن ثَمَّ كان لابد من أن يبحث عن مصدرٍ آخرٍ للقوة حتى يمضي في تنفيذ مخططه الأثيم لابعاد شعوب الإسلام عن الإسلام, وهداه شيطانه إلى ما نجح فيه إلى حد ما.
استبدل السترة الصفراء الأجنبية بالسترة الصفراء المحلية, وصرَّح بعض كتابه أن هؤلاء أقدر على التغيير الاجتماعيّ المطلوب2 وعرفت المنطقة الانقلابات العسكرية3 بديلًا عن جيوش الاحتلال الأجنبية ومن أمثلة ذلك كما صرح أحد الكتاب الأمريكيين.

سوريا سنة 1368هـ-1949م.

مصر سنة 1371هـ-1952م.

ج- ونتيجةً لذلك, فإنه في نهاية 1951م قرَّرَ تشكيل لجنة خبراء سرية لدراسة العالم العربيّ فيما يتعلق على الخصوص بالنزاع العربي الإسرائيلي؛ لاستعراض المشاكل واقتراح الحلول, سواء كانت تتفق مع أساليب العمل الحكوميّ النظيف أم لا.
ويشير بعد ذلك إلى تدخلهم في انقلاب حسني الزعيم "" في سوريا, والدروس التي استفادوها منها، ثم استعدادهم للعملية الكبرى في مصر.
د- كان روز فلت غير واثق من الانقلابلات العسكرية بعد أن رأى ما أدت إليه في سوريا من فوضى, ولكنه وافق على أن يقابل الضباط الذين قدمتهم له المخابرات المركزية الأمريكية على أنهم زعماء التنظيم السري العسكري الذي يدبر انقلابًا عسكريًّا في مصر.
ثم يشير إلى أن من أهداف هذا الانقلاب استبعاد الثورة الشعبية التي يسعى لها -بجد- الإخوان المسلمون وللتمويه يضيف والشيوعيون.

1 ادعت بريطانيا الصداقة لمصر أثناء احتلالها, وادّعى نابليون من قبل الإسلام, وأعلن خليفته في مصر فعلًا إسلامه, وعندما اقتربت جيوش الألمان من مصر, كانت المنشورات فيها توزع باسم محمد هتلر!!

2 راجع ما كتبه مورو بيرجو -الكاتب الأمريكي- عن أن النخبات الوطنية أقدر من النخبات الأجنبية في إحداث التغيير الاجتماعيّ المطلوب, وتحذيره من الاكتفاء بمجرد فرض التغيير, بل لابد من تعهده حتى يعمق في نفوس المجتمع.

3 المرجع السابق ويذكر صراحةً ما يلز كوبلاند في لعبة الشعوب كان انقلاب حسني الزعيم يوم 30 آذار -مارس- 1949 من إعدادنا وتخطيطنا, لعبة الأمم, ثم يقول في - وكان قرارنا الأخير -أن تكون مصر خطواتنا الجديدة.

ومن قبل هؤلاء:

إيران سنة 1338هـ-1920م.

تركيا سنة 1326هـ-1908م.

وفي كل مرة يستفيدون من تجارب المرة السباقة..

فمثلًاالخطأ الذي وقع فيه كمال أتاتورك في محاولة فرض التغيير الاجتماعيّ بالقوة, استبدلت القدوة بالقوة, مع وسائل الإعلام المختلفة, وما يصبحها من وسائل أخرى للتبشير, أشرنا إليها.

فقد كان أتاتورك غبيًّا حين فرض خلع الطربوش بالقوة, فقد خلعه الناس في مصر لمَّا رأوا رجال الانقلاب الجديد الأبطال لا يلبسونه, بدون حاجةٍ إلى قانون! وهكذا!

لكن القوة بقيت لازمة تؤدي أمرين:

أولهما: قمع المعارضة والمعارضين, خاصةً إن كانوا من أصحاب العقائد.

ثانيهما: مساندة الباطل والمبطلين فيما يمضون فيه من تخطيطٍ أثيمٍ لابعاد الناس عن الإسلام.

ولبيان هذين الخطين نقدم وثيقةً جاءت في حيثيات حكمٍ صدر في بلد إسلاميٍّ, نسقط منها أسماء الضحايا, وأسماء المجرمين؛ لنصل بها إلى الموضوعية الكاملة1.

تبدأ الوثيقة بالإشارة إلى أسماء أعضاء اللجنة التي قدَّمت معلوماتها واقتراحاتها, وأكثرهم من رجال المخابرات والمباحث والأمن.ثم تلخص معلوماتها بالإشارة إلى أن تدريس التاريخ الإسلاميّ.

1 هذا الحكم منشور في كتاب "الزنزانة" للدكتور جريشة الناشر: دار الشروق.

في المدارس للنشء بحالته القديمة, يربط الدين بالسياسة في لا شعور كثير من التلاميذ منذ الصغر, ثم الإشارة إلى صعوبة التمييز بين معتنقي الأفكار ".." وبين غيرهم من المتدينين.. إلخ.

ليصل إلى المطالبة:

1- بمحو فكرة ارتباط السياسة بالدين.

2- إبادة تدريجية بطيئة؛ مادية ومعنوية وفكرية للجيل القائم بحمل الدعوة الإسلامية، ولا يقتصر الأمر على هذه الفئة، بل يمتد إلى كل المتدنين, باعتبارهم يمثلون الاحتياطيّ الذي يصب في هذه الفئة!

ومن وسائل الإبادة: الإعدام, والسجن, والاعتقال, ويبلغ الأمر غاية خسته حين تصرح -بالنسبة لنسائهم, سواء كن زوجات, أو بنات, فسوف يتحررن ويتعرضن مع غياب عائلهن, وحاجتهن المادية إلى انزلاقهن.

وهكذا تفقد الأنظمة العسكرية حتى الشرف والكرامة!!

بقي السؤال: لماذا يفضلونهاوطنية؟

نسمع إجابتين:

إجابة من الكاتب الأمريكيّ: مايلز كوبلاند.

فكان الحكام من "طراز.." يعطون الأولوية على غيرهم؛ لأن استيلاءهم على السلطة يوفر أفضل الفرص -أو أقلها سوءًا- لنجاح لعبتنا"1.

وفي مكان آخر: "أن نموذجًا " ... ..." كان من الأهمية بمكان بخصوص اللعبة, وأنا كنا ملزمين بالبحث عن مثيلٍ له, فيما لو لم يكن على قيد الحياة"2.

وإجابةً من الكاتب الأمريكيّ: مورو بيرجر.

وكان الجيش من بين كل جماعات النخبة الوطنية أكثرها دنوًّا من المشاكل التي تواجهها مصر، دنوا بالمعنى الحسابيّ، والعلمانيّ،

1، 2 لعبة الأمم .

والواقعيّ، وبهذه الصورة كان الجيش أكثر النخبات تغربًا1.

والواضح من تقرير " ... " الموجز, أن الضباط كانوا علمانيين, يتوقون إلى بثِّ التعاصر في مصر, متماشين مع الخط الغربيّ التكنولوجيّ.

ولم يكن الضابط على ثباتٍ أيديولوجيّ، بل كانوا جماعة علمانية في البناء السياسيّ والاجتماعيّ للحياة المصرية, إلا أن قيادتهم كانت تضع نصب عينيها صورة من مصر العلمانية كما يتصورنها، ويتحركون صوب هذا الهدف على خطٍ مستقيم4.

ويعمم الكاتب.. وعلى ذلك, فبينما يترك الحكام الغربيون منطقة الشرق الأدنى, تتحول هذه المنطقة فتصبح أكثر غربيّةً، ويواجه الزعماء العرب طريقتين: فهم يطردون الغرب سياسيًّا, ويسحبون الكتل الشعبية إلى الغرب ثقافيًّا"3.

ونجيب بعد هؤلاء, فنقول بعون الله:

1- إن النخبة الوطنية التي حلَّت محل النخبة الأجنبية, وفرت على الأخيرة أولًا: الدم والمال التي كانت تبذل في الحروب الصليبية, أو في محاولات الاستعمار.
2- وأنها كذلك منعت إثارة المشاعر الدينية أو الوطنية التي كانت تتحرك حين يرى الشعب الجيوش الأجنبية قادمة تتحدى قيمه الدينية, أو قيمه الوطنية, ومن ثَمَّ, فقد مَيَّعَت المقاومة أو منعتها!
3- أنها بلباس الوطنية نفذت المطلوب, ليس فقط دون مقاومةٍ, بل أحيانًا مع استحسان الجماهير وحماستها!! 4.

1، 2، 3 العالم العربيّ اليوم وراجع قدمنا, والمقصود "بتغربًا": الميل إلى الغرب في قيمه ومثله, بدلًا من قيم الإسلام ومثله.

4- وفي هذا السبيل لا بأس من أن تسمح الجهات الأجنبية بمهاجمتها؛ لتكسب الحاكم مزيدًا من الصفات الوطنية, ولتكسب استحسان الجماهير وحماستها, وفي هذا المعنى يقول مايلز كوبلاتد: فإن مساندتنا لأي زعيمٍ للوصول إلى دست الحكم, والبقاء هناك حتى يحقق لنا بعض المصالح التي نريدها, لابد أن يرتطم بالحقيقة القاسية, وهي أنه لابد له من توجيه بعض الإساءات لنا؛ حتى يتمكن من المحافظة على السلطة ويضمن استمرارها " من كتاب لعبة الأمم".

وفي الوقت نفسه يقول السياسيّ الصهيونيّ مستر سكوثان, في مقال يرثي فيه زعيمًا عربيًّا: "كان الرجل الوحيد الذي اقتنع بضرورة التعايش السلميّ مع إسرائيل, كانت لديه الجرأة والسلطة الكافية لإيجاد الظروف اللازمة لهذا التعايش,/ مقدمة كتاب الدبلوماسية والميكافيلية في العلاقات العربية الأمريكية, دكتور محمد صادق.

وفي مكانٍ آخر يقول مايلز كوبلاتد:

إن الهدف الرئيسيّ من دعمتنا " ... " هو رغبتنا في توفر زعيم عربيٍّ رئيسيٍّ يتمتع بنفوذٍ قويٍّ على شعبه, وعلى بقية العرب, له من القوة ما يمكنه أن يتخذ ما شاء من القرارات الخطيرة, وغير المقبولة من الغوغاء, مثل: عقد صلح مع إسرائيل " لعبة الأمم".
4- إنها استطاعت أن تقضي على كل معارضةٍ من أيِّ فئةٍ دون أن يتحرك أحد لنصرة هذه الفئة, بل مع اعتقادهم بما تذيعه النخبة الوطنية, من أن المعارضين.. خوارج, أو خونة!!

وأخيرًا سؤالٌ لا ينفك عن السؤال الأخير, لماذا يفضلونها.. "عسكرية"؟

نقول بعون الله:

1- لأنها أسرع في الوصول إلى الحكم، وأكثر شغفًا بالسلطة1.
2- لأنها أسرع في تلبية الأوامر الخارجية، والالتزام حرفيًّا بها، فهكذا تعلمهم الحياة العسكرية.
3- لأن قبضتها أقوى, بالنسبة لأية معارضة, أو أية مقاومة.
4- أن الطبقة العسكرية في أغلبها, أُعِدَّت إعدادًا خاصًّا يجعلها علمانية وغربية, لا تستنكف الانحلال لنفسها, ولا لغيرها, ومن ثَمَّ فهي أنسب الفئات لتنفيذ مخطط الإبعاد من الإسلام.
5- أنها تزيح بذلك احتمال تقدم عنصر دينية إلى الحكم, عن الطريق الشعبيّ العاديّ2!

وليس معنى اللجوء إلى الانقلاب العسكرية انتهاء الوسائل الأخرى, إن القوى الأجنبية المعادية للإسلام لا تزال محتفظة لبعض الأنظمة بالبقاء,

أولًا: لأنها تنفذ ما يطلب منها,
وثانيها: لأنها أضعف من أن تقف يومًا في وجهها,
وثالثًا: لأنه داخل هذه الأنظمة نفسها يجري التغيير باستعداء الابن على أبيه, والأخ على أخيه, بعدما ما يجري الاتفاق على الصفقة, ماذا يبيع لكي يجلس على العرش؟!
ورابعًا: لأنها حين يبدو العصيان يكون الردع سريعًا وعنيفًا, وحوادث

1 لقول مايلز كوبلاند: وكان مبتغانا أن ندفع إلى الرئاسة حاكمًا أكثر شغفًا بالسلطة, - من لعبة الأمم.

2 من "لعبة الأمم".

الاغتيال السياسيّ في الماضي القريب شاهدة على ذلك، وقد كانت موضع تحقيق "الكونجرس" في فضائح المخابرات المركزية الأمريكية.

وأخيرًا, فإن بقاء هذه الأنظمة -في نظر أعداء الإسلام- رهينٌ بانتهاء العصبيات التي تستند إليها، وفي المواجهة بزيادة قوة وقدرة القوات المسلحة لتولي الأمر, حينئذٍ, سوف تخلعها بيسر وبغير حياء, ولا احترام للود البادي والوفاء الظاهر!!

وهكذا نرى اتفاقًا غربيًّا على عملنة التعليم، وعلمنة الإعلام، وعلمنة المجتمع كله عن طريق المرأة, وعن طريق الشباب؛ ليبتعد بذلك عن الإسلام, نجدها في الدول الإسلامية رغم اختلاف نظم الحكم الحاكمة؛ لأن التغيير السياسيّ وإن اختلف أسلوبه, فالهدف لا يختلف, وهو التغيير الاجتماعيّ, أو التغريب, أو بالعبارة الواضحة: الإبعاد عن الإسلام!

لكن, هل انتهت تمامًا وسيلة الحروب والاستعمار التي كانت سبيل الغرب من قبل لفرض أهدافه وغاياته؟ لا نستطيع أن نجيب بالنفي؛ لأن الحروب انتهت في أغلب البلاد في صورتها العسكرية، واستبدلت بها الحرب الفكرية والنفسية؛ لتحطيم عقيدة الأمة ومبادئها.

ولا نستطيع أن نجيب بالإثبات؛ لأنها لا تزال تستعمل في نطاق محدود, وهو ما اصطلح الغرب على تسميته بالحرب المحدودة, واحتلال الجيوش الأمريكية لشواطئ لبنان سنة 1377هـ-1958م, مَثَلٌ قريبٌ, وتحركات الأسطول السادس كذلك.

لكن في رأينا أن الحرب المحدودة ارتدت كذلك ثوبًا محليًّا, فأصبحت الجيوش العربية أو الإسلامية تسلط لهذا الغرض, وتَدَخُّل سوريا في لبنان مثلٌ قريب, وانفصال بنجلاديش عن باكستان من قبلها مثلٌ قريبٌ كذلك!

المبحث الثاني: التغيير الاجتماعيّ

ما يبغي الغرب منَّا..؟

في البداية كان الهدف واضحًا؛ إخراج المسلمين من دينهم, وإدخالهم إلى دين آخر-كما وضح ذلك من كلام المبشرين.

ثم لما صارت عملية التنصير بلغة الأرقام صعبة, إن لم تكن مستحيلة بين الشعوب التي تدين بالإسلام, اقتصرت العملية على الجزء الأول منها: إخراج المسلمين من دينهم, وكانت الوسائل إلى ذلك هي نفس الوسائل -وسائل التبشير-

الأولى: التي كانت تقوم بالشقين للإخراج من الإسلام، والإدخال في الدين الآخر.

ونجحت الخطة

الثانية: ولا تزال تعمل في كثير من البقاع الإسلامية.

ثم كانت الخطة

الثالثة: التي لا تذهب إلى عملية الإخراج من الدين تمامًا, ولكنها تكتفي بالإبعاد -الأبعاد عن الدين, من غير استعمال لفظ الإبعاد, حتى لا يستثير حفيظة المسلمين, أو تنبيههم إلى حقيقة الهدف، وكانت وسائل التبشير الأولى هي التي تستعمل لتحقيق الهدف الجديد, مع تطوير فيها يجعلها أكثر نعومةً، وأكثر فاعلية.

إذًا, فالهدف هو إبعاد المسلمين عن الإسلام, باعتباره الخطر الكامن, كما يتصور الغرب أو يتوهم, وقد كانت الإشارة إلى هذا الهدف تحت اصطلاحاتٍ أكثر تهذيبًا, مثل: التغريب, أو التغيير الاجتماعيّ1.

1 راجع في ذلك كتاب: "الحضارة الغربية" للدكتور محمد محمد حسين, وكتاب: "العالم العربي اليوم" للكاتب الأمريكي مورو بيرجر.

معنى التغيير الاجتماعيّ, وصلته بالتغيير السياسيّ:

إن النخبة العسكرية في الشرق الأدنى؛ في مصر والسودان، والعراق وتركيا, وإيران وباكستان, كانت عوامل هامة في جلب التغيير الاجتماعيّ.

وتشترك النخبات العسكرية العربية عميقًا في الاعتقاد بضرورة التغيير الاجتماعيّ السريع.

أما الآن, فقد قبلت التأثيرات الغربية في الشرق الأدنى إلى درجةٍ تجعل من الصعب التحقيق من أن امرءًا ما قد ذهبت, أو لم يذهب إلى أوربا أصلًا، فقد أصبح العرب متغربين, بدون أن يتكلفوا عبء الذهاب إلى أوربا.

فبينما يترك الحكام الغربيون منطقة الشرق الأدنى، تتحول هذه المنطقة فتصبح أكثر غربيةً، ويواجه الزعماء العرب طريقتين:

فهم يطردون الغرب سياسيًّا، ويسحبون الكتل الشعبية إلى الغرب ثقافيًّا1.

التغيير الاجتماعي إذن, يعني: تغيير قيم الأمة ومثلها؛ تغيير ثقافتها, وأخلاقها, وعقيدتها, وبعبارة واضحة: إبعاد المسلمين عن دينهم.

والتغيير الاجتماعيّ قد يسمى التغريب, وقد يسمونه المدنية, أو التطوير, أو التقدم, وأيًّا ما كانت الحال, فلن يكن هناك سبيلٌ إلى التراجع, إن العمل يسير بجدٍّ ونشاط في إدخال المدنية الغربية إلى مصر.

وهو يأخذ طريقه بتقدم ونجاح حسب خطة مرسومة وضعت خطوطها بعد دراسة الموقف, تقوم على التطور والتدرج2.

وواضح أن التغريب، أو التغيير الاجتماعيّ الذي كان يجري على أيدي المحتلين والمستعمرين،

صار يجري اليوم -في أكثر الأحوال-

1 راجع مورو بيرجر في "العالم الغربي اليوم.
2 الفقرة الثالثة من تقرير اللورد كرومر, سنة , من النسخة الإنجليزية.

على أيدي النخبات الوطنية التي هي في أكثر الأحيان عسكرية1.

هذا هو الهدف:

التغيير الاجتماعيّ الذي يعني في الحقيقة: إبعاد الأمة عن دينها في شتى نواحي الدين التي تشمل شتى نواحي الدنيا.

ولكن لهذا الهدف وسيلة, أو وسائل, وأساليب, هي التي تمثل "التكتيك" الجديد لغزو الغرب الفكري, ويحسن أن نعرض لها في مبحث مستقل.

1 يشير الكاتب الأمريكيّ إلى تقرير لزعيم مصري جاء فيه: أن الضباط كانوا علمانيين -ستعرف معنى العلمانية في الصفحات القليلة القادمة- يتوقون إلى بث التعاصر في مصر, متماشين مع الخط العربي التكنولوجيّ.

ولم يكن الضباط على ثبات أيديلوجيّ، بل كانوا جماعة علمانية في البناء السياسيّ والاجتماعيّ للحياة المصرية, من المرجع المذكور, ويضيف الكاتب الأمريكيّ, أن معيار ذلك الزعيم في الضباط الكفء، هو استنتاجًا على الأقل تعرفه إلى الغرب, وينقل الزعيم مدحًا لرئيس هيئة أركان الجيش المصريّ في الحرب العالمية الثانية, كان متقبلًا للأفكار الحديثة لكثرة زيارته لفرنسا وانجلترا وألمانيا" من كتاب "العالم العربي اليوم" للكاتب الأمريكيّ: مرو بيرجر.

المبحث الثالث: أساليب التغيير الإجتماعي "أو التغريب"

مدخل

يتخذ الترتيب لإحداث التغيير الاجتماعيّ الذي يبعد الأمة الإسلامية عن إسلامها, يتخذ خطة استراتيجيةً طويلةَ المدى, حتى لا تحس الأمة الإسلامية بالهدف البعيد, بل قد لا تحس بالأسلوب الذي يجري به التغيير, وكأن هذا التغيير يَتِمُّ تلقائيًّا.

- وأهم ما في هذه الاستراتيجية من تخطيط, أن يتخذوا لهدفهم رسولًا منا -من أنفسهم، وأن يقطع الشجرة أحد أعضائنا, الأمر الذي يجرى في التغيير السياسيّ, سواء عن طريق الانقلاب العسكريّ، أو الاغتيال السياسيّ بالأساليب التي أشرنا إليها.
- يلي ذلك أنهم يخاطبون بهؤلاء الأعضاء, يخاطبون بهم فكر الأمة وعقيدتها، ومن ثَمَّ يجري التغيير أول ما يجري داخل العقول والقلوب, ثم ينتقل بعد ذلك إلى مجال الأخلاق والتقاليد والعادات, ويبلغ الاهتمام بإحداث التغيير أدنى مظاهره؛ كأكل الطعام باليد اليسرى، وإلقاء التحية بغير تحية الإسلام.
- ولولا كتاباتٌ كتبها مفكروهم؛ لتوجيههم إلى أحسن الوسائل لبلوغ أسوأ الأهداف وأخبثها, ما استطعنا أن نعرف شيئًا عن استراتيجة الغرب أو تكتيكه نحو هذه الأمة المسلمة, وقبل ذلك, لولا فضل الله ورحمته, لانتهت هذه الأمة نتيجة ذلك التخطيط العميق, والتنفيذ الدقيق؛ لأبعاد الأمة عن دينها.
- وإذا كانت أساليب التغيير الاجتماعيّ تتجه إلى فكر الأمة وعقلها, ثم إلى عقيدتها وقلبها, فإنها تعتمد على وسائل الإقناع المختلفة, وتخطط لها تخطيطًا علميًّا يقوم عليه علماء النفس وعلماء الاجتماع, فوق أجهزة التخابر والإحصاء المختلفة.
ويسير التخطيط على جعل وسائل الإقناع المختلفة في أيدي غير المستمسكين بالدين, فإذا أفلت متدين إلى هذه الوسائل لحاطته بوسائل الإغراء والاحتواء المختلفة, حتى تتحرف به عن السبيل القويم.

وتحت شعارات: العلمانية، والقومية، وتحرير المرأة, تجري وسائل الإقناع المختلفة؛ لتحقيق إبعاد الأمة عن دينها.

ونحاول بمشيئة الله بحث هذه الثلاثة؛ لنتبين كيف يجري بها إبعاد الأمة عن دينها.

أولًا: العلمانية

معنى العلمانية:

قد تشعر الكلمة في اشتقاقها أنها تعني: رفع شعار العلم, ومن ثَمَّ فلا تعارض بيينها وبين الإسلام, بل إنها إحدى وسائل الإسلام وبعض أهدافه!

وهو ما نحسب أنهم قصدوا إليه حين ترجموا معنى الكلمة في لغتها الأصلية؛ ليقع المسملون في هذا الوهم!!

إن العلمانية ترجمة للكلمة الإنجليزية وهذا اشتقاق من وهي مرادفة للكلمة الإنجليزية

أي: لا ديني, أو غير عقيدي, ومن ثَمَّ كانت العلمانية تعني: اللادينية!!

ومن هنا نفهم إعلان البعض عن قيام دولة علمانية, أو عن رغبة البعض الآخر في ذلك!

ونفهم سر اختيار الكلمة أنها تعبر عن المقصود, دون صدم للمشاعر والأحاسيس!

ولنا أن نتصور الفارق بين الإعلان عن دولة علمانية, أو الإعلان عن دولة لا دينية! 1

من هنا نحس خبث ترجمة الكلمة إلى لفظ العلمانية، ونحس خبث الذين يستعملون هذا اللفظ دون اللفظ الكاشف عن المعنى المقصود, ونحس مع هذا كله بواجبنا لتعرية هذا اللفظ الخبيث على حقيقته!

العلمانية.. بين الغرب والشرق

لم يكن غريبًا في الغرب أن تجد العلمانية مكانها, فقد فرضت ذلك لظروف الغرب, نتيجة تسلط الكنيسة وتحالفها مع الظالمين على شعوب الغرب المختلفة, ووقوفها في وجه كل تفتحٍ فكريٍّ, أو كشف علميٍّ, وتجاوزها ذلك الحجر على العقول, إلى حجر أخطر على القلوب, حين فرضت صكوك الغفران وقرارات الحرمان, وراحت تتاجر بها, وتتخذها وسيلةً للكسب الحرام!!

وغرقت أوربا في دماء ضحايا الكنيسة, حيث سقط المئات, بل الآلاف, تحت مقاصل محاكم التفتيش ومشانقها, غير من غيبوا في غياهب السجون..

وإذا كانت سنة الله في الكون أن لكلِّ فعل رد فعل, مساويًا له في القوة, ومضادًّا له في الاتجاه, فلقد وقع الصراع, صراع العلم مع الكنيسة, وانتهى بإعلان العلمانية التي تعني: فصل الدين عن الدولة، وتقلص سلطان الكنيسة داخل جدرانها!!

وفضلًا عن أن ظروف أوربا التاريخية كانت تبرر انتشار العلمانية, وفصل الدين عن الدولة, فلقد كانت ظروف الديانة المسيحية بعدما أدخل عليها من تحريف كان اليهود وراء أكثره, كانت ظروف الديانة المسيحية تسمح كذلك بوجود علمانية إلى جانب الدين.

وليس غريبًا بعد ذلك أن يكون اليهود وراء فصل الدين عن الدولة, كما صرح بذلك كاتب أمريكيّ1 بغية القضاء على بقايا الدين الذي حرفوه؛ بتعطيله وحبسه عن المجتمع داخل جدران الكنيسة.

وليس غريبًا بعد ذلك أن نسمع عن أن الدين الذي حبس داخل جدران الكنيسة قد جرى فيه التطوير حتى صارت الصلاة تؤدى على أنغام الموسيقى, ثم تعقبها حفلات الرقص بين الجنسين تحت الأضواء الخافتة الحالمة, وبين الألحان الدافئة والساخنة, تحت سمع وبصر رجال الدين, بل تحت رعايتهم وتوجيههم السديد.

1 وليام غاي كار في كتابه: أحجار على رقعة الشطرنج.

وكانت أوربا قد بلغت في التقدم العلميّ -التكنولوجيّ- درجةً جعلتها ولو إلى حين, تستطيع أن تقيم نهضة ماديةً بهرت الناس في أكثر الأحيان.

وحين أريد نقل العلمانية إلى الشرق الإسلاميّ, غفل المسخرون -عن علم أو عن جهل- غفلوا عن هذه الظروف جميعًا, غفلوا عن أنه ليس في ظروف الشرق الإسلاميّ التاريخيّ ما يبرر فصل الدين عن الدولة، فلم يكن ثمة اضطهاد من رجال الدين الإسلاميّ -إذا صح التعبير للمقابلة مع رجال الكنيسة-لم يقع اضطهادٌ من علماء المسلمين للعلم أو للعلماء.

ولم يكن في تاريخنا الإسلاميّ محاكم تفتيش, ولا صحكوك غفران وقرارات حرمان.

والذين انحرفوا من العلماء عن جادة السبيل إلى ممالأة الحاكم لفظتهم الأمة, وجعلتهم وراء ظهورها, والذين كانوا لسان صدق, حملتهم في حنايا صدورها, وقدمتهم في أول صفوفها.

كذلك لم تكن الديانة الإسلامية لتسمح بالفصل بين الدين والدولة؛ لأن الدولة في فقه الإسلام قسم الدين لا قسيم, فلا دين بغير دولة, ولا دولة بغير دين..

كذلك لم تكن الديانة الإسلامية لتسمح بقيام العلمانية إلى جوار الإسلام, بمقولة أن الإسلام يبقى داخل دائرة العقيدة والشعيرة, وتعمل العلمانية في دائرة الشريعة؛ لأن الإسلام عقيدة وشعيرة وشريعة, وهو في هذا لا يقبل التجزئة ولا التفرقة, ولا يرضى أن يكون مع الله أرباب آخرون, أو قياصرة آخرون يدين لهم الناس في مجال الشريعة, كما يدينون لله في مجال العقيدة والشعيرة..

كذلك مع التسليم جدلًا بصحة نظرة الغرب التي اعتنقها الحاقدون, أو الجاهلون في الشرق الإسلاميّ, فلم يكن الشرق الإسلاميّ قد وقف على قدميه, وبلغ التطور العلميّ والتكنولوجيّ الذي بلغه الغرب؛ ليطرح الدين جانبًا ويرفع شعار العلمانية.

ومن ثَمَّ حرم الشرق الدين, كما حرم الدنيا, وارتضى بقشور تورثه الترف والدعة, وتبعده كثيرًا عن الجد والجهاد والعمل.

وسائل نشر العلمانية

حرص الغرب منذ وطئت أقدامه التراب الإسلاميّ على نشر العلمانية بأكثر من سبيل، وحين ورَّثَت النخباتُ الأجنبيةُ النخباتِ الوطنيةَ مكان السلطة, وبوأتها كراسيها, حرصت على زيادة نشر العلمانية بكل الوسائل, وضعت خبراتها العلمية والتكنولوجية لتحقيق هذه الغاية.

ومن ثَمَّ, فلم يكن غريبًا أن نسمع عن بلاد إسلامية متخلفة من الدرجة الثالثة أو الرابعة تدخل فيها التليفزيون, قبل أن تمحو من أبنائها الأمية التي تربو على الثمانين أو التسعين في المائة, بل إننا نسمع عن إدخال التليفزيون الملون في بلاد متخلفة جدًّا, وأحيانًا فقيرة جدًّا.

أما مجالات نشر العلمانية ووسائلها, فقد كانت:

أولًا: في التعليم

ثانيًا: في الإعلام؛ صحافة, وإذاعة، وتليفزيون، وسينما، ومؤلفات،

ثالثًا: في القانون, ويحسن أن نعرض لكلٍّ بكلمة

أولًا- التعليم

إن التعليم الوطنيّ عندما قدم الإنجليز إلى مصر, كان في قبضة الجامعة الأزهرية الشديدة التمسك بالدين، والتي كانت أساليبها الجافة القديمة!! تقف حاجزًا في طريق أيِّ إصلاح تعليميّ، وكان الطلبة الذين يتخرجون في هذه الجامعة يحملون معهم قدرًا عظيمًا من غرور التعصب الدينيّ!! ولا يصيبون إلّا قدرًا ضئيلًا من مرونة التفكير والتقدير, فلو أمكن تطوير الأزهر عن طريق حركةٍ تنبعث من داخله؛ لكانت هذه خطوة جليلة الخطر.

ولكن, إذا بدا أن مثل هذا الأمل غير متيسرٍ تحقيقه, فحينئذ يصبح الأمل محصورًا في إصلاح التعليم اللادينيّ الذي ينافس الأزهر, حتى يتاح له الانتشار والنجاح، وعندئذ فسوف يجد الأزهر نفسه أمام

أحد أمرين: فإما أن يتطور, وإما أن يموت ويختفي1.

- هذه كلمات اللورد كرومر, الذي حكم مصر المسلمة ممثلًا للاحتلال الإنجليزي, يساعده دنلوب وهو أحد خريجي كلية اللاهوت في لندن.

- تكملها كلمات للمستشرق جب: "وفي أثناء الجزء الأخير من القرن التاسع عشر, نفذت هذه الخطة لأبعد - وأخيرًا تكمل هذا كلمات زعيم المبشرين النصارى "زويمر" يقول على جبل الزيتون في القدس, إبَّان احتلال الإنجليز لفلسطين سنة 1354هـ-1935م: "لقد قبضنا أيها الأخوان في هذه الحقبة من الدهر؛ من ثلث القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا, على جميع برامج التعليم في المماليك في الملك الإسلامية, وإنكم أعددتم نشئًا في ديار المسلمين لا يعرف الصلة بالله، ولا يريد أن يعرفها! وأخرجتم المسلم من الإسلام، ولم تدخلوه في المسيحية, وبالتالي جاء النشء الإسلاميّ طبقًا لما أراده له الاستعمار المسيحيّ, لا يهتم بالعظائم, ويحب الراحة والكسل, ولا يعرف همه في دنياه إلّا في الشهوات, فإذا تَعَلَّمَ فللشهوات، وإذا جمع المال فللشهوات, وإن تبوأ أسمى المراكز ففي سبيل الشهوات يجود بكل شيء".

كانت تلك هي النصوص..

ومفادها.. أنه لم كانت البلاد الإسلامية في سابق عهدها إسلامية التعليم، فقد كبر على الاستعمار الغازي أن يترك للمسلمين دينهم، بعد أن أبى عليهم أن يترك لهم أرضهم.

وكان لابد له أن يحقق لهم جهالتهم بالدين؛ ليتحقق فيهم من بعد, أنَّ مَنْ جَهِلَ شيئًا عاداه. وكان له في ذلك أكثر من سبيل.

1 تقرير كرومر لسنة 1906م, الفقرة , والاتجاهات الوطنية للدكتور محمد محمد حسين .

2 "وجهة الإسلام" تأليف المستشرق جب وآخرين, ترجمة: محمد عبد الهادي أبو ريدة.

أما السبيل الأول: فهو ما لجأ إليه من حصر التعليم الديني, وحصاره ماديًّا ومعنويًّا؛ فأما الحصر والحصار الماديّ: فقد كان يفتح التعليم اللاديني في مواجهته, وتشجيعه, وهو ما أشار إليه المستشرق جب "بإنماء التعليم العلمانيّ تحت الإشراف الإنجليزي في مصر والهند".

وتَمَّ مع ذلك تضييق الموارد المادية على التعليم الدينيّ, وإغداقها على التعليم اللادينيّ.

وأما الحصر والحصار المعنويّ: فهو ما لجأ إليه من تنفيرٍ وسخريةٍ بطالب العلم الدينيّ وبأستاذه, وبالتفرقة بين أساتذيّ الدين والمواد الأخرى في كل شيء, تفرقة مرسومة مقصودة, ثم بالتفرقة بين خريج المعاهد والكليات الدينية, وبين زملائه في الكليات الأخرى, فمناصب المعاهد والكليات الدينية محدودة, متواضعة في المظهر وفي الجر, ومناصب المعاهد والكليات الأخرى عديدة كثيرة, فارهة المظهر، والأجر.

وفي اللاشعور يرسب ذلك كله, نفورًا من الدين, وإقبالًا على غير الدين؛ من حيث لا يدري الطالب الصغير, أو الكبير, ومن حيث لا يشعر.

وأما السبيل الثاني: فكان الابتعاث إلى الخارج, إلى الدول غير الإسلامية, وحقق ذلك الابتعاث نتائجه الباهرة المقصودة..

فهو أولًا يزيد طالب التعليم العام جهالة بدينه وقيمه ومثله, ويزيده تعلقًا بقيم الغرب أو الشرق ومثله, وهو من ناحيةٍ أخرى, يبدأ بتطبيعه بطباع غير إسلامية, ثم يصير التطبع مع الزمن طبعًا, وينسلخ الطالب من حيث لا يشعر حتى من تقاليده في الملبس والمأكل والمشرب وطريقة التعامل, ويغدو غربيًّا أو شرقيًّا, ربما أكثر من الغربيّ أو من الشرقيّ.

وحول هذا المعنى يقول أحد الكتاب الغربيين: "فبينما يترك الحكام الغربيون منطقة الشرق الأدنى, تتحول هذه المنطقة؛ فتصبح أكثر غربيةً, ويواجه الزعماء العرب طريقين.

فهم يطردون الغرب سياسيًّا, ويسحبون الكتل الشعبية إلى الغرب ثقافيًّا1".

ولقد بدأ هذا السبيل مبكرًا..

ربما ليساعدوا إلى تخريج الأساتذة التي تجري "تفريخ" مبادئهم بعد ذلك في بلادهم بغير حاجة إلى ابتعاث الجدد، وبغير حاجة إلى جهد غير وطنيّ, وهو يصرح به نفس الكاتب السابق حين يقول:

"أما الآن, فقد قبلت التأثيرات الغربية في الشرق الأدنى إلى درجةٍ تجعل من الصعب التحقق من أن امرءًا ما, قد ذهب, أولم يذهب إلى أوربا أصلًا، فقد أصبح العرب متغربين بدون أن يتكلفوا عبء الذهاب إلى أوربا".

ومثل ذلك هو الشيخ: رفاعة الطهطاوي, الذي بعث إلى باريس خمس سنوات "1826-1831" ليعود بعدها يصرح بأن الرقص الغربيّ -الذي تتلاصق فيه أجساد, وتختلط الأنفاس, وتتلاقى النظرات- بأن هذا الرقص لونٌ من العياقة والشلبنة

أي: الفتوة- ثم ينادي بالفرعونية -وهي في ميزان الإسلام جاهلية وعصبية منتنة- ينادي بها بديلًا عن الإسلام.

ومن بعد رافع, كان طه حسين وكتاباته في مستقبل الثقافة في مصر, وفي مرآة الإسلام, ومن قبلها في الشعر الجاهليّ, لا تحتاج إلى تعليق لكل ذي بصر إسلاميّ.

ومع طه حسين, قاسم أمين الذي نادى في مصر بتحرير المرأة, وإن نسب البعض كتابته إلى الشيخ محمد عبده, والزعيم سعد زغلول, وقد خشي الزعيمان على شعبيتهما فحملا قاسم العبء, وحمله أنه كان ظلومًا جهولًا..

كل هؤلاءلم تكن ثقافتهم ولا ترتيبتهم محلية, ومن ثَمّ فلم يكن غريبًا ما صرحوا به أو أذاعوه, بل كان ذلك جزءًا من مخطط رهيبٍ أثيمٍ؛ لهدم قيم الإسلام ومثله, ولا يزال الابتعاث رغم ما خرج من أساتذة يقومون بنفس

1 العالم العربي اليوم - مورو بيرجر.

الدور, لا يزال له دوره, وبخاصة في البلاد التي تسمى: "نامية" والتي يخشى أن تتجه بصدق إلى الإسلام, لا يزال الابتعاث يولي أهمية كبيرة لهذه البلاد باعتبارها بكرًا, ويصل الاهتمام إلى حد نزول الابتعاث من مرحلة ما بعد الجامعة, إلى مرحلة ما بعد الثانوية العامة؛ حيث سن المراهقة الخطير, ينتقل فيه الشباب من المجتمع المغلق إلى المجتمع المفتوح، والمفتوح جدًّا, فتنقلب موازين عقله بعد موازين قلبه، كما حدث في درس رفاعة رافع الطهطاوي -الصعيدي.

كما يصل الاهتمام حد الحرص على إيفاد المبعوث سنةً كاملةً كل خمس سنوات, بعد عودته من بعثته المباركة, وتوليه أهم المناصب, وهكذا يتولد ضمان استمرار "الولاء" و"الوفاء", أو ما هو أشد من الولاء والوفاء.

وأما السبيل الثالث: فهو انتشار المدارس الأجنبية في البلاد الإسلامية, وقد كان في البداية سبيلًا لتنصير المسلمين, وعلى هذا نصت بعض مؤتمرات التبشير, وعلى هذا نفهم إنشاء الكلية الإنجيلية في بيروت, وإنشاء الجامعة الأمريكية في مصر1.

لكن استفادة من نصائح زويمر, لم يعد مطلوبًا إدخال المسلمين إلى المسيحية, إنه يكفي إخراجهم من الإسلام.

وعلى هذا تعمل المدارس الأجنبية حاليًا في البلاد الإسلامية.

وأقل ضرر لها, هو الازدراء باللغة العربية، وتمجيد اللغة الأجنبية, بما يترتب على الأمرين من آثار خطيرة في اللاشعور.

وأقل ضرر لها, هو الازدراء بالدين, بعد أن تعمد إلى تقديم مدرسه متهدمًا في مظهر ومخبره، مثيرًا للسخرية والاشمئزاز من صغار الطلاب وكبارهم على السواء، بينما يظهر رجل الدين عندهم على نحو مخالفٍ, يولد الرهبة والاحترام, وقد يولد الحب والود والألفة.

1 راجع قرارات مؤتمر القاهرة 1324هـ-1906م, ومؤتمر لكنؤ بالهند "1329هـ-1911م" في كتاب "الغارة على العالم الإسلاميّ".

وأما السبيل الرابع: فقد كان تمييع المناهج الإسلامية باسم التطوير, وقد رأينا أن كرومر قد دعا إلى تطوير الأزهر, ورأينا خلفاء "كرومر" يقومون بالتطوير بعد خمسين سنة أو يزيد, ومع كرومر أو قبل كرومر, نادت بذلك مؤتمرات التبشير.

ولم يكن الأمر قاصرًا على مناهج المعاهد والكليات الدينية, إن الأمر امتد إلى مناهج "الدين" في التعليم العام؛ فاقتصرت على القشور, واحتوت على التعقيد, وصاحَبَها سوء اختيار معلم الدين الذي كثيرًا ما يكون متعمدًا؛ ليورث في اللاشعور كراهية الدين, والسخرية منه..

وأما السبيل الخامس والأخير: فقد كان نشر الاختلاط بين الجنسين في مراحل التعليم, وقد بدأوا بها في الجامعات, في أكثر البلاد الإسلامية, تحت دعوى التقدم والتمدين، ونشر الروح الجامعية، وكأن التمدن والتقدم ونشر الروح الجامعية لا يتم إلّا بإشعال نار الغرائز, وتأجيج سعار الشهوة في سن الشباب الملتهب.

وقالوا في تبرير الاختلاط الكثير مما هو غير صحيح, حتى في علمهم هم

فقد قالوا: إن الاختلاط يشذب الغريزة ويهذبها

وأثبت العلم أن الاختلاط لا يخلو من أحد أمرين:

إما أن يشيع "البرود الجنسي بين الجنسين" وهذا مرض تشكو منه بعض البلاد, وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية.

وإما أن يؤجج سعار الجنس ويزيد لهيبه, وهو ما تؤكده تجربة القط والفأر اللذين اتيا بهما وهما رضيعان, ثم وضعا في قفص صغير واحد، وظلا يأكلان سويًّا من طبق واحد، حتى إذا جاء موعد ظهور الغريزة، ولكل غريزة موعد, انقض القط على الفأر فأكله, ولم تشفع له عشرة طالت, ولا اختلاط دام..

وتوسعوا في أمر الاختلاط, فجعلوه في المرحلة الابتدائية, وهي عند البعض قد تضم بعض سنوات المراهقة, وجعلوه في المرحلة الثانوية, وهو أخطر ما يكون..

وتزداد المهزلة, حين يجعلون على هؤلاء المراهقين مدرسات؛ لتمتد النيران ما بين التلاميذ والمدرسات؛ فتنهدم قيمة احترام

المدرس, مع ما ينهدم من قيم بالاختلاط أو مع الاختلاط.

وتأكيدًا لهذا السبيل الآثم, تحرص كثير من المؤلفات على التهوين من مقدمات الزنى التي لابد أن تفضي إليه, إلّا من عصم ربي, وقليل ما هم.

ففي أحد كتب مؤسسة فرانكلين الأمريكية, التي تنشر في أحد البلاد الإسلامية يقول: "فبدلًا من فصل البنين عن البنات, يجب أن نعمل على إشراكهم معًا في الأعمال الممتعة, ومواقف اللعب, وإذا حدث استلطاف بين بعض البنين والبنات, فينبغي النظر إليه على أنه نوع من الصداقة, وليس غرامًا أوعشقًا, وعبثًا تحاول المؤسسة الأمريكية أن تخلع عن الحرام اسم الحرام، وأن تخلع عليه ثوب "البراءة" الكاذب.

وفي مكان آخر, ولنفس المؤسسة:

"إن خروج الفتيات في صحبة الفتيان من الأمور الطبيعية التي يستطيع معظم الآباء تقبلها في الوقت المناسب, على أي حالٍ, باعتبارها جانبًا من جوانب النمو الجسمي للمراهق" وفي مكان آخر:

"وفي كل علاقةٍ بين فتًى وفتاةٍ, يشعر كل منهما في بعض الأحيان بدافع يحفزه على التعبير عن حبه, وتقديره للآخر بلمسه, أو ضغطه على اليد, أو قبلة، والكشف عن المشاعر بهذه الطريقة, والاستجابة لها أمر طبيعيّ".

وأخيرًا..

فالشوق إلى القبلة, أو بعض الغزل الرقيق, أو الإنصات إلى قصةٍ فيها تلميحات جنسية, هذه ليست أمور شائنة1".

وقد سبق خطوةَ الاختلاط في الدول الإسلامية المتقدمة خطوةٌ تمر بها الآن الدول الإسلامية -غير المتقدمة- وهو التوسع في تعليم البنات.

وتعليم البنت في حَدِّ ذاته, قد لا يكون هو مصدر قلق, لكن التوسع في هذا التعليم من غير تخطيط إسلاميّ, بل ولا حتى فطريّ, هو مصدرالقلق كله.

1 حصوننا مهددة من داخلها, الدكتور محمد محمد حسين, مكتبة المنار الإسلامية, الكويت.

ذلك أن إنكار اختلاف فطرة المرأة عن الرجل غباء أو تغاب, فلا شك في هذا الاختلاف, ومن ثَمَّ وجب اختلاف المناهج وفقًا لهذا الاختلاف، ووجب اختلاف مجالات العمل كذلك تبعًا لهذا الاختلاف.

ذلك لو كان الذين يخططون لتعليم البنات يصدرون عن فهم إسلاميّ, أو حتى عن فهمٍ ذاتيّ, مبرأ من التدخل الأجنبيّ.

أما أن يصير الأمر مجرد مزاحمةٍ للبنت مع الولد بحجة التمدين والتحضر, حتى لو صادم ذلك فطرتها وطبيعتها؛ بحيث ترى البنت مهندسة وصانعة وعاملة في الأفران, فذلك لا يقره عاقل.

كذلك يسبق خطوة الاختلاف خطوة أخرى, هو تعرية المرأة المسلمة, أو كشف الحجاب عنها, كذلك تحت دعاوي التحرر والتمدين, وماحدث في الكويت الشقيقة منذ سنوات أقرب مثل.

لقد كانت الكويت, وهي جزء من الجزيرة العربية, تفرض عادتها الإسلامية الحجاب على المرأة, وبغضِّ النظر عن الخلاف الفقهيّ في صدد كشف وجه المرأة, فإن الأمر لم يقتصر على كشف الوجه, بل كشف المحارم التي لا خلاف على حرمتها.

وكان آخر ما قدمته الكويت المسلمة إحراجًا لضيف كبير مسلم, أن رقصت فتياتها المراهقات بملابس قصيرة, تكشف عن أفخاذهن, وبأداء متكسر مثير, أمام الضيوف الكبار الذين امتدت بهم الجلسة إلى ما بعد منتصف الليل.

وهكذا يسبق التحرر الاختلاط؛ ليزول الحياء قبل الاختلاط, فيسقط آخر مانع يحول دون اشتعال النار, وهكذا ينزوي التعليم الديني, مع ذلك الضجيج الهائل من حوله, ومع ذلك التخريب الهائل من داخله, وهكذا مثلت "الازدواجية" في التعليم تكتيكًا مرحليًّا, مارسه أعداء الإسلام في الشرق الإسلاميّ المسكين".

وترتب على هذا الازدواج بالوضع الذي أشرنا إليه نتائج خطيرة:

1- فهي أولًا: أدت إلى تمزيق المجتمع الإسلاميّ بين طائفة العلمانيين الواردين من الخارج, أو المتخرجين في الداخل.

2- وهي ثانيًا: أدت إلى إبعاد العلمانيين عن الإسلام.

3- وهي ثالثًا: جعلت الأمر إلى أيدي هؤلاء العلمانيين.

4- وهي رابعًا: أدت إلى الازدراء من شأن الدين, والازدراء بطلابه ومعلميه..

ثانيًا- العلمانية في الإعلام

العلمانية في التعليم أقدم وأخطر, والعلمانية في الإعلام أعمّ وأشمل, ومن هنا تكمن خطورتها، إن التعليم قد يخاطب الآلاف بمناهجه, لكن الإعلام يخاطب الملايين ببرامجه, وأكثر هذه الملايين ساذجة تؤثر فيها الكلمة, مقروءة, أو مسموعةً, أو منظورةً.

فإن كانت طيبةً, كانت كشجرة طيبةٍ, أصلها ثابت وفرعها في السماء, تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.

وإن كانت خبيثةً, كانت شجرة خبيثة, اجتثت من فوق الأرض, مالها من قرار.

من هنا كان اهتمام الإسلام بالكلمة وأمانتها, فإما أن ترتفع بالمؤمن إلى معية سيد الشهداء, وأما أن تهوي بقائلها في النار سبعين خريفًا.

وللأسف, فإننا نستطيع باطمئنان أن نقرر أن وسائل الإعلام المختلفة من صحافةٍ، وإذاعةٍ، وتليفزيونٍ وسينما, مسخرة اليوم لإشاعة الفاحشة، والإغراء بالجريمة، والسعي بالفساد في الرض, بما يترتب على ذلك من خلخلة للعقيدة, وتحطيمٍ للأخلاق والقيم والمثل.. وهما: "العقيدة والأخلاق" أساس لبناء الإسلام, فإذا انهدم الأساس, فيكف يقوم البناء؟؟.

وتتفاوت درجات الفساد في وسائل الإعلام تبعًا لهذه الوسائل, فهي في السينما أشد, يليهاالتليفزيون, والإذاعة, والصحافة.

كذلك تتفاوت درجات الفساد بين أقطار الإسلام المختلفة.

قد يقول قائل: ولربما كان الفساد في بلادٍ لا تجاهر به أشد من بلادٍ أخرى تجاهر به، ففيها الزنى واللواط, وأكل الربا وشرب الخمر, وغير ذلك من المنكرات.

ونقول: ولقد يكون هذا صحيحًا لا يماري فيه عالم, ولقد يكون علاجه واجبًا, ليس عن طريق الحدود وحدها، وإنما عن طريق التربية الصحيحة والعلاج الاجتماعيّ بوسائله المختلفة؛ بالقدوة, والأخذ على يد المفسدين, مهما كان مركزهم, حتى لا تصير الحدود قصرًا على الضعيف دون الشريف.

ومع ذلك, فلا يبرر ذلك أن تجهر بلاد بالفاحشة, فإن في ذلك إشاعة لها أيما إشاعة، أو تتعالن بلاد بالمعصية, فإن في ذلك إغراء بها أيما إغراء, وهذا يساعد على سرعة الانتشار، ويهون الجريمة على من يتردد في اقترافها, ولذا كانت الحدود ردعًا لهذا الشر أن يسري أو يستشري.

وليعلم الناس ما تفعله الصحافة في بلاد المسلمين, نختار أربعة أمثلة من تواريخ مختلفة:

أ- مقال نشر بجريدة السياسة الأسبوعية بالقاهرة, سنة 1926, ذكر فيه كاتب المقال أن بعض الفتيات التركيات يشبهن فتيات أوربا, وقد تلقى بعضهن العلم في الكلية الأميريكية بالقسطنطينية, وذكرت واحدة منهن: "أن المرأة التركية اليوم حرة، فلن تسير في الطرقات في ظلام، وأننا نعيش اليوم مثل نسائكم الإنجليزيات, نلبس أحدث الأزياء الأوربية والأمريكية، ونرقص، وندخن، ونسافر, وننتقل بغير أزواجنا" ويعلق كاتب الجريدة: ولا يسع كل محبٍّ لتركيا إلّا أن يغبطها على هذه الخطوات.
ب- في سنة 1386هـ-1966م, استضافت أسرة تحرير الأهرام فيلسوف الوجودية "سارتر" وعشيقته التي تعيش معه في الحرام "سيمون دي بوفوار" ويجهر بهذا الفجور والفساد, ويدعى الرجال ويدعى النساء؛ ليروا هذه القدوة القبيحة السيئة, وليسمعوا عنها السم الزعاف.
ج- ويبلغ الفجور في السبعينات أقصى مداه, حين تنشر جريدة الأهرام عن ضبط بيوتٍ للدعارة, فيها نساء من بيوتاتٍ لم يكن يسمع عنها من قبل سوء, وتنشر عن ضبط تلميذاتٍ صغيراتٍ في هذه البيوت, ثم تهوّن هذه الجريمة الفظيعة تحت عناوين مثيرة.
تلميذة في شقة مفروشة، افتحوا أبواب الاختلاط في كل مراحل التعليم, وأطلقوا الحرية للشباب تحت رقابة الأسرة والمدرسة, ولا تهمنا البنت التي تنحرف من أجل فستان1.
د- وفي أحد أعداد مجلة النهضة الكويتية سنة 1976, تحقيق صحفيّ في سبع صفحات كبيرة مطرزة بصور مثيرة لفتيات شبه عاريات, وتحت عناوين بارزة كتب بالخط العريض: حصاد المعاكسات في أسواق الكويت: مغازلات.. معاكسات.. همسات.. نظرات.. إشارات.. أرقام تليفونات.. سألت أحدى الصحفيات بعض فتيات الكويت اللائي

1 جريدة الأهرام 13/ 3/ 1976.

أدلين بأسمائهن كاملة, وقصصن ما يحدث لهن من تحرشاتٍ بأسلوب مكشوف, حتى أن أحداهن " ... ..." لم تستح أن تصرح أن بائع الأحذية في كل مرة يقيس لها حذاء, أو يخلعه, يتحسس ساقيها, كما أن بائع الملابس يمسك خصرها بكلتا يديه, وتحكي أخرى " ... ..." أن الملابس تكشف كل شيء "لأنها شفافة" وخاصةً عند طلوع الدرج داخل المحل؛ لأن الأضواء توضع على الدرج, فتكشف كل شيء في جمسها, هذا بالإضافة إلى زجاجة العطر التي سكبتها على صدرها, إلى جانب المكياج الصارخ الذي تزين به وجهها، ولا أدري, لماذا تحرص على مداراته بطرف العباءة "الشفافة" بعد كل هذه الزينة التي وضعتها عليه, ولا ندري, ماذا يستفيده القارئ المسلم من مثل هذه التحقيقات إلّا تزيين الانحلال, والتهوين من أمره, وتعليم من يتعلم.

ونختم القول بالتنويه بما أوصى به المؤتمر العالميّ لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة, المنعقد في عام 1397هـ-1977م, بمدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منددًا بحال الإعلام في البلاد الإسلامية:

"ويندد المؤتمر بالهوة السحيقة التي تردى فيها إعلامنا, ولا يزال يتردى، عن علم من القائمين به, أو عليه, أو عن جهل منهم، فبدلًا من أن يكون الإعلام في البلاد الإسلامية منبر دعوة للخير، ومنار إشعاع للحق, صار صوت إفساد وسوط عذاب, وسكت القادة فأقروا بسكوتهم, أو جاوزوا ذلك فشجعوا وحموا, وزلزل الناس في إيمانهم وقيمهم ومثلهم, ولم يعد الأمر يحتمل السكوت من الدعاة إلى الحق".

ثالثًا- العلمانية في القانون

"حَدٌّ يعمل به في الأرض, خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحًا" هذا مثل لأهمية الجانب القانونيّ في الإسلام.

وكما تكون طاعة الله في الشعائر, لابد أن تكون كذلك في الشرائع, وكما يكون إشراك بالله في الشعائر, يكون كذلك إشراك بالله في الشرائع, هذه كتلك, لأن كلًّا من عند الله.

والرهب لازم, كالرغب في إقامة شريعة الله, والرهبة تولدها السلطة.

والرغبة تولدها القدوة, والاثنان يتحققان إذا كان الحكم للإسلام، وكان حكامه من المسلمين.

من أجل ذلك كله كان حرص أعداء الإسلام على إبعاده عن مجال السلطة؛ ليحرموا الإسلام الرهبة والرغبة.

ومن ثَمَّ ليبقى مجرد هيكلٍ, أقرب إلى الموت منه إلى الحياة, ولقد وضع ذلك مما فعلوه في العالم الإسلاميّ,

ولنأخذ مثلًا تركيا:

حين فكروا في إبعادها عن الإسلام, بذلوا جهودهم "لعملنة" القانون, وتدرجوا, ففي كل عشر سنوات يتم علمنة جانب من جوانب القانون, منذ سنة 1256هـ-1840م, ثم صارت كل حوالي عشرين سنة, حتى تمت أكبر علمنة بإعلان الغاء الخلافة سنة 1343هـ-1924م.

وفي مصر:

اقترنت "علمنة" القانون بالاحتلال الأجنبيّ, فكانت أول علمنة سنة 1301هـ-1883م, بعد الاحتلال بسنة واحدة, واقترن إلغاء الامتيازات الأجنبية بشرط الأجانب, الاستمداد من التشريع الغربيّ بعيدًا عن الشريعة الإسلامية, ثم اقترن إلغاء النص على أن دين الدولة هو الإسلام في دستور مصر المؤقت سنة 1958, ثم في ميثاق العمل الوطني سنة 1962, اقترن بأحداث داخلية يعرف عنها الكثيرُ الكثيرَ.

وأكثر الدول الإسلامية -بكل أسف- تمت فيها علمنة القانون, والدول التي لا تزال فيها بقايا تطبيق الشريعة, تحيط بها المؤامرات من كل جانب لعلمنة القانون، ويجري التمهيد لهذه العلمنة بما يجري من "علمنة التعليم" وعلمنة الإعلام, فيوجد جيل علمانيّ يقدس القانون العلمانيّ, ويولد نتيجة الإعلام رأيٌ علمانيّ يتقبل مثل هذه العلمنة.

وهكذا عملت العلمانية من خلال التعليم، ومن خلال الإعلام, ومن خلال القانون, ولننظر كيف عملت القومية في مواجهة الدين.

ثانيًا: القومية

على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم, آخى بين المهاجرين والأنصار, على أساس من آصرة الإسلام, وليس على أساس أيّ آصره أخرى, آخى بين بلال بن رباح وخالد بن رويحه الخثعمي، وبين مولاه زيد وعمه الحمزة بن عبد المطلب، وبين خارجة بن زيد وأبي بكر الصديق، وبين عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان.

ولما أراد أحد المسلمين أن يثيرها عصبيةً ونادى: يا للأنصار, فنادى الآخر: يا للمهاجرين, قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غاضبًا: "أبدعوى الجاهلية, وأنا بين أظهركم..! " وفي حديثه -صلى الله عليه وسلم- أكد المعنى فقال: "ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبية, أو يدعو إلى عصبية, أو ينصر عصبية, فقُتِلَ فقتلته جاهلية".

وكان من آخر وصاياه يوم حجة الوداع: "كلكم لآدم وآدم من تراب, لا فضل لعربيٍّ على أعجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض.. إلّا بالتقوى!! ".

وعلى عهد الراشدين -رضوان الله عليهم, ضمت أرض الإسلام أكبر إمبراطوريتين على وجه الأرض: الروم والفرس, فما فُضِّلَ عربيٌّ على عجميّ لعروبته, أو جنسه, أو لونه, إنما كان الفضل بعد التقوى للعمل الصالح, والعمل الصالح وحده, وعرفت علوم الإسلام في فروعها المختلفة فقهاء وعلماء من الأمصار, ليس فيهم من العرب إلّا النزر اليسير1.

1 قال ابن أبي ليلى: قال لي عيسى بن موسى, وكان ديانًا شديد العصبية للعرب: من كان فقيه البصرة؟ قلت: الحسن بن الحسن, قال ثم مَنْ؟ قلت: محمد بن سيرين, قال: فما هما؟ قلت: موليان, قال: مَنْ كان فقيه مكة؟ قلت: عطاء بن رباح, ومجاهد, وسعيد بن جبير, وسليمان بن بسلة, قال: فما هؤلاء؟ قلت: موالي, قال: فمن كان فقهاء المدينة؟ قلت: زيد بن أسلم, ومحمد بن المنكدر, ونافع بن أبي نجيح, قال: فما هؤلاء؟ قلت: موالي؟ فتغير لونه ثم قال: فمن كان أمته أهل قباء؟ قلت: ربيعة الراي وابن أبي الزناد, قال: كأنّا قلت: من الموالي..

فمازال يسأله عن فقهاء اليمن وخرسان والشام, وهو يجيبه بأسماءٍ من الموالي, حتى بلغ فقهاء الكوفة, فقال: والله لولا خوفه لقلت الحكم بن عقبة, وعمار بن أبي سليمان, ولكن رأيت فيه الشر, فقلت: إبراهيم النخعيّ والشعبيّ, قال: فماكانا؟ قلت: عربيان.

وفي الحديث, عرفت أوربا فكرة القومية, ثم صارت متخلفة عن العصر, تشير إلى القرن الثامن عشر, أو التاسع عشر.. وصارت دعواها بذلك دعوى رجعية, لكن الأمة العربية ابتليت بها.

عرفت:ميشيل عفلق زعيمًا لحزب البعث العربيّ الاشتراكيّ, وأنطون سعادة, زعيمًا لقوميين السوريين, وجورج حبش, زعيمًا للقوميين العرب, وقسطنطين زريق, أحد الزعماء الآخرين1..!

وهكذا لم تعرف القومية العربية زعيمًا ممن يحمل أسماء المسلمين إلّا واحدًا لا يزال عمله في ذمة التاريخ2.

وعرض الكاتبون في القوميات لما تقوم عليه القوميات من أسس؛ ليكشفوا عن عدم صلاحيتها, فعرضوا لنظرية العرق التي قامت عليه القومية الألمانية, وما يزعمون عن العرق الآري الممتاز؛ ليكشفوا عن أن الألمان ليسوا شعبًا خالصًا, بل خالط غيره.

وكذلك الشعب العربيّ, خالط الروم والفرس والأتراك, وفي كتاب "كفاحي" لهتلر, جعل الأمة العربية في الدرجة 13!

وعلى نفس المنوال عنصر اللغة, فسويسرا تضم 3 لغات, والقارة الهندية تضم 300 لغة, وكذا سائر عناصر القومية من تاريخ وأرض ومصالح مشتركة ليس

1 يشير معرب كتاب "لعبة الأمم" إلى أن أكثر من تسعين بالمائة من قادة حركة القومية العربية الأقحاح هم من خريجي الجامعة الأمريكية في بيروت، ولا تزال هذه الخدمات لدول منطقة الشرق الأوسط, ويشير نفس المؤلف إلى أسماء زعماء القومية, وكلهم من المسيحين!

2 انظر كتاب في "الزنزانة" للدكتور جريشة, بعض هذه الأعمال.فيها عنصر خالص تقوم عليه القومية, هذا كله بالبحث العلميّ الهادئ.فإذا أضفنا إلى ذلك ما لابس إثارة القوميات من أحداثٍ تاريخيةٍ لبان ما قدمنا له من أن القومية أحد العناصر التي استخدمها أعداء الإسلام لإبعاد الأمة عن دينها.

إثارة القومية الطورانية في تركيا اقترنت بتمزيق تركيا, وإبعادها عن الإسلام, وإثارة القومية العربية في البلاد العربية, اقترنت بتمزيق دولة الخلافة, ومؤتمرات لورانس ومكماهون قصدا إلى القضاء على الجسد الإسلاميّ الذي أسموه يومئذ: بالرجل المريض!!

حتى الجامعة العربية, كانت كما يعرف كل مَنْ عاصر أحداث العصر من صناعة وزير خارجية الإنجليز! لتكون بديلًا عن الجامعة الإسلامية, وفي كتاباتٍ حديثة لكتَّابِ غربيين, أشاروا إلى أن القومية العربية التي رفع رايتها في مصر زعيم كبير, كانت بديلًا هامًّا عن الشعار الإسلاميّ الذي كان يهدد بثورة في المنطقة, فكان الانقلاب العسكريّ امتصاصًا لمشاعر الأمة المتوثبة للإسلام1!

نتائج الدعوة القومية

وهكذا, فإن تيار الفكرة القومية كانت مهمته إقصاء الإسلام, وتفريغ القضية السياسية والاجتماعية بوجه عامٍّ من المحتوى الإسلاميّ، وإحلال فلسفة أخرى, وعقيدة أخرى محل عقيدته، واستبدال رابطة أخرى برابطته؛ لعزل الشعوب الإسلامية بعضها عن بعض عزلًا نهائيًّا؛ بحيث تكون صلة بعضها ببعض كصلتها بأيِّ شعب من الشعوب الأخرى التي تدين بالوثنية أو الماركسية أو غيرها، والتي لم تكن تربطها بها أيّ رابطة، وبذلك تنقطع الصلات بين الشعوب الإسلامية، وتضعف روابط الثقافة المشتركة ولغة القرآن، والقيم الخلقية، ويقضي على الأخوة الإسلامية.

فما دام باب القومية قد فتح على المسلمين, فقد كان طبيعيًّا أن تنتهي إلى ظهور القومية الكردية في العراق, والبنغالية في باكستان، بعد أن أوصد الباب الذي يصل المسلمين بعضهم ببعض وهو الإسلام.

1 لعبة الأمم لما يلزكوبلاند.

وقد شجَّعت الدول الأوربية الكبرى على ظهور القومية العربية في صورتها العلمانية؛ لتحقيق مطامعها في احتلال الشرق الإسلاميّ, وخاصةً بريطانيا وفرنسا، يقول "لورنس" منفذ سياسة بريطانيا أثناء الحرب العالمية الأولى: "وأخذت طول الطريق أفكر في سوريا وفي الحج، وأتساءل: هل تتغلب القومية ذات يوم على النزعة الدينية، وهل يغلب الاعتقاد الوطنيّ الاعتقاد الدينيّ؟ وبمعنى أصح: هل تحل المثل العليا السياسية محل الوحي والإلهام، وتستبدل سوريا بمثلها الأعلى الدينيّ مثلها الأعلى الوطنيّ, هذا ما كان يجول في خاطري طول الطريق"1.

ومعلوم أن الثورة العربية على الأتراك قامت بتأييد بريطانيا, ودعمها الأدبيّ والماديّ، ودعم حليفتها فرنسا، وقد ثبت أن عددًا من الزعماء كانوا متصلين بالقنصليات الأجنبية؛ لتلقي هذا الدعم.

وينبه "جب" الأوربيين إلى أن العالم الإسلاميّ المترامي الأطراف, يحيط بأوربا إحاطةً محكمةً, تعزلها عن العالم، ويشير إلى أن وحدة الحضارة الإسلامية تمحو من الأذهان حيثما حلت كل ما يتصل بالتاريخ القوميّ؛ لتحل محله الاعتزاز بالتاريخ الإسلاميّ, والتقاليد الإسلامية..

وحيث يتحدث عن الحركات القومية التي أيدتها دعايات الحلفاء القومية, أثناء الحرب العالمية الأولى, ينبه إلى أن هذا النصر الذي حققته الاتجاهات القومية في الشرق الإسلاميّ, يجب أن لا يصرف الغرب عن الانتباه إلى تيار المعارضة الإسلامية الخفيّ، الذي يعارض في تفتيت الوحدة الإسلامية إلى قوميات علمانية، مبينًا أن هذه المعارضة الإسلامية هي أشد قوة في البلاد العربية.

ويقول "جب" في صراحة تامة: "وقد كان من أهم مظاهر فرنجة العالم الإسلاميّ تنمية الاهتمام ببعث الحضارات القديمة التي ازدهرت في البلاد المختلفة, التي يشغلها المسلمون الآن, فمثل هذا الاهتمام موجود في تركيا ومصر وإندونسيا والعراق وفارس، وقد تكون أهميته محصورة الآن في تقوية شعور العداء لأوربا، ولكن من الممكن أن يلعب في المستقبل دورًا مهمًّا في تقوية الوطنية الشعوبية, وتدعيم مقوماتها2.

1 لورنس: أعمدة الحكم السبعة.

2 في كتاب "وجهة الإسلام".

وهذا يعلل لنا عطف حكومات الاحتلال الغربية على كل مشاريع الحكومات الوطنية, في الشرق الإسلاميّ والعربيّ منه, خاصةً التي من شأنها تقوية الشعوبية فيها، وتعميق الخطوط التي تفرق بين هذه الأوطان الجديدة، مثل الاهتمام بتدريس التاريخ القديم, السابق على الإسلام لتلاميذ المدارس, وأخذهم بتقديسه، والاستعانة على ذلك بالأناشيد، ومثل خلق أعياد محليّة غير الأعياد الدينية التي تلتقي فيها قلوب المسلمين ومشاعرهم على الاحتفال بها، ومثل العناية بتمييز كل بلد من هذه البلاد بزيٍّ خاصٍّ -ولا سيما غطاء الرأس- مما يترتب عليه تمييز كل منها بطابع خاصٍّ، بعد أن كانت تشترك في كثير من مظاهره1.

بين العروبة والإسلام وفضل العرب

إذا كنا ننكر المبادئ العنصرية والقومية، فإنا نرحب باتحاد العرب وتعاونهم, وتمتين أواصر القربى بينهم على أساس الإسلام, فالعرب هم مادة الإسلام، بلسانهم نزل القرآن الكريم، منهم اصطفى الله -عز وجَلَّ- الرسول الذي بعثه إلى الناس كافة بالهدى ودين الحقِّ؛ ليظهره على الدين كله, ولهذا فلا يمكن فصل العروبة عن الإسلام، أو فصل الإسلام عن العروبة، وليس عجبًا أن يكون تفكير العربيّ الصادق في عروبته تفكيرًا إسلاميًّا.

ومن هنا كان بغض جنس العرب ومعاداتهم كفرًا أو سببًا للكفر، وهذا معناه أن العرب أفضل الأمم, وأن مجتمعهم سبب قوة الإيمان, كما يقول أبو العباس ابن تيمية -رحمه الله، مستدلًا بحديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "حب أبي بكر وعمر من الإيمان وبغضهما من الكفر، وحب العرب من الإيمان, وبغضهم من الكفر" 2.

كما جاء في حديث آخر ".. فمن أحب العرب فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب, فببغضي أبغضهم".

وقوله -صلى الله عليه وسلم- لسلمان الفارسيّ -رضي الله عنه: "يا سلمان, لا تبغضني فتفارق دينك, فقال سلمان يا رسول الله،كيف أبغضك وبك هداني الله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "تبغض العرب فتبغضني".

1 الاتجاهات الوطنية للدكتور محمد حسين.

2 اقتضاء الصراط المستقيم "القرب في محبة العرب" للحافظ العراقي.

ولكن لا يلزم من الاعتراف بفضل العرب أن يجعلوا عمادًا يتكتل حوله, ويوالى عليه ويعادى عليه, وإنما ذلك من حقِّ الإسلام الذي أعزهم الله به، وأحيا ذكرهم ورفع شأنهم، فهذا لونٌ وهذا لون، ثم هذا الفضل الذي امتازوا به على غيرهم، وما مَنَّ الله به عليهم من فصاحة اللسان, ونزول القرآن الكريم بلغتهم, وإرسال الرسول العام بلسانهم, ليس مما يقدمهم عند الله في الآخرة, ولا يوجب لهم النجاة إذا لم يؤمنوا, كما يقول فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز1.

موقف الإسلام من الدعوة القومية

إن مبادئ الإسلام ومبادئ الغرب متباينةً كليًّا في باب القومية، فالذي يعتبره الغربيون مصدر القوة هو مصدر الضعف والخذلان عند الأمة الإسلامية، كما يقول شاعر الإسلام محمد إقبال: "لا تقس أمم الغرب على أمتك، فإن أمة الرسول الهاشميّ -صلى الله عليه وسلم- فريدة في تركيبها, أولئك إنما يعتقدون باجتماعهم على الوطن والنسل، ولكن إنما يستحكم اجتماعك أيها المسلم بقوة الدين".

لهذا كان من غير المعقول ولا من الممكن، كما يقول الأستاذ المودودي, أن توجد في الأمة الإسلامية قوميَّات على أساس الألوان والأجناس واللغات والأوطان، كما لا يمكن أن تُوجَدَ داخل دولة دول كثيرة مختلفة, ومن كان مسلمًا, وأراد أن يبقي على إسلامه, فلابد له أن يبطل في نفسه الشعور بأي أساسٍ غير أساس الإسلام, ويقطع العلاقات والروابط القائمة على أساس اللون والتراب..

وأخوف ما كان يخافه الرسول -صلى الله عليه وسلم- على المسلمين, أن تظهر فيهم العصبيات الجاهلية؛ فتفرق كلمتهم, فكان يقول لأصحابه دائمًا: "لا ترجعوا بعدي كفَّارًا يضرب بعضكم رقاب بعض".

ولا يمكن بقاء الرابطة الإسلامية مع نشوء الشعور بالقومية العنصرية، ومن المغالطة الزعم بأن إحداهما تساير الأخرى ولا تضرها،

1 نقد القومية العربية .

فعندما بدأ المسملون في هذا الزمان يتغنون بالعنصرية والوطنية في كل قطر من أقطارهم, متأثرين بالأوربيين, صار العربيّ يتغنى بعروبته، والمصريّ ينتسب إلى الفراعنة، والتركيّ يتيه إعجابًا بتركيته, ويحاول أن يصل نسبه بهولاكو وجنكيز، والفارسيّ يقول لشدة انفعاله بنعرته القومية: أنه لم يكن من تأثير "الإمبراطورية العربية" إلّا أن صار عليّ والحسن والحسين -رضي الله عنهم- أبطال, وإلّا لكان رستم واسنفنديار وأنوشروان أحق أن يكونوا أبطاله القومين في حقيقة الأمر, وقد بدأ ينشأ في الهند مسلمون يفخرون بالانتساب إلى القومية الهندية، بل فيهم من يريدون أن ينقطعوا عن ماء زمزم, ويتصلوا بماء نهر جنجا، وفيهم من تبعثهم أهواؤهم على اتخاذ "بهيم" و"أرجن" و"رام ها" أبطال الهندوس القدماء, أبطالهم القومين, وليس هذا كله من هؤلاء السفهاء الراكبين رؤوسهم إلّا لأنهم ما عرفوا ما يملكون من الحضارة, وما يملكه الغرب, وما تبينوا ما بينهما من الفرق الجذريّ؛ لأن عيونهم كليلة عن المبادئ والحقائق, فلا ينظرون إلّا إلى السطح، ويبهر عقولهم ما يجدونه بارزًا عليه من الفقاقيع والألوان الظاهرة, ولا يعلمون أن الشيء الذي هو ماء الحياة للقومية, هو نفسه السم الزعاف للرابطة الإسلامية1.

إن بُطْلَان الدعوةِ إلى القومية العربية, أو غيرها من القوميات, مما هو معلومٌ من دين الإسلام بالضرورة؛ لأنها مُنْكَرٌ ظاهرٌ, وجاهليةٌ نكراء, وكيدٌ سافر للإسلام وأهله،

وذلك من وجوه أربعة:

أولًا: لأنها تفرق بين المسلمين, وتفصل المسلم العجميّ عن أخيه العربيّ, بل تفرق بين العرب أنفسهم وتقسمهم أحزابًا، فهي بذلك تخالف مقاصد الإسلام الذي يدعو إلى الاجتماع والوئام, قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} .

ثانيًا: لأنها من أمر الجاهلية, فهي تدعو إلى غير الإسلام، وكل ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن من نسبٍ وبلدٍ, أو جنسٍ, أو مذهبٍ, أو طريقةٍ, فهو من عزاء الجاهلية، كما يقول الشيخ ابن تيمية -رحمه الله- مستشهدًا بقوله -صلى الله عليه وسلم: "أبدعوى الجاهلية, وأنا بين ظهوركم".. والنصوص في ذلك كثيرة, منها ما رواه مسلم أن النبيّ -صلى

1 المودودي "بين الدعوة القومية والرابطة الإسلامية".

الله عليه وسلم قال: "ليس منا من دعا إلى عصبية, وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من غضب لعصبية"

وقوله: "إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا, حتى لا يبغي أحدٌ على أحد، ولا يفخر أحدٌ على أحد".

ولا ريب أن دعاة القومية يدعون إلى عصبية, ويغضبون لعصبية، ويقاتلون على عصبية، ولا ريب أيضًا أن الدعوة إلى القومية تدعو إلى البغي والفخر, وإنما هي فكرةٌ جاهليةٌ تحمل أهلها على الفخر بها, والتعصب لها.

والإسلام بخلاف ذلك, فهو يدعو إلى التواضع والتقوى والتحاب في الله, وأن يكون المسلمون الصادقون من كل أجناس بني آدم جسدًا واحدًا, وبناءً واحدًا يشد بعضه بعضًا, ويألم بعضه لبعض, وفي الحديث الصحيح: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، ويشبك بين أصابعه" و "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

وفي حديث الحارث الأشعريّ أن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "وأنا آمركم بخمسٍ, الله أمرني بهن، السمع والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة، فإنه من فارق الجماعة قيَْدَ شبرٍ, فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلى أن يراجع، ومن دعى بدعوى الجاهلية فهو من جثي 1 جهنم"، قيل: يا رسول الله, وإن صلى وصام, قال: "وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله".

وهذا الحديث الصحيح من أوضح الأدلة وأبينها في إبطال الدعوة إلى القومية, واعتبارها دعوةً جاهليةً يستحق دعاتها أن يكونوا من جثى جهنم.

ثالثًا: لأنها تؤدي إلى موالاة الكفار العرب, وملاحدتهم من أبناء غير المسلمين, واتخاذهم بطانة, والاستنصار بهم على أعداء القوميين من المسلمين وغيرهم, وفي ذلك مخالفة لنص القرآن الكريم، والسنة الدالة على وجوب بعض الكافرين ومعاداتهم وتحريم موالاتهم واتخاذهم بطانة كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} 1 الآيات

1 جمع جثوة, وهي الشيء المجموع, وقوم جثي: جلوس "أ. هـ" لسان العرب,

يقول شاعر القوميين:

سلام على كفر يوحد بيننا ... وأهلًا وسهلًا بعده بجهنم

والقوميون يدعون إلى التكتل حول القومية العربية، فيوالون لأجل ذلك كلَّ عربيٍّ من يهود ونصارى ومجوس ووثنيين وملاحدة وغيرهم, تحت لواء القومية العربية, ويقولون: إن نظامها لا يفرق بين عربيّ وعربيّ وإن تفرقت أديانهم, والله -عَزَّ وَجَلَّ- يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} إلى قوله: {وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} 2.

ونظام القومية يقول: كلهم أولياء مسلمهم وكافرهم, والله -سبحانه وتعالى- يقول: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} وقال تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} 3.

وشرع دعاة القومية يقول: اقصوا الدين عن القومية، وافصلوا الدين عن الدولة، وتكتلوا حول أنفسكم وقوميتكم, حتى تدركوا مصالحكم, وتستردوا أمجادكم، كأن الإسلام وقف في طريقهم, وحال بينهم وبين أمجادهم، هذا والله هو الجهل والتلبيس وعكس القضية.

وكيف يجوز في عقل عاقل أن يكون أبو جهل, وأبو لهب, وعقبة بن أبي معيط, والنضر بن الحارث, وأضرابهم من صناديد الكفار, في عهد النبيِّ -صلى الله عليه وسلم, وبعده, إلى يومنا هذا إخوانًا وأولياء لأبي بكر وعثمان وعمر وعلي وسائر الصحابة ومن سلك سبيلهم إلى يومنا هذا.. هذا والله أبطل الباطل وأعظم الجهل, وشرع القومية ونظامها يوجب هذا ويقتضيه.

رابعًا:لأن الدعوة للقومية تفضي بالمجتمع إلى رفض حكم القرآن

1 المائدة: 51.

2 الممتحنة: 1-4.

3 المجادلة: 22.

الكريم؛ لأن القومين غير المسلمين لن يرضوا بتحكيم القرآن، فيوجب هذا لزعماء القومية أن يتخذوا أحكامًا وضعيةً تخالف القرآن, حتى يستوي مجتمع القومية في تلك الأحكام1.

وأخيرًا, فينبغي ألا ننسى أن القومية قد اقترنت في التاريخ الإسلاميّ الحديث بالعمالة للاستعمار، كما اقترنت بالعداء للإسلام، كما ظهر مما قدمناه من مؤامرة لورنس وأمثاله.

1 ابن باز: نقد القومية العربية .

ثالثًا: تحرير المرأة

كما كانت العلمانية شعارًا خادعًا يخفي وراءه الحرب على الدين, وكما كانت القومية شعارًا خادعًا كذلك, يُسْتَعْمَلُ في مواجهة الدين.

فلقد رفع هذا الشعار: "تحرير المرأة" بقصد اجتذاب المرأة المسلمة واستخدامها حربًا على دينها, وأوّل من أوصى به أحد مؤتمرات التبشير, وكان الهدف يومئذٍ تنصير المرأة المسلمة, ثم تبعهم المسشرقون, وتبعهم مَنْ تَلَقَّوْا العلم والمعرفة على أيديهم, وهم في شرقنا الإسلاميّ كثير.

ماذا يقصدون بالتحرير؟

التحرير لا يكون إلّا من عبودية؟ فهل كانت المرأة المسلمة كذلك؟

إن المسلم لا يعطي العبودية لمخلوق, بل يعطيها للخالق, وللخالق وحده، ومن ثَمَّ, فإن أكثر الناس تحررًا من عبودية المخاليق, سواءً كانت آدمية، أو كانت مالًا، أو جاهًا، أو سلطانًا, أو غير ذلك من متاع الحياة الدنيا.

والمرأة المسلمة لها ما للرجل {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} 1 هذه الدرجة ليست درجة العبودية أبدًا, ولن

1 البقرة: 228.

تكون، لكنه أمر اقتضاه التنظيم، أن يكون للسفينة ربان واحد لا ربانان، وإلّا لغرقت السفينة بمن فيها.

ولقد سبقت المسلمة غيرها من النساء, فعرفت واجبها، وعرفت حقها, وكانت لها الشخصية القانونية المستقلة؛ تتعامل باسمها دون حاجةٍ إلى اعتماد تصرفها من أحد، بينما ظلت المرأة الفرنسية لا تتعامل باسمها وحدَه, بل لابد من إجازة الزوج لتصرفها, وذلك إلى عهد قريب.

فماذا يعني التحرر أو التحرير, بعدما أعطاها الإسلام ما لم يعطها نظام آخر.

قالوا: إنه يعني تحريرها من بيتها, وتحريرها من زيها.

قلنا: وبماذا يخدمهم تحريرها من بيتها، وتحريرها من زيها, وبعبارة أخرى, كيف يمكن من خلال هذا وذاك إبعاد الأمة عن الإسلام؟

المرأة بلا شكٍّ نصف المجتمع, وهي نصف خطير؛ لأنه يؤدي رسالةً خطيرةً, وإن غفل عنها الكثيرون.

إن الذين يتخرجون من المدارس والجامعات يمكن تعدادهم, ويمكن أن يوجد غيرهم لم يتخرجوا من هذه أو تلك, أما الجامعة التي لابدّ أن يتخرج منها كل مسلم, بل كل إنسان, فهي الأم؛ فإن صلحت, صلح خريجوها, وإن فسدت, فسد خريجوها, وتحرير المرأة من بيتها, يعني: إغلاق هذه الجامعة.

وإذا كانت هذه هي الجامعة الأولى التي خرجت من قبل تلك الأجيال العظيمة التي حملت إلينا الإسلام، بل حملته للدنيا كلها, فإن إغلاق هذه الجامعة يعني: إنعدام الخريجين من ذلك الطراز, ويعني: غلبة الخريجين من طراز آخر.

ولقد رأينا في عصرنا بداية الثمار؛ رأينا ممن تسلطوا على فكرة هذه الأمة, بل وعلى سلطانها, مَنْ كانت أمه راقصةً في نادٍ ليليّ, وأخرى تعمل في الغناء, وليس بين الاثنين كبير اختلاف.

أما ماذا يعني تحريرها من زيها؟

فإنه يعني: كشف ما أمر الله أن يستر، وهتك ما أمر الله أن يصان.

يعني: عرضًا رخيصًا لسلعةٍ غاليةٍ, صانها ربها, وصانها الإسلام..

يعني: إثارة اللحم والدم, وهو أمر لا يستطيع أن ينكره إلّا غبيّ أو متغابٍ.

فإذا أضفنا إلى تحرير المرأة من بيتها تحريرَها من زيِّهَا, كانت النتيجة, نتيجة الاثنين غير نتيجة الواحد.

أن التحرر من البيت وحده, قد يكون له النتيجة السلبية الخطيرة السابقة, وهي الإغراء بالفاحشة والدعوة إليها, لكن التحريرين, قد يعنيان فوق النتيجتين السابقتين مجتمعتين.

نتائج أخرى أخطر وأشد: إن أولها بلا شكٍّ انحلال المجتمع وسقوطه, بسقوط قيمه وأخلاقه ومثله.

إن فرنسا -غير الإسلامية, وصاحبة الإمبراطورية الكبيرة, سقطت تحت أقدام ألمانيا- على مدى أسبوع واحدٍ, وهي كما صرح رئيس وزرائها، أن فرنسا هزمها الانحلال قبل أن يهزمها الاحتلال.

فما بالنا بأمه إسلاميةٍ, أساس نظامها عقيدة وأخلاق, وما بالنا بأمة إسلاميةٍ لم تصل بعد من ناحية القوة المادية إلى ما وصلت إليه فرنسا أو أمريكا.

إن إشاعة الانحلال -في الأمة الإسلامية- عن طريق تحرير المرأة من بيتها وزيها, يعني: أن الأمة الإسلامية وهي بعد لم تقف على قدميها, تمامًا كما يصاب الطفل بمرض خطير لا يستطيع أن يقاومه الرجل الكبير؛ أنها جريمة كبرى, وخيانة عظمى, يقارفها كل من يدعو إلى هذا السبيل بالكلمة أو الصورة أو القدوة السيئة.

وفي عام 1395هـ-1975, طالب "جوزيف ريد" المدير العام لهيئة رعاية الأطفال, بعقوبات شديدة ضد الأشخاص الذين يتاجرون ببيع الأطفال في السوق السوداء؛ حيث يباع سنويًّا خمسين ألف طفل, وكلهم -بكل أسف- جاءوا من سفاح, ويجري الاتفاق مع الفتيات اللائي حملن بهن من غير زواج, مقابل مبلغ من المال, إلى جانب التكاليف الصحية والسكنية1..

أيُّ جيلٍ يكون, ذلك الذي لا يعرف له أبًا, ولا يعرف له أمًّا كذلك..؟

أيّ ارتداد إلى عصر الرق؟ ذلك الذي يباع فيه الأطفال ويشترون؟

ترى, هل يخرج لنا تحرر المرأة في شرقنا الإسلاميّ, ما أخرجه في ذلك العرب الصليبيّ؟

وهل نقم منا الغرب أن كانت لنا روابط أسرية متينة, يقوم عليها -بإذن الله- مجتمع متين؟

أم نقم منا أن لنا دينًا, هو سر ابتعاثنا بين الحين والحين, فخشي هذه الابتعاثة, ورغب لنا في رقدةٍ لا نهوض بعدها ولا قيام؟

أما المرأة الريفية:

فلم يشأ المخططون لتغريب المسلمين أن يتركوها في حالها وحيائها, أصروا على أن يغزوها في عقر دارها؛ ليذهبوا بما بقي من حيائها؛ لتشارك أختها في المدينة ما وصلت إليه من مدنية, تحت ستار الأمم المتحدة انطلقت أمريكا تغزو الريف المسلم باسم

1 مجلة المجتمع, العدد:492, 2جمادى الأولى 1395- 13 مايو سنة 1975 نقلًا عن وكالة اليونيتدبريس,واشنطن.

التربية الأساسية

أما ما هي التربية الأساسية؟

فهي كما عرفها أحد سدنتها, الدكتور حامد عمار, في بحثٍ ألقاه في مؤتمر أمريكيّ:

منهج من مناهج الإصلاح الاجتماعي لرفع مستوى المعيشة, يؤكد قيمة العملية التربوية , وتغيير الأفكار والنزعات.

وفي مكان آخر: تسعى التربية الأساسية إلى محاولة تغيير الأفكار والنزعات والاتجاهات1.

وفي سرس الليان مصر, مركز للأمم المتحدة.

وفي قرى سوريا مراكز2, وقد تكون وصلت إلي غيرها.

أما قضايا المرأة:

التي يتعمدون إثارتها بين الحين والحين؛ ليظهروا بمظهر المدافعين عن المرأة المحبين لمصلحتها, فزوبعة في فنجان, فنسبة الطلاق في البلاد الإسلامية ضئيلة, ونسبة التعدد أشد ضآلة, بما لا يصح أن يرتفع الصوت معها كأنها مشكلة أو قضية3.

ولئن كانت هناك قضية أو مشكلة, فهم سببها, حين تسببوا بوسائل إعلامهم في تصديع البيوت, وفي إثارة المشاكل, وحين تسببوا بدعاوي المساواة العريضة في أن لا يكون للبيت قوامة, وأن يكون فيه رئيسان الرجل والمرأة, ورئيسان في مركب واحد يغرقانه -كما هو المثل.

1 حصوننا مهددة من داخلها, للدكتور محمد محمد حسين, الناشر: مكتبة المنارة الإسلامية, الكويت وما بعدها.

2 المرجع السابق.

أ- حديث الحبيب بورقيبة بأهرام 20/ 12/ 1975, صرح الرئيس التونسي بأنه أصدر في سنة 1956 قانونًا بمنع تعدد الزوجات, يعتبر التعدد جنحة بعاقب مرتكبها بالسجن لمدة سنة, وغرامة مالية "240 دينارًا" وفي مقال شيخ الأزهر ذكر أن أحد التونسيين ضبط متلبسًا بجريمة الزواج بثانية، ولم يخل سبيله إلّا بعد أن قرر أن هذه الثانية خليلة وليست زوجة, وهكذا يطيب لبعض الحكام أن يحرموا ما أحل الله, وأن يحلوا ما حرم الله, ألَا ساء ما يزرون.
ثم حين ساندوا وساعدوا انحلال الأخلاق, وانفلتت من قيود الدين, فلم يعد الرجل يخشى الله في المرأة, ولم تعد المرأة تخشى الله في الرجل؛ فدَّبَ الخلاف والشقاق..والحلّ ليس تحررًا من الدين, أو مزيدًا من التحرر, وإنما عودةٌ إلى الدين, والتزامٌ بضوابطه وأخلاقه, تصير المشكلة محلولة {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} 1, {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} 2.هذه شعارات الغرب ووسائله لإحداث التغير الاجتماعي فينا..

علمانية:في التعليم.في الإعلام.في القانون.

قوميات:

تمزق الأمة الواحدة.وتمزق الدولة الواحدة.

تحرير المرأة:

ليسقط المجتمع في حمأة الرذيلة.ويقضي بنفسه على نفسه.

1 الذاريات 21.

2 الرعد 11.

ولو نجحت هذه الدعوات, فماذا يبقى لنا من الإسلام؟

وإذا نجحت, فماذا يبقى في مجتمعٍ لم يقف بعد على قدميه؟

لقد استجاب لها الطامعون في السطلة, واستجاب لها الراغبون في السقوط؛ لأنهم لا يقدرون على الارتفاع.

واستجاب لها السذج الجاهلون الذين حسبوها علاجًا لهذا الشرق الإسلاميّ, من تخلفه وعدم نهوضه.

وبقي أن ينهض العالمون الصادقون؛ ليقوموا بما قام به من قبل نبيهم ورسولهم محمد -عليه الصلاة والسلام, فهم خلفاؤه على ميراثه, وهم الأمناء على رسالته, وهم أمل الأمة الباقي, بعد أن تردى غيرهم وسقط في الشراك..

ولنكمل الصورة, أو نقترب بها من الكمال, نقدم لأمتنا بعضًا مما فعل ويفعل الصليبيون؟

المبحث الرابع: ما يفعل بنا الصليبيون

مدخل

لسنا نثير أحقادًا..

فنحن على استعداد أن نعاملهم بما أمرنا به القرآن إن كفوا عن قتالنا، وتشريدنا وإخراجنا من ديارنا {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ} 1

فإن لم يكفوا عن قتالنا وقتلنا، وعن إخراجنا وتشريدنا.. فهم الذين يثيرون الأحقاد، وهم الذين يظلمون {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} 2.

ولن نأتي من القديم لنذكر قومنا بما فعلوه يوم دخلوا بيت المقدس؛ فذبحوا فيه سبعين ألفًا من المسلمين, حتى غاصت الخيل إلى صدورها في دماء المسلمين3.

ولا بما فعلوه في الجزائر, حين قتلوا مليون شهيد..

ولا بما يثيرون من أحقادٍ حين يحفظون جندهم: "أنا ذاهب إلى طرابلس فرحًا مسرورًا؛ لأبذل دمي لسحق الأمة المعلونة، لأحارب الدولة الإسلامية التي تجيز البنات الأبكار للسطان!! سأقاتل بكل قوتي لأمحو القرآن"4.

1 الممتحنة: 8، 9.

2 الشعراء: 227.

3 حاضر العالم الإسلاميّ, الكاتب الأمريكي ستودارد , وحضارة العرب للكاتب الفرنسي فوستاف لوبون.

4 نشرت هذا النشيد مجلةالرابطة الشرقية السنة الثالثة, العدد الثاني, 25 جمادى سنة 1349, وقد تقدم في مبحث التبشير .

ولا بما يخططون له حين يقول أحد قادة فكرهم: "أن جزيرة العرب التي هي مهد الإسلام لم تزل نذير خطر للمسيحية"

وحين يكمل آخر:

"متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب, يمكننا حينئذٍ أن نرى العربيّ يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلّا -محمد- وكتابه".

وحين يضع لهم أحد فلاسفتهم الحل النهائيّ؛ فيقترح أن يباد ثلثا المسلمين, وينفى الثلث الثالث، وتهدم الكعبة, وينقل قبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى متحف اللوفر1.

سنترك هذا وغيره جانبًا.

لنذكِّرَ قومنا بما يجري الآن, حيث يدعون أنهم تخلوا عن عصبيتهم, أو صليبيتهم, ولنضرب لذلك بعض الأمثلة:

في الفلبين

يتعرض المسلمون في الفلبين لحرب إبادةٍ لم يشهد لها التاريخ الحديث مثيلًا؛ فهم يجلون من قبل الصليبيين عن أراضيهم التي خصها الله بالخصب والنماء، فإن رفضوا تعرضوا للإبادة من قوات الجيش الفلبينيّ التي لا تكتفي بمجرد الحرب الشريفة, بل تستعمل كل وسائل الإبادة الممنوعة؛ مثل: الغازات والنبالم، ثم هي بعد ذلك تمثِّلُ بالجثث, وتنتقم من الجرحى والأطفال والنساء.

وفي بيانٍ للأخ عبد الباقي أبو بكر, الأمين العام للعلاقات الخارجية لجبهة تحرير مورو, مؤرخ 29 مارس سنة 1976, ينقل عن عمدة بانكوك: محمد صالح عثمان, قائد المجاهدين الذي لا يزال يقاوم الحصار منذ 16 شهرًا: "والآن -يعزز الجيش الحصار بـ 8 كتائب جديدة, غير قوات الطيران التي تقصف المنطقة ليلًا ونهارًا, والبواخر التي توجه ضرباتها المركزة من المدافع الفتاكة بدون انقطاع" وفي مرارة يختم

1 الفيلسوف الفرنسي كيمون.

كلامه: "يبدو لي أن المسلمين في العالم لم يعرفوا حقيقة الوضع الذي نعيشه, أو أنهم يتجاهلوننا" ثم يقول أمين عام الجبهة, وكنتيجة لهذه المعارك التي لا تزال دائرة للآن, قتل ما لا يقل عن 50.000 مسلم, ثم يقول: "وماركوس يعلم أنه لا يستطيع أن ينال من المسلمين, ولكنه يريد أن يسرق المسلمين, ويسرق أنظار العالم"1.

في أثيوبيا

كان أسد الحبشة يضطهد المسلمين اضطحادًا شديدًا، فرغم أنهم في حقيقة الأمر يمثلون أغلبية البلاد، فإن أحدًا منهم لا يشترك في الوزارة ولا في الحكم، بل ولا يسمح له بارتقاء منصب قياديّ من أي لون، ولقد صارت سجون أثيوبيا مقابر للمسلمين الذين يجأرون مما هم فيه، ولأسد الحبشة هواية في تعذيب المسلمين, إنه يأمر بربط أيديهم إلى أرجلهم, ويبقون على هذا الحال سنين, حتى تتقوس ظهورهم, وتأخذ شكل المنحنى، فإذا أفرج عنهم, لم يستطيعوا المشي إلّا على أربع..

وكنا ننتظر بعدما أسقط الإمبراطور بانقلاب عسكريّ, أن النظام سوف يتغير, لكن الحقيقة أن القبضة العسكرية الحاكمة اشتدت على المسلمين, حتى أن تقريرًا عرض على المجلس العسكريّ, وتَمَّ إقراره يصرح: "لقد حان الوقت أن نعرف جيدًا من هم أعداؤنا، لقد اختار العرب وعملاؤهم أن يكونوا أعداءنا, وعلينا أن نعاملهم على هذا الأساس2".

إن المجازر التي يتعرض لها الثوار المسلمون في إرتيريا, أمر يحرك كل ذي ضمير أو مروءة, لكن أين المروءة؟ لقد خفت حتى اخفت.

المسلمون في تايلاند

نشرت مجلة الاعتصام القاهرية أنه:

أ- في 16 نوفمبر سنة 1976 قامت السلطات التايلاندية

1 مجلة المجتمع العدد 296, السنة السابعة, 20 ربيع آخر 1396-10 فبراير سنة 1976.

2 مجلة المجتمع العدد 297, السنة السابعة, 27 ربيع آخر 1396-16 أبريل سنة 1976.

بهدم المسجد الكبير في ولاية "بنارا" في إطار مخطط يستهدف إزالة الآثار الإسلامية، ومنع المسلمين من إقامة شعائرهم الدينية, وتشجيع ممارسة البوذيين لطقوسهم أمام المساجد, وبناء الأصنام في كل المدن بالولايات الإسلامية الأربع في فطاني.

ب- قام خمسة أشخاص من المنشأة البحرية التايلاندية بذبح خمسة من القرويين المسلمين الأحياء، ومثَّلوا بجثتهم, ثم قذفوا بها إلى البحر, في محافظة تلويه في ولاية فطاني.

انطلقت مظاهرة احتجاج, تعرضت لها القوات التايلاندية, سقط فيها عشرون شهيدًا, وجرح فيها المئات.

ج- قامت العصابات التايلاندية في الفترة الأخيرة بحرق إحدى قرى المسلمين في محافظة "جاها" بولاية "جالا" وتسعى العصابات البوذية إلى تشجيع هجرة البوذيين, من شمال البلاد إلى الجنوب الإسلاميّ, وإقامة مستعمرات فيها.

وبعد.. فهل نجح الغرب في حربه الفكرية لنا؟

أولًا: بالنسبة للأسلوب

حين نجح انقلاب "كمال أتاتورك" العسكريّ, واستطاع أن يحقق ما كان الغرب يبغيه, سلم الحلفاء في اتفاقية لوزان باستقلال تركيا.

ذلك أنه بإلغاء الخلافة الإسلامية في تركيا سنة 1924, تحقيق أمل بعيد للصليبية, ومن وراءها حاربت من أجله دهرًا طويلًا.

وحاول كمال أتاتورك بعد ذلك سلخ تركيا من إسلامها, بما فرضه من علمانية التعليم وعلمانية القانون، وتحرير المرأة المسلمة التركية, واختلاط بينها وبين الرجال في كل المجالات، ثم بما فرضه من إلغاء الحروف العربية, واستبدالها باللاتينية, ومن محاولته تغيير الزيّ بالقوة.

وعُدَّ ذلك كله نجاحًا, شجع الغرب بعد ذلك على مزيدٍ من الانقلابات العسكرية في المنطقة الإسلامية, بهدف إبقاء السيطرة أو القوة تابعةً له؛ لتنفذ البرنامج, أو المخطط الموضوع لإبعاد المسلمين عن دينهم, وتحقق التغيير الاجتماعي, أو ما يطلق عليه التغريب.

لكن المراقبين لمجريات الحوادث أحسوا بقصور التجربة الكمالية في تركيزها على جانب القوة, فنصحوا إلى جوارها بمحاولة تثبيت النتائج التي تصل إليها الانقلابات العسكرية, وتعميقها في الشعوب1 وحسبنا ذلك انتقادًا لانقلاب أتاتورك.

فإذا أضفنا إليه أن ما بلغه كمال أتاتورك لم يغير شيئًا من الشعب التركي, بل إنه على العكس من ذلك, زاده استمساكًا وتصميمًا, وأنه لولا ظروف تركيا الدولية, وإحاطة الأعداء بها من كل جانب, لكان للشعب من أتاتورك وغيره من الأتاتوركيين شأن آخر.

وهناك أمر لا يزال غائبًا عن أولئك الذين يجرون التغيير, إنهم يحاولون تبديل بناء ببناء, يحاولون هدم البناء القديم, وإقامة بناء جديد.

إن الانقلابات العسكرية تلجأ في وسيلتها للتغيير إلى العنف والقوة, والقانون الطبيعيّ أن كل فعل له رد فعل, مساوٍ له في القوة, ومضاد له في الاتجاه..

والقانون الطبيعيّ كذلك, أن زيادة الضغط تولد الانفجار.

ولعلهم يتغلبون على ذلك بالتغيير من حينٍ لآخر, امتصاصًا للبخار الحبيس أن يؤدي إلى الانفجار, لكن التوقيت قد يخطئهم؛ فيحدث الانفجار قبل التوقيت الذي ضربوه، وعلى نحوٍ لا يستطيعون السيطرة عليه, ولا على نتائجه.

وأخيرًا.. لقد انكشف هذا الأسلوب وتعرّى, وأساء العسكريون إلى أنفسهم, وإلى الذين يعملون لحسابهم, أساءوا أكثر مما أحسنوا.

وإذا كان الغرب بحصافته, قد أدرك فضل الأسلوب القديم, أسلوب احتلال الشعوب بالقوة العسكرية، فعليه -بحصافته- أن يدرك قبل فوات الأوان, فشل الأسلوب الجديد, أسلوب تغيير الشعوب بالقوة العسكرية عن طريق الانقلابات العسكرية.

  • هذا عن الأسلوب الجديد, فماذا عن الهدف الجديد..؟

1 يشير إلى هذا المعنى مورو بيرجر حين يقول: "وقد يتطلب تعميق هذا المعنى, وتحويله إلى رغبات وأذواق ومشارب تلقائية حرة, عملية تثبيت طويلة تعنيفًا, بوسائل أقل تعنيفًا وتحكمًا, وذلك بعد إشارة إلى التغيير الاجتماعي بالطريق العسكريّ, كتاب العالم العربي اليوم المرجع السابق, ونهدي إلى الغرب قول عصمت أينونو, وهو في مرض موته: "إنني لا أكاد أصدق ما أرى, لقد بذلنا كل ما نستطيع لانتزاع الإسلام من نفوس الأتراك, وغرس مبادئ الحضارة الغربية مكانه, فإذا بنا نفاجأ بما لم نكن نتوقعه, لقد غرسنا العلمانية فأثمرت الإسلام" المجتمع العدد 256, 21 جمادى الثانية 1395-يوليو 1975م.

ثانيًا: بالنسبة للهدف

كان الغرب ذكيًّا حين أدرك في وقت مناسب أو متأخر أن التنصير كهدف لحملته الفكرية المؤيدة بالقوة العسكرية خارجيةً أو داخليةً, أن ذلك الهدف فشل, وأنه برغم الجهود الضخمة البشرية والمالية والإعلامية والتعليمية فإن النسبة التي تَمَّ تنصيرها من المسلمين نسبة تافهة, يمكن أن تلحق بالعدم لتكون النتيجة سلبية تمامًا!
لذا كان البديل عن التنصير وإخراج المسلمين عن دينهم, هو التغيير والاكتفاء بإبعاد المسلمين عن دينهم,

وهو ما تبذل له الجهود اليوم؛ من تعليم علمانيّ، وإعلام علمانيّ، وقانونٍ علمانيّ، وتحرير للمرأة من زيها ومن بيتها, ثم ما يبذل من حَطٍّ لقيمة الدين وقيمة علمائه ودعاته.

  • فهل يا ترى, نجح الهدف الجديد؟
نجاح أمر يتعلق بالأمم والشعوب لا يحكم عليه في سنين, ولا في جيل, فقد لا تظهر نتيجة إلّا بعد أجيال, وقد تكون النتيجة الواضحة أن التغريب نجح في إبعاد المسلمين عن دينهم بما فيه من قيم إيمانية, وقيم أخلاقية، وقيم قانونية, وأن المسلمين استبدلوا به من قيم الغرب, حتّى في عاداتهم, وفي لبسهم, وفي طريقة أكلهم وشرابهم, وفي تعاملهم, و"أتيكيتهم"!لكن هذه النتيجة مشكوك في صحتها.
إنه على قدر عمق التغيير الاجتماعيّ الذي حدث استبدالًا بقيم الإسلام قيم الغرب وتقاليده, فلقد حدث على نفس العمق أكبر استمساك وإصرار على النظام الإسلاميّ؛ عقيدةً وأخلاقًا وعبادةً وقانونًا, وماج العالم الإسلاميّ بحركاتٍ كثيرةٍ عميقةٍ, وأحيانًا عنيفةٍ تدعو إلى الإسلام كمنهجٍ متكامل للفرد والأسرة والمجتمع والدولة, وبدا أن الجمر يتقد تحت الرماد, فهل يتركونه حتى يكون نارًا تحرق؟ وفي نفس الوقت نور يضيء؟
  • يحاولون أن يأخذوا نوره, وأن يتقوا ناره؟
على الذين يمارسون التغيير أن يحذروا, فقد تصيبهم النار قبل أن يغشى عيونهم النور, وعليهم أن يغيروا من هدفهم, فلقد انكشف للناس, وخير للغرب أن يبتعد عن فتنة المؤمنين عن دينهم, فإن السهم قد يرتد أول ما يرتد إلى صدره، وقد تصيبه النار قبل أن يرى النور, خير أن يحتفظ بصداقة الشرق الإسلاميّ، ويحافظ على مصالحه الاقتصادية والتجارية فيه, من أن يُصِرَّ على التغيير؛ فيفقد هذه المصالح, ويجني العداء إلى الأبد.
إن المسلمين لا يعادون الذي لا يقاتلونهم في الدين ولا يخرجونهم من ديارهم, بل إنهم على العكس يسالمونهم، ويبرونهم، ويقسطون إليهم, فذلك أمر دينهم {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} 1.
لكنهم في نفس الوقت ينقلبون مع الزمن، طال أو قصر، إلى أسود غضاب إزاء من يقاتلهم في دينهم, ويفتنهم فيه, وإزاء من يخرجهم من ديارهم ويسلبهم أوطانهم؛ ذاك أمر ربهم {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} 2.

1 الممتحنة 8.

2 الممتحنة 9.

خير للغرب أن يدرك أنه يمكن لحضارته أن تعيش إذا تركت حضارة الإسلام كذلك لتيعش, وأنه يمكن للحضارتين أن يتعايشا {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين} 1 وأنه خيرٌ أن تتعايش الحضارتان من أن تصر حضارتهم على العيش وحدها؛ فتفنى بإذن الله وحدها؛ لأننا نؤمن أن الله حافظ دينه {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} 2، {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِه} 3، {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} 4, فأي الطريقين تختارون؟

ولا يخشى الغرب أن يغزوه الإسلام مرةً أخرى؛ فحسبنا اليوم وسائل الإعلام, وحسبنا اليوم وعي الناس, وحسبنا اليوم أن نترك لهم الخيار, فإنه {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} 5.

وحسبنا درس الامتداد العضويّ الذي مارسته تركيا من غير بسطٍ فكريٍّ ولا عقائديِّ؛ فارتد المد جزرًا أصاب الأمة في كبدها وفي قلبها..

حسبنا الدرس التاريخيّ أن نكرره مرةً أخرى, وحسبنا أن ننظم بيتنا, ونضمد جروحنا, ونستعيد أنفسنا, فأمامنا لذلك سنين, إن لم يكن قرون!

ولا نترك هذا التعقيب حتى نقول لأبنائنا وإخوتنا ممن لا يزالون منخدعين -وإن كانوا قلة, فإنهم أعزاء علينا أن يفارقونا، ويفارقوا قومهم إن في الغرب بضاعتين؛ بضاعة يزجيها إليكم, وبضاعة يَضِنُّ بها عليكم؛ فأما التي يزجي, فإنها تسلبكم أخلاقكم، وقيمكم، وتاريخكم، وشخصيتكم.

نقول لهم:

1 الكافرون 6.

2 الحجر 9.

3 الصف 8.

4 التوبة 32.

5 البقرة 256.

وأما التي يَضِنُّ, فهي سر تفوقه الماديّ عليكم؛ هي علمه وفنون صناعته "تكنولوجيته".

فما بالكم أقبلتم على التي يزجي, وتركتم التي بها يَضِنُّ, فما حصلتم غير القشور؛ غير الزبد, وتركتم ما ينفع الناس!

إن في خزائننا الجواهر, وإن علاها التراب من طول الزمن وكثرة الكيد1, وإن ما عندهم سرابٌ خادعٌ, أو معدنٌ برَّاق, لكنه غير أصيل, فلا ينبغي أن نترك الجواهر في خزائننا؛ لنمد أيدينا للمعادن غير الأصيلة.

ما ينبغي أن تكون اليد المتوضئة هي السفلى, واليد الأخرى هي العليا.

فكيف إذا كانت اليد المتوضئة تملك الجواهر, كيف ترضى أن تمتد, وأن تكون هي السفلى, وذلك لا يمنع من أن نستفيد بعلم الغرب وتجربته, من غير أن نهجر قيمنا، ومبادئا، وأخلاقنا، وعقيدتنا, من غير أن نترك ديننا, فلا نبيع ديننا ولو كان بالدنيا كلها!

يقول الشاعر:

إن الجواهر في التراب جواهر ... والأسد في قفص الحديد أسود

في الفلبين

يتعرض المسلمون في الفلبين لحرب إبادةٍ لم يشهد لها التاريخ الحديث مثيلًا؛ فهم يجلون من قبل الصليبيين عن أراضيهم التي خصها الله بالخصب والنماء، فإن رفضوا تعرضوا للإبادة من قوات الجيش الفلبينيّ التي لا تكتفي بمجرد الحرب الشريفة, بل تستعمل كل وسائل الإبادة الممنوعة؛ مثل: الغازات والنبالم، ثم هي بعد ذلك تمثِّلُ بالجثث, وتنتقم من الجرحى والأطفال والنساء.

وفي بيانٍ للأخ عبد الباقي أبو بكر, الأمين العام للعلاقات الخارجية لجبهة تحرير مورو, مؤرخ 29 مارس سنة 1976, ينقل عن عمدة بانكوك: محمد صالح عثمان, قائد المجاهدين الذي لا يزال يقاوم الحصار منذ 16 شهرًا: "والآن -يعزز الجيش الحصار بـ 8 كتائب جديدة, غير قوات الطيران التي تقصف المنطقة ليلًا ونهارًا, والبواخر التي توجه ضرباتها المركزة من المدافع الفتاكة بدون انقطاع" وفي مرارة يختم

1 الفيلسوف الفرنسي كيمون.

كلامه: "يبدو لي أن المسلمين في العالم لم يعرفوا حقيقة الوضع الذي نعيشه, أو أنهم يتجاهلوننا" ثم يقول أمين عام الجبهة, وكنتيجة لهذه المعارك التي لا تزال دائرة للآن, قتل ما لا يقل عن 50.000 مسلم, ثم يقول: "وماركوس يعلم أنه لا يستطيع أن ينال من المسلمين, ولكنه يريد أن يسرق المسلمين, ويسرق أنظار العالم"1.

في أثيوبيا

كان أسد الحبشة يضطهد المسلمين اضطحادًا شديدًا، فرغم أنهم في حقيقة الأمر يمثلون أغلبية البلاد، فإن أحدًا منهم لا يشترك في الوزارة ولا في الحكم، بل ولا يسمح له بارتقاء منصب قياديّ من أي لون، ولقد صارت سجون أثيوبيا مقابر للمسلمين الذين يجأرون مما هم فيه، ولأسد الحبشة هواية في تعذيب المسلمين, إنه يأمر بربط أيديهم إلى أرجلهم, ويبقون على هذا الحال سنين, حتى تتقوس ظهورهم, وتأخذ شكل المنحنى، فإذا أفرج عنهم, لم يستطيعوا المشي إلّا على أربع..

وكنا ننتظر بعدما أسقط الإمبراطور بانقلاب عسكريّ, أن النظام سوف يتغير, لكن الحقيقة أن القبضة العسكرية الحاكمة اشتدت على المسلمين, حتى أن تقريرًا عرض على المجلس العسكريّ, وتَمَّ إقراره يصرح:

"لقد حان الوقت أن نعرف جيدًا من هم أعداؤنا، لقد اختار العرب وعملاؤهم أن يكونوا أعداءنا, وعلينا أن نعاملهم على هذا الأساس2".

إن المجازر التي يتعرض لها الثوار المسلمون في إرتيريا, أمر يحرك كل ذي ضمير أو مروءة, لكن أين المروءة؟

لقد خفت حتى اخفت.

المسلمون في تايلاند

نشرت مجلة الاعتصام القاهرية أنه:

أ- في 16 نوفمبر سنة 1976 قامت السلطات التايلاندية

1 مجلة المجتمع العدد 296, السنة السابعة, 20 ربيع آخر 1396-10 فبراير سنة 1976.

2 مجلة المجتمع العدد 297, السنة السابعة, 27 ربيع آخر 1396-16 أبريل سنة 1976.

بهدم المسجد الكبير في ولاية "بنارا" في إطار مخطط يستهدف إزالة الآثار الإسلامية، ومنع المسلمين من إقامة شعائرهم الدينية, وتشجيع ممارسة البوذيين لطقوسهم أمام المساجد, وبناء الأصنام في كل المدن بالولايات الإسلامية الأربع في فطاني.

ب- قام خمسة أشخاص من المنشأة البحرية التايلاندية بذبح خمسة من القرويين المسلمين الأحياء، ومثَّلوا بجثتهم, ثم قذفوا بها إلى البحر, في محافظة تلويه في ولاية فطاني.
انطلقت مظاهرة احتجاج, تعرضت لها القوات التايلاندية, سقط فيها عشرون شهيدًا, وجرح فيها المئات.
ج- قامت العصابات التايلاندية في الفترة الأخيرة بحرق إحدى قرى المسلمين في محافظة "جاها" بولاية "جالا" وتسعى العصابات البوذية إلى تشجيع هجرة البوذيين, من شمال البلاد إلى الجنوب الإسلاميّ, وإقامة مستعمرات فيها.

وبعد.. فهل نجح الغرب في حربه الفكرية لنا؟

أولًا: بالنسبة للأسلوب

حين نجح انقلاب "كمال أتاتورك" العسكريّ, واستطاع أن يحقق ما كان الغرب يبغيه, سلم الحلفاء في اتفاقية لوزان باستقلال تركيا.

ذلك أنه بإلغاء الخلافة الإسلامية في تركيا سنة 1924, تحقيق أمل بعيد للصليبية, ومن وراءها حاربت من أجله دهرًا طويلًا.

وحاول كمال أتاتورك بعد ذلك سلخ تركيا من إسلامها, بما فرضه من علمانية التعليم وعلمانية القانون، وتحرير المرأة المسلمة التركية, واختلاط بينها وبين الرجال في كل المجالات، ثم بما فرضه من إلغاء الحروف العربية, واستبدالها باللاتينية, ومن محاولته تغيير الزيّ بالقوة.

وعُدَّ ذلك كله نجاحًا, شجع الغرب بعد ذلك على مزيدٍ من الانقلابات العسكرية في المنطقة الإسلامية, بهدف إبقاء السيطرة أو القوة تابعةً له؛ لتنفذ البرنامج, أو المخطط الموضوع لإبعاد المسلمين عن دينهم, وتحقق التغيير الاجتماعي, أو ما يطلق عليه التغريب.

لكن المراقبين لمجريات الحوادث أحسوا بقصور التجربة الكمالية في تركيزها على جانب القوة, فنصحوا إلى جوارها بمحاولة تثبيت النتائج التي تصل إليها الانقلابات العسكرية, وتعميقها في الشعوب1 وحسبنا ذلك انتقادًا لانقلاب أتاتورك.

فإذا أضفنا إليه أن ما بلغه كمال أتاتورك لم يغير شيئًا من الشعب التركي, بل إنه على العكس من ذلك, زاده استمساكًا وتصميمًا, وأنه لولا ظروف تركيا الدولية, وإحاطة الأعداء بها من كل جانب, لكان للشعب من أتاتورك وغيره من الأتاتوركيين شأن آخر.

وهناك أمر لا يزال غائبًا عن أولئك الذين يجرون التغيير, إنهم يحاولون تبديل بناء ببناء, يحاولون هدم البناء القديم, وإقامة بناء جديد.

إن الانقلابات العسكرية تلجأ في وسيلتها للتغيير إلى العنف والقوة, والقانون الطبيعيّ أن كل فعل له رد فعل, مساوٍ له في القوة, ومضاد له في الاتجاه..والقانون الطبيعيّ كذلك, أن زيادة الضغط تولد الانفجار.

ولعلهم يتغلبون على ذلك بالتغيير من حينٍ لآخر, امتصاصًا للبخار الحبيس أن يؤدي إلى الانفجار, لكن التوقيت قد يخطئهم؛ فيحدث الانفجار قبل التوقيت الذي ضربوه، وعلى نحوٍ لا يستطيعون السيطرة عليه, ولا على نتائجه.

وأخيرًا.. لقد انكشف هذا الأسلوب وتعرّى, وأساء العسكريون إلى أنفسهم, وإلى الذين يعملون لحسابهم, أساءوا أكثر مما أحسنوا.

وإذا كان الغرب بحصافته, قد أدرك فضل الأسلوب القديم, أسلوب احتلال الشعوب بالقوة العسكرية، فعليه -بحصافته- أن يدرك قبل فوات الأوان, فشل الأسلوب الجديد, أسلوب تغيير الشعوب بالقوة العسكرية عن طريق الانقلابات العسكرية.

  • هذا عن الأسلوب الجديد, فماذا عن الهدف الجديد..؟
1 يشير إلى هذا المعنى مورو بيرجر حين يقول: "وقد يتطلب تعميق هذا المعنى, وتحويله إلى رغبات وأذواق ومشارب تلقائية حرة, عملية تثبيت طويلة تعنيفًا, بوسائل أقل تعنيفًا وتحكمًا, وذلك بعد إشارة إلى التغيير الاجتماعي بالطريق العسكريّ, كتاب "العالم العربي اليوم" المرجع السابق, ونهدي إلى الغرب قول عصمت أينونو, وهو في مرض موته: "إنني لا أكاد أصدق ما أرى, لقد بذلنا كل ما نستطيع لانتزاع الإسلام من نفوس الأتراك, وغرس مبادئ الحضارة الغربية مكانه, فإذا بنا نفاجأ بما لم نكن نتوقعه, لقد غرسنا العلمانية فأثمرت الإسلام" المجتمع العدد 256, 21 جمادى الثانية 1395-يوليو 1975م.

ثانيًا: بالنسبة للهدف

كان الغرب ذكيًّا حين أدرك في وقت مناسب أو متأخر أن التنصير كهدف لحملته الفكرية المؤيدة بالقوة العسكرية خارجيةً أو داخليةً, أن ذلك الهدف فشل, وأنه برغم الجهود الضخمة البشرية والمالية والإعلامية والتعليمية فإن النسبة التي تَمَّ تنصيرها من المسلمين نسبة تافهة, يمكن أن تلحق بالعدم لتكون النتيجة سلبية تمامًا!
لذا كان البديل عن التنصير وإخراج المسلمين عن دينهم, هو التغيير والاكتفاء بإبعاد المسلمين عن دينهم,

وهو ما تبذل له الجهود اليوم؛ من تعليم علمانيّ، وإعلام علمانيّ، وقانونٍ علمانيّ، وتحرير للمرأة من زيها ومن بيتها, ثم ما يبذل من حَطٍّ لقيمة الدين وقيمة علمائه ودعاته.

  • فهل يا ترى, نجح الهدف الجديد؟
نجاح أمر يتعلق بالأمم والشعوب لا يحكم عليه في سنين, ولا في جيل, فقد لا تظهر نتيجة إلّا بعد أجيال, وقد تكون النتيجة الواضحة أن التغريب نجح في إبعاد المسلمين عن دينهم بما فيه من قيم إيمانية, وقيم أخلاقية، وقيم قانونية, وأن المسلمين استبدلوا به من قيم الغرب, حتّى في عاداتهم, وفي لبسهم, وفي طريقة أكلهم وشرابهم, وفي تعاملهم, و"أتيكيتهم"!لكن هذه النتيجة مشكوك في صحتها.
إنه على قدر عمق التغيير الاجتماعيّ الذي حدث استبدالًا بقيم الإسلام قيم الغرب وتقاليده, فلقد حدث على نفس العمق أكبر استمساك وإصرار على النظام الإسلاميّ؛ عقيدةً وأخلاقًا وعبادةً وقانونًا, وماج العالم الإسلاميّ بحركاتٍ كثيرةٍ عميقةٍ, وأحيانًا عنيفةٍ تدعو إلى الإسلام كمنهجٍ متكامل للفرد والأسرة والمجتمع والدولة, وبدا أن الجمر يتقد تحت الرماد, فهل يتركونه حتى يكون نارًا تحرق؟ وفي نفس الوقت نور يضيء؟
  • أم يحاولون أن يأخذوا نوره, وأن يتقوا ناره؟
على الذين يمارسون التغيير أن يحذروا, فقد تصيبهم النار قبل أن يغشى عيونهم النور, وعليهم أن يغيروا من هدفهم, فلقد انكشف للناس, وخير للغرب أن يبتعد عن فتنة المؤمنين عن دينهم, فإن السهم قد يرتد أول ما يرتد إلى صدره، وقد تصيبه النار قبل أن يرى النور, خير أن يحتفظ بصداقة الشرق الإسلاميّ، ويحافظ على مصالحه الاقتصادية والتجارية فيه, من أن يُصِرَّ على التغيير؛ فيفقد هذه المصالح, ويجني العداء إلى الأبد.
إن المسلمين لا يعادون الذي لا يقاتلونهم في الدين ولا يخرجونهم من ديارهم, بل إنهم على العكس يسالمونهم، ويبرونهم، ويقسطون إليهم, فذلك أمر دينهم {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} 1.
لكنهم في نفس الوقت ينقلبون مع الزمن، طال أو قصر، إلى أسود غضاب إزاء من يقاتلهم في دينهم, ويفتنهم فيه, وإزاء من يخرجهم من ديارهم ويسلبهم أوطانهم؛ ذاك أمر ربهم {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} 2.

1 الممتحنة 8.

2 الممتحنة 9.

خير للغرب أن يدرك أنه يمكن لحضارته أن تعيش إذا تركت حضارة الإسلام كذلك لتيعش, وأنه يمكن للحضارتين أن يتعايشا {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين} 1 وأنه خيرٌ أن تتعايش الحضارتان من أن تصر حضارتهم على العيش وحدها؛ فتفنى بإذن الله وحدها؛ لأننا نؤمن أن الله حافظ دينه {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} 2، {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِه} 3، {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} 4, فأي الطريقين تختارون؟ ولا يخشى الغرب أن يغزوه الإسلام مرةً أخرى؛ فحسبنا اليوم وسائل الإعلام, وحسبنا اليوم وعي الناس, وحسبنا اليوم أن نترك لهم الخيار, فإنه {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} 5.

وحسبنا درس الامتداد العضويّ الذي مارسته تركيا من غير بسطٍ فكريٍّ ولا عقائديِّ؛ فارتد المد جزرًا أصاب الأمة في كبدها وفي قلبها..

حسبنا الدرس التاريخيّ أن نكرره مرةً أخرى, وحسبنا أن ننظم بيتنا, ونضمد جروحنا, ونستعيد أنفسنا, فأمامنا لذلك سنين, إن لم يكن قرون!

ولا نترك هذا التعقيب حتى نقول لأبنائنا وإخوتنا ممن لا يزالون منخدعين -وإن كانوا قلة, فإنهم أعزاء علينا أن يفارقونا، ويفارقوا قومهم

نقول لهم:

1 الكافرون 6.

2 الحجر 9.

3 الصف 8.

4 التوبة 32.

5 البقرة 256.

إن في الغرب بضاعتين؛ بضاعة يزجيها إليكم, وبضاعة يَضِنُّ بها عليكم؛ فأما التي يزجي, فإنها تسلبكم أخلاقكم، وقيمكم، وتاريخكم، وشخصيتكم.

وأما التي يَضِنُّ, فهي سر تفوقه الماديّ عليكم؛ هي علمه وفنون صناعته "تكنولوجيته".

فما بالكم أقبلتم على التي يزجي, وتركتم التي بها يَضِنُّ, فما حصلتم غير القشور؛ غير الزبد, وتركتم ما ينفع الناس!

إن في خزائننا الجواهر, وإن علاها التراب من طول الزمن وكثرة الكيد1, وإن ما عندهم سرابٌ خادعٌ, أو معدنٌ برَّاق, لكنه غير أصيل, فلا ينبغي أن نترك الجواهر في خزائننا؛ لنمد أيدينا للمعادن غير الأصيلة.

ما ينبغي أن تكون اليد المتوضئة هي السفلى, واليد الأخرى هي العليا.

فكيف إذا كانت اليد المتوضئة تملك الجواهر, كيف ترضى أن تمتد, وأن تكون هي السفلى, وذلك لا يمنع من أن نستفيد بعلم الغرب وتجربته, من غير أن نهجر قيمنا، ومبادئا، وأخلاقنا، وعقيدتنا, من غير أن نترك ديننا, فلا نبيع ديننا ولو كان بالدنيا كلها!

يقول الشاعر:

إن الجواهر في التراب جواهر ... والأسد في قفص الحديد أسود

الباب الثالث: الصهيونية "اليهودية العالمية"

الفصل الأول: التعريف بالصهيونية ومنشؤها

المبحث الأول: التعريف بالصهيونية

لا جرم أن الصهيونية أخطر المذاهب الدينية والسياسية التي منيت بها البشرية، بما تفرض من قهرٍ سياسيٍّ، وقسر فكريٍّ، وتمايز عنصريٍّ، واحتكار للقوى المادية والفكرية على مستوى البسيطة، وبما تنزغ بين البشر أبدًا بالشحناء والبغضاء، تنزع بهم كل منزع في الإحن والكيد والملاحاة، وترين على الكون غاشيات مدلهمة تنبهم في قتامها معالم الإنسانية، وتستغشي القيم الأخلاقية التي تواضعت عليها الديانات السماوية، والمذاهب الفكرية، والفطرة البشرية على السواء.

فهي ليست قاصرةً على افتعال دولةٍ يهوديةٍ في فلسطين كافة، وإنما هي تستدف سيادة الدنيا بأقطارها قاطبة, واسترقاق شعوبها كافةً, وإخضاعها لنير اليهود والشرائع اليهودية.

فالصهيونية في جوهرها ومناطها: عقيدة دينية متطرفة، يذعن لها أشياعها، يسوقهم التعصب والغرور العنصريّ قسرًا، بلا وعيٍ ولا إرادةٍ، وأساسها -في زعمهم- تعاليم التوراة التي تنص على أن الله -سبحانه وتعالى- قد وعد اليهود بملك عالميٍّ أبدىٍّ, واستخلفهم في الأرض خالصةً لهم من دون الناس.

وطريقهم إلى تحقيق السيطرة على العالم مخوفة منكرة، كما رسمتها مناهجهم العملية في بروتوكولات صهيون، فهي تعتمد أساسًا على تقويض أركان المجتمع العالميّ، وبَثِّ عناصر الانحلال تعبث في خلاله, وتستشري في أوصاله، وإشاعة الفوضى الاجتماعية والفكرية الغامرة، حتى إذا تداعت قيمه، وفقد مقوماته، فتهاوى خائرًا مستسلمًا في خواء فكريٍّ وفراغٍ سياسيٍّ.

انبعث اليهود من غمار الفوضى التي يتردى فيها العالم ليمسكوا

بزمام حكمه، ويقيموا دولةً عالميةً تضم أطراف الدنيا

يكون قوامها من طبقتين:

اليهود: الشعب المختار, يتربعون على عرش السيادة, وفي يدهم صولجان الحكم، ومن دونهم من الناس قاطبةً عبيد لليهود يخضعون لحكمهم..

تلك هي الصهيونية, الداء الوبيل الذي يهدد العالم ويقض مضاجعه، وليست الصهيونية فكرةً حديثةً, وإن لم تتكشف سماتها وتتضح للعالم إلّا في القرن الماضي, تحت اسم: اليهودية العالمية، بل هي عقيدةٌ قديمةٌ, ما برحت تجول في أفكار اليهود منذ العصور اليهودية الباكرة، ويتناقلونها جيلًا بعد جيلٍ, في كتمانٍ شديدٍ، خورًا وقصورًا وتحينًا للفرص، ويعملون لها مصابرين مستوفزين، لا يفتأ أحبارهم وكهتهم يذكون جذوتها آنًا فآنًا، فلا تخبو بين جوانحهم ولا تفتر.

وفي مطلع هذا القرن الرابع عشر الهجريّ -أواخر القرن التاسع عشر الميلاديّ- واتتهم الفرصة، فدعا "هرتزل" لعقد المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897-1315هـ, بمدينة بال بسويسرا, وكانت مقرراته هي الدستور العمليّ لهذه المرحلة من الآمال الصهيونية، ثم حدد هرتزل في كتابه "الدولة اليهودية" فلسطين باعتبارها أرض الميعاد، وقد عمل الصهيونيون على تحقيق حلمهم في خطوات ومراحل زمنية, يتم من خلالها استيعاب أطراف أرض الميعاد التي تشمل المناطق الممتدة من النيل إلى الفرات، وتضم إقليم الوجه البحريّ من مصر, وسيناء, وفلسطين, وشطر العراق الغربيّ, وسوريا, ولبنان, وبادية الشام, والأردن, وشمال الحجاز حتى المدينة المنورة.

وفي عام 1367هـ-1948م, أعلن اليهود -بالتواطؤ مع الدول الكبرى- قيام دولة إسرائيل، وقال بن غوريون حين ذاك: "إن الصهيونية قد حققت هدفها في 14 مايو سنة 1948 ببناء دولة يهودية أكبر مما كان متفقًا عليه, وبفضل قوات "الهاجاناه", وليست هذه نهاية كفاحنا، بل إننا اليوم قد بدأنا، وعلينا أن نمضي لتحقيق قيام الدولة التي جاهدنا في سبيلها من النيل إلى الفرات" ويعني بن غوريين أن الدولة إسرائيل قامت على مساحاة أكبر مما منحتها مشروعات التقسيم ل فلسطين بين العرب واليهود.

وقد استمرت إسرائيل في الإعداد لتحقيق توسعها, واستغلت انشغال الدولة العربية عنها حتى تمكنت من احتلال سيناء والجولان وجميع أراضي فلسطين.

المبحث الثاني: منشأ الصهيونية

تنسب الصهيونية Zionism إلى جبل صهيون ب فلسطين، وهو أحد جبالٍ أربعةٍ أقيمت عليها دولة أورشليم -أي: مدينة السلام, وهو الاسم القديم لبيت المقدس, ويعتقد اليهود أن إلاههم "يهوه" يقيم في جبل صهيون، وفي رحابه يظهر "المسيح المخلص" الذي ينتظره اليهود، بشيرًا بغفران الله وتوبته عليهم، وخلاصهم مما يقاسون من بأس وأعنات، بعد تطهرهم من أدران الموبقات والمعاصي التي ظلوا عليها عاكفين أمدًا طويلًا.

والصهيونية مذهبٌ دينيٌّ استعماريٌّ متطرفٌ جدًّا, يتمذهب به غلاة اليهود، تهدف إلى السيطرة السياسية على العالم بتقويض النظم السياسية للمجتمع الدولي بأسره، وإخضاعه لنير اليهود وحكمهم، ويزعم اليهود أن الله استخلفهم في الأرض, وأروثهم أقطارها وشعوبها حقًّا مقدسًا مقضيًا، وأن الدول القائمة كافة دعية مغتصبة, وأن على اليهود المجاهدة لاسترداد حقهم في فلسطين أرض الميعاد، تحت امرة ملك من نسل داود، فإذا استتب لهم الأمر فيها, عملوا على تنفيذ الشق الثاني من الوعود الإلهية، واتخاذهم ملكهم في فلسطين قاعدة لملكهم, والاستسلام لمشيئتهم المستمدة من مشيئة الله, ينتهي الأمر بظهور المسيح المنتظر الذي أفاضت التوراة في ذكره.

ويستند اليهود في دعواهم العودة إلى أرض الميعاد فلسطين, بأن ذلك ثابت من أحداث التاريخ في:

محاولة موسى -عليه السلام- دخول فلسطين مع الأسباط الهاربين من مصر, ثم غزوة يوشع لتخوم فلسطين, ثم تأسيس مملكة اليهود الأولى في عهد شاؤول, ثم عودة اليهود من بابل بعد السبي بزعامة زرو بابل.

ثم ثورات اليهود في فلسطين ضد حكم البطالسة والرومان, ثم محاولات اليهود في العصور الحديثة شراء أراضٍ في فلسطين يمارسون فيها حياة الاستقرار, ويزعمون أن هذه كلها حركات صهيونية خالصة.

وبالنسبة للشقِّ الثاني من الوعود الإلهية -على زعم اليهود- فإن من الحركات الصهيونية البحتة حركة سبتاي زيفي, الذي قام في سالونيك عام 1666م, مدعيًا المسيح المنتظر، ابتغاء تجميع اليهود تحت زعامته لتحقيق نبوءات التوراة.

وعلى هذا, فإن جذور الصهيونية تمتد إلى أعماق التاريخ اليهوديّ، والطابع الدينيّ هو السمة الأصلية لنظرية الصهيونية، ويعترف الدكتور سلوموز شختر1 بهذه الحقيقة حيث يقول: "حيثما يكون الصهيونيون عاملين نشيطين, تكون اليهودية حيةً عاملةً".

وعلى أثر الثورة الإسلامية العربية في فلسطين عام 1355هـ-1936م, ضد المؤتمرات الاستعمارية والصهيونية فيها، شكلت حكومة الانتداب البريطانيّ اللجنة الملكية البريطانية لعلاج مشكلة فلسطين, وكان هدفها تقسيم البلاد بين العرب واليهود، وقد صرَّح زعيم الصهيونيين "وايزمن" أمام هذه اللجنة, أن مبنى حق اليهود في فلسطين إنما هو وعد الله بأرض إسرائيل، وهذا هو سند اليهود الوحيد الذي لا سند سواه, لجأ إليه وايزمن بعد أن خذلته سائر المزاعم والأسانيد المنطقية والقانونية, وتأييدًا لذلك يقول "دافيد بن غوريون" مؤسس دولة إسرائيل: "إن الصهيونية الحقيقية لم تبدأ بهرتزل ومؤتمر بال، ولا بوعد بلفور، ولا بقرارات الأمم المتحدة عام 1948م، لكنها بدأت يوم وعد الله أبانا إبراهيم وعده".

وقد ظلت دعوة اليهود لإحياء آمالهم في العودة إلى أرض الميعاد مستخفيةً طوال ثمانية عشر قرنًا، إلّا ما كان من بعض حاخاماتهم مثل: "سبتاري زيفي" الذي سبقت الإشارة إلى حركته في ظلال ما أتاحه الحكم الإسلاميّ المتسامح لليهود في سالونيك, التي كانت مدينةً تابعةً لدولة الخلافة العثمانية.

1 1847 - 1915.

وفيما يلي وثيقة نشرتها مجلة فرنسا القديمة, تكشف عن طرفٍ من نشاط اليهود وتدبيرهم الخفيّ1:

"في عام 1880 نشرت مجلة الدروس اليهودية التي تتقاضى نفقاتهامن جيمس روتشيلد استنادين, يوضحان أن حكماء صهيون يعملون منذ القرن الخامس عشر -التاسع الهجري, في سبيل الفتح اليهوديّ.

ففي 13 كانون الثاني سنة 1489م, كتب شامور رباني مدينة أرل -من أعمال مقاطعة البروفنس الفرنسية- إلى المجمع اليهوديّ العالميّ القائم في الأستانة -وهي إسلامبول عاصمة العثمانيين- يستشيره في بعض حالات حرجة، قال: إن فرنساويى أكس, وآرل ومارسيليا، يتهددون معابدنا فماذا نعمل؟

فورده الجواب الآتي:

أيها الأخوة الأعزاء بموسى، تلقينا كتابكم، وفيه تطلعوننا على ما تقاسونه من الهموم والبلايا، فكان وقع هذا الخبر شديد الوطأة علينا، وإليكم رأي المرازبة -الحكام

والربانيين:

  • بمقتضى قولكم أن ملك فرنسا يجبركم أن تعتنقوا الدين المسيحيّ فاعتنقوه، فإنه لا يسعكم أن تقاوموا، غير أنه يجب عليكم أن تبقوا شريعة موسى راسخةً في قلوبكم.
  • بمقتضى قولكم أنهم يأمرونكم بالتجرد من أملاككم، فاجعلوا أولادكم تجارًا ليتمكنوا رويدًا رويدًا من تجريد المسيحيين من أملاكهم.
  • بمقتضى قولكم أنهم يعتدون على حياتكم, فاجعلوا أولادكم أطبَّاء وصيادلة ليعدموا المسيحيين حياتهم.
  • بمقتضى قولكم أنهم يعتدون على حياتكم, فاجعلوا أولادكم وكلاء دعاوى، وكتبه عدل، وليتداخلوا دومًا في مسائل الحكومة ليخضعوا المسيحيين لنيركم, فتستولون على زمام السلطة العالمية، وبذلك يتسنى لكم الانتقام.
سيروا بموجب أمرنا هذا, فتتعلمون بالاختيار أنكم من ذُلِّكُم وضعفِكم تتوصلون إلى ذروة القوة والعظمة.

في 21 كاسلو "تشرين ثاني" 1489.

التوقيع: أمير اليهود.

V. S. S. V. F. F.

1 من كتاب "مؤامرة اليهود على المسيحية", تأليف: إميل الغوري, .

الفصل الثاني: مقومات الصهيونية

المبحث الأول: المقومات الدينية

أولًا: امتلاك فلسطين والأقطار المجاورة لها

يعتقد اليهود أن مُلْكَ فلسطين حقٌّ مشروع لهم، حيث وعد الله به ذرية إبراهيم -عليه السلام- في التوراة:

"واجتاز إبرام في الأرض إلى مكان شكيم إلى بلوطة مورة، وكان الكنعانيون حنيئذٍ في الأرض، وظهر الرب لإبرام، وقال: لنسلك أعطي هذه الأرض، فبنى هناك مذبحًا للربِّ الذي ظهر له1".

ثم وجه هذا الوعد، ولما يتحقق بعد، إلى إسحق بن إبراهيم، عليهما السلام: "وكان في الأرض جوع غير الجوع الأول الذي كان في أيام إبراهيم، فذهب إسحق إلى أبي مالك ملك الفلسطينيين إلى جرار، وظهر له الرب وقال: لا تنزل إلى أرض مصر، اسكن في الأرض التي أقول لك، تغرب في هذه الأرض، فأكون معك، وأباركك، لأني لك ولنسلك أعطي جميع هذه البلاد، وأفي بالقسم الذي أقسمت لإبراهيم أبيك2".

ومفهوم هذا النص أن الله قد اختص اسحق -عليه السلام ونسله بجماع ما وعد به أباه إبراهيم ونسله، فيما عدا مصر التي أمره بعدم النزول فيها، والتي ينبغي أن تؤول بناءً على هذا إلى إسماعيل -عليه السلام، لولا أن الله قد استثناه من ذرية إبراهيم -عليه السلام فيما وعد به -كما يزعم محرفو التوراة.."

وقال إبراهيم لله: ليت إسماعيل يعيش أمامك، فقال الله: بل أمراتك تلد لك ابنًا وتدعو اسمه إسحق، وأقيم عهدي معه أبديًّا لنسله من بعده, وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه، ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيرًا جدًّا, اثني عشر رئيسًا بلد، وأجعله أمة كبيرة، ولكن عهدي أقيمه مع إسحق الذي تلده لك سارة في هذا الوقت في السنة الآتية1".

1 الإصحاح الثاني عشر من سفر التكوين 6، 7.

2 الاصحاح السادس والعشرين من سفر التكوين 1-3.

ثم وجَّه هذا الوعد مرةً أخرى إلى يعقوب, ثم إسحق -عليهما السلام, في صورة حلمٍ تراءى ليعقوب وهو نائم في أرض حاران، وورد ذكر تمليك أرض كنعان لموسى وهارون -عليهما السلام2, وبعد وفاة موسى وجَّه الله وعده إلى خليفته يوشع بن نون في صورة أكثر تفصيلًا: "موسى عبدي قد مات، فالآن قم اعبر هذا الآردن، أنت وكل هذا الشعب إلى الأرض التي أنا معطيها لهم -أي: لبني إسرائيل, كل موضع تدوسه بطون أقدامكم لكم أعطيته، كما كلمت موسى، من البرية ولبنان, هذا إلى النهر الكبير نهر الفرات، جميع أرض الحيثيين, وإلى البحر الكبير نحو مغرب الشمس يكون تخومكم3".

وجاء الوعد الإلهيّ أخيرًا إلى داود -عليه السلام, ونسله, على لسان ناثان النبيّ4، وتكرر ذكر الوعد الإلهيّ في أسفار شتَّى، كما أوردته المزامير في أكثر من موضع، ومن ذلك: "لأن الله يخلص صهيون، وبين مدن يهوذا، فيسكنون هنالك ويرثونها، ونسل عبيده يملكونها، ومحبو اسمه يسكنون فيها5".

هكذا تكررت الوعود الإلهية بملك اليهود لفلسطين، وكأنما وجهت متتالية لمجرد التشويق والإثارة لا للتنفيذ، فهي توجه لهذا تارةً ولآخر تارةً أخرى, من غير أن تتحقق لا لهذا ولا لذاك.

1 الإصحاح السابع عشر من سفر التكوين 18-22.

2 في الإصحاح الرابع عشر من سفر اللاويين 33، 34.

3 الإصحاح الأول من سفر يشوع 2-4.

4 الإصحاح السابع سفر صموئيل الثاني 4-6 و12-16.

5 المزمور التاسع والستين.

ثانيًا: فكرة المسيح المنتظر

يعتد اليهود أن عودتهم إلى أرض الميعاد سوف تتم على يدي المسيح المنتظر، Paraclet ويقصد به المنقذ أو المخلص؛ إذ سوف يبعثه الله من صهيون من نسل داود، لينقذهم من المحن والشدائد والهوان، جزاء عصيانهم أوامر الله، ومروقهم عن طاعة أنبيائه، وإمعانهم في الآثام والموبقات، وينتقم لهم من جميع الشعوب، ويفرض عليها سلطان اليهود.

وجا في التوراة1: إنه ظهر في مملكة إسرائيل في عهد الملك أخاب ابن عمري النبيّ إيليا التشبي, داعيًا إلى تطهير البلاد من أدران الوثنية والمفاسد الخلقية التي تَرَدَّى فيها المجتمع الإسرائيلي، إلّا أن دعوته صادفت أزورارًا وإنكارًا, فصعد إلى السماء في غمار عاصفةٍ عاتيةٍ، مستقلًا مركبةً ناريةً, تجرها خيل من نار كذلك.

ويعيش اليهود على أمل هبوط النبيّ إيليا من السماء، بشيرًا بمقدم المسيح المنتظر هاديًا ومخلصًا.

1 الإصحاح الثاني من سفر الملوك الثاني.

ثالثًا: إخضاع العالم لسلطان اليهود -شعب الله المختار

حرص اليهود على إخفاء أطماعهم الاستعمارية الخيالية، وتكتموا الأسباب التي يعزون إليها حقهم في حكم العالم وسيادة البشر، فلا يتناجون بها إلّا في خاصة مجالسهم ومجتمعاتهم، متخافتين حتى لا يستثيروا السخط العالميّ، ويوجهوا عداوة, ولهذا بادر الصهيونيون إلى إنكار دستور اليهودية العالمية "بروتوكولات صهيون"، متبرئين منها فور إماطة اللثام عنها، وحاولوا إحراق الطبعات الأولى منها قبل تداولها وذيوعها، ولكنهم فشلوا؛ إذ تكرر طبعها في أنحاء العالم بمختلف اللغات.

وقد سار الصهيونيون في تحقيق أهداف البروتوكولات الخطيرة -رغم إنكارهم لها- مترسمين تعاليمها ومناهجها بدقة وإصرار ودأب متصل، وكان الزعيم الصهيونيّ الكبير "هرتزل" قد صرح في عدة بيانات أصدرتها اللجنة الصهيونية في عام 1901م-1319هـ, أن بعض الوثائق الخطيرة قد سرقت من قدس الأقداس، وما كان ينبغي لها أن تنشر قبل الأوان، مشيرًا بذلك إلى تلك البروتوكلات دون ريب، وكان أمرها قد افتضح للعالم, مما أثار الرأي العام العالميّ ضد اليهود.

ويستند اليهود في ادعائهم حق السيطرة على العالم إلى ما جاء

في التوراة من أنهم شعب الله المختار الذي فضَّلَه الله على العالمين، واستخلفه في الأرض، ومن ثَمّ كان من حقه السيطرة على شعوب الأرض

والقوامة على حكوماتها، ومما جاء في التوراة: "ويقف الأجانب ويرعون غنمكم، ويكون بنو الغريب حراثيكم وكراميكم، أما أنتم فتدعون كهنة الرب, تسمون خدام إلاهنا، تأكلون ثروة الأمم، وعلى مجدهم تتأمرون1".

وفي التوراة أيضًا: "إني أخبر من جهة قضاء الرب، قال لي: أنت ابني، أنا اليوم ولدتك، اسألني فأعطيك الأمم ميراثًا لك، وأقاصي الأرض ملكًا لك، تحطمهم بقضيب من حديد، مثل إناء خزف تكسرهم2".

وقد كان الكاهن "عزرا" يعتقد أن العالم قد خُلِقَ من أجل بني إسرائيل -شعب الله المختار، وأن مآله إلى الخضوع لحكمهم، وأن بني إسرائيل يمرون في ذلك الوقت من عصر عزرا بمرحلة تمهيدية ضرورية للوصول بهم إلى الملك العالميّ الموعود.

والعجيب أن هذه المرحلة التمهيدية لم تنته بعد، رغم مرور أكثر من أربعةٍ وعشرين قرنًا من الزمان.

ونكتفي بالرد على أوهام الصهيونية بقوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} 3.

1 الإصحاح الحادي والستين من سفر التكوين4-6.

2 المزمور الثاني 7-9.

3 سورة البقرة 134.

التعاليم السرية في التلمود والكبالا

هذا, ولا تقتصر النصوص الدينية لدى الصهيونيين على أسفار التوراة فحسب، فالصهيونية تنتمي بعقيدتها إلى طائفة اليهود الربانيين الذين يؤمنون بالتلمود كتابًا مقدسًا، ويعتقدون أنه منزل من عند الله على موسى -عليه السلام, كالتوراة سواء بسواء، ولا يختلف عن التوراة إلّا في أنه أنزل على موسى مشافهة، بينما كتبت نصوص التوراة على لوحين حجريين بيد القدرة الإلهية، وأكمل موسى -عليه السلام- تدوينها في كتاب.

ولئن نسب كثير من تعاليم التلمود إلى حاخامات اليهود الربيين، فإن ذلك مما يؤكد قداستها في عرفهم؛ لأن كلام الحاخامات كما يقول التلمود هو كلام الله, وله عند الله المقام الأسمى، حتى أنه -سبحانه وتعالى- يستشيرهم كلما أعضلته مشكلة مستعصية1.

-تعالى الله عما يقولون..

ومبنى تعاليم التلمود, أن بني إسرائيل صفوة الخلق، اصطفاهم الله على العالمين، واستخلفهم في الأرض يتملكونها ويسودون أهلها، حقًّا مقضيًّا لهم, وقد بشَّر التلمود اليهود بملك العالم في قوله: "كل مكان تطؤه أقدامكم يكون لكم، كل الأماكن التي تحتلونها فإنها لكم، فأنتم سترثون الجوييم -أي: الكفرة والأنجاس غير اليهود- المستكبرين في الأرض، وبعد ذلك كل مكان بعد أرض إسرائيل التي يجب أن لا تكون نجسة تحت أقدام الجوييم، إنكم بعد أن تحتلوا أرض إسرائيل يحق لكم أن تحتلوا غيرها".

وجاء في التلمود أيضًا: "يجب على كل يهوديٍّ أن يسعى لأن تظل السلطة على الأرض لليهود دون سواهم، وقبل أن يحكم اليهود نهائيًا باقي الأمم, يجب أن تقوم الحرب على قدمٍ وساقٍ، ويهلك ثلثا العالم، وسيأتي المسيح الحقيقيّ ويحقق النصر المرتقب، وحينئذٍ تصبح الأمة اليهودية غايةً في الثراء؛ لأنها تكون قد ملكت أموال العالم جميعًا، ويتحقق أمل الأمة اليهودية بمجيء إسرائيل، وتكون هي الأمة المتسلطة على باقي الأمم عند مجيء المسيح".

ويحلق بالتلمود -وهو كتاب اليهود السريّ المقدس- كتاب سريّ آخر, يعرف "بالكبالا" لا يقل عنه خطورةً، بما يثير من التعصب العنصريّ العنيف، ويروج له بغلظة ووحشية.

والكبالا كتاب يتوارثه اليهود منذ القدم، يعالج التصويف اليهوديّ عن طريق السحر الذي يمثل شطرًا من الطقوس الدينية التي يمارسونها خفيةً, خشية اطلاع أحدٍ من الشعوب الأخرى عليها، لما فيها من التفنن في الكيد لتلك الشعوب, والتحريض على اغتيالها لاستنزاف دمائها، واستخدامها في ممارسة هذه الطقوس

ويحقق الكبالا لليهود الأهداف التالية

1 كتاب الكنز المرصود في قواعد التلمود, للدكتور روهلنج, ترجمة الدكتور: يوسف نصر الله.

1- الحفاظ على مباديء اليهود العدوانية المتطرفة حيال الشعوب الأخرى، بإيجاد المناخ النفسيّ الملائم لتعيش هذه المبادئ، وذلك بإشعال نار الحقد والتعصب العنصريّ في صدور اليهود, بما تتضمنه من فنون الكيد والانتقام التي تحضهم عليها كشعائر دينية مقدسة.

2- إشباع ثائرة اليهود العدوانية، وشفاء غليلهم باستنزاف دماء أعدائهم، واستخدامها في الطقوس السحرية الدموية.

3- يحس اليهود في ممارسة تعاليم الكبالا طمأنينةً وراحةً نفسيةً عميقةً, ويستشعرون أنهم إنما يمارسون شعائر مقدسة تقربهم من الله, وترفع عنهم ما حاق بهم من غضبٍ إلهيٍّ منذ الحقب الخالية.

وقد كانت تعاليم الكبالا نواةً للنشاط السري الهدَّام, الذي توفر عليه اليهود دائبين, متمثلًا في مختلف الجمعيات والمؤتمرات التي سعوا من خلالها إلى تحقيق آمالهم وأطماعهم، كما كان لتلك التعاليم تأثير مباشر في صياغة أفكار اليهود الصهيونيين على الصورة الشائعة القائمة

والأسلوب الدمويّ الجانح الذي يمارسه الصهيونيون الآن

1 في كتاب "اليهودية العالمية وحربها المستمرة على المسيحية"، للأستاذ إيليا أبو الروس, تفصيل وقائع محددة عن ممارسة اليهود طقوسًا وحشيةً على تقديم الضحايا البشرية بقتلهم بفنونٍ من التعذيب والوحشية, بقصد استخدام دمائهم المسفوحة في أغراضٍ دينيةٍ تقربًا إلى الله.. وقد ورد في الكتاب المذكور كثير من الوقائع التي أوقعها اليهود في أقطار العالم الشرقية والغربية, وكشفت عنها التحقيقات الرسمية التي أجرتها الحكومات المختصة, وكذلك أورد عبد الله التل في كتابه "خطر اليهودية العالمية على الإسلام والمسيحية" كثيرًا من الوقائع المشابهة.

المبحث الثاني: المقومات السياسية

لم يفصح اليهود عن نواياهم الاستعمارية؛ لأن مقوماتها دينية محضة، ومبناها على نصوص التوراة وتعاليم التلمود والكبالا، كما رأينا، ومن تلك المصادر الدينية، وضعت الصهيونية الحديثة قواعد دستورها المعروف بـ بروتوكولات حكماء1 صهيون, وقد كانت هذه التعاليم من أسباب تألب الرأي العام الأوربيّ على اليهود، وما أصابهم من اضطهادٍ وتعذيبٍ، لما تضمنته من أطماعٍ عدوانيةٍ, وتعاليم فاسدة جانحة, تثير الحقد والبغضاء, وتعيث في الأرض بالفساد والخراب.

وفي القرن الماضي استغل اليهود رواج النظريات القومية, وتفجر الحركات الاستقلالية في أوربا، فالتمسوا الذرائع التي توسلت بها الشعوب لتحقيق مطالبها القومية، وقد ساعد اليهود في الوصول إلى هدفهم ما ظفروا به من حريةٍ في ظلال الحكومات الكبرى؛ كبريطانيا وفرنسا، أسوةً بسائر الشعوب المهضومة الحقوق، وبذلك تمكَّن اليهود من الجهر بمطالبهم، واستدرار الشفقة والعطف عليهم, بعد ما عانوه من صنوف الذل والاضطهاد.

وقد استهدف الصهيونيون في حركتهم العلنية مطلبًا يعتبر بالنسبة لأطماعهم الأصلية متواضعًا محدودًا؛ إذ اقتصر على السماح لهم بالهجرة إلى فلسطين باعتبارها وطنًا قوميًّا لهم، يماسرون فيه حقوقهم القومية بمنجاة من ويلات الاضطهاد والتعذيب.

وقد استندوا في تبرير هذا المطلب إلى دعوى القومية اليهودية الخاصة التي يزعمون أنهم يتمتعون بها، ويدين بها كافة اليهود في بقاع الأرض، وأن من حق هذه القومية اليهودية التوطن في فلسطين بالذات؛ لما لهم فيها من حقوق دينية وتاريخية رددتها كتبهم المقدسة، ومن

1 لفظ "حكماء" جمع حكيم يقابل: حاخامات, جمع حاخام باللغة العبرية، وما أبعد تلك التعاليم عن الحكمة.

شأن هذا الوطن القوميّ أن يعصمهم مما يحيق بهم من اضطهادٍ عنصريٍّ لا حقهم على مدى التاريخ.

وكان موسى هيس1 اليهوديّ الألمانيّ أول من نادى بالقومية اليهودية، يحاول أن يربط بها بين أشتات اليهود أينما استقروا، وجعل منها الدعامات السياسية للحركة الصهيونية.

والمسوغات الاجتماعية والسياسية التي استحدثها اليهود الصهيونيون للاستيلاء على فلسطين

تتلخص في ثلاثة أنواعٍ رئيسية من الحقوق:

1- حق القومية اليهودية في التوطن في صعيد واحد يجمع شمل اليهود.

2- حق اليهود التاريخيّ في العودة إلى فلسطين, وطن أسلافهم الذين شُرِّدُوا منه.

3- الحق الإنسانيّ في تجنيب اليهود ما يلاقون من اضطهادٍ عنصريٍّ أينما استقر المقام بأوزاعهم في فجاح الأرض.

والأسباب السياسية والاجتماعية التي يدَّعيها اليهود الصهيونون, لم تكن هي دعامة النظرية الصهيونية وعمادها، وإنما هي تعللات محدثة, ومسوغات طارئة غير أصلية, ابتدعوها تكأةً يعتمدون عليها في الإسفار عن دعوتهم, وقناعًا تبدي به للعيان ظاهرة الجرم, مستخفية المعالم المريبة, تموه به أطماعها الخفية

وقد استمدت المسوغات السياسية والاجتماعية اعتمادًا على:

1- ما قررته الثورتان الأمريكية والفرنسية من حقوقٍ طبيعية للإنسان, حفز اليهود على المطالبة بحقوقهم الفردية والجماعية المسَّلَّمِ بها, والتي تواتر اعتراف الدول بها لمواطنيها، تلك الحقوق التي منحتهم حرية الرأي, وشجعتهم على إنشاء الجمعيات الخاصة, وتنظيم الحملة الدعائية المركزة التي وطأت لهم أذهان العالم, والضمير العالميّ, واستمالت الرأي العام على أوسع نطاق.

2- نشاط الحركات القومية خلال القرن التاسع عشر الميلادي -الثالث عشر الهجريّ, وتقرير حق المصير للقوميات المختلفة، مما وجدت فيه الصهيونية مسوغًا لادعاء حقوق قوميةٍ لهم, أسوة بالقوميات الناهضة.

3- قيام المذابح اليهودية في شرق أوربا وفي روسيا القيصرية خاصة، وانتهاز فرصة انفعال الرأي العام في أوربا عطفًا وإشفاقًا على اليهود، مما أتاح لهم المبرر لطلب التجمع في وطن قوميٍّ يلوذون به.

ولم تكن الأهداف الاقليمية اليهودية مرتبطة بفلسطين بالذات، فقد كان هدف اليهود المضطهدين تجميعهم في دولةٍ يهوديةٍ بمتنعون فيها، ويمارسون فيها حياتهم العنصرية بمنجاة من الاضطهاد، أيًّا كانت هذه الدولة، دون التقيد بأقليمٍ معيّن، غير أنهم ما إن استشعروا تعاطفًا من المجتمع الدوليّ حتى ظهرت رغبتهم الدفينة في امتلاك فلسطين، وفشلت كل المشاريع والعروض في جعل وطنهم القوميّ في الأرجنتين أو كندا أو الولايات المتحدة الأمريكية أو جنوب أفريقيا أو استراليا أو أوغندا.. إلخ.

وكان تيودور هرتزل, قد اقترح أن يجمع شتات اليهود من أرجاء العالم في الأرجنتين أو في فلسطين، ولكن المؤتمر الصهيونيّ الأول الذي انعقد في مدينة بال بسويسرا عام 1897م, قرر تخصيص فلسطين، وقد حاول هرتزل عام 1901م, إغراء الخليفة العثمانيّ, السلطان عبد الحميد, ببيع فلسطين لليهود، ولكن السلطان رفض التنازل عنها بأيِّ ثمنٍ، وأصدر أمر بحظر دخول اليهود إلى فلطسين، ولما كرر الصهيونيون المحاولة برئاسة هرتزل, وبَّخَ السلطان عبد الحميد رئيس ديوانه لسماحه بدخول هرتزل عليه، وطرده شر طردة.

وبعد سنواتٍ قليلةٍ قام أعوان اليهود من ضباط حزب الاتحاد والترقي بالانقلالب على السلطان عبد الحميد كما هو معروف, وقام الحكام الذين خلفوا عبد الحميد من الاتحاديين -ومعظمهم من أعضاء المحفل الماسوني أو من الدونمة1 بفتح باب الهجرة لليهود إلى فلسطين, وعملوا على الإسراع في تصفية الدولة العثمانية, وإلغاء منصب الخلافة..

1 هم طائفة من اليهود الذين نزلوا مدينة سلاتيك في الدولة العثمانية, وتظاهروا باعتناق الإسلام نفاقًا ليتمكنوا من الهدم من الداخل.

الفصل الثالث: مناهج الصهيونية ووسائلها

المبحث الأول: مناهج الحركة الصهيونية

السيطرة الفكرية

المبحث الأول: مناهج الحركة الصهيونية

يعتمد اليهود في تنفيذ سياستهم الاستعمارية على ركائز أربعة

1- السيطرة الفكرية:

وسبيلها الدعاية العريضة المنظمة عن طريق أجهزة الإعلام الفعالة؛ لتهيئة الأذهان وتطويعها لأهوائهم، سواء كانت هذه الأجهزة منظمات يهودية سافرة، أم منظمات اجتماعية مموهة، سريةً كانت أم علنيةً، كالجمعيات الماسونية، وفرسان المعبد, وجماعات الصليب الورديّ, وشهود يهوه والكبالا, وغيرها من الهيئات والمنظمات والجمعيات التي بثوها في أقطار العالم مكامن لهم، يعملون فيها على وأد الشعور الدينيّ والوطنيّ لدى المنتمين إليها من شتى الأجناس والأديان، ومباءات لعملائهم الذين سخروهم عيونًا لهم وإرصادًا، ثم سائر وسائل الإعلام الصحفية والدعائية؛ كالإذاعة والسينما ووكالات الأنباء التي أخضعوها لنفوذهم الماليّ، يشنون بها على أعدائهم حربًا نفسيةً شعواء، توهينًا لقواهم، وتصديعًا لشملهم، وإضعافًا لروحهم المعنوية، بإثارة الفتن، وإشاعة الفوضى الفكرية، والبلبلة الذهنية، وإفساد العقائد، وإفقاد الثقة بالنفس، وبالقيم الأخلاقية.
وهم يمارسون نشاطهم الإعلاميّ بدهاءٍ وحذقٍ، فلا يكتفون بإذاعة وجهات نظرهم في إطار مغر مدو، وإنما يترصدون شديد ما يذاع في الصحف ووسائل الإعلام الأخرى, فيحولون بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة -من ضغط وتشهير ورشوة وإغراء- دون إذاعة مايسيئ إليهم, أو يخالف وجهة نظرهم، أو ما يفيد منه أعداؤهم بوجه عامّ.
ويعتمد الصهيونيون اعتمادًا كبيرًا على وسائل الإعلام، ويرون في الدعاية الصاخبة المدوّية مفاعلًا أبلغ تأثيرًا وأقوى نفاذًا، يقول هرتزل في مذكراته: "الضجة هي كل شيء، والحق أن الضجيج يؤدي إلى الأعمال الكبيرة" وذلك لأنها تستلفت الأنظار، وتعبئ الأنصار، وتضعف الأعداء، وتنقل المعركة إلى جوٍّ عالميٍّ تتوفر لها فيه مزايا ماضية حاسمة.

2- السيطرة المالية:

وتتحقق عن طريق البنوك وبيوت المال، التي يهيمن عليها اليهود، ويوجهون بها النشاط الصناعيّ والتجاريّ لمصلحتهم, ويتحكمون في الاقتصاد الفرديّ والاقتصاد الجماعيّ بما يدعم نفوذهم السياسيّ، فيبتزون بها الثروات الخاصة والعامة، ويمتصون الأموال من المجالات الحيوية، وهي عصب الحياة في المجتمع حتى يتحطم وينهار, وذلك عن طريق الاحتكار والمضاربات المالية والإقراض بالربا الفاحش، وإشاعة الفقر والدمار والإفلاس، وشراء ضمائر الساسة والحكام توصلًا إلى ما يبتغون من مآرب وأطماع.
ووسيلتهم إلى احتكار الأسواق العالمية إغراق الأسواق الجديدة بالمنتجات بسعرٍ يقل عن سعر التكلفة, على أن يعوضوا خسارتهم برفع الأسعار في الأسواق التي تَمَّ لهم احتكارها من قبل, مما يعرض منافسيهم للكساد والإفلاس، حتى إذا ما خلا لهم الجوّ الاحتكاريّ في السوق الجديدة، رفعوا الأسعار فيها إلى درجة فاحشة تجزل لهم الربح أضعافًا مضاعفة.
والمال اليهوديّ سلاحٌ خطيرٌ, فإن سيطرتهم على مصادره وموارده مكنتهم من مخانق الاقتصادوالسياسة معًا، كوسيلةٍ للتهديد والإفلاس وانهيار الاقتصاد الخاص والعام, مما يؤثِّر على كيان الدولة ذاته, وهو من ناحيةٍ أخرى سبيلٌ للإغراء تستمال به الدول عن طريق القروض, إبَّان الأزمات والحاجة إلى تمويل المشروعات الاقتصادية والحربية، وأخيرًا فالمال في أيدي اليهود أداةٌ فعالةٌ لشراء الذمم والضمائر والأصوات في المجتمعات المحلية والمحافل الدولية.

3- السيطرة السياسية:

وسبيلهم إليها التغلغل في الأوساط السياسية، واكتساب التأييد الدوليّ، وضم كبار الساسة والمسؤولين إلى صفوفهم بشتى الطرق المشروعة وغير المشروعة، فتراهم في الدول الرأسمالية يمالئون النظام الرأسماليّ ليكونوا من دعائمه وزعمائه, ثم هم في روسيا الشيوعية دعاتها المتحمسون, رواد الثورة البلشفية الحمراء.

ورغم حرص اليهود على اعتزال الحياة الاجتماعية والسياسية واقتصار نشاطهم على شؤون المال والاقتصاد التي توفروا عليها، وتخصصوا فيها، وملكوا زمامها، فإنهم لا يظهرون على مسرح الحياة الدولية العامة إلّا في وظائف السلطان التي يتسللون إليها بدهاءٍ خارقٍ، وفقًا لسياسة مرسومة، حتى تتاح لهم السيطرة على دفة الحكم فيوجهوها الوجهة التي يبتغون, والتي تحقق مناهجهم الصهيونية، سواءً بتسخير سلطات الدولة لتأمين الحياة الرخية لليهود، وتوفير الطمأنينة لهم، أو بإفساد مجتمع الجوييم، وإشاعة الانحلال في أوصاله، تمهيدًا لسيطرة اليهود وسيادتهم، فكانوا يتسللون عبر التاريخ الطويل إلى المناصب الإدارية العليا، والمراكز السياسية المرموقة, سواء في الدولة الإسلامية أو المسيحية، في المشرق والمغرب، فكان منهم خواص الأطباء الماليون.. وقد استطاعوا عن طريق رجالهم الذين وصلوا إلى المناصب الدولية الهامة أن يحصلوا من الحكومة البريطانية على وعد بلفور, بقيام وطنٍ قوميٍّ لليهود في فلسطين، وأن يهيئوا لأنفسهم في ظل احتلال بريطانيا فلسطين الدعامات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي قامت عليها دولة إسرائيل.

واستطاعوا بعد ذلك أن يحصلوا -وعن طريق رجالهم وعملائهم أيضًا- على تأييد الولايات المتحدة الأمريكية لكل مشروعاتهم وسياساتهم, وأن يظفروا بأصوات الكثرة من أعضاء هيئة الأمم المتحدة, حين طرح عليها الاعتراف بدولة إسرائيل المغتصبة.

4- السيطرة العسكرية:

وهي المرحلة الأخيرة في مناهج الحركة الصهيونية، ومؤداها العمل على إعداد جيش يهوديٍّ مزود بأحدث الأسلحة والعتاد الحربي لحماية دولتهم، والتوسع العدوانيّ بالغزو المسلح.

وقد بدأت الصهيونية بالإعداد لتكوين الجيش إبَّان الحرب العالمية الأولى, عندما شكلت فيلقًا يهوديًّا من تسعمائة جنديّ, انضم إلى فرق النقل في الجيش البريطانيّ, وعرف باسم فرقة البغّالة الفلسطينية, واشتركت في عملية غاليبولي في تركيا, ثم سرحت سنة 1335هـ-1916م, وعلى إثرها انضم آلايات من اليهود إلى فرقة حملة البنادق الملكية البريطانية، كما انضمت فصائل من اليهود إلى جيوش اللورد اللبني, التي غزت فلسطين في نهاية الحرب العالمية الأولى.

وكانت الظروف مواتيةً لهم أثناء الحرب العالمية الثانية, حين غزا الجيش الألمانيّ الشرق الأدنى بقيادة روميل، فشكل اليهود سنة 1360هـ-1941م فرقة عسكرية من عصابة هاجاناه, وأطلق على الفرقة اسم البالماخ -أي: الصاعقة؛ لتساعد في المقاومة خلف خطوط القتال في حالة احتلال الألمان لفلسطين، وينتسب إلى هذه الفرقة كثير من زعماء إسرائيل مثل: موسى ديان، وإسحق رابين، وحاييم بارلييف, كمنا ساهمت القوات اليهودية مع الجيوش الإنجليزية والفرنسية الموالية للحلفاء في غزو سورية ولبنان, وأنشئت فرقة يهودية أخرى ألحقت بالجيش البريطانيّ واشتركت في غزو إيطاليا.

وهكذا أتيح لليهود المبرر الرسمي لتكوين كتائب عسكرية مدربة تدريبًا حديثًا، ومزودة بالسلاح والعتاد، وتمكنوا في ظلال الاحتلال الإنجليزيّ لفلسطين, من تحويل مستعمارتهم فيها إلى ثكنات عسكرية يحميها حرس يهوديّ، وسمح الإنجليز لليهود بتشكيل منظماتٍ عسكريةٍ تحمل طابعًا اجتماعيًّا أو رياضيًّا أو كشفيًّا، مثل: المكابي، والترميلد، وشباب إسرائيل، والطلائع، وأبناء صهيون, بالإضافة إلى المنظمات العسكرية: هاجاناه، وأرجون زفافي ليومي1 وشترن2.

وحين انسحبت بريطانيا من فلسطين سنة 1367هـ-1948م, وأعلن اليهود قيام دولة إسرائيل، كان لديهم جيش مدرب، ومستعمرات محصنة، وعصابة من الدول الاستعمارية تؤيدهم وتعترف بهم، ومازال

1 أي: التنظيم القوميّ الحربيّ، وهي مشكلة من اليهود الأوربيين

2 وهي مشكلة من اليهود الشرقيين

الجيش الإسرائيلي موضع الحدب والرعاية من دول الغرب -وخاصة أمريكا, تمده بأحدث الأسلحة, وبكميات ضخمة جدًّا، بحيث يتفوق بمعداته على الدول العربية المحيطة بإسرائيل مخجتمعة, كما تمده روسيا الشيوعية بالطاقة البشرية من المحاربين والخبراء ممن يرغب في الهجرة من اليهود المقيمين في روسيا.

المبحث الثاني: وسائل تنفيذ المناهج الصهيونية

مدخل

من أبرز خصائص الصهيونية الالتزام بوصايا التوراة التزامًا حرفيًّا، والإيمان المطلق بتعاليم التلمود، ولهذا فهي تمعن في الشر، وتعرف في العنف والتنكيل والولوغ في الدماء بضراوة ووحشية، تبتغي من ذلك أولًا القضاء على كل مقاومة، وإبادة أعدائها، ثم إشاعة الهلع, وبث الرعب في القلوب؛ لتفتيت القوى المعنوية، ودفعها للاستسلام، فإن عجزت الصهيونية عن ممارسة هذا الأسلوب من العنف، اصطنعت الختل والنفاق والغدر والغيلة، وهي أسلحة خبيثة لا يلجأ إليها إلّا الضعيف المخذول.

واليهود هم أول من وضع قواعد الفلسفة الميكافيلية الوصولية، التي تبرر كل وسيلة تحقق الهدف، دون اعتداد بالقيم الخلقية أو الفضائل الإنسانية، كما يظهر ذلك من مطالعة تاريخ اليهود في أسفار التوراة، فالصفة المميزة لهم هي الاجتراء على كل قيمة مشروعة في سبيل مصالحهم، وكل وسيلة مهما كانت داميةً، أو ملتويةً، أو مشينةً مزريةً، فهي مشروعة, يمطئن إليها الضمير اليهوديّ, بل يسبغ عليها البركة.

ولقد تبلورت قاعدة الغاية تبرر الوسيلة في البروتوكولات التي سنعرض لها قريبًا، وكان الإغراء النسائيّ أقدم الوسائل التي سجلت التوراة -المحرفة طبعًا- على العبرانيين استغلالها لتحقيق مآربهم، ونسبت إلى إبراهيم -عليه السلام -وحاشاه -استغلالها, فقد روت التوراة مع التأييد والإعجاب في الإصحاح الثاني عشر من سفر التكوين، كيف تخلى إبراهيم -عليه السلام، عن شهامته وغيرته عن طيب خاطر، لقاء أجر؛ إذ قدَّم زوجته سارة إلى فرعون مصر، وأغراها بقبول التضحية بعرضها, وأمرها أن: "قولي إنك أختي؛ ليكون لي خير

بسببك، وتحيا نفسي من أجلك.. فأخذت المرأة إلى بيت فرعون، فصنع إلى إبراهيم خيرًا بسببها, وصار له غنم وبقر وحمير وإماء وأتن وجمال".

وينسب اليهود فيما سطروه في التوراة إلى أنبيائهم كل مخزية من الصفات والأعمال، مما هو معروف، كما تضمنت التوراة نصوصًا تدعوا إلى البطش بأعدائهم والتنكيل بهم، والتخلي عن الرحمة والشفقة في معاملتهم, ولو كفّوا أيديهم عنهم واستسلموا لحكمهم:

"حين تقترب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك، فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير، ويستعبد لك, وإن لم تسالمك, بل عملت معك حربًا، فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلاهك إلى يدك، فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم، وكل ما في المدينة، كل غنيمتها فتغنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك, وهكذا تفعل بجميع المدن البعيدة جدًّا التي لست من مدن هؤلاء الأمم هنا، وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيها الرب إلاهك نصيبًا, فلا تستبق منها نسمة ما1"..

ولا يتسع المقام لذكر فظائع اليهود التي سجلها التاريخ، ويكفي أن نشير إلى ما قام ويقوم به اليهود من العدوان الصهيونيّ على الفلسطينيين، الذين طردوهم من ديارهم شر طردة، ونهبوا أموالهم، وانقضوا عليهم غيلة وغدرًا في مجازر مروعةٍ في دير ياسين سنة 1367, التي ذبح بها مائتان وخمسون من الرجال والنساءوالأطفال

وفي قرى: ناصر الدين, وبلد الشيخ, وسكرير، وعيلوط, وغيرها, وفي سنة 1374 أعادوا الكرة في مدينة غزة، وفي سنة 1381 أباد الصهيونيون قرية التوافيق بمن فيما, وقرية السموع, وبعد ذلك استمرت الغارات الصهيونية على الجليل، والجولان، ومدن منطقة قناة السويس, وعلى معسكرات اللاجئين الفلسطينيين؛ حيث فتكت بهم ودمرت أكواخهم، وبعثرت أشلاءهم, مستخدمةً أشد الأسلحة الحديثة فتكًا2.

1 الإصحاح العشرين من سفر التثنية 10-17.

2 سجلت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في تقريرها سنة 1967م-1386هـ, التي حملها عنف الصهيونيين وضراوة وحشيتها إلى إذاعة التقرير الذي سجلت فيه تلك الفظائع الرهيبة.

راجع خلاصة هذا التقرير في كتاب "الصهيونية بين الدين والسياسة" .

بروتوكولات صهيون:

أشرنا فيما سبق إلى البروتوكولات التي تعتبر دستور الحركة الصهيونية العمليّ، ويه تمثل المبادئ الصهيونية المبعثرة مصاغة في تبويب موضوعيّ مركز، وذلك هو القدر المتيقن من أمر البروتوكولات الذي لا مجال للجدل أو الشك فيه، بعد أن ظهر تنفيذه في خطوات الصهيونية التي نفذتها بعد المؤتمر الصهيونيّ الأول، وحتى الآن, وهذه خلاصة ما جاء في البروتوكولات:

1- إشاعة الفوضى الشاملة:

جاء في البروتوكولات الخامس: "إننا نقرأ في قاموس الأنبياء أن الله اختارنا لحكم العالم، وقد وهبنا الله العبقرية لنقوم بهذا العمل"، وقد تركزت هذه العبقرية -مع الأسف- في الافتتان في وسائل الفساد والتخريب، وفساد الحكومات والمجتمعات، وتخريب الدول والنفوس، وعلى هذا الأساس, فصَّلَت البروتوكولات المناهج العملية لتقويض الحكم القائم في شتّى الدول، وإقامة حكومة يهودية جامعة على أنقاضها: "أروع النتائج التي يمكن الحصول عليها في سبيل حكم العالم, يتحقق باستخدام العنف والتهديد لا بالمناقشات الأكاديمية", "وإن الذي يحكم، يجب أن يلجأ إلى الحيلة والنفاق، وفي السياسة تستحيل الصفات الإنسانية من أمانة وصدق إلى رذائل تؤدي إلى سقوط الملك عن عرشه", "يجب أن يكون شعارنا: جميع وسائل القوة والنفاق يتحتم أن يكون البطش هو المبدأ، والحيلة والنفاق هما القاعدة لدى الحكومات التي لا تريد أن تضع تاجها تحت أقدام أعوان أيّ حكم جديد, وهذا الشر هو السبيل الوحيد لبلوغ الخير، فعلينا أن لا نتردد أمام شراء الذمم والغدر والاحتيال إذا كان ذلك يخدم قضيتنا".

وتنشأ عن هذه الخطط والوسائل الصهيونية إشاعة الفوضى في العالم, والتسلل اليهوديّ من خلالها، وهذا ما تعانيه البشرية اليوم: فوضى عاتية جائحة؛ سياسية وفكرية وروحية واجتماعية واقتصادية.

2- إثارة الفتن والوقيعة بين شعوب العالم ودوله:

كشف الحاخام عمانوئيل رابينوفتش عن خطة الصهيونية في خطابه بمؤتمر الربانيين بمدينة بودابست سنة 1954م-1373هـ, حيث

قال: "هل تذكرون حملاتنا الدعائية الناجحة عام 1930، لقد أثارت الحقد على الأمريكيين في ألمانيا, والألمانيين في أمريكا، وهذا هو ما أدى إلى نشوب الحرب العالمية الثانية، وقد شرعنا في شن حملات مماثلة في سائر أنحاء العالم، فأثرنا في روسيا موجة من الحقد ضد الولايات المتحدة، وفي نفس الوقت أثرنا في الولايات المتحدة شعورًا بالخوف والتوجس إزاء الشيوعيين، وتؤدي هذه الحملات إلى دفع الدول الصغيرة إلى تحديد موقفها, إما مع روسيا, وإما مع أمريكا".

وهذا تطبيق لما رسمته البروتوكولات صراحة، ففي البروتوكول العاشر: "يجب بث الاضطرابات بصفة مستديمة في العلاقات القائمة بين الشعوب والحكومات، وإشاعة الأعمال العدوانية والأحقاد، وحتى عذاب الجوع والحاجة والأمراض، لدرجة لا يرى معها غير اليهود مخرجًا للأرزاء التي تحل بهم سوى الالتجاء إلى أموالنا وإلى سيادتنا المطلقة".

وفي البروتوكول الحادي عشر: "غير اليهود كقطيع من الأغنام, أما نحن فإننا الذئاب، وهل تعلمون ما تفعل الأغنام إذا اقتحم الذئاب حظيرتها؟ إنها تغمض عينيها، وسندفعهم إلى ذلك".

ويتضح في البروتوكول الخامس عشر كيف يعمل الصهيونيون لتحقيق أهدافهم: "وإذا ما تولينا السلطة بما نكون قد أعددناه من انقلابات تحدث في جميع الدول في وقت واحد -بمجرد أن يعلن رسميًّا عجز حكومات تلك الدول عن حكم الشعب، وقد يمضي على ذلك وقت طويل, ربما يبلغ قرنًا- سنبذل كل جهدنا لمنع المؤامرات ضدنا".

وإعمالا لهذه التعاليم نلاحظ أن اليهود دائمًا ضالعون مع كل حركة تخريب في العالم، فقد كانوا وراء الحرب العالمية الأولى، يظاهرونها ويذكرون أوارها انتقامًا من روسيا التي تصدت لليهود وانتقمت منهم, وقد استغل اليهود تلك الحرب الضروس لفائدتهم المالية، بإقراض الدول بالربا الفاحش، وترويج تجارتهم في مواد القتال التي يحتكرونها، والقضاء على شعوب أوربا وتقويض دولها.

كما حاول اليهود استغلال الثورة البلشفية في روسيا, وفرضوا وصايتهم عليها، لتحقيق مآربهم العنصرية التي فشلوا في تحقيقها في عهد القياصرة.

وقد نجحت العناصر الصهيونية في حكومة البلاشفة في ممالأة اليهود, والتستر على ما قد يسيء إليهم ويفضح نواياهم، فلما طبعت البروتوكولات في روسيا سنة 1917 باللغة الفرنسية, صودرت هذه الطبعة رسميًّا ولم يسمح بطبعها بعد ذلك.

3- الإرهاب الفكريّ وإفساد الرأي العام:

يشرح البروتوكول الخامس كيفية إفساد الرأي العام وبلبلة الأفكار

فيقول: "ولكي نطمئن إلى الرأي العام يجب أن نربكه تمامًا، فنسمعه من كل جانب، وبشتّى الوسائل آراء متناقضة, لدرجة يضل معها غير اليهود الطريق" ويوصي بـ: "مضاعفة الأخطاء التي ترتكب, والعادات والعواطف والقوانين الوضعية في البلاد لدرجة يتعذر معها على الناس التفكير تفكيرًا سليمًا وسط تلك الفوضى, وهكذا يكف الناس عنفهم بعضهم بعضًا, وسوف تساعدنا تلك السياسة على بَثِّ الفرقة بين جميع الأحزاب، وعلى حل الجماعات القوية، وعلى تثبيط عزيمة كل عمل فرديٍّ يمكن أن يعرقل مشروعاتنا".

وفي البروتوكول السابع: "يجب أن نقوم بالتأثير على الحكومات غير اليهودية عن طريق ما يسمونه الرأي العام الذي هيأناه عن طريق أعظم قوة, وهي الصحافة التي -فيما عدا بعض الحالات الاستثنائية التي لا قيمة لها- توجد كلها في قبضتنا".

وفي البروتوكول الثامن: "لا يتيسر إسناد المناصب الرئيسية في الحكومة إلى إخواننا اليهود، فإننا سنسند المناصب الهامة إلى أناسٍ من ذوي السمعة السيئة حتى تنشأ بينهم وبين الشعب هوة سحيقة، أو إلى أناس يمكن محاكمتهم, والزج بهم في السجون إذا ما حالوا دون تنفيذ أمرنا".

ولقد بلغ من جرأة اليهود أن استباحوا جلال العالم لإشباع حقدهم ونزواتهم، بإفساد العقول والأخلاق، والعبث بالقيم والفضائل الإنسانية؛ فابتدعوا نظرياتٍ علمية تسوغ لهم ما يبيتون من مكر وكيد, وما ينفثون من آراء هدَّامة؛ فاليهود وراء كل دعوة تستخف بالقيم الأخلاقية, وترمي إلى هدم القواعد التي يقوم عليها المجتمع الإنساني

فاليهوديّ: كارل ماركس, وراء الشيوعية التي تهدم قواعد الأخلاق والأديان..

واليهوديّ دركيم, وراء علم الاجتماع الذي يلحق نظام الأسرة بالأوضاع المصطنعة، ويحاول أن يبطل آثارها في تطور الفضائل والآداب، واليهوديّ سارتر, وراء الوجودية التي جنح بها إلى حيوانيةٍ تصيب الفرد والجماعة بآفات السقوط والانحلال1.

وفي البروتوكول الثاني: ".. نحن الذين هيأنا دارون وماركس ونيتشه، ولم يفتنا تقدير الآثار السيئة التي تركتها هذه النظريات في أذهان غير اليهود".

4- إشاعة الفوضى والفساد في المجتمع:

رسم البروتوكول الأول لليهود كيف يكيدون لسائر شعوب الأرض، ويبذرون الفوضى والانحلال فيقول: "إن الشعب لدى المسيحيين أضحى متبلد الذهن تحت تأثير الخمر، كما أن الشباب قد انتابه العته لانغماسه في الفسق المبكر الذي دفعه إليه أعواننا من المدرسين والخدم والمربيات اللاتي يعملن في بيوت الأثرياء، والموظفين والنساء اللواتي يعملن في أماكن اللهو, ونساء المجتمع المزعومات اللواتي يقلدونهن في الفسق والترف".

وفي البروتوكول التاسع: "لقد أتلفنا الجيل الحاضر من غير اليهود, وأفسدنا خلقه بتلقينه المبادئ والنظريات التي نعلم أنها مبادئ ونظريات فاسدة, وعملنا على ترسيخها في ذهنه، ودون أن نعمل على تعديل القوانين القائمة فعلًا أمكننا التلاعب بها, وتفسيرها التفسير الذي لم يخطر على بال واضعيها للحصول على نتيجة فعالة".

5- افتعال الأزمات الاقتصادية:

يُفَصِّلُ البروتوكول الثالث السلاح الاقتصاديّ الذي يستعين به اليهود على تقويض الحكومات: "وسنعمد إلى خلق أزمة اقتصادية عالمية بكافة الطرق الملتوية الممكنة, بواسطة الذهب الذي يجري بين أيدينا".

وفي البروتوكول الرابع: "يجب أن نقيم التجارة على أسسالمضاربة، ويكون نتيجة ذلك منع غير اليهود من الاحتفاظ بالثروات التي انتجتها الأرض, وعن طريق المضاربة تدخل تلك الثروات خزائننا".

1 العقاد: "الصهيونية العالمية".

ويوضح البروتوكول السادس كيف يعمل اليهود على الإضرار بالإنتاج: "وسنعمل على تقويض الإنتاج من أساسه, عن طريق نشر الفوضى بين العمال, وتحريضهم على شرب الخمر، كما أنه لابد من استخدام جميع الوسائل الممكنة لطرد الأذكياء من غير اليهود من وجه البسيطة".

6- القضاء على الأديان:

في البروتوكول الرابع عشر: "عندما نصبح أسياد الأرض لا نسمح بقيام دين غير ديننا, من أجل ذلك يجب علينا إزالة العقائد، وإذا كانت النتيجة التي وصلنا إليها مؤقتًا قد أسفرت عن خلق الملحدين، فإن هدفنا لن يتأثر بذلك، بل يكون ذلك مثلًا للأجيال القادمة التي ستستمع إلى دين موسى، هذا الدين الذي فرض علينا مبدأه الثابت النابه وضع جميع الأمم تحت أقدامنا"..

وفي البروتوكول السابع عشر: "لقد عنينا عنايةً خاصةً بالعيب في رجال الدين غير اليهود، والحَطِّ من قدرهم في نظر الشعب، وأفلحنا كذلك في الإضرار برسالتهم التي تنحصر في تعويق أهدافنا, والوقوف في سبيلها, حتى لقد أخذ نفوذهم ينهار مع الأيام..

وإن حرية العقيدة معترف بها اليوم في كل مكان, ولا يفصلنا عن إنهيار المسيحية إلّا بضع سنوات، وسيكون القضاء على الأديان الأخرى أيسر من ذلك، ولكن الوقت لم يحن بعد لمناقشة هذه المسألة..

وسنعمل على أن يكون دور رجال الدين وتعاليمهم تافهًا، ونجعل تأثيرهم في نفوس الشعب فاترًا إلى حَدٍّ يجعل أثر تعاليمهم عكسيًّا".

ومن هنا كان الإسلام بعد المسيحية المجال الرئيسيّ الذي كرست له الصهيونية نشاطها للنيل منهما بدأب حثيث، وكانت محاربتهما هدفًا لليهود منذ أزمان سحيقة، ففي التلمود: "حيث إن المسيح كذاب, وحيث إن محمدًا اعترف به، والمعترف بالكذاب كذاب مثله، فيجب أن نقاتل الكذاب الثاني كما قاتلنا الكذاب الأول1".

1 د. محمد الزغبي: "دفائن النفسية اليهودية" .

وقد جاهر حاخام إسرائيل في الحفل الوضع الحجر الأساسيّ للمحفل الماسوني في تل أبيب سنة 1377 هـ, بقوله: "إننا نعمل جميعًا لهدفٍ واحدٍ, هو العودة لكل الشعوب إلى أول دين محترم أنزله الله على ظهر هذه الأرض، وما عدا ذلك فهي أديان باطلة، أديان أوجدت الفرقة بين أهل البلد الواحد، وبين أيِّ شعب وشعب، ونتيجة لمجهوداتكم سيأتي يومٌ يتحطم فيه الدين المسيحيّ والدين الإسلاميّ، ويتخلص المسلمون والمسيحيون من معتقداتهم المتعفنة، ويصل جميع البشر لنور الحق والحقيقة".

وينبغي ألّا ننسى أن الحاخام يوجه خطابه, ويوعز بتحريضه إلى أعضاء المحفل الماسوني الذي تزعم تقاليده أنه بنجوة من التعصب الدينيّ، وأنه يتحلى بالحياد تجاه العقائد.

محاربة الصهيونية للإسلام:

حرصت دولة إسرائيل على محاربة الدين الإسلاميّ في نطاقها المحليّ، تطبيقًا للمبادئ التي نَصَّ عليها البروتوكولان السابقان، فعمدت إلى إجبار التلاميذ المسلمين على دراسة اللغة العبرية والديانة اليهودية وحفظ التوراة، ومنعتهم من حفظ القرآن الكريم ودراسة التاريخ الإسلاميّ.

وتطاولت إسرائيل على القرآن الكريم؛ فطبعت في عامي 1380 و1388هـ نسخًا مزورةً من المصحف الشريف, أسقطت منها بعض الألفاظ, أو بعض الآيات, وأحيانًا سورةً بحذافيرها، أو تناولت بعض الألفاظ بالتحريف -تبتغي بذلك تحريف بعض المعاني القرآنية, والتشكيك في سلامة كتاب الله- بيد أن المسلمين كانوا بالمرصاد, حريصين على تعقب كل ما يصدره أعداء الله من طبعاتٍ محرفةٍ من المصحف, والحيلولة دون تداولها.

ودأب اليهود، منذ ظهور الإسلام على محاولة إفساد شرائعه، وتشويه مصدر أحكامه، فدسوا كثيرًا من البدع المضللة، ومنهم من انتحل الإسلام نفاقًا ورياءً ليفتري على الإسلام مزاعم ما أنزل الله بها من سلطان؛ ليكيد بها الإسلام, ويثير الفتنة بين جمهرة المسلمين،

وقد عرفت هذه الزيوف عند المسلمين بالإسرائيليات، وهي كل ما دَسَّه اليهود على تفسير القرآن الكريم, أو الحديث النبويّ؛ من تأويلات فاسدة, وأساطير خرافية, فيها أغراب وزيغ عن المعنى المقصود، قصد بها التضليل والإرجاف والبلبلة, وإثارة الشبهات بتشويه حقائق الإسلام الناصعة1.

ومن دهاة اليهود عبد الله بن سبأ الحميريّ "ابن السوداء" الذي ترجع إليه طوائف غلاة الشيعة، وهو القائل بمذهب الرجفة, ومذهب الحلول, يزعم أن عبد الرحمن بن ملجم لم يقتل عليًّا، وإنما المقتول شيطان تصور للناس في صورة عليّ، أما عليّ -رضي الله عنه, فقد صعد إلى السماء, على أن يرجع إلى الأرض بوصفه -المهديّ المنتظر؛ حيث ينتقم من أعدائه, ويقيم العدل والحق.

الفصل الرابع: المنظمات الصهيونية

مدخل

جاء في التوراة أن الله أوحى إلى موسى -عليه السلام- أن يتخذ مجلسًا من سعبين شيخًا من شيوخ بني إسرائيل1 ويسمونه: "مجمع السهندرين"، وهو يتألف من حاخاماتهم بزعامة الكاهن الأكبر, وقد ظل مجمع السهندرين قائمًا حتى انفض عام 70 بعد الميلاد، بعد تدمير هيكل سليمان، وتمزق اليهود وتشتتهم في شعاب الأرض, ولكن حلت محله هيئات سرية ترعى شئون اليهود، وتعمل مستخفية.

وفي عام 1807م حاول نابليون بونابرت إحياء السنهدرين القديم في هيئة تضم الحاخامات والعلمانيين؛ لجمع شمل اليهود تحت لوائه، بغيه الإفادة منهم في تحقيق مشروعاته الاستعمارية في الشرق خاصةً، غير أن إخفائه في تحقيق أطماعه أحبط تلك المحاولة.

وأخيرًا تولت الكيهيلا قيادة اليهود -ومعناها في العبرية: المحكمة العليا- وهي تضم أقطاب اليهود من رجال الدين والفكر والمال والسياسة، وتشرف على كافة الأنشطة اليهودية التي تقوم بها المنظمات المختلفة في العصر الحديث، فتتلقى منها ما تستجمع من بياناتٍ ومعلوماتٍ, وتتولى التنسيق بينهما, ومتابعتها واستغلالها، وتعرف هيئة الكيهيلا حاليًا بالمؤتمر اليهوديّ العالميّ، الذي يعمل على احتواء اليهود في أقطار الأرض, والتوفر على تحقيق ما وعدت به التوراة من سيادة اليهود لشعوب العالم، وسيطرتهم على أرجاء المعمورة باعتبارهم شعب الله المختار.

ويعترف الحاخام دراهما بانتظام الهيئات اليهودية السرية المختلفة تحت شعار واحد، وهدف موحد، أيا كان نشاطها، وأينما باشرته؛ حيث يقول في كتابه "التناسق": "إن جميع الجمعيات السرية موسومة بطابع واحد، إذ كلها تعمل بقيادتنا2".

1 الأصحاح 24 من سفر الخروج.

2 دفائن النفسية اليهودية للزعبي .

منظمات يهودية علنية

بعد أن ظفر اليهود بحقوق المواطنين في القرن الثالث عشر-الثامن عشر والتاسع الميلاديين- سارعوا بإنشاء جمعياتٍ يهوديةٍ سافرةٍ في عدة أقطار، مثلًا جمعية عشاق صهيون, التي أنشئت في أوديسا سنة 1882م -1298هـ، وحركة التنوير "الهاسكالاه" في ألمانيا، والتي أنشأها موسى مندلسون، وجمعية الاستعمار اليهوديّ التي أنشأها البارون أدموند دي هيرش، وجمعية كاديناح النمسوية, التي كان يرأسها ناتا بيرنباوم، وجمعية صهيون النمسوية, التي تولى رئاستها تيودور هرتزل.

وبمجهود هرتزل التأم أول مؤتمر عالميّ في مدينة بال بسويسرا في 29 أغسطس 1897، يضم أقطاب اليهود من أقطار الدنيا؛ حيث توفروا على توحيد جهودهم، والسعي لتحقيق آمالهم.

وبالنظر لنجاح هذا المؤتمر من وجهة النظر الصهيونية, فقد تقرر عقده بصفة دورية، وأنشئت المنظمة الصهيونية العالمية في ألمانيا تنفيذًا لقرار ذلك المؤتمر، وهذه المنظمة هي أعلى سلطة تشرف على النشاط الصهيونيّ بمختلف صوره وأدواته، وتتولاه بالتوجيه والتمويل والمتابعة، دعمًا لإسرائيل, باعتبارها محور هذا النشاط وهدفه الأول.

وإلى جانب هذ المنظمة يقوم الؤتمر اليهوديّ العالميّ, ويمثل الهيئة العليا التي تتولى شتات اليهود بالرعاية، وتهيئ لهم السيطرة على أنحاء المعمورة، وتعمل على إنشاء الحكومة اليهودية العالمية.

وقد باشرت المنظمة الصهيونية مهمتها إلى عام 1348هـ-1929م؛ حيث تكونت الوكالة اليهودية في فلسطين وحلت محلها، فلما أعلن قيام دول إسرائيل سنة 1367هـ-1948م, تكونت الحكومة اليهودية من بين أعضاء الهيئة التنفيذية للوكالة اليهودية.

ومن المنظمات اليهودية السافرة: منظمة بنادي بريث ومهمتها

الدعوة الصهيونية, وجمع التبرعات لإسرائيل، ومنظمة الهداسا النسائية الصهيونية, ومقرها نيويورك, ولها فرع في مدينة القدس، ويشمل نشاطها الشئون الطبية, وتقوم بالإشراف على جمع التبرعات لتمويل النشاط الصهيونيّ، ومثلها المنظمة الصهيونية النسائية العالمية, المعروفة باسم: "ويرز" التي تنتشر فروعها في شتى أنحاء العالم, والمجلس القوميّ لجماعة شباب إسرائيل, وقد اعتمدته هيئة الأمم المتحدة بوصفه منظمة غير حكومية للشباب اليهوديّ، ويمتد نشاطه إلى الأمريكتين فضلًا عن إسرائيل, واتحاد عمال إسرائيل "الهستادورت" ومنظمة سندات إسرائيل في نيويورك؛ لتمويل المشروعات الصهيونية.

المنظمات السرية

المحافل الماسونية

المنظمات السرية:

من المنظمات الصهيونية السرية الخطيرة التي اكتشف أمرها: الماسونية والبهائية، وجمعية شهود يهود، ونادي الصلبان, والمزدهرة، ونوادي الروتاري, ونكتفي بالإلمام بالمحافل الماسونية.

المحافل الماسونية:

هي من أقدم المنظمات اليهودية التي بثها اليهود أينما حلُّوا في أقطار الأرض، لتكون مثوى اجتماعاتهم التي يتناقشون فيها ويتبادلون الرأي والمعلومات, ويكفي لبيان الصلة الوثيقة بين الماسونية والصهيونية أن بروتوكولات صهيون -الدستور الصهيوني- قد صدرت مذيلةً بإمضاء ثلاثمائة من كبار الماسونيين الحائزين للدرجة الثالثة والثلاثين الماسونية.

ولا يزال منشأ الماسونية طي الكتمان، بل لغزًا من الألغاز الغامضة1, ورغم ذلك, فإن تاريخ الماسونية الذي تتداوله معارف الماسونيين ينبئ عن أصالتها الدينية لليهودية، فهم يزعمون أن الملك سليمان -عليه السلام, كان الأستاذ الأعظم في محفل القدس، كما عثر على مخطوطة يرجع تاريخها إلى القرن الخامس عشر الميلاديّ

1 كتاب "كيف أنشئ المحفل الأكبر الوطني السوري اللبناني" تأليف حسين اللاز, وأحمد مختار نجاة,.

يستدل منها على أن الماسونية دخلت انجلترا على يد اليهود في مصر والقدس1.

شعار الماسونية:

والمساونية أو جمعية البنائيين الأحرار, منظمة اجتماعية عالمية, شعارها الذي يتسم بها نشاطها الظاهر:

العدل, الإخاء, الحرية,

وهدفها: التعاون الإنسانيّ بين أفرادها على أوسع مدى، وقد اتخذت من صناعة البناء وأدواته كثيرًا من شعاراتها ورموزها، فالبركار والزاوية هما الرمز العام للماسونية, وعلامة الأستاذ الأعظم: البركار والقوس وصورة العين المشعة داخل مثلث, وعلامة المنبهخ الأول الأعظم: ميزان البناء, وعلامة المنبه الأعظم: خيط الشاقول, وعلامة المهندس الأعظم: البركار.

ويشار إلى الله -سبحانه وتعالى- باسم: مهندس الكون الأعظم, ويسمى كل تنظيم ماسونيّ محفلًا، يجتمع فيه الأعضاء، ويضم المحفل الأكبر مجموعة من المحافل, وتتبع المحافل المقامة في مجموعة من الدول محفلًا عامًّا يسمى: شرقًا,

وتتكون الماسونية من طبقات ثلاثة متدرجة:

الطبقة الأولى:

وتعرف بالماسونية الرمزية العامة، وهذه الطبقة متاحة لجميع الأجناس والأديان، ويُقَسَّمُ أعضاؤها إلى ثلاث فئات: المتبدئين أو الأخوة, ثم الأساتذة، ثم الأساتذة الأعاظم الذين يرأسون محافلها, وتتكون المراتب المساونية في هذه الطبقة الرمزية من 33 درجة, تتدرج صعودًا حتى مرتبة الأستاذ الأعظم.

1 المرجع السابق.

الطبقة الثانية:

وتعرف بالماسونية الملوكية, أو العقد الملكي, ويسمى العضو فيها رفيقًا كما يعرف رئيس المحفل بالرفيق الأعظم, وكان أعضاؤها جميعًا من اليهود، ثم سمح للأساتذة العظام للمحافل الماسونية الرمزية العامة بالاندماج فيها، على ألّا يتجاوزوا فيها مرتبة الرفيق، وهي أدنى مراتبها.

'الطبقة الثالثة:

وتعرف بالماسونية الكونية، وتتكون من رؤساء محافل العقد الملوكيّ، وهي محفل واحد, جميع أعضائه من اليهود، ولا يعرف مقره ولا رئيسه الملقب بالحاخام الأعظم، غير أن المشهور أن الماسونية الكونية يديرها المحفل الأمريكيّ المؤلف من اليهود الصهيونيين الرومانيين.

ولكل درجة من درجات الماسونية رموز خاصة، وشارة خاصة، وتحية معينة، وأسرار محددة تتسع دائرتها كلما ارتقى العضو إلى درجة أعلى، وتختلف باختلاف طبقات المحافل، ولا يجوز لدرجة أن تطلع على أسرار وتعاليم الدرجة تعلوها.

ولا يقبل العضو الجديد في أدنى درجات الماسونية إلّا بعد تزكية عضوين له، وثبوت جدراته بما يجري حوله من التحريات السرية التي تبعث على الاطمئنان إليه، ونجاحه في اختيار نفسيٍّ عسير, يجري في غرفة مظلمة رهيبة؛ حيث يمكث فترةً طويلةً في تابوتٍ من توابيت الموتى بين الجماجم والهياكل العظمية، ثم يتم قبوله في حفل تكريس تجرى فيه طقوس غريبة على مشهد من جميع أعضاء المحفل.

ولا يرقى الماسونيّ إلى درجة أعلى حتى يَمُرَّ باختبارات وتجارب قاسية, تثبت جدارته بالترقية, وتلقي أسرار الدرجة الجديدة، وتتفاوت هذه الاختبارات في الدقة والقسوة بتفاوت الدرجات المكرس لها العضو؛ بحيث تمعن في القسوة كلما علت الدرجة, والقصد من ذلك التأكد من قدرة العضو على تحمل أنواع التعذيب والأذى الذي قد يتعرض له في سبيل كتمان أسرارها.

وقد اتخذت الماسونية ستارًا لأغراضها الحقيقية -وهي خدمة الصهونية- تلك النشاطات الإنسانية والاجتماعية، باعتبارها تعمل للبِرِّ والتعاون الاجتماعيّ, وتنفي عن نفسها التعرض للمباحث الدينية والأمور السياسية, فالماسونيّ يلقى دائمًا من صنوف المعونة والمساعدة ما قد يحتاج إليه، سواءً كان ذلك في وطنه أو البلاد الأخرى، حيث يقابل من إخوانه الماسونيين المنتشرين في جميع الأقطار بمزيد البشر والترحاب، والاستعداد لخدمته، والعمل على راحته، حالما يلتقي بهم, ويتعرف إليهم بمقتضى الإشارات المصطلح عليها فيما بينهم، وكلمات السر المضنون بها على غيرهم, بل يزيد الدعاة في نشر الدعوة الماسونية بقولهم: إن الموظف الماسونيّ لابد أن يلقى من عناية الرؤساء الماسونيين بأمره ما تقرَّ به عينه؛ حيث تكون ماسونيته خير مؤهل للترقي وتخطي الأقران, وإذا أجرم الماسونيّ, ثم حوكم أمام القاضي الماسوني, فإن البراءة مضمونة له، حالما يظهر له الإشارة الماسونية, وهكذا التاجر ورجل الأعمال1.

ومعلوم أن الماسوني يقسم عند التحاقه بالعشيرة الماسونية أمام الرئيس المحترم -خليفة الملك سليمان- أن يتخذ من إخوانه الماسون أولياء له في جميع أموره وأحواله، وأن يأتمنهم كذلك على أعراضه، وأن يتخذ القومية الماسونية دون سواها شعارًا له مدى الحياة2.

وقد أفصح البروتوكول الثالث من بروتوكولات صهيون عن الدور الجديّ للمحافل الماسونية في سبيل إنشاء الدولة اليهودية العالمية التي يدين لها سكان المعمورة، ويخضعون لسلطانها حيث يقول:

إن المحافل الماسونية تقوم في العالم أجمع -دون أن تشعر- بدور القناع الذي يحجب أهدافنا الحقيقية، على أن الطريقة التي ستستخدم بها هذه القوة في خطتنا، بل في مقر قيادتنا, لازالت مجهولة من العالم بصفة عامة.

وفصَّل البروتوكول الحادي عشر الأهداف التي ترمي إليها الصهيونية؛ من إفساح المجال لغير اليهود للانضمام إلى المحافل

1 "الجمعية الماسونية حقائقها وخفاياها" للدكتور أحمد غلوش, الرئيس السابق للمحفل الأكبر الماسوني بالاسكندرية, والحائز على الدرجة 32,.

2 المرجع السابق .

الماسونية العالمية، فقد جاء فيه: ماهو السبب الذي دفعنا إلى أن نبتدع في سياستنا، ونثبت أقدامها عند غير اليهود، لقد رسخناها في أذهانهم دون أن ندعهم يفقهون ما تبطن من معنى، فما هو السر الذي دفعنا إلى أن نسلك هذا المسلك، اللهم إلّا أننا جنس مشتت, وليس في وسعنا بلوغ غرضنا بوسائل مباشرة، بل بوسائل غير مباشرة فحسب, هذا هو السبب الحقيقيّ لتنظيمنا "الماسونية" التي لم يتعمق هؤلاء الخنازير من غير اليهود في فهم معناها، أو الشك في أهدافها، إننا نسوقهم إلى محافلنا التي لا عداد لها ولا حصر، تلك المحافل التي تبدو ماسونية فحسب، ذرًّا للرماد في عيون رفاقهم.

وفي البروتوكولات نصوص كثيرة تبين دور المحافل الماسونية في العمل لخدمة الصهيونية؛ منها ما جاء في البروتوكول الخامس عشر: "يلتحق غير اليهود بالمحافل الماسونية مدفوعين بمجرد الفضولية, أو أملًا منهم في الحصول على المزايا التي توفرها لهم، ويلتحق بعضهم بها لكي يتمكنوا من مناقشة أفكارهم السخيفة أمام جمهور المستمعين، ويتوق غير اليهود إلى ضروب الانفعالات التي يهيئها النجاح والهتافات، وها نحن نوزعها عليهم دون حساب، ولذلك نتركهم يحرزون نجاحهم، ونفيد من الرجال الذين يتملكهم الغرور، والذين يستسيغون أفكارنا, وكلهم ثقة في عصمتهم, وفي أنهم وحدهم قادرون على التفكير وغير خاضعين لغيرهم.

وهكذا كان الماسونيون أكبر معوانٍ للحركة الصهيونية في شتَّى الأقطار, يعملون على تحقيق أهدافها السياسية والاستعمارية بحماس ودأب، ومنهم على سبيل المثال "ونستون تشرشل" الذي عمل على تأييد الحكومة الإنجليزية للمطامع الصهيونية في فلسطين، وكان "هاري ترومان" رئيس الولايات المتحدة ماسونيًّا أعظم, وقد أكدت ذلك مجلة "شيكاغو أفنجر" في عددها الصارد في 13 يوليو 1955م، وهو الذي سارع إلى الاعتراف بدولة إسرائيل ساعة ولادتها المشؤومة.

وتعزي الحركات الثورية العاتية، والفتن المخربة التي اندلعت في شتَّى الدول في العصر الحديث إلى النشاط الماسونيّ الهدام؛ كالثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، والانقلاب العثمانيّ

سنة 1327هـ-1908م" والثورة الشيوعية في روسيا سنة 1336هـ-1917م, وغيرها1.

1 ويمكن لمن يرغب في المزيد من التفصيل الرجوع إلى الكتب التالية:

"أسرار الماسونية" للجنرال جواد رفعت أتلخان.
"الماسونية في العراء" للدكتور على الزغبي.

والكتاب النفيس الذي صدر أخيرًا: "الصهيونية بين الدين والسياسة" للأستاذ عبد السميع الهراوي، وعليه عولنا في هذا البحث.

الباب الرابع: اتجاهات إسلامية

مدخل

اتجاهات إسلامية:

نحن نتحدث عن العالم المعاصر, ومن ثَمَّ فإننا نتحدث عن القرن العشرين, ولئن كنَّا أوغلنا قرنًا أو بعض قرنٍ حين تحدثنا عن الاتجاهات الدخيلة: غربية وشرقية, فذلك لنبين جذورها ليعلم قومنا أن ما هم فيه ليس قصدًا إلى تمدينهم ولا إلى رقيهم, إنما هو عروةٌ من عرى حربٍ ضروسٍ شنها أعداؤهم عليهم, فلمَّا لم تفلح حرب السلاح, لجأوا إلى حرب الفكر والعقيدة.
وكانوا في الثانية أخبث وأنجح, بيد أنهم وإن نجحوا, فإن نجاحهم محدود..محدود كمًّا, فلا تزال القاعدة العريضة من المسلمين بعيدة عن تأثيرهم, لا تزال الفطرة في البادية وفي الريف هي الغالبة, برغم كل ما بذله الغرب والشرق من فساد وإفساد.

وهو كذلك محدود كيفًا:

فإن ما غيروه قليلٌ إلى جوار ما بقي, حتى في نفوس أتباعهم, ولا يزال الإسلام في كلِّ يومٍ يضم إلى صفوفه كثيرين ممن كانوا عندهم روادًا, وهذا محمد حسين هيكل يعلن عودته لحظيرة الإسلام, وهذا طه حسين يتجه في أخريات حياته إلى الإسلام, وإن بقي فكره مشوبًا بكثير من المؤثرات الأولى.

وهذا جلال كشك، ومصطفى محمود, وغيرهم كثير.

يفتح الإسلام ذراعيه فرحًا بهم, أشد فرحًا من فرحة الأم بعودة وحيدها الغائب, أو أشد فرحًا من ظاعنٍ بالصحراء وجد بعد لأي بعيره الشارد, وهذا النجاح لا يأمن بعد ذلك رد الفعل إن لم ينتهوا ويتركوا أرض الإسلام وأبناء الإسلام, وبعض الذي سنقدم إن لم يكن أكثره كان رد الفعل, وقد بدأ, أو بدا أثره قاصرًا,

لكنه يوشك بإذن الله أن يعرف طريقه, وأن يبلغ غايته؛ ليتم الله نوره ولو كره المشركون.

ونحن نكتفي في الحديث عن الاتجاهات الإسلامية بما كان منها في هذا القرن الرابع عشر الهجريّ؛ لأن هذا هو معنى المعاصرة الذي نقصد إليه, ولن نشغل أنفسنا, ولا نشغل الناس بالحركات التي لبست ثياب الإسلام وهي تضمر له الشر, وتحمل له الحقد, فإن صبغها بصبغة الإسلام خطأ كبير1.

لكنا قد نشغل أنفسنا, ونشغل الناس بالحركات والاتجاهات القاصرة؛ لأنها وإن كانت لا تمثل الإسلام الصحيح, فإنها خطوات إليه, حَسْبُ أصحابها منها حسن النية، وحسبهم اجتهادهم, وإن أخطأوا فلهم الأجر -إن شاء الله, ثم لابد من دراستها لنتبين ما فيها من خير فنستثمره, وما فيها من سوء فنرفضه, ثم لندعوا أصحابها أن هلموا إلى الإسلام الصحيح {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} 2.

ونبدأ -بإذن الله- بهذه الاتجاهات, ثم نثني -بإذن الله- بالاتجاه الصحيح, والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلّا بالله العليِّ العظيم.

1 مثل القاديانية, التي قامت في الهند عمليةً للاستعمار البريطانيّ, محاولة تحريف العقيدة الإسلامية, وهي وغيرها من الحركات المشبوهة موضع دراسة مادة الأديان والفرق.

2 آل عمران 105، 106.

الفصل الأول: إتجاهات قاصرة

مقدمة

وفي حديثنا عن الاتجاهات القاصرة قد نغفل تسمية أصحابها, ليس خوفًا منها, ولا ملقًا لغيرها, فيعلم الله أن خوفنا منه, ورجاءنا إليه.

ولكنه أدب علَّمَنا إياه الرسول -صلى الله عليه وسلم- حين كان يصعد المنبر فيقول: "ما بال أقوام فعلوا كذا وكذا", ثم هو بعد ذلك دعوة لأولئك الذين أحبوا الإسلام وإن لم يفهموه الفهم الصحيح أو المتكامل, دعوة إليهم من غير جرح لمشاعرهم, فهم أقرب إلينا من الذين شردوا, وهم أعز علينا منهم, بل قد يكونون أعز علينا من أنفسنا.

وأول هذه الاتجاهات القاصرة: ما اقتصر على العقيدة وغالى فيها.

وثاني هذه الاتجاهات القاصرة: ما اقتصر على النسك وغالى فيه.

وثالثها: ما اقتصر على محاولة إصلاح بعض المؤسسات, ولم يستطع, حتى أن يغالي فيه, ونكتفي بهذه الاتجاهات لتجمع تحتها كثيرًا من الحركات التي ظهرت في هذا القرن, ولنجمع تحتها كذلك كثيرًا من الجمعيات التي حملت اسم الإسلام, أو جزءًا من اسمه.

وكل ذلك بغير تسميةٍ كما أشرنا..

المبحث الأول: اتجاهات نحو العقيدة

أولا: صواب البدء بالعقيدة

المبحث الأول: اتجاهات نحو العقيدة

لا شك أنها نقطة بداية صحيحة أن نبدأ من العقيدة, فإنها الأساس, لكن الخطأ والخطر أن نقف عندها, أو أن نتغالى فيها.

وقبل أن نبين الخطأ والخطر فيها نبين الصواب فيها, مشيرين إلى ظروف نشأتها, فهذان بحثان بإذن الله.

أولًا: صواب البدء بالعقيدة

البدء بالعقيدة عين الصواب؛ لأن الإسلام يقيم بناءً له أساس, وأساسه العقيدة, وبناء الإسلام ليس من حجارةٍ ولا من صخور, وإن كان بعد قيامه أثبت من الرواسي, وأصلب من الصخور.

إنه بناء معنويّ, بناء قيم ومُثُل, بناء شريعة أساسها عقيدة, وهذا البناء لا يقام في فراغ.

ولا يقام كذلك على جماد, لكنه يقام على أكرم ما خلق الله, على الإنسان, ثم هو يقام في أعز مكانٍ في الإنسان, وأغلى قطعة فيه, أنه يقام في قلبه.

"التقوى ها هنا وأشار النبيّ -صلى الله عليه وسلم- إلى قلبه"1.

"ألا وأن في الجسد مضغة, إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله, ألا وهي القلب"2.

والذين أقاموا الحضارات غير الإسلامية أخطأوا نقطة البدء, بل أخطأوا مكان البناء نفسه؛ فأقاموا بناء الحضارة خارج الإنسان؛ من الآلة, والمصنع, وناطحات السحاب, وهم حتى حين نظروا إلى الإنسان, نظروا إلى أحطِّ شيء فيه؛ غرائزه, فكانت حضارتهم إشباعًا لهذه الغرائز, وإثارةً لها, حتى شقي الإنسان بحضارتهم أيَّما شقاء.

وأهملوا في الإنسان أعزَّ شيء فيه, وأغلى قطعة منه, أهملوا قلبه, وهذا هو الفارق بين حضارتهم وحضارة الإسلام!

والظروف التي دعت للنداء بالعقيدة:

قريبة من الظروف التي دعت الإسلام للنداء بها أول مرة, فكثير من المجتمعات الإسلامية خلال القرنين الثاني عشر والثالث

1 من حديث طويل رواه الشيخان.

2 رواه البخاري في كتاب الإيمان 39, ومسلم وابن ماجه.

عشر، وبعضها لا يزال حتى القرن الرابع عشر الحالي, يتنازعها تقاليد وأفكار, إن لم تكن هي الشرك فهي قريبة منه, بل إن بعض هذه المجتمعات أو شك يومًا أن يعبد شجرةً, أو مكانًا حاطه البعض بشيء من التقديس.

ولا يزال كثير مما يحدث حتى اليوم فيما يسمى بالموالد, له شكل الشرك, ولا ينقصه إلّا النية, والله أعلم بالنوايا.

وبرغم أن أصحاب هذه الموالد برءاء مما أحدث الناس, بل إن بعضهم لو كان على الحياة لحرق كثيرًا من أولئك الضالين, كما فعل عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- بمن ألهوه من دون الله -سبحانه وتعالى.

وبرغم ما يقال من أن إحياء هذه الموالد, إحياءٌ لمبادئ وقيم أصحابها وتذكير بها, فإن ما غلب عليها من بدع, وما يرتكب فيها, أو باسمها من آثام, كفيل بالانتهاء عنها.

فإن من أسباب تحريم الخمر والميسر, قول الله: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} .

فضلًا عن أن درء المفسدةِ مقدَّمٌ على جلب المصلحة, وسَدُّ الذرائع كفيلٌ بترك ما لا بأس به, خشية أن يكون به بأس.

طواغيت:

والطواغيت التي أمرنا الله أن نكفر بها ليصحَّ إيماننا, ليست ولم تكن الأوثان والأصنام فحسب, إن تلك الأوثان والأصنام مجرد صورةٍ واحدةٍ، أو مَثَلٍ واحدٍ

لكن صور الطواغيت كثيرة:

معتقدات..مبادئ..

أفكار..أشخاص..عواطف ومشاعر..سلوك..صور للتنسك.

وجماع هذه جميعًا أن تعطيها, أو تعطي شيئًا منها, بعض صفات الله, أو بعض أفعاله التي اختص بها وحده سبحانه.

ولا يَهِمُّ أن تفردها بهذا العطاء, أو أن تشركها مع الله فيه, فمن أعطى شخصًا, أوهيئًة مبدأ صفة "الحكم" أي: وضع القواعد والتشريعات ابتداءً, وهذا خالص حق الله, سواءً في مجال العقيدة، أو الأخلاق، أو العبادات أو المعاملات: اقتصادية، وسياسية، واجتماعية, فقد اتخذ الشخص أو الهيئة أو المبدأ طاغوتًا.

فإن أفرده بهذه الصفة, فقد اتخذه طاغوتًا من دون الله, وإن أشركه مع الله في هذه الصفة, فقد اتخذه طاغوتًا مع الله, وفي الحالين إن توافرت له الإرادة, فقد انتفى عنه الإيمان..

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا} ..

إلى قوله تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} 1.

1 النساء: 60 و65.

فلينظر الذين يقولون: "أنا مسلم العقيدة, ماركسيّ المذهب".

فإن العقيدة لا تصح حتى يسقط كل طاغوتٍ يعطيه الإنسان بعض حق الله {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} 1 ولذا, كان النفي في شهادة التوحيد سابقًا على الإثبات: لا إله إلّا الله!

العقيدة الصحيحة:

والعقيدة الصحيحة ليست قاصرةً على نطق اللسان: لا إله إلّا الله, محمد رسول الله, إنها قبل ذلك علم القلب وعمله, وهي ليست قاصرةً بعد ذلك على عمل الجوارح, إنها إن اقتصرت على الأولى: شهادة اللسان, وانتفت الثانية, كانت نفاقًا, وإن اقتصرت على الثانية دون الأولى, كانت كفرًا, وإن اقتصرت على الأولى والثانية دون الثالثة, كانت فسقًا, ثم إنها ليست قاصرةً على جانب من صفات الله دون الجانب الآخر, إنها كما تشمل الاعتقاد بأن الله خالق, تشمل كذلك الاعتقاد بأنه رزاق, تشمل كذلك الاعتقاد بأنه: حكم أو حاكم..

والإخلال في جانب من هذه, كالإخلال بالجانب الآخر, سواءً بسواء2.

1 البقرة 256.

2 تفصيلًا لذلك.. بحثًا مفصلًا "الإيمان الحق: شهادة وعقيدة وعبادة" الدكتور على جريشة, دار الشروق, الطبقة الأولى, سبتمبر سنة 1975م, والمراجع المشار إليها في هذا البحث.

ثانيًا: خطأ وخطر

الذين نادوا بالعقيدة على ذلك النحو أصابوا كل إصابة, لكنهم أخطأوا من جانبين:

إنهم وقفوا عندها, أو أنهم غالوا فيها, أو فعلوا الخطأين معًا:

أما خطؤهم في الوقوف عندها:

فإن العقيدة أساس لايقوم بناء بغيره, وهذه أهميتها, لكن, أيصح لعاقلٍ أن يقيم الأساس ويكتفي؟ فلا يقيم بعده البناء؟..
وما يجديه الأساس إن أصابته حرارة الصيف, أو مسَّه برد الشتاء؟

وأما خطأ المغالاة فيها:

فقد جاء من اعتبارهم الائتمار بالأمر, والانتهاء عن النهي, جزء من العقيدة، وترتيبهم نفس النتيجة التي تترتب على تخلف الأجزاء الأخرى؛ كشهادة اللسان, أو اعتقاد القلب, واعتبار العمل -بتفصيله السابق- جزءًا من الإيمان صحيح.
لكن الترتيب نفس النتيجة عليه غير الصحيح, ذلك أن للإيمان درجات, كما أن في الجنة درجات, وللكفر دركات, كما أن في جهنم دركات1
أو هو كالكائن الحيّ, لا يستوي فصل رأسه مع فصل رجله أو يده, ومن ثَمَّ فلا يستوي في شرع الله تارك الشهادة: لا إله إلّا الله, مع تارك إطعام المسكين, ولا يستوي من داس مصحفًا, أو أنكر شيئًا ما فيه, مع مَنْ اغتاب، أو سعى بالنميمة، أو حتى قتل!.

والقرآن يسمي تارك الهجرة: "مؤمنًا" {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} 1.

وسمى من قاتل أخاه: "مؤمنًا" {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} 2.

وتداعي الناس وتتابعهم في المعاصي, لا يدفعنا إلى خطأ آخر, هو تكفيرهم, إنما ينبغي على المسلم أن يمسك في أحلك الظروف بالميزان الدقيق, يزن به الأفعال والأشخاص {اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ} 3.

1 الأنفال 72.

2 الحجرات 9.

3 الشورى 17.

المبحث الثاني: الاقتصار على النسك

لا شك في فضل شعائر الله, ولا شك أنها عمد هذا الدين, لا يقوم بغيرها, ولا شك أن تعظيمها وتوقيرها من تعظيم الله وتوقيره, من تقوى القلوب {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} 1.

لكن هل نستطيع أن نقتصر عليها فقط, ونقول هي الدين؟

الرسول يرفض محاولة الاقتصار, أو محاولة التغالي:

بعض الذين يقتصرون اليوم على الشعائر يقولون: أنهم يشبهون بالصحابة، وأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- برءاء مما يقولون؛ فمنهجهم هو منهج الرسول -عليه الصلاة والسلام, الذي شجب مثل هذه المحاولات ليوضح سنته, حين قال بعض أصحاب النبيّ -صلى الله عليه وسلم, أين نحن من النبيّ -صلى الله عليه وسلم، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا, فأنا أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا, فجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا, أما والله, إني لأخشاكم لله وأتقاكم له, ولكني أصوم وأفطر, وأصلي وأرقد, وأتزوج النساء..

1 الحج 32.

وهذا حنظلة الكاتب التميميّ، يقول: كنا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فذكرنا الجنة والنار, حتى كأنها رأي العين، فقمت إلى أهلي وولدي فضحكت ولعبت, قال: فذكرت الذي كنّا فيه, فخرجت فلقيت أبا بكرٍ -رضي الله عنه- فقلت: نافقت، نافقت, فقال أبو بكر: إنا لنفعله، فذهب حنظلة فذكره للنبيّ -صلى الله عليه وسلم, فرد عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رد المعلم الرؤوف الرحيم: "يا حنظلة: "لو كنتم كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فراشكم، "أو على طرقكم"، يا حنظلة, ساعة وساعة"2.

وحين علم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن رجلًا قد انقطع للعبادة, قال: ومن يطعمه ويسقيه, قالوا: أخوه, قال: أخوه أعبد منه, ثم أعطى معنى العبادة حقها, حين جعل "الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله" 3.

وحين قال: "إن من الذنوب ذنوبًا لا تكفرها الصلاة ولا الصوم ولا الحج, ويكفرها الهم في طلب المعيشة"!

وفي لفظ: "عرق الجبين" 4.

الاستعمار يشجع فرق المتنطعين:

وحين جاء الاستعمار الأوربيّ إلى أرض الإسلام حارب الدين, وكل ما هو دينيّ, إلّا فرق المتنطعين, رافعي الرايات, وضاربي الدفوف, والهائمين على وجوههم, زاعمين أنهم من أهل الله, يتكففون الناس.

1 رواه البخاري ومسلم وأحمد واللفظ للبخاري.

2 رواه ابن ماجه.

3 وراه البخاري ومسلم والترمذي.

4 رواه الطبراني وأبو نعيم في الحلية.

وكان من بين ما شجعه المستشرقون "التصوف"1.

التصوف بهذا المعنى القاصر؛ لأننا لا نود أن نظلم المتصوفة كلهم, وإن كنا نود لهم ما ارتضاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له, ولكني أصوم وأفطر, وأصلي وأرقد, وأتزوج النساء, فمن رغب عن سنتي فليس مني"!

  • هل صحيح بعد ذلك الاقتصار على النسك؟
أظنه ليس بحاجة إلى جواب, إلّا أن تقول بصلاحية أعمدة تقوم؛ لأن تؤوي أسرة فتقيها حر الصيف وبرد الشتاء, وإلّا أن تقول بغير ما قال محمد -عليه الصلاة والسلام.

أما المغالاة:

فلئن كان الاقتصار خاطئًا, فالمغالاة أشد خطأ, حتى ولو كانت بقصد كريم شريف, فلابد مع القصد من الاتباع؛ لأن الإفراط في شيءٍ تمامًا كالتفريط فيه, كلاهما طرفا نقيض مذموم من الله -سبحانه وتعالى {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} 2.

وفي موضعنا نصوص كثيرة {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} 3.

1 راجع ما سبق عند الكلام عن الاستشراق.

2 الفرقان 67.

3 الحجرات 7.

عليكم من الأعمال ما تطيقون, فإن الله لا يمل حتى تملوا1.

"إن هذا الدين متين, فأوغل فيه برفق، ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله، فإن لا أرضًا قطع, ولا ظهرًا أبقى"2.

"إن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا, فأعط كل ذي حقٍّ حقه3".

وبعد ذلك, فإن الإغراق في جانبٍ واعنات النفس فيه, يؤدي بغير شكٍّ إلى الملل والسأم, مما يفضي بعد ذلك إلى الانقطاع! أو يرتد بالنفس إلى النقيض الآخر, أو يؤدي إلى خلل في الجسم أو العقل أو المال.

1 الموافقات.

2 رواه أحمد والبيهقي.

3 رواه البخاري والترمذي.

المبحث الثالث: مدارس العقل والعقلاء

مدارس العقل والعقلاء, نشأ أكثرها في فترة الاحتلال الأجنبيّ, وفي أوجِّ قوته.

لها فلسفتها:

إننا لسنا بقادرين على مجابهة قوة الاستعمار العسكرية, ومن ثَمَّ فلنؤجل الجهاد, ولنعمل العقل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه, أو باستعارة التعبير: "ما لا يدرك كله لا يترك كله".

إتهام ننفيه:

ونحن -على عكس كثير غيرنا- نحسن الظن بأصحاب هذه المدارس, ولا نقبل أن نسميهم: "عملاء"1.
وإن بدا منهم لون من الاتصال, أو التعاون, مع العدو المستعمر لهم عن ضعف استشعروه, فالاستعمار قهرهم, وقهر من كان أشد منهم قوةً وأعز نفرًا! فيكف بهم أن يقفوا في وجهه؟

سذاجة:

لكننا, وإن نفينا عنهم العمالة, فلا نستطيع أن ننفي عنهم السذاجة, إنهم ظنوا أنهم يستطيعوا أن يضحكوا على الاستعمار, ويمكروا به, فإذا به أشد مكرًا.

1 شن الدكتور محمد محمد حسين حملةً شديدةً على الشيخ محمد عبده, وشيخه الأفغانيّ في كتبه: الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، الحضارة الغربية.. إلخ.. وسار على نفس النهج الأستاذ غازي التوبة, في بحثه القيم الفكر الإسلاميّ الماصر, وفعل غيره كذلك..

ظنوا أنهم يستطيعون أن يمتطوه؛ ليسخروه لصالح الإسلام, وامتطاهم الاستعمار ليسخرهم لصالح التغريب، والتغيير الاجتماعي!

فبعضهم ظن أنه يستطيع أن يقنع الإنجليز بإصلاح التعليم الدينيّ "إن أعظم فاعل في نفوس المصريين أن يقال لهم: إن صاحب هذه المنفعة ليس من دينكم, وأنكم مأمورون ببعضه" ثم يقول: "الدين الإسلاميّ الحقيقيّ ليس عدو الألفة، ولا حرب المحبة, ولا يحرم المسلمين من الانتفاع بعمل من يشاركهم في المصلحة، وإن اختلف عنهم في الدين، والجملة, فهو أفضل كافلٍ لجعل الرعية صالحةً لأن تكون بدنًا في رأسٍ, أو آلة لعامل1.

وبهذه النية التي نحسن الظن بها, ألف صاحب مدرسة العقل جمعية التقريب بين الأديان, فيها المسلمون, والنصارى, واليهود, ولعله لم يكن قد اطلع على توصيات المبشرين والمستشرقين في التقريب بين الأديان, ولعله كذلك لم يدرك أن التقارب بين الإسلام والمسيحية واليهودية لا يمكن أن يكون إلّا على حساب الإسلام؛ لأنه الوحيد الدين الصحيح, وغيره مُحَرَّفٌ, ولابد في التقريب من تنازلٍ, وتنازل المحرف لا يضيره! أما تنازل الصحيح, فإنه يضيره, ويضره كل الضرر!!

ولعله لم يدرك أن المشركين حاولوا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذلك التقارب, حين قالوا له: نعبد إلاهك يومًا، وتعبد آلهتنا يومًا, فأنزلها رب السماء والأرض قاطعةً حاسمةً {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} 2

1 المرجع الأخير.

2 الكافرون 1,2.

وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} 1 ولا أدري, هل قرأ "سيد العقلاء" ما كتبه أحد أعضاء جمعيته تحت عنوان: "الإسلام والمدارس المحمدية" التي جاء فيها: "وإحسان المسلمين لمواليهم، وإشفاقهم على البهائم التي ترجع أيضًا إلى الرب، وإنفاقهم في سبيل الخير، والسذاجة التي هي من خصال المؤمنين الصادقين, أحرى بأن تميلنا إليهم، من أن تصبح النبيّ الكاذب".

وما أحسن عمل مبشرينا لو جاهدوا في التوفيق بين الإسلام والمسيحية, توفيق أختين من أم واحدة"2 وهكذا أعطى الإمام من "السذاجة" ما يرغب فيه المبشرون!!

وقفة:

ولسنا نحاسب "الإمام" بعد ذلك على انضامه للمحفل الماسونيّ الفرنسيّ, فنحسب أنه في ذلك التاريخ لم يكن من الناس كثير يدرك حقيقة الماسونية، وحقيقة الدور الذي تلعبه، ولم يكن نيلوس قد نشر "بروتوكولات حكماء صهيون" التي صرحت باستخدام الماسونية لتحقيق أهداف اليهود، وإن إدراك نشرها في روسيا, فربما لم يدرك نشرها في إنجلترا, ولم تكن بالقطع قد ترجمت إلى اللغة العربية؛ لأن هذه الترجمة لم تتم إلّا بعد ذلك بكثير.
لا نحاسب الرجل على هذه النقطة, خاصةً وأن الماسونية لا تكشف عن حقيقتها لأعضائها إلّا في درجة سحيقةٍ من درجات الثلاثة والثلاثين.

1 الكافرون 3-6.

2 للمفتش الإنجليزي جي ديلو أنيتر, بجريدة "الديلي تلغراف" اللندنية في 2 شباط 1888, وراجع تعليقًا على ذلك للأستاذ غازي التوبة, الفكر الإسلاميّ المعاصر, دراسة وتقويم.

ولا نحسب الرجل أشد حذرًا من رئيس عربيّ ظل ينتسب لمحفلٍ ماسونيٍّ حتى بعد أن صار زعيم ثورة, ورئيس دولة, فلمّا فاحت, أمر بحلِّ كل المحافل الماسونية في بلده

وأما الذي نأخذه على الرجل العالم:

أولًا: اقتصاره من الإسلام على الإصلاح عن طريق التعليم, فالإسلام -كما سنشير- ليس مجرد ثقافةٍ فقط, لكنه منهاج تربية، ومنهاج حياة, وليته في هذا الجانب استطاع أن يصلح!!
ثانيًا: أن الرجل وهو في موضع القدوة للمسلمين مالأ الكافرين الذين غصبوا الديار, وما بعد الديار!وإنكار القلب أن كنا نكتفي به من الشيخ الإمام, يفرض مع الإنكار الاعتزال, وإلّا فَقَدَ السلامة من الإثم, والبراءة من الذنب, فليس وراء ذلك النوع من الإنكار حبة خردلٍ من الإيمان.

ولا ندري.. هل كان الإمام يحفظ:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ، إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} 1.

وهل قرأ غيرها من الآيات في نفس المعنى, أم أن له فيه تأويلًا كتأويله في الملائكة, أو في سجودهم, أو في معصية آدم, أو في خلق عيسى -عليه السلام, أو في السجن، أو في السحر, أو غير ذلك مما أعمل فيه عقله الكبير؛ ليقول بالرأي في كتاب الله؟ !! ".

لقد مضى الرجل إلى ربه, فنترك له حساب سره وعلانيته, لكننا إزاء الظاهر.

وعمره الذي أفني في محاولة إصلاح التعليم, بلوغًا إلى مقاومة الاستعمار, أو إلى النهوض بالإسلام, لا نملك إلّا أن نتلو قول الله: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} 1.

ونترك من قبل ذلك, ومن بعد ذلك, حسابه على الله, لكننا نسوق ما نسوق ليعتبر أولوا الأبصار, ويتذكر أولوا الألباب, فلا تتكرر الصورة مرةً أخرى!

1 الكهف 103, 104.

الفصل الثاني: محاولة لخطٍّ إسلاميٍّ أصيل

المبحث الأول: ضلال وقصور

أولًا: ضلال الاتجاهات الدخيلة

لقد نقل البعض عن الغرب علمانيةً في التعليم والإعلام, وفي القانون, ونقلوا منه تحرير المرأة من بيتها ومن زيها, ونقلوا عنه إضعاف دور الدين, وإضعاف رجاله, وظنوا ذلك طريق المدنية والتحضر والنهضة, فهل تحقق لهم ذلك؟

إن المنطق أولًا يرفض ذلك النقل الآليّ.

إن شخصين قد يمرضان بمرض واحدٍ, ومع ذلك يعرضان على طبيب واحد, فيقضي لكل مريضٍ منهم بدواءٍ مختلف عن الآخر.

وإن نباتًا واحدًا, قد يزرع في أرضين كلاهما خصبة, فتنبت الواحدة وترفض الأخرى, وإن شخصين في سنٍّ واحدة, ودرجة ثقافة واحدة, قد يلقنان علمًا أو عقيدةً, فيورث أحدهما جهلًا والآخر علمًا, ويورث أحدهما إيمانًا والآخر كفرًا!!

إن الشعوب تمامًا كالأشخاص؛ لأنها مجموعة أشخاص, ما يطبُّ شعبًا, قد يمرض شعبًا آخر, وما يعلِّمُ شعبًا.. قد يورث الآخر جهلًا.

وما يدفع شعبًا إلى الإيمان, قد يدفع الآخر إلى الكفر والفسوق والعصيان!

بل إن النبات ليأخذ بالاختيار, فيتخير من عناصر التربة ما يصلح له؛ فما يختاره النخيل, قد لا يختاره شجر البرتقال, وهكذا..

فهل يؤتى النبات فطرة الاختيار, ويفقد الإنسان الذي أوتي الإرادة قدرة الاختيار؟؟

ثم إن الأصالة ترفض ذلك النقل؛ فالشعوب الأصيلة تستمسك بما لديها من تراث, باعتباره أحد عناصر استقلالها, بل أهم عناصره, وهي -حتى تحت الهزيمة- قد تستمسك به, ولدينا مَثَلٌ من الأمة الإسلامية الأولى حين غلبت على أمرها أمام زحف التتار, رفضت أن تأخذ بالياسق الذي وضعه الغالبون جزءًا من شريعة جنكيزخان, وجزءًا من شريعة الإسلام, وأجزاء من شرائع أخرى.

ومَثَلٌ من الأمة الألمانية, والأمة اليابانية, لم يفقدا برغم الهزيمة المرة العناصر المميزة لشعوبهما, ولم يذهبا إلى نقل كل وارد من غير تمحيص, وها هي الأمتان تعودان أقوى مما كانتا, تعودان لتقرضا أغنى دول العالم، ولتنشرا على مستوى العالم كله منتجاتهما!!

والإسلام بعد ذلك يرفض ذلك النقل الأعمى؛ لأنه هو الأعلى, والأعلى لا يمد اليد لما هو أدنى.

لأنه الطيب؛ والطيب لا يستبدل به الخبيث؛ لأن عنده ما ينفع الناس, ولا يستبدل بما ينفع الناس الزبد أو الغثاء.

ولا يتسع المجال لندلل من النقل والعقل أن الإسلام هو الأعلى, وهو الطيب, وأن عنده ما ينفع الناس.

فنحسب أنه لا ينكر على الإسلام ذلك إلّا معاندٌ, أو جاهل, وفي الإعراض عن كليهما خير, أيّ خير.

والماركسية في منهجها الأخير تحاول أن تقيم صلحًا بينها وبين الإسلام، والكفر والإيمان لا يصطلحان, والشر والخير لا يتقاربان, ولا يجتمعان.

ومن ثَمَّ كانت دعوةً مرفوضةً غير مشكورةٍ, ولتبحث لها عن دين آخر, يقبل الصلح أو التقارب أو الاجتماع.

فلقد شب أبناء الإسلام عن طوقهم, ولم يعودوا يقبلون ذلك التغفيل أو التضليل, والماركسية بتراجعاتها الكثيرة في مجال النظرية:

في التفسير الماديّ للتاريخ, وفي مفهوم المادة ذاته, وتراجعاتها الأكثر في مجال التطبيق العمليّ, بعد عدولها الجزئيّ عن إلغاء الملكية, وبعدولها المرحليّ عن إلغاء الأسرة, وبعدول بعض أجزائها الأوربية عن مبدأ دكتاتورية البروليتاريا, وبعدولها المرحليّ "التكتيكيّ" عن الهجوم على الدين, وبأخذها عن "الرأسمالية" نظرة الحوافز, وبمهادنتها للنظم الرجعية, بل إعلانها الوفاق مع بعضها..

كل ذلك, لم يعد معه من المقبول -علمًا ومنطقًا- ان نقول بوجود النظرية الماركسية.

وأخيرًا..

فماذا فعلت الماركسية حين أعطيت لها القيادة في بعض البلاد الإسلامية, هل حققت تقدمًا اقتصاديًّا؟
الواقع الأليم يحكم على الاشتراكية والاشتراكيين بالخراب, كل الخراب, هل حققت تقدمًا سياسيًّا؟
في ظل توجيهاتها العليا كانت أكبر محنة للشعب المسلم في المنطقة حين استذلته واستعمرت أرضه أذل أمة في الوجود.
  • هل حققت تقدمًا اجتماعيًّا؟
ليس سوى التمزق بين أبناء البلد الواحد، بل بين أبناء الأسرة الواحدة؛ من اتهامات باليمينية، والإمبريالية.
وغيرها من الألفاظ والمصطلحات الرنانة.

ثانيًا: قصور بعض الاتجاهات الإسلامية

ماذا فعلت بنا الاتجاهات الإسلامية التي عرضنا لها, من اقتصار على العقيدة, إلى اقتصار على النسك، إلى اقتصار على محاولة إصلاح التعليم؟؟
كلها باقتصارها على جانبٍ واحدٍ, أشبه بجيش جرار معه سلاحه وذخيرته, لكنه يقف مكانه يحرك رجليه,

وليس له ثمة تقدم يذكر.

إنه يسير مكانه, والعالم كله يسير إلى الإمام, أو هي من ناحيةٍ أخرى.تقيم جزءًا من البناء, وتهمل الباقي.فما يتكون البناء المتكامل الذي يشد بعضه بعضًا.وما يكون نصيب الجزء الذي بُنِيَ إلّا أن تعشش فيه الغربان, وتأوي إليه الحشرات, فلا يلبث أن يبدو بعد حين كريها لكل ناظر..

والإسلام أعز من ذلك وأكرم, إذن فأين الطريق؟؟

المبحث الثاني: أين الطريق

مدخل

المبحث الثاني: أين الطريق؟

من ابتغى نباتًا طيبًا, فلابد له من أمرين رئيسيين:

تربة طيبة, وبذرة طيبة, والباقي عوامل مساعدة.

والتربة الطيبة في رأينا هي الإنسان كله, والبذرة الطيبة -في رأينا- هي شريعة الله كلها؛ فإذا أحسن زرع البذرة الطيبة في الأرض الطيبة كان نبات طيب؛ كانت حضارةً ونهضةً يسعدان الإنسان, ويسعدان العالم كله.

ونتحدث عن كل عنصر بما يسمح به المقام.

أولًا: الإنسان كله

أشرنا من قبل إلى أنه إذا كانت حضارات القرن العشرين, أو بالأصح, جاهلياته, قد لجأت إلى الآلة, وإلى المصنع, وجعلت الإنسان في الدرجة الثانية, فإن حضارة الإسلام تجعل الإنسان في الدرجة الأولى, صانعًا لها, ثم هدفًا لها, والإنسان بلا شكٍّ, هو أكرم المخلوقات في هذا الوجود.

ومن ثَمَّ كانت حضارة الإسلام باعتبار الإنسان صانعًا لها, ثم هدفًا لها, أكرم حضارة في الوجود, وقضية تكريم الإنسان وتفضيله على غيره من المخلوقات قد تبدو قضية بديهية، بالنسبة لعصرنا, لكنه قد أتى حين من الدهرلم يكن فيه الإنسان شيئًا مذكورًا.

حتى لقد استعبد في فترةٍ, وخضع للبيع والشراء في سوق النخاسة.

واستبعدت المرأة في فترةٍ, وكان ينظر إليها على أنها متاع؛ كسائر المتاع في البيت, وكانت تورّث من بين ما يورث من الأشياء.

ولا تزال المرأة في حضارات كثيرة مستعبدة, وإن علقوا على رأسها لافتة الحرية, لا تزال تباع وتشترى في سوق الرقيق الأبيض, ولا تزال تعرض سلعة رخيصة في كثير من الأماكن, تبيع النظرة وتبيع البسمة, وتبيع ما وراء ذلك بالدرهم والدولار!!

وفي زمانٍ نظر الناس إلى الملائكة على أنهم الجنس الأكرم, ونظر آخرون إلى الجن, وجاءت كلمة الإسلام قاطعةً {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} 1.

وقصة سجود الملائكة لآدم التي حكاها القرآن, ليست للتسلي ولا للتلهي {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى} 2.

لكن البعض قال فيها بغير علم، وتأول صريح ألفاظها، ودلالاتها، بما يخرجها عن معناها وهدفها..{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} 3.

وتكررت في أماكن أخرى بألفاظ أخرى لكنها كلها من الوضوح بما لا يصرفها عن معناها الظاهر إلى معنى خفيٍّ أو ملتو, الله أمر الملائكة بالسجود لآدم, والملائكة كلهم سجدوا إلّا إبليس أبى واستكبر, وكان من الكافرين.

وسجود الملائكة على هذا النحو فعل حدث وتَمَّوهو يعني: التكريم الذي أشارت إليه آيات أخرى, بل هو أبلغ درجات التكريم..وتكريم الإسلام لآدم وبنيه, ينصرف بلا شكٍّ إلى الجنسين, ولذا كانت صيانة دمه وعرضه وماله, بل يبلغ التكريم والصون

1 الإسراء 70.

2 يوسف 11.

3 البقرة 34.

غايته ومنتهاه, حين يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ناظرًا لبيت الله المحرم, الذي زاده الله تشريفًا وتكريمًا: "ما أعظمك وأعظم حرمتك" لحرمة المؤمن أعظم عند الله من حرمة بيته المحرم.

حضارة القرن العشرين شهدت على أيدي بعض أدعيائها ممن جعلوا حرمة المؤمن دون حرمة الكلاب, فأهدروا جسده، ودمه، وماله، وعرضه, وحرموه من أدنى الحقوق, بل أدنى الضرورات, حرموه أن يقضي حاجته، وحرموه أن يسد رمقه!! قد يقال: وكل حضارات الدنيا لم تقم, ولا يمكن أن تقوم بغير الإنسان,ونقول: ولكنها لا تجعله من الدرجة الأولى, ولا تنظر إليه نظرة الإسلام كلًّا لا يتجزأ, أشرف ما فيه قلبه,

الإنسان كله:

في هذا تفترق حضارة الإسلام عن سائر الحضارات, إنها لا تنظر للإنسان كجسد وحسب, كما تفعل الحضارة المادية شرقية وغربية, نزوعًا إلى ذلك المستوى الهابط الذي صوّر به فرويد الإنسان مجموعة غرائز تتحرك, أو نزوعًا إلى ذلك الأصل الهابط الذي تدرج به دارون إلى أن يجعل أصل الإنسان قردًا, أو ما وراء ذلك.

حضارة الإسلام لا تغفل واقع الإنسان أنه جسد, لكنها لا تغفل الجانب الآخر من الواقع, إن له روحًا, إن له عقلًا وقلبًا.

وهي تبدأ مع الإنسان, وفي هذا تفترق عن سائر الحضارات, من أعز مكان فيه وأشرفه, من قبله؛ فتودع فيه العقيدة والإيمان, وبهذا تكون نقطة التحول للإنسان.

بهذا يبدأ الإنسان معراجه إلى حضارة المثل والقيم والأخلاق, ولا تغفل بعد ذلك بقية القوى فيه. إن لربك عليك حقًّا, وإن لبدنك عليك حقًّا, وإن لنفسك عليك حقًّا.فأعط كل ذي حقٍّ حقه.

ويتحقق في الإنسان المسلم التوازنُ المفقودُ عند غيره؛ فلا الجسد ولا حاجاته يطغى, فينقلب الإنسان إلى حيوان تسيره غرائزه, ولا العقل ومنطلقاته يطغى؛ فينقلب الإنسان إلى خيالٍ بعيد عن الواقع والحياة, ولا القلب وأشواقه يطغى؛ فينقلب الإنسان إلى راهبٍ ينقطع عن الدنيا وما فيها, وإنما كل يسير بقدر, كما أن كلًّا خلق بقدر.

كلٌّ يسير في فلكه المرسوم, كما تسير الكواكب في فلكها المرسوم.

{لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} 1.

أما القدر الذي يسير قوى الإنسان, وأما الفلك المرسوم الذي يسير فيه, فهو هذه الشريعة التي أنزلها الله له,

وفيها هذا النظام الرائع المحبوك الذي لا يقل روعةً عن نظام هذا الكون المتناسق الغريب..

وحين تختل القوى أو تطغى؛ ففي توجيهات هذه الشريعة وأوامرها ونواهيها, ما يرد الأمر إلى توازنه؛ ليعود كلٌّ يسير بقدر, وليعود كلٌّ إلى فلكه المرسوم بغير طغيان ولا خسران, بغير إفراط ولاتفريط..

1 يس 40.

ثانيًا: الشريعة كلها

الإنسان هو التربة الطيبة, والشريعة هي البذرة الطيبة, ومنها: يكون النبت الطيب بإذن ربه, ومنهما: تكون حضارة المثل والقيم والأخلاق..

ومحاولات النهضة

الإسلامية السابقةلم تؤت ثمارها المرجوة, إما لأنها اقتصرت على جانب في الإنسان تقيمه وتزكيه، وأهملت بقية الجوانب, وكما قدمنا, فالإنسان كلٌّ لا يتجزأ, ومخاطبة جانب فيه يخل بالتوازن الذي أودعه الله في هذا الإنسان, كما أودع التوازن في الكون كله..
{وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} 1.

والذين اقتصروا على النسك, اقتصروا على أعمدةٍ, وتركوا بقية البناء, والذين اقتصروا على التعليم, أخذوا جانبًا وتركوا بقية الجوانب, وشريعة الله بناءٌ متكاملٌ يشدُّ بعضه بعضًا؛ أساسه: عقيدة, وأخلاق, وعمده: شعائر ونسك, وبقية أركانه وجوانبه: أوامر ونواهٍ وتوجيهاتٍ تشمل جميع الحياة.

ونشير في إيجاز لهذه الجوانب, ثم نشير إلى أنها لا تقبل التجزئة, ولا التفرقةثم نختم بحثنا بتساؤل:

كيف نقيم بناء الشريعة في النفس وفي الناس؟؟

هذا ما نجب عليه -بمشيئة الله- في الفصل الثالث, تحت عنوان: جوانب شريعة الله

1 الرحمن 7-9.

الفصل الثالث: جوانب شريعة الله

مدخل

الفصل الثالث: جوانب شريعة الله

كان من نتائج إبعاد شريعة الله عن حياة المسلمين، وإبعادهم عنها, أن اختلفت نظرة الكثيرين إليها, حتى المخلصين الراغبين إليها.

وكان كلُّ مَنْ قبس منها قبسًا, ظن ذلك هو الإسلام, أو ذلك هو الشريعة؛ فراح يعكف عليه وحده, ويدعو إليه وحده, بيد أن شريعة الله كلًّا لايتجزأ, قد نقبس منها قبسًا, لكننا لا نقف عنده, بل نحاول أن نحيط بالنور كله؛ ليكون فيه الخير كله.

ولسوف نرى فيما بعد -إن شاء الله- أن تجزئة شريعة الله قد تكون فتنةً تمامًا كمنعها كلها, بل ربما أشد. من هنا كانت أهمية محاولة الإحاطة بجوانب هذه الشريعة, وأولى هذه الجوانب وأشرفها هو البعقيدة, وثانيها المكمل لها, هو الأخلاق.

ومن هذين يصطبغ المسلم بصبغة الإيمان, لكن لابد من صقله, وتنمية هذا الإيمان بالشعائر والنسك, ثم باتباع سائر أوامر الله في سائر جوانب الحياة, ونشير لكل جانب بكملة:

المبحث الأول: العقيدة والأخلاق والشعائر

أولًا: جانب العقيدة

العقيدة أشرف جوانب الشريعة, ولذا كانت تخاطب أشرف جزءٍ في الإنسان, تخاطب قلبه, وبقيامها في قلوب الناس يقوم أساس هذه الشريعة متينًا قويًّا.

{أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ} 1..

وقد أشرنا -في معرض الحديث عن الاتجاهات القاصرة- إلى أن عقيدة الإسلام متمثلة في الكلمة الطيبة: لا إله إلّا الله, وهي بهذا -كما أشرنا- تتمضن نفيًا ثم إثباتًا.

نفيًا يقتضي إسقاط كل صفات الألوهية والربوبية عن سوى الله -سبحانه وتعالى- من طواغيت؛ بشرًا كانت أو حجرًا..

ولا نحسب الإنسانية -بعد أن شبت عن طفولتها- تَرْتَدُّ مرةً أخرى إلى جاهليتها الأولى؛ لتعطي بعض صفات الألوهية أو الربوبية لوثنٍ أو صنمٍ, لكنها لا تزال -حتى اليوم- تتردَّى في إعطاء بعض هذه الصفات للبشر؛ فتعترف لهم بحق وضع "منهاج الحياة".

كما اعترف الماركسيون بهذا الحق لماركس ومَنْ جاء بعده.

1 التوبة 109.

ليفسروا لهم الكون، والتاريخ، والاقتصاد, ويضعوا لهم منهج السياسة والاجتماع والاقتصاد.

وكما اعترف غيرهم بهذا الحق لبشر مثلهم, يشرعون لهم قيمهم ومثلهم, وقواعد مجتمعاتهم, وسائر جوانب حياتهم.

وتردت من ورائهم الأمم الإسلامية تأخذ عن هؤلاء القيم والمثل والأخلاق والسلوك وسائر مناهج التعامل بين الناس, وفي مقدماتها القوانين.

ونسيت هذه الأمم أنها بهذا تتخذ أربابًا من دون الله, تعطيها بعض صفات الله وبعض حقوقه, تزعم أنها آمنت بالله, وهي تتحاكم إلى هذه الطواغيت؛ من قيمٍ ومبادئَ وقواعدَ وتشريعاتٍ, وإيمانها يقتضي أولًا إسقاط هذه الطواغيت.

عقيدتها تقتضي أولًا إسقاط هذا الحق عن تلك الطواغيت, وإثباتًا يقتضي الإقرار بكل صفات الربوبية والألوهية لله وحده.

وبذا تقوم عقيدة الإسلام واضحة قوية في قلوب المسلمين, يقوم الأساس متينًا؛ ليصح من بعده ومن فوقه بقية البناء.

ثانيًا: جانب الأخلاق

وهذا جنب يغفل عنه الكثير من المصلحين ومن الدعاة, مع أنه في ميزان الإسلام يقف إلى جانب العقيدة؛ ليقيم الأساس, وكيف لا؟ والرسول يجعلها غايةً لابتغاثه "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" 1.

وكيف لا؟ وقد ظل الرسول -صلى الله عليه وسلم- يربِّي المسلمين عليها مع العقيدة أكثر من نصف حياته الرسالية.

1 رواه مالك.

وكيف لا؟ وبها انتشرت دعوة الإسلام في أكثر من نصف الأرض التي فتحها الله على المسلمين؛ لما رأى الناس من أخلاق تجار المسلمين في معاملاتهم.

وكيف لا؟ وبها يصير المسلمون مثلًا تتحرك وقيمًا تسعى على الأرض, ويسعى نورها بين أيديها وبأيمانها.

وكيف لا؟ وقد كان خُلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- القرآن، وكان بهذا الخلق أشرف من خُلِقَ {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم} 1, {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} 2.

وأمرنا أن نقتدي بهذا الرسول في خلقه العظيم {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} 3.

ولئن اختلفت مذاهب العالم في الأخلاق, واختلفت فيها اهتماماتهم, فإن السمة الواضحة في هذه المذاهب وتلك الاهتمامات أنهم لا يضعونها في المنزلة التي يضعها الإسلام, أساسًا مع العقيدة للبناء كله, ثم هي عندهم ليست نابعةً عن عقيدةٍ ولا متصلةً بعبادة, بينما هي في الإسلام كذلك, فأما نبعها من العقيدة, فهناك أمثلة منها: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" 4.

"والله لا يؤمن" "ثلاثًا" قيل من يا رسول الله؟ قال: "من لا يأمن جاره بوائقه" 5.

1 القلم: 4.

2 الجمعة: 2.

3 الأحزاب: 21.

4 رواه البخاري.

5 رواه البخاري.

"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"

{إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ} .

{وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَل} .

{وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ..} 1.

وأما إتصالها بالعبادة:

فإن إتيانها نفسه والاستمساك بها عبادة, اسمع إن شئت قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم" 2.

"أقربكم مني منازل يوم القيامة: أحاسنكم أخلاقًا، الموطئون أكنافًا"..

"ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن" 3.

ثم إنها بعد ذلك تزكو بالعبادة وتربو, فالصلاة من بين غايتها تنمية النظام، والطاعة، والطهر والنظافة, والعفة {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} 4

"لو أن بباب أحدكم نهرًا يغتسل منه في اليوم خمس مرات أيبقي من درنه شيء" 5.

وأداؤها في جماعة ينمي روح التعاون والتراحم والود والألفة؛ فيتحقق قول الرسول -صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.." 6.

1 الرعد 20 - 22.

2 رواه أبو داود.

3 رواه أحمد.

4 العنكبوت 45.

5 العنكبوت 45.

6 رواه الإمام أحمد ومسلم.

والصيام يزكي خلق الصبر، والاحتمال، والإحساس بالفقير والعطف عليه, وينمي في الوقت نفسه مراقبة الله في السر كمراقبته في العلانية, مما يولد التقوى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ..} 1.

والزكاة تطهير للنفس من شحها, وتطهير للمجتمع من الأحقاد, وتزكيةٌ لأخوة الإسلام والمحبة في الله بين الغنيّ والفقير {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ..} 2.

وهي حقٌّ في مال الغنيّ، وليست مجرد إحسان، ومن ثَمَّ ينتفي فيها ما قد يجرح الفقير {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ، لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوم} 3 وفي المال -بعد ذلك- حقٌّ سوى الزكاة.

والحج فيه صبر وتطهر من الرفث والفسوق والجدال, وفيه تنمية لروابط الأخوة بين المسلمين, وتزكية للوحدة على الله الواحد, والقبلة الواحدة, والغاية الواحدة.

{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى..} 4.

1 البقرة 183.

2 التوبة 103.

3 المعارج 34 و35.

4 البقرة 197.

وهكذا, وهذه مجرد نماذج.

وأخلاق الإسلام بعد ذلك فيها الثبات, فهي لا تتغير بتغير الأزمنة, ولا تتأثر بالظروف ولا المصالح, وهي ترتفع بالمسلم إلى مستوى من "المثل" لا تدانيه أية قيم أرضية أخرى, ومن هنا وجب أن يربى عليها المسلمون، كما يربون على تقوى الله سواءً بسواء.

ثالثًا: جانب الشعائر

العقيدة والأخلاق أساس, ويأتي بعد الأساس: العمد, والشعائر هي العمد.

من هنا كانت صلتها وثيقةً بالعقيدة وبالأخلاق, فهي كذلك استمدادٌ من العقيدة.

{ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} 1.

ثم إن العقيدة تربو بالشعائر وتزكو, ومن هنا كان قول السلف: الإيمان يزيد بالطاعات, وينقص بالمعاصي, وبينها وبين الأخلاق تأثير متبادل؛ فحسن أدائها تزكو به الأخلاق وتربو على نحو ما أشرنا.

كذلك الأخلاق تؤدي إلى حسن أدئها, فمن كان ذا وفاءٍ فهو مع الله أوفى, ومن كان ذا صدق, فهو مع الله أصدق, ومن كان ذا أمأنة؛ حفظ أمانة الله أول ما يحفظ, وهكذا..

1 الحج 32.

المبحث الثاني: بقية الجوانب

مدخل

وهي ما تعالج بعد العقيدة، والأخلاق, والشعائر, جوانبَ الحياة توجيهًا وتشريعًا, ابتداءً من الفرد, ثم الأسرة, ثم المجتمع, وفي المجتمع كل نواحيه سياسية واقتصادية واجتماعية, ولئن فصل الإسلام في ثبات ووضوح جوانب العقيدة والأخلاق والشعائر, فإنه في بقية الجوانب فصل ما لا يتغير, وأجمل ما يتغير.

فمن أمثلة ما لا يتغير جوهر الإنسان وما يتصل به من زواجٍ وطلاقٍ وميراثٍ, فقد فَصَّلَ كل ذلك تفصيلًا وافيًا, يعترف فيه بالواقع, ثم يعرج بعد ذلك إلى معراج المثل والقيم التي يحرص عليها, وما يثيرونه حول هذه القضايا, إنما هي شبهات يثيرها جَهْلٌ بالإسلام, أو حقد عليه, وليس هنا مكان العرض لها.

ومن أمثلة ما يتغير: الظروف السياسية والاقتصادية, ولذا رسم الإسلام فيها الخطوط الرئيسية, وليس معنى ذلك -كما يتفوه البعض- أن ليس للإسلام نظامٌ سياسيٌّ أو نظام اقتصاديٌّ, فإن الإسلام يرسي المبادئ والإطار العام, ويضع الخصائص العامة المميزة لهذا النظام الربانيّ, ثم يدع لاجتهاد الإنسان تبعًا لتغير الظروف تفصيلَ بقيةِ الأحكام.

ولنأخذ النظام الاقتصاديّ والنظام السياسيّ كمثلين نؤيد بهما قولنا السابق، ونرد بهما ردًّا عمليًّا على أولئك الذين يستوردون لنا النظم السياسية والاقتصادية, بمقولة: إن الإسلام لا يتضمنهما.

النظام الاقتصاديُّ الإسلاميُّ

قد يحتاج النظام الاقتصاديُّ الإسلاميُّ إلى حديث طويل, وقد يحتاج إلى مقارنةٍ مع أنظمةٍ متعددةٍ؛ شرقية وغريبة, ليس من قبيل مقارنة المثيل بالمثيل, ولكن قريبًا من مقارنة الظلام والنور، والظل والحرور, وبضدها تتميز الأشياء, لكن حسبنا في هذا المقام أن نرسم الخطوط العريضة لندع للدراسة الواسعة المتأنية التفصيل بمشيئة الله.

ويكتفي بالحديث عن أمرين:

1- خصائص النظام الإسلاميِّ الاقتصاديِّ.

2- الخطوط الرئيسية للنظام الاقتصاديِّ الإسلاميِّ.

وإن كان الفصل بين الأمرين مجرد فصل نظريٍّ.

أولًا: خصائص النظام الاقتصاديِّ الإسلاميِّ.

1- نظام ربانيٌّ:

بمعنى: أن مصدره هو الله سبحانه, بما جاء في كتابه, أو في سنة رسوله, أو ما أجمع عليه العلماء المسلمون, أو ما كان سابقهً ناجحةً في نظام الحكم الإسلاميِّ؛ لأنها مستقاة أولًا من معين ربانيٍّ، ولأنها ثانيًا اجتهاد صحابةٍ أو تابعين لهم بإحسان, يغني عنها اجتهادنا لو بلغنا إلى أفضل مما بلغوه, وربانية النظام تجعل له سحرًا آخر.

أولًا: أنه يستثير في النفس وازعًا لحفظه وحمايته أقوى من كل وازع, فلا تحتاج إلى كثير من الأجهزة الثقيلة المعقدة التي أثقلت بها كواهل الشعوب، وأثقلت بها ميزانيات الدول، وثقلت بها صدور الناس! ومن هنا ندرك الفارق بين حصيلة الزكاة على عهد عمر بن عبد العزيز

التي وفت كل المحتاجين من الفقراء والمساكين، ثم العاملين عليها، ثم بقية المصارف الأخرى, حتى بلغت إلى الغارمين، فسددت الدولة عن المدينين ديونهم.

ندرك الفارق بين مثل هذه الحصيلة, ومجموع حصيلة الضرائب كلها, المتعددة التي لا تكاد تسد مصرفًا واحدًا من هذه المصارف!

ثانيًا: تجعل احترامه والخضوع له من المحكوم ومن الحاكم على السواء؛ لأنه من مصدر فوق هذا وذاك وأعلى وأسمى.

ثالثًا: يتحقق التكامل بين النظام الاقتصاديّ والنظام الاجتماعيّ والنظام السياسيّ؛ لأن الكل من مصدر واحد, والتجزئة بينها غير جائزة!

2- انتقاء الندرة:

مشكلة المشاكل في النظم الاقتصادية المعاصرة هو ما يتناولونه تحت عنوان: الندرة, ويقصدون به قلة الموارد بالنظر إلى تزايد الناس, أو ما يصطلحون عليه بالانفجار السكانيّ, وهذه المشكلة لا وزن لها, بل لا وجود لها في النظام الإسلاميّ.

أولًا: لأن هذا النظام تقوم عقيدة أصحابه على {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين} 1 وعلى أنه {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} 2 وعلى أن الله قسم الرزق كما قسم الأجل، وإن الرزاق ليطلب المرء كما يطلبه أجله.

ومن ثَمَّ فلا يمكن أن يأتي وقت, أو يوجد مكان, تحقق فيه الندرة, اللهم إلّا أن يكون الأمر عقابًا من عند الله {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ} 3 وكلما أقبلت الأمة على الله, كلما زاد لها في رزقها {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} 4.

1 الذاريات 58.

2 هود 6.

3 الأعراف 130.

4 الأعراف 96.

{اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} 1.

أضف إليها بعد ذلك قول الحكيم الخبير: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} 2 فنعمة الله ليست نادرةً, بل هي أعظم من أن تحصى.

ثانيًا: من ناحية الواقع

فإن واقع الأمة الإسلامية يؤكد أمرًا هامًّا, أنها إن عادت أمة واحدة، وعادت إلى ربها, فلا يمكن أن تتحقق فيها ندرة أبدًا..

- إن المنطقة الإسلامية أخصب بقاع الأرض زراعيًّا..

- وأغنى بلاد الأرض بالمواد الأولية، وفي مقدمتها أنفسها، الذهب, واليورانيوم, والبترول.

- وهي أوسط بلاد العالم موقعًا تجاريًّا واستراتيجيًّا؛ إذ تشرف على منافذ البحار والمحيطات, ويمكن لها أن تتحكم فيها، وهي من ناحيةٍ أخرى تقع في مكان وسط بين قارات العالم, وهي من ناحيةٍ ثالثةٍ أكثر البلاد اعتدالًا وصلاحيةً لكل أنواع الإنتاج.

ومن ثَمَّ, فإن صح أن توجد الندرة في الشرق أو في الغرب بذنوب أهله وعصيانهم، وبافتقاد المكان الذي حبا الله به أمة محمد -عليه الصلاة والسلام.

- فإنه لا يصح بالنسبة للأمة الإسلامية إذا عادت مرة أخرى أمة الإسلام؟

3- ابتغاء الآخرة:

وقد كان يصح أن تكون هذه هي الخصيصة الثانية, لكنَّا فضلنا أن نشير إلى الربانية, ثم إلى الندرة باعتبار الأولى صبغة هامة عامة, وباعتبار أهمية الثانية عند أهل العصر, ومخالفة الإسلام لها..

1 نوح 10-12.

2 إبراهيم 34.

أما ابتغاء الآخرة فهي خصيصة هامة, وتأخيرها لا يقلل من أهميتها, وابتغاء الآخرة يخفف كثيرًا من غلواء الأنظمة القائمة التي تتعامل وكأنه ليس في الحياة إلّا المادة, وكأن ليس بعد الدنيا آخرة يحاسب فيها المرء {فَأَمَّا مَنْ طَغَى، وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى، وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} 1.

الدنيا.. إنما تصير الدنيا وسيلةً لا غايةً، مرتقًى وليست منتهًى، طريقًا إلى هدف, وليست هدفًا في ذاتها: {وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} 2.

وهكذا يتضح وضع الاقتصاد, إن الاهتمام به واجب, لكنه لا يلهي عن الأخرة؛ لأنه نفسه طريق إلى الآخرة, وإذا ابتغى الإنسان الآخرة في اقتصاده؛ فردًا كان أو دولةً, وسار على الطريق الذي رسمه الإسلام, فإنه بلا شكٍّ يؤدي إلى عبادة من أجَلِّ العبادات؛ لأن العبادات ليست قاصرةً على النسك والتعبد, إنما تشمل كل أنشطة الحياة وكل مجالاتها3.

1 النازعات 37-41.

2 القصص 77.

3 راجع "الإيمان الحق", الدكتور علي جريشة.

4- التوازن:

وهذه الخصائص المتقدمة تفضي إلى ما يسمى بالتوازن الاقتصادي, وقد كان ذلك يكفي لتقول إن النظام الإسلاميّ الاقتصاديّ يقوم على التوازن, لكن الإسلام أكد هذه الخاصية بأكثر من سبيل:

فجعل التوازن أمرًا ملزمًا للفرد {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} 1.

وجعلها بعد ذلك صفةً للجماعة لازمةً {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا" 2. ثم جعلها أخيرًا صفةً للأمة التي أضفى عليها الخيرية في مكان آخر {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} 3.

وهكذا تكتمل حقلة التوازن أمرًا وتوجيهًا, ومن قبل ذلك نتيجةً لازمةً لخصائص أخرى!وبهذا ينفرد النظام الاقتصاديّ عن أنظمةٍ كثيرةٍ تعاني انعدام التوازن!

5- النظام الاقتصاديّ الإسلاميّ يرفض الترف:

قد كان يكفي أن نقول أنه متوازن, فهو يعنيأنه يرفض الإسراف، والترف قَمَتَه1, لولا أن الله ينص على الترف؛ جعله قرين الفسق, أو جعل الفسق نتيجةً, وجعل الهلاك والدمار عاقبته {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} 4 ومعنى الآية الكريمة

1 الإسراء 29.

2 الفرقان 67.

3 البقرة 143.

4 الإسراء 16.

أمرنا مترفيها أن يرجعوا ويلتزموا, لكنهم أبوا وفسقوا, فكان الهلاك والدمار.

وفي القراءة الأخرى بتشديد الميم, تعني معنى آخر، إنه إذا كان الأمر إلى المترفين, فسلام على الأمة, إنها لابد هالكة؛ لأنه إذا اجتمعت السلطة مع الترف, فإنها لا تنتج غير الفسق، ولا ينتج الفسق إلّا الهلاك والدمار1.

ولقد يكون الهلاك والدمار في صورة آيةٍ من آيات الله التي أهلك بها أممًا من قبل, قال فيها: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا، فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا} 2.

كما قد يكون بتسليط أعداء الله عليها ليذيقوها ألوانًا من العذاب والهوان والإذلال, أو لتتقلب من الرأسمالية الطاغية التي يتحكم فيها الترف والمترفون, إلى النقيض من ذلك, إلى جحيم الشيوعية التي يتحكم فيها السفلة والكافرون!إن الشيء إذا زاد عن حَدِّهِ انقلب إلى ضده!

الترف يؤدي إلى ضرر اقتصاديّ هامٍّ, أنه إذا شاع أدى إلى زيادة الاستهلاك على الإنتاج, وأدى إلى التضخم, وما يترتب على ذلك من اختلال التوازن الاقتصاديّ، وحدوث الأزمات الاقتصادية, وذلك كله فوق الأضرار الاجتماعية الخطيرة التي يؤدي إليها, وفوق الأضرار السياسية, وفي مقدمتها تمكن الشيوعية الكافرة من بلاد المترفين!

وجماع هذه الأضرار أو نتيجتها هو ما أكده القرآن: الهلاك والدمار، فليحذر المترفون, وليحذر الساكتون على المترفين.

1 ورد الحديث عن الترف في آيات أخرى "بأن جعلت المكذبين من المترفين.. {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [سبأ: 34] وبعضها جعل المترفين من أهل النار {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ، وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيم} [الواقعة: 45، 46] .

2 الطلاق: 8، 9.

إن الهلاك والدمار يقترب منهم, فوق هلاك ودمار أشد وأكبر, إنه الجحيم يوم القيامة!

وخير للمترفين أن يضحكوا بشيء قبل أن يحرموا كل شيء, وخير لهم أن يملأوا أنصاف بطونهم, قبل أن تملأها الزقوم وشراب الجحيم {كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ، كَغَلْيِ الْحَمِيمِ} 1.

وحسبنا هذه الخصائص الخمس لننتقل إلى الحديث عن الخطوط العريضة للاقتصاد الإسلاميّ, فإنها إذا أزلنا الحاجز النظريّ, كذلك خصائص!

ثانيًا: الخطوط الرئيسية للنظام الاقتصاديّ الإسلاميّ

تنبع هذه الخطوط من التوازن الاقتصاديّ, وصبغ الأنشطة الاقتصادية المختلفة بالصبغة الربانية

ونكتفي بخطوط ثلاثة رئيسية:

1- ملكية متوازنة.

2- حرية اقتصادية متوازنة.

3- نظام مصرفيّ متوازن.

ونتناولها بإذن الله على التوالي.

1- ملكية متوازنة:

تَمَلُّكُ الإنسان أمرٌ فطريٌّ, حتى عدها علماء النفس إحدى غرائزه, والغريزة في علم النفس لا تقتل، ولكن يتسامى بها, ومن ثَمَّ فلا سبيل إلى قتل حب التملك في النفوس, والنظام الذي يفعل ذلك يقتل نفسه!

1 الدخان 45، 46.

ومن هنا كان الخطأ الرئيسيّ في النظام الشيوعيّ النظريّ الذي لم يستطع حتى الآن أن يطبق نظريته تطبيقًا عمليًّا كاملًا، وإن انتحل التعلات والمعاذير!

لكن إطلاق العنان لهذه الغريزة شأن إطلاق العنان لأية غريزة أخرى, يهلك الإنسان ويحطمه، كما يهلك النظم كله ويحطمها, ومن هنا كان خطر الرأسمالية الطاغية التي تطلق العنان للملكية, حتى تغدو لونًا من الإقطاع يسلب الناس ويستبعدهم, ويأكل أو يشرب ثمرات جهودهم، وقطرات جبينهم, بل ويمتد إلى قطرات دمائهم1, ومن ثَمَّ كان خطأ الرأسمالية أو المذهب الفرديّ..

وبين هذا وذاك, كان نظام الإسلام قوامًا، وكان كذلك قوَّامًا, والأمر أوسع من أن نعرض له في هذه العجالة.

إن الملكية في الإسلام معترف بها؛ لأن ذلك يؤدي قدرًا كبيرًا من إنجاح النظام الاقتصاديّ, فإن سُلِبَ العامل ثمرات جهوده بحرمانه من التملك, يجعله والخامل سواء, ومن ثَمَّ يركن النشاط الاقتصاديّ إلى الركود, ويضعف الإنتاج, ويتهدد البلد البطالة والمجاعة, ومن بعدها الانهيار والهلاك!

وروسيا الاشتراكية مثل قريب, فإن إنتاج روسيا لم يزد طوال خمسين عامًا من الحكم الشيوعيّ القائم على إضعاف الملكية الفردية, والمنادى بإلغائها, لم يزد عما كان عليه في العهد القيصريّ أكثر من 4%, فقد كان إنتاجها في العهد القيصريّ 46% من الإنتاج الأمريكيّ، وصار إنتاجها في العهد الشيوعيّ, وبعد خمسين عامًا من حكمه 50% من الإنتاج الأمريكيّ.

فهل تستحق الـ4% الزيادة, كل هذا الفناء والإفناء الذي أحدثه الحكم الشيوعيّ الغاشم؟!

وبلوغ الإنتاج الروسيّ مثل الإنتاج الأمريكي, حلم قصرت دون

1 مقومات الاقتصاد الإسلاميّ, للأستاذ عبد السميع المصريّ, مكتبة وهبة, ربيع الثاني 1395, مايو 1975.

تحقيقه برامجها الاقتصادية المختلفة, وخططها الخمسية والعشرية, رغم الأمانيّ التي كانت تداعب ساستها وقادتها, وكانوا يدغدغون بها عواطف الشعوب اللهثى والجوعى, التي شقيت بفردوس الشيوعية الكاذب! لكن هذه الملكية المعترف بها للفرد في النظام الإسلاميّ, ليست طليقةً من كل قيد, بل إن كثيرًا من القيود تحوطها مما يحقق انضباطها، وبما يحقق أداءها لرسالة في المجتمع, يتحقق بها التوازن بين الفردية والجماعية

ولذا فالملكية تؤدي وظيفتين:

وظيفة فردية, بما تحقق للفرد من إشباع, ووظيفة اجتماعية, بما تحقق للمجتمع من فائدة.

وأول قيود الملكية ما أشرنا إليه سلفًا من تحريم الترف.

إن الملكية المترفة مذمومة, وإذا بلغت هذا الحد, فإما انتهى صاحبها من نفسه، وإلّا كان لوليِّ الأمر أن يقوَّمه, والسوابق الإسلامية في ذلك كثيرة, ودفع المفسدة في الإسلام مقدم على جلب المصلحة, وتلك بعض غايات التشريع الإسلاميّ الحكيم.

ويلحق بالترف أمور أخرى حرمها الإسلام؛ كالاحتكار، والغش، والتطفيف في الكيل والميزان, ويلحق به كذلك الربا, وهو آفة نفرد لها الحديث عند تناولنا للمصارف بإذن الله, وهذه كلها فيها آثار كثيرة ومشهورة.

وثاني هذه القيود: ما أقامه الإسلام من ألوان الملكية الجماعية, وهي مرافق كان الإسلام أسبق في تقدير جعل ملكيتها في يد الجماعة لا الفرد؛ لأن خيرها يعم الجميع، وضرر تركها أو منعها كذلك يعم الجميع، ومن ثَمَّ كانت الجماعة -ممثلة في أولي الأمر فيها- أقدر على إدارتها لتحقيق غايتها.

والمثل التقليدي في ذلك قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "الناس شركاء في ثلاث: "الماء والكلأ والنار" لكن علماء المسلمين قاسوا عليه كل مرفق تظهر حاجة الجماعة إليه, وأهمية ملكيتها له.

وثالث هذه القيود: نظام الميراث

الذي قد يبدو لأول وهلة, أنه نظام رأسماليّ؛ إذ يعتد بالملكية وينقلها إلى ورثة صاحبها, لكن المتأمل فيه يجده قيدًا على الملكية؛ إذ يجري توزيعها وفق نظام دقيق يكفل:

1- تفتيت هذه الثروة وانتقالها إلى أيدٍ متعددةٍ بدلًا من احتواء يد واحدة لها.

2- أنه يجري توزيعه تبعًا للحاجة؛ فإذا كانت حاجة الأولاد أشد من حاجة الآباء باعتبار أولئك مقبلين وهؤلاء مدبرون, كان نصيب الأولاد أكبر, وإذا كانت حاجة الذكر أشد من حاجة الآنثى؛ إذ يقوم هو على عائلةٍ, بينما تكون الأنثى من بين عائلةٍ يُقَامُ عليها, كان كذلك نصيب الذكر أكبر.

3- فوق أن النظرة الاقتصادية السليمة تجعل وضع الملكية في يد الأبناء وهم أنشط -أولى من وضعها في يد الآباء, والأغلب أنهم طاعنون في السن- كذلك وضعها في يد الذكر أجدى النشاط الاقتصاديّ, من وضعها في يد الأنثى.

وهكذا يمضي نظام الميراث حكيمًا ليؤدي وظيفة اقتصاديةً عظيمةً, عجز البعض عن إدراكها, فراح يبدل كلام الله، وينتهك حدود الله, ويسوي بين الذكر والأنثى في الميراث؛ ليحقق بذلك الظلم, وهو يحسب أنه يحقق العدل، فليس البشر مهما كان بأعدل من الله, ولا هو أحنى على البشر من رب البشر, الحنَّان المنَّان، الرحمن الرحيم، الكريم الودود!

ورابع هذه القيود ما يجعله من حق في المال:

الزكاة بأنواعها, ولو أخذت هذه الزكاة ممن تجب عليهم، ووزعها ولي الأمر على من تجب لهم؛ لحققت لونًا من العدل الاجتماعيّ لم يبلغه نظام آخر, ولحققت كذلك لونًا من التقارب والتآخي, بل ولاقتربت بالنظام من التوازن الذي يحبه الله في كل شيء.
وقديمًا غطت حصيلة الزكاة -مع حياة الضمائر- غطت الفقراء والمساكين والعاملين عليها, وأعتقت الرقاب، وغطت كذلك المدينين الغارمين, وفي المال حق سوى الزكاة, قد يتمثل فيما يفرضه ولي الأمر المسلم من ضرائب, وقد يتمثل فيما يراه علاجًا للوضع الاقتصاديّ, قد يبلغ في بعض الظروف الاقتصادية الاستثنائية ألَّا يملك أحد شيئًا, وفي الذين كانوا إذا سافروا أرملوا, وفي امتداح الرسول -صلى الله عليه وسلم- لهم مَثَلٌ عظيم!

وخامس هذه القيود منع الضرر:

فملكيتك حق, وللآخرين حق, وحتى لا يطغى حق على حق, وجب أن يمتنع المسلم عن الضرر أو الضرار, حتى يقف عند حدود حقه, فلا يعتدي على حق الآخرين, وبهذا يمتنع تجاوز استعمال الحق.
لكن داخل استعمال الحق نفسه يمتنع لون من الأضرار كذلك, هو ما اصطلح على تسميته: بإساءة استعمال الحق, ويوم اكتشفت هذه النظرية في مطلع القرن العشرين التفت العالم
كله إلى مكتشفها, ونسي الناس -في غيبة الدعوة وغفلة الدعاة- أن الإسلام صاحبها الأول, فقد نَصَّ رسول الإسلام على قاعدة: "لا ضرر ولا ضرار" وهو أساسها القانونيّ, وطبق الإسلام صورًا عديدة لمنع إساءة استعمال الحق, في مقدمتها: حق الشفعة الذي يؤكد هذا القول تأكيدًا عمليًّا.
وبهذه القيود تتحقق الملكية وظيفتها الجماعية إلى جانب وظيفتها الفردية, فكأن الملكية عملة ذات وجهين؛ أحدهما فرديّ, والثاني جماعيّ.
وهذا غير ما تتابع1 فيه بعض الكتاب جريًا وراء التعبيرات الحديثة؛ من أن الملكية في الإسلام ذات وظيفة اجتماعية, أن لها الوظيفتين الفردية والجماعية؛ ليتحقق بذلك التوازن لهذا اللون من النشاط.

2- حرية اقتصادية متوازنة:

تحدث الاقتصاديون عن الحرية الاقتصادية, فزعم أبناء الغرب أنها تتحقق في النظام الفرديّ, وأن هذا النظام أجدى لتحقيق وفرة الإنتاج وجودته، وأن القيود التي تفرض على الحرية الاقتصادية لا يجني أصحابها إلّا قلة الإنتاج ورداءته, وهرب رأس المال وبحثه عن أوطان أخرى غير وطنه، ومن ثَمَّ يتأثر الاقتصاد القوميّ تأثرًا بإلغاء بالاجراءات التي ترد قيدًا على الحرية الاقتصادية.
وزعم أبناء ماركس أن الحرية الاقتصادية في الغرب أورثت أزمات البطالة, والدورات الاقتصادية والاحتكار, وغيرها من المساوئ.
ومن ثَمَّ فلا سبيل إلّا بالقيد الثقيل الذي فرضوه, وهو أن تكون الحرية للجماعة لا للفرد, وللفرد قدر حاجته، ومنه قدر قدرته".
والحق أن الغرب أخطأ؛ إذ أطلق الحرية, والشرق أخطأ؛ إذ جعل القيد أصلًا, وفي الإسلام تتوازن الحرية الاقتصادية بين الفرد والجماعة

1 أي: تساقط.

بما يحول دون طغيان طرف على طرف, وبما يحقق للنظام الاقتصاديّ أمثل ما يتمناه، مع نبذ مساوئ كل طرف غالى في الحرية, أو غالى في القيود!

3- نظام مصر فيّ متوازن:

في الغرب شاع النظام المصرفيّ القائم على سعر الفائدة, وهو تعبير آخر عن الربا, وأدرك الناس متأخرين أن اليهود كانوا وراء هذا النظام, وأن بيوت المال قد تجمعت مقاليدها في أيديهم, لما صارت النقود تلد النقود بغير جهد وبغير عمل!

وأدرك علماء الغرب ما في الربا من خطر, وراح البعض يحصي أثر الربا وغيره من ألوان الاحتكار على الجريمة في أمريكا,

حتى قالوا: إن أربعة ملايين ونصف مليون جريمة خطيرة تقع كل عام.

- جريمة قتل كل 29 دقيقة.

- جريمة اغتصاب "زنا بالإكراه" كل 17 دقيقة.

- جريمة سرقة بإكراه كل دقيقتين.

- جريمة سرقة سيارة كل 41 ثانية.

- جريمة سرقة منزل كل 17 ثانية.

وهكذا..

وصدق الله سبحانه {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} .

{فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ} .

{وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .

{يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} 1.

إلى أن حمل لنا الوعيد رعيبًا بعدها بآية:

1 البقرة 275, 276.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} .

{فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} .

{وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} 1.

ومع هذه الصراحة, راح البعض يتأول قول الله: {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} 2.

بما يخرج عن مراد الآية الكريمة, ويفرِّق بين ربا الاستهلاك وربا الإنتاج, والبعض الآخر راح يُحِلُّ الربا للدولة, ويحرمه على الأفراد بحجة احتياج الدولة للخروج من أزمتها, بينما قادتها يرفلون في ترف داعرٍ، ونعيم حرام.

واشترى هذا الفريق من العلماء رضى الناس بغضب الله, واستحق ومَنْ وافقوه أو حرضوه أو سكتوا عنه حرب الله ورسوله, وبدلًا من أن يأمر بتحريم الحرام من ذلك الترف الداعر, راح يأمر بتحليل الحرام من الربا علاجًا لأوضاع أوجدوها هم, ولم يوجدها أحد غيرهم!!

ولقد كانت.. توصيات مجمع البحوث الإسلامية صريحة3:

1- الفائدة على أنواع القروض كلها ربًا مُحَرَّمٌ، لا فرق في ذلك بين مايسمى بالقرض الاستهلاكيّ, ولا ما يسمى بالقرض الإنتاجيّ؛ لأن نصوص الكتاب والسنة في مجموعها قاطعة في تحريم النوعين.

2- كثير الربا وقليله محرم, لا تبيحه حاجة ولا ضرورة، والاقتراض بالربا محرم كذلك، ولا يرتفع إثمه إلّا إذا دعت إليه الضرورة، وكل امرئ متروك لدينه في تقدير ضرورته.

3- أعمال المصارف من الحسابات الجارية وصرف الشيكات

1 البقرة 278, 279.

2 أل عمران 130.

3 المؤتمر الثاني المنعقد في القاهرة عام 1965.

وخطابات الاعتماد والكمبيالات الداخلية التي يقوم عليها العمل بين التجار والمصارف في الداخل, كل هذا من المعاملات المصرفية الجائزة، وما يؤخذ في نظير هذه الأعمال ليس من الربا.

4- الحسابات ذات الأجل, وفتح الاعتماد بفائدة، وسائر أنواع الإقراض نظير فائدة, كلها من المعاملات الربوية, وهي محرمة.

5- أما المعاملات المصرفية المتعلقة بالكمبيالات الخارجية, فقد أجل النظر فيها إلى أن يتم بحثها.

6- ولما كان للنظام المصرفيّ أثر واضح في النشاط الاقتصادي المعاصر، ولما كان الإسلام حريصًا على الاحتفاظ بالنافع من كل مستحدث, مع اتقاء أوزاره وآثامه, فإن مجمع البحوث الإسلامية بصدد درس بديل إسلاميّ للنظام المصرفيّ الحالي, ويدعو علماء المسلمين, ورجال المال والاقتصاد, إلى أن يتقدموا بمقترحاتهم في هذا الصدد1.

وفي مؤتمر الفقه الإسلاميّ المنعقد بالرياض, ذي القعدة سنة 1396, 2 أصدر في صدد الفائدة ما يلي:

- العمل على إلغاء المعاملات الربوية, ومنها الفوائد المحددة؛ لأنها ربًا صريح, وهي ضارة بالنشاط الاقتصاديّ؛ حيث لا يتم التوازن الاقتصاديّ إلّا بإلغائها.

- التوسع في إنشاء مؤسسات مصرفية غير ربوية, ودعم القائم منها، والعمل على تشجيع بقية المؤسسات المصرفية العاملة في البلاد الإسلامية على تطوير نظمها بما يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية.

1 من كتاب المؤتمر الثاني للبحوث الإسلامية.

2 أكتوبر 1976.

النظام السياسيّ الإسلاميّ:

لا ينتظرن أحد أن نقدم له منهجًا مفصلًا لنظام سياسيٍّ إسلاميٍّ, فذاك لا يمكن قبل أن تقوم دولة الإسلام، ولا ينتظرن أحد أن نقدم صورًا من التاريخ الإسلاميّ, فذاك موضع دراسة أخرى.
إنما نقدم -بمشيئة الله- تخطيطًا لنظام سياسيٍّ إسلاميٍّ, يحوى خطوطه الرئيسية التي لا يصح -إن تخلفت كلها أو بعضها- أن يقال عن نظامٍ ما, أنه نظام إسلاميٌّ.
ونحن في هذا -بإذن الله -نقدم شيئًا بدون دليل, وفي اعتقادنا, أنه يلزم لنظام سياسيٍّ إسلاميٍّ ثلاثة خطوط:

أولها: شرعية الإسلام تظله.

ثانيها: أمة تحمله.

ثالثها: سلطة تحميه.

ونتناول كلًّا بكلمة:

أولًا: الشرعية الإسلامية

قد يظن أن هذا اللفظ مستعار من أنظمة أجنبية, لكن المتأمل يجد أنه في الأصل لفظ إسلاميّ من ناحية اشتقاقه, ثم من ناحية دلالته؛ فنحن أسبق من غيرنا إلى الشرعية، وأرسخ قدمًا والحمد لله, فالشرعية اشتقاق من فعل شرع, وبين الشرعية والشريعة جناس كامل من ناحية اللفظ, وكذلك من ناحية المعنى.
ففي فقه الإسلام لا شرعية بغير شريعة {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} 1, {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} 2.

وحتى تظل الشرعية الإسلامية نظامًا ما لابد من ثلاثة شروط:

أولها: أن يكون لله الشرع ابتداءً

{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} 1.

1 الجاثية 18.

2 الشورى 21.

وألّا يشاركه هذا السلطان أحدٌ من البشر, وإلّا كان الشرك والكفر {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} 2.

ورَدُّ الشرع إلى الله ابتداءً لا يعني الجمود عن الاجتهاد فيما سكت عنه الشرع رحمة بنا غير نسيان، أو فيما جاء ظنيّ الدلالة، وذاك أمر الله إلينا {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} 3.

والاجتهاد, وإن لم يكن شرعًا ابتداءً, إلّا أنه شرع ابتناءً لا ابتداءً, أي: استمدادًا من شرع الله, واستنباطًا منه, ومن ثَمَّ, ففي ظل دائرة الاجتهاد نحن كذلك في ظلال الشرعية الإسلامية.

الشرط الثاني: أن تكون شريعة الله هي العليا

وشريعة الله لا تكون عليا إلّا حين لا تكون معها شريعة أخرى, ولا تكون فوقها شريعة أخرى, وليست الشريعة -كما أشرنا من قبل- قاصرةً على مجال الأحكام, وإنما تمتد إلى كل المجالات, وتشمل جميع الأنشطة.

ولقد حرص الكتاب على التنويه بجعل شريعة الله هي العليا في أكثر من موضع, فقوله تعالى: {وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا} 4 تعني: أن تكون شريعة الله هي العليا؛ لأن لفظ "كلمة" اسم جامع لكلمات الله, وبكلماته نزلت شريعته.

وقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا, فهو في سبيل الله" 5 تعني: نفس الشيء.

1 الشورى 53.

2 الشورى 21.

3 النساء 83.

4 التوبة 40.

5 رواه الستة.

وقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} 1.

الآية الأولى تعني: لا تقدموا بين يدي الله ورسوله, أي: لا يمكن لكم رأي ولا شرع ولا نظام فوق شرع الله ورسوله, وهو ما عنيناه بأن تكون شريعة الله هي العليا.

أما الثانية: فهي تحرم رفع الصوت فوق صوت النبيّ, وليس من المعقول أن يحرم رفع الصوت ماديًّا فوق صوت النبيِّ, ويجوز رفعه معنويًّا بجعل شرع أو رأيٍ فوق شرع النبيِّ -صلى الله عليه وسلم, بل يمكن أن نقول: إن صوت النبيِّ هو الشرع {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} 2.

ولقد يكون هذا الشرط غريبًا على من قبلوا تطبيق شريعة الله, لكن يبدو لازمًا بالنسبة لقومٍ نصوا في بعض دساتيرهم على أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسيّ؛ فأجازوا بذلك أن تكون معها شرائع أخرى, أو آخرون جعلوا الشريعة الإسلامية مصدرًا ثالثًا بعد التشريع الوضعيّ والعرف, فجعلوا فوق شريعة الله شرائع أخرى, كذلك بالنسبة لمن يطبقون, فقد يجعلون مع شريعة الله شرائع أخرى في بعض المجالات التي يظنون أن الشريعة سكتت عنها, وفي الحقيقة أنها لم تسكت، مثل النظم المصرفية, وكثير من النظم الاقتصادية والاجتماعية, بل والسياسية!

من هنا كان لابد من التنويه بهذا الشرط لنقول: إنه إذا لم تكن شريعة الله هي العليا, لا شريعة معها, ولا شريعة فوقها, فإنه لا شرعية للنظام الذي يزعم لنفسه أنه إسلاميّ.

1 الحجرات 1، 2.

2 النجم 3، 4.

الشرط الثالث- أن تطبق شريعة الله شاملةً غير مجزأة:

وشريعة الله شاملة العقيدة والأخلاق، وشاملة الشعائر والمعاملات

وهي بهذا الشمول لا تقبل التجزئة:فطرة:

لأنها بناء متكامل يشد بعضه بعضًا، وبتر بعض الشريعة كهدم بعض البناء, إن لم يؤد إلى هدمه كله, فعلى الأقل يعجزه عن أداء وظيفته كاملة.

أو هي شفاء متكامل، وترك بعض الدواء بؤدي إلى عدم الشفاء, إن لم يؤد إلى تفاقم المرض.

وهي لا تقبل التجزئة شرعًا؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- جعل الإسلام هو هذه الشريعة المتكاملة, وبتر جزء, أو استبدال غيره به, لا نستطيع معه أن نقول إنه هو الإسلام الذي رضيه لنا الله!

فضلًا عن أن الله سبحانه حذَّرَنَا هذه الفتنة, فقال: {وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} 1.

وعقَّب على هذه التجزئة بقوله: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} 2.

فالذي يأخذ كل نظامه من عند غير الله؛ كالذي يأخذ بعض نظامه من عند غير الله, قد رضي حكم الجاهلية, وأعرض عن حكم الله.

وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "من حالت شفاعته دون حَدٍّ من حدود الله, فقد ضاد الله في حكمه "3 فجعل تعطيل حَدِّ واحدٍ من حدود الله, مضادة لله في حكمه، ومحادة له في أمره, فكيف بمن عطل أكثر من حَدٍّ، ومنع أكثر من حكم؟

وهكذا كانت تجزئة شريعة الله فتنةً.

1 المائدة 49.

2 المائدة 50.

وجاهلية, ومحادة لله ورسوله, ومن ثَمَّ كانت مرفوضة غير مقبولة.

وهكذا تكتمل للشريعة شروطها, إذا كان لله الشرع ابتداءً, إذا كانت شريعة الله هي العليا, إذا طبقت شاملة غير مجزأة.

قَدِمَ سليمان بن عبد الملك المدينةفأرسل إلى أبي حازم, فكان مما قاله سليمان:

- يا أبا حازم: ما لنا نكره الموت؟

- لأنكم خربتم آخرتكم، وعمرتم دنياكم، فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب..

- فقال: يا أبا حازم: كيف القدوم على الله؟

- قال يا أمير المؤمنين: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء، فكالآبق يقدم على مولاه.

- فبكى سليمان وقال: ليت شعري، ما لي عند الله؟

- قال أبو حازم: أعرض نفسك على كتاب الله تعالى حيث قال: {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} .

- فقال سليمان: فأين رحمة الله؟

قال: قريب من المحسنين..

- ثم سأله بعد ذلك؟ ما تقول فيما لحن فيه؟

- قال أو تعفيني؟

ثم قال: إن آباءك قهروا الناس بالسيف، وأخذوا هذا الملك عنوة من غير مشورة من المسلمين, ولا رضًى منهم1.

1 تفصيل ذلك في تفسير القرطبي.

وقيام الشرعية الإسلامية على هذاالنحو، أو تطبيق الشريعة الإسلامية بهذه الشروط, يستتبع ويستلزم للنظام الإسلاميّ أن توجد أمة تحمله, وأن توجد سلطة تحميه, ولهذا وتلك من السمات والشروط ما يحتاج لشيء من التفصيل.

ثانيًا- أمة تحمل الحق

{وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} 1.

وهذه الأمة التي جعل الله لها الخيرية على سائر الأمم, جعلها بحقها وشروطها, وهي إن قامت فيها هذه الشروط كتب الله لها الخلود, ولقد بقيت الأمة الإسلامية رغم المحن والأزمات، ورغم تقلبات الحكم والحاكم, بقيت -بحمد الله- حافظة لكتاب الله, محفوظة بعناية الله, حتى لقد صح ما قاله أحد الأئمة من أن العصمة في الإسلام للأمة لا للإمام، وصحَّ ما نقوله: من أن الأمة الإسلامية كانت بعد الكتاب العزيز من أكبر آيات الله العزيز الحميد.

فلو أن أمة أخرى تعرضت لما تعرضت له الأمة الإسلامية؛ من كيد وبطش وعسف, لما كان لها اليوم وجود.

وإن الأمة التي أخرجت أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا وعمر بن عبد العزيز من الحكام، وأخرجت من العلماء العاملين: أبا حنيفة ومالكًا والشافعيَّ وأحمد بن حنبل, ومن بعدهم الذين {صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} 2.

وحج الرشيد عامًا فلقيه عبد الله العمريّ في الطواف, فقال: يا هارون, قال: لبيك يا عم، قال: كم ترى هنا من الخلق لا يحصيهم إلّا الله, قال: اعلم أيها الرجل أن كل واحد منهم يسأل عن خاصة نفسه، وأنت واحد تسأل عنهم كلهم, فانظر كيف تكون, فبكي هارون وجلس, فجعلوا يعطونه منديلًا للدموع, ثم قال له: إن الرجل ليسرع في مال نفسه فيستحق الحجر عليه, فكيف بمن أسرع في مال المسلمين3.

1 الأعراف 181.

2 الأحزاب 22.

3 سراج الملوك, للعلامة أبي بكر محمد بن الوليد, طبعة سنة 1311, وهامش مقدمة ابن خلدون .

والأمة الإسلامية, وإن كانت اليوم تبدو مفككة ضعيفة, فإنها تحمل عناصر الابتعاث, وهي في ابتعاثها لا تحتاج إلى وقت طويل! وقد أدرك ذلك بعض المستشرقون فقاله وحذر منه.

ونحن بحاجة في هذه العجالة, أن نشير إلى سمات هذه الأمة, وتكملها أخرى أشرنا إليها في مكان آخر.

فهي أولًا: آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر

ولا يمكن أن تأمر بمعروف ولا تأتيه، أو أن تنهى عن منكر وتأتيه، ففاقد الشيء لا يعطيه, فأمرها ونهيها يعني: أنها تقيم هذا المعروف, وتلفظ ذلك المنكر, وكل ما أمر به الله ورسوله معروف, بل هو أعرف المعروف, وكل ما نهى عنه الله ورسوله منكر, بل هوأنكر المنكر.

وهي ثانيًا: تؤمن بالله

وإيمانها بالله يعني: أنها تقوم على التوحيد, ولا تقارب بين توحيد وتثليث, ولا تقارب يبن توحيد وشرك, ولا تقارب بين توحيد وغيره من العقائد الفاسدة.

وهي ثالثًا: تقوم مع التوحيد على الوحدة

{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} 1.

وهذه الجنسيات، وهذه الحدود دخيلة عليها, ليست من أمر الله في شيء, والأمة الواحدة هي التي انتصرت من قبل, ولقد رفض الله -صلى الله عليه وسلم- عصبية الجاهلية, وقال: دعوها فإنها منتنة، ورفض المناداة بالعصبية بين الأنصار والمهاجرين.

1 الأنبياء 92.

حين نادى أحدهم: يا للأنصار, ونادى آخر: يا للمهاجرين, فغضب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غضبًا شديدًا, وقال: أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟

ونزل الكتاب العزيز يؤكد قول الرسول الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ، وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} 1. وهكذا كانت الفرقة والجنسيات والحدود جاهليةً أو كفرًا, وكانت الوحدة أخت الإيمان: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} 2.

وامتدح الرباط الذي وحد الأمة في كتابه، فقال عن المهاجرين: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} 3.

وقال عن الأنصار: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} 4.

وهكذا قامت دولة الإسلام الأولى, تضم كل من قال: لا إله إلّا الله, بغير تفرقة لوطن, أو جنس, وبغير اعتراف بحدودٍ أو جنسية؟

وهكذا ينبغي أن نقوم مرة أخرى!

ثالثًا- سلطة تحمي الحق

قلنا: لابد من أمة تحمل الحق, والسلطة تحمي الحق

هذه السلطة لابد لها من أمرين تقوم بهما:

1- إقامتها شريعة الله:

وهذه أساس شرعيتها الأولى.

1 آل عمران 100، 101.

2 آل عمران 102، 103.

3 الحشر 8.

4 الحشر 9.

وبغيره تغدو سلطة غير شرعية يجب جهادها, وإقامتها شريعة الله لابد أن يكون على النحو الذي أشرنا إليه.

2- قيامها على رضى المسلمين بها:

والأدلة على ذلك كثيرة, نذكر منها:

أ- أن الرضى أساس المعاملات في الإسلام {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} 1.

والإمامة أو الخلافة عقد بين الخليفة والرعية يلزم له الرضى.

ب- أن الرضى لازم لصحة الإمامة الصغرى: إمامة الصلاة, فوجب الرضى من باب أولى لصحة الإمامة الكبرى:

إمامة المسلمين.

ج- لقول الله سبحانه: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} 2 فدلت الآية في الطاعة على الشرط الأول, وهو إقامة شريعة الله، ودلت بلفظ "منكم" على الشرط الثاني: وهو الرضى, فإنهم لا يكونون منا بغير رضًا منا.

د- لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم, قد حرص على غرس هذا الأصل في المجال السياسيّ بما فعله ببيعة العقبة الأولى والثانية, مع أنه رسول الله, وما كان بحاجة إلى رضى الناس؛ لكنه حرص حين مهد لإقامة الدولة أن تكون إمامته ورئاسته لهذه الدولة برضى من المسلمين.

هـ- ثم ما فعله حين ترك تعيين خليفة من بعده؛ ليتم اختياره برضى المسلمين, الأمر الذي حرص عليه الخلفاء الراشدون من بعده على تفصيل ليس هنا محله.

و لقول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه: "فمن بايع رجلًا من غير مشورةٍ من المسلمين, فإنه لا بيعة له, ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلَا".

ز- وهذا ما طبقه عمر بن عبد العزيز حفيد عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما, حين ولي أمر المسلمين فقال: "أيها الناس, لقد ابتليت بهذا

1 النساء 29.

2 النساء 59.

الأمر من غير رضًا مني, ولا مشورة من المسلمين, وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعةٍ, فاختاروا لأنفسكم".

فأعاد بذلك تصحيح الوضع إلى ما كان عليه في عهد الراشدين, فلذا قامت السلطة على شريعة الله, ثم على رضى المسلمين, فلا يهم الشكل بعد ذلك:

لا يهم أن نسميها خلافة, أو أن نسميها إمامة, أو نسميها إمارة, أو غير ذلك من الأسماء, ما دام قد توافر لها هذان الركنان الأساسيان, فإن انهار أحدهما انهارت الشرعية التي تستند إليها السلطة, وفي الأمر تفصيل ليس محله هذا المقام1.

1 راجع في تفصيل ذلك نظرية الخروج, المشروعية الإسلامية العليا: للدكتور على جريشة.

وبعد:

  • فتلك شريعة الله, البذرة الطيبة التي تؤتي أكلها كل حينٍ بإذن ربها, وهي كما أشرنا في أكثر من موضع لا تقبل التجزئة.
  • وواجب الدولة بالنسبة لكل جوانبها واجب مزدوج؛ فهو إيجابيّ من ناحية, يرعى ويصون ويوجه ويدافع بالكلمة، والصورة، والسيف!

وهو سلبيّ من ناحية أخرى, يمنع ويحول دون أن يخدش عقيدةً، أو خلقًا، أو شعائرَ, أو نسكًا, بالكلمة المنشورة أو المنظورة, وبالتربية في المدارس والبيوت وبالحدود، والقصاص، والتعزير!

وهو تعريف الخلافة، وتعريف كل حكم شرعيّ، أو يريد لنفسه الشرعية!

  • ومن ثَمَّ:

فعلمانية القانون.. عدوان على الشرعية الإسلامية.

وعلمانية التعليم.. عدوان على الشرعية الإسلامية.

وعلمانية الإعلام.. عدوان على الشرعية الإسلامية.

وعلمانية المجتمع.. بعلمانية تقاليده، وخلقه، وعاداته.. عدوان على الشرعية الإسلامية.

وعلمانية الاقتصاد.. بقيامه على الربا, أو افتقاره لخصائصه الرئيسية.. عدوان كذلك على الشرعية الإسلامية.

وعلمانية الحكم..بقيامه على غير الشرعية، أو على غير رضى الناس.. عدوان صارخ على الشرعية الإسلامية.

تمامًا.. كما لا يقبل من الفرد أن يصلي ويترك الزكاة.

وكما لا يقبل منه أن يصوم, ويقول الزور أو يعمل به.

وكما لا يقبل منه أن يحج, ويرفث أو يفسق.

وكما لا يقبل منه أن يفعل ذلك كله, ثم يترك الجهاد, ذروة سنام الإسلام, أو يجاهد, ثم يستبيح لنفسه ما نهى عنه الإسلام؛ من كذب، أو خلف، أو خديعة، أو خيانة, إنها لكبيرة ممن وضع نفسه هذا الموضع.

كذلك هي كبيرةٌ ممن رفعوا شعارات الإيمان أو الإسلام, ثم أعرضوا عن حكم الله في الاقتصاد, أو في السياسة, أو في الاجتماع, أو في العقيدة, أو في الأخلاق!

  • ويبقى -كيف لنا- أن نعود إلى تحكيم الشريعة كلها, كما كانت على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته, ومن تبعهم بإحسان؟

والرد..

رسول الله بدأ من القاعدة, لكنه لم يغفل القمة؛ فكان تركيزه على الضعفاء والمساكين، وكانت رسله وكتبه إلى الملوك, ونحن كثيرًا ما بدأنا من القاعدة, وركزنا عليها, وتركنا القمة ليستعملها غيرنا في حربنا, وقامت أمامنا الصعاب في القاعدة.

فنحن نبني, وغيرنا يهدم؛ إذاعةً، تليفزيون، سينما، صحافة، رأي عام, وحرب القمم لنا -حرب مجردة من المبادئ والقيم الإنسانية التي كان يعرفها العرب في جاهليتهم، والتي دفعتهم أن يفكوا الحصار عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم, والذين معه, بعد ما ظنوا فيه ثلاث سنين، ودفعت أمثال أبي سفيان أن يشهد لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمَّا سئل عنه, وأمثال عتبة أن يشهد للقرآن شهادة حق..

فهل لنا أن نصبر على القاعدة حتى تخلص لنا قاعدة صلبة الإيمان, قوية اليقين؟

وهل لنا أن نبحث عن قمة عاقلة, تسمح لنا بالبناء دون أن تهدم, ودون أن تحارب من يبني, ولها ألّا تنازع الملك والسلطة؟

إن قناعة عريضة مؤمنة, وقمة عاقلة متبصرة, هي أمل الإسلام القريب, والله المستعان..