إخوان ويكي
بحث
 
 
صفحة  نقاش  اعرض المصدر  تاريخ 
           
مرحبا بكم في الموسوعة  ادخل / أنشئ حسابا 

أضواء على الإستشراق

من Ikhwan Wiki

اذهب إلى: تصفح, البحث
أضواء على الإستشراق

بقلم:الدكتور محمد عبد الفتاح عليان

مدرس بكلية الدراسات الإنسانية 1400هـ - 1980

محتويات

تقديم

الفكر فى عمومه هام وضروري والمنظم الهادف منه أكثر أهمية دون شك لذا لا غرابة أن يلجأ إليه فى تحقيق أهداف قد تبطئ بها القوة المادية والعتاد الحربي من هنا كان الغزو الفكري الذي خطط أعداء الإسلام له لينفذوا من خلاله إلى هزات يحدثونها فى الشخصية الإسلامية فتنحل عري الارتباط بينها وبين دينها فتفقد ذاتها وقوتها مما يجعله فريسة هيئة للغرب الصائد ومن بين أساليب الغزو الفكري كان الاستشرق مغلفا خطورته بشكل علمي واضعا سمه فى عمل المنهج والجديد فيه غير أن خلق الباحث المسلم يقتضينا أ، نقرر ان استغلال الاستعمار للإستشراق ليس معناه أن الاستشراق كله جملة وتفصيلا دار فى هذا الفلك إذ لم نعدم من أدي به انصافه إلى بيان الحقيقة ولئن كان هؤلاء قد نقلوا من حقيقة الحضارة الإسلامية أصالتها وأفادوا به الغرب فى نهضته فإن هذا قد اعترف به منصفون منهم وأن قلوا .

وقد رأيت ضرورة إلقاء الضوء على هذه الظاهرة هادنا إلى تقرير الحق " والحق أحق أ يتبع وقصدت بالإستشراق كمصطلح دراسة الحياة الحضارية للأم الشرقية من حيث لغتها وآدابها وفنونها وعلومها ومعتقداتها, وعادات أهلها وتقاليدهم , وعنيت بالمستشرق ذلك العالم الغربي المهتم بالدراسات الشرقية وأكدت ضرورة أن يكون فريبا لم أفرق بين من رحل منهم إلى الشرق وبين من لم يرحل ما دام غربي البيئة لأخرج من هم شرقيون بحكم المولد والحضارة ومثلها إحدي لغات الشرق وغن كنت أدرك جدوي هذا بالنسبة للمستشرق إذ تعينه اللغة الشرقية كثيرا فى مهمته.

وقد عمدت إلى تناول الظاهر موضوع البحث مباشرة دون الوقوف أمام كثير من المقدمات اكتفاء بما قد تناول فى غير هذا المكان من جهة وطلبا لتكثيف الحقائق وتيسيرها من جهة أخري .

والله من وراء القصد وهو نعم المولي ونعم النصير ..
محمد عبد الفتاح عليان

نشأة الاستشراق

اختلف الباحثون فى تحديد بداية الاستشراق ونشأته : فيذكر البعض أنه بدأ فى القرن العاشر الميلادي بينما يري البعض الآخر أن الاستشراق بدا فى أعقاب الحروب الصليبية التي استمرت زهاء قرنين 1097 – 1295م) ويقول البعض : أن الاستشراق بدأ فى الأندلس فى القرن الثالث عشر الميلادي حين اشتدت حملة الصليبيين الأسبان على المسلمين فدعا " الفونس" ملك فشتالة " ميشيل سكوت" ليقوم بالبحث من علوم المسلمين وحضارتهم فجمع " سكوت" طائفة من الرهبان فى احدي الأديرة وشرعوا فى ترجمة بعض الكتب من اللغة العربية إلى لغة الفرنجة ثم قدمها " سكوت لملك صقلية الذي أمر باستنساخ نسخ منها وبعث بها هدية إلى جامعة باريس .

ويربط أحد الباحثين بين ظهور الاستشراق وبداية الأطماع الأوربية الاستعمارية فى العالم الإسلامي فى القرن الثامن عشر الميلادي حين ضعفت قبضة الدولة العثمانية التي كانت تضرب سياجا من العزلة منع الأوربيين من الاتصال بالشرق فترة ثم ما لبثت أوربا أن تدخلت فى شئون الشرق فكان ذلك بداية الاستشراق .

وهناك من تعتبر الحملة الفرنسية على مصر وغيرها من بلاد الشرق فى سنة 1798م هي البداية الحقيقية للإستشراق لأن هذا الحملة جاءت ومعها عدد كبير من المستشرقين الذين قاموا بعمل دراسات مختلفة نشرت فى الكتاب المعروف " بكتاب وصف مصر".

على أنه يجب أن نفرق بين نوعين من الاستشراق : أولهما " سلمي" يتمثل فى إقدام الغربيين على أن ينهلوا من منابع الحضارة الشرقية وأهمها الحضارة الإسلامية فمن الثابت أن المسلمين أصبحوا – فيما بين القرن الثامن والثالث عشر الميلادي حملة مشاعل الثقافة في ربوع العالم أجمع فى الوقت الذي كانت فيه أوربا تسبح فى دياجير الظلام وقد أشعت الحضارة الإسلامية بنورها على أوربا من منافذ عدة أهمها بلاد الأندلس الإسلامية بنورها على أوربا من منافذ عدة أهمها بلاد الأندلس الإسلامية التي كتبت صفحة من أروع صفحات الحضارة فى القارة الأوربية فى العصور الوسطي إذ انهالت عليها البعثات العلمية من شتي ربوع أوربا وقصدها المتعطشون للعلم والمعرفة ومن هؤلاء " جربرت" الذي أعتلي الكرسي البابوي سنة 999م باسم الباب "سلفستر الثاني " ولا يتسع المجال هنا – بطبيعة الحال – لتتبع هذه البعثات العلمية وبيان تفاصيل الدور الحضاري الذي لعبته الأندلس وغيرها من البلاد الإسلامية فى تاريخ الغرب الأوربي .

والذي أميل لى ترجيحه فى هذا الصدد هو أن النوع من الإستشراق السلمي بدأ فى القرن العاشر الميلادي وربما قبله وحمل لواءه فى العصور الحديثة قلة من المستشرقين رغبوا فى البحث عن الحقيقة واستجابوا لنداء ضميرهم اليقظ فكانوا من المنصفين غير المغرضين .

أما النوع الثاني من الاستشراق فهم " عدواني " وأن تمسح القائمون عليه بالعلم وتظاهروا بخدمة الحضارة الإنسانية هذا النوع بدأ – على ما أرجحه – فى أعقاب ما تفق على تسميته بالحروب الصليبية ذلك أن أحقادا عميقة ترسبت لدي المسحيين ضد الإسلام والمسلمين , لأسباب أهمها : تحول ممالك نصرانية كثيرة إلى الإسلام نتيجة للفتوح الإسلامية بعضها كانت مهدا للمسيحية ويعتز بها النصارى مثل بلاد الشم ومصر كما أن الإسلام أنكر عقيدة التثليث والصلب والفداء التي يقول بها المسيحيون أضف إلى ذلك خشية زعماء الكنيسة وقتذاك من إعجاب الأكثرين من أتباعها بقوة المسلمين وبرقيهم الحضاري .

يقول محمد كرد علي :" وأهم أسباب الجفاء بين الغربيين والشرقيين كافة فأتي على الوثنية فى البلاد انتشر سلطانه فيها ودخل فيه من الصابئة والعاقبة والنساطرة والمجوس واليهود وغيرهم جمهور كبير وخافت أوربا النصرانية من تسربه إلى ربوعها فاتفقت كلمة الملوك ورجال الدين على حربه , حتي وقفت دعوته عند جزيرتي الأندلس وصقلية وما إليهما من أرض الفرنجة ثم نشأت الحروب الصليبية ودامت قرنين كاملين وقدمت الجيوش الصليبية إلى الشام ومصر حتي كتبت الغلبة الأخيرة للإسلام فى أرض الشام .

كان فشل الصليبيية ف حروبهم المتوالية على الشرق الإسلامي دافعا للمزيد من الاهتمام بالدراسات الشرقية وكان القرآن الكريم أول ما صوبوا إليه سهامهم وثنوا برسول الإسلام صلى الله عليه وسلم ثم عرجوا على خلفائه الراشدين والتاريخ الإسلامي كله وهكذا دفع التعصب الديني الأوربيين إلى الاستشراق من اجل الكيد للإسلام والمسلمين , وقد بدأ هذا النوع من الإستشراق على نحو ما يذكر المستشرق الألماني " رودي بارت" فى سنة 1143م حين تمت أول ترجمة للقرآن الكريم إلى اللاتينية وأعقبتها ظهور بعض الكتابات الاستشراقية التي تتناول سيرة النبي " صلعم" وبعض الشخصيات الإسلامية ويعلق " بارت" على هذا النوع من الكتابات الاستشراقية بأن هدفها كان إقناع المسلمين بلغتهم – ببطلان الإسلام واجتذابهم إلى الدين المسيحي ولذلك كانت دراسة المستشرقين للإسلام فى أغلبها – كما يقول احد الباحثين تاريخا وتشريعا غير مخلصة ولا نزيهة ولا علمية موضوعية وإنما كانت رغبة فى التشفي الانتقام من الإسلام وكتابه ورسوله .

تاريخ الإستشراق

أدي قيام الحروب الصليبية إلى ازدياد روح التعصب الديني لدي المسيحيين على النحو السابق ذكره وقد تبلور هذا التعصب فى اتجاه فكري جديد هو " الاستشراق" حاول الغربيون عن طريقه طعن الإسلام والتغلب على المسلمين بعد أن فشل سلاح الحديد والنار فقد نفر قوم من أهل الغرب يدفعهم التعصب الصليبي إلى الكتابة عن الإسلام وقد شرع هؤلاء فى تعلم اللغة العربية لا حبا فيها ولكن لاتخاذها وسيلة إلى القراءة القرآن ومناقشته فى محالة لتشويهه وتنفير الناس منه وذلك عن طريق الهدم المعنوي فى حركة ظاهرها العلم والبحث وباطنها المكر والخبث .

كما أن الحروب الصليبية لعبت دورا فى حمل بعض الغربيين على إعادة النظر فى أمور دينية لا تمت غلى المسيحية الصحيحة بصلة مثل " صكوك الغفران " والإدعاء بأنه لا اتصال بين الإنسان ربه إلا بوساطة الكنيسة وحدها. وقد عرفت هذه الحركة باسم " الإصلاح الديني" واستدعت مراجعة أصول الدين عندهم فترجم العهد الجديد " الانجلي " إلى اللاتينية وتطلب ذلك الإعلام بالعبرية وتطرق هذا إلى الاهتمام بالدراسات العربية وصاحب ذلك رغبة قوية فى التبشير بالمسيحية فى بلاد الشرق مما دعم الاتجاه إلى الدراسات العربية على أيدي المستشرقين لتكون هي معين لهم على التبشير.

ويري بعض الباحثين أن المحاولات الاستشراقية التي بدأت في وقت مبكر لا تعدو أن تكون فردية أو جماعية محدودة برزت شكل أكثر شمولا فى بعض البلاد الأوربية خلال القرن الثالث عشر الميلادي ويكاد الدارسون لتاريخ الاستشراق يجمعون على أن انتشاره في أوربا ظهر بصفة جدية بعد فترة ما يسمي فى التاريخ الأوربي بعهد الإصلاح الديني .

وكان من المفروض أن تخف حدة التعصب الديني عند الأوربيين بعد قيام النهضة الأوربية الحديثة التي لبغت أوجها بإيطاليا فى القرن الخامس عشر الميلادي وبغرب أوروبا فى القرن التالي, إلا أن ذلك لم يحدث لأنه على الرغم مما وجه وقتذاك إلى الكنيسة ورجالها من نقد وتهكم إلا أن قادة الفكر الأوربي ومعهم رجال الدين سيطرت عليهم عقدة الخوف مما يكنه المسيحي فى قرارة نفسه من إعجاب بالدور الذي لعبه الإسلام فى تاريخ المسلمين فاتفق هؤلاء جميعا على بذل أقصي الجهد ليس فقط من أجل إزالة هذا الإعجاب و وغنما أيضا لتحويله إلى مقت واستنكاف فانبري كل منهم – ما وسعه – للطعن فى كتاب الإسلام ونبي الإسلام والتاريخ الإسلامي كله .

وقد أيد الحقيقة المذكورة المستشرق الانجليزي " مونتجرمري وات" وذلك فى محاضرة له – كنت من المستمعين لها - بجامعة الكويت فى موسمها الثقافي سنة 1971م فمما قاله فى هذا المحاضرة : أن الأوربيين فى عصر النهضة كان لا يزال لديهم إحساس بالنقص بالنسبة للمسلمين ولذلك فى عمد فكروهم إلى تشويه حقائق الإسلام, فعرضوا الإسلام وتاريخ المسلمين فى صورة منفرة ولكننا معشر الغربيين فى القرن العشرين لم تعد تسيطر علينا عقدة النقض كما كان الحال فى عصر النهضة وذلك بعد أن انتقل زمام السيادة – كما قال – إلى أوربا وأصبحت لها السيطرة والغلبة ولذا أصبحنا الآن لا نجد حرجا فى ذكر الحقائق جون تحريف وبالتالي ظهر الإنصاف والموضوعية فيما نكتب عن الإسلام والمسلمين فقد ضرب " أوت" المثل بنفسه فقال : إن له كتابين إحداهما بعنوان " محمد فى مكة " والأخر بعنوان " محمد في المدينة " وذكر أنه ضمنهما الحقائق دون أي تحريف وأنصف فيهما محمد صلي الله وسلم كل الإنصاف وطلب من الحاضرين أن يرجعوا إليهما _ إذا شاءوا – للتأكد من صدق كلامه .

على أن كلام " وات" عن الإنصاف لدي مستشرقي القرن العشرين ليس صحيحا فقد لجأ عدد كبير منهم إلى إنصاف الإسلام فى بعض الجوانب ولكنهم اتخذوا من هذا الإنصاف الجزئي مدخلا للطعن فيه وذلك على النحو الذي سوف أوضحه عند تقويم أعمال المستشرقين ومواقفهم من الإسلام وقضاياه , " مونتجمري وات" نفسه كان – مع الأسف – ممن وضعوا السم في العسل لأنه وان أنصف فى كثير مما كتبه إلا أن كتابته عن النبي ( صلعم) لم تدخل من طعن , على النحو الذي سوف أوضحه بعد بمشيئة الله.

وفى القرن السادس عشر الميلاي الذي ازدهرت خلاله النهضة في غرب أوربا قام الأسبان والبرتغال بأعنف وأقسي ما شهد التاريخ البشري من التعصب الديني والإرهاب ويصور جانبا منها ما قام به الكاردينال " اكسمنز دي سينرو" وكان ذا مكانة دينية كبيرة فى قشتالة ( اسبانيا الحالية ) فدعا إلى إكراه بقايا المسلمين الذين كانوا يعرفون وقتذاك باسم الموريسكو على التنصر وترك الإسلام ولكي يقطع صلتهم بالعلوم الإسلامية أشار بحرق كتب المسلمين وقد تم بالفعل حرق ثمانين ألف كتاب من كتب العرب بعد جلائهم عن أسبانيا ثم أنشئت محاكم التفتيش ليس فقط لحرق كل من لم يرتد عن الإسلام ولكن أيضا لحرق كل نصراني لا يدين بالمذهب الكاثوليكي . وبالنسبة لأراجوان البرتال الحالية ) فإن الإمبراطور " فيليب الثاني " أصدر قانونا فى سنة 1556م يحرم على بقايا المسلمين فيها كل شئ يربطهم بالإسلام حتي لغتهم وأساليب معيشتهم وبلغ من غلوائه أن اعتبر الحمامات التي أنشأها المسلمون هناك بقايا نجسة فأصدر قرارا بهدمها .

وإذا كان نجم الإسلام قد أفل فى سماء الأندلس على النحو المذكور فإنه قد بزغ فى سماء بلاد أخري على أيدي الأتراك العثمانيين الذين أسقطوا الدولة البيزنطية وفتحوا عاصمتها القسطنطينية وتربعوا على الأناضول ثم توغلوا فى جنوب شرقي أوروبا ناشرين الإسلام هناك ودانت لحكمهم كل شبه جزيرة البلقان التي تشمل اليوم أغلب أراضي كل من : رومانيا وبلغاريا واليونان ويوغوسلافيا والمجر وألبانيا , وتحطمت الأحلاف المسيحية المتعددة التي تألفت ضدهم حلفا أثر حلف وامتد نفوذ المسلمين فى أوربا وعلت أصوات المؤذنين فى مساجدها ويمكن القول بأن الدولة العثمانية منذ مطلع القرن السادس عشر غدت أقوي دولة على وجه الأرض ويشير المستشرق الأمريكي المعاصر " ولفرد سميث" إلى دور الأتراك العثمانيين فى حماية الإسلام والعالم الإسلامي بقوله : ليس تاريخ الأتراك العثمانيين فى حماية الإسلام ببعيد, وهم عظماء فى إسلامهم واستغلوا قوتهم فى دعم الإسلام فنشروه فى جهات كثيرة ودافعوا عنه ضد المسيحيين وهم الذين تغلبوا على الدولة البيزنطية ألد أعداء الإسلام فقضوا عليها وفضلا عن ذلك نشر الأتراك الإسلام فى جنوبي أوربا أما من جهة الثقافة الإسلامية فقد منحوها العون الكثير بنشاطهم ومثابرتهم وقد ترتب على كل ذلك أم اكتسب الإسلام مرتدين عن المسيحية يقدر عددهم بعشرات الملايين .

استطاعت الدولة العثمانية أن تقيم سياجا ف المناطق التي تحت سيادتها ضد كل محاولة للنيل من الإسلام والمسلمين وذلك عن طريق القوة و ثم بما فرضته من العزلة بين رعاياها وبين الأوربيين المتنمرين بالمسلمين ثانيا على ا، هذه العزلة كانت سلاحا ذا حدين فهي وأن منعت الأوربيين من التدخل فى شئون الدولة العثمانية فترة إلا أنها حرمتها من الاستفادة من الأساليب العلمية التي تقدمت وقتذاك على أيدي الأوربيين فى وقت أصيب فيه البحث العلمي لدي المسلمين بالركود لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها هنا ولم تلبث هذه الدولة أن أصابها الضعف وتطرق إليها الوهن فضعفت قبضتها منذ أواخر القرن الثامن عشر الميلادي وتكالبت عليها الدول الأوربية الاستعمارية .

ثم مر الاستشراق بمرحلة جديدة ذلك أنه فى القرن المذكور أنشئ كرسيين جديدين للغة العربية فى جامعتي أكسفورد وكمبريدج ثم اختتم هذا القرن بحملة نابليون على مصر وبلاد الشام التي صحبها عدد كبير من العلماء كان أغلبهم من المستشرقين وفي القرن التاسع عشر ازدهر الاستشراق لما حدث من تطور كبير فى الدراسات العربية وبفضل ما نشره علماء حملة نابليون وتخريج مدرسة " دي ساس" الفرنسية عددا كبيرا من المستشرقين الأوربيين وإنشاء كراس للغربية في كثير من من جامعات أوربا و وتأسيس الجمعيات الأسبوعية وإصدار مجلاتها , وإتاحة الفرصة لمعظم المستشرقين لزيارة بلاد الشرق فتوافدوا عليها من مختلف الجامعات والبلدان الأوربية وتبعهم عدد كبير من الرحالة .

ومن الملاحظ أنه حين بدأ الغرب يهتم باستعمار العالم الإسلامي والاستيلاء على ممتلكاته نبغ عدد كبير من علمائه فى الاستشراق فشرعوا فى إصدار المجلات التي تعني بأمور الشرق فى جميع الممالك الغربية كما بدوءا يغيرون على المخطوطات العربية في البلاد العربية والإسلامية فيشترونها من أصحابها الجهلة , أو يسرقونها من المكتبات العامة التي كانت وقتذاك فى منتهي الفوضي وينقلونها إلى بلادهم ومكتباتهم مما أدي إلى انتقال عدد هائل من المخطوطات العربية النادرة إلى مكتبات أوروبا وقد بلغت هذه المخطوطات فى أوائل القرن التاسع عشر – مائتين وخمسين ألف مجلد .. وما زال هذا العدد يتزايد يوما بعد يوم .

وهكذا اقترن ازدهار الاستشراق بضعف الدولة العثمانية وظهور أطماع الدولة الأوربية فى الاستحواذ على أملاكها وعلى غيرها من البلاد الإسلامية الشرقية . وقد عمد المستشرقون فى هذه المرحلة الجديدة إلى تغيير أساليبهم وحاولوا أن يظهروا بمظهر جديد هو ما زعموه من تحرير الاستشراق من الأعراض التبشيرية والاتجاه به وجهة البحث العلمي البحت.

وقد مضي الاستشراق والغزو الاستعماري فى طريق واحد فإذا كان الغربيون قد غزوا البلاد الإسلامية تلك الغزوات الاستعمارية التي نعرفها فإن المستشرقين منهم قد غزوا التراث الإسلامي فاخذوا يقلبون وجوه البحث فيه وألفوا فيه كثيرا من الكتب و وساعدوا على تحقيق كثير من المخطوطات التي نقلوها إلى مكتبات بلادهم أو أخذوا صورها من مكتبات الشرق أو استنسخوها على ذمة نشرها محققة وقامت من أجل ذلك صناعة نشر التراث الإسلامي فى عدد من العواصم والمدن الكبري فى أوروبا .

وعلى الرغم مما يزعمه المستشرقون فى هذه المرحلة من أن دراساتهم تقوم على أسس علمية وطيدة فإن الكثيرين منهم – مع الأسف – لم يحيدوا من الروح الصليبية التعصبية القديمة وبخاصة المبشرون منهم والذين استعانت بهم دولهم الأغراض استعمارية فكان هؤلاء يضعون الاتهام اولا ثم يبحثون عن الأدلة التي تقوم هذا الاتهام .

ومما زاد الطين بلة أن الطلاب المسلمين أخذوا يؤمون الكليات الغربية للدراسة فيها وقد تأثر الكثيرون منهم بما كان يلقيه المستشرقون فى أذهانهم كما أن الغربيين استعانوا ببعض النصاري العرب فى نشر أفكارهم وبث سمومهم ضد الإسلام والمسلمين هذا فضلا عن أن بعض المستشرقين تسللوا إلى الدوائر العلمية وبغداد .

ومن أمثلة المستشرقين الذين شغلوا عضوية هذا المجامع العلمية : هاملتون جيب ومرجلوت نيكلسون من الانجليز وماسينيون وجي سو الفرنسيان وجرنفني وجويدي الايطاليان وهوتمان الهولندي وهارتمان الألماني .

وقد قامت المؤسسات الدينية والسياسية والاقتصادية فى الغرب بما كان يقوم به الملوك فى الماضي من الإغداق على المستشرقين وتقديم المنح والمعونات إليهم .

ثم جاءت الصهيونية فدخلت ميدان الاستشراق لتحول دون اجتماع المسلمين فى وحدة تقاوم اليهودية العالمية وتواجه دولة اليهود الباغية (إسرائيل) والمستشرقون اليهود يعملون فى هذا المجال .

ومن أمثلة المستشرقين اليهود غولد سيهر وبندلي جوزي ويوري ايفانوف, وغيرهم .

على أن هذه الصورة تغيرت مؤخرا وذلك على أثر تحرر البلاد الإسلامية من الإستعمار وتطور علاقاتها بدول الغرب فضلا عما قام أبناؤها من دراسات متعمقة تغني عن الكتابات الاستشراقية المغرضة وقد كشف البحث الموضوعي – ولا يزال يكشف عما فى كتابات المستشرقين من التواء ومغالطات ولذا أخذ الكثير من المسلمين فى الشرق يتعاملون مع هذه الكتابات بحذر.

ويري الدكتور علي حسيني الخربوطلي أن الاستشراق بدا فى الانكماش وأنه انحصر الآن فى الجامعات والمعاهد فى مختلف الدول الأوربية والأمريكية " وقد اتخذ الاستشراق الآن صفة أكاديمية واصطبغ بصبغة علمية وسار فى طريق علمي بعد انفصاله عن الطريق السياسي الاستعماري وهذه الدراسات التي تقوم بها المستشرقون الآن فى جامعاتهم الأوربية والأمريكية يقدمونها غالبا لمواطنيهم ولم يعد العرب " المسلمون " والشرقيون يهتمون بها كثيرا فقد أغناهم العلماء والمفكرون العرب بأبحاثهم القيمة والتي تبز غالبا أبحاث المستشرقين وأصبحت الجامعات العربية تمنح ( الدكتوراه) ولم تعد الدول العربية فى حاجة إلي إرسال أبنائها لنيل هذه الدرجة العلمية من الخارج ونلاحظ ا، الكتب الأجنبية التي تتناول دراسات عربية إسلامية والتي وصلتنا أخيرا لا تتصف غالبا بالعمق والدسامة بل هي غالبا كتب سطحية خفيفة كتبها المستشرون لأبناء وطنهم لأنها لا تفيد العرب ولا تسمن ولا تغني من جوع ولذا فإننا أن مستقبل الاستشراق محدود وأن مجالاته تنكمش".

وقد يفهم من الكلام المذكور أننا نحن المسلمين أصبحنا فى أمان من الاستشراق بعد أن جنح – طبقا لما يراه أستاذنا الخربوطلي – إلى الموضوعية وانفصل عن طريق الاستعمار وانحصر فى الجامعات الغربية وأصبحت جامعاتنا تمنح الدرجات العلمية وصيرورة كتابات المستشرقين سطحية وموجهة إلى مواطنيهم لا إلينا إلا أن الواقع – من وجهة نظري – أن الاستشراق لا يزال يصوب سهامه إلينا ولا زلنا بحاجة إلى مزيد من الجهود لرد كيد المستشرقين إلى نحورهم وثمة عوامل كثيرة تحملني على هذا الاعتقاد من أهمها :

1- استمرار بقاء كثير من المؤسسات التبشيرية الاستعمارية بين ظهرانينا ولا جدال فى أن كثيرا من المستشرقين يتعاونون على تحقيق أهداف هذه المؤسسات لأن الاستشراق ارتبط منذ نشأته بالتبشير والاستعمار فالجامعة الأمريكية – على سبيل المثال – لا تزال موجودة فى كل من القاهرة وبيروت واستانبول وبناء على ذلك ألا نتوقع من كل مستشرقي الوقت الحاضر الإنصاف والموضوعية , بالتالي لا يصح أن نصفي على كتاباتهم صفة العلمية والأكاديمية , باستثناء فئة قليلة منهم ممن استجابوا لنداء الحق الذي تبين لهم من دراساتهم للتراث الإسلامي ولم يستسيغوا لا طعن فيه بدون وجه حق .
2- هدم قيام الدليل على أن الاستشراق انفصل عن الطريق السياسي الاستعماري فى تاريخنا المعاصر فنحن نعرف أن المستشرقين فى كل البلاد الاستعمارية تقريبا يتبعون وزارة الخارجية مما يدل على أن مهمتهم سياسية وليست علمية أنتوني ايدن رئيس وزراء انجلترا السابق لم يكن يتخذ قرارا سياسيا يتصل بالشرق الأوسط إلا بعد الرجوع إلى المستشرقين من أساتذة جامعة أكسفورد وكلية العلوم الشرقية من أمثال " مرجليوت" كما أن المستشرقين اليهود لا يزالون يعملون لتحقيق أهداف الصهيونية العالمية فيوري ايفانوف الماركسي اليهودي مثلا أشار فى كتاباته بقول " بيجن" أمام ممقلي الجيش الإسرائيلي فى 28 أكتوبر سنة 1958 ونصه : " أنتم أيها الإسرائيليون يجب ألا تكونوا رءوفين عندما تقتلون عدوكم .. عليكم ألا تشفقوا عليه ما دمنا لم نقض بعد على الحضارة العربية ( الإسلامية ) التي سنبني على انقاضها حضارتنا ".
3- أشار الدكتور الخربوطلي إلى أن الاستشراف والاستعمار قد يلتقيان أحيانا ويمضيان فى طريق واحد إذا دعت الحاجة أو حتمت الضرورات السياسية وأن المستشرقين ركزوا مؤخرا على الدول الإفريقية والسوية غير العربية ووجدوا فيها مجالا جديدا يصولون فيه ويجولون بسبب ظروفها المحلية واستمرار ارتباط بعضها بالدول الاستعمارية بروابط سياسية وذلك بعد أن بارت كتاباتهم فى البلاد العربية بسبب يقظة أبنائها بعكس الحال فى البلاد الأفرو آسيوية التي لم يستطع أبناؤها بعد سد الفراغ الفكري القائم ... وهذا القول من جانب الدكتور الخربوطلي يشير إلى أن المستشرقين لا يتوخون الموضوعية وأنهم لا يزالون أدوات للاستعمار وخدمة أهدافه ويجب أن نأخذ في الاعتبار أن كثيرا من دول الافرو آسيوية التي يتخذ منها المستشرقون مجالا يصولون فيه ويجولون – مواطنوها أخوان لنا في الإسلام وعلى المفكرين المسلمين فى كل مكان أن يذودوا عن هؤلاء الإخوان ويعملوا عل حمايتهم من هذا الغزو الصليبي تارة والصهيوني تارة أخري والاستعمار في الحالتين.
4- استمرار ابتعاث الدول الإسلامية لبنيها إلى الغرب للحصول علي درجات علمية وبخاصة فى مجال التربية وعلم النفس . وهذا الأمر وأن كان له جوانبه الإيجابية إلا أنه يتطلب منا الكثير من اليقظة والدأب من أجل تجنب آثار السلبية فى هذا المجال الحيوي الهام .


5- امتلاء كثير من كتب المستشرقين أتي بين أيدينا بالمغالطات والتحريف والالتواء , وهي تحتاج إلى بذل جهود مشتركة من علماء المسلمين كل فى تخصصه لتوضيح معوجها أمام القارئ المسلم وغير المسلم . وحتي تلك يكتبها المستشرقون عن الإسلام لمواطنيهم تحتاج منا إلى تجلية كي لا يفهم الإسلام فهما خاطئا .
6- لا يزال بعض تلاميذه المستشرقين والضالعين معهم من نصاري العرب يثيرون النزعات الشعوبية بين المسلمين بقصد تفتيت وحدتهم كالفرعونية فى مصر والبربرية في شمالي أفريقية والكردية فى كل من العراق وإيران .. الخ


7- اعتراف كثير من المستشرقين المعاصرين ( صدقا أو تمويها) بأن التعصب الديني لا يزال باقيا فى كتابات غيرهم . بقول " برنارد لويس " : لا تزال آثار التعصب الديني الغربي ظاهرة فى مؤلفات عدد من العلماء المعاصرين ومستترة وراء الحواشي المرصوصة فى كتابات البعض الآخر منهم كما يقول " نورمان دانيل ": على رغم المحاولات التي بذلها بعض الباحثين فى العصور الحديثة للتحرر من الموقف التقليدية للكتاب المسيحيين عن الإسلام فغنهم لم يتمكنوا من أن يتجردوا منها تجردا تاما كما يتوهمون .

الإستشراق وصلته بالتبشير والاستعمار

جن جنون رجال الكنيستين الشرقية والغربية لسرعة انتشار الإسلام واعتناق كثير من المسيحيين إياه , وبخاصة فى بلاد تعتبر مهد المسيحية كبلاد الشام ومصر .

ولم يجد هؤلاء سبيلا لإيقاف الزحف الإسلامي بالقوة , إذا فشلت كل محاولات الدولة البيزنطية لاسترداد ما فقدته على أيدي المسلمين وليس هذا فحسب بل إن عاصمتها " القسطنطينية" ( مقر الكنيسة الشرقية ) تعرضت لحصار المسلمين ثلاث مرات فى صدر الإسلام ثم تلقت هذه الدولة ضربة قاصمة على أيدي السلاجقة المسلمين فى موقعة " ملاذ كرد " سنة 1071م ولم تلبث ان سقطت نهائيا على أيدي السلطان العثماني محمد الفاتح الذي اقتحمت جيوشه القسطنطينية وافتتحتها سنة 1453م.

وكان ضعف البيزنطيين أمام المسلمين على هذا النحو سببا في إثارة أحقاد رجال الكنيسة الشرقية على الإسلام والمسلمين تمثل هذا الحقد فيما لجأوا إليه من محاولات لتشويه الإسلام وإلصاق الخزعبلات به وإحاطته بالأساطير فقد شرعت السلطات الكنسية تهاجم بالجدل والمناظرات أسس العقيدة الإسلامية بأسلحة فكرية تحمل الكثير من الدس والشبهات ويشير إلى هذه الحقيقة المقال الذي كتبه المستشرق " الفرد غيوم " بعنوان :ط الفلسفة وعلم الكلام " ونصه :" وبمرور الزمن أسلم الكثير من اليهود والنصاري تخلصا من الجزية .

التى كانت تجبي من أهل الكتاب من غير المسلمين وحين دخل هؤلاء إلى كنف الإسلام حملوا معهم ثقافة الإمبراطورية البيزنطية وثقافة اليونان , وقد أفزعت هذه الانشقاقات السلطات الكنسية فشرعت تهاجم – بالجدل والمناظرات – أسس العقيدة الإسلامية " ويزعم " غيوم ط أن القديس يوحنا الدمشقي كان يستطيع أثناء مناظراته إفحام المسلمين ببراهن أتيه مطواعة مستسلمة .

ويوحنا الدمشقي الذي يشير إليه " غيوم" اسمه العربي " منصور وكان من الذين حملوا راية التضليل والدس على الإسلام فى فترة بكرة ( 81-137 هـ/700- 754م) وهو بهذه المثابة يعد القدوة للمستشرقين الذين ظهروا من بعده فقد ألف هذا الرجل كتابا سماه :" حياة محمد" قدم الإسلام فيه على أنه فرقة مسيحية مارقة , ظهرت على عهد الامبرطور البيزنطي " هرقل بفعل متنبئ من العرب يدعي حامد " محمد " وأن حامد هذا كان قد اطلع على كتابي العهد القديم والجديد ثم اتصل بأحد أتباع " آريوس " المتوحد الذي طردته الكنيسة لأنه كان يعتقد بالتوحيد المجرد لله فعرف منه نحلته الوحدوية , فأسس دعوة الإسلام على أساسها وقد استطاع هذا المتنبئ أن يكسب قلوب قومه وأن يقدم لهم كتاب زعم أنه عليه من السماء ووضع فيه فرائض ضحكة على أنها الشريعة .

كما أن يوحنا الدمشقي هو الذي دس أول فرقة مما تناقله الاسم بعده من أن النبي صلى الله عليه وسلم قد شغف بالسيدة زينب بنت جحش حبا وهي تحت مولاه زيد بن حارثة فقال فى تفسيره قول الله تعالي :" وإذ تقول للذي أنعم الله مبديه وتخشي الناس والله أحق أن تخشاه" أن معني الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم رأي زينب زوج زيد فى حال أثارت عشقه فعشقها وأراد زواجها.. دس ذلك النصراني هذه الفرية وراجت بين تابعي التابعين أنفسهم حتي جاءت على لسان " قتادة منسوبة إليه وقبلها ابن جرير الطبري ونقلها عنه غيره , فكانت – بلا شك – أعظم الافتراء .

وهي تتجافي عن نسق الآية وعن خلق النبي صلى الله عليه وسلم ولم يثبت فى الصحاح شئ من هذا ولم ينسب هذا لتخريج لأحد من الصحابة بطريق مقبول .

وقد فند هذه الفرية كثير من مفكري المسلمين وردوا عليها علميا مفعما ومن هؤلاء : الدكتور زاهر الألمعي فى الكتاب الذي أفرده لهذه الغاية وهو بعنوان " مع المفسرين والمستشرقين فى زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش" وفضيلة الشيخ محمد الغزالي فى كتابه " فقه السنة " ص 473 – 476 ( الطبعة السابقة – مصر 1976م).

كان يوحنا وأمثاله يجادلون بالباطل ويستدلون بالإسرائيليات فإذا وجدوا الفرصة سائحة دسوا ما يريدون دسه على المسلمين قد انتقلت بأباطيل هذا الرجل ومن نحا نحوه من رجال بيزنطة إلى أقطار غرب أوربا فكانت معلوماتها الأولية عن الإسلام – مع الأسف – هذه المصادر البيزنطية غير الصادقة .

وليس ثمة شك فى أن رجال الكنيسة الغربية الكاثوليكية في روما لم يرضهم ظهور الإسلام وانتشاره فى أقطار كثيرة ولكنهم لم يستطيعوا وقتذاك أن يحركوا ساكنا بسبب قبيل ظهور صلاح الدين الأيوبي انتهز رجال هذه الكنيسة الفرصة وتزعموا الدعوة إلى قتال المسلمين والاستحواذ على بلادهم .

وأول من دعا إلى هذا القتال الصليبي هو البابا " سلفستر الثاني فى سنة 1002م" ولكنه لم يوفق ثم البابا"جريجوريوس" فى سنة 1075م لكنها تأخرت إلى أن أعلن البابا " أوربان الثاني" الدعوة إلى الحروب الصليبية فى سنة 1096م.

وقد سبق أن قلت : أن فشل الصليبيين فى حملاتهم المتوالية علي الشرق الإسلامي دفعهم إلى المزيد من الاهتمام بالدراسات الشرقية وقد ظهرت مؤخرا وثيقة هامة تلقي الضوء على تحول الصليبيين عن فكرة الغزو العسكري إلى الغزو الفكري وهذه الوثيقة تتضمن وصية " القديس" لويس التابع ملك فرنسا وقائد الحملة الثامنة التي استولت على دمياط وانتهي الأمر بهزيمتها فى المنصورة ووقوع لويس فى الأسر وسجنه بدار ابن لقمان لما عاد إلى فرنسا – بعد أن قدم فدية مالية كبيرة لفك أسره –دعا إلى ضرورة تكتل جهود الأوروبيين لتشويه الإسلام وإفساد عقيدة المسلمين التي هي سر قوتهم وتفوقهم وأنه لا غني للأوروبيين عن هذا الغزو الفكري إذا ما أرادوا التغلب على المسلمين الذين لا سبيل إلى التغلب عليهم عن طريق القوة العسكرية.

وقد اجتهد الأوربيون فعلا من أجل تنفيذ هذه الوصية وكان القرآن الكريم أول ما صوبوا إليه سهامهم وتولي كسر ذلك القس بيتر المعروف ببيتر المحترم وهو من كبار المتعصبين ضد الإسلام وكان يلوم المسيحيين على مهادنتهم المسلمين ويحثهم على العنف وفي منتصف القرن الثاني عشر الميلادي صدرت أربع تراجم قرآنية قدم لها هذا القس كما ترجمت إلى اللاتينية كتب تتناول سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تاريخ الراشدين والأمويين إلى عهد يزيد بن معاوية ومقتل الحسين بن علي , وكان الغرض من هذا هو التشويه وتنفير المسلمين والمسيحيين على السواء من الإسلام وحوالي ذلك الوقت كتب قس آخر يدعي الجوس ترجمة للنبي صلى الله عليه وسلم ذهب فيها إلى أنه كان يخبر أصحابه أنه سيرفع إلى السماء بعد ثلاثة أيام من وفاته .

فلما مات بقي بدون دفن إلى أن يرفع حتي تعفن جسده وأخذت الكلاب تنهش فيه ولم يكن هذا القس يعرف اللغة العربية ولكنه نقل معلوماته من مخطوطة لاتينية عثر عليها مصادفة فى مدينة بامبالونا "

لم تكن ترجمة القرآن المشار إليها حرفية لأن " روبرت" الذي تولي هذه الترجمة بتكليف من القس " بيتر" قام بترجمة بعض المعاني العربية بقدر ما استطاع كما أنه هو الذي ترجم الكتب العربية التي تتناول سيرة الرسول وخلفائه حتي مقتل الحسين بن علي وروبرت هذا رجل انجليزي قام برحلات إلى فرنسا وايطاليا والبلقان ورحل إلى آسيا حيث تعلم اللغة العربية .

وفي يوليو 1136م استقر فى برشلونة ولم يلبث أن أصبح أرشيدوق بامبولونا ثم قام " بيتر" بتكليفه بعمل الترجمات المشار إليها.

فتحت هذه الكتابات عهدا مميزا للغزو الفكري الموجه ضد الإسلام فظهرت حملات مصوبة إليه فى كتب ألقت بمعظم اللغات الأوربية بل إن بعض الكتاب الغربيين جعلوا حملاتهم المعادية للنبي صلى الله عليه وسلم وعقيدته على شكل قصائد شعرية فبينما كتب وولتر سنز حياة محمد باللغة اللاتينية نظمها الكسندر دي بونت بالشعر الفرنسي وانتشرت الترجمة التي قام بها " روبرت " للقرآن انتشارا واسعا طوال العصور الوسطي كما اتخذت الحملات الموجهة ضد الإسلام صورة " مناظرات حقيقية بل كانت من نسج الخيال .

وقد لعب رجال الكنيسة الكاثوليكية دورا بارزا فى حركة الترجمة من العربية ومن هؤلاء :ط ريموند" رئيس أساقفة " توليدو" وحاكم مدينة " كاستيل " (1130 – 1150م) الذي شكل هيئة من المترجمين تولي رئاستها وسماها دومنيكان جوندسلافا وقد قامت هذه الهيئة بترجمة كثير من الكتب العربية أما " جيرا ردي كريمون " فقد قام بجهود كبيرة في الترجمة عن العربية إلى حد أن ترجماته بلغت سبعين مؤلفا عربيا .

وحين اشتدت حملة الكاثوليك الأسبان على المسلمين دعا " الفونس" ملك قشتالة " ميشيل سكوت " ليقوم بالبحث فى علوم المسلمين وحضارتهم فمجمع " سكوت طائفة من الرهبان فى أحد الأديرة وشرعوا يترجمون بعض الكتب من العربية إلى لغة الفرنجة ثم قدمها " سكوت" هدية لملك صقلية الذي أمر باستنساخ نسخ منها وبعثها بدوره هدية إلى جامعة باريس وقد نشأت هذه الجامعة فى القرن الثاني عشر الميلادي , وبدأت تهتم بالإستشراق وتعليم اللغتين العربية والعبرية منذ القرن الرابع عشر الميلادي.

لم يكن عمل المستشرقين منفصلا عن عمل المبشرين فالاستشراق نشأته ما هو إلا أداة من أدوات التبشير ثم استغل – فى مرحلة لاحقة – لتحقيق مطامع الدول الاستعمارية وقد نزل كثير من أساقفة الكنيسة الكاثوليكية إلى ميدان الاستشراف بقصد التبشير تدريب المبشرين على العمل فى بلاد الشرق لهذه كان لابد من تكليف مبعوثيهم بتعلم اللغة العربية فانتشر تعليمها فى المعاهد الدينية وبعض الجامعات كما أنشئت مطابع عربية وجمعت لهم الكتب حتي أن مكتبة الفاتيكان فى روما ضمت إليها مجموعات ضخمة من الكتب العربية المختلفة .

كان الهدف من دراسة رجال الدين التابعين للفاتيكان للغة العربية وغيرها من اللغات الشرقية هو تخريج أهل جدل يقارعون فقهاء المسلمين ويردون عليهم ببراهين من الكتب الإسلامية وكذلك لتحقيق الكتاب المقدس ولتدريب أدلاء يتخاطبون بالعربية للقيام على خدمة الحجاج من أصقاع العالم فى الأراضي المقدسة وقرر الفاتيكان تعليم اللغة العربية غلى جانب اليونانية الدراسات الشرقية فى مدارس أسبانيا ومدارس الأديرة والكاتدرتئيات وفي القرن الرابع عشر الميلادي أنشئت كراسي للغة العربية فى جامعات أوربية كثيرة وتم تكليف أساتذتها بترجمة الكتب العربية إلى اللاتينية ترجمة علمية واستعانوا فى الترجمة بمن يجيد العربية من النصاري اليهود فكان هؤلاء يترجمون ترجمة حرفية ثم يعيد رجال الدين صياغتها فى أسلوب لاتيني رصين .

ظل الكاثوليك يتزعمون مهمة التبشير المقرون بالإستشراق حتي القرن الثامن عشر الميلادي ثم أسهم معهم فى هذا المجال الكنائس البروتستانتية فى كل من الولايات المتحدة وانجلترا وألمانيا وقد اتسع نفوذ المبشرين الأمريكان فى الإمبراطورية العثمانية بين عام 1840, 1850 وكثر تدخلهم في شئون البلاد الإسلامية تنفيذا لسياسة استعمارية ولما عزمت الدولة العثمانية على التصدي لهم أثارت الولايات المتحدة أمام العثمانيين مشاكل كثيرة صرفتهم عن أمر المبشرين وأعوانهم من المستشرقين .

ومن الملاحظ أن الدول الغربية لما قويت فى العصور الحديثة وبدأت تتطلع إلى استعمار الشرق لعب الاستشراف دورا هاما فى هذا الانفتاح الغربي على الشرق فلما أرادت هذه الدول عقد الصلات السياسية بدول الشرق والاغتراف من تراثه والانتفاع بتراثه والتزاحم على استعماره أحسنت كل دولة استعمارية إلى المستشرقين فيها فضمهم الملوك إلى حاشيتهم كأمناء أسرار وترجمة وانتدبوهم للعمل فى سلكي الجيش والدبلوماسية إلى بلدان الشرق وولهم كراسي اللغات الشرقية في كبري الجامعات والمدارس الخاصة والمكتبات العامة والمطابع الوطنية وأجزلوا لهم عطاءهم فى الحل والترحال ومنحوهم ألقاب الشرف وعضوية المجامع العلمية ومن المعروف أن شركة الهند الشرقية الانجليزية التي لعبت دورا حاسما فى بسط النفوذ الانجليزي على الهند فى القرن السابع عشر – هذه الشركة ضمت عددا من المستشرقين الذين قاموا بدراسة أحوال أهل الهند من حيث دياناتهم وعاداتهم وآدابهم ووضعوا نتائج دراساتهم بين يدي السلطات الانجليزية فأفادت من ذلك أيما إفادة .

كما كانت الحملة الفرنسية ( 1798 – 1801م) على مصر وبلاد الشام صورة للأطماع الأوربية الاستعمارية الحديثة فى الشرق ومن الثابت أن الفرنسيين استعانوا فى هذه الحملة بعدد كبير من المستشرقين لتحقيق الأهداف الاستعمارية منها .

وقد لجأ نابليون بونابرت إلى اللغة العربية فى كتابة منشوراته ولوائحه , وطبع كتبا فى تعليم اللغة العربية وهجائها بالمطابع الفرنسية التي جلبها مع حملته .

وكان هؤلاء المستشرقون الذين صحبوا الحملة علماء متخصصين فى كثير من فروع المعرفة فمنهم الأثريون والمهندسون والأطباء والمترجمون وبعضهم كان شرقيا من مصر ولبنان وسرية ومن أمثال ميخائيل صباغ ( 1708 – 1816م) الذي اتصل بالمستشرقين دي ساس وكاترومير , وعمل فى المكتبة الأهلية بباريس والياس بقطر من مصر ( 1748 – 1821) وهو أستاذ العربية فى مدرسة اللغات الشرقية بباريس ومصنف المعجم العربي الفرنسي ونقولا الترك ( 1763 -1828م) صاحب كتاب " حرب بونابرت مع النمسا ) وغيره من الكتب.

وروفائيل زخور ( 1757 – 1831م) المولود بالقاهرة مع أ،ه مع أصل حلبي وكان يقوم بتعليم اللغة العربية فى بارنس ثم جعله محمد على ( والي مصر وقتذاك) مديرا لمطبعة اللغة العربية فى بارنس ثم جعله محمد على ( والي مصر وقتذاك) مديرا لمطبعة بولاق فيما عبد , فمترجما بمدرسة الطب بالقاهرة , وكان العضو الشرقي الوحيد فى المجمع العلمي المصري وقام بترجمة الكثير من المؤلفات عن الفرنسية والإيطالية وقد أمر نابليون بتأليف المجمع العلمي المصري وتأسيس مطبعة عربية كناقد استصفاها من الفاتيكان لطبع تصريحاته وبلاغاته ومنشوراته كما أصدر نابليون ثلاث صحف منها واحدة بالعربية وأنشأ كذلك مكتبة ومتحفا ومختبرا ومصنعا ومرصدا ومسرحا فتحت أبوابها للمصريين وقد نشر هؤلاء المستشرقون الفرنسيون وتلاميذ تهم من العرب بحوثهم ورسومهم وخرائطهم فى الكتاب المعروف بكتاب " وصف مصر "( 1809 – 1813)

وقد ظهر نابليون أمام المصريون بصورة المستشرق إذ تظاهر باعتناق الإسلام وشارك المصريين احتفالاتهم الدينية وارتدي العمامة والجبة والقفطان فى بعض الأحيان , وزار علماء الأزهر فى بيوتهم ولما لم يستجب له علماء الأزهر وقادوا الشعب ضد هذا المستعمر الدخيل صوت مدافعه المقامة على قلعة الجبل إلى الجامع الأزهر واقتحم جنده هذا الجامع وهم يمتطون الخيا وهكذا ظهر هذا الاستعماري على حقيقته على الرغم مما تظاهر به وادعاه .

وليس ثمة شك فى أن البواب كانت مفتوحة على مصاريعها أمام المستشرقين فى أعاقب تغلغل الاستعمار الغربي فى البلاد الإسلامية وغيرها من بلاد الشرق فكان هؤلاء يصولون ويجولون فى حرية تامة وكانت دول الانتداب وكل الدول الاستعمارية تتحكم فى توجيه الثقافة وتخطيط وسائل التربية والتعلمي وقد تمتع المستشرقون بحرية تامة فى التجول بين مكتبات الشرق يسطون أحيانا فى مخطوطاتها أو يصورونها وينسخونها بحسب رغبتهم وبنبشون الآثار القديمة ويسلبون معظمها ليملئوا بها المتاحف الغربية وفي وقت من الأوقات كان المسلم إذا ما أراد الاطلاع على كتب التراث الإسلامي لا يجد أمامه غير ما حققه المستشرقون منها أو نشروه .

وسبق أن أشرت إلى أن الدول الغربية أنشأت كليات ومعاهد للدراسات الشرقية فى كبريات المدن مثل : لندن وباريس , وليدن, وبرلين وبطرسيبرج وهاردفارد, وغيرها وألحقت بها أقسام خاصة لدراسة اللغات العربية وبعض اللغات الشرقية كالفارسية والتركية والأردية.

وفي بلد مثل انجلترا ارتفعت الأصوات فى مطلع القرن العشرين تنادي بضرورة تأسيس معهد شرقي تكون مهمته إعداد رجاء ونشاء يستطيعون أن يخدموا وطنهم فى الشرق فى المجالات الدبلوماسية والتجارية والعسكرية والثقافية وهكذا تم تأسيس معهد الدراسات الشرقية التابع لجامعة لندن سنة 1917م أما جامعة كمبردج فإن أول كرسي للدراسات الإسلامية تأسس في عام 1932 م بدعم مالي من رئيس بلدية لندن الذي كان تاجرا معروفا بإخلاصه لدولته .

وكان الغرض الأساسي من إنشاء المؤسسات المذكورة هو تؤيد السلطات الاستعمارية بخبراء فى الشئون الإسلامية وأن تكون فى خدمة الحكومات المستعمرة لتحقيق أهدافها فى البلاد الإسلامية حتي أن رجال السياسة هناك كانوا على صلة وثيقة بأساتذة تلك الكليات ويرجعون إلى آرائهم قبل البت فى المسائل السياسية المتعلقة بالدول الإسلامية والشرقية بل إن بعض أولئك الأساتذة كان يستغل صدقاته للبارزين من رجال تلك الدول الشرقية ويتخذ منها ستارا يقوم من ورائه بأعمال التجسس في السلم والحرب.

ومن الثابت أن كثيرا من المستشرقين عينوا خبراء ومستشارين في وزارت الخارجية ببلادهم مثل : غولدتسيهرلا وماسينيون وغيرهما .

وقد عين برنارد لويمس في الخارجية الانجليزية فى سنة 1941. وتسلل كثير من المستشرقين – مع الأسف – إلى المجامع اللغوية والعلمية في القاهرة ودمشق وبغداد وغيرها ومن أمثلة هؤلاء .

1- هاملتون جيب : أكبر مستشرق انجليزي , ومن كبار محرريوناشري " دائرة المعارف الإسلامية وله كتابات كثيرة فيها عمق وخطورة وقد شغل عضوية المجمع اللغوي المصري .
2- لويس ماسينيون : من أكبر المستشرقين الفرنسيين ومستشار وزارة المستعمرات الفرنسية فى شئون شمالي أفريقية والراعي الروحي للجمعيات التبشيرية الفرنسية . وقد شغل عضوية المجمع اللغوي بمصر وعضوية المجمع العلمي العربي بدمشق.


3- مرجليوت : انجليزي متعصب ضد الإسلام ومن محرري " دائرة العارف الإسلامية وقد شغل عضوية المجمع اللغوي المصري والمجمع العلمي العربي بدمشق .
4- نيكلسون : من مستشرقي انجلترا المشهورين ومن محرري " دائرة المعارف الإسلامية " وهو من المنكرين على الإسلام أنه دين روحي ويصفه بالمادية وعدم السمو , وقد شغل عضوية المجمع اللغوي المصري.


5- الفريد جيوم: شغل منصب الأستاذية فى اللغات الشرقية في أكثر من جامعة غربية وقد شغل عضوية المجمع العلمي العربي بدمشق فى سنة 1948م والمجمع العلمي العراقي فى السنة التالية ثم أخذ الطلاب المسلمون يؤمون هذه الكليات الغربية للدراسة فيها وقد تأثر كثير منهم بأفكار أساتذتهم من المستشرقين وأسهموا عن قصد أو غير قصد فى تحقيق الأهداف التبشيرية والاستعمارية للإستشراق وأهمها خلق تخاذل روحي ومعنوي وإيجاد شعور بالنقص فى نفوس المسلمين والشرقيين عامة وحملهم من هذا الطرق على الرضا والخنوع للتوجيهات الغربية .

ويمكن أن نصور – فى عجالة – الآثار التبشرية والاستعمارية للنشاط الإستشراقي من خلال عرض أفكار بعض تلاميذه المستشرقين المسلمين منهم وغير المسلمين وذلك على النحو التالي :

أحمد خان : من مسلمي الهند افتتنوا بالمدنية الغربية وقد حاول جهده أن يقوم بما اسماه حركة تقدمية فى الإسلام ولم سكتف بما زعمه من التقدمية في الإسلام , بل كان كذلك صحفيا ومؤلفا ومدرسا ومشرفا على كلية علمية دينية هي " الكلية الانجليزية الشرقية المحمدية " وفي هذه الكلية كان يدرس الدين المسيحي بنفس الدرجة التي يدرس بها الإسلام ولهذا كان لأحمد خان نفوذ سياسي وتربوي اقترن بحركته التجديدية المزعومة التي اثرت – فيما بعد – في خلق " القاديانية ".

ولم يفت المؤتمر التبشيري الاستعماري الذي عقد بالقاهرة فى سنة 1906م أن يشيد بما أسماه: حركة الإصلاح التي دخلت بين مسلمي الهند , والإشادة بالسير احمد خان زعيم تلك الحركة وبما بذلته مدرسته في " عليكر" بالهند من جهود.

الدكتور طه حسين : من تلاميذه الجامعات الفرنسية وهو صاحب حركة التجديد فى ألدب الحربي بمصر وأحد الذين شغلوا منصب عميد كلية الآداب بجامعة القاهرة ثم وزير المعارف العمومية بجمهورية مصر العربية .

وكان فى فترة ما رئيسا لتحرير " مجلة الكاتب المصري " وهي مجلة كانت تصدرها شركة الكاتب المصري المؤلفة من جماعة من يهود مصر الذين هاجروا منها نهائيا عقب فشل لعدوان الثلاثي على مصر في سنة 1956م.

وهو مؤلف لعدد كبير من الكتب , منها : الشعير الجاهلي ومستقبل الثقافة في مصر وحديث الأربعاء وكان للسيدة قرينته – وهي فرنسية – الثر القوي فى دفعة إلى النجاح بمؤازرتها له بكل ما تملك من الإخلاص المعنوي والمادي .

ومما قاله طه حسين فى كتابه "الشعر الجاهلي": أن النبي قبل قصة مجئ إبراهيم وابنه إسماعيل إلى مكة وتعلمه العربية الاستعداد المكيين أنفسهم – في زعمه لقبولها رغبة منهم فى الوحدة والتكتل ليكونوا قوة ثالثة فى مواجهة قوتي الفرس والروم وأن كان هو – أي طه حسين – يشك فى انتقالهما إلى مكة على الرغم من الإشارة إلى ذلك صراحة في كل من التوراة والقرآن .

ويقول الشيخ محمد الغزالي " ومن المضحك أن يجئ الدكتور طه حسين فيتبني هذا الضلال ويخرجه فى كتابه ألفه عن الشعر الجاهلي بعد أن يخيل للناس أن هذا الكفر هو نتاج عقله الخاص وليس نقلا عن مستشرق موتور" هو مرجليوث الذي أنكر قصة مجئ إبراهيم وابنه إسماعيل إلى مكة "... وعنده أن اليهود الذين استوطنوا بلاد العرب اخترعوها .

وهي يري " مثل مرجليوت" فى اختراعهم لها نوعا من الحيلة فى إثبات الصلة بين اليهود والعرب وبين الإسلام واليهودية وبين القرآن والتوراة .

ونحن إذا رجعنا إلى التوراة نجدها نتحدث عن إبراهيم وإسماعيل وبني إسماعيل فى الإصحاح الخامس والعشرين من سفر التكوين وفي الإصحاح الأول من أخبار الأيام الأول. وهذان الموضعان من التوراة ولا سيما أولهما من أقدم أسفارها لأنه معاصر لموشي عليه السلام .

فهل يتفضل الأستاذ طه حسين علينا علي العلم فيخبرنا كيف تسني لهؤلاء الدساسين من اليهود الذين استوطنوا بلاد العرب أن يدسوا هذه الأسطورة قبيل الإسلام و بعيد الإسلام فى أسفار منسوية إلى عصر أقدم من الإسلام بأزمان كثيرة وكثيرة جدا !؟ كيف دسوا هذه الدسيسة في التوراة وهم في يثرب أو فيخيبر أو في غيرهما من بلاد العرب ولم يشعر بهم سائر بعهود الدنيا ؟ أم تراهم فعلوا ذلك بتواطؤ اتفق جميع اليهود عليه احتيالا علي إثبات الصلة بين اليهود والعرب ؟".

ولقد اختلف المثقفون في تقويم آراء طه حسين التي ذكرها في بعض كتبه الأخري مثل "حديث الأربعاء " و مستقبل الثقافة في مصر " ففي الكتاب الأول أسهب فى الحديث عن الشعراء المجان وخرج من دراسته بفكرة مسمومة في رأي البعض هي أن القرن الثاني الهجري كان قرن شك ومجون وذهب فى الكتاب الثاني - طبقا لما يراه البعض إلى أن العرب قوم مستعمرون كالفرس والرومان وأن مصر يجب أن تنتمي ثقافيا إلى الغرب لا إلى الشرق ويفسر الدكتور الزيات وزير خارجية مصر الأسبق هذا الغرب الثقافي الذي يعنيه طه حسين بأنه حوض البحر المتوسط بما فيه الشرق القريب الذي يشتمل على بلاد الشام وفلسطين والعراق ومصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب وأن الشرق الذي يعنيه فى مستقبل الثقافة هو الشرق الأقصي الذي يضم اليابان والصين والهند واندونيسيا وغيرها مما يخرج عن نطاق الوطن العربي كما يقول الدكتور الزيات : أن طه حسين تحدث في هذا الكتاب عن واجب مصر الثقافي فى البلاد العربية قبل اكتشاف البترول وهذا يدل على استبعاد مظنة دعوته إلى المصرية دون العربية .

على أنه مهما حدث من اختلاف في وجهات النظر بالنسبة لتقويم آراء طه حسين في بعض مؤلفاته , فإن أي مسلم واع لا يسعه ألا أن يستنكر ما ذهب إليه طه حسين فى كتابه " الشعر الجاهلي " لأنه كفر صريح نقله من بعض المستشرقين المغرضين .

ويقول البعض : أن طه حسين رجع عن هذا الكفر وعاد إلى حظيرة الإسلام والله تعالي أعلم بصحة هذا القول وإن كنا نرجو – مخلصين – أن يكون ذلك صحيحا .

ومن الجدير بالذكر أنه يفهم من مقال للدكتور محمد الدسوقي الذي عمل مع طه حسين فى العقد الأخير من عمره أنه لم يعد قراءة أي كتاب من كتبه وأنه لم يعدل أو يحذف أو يزد شيئا منها ند إعادة طبعها وأن الكتاب الوحيد الذي تمني طه حسين أن يعدل بضعا منه هو كتاب مستقبل الثقافة فى مصر ".

أما غير المسلمين من العرب الذين نجد في أفكارهم صدي ظاهرا الآراء المستشرقين المغرضين مع المستعمرين فمنهم .

لويس عوض : يتزعم الدعوة إلي الفرعونية في مصر وهو لا يمل من القول بأن العرب مدينون للغرب فى كل شئ والحسن من تراثهم مرده إلى الثقافة اليونانية . هذا المعني هو المحور الذي تدور حوله كثير من مؤلفاته ومقالاته ومحاضراته .

وعلي الرغم من كثرة اطلاع لويس عوض وطوله باعه فإن بعض المفكرين المسلمين ردوا عليه ردا علميا مقتنعا , ومن الكتب التي تيسر لي كثيرا من أباطيل لويس عوش بالتحليل ورد عليها ردا محكما .

ومن ألأباطيل التي ذهب إليها لويس عوض أن أب العلا المعري ما هو إلا ثمرة للحروب الصليبية التي ولد بمولدها وعاش فى غمارها لأنه كان يتردد وهي صبي فى الحادية عشرة إلى دير بقرب مدينة حلب الواقعة تحت الاحتلال الصليبي وقتذاك, فبيدرس على يد راهب هناك كتب الفلسفة اليونانية وآدابها وقد خير أبو العلاء وجيله من المثقفين بين الحرية الفكرية في مدن ضعيفة مفككة فى ظل الحماية الأجنبية الصليبية وبني الوحدة السياسية القوية على أيدي الفاطميين ومعها القضاء على حرية الفكر فاختار هؤلاء الثقافة على حساب القوة والاستقلال السياسي وأراد لويس عوض أن يطرح حجة دامغة على صدق نظريته فصدر بحثه ببيت من الشعر يقول :

صليت جمرة الهجير نهارا
ثم باتت تغص بالصلبان

وكتب تحته :" المعري فى وصف حلب ".

وقد صنف صاحب كتاب " الغزو الفكري " ردا على هذه الفرية فأوضح بطلانها بكثير من الأدلة إلى ألأخصها – مع شئ من التصرف الإضافة فيما يلي :

1- أن الأديرة فى الفترة التي عاش فيها المعري كانت تعتبر الفلسفة اليونانية والآداب اليونانية فكرا وثنيا تحرم قراءاته فضلا عن تدريسه إذا كانت الكنيسة – قبل الحروب الصليبية بفترة طويلة – حرم الاطلاع على هذه الفلسفة الوثنية وتأمر بحرق كتب التراث اليوناني والروماني وتحكم بالحرمان من رحمة الكنيسة على كل من يحتفظ بشئ منها والمعروف أن المسيحي يعتقد أنه مهما عمل من خير فلن يقبل منه إلا بوساطة الكنيسة .
2- من الثابت أن الأوربيين هم الذين تعلموا من المسلمين فى أثناء الحروب الصليبية وليس العكس وذلك لسبب بسيط هو أن أوربا وقتذاك لم يكن لديها شئ تقدمه وهذه حقيقة تاريخية ثابتة لا ينكرها إلا جاهل أو حاقد يقول جوستاف لويون :" كان الشرق يتمتع بحضارة زاهرة بفضل العرب ( المسلمين ) وأما الغرب فكان غارقا فى بحر من الهمجية ولم يكن عند أولئك البرابرة ما يفيد الشرق ولم ينتفع الشرق منهم بشئ في الحقيقة ولم يكن للحروب الصليبية عن أهل الشرق من النتائج سوي بذرها في قلوبهم الازدراء للغربيين على مر الأجيال ".


3- ان أوربا الحديثة لم تعرف التراث اليوناني والروماني من مصادره الأصلية بسبب موقف الكنيسة المتعنت من هذا التراث فى أوربا العصور الوسطي ومن الثابت أن الأوربيين لم يعرفوا هذا التراث إلا عن طريق الترجمات العربية ومعني هذا أن المعري وغيره من المسلمين وقتذاك لم يكونوا فى حاجة إلى راهب مسيحي منشق على كنيسته ليطلعهم على الفلسفة اليونانية والآداب اليونانية .
4- صحة البيت المذكور هي :
صليت جمرة الهجير نهارا
ثم باتت تغص بالصليان

بالياء ذات النقطتين التحتيتين وهو اسم نبات شهي للإبل . وهذا البيت للمعري حقا إلا أنه لم يكن فى وصف مدينة حلب وإنما قاله العري يصف ناقته التي شقيت بالنهار وهي راحله إلى أن جاءها الليل بأطايب الطعام وهي نبات " الصليان " ولما نبه لويس عوض إلى هذا الخطأ بعد نشره هذا البيت اعتذر بأن الكلمة كتبت خطأ " الصلبان" والسؤال الذي يطرح نفسه هو : هل حقيقة أن لويس عوض لا يعرف أن البيت المذكور وصف لناقة المعري؟ أم أنه تعمد أن ينسب إلى المعري مدحه لمدينة حلب تحت احكم الصليبي فهو يصف صباحها الإسلامي بجمرة الهجير .. ثم جاء الليل واحتلها الصليبيون فباتتا تغص بالصلب أن ( جمع صليب ) في رايات الجند وخوذاتهم !؟؟

فيليب حتي : لبناني مسيحي اكتسب الجنسية الأمريكية وعمل أستاذا بقسم الدراسات الشرقية بجامعة " برنستون " بأمريكا رئيسا لهذا القسم وهو الآن بالمعاش وتتضح أراؤه بالعداء الشديد للإسلام والمسلمين فهو مثلا يعلل نجاح حركة الفتوح الإسلامية بقوله :" إن الفتح كان حركة قومية, وأن الفوز فيه كان للقومية العربية لا للدين الإسلامي " وهو يقصد أن القبائل العربية المتنصرة التي كانت تقيم فى كل من العراق وبلاد الشام هي التي أعانت المسلمين الفاتحين وذلك لعوامل قومية .

على أنه من الثابت أن هذه القبائل وقفت مع الفرس بالعراق جنبا إلي جنب ضد المسلمين خلال كثير من المعارك الهامة مثل : الولجة و وأليس , والحيرة , والإنبار , الميصخ, والفرائض بل أن ما لقيه المسلمون من هرب العراق كان أشد وأقسي مما تعرضوا له من قبل الفرس في أغلب المعارك المذكورة .

وفي بعض الأحيان كان لقاء المسلمين مع العدو يقتصر على هؤلاء العرب دون الفرس , مثلما حدث فى معركة " عين التمر" ولم يكن موقف القبائل العربية المتنصرة ببلاد الشام من الجيوش الإسلامية الفاتحة بأهون من موقف قبائل العراق , إذ أفصح عرب الشام عن عدائهم للمسلمين منذ وقت العام الهجري الثامن شرحبيل الغساني رسول النبي إلى أمير بصري وفي العام الهجري الثامن آزر عرب الشام الروم فى أنزال الهزيمة القاسية بالمسلمين فى " مؤتة " كما كان هؤلاء يسيرون أمام جيوش الروم يدلونهم على الطريق فى أثناء تصديها للجيوش الإسلامية الفاتحة .

ومن الثابت أن كثيرا من عرب الشام المتنصرة انضموا إلى الروم ضد المسلمين في معركة " قنسرين" وهي من معارك الفتح المتأخرة وأنهم لم يهادنوا المسلمين إلا بعد أن أنحسم مصير هذه البلاد وأصبح من المؤكد صيرورتها للمسلمين ".

كما أن فيليب حتي يتحدث عن اليقظة الأدبية الحديثة فى العالم العربي بقوله :" لم تبدأ أمارات الحياة الأدبية الجديدة بالظهور إلا في القسم الأخير من القرن التاسع عشر وكانت الكثرة من قادة هذه الحركة الجديدة نصارى من لبنان تعلموا أو استوحوا من جهود المبشرين الأمريكيين" وقد صحح هذا الزعم صاحبا كتاب " التبشير والاستعمار فى العالم العربي "

ومما قاله:" حبذا أن يعذرنا أستاذنا الدكتور فيليب حتي إذا قلنا : أن النهضة بدأت في النصف الأول لا الأخير من القرن التاسع عشر .

ثم أن حصر شرف الحركة الجديدة بنصارى لبنان فيه ظلم للتاريخ وللأدب معا .. ولقد رد على الدكتور " حتي " ناقد في " مجلة الثقافة " فجرحه .

وكان الأخلق بالدكتور" حتي" لو ظل بعيدا عن هذا المجري الضحل الذي يخوض فيه بعض نمن لا شأن لهم بعد في عالم الأدب والتاريخ . أنه أكثر علما من أن يضع النصف الثاني مكان النصف الأول من القرن التاسع عشر حتي يهيئ مكانا قلقا لأشخاص جاءوا فى الحقيقة فى أعقاب اليقظة الأدبية لا على رأسها "

أنيس فريحة : أحد أساتذة التاريخ واللغات السامية فى الجامعة الأمريكية ببيروت . وهو ينادي الحروف العربية بأخري لاتينية تسهيلا لقراءتها وتخفيضا لنفقات الطباعة . كما يندد باللغة العربية الفصحي بقوله :" .

ولكن لا يصح اعتماد اللغة كما انحدرت إلينا مدونة... ذلك لأن الذين استنبطوا قواعدها وضبطوا أحكامها اعتمدوا الشعر الجاهلي أولا ثم القرآن الكريم مادة لغوية .

ومتي كانت لغة الشعر ولغة الأدب والدين مرآة تعكس له الناس فى معاشهم ومكاسبهم ويقول أيضا :" اللغة ظاهرة إنسانية لا علاقة لها بافلهية ولم تهبط من عل بل نشأت من أسفل " ومن أقواله فى هذا الصدد :ط ولكن للناس أن يسألوا : ماذا سيحل بالقرآن الكريم ؟ وماذا سيحل بالأدب القديم ؟ وجوابنا هو أن القرآن الكريم سيخلد وسيبقي على ما هو عليه كما بقيت كتب دينية عديدة رغم انحراف لغة الناس عن لغة هذه الكتب ".

ومن الواضح أن دعوة أنيس فريحة إلى أن يهجر العرب لغتهم الأدبية الفصحي والمكتوبة بالحروف العربية إلى لهجة من لهجاتهم العامية مكتوبة بالحرف اللاتيني ليس تيسيرا للعربية كما يزعم ولكن لقطع العرب صلتهم بالقرآن الكريم إلا أن يبقي ليقرأ فى المساجد كما تقرأ اللاتينية في الكنائس الكاثوليكية والسريانية فى الكنائس المارونية .. ولا شك أن هذه الحملة لي العربية الفصحي إنما هي فى حقيقتها حملة علي اللغة التي تجمع بين العرب والمسلمين وأمنية في أن يقرءوه من غير أن يفهموا منه شيئا غير أن اللغات التي كانت فى عصر نزول القرآن أو بعد عصره أيضا قد بادت وانقرض المتكلمون بعدد كبير منها فى الوقت الذي يزداد حظ الحفاظ على القرآن متانة على مر الأيام وصد ق الله تعالي إذ يقول :" إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون".

ومن الجدير بالذكر أن زعيم الحركة الرامية إلى الكتابة في العامية وبالحرف اللاتيني الإستعماريون الفرنسيون , وعلي رأسهم المستشرق الفرنسي المشهور" لويس ماسينيون" الذي كان موظفا في قسم الشئون الشرقية في وزارة الخارجية الفرنسية .

ولقد حاول هذا المستشرق أن يبث دعوته هذه فى المغرب ومصر وسوريا ولبنان خاصة , ثم سعي لتحقيق هذه الغاية مبشرون واستعماريون من أمم أخري .

وقد لجأ المسئولون عن التبشير والاستعمار إلي وسائل عدة لتحقيق أهدافهم واستعانوا في ذلك بالعديد من المستشرقين وتلامذتهم .

ومن أهم تلك الوسائل التي لعب هؤلاء دورا بارزا من خلالا : المؤسسات التعليمية فى البلاد الإسلامية والمؤتمرات التي عقدت بها وقد حرص هؤلاء عي توجيه التعليم في مراحله المختلفة بالبلاد الإسلامية والشرقية فبالنسبة للتعليم في مرحلته الجامعية – على سبيل المثال – أنشأوا المؤسسات الآتية :

1- جامعة القديس يوسف في لبنان وهي جامعة بابوية كاثوليكية تعرف الآن بالجامعة اليسوعية .
2- الجامعة الأمريكية ببيروت : وهي التي كانت تسمي من قبل بالكلية السورية الانجلية ثمكلية بيروت . وقد أنشئت في عام 1865م وهي جامعة بروتستانتية .


3- الجامعة الأمريكية بالقاهرة : سميت فى البداية بالكلية الأمريكية ثم أصبحت الجامعة الأمريكية وكان القصد من إنشائها أن تكون قريبة من المركز الإسلامي الكبير, وهو الجامع الأزهر وهي التي تهييء المدسين المبشرين للمدارس الأمريكية المنشورة في الشرق الأدني كله .
4- الجامعة الأمريكية باستونبول : وهي كلية روبرت فى استانبول التي أصبحت تسشمي بالجامعة الأمريكية هناك وقد أنشأ هذه الكلية مبشر ولا تزال إلى اليوم لا يتولي رئاستها إلا مبشر .


5- الكلية الفرنسية في لاهور : أسست في " لاهور " باعتبار أن هذا البلد يكاد يكون مثالا للبلد الإسلامي في تكوينه في شبه القاهرة الهندية .
6- كلية غوردون في الخرطوم : أسسها الانجليز في سنة 1903 م وسموها على اسم ضابط انجليزي هو " تشارلس غوردون " الذي قتل بالسودان في أثناء الثورة المهدية في سنة 1885م.

ولكي نبرهن عل أن المؤسسات المذكورة أنها تعني بالتبشير وتحقيق الأهداف الاستعمارية بالدرجة الأولي نضرب مثلا ببعض مواقف للجامعة الأمريكية في كل من بيروت والقاهرة فقد اتفق أن احتج الطلبة المسلمون في بيروت على إجبارهم على الدخول إلى الكنيسة فاجتمع المسئولون بالجامعة وأصدروا منشورا طويلا جاء في ماديه الرابعة :" أن هذه كلية مسيحية أسست بأموال شعب مسيحي: هم من اشتروا الأرض وهم أقاموا الأبنية , وهم أنشأوا المستشفي وجهزوه , ولا يمكن للمؤسسة ن تستر إذا لم يسندها هؤلاء وكل هذا قد فعله هؤلاء ليوجدوا تعليما يكون الإنجلي مواده, فتعرض منافع الدين المسيحي على كل تلميذ ..وهكذا نجد أنفسنا ملزمين بأن نعرض الحقيقة المسيحية على كل تلميذ . وأ كل طالب يدخل إلى مؤسستنا يجب أن يعرف مسبقا ماذا يطلب منه ".

وكان هذا التهديد المجاني للذوق والروح العلمية كافيا لأن يعلن الطلاب المسلمون الإضراب إلا أن عمادة الكلية تصلبت فى ظاهر أمرها فترك ثمانية طلاب العلم هذه المؤسسة المتعصبة لم تتوان الكلية عي أن تعلن بلسان مجلس الأمناء : أن الكلية لم تؤسس للتعليم العلماني ولا لبث الأخلاق الحميدة, ولكن من أولي غاياتها ان تعلم الحقائق الكبري التي في التوارة وان تكون مركزا للنور المسيحي والتأثير المسيحي وأن نخرج بذلك على الناس وتوصيهم به .

ومن الثابت أن الجامعة الأمريكية احتضنت حركتين تتصلان بالاستعمار اتصالا وثيقا : أولاهما الدعوة إلى اللغة العامية مكتوبة بالحروف اللاتينية على النحو ذي نادي به أحد أساتذتها وهو الدكتور أنيس فريحة وثانيهما الدعوة لحلف بغداد ( أو لسياسة المعسكر الغربي ) بين الدول الإسلامية في المنطقة التي تعرف بالشرق الأدني فقد نشر " جورج كيرك" أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية في لجامعة مقالا في مجلة الكلية يسفه موقف الدول العربية التي لم توافق علي الاشتراك في هذا الحلف , وينحو باللائمة على مصر لأنها اشترت صفقة من الأسلحة التشيكية وقتذاك.

وبطبيعة الحال لو لم تكن الجامعة راضية عن موقف هذا الأستاذ المنسوب إلى هيئة التدريس بها لما قدم على فعل ذلك , وإلا فلماذا لم يتحرك ضمير احد من أساتذة الجامعة الأمريكية ببيروت أو غيرها لشجب أعمال النقطة الرابعة أو أعمال لجنة الإغاثة أو أن يدلل على جريمة الغرب في إقامة إسرائيل ومدها بأسباب الحياة ؟ أن الشئ المسلم به هو أن كل مؤسسة كالجامعة الأمريكية وغيرها مسئولة عن آراء أساتذتها المنشورة في الأمور العامة .

كما أحد سفراء الولايات المتحدة الأمريكية في مصر وأسسه " جون بادو" استطاع أن يسرب أخبارا هامة إلى الخارج عن طريق الحقيبة الدبلوماسية وذلك علي النحو الذي ثبت من التحقيق في إحدي قضايا الجاسوسية ومن الجديد بالذكر أن هذا السفير كان أستاذا بالجامعة الأمريكية ثم مديرا لها قبل أن يشغل منصب السفير لبلاده وكان له عدد كبير من أصدقائه من خريجي الجامعة الأمريكية ومن هؤلاء من تبوءا مراكز أدبية حساسة وكانت لهذا السفير اجتماعات حول موائد الشاي تارة وفي أعياد الاستقلال الأمريكي تارة أخري. كما كانوا يجتمعون فى عيد الشكر ويتسامرون ثم يعتقدون اجتماعات خاصة .. ثم تكون المعلومات وتعد الحقيبة الدبلوماسية لتطير إلى الولايات المتحدة .

لما قويت أوربا وبدأت تنفتح على الشرق لعب الاستشراق دورا هاما في هذا الانفتاح . ففي الفترة ما بين 1873 حتي 1964 م تم عقد 26 مؤتمرا دوليا ضم الواحد منها مئات المستشرقين وتلامذتهم من العرب بالإضافة إلي بعض الشرقيين وكان المؤتمرون يتخذون العديد من القرارات والتوصيات كما دأب هؤلاء على نشر المقالات في الصحف والمجلات الأسبوعية أو الشهرية او السنوية وتأليف الكتب التي تطح سما وحقدا علي الإسلام وتوهين الروابط وتفتيت وحدة الشعوب الإسلامية .

ومن أشهر تلك المؤتمرات ما يلي :

1- مؤتمر القاهرة سنة 1324هـ" 1906م" المنعقد أحمد عرابي بباب اللوق بعد موته , وهو زعيم الثورة العرابية في مصر الذينفاه الاستعمار وقد عقد المؤتمر تحت سمع الحكومة وبصرها في عهد الاحتلال الانجيزي .
2- مؤتمر " أدنيرج" سنة 1328هـ ( 1910م) في انجلترا .
3- مؤتمر : لكنو" سنة 1329 هـ _ 1911م) بالهند.
4- مؤتمر " القدس" سنة 1342هـ ( 1924م.
5- مؤتمر " القدس" سنة 1354هـ ( 1935م).
6- مؤتمر " بلتيمور" بالولايات المتحدة سنة 1942م.
7- مؤتمر " بلتيمور" بالولايات المتحدة سنة 1961م.

كما عقد مؤتمر عالمي للكنائس في " جاكرتا" بأندونيسيا سنة 1975م حل خلاله 3 ألاف مبشر ضيوفا علي بيروت المواطنين المسلمين هناك.

ومن الجدير بالذكر أن التبشير تحول مؤخرا إلى وسيلة للاستعمار فالمبشرون صاروا طلائع لمطامع الاستعمارية , والدول التي تمول الأعمال التبشيرية الدولارات لا يهمها الذين يتحولون إلى النصرانية إذا كان هواهم السياسي لا يوافق هواها الاستعماري والدليل علي ذلك أن الاستعمار قتل " باتريس لومبومبا" زعيم الكونغو في عام 1961 مع أن لومومبا كان وثنيا وتحول إلى النصرانية بفعل التبشير إلا أنه أراد أن يكون في الكونغو استقلال صحيح .

كما أن الولايات المتحدة التي ترسل الإرساليات إلى جهات كثيرة من العالم للعمل على نشر النصرانية وقفت في عام 1963 م مع البوذيين في فيتنام ضد الحكومة المسيحية في ذلك البلد وأن ذل ذلك علي شئ فإنما يدل على أن الذين يبشرون بالنصرانية بين غير النصاري قليلو الاحتفال بالدين كله إلا أنهم يستغلون التبشير والعاملين في ميدانه من المستشرقين في تفكيك أواصر الفربي الروحية في الأمة الإسلامية خاصة , حتي يستطيع الغرب أن يحكم الشعوب الإسلامية ويستغل بلادها اقتصاديا وحربيا وقد لعب المستشرقون دورا حاسا في تحقيق هذه الغاية وسلكوا احد سبيلين:

أما الانتساب لمؤسسات ديبنية يعملون لها منسجمين مع مخططات التبشير أو العمل مع مؤسسات سياسية ليحققوا لها أغرضا استعمارية ونشاطات سياسية لتدعيم نفوذ إدي الدول ولكن هؤلاء المستشرقون رواد الدول الغربية إلى الشرق فتعرفوا على أحواله ومشكلاته وقد مكنوا بذلك لدولهم التغلغل في أقطاره والسيطرة عليها .

وتبدو الدوافع الاستعمارية للتبشير والاستشراق بكل وضوح في قرارات مؤتمر الكنائس العالمي الذي عقد بمدينة " سالونيك باليونان في عام 1959م" فمن قراراته أن السياسة هي المجال الذي يحتم على الكنيسة في دول أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية أن تعمل فيه فعليها أن تراقب خطط التنمية في هذه الدول وتوضح لمواطنيها ما يتفق فيها مع إرادة الله وما هي من عمل الشيطان . والله – في نظر هذا المجلس – مكانه فى الحقل وفي القرية .

بحيث أن الانتقال من العمل الزراعي إلي الصناعي يترتب عليه أفدح الأضرار بالإيمان الديني وبالعائلة, لأن ابليس يكمن في عملية التصنيع بالذات إذ أن الإنتاج الذي يحققه المصنع بملأ النفس غرورا فيعتبر العامل نفسه إنه الخالق يستغني عن الهه .

كما أن التقديم لن يتم إلا بالتضحية بالتراث والتقاليد الموروثة وأن الشعوب حين يطلب إليها أن تختار بين التقدم الاقتصادي والمحافظة على القديم يجب إلا تتردد في اختيار قديمها بسبب ما يصاحب هذا التقديم من شرور وآثام .

ومن الجدير بالذكر أن الكنائس في البلاد الغربية لا تتبني مثل هذه الآراء المذكورة ولا تنادي بها بين رعاياها المسيحيين مثلما تفعل بين أهالي الدول النامية التي يتطلع الاستعماريون إلى استمرار بسط سيطرتهم .

بواعث الاستشراق

الباعث الديني التبشيري

كان الباعث الأول للإستشراق دينيا كما سبق أو أوضحت إذ أدي التفوق العسكري والحضاري للمسلمين إلى تحول أعداد كبيرة من المسيحيين إلى الإسلام كما أن كثيرا ممن بقول على نصرانيتهم أعجبوا في قرارة أنفسهم بالإسلام والمسلمين مما حمل الرهبان علي قيادة حركة لدراسة اللغة العربية وترجمة التراث الإسلامي بقصد تشويهه وحجب محاسنه عن الجماهير المسيحية الخاضعة لنفوذهم ومن أجل ذلك انتشئ أول مركز لدراسة اللغة العربية في الفاتيكان كما أمر الفاتيكان بإدخال اللغة العربية اللغات الشرقية الأخري في مدارس الأديرة والكاتدرئيات وعمل أيضا على إنشاء كراسي لهذه اللغات في جامعات فرنسا واسبانيا وايطاليا وغيرها .

كما أن المسيحيين الذين أرادوا التنقيب عن أصول المسيحية في العهد القديم ( التوراة) اتخذوا من العربية قنطرة إلى العبرية ولذا لا نكاد نجد مستشرقا إلا وقد أجاد العبرية بجنب معرفته اللغة العربية ومنذ أوائل القرن الرابع عشر الميلادي قامت كراسي للغات العربية والعبرية والكلدنية في جامعات باريس وأكسفورد وبولونيا والفاتيكان .

كان الباعث الديني للإستشراق في بداية الأمر – كما ذكرت – عرقلة تيار التحول من المسيحية إلى الإسلام ثم تطور هذا الباعث فيما بعد إلى محاولة تشكيك المسلمين أنفسهم في عقيدتهم بزعزعة المثل العليا للإسلام في نفوس أبنائه من ناحية وإثبات تفوق الحضارة الغربية وعظمتها من ناحية أخري وقد حرص أغلب المستشرقين في الدراسات التي قاموا بها علي تحقيق هذا الهدف التبشيري إذ صور هؤلاء الإسلام في صورة الدين الجامد الذي لا يصلح للتطور .

ومن كيدهم في هذا الصدد أنهم يحكمون على الإسلام دائما من وقاع المسلمين الحالي فهم لا يصورون الإسلام من منابعه ومصادره بل يصورنه من واقع المسلمين السوء وهم يعمدون إلى اختيار البيئات الإسلامية التي نالها أكبر قسط من الضعف والهزال يجعلونها نموذجا للإسلام وقد نس هؤلاء الحاقدون أن المسئول عن هذا الواقع السيئ للمسلمين هو عدم تمسكهم بأهداف الإسلام من جهة واستئناف الاستعمار لخيراتهم وتخريبه لقيمهم وثقافتهم الأصيلة من جهة أخري .

وغاية الدراسات الاستشراقية هي خلق تخاذل روحي وشعور بالنقص في نفوس المسلمين وغيرهم من الشرقيين وحملهم من هذا الطريق عي الرضا والخنوع للمدينة المادية الغربية الحديثة , وقد نسي هؤلاء الذين فخرون بالمدينة الغربية الحديثة أنها لا تمت بصلة إلى المسيحية لأنها تقوم على أسس مادية صرفة إذ جنح الكثيرون من أهلها إلى الإلحاد الممثل في الشيوعية والوجودية وغيرهما بينما ينادي على أن المسيحية لا دور لها في هذه لمدنية الغربية الحديثة .

ويجب أن يكون واضحا أن الغرب حين كانت تقوده الكنيسة في العصور الوسطي عاش في جهل وتأخر انحطاط سبب انحراف رجالها عن روح المسيحية وأصولها الصحيحة كما أن المجتمعات الغربية ينتابها حاليا – في ظل هذه المدنية المادية – القلق والميل إلى الانتحار والعنف على الرغم ما يتوافر لها من سبل الرفاهية ورفاهة العيش .

أما الحضارة الإسلامية فالإسلام هو صاحب الفضل الأول في قيامها وازدهارها وقد أدي التقاعس عن تطبيق تعاليمه والبعد عن روحه إلى اضمحلالها .. وما أحوج العالم في الوقت الحاضر إلى بعث الحضارة الإسلامية والعيش في كنف الإسلام لأنه الدين الوحيد الذي يقيم توازنا رائعا بين المادة والروح مما يوفر الطمأنينة والراحة للعاملين به.

الباعث الاستعماري

كان الباعث الاساسي للإستشراق – كما سبق توضيحه – دينيا إلا أن المبشرين والمستشرقين لم يلبثوا أن انضووا تحت لواء حكوماتهم الإستعمارية فاعتمدت عليهم هذه الحكومات في بسط نفوذها على البلاج الإسلامية والشرقية .

وقد سهل المستعمرون لهؤلاء مهمتهم فزودوهم بالمال والسلطان وذلك على النحو الذي سبق أن أوضحته واتجه هؤلاء إلى دراسة هذه البلاد في كل شئونها من عقيدة وعادات وأخلاق وثروات ليتعرفوا على مواطن القوة فيها فيضعفوها وعلى مواطن الضعف فيغتنموها ولما تم الاستيلاء العسكري والسيطرة السياسية كان من دوافع تشجيع الاستشراق إضعاف المقاومة الروحية والمعنوية في نفوس المسلمين - على وجه الخصوص- وبث الوهن والارتباك في تفكيرهم وذلك عن طريق التشكيك في فائدة ما بأدبهم من تراث , وما عندهم من عقيدة وقيم إنسانية .

حتي يفقدوا الثقة في أنفسهم ويرتموا في أحضان الغرب ليستجدوا منه المقاييس الأخلاقية والمبادئ العقائدية وبذلك يتم للدول الاستعمارية ما يريدونه من خضوع المسلمين وغيرهم للمدينة الغربية خضوعا لا تقوم لهم من بعده قائمة .

ونلمس من الدراسات التي قام بها هؤلاء المستشرقون أن كثيرا منهم سخروا أقلامهم لخدمة الاستعمار وأنهم أرادوا فصل المسلمين عن جذورهم الثابتة الأصيلة من خلال تشويه تلك الأصول وعزلها عن مصادرها وهدم المقومات الأساسية للكيان الفردي والاجتماعي والنفسي والعقلي للمسلمين وليس ثمة شك في أن ذلك من شأنه أن يفتح أبواب البلاد الإسلامية علي مصا ريعها أمام الاستعمار الغربي وثقافته وفكره .

الباعث التجاري والشخصي

دخل بعض الغربيين ميدان الاستشراق من باب البحث عن الرزق عندما ضاقت بهم سبل العيش العادية فلجأ هؤلاء إلى إشباع رغبة قرائهم في الغرب بنقلهم صورا خرافية عن البلاد الشرقية , توافق ما تخيلوه من أطواره وأعاجيبه التي ترد في قصص مثل :" ألف ليلة وليلة" و" رباعيات الخيام " ورحلات للرواد في القرون الوسطي ,ولا يستهويهم عن الشرق غير ما تخيلوه فهواهم كله نحو الأحاديث الشرقية التي تعرض شرقا كالذي قرأوا عنه في أساطير الخيال وقد زعم واحد من هذا الصنف أنه تجول بين ربوع البادية العربية ونزل بضيافة شيخ فى الستين من عمره له في مضارب الخيام حوله ثلاثون زوجة له من البناء ما ليس يحصيه عد.. وزعم آخر أنه زار فى العواصم الإسلامية بيوتا لا تفتح نوافذها وأبوابها بالنهار ولا بالليل وبين جدرانها خليط من الزوجات والسراري.

ومن بين هذا الصنف أناس لجأوا إلى الإستشراق تخلصا من مسئولياتهم الدينية المباشرة في مجتمعاتهم المسيحية وتبرئة لذمتهم الدينية أما إخوانهم في الدين كما دخل بعض هؤلاء ميدان الاستشراق عندما قعدت بهم إمكاناتهم الفكرية عن الوصول إلى مستوي العلماء في العلوم الأخري ويمعني آخر لتغطية عجزهم الفكري .

الباعث العلمي

ثمة قليل من المستشرقين استهواهم الاستشراق بدافع الرغبة في الاطلاع على ثقافات الأمم والبحث عن الحقيق سواء في ميدان العلم أو ميدان العقيدة ومن الملاحظ أن هذا الصنف يتحرر من الأهواء ولا يعمد إلى الدس والتحريف و ولذا تكون أبحاثه والنتائج المستخلصة منها موضوعية وتتسم بالأمانة العلمية والباحثون عن العقيدة الدينية الصحيحة من هؤلاء هم أناس ساورتهم الشكوك في عقيدتهم التي ولدوا عليها وغلب علي وجدانهم أن الشرق هو مصدر الأديان وأنه مرجع الباحثين عن العقائد الروحية في الزمن الحديث كما كان الحال في الزمن القديم وكان لما قام به هؤلاء من أبحاث ومقارنات بين الأديان أثر ملموس في اهتداء كثير منهم إلى الإسلام وكذلك اهتداء بعض الغربيين الآخرين.

على أن هذا الصنف من المستشرقين لا يوجد إلا حين يكون له من الموارد المالية الخاصة ما يمكنهم من الانصراف غلى الاستشراق وإخلاص لأن أبحاثهم المجردة عن الهوي لا تلقي رواجا عند رجال الدين ولا عند رجال السياسة ولا عند الكثرة المتعصبة من القراء المسيحيين ومن ثم فهي لا تدر ربحا ولا مالا ولهذا ندر وجود الفئة في أوساط المستشرقين .

طوائف المستشرقين

يتضح لنا – مما سبق ذكره – أن المستشرقين ليسوا صنفا واحدا , وأنهم يختلفون في عقلياتهم ونفسيا تهم واتجاهاتهم : فقلة من هؤلاء راحوا يبحثون عن الحقيقة وهدفهم أبحاثهم الموضوعية إلى التعرف علي مبادئ الدين الإسلامي المثالية , والاعتراف بما للحضارة الإسلامية من فضل علي الإنسانية ومن هؤلاء من اعتنق الإسلام وأخلص له .

ومن المستشرقين من اتسمت أبحاثه بالخبث والحقد على الإسلام والمسلمين وكانت كتاباته كلها سهام مسمومة ومنهم من تأثر بسياسة أو الاستعمارية ومن المستشرقين قوم ضعاف النفوس باعوا أقلامهم لساسة بلادهم أو الصهيونية العالمية .

ويمكن تصنيف المستشرقين –في ضوء دوافعهم المذكورة – إلى الطائفتين التاليتين:

الطائفة الأولي : وهم المخلصون من الباحثين عن المعرفة وهؤلاء مهما تنوعت أجناسهم وأزمانهم فئة واحدة يقال عنهم جميعا أنهم طلاب الحقيقة سواء في ميدان العلم أو في ميدان العقيدة الدينية ويصف بعض الباحثين هذا الفريق بقوله :" فالغالب عليه ( هذا الفريق ) في كتابته عن الإسلام أن تصطبغ أقواله بحماسة بينة تشبه حماسة المؤمن بدينه وإن لم يبلغ به الأمر مبلغ التدين بالعقائد الإسلامية ... ومن هؤلاء الكاتب الأسباني " باسكو أبانيز" الذي قال في كتابه " تحت ظللا الكنيسة" ملا يزيد عليه المسلم شيئا من فضائل التاريخ ( الإسلاي ) ألأندلسي .
ويشبهه " جوزيف مكاب " في مقارناته بين التواريخ الأوربية والتورايخ الإسلامية التى كتبها باللغة الانجليزية فلا يكاد يقارن بين شيئين تشتمل عليهما هذه التواريخ إلا كان الرجحان بينهما للكفة الإسلامية مع الاطناب من ناحية بالمسلمين والتنديد بغيرهم من ناحية أخري ".
وقد أورد صاحب كتاب " المستشرقون " جـ3 ص 1162) أٍسماء كثير ممن اعتنقوا الإسلام من بين هذه الطائفة من المستشرقين كما أورد الدكتور عبد الحليم محمود في كتابه " الإسلام وأوروبا" نبذة عن بعض من أشهروا إسلامهم من الغربيين أو من أنصفوا الإسلام في مؤلفاتهم ومقالاتهم وقد جاء في كتاب " مفتريات على الإسلام " ما نصه : " علي أنه ينبغي ألا ننسي طائفة كريمة أخري من المستشرقين عرفت حقائق الإسلام وأسلم بعضها وكتب عن الدين الإسلامي ما لم يكتبه أبناؤه 'من أمثال : الأستاذ محمد أسد " ليوبولدفايس" والأستاذ عبد الرشيد الأنصاري " روبرت ولزلي" والأستاذ ناصر الدين " اسحق دينيه" والأستاذ عبد الكريم جرمانوس, والسيدة مريم جميلة " مارجييت ماركوس" والكتابة البريطانية " ايفلن كوبلد" والدكتورة " ٍستان راتينسي" الهولندية ومارشيلا مايكل انجلو الايطالية .. واللاتي أسلمن بعد بحث واقتناع واعترفن بأن الإسلام دين الحق والفطرة ومنهاج الحياة السوي القوي ".
وتلقي هذه الطائفة عنتا واضحا من المستشرقين الآخرين فهم يتهمونها بالانحراف عن النهج العلمي أو الانسياق وراء العاطفة أو الرغبة في مجاملة المسلمين والتقرب إليهم ومن الأمثلة على ذلك ما فعلوه مع المستشرق " توماس ارنولد" حين أنصف المسلمين في كتابه القيم " الدعوة إلى الإسلام" الذي برهن فيه على تسامح المسلمين في جميع العصور مع مخالفيهم في الدين على عكس محالفيهم معهم وعلى الرغم من أن هذا لكتاب يعتبر من أدق وأوثق المراجع في تاريخ التسامح الديني في الإسلام وأنه لم يذكر حادثة فيه إلا وأرجعها إلى مصدرها فإن المستشرقين المتعصبين - وبخاصة المبشرين منهم يزعمون ن مؤلفه كان مندفعا بعاطفة قوية من الحب نحو المسلمين .
الطائفة الثانية: وهي تشمل أولئك الذين ينعدم او يندر الإخلاص في مؤلفاتهم حيثما عرضوا تاريخ المسلمين أو كتبوا عن عقائدهم وعاداتهم وتقاليدهم ولكن هؤلاء في عدم الإخلاص أو ندرته وسوء النية أنواع :

(أ‌) فئة المتعصبين للغرب وطنيا أو جنسيا :

وهؤلاء يتعصبون للغرب دائما ودون أدن تحفظ على النحو الذي يتعصب به الريفي الساذج لكل شئ في قريته على كل شئ في قرية سواه وأكثر ما يظهر هذا التعصب يكون موجها ضد المسلمين العرب لأن المسلمين الهنود أو الفرس من السلالة الآرية التي ينتمي إليها الأوربيون وتزعم هذه الفئة أن العرب ليس لهم أدني فضل على الحضارة الإنسانية فعناصر كثيرة من آدابهم استوحوها ن آداب الفرس والحكمة نقلوها من الهند علم الكلام نقلوه عن الإغريق مما ترجمه النساطرة المسيحيين وسائر المترجمين ... أي أن العرب المسلمين اعتمدوا – في خدمة دينهم بل ولغتهم – على المجهدين من سلالة الآيين ( أي الفرس والهنود والأوربيون ).
وهذه الفئة من ذوي النيات السيئة من كتاب الغرب معظمهم من الأوروبيين الذين يدينون بالمذاهب الفاشستية أو النازية في السياسة الاجتماع .

(ب‌) فئة الماديين الملحدين:

وهؤلاء يدعون إلى هدم المجتمعات القائمة ويقولون : بأن الأديان كافة عقبة تعترض ما يسمونه بالإصلاح الاجتماعي الذي ينادي بإلغاء " الروحيات " ويستبدل بها " الماديات " في كل مطلب من مطالب الحياة , ولا حياة بعدها للإنسان .
ومن الطبيعي أن تصيب الإسلام عند هؤلاء الماديين الملحدين أوفر الأنصبة وأولاها بالأسبقية في خطة الهدم والتشويه لأن المسيحية وغيرها لا تزاحم مذهبهم الاجتماعي بمذهب شامل لمسائل التشريع والنظم الاجتماعية والحكومية ولكن الإسلام له نهجه في إقامة المجتمع ويقرر الحقوق والواجبات بقسطاسه , وينظم شئون الدين والدنيا في حياة الأفراد والجماعات ويتقبل الجديد – في إطار قواعده – دون أن يضطر المسلم إلى إنكار أية قاعدة من قواعد دينه فى العبادات والمعاملات .

(جـ) فئة المحتفين من سماسرة التبشير:

وهؤلاء يتخذون من تعمد تشويه الإسلام صناعة يستدرون بها الرزق ويتوسلون بها إلى الجاه و وسمعة الصلاح والتقوي بين ألمتعصبين الجهلاء في البلاد الأوربية والأمريكية ومعني هذا أنهم أصحاب مصلحة في تشويه الدين الإسلامي وإظهار المسلمين على الصورة التي تذكي عند القوم جذوة التعصب وتملي لهم في الجهالة والغفلة فلا يسرهم أن نظهر الحقيقة لهم ولمن يستأجرونهم ويرسلونهم للتبشير ولا يندر أن يكون البشر أحيانا ملحدا بالدين كله , ولكنه يعلم أن يقطع موارد رزقه إذا كشف عن الحاده أو قال عن الإسلام قوله حق وإنصاف تمحو عداوة الأعداء وتضعف غيرتهم وحماستهم للحملات التبشيرية في بلاد المسلمين فهو كاذب متعمد منتفع بالكذب لا يزجره عنه علمه بالحقيقة ولا هو يسعي إلى التعرف عليها .
على أن الإخلاص في الإيمان بدين من الأديان عصمة ولا ريب من التلفيق المتعمد والكذب المقصود فإذا كتب المبشر المؤمن بدينه عن الإسلام والمسلمين فإنما يكتب الحقيقة – من وجهة نظره كما يراها – وغالبا ما ينكشف للقارئ مصدر خطئه وبواعث انحرافه في الأحكام التي يصدرها لكن المبشرين المحترفين يختلفون عن هؤلاء فيما يلفقونه عن الأديان التي يعملون ضدها لأن هؤلاء المحترفين مهرة في فنون الدعاية مدربون علي تمويه الواقع وتلبيس الحق بالباطل .

(د) فئة الصهاينة :

وهذه أخطر المغرضين جميعا لما تملكه من وسائل الدعاية التي قد لا تتهيأ لغيرها من الفئات ويلجأ هؤلاء إلى الدعاية المقنعة غير المباشرة وهي أخطر ما يستطيعه الصهاينة والحملات التي يشنونها في أرجاء العالم بأساء غيرهم هي في الواقع سلاحهم الذي يعولون عليه لأن جمهور القراء يصفون إليها ولا يتهمون قائليها فى أثر الأحيان وقد عرف الصهاينة في عصرنا الحاضر مواطن القوة التي تسخرها الدعاية فاستولوا على الكثير من أدواتها وبرعوا في تسخيرها وإخفاء مراميها ... فهم يملكون شركات الإعلان فتحسب الصحف الكبيرة قبل الصغيرة حسابهم كما يملك الصهاينة دور النشر فيحسب المؤلفون حسابهم مثل الصحفيين ولا تقتصر وسائلهم على ذلك بل يملكون وسائل ترشيح الأعمال الفكرية لأكبر الجوائز العالمية مثل : جائزة" نوبل " بالسويد , وجائزة " بولتايزر" بالولايات المتحدة الأمريكية لا تخلوا من اليهود و أو من يسيطر عليهم اليهود بوسائل الإعلان والترويج وكذلك يملك الصهاينة أسهما وافرة من شركات السينما والتليفزيون وينتسب إليهم عدد كبير من الممثلين الممثلات ونقاد المسرح والسينما .

(هـ) فئة الاستعماريين:

يمثل المغرضون في خدمة الاستعمار قوة تضارعه الدعاية الصهيوينة الخفية إن لم تزد عليها في بعض الأحيان إذ هي قوة الدولة بما لديها من وسائل تسخرها السياسية والتبيشير معا .
لكنه مما يخفف من وطأة هذه الفئة ما يحدث – أحيانا _ من تنافس بين الدول الاستعمارية فضلا عن الآراء الحرة للمصلحين في كل دولة وجهود أحزاب المعارضة فيا أضف إلى ذلك ما تلجأ إليه هذه الدول في بعض الأحيان من محاولة كسب صداقة الأول التي تستعمرها لتتعاون معها بإخلاص في وقت الشدة .

أهم النواحي التي عني المستشرقون بدراستها

عني المستشرقون بدراسة التراث الإسلامي ": دينا ولغة وتاريخا وعلما وأدبا وفنا فقاموا بتحقيق الكثير من المخطوطات ونشرها وترجمتها إلى مختلف اللغات كما صنفوا الكثير من المؤلفات ووضعوا المعاجم والفهارس بلغات عديدة وفي بلدان كثيرة ولا يتسع المجال هنا لسرد كل هذه الأعمال علما بأن الأستاذ نجيب العقيقي ذكر في كتابة " المستشرقون " أسماء هؤلاء المستشرقين في كل البلدان ومؤلفاتهم وأبحاثهم في جميع المجالات منذ ألف عام حتي قيامه بتأليف هذا الكتاب كما ذكر المستشرق الألماني المعاصر " بارت" كثيرا من أعمال المستشرقين في كتابه " الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية " وكذلك عرض الدكتور اسحق موسي الحسيني لجانب من هذه الأعمال في كتابه " علماء الشرقيات في انجلترا "

ويمكن أن نوجز أهم النواحي التي عني المستشرقون بدراستها فيما يلي :

1-القرآن الكريم : أهم من كتبوا عنه من المستشرقين هم : فلوجيل " دليل القرآن " ومالير الذي جمع مفرداته وأفعاله حتي حروف الجر والعطف فيه رقم آياته وسوره و" مجموعة علوم القرآن" للمستشرقين برجشت أسر وبريتسل اللذان دونا كل آية في لوح خاص يحوي متنوع الرسم في مختلف ثمانية كتب من الأمهات وترجما بعضها إلى الألمانية ومن هؤلاء أيضا نولدكه الذي صنف " تاريخ النص القرآني " وجفري الذي كتب " قاءات القرآن" واوستا سهايدون أستاذ تاريخ الأديان في جامعة شيكاغو الذي صنف كتاب "الوجدانية في القرآن.
2-النبي صلى الله عليه وسلم : من أشهر الكتب التي كتبها المستشرقون عنه : حياة محمد " لجانيه , و" سيرة النبي العربي " لا يرفنج و" حياة محمد ودعوته " لاندراي و" الأبطال توماس كارليل (فيه فصل عن النبي صلى الله عليه وسلم نقله إلى العربية الأستاذ علي أدهم ) والسيرة لابن هشام بتحقيق دي غوية ودي يونج و" شروح السيرة لبرونلة" حياة محمد "لدرمنجم , و" محمد في مكة " لمونتجمري واط, وله أيضا " محمد في لمدينة" ,و" حياة محمد وتعاليمه " لشبرنجر"و" محمد رسول الله " لاسحق دينية " ترجمه إلى العربيه الدكتور عبد الحليم محمود " و" تنظيم محمد للجماعة في المدينة " ليوليوس فلهوزن , ومحمد لجريمه.
3-السنة النبوية: وضع المستشرق فنسنك بالانجليزية مؤلفه المشهور " مفتاح كنوز السنة " نقله إلى العربية الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي ) وذلك للكشف عن الأحاديث النبوية الشريفة المدونة في كتب أربعة عشر أماما في السنة وهم : البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه ومالك وأحمد بن حنبل والدازي وزيد بن علي وأبودواد الطيالس , وابن سعد وابن هشام والواقدي وقد كتب السيد رشيد رضا في مقدمة ترجمته : " لو وجد بين يديمثل هذا المفتاح لسائر كتب الحديث لوفر على أكثر من نصف عمري الذي أنفقته في المراجع "
كما أعقبه فريق من المستشرقين بوضع " المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي " جمعوا فيه كافة الأحاديث النبوية التي وردت بمختلف كتب السنة المعتمدة ورتبوها حسب الحروف البجدية ومما يسهل الرجوع إلى أي حديث بمصادره متي عرف أحد ألفاظه .
4-الخلفاء الراشدون : كتب توماس ارنولد " الخلافة في الإسلام نقله إلى العربية الأستاذ جميل معلي) ووليم موير "حوليات الخلافة الإسلامية وفايل "تاريخ الخلفاء وفون كريمر "تاريخ الحضارة في الشرق تحت حكم الخلفاء " ( نقله إلى العربية الأستاذ مصطفي بدر ) ونريتون " الخلفاء ورعاياهم من غير المسلمين ( نقله إلى العربية الدكتور حسن حبشي بعنوان : أهل الذمة في الإسلام").
5-الفرق الإسلامية ممن كتبوا عنها : فون كريمر " تاريخ الفرق في الإسلام وهوتسما " العقيدة الإسلامية والأشعري " وبرنارد لويس " أصول الإسماعيلية" وإيفانوف " ألإسماعيلية في الهند " وشتروثمان" الزندقة والإسماعيلية والنصرية والباضية والشيعة وهابولد " المذاهب الباطنية" كما قام شيرنجر بإعداد " فهرست كتب الشيعة للطبع وهو من تأليف الطوسي .


6-تعاليم الإسلام : ممن كتبوا عنها : توماس أرنولد " تعاليم الإسلام " نقل إلى العربية والتركية والأردية " وغولد سيهر " العقيدة والشريعة في الإسلام " ( نقله عن الفرنسية إلى العربية لدكتور محمد يوسف موسوي وآخرون ) وماسة " الإسلام " نقله إلى العربية الدكتور مصطفي الرافعي) وهاملتون جيب " الإسلام " ودبرتشرد" الأدلة الجلية في موافقه الشريعة الإسلامية لقواعد الإنسانية ديلاسي أوليري " الفكر العربي ومكانه في التاريخ " ( نقله إلى العربية الدكتور تمام حسان ).
7-الفتوح الإسلامية : صنف المستشرقون مؤلفات عديدة عن تاريخ سكان البلدان التي فتحها المسلمون فدرسوا أحوالها السياسية والإدارية والاجتماعية لتفسير بعض شئون الفتح كما درسوا ثقافاتها لتبيان الصلات بينها وبين ما أخذه الفاتحون عنها وقد تناولوا الفتح الإسلامي جملة وتفصيلا من الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية حتي الشرق الأقصي وأفريقيا والاندلي وفرنسا وايطاليا وصقلية وقد درسوا أثر ذلك الفتح في الحملات الصليبية والإمبراطورية المغولية والسلطنة العثمانية وطرق التجارة .
ومن الذن كتبوا في هذا الموضوع : بيكر " تاريخ العصر الوسيط وكيتاني " حوليات الإسلام " وقد انفق على ثلاث بعثات إلى مواقع الفتح لرسمها جغرافيا وطوبوغرافيا وجمع المصادر من الاتينية والسريانية والعربية.

ومنهم دغوية " فتح سورية " وميادنيكوف " فلسطين منذ الفتح العربي حتي الحروب الصليبية " وبتلر في " فتح العرب لمصر " ( لنقله إلى العربية محمد فريد أبو حديد ) كما كتب فلهوزن عن الفتوح في إيران ولوران عن الفتوح في أرمينية وبارتولد عن الفتوح في آسيا الوسطي وجاتوا عن الفتوح في أفريقيا والاندلس وجون جلوب " الفتوحات العربي الكبري " وكتب فايل " تاريخ الشعب الإسلامية من النبي محمد صلة الله عليه وسلم الأول ( العثماني) وبروكلمان " تاريخ الشعوب الإسلامية " وقد تناول فيه تاريخ المسلمين منذ أقدم العصور إلى ما بعد الحرب العالمية الأولي ( ترجم إلى الانجليزية والفرنسية والتركية ونقله إلى العربي الأستاذان نبيه فارس ومنير البعلبكي ف يخمسة أجزاء – بيروت) كما كتب برنارد لويس " العرب في التاريخ " ولولفريد كانتويل سميث " الإسلام في التاريخ الحديث " وهاملتون جيب وآخرون " الشرق الأدني الإسلامي "

8-الاسرات الحاكمة في الدولة الإسلامية : كتب كل من لين بول وزامباور عن الأسرات الحاكمة في الإسلام ( نقل الدكتور احمد سعيد كتاب لين بول إلى العربية عن الترجمة التركية ونقل كتاب زامباور إلى العربية الدكتور زكي حسن وآخرون) .
كما كتب عن الأمويين كل من : فلهوزن , ولامانسو وجايرييلي وعن العباسيين كل من : فان فلوتن و وبوفا وفاسليلييف وعن الطولونيين : بيكر وعن الحمدانيين فرايتاخ . وعن الدويلات الفارسية : بارتولد و وعن الغزنويين : ماسة .
وعن الفاطميين : أوليري وعن قرامطة البحرين : دي غوية وعن السلاحقة : ديني . وعن المغول : جروسه وعن المماليك: فييت ومير ( دولة المماليك في مصر الذي نقله إلى العربية الأستاذان محمود عابدين وسليم حسن ) وعن الصفويين : مالكولم وعن العثمانيين : ينجر وعن المغرب والأندلس كل من : جوتيه وجوزيف مالت كيب ( مصنف كتاب " مدينة العرب في الاندلس ": الذي نقله إلى العربية الدكتور تقي الدين الهلالي ودروزي بروفنسال وغيرهم .
9-الحضارة الإسلامية أولي المستشرقون هذا الجانب بكثير من الاهتمام فكتب جوستاف لوبون " حضارة العرب " ( نقله إلى العربية الأستاذ عادل زعيتر" وزيجربد هونكة " شمس العرب تسط على الغرب " ( نقله إلى العربية الأستاذان فاروق بيضون وكمال دسوقي ) وكشف عن مآثر المسلمين في العلوم علماء متخصصون : كالطب العربي وأثره في القرون الوسطي لكامبل والطب العربي لبراون وأصل الأعداد العربية لكويدس والعلم عند العرب وأثره في تطور العلم العالمي لمييلي ( نقله إلى العربية الدكتور عبد الحليم النجار ومحمد يوسف موسي ) وتاريخ العلوم لسارتون وعلم الرضيات لكارنبكسكي وعلم الفلك لنللنيو وعلم الكيمياء لهو لموارد ونظرية العلماء المسلمين في علم الذرة لبينيش وكتب فيكه بالفرنسية الايطالية والألمانية خمسين مقالة عن علوم العرب ومقابلتها بعلوم اليونان ومنها ما أضافه ثابت بن قرة إلى علوم اليونان وتكملة كتابي اقليدس الضائعين بالأصل اليوناني وأحصي ما يرهوف في مفردات ابن

كما صنف فى مختلف الفنون الإسلامية كثير من المستشرقين منهم فون كاراباشيك في الخطوط العربية وتطورها وكرافت في الرسوم الشرقية وفلوري في الزخرف الإسلامي وكرزويل في العمارة الإسلامية وغيرهم .

المستشرقون وموقفهم من الإسلام وقضاياه

لم يتفق الباحثون في تقويمهم لموقف المستشرقين من الإسلام وقضاياه فبعضهم أشاد بالدور الذي قام به المستشرقون نحو تراثنا فنظروا إلى أعمالهم نظرة تقدير وإعجاب والبعض الآخر جعل الاستشراق كله ضررا وبلاء لا نفع فيه ولا دفع .

والذين أشادوا بالمستشرقين من كتابنا قليلون في مقدمتهم الأستاذ نجيب العقيقي فهو يقول: فلم لم يقدر لتراثنا من مخطوطات وآثار تلك الأيدي فتجمع وتكشف عنه وتحل رموزه ثم ترتبه وتصونه وتيسر سبل الانتفاع به لما قدر لجله آثارنا أن تري ضوء الشمس ولفقد قدر عظيم من مخطوطاتنا وظل آخر طي الكتمان إلا من أسمائه في الفهرست لابن النديم وكتب الإعلام والسير ولما استطعنا تصويره – كما فعل معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية والمكتبات العامة والعلماء – وتحقيقه والتصنيف فيه ولا عرفنا قدره وأثره في الأمم الأخري ولو أن المستشرقين أرادوا بتراثنا شرا كما زعم البعض منا لما استنقذوا أحجاره وأوراقه من الضياع بل عدوا إلى طيه إن لم يكن عن العالم فعنا "

ويقارن العقيقي بين إمكاناتنا وإمكانات المستشرقين فيقول : ولقد شاهدنا وسائلهم فيه أى في دراسة تراثنا) من اقامه معاهد ومكتبات ومتاحف ومطابع ودور نشر ومؤتمرات وبعثات وما خصت به من هبات الأفراد ومساعدات المؤسسات وميزانيات الحكومات .. ولو تركوا إلينا أمرها لاستنفذت منا ثروات طائلة – فقد سعت بعض الدول العربية إلى أنشاء كرسي للعربية في جامع سيدني باستراليا فحالت نفقاته الخمسة عشر ألف جنيه بينها وبينه .

ولو لم ينفقوا ( أي الغربيين ) على بعثاتهم في الشرق لما كان من سبيل في الكشف عن معظم كنوزه ... ولو سعيا إلى تحقيق تراثنا وترجمته والتصنيف فيه ونشره بشتي اللغات , منذ ألف عام في كل مكان لاحتجنا إلى استئجار مواهب مئات العلماء ومناهجهم ومعارفهم ودقتهم وجلدهم طوال حياتهم وفي ذلك من العسير علينا ما فيه ومن النفقات عليه ما يستنفذ طائل الثروات "

وقد دافع العقيقي بحماسة عن المستشرقين : المبشرين منهم والعلمانيين فقال :" وبالرجوع إلى المترجمين ومكاتب الترجمة في طليطلة وبلنسيه والمؤلفين فيها نجد أن الاستشراق لم يستهدف في نشأته خدمة الكنيسة: فرجال الدين .. هم الذين نظروا إلى الحضارة الإسلامية – لا أوربا ولم يكن فيها متعلم سواهم – نظرة إكبار وتهافتوا عليها لإرساء النهضة الأوربية على أساس التراث الإنساني الذي تمثله الثقافة العربية .. ولئن استجاب بعض الملوك والأفراد والوزراء إلى إتباع الفاتيكان فأعانوهم على مآربهم ( هكذا ) ببعض الوسائل إلا أنهم لم ينقادوا لهم فيها تمام النقيد ولهم أغراض غير أغراضهم فشارل مارتل ولويس التاسع صادرا أموال لكنيسة للإنفاق على حروبهما "

وبالنسبة للمستشرقين من العلمانيين فقد قسمهم العقيقي إلى خمس فئات الأولي من طلاب الأساطير والغرائب الذين لم يكونوا من العلم في شئ والثانية من المرتزقة الذين وضعوا أقلامهم في خدمة مصالح بلدانهم الاقتصادية والسياسية والاستعمارية والثالثة من المتغطرسة الذين أعمتهم الضلالة عن الموضوعية والرابعة تعرضت للإسلام دون أن تقصد الطعن فيه " وإنما درسته دراستها كتبها الدينية فقد درج العلماء وفيهم الرهبان على نقد الكتاب المقدس مثل رايموروس ( المتوفي 1728م) أستاذ اللغات الشرقية في جامعة هامبروج الذي خلف مخطوطا في نقد حياة المسيح في 1400 صفحة نشر ليسنج أجزاء منه بعد سنوات وهاجم المسيح كل من بوير ( 1840م) ورينان ( 1863م) والقس لوازي وغيرهم كثيرون .

وليس أقل منهم عددا أولئك الذين تعرضوا للقديسين فقد نقد " يور" رسائل القديس بولس نقدا عنيفا مقذعا" والفئة الخامسة أنصفت الإسلام وإن لم تدن به قولا وعملا وكتابة يؤخذ عليها هفوة على كل ما دبجته فيه ومن من ذهب به إخلاصه إلى اعتناقه من أمثال : بوركهات ودينية وفليبي وليوبولد فليس وجرمانوس وغيرهم كثيرون .

" فهل عرف هؤلاء وغيرهم الإسلام من كتبنا عنه أم في كتب المستشرقين التي استهوتهم فاعتنقوه ؟ ثم أكان إسلامهم جميعا ودفاعهم عن العرب وعثورهم في الإسلام على أكبر عامل توازن بين فوضي الوطنية والأوربية وبين زحف الشيوعية الروسية وإرجاع قيام العمارة والصناعة والفن في أفريقيا إلى العرب ( في كتاب التغيير والاستمرار في الثقافات الإفريقية – منشورات جامعة شيكاغو ) وإطراء الثقافة الإسلامية بما لم يقله مسلم ( في كتاب تحت ظلال الكنيسة لابانيز) والاعتراف بأن الإسلام أكثر مواقفه لإفريقيا من النصرانية لسماحته وتعقيدها ( في كتاب أفريقيا الاستوائية لجورج كمبل) أكان ذلك وغيره إمعانا في التمويه والتضليل ؟"وهكذا نري – يقول العقيقي – أن الذين تعصبوا على الإسلام قلة لا تساوي الذين تعصبوا له على النصرانية ولا تذكر بالنسبة غلى الذين أنصفوه لا تحتسب بين مئات المستشرقين الذي تبرا معظمهم منها ".

على أن عددا كبيرا من الكتاب المسلمين يخالفون العقيقي فيما ذهب إليه بالنسبة لتقويم موقف المستشرقين من الإسلام وقضاياه ومن هؤلاء الأستاذ أحمد فارس الشدياق الذي يقول عن المستشرقين :ط هؤلاء الأساتيذ لم يأخذوا العلم عن شيوخه ... وإنما تطفلوا عليه تطفلا وتوثبوا توثبا ومن تخرج بشئ فإنما تخرج على القسس.ز ثم أدخل رأسه فى أضغاث أحلام أو أدخل أدخل أضغاث أحلام في رأسه وتوهم أنه يعرف شيئا وه يجهله وكل منهم إذا درس في إحدي لغات الشرق أو ترجم شيئا منها تراه يخبط فيها خبط عشواء فما أشتبه عليه منها رقعة من عنده بما شاء وما كان بين الشبهة واليقين حدس فيه وخمن فرجح المرجوح وفضل المفضول ".

ويقول الأستاذ زكريا هاشم : أن أوربا نظرت إلى الحضارة الإسلامية نظرة إكبار وتهافتت علها ولكن الرهبان أخذوا – بدافع تعصبي يحاربونها... فبدأ جماعة من الرهبان يدرسون الثقافة الإسلامية رائدهم في ذلك تتبع العورات وتلمس السيئات بالإضافة إلى أن هذه الدراسة تدفع بهم إلى الرقي في مجال الرهبنة .. وتعاونت الكنيسة مع ملوك أوربا علي شد أزر المستشرقين والتمكين لهم في مهمتهم التي نصفها الأول سياسي ونصفها الثاني تبشيري تعصبي ".

أما الأستاذ محمد الغزالي فيقول : ولا يعرف العقل ولا المنطق حدا لما يقوم به المسشترقون من تحريف للتاريخ الإسلامي وتشويه لمبادئ الإسلام وثقافته وإعطاء المعلومات الخاطئة عنه وعن أهله وهم كذلك يجاهدون بكل الوسائل لينتقصوا من الدور الذي أداه الإسلام في تاريخ الثقافة الإنسانية .. إن المستشرقين جميعا فيهم قدر مشترك من هذا الخصام المتجني والتفاوت – أن وجد بينهم - إنما هو في الدرجة فقط فبعضهم أكثر تعصبا ضد الإسلام وعداوته له من البعض الآخر ولكن يصدق عليهم جميعا أنهم عداء وإذا كان الاستشراق قد قام على أكتاف الرهبان والمبشرين جميعا أنهم أعداء وإذا كان الاستشراق قد قام على أكتاف الرهبان والمبشرين في أول الأمر ثم اتصل من بعد ذلك بالمستعمرين – فإنه مازال حتي اليوم يعتمد على هؤلاء وأولئك . ولو أن أكثرهم يكرهون أن تنكشف حقيقتهم ويؤثرون أن يختفوا وراء مختلف العناوين والأسماء "

ويقول الدكتور عبد الله عباس الندوي ويقولون : إن المستشرقين هم أصدقاء العرب والمسلمين خدموهم ببحوثهم العلمية وخدموا الكتاب والسنة بإخلاص علمي وهذه الدعوي تذكرنا بالحديث النبوي الذي جاء فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ربه متعوذا : اللهم إني أعوذ بك من خليل ماكر عيناه ترياني وقلبه يرعاني , إن رأي حسنة دفنها وإن رأي سيئة أذاعها" فهؤلاء الأصدقاء هم أصحاب خصال استعاذ منها نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم ولنا شاهد من بين هؤلاء الأصدقاء وهو سير " ادوارد روز" ( الذي ) يقول : إن المعرفة بالمحمدية ( الإسلام ) التي تملكها أوربا منذ قرون قائمة على أساس التقارير المشوهة والمغلوظة كليا التي أعدها المسيحيون وهذا هو الأمر الذي أدي إلى نشر الأكاذيب الافتراءات المتنوعة حول المحمدية فكل خير وجدوه في المحمدية أخفوه تماما وكل شئ لم يكن محمودا في عين أوربا كبروه وبالغوا في بيانه او شوهوا صورته في التعبير عنه ( ص 711- ترجمة القرآن لجورج سيل طبع نيويورك 1956م) .

وينحي أبو الأعلى المودودي باللائمة على الدول الإسلامية التي توجه الدعوة إلى بعض المستشرقين من غير المسلمين للتدريس أو إلقاء المحاضرات في بلادها لأن هؤلاء " طعنوا في الإسلام بدون أي مبرر فيما ألفوا من الكتب من وجهة نظرهم وجعلوا من شخصية الراشدين والصحابة العظام والأئمة الكرام – الذين يفتخر بهم الإسلام والمسلمون – مجالا لمطاعنهم قصدا أو جهلا أو تعصبا في كلماته دنسة رعناء ضمنوها فيما كتبوا عن تاريخ الإسلام والمسلمين ".

هذان هما الاتجاهات اللذان على طرفي نقيض فيما يتعلق بتقويم موقف المستشرقين من الإسلام والمسلمين وعلى الرغم مما يبدو لدي أصحاب الاتجاه الثاني من حدة في موقفهم من الاستشراق أو المستشرقين إلا أن البحث العلمي المنصف لا يسعه في النهاية إلا أن يأخذ في الاعتبار الأسباب التي حملتهم على هذه الحدة .

لا أخفي أنني – في وقت من الأوقات – استحسنت الاتجاه الذي يمثله الأستاذ العقيقي في تقويمه لأعمال المستشرقين وكنت أقول لنفسي : إذا كنا نحن المسلمين نطالب غيرنا بالإنصاف حين يتعرض لشأن من شئوننا ونعد عدم الإنصاف مظهرا من مظاهر التعصب المقيت الذي يتعارض مع روح جميع الأديان السماوية . فلا أقل من أن ننصف نحن هذا الغير حين نقوم عملا من أعماله .

على أن الحقيقة بدأت تتكشف لي بعد أن قطعت شوطا في هذه الدراسة وهي أن المسلمين وغن جنوا بعض الفوائد من حركة الاستشراق إلا أن هذه الحركة قد عادت عليهم بالضرر البليغ ولا شك أنه من قبيل الإنصاف أن يقول المرء كلمة الحق سواء كانت عليه أو له .

ولا اختلف مع الأستاذ العقيقي فى أن جهودا جبارة بذلها المستشرقون وأموالا باهظة رصدت لهم من أجل جمع تراثنا والكشف عنه وحفظه وتيسير الاطلاع عليه . ولكن هل " قصدوا بهذه العملية الضخمة المنظمة – كما تقول الدكتورة عائشة عبد الرحمن – خدمة العرب الشرق والإسلام ؟ لقد استهدف الاستشراق في نشأته الأولي خدمة الكنيسة والاستعمار وما نشهد بين الفينة والفينة من التواء أساليبهم في توجيه العبارات واضطراب مناهجهم في سوق الأخبار واعتسافهم في تأويلها بغية استخلاصي نتائج خطرة سامة تمس ديننا وتاريخنا "

ولا يمكن الموافقة على القول بأن الذين تعصبوا من المستشرقين علي الإسلام قلة لا تساوي الذين تعصبوا له على النصرانية لأن الذين أنصفوا الإسلام منهم وكانوا موضوعيين في أبحاثهم قلة لا تذكر بجانب المغرضين منهم والمتحاملين ففئات المستشرقين التي ذكرها العقيقي ثلاث منها طلاب أساطير ومرتزقة وحاقدين والفئة الرابعة أيضا – كما ذكر العقيقي – تمثال بعض الغربيين والناقمين على الأديان غلى حد الطعن في السيد المسيح وحوارييه ومن الطبيعي ألا نعطي هؤلاء رخصة للتهجم على نبيينا صلى الله عليه وسلم بغير حق باسم حرية الرأي لمجرد أنهم هاجموا السيد المسيح وغني عن البيان أن النقد يمكن أن يوجه إلى من يسيئون تطبيق الدين أو يحرفون تعاليمه أما نقد أنبياء الله أنفسهم والطعن فيهم فلا يمكن أن يقره عاقل . وبالنسبة للفئة الخامسة من المستشرقين التي أطلق العقيقي عليها " فئة المنصفين للإسلام "

فمن الملاحظ أنه قسمها إلى شعبتين : إحداهما أنصفته رغم عدم إسلامها والأخري اعتنقت الإسلام ودافعت عنه .

ومن الجدير بالذكر أن كثيرا من المستشرقين الذين أدرجهم العقيقي ضمن الشعبة الأولي وذكر أسماءهم في الجزء الثالث من كتابه ص 1133 وما يليها من أمثال كدرمنجم , وهاملتون جيب , كايتاني وبردكلمان, وكانتويل سميث – هؤلاء وغيرهم نجد فيما كتبوا عن الإسلام بعض المغالطات الخطيرة على النحو الذي سوف أوضحه فيما عبد وذلك على الرغم من أن العقيق قال : بأنه لم تؤخذ عليهم أية هفوة في كل ما دبجوه عن الإسلام أما الذين أسلموا من المستشرقين فمن الثابت أن كثيرا منهم زاروا البلاد الإسلامية حيث أشهروا إسلامهم وإذا كانت أعمال بعض المستشرقين قد حولت بعض الغربيين إلى الإسلام فإن أعمال البعض الآخر منهم قد نفرت الكثيرين من التحول إليه .

أما قول العقيقي : بأن الاستشراف لم يستهدف في نشأته خدمة الكنيسة فلا يتفق مع الحقيقة التاريخية ولقد سبق أو أوضحت الصلة الوثيقة بينهما ما أن قوله : بأن رجال الدين هم الذين قدروا الثقافة الإسلامية وأقاموا من أن الكنيسة ورجالها وقفت حجر عثرة ضد العلم والعلماء وأعاقت التقدم في أوربا طوال العصور الوسطي فمن الثابت أن الذين أقاموا النهضة الأوربية الحديثة كانوا من المتمردين على الكنيسة والساخرين منها مثل : دانتي الايطالي وارازمس الهولندي فالأول ألف الكوميديا المقدسة وقسم فيها العالم الآخر إلى الفردوس والمطهر والجحيم ووضع كثيرا من الذين ترضي عنهم الكنيسة في الجحيم وكثيرا من الذين حرمتهم من رحمتها في الفردوس أما أرازمس فقد ألف كتاب " في مدح الحمق" وهاجم فيه الكنيسة وسخر من كثير من رجالها كما أنه من الثابت أيضا أن الكنيسة أعدمت " كوبرنكوس اليولندي " بسبب آرائها العلمية وأنها أجبرت " جاليليو" الايطالي على التراجع عن آرائه العلمية .

ويقول العقيقي :" ولئن استجاب الملوك والأمراء الوزراء إلى أتباع الفاتيكان وأعانوهم على مآربهم ببعض الوسائل إلا أنهم لم ينقادوا لهم فيها تمام الانقياد .. فشارل مارتل ولويس التاسع صادروا أموال الكنيسة للإنفاق علي حروبهما " ومن حقنا أن نتساءل عن ماهية مأرب أتباع الفاتيكان التي أعانهم عليها هؤلاء المذكرون ؟

والجواب – في اعتقادي – هو التبشير ولئن كان بعض الملوك والأمراء والوزراء – كما يذكر العقيقي – لم ينقادوا لهم فيها تمام الانقياد إلا أن البعض الآخر أعانهم على ذلك بمختلف الوسائل ومصادرة شارل مارتل ولويس التاسع أموال الكنيسة من اجل حروبهما ليست دليلا على القطيعة الدائمة بين الملوك والمبشرين من رجال الكنيسة ويجب ألا يتجاهل العقيقي أن لويس التاسع أطلقت عليه الكنيسة لقب " قديس وأنها نظرت إلى ما أقدم عليه من مصادرة أموالها على أنه من قبيل استخدام حقه فى الاستعانة بكل الإمكانات المتاحة من اجل هزيمة المسلمين ونشر المسيحية تماما مثلما فعل " هرقل " من قبل في حربه المقدسة ضد الفرس .

وهكذا يتضح لنا أن العقيقي غير مصيب فى محاولاته التي قصد بها أن ينفي الصلة بين الاستشراق والكنيسة كما أنه من غير المقبول تهوينه من شأن المرتزقة الذين سخروا أقلامهم في خدمة المصالح الاستعمارية علي مستوي البلاد الإسلامية كلها بدعوي أن أحد المستشرقين الانجليز وهو المستر " بلنت" انتقد الاحتلال الانجليزي لكل من مصر والهند وايرلندا .

وبالنسبة إلى " جورج كامبل" صاحب كتاب " أفريقيا الاستوائية " الذي امتدحه العقيقي لأنه فضل الإسلام على المسيحية للأفارقة – هذا المستشرق يقول في صفحة 476 من المجلد الثاني من كتابه المذكور :" بوجوب البحث عن منهاج آخر أوفق للعقل الأفريقي والظروف الإفريقية مع تفضيل الإسلام – لتسليمه بمواطن الضعف الإنساني وأعضائه من فوارق الألوان - على المسيحية بما تدعو إليه من الدقة وما تشتمل عليه من الكهنوتية المعقدة والاعتراف بالفوارق الكثيرة "

لكن كامبل يقرر في الصفحة إلى (276) من المجلد نفسه كلاما ينقض هذا الكلام في فحواه إذ يقول :" أنه على نقيض الحال بالنسبة إلى المسيحية يشاهد أن الإسلام له اثر ضعيف في الوطنية الإفريقية وهو ( أى الإسلام مع ضعفه الشديد سلبي لا إيجاب فيه لأن المثال المميز للحكومة الإسلامية كما يقول جورج كاربنتر إنما هو مثال الحكم الشخصي المطلق مستندا إلى ولاء الجماهير قائما على قواعد الدين وعلى الخوف والرهبة وسلطان الحكم العسكري ولا ملاءمة بين هذا المثال وبين تركيب النظام الإداري المشابك وتعدد الكفايات الفتية التي تطلبها الأعمال المنوعة في الأمم العصرية إذ ليس في وسع هذا المثال أن يخلق ولاء للوطن يرتفع به فوق منازعات العقيدة والأفكار المختلفة ولا أن يهئ المجال لنشأة الزعماء المنتظرين وضمان الأمان للأكفاء من الموظفين "

والشئ الغامض الذي عجزت عن إيجاد تفسير له هو موقف الأستاذ العقيقي في تقويمه لكتاب " حضارة العرب " لحوستاف لوبون , إذ قال عنه " ولا قيمة علمية له " مع أن الحقيقة ن هذا الكتاب من بين كتب المستشرقين القليلة التي توخت الموضوعية والإنصاف ولذلك نالت الكثير من نقد المستشرقين الآخرين لم يعجبهم ذلك .

وقد نقل هذا الكتاب إلى العربية الأستاذ عادل زعيتر وهو يقول عنه : أن لوبون سلك في تأليف طريقا لم يسبقه إليها أحد فجاء جامعا لعناصر هذه الحضارة وتأثيرها في العالم شاملا لجوانبها باحثا في قيام دولة العرب وفي أسباب عظمتهم مبتعدا عن أوهام المستشرقين الأوربيين التقليدية في العرب والإسلام وقد استعان لوبون بطريقة التحليل العلمي فأوضح في هذا الكتاب الصلة بين الحاضر والماضي ووصف فيه أصل الجنس العربي والبيئة عربية ودرس فيه أخلاق العرب وعاداتهم وطبائعهم ونظمهم ومعتقداتهم وعلومهم وآدابهم وصناعاتهم وتأثيرهم في المشرق والمغرب .

وقد أعجبني ما كتبه الدكتور على حسني الخربوطلي في وصف نوعية من المستشرقين إذ يقول :" وكان هؤلاء المستشرقون الذين تصفوا بالإجحاف والجحود غذ يقول : وكان من الدهاء والذكاء والمكر فقد بذلوا جهودا علمية كبيرة وتعمقوا في الدراسات العربية والإسلامية .. حتي يغروا أهل الشرق على قراءتها أو الاستفادة منها ولم تكن كل كتاباتهم إساءات فهم أذكياء مهرة بل أنهم لم يسرفوا في أجحافهم فاقتصرت إساءاتهم على سطور قليلة تناثرت بين صفحات الكتاب العديدة فكان كم يضع السم في العسل فأصبحت كتبهم كوبا من العسل الرائق اللون الحل المذاق وفيه قطرات قليلة من السم كافية للقضاء على الحياة وتجئ هذه السطور في ثنايا الكتاب ولا يفطن إليها لا متخصص متعمق أو قارئ فطن لبيب ولكن قد تفوت على القارئ العادي وتؤدي إلى بلبلة العقول وتشويه الأفكار .

وهؤلاء المستشرقون أيضا لا يسوقون الاتهامات جزافا فهم يعمدون إلى تقليب صفحات الصادر العربية القديمة للبحث فيها عن الثغرات لينفذوا منها أغراضهم المغرضة أو ليتوصلوا إلى سطور قليلة يستندوا إليها في إساءاتهم واتهاماتهم .

وقد يجدون مثل هذه السطور في بعض المصادر الضعيفة أو القليلة الأهمية أو في بعض الروايات المشكوك في صحتها ثم يقول المستشرقون لنا ( لقد شهد شاهد من أهلكم ) وقد يلجأ المستشرق إلى التأويل فيحمل الروايات العربية ما لا تحتمله ويلبس الحق ثوب الباطل ويفسرها بما يتفق مع أغراضه وسوء نواياه ويلجأ المستشرق إلى أساليب ملتوية ليقنع القارئ العربي والمسلم برأيه وقد يظهر المستشرق في ثوب الحمل البرئ وقد يسوق عبارات المديح وقد يسرف أرضا في سوقها ويدس بينها عبارات قليلة تسئ إلى الإسلام وتاريخه"وفيما يلي بعض الأمثلة التي تؤكد صدق ما ذكره الدكتور الخربوطلي .

المستشرق الانجليزي مونتجمري واط : ألف كتابين عن النبي صلى الله عليه وسلم أحدهما بعنوان :" محمد في مكة" والثاني بعنوان " محمد في المدينة " وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم فيهم كثيرا ورد كثيرا من الشبهات التي ذكرها غيره من المستشرقين إلا أنه اتهم النبي صلي الله عليه وسلم بأنه كانت له علاقات غير شرعية ببعض النساء وقد جاء ذلك في كتابه " محمد في المدينة" الذي يقول فيه ( ص434): ونعلم من بعض الوثائق أن محمد أ0 صلى الله عليه وسلم بالإضافة إلى زيجاته الشرعية واتصالاته بالجواري كانت له علاقة مع نساء أخريات وذلك حسب النظام الأمي القديم " وبالطبع لم يذكر واط تلك الوثائق التي أشار إليها لأن هذا الكلام من نسج خياله .
المستشرق الأمريكي ولفرد كانتويل سميث : وهو مستشرق معاصر يعمل مديرا لمعهد الدراسات الإسلامية بجامعة " ماكجيل" بمدينة " مونت ريال" بكندا . وله فصول مسهبة عن الهند والباكستان وتركيا والبلاد العربية وعرض لبعض الأمم الإسلامية الأخري عرضا موجزا وقد مهد لأبحاثه ببعض الملاحظات العامة التي لابد منها – فر ريأه – للحكم الصحيح على وجهه التفكير الإسلامي ونظرة المسلمين إلى وقائع الحاضر وآمال المستقبل كما انتقد دعاة المدينة الغربية وحذرهم من أنهم سوف يفقدون عطف العالم الإسلامي إذا هم حاولوا أن يعاملوه غدا كما عاملوه أمس معاملة السيد العليم للجاهل التابع إذ لا سبيل إلى التفاهم على غير أساس المساواة ".
ويعلق العقاد على الكلام بقوله : ولم يخطئ " سميث " في الكثير من هذه الملاحظات وأن كان قد أحاطها بشئ من الأغراب يوهم القارئ الأوربي أن هناك أمرا غير طبيعي فى النفسية الإسلامية عند المقابلة بينهما وبين المؤثرات الدينية في غير المسلمين ".
ومن الملاحظ أن هذا المستشرق كال المديح لتركيا بالذات, فقد كان الأتراك – كما يقول – عظماء في إسلامهم ... واستغلوا عظمتهم في دعم الإسلام فنشروه في جهات كثيرة .
ومن جهة الثقافة الإسلامية فقد منحوها العون الكثير بنشاطهم ومثابرتهم. وامتدح " سميث" الأتراك في العصر الحديث لأنهم أقبلوا على الأخذ بالمدينة الأوربية دون أن يرتدوا عن دينهم أو يهجروه, وإنما هم فقط – كما يزعم – أعادوا النظر فيه لبحثه من جديد.
ويصف" سميث" الأتراك بأنهم الشعب المسلم الوحيد الذي أدرك على وجه التحديد ما يتحاج إليه وتمكن من تشكيل أسسه الفكرية والاجتماعية بشكل مناسب مع أوضاع المدينة الحديثة , وهو أيضا الشعب المسلم الوحيد من بين الشعوب الإسلامية الذي يستطيع أن يطمئن إلى أن مشاركة في التاريخ الإسلامي الحديث كانت ذات أثر فعال .
ومن الواضح أن ( سميث) يشيد هنا بما فعله كمال أتاتورك حين حول تركيا من دولة إسلامية إلى دولة علمانية تسير وفق المدنية الغربية وأنه يدعو الدول الإسلامية الأخري – بطريقة غير مباشرة – إلى تحذو حذو تركيا الحديثة وهو من أجل ذلك يطالب الغربيين بعدم العنجهية في تعاملهم مع المسلمين حتي ينفروهم ن الإقبال على المدنية الغربية.. ولعل ذلك هي الهدف الأساسي من تأليف هذا المستشرق لكتابة " الإسلام في التاريخ الحديث " وما المديح الذي كاله لتركيا إلا مدخلا لهذه الغاية الخبيثة .
المستشرقة الألمانية زيغريد هونكة : هذه المستشرقة ذائعة الصيت وقد أوردت بعض العبارات شديدة الضرر بالإسلام والمسلمين في كتابها الشهير " شمس العرب تسطع على الغرب" وقبل أن أشير إلى ذلك العبارات يحسن أن أعطي القارئ فكرة موجزة عن هذه المستشرقة ومكانته بين العرب:فقد عكفت على تقديم الكثير من الدراسات العربية القيمة , فالبحث الذي تقدمت به لنيل درجة الدكتوراه من جامعة برلين عنوانه : أثر الأدب العربي في الآداب الأوربية " وفي عام 1955 م صدر مؤلفها الأول " الرجل والمرأة" وهو كتاب تاريخي أكدت فيه الكاتبة – كما فعلت في كتبها كلها التي تلت – فضل العرب على الحضارة الغربية خاصة والحضارة الإنسانية عامة وكذلك كتبت في هذا الموضوع عددا كبيرا من المقالات في الصحف الأوربية وأعدت أحاديث وتمثيليات للإذاعات العربية والألمانية .

وكتابها " شمس العرب تستطع على الغرب " هو ثمرة سنين طويلة من الدراسة العميقة تنقلت الكتابة من أجل إنجازه بين كثير من المكتبات والمتاحف ودور الآثار في العالم واطلعت على كثير من المصادر وبخاصة المخطوطة منها إلى الحد الذي بلغ أنها قرأت نحو ثلاث وأربعين مخطوطة لمحمد بن موسي الخوارزمي وهو واحد من مئات العلماء المسلمين الذين أبرزت جوانب عبقريتهم ونبوغهم وفضلهم على الإنسانية جمعا ورصعت كتابها هذا بكثير من الرسوم والصور والرسوم للأدوات الأجهزة العلمية التي ابتكرها علماء المسلمين نقلتها من مصادر شتي بحيث جاء الكتاب بحق تحفة علمية فنية , ولا يسع المرء إلا أن يقول بملء فيه : أنه لو عكف عشرات العلماء من المسلمين المتخصصين سنين طويلة على تأليف مثل هذا السفر العلمي القيم ما أمكنهم أن يأتوا بأحسن منه .

ولا عجب إن كان ظهور هذا الكتاب " حدثا كبيرا في ألمانيا وأوربا علقت عليه مئات الصحف والمجلات بدليل أن نقاد أوربا لم يهتموا بشئ وقتذاك اهتمامهم بهذا الكتاب فهاجم عشرات منهم المؤلفة والكتاب معا واتهموها بالتعصب للعرب والتحيز لهم .

بيد أن أصدقاء العرب في كل مكان انبروا يفندون مزاعم هؤلاء ويدون على افترائهم فشهد الكتاب , في عامه الأول و معركة حامية الوطيس لم يعرفها كتاب غيره في ألمانيا في السنوات الأخيرة , وبهذا لاقي الكتاب وسط هذه الضجة نجاحا منقطع النظير فأعيد طبعه وترجم إلى عدد من اللغات الأجنبية كما رحبت به الصحافة العربية, وفي صيف 1961م دعت الحكومة العراقية المؤلفة وزوجها لزيارة بغداد تقديرا لها , وفي صيف 1962 م زارتت الدكتور هونكة وزوجها جمهورية مصر العربية بناء على دعو حكومتها لهما , معربة عن تقديرها وعرفانها بالجميل لجهودها المتواصلة في خدمة العرب".

أما العبارات التي وردت في الكتاب المذكور وتسئ إلى الإسلام وتاريخه – من وجهة نظري – فهي قليلة لا تزيد عن اثنتين وأولاهما وردت في المدخل التي قدمت به المؤلفة لكتابها ونصها :" إن هذا الكتاب يتناول " العرب " و" الحضارة العربية ولا أقول " الحضارة الإسلامية " ذلك أن كثيرا من المسيحين واليهود والمزييد والصابئة قد حملوا هم مشاعلها أيضا وليس هذا فحسب بل غن كثيرا من تحقيقاتها العظيمة الشأن كان مبعثها احتجاجا على قواعد الإسلام القويمة بل أضف إلى ذلك أن كثيرا من صفات لعالم الروحي الخاصة كان موجودا في صفات العرب قبل الإسلام ".

والعبارة المذكورة تتضمن في ثناياها – على حد فهمي – المعاني الآتية :

1- أن الحضارة العظيمة التي يتحدث عنها كتاب هذه المستشرقة لا دخل للإسلام فيها فالنصاري واليهود والمزدكيون الفرس والصابنة شركاء في حمل مشاعلها مع العرب .
2- أن الاحتجاج على قواعد الإسلام " القويمة" كا مصدر الهام لكثير من الأعمال العظيمة في الحضارة التي تتحدث الكاتبة عن عظمتها .
3- إن كثيرا من القيم الروحية لدي العرب كانت موجودة في الجاهلية قبل الإسلام وهذا الكلام غامض ويحتمل أكثر من تأويل ويذكرنا بافتراءات كثير من المستشرقين مثل " غولد تسهير" الذي يقول :" أن محمد صلي الله عليه وسلم انتخب تعاليم الإسلام من الديانات السائدة في عصره اليهودية والنصرانية والوثنية بعد تهذيب وصقل "
4- أما العبارة الثانية فجاءت في معرض كلام " هونكة عن مؤلفات الطبيب المسلم أبي بكر محمد بن زكريا المعروف بالرازي التي حددتها بنحو 230 عملا ضخما وترجمات ومخطوطات صغيرة تقول هذه المستشرقة " .... وكتاب " الطب الروماني " حيث قال الرازي بوجود خمسة مبادئ إلهية تسير العالم .
وأية هرطقة هذه ضد الإسلام !! وهنا أيضا كتاب يبشر عليه الرازي بأخلاق لا دينية ويدعو أن يعيش الإنسان حياته بشجاعة ورجولة دون أن تؤثر فيه وعود بوجود جنة أو جهنم في العالم الأخر وذلك أن العلم والعقل يشهدان على انعدام الحياة بعد الموت ".
وغير كاف أن العبارة المذكورة التي تنكر الحياة بعد الموت وتستبعد فكرة الثواب والعقاب والجنة والنار تشير إلى موقف غاية في الخطورة من قضية الأديان السماوية قاطبة وبخاصة حين تجعلها الكاتبة تنطلق على لسان عالم فذ كالرازي .
ومن الملاحظ أنها لم تذكر اسم الكتاب التي نسبته إلى هذا العالم وأدعت أنه أنكر فيها الحياة بعد الموت ودعا إلي أخلاق لا دينية .
ذكر الكاتب المسلم " مالك بن نبي" أن زيغريد هونكة وضعت أو وضع أسمها على ذلك الكتاب ذي العنوان الجذاب " شمس العرب تسطع على الغرب" وفيه ما فيه من مدح وتمجيد للحضارة الإسلامية ويقول : أن أصحاب الاختصاص في الصراع الفكري من الغربيين هم الذين وضعوا هذا الكتاب لإلفات لجماهير المسلمة عن حاضرها كي تنتقل على الفور بروحها من مجال المشكلات الحادة القائمة اليوم إلى أبهة وأمجاد الماضي الخلاب وهذا – من وجهة نظره – اتجاه متقهقر إلي الخلف وبعد عن الاتجاه للإمام وإلى المستقبل .
ويخشي أن يفهم من الكل المذكور لهذا الكاتب المسلم الاهتمام بتراثنا مضيعة للوقت مع أن هذا التراث منا إلى تنقيته من الشوائب وإلى رد محاولات الأعداد لتشويهه وإلى الاستنارة بما فيه من قيم للتزود بها في مسيرتنا على طريق الحاضر والمستقبل وليس ثمة تعارض بين هذا الجانب من اهتمامات المسلمين حاليا وبين واجبهم الضروري بل الملح في البناء القوي لحاضر ومستقبل زاهرين والأخذ بكل الأسباب المشروعة من أجل التقدم و القوة ... وانطلاقا من هذا المفهوم علينا نحن المسلمين أن نرحب بكل عمق يبر جوانب العظمة في تراثنا ما دام مستندا إلى مصادر موثوقة حتي وأن جاء هذا العمل من قبل الأعداء وكل ما علينا في هذا الصدد هو أن نكشف ما عساه يدس في ثنايا هذا العمل بمعني آخر يجب ألا نرفض " الثمين " مع " الغث " وقد آن الأوان لأن يكون لدينا الوعي لأحكام التفرقة بينهما .
5- ارنواد توينبي المستشرق الانجليزي له كتاب عن تاريخ العالم بعنوان " دراسة في التاريخ وهو في عشرة مجلدات ضخام وقد نادي فيه بنظرية أطلق عليها اسم " التحدي والاستجابة " وقد طبق هذه الدراسة على العرب فهو ينظر على ضوئها إلى التحدي الإسرائيلي الذي يواجههم ورأيه في ذلك – كما يقول الدكتور حسين مؤنس – أن العرب جماعة سياسية وحضارية أصيلة وناجحة قامت على أرضها ووطنها وقد مرت في تاريخها بالأدوار التي لا مفر منها من التجرؤ والتجمع والاستعمار والصهونية تتحدي عملية التجمع العربي الحالية وحاول القضاء عليها أو إيقافها وهي الآن في دور تجمع بعد تجزؤ طويل .

ولابد للجماعة العربية من مواجهة هاتين الصورتين من التحدي والخطر , والاستجابة لهما استجابة إيجابية موفقة .. وإسرائيل – في ميزان التجارب السياسية - لعبة او خدعة تقوم على ظاهر من القوة الغاشمة ودعاية تجاربة ناجحة , وعملية تخويف نفسية للعرب وعلي العرب أن يفهموا ذلك وأن يثبتوا للتحدي كأنهم صخرة وأن يقفوا كالبنيان المرصوص دون أن ينخدعوا أو يتركوا للعدو ثغرة ينفد منها وعليهم أن يظلوا كذلك حتي يتجمع لهم عناصر القوة اللازمة للقضاء على الخطر الذي يتحدي كيانهم ".

ذكر توينبي هذا الكلام المعسول , في الوقت الذي ذهب فيه إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم انساق – من حيث لا يدري – إلى تحقيق مطامع الزعماء الأمويين فيقول :" أن المسألة وصلت إلى السياسة العملية , فكان أمراء التجارة المكيون أكبر من ند لابن بلدتهم العجيب ( الني) صلى الله عليه وسلم وكانوا قد أخفقوا في صد الإسلام ومنع انتشاره فلم يبق لهم بديل عن ذلك غير الاحتيال عليه الانضواء الظاهر إليه " ثم يمضي يقول ما فحواه – كما يذكر العقاد " أن زعماء بني أمية جعلوا محمدا عليه السلام يسوق الدولة إلى أيديهم وهم يظهرون خدمته ويستدرجون قريشا إلى تجديد زعامتهم كرة آخري بعد الخلفاء الأولين ولم يذكر المورؤخ ( توبني) حتي كان من عمل النبي صلى الله عليه وسلم أن ينشئ بعده دولة وأن يذود عنها بني مية وغير بني أمية من الخلفاء والأتباع ؟

وهذه " المناورة" الخيالية فصل من فصول التاريخ يبحث عن رواة المناظرة والمؤامرات كلما بحثوا عن قيام الدول والأسر الماكلة ويرضيهم كما يرضي قراءهم أن يصوروا أمام الناس بطلين احدهما طيب مثالي والآخر خبير ذو دهاء " عملي " يستفيد من جهود الدعوة ثم يحولها بحيلته إلى الجانب الذي ينتهي بتحقيق مطامعه وتغليب القدرة العملية على الأفكار المثالية ولو بعد حين .

ولو أن ط شخصية محمد " عليه السلام فهمت حق فهمها لما ورد هذا الخاطر على وهم المؤرخ فضلا عن تقريره توسيعه وإقامة الدين الدولة في الإسلام على أساسه ".

والواقع لا يستطيع أحد يفهم طبائع العظمة أن يضع محمدا صلى الله عليه وسلم في ميزان المقدرة العقلية والنفسية ويضع أمامه أبا سفيان أو أبناءه ثم يحكم لهؤلاء بالرجحان في طبيعة من هذه الطبائع على أى اعتبار "

ولم يحدث أن انقاد لنبي من الأنبياء أشخاص يمتازون بالاقتدار وقوة العزيمة مثلما حدث لمحمد صلي الله عليه وسلم فقد كان من حوله ينظرون إليه نظرة التلميذ المعجب بأستاذه الموقر المحبوب ولقد عاش عمر بن الخطاب ما عاش – وهو أمة في رجل – يردد نداء النبي صلى الله عليه وسلم له باسم الإخوة لأنه على عظمته النادرة كان يستكثر أن يقول له محمد " يا أخي " وهو يناديه ".

الموسوعة البريطانية : جاء في هذه الموسوعة إشارة إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة ومعناها " السراري أو المحظيات" ويحدث ذا بعد أن أعاد النظر في هذه الموسوعة رجال يعدون من ألمع الأساتذة الأمريكيين والبريطانيين علماء وذكاء وأن أدل ذلك على شئ فإنما يدل على أن القول بأن الاستشراف جنح مؤخرا إلى الموضوعية لا يتفق في شئ مع الحقيقة .

بعد هذا العرض يمكن القول بشئ من لاطمئنان : أن لي أعمال المستشرقين خدمات لا تنكر للحضارات الشرقية ومنها الحضارة الإسلامية فهم بإتباعهم المنهج العلمي المنظم في الترتيب والتصنيف والإحصاء والفهرسة قد زودوا المكتبة الإسلامية بالمعاجم اللغوية الدقيقة والكتب المفهرسة لألفاظ القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف هذا بالإضافة إلى خدمات أخري في ميادين اللغة العربية وآدابها والفنون الإسلامية والتاريخ الإسلامي .

على أن ضررا بالغا أصاب الأمة الإسلامية من جراء أعمال كثير من المستشرقين التي تنم عنها أهدافهم والأساليب التي اتبعوها في تحقيقها .. فالهدف الحقيقي الذي يرمي إليه هؤلاء من دراستهم للثقافة الإسلامية في مختلف مراحلها هو زعزعة المثل العليا للإسلام في نفوس أبنائه من جانب واثبات تفوق المدينة الغربية وعظمتها من جانب آخر ومن أجل ذلك فإنهم يعملون على إظهار أية دعوة إلى التمسك بالإسلام بمظهر الرجعية والتأخر كما أنهم يعملون على هزيمة المسلمين روحيا وفكريا و وذلك بالقضاء على روح الاعتزاز بالإسلام في نفس المسلم وإذابة شخصيته الإسلامية ليصبح غريبا في مجتمعه علمانيا في تفكيره غريبا في اتجاهاته.

تصنيف المستشرقين بالنسبة لموقفهم من الإسلام

سوف اقتصر هنا على عرض نماذج لأشهر المستشرقين مع بيان موقفهم من الإسلام وقضاياه ويمكن تصنيف هؤلاء إلى فئتين على النحو التالي :

فئة المنصفين

المنصفون ممن اعتنقوا الإسلام

هؤلاء منهم اسحق دينية ( 1861 – 1929م):

فرنسي انحدر عن أبوين مسيحيين وتلقن – كالعادة – مبادئ المسيحية وعقائدها من تثليث وصلب وفداء وتعيد لكنه حين اتسعت مداركه بدأ يشعر بالقلق ويشك في بعض المسائل مثل : عصمة البابا والمسيح الذي يقول عنه المسيحيون انه ابن الله ! – وأنه هو الله – وهو بشر .. ثم صلب ليطهر بني البشر من اللعنة وتساءل كيف يمكن أن يجتمع كل ذلك في شخص واحد ؟ وراح دينية يبحث في الإنجيل عن إجابات لما يدور في خلده, فازداد شكا, لأنه وجد به أشياء لا تتفق مع العقل ي شئ.. ولذلك خرج من بحثه بأن الإنجيل أوحي الله به إلى عيسى عليه السلام بلغته ولغة قومه التي هي لغة سامية دون شك , ولكنه ضاع واندثر , ولم يبق له أثر أو أنه قد أبيد . وقد عمل المسيحيون توليفات أربعا مشكوكا في صحتها وفي نسبتها التاريخية كما أنها مكتوبة باللغة اليونانية التي تختلف عن لغة المسيح وقومه .
ثم كان من قبيل التوفيق أن سافر دينية إلى الجزائر وتنقل في بلاد المغرب فخالط المسلمين وعاشرهم وسمع منهم وناقشهم وفكر وتأمل فرأي – كما يذكر في بحث له بعنوان " أشعة خاصة بنور الإسلام أن العقيدة لمحمدية لا تقف عقبة في سبيل التفكير فمن الممكن أن يكون المرء صحيح الإسلام وفي الوقت نفسه حر التفكير وهكذا برز له الإسلام كنور أضاء له الطريق فتفاعلت به نفسه وقبله عقله فأسلم وتسمي باسم " ناصر الدين ".

ويتبين لنا موقفه من الإسلام وقضاياه من خلال مؤلفاته التي أهمها:

1- رسالة بعنوان " أشعة خاصة بنور الإسلام " وهي رد على ما يذيعه المغرضون من أن المسلمين لم يأتوا بجديد . وقد ترجمها إلى العربية صديق لدينييه هو الأستاذ " راشد رستم" ومن أقوال دينية في هذه الرسالة :"أنهم يفخرون بالعالم الفرنسي " باستير" ويجعلونه درة في تاج الحضارة الحديثة ولكن فإنهم أن " جابرا " والرازي " والكيمياء" بفضل ما كشفاه عن طريق تقطير الكحول ومن اكتشاف " حامضي النتريك والكبريتيك"
2- كتاب " الشرق كما يراه الغرب " وقد نقله إلى العربية الأستاذ عمر فاخوري ونشر بدمشق مع رسائل أخري تحت عنوان :" آراء غربية في مسائل شرقية " ومن أقوال دينية في هذا الموضوع :" أن الغرب يخطئ النظر إلى الشرق مع أن للشرق على الغرب أفضالا مناضلة في مدينته متغلغلة في حياته ذلك من اثر الدينيات التي هو أنظمة الفروسية العربية من أثر علم البحار وعلم السماء وعلم الأبدان وعلم الكيمياء التي ابتدعت أصولها العقول الشرقية .
3- ومن أهم كتبه ما جعله تاريخا لحياة الرسول صلى الله عليه وسلم وقد جعله في مجلد كبير وضعه بالفرنسية بالاشتراك مع صديق له جزائري هو الأستاذ سليمان بن إبراهيم كما نشر أيضا باللغة الانجليزية بنفس الحجم الكبير والإتقان التام كل ذلك كان تقديرا منه لموضوعه ثم قدمه لأرواح الجنود الإسلامية التي استشهدت في الحرب العالمية الأولي وهي تحارب في صفوف الفرنسين .
وقد ترجم هذا الكتاب إلى العربية بعنوان " محمد رسول الله الدكتوران عبد الحليم محمود محمد عبد الحليم ونشرته المكتبة العصرية ببيروت في عام 1965م.
وجه كثير من المستشرقين النقد إلى دينية حين ألف هذا الكتاب لأنه – في نظرهم- لم يقم وزنا لإنتاج المستشرقين في السيرة النبوية مع أنه يعتمد على الأبحاث العلمية الدقيقة وعول فقط على كتب السيرة القديمة كسيرة ابن هشام وابن سعد وغيرهما.
والواقع أن يدينيه لم يعول على كتابات المستشرقين في السيرة النبوية لأنها – في نظره – لا تساوي شروي نقير فهو يري أنه ن المتعذر إن لم يكن من المستحيل – أن يتجرد المستشرقون من عواطفهم وبيئتهم ونزعاتهم المختلفة وأنهم لذلك حرفوا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه وقدموا عنهم صورا خيالية أبعد ما تكون عن الحقيقة فضلا عما ينتابها من التناقض والتخبط .

وأني دينية ببعض الأمثلة ليدلل بها على تناقض ما كتبه المستشرقون عن السيرة النبوية وتخبطهم على الرغم مما يزعمونه من التجرد والموضوعية :

فالمستشرق الهولندي " دورزي" يقول : أن محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن يشبه قومه فقد كان ذا تصور قوي ولم يكن عند العرب هذا التصور وكان يدنا بطبيعته ولم يكن العرب دينيين. بينما يقول " لامانس " إن التشابه التام بين محمد صلى الله عليه وسلم وبيئته يكمن فيه السر – قبل كل شئ – في هذا السلطان الضخم الذي كان لمحمد صلي الله وسلم على مواطنيه ".
وقال " دوزي" : أن محمد صلى الله عليه وسلم كان ميالا إلى الصمت والكآبة ويحب العزلة والهيام في الأودية البعيدة ويطيل التأمل في الليالي .. وقد عارضه " لامانس" في ذلك قائلا : إن ذلك لا ينطبق على المعهود من كراهة محمد صلى الله عليه وسلم للعزلة , ومن شهرة نفوره من النسك " وقال " نولدكه: إن سبب الوحي النازل علي محمد صلى الله عليه وسلم والدعوة التي قام بها هو ما كان ينتابه من داء الصرع : ويعارضه " د ي غويه" قائلا : إن هذا الافتراض ليس صحيحا لأن الذاكرة عند المصابين بالصرع تكون معطلة على حين أن ذاكرة محمد صلى الله عليه وسلم كانت غاية في الجودة كلما هبط عليه الوحي .
ويري شبرنجر أنها ليست " نوبات صرع " وإنما هي نوبات هستيرية اشتهرت باسم " شوتلاين" ... ويعارضه " سنوك هرغرنجة" قائلا : بأنه يجب أن نقر بأن قيمة محمد صلى الله عليه وسلم إنما هي ما يميزه عن سائر الهستيريين . ويقول " غريم" : أن مبادئ محمد صلى اله عليه وسلم اشتراكية لا دينية و وإنما جعل لها صبغة دينية لأجل التمكين لها . ويرد عليه " سنوك هر غرنجة " قائلا : بأن مدار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم هو البعث واليوم الآخر .
ونسب " لامانس" إلى محمد الإكثار من الطعام والشره والاسترسال في اللذات البدنية التي خدرت أعضاءه فأصبح مهددا بداء السكتة " وعل العكس من ذلك يقول " بينية سنغلة" : أنه كان سئ الغذاء صابرا على الجوع متقشقا ومات من الضعف . وقال " هوارت" : أنه توفي علي أثر التهاب رئوي بينما ذكر القس " باردو" أنه مات مسموما على يد امرأة يهودية .
وقد دفع هذا التناقض في أقوال المستشرقين " يدينه" إلى التساؤل! هل نستطيع أن نعتمد على آراء المستشرقان مع ما ذكرناه من اختلاف وتناقض إنما هو قليل من كثير ويهدم بعضه بعضا ؟... أن الصرح الذي شيده المستشرقون في سيرة الرسول إنما هو صرح من الورق قد أقيم على شفا جرف هار . والسبب – فى نظر دينيه- هو أن المستشرقين لم يتبعوا المنهج السليم في الدراسة إذ أن دارس سيرة الرسول لابد له من أن يتجرد عن الشهوة والهوي والعصبية وأن يعتمد على الأخبار الصحيحة التي رواها المسلمون أول عهدهم بالتدوين وأن يدرس البيئة العربية في مهدها الأصلي : مكة والمدينة وغيره حتي ينجلي له الغامض ويتضح له المبهم و تستقيم له الفكرة .
4- ومنم بدائع مؤلفات " دينيه" كتابه في الرد على " لامانس" القس اليسوعي الذي امتلأت كتبه عن الإسلام ونبيه حقدا وسما رغم سعة علمه وكثرة مؤلفاته . وهو الكتاب المسمي " أنك في واد ونحن في واد".
وقد ذكر " دينيه" في هذا الكتاب أن " لامانس " صاح متأوها من كون القرآن صرف العرب عن حلاوة الإنجيل التي كانوا قد بدأوا يتذوقونها ولم يغفر للنبي ذنب إدخاله فى الإسلام هذه الملايين من جميع الأجناس بمرأي ومسمع من المبشرين المسيحيين فلذلك عزم" لامانس" أن يشنها على الإسلام غارة شعواء ويحمل عليه حملة صليبية يكون هو بطرسها الناسك على أمل أن يصرع الإسلام. إلا أن حالة عقلي كهذه – كما يقول دينية – لا تلائم البحث العلم المبني على التجرد من الهوي والتنزه عن البغض .
ثم أتي " دينيه" بالأدلة القاطعة على سفسطات " لامانس " وسردها مع ردها واحدة مما لا يتسع له هذا البحث .
5- حج ناصر الدين " دينيه" إلى بيت الله الحرام في عام 1928م وألف عن هذه المناسبة كتابة " الحج إلى بيت الله الحرام" وقد نشرت ترجمته العربية في مجلة الشبان المسلمين وامتدحه الأمير شكيب أرسلان بقوله : أسلم وحج وألف كتابا عن حجته إلى البيت الحرام من أبدع ما كتب في هذا العصر ".

المنصفون ممن لم يعتنقوا الإسلام

هؤلاء قليل منهم سيرتوماس ارنولد ( 1864 – 1930م):

انجليزي قضي عدة سنوات في الهند وهو أول ن جلس على كرسي الأستاذية في قسم الدراسات العربية في مدرسة اللغات الشرقية بلندن في عام 1904م ثم اختير عميدا لها وقد زار مصر أوائل سنة 1930 م وحاضر عن التاريخ الإسلامي في الجامعة المصرية وله مقالات ومؤلفات كثيرة عن الإسلام وتاريخه تشهد بسعة اطلاعه وتعمقه ومن أهمها : " الدعوة إلى الإسلام " الذي نقل إلى التركية والأردية كما نقله إلى العربية الدكتور حسن إبراهيم وآخرون في مختلف العصور ووجهات نظر أصحابها القانونية والفلسفية ( نقله إلى العربية جميل معلي – دمشق 1950م) وكتاب " تراث الإسلام" بالاشتراك مع الفريد جيوم وآيري وقد نشر هذا الكتاب بالعربية والفرنسية والاسبانية ... إلى غير ذلك من عشرات الكتب .
وعلى كثرة ما صنفه توماس ارنولد عن الإسلام وتاريخه فلم تؤخذ عليه هفوة واحدة من ذلك النوع الذي يعد إساءة أو طعنا وعلى العكس من ذلك نجده منصفا كأحسن ما يكون الإنصاف .
فقد برهن في كتابه " الدعوة إلى الإسلام " على تسامح المسلمين في كل العصور مع مخالفيهم في الدين بالقياس إلى ما فعله هؤلاء المخالفون مع المسلمين ما جعل هذا الكتاب بحق من أدق المصادر وأوثقها في تاريخ التسامح الديني وبخاصة وأنه لم يذكر حادثة فيه إلا أرجعها إلى مصدرها .

فبلاد الأندلس مثلا يتحدث ارنولد عن الفتح الإسلامي لها بقوله " أما عن حمل الناس عل الدخول في الإسلام أو اضطهادهم بأية وسيلة من وسائل الاضطهاد في الأيام الأولي التي أعقبت الفتح العربي فإننا لا نسمع عن ذلك شيئا .. وفي الحق أن سياسة التسامح الديني التي أظهرها هؤلاء الفاتحون نحو الديانة المسيحية كان لها أكبر الأثر في تسهيل استيلائهم على هذه البلاد ".

وبالنسبة لليهود الذين ذاقوا الذل والهوان في حكم القوط الغربيين يذكر أرنولد أن المسلمين - بعد أن تم لهم فتح الأندلس – سمحوا لهم بمزاولة التجارة وأمنوهم على أنفسهم وأولادهم وأموالهم وسمحوا لهم بحرية الملكية .

ويتحدث عن انتشار الإسلام في أفريقيا فيقول:" إن الأساليب السلمية كنت الطابع الغالب على حركة نشر الدعوة الإسلامية في القارة الإفريقية وكان الداعي المسلم يتعقب الفاتح ليكمل النقص في تحويل الناس إلى الإسلام والحق أن نجاح الرواد المسلمين نجاحا دنيويا سهل إلى حد كبير جدا نجاح الإسلام في جهات كثيرة من هذه القارة كما سهل تأسيس دول إسلامية على أنقاض دول وثنية وحينما شق الإسلام طريقه نجد هناك الداعي المسلم حاملا الدليل لعقائد هذا الدين ".

ويشير أرنولد – في جلاء – غلى أن العامل الحاسم فى انتشار الإسلام في أفريقيا كان " القدوة الطيبة " فيذكر أن التاجر المسلم إذا دخل قرية فسرعان ما يلفت إليه الأنظار بكثرة وضوئه الذي هو مظهر من مظاهر النظافة المحببة إلى النفس هذا إلى انتظامه في أوقات الصلاة والعبادة التي يؤديها بنظام ثابت ... كل هذه الصفات الحميدة مما يستميل القلوب إليه ويفرض احترامه والثقة به على الأهالي الوثنيين الذين يبدي لهم في نفس الوقت استعداده ورغبته في إمدادهم بمزايا هذا الدين ومنشئ هذا الدين أوجد هذه الفصائل .

كما رد أرنولد كثيرا من مطاعن المستشرقين الذين صوبوها نحو الإسلام , من ذلك ما ذكره بعضهم من أن الدين الإسلامي وليد البيئة والظروف المحيطة بها , وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغير خططه وبرامجه تبعا لتلك الظروف وقد نفي أرنولد فكرة انبثاق الإسلام من البيئة بقوله :" لا يغرب عن البال كيف ظهر جليا أن الإسلام حركة حديثة العهد في بلاد العرب الوثنية , وكيف كانت تتعارض المثل العليا في هذين المجتمعين تعارضا تاما . ذلك أن دخول الإسلام في المجتمع العربي لم تدل على مجرد القضاء على قليل من عادات بربرية وحشية فحسب وإنما كان انقلابا كاملا لمثل الحياة التي كانت من قبل .. والواقع أن المبادئ الأساسية في دعوة محمد صلى الله عليه وسلم كانت تعارض كثيرا ما كان ينظر إليه العرب نظرة ملؤها التقدير والإجلال حتي ذلك الحين كما أنها كانت تعلم حديثي العهد بالإسلام أن يعدوا من الفضائل صفات صفات كانوا قبل إسلامهم ينظرون إليها نظرة الاحتقار ".

ومن الأفكار الخاطئة التي ردها أرنولد ما قال به بعض المستشرقين من أن الإسلام لم يقصد به مؤسسته في أول الأمر أن يكون دينا عالميا .

ومن هؤلاء : وليم ميور الذي يقول :ط أن فكرة عموم الرسالة ( المحمدية) جاءت فيما بعد وأن هذه الفكرة على الرغم من كثرة الآيات والأحاديث التي تؤيدها لم يفكر فيها محمد صلى الله عليه وسلم نفسه وعلى فرض أنه فكر فيها كان يفكر تفكيرا غامضا , فإن عالمه كان يفكر فيه إنما كان بلاد العرب كما أن هذا الدين لم يهيأ إلا لها وأن محمدا لم يوجه دعوته منذ بعث إلى أن مات إلا للعرب دون غيرهم وهكذا نري أن نواة عالمية الإسلام قد غرست ولكنها إذا كانت قد اختمرت ونمت بعد ذلك فإنما يرجع إلى الظروف والأحوال أكثر منه إلى الخطط والمناهج ".

وكذلك شك " كيتاني" في أن يكون النبي صلي الله عليه وسلم قد تخطي بفكره حدود الجزيرة العربية ليدعو أمم العالم في ذلك الوقت إلى هذا الدين .

وير أرنولد على الكلام المذكور بقوله :" لم تكن رسالة الإسلام مقصورة على بلاد العرب بل إن للعالم أجمع نصيب فيها , ولم يكن هناك غير إله واحد كذلك لا يكون هناك غير دين واحد يدعي إليه الناس كافة ".

ويستنكر ارنولد أن يبني هؤلاء المستشرقين شكهم في عالمية الرسالة الإسلامية على أن محمد صلى الله عليه وسلم ما كان يعرف غير جزيرة العرب وأنها كانت عالمه الذي لم يفكر فى سواه وأن هذا الدين لم يهيأ إلا لتلك البلاد وأن محمد صلى الله عليه وسلم منذ بعث إلى أن مات لم يوجه دعوته إلا للعرب دون غيرهم ... فهل خفيت على هؤلاء صلة قريش بدول ذلك العهد , وما أتاحته لها التجارة من دربه وخبرة بشئون هذه الأمم وأحوالها وأن محمد صلى الله عليه وسلم بوجه خاص قد سافر غير مرة للتجارة ببلاد الشام ؟ وهل يستبعد على محمد الذي خرج من مكة ناجيا بنفسه وبنفس صاحبه أبي بكر أن يتخطفهما الناس لائذا بأهل المدينة الذين آووه ونصروه ثم صبر وصابر حتي عاد إلى مكة بعد ثماني سنين وهو السيد الآمر فيها وفي الجزيرة تحوم حول شخصه مائة ألف من القلوب أو تزيد ومن ورائهم كثيرون من أرجاء الجزيرة العربية يمنيون له بالطاعة يقدم عليه رؤساؤها وإكبارها – هل يبعد على هذا الرجل ان يرنو بناظره إلى ما وراء الجزيرة ليبسط عليها سلطانه إن كان من محبي السلطة والحكم " وحاشاه أن يكون كذلك ) أو ليفيض عليها من فضل الله الذي غمر الجزيرة وملأها عدلا وأمنا وحبا ؟

ويبدي أرنولد دهشته من منطق ميور وكاتياني قائلا : لو قيل أن الأسكندري المقدوني كان يعمل على تكوين إمبراطورية تشمل العالم القديم كله لصدقنا ولو قيل إن نابليون كان يعمل على تكوين إمبراطورية تشمل العالمين القديم والجديد ليجلس على عرشها لصدقنا .. أما إذا قيل أن محمد بن عب الله ( صلى الله عليه وسلم ) فكر في أن يدعو خلق الله المتاخمين لجزيرة العرب والمتصلين بقريش – اتصالا تعيش عليه قريش ويتبني علي أساسه كل شئ في البيئة القرشية – فذلك أمر يعز علي البحث النزيه والعقل الحر لأن يقبله, إلا أن يكون تفكير ذلك النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في هذا أمر تفكيرا عل نحو غامض !!

وقد أشار ارنولد إلى عدد كبير من الآيات القرآنية التي تؤيد عالمية الرسالة الإسلامية منها ما مكي وما هو مدني كما ذكر بعض الأحاديث النبوية الشريفة الدالة على ذلك منها قول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عن بلال أنه " أول ثمار الحبشة " وأن صهيبا " أول ثمار الروم " وكذلكما قاله عن سلمان الفارسي الذي كان أول من أسلم من الفرس , وكان عبدا نصرانيا بالمدينة , واعتنق الإسلام في السنة الأولي من الهجرة , وهكذا صرح محمد 0 صلى الله عليه وسلم ) في وضوح وجلاء أن الإسلام ليس مقصورا على الجنس العربي قبل أن يدور بخلد العرب أي شي يتعلق بحياة الفتح بزمن طويل .

فئة المجحفين

المجحفون بلا مواربة

هؤلاء يهاجمون الإسلام والمسلمين هجوما لا مواربة فيه ولا خداع فهم لا يلجئون كتاباتهم عن الإسلام كلها سما ويستبين للمسلم بكل وضوح حقدهم وانحرافهم ولذلك يمكن القول بأن هذا الصنف أخف ضررا على الإسلام من غيرهم على الرغم من أن كلامهم عنه يقطر سماوي نضح بالحقد.

وقد ظهر من هذا الصنف كثيرون اخص بالذكر منهم اثنين فقط هما :" مرجليوث" و" بندلي جوزي".

مرجليوث ( 1858 – 1940م):

مستشرق انجليزي درس العربية كتب بها في سلاسة وعين أستاذا لها بجامعة أكسفورد ثم رأس تحرير مجلة الجمعية الملكية الأسيوية فنشر بها بحوثا كثيرة وقد انتخب عضوا في المجمع العلمي العربي بدمشق والمجمع اللغوي البريطاني والجمعية الشرقية الألمانية وغيرها .

وله مؤلفات وبحوث وتحقيقات كثيرة ذهب العقيقي في نحو ثلاث صفحات منها : محمد وقيام الإسلام" وأصول الشعر العربي الجاهلي , والعلاقات بين العرب واليهود , والجامعة الإسلامية والإسلام ..الخ.

وخلاصة ما ذهب إليه مرجليوث في كتابه " أصول الشعر الجاهلي هو أن هذا الشعر موضوع بعد ظهور الإسلام .

ونقل عنه طه حسين هذه الفكرة في كتابه " الشعر الجاهلي " وقد رد هذا القول كثير من الباحثين المسلمين و فمما قاله الأمير شكيب أرسلان في هذا الصدد: " وعلى كل الأحوال لا يقدر أحد أن يقول أن الشرقيين ليسوا أدري من الغربيين في آداب الشرقيين ولغات الشرقيين ... وأن من أحمق لحمق أن نظن أن مرجليوث بكونه أفرنجيا صار يميز الشعر المصنوع على لسان الجاهلية من الشعر الجاهلي الأصلي " وقد رد أيضا على طه حسين كثيرون غير الأير أرسلان , منهم : محيي الدين الخطيب وأنور الجندي الذي نشرت له دار الاعتصام بالقاهرة كتابا قوم فيه أعمال طه حسين في هذا الصدد ومن أعجب ما نسبه مرجليوث إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه عرف خدع الحواة وحيل الروحانيين ومارسها في دقة ولباقة وقد كان يعقد في دار الأرقم بن أبي الأرقم جلسات روحانية وكان المحيطون به يؤلفون جمعية سرية أشبه بالماسونية , ولهم علامات يتعارف بها أصحابه مثل : السلام عليكم وإرخاء عذبة العمامة فوق المنكبين.

ومن مزاعم مرجليوث المضحكة قوله : أن محمدا صلى الله عليه وسلم سافر إلى مصر لأن كلامه عنها يدل على معرفة تامة بها , ويرد عليه المستشرق الألماني " نولدكة" بأن محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم أن المطر قليل في مصر قلة مطلقة , ولو أنه سافر إليها لعلم تلك الحقيقة التي لا تخفي على أحد .

ومن أقذع ما وجهه مرجليوث من تهم إلى النبي صلي الله عليه وسلم قوله :" عاش محمد صلى الله عليه وسلم هذه السنين الست بعد هجرته غلى المدينة على التلصص والسلب والنهب , ولكن نهب أهل مكة قد يبرره طرده من بلده ومسقط رأسه وضياع أملاكه وكذلك بالنسبة إلى القبائل اليهودية في المدينة فقد كان هناك على أي حال سبب ما – حقيقيا كان أم مصطنعا – يدعو إلى انتقامه منهم إلا أن خيبر التي تبعد عن المدينة كل هذا البعد لم يرتكب أهلها في حقه ولا في حق أتباعه خطأ يعتبر تعديا منهم جميعا لأن قتل أحدهم رسول محمد صلى الله عليه وسلم لا يصح أن يكون ذريعة للانتقام وهذا يبين لنا ذلك التطور العظيم الذي طرا على سياسة محمد : ففي أيامه الأولي في المدينة أعلن معاملة اليهود كمعاملة المسلمين لكنه الآن ( بعد هذه السنوات الست ) أصبح يخالف تماما موقفه ذاك .. فقد أصبح مجرد القول بأن جماعة ما غير مسلمة يعتبر كافيا لشن الغارة عليها .. وهذا يفسر لنا تلك الشهوة التي سيطرت على نفس محمد , والتي دفعته إلى شن غارات متتابعة كما سيطرت على نفس الاسكندر من قبل ونابليون من بعد ... أن استيلاء محمد صلي الله عليه وسلم على خيبر يبين لنا إلى أي حد قد أصبح الإسلام خطرا على العالم "

ولا تسمح طبيعة هذا البحث أن يتحدث المرء باستفاضة عن سيرة الرسول الكريم وبيان وجه الحقيقة بصدد الأمور التي تحدث عنها مرجليوت في كلامه المذكور , وأن كان هذا لا يمنع من أن نشير – في إيجاز – إلى أن مشركي مكة قد أذاقوا المسلمين العذاب ألوانا طوال ثلاثة عشرة سنة , أرغموهم خلالها على الهجرة إلى حبشة ثم إلى يثرب ومن الثابت أنهم استحوذوا على أموال كثيرة من المهاجرين وحين لجأ المسلمون إلى ترصد قوافل قريش التجارية المارة بيثرب كان ذلك انطلاقا من حقهم الدفاعي المشروع في استرداد بعض مالهم قبل العدو ويجب أن نضع في الاعتبار أن الحرب كانت معلنة بين الطرفين أعلتها قريش بتعذيبها كثيرا من المسلمين وبطردهم من وطنهم وبمحاولتها قتل النبي صلى الله عليه وسلم وسلم ليلة لهجرة من مكة لولا أن أنجاه الله.

وفي هذه الحالة يكون من حق النبي الله صلى الله عليه وسلم أن يلجأ إلى ما يسمي بالحصار الاقتصادي للعدو ولا يخفي ما في ذلك من تحذير لقريش من مغية استمرارها في العدوان علها ترتدع حين تجد طريق قوافلها إلى بلاد الشام أصبح مهددا ومن الجدير بالذكر أن ميثاق الأمم المتحدة حاليا يبيح مبدأ الحصار الاقتصادي لدفع العدوان وعلى الأخص حين تقع الحرب بين طرفين أو يكونان في حالة حرب وهو ما ينطبق تماما على الوضع وقتذاك بين النبي صلي الله عليه وسلم وقريش ومرجليوث يعترف ضمنا بهذه الظروف مع ذلك يتهم النبي صلى الله عليه وسلم - افتراء وظلما – بالتلصص والنهب والسلب .

وبالنسبة ليهود يثرب من الثابت أن النبي صلي الله عليه وسلم شرط عليهم وشرط لهم طبقا لما جاء في الوثيقة التاريخية المعروفة باسم " الصحيفة" ولكنهم لم يحترموا العهود والمواثيق التي أبرمها الرسول معهم .

فحاق بهم سوء صنيعهم ولم يقدم مرجليوث دليلا على بطلان ما نسب إليهم واكتفي بالتشكيك فقط في صحة ذلك ومن الطبيعي أن يقلم النبي صلى الله عليه وسلم أظافر يهود خيبر وما جاورها من القري اليهودية لأن بعض يهود يثرب الذين سمح لهم بالجلاء إلى تلك البقاع , واتخذوا منها منطلقا للتآمر لى المسلمين وتخريب الأحزاب ضدهم مستغلين الإمكانات الاقتصادية الهائلة لهذه القري اليهودية التي كانت على مقربة من يثرب ومن الثابت تاريخيا أن وفدا يهوديا من خيبر ضم بعض يهود يثرب الذين سبق أن تآمروا على النبي صلى الله عليه وسلم وسمح لهم بمغادرتها – هذا الوفد ذهب إلى قريش أولا ثم إلى قبيلة غطفان ثانيا , لتحريضهم على القيام بغزوة الأحزاب المشهورة ضد المسلمين في العام الهجري الخامس وانضمت خلالها قبيلة بني قريظة اليهودية إلى الأحزاب ضاربة عرض الحائط بما بينها وبين النبي صلى الله عليه وسلم من مواثيق .

والمعروف أن غطفان قدمت في الغزوة المذكورة نحو ستة آلاف مقاتل من مجموع الأحزاب البالغ عددهم عشرة آلاف وأن هذه القبيلة كانت وقتذاك من المرتزقة تحارب مع من يدفع أكثر وكانوا على استعداد أن ينسحبوا من المعركة حين ساومهم النبي بدفع شئ من ثمار يثرب لولا أن اعتبر الانصار ذلك دربا من الذلة في الوقت الذي أصبحوا فيه أعزة بالإسلام .

ولقد تعرض المسلمون خلال ل الغزوة المذكورة لأهوال جسام تخلصوا منها بشق الأنفس وما كان لهم أن يسكنوا على الوكر الذي يحاك منه ضدهم التحريض والتآمر لذلك فمن الإنصاف أن يعتبر هجوم المسلمين على خيبر من قبيل الدفاع الوقائي المشروع .

ومن أعجب العجائب ما ذهب إليه مرجليوث من أن الآيات التي تحكي مجئ إبراهيم إلى مكة واستيطان ذريته بجوار البيت بعد ما بناه هو وابنه إسماعيل – هذه الآيات مفتعلة دعت إلى افتعالها رغبة الرسول في تألف اليهود وإثبات صلة قرابة بينهم وبني العرب على اعتبار أن العرب ن نسل إسماعيل بن إبراهيم واليهود من ذرية إسحاق من إبراهيم لذلك جاء في سورة البقرة وهي - مدينة وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر " وكذلك قوله تعالي " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا أنك أنت السميع العليم "

يعلق الأستاذ محمد الغزالي على الكلام المذكور بقوله " والمستشرق الذي يوجه هذا الاتهام إلى القرآن ينسي في غمرة حماسه أمرين :

أولهما: إن الحديث عن إبراهيم وزيارته مكة واتصاله بالعرب لم يبدأ في المدينة تألفا ليهودها وإنما بدأ في مكة حيث لا يهود ولا زلفى ! ففي القرآن المكي سورة اسمها " إبراهيم جاء فيها :" وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام "
والثاني : أن العهد القديم – الذي يري هذا المستشرق "مرجليوث" أنه كتاب مقدس – أثبت قدوم إبراهيم وابنه إلى بلاد العرب فكيف يقول مستشرق متزن الفكر أن آيات سورة البقرة غير صحيحة وأنها قيلت استرضاء لليهود وأنها تخالف القرآن المكي ؟؟".

بندلي جوزي:

يهودي ماركسي من رواد التفسير المادي للتاريخ الإسلامي ألف بالقدس سنة 1938م كتابا بعنوان : من تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام " يمكن اعتباره أحد المصادر الأساسية للمدرسة المادية في فلسفة أحداث التاريخ الإسلامي .
ويحوي الكتاب لمذكور الكثير من المغالطات والاستنتاجات الخاطئة لأن مؤلفة بناها على معلومات كثيرة من نسج خياله دون أن يستند في ذكرها إلى أي مصدر من المصادر وعلى الرغم من ذلك فإن " دار الروائع اللبنانية التي نشرته زعمت – مع الأسف – في كلمة لها على غلاف الكتاب أنه " من أجل ما ألفه المستشرقون حتي اليوم في دراسة الروح العربية وأنه موسوعة أجل من أن تقدر بثمن لأبحاث تستوعب تاريخ الحركات الفكرية في العالم الإسلامي وأننا للمرة الأولي نقرأ بالعربية دراسة تاريخية لأصول الفكر العربي وتطوره خلال عصور طويلة في ضوء العلم والنظريات الاقتصادية الحديثة".

ولا يتسع المجال هنا لمناقشة كل ما جاء في هذا الكتاب من مغالطات ولذا اكتفي بذكر نماذج فقط لما جاء به وهي شديدة الدلالة على تعسف المؤلف وبعده عن المنهج العلمي .

من ذلك : ما زعمه بندلي جوزي من أن اسم النبي صلى الله عليه وسلم كان قبل الدعوة " قثم بن عبد اللات" ضاربا عرض الحائط بكل ما ورد عن اسم النبي في كتب السيرة التي بلغت الثقة في معلوماتها حدا جعل " أرنست رينان " يقول عنها :ط حقا أن السيرة محمد صلى الله عليه وسلم العربية مثل سيرة ابن هشام ميزة تاريخية أكبر من الأناجيل ".

كما يقول جوزي : أن الإسماعيلية والقرامطة وهم في زعمه شيوعيو الإسلام لم يستحسنوا أسلوب محمد صلى الله عليه وسلم حين وعد المؤمنين به بالجنة والكافرين بالنار , وأن هؤلاء تهكموا من هذا الوعد وانتقدوا النبي صلى الله عليه وسلم بسببه أشد الانتقاد .

على أن كلام " جوزي" المذكور لا يتفق مع الحقيقة التاريخية في شئ فقد كانت أطروحتي بماجستير عن القرامطة واستطيع أن أؤكد أن القرامطة – رغم غلوهم – لم ينتقدوا النبي صلى الله عليه وسلم على النحو الذي يشير إليه هذا المستشرق فكان زعيمهم " حمدان قرمط" يصنع لهم طعاما أطلق عليه اسم " البلعة" ويزعم أنه طعام أهل الجنة و ويوزعه على أتباعه نظير سبعة دنانير للبلعة الواحدة وهذا يدل علي ان القرامطة كانوا يؤمنون بفكرة " الجنة " ومقابلها" النار " كما أن المشهور عن طائفة " الحشاشين " – وهم فرع من الإسماعيلية مثل القرامطة – أن زعيمها الحسن الصباح كان يحذر من يرغب إدخالهم في دعوته ثم ينقلهم إلى حديقة غناء وبعد أن يفيقوا يزعم لهم أنها الجنة التي وعد بها المؤمنون , وأن من يدخل في دعوته تكون الجنة من نصيبه.. وهذا يدل أرضا على أن الإسماعيلية لم يرفضوا فكرة الجنة والنار , والتي يزعم هذا المستشرق الماركسي أنهم تهكموا على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بسببها. وأنا هنا لا أدافع عن القرامطة والحشاشين الغلاة ولكني أدلل فقط على أن بندلي جوزي يذكر كلاما لا أساس له من الصحة ووجه الخطورة في ذلك أنه يبني عليه نتائج خاطئة في محاول لتأكيد ما ينادي به من الإلحاد والماركسية .

فمن أقوال بندلي جوزي :" إن سياسة النبي( صلى الله عليه وسلم) مع المكيين قد تغيرت كثيرا في المدينة تحت تأثير عوامل جديدة ولأسباب عديدة وأوجدتها الظروف وأدي إليها الاختيار وحب النبي صلى الله عليه وسلم لوطنه الأصلي وأهله وذويه , إلى غير ذلك من الانفعالات النفسية العوامل السياسية التي ظهرت بعد موقعتي بدر وأحد وحصار المدينة وكان من نتيجتها أن النبي صلي الله عليه وسلم أخذ يلطف من سياسته نحو إخوانه المكيين كما أن أصحاب السلطة في مكة رأوا , بعد ما أصابهم في موقعة بدر وما لحق بتجارتهم من الخسائر أن يتساهلوا في أمور كثيرة مع النبي على شروط تضمن لهم بقاء الكعبة والحج وعكاظ علي ما كانت عليه قبل الإسلام وان يشملهم بالعفو – ألا بعض أشخاص - ويشركهم في عمله الجديد الذي أخذوا يتوقعون فيه خيرا لأنفسهم وربما كان من شروط " التفاهم " أن يبقي النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وأن لا يتعرض في كلامه لأمورهم المالية فكانت الحديبية وسياسة " تأليف القلوب " أو بعبارة أخري سياسة التسامح والتساهل والتبدل فصار الناس " يدخلون في دين الله أفواجا " لا عن اعتقاده بصحة الدين الجديد الذي لم يكونوا يعرفون عنه إلا الشئ القليل بل عن رغبة في التقرب من أصحاب السلطة الجدد وحفظا لمراكزهم القديمة وثروتهم المجموعة في أجيال , ويخيل إلى أن من جملة الشروط التي اتفق عليها الطرفان في الحديبية أو في زمان ومكان آخرين أن يكف النبي صلي الله عليه وسلم عن الطعن في " الملأ" المكي وان لا يحرض صعاليك العاصمة الحجازية وأرقائها عليه , وهذا – على ما ظهر لي أحد أهم أسباب خلو السور المدنية ولا سيما تلك التي نزلت في الدور الأخير من العبارات القارصة والطعن في سكان مكة ".

وثمة ملاحظات كثيرة على كلام هذا المستشرق نورد أهمها فيما يلي :

1- لو صح أن أهل مكة دخلوا في الدين الإسلامي دون اقتناع به ولمجرد التقرب لأصحاب السلطة الجدد - كما يزعم بندلي جوزي – لاتردوا عن الإسلام حين واتتهم الفرصة في أثناء حركة الردة عقب وفاة الرسول صلي الله عليه وسلم لكن الثابت أن أهل مكة تمسكوا بإسلامهم خلال تلك الحركة وأنهم أسهموا بنصيب كبير في القضاء عليها .
2- أن خلو السور المدينة في الدور الخير من العبارات القارصة والطعن في أهل مكة يرجع إلى أن كثيرا منهم أسلموا وهاجروا قبل الفتح وأسلم الباقون منهم بعد الفتح في سنة 8هـ كما أن التركيز في السور المدينة كان على الأمور التشريعية بعد أن نالت الدعوة إلى التوحيد نصيبها من التركيز في السور المكية ولما كان المكيون يعارضون في البداية فكان من الطبيعي أن توضح الآيات في الدور المكي مدي خطئهم وسخف عقولهم ... أى أن هذه الظاهرة لم تكن نتيجة لتفاهم مزعوم بين النبي صلى الله عليه وسلم وأهل مكة على نحو ما يشير إليه هذا المستشرق .
3- يقول بندلي جوزي :" ويخيل لى أن من جملة الشروط التي اتفق عليه الطرفان في الحديبية أو في مكان آخر ..." هذه الشروط المزعومة هي من نسج خيال هذا المستشرق فعلا لأنه لم يوضح زمانها أو مكانها ولا الرواية التي أوردتها أو المصدر الذي استقي منه معلوماته عنها ويجب أن نضع في الاعتبار أن شروط هدنة الحديبية تواترت بنصوصها الحرفية في كتب السيرة النبوية الشريفة وليس هناك مجال لتحريفها بالحذف أو بالإضافة على النحو الذي يحاول " جوزي " أن يفعله .
4- أن بندلي جوزي – كواحد من الماركسيين – يؤمن بنظرية " الجدلية التاريخية" التي نادي بها الفيلسوف الألماني " هيجل" وعدلها " ماركس " إلى " المادية التاريخية " فحلبة التاريخ تجري فيها – في نظر هيجل – مجادلة منطقية متسلسلة , وبموجبها تقوم أولا " الدعوي " ممثلة في النظام والأفكار القائمة ثم يبرز ضدها " جوابها أى أفكار ونظم جديدة وبعد أن يطول الصراع بين القديم والجديد يتدخل العقل الكلي أو الروح العالمية لعقد صلح بينهما على أساس قبول شئ من هذا وجانبا من ذلك ليكون منهما " مزيج جديد" وبمضي الزمن يتحول هذا المزيج إلى " دعوي " لا تلبث أن ينبثق منها " جوانبها ".

ويحدث بينهما الصراع ثم ينعقد الصلح ويأتي إلى حيز الوجود " مزيج" جديد وهلم جر وقد استبعد ماركس فكرة العقل الكلي وجعل " الاقتصاد" هو العامل الأوحد في توجيه مسار التاريخ لما ينشأ عن هذا العامل الأوحد من الصراع الطبقي الذي يحدد هذا المسار ويوجهه.

ومن الواضح أن بندلي جوزي يحاول أن يطبق فلسفتي هيجل وماركس على الدعوة الإسلامية فالنسبة إلى هيجل نجد جوزي يشير في قوله المذكور إلى سياسة التسامح والتساهل المتبادل بين النبي صلى الله عليه وسلم وأهل مكة ثم يؤكد ذلك بقوله :ط الدور المكي كان دور تمهيد واستعداد دور بث دعوة جديدة بين طبقات الأمة دور حرب ونزاع كلامي بين رجل ثابت في مبادئه مخلص في عمله وبين طبقة من الناس شعرت بالخطر على ثروتها وزعامتها في للأبد فهبت تقاوم ذلك الرجل وتناوئه ... وأما الدور الثاني ( الدور المدني ) فكان دور عمل وتنظيم ودور حروب وافتتاحات ودور سياسة ومكاشفات أدت إلى تساهل الطرفين ومعني التساهل في مثل هذه الثورات الاجتماعية هو التنازل عن بعض مطالب أو مبادئ أو التلطف في الطلب والرجوع عن بعض الأفكار أو وضعها في قالب يرضاه الفريقان وهذا كان من أمر النبي العربي ورئيس جمهورية مكة ( ابو سفيان ) الخبير المحنك الذي كان يتكلم بلسان " الملأ" المكي .

وبالنسبة لفلسفة ماركس محاولة بندلي حوزي تطبيقها على الدعوة الإسلامية نجده يزعم في هذا الصدد أن النبي نشأ في أسرة بعضها أغنياء كعمه أبي لهب والعباس وبعضها فقراء كوالده عبد الله وعمه أبي طالب . وهذا التفاوت في الغني والفقر بين أفراد أسرته .

هو الذي دفع محمد إلى تنبي قضية الفقراء في مجتمعه وتأصل فيه هذا الاتجاه أكثر لما اطلع علي شرور الأغنياء من بذخ وترف وذب وغش وخداع وأكل أموال اليتامى وذلك حين تاجر لحساب السيدة خديجة فقاد ثورة اجتماعية ضد الأغنياء لحساب طبقة الفقراء والعمال وكثيرا ما تحدث " جوزي " عن وجود طبقتين في مكة غير متناسبتين في العدد والعدة : طبقة الأثرياء من أصحاب البنوك وسدنة الكعبة وأصحاب السلطة وهي الطبقة الارستقراطية التي كان يطلق عليها اسم " الملأ" أو " الأعزاء" كما يسميها القرآن وطبقة الصعاليك والفقراء والأرقاء وهي الطبقة التي كان يطلق عليها " الأراذل" وطبقا لنظرية ماركس حدث صراع بين هاتين الطبقتين يسميه " حوزي " بالحرب الأهلية .

ومن الواضح أن هذا المستشرق ( اليهودي الماركسي ) يريد أن يدلل على أن الإسلام ليس دينا سماويا وإنما هو مجرد ثورة اجتماعية قادها أحد المصلحين وهو ( النبي صلى الله عليه وسلم ) الذي كثيرا ما يشير إليه باسم " المصلح العربي " ولا عجب !! فقد نقل بندلي جوزي في الفصل الأول من كتابه آراء بعض المستشرقين من أمثال " لا مانس" و" كايتاني" القائلة بان الإسلام لم يكن حركة دينية إذ لم يكن فيه يدنيا إلا الظاهر أما الجوهر فإنه كان سياسيا واقتصاديا وإن من فضل مؤسسي الإسلام ومظاهر عبقريته : أنه أدرك مصدر الحركة الاقتصادية والاجتماعية التي ظهرت أيامه بمكة عاصمة الحجاز وعرف كيف يستفيد منها ويسخرها لأغراضه ( السامية ) دينية كانت أم اجتماعية .

لك يكتف بندلي جوزي بنفي النبوة عن محمد ( صلى الله عليه وسلم ) اعتباره مجرد مصلح اجتماعي , وإنما يتهمه أيضا بالفشل كمصلح اجتماعي فيقول :" إن حالة النبي الاجتماعية في لمدينة تغيرت – كما هو معلوم - تغيرا ظاهرا أدي إلى تغيير نفسيته فكان من نتائج هذا التغيير ومن الأسباب التي ذكرنا بعضها ( يقصد تفاهم النبي مع ملأ مكة حسب زعمه) وغيرها مما لم نذكر (؟) .. أن بعض إصلاحات النبي الاجتماعية والدينية جاءت مبتورة وفيها شئ مما يدعوه الأوروبيون التساهل وكان التفاهم الذي حدث بين النبي صلي الله عليه وسلم (كطرف أول) وملأ مكة ممثلا في أبي سفيان ( كطرف ثان) سببا في إهمال الطرف الثالث وهم الفقراء وهو الطرف الذي استعرت الحرب ( بين الطرفين الأولين ) لأجله وظهرت الدعوة لتحسين أحواله فقد أرضوه في بادئ الأمر بشئ من الصدقات والزكاة ثم نسوه أو تناسوه بعد وفاة النبي وخلفائه الأولين فرجع إلى حالته بل إلى ما هو أسوأ منها ".

ولا شك أن كلام بندلي جوزي المذكور يعد أسوأ نموذج للانحراف العلمي الموضوعي من جانب مستشرق من المستشرقين لأنه كان يؤمن بفكرة مسبقة هي " المادية التاريخية" فحاول تطبيقها على الدعوة الإسلامية مستدلا على ذلك بمعلومات بعضها من نسج خياله ومتعسفا في تأويل البعض الآخر وقد انتهي به المطاف إلى القول بأن الدعوة الإسلامية تولدت من النظام الاقتصادي القائم في قريش وأنها كانت نتيجة للصراع الطبقي الذي نشب بين أهل مكة وأن هؤلاء دخلوا في الإسلام ليس عن اقتناع به وإنما حفاظا على مصالحهم المادية وخوفا من أصحاب السلطة الجدد الممثلين في النبي صلي الله عليه وسلم وصحبه وقد نسي بندلي جوزي أو تناسي إن كثيرا من أغنياء مكة دخلوا في الإسلام بمجرد ظهوره مثل أبي بكر الصديق الذي كان من أعضاء " الملأ المكي" فضلا عن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبد الله وغيرهم .

كما لم يلبث أن دخل فيه أعيان كثيرون منهم عمر بن الخطاب الذي كان هو أيضا عضوا من أعضاء الملأ المكي ولم يكن ذلك حرصا منهم على مصلحة مادية أو خوفا من ذي سلطان لأن الثابت أن هذا النفر من المسلمين الأوائل ضحوا بأموالهم وتحملوا الأذى من قبل أعداء الدعوة الإسلامية الذين كانوا أصحاب السلطان في مكة وقتذاك , كما أن أهل يثرب من الأوس والخزرج دخلوا في الإسلام كلهم غنيهم وفقيرهم ودعوا النبي صلي الله عليه وسلم وصحبه للهجرة إلى بلدهم ولا يمكن أن يقول قائل : أنهم فعلوا ذلك من أجل مصلحة مادية أو خوفا من ذي سلطان لأن الثابت أنه حين هاجر النبي صلي الله عليه وسلم إلى يثرب كان الأوس والخزرج هم أصحاب السيادة في يثرب وأنهم آووا النبي صلي الله عليه وسلم والمهاجرين وأشركوهم في بيوتهم وأموالهم وزر وعهم , فضلا عن أنهم ضحوا بكثير من دمائهم في سبيل نصرة النبي ودعوته .

المجحفون من وراء ستار

هؤلاء فئة من المستشرقين يتصفون بسعة الاطلاع والتعمق فيما يقومون به من دراسات ولا يسئمون من الزعم بأنهم يتوخون الموضوعية في أقوالهم وكتاباتهم وهم لا يهاجمون الإسلام إلا من طرف خفي وكثيرا ما ينطلي هذا الزعم على الآخرين ولذا فإن هذه الفئة تعد – من وجهة نظري – من أخطر المستشرقين على الإطلاق بالنسبة لموقفها من الإسلام والمسلمين وقد ظهر من الفئة المذكورة كثيرون . نخص بالذكر منهم :

سير هاملتون جيب( 1895 – 1965م):

انجليزي من مواليد الإسكندرية بمصر , وخليفة " مرجليوت" في جامعة اكسفورد وعضوا لمجمع العلمي العربي بدمشق , والمجمع اللغوي في القاهرة .
كان يكتب العربية في سلاسة ويروي نصوصها في محاضراته وأحاديثه عن ظهر قلب . وقد شغل كثيرا من المناصب في انجلترا آخرها مدير مركز دراسات الشرق الأوسط , وسافر إلى كل من مصر وسورية وفلسطين والمغرب الأقصى .
ومؤلفاته كثيرة جدا ذكرها العقيقي في نحو صفحتين , منها : " فتوح العرب في آسيا الوسطي وعلاقاتها الأولي ببلاد الصين " ( لندن 1923م) "ما هو الإسلام " ( لندن 1932م) و" اتجاه الإسلام " ( 1947م), و" المحمدية – نظرة تاريخية عامة " ( لندن 1949م) , و دراسات في الحضارة الإسلامية " ( 1963م) و( صلاح الدين " ( 1952م) وله بالفرنسية كتاب " بنية الفكر الديني في الإسلام ".... الخ.

وجيب يعتبر في نظر بعض الغربيين متحيزا للإسلام وحين نشر كتابه عن المحمدية غضبت بعض الهيئات اليهودية فلجأت إلى " الفريد جيوم" فأخرج كتابه " الإسلام " ونشرته له دار النشر اليهودية " بنجوين" في أكثر من طبعة وبيع بثمن زهيد رغبة في كثرة توزيعه وانتشاره .

كما أن " جيب" عند بعض الشرقيين منصف في كتاباته . يقول العقيقي : أنه ( أى جب ) درس العربية على يد سير توماس أرنولد " وقد تأثر بأستاذه الذي كان يطري الإسلام قولا وعملا ولعل تقاليده هي التي دفعت " جيب " فيما بعد إلى تصنيف كتابه المسمي اتجاه العالم الإسلامي .. وهو خير كتبه .

وبالنظر إلى ما يقتضيه هذا البحث من الدقة والإحاطة فقد كلف جيب الأستاذ " ماسينيون" الكتابة عن شعوب المغرب الأقصى , والأستاذ " كامبفاير" عن سكان مصر وآسيا الغربية والأستاذ " برج " عن سكان اندونيسيا والعقيد " فراز " عن شعوب الهند واكتفي المؤلف " جيب" بالمقدمة والخاتمة وقد انتهي بهما إلى أن الإسلام أكبر عامل للتوازن بين فوضي الوطنية الأوربية وزحفت الشيوعية الروسية "

أما العقاد فيعتبر " جيب" منصفا غاية الإنصاف ويشير إلى كتاب " الشرق الأدنى الإسلامي " الذي نشرته جامعة " تورنتو" بندا لمجموعة من المستشرقين منهم هاملتون جيب ويعلق عليه بقوله : " أما البحث الشامل للوجهة العامة بين أطراف الشرق العربي الإسلامي من جميع نواحيه الشامل للوجهة العمة بين أطراف الشرق العربي الإسلامي من جميع نواحيه فهو الموضوع الذي قدمت به المجموعة وعهد به إلى سير هاملتون جيب فوفاه حقه من الدراسة العلمية مع التزام الحيدة الواجبة في المسائل السياسية وتتجلي هذه الحيدة ن تعليق الكاتب على آراء الساسة الغربيين وجلة المفكرين الاجتماعيين التي يصورون بها " حالة" الشرق الإسلامي بعد استقلال شعوبه عن سيطرة الدول الغربية ثم يبنون عليها تقديرهم لمصير هذا الشرق كما يتصورونه أو يتمثلون فسر هاملتون جيب يري أن الساسة الغربيين يعتبرون هذه الحالة حالة فراغ ينتظر الامتلاء كأنهم سيحسبون أن خروج دولة من أحد الأقطار الشرقية يتبعه دخول دولة أخري أو يظل ذلك " القطر " فارغا لا يستطيع أبناؤه أن يملئوه بنظام يعوضه عن النظام الأوربي المفقود ومما يدعو الساسة الغربيين إلى هذا التفكير شيوع الاعتقاد بين مراقبي الأحوال في البلاد الشرقية بانقضاء العد الذي كان الإسلام فيها " قوة فعالة " في تكوين النظم الاجتماعية والسياسية باعتباره قسطاسا مرعبا في الشعائر المعمول بها والفرائض المتبعة والعادات السارية في شئون المعيشة اليومية "ز ويقارن العقاد بين توينبي وجيب في كتابه كل منهما عن التاريخ الشرقي الإسلامي على الخصوص فيقولوا :" إن توينبي يحس عرض الحوادث ويقصر غاية التقصير في فهم " الشخصيات " ولا سيما شخصيات البطولة والعظمة ...

ولكن التقدير " الشخصيات " والحوادث معا يستوفي حقه في كتابة " جيب" فلا يغفل الفوارق بين دلائل العظمة والبطولة في قادة التاريخ الإسلامي , ولا يفوته أن يرجع بهذه الفوارق إلي أسبابها" ونري – بقول العقاد – من مراجعة الطرائق التاريخية التي يتبعها المستشرقون أن طريقة جيب في تمييز " أنواع البطولة " بين من كتب عنهم من قادة المسلمين هي المثل المختار لمن ينصف البطولة حيث كانت ويبني أنصافه على الأسباب الأعمال .. ويعينه على ذلك اطلاع واسع وقدرة على العلم بما يأخذ به وما يدعه مما يطلع عليه ".

على أن الإطراء المذكور على هاملتون جيب يجب ألا ينسينا حقيقة أهداف هذا الرجل واضعين في الاعتبار أن المسلمين في الوقت الحاضر لا يشكلون خطرا سياسيا بالنسبة للغرب ولذا لا يجد كثير من المستشرقين غضاضة فى الانتصاف للمسلمين سياسيا من ذلك ما فعله توينبي حين هاجم الكيان الإسرائيلي وطالب العرب بضرورة التكاتف والاستماتة للقضاء عليه ومثل جيب الذي يتحدث عن خطأ نظرية ملء على النحو المذكور ويشيد ببعض يقول عنه " لم يكن في زمانه كله من هو اقدر منه على جمع القوي وتأليف الشعاب واختيار الزمن والموقع الذي يصلح للهجوم أو يصلح للدفاع وبطبيعة الحال لا يشكل هذا القول ضررا بالنسبة للغرب إلا أنه يضفي على ما يقوله صاحبه " هالة " من الإنصاف والموضوعية فيخدم الغاية الحقيقية التي يسعي إلى تحقيقها .

وتتضح غاية جيب المغرضة من قوله في كتاب " وجهة العالم الإسلامي :" لقد استطاع نشطنا التعليمي والثقافي , عن طريق المدارس العصرية والصحافة أن يترك في المسلمين – ولو عن غير وعي منهم – أثرا يجعلهم في مظهرهم العام لا دينيين إلى حد بعيد ! ولا ريب أن ذلك هو اللب المثمر في كل ما حاوله الغرب لحمل العالم الإسلامي على حضارته .."

وعلى الرغم من أن جيب ينتقد الغربيين الذين يتمسكون بنظرية ملء الفراغ في البلاد التي وقعت تحت نير الاستعمار إلا أنه ينبه أبناء جلدته بأن انطباعهم عن المسلم غير صحيح ويشير إلى أن المسلمين لا يزالون يغارون على عقيدتهم بقوله :" إن هذا التفكير الغربي لا يطابق الواقع لأن المسلم هو المسلم في رأي نفسه , وليس هو المسلم علي صبغة يصبغه بها ألأجانب عنه حسبما يتصورونه من شعائره وفرائضه عاداته ولا صح أن نفهم أن المسلمين ابتعدوا عن حظيرة الإسلام وهم أنفسهم يشعرون بأنهم مسلمون يغارون على العقيدة ويريدون البقاء في حظيرة هذه العقيدة ".

كما يتحدث " جيب" عن بنية التفكير الديني في الإسلام فيقول " إنما هي معظم ما كان لدي الغرب في جاهليتهم من العقائد الغيبية والطقوس الشكلية النابعة من اعتقادهم في الأرواح – فقد تأمل محمد صلي الله عليه وسلم فيها فغير ما أمكنه تغييره – ثم عمد إلى الباقي الذي استعصي عليه التخلص منه فألبسه حلة الدين الإسلامي ودعم هذه العقائد والرموز بهيكل من الأفكار والمواقف الدينية الملائمة ولما كان محمد يريد أن يشمل دينه الشعوب الأخرى غير العربية الملائمة ولما كان محمد يريد أن يشمل دينه الشعوب الأخرى غير العربية ادخل ذلك كله ضمن منهج القرآن . كما أن تضخم كتلة الحديث كان نتيجة لقوة التيار الديني في القرن الأولي .. حيث استمد محمد أكثر عناصر حديثه من التراث الديني المسيحي بل البوذي ".

ومن الواضح أن جيب " يريد من قوله المذكور أن ينوه بأن القرآن من تأليف محمد صلي الله عليه وسلم وأن الدين الإسلامي عبارة عن عناصره من التراث المسيحي وأن الحديث النبوي زيد فيه وتضخم فى القرون التي أعقبت وفاة النبي صلي الله عليه وسلم .. وهذه هي غاية ما يسعي إليه هذا المستشرق وكثيرون من أمثاله .

وقد ذكر جيب الكلام المذكور عن الإسلام في كتابه " بنية الفكر الديني في الإسلام " ثم أكده مرة أخري في كتابه " المحمدية ".

درمنجم:

فرنسي في وقت من الأوقات مديرا لمكتبة الجزائر ومن أشهر كتبه " حياة محمد " ( باريس 1929م) الذي نقله إلى العربية الأستاذ عادل زعيتر وله أيضا " محمد والسنة الإسلامية" ( باريس 1955م) و" ذكريات الأمير عبد القادر " ( نشره الدراسات العربية 1949م) و" الجمعيات السرية في الجزائر " ( المجلة الإفريقية 1953 م).
وقد لفت كتابه " حياة محمد " الأنظار وسلطت عليه كثير من الأضواء , منذ تحدث عنه الدكتور محمد حسين هيكل في ملاحق " جريدة السياسة " الأسبوعية تحت عنوان : حياة محمد لدرمنجم نقد وتعليق " وقد أشاد هيكل بحيدة هذا المستشرق وإنصافه إلى درجة أنه حين ألف كتابه عن السيرة النبوية فيما بعد اختار له نفس العنوان وهي " حياة محمد " ونق فيه بعض أقوال درمنجم, وبخاصة في موضوع " الإسراء والمعراج".
واطري العقيقي كتاب درمنجم " حياة محمد " بقوله :" وهو خير ما صنفه مستشرق عن النبي صلي الله عليه وسلم , ويرجع إليه علماء لمسلمين ".

كما أثني الأمير شكيب أرسلان أيضا على درمنجم بقوله :" وممن كتب في هذه السنين الأخيرة في موضوع السيرة النبوية المحمدية المسيو أميل درمنجم من كتاب الفرنسيين وممن أقام ببلاد المغرب وخالط المسلمين وهو وأن كان مسيحيا كاثوليكيا فمن المسحيين ذوي الوجدان والميل إلى الإنصاف.

ولما قدمت الحكومة الفرنسية في المغرب على إلغاء الشريعة الإسلامية من البربر وأخذت تشبث بالوسائل المتعددة لأجل إخراجهم من الإسلام وتربيتهم في النصرانية كان هذا الكاتب ممن أقاموا النكير علي هذه السياسة ورآها مخالفة لمصلحة فرنسا وماسة بكرامتها في العالم وقد نشر رأيه هذا بدون محاباة في الجرائد .

فأما كتابه في السيرة فقد أسماه " حياة محمد " وهو من أهم الكتب وقد صدر بمقدمة يقول فيها : أنه لا يوجد في الدنيا أمكنه أن ينكر وجود محمد ( صلي الله عليه وسلم ولكن وجد من ينكرون بعض ما جاء في ترجمة محمد صلي الله عليه وسلم من الكتب العربية). ومن الناس من يتجاوز الحد في النقد والاعتراض حتي يقع في الظلم .

أما أنا فقد جعلت كتابي سيرة حقيقية مبنية على المنابع العربية الأصلية بدون إهمال جميع ما وصلت إليه تدقيقات المتخصصين في هذا الموضوع في الأزمنة الأخيرة وقد أردت أن أمثل لمحمد ( صلي الله عليه وسلم صورة مطابقة له بقدر الاستطاعة كما فهمته من الكتب التي قرأتها وأنعمت النظر فيها ومن مشافهة الإحياء من المؤمنين به ".

والحق أن كتاب درمنجم المذكور عن النبي صلي الله عليه وسلم به كثير من الأخبار الدقيقة غير المحرفة , كما أن مؤلفه استنكر كثيرا من افتراءات غيره من المستشرقين الذين كتبوا عن النبي صلى الله عليه وسلم فإذا أضيف إلى ذلك موقفه من السلطات الفرنسية التي أرادت إكراه مسلمي الغرب العربي على اعتناق المسيحية بطريق القمع والإرهاب اتضح لنا المبررات التي جعلته يبدو منصفا في نظر البعض على النحو المذكور .

علي أن انطباعي عن درمنجم – من خلال تقويمي لكتابه " حياة محمد " – يختلف عن الذين اثنوا عليه كل اختلاف فهذا المستشرق – من وجهة نظري – اتخذ من الإنصاف في بعض الأمور معبرا للنفاذ إلى غرضه الأصلي , وهو هدم الدين الإسلامي عن طريق التشكيك في القرآن الكريم والطعن في نبوة محمد صلي الله عليه وسلم مستخدما في ذلك ما أوتيه من سعة الاطلاع وعمق الدراسة ولا يفوتني أن أنوه إلى أن الأمير شكيب أرسلان وأن امتدح درمنجم لبعض مواقفه وأقواله لا أنه لم يوافقه في كثير من آرائه ورد على بعض مغالطاته .

ومن الملاحظ أ ن درمنجم شلك الخطة التالية للوصول عن طريقها إلى غايته :

1- المح في مقدمة كتابه " حياة محمد " إلى أنه سيتوخي الاعتدال والإنصاف على عكس أولئك الذين ظلموا النبي من المستشرقين وأورد بالفعل كثيرا من الحقائق غير المحرفة .
2- استنكر كثيرا من افتراءات المستشرقين الذين كتبوا عن النبي من قبله ليس لأنه يميل إلى الإنصاف وإنما لأن هذه الافتراءات واضحة البطلان وتدل على سذاجة التفكير لدي القائلين بها .
3- دعا إلى التقريب بين الإسلام والمسيحية وتطلب ذلك المقارنة بينها في بعض القضايا وقد خلص درمنجم من هذه المقارنات إلى أنه ليس ثمة خلاف بينهما وبالنسبة لقضية " صلب " المسيح شكك المؤلف في القرآن الكريم من ناحية وفسر ما يتعلق منه بهذه القضية على هواه مؤكدا في النهاية صحة موقف الكنيسة . وحين عقد المقارنات المذكورة لم ينسي أن يمتدح الموقف المسيحي مع شبيهه في الإسلام وبخاصة إذا كان ذلك يتصل بالناحية العقائدية أما إذا كان الأمر لا يتعلق بهذه الناحية فلم يجد مانعا من القول :" أن أكثر العداوة بين المسيحيين والمسلمين غنما جاء من قبل المسيحيين".
وفي دعوي التقريب بين الإسلام والمسيحية قال درمنجم :ط أن في الإسلام مبادئ كثيرة قد اعتقدت بها النصرانية منها : خروج آدم من الجنة لكونه عصي ربه في الأكل من الثمرة الممنوعة , وكذلك قضية سقوط إبليس الذي استكبر أن يسجد لآدم في عقيدة الإسلام يماثلها في النصرانية سقوط الشيطان الذي أبي أن يعتقد بالكلمة المتجسدة ومما اتفقت فيه العقيدتان رسالة نوح وإبراهيم وموسي والأنبياء والكتب المقدسة والملائكة والمسيح الدجال واليوم الآخر والبعث والحشر والحساب وتري الإسلام في هذه الأمور كلها أقرب إلى النصرانية منه إلى اليهودية .
ثم يقول درمنجم : أن الإسلام ينفي موت المسيح مصلوبا مهينا بل يقول أن الله قد رفعه إليه ولم يبق في أيدي اليهود إلا شبحا أو شخصا آخر شبه بالمسيح ... فهذه العقيدة التي هي مستغربة عقلا وتاريخا وهادمة لأجمل قصة معروفة في العالم مستفادة من آية قرآنية " مشابهة " هي : " وقولهم أنا قتلنا المسيح عيس بن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم .." فإذا فكرا في أن المصحف الحالي تاريخه زمن عثمان وحجاج وأن سائر المصاحف قد أبطلت وأن المصحف نفسه لم يكن فيه شكل ولا نقط فيقرأ منه كثير على وجهين أمكننا أن نتساءل !! هل هذه الآية القرآنية المنقوصة بآيات أخري كافية لحفر هذه الهوة العميقة بين ملتين كل شئ ما عدا هذه العقيدة جامع موحد بينهما .
ثم يقول : لو فرضنا وجوب أخذ هذه الآية ".... ولكن شبه لهم .." على ظاهرها فلا مانع من ذلك بحسب عقيدة الكنيسة نفسها , لأن آباء الكنيسة ما زالوا يقولون أنه ليس ابن الله هو الذي صلبه اليهود وأماتوه على الصليب وإنما البيعة البشرية التي في المسيح .

وهكذا لا يكون اليهود قتلوا كلمة الله الأبدية و ولكن يكونون قتلوا الرجل الذي شبهها واللحم والدم المتجسدين في بطن مريم ... وبذلك لا يكون القرآن فيما قاله بشأن الصلب إلا مؤيدا عقيدة الكنيسة الكبرى وهي أن في المسيح طبيعتين إلهية وبشرية وأن القتل وقع على الطبيعة البشرية فقط ".

على أن حكم درمنجم على آية " وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم " بأنها متشابهة ومنقوضة باطل من أساسه فهو قد بني هذا الحكم علي أساس ما يزعمه من أن القرآن الكريم لم يحرر إلا بعد نزوله بكثير وأن خلفاء النبي حملوا الناس على نسخة واحدة من المصحف وأحرقوا ما عداها وان كثيرا من الآيات لم يقع فيها الترتيب اللازم وأنه لا يعلم بالتمام هل أدخل في القرآن شئ من الحديث النبوي أم لا ؟ , ويشير إلى أن بعض الروايات تفيد أن القرآن كان به أسماء سبعة رجال من قريش فلم يبق منه " بعد حرق المصاحف الأخرى غير مصحف عثمان " إلا اسم أبي لهب .ز إلى غير ذلك من المغالطات .

ولا شك أن درمنجم يجهل الحقيقة بالنسبة لتدوين القرآن أو هو يتجاهلها إذ من الثابت أن آياته الكريمة كانت تحرر فور نزولها على قطع الحجارة المصقولة وجريد النخل والعظام فكان الرسول صلي الله عليه وسلم يأمر كتاب الوحي أن يدونوا الآيات والسور بحسب نزولها كما كان بعض الصحابة يدون ما يحفظه لنفسه مثل : عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ومن الثابت أن عبد الله بن مسعود تلا ما دونه أمام النبي صلي الله عليه وسلم في مكة وأن أبي بن كعب فعل ذلك في المدينة بعد الهجرة أما زيد بن ثابت فقد تلا ما دونه أمام النبي صلي الله عليه وسلم بحجة الوادع أى بعد نزول أخر آية من القرآن الكريم وأن الرسول صلي الله عليه وسلم أقره على ما هو عليه .

ومعني هذا أن ترتيب آيات القرآن كل في سورته المحددة تم في حياة النبي صلي الله عليه وسلم وأن كثيرا من الصحابة كانوا يحفظونه عن ظهر قلب على أساس هذا الترتيب وفي عهد أبي بكر عهد إلى زيد بن ثابت بالذات بجمع مصحف من الرقاع والعسب وقطع الأديم وعظام الأكتاف والحجارة ومضاهاة ذلك بما هو محفوظ في صدور كثير من الصحابة فقام زيد بهذا العمل على أتم وجه .

وفي عهد عثمان بن عفان عهد إلى زيد أيضا وثلاثة من المهاجرين هم : عبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام بنسخ عدة مصاحف من المصحف الذي جمع في عهد أبي بكر وقد أوصاهم عثمان بقوله : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنه نزل بلسانهم وبعد أن نسخوا المصاحف تم إرسال نسخة منها لكل بلد إسلامي وأمر الخليفة بإحراق المصاحف الأخري التي تخالف مصحفه ترتيبا أو قراءة , إذ كان من أهم خصائص مصحف عثمان أن سوره رتبت ونسقت وهي التي نجدها اليوم في كل المصاحف .

وخلاصة القول : أن القرآن جمع من مصدر مدون ثم عرض على ما في صدور الرجال أكثر من مرة وكان ذلك بين مئات وألوف الناس يستحيل تواطؤهم على الكذب أو زيادة أو نقصان .

ولذلك اطمأنت النفوس واقتنعت العقول بأن هذا هو القرآن الكريم ما أنزل , وأصبح ما يروي خلاف ذلك لا يعبأ به . وأما الاختلاف في وجوه القراءات فهو شئ آخر لا يتعلق بالكلام الإلهي نفسه , بل بكيفية قراءته , وقد كانت لهجات العرب تختلف بعض الشئ كما لا يخفي كما أن الله تعالي " وضع عقوبات مشددة لمن يكذب أو يفتري على كتابه قال :" ويوم القيامة تري الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوي للمتكبرين ) .. فكيف يتصور أن من صاحبوا الرسول قرابة ربع قرن يصلون وراءه بالقرآن ويتدارسونه ويدرسونه ويحكمون به ويقضونه ويقاتلون به ويسألون به – كيف يتصور أنهم يتآمرون على القرآن أو يحرقونه أو يغفلون تسجيله كما نزل ؟؟".

أعود إلى درمنجم الذي لا أشك في أنه يريد من كلامه عن التشابه بين الإسلام والمسيحية ومن التشكيك في أية آية قرآنية أو حديث نبوي يفهم منه وجود تعرض بينهما – يريد أن يقول : أن الإسلام لم يأت بجديد وقد أفصح عن ذلك صراحة بقوله :"وبالجملة فالنصرانية تتضمن الإسلام وتزيد عليه بعض أشياء كما يقول في موضع آخر من كتابه : " وكان هو " أى محمد صلي الله عليه وسلم ) قد عرف الله وعرف العقيدة بالله عند نصاري سورية أو مكة ".

وقد قوم الدكتور عبد الجليل شلبي آراء درمنجم بالنسبة للإسلام في كتابه " صور استشراقية " وملخص ما جاء به : أن هذا المستشرق عدد فصلا في كتابه " حياة محمد " بعنوان " النصرانية والإسلام كما صوره بفضل عن سلمان الفارسي .

وفي كتاب آخر له بعنوان " محمد " عقد فصلا بعنوان " اليهودية والمسيحية" وفي كلا الفصلين بسط الحديث جهد البسط فيما يمكن أن يتصور من صلة بين محمد وبين الكتابين.

أما عن سلمان الفارسي فذكر درمنجم أنه أفاد من اليهودية والمسيحية والفارسية , وأنه كان ذا نفوذ حتي استطاع أن يتدخل في حرب بين المسلمين وقريش وهما أكبر المجتمعات العربية في هذا الوقت , ومعني ذلك أن هذا النفوذ يسوغ له أن يؤثر في أفكار محمد وقد انتهي درمنجم إلى القول .

بأن المسيحية كانت تحيط بالجزيرة لعربية من كل جوانبها فكانت في مصر والحبشة واليمن وكانت بين بعض القبائل العربية من لحم وغسان وتغلب وبني كلب وكانت القوافل العربية تمر بسكان هذه لتخوم وتعرف منها معلومات عن المسيحية وكانت مكة مركز تجارة رائجة وكان بها مسيحيون منهم جبير بن مطعم الرومي ورفيقة نيسار الرومي وكان محمد صلي الله عليه وسلم يكثر الجلوس لديهما وكان الشاعر الثقفي أمية بن أبي الصلت يذكر في أشعاره قصص الأنبياء السابقين وكان يرجو أن يكون النبي صلي الله عليه وسلم الذي جاء ذكره في الكتب المقدسة .

وبجانب هؤلاء المسيحيين كان هناك الحنفاء الذين درسوا المسيحية فأخذوا عنها بعضا وتركوا البعض الآخر كذلك كانت الزردشتية معروفة كما كانت هناك الوثنية التي عليها الجاهلون.

وقد اتصل محمد صلي الله عليه وسلم بهؤلاء وسمعت منهم أذنه المرهفة ووعي قلبه الذكي عن هذه الديانات كثيرا ثم كان اختلاؤه بنفسه وعمله في الصحراء مما زاده رفاهة حس ودقة تأمل وشغل محمد صلي الله عليه وسلم نفسه بالبحث عن دين يخلو من متناقضات هذه الأديان كلها فلجأ إلى غار حراء يفكر ويتأمل حتي هداه تفكيره إلى مبدأ التوحيد المطلق.

يقول الدكتور عبد الجليل شلبي :" إذا نحن جارينا درمنجم في هذه الفكرة نجد أن محمد صلي الله عليه وسلم كان رجلا مثقفا استطاع أن ينخل هذه الأديان , وأن يستخرج منها هذا الدين الذي جاء به . ولا تأتي الموازنة بين الأديان واختيار الجانب الأفضل فيها إلا لمن له دراسة عميقة والمام شامل بهذه الأديان وفلسفاتها – فأني لمحمد صلي الله عليه وسلم هذا كله ؟".

وليس هناك أي مصدر تاريخي يشير إلى أن الموالي الذين كانوا بمكة أو بضواحيها كانوا يقومون بأعمال تبشيرية قبل ظهور الإسلام .

كما أن قريشا لم تكن لتسمح لهم بمثل هذا العمل , ولقد رأيناها تشن حملات تعذيب عنيفة على الذين دخلوا في الإسلام من الموالي , ولم يسلم من آذاها كبار المسلمين السابقين هذا فضلا عن ان الطائف ظلت على وثنيتها حتي العام الهجري التاسع على الرغم من أشعار أمية بن أبي الصلت ومن الثابت أنهم حين رضوا بالدخول في الإسلام حينذاك طلبوا من النبي صلي الله عليه وسلم إلا يهدم صنمهم " اللات" وأنهم قتلوا سيدهم عروة بن سعود حين حاول هدم هذا الصنم. المعجز الذي تحدي الجن والإنس ومنهم أهل الفصاحة من العرب – أن ياتوا بسورة من مثله ؟؟ أن هذا اقرآن الكريم لا يمكن إلا أن يكون وحيا من لدن حكيم خبير .

4- تعمد درمنجم أن يلفت الأذهان إلى أن المسيحية اسمي من الإسلام في مواضع عدة من كتابه " حياة محمد " فهو يقول مثلا :ط ولا يخلو الأمر من مشابهة بين المسلمين الأولين والمسيحيين الأولين في الاستباق إلى الشهادة ولا شك في أن الشهيد المسيحي الأول القديس " اتياتوس" الذي كان يدعو لقاتليه يستحق منا الإعجاب أكثر من الشهيد المسلم الأول " خبيب" الذي كان يدعو على أعدائه "
كما انه على الرغم من أن درمنجم دافع عن مبدأ تعدد الزوجات في الإسلام وقال : أن التعدد الرسمي ليس أسوأ من التعدد غير الرسمي إلا أنه عاد فقال :ط كنا نودد لو أن محمدا لم يجز تعدد الزوجات أصلا "..
أى أن هذا المبدأ في الإسلام رغم مميزاته لا يرقي في سموه إلى موقف المسيحية في هذا الصدد ومن الواضح أن قول درمنجم المذكور يوحي بأن محمد صلي الله عليه وسلم هو الذي يشرع من عند نفسه .
5- طعن درمنجم النبي صلى الله عليه وسلم الدين الإسلامي ببعض الأقوال في كتاب " حياة محمد من ذلك قوله :" ... لكنه ( أى محمد صلى الله عليه وسلم ) على كل حال بقي صادقا في دعوته ثابتا متينا , وأن كان قد أخطأ فإنه لم يكذب قط" يقول في موضع آخر :" ولم يسكره ( أى محمد صلي الله عليه وسلم ) الظفر بل عفا عندما قدر , ولم يكن المال ولا شئ من غنائم هذه الدنيا ذا قيمة في نظره وكان يفضل عليها كلها اهتداء رجل واحد إلى الإسلام .
ولم يكن يؤلمه إلا شئ واحد كان يجده فى أعماق نفسه وهو عدم فهم الكثيرين للمقصود من رسالته وانضمام كثيرين إليه لا حبا بها بل التحاقا بالحزب الغالب ".

ومعني الكلام المذكور – رغم ما أحاطه درمنجم من تذويق – أن النبي صلي الله عليه وسلم يخطئ مع أن الأنبياء بحسب الشريعة الإسلامية معصومون كما أن كثيرين دخلوا الدين الإسلامي عن غير اقتناع به وإنما مجاراة لأصحاب السلطة وهو نفس الكلام الذي زعمه المستشرق اليهودي الماركسي بندلي جوزي وسبق ذكره .

يتضح لنا من الخطة التي سلكها درمنجم وعرضنا تصورا لها أن هذا المستشرق تظاهر بالموضوعية والإنصاف إلا أنه كان يضمر الكيد للإسلام فحاول الطعن فيه مستخدما أسلوبا شديد الالتواء , ومستغلا لما أوتيه من سعة الاطلاع وعمق الدراسة .

غولدسيهر:( 18501920م)

- يهودي مجري درس اللغات السامية على يد كبار أساتذتها في بودابست وليبزج وبرلين وليدن وانتدبته الحكومة للقيام برحلة إلى سورية في سنة 1873م فصحب هناك الشيخ طاهر الجزائري مدة ثم تركها إلى فلسطين ومصر حيث درس العربية على شيوخ الأزهر وتزي بزيهم وقد اشتهر بكتاباته وتحقيقاته في تاريخ الإسلام وعلومه حتي عد من اعلام المستشرقين وانتخب عضوا في مجامع علمية كثيرة كما أسهم في عدد من مؤتمرات المستشرقين واحتوت مكتبته على عشرات الآلاف من المجلدات في العلوم والفقه والفلسفة والفنون واللغة والأدب وبصفة احد المستشرقين بقوله : أنه أكبر العلماء اليهود على الإطلاق ومكتبته التي تضم 28 ألف مجلد هي الآن في إسرائيل .
وقد سرد العقيقي مؤلفاته وتحقيقاته ومقالاته في نحو صفحتين منها : كتابة " الإسلام " بالألمانية( بودابست 1881م) نقله أرن إلى الفرنسية بإشراف المؤلف بعنوان " العقيدة والشريعة في الإسلام "( باريس 1920م) ثم نقله إلى العربية الدكتور محمد يوسف موسي والأستاذ عبد العزيز عبد الحق وله أيضا كتاب " المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن " و" الحديث في الإسلام " ( 1909م) و" إخوان الصفا 1910م) والمعتزلة والمترادفات العربية " ( 1918م) و" دراسة عن النبي " ( المجلة الأسيوية البريطانية 1912م).
ولا جدال في أن المستشرق المذكور كان واسع الاطلاع كثير الإنتاج ذائع الشهرة وقد مكنه ذلك من الدس على الإسلام في كتاباته مع القدرة الفائقة على التمويه والخداع .. ومن هنا تكمن خطورته.
وقد ذكر العقيقي أن غولد سيهر تضلع في اللغة العربي " واشتهر بتحقيقه في تاريخ الإسلام وعلوم المسلمين وفرقهم وحركاتهم الفكرية تحقيقا فريدا في بابه فعد من أعلام المستشرقين واعترف له عظماؤهم بطول الباع وصدق النظر والبعد عن الهوي " وقال عن كتاب غولد سيهر " العقيدة والشريعة في الإسلام :" وهو كتاب لم يضارع حتي الأن على ما فيه من هفوات في مقارنة التوحيد وسوف نري – على خلاف ما قال العقيقي أنه كتاب أفرغ مؤلفه بين دفتيه كل ما في أحشائه ن شغائن وأحقاد ضد الإسلام .

ومما يدل على خطورة غولدسهير أن بعض الكتاب المسلمين ممن لهم أقدارهم امتدحوا وأثنوا فيصفه الأمير شكيب أرسلان بأنه سيد المحققين وحجة المستشرقين وذلك في معرض تعليقه علي عبارة وردت بالصفحة الثالثة من كتاب " العقيدة الشريعة في الإسلام " ونصها :" أن دعوة النبي العربي كان فيها نخبة مبادئ دينية اعتقدها هو بالاختلاط مع اليهود والنصاري وغيرهم واقتنع بها ورآها جديرة بإحياء الشعور الديني بين قومه ولقد كانت هذه المبادئ المقتبسة من الأديان الأخرى في نظرة ضرورية لتثبيت سير الإنسان بحسب الإرادة الإلهية فتلقاها هو بصدق وأمانة وبمقتضي إلهام أيدته فيه المؤثرات الخارجية وجاءه وحيا إليها كان هو مقتنع بكونه وحيا إلهيا نازلا على لسانه ".

ويري أرسلان في غولد سهير أنه " من علماء المنصفين الذين ينشدوا الحق ويغوا التحري جهد طاقتهم وقد كانت خلاصة رأيه وزبدة ذكره قوله : أن محمد صلي الله عليه وسلم كان صادقا وكان أمينا وكان معتقدا بأن الله ابتعثه لهداية قومه وإرشاد البشرية إلى الدين القيم وكان مقتنعا بأن الله تعالي يوحي إليه .

وأما قول غولدسيهر إن الإسلام فيه نخبة مبادئ أصلها من اليهودية والمسيحية فليس فيه شئ يدعو إلى الإنكار وما جاء القرآن إلا مصدقا لما بين يديه من التوراة والإنجيل والإسلام إنما هو ملة إبراهيم حنيفا وقد جاء محمد صلي الله عليه وسلم بتأييد تلك الملة إلا بنقضها كما لا يخفي ".

على أن انطباع هذا الكتاب المسلم بالنسبة لكلام غولدسيهر ليس صحيحا بالمرة , وإنما الصحيح هو ان هذا المستشرق يقصد من قوله المذكور ان الإسلام ليس دنيا سماويا بل توليفة من اليهودية والمسيحية وغيرهما عملها محمد ( صلي الله عليه وسلم ) بنفسه واعتقد ( مخلصا) أنها ضرورية الإصلاح أحوال قومه , كما أعتقد ( مخلصا أيضا أنه يوحي إليه بذلك ومن الواضح أن غولد سيهر لا يقر بان الله هو الذي شرع الإسلام وأوحي به إلى نبيه وإنما يزعم ان النبي صلى الله عليه وسلم اقتبس تعاليمه بنفسه من الأديان الأخرى واعتقد أنه يوحي إليه بذلك ومن الجدير بالذكر أن غولد سيهر في كتابه المذكور أن النبي ( صلي الله عليه وسلم ) لم يكن يخطط لعالمية الإسلام واقتصرت جهوده على نشره بين قومه العرب فحسب ولم يصبح الإسلام عالميا إلا بعد نجاح الفتوح الإسلامية في عهد دولة الخلفاء.

كما أن هناك فرقا شاسعا بين أن يشتمل القرآن على بعض مبادئ الديانتين السماويتين السابقتين له وهما اليهودية والمسيحية وبين أن تكون مبادئه قاصرة عليهما ... فإذا لم يضف الإسلام جديدا ويصحح ما حرف من قبل ظهوره , فما جدواه إذن وما الحكمة من ظهوره ؟؟.

وبذلك يتضح لنا أن عبارة غولد سيهر المذكورة فيها مغالطات وتطعن الإسلام في الصميم ومع ذلك يعلق عليها كاتب مسلم بالثناء والمديح واصفا قائلها بأنه من العلماء المنصفين الذين نشدوا الحق وبغوا التحري جهد طاقتهم .

ومن الكتاب المسلمين الذين امتدحوا غولدسيهر أيضا الدكتور محمد يوسف موسي وزميله اللذين قاما بترجمة كتاب هذا المستشرق " العقيدة والشريعة في الإسلام ومما قالاه :" ومما لا ريب فيه أن الكتابين الأخيرين "الكتاب المذكور وكتاب " المذاهب الإسلامية في تفسير القرآ]] " اتضح ما كتب المؤلف عن الإسلام وأشهر ما ترك من تراث قيم كبير كما امتدحا كتاب " العقيدة الشرعية في الإسلام " بقولهما :" والكتاب دراسة تفصيلية للإسلام من جميع نواحيه ومن ناحية رسوله والشريعة ونموها والعقيدة وتطورها و والزهد والتصوف ونشأتهما والعوامل التي أثرت فيهما والفرق الإسلامية المختلفة ثم الحركات الأخيرة الإصلاحية في رأي أصحابها وقد استند المؤلف في كل قسم من أقسام الكتاب وكل بحث من بحوثه إلى طائفة كبيرة من المراجع الإسلامية الموثوقة بها ويسعفه عقله الألمعي وبصيرته النافذة على حسن الإفادة منها.

ومع هذا فقد انساق إلى أخطاء يسيرة بعوامل قد يكون منها: أنه لم يستطيع أن ينفذ تماما إلى روح الإسلام ومبادئه وأصوله وقد تكون منها كذلك ما هو طبيعي في كل ذي دين وثقافة خاصة من العصبية لدينه وثقافته.

ثم يقولان: ونرجو بعد هذا كله , أن نكون قد قمنا ببعض ما يجب علينا نحو الإسلام والدراسات الإسلامية وإمداد المكتبة العربية بخير ما كتب الغربيون من هذه الدراسات والله ولي التوفيق ".

وقد علق الأستاذ محمد الغزالي على التقديم المذكور بقوله " ويؤسفني أن أرفض المقدمة التي كتبها الأستاذ الدكتور محمد يوسف موسي لهذا الكتاب ومؤلفه .ز والحق أن الكتاب من شر ما ألف عن الإسلام , وأسوأ ما وجه إليه من طعنات وأن التعليقات القليلة التي جاءت في ذيل بعض الصفحات في الترجمة العربية - كانت سدودا أمام موجات طاغية من الإفك والعدوان.

أن هذا المستشرق من أعمدة المستشرقين ودهاتهم ولا شك أنه قرأ كثيرا من الأصول والمصنفات الإسلامية لكنه منذ قرأ وكتب لم يحمل بين جنبيه إلا فؤادا مترعا بتكذيب الإسلام فهو يدس أصبعه في كل شئ ليتخذ من أي شئ دليلا على أن محمد صلي الله عليه وسلم كاذب وقرآنه مفتعل وسنته مختلفة والإسلام كله منذ جاء – إلى أن بلغنا مجموعة مفتريات ".

ويمكن أن نلخص أهم هذه المفتريات فيما يلي :

1- الدين الإسلامي :

(أ‌) منقول عن اليهودية والنصرانية وغيرهما , يقول غولدسيهر " أن محمد ( صلي الله عليه وسلم ) انتخب تعاليم الإسلام من الديانات السائدة في عصره اليهودية والنصرانية والمجوسية والوثنية , بعد تهذيب وصقل ".
(ب‌) مبادئه محدودة تافهة ن فكرة الإسلام عن الله أدني من فكرة الأديان السابقة كما أنه من العسير أن نستخلص من القرآن عقيديا موحدا متجانسا وخاليا من المتناقضات .
(ت‌) ين التبعية والخضوع

2-القرآن الكريم :

من صنع محمد صلي الله عليه وسلم يقول غولد سيهر :" بديهي أن التغيير الذي حدث في الطابع الشخصي لمحمد (صلي الله عليه وسلم) قد اثر في أسلوب القرآن وشكله الأدبي .. في العصر المكي جاءت المواعظ التي قدم فيها محمد ( صلي الله عليه وسلم ) الصور التي أوحتها حميته الملتهبة في شكل وهمي حاد , ولكن حمية النبوة وحدتها أخذت في عظات المدينة والوحي الذي جاء بها تهدأ رويدا رويدا حيث أخذت البلاغة في هذا الوحي تصبح ضعيفة شاحبة كما أخذ الوحي نفسه ينزل غلى مستوي اقل بحكم ما كان يعالجه من وموضوعات وسائل حتي صار أحيانا في مستوي النثر العادي .

3- الحديث الشريف:

من صنع الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب يقول غولد سيهر : ولا نستطيع أن نعزو الأحاديث الموضوعة للأجيال المتأخرة وحدها . بل هناك أحاديث عليها طابع القدم , وهذه أما قالها الرسول أو من عمل رجال الإسلام القدامي ..ومع بعد الزمان والمكان عن المنبع الأصلي اختراع أصحاب المذاهب النظرية والعملية أحاديث لا تري عليها شائبة في ظاهرها ويرجع بها إلى الرسول وأصحابه ".

4- الفقه الإسلامي ؟

مأخوذ من القانون الروماني وغيره يقول غولد سيهر :" إن المسلمين لما فتحوا هذه البلاد حكومها بما فيها من تقاليد وقوانين بعد أن حوروا هذه التقاليد والقوانين وأضفوا عليها من عندهم صبغة دينية ثم جعلوها أحاديث شريفة ونسبوها إلى نبيهم كما يقول :ط وليس غريبا أن تكون هذه التعاليم الفقهية والتفصيلات المستعملة قد تأثرت كذلك بثقافات أجنبية كما أ، المعارف الفقهية الإسلامية تحمل على سبيل المثال – كما حقق ذلك البحث الحديث تحقيقا ثابتا – آثارا غير متكورة من الفقه الروماني سواء في ذلك من ناحية الطريقة أو من ناحية الأحكام الفرعية ".

5- أقام محمد ( صلي الله عليه وسلم ) مملكه بسيفه الدامي .

6- النبي صلي الله عليه سلم) مجرد مبشر وهو ليس أسوة حسنة لأن فيه ضعف الإنسان وعيوبه يقول غولد سيهر :" لو أن الإسلام تمسك بشهادة التاريخ الحق تمسكا دقيقا لوجد أنه لا يستطيع أن يمد المؤمنين به بفكرة مثالية للحياة الأخلاقية وهي فكرة اتخاذ الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) مثلا أعلي واحتدائه لكن المؤمنين به لم يتركوا أنفسهم يتأثرون بصورة محمد صلي الله عليه وسلم كما رسمها التاريخ الصادق بل حل محلها مناول الأمر الأسطورة المثالية للنبي ( صلي الله عليه وسلم ) في رأيهم .. ولقد كان - على ما يبدو – مدركا بإخلاص إدراكا صحيحا ضعفه الإنساني".

7- الإسلام لم يوحد العرب ولم يجمع قبائلهم المتفرقة على عبادة واحدة ولم تتم هذه الوحد إلا بعد تفوق المسلمين العسكري أيام دولة الخلافة.

ويطول هذا البحث كثيرا لو دونت ردود بعض كتابنا المسلمين علي المفتريات المذكورة وأحيل القارئ إلى اثنين من هؤلاء الكتاب أجادا الرد على هذه المفتريات :

أولهما: الشيخ محمد الغوالي الذي صنف كتاب للرد على مفتريات غولد شسيهر سماه " دفاع عن ا لعقيدة والشريعة ضد مطاعن المستشرقين فند هذه المفتريا تفنيدا علميا دقيقا أفحم به هذا المستشرق ورد كيده إلى نحره.
والثاني: الأستاذ أحمد محمد جمال الذي تناول بالنقد كتاب " المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن " لغولدسيهر وذلك في كتابه " مع المفسرين والكتاب" الذي نشره فى سنة 1373هـ . أضف إلى ذلك أنه أفرد الفصل الثالث من كتبه " مفتريات على الإسلام " للرد على مزاعم هذا المستشرق التي ضمنها كتابه " العقيدة والشريعة في الإسلام " وقد كشف أحمد جمال في كتابه عن مفتريات غولد سيهر ودلل على بطلانها .