إخوان ويكي
بحث
 
 
صفحة  نقاش  اعرض المصدر  تاريخ 
           
مرحبا بكم في الموسوعة  ادخل / أنشئ حسابا 

أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين

من Ikhwan Wiki

اذهب إلى: تصفح, البحث
أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين
إلي روح الشهيد مجدد الدعوة وإمام الدعاة في زمانه ، ووفاءً للمعلم المربي ، ورداً للفضل لأهله ؛ لتطمئن القلوب إلي نصاعة ،التاريخ وفقه الإمام ، وعلم المربي وتضحية المجاهد

بقلم الأستاذ / جمعة أمين عبدالعزيز

محتويات

تقديم : بقلم الأستاذ مصطفي مشهور .. المرشد العام السابق للإخوان المسلمين

الأستاذ مصطفي مشهور

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه أجمعين وبعد

فيطيب لي أن أقدم لهذه الرسالة " أوراق في تاريخ الإخوان المسلمين " للأخ الفاضل الأستاذ جمعه أمين عبد العزيز الذي بذل جهداً مشكوراً في إعداد هذه الرسالة ، جزاه الله خيراً علي ما قدم ويقدم دائماً من خير ، وعمل نافع لإخوانه ولدعوته .

وتاريخ الإخوان المسلمين ليس تاريخ أشخاص ، أو بلدان ، أو مذهب من المذاهب ، لكنه تاريخ أمة أظهرها الله علي مسرح الوجود في فترة من فترات التاريخ شديدة السواد ، أحاطت بأمة الإسلام ، وتاريخ عقيدة ربانية تجسدت في مجتمع مسلم متحاب تجمعه أخوة الإسلام فجعلت منه خير أمة أخرجت للناس ، وتاريخ جهاد وكفاح في سبيل الله لاسترداد ما ضاع من أمة الإسلام ، وسُلب منها في فترات الضعف والركود ، لقد آمن بها من شرح الله صدره للعمل للإسلام ، فصاروا بها كل شيء بعد أن كانوا بغيرها لا شيء ، وانطلقوا بها يحملون الحرية والسعادة من جديد للعالم .

لقد أذن الله لهذه الجماعة أن تحمل راية الإسلام بعد أن عمل اليهود – وهم أشد الناس عداوة للذين آمنوا – علي إسقاط الخلافة ، ثم عملوا علي زعزعة العقيدة في نفوس أهلها ، ثم جاء الاستعمار فقسم العالم العربي والإسلامي إلي دويلات ، وصارت أمة الإسلام – بعد أن كانت الأمة الواحدة القوية العزيزة – أممٌا متعددة ضعيفة بينها من الخلاف أكثر مما بينها من الوفاق ، وهكذا فقد المسلمون الراعي الذي يرعاهم ، والوحدة التي تدعمهم وتقويهم ، والمنهج الذي يجتمعون حوله ، والراية التي ترفرف فوق ربوعهم .

لقد أدرك الأعداء أن سر قوة المسلمين في شريعتهم ، وعقيدتهم ، وأن الشريعة لا تستكمل مقوماتها إلا في ظل الإخوة والوحدة ، وكما قال الإمام الغزالي : " الشريعة أصل ، والحاكم حارس ، ومن لا أصل له فمهدوم ، ومن لا حارس له فضائع"

ولقد وفي المؤلف في الفصل التمهيدي هذه الجوانب ، وتحدث عن واقع المسلمين في هذه الفترة ، وعن مخططات الأعداء ، وعن الخلفيات التاريخية للأحداث ، وتحدث عن الحركات الإسلامية التي ظهرت في هذه الفترة ، وهي السنوسية في ليبيا ، والمهدية في [[:|السودان]] ، والوهابية في السعودية ، وأشار إلي التيارات والمؤامرات التي استطاعت أن تقف في طريقها كحركات إسلامية جهادية ، وتحدث عن سقوط الخلافة وأثر ذلك علي مصر ، والاحتلال الإنجليزي وأثره علي الأمة ، ثم أشار إلي حركات التبشير وأثرها في ذلك الوقت ، وحركة تحرير المرأة وأهدافها ، والتحلل الأخلاقي والعقائدي ، وكيف واجه الإخوان كل هذه التيارات .

وفي الباب الثاني تحدث المؤلف حديثًا وافيًا عن الإمام البنا وشخصيته وتأسيس جماعة الإخوان في الظروف الشديدة التي تمر بها الأمة ، فجاءت الجماعة في أوانها لا لرد الانهيار الأخلاقي في الأمة فحسب ، أو مواجهة التبشير فقط ، ولكنها كانت استجابة ليقظة الروح الإسلامية في قلوب الناس ، وامتازت بفهم شامل صحيح للإسلام جاءت لإيقاظ روح الجهاد وتربية الأمة عليها ، ورفع رايته من جديد ، ضد كل مستكبر أو مستعمر غاصب ، أذل العباد وسرق خيرات الأمة ، جاءت الإخوان علي قدر لتقيم العدل ، وترفع الظلم ، جاءت بقدر الله وقدرته جاءت لتضع النواة الإسلامية لأمة القرآن من جديد ، ثم تحدث عن شخصية الإمام ومولده ، والجو الذي عاش فيه ومكونات شخصيته بالتفصيل ، وركز المؤلف علي جوانب من هذه الشخصية الفذة ووضحها للقارئ ، وهي كما قال الشيخ محب الدين الخطيب رحمه الله : " إن الأستاذ حسن البنا ، أمة وحده ، وقوة كنت أنشدها في نفس المؤمن ، فلم أجدها إلا يوم أن عرفته في تلك الغرفة المتواضعة ، وكنت ابن صنعته يوم اكتشفت بيني وبين نفسي حاجة الإسلام إلي هذا الداعية القوى الصابر المثابر الذي يعطي الدعوة من ذات نفسه ، ما هي في حاجة إليه من قوة ومرونة ، وجد وصبر وثبات إلي النهاية " .

ولقد وضح الإمام البنا أن دعوة الإخوان المسلمين هي دعوة الإسلام ولا شيء غير الإسلام ، فكل أخ مسلم يبلغ دعوته حيثما ذهب ويدعو الناس لتحقيق متطلباته ، والإخوان يهتمون بقضايا المسلمين في كل مكان ، ودعوة الإسلام فيها صلاح البشرية ، والإسلام دين العزة والسلام ، ولا يعادي غير المسلمين إذا سالموه ، وهو توجه الإخوان دائمًا وتفكيرهم السياسي إقليميًا ودوليًا ، وقد استطاعت أن تؤدي دوراً كبيراً في ربط الشعوب العربية والإسلامية بعضها ببعض ، كما عملت علي توثيق العلاقات الدينية والثقافية والسياسية بين هذه الشعوب .

ولقد طرح الإخوان منهجاً هو الإسلام وحده ، يقول الإمام : " ومن الحق أيها الإخوان أن نذكر أننا ندعو بدعوة الله وهي أسمي الدعوات ، وننادي بفكرة الإسلام ، وهي أقوم الفكر ، ونقدم للناس شريعة القرآن وهي أعدل الشرائع " ( رسالة بين الأمس واليوم ) .

وفي رسالته إلي الشباب يقول : " ففكرتنا إسلامية بحتة ، علي الإسلام ترتكز ومنه تستمد ، ولا نرضي سواه إمامًا ، ولا نتبع لغيره أحكامًا ، كما تحدث المؤلف عن فهم الإخوان الصحيح للإسلام ، وعن شموله لكل شيء ، خاصة الانشغال بالأمور السياسية ، وكلام الإمام في هذا الموضوع في غاية الوضوح يقول : " فمن ظن أن الدين لا يعرض للسياسة ، أو أن السياسة ليست من مباحثه فقد ظلم نفسه ، وظلم علمه بهذا الإسلام فإن الإسلام شريعة الله

لقد ختم المؤلف حديثه عن الإمام بذكر استشهاده وتآلب الأعداء علي هذه الدعوة وتحدث بالتفصيل عن المؤامرة التي اشتركت فيها حكومة ذلك العهد بعد تضييق الحصار عليه ، وتم ذلك بعد طلب سفراء الدول الغربية منها ذلك ، وعندما نقل إلي المستشفي تركوه ينزف حتى صعدت روحه إلي بارئها تشكو الظلم والظالمين ، ونال الإمام الشهادة وهي الأمنية التي كان يطلبها طوال حياته رضي الله عنه وأرضاه وصدق الله العظيم إذ يقول :

من نحن وماذا نريد ؟

يقول الإمام البنا رضي الله عنه في بيان من هم الإخوان المسلمين :

" أحب أن تتبينوا جيداً من أنتم من أهل هذا العصر ، وما دعواتكم من بين الدعوات وأية جماعة جماعتكم ، ولأي معني جمع الله بينكم ووحد قلوبكم ووجهتكم ، وأظهر فكرتكم في هذا الوقت العصيب الذي تتلهف فيه الدنيا إلي دعوة الإسلام والإنقاذ "

ثم يقول : " فاذكروا جيداً أيها الأخوة : أنكم الغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس ، وأنكم العقل الجديد الذي يريد الله أن يفرق به للإنسانية بين الحق والباطل ، وأنكم دعاة الإسلام وحملة القرآن وصلة الأرض بالسماء " .

أما ما نريد ونعمل علي تحقيقه بكل الوسائل المشروعة فقد تحدث الشهيد البنا عنه فقال : " نحن ندعو الناس إلي مبدأ واضح محدود ومسلم به منهم جميعًا ، هم جميعًا يعرفونه ، ويؤمنون به ويدينون بأحقيته ويعلمون أن فيه خلاصهم ، وإسعادهم وراحتهم " إن دعوة الإسلام للبشرية كافة ، وللمسلمين خاصة ، أن يعبدوا الله وحده ، ودعوتنا لكل من أظهر الرضا بالإسلام دينًا ، أن يخلصوا دينهم لله ، ويزكوا أنفسهم من شوائب النفاق وأعمالهم من التناقض ، ودعوتنا لأهل الأرض أن يغيروا ما بأنفسهم ، حتى يشعروا بالأمن والأمان والسعادة في الحياة ، ونريد للمرأة المسلمة أن تأخذ وضعها الصحيح فهي الابنة والأم والأخت ، وهي الزوجة التي هي السكن للرجل والرجل سكن لها ، وهي نصف المجتمع ونصف الأمة والقائمة علي تربية وإعداد وتنشئة كل الأجيال ، توجه وتغرس المبادئ والعقائد في النفوس ، ونريد للمجتمعات الإسلامية أن تؤمن بضرورة الشورى وتعمل علي تطبيقها ، فأمر المسلمين شورى بينهم في أمورهم الخاصة والعامة ، لإقامة العدل ، وتطبيق حكم الله ، وتحقيق مصالح المسلمين ، حتى لا يستبد فرد أو فئة من الناس في أمر تعم به البلوى ، وتتأثر به مصالح الغالبية من الأمة ، تلك هي الرسالة التي يريد الإخوان أن يبلغوها للناس وأن تفهمها الأمة حق الفهم ، وأن تهب لإنقاذها في عزم ومضاء وأن تجاهد في سبيلها حتى يرث الأرض ومن عليها .

لقد أفاض المؤلف في جميع الجوانب ، وكل نقوله موثقه بذكر مصادرها مما زاد في القيمة العلمية للرسالة . فجزاه الله خيراً عن الجهد المبارك الذي بذله في إعداد هذه الرسالة ، وتقبل الله منه وجعل عمله في ميزانه إنه سميع مجيب .


توطئة: الرجل الذي علمنا

الإمام حسن البنا

إن أخطر ما يؤثر في بناء شخصية المسلم ، ويقلل أو يزيد من فاعليته في مجتمعه الذي يعيش فيه ، درجة وضوح فكرته ودعوته ، فإذا ما وضحت هذه الفكرة لديه أخذ يدعو إليها كل قلب متفتح علي أنها الخير المحض الذي يؤمن به ، فيقدم للناس التصور السليم الذي يحمله والفكرة العميقة التي يعتقدها بالوضوح الذي لديه ، لأن فاقد الشيء لا يعطيه ، ألا تري ربعي بن عامر حين خاطب رستم قائد الفرس كان ما يدعو إليه واضحًا أجلي الوضوح حين قال له : " إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلي عبادة الله ، ومن جور الأديان إلي عدل الإسلام ، ومن ضيق الدنيا إلي سعة الدنيا والآخرة " هكذا كان الإمام البنا رحمه الله ، إنه الرجل الذي تعلمنا منه الإسلام تطبيقًا عمليًا ، وكان قدوة في التطبيق ؛ تصوراً وحركة ، ورأينا ذلك في فكره وحركته ودعوته ، فتعلمنا منه أن كل إنسان قبل أن يصمم علي البدء بالخطوة الأولي في مسيرته إلي الهدف الذي رسمه لنفسه ، عليه – أولا وقبل كل شيء – أن يكون مؤمنًا بهذا الهدف ، مؤمنًا بقدرته علي تحقيقه بمشيئة الله وعونه ، ذلك أن من لا يؤمن بهدفه الذي يسعي إليه ولا يؤمن كذلك بأنه قادر علي بلوغ هذا الهدف – بتوفيق الله – حرى به ألا يصل إلي ما يبتغيه لنفسه مهما طال به الانتظار وتمادي عليه الزمن ، ذلك لأن الإيمان بالهدف المنشود ، والإيمان بالوصول إليه هما الشرطان الأساسيان لكل عمل جاد يأخذ الإنسان نفسه به ويتطلع إلي تنفيذه ، ولنا في رسول الله صلي الله عليه وسلم الأسوة الحسنة حيث نشعر في جميع مراحل حياته الشريفة بأنه صاحب قضية حق ، فكان صلي الله عليه وسلم دءوبًا لا يكل ولا يمل من العمل ، بالرغم من أن الله وعده أن هذه القضية مكتوب لها النصر والغلبة ، مهما تراخي من الزمن .

لقد عرف الإمام البنا تاريخ الأمم والنهضات وتاريخ الدعوات والرسالات ، وعرف من قراءة التاريخ أن نهضات الأمم ورسالات النبيين ودعوات المصلحين لا تنجح ولا تنصر إلا بالرجال المؤمنين الأقوياء الذين يكونون بمثابة البناة والحراس ، ولذلك فهو يعتبر بناء الرجال أهم ما ينبغي به المصلحون ، وأن له الأولوية علي ما سواه ، ولذلك كان منهج التغيير عنده يبدأ بالفرد المسلم من داخله ، وهو بفعله هذا إنما يتبع المنهج النبوي ؛ ذلك لأن النبي صلي الله عليه وسلم قد جعل أكبر همه طوال العهد المكي هو تكوين الجيل الرباني والرعيل القرآني الأول ، من خلال تعهد دائم وصحبة مباركة ومراقبة إيجابية ، وهكذا منهج الإمام البنا يتمثل قوله لأتباعه : " كونوا قٌوادًا تصل بكم العبادة إلي أحسن القيادة " كان – رضوان الله عليه – شديد الإيمان بأن التغيير النفسي والروحي هو أساس كل تغيير وإصلاح ، وأن علي الدعاة والمصلحين أن يبذلوا جهدهم الفكري والدعوي والعملي لإيقاظ الأرواح وإحياء القلوب ، وتنبيه الضمائر ، وتحريك المشاعر وتجديد الإيمان ، وأن ذلك سيعمل عمله ، ويؤتي أكله حسب سنة الله في الخلق .

ولهذا كله فإنه مهما يقل القائلون ، ويتجن المتجنون ، فلقد اكتسبت دعوة الإخوان في مصر وفي غيرها من بلاد العالم مجموعات من خيرة عناصر الوطن ؛ توقد عقول ، وزكاة نفوس ، وتدفق مشاعر ، وقوة عزائم ، وطهارة أخلاق ، وسمو أرواح ، وصقلهم الدين وضمهم الإسلام في رحابه ، وتولاهم بتربيته وتزكيته ، حتى صنع منهم جماعة اجتمعت علي محبة الله ، والتقت علي طاعته ، وتوحدت علي دعوته ، وتعاهدت علي نصرة شريعته ، يقول فضيلة الدكتور القرضاوي : " لقد هيأ الله الإمام البنا الأنصار والأتباع من كل فئات الشعب من هم أزكي نفوسًا ، وأذكي عقولا وأصدق نيات ، وأقوي عزائم ، وأقدر علي الالتزام بفرائض الإسلام ، وأخلاق الإسلام ، ولوازم الخيرية للإسلام " .

اجتمع علي الشيخ البنا الشباب والشيوخ ، وأبناء المدن والقرى ، والفلاحون والمتعلمون ، والأميون وطلاب الجامعة وأساتذتها ، وخريجو المدارس المدنية وخريجو المعاهد الأزهرية ، وكذلك الرجال والنساء ، وكان يقوم علي توجيههم وتربيتهم تربية إيمانية صنعت منهم نماذج رحيمة بالناس ، كل الناس ، رؤوفة بالعاصي ومشفقة علي الكافر والجاحد ، تدعو إلي سبيل ربها بالحكمة والموعظة الحسنة ، يقول إمامهم : " كونوا كالشجر يرمي بالحجر فيلقي بالثمر " ويقول : " سنقابل الناس بالحب " مقتديًا في ذلك بقول علي رضي الله عنه : " من لانت كلمته وجبت محبته " .

وكذلك كان يقول للمتحمسين : أيها الإخوان المسلمون : " ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول ، وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف ، وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع ، واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البراقة ، ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة ، ولا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة ، ولكن غالبوها واستخدموها ، وحولوا تيارها ، واستعينوا ببعضها علي بعض ، وترقبوا ساعة النصر، وما هي منكم ببعيد ، إنكم تبتغون وجه الله وتحصيل مثوبته ورضوانه ، وذلك مكفول لكم ما دمتم مخلصين ، ولم يكلفكم الله نتائج الأعمال ولكن كلفكم صدق التوجه وحسن الاستعداد ، ونحن بعد ذلك : إما مخطئون فلنا أجر العاملين المجتهدين ، وإما مصيبون فلنا أجر الفائزين المصيبين ، علي أن تجارب في الماضي والحاضر قد أثبتت أنه لا خير إلا في طريقكم ، ولا نتاج إلا مع خطتكم ، ولا صواب إلا فيما تعملون ، فلا تغامروا بجهودكم ، ولا تقامروا بثمار نجاحكم ، واعملوا والله معكم ولن يتركم أعمالكم ، والفوز للعاملين .

وبهذا الإيمان العميق وهذا التصور الحق وبهدي الرسول صلي الله عليه وسلم اقتدي الإمام حسن البنا ، فلم يأت بجديد مستغرب ، ولم يكن بدعًا في دعوته ، إنما جدد قديمًا كاد الناس أن ينسوه أو يتركوه بعد أن اتخذوا هذا القرآن مهجوراً ، فدعوته صدي الدعوة الأولي يدوي في الأمة المسلمة ليظهر واضحًا في تصرفاتها ، وليجمع قلوبها عليه ، ويستعيد بهم خيرية هذه الأمة ، إنه رضوان الله عليه يريد أن يضع في رؤوس الناس عقلا جديداً علي ظهر الأرض بنظام جديد وإنسانية جديدة جمعت قلوب العباد علي رب العباد .

ما تميزت به دعوة الإمام :

تميزت دعوته عن غيرها بخصائص أهمها :

أولا : النظرة الشمولية للإسلام .

ثانيًا : الاتجاه إلي التجميع والتوفيق لا التنفير والتفريق .

ثالثًا : العناية بالتكوين ، والبناء التربوي المتكامل .

فهي دعوة تميزت بإسلاميتها الواضحة ، إسلامية المصدر ، وإسلامية المنطلق ، وإسلامية الغاية ، وإسلامية الوسيلة ، ولكي يتحقق هذا التصور ، كان سبيله علمًا يحدد به التصور السليم فهمًا وحركة ، وتربية متأنية لإيجاد النموذج القدوة عمليًا وتطبيقيًا ؛ فيتكون من هذه اللبنات جماعة تقوم علي صحة الاعتقاد وصدق الإتباع وتحقق عقد الإيمان وعقد الأخوة .

ولذلك بدأ بتصحيح منهج التفكير حتى يكون المنهج إسلامياً فاهتم أولا بـ :

1. تحرير العقيدة من الجمود الذي أصابها والأوهام التي لحقت بها ، والتركيز بعد الفهم السليم لهذه العقيدة علي أثرها في تكوين الشخصية الإسلامية الأخلاقية ، وأثر هذه العقيدة في الكون والإنسان والحياة ؛ ليكون الفهم دقيقاً .

2. تخليص العقل من النظرة الجزئية للإسلام ، فلا تضخيم للجزئيات ، والفرعيات علي حساب الكليات والقطعيات ، ولكن نظرة كلية شاملة بفهم واع وعقل مستنير لتميز الفهم بالشمول والعموم والسمو والدوام والكمال .

3. كسر الجمود الذي أصاب العقل من إغلاق باب الاجتهاد وإعادة ترتيبه وصياغته صياغة إسلامية ليقدم حلولا لمشاكل العصر بضوابط الشرع .

لقد أجاب الإمام البنا علي أسئلة كثيرة تعتمل في القلوب والصدور ، كموقف الإخوان من استخدام القوة ، والموقف من قضية فلسطين والشعوب الإسلامية المضطهدة والبلاد الإسلامية المستعمرة ، والإخوان والحكم ، والإخوان والأحزاب ، وموقف الجماعة من المرأة ، وعلاقة الجماعة بغير المسلمين ، وعلاقتها بالغرب ، وبفضل الله عليه لم يترك شاردة ولا واردة إلا أجاب عنها بوثائق مازالت موجودة وشاهدة علي ذلك ، فضلا عن إزالة الشبهات وتبيين الفرق بين الثوابت والمتغيرات بأسلوب رحيم وحجة بالغة وأدب في الحوار .

دعوة اكتملت مقوماتها :

ولذلك فإن فضيلة الدكتور القرضاوي يقول تحت عنوان " دعوة اكتملت مقوماتها " : { للدعوة الموفقة أو الدعوة الناجحة أو الدعوة المكتملة مقومات أو أركان ، لابد أن تتوافر لها حتى تقوم بمهمتها ، وتؤدي دورها وتحقق أهدافها التي تنشدها في الإيقاظ والتنوير ، أو في التربية والتطهير ، أو في التجديد والتغيير ، أو في البناء والتعمير ، أو في الجهاد والتحرير أو في التوحيد والوحدة } .

هذه المقومات أو الأركان الأساسية قد قدر الله لها أن تجتمع وتتكافل في دعوة الإخوان المسلمين ، وإن شئت قلت : في حركة الإخوان المسلمين ، فهي دعوة وهي حركة أو هي دعوة متحركة وحركة داعية .

وهذه المقومات السبعة في دعوة الإخوان هي :

1. أن تكون الحاجة داعية إليها ، لتسد فراغاً قائمًا .

2. أن تكون متميزة ، واضحة الشخصية والسمات .

3. أن ترزق بقيادة واعية حكيمة تعرف غايتها وطريقها .

4. أن يهيأ لها جنود مؤمنون برسالتهم ، صادقون واعون مترابطون .

5. أن تكون أهدافها واضحة ، لا يشوبها ضباب ولا اضطراب .

6. أن تكون وسائلها لتحقيق غايتها واضحة كذلك ، معروفة المراحل والخطوات .

7. أن تكون مواقفها من القضايا الكبيرة واضحة بينة غير غامضة ولا غائمة .

ولا دليل علي صدق ما قاله فضيلة الدكتور القرضاوي أوضح من استمرارية دعوته وجماعته وتلاميذه حتى يومنا هذا ما زالوا هم طليعة العمل الإسلامي الصحيح ، وهم الذين يحملون – بفضل الله وحده ، ثم بثبات الرجال المخلصين – لواء البعث الإسلامي ويتقدمون صفوفه علي كل المستويات في جميع قارات العالم الخمس ، لقد خفقت بجهاده وجهوده رياح التغريب ، ودعاوي القوميين ، وانزوت أفكار عبٌَاد الغرب والحضارات الزائفة ، ولقد استطاع أن ينقل الأمة في زمن قصير نقلة واسعة دون صراع أو خلاف وشهد بذلك علماء عصره ، وفقهاء زمانه ، والعقلاء في كل مكان ممن عرفوه وعايشوه وسنعرض لذلك بين دفتي هذا الكتاب .

نشأته وتقدير أتباعه له :

هذا هو المؤسس ، وهذه دعوته .. هذا هو من تمني أن يكون مرشداً معلمًا ، وكيف لا ؟ وهو الذي نشأ النشأة الدينية مع التربية الإيمانية ، متلقيًا من والد فقيه ، وأسرة ملتزمة بتعاليم الإسلام ، وأحاطت به كوكبة من العلماء والزهاد ، وأحبه الجميع وتوقعوا له مستقبلا طيبًا ، واستجاب الله لكلام أحد أصدقائه ، وهو يودعه حين سفره إلي الإسماعيلية ويقول له : " إن الرجل الصالح يترك أثراً صالحًا في كل مكان ينزل فيه ، وإنا لنرجو أن يترك صديقنا – يقصد الإمام – أثراً صالحًا في هذا البلد الجديد عليه " فهل تُرك الإمام البنا مع وضوح فكرته وسمو غايته وأخلاقه ، أقول : هل تُرك وشأنه لكي ينشر دعوته ويربي أتباعه ويحقق آماله ؟ كلا ... بل قال الأحباب من غير الإخوان ومن أفراد نحترمهم وجماعات نقدر جهودهم : إن الإخوان قدٌَسوه ، وقال الأعداء : إنهم عبدوه . فهو في نظرهم بين مقدس أو معبود .

والحق يقال إن الإخوان المسلمين يقدرون إمامهم ويسندون ما يقولونه إليه لأنه كما قيل : " بركة العلم إسناده لقائله " وإلا ماذا نقول عن إمام كابن القيم والذي كان كثيراً ما يقول : قال شيخنا " قدس الله روحه " يقصد – ابن تيمية – ويسند ما يقوله إليه ، بل إن ابن تيمية كثيراً ما يذكر الإمام أحمد بن حنبل ويسند إليه ما يقوله ، والإمام أحمد بن حنبل يذكر الشافعي ، والشافعي يذكر الإمام مالك وهكذا فهل هؤلاء قدسوا شيوخهم ، وإن كانت مرجعيتنا الإسلام وأنه لا عصمة لأحد فأين التقديس إذن إذا كانت مرجعيتنا الإسلام ؟

دعوي التقديس :

يقول فضيلة الشيخ محمد عبد الله الخطيب :

" نحن نقدر الرجال الأوفياء الذين خدموا الإسلام ورفعوا رايته ، وبذلوا أرواحهم في سبيل الله ، نقدر هؤلاء جميعًا في كل عصر من عصور التاريخ ، ولكن لا نقدسهم ، وفرق كبير بين الأمرين ، وحاش لله أن يُقَدٌَس غير معصوم ، ولكننا في عصر صراع القيم واختلال المفاهيم ، واستباحة الكلمة عند البعض بالتلاعب بها وتسخيرها للحديث عن الشيء وضده ، حتى يصعب علي البعض أن يميزوا بين الشعارات المتعارضة ، والأشكال المتزاحمة في الساحات المختلفة ، واستغل البعض أجهزة الإعلام في تشويه رسالة الحق ، وحرفوا صورتها الربانية متأثرين بما تقوله الموجات المادية الطاغية ، ولقد كشف الإخوان ألاعيب السياسة والسياسيين ولم تصب هذه السهام دعوة الإمام البنا وارتدت إلي صدورهم دائمًا .

ولعل السبب في هذا أن الإمام البنا رغم رحيله عنا منذ أكثر من خمسين سنة ، لا يزال أثره باقيًا حتى اليوم "

ضرورة كتابة التاريخ :

وأستمحيك عذراً أيها القارئ الكريم في هذه المقدمة – التي طالت عن قصد – وأقول : أليس للجماعة حق أن تكتب تاريخها وتوثقه وتقدمه للعالم في مشارق الأرض ومغاربها لتستبين السبيل ، فلقد نشأت أجيال لا تعرف عن تاريخ الإمام البنا شيئًا ولا عن جماعته إلا من رحم ربك ، وفي أعناقنا حق لهذه الأجيال أن تعرف تاريخ الجماعة ومؤسسها نشأة وتربية وأسرة ومجتمعًا ، جهادًا ومجاهدة ، دراسة وتلقيًا ، فكراً وحركة ، ومصاعب وابتلاءات ، ولا يتحقق هذا كله إلا بالتسجيل والإثبات ، وقد رأيت ضرورة أن أبين الظروف التي نشأ فيها الإمام وقامت فيها دعوته ، وذلك لأن تلك الظروف أثرها المتطبع علي الدعوة فجاء الباب الأول تمهيداً لتناول حياة الإمام ، ومن بعده تاريخ الجماعة .

لذلك كان الهدف من كتابة هذا التاريخ الموثق هو :

أولا : إيجاد مرجع صحيح وموثق للأتباع والأحباب ولمن أراد المعرفة الصحيحة الصادقة .

ثانيًا : تصحيح وتصويب الوقائع التاريخية .

ثالثًا : إثبات صحة المنهج وامتداده طوال السنين ، ووحدة التصور والأهداف لدينا نحن الوارثين لهذا الطريق أفراداً وقيادة .

رابعًا : معرفة الثوابت والمتغيرات في فكر الإمام حسن البنا ومنهج التغيير .

خامسًا : الوقوف علي الدروس المستفادة لتزداد الخبرة التراكمية ويستفاد منها .

سادسًا : إظهار خطأ الباطل ومنهاجه ، ووسائل كشفه ورده .

سابعًا : زيادة الثقة والاطمئنان للطريق ومناهجه حين يعرف التاريخ الصحيح للدعوة .

ثامنًا : تقديم النموذج الممتد عبر السنين والذي يدل علي استمرارية الدعوة دون فجوة بين قديم وحديث وشيخ وشاب .

والذي أحب أن أؤكده أن هناك من سبقني في مثل هذه الكتابات وقد استنفدت منهم كثيراً ، وجزاهم الله عن الدعوة والإسلام والمسلمين خيراً ، فهم أهل السبق والغيورون علي الدعوة من الرعيل الأول ، فمنهم فضيلة الأستاذ محمود عبد الحليم – رحمه الله – الذي لا يزال عمله الضخم " أحداث صنعت تاريخ " مرجعًا لكل من يريد أن يتعرف علي الإخوان من الداخل ، ومنهم أستاذنا الجليل فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي الفارس الهمام الذي دائمًا ما يسل سيفه – قلمه – ليدحض افتراءات المضللين ويرد كيد الكائدين ، ويوضح بضاعة هذه الدعوة وتاريخها المجيد ، والله أسأل أن يجعل ذلك في ميزان حسناته ، كما نذكر هنا بالعرفان والتقدير الأخوة المرشدين السابقين وندعو بالتوفيق للقائمين ومن تبعهم بإحسان إلي يومنا هذا والذين ثبتوا هذا الفهم بدمائهم وجهودهم وما زالوا علي الدرب سائرين .

وها أندا بعون الله وحده أدلي بدلوي وإن كان ماؤه قليلا ولكن يكفيني شرفًا أن أكون ضمن هذه القافلة المباركة التي تذود عن هذه الدعوة المباركة ، وتشارك بجهد المقل توضيحًا لحياة المؤسس وتاريخ الدعوة ، والتي أسأل الله أن يبارك فيها وأن يجري الخير علي يدي أتباعها ، فإن أصبت فيما أقول فبتوفيق من ربي وإن أخطأت فمن نفسي .

والله أسأل أن يغفر لي زلاتي ، إنه نعم المولي ونعم النصير وصلي الله علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم .

الأستاذ جمعة أمين عبد العزيز


الباب الأول: المجتمع المصري إِبان ظهور الإمام البنا وأهم الدعوات التي سبقت " الإخوان المسلمين "

مقدمة: المجتمع المصري إبان ظهور الإمام البنا

تعرض المجتمع المصري – مع مطلع القرن العشرين – لموجات وتيارات حادة أثرت عليه سلبًا وإيجابًا ، وخلال الربع الأول من ذلك القرن كادت هذه الموجات أن تعيد تشكيل ورسم صورة المجتمع المصري لولا تلطف الله تعالي بمصر والمشرق العربي .

وفي استعراض سريع موجز نشير إلي أهم هذه التيارات والاتجاهات العالمية التي صاحبت مطلع القرن العشرين والتي تفاعل معها المجتمع المصري وهي كما يلي :

1. نمو الروح القومية .

2. نمو الدعوة للتحرر والاستقلال .

3. نمو الروح العسكرية .

4. نمو الروح الديمقراطية .

5. زيادة الاهتمام بفكرة المجتمع الدولي .

6. ظهور الفكر الاشتراكي .

7. سيادة الاتجاه العالمي .

8. موجه عاتية من الانحلال الخلقي ليس لها مثيل من قبل .

سنعطي لمحة موجزة عن كل :

1-نمو الروح القومية :

يوصف القرن التاسع عشر – عادة – بأنه عصر " القومية " حيث شهد هذا العصر الكثير من التغيرات والانقلابات والثورات الإقليمية الدولية ، والتي وقعت بأوربا في ذلك الحين ، وكانت – معظمها – تعبيراً عن نمو متزايد للروح القومية ، وتجسيد لفكرة الانتماء والولاء للعنصر أو الأرض .

ومع مطلع القرن العشرين انتقلت الروح القومية لتجد صداها في آسيا وأفريقيا ، ومن ثم لم يكن عجباً أن تظهر تركيا المسلمة – حاضرة العالم الإسلامي في ذلك الوقت – دعوة القومية ، وكان بروز القومية التركية بديلاً عن " الرابطة الإسلامية " .

وفي المشرق ا؟لإسلامي سرت هذه الفكرة ، فنادي ( ساطع الحصري ) بـ " القومية العربية " ، وفي مصر نشأ تيار جديد ينادي بالقومية المصرية ويبث الشعور بالوطنية الإقليمية في الأمة علي أساس العنصر وليس علي أساس العقيدة والدين .

ومن العوامل التي ساعدت علي نمو الروح القومية في مصر : •تأثر فئة من المبعوثين المصريين- الذين تلقوا ثقافتهم وتعليمهم بالخارج – بالثقافة الأوربية ، ومن ضمن ما تأثروا به فكرة " القومية " ، فكانوا دعاتها وحماتها .

•ازدياد حركة الكشوف الأثرية التي تمت في تلك الفترة ، والتي أزاحت اللثام عن كثير من جوانب التاريخ القديم لمصر ، فكان لهذه الكشوف الأثرية أثر بالغ في تولد مشاعر بأن لمصر شخصيتها المستقلة ، لاسيما أن ذلك صادف توجها فكريا يغذي المشاعر بأن مصر للمصريين ، وأن مصر فرعونية كبديل عن إسلاميتها .

•معاناة الشعوب العربية من بعض الحكام والولاة المرتبطين بالسلطنة العثمانية التركية ، ووقوع بعض المظالم مما أثار المشاعر العربية والقومية في نفوس هذه الشعوب .

2-نمو الدعوة للتحرر والاستقلال والعمل الوطني :

وقعت مصر فريسة في قبضة الاحتلال الإنجليزي عام 1882م ، ومع بداية القرن العشرين أزادت قبضة الاحتلال وبسط نفوذه علي البلاد ، وعمل علي فرض ثقافته وفكره ونظامه وقانونه وعاداته وتقاليده بغية سلخ البلاد من هويتها ومحو شخصيتها .

ولقد شهد القرن العشرون في مطلعه دعوات وطنية مخلصة ترنو إلي التحرر والاستقلال بداية من الزعيم مصطفي كامل إلي ثورة 1919م ، وما بعدها من حركات وطنية تصب في تيار العمل الوطني .

وفي وسط هذا الجو الملبد بالغيوم والأفكار المتضاربة ، والدعوات المتعددة والاتجاهات نشأ الإمام البنا – رضي الله عنه – وتفتحت عيناه ، فأدرك أن بلده وأمته قد استولي عليها عدوها ، واستبد بشئونها خصمها ، فهي أمة تجاهد ما استطاعت في سبيل استرداد الحق السليب ، والتراث المغصوب ، والحرية الضائعة ، والأمجاد الرفيعة ، ولم يكن غريبًا أن يشارك في الثورة علي الإنجليز عام 1919م ، حين كان عمره ثلاثة عشر عاما وهو طالب بالمدرسة الإعدادية بالمحمودية ، وكان يردد مع الناس :

حــب الأوطــان مـن الإيمــان

وروح الله تـــنــاديــنــا

إن لم يجــمــعـنـا الاستـقـلال

فـفـي الفـردوس تلاقــينـا

3-نمو الروح العسكرية :

تميز القرن العشرون بأنه قرن الاعتماد علي القوة العسكرية للفصل في المنازعات ، ويكفي أنه قرن الحروب العالمية والنزاعات الدولية والصراعات الأهلية .

وقد تبنت الدول الكبرى هذه الروح ، وتبعتها في ذلك الدول الصغرى التي اندفعت إلي عقد معاهدات والدخول في أحلاف مع الدول الكبرى لضمان الإغداق عليها بالسلاح والقوة العسكرية في مقابل التبعية .

وقد شهدت أوروبا – في بواكير هذا القرن – نزعات عرقية تميزت بالقوة العسكرية ، فظهرت الفاشية في إيطاليا ، والنازية في ألمانيا ، وتحقق لهم انتصارات باهرة أدهشت العالم ، ولم يكن غريبًا أن يتأثر بذلك شباب في كل بلد من بلدان العالم يرغب في إحراز مثل هذا النصر .

وكان لهذه الروح العسكرية التي انبعثت في أوروبا صداها في مصر ، فرأينا تشكيلات القمصان الخضر أتباع حزب مصر الفتاة بزعامة أحمد حسين ، ومثلها جماعات القمصان الزرق أتباع حزب الوفد ، وتبني الحزب الوطني القديم هذه الروح ، ومما أدي إلي إذكاء هذه الروح وقوع البلاد في قبضة المحتل ، ووجود المظالم ، ويأس الوطنيين من المفاوضات مع المحتل الغاصب .

4-نمو الروح الديمقراطية :

رغم بطش القوة العسكرية ، فإن التيار الديمقراطي قد نما وانتشر في مناطق من العالم ، وقد ساعد علي ذلك عوامل كثيرة منها :

• مطالبة الوطنيين بالاستقلال ومساندة النقابات العمالية في البلاد الاستعمارية لهذه المطالب .

•الآثار السيئة التي ترتبت علي ظهور النازية والفاشية جعلت الكثيرين ينادون بالديمقراطية .

• نجاح الحلفاء في القضاء علي النازية الألمانية .

وقد انعكست هذه الروح الديمقراطية علي مصر فظهرت الحركة الوطنية علي مسرح السياسة المصرية ممثلة في الزعيم الوطني مصطفي كامل ، ومطالبته بحقوق مصر ، وكذلك خلفه الزعيم الوطني محمد فريد الذي قاد الشعب نحو المطالبة بالحرية والديمقراطية وحقه في حكم نيابي صحيح ، كما حث مجلس شورى القوانين علي المطالبة بالدستور ، ثم كان توالد الكثير من الأحزاب السياسية المصرية ، إلا أن قوى الاحتلال الإنجليزي وأذنابهم من المنتفعين المصريين حاولوا دون نمو هذه الروح علي النحو السليم ، وتلاعبوا بحقوق الشعب ولوثوا الحياة السياسية .

5-زيادة الاهتمام بفكرة المجتمع الدولي :

تأثر كثير من المفكرين وأرباب القلم بفكرة المجتمع الدولي والوطن العالمي ، وبدأ هذا التأثر عقب انتهاء الحرب العالمية الأولي " 1914- 1917 " فتجاوب مع الفكرة "سلامة موسي " فكتب في مجلة ( كل شيء ) في 29/9/1929م : " علينا أن ندخل في غمار الدعوة العالمية ، وأن نتطور من وطنية القطر إلي وطنية العالم ، كما يجب علينا أن نؤلف للنشء المناهج التي تحببه في هذه الفكرة " ، وقد رد عليه " ساطع الحصري " – كبير دعاة القومية العربية – في ( مجلة التربية والتعليم العراقية ) بقوله : " وهل يجوز للمصري خاصة والعربي عامة أن يصغي للسلام وحقوقه مهضومة ، وجميع بلاده تحت الاحتلال "

6-ظهور الفكر الاشتراكي :

شهدت أوروبا مولد الفكر الاشتراكي كرد فعل علي مساوئ الفكر الرأسمالي ، وبدا الفكر الاشتراكي للنظرة الأولي أنه تصحيح لمسار الرأسمالية ، سرعان ما اشتد وقوي وصار مزاحمًا بل محاربًا له .

وبعد الحرب العالمية الأولي وانتصار الثورة البلشفية في روسيا عام 1917م ظهر المعسكر الشيوعي كقوة كبيرة يتزايد وزنها المادي والمعنوي يومًا بعد يوم في مواجهة المعسكر الرأسمالي ، سجل التاريخ البشري – في أوائل القرن العشرين – مولد الفكر الاشتراكي وبروز المعسكر الشيوعي ، ثم انقسام العالم الغربي إلي شرق وغرب وحلفين متصارعين " وارسو وناتو " .

وقد كان من الطبيعي أن تصل أصداء هذا الانتصار إلي الدول النامية التي عانت كثيراً من السيطرة الرأسمالية ، فاتجه كثير من هذه الدول إلي الأخذ بالمبادئ الاشتراكية التي تمثلت أمام هذه الدول علي أنها تمتلك مفتاح الحل الاقتصادي لمشكلات التخلف التي عانت منها هذه الدول .

ويمكن القول بأن المبعوثين المصريين إلي أوروبا في الفترة من نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين هم الذين حملوا بوادر الفكر الاشتراكي إلي مصر ، وقد جرت محاولات عدة للتعبير والدعوة لهذا الفكر الوافد علي مصر ، ومن ذلك محاولة تأليف حزب اشتراكي مصري عام 1918م من " منصور فهمي ، عزيز ميرهم " الذي كان أدني إلي التطرف في الاشتراكية ، ولكن هذه المحاولة أحبطت عندما عارضها "محمود عزمي " الذي أقنع " منصور فهمي " بعدم ملائمة ظروف مصر الاقتصادية والاجتماعية لتنظيم الجهود في سبيل المبادئ الاشتراكية .

وقد كان تكوين أول حزب شيوعي في مصر عام 1920م علي يد المستشرق " جوزيف روزنتال " وكان مؤسسو الحزب من العناصر الأجنبية وخاصة اليهودية ، وقد تعرض هذا الحزب للهجوم من كل فئات الرأي العام بسبب أن معظم أعضاء الحزب من الأجانب ، كما أن مبادئ الحزب كانت غير مألوفة للرأي العام المصري .

ثم ظهرت تيارات فكرية تدعو إلي اشتراكية ذات طابع مصري عربي حملت لواءها جماعة مصر الفتاة التي أطلقت علي نفسها " الحزب الاشتراكي المصري " ، وتزعمها " أحمد حسين ، وفتحي رضوان " وهذا الحزب كان يري أن التعليم يجب أن يكون حقًا لكل المواطنين أو بالمجان ، إلا أن هذا التيار الفكري لم يحقق أهدافه لعدة أسباب منها : غلبة الطابع العسكري علي أعضائه " .

7- سيادة الاتجاه العلمي :

إذا كان القرن التاسع عشر قد شهد ثورة صناعية هائلة حتى لقب القرن بها ، وصارت معلمًا دالا عليه ، فإن القرن العشرين شهد ثورة علمية أشد ، وبلغ العلم منزلة عالية توجت القرن العشرين ، ومن ثم يمكن لنا أن نقول – وبصدق – إن القرن العشرين هو قرن العلم وعصر المنهج العلمي

فقد ظهرت قوة العلم ومنهجه بعد أن تطورت نظرياته وعمت نتائجه وتطبيقاته ، وظهرت للوجود آثاره وثماره حتى شملت معظم قطاعات الحياة ومعالمها ، فحلت الآلة مكان الأيدي البشرية ، وقامت كثير من الصناعات الثقيلة والخفيفة ، وترتب علي تطبيقات المنهج العلمي علي ميادين الحياة تطورات ضخمة كان من أبرزها : زيادة القدرة علي الكشف والاختراع ، نمو المدن والمواصلات الحديثة والسريعة ، وكان لهذه المدنية آثار بعيدة علي جميع جوانب الحياة ، فغيرت من وظائف عدد كبير من الأنظمة والمؤسسات ، وخلقت معها وظائف لم تكن موجودة من قبل .

وقد تأثر المجتمع المصري بهذه الموجات الحضارية المصطبغة بالصبغة العلمية ، وحدثت تغييرات جذرية في البناء الثقافي والاجتماعي والاقتصادي كأثر لهذه الموجات .

8- تيار الانحلال الخلقي " ومحاولة علمنة مصر " :

تعرضت مصر لموجة عارمة من الانحلال الخلقي والإباحية ، واشتدت هذه الموجة مع بداية القرن العشرين ، واتخذ الانحلال والإباحية صوراً متعددة ، وظهرت كتب وجرائد ومجلات تنضح بهذه السموم ، وتدعو المصريين إلي التحلل في النفوس والآراء والأفكار باسم التحرر العقلي ، وكذلك التحلل في السلوك والأخلاق والأفعال باسم التحرر الشخصي والحرية الشخصية وظهر المسرح والسينما والإذاعة وانتقلت الفرق المسرحية من بلاد الشام لتستوطن مصر ، وراجت الحياة لهذه الفرق ، واستغلت المرأة أبشع استغلال ، حيث تزامنت الدعوة إلي حرية المرأة المصرية مع محاكاة المرأة الغربية في بلاد المسلمين من حيث العري والعهر والاختلاط ، فانتقلت أخلاق المرأة الغربية إلي المرأة المسلمة .

نعم لقد ظهر الفساد في البر والبحر والجو ، وشاعت الرذيلة ، دون نكير مؤثر عليها ، وفي هذه الظروف المحزنة المبكية كان علماء الشريعة ، وكانوا متفرقين متناحرين ، منهم من أراد حقيقة الأوضاع الآسنة واستسلم لها ، ومنهم من أدرك خطورة الأوضاع الفاسدة ولكنه يأس من إصلاحها ، ومنهم من انشغل بدنياه عن خدمة دينه والعمل له ، وللإمام الشهيد حسن البنا إشارة لهذه الأوضاع أوردها في مذكراته يقول : " وصرت أراقب هذين المعسكرين ، فمعسكر الإباحية والتحلل في قوة وفتوة ، ومعسكر الإسلامية الفاضلة في تناقض وانكماش ، واشتد بي القلق حتى إني لأذكر أنني قضيت نحواً من نصف رمضان هذا العام في حالة أرق شديد ، لا يجد النوم إلي جفني سبيلا من شدة القلق والتفكير في هذا الحال " .

وقد انعكست آثار هذه الموجات العارمة من الانحلال والإباحية والإلحاد علي المجتمع المصري في بدايات القرن العشرين لاسيما في المدن الكبرى المصرية كالقاهرة والإسكندرية .

هذه باختصار أبرز المعالم والتيارات والاتجاهات العالمية التي لعبت دورها علي مسرح الحياة المصرية مع مطلع القرن العشرين وخلال نصفه الأول ، والتي كان لها دور مؤثر في تشكيل بعض الاتجاهات والجهود التي عرفتها مصر إبان ظهور الإمام البنا وتأسيس جماعة الإخوان المسلمين .

وسنقوم بإيجاز بتحليل واقع المجتمع المصري في بداية القرن العشرين الذي كانت نشأة الإمام حسن البنا فيه .


أهم الدعوات التي سبقت دعوة " الإخوان المسلمين "

لقد سبقت دعوة " الإخوان المسلمين " كثير من الدعوات التي تأثرت بها دعوة الإخوان ، واستطاعت الاستفادة من الجوانب الإيجابية في تلك الدعوات والتجاوز عن سلبياتها ، مما كان له أبعد الأثر في نجاح دعوة الإخوان المسلمين واستمراريتها رغم ما تعرضت له من صعاب .

وأهم هذه الدعوات :

1.الدعوة الوهابية .

2.الدعوة المهدية .

3.الدعوة السنوسية .

أولا الدعوة الوهابية :

التعريف :

يسميها البعض " الدعوة السلفية " ويطلق عليها آخرون " دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب " ، وأيا كان اسمها ، فهي رائدة الحركات الإصلاحية التي ظهرت إبان عهود التخلف والجمود الفكري في العالم الإسلامي ، أما من حيث المضمون فهي تدعو إلي العودة بالعقيدة الإسلامية إلي أصولها الصافية ، وتلح علي تنقية مفهوم التوحيد مما علق به علي أنواع الشرك .

التأسيس والمؤسس :

ولد الشيخ محمد بن عبد الوهاب المشرقي التميمي النجدي عام " 1115هـ - 1703م " ، ببلدة العيينة القريبة من الرياض ، وتلقي علومه الأولي علي والده دارساً شيئاً من الفقه الحنبلي ، والتفسير والحديث ، حافظاً القرآن وعمره عشر سنوات .

ذهب إلي مكة حاجاً ، ثم سار إلي المدينة ليتزود بالعلم الشرعي ، وفيها التقي بشيخه محمد حياة السندي " ت 1165هـ - 1753م " صاحب الحاشية علي صحيح البخاري ، وكان تأثره به عظيماً ، ثم عاد بعد ذلك إلي العيينة .

توجه إلي العراق عام " 1136هـ - 1724م " ليزور البصرة وبغداد والموصل ، وفي كل مدينة منها كان يلتقي بالشيوخ والعلماء ، ويأخذ عنهم .

بدأ يجهر بدعوته إلي التوحيد في " عام 1143هـ - 1730م " في حريملاء حيث انتقل إليها مع والده الذي كان يعمل قاضياً ، لكنه ما لبت أن غادرها بسبب تآمر نفر من أهلها عليه لقتله ، متوجهاً إلي العيينة ، حيث عرض دعوته علي أميرها " عثمان بن معمر " الذي قام معه بهدم القبور والقباب وأعانه علي رجم امرأة زانية جاءته معترفة بذنبها .

لكن أمير الإحساء عريعر بن دجين الذي لم تعجبه دعوة الشيخ فأرسل إلي أمير العيينة يأمره بأن يمنع الشيخ عن الدعوة ، فغادر الشيخ البلدة كي لا يحرج أميرها ، وتوجه إلي الدرعية مقر إمارة آل سعود ، ونزل ضيفاً علي محمد بن سويلم العريني عام " 1158هـ " حيث أقبل عليه وأكرمه .

اقتنع أمير الدرعية محمد بن سعود الذي حكم في الفترة من " 1139 – 1179هـ " بدعوة الشيخ فعاهده علي حمايته وتأييده بشرطين ، ألا يرتحل عنهم ولا يستبدل بهم غيرهم ، وألا يمانع في أن يأخذ الحكم وقت الثمار ما اعتاد علي أخذه من أهل الدرعية ، فوافق الشيخ ، وأمل له في غنائم الفتوحات التي يفتحها الله عليه ، فيعوض بذلك عما يأخذه من أهل الدرعية .

وهكذا حقق الشيخ ما كان يعتقده من ضرورة وجود قوة للحق تحميه ؛ لأن الله يزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن ، ومضي الأمير والشيخ في نشر الدعوة في ربوع نجد ، ولما توفي الأمير خلفه ابنه عبد العزيز محمد ليتابع مناصرة الدعوة مع الشيخ ، حتى توفاه الله في الدرعية " 1206هـ-1719م " .

وقد ترك الشيخ مصنفات كثيرة ، كان أهمها :

1-كتاب التوحيد فيما يجب من حق الله علي العبيد .

2-كتاب الإيمان .

3-كشف الشبهات .

4-آداب المشي إلي الصلاة .

5-مسائل الجاهلية .

6-عدد من الرسائل والمختصرات التي تدور حول أمور فقهية وأصولية ، أكثرها في التوحيد

أهم الأفكار والمعتقدات :

- اتسمت دعوة الشيخ ابن عبد الوهاب بأنها لا مذهبية في أصولها ، حنبلية في فروعها ، فقد كان الشيخ حنبلي المذهب في دراسته لكنه لم يكن يلتزم في فتواه إذا ترجح إليه الدليل فيما يخالفه ، واعتمدت الدعوة منهج أهل السنة والجماعة في فهم الدليل والبناء عليه .

- أكدت علي ضرورة الرجوع إلي الكتاب والسنة ، وعدم قبول أي أمر في العقيدة ما لم يستند إلي دليل مباشر وواضح منهما ، ودعت إلي تنقية مفهوم التوحيد ، والرجوع به إلي ما كان عليه المسلمون في الصدر الأول للإسلام .

- دعت إلي فتح باب الاجتهاد ، بعد أن ظل مغلقاً منذ سقوط بغداد سنة 565هـ ، وإحياء فريضة الجهاد ، وقد كان الشيخ صورة للمجاهد الذي يمضي في فتح البلاد وينشر الدعوة ، ويزيل مظاهر الشرك التي انحدر إليها الناس .

- اهتمت كثيراً بالقضاء علي البدع والخرافات ، خاصة زيارة القبور والنذر لها ، وطلب قضاء الحاجات عندها ، ومنعت بناء القبور وكسوتها ، وإسراجها ، وتصدت لشطحات الصوفية المنحرفة وادعاءاتهم الباطلة .

- وإجمالا نستطيع أن نقول أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد ترسم في دعوته أعلامًا ثلاثة ، استن طريقتهم ، وهو الإمام أحمد بن حنبل " 164 – 241هـ " ، وابن تيمية " 661- 728هـ " ، وابن قيم الجوزية " 691-751هـ " .

- ولكن يؤخذ علي هذه الدعوة جنوح بعض دعاتها إلي التعالي في بعض الأحيان ، وغلبة الأسلوب الصدامي مع مخالفيهم بدلاً من أسلوب التفاهم والتواد ، وكادت هذه الدعوة تنحصر في محاربة جزئية واحدة من الدين وهي محاربة البدع فقط .

ثانيًا : الدعوة المهدية :

التعريف :

المهدية واحدة من أبرز حركات الإصلاح التي ظهرت في العالم العربي والإسلامي مع نهاية القرن التاسع عشر الميلادي وبداية القرن العشرين ، وهي ذات مضمون ديني سياسي شابه بعض الانحرافات العقائدية والفكرية ، وما يزال أحفاد المهدي وأنصاره يسعون لأن يكون لهم دور في الحياة الدينية والسياسية في السودان .

التأسيس وأبرز الشخصيات :

أولا : المؤسس :

هو محمد أحمد المهدي بن عبد الله " 1260- 1302هـ = 1845- 1885م " ولد في جزيرة " لبب " جنوب مدينة دنقلة ، يقال بأن نسبه ينتهي إلي الأشراف ، حفظ القرآن وهو صغير ، ونشأ دينية وتتلمذ علي الشيخ محمود الشنقيطي ، سالكًا الطريقة السمانية القادرية الصوفية ، متلقيًا علي شيخها محمد شريف نور الدائم .

لاحظ محمد علي شيخه تهاونًا في بعض الأمور ، ففارقه وانتقل إلي الشيخ القرشي ود الزين ، وجدد البيعة علي يديه وكان شيخه الثاني من أكبر مشايخ الطرق الصوفية آنذاك .

استقر في عام 1870م في جزيرة " آبا " حيث يقيم أهله ، والتزم أحد الكهوف مستغرقًا في التأمل والتفكير ، وفي عام 1297هـ - 1880م توفي شيخه القرشي ، فقام المهدي بتشييد ضريحه وتجصيصه وبناء القبة عليه ، وصار خليفته من بعده ، حيث توافد عليه المبايعون مجددين الولاء للطريقة في شخصه .

وفي عام 1881م أصدر فتواه بإعلان الجهاد ضد الكفار والمستعمرين الإنجليز ، وأخذ يعمل علي بسط نفوذه في جميع أنحاء غرب [[:|السودان]] ، ثم اعتكف أربعين يومًا في مغارة بجزيرة " آبا " وفي غرة شعبان 1298هـ الموافق 29 يونيو 1881م أعلن للفقهاء والمشايخ والأعيان أنه المهدي المنتظر ، الذي سيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وظلمًا .

قابل قوة الحكومة التي أُرسلت لإخماد حركته في 16 رمضان 1298هـ الموافق أغسطس 1881م ، وأحرز عليها انتصاراً دعم موقفه ودعواه ، ثم هاجر إلي جبل ماسة ، ورفع راياته هناك ، وعين له أربعة من الخلفاء هم

1-عبد الله التعايشي : صاحب الراية الزرقاء ، ولقبه بأبي بكر .

2-علي ود حلو : صاحب الراية الخضراء ولقبه بعمر بن الخطاب .

3-محمد المهدي السنوسي رئيس الطريقة السنوسية ، ذات النفوذ الكبير في ليبيا ، وعرض عليه المهدي منصب الخليفة عثمان بن عفان ، ولكن السنوسي تجاهله ولم يرد عليه .

4-محمد شريف : وهو ابن عم المهدي ، الذي له الراية الحمراء ولقبه بعلي ابن أبي طالب .

تابع المهدي انتصاراته ففي عام 1882م قابل الشلالي الذي أراد أن ينفذ إرادة جيلبر نائب الحكمدار عبد القادر حلمي ، فقتل الشلالي ، وفي 3 نوفمبر سنة 1883 التقي مع هلس الذي لقي حتفه أيضًا بعد يومين من بداية المعركة ، وفي 26 يناير 1885م التقي جيشه بجيش غوردون في الخرطوم ، واشتدت المعركة وقتل غوردون الذي كان يأمل المهدي بإلقاء القبض عليه حيًا ليبادل به أحمد عرابي الذي أجبر علي مغادرة مصر إلي النفي .

وكان سقوط الخرطوم بين يدي المهدي آنذاك إيذانًا بانتهاء العهد العثماني علي السودان ، ومن يومها لم يبق للمهدي منافس حيث قام بتأسيس دولته مبتدئًا ببناء مسجده الخاص .

توفي المهدي في يوم 9 رمضان 1302هـ - الموافق 22 يونيو 1885م ، بعد أن أسس أركان دولته الوليدة ، ودفن في المكان الذي قبض فيه ، وجدير بالذكر أن هذه الدولة لم تدم طويلاً ، ففي عام 1896م قضي اللورد كتشز الذي كان سرداراً لمصر علي هذه الدولة ، ونسف قبة المهدي ونبش قبره ، وبعثر هيكله ، وبعث بجمجمته إلي المتحف البريطاني انتقامًا لمقتل غوردون .

الأفكار والمعتقدات :

إن شخصية المهدي القوية ، والمعتقد الديني الذي كان يدعو إليه ، والسخط العام الذي كان سائداً ضد الولاة الذين يفرضون الضرائب الباهظة علي الناس ، وتفشي الرشوة ، والمظالم ، وسيطرة الأتراك والإنجليز كان ذلك كله دور مهم في جمع الناس حول هذه الدعوة بهدف التخلص من الوضع المزري الذي هم فيه إذ وجدوا في المهدي المنقذ والمخلص .

دعا المهدي إلي ضرورة العودة مباشرة إلي الكتاب والسنة دون غيرهما من الكتب التي يري أنها تبعد بخلافاتها وشروحها عن فهم المسلم البسيط العادي ، وألح بشدة علي الجهاد والقوة والفتوة ، وحرم الاشتغال بعلم الكلام ، وأوقف العمل بالمذاهب الفقهية المختلفة ، وفتح باب الاجتهاد في الدين .

ألغي جميع الفرق الصوفية ، وأبطل جميع الأوراد داعيًا إلي نبذ الخلافات والالتفات حول طريقته المهدية ، مؤلفًا لأتباعه ورداً يقرؤونه يوميًا ، وقال بالقطبية ، وهي الفكرة التي يزعم أصحابها من المتصوفة أن الكون يرتكز عليها ، وأنها جوهر الكون ، وعليها يدور ، وأنها أساس السعادة .

يزعم المهدي بأن مهديته قد جاءته بأمر من رسول الله صلي الله عليه وسلم إذ يقول : " وقد جاءني في اليقظة ، ومعه من الخلفاء الراشدون ، والأقطاب والخضر عليه السلام ، وأمسك بيدي صلي الله عليه وسلم ، وأجلسني علي كرسيه وقال لي : أنت المهدي المنتظر ، ومن شك في مهديتك فقد كفر " ، بل ونسب إلي نفسه العصمة ، وذكر بأنه " معصوم " نظراً لامتداد النور الأعظم فيه من قبل خلق الكون إلي يوم القيامة .

ولما تحركت الحكومة لضرب المهدية في جزيرة " آبا " كتب المهدي خمس رايات ، رفع عليها شعار ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) وعلي أربعة منها اسم واحد من الأقطاب الأربعة عند المتصوفة ، وهم : الجيلاني ، والرفاعي ، والدسوقي ، والبدوي ، أما الخامسة فقد كتب عليها " محمد المهدي خليفة رسول الله " وعلي ذلك فهو يزعم أنه الإمام والمهدي ، وخليفة رسول الله .

ومع ذلك فلا ننكر أنه أقام في المنطقة التي امتد إليها نفوذه نظامًا إسلاميًا ، ونظم الشئون المالية ، وعين الجباة لجمع الزكاة ، وأقام حدود الشريعة في أتباعه كالقصاص وحيازة خمس الغنائم ، وغيرها ، وسك العملة باسمه ابتداء من فبراير 1885م – جمادي الأولي 1302هـ .

تأثر المهدي بالشيعة في أدعائه " المهدية " التي ستملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً ، وفي التأكيد علي أهمية نسبة الممتد للحسين بن علي ، وعلي فكرة العصمة والإمام المعصوم ، لكن من ناحية أخري قد أخذ عن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب قوله بضرورة الأخذ عن الكتاب والسنة مباشرة ، وفتح باب الاجتهاد ومحاربته لبناء القبور ، ومن ناحية ثالثة كان للفكر الصوفي دور مهم في رسم شخصية المهدي وطريقته .

أخذ عن جمال الدين الأفغاني ، وعن الإمام محمد عبده الأفكار الداعية إلي تحرير البلاد الإسلامية من الاستعمار الأوربي وتوحيدها وضرورة تطبيق الشريعة في حياة المسلمين ، وكان قريبًا من الأحداث الجارية في مصر ، وبالذات حركة أحمد عرابي الداعي إلي التحرير والاستقلال عن السيطرة الإنجليزية .

كان يلح علي ضرورة التواضع ، وعدم البطر ، وتشديد النكير علي الانغماس في الملاذ والبذخ والنعمة ، ويعمل علي التقريب بين طبقات المجتمع ، وقد عاش حياته يلبس الجبة المرقعة هو وأتباعه ووصل به الحال أن حرم الاحتفال بالأعراس والختان لأنه يدعو إلي النفقة والإسراف ، لكن أحفاده من بعده عاشوا في ترف ونعيم .

منع البكاء علي الأموات ، وحرم الاشتغال بالرقي والتمائم وحارب شرب الدخان وزراعته والاتجار به ، وشدد في تحريمه ، ويسر الزواج بتخفيف المهور وبساطة الولائم وتحريم الرقص والغناء وضرب الدفوف .

تطلع المهدي إلي عالمية الدعوة حيث أعلن أن الرسول صلي الله عليه وسلم قد بشره بأنه سيصلي في الأبيض ثم في بربر ثم في المسجد الحرام بمكة ، فمسجد المدينة فالقاهرة ،وبيت المقدس وبغداد والكوفة .

وهو بذلك يتطلع إلي نشر الدعوة خارج [[:|السودان]] لكن هذا الأمل تلاشي بسقوط طوكر عام 1891م .

ومما يذكر أنه مازال للمهدية أنصار كثيرون يجمعهم " حزب الأمة " الذي يسهم في الأحداث السياسية الحالية في [[:|السودان]] ، كما أن لهم تجمعًا وأنصاراً في أمريكا وبريطانيا ، يعملون علي نشر أفكارهم ومعتقداتهم بين الجاليات الإسلامية عامة والسودانيين خاصة .

بعض الانتقادات الموجهة لاجتهادات المهدي :

1.لقد كفر المهدي من خالفه ، أو شك في المهدية أو لم يؤمن به ، وسمي الزمان الذي قبله زمان الجاهلية .

2.أفني بأن من يشرب التنباك يؤدب حتى يتوب أو يموت ، وجعل المتهاون في الصلاة كالتارك لها جزاؤه أن يقتل حداً ، ونهي عن زواج البالغة بلا ولي ولا مهر ، ومنع النساء من لبس الحلي من الذهب والفضة وهي مباحة شرعًا .

3.جعل المذاهب الفقهية والطرق الصوفية مجرد قنوات تصب في بحره العظيم .

ثالثًا : الدعوة السنوسية :

التعريف :

السنوسية واحدة من أبرز الحركات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي ، ظهرت في شمال أفريقيا – تحديداً في ليبيا – في بداية القرن التاسع عشر الميلادي ، حملت الإسلام إلي مناطق نائية في أواسط أفريقيا ، ورغم مضمونها الصوفي إلا أنها استطاعت أن تقيم دولة دافعت عن ليبيا ضد الاستعمار الفرنسي ، والإنجليزي ، والإيطالي .

المؤسس :

هو أبو عبد الله محمد علي السنوسي الخطابي الإدريسي ، ولد ببلدة " مستغانم " محلة " الواسطة " بالجزائر ، يوم 12 ربيع الأول 1202هـ الموافق 22/11/1787م ، مات أبوه وهو رضيع ، فكلفته عمته السيدة فاطمة ، ثم ابن عمه السيد الشارف ، وكان من العلماء .

طلب السنوسي العلم في بلدته ، ثم رحل إلي جامع القرويين في مدينة فاس ، وكان محط رحل العلماء ، ثم رحل إلي القاهرة ، وغادرها بعد معارضة علماء الأزهر لتعاليمه فتوجه إلي الحجاز حوالي عام 1830م ، وهناك أخذ بعض الطرق الصوفية علي يد شيوخها المقيمين في مكة ، منها الطريقة الشاذلية ، والطريقة الفاسية ، والطريقة الناصرية ، والطريقة القادرية ، والطريقة التيجانية ، لكن علاقة الصداقة توطدت بين السنوسي والشيخ أحمد بن عبد الله بن إدريس الفاسي مؤسس الطريقة الفاسية ، فسافر معه إلي اليمن ، وظل بها حتى توفي ابن إدريس عام 1835م ، فرجع السنوسي مرة أخري إلي مكة .

أقام السنوسي زاويته بمكة في " جبل أبي قبيس " بعد موت شيخه ابن إدريس ، فأتاحت له إقامته بمكة فرصة دراسة مؤلفات محمد بن عبد الوهاب ، فاقتنع ببعض مبادئ الدعوة الوهابية خصوصًا ما يتعلق بالدعوة فتح باب الاجتهاد ، والرجوع إلي الكتاب والسنة ، وقد وافته المنية بعد طلوع شمس يوم التاسع من شهر صفر سنة 1276هـ الموافق 7/9/1859م .

ومن مصنفات السنوسي :

1.كتاب المسائل العشر ، المسمي : " بغية القاصد في خلاصة الراصد " ، مطبوع بالقاهرة عام 1353هـ

2.المسلسلات العشرة في الأحاديث النبوية ، مطبعة السنة سنة 1357هـ .

3.المنهل الروي في أسانيد العلم وأصول الطرائق ، ط1 ، سنة 1373هـ ، 1954م ، مطبعة حجازي بالقاهرة .

4.إيقاظ الوسنان في العمل بالحديث والقرآن ، ط 1 ، سنة 1357هـ ، 1938م ، القاهرة .

وغيرها من الكتب المطبوعة والمخطوطة .


مراحل تطور الدعوة وأهم الشخصيات :

يمكن تقسيم مراحل التطور إلي ثلاثة أطوار هي طور النشأة وطور النمو والانتشار وطور الحروب ، وقيام المملكة السنوسية .

ومن خلال العرض المختصر لكل مرحلة سوف نتعرف علي أهم شخصيات الدعوة السنوسية .

1.طور النشأة ( 1837- 1859م) :

يرتبط هذا الطور بتاريخ مؤسس الدعوة ، محمد بن علي السنوسي وهو طور ديني محض ، بدأ من وقت إنشاء أول زاوية سنوسية بمكة ، إلي موت السنوسي نفسه ، اهتم السنوسي في هذا الطور باختيار الأتباع ، وتربيتهم ، ثم بإنشاء الزوايا في أنحاء لبيبا وتونس وفي [[:|السودان]] في مصر .

ولعل هذا ما أثار السلطات العثمانية عليه ، وأثار علماء الدين ضد تعاليمه ، وبالذات المتعلقة بالرجوع إلي الكتاب و السنة ، وفتح باب الاجتهاد .

2.طور النمو والانتشار( 1859-1903م) :

يرتبط هذا الطور بحياة محمد المهدي بن السنوسي ( 1844- 1902م ) مؤسس السنوسية وفي زمنه تطورت السنوسية من طريقة صوفية إلي مذهب ديني يبني نواة دولة جديدة ، وفي هذا التطور انتشرت الزوايا السنوسية في البلاد حتى توغلت في قلب الصحراء ، واهتم المهدي السنوسي بتنظيم حياة الناس ، وشئون الزراعة والتجارة ، وتعمير الزوايا ... لكن الاستعمار الفرنسي داهم السنوسيين بأسلحته الحديثة فهزمهم واشتد علي المهدي السنوسي المرض فمات سنة 1902م .

3.طور الحروب وقيام المملكة السنوسية ( 1903- 1950م ) :

عندما توفي محمد المهدي السنوسي سنة 1902 كان ابنه محمد إدريس لم يزل حدثاً فانتقلت زعامة السنوسية إلي ابن أخيه أحمد الشريف شقيق المهدي ، علي أن يكون في الوقت نفسه وصياً علي محمد إدريس عام 1918 – 1337 هـ .

وفي هذا الطور انتقل جهاد السنوسيين ضد الفرنسيين بعد تدفق الغزو الفرنسي عند حدود برقة الجنوبية إلي الإيطاليين الذين هجموا علي موانئ طرابلس وبرقة مستغلين ضعف الدولة العثمانية ، واستعر القتال بين السنوسيين والأتراك ضد الطليان قرابة سنة إلي أن اضطرت تركيا وقف القتال تحت ضغط الدولة الأوربية ثم رجعت تركيا مرة أخرى بعد أن وقفت إيطاليا مع الحلفاء ضد ألمانيا التي ساندتها تركيا فهزموا الطليان .

وحاول أحمد الشريف بعد ذلك مهاجمة الإنجليز في مصر فانهزم أمامهم فاعتزل وترك القيادة للسيد محمد إدريس السنوسي بعد سوء أحوال البلاد ، وانتشار وباء الطاعون ، والمجاعة وغيرها ، وجاهد محمد إدريس ضد الإيطاليين ، ثم ضد الإنجليز والفرنسيين بعد الحرب العالمية الثانية حتى حصل الاستقلال سنة 1948، وفى سنة 1950 اختير ملكًا على ليبيا ،وكان أبرز من وقف بجانبه هو الشيخ عمر المختار الذي عهد إليه بقيادة السنوسية لمرضه سنة 1923م، فقاد المقاومة ضد إيطاليا الفاشية إلى أن أعد موه سنة 1931م.

ونلاحظ تطور السنوسية في هذا الطور من عقيدة صوفية ومذهب ديني إلي عقيدة وسياسة وبناء ملك معاً .

أهم المعتقدات والمفاهيم :

المناداة بالاعتماد علي الكتاب والسنة ، وتقييد التصوف بهما ، واتساع مفهوم العبادة ليشمل الدين والدنيا ، والإيمان بمهدية محمد المهدي السنوسي ، بل وينكرون موته ، ويقولون بأنه تغيب ولا يسمحون لأحد أن يقول أنه مات ، وترك الاشتغال بالسياسة في أول دعواتهم ، وقد ورد هذا في كتبهم وتعاليمهم إلا أنهم قد أقحموا إلي السياسة إقحاماً خاصة أثناء جهادهم ضد المستعمر ، وأدي ذلك إلي قيام مملكتهم سنة 1950م واعترف العالم بها ، واعتمدوا في نشر دعوتهم علي الزوايا والطرق الصوفية ، وإن كان منشئ الدعوة قد اعتقد بأفكار الدعوة الوهابية ، وكان لهم أثر كبير في نشر الإسلام في القارة الأفريقية ، حتى أن جماعات التبشير اعتبرتهم منافسين لهم لا يستطيعون التغلب عليهم ولو بالمال ، وإن كان يعيب هذه الطريقة بعض الشطحات الصوفية .


الفصل الأول: الحياة السياسية التي كانت تحكم المجتمع المصري إبان ظهور الإمام البنا وتأسيس دعوة الإخوان المسلمين

مع مطلع القرن العشرين ، كانت مصر ترزح تحت قيود الاحتلال البريطاني الذي كان يجثهم فوق ربوع البلاد ويتحكم في مصير العباد ويأمر وينهي ، وعلي الشعب وساسته السمع والطاعة .

إلا أن أحداثاً جساماً نشبت بمصر خلال الربع الأول من القرن العشرين أثرت في مسيرة العمل السياسي والحالة السياسية .

ونستعرض في هذا الفصل الحياة السياسية من خلال المبحثين التاليين :

المبحث الأول : الأحداث السياسية المهمة وأثرها علي نشأة الإمام البنا وجماعته .

المبحث الثاني : القوى السياسية المهمة المؤثرة في المجتمع المصري .


المبحث الأول: الأحداث السياسية المهمة وأثرها علي نشأة الإمام البنا وجماعته

وقعت البلاد أسيرة في قبضة الاحتلال البريطاني في أعقاب فشل الثورة العرابية عام 1882م ، وانتشر الجنود الإنجليز في طول البلاد وعرضها يحمون المصالح الإنجليزية وصار لهم الكلمة الأولي ، وأصبح السلطان المتوج علي مصر ألعوبة في يد الإنجليز .

ولم يهدأ الشعب المصري ولم تخمد جذور الثورة علي المحتل الغاصب ، ولم يعدم الشعب أن يجد رموزاً وطنية تنفخ في روح الحرية والكرامة ، وتقوده إلي المطالبة بحقه في الحرية والاستقلال ، ومن هذه الرموز الوطنية مصطفي كامل " توفي فبراير 1908 " والزعيم محمد فريد " توفي يوم 15 نوفمبر 1919م " ، وخلال الربع الأول من القرن العشرين وقعت أحداث مهمة أثرت علي المجتمع المصري عامة ، وكان لها أثر ملحوظ في نشأة الإمام الشهيد ، ونتعرض لأهم هذه الأحداث السياسية علي النحو التالي :

المطلب الأول : ثورة الشعب المصري عام 1919م .

المطلب الثاني : لجنة اللورد ملنر ومظاهرات الاحتجاج والغضب عليها .

المطلب الثالث : إصدار دستور 1923م .

المطلب الرابع : سقوط الخلافة الإسلامية عام 1924م .


المطلب الأول : ثورة الشعب المصري عام 1919م

وضعت الحرب العالمية الأولي أوزارها في نوفمبر سنة 1918م ، وانشغل العالم بإصلاح ما أفسدته الحرب ، وما كشفت عنه من كوارث ، وتنادي الجميع إلي عقد مؤتمر الصلح العالمي بين الدول المتحاربة ، وانعقد مؤتمر الصلح في باريس ، ورأي الوطنيون تشكيل وفد من الساسة المصريين للتوجه إلي باريس لعرض قضية استقلال مصر علي المؤتمر ، وأعلن عن تشكيل وفد ينوب عن الأمة المصرية في عرض قضية الاستقلال ويرأس الوفد سعد باشا زغلول ، ومعه إسماعيل صبري باشا ، محمد محمود باشا ، حمد الباسل باشا ، فما كان من الإنجليز إلا أن أعلنوا رفض سفر الوفد إلي باريس ، واستعدوا الوفد وهددهم الجنرال وطسون قائد الحامية الإنجليزية بمحاكمتهم عسكرياً ، وفي مساء يوم 6 مارس 1919م ألقي القبض علي سعد زغلول ورفاقه وتم نفيهم إلي جزيرة مالطة بالبحر المتوسط .

وكان خبر نفي سعد زغلول ورفاقه بمثابة الشرارة التي أشعلت ثورة الشعب المصري ، فهبت المظاهرات في مدن مصر وقراها ، واشترك فيها جميع طوائف الشعب من علماء وطلاب ومدرسين ، وعمال وفلاحين وشباب وشيوخ ونساء ، وتحولت شوارع مصر إلي بحر هائج من الغضب الشعبي ، مطالبًا بحريته الكاملة واستقلاله التام ، ونلحظ أن الشعب ما قام بالثورة سنة 1919م إلا لإحساسه بالضياع وقد وجد فيها تحقيقاً لذاته ، وتعبيراً عن نفسه ووجوده ، وكأنه أراد أن يحس بإنسانيته بإظهار إرادته ، ثم ثار هذا الشعب ولم يطالب بالخبز وهو جائع ، ولا بإلغاء ملكية الأرض الزراعية وهو لا يكاد يملك منها شيئاً ، ولم يطلب بإلغاء الألقاب ، والقضاء علي البكوات والبشوات ، بل كانت ثورته تعبيراً عن صادق شعوره وبرفضه الاستعمار ، وكان مخلصاً في مطالبته بالاستقلال ، وإن لم يفكر أو يتصور ماذا سيكون شأنه بعد الاستقلال ، بل لم يرسم لنفسه صورة ولو باهتة لهذا الوطن في ظل الاستقلال .

ورغم أن الثورة لم تطالب بالإسلام نظاماً شاملاً للحياة ، ولم يكن في فكر مشعليها أو المشتركين فيها أن يشيعوا بينهم الإسلام منهاجاً وفكرة وشريعة ، وترسي للناس قواعد وأسس معاملاتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقيمية والفكرية مستمدة من منهاج السماء الخالد ، ومع ذلك فكان الإسلام حياً في القلوب ، متحركاً في العقول ، مستتراً في الضمير ، وكان الثوار يعتبرون أن من قتل في الثورة برصاص الإنجليز أو السلطة الحاكمة فهو شهيد له جنات الخلد عند ربه ، واقترنت الثورة بالمسجد ، وخرجت المظاهرات من الأزهر وهو رمز الإسلام ومعهده آنذاك .

ولما اندلعت نار الثورة الوطنية في سنة 1919م – في أعقاب الحرب العالمية الأولي – فشملت آنذاك أنحاء الوادي كان " حسن البنا " في سن الحداثة وطور المراهقة – كان عمره أثناء الثورة أثني عشر عاماً وأربعة أشهر وعدة أيام – اللذين يتفتح المرء فيهما بكل مواهبه للحياة ، وتتفتح الحياة فيه كذلك بكل آفاقها وقواها ، فأراد الله أن تلتقي الثورتان ، ثورة الفتوى والشباب وثورة الوطنية والحرية في قلب هذا الفتي النابه المتدين بفطرته بنشأته وثقافته ، ولم تفترقا أبداً فيه ، فكان مثال الحيوية التي لا تعرف الكلال ، ومثال الوطنية التي لا تقدر عليها قوة الاحتلال ، حتى لقي ربه شهيداً في سبيل دعوته الإصلاحية الشاملة التي انتظمت إصلاح العقيدة والنفوس ، وإصلاح الحكم والأوضاع .

لقد شقت أحداث الثورة طريقها وعرفت سبيلها إلي نفس ومشاعر الإمام البنا ، حيث كان طالبًا بالإعدادية بمدينة المحمودية وكان من الطلاب المبرزين بين المتظاهرين ، يقول هو عن نفسه : " وكنت – رغم اشتغالي بالتصوف والتعبد – اعتقد أن الخدمة الوطنية جهاد مفروض لا مناص منه ، فكنت بحسب هذه العقيدة وبحسب وضعي بين الطلاب – إذ كانت متقدمًا فيهم – ملزمًا بأن أقوم بدور بارز في هذه الحركات وكذلك كان .

ولهذا يعتبر البعض أن تلك الثورة المصرية ساعدت علي نمو الجانب السياسي والحس الوطني عند الإمام البنا وهو في سن مبكرة .

وهكذا ، كان البنا منذ حداثته سياسيًا مخلصًا ، وطنيًا مبرزاً بين أقرانه ، مما يوحي بالدور الكبير الذي ينتظره ، والمهمة الكبرى التي تناديه .


المطلب الثاني : لجنة اللورد ملنر ومظاهرات الاحتجاج والغضب عليها

ونتيجة لتنامي روح الغضب والعنف التي سيطرت علي الشعب المصري والتي تمثلت في مظاهراته الغاضبة ، فكرت الحكومة البريطانية في معالجة آثار الثورة ، وكعادتها اتجهت لتهدئة الأوضاع ريثما تهدأ العاصفة ثم تنقضي ، ومن ثم تكمل أرادت وتنفذ ما يحقق مصالحها .

ورأت الحكومة البريطانية أن ترسل لجنة كبرى إلي مصر للتحقيق في أسباب الثورة وبحث الوسائل الكافية لمنع نشوبها مرة ثانية في المستقبل ، وشكلت اللجنة ورأسها اللورد ألفريد ملنر وزير المستعمرات وقتئذ وكان ذلك في 22 سبتمبر 1919م .

وعلي إثر الإعلان عن تأليف هذه اللجنة عمت المظاهرات الاحتجاجية الغاضبة مدن مصر ، واشتدت ثورة الغضب مرة ثانية وخاصة في الإسكندرية وحدثت اشتباكات عنيفة بين الشعب الغاضب وقوات الشرطة الداخلية التي استنجدت بفصيلة من الجيش البريطاني التي أطلقت النار علي المتظاهرين ، فسقط منهم قتلي وجرحي ، وتكرر المشهد : مظاهرة غاضبة تنادي بالاستقلال وزوال الاحتلال يقابلها جنود إنجليز برصاص حي وتكون المحصلة قتلة وجرحي .

واستمرت المظاهرات الغاضبة حتى جاء موعد وصول اللجنة المذكورة ، حيث وصلت إلي مصر في 7 ديسمبر 1919م ، ومنذ ذلك الوقت عمت المظاهرات والاضطرابات وامتنع الطلاب عن الذهاب إلي معاهدهم ومدارسه احتجاجاً علي قدوم اللجنة وتجاوب التجار مع إضراب الطلاب ، وامتنعوا عن فتح المحال التجارية ، وقرر المحامون الاضطراب لمدة أسبوع ابتداء من 17 ديسمبر احتجاجاً علي قدوم اللجنة " جدير بالذكر أن يوم 18 ديسمبر هو يوم إعلان الحماية البريطانية علي مصر سنة 1914م " .

وشارك في المظاهرات الاحتجاجية علماء وطلاب الأزهر الشريف ، وفي إحدى المظاهرات اقتحمت فصيلة من الجيش البريطاني صحن الجامع الأزهر الشريف بنعالها وعصيها منتهكة حرمة المسجد وأخذت تضرب وتروع من فيه ، حدث ذلك في يوم 11 ديسمبر 1919م .

قضت لجنة ملنر في مصر نحو ثلاثة أشهر تدرس أحوال البلاد عامة ، وأسباب الثورة خاصة ، وتبحث في العلاج الذي تراه ناجحاً لملاقاة الحالة الثورية ، وفي المقترحات الني تعرضها علي الحكومة البريطانية في هذا الصدد ، وغادر اللورد العاصمة صباح يوم 6 مارس سنة 1920م إلي القدس في رحلة بفلسطين ، ثم عاد إلي الإسكندرية وأبحر منها يوم الخميس 18 منه إلي انجلترا ، وسبقه إليها زملاؤه .

وطوال مدة عامين من المفاوضات والمناورات والخدع البريطانية تأكد للجميع أن الشعب المصري مصمم علي نيل حريته والحصول علي استقلاله ، ومن ثم أعلنت بريطانيا – من جانب واحد – انتهاء الحماية البريطانية علي مصر ، واستقلال مصر وهو ما يعرف بتصريح 28 فبراير سنة 1922م .

وقد نص هذا التصريح علي انتهاء الحماية البريطانية علي مصر ، وأن تكون مصر دولة مستقلة ذات سيادة إلا من تحفظات أربعة أعطت انجلترا بنفسها حق توليها ، وهي بذلك لم تغير كثيراً من حقيقة الاحتلال .

وقد وصف سعد زغلول باشا هذا التصريح بأنه أكبر نكبة علي البلاد ، وهو عبارة عن حيلة يراد بها الحصول علي تصحيح مراكز انجلترا في مصر ، ويري د . عبد العظيم رمضان أن ما تحقق – بناء علي التصريح المذكور – لا يتكافأ مع تضحيات الشعب المصري ولا مع أمانيه الوطنية التي هب لتحقيقها عقب الحرب العالمية الأولي ، لذا فقد قابل الشعب هذا التصريح بالفتور والإعراض .

وتعتبر هذه الأحداث امتدادً لأحداث ثورة 1919م ، استمرت المشاركة الإيجابية للإمام البنا في هذه الأحداث وتفاعل بقوة مع هذا الشعور الوطني الفياض وإجماع الأمة علي مقاطعة لجنة ملنر .

ومن مظاهر هذه المشاركة أن الإمام البنا كتب قصيدة شعر طويلة في هذا الصدد كان مطلعها :

يــا مـلـنـر ارجـع ثـم سـل

وفــداً ببــاريـس أقــام

وارجـع لقــومـك قـل لـهـم

لا تــخـدعـوهـم يالـئـام

وهكذا ساعدت هذه الأحداث السياسية المهمة في تنمية الاهتمام بالجانب السياسي عند الإمام البنا ورسبت في وجدانه كراهية الاستعمار الإنجليزي .


المطلب الثالث :إصدار دستور 1923م

على إثر إعلان تصريح 28 فبراير 1922م - السابق ذكره - خطت مصر نحو الاستقلال ، ومن ثم أخذت تعيد ترتيب الحياة العامة في البلاد .

ففي الخامس عشر من مارس عام 1922م أعلن السلطان فؤاد نفسه ملكاً علي مصر ، وأطلق عليه الملك فؤاد الأول، وصارت مصر مملكة مستقلة عن السلطة العثمانية المنهارة ، في ذلك الوقت ، واتجهت الجهود الوطنية نحو وضع دستور جديد للبلاد يتناسب مع الوضع الاستقلالي الجديد لمصر ، ويلبي طموحات الشعب المصري الثائر الذي قدم عظيم التضحيات رغبة في الاستقلال .

وقد ثار خلاف وجدل شديد بين القوى الوطنية بزعامة سعد زغلول وبين الملك والقوى السياسية التي تلوذ به ، حول وضع دستور حقيقي يقر مبدأ سيادة الأمة ويقيد سلطات الملك ، وبين دستور هزيل يحقق الشكل العام ، ولكنه يلبي رغبت الملك في الاستئثار بالحكم وتقنين استبداده بالسلطة .

وفي سبيل تحقيق أي الهدفين أقيلت وزارات وعينت أخري ، وشكلت لجان لوضع الدستور ، وانتهي الأمر تحت الضغط الشعبي المتنامي إلي رضوخ الملك لإرادة الشعب ، ووجد القصر ألا فائدة من المماطلة والتسويف ، فعرض مشروع الدستور علي اللجنة الاستشارية التشريعية المنوط بها صياغة القوانين فأدخلت عليه بعض تعديلات لا تمس الجوهر ثم أصدره الملك فؤاد في 19 إبريل عام 1923م .

ورغم ما قيل عن اللجنة التي وضعت الدستور وما قيل عن الدستور نفسه حيث كان رأي سعد زغلول أن هذا الدستور أنشأ للبلاد حكومة مطلقة في الظاهر ومقيدة في الحقيقة ، وفتح للإنجليز باباً واسعًا للدخول منه في شئون البلاد وإرادتها مما يعوق تقدمها .

إلا أن هذا الدستور أصبح بعد ذلك مقدسًا وطنيًا تدافع عنه الأمة وتطالب به بعزم وجد حين يعطل الدستور أو يلغي العمل به .

وقد مرت ثلاث فترات زمنية تعطل فيها العمل بالدستور :

الفترة الأولي : فكانت في 23 مارس 1925م ، واستمرت حتى مايو 1926م ، حيث عادت الحياة النيابية من جديد وأجريت انتخابات جديدة لمجلس النواب في 22 مايو 1926م .

الفترة الثانية : في 19 يوليو 1928م أصدر الملك فؤاد أمراً ملكيًا بحل مجلسي النواب والشيوخ وتعطيل الحياة النيابية لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد ، وكذلك نقل السلطة التشريعية من ممثلي الأمة إلي الملك ؛ إلا أنه استجاب للضغوط الشعبية الواسعة التي أخذت تطالب بقوة بعودة الدستور والحياة النيابية قرر الملك في 21/10/1929 إصدار أمر ملكي بعودة العمل بدستور 1923م .

الفترة الثالثة : إلغاء الدستور ووضع دستور جديد عام 1930م .

وهكذا تحول الدستور إلي ألعوبة في يد الملك وأنصاره فلم يمض عام علي عودة دستور 1923م حتى أصدر الملك فؤاد- مرة ثالثة – أمراً ملكيًا في أكتوبر1930م يقضي بإلغاء دستور 1923م نهائياً ، وحل مجلس النواب والشيوخ ، واستبدل به دستور آخر عرف في الفقه الدستوري بدستور 1930م .

وكان طبيعياً أن يأتي دستور 1930م محققا مطالب الملك فؤاد الأول حيث عمد واضعو الدستور الجديد إلي تقوية سلطات الملك وانتقاص سلطات نواب الأمة وإضعاف سلطة مجلسي النواب والشيوخ .

واستمر العمل بدستور 1930م خمس سنوات عجاف لم تهدأ الأمة خلالها عن المطالبة بعودة دستور 1923م حتى رضخ الملك لمطالب الشعب ، وصدر أمر ملكي في 12/12/1935م بإلغاء دستور 1930م وعودة العمل بدستور 1923م وعودة الحياة الدستورية .

ولقد استمر العمل بدستور 1923م ساريًا بعد ذلك أكثر من سبعة عشر عامًا حتى قامت ثورة 23 يوليو وألغت دستور 1923م وذلك في 10/12/1952م حيث صدر إعلان دستوري ثوري يقضي بسقوط دستور 1923م تمهيداً لوضع دستور جديد يتمشي مع التغيرات الجذرية التي حدثت في البلاد بقيام ثورة الجيش يدعمها الشعب ضد الملك .

هذه هي الحالة السياسية المصرية التي عاشها الإمام حسن البنا في ذلك الوقت


المطلب الرابع : سقوط الخلافة الإسلامية عام 1924م وآثار ذلك علي مصر

بعد سقوط الخلافة الإسلامية العثمانية حدثاً عالميًا مهمًا ، بل من أهم الأحداث التي كانت في القرن الرابع عشر الهجري ، وقد كان لهذا الحدث آثار خطيرة علي كل البلاد التابعة والخاضعة تحت لواء الخلافة الإسلامية ، ولا تزال آثاره ظاهرة حتى يومنا هذا .

فمع اندلاع الحرب العالمية الأولي عام 1914م ، أعلنت تركيا ( دولة الخلافة ) الحرب علي بريطانيا ، وكان ذلك في أواخر شهر أكتوبر ، وأهاب الخليفة العثماني السلطان محمد الخامس بالمسلمين أن يهبوا لقتال أعداء دولة الخلافة الذين اعتدوا عليها ، والجدير بالذكر أن طاعة الخليفة واجبة علي المسلمين طالما أنها في معروف ، وكانت سياسة انجلترا ترمي منذ سنوات قبل نشوب الحرب إلي فصل مصر عن تركيا ، وقطع العلائق بين الاثنين ، لتنفرد انجلترا بحكم مصر ، وتستطيع أن تصحح وضعها الدولي ، وتتمكن من أن تضم مصر إلي ممتلكاتها لتجعلها – نهائيًا – مستعمرة بريطانية وجزءً من إمبراطوريتها ، لكن هذا لم يكن باستطاعتها قبل الحرب ، فلما قامت الحرب العالمية وجدت بريطانيا في ذلك فرصتها السانحة وعمدت إلي قطع العلائق بين مصر وتركيا ، وإتمام الفصل بينهما نهائياً ، فأعلنت الحماية علي مصر في 18 ديسمبر سنة 1914 واغتصبت لنفسها كل حقوق مصر وتركيا ، لكن بقيت حقوق الخلافة والولاء الواجب لها علي شعب مصر المسلم ، وهذه حقوق وروابط دينية لا تستطيع دولة المحتل أن تفعل فيها شيئاً .

ولما انتهت الحرب العالمية الأولي في نوفمبر 1918م وخرجت تركيا منها مثخنة الجراح كثيرة النكبات ، في تلك الفترة بزغ نجم مصطفي كمال أتاتورك أحد كبار ضباط الجيش التركي ، إذ تجمع حوله مجموعة من الضباط الأتراك ومعهم بقايا الجيش التركي .

وبدأ أتاتورك يعيد ترتيب أوضاع الجيش ويقوده لشن حرب ضد الإنجليز واليونانيين – الأعداء التقليديين لتركيا – وفي عام 1922م أوعزت بريطانيا إلي اليونان وشجعتها علي حرب تركيا من جديد ، وانطلقت جيوش اليونان صوب مدينة الأستانة " مقر الحكم العثماني " بغيت الاستيلاء عليها ، فتصدي لهم الجيش التركي بقيادة أتاتورك وتحقق علي يديه النصر ودحر الجيش اليوناني واسترد منهم بعض المكاسب السابقة ، وطاردت أنباء تلك الانتصارات وبلغت أرجاء العالم الإسلامي فتعلقت آمال المسلمين بالقائد الجديد ، بل سري بين الناس أن أتاتورك مجدد عهد الفاتحين ، لدرجة أن أحمد شوقي – أمير الشعراء في العصر الحديث – أطلق عليه خالد الترك تيمنا بالقائد الصحابي الجليل خالد بن الوليد رضي الله عنه حيث قال في قصيدة شهيرة مطلعها :

الله أكبر كم في الفتح من عجب

يا خالد الترك جدد خالد العرب

وتتابعت انتصارات أتاتورك حتى أجلي الاحتلال عن بلاده ، وكان الناس إذا قارنوا كفاح مصطفي كمال المظفر باستسلام الخليفة القابع في الأستانة ، مستكينا لما يجري عليه من ذلك ، كبر الأول في نظرهم بمقدار ما يهوي الثاني ، وزاد في سخطهم علي الخليفة ما تناقلته الصحف من إهدار دم مصطفي كمال واعتباره عاصياً متمرداً ، ولم يكن مصطفي كمال في نظرهم إلا بطلاً مكافحاً يغامر بنفسه لاستعادة مجد الخلافة الذي خيل إليهم أن الخليفة يمرغه في التراب تحت أقدام الجيوش المحتلة .

وقاد مصطفي كمال الجيش للانقلاب علي السلطان وحيد الدين وتم له الأمر ، وعزل السلطان وأعلن قيام الجمهورية ، وفي أوائل مارس سنة 1924م قرر مصطفي كمال أتاتورك إلغاء منصب الخلافة من تركيا وأخر آخر خليفة كان موجوداً إذ ذاك ، وإن كان خليفة صوريا – وهو السلطان عبد المجيد الثاني – منهيًا بذلك عهد الخلافة الإسلامية الذي ظلل المسلمين طيلة ثلاثة عشر قرنًا بداية من الخليفة الراشد أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلي خاتمة الخلفاء العثمانيين عبد المجيد الثاني .

لكن آمال الأمة الإسلامية تحطمت علي صخرة الخيانة الأتاتوركية ، وارتد السهم إلي صدرها فلم تفق إلا علي أنباء سقوط الخلافة وطرد الخليفة وأهله بعد تجريدهم من كل أموالهم وأملاكهم ، فعاد أمير الشعراء باكيًا حزينًا وأنشد قصيدة ينعي فيها إلي الأمة الإسلامية سقوط دولتها وانتهاء الخلافة .

عـادت أغانـي العـرس رجـع نواح

ونعـيـت بين مـعـالـم الأفـراح

كـفـنت في ليـل الزفـاف بثوبــه

ودفـنـت عنـد تبلـج الإصــباح

ضجـت عـليك مـآذن ومـنابــر

وبـكت عـلـيك ممـالـك ونـواح

الهـند والهـة ، ومـصـر حزينـة

تبـكي علـيك بـمدمـع سـحــاح

والـشام تسـأل ، والعـراق وفـارس

أمـحـا مـن الأرض الخلافـة مـاح

ولم تهدأ الأمة الإسلامية ، بل هبت دعوات مخلصة من أجل إنقاذ الخلافة ودوامها ، وتحرك العلماء الغيورون علي الإسلام وعقدوا عدة اجتماعات وانتهي الأمر إلي اتفاق العلماء علي ضرورة عقد مؤتمر إسلامي عام يحضره ممثلون عن الدولة الإسلامية ويكون مقره " القاهرة " ، وغرضه بحث مسألة الخلافة الإسلامية والوصول إلي قرار بشأنها وتعيين شخص الخليفة .. وفي يوم 25 مارس 1924م عقد اجتماع مهم رأسه فضيلة الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر وتباحث العلماء حول موضوع الخلافة الإسلامية وما آل إليه الأمر ، وأصدروا بياناً أكدوا فيه ضرورة واستلزام وجود خليفة وإمام للمسلمين كافة وقرروا الأتي :

عقد مؤتمر ديني إسلامي يدعي إليه ممثلو جميع الأمم الإسلامية للبحث فيمن يجب أن تسند إليه الخلافة الإسلامية ، ويكون بمدينة القاهرة تحت رياسة شيخ الإسلام بالديار المصرية .

وأن يكون عقد المؤتمر في شهر شعبان سنة 1343هـ - مارس سنة 1925م .

ومرت بمصر والعالم الإسلامي حوادث وأمور تأجل معها انعقاد المؤتمر للعام التالي ، وفي شهر مايو 1926م انعقد المؤتمر في القاهرة ، واتفق العلماء والمندوبون علي وجوب الخلافة واختلفوا فيما بعد ذلك وتعذر الوصول إلي اتفاق حول من يكون خليفة للمسلمين ؟ ومن ثم انفض المؤتمر دون اتخاذ قرار معين وأسدل الستار علي الموضوع .

وكان للعلماء الأفاضل دور مهم وجهد مشكور ، إذ بينوا حكم الشرع فيما يدور من أحداث ، وذكروا المسلمين بواجبهم نحو الإسلام والخلافة .

وحين صدر كتاب الشيخ عبد الرازق " الإسلام وأصول الحكم " في أبريل عام 1925م وتعرض فيه إلي موضوع الخلافة الإسلامية فأنكرها وادعي أنها ليست من الإسلام لأن الإسلام دين ، والدين ضد الدنيا ولا علاقة للإسلام بشئون الدنيا ومنها الخلافة ، وزيف حقائق التاريخ الإسلامي فادعي – كاذبًا وزوراً – أن دولة الخلفاء الراشدين ومن بعدهم لم تكن خلافة دينية أو إسلامية بل كانت ملكاً دنيويًا ، وأن الصديق أبا بكر رضي الله عنه كان أول ملك في الإسلام ، وأن الخلافة كانت شراً ونكبة علي المسلمين وغير ذلك من أكاذيب وانحرافات .

حينئذ تحرك العلماء ودافعوا عن الخلافة الإسلامية ، وبينوا كذب وانحراف ادعاءات الشيخ علي عبد الرازق ، ونذكر قبسًا منيراً من هذا الدفاع للشيخ الجليل " محمد رشيد رضا " رحمه الله تعالي فقد رد علي هذا الكتاب اللقيط فور صدوره وقال فيه : " مازال أعداء الإسلام يجاهدونه بالسيف والنار ، وبالكيد والدهاء وبالآراء والأفكار ، وبإفساد العقائد والأخلاق ، وبالطعن في جميع مقومات هذه الأمة ، وتقطيع جميع الروابط التي تربط بها شعوبها وأفرادها ليسهل جعلها طعمة للطامعين وفريسة لوحوش المستعمرين ، وهذه الحرب السياسية العلمية للإسلام أضر وأنكي من الحروب الصليبية باسم الدين .. وقد كان آخر فوز لهذه الحرب علي المسلمين إلغاء الترك لمنصب الخلافة من دولتهم ، وتأليفهم حكومة جمهورية غير مقيدة بالشرع الإسلامي ، فذعر لهذا العالم الإسلامي ، وطرب له الإفرنج وروجوا سياستهم ، ورفع هؤلاء عقيرتهم في مصر هاتفين لعمل الترك ، ونشطوا لجعل الحكومة المصرية لا دينية مثل حكومة أنقرة ، وبينما نحن كذلك إذ نحن ببدعة حديثة لم يقل بمثلها أحد انتمي إلي الإسلام – صادقًا ولا كاذبًا – بدعة شيطانية لم تخطر في بال سني ولا شيعي ولا خارجي ، بل لم تخطر علي بال بعض الزنادقة ، والناعق بهذه البدعة من العلماء المتخرجين في الأزهر من قضاة المحاكم الشرعية ، إن هذا لشيء عجب " .

وعقب صدور الكتاب بأربعة أشهر وفي 12 أغسطس 1925م انعقدت هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف في صورة هيئة تأديبية لمحاكمة الشيخ علي عبد الرازق وكتابه " الإسلام وأصول الحكم " وحضر الشيخ المذكور وأتيحت له فرصة الدفاع عن نفسه وعن الآراء التي تضمنها كتابه المشئوم ، وفي نهاية الجلسة أصدرت هيئة كبار العلماء حكمها بإجماع آراء المجتمعين : شيخ الجامع الأزهر محمد أبو الفضل الجيزاوي ومعه أربعة وعشرون عالمًا من هيئة كبار العلماء حكموا بفصل الشيخ علي عبد الرازق من زمرة العلماء ، وتم فصل الشيخ المذكور من وظيفته كقاض شرعي في 17 سبتمبر 1925م .


وفي عام 1926م أصدر عالمان جليلان من علماء الأزهر الشريف كتابين عظيمين ، ردا فيهما علي الشيخ علي عبد الرازق بالأدلة العلمية ، وهما فضيلة الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية وكتابه أسماه " حقيقة الإسلام وأصول الحكم " والعالم الثاني فضيلة الشيخ محمد الخضر حسين وكتابه أسماه " نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم " .

كما أصدر العلامة الشيخ محمد رشيد رضا كتابًا قيمًا بعنوان " الخلافة أو الإمامة العظمي " بين فيه أحكام الشريعة الغراء فيما يتعلق بالخلافة وانتقد خيانة أتاتورك للأمة الإسلامية .

وكثير من العلماء كتبوا ردودا أظهروا فيه غيرة محمودة علي الشرع والخلافة وبينوا خطورة غياب الخلافة ، وخطورة الآراء الدخيلة التي تنال من شرعية الخلافة الإسلامية ، وأصدر فضيلة شيخ الإسلام مصطفي صبري شيخ تركيا كتابا فور إلغاء الخلافة بعنوان " النكير علي منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة " .

وبالرغم من هذا فقد تم لأعداء الإسلام ما أرادوا وسقطت الخلافة ، ومن يومها ونحن نسمع مقولة " لا دين في السياسة وسياسة في الدين " .

بعد عرضنا في الصفحات السابقة أن فكرة الخلافة الإسلامية تعرضت لهجمتين شرستين ، قاد إحداهما العسكر بقيادة أتاتورك ، والأخرى شيخ معمم منتسب للأزهر الشريف لكنه أبعد ما يكون عن علماء الأزهر الفاقهين .

وبين الهجمتين عام وشهران تقريبا ، ورأينا أن العلماء كان لهم دور بارز في مواجهة الحملتين وإن كان الإخفاق تحقق في مواجهة الحملة الأولي ، فإن التوفيق حالفهم في المواجهة الثانية ، أعني المواجهة الفكرية .

وهنا وفي هذا الجو الكئيب المليء بالشهوات والشبهات يظهر دور الإمام البنا – رحمه الله – في هذه الفترة ، فكان مشاركا في حملات العلماء والغيورين علي الإسلام ، ويحدثنا الدكتور محمد عمارة عن هذه الفترة فيقول : " بعد فشل الجهود التي بذلت لإحياء الخلافة الإسلامية ... تداعت صفوة علماء الإسلام ومفكريه في 1345هـ / 1927م إلي المؤتمر الذي عقد في القاهرة وأثمر قيام " جمعية الشبان المسلمين " وفي العام التالي " 1346هـ / 1928م " أسس الإمام الشهيد حسن البنا " جماعة الإخوان المسلمين " كأول تنظيم جماهيري لتيار الإحياء والتجديد الإسلامي في العصر الحديث ، وكان الإمام حسن البنا هو الذي شارك في المؤتمر التأسيسي للشبان المسلمين " .

ويري الدكتور عمارة أن تأسيس جماعة الإخوان المسلمين كان بمثابة المنعطف الجديد في مسيرة الإحياء والتجديد الإسلامي الذي بدأ بالأفغاني ومحمد عبده ثم رشيد رضا ... وأمام تصاعد التحديات وعموم البلوى جاءت اللحظة التاريخية التي استدعت إشراك " الأمة " وليس فقط " الصفوة " في هذا الصراع الحضاري الذي أخذ يهدد " هوية الأمة " بالمسخ والنسخ والتشويه ، وعند هذه اللحظة التاريخية التي أثمرت قيام جماعة الإخوان المسلمين تجاوزت الدعوة إطار " الصفوة والنخبة ، والعلماء والقادة .. " إلي حيث استدعت الصفوة والأمة من خلال التنظيمات الإسلامية الجماهيرية لتبني الدعوة إلي الإسلام منهاجا شاملا لكل ميادين النهضة والتقدم والتجديد والتغيير .

وتلقف الإمام البنا – رحمه الله – الراية وغرسها في قلوب إخوانه ، وهتف بها في وجوه المسلمين حتى صارت الخلافة الإسلامية معقد آمال الأمة ومرتقب فجرها .

ويشير برنارد لويس في كتابه " الغرب والشرق الأوسط " إلي بعض المترتبة علي سقوط الخلافة فيقول : كان في الشرق الأوسط نظام سياسي مستقر ، ولم يكن هناك خلاف علي مشروعية الحكم ، ثم عزل السلطان العثماني وهدمت الخلافة ، وقام مقام السلطان عدد من الملوك والرؤساء الديكتاتوريين الذين دبروا – لمدة معينة – أمرهم ، وربحوا تصفيق وتأييد شعوبهم ، ولكنهم لم يكونوا أبدا موضع الرضا التام والقبول الطبيعي والولاء القوى الذي كان ممنوحا لحكومته " السلطان " ، وهذا القبول والرضا جعل " السلطان " غير محتاج للضغط والعنف والإرهاب أو الديماجوجية السياسية في الحكم – أي الدعاية الزائفة - ، بضياع الشرعية خسر أهل الشرق الأوسط " هويتهم الواحدة " فبعد أن كان كل مواطن عضوا من أعضاء إمبراطورية إسلامية كبيرة لها ألف سنة أو تزيد من التراث والتاريخ ، وجد الناس أنفسهم مواطنين لسلسلة من الدول التابعة والوحدات السياسية الجديدة المفتعلة التي تحاول الآن إيجاد جذور لها في ضمير الشعب وولائه .

وهكذا ، أصبحت مصر – بعد سقوط الخلافة – وطنا باهتا اقتطع من أصله بعد أن قطع الخلفاء المنتصرون " بريطانيا وفرنسا وغيرهما " أوصال الإمبراطورية العثمانية ، وبعد أن أطاح كمال أتاتورك بالخلافة الإسلامية وأعلن الجمهورية العلمانية ، وحينئذ طبق الإنجليز معاهدة ( سايكس – بيكو ) السرية ، وأصبحت مصر داخل نطاق الإمبراطورية البريطانية وإن منحت في الظاهر ثوب الاستقلال إلا أنها وجدت نفسها منعزلة عن دول العالم الإسلامي في الشرق الأوسط ، وأحست بعجز المسلمين ، وفي عنقها قيد ثقيل من الاستعمار ، وشجع المستعمرون النعرة الوطنية ، هادفين أن يحل الوطن محل الدين ، وأن يكون الولاء للوطن لا لله ، وأن يقسم للناس بالوطن لا لله ، وأن يموتوا في سبيل الوطن لا في سبيل الله .

لقد كان سقوط الخلافة الإسلامية باعثا لهمة الإمام الشهيد حسن البنا ودفعه أن يتحرك من أجل إيقاظ الأمة وقيادتها نحو مجدها السليب ، ومن ثم كان لاستعادة الخلافة الراشدة مكانة عظيمة في دائرة أهداف الجماعة التي أسسها لتحمل راية الإسلام وتحفظ للأمة دينها وكيانها ، ولقد عبر الإمام – رحمه الله تعالي – عن مكانة الخلافة الإسلامية بقوله : " إن الإخوان يعتقدون أن الخلافة رمز الوحدة الإسلامية ، ومظهر الارتباط بين أمم الإسلام ، وأنها شعيرة إسلامية يجب علي المسلمين التفكير في أمرها ، والاهتمام بشأنها ، والخلافة مناط كثير من الأحكام في دين الله ، ولهذا قدم الصحابة – رضوان الله عليهم – النظر في شأنها علي النظر في تجهيز النبي صلي الله عليه وسلم ودفنه حتى فرغوا من تلك المهمة واطمأنوا إلي إنجازها – والأحاديث التي وردت في وجوب نصب الإمام وبيان أحكام الإمامة وتفصيل ما يتعلق به لا تدع مجالا للشك في أن من واجب المسلمين أن يهتموا بالتفكير في أمر خلافتهم منذ حورت عن مناهجها ، ثم ألغيت بتاتا إلي الأبد " .

وهكذا يتضح لنا أهم ا؟لأحداث السياسية التي شهدتها مصر والعالم الإسلامي في مطلع القرن العشرين ، والتي كان أكبر الأثر علي نشأة الإمام البنا وجماعته .


المبحث الثاني : القوى السياسية المهمة المؤثرة في المجتمع المصري

برزت علي الساحة السياسية في مصر عدة قوى ذات تأثير وفاعلية في الأحداث العامة ومجريات الأمور المختلفة ، وبعد الإنجليز والملك والأحزاب السياسية وقوى الجماهير هي القوى السياسية المهمة في المجتمع المصري .

ونعرض لهذه القوى من خلال المطالب الآتية بإيجاز شديد ، الغرض منه إبراز القوى والعوامل التي أثرت في شخصية الإمام البنا وقتها :

المطلب الأول : الإنجليز .

المطلب الثاني : الملك .

المطلب الثالث : الأحزاب السياسية .

المطلب الرابع : قوى الجماهير وأثر العامل الإسلامي في حركتها السياسية .


المطلب الأول : الإنجليز

أحكم الإنجليز سيطرتهم علي البلاد والعباد ، وهيمنوا علي كل نظم المجتمع ، فلم يفلت نظام حياتي من قبضة الإنجليز ، لقد درس الإنجليز أحوال البلاد عن كثب ومكنوا لأنفسهم من خلال بعض الحكام المستوزرين وتحقق لهم ذلك من طريقين :

1-الاستعمار الفكري : حيث عمل منذ بدء الاحتلال علي تنحية الشريعة الإسلامية من قانون القضاء ، وحصرها في الأحوال الشخصية ، وحيث فصل بين العلم والدين ، بل فصل بين المدارس الدينية ، فأوجد هوة سحيقة بين المثالية الإسلامية والمذهبية المادية التي فرضها بحكم القانون والتعليم .

2-الاستعمار المادي : حيث وجه اقتصاد البلاد إلي إنتاج المواد الخام التي تخرجها الأرض الزراعية وأشاع الإنجليز أن مصر بلد زراعي لا يملك مقومات الصناعة .

كان الجيش المصري تحت سيطرة العسكرية للإنجليز وكذلك البوليس المصري ، وسيطر الإنجليز علي قناة السويس والبنك الأهلي فيما يعرف بالسيطرة الاقتصادية ، ولم يكتفوا بذلك بل احتفظوا لأنفسهم بحق التدخل المستمر في إدارة شئون الحكم ، وجعل أوراق الحياة بأيديهم حتى حولوا الحياة السياسية في مصر إلي " سيرك سياسي " يتلهي فيه الساسة ويتفرج عليهم الشعب ، مما حدا بالبعض أن يؤكد حقيقة " أن مصر تدار من قصر الدوبارة وليس قصر عابدين " .

مظاهر التدخل الإنجليزي في إدارة شئون الحكم في مصر :

  • إنذار المندوب السامي البريطاني " لورد لويد " عام 1928م :

وفي 17 مارس 1928م أنذر المندوب السامي البريطاني " لورد لويد " الملك فؤاد بأن يعهد إلي مصطفي النحاس باشا بتشكيل الوزارة خلفًا الخالق ثروت باشا ، وذلك بقصد الموافقة علي مشروع معاهدة ( ثروت تشمبرلين ) فألف النحاس وزارة ائتلافية ، وعرض علي الوزارة الجديدة مشروع هذه المعاهدة ، واستقر رأي الوزارة علي أن مشروع المعاهدة لن يحقق أماني الشعب المصري ويرضي طموحاته في الاستقلال ، ومن ثم فقد رفضت الوزارة مشروع المعاهدة .

وهي سياسة ماكرة وخبيثة بمحاولات فرض سلطة وطنية قوية إما في صورة حكومة أغلبية أو في صورة سلطة ديكتاتورية تتولي قمع الشعب نيابة عن سلطة الاحتلال ، وتمرر مصالحة في غفلة الشعب ، ومازالت هذه السياسة مستمرة حتى الآن .

وترتب علي رفض الوزارة للمشروع المذكور أن وجه المندوب السامي البريطاني " لويد " إنذاراً للحكومة المصرية ، ولم تمض ثلاثة أشهر حتى أقيلت وزارة النحاس في 25 يونيه 1928م بحجة أن الائتلاف الحكومي أصيب بتصدع شديد ، وأعقب إقالة الوزارة عدة حوادث عصبية أشرنا إليها من قبل حين الحديث عن دستور 1923م .

سبق أن ذكرنا أن الملك أصدر أمراً في أكتوبر سنة 1930م ألغي بموجبه دستور سنة 1923م وأصدر دستوراً جديداً عرف بدستور سنة 1930م يدعم سلطات الملك والمحتل الغاصب ويقلص سلطات نواب الشعب ، ولم تهدأ الأمة المصرية وهي تعلن رفضها للدستور الجديد ، وتطورت أحداث الرفض والمقاومة الشعبية والسياسية إلي أن رضخ الملك فؤاد في أبريل 1935م لمطالب الشعب وأبدي رغبته في عودة دستور 1923م ، فما كان من الحكومة البريطانية إلا أن أعلنت معارضتها وتعللت بحجج غريبة ، فهي تقف مع الاستبداد وتقوى دعائمه وتقف في وجه المطالب العادلة للشعوب ، ولا يهم بريطانيا إلا مصالحها ولو علي حساب الشعوب ، فأي حضارة شيدها الغرب ؟ وأين حقوق الإنسان ؟ .

وفي هذا السياق صدر تصريح السير صمويل هور وزير خارجية بريطانيا في 9 نوفمبر 1935م ليقول : " إننا عندما استشارونا نصحنا بأن لا يعاد دستور 1923م ، ولا دستور 1930م إذ قد ظهر أن الأول غير صالح للعمل ، وأن الآخر لا ينطبق علي رغبات الأمة " .

وأبدت الأمة المصرية احتجاجًا شديداً علي هذا التصريح وانطلقت المظاهرات في البلاد تطالب بالاستقلال التام وعودة دستور 1923م كرمز له ، وتحقق للأمة مطلبها وصدر الأمر الملكي في 12 ديسمبر 1935م بعودة دستور 1923م كما ذكرنا من قبل .

  • محاصرة قصر الملك بالدبابات وإرغامه علي تشكيل وزارة جديدة عام 1942م .

بلغت ذروة التدخل السافر للاحتلال البريطاني في نهاية الثلاثينيات وبداية الأربعينيات ، حيث كانت الحرب العالمية الثانية قد اشتعلت بين بريطانيا والحلفاء من جهة ضد دول المحور " ألمانيا وإيطاليا " من جهة آخري .

ورأي السيد علي ماهر باشا رئيس الوزارة المصرية في تلك الفترة الحرجة أن مصلحة مصر في أن تبقي علي الحياد ، وأعلن علي ماهر أن مصر دولة محايدة ، وأيده في ذلك مجلس النواب بالإجماع وتجاوب معه الشعب المصري ، سانده في ذلك الإخوان المسلمون بل ونال استحسان الملك فاروق ملك مصر في تلك الفترة ، وأقدمت بريطانيا علي قرار غاشم سيظل وصمة عار علي جبينها إذ إنه في يوم 4 فبراير 1942م تحركت الدبابات وحاصرت قصر الملك فاروق لإرغامه علي تكليف النحاس باشا بتشكيل الوزارة ، وذلك عندما تراخي الملك في تنفيذ الإنذار البريطاني بذلك .

وعلي أسنة الرماح وحصار الدبابات تشكلت وزارة النحاس باشا في يوم يعد من الأيام السوداء في تاريخ مصر ، حيث لجأ الإنجليز إلي التدخل السافر في شئون مصر الداخلية ، وكانت صدمة الشعب المصري كبيرة في تصرف الإنجليز علي هذا النحو السافر وعلي الاستجابة السريعة للوفد والنحاس باشا لطلب الإنجليز ، وتغلب شهوة الحكم علي مصالح البلاد .

ودلالة هذه الوقائع التاريخية تبين أن مصر لم تكن دولة مستقلة ذات سيادة ، بل كانت السلطة الحقيقية بيد المندوب البريطاني كما ظهر جليًا مما سبق ذكره .

ولم يسلم الشعب المصري من ظلم وبطش الإنجليز المحتلين ، ويستطيع المراقب لتطورات الأمور في مصر قي ذلك الوقت أن يلاحظ كثيراً من الأمارات التي تدل علي ضيق المصريين بالإنجليز ضيقًا يوشك علي الانفجار ، وقد كان معظم هذا الضيق يرجع في بداية الأمر إلي أن إعلان الحماية قد وضع شعبًا مسلمًا تحت سلطات مسيحية .

ويضاف إلي ذلك ما كان يرتكبه الجنود الإنجليز في مدن مصر من الفظائع والجرائم كهتك الأعراض وسلب الأموال ونهب الممتلكات والدواب والغلال ، بل وصل الأمر إلي حد أن يساق الجنود المصريون مكرهين ليقاتلوا أبناء دينهم في قناة السويس وفي الحجاز ، وفي الشام وفي العراق ، وفي الدردنيل في حملة " غاليبولي " الفاشلة علي تركيا ، وضد قوات السنوسيين علي الحدود الغربية في " ليبيا " .

وفي الوقت الذي يساق فيه المسلمون لقتال إخوانهم المسلمين كانوا يجبرون علي التبرع للصليب الأحمر ولأسر جنود الحلفاء المنكوبين ولفرسان القديس يوحنا ، وكان رجال الإدارة يتسابقون في جباية الأموال وإرضاء السلطات الإنجليزية ، وأصبح لهذه التبرعات يوم مشهود تقام فيه الحفلات التي يتباري فيها المنافقون – ممن يجرون وراء المنفعة في التزلف لسادتهم – بالتنافس في التبرع ، حتى أصبحت مصر ثاني بلاد العالم في ترتيب ما جمع منها .

أثر وجود الاحتلال الإنجليزي علي نشأة وتطور جماعة الإخوان المسلمين :

ذاق الشعب المصري مرارة الاحتلال الإنجليزي طيلة أعوام عديدة ، وبرزت المقاومة كخيار وطني يلبي طموح الشعب ويرضي تطلعاته المشروعة في نيل استقلاله وبناء دولته علي أرضه .

وقد كان الاحتلال الإنجليزي – وما ترتب عليه من أوضاع – عاملاً مباشراً في نشأة جماعة الإخوان المسلمين وتطورها ، إذ كان وجود الاحتلال كافيًا لإثارة المشاعر الدينية لدي المصريين وحفزهم لمقاومة كل ما يصدر عنه .

ويذكر الإمام البنا – رحمه الله – أن وجود المعسكر الإنجليزي في الإسماعيلية كان يبعث في نفس كل وطني غيور الأسى ، ويدفعه إلي مراجعة الاحتلال ، وأن أوضاع هذا الاحتلال وأفعاله عملت عملها في نفسه ، وأوحت له بكثير من المعاني التي كان لها أثر كبير في تكييف الدعوة والداعية ، كما يذكر أن شعور ستة من عمال الإسماعيلية بأن العرب والمسلمين " في هذا البلد " لا يعدون مرتبة الأجراء التابعين للأجانب دفعهم إلي مفاتحته في تكوين جمعية الإخوان التي رأوا أن فيها حياة الوطن وعزة الأمة .

كما أثار الاستعمار الإنجليزي في أهدافهم ، إذ رأوا أنه من المستحيل إقامة حكم صالح مادام الاستعمار موجوداً يخنق الحكومات المصرية ، فأدخلوا في برنامجهم " العمل علي مقاومة الاستعمار وتحرير أرض الوطن من موبقاته لكي تظفر الأمة والحكومة بحريتها " .

وأثر ذلك في أساليبهم وخاصة في إنشاء " النظام الخاص " للجهاد ضد الإنجليز

كما أثر أيضاً في فكره ، فقد كانت أوضاع المستعمر في مصر عاملاً مباشراً في تناول الإخوان – فكريًا – لمفهوم الاستعمار ، ومفهوم الاستقلال ، ووسائله .

تلك إشارات موجزة عن تدخل الاحتلال الإنجليزي في شئون مصر ، وكقوة سياسية أحكمت سيطرتها علي البلاد عسكريًا واقتصاديًا ، وأذاقت البلاد مرارة البطش والظلم وكان ذلك كله ذا أثر واضح في دوافع نشأة وتطور جماعة الإخوان المسلمين لجهاد المستعمر .


المطلب الثاني : الملك

يعد الملك القوة الثانية المحركة والمؤثرة في الحياة السياسية في ذلك الوقت ، ذلك أن الملك تجمعت في يده سلطات الحكم علي نحو يجعل القرار النهائي بيده رغم وجود حياة برلمانية مستمدة من دستور عام 1923م .

وجدير بالذكر أن الملك فؤاد – ومن بعده ابنه الملك فاروق – مارسا استبداداً شبه مطلق في مصر مستندين إلي عاملين :

العامل الأول :

أن دستور 1923م أعطي للملك حق حل مجلس نواب مطلقاً ، وتأجيل انعقاده ، وحق تعيين رئيس الوزراء وحق إصدار القوانين " التصديق " وحق الاعتراض التوقيفي ، وللملك أن يعين خمس أعضاء مجلس الشيوخ .

وقد زادت هذه السلطات في الفترات التي تعطل فيها الدستور المذكور ، وفي ظل دستور 1930م اتسعت هذه السلطات علي نحو بشع .

العامل الثاني : أحزاب الأقلية التي اعتمدت – اعتماداً كاملا – علي الملك الوصول إلي السلطة فاستعان بها لضرب الحياة النيابية وتعطيل الدستور .

فالملك بهذا كان مصدر السلطة الفعلية في مصر قبل عام 1952م ، ومع ذلك فقد نشأت الجماعة نشأة مستقلة بجهود الإمام البنا نفسه ومعه الستة نفر من الرجال ، وبالرغم من هذا فلقد وجدت آثار فكرية وعملية تأثرت بها الحركة السياسية لجماعة الإخوان المسلمين .

ومواقف الإخوان المسلمين من الملك والقصر لها تفصيلات معروفة سنبسط لها حديثاً خاصًا لتوضيحها في غير هذا المكان وفي باب مستقل .


المطلب الثالث :الأحزاب

وتأتي الأحزاب السياسية المصرية كقوة ثالثة بعد الإنجليز والملك ، وكان واضحًا أن الإنجليز يهدفون إلي ربط مصر بهم ، وصبغهم بصبغهم رغبة في أن تصير مصر جزءاً من الإمبراطورية البريطانية التي كانت لا تغيب عنها الشمس – كما كان يقال – وفي ظل وجود الاحتلال والملك والدستور بدأت الأحزاب السياسية ممارسة دورها فيما يتعلق بالحياة الداخلية وكذا المفاوضات علي الاستقلال مع المحتل .

ويمكن تقسيم هذه الأحزاب إلي ثلاثة اتجاهات وهي :

1- حزب الأغلبية الشعبية " الوفد " ، والأحزاب المنشقة عنه والمسماة بأحزاب الأقلية مثل : " الأحرار الدستوريون ، السعديون ، الكتلة السعدية " .

2- أحزاب القصر " الاتحاد ، الشعب " .

3- الحزب الوطني القديم الذي أسسه الزعيم مصطفي كامل باشا .

وكانت هذه الأحزاب – ماعدا الوطني – تتسم بما يلي :

أ‌-سيطرت كبار الملاك ورجال المال عليها ، وهذا واضح في أحزاب الأقلية وفي حزب الوفد بعد عام 1936م ، حيث دخلته العائلات الإقطاعية ، وبدا هدفه مجرد الوصول إلي الحكم

ب‌-انشغالهم بلعبة السلطة والانتخابات مما أدي إلي استهلاك طاقات المصريين في غير موضعها ، بدلا من توحيد الجهود لتحقيق الاستقلال .

ج- احتواء الاحتلال لهذه الأحزاب جميعاً – ماعدا الحزب الوطني – من حيث قبولها أن تكون خادمة للقانون الوضعي ، والنظام الليبرالي القائم علي الإعجاب بالمثل الغربي العلماني وأسلوبه في العيش ، بحيث يمكن القول إنها جميعًا كانت تمثل ديار الفكر الوافد وهو نفس فكر المحتل الأجنبي .

د- قبلت جميع المفاوضات مع المحتل محولين الصراع معه من ثورة شعب ضد معتد غاصب إلي مفاوضات سياسيين مع قوة محتلة لا تناقض بينهما أيديولوجيا .

هـ- ولم يكن لأحزاب الأقلية أي مبرر لقيامها سوي السعي للحكم ، فلم يكن بينها أي خلاف جوهري يدعو إلي تعددها ، ولم يكن لها برامج عملية تعمل لتطبيقها ، ونتيجة لذلك عملت علي تزييف الحياة النيابية بالتزوير في الانتخابات ، وغير ذلك ، وعلي فساد الحياة السياسية المصرية ، إذ استعان بها الملك لعمل انقلابات دستورية ، وضرب الحريات .

ذلك هو وضع الأحزاب في تلك الفترة ، وهو يمثل أحد مكونات وعوامل نشأة وتطور جماعة الإخوان المسلمين ، ويمكن إجمال ذلك في عدة نقاط نذكر منها :

أ – من البين أن الأحزاب لم تكن تنطلق من الفكر الموروث للشعب ، بل تبنت الليبرالية الغربية – فكر المستعمر – ومن ثم كان هناك تحد لأنصار التيار الديني الذي ضعف كثيراً في بداية هذه الفترة ، فلم يستطع مقاومة أحزاب الفكر الوافد ، وكانت نشأة جماعة الإخوان استجابة لتحديات منها ذلك الاحتواء المشار إليه .

ب – ويذكر الإمام البنا أن أوضاع الحكومات وطرائق حكمها قد صدمت جماعته فأدخلت في برنامجها العمل لإصلاح الحكم .. ونتيجة لهذه الأوضاع الحزبية ومنحاها التغريبي ، جعل الإخوان من أهدافهم قبل 1952م العمل لحل الأحزاب وتوحيد قوى الأمة في اتجاه واحد ذي برنامج إسلامي ، وكان لهم موقف فكري منها ، وتصادموا معها مراراً .


المطلب الرابع : قوى الجماهير وأثر العامل الإسلامي في حركتها السياسية

وكان قوامها الطلاب والعمال والموظفين ، وبرزت قوتها في ثورة 1919م وما بعدها ، وكانت تدل علي وعي بحقوقها وحرص علي المطالبة بها في شكل مظاهرات وإضرابات مثل مظاهرات عام 1928م ، 1930م ، 1935م ، 1946م ، وكانت أهمها " مذبحة كوبري عباس الأولي سنة 1935م ، واستمرت نوفمبر وديسمبر ويناير 1936م .

وبرز العامل الديني جليا في تحريك قوى الجماهير في كثير من الأحداث ، منها مثلا ثورة 1919م ، والذين يرجعون ثورة 1919م إلي أسباب سياسية ، أو إلي أسباب اقتصادية ويهملون العامل الديني فيها يخطئون خطأ كبيرا ، ومنها فتك الشعب بالأرمن في الطرقات أثر إطلاق أحد الأرمن النار من نافذة منزل علي المتظاهرين في الشعب المصري في أثناء الثورة ، ومنها المعارك التي نشبت بين المتظاهرين وبين اليونان والطليان ، في مايو سنة 1921م بالإسكندرية كرد فعل للحرب التركية اليونانية ، التي كان يؤيدها الشعب في ذلك الوقت معتقدا أنها قامت للدفاع عن الإسلام وعن الخلافة ، ولما يكن انشغال المصريين بما كان يجري في تركيا من أحداث وتتبعهم للخلافة وتطوراتها في خلال ثورة 1919م وما بعدها إلا مظهراً من مظاهر هذا العامل الإسلامي الذي لم يضعف أثره في النفوس ، وقد اعترف بعض مؤرخي مصر الحديثة من الإنجليز بوجود هذا العامل الديني في الثورة .

لكن لم تكن الجماهير تمتلك التنظيم الشعبي ذا البرنامج المتفق مع هويتها وأيدلوجيتها ، وكانت الأحزاب حريصة علي جذب أكبر قدر ممكن من تأييد الجماهير ، فظفر حزب الوفد بالشعبية الساحقة إبان قيام ثورة 1919م ، وكان زعماء الحزب يتخذون الدين وسيلة لتوطيد زعامتهم واكتساب قلوب العامة من الشعب ، حتى أن غير المسلمين من القادة الوفديين كانوا يحفظون من آيات القرآن الكريم ما يترنمون به في خطبهم ، وهم يعلمون كم يلقي ذلك من قبول في نفوس السامعين ، وكيف تخشع له قلوبهم .

لكن سرعان ما انصرفت الجماهير عن حزب الوفد بعد اتفاقية 1936م مع الاستعمار وبدأت تتطلع إلي قيادة جديدة وتنظيمات سياسية أخري .

ولم يكن لأحزاب الأقلية أي توجه شعبي علي عكس الإخوان التي حرص مؤسسها من أول يوم علي دعوة الجميع حتى أصحاب المقاهي من عامة الشعب إلي فكرته وتعريفها بحقها ، وإيقاظ الإيمان في قلوبها .

فانتشرت الدعوة في أوساط فئات الشعب المختلفة ، وانجذب إليها العمال ، والطلاب والمثقفون الساخطون علي سياسة الوفد وأحزاب الأقلية معا ، مما أدي إلي توسيع قاعدتها الجماهيرية في وسط الشعب المصري .

وبتحليل الوضع السياسي لمصر إبان القرن العشرين يمكن أن نستخلص عدة حقائق منها :

1.ظهور الشيخ حسن البنا في وقت يسوده وضع سياسي متهرئ : محتل غاشم مستبد ، وملك متسلط لاه ، وأحزاب متناحرة نفعية ، وشعب ذليل جاهل ، وإن كان متديناً بفطرته متطلعاً لرجل فذ يفهم ذلك الوضع ويقود الناس إلي طريق خلاصهم وسعادتهم ، وكان الشيخ منذ حداثة سنة يفهم ما يدور حوله ، ويشارك بجهده الصغير في طريق الخلاص للشعب المنكوب .

2.تأثر جماعة الإخوان بالقوى السياسية الفاعلة في مصر – مثل الإنجليز والأحزاب – وتفاعلها مع الأحداث مع الأحداث السياسية المتجددة وقتذاك ، مما كان له أكبر الأثر في نشأتها وتطورها من حيث الأهداف والفكر والحجم .

3.دلالة ذلك الوضع السياسي علي أن نظام الحكم الإسلامي كان منعدما ، وإذا أضيف إلي ذلك إلغاء الخلافة الإسلامية نهائيًا عام 1924م والذي كان له وقع شديد الأثر في مصر ، حيث أوجدت حاجة ملحة لأن يعمل الناس من أجل إعادة الدولة الإسلامية ذات الاستقلال ، والحكومة الإسلامية ذات السيادة ، والخلافة الإسلامية الضائعة .

4.برزت عدة قضايا أساسية تحتاج من يقوم بالتوعية بها منها قضية التحرر من الاستعمار ، وقضية الحكم الإسلامي ، وقضية الحريات ، وقضية فقدان الأمل في الحكومات والأحزاب لكي تقوم بهذه المهمة ، فأنبرت جماعة الإخوان من بين الصفوف تعرف الناس بذلك ، وتثبت صحة اتجاهها .


الفصل الثاني : الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع المصري إبان ظهور الإمام البنا وتأسيس جماعة الإخوان المسلمين

ونستعرض في هذا الفصل معالم البناء الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع المصري خلال الفترة التي شهدت ظهور الإمام البنا وجماعته المباركة ، تتناول الدراسة في هذا الفصل مكونات المجتمع المصري والأوضاع الاجتماعية التي تؤثر بشدة في تكوين المجتمع ، وكذلك ملامح ومكونات البناء الاقتصادي وآثار ذلك علي نشأة الإمام وتكوين جماعته .

المبحث الأول : الحياة الاجتماعية .

المبحث الثاني : الحياة الاقتصادية .

المبحث الأول : الحياة الاجتماعية

برزت علي سطح الحياة الاجتماعية في مصر أوائل القرن العشرين عدة ظواهر ومؤثرات هامة أثرت – إلي حد كبير – في مكونات الحياة الاجتماعية ، وإذا كانت الطبقية الصارخة في المجتمع قد أنشأت نوعًا من الظلم الاجتماعي والإحساس بالقهر والذل فإن موجة من الانحلال الأخلاقي هبت علي شرائح المجتمع المصري فأصابت الكثيرين منهم وأثمرت جيلا متغربا في وطنه ، ووصل الأمر – في بعض الأحيان – إلي طمس معالم الشخصية الأخلاقية للإنسان المصري المسلم .

وقد تأثرت الحياة الاجتماعية في مصر بعدة ظواهر عامة أفرزت في مجملها تقسيمات اجتماعية ميزت الحياة في مصر ، ومن أهم هذه الظواهر :

1-ظاهرة الاحتلال وما يصاحبها من مظالم وفساد وقهر ، وقد تكلمنا عنها في الفصل الأول .

2-ظاهرة التخلف العلمي وما يصاحبها من ضياع للحقوق وفساد للقيم وسنتكلم عنها في الفصل الثالث .

ونستعرض أهم الظواهر والمؤثرات علي الحياة الاجتماعية في مصر في بداية القرن العشرين ؛ وذلك في مطلبين :

المطلب الأول : شرائح المجتمع المصري – النظام الطبقي .

المطلب الثاني : الظواهر والمؤثرات علي الحياة الاجتماعية في مصر ، وتتضمن النقاط التالية:

أولاً : حركات التبشير في المجتمع المصري .

ثانيًا : حركة تحرير المرأة .

ثالثاً : التحلل الأخلاقي والعقائدي .


المطلب الأول : شرائح المجتمع المصري – النظام الطبقي

تميز المجتمع المصري في بداية القرن العشرين بوجود الطبقية الصارخة بين أفراده ، ونستطيع أن نميز ثلاث طبقات في تركيبة المجتمع ، وهي :

أولاً : الطبقة العليا :

وهي الطبقة التي تضم كبار ملاك الأراضي الزراعية ، وأصحاب وسائل الإنتاج من شركات تجارية وصناعية ، وبنوك ومؤسسات مالية ، وأصحاب هذه الطبقة يعيشون حياة اجتماعية متقاربة ، ملؤها السرف والبذخ ، بينهم شبكة قوية من المصاهرة والنسب ، وسادت بينهم الثقافة الليبرالية التي حصلوا عليها نتيجة اتصالهم بالمجتمع الأوربي ، سواء من خلال البعثات التي أرسلتها الدولة إلي أوربا ، أو من خلال انتشار مناهج التعليم في المدارس التي كانت تتمثل أنماط الحياة الثقافية والفكرية في أوربا .

وقد ضمت هذه الطبقة عدة فئات هي :

أ – كبار الملاك :

وهم يشكلون غالية الأحزاب السياسية والمجالس التشريعية ، وقد لجأوا إلي أساليب متعددة لزيادة أملاكهم الزراعية ، منها انتزاع أملاك صغار الفلاحين بعرض أثمان عالية أحيانا ، واستخدام الإرهاب أحيانًا أخري ، حتى أصبح 0.5% من إجمالي الملاك يملكون بين 33.9% و 35.2% من الأرض الزراعية في الفترة من 1919 حتى 1952م .

وقد هجر أبناء هذه الطبقة الريف وأقاموا بالمدن ، وكانت لهذه الظاهرة آثار سيئة علي تطور الحياة في المجتمع الريفي ، إذ أدت إلي افتقار الريف بحرمانه من تداول ثروات كبار الملاك كما أدت أيضاً إلي حرمان الريف من المشروعات الإصلاحية ، لأن كبار الملاك القادرين علي تمويل تلك المشروعات غير مقيمين بها ، ومن ثم فلا حاجة بهم إلا الاهتمام بمثل هذه المشروعات .

وكان من نتيجة السياسة التي اتبعها كبار الملاك الزراعيين في اقتناء الأراضي الزراعية علي حساب الفلاحين الصغار أن أضحي دخلهم الكبير منها ثورة قومية مضيعة ، لأنهم كانوا ينفقون هذا الدخل في الترف واللهو ، وهكذا كانت هذه الطبقة عقبة في سبيل تطوير الاقتصاد القومي .

ب – الرأسمالية التجارية والصناعية :

كان من نتائج ثورة 1919م ظهور طبقة رأسمالية وطنية اشتغلت بالصناعة والتجارة ، وقد لعبت الحرب العالمية الأولي دورا في نمو دخل هذه الطبقة الرأسمالية نتيجة تعذر استيراد السلع الخارجية إبان الحرب ، واحتياجات قوات الحلفاء وارتفاع الأسعار .

وقد ترتب علي فرض الحماية الجمركية عام 1930م ، وإلغاء الامتيازات الأجنبية في معاهدة مونتريه عام 1937م ، أن وقفت الرأسمالية المصرية في موقف معادل مع الرأسمالية الأجنبية .

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية دخلت تلك الطبقة مرحلة الاحتكار بسبب سيطرة قلة من أصحاب المال علي نواحي الحياة الاقتصادية وتكتلها لقتل الصناعات الناشئة المنافسة .

ويلاحظ علي هذه الطبقة أنها كانت تتجنب إنشاء صناعة ثقيلة في مصر كالصناعات الكهربائية والحديد والصلب ، مما كان له انعكاسه علي التعليم الصناعي بأن جعله يقف عند حد ساذج وبسيط ، مادام لا يجد في سوق العمل من الأعمال المعقدة ما يحتاج إلي قوى مدربة علي أحدث الأساليب .

ج – الأجانب :

وكان منهم معظم المشتغلين بالصناعات الكبيرة ، وأعمال المصارف ، وبعض الوظائف الإدارية العليا ، وكثيرا ما كانوا يعيشون منعزلين عن المصريين في أحياء خاصة بهم ، كما كانت الحكومة تعاملهم معاملة خاصة ، نظرا لما لهم من الامتيازات المالية والقضائية ، وكان لهؤلاء مدارس خاصة بهم ، وقد لعبت هذه المدارس دوراً كبيراً في نشر الثقافة الأجنبية بين المصريين .

ثانيًا : الطبقة المتوسطة :

تكونت من أصحاب الملكيات المتوسطة ، ومتوسطي التجار ، وقطاع كبير من المثقفين والعاملين بالحكومة ، ويطلق الاشتراكيون علي هذه الطبقة ( البرجوازية الصغيرة ) وقد لعبت تلك الطبقة الدور القيادي في الحركة الوطنية وحركة النهوض السياسي والاجتماعي .

وقد اهتم أبناء تلك الطبقة من الطلاب بالمسائل السياسية نظراً لوضعهم الاجتماعي ، حيث إنهم كانوا يمثلون بالنسبة للسواد الأعظم من السكان – الذين يسودهم الجهل – الطبقة المثقفة القليلة العدد ، هذا بالإضافة إلي أن معظمهم كان من عائلات فقيرة تعاني صعوبات مالية في سبيل إكمال دراستهم ، وحتى بعد الانتهاء من الدراسة ، لم يكن هناك ثمة ضمان بأنهم سوف يلتحقون بعمل ملائم ، وذلك بسبب مزاحمة الأجنبي لهم علي الوظائف .

ثالثاً : الطبقة الدنيا :

تكونت تلك الطبقة من الفلاحين ، وصغار العمال ، وكانت حياة تلك الطبقة علي قدر كبير من السوء بسبب لجوء كبار الملاك إلي انتزاع أراضيهم لكي يعملوا كأجراء عندهم ، وكانت المشكلة الرئيسية لهذه الطبقة تنحصر في أنهم لا يشتغلون إلا في موسم الزراعة فقط ، ثم يتعطلون خلال فترة طويلة من العام .

وكان هناك قطاع كبير من هذه الطبقة لا يمتلك الفرد منهم أكثر من نصف فدان ، وهي مساحة من الأرض لا تكفي أن تعيش عليها أسرة طوال العام ، لذا كان معظمهم يعمل لدي كبار الملاك وإذا أضفنا إلي ذلك أن حوالي 1.5 مليون أسرة من الفلاحين لم تكن لهم أي ملكيات زراعية علي الإطلاق ، أدركنا مدي سوء مستوي معيشة الفلاحين المصريين في النصف الأول من القرن العشرين .

ولا شك أن حياة الفقر التي عاشتها هذه الطبقة وهي تمثل الأغلبية في المجتمع المصري جلبت عليها شقائق الفقر من جهل ومرض وضعف ووهن .

أثر هذه الطبقية علي نشأة الإمام البنا وجماعته :

نشأ الإمام البنا في المجتمع الريف وعاين من قرب أوضاع المجتمع في طبقتيه الوسطي والدنيا ، وأدرك حياة البؤس والفقر التي يعيشها غالبية الشعب المصري ، وقد كان لهذه الأوضاع الاجتماعية تأثير مباشر في فكر وأهداف وحركة الإمام حسن البنا وجماعة الإخوان ، فكم من مرة عبر الإمام عن تألمه وتألم جماعته من هذه الأوضاع ، وكم علا صوته من هذه الأوضاع ، ولا تزال كلماته محفورة في وجدان الخلود " فاذكروا أيها الإخوان أن أكثر من 60% من المصريين يعيشون أقل من معيشة الحيوان ، ولا يحصلون علي القوت إلا بشق الأنفس ، وأن مصر مهددة بمجاعة قاتلة ومعرضة لكثير من المشكلات الاقتصادية التي لا يعلم نتيجتها إلا الله ، وأن مصر بها أكثر من 320شركة أجنبية محتكرة كل المرافق العامة وكل المنافع الهامة في جميع أنحاء البلاد ، وأن دولاب التجارة والصناعة والمنشآت الاقتصادية كلها في أيدي الأجانب المرابين ..


المطلب الثاني :الظواهر والمؤثرات علي الحياة الاجتماعية في مصر

أولاً : حركات التبشير في المجتمع المصري :

انتهزت دول الغرب الاستعمارية سيادة الأحزاب الداعية إلي الشعوبية في الأمم الإسلامية ، وخوفت صوت الداعين إلي الجامعة الإسلامية ، وما يقابل به الداعون إلي الجامعة العربية من الاستخفاف والاتهام بأنهم خياليون ، وعند ذلك غزو البلاد الإسلامية بحملة تبشيرية ضخمة ، ظهر منها اسم قسيس عرفته مصر قبل الحرب العالمية الأولي في جولاته التبشيرية ، وهو القسيس البروتستنتي " زويمر " الذي كان رئيساًُ للإرسالية التبشير العربية في البحرين ، والذي كان أول من دعا إلي عقد مؤتمر عام للداعين إلي التبشير بين المسلمين ، فرأس مؤتمر القاهرة سنة 1906م .

ولقد عاد اسم " زويمر " للظهور مرة آخري ، وكثر حديث الصحف المصرية عن جرأته علي الإسلام في بلده ، حتى أنه ليخطب في الأحياء التي لا يسكنها إلا المسلمون ، حاثا الناس علي اعتناق النصرانية ، بل لقد بلغ من جرأته أنه دخل الأزهر يوما ليوزع فيه نشراته التي تفيض بالطعن علي الإسلام ، واستمر هذا النشاط حتى عقد المبشرون مؤتمرهم الثاني في بيت المقدس في قلب العالم الإسلامي سنة 1929م تحت سمع المسلمين وبصرهم .

وكانت مدارس المبشرين التي انتشرت في ذلك الوقت في مصر وفلسطين وسائر البلاد الإسلامية أثراً من أثار ذلك النشاط ، وعاملا قويا من عوامل هدم العقيدة الإسلامية في قلوب النشء المسلم ، ولا شك في أن المبشرين كانوا يهدفون إلي ذلك مستخدمين الوسائل والعبارات التي ربما لا يفهمها السامع لكنها من قبيل دس السم في العسل ، وينظرون في اجتناء غرسهم هذا إلي أن يترعرع هذا النشء ويشب فيجدون فيهم قلوبا قابلة لما يرون ، ويؤمئذ يفرحون ويضطربون ويحزن المسلمون ويندمون حيث لا يفيد الندم .

وكان من نشاط التبشير في ذلك الوقت انتشار صور للصحابة والأنبياء في المجتمع ، يشتريها العوام من المسلمين ، ويروجون لها دون وعي لمرماها ، ومن ذلك صورة لسيدنا علي أبي طالب ، وصورة أخري لسيدنا إبراهيم الخليل وابنه الذبيح ، والكبش بينهما ، وصورة ثالثة لسيدنا الحسن وأخيه الحسين ، وكانت الصور جميعها في حال مخزية كاذبة لا هي من الإسلام ، ولا من الجاهلية ، ولا من البداوة ، ولا من المدنية ، وتم نشرها في الأسواق تحت عيون العلماء وبين أيدي الوعاظ والمرشدين ، وما قام منكر لها ولا اهتم لحربها أحد .

وكان من ذلك ايضا كثرة تماثيل القديسين والرهبان التي تباع وتشتري علي أنها دمي ولعب للأطفال ، ومنها أصنام الحلوى التي تباع في مولد المصطفي صلي الله عليه وسلم مبيد أصنام الجاهلية ، ومبعوث الهداية للعالمين ، ومنها بعض الحكايات الخرافية التي أضافوها إلي الشيخ أحمد خادم الحجرة النبوية الشريفة في المسجد النبوي .

وفي وسط هذا الزخم من النشاط التبشيري انتهزت الجمعيات المشبوهة أمثال المحفل الماسوني الفرصة ، وكانت تعقد اجتماعاتها في المناسبات المختلفة ، وتعلن عن ذلك وعن نفسها علي صفحات الجرائد في غفلة من المسلمين اللاهين والنائمين

وقد استند المبشرون في نشاطهم علي أقوى قوتين في المجتمع المصري هما : الانجليز والحكام والمسئولون والمدن والقرى ، أما الإنجليز : فقد بلغ استهتارهم بمقدرات الأمة أن تجاهلوا أنها أمة مسلمة ذات مجد وتاريخ ففتحوا للحملات التبشيرية أبواب البلاد ، بعد أن مهدوا لها بنشر الجهل والفقر والمرض ، وبعد أن أطمأنوا إلي مقاليد الحكم في البلاد أصبحت في يد الفئة التي تدين لهم بالولاء والتي هي في حقيقة أمرها غريبة عن هذه البلاد .

وأما الحكام : فقد انتشر المبشرون في أنحاء البلاد في الوجهين البحري والقبلي ، وفي المدن والقرى المختلفة ، تحت سمع المسئولين من الحكام وبصرهم ، بل أن هؤلاء الحكام كانوا بحكم تعليمات رؤسائهم يسهلون للمبشرين وسائل دخول المدن والقرى كما يسهلون لهم وسائل الاتصال بالأهالي وإجراء ما يشاءون من إجراءات بل وإقامة ما يشاءون من منشأت بل واختطاف من يشاءون من أطفال ونساء ، في الوقت الذي يضربون فيه بيد من حديد كل من تسول له نفسه أن يعترض سبيل هؤلاء الغزاة ولو بكلمة معتبرين ذلك اعتداء علي الحكومة .

دخل المبشرون مصر مستندين علي هاتين القوتين ، وقد درسوا طبيعة البلاد قبل أن يحضروا من بلادهم ( أمريكا وفرنسا وبلجيكا وغيرها ) فعلموا أن هناك مدنا مغلقة لا أمل لهم فيها حيث لها طبيعة خاصة ، وتاريخ لا ينسي ، منها رشيد مثلا ، فلم يحاولوا دخولها ، وكان الصعيد مرتعاً خصبا لهم ، حيث الفقر والمرض والجهل هناك أضعاف ما هو عليه في الوجه البحري ، وحيث كان الصعيد في ذلك الوقت يعتبر من المجاهل التي تحتاج إلي من يرتادها ويكشف عن معاناة أهلها المعزولين عن الحياة ، لقد فعلوا فيه الأفاعيل وكانت أسيوط نقطة ارتكازهم ، وكان لهم فيها مستشفي يخطفون الأطفال والنساء من القرى وينقلونهم إليه ، ولا يستطيع أهل المخطوف أن يروه أو يعلموا عنه شيئا ، كما لا يجدون من يشكون إليه .

وكاد الناس يفقدون إيمانهم بالله أمام هذه القوى العارمة المتطافرة ثم لا يجدون من يعترض طريقهم ، حتى الصحف لم تكن تنتشر إلي ذلك مع أنها كانت صحافة حرة ، لكن نفوذ الإنجليز وقانون المطبوعات الذي وضعه الإنجليز كان يعطي حكام مصر المتواطئين معهم السلطة في مصادرة أي صحيفة أو وقفها أو سحب الترخيص بها إذا هي تعرضت للمؤامرة المدبرة علي إذلال الشعب وتكفيره برضاه أو رغم أنفه ، كما أن الأموال الطائلة المعتمدة لحملات التبشير من خزائن أمريكا وانجلترا وفرنسا ودول أوروبا كانت تنفق علي هذه الصحف بسخاء وكان ذلك يلجمها عن النطق بكلمة الحق .

ومن ذلك نفهم أن المبشرين لم تكن في يوم من الأيام وسيلتهم إلي التبشير بالمسيحية عرض عقيدتهم وشرحها أمام الناس كما هو المتبادر إلي الذهن من لفظ التبشير وإنما وسائلهم هي استغلال فقر الناس وحاجتهم وجهلهم فيأخذون هذا الطراز من الناس ، ويأخذون نسائهم وأولادهم وينفقون عليهم ببذخ علي أن يظلوا معهم داخل كنائسهم يرددون ما يقولونه لهم .

أما الشباب من أبناء الأغنياء فكانوا يغرونهم بالنساء ، وهكذا كانت وسائلهم أخس الوسائل وأحطها ، لكن الله سبحانه بدد جهودهم ، حيث استمر عملهم هذا في جميع أنحاء البلاد أكثر من سنة ومع ذلك لم يخرجوا بمحصول يزيد عن عشرات الأفراد من هؤلاء الجهلة الفقراء المدقعين .

ولم تكن هذه الحملات العاتية للتبشير ذات أثر يذكر في نتائجها من ناحية تكفير المسلمين ، لكنها كانت صورة بشعة متوحشة للاستعمار البريطاني أمام شعب اعزل مغلوب علي أمره ، تضافرت علي قهره حكومته مع الإنجليز ، فكان الناس يبتلون من شدة الغيظ لأنهم يرون بأعينهم من ينتهك حرمة عقيدتهم وهي اعز ما يعتزون به وهم لا يستطيعون أن يدافعوا عن أنفسهم لأن حكامهم جعلوا الدفاع عن النفس في هذه الحالة جريمة يعاقب مرتكبها .

دور الإمام البنا وجماعته ضد الحركة التبشيرية :

وكان لمجهود المخلصين من المسلمين أثر في دحض هذه الحملات ، ورد كيد الكائدين إلي نحورهم ، وكان من أوائل هؤلاء حسن البنا – الطالب بدار العلوم في ذلك الوقت – يقول عن إحساساته : كاد صدري يحترق من زفرات الألم إذا لم يتحول إلي عمل ، ولكن كيف نحوله إلي عمل والحراب مشرعة في وجوهنا من رجال الحكم الذين كان يجب أن يكونوا هم ملاذ الناس ، والذين صرنا وإياهم كما قال الشاعر :

وقد كان منا إليك الشكاة

فأصبحت أنت الذي تشتكي

فكر حسن البنا فرأي أمامه في الأزهر شخصيات يرجي نفعها لما يلمس فيها من غيرة علي الدين ، واستعداد للعمل إذا وجدوا إليه سبيلا كالشيخ يوسف الدجوي ، فاتصل بهذه الشخصيات فوجد فيها تحرقا إلي العمل لكن الطريق أمامهم مسدود ، ثم لاحت في مخيلته صورة شخصية أخري لها كيان علمي وأدبي خاص تفردت به دون غيرها ، ولها من ظروفها ما قد يعين علي إيجاد بصيص من نور في هذه الحلكة القاتمة ... تلك هي شخصية " أحمد تيمور باشا " ذلك العالم الجليل سليل المجد والصديق الشخصي للملك فؤاد .

واستصحب حسن البنا معه عددا ممن استجاب له من هيئة كبار العلماء وطلبوا مقابلة أحمد باشا تيمور في منزله ، فأستقبلهم الرجل أحسن استقبال وكان يعرفهم جميعًا عدا هذا الشاب الصغير ، وتقدم هذا الشاب الصغير فتحدث عن الموضوع حديث الثكلي عن فلذة كبدها ، ووصف الحال التي تظلل البلاد وكيف يعيث المبشرون في البلاد فسادا تحت سمع الحكومة وبصرها بل في حمايتها ، وانفجر في البكاء حتى أبكي الباشا فأبكي الحاضرين ، وتداول المجتمعون عسي أن يجدوا مخرجا ، وجاءت سيرة الملك فؤاد فقال تيمور باشا : إنه صديقي وأثق في غيرته علي الإسلام ، وتعددت الاجتماعات ونوقشت أفكار ومقترحات ، وانتهت إلي قرار بأن أول إجراء لابد منه أن نصدر مجلة تتصدي لهذه المؤامرة وتفضح اعتداءاتها ، ونستنهض الهمم لمقاومتها وبمجهود تيمور باشا وتدخل الملك فؤاد صدرت مجلة الفتح وأسندت رياسة تحريرها إلي الكاتب الإسلامي العظيم الأستاذ محب الدين الخطيب .

أخذت مجلة الفتح تفضح مؤامرات الإنجليز ، فاضطر الإنجليز إلي الانحناء أمام العاصفة ، وبدأت الحملة الصليبية لأول مرة تواجه مقاومة ، وكانت النتيجة العاجلة لفشل أن اضطر الإنجليز إلي سحب أذنابهم – حكام مصر – من المعركة ، فلم يبق في أرض المعركة إلا الصليبيون والشعب وجها لوجه .

وتكونت لجنة في القاهرة برياسة محمد مصطفي المراغي – الذي كان من قبل شيخا للأزهر – لمقاومة التبشير ، وتكونت لها فروع في المدن والقرى ، وتصدت هذه اللجان لمن يسمون أنفسهم بالمبشرين ، وما من مرة تقام مناظرة بين الطرفين علنا إلا انهزم المبشرون بالحجة والبرهان بعد أن زال عنصر الترغيب والإغراء ، وعنصر القهر والإرهاب .

وكان لحسن البنا جهد آخر في إحباط مؤامرة المبشرين المسعورة علي المجتمع المصري المسلم حيث أسس مع صديقه أحمد أفندي السكري في المحمودية جمعية إصلاحية هي " جمعية الحصافية الخيرية " واختير أحمد أفندي السكري التاجر بالمحمودية رئيسا لها ، وانتخب حسن البنا سكرتيرا لها ، وزاولت الجمعية عملها في ميدانين مهمين : الميدان الأول : نشر الدعوة إلي الأخلاق الفاضلة ، ومقاومة المنكرات والمحرمات الفاشية كالخمر والقمار وبدع المآثم ، والميدان الثاني : مقاومة الإرسالية الإنجيلية التبشيرية التي هبطت إلي المحمودية ، واستقرت فيها ، وكان قوامها ثلاث فتيات رأستهن ( مسز : ويت ) وأخذت تبشر بالمسيحية في ظل التطبيب وتعليم التطريز ، وإيواء الصبية من بنين وبنات ، وقد كافحت الجمعية في سبيل رسالتها مكافحة مشكورة وخلفتها في هذا الكفاح جمعية " الإخوان المسلمين " بعد ذلك .

وقد شارك حسن البنا كذلك في إنشاء وتأسيس جمعية الشبان المسلمين ، حيث نشأت فكرة هذه الجمعية في أذهان العلماء الغيورين علي الإسلام والمسلمين ، والتي سبق أن أوضحنا دور البنا في تجميعهم وشحذ هممهم لمقاومة التبشير ، وكان من أثر ذلك ظهور ( مجلة الفتح ) الني أخذت علي عاتقها مواجهة الموجة التبشيرية ، واكب ذلك عودة د. عبد الحميد سعيد من ألمانيا ، وكان حسن البنا يلتقي به ويحيي الدردير وغيرهما ، ويعرض عليهم ضرورة عمل جاد لإنقاذ الشباب ، ويري حاجة المسلمين معا يترددون عليها ، تتم فيها عمليات تبشير وتشكيك مدروسة ، ونجح حسن البنا في وضع بذرة منتدى للشباب كان مولده بعد سفره إلي الإسماعيلية ، ألا وهو مولد " جمعية الشبان المسلمين " التي بادر بإرسال تأييده لها واشتراكه فيها ، وكان تشكيل مجلس الإدارة والهيئة التأسيسية من الدكتور عبد الحميد سعيد رئيسًا ، والدكتور يحيي الدردير والشيخ محب الدين الخطيب وأمثالهم أعضاء ، وكان حسن البنا هو العضو الوحيد الذي يمثل الشباب بين أولئك العمالقة .

ولم ينته دور حسن البنا إلي هذا الحد ، بل استمر وازدادت قوته بعد نشأة جماعة الإخوان المسلمين ، حيث كان للجماعة دور بارز في مواجهة تلك الهجمة التبشيرية الشرسة علي العالم الإسلامي ، سوف نعرض لذلك فيما بعد ، لكن يمكن أن يقال إنه رغم فشل تلك الحملة الصليبية المسعورة في مصر ، إلا إنها كانت من أشد ما أصاب مصر من ويلات الاحتلال البريطاني ، إذ كان القصد منها تحويل مصر إلي معسكرين متناقضين ، كما فعلوا ب[[:|السودان]] ، فشمال [[:|السودان]] مسلمون ، وجنوبه مسيحيون ، وقد أرضع مسيحيون الجنوب كراهية مسلمي الشمال ، كذلك أرادوا أن يفعلوا بمصر ، فقد ركزوا علي الصعيد ، فأنشأوا فيه المركز الرئيسي لهم ، وكانوا ينقلون إليه من يختطفونه من أطفال الوجه البحري ونسائه ، وشاء الله مع ذلك أن يخرج من هذا الشر المستطير خير ، فلولا هذه الحملة المسعورة ما استطاع حسن البنا أن يجمع علي العمل للإسلام هؤلاء الرجال الذين لم تكن تجمعهم جامعة ، ولا تضمهم رابطة ، وجزي الله الشدائد كل خير .


ثانيًا : حركة تحرير المرأة :

بدأ الدعوة إلي تحرير المرأة قاسم أمين ، وكان ذلك عند ظهور كتابين له الأول : تحرير المرأة ، طبع سنة 1899م ، الثاني : المرأة الجديدة طبع سنة 1900م واقترن اسمه من يومها بـ ( محرر المرأة ) لكن قاسم كان صريحا في أنه يريد أن يقف بالحجاب عندما أمر الله به ، وأنه يدعو إلي لا يجور الناس بتجاوز حدود الله ، وستر ما لم ينزل الدين بأنه عورة وبحرمان المرأة من العلم وقصرها في البيوت ، ولم يدع قاسم أمين قط إلي اختلاط المرأة بالرجال ومراقصتهم ، ولم يدع قط إلي أن تتجاوز كشف النقاب إلي الكشف عن الأذرع والسوق ، والصدور والظهور ، ولم يدع قط إلي اتخاذ الملابس الضيقة التي لا تخفي عورات الجسم فحسب بل وتبرز مواضع الفتنة والإغراء منها ، ولكن الأمور لم تقف عندما دعا إليه قاسم أمين ، وإنما تطورت تطورا سريعا ، واندفاع الناس إلي ما وراء دعوة قاسم أمين في سرعة غير منتظرة ، فقد خلعت المرأة النقاب ، ثم استبدلت المعطف الأسود بالحبرة ثم لم تلبث أن نبذت المعطف وخرجت بالثياب الملونة ، ثم أخذ المقص يتحيف هذه الثياب في الذيول وفي الأكمام وفي الحبوب ، ولم يزل يجور عليها فضيقها علي صاحبتها حتى أصبحت كبعض جلدها ، ثم إنها تجاوزت ذلك كله إلي الظهور علي شواطئ البحر في المصايف بما لا يكاد يستر شيئاً ، ولم تعد عصمة النساء في أيدي أزواجهن ، ولكنها أصبحت في أيدي صانعي الأزياء في باريس من اليهود ومشيعي الفجور .

وقطعت المرأة مرحلة التعليم الابتدائي والثانوي واقتحمت الجامعة مزاحمة فيما يلائمها وفيما لا يلائمها من ثقافات وصناعات ، وشاركت في وظائف الحكومة ، ثم لم تقف مطالبها عند حد في الجري وراء ما سماه أنصارها " حقوق المرأة " أو " مساواتها بالرجل " وكأنما كان عبثا أن خلق الله – سبحانه – الذكر والأنثى وأقام كلا منهما فيما أراد ، وامتلأت المصانع والمتاجر بالعاملات والبائعات ، حطمت النساء الحواجز التي كانت تقوم بينهن وبين الرجال في المسارح وفي الترام وفي كل مكان ، فاختفت المقاعد التي جرت العادة علي تخصيصها للسيدات بعد أن أصبحن يفضلن مشاركة الرجال .

تتابعت هذه التطورات في سرعة مذهلة ، وأعان علي اندفاعها جو الثورة التي تلت الحرب ، وقد ظهرت طلائع ذلك في مظاهرة النساء المشهورة سنة 1919م التي طافت بشوارع القاهرة هاتفة بالحرية ، في طريقها إلي دار المعتمد البريطاني ، لتقدم إليه احتجاجا مكتوبا علي تعسف سلطات الاحتلال ، وقد كان عدد المتظاهرات فيها يربو علي الثلاث مائة وعلي رأسهن صفية زغلول حرم سعد زغلول باشا ، وهدي شعراوي حرم علي باشا شعراوي .

وتجرأت المرأة منذ ذلك الوقت علي المشاركة في القضايا الوطنية ، وفي مختلف الميادين الاجتماعية ، فتألفت لجنة مركزية للسيدات الوفديات ، شاركت مشاركة فعالة في حركة المقاطعة الاقتصادية سنة 1922م ، وتزعمت صفية زغلول حرم زعيم الثورة الأول وكريمة مصطفي فهمي باشا هذه الحركة الأولي ، التي ظفرت بالمرأة إلي وضع لم يحلم قاسم أمين أن تبلغه في مثل هذه المدة الوجيزة ، ثم استأنفت المرأة الطريق الذي وضعت قدمها علي أوله باشتراكها في ثورة 1919م ، فأخذت تؤسس الجامعات وتقيم الحفلات ، وتعقد الندوات والمحاضرات ، وتزعمت هذه الحركة النسوية هدي شعراوي ، حرم علي باشا شعراوي ، الذي كان ثاني الثلاثة الذين توجهوا إلي دار المندوب السامي البريطاني في 13 نوفمبر 1918م يطالبون بالاستقلال ، وتجرأت هذه المتزعمة علي ما لم تتجرأ عليه مسلمة من قبل ، فسافرت إلي باريس وإلي أمريكا لدراسة شئون المرأة وأخذت تلقي بالتصريحات والأحاديث لمندوبي الصحف .

وقد كان الناس في حيرة من أمرهم ، لا يدرون ما يأخذون وما يدعون من سيل البدع الذي يتدفق في غير توقف ، ومن معارض كل براق خلاب من غرائب الأنماط والعادات الذي تتوالي في سرعة مذهلة ، وكان تيار الحياة يكتسح المعارضين أنفسهم إذ يصبحون وقد أحاط بهم ما يكرهون ، وما يحاربون في أشخاص بناتهم وزوجاتهم وأخواتهم حتى بدا التناقض واضحا بين ما يقولون وبين ما يجري في بيوتهم .

ولعبت الصحف دوراً حاسمًا في هذه المعركة ، بما كانت تنتشر من صور للجمعيات النسائية وللأزياء ، وما كانت تروي من أخبار النشاط النسوي الذي قل أن تخلو منه صحيفة .

وقد ساعدت هذه الصحف علي الدعوة إلي السفور حيث استخدمت النساء العاريات في الإعلانات بصورة لافتة للنظر فما من إعلان عن أي شيء إلا وفيه امرأة سافرة – وفي بعض الأحيان عارية – تعلن عنه ، من ذلك إعلان " كولونيا " وآخر عن صابون " بالموليف " وثالث من نوع " الخمر " ، ورابع عن نوع من " السجائر " ، وخامس عن " عطر " ... الخ بينما كانت تظهر المرأة المسيحية في الإعلانات وهي مغطاة الرأس يتدلي غطاء رأسها خلفها ، وفي جيبها الصليب .

وقد كان ذلك السفور بمثابة مؤامرة علي المرأة المسلمة تنفذ خطوة خطوة ، لكي تخلع المرأة المسلمة حياءها فتكون أداة سهلة في يد دعاة التغريب يهدمون بها القيم والعادات والتقاليد الإسلامية ، فيسيطرون علي المجتمع .

ولذلك لم يقف دور المرأة عند حد استخدامها في الإعلانات كدعوة للسفور ولنبذ القيم المبادئ الإسلامية ، بل تعداه إلي استخدامها في البغاء ، وكان البغاء – ساعتها – رسميا يرخص له بالقانون ، وتعجب أن تجد من بين علية القوم من يلتمس أسبابا يستدل بها علي إباحة البغاء علي المستوي الرسمي بقوة القانون ، يقول أحدهم : وقد فكرت في السبب الذي من أجله وضع البغاء الرسمي ورخص به في بلد إسلامي ، فرأيت أن الأصل في وضعه سببين : الأول : انتشار الأمراض التناسلية ، والثاني : انتشار البيوت السرية .

وفي الحقيقة إذا كان الدين لا يوافق – أبدا – علي سفور المرأة وخلاعتها واستخدامها سلعة رخيصة للشهوات الحيوانية ، فإنه لا يوافق كذلك علي المكانة التي قد آلت إليها المرأة في نهاية القرن التاسع عشر ، والتي ثار عليها قاسم أمين ودعا – ساعتها – إلي تحرير المرأة ، التحرير الذي يخرجها من القمقم الذي وضعت فيه باسم الدين ، والدين منه براء ، كان قاسم يريد أن يحررها لتتعلم ، وتعامل في المجتمع كإنسان له حقوق وعليه واجبات ، لكن في حشمتها ، وفي حيائها ، كي لا يأكلها الفقر والجهل والمرض ، وهذا ما جاء به الإسلام ليحرر المرأة من الجاهلية التي عاشتها في عصور ما قبل الإسلام ، ولكن في حشمة ، وحياء ، يحفظ عليها دينها ، وكرامتها .

موقف الإمام البنا والإخوان من دور المرأة في المجتمع :

وقف حسن البنا ومن بعده الإخوان من قضية المرأة ، موقف الإسلام ، فرفض ذلك السفور المقصود والعهر المباح ، وحاول أن يرد المرأة إلي دورها الحقيقي ، وهو بناء الأمة عن طريق تربية النشء المسلم ، واستقرار الأسرة المسلمة التي تهيئ جواً من الإبداع والابتكار للزوج المسلم ، فحرص منذ بداية دعوته علي تكوين قسم للأخوات المسلمات بدأ ذلك بتكوين فرقة لأخوات الإسماعيلية ، ثم أخري لبورسعيد ، ثم ثالثة في القاهرة ، واختار – وهو في القاهرة – إحدى السيدات كرئيسة لفرق السيدات في الجماعة : " وقد تكونت للأخوات المسلمات فرقة في القاهرة من نساء بيوت الإخوان ، وقريباتهن ، واختبرت السيدة الصالحة الحاجة " لبيبة أحمد " رئيسة لها ، ولفرقة الأخوات في الإسماعيلية ، وبورسعيد " .

ومن ناحية أخري حارب الإخوان كل من يدعو لسفور المرأة ، أو يحبذ لها خلع حجابها ، والاختلاط الفاسد مع الرجال ، ومظاهر العهر والخلاعة ، وعملوا جاهدين علي إلغاء البغاء الرسمي حتى كلل الله مجهودهم بالنجاح .

من ذلك مقالات كثيرة توضح دور المرأة في المجتمع ومكانتها من الإسلام وحقوقها التي كفلها الإسلام لها ، ومقالات أخري تدعو إلي التزام النساء بالحجاب ، وتفند حجج دعاة السفور ، بل خصص الإخوان للمرأة بابا خاصا في جريدة الإخوان المسلمين تحت عنوان " النسائيات " كتبت فيه أول رئيس للأخوات المسلمات تقول : " أساس إصلاح الأمة إصلاح الأسرة ، وأول إصلاح الأسرة إصلاح الفتاة ، وأعتقد أن في تعاليم الإسلام وأحكامه – إن علمناها لها – ما يكفل لنا الإصلاح المنشود "

أما عن البغاء فقد وقف الإخوان منه موقفا تاريخيا ، حيث نددوا بحماية الدولة له مما أدي إلي انتشاره ، وتناولوا الأضرار الاجتماعية علي الفرد والمجتمع من جراء إباحته ، وردوا علي كلام محمد شاهين باشا وكيل الداخلية للشئون الصحية في أسباب إباحة البغاء ، ثم خصص الإخوان أسبوعا كحملة لمحاربة البغاء ، وصدرت جريدتهم – جريدة الإخوان المسلمون – في هذا الأسبوع مصدرة بعنوان : عدد خاص لمحاربة البغاء كتب فيه الإمام البنا مقالا بعنوان " البغاء " قال فيه : " لقد نال خصوم الشرق من الشرق كثيرا ، ولقد عاثوا فيه الفساد ، ولقد أذلوا أبناءه بكل ما عرفوا من صنوف الإذلال .. ولا أظن أن في ذلك كله ما هو أشد ولا أنكي من إباحة الزنا وحماية البغاء وإهدار الأعراض ، البغاء أكبر معول يهدم الأسرة ويفكك رابطتها ويأتي علي بنائها من أساسه ، والبغاء دركة منحطة ومنزلة سفلي لا تليق بالإنسانية الكريمة التي شرفها الله ... العرض هو أغلي شيء أم أن تجد أمامها زوجا كريما رحيما يهب لها قلبه ، ويحوطها برعايته ويذود عنها غوائل السوء " .

وقد شاركت اللجنة التنفيذية لرابطة الشباب المصري للإخوان في محاربة البغاء ، فنشرت نداء تندد فيه بالبغاء وما تجنبه الأمة من فساد الشباب والقضاء علي المصدر قوتها ، وقد نال هذا العمل رضا الشرفاء من الأمة ، منهم الأمير عمر طوسون ، حيث أرسل للإخوان تأييده لتخصيص أسبوع كحملة لمحاربة البغاء ، وشكرهم علي ذلك ، وأفاد أن أي عمل يعمله الإخوان لمحاربة هذا العار المخزي هو جهد منهم مشكور .


ثالثاً : التحلل الأخلاقي والعقائدي :

تعرضنا في تطور دور المرأة في المجتمع إلي بعض هذا الانحلال مثل سفور المرأة ، والبغاء ، ونحاول هنا أن نكمل هذا الانحلال الأخلاقي والعقائدي الذي كان له أثر كبير علي تغريب أبناء المجتمع المصري عن دينهم وأخلاقهم ، والجدير بالذكر أن الفساد الأخلاقي شمل فئات كثيرة من المجتمع ، ولم يقتصر علي الشباب اللاهي الثري مثلا ، أو علي الطبقة المترفة من طبقات المجتمع .

فالفئة المثقفة المنوط بها القيام بدور الإصلاح ، ومحل اقتداء الناس من وجهاء القوم وعلمائهم ، وأصحاب الاتجاهات الفكرية فيهم ، أو من ينتمون إلي الأحزاب والجمعيات المختلفة في المجتمع ، كثير من هؤلاء كان جل ما يشغلهم نقد الآخرين ، وانتقاص قدرهم ، بعيدا عن الإصلاح أو طلبا للحقيقة " إن أكثر نقاد هذا العصر لا يبتغون بنقدهم وجه الحقيقة لأنهم لا يخضعون لسلطانهم بل هم يلتمسون السقطات ، وينقبون عن الخطأ ، فإذا ما ظفروا بشيء من هذا أوتوهموا طاروا بذلك فرحا ، وعمدوا إلي أفلام أشبه ما تكون بمشرط الحجام يحلقون أعراض الناس ثم يفرون ، أما الحقيقة فهم عنها معرضون ، وأما ما يكون من خير فهم له يغفلون .. .

والفئة التي يناط بها حماية الدين ، ودعوة الناس للتمسك به ، والعمل من أجل القضاء علي المنكرات والمفاسد الخلقية في المجتمع ، حتى هذه الفئة أصبح حالهم في المجتمع التنافس علي المناصب ، وطلب الزعامة الدينية ، وعدم الاهتمام بتغيير المفاسد الاجتماعية من حولهم ، كالزنا العلني مثلا ، أو الخمارات التي تملأ شوارع القاهرة ، بل تراهم يجتمعون للتافه والجليل ثم لا يفعلون شيئا ، ولا ينكرون منكراً ، أو يأمرون بمعروف ، يقول عنهم أحد كتاب عصرهم : أيرضيك أن تسميهم رجال الدين والخمر تكرع كؤوسها مترعة بينهم سمعهم وأبصارهم وهم سكوت رقود ؟ لذلك لا تري لهم تلك المهابة والجلال اللذين كان يفيضان من رجال الدين ، ولا تري في وجوهم ذلك النور الرباني المعهود علي أمثالهم ، يقول الكاتب : هل تري لرجال الدين وشيخ الإسلام تلك الروعة وذياك الجلال اللذين كانا يفيضان من أردانهم ، وهل تري عليهم ذلك النور الرباني ..؟

أما عن مظاهر الفساد في المجتمع فحدث ولا حرج عن المقاهي ، والملاهي الليلية والحانات ، والخمارات ، والسجائر ، والمخدرات ، والزنا الخفي والعلني والغناء والرقص ، وبيوت الدعارة ، وغيرها حتى أصبحت الدعوة لهذه علي الصفحات الجرائد ومن خلال وسائل الإعلام المسموعة بصورة مقززة .

فامتلأت صفحات الجرائد بالنساء للإعلان عن الخمر أو السجائر أو بيوت الرقص والفحش .

والأدهى والأمر أن تشترك الهيئات الحكومية – التي ينبغي أن تحارب ذلك – في الدعاية لذلك الفساد ، نشرت الأهرام تحت عنوان " الحميات المنتشرة بالقطر المصري : " ودع عنك الأدوية والمركبات الكيماوية ، وهذه من " كونياك بوريس " اليوناني الشهير مستخرج من عصير العنب ملك الفواكه لأهميته ولجودته ، قد قررته هذه السنة مصلحة الصحة العمومية إلي عموم مستشفياتها بالقطر المصري .

لذلك ارتفعت نسبة الفقراء والمرضي بين الشعب المصري ، وانتشر التسول حتى بلغ عدد المتسولين في مصر 500ألف شحاذ ، وجاء في إحصاء وزارة الصحة عن المرضي في مصر أن 90% منهم مصابون بأمراض العيون ، 55% بالبلهارسيا و 30% بالإنكلستوما و 15% بالملاريا و 12% أمراض صدرية و 7% بالبلارجا و 3% بالسل ، ويتضح من إحصائيات أخري عن الفقر نشرتها وزارة الشئون الاجتماعية أن 12 مليون مصري لا يتمتعون بأية ميزة اجتماعية أو صحية وأنهم يعيشون كأنهم يعيشون كأنهم في القرن الخامس عشر .


محاربة الإمام البنا والإخوان للانحلال الخلقي والعقائدي :

وقد صور الإمام حسن البنا بعضا من صور الفساد في المجتمع في مقال بعث به إلي الملك فاروق قال فيه : حدود الله معطلة لا تقام ، وأحكامه مهملة لا يعمل بها ، في بلد ينص دستوره علي أن دينه هو الإسلام ، بؤر الخمور ودور الفجور وصالات الرقص ومظاهر المجون واللهو تغشي الناس في كل مكان حتى الإذاعة اللاسلكية كثيرا ما تنقل جراثيم هذا الفساد إلي المخدرات في البيوت ، المحجبات في القاصية ، أندية السباحة والقمار تستنفد الأوقات والأموال ، ويعمرها كبار القوم ، ويتردد عليها سراة الأمة ، حتى أصبحت أندية الموظفين في العواصم والحواضر عنوان الفساد ومتلفة الأخلاق في البلاد ، كبار الموظفين يضربون للناس أسوأ المثل في كل تصرفاتهم الشخصية والرسمية ، مما أطلق الناس بالنقد وأضعف ثقتهم بالحكام .

الصور السافرة المتبرجة بالزينة التي لا تتفق بحال مع آداب الإسلام وما فرض الله علي المرأة من التستر والاحتشام ، تظهر في كبريات الصحف وصغيراتها ، تصبح ملهاة العيون الحائرة ، والقلوب الفاجرة ، وتتناول أعرق الأسر وأكبر البيوت ، وأطهر الأعراض ، الحفلات الساهرة والاجتماعات المتكررة ، والمقابلات الكثيرة من رسمية وأهلية ، تختلط فيها الأجناس ، وتشرب بنت الكاس ، ويقضي الليل في مجون وعيث ولهو ورقص .

ومن ذلك نعلم أن حسن البنا وجماعته من بعده كان لهم موقف قوى واضح من الانحلال الأخلاقي والفساد الاجتماعي ، حيث أوكاره بكل وسيلة ممكنة ، والمقال السابق الذي رفعه حسن البنا إلي جلاله الملك جزء من تلك الحرب ، فبعد أن وضح تلك الصور المصغرة – كما قال – للفساد بين يدي جلالة الملك : " كل هذا وأمثاله قد حطم عقائد الشعب ، وثقته بنفسه ، وأنساه المثل العليا ، وصرفه عن طاعة الله وعمل الخير ، وقضي علي العقل والعاطفة والصحة والمال ، وهدد الأسر الآمنة ، والبيوت المطمئنة بالخراب العاجل والتحلل السريع الذريع ، والحوادث التي تنشر تباعا في الجرائد والمجلات ترعب وتخيف ، ولابد من أن تمتد إليه اليد الآسية الطبيبة حتى يطهر هذا المجتمع من الميوعة والطراوة والخنوثة والمجون ، قلها كلمة منفذة وأصدره أمرا ملكيا ألا يكون في مصر المسلمة إلا ما يتفق مع الإسلام ، فإن مائة ألف شاب مؤمن تقي من شباب الإخوان المسلمين في كل ناحية من نواحي القطر ، ومن ورائهم هذا الشعب كله يعملون في جد وهدوء ونظام ، يترقبون هذه الساعة ليستعدوا بالشهود بين يديك في سبيل الله لنصرة الإسلام ، إن الجنود علي تمام الأهبة ، وإن الكتائب معبأة وقد طال بها أمد الانتظار ، واشتد شوقها إلي ميادين العمل والكفاح ، فمتى تقام الصلاة ، متى يتقدم الإمام "

لقد أدت كثرة صور الفساد في المجتمع ، خاصة ما يسيء إلي العرض من فجور وعهر ، ومجون ، في الخمارات وحانات القمار إلي تحمس بعض الشباب ، فاعتدي علي تلك الأوكار ، فكتب البنا إلي وزير العدل يوضح له الأمور ، ويطلب منه معالجة جذور المشكلة ، وليس نتائجها ، بمعني أن العلاج هو إغلاق تلك الحانات وليس محاسبة الشباب ، وإن كان لا يقهره علي ما فعل ، فبعد التقديم بحمد الله ، والثناء علي رسوله صلي الله عليه وسلم قال : " يا معالي الوزير أنت رجل مسلم ، تؤمن بالله ورسوله وكتابه ، وتعتقد من أعماق نفسك أن تعاليم الإسلام وأحكام الإسلام هي أفضل التعاليم ، وأعدل الأحكام ، وأن الإسلام إذا أمر ففي طاعة أمره سعادة الناس وصلاحهم ، وإذا نهي ففي ارتكاب ما نهي عن شقاؤهم وبلاؤهم .. ومصر يا معالي الوزير بلد مسلم وهو زعيم بلاد الإسلام ، ومع هذا فحسبك أن تمر بأي شارع شئت من شوارع القاهرة ، فتري بعينيك كيف زاد عدد الحانات علي حوانيت ألزم الحاجيات ، وكيف صارت دكاكين البقالة خمارات يحميها القانون ... أهذا يرضي الله ؟ أهذا يتفق مع نصوص الدستور ؟ أهذا يساير مكانة مصر وزعامة بلاد الإسلام ؟ لست أقر أحدا أن ينقض علي القانون ، ولست أدعو إلي العدوان في أية صورة من صوره .. لهذا أتقدم إلي معاليكم وذلك حقكم :

أولا : أن تعيدوا النظر في إجراءات هذه القضية ، في الوسيلة القانونية التي بها يطلق سراح هؤلاء الشبان المسجونين .

ثانيا : أن تتقدموا إلي الحكومة عاجلا بتشريع حازم يقضي علي هذه الفوضى الخلقية ، ويحمي الشعب من الخمر والمهالك والآثام .

هكذا اهتم حسن البنا وتلامذته بعده – بمحاربة الفساد في المجتمع في شتى صوره ، ولم يألوا في ذلك جهدا ، أو تلن لهم قناة ، وكان لجرائد ومجلات الإخوان دور كبير في تلك الحرب ، حيث كانت تحرص علي توجيه الشعب من خلال المقالات والموضوعات التي تنشرها إلي التمسك بالأخلاق الكريمة ، والابتعاد عن الرذائل والمنكرات ، وحيث كانت توجه سهامها الفاتكة من خلال الحملات الإعلامية إلي المفاسد المنتشرة في المجتمع ، فعلت ذلك في الخمر ، كما فعلته سابقا في البغاء ، حيث توالت المقالات ، والتحذيرات ، والإحصاءات والتقارير الطبية التي تبين ضرره ، وما كانت تجد انحرافا من السلطات إلا ودعت إلي إصلاحه ، من ذلك ما نشرته جريدة الإخوان المسلمون نحن عنوان " علي هامش الأخبار " قالت : نشرت جريدة المصري أن وزارة الداخلية بالاشتراك مع وزارة الشئون الاجتماعية تعدان مشروع قانون بتنظيم ألعاب القمار والأندية ، وسيعرض علي البرلمان ، ويؤسفنا ألا تشتغل وزارة الشئون بإعداد قانون يلغي الميسر بأنواعه " .

المبحث الثاني : الحياة الاقتصادية

خضعت مصر للاحتلال البريطاني مع نهاية القرن التاسع ؛ وأقبل القرن العشرون وقد ارتبط الاقتصاد المصري بالاقتصاد العالمي في بلاد أوروبا وخاصة بريطانيا ، ومن ثم تأثر اقتصاد مصر بعوامل الانتعاش الاقتصادي العالمي وأزمانه صعوداً وهبوطًا .

" وقد بلغ هذا الارتباط أشده في فترة الاحتلال ، نتيجة تشجيع الاحتلال لعدد من المستثمرين الأجانب الذين أقاموا المشروعات الكبرى ، والبيوتات المالية الضخمة التي كان همها تزويد الأسواق الأوروبية بالخامات المصرية ، وتوجيه إنتاج البلاد تبعًا لهذه الأسواق " .

وقد تأثرت الحياة الاقتصادية بعدة مؤثرات وظواهر عامة كان لها أثر بالغ في تشكيل ملامح الاقتصاد المصري ، ومن هذه المؤثرات :

1- الاحتلال البريطاني في مصر .

2- نشوب الحرب العالمية الأولي .

3- رغبة المصريين في تحقيق الاستقلال لمصر وظهور " الاقتصاد الوطني " .

4- التوجه الوطني نحو الصناعة الحديثة .

ونعرض – بإيجاز – لأهم ملامح ومكونات البناء الاقتصادي المصري في أوائل القرن العشرين ، وأثر ذلك علي نشأة الإمام حسن البنا وتكوين جماعته ، وذلك علي النحو التالي :

المطلب الأول : ملامح البناء الاقتصادي المصري في تلك الفترة .

المطلب الثاني : أثر ذلك علي نشأة الإمام حسن البنا وتكوين جماعته .


المطلب الأول : ملامح البناء الاقتصادي في مصر في أوائل القرن العشرين

يستطيع الباحث في الشئون الاقتصادية أن يوجز القول عن أهم ملامح البناء الاقتصادي في مصر خلال الفترة في النقاط التالية :

  • خضوع الاقتصاد المصري للسيطرة الأجنبية .
  • اعتماد الاقتصاد المصري علي الزراعة وخاصة محصول القطن .
  • ازدياد الاهتمام بالصناعة وبداية عصر الاقتصاد الوطني .

خضوع الاقتصاد المصري للسيطرة الأجنبية :

لعب الاحتلال البريطاني دوراً كبيراً في ربط الاقتصاد المصري بالاقتصاد الإنجليزي ربطاً كلياً ، قوامه قيام مصر بإمداد الصناعة الإنجليزية باحتياجاتها من القطن ، وفتح أسواق مصر لمنتجات الصناعة الأجنبية ، وقد ترتب علي تبعية الاقتصاد المصري للاقتصاد الإنجليزي في هذه الفترة ، التقلب الكبير في قيمة صادراتنا من القطن ، وبالتالي في مستوى الدخل القومي تبعًا لتقلبات مستوى النشاط الاقتصادي الإنجليزي .

ونظراً لأن النشاط والركود في الاقتصاد الإنجليزي كانا يحدثان بسبب طبيعة النظام الاقتصادي الرأسمالي نفسه ، لذلك فإن الاقتصاد المصري كان يتحمل آثار هذا النشاط والركود ، وفي الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولي سيطرت الرأسمالية علي أغلب الأنشطة التجارية والمالية للدولة ، وقد بلغت نسبة رؤوس الأموال الأجنبية في عام 1914م ما يقرب من 91% من مجموع استثمارات الشركات المساهمة في مصر .

ومن العوامل التي جعلت الاقتصاد يدور في فلك الاقتصاد البريطاني تحويل غطائنا النقدي من الذهب إبان الحرب العالمية الأولي إلي أذونات علي الخزانة البريطانية ، مما أتاح لبريطانيا الحصول علي ما تشاء من العملة المصرية لتمويل عملياتها العسكرية .

وما أن تحددت العلاقات المصرية البريطانية في إطار تصريح 28 فبراير 1922م حتى أخذ الاهتمام البريطاني يربط الاقتصاد المصري بالاقتصاد البريطاني يتزايد بصورة كبيرة ، وذلك لاعتقادهم أن ذلك يدعم وجودهم في مصر ، كما أن يضعف الحركة الوطنية في مواجهة هذا الوجود .

وتكشف الوثائق البريطانية القناع عن الدور الذي مارسته الرأسمالية الأجنبية في الضغط علي الحكومة البريطانية لعدم قبول مطالب الحركة الوطنية المصرية في الاستقلال زاعمة أن ذلك يهدد المصالح المالية البريطانية .

وقد أتاحت معاهدة 1936م الفرصة أمام الاستثمارات الإنجليزية في مصر نتيجة قيام الشركات الإنجليزية بتنفيذ بعض المشروعات ، بعد إرسال العطاءات عليها ، وقد أدي ذلك إلي عمل مئات الألوف من العمال المصريين في تلك الشركات ، وكان لذلك أثره في صياغة الشخصية المصرية ، لأن الموظفين الكبار في هذه الشركات أجانب ، والعمال المصريون رقيقو الحال ، يقبلون الذل والهوان في طلب لقمة العيش ، ولأن الأجنبي قد وفد بلا أهل ، فإن العامل المصري المسكين هو الذي يقوم علي خدمته ، بل ويرسل زوجته وابنته لخدمة الأجنبي في بيته ، وقد استغلت حاجة المصري للعمل في هذه الشركات فضيع عرضه وامتهنت كرامته ، ولما اعتاد المصري في ذلك الوقت – تحت ضغط لقمة العيش – أن يفرط في عرضه سهل جداً أن يفرط في وطنه ، فكان هناك إذاً عامل ارتباط بين عطاء أولئك المستبدين عندما يعطون القروش وعندما يدفعون أجر العامل في شركة من تلك الشركات ، وبين تضييع الأخلاق ، ثم بين كل ذلك وتضييع البلد وإفقاد المصري كرامته .

وعمومًا فقد أدت سيطرت الأجانب علي أغلب الأنشطة التجارية والمالية إلي تفشي البطالة بين المصريين ومنافسة المصنوعات الأجنبية للمنتجات المحلية ، لذا فقد نادي البعض بالحد من هجرتهم إلي مصر ، وأن يكون التعليم دور في تشجيع الصناعات الوطنية هذا بالإضافة إلي التوسع في إنشاء المدارس الصناعية لتكون نواة لتخريج الفنيين المصريين .

اعتماد الاقتصاد المصري علي الزراعة وخاصة محصول القطن :

اعتمد الاقتصاد المصري في تلك الفترة اعتماداً شبه كلي علي الزراعة خاصة محصول القطن ، وقد لعب الاحتلال البريطاني دوراً كبيراً في تحويل السياسة الاقتصادية المصرية إلي سياسة التخصص الزراعي ، ومع هذا فإن هذا التخصص لم يتسم بالطابع المتوازن ، إذ وجهت العناية إلي محصول القطن علي حساب المحاصيل الأخرى ، كما أن هذا التخصص جعل الاقتصاد عرضه لأي تذبذبات تصيب أسعار القطن .

وقد تميزت الزراعة المصرية بعدد من الخصائص أهمها :

أ – عدم قدرتها علي مواجهة النمو السكاني :

لما كان الاقتصاد المصري قد تحول إلي الاعتماد الكلي علي الزراعة ، أصبح من الطبيعي ألا تنقطع عمليات تحسينها فأنشئت قناطر نجع حمادي عام 1930م .

وتمت تعلية خزان أسوان عام 1934م ، ورغم هذا فإن معدل التوسع في مساحة الأرض الزراعية كان أقل بكثير من معدل تزايد السكان ، فبينما زادت الرقعة الزراعية خلال المدة من 1917- 1947م بنسبة 5% زاد معدل السكان بنسبة 9% مما أدي إلي حدوث بطالة سافرة ومقنعة ، هذا بالإضافة إلي ضآلة أجر العامل الزراعي .

ب – سوء توزيع الملكية الزراعية :

كما تميزت الزراعة بسوء توزيع الملكية الزراعية ، ويتضح هذا من الجدول التالي :

مساحة الملكية بالفدان عدد الملاك النسبة المساحة بالفدان النسبة
من 1-5 214133 31.6% 187430 93.1%
من 5-10 14504 6.30% 175878 29.7%
أكثر من10 501259 0.6% 228530 38.7%
المجموع 229997 100% 591839 100%


ويلاحظ في هذا الجدول أن حوالي 93.1% من الملاك الزراعيين لا يملكون سوي 31.6% من مجموع الأراضي الزراعية ، بينما يملك 6 في الألف فقط من الملاك حوالي 38.7% من الأراضي الزراعية ، ومن هنا يتضح أن المشكلة الرئيسية التي واجهت الريف المصري كانت تنحصر بالدرجة الأولي في إعادة توزيع الملكية الزراعية .

ج – ارتفاع قيمة إيجار الأراضي الزراعية :

ارتفعت إيجارات الأراضي الزراعية في تلك الفترة لدرجة كبيرة جعلت الفلاحين الذين يزرعون الأرض يواجهون صعوبة كبيرة في الاحتفاظ بها ، وقد أدي هذا إلي لجوء الفلاحين إلي المرابين الذين يقرضونهم الأموال التي هم في حاجة إليها بفائدة كانت تتراوح ما بين 30 : 50 % لموسم واحد فقط .

ازدياد الاهتمام بالصناعة وبداية عصر الاقتصاد الوطني :

أدي انقطاع الواردات من السلع المصنعة خلال سنوات الحرب العالمية الأولي بالإضافة إلي رغبة المصريين في تحقيق الاستقلال الاقتصادي لمصر إلي ظهور الإحساس بالحاجة إلي تنمية الصناعة ، فأنشأت القوى الوطنية لجنة الصناعة والتجارة عام 1917م ، وقد حثت هذه اللجنة الحكومة علي الاهتمام بالصناعة ولكن الفتور ما لبث أن عاد مرة أخرى إلي الميدان الصناعي المصري ، فقد أدت الزيادة الكبيرة في أسعار القطن إلي الاعتقاد بأن هذا المحصول وحده قادر علي ضمان الرخاء المستمر للدولة.

غير أن انهيار أسعار القطن خلال الأزمة العالمية واستعادة الدولة لاستقلالها المالي عام 1930م ، بفرض التعريفة الجمركية ، ورفع الرسوم علي الواردات من السلع الاستهلاكية الصناعية ، وعدم قدرة القطاع الزراعي علي تشغيل العدد المتزايد للأيدي العاملة المصرية أدي إلي جعل النشاط يدب من جديد في القطاع الصناعي ، ثم جاءت الحرب العالمية الثانية نتيجة هبوط حجم الواردات ، بالإضافة إلي ما تصرفه قوات الاحتلال ، وكان نتيجة ذلك أن توسعت صناعات المنسوجات والزجاج والجلد والأسمنت والبترول .

وبالرغم من ذلك لم تكن عملية التصنيع بالقدر اللازم لتغيير الطابع الزراعي للاقتصاد المصري ، إذ ظلت الصناعة قطاعًا " هامشيًا " في الاقتصاد المصري .

فبينما كان عدد المشتغلين بالزراعة عام 1952م يزيدون علي نصف العدد الكلي للمشتغلين في الاقتصاد المصري ، لم تزد نسبة المشتغلين علي ( 10% ) من هذا المجموع ، كما أن التوسع لم يكن كافيًا لمواجهة الاطراد في زيادة عدد السكان ، فالدخل القومي للفرد كان في هبوط مستمر وهذا يتضح من الجدول التالي :

جدول الفرد السنوي

المدة .... دخل الفرد سنويا

1921- 1928 .... 12.3

1930- 1933 .... 08.2

1935- 1939 .... 09.6

1940- 1945 .... 09.4

ومن الأمور المهمة في حركة الاقتصاد المصري تدخل الحكومة المصرية في الحركة الاقتصادية ، مما أدي إلي تخطيط الاقتصاد المصري ، وتنميته ، وقد بدأ ذلك في بداية الثلاثينيات ، عن طريق فرض الحماية الجمركية لصالح الصناعة الوطنية الناشئة ، وكانت تلك السياسة محل معارضة المصالح التجارية البريطانية .

ولعب بنك مصر – الذي أسسه طلعت حرب عام 1920م – دوراً رئيسيًا في تقوية القطاع الصناعي المصري ، بإنشاء عدد من الشركات التي اعتبرت نواة الصناعة المصرية مثل شركة مصر للغزل والنسيج ، وشركة مصر للطيران ، وشرك مصر للنقل والملاحة .

كما تدخلت الحكومة لإنقاذ أسعار القطن من الهبوط نتيجة قلة الطلب علي القطن المصري في السوق العالمية ، بسبب الكساد الكبير ، فدخلت الحكومة سوق القطن مشترية منذ مارس 1930 .


وبرغم تطور الصناعة في مصر – علي النحو الذي شرحنا – إلا أنها انحصرت في قطاعات استهلاكية لم تكن تشكل تهديداً للرأسمال الأجنبي .

ونلخص مما سبق إلي أن الأوضاع الاقتصادية في مصر إبان ظهور البنا وجماعته تتسم بعدة سمات أهمها :

1-استمرار سيطرت الشركات الأجنبية علي الاقتصاد المصري ، وعن ذلك يذكر الإمام البنا – رحمه الله – " شركات الاحتكار في مصر وضعت يدها علي مرافق الحياة والمنافع العامة ، كالنور ، والمياه ، والملح ، والنقل ، ونحوها كلها في يد هذه الشركات التي لا ترقب في مصري إلا ولا ذمة ، والتي تحقق أحسن الأرباح وتضن حتى باستخدام المصريين في أعمالها " ويذكر الإمام البنا أن : " من الظريف المبكي أن نقول إن عدد الشركات المصرية إلي سنة 1938 بلغ إحدى عشر شركة فقط مقابل 320 شركة أجنبية " .

2-استمرار ارتباط الاقتصاد المصري بالاقتصاد البريطاني ، واعتماد النقد المصري علي أذونات الخزانة البريطانية ودار الضرب البريطانية والبنك الأهلي البريطاني وإن كان مقره مصر .

3-استمرار اعتماد الاقتصاد المصري علي الزراعة ، والاعتماد علي محصول رئيسي واحد هو القطن ، في الوقت الذي اتجه الوضع في الريف إلي تركيز الملكيات الزراعية في يد فئة قليلة ، لم تعبأ باستخدام الأساليب الفنية في الزراعة مما أدي إلي إجهاد الأرض وفقدها لخصوبتها مع مرور الأيام .

وقد أدت هذه الأوضاع إلي الاستعمار الاقتصادي ، وتخلف الاقتصاد المصري ، وانخفاض مستوي المعيشة إلي درجة عميقة وتعرض العمل الدائم للتعطيل .


المطلب الثاني :أثر الاقتصاد السائد في مصر علي نشأة الإمام البنا وتكوين جماعته

نشأ الإمام البنا وعاش في وسط شعب يتجرع مرارة هذه الأوضاع الاقتصادية التي كانت تسود مصر ، وحين انتقل إلي مدينة الإسماعيلية ليعمل فيها مدرسًا شاهد بعينه الوضع المأساوي الذي يعيشه العمال المصريون في شركة قناة السويس وغيرها من الشركات الأجنبية المنتشرة علي طول القناة .

ولقد كان لهذه الأوضاع المخزية تأثير شديد في نفس الإمام البنا وتفكيره وقد عبر عن ذلك بقوله :

" إننا في أخصب بقاع الأرض وأعذبها هواء ، وأيسرها رزقًا ، وأكثرها خيراً ، وأوسطها داراً ، وأقدمها مدنية وحضارة وعلمًا ومعرفة ، وأحفلها بآثار العمران الروحي والمادي والعملي والفني ، وفي بلدان الموارد الأولية والخامات الصناعية والخيرات الزراعية ، وكل ما تحتاج إليه أمة قوية تريد أن تستغني بنفسها ، وأن تسوق الخير إلي غيرها ، وما من أجنبي هبط هذا البلد الأمين إلا صح بعد مرض ، واغتني بعد فاقة ، وعز بعد ذل ، وأترف بعد البؤس والشقاء ، فماذا أفاد المصريون أنفسهم من ذلك كله ؟ لا شيء .. وهل ينتشر الفقر والجهل والمرض والضعف في بلد متمدن كما ينتشر في مصر الغنية مهد الحضارة والعلوم وزعيمة أقطار الشرق بغير مدافعة ؟! .

وحين اختلط الإمام البنا بالعاملين في شركة قناة السويس وغيرها اطلع علي حقيقة الأوضاع التي يعيشونها ، ومن كلماته التي سطرها في مذكراته عن تلك الفترة : " وكان للإسماعيلية وحي عجيب ، فهذا المعسكر الإنجليزي في غربها ببأسه وسلطانه ، وهيمنته وهيلمانه ، يبث في نفس كل وطني غيور الأسى والأسف ويدفعه دفعًا إلي مراجعة هذا الاحتلال البغيض ، ما جر علي مصر من نكبات جسام .. لقد أوحت الإسماعيلية بالكثير من المعاني التي كان لها أثر كبير في تكييف الدعوة والداعية " .

لذلك لا نعجب إذا رأينا الإمام البنا وجماعته يتبنون قضية النهوض بالاقتصاد المصري الوطني ويدعون إلي التحرر الكامل والاستقلال التام بعيداً عن أسر الاحتلال وقيود الاستعمار ، ونشير – بإيجاز – إلي الجهود الطيبة التي بذلها الإمام البنا وجماعته في سبيل تحقيق ذلك .

أولا : جهود الإمام البنا وجماعته في النهوض بالاقتصاد المصري " نظريًا " :

1-الدعوة إلي الاستقلال الاقتصادي عن السياسة الإنجليزية والسيطرة الأجنبية :

حيث تقدم الإمام البنا مطالبًا الحكومة آنذاك بالطلبات الآتية :

أ – استقلال النقد المصري واعتماده علي رصيد ثابت من الموارد والذهب المصري ، وتأميم البنك الأهلي .

ب – تمصير الشركات وإحلال رؤوس الأموال الوطنية محل الأجنبية ما أمكن .

ج – تخليص كل المرافق العامة من أيدي الشركات الأجنبية ، وتأميمها ، واسترداد كل الأملاك التي أخذها الأجانب ، وتحريم تملك الأرض المصرية علي الأجانب – مؤبداً - .

د – التحريم القاطع للربا .

2 – الدعوة إلي النهوض بالاقتصاد الوطني :

وقد كان حسن البنا دقيقًا في تحديد مطالب بعينها رأي أنها تحقق ذلك النهوض المنشود هي :

1-استغلال منابع الثروات الطبيعية بصورة منتجة .

2-تشجيع الصناعات اليدوية لبث الروح الصناعية في الأمة والوقاية من البؤس .

3-التحول إلي الصناعة فوراً بجانب الزراعة .

4-إرشاد الشعب إلي التقليل من الكماليات ، والاكتفاء بالضروريات .

5-العناية بالمشروعات الوطنية المهملة – آنذاك – مثل مشروع خزان أسوان .

6-إعادة النظر في نظام الملكيات في مصر .


ثانيا : جهود الإمام البنا وجماعته للنهوض بالاقتصاد المصري " عمليًا " :

1-تجاوز الشيخ البنا الدعوة النظرية إلي الجانب العملي للنهوض الاقتصادي :

حيث كان يربي الإخوان علي الالتزام بعدة أخلاق وسلوكيات اقتصادية ، لازمة لكل عضو من أعضاء الجماعة منها :

أ – أن يزاول العضو عملاً اقتصادياً مهما كان غنياً ، وأن يقدم علي العمل الحر مهما كان ضئيلاً .

ب – أن يخدم العضو الثروة الإسلامية بتشجيع المصنوعات الوطنية ، فلا يقع قرشه في يد غير إسلامية ، ولا يلبس ، ولا يأكل إلا من صنع وطنه .

ج – أن يدخر جزءاً من دخله ولا يتورط في الكماليات أبداً .

د – ومنذ عام 1945 دعا البنا إلي مقاطعة البضائع والمحلات والشركات الإنجليزية تماماً .

2- تأسيس عدة شركات اقتصادية مساهمة من أهمها :

أ – شركة المعاملات الإسلامية ( أنشأت مصنعاً للنحاس وآخر للبلاط والأسمنت ) .

ب- الشركة العربية للمناجم والمحاجر ( لإنتاج الأسمنت والبلاط وأجهزة الطبخ ) .

ج –شركة الإعلانات العربية .

د – شركة الإخوان المسلمين للغزل والنسيج بشبرا الخيمة .

هـ شركة التجارة وأشغال الهندسة ( لإنتاج مواد البناء وتدريب العمال في حرف السباكة والكهرباء والنجارة ) .

و – شركة التوكيلات التجارية بالسويس .

ز – شركة التجارة بالمحلة ( لإنتاج المنسوجات والأدوات المنزلية وأدوات المكاتب والأدوات المدرسية والكهربية ) .

3- اهتمام الإخوان الكامل بالعمال ، ويظهر ذلك في :

أ – أنشأ الإمام البنا قسم العمال بالمركز العام ، حيث كان له دور بارز – فكرياً وعمليًا – في الوقوف بجانب العمال المصريين ، وكان من أهدافه : تفهيم العمال حقوقهم والطرق المشروعة التي تكفل لهم تحقيقها وتنظيم النشاط النقابي ، والدعوة إلي أن ينضم العمال إلي نقاباتهم ، ومحاربة الأمية ، وتبصير العمال بالمعلومات العامة ( اجتماعية وسياسية ووطنية وصحية .. ) ودراسة الأفكار الصناعية وأساليب الإنتاج الحديثة وتعريفها للعمال حتى لا يقل العامل المسلم عن مثيله – صناعياً – في أية أمة من الأمم ، بجانب أهدافه التربوية العقدية والروحية والاقتصادية .

وقد أنشأ القسم مدرسة للتوجيه النقابي العمالي .

ب – تبني الإخوان مطالب العمال والدعوة إلي حقوقهم ، في مجلاتهم وكتبهم ، مثل ربط أجور العمال بأرباح المؤسسات الاقتصادية التي يعملون فيها بحيث يكون لهم أسهم مع أصحابها في الأرباح .

بالحديث عن جهود الإمام البنا وجماعته للنهوض بالاقتصاد المصري الوطني نكون قد أنهينا بحثنا عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية التي كانت سائدة في مصر إبان ظهور الإمام البنا وتأسيس دعوة الإخوان المسلمين .


الفصل الثالث :الحياة الفكرية والثقافية للمجتمع المصري إبان ظهور حسن البنا وتأسيس جماعة الإخوان المسلمين

استعرضنا خلال الفصلين السابقين واقع المجتمع المصري في بداية القرن العشرين ، وسلطنا الضوء علي جوانب الحياة السياسية والاقتصادية ، والقوى السياسية وشرائح المجتمع المصري ، وبينا أثر ذلك كله علي نشأة الإمام البنا وتكوين جماعته .

ونستعرض في هذا الفصل المهم الحياة الفكرية والثقافية والتعليمية للمجتمع المصري من خلال المباحث التالية :

المبحث الأول : جذور الصراع الفكري في المجتمع المصري .

المبحث الثاني : الاتجاه الإسلامي – تيارات الفكر الإسلامي .

المبحث الثالث : الاتجاه التغريبي – تيارات الفكر التغريبي .

المبحث الرابع : أوضاع التربية والتعليم في مصر .


المبحث الأول : جذور الصراع الفكري في المجتمع المصري

مع مطلع القرن العشرين احتدم الصراع الفكري بين اتجاهين متمايزين تمامًا في تصور الأسلوب الذي ينبغي أن يتبع للوصول إلي الإصلاح المنشود ، والنهوض بالمجتمع من حالة الركود والهمود الفكري والاجتماعي التي أصابت المجتمعات الإسلامية والعربية جميعًا ، وعلي رأسها مصر .

الاتجاه الأول : اتجاه الفكر الإسلامي الحديث .

الاتجاه الثاني : اتجاه الفكر التغريبي .

ويصدر كلا الاتجاهين عن خلفية فكرية خاصة ومتميزة عن خلفية الآخر ، ومن حيث مصادر المعرفة الأساسية التي من خلالها يصوغ رؤيته وتفسيراته ، ويبلور قيمه وأهدافه المتعلقة بالكون والحياة .

وترجع بدايات الاتجاه الأول إلي ظهور دعوات الإصلاح في المجتمعات الإسلامية مثل :

  • الدعوة الوهابية في الجزيرة العربية التي قام بأعبائها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد بالجزيرة العربية " 1115هـ - 1209هـ " " 1703م1791م " .
  • والدعوة المهدية في [[:|السودان]] ، وغير ذلك من الدعوات التي استهدفت بعث الأمة الإسلامية من جديد والتوجه بالمجتمع إلي الإصلاح المنشود .

أما الاتجاه الثاني فقد بدأ إثر الحملة الفرنسية " 1798م " علي المشرك العربي ، وفي قلبه مصر ، وأعقب ذلك اتساع نطاق الاتصال مع الغرب وتعدد مجالات الاحتكاك به ، وبمدنيته الحديثة التي بلغت في ذلك الوقت درجة كبيرة من التقدم في مقابلة حالة التردي والانحطاط الحضاري التي كان يعاني منها الشرق الإسلامي كله علي اختلاف مجتمعاته .

كان الاتجاه التغريبي يدور في إطار عقلية الغرب ونمط تفكير أهله ورؤيتهم للحياة ، بينما يدور الاتجاه الإسلامي في إطار العقلية الإسلامية ونمط تفكيرها ورؤيتها للحياة كذلك .

وعلي ساحة المجتمع المصري نشأ التفاعل والصراع ، والتباين في الرؤى بين الاتجاهين وشمل جميع ميادين الحياة الفكرية والسياسية والأدبية .

وقد يكون الخلاف حول بعض القضايا التي تبدو – لمن يراها اليوم – ثانوية ، لكن العبرة بما انطوى عليه هذا الخلاف – ساعتها – من دلالات أعمق تتصل بوضع الاتجاه وخلفيته الفكرية التي يصوغ من خلالها رؤيته وتفسيراته للأمور ، وطبيعة الإطار الفكري الذي كانت تدور فيه ، ومدي ملاءمته للسياق الاجتماعي العام ، فعلي سبيل المثال : كانت المعركة بين أنصار " الطربوش " وأنصار " القبعة " خلال العشرينات تعبر في جوهرها عن اشتعال المعركة الحقيقية ليست في أغطية الرؤوس ، بل فيما هو داخل الرؤوس ذاتها ، والدليل علي ذلك أن كلا من الطربوش والقبعة تركا فيما بعد ، ومعني ذلك أنه توجد عقليتان مختلفتان تتنازعان ليس في مصر – وحدها – ولكن في أقطار وبلدان الشرق الإسلامي كلها .

عقلية تتمثل حضارة الغرب وتبشر بها ، وعقلية تتشبث بالإسلام وحضارته وتدافع عنها وتسعي للإحياء مجدها ، وقد كان كل فريق يدرك حقيقة المعركة ، فمصطفي صادق الرافعي – وكان من أكبر المدافعين عن الإسلام وتراثه – كان يدرك ويعتقد أن القضية ليست قبعة علي الرأس أكثر مما هي طريقة لتربية الرأس المسلم تربية جديدة وليس فيها ركعة ولا سجدة .

بالرغم من وجود بعض المحاولات للخروج من تلك الحالة الفكرية الراكدة إلا أنها كانت محدودة جدا ولم تحدث الهزة الاجتماعية والفكرية المؤثرة ، إلا علي إثر الحملة الفرنسية ( 1798 ) وما تلاها من اتساع نطاق الاحتكاك بالغرب ومدنيته الحديثة التي بلغت في ذلك الوقت درجة كبيرة من التقدم والنهوض في مقابل حالة التردي والانحطاط الحضاري التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية .

ومنذ نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر ، بدأت مرحلة جديدة من الصراع والتحدي الحضاري بين الغرب والشرق – الذي كان يقصد به مجتمعات العالم الإسلامي – كان الغرب فيها في وضع التفوق ، ويمتلك المبادرة ، أما الشرق فقد كان في وضع الضعف والانقياد ، ومن ثم فقد اتسمت كل ردود الفعل الصادرة منه بسمات ذلك الوضع غير المتكافئ .

وقد تبلورت تلك الردود في نمطين أساسيين : الأول : هو نمط " الإصلاح المؤسسي " علي مستوى الدولة ، وأبرز نماذجه مصر في عهد محمد علي ، أما الثاني : فهو نمط التجديد الفكري ومحاولات الإحياء لمواجهة التحدي الغربي بطريقة أكثر جذرية ، أدي ذلك إلي الاهتمام بعلوم الغرب الحديثة ، بدأ بالعلوم التطبيقية وتطور حتى شمل العلوم الإنسانية في السياسة والاجتماع والأدب والفلسفة ، حول هذه الاهتمامات نشأت نخبة جديدة ذات ثقافة حديثة مستفادة أساسا من نتاج العقلية الغربية ، أدت إلي حالة من الازدواجية الفكرية في المجتمع ، التي استمرت منذ ذلك الحين ، وحتى الآن .

ويمكن رد أسباب تلك الازدواجية الفكرية إلي محورين رئيسيين .

الأول : هو محور التأخر والانحطاط ، والثاني : هو محور التحدي الغربي .

أما بالنسبة لمحور التأخر و الانحطاط، ، فقد كان بسبب أبرز سمات الحياة الفكرية التي أدت إليه سمتان الأولي : سمة الجمود الذي انتفت به كل محاولة للتجديد ، وسمة الذرية التي أفقدت العقل المسلم فاعليته وقدرته علي امتلاك النظرة الشاملة لمشكلات الحياة ، لكن الضغوط التي نجمت عن التحدي الغربي أسهمت في تحريك تلك الفاعلية من جديد ، بحثا عن سبيل للنهوض وكان الخيار إما منهج النموذج الغربي المفروض ، أو منهج النموذج الإسلامي المعقود ، ومن ثم فقد ظلت وضعية التخلف والانحطاط عاملا من عوامل تغذية الانقسام وفقدان التجانس الفكري وفقا لرؤية لسبيل النهوض والتقدم .

وأما بالنسبة ( للتحدي الغربي ) فلا يمكن تبيين أثره في تمزيق الحياة الفكرية بعيدا عن تفاعله بكل أبعاده السياسية والثقافية والحضارية مع حالة الانحطاط المشار إليها .

فقد اتخذ هذا التفاعل مسالك وقنوات عديدة تم من خلالها ونجم عنها تكريس الازدواجية الفكرية والثقافية , وتشتيت عقول أبناء الأمة في مرحلة باكرة , ومن أهم تلك المسالك : المؤسسات التعليمية والتربوية الأجنبية , وحركة الترجمة والنشر والصحافة الأجنبية والبعثات العلمية الأوربية التي قدمت إلي مصر في منتصف القرن التاسع عشر , أو التي سافرت إلي أوروبا وبصفة خاصة في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن العشرين .

وكانت سلطة الإدارة الاستعمارية تقوم بدور كبير خاصة في مجال التعليم ورسم سياسته , لا لكي يقتصر علي تخريج موظفين إداريين حسب كما هو شائع في معظم الكتابات التي تتناول هذا الموضوع , ولكن إضافة إلي ذلك , لكي يؤدي إلي إعادة تشكيل العقل المسلم علي نحو يخدم الأهداف الاستعمارية ضمن الإطار الأكبر , وهو إطار الصراع الحضاري بين الشرق الإسلامي والغرب , فكرومر المعتمد البريطاني يقول صراحة : " في محاولاتنا الهادفة إلي طبع العقلية الشرقية بعاداتنا الفكرية ، يجب أن نتقدم بكل حذر ممكن ، وأن نتذكر أن واجبنا الأول هو إقامة نظام يسمح لجمهور السكان بأن يكون محكوما وفقا لقانون الأخلاق المسيحية ، ومع تجنب أية حركة للتبشير الرسمي ، فإن علاقتنا مع مختلف الأجناس التي تمثل رعايا ملك إنجلترا يجب أن تقوم علي أساس الصخرة الجرانيتية التي تمثلها الأخلاق المسيحية " .

ولذلك اتجه الاستعمار إلي تجفيف المنابع التي تعمل ضد هذا الخط الذي رسمه " كرومر " ، وعلي رأسها الأزهر ، وحتى الكتاتيب لم يأل جهدا في التضييق عليها وإن تظاهر بغير ذلك ، وكان يسعي دائما لإخضاع ما أنشئ منها بجهود الأهالي لإشراف نظارة المعارف التي يسيطر عليها وعلي ميزانيتها ممثلو الاحتلال .

وفي المقابل ازدهرت المدارس الأجنبية التي أقامتها الجاليات الأجنبية المقيمة في مصر ، كالفرنسيين والطليان واليونانيين والأرمن ، كما ازدهرت المدارس التي أقامتها البعثات والإرساليات التبشيرية المسيحية التي كانت تفد إلي البلاد بانتظام علي مدى القرن التاسع عشر ، ووصلت ذروتها خلال العقد الثالث من القرن العشرين .

وطبقا للإحصاءات التي يوردها أمين سامي باشا فقد كان عدد المدارس التي أنشأتها إرساليات التبشير المسيحية في مصر يبلغ ضعف عدد المدارس ا الأميرية سنة 1875م ، وكان عدد المدارس الابتدائية لتعليم البنات والتي أنشأتها الإرساليات 29 مدرسة ، في حين لم يتعد عدد المدارس النسوية الأميرية 3 ( ثلاث ) مدارس فقط .

والأهم من كثرة مؤسسات التعليم الأجنبية أنها كانت بمثابة الأوعية التي يتم فيها تشكيل عقلية قطاع أساسي من أبناء المجتمع ، كي يحقق الهدف الاستعماري في القضاء علي الرؤية الإسلامية ، أو يقوم بتطويرها في مجال التعليم والتربية ، فيحقق رؤية أوروبية بدلا منها .

وقد دعم هذا الاتجاه أفواج البعثات الطلابية إلي أوروبا علي مدي القرن التاسع عشر ، وازداد أوائل القرن العشرين ، فبلغ عدد المبعوثين عام 1914م 750 طالبا ، وكان عددهم سنة 1879 قد بلغ 172 طالبا فقط ، أما في سنة 1920 فقد بلغ عددهم 800 طالب في مختلف العواصم الأوروبية .

وعندما تأسست الجامعة المصرية 1908م استطاع المستشرقون الذين تولوا التدريس بها منذ نشأتها أن يقوموا بدور أساسي في إدخال المناهج الغربية للبحث العلمي إلي مصر علي نحو مباشر ، حيث بلغ عدد الأساتذة المستشرقين الأوروبيين الذين درسوا بالجامعة في الفترة من 19081916 حوالي 38 أستاذاً ، حاضروا في علوم التاريخ والإنسانيات والفلسفة وآداب اللغة العربية ، وعلم النفس والاقتصاد والجغرافيا .

ولطه حسين عبارة دقيقة توجز مجمل تأثيرات مناهج التعليم الحديث في مصر من الابتدائي إلي العالي ، وهو قوله : " نحن نكون أبنائنا في مدارسنا الأولي والثانية والعالية تكوينا أوروبياً لا تشوبه شائبة " .

في الوقت نفسه كان الأزهر علي ضعفه – وما به من أوجه القصور – بمثابة قطب المواجهة إزاء الجامعة العلمانية الجديدة ، ثم اتسع نطاق هذه المواجهة مع قيام الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 1919م ، وجرت أول مناظرة بقاعة يورث التذكارية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة بين بعض علماء الأزهر ، وبعض المبشرين الأمريكان ... وكانت مجلة الفتح الإسلامية تحذر من الدور الذي تقوم به الجامعة الأمريكية في القاهرة وبيروت وتركيا ، في حين كانت مجلة الهلال العلمانية – ومحررها سلامة موسي – تدافع عن تلك الجماعات خاصة في مصر .

والحاصل أن ازدواجية نظام التعليم وهذا الانتشار الهائل للمدارس الأجنبية في البلاد ، وازدياد البعثات العلمية إلي أوروبا ، وما رافقها من حركة ترجمة واسعة للفكر الغربي ، وكذلك استخدام المستشرقين للتدريس بالجامعات المصرية ، كانت كلها إجراءات تتم تحت وطأة ضغوط التقدم الغربي وتحدياته في إطار مشاعر الانبهار والدهشة منذ رفاعة الطهطاوي وحتى طه حسين علي الأقل ، وقد تمخضت تلك التطورات والإجراءات عبر تفاعلات متشابكة ومعقدة عن تبلور نخبة فكرية جديدة لها وزنها إلي جوار نخبة الفكر الإسلامي من رجالات الأزهر وغيرهم ، تنطلق أساسا من الإطار المرجعي العام للفكر الغربي ، وقدر لها أن تقوم بدور أساسي في الحياة المصرية بصفة عامة ، وفي تشكيل مناخها الثقافي بصفة خاصة خلال النصف الأول من هذا القرن .

وكان لابد لهذا التمزق الفكري المكرس عبر مسالك عديدة – علي النحو السابق بيانه من أن يؤدي إلي تبديد قوى المجتمع وشل فاعليته ، إذا لم تعد له " ثقافة واحدة " يرجع تحديد السلوك الاجتماعي إلي معاييرها ومنطلقاتها ، ويتم توجيه الفكر والعواطف وفقا لقيمتها ، ومنها تستمد عقليته وثقافته ، وبداخل كلا منهما أكثر من تيار ، وإن ظلت تيارات كل اتجاه يجمعها إطاره المرجعي الأساسي ، إما الغرب ، وإما الإسلام ، مع الإقرار باختلاف وتغير منظورات ومواقف ومواقع كل تيار داخل كل اتجاه .

الواقع الفكري إبان ظهور الإمام البنا :

تناول كثير من الباحثين الواقع الفكري لهذه الفترة بالتحليل والدراسة ، لعل أسبقهم د . محمد حسين في كتابه الاتجاهات الوطنية ، حيث حلل الحياة الفكرية إلي اتجاهين ، أحدهما يتجه نحو الغرب ، والآخر يتجه نحو الإسلام ، ولمح بين الاتجاهين ظهور اتجاه ثالث يتجه نحو التوفيق بين الإسلام والحضارة الغربية ، وتتابعت وجهات النظر بعد ذلك ، نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر ثلاث وجهات نظر هي :

أ – حلل د . أحمد ربيع عبد الحميد خلف الله في كتابه : " الفكر التربوي وتطبيقاته لدي جماعة الإخوان المسلمين " الواقع الفكري إلي أربعة تيارات أولها : التيار الإسلامي ، والثاني : التيار الغربي ، الثالث : التيار الإقليمي الذي يتجه نحو مصر الفرعونية ، والرابع : التيار القومي العربي الذي يتجه نحو العروبة .

ب – حلل د . عثمان عبد المعز رسلان في كتابه : " التربية السياسية عند الإخوان المسلمين" الواقع الفكري إلي خمسة تيارات الأربعة السابقة ، وزاد عليها تيار التغريب الشيوعي ويقصد به الاتجاه نحو النظرية الشيوعية .

ج – حلل د . إبراهيم بيومي غانم في كتابه : "الفكر السياسي للإمام البنا " الواقع الفكري إلي اتجاهين ، يشمل كل منهما عدة تيارات الأول : الاتجاه الإسلامي ويشمل ثلاثة تيارات : تيار الفكر الدفاعي ، التيار السلفي ، تيار التجديدي الإصلاحي ، والثاني الاتجاه التغريبي ، وتشمل ثلاثة تيارات أيضًا : تيار التبشير بالغرب ، التيار العلماني ، التيار الليبرالي . فاتفق بذلك مع د . محمد محمد حسين في تقسيم الواقع الفكري إلي اتجاهين فقط .

وعلي ذلك فسوف نتناول الحياة الفكرية إبان القرن العشرين عن طريق تناول كل اتجاه من الاتجاهين في نقاط منها " تعريفه ، أفكاره ، القضايا التي يثيرها ، أنصاره ، الكتب التي ظهرت تؤيده " ، ثم نتعرض بإيجاز لأوضاع التربية والتعليم في تلك الفترة ، لما لها من أثر قوى علي شخصية الفرد والمجتمع وذلك من خلال المباحث الثلاثة التالية .


المبحث الثاني : اتجاه الفكر الإسلامي

تيارات الفكر الإسلامي :

إن الاتجاه الإسلامي في مصر من خلال النصف الأول من القرن العشرين – وبصورة أكثر تبلورا خلال الربع الثاني منه – قد تمثل في عدد من الجمعيات والجماعات ، وفي عدة تيارات فكرية ، كانت في مجموعها مجمل النشاط العام للاتجاه الإسلامي في المجتمع ككل ، وكانت تشكل أيضًا جزءا أساسياً من المناخ الثقافي والفكري لدي الجزء الآخر الذي تشكله تيارات التغريب ، ذلك المناخ الذي كان بمثابة الخلفية العامة التي نشأ ونشط فيها حسن البنا ، ولم يكن أي من تلك الجمعيات أو التيارات يمثل بمفرده الاتجاه الإسلامي بالمعني الشامل ، وإنما قام كل تيار وقامت كل جماعة أو جمعية بجزء أو أكثر – في بعض الحالات – من مهام الاتجاه .

وتيار الفكر الإسلامي قديم قدم الدعوة الإسلامية ذاتها ، إلا أننا نهتم هنا بمحاولات التجديد التي ظهرت بعد مرحلة الركود التي أصابت الفكر الإسلامي قبل عصر النهضة ، وتعتبر دعوة الموحدين ( الدعوة الوهابية ) أول محاولة تجديدية في العصر الحديث للعودة بالإسلام إلي ما كان عليه السلف ، متأثرة بخطي ابن تيمية ، وقد اعتقدت أن السبب الأوحد لسقوط بالمسلمين هو فساد العقيدة ، وأنه لابد من العودة إلي التوحيد الصحيح ، وهدم البدع والخرافات ، ومن ثم فقد اهتموا بتقوية العقيدة ، وبالناحية الخلقية كما حددها الدين ، غير أنهم لم ينظروا إلي مشاكل المدنية الحاضرة ، ومطالبها ، ولم يعملوا علي ترقية الحياة العقلية إلا في دائرة ( العلوم الدينية ) .

وبعد سقوط الدولة الوهابية الأولي جاء السيد جمال الدين الأفغاني وقدم فكرة الإسلام المجاهد المقاوم للغزو الأجنبي الذائد عن الحوزة الإسلامية في مواجهة الأطماع الاستعمارية .

وكانت أهدافه :

أولاً : تقوية دعائم نظم الحكم الموجودة آنذاك ، كيما يعيد بناء التنظيم السياسي في العالم الإسلامي علي أساس ( الأخوة الإسلامية ) التي بددتها النظم الاستعمارية .

ثانيا : مكافحة المذهب المادي الذي يعتقد أنه راجع إلي التأثير الخفي لأفكار الغرب .

ثالثًا : مقاومة النفوذ الأجنبي ، وبعث تعاليم القرآن بين الجمهور ، وبناء روح الكرامة بين المسلمين ، وإشعارهم بحقهم في الحرية .

ثم جاء تلميذه محمد عبده الذي واجه مشكلة الإصلاح بحسبانها مشكلة تربوية بدلا من تناولها من الزاوية السياسية ، معتقدا أنه لكي يتحقق الإصلاح يجب أن يبدأ خطواته الأولي من الفرد ، ومن ثم فقد نقل حركة العودة إلي الإسلام من عمل سياسي إلي عمل تربوي ثقافي ، باعتبار أن التربية هي أساس كل حركة إصلاحية ، وأن بناء الأجيال الجديدة هو الذي يحقق النهضة .

وبرغم أن حركة محمد عبده نجحت في إزالة الركود العقلي إلا أن بعث النهضة الإسلامية ظل لا يكترث بالفاعلية الاجتماعية ، بل لم يستطع تغيير النفس الإسلامية ، ولا أن يترجم إلي لغة الواقع فكرة الوظيفة الاجتماعية للدين .

وقبل الحرب العالمية الأولي ، وفيما بين الحربين – قبل نشأة الإخوان – تبلور هذا الاتجاه في تلامذة محمد عبده ( رشيد رضا ، عبد العزيز جاويش ، محب الدين الخطيب ، .. وغيرهم ) لكنهم قد سلك كل منهم طريقًا – مع آخرين – يختلف عن الآخر في الرؤية وفي الأسلوب ، وغير ذلك ، ومن هنا وجد في هذا الاتجاه بعض التيارات التي تأخذ علي عاتقها نفس هدف الاتجاه ، وروحه ، ويمكن أن تعد منها ثلاثة اتجاهات رئيسية هي :

التيار الأول : تيار الفكر الدفاعي .

التيار الثاني : التيار السلفي .

التيار الثالث : التيار التجديدي الإسلامي .

ونعرض لهذه التيارات الثلاثة – بإيجاز – من خلال المطالب التالية :


المطلب الأول : تيار الفكر الدفاعي

ويقصد به مجموعة من العلماء الذين كرسوا نشاطهم – أو معظمه – لمهمة الدفاع عن الإسلام بإظهار حقائقه ، ورد الاتهامات التي توجه إليه ، والشبهات التي تثار حوله ، والأباطيل التي تلتصق به ، وكذلك القيام بدحض الحجج التي يستند إليها خصومه من دوائر الاستشراق والتبشير والاستعمار ودعاة التغريب في توجيه افتراءاتهم .

ويمثل هذا التيار فريقان : الأول : رأي أن أفضل أسلوب للدفاع هو استخدام نتاج الفكر الغربي – الذي يستخدم في الهجوم بشكل أو بآخر – وبخاصة في مجال العلوم العصرية ، وكان من أبرز ممثلي هذا الفريق الشيخ طنطاوي جوهري ، والشيخ رضوان شافعي المتعافي ، ومحمد فريد وجدي .

وقد كانوا متأثرين بمنهج الإمام محمد عبده ، بيد أنهم توسعوا في اللجوء إلي الأفكار والفلسفات الغربية .

وكان محمد فريد وجدي أكثرهم توسعًا لدرجة أن كثرة اعتماده علي فلسفات الغرب جنحت به بعيدا عن بعض العقائد الإسلامية دون أن يدري ، مما جعل د .

محمد محمد حسين يحمل عليه بشدة في كتاباته لا للتشكيك في نيته ، ولكن للتحذير من التمادي في هذا الاتجاه .

وعادة ما ينظر إلي ممثلي هذا الفريق باعتبارهم معبرين عما يسمي " بالتيار التوفيقي " ويشار بصفة خاصة إلي الإمام محمد عبده ، والشيخ طنطاوي جوهري ، حيث يؤكد البعض أن توفيقية محمد عبده حاولت الجمع بين الإسلام والغرب في صيغة تصالحية واحدة ويبدو أن هذا التأكيد قد جانبه الصواب ، إذ أن جهود الإمام محمد عبده ومن نهج منهجه في الدفاع عن الإسلام لم تنطلق من محاولة " التوفيق " بالمعني المشار إليه ، وإنما انطلقت من محاولة " استيعاب " منجزات الفكر الغربي ، واستخدامها كأداة للدفاع والذود عن الإسلام ضمن سياق الظروف التي شهدتها مرحلتهم ، وعلي ضوء خصائص وطبيعة الجهات التي وجهوا إليها خطابهم الدفاعي .

أما الفريق الثاني : فقد رأي أن أفضل السبل للدفاع عن الإسلام هو اللجوء إلي الإسلام ذاته ، وإلي ما يمكن إعادة تقديمه واستخدامه من التراث الإسلامي ، وخاصة في عصور ازدهار الحضارة الإسلامية ، ومن ثم فقد انصرف رواد هذا الفريق عن استخدام الفكر الغربي كأداة للدفاع عن الإسلام ، " ونظروا إليه بمختلف صوره وأساليبه نظرة عدائية " ومن أبرز رموز هذا الفريق الشيخ مصطفي صبري ، والشيخ محمد الخضر حسين . والدكتور محمد أحمد الغمراوي .

وقد كان من شأن المنهج الذي اتبعوه إلي الأصول والتراث وأن يمهد للقيام بجهوده هدفها تخليص التراث مما شابه من أفكار بالية وممارسات خاطئة ترجع إلي عصور الانحطاط .


المطلب الثاني : التيار السلفي

وهذا يصعب تحديده بدقة نظرا للاستخدامات المتعددة والمختلفة لمفهوم " السلفية " لدي من يتناولون هذا الموضوع ، دون الدخول في تفاصيل المعاني المختلفة لهذا المفهوم فإنه يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات له علي الأقل :

الأول : هو السلفية كمفهوم ، وغالبا ما تطلق ويراد بها الاتجاه الإسلامي عامة .

الثاني : هو السلفية كحركة ومنهج إسلامي ، وغالبا ما يقصد بها الحركات الإصلاحية التي نشطت خلال القرن التاسع عشر ، كالوهابية ، والسنوسية .

أما الثالث : فهو السلفية كتيار فكري ، وتعني – وهو المقصود هنا – إعادة تقديم فكر السلف الصالح في فهمهم للإسلام وفي نمط حياتهم والتمسك به ، ودعوة الناس إلي ذلك باعتبار أن هذا هو سبيل النجاة ، حيث يكون محور النشاط هو تنقية الإسلام مما ألحق به من البدع والخرافات وأنواع الشرك المختلفة علي النحو الذي يؤدي إلي تصحيح العقيدة لتصبح كعقيدة السلف الصالح ، وكذلك استقامة السلوك ونمط الحياة ليتفق مع نمط حياة ذلك السلف .

وقد بدأ هذا التيار بالمعني الموضح آنفا بصورة جلية من خلال بعض الجمعيات والجماعات الإسلامية ، ومن أهمها الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة بقيادة الشيخ خطاب السبكي ، وجماعة أنصار السنة المحمدية التي أسسها الشيخ محمد حامد الفقى ، وقد تأثر سلفية محمد بن عبد الوهاب ( 1115هـ - 1206هـ = 1703- 1791م ) .

ولما كان التيار السلفي مرتبطًا بنمط تفكير وحياة السلف علي النحو المشار إليه ، فقد دعمت عملية إعادة طبع ونشر كتب السلف نشاط هذا التيار ، ففي الفترة الممتدة من 1900 إلي 1940 تمت إعادة طبع ونشر عدد كبير من كتب السلف من مختلف العصور والبلدان ، وفي شتى المجالات ، كالتفسير والحديث والفقه وأصول الدين ، والعقائد والفرق والتصوف ... إلخ، ومن الأمور ذات الدلالة أنه خلال تلك الفترة وخاصة من 1900 إلي 1925 أعيد طبع ونشر كتب ورسائل الإمام أحمد بن تيمية من خلال " مطبعة المنار " أو " المطبعة السلفية " غالبا ، وبتحقيقات وتمهيدات لشخصيات سلفية أمثال الشيخ : محمد حامد الفقي والشيخ محمد منير الدمشقي ، وغيرهما ، وكذلك بالنسبة لكتب ابن القيم وابن الجوزي وأمثالهما من أعلام السلف ، واحتلت الكتب التي توجه النقد للممارسات الصوفية ، مكانة ملحوظة في حركة إعادة الطبع والنشر إلي جانب كتب العقيدة وأصول الدين

المطلب الثالث : التيار التجديدي الإسلامي

أ – اختلاف هذا التيار عن التيارين السابقين :

ويقصد به تلك الجهود التي وجهت أساسا لإصلاح الفكر الإسلامي وتصحيح النظر إلي التراث وما يترتب عليه من ممارسات في الحياة اليومية بهدف شحذ الفاعلية الإسلامية لتصبح قادرة علي القيام بأعباء النهضة ورد التحدي الغربي .

ويري بعض الباحثين أن هذا التيار – التجديدي أو الإصلاحي – لا يمثل تيارا مستقلا عن التيارين وإنما – هو في رأيهم – عبارة عن خلاصة جهودهما الموجهة لغرض الإصلاح مباشرة أو غير مباشرة ، ويري أن خلاصة جهود هذا التيار قد انطلقت من أن كل محاولة لإعادة بناء حضارة الإسلام ونهضة المسلمين لابد أن تقوم علي أساس " سيادة الفقه الخالص علي الواقع السائد " ولا شك أن هذا يقتضي رجوعًا إلي الإسلام في منابعه الأصلية بعد تخليصها مما شابها من أفكار وممارسات خاطئة .

وتبني الباحث وجهة نظر مالك بن نبي الذي يمتد بجذور هذا التيار في الضمير المسلم إلي عصر ابن تيمية علي الأقل ، ثم كانت تتواصل – دون انقطاع – بعد ذلك في جهود زعمائه في مناطق متفرقة من العالم الإسلامي .

ومن خلال وجهة النظر السابقة فإن التيار يختلف عن التيارين السابقين في أنه يستشعر وجود الغرب ، وما يمثله من تحديات سياسية وفكرية وحضارية بصورة أكثر إلحاحا من ( التيار السلفي ) بصورة أكثر إيجابية من تيار ( الفكر الدفاعي ) ويظهر هذا في محاولة الشيخ محمد عبده لإصلاح الأزهر ، وفي محاولة رشيد رضا رد كثير من منجزات الغرب إلي أصول إسلامية ، ثم في محاولات حسن البنا لاستيعاب تلك الجهود وطرح تصورات إضافية تصب في نفس الاتجاه .

ب – التشابه بين دعوة البنا ودعوة سابقيه ( الأفغاني ومحمد عبده ):

ورغم تميز فكر حسن البنا ودعوته إلا أن التشابه كان موجودا بينه وبين كثير من دعاة الإصلاح السابقين ، خاصة الأفغاني حيث كان الإخوان يحسون بهذا التقارب الشديد بين البنا والأفغاني ، وكان كثير منهم يعتبرونه " الأب الروحي " لحركتهم ، وكان البنا يقرن بالأفغاني أكثر مما يقرن بغيره .

وواضح أن الشعور بهذا التقارب من الأفغاني والالتقاء معه ساد الإخوان نظرا لما ارتبط بذكر الأفغاني من إيجابية في العمل وفعالية ، وقد بين " كانتوبل سميث " أهمية الحركات الأخيرة التي قام بها هذا المدافع المتأجج عن الدين ضد الفساد الداخلي والاعتداء الخارجي .

أما عن علاقة البنا بمدرسة محمد عبده فقد كانت قديمة ، حيث كان والد حسن البنا تلميذا لمحمد عبده ، وأن البنا ذاته كان يقبل في باكورة حياته علي قراءة مجلة المنار ، حتى نحا في أسلوبه الصحفي في صباه منحي أسلوبها ، وأنه ذهب يبحث أثناء دراسته في القاهرة عمن أعجب بهم من حواري الإمام ، من أمثال فريد وجدي وأحمد تيمور ، ومن هذا القبيل أيضا صلته الوثيقة بتلميذ آخر من تلامذة محمد عبده وهو شيخ الأزهر المشهور مصطفي المراغي .

وإن مما يعبر عن أصالة وعمق علاقة حسن البنا بمدرسة محمد عبده ، قائمة أسماء الكتب التي كانت توزع علي معلمي الإخوان لتوجيههم حتى يعدوا أنفسهم لخلق جيل جديد من ( الشباب المسلم ) من بين تلامذتهم ، فقد ورد في هذه القائمة تحت عنوان القراءات القرآنية ، تفسير المنار ، قبل تفسير ابن كثير ، وهو التفسير الغالب تفضيله ، ثم لم يرد أي مؤلف آخر سوي تفسير الفاتحة لحسن البنا ، كم احتلت رسالة التوحيد للشيخ محمد عبده مكان الصدارة بين عدد من المؤلفات ( للبنا والغزالي ) في قائمة الدراسات العامة للعقيدة .

ويمكن أن نقول إن صلة حسن البنا الفكرية بمدرسة محمد عبده قد انعكست في مواقفها من بعض الأمور العامة الرئيسية ، فكان مما توافقت فيه الآراء بذل الجهد لتبسيط الإسلام لمعتنقيه ، وقصره علي الضروري والأساسي منه ، بحيث يقضي علي تلك الخلافات المهلكة التي باعدت بين فرقه ومذاهبه ، كذلك اعتقدت المدرستان أنه لا يمكن أن يحدث تغيير في ظاهر المجتمع الإسلامي دون أن تتغير عقلية المسلمين ، ولا يمكن أن يتحقق تقدم فعلي دون إصلاح تربوي ، وأخيرا رأت المدرستان – وربما كان ذلك أهم مما عداه – أن يكون الإصلاح من ذات الإسلام ، نابعًا من صميم تعاليمه متمشيًا مع أوامره ومنطق حركته .

ج – بعض الفوارق بين البنا وسابقيه ( الأفغاني ومحمد عبده ) :

وهذا التشابه بين الدعوتين – دعوة البنا ، ودعوة محمد عبده – لا يعني عدم وجود بعض الفوارق بينهما ، حيث كان أهم الفوارق بينهما في التجديد هو الروح التي أوحت بأفكار الإخوان وحالاتهم الفكرية وقد قال في ذلك أحد الإخوان : " إن رسالتنا تعني بالجهاد والكفاح والعمل ... إنها ليست رسالة فلسفية " وهكذا انعكس تفضيل العمل علي الفكرة بتفضيلهم كلمة " منهاج " علي كلمة " فكرة " حين وصفوا عقيدتهم ، وهكذا كانت شخصية حسن البنا .

ويري د . الطاهر أحمد مكي فارقا مهما بين شخصية جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده وبين شخصية حسن البنا ، مما أثر ذلك علي دعوة كل منهم يقول : " إن حسن البنا داعية إسلامي من طراز فريد ، عبقري ، وفذ ، وعالم ، ومخطط مجدد ، ورجل دين ، خطيب مؤثر ، ومحدث مقنع ، وداعية يبشر بنظام إسلامي ، يجمع إلي شجاعة جمال الدين ، وتطور فكر الإمام محمد عبده قدرة فائقة علي التنظيم لم تكن لأي منهما " .

وعلي ذلك فإن الفارق في الفهم والعمل ، والفارق في الشخصية ، جعل البعض يري أن الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا ، يمثلون مرحلة لدعوة الإسلام ، لم تتجاوز أن تكون حركتهم تعبيرا عن رغبة في الإصلاح ، أو محاولة لم تستطع أن تنظم جهودا عملية ترمي إلي سيادة مبادئ الإسلام في الحكم والسياسة والاجتماع ، أما مرحلة حسن البنا فتمثل – عندهم – مرحلة الإعداد الجاد لعمل عظيم محدد المراحل والخطوات ، ومرحلة التقويم والتثقيف لما اعوج من حركة محمد عبده والأفغاني ورضا ، مما لا يكاد يري إلا بمجهر دقيق ، ولما اعوج من حركة غيرهم كعبد العزيز جاويش ومن نهجوا طريقه أو أغلوا في الخطأ فكان انحرافهم بينًا .

ويري الدكتور محمد عمارة فارقًا آخر وهو تأسيس الإمام الشهيد حسن البنا جماعة الإخوان المسلمين كأول تنظيم جماهيري لتيار الإحياء والتجديد الإسلامي في العصر الحديث يقول : وأمام تصاعد التحديات وعموم البلوى جاءت اللحظة التاريخية التي استدعت إشراك " الأمة " بالمسخ والنسخ والتشويه ، وعند هذه اللحظة التاريخية التي أثمرت قيام جماعة الإخوان المسلمين تجاوزت الدعوة إلي " الصفوة " والنخبة ... والعلماء ... والقادة ... حيث استدعت الصفوة والأمة من خلال التنظيمات الإسلامية الجماهيرية لتبني الدعوة إلي الإسلام منهاجًا شاملا لكل ميادين النهضة والتقدم والتجديد والتغيير .

تلك كانت بعض نقاط التماس والتوافق وبعض الفوارق والتمايز بين دعوة الإمام البنا ، ودعوة سابقيه " السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده " .

أما علاقة الإمام حسن البنا بزعماء وأعلام التيار الإسلامي المعاصرين له فنتعرض لها بإيجاز وذلك علي النحو التالي :


المطلب الرابع : روافد آخري للفكر الإسلامي

لا ينكر أحد أن الطرق الصوفية في مصر قامت بدور مهم في مواجهة الاستعمار ( الحملة الفرنسية ، والاحتلال البريطاني ) إبان ثورة عرابي ، شأنها شأن غيرها من الطرق الصوفية في أنحاء العالم الإسلامي ، وقد شهدت الطرق في مصر ازدهار ملحوظا أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ، مما دفع السلطة الخديوية مؤيدة من الاحتلال إلي إصدار أول لائحة تنظيمية للطرق الصوفية – صدرت في ربيع الأول سنة 1321هـ - 2 يونيه 1903م – وهذه اللائحة أخضعت الطرق بحكم القانون للسلطة السياسية ، وكان هذا عاملا إضافيًا لسلبيتها وعزلها عن الحياة العامة ، شأنها شأن الأزهر الذي أخضع لإجراءات مماثلة مع الفارق بينهما بالطبع .

وقد بدأت الجمعيات الإسلامية في الظهور قبيل الحرب العالمية الأولي ( مثل الجمعية الشرعية وجمعية مكارم الأخلاق الإسلامية ) ، وازداد عددها بصورة ملحوظة في الفترة التي أعقبت الحرب وخاصة خلال العشرينيات ، وأهمها جمعية أنصار السنة المحمدية ، وجمعية الشباب المسلمين ، وقدر عدد الجمعيات الإسلامية التي كانت موجودة في مصر عام 1366هـ - 1947م بحوالي مائة وخمس وثلاثين جمعية لم يشأ منها بعد نشأة جماعة الإخوان المسلمين ( 1347هـ - 1928م ) إلا عدد محدود .

ويري البعض أن هذه الجمعيات نشأت نتيجة ضعف الأمة الإسلامية وانتشار الفساد الخلقي في المجتمع ، واتجاه الحكام المسلمين إلي تقاليد الغرب ، ولذلك فقد تعددت مناهجها ، فمنها ما توجه نحو المعونة والمواساة ، ومنها ما توجه إلي إعانة الفقراء والمساكين ، كجمعية العروة الوثقى ، والجمعية الخيرية الإسلامية ، أما ما عدا ذلك من الجمعيات فإن منهجها إلقاء العظات والنصائح والإرشادات الدينية ، ماعدا " الإخوان المسلمون " فقد كان لهم منهج آخر .

ويري البعض الآخر أن تلك الجمعيات – من حيث أسباب قيامها ومجالات اهتمامها ومن حيث سلوكيات أعضائها وألوان نشاطها – كانت تسعي – في مجملها – لأن تعبر التعبير العملي عن التمسك بالهوية الإسلامية في العقيدة ، وطريقة التفكير ونمط الحياة اليومية بصفة عامة ، وذلك في مواجهة موجات الدعاية لتقليد الغرب واقتفاء أثره في كل شيء بحجة العمل علي اللحاق به وإحراز التقدم ، هذا من ناحية ، ومن ناحية ثانية فقد كان بعضها منذ نشأته ( كالجمعية الشرعية ، وأنصار السنة ، والشبان المسلمين ) يتمتع بدرجة أو بأخرى من " التنظيم " والنشاط " الحركي " في المجتمع وإن كان محدودا في إطار قضايا محدودة ، وفي أوساط فئات اجتماعية بعينها ، ليس منها الطلبة ولا المثقفون بصفة عامة ، وكانت جهود تلك الجمعيات غالبا ما تصب في اتجاه هدف إصلاح تدين الفرد المسلم دونما وجود تصور متكامل لإصلاح المجتمع ، وقد أدت سمة " الجزئية " التي طبعت اهتمام كل منها إلي وقوع الفرقة فيما بينها ، ونشوب الخلافات الكلامية التي كانت تؤدي بدورها إلي تكريس طابع الاهتمام الجزئي بالإسلام .

ورغم جهود التيارات الفكرية السابقة في مجالات تجديد وبعث الفكر الإسلامي ورغم جهود الجمعيات الإسلامية علي اختلافها وتعددها في السعي لتقديم نماذج عملية لتطبيق المنهج الإسلامي في الحياة اليومية ، فقد ظلت بعض القضايا الحاسمة في مسيرة الاتجاه الإسلامي كله خلال تلك الفترة إما غائبة ( كقضية الجهاد ) وإما دون إجابة محددة وتصور كامل كقضية الفهم الشامل للإسلام ودوره في الحياة الاجتماعية ، وقضية الوحدة ، وبعبارة واحدة ظلت فاعلية المسلم إزاء قضايا وتحديات العصر ، غير مستكملة ، فإذا أضيف إلي ذلك أن الطرق الصوفية في مصر – في تلك الفترة – كانت من خلال ممارستها تضفي مزيدا من السلبية علي أتباعها ، وتعزلهم عن الحياة العامة شيئاً فشيئًا ، فسوف يتضح أن مهمة استيعاب قضايا تلك الفاعلية وطرحها ضمن إطار نظري متماسك ، وإطار حركي منظم ليست بالمهمة الميسرة ، خاصة في ظل وجود نشاط جماعات الاتجاه الآخر وهو اتجاه التغريب .


المبحث الثالث  : الاتجاه التغريبي أو " اتجاه الفكر التغريبي "

تيارات الفكر التغريبي :

يعني الفكر التغريبي عند أصحابه : ضرورة جعل الغرب الحضاري هو المنبع الرئيسي الذي يجب أن تعب منه الثقافة العربية ، ولا تبع سواه .

واختلف الناس في تسميته ، فالبعض يسميه تيار التغريب ، من الرباعي غرٌب ، والبعض يري أن الأفضل تسميته (المحدثون) لما للأحداث من تداعيات ترتبط بمفهوم " البدعة " ، وهي بدورها مفهوم يرتبط أساسًا بإحداث أمور من شأنها تخريب العقيدة الصحيحة للمسلمين سواء في مجال العقائد والأفكار ، أو في مجال الاختراعات والتكنولوجيا الحديثة . وبعيداً عن اختلاف الألفاظ ، فإن المقصود أن هذا التيار مناقض تمامًا للتيار الإسلامي في اهتماماته ، وميوله ونظراته للمجتمع ، ومصادر الثقافة ، وغير ذلك ، ويجسد سلامة موسي – أحد دعاة هذا الاتجاه – هذا التيار بقوله : " كلما زادت معرفتي بالشرق زادت كراهيتي له ، وشعوري بأنه غريب عني ، وكلما زادت معرفتي بأوروبا زاد حبي لها ، وتعلقي بها ، وزاد شعوري بأنها مني ، وأنا منها "

وقد تسرب هذا التيار إلي مصر عبر منافذ عديدة غير الاستعمار منها :

1-مدارس الإرساليات الأجنبية ، التي سارت وفق نظم التعليم الغربية وعملت علي نشر الثقافة الغربية ، وبناء جيل من الأمة له ولاء وتبعية لهذه الثقافة .

2-المصريون الذين تلقوا تعليمهم بالخارج ، وتأثروا بالثقافة الأجنبية ودعوتهم إلي تبنيها باعتبارها المنهج السليم للرقي والنجاح ، وأبرزهم سلامة موسي ، وعلي عبد الرازق ، وطه حسين .

أما سلامة موسي : فقد أصدر عام 1927م كتاب ( اليوم والغد ) ويحدد أهدافه في : حرية المرأة ، كما يفهمها الأوروبي ، أن يكون الأدب 99% أوروبيًا ، أن تكون ثقافتنا وتعليمنا أوروبيًا لا سلطان للدين عليه ، أن تكون الحكومة كما هي في أوروبا ، وأن يعاقب كل من يحاول أن يجعلها دينية ، وأن يبطل شريعة الإسلام في الزواج والطلاق – بحيث يعاقب بالسجن كل من يتزوج أكثر من امرأة ويمنع الطلاق إلا بحكم محكمة .

وأما عبد الرازق : فقد خرج علي الناس بكتاب : الإسلام وأصول الحكم – صدر عام 1925 – وأنكر فيه أن تكون الخلافة أو القضاء أو وظائف الحكم والدولة جميعًا من الدين في شيء ، وقد روج هذا الكتاب للفكر العلماني وعبٌد له الطريق .

أما طه حسين في كتابه : " مستقبل الثقافة في مصر " صدر عام 1938م فقد كان يدعو إلي عدة أصول منها :

أ – حمل مصر علي تبني الحضارة الغربية وطبعها بها .

ب- إقامة الوطنية وشئون الحكم علي أساس مدني لا ديني .

ج- الجامعة المصرية ، حيث كانت فكرتها تدعيم هذا التيار وتقوم علي العلمانية – ضد الدين – ويذكر الإمام حسن البنا أن البحث العلمي والحياة الجامعية – بعد عام 1925م – قد اتخذت عند كثيرين صورة مضمونها أن الجامعة لن تكون علمانية إلا إذا ثارت علي الدين ، وحاربت التقاليد المستمدة منه ، واندفعت مع التفكير المادي المنقول عن الغرب بحذافيره .

د – الأحزاب السياسية المدنية وعلي رأسها حزب الوفد باعتباره أول وأقدم هذه الأحزاب ، والذي انبثق عنه ( الأحرار الدستوريون والسعديون والكتلة الوفدية ) وغيرهم ، وحيث تبنت جميعًا النموذج الغربي العلماني في الفكر والتنظيم ومعايير الاحتكام والشرعية .

ومن الممكن من خلال مطالعة أهم الأعمال الفكرية لأبرز ممثلي هذا الاتجاه في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين أن نقول : إن فكر هذا التيار وجهود ممثليه قامت علي فكرتين أساسيتين تسودان جميع تياراته هما :

1-فكرة التبشير بالغرب والحضارة الغربية والولاء لها ، وضرورتها للتقدم البشري وما عداها فهو التخلف والانحطاط .

2-فكرة العلمانية والفصل بين الدين والحياة ، وتميز في داخل هذا الفكر تياران :

ـ تيار الفكر الليبرالي البرجوازي .

ـ تيار الفكر الشيوعي والاشتراكي .

ونتناول هذه الأفكار والتيارات في المطالب الآتية :


المطلب الأول : فكرة التبشير بالغرب

ويقصد به التبشير بالغرب كحضارة وثقافة لها صفة العالمية وباعتبارها الطريق الوحيد للرقي واللحاق بركب التقدم ، ومعني هذا ضرورة نبذ الشرق أو العرب والإسلام والحضارة المرتبطة بهما ، والإسراع باللحاق بالغرب ، أو الأوروبيين والعقلية الأوروبية والحضارة الأوروبية ، وهذا التصور مؤسس علي فقدان الثقة في الحضارة الإسلامية ومقاومتها ، فسلامة موسي – علي سبيل المثال – وهو من هو من رواد هذا التيار يري أنه لابد أن " نرتبط بأوروبا ، وأن يكون ارتباطنا بها قويًا ، نتزوج من أبنائها وبناتها وننظر للحياة بنظرها " .

أما الارتباط بالشرق فهو في رأيه سخافة يقول " هانحن نجد أنفسنا الآن مترددين بين الشرق والغرب ، لنا حكومة منظمة علي الأساليب الأوروبية ، ولكن في وسط الحكومة أجسامًا شرقية ، مثل وزارة الأوقاف ، والمحاكم الشرعية التي تؤخر تقدم البلاد ، ولنا جامعة تبعث بيننا ثقافة العلم المتمدن لكن جامعة الأزهر تقف إلي جانبها تبعث بيننا ثقافة القرون المظلمة ، ولنا أفندية قد تفرنجوا ، لهم بيوت سليمة ، يقرأون كتبًا سليمة ، ولكن إلي جانبهم شيوخًا لا يزالون يلبسون الجبب والقفاطين ... ، ولا يزالون يسمون الأقباط واليهود " كفاراً " كما كان يسميهم عمر بن الخطاب قبل 1300سنة ".

أما طه حسين – وهو من أبرز رواد هذا التيار أيضًا – فيدعو – صراحة – إلي أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم ، ويتساءل : مصر من الشرق أم من الغرب ؟ وهو بالطبع لا يريد – وهذا قوله – الشرق الجغرافي والغرب الجغرافي ، وإنما يريد الشرق الثقافي والغرب الثقافي ، بمعني : هل العقل المصري شرقي التصور ، والإدراك والفهم والحكم علي الأشياء ، أم هو غربي التصور والإدراك والحكم علي الأشياء .

وبعد أن يعرض الكثير من الشواهد التاريخية والحجج العقلية يصل إلي " أن مصر كانت دائمًا جزءاً من أوروبا " في كل ما يتصل بالحياة العقلية والثقافية علي اختلاف فروعها وألوانها " .

ويتضح من ذلك أن منطلقات هذا التيار قد قادته إلي نتائج غاية في الأهمية والخطورة في آن معًا ، ففضلاً عن فقدان الثقة بالإسلام والحضارة الإسلامية ، قد دعا رواد هذا التيار إلي ضرورة التمسك بمفهوم ( القومية المصرية الفرعونية ) المعادي صراحة لكل انتماء إسلامي وشرقي ! تاريخي أو ديني أو أدبي ، وحين اعتبروا مصر جزءاً من أوروبا علي رأي طه حسين ورأوا أن الأجانب يحتقرونها بحق ، ونحن نكرمهم بلا حق علي رأي سلامة موسي ، فقد كان من المنطق ألا تصبح أوروبا هي العدو الذي يستغل مصر ، وأن يكون إحكام علاقات الود مع الإنجليز هو عين الصواب .

ويعد من رواد هذا التيار مع طه حسين وسلامة موسي كل من : أحمد لطفي السيد ، ومحمود عزمي ، ومنصور فهمي ، - قبل تطوره الأخير- وغيرهم .


المطلب الثاني : فكرة العلمانية

ويفهم هذا التيار الإسلام بصفة خاصة , والدين بصفة عامة كم يفهمه الغربيون , وكما أوضحه رواد المدرسة الوضعية وعلماء الاجتماع والسياسة الغربيون , فالدين ليس إلا ظاهرة اجتماعية وأثرا للحياة الجماعية كالعادات والتقاليد , وعبر صراعات طويلة ومريرة في أوروبا في العصور الوسطي بين الكنيسة والسلطة الزمنية , انتهي الغرب إلي تقرير أن الدين – ممثلا في الكنيسة – عامل من عوامل التخلف ووأد التقدم ، وكانت هذه الفكرة هي أساس فهم رواد هذا التيار ، وكانت محوراً أساسيًا من محاور الاهتمام والنشاط الفكري لهم ، ونظراً للأسباب الاجتماعية والسياسية التي ظهرت فيها هذه الفكرة في أوروبا ، والتي كانت تجسد الاستبداد الفردي المطلق ، والظلم الاجتماعي الناجم علي الاستغلال الإقطاعي والطبقي ، فقد كان الحل هو فصل الدين عن الدولة ، وحصره في حدود العلاقة الخاصة بين العبد وربه .

وفي مصر كان الترويج للعلمانية نتيجة طبيعية للتوجه التغريبي الذي حث رواده علي تقليد الغرب ، والارتباط به علي النحو المشار إليه ، ومن ثم فقد أصر رواد هذا التيار علي فصل الدين عن الدولة ، ونادوا بتأسيس الدستور علي القانون الوضعي ، وأكدوا علي ضرورة الفصل بين الدين والعلم ، وإخضاع الحقيقة الدينية للبحث العلمي العقلاني الحر ، وعلي نحو ما حاول طه حسين في كتابه " في الشعر الجاهلي " وأكدوا أيضًا علي أن العقيدة شيء والشريعة أو القانون شيء آخر ولا علاقة بينهما ، أو علي حد ما ذهب إليه طه حسين من أن الشريعة الإسلامية متميزة لا لأنها مستمدة من الأصول المنزلة ، ولكن – في رأيه – لأنها متصلة أشد الاتصال بما كان للرومان من سياسة وفقه " .

وفي مجال النظريات العلمية الحديثة احتلت نظرية دارون " النشوء والارتقاء " ما كان مهمة ضمن النشاط الفكري لرواد هذا التيار ، ويعتبر تبنيهم تلك النظرية دليلاً علي رفضهم للإسلام وأصوله كمصدر للمعرفة وإطار مرجعي له حجية نهائية .

ومما يلفت النظر أن مسيحيي الشام الذين هاجروا إلي مصر كانوا أبرز دعاة العلمانية في مصر ، منهم – علي سبيل المثال – فارس نمر ( 1854-1951م ) ويعقوب صروف ( 1852-1927م ) صاحب " مجلة المقتطف " التي كان لها باع كبير في الترويج للأفكار العلمانية ، واهتمت اهتمامًا خاصًا بنظرية التطور لدارون ، و" فرح أنطوان " ( 1874- 1922م ) الذي أصدر في القاهرة "مجلة الجامعة العثمانية " وكان يري أن الوحي يمكن أن يفهم علي أنه " القدرة الفلسفية للأنبياء علي تقديم الحقيقة في رموز دينية للجماهير ، ولكن النخبة المتعلمة تستطيع أن تصل إليها بالعقل " و شبلي الشميل ( 1850- 1917م ) الذي كان يؤكد أنه " لا يصلح حال الأمة إلا كلما ضعف فيها شوكة الديانة ، ولا يقوى شأن الدين إلا كلما انحط شأن الأمة ، ولم يكن الشميل ليفهم من خلال نشاطاته الفكرية المختلفة إلا في مسألة هي فصل الدين عن الدولة ، وكان يكتب باستمرار في المقتطف والبصيرة وغيرها من الجرائد والمجلات .

ومن مصر كان من أبرز دعاة العلمانية : سلامة موسي ، ومحمد حسين هيكل ، وإسماعيل مظهر ، والشيخ علي عبد الرازق الذي أثار ضجة كبيرة بكتابه " الإسلام وأصول الحكم " بالإضافة إلي طه حسين وأحمد لطفي السيد ومحمود عزمي ومن علي شاكلتهم من رواد التيار التغريبي بوجه عام .


وقد استخدم هؤلاء الكتاب العلمانيون وسائل عديدة لنشر أفكارهم والتعبير عن اتجاههم ، وكانت وسائلهم في الواقع هي أهم مؤسسات التنشئة الفكرية وأدوات تشكيل المناخ الثقافي العام في المجتمع ، مثل الجامعة المصرية ، والمنتديات الفكرية ، وعدد كبير من الصحف والمجلات ، مثل الجريدة ، والسياسة ، ومجلة المصور ، بالإضافة إلي المقتطف ، والهلال ، والأهرام ، وغيرها .

وتؤكد بعض الدراسات علي أن سلطات الاحتلال الإنجليز في مصر منذ عهد كرومر كانت تقف خلف هذا التيار المروج للعلمانية ، وتمده بالمال ، ويؤكد هذا ما خلصت إليه دراسة أخري حول العلمانية ودورها في مصر ، من أنها – أي العلمانية – " كانت أداة من أدوات فرضت السيطرة الاستعمارية ، وضمان التبعية بعد زوال الاحتلال العسكري المباشر " ، ومن خلال بحثها بحثًاً سوسيولوجيا ضمن الإطار الاجتماعي والسياسي الذي طرحت فيه وروج لها " لم تكن العلمانية دعوة فكر بقدر ما هي أيديولوجية قمع وقهر لا تتجلي حقيقتها إلا بتدبر ظروف طرحها والجهات المساندة لها ، والأحداث المقترنة بها "


المطلب الثالث : التيار التحرري " التيار الليبرالي "

تعتبر الليبرالية بمثابة التعبير السياسي عن قيم المجتمع البرجوازي الأوروبي الحديث , ومن أهم هذه القيم : الحرية , وتقوم علي أساس الإقرار للفرد بحقوقه المختلفة , وحرية التدين والفكر والتعبير والعمل والتملك والاجتماع ... إلخ وترجع أصولها الفكرية الاجتماعية إلي التقاليد السياسية للغرب التي أرست قواعدها فلسفة العقد الاجتماعي خلال القرن الثامن عشر , وأوجدتها الثورة الفرنسية في شعاراتها ,وإعلان حقوق الإنسان 1798م, وارتبطت في ظهورها ارتباطًا وثيقًا بازدواجية الكنيسة والدولة وما نبع عنها من ازدواجية المجتمع والسياسة في الفكر الغربي بصفة عامة .

وقد أصبحت الليبرالية هي الأيديولوجية الرسمية المعلنة للنظام السياسي في مصر علي مدي ثلاثة عقود من الزمان (1923 -1952م ) مما يجعل الحديث عن التيار الليبرالي لا ينصرف إلى مجموعة من الأفكار التي انتشرت وروج لها عبر قنوات مختلفة فحسب ,بل إلي مجموعة من الممارسات السياسية الواقعة التي شكلت جزءًا لا يتجزأ من التاريخ الحديث لمصر .

ففي ظل تطبيق النموذج الليبرالي أتيحت فرصة كبيرة لازدهار الدعوة للأفكار التغريبية عامة والعلمانية بصفة خاصة , وقيم المجتمع الغربي وسلوكياته المرتبطة بمفهوم الليبرالية بصفة أخص , مثل الحرية الشخصية أو الفردية بمعناها الواسع الذي يشمل حرية الإلحاد والإباحية والتهتك وارتكاب المنكرات , والدعاية المكثفة لقضية ( تحرير المرأة ) وكان لمجلات الأدب والفن حظ وافر من الازدهار ضمن هذا الإطار , فشاع الأدب القصصي علي النمط الغربي بما يحمل من ضمامين وقيم المجتمع الغربي نفسه , وفي أغلب الأحيان كانت الترجمة المباشرة للقصص الغربي هي أساس شيوع هذا الأدب .

وعلي صعيد آخر , وفي إطار الأفكار والممارسات الليبرالية كانت القوانين والتشريعات والمحاكم ميدانًا أساسيًا لنشاط التغريبيين , فمحمود عزمي دعا إلي مدنية القوانين , وانتقد النص في دستور 1923م علي أن دين الدولة هو الإسلام ,وعلي عبد الرازق رأى فصل الشريعة عن النظام السياسي , ووضع الإسلام في دائرة الروح فقط , أما ما يخص الحياة الاجتماعية والسياسية فيدخل – في تصوره – في دائرة العلم الوضعي .

وهكذا يمكن القول إنه في ظل المناخ الليبرالي والنشاط التغريبيين علي اختلاف اهتماماتهم ، تزايدت الضغوط والجهود الرامية إلي إبعاد الدين ( الإسلام ) عن شئون الحياة ، " فالفصل بين الدين والدولة قدم علي أنه الديمقراطية والليبرالية ، وإطلاق الحريات الفردية بلا ضابط أو رابط هو " التحرر والتقدم " والتشكيك في قيم وحقائق القرآن الكريم ومبادئ الإيمان بالغيب يتم تحت ستار الحيدة والموضوعية والمنهج العلمي " ومحاولة القضاء علي رابطة العقيدة والأخوة الإسلامية تأخذ شكل الدفاع عن الوحدة الوطنية وضمان المساواة بين المؤمنين بهذا الدين والكافرين به .


المطلب الرابع : تيار التغريب الشيوعي

وجد هذا التيار ضمن تيارات الفكر التغريبي في مصر إبان ظهور الإمام البنا ودعوته ، حيث بدأت تتكون في مصر حلقات ماركسية من الأجانب واليهود الروس ، وبعض المصريين بعد الثورة الاشتراكية في روسيا عام 1917م ، وتكون الحزب الاشتراكي المصري عام 1921 ، وحمل برنامجه معالم الماركسية وكانت تسيطر عليه العناصر اليهودية ، وبعد عدة انقسامات تحول إلي حزب شيوعي تبني خط ( العمل المباشر ) ، مما أدي إلي تصادمه مع حكومة سعد زغلول عام 1924م ، فما كان منه إلا أن وجه – سعد – ضربة لهذا الحزب بدأ بعدها الفكر الشيوعي في الاختفاء " .

وبعد الحرب العالمية الثانية تكونت عدة جماعات شيوعية مارست أنشطتها من خلال مجموعة من الأندية والروابط الثقافية ، وكانت قيادة الحركة الشيوعية في مصر ساقطة تمامًا علي يد اليهود قبل عام 1948م .

وفي الأربعينيات كون ( هنري كوريل ) الحركة المصرية للتحرر الوطني التي جعلت الفكر الاشتراكي مطروحًا ومتاحًا في مصر عن طريق كتبها ونشراتها ، وكون ( هليل شوارتز ) تنظيم الشرارة ( إيسكرا ) الذي أسهم بدور كبير في تكوين اللجنة الوطنية للطلبة والعمال سنة 1946 ، واتحدت التنظيمات عام 1947 باسم الحركة الديمقراطية للتحرير الوطني ، وفي عام 1951م قاد الشيوعيون المصريون الحركة بعد التخلص من شوارتز وكوريل .

ويتبين من ذلك أنه قد برزت حركة شيوعية تبنت الأصول الماركسية ، ويري طارق البشري أن تكوين المنظمات الشيوعية كان أثراً مبالغًا فيه من آثار حركة التغريب .

المضاد للاتجاه الإسلامي ، وقبل أن نختم هذا المبحث نلقي نظرة سريعة يراد منها تقييم الاتجاه التغريبي ، وذلك من خلال المطلب الأخير .


المطلب الخامس :نظرة تقويمية للاتجاه التغريبي بتياراته المختلفة

ورغم كل هذا النشاط المكثف للاتجاه التغريبي بتياراته المختلفة ، فقد كانت النتيجة في نهاية الأمر هي الإخفاق والفشل ، وظهور ذلك في نكبة فلسطين عام 1948م ، فكان إعلان قيام الدولة الصهيونية يعني سقوط المشروع التغريبي وخاصة النظام الليبرالي الذي كان مسيطراً وقتها .

وفي عام 1952م وضعت حركة يوليو حداً للانهيار والتمزق السياسي والاجتماعي والاقتصادي في ظل النظام الليبرالي والدستوري لتبدأ مرحلة جديدة – لم تكن أقل تدهوراً وسوءاً – في ظل النظام الاشتراكي الناصري ، إلا أن نكبة 1967م كانت بمثابة الإعلان عن سقوط هذا التوجه الفكري أيضاً – النظام الاشتراكي الناصري – قبل إعلان اغتصاب إسرائيل لمزيد من أراضي وديار المسلمين في مصر والأردن وفلسطين وسوريا .

وفي مجال بحث أسباب هذا الإخفاق والفشل الذي جلبه دعاة التغريب علي البلاد نجد عدة رؤى منها : يري البعض أن أسباب السقوط تكمن في فشل المثقفين في ترسيخ التقاليد الديمقراطية ، وفي بلورة القيم الفكرية والديمقراطية بطريقة أصلية وخلاقه ، لقد تمت عملية نقل مبتسرة ومشوهه وانتقائية لبعض الأفكار الديمقراطية الغربية ، ولكن بغير وعي دقيق بنشأتها التاريخية وتغيراتها عبر الزمن .

في حين يري آخرون أن هذه الأسباب لها وجاهتها إلا أنها تظل قاصرة عن النفاذ إلي جوهر الأسباب الحقيقية التي أدت إلي الإخفاق والفشل ، وذلك لانطلاقها من التسليم بكونية منجزات الغرب وقيمه وأفكاره الحديثة ، وإلا فما معني رد الفشل إلي فقدان مجتمعنا لقيم الحرية والعقلانية والتمثيل النيابي المعروف في الغرب بدلاً من رده إلي عدم ملاءمة تلك الأفكار الوافدة ؟ وما معني إخفاق المثقفين في ترسيخ التقاليد الديمقراطية الغربية .

لذلك يري هذا الفريق – وعلي رأسهم مالك بن نبي- أن الأسباب الجوهرية التي تكمن خلف فشل دعاة التفرنج وتقليد الغرب في السعي لتحقيق النهضة يمكن إيجازها في أنها " انعدمت لديهم فكرة النهضة ذاتها "فالمسألة في نظرهم لم تكن مسألة تجديد العالم الإسلامي – ومصر في القلب منه – وإنما كان هدفهم تطبيق النظم والأطر الغربية الحديثة في حياة المجتمع ، ولم يعد الأمر لديهم الغرام بالمستحدثات من الأشياء والأفكار التي يقدمها الغرب صاحب الحضارة المتقدمة ، ومن ثم كانت حصيلة توجههم متمثلة في الإسراف في الولوع بكل ما هو غربي وفي " تكديس أشياء ومنتجات " حضارة الغرب ، وفي توثيق عري التبعية والذيلية لهذا الغرب " .

وقد رأي أنصار هذا التوجه بأعينهم أن الغرب الذي طالما بشروا بقيمه ومبادئه عن الحرية والمساواة والعقلانية : لم يزدد إلا تحكمًا وقهراً للشعوب الواقعة تحت سيطرته ، ولم يأت إلا بكل ما يناقض ادعاءاته المعلنة ، كما أنه في غمار الترويج للعلمانية والعقلانية كانت حملات التنصير علي أشهدها في أرجاء مختلفة من العالم الإسلامي ، وفي مصر بصفة خاصة خلال العشرينيات والثلاثينيات ، وقد أسهمت مثل هذه العوامل في رسم الإطار العام للجدل الفكري بين الاتجاهين : الإسلامي والتغريبي وتياراتهما ، كما أسهمت في قيام بعض المتغربين بمراجعة مواقفهم الفكرية وتحولهم بدرجة أو بأخرى إلي مواقف جديدة تمثلت في محاولة التوفيق بين الإسلام وحضارته من ناحية ، والغرب وحضارته من ناحية أخري .


المبحث الرابع : أوضاع التربية والتعليم في مصر وأثارها علي الإمام البنا والإخوان

حدثت عدة تطورات في التعليم المصري وفي الفكر التربوي قبيل وبعد ظهور الإمام حسن البنا ونشأة جماعة الإخوان ، إلا أن أوضاع التعليم نفسه – برغم هذه التطورات – عانت من أنواع عديدة من القصور ، أثرت بشكل مباشر في ثقافة المجتمع ، وبالتالي في فكر وحركة حسن البنا وجماعته ، ويمكن أن نجملها فيما يلي :

أ – ظلت سياسة وزارة المعارف المصرية هي السياسة الجوهرية التي وضعها الإنجليز ، وأقامها القسيس دنلوب ، وكانت الأسس الجوهرية التي وضعت للعملية التعليمية سواء ما يتعلق بالأهداف أو اتجاه الخطط والمناهج تكفل دعم الاستعمار وتعضد وجوده في مصر عن طريق القضاء علي القيم الإنسانية في المتعلمين ، وتخرج أشباه بشر لا يكادون يصلحون لشيء يعتد به في الحياة ، لذلك فقد كانت السياسة التعليمية توجه أكبر قسط من العناية إلي حشو الذهن بالمعلومات ، وإغفال ما عدا ذلك من مقومات التربية ، أو وضعه في مرتبة أخيرة ، وإغفال التربية الخلقية والتراث الثقافي للأمة مما أدي إلي انحلال التلاميذ وفساد عقولهم .

إلا أنه في الفترة من 1922إلي 1952 تمت عدة إصلاحات في التعليم من أهمها : مشروع التعليم الإلزامي عام 1925م ، ومشروع إصلاح التعليم الإلزامي عام 1941 ، وإلغاء مصروفات التعليم الابتدائي عام 1944 ، وقانون توحيد التعليم في المرحلة الأولي عام 1951، كما تم تحويل الجامعة الأهلية إلي جامعة حكومية عام 1925 ، وإنشاء جامعة فاروق (الإسكندرية ) عام 1942م وقانون إنشاء جامعة عين شمس عام 1950م .

ب – ونتيجة لنمو الوعي القومي ، وتحدياً لسياسة التعليم الإنجليزية في مصر ظهر فكر تربوي تعليمي كان من أبرز قادته إسماعيل القباني ، وطه حسين اللذين كان لفكرهما التربوي صدي عند جماعة الإخوان المسلمين ، حيث نادوا ببعض أفكارهما ، وعارضوا بعضهما .

فمن أفكار القباني الأساسية : العمل بأسرع ما يستطاع علي توفير التعليم المثمر لجميع أبناء وبنات الشعب المصري إلي المستوي الذي يعتبر حداً أدني لإعداد الطفل للحياة في مجتمع راق ، أي تعميم تعليم أولي صالح ، ورفض التعليم بين تعليم الكافة وتعليم الخاصة في مصر ، لأنه مناف للعدالة الاجتماعية والتأكيد علي مبدأ تكافؤ الفرص في التعليم ، بتوحيد تعليم المرحلة الأولي وإلغاء المصروفات منه ، وأن تغير النظرة إلي وظيفة المدرسة ، وخاصة مدرسة المرحلة الأولي من كونها مجرد أداة لمحو الأمية أو تلقين بعض مبادئ العلم ، إلي أن تكون أداة لرفع مستوي حياة الشعب ثقافيًا واجتماعيًا وصحيًا واقتصاديًا ، وكان لهذه الأفكار تأثيرها في مطالب الإخوان المتعلقة بإصلاح بعض جوانب التعليم في مصر ، وخاصة ما يتعلق بتوحيد التعليم في المرحلة الأولي ، وتعميمها وتطوير الغاية من التعليم .

وكان لتقرير طه حسين أن سبيل التحضر في مصر هو الأخذ بالحضارة الغربية – خيرها وشرها – تأثير في فكره التربوي حيث قرر عدة أمور منها :

الدعوة إلي تطوير الأزهر ليصل إلي الأمة الملاءمة بين تفكيره وبين التفكير الحديث ، وأن تدرس الوطنية والقومية بمعناهما الأوروبي في التعليم الأولي والثانوي في الأزهر .

الدعوة إلي ما أسماه إصلاح اللغة العربية وتطوير لغة الكتابة والأدب في العربية .

الدعوة إلي عدم تدريس الدين في المدارس ، ولم يفصح طه حسين عن هذه الدعوة ، ولكن د. محمد محمد حسين يؤكد أنه كان يخفي ذلك ، ويتمناه ، ولكنه خاف أن يثير عليه الرأي العام ، كما حدث في كتاب الشعر الجاهلي .

لذلك فقد كان كلامه علي لسان غيره في موازنة بين من يريد تدريس الدين ، وبين من يقول يترك تدريسه للأسرة ، ثم ترك الخيار للدولة وتوجهها ، يقول : " وواضح جداً أن أمر الدين منذ العصر الماضي يختلف باختلاف النظرة التي تنظرها إليه الدولة ، فإن رأت إقامة التعليم علي الفكرة المدنية الخالصة تركت أمر الدين إلي الأسرة ، ولم تقم في سبيل تعليمه المصاعب والعقبات ، وإن إقامته علي الفكرة المدنية الدينية قسمت للتعليم الديني مكانه من هذا البرنامج .

وقد تضمن كتاب طه حسين ( مستقبل الثقافة في مصر ) هذه الأفكار وغيرها ، وقد عارضها الإمام البنا وجماعته ، ونشروا مذكرة تتعلق بمستقبل الثقافة في مصر موجهة إلي د. طه حسين ، كما نشروا عدة مقالات للرد علي هذه الأفكار .

ج – ويمكن أن نوجز أهم سمات التعليم المصري في الفترة من 1922- 1952م في النقاط التالية :

1 – ضعف النزعة القومية في التعليم المصري :

وكان ذلك واضحًا في أمرين :

الأول : دراسة التاريخ ، حيث ظل التاريخ الأوروبي غالبًا علي المنهج ، وأهمل التاريخ العربي والإسلامي إهمالاً تامًا إلي آخر الفترة ، ولم يخصص لتاريخ مصر الحديث إلا نصف مقرر السنة الخامسة أدبي ، فكان طلاب القسم العلمي يتخرجون في المدارس الثانوية دون أن يعرفوا عن وطنهم شيئًا .

ويذكر د. أبو الفتوح رضوان أن مناهج هذه الفترة " كانت تمثل تناقضًا خطيراً فقد كانت ترمي إلي تربية الوطنية بمقررات في التاريخ غير وطنية ، كما كانت ترمي إلي دعم القومية في التلاميذ بمقررات في التاريخ غير قومية وكان الحال كذلك في مقرر الجغرافيا .

الثاني : ضعف الاهتمام باللغة العربية ففي عام 1935م كانت حصص اللغات في المدارس الثانوية (19) حصة ، (9) منها الإنجليزية ، و(4) للفرنسية ، و(6) للعربية ، وكانت الإنجليزية أساسًا في المناهج التعليمية في المدارس الابتدائية مما أدي إلي ضعف التلاميذ في لغتهم الوطنية ضعفًا مخجلاً .

2 – عدم وجود سياسة قومية ثابتة للتعليم :

ويرجع غياب هذه السياسة حتى 1952م إلي استمرار السياسة التي وضعها الاحتلال الإنجليزي من قبل ، والمتمثلة في العمل علي الإقلال من نشر التعليم ، وجعل هدفه هو إعداد طبقة متعلمة تفي بمطالب الخدمة في الحكومة ، ومحاربة اللغة العربية والدين .. ، كما يرجع إلي التغيير المستمر في وزراء المعارف ، فقد تولي وزارة المعارف من 1933م : 1952م ، (59) وزيراً ، إلا أن التطورات التي حدثت في التعليم لم تمس جوهر هذه السياسة ، وقد ترتب علي ذلك أنه لم تكن للتعليم المصري أهداف تخدم القضية الوطنية ، وتثبت في الشباب روح الاستقلال أي أن التعليم كان بعيداً عن البناء السليم لشخصية الإنسان المصري .

3 – ازدواج التعليم في المرحلة الأولي :

فقد كان هناك المدرسة الابتدائية المفتوحة للتعليم الثانوي والعالي من جهة ، وكانت سائدة في الحضر ، ومن جهة أخري المدارس الإلزامية والأولية التي تسمح بالترقي التعليمي ، وكانت سائدة في الريف ، وكان هذا الوضع انعكاسًا للفرق الطبقية بين غير القادرين وبين الأغنياء عمومًا .

4 – عدم تكافؤ الفرص في التعليم :

وقد برز هذا القصور من جهتين :

الأولي : نتيجة ازدواجية التعليم .

الثانية : مصروفات التعليم التي كانت من الكثرة بحيث أعجزت كثيرين من أن يلحقوا أولادهم بالتعليم المفتوح .

5 – الثنائية :

أ – بين التعليم الديني والتعليم في المدارس والجامعات المدنية :

فقد كانت هناك وسيلتان للتعليم :

الأولي : التعليم الديني في الأزهر وفروعه الابتدائي والثانوي والكليات .

والثانية : التعليم المدني حيث التعليم ا؟لإلزامي والابتدائي والثانوي والخصوصي والجامعي ، وكان كل نوع يهيمن علي عقول الملتحقين به ، ويوجهها بصورة بعيدة عن توجيه النوع الآخر ، مما شكل خطورة علي وحدة الثقافة في الأمة .

ب – بين التعليم الوطني والتعليم الأجنبي :

واتسمت هذه الفترة بأن حركة نشر التعليم الأجنبي كانت قائمة وقوية ، ففي عام 1945م كان لإرسالية راهبات الرسول الفرنسية وحدها (23) مدرسة ، ويوضح الجدول التالي عدد مدارس بعض الدول الأجنبية في مصر عام 33/1934م :

الجنسية عدد المدارس عدد المعلمين والمعلمات عدد الطلابوالطالبات ملاحظات
مدارس مصرية 8052 34789 871529
مدارس أمريكية 37 454 6329
مدارس إنجليزية 39 294 4454
مدارس فرنسية 157 1865 32485

وتتمثل خطورة هذه المدارس في أن معظمها كانت تخدم أغراضًا دينية ثقافية مما أدي إلي عدد من الأخطار منها :

1 – إغفال اللغة العربية .

2 – حرمان الطلاب من التاريخ القومي والعربي والإسلامي ، والتركيز علي تاريخ أوروبا .

3 – خلوها من تعليم الدين وأخلاق أبناء البلاد .


6 – عدم تعميم تعليم ابتدائي صالح :

حيث استمر هذا القصور حتى عام 1952 ، وكان في مصر في هذه السنة 3 ملايين طفل في سن التعليم الابتدائي لم يدخل التعليم منها إلا مليون وكان فيها 15 مليون جاهل من سكان مصر .

د – أثر سمات التعليم المصري ( السابقة ) علي فكر حسن البنا والإخوان :

يمكن القول إن تلك السمات السابقة للتعليم المصري كانت عاجزة عن تكوين الإنسان المصري ، وقد أثرت علي هذه السمات علي الإخوان كما يلي :

1 – جعل حسن البنا الهدف الرئيسي له تربويًا وهو : تكوين جيل مسلم ، يبدأ بتكوين الفرد المسلم ، الذي يكون الأسرة المسلمة ، فالمجتمع المسلم ، فالحكومة الإسلامية ، فالأمة الإسلامية ، فأستاذية العالم ، ولذلك ابتكر أساليب كثيرة وبرامج مطورة لتكوين الوحدة الأساسية لهذا الجيل ، وهي الشخصية المسلمة .

2 – تقدم حسن البنا ومفكرو الإخوان وقادتهم من بعده ، بمذكرات ومقالات تربوية لمواجهة كل مظاهر القصور السابقة ، حيث غدت تكون فكراً تربويًا خاصًا بهم .

3 – وقد عمل حسن البنا – ومن بعده الإخوان – علي تلاقي مظاهر القصور السابقة – علميًا – بإنشاء مدارس كثيرة علي النهج التربوي الصحيح ، منها : مدرسة غار حراء للبنين ، وأمهات المؤمنين للبنات ، ومدارس الجمعة للأشبال ، ومدارس الجيل الجديد ، وبعض المدارس الابتدائية والثانوية ، ومدارس محو الأمية ، ومشاريع محو الأمية التي نفذوها .. وغير ذلك ، وكان يشرف علي هذه الأعمال لجنة التربية ولجنة محو الأمية بالمركز العام للإخوان المسلمين ، وفروع المعلمين التابع لقسم المهن .

ويمكننا أن نصور الواقع الذي نبتت فيه بذرة الإخوان المسلمين تصويراً مختصراً فنقول :

1 – كانت مصر وطنًا باهتًا اقتطع من أصله بعد أن قطع الحلفاء أوصال الإمبراطورية العثمانية ، وبعد أن أطاح كمال أتاتورك بالخلافة الإسلامية وأعلن العلمانية ، حينئذ طبق الإنجليز معاهدة ( سايكس – بيكو ) السرية التي عقدت في موسكو عام 1915م ، وأصبحت مصر في داخل نطاق الإمبراطورية البريطانية وإن منحت في الظاهر ملابس الاستقلال ، وجدت مصر نفسها منعزلة عن دول العالم الإسلامي في الشرق الأوسط ، وأحست بعجز المسلمين ، وفي عنقها قيد ثقيل من الاستعمار ، وشجع المستعمرون النعرة الوطنية ، هادفين إلي أن يحل ( الوطن ) محل ( الدين ) ، وأن يكون الولاء ( للوطن ) لا ( الله ) ، وأن يقسم ( بالوطن ) لا ( بالله ) وأن يموتوا في سبيل الوطن لا ( في سبيل الله ) .

2 – وكان شعب مصر شعبًا مؤمنًا بالله ، عقيدته الإسلامية راسخة ، ولكنه شعب جاهل ، الأغلبية الساحقة فيه لا تقرأ ولا تكتب ، وهو شعب فقير مستغل مع ذكاء وفطنة ، أضفت عليه ظروفه البيئية والتاريخية حب السلام ، ليس الاستسلام كما يظن الكثيرون ، فقد يرضخ المسلم وغير المسلم لحاكم ظالم ، وقد يكف عن المجاهدة المادية إذا غلبه مستعمر فاتح ، ولكنك تجده أبداً ثائراً في ذات نفسه علي الظلم والاستعمار ، تري ذلك في بسمته الساخرة وتسمعه في نكته اللاذعة ، بل إنه ليندفع في ثورته حين تتاح له فرصة ، فإذا به يحقق ما كان يظن أنه مستحيل عليه .

وكان الشعب في هذه الحقبة الزمنية مغلوبًا علي أمره تمامًا ، وما قام بثورة 1919م إلا لإحساسه بالضياع ، وقد وجد فيه تحقيقًا لذاته ، وتعبيراً عن وجوده ، وكأنه أراد أن يحس بإنسانيته بإظهار إرادته .

ثار هذا الشعب ولم يطلب بالخبز وهو جائع ، ولا بإلغاء ملكية الأرض الزراعية وهو لا يكاد يملك منها شيئاً ، ولم يطالب بإلغاء الألقاب والقضاء علي طبقة ( البكوات والبشوات ) والجمهور من لابسي الجلاليب والطواقي ، كانت ثورته تعبيراً عن صادق شعوره برفضه الاستعمار ، وكان مخلصًا في مطالبته بالاستقلال ، وإن لم يفكر أو يتصور ماذا سيكون من شأنه بعد الاستقلال ، بل لم يرسم لنفسه صورة ولو باهتة لهذا الوطن في ظل الاستقلال ، ومع هذا كله وفي وسط هذه الثورة العارمة ، كان الإسلام حيًا في قلبه متحركًا في باطن عقله ومستتر ضميره ، فاعتبر من مات في الثورة برصاص الإنجليز أو السلطة الحاكمة شهيداً له جنات الخلد عند ربه ، واقترنت الثورة ( بالمسجد ) وخرجت المظاهرات من الأزهر ، وهو رمز الإسلام ومعهده آنذاك .

3 – كان المستعمر قويًا ذكيًا لئيمًا ، ذا دهاء ومكر شديد ، درس أحوال البلاد عن كثب ، ومكن لنفسه علي أيدي بعض الحكام ، وكون منهم طبقة المستوزرين ، ومهد لتضامن الحكم إليه عن طريقين :

أ – الاستعمار الفكري : حيث عمل منذ بدء الاحتلال علي تنحية الشريعة الإسلامية من قانون القضاء ، وحصرها في الأحوال الشخصية ، وحيث فصل بين العلم والدين ، بل فصل بين المدارس المدنية والمدارس الدينية ، فأوجد هوة سحيقة بين المثالية الإسلامية والمذهبية المادية التي فرضت بحكم القانون والتعليم .

ب – الاستعمار المادي : حيث وجه اقتصاد البلاد إلي إنتاج المادة الخامة التي تنتجها الأرض الزراعية ، حتى كنا نقرأ في كتب المدرسة أن مصر بلد زراعي لا يملك مقومات الصناعة ، يضاف إلي ذلك أن الاستعمار وجه الناشئة إلي محراب الحكومة ، فكانت المدارس تخرج الموظفين ، وأصبحت القيم الاجتماعية تقيس المرء بوظيفته الحكومية .

فإذا علمنا أن من يدرس العلوم الدينية تقتصر وظيفته علي إمامة مسجد أو مأذونية زواج وطلاق ، أو عمل في المحكمة الشرعية ، أو تدريس اللغة العربية والقرآن في المدارس المدنية أو التدريس في المعاهد التي تخرج منها .

إذا علمنا هذا اتضح لنا كيف استطاعت السياسة الاستعمارية أن تحارب شريعة الإسلام كفلسفة حياة ، ونظام تعامل ، ودستور يرسم للأفراد حدود المساواة والحرية ، وحقوق التكافل والتعليم والعمل .

4 – وكان نظام الحكم ظالمًا : حيث فرض الملك علي شعبه ، وحيث صيغ الدستور ليحد من سلطة الحكومة المصرية ومن سيادتها ويعامل بقانون يختلف عن القانون الذي يسري علي المواطنين ، ويطبقه قاض من غير المواطنين ، وكان الملك غريبًا عن رعيته ، لا يكاد يتحدث لغتهم ، دع عنك مشاركته لعواطفهم ، وآلامهم وآمالهم ، وكان همه البقاء في الحكم ، والاستمتاع بجاه الملك ونعيمه ، وكان ينظر إلي هذا الوطن نظرته إلي ملك يمينه يتحكم في الشعب ومصيره بما يراه ويهواه .

5 – كانت الطبقة الحاكمة التي استصفاها الملك ورضي عنها المستعمر ، غالبيتها من سلالة ألبانية أو تركية ، ورثت عن آبائها وأجدادها القريبين مساحات واسعة من الأرض الزراعية التي أممتها الدولة في عهد محمد علي الكبير ، ووزعها إسماعيل علي أقربائه وأصفيائه .

وظلت هذه الطبقة التي لم تكن تعرف من القرآن إلا رسمه ، ومن الإسلام إلا اسمه وبعض شعائره ، والتي تربت في مدارس الأوروبيين ، وأتقنت لغاتهم أكثر مما أتقنت لغة القرآن ، ظلت تتولي مقاليد الحكم حتى بعد قيام الثورة عام 1919م ، وبعد دستور 1923م ، وإن ظهر علي المسرح رجال من صميم الشعب انضموا إلي حزب الوفد الذي كان يمثل غالبية المصريين ، وكانوا يحكمون لفترات قصيرة كلما هبت رياح أزمة أتي بهم الملك ، ثم يعصف بهم إثر أزمة يفتعلها هو ، أو يفتعلها له المستعمر المحتل للبلاد .

وكانت الطبقة الحاكمة هي الطبقة الغنية ، وهي الطبقة المتعلمة ، وهي المالكة لمنابع الثروة ، وبالرغم من وجود الأحزاب المتعددة ، فإن الكثرة من الشعب كانت متعلقة بحزب واحد : هو حزب الوفد الذي تزعمه رجل من صميم الشعب هو سعد زغلول ، وخليفته مصطفي النحاس .

ولم يناد الوفد قط بالإسلام نظامًا للحياة ، ولم يكن في برنامجه أن يعيد للناس قوانينهم الإسلامية ، أو أن يشيع بينهم الإسلام منهاجًا وفكرة ، وشريعة نزل بها وحي الله علي نبيه عليه الصلاة والسلام تحدد المثل الأعلى ، وترسم للناس قواعد معاملاتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقيمية ، ومع ذلك كان زعماء هذا الحزب يدركون تمامًا مدي تغلغل الإسلام في النفوس ، فاستعملوا الدين وسيلة لتوطيد زعامتهم ، واكتساب قلوب العامة من شعبهم ، وكان غير المسلمين من القادة الوفديين يحفظون من آيات القرآن الكريم ما يترنمون به في خطبهم ، وهم يعلمون كم يلقي ذلك من قبول الناس في نفوس السامعين ، وكيف تخشع له قلوبهم .

هكذا كان حال مصر والمصريين : وطن ضربت عليه العزلة ، وشعب مؤمن جاهل مغلوب علي أمره ، ومستعمر داهية متمكن من الحاكم سافراً أو مقنعًا ، وملك غريب عن شعبه لغة وفكراً وعاطفة ، وطبقة حاكمة منعزلة عن الرعية ، وهي المالكة لمنابع الثروة بغير حق شرعي ، نظام قانوني مستقي من الغرب بعيد عن أعراف الناس ومعتقداتهم ، وإقصاء متعمد للدين الإسلامي عن واقع الحياة .. التعليم لا توجهه فكرة الإسلام ، والثقافة لا ترتكز علي مفاهيم الإسلام ، والتقاليد لا ترجع إلي قيم الإسلام ، كما أن القوانين لا تحتكم إلي شريعة الإسلام .

ولم يكن حال الوطن العربي الإسلامي بأحسن حظًا من حال مصر ، في تحكم الاستعمار في مقدراته ، وفي اصطناع طبقة يربيها الاستعمار في حضانته ، ويرضعها من ألبان ثقافته ، ويهيئها لحكم الشعب كما يريد المستعمر ، الفجوات الاجتماعية بين ذوي الثراء الفاحش ، والفقر المدقع ، والفلسفة العلمانية الدخيلة ، التي عزلت الدين عن الحياة ، وبنت فكرة ( الوطنية الإقليمية ) أو فكرة ( القومية العنصرية ) بين شعوب المسلمين ، حتى تغيب فكرة ( الأمة الواحدة ) التي أرادها الله ، للتحول إلي ( أمم شتى ) يجافي بعضها بعضاً ، بل يعادي بعضها بعضاً ، بل ربما قاتل بعضها بعضاً ، بعد أن كانت تضمهم ( دار الوحدة ) هي دار الإسلام ، وتجمعهم ( دولة واحدة ) هي دولة الخلافة .

في هذا الجو الغائم القاتم ولدت دعوة الإخوان المسلمين ، أحوج ما تكون مصر – والوطن العربي والإسلامي الكبير – إليها لتكون دعوة البعث والإنقاذ كما عبر عنها الإمام حسن البنا مؤسس الحركة ، بدأت هذه الدعوة منطلقة من فكر مؤسسها وشعوره الداخلي الغامر بأن عليه فرضاً لأمته يجب أن يؤديه ، وأن لديه طاقة يجب ألا يدخرها في إحياء الأمة ، وتجديد دينها .

وخلاصة القول أن ظهور حسن البنا وتأسيس جماعة الإخوان المسلمين كان في وقت أحوج ما يكون المسلمون إليه " لقد كان من دلائل التوفيق في ظهور حركة الإخوان المسلمين : أنه جاءت دعوة في أوانها ، ليس فقط لمقاومة التدهور الأخلاقي في الأمة ، أو لمدافعة فكر التغريب فيها ، أو لمحاربة الهجمات التبشيرية عليها ، ..الخ ، وإن كان ذلك من أهدافها ، وتشهد به أفعال رجالها ، لكنها جاءت أيضا استجابة ليقظة الروح الإسلامية في قلوب الناس ، بعد طول فترة ركود ، وجاءت بفهم شامل صحيح للإسلام الذي نزل علي رسولنا الكريم صلي الله عليه وسلم ، فهم قديم قدم الدعوة الإسلامية لكنه جديد علي العقول والقلوب التي طغت عليها المادة ، وبهرتها مدنية جوفاء فانحرفت عن جادة العقيدة الإسلامية ... وجاءت لترفع راية الجهاد وترفع معها العزة والكرامة – ضد مستعمر غاصب ، أذل العباد وأخذ خيرات البلاد ، جاءت لتقيم العدل وترفع الظلم ، وتحكم بالقسط ، فيسعد الناس ويعم الرخاء علي المجتمع ، جاءت بقدر الله وقدرته ، ولا زالت تعمل من أجل تحقيق أهدافها رغم كل الصعوبات التي قابلتها ، ورغم كل الضربات التي لحقتها ، تضحي من أجل ذلك بكل غال ونفيس ، وتبذل نفوس الشهداء وأموالهم لله العلي القدير ، دون مقابل تطلبه إلا الجنة .


الباب الثانى : حسن البنا

الفصل الأول : المولد والنشأة والأسرة والتكوين العلمي والثقافي

المبحث الأول : المولد والنشأة

الإمام البنا فى شبابه

أولاً : المولد والأسرة :

المولد :

ولد الإمام الشهيد حسن أحمد عبد الرحمن البنا في ضحي يوم الأحد 25 شعبان 1324هـ الموافق أكتوبر 1906م ، بالمحمودية في محافظة البحيرة بمصر ، وكان الابن الأكبر لأبوين مصريين من قرية شمشيرة بندر فوه التابع لمديرية الغربية سابقاً ومحافظة كفر الشيخ حاليًا .

أبواه وأخوته :

هو الابن الأكبر للشيخ أحمد عبد الرحمن البنا الشهير بالساعاتي ، وذلك نظرًا لعمله في إصلاح ، وكان الشيخ أحمد عالمًا بالسنة ، فقد رتب معظم أسانيد الأئمة الأربعة علي أبواب الفقه ، وله مؤلفات في السنة منها " بدائع المنن في جمع وترتيب مسند الشافعي والسنن " كما شرح مسند الإمام أحمد بن حنبل وسمى الشرح " بلوغ الأماني من أسرار الفتح الباني " ، وقد كان الشيخ يعتبر نفسه من تلامذة الإمام محمد عبده .

ووالدة الإمام الشهيد هي السيدة الفضلى : أم سعد إبراهيم صقر , والدها تاجر مواش بقرية شمشيرة , وهي أيضًا من نفس قرية والد الإمام الشهيد وهي تواجه المحمودية علي الضفة الثانية للنيل.

وكانت ذكية ومدبرة وواعية , كما كانت علي جانب كبير من العناد , فإذا انتهت إلي قرار فمن الصعب أن تتنازل عنه , وهي صفة ورثها – الإمام الشهيد – ابنها الأكبر كما ورث منها ملامح الوجه , ولكن العناد تحول إلي صورة سوية أصبح معه " قوة إرادة " ولم يشاركه في هذه الوراثة من إخوته سوي شقيقه عبد الباسط رحمه الله .

إخوته : عبد الرحمن الذي أسس جمعية الحضارة الإسلامية في القاهرة التي اندمجت في الإخوان عند انتقال الإمام البنا إلي القاهرة وأصبح من الأعضاء البارزين في الإخوان .

وفاطمة ( حرم الأستاذ عبد الحكيم عابدين ) , ومحمد توفي في مارس 1990م شعبان 1410هـ , وعبد الباسط ( وكان ضابطًا بالبوليس ورافق الإمام الشهيد حتى قبيل أيام من اغتياله ، واستقال من خدمة البوليس وعمل بالسعودية وتوفى بها ودفن بالبقيع بناء علي وصيته رحمه الله ) , وزينب التي توفيت وهي لم تتجاوز السنة من عمرها , والأستاذ أحمد جمال الدين ( الكاتب المعروف والمصنف والمشهور باسم جمال البنا ) , وفوزية ( حرم الأستاذ عبد الكريم منصور المحامي الذي كان مع الإمام الشهيد ليلة الاستشهاد وأصابه رشاش من رصاصات القتلة وتوفى سنة 1989 رحمه الله ).

وقد ولد كل هؤلاء الأولاد والبنات في بيت واحد وفي غرفة واحدة كان يطلق عليها " غرفة الدكة " أو " مسقط الرؤوس العظيمة ".

ثانيًا : علاقة الإمام البنا العائلية :

أ – الأسرة التي نشأ فيها وترعرع :

كان الإمام الشهيد حسن البنا هو الابن الأكبر للشيخ أحمد عبد الرحمن البنا ثم تلاه عبد الرحمن ثم فاطمة ثم محمد فعبد الباسط فزينب التي توفيت بعد عام تقريبًا من ميلادها , فجمال ثم الأخت الصغرى فوزية , وقد أحاط الأب وكذلك الأم ابنها حسن برعاية كاملة حتى أن الأم " تتمسك بأن يتم حسن تعليمه علي أعلي مستوى , وعندما ضاقت موارد الأسرة باعت ( كردانها ) الذهبي , وفي مرحلة لاحقة ولاستكمال التعليم أيضًا باعت سواريها وكانت مضفرة ثقيلة من الذهب البندقي- كما يقولون – أي أنها من الذهب الخالص عيار 24 " وعندما تجاوز الابن مرحلة الطفولة قام بمعاونة أبيه في إصلاح الساعات وقضاء بعض الأعمال نيابة عن الوالد , وكان والد الإمام الشهيد يكلفه بقضاء العديد من المصالح وتسوية بعض المشكلات بالبلد ( المحمودية ) بعد أن مضي علي انتقاله إلي القاهرة قرابة عامين , وظل والده يتعلق بهذه الأعمال حتى عام 1933م " وبعد تعيين الإمام بالإسماعيلية ظل يعاون أباه ولكن بطريقة أخري , فقد كان يمد أباه بربع أو ثلث مرتبه فضلاً عن استضافته لبعض إخوته , وذلك عندما ضاقت أحوال والده المادية يقول جمال البنا : " عندما بدأت الضائقة الاقتصادية تطبق عليه ( والد الإمام البنا ) أعانه ابنه الأكبر – الإمام الشهيد – بمبلغ أربعة أو خمسة جنيهات فضلاً عن أنه استقدم إليه بعض أشقائه لمدد طويلة " .

ولم تقتصر مساعدة الإمام الشهيد لوالديه علي المساعدة المالية بل ساعد أيضًا فر تربية إخوته من الناحية الخلقية ومن الناحية العلمية .

ولم يكتف بالاهتمام بمن يعيش معه من إخوته بل كان يقدم النصيحة للأب للعناية ببقية الأخوة فهو يقول في أحد خطاباته لوالده : " أما جمال فهو مسرور كل السرور وقد أدخلته مدرسة أولية فهو يتعلم بها ويحبه أساتذتها ويكرمونه جداً ، أما فاطمة فأنا أوصيها كلما سنحت الفرصة الوصايا التهذيبية وسأشرع معها في القراءة والكتابة بحول الله وقوته .

وعبد الباسط كذلك أهتم بتهذيبه جداً ، وبالجملة فآمل بعون الله أن أوفق إلي أرشادهم خير الإرشاد إلي ما ينفعهم في المعاش والعبادة ولهم درسان في الأسبوع بعد العشاء يحفظون فيها الحديث ، وكم يكون سروركم عظيمًا إذ سمعتم جمال الدين وهو يقرأ الأحاديث التي حفظها بتجويد وإتقان مثلاً " يامعاذ أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك ولتبك علي خطيئتك " وحديث " صل من قطعك وأحسن إلي من أساء إليك وقل الحق ولو علي نفسك " الخ ، وكذلك الجميع ، ولنا جدول منظم يشمل الرياضة والمذاكرة والسمر والطعام ، فاطمئنوا من هذه الوجهة كل الاطمئنان .

وزارنا بعض الإخوان المدرسين والموظفين فكان لتلك الزيارات أثر في نفس عبد الباسط جعله يتعلم كيف يتأدب ويقابل الناس وهكذا ، وقد فصلت لكل منهما جلبيتين من الياباني وضمنت عليها النظافة وعدم السير بالحفاء ودوام الصلاة والنظام والغسل ونحو ذلك فأصبح يسران الناظرين ، وأسأل الله التوفيق والإعانة ، والذي أرجوه أن تأدبوا محمداً وفوزية كما أؤدب أنا عبد الباسط وجمال " .

وقد أرشد البنا والده لطريقة تحبب النظام إلي الأولاد وتجعل النظام هو سمت كل أعمالهم فيقول في خطاب لوالده " سيدي الوالد ... الآن عرفت أن الأولاد إذا شعروا بالنظام في المنزل نظموا كل أعمالهم ، ولذلك أرجو أن تنظموا المنزل نظامًا حسنًا ، فمثلاً تجعلون الصالة لسفرة الأكل وحجرة للجلوس والمذاكرة وحجرة لنومكم وحجرة لنوم محمد وعبد الرحمن وتضبطوا مواعيد الطعام والنوم بقدر الإمكان " .

ولا يفعل البنا ذلك علي سبيل التفضل علي والديه بل يري أن ذلك حقهم ، ويري أن من حقهم متابعة كل تصرفاته المادية حتى أنه في خطاب من خطاباته يشرح له مصروفاته خلال ثلاثة أشهر ما تم صرفه وما تم استدانته من الأصدقاء ، ويتوقع منهم ألا يتقبلوا بعض التصرفات فيقدم لهم عذره عن هذه التصرفات ومبرراته لفعلها ويطلب من والده بعد شرح ظروفه أن يسكن غضب والدته عليه ويرضيها عنه بحكمته " .

وقد كان البنا مثالاً لما يجب أن يكون الابن لوالديه ، فقد كان أسعد أيامه كما يقول يوم يرضي عنه والده فهو يقول في أحد خطاباته : " فقد ورد خطابكم الكريم وإن اليوم الذي استطيع فيه إرضاءكم هو أسعد أيامي حقاً ، وعقيدتي أنني ما خلقت إلا لأرضيكم ، وليس لي من الحق في كل ما يقدره الله لي بعض ما لكم ، ذلك ما اعتقده وأقوله بإخلاص ويقين .

والذي أريده فقط أن تغتبطوا بذلك وتعلموه وأن تخفف سيدتي الوالدة من ألمها لعدم التوفير فإن هذه ضرورة لابد منها ستنفرج عما قليل ، والله إنني لأقضي ساعات طوالاً في ألم لتألم والدتي ، وفي تفكير كيف أرضيها وكيف أسعدها وكيف أجعلها هانئة مغتبطة . فهل يوفقني الله إلي هذه الأمنية " .

ب – الأسرة التي أسسها :

زواج الإمام البنا :

كان ممن استجاب للدعوة من أهل الإسماعيلية أسرة كريمة من أسرها تدعي أسرة الصولي ، وهم تجار من متوسطي الحال ، وكانت هذه الأسرة من الأسر المتدينة بطبيعتها ومن يربون أولادهم علي الدين ، وكانت والدة ا؟لأستاذ تزور هذه الأسرة ، فسمعت في إحدى ليالي زيارتها صوتًا جميلاً يتلو القرآن فسألت عن مصدر ذلك الصوت فقيل لها إنها فلانة تصلي ، فلما رجعت الأم إلي منزلها أخبرت نجلها بما كان في زيارتها وأومأت إلي أن مثل هذه الفتاة الصالحة جديرة أن تكون زوجة له ، وكان ما أشارت به ، فقد تزوجها فكانت أم أبنائه وهي التي رافقته في السراء والضراء وكانت خير عون في دعوته حتى لقي ربه شهيداً مظلومًا .

ومما تذكره الابنة ثناء في حق والدتها : والدتي رحمها الله كانت تقدم دائمًا مصلحة الدعوة علي مصلحة نفسها وبيتها ، وقد كانت تقوم علي رعايتنا حق الرعاية وتهيئ جو البيت لاستقبال الوالد المرهق من كثرة الأعباء والأعمال ، فيجد راحته في بيته لمدة سويعات قليلة ينطلق بعدها ثانياً إلي الدعوة ، ويذكر لوالدتي رحمها الله أنه عندما قام والدي بتأسيس المركز العام للإخوان المسلمين طلبت منه يأخذ كثيراً من أثاث البيت عن طيب نفس منها ليعمر بها المركز العام ، فنقل السجاجيد والستائر والمكتبات وكثيرًا من الأدوات وكانت سعيدة بذلك غاية السعادة , لقد كانت رحمها الله تعتبر أي فرد من أفراد الجماعة هو أحد أبنائها ، وأذكر أنه عندما كانت تأتي أخت من الأخوات لتشكو زوجها كانت أمي تناقشها وكأنها أمها ، وفي نفس الوقت حماتها ، وتبادرها بالسؤال ماذا فعلت في أبني فلان حتى تصرف معك هذا التصرف ؟ ! ولقد كانت تشارك الإخوان أفراحهم وأحزانهم ، فكانت فرحة أي بيت من بيوت الإخوان هي فرحة في بيتنا ، وكانت مصيبة أي بيت هي مصيبة بيتنا أيضًا .

البنا وأولاده :

كان البنا رب أسرة مثاليًا فلم يقصر في رعاية أبنائه والعناية بهم والاهتمام بكل شئونهم ، فقد كان لكل أبن من أبنائه دوسيه خاص يكتب فيه الإمام بخطه تاريخ ميلاده ورقم قيده وتواريخ تطعيمه ، ويحتفظ فيه بجميع الشهادات الطبية التي تمت معالجته علي أساسها ، وهل أكمل العلاج وكم أستغرق المرض إلي آخر هذه التفاصيل ، وكذلك الشهادات الدراسية ويدون عليها البنا ملاحظاته ، وتري أبنته الفاضلة ثناء " وكان عند عودته ليلاً إذا وجدنا نائمين يطوف علينا ويطمئن علي غطائنا ويقبلنا ، بل يصل الأمر أنه كان يوقظ أحدنا ويصطحبه إلي الحمام " ، وكان البنا كريماً مع أولاده وكان يعطي كل واحد منهم مصروفاً يوميًا ثلاثة قروش وكان يعطي أبنه سيف الإسلام مصروفًا شهريًا إضافيًا قدره نصف جنيه لشراء الكتب وتكوين مكتبة خاصة به ، وكان الإمام يتابع كل ما يقرأه أبناؤه رغم مشاغله الدعوية .

وكان أسلوب البنا في تربية أبنائه هو التوجيه غير المباشر فقد عرض لابنه سيف الإسلام بأن دخول السينما أمر لا يليق بالمسلم فلم يدخلها سيف قط ، وكان يتابع تصرفاتهم فعندما اشتري سيف بعض الروايات الأجنبية عن المغامرات لم ينهه عن قراءتها ولكنه أبدله خيراً منها مثل قصة الأميرة ذات الهمة وسيرة عنترة بن شداد وسيف ابن ذي يزن ، وبعض روايات البطولة الإسلامية وسيرة عمر ابن عبد العزيز وكان في رمضان يجلس مع سيف الإسلام وابنته الكبرى وفاء قبل الإفطار لكي يسمعا له القرآن وكان ذلك بغرض تعليمهما ولكن ذلك تم في بعض الأحيان في غير رمضان .

وتطبيقاً لسنة الرسول صلي الله عليه وسلم " إن الله يحب المؤمن المحترف " فقد دفع بابنه الوحيد سيف الإسلام إلي مدير مطبعة الإخوان ليعلمه فن الطباعة .

وتروي أبنته ثناء عن رعاية الإمام له فتقول : " وفي شهور الإجازة الصيفية والتي كان يقضيها مع الإخوان في محافظات الصعيد والوجه البحري كان لا ينسانا أو يتركنا بلا رعاية ، بل كان يصطحبنا إلي بيت جدي وأخوالي بالإسماعيلية لنقضي إجازتنا هناك ونستمتع ونمرح حيث المزارع الخضراء والحدائق الغناء ، وكان أخي سيف يمارس رياضة ركوب الخيل " .


إكرام البنا لأهل زوجته :

عندما تزوج الإمام البنا حرص علي أن يتعرف علي كل أهل زوجته وأقاربها ، وكل من له صلة رحم بها ، وكان يزورهم جميعًا وكثيراً ما كان يفاجئ زوجته بأنه قد زار قريبها فلان اليوم .

وكان رحمه الله يعامل خادمته كأنها من أهل البيت حيث كان للخادمة مثل أولاده سرير مستقل ودرج مستقر في دولاب واحد ، لكل واحد من أبنائه درج فيه .

وكان يكلف أبنته الكبرى وفاء بتعليم الخادمة في المساء القراءة والكتابة وأن تعلمها الصلاة وكثيراً ما كان يزور الخادمة في بيت زوجها عند زواجها وبعد مدة من توقفها عن الخدمة في بيته " .

وتقول ابنته ثناء : أذكر أنني ذات مرة عاملت الشغالة معاملة غير لائقة فأفهمني أن ما فعلته معها خطأ لأنها أختي في الإسلام ، وكان عقابه لي أن أمسك بقلم رصاص وضربني به علي يدي ، وكان هذا كافيًا جداً يشعرني بأنه غاضب علي وكان درسًا لي لم أنسه طوال حياتي .


المبحث الثاني : التكوين العلمي والثقافي

أولاً : التكوين العلمي :

بدأ الإمام الشهيد دراسته بالقرآن الكريم والثقافة الإسلامية فقد تطابقت إرادة والديه علي هذه البداية .

فقد أراد له أبوه رحمه الله أن ينشأ نشأة إسلامية حقيقية وأصر علي أن يحفظ القرآن ، واستكمل له الكثير من جوانب الثقافة الإسلامية في سن مبكرة ، ثم عهد به إلي الشيخ ( محمد زهران ) الذي كان أيضًا شيخه الأول وكان الشيخ زهران كفيفًا .

يقول عبد الرحمن البنا عن طفولة الإمام الشهيد : " كنا نعود من المكتب فتتلقفنا يد الوالد الكريم ، فتعدنا وتصنعنا ، وتحفظنا دروس السيرة النبوية المطهرة وأصول الفقه والنحو ، وكان له منهاج يدرسه لنا الوالد الكريم ، وكانت مكتبة الوالد تفيض بالكتب وتمتلئ بالمجلدات ، وكنا ندور عليها بأعيننا الصغيرة ، فتلمع أسماؤها بالذهب ، فنقرأ : النيسابوري ، والقسطلاني ، ونيل الأوطار ، وكان يبيحها لنا ويشجعنا علي اقتحامها ، وكان أخي هو المجلي في الحلبة وفارس الميدان ، وكنت أحاول اللحاق به ، ولكنه كان غير عادي ، كان فرق السن بيننا سنتين ، ولكنه لم يكن الفرق الحقيقي ، بل فرق إرادة إلهية أعدته لأمر عظيم ، فكان طالب علم ولكنه مستقر موهبة ومستودع منحة ربانية ، وشتان بين المنزلتين ، وفرق بعيد بين المريد والمراد ! وكنا نسمع ما يدور في مجلس الوالد الكريم من مناقشات علمية ومساجلات ، ونصغي للمناظرات بينه وبين من يحضر مجلسه من جلة العلماء ، أمثال الشيخ محمد زهران والشيخ حامد محيسن ، فنسمعهم وهم يناقشون عشرات المسائل .

وكانت مراحل دراسة الإمام الشهيد كما يلي :

1 – مدرسة الرشاد الدينية .

2 – المدرسة الإعدادية .

3 – مدرسة المعلمين الأولية بدمنهور .

4 – دار العلوم بالقاهرة .


مدرسة الرشاد :

وكانت مدرسة الرشاد هي أول مدرسة التحق بها الإمام الشهيد حيث التحق بهذه المدرسة وسنه حوالي ثمانية أعوام واستمر لمدة أربع سنوات ، وكانت هي الأساس والقاعدة الصلبة التي استند عليها في تجاوز مراحل تعليمه اللاحقة بجدارة وتوفيق ونجابة ، وقد تحدث الإمام الشهيد عن هذه المدرسة وهو يتكلم عن مؤسسها الشيخ محمد زهران فقال : " وأنشأ مع ذلك مدرسة الرشاد الدينية سنة 1915م تقريبًا لتعليم النشء علي صورة كتاتيب الإعانة الأهلية المنتشرة في ذلك العهد في القرى والريف ، ولكنها في منهج المعاهد الرائعة التي تعتبر دار علم ومعهد تربية علي السواء ، ممتازة في مادتها وطريقتها وتشتمل مواد الدراسة فيها – زيادة علي المواد المعروفة في أمثالها حينذاك – علي الأحاديث النبوية حفظًا وفهما ، فكان علي التلاميذ أن يدرسوا كل أسبوع في نهاية حصص يوم الخميس حديثاً جديداً يشرح لهم حتى يفقهوه ، ويكررونه حتى يحفظوه ثم يستعرضون معه ما سبق أن يدرسوه ، فلا ينتهي العام إلا وقد حصلوا ثروة لا بأس بها من حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم ، وأذكر أن معظم ما أحفظ من الأحاديث بنصه هو مما علق بالذهن منذ ذلك الحين ، كما كانت تشتمل كذلك علي الإنشاء والقواعد والتطبيق ، وطرف من الأدب في المطالعة أو الإملاء ، ومحفوظات ممتازة من جيد النظم أو النثر ، ولم يكن شيء من هذه المواد معروفًا في الكتاتيب المماثلة .

وقال الإمام الشهيد عن شيخه : " وكان للرجل أسلوب في التدريب والتربية مؤثر منتج ، رغم أنه لم يدرس علوم التربية ولم يتلق قواعد علم النفس ، فكان يعتمد أكثر ما يعتمد علي المشاركة الوجدانية بينه وبين تلامذته ، وكان يحاسبهم علي تصرفاتهم حسابًا دقيقاً مشربًا بإشعارهم الثقة بهم والاعتماد عليهم ، ويجازيهم علي الإحسان أو الإساءة جزاء أدبيًا يبعث في النفس نشوة الرضا والسرور مع الإحسان ، كما يذيقها قوارص الألم والحزن مع الإساءة ، وكثيراً ما يكون في صورة نكتة لاذعة أو دعوة صالحة أو بيت من الشعر – إذ كان الأستاذ يقرضه علي قلة – ولا أزال أذكر بيتا من الشعر كان مكافأة علي إجابة في التطبيق أعجبته فأمرني أن أكتب تحت درجة الموضوع :

حسن أجاب وفي الجواب أجادا

فالله يمنحه رضا ورشادا

درجته :

يا غارة الله جدي السير مسرعة

في أخذ هذا الفتي يا غارة الله

ولقد ذهبت مثلاً وأطلقت علي هذا الزميل اسمًا فكنا كثيراً ما نناديه إذا أردنا أن نغيظه " يا غارة الله " ، وإنما كان الأستاذ يوصي بكراسة بأن يكتب بنفسه ما يمليه عليه لأنه رحمه الله كان كفيفاً ولكن في بصيرته نور كثير عن المبصرين ولعلي أدركت منذ تلك اللحظة – وإن لم أشعر بهذا الإدراك – أثر التجاوب الروحي والمشاركة العاطفية بين التلميذ والأستاذ ، فلقد كنا نحب أستاذنا حبًا جمًا رغم ما كان يكلفنا به من مرهقات الأعمال "

وكذلك استفاد الإمام البنا من شيخه حب الاطلاع والقراءة ومجالسة العلماء والانتفاع بعلمهم فيقول الإمام البنا :

" ولعلي أفدت منه – رحمه الله – مع تلك العاطفة الروحية حب الاطلاع وكثرة القراءة ، إذ كثيراً ما كان يصطحبني إلي مكتبته وفيها الكثير من المؤلفات النافعة لأراجع له وأقرأ عليه ما يحتاج إليه من مسائل ، وكثيراً ما يكون معه بعض جلسائه من أهل العلم فيتناولون الموضوع بالبحث والنظر والنقاش وأنا أسمع " .

المدرسة الإعدادية :

" تغير الحال في مدرسة الرشاد المباركة لما تركها مؤسسها الشيخ محمد زهران ، وعهد بها إلي غيره من العرفاء الذين ليسوا مثل الشيخ في صفاته وجلاله ، وبالرغم من أن الإمام الشهيد لم يتم حفظ القرآن ، ولم يحقق رغبة والده الشيخ أحمد عبد الرحمن فهو لم يتجاوز بعد سورة الإسراء ابتداء من البقرة ، وبالرغم من إلحاح الوالد علي إتمام حفظ القرآن إلا أن الإمام الشهيد صارحه فجأة وفي تصميم عجيب أنه لم يعد يطيق أن يستمر بهذه الكتاتيب ، وأنه لابد أن يلتحق بالمدرسة الإعدادية فوافق الوالد بعد عنت شديد بشرط أن يتم الإمام الشهيد حفظ القرآن من منزله " .

" وما حاء أول أسبوع حتى كان الغلام ( حسن البنا ) طالبًا بالمدرسة الإعدادية يقسم وقته بين الدرس نهاراً وتعلم حرفة الساعات التي ألم بها بعد الانصراف من المدرسة إلي العشاء ، ويستذكر هذه الدروس بعد ذلك إلي النوم ويحفظ حصة من القرآن الكريم بعد صلاة الصبح حتى يذهب إلي المدرسة " .

وقد شارك الإمام الشهيد أثناء دراسته بالمدرسة الإعدادية في جمعية منع المحرمات ، كما كان رئيسًا لمجلس إدارة جمعية الأخلاق الأدبية وكانت تحت إشراف أحد أساتذة المدرسة ، واستمر الإمام البنا في هذه المدرسة لمدة سنتين حتى ألغيت المدارس الإعدادية واستبدلت بنظام المدارس الابتدائية .

مدرسة المعلمين الأولية :

يقول الإمام الشهيد عن كيفية التحاقه بمدرسة المعلمين الأولية بدمنهور : " وكان هذا الطالب ( حسن البنا ) قد وفي بعهده فاستمر بحفظ القرآن الذي خرج به من مدرسة الرشاد وأضاف إليه ربعا آخر إلي سورة " يس " ، وقرر مجلس مديرية البحيرة إلغاء نظام المدارس الإعدادية وتعديلها إلي مدارس ابتدائية ، فلم بكن أمام الطالب إلا أن يختار بين أن يتقدم إلي المعهد الديني بالإسكندرية ليكون أزهريًا أو مدرسة المعلمين الأولية بدمنهور ليختصر الطريق ويكون بعد ثلاث سنوات معلمًا ، ورجحت كفة الرأي الثاني في النهاية وجاء موعد تقديم الطلبات وتقدم بطلبه فعلاً ، ولكنه كان أما عقبتين : عقبة السن فهو ما يزال في منتصف الرابعة عشرة وأقل سن القبول في الدخول ولابد من أداء امتحان شفهي في القرآن الكريم ، ولقد كان ناظر المدرسة حينذاك ، وهو الأستاذ " بشير الدسوقي موسي " كريماً متلطفًا ، فتلطف بالطالب وتجاوز عن شرط السن وقبل منه التعهد بحفظ ربع القرآن الباقي ، وصرح له بأداء الامتحان التحريري والشفهي فأداهما بنجاح ، ومنذ ذلك الوقت أصبح طالبًا بمدرسة المعلمين الأولية بدمنهور ، وكان للإمام الشهيد في هذه الفترة نظام حياة لا يكاد يتبدل إلا في الطارئ الشديد فيقول : " كنت أمضي الأسبوع المدرسي في دمنهور ، وأعود ظهر الخميس إلي المحمودية حيث أمضي ليلة الجمعة وليلة السبت ، ثم أعود صباح السبت إلي المدرسة فأدرك الدرس الأول في موعده .

وكان لي في المحمودية مآرب كثيرة تقضي في هذه الفترة غير زيارة الأهل وقضاء الوقت معهم ، فقد كانت الصداقة بيني وبين الأخ أحمد أفندي السكري قد توثقت أواصرها إلي درجة أن أحدنا ما كان يصبر أن يغيب عن الآخر طوال هذه الفترة أسبوعًا كاملاً دون لقاء ، يضاف إلي ذلك أن ليلة الجمعة في منزل الشيخ شلبي الرجٌَال بعد الحضرة ( حيث كنا نتدارس فيها كتب التصوف من الإحياء والياقوت والجواهر وغيرها ، ونسمع أحوال الأولياء ، ونذكر الله إلي الصباح ) كانت من أقدس مناهج حياتنا ، وكنت قد تقدمت في صناعة الساعات وفي صناعة التجليد أيضاً ، أقضي فترة النهار في الدكان صانعًا وفترة الليل مع الإخوان الحصافية ذاكراً .

ولهذه المآرب جميعًا لم أكن أستطيع أن أتخلف عن الحضور يوم الخميس إلا لضرورة قاهرة ، وكنت أنزل من قطار الدلتا إلي الدكان مباشرة ، فأزاول عملي في الساعات إلي قبيل المغرب حيث أذهب إلي المنزل لأفطر إذ كان من عادتنا صوم الخميس والاثنين ثم إلي المسجد الصغير بعد ذلك للدرس والحضرة ثم إلي منزل الشيخ شلبي الرجال أو منزل أحمد أفندي السكري للمدارسة والذكر ثم إلي المسجد لصلاة الفجر ، وبعد ذلك استراحة يعقبها الذهاب إلي الدكان وصلاة الجمعة والغداء والدكان إلي المغرب فالمسجد فالمنزل وفي الصباح إلي المدرسة ، وهكذا دواليك في ترتيب لا أذكر أنه تخلف أسبوعًا إلا لضرورة طارئة " .

وكانت هذه المرحلة مرحلة تحول في حياة الإمام البنا من الناحية العلمية والثقافية " فقد كانت أيام مدرسة المعلمين في سنواتها الثلاث أيام استغراق في التصوف والتعبد ، ولكنها مع ذلك لم تخل من إقبال علي الدروس وتحصيل العلم خارج حدود المناهج المدرسية ، ومرد ذلك إلي أمرين ، أولهما : مكتبة الوالد وتشجيعه له بالقراءة وإهدائه إياه كتبا كان لها أبلغ الأثر في نفسه ومن أمثلتها : ( الأنوار المحمدية للنبهاني ) و ( مختصر المواهب اللدنية للقسطلاني ) و ( نور اليقين في سيرة سيد المرسلين للشيخ الخضري ) ، وقد صارت له – بناء علي هذا التوجيه وما تولد منه من شغف بالمطالعة وإقبال عليها – مكتبة خاصة فيها مجلات قديمة وكتب متنوعة " .

أما الأمر الثاني : فهو تشجيع المدرسين المخلصين للإمام الشهيد وصلته الروحية بهم أمثال الأستاذ عبد العزيز عطية ناظر مدرسة المعلمين حينذاك والأستاذ فرحات سليم ، والأستاذ الشيخ عبد الفتاح أبو علام والأستاذ الحاج علي سليمان والأستاذ الشيخ البسيوني .

ومن الأمثلة أن الأستاذ عبد العزيز عطية ذات مرة اختبر الطلاب في مادة التربية العملية اختبار شهريًا وأعجبته إجابة الإمام الشهيد فكتب علي ورقته : أحسنت جداً ولو كان هناك زيادة علي النهاية لأعطيتك .

وحجز الورقة بيده عند التوزيع ثم طلب الإمام الشهيد وسلمه ورقته وزوده بكثير من عبارات النصح والتشجيع والحث علي القراءة والدرس والمطالعة ، كما اختصه بتصحيح بعض " بروفات " كتابه " المعلم " في التربية الذي يطبع إذ ذاك بمطبعة المستقبل بدمنهور .

وأدي الإمام الشهيد امتحان كفاءة التعليم فكان الأول في المدرسة والخامس في القطر ، وكانت هذه النتيجة مفاجأة للإمام الشهيد وكان نجاحه في دخول دار العلوم مفاجأة ثانية ، وكانت مفاجأة ثالثة – كما يقول هو - : " أن مجلس مديرية البحيرة قرر تعييني فعلاً مدرسًا بمدرسة خربتا الأولية ، ودعيت إلي تسليم عملي عقب الإجازة الصيفية مباشرة ، فكان علي – بناء علي هذا – أن أختار بين الوظيفة أو العودة إلي طلب العلم بدار العلوم ولكني في النهاية فضلت أن أستمر في سلك التعلم ، وأن أشد الرحال إلي القاهرة ، حيث دار العلوم .


دار العلوم :

القدر يدخل البنا دار العلوم :

الإمام-الشهيد-حسن-البنا-عند-تخرجه.jpg

نظراً لما كان عليه الإمام الشهيد من علم غزير عرض عليه بعض زملائه المذاكرة معًا للتقدم إلي دار العلوم العليا ، ويقول الإمام الشهيد في ذلك : " هذه الثروة العلمية وجهت نظر بعض إخواننا الذين كانوا يعدون أنفسهم للتقدم إلي دار العلوم العليا في ذلك الوقت من مدرسي المدرسة الأولية الملحقة بالمعلمين إلي أن يعرضوا علي أن نذاكر معًا ونتقدم معًا إلي دار العلوم العليا وكانت دار العلوم حينئذ قسمين : القسم التجهيزي ، وهذا يتقدم إليه من شاء من طلاب الأزهر ومدارس المعلمين ، والقسم العالي المؤقت ويتقدم إليه من شاء كذلك من هؤلاء الطلاب ، ويكونون غالبًا قد حصلوا علي الشهادة الثانوية الأزهرية ، وكان القسم العالي هذا لم يبق للتقدم إليه إلا هذا العام ( عام 23-24 الدراسي ) ثم يلغي ليحل محله القسم العالي الذي يستمد من التجهيزي وكثرة الإقبال علي القسم العالي المؤقت علي اعتبار أنها الفرصة الوحيدة لمن يريدون اللحاق به .

" وأراد الأستاذ الشيخ علي نوفل أن نذاكر معًا ، وكنت في السنة الثانية أي في السنة التي سأؤدي فيها امتحان شهادة الكفاءة للتعليم الأولي ، وكان هو مدرسًا بالملحقة للمعلمين ، فاعتذرت عن المذاكرة معه ولكنه دخل علي من باب حقوق الأخوة ووجوب معاونة الإخوان والاستماع لرأيهم ، فلم أر بداً من الإصغاء إليه " ، وكان للإمام البنا رأي في العلم تأثراً برأي الإمام الغزالي في أن العلم الواجب هم العلم المحتاج إليه في أداء الفرائض وكسب العيش ثم الانصراف بعد ذلك إلي العمل ، وظل يتساءل بينه وبين نفسه لماذا يريد دخول دار العلوم ، هل للاستزادة من العلم ، فالعلم موجود في الكتب وعند العلماء ، أما إذا كان للدنيا فهذا شر ما يعمل له إنسان وتغلبت عليه الفلسفة علي نفسه حتى استطاع أحد أساتذته أن يقنعه بخلاف ذلك ، يقول الإمام الشهيد : كادت هذه الفلسفة تغلب علي نفسي بل هي تغلبت فعلاً ، فلم أذاكر مع الأخ الأستاذ نوفل تذممًا ، ولكن أستاذنا الشيخ فرحات سليم – رحمه الله – وكان يحبني حبًا جمًا ويظهر عطفه علي في كل مناسبة ، وينزل من نفسي منزلة كريمة ، استطاع بلباقة ولطف أن يدفعني إلي المذاكرة بجد ، وإلي التقدم إلي دار العلوم فعلاً ، وكان من قوله : إنك الآن علي أبواب شهادة الكفاءة والعلم لا يضر ، وتقدمك في امتحان دار العلوم تجربة للامتحانات الكبيرة ، وهذه فرصة لا تعوض ، فتقدم لتحفظ لنفسك حقها ، وأنا واثق من نجاحك إن شاء الله ، ثم أمامنا بعد ذلك مجال نفكر فيه كما تشاء ولك أن ترفض أو تدخل ، وهكذا استطاع بتأثيره القوى أن يدفعني دفعًا إلي التقدم بطلبي مع المتقدمين فتقدمت ، وكان الامتحان قبل امتحان شهادة الكفاءة بفترة قليلة .

دخول دار العلوم :

تقدم الإمام البنا لدخول دار العلوم وأخطر بميعاد الكشف الطبي والامتحان وكان ذلك في رمضان ، وكان أبوه قد أرسله إلي أحد أصدقائه من تجار الكتب الميسورين بالقاهرة ليعاونه ولكن هذا الرجل لم يعاونه في شيء ، ثم ذهب الإمام الشهيد لأحد أصدقائه الذين سبقوه إلي دار العلوم بعام وهو الأستاذ محمد شرف حجاج لسؤاله عن طريقة الكشف الطبي والامتحان ، وقد نصحه بعمل نظارة طبية ، وأثناء زيارته للأزهر قابل بعض الطلاب الراغبين في دخول دار العلوم ، يقول الإمام عن ذلك : " كان عملي في اليوم الثاني منذ الصباح أن قصدت إلي ذلك التاجر الكتبي ، بعد أن ذهبت إلي صديقي في المدرسة ، ليدلني علي صانع نظرات ليصنع لي نظارة طبية استعدادً للكشف ، ولكنه أعرض كعادته فلم أشأ أن أضيع الوقت ، وذهبت من فوري إلي الأزهر ودخلته لأول مرة وراعني ما رأيت من سعة وبساطة ، وحلق الطلاب فيه يدرسون ويذاكرون ووقفت علي الحلق واحدة فواحدة ، ثم رأيت حلقة يتحدثون أهلها عن دخول دار العلوم ، وفهمت أنهم متقدمون لامتحانها الذي سيكون بعد نحو عشرة أيام ، وللكشف الذي سيتم بعد ثلاثة أيام تقريبًا فاندمجت فيهم ، وتحدثت إليهم عن رغبتي وعن حاجتي إلي من يرشدني إلي طبيب لأصنع نظارة طبية ، فتطوع معي أحدهم وقام من فوره إلي عيادة دكتورة يونانية – فيما أظن – ولكنها متمصرة ، وصفها بالحذق والمهارة ، وأنها صنعت له نظارة مناسبة مع اعتدال القيمة ، وعندما وصلنا إليها بدأت عملها وأخذت في نظير الكشف خمسين قرشاًَ ، ودلتنا علي محل النظارات الذي أخذ بدوره ثمنًا للنظارة مائة وخمسون قرشاً وأنجز النظارة فوراً ، وبذلك لم يبق أمامي إلا انتظار الكشف بعد يومين " .

الكشف الطبي لدخول دار العلوم :

يقول الإمام الشهيد : " ولست أبالغ حين أقول إن التوفيق حالفني في هذا الكشف محالفة عجيبة في الوقت الذي رأيت بعض من أعرف يخونهم الحظ " سبحان من قسم الحظوظ فلا عتاب ولا ملامة " لقد كان الأطباء ثلاثة ، وكنت آخر اسم في الكشف من نصيب أولهم وهو أطيبهم وأيسرهم كشفًا ، وكان الأخ علي نوفل من نصيب ثالثهم ، وهو أقساهم قلبًا وكشفا ، وبقدر ما كانت نسبة النجاح عند طبيبي عالية ، كانت نسبة الرسوب عند هذا الآخر أعلي ، فنجحت مع شكي التام في النجاح ، ورسب هو مع تأكده التام من سلامة بصره وبدنه ومع استعداده الكامل لهذا النجاح " .


النجاح في امتحان القبول :

يقول الإمام البنا عن ذلك : " ظهرت نتيجة الكشف وكانت في الحقيقة مفاجأة لي أن أكتب من الناجحين ، ولذلك واجهت مهمة الامتحان في جد لا هزل معه ، فلم يكن إلا الجد ولم يبق إلا أسبوع واحد فلا ينفع إلا التبتل ، وقد كان ، فقد حملت أمتعتي وكتبي ويممت شطر الأزهر المعمور ، وهناك ، وفي القبلة القديمة بالضبط حططت رحالي ، وتعرفت إلي بعض الزملاء المتقدمين إلي دار العلوم ، ونوينا الاعتكاف هذا الأسبوع للعلم وللبركة معًا نتناوب الخروج لإحضار طعام الإفطار والسحور ، ونتناوب الحراسة في النوم فلا ننام إلا غراراً ، وقاتل الله علم العروض فلم أكن أفقه شيئاً من زحافة وعلله وضروبه وقوافيه وكان جديداً علي بكل معني الكلمة ، ولكني أخذت أستذكر والسلام ، وكنت أخشي النحو والصرف إذ كنت أتصور أنني لا أشق فيهما غبار الطلاب المتقدمين من الأزهريين الذين جاوزوا الشهادة الأهلية ودرسوا في السنوات العالية ، نعم إنني أحفظ الألفية ، وقرأت شرح ابن عقيل عليها ، وشاركني الوالد في بعض هذه الشئون ، ولكنها لم تكن الدراسة المنظمة التي تهدأ معها النفس ، ويسكن لها القلب ، وجاءت أيام الامتحان ومرت بسلام ، ولازلت أذكر بيت العروض الذي امتحنا فيه وأذكر أنه طلب إلينا أن نقطعه ونذكر ما فيه من علل وزحاف ومن أي بحر هو :

لـو كنـت من شــيء ســوي بشــر

كـنت المــنور ليلــة البـــدر

وقد كانت عناية الله تلحظ الإمام الشهيد فقد روي الأستاذ محمود عبد الحليم أن الإمام الشهيد حدثه عن قبوله في دار العلوم فقال : " ولما حان موعد الامتحان للالتحاق بدار العلوم نفسها وجد أن مطالب الحياة الضرورية لم تدع له وقتًا تؤهله مذاكرته فيه أن يدخل الامتحان ، فشكا إلي الله الذي يعلم أنه لم يقصر لحظة واحدة .. يقول رحمه الله : " ونمت ليلة الامتحان فإذا بي أري فيما يري النائم رجلاً يواسيني ويقول لي : التفت إلي فالتفت إليه فإذا بيده كتاب المادة التي سأمتحن فيها في الصباح ، فيفتح الكتاب عند صفحة معينة ويشير إلي أن أقرأ حتى إذا قرأت الصفحة فتح الكتاب عند صفحة أخري فأقرأها ، وهكذا حتى أنهي الكتاب فأغلقه وتركني ، فلما أصبحت وجدتني حافظاً كل ما قرأت – وكانت هذه طبيعتي أن أحفظ ما أقرأه – ودخلت الامتحان فإذا الأسئلة كلها هي نفس ما قرأته في الرؤيا .. وهكذا مرت ليالي الامتحان وأيامه علي هذا النحو وظهرت النتيجة وكنت الأول والحمد لله " .

ويحكي الإمام الشهيد هذا الأمر في كتابه مذكرات الدعوة والداعية وبخاصة ليلة امتحان النحو والصرف فيقول : " وإن من فضل الله تبارك وتعالي أنه يطمئن ويسكن نفوس عباده ، وإذا أراد أمراً هيأ له الأسباب .

فلا زلت أذكر ليلة امتحان النحو والصرف ( وليس الجبر كما جاء في بعض القول ) رأيت فيما يري النائم : أنني أركب زورقاً لطيفاً مع بعض العلماء الفضلاء الأجلاء يسير بنا الهويني في نسيم ورخاء علي صفحة النيل الجميلة ، فتقدم أحد هؤلاء الفضلاء ، وكان في زى علماء الصعيد ، وقال لي : أين شرح الألفية لابن عقيل ؟ فقلت ها هو ذا ، فقال : تعال نراجع فيه بعض الموضوعات ، هات صفحة كذا وصفحة كذا لصفحات بعينها ، وأخذت أراجع موضوعاتها حتى استيقظت منشرحًا مسروراً .

وفي الصباح جاء الكثير من الأسئلة حول هذه الموضوعات ، فكان ذلك تيسيراً من الله تبارك وتعالي ، والرؤيا الصالحة عجل بشري المؤمن والحمد لله رب العالمين .

يقول الإمام رحمه الله : " وغدوت يوم افتتاح الدراسة إلي دار العلوم وكلي شوق إلي العلم ، وقد وجهني الله إلي الدرس توجيهاً حميداً ، ولا أنسي الحصة الأولي ولم نكن قد تسلمنا الكتب والأدوات بعد ، وقد وقف أستاذنا الشاعر البدوي الشيخ محمد عبد المطلب – أغدق الله عليه شآبيب الرحمة والرضوان – أمام السبورة علي المنصة بقامته المديدة يحيي الطلبة الجدد ، ويتمني لهم النجاح والتوفيق ، ثم كتب علي السبورة ، قال عبيد بن الأبرص :

ولـنـا دار ورثـنا مــجــدها الـــ

أقـدم القـدمـوس عن عـم وخـال

مـنـزل مـنـه آبـاء ورثــونــــا

المجـــد فـي أولـي الليــالـي

ثم أمسك جبته الأعلى ، علي عادته – رحمه الله – وقرأها في جرس يحمل معني الفخار والاعتزاز ، ثم طالبنا بإعرابهما ، فقلت في نفسي " بدأنا الجد من أول يوم " وأخذت أتساءل : ما هذا القدموس ؟ ولماذا قال " منه " وكان في وسعه أن يقول أسسه ؟ ومازلنا ننحت في إعراب البيتين حتى نقلنا الحوار إلي الكلام عن عبيد ابن الأبرص والحياة العربية وما فيها من خشونة ولين وأيام العرب وأوابدها وأدواتها في حربها وسلمها ، وأنواع الرماح والسيوف والسهام وإلي السهم الريش والذي لا ريش له واستشهد الأستاذ بالبيت المعروف :

رمــتني بـسـهم ريشه الكحـل لم يضر

ظاهـر جلـدي وهو للقلــب جـارح

وأخذ يرسم علي السبورة السهام بأنواعها ، وأنا مأخوذ بهذا النوع من الاستطراد والتوسع في البحث ، أتابعه بشغف وشوق ، وزادني هذا الأسلوب للعلم حبًا ، ولدار العلوم وأساتذتها احترامًا وعجبًا " .

وتفوق الإمام الشهيد من السنة الأولي لدراسته في دار العلوم وكان الثالث علي دفعته .

ولم يكتف الإمام الشهيد بما كان يدرسه في دار العلوم ، ولكنه كان محبًا للعلم وتحصيله بشتى الطرق ، فقد كان يتردد علي المكتبات وكبار المفكرين والعلماء في ذلك العصر .

ولم يكتف الإمام الشهيد بكل ذلك بل جعل المكافأة الشهرية التي كانت تمنحها له دار العلوم لشراء الكتب النافعة ، وقد قرأ الإمام الشهيد في شتى مجالات المعرفة ، وتشكلت ثقافته من كل أصناف ميراث الحضارة الإسلامية والتاريخ .

فقرأ للغزالي المتصوف والزمخشري وفخر الدين الرازي الفيلسوف وأبي الحسن الأشعري ( مؤسس المدرسة الشعرية ) بالإضافة إلي كتابات السلف والأئمة الصوفية ، كما قرأ لديكارت وإسحق نيوتن وميشال الفلكي الإنجليزي وهربرت اسبنسر واستشهد بهم " .

وقد كان الإمام الشهيد لا يكتفي بمجرد القراءة في المجالات المختلفة فيعرف شيئاً عن شيء بل كانت ثقافته موسوعية ، فقد كان يعرف التطور التاريخي لكل علم وأصوله لا سيما في اللغة والشرع ، حتى أنه كتب في كثير من علوم اللغة والشرع .

ويروي الأستاذ محمود عبد الحليم عن امتحانه في دبلوم العلوم فيقول نقلاً عن الإمام الشهيد : " وكان امتحان الأدب العربي هو الامتحان الرئيس في الدار وكان الامتحان فيه تحريريًا وشفويًا ، فلما مثلت بين يدي لجنة الامتحان الشفوي في امتحان الدبلوم النهائي لدار العلوم سألني رئيس اللجنة عما أحفظ من الشعر فقدمت إليه الكراريس فقال لي : ما هذه الكراريس ؟ قلت أن ما فيها هو ما أحفظه ! فتعجب الرجل وقال : هل أنت علي استعداد أن اسمع منك أية قصيدة أختارها من هذه الكراريس ؟ فأجبته بالإيجاب ، فطفق يطلب إلي أن أقرأ فأقرأ حتى اطمئن إلي أنني أحفظ ما فيها جميعًا .

ثم قال لي : أني أسألك السؤال الأخير : ما أحسن بيت أعجبك في الشعر العربي ؟ قلت : أحسن بيت أعجبني هو قول طرفة بن عبد في معلقته :

إذا القـوم قـالـوا من فتـى خـلت أنـني

عُنـيت فـلـم أكســل ولم أتـبلـد

قال : قم يا بني هذا السؤال يسأل للنابهين من الطلبة في كل عام هنا ، وفي الأزهر فلم يجب أحد بمثل ما أجبت إلا الشيخ محمد عبده .. إنني أتنبأ لك يا بني بمستقبل عظيم " .

ويقول الإمام الشهيد في مذكراته : " ولا أنسي الامتحان الشفهي وقد تقدمت فيه إلي اللجنة وكانت مؤلفة من الأستاذ أبو الفتح الفقي رحمه الله ، والأستاذ نجاتي ، بمجموعة من المحفوظات بلغت ثمانية عشر ألف بيت ومثلها من المنشور ومنها معلقة طرفة ، فلم أسأل إلا في بيت من المعلقة ، وأربعة أبيات من قصيدة شوقي في نابليون ومناقشة حول عمر الخيام ، وقضي الأمر ولم آسف علي هذا المجهود ، إذ كنت أبذله من أول يوم للعلم لا للامتحان " .


ثانيًا : التكوين الثقافي :

الإمام مع أحد الصحفيين

مرت ثقافة الإمام البنا بمرحلتين : المرحلة الأولي وهي الثقافة الدينية الخالصة مع علوم اللغة وهي مرحلة ما قبل دار العلوم ، ثم تنوعت مصادر ثقافته فشملت كل أنواع الثقافة سواء تاريخية أو اجتماعية أو غيرها من أنواع الثقافات .

وتمثلت ثقافته الدينية في القرآن وعلومه والسنة وعلومها ، بالإضافة إلي علوم اللغة وآدابها وعلوم التصوف والتاريخ والسير والمغازي ، وكان في كل هذه العلوم لا يأخذها من جانب واحد ولكن كان يقرأ للمتخلفين في وجهات النظر لا سيما في المسائل الخلافية وقد كتب البنا بخط يده قصاصة من الورق موضوعة في طيات كتاب " هذه هي الأغلال " ومن بين ما كتبه بخط يده فيها " ويل للذين ينظرون إلي الأشياء من جانب واحد ، ويل وويل للإنسان منهم ، ولن تجد علي الأرض أشد منهم ظلمًا ولا أسقم فهمًا " .


مرحلة الثقافة الدينية :

كانت بداية حبه للاطلاع وكثرة المطالعة في الكتب الدينية عن طريق الشيخ زهران ، فقد كان يصطحبه معه إلي مكتبته التي فيها الكثير من المؤلفات لقراءة بعض المسائل ومراجعتها ، وكثيراً ما كان يحضر لقاءات الشيخ مع أهل العلم الذين يتناولون المسائل المختلفة بالبحث والنظر والنقاش .

كما كان لوالد البنا أثر كبير في ثقافته حيث كان يشجعه علي القراءة في مكتبته الخاصة ويهديه بعض الكتب مثل ( الأنوار المحمدية للنبهاني ) و ( مختصر المواهب اللدنية للقسطلاني ) و ( نور اليقين في سيرة سيد المرسلين للشيخ الخضري ) ، وغيرها من الكتب بل إن والده ساعده علي تكوين مكتبة خاصة به وهو في المرحلة الإعدادية ، ومن شغف البنا بالقراءة كان يترقب الشيخ حسن الكتبي يوم السوق بفارغ الصبر ليستأجر كتبًا بالأسبوع لقاء مليمات ثم يردها ليأخذ غيرها وكان من أهم الكتب وأعظمها أثراً في نفسه قصة الأميرة ذات الهمة وقصص الشجاعة والبطولة والاستمساك بالدين والجهاد في سبيل إعلاء كلمة الحق .

وكان لرعاية أساتذته له في مدرسة المعلمين ومناقشته المستمرة ، وحسن توجيههم له الأثر في دفعه إلي القراءة والتحصيل خارج نطاق الدراسة ، فحفظ خارج مناهج الدراسة كثيراً من المتون في العلوم المختلفة ومن أمثلتها (ملحمة الإعراب للحريري) و(ألفية ابن مالك ) و( الياقوتة في المصطلح) و(الجوهرة في التوحيد) و(الرجبية في الميراث) وبعض متن (الغاية والتقريب لأبي شجاع في فقه الشافعية) وبعض منطوق (ابن عامر في مذهب المالكية) ، وكانت لعبارة والده المأثورة " من حفظ المتون حاز الفنون " كذلك الأثر الطيب في حفظه هذه المتون حتى أنه حاول حفظ متن (الشاطبية في القراءات) مع جهله التام بمصطلحاتها.

وكان لعلاقة البنا بالطريقة الحصافية أثر في ثقافته حيث درس كتب الصوفية علي يد بعض المشايخ وكذلك درس الإحياء علي يد الشيخ حسن خزبك وكذلك سمع أحوال الأولياء والياقوت وغيرها .

وكان لهذه الثقافات المتنوعة الأثر في نفس البنا حتى أنه كتب بعض الشعر الوطني ، وقد جمع ديوانًا كبيراً من هذا الشعر الوطني ، كما ألف بعض المؤلفات في الفقه علي المذاهب الأربعة .

وكذلك كتب هو وصديقه الأستاذ محمد علي بدير قصة تودد الجارية .

كما حاول تقليد أستاذه وشيخه الشيخ زهران فأصدر مجلة شهرية سماها الشمس وكتب منها عددين ثم توقف وذلك تقليداً للشيخ في إصداره مجلة الإسعاد الشهرية وتشبهًا بمجلة المنار التي كان يكثر من مطالعتها .

مرحلة تنوع الثقافة :

كانت المرحلة الثانية ( مرحلة دار العلوم ) هي مرحلة تنوع الثقافة فلم تكن الدراسة جامدة ، بل كان الطلاب والأساتذة يتناولون كثيراً من الأمور العامة سياسية كانت أو اجتماعية ، وكانت المواد التي تدرس في دار العلوم تتضمن علوم اللغة والأدب والشريعة والجغرافيا والتاريخ ومناهج التربية العلمية والعملية والاقتصاد السياسي ، وكان للبنا لقاءات متعددة مع أعلام الفكر والثقافة في عصره فكانت له لقاءات كثيرة مع السيد محب الدين الخطيب ، والأستاذ الكبير محمد الخضر حسين ، والأستاذ محمد أحمد الغمراوي ، وأحمد باشا تيمور ، وعبد العزيز باشا محمد ، كما كان يلتقي والشيخ رشيد رضا ، والشيخ عبد العزيز الخولي ، والشيخ محمد العدوى ، كان يلتقي بهم ويستفيد من علمهم وثقافتهم .

كما كان البنا يغشي مجالس الشيخ يوسف الدجوي ويلتقي به ومن يجالسه من العلماء ويشارك في لقاءاتهم وكذلك كان كثير اللقاء بالأستاذ محمد فريد وجدي حيث يغشي داره ويجلس للاستفادة من المناقشات التي كانت تتم بينه وبين العلماء من ضيوفه حيث يتدارسون علومًا في شتي مناحي الحياة وكان البنا من محبي قراءة مجلة الحياة وكان من عشاق دائرة معارفه .

وتجلت ثقافة البنا في رسائله وكتبه ، وكثيراً ما تعرض لمواقف شتى تخلص منها بلباقته وسعة ثقافته .

ففي بداية عهد الإسماعيلية تعرض له أحد المشايخ بسؤال أحرجه عن اسم والد سيدنا إبراهيم فقال البنا : إن اسمه تارخ ثم فسر له قول القائل بسؤال بأن آزر عمه وليس أباه .

ويدل ذلك علي إلمام البنا بما في حواشي الكتب فضلاً عما تحتويه هذه الكتب من معلومات أساسية ، وهناك موقف للبنا يدل علي معرفته بأساليب ولغة أهل المهن المختلفة فضلاً عن إلمامه بالثقافات المختلفة فيروي لأبيه أحد خطاباته عن رحلة إلي بورسعيد قام بها مع ناظر المدرسة وبعض الزملاء فيقول : " أما الرحلة فقد أنتجت نتاجًا حسنًا بالنسبة لصلتي مع الناظر ، وقد كانت مصادفات نتج عنها تقدير الرجل ، فمن ذلك أنه بعد الغداء قام خطيبان من مدرسة بورسعيد يحيياننا ، وكان الناظر تجاهي ولم يكن أحدنا محضراً شيئاً ، فنظر إلي رأسه كالمستفهم فنظرت إليه مطمئن ، وقمت بعدها فارتجلت كلمة كان لها وقع جميل جداً في نفوس الجميع .

ومن الطرائف أن أحد المحامين الأهليين كان حاضراً ونسيت عند الخطبة فقمت وعلي صدري فوطة الطعام فقال ذلك المحامي : أنزل الفوطة أولا ، فضحك القوم ، ولكنني رددت عليه تواً بقولي : علها مقصودة أن أقوم ومعي شاهد إثبات علي كرم الزملاء وأفضالهم فلا يتوجه إلي دفع الأستاذ ، فكانت هذه أطرف من الأولي ، وكذلك طلب إلي أن أتكلم في الثورة الفرنساوية بمناسبة رواية سينمائية فشرحتها بإيضاح وبسط أدهش الإخوان المتخصصين في التاريخ ، وكان الناظر ذلك يتيه سروراً .


الفصل الثاني : أضواء علي الإمام البنا

المبحث الأول : حسن البنا داعية منذ الصغر

جمعية الأخلاق الأدبية :

الإمام البنا فى إحدى خطبه "حديث الثلاثاء"

" الدعوة إلي الله في حقيقتها أنمر بالمعروف ونهي عن المنكر وتعاون علي أداء هذا الواجب ، وكان حسن البنا منذ صغره داعيًا إلي الله آمراً بالمعروف وناهيا عن المنكر ، يتعاون علي فعل الخيرات مع أقرانه وإخوانه ، فعندما دخل المدرسة الإعدادية شارك في جمعية الأخلاق الأدبية وبرز فيها ، وأصبح رئيسا لمجلس إدارة هذه الجمعية التي كانت لائحتها تدعو إلي مكارم الأخلاق وتغرم من يخطئ في حق إخوانه مبلغا من المال ينفق في أوجه الخير ، ويذكر البنا ذكرياته مع هذه الجمعية فيقول في كتاب مذكرات الدعوة والداعية : " وكانت لائحتها الداخلية تتلخص في أن من شتم أخاه غرم مليما واحدا ، ومن شتم الوالد غرم مليمين ، ومن شتم الأم غرم قرشا ، ومن سب الدين غرم قرشين ومن تشاجر مع آخر غرم مثل ذلك ، وتضاعف هذه العقوبة لأعضاء مجلس الإدارة ورئيسه ، ومن توقف عن التنفيذ قاطعه زملاءه حتى ينفذ ، وما يتجمع من هذه الغرامات ينفق في وجوه من البر والخير ، وعلي هؤلاء الأعضاء جميعًا أن يتواصوا فيما بينهم بالتمسك بالدين وأداء الصلاة في أوقاتها ، والحرص علي طاعة الله والوالدين ومن هم أكبر سنا أو مقاما .

وكانت ثورة مدرسة الرشاد الدينية سببا في أن يتقدم هذا الناشئ إخوانه .

وأن تتجه إليه أنظارهم حتى إذا أريد اختيار مجلس إدارة جمعية الأخلاق الأدبية وقع اختيارهم عليه رئيسا لهذا المجلس ، وزاولت الجمعية عملها وحاكمت الكثيرين علي مخالفات وقعت منهم ، وجمع من هذه الغرامات مبلغ من المال لا بأس به أنفق بعضه في تكريم الزميل الطالب لبيب اسكندر شقيق طبيب الصحة الذي نقل إلي بلد آخر فنقل أخوة معه وأنفق البعض الآخر في تجهيز ميت غريب غريق ألقي به النيل إلي جوار سور المدرسة فقامت الجمعية بتجهيزه من هذه الأموال .

ولم يكن نطاق دعوة البنا الأمر بالمعروف ونهيه عن المنكر لتحده جدران المدرسة الإعدادية ، يأمر الكبير والصغير ولا يخشي في الله لومة لائم ، فعندما مر علي شاطئ النيل ولاحظ أن أحد أصحاب السفن المنشأة قد علق علي ساريتها تمثالا خشبيا عاريا علي صورة تتنافي مع الآداب ، وبخاصة أن هذا الجزء من الشاطئ يتردد عليه السيدات والفتيات يستقين منه الماء ، فماذا يفعل ؟ يقول الإمام الشهيد : " فهالني ما رأيت وذهبت فورا إلي ضابط النقطة – ولم تكن المحمودية قد صارت مركزا إداريا – وقصصت عليه القصص مستنكرا هذا المنظر ، وقد أكبر الرجل هذه الغيرة وقام معي من فوره حيث هدد صاحب السفينة وأمره أن ينزل هذا التمثال في الحال وقد كان " .

وقد دافع عن حقه وحق زملائه في الصلاة بالمسجد المجاور للمدرسة حتى كان له ما أراد وذلك أن إمام المسجد خشي من الإسراف في الماء والبلي علي الحصر ، فانتظر التلاميذ حتى انتهوا من صلاتهم ثم فرقهم بالقوة وتوعدهم وأنذرهم من تكرار الصلاة في المسجد ، فماذا يفعل هذا الصبي الصغير حال هذا الموقف ؟ يقول الإمام : " كتبت إليه خطابا ، بعثت به إليه في البريد مغرما واعتبرت أن غرامة قرش صاغ كافية هذا القصاص ، وقد عرف رحمه الله ممن جاءته الضربة ، وقابل الوالد شاكيا معاتبا ، فأوصاه بالتلاميذ خيرا وكانت له معنا بعد ذلك مواقف طيبة عاملنا فيه معاملة حسنة ، واشترط علينا أن نملأ صهريج المسجد بالماء قبل انصرافنا ، وأن نعاونه في جمع التبرعات للحصر إذا ما أدركها البلل وقد أعطيناه ما شرط " .

جمعية منع المحرمات :

ولم يكتف البنا وأقرانه بالنشاط داخل المدرسة ، وإنما امتد نشاطه وأقرانه إلي خارج نطاق المدرسة ، فأنشأ وأصحابه جمعية منع المحرمات وكانت جمعية تأمر بالمعروف وتنهي الناس عن المنكر عن طريق إرسال خطابات إلي كل من يعرف عنه أنه ارتكب منكرا ، ويقول عنها الإمام البنا في مذكرات الدعوة والداعية : " وقرروا تأليف جمعية إسلامية باسم " جمعية منع المحرمات " وكان اشتراك العضو فيها يتراوح بين خمسة مليمات وعشر أسبوعيا ، وكانت أعمالها موزعة علي أعضائها ، فمنهم من كانت مهنته تحضير النصوص وصيغ الخطابات ، وآخر مهنته كتابة هذه الخطابات بالحبر " الزفر " وثالث مهنته طبعها ، والباقون توزيعها علي أصحابها ، وأصحابها هم الذين تصل إلي الجمعية أخبارهم بأنهم يرتكبون بعض الآثام أو لا يحسنون أداء العبادات علي وجهها خصوصا الصلاة ، فمن أفطر في رمضان ورآه أحد الأعضاء بلغ عنه فوصله خطاب فيه النهي الشديد عن هذا المنكر ، ومن قصر في صلاته ولم يخشع فيها ولم يطمئن وصله خطاب كذلك ، ومن تحلي بالذهب وصله خطاب فيه حرمة التحلي بالذهب شرعا ، وأيما امرأة شاهدها أحد الأعضاء تلطم وجهها في مأتم أو تدعو بدعوي الجاهلية وصل زوجها أو وليها خطاب ، وهكذا ما كان أحد من الناس صغيرا أو كبيرا يعرف عنه شيء من المآثم إلا وصله خطاب من الجمعية ينهاه أشد النهي عما يفعل ، وكان من اليسير علي الأعضاء لصغر سنهم وعدم اتجاه الأنظار إليهم أو وقوع الشبهة عليهم أن يعرفوا كل شيء ولا يتحرز الناس منهم ، وكان الناس يظنون أن هذا من عمل أستاذنا الشيخ زهران رحمه الله ويقابلونه ويلونه لوما شديدا ويطلبون إليه أن يتحدث إليهم فيما يريد بدلا من هذه الكتابة ، والرجل يتنصل من ذلك ويدفع عن نفسه ، وهم لا يكادون يصدقون حتى وصله ذات يوم خطاب من الجمعية يلفت نظره إلي أنه صلي فريضة الظهر بين السواري وذلك مكروه وهو عالم البلد ، فيجب عليه أن يبتعد عن المكروهات ليبتعد غيره من العوام عن المحرمات ، وأذكر أن الشيخ رحمه الله أنه دعاني حينذاك – وقد كانت صلتي مستمرة به في الدروس العامة وإن كنت قد تركت مدرسته أو مكتبته – لنراجع معا هذا الحكم في كتاب فتح الباري في شرح صحيح البخاري ، ولا زالت أذكر الموضع كأنه اليوم وكنت أقرأ له وأنا ابتسم وهو يتساءل عن هؤلاء الذين كتبوا له ووجد أن الحق معهم وأنهيت ذلك إلي أعضاء الجمعية فكان سرورهم عظيما .

واستمرت الجمعية تؤدي عملها أكثر من ستة أشهر وهي مثار عجب الناس ودهشتهم ، حتى اكتشف أمرهم علي يد صاحب قهوة استدعي راقصة فوصله خطاب من الجمعية وكانت الخطابات لا ترسل بالبريد اقتصادا في النفقات ، وإنما يحملها أحد الأعضاء ويضعها في مكان يلفت نظر صاحبها إليه فيستلمها ولا يري من جاء بها ، ولكن المعلم كان يقظان فشعر بحركة حامل الخطاب فقبض عليه بخطابه وعاتبه عتابا شديدا أمام من في القهوة ، وعرفت الجمعية عن هذا الجمعية عن هذا الطريق فرأي أعضاؤها أن يخففوا من نشاطهم ويعملوا بأسلوب آخر لمنع المحرمات .

جمعية الحصافية الخيرية :

كان ذلك إبان المرحلة الإعدادية ، ولكن بعد أن انتقل إلي مدرسة المعلمين بدمنهور تطورت معارفه وتطورت معها أهدافه في الدعوة إلي الله ، وبمشاركة زميله أحمد أفندي السكري أسسا " جمعية الحصافية الخيرية " وكان أحمد السكري رئيسا لها بحكم السن والعمل وحسن البنا سكرتيرا لها .

وكانت أهداف هذه الجمعية ومجال عملها في ميادين أوسع وأشمل من الجمعيات الأولي فيقول الإمام الشهيد عن هذه الجمعية : " وزاولت الجمعية عملها في ميدانين مهمين : الميدان الأول : نشر الدعوة إلي الأخلاق الفاضلة ، ومقاومة الإرسالية الإنجيلية التبشيرية التي هبطت إلي البلد واستقرت فيها ، وكان قوامها ثلاث فتيات رأسهن مسز (وايت) ، وأخذت تبشر بالمسيحية في ظل التطبيب وتعليم التطريز وإيواء الصبية من بنين وبنات ، وقد كافحت الجمعية في سبيل رسالتها مكافحة مشكورة وخلفتها في هذا الكفاح جمعية " الإخوان المسلمين " بعد ذلك .

محاربة الفساد في القاهرة :

نور.JPG

ولما انتقل البنا إلي القاهرة عند دخوله دار العلوم وشاهد فيها مظاهر التحلل والفساد ، مما لا عهد له به في حياة الريف ، وقرأ في الصحف كثيرا مما ينافي تعاليم الإسلام ورأي جهل العامة بأحكام الدين ، ففكر في تكوين دعاة إسلاميين من زملائه في الأزهر ودار العلوم للدعوة إلي الله في المساجد والمقاهي والمجتمعات العامة ، وانطلق يدعو في المقاهي ليكون قدوة عملية لزملائه ويحكي البنا في مذكرات الدعوة والداعية كيف حاول محاربة المفاسد في المجتمع عن طريق تكوين دعاة إسلاميين فيقول :

ففكرت في أن أدعو إلي تكوين فئة من الطلاب الأزهريين وطلاب دار العلوم للتدريب علي الوعظ والإرشاد في المساجد ثم في المقاهي والمجتمعات العامة ، ثم تكون منهم بعد ذلك جماعة تنتشر في القرى والريف والمدن الهامة لنشر الدعوة الإسلامية.

وقرنت القول بالعمل فدعوت لفيفا من الأصدقاء للمشاركة في هذا المشروع الجليل كان منهم الأخ الأستاذ محمد مدكور خريج الأزهر وكان لازال مجاورا حينذاك ، والأخ الأستاذ حامد عسكرية رحمه الله ، والأخ الأستاذ أحمد عبد الحميد عضو الهيئة التأسيسية للإخوان المسلمين الآن وغيرهم ، كنا نجتمع في مساكن الطلاب في مسجد شيخون بالصليبة ، ونتذاكر جلال هذه المهمة وما تستلزمه من استعداد علمي وعملي ، وخصصت جزء من كتبي كالإحياء للغزالي والأنوار المحمدية للنبهاني وتنوير القلوب في معاملة علام الغيوب للشيخ الكردي ، وبعض كتب المناقب والسير ، لتكون مكتبة دورية خاصة بهؤلاء الإخوان يستعيرون أجزاءها ، ويحضرون موضوع الخطب والمحاضرات منها :

الدعوة علي المقاهي :

وجاء الدور العملي بعد هذا الاستعداد العلمي فعرضت عليهم أن نخرج للوعظ في المقاهي ، فاستغربوا ذلك وعجبوا منه وقالوا : إن أصحاب المقاهي لا يسمحون بذلك ويعارضون فيه لأنه يعطل أشغالهم ، وإن جمهور الجالسين علي هذه المقاهي هم قوم منصرفون إلي ما هم فيه وليس أثقل عليهم من الوعظ ، فكيف نتحدث في الدين والأخلاق لقوم لا يفكرون إلا في هذا اللهو الذي انصرفوا إليه ؟ وكنت أخالفهم في هذه النظرة وأعتقد أن الجمهور أكثر استعدادا لسماع العظات من أي جمهور آخر حتى جمهور المسجد نفسه ، لأن هذا شيء طريف وجديد عليه والعبرة بحسن اختيار الموضوع ، فلا نتعرض لما يجرح شعورهم ، وبطريقة العرض فتعرض بأسلوب شائق جذاب وبالوقت فلا نطيل عليهم القول .

ولما طال بنا الجدل حول هذا الموضوع قلت لهم : ولم لا تكون التجربة هي الحد الفاصل في الأمر ؟ فقبلوا ذلك وخرجنا فبدأنا بالمقاهي الواقعة بميدان صلاح الدين وأول السيدة عائشة ومنها إلي المقاهي المنتشرة في أحياء طولون إلي أن وصلنا من طريق الجبل إلي شارع سلامة ، والسيدة زينب ، وأظنني ألقيت في هذه الليلة أكثر من عشرين خطبة تستغرق الواحدة منها بين خمس دقائق إلي عشر.

ولقد كان شعور السامعين عجيبا ، وكانوا ينصتون في إصغاء ويستمعون في شوق ، وكان أصحاب المقاهي ينظرون بغرابة أول القول ثم يطلبون المزيد منه بعد ذلك ، وكان بعض هؤلاء يقسم بعد الخطبة أننا لابد أن نشرب شيئا أو نطلب طلبات ، فكنا نعتذر لهم بضيق الوقت ، وبأننا نذرنا هذا الوقت لله فلا نريد أن نضيعه في شيء ، وكان هذا المعني يؤثر في أنفسهم كثيرا.

لقد نجحت التجربة مائة في المائة ، وعدنا إلي مقرنا في شيخون ونحن سعداء بهذا النجاح ، وعزمنا علي استمرار الكفاح في هذه الناحية .

دعوة العلماء لمهاجمة الفساد في المجتمع :

وبعد الحرب العالمية الأولي وإلغاء الخلافة الإسلامية في تركيا انتشر تيار الإباحية والإلحاد حتى أصبح هو التيار السائد والمهيمن علي الجامعة وعلي الحياة الأدبية والاجتماعية ، لا سيما في الطبقات الراقية .

وكان لهذه الموجة رد فعل قوى في الأزهر والأوساط المعنية بالشئون الإسلامية ولكن رد هذا الفعل لم يزود عن الكتابة في بعض الصحف والمجلات واللقاءات التي لم تشف غليلا ولم ترد كيدا .

وفكر الإمام الشهيد – وهو لا يزال طالبا في دار العلوم – في عمل إيجابي يرد به الكيد ، فقام بزيارة الشيخ يوسف الدجوي وكان من المشايخ العلماء المعدودين في ذلك الوقت ، وله صلات بأهل العلم والوجهاء ، وتحدث معه في جمع الجهود لعمل إيجابي يرد به الكيد عن الإسلام ، ولكن الشيخ الدجوي نصحه بأنه لا فائدة من كل ذلك وحسب الإنسان أن يعمل لنفسه وأن ينجو بها من هذا البلاء وتمثل بهذا البيت من الشعر

ومـا أبـالـي إذا نفـسـي تطـاوعـني

علي النـجـاة بمـن قـد مـات أو هـلكا

أوصاه أن يعمل بقدر استطاعته وأن يدع النتائج علي الله ، ولم يعجب البنا هذا الجواب فقال للشيخ الدجوي :" إنني أخالفك يا سيدي كل المخالفة في هذا الذي تقول ، وأعتقد أن هذا الأمر لا يعدو أن يكون ضعفًا فقط وقعودا عن العمل وهروبا من التبعات ، من أي شيء تخافون ؟ من الحكومة أو الأزهر ؟ يكفيكم معاشكم واقعدوا في بيوتكم واعملوا للإسلام ، فالشعب معكم في الحقيقة لو واجهتموه ، لأنه شعب مسلم وقد عرفته في المقاهي وفي المساجد وفي الشوارع ، فرأيته يفيض إيمانا ، ولكن قوة مهملة من هؤلاء الملحدين والإباحيين وجرائدهم ومجلاتهم لا قيام لها إلا في غفلتكم ، ولو تنبهتم لدخلوا جحورهم ، يا أستاذ إن لم تريدوا أن تعملوا لله فاعملوا للدنيا وللرغيف الذي تأكلون ، ولا ما تنفقون ، فدافعوا في هذه الأمة ضاع الأزهر وضاع العلماء فلا تجدون ما تأكلون ، ولا ما تنفقون ، فدافعوا عن كيانكم إن لم تدافعوا عن كيان الإسلام ، واعملوا للدنيا إن لم تريدوا أن تعملوا للآخرة وإلا فقد ضاعت دنياكم وآخرتكم علي السواء .

وانقسم الناس بعد هذا الكلام إلي فريقين ، فريق يتهم البنا بالإساءة إلي الشيخ وإلي علماء الأزهر ، وبذلك فقد أساء إلي الإسلام .

وفريق آخر يري أن البنا لم يرد إلا أن يجتمع العلماء لنصرة الإسلام وأن الناس ستكون من خلفهم ، ولم ينته الأمر إلي شيء إلا أن ينتقلوا إلي بيت أحد المشايخ الذي كان موعد معهم لزيارتهم فانتقلوا إليه وتحري البنا مكانًا قريبًا من الشيخ الدجوي وانتهز فرصة وكلم الشيخ الدجوي مرة أخري في الأمر ، وأصر عليه فما كان من الشيخ الدجوي إلا أن أعطاه بعض النقل ووعده بالتفكير في الأمر ، فرفض البنا هذا التفكير وقال له وللعلماء من حوله : " سبحان الله يا سيدي إن الأمر لا يحتمل تفكيرا ، ولكن يتطلب عملاً ولو كانت رغبتي في هذه النقل وأمثالها لاستطعت أن اشتري بقرش وأظل في منزلي ولا أتكلف مشقة زيارتكم ، يا سيدي إن الإسلام يحارب هذه الحرب العنيفة القاسية ، ورجاله وحماته وأئمة المسلمين يقضون الأوقات غارقين في هذا النعيم ! أتظنون أن الله يحاسبكم علي هذا الذي تصنعون ؟ إن كنتم تعلمون للإسلام أئمة غيركم وحماة غيركم فدلوني عليهم لأذهب إليهم " فوجم الجميع وفاض عين الشيخ وبعض الحاضرين بالدمع ، ثم سأل الشيخ الإمام البنا وقال له : وماذا أفعل ؟ قال له الإمام البنا : أريد أن تحصر أسماء من تتوسم فيهم الغيرة علي الدين ليفكروا فيما يجب عمله ، يصدرون مجلة يردون فيها علي دعاة الإلحاد أو يؤلفون جمعيات يأوي إليها الشباب وينشطون حركة الوعظ والإرشاد ، ووافق الشيخ وتم كتابة أسماء العديد من العلماء والوجهاء حتى تكونت نواة طيبة من هؤلاء العلماء كان من نتيجتها ظهور مجلة الفتح الإسلامية التي رأس تحريرها الشيخ عبد الباقي سرور ، وكان مدير تحريرها السيد محب الدين الخطيب ثم آل تحريرها وإرادتها إليه ، وكذلك كان من ثمرتها جمعية الشبان المسلمين .

وظل حسن البنا يعيش بروح الداعية الذي يحب الخير للناس ويعتبر الدعوة إلي الله هي أفضل الأعمال وأزكاها ، وكلما سنحت له فرصة للتعبير عن ذلك بالفعل أو بالقول استغلها أفضل استغلال ، وعندما يطلب منه أستاذه في دار العلوم كتابة موضوع إنشاء يعبر فيه عن طموحاته وآماله كان أعظم آماله كما يقول في مذكراته : " وهو أن أكون مرشدا ومعلما إذا قضيت في تعليم الأبناء سحابة النهار ومعظم العام قضيت ليلي في تعليم الآباء هدف دينهم ، ومنابع سعادتهم ، ومسرات حياتهم ، تارة بالخطابة والمحاورة ، وأخري بالتأليف والكتابة ، وثالثة بالتجول والسياحة " وقد حقق الله له ذلك الأمر عندما أسس جماعة الإخوان المسلمين وأصبح مرشدا لها .


المبحث الثاني : حسن البنا بين السلفية والصوفية

السلفية :

نشأ حسن البنا في بيئة سلفية حيث كان والده أحمد عبد الرحمن البنا من علماء الحديث الذي ألزم نفسه وأهله بالتزام السنة ، واشتغل بعلم الحديث وقام بترتيب مسند الإمام أحمد ابن حنبل واهتم بعلوم السنة وغيرها من العلوم ، وقد حمل أهله علي اقتضاء الصراط المستقيم ، يقول إبراهيم البيومي غانم في – الفكر السياسي لحسن البنا - : " ويبدوا من استقرار سيرة الشيخ أحمد أنه كان يحمل نفسه وأهله علي اقتضاء الصراط المستقيم من أداء للفرائض والتزام بالسنن النبوية .

وقد كان لدي الشيخ أحمد مكتبة عظيمة أفاد منها الابن حسن الإفادة الكبيرة بالإضافة لتوجيهه الابن إلي كثرة المطالعة وحفظ القرآن ثم دفع الوالد بالابن إلي الشيخ محمد زهران ذلك العالم السلفي الذي وصفه حسن البنا بأنه " صاحب مدرسة الرشاد الدينية الرجل الذكي الألمعي ، العالم التقي ، الفطن اللقن الظريف ، الذي كان بين الناس سراجًا مشرقاً بنور العلم والفضل يضيء في كل مكان " الذي قام بتحفيظ الإمام البنا القرآن وكذلك تعليمه الإنشاء والقواعد والتطبيق والمطالعة والمحفوظات بالإضافة لسنة الرسول صلي الله عليه وسلم عن طريق حفظ أحاديث الرسول صلي الله عليه وسلم .

وكان هناك تعلق وحب شديد من الإمام البنا لأستاذه جعله يلازمه في كثير من أوقاته ويستفيد من مكتبته ، ويجالس العلماء الذين يأتون إلي الشيخ زهران مستمع إلي مناقشتهم ويتعلم منها .

وكان من نتاج هذه التربية التي أولاه إياها أبوه وشيخه وكذلك مشاركته ورئاسته لجمعية الأخلاق الأدبية وهو في المدرسة الإعدادية ، أن أصبح ذا شعور ديني قوى يدفعه إلي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاربة الرذائل والمنكرات ، سواء كانت اعتقاديه أو سلوكية أو غيرها من المنكرات ، ودفعته هذه التربية إلي تكوين جمعية منع المحرمات هو وبعض أقرانه والتي كانت مهمتها تتلخص في إرسال الخطابات إلي من يرتكبون بعض الآثام أو لا يحسنون أداء العبادات ، ولم يمنعه حبه واحترامه لشيخه الشيخ زهران حين رآه يصلي الظهر بين السواري ( سواري المسجد وذلك مكروه ) أن يرسل إليه خطابًا يذكره فيه بأنه عالم البلدة والذي يجب أن يبتعد عن المكروه ، وقد راجع الشيخ الحكم معه ووجد أن الصواب في جانبه وعندما مر علي الشاطئ ووجد أحد أصحاب السفن يعلق علي ساريتها تمثالا خشبيًا عاريا وأن هذا الجزء من النيل تتردد عليه الفتيات والسيدات يستقين منه الماء ، فهاله هذا المنظر وذهب من فوره إلي ضابط النقطة الذي كان إيجابيا وقام معه من فوره وأمر صاحب السفينة أن ينزل هذا التمثال من سارية السفينة .

وكان من نتاج هذه النشأة أيضًا محافظته علي أداء الصلاة في وقتها حتى لو تعارض ذلك مع أي شيء آخر ، فيروي البنا أنه كثيرا ما جادل أساتذته الذين جادلوه علي أداء صلاة العصر علي وقتها وقد كان وقت أذانها في أثناء الحصص ، وقد برزت آثار التربية السلفية علي حسن البنا في ملابسه وزيه ، فقد كان يذهب إلي المدرسة بالعمامة ذات العدبة ونعل كنعل الإحرام في الحج ورداء أبيض فوق الجلباب وذلك لأنها السنة ، ويدافع عن ذلك الزى وتلك الهيئة باعتبارها سنة الرسول صلي الله عليه وسلم ، ويحكي البنا ذلك في مذكراته فيقول : " لفت زيي نظر مدير التعليم إذ كنت ألبس عمامة ذات عدبة ونعلا كنعل الإحرام في الحج ورداء أبيض فوق الجلباب فسألني : لماذا ألبس هذا الزى ؟ فقلت : إنها السنة فقال : وهل عملت كل السنن ولم يبق إلا سنة الزى ؟ فقلت لا ونحن مقصرون كل التقصير ، ولكن ما نستطيع أن نفعله نفعله ، قال : وبهذا الشكل خرجت علي النظام المدرسي .

فقلت له : ولم يا سيدي ؟ إن النظام المدرسي مواظبة ... وأنا لم أعب عن الدروس أبدا ، وسلوك وأخلاق .. وأساتذتي راضون عني والحمد لله ، وعلم ودراسة .. وأنا أول فرقتي .

ففيم الخروج علي النظام المدرسي إذاً ؟ فقال : ولكنك إذا تخرجت وأصررت علي هذا الزى فسوف لا يسمح مجلس المديرية بتعيينك مدرسا حتى لا يستغرب التلاميذ علي هذا المظهر .

فقلت علي كل حال هذا لم يجيء وقته بعد ، وحين يجيء وقته يكون للمجلس الحرية ويكون لي الحرية كذلك ، والأرزاق بيد الله وليست بيد المجلس ولا الوزارة " .

وظل البنا محافظا علي هذا الزى حتى وصل إلي الفرقة الرابعة بدار العلوم فلبس لأول مرة (البدلة والطربوش) وإن ظل يكثر من لبس العمامة ذات العدبة والرداء الأبيض فوق الجلباب ، وظهرت آثار سلفية البنا حين دعوة الإخوان بأنها دعوة سلفية .

الصوفية :

بدأت علاقة الإمام البنا بالصوفية وهو بالمدرسة الإعدادية بالمحمودية حينما كان يواظب علي درس الشيخ زهران بين المغرب والعشاء ، فشاهد الجلسات التي كانت تعقد بعد العشاء وجذبه إليه أصواتهم المنسقة الجميلة وروحانيتهم الفياضة ، وسماحتهم مع الصبيان الصغار وتواضعهم لهم ، فواظب الصبي حسن البنا علي هذه الجلسات وتوطدت صلاته بالشباب منهم وتعرف في هذه الحلقات علي أحمد أفندي السكري .

ثم واظب البنا علي الوظيفة الزروقية صباحا و مساء والتي كانت عبارة عن بعض آيات القرآن وأحاديث من أدعية الصباح والمساء وضع والده عليها تعليقا جاء فيه بأدلة صيغها جميعًا تقريبًا من الأحاديث الصحيحة وسمي الرسالة " تنوير الأفئدة الزكية بأدلة أذكار الزروقية " .

ثم زاد تعلق البنا بالطريقة الحصافية ومؤسسها عندما قرأ كتاب " المنهل الصافي قي مناقب حسنين الحصافي " حيث تعرف علي شيخ الطريقة الأول ووجد أنه عالم أزهري تفقه علي مذهب الإمام الشافعي وبلغ درجة عالية من العلم ، وكان طائعًا لله محافظا علي عباداته ، ومؤديا للفرائض حريصا علي السنة والنوافل ، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر ، منتصرا للكتاب والسنة محاربا للبدع والخرافات التي كانت منتشرة في الطرق الصوفية حينذاك ، وكان أعظم ما أثر في نفس حسن البنا من سيرة هذا الشيخ هو أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ، لا يخاف في الله لومة لائم ، يأمر الكبار والصغار ، يأمر أتباعه ومريديه بالتزام السنة والشرع والبعد عن الخرافة وكذلك الكبار حتى الخديوي توفيق .

وكان من تعلق البنا بشيخ الطريقة أن رآه في المنام علي صورة رسمها له في خياله وزادته تعلقا به حيث يروي البنا : " وزادني تعلقا بالشيخ الجليل رحمه الله أنني رأيت في هذه الأثناء وعلي أثر تكراري للقراءة في المنهل ، فيما يري النائم أنني ذهبت إلي مقبرة البلد ، فرأيت قبرا فخما يهتز ويتحرك ثم زاد اهتزازه واضطرابه حتى انشق فخرجت منه نار عالية امتدت إلي عنان السماء ، وتشكلت فصارت رجلا هائل الطول والمنظر ، واجتمع الناس عليه من كل مكان فصاح فيهم بصوت واضح مسموع وقال لهم : أيها الناس إن الله قد أباح لكم ما حرم عليكم فافعلوا ما شئتم .

فانبريت له من وسط هذا الجمع وصحت في وجهه " كذبت " والتفت إلي الناس وقلت لهم : " أيها الناس هذا إبليس اللعين وقد جاء يفتنكم عن دينكم ويوسوس لكم فلا تصغوا إلي قوله ولا تسمعوا كلامه " فغضب وقال : " لابد من أن نتسابق أمام الناس فإن سبقتني ورجعت إليهم ولم أقبض عليك فأنت صادق " فقبلت شرطه وعدوت أمامه بأقصى سرعتي وأين خطوي الصغير من خطوة الجبار ، وقبل أن يدركني ظهر الشيخ – رحمه الله – من طريق معترض وتلقاني في صدره واحتجزني بيساره ورفع يمناه مشيرا بها إلي هذا الشيخ صائحًا في وجهه أخسأ يا لعين فولي الأدبار واختفي ، وانطلق الشيخ بعد ذلك فعدت إلي الناس وقلت لهم : أرأيتم كيف أن هذا اللعين يضلكم عن أوامر الله .

" وظل البنا معلق العقل بالشيخ وبالطريقة التي التقي بابن الشيخ وشيخ الطريقة السيد عبد الوهاب الحصافي الذي تلقي عن الطريقة الحصافية الشاذلية وبايعه وأذن له بأورادها ووظائفها .

لقد كان تعرف حسن البنا علي الطريقة الحصافية وانضمامه لها من عناية الله به ، فقد تعرف عليها وهو بين الثانية عشر من عمره في فترة البلوغ وفترة المراهقة فعصمه الانضمام من الانغماس في اللهو مثل أقرانه وكذلك عصمه من الانحراف ، وربت فيه مراقبة الله والخوف من عذاب الله والرغبة في جنته ، وكذلك وفرت له سبل تفريغ طاقته الروحية والجسمية بطريقة صحيحة .

وقد وجد الإمام في بعض من سبقه في الطريقة أمثلة للتعبد الصحيح وكذلك بعض أهل العلم .

وقد استفاد البنا من هذه الطريقة كثيراً .

فقد علمه شيخ الطريقة وابن مؤسسها الشيخ عبد الوهاب الحصافي البعد عن الجدل وعدم صرف الأوقات إلا في طاعة الله ، وعدم شغل أوقات الأتباع إلا بالمفيد النافع ، وقد كان الشيخ مثالا في ذلك وغيرها من الخصال النافعة " .

يقول الإمام الشهيد : " وجزي الله عنا السيد عبد الوهاب خير الجزاء ، فقد أفادتني صحبته أعظم الفائدة ، وما علمت عليه في دينه وطريقته إلا خيرا ، وقد امتاز في شخصيته وإرشاده ومسلكه بكثير من الخصال الطيبة : ومن العفة الكاملة عما في أيدي الناس ومن الجد في الأمور والتحرز من صرف الأوقات في غير العلم أو التعلم أو الذكر أو الطاعة أو التعبد ، سواء أكان وحده أم مع إخوانه ومريديه ، ومن حسن التوجيه لهؤلاء الإخوان وصرفهم عمليا إلي الأخوة والفقه وطاعة الله .

وأذكر من أساليبه الحكيمة في التربية أنه لم يكن يسمح للإخوان المتعلمين أن يكثروا الجدل في الخلافيات أو المشتبهات من الأمور أو يرددوا كلام الملاحدة أو الزنادقة أو المبشرين – مثلا – أمام العامة من الإخوان ، ويقول لهم : اجعلوا هذا في مجالسكم الخاصة تتدارسونه فيما بينكم ، فقد تعلق بنفس أحدهم الشبهة ولا يفهم الرد فيتشوش اعتقاده بلا سبب وتكونون أنتم السبب في ذلك .

وظهر أثر هذه التربية في توجيهات الإمام البنا لإخوانه مثل " دع المراء فإنه لا يأتي بخير " وقوله : " الواجبات أكثر من الأوقات فعاون غيرك علي أن ينتفع بوقته " .

وقد كان لبعض الإخوان الحصافية فضل علي البنا وأثر في تربيته الروحية من حسن صلته بالله ومراقبته وخوف من عذابه ورغبة فيما عند الله فقد كان الشيخ محمد أبو شوشة من رجال الحصافية وكان يجمع بعض الشباب ( وكان البنا يحضر هذه الاجتماعات ) ويذهب بهم إلي المقبرة حيث تتم زيارة القبور ثم يجلسهم في مسجد قريتهم .

يذكرون الله ويذكَُرهم ويعظهم ويعرفهم بسير الصالحين ويبصرهم بمصير الأولين والآخرين ، ثم يأمر بعضهم بنزول القبر والاضطجاع فيه حتى يتذكر مصيره ثم يأمرهم بالتوبة إلي الله وبالإقلاع عن المعاصي ، كما كان البنا يحضر دروسا في شرح الإحياء للشيخ حسن خزبك وكان يعتكف الليالي الكثيرة مع الإخوان الحصافية سواء في مسجد الحي أو مصلي الحطاطبة عند كوبري إفلاقة .

وكان انغماس البنا في التصوف ومع الإخوان الحصافية يتيح له تفريغ طاقته الجسدية ، فكان رغم قيامه الليل ومواظبته علي مجالسهم بدمنهور يحضر دروسه بالمدرسة ويذاكر هذه الدروس بجد واجتهاد ، فضلا عن مشاركته في الأنشطة الطلابية والأنشطة الاجتماعية ، وكذلك الأنشطة الوطنية ، وكان في أيام الجمع التي يقضيها في دمنهور يقوم هو وزملاؤه بزيارة مسجد إبراهيم الدسوقي سيرا علي الأقدام جيئة وذهابا يقطعون فيها حوالي أربعين كيلو متراً سيراً علي الأقدام .

أما إذا ذهب في نهاية الأسبوع إلي المحمودية فإن هناك برنامجًا يستنفد طاقات هذا الغلام فيقول الإمام : " كنت أنزل من قطار الدلتا إلي الدكان مباشرة ، فأزاول عملي في الساعات إلي قبيل المغرب حيث أذهب إلي المنزل لأفطر إذ كان من عادتنا صوم الخميس والاثنين ، ثم إلي منزل الشيخ شلبي الرجال أو منزل أحمد أفندي السكري للمدارسة والذكر ، ثم إلي المسجد لصلاة الفجر ، وبعد ذلك استراحة يعقبها الذهاب إلي الدكان وصلاة الجمعة والغداء والدكان إلي المغرب فالمسجد وفي الصباح إلي المدرسة ، وكان هذا البرنامج في الصيف يضاف إليه عمل جديد وهو المذاكرة كل صباح من طلوع الشمس تقريبًا إلي الضحوة الكبرى مع أستاذنا الشيخ محمد خلف نوح في منزله .

وقد ظل البنا في الطريقة الحصافية حتى أسس جمعية الإخوان المسلمين ، وقد تركت مرحلة التصوف آثارها علي نفس البنا وأثرت في دعوته ، فنجد البنا يسمي أذكار الصباح والمساء بالوظيفة ، وكذلك في نظام الكتيبة نجد فيها الصلاة والقيام والتقشف في المأكل والنوم وكذلك دروس التكوين الروحي ، كل ذلك من آثار الصوفية وتجده يذكر في خصائص دعوة الإخوان أنها حقيقة صوفية ، والبنا في ذلك يقصد بالصوفية ما كان يسميه " علوم التربية والسلوك " وهي التي ترسم له طريقة خاصا من مراحل الذكر والعبادة ومعرفة الله ، ونهايته تكون إلي الجنة ومرضاة الله وهذا الذي قصده البنا من أن دعوته حقيقة صوفية .

المبحث الثالث : البنا والحركة الوطنية

البنا فى إحدى المظاهرات

" علي الرغم من انضمام البنا وهو في سن صغيرة إلي الصوفية وانشغاله بالأوراد والصلاة وزيارة الأولياء ، إلا أن ذلك لم يمنعه وهو تلميذ في الإعدادية ، وفي سن الثالثة عشر من المشاركة في الحركة الوطنية وقيادة زملائه في المظاهرات والإضرابات التي كانت تنظم في المدرسة ، بل يكتب شعرا يرثي فيه الزعيم الوطني محمد فريد ، ويهاجم في إصرار لجنة "ملنر" ولقد جمع من هذه البواكير ديوانًا كبيرا .

يقول الإمام البنا : " ولازلت أذكر يوم دخل علينا أستاذنا الشيخ محمد خلف نوح – المدرس بالمعارف بالإسكندرية – والدموع تترقرق في عينيه فسألناه الخبر فقال : " مات محمد فريد بك " وأخذ يحدثنا عن سيرته وكفاحه في سبيل الوطن حتى أبكانا جميعًا وأوحت لي هذه الذكري ببعض الأبيات لازلت أحفظ مطلعها وشطراً آخر :

أفــريد نم بالأمـن والإيـمـان

أفــريد لا تـجـزع عـلـي الأوطـان

أفــريد تفـديـك البـلاد بـأسـرهــا

ولازلت أذكر حديث الناس حول لجنة ملنر وإجماع الأمة علي مقاطعتها ، وكيف كان هذا الشعور فياضا غامرا حتى إنه يدفع بتلميذ الثالثة عشر إلي أن يقول :

يـا مـلـنـر ارجـع ثـم سـل

وفــدا ببــاريـس أقــام

وارجـع لقــومك قــل لـهـم

لا تـخـدعـوهم يـا لـئـام

في قصيدة طويلة لا أذكر منها إلا هذين البيتين .

وبعد أن انتقل إلي مدرسة المعلمين بدمنهور استمر حسن البنا في المشاركة في فعاليات العمل الوطني ضد الإنجليز وأعوانهم ، وقد كان في المقدمة من زملائه حيث كان رغم اشتغاله بالتصوف يعتقد أن الخدمة الوطنية جهاد مفروض لا مناص منه ، وكان للبنا دور بارز مع الطلاب في قيادة الإضرابات حيث كان المجموعة القيادية ، يقول البنا : ( ولست أنسي أستاذنا الشيخ الدسوقي موسي ناظر المدرسة الذي كان يخشي هذه التبعات كثيرا وقد أخذ بيدنا إلي مدير البحيرة حينذاك – محمود باشا عبد الرازق – وألقي مسئولية إضراب الغير علينا ، وقال : إن هؤلاء هم الذين يستطيعون أن يقنعوا الطلاب بالعدول عن إضرابهم .

وعبثا حاول محمود باشا أن يقنعنا بالوعد أو الوعيد أو بالنصح ، ثم صرفنا علي أن نتدبر الأمر . فكان تدبيرنا أن أوزعنا إلي الطلاب جميعًا بالتفرق في الحقول المجاورة طول اليوم وكان يوم 18 ديسمبر ذكري الحماية البريطانية ، وذهبنا نحن إلي المدرسة وسلمنا أنفسنا لإدارتها وانتظرت وانتظرنا من يجيء ولا من يجيب ، فانصرفنا بعد فترة رغم الإضراب وانتهي اليوم بسلام .

بل إن البنا ليشارك في الإعداد للإضراب ويواجه ضابط البوليس الذي جاء ليقبض عليه وزملائه ، ويذكره بواجبه الوطني حتى يرجع الضابط عن مهمة القبض عليهم ويطمئنهم ويؤمنهم ، فكان مما قاله البنا للضابط ليصرفه : " إن واجبه الوطني يفرض عليه أن يكون معنا ، لا أن يعطل عملنا ويقبض علينا ، ولا أدري كيف كانت النتيجة .

إنه استجاب لهذا القول فعلا ، فخرج وصرف عساكره وانصرف معهم بعد أن طمأننا " .


المبحث الرابع : علاقة الإمام البنا بزعماء التيار الإسلامي المعاصرين له

لقد كان للإمام البنا علاقات واسعة بكل زعماء التيار الإسلامي المعاصرين له ، وتأثر بهم وأثر فيهم ومن هؤلاء :

1– السيد / رشيد رضا :

كان الإمام البنا علي صلة وثيقة بالشيخ رشيد رضا وأسرته منذ كان طالبًا بدار العلوم ، وكانت دار مجلة المنار ملتقاه بأكثر من التقي بهم من رجالات الحركة الإسلامية في ذلك العهد ، واتخذت أكثر المقررات في مواجهة المؤامرات ضد الإسلام في تلك الدار ، وظل الأستاذ علي اتصال بالشيخ بعد قيام دعوة الإخوان وكان يستشيره في كثير من الأمور .

وقد أشار البنا إلي لقاءاته المتكررة به ، وحرصه علي قراءة المنار وأثني كثيراً علي جهود رشيد رضا ومجلته ، واعتبر أنها " أسست مدرسة فكرية إسلامية تقوم علي قواعد الإصلاح الإسلامي الجليل لازالت آثارها باقية في نفوس النخبة المستنيرة من رجال الإسلام ، ووقفت للملحدين والإباحيين والجامدين بالمرصاد في مصر وغيرها من الأقطار .

وقد تولي البنا تحرير مجلة المنار بعد وفاة الشيخ رشيد رضا بعدة سنوات ، واجتهد البنا أن تصدر بنفس شكلها القديم فقام باستكمال تفسير القرآن من حيث انتهي الشيخ رشيد ، وكان حريصًا علي أن يكون بنفس أسلوبه " تفسير سلفي أثري مدني عصري إرشادي اجتماعي سياسي " وقام بشرح هذا الأسلوب في أول حلقة من تفسيره ، ثم إضافة إلي التفسير قام بتحرير " فتاوى المنار " ليرد فيه علي أسئلة القراء ، وباب " موقف العالم الإسلامي السياسي " ليورد فيه أهم أخبار العالم الإسلامي ، ويعلق عليها .

كما دأب علي نشر سلسلة من المقالات للشيخ رشيد رضا اعترافًا بفضله ، وتأكيداً لتعاليمه .

وقد كان البنا يعتبر جماعة الإخوان المسلمين الجماعة التي تمني الشيخ رشيد رضا أن يوجدها حيث قال : " سيكون المنار منذ هذا العام ( 1354هـ - 1935م ) لسان جماعة للدعوة إلي الإسلام وجمع كلمة المسلمين ، أنشئت لتخلف جماعة الدعوة والإرشاد .

لذلك فقد كتب البنا في افتتاحية المنار بعد استأنف تحريرها يقول معلقًا علي أمنية الشيخ رشيد السابقة : " يا سبحان الله إن جماعة الإخوان المسلمين هي الجماعة التي كان يتمناها السيد رشيد رضا رحمه الله ، ولقد كان يعرفها منذ نشأتها ، ولقد كان يثني عليها في مجالسه الخاصة ، ويرجو لها خيراً كثيراً ، ولقد كان يهدي إليها مؤلفاته فيكتب عليها بخطة : " من المؤلف إلي جماعة الإخوان المسلمين النافعة " ولكنه ما كان يعلم أن الله قد ادخر لهذه الجماعة عبئه / وأن تتم ما بدأ به ، وأن تحقق فيها أمنية من أمانيه " .

ولقد ظل البنا متأثراً بالشيخ رشيد رضا حتى النهاية خاصة بمنهجه في تحرير المنار ، فعندما أصدر البنا مجلة الشهاب أكد مجدداً في افتتاحية عددها الأول علي وفائه للشيخ رشيد رضا ، وأمنيته أن تسير " الشهاب " علي أثر " المنار " وقد كان إلا أنه لم يصدر منها سوي خمسة أعداد فقط ثم أغلقت .

2 – الشيخ / محب الدين الخطيب :

ترجع أهمية شخصية السيد محب الدين الخطيب – وهو من أصل سوري – إلي اعتبارات عديدة تتصل بثقافته الواسعة ونشاطه الحركي المكثف ، وخاصة في ميدان عضويته وتكوين الجمعيات والأحزاب والتنظيمات العلنية والسرية في بلدان عربية مختلفة ، ومن ذلك قيامه بتأسيس حلقة دمشق الصغرى أسوة بحلقة دمشق الكبرى التي أسسها الشيخ طاهر الجزائري ، وعضويته بجمعية النهضة العربية ، وبحزب اللامركزية العثمانية ، ومشاركته في تأسيس جمعيته العربية الفتاة وغيرها ، وكان علي صلة بدائرة واسعة من الشخصيات والقيادات الفكرية والسياسية البارزة من أمثال الشيخ طاهر الجزائري ، والشيخ جمال الدين القاسمي ، ورفيق العظم ، ومحمد كرد علي ، وعبد الحميد الزهراوي ، والسيد رشيد رضا ، وغيرهم .

وبعد أن استقر به المقام في مصر نشط في مجال الصحافة والنشر والدعوة للإصلاح والتحذير من المخاطر التي يتعرض لها المسلمون ، وركز علي دعوته في الإصلاح علي ناحيتين : الصحافة والتربية ، وإصلاح نظام التعليم ، وفي عام 1343هـ- 1924م أعاد تأسيس المكتبة السلفية ، وأنشأ المطبعة السلفية التي صدرت عنها مجلة الفتح ثم كان من أبرز مؤسسي جمعية الشبان المسلمين ( 1346هـ - 1927م ) .

عرف الإمام البنا محب الدين الخطيب أثناء دراسته في دار العلوم ، حيث كان يتردد علي المكتبة السلفية : " حيث نلقي الرجل المؤمن المجاهد العامل القوى العالم الفاضل الصحفي الإسلامي القدير : السيد محب الدين الخطيب " وكان يتلقي فيها بكثير من كبار العلماء وكتاب مجلة الفتح " أمثال الشيخ رشيد رضا والشيخ مصطفي صبري والشيخ محمد الخضر حسين ، والشيخ يوسف الدجوي ، والشيخ عبد الوهاب النجار " وقد أورد في مذكرات الدعوة والداعية ما يؤكد أنه كان وثيق الصلة بمعظمهم .

وقد شارك البنا بجهد كبير – بل لعله كان بمثابة الشرارة الأولي – ضمن الجهود التي ظهرت علي أثرها مجلة الفتح ، ثم تأسست في العام التالي لها جمعية الشبان المسلمين ، يبدو ذلك – طبقاً لما يرويه البنا – أنه ارتبط مع السيد محب الدين الخطيب بصلة وثيقة ، حيث نشرت أولي مقالاته – وكان لا يزال شابًا حديث التخرج – في مجلة الفتح ، وعندما صدرت مجلة الإخوان المسلمين الأسبوعية أسندت إدارتها إليه ، وطبعت بالمطبعة السلفية لمدة عامين ، كما أسهم محب الدين الخطيب في تحرير جريدة الإخوان المسلمين اليومية بعد ذلك ، وكان يرأس القسم المتعلق بالعالم الإسلامي .

3 – الشيخ / يوسف الدجوي :

كان الشيخ يوسف الدجوي من كتاب مجلة الفتح ، وكان البنا يقرأ له كثيراً ويلتقي به مع باقي العلماء في المكتبة السلفية ، وكان الرجل سمح الخلق ، حلو الحديث ، صافي الروح بحكم النشأة الصوفية ، وكان بين البنا وبينه صلة روحية وعلمية حملته علي زيارته الفينة بعد الفينة ، وكان بين البنا بما في نفسه من الإصلاح وضرورة مواجهة الملحدين والإباحيين وجرائدهم ومجلاتهم بعمل إيجابي ، وظل البنا يلح عليه إلي أن استجاب وبدأ العمل فظهرت مجلة الفتح ، ثم تكونت بعدها جمعية الشبان المسلمين .

4 – الأستاذ / محمد فريد وجدي :

كان الأستاذ محمد فريد وجدي ( 1295- 1373هـ = 1878- 1954م ) من رواد تجديد الفكر الإسلامي عن طريق استيعاب ونقد الفكر الغربي ، وهو صاحب مجلة الحياة ، ودائرة معارف القرن العشرين ، وله مؤلفات كثيرة أخري ، وكانت له آراء كثيرة أثارت الجدل وتعددت بشأنها وجهات النظر.

وكانت للشيخ أحمد عبد الرحمن البنا – والد حسن البنا – صداقة بالأستاذ محمد فريد وجدي ، فكان حسن البنا أثناء وجوده في القاهرة كثيراً ما يذهب إليه حيث كانت داره مجتمع الفضلاء من الناس يتدارسون علومًا شتى ثم يخرجون للنزهة .

وحدث ذات مرة أن دارت بين البنا والأستاذ محمد فريد وجدي مناقشة حول شخصية الأرواح يقول البنا : إذا كان فريد بك يري أن الأرواح التي تستحضر هي أرواح الموتى أنفسهم ، وأري غير ذلك ، وتشعب بنا البحث في هذه الناحية وانتهينا وكل عند وجهة نظره ، وقد أفدت كثيراً من هذه المجالس حينذاك " .

5 – الشيخ / طنطاوي جوهري :

عمل أستاذاً بدار العلوم فترة طويلة ، وكان ذائع الصيت في مصر وفي خارج مصر ، وكثيراً ما كان يقصده العلماء من البلاد الشرقية ومن الغرب : من أمريكا وإنجلترا وفرنسا ، يتلقون علي يديه علومًا معينة ، وكان يلقب " بحكيم الإسلام " وله كتب عديدة ، أهمها تفسيره للقرآن المسمي " الجواهر " بلغ 32 جزءاً تقريبًا وقيل عن علمه : " لا ينحصر في دائرة محدودة " .

وبعد اقتناع الشيخ طنطاوي جوهري بالدعوة قال له الشيخ البنا : يا سيدي الأستاذ إنك أستاذنا وأستاذ الجميع ، وأنت حكيم الإسلام ، وأراك أحق بمنصب الإرشاد لهذه الدعوة مني وهذه يدي أبايعك .. فقال الشيخ : لا يا أخي .. أنت صاحب الدعوة وأنت أقدر عليها وأنت أقدر بها ، وأنا أبايعك علي ذلك ، ومد يده فبايعه ، ولم ينكث – رحمه الله – بيعته إلي أن لقي ربه .

كان الشيخ طنطاوي جوهري يحاول من خلال جهوده العلمية المكثفة أن يؤكد أن الإسلام دين العقل والتجدد لا دين التسليم والتقليد ، وقد تميز منهجه في هذا الصدد " باستخدام أساليب الغرب المهاجم بعد استيعابها والاستفادة منها ، ولذلك دعا علماء المسلمين وشبابهم إلي الاستعانة علي توثيق إيمانهم بدراسة العلوم الطبيعية الحديثة ، وحثهم علي ارتياد آفاق المعرفة ، واعتبار ذلك تكليفًا شرعيًا يتم به إيمانهم ويصبحون أهلا لأن يستخلفهم الله في إصلاح الأرض وهداية أهلها .

سمع الشيخ طنطاوي جوهري عن الشيخ حسن البنا ، فذهب إليه وسأله إلام تدعو ؟ قال : أدعو إلي القرآن فقال : دع هذا اللفظ الكريم من حديثنا فإن هذا اللفظ مظلوم ظلمًا من فرقة قامت في الدولة الإسلامية مهما كانت زائفة عن الإسلام إلا وادعت أنها تدعو إلي القرآن ، فأجبني بتفاصيل ما تدعو إليه في كل ناحية من نواحي الحياة .

قال : فشرح لي تفاصيل دعوته فوجدتها في حدود كتاب الله .."

ثم عايش الشيخ طنطاوي جوهري الشاب حسن البنا فرأي فيه صفات القائد الذي يفتقده العالم الإسلامي في آرائه وفهمه لكتاب الله ، وإحاطته بالتاريخ ، وفهمه للمجتمع الذي يعيش فيه ، وذكائه ، وألمعيته ، وشخصيته الأخاذة ، ومقدرته علي جمع الناس علي دعوته ، صبره علي المكاره ، وتعففه عما في أيدي الناس ، وبذله في سبيل دعوته ، ولين جانبه ، وتواضعه بحيث لا تكاد تميزه من أتباعه .

وهكذا كانت تربط البنا بكثير من العلماء وقيادة الفكر في المجتمع صلات كثيرة ووثيقة ، تعرضنا لبعضهم علي سبيل المثال ، ونذكر منهم أيضاً الأمير شكيب أرسلان ، والشيخ مصطفي صبري المنفلوطي ، ومصطفي صادق الرافعي ، وتيمور باشا ، ومحمد إقبال ، وغيرهم ، وهذا يوضح لنا المناخ الفكري العام الذي أحاط بالإمام من خلال هؤلاء وأمثالهم ما يمكن أن يكون قد تأثر به البنا بشكل أو بآخر ، وكان له بعد ذلك أن يأخذ ويدع ، ويقبل ويرفض ، وينتقد ويصحح ، حسب فكره ومنهجه ، ودعوته .


المبحث الخامس : شيوخ الإمام البنا وبعض تلاميذه

لقد كان لنشأة حسن البنا في بيت صالح ، وتعلمه علي يد أساتذة أجلاء أثر كبير في حياته وثقافته ، نظراً لأن البنا تدرج في التعليم بدءاً من التعليم في مدرسة الرشاد الدينية حتى تخرجه في دار العلوم ، فقد أخذ عن كثير من الأساتذة وتأثر بهم ، إضافة إلي غيرهم من المشايخ في كان يحضر دروسهم ، ومن هؤلاء الأساتذة الذين أخذ عنهم حسن البنا .

أولاً : شيوخ الإمام البنا

1 – والده الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا

وقد سبق التعريف بالشيخ رحمه الله .


2 – الشيخ محمد زهران

الشيخ محمد زهران أحد علماء المحمودية ، اشتغل بتعليم الأطفال وتحفيظهم القرآن الكريم ، وكان يدرس للعامة في المسجد ويفقه السيدات في البيوت .

وكان ذا همة عالية وغيرة شديدة دفعته لإنشاء مدرسة الرشاد الدينية سنة 1333هـ - 1915م لتربية النشء ، وأصدر مجلة شهرية هي " مجلة الإسعاد " التي ظل يحررها حتى سنة 1347هـ - 1928م ، وتتناول تعاليم الدين وأسراره ، وفوائد في التاريخ واللغة والأدب والشئون الاجتماعية ، وكان له أسلوب مؤثر يعتمد علي المشاركة الوجدانية بينه وبين طلابه يحاسبهم علي تصرفاتهم حسابًا دقيقاً ؛ فيجازيهم علي الإحسان أو الإساءة جزءاً أدبيًا يبعث في النفس نشوة الرضا والسرور مع الإحسان كما يذيقها قوارص الألم والحزن مع الإساءة .

وقد التحق حسن البنا بمدرسة الرشاد الدينية وهو في الثامنة من عمره ، وقد درس فيها البنا الأحاديث النبوية ، فكان الشيخ محمد زهران يتناول كل أسبوع شرح حديث ويحفظه للصبيان ، حتى ينتهي العام وقد حفظ كل منهم كثيراً من الأحاديث النبوية .

ودرس البنا كذلك في مدرسة الرشاد الدينية الإنشاء والقواعد والتطبيق والأدب والمطالعة والإملاء والمحفوظات النثرية والشعرية .

وقد توطدت علاقة حسن البنا بشيخه محمد زهران لعلاقة والده به ، فكان كثيراً ما يصحبه إلي مكتبته ويطلعه علي ما فيها من فنون العلم ينهل ما يشاء منها ، ويحضر مجالسه العلمية مع أصحابه فيستمع البنا إلي ما يدور بينهم من مناقشات علمية .

وقد استفاد حسن البنا من تلمذته للشيخ محمد زهران استفادة ثقافية كبيرة حيث كانت معظم محفوظات البنا من الحديث الشريف ترجع إلي ما حفظه من شيخه محمد زهران ، إضافة إلي قراءته في مكتبته وحضور مجالسه ، واستفاد كذلك من أسلوبه التربوي في التدريس وعلاقة المدرس بتلميذه .

وقد ترك البنا مدرسة الرشاد وهو في الثانية عشر من عمره لما شغل عنه شيخه ولم يحفظ إلا نصف القرآن ليلحق بالمدرسة الإعدادية ، محملاً بحب شيخه وتقديره .


3- الشيخ عبدالوهاب الحصافي

هو شيخ الطريقة الحصافية في دمنهور خلفا لوالده الشيخ حسنين الحصافي ، وقد تلقي عنه حسن البنا – أثناء دراسته في مدرسة المعلمين بدمنهور – الطريقة الحصافية ووظائفها في 4 رمضان 1341هـ وقد استفاد البنا من الأساليب التربوية الصوفية من صيام وعزلة وصمت وزيارة للأولياء وغيرها .

وتأثر أيضًا بسيرة الشيخ حسنين الحصافي بعد أن قرأ كتاب " المنهل الصافي في مناقب حسنين الحصافي " في سيرته وأعجب البنا بشدته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهما كان في حضرة عظيم .

ومن خلال مصاحبته للشيخ عبد الوهاب الحصافي لمس فيه البنا من خلال الطيبة وتأثر بها في عدم الخوض في الخلافات أو المشتبهات من الأمور ، والجد والتحرز من صرف الأوقات في غير العلم أو التعليم أو الذكر أو الطاعة .

وقد ظل البنا علي تقديره للشيخ عبد الوهاب الحصافي ووالده بعدما أنشأ جمعية الإخوان المسلمين .


4- الشيخ محمد أبو شوشة

الشيخ محمد أبو شوشة أحد تجار المحمودية ومن صالحيها ، وكان كثيراً ما يأخذ نفسه بالجد والاجتهاد في العبادة وتذكر أمور الآخرة ، ويقص عليهم بالمسجد حكايات الصالحين وأخبارهم فكان له أثر في تربية البنا الروحية .

وقد توافر للإمام حسن البنا في مدرسة المعلمين كثير من الأساتذة الذين تميزوا بالصلاح والخير والروح العلمية التي تشجع الطلاب علي البحث والدرس ومنهم : الشيخ عبد الفتاح أبو علام: أستاذ الشريعة والتفسير والحديث بمدرسة المعلمين بدمنهور ، وكان البنا كثيراً ما يتناقش معه حول ما يوجه للتصوف من نقد ، وكان أستاذه يغمره بمحبته ورغبته في توجيهه ، ولذلك كان البنا يحبه ويقدره .

ودرس له أيضًا الأستاذ عبد العزيز عطية مادة " التربية العملية " وقد لمس في البنا نبوغًا وذكاء فريداً ، فكان يشجعه علي القراءة والدرس ، واختصه بتصحيح بعض بروفات كتابه " المعلم " في التربية الذي يكاد يطبع في ذلك الوقت بدمنهور .

ولما التحق حسن البنا بدار العلوم أخذ العلم عن أساتذتها ، ومنهم الشيخ محمد عبد المطلب وهو أحد الشعراء المشهورين في العصر الحديث ، ويوصف بأنه حجة في الأدب واللغة ، وله اهتمامات علمية متنوعة حتى أنه وضع سلسلة من الروايات التاريخية التمثيلية .

كما تلقي كذلك عن الشيخ موسي أبو قمر رجلاً كريمًا جواداً وكان حسن البنا علي علاقة طيبة به ، والشيخ أحمد بدير والشيخ علام موسي الذي برع في الأدب ، والأستاذ أحمد يوسف نجاتي الذي امتحنه الشفوي حين تقدم لامتحان دار العلوم .


ثانياً : تلاميذ الإمام البنا

بذل حسن البنا جهوداً كبيرة في سبيل نشر الدعوة وساح في أنحاء القطر المصري والتقي بكثير من الشخصيات التي آمنت بالدعوة وحملت لواء نشرها ، حتى انتشرت في ربوع القطر المصري وخارجه ، وتواصلت الأجيال التي حملت لواء الدعوة جيلاً بعد جيل حتى عصرنا هذا ، ولذلك فإننا إذا تحدثنا عن تلامذة الإمام البنا ، فإنما نتحدث عن كل من ينتمي إلي الإخوان المسلمين في مصر والعالم العربي والإسلامي ، فإن هؤلاء جميعًا استوعبوا فكر حسن البنا ودعوته وجاهدوا في سبيلها وإن لم يتلقوا جميعًا منه فقد تلقوا عن تلامذته ، وما تركه من تراث مكتوب ، ولذلك فإنه يصعب علينا أن نشير إلي جميع تلامذته ، وما تركه من تراث مكتوب ، ولذلك فإنه يصعب علينا أن نشير إلي جميع تلامذة الإمام حسن البنا ، لذا فإننا سنكتب إلماحة موجزة عن بعض تلامذته من القيادات الإخوانية مثل :

1 – الأستاذ عمر التلمساني

هو الداعية المربي الأستاذ عمر عبد الفتاح بن عبد القادر مصطفي التلمساني ، تولي منصب المرشد العام للإخوان المسلمين بعد وفاة المرشد الثاني الأستاذ حسن الهضيبي في نوفمبر 1973م ، ترجع أصوله إلي " تلمسان " بالجزائر ، ولد في مدينة القاهرة 1322هـ - 1904م بالغورية ، عمل بالمحاماة وعرف عنه الصلابة والقوة داخل السجون التي قضي بها أكثر من سبعة عشر عامًا حيث دخلها عام 1948م ، ثم عام 1954م ، ثم عام 1981م كما عرف بالزهد والتعفف والخشية من الله وحده دون سواه والحرص علي مرضاته ، توفي في الثالث عشر من رمضان 1406هـ الموافق 22/ 5/1986م بالمستشفي بعد معاناة مع المرض تاركًا ولدين وبنتين ....لمزيد من المعلومات

2 – الأستاذ محمد حامد أبوالنصر

هو رابع مرشد للإخوان المسلمين من مواليد 1913م بمدينة منفلوط أحد مراكز أسيوط وكان يعمل مدرسًا إلي جانب أنه من أعيان البلد , وكان جده من كبار علماء الأزهر ، تعرف علي الدعوة من خلال لقاء الإمام البنا معه عام 1934م فبايعه ولم يمر سوي يوم واحد علي تعرفه به واستمر عضواً في مكتب الإرشاد ولم يخرج منه إلا مرة واحدة في أول مكتب إرشاد شكل بعد تولية المرشد الثاني الأستاذ حسن الهضيبي , تم الحكم عليه في أحداث 1954م ، ولم يخرج إلا في عهد الرئيس أنور السادات وبعد خروجه من الأشغال الشاقة المؤبدة صدر قرار بتحديد إقامته في منزله ، وكان ذلك بسبب إرساله المأكولات والملابس والأدوية إلي إخوانه في السجن ، ظل جنديًا في الدعوة في جميع أطوارها ومراحلها حتى تولي قيادة الجماعة في عام 1986م عقب وفاة المرشد الثالث الأستاذ عمر التلمساني وتوفي رحمه الله في يناير 1996م ....لمزيد من المعلومات عن الأستاذ محمد حامد أبوالنصر

3 – الأستاذ كامل إسماعيل الشريف

من قادة كتائب الإخوان في حرب فلسطين عام 1948م ، خرج من مصر عام 1954م وقام عبد الناصر بسحب الجنسية منه ، ولذلك تجنس بالجنسية الأردنية وعينه الملك حسين وزيراً للأوقاف بعد ذلك وله كتابات منها " المقاومة السرية في قناة السويس " ، و " الإخوان المسلمون في حرب فلسطين " ....لمزيد من المعلومات عن الأستاذ كامل الشريف


4 – الأستاذ الشهيد محمد فرغلى

كان الشيخ محمد فرغلى داعية من دعاة الإسلام ومن الرعيل الأول من الإخوان المسلمين , عمل مع الشهيد حسن البنا منذ بدأ دعوته في الإسماعيلية , واختاره الإمام الشهيد لمسئوليات كبار فكان عند حسن الظن به , فكان محدثًا وموجهًا للإخوان في دروس الكتائب والمعسكرات والأسر والرحلات , كما كان رئيس الأخوان بمنطقة الإسماعيلية ولم يكن الشيخ من ذلك النوع من شيوخ الدين الذين يتعلقون بالقشور ويبحثون عن المناصب والمراكز , ولكنه كان مجاهدًا بحق وحسبه أنه ترك وظيفته وأهله , وذهب إلي فلسطين مع رجال جماعته من المجاهدين ، وحين نشبت معركة قناة السويس ترك أهله مرة أخرى واندمج بكليته في المعركة حيث قرر التصدي للإنجليز بالقوة ومقاومتهم وضربهم في أوكارهم ومعسكراتهم ، حتى أصبح هو ويوسف طلعت يحسب لهما الإنجليز وأعوانهم حسابًا شديدًا ويرصدون تحركاتهم ويرصدون جائزة كبرى لرأسه حيًا أو ميتًا ولكنهم لم يفلحون ، وكان من المبادرين إلي الجهاد في فلسطين 1948م فدخلها علي رأس قوة من مجاهدي الأخوان المسلمين ، وكان من أبرز قادة الأخوان الذين قاموا بتدريب إخوانهم الفلسطينيين وشاركوهم في اقتحام مواقع اليهود ومهاجمة مستعمراتهم الذين كانوا يتركونها دون مقاومة بفضل جرأة وإقدام هذا الشيخ وأتباعه ، ونال الشهادة في سجون عبد الناصر علي حبل المشنقة هو وإخوانه الشهداء الخمسة الذين أعدموا جميعًا يوم 7/ 12/ 1954م إرضاء لليهود والإنجليز والأمريكان والروس ، ولكن الشيخ المجاهد وقف شامخ الرأس أمام حبل المشنقة باسمًا في إقدام ، فرحًا في إيمان ، مرددًا قول من سبقوه من إخوانه وهم يمضون في طريق الشهادة وقال قولته الشهيرة : " إنني مستعد للموت ، فمرحبًا بلقاء الله "

وأوردت "مجلة باري ماتش" الفرنسية في عددها الصادر يوم 8/12/1954م الخبر التالي : " في الساعة السادسة من صباح أمس 7/12/1954م رفع العلم الأسود علي سجن القاهرة وسيق المحكوم عليهم بالإعدام يسيرون بأقدام عارية ، وملابس الإعدام الحمراء , وبدأ تنفيذ الأحكام في ستة من الإخوان المسلمين هم : محمود عبد اللطيف , يوسف طلعت ، هنداوى تدوير، إبراهيم الطيب ، محمد فرغلى ، عبد القادر عودة ، الساعة الثامنة ، وقد ذهب المحكوم عليهم إلي المشنقة بشجاعة منقطعة النظير ، وهم يحمدون الله علي حصولهم علي شرف الشهادة ، وقال الشيخ محمد فرغلى : " أنا علي استعداد للموت فمرحبًا بلقاء الله " ولقد عم العالم العربي والإسلامي موجة من السخط الشديد والاستنكار الغاضب ، وأعلن الحداد في بلاد الشام وغيرها علي هؤلاء الشهداء ....لمزيد من المعلومات عن الشيخ محمد فرغلي

5 – المستشار عبدالقادر عودة

ارتبط المستشار عبد القادر عودة بجماعة الإخوان في أوائل الأربعينيات ، واختبر وكيلاً للجماعة في عهد المستشار الهضيبي المرشد الثاني للإخوان المسلمين ، وقاد مظاهرة 28 فبراير 1954م التي اضطرت ضباط الثورة إلي إعادة محمد نجيب إلي رئاسة الجمهورية ، وطالبت بالقصاص من جمال عبد الناصر للقتلى الذين سقطوا عند قصر النيل يوم المظاهرة ، ولم تنصرف المظاهرة إلا بأمر عبد القادر عودة ، وكان ثمن هذا الموقف أن حكم عليه جمال عبد الناصر بالإعدام عقب تمثيلية المنشية 1954م ، وأهم كتبه : " التشريع الجنائي في الإسلام " ....لمزيد من المعلومات عن المستشار عبدالقادر عودة

6 – الأستاذ صالح عشماوي

هو رائد الصحافة الإسلامية ، الأستاذ صالح مصطفي عشماوي من مواليد القاهرة في 24/12/1910م ، وحفظ القرآن الكريم وهو صغير وتخرج في كلية التجارة 1932م وكان أول دفعته ، عمل بالمصرف الأهلي لمدة سنة واحدة ثم تركه لتعامله بالربا ثم عمل بالأعمال الحرة ، اتصل بدعوة الإخوان المسلمين عام 1937 وأسند إليه رئاسة تحرير " مجلة النذير " ورئاسة تحرير "مجلة الإخوان المسلمين " الأسبوعية سنة 1943 ، ورئاسة تحرير الجريدة اليومية سنة 1946م ، ورأس تحرير " مجلة المباحث القضائية " و" مجلة الدعوة " سنة 1951م وظل يعمل بها حتى عام 1954 حين تم اعتقال الإخوان المسلمين ومصادرة مؤسساتهم وتعطيل نشاطهم ، إلا أنه ظل يصدر بعض الأعداد كل فترة حتى لا تسقط الرخصة .

وبعد خروج الإخوان المسلمين من السجون عام 1974م ذهب إلي الأستاذ " عمر التلمساني " المرشد الثالث للإخوان آنذاك ووضع نفسه ومجلته تحت تصرف الإخوان حيث تمت إعادة إصدارها سنة 1976م وظلت تعمل حتى عطلت وسحب ترخيصها عام 1981م ، وتدرج في دعوة الإخوان المسلمين حتى صار وكيلاً لها إبان وفاة الإمام الشهيد حسن البنا ، فتولي المسئولية أما الإخوان لمدة 30 شهراً حتى تم اختيار الأستاذ حسن الهضيبي كمرشد عام للإخوان ، واعتقل بعد حل الإخوان في 8/12/1948م أيام حكم محمود فهمي النقراشي وكذلك إبان قرارات سبتمبر 1981م في عهد الرئيس السادات ، انتقل إلي جوار ربه عمر يناهز 72 عامًا يوم الأحد 11/12/1983م تاركًا ولداً وبنين ....لمزيد من المعلومات عن الأستاذ صالح عشماوي

7 – الشيخ محمد الغزالي

هو الداعية المجدد الشيخ محمد الغزالي السقا ، ولد في 22/9/1917م في قرية " تكلا العنب " من " إيتاي البارود " بمحافظة البحيرة بمصر ، حفظ القرآن الكريم وعمره عشر سنوات ، وتلقي تعليمه في كتاب القرية ثم التحق بالمعهد الديني بالإسكندرية ، حيث أكمل المرحلتين الابتدائية والثانوية ، ثم انتقل للقاهرة حيث درس بكلية أصول الدين سنة 1937م وحصل علي الشهادة العالمية سنة1941م وبعد تخرجه علم إمامًا وخطيبًا ، ثم تدرج في المناصب حتى صار مفتشاً في المساجد ، ثم واعظاً بالأزهر ثم وكيلاً لقسم المساجد ، ثم مديراً للتدريب فمديراً للدعوة والإرشاد ، وفي سنة 1971م أعير للمملكة العربية السعودية كأستاذ في جامعة أم القرى " بمكة المكرمة " وفي سنة 1981م عين وكيلاً للوزارة ، كما تولي رئاسة المجلس العلمي لجامعة الأمير عبد القادر الجزائري الإسلامية بالجزائر لمدة خمس سنوات ، وله مؤلفات جاوزت الستين كتابًا في مواضيع شتى بالإضافة للمحاضرات والندوات والخطب والمواعظ والدروس والمناظرات التي كان يلقيها داخل مصر وخارجها ، وتم ترجمة العديد من هذه المؤلفات إلي العديد من اللغات كالإنجليزية والتركية والفارسية والأردية والإندونيسية وغيرها ، قضي في معتقل الطور سنة 1949 حوالي السنة ، وكذلك في سجن طره عام 1965م فترة أخري من الزمن ، توفي في الرياض يوم 9/3/1996م ونقل إلي المدينة المنورة حيث دفن في مقابر البقيع ، وله تسعة من الأولاد وملايين القراء والتلامذة لعلمه وفكره ....لمزيد من المعلومات عن الشيخ محمد الغزالي

8 – الأستاذ عبدالحكيم عابدين

ولد سنة 1914م في قرية " فيدمين " مركز طامية بمحافظة الفيوم ، وكان من أوائل المنتظمين في صفوف الحركة الإسلامية ومن أوائل شعرائها .

تخرج في كلية الآداب بالجامعة المصرية بالقاهرة ، ثم عمل أمينًا لمكتبة جامعة القاهرة ، واختاره الإمام الشهيد ليكون زوجًا لشقيقته باعتباره أول من تخرج في الجامعة ، وبايع علي أن يجعل مستقبله رهنًا بمطالب دعوة الإخوان المسلمين .

تولي الأستاذ عابدين منصب السكرتير العام للإخوان المسلمين ، وقد اعتقل مع إخوانه حين حلت الجماعة في 8/12/1948م ، وخرج من السجن حين ألغت حكومة الوفد الأحكام العرفية سنة 1950م وسقط قرار الحل .

خرج من مصر للحج قبل حادث المنشية 1954م والتحق بالأستاذ حسن الهضيبي المرشد العام – ساعتها – الذي كان يزور سوريا ورافقه في رحلته إلي سوريا ولبنان والأردن ، ولم يعد بعدها إلي مصر ، لأن الحكومة العسكرية قامت باعتقال جميع الإخوان المسلمين بمصر وزجت بهم في السجون بعد حادث المنشية المفتعل ، وبقي الأستاذ عابدين يتنقل من بلد إلي بلد وبخاصة سوريا ، ولبنان والسعودية والأردن والعراق وغيرها ، يبذل قصارى جهده لنصرة دين الله وإعزاز كلمة الإسلام .

اختاره سماحة الحاج محمد أمين الحسيني مفتي فلسطين ليكون مستشاراً للهيئة العربية العليا في بيروت تحت رئاسة سماحته ، كما اختارته رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة ليكون مستشاراً لها .

عاد إلي مصر سنة 1975م حيث مارس العمل الدعوي مع إخوانه بقيادة المرشد الثالث الأستاذ عمر التلمساني ولم يطل به المقام حيث انتقل إلي جوار ربه سنة 1977م بعد عمر حافل بالنشاط الإسلامي داخل مصر وخارجها منذ شبابه حتى آخر مراحل شيخوخته ....لمزيد من المعلومات عن الأستاذ عبد الحكيم عابدين

اللواء صلاح شادي

9 – الأستاذ صلاح شادي

كان رئيس نقطة بوليس صفط الملوك التابعة لمركز إيتاي البارود بحيرة عندما دعاه صديقه الأستاذ صالح أبو رقيق لحضور محاضرة للإمام الشهيد حسن البنا وكانت هذه المحاضرة هي بداية التحاقه بركب الإخوان المسلمين ، ثم أصبح مسئولاً عن قسم الوحدات الذي شارك في محاربة الإنجليز.

وشارك في الإعداد لثورة يوليو وعرض عليه أن يكون وزيراً للحربية في وزارة الثورة الأولي فرفض ، وقضي في سجون عبد الناصر ما يقرب من عشرين عامًا فما لانت له قناة ثم خرج من السجن ليواصل الجهاد مع إخوانه عاملاً لدين الله حتى آخر يوم في حياته حيث أسلم الروح بعد يوم عمل طويل شاركه فيه الأستاذ مصطفي مشهور حيث توفي وهو جالس بجانبه في السيارة بعد صلاة العشاء وأداء واجب العزاء في وفاة زوجة أحد إخوانه وكان ذلك في عام 1989م ....لمزيد من المعلومات عن اللوار صلاح شادي

الشيخ سيد سابق

10 – الشيخ السيد سابق

من علماء الأزهر الشريف انضم إلي جماعة الإخوان المسلمين في بداية شبابه ، وعينه الإمام المرشد مفتيًا للنظام الخاص وكانت هذه التسمية سببًا في أن أطلقوا عليه مفتي الدماء ، كلمه الإمام الشهيد حسن البنا بوضع كتاب مبسط في فروع الفقه فكان كتابه الرائع فقه السنة الذي قدمه له الإمام البنا ، وقد اخرج للمكتبة الإسلامية العديد من الكتب منها العقائد الإسلامية وإسلامنا وأوقف حياته للدعوة داخل البلاد وخارجها إلي أن لقي ربه ....لمزيد من المعلومات عن الشيخ سيد سابق


11 – الأستاذ عبدالعزيز كامل

نائب رئيس الوزراء ووزير الأوقاف وشئون الأزهر ، الذي جاهد وابتلي كثيراً في سبيل الدعوة ومات عليها بالرغم من بعده عن مصر ردحا طويلاً من الزمن .




12 – الشيخ أحمد حسن الباقوري


وزير الأوقاف وشئون الأزهر ورئيس جامعة الأزهر الأسبق ، ظل مقيماً علي عهده مع جماعة الإخوان المسلمين بالرغم من اختلافه مع الجماعة ، التقي بدعوة الإخوان المسلمين منذ بدايتها مع الإمام البنا وكان زعيمًا لطلبة الأزهر ، كما كان شاعر الإخوان ومن أقرب الشخصيات للإمام البنا ، وتدرج في جماعة الإخوان حتى وصل إلي عضو في مكتب الإرشاد ولم يسمح لنفسه أن يلقي قصيدة خارج نطاق الإخوان في ناد من النوادي ولا في حفل من الأحفال ولا في صحيفة ولا في مجلة .



13 – الدكتور يوسف القرضاوي

ولد عام 1926م في إحدى قري محافظة الغربية بمصر ، ونشأ في أسرة متدينة رقيقة الحال يشتغل أفرادها بالزراعة ، وانتقل والده إلي رحمة الله تعالي وهو في الثانية في عمره ، فكفله عمه وأتم حفظ القرآن الكريم قبل أن يبلغ العاشرة من عمره وتخرج في كلية أصول الدين بجامعة الأزهر عام 1952- 1953م وكان ترتيبه الأول علي دفعته ثم التحق بتخصص التدريس بكلية اللغة العربية ، فحصل علي العالمية مع إجازة التدريس حائزاً المرتبة الأولي علي خمسمائة طالب من كليات الأزهر ، ثم التحق عام 1957م بمعهد البحوث والدراسات العربية العالمية التابع لجامعة الدول العربية فحصل منه علي دبلوم عال في شعبة اللغة والآداب وفي هذه الفترة نفسها التحق بقسم الدراسات العليا في شعبة علوم القرآن والسنة من كلية أصول الدين ، ثم شرع في إعداد الدكتوراه إلا أن أحداثاً رهيبة حالت دون حصوله عليها عام 1973م بامتياز مع مرتبة الشرف الأولي ، وتأثر بكتابات شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم والشيخ محمد رشيد رضا .

اتصل مبكراً بحركة الإخوان المسلمين مما صحح فهمه للإسلام ، ورسالته في الحياة وواجب دعاته في هذا العصر في وطنهم الصغير ووطنهم الإسلامي الكبير ، وذلك من خلال تأثره أيضًا بمؤسس الحركة الإمام حسن البنا الذي قال عنه القرضاوي : إنه أعظم الشخصيات أثراً في حياتي الفكرية والروحية ، وقد أدي انتماؤه إلي هذه الحركة إلي اعتقاله عدة مرات منذ 1949م ثم 1954م ثم 1956م ثم 1962م ، قم بعمل ضخم في سبيل الدعوة الإسلامية في دولة قطر منذ عام 1961م منها إنشاؤه كلية التربية التي صارت نواة لجامعة قطر ، ثم تولي تأسيس وعمادة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بالجامعة نفسها عام 1977م ، وكذلك أصبح المدير المؤسس لحركة بحوث السيرة والسنة النبوية بجامعة قطر .

شارك في العمل الإسلامي خطيبًا ومحاضراً وكاتبًا ومؤلفًا وداعية ومربياً .. مفكراً ومخططًا .

ترجم العديد من مؤلفاته إلي لغات العالم الإسلامي المتعددة ، وكذلك له دواوين من الشعر في معظم أغراضه ومجالاته .. أمد الله في عمره ....لمزيد من المعلومات عن الدكتور يوسف القرضاوي


14 – الأستاذ مصطفي السباعي

هو مصطفي بن حسني السباعي من مواليد مدينة حمص بسوريا عام 1915م ، ونشأ في أسرة علمية وكان والده يتولي الخطابة في الجامع الكبير بحمص ، وكان يصحب أباه إلي مجالس العلم ، اشترك مصطفي السباعي في الحركة الوطنية في سوريا التي تكافح الاستعمار الفرنسي ، وهو في السادسة عشر ة من عمره فقبض عليه الفرنسيون لأول مرة 1931م بتهمة توزيع منشورات في حمص ضد السياسة الفرنسية ، ثم أفرج عنه ، وفي عام 1933م ذهب إلي مصر للدراسة في الأزهر ، واشترك سنة 1941م في المظاهرات ضد الإنجليز وكان عقابه السجن .

التقي مصطفي السباعي في مصر بالأستاذ حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين وانضم إلي الجماعة ، واختير ليكون أول مراقب لجماعة الإخوان المسلمين بسوريا سنة 1945م ، واشترك في حرب فلسطين وقاد إخوان سوريا في المعركة ، حصل مصطفي السباعي علي درجة الدكتوراه وعين أستاذاً في كلية الحقوق في الجامعة السورية ، وعندما طلب من الحكومة السورية سنة 1952 السماح بمشاركة الإخوان في سوريا أن ينضموا إلي إخوانهم في مصر في كفاحهم ضد الإنجليز ، صدر الأمر باعتقاله وحل الإخوان في سوريا ، واستمر في الدعوة والكفاح حتى مرض ثماني سنوات وتوفي رحمه الله في يوم 3/10/1964م وترك مؤلفات كثيرة منها : شرح قانون الأحوال الشخصية ، المرأة بين الفقه والقانون وغيرهما ....لمزيد من المعلومات عن الأستاذ مصطفي السباعي


15 – الأستاذ مصطفي مشهور

هو خامس مرشد الإخوان المسلمين ولد عام 1920م وتخرج في كلية العلوم وعمل بالأرصاد الجوية , وانضم لجماعة الإخوان المسلمين وكان ضمن قيادة النظام الخاص في الجامعة الذي قام بالعديد من الأعمال الوطنية البطولية ومنها قضية السيارة الجيب عام 1948م وحكم عليه بثلاث سنوات , وفي عام 1954م قبض عليه وحوكم بالأشغال الشاقة فلم يخرج إلا في عهد الرئيس المصري أنور السادات أوائل السبعينات , ومع إفراج العمل السياسي في هذا العهد شارك مع بقية الإخوان في إعادة الحركة الإخونية للمجتمع , كما كان له دور بارز في إقامة التنظيم العالي للإخوان المسلمين , وفي فترة المرشد الرابع محمد حامد أبو النصر كان نائبًا له حتى وفاته ثم تولى القيادة والإرشاد للجماعة منذ يناير 1996م وحتى توفاه الله في 10 رمضان 1423هـ ....لمزيد من المعلومات عن الأستاذ مصطفي مشهور.


16 – الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري " الشاعر والأديب "

كان الأستاذ عمر الأميري من أوائل من التحقوا بحركة الإخوان في سوريا مع الأستاذ محمد المبارك والأستاذ الشيخ محمد الحامد والشيخ عبدالفتاح أبوغدة وغيرهم ، وبذل جهوداً طيبة لدعم الحركة وأسهم في توجيه شبابها وكان وثيق الصلة بالإمام البنا وبعده الهضيبي يكثر من زيارته والتردد عليه ومشاورته في الأمور .

للأستاذ الأميري أسلوبه في علاج المشكلات ومواجهة التحديات فهو يؤثر الحكمة واللين والمهادنة مع أصحاب السلطة لإزالة البغض من نفوسهم وعدم استثارة حفائظهم وترغيبهم في الإحسان إلي شعوبهم ، وعندما كان سفيراً لسوريا في باكستان وفي زياراته لمصر في أوائل الخمسينيات كان يجتمع بطلبة البعوث الإسلامية ليعطيهم توجيهاته ونصائحه فيما يتعلق بالعمل الإسلامي وكان يركز علي المؤامرة علي الإسلام وسبب ضياع دولة الخلافة وانقسام المسلمين علي أنفسهم والاستعانة بأعدائهم علي إخوانهم ، بالإضافة إلي تأخر المسلمين علميًا عن ركب الحضارة وانغماسهم في الشهوات وتكالب الأمم عليهم ، وكان يثني علي حركة الإخوان المسلمين ومؤسسها ويري أنها الحركة التي تتوافر فيها مواصفات النهوض بالأمة من كبوتها ، كما يوصي الشباب المتحمس بعدم التعجل والاعتماد علي التربية لإعداد الرجال ....لمزيد من المعلومات عن الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري


17 – الأستاذ محمد محمود الصواف

كان من أعلام الإسلام ليس في العراق وحدها بل في العالم الإسلامي كله ، صدع بكلمة الحق واستنهض الهمم لإنقاذ فلسطين بعد قرار التقسيم سنة 47 ، وأنشأ جمعية " إنقاذ فلسطين " وسارع إلي الجهاد ، يعد الكتائب ويجهز المجاهدين ويجمع الأموال لدعمهم ، وأسهم وتلامذته في العراق بإسقاط معاهدة ( جبر – بيفن ) الاستعمارية ، وظل يساند المجاهدين في كل مكان حتى غادر العراق مطارداً من الطاغية عبد الكريم قاسم وأعوانه الذين أهدروا دمه ، ولجأ إلي سوريا ثم إلي المملكة العربية السعودية التي آوته وآزرته كما كان له جولات دعوية في أفريقيا وجنوب آسيا لقيت دعمًا كبيرا من الملك فيصل آل سعود أحيا بها روح التضامن الإسلامي ، وكانت له مواقف بطولية أمام تجبر الطغاة والمستعمرين ، ونظم لهما المؤتمرات الشعبية لمساندة الثورة وقضية الشعب الجزائري ، ولم يترك مدينة العراق وكان أول كتاب صدر له كتاب " صرخة مؤمنة إلي الشباب والشابات " يلهب فيه الحماس ويحرك المشاعر ويدعوهم فيه إلي الحق والخير والالتزام بالإسلام عقيدة شرعية ، وكانت له مواقفه المساندة للثورة الجزائرية مع أخوية الورتلاني والإبراهيمي ودعاهما لزيارة العراق ونظم لهما المؤتمرات الشعبية لمساندة الثورة وقضية الشعب الجزائري ، ولم يترك مدينة بالعراق إلا وزارها ودعا جماهيرها إلي منهج الإسلام وطريق الدعوة ، كما زار معظم الأقطار ينشر دعوة الإسلام ، وفي السنوات العشر الأخيرة من عمره أعطي وقته وجهده للجهاد الأفغاني يناصره ويسانده ويصلح بين فئات المجاهدين ليمنع الفتن التي يكيدها أعداء الإسلام ويخطب ويبكي الحضور ويملأ القلوب إيمانًا وعزيمة ....لمزيد من المعلومات عن الشيخ محمد محمود الصواف


الفصل الثالث : جوانب من شخصية الإمام البنا

تمتع الإمام البنا بصفات شخصية قلما تجتمع في إنسان واحد ، وقد أهلته هذه الصفات الشخصية والمواهب التي حباه الله بها لأن يصبح الداعي الأول في القرن العشرين ، ومؤسسًا وقائداً لأكبر حركة إسلامية علي مستوى العالم ، وهي حركة الإخوان المسلمين ، فقد حباه الله بجسد قوي يتحمل الشدائد والمصاعب فضلا عن ذاكرة حديدية تحتفظ بالمعلومات والأسماء بطريقة عجيبة ، وسرعة بديهية وسعة أفق ، وقدرة علي تحليل الأحداث واستخلاص النتائج التي قلما تخطيء ، فقد كان رحمه الله عليمًا بعصره ففيهًا في حركته ذا حكمة ودهاء ، وكان رحمه الله زاهداً في العيش مع القدرة علي الكسب ، متواضعًا في غير ذلة معتزاً بنفسه وبدعوته من غير كبر ، يحب إخوانه ويألفهم ويألفونه .

وكان الإمام البنا يقدم دعوته علي غيرها من الأشياء ، يقدمها علي راحته ويقدمها علي أولاده ، فقد عاش بالدعوة وللدعوة ، وقد امتلك الإمام البنا قوة روحية هائلة وإرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف ، وعزيمة ماضية لا تنثني .

ولندع الحديث حول هذا المعني لمن رافق الإمام الشهيد – رحمه الله – حيث عاش حركته الدائبة في الدعوة إلي الله لا يفتر عن ذلك أبداً ، يقول الأستاذ محمد عبد الحميد وهو من الرعيل الأول : " إن من أبرز سمات شخصية الإمام الشهيد روح " الحركة " في طبيعته وطاقة العمل الضخمة في أعصابه ودمه .

كان شخصية عجيبة فذة حقًا ، هي روح وعقل وجسد ، روح : هي شعلة سماوية تتوهج بالحرارة والضياء !! وعقل : هو ميزان محكم لا يميل ولا يضطرب علي كثرة الأحداث وهول المشاكل !! ، وجسم هو أداة طيعة لهذه القوى الكبيرة والمعاني القدسية العالية !! .

كان شخصية متحركة لا تقف ولا تسكن ، كأنه فلك إنساني يدور مع الكواكب يعمل ويوجه ويعد وينظم وينتج في لحظات ما يقصر عنه غيره في شهور وسنوات ، كان يركض إلي الله حين يمشي العاملون ، ويثب إليه حين يركض المخلصون ، ويطير إليه حيث يثب المصلحون ، كان يتأسي بالرسول صلي الله عليه وسلم في جهاده الدائم حتى كان من أوصافه :" ليست له راحة "

تبهرك أعصاب فذة كأنها كهربائية ، نسيج وحده لا يخضع لمؤثرات المادة وقوانينها في الطاقات والمواقيت ، سهر دائم وفكر عامل ثاقب وسلسلة لا تنقطع حلقاتها في الفكر والعلم والإعداد والتوجيه ، وأسفار حتى تغلغل في أعماق الكفور والنجوع وبين العشائر والقبائل ، فكان الزعيم الحق الذي جلس علي التراب وخالط لأول مرة طبقات الشعب في حياتهم وأحس آلامهم ومشاكلهم !! .

كان يختزل الحياة اختزالاً كأنما كان يسابق الأفلاك في دورانها ، خطواته خطوات العماليق ، وجهاده جهود أمة كاملة لا فرد محدود ، كأنه علم أن حياته أقصر من دعوته الشاملة فحرص علي أن يكون لدعوته من أسباب القوة ، ويحوطها بأضخم ما يستطيع من أسوار ، ويجهزها بأعظم ما يقدر من العدة والذخائر ، ولما رأي أن مشاكل المجتمع فوق ساعاته المحدودة وحياته القصيرة جعل شعاره تلك الكلمة المأثورة " الواجبات أكثر من الأوقات " .

كان سمته " الحركة الدائمة " والعمل السريع وكان يدافع إلي تكاليف الحياة ومطالبها في هيام وغرام ليس لهما مثيل ، وهو خلال ذلك ينتج إنتاجًا ضخمًا هائلاً رغم المسارعة في غير زلل أو عثار ، بل كانت سرعته يتوجها التوفيق وحركاته المتلاحقة يزينها الإحكام !! .

كانت همته فوق قدرته ، وقدرته فوق التعب والزمن ، يتسامي فوق الطاقة البشرية ، وأعماله الضخمة الموفقة أشبه بكرامات الأولياء منها بجهود العباقرة ، عزيمة تتضاءل دونها العزائم ، وهمة لا تبلغها العصبة أولو القوة إلا بروح من الله ورضوان !!

فحق لنا في هذا الجزء من هذه الصفات نلقي عليها الضوء من خلال بعض جوانب شخصيته وهي جديرة حقاً بالتأمل والدراسة .


المبحث الأول : الجانب العقائدي

كان الإمام الشهيد حسن البنا رجل العقيدة بحق ، وقد صور الإمام الشهيد حسن البنا في كتابه " العقيدة وشخصية رجل العقيدة" حال رجل العقيدة وما أخاله إلا أنه كان يتحدث عن نفسه في وصفه لشخصية رجل العقيدة ، ولن نحصي كل مفردات الجانب العقائدي في حياة الإمام الشهيد ، لكننا سنستعرض بعض منها :

1 – التوكل علي الله :

التوكل علي الله باب كل خير ، به يفتح الله أبواب الرزق المغلقة ، وبه يكون الله كافيًا عباده كل مشقة ، ، وهذا المعني مطلوب تعميقه في نفس كل مسلم عامة وفي قلب كل داعية خاصة حتى لا يعرف لليأس طريقاً ولا يتسرب القنوط منه إلي نفسه أبداً ، وهكذا كان الإمام البنا – رضي الله عنه – متوكلاً علي الله حق توكله ، ولم يخب ظنه بالله حتى في أحلك الظروف وأشدها .

حين رغب الإخوان في شراء قصر آل " أبو الحسن " وهو المبني الضخم المقابل لدار المركز العام للإخوان في ميدان الحلمية الجديدة ، لم يكن في خزانة الجماعة غير مائتي جنيه فقط بينما المبلغ المطلوب أربعة عشر ألفًا من الجنيهات ، وحين طلب أصحاب القصر مبلغ خمسمائة جنيه عربونًا علي أن يتم سداد باقي المبلغ بعد كتابة العقد بشهر .

هنا هتف حسن البنا قائلاً : شيء عظيم ، اشترينا القصر إن شاء الله ، وهو يعلم أن الخزانة ليس بها إلا مائتا جنيه ، لكنه متوكل علي الله ويوقن أن الله سيجعل له من أمره يسراً ، وما دام القصد إرضاء الله تعالي ، والغاية إعلاء كلمة الله فلن يخيب هذه المساعي الحميدة .

فمن أين لنا بباقي المبلغ ؟ فيرد عليه الإمام البنا : توكل علي الله .

فتسري هذه الكلمات في وجدان الرجل ولا يجد وسيلة لتدبير بقية العربون إلا أن يبيع " حلي زوجته " ويستكمل باقي العربون كدين عليه وأحضر قيمة العربون .

وبينما الإخوان يفكرون في تدبير ثمن شراء القصر إذا بأبواب الخير تنفتح عليهم ، فيأتي أحد المحبين لزيارة الإمام البنا فيخبره بأن الإخوان عقدوا العزم علي شراء القصر المقابل ، فيسأل : ولماذا لم تنتقلوا إليه ؟ فيجيبه بأنهم دفعوا العربون فقط وأن تسليم القصر يكون بعد دفع مبلغ ألف جنيه ، فإذا بالرجل يعلن عن تبرعه بمبلغ خمسمائة جنيه في الحال حتى يتمكن الإخوان من استلام القصر والانتقال إليه .

وفي أول حديث ثلاثاء أعلن عن شراء القصر المقابل للمركز العام ويُفتح باب التبرع لهذا الغرض ، وطلب الإمام أن يساهم كل أخ مستطيع في عملية الشراء وقال : لا أريد أن أحرم أحداً من الإخوان المسلمين في أنحاء القطر أن يكون له حجر أو لبنة في المركز ، وفي أقل من شهر استكمل المبلغ وزادت التبرعات عن المبلغ المطلوب .

فسارع الإمام البنا وأعلن غلق باب التبرع لحساب الشراء .

وهكذا صار للإخوان مركز عام ضخم يستوعب الكثير من أوجه نشاطهم ، خاصة حديث الثلاثاء الذي أصبح مقياسًا صادقًا ومعبراً بوضوح عن قوة الإخوان في المجتمع المصري .

فمن مبلغ صغير في الخزانة محبوس أصبح للجماعة منارة عظمي تفد الوفود والجموع إليها .

2 – اليقين في نصر الله :

إن الإنسان الطموح إلي غاية سامية وهدف عظيم إذ لم يكن متيقنًا من الوصول إلي غايته فإنه لم يصل إليها ، لأن اليأس سوف يستبد بقلبه ويسيطر علي مشاعره ، ويستسلم له فيقعده عن العمل ، وقد كان هذا المعني متمكنًا من قلب الإمام البنا ، ظهر ذلك في خطته التي كان يلح فيها ويركز علي بعث الأمل ، وبث الثقة في نفوس إخوانه ضاربًا الأمثلة الحية من سيرة الرسول – صلي الله عليه وسلم – كموقفه من غزوة الأحزاب .

في هذا الجو الرهيب شديد البر ، والأعداء كثر ، استعصي حجر من الأحجار علي الصحابة ، فأخذ رسول الله – صلي الله عليه وسلم – المعول وضربه وقال : " بسم الله الله أكبر ، فتحت عليكم الروم ، واله إني لأنظر إلي قصورها البيضاء ...) .

بمثل هذه المعاني كان يتحدث البنا مع إخوانه ، ولم يكن ذلك أقوالاً فقط بل كانت أفعالاً أيضًا ، فعندما اعتقل بعد مقتل أحمد ماهر ازداد يقينًا في نصر الدعوة وكتب إلي إخوانه من خلف القضبان في 16/3/1363هـ يقول : إن ما نلقاه الآن ليس جديداً علينا ولا هو من المفاجآت في طريق دعوتنا ، فكذلك كان سلفنا الصالح رضوان الله عليهم من الأنبياء والصديقين والشهداء ، وقد حقق لنا القوم بهذا ما كنا نتمثل به من قبل : " إن سجني خلوة وقتلي شهادة وتغريبي سياحة " ، وقد نقلونا بهذه المحنة نقلة واسعة إلي الأمام والحمد لله ، ووقفوا بنا علي طريق معل\بد من طرق الدعوة ، وهذا أول الخير وأنا به جد متفائل وأعتقد أن وراء ذلك الفتح العظيم إن شاء الله .

3 – يرضي بالقضاء والقدر :

كان الإمام الشهيد رضوان الله عليه يؤمن بالقضاء والقدر إيمانًا راسخاً ، لا عن طريق الدراسة والتعليم فقط ؛ وإليك قوله في هذا :

- إن إيماني بالقضاء والقدر ، والرزق والأجل ، ليس نتيجة الدراسة والتسليم والإيمان بالنصوص فقط ، ولكنه نتيجة التجارب والمشاهدة ، فقد تعرضت للموت في صغرى أكثر من مرة وبصورة مختلفة ، وكانت نجاتي بأعجوبة ، فوجئت أنا وأخي عبد الرحمن ونحن صبيان نلعب في " الحارة " بانقضاض بيت كامل فوق رؤوسنا ، ولم ينجنا إلا استناد السقف علي " درابزين " السلم فأصبحنا في مأمن بالفراغ الناشئ عن ذلك حتى رفعت الأنقاض وخرجنا سالمين " .

- ووقعت من فوق سطح يرتفع عن الأرض أكثر من ثمانية أمتار ولكن الله سلم فجاءت الوقعة في " ملطم المونة " فلم تحدث إصابة .

- وقذفت بنفسي في إحدى الترع الكبيرة في أيام الفيضان ، والماء علي أشده فراراً من مطاردة كلب عقور ، فانتشلتني سيدة كريمة ، لا أزال أذكر منظرها ، وقد خلعت في سرعة البرق جلبابها وتعممت به ، وقذفت بنفسها إلي الماء ، وبعض الرجال وقوف ينظرون ، ولا ينجدون ، مما جعلني أؤمن بأن الشهامة والنجدة ليستا وقفًا علي الرجال .

- وتقدمت لإطفاء النار في منزل اندلعت ألسنتها فيما علي سطحه من وقود علي عادة الريف ، فامتدت النار إلي ثيابي وأطرافي ، ولكن فرقة الإطفاء كانت قد أقبلت ، وقدر رجالها هذا الموقف من ناشئ صغير ، فوجهوا إلي خراطيمهم ، ونجوت بذلك من احتراق محقق .

- وجمحت بي الفرس مرة جموحًا شديداً ، واعترضني حاجز قوى لسور خشبي يحاذي الرقبة ، كان الاصطدام كافيًا ليطيح بالرأس إلي مكان بعيد ، لولا أن الله تبارك وتعالي ألهمني في هذه الساعة الحرجة أن استلقي علي ظهري علي السرج استلقاءً كاملاً حتى اجتزت هذا الحاجز .

وكان – رضي الله عنه – ينزل عليه القضاء ، فيرضي به ، بل ويشكر عليه كأنه برد وسلام علي قلبه ، لدرجة أنه لا يغير من برنامجه شيئًا ، ويشهد بذلك موقفه من موت ابنه ، فيقول أنور الجندي : كان قد دعا إلي " كتيبة تبيت بالمركز العام ، يتحدث معهم إلي هزيع الليل ، ثم ينامون ساعة أو ساعتين ، ثم يستيقظون لصلاة الفجر ، كان قد ذهب إلي المنزل فوجد ابنه في حالة الخطر ، وعلي شفا الموت ، وكان موعد الكتيبة قد اقترب فانصرف إليها ، وبينما هو يتحدث معهم في بشاشته المعهودة ، جاء من يسرٌَ إليه أن ابنه توفي ، فما زاد علي أن قال له بضع كلمات تتعلق بغسله وتكفينه .. وواصل حديثه مع أعضاء الكتيبة ونام معهم ، وفي الصباح أمر بمن يذهب به إلي القبر .


المبحث الثاني: الجانب العبادي

أخر صورة للبنا قبل إستشهاده

كان الإمام الشهيد حريصًا علي أداء العبادات علي أكمل وجه ، فكان حريصًا علي أداء الصلاة في وقتها ، وقد نبه إخوانه إلي ذلك فقال : " قم إلي الصلاة متى سمعت النداء مهما تكن الظروف " وكان حريصًا علي قيام الليل مهما اشتد به النصب مع حب وشغف بالقرآن لا ينتهي .

- صلاته :

يقول الأستاذ محمود عبد الحليم : " لقد كنت في أيام اتصالي بالإخوان المسلمين حريصًا علي مراقبة كل ما يدور في مركزهم العام ، لا سيما ما يصدر من مرشدهم من حديث وأعمال .

وقد لفت نظري أن صلاة المرشد – وكان دائمًا هو الإمام – لا تكاد تختلف عن صلاة كثير من الناس ، فهي وإن كانت صلاة خاشعة مطمئنة ؛ لكن رائيها لا يمكن أن يصفها بأنها صلاة مطولة كتلك التي تمارس في مساجد بعض الجمعيات ، أما في الصلوات الجهرية فكان له فيها – رحمه الله – أسلوب آخر .. كان يطيل فيها من قراءة القرآن .. ولكن هذه الإطالة لم تكن مجرد إطالة ولا القراءة مجرد قراءة ، وإنما كانت قراءة هادفة ، كانت قراءة من مواضع مختارة .. يتناول في كل صلاة منها معالجة موضوع معين من المواضيع الحساسة التي تمس النفوس وتعالج مشاكل المجتمع ، ففي صلاة يستعرض علي المأمومين أصناف الناس ، وفي صلاة أخري يستعرض طبائع النفوس ، وفي ثالثة يعرض صورة لغرور السلطة وعواقبه ، وفي رابعة يستعرض مواقف الحق الأعزل من الباطل المسلح ، وفي خامسة يستعرض دلائل قدرة الله في مخلوقاته ، وهكذا من المواضيع التي يخرج المأمومون من كل منها بتوجيهات محددة وتعاليم معينة .

وغير خافِ علي القارئ المجرب أن سماع المؤمن القرآن وهو واقف في الصلاة بين يدي الله ذو أثر في النفس أشد عمقًا وأعظم وقعًا من سماعه القرآن في غير هذا الوضع .. وقد يفهم من القرآن في هذا الموقف ما لا يفهمه منه في غيره من المواقف .. لا سيما إذا كان القارئ أستاذاً مربيًا يفهم ما يقرأ ، ويعرف كيف يتلو الآية تلاوة تبرز ما خفي من معانيها فهو يعرف كيف يكون الوقف ويعرف كيف يكون الوصل .. ولا يمر بآية وعيد وعذاب إلا استعاذ في سره بالله ، ولا يمر بآية من البشريات إلا طلب في سره من الله المزيد ، وهكذا كانت الصلاة إحدى وسائل حسن البنا في تثبيت أفكار دعوته في النفوس وفي تربية من وراءه وتوجيههم .

لكن القليل من الإخوان من لمس من حسن البنا اختلافًا عن الناس في الصلاة التي بينه وبين ربه أعني الصلاة – يحكي الأستاذ عمر التلمساني عن موقف صحبه فيه إلي لمنزلة ، بعد كثرة الإجهاد من السفر ، والجلوس مع الإخوان ، ومتابعة أنشطتهم ، حدث ما يلي :

وبعد الحفل صعدنا إلي الطابق الثاني في منزل لنأخذ قسطًا من الراحة ، ودخلت معه إلي حجرة بها سريران وعلي كل سرير ناموسية ، لأن المنطقة كانت زاخرة بجحافل الناموس ، التي لا ترتوي إلا من امتصاص دماء البشر ، ودخل سريره وأرخي ناموسيته ، وفعلت مثلما فعل علي السرير الآخر ، وكان التعب والإجهاد قد بلغ مني مداه ، فاعتراني قلق وبعد خمس دقائق تقريبًا سألني فضيلته :" هل نمت يا عمر ؟ قلت ليس بعد ، ثم كرر السؤال بعد فترة ثم بعد فترة ، حتى ضقت بالأمر ، وقلت في نفسي : ألا يكفيني ما أنا فيه من إجهاد وقلق حتى تضاعف علي المتاعب ! ألا تدعني أنام ؟ كان هذا حديثا صامتًا يدور بيني وبين نفسي فصممت علي ألا أرد علي أسئلته موهمًا إياه أنني نمت ، فلما اطمئن إلي نومي نزل من سريره في هدوء كامل ، وعند الباب أخذ القبقاب بيده وسار حافيًا حتى وصل دورة المياه ، حيث توضأ وأخذ سجادة صغيرة ، وذهب إلي آخر الصالة بعيداً عن الغرفة ، التي ننام فيها .. وأخذ يصلي ما شاء الله له أن يصلي ونمت أنا ما شاء الله لي أن أنام .

يقول عمر بهاء الأميري : " لقد راقبته أدق المراقبة ، حتى إنني أتابعه من شقوق الباب وهو يصلي في غرفته خاليًا قبل النوم ، وكنت أفحص خشوعه فأراه أطول سجوداً وأكثر إقبالاً علي الله منه يصلي بنا "

الرجل القرآني :

القرآن الكريم نور يضيء جنبات النفوس ويتسرب إلي أعماق القلوب فيهزها ويضيئها ولكن هذا النور لا يضيء إلا النفوس التي فتحت له مغاليقها واستدعته إلي دروبها ، لتستضيء بنوره وتتلألأ بأسراره العجيبة ،

ونحسب الإمام البنا كان واحداً من القرآنيين الذين شغلهم القرآن الكريم تلاوة وحفظاً وفهمًا وعملاً ، فكانت حياتهم كلها له . وهذه بعض المواقف المشهودة للرجل رحمه الله .

غاب عن الناس من خلقه ما جعله بين نفسه وربه يستره عن الناس فلا يطلع عليه إلا خاصة أهله ، فهو في بيته – شهد الله – لا يفتر عن مصحفه ولا يغيب عن قرآنه ولا يغفل عن ذكره ، يتلو القرآن علي الحافظ منا فيسمع له ويلقي بالمصحف إذا لم يجد حافظاً إلي الصغير فيراجع عليه ويملأ البيت بالقرآن والتلاوة سابحًا في آيات ، غارقاً في ذكريات ، صاعداً إلي سماوات ، يعرف الطريقة التي كان يقرأ بها النبي صلي الله عليه وسلم فيقرأ بها والمواقف التي كان عندها فيقف عندها .

وكان تعرو جسمه رعدة وتأخذ نفسه روعة فيتجهم لدي آيات الوعيد ، ويشرق عند آيات البشري والنعيم ، خارجًا عن الجو الذي يحيا فيه غائبًا عن معني بعيد بعيد .

يقول عنه الكاتب الأمريكي " روبير جاكسون " : لقد حمل البنا المصحف ووقف به في طريق رجال الفكر الحديث ، ثم يقول عنه : وكان الرجل القرآني يؤمن بأن الإسلام قوة نفسية في ضمير الشرق وأنها تستطيع أن تمده بالحيوية التي تمكن له في الأرض .

وكان رحمه الله ذا فهم قرآني راق نابع من قلب داعية ، ففي ذلك يقول محمد عبد الحميد أحمد : " من الذكريات الجميلة التي لا تزال راسخة في أعماق نفسي ما فتح الله علي إمامنا الشهيد خلال محاضرات يوم الخميس من كل أسبوع لقسم الطلاب بالمركز العام ، وكان موضوع المحاضرة " دراسات قرآنية " تناول فيها موضوع الحروف المقطعة في أوائل بعض السور من القرآن الكريم مثل ( ألم ، ق ، ص .. الخ ) وتناول أراء المفسرين في دلالتها وحكمتها .. ثم هداه الله وكشف في هذه الحروف إذا جمعت وحذف المكرر منها تكون عبارة تدل علي أن هذه الحروف لها حكمة ربانية وسر إلهي ، وهذه العبارة هي " نص قاطع حكيم له سر " وقد عرضنا هذا التصوير علي الشيخ الصالح " كامل حسن " وكيل كلية الشريعة سابقًا رحمه الله فكان جوابه إن القرآن كما وصف الرسول عليه الصلاة والسلام لا تنتهي عجائبه ، وهذا فتح من الله يؤتيه الله من يشاء من عباده الصالحين ، والإمام البنا رجل قرآني امتزج القرآن بدمه ولحمه فلا عجب أن يهديه بتأمله وتدبره إلي هذه الملاحظة البديعة حقاً .

ويصفه الشيخ الغزالي فيقول :" إن الله جمع في شخصه مواهب تفرقت في أناس كثيرون وقد استفاد من تجارب من سبقوه من القادة ، وكان يدمن قراءة القرآن ويتلوه بصوت رخيم ويحسن تفسيره كأنه الطبري أو القرطبي ، ويفهم أصعب المعاني ويعرضها علي الجماهير بأسلوب سهل قريب .

وقد درس السنة والفقه ففهم منهج السلف والخلف وأحاط بالتاريخ الإسلامي واطلع علي منهج محمد عبده ، ورشيد رضا وتعمق في حاضر العالم ومؤامرات الاحتلال الأجنبي .


المبحث الثالث : الجانب البدني

البدن هو مركب الروح لتنفيذ رغباتها والنفوس العظيمة تتعب من مرادها الأجسام فإذا كانت النفس تواقة إلي معالي الأمور والبدن لا يتحمل ذلك عجز عن تحقيق أهدافها وآمالها ، ولذلك وهب الله الإمام البنا قوة بدنية كبيرة ساعدته في أداء رسالته في هذه الحياة وقد بدت قوته وقوة تحمله في مواقف عديدة ، نذكر منها :

- فعندما كان طالبًا في مدرسة المعلمين الأولية بدمنهور – وهو لا يزال فتي يافعًا – يظل اليوم والليلة عاملاً مذاكراً لا ينام ، ثم إذا نام نام الوقت القليل ، فكان في يوم الخميس بعد ذهابه للمدرسة في دمنهور يرجع إلي المحمودية ، فلا يذهب إلي بيته – رغم أنه صائم – ولكن إلي دكان الساعات ، ومنه إلي البيت حتى يفطر ثم يذهب إلي المسجد للصلاة والدرس ، ثم يذهب إلي الحضرة ، ثم يسهر في المدارسة والذكر حتى صلاة الفجر ، ثم يستريح لفترة ، ثم يذهب بعدها للدكان للعمل حتى صلاة الجمعة ، ثم الدكان إلي المغرب فالمسجد فالمنزل ثم يذهب في الصباح إلي المدرسة .

الإمام البنا فى السويس

- وعندما أصبح مرشداً للإخوان كان يقطع القطر المصري بمحافظاته المختلفة من شرقه إلي غربه ومن شماله إلي جنوبه في أيام معدودات ، يزور المراكز والقرى ويزور شعب الإخوان ويحاضر فيها ويوجه إخوانه إلي الخير ولا تسل كيف كانت وسائل المواصلات في ذلك الوقت ، ومع صعوبتها فقد كان حسن البنا لا يركب إلا قطار الدرجة الثالثة في معظم رحلاته ، وسأقدم لك نموذجًا لبعض الرحلات التي قام بها الإمام البنا لزيارة الشعب في يناير وفبراير سنة 1946م ، فهذه هي أيامه .

في يوم 9 صفر الموافق 13 يناير بالمنيا ، ويوم الاثنين و الثلاثاء حفلات بالمركز العام بالقاهرة " موعد المحاضرة الأسبوعية " ، ويوم الأربعاء 16 يناير بمنيا القمح وفاقوس ويوم الخميس 17 يناير أبو كبير والزقازيق ، والجمعة 18 يناير بالإسماعيلية ، والسبت 19 يناير ببورسعيد ، والأحد 20 يناير بالعزيزية ، والاثنين والثلاثاء حفلات بالمركز العام بالقاهرة ، والأربعاء 23 يناير بالمنصورة بشبين الكوم وطنطا أول والجمعة 25 يناير بطنطا ثان ودمنهور ، والسبت 26 يناير بالإسكندرية بمناطقها الثلاث ، والأحد 27 يناير بقليوب وشبين القناطر ، والاثنين 28 يناير بطوخ وبنها ، والثلاثاء بالمركز العام حفلات والمحاضرة الأسبوعية .

تلك كانت الزيارات المتفرقة ، وهي تبين مدى الجهد الذي يبذله دون كلل وملل ، وهناك رحلات أخري عرفها الإمام البنا وكانت تستغرق منه يوم الخميس بعد انتهاء اليوم الدراسي في مدرسته ، والجمعة والسبت ويعود منها مباشرة علي مدرسته يوم الأحد دون أن يتأخر عن موعده ، وقد كان يبذل فيها من المشقة والجهد ما يصعب علي كثير من أصحاب الأبدان القوية وإليك نموذج لذلك :

سنة 1357هـ - 1939م :

الساعة 3.40 يسافر من " القاهرة " مساء الخميس 21 ذي القعدة 12 يناير يصل إلي " المنيا " الساعة 8 مساء .

الساعة 11.35 يسافر إلي " المنيا " في نفس الليلة – يصل " إدفو " الساعة 8.40 من صباح الجمعة .

الساعة 1.25 يسافر " إدفو " بعد ظهر الجمعة فيصل إلي " قنا " الساعة 6.36 مساء .

الساعة 8.24 يسافر من " قنا " صباح السبت إلي " نجع حمادي " فيصل الساعة 9.45 صباحًا أيضًا .

الساعة 4.24 يسافر من " نجع حمادي " إلي " جرجا " فيصل إليها الساعة 5.44 مساء السبت أيضًا .

الساعة 10.55 مساء السبت يسافر من " جرجا " عائداً إلي القاهرة فيصلها الساعة 7 صباح يوم الأحد .

أما في أيام الإجازات الطويلة كإجازة نصف العام ، أو إجازة آخر العام ، فقد كان لها برنامج مماثل يتناسب مع طولها ، وإليك نموذج لها :

اليوم والتاريخ البلد الموعد والقطار

الأربعاء 30 يناير العياط

الوسطي القيام من القاهرة الساعة 1.45 مساء ويصل الساعة 3 عصراً

القيام من العياط الساعة 7.45 مساء ويصل 8.15 مساء .

الخميس 31 يناير أسيوط

البدا ري

آبنوب القيام من الواسطي الساعة 9.35 صباحًا ويصل الساعة 2.38 طهراً

بالسيارات

الجمعة 1 فبراير كوم أمبو

أسوان القيام من أسيوط الساعة 2.10 صباحًا ويصل 10.44 صباحًا

القيام من كوم أمبو الساعة 5.35 مساء ويصل 6.30 مساء

السبت 2 [[فبراير ]]إدفو

إسنا القيام من أسوان الساعة 6.5 صباحًا ويصل 8.38 صباحًا

القيام من إدفو الساعة 5.20 مساء ويصل 6.20 مساء

الأحد 3 فبراير الأقصر

قوص

قنا القيام من إسنا الساعة 9.57 صباحًا ويصل 11.5 صباحًا

القيام من الأقصر الساعة 3 مساء ويصل 3.42 مساء

القيام من قوص الساعة 6.35 مساء ويصل 7.20 مساء

الاثنين 4 فبراير دشنا

نجع حمادي

فرشوط القيام من قنا الساعة 7.28 صباحًا ويصل 8.10 صباحًا

القيام من دشنا الساعة 1.32 ظهراً ويصل 2 ظهراً

القيام من نجع حمادي الساعة 6.6 مساء ويصل 6.30 مساء

الثلاثاء 5 فبراير البلينا

جرجا

سوهاج وأخميم القيام من فرشوط الساعة 9.5 ويصل 9.45 صباحًا

القيام من البلينا الساعة 3.5 ظهراً ويصل 3.30 ظهراً

القيام من جرجا الساعة 7.45 مساء ويصل 8.36 مساء

الأربعاء 6 فبراير طهطا

طما

أبو تيج القيام من سوهاج الساعة 8.5 صباحًا ويصل 8.55 صباحًا

القيام من طنطا الساعة 11.43 صباحًا ويصل 3.30 ظهراً

القيام من طما الساعة 5.56 صباحًا ويصل 6.30 مساء

الخميس 7 فبراير منفلوط

ديروط

ملوي القيام من أبو تيج الساعة 7.8 صباحًا ويصل 9.9 مساء

القيام من منفلوط الساعة 1.30 ظهراً ويصل 2.2 ظهراً

القيام من ديروط الساعة 5.44 مساء ويصل 6.17 مساء

الجمعة 8 فبراير الفكرية

سمالوط

بني مزار القيام من ملوي الساعة 10.25 صباحًا ويصل 11.15 صباحًا

القيام من الفكرية الساعة 2.52 ظهراً ويصل 3.45 ظهراً

القيام من سمالوط الساعة 8.7 مساء ويصل 8.42 مساء

السبت 9 فبراير مغاغة


الفشن

ببا القيام من بني مزار الساعة 10.2 صباحًا ويصل 10.30 صباحًا

القيام من مغاغة الساعة 4.34 مساء ويصل 4.56 مساء

القيام من الفشن الساعة 6.53 مساء ويصل 7.10 مساء

الأحد 10 فبراير بني سويف

الفيوم القيام من ببا الساعة 11.18 صباحًا ويصل 11.39 صباحًا

بالسيارة منبني سويف بعد المغرب إن شاء الله

الاثنين 11 فبراير القاهرةمن الفيوم بالقطار أو السيارة إن شاء الله والله المستعان


ومن ذلك نستطيع أن نصف الإمام الشهيد بأنه " رحالة في سبيل الله أبداً " حيث إن الداعية الحق هو من يقسم جهده ووقته بين أبناء دعوته ، فلكل واحد منهم نصيب ، البعيد منهم كالقريب عنده ، القاصي منهم لا يقل عن الداني ، وقد اعتاد الناس في شهور الصيف أن يفروا من حرارة جو الصعيد إلي حيث سواحل مصر الشمالية يتبردون برطيب جوها ويسعدون بشذا زرعها ومائها ، وكان الإمام البنا رحمه الله علي خلاف ذلك .

فشهور الصيف الحار التي تتشقق منه الأحجار يقضيها هذا الداعية المجاهد هناك حيث الكفور والنجوع والجبال ، وبمجرد أن تنتهي الأجازة الصيفية يعود أدراجه إلي القاهرة ليبدأ برنامجًا حافلاً لرحلته الشتوية في أرجاء الوجه البحري ، وكان له في ذلك كله مواقف وطرائف .

كان يقطع الوجه القبلي كله بلداً بلداً وقرية قرية في عشرين يوما ينام ساعة أو بعض ساعة في القطار وهو يضع رأسه تحت ذراعه وهم يتحدثون من حوله .

فإذا سافر مع أصحابه أشرف علي نومهم وبحث عن الأسرة والغطاء وكل أمورهم فإذا اطمأن إلي أنهم رقدوا عاد إلي حجرته يتوضأ ويصلي هزيعاً من الليل ويناجي حتى الفجر ثم ينام بعده ساعة أو ساعتين يستيقظ بعدها فتيا قويًا ، وسرعان ما يرتدي ثيابه ويتناول إفطاره ويكون في الطريق إلي العمل يجتمع مع أهل كل بلدة خاصة فإذا انتهي جمعهم في جماعة عامة .

وفي " القوصية " دعا زعيم البلدة الأستاذ البنا وإخوانه إلي طعام العشاء في قصره وما أن انتهي من الحفل المقام حتى بدأ ينصرف وسار وراءه كثير من أتباعه وقريبًا من القصر وقف وقال : يا فلان ثلاثة فقط يذهبون معنا ، ودعا كل جماعة تأخذ طريقها ، المسافرين والمقيمين ، حتى لا يعطي الرجل صورة معروفة عن بعض الطوائف ، وهناك علي المائدة – كعادته دائمًا – لا يأكل إلا القليل والقليل جداً ، فإذا عاد إلي غرفة نومه أخذ في كتابة مذكراته عن أعمال يومه .

وربما يزور بلدة من البلاد لأن له فيها مريداً واحداً وكان من عادته أن يزور إخوانه في أماكنهم ولا يحملهم مشقة الانتقال إليه ، فيركب الحمار والجمل والفرس ويركب القطار والأتوبيس والسيارة والمركب والمعدية ويمشي أحيانًا .

ذات مرة أراد أن ينتقل من البر الغربي للنيل إلي البر الشرقي ليزور بعض إخوانه هناك فقالوا له : إن المركب الوحيد علي هذا البر مفتوح ولا تصلح للركوب ويحسن أن نرسل إليهم أن يحضروا ، فقال : لا بل نذهب فيه وننقل الماء منه إلي البحر وقد كان .

وفي رحلاته كان يصحب معه حقيبة صغيرة فيها غيار الملابس وبعض كتب ومناديل وجرابات ومشط وفرشاة أسنان وشيء آخر " علبة الدقة " وهي علبة صفيح مستديرة ذات غطاء فيها مسحوق أسود اللون وقال له أحدهم : لم تحمل هذا ؟ فأجاب : من يدري لعلنا نذهب إلي بلد لا نجد فيها من ننزل عنده أو نعرفه عندئذ نغمس الرغيف في الدقة وننام في المسجد يضع أحدنا ذراعه تحت رأسه ويتغطي بعباءته وينام .

وكان كثيراً ما يحدث في أول الأمر أن ينزل بلداً من البلاد ويكون الوقت عصراً مثلاً فيتوجه إلي المسجد وبعد أن يصلي مع الناس يقف بجوار أحد الأعمدة ويستأذن الإمام في الكلام ، ويأخذ في تفسير حديث من أحاديث رسول الله صلي الله عليه وسلم ثم يستطرد إلي ما يريد أن يقول في يسر وبساطة ، وقد ينصرف الناس بعد أن يستمعوا إلي حديثه فيكون من أمره أن يبيت بالمسجد بعد أن يتوسد ذراعه وينام علي حصير الجامع ويتغطي بعباءته .

وكم قضي من الليالي علي هذا الوضع وكان قد عود نفسه أن يسافر إلي أسوان والأقصر في أجازة الصيف ، وقد قدر له أن يزور أربعة ألاف قرية في القطر كله وكان يخطب في كل بلدة ، وكان يأكل طعام الغداء مرتين أو ثلاثة ويسر لإخوانه الحاضرين معه من القاهرة : " كلوا نصف بطن هنا فأمامنا غداء آخر في البر الغربي وإذا لم نأكل هناك يغضبون منا ".

وكان في هذا التنقل العجيب يعرف كثيراً : اللهجات ، الأخلاق ، الطبائع ، القصص ، الأسرار ، التاريخ ، البيوت ، العائلات ، الغني والفقير ، الحياة والموت .

وما كان يتمتع به الإمام الشهيد من قوة بدنية ، قادرة علي تحمل المشاق والمصاعب يصفه الأستاذ أنور الجندي حيث صحبه في رحلته للحج عام 1946م يقول : نركب السيارة بين مكة والمدينة ويصيبنا الدوار ولا يصيبه ، نأكل بعض الأصناف فتصاب أمعاؤنا ولا يصاب ، ندخل جو مكة الحار بعد جونا الرطب ، وجو المدينة الرطب بعد جو مكة الحار فتتأثر صدورنا بالزكام والسعال وهو لا يتأثر ، يتعبنا المشي والتصعيد في غار حراء وهو لا يتعب ، تزعجنا المشاق وهو باسم راض ، تتأفف نفوسنا وتتوتر أعصابنا لبعض المواقف وهو هادئ يرد عنا ما بنا من غلظة وجفاف .

ذلك فضل الله وذلك نتيجة التمرس الدائم بأعباء الحياة وأجوائها وأطعمتها وأسفارها .

وبتلك القوة البدنية التي حباه الله بها كان الإمام الشهيد قادراً علي تحمل كل الأجواء والظروف , قائظ ، أو برد قارص ، هواء عاصف ، أو نسيم عليل ، صحراء مقفرة ، أو أرض موحلة ، الكل يستوي عنده ، يتكيف مع كل ذلك دون مشقة أو عناء .

ومن لطيف ما يحكي في ذلك أنه لما دخل المعتقل في 16 أكتوبر عام 1941م وكان مع الأستاذ أحمد السكري ، وعبد الحكيم عابدين ، كان كثيراً ما يختلفان حول إعداد غرفة النوم أثناء النوم ، فقد كان الأستاذ أحمد السكري لا يستطيع أن ينام إلا إذا أغلق الشبابيك ، والزجاج والمنافذ كلها ، ولا يترك منفذاً أبداً ، وكان الأستاذ عابدين يقول له : " أن أكاد اختنق ، سأموت من الحر " وكان الأستاذ الإمام يضحك عليهما ويقول : " أضربوا رأسكما في رأس بعض " ، أنا سأنام فتحتم أو قفلتم .

ويعلق الأستاذ عابدين فيقول : والعبرة التي تأخذني أن الإمام الشهيد – طيب الله ثراه – ما كان يهمه أبداً أن ينام علي الأرض أو علي سرير ، في شباك مفتوح أو مغلق ، في حر أو في برد ، لا يبالي أبداً بشيء من هذا " .


المبحث الرابع : الجانب العقلي

ليس المؤمن كما يتصوره الناس " كيس قطن " ولكنه كما جاء في الأثر " كيس قطن " وكما أخبر بذلك الخليفة الثاني رضي الله عنه " لست بالخب ولا الخب يخدعني " ، وهكذا فليكن الدعاة إلي الله : إيمان وتقي محوط بيقظة ودهاء يمكن الداعية من حسن التصرف في المواقف التغلب علي العقبات ، وقد كان الإمام الشهيد – رحمه الله – واحداً من هذه النماذج ، فلندع القول لمن عاصروه ورأوا المواقف بعيونهم شاهدة علي ذلك :

قال فضيلة الشيخ طنطاوي جوهري : " إن حسن البنا في نظري مزاج عجيب من التقوى والدهاء السياسي ، إنه قلب علي وعقل معاوية ، وإنه أضفى علي دعوة اليقظة عنصر " الجندية " ، ورد علي الحركة الوطنية عنصر " الإسلامية " ، وبذلك يعد هذا الجيل الإسلامي الحاضر النسخة الإسلامية الثانية الكاملة المعالم بعد الجيل الإسلامي الأول في عهد الرسول صلي الله عليه وسلم .

ومما يذكر علي سبيل المثال أن أزهرًا أراد أن ينفر منه المستمعين بإثارة جدل عقيم حول جزئيات سخيفة في بدء حركته في الإسماعيلية , فسأله عن اسم والد " إبراهيم الخليل " في معرض قصته فقال له البنا : " إن اسمه " تارخ " وإن " آزر " عمه .

والقرآن يقول إن آزر أبوه ولا مانع من أن يكون عمه لاستخدام ذلك في لغة العرب وقال بعض المفسرين : إن آزر اسم للصنم لا لأبيه ولا لعمه , ونطق الإمام البنا كلمة تارخ بكسر الراء ، فرد عليه الأزهري إن الكلمة بضم الراء لا بكسرها إحراجًا له .. " وحين أراد الأزهري أن ينحو هذا النحو في كل درس تذرع بوسيلة تدل علي دهائه فدعاه إلي منزله وأكرمه وقدم له كتابين في الفقه والتصوف هدية وطمأنه علي أنه مستعد لمهاداته بما شاء من الكتب ، فطابت نفس الأزهري وواظب علي حضور الدروس وكف عن اللجاج .

ولعل أشد المواقف امتحانًا لذكائه ودهائه كان عندما صادر إبراهيم عبد الهادي أموال الجماعة وطاردها بعنف وتهمها بتبيين الانقلاب وعدم الولاء للعرش ، فما كان من البنا إلا أن صرح بأن الهيئة ستأخذ بالنهوض بحالة البلاد من الناحية الدينية والاجتماعية والاقتصادية مهملاً الناحية السياسية التي توغل فيها أيما توغل إبقاء علي الجماعة في وجه العنف ، وهو موقف لا بد من أن يكون قد حز في نفسه ؤآلمه أشد الألم بعد أن كان يرجو أن يجعل من الإخوان " الإنقاذ وكتائب الجهاد " وبعد أن صرح مرارًا أن السياسة جزء لا يتجزأ من منهجهم .

ومن أهم مفردات الجانب العقلي للدعاة الذاكرة القوية ، والقدرة علي التركيز ، لأن الدعاة يلقون كثيرًا من الوجوه ويتحدثون إلي أناس كثير ، فلو لم يؤتهم الله نعمة التركيز وهبة التذكر القوي والذاكرة الحادة ما استطاعوا أن يقودوا جموع الأتباع ولا أن ينشروا فكرتهم في كل الأصقاع .

وكان الإمام البنا نموذجًا فريدًا في هذا الباب وطرازًا عجيبًا في هذا الصدد :

يسمع إلي آلاف الأفكار والآراء والمذاهب فلا تؤثر في اتجاهه المركز الثابت وإنما تمده بالعون ، ذلك أنه أوتي القوة الكاملة علي تحرير نفسه فلا يجرفه تيار فكرة ما إلا بعد البحث الدقيق .

أعطي هذا الرجل ذاكرة عجيبة لا تنسي اسمًا ولا وجهًا ولا مكانًا ولو طالت السنون ، ولذلك فهو يعرف أكبر مجموعة من الناس ويعرف عنها كل ما يحيط بها معرفة تامة ، ويعرف القطر مدنه وقراه ، ويعرف روح كل بلد ووضعها ونظم أهلها وتقاليدها وعاداتهم ومذاهبهم الدينية وكل ما يتعلق بكيانهم الروحي والاجتماعي والعقلي ، فيتمشي معهم ويحاول أن يرتفع بهم ، وكان يعرف أتباعه من صورهم وكانوا قد أرسلوا رسومهم وحضروا بعد عام فلما رآهم ناداهم بأسمائهم وكان يعرف أسماء أتباعه بعد أن يتلقي بهم للمرة الأولي وكان إذا سمع اسمًا ردده ، وإذا قيل له : فلان من عائلة " كذا " فتوقف وقال : هناك خمس عائلات في مصر تحمل هذا الاسم فمن أيهم هو ؟ .

عقله كأنه من المطابع التي تحفظ الصور والأسماء والأماكن علي كثرة ما لقي من الناس وشاهد من الصور والأماكن ، فقد طاف القطر من أقصاه إلي أقصاه المدن والقرى ، ورأي من المغرب والهند والشام والجزيرة العربية ، وهو علي قدر ما التقي بالناس لا تغيب عنه أسماؤهم ولا أهدافهم ولا مسائلهم ، فذاكرته حافظة عجيبة الصمامات يفتحها في الوقت المطلوب , بالقدر المطلوب تحتوي شعرًا ونثرًا وأدبًا وتاريخًا وفقهًا وحديثاً وتصوفاً وقرآناً وطباً وقانوناً .

يصفه الأستاذ عمر التلمسانى فيقول : كانت له ذاكرة غير مألوفة في قوتها : إذا سأل أخاً عن اسمه مرة وابنه وأبيه وعمله ثم التقي به بعد أشهر طوال حياه باسمه ، وسأله عن والده فلان ، وابنه فلان ، وكان ذلك مثار العجب عند الجميع ، ولو علمت عدد شعب الإخوان أيام حياته ، ولكل شعبة مسئول ثم هو بعد ذلك يعرف كل مسئول عن كل شعبة ،وهو الذي يعرف الآخرين بهم ، لأذهلتك هذه الذاكرة الجبارة ، التي ما ضاقت يوماً عن اسم أو غاب عنها حدث مهما طال به الزمن .

ومن الوقائع الدالة علي قوة ذاكرته – رحمه الله – ما كان بينه وبين كتاب " مستقبل الثقافة في مصر " , حيث طلبت منه جمعية الشباب المسلمين إلقاء محاضرة عن الكتاب بعد خمسة أيام , ولم يكن عند الإمام الشهيد وقت يخصصه لقراءته إلا في فترة ركوبه الترام في الصباح إلي مدرسته ، وفترة رجوعه منها ، وكان يضع علامات بالقلم الرصاص علي فقرات معينة .

وفي الموعد المحدد ذهب الإمام الشهيد إلي دار الشباب المسلمين فوجدها – علي غير عادتها – غاصة بالحاضرين , وهم من رجال العلم والأدب والتربية في مصر ونتركه يكمل القصة فيقول : " ووقفت علي المنصة , واستفتحت بحمد الله , والصلاة والسلام علي رسول الله , وبجانبي الدكتور يحيى الدر ديري السكرتير العام للشباب المسلمين , ورأيت الكتاب كله منطبعاً في خاطري بعلاماتي التي كانت علمتها بالقلم الرصاص .

وبدأت أول ما بدأت فقلت إنني لن أنقد هذا الكتاب بكلام من عندي , وإنما سأنقد بعضه ببعضه , وأخذت – ملتزماً بهذا الشرط – أذكر العبارة من الكتاب , وأعارضها بعبارة أخري من نفس الكتاب , ولاحظ الدكتور الدر ديرى أنني في كل مرة أقول : " يقول الدكتور طه حسين في الكتاب في صفحة كذا .. واقرأ العبارة بنصها أيضاً من خاطري , ثم أقول : ويناقض الدكتور طه نفسه فيقول في صفحة كذا .. وأقرأ العبارة بنصها أيضاً من خاطري , فاستوقفني الدكتور الدر ديري , وطلب إلي أن أمهله حتى يحضر نسخة من الكتاب ليراجع معي النصوص والصفحات , لأنه قرأ الكتاب , ولم يلاحظ فيه هذا التناقض " وكأنه لم يقرأ العبارة التي يسمعها الآن .

وأحضر له الكتاب , وظل يتابعني , فيجد العبارات لا تنقص حرفاً , ولا تزيد حرفاً , ويجد الصفحات كما أحددها تماماً , فكاد الدكتور الدر ديري يجن , كما ساد الحاضرين جو من الدهشة والذهول , والكل يتجه – كلما قرأت من خاطري عبارتين متناقضتين – إلي الدكتور الدر ديري في كل مرة : " تماماً بالنصوص والصفحات " , وظللت علي هذه الوتيرة حتى أنهيت الكتاب كله ، وأنهيت المحاضرة ، فقام الجميع – وفي مقدمتهم الدكتور الدر ديري – بين معانق ومقبل .

وفي موقف آخر : قدم إليه أكثر من مائة " كرت " بأسماء شباب الجوالة في إحدى المحافظات لتوقيعها , فراح يمعن النظر في صورة كل جوال ويحفظ اسمه ولما توجه بعد أكثر من سنة لزيارة بعض قرى هذه المحافظات , كان يلتقي بالإخوان ويناديهم بأسمائهم , ولم يكن قد التقى بهم من قبل إلا من خلال تلك " الكرنيهات" فكان ذلك مثار دهشة الجميع .

ويذكر المهندس سعد لاشين موقفاً للإمام البنا يدل علي ذكائه وقوة ذاكرته فيقول : " إنه أثناء حفلات الإخوان في سوهاج حضر الأستاذ البنا وكنت قد التحقت بالإخوان هناك حيث كنت أعمل بمديرية الزراعة بسوهاج , فلما انتهي الحفل بدأ التعارف بين الإخوان وذكرت اسمي ومنهتى ، وبعد انتهاء التعارف بادرني الإمام البنا بالسؤال الآتي : الأستاذ محمود لاشين يقرب لك إيه ؟ فقلت له : هذا عمي فذهبت إلي عمي وكان في هذا الوقت مدرساً أول بالمدرسة الثانوية بسوهاج وقلت له : إن الأستاذ المرشد حسن البنا يعرفك فدهش عمي لأنه لم يلتق به إلا في سنة 1929م إذ كانا في مراقبة امتحان الشهادة الابتدائية , والمراقبة لا تستمر أكثر من أربعة أيام ، وكان ذلك أول لقاء لي مع الإمام البنا رحمه الله .

كان للداعية الأول للإسلام من البلاغة والفصاحة وحسن الحديث وروعة البيان ما جذب إليه فصحاء العرب وبلغاءهم حتى إنه لما سئل صلي الله عليه وسلم عن ذلك , قال : أدبني ربي فأحسن تأديبي ، حتى أن مشركى قريش كانوا يقولون عنه إنه ساحر لما يسلب به القلوب بحلو حديثه وعذب كلامه وبليغ منطقه .

وهكذا جعلها الله سنة في خلقه فحملة أولوية الدعوة إلي الله من بعد الداعية – رسول الله صلي الله عليه السلام – يمنحهم الله هذا البيان الصافي والأسلوب الساحر الأخاذ ، ومن هؤلاء كان الإمام البنا رحمه الله وحسبنا تدليلاً علي ذلك :

أولا : أقوال من عاصروه واغترفوا من معينه :

يقول الأستاذ أنور الجندي :

" كان حسن البنا كاتبًا وخطيبًا ومحدثاً من آيات البيان والتعبير ، ووراء ذلك كله المحصول الضخم من القراءات والثقافات والتجارب ، فقد أحاط بالتراث الإسلامي إحاطة طيبة ، وعرف من الناس العشرات ، استمع إليهم وحدثهم وعرف تجاربهم وما وعوه من سير الدعوة والدعاة " .

ويقول الدكتور منصور فهمي : " كان علي قدر عظيم من الإيمان والذكاء ومبشراً من الصالحين ، ويدعو لوجه الله علي أبلغ ما يدعو داعية مؤمن بما يقول وعلي خير صور التبليغ الذي يصل به المعلم المختار الملهم إلي نفوس تلاميذه وأذهان مريديه .

اجتمعت به مراراً في المجالس التي تعمل للصالح العام كان إذا بدأ له أن يسوق رأيًا أو حكمًا كانت الحجج القاطعة تواتيه منتظمة في فصاحة البلغاء ولباقة الأذكياء الكيسين ، وفي تواضع العلماء الراسخين ، وفي إيمان الدعاة المخلصين ، وطالما سمعته خطيبًا ومحدثاً في المحافل العامة فكانت المعاني تواتيه جلية واضحة مرتبة ، وتتوالي علي لسانه العبارات طيعة سهلة فصيحة ولطالما كان يثبت معانيه وأقواله بقول الله المكين والأحداث المناسبة والشواهد الأخاذة من أعمال السلف الصالح " .

وبمثل فصاحته البليغة الفياضة بحرارة الإيمان كان يقود الجماهير ويفيدهم بما ذهب إليه ويدعو له .

ويقول أحد الأمراء العرب : " لقد خاب ظني بادئ الرأي في حسن البنا أول ما لقيته في القاهرة لجسده الضئيل وبذلته الباهتة وسمته الذي لا يلفت العين ، فضلاَ من أن يلفت النفس ، فإن هي إلا دقائق في أحاديث مختلفات حتى بهرني الرجل البسيط : أصالة في الصدق تطوع من كان له بعض قلب وأصالة في الحجة والرأي مبرأة من شوائب الحسد أو العجب ، كل ذلك جمع سماحة نفس سيالة الود وتواضعًا عجيبًا ليس فيه إثارة وواقعية مدهشة وحفاظ علي ثلاثة أمور في وقت واحد :

1 – وعي راسخ بالأحكام الشرعية .

2 – حاضر الحجة من الكتاب والسنة ومحيط بخلافات الفقه ووجوهها .

3 – علي ثقة تم بدعوته وبمستقبل الإسلام والمسلمين .

ثانيًا : بعض المواقف الرائعة في هذا الميدان :

الموقف الأول : دخول الإمام البنا إلي الجامعة محاضراً عن ذكرى الهجرة النبوية :

كان الاحتفال بالهجرة مقصوراً علي الأزهر الشريف ، ولم تكن الجامعة في ذلك الوقت تحتفل بأي ذكري دينية ، وأراد طلاب الجامعة من الإخوان المسلمين أن يقيموا احتفالاً دينيًا في رحاب الجامعة ويدعو الإمام البنا لحضورها وإلقاء خطبة بها ، فأعلنوا في الجامعة عن الاحتفال وأن الذي يتلو السيرة النبوية هو الشيخ حسن أحمد عبد الرحمن ، فلم يعترض أحد علي ذلك من إدارة الجامعة ، وحان وقت الحفلة ، وامتلأت القاعة بالحضور والضيوف المتحدثين ، وكانوا صفوة من العلماء والمدرسين بالجامعة وعلي رأسهم الأستاذ أحمد أمين ، والأستاذ محمد الغمراوى ، وجلس معهم الإمام البنا وحين جاء الدور عليه في الحديث قام علي هيئة المتواضع ، ويتحدث بهدوء ، ويثني علي السادة العلماء ويذكر مناقبهم ، واحداً واحداً ثم بدأ حديثه بهدوء ، بدأ خفيض الصوت ، ناعمًا ، هادئًا ، ثم انطلق وتدفق حديثه وانسابت كلماته متدفقة إلي قلوب السامعين حتى جذبهم إليه ، وكان للإمام حماسه في حديثه وقوة في منطقته ، وبلاغة في حجته وسحر في بيانه ، فتجاوب معه الحاضرون والتهبت أيديهم بالتصفيق إعجابًا بحديث الإمام ، وصارت كلمة " الله أكبر ولله الحمد " تدوي في رحاب الجامعة ، وكان من ثمرة هذا النجاح الباهر أن أصرت إدارة الجامعة علي أن تكون الاحتفالات بالمناسبات الإسلامية بانتظام وأن يكون الإمام البنا هو الخطيب الرئيسي فيها .

فإذا كان حسن البنا رحمه الله مؤثراً في جموع البسطاء من العمال والفلاحين فإن تأثيره في رواد وطلاب الجامعة كان أشد .

موقف أخر :

يروي أحد ضباط البوليس : " كنت اعمل في أحدى قري مديرية " جرجا " وبينما أنا منهمك في لعب النرد بعد الغروب إذا جاءتني إشارة مستعجلة هذا نصها : ( يمر الليلة بالبلدة من يدعي الشيخ حسن البنا فالمطلوب مراقبة الاحتفال الذي يقام له وسماع كلمته فإذا وجدتم فيها ما يخالف القانون يقبض عليه فوراً ويرسل مع مخصوص ، قال : ضقت بالإشارة وبالشيخ فقد صرفاني عن رغبتي في اللعب ومضيت إلي ذلك السرادق البسيط المتواضع الذي أقيم ، وكان الرجل قد وصل وبدأ يتحدث وجلست في آخر الصفوف استمع وأراقب فماذا وجدت ؟ تكلم الرجل عن البلدة والإنارة والنظافة وطلب من الأهالي وضع " فوانيس " علي بيوتهم إلي أن يستطيعوا إنشاء مجلس كروي ودعاهم إلي بناء المساجد ، وظل يتحدث وأنا أصغي وأقول : ماذا في قول مثل هذا الرجل مما يضير الأمن العام . وتحدث عن نسيان الخلافات وإجراء المصالحات بين الأسر واستطرد إلي حال الأمة حين تنسي ربها ودينها ، كنت استمع إليه كالمأخوذ ، وكأنما قد امسك بعناني وسحرني ، فما أن انتهي من كلمته حتى كنت أسرع الناس إلي التسليم عليه وفي اليوم التالي كنت أحمل حقيبته إلي القطار ! .

أوتي الإمام البنا أسلوبًا سهلاًَ ممتنعًا جمع الله إليه صوتًا قويًا له رنة حلوة نفاذة إلي القلوب مؤثرة في الأعصاب والأرواح تفعل فيها فعل السحر ، وهو إلي ذلك لا يستعمل الألفاظ الرنانة ولا الجمل المثيرة ولا الكلمات الجوفاء ، إنما يستعمل المعاني العامرة ويخاطب القلوب والعقول معًا ، ويعتمد علي المنطق والبرهان والحجة ، ويجمع بين الأدب العربي الخالص البليغ واللهجة العادية التي يفهمها كل الناس ويجمع بين الفلسفات والاجتماعيات والقانون في نمط واحد يبسطه للناس حتى يصل إلي الأذهان فلا يثقل علي العامة ولا يزدريه الخاصة .

وهو يدعو إلي التراحم والمحبة بين الناس ،لا يفتعل العبارة ولا يتكلف الحديث ولكم يرسل القول إرسالاً ويبين ما يريد في بساطة ووضوح مستشهداً في كل موقف بآيات القرآن الكريم ، يحفظها حفظًا جيداً ويتلوها تلاوة عذبة ويوضحها إيضاحًا كاملاً ويفهمها فهمًا دقيقاً ، ويفتح عليه فتوح الفيض الإلهي والفتح الرباني وتمضي الساعات وهو مسترسل ويفيد فيسمع الناس في دهشة وذهول .


المبحث الخامس : الجانب النفسي

إن نفاء السريرة وإخلاص النية وصفاء النفس من أهم صفات الداعية الحق ولا يجد القبول من الناس إلا بها وقد كان الإمام الشهيد علي قدر كبير من تلك الصفات النفسية الضرورية لكل إمام مجدد ونحاول في عجالة أن نعرض لبعضها :

1 – كان أبغض شيء إلي نفسه المدح والإطراء الشخصي :

عندما يسن إمام الدعاة إلي الله قانونًا فلا يسع أتباعه وحملة ألوية دعوته إلا السير علي نفس النهج ، فرسول الله صلي الله عليه وسلم ، يقنن لأمته عامة ولأهل الدعوة خاصة ذلك القانون العظيم " احثوا في وجه المداحين التراب " ذلك أنه كثيراً ما يكون نابعًا من النفاق ، أو يكون دافعًا إلي غرور الممدوح وتكبره بعد أن يمتلئ إعجابه لنفسه .

وعلي نفس المنوال نسج الدعاة إلي الله ومنهم الإمام البنا فقد كان يبغض المدح الشخصي أيما بغض ، ويكره ، ويبدو ذلك واضحًا من خلال هذه المواقف :

" دعيت وأنا وحديث عهد بدعوة الإخوان المسلمين إلي لقاء الإمام الشهيد حسن البنا في دمنهور .. كنت أتخليه شيخًا كبيراً له لحية طويلة وفي يده مسبحة طويلة ، ويضع علي رأسه عمامة واسعة فوجئت بأنه " أفندي " يرتدي البدلة وله وجه باسم يستقطب الناس بالنكتة اللطيفة وكان معروفًا وقتها أن الأفندية معظمهم لا يصلون .

وقف الأستاذ أحمد السكري وكيل الجماعة – في ذلك الوقت – والقي كلمة ثم قدم الأستاذ البنا بكلمات فيها الكثير من الإطراء قائلاً : " أيها الإخوان .. ها هو زعيمكم ومرشدكم ها هو قائد المسيرة ، نظرت إلي الأستاذ البنا فوجدته يرتجف ووجهه ممتقع ثم قام وأمسك بالميكروفون وقال : ما ماتت الدعوات إلا بسبب التفاف أصحابها حول الأشخاص فإذا مات الشخص ماتت الدعوة .. وأنتم أيها الأحباب مبادئكم خالدة .. الله غايتكم والرسول زعيمكم والقرآن دستوركم والجهاد سبيلكم والموت في سبيل الله أسمي أمانيكم .. هذه المبادئ التي تلتفون حولها هي الباقية .. فسمح رحمه الله بهذه الكلمات كل الإطراءات التي قالها الأستاذ السكري .. وما رأيت إنسانًا بعده مسح إطراء قيل عنه كما فعل الإمام الشهيد وإنما يكتفي الناس بشكر من أثني عليهم أو بقول : غفر الله لنا ولكم .

ويذكر الأستاذ أنور الجندي أن الإمام كان ينزعج من المدح في شخصه ويقول : " إنه أنزلني من فوق منصة الخطابة في أسيوط بشدة وعنف لأنني كنت ألقي قصيدة جاء فيها ذكره فغضب لذلك وقال : إما أن يقول شيئًا عن الدعوة وإلا فانزلوه ، وقد فعلها مع كثير غيري من الإخوان وكنت اشعر بضجرة إذا حاول أحد من الإخوان أو من الناس أن يذكره بكلمة ثناء في قصيدة أو خطبة ، وكان يقول دائمًا : " تكلموا في الدعوة فهي باقية والأشخاص فانون " .

2 – التواضع والبعد عن العجب :

إن كان التواضع وخفض الجناح محجوبًا ومرغوبًا للمسلمين فهو الدعاة واجب ولازم لا غني لهم عنه ، ورسول الله صلي الله عليه وسلم كان إمام الدعاة وقدوة المتواضعين فهو القائل : " طوبي لمن تواضع في غير منقصه ولزم أهل الذل والمسكنة " حتى إن الجارية تلقاه صلي الله عليه وسلم في الطريق فتأخذ بيده تطوف به طرقات المدينة ما يمنعه من ذلك شيء ، ومن معينه صلي الله عليه وسلم قبس حملة لواء دعوته من بعده ، فكانوا به متأسين وعلي منواله ناسجين ومن هؤلاء كان مجدد دعوة الإسلام في هذا العصر الذي كادت أن توأد فيه دعوة الإسلام .

يذكر عبد الحكيم عابدين في مذكراته غير المنشورة : " بل أذكر مرة ومرات عديدة كان يكثر من التبرؤ بنفسه إلي الله عز وجل ، مثلاً في بعض المحاضرات يري إقبال الناس والإخوان يأتون في محاضرات الثلاثاء هذه بدون دعوة من أقصي أطراف القاهرة ، وقد يمشي الواحد منهم أكثر من عشرة كيلو مترات علي قدميه فكان هؤلاء الإخوان يحضرون دروس الثلاثاء وإذا نظر وراء هذه الكثرة الكاثرة وانتفاضها بالتكبير والتحميد عندما يتحدث ويكون في حديثه ما يروع ويعجب – وكل حديثه والحمد لله يروع ويعجب – كان لا يتردد في أن يقول : أيها الإخوان إنكم لتأتون إلي من بقاع بعيدة ومن بلاد نائية وأنا أعلم أن فيكم من يأتي مشيًا علي الأقدام وتأتون لتستفيدوا مني علمًا وتأخذوا عني خيراً ، والله لأعتقد في أعماق قلبي وشعوري بأن هناك في أواخر صفوفكم من لا تنظر إليهم عين ولا تصغي لهم أذن ، أناساً وشبابًا تدركني أنا بهم رحمة الله واقترب إلي الله أنا بمحبتهم ، واستمد الفيض والبركة من الله ومن قلوبهم ، فكان دائمًا حريصًا علي هذه المعاني والفرار إلي الله عز وجل فراراً تامًا من أي معني أو مادة أو مكسب أو فائدة من هذه الدعوة من علو أو تقدير ، ويعلن فراره من هذه إعلانًا يكسر أنف من يركبه الغرور وتجعل أعلي الناس فخاراً بمواهبه لا يشعر إلا أنه حفنة تراب أمام جبل أشم .

أما عن تواضعه رضي الله عنه فقد كان يجلس علي الحصير إذا كان المجلس أرضًا وفي آخر الصفوف إذا اصطفت المقاعد للجلوس منكمشاً فلا يكاد يري متواضعًا فلا يكاد يعرف لولا ما ينم عنه من علم وفضل ونور ، يلبس في غالب أحيانه الجلباب العادي من أرخص الأقمشة والعباءة من فوقه والعمامة يشرق من تحتها جبين وضاء ووجه كله سماحة وذكاء .

3 – التسامي عن المناصب والترفع عن المنن :

إن حب الرياسة خلق دنيوي ترابي لا يطمح إليه المحلقون في الآفاق الرحبة والأبراج العالية من النورانية والربانية والنعيم العظيم في الآخرة .

هذا إمام الدعاة الأول صلي الله عليه وسلم جاءه عتبة بن ربيعة ممثلاً قومه يعرض عليه أموراً :

" قل يا أبا الوليد أسمع .. قال يا بن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاًً ، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا .. " ، فتلا رسول الله صلي الله عليه وسلم سورة فصلت حتى انتهي إلي السجدة فيها ثم قال : قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك ، هكذا رفض رسول الله الملك الذي يلهث وراءه الناس .. وهو الأمر الذي كان الإمام البنا – رحمه الله – يتسامي عن طلبه والسعي إليه ، فقد كان يود أن يكون جنديًا من جنود الدعوة ويسلم قيادها إلي من يحمل عنه هذا العبء . وقد عرضه مرات ورغب من الإخوان عدة مرات أن يكون هو جنديًا متواضعًا يتلق الأمر ممن يلي أمر الدعوة حين يجد من يلقي هذه الأوامر وكان يعني ذلك بجد لا بتحد وتعجيز بل برغبة صادقة حتى كان يقول : فرغوني أنا للعمل الخاص للدعوة اتركوا لي أنا الناس والشعب للتربية والتفقيه واختاروا لكم مرشداً عامًا يكون همه إدارة الدعوة وتصريف شئونها ويكون عملي مجرد داعية فقط ، لا أقيم في القاهرة إلا أيامًا قليلة أنقل لكم أخبار الأقاليم ، وسرحوني علي أجيال هذه الأمة وقراها وأصغر القرى فيها لأتولى التربية ، كانت هذه أمنيته وحرص عليها حتى إنه في أواخر أيامه رحمه الله قبل استشهاده بنحو سنة ونصف استطاع بعد مجهود أن يصل إلي صورة من هذه الصور ، وهو أن يوزع أعباء القيادة الفعلية علي أعوانه الموثوقين علي أن يكون هو فقط للسياسة العليا .

ومن عجيب أفعاله أنه رفض عرضًا من أحد علية القوم ، بأن يطلب إلي وزير المعارف ترقيته ليكون مفتشاً عامًا علي التعليم الديني في القطر المصري ، ويكون معه " أبونيه " الدرجة الأولي ليتفرغ للرحلات في أنحاء القطر المصري كله ، يوجه العملية التعليمية ، وينشر دعوته بين الناس ، فرفض الإمام الشهيد ذلك ، واعتذر له بلطف وأدب ، وقد عاتبه الأستاذ عبد الحكيم عابدين ، والشيخ الباقوري والأستاذ مصطفي الطير وقد كانوا معه في هذا الموقف علي هذا الرفض حيث كانوا يرون في عرض الشناوي بك عدة فوائد وضعوها بين يدي المرشد وهي :

1 – توفير الوقت ، حيث يتسع للزيارات والرحلات وعدم التقيد بمواعيد المدرسة .

2 – توفير المال الذي يسرف علي الرحلات .

3 – توفير الجهد ، حيث يجد المرشد الراحة في الدرجة الأولي أثناء السفر فيوفر علي نفسه الجهد والإرهاق الذي ينتابه من ركوب الدرجة الثالثة .

4 – أنه سوف يوجه العملية التعليمية توجيهًا صحيحا ، فضلا عن علاقته مع علية القوم من المفتشين والمديرين والنظار وغيرهم ، وسوف يكون ذلك فتحًا للدعوة حيث تستقطب هؤلاء الناس .

وقد أجاب الإمام الشهيد علي ذلك ، فأما توفير الوقت فقال : عندنا أجازة صيفية أربعة أشهر ، فالرحلات الطويلة نقوم بها فيها ، وعندنا أجازة نصف العام عشرة أيام ، وأجازة عيد الأضحى خمسة أيام ، وعيد الفطر أربعة أيام ، فما الذي يريده داعية بعد ذلك ، هل يريد بساط سليمان ليتصل بشعبه وجمهوره في الأقاليم ؟ ! .

قالوا : لكن هذا يكلفك الجهد الكثير ، فقال : يا إخوان : أنت نسيتم مبادئكم الدعوية ، من يطلب الراحة في أداء دعوته ، كيف تتجدد عنده شحنة الإيمان ؟ فإذا كان الداعية سيؤدي عمله كما لو كان يقوم برحلة صيد أو بنزهة فما هو المحرك الذي يؤجج الحماسة في نفسه ، وما هو الجديد الذي يستفيده علي مشاعره حتى يستطيع أن يشعر أنه مربوط بهذه الدعوة رباط حياة أو موت ؟ ، ثم لو طلب الداعي الراحة فسوف يطري عوده ، ولا يكون له جلد علي استكمال مشواره إلي نهايته ,

ثم هل تظنون أن الدعوة في القاهرة من السهل أن تستغني عن المرشد العام الشهور التي تتصورونها ؟ أنا لا أخاف إلا علي إخوان القاهرة ، لذلك أذهب إلي الأقاليم أتزود من إيمانهم وأحضر إلي القاهرة أجدد به إيمانكم .

أما توفير المال ، فأجاب المرشد : إذن لا نشعر بلذة البذل في سبيل الله ، ويفقد الأخ منا سعادته بأنه اقتطع القرش من قوته وقوت أولاده ليبذله في سبيل الله ، وهذه لذة لا يعرفها إلا من ذاقها مثلكم ، أنا نفسي إذا فقدت الشعور بأني أترك ولدي شبه جائع في سبيل تبليغ دعوة الخير للناس ، فقد أصبحت رئيس حزب أو رئيس جمعية ولم أكن داعية ، أين نحن من رسول الله صلي الله عليه وسلم الذي تروي عنه السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها : " كنا نري الهلال ثم الهلال ما يوقد في بيت من بيوت رسول الله صلي الله عليه وسلم نار ، فقيل لها : فما كان طعامكم ياخالة ، قالت : الأسودين ، التمر والماء " .

أما عن إرهاق الدرجة الثالثة في السفر ، فأجاب المرشد : هل شكوت لكم يومًا من الإرهاق ؟ هل قال لكم الإخوان الذين تحدثت معهم طوال الليل : إن المرشد كان باديًا عليه الإنهاك لدرجة أنه لم يستطع أن يبلغ الدعوة ، يا إخواني ارجعوا إلي أصلنا ، فليست لنا قوة ، وليست لنا طاقة إلا الفقر إلي الله عز وجل ، الذي يمدنا بمدده الله : إننا استغنينا عنك ، واستبدلناك بوسائل الراحلة ، يا إخواني الافتقار إلي الله يأتينا بالقوة والعون ، ولولاه لوكلنا الله إلي أنفسنا ، فنضيع وتضيع الدعوة .

أما عن ذلك سوف يكون فتحًا للدعوة ويستقطب علية القوم لها ، فأجاب المرشد : إننا فعلاً سوف نكسب الكثير من رجال التعليم وكبارهم لكن لن يدخلوا لحلاوة الدعوة وانصبابها في قلوبهم ، وإنما سيدخلون تقربًا للمفتش العام ، الذي بيده ترقيتهم ، ونقلهم ، ووضع التقارير عنهم ، وحينئذ سنتعب في غربلة هؤلاء الناس وفوزهم وسنجد من هؤلاء من يكون بلاءً علي دعوتنا لأنهم يشبهون مسلمة الفتح ، الذين قبلهم الرسول صلي الله عليه وسلم حين ثبتت الدعوة ، واشتد عودها ، وأصبحت لها دولة تحميها أما نحن فما زلنا في مرحلة التأسيس ، وإذا قبلنا مسلمي الفتح هلكت دعوتنا وهلكنا جميعاً .

وبعد أن أجاب لهم المرشد عما حسبوه فوائد ذلك العرض ، وأعطاهم درسًا تربويًا مهمًا ، قال لهم : إن الشناوي بك يعرض ذلك بدافع إخلاص للدعوة ، لكنه لن يحصل عليه بموافقة وزير الأوقاف – زكي العرابي باشا – الذي هو وزير في وزارة الوفد ، وربما يحتاج إلي موافقة النحاس باشا نفسه ، ومعني ذلك أننا نطوق أعناقنا بأنفسنا للوفد المصري ، فإذا كنا - الآن وليس لأحد علينا منة – نتهم بأننا وفديون ، ويرمينا البعض أننا أحرار دستوريون أو سعديون أو وطنيون .. فما بالكم لو قبلنا عرض الشناوي بك فسيقول الناس إن الإخوان أصبحوا أذناب الوفد ، ولا يهم الدليل ، بل وسيشعر الوفد بأننا أتباعه ، وهذا معناه إما أن نوافقهم دائمًا وإما أن تطلع علينا صحفهم وتقول : إن مدرس الخط الحقير الذي رفعناه إلي مفتش عام للتعليم الديني لم يذكر لنا هذا الجميل ، ولم يعرف لنا الوفاء .

4 – محاسبة النفس حتى علي خلجاتها وخواطرها :

ومن المواقف النفسية المهمة التي تدل علي شدة محاسبة الإمام البنا لخلجات نفسه ومراقبة الشهوات النفسانية الدقيقة ما حدث بعد أن أصدر حسين سري رئيس الوزراء سنة 1941م قراراً بنقل حسن البنا إلي قنا ، علي أن يكون التنفيذ فوراً وإلا الاعتقال ، ورأي الأستاذ المرشد في الأمر انتقاصًا من عزة الإيمان ، وامتهانًا لكرامة الإسلام ، وتخويفًا بالاعتقال ، وكأنه السيف المسلط من قبل الحكومة علي رقاب الإخوان وهو في مثل هذه الحالات ينقلب اللين والتسامح والرحمة والرأفة المعهودة في شخصية حسن البنا إلي الإسلام وصمود الحق ضد كبر الباطل وغروره .

والموقف يتلخص في أنه بعد أن أصدر حسين سري القرار رفضه الإمام الشهيد ، مستعداً للاعتقال المقرون عند الرفض ، وتجمع خلفه الإخوان وأصبحت الحكومة في موقف حرج ، خاصة وقد حددت موعداً نهائياً للتنفيذ ، وساقت عليه القوم لإقناع البنا بالقبول ، وتخويفه من إصرار حسين سري واستحالة عدم رجوعه عن قراره ، لكن أمام إصرار الإمام البنا وتمسك الإخوان بحقهم تدخل القصر الملكي في الموضوع ، وقبل انتهاء الموعد المحدد للتنفيذ بنصف ساعة ، اتصل القصر بالأستاذ عبد الحكيم عابدين ، وطلب منه ضبط عواطف الإخوان ، وطمأنه أن الموضوع بين يدي الملك الذي سوف يوجد له الحل خلال لحظات ، فدخل الأستاذ عابدين يخبر المرشد بذلك ، ونترك له تكملة القصة :

فدخلت علي المرشد وحوله الإخوان ،وهنا موقف من أعظم المواقف في أدب النفس ، وفي مراقبة الشهوات النفسانية الدقيقة من مواقف حسن البنا ، لأنني بمجرد أن دخلت عليه قلت : يا أستاذ يبدو أن المسألة ستنفرج ، اتصل بي حسنين باشا الآن وقال : المسألة بيد الملك ينظر فيها ، فيبدو أن المسألة ستنفرج ، ويزول شبح الاعتقال ، فإذا به يقول : الله لا يجعلها تنفرج ، نريد أن نري إلي متى يظلون يخفوننا بالاعتقال ، وأخذ هذا الموقف في نفوسنا وألبابنا ، ورأينا فيه موقفًا رائعًا جداً من معاني الإباء والجلد والاستعداد للبذل والتضحية في سبيل الله والبلاء في سبيل دعوة الحق ، لكن حسن البنا لم يلبث أن مسح هذا الموقف بنفسه ، مسحة عظيمة وأثبت لنا أنه ليس موقفاً جديراً به إذ قال : والله ما كادت تمر ثوان بين الثورة التي قام فيها لا جعلها الله تنفرج وبين مقولته الثانية : قال استغفر الله العظيم ، هو الاعتقال سوف يتحول من أن يكون بلاء في سبيل الله إلي أن يكون شهوة من شهوات النفس ؟ ثم أخذته هزة سيطرت علي كل مشاعره وقال بصوت متهجد : اللهم إن كنت تعلم أن هذا الاعتقال شهوة من شهوات نفسي فاصرفه عني واصرفني عنه وهنا وجدنا أنفسنا فعلاً مشدوهين .

إن هذا الرجل وفي هذا المكان يسلط من إيمانه رقابة علي أدق أحاسيسه فيدركه الخوف أن تكون هذه الكلمة الأبية تنطوي علي شهوة من شهوات النفس في الاعتقال ، وما وراء الاعتقال من سمعة ، وما وراء الاعتقال أن يقال : هذا مجاهد ، وما وراء الاعتقال من ثناء وإعجاب ، وخشي أن تكون حظًا من حظوظ النفس ، لا بلاء ولا امتحان في سبيل الله ، فقال هذه الكلمة : اللهم إن كنت تعلمها شهوة من شهوات نفسي فاصرفها عني واصرفني عنها ، وجلسنا صامتين حوله ، وهو لا يتكلم ، وقد شعرنا بأننا رفعنا عن هذه الأرض وعشنا بأجنحة خضراء تحت ظلال العرش ؛ لأنه مهما كان معني الكلمة ، ومهما كانت حافظة لحرفيتها ، فإن إلقاءها في هذا الجو لا يمكن أن يعاد إلا إذا عاد حسن البنا وعادت المسألة مرة ثانية ليعيش السامع هذا الجو الذي عشناه .


المبحث السادس : الجانب الإرادي

ربما يندرج الجانب الإرادي تحت الجانب النفسي ، إلا أننا أفردناه لأهميته في بناء الشخصية التي تريد أن تبعث أمة ، فقد كانت همم الإمام الشهيد فوق قدرته ، وقدرته فوق التعب والزمن ، يتسامي فوق الطاقة البشرية ، وأعماله الضخمة الموفقة أشبة بكرامات الأولياء منها بجهود العباقرة ، عزيمة تتضاءل دونها العزائم ، وهمة لا تبلغها العصبة أولو القوة إلا بروح من الله ورضوان .

وقد عرضنا قبل ذلك موقفه من شراء قصر آل أبو الحسن في الحلمية الجديدة ليجعله داراً للإخوان ، ورغم تعجب الجميع واجتماعهم علي أن ذلك ليس في الإمكان إلا أن إرادة البنا لم تضعف ، وتحقق له ما أراد .

ومثل ذلك حدث حين أراد أن يصدر مجلة الإخوان المسلمين ولم يكن في خزينة الإخوان شيء ، فجعل جنيهين في جيب أحد الإخوان هما رأس مال المجلة ، وصدر العدد الأول منها بعد ذلك بقليل ، وهكذا برأس مال " جنيهين سلفه " أنشئت مجلة عاشت أربع سنوات كاملة .

وموقف أخر لإرادة البنا التي لا تعرف المستحيل حين تآمر أصحاب مدرسة أهلية في مغاغة علي ناظر المدرسة الذي انتمي للإخوان ورأس شعبتهم هناك ، فاستغنوا عنه في وقت لا يستطيع معه الذهاب لمدرسة أخري ، حيث انتهت كل المدارس من إعداد معلميها ونظارها للعام الدراسي الجديد الذي لم يبق عليه إلا أقل من شهر واحد ، فاستقبل المرشد الخبر وهو يبتسم وقال : " لا بأس إذن ننشئ لع مدرسة يكون هو ناظرها وصاحبها " .

ولم يكن لقولة الأستاذ المرشد هذه معني في عرف العقل والمنطق والقياس للأسباب الآتية :

أولا : لم يبق علي بدء الدراسة إلا أقل من شهر واحد ثانيًا : أن هذا المشروع إذا أريد تنفيذه فإنه يحتاج إلي رأس مال لا يقل عن آلاف من الجنيهات في ذلك الوقت ، علي أن يستغرق تنفيذه إذا وجد هذا المال سنة علي الأقل .. فكيف يمكن مجرد التفكير فيه وليس لدي الشعبة ولا لدي المركز العام شيء من هذا المبلغ ؟! .

ثالثاً : إذا فرضنا جدلاً أن مدرسة كاملو المباني وافية بجميع ما يشترط من الشروط الصحية والاجتماعية أنزلت لنا من السماء الآن ، فإن العقبة الكبرى التي لا يمكن تذليلها هي العثور في هذا الوقت علي مدرس واحد يتعاقد معه بعد أن ارتبط كل مدرس بمدرسته.

رابعًا : أن إعداد المقاعد والقماطر والسبورات لمدرسة كهذه يحتاج إذا وجد المكان والمال إلي عدة أشهر .

خامسًا : إذا افترضنا جدلاً أن هذه المدرسة موجودة بكامل معداتها ومدرسيها ، فإنها باعتبارها مدرسة جديدة إلي عام كامل – مع جميع وسائل الإعلام الميسورة – حتى يعلم الناس بوجودها .. ثم هي لا تبدأ إلا بالسنة الأولي أي بالصف الأول فقط ، لأن الناس لن يثقوا إلا إذا أثبتت نتائجها جدارتها ، لا سيما وفي المدينة مدرسة قديمة أثبتت جدارتها من قبل والجميع يثقون بها .

ويعلق الأستاذ محمود عبد الحليم قائلاً : تلقي وفد إخوان مغاغة وتلقينا نحن الحاضرين من إخوان المركز قولة الأستاذ هذه بابتسامة فيها كل المعاني التي تضمنتها الأسباب الخمسة السابقة ، ولكن الأستاذ المرشد كان مصممًا علي قولته حيث كررها أكثر من مرة تكرار الواثق المتمكن .. ومع ارتيابنا بل ما نراه من استحالة في تحقيق هذا المشروع ، فإن ثقتنا التي تفوق كل تصور الأستاذ المرشد جعلتنا نتهم عقولنا ونتهم المنطق والواقع ونصدق ما يقول ، وبمشيئة الله وقدرته بدأت المدرسة في أول أيام الدراسة باستقبال تلاميذها وهي مستوفية جميع ما لا تستوفيه مدرسة إلا بعد مضي أربع سنوات علي إنشائها أو أكثر إذ الظروف مواتية ، ورحم الله الإمام البنا الذي كانت له إرادة لا تعرف المستحيل .


المبحث السابع : الجانب الروحي

رغم كل مميزات الإمام الشهيد إلا أن الميزة التي تنقطع دونها الأعناق ، والتي قلما يجود الزمان بزعيم يظفر بنصيب منها هي القوة الروحية الخارقة ، ويشهد بذلك موقعة الأستاذ أحمد السراوي معه في أوائل أيام انتقال الأستاذ المرشد من الإسماعيلية إلي القاهرة ، حيث طلب إليه الأستاذ السراوي أن يصاحبه في قضاء مصلحة له ، فسار معه حتى دخل معه منزلاً فوجد نفسه في مكان يشبه عيادة طبية ، ويكمل الأستاذ المرشد القصة فيقول : " وجاء الطبيب قبالتي وأخذ يحملق في عيني وأنا أنظر إليه في تعجب لا أدري ماذا يريد مني .. يقول الأستاذ المرشد : وبعد نحو ساعة وقف الطبيب ، وقال للسراوي : صاحبك هذا قوة روحية خارقة ، ليس في الدنيا الآن قوة تستطيع التغلب عليها ولا أن تعادلها ، لقد حاولت معه بجميع الوسائل ولم اتركه إلا بعد أن أحسست أنني إذا زدت علي ذلك لحظة فسأنام أنا .

قال الأستاذ المرشد : وبعد أن خرجنا سألت السراوي عن هذه المفاجأة ، فقال لي : لقد لاحظت أن فيك قوة روحية جارفة ، فحاولت أن أعرف مدي هذه القوة ، فاتفقت مع هذا الرجل – وهو أقوى منوم مغناطيسي في مصر – علي مبلغ كبير إذا هو استطاع أن ينومك ، ولم أشأ أن تعرف عن عزمي هذا شيئاً حتى آخذك علي غرة دون أن تستعد ، وقد خسر الرجل المبلغ " .

وكانت تلك القوة الروحية السبب الرئيسي في مقدرته علي إقناع الناس بما يريده ، بل إقناع أعداء الدعوة الذين يعملون علي تدميرها بالعزوف عن ذلك ، وكان هؤلاء الأعداء يعرفون ذلك جيداً ، ويحسبون حسابه ، من ذلك موقف عبد الرحمن عمار بك عندما كان وكيلاً للداخلية في وزارة النقراشي وشعر الأستاذ البنا بأمر الحل يعد فعلاً ، فحاول مقابلة النقراشي باشا ، وقابل عبد الرحمن عمار ، وطلب منه ذلك فاعتذر له عمار بك بمشغولية النقراشي باشا ، وتظاهراً بأنه سوف يحدد له موعداً ، وبعد خروج الإمام البنا من عنده سأله أحد العاملين بوزارة الداخلية وكان سامعًا للحوار الذي دار بينهما : لم كان منه هذا التصرف ؟ فقال عمار بك : " إحنا لو تركنا الأستاذ لمقابلة النقراشي باشا فلن يصدر أمر الحل ، لأن هذا الرجل قادر علي إقناع النقراشي باشا ، وبذلك تحدث أزمة بين الحكومة والسراوي " .

وقد أعلن الأستاذ محمود عبد الحليم عن ذلك فقال : " إن حسن البنا كان من اتساع الأفق بحيث لا يعدم أن يجد بديلاً مهما بدا لجميع الناس أن الأمور قد ضاقت واستحكمت حلقاتها حتى صار الطريق مسدوداً لا منفذ فيه ، وكان هذا هو السبب في أن كثيرين من أعدائه كانوا يتحاشون لقاءه ؛ لأنهم كانوا واثقين من أنه سوف يلزمهم الحجة ويكسبهم إلي جانبه وهو لا يريدون ذلك حسداً من عند أنفسهم .


المبحث الثامن : الجانب الاجتماعي

إن حملة لواء الدعوة الإسلامية بعد الإمام الأول رسول الله صلي الله عليه وسلم لا يكتب لهم النجاح إلا إذا ترسموا طريقه ونهجوا نهجه وتخلقوا بخلقه ، ولا شك أن الجانب الاجتماعي في شخص الداعي من الأهمية بمكان ، وقد تعدد مفردات الجانب الاجتماعي في شخص الإمام البنا إلي حد بعيد :

أ – اجتماعي يألف ويؤلف :

يقول صلي الله عليه وسلم :" ألا أنبئكم بأحبكم إلي أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة ؟ قالوا : بلي يا رسول الله ، قال : أحاسنكم أخلاقًا ، الموطأن أكنافًا ، الذين يألفون ويألفون " ونحسب الإمام البنا من هؤلاء ولا نزكيه علي الله ، فقد كان يتمثل هذا الحديث في حياته ، يتضح ذلك من سماته السابقة واللاحقة ونضيف هنا تلك الشهادات الصادقة :

كان الأستاذ البنا يشارك الإخوان في كل المناسبات الفردية والاجتماعية ، فهو يخطب الجمعة والعيدين ، ويصلي التراويح بهم في رمضان بختمه القرآن كاملة ، ويجري في كثير من الأحيان صيغة عقود الزواج لهم بنفسه ، ويدعو لأطفالهم بالدعاء المأثور ، حين يولدون ويشيع جنائزهم ، ويوجههم في حياتهم العامة والخاصة أفضل توجيه ، ويدير معهم الحديث في كل المناسبات ، ويخلص لهم الحب والمودة من كل نفسه وهم يبادلونه هذه العاطفة وهذا الشعور من أعماق قلوبهم ، وهذا هو سر تماسكهم ، وعجزت الدسائس والفتن عن أن تصل إلي كيانهم ، أو تنال من بنيانهم .

ويقول أنور الجندي : كانت صلة الداعية بإخوانه عجيبة حتى يكاد يشعر كل أخ من إخوانه إن له علاقة خاصة وصداقة خالصة ، يمتاز بها علي من سواه ، فضلاً عن أن له سرائر روحية كريمة مع كل أخ من الإخوان ، وله كلمات نافعة يستوحيها من نفوسهم واتجاهاتهم تظل ثابتة ، تفعل فعل السحر كلما قدم بها العهد ، تبرق في أطواء النفس ببريقها الجذاب الخاطف كما يبرق الكوكب اللماع في ظلمة الليل .

وما تزال هذه الألفاظ الكريمة والتوجيهات الصادقة تؤثر في الأخ الحبيب وتذكي في نفسه اللهب المقدس كالما اشتد الحنين .

ب – جواد يعطي الإخوان حتى ما يلبسه :

كان رحمه الله عليه أرق من نسيم الصباح ، هذا العملاق الجبار الذي ملأ المشارق والمغارب ذكراً ، كان إذا كلم ولداً صغيراً في شأن من الشئون يحمر وجهه من الخجل والحياء لأن عنصر العاطفة كان طاغيًا علي هذا الرجل ، ولا أقول مسيطراً عليه ، والحنين والرقة للإخوان والرقة للناس ، كان شيئا عجيبا والله إنه أبر بالواحد منا وأخوف عليه من أمه التي أرضعته ، وهذا أيضًا حملنا متاعب كثيرة ، متاعب عاطفة المرشد العام وقد كلمه في ذلك مرة الشهيد الشيخ محمد فرغلي ، وقال له : إنك تحملنا كل هذه المتاعب في سبيل إرضاء عاطفتك الشخصية ووفائك الشخصي ، كنا مثلاً إذا سافرنا معًا ويكون لابس " معطف – كبود – فإذا من الإخوان مثلا يقول له : ما أحلي هذا البالطو ، إنه جيد وجميل ، فيخلعه ويعطيه للأخ ويقسم ولا يعود يلبسه .

ج – يحب لغيره ما يحب لنفسه :

إن من علامات الإيمان أن تري المسلم يحب لغيره كل خير يتمناه لنفسه ، وهو في نفس الوقت يبغض للناس كل شر يبغضه لنفسه عملاً يقول إمام الدعاة صلي الله عليه وسلم : " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " ، وتطبيقًا لهذا النص المبارك علي حياة ا؟لإمام الشهيد رحمه الله نجد أنه آمن به عمليًا وجعله نبراسًا لحياته ، يؤيد ذلك هذا الموقف الذي كان بالمعتقل عندما جاءته البشري بالإفراج عنه دون أخوية اللذين معه مع إن خروجه له مبرره القوى حيث يتولي الإمساك بدفة الدعوة ويوجهها حيث يريد الله لكن – عليه رحمة الله – رفض الخروج بدون أخوية عبد الحكيم ، وأحمد السكري ، وأرسل رئيس الوزارة حسين سري باشا العضو البرلماني عن منطقة أسيوط حامد جودة إلي الإمام البنا في المعتقل محاولاً إقناعه بذلك ، إلا أن الإمامه البنا أصر علي موقفه ، وجلس مع حامد جودة يحدثه عن كيف يكون أخلاق القائد مع جنوده .

وتنازلت الحكومة أن تخرج الأستاذ المرشد بالقوة إلا أن الأستاذ عبد الحكيم عابدين هدد بقتل كل من يتعرض للإمام البنا أو يمس شعرة منه ، ورأي المرشد أن يقبل بالإفراج عنهما "البنا والسكري " حقنًا للدماء ففعل .

ومن الذكريات التي تكشف عن عبقرية الإمام الشهيد في حل المشكلات وإنقاذ المواقف ما بلغني من الأخ السيد " عبد الحي الخولي " نائب شعبة " سوهاج " بالصعيد ، فقد حدثني أن الشيخ " عبد الله المازني " عضو الهيئة التأسيسية رغب في تأسيس شعبة للإخوان في قريته " نجع مازن " ولم يرد الاستئذان من عمدة بلدته ، ورأي أن الإخوان أسمي من أن يستأذنوا أحداً في هذا الشأن فاتصل رأسًا بالمركز العام وطلب من فضيلة المرشد أن يفتح هذه الشعبة ومعه من يشاء من كبار الإخوان ، وأعد سرادقًا كبيراً يسع المئات من الناس ، وحدد اليوم الذي يحضر فيه ، ووافق الأستاذ المرشد ووعد بالحضور في الموعد المحدد .. وبعد إعداد السرادق الكبير وفي اليوم الذي قدم فيه المرشد بلغ العمدة " عمدة القرية " هذا الاحتفال وذلك الاستقبال فعز عليه أن يتم كل هذا دون علمه وبغير استئذانه وعو عمدة البلدة ، فثار ثورة مضرية وغضب غضبة " صعيدية " وعزم علي أن بتقلد سلاحه مع مجموعة من الرجال الأشداء ذوي قرباه ليهدم هذا السرادق علي رؤوس أصحابه ويقتل من يتعرض له من الإخوان .. وفي اللحظة الأخيرة بلغ المرشد هذه الثورة العارمة وذلك العزم الرهيب فما كان منه إلا أن تسارع في خطوات سريعة إلي بيت العمدة ولم يعر اهتمامًا بالحفل الإخواني ومن فيه والاستقبال الذي ينتظره في ظلال التكبير والتهليل .. ومضي راكضاً إلي مقر العمدة فالتقي به في منتصف الطريق ومعه عصابته الأشداء وبأيديهم الأسلحة والمعاول والحجارة .. فما كان من المرشد إلا أن اندفاع إلي العمدة يحييه ويعرفه بنفسه قائلاً : " أنا " حسن البنا " جئت أعتذر إليكم مما فعله الشيخ " عبد الله المازني " معكم ، فقد أقام هذا الحفل الكبير دون استئذانكم وقد جئت أطلب إليكم عقوبة شديدة عليه لمخالفة آداب الإسلام في موقفه هذا ، فما كان من العمدة إزاء كلمة المرشد إلا أن قال : لقد سامحته يا شيخنا من أجل خاطركم ، فأجاب الأستاذ ولكني لا أسامحه وأصر علي عقوبته .. فقال العمدة : عفا الله عما سلف ، ويسرني أن أدعوكم إلي حضور هذا الحفل ليزداد بكم سروراً وشرفاً كبيراً " فلبي العمدة ومن معه طلب الأستاذ المرشد راضيًا مغتبطاً واندمج العمدة ومن معه في هذا الحفل يكبر مع المكبرين ويهلل مع المهللين .

وهكذا أنهي الله سبحانه وتعالي هذه الحملة النازية الحامية التي أدركها الإمام قبل اشتعالها وأطفأها بحكمته وتواضعه ، وقد آثر ألا يستريح لحظة بعد قدومه من هذا السفر البعيد المرهق وقد علاه غبار السفر ولم يجف عرقه بعد .. تاركًا المظاهر ؛ مظاهر القيادة والهتاف والتكبير والتعظيم ، فإذا بالنار المتأججة تتحول إلي برد وسلام وإذا بالخصومة المستعرة تنقلب إلي محبة غامرة .. وهكذا يعالج الإمام الشهيد المشكلات ويقضي عليها بنفحات إخلاصه وإيمانه وتقواه .


الفصل الرابع : إغتيال الإمام البنا

المبحث الأول : مقدمات الاغتيال

الإمام حسن البنا

لم يكن الغرض من اغتيال الإمام الشهيد حسن البنا القضاء علي حياة شخص إنما كان الهدف هو القضاء علي دعوة وجماعة الإخوان المسلمون ، ومحو المبادئ التي تؤمن بها هذه الجماعة وتدعو إليها .

ولقد حاول أعداء الدعوة أن يحرفوا الجماعة عن أهدافها ومبادئها بشتى الطرق فخاب مسعاهم وضل سعيهم ، وحتى حين تمكنوا من إصدار قرار بحل الجماعة وقتلوا الإمام الشهيد ظانين بذلك أنهم قد قضوا علي الجماعة ومبادئها خاب ظنهم ، وذلك لأن دعوة الإخوان في حقيقتها ما هي إلا دعوة الإسلام التي لا تموت بموت شخص أياً كان هذا الشخص ، فهي دعوة الله ودينه الذي ارتضاه لعباده .

ولقد حاولت قوي متباينة اغتيال الإمام الشهيد أو احتواءه هو وجماعته وإن اختلفت الدوافع ، فكان دافع البعض الحقد والحسد والغيرة العمياء من زعامته وقوة جماعته ، أما القوة الرئيسية التي كانت وراء الكثير من المحاولات فكان دافعها هو كراهية الإسلام وكراهية أتباعه ، ولأن الجماعة أصبحت عقبة كؤوداً في وجه مخططاتهم وأطماعهم وإليك نبأ ما استطعنا معرفته من هذه المحولات

أولا : محاولات الإنجليز لاغتيال الإمام البنا :

1 – في عام 1941 طلب الجنرال " كلايتون " مدير عام المخابرات البريطانية في الشرق الأوسط لقاء الإمام البنا وفي هذا اللقاء عرض كلايتون جوانب الاتفاق بين ما ينادي به الإسلام من حرية وشوري وبما ينادي به العالم الحر " يقصد الحلفاء أمريكا وانجلترا وفرنسا من نفس المبادئ ، وأن هناك اختلاف بين الإسلام وبين ما ينادي به هتلر .

وطلب من الإمام الشهيد أن يقوم الإخوان بالدعاية لذلك وإظهار جوانب الاتفاق بين الإسلام وما يدعو إليه الحلفاء وجوانب الاختلاف بين الإسلام وما تدعو له دول المحور الوثنية ، وكان ذلك في مقابل إصدار جريدة للإخوان ، ومقر لهذه الجريدة مع إمدادها بأحدث أدوات الطباعة بالإضافة إلي مبلغ قدره نصف مليون جنيه كدفعة أولي يتبعها دفعات أخري ، وشفع طلبه بأن كل زعماء مصر يحصلون علي المال لمساعدة بريطانيا ، والأولي أن يصرف هذا المال في مساعدة الدعوة الإسلامية ، وقد رفض الإمام البنا هذا العرض ثم أوضح له ما جرته السياسة البريطانية علي مصر والعرب من خراب ودمار ، وذلك رغم تسليم الإمام البنا بأن الإخوان يرفضون دعوات دول المحور وسياستها .

2 – ولما لم تنفع محاولة الاحتواء عن طريق المال دبر الإنجليز حادثًا لاغتيال الإمام الشهيد عن طريق قيام سيارة من سيارات الجيش البريطاني بصدم الإمام الشهيد وقتله بحيث يظهر الأمر وكأنه قضاء وقدر وكأنه حادث سيارة عادي ، ولكن الإخوان علموا بهذه المؤامرة عن طريق أحد الإخوان الذي كان يعمل مع أحد أعوان الإنجليز وهو الأخ عبد اللطيف سيد أحمد ، وأبلغ الأستاذ عبد الحكيم عابدين بذلك فقام الأستاذ عبد الحكيم عابدين بإذاعة الخبر بطريقة غير رسمية حتى انتشر الخبر مما منع الإنجليز من الإقدام علي تنفيذ تدبيرهم .

3 – وفي عام 1941 أوعز الإنجليز لرئيس الوزراء والحاكم والعسكري حسين سري باشا بنقل الإمام الشهيد إلي قنا ، فأصدر أمره إلي وزير المعارف د . محمد حسين هيكل بنقل الإمام الشهيد إلي قنا ، وصدر قرار بنقل الإمام البنا إلي قنا .

وقد اعترف الدكتور هيكل في كتابه مذكرات في السياسة المصرية بأن نقل الأستاذ البنا كان بناء علي طلب الإنجليز ولما لم يجد قرار النقل في تقييد حركة الإمام الشهيد وتعويق حركة الجماعة رضخ حسين سري لضغوط نواب أحزاب الائتلاف بعد أن قدم الأستاذ محمد عبد الرحمن نصير استجوابًا لوزير المعارف يقول فيه : إن نقل حسن البنا كان بناء علي دوافع خارجية لا تمت بأدنى صلة إلي مصلحة التعليم .

وهنا فقط أعيد الإمام الشهيد إلي وجاءت وزارة " النحاس " علي أسنة رماح الإنجليز في 4 فبراير 1942 وقرر النحاس غلق جميع شعب الإخوان عدا المركز العام وذلك بناء علي طلب الإنجليز ، ولم تفتح إلا بعد مفاوضات تمت بين الإمام الشهيد والنحاس حول تنازل الإمام الشهيد عن الترشيح للبرلمان في مقابل فتح شعب الإخوان وعدم التضييق علي الإخوان ، وكان منع الإمام البنا من الترشيح بناء علي طلب انجليز .


ثانيًا : محاولة الوفد لاغتيال الإمام البنا :

وفي عام1946م قام بعض شباب الوفد في بورسعيد بالاحتكاك بجوالة الإخوان وقذفهم بالبيض والطماطم أثناء استعراضهم في شوارع بورسعيد ، وذلك بإيعاز من أحد كبار رجال الوفد في بورسعيد ، فتصدت لهم جوالة الإخوان وعندما دخل الإخوان المسجد لبدء احتفالهم بدأ أنصار الوفد يتحرشون بالإخوان فأمر الإمام الشهيد الإخوان بالانصراف فانصرفوا جميعًا ولم يبق معه في دار الإخوان إلا الشهيد محمد فرغلي والحاج عبد الله الصولي ، فاستغل أنصار الوفد الفرصة وحاصروا دار الإخوان وظلوا يرمون الدار بالحجارة وكرات النار المشتعلة وكان ذلك في وجود البوليس الذي تواطأ معهم واستمر الحال حتى قبيل الفجر حتى قام الأستاذ علي رزة هو وبعض إخوانه بحيلة أخرجوا بها الإمام الشهيد ومن معه من بورسعيد .

ثالثاً : محاولات مصر الفتاة لاغتيال الإمام البنا :

وكان لمصر الفتاة نصيب في محاولات اغتيال الإمام الشهيد وإن كنا لا نرجح أنها تمت بإيعاز من قوى أجنبية إنما كان دافعها الغيرة والحسد ، فقد كانت هناك محاولتان تم رصدهما وقام الإخوان بإفشالهم .

1 – كانت المحاولة الأولي في مدينة المحلة وكان تقوم فكرتها علي حرق السرادق المقام فيه الحفل ، عن طريق خلع الأعمدة التي يقوم عليها السرادق في توقيت معين ، فيتهدم السرادق وتشتعل فيه النار عن طريق قناديل الإنارة . وقد علم الإخوان بتلك المؤامرة واستعدوا لها ، وقام الإخوان بالإمساك بالمنفذين عندما شرعوا في التنفيذ .

2 – أما المحاولة الأخرى فكانت تقوم فكرتها علي وضع قنبلة زمنية تحت المنصة التي يخطب عليها الإمام الشهيد ، وكانت هذه المؤامرة بأمر من أحمد حسين نفسه ، واستطاع الإخوان الإمساك بهؤلاء النفر ومعهم المتفجرات .

وقام الإمام البنا باستدعاء الأستاذ أحمد حسين وسلمه رجاله ومتفجراتهم ومن يومها توقفت محاولات مصر للفتاة .


رابعًا : محاولة الحزب الشيوعي لاغتيال الإمام البنا :

ولم تكن روسيا لتترك هذا الميدان بل ساهمت فيه بنصيب ، وذلك أن قامت السفارة الروسية بالاتصال بالحزب الشيوعي في طنطا وكلفته بتنفيذ مؤامرة لاغتيال الإمام الشهيد عن طريق إلقاء قنبلة عليه وهو يخطب في الإستاد الرياضي بطنطا ، وكان الذي تلقي الاتصال وكُلف بتنفيذ المؤامرة أحد أفراد النظام الخاص وهو الحاج " فرج النجار " وكان قد انضم إلي الحزب الشيوعي بناء علي تكليف من النظام الخاص وأصبح مساعد سكرتير الحزب بطنطا الذي قام بإفشال هذه المؤامرة وتم القبض علي أعضاء الحزب الشيوعي .

خامسًا : محاولات حكومة النقراشي لاغتيال الإمام البنا :

1 – أما حكومة النقراشي الأخيرة فقد كان لها نصيب وافر في محاولات اغتيال الإمام الشهيد ، بل إن حادث اغتيال الإمام الشهيد رُتُب قبل حل الجماعة واغتيال النقراشي بوقت طويل ، فعندما أراد الإخوان القيام بمظاهرة تخرج من الأزهر لتشد من أزر النقراشي – وهو يعرض قضية مصر علي مجلس الأمن – وسمح لهم البوليس بهذه المظاهرة إلا أنه اتخذ هذه المظاهرة فرصة لاغتيال الإمام البنا ، يقول الأستاذ محمود الجوهري – وكان بجانب المرشد طيلة هذه المظاهرة – إنه لاحظ كما لاحظ الأستاذ نفسه أن تصرف رجال البوليس في ذلك اليوم كان يشعر بأن هناك خطة مرسومة لاصطياد الأستاذ المرشد منفرداً للتخلص منه .. ذلك أن قوات البوليس حاصرت الأزهر وكانت تعمل علي تفريق من يخرجون منه وتشتيتهم أولا بأول حتى إذا خرج الأستاذ المرشد اصطادوه وحده .. وكان الأستاذ آخر من خرج من المسجد وكأنهم ظفروا بما أرادوا فحاصروه بالقوة كلها راكبة الخيل وهو منفرد .. وهنا تصرف الأستاذ المرشد تصرفًا مذهلاً ، إذ اختطف عصا من أحد أفراد القوة وأخذ يضرب بها كل حصان علي أنفه فيرفع الحصان رجليه الخلفيتين فيهوي الجندي الذي يمتطيه علي الأرض ، وبذلك تمكن من إسقاط القوة كلها ، وكان الإخوان قد لحقوا به من خلال هذه المنازلة البارعة والتفوا ولم تكن المظاهرة السلمية تصل إلي ميدان العتبة الخضراء وفي مقدمتها سيارة تحمل الشيخ البنا وبعض الأعضاء حتى انطلقت الأعيرة النارية في كل صوب ، فنزل الشيخ ليستطلع الخبر فإذا بعيار ناري يطلق عليه وتستقر رصاصة في ساعده ، ثم اقتيد عقب إصابته إلي قسم الموسكي فاعتدي رجال الشرطة علي أتباعه ، ودارت معركة بينه وبين ضابط البوليس هدده بمسدس وسدد فوهته في صدره ، فهجم عليه الشيخ البنا ، وأمسك بالمسدس من يده ، وأصيب زوج شقيقته عبد الكريم منصور بإصابات نقل علي أثرها إلي مستشفي صر العيني وانتهي الحادث بالحفظ ) .

2 – عندما توجه حسن البنا إلي مطار القاهرة للحج في 23 من سبتمبر 1948م ومعه جواز سفر يتيح له السفر إلي جميع أنحاء العالم .. وعلي الجواز أيضًا تأشيرة تسمح له بأن يستقل طائرة شركة " سعيدة " قام العقيد حسن فهمي مفتش الجوازات بسحب الجواز منه ، وألغي جميع الدول المصرح له بالسفر إليها ، واكتفي منها بالمملكة العربية السعودية ، وقال إنه فعل ذلك بناء علي تعليمات من عمر حسن – مدير القسم المخصوص ، وسافر المرشد العام إلي المملكة العربية السعودية فأبرقت وزارة الداخلية إلي القنصل المصري في جدة بعدم السماح للبنا من السفر إلي أية دولة عربية أخرى ، وقد قال عبد القادر عودة وكيل جماعة الإخوان : " لم تستطع الحكومة منع البنا من السفر لأداء الحج وإلا قيل أنها صدته عن سبيل الله ، والبيت الحرام ، ومن يفعل ذلك يعد كافراً ، ومن ناحية أخري – كما قال اليوزباشي عبد الباسط شقيق المرشد – فإن الحكومة المصرية أعدت العدة لقتله في السعودية علي أن تنسب الجريمة إلي بعض اليمنيين ! ، وكان أمير الحج المصري حامد جودة – رئيس مجلس النواب الذي ينتمي إلي الحزب السعدي – قد صحب معه بعض الأشخاص الخطرين ، ولكن الحكومة السعودية استشعرت ذلك فأنزلت المرشد العام ضيفاً عليها وأحاطت مقره بحراسة شديدة ، وقدمت إليه سيارة خاصة بها جندي مسلح لمنع الاعتداء عليه ، وعاد حسن البنا في 28 من نوفمبر 1948م .


المبحث الثاني : حادث الاغتيال

وسنتناول حادث الاغتيال من خلال حديث الأستاذ عبد الكريم منصور الذي رافق الإمام الشهيد في الحادث .

الإجراءات التي اتخذت لإتمام الاغتيال :

وقد اتخذت الحكومة عدة إجراءات لتسهيل عملية اغتيال الإمام البنا تتلخص في الآتي :

1 – اعتقال الإخوان عدا الشهيد وإيداعهم السجون .

2 – سحب المسدس المرخص الخاص بالإمام الشهيد .

3 – سحب الجندي المكلف بالحراسة علي منزل الإمام الشهيد ، رغم أنه عرض عليهم التكفل براتبه ، وكان جميع الزعماء توضع لهم حراسة خاصة .

4 – اعتقال أخيه اليوزباشي عبد الباسط الذي أحس بالمؤامرة عل