الأسير خالد المرداوي حكاية أب غيبته السجون ويأسره الحنين / فؤاد الخفش *

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الأسير خالد المرداوي حكاية أب غيبته السجون ويأسره الحنين


بقلم:فؤاد الخفش

قد يستطيع السجان أسر جسد إنسان وتكبيله بالحديد وحصر رؤيته في زنزانة ضيقة لا تتسع حدودها لأكثر من شخص ... ولكنه من المؤكد أنه غير قادر على محاصرة فكر وخيال أسير أسر جسده وبقيت روحه وقلبه محلقة في سماء من عشق وأحب ومن أجله قاتل وأسر.

وقد يضطر هذا الأسير إلى إعادة شريط الذكريات كل يوم أكثر من مرة حتى تبقى هذه الذكريات عالقة في الخاطر ، أو لأنها قليلة من حيث المدة الزمنية وغير غنية وغير حافلة بالأحداث الكثيرة والكبيرة لأن الأيام التي جمعتهم بمن أحبوا وعشقوا تعد على أصابع اليد الواحدة من قلتها.

هذا حال صاحب قصتنا وبطل حكايتنا الأسير البطل خالد المرداوي راحلة من رواحل فلسطين وقصة من قصص البطولة التي سجلها الفلسطيني بصبره وثباته على أرض هذا الوطن فتجاوزت حدود خياله وآماله وذكرياته الزنزانة الصغيرة ولم يسمح لعقارب الساعة المتوقفة في سجن عسقلان وقت الغروب بإيقاف خيالاته وطموحاته وذكرياته الجميلة.

فحضن ابنته الوحيدة التي رزقه الله بها وهو أسير من دون أن يلامسها وهذب لها شعرها من دون أن يراه وحلق خياله لبعيد لذلك اليوم الذي دخلت به المدرسة وكيف كانت تجلس في الصف وكيف كان الخوف يسيطر عليها وكيف كانت تقول اسمها على استحياء وكيف كانت تلهو مع رفيقاتها ، وكبرت مع كل يوم ... كان يمر عليه عام لا بل أعوام كثيرة فتخيل يوم نجاحها بالثانوية العامة ويوم دخولها الجامعة ويوم أن تقدم أحد الشباب لخطبتها وكيف كان رده وكان كان هو من يوصلها لبيت زوجها وهو أول من حمل حفيده الصغير وحلق له شعر رأسه وضمه إلى صدره.

كل هذه الأفكار جالت بفكر الأسير خالد المرداوي الذي رزق بمولدته البكر والوحيدة إباء قبل أكثر من ثمانية عشر عاماً ويزيد وما زال فكره يجول ولكن إلى بعيد وأبعد مما سبق وأن جال به فكره ، فإباء كبرت ودخلت المدرسة ونجحت وهي الآن طالبة في العام الأول بجامعة النجاح الوطنية وبقي من أحلامه وأفكاره الكثيرة أن يخرج ليحتضن ابنته الوحيدة ويزفها إلى بيت زوجها بحضور رفاقه من رفاق القيد والزنزانة.

خالد المرداوي المعتقل في سجن عسقلان من تاريخ 28/8/1992 والذي مضى من عمره خمسة وأربعون عاماً والمحكوم بمدى الحياة أربع مرات عملة نادرة ومعدن ثمين لا يقدر بثمن ورجل أحبه كل من التقى به ، واستطاع بدماثته ورفيع خلقه أن يأسر قلب كل من التقاه وأن يترك بصمة في صدر كل من جمعته به زنزانة أو سجون فكان خالد المرداوي من الأسماء التي لا يمكن لإنسان أن ينساه.

الشاب الجميل الذي كسا شعره الشيب وغيرت تجاعيد الزمان بعض ملامحه حباه الله بكثير من الميزات فقد رزقه الله بزوجة مجاهدة صابرة مصابرة لا مثيل لها في وقتنا الحالي حكايتها تذكرنا بزمن الصحابيات والفدائيات كيف لا وهي التي قبلت أن تقترن بخالد وهو مطارد لجيش الاحتلال وزفت له بالخفاء لم يحضر أحد عرسها ولم تلبس البدلة البيضاء زفت له بالخفاء بالعتمة قبلت بكل هذا وهي تقول شرف لنا أن نقترن بالمجاهدين كل متاع الدنيا يزول.

قبلت أن تزف بلا ناس ومن دون غناء ولا حناء فقط أن ترتبط بهذا المجاهد الذي كان قد اختار له الكهوف وأعالي المغارات بدل البيوت والقصور ، عاشت معه أحد عشر شهراً بالتمام والكمال قبل أن ينقض عليه شذاذ الآفاق بليل ويعتقلونه ويضربونه ويحكمون عليه بأكثر من أربعمائة عام .

ما زالت ميسون أم إباء تذكر تفاصيل كل الساعات والأيام التي أمضتها مع زوجها الحبيب وفي كل يوم تعيد شريط الذكريات وتتمنى عودة الحبيب الغائب والفارس الهصور ، رفضت أم إباء كل الدعوات التي دعتها لترك زوجها الذي يواجه حكماً عالياً ولا أفق ولا آفاق لخروجه وبقيت وهي التي كانت تحمل في أحشائها طفلتها الصغيرة والبكر إباء وكلما قيل لها انظري إلى مستقبلك وفكري بنفسك واتركيه وشأنه ولكن قرارها كان حاسماً لن أجعل إباء تعيش اليتم الذي تعرضت له وأنا صغيرة وسأصبر وسأرضعها لبن العزة والإباء ويكفي أن صورة أبيها تزين جدران المنزل.

مرت وما زالت الأيام تمر بقسوة على إباء وميسون وخالد وجميعهم يحلمون بذلك اليوم الذي تكسر فيه جدران الزنزانة ليخرج ذلك البطل ويضم بين ذراعيه ميسون وابنته إباء يمسح على رأسهما يعوضهما الحرمان ويحاول أن يجعل القادم من الأيام أفضل من تلك التي مضت وهل هناك من يستطيع أن يجزي أم إباء صبرها وإصرارها على البقاء على ذمة زوجها الذي تركها عروساً وهي التي حفظت غيبته وسترت عرضه وربة ابنته أجمل تربية.

خالد مرداوي فقد والدته وهو في الأسر وكان آخر لقاء له بها محزناً ومبكياً فقد ذهبت الوالدة له وهي على فراش الموت من خلال سيارات الصليب وفي زيارة كانت الأخيرة جلس بين يديها قبلهما وقبل قدميها وبكت العيون وسكتت الألسن طلب منها أن تسامحه لأنه كان سبباً في إتعابها عقداً ونصف من سجن لآخر أومأت الأم برأسها وطلبت منه أن يهتم بنفسه وجر عربتها المتحركة موظف الصليب الأحمر وودعها ولدها وفلذة كبدها الوداع الأخير وبعد ذلك توفاها الله وأنزلت قبرها من دون أن يلقي عليه نظرة وداع أو قبلة حانية .

ما زال خالد المرداوي في زنزانته العاجزة عن سرقة فرحته بالقادم من الأيام تزين جدران زنزانته الطفلة إباء التي أصبحت شابة في مقتبل العمر تمسح الماضي القاتم وتفتح دفتر الغد المشرق تخفف القيد عن المعصم وترسم المستقبل مع زوجته الصابرة في ربوع بلدته التي أحبها حبلة القريبة من مدينة قلقيلية . وإلى أن يأتي ذلك اليوم أقول لك خالد حق لك أن تفخر وتفاخر بزوجتك التي صبرت على بعدك وشقت طريق العلم فانتزعت مؤهلاً علمياً عالياً وأصبحت ناظرة مدرسة وربت لك درة عينك فكانت إباء التي يتمنى كل إنسان أن يرزق بابنة مثلها وإلى أن نلقاك نقول فرج الله كربك وفك أسرك وعدت لنا ولهم سالماًغانماً