الإخوان المسلمون في دائرة الحقيقة الغائبة

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخوان المسلمون في دائرة الحقيقة الغائبة

للأستاذ: إبراهيم قاعود


محتويات

إهداء بقلم: الأستاذ عمر التلمساني

الى : العالم الإسلامى الذى طالت رقدته وغفوته لعله يستيقظ قبل أن يفوت الأوان

الى : روح الإمام الشهيد المرشد والمعلم والمربى على منهاج كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم

الى :المدافعين عن كلمة الله فى أرضه : السابقين واللاحقين بالكلمة واالقلم والخلق والعمل والجهاد والسالكين فى دروب النور الإلهى والشهداء الأبرار الأطهار .

أهدي هذه الإضافة المتواضعه


تقديم بقلم: الأستاذ عمر التلمساني

قصة هذا الكتاب

طالبنى بعض من أعرف بكتابة مذكراتى باعتبارى مشتغلا بالأمور السياسية فى هذاالوطن الغالى منذ عشرات السنين ولم أجد فىصدرى راحة لكتابة مذكرات على النمط الذى قام به الكثيرون ذلك لأن كاتب المذكرات إذا كان جادا ومنصفا يتناول جانبين من حياته: الجانب الخاص والجانب العام .

ولئن كانت الحضارة الحالية لا تقيم وزنا للعامل فى الميادين العامة من ناحيتهالخاصة ما دام عمله فى الناحية العامة جيدا ولكنى كمسلم لا أسلم بهذا الرأى الفضفاض لأنى أومن بأن التلاحم بين الناحية العامة للشخص وناحيته الخاصة أمر لا يمكن فصله على النحو الذى يراه المحدثون إن الناحية الخاصة للإنسان بالغة الأثر فى ناحيته العامة لأن الرأى دائما وليد العقل والعاطفة معا على السواء ولا يستطيع العقل أن يحكم فى أمر متجردا من ناحيته العاطفية وإلا كان إنسانا آليا وهذا ما لا يرضاه لنفسه من يحترم نفسه فالحب والبغض الاتفاق والاختلاف والنفور والانسجام والإقرار والانكار والقرب والبعد الرضا والازورار الاستعطاف والاستثقال كل هذه المشاعر والأحاسيس الغلابة لا يستطيع العقل ان يتخلص منها وهو يقضى فى أمر من الأمور أو يصدر حكما من الأحكام .

وما من شك أن الحكم ليس هو الحق فى ذاته ولكنه مظهر من مظاهر الحق لا أكثر و لا أقل خاصة إذا كان أحد الطرفين ألحن بحجته وأذكى فى التدليل والبرهنة وما دمنا لا نستطيع أن نعرى أنفسنا أمام الناس فى خاصة شئوننا فلا يجمل بنا أن ندعى أن ما نكتبه مذكرات للتاريخ والانسان الامين إذا تحدث عن نفسه لا يقدمها مبرأة من العيوب والسيئات بل يقدمها كما هى بشرها وخيرها وعجزها وبجرها وهذاأمر نحن مطالبون ألا نشيعه بين الناس لأن الله إذا ستر على عبد فى معصيته فلا يجوز أبدا لهذا العبد أن ينشرها على الملأ فكيف إذا يباح لمسلم ما أن يخالف تعاليم دينه .

من هذه الناحية رفضت وأرفض وسأرفض فكرة كتابتى لمذكرات تنسب الى على أنى كاتبها .

ولما ألح الأستاذ الفاضل ابراهيم قاعود ووجد منى الاصرار على الامتناع اقترح أن يوجه الى أسئلة أجيبه عليها وبهذا يرفع عنى الحرج ما دمت ملتزما الدقة والأمانة فى الاجابة ودارت بينه وبينى أحاديث وطالت جلسات وكثرت أسئلة من هنا وهناك وانتهى منها الى وضع كتابه هذا ولولا أن هذاالكتاب يصحح الكثير من الاتهامات والمغالطات التى وجهت للإخوان المسلمين لما رحبت بنشره فى حياتى ولكن ما دامت أجهزة الاعلام كلها موصدة أبوابها دون الكثير مما يجب أن يعرفه الناس عن المشتغلين بالمسائل العامة فلا مندوحة إذا من ولوج باب مفتوح لذكر كثير من الحقائق التى تخفى على جمهور القارئين داخل مصر وخارجها ولا أطالب القارىء أن يأخذ إجاباتى قضية مسلمة بل عليه أن يوازن بين الاتهام والدفاع حتى يخرج لنفسه بالحقيقة التى يرتاح اليها الضمير النقى المنصف العادل وإنها لأمانة ويجب أن تؤدى فى صدق الى أهلها من الحاضرين والآتين على مرالسنين .

وما من شك أن هذا الجهد الكبير والعمل المتواصل أمر مشكور للأستاذ إبراهيم قاعود لأن هدفه تجلية الحقائق وهذا دوره فى مؤلفه هذا إذ أنه لم يتحيز الى جانب من الجوانب المتخالفة من شخصيات هذا ا لكتاب واسأل الله أن يثيبه على قدر نيته كما أعتذر الى القراء عن انشغالهم وقتا ما بأمور تمسنى فى هذا المؤلف الكبير فما كان فى ذلك من بد معاونة للمؤلف على ما لمست فيه من رغبة صادقة فى تحرى الحقيقة من مصادر تعودت أن تلتزم جانب الحق ولو ضد مصلحتها أو موقفها .

والكتاب كما يرى القارىء استعان مؤلفه ببعض ما كتب الإمام الشهيد وبما نقله عنى وكم كنت أود لو أستعان بآخرين ليتسع أمامه البحث والمقارنة والتأكيد على صدق ما أخذ نفسه به فى هذا المجال ولولا أن أبواب أجهزة الاعلام أوصدت فى وجه الإخوان المسلمين إلا من بعض المقالات التى لا تفى بالغرض وحصر ما نسب الى الإخوان ولولا أن ما تفضل به بعض الكتاب أمثال الأستاذين الفاضلين : أنور الجندى ومحمود عبد الحليم فى الدفاع عن الإخوان المسلمين يحفز الأقلام على السير فى هذا الاتجاه ولولا وفاء لهذه الدعوة الشاملة النافعة ولولا وجوب الافصاح عن كلمة الحق إذا ما سئل الانسان عنها لولا ذلك كله لتحرجت عن إجابة الأستاذ المؤلف الى ما طلب أو سأل .

إن العالم كله يشهد مدى ضراوة خصوم الإسلام فى النيل من الإخوان ا لمسلمين بغير الحق فكان لزاما على كل راغب فى الحقيقة ونصرة الحق أن ينبرى لكشف الأباطيل التى قيلت عن الإخوان المسلمين ليس معنى هذا أن الإخوان المسلمين مبرؤون من الخطأ ولكن الموازين القسط توازن بين الحسنات والسيئات فإذا رجحت كفة الحسنات فى جانب الإخوان المسلمين وهذا ما أحسب ولا أزكى على الله أحد ا فقد فاز الإخوان برضاء الله عنهم هذا الى أن الأخطاء الفردية لا يجوز شرعا أن تؤخذ بها الجماعة كلها " ولا تزر وازرة وزر أخرى " .

لأن الحساب يوم الحساب فردى وشخصى " يوم تأتى كل نفس تجادل عن نفسها " حيث لا قيمة للحياة ولا للسلطان " يوم لا ينفع مال ولا بنون " .

ولما كانت المعلومات التى ذكرت فى الكتاب على لسانى مرجعها الذاكرة ولما كانت ذاكرة المتقدمين فى السن من أمثالى عرضه للنسيان فإنى أقرر صادقا أننى تحريت فيها ا لدقة الكاملة والانصاف المريح الذى لا تأثير للعاطفة عليه هذا ا لى أننى على استعداد كامل لتقبل أى تصحيح يرى ناصحه أنه هو الحق لأننا جميعا نسعى لسرد التاريخ المجرد عن الهوى المصفى من الغرض المنقى من التحريف ميلا مع أى دافع يدفع صاحبه الى التستر أو التخفى .

إن الجهد الذى بذله الأستاذ إبراهيم قاعود جهد مضن ومشكور وكل ساع الى ذكر الحقيقة خليق بأن يشكر وأن يثنى عليه ففيه إحاطة وافية عن أحداث تاريخية قريبة وفيه حفظ لهذا التاريخ أن يتبدد بين دفات المجلات والصحف وحبذا لو تبارى الكتاب فى تاريخ هذه الفترة من الزمن القريب قبل أن تضيع معالمها ما دامت الحكومات قد منعت نشر الوثائق الرسمية الخاصة بهذه الفترة فمرحبا بالمؤلف الجديد وعلى بركة الله .

عمر التلمسانى

المقدمة

دائرة الحقيقة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين والمرسلين محمد الذى بعثه الله رسولا ومبشرا ونذيرا ورحمة للعالمين .

لقد انطلقت رسالة الإسلام الى قلوب وأفئدة البشر لتخرجهم من ظلمات الجهل والجهالة الى دروب النور والايمان ولتحكم كلمة الإسلام الايمانية سائر أنحاء المعمورة ولتهوى الى الأبد امبراطوريات ظالمة جائرة على الفطرة الانسانية وتسلح اصحاب الدعوة الأوائل بسلاح الايمان فانطلقوا الى مشارق الأرض ومغاربها ( فاتحين ) ومبشرين بالنور الإلهى وبنى الإسلام دولته مستندة على عقيدة لا اله الا الله محمد رسول الله ولكن سرعان ما باعدت أهواء الدنيا وبريقها بين العقيدة وأهلها الذين تفرقوا شيعا وفرقا ولكن الله سبحانه وتعالى يقيض من يذكر هذه الأمة العريقة الأصيلة بعقيدتها الكاملة المتكاملة .

ووسط عوامل الضعف والوهن الذى أصاب جسد الأمة الإسلامية بسبب الهجمات الشرسة التى وجهت للعقيدة السمحاء فإن شابا مسلما قد عز عليه ما أصاب دينه وعقيدته وامته فتولدت فى نفسه كل عوامل الغيرة على دينه وأنه لا بد من إنقاذ هذه الأمة من عثرتها وإيقاظها من غفوتها وتخلفها .ز فانطلق حاملا روحه على كفه داعيا ومرشدا ومعلما ومربيا على هدى من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح .ز هذا الشاب هو الامام ا لشهيد حسن البنا الذى عز عليه حال الإسلام فانطلق داعيا لانشاء ( الجماعة المسلمة ) التى تقف وسط بحار المدينة وأهواء البشر ولا تغرق فيها وعلى مدى عشرين عاما قاد الإمام الشهيد حركة الإخوان المسلمين وهى ا لحركة التى شهدلها الأعداء قبل الأصدقاء أنها كانت من أنضج وأقوى الحركات الإسلامية فى العصر الحديث والذى يقرأ تاريخ مصر الحديث لا بد أن يجد الإخوان المسلمين على خريطة الحياة السياسية المصرية متعاملين ومتفاعلين مع كل الأحداث والاتجاهات على مدى نصف قرن من الزمان .

ولكن هذه الجماعة المسلمة لم تسلم من الطعنات وزالسهام الجارحة المميته وحملات التشويه والتزييف ولا فى أصحابها كل ألوان المحن والتعذيب من أجل انتزاع العقيدة من قلوب أعضائها .

وهذا الكتاب محاولة لرصد جانب كبير من تاريخ مصر من خلال هذه الجماعة التى استقرت على خريطة مصر السياسية خلال نصف قرن ولكن هذه الحركة رغم تراثها فإنها لم تعن بتسجيل نشاطها ورصد تاريخها اللهم إلا كتابات الإمام الشهيد حسن البنا وبعض الإخوة المسلمين ممامما أتاح لهواة ومحترفى التصنيف والتشويه أن يطعنوا ظهر هذه الدعوة ويبتدعوا الروايات الكاذبة والتصورات الوهمية وكان لا بد من رصد تاريخ هذه الحركة وهنا كان الالتقاء مع أحد الذين عاصروا جهاد هذه الجماعة على مدى 50عاما ودفع مع غيره من المجاهدين ضريبة الجهاد من ابتلاء واختبار .. إنه الأستاذ عمر التلمسانى الذى سعدت وسيسعد الكثيرون من المخلصين للعقيدة الإسلامية أن يسمعوا شهادته للتاريخ حيث عايش تاريخ الحركة وتفاعل مع أحداثها وواجه مع غيره تلك الصدمات والهجمات ا لشرسة من كل الأطراف المعادية للفكرة الإسلامية ودفع حريته ثمنا لإيمانه وإخلاصه لعقيدته وليكشف للقراء تاريخ ما أهمله التاريخ وما قصد الكثيرون طمس معالمه والكتاب محاولة مبصرة وليست عمياء ـ لكشف حقيقة علاقات الإخوان المسلمين بالأحداث وبأطراف الصراع على مدى خمسين عاما ـ ولقد حاكمت الإخوان المسلمين عشرات الدوائر القضائية ولكن دائرة واحدة لم يقدم لها الإخوان المسلمون وهى دائرة الحقيقة التى غابت سنين طويلة وآن الأوان أن يدخلها الإخوان بتاريخهم وجهادهم ليقولوا للناس جميعا : هذه رسالتنا وهذه دعوتنا وهذه حقيقتنا وتاريخ الأمم هو ضميرها ـ والتاريخ لا يعرف الرحمة والشفقة والمحاولات التى بذلت لإهالة التراب عليه حتى لا يراه الناس ـ هى محاولة لا بد أن تستمر لأن كلمة الحق لا بد أن تقال .. وهذا الكتاب محاولة متواضعة لوضع النقاط فوق الحروف حول تاريخ جماعة الإخوانا لمسلمين وتقديم الصورة الصادقة أمام دائرة الحقيقة .

ولا يسعنى إلا أن أتقدم بالشكر للأستاذ الفاضل عمر التلمسانى على مساهمته الفائقة فى هذا الكتاب .. والتى كان لها الفضل فى خروج مادة الكتاب كما أخص بالشكر زوجتى الفاضلة التى وقفت بإخلاص ودون كلل وراء إتمامى هذا العمل وأتوجه بشكرى أيضا لكل من ساهموا فى إخراج هذا الكتاب الى النور .

والله الموفق وهو المستعان

المؤلف: إبراهيم قاع

القاهرة فى : رجب 1403 أبريل 1983

تمهيد تاريخى: هكذا بدأ الإخوان المسلمون

قبل أن نبدأ :

هكذا بدأ الإخوان المسلمون

أخذت جماعة "الإخوان المسلمون " موقعها على خريطة الحياة السياسية فى مصر والشرق العربى والإسلامى على مدى نصف قرن من الزمان وكذا على خريطة الفكر الإسلامى كأبرز الحركات السياسية الإسلامية فى ا لعصر الحديث ـ وذلك باعتراف خصومها وأعدائها قبل مؤيديها ـ رغم ما لا قته من صنوف التعذيب والتنكيل والتشويه التى تعد ت حدود الطاقة البشرية ودائرة إنسانية الإنسان ومع هذا كله ظلت علتها متأججه وضاءة رغم أحداث السنين .

وخلف هذه الحركة العريقة التاريخ والتى تخطت الخمسين من عمرها وقف الإمام الشهيد حسن البنا نموذجا فريدا على دروب المجددين للأمة الإسلامية مؤسسا ومعلما ومرشدا لهذه الحركة على امتداد حياته ـ القصيرة ـ والتى أنهتها رصاصات ا لغدر التى وجهت لصدر الشهيد الأعزل وسط شوارع القاهرة ليسقط فى ساحة الشرف ولم تسقط الراية التى تلقفتها أيدى المجاهدين .. راية " لا إله إلا الله محمد رسول الله " صلوات الله وسلامه عليه وحين خرجت هذه الجماعة لتأخذ موقعها على خريطة الواقع والتاريخ حاملة شعار تجديد شباب الأمة المسلمة والوطن الإسلامى والتمسك بالجذور الإسلامية وإحياء حضارة الإسلام فى عصوره الباهرة فإنها وجدت تفاعلا تلقائيا مع جماهير الشعب البسيط و المثقف منه .. أزعج أرباب السلطان سواء فى ظل النظام الملكى ثم بعد ذلك نظام الضباط الأحرار العسكرى الشمولى لأنها شهرت سلاح العقيدة الإسلامية فى وجه من يريدون إطفاء نور الله من صدور عباده المخلصين ويحولون دون وصول رسالته للعالمين .

والذى يتتبع ويرصد مسار هذه الحركة يستطيع أن يرسم خطا بيانيا لزيادة مطردة أو تناسبا طرديا بين متغيرين .

الأول : نجاح الحركة والتفاف الآلاف بل الملايين حولها وما يمثله ذلك من التفاف حول العقيدة الإسلامية .

الثانى : ازدياد وتصاعد موجة ا لاضطهاد والتنكيل بأعضاء الجماعة ـ وخاصة أقطابها ـ ليدفعوا ضريبة الجهاد الغالية .

وهذا ما تنبه له وأدركه الإمام الشهيد حسن البنا بحسه الصادق حين قال : " أحب أن أصارحكم أن دعوتكم لا زالت مجهولة عند كثير من الناس ويوم يعرفونها ويدركون مراميها وأهدافها ستلقى منهم خصومة شديدة وعداوة قاسية وستجدون أمامكم كثيرا من المشاق وسيعترضكم كثير من العقبات وسيحقد عليكم الرؤساء والزعماء وذوو الجاه والسلطان وستقف فى وجهكم كل الحكومات على السواء .

وهذا ما حدث بالفعل ..!

والطريق للتعرف على شخصية الإمام الشهيد حسن البنا لا بد أن يمر بمرحلة طفولته وشبابه أو التعرف الى جذوره الأولى والتى أسهمت دون شك فى دفعه على رأس جماعة الإخوان المسلمين لخوض غمار حرب ضروس طوال حياته فى مواجهة قوى شتى وصراعات جمة .

الإمام الشهيد حسن البنا من مواليد عام 1906 بقرية " شمشيرة " مركز فوة ( التابع الآن لمحافظة كفر الشيخ ) ونزح والده وهو صغير الى بلدة المحمودية ( بمحافظة البحيرة ) حيث افتتح الوالد محلا لتصليح الساعات ومن هنا لقب " بالساعاتى ط والتحق الصغير بإحدى المدارس ألأولية وأتم حفظ لقرآن الكريم ثم التحق بمدرسة المعلمين الأولية بدمنهور وعين بعد حصوله على دبلومالمعلمين بمدرسة " خربتا " الأولية بمركز كوم حمادة وعلى مدى السنوات الأولى من حياة الفتى الصغير نلمح توجهاته الدينية الفطرية فى مواظبته على أداء الصلوات فى المسجد الصغير بالمحمودية وحرصه على حضور دروس الوعظ وحلقات الذكر وحبه للاستزادة من مناهل الفكر والفلسفة وتأثره بفلاسفة الإسلام وعلى رأسهم الإمام " أبو حامد الغزالى " وسعيه لتكوين جماعة صغيرة هى الجمعية الحصافية الخيرية والتى عين سكرتيرا لها وعين الاستاذ " أحمد السكري " التاجر بالمحمودية رئيسا لها للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ومحاربة موجة التبشير التى استشرت على يد الارساليات الإنجيلية فى ذلك الوقت وفى مذكراته * " كانت أيام دمنهور ومدرسة المعلمين أيام الاستغراق فى عاطفة التصوف والعبادة .. " .

ثم ججاءت فترة أحداث ثورة 1919 التى انفعل بها الإمام الشهيد أيما انفعال وأصدر ديوانا شعريا كبيرا كان نصيبه الحرق الكامل .

كما يذكر الإمام الشهيد الصور التى تسابقت أمام مخيلته وترسخت فيها فهو يقول : * " ولا زلت أذكر منظر بعض الجنود الإنجليز وقد هبطوا القرية وعسكروا فى كثير من نواحيها واحتك بعضهم ببعض الأهالى فأخذ يعدو خلفه بحزامه الجلد .. حتى انفرد الوطنى بالإنجليزى فأوسعه ضربا ورده على أعقابه خاسئا وهو حسير ولا زلت أذكر الحرس الأهلى الذى أقامه أهل القرية من أنفسهم وأخذوا يتناوبون الحراسة ليالى نتعددة حتى لا يقتحم الجنود البريطانيون المنازل ويهتكوا حرمة الناس .. وكان حظنا من هذا كله كطلاب أن نضرب فى بعض الأحيان وأن نشترك فى هذه المظاهرات وأن نصغى الى أحاديث الناس حول قضية الوطن وظروفها وتطوراتها " ..

ثم فكر فى إكمال دراسته العليا وبالفعل تقدم للالتحاق بدار العلوم بالقاهرة حيث قبل بها وعمره ستة عشر عاما وأقام مع بعض أصدقائه بحى السيدة ذينب وكانت رحلته فى دار العلوم مع التفوق حيث بز أقرانه واستحق نكافآت التفوق ثم انتقلت أسرته للقاهرة وكان ينتهز فرصة اجازة الدراسة الصيفية فى العمل فى دكان أقامه لتصليح الساعات ـ وهى نفس مهنة والده ـ ليعول نفسه ويكسب من عمل يده وفىنفس الوقت كان يجد سعادة فى هذه الأجازة ليلتقى بصديقة الأستاذ أحمد السكرى ـ الذى جمعته بالإمام الشهيد صداقة لم يفرقها سوى استشها د الأستاذ البنا عام 1948 ـ أما خلال فترات الدراسة بدار العلوم فكان حريصا كل الحرص على حضور المنتديات الإسلامية القليلة فى ذلك الوقت وطرأت فى ذهنه فكرة الدعوة الإسلامية خارج حدود المسجد الذى رأى تأثيره ضعيفا وسط زحف موجات الانحلال والبعد عن الاخلاق الإسلامية فدعا رفقة من إخوته فى الإسلام لارتياد القهاوى وإلقاء الخطب والمواعظ فى العقيدة والأخلاق الإسلامية ونجحت التجربة ووجدت قبولا طيبا لدى رواد القهاوى ويمكن اعتبار هذه التجربة هى الارهاصة الأولى لفكر حسن البنا والتى أثمرت فى النهاية خروجه بفكرة تشكيل جماعة الإخوان المسلمين الى حيز النور .

فقد بدأت فكرة انقاذ الأمة الإسلامية تختمر وتلح على ذهن الإمام الشهيد الحريص على إسلامه وعقيدته السمحاء ورأى وطنه ممزقا بين قوى الاحتلال الإنجليزى التى تجثم على صدره وموجات الانحلال ونشاط الارساليات الانجيلية التبشيرية والذى امتد ليشمل كل أرجاء القطر المصرى وترددت تلك الصيحة المدوية الخالدة : واإسلاماه  !!واإسلاماه !! ويروى الإمام الشهيد حسن البنا فى مذكراته * أحداث تلك الفترة التى قضاها فى القاهرة : " وعقب الحرب الماضية ( يقصد الحرب العالمية الأولى ) وفى هذه الفترة التى قضيتها بالقاهرة اشتد تيار موجة التحلل فى النفوس والآراء والأفكار باسم التحرر العقلى ثم فى المسالك والأخلاق وألأعمال باسم التحرر الشخصى فكانت موجه إلحاد وإباحية قوية جارفة طاغية لا يثبت أمامها شىء تساعد عليها الحوادث والظروف لقد قامت تركيا بانقلابها الكمالى وأعلن " مصطفى كمال باشا " إلغاء الخلافة وفصل الدولة عن الدين فى أمة كانت الى بضع سنوات فى عرف الدنيا مقر أمير المؤمنين واندفعت الحكومة التركية فى هذاالسبيل فى كل مظاهر الحياة " .

ويستطرد الإمام الشهيد " كان لهذه الموجة رد فعل قوى فى ا لأوساط الخاصة المعنية بهذه الشئون كالأزهر وبعض الدوائر الإسلامية ولكن جمهرة الشعب حينذاك كانت إما من الشباب المثقف وهو معجب بما يسمع من هذه الألوان وإما من العامة الذين انصرفوا عن التفكير فى هذه الشئون لقلة المنبهين والموجهين وكنت مـتألما أشد الألم فهأنذا أرى أن الأمة المصرية العزيزة تتأرجح حياتها الاجتماعية بين أسلامها الغالى العزيز الذى ورثته وحمته وألفته وعاشت به واعتز بها اربعة عشر قرنا كاملة وبين هذا الغزو الغربى العنيف المسلح المجهز بكل الأسلحة الماضية الفتاكة من المال والجاه والمظهر والمتعة والقوة ووسائل الدعاية

وانتقل الشهيد الامام حسن البنا الى مرحلة أخرى من تفكيره فلم يجلس مستسلما لما يجد من حوادث عظام وإنما بدأ الألم الذى كان يحترق فى صدر ه يتحول الى عمل فبدأ اتصاله بكبار رجال الأزهر ومنهم الشيخ " أحمد يوسف الدجوى " وتحدث اليه فأظهر الألم والأسف وأخذ يعدد مظاهر الداء والآثار السيئة المترتبة على انتشار هذه الظاهرة فى ألأمة وخلص من ذلك الى ضعف المعسكر الإسلامى أمام هؤلاء المتآمرين عليه وكيف أن الأزهر حاول كثيرا أن يصد هذا التيار فلم يستطع .

وقد زاد حلكة هذه الفترة التى عاشها الشهيد حسن البنا فترة شبابه الحملات التبشيرية الضخمة التى أرسلها الإنجليز لمصر ومهدوا لها بنشر المرض والجهل وانتشر المبشرون فى كافة أنحاء البلاد فى الوجهين البحرى والقبلى تحت سمع وبصر المسئولين والحكام واستغل المبشرون فقر الناس وحاجتهم وجهلهم وبثوا دعواتهم ووجدوا بالتحديد فى الصعيد مرتعا خصبا لدعوتهم وأفكارهم حيث الجهل والانهزال والفقر واستغل الإنجليز سلطتهم فأسكتوا الصحف المعارضة لهذه الحملة المسمومة بالاغلاق والمصادرة وتكميم الأفواه .

وبفورة وحماس الشباب انطلق الشهيد البنا يعلن غضبه واعتراضه على هذا الاستسلام والاخفاق واندفع يتحدث عن السبيل لانقاذ الأمة الإسلامية وأن أسلوب التألم واجترار الماضى لم يعد يصلح لمقاومة هذه التيارات الجارفة ووجد الشهيد البنا معارضة لأقواله وتأييدا جارفا فى نفس الوقت ولم تنقض هذه الجلسة إلا واتفق على اصدار مجلة " الفتح الإسلامية " وأسندت رياسة تحريرها للكاتب الإسلامى محب الدين الخطيب ..

ولم تستطع الحملة التبشيرية أن تصمد أكثر من عام وحملت أمتعتها وغادرت مصر غير مأسوف عليها وتطهرت مصر منها .. بعد أن نجحت مجلى الفتح فى فضح المؤامرة وتواطؤ الإنجليز وأذنابهم فيها كما تكونت لجنة برياسة الشيخ " محمد مصطفى المراغى " لمقاومة التبشير وتصدت له بكل قوة وعنف حتى استسلم المبشرون وسقطت حججهم ودعاواهم أمام العقيدة الإسلامية ثم تلى ذلك إنشاء جمعية " الشبان المسلمين " التى أسندت رياستها للدكتور عبد الحميد سعيد " وكان الإمام الشهيد أول من سارع بالانضمام إليها .

ومضت سنوات الدراسة بدار العلوم وتخرج الإمام الشهيد وكان أول دفعته عام 1927 ولم يرشحه أحد لبعثة دراسية فى الخارج كما هو المعتاد وعين الشهيد البنا بالاسماعيلية وبعد عام من سفره للإسماعيلية تكونت أول نواه لتشكيلات الإخوان المسلمين وشعبهم . وفكر الإمام الشهيد أن يعاود تنفيذ تجربته السابقة فى ا لدرس والوعظ فى القهاوى للمرة الثانية نجحت الفكرة نجاحا كبيرا فى اجتذاب رواد القهاوى نظرا لسلامة أسلوب الشهيد الامام وقدرته الفائقة على الاتصال بجمهور ورواد القهاوى وكان هو فى نفس الوقت يقوم بعملية جس نبض للمجتمع الجديد والمؤثرات التى تحكمه واتضح أنها : العلماء وشيوخ الطريق والأعيان والأندية وسعى بالفعل بالاتصال بهذه العناصر للعمل على خدمة الإسلام وإعلاء شأنه وإنقاذه من المسلمات التى لحقت به وأحاطت به .. وكانت لمدينة الاسماعيلية سماتها الخاصة التى تميزها عن باقى القطر المصرى فهناك ترامى المعسكر الإنجليزى ببأسه وسلطانه و هناك مكتب شركة قناة السويس الذى كان يسيطر على كل شئون المدينة وهناك المنازل الفخمة فى حى الأفرنج يقابلها المساكن المتواضعة فى حى العرب .

وأحس الإمام الشهيد حسن البنا بأن الله قد اختار له هذه البقعة لتبدأ فيها حركته ودعوته ..وقد كان.

نحن إذن .. الإخوان المسلمون

وفى ذى القعدة سنة 1347 هـ مارس سنة 1928 زار الإمام الشهيد حسن البنا ستة : من الإخوة هم : حافظ عبد الحميد ، أحمد الحصرى ، فؤاد إبراهيم ، عبد الرحمن حسب الله ، إسماعيل زكى ، زكى المغربى ، وهم من الذين تأثروا بالدروس التى ألقاها الإمام الشهيد وتحدثوا إليه قائلين * : " لقد سمعنا ووعينا " .ز وتأثرنا ولا ندرى ما ا لطريق العملية الى عزة الإسلام وخير المسلمين ؟

ولقد سئمنا هذه الحياة : حياة الذل والقيود وها أنت ترى أن ا لعرب والمسلمين فى هذا ا لبلد لا حظ لهم منزلة أو كرامة وأنهم لا يعدون مرتبة الأجراء التابعين لهؤلاء الأجانب .. ونحن لا نملك إلا هذه الدماء تجرى حارة بالعزم فى عروقنا وهذه الأرواح تسرى مشرقة الايمان والكرامة مع أنفسنا وهذه الدراهم القليلة من قوت أبنائنا ولا نستطيع أن ندرك الطريق الى العمل كما تدرك أو نتعرف السبيل الى خدمة الوطن والدين والأمة كما تعرف وكل الذى نريده الآن أن نقدم لك ما نملك لنبرأ من التبعة بين يدى الله وتكون أنت المسئول بين يديه عنا وعما يجب أن نعمل وإن جماعة تعاهد الله مخلصة على أن تحيا لدينه . وتموت فى سبيله لا تبغى بذلك إلا وجهه لجديرة أن تنتصر وإن قل عددها وضعفت عددها .

ويقول الإمام الشهيد كان لهذا القول المخلص أثره البالغ فى نفسى ولم أستطع أن أتنصل من حمل ما حملت وهو ما أدعو إليه وماأعمل له وما أحاول جمع الناس عليه فقلت لهم فى تأثر عميق " شكر الله لكم وبارك هذه النية الصالحة ووقفنا الى عمل صالح يرضى الله وينفع الناس وعلينا العمل وعلى الله النجاح فلنبايع الله على أن نكون لدعوة الإسلام جندا وفيها حياة الوطن وعزة الأمة " .

وكانت بيعة .

وكان قسما أن نحيا إخوانا نعمل للإسلام ونجاهد فى سبيله .

وقال قائلهم : بم نسمى أنفسنا ؟ وهل نكون جمعية أو ناديا أو طريقة أو نقابة حتى نأخذ الشكل الرسمى ؟ فقلت : لا هذا ولا ذاك دعونا من الشكليات ومن الرسميات وليكن أول اجتماعنا وأساسه : الفكرة والمعنويات والعمليات . نحن إخوة فى خدمة الإسلام فنحن إذن " الإخوان المسلمين " .

وجاءت بغته .. وذهبت مثلا .. وولدت أول تشكيله للإخوان المسبلمين من هؤلاء الستة حول هذه الفكرة على هذه الصورة وبهذه التسمية .

وهكذا يمكن اعتبار مارس 1928 هو البداية الفعلية لانطلاق حركة جماعة " الإخوان المسلمين " بعد أن ظلت تراود ذهن الإمام الشهيد حسن البنا لفترة من الوقت حيث ازداد تفكيره فى حال الأمة الإسلامية وما وصلت اليه من ضعف إزاء التيارات الجارفة والعاتية التى تهدد كيان هذه الأمة وتكاد تعصف بمستقبل أبنائها .. وكانت البيعة بين مجموعة من المسلمين الحريصين على اسلامهم وعقيدتهم وتوحدت توجهاتهم فى :

  • احتجاجهم الصارخ على ما أصاب القطر المصرى من داء الانحلال والتحلل والبعد عن الاخلاق الإسلامية .
  • احتجاجهم على أسلوب الرفض السلبى والصامت من جانب علماء الدين وخاصة فى الأزهر إزاء ما يجرى من مجريات الأمور ومحاربة الإسلام والمؤمنين به .
  • اتفاقهم على التسليم بالبيعة لهذا الشاب المخلص الذى توسموا فيه خيرا كبيرا وذلك من خلال دروسه وخطبه فى القهاوى والمنتديات العامة وبالإسماعيلية وما أحدثته هذه الدروس من آثار طيبة .
  • اتفاق وجهات نظرهم على أن الطريق لانقاذ الأمة الإسلامية يبدأ من خلال جماعة إسلامية قوية قادرة على النهوض بأعباء هذه المهمة الصعبة مهما كانت التضحيات ومهما عظم وغلا ثمنها .

وهكذا وضع المجتمعون اللبنة الأولى فى صرح بناء جماعة الإخوان المسلمين وانطلق الشهيد البنا يدعم هذا الصرح مستعينا بأول تشكيل من الجماعة بادئا بعدة خطوات منها " مدرسة التهذيب " التى تعنى فى جانب كبير بدراسة القرآن الكريم والعقائد والعبادات والمنهاج الإسلامى القيم وفى جانب آخر كان الشهيد الامام يهدف لدعم أواصر التعارف والمودة والمحبة بين أفراد التشكيل الأول كما رنا الشهيد الى خارج حدود الإسماعيلية لنشر الدعوة وتنقل داعيا ما بين القاهرة والمحمودية والاسماعيلية لهذاالغرض ..

وواجهت دعوته فى البداية صعوبات جمة ولكن إيمانه بالله هو ورفاقه جعل الصعاب هينة ما دامت فى سبيل ا لله ونجح الإمام الشهيد فى إقامة مسجد فى مدينة الاسماعيلية كان بمثابة مركز لأنطلاق الحركة ثم مدرسة حرة فوق المسجد ثم إنتقل مركز الحركة من الإسماعيلية فى عام 1932 لتبدأ مرحلة جديدة أكثر انتشارا وظهورا وتألفت فرقة الرحلات للإخوان المسلمين على نظام الكشافة وانتقلت شعب الإخوان كلها للقاهرة " ثم بدأت مرحلة " رسائل الإمام الشهيد " للإخوان وكانت أولى الرسائل هى : القانون الأساسى للإخوان المسلمين واللائحة الداخلية وكانت بتاريخ 20شعبان عام 1351 الموافق 19 ديسمبر 1932.

ثم ظهرت جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية بتاريخ أواخر شهر مايو 1933 برأس مال جنيهين فقط واستمرت تصدر أربع سنوات كاملة ثم أصدر الإخوان مجلة النذير سياسية أسبو عية " لتحدد الخطوط العريضة للإخوان وصدرت فى مايو 1938 أى بعد عشر سنوات من البداية الفعلية لحركة الإخوان وحتى ذلك الوقت كان الإخوان المسلمين 15 شعبة بالقطر المصرى ثم تطورت الحركة وعقد الاجتماع الأول .. لمجلس الشورى العام أو المؤتمر الأول للإخوان المسلمين فى 22 صفر 1352 هـ ( 1932 والذى تلته عدة مؤتمرات ثم تألفت لأول مرة هيئة مكتب الارشاد العام للإخوان المسلمين بناء على قرارات مجلس الشورى وبدأت دعوة الإخوان تشق طريقها على ساحة الأحداث متفاعلة مع الواقع مستندة على مبادىء العقيدة الإسلامية السمحاء.

وتكونت فرقة للأخوات المسلمات فى القاهرة ولم تكتف الحركة بالركون للتحرك داخل حدود القطر المصرى وإنما تعدتها الى كل من دمشق وبيروت وفلسطين مستندة على العقيدة الإسلامية سيفا والقرآن الكريم كلمة الله لعباده صوتا وسنة رسوله صلى ا لله عليه وسلم نبراسا ودليلا علىالطريق ولاقى أصحابها من المحن والاختبارات ما يعجز عنه الكثير من البشر وزادتهم هذه المحن ثباتا على الحق غير زائغين عن طريقه ووقع بعضهم فى أخطاء لأنهم بشر وشيمة البشر الخطأ والتوبة إيمانا بقول المصطفى صلى الله عليه وسلم : " كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون " .

الباب الأول: لمــاذا أخترت الإخوان ؟

عمر التلمساني يتحدث

على مدى نصف قرن من الزمان وأكثر هى عمر حركة الإخوان المسلمين متعاملة ومتفاعلة مع واقع الأمور ومجرياتها لا قت فيها ما لاقت وتعرضت لما تعرضت له من أهوال يشيب لها الولدان فى بطون أمهاتهم ويعجز منطق الكلام عن وصفها كان لا بد من أن نتجه الى من عايش خضم هذا البحر الهائج من الأحداث ليفتح لنا ملف ذكرياته ويكشف ما غمض من أسرار ويجلى الحقائق ويظهر ما استتر منها علنا نصل الى مكان فى دائرة الحقيقة الغائبة على مدى نصف قرن بين التضليل والتشويه والتلفيق المتعمد وقد آن الأوان لتقديم الصورة الصادقة الحقيقية بعد طول غياب للحقيقة .

لقد عايش الأستاذ عمر التلمسانى هذه الأحداث على مدى نصف قرن من الزمان عاشها عضوا فى مكتب الارشاد وأتاحت له الظروف أن يتعامل ويتفاعل مع هذه الأحداث وكان قريبا من الإمام الشهيد حسن البنا وعاش كل المواجهات والصراعات التى خاضتها حركة الإخوان المسلمين مع كل القوى : سواء أحزاب ما قبل حركة يوليو 1952 والقصر أم جماعة الضباط الأحرار والإنجليز ورحلة جماعة الإخوان عقب حركة 1952 وعصر السادات كما شهد الخلافات التى وقعت داخل الحركة نفسها والتى تفجرت بصفة خاصة بعد استشهاد الإمام حسن البنا عام 1948 .

لقد دخل الأستاذ عمر التلمسانى جماعة الإخوان المسلين شابا يافعا مرفها مترفا فخلع أرية الترف والرفاهية ليعيش زاهدا عابدا لربه متمسكا بعقيدته عاملا على إحياء مجد الإسلام مع رفاقه فى العقيدة وضحى بالكثير وعاش بين جدران السجون ما يقرب من 18 عاما دافعا لضريبة الجهاد فى سبيل ا لله مخلصا النية والعزم مؤثرا عقيدته على ما سواها .

وكان لا بد أن نبدأ مع قصته أو رحلته فى الحياة كما يرويها التلمسانى طفولة وشبابا ، يقول : " ولدت عام 1904 فى أحد البيوت فى حى سيدنا الحسين رضى الله عنه وكان للأسرة منزل فى قرية " نوى " بمركز شبين القناطر بمحافظة القليوبية وكان منزلنا مكونا من خمس شقق فى طابقين وكان يجمع والدى وجدى وعمى وكان جدى متزوجا من اثنين وكذا والدى وكانت اسرتنا ميسورة الحال يمتلك جدى ثلاثمائة فدان .

وتلقيت علومى الأولية فى كتاب القرية وأذكر أول من تلقيت العلم على أيديهم الشيخ عبد العزيز القلماوي والشيخ أحمد رفاعي نصار عليهم رحمة الله وكنت بحكم نشأتى ذا وضع مرموق فى كتاب القرية وبعيدا عن إساءة المدرسين فكان إصرارى علىالعلم ميسرا وما كنت أنفر من حصص اللغة كالأطفال الآخرين وكنت أجد فى نفسى رغبة للتعلم وتوفى جدى فى يناير 1918 .

وانتقل أبى بنا الى القاهرة وفى نفس البيت الذى ولدت فيه فى حارة " حوش قدم " وكان البيت مملوكا لنا وكانت الحارة فى شارع الغورية وهناك درست المرحلة الابتدائية فى مدرسة الجمعية الخيرية الإسلامية وكذلك الثانوى ثم أكملت الدراسة الثانوية فى مدرسة " بنبا قادن " بحى الحلمية الجديدة وكنت متفوقا فى دراستى والتحقت بمدرسة الحقوق عام 1924 وفى السنة الأولى تزوجت فكان الزواج مشغلة لى عن الدراسة خاصة بعد وفاة أبى بعد زواجى بستة أشهر وتخلفت فى الكلية سنتين وتخرجت عام 1930 واتخذت لى مكتبا فى مركز شبين القناطر ولا أستطيع القول : إننى كنت محاميا لا معا ولكننى فى الوقت ذاته لم أكن مغمورا .

وقد كان لأسرتى تأ ثير كبير فى حياتى وفى ترسيخ القيمة الدينية لدى وكان جدى رحمه الله عليه محافظا على الفروض الدينية وكان فى معاملاته مع الذين يعملون أجراء فى أرضه نموذجا طيبا فقد كان بعضهم يقصر فى دفع إيجار الأرض بالكامل فكان يبحث حالته فإذا وجده مضطرا أعفاه من باقى الايجار وإن وجده موسرا ويستطيع أن يدفع فكان يحاسبه ويأخذ منه الايجار بالكامل وكانت له حديقة موالح فى القرية وكان يبيح لكل رجال القرية أن يأكلوا من الحديقة ما يشاءون فإن خرج أحدهم ببرتقاله واحدة من الحديقة كان يحاسبه عليها حسابا عسيرا وكان يضربه لأن الشرع يعتبر هذه سرقة فكانت معاملته للفلاحين على هذا النمط وكان يصحو قبل الفجر بساعة تقريبا ويوقظ جميع رجال القرية من الفلاحين ليصلوا الفجر جماعة حاضرا " .

ويضيف الأستاذ التلمسانى : " هذا الجو الذى كنت أرى فيه رجال العائلة ونساءها جميعا يؤدون كل واجباتهم الشرعية ترك أثره فى نفسى وبالنسبة لى لا أدرى فى أى سن بدأت الصلاة ؟ ولا متى بدأت الصيام ؟ وعندما تنبهت لنفسى وجدت نفسى أصوم وأصلى تلقائيا .

وكان يزور القرية كل شهر أو شهرين بعض علماء الأزهر يقضون يوما أو بعض يوم وكانت المناقشات تدور بينهم وبين جدى حول الآراء الفقهية وكان جدى عليه رحمة الله يأخذ بمذهب " محمد بن عبد الوهاب " وكان متأثرا بابن تيمية وكانت المناقشات تدور بينه وبين المتصوفين حول أرجح الآراء الفقهية وكانت المناقشات تحتدم لدرجة كنت اتصور أنهم سوف يتشابكون بالايدى وينتهى الأمر بسلام وكأن شيئا لم يكن .

هذه الصورة جعلتنى بالفعل متأثرا بالدين وأمارس شعائره عن اقتناع لا عن تقليد وما ضاعت منى والحمد لله فريضة فى يوم من الايام منذ شببت عن الطوق وأدركت واجباتى الدينية وظللت على هذا الى التحقت بكلية الحقوق فكانت أعلى الدرجات التى أحصل عليها فى مواد الدراسة هى درجات الشريعة الإسلامية وكنت محل تقدير من هذه الناحية عند المرحوم الشيخ أحمد إبراهيم عليه رحمة الله .. هذه الصور وهذاالاتجاه جعلنى أنظر الى نشوء الأحزاب وتصرفاتها فى حذر كنت حقا أعتقد أن " سعد زغلول " كان زعيما وطنيا ولكننى كنت أراه ـ بمنظورى ـ فى رمضان لا يصوم ويدخن السجائر علنا . فكان يبدو هذا فى ذهنى غريبا .

كيف أن زعيما مسلما ومصريا مفطر فى رمضان وما كنت أظن أن حالته الصحية تتيح له هذا لأنه كان فى حالة صحية جيدة وكل رجال الأحزاب أو زعمائها كانوا تقريبا على هذه الوتيرة فكانت ثقتى فيهم مهزوزة وإن كنت أميل ما أكون الى الوفد متأثرا بالرأى العام فى البلد حتى أننى طلب منى أن أكون عضوا فى اللجنة المركزية فى مديرية القليوبية ودخلت بالفعل وظل هذا الوضع يتأرجح فى ذهنى الى أن ظهرت دعوة الإخوان فى عام 1928 ما كنت أعرف عنها شيئا ولا قرأت عنها الى أن زارنى اثنان من الإخوان وعرضوا الفكرة واقتنعت بها وصرت مع الإخوان من ذلك اليوم ولكنى لم أكن أقاطع الوفد كانت صلتى بهم سائرة الى ان تبين لى تماما أن الوفد يظن بالإخوان المسلمين أنهم ينافسونه فى الزعامة أو الشعبية وبدات مظاهر القطيعة من جانب الوفد وبدا يهاجم الإخوان فتحدد الموقف فى نظرى بصورة واضحة تماما واعتزلت جميع الأحزاب وسرت فى طريقى مع الإخوان المسلمين الى يومنا هذا ..

ولقد كان التزامى جانب القرآن الكريم منذ طفولتى له بالغ الأثر فى حياتى حيث قرأت أجزاء كبيرة منه وحفظتها حتى مرحلة الدراسة الثانوية ثم انقطع التزامى وفتر حفظى له وتسرب الكثير مما حفظت ولكن منذ عام 1940 عاودت ملازمة القرآن الكريم الى أن حفظته تماما وكنت أحفظه بمفردى وما كنت أحفظ على يد أى إنسان ..

ولقد دخلت مدرسة الحقوق لأن دراستى كانت أدبية حيث كنت ميالا للناحية الأدبية وكنت أحب قراءة التاريخ والجغرافيا والأدب وأثناء دراستى الثانوية كنت أتردد على المحاكم وكانت هناك قضايا سياسية تنظر فى ذلك الوقت مثل قضية نزاهة الحكم وقضية محاكمة الزعماء الوفد وقضايا أخرى كثيرة كانت دراسة الحقوق تستهوينى ولم تكن منصة القضاء أو النيابه تجذبنىوإنما كان إعجابى كله محصورا فى موقف الدفاع فتمكنت من نفسى غريزة حب موقف الدفاع وصممت على أن أكون محاميا لا أن أكون موظفا .

وقد عايشت فى هذه الفترة أحداث ومظاهرات ثورة 1919 وما بعدها ولعلى اشتركت فى جميع المظاهرات ولنم تفتنى واحدة منها فى القاهرة مناديا بشعارات الوفد لقد كانت ثورة حقيقية نابعة من أعماق الشعب لأن كل أ فراد الشعب وطبقاته كانوا متجاوبين ومتفاهمين مع الاتجاه الوطنى ومحاولة التخلص من الاستعمار وآثاره فكانت مشاركتى فى هذه الأحداث مشاركة فعلية ما كنت أكتفى بالقراءة عنها ولكنى كنت أشارك فى هذه المظاهرات وأذهب الى منزل سعد زغلول وأستمع الى خطبة وكنت فى ذلك الوقت معتقدا أن كل الأعمال تعمل خالصة لوجه الله والوطن الى أن تكشفت لى الحقيقة شيئا فشيئا فلقد أخذ على سعد زغلول أنه عين كثيرا من أقربائه فى الوظائف العليا ويوم أن كان رئيسا للوزراء صرح أنه لو استطاع أن يجعل الحكومة كلها زغلولية عظما ولحما ودما لفعل ..

فتبين لى أن الغرض هو حب الزعامة واكتساب المظاهر الشعبية خاصة وأن كل المصريين يعلمون أن سعد زغلول نشأ فى صالون الاميرة " نازلى " وكان هذا الصالون يضم كل الأسماء اللامعة فى ذلمك الوقت وكان معروفا عن تلك الأميرة أن لها صلات بالسفارة أو دار الحماية البريطانية كما كانت تسمى فى ذلك الوقت وشيئا فشيئا رأيت كبار رجال الأحزاب يتنافسون علىا لحكم وقرأت ما كان يكتبه بعضهم ضد بعض من تشنيع واتهامات حتى أ نه إذا قرأت ما كتب فى تلك الفترة عن سعد زغلول وعن عدلى يكن وعبد الخالق ثروت واسماعيل صدقى والنحاس لا تكاد تصدق أن واحدا منهم كان نظيفا كل النظافة ومخلصا كل الاخلاص لأن كل واحد من هؤلاء كان يطعن فى الآخرين ويتهمهم بالعمالة ويتهمونه بعدم الاخلاص .

فاستقر رأيى أخيرا على أن فكرة قيام دستور وإنشاء أحزاب أصلا كانت فكرة استعمارية قصد منها الوقيعة بين أبناء الوطن الواحد وجعلهم يتشاحنون ويتقاطعون بغية ا لوصول الى ا لحكم وذلك مما أساء الى الحركة الوطنية لثورة 1919 فبعد أن كانت أسمى وأنظف الحركات الوطنية فى العالم تمزقت شيعا وذهب كل فريق وراء زعيم وأصبح كل واحد من هؤلاء لا يهمه إلا تحقيق مصلحته الشخصية وفى الحقيقة أنه لم يكن فى البداية لهذه الثورة صراعات بين فريق وآخر كان الشعب كله يكاد يكون وفديا ويأخذ بوجهة نظر سعد زغلول فى المسائل ا لسياسية ويعجب بخطبه وكلماته " الحق فوق القوة والأمة فوق الحكومة .. " كانت عباراته تلهب مشاعر الجماهير وكان النزاع حقيقة بين الوفد وبين السراى وأرادت ا لسراى أن تضعف من شأن هذا الاتجاه فأنشأت الأحزاب : الأحرار الدستوريين فى أول الأمر ثم بعد ذلك السعديين والكتلة وتعددت الأحزاب فى مصر وكان كل حزب يطعن فى الحزب الثانى ويتهمه حتى لوثت سمعة جميع الزعماء الذين كانوا يشتغلون بالسياسة فى هذا الوقت .

وكنا نرى فعلا أن بعض الوزراء يدخلون ا لوزارة لا يملكون شيئا ثم نرى بعد ذلك عزبا وأراضى باسم بعض الوزراء فكان هذا يثير الشك فى نفوس الناس قد يكون الحصول على هذه الأملاك من طريق سليم إنما البادى للناس أن امكانيات هذا ا لشخص ما كانت تمكنه من الحصول على هذه الأملاك الواسعة وهم أنفسهم كان بعضهم يتهم بعضا فكان يقول قائل منهم الآخر : كيف حصلت على هذه العزبة وهذه العمارة .. من أين ؟ وهكذا دار الصراع وكان صراعا شخصيا محضا بعيدا كل البعد ما كان للوطن فيه دخل إلا للتأثير على نفسية الشعب فقط .. إنما حقيقة كان الصراع فيها بينهم شخصيا ثم كانوا هم أول من بدءوا بوسائل العنف لأن الوفد أنشأ تشكيلة القمصان الزرقاء تم هيئة أخرى هى : حزب مصر الفتاة أنشأت تشكيله تماثلها اسمها : القمصان الخضراء .

وهكذا كانت كل هذه المظاهر تدل على أن الرغبة المتمكنة فى نفوس الأحزاب هى الوصول الى الحكم لا أكثر ولا أقل والمرة الوحيدة التى أجتمعت فيها الأحزاب وكونت وزارة ائتلافية كان الغرض منها إعادة دستور 1923 .. وكان للطلبة دور فى هذا فشكلت لجنة من الطلبة وزارت كل رؤساء الأحزاب وألحت عليهم أن يتفقوا أو يشكلوا ائتلافا ليعملوا على زحزحة الإنجليز من مصر .

وكان أصرح هؤلاء الزعماء إسماعيل صدقى لأنه كان من الذين يقولون بإنقاذ ما يمكن أنقاذه .. ما كان يرى أن الحق من الممكن الحصول عليه مرة واحدة فكان ينادى : بأننا يجب أن نأخذ من الإنجليز كل ما نستطيع أن نحصل عليه شيئا فشيئا حتى نحصل على حقوقنا كاملة .. إنما الاتهامات التى كان يوجهها بعضهم الى بعض كانت اتهامات فى منتهى القسوة والشناعة ووصلت لدرجة الاتهام بالعمالة .

فلان يقول على آخر : إن هذا عميل انجليزى وآخر عميل ألمانى وكانت السيطرة فى واقع الأمر للسراى ودار الحماية البريطانية والاثنتان كانتا مصدر التأثير والنفوذ فى مصر .

وأعود الى مسار حياتى .. فقد عملت بعد تخرجى من مدرسة الحقوق ـ كما تمنيت محاميا وظللت أشتغل محاميا حتى عام 1954 عندما حكم على بالسجن 15 سنة وعامين اعتقال فانقطعت عن المحاماه وخرجت فوجدت أن أكثر القوانين قد أصابها التغيير وأننى فى حاجة لأعادة الدراسة من جديد لأدرس كل القوانين التى صدرت إن كنت أريد أن أستأنف مزاولة مهنة المحاماة فآثرت اعتزال المهنة .

ولقد كانت مهنة المحاماة عندما مارستها فى الذروة والقمة وكان المحامون مثلا فى الالقاء باللغة العربية وفى الذكاء واستخراج الأدلة والبراهين والقرائن والوقائع التى تؤيد وجهة نظرهم وكان القضاء يأخذ نفس الوضع وكان الاحترام متبادلا بين القضاء والمحاماة وما كنت تجد محاميا من صنف معين إلا على ندرة إنما كان كل المحامين فى الذروة فى الأخلاق والعلم وكانت نقابة المحامين أولى النقابات التى كانت لقراراتها السياسية أثر بالغ فى نفوس الأمة من أسوان وحتى الاسكندرية .

ولقد رفضت عرضا للعمل فى النيابة عام 1936 كما عرض على منصب فى القضاء عام 1942 فرفضت أيضا مؤثرا أن أكون محاميا مدافعا عن الحق وذلك بطبيعة نشأتى وتكوينى لقد كنت أحب الحرية فى كل شىء .. فى عملى .. فى معيشتى .. فى تفكيرى فوجدت أن المجال الوحيد الذى يستطيع أن يستمتع الانسان فيه بحريته هو مهنة ا لمحاماة ولقد علمتنى المهنة كيف يستطيع الانسان أن يعتد بكلمة الحق وبالتزام الحق وبالدفاع عن الحق فكانت كل حياتى قائمة على هذا المعنى ما كنت استطيع أبدا أن أقول كلمة غير صحيحة وكنت أشعر أنى لو حاولت تغيير حقيقة أن كل الناس يرون مكتوبا على وجهى غضب الله سبحانه وتعالى على أننى كنت صادقا مع نفسى ومع الناس ومع ا لله فى كل ما كنت أزاول من عمل والحمد لله على كل شىء “ .

وهكذا نجد أن النبع الإسلامى الذى نشأ فيه الأستاذ عمر التلمساني ونهل منه هيأه لما بعده من أمور وأحداث .. نشأة دينية ووسط مواجهات هادئة بين مسلمين متحمسين لعقيدتهم ورغبة جارفة فى ا لتزام موقف الدفاع عن الحق دفعه الى دراسة ا لحقوق ثم مشاركة فى أحداث الوطن ثم عودته لتقييمها على الوجه الصحيح وصيغة ما وصل اليه حال الوطن من تمزقات نتيجة صراعات زعماء الأحزاب غيرالمسئولة ..

كل هذه العوامل هيأت وأتاحت له الفرصة بل نقول ودفعته الى دخول حركة الإخوان المسلمين عن قناعة بضرورة أن يعود للعقيدة الإسلامية دورها فى إعادة التوازن لعناصر الأمة من أخلاق ومعاملات فيما بين العباد بعضهم البعض وفيما بينهم وبين خالقهم والتى اهتزت داخل جدران الأمة المصرية بسبب العوامل التى سبق ذكرها فى تمهيد الكتاب .

وبدأت الرحلـة بالبيعــة

اعتمد الشهيد الإمام حسن البنا فى بداية التحرك الفعلى بعد البيعة التى تمت للمرة الأولى فى تاريخ الحركة والتى حددت بدايتها الفعلية عام 1928 على عدة عوامل لحركته :

أ ) سرعة نقل نشاط الحركة خارج دائرة مدينة الإسماعيلية الى سائر أنحاء القطر المصرى .

ب) عدم الدخول فى مواجهات أو صدمات من أى نوع مع قوى الضغط والنفوذ فى البلاد وأخطرها الإنجليز والسراى ثم قوى الأحزاب ورجالاتها .

ج ) الانتشارالفكرى والثقافى من خلال الدروس والنشرات والمجلات التى صدرت عقب وقت غير بعيد من تاريخ بدء نشاط الجماعة .

د ) ممارسة أسلوب الدعوة وضم من يرغب عن قناعة كاملة بالجماعة وتوجهاتها وأسلوب الانتقاء والاختيار للعناصر التى تشكل تأثيرا فكريا أو سياسيا أو من يسمون فى العصر الحديث بقادة الرأى العام ولذا فقد انتشر الأعضاء المؤسسون ومن تبعهم بعد ذلك فى أنحاء القطر المصرى بحثا عمن يتوسم فيهم سلامة عقيدته الإسلامية وقوة تأثيره وصلاح خلقه للإنضمام للجماعة وأيضا من أصحاب النفوذ من الأعيان والتجار الذين يشهد لهم بالصلاح والتقوى .. وذلك لقدرة هؤلاء جميعا على التأثير فى المحيط الذين يعيشون فيه بالكلمة الحسنة والأثر الطيب .. وكان كل عضو فى الجماعة حريصا ـ حرصه على عقيدته ـ على جذب الكثيرين حوله للإنضمام للجماعة لتصحيح مسار الأمة وإعادة العقيدة الصحيحة لقلوب وعقول إخوانهم بعد أن أبعدتهم عنها قوى البغى والانحلال التى لا تريد لدولة الإسلام عودة بأى صورة من الصور ..

هـ ) المشاركة بصورة فعلية فى كافة المناسبات الإسلامية والذكريات المجيدة فى القاهرة والأقاليم .

و ) أن يكون للجماعة إطار تنظيمى محدد بدءا بمكتب الارشاد والشعب المختلفة والتشكيلات الكشفية والرياضية وقسم الطلاب وغيرها وتحديد السلم التنظيمى لأعضاء الجماعة وذلك تسهيلا للإتصال وتبادل الآراء والتوجيهات بين كافة مستويات الحركة منعا للتخبط والعشوائية بين أعضاء وتشكيلات الحركة .

وكان للأعضاء ثلاث درجات هى الأخ المساعد ، الأخ المنتسب ، الأخ العامل ثم هناك درجة رابعة هى درجة الانضمام " الجهادى " ـ اى الأخ المجاهد وهنا نعود الىا لأستاذ عمر التلمساني ليروى لنا قصة دخوله جماعة الإخوان المسلمين يقول " فى سنة 1933 زارنى فى مكتبى اثنان من الإخوان المسلمين وسألنى أحدهما ما ذا تعمل ؟

وضايقنى السؤال وقلت لهم ساخرا : أقوم بتربية الكتاكيت ولم يضايقهما الرد وأجاب أحدهما مبتسما ولكن هناك من هم فى حاجة الى التربية أكثر من الكتاكيت .. قلت من ؟ قال المسلمون .. فقلت لهما ولكن هناك جهات حكومية وهناك الأزهر وهى كفيلة بالقيام بهذه العملية فألحا على أن التقى بالاستاذ الشهيد حسن البنا لأدير معه حوارا لعلى أقتنع بوجهة نظرهما .. وكنت فى تلك السن حريصا على المعرفة .

فلما ذهبت اليه فى بيته استقبلنى فى حجرة متواضعة ـ لم ترقنى الحجرة ـ وجلست ودار بيننا حديث عن المسلمين بعد كانوا فى صدارة العالم وكانت الدنيا تقف لهم احتراما وتقديرا .

ومضى الحديث فى قرابة الساعة واقتنعت بوجهة نظره ولكنه لم يرض أن يستغل هذا الاقتناع وقال لى أرجىء هذا لأسبوعين وأدر الموضوع فى ذهنك وحدث نفسك بما سمعت فإذا اقتنعت فلنلتق بعد أسبوعين فغذا قبلت فنحن إخوان وإذا رفضت فنحن أصدقاء ولا يضيرنا أن يرفض دعوتنا أحد ما دمنا مقتنعين بها .

وفعلا حرصت على أن أحضر فى الموعد بعد أسبوعين وذهبت إليه وتمت بينى وبينه البيعة وكان هذا نصها :

" أقسم بالله أن أكون وفيا لدعوة الإخوان المسلمين مطيعا للمرشد العام فيماأحب وفيما أكره فى المنشط والمكره وأن أنفذ كل ما يصدر الى من أوامر إلا ما كان فيه معصية لله فلا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق " .

وبهذه المناسبة يشيع كثير من الناس أقاويل ومعانى لا حقيقة لها حول البيعة فالبيعة للمرشد أو أمير الجماعة أو أمير المؤمنين أو المسؤول معناها أنك لا تبايع إنسانا بذاته فغن الله سبحانه وتعالى يقول ك " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله " .

فإذا كانت البيعة مع الرسول صلى الله عليه وسلم هى مع الله جل شأنه فمن باب أولى أن تكون البيعة لأى إنسان هى مع الله فالإخوان لا يقدسون ـ كما يشيع البعض من المغرضين عنهم ـ حسن البنا ولكنهم يعتقدون أنه بشر يخطىء ويصيب ولكن عليهم أن يسمعوا ويطيعوا من غير معصية الله وفيما أمر به رسول الله صلوات الله وسلامه عليه انطلاقا من الحديث الشريف " لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق " .

وليست البيعة كما يتصورها البعض أنها نقلة بالانسان من حال الى حال يعنى أن الشخص الذى كان يبايع المرشد كان يعتقد تماما أن المرشد إنسان مثله وأنه إنسان ليس بمقدس ولا فوق مستوى الأوضاع الآدمية ولكن الناس لأغراض شوهوا معنى البيعة ويحاولون ـ وإن فشلوا فى هذا ـ أن يصوروا أن البيعة معناها الارهاب والتعصب وإغلاق الذهن وعدم الفهم وكل هذه المسائل التى أثاروها حول البيعة وحقيقة الأمر أننا مأمورون فى القرآن بأن نبايع فكان الإسلام لا يتم إلا نتيجة من يسلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تلا ذلك مبايعة المسلمين لأمير المؤمنين وظل هذاالأمر على هذه الوتيرة .

ولقد اخترت جماعة الإخوان دون غيرها لأنه لم يكن فى ذلك العهد أية جماعات دينية لها أثر ولها وجود إنما كانت جماعة الإخوان هى الجماعة الوحيدة التى كانت تنشط فى سبيل الدعوة وتغشى الأندية والقهاوى والمساجد والمجتمعات وانتشرت داخل أسوار الجامعة فى وقت لم يكن هناك أى اثر وأى معنى لكلمة الإسلام فى صفوف الجامعة إنما دعوة الإخوان كان لها وجودها ونشاطها وتحركاتها وأثرها فى نفوس الناس .

ولقد كان باب الانضمام للإخوان المسلمين مفتوحا لكل من أراد أن ينضم للإخوان وجاء ليبايع الامام المرشد العام أو مندوب المرشد العام الذى يوجد فى المنطقة وكان الإخوان يتقبلون بيعته ويعد من الإخوان المسلمين وكان للإخوان درجات : فهناك الأصدقاء وهم الذين يحبون الإخوان ولا يبايعون المرشد والمنتسبون وهم الذين يأحذون بمبادىء الإخوان المسلمين ويبايعون المرشد وهذا مدى حظهم فى الإخوان المسلمين والإخوان العاملون وهم الذين يبايعون المرشد ويشاركون فى كل أعمال الدعوة من حضور لدروسها الى دفع الاشتراكات وكل ما يطلب من الأخ المسلم ويكون متوافرا عنده لأى أخ من الإخوان يعتبر من الإخوان العاملين ولم تكن هناك شروط للإنضمام للجماعة سوى أن يكون الأخ مسلما محافظا على دينه ولا يرتكب الجرائم والمنكرات أو الكبائر ويقتصر الأمر فيها على أنه مسلم نظيف .

ولقد كان الغرض الأساسى لإنشاء جماعة الإخوان المسلمين عند الإمام الشهيد حسن البنا هو تربية المسلمين على تعاليم الإسلام وأنه لا يكفى أن يكون المسلم مصليا وصائما وحاجا ومزكيا هذه عبادات فردية وفروض عينية يلتزم بها كل شخص إنما كانت هناك معان أخرى فى الإسلام أوسع من هذا ..

حرية المسلم وسعادتة ورقية وعزته ومكانتة وكان الإمام البنا يغرس كل هذا فى نفوس الإخوان الشباب ليستعيدوا أمجاد الإسلام الماضية وتعود للمسلمين مكانتهم فى العالم بدلا من ان يكونوا مستعمرين ومستغلين ومستعبدين وحتى يصبحوا هم سادة أنفسهم خصوصا وأن هذه المنطقة من أغنى مناطق العالم بالثروات الطبيعية من زراعية ومعدنية فكان هم الدعوة الأولى إعادة المسلمين الى أوضاعهم الأولى ولما اشتد الضفط الإنجليزى على مصر وخاصة بعد ثورة 1919 وأصبح الأمر فى يد السفير البريطانى الذى كان يسمى مندوب الحماية أو المندوب السامى وبعد أن بدأت مظاهر إحلال اليهود فى فلسطين مكان أهلها بدأ التفكير فى إنشاء تشكيل ليدفع عن مصر شر الاستعمار بمقاومة الإنجليز مقاومة مادية ومحاربة اليهود حتى لا يكون لهم استقرار فى فلسطين ..

وكان هذا هو الأساس الذى دعا الى انشاء " النظام الخاص " أو ما يسميه الناس " النظام السري " فى الإخوان المسلمين وهو نظام أنشىء أساسا لمقاومة الاحتلال البريطانى بعد أن رأى الإخوان أن كل الأحزاب لا تفكر فى المقاومة العملية مجرد خطب رنانة وسياسات وانتخابات وإنما لا شىء أكثر من هذا ولهذا يسر الإنجليز لمصر أن تصدر دستورا وأن تقيم دستورا لأنهم يعرفون جيدا أن النتيجة أن يختلف زعماء الأحزاب بعضهم مع بعض ويتفرق المصريون شيعا كانت الفكرة فى تشكيل النظام الخاص هى تحرير مصر الاستعمار البريطانى وإنقاذ فلسطين من أيدى اليهود وانجلترا التى كانت تعمل على ان تجعل من فلسطين وطنا قوميا لليهود ..

حقا حدثت بعض أخطاء من بعض أفراد هذا النظام وهذا شىء طبيعى فى كل العالم لا يوجد مجتمع أو أسرة أو أمة لا يوجد فيها من يخطىء والخطأ طبيعة البشر فكانت هناك تصرفات فردية لبعض أعضاء هذا التشكيل فكان ينكرها الأستاذ البنا ولا يرضى عنها ويعلن فى الصحف أنه يتبرأ من مثل هذه الأعمال هذا التشكيل لم ينشأ ليعتدى على المصريين أنفسهم وأنما أنشىء لمقاومة الاستعمار البريطانى ومقاومة الاستيطان اليهودى فى فلسطين .. إنما أعداء الدعوة وخاصة أجهزة الاعلام العالمية شوهت هذا الوضع وصورت الإخوان المسلمين فى صورة الارهابيين المتعصبين الرجعيين القتلة والى غيره من الاتهامات .

ولقد اختار الأستاذ البنا مدينة الإسماعيلية لبداية حركته لظروف عمله فى الإسماعيلية حيث خطر له خاطر إنشاء الجماعة ثم كانت البيعة الأولى مع مجموعة الإخوان المسلمين وتسميتهم الإخوان المسلمين باعتبار أنهما لفظان مختاران من القرآن الكريم .

والواقع أن الإخوة الذين اشتركوا مع الأستاذ البنا كانوا فى منتهى النشاط ومنتهى الوفاء لدرجة أن واحدا منهم كان يعمل سائقا فى شركة قناة السويس وكان يحضر على دراجته من الإسماعيلية لمقر الشركة فى الإسماعيلية وكان يحضر فى المواعيد بدقة ثم بدأ يتأخر عن مواعيده وسأله رؤساؤه إنك كنت نشطا وكنت تحضر فى المواعيد فما سر تأخيرك ؟

فقال لهم كان عندى دراجة وكنت أحضر عليها فى المواعيد وإنما الآن أنا عضو فى جماعة اسمها الإخوان المسلمون ونبحث عن شقة نسكنها ونفرشها ونجعلها مقرا للإخوان المسلمين ولكن فقراء وكنت ضمن المتبرعين فبعت ا لدراجة الخاصة بى وقدمت ثمنها للأستاذ المرشد لأساهم فى تكوين مركز للإخوان وشقة مفروشة وأعجب به رؤساؤه فعلا واشتروا له دراجة جديدة بدلا من دراجته القديمة التى باعها ..

كانوا فى نتهى الوفاء للإخوان المسلمين وكان الأستاذ البنا يأخذ سبورة صغيرة ويذهب بها الى القهاوى فى مدينة الإسماعيلية ويجلس فى القهوة وبعد أن يطلب الشاى أو القهوة يستأذن صاحب القهوة فى أن يقول كلامه فيأذن له صاحب القهوة وكان لبقا ومؤثرا وكان الناس يحبون الاستماع اليه فبدأ رواد القهاوى يتزايدون على المكان الذى كان يوجد فيه حسن البنا فكان أصحاب القهاوى يتنافسون فى جذب الأستاذ حسن البنا الى مقاهيهم لتكثر زبائنهم ويكثر عملاؤهم وبدأ العمل بعد أن انتشرت الدعوة فى الاسماعيلية وبنوا مسجدا هناك ودارا للضيافة فى الإسماعيلية وكانت تكاليف البناء فى ذلك الوقت ميسرة وسهلة وأحس رجال شركة قناة السويس وكانت أجنبية بمدى تأثير حسن البنا على أهالى الإسماعيلية فعملوا جهدهم لدى ا لحكومة لتنقل حسن البنا من الإسماعيلية فنقل بالفعل للقاهرة فىمدرسة عباس الابتدائية بناء على رغبته فى أكتوبر عام 1932 فكانت إرادة الله سبحانه وتعالى أ ن يكون هذا النقل فاتحة خير وكان المجال فى القاهرة أوسع والانتشار أكبر فانتشرت الدعوة فى لاقاهرة وظل هو فى ا لقاهرة حتى نقلوه الى قنا ولما ذهب الى قنا أثر فى أهالى قنا فأرجعوه للقاهرة وظل على هذا الوضع حتى استقال من التدريس عام 1946 "

واقعة تبرع شركة قناة السويس

لقد ذهب الكثيرون مذاهب شتى فى تفسير هذه ا لخطوة من جانب الإخوان ومن جانب الإنجليز وخاصة الكتاب الماركسيين ويقول صلاح عيسى فى دراسته فى مقدمة كتاب الإخوان المسلمين * " لكن الإخوان ـ الذين كان مؤسسهم حسن البنا من أذكى الشخصيات السياسية فى العالم العربى ـ تركوا السلطات القائمة وقتها تظن أن حركتهم تخدمها ـ وهو ما كان يتحقق موضوعيا ـ بحكم أنهم يستلبون الشبان الذين كانوا منهمكين تحت قيادة حزب الوفد فى النضال ضد دكتاتورية إسماعيل صدقي بل إن شركة قناة السويس وكانت آنذاك شركة دولية لأنجلترا الجانب الأكبر من أسهمها قد نظرت اليهم بنفس النظرة فمنحتهم تبرعا قدره خمسمائة جنيه مصرى.

وهو ما يعتبر دعما قويا إذا ما نظرنا الى قيمة الجنيه آنذاك وقد ثبت بعد أن ذكاء الإخوان المسلمين السياسى فوق مستوى الشبهات وهو ما تأكد من الطريقة التى تعاملوا بها مع الاحتلال الإنجليزى فى مصر إذ تعاملوا بحجمهم الحقيقى لا بأهدافهم التى أعلنوها تدريجيا وفيما بعد وكما نجحوا فى خديعة شركة قناة السويس وحصلوا منها على منحة تصل الى خمسمائة جنيه رغم أنها شركة تعمل لمصلحة الاحتلال الإنجليزى وردا على هذه المقولة نقول : أية خديعة تلك التى يتصورها صلاح عيسى فعلها الإخوان ؟

وأية خدمة تلك التى قدمها الإخوان المسلمين للإنجليز والتى كانت تتحقق موضوعيا فى رأى صلاح عيسى ؟ والتى يعطى الإنجليز مقابلها مبلغ خمسمائة جنيه مكافأة على خدمتهم ـ أى الإخوان ـ للإنجليز .. " والذين يقولون هذا ـ على حد تعبير الأستاذ عمر التلمسانى : " لا يفهمون حقيقة الإسلام فالرسول صلوات الله وسلامه عليه كان يرهن درعه عند اليهود وعند المشركين لأجل معين على أن يدفعه لهم إذا لم يكن لديه شىء فأنا إذا أردت أن أقيم مسجدا وتبرع لى يهودى أو مسيحى أو بوذى أو ملحد بمبلغ من المال لأقيم به المسجد .. لا علي شرعا أن آخذ منه ما يريد أن يدفعه لأقيم به مسجدا لله سبحانه وتعالى .. ليس فى ذلك عيب .. إنما هم يريدون أن يستخرجوا من كل شىء شبهة تلوث سمعة حسن البنا وجماعة الإخوان المسلمين " ..

ثم ألم يأت هذاالتبرع فى إطار حملة تبرعات دعا اليها الإخوان المسلمون لبناء المسجد أم جاء التبرع منفردا وفى غير مكانه ووقته ؟

ثم هل اتجه مؤشر المعارضة لوجود الاحتلال الإنجليزى لدى حسن البنا والإخوان فى اتجاه الإنجليز وتأييدهم بعد هذا التبرع أم ظل عداء تقليديا صارما على مدى سنوات وحول الإخوان ؟

إن الظواهر تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن توجيه الشبهة للجماعة فى قبولها هذاا لتبرع محض افتراء واضح ولا يقصد منه سوى التشكيك فى ذمة وأخلاق وأهداف جماعة الإخوان المسلمين ..

ثم هل سعى الإخوان المسلمون .. للحصول على هذا المبلغ نظير " الخدمات الجليلة التى ألمح اليها صلاح عيسى بشكل متوارب وخبيث ؟ ! إن القصة كما يرويها الشهيد الإمام حسن البنا تقول "‎: وقبل أن يتم بناء المسجد بقليل وقد أوشكت النقود المجموعة أن تنفد وأمامنا بعد مشروع المسجد ومشروع المدرسة والدار وهى من تمامة بل كلها مشروع واحد تصادف أن مر البارون دى بنوا مدير شركة القنال ومعه سكرتيره المسيولوم فرأى البناء فسأل عنه وأخذ معلومات موجزة وبينما أنا فى المدرسة إذ جاءنى أحد الموظفين يدعونى لمقابلة البارون بمكتبه بالشركة فذهبت اليه فتحدث الى عن طريق مترجم بأنه رأى البناء وهو يود أن يساعدنا بتبرع مالى وهو لهذا يطلب منا رسما ومذكرة للمشروع فشكرت له ذلك وانصرفت ووافيته بعد ذلك بما طلب ومضى على ذلك شهور كدنا ننسى فيها البارون ووعده ولكنى فوجئت بعد ذلك بدعوة ثانية منه الى مكتبه فذهبت اليه فرحب ثم ذكر لى أن الشركة اعتمدت مبلغ خمسمائة جنيه مصرى للمشروع فشكرت له وأفهمته أن المبلغ قليل جدا ولم يكن منتظرا من الشركة تقديره لأنها فى الوقت الذى تبنى فيه على نفقتها كنيسة تكلفها 500000 خمسمائة ألف جنيه أى نصف مليون جنيه تعطى المسجد خمسمائة جنيه فقط فاقتنع بوجهة نظرى وأظهر مشاركتى فيها ولكنه أسف لأن هذا هو القرار ورجانى قبول المبلغ على أنه إذا استطاع أن يفعل شيئا بعد ذلك فلن يتأخر وشكرت له مرة ثانية وقلت له إن تسلم المبلغ ليس من اختصاصى ولكنه من اختصاص أمين الصندوق الشيخ محمد حسين الزملوط الذى تبرع وحده بمثل ما تبرعت الشركة وسأخبره ليحضر لتسلمه وقد كان وتسلم أمين الصندوق هذا المبلغ وطبعا لم يفكر البارون فى عمل شىء آخر ولم نفكر نحن فى أن نطلب منه شيئا كذلك " .. ثم ألم تكن هذه هى أموال مصر من دخل شركة قناة السويس التى تقع فى مصر وليس فى بحر المانش ولكن الإنجليز اغتصبوها فى غفلة من الزمان ؟ ! لقد أسمى الشهيد الإمام حسن البنا ذلك فقها أعوج ..!

التمهيد فى الثلاثينات

فى مطلع الثلاثينات من هذاالقرن وبعد أن انتهى الإمام الشهيد من مرحلة وضع البذور بدأ مرحلته الثانية فى ترسيخ جذور الجماعة لتضع أقدامها على أرض صلبة وثابتة فصعب على الكثيرين من أعداء الدعوة اجتثاثها من قلوب وعقول أعضاء الجماعة فلم يجتثوها إلا بإزهاق أرواح هؤلاء الدعاة المخلصين فيما سيلى من حوادث وأمور على مدى زمن وجود الحركة .

ويرى الأستاذ التلمسانى أن " فترة الثلاثينات ـ وهى من الفترات الزاهية فى تاريخ جماعة الإخوان المسلمين ـ كانت فترة تمهيد لما وراءها من انتشار الوعى بالإخوان المسلمين وكان الإمام الشهيد يحرص يوميا ـ تقريبا ـ وكان همه منصرفا ومركزا على المدارس الثانوية.

وإن كان فى تلك الفترة أيضا لم يحرم المدارس الابتدائية من لقائه بهم وإعطائهم الدروس التربوية التى تتناسب ومداركهم وأفهامهم وأذكر أننى صحبته ذات يوم من الأيام لمدرسة المحمدية الابتدائية بالعباسية واجتمع صغار الطلبة فى ا لمدرسة فطلب منى أن أتحدث إليهم قليلا فكان جوابى : إننى لا أحسن الكلام الى الصغار والأطفال لأن عملى طبعنى بطابع خاص وهو الحديث فى أوساط معينة والى أناس معينين بالذات ووقف رضوان الله عليه ليتحدث الىالطلبة حديثا فى غاية الغرابة لدرجة أن الأطفال أنفسهم كانوا مشدودين مشدوهين اليه ولم يعبث أحد منهم عبث الأطفال فى مثل هذه المناسبات وكان يعنى بالمدارس الابتدائية عناية خاصة لأنه كان يرى فيهم الجيل الزاحف على أبواب مستقبل الأيام وأنه بعد سنوات سيكون هؤلاء الأطفال هم طلبة المدارس الثانوية والجامعات فيحظون بهذه العناية المبكرة بنوع من التربية الإسلامية ما كان لهم به عهد من قبل ويصبحون فى شبابهم فتيانا على وعى طيب وعلى استعداد كامل لحمل أعباء دعوة الإخوان المسلمين فى مختلف ميادينها .

وما كان يقصر نشاطه على القاهرة ولكنه كان دائم التنقل فى محافظات القطر من الاسكندرية الى أسوان فى الوقت الذى كان فيه كبار مصر وأثرياؤها يسافرون الى الأسكندرية والى خارج البلاد ترويحا عن أنفسهم من عناء الحر وفى هذه الفترة كان هو يتجه الى جنوب الوادى فيزور مديريات الصعيد مديرية تلو مديريية من الجيزة لأسوان ولا يقتصر فى تجواله على المراكز أو المدن ولكنه كان يغشى القرى والكفور والنجوع وأبعد مكان يمكن الوصول اليه فى القرى التى تقع فى أحضان الجبل فى منطقة الصعيد وكان دأبه عجيبا ويكفيه أنه كان لا ينام سوى أربع أو خمس ساعات فقط من اليوم كله .

وكان لا يكل من العمل ولا يفتر وكان الشباب الذين يصحبونه فى هذه الرحلات يجدون من المتاعب والمشاق مالا يجده هو ولكنهم يخفون ما فى أنفسهم من تعب اقتداء بمرشدهم وإرضاء له فى مهمته الكبرى ولذلك تخرج هذا الشباب تخرجا طيبا فى الدعوة وحملوا على أكتافهم أعباءها وانتشروا هم بدورهم فى مختلف أنحاء القطر وكانت إجازاتهم الصيفية لا يقضونها كما يقضيها أقرانهم من الشباب فى اللهو واللعب ولكنهم كانوا يقومون بدور الدعاة فى كل بلد يوجدون فيه وفى كل قرية يحلون بها وكان لذلك أثره الطيب إذ أنه بعد انتهاء الاجازات كان الطلبة الذين يتخرجون من المدارس الثانوية وقصدوا القاهرة للجامعات ولم تكن هناك جامعات فى بادىء الأمر إلا فى القاهرة وبعدها بقليل الاسكندرية وكان كثير من الطلبة الذين لا يعرفون شيئا عن الإخوان المسلمين يتلقون تعاليمها فى فترة الاجازات عن طريق الشباب الذى تفهم هذه الدعوة وحملها بداءة ..

وكان أول مكان لجماعة الإخوان المسلمين فى حى المغربلين بقسم ا لدرب الأحمر فى منطقة تعرف بمنطقة اليكنية فى شارع " عبد الله بك " ثم بعد ذلك انتقلت الى شارع المبتديان بالسيدة ذينب وبعد تنقلات استقرت فى لوكاندة البرلمان فى ميدان العتبة الخضراء ومن هنا عزم الأستاذ البنا على شراء دار تكون مركزا عاما للإخوان المسلمين ووقع الاختيار على قصر كبير فى حى الحلمية الجديدة واشترى هذا القصر بحوالى 8 آلاف جنيه فى مطالع الأربعينات ولم يكن لدى الإخوان المسلمين فى ذلك الوقت سوى 500 جنيه فقط ولكن ما أن علم الإخوان فى شتى أنحاء القطر المصرى بعزم المرشد علىشراء هذه الدار حتى تبرعوا كل بقدر ما يستطيع حتى السيدات كن يرسلن مساهمة منهن فى شراء الدار وفى ظرف أسبوع تم جمع المبلغ وسجل العقد الإمام الشهيد لا بصفته الشخصية ولكن سجله باسم جماعةالإخوان المسلمين باعتباره المرشد العام لهذه الجماعة ولو كان كما يقال من قبل المغرضين لكان من الميسور عليه أن يسجل هذا العقد باسمه ليصبح القصر ملكا له ولورثته ولكنه لم يفعل لأنه لا يراعى إلا جانب الله سبحانه وتعالى فى جميع تصرفاته..

التنظيمات الإخوانية

لقد بدأت حركة الإخوان المسلمين وانضم إليها عشرات الألوف ورأى ا لأستاذ البنا أنه لا بد من إقامة إدارة دقيقة منظمة لتتولى شئون الجماعة لأنه لو ربطت الجماعة بشخص حسن البنا فمعنى ذلك أنه إذا مات حسن البنا انتهت الجماعة فاراد أن يجد لها تشكيلا وتنظيما معينا تلتف حوله الجماعة سواء وجد حسن البنا أم لم يوجد ..

فبدأت الفكرة عند الإخوان المسلمين فى جميع أنحاء القطر المصرى فى الشعب الإخوانية وهم يشكلون الجمعية العمومية للإخوان هذهالشعب تنتخب من بينها أعدادا معينة لينتخبوا أعضاء الهيئة التأسيسية كانت تجتمع لتنتخب أعضاء مكتب الارشاد الذين هم بمثابة الهيئة التنفيذية أو الوزارة كما يقال فى الأوضاع السياسية المتعارف عليها لإدارة شئون الإخوان المسلمين ..

هذا المكتب هو الذى ينتخب هذه الهيئة التأسيسية أيضا بعد أن ينتخبوا مكتب الإرشاد يقوم أعضاء المكتب بانتخاب المرشد العام للإخوان المسلمين فتم النظام على هذه الصورة .. جمعية عمومية ـ هيئة تأسيسية ـ مكتب إرشاد ـ مرشد إخوان مسلمين ..

وعندما بدأ تطبيق هذا التشكيل كنت أقيم فى مديرية القليوبية فكان تكوين المكتب قاصرا على انتخاب أشخاص يقيمون بالقاهرة ليحضروا اجتماعات مجلس مكتب الارشاد أسبوعيا ولكى يمثل الوجه البحرى والقبلى ضم الى مكتب الارشاد عن الوجه البحرى عمر التلمساني وعن الوجه القبلى السيد محمد حامد أبو النصر أحد أعيان مركز منفلوط مديرية أسيوط .. هكذا كان الترتيب وكان النظام فى المكتب وكنت فيه عندما أنشىء باعتبارى ممثلا للوجه البحرى وجاء ذلك بالتعيين من الإمام وبعد ذلك انتقلت للقاهرة وأصبح دورى فى المكتب الترشيح لا عن طريق الاختيار فانتخبت من أهالى القاهرة عن طريق الهيئة التأسيسية .

وهكذا بدأت حركة الإخوان المسلمين تواصل الاعداد لحركتها وتنظيمها بشكل دقيق استفادة من تجارب الآخرين واقتداء بسنة رسول الله صلى ا لله عليه وسلم .. ولقد كنت من أوائل الإخوة الذين عملوا فى هذا المكتب ومكتب الارشاد ..

وقد حرص الأستاذ البنا على إنشاء الشعب الإخوانية فى كل مدينة وقرية وكان يحل بهذه الشعب فى رحلاته ويخطب فى مسجد أو فى دار من دور أعيان المنطقة ويلتقى فيها بالناس الذين لديهم ميول نحو نصرة دينهم بالأستاذ البنا يكونون شعبة من عدة أعضاء يرأسها أحدهم ولها سكرتير وأمين صندوق ومجلس إدارة فكانت هذه الشعب متناثرة فى ارجاء القطر المصرى وطبعا لم تكون هذه الشعب مرة واحدة ولكنها أخذت تزداد عاما بعد عام حتى بلغت حوالى ألف شعبة .. أما ما قاله البعض عن رحلة الخمسة آلاف قرية التى قام بها الشهيد الامام ففيها شىء من المبالغة ..

كانت الشعب إذا اتسعت فى منطقة تكون هيئة منها للمنطقة ذاتها تضم الشعب فيها فإذا اتسعت الجهود كان ينشأ فى تلك المنطقة ما يسمى بالمكتب الادارى لتلك المنطقة فكانت الاسكندرية مثلا لها مكتب إدارى والدقهلية وكل محافظة تنشط فى عملها نشاطا ملحوظا وتضم أعدادا وفيرة من الشعب كان ينشأ فيها مكتب إدارى ليجمع شمل هذه الشعب كلها تحت إدارته وهو الذى يتولى إدارتها وتنظيمها نيابة عن المركز العام وعن مكتب الارشاد ولأنه قطعا كان المركز العام فى القاهرة لا يستطيع بمفرده أن يلم بأحوال الإخوان فى كل أنحاء القطر فكان فى كل محافظة مكتب إدارى لمثل هذه العملية وكان الأستاذ البنا رضوان الله عليه حريصا على إنشاء الشعب وما كان يحرص على أن يتولى رئاسة الشعب شخص شديد التعلق بدعوة الإخوان المسلمين ولكنه كان يتخير الشخص المستقيم الذى له وضعه الاجتماعى فى القرية أو المركز سواء أكان مؤمنا بدعوة الإخوان أو غير مؤمن بها وإنما هو شخص له وضعيته الاجتماعية فى هذه المنطقة ما دام ذا خلق ودين وبهذه الوضعية لهذا الرئيس كانت الشعبة تتسع حينا بعد حين فى ظل حمايته وفى ظل وضعه الاجتماعى والذين ينضمون فى ظل هذه المعانى منهم من كان يشرح الله صدره لتفهم مبادىء الإخوان المسلمين تفهما حقيقيا فيصبح أخا مسلما ومن كان يحب المظاهر والرياسات له ما يشاء فى جماعة الإخوان المسلمين دون غضاضة ولا حرج عليه ما دام حسن السيرة والسلوك .

ردود فعل السراى والإنجليز

فى الوقت الذى وضع الإمام الشهيد حسن البنا أسس الجماعة ونظامها وتشكيلاتها وبدأ فى الانضمام للجماعة العشرات بل الألوف فإن هذا الأمر لم يلفت أنظار عناصر وقوى الضغط والنفوذ وأبرزها الإنجليز والسراى وهكذا نجحت الدعوة ـ وهذا من توفيق الله وذكاء الإمام الشهيد ـ فى تثبيت أقدامها وترسيخها ثم بدأت ردود الفعل التى تفاوتت بين الشدة والهدوء .

ويقول الأستاذ عمر التلمساني " فى بداية الأمر فإن الإنجليز والسراى لم يكونوا منتبهين لأداء حسن البنا وكانوا يظنونه شيخا من مشايخ الطرق الصوفية ولم يقيموا له وزنا أو احتياطا لما كان يهدف اليه فظلت الدعوة تنشر فى المطالبة بعودة المسلمين الى تعاليم دينهم ولما تكشفت ا لحقائق وعلمت السراى والإنجليز أن الإخوان يريدون أن يكون الحكم شورى بين ا لمسلمين ـ كما ورد فى القرآن الكريم ـ شعر الطرفان أن دعوة الإخوان كانت تهدف أصلا الى تحرير الأوطان الإسلامية من الاستعمار والأجانب فأدركوا قوة وخطر الإخوان وأدركوا حقيقة أهداف الإخوان المسلمين.

ولذلك نجد العالم غير المسلم لا يركز على جماعة من الجماعات الإسلامية فى العالم كله إلا على جماعة الإخوان المسلمين يتهمونها بكل التهم التى يمكن أن توجه لأى إنسان .. لماذا ؟ لأنهم يعلمون حقيقة هذه الدعوة وأنها لو نجحت فآثارها خطيرة عليهم لأنهم سيحرمون من هذه الأسواق الواسعة العريضة التى يصرفون فيها منتجاتهم ويستغلونها أسوأ استغلال أما حقيقة ألمر فالإخوان المسلمون ليسوا بجماعة صوفية يقتصر نشاطهم على الذكر وليسوا بجماعة يجلسون فى المساجد ليصلوا فحسب ولكنهم هيئة تعمل لإقامة الإسلام كما جاء ونزل علىا لرسول صلى الله عليه وسلم باعتباره نظاما شاملا ينظم للمسلم كل حركة من حركات حياته فى كل ناحية من هذه الحياة وهذا طبعا لا يرضى أعداء الإسلام فهم لا يريدون للإسلام أن يعود لما كان عليه من أمجاد وعزة ومكانة فى العالم وهم يحاولون باستمرار ضرب هذه الجماعة للأسف الشديد بأيد مسلمة " .

وقفة عند شخصية الإمام الشهيد

وهنا لا بد لنا من وقفة تأمل وتمحيص وإلقاء الأضواء على شخصية الرجل الذى أسس وقاد هذه الحركة على مدى 20 عاما ألقى بتأثيراته وروح أفكاره التى ظلت منارا ومرشدا لأعضائها بعد انتقاله الى جوار ربه مع الصديقين والشهداء وكيف استطاع أن يجمع هذه الجموع المؤلفة على الالتفاف حول مبادىء هذه الدعوة لتجديد شباب الأمة الإسلامية والوطن الإسلامى باعتبار أن ذلك هو الحل الأمثل لمشكلة مصر والعالم العربى والإسلامى وقفز بالجماعة من مجرد جمعية دينية صغيرة فى الاسماعيلية الى الانتشار على خريطة مصر السياسية والفكرية وما زالت تؤثر الى يومنا هذا فى كل الأجيال وفى كل سنى العمر دينيا وفكريا وسياسيا .

ويرى الاستاذ عمر التلمسانى " أن الإخوان المسلمين بدءوا يتبينون أهداف هذه الدعوة ومراميها والى أى شىء تقصد هذه الدعوة فى هدوء وفى بعد عن الشعارات والاعلانات وكان الإمام الشهيد حسن البنا حسن الصلة بكل الناس وكل الاحزاب لا يتشاتم وإذا هوجم لا يرد الهجوم بل كان يترك الاساءات التى توجه اليه تموت من تلقاء نفسها لأنها لا تجد من يؤجج سعيرها فى الرد والأخذ والشد والجذب فسارت الدعوة فى تلك الفترة سيرا غاية فى الغرابه كان الاقبال عليها منقطع النظير ولم يعرف عن جماعة أو جماعات أو حزب من الأحزاب أن ينضم إليه فى فترة من فترات تكوينه مثل ما انضم الى جماعة الإخوان المسلمين فى الثلاثينات .

وفى أواخر الثلاثينات بدأ ت الأهداف تتضح وشعر اصحاب الأغراض بأن هذه الجماعة هى أخطر هيئة نبتت فى هذا ا لعهد لها خطورتها على الاستعمار والاستغلال والقصر والاقطاع والشيوعية فعادوها جميعا وتحالفوا على توجيه الاساءات اليها بمختلف وسائل الاذاعات غير الكريمة وكان من حسن سياسة الإمام الشهيد أن يترك هذه الشائعات دون أن يعنى بها أو يرد عليها حتى أنه لما أخذ الوفد بعد ذلك يهاجم الجماعة فى صحفه تحت عنوان " هذه الجماعة تهوى " ويدخل تحت هذا ا لعنوان أسماء موجودة فعلا أو غير موجودة وأنها تستقيل من جماعة الإخوان المسلمين فما كان من الإمام الشهيد إلا أن أعد عمودا فى جريدة الإخوان المسلمين تحت عنوان " هذه الجماعة تهوى " نفس الحروف مع تغيير التشكيل وكان الذى يدخل تحت هذ ا العنوان لا أكثر من إخوان حقيقيين يرسلون الى مرشدهم بالتأييد وأنهم معه وهما تقول المتقولون أو أشاعوا أو أذاعوا عنه ما شتم .. .. ما هاجم ما رد بإساءة بإساءة ولكن كان حريصا دائما على أن يعلم الناس الخلق الإسلامى الواقعى كان يلقى الاساءة بالعفو والايذاء بالصبر والجهل بالتغاضى عن الجاهلين ولذلك ما كنت تجد له عدوا إلا إنسانا تحترق نفسه أن يرى معلما إلزاميا وابتدائيا يحظى من جماهير مصر بمثل هذاالتقدير والاحترام " .

ويضيف الأستاذ التلمسانى " لقد كان الإمام الشهيد رجلا عاديا جدا لا يمتاز مظهره بما يمثله ويعطيه وضعية بين الناس كان أقرب الى القصر منه الى الطول ولكنه كان ذكيا ـ ما فى ذلك من شك ـ لماحا ومستوعبا لكل قواعد الشريعة الإسلامية عن قراءة ودراسة كان خطيبا مفوها ولو ظل يتحدث الساعات الطوال لما مل الناس من الاستماع اليه حتى أنهم إذا ما انتهى من خطابه يستفيقون كأنهم يستردون عقولهم وقلوبهم التى كانت معلقة بحسن البنا وهو يتحدث من هذه الناحية كان متواضعا بحيث لم تكن تشعر وأنت معه بأنه رئيسك وأنه مرشد الإخوان المسلمين يعاملك كما يتعامل إثنان عاديان بالمرة لا فرق بين كبير وصغير ولكن هذا لا يمنع أننا كنا نحبه حبا شديدا للغاية ولكن ليس بالحب الذى يرفعه فوق مرتبة القداسة أو ما فوق ما هو مرتبة الانسان .

كان فى نظرنا أنه إنسان عادى لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول : " ما أنا إلا بشر مثلكم “ فلا يبقى حسن البنا أحسن من الرسول صلى الله عليه وسلم فالذين يتهمون الإخوان المسلمين بأنهم كانوا يقدسون حسن البنا أو يرتفعون بمكانته الى ما فوق البشر مغرضون وغير صادقين فيما يتهمون الإخوان فى هذه المسألة وكان تأثيرى به شديدا بدون شك ويستطيع أى إنسان أن يتعرف الى شخصية حسن البنا والى أخلاقه من خلال مذكرات الدعوة والداعية “ من خلال رسائل الإمام الشهيد “ والتى تطرح مناهج الإخوان المسلمين وما هى وسائلهم وما هى الأهداف التى يرمون إليها ويكفى ما قاله الأستاذ أحمد بهاء الدين حين كتب فى عموده اليومى بالاهرام عن حسن البنا أنه استطاع أن يؤثر فى لاملايين وهو رجل غير رسمى وغير حكومى “ .

ولكن رحم الله الإمام الشهيد لم يسلم من القاء الاتهامات جزافا من كل اتجاه وميل ففى عام 1930 قدمت العديد من الشكاوى حول الحركة ونواياها تجاه وزارة صدقى باشا وزعمت الاتهامات بأن الإمام الشهيد كان : شيوعيا يستخدم الأموال الشيوعية فى القيام بنشاطه وأنه كان وفديا يعمل ضد صدقى وجمهوريا يعمل ضد الملك فؤاد ومجرما انتهك شروط الوظيفة التى تحظر جمع الأموال واستخدامها لأغراض غير قانونية وقد تم التحقيق مع الإمام الشهيد وانتهى التحقيق بتبرئة ساحته من جميع التهم .

ويقول الاستاذ عمر التلمساني “ الحقيقة أن هذه الاتهامات المتضاربة المتعارضة المتنافرة تثبت قطعا براءة الأستاذ البنا والإخوان المسلمين مما نسب اليهم لأن الانسان لا يمكن أن يكون ملكيا وجمهوريا ولا رأسماليا وشيوعيا ولا إقطاعيا ولا يمكن أن يجمع إنسان بين هذه الصفات المتعارضة بأية صورة من الصور فهذه الاتهامات دليل قاطع على أن الإخوان كانوا يسيرون علىا لحق وما كانوا فى أى صورة من هذه الصور التى تنسب اليهم ..

اسماعيل صدقى عندما ذهب لمفاوضات صدقى ببفن عام 1946 حاول أن يكتسب صداقة الإخوان المسلمين فأرسل صهره الأستاذ ابراهيم رشيد للشهيد البنا فى المركز العام ودارت مفاوضات بين الاخوان وإسماعيل صدقى على أن يؤيدوه فى موقفه فى هذه ا لمفاوضات فكان الشرط الأول والأخير هو مطالبة اسماعيل صدقى ألا يفرط وأراد أن يرتكز على شعبية الإخوان المسلمين فيعطيهم وعدا بأن يطبق شرع الله فى هذا البلد فلما تجلت الحقائق وكانت المفاوضات ليست بالمعنى الذى يصبواليه الإخوان المسلمون وظهر أن اسماعيل صدقى ليس حريصا على تطبيق الشريعة الإسلامية انتهى الأمر عند هذا الحد .”

أما المقولة الثانية والتى يدفع بها الكاتب صلاح عيسى فى مقدمته لكتاب ميتشيل : “ يتمثل ذكاء حسن البنا وقدرته الفذه على عدم الدخول فى صدام مباشر قبل أن يستعد له فى نقطتين جوهريتين :

  • أنه رفض إبان الحرب عرضا بانقلاب يقوم به مشتركا مع حزب مصر الفتاة بزعامة أحمد حسين ويستند على اعداد نحدودة من اتجاهين فى كل قرية ومدينة مصرية يقومون فى وقت واحد بالاستيلاء على السلطة المدنية والعسكرية فى هذه القرية أو المدينة بينما تتجه مجموعة للإستلاء على العاصمة بنفس الطريقة وقد ناقش الأمر مع أحمد حسين بشكل منطقى وانتهى منه الى أن الخطة غير عملية وأنه لا يستطيع أن يحارب أنجلترا ولها جيوش جرارة فى مصر ببنادق قديمة أو بقنابل من مخلفات الحرب العالمية الأولى ( رواية أحمد حسين الدكتور خالد ـ مطبعة مصر 1960 )
  • أنه رفض أن يصوغ برنامجا تفصيليا قبل الآوان وقد ذكر أحد أقطاب الإخوان فيما بعد أنه ناقشه فى هذا الأمر فكان من رأية أن محاولة صياغة رأى الإخوان فى القضايا التفصيلية وكيفية تطبيق الشريعة الإسلامية على حياة المجتمع المعاصر هى محاولة ضررها أكثر من نفعها فإذا كانت صياغة مثل هذه قادرة على مواجهة ا لخصوم السياسيين الذين أخذوا على الإخوان دائما أنهم يطرحون شعارات عامة ولا يقدمون حلولا تفصيلية للمشاكل فإنها تفتح الباب فى نفس الوقت لشقاق كبير بين المسلمين أنفسهم لتعدد المذاهب والاجتهادات وأن أوان معارك مثل هذه لم يؤن بعد ( شهادة هنداوى دوير أمام محكمة الشعب عام 1954 ) ..

بهذا الذكاء فى رسم التحالفات السياسية عاش حسن البنا وبه انتشر الإخوان المسلمون وبسببه تعرضوا لأول صدماتهم الدموية مع الحكم المصرى قبل الثورة “ .

ويرد الأستاذ التلمسانى على هذه المقولة قائلا : “ الواقع أن كل هذه الأقوال مغرضة وكتناقضة ولا تقوم على أساس من الصحة بدليل .. أن الأستاذ البنا له رسائل جمعت فى مجلدات باسم “ رسائل الإمام الشهيد “ والذى يقرأ هذه الرسائل قراءة عميقة متفحصة يعرف تماما ما هو منهاج الإخوان المسلمين وما هى رسائلهم وما هى الأهداف التى يرمون اليها .

أما أنه كان يتصل بمصر الفتاة وغير مصر الفتاة لأجل انقلاب فيكفى أن يرجع الإنسان المنصف الى رسالة المؤتمر الخامس حيث يقول فيها الإمام الشهيد : أنا لا أدعو الى العنف لأن الرأى العام يجب أن يكون مقتنعا تمام الاقتناع بالفكرة التى يوجه اليها .

أما أننى أقسم الشعب قسمين : قسم الى جانب الحكومة وقسم الى جانب فكرته ويتصارع القسمان فليس فى ذلك مصلحة إلا لأعداء هذه الأمة “ .. الذين يتهمون البنا بأنه لم يضع برنامجا أو منهاجا مفصلا غير صادقين .. فليرجعوا الى رسائل الإمام الشهيد ليجدوا أنه وضع برنامجا للتربية وبرنامجا للحب وبرنامجا للإقتصاد والاجتماع لم يترك شيئا لم يضع له برنامجا ..

صحيح أنه لم يضع برنامجا تفصيليا إنما وضع قواعد البرنامج نفسها وترك لمن يريد أن يتوسع أن يفصل هذه القواعد مقتديا فى هذا بكتاب الله سبحانه وتعالى حيث انزل الله جل وعلا القواعد العامة وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ببعض التفسيرات ثم قام فقهاء الإسلام بشرح القرآن وتفسير ا لأحاديث ..

إنهم غير صادقين فى هذا وليس لهم من غرض سوى تشويه سمعة الأستاذ البنا وتشويه سمعة الإخوان ولو كنا تركنا ألستنا تنطلق فى النيل من الناس وفى ذكر عيوبهم وأخطائهم لقلنا فى هؤلاء الناس ما نعرفه عنهم وهو حقيقة واقعة إنما نحن لا نتحدث عن الناس بسوء .. نحن نرفع عن أنفسنا هذه الاتهامات الكاذبة التى توجه إلينا فى كل مكان “ .

ويضيف الأستاذ عمر : “ ما أساء الأستاذ البنا لأحد وما دعا الى القطيعة أو الشحناء وما كان من خلقه ذلك بأية صورة من الصور ولقد ازدهرت الدعوة فى تلك الأيام وبدأنا نفكر فى النواحى الاقتصادية فأنشئت شركة المعاملات الإسلامية فى غرفة لوكاندة البرلمان فى العتبة الخضراء وكان كل ما فيها لا يزيد عن عشرين جنيها صابون سكر حلاوة طحينية ثم اتسع العمل وأصبحت شركة المعاملات تعمل فى الألوف من الجنيهات ولولا أن الحكومات المتعاقبة صادرت أموال الإخوان مرة بعد مرة وجمدت أموالهم لكانت هذه الشركة من أكبر الشركات الاقتصادية فى مصر وفى الشرق كله فى تلك الفترة أيضا .

كما ابتدأت العناية بإنشاء المدارس الابتدائية التى تتبع فى نظمها وبرامجها برامج وزارة المعارف ويزيد عليها مواد التربية الإسلامية ومدرس اللغة العربية إذا دخل يدرس فلا يكتفى بذكر علامات النصب والرفع والخفض ولكنه كان يضيف ويدرس معانى تربوية إسلامية تلفت نظر الصغار الى حقيقة هذا الدين ومدى ارتباط كل تصرفات الحياة الانسانية بهذه العقيدة ومرت الثلاثينيات فى هدوء تقريبا لم يعكر صفوها مصادرات ولا مصادمات ولا حل وإنما الإقبال يزداد ويزداد وينتشر ولما رأى الوفد أن الآلاف من مؤيديه يتسربون من صفوفه الى جماعة الإخوان فأحسن الصلة بهم فترة وأرسل بعض زعمائه منهم من هو على قيد الحياة ومنهم من انتقل الى رحمة الله وأقيم لهم حفل طيب فى دار الإخوان المسلمين وحضروا بالدار وخطبوا فيها وزكوا دعوة الإخوان المسلمين وأثنوا عليها ولكن السياسة غير ذلك فلما رأوا أن الأمر كاد أن يفلت من أيديهم قلبوا ظهر المجن وبدأت المصادمات العنيفة تتوالى من جانب الإنجليز والقصر والاقطاع والشيوعيين وحدث من الأحداث ما هو معروف فى الصحف والجرائد والمجلات ممن عاصروا ذلك العهد أو ممن قرءوا ما كتب فى ذلك العهد أو ممن قرءوا ما كتب عنها بعد أن بلغوا السن التى تسمح لهم بالقراءة والاطلاع على التاريخ فى ذلك الوقت “ .

ثم يطرح الكاتب اليسارى صلاح عيسى مقولة أخرى يقول فيها: “ فبينما كان الأعضاء الجماهيريون ـ بالجهاز العام ـ ينضمون للإخوان فى أغلب الأحيان استجابة لمشاعرهم الدينية الفطرية التى لم يبذلوا جهدا فى تعميقها أو تنظيرها وسعيا وراء كسب مثوبة الدعوة للخير والفضيلة ومقاومة الرذائل فى النفس الانسانية الى الدرجة التى يعتبرها بعضهم أصلا حركة سياسية تجمع بين عضويتها وبين عضوية أحزاب أخرى كالوفد المصرى مثلا .. “

ويقول الأستاذ التلمساني ردا على هذه المقولة “ هذا غير صحيح .. المسألة أن واحدا مثل الأستاذ محمد عبد الرحمن نصير ـ رحمه الله ـ كان عضوا فى حزب الأحرار الدستوريين وكان يأخذ بمبادىء الإخوان المسلمين فلم يكن هناك تناقض أبدا لأن أسلوبه وكلامه فى المجلس وفى المجتمعات خاص بدعوة الإخوان المسلمين إنما الصفة الحزبية التى عرف بها فى بادىء الأمر أنه كان “ أحرار دستوريين “ وأنا نفسى كنت فى الهيئة أو اللجنة المركزية لحزب الوفد فى القليوبية ولكن بعد أن تبينت لى فكرة الإخوان وأهدافهم ومناهجهم واقنعت بها تماما كنت لا أعمل إلا من أجل الإخوان المسلمين رغم أن لى صفة أنى عضو فى لجنة الوفد فمع ذلك لم يكن هناك جمع بين صفتين بصورة عملية .. لقد كنت عضوا فى لجنة الوفد وعضوا فى الإخوان المسلمين ومحمد عبد الرحمن نصير كان عضوا فى الاحرار الدستوريين والإخوان ولكن هناك حقيقة لا بد أن تقرر وهى : أننا إخوان مسلمون قبل كل شىء .. “ .

ونتابع المقولات وبشكل أدق “ التقولات “ التى قيلت وتقولت فى حق الإخوان المسلمين وقال الكاتب الأمريكى ريتشارد ميتشل فى كتابه “ الإخوان المسلمون “ فى معرض حديثه عن الخلاف الذى ثار حول اختيار من يخلف الإمام الشهيد فى الاسماعيلية بعد أن قرر الانتقال للقاهرة وانشق البعض على اختيار الممثل المنتخب وطعنوا بعدم كفاءته فى الأمور الإدارية ولكن الإمام الشهيد أعلن وبموافقة دائنى الجماعة على تحمله شخصيا مبلغ القروض المقدمة للجماعة بأسرها وعندما أعلن ذلك قدمت ا لتبرعات الخاصة لتمكينه من سداد الديون بالكامل .

قال ميتشل : ثم قدم المنشقون وكان من بينهم أمين صندوق الجماعة بلاغا رسميا ضد البنا متهمين إياه بإساءة استخدام أموال الجماعة وذلك بتوزيعها على الشعب الجديدة ومن بينها الشعبة التى يرأسها شقيقه فى القاهرة وقد أصدر النائب قرارا ببراءة البنا من التهمة التى أعترف المدعى بأن الأعضاء أنفسهم يؤيدون تصرف البنا .. واقتنع البنا أن هؤلاء الرجال قد فقدوا إدراكهم لطبيعة الجماعة وإيمانهم بطاعة القيادة وبأن من الواجب فصلهم إلا أنهم استقالوا قبل أن يقدم على اتخاذ هذا الاجراء ليشنوا حملة من الشائعات حول خطورة الجماعة وعملها السرى وليشددوا بالذات على وقوفها ضد “ حرية الرأى “ .. وذلك هو الخلاف الوحيد فى حياة الجماعة .. فى عهد البنا ـ الذى توجد له رواية رسمية بهذا الشمول .. ويرد الأستاذ التلمسانى على هذه المقولة قائلا : “ لا لم يكن هذا هو الخلاف الوحيد كما يقول ميتشل ففى عهد الإمام الشهيد حصلت خلافات كثيرة منها استقالة الأخ أحمد السكرى وكان وكيلا للجماعة ثانيا انشق فريق من الإخوان وكونوا ما يسمى بجماعة “ شباب محمد “ كما انشق فريق آخر وكون جماعة “ الشباب المسلم “ ..

هذه الخلافات أمر طبيعى فى أية جماعة من الجماعات وفى أى هيئة من الهيئات لا يمكن أن يجتمع رأى الآلاف من الناس فهو يعتقد أنه فى مجال المساواة فى فهم حسن البنا لدعوة الإخوان المسلمين ويريد أن يتجه بهم اتجاها غير الذى أنشئت من أجله جماعة الإخوان المسلمين كانت هناك خلافات وانشقاقات ولكنها كانت مسألة عادية للغاية ولو أن حسن البنا كان يستغل ـ كما ردد البعض ـ أموال الإخوان لظهرت عليه أعراض الثراء لقد كان يكتفى بمرتبه ما بين 10 جنيهات وهذا الذى كان ينفقه على نفسه وأهل بيته وكان كل الاشتراكات التى تأتى للإخوان المسلمين تودع ـ كما هو معروف فى موضعها عند أمين الخزانة وتطلع عليها اللجنة المالية ويحاسب عليها قرشا بقرش وما كانت الاشتراكات ذات قيمة حتى يقال : ان الشهيد البنا كان يستغلها أو يستعملها ونفس الوفد انشق وحدث فيه تشكيل “ الكتلة “ والدستوريين كانوا جزءا من الوفد وأصبحوا “ أحرارا دستوريين “ وانشق أيضا فى الوفد السعديون كل الهيئات لم يكن يمكن أن تتفق آراؤها مائة فى المائة مع بعضها البعض .

أما الأخطاء والانقسامات التى يبالغ فيها البعض ممن لهم غرض فى ذلك فأقول : لا .. الجماعة كانت مدرسة يتربى فيها الشباب والشباب تتفاوت مراتب ذكائه وفهمه وعلمه بعض الشباب يكون على شىء من الإحاطة بالعلوم العامة والبعض الآخر يكون عنده قدرة على الخطابة والكلام ..

مثل هذا ا لشباب يحظى بمكانة فى صفوف الشباب ويقدرونه ويعطونه منزلة خاصة وأحيانا يتسرب الغرور فى نفس هذا الشخص الذى أخذ موضعا معينا فى صفوف الإخوان حتى أنهم يعرفون فى الاحتفالات على أن فلانا لا بد أن يتكلم من موقع حبهم وتقديرهم له فالغرور يعمل أثره فى نفوس هذا الشباب فيبدأ فى التفكير فى مسائل لا تتمشى مع الأسلوب الذى لعبه الأستاذ البنا والهدف الذى يتبعه الأستاذ البنا والهدف الذى يرمى اليه فيبدأ فى الكلام وإثارة أقوال ضد الفكرة وإثارة أخطاء ضد الأستاذ البنا فينتهى الأمر أن الإخوان ـ بعد أن كان له مكانة عندهم ـ ينصرفون عنه ويعتزل الإخوان ويبعد عنهم .. كما حصل بعدد من الناس الذين أنشقوا من الإخوان وكانت كل معرفة الناس لهم عن طريق الإخوان المسلمين " ..

ولقد كان من أهم دعائم تقوية الروابط بين الإخوان وتشكيلاتهم المختلفة المؤتمرات التى عقدت خلال الثلاثينات والتى أثرت الفكر الحركى والتنظيمى للجماعة وساهمت فى وضع الأطر التى حددت مسار الحركة وتقييم نشاط الحركة واندفاعهخا الى آفاق أرحب وأشمل لنشاطات الجماعة ومدارسة لأحوال الجماعة وإعداد العدة للمستقبل .. هذه كانت الفكرة الأصيلة والمبدئية لمؤتمرات الجماعة وقد عقد المؤتمر الأول للإخوان وأطلق عليه اجتماع مجلس الشورى العام ( وحضره نواب فروع الإخوان المسلمين بالقطر المصرى بمدينة الاسماعيلية يوم 22 صفر سنة 1352 هـ ( 1936 ).

وكان للإخوان المسلمين فى ذلك الوقت 15 شعبة بالقطر المصرى وكانت أهم توصيات المؤتمر الأول للإخوان توصية بتشكيل مكتب الارشاد العام من عشرة أعضاء وعقد المؤتمر الثانى فى بورسعيد وكانت أهم توصياته تكوين شركة صغيرة لأنشاء مطبعة للإخوان المسلمين وعقد المؤتمر الثالث فى عطلة عيد الأضحى عام 1353 هـ وأصدر هذا المؤتمر توصيات هامة حول بعض التغييرات فى مكتب الارشاد ومواصلة الاكتتاب لتغطية حصص الشركة المساهمة الخاصة بالمطبعة وتنشيط جريدة الإخوان المسلمين وإنشاء صندوق الدعوة للإنفاق على نشر الدعوة وتعيين الوعاظ والموظفين للقيام بأعباء الدعوة وتحديد منهاج الإخوان المسلمين وتحديد مواقف الإخوان من غيرهم من الهيئات وتحديد درجات ومراتب العضو داخل الجماعة وهى الأخ المساعد الأخ المنتسب الأخ العامل الأخ المجاهد كما حدد المؤتمر الهيئات الادارية للإخوان المسلمين وهى : المرشد العام ـ مكتب الارشاد ،ـ مجلس الشورى العام ـ نواب المناطق والأقسام ـ نواب الفروع ـ مجالس الشورى المركزية ـ مؤتمرات المناطق ـ مندوبو المكتب ـ فرق الرحلات ـ فرق الاخوات .

كما وضعت لائحة الزكاة والحج وتحديد الخطوط المالية للجماعة ـ ثم جاء المؤتمر الرابع عام (1356 هـ ) وبدأ من خلال موكب مهيب للإخوان بلغ أكثر من 200ألف فى أكبر حشد شهدته مصر فى تاريخهاالحديث يهتفون * ( الله أكبر ولله الحمد ) الإسلام منقذ الانسانية ، القرآن الكريم دستور الدنيا ـ ومن يتبع غير القرآن قانونا فقد ضل ـ نبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وكان هذا الموكب احتفالا بحضور الملك فاروق وتسلمه مهام العرش وقد ثارت شبهات حول هذه النقطة سنرد عليها فى حينها ثم جاء المؤتمر الدورى الخامس عام 1357 هـ حيث أوصى بتشكيل لجان دستورية وقانونية وعلمية وفنية ومطالبة الحكومة المصرية بسن تشريعات لحماية الأخلاق والعقائد ورفع هذه القرارات للملك فاروق والجهات المختصة ونشرت قراراته بصحف الجماعة وخاصة " النذير " لسان حال الجماعة وكان المؤتمر الخامس من أهم مؤتمرات الدعوة حيث طرح الإخوان من خلال " النذير " وعلى لسان مؤسس الجماعة الإمام ا لشهيد حسن البنا كلمة جامعة لدعوة الإخوان : تاريخها وأهدافها ومواقفها من الهيئات والأشخاص والحوادث وهكذا ساهمت المؤتمرات العامة للجماعة والتى تلتها وجاء فيما بين مواعيد انعقادها المؤتمرات الاقليمية للجماعة فى رسم الخطوط العريضة لحركة الجماعة وأهدافها ومواقعها داخليا وخارج إطار الجماعة فى مواجهة المواقف والأحداث المختلفة والمتعاقبة وأبرزت دور ونشاط الحركة علىالساحة الجماهيرية والسياسية .

ويقول الاستاذ عمر التلمساني : المؤتمرات عادة معروفة الاهداف فكل هيئة أو جماعة أو حزب يستعرض بين حين وآخر المهام التى قام بها والوعود التى تحققت والمدى الذى وصل اليه انتشاره وشرح برامجه التى تنضح فترة بعد أخرى فكان كل مؤتمر يعقد فى القاهرة يغشاه الإخوان وكذلك كان يحضره كثير من الهيئات الأخرى وما كانت هذه المؤتمرات قاصرة على الإخوان فقط ولكن كثيرا من أعضاء الأحزاب الأخرى الذين كان يدفعهم حب الاستطلاع لحضور هذه المؤتمرات ليعرفوا ما يدور داخلها وكانوا يستقبلون من جانب الإخوان بالترحاب والتقدير وكان الإمام الشهيد حسن البنا يتولى الخطابة فى غالب هذه المؤتمرات وحده ليشرح بدء قيام جماعة الاخوان المسلمين والتطورات التى لا زمت هذه الجماعة من وقت قيامها الى وقت انعقاد المؤتمر ويشرح لهم البرامج وما تحقق منها وما لم يتحقق ويعرض عليهم آمال المستقبل وما ينتوى أن يفعله الإخوان المسلمون ..

وفكرة المؤتمرات قد أصبحت مؤتمرا للأمن الغذائى ومؤتمرا اقتصاديا وغيرها من المؤتمرات كل هذه المعانى فى هذه المؤتمرات اقتبست من جماعة الإخوان المسلمين يوم أن كانوا يعقدون هذه المؤتمرات لمدارسة أحوالهم واسترجاع تاريخهم وما يعدونه للمستقبل وحتى ذلك الحين لم تكن بعد المؤتمرات فى الدول الأجنبية أخذت وضعها الصحيح الذى هى عليه الآن فكان الإخوان المسلمون أسبق من غيرهم فى إقامة تلك المؤتمرات ولقد كانت هذه المؤتمرات ضرورة من ضرورات نشر الدعوة وفى العصر الحديث الذى نعيشه نرى أن بعض الدول ذات الاتجاهات المعروفة تعقد مثل هذه المؤتمرات بين فترة وأخرى ويجتمع فيها الذين يؤمنون بمبدأ تلك الدولة من مشارق الأرض ومغاربها يتدارسون شئون مبدئهم ومدى انتشاره والمعوقات والأمور التى تساهم فى انتشار الفكرة وكانت ضرورة للإخوان ليتبين للناس حينا بعد حين مدى توفيق الجماعة فى خطواتها وما هى المعوقات التى وقفت فى طريق انتشارها .

وإذا تتبع الانسان هذه المؤتمرات مؤتمرا بعد مؤتمر لتبين له الخطوات التى خطاها الإخوان المسلمون وما وصلوا اليه فى المؤتمر الذى يعقد وتنشر وقائع وتوصيات المؤتمر فى مجلات الإخوان المسلمين " والمباحث و" النذير وغيرها " .

ثم جاء المؤتمر السادس وهو آخر المؤتمرات العامة للدعوة وأقيم بدار المركز العام بالحلمية الجديدة فى 9 يناير سنة 1941 وحضره عدد كبير من الإخوان فى القاهرة والأقاليم وقد طرق الأستاذ البنا موضوعين جديدين هما : الشركات الاجنبية فى مصر وكانت حوالى 230 شركة تقريبا ونبه " الإخوان المسلمون " لخطورة وجود هذه الشركات وسيطرتها على اقتصاد البلاد وامتصاصها لخيرات مصر أما الموضوع الثانى فكان عن الملك فاروق الذى كان محطا لآمال الشعب بعد توليه العرش وذكر المحاولات التى تبذل لإيغار صدر الملك فاروق على الإخوان ونفى أن الإخوان أعداء للملك .. وهكذا كان المؤتمر السادس خاتمة هذه ا لمؤتمرات واستغنى عن أسلوب المؤتمرات بنظام الهيئة التأسيسية والمكاتب الادارية وتسلسل القيادة .

ثم أضيفت دعامة جديدة للحركة وهى خطوة إنشاء فرق الكشافة أو الجوالة وهى التى ضمت شباب الدعوة الإسلامية ويثير الكاتب صلاح عيسى شبهة حول هذه الفرق قائلا : " وفى استعراضه لملامح المساندة التى قدمتها أحزاب الأقليات السياسية الى الإخوان المسلمين فى حربهم للوفد وضد أحمد حسين أن حكومة السعديين قد سمحت للإخوان بإنشاء " الجوالة " التى كانت تشكيلا شبه عسكرى برغم أن القانون المصرى كان يحرم قيام تشكيلات من هذاا لنوع فقد تضخمت جوالة الإخوان المسلمين حتى وصلت الى عشرين ألفا كان باستطاعة الإخوان تعبئتهم فى أى مكان شاءت .. " .

ويرد الأستاذ التلمسانى على هذه المقولة قائلا : " هذاالكلام مسموم ومغرض لأن الكشافة نظام معروف فى العالم كله وفى مصر نفسها وقبل أن تنشىء جماعة الإخوان المسلمين نظام الجوالة كانت توجد فى مصر كشافة ومنشآت جوالة وكانت منتشرة فى المدارس الثانوية فأنشىء نظام الجوالة خلال الثلاثينات فى ظل الظروف ولم يسمح به أحد ولم يمن به أحد على الإخوان المسلمين لأن بعض الجمعيات الأخرى كالشبان المسلمين وغيرهم كانت لهم كشافة فنظام الكشافة ليس بنظام عجيب ولا هو بنظام ممنوح للإخوان المسلمين بصفة استثنائية ولكنه كان نظاما معروفا وليس كما يقول صلاح عيسى أو د. عبد العظيم رمضان ومن نحا نحوه ووضع السم بين ثنايا السطور التى كتبها فى مؤلفاته ليشوهوا مظاهر الإخوان المسلمين .

حقا إن جوالة الإخوان المسلمين كانت تمتاز على الجوالات الأخرى فى القطر المصرى بعدة ميزات : كانت جوالة نظيفة من حيث الأخلاق وكانت جوالة تؤدى الواجبات الدينية فى حرص حتى أنه عندما بدىء فى تنظيم الجوالة قام خلاف فقهى شديد بين أعضاء الجماعة الإخوان المسلمين فيما يختص بلبس الجوالة القصير الذى يعلو الركبة فكان كثير من الإخوان يعارضون فى هذه الملابس والبعض الآخر يؤيدونها وانتهى الأمر بالاتفاق بينهم على أن هذا الأمر ليس بمستنكر فى شرع الله سبحانه وتعالى وأن كشف الرجل لما فوق الركبة ليس فيه ما يخالف الشريعة الإسلامية وكانت الجوالة لها مظهرها المحترم الرهيب وأراد الأستاذ البنا أن يشعر الملك فاروق بقوة الجماعة كما أراد أن يفهمه من طريق خفى أن عليه أن ينصرف عن المنكرات التى يرتكبها والاستهتارات التى يقوم بها وأن فى مصر شبابا مستعدا لحماية هذا ا لدين حماية فعلية ففى أعقاب عودته من الخارج عام 1937 استقبلته جوالة الإخوان المسلمين استقبالا رائعا أدهشه هو نفسه وما كان الاستقبال احتراما للملك أو ترحيبا به وإنما كانت الفكرة من وراء هذا الاستقبال أن يبشعر الملك وعن رؤية واقعة بمدى قوة هذه الجماعة وأنها تستطيع ان تفعل الكثير ..

وليست كما يقول ريتشارد ميتشل * إنها لعبت خلال الاحتفال باعتلاء فاروق العرش أول أدوارها الهامة كقوى " للنظام والأمن " ـ وحقيقة لو أراد الأستاذ البنا كما يشيع المغرضون أن يحدث حدثا لفعل ولكنه كما هو مكتوب فى رسائله أنه لا يلجأ الى العنف ولا الى الثورات وأنه يريد أن يربى الشعب تربية إسلامية حتى يتم وعى الشعب الكامل عن طريق الشعب نفسه لأنه إذا كان الشباب الذى يتخرج من الجامعة كله أو غالبيته يدين بمبادىء الإخوان المسلمين فهم الرجال الذين سيتولون شئون هذا ا لبلد ومختلف المؤسسات من قضاء الى طب الى وزارات وغيرها فما دام الإخوان أو جيل مصرى قد تربى تربية إسلامية سيتم التغيير بأسهل وسيلة ومن غير عنف أو صراع وهذه كانت الفكرة السائدة فى ذهن الأستاذ البنا وهو ما دعا يوما الى عنف أو تحريض .. " ..

وكانت أيضا دعامة قوية وهامة لنشاط جماعة الاخوان وهى "حديث الثلاثاء " وهو الحديث الذى ظل الإمام الشهيد حسن البنا حريصا على إلقائه من أول يوم عرفت فيه دار الإخوان سنة 1936 * ولعدة مرات انتقلت دار الإخوان لعدة أماكن ومع انتقالاتها كان يكثر عدد حضور هذا الحديث أو الدرس وتحول حديث الثلاثاء لمؤتمر أسبوعى لبحث قضاياالساعة يمثل فيه شعب الإخوان وعدد كبير من أبناء الشعب وطغى حديث الثلاثاء على شعبية غيره من صور اللقاء سواء فى صورة احتفالات أو مؤتمرات وجذب اليه الكثير من الشباب والرجال ولم يجتمع أبناء الشعب حول فرد أو سلطة مثلما اجتمعوا حول آراء وأفكار وبلاغه وعطاء الشهيد الإمام حسن البنا ولقد تحول حديث الثلاثاء الى منبر وطنى وعقيدى وساحة للفكر الإسلامى ومركز للإشعاع والاستناره وكل من عاصر هذه الفترة يعرف ما كان يمثله هذا اللقاء الأسبوعى لدرجة كانت تضيق معه الشوارع المحيطة بالمركز بمن فيها من الناس الذين تجمعوا لسماع الأستاذ البنا وضاقت معها صدور عناصر النفوذ من الإنجليز والسراى والأحزاب لقدرة الإمام الشهيد على أن يجمع كل أبناء الشعب وطوائفه حوله ..

وهكذا كانت فترة الثلاثينات من أزهى عصور الدعوة التى حملت لواءها جماعة الإخوان المسلمين حيث استطاعت تكوين أرضية جماهيرية واسعة ومترامية عبر أقاليم ومديريات القطر المصرى بدءا بمدينة الاسماعيلية وانطلاقا من القاهرة لتشكيل الشعب الإخوانية التى وصلت الى حوالى الفى شعبة فى مدن ومراكز وقرى ونجوع وكفور القطر وانتشارا من خلال البعد الاعلامى وأثره والذى أدركه وفهم أبعاده الإمام الشهيد فكانت مجلات وجرائد الإخوان المتعددة كما استطاع الإمام الشهيد أن يضع النظام الفكرى والحركى والتنظيمى للحركة بالمساهمة مع أفكار أعضاء الإخوان على كافة مستوياتهم التنظيمية ولم تقبع الحركة داخل الحجرات المقفلة أو داخل دور العبادة وإنما خرجت لتقول كلمتها فى المواقف والأمور والأحداث التى تحدث داخل وخارج القطر ا لمصرى فكانت جهود الإخوان فى مقاومة موجات التبشير ودورهم فى مساندة القضية الفلسطينية عام 1936 والوقوف الى جانب الفلسطينيين فى نضالهم ضد المؤامرة الإنجليزية ـ اليهودية فى انتزاع حقوق الفلسطينيين فى ا لوجود والحياة فوق ارضهم ثم كان ذلك الحشد الضخم عند مقدم الملك فاروق لاعتلاء العرش واتجاه الإخوان لتنمية البعد الاقتصادى بإنشاء شركة المعاملات الإسلامية للإخوان المسلمين .

ولكن يبقى هناك سؤال على بساط البحث حول تقييم الحركة لنشاطها خلال الثلاثينات انطلاقا لتطور حركتها يقول الأستاذ التلمسانى : " الإخوان المسلمون كانوا يتبعون ولا يزالون فى تحركاتهم الأسلوب الذى يتبعه الرسول صلى الله عليه وسلم ـ فهم لايدعون الى عنف أو صدام وهم يعلمون تمام العلم أن نتيجة الصدام بين المواطنين وبين الحكومة وقيادة الجيش فيه خسارة على الوطن ومصلحة لأعداء هذا الوطن وهم حريصون على خدمة وطنهم وعلى ألا يستفيد أعداء الإسلام والوضع الطبيعى الذى أسفر عنهالتاريخ منذ وجود سيدنا آدم عليه السلام وحتى اليوم أن كل شىء يولد صغيرا ثم يكبر فإذا كان الإخوان المسلمون قد بدءوا قلة وبدءوا متواضعين ثم اشتد ساعدهم شيئا فشيئا فهذا شأن كل شىء فى هذه الحياة إنما ماذا نفعل للذين يريدونأن يصوروا أو يشوهوا كل تصرف من تصرفات الإخوان المسلمين بأنهم كذا وكذا ..

وحسبنا أننا اتهمنا بأننا شيوعيون ورأسماليون وأنصار القصر والاقطاع ولا يمكن أن يكون الإخوان أنصارا لأى طرف من هذه الأطراف لأن النفور تحقق بين هذه الهيئات وهو نفور لا يدعو الى وئام ولا الى اتفاق أو سلام ..

فكل ما ينسب الى الإخوان المسلمين فى هذه الناحية محض افتراء ولا أساس له من الصحة لأنه يتنافى تمام المنافاه مع مبادىء هذه الدعوة التى تدعو الى روابط الألفة والمحبة من الجماعات أو للإنسان والفرد يولد طفلا لا يستطيع أن يتحرك ثم يجلس لا يستطيع أن يسير ثم يسير متعثرا الى أن تستقر أوضاعه ويصبح شابا يضرب فى نواحى الحياة هكذا حال الجماعات تنشأ صغيرة وتكبر شيئا فشيئا ليس فى هذا غرابة أبدأ .

كما يتحدث عن خطة الشباب وهى من أهم الدعامات التى ارتكزت عليه دعوة الإخوانالمسلمين فيقول الأستاذ التلمسانى : " كل خير فى هذه الدعوة كان وليد تفكير الأستاذ البنا ولكنه رضوان الله عليه إذا فكر فى أمر من الأمور ما كان ينفذه من تلقاء نفسه ولكنه كان يعرضه على مكتب الارشاد ويقول : إن لديه اقتراحا فإذا أقره خرج الى حيز التنفيذ وإن لم يقره يرجأ الى حينه ودعوة الإخوان المسلمين أصلا تقوم على تربية الشباب ولا تقوم على تعليم الشباب ـ وفارق بين التعليم والتربية ـ فالتربية هى ا لتنفيذ الفعلى لتعاليم الإسلام كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى وصف بأنه قرآن متنقل ـ قرآن يسير على قدمين ـ هذا ما كانت تعنى به دعوة الإخوان المسلمين وما يزالون يعنون حتى الآن بفكرة التربية يريدون أن يقيموا شبابا حرا نظيفا طاهرا مؤمنا بدينه وعقيدته كله رجوله وصراحة وشجاعة ووضوح وكانت هذه المسائل تشغل بال الإخوان المسلمين منذ قيامها الىالآن فنحن لا نعنى بالناحية العلمية إلا بلقدر الذى يصحح تعاليم ديننا إنما الذى يهمنا فعلا أن نربى شبابا على كل المعانى التى يعنى بها الإسلام من وفاء ونتمنى أن يكون شبابنا كله فى مصر على هذه الصفات " .

وهكذا ظهر الإخوان المسلمون بشكل فعلى وواقعى على خريطة الحياة السياسية وسرعان ما بدأت المواجهات والصدامات مع القوى الذى خشيت أن يهدد وجودها تلك الشعبية العارمة لجماعة الإخوان بدءا بالاحزاب والإنجليز .. وهكذا جاءت الصدمات بسرعة نحو الجماعة وكان الابتلاء والاختبار ..والمحن .

واشتعلت الحرب العالمية

دقت طبول الحرب ودوى صوت المدافع والبارود فى أجزاء متفرقة من العالم إيذانا باشتعال الحرب العالمية الثانية من سبتمبر عام 1939 بين الحلفاء ودول المحور ومع دق طبول الحرب سقطت وزارة محمد محمود باشا وألف على ماهر باشا الوزارة فى أغسطس عام 1939 وبدأت مع وزارته حرب من نوع آخر حول سؤال مصيرى هل تدخل مصر الحرب مع بريطانيا أم لا تدخل ؟

واستمرت هذه المعركة فترة طويلة انقسمت فيها الأحزاب وتشتت بين مؤيد ومعارض لدخول الحرب مع الإنجليز فكان هناك فريق السعديين وكان يرى دخول مصر الحرب فورا مع انجلترا وفريق الوفد ويرى دخول مصر المشروط باستجابتها للمطالب الوطنية وفريق ثالث وهو الوزارة ورأى عدم دخول مصر الحرب .

وكان للإخوان موقفهم المحدد من تلك القضية والذى حدده الإمام الشهيد حسن البنا حين بعث بمذكرة الى على ماهر باشا رئيس الوزراء بعد اندلاع الحرب بأيام حدد فيها رأى الإخوان فى موقف مصر الدولى قال فيها " يا صاحب الرفعة إن موقف مصر الدولى يجب أن يكون واضحا صريحا ويجب ألا تتورط الحكومة فى شئ لا شأن لها فيه ولا صلة لها به إننا أمة مستقلة تمام الاستقلال بحكم القانون الدولى وبيننا وبين انجلترا معاهدة قبلها من قبلها تحت ضغط ظروف وأحوال خاصة لا على أنها غاية ما ترجوه مصر ولكن على انها خطوة فى سبيل تحقيق الأهداف المصرية السلمية وتنص المادة ( 7) من هذه المعاهدة على أن مساعدات مصر لإنجلترا إنما تكون فى داخل البلاد المصرية ومحصورة فى حدود معينة ..

ولقد ظلت مصر وفية كل الوفاء بهذه التعهدات وعملت فى ذلك أقصى ما يمكن أن يعمل فكل زيادة على هذا لا يمكن أن يقبلها مصرى أيا كان لونه الحزبى أو السياسى وكل زيادة على هذا تفريط وتصنيع لحقوق هذا الوطن وجناية على هذه ا لأمة الناهضة الوفية .

فالإخوان المسلمون وهم الذين يرون فى المعاهدة المصرية ـ الإنجليزية إجحافا كبيرا بحقوق مصر واستقلالها الكامل يريدون من حكومة مصر أن لا تتجاوز هذه ا لحدود المرسومة على ما فيها من اجحاف بأية حال ومهما كانت الدوافع اليه وأن تنتهز كل فرصة للإستفادة من الظروف الحاضرة وتكسير قيود الاحتلال التى تقيد حريتنا واستقلالنا وحقوق نهضتنا فإن اعتدت علينا أية دولة ونحن فى ارضنا فكل شبر من مصر الغالية فداؤه الدماء والأرواح والأموال والأبناء والإخوان المسلمين حينئذ على أتم استعداد لأن يذودوا عن حياض هذاالوطن بكل ما يملكون من نفس ومال وإن الدول الأوربية يا رفعة الرئيس مهما كان لونها لا عهد لها ولا ذمة ومهما تظاهرت بالحياد والمودة فإنها تخفى غير ما تظهر ولا تتردد فى تكذيب نفسها إذا وجدت مصلحتها فى هذا التكذيب فمن واجبنا أن لا ننخدع بحياد محايد بل لا بد من الاستعداد التام بكل معانيه وبكل سرعة وهمة وحتى نواجه الخطر ونحن على تمام الأهبة فلنقف موقف الحياد وسنعمل جاهدين للإستعداد " .

كما تناولت المذكرة رأي الإخوان فى الاصلاح الداخلى وتحديدا دقيقا وشاملا لماهية الإخوان المسلمين ودورهم ودعوتهم .

وهنا نورد مقولة د. عبد العظيم رمضان حيث يقول : كان موقف حزب مصر الفتاة وجماعة الإخوان المسلمين أقل شجاعة من موقف صدقى باشا .. لقد كان موقف الإخوان المسلمين محسوبا بدقة ومشوبا بالحذر الشديد وقد تحاشوا فيه التناقض الضار الذى وقع فيه حزب مصر الفتاة فبينما أوضحوا عدم تأييدهم لمعاهدة 1936 إلا أنهم رأوا أن تعنى مصر بالتزاماتها دون زيادة ثم أيدوا دخول مصر الحرب إذا اعتدى على اراضيها " .

ويقول الأستاذ التلمسانى ردا على المقولة : " للدكتور عبد العظيم رمضان أن يقول ما يشاء فالكلام لا ثمن له ويستطيع أى انسان أن يختلق من الوقائع غير الصحيحة ما يشاء ما دام لا حساب هناك عليه والحقيقة أن موقف الإخوان المسلمين من تلك الحرب كان هو الموقف الواضح الصحيح الذى كان يجب أن يفعله كل مسلم ومواطن يعرف قيمة الوفاء بالمعاهدات الدولية ولقد كان بيننا وبين انجلترا معاهدة وقعت عام 1936 وأقرها ممثلو الشعب فى ذلك الوقت سواء كان انتخابهم صحيحا أو مزيفا أقرها مجلس النواب وأصبحت معاهدة دولية من الواجب الوفاء بها ولم يكن فى قدرة مصر عسكريا أن تتنكر لهذه المعاهدة فى ذلك الحين والإسلام يأمر المسلمين بأن يفوا بالمعاهدات حيث يقول الله سبحانه وتعالى : " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " فكل عقد يعقده المسلم مع غيره مسلما كان أم غير مسلم يجب عليه الوفاء بهذا العقد فالأستاذ البنا أو ممثل الإخوان المسلمين قال : إن بيننا وبين انجلترا معاهدة ويجب أن نعنى بالتزاماتنا تجاه هذه كمعاهدة على ألا نزيد وهذا موقف سليم مائة فى المائة وموقف رجولى وبطولى ولا معاهدة ما كانت تلزمنا بأن نهاجم أعداء انجلترا ولذلك قال الأستاذ البنا : إننا لا ندخل الحرب إلا إذا هوجمت مصر بالذات فإذا لم تهاجم فلا شأن لنا بهذه المسألة ولكننا نفى بتعهداتنا فى هذه المعاهدة فالموقف كان واضحا كل الوضوح لا لبس فيه ولا غموض ولكن البعض يريدون أن يحملوا الألفاظ مالا تحتمله أو يريدون أن يعملوا من " الحبة قبة " ليعرفوا بين الناس أو يعرف الناس أنهم يكتبون فى التاريخ وأنهم يناقشون أقوى جماعات مصر والمثل الذى يقول " خالف تعرف " كان سنتهم فى تلك الكتابات فما كان واحد يكتب ضد الإخوان المسلمين إلا ليعرف فى جنبات مصر والذين يعرفون الأستاذ عبد العظيم رمضان حق المعرفة ـ ولم يكن لى حظ فى التعرف عليه حتى الآن ـ يحدثوننا عنه كثيرا ويقولون عنه : ما يعرفة هو عن نفسه بالذات "

ولا يفتأ د. عبد العظيم إلا أن يلقى بسهم آخر من جعبته المليئة بالمغالطات حول الإخوان المسلمين فيقول * حول اندلاع مظاهرات الى الأمام ياروميل " من جموع الطلبة الأزهريين وأما الإخوان المسلمين فإن نفوذ القصر وعلى ماهر باشا كان يمارس من خلال هذه الجماعة كما يقول " كيرك " وقد أشرنا الى انه كان يعزى اليهم الدور الأول فى إيجاد تيار الدعاية والكراهية ضد بريطانيا فى خريف عام 1941 وذكر أنه حينما طلب الإنجليز من رئيس الحكومة اعتقال البنا لم يلبث أن أطلق سراحه " بضغط القصر " فيما يظهر والذى قيل إنه يمده بمعونة سخية وواضح أن الإنجليز كانوا يهدفون من اعتقال حسن البنا وكبار أعوانه الى تقليم أظافر فاروق وعلى ماهر باشا وحرمانهما من أداة يمارسان من خلالها نشاطهما بين الجماهير الشعبية العريضة ومع ذلك نلاحظ أن حسين سرى باشا لم يتهم الإخوان بأى دور فى تحريك المظاهرات .

ويرد الأستاذ عمر التلمسانى على هذه المغالطات قائلا : " هذا الكلام لا أساس له من الصحة علىالاطلاق وإنما الذى دعاهم الى هذا الكلام أن العداء بين المصريين جميعا وبين الإنجليز كان عداء طبيعيا لأن الإنجليز يحتلون مصر ويستعمرونها ويستغلون مواردها ويستفيدون من قطنها ومنتجاتها فى مصانعهم ويحرمون المصريين من هذا فكان بديهيا وطبيعيا أن يكره المستعمر وجود المستعمر هذه مسألة لا يمكن الجدل فيها سواء كنا " إخوانا مسلمين " أو غير اخوان مسلمين كل الهيئات كانت تتظاهر لأنها تكره الاستعمار وتكره الاحتلال البريطانى هذه المسألة ليست جديدة والحديث فيها حديث ممجوج لأنه إن لم يكن الوضع هو كراهية الشخص المحتل للشخص الذى احتلة لا يبقى إنسانا بالمعنى المعروف ولكنهم يديرون المسائل وفق أهوائهم فكان العداء بين الإخوان المسلمين والإنجليز عداء طبيعيا لدرجة أنهم حين وقعت أحداث القناة فيما بعد كان يقوم بها الإخوان ..

ولا يمكن أن نطالب بأن يحل الألمان محل الإنجليز واحتلال أراضينا ونحن إذا كرهنا أن يحتلنا الإنجليز فالمسألة تنصب على ا لألمان أيضا ونحن نريد حرية كاملة بعيدا عن أى احتلال أو استعمار .. فمظاهرات " الى الأمام ياروميل " لم تكن وليدة حب المصريين لروميل إنما كان واقعا كراهية المصريين للإنجليز فاتفقت كراهية المصريين للإنجليز كمحتلين مع كراهية الألمان للإنجليز كمحاربين فى وجهة نظر واحدة .. وما كان المصريون يفكرون أبدا فى أن تخرج انجلترا لتحل محلها ألمانيا فى احتلالنا وإلا كنا بلهاء وأغبياء والحمد لله لم يستطع واحد من هؤلاء المغرضين أن يتهمنا بأننا كنا دعاة الى ا لأمام ياروميل أو غيرها وكما قلت أكثر من مرة أن تهمة استغلال القصر لنا أو مساعدتنا للقصر تهمه مدحوضة من أساسها لأن الذى قتل حسن البنا هو القصر وعجيب أن يقتل الملك إخوانه وأنصاره كما يدعى هؤلاء .

اعتقال الشهيد الإمام ولقاء الإمام بالإنجليز

اعتقال الشهيد الإمام :

أعادت بريطانيا دراسة حساباتها فى مصر خلال الحرب العالمية الثانية بعد العصيان المسلح الذى قام به رشيد عالى ( الكيلانى ) فى العراق وأحست أن موقف على ماهر باشا الوطنى باعتباره ذا ميول هدامة بعد استقالته وتشكيل حكومة برياسة حسن صبرى باشا فى29/يونيو 1940 وأصدرت الحكومة المصرية قرارا بنقل الإمام الشهيد الى الصعيد ثم سمح له بالعودة للقاهرة ثم ألقى القبض عليه ويلقى صلاح عيسى ظلالا من الشك حول مقابلة حامد جودة سكرتير الحزب السعدى للشهيد الإمام البنا فى معتقل الزيتون حيث قال * " وفى أحد الأيام زار حامد جودة سكرتير الحزب السعدى معتقل الزيتون حيث التقى بالشيخ حسن البنا وقضى معه عدة ساعات واعتذر اليه من اعتقاله ثم ما لبث حسن البنا أن خرج من المعتقل بعدها بقليل .. وعلى الرغم من أن أحدا لم يعرف ماذا دار بين الوزير السعدى والزعيم الإخوانى إلا أن الراصدين للتطورات السياسية فى مصر لا حظوا أنه خلال سنوات الحرب وعندما كان العمل السياسى فى مصر مصادرا بقسوة فإن الإخوان المسلمين الذين كانوا حتى ذلك الوقت مجرد جمعية صغيرة لا تختلف فى وزنها عن مثيلاتها كجمعية الشبان المسلمين والجمعية الشرعية قد توسعت بشكل قاس وانطلق خطباؤهم فى ا لمساجد يهاجمون النازية .. "

ويرد الأستاذ التلمسانى على هذا الادعاء قائلا : " يؤسفنى أن يزل لسانى بكلمة .. إن هذا كلام حشاشين لماذا ؟ لأن الأستاذ حسن البنا لم يكن المعتقل الوحيد فى ذلك الوقت ولكن كان هناك الكثير من المعتقلين من المعروفين بالعمل السياسى فى مصر فليس اعتقال حسن البنا بعجيب على هؤلاء وكون خروج الأستاذ البنا قبل غيره فهذا هو الذى يحدث عادة فى المعتقالات وفى كل تاريخ أن يخرج الناس من المعتقالات أفواجا أفواجا وقد تصادف أن يخرج البنا قبل غيره وبعد غيره ليس فى هذا ما يلفت النظر أو يدعو الى الشكوك والظنون .. .. وكون حامد جودة قابل الشهيد البنا فى المعتقل فمن البديهى أن أنصار الحكم القائم يحاولون الاتصال بمن يتصورون بأنهم معارضون لهم ليحاولوا أن يجتذبوهم الى صفوفهم وكون الإخوان المسلمين انتشروا انتشارا لم يصل اليه غيرهم فهذا ذكاء من الإخوان المسلمين واستغلال الفرص التى يستطيعون من خلالها أن ينشروا دعوتهم .. كلها هذه الآدعاءات عيوب مفتعلة وافتعالات صغيرة ما كان يصح أن ترصد فى كتب إنما هكذا شاء بعض الناس أصحاب الأغراض " .

لقاء الإمام الشهيد بالإنجليز:

ويبدو أن الإنجليز حاولوا بشكل ملتو إثناء الإمام الشهيد ورفاقه عن المضى فى مهاجمته الإنجليز وأعقب لقاءه .. أى الإمام الشهيد بوثيقة موجهة لجماعة الإخوان المسلمين ويقول ميتشل فى خصوص هذه الواقعة وبعد الافراج عن البنا فى أكتوبر 1941 جرى اتصال بين السفارة البريطانية والإخوان المسلمين والواقع أن مسألة من الذى بادر بالاتصال ؟ كانت وما تزال موضعا للخلاف وعلى أن الواضح أن الاتصال قد تم بالفعل وأنه لم يسفر عن نتائج إيجابية والنقطة الأساسية هنا هى أ ن الإخوان قد رأوا فى فشل بريطانيا فى “ شرائهم “ سببا لمضايقات النحاس للجماعة أولا برفضه ترشيح البنا للإنتخابات وثانيا موافقة العدائية المتكررة تجاههم طوال فترة بقائه فى الحكم وتأكد الإخوان بشكل قاطع من الموقف العدائى الثابت للبريطانيين تجاههم حتى ان البنا كتب رسالة وداع لأتباعه فى منتصف عام 1943 نتيجة لاقتناعه بأن المخابرات البريطانية تعمل جاهدة وتضم هذه الوثيقة ـ التى تحتل مكانا بارزا فى قائمة القرارات المعروفة للأعضاء من المعناه التى تنتظرهم فى مواجهة تزايد العداء الخارجى ويجدر الاستشهاد بجزء من تلك الوثيقة بوصفها انعكاسا لاتجاه فكرى أساسى فى الحركة وبوصفها ايضا نوعا من التنبؤ بما سيقع من أحداث .


العقبات فى طريقنا والخلاف مع الوفد

العقبات فى طريقنا:

" أحب أن أصارحكم أن دعوتكم لا زالت مجهولة عند كثير من الناس ويوم يعرفونها ويدركون مراميها وأهدافها ستلقى منهم خصومة شديدة وعداوة قاسية وستجدون أمامكم كثيرا من المشقات وسيعترضكم كثير من العقبات وفى هذا الوقت وحده تكونون قد بدأتم تسلكون سبيل أصحاب الدعوات أما الآن فلا زلتم مجهولين ولا زلتم مجتهدين للدعوة وتسنعدون لما تتطلبه من كفاح وجهاد .

سيقف جهل الشعب بحقيقة الإسلام عقبة فى طريقكم وستجدون من أهل التدين ومن العلماء الرسميين من يستغرب فهمكم للإسلام وينكر عليكم جهادكم فى سبيله وسيحقد عليكم الرؤساء والزعماء وذوو الجاه والسلطة وستقف فى وجهكم كل الحكومات على السواء وستحاول كل حكومة أن تحد من نشاطكم وأن تضع العراقيل فى طريقكم .

ويستكمل الإمام الشهيد قائلا : أيها الأخوة المسلمون اسمعوا : أردت بهذه الكلمات أن أضع فكرتكم أمام أنظاركم فلعل ساعات عصيبة تنتظرنا يحال فيها بينى وبنكم الى حين فلا أستطيع أن أتحدث معكم أو أكتب اليكم فأوصيكم أن تتدبروا هذه الكلمات وأن تحفظوها إذا استطعتم وأن تجمعوا عليها وإن تحت كل كلمة لمعانى جمه .

أيها الإخوان أنتملستم جمعية خيرية ولا حزبا سياسيا ولا هيئة موضوعة لأغراض محدودة المقاصد ولكنكم روح جديدة يسرى فى قلب هذه الأمة فيحييه بالقرآن ونور جديد يشرق فيبدد ظلام المادة بمعرفة الله وصوت داو يعلو مرددا دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إذا قيل لكم : إلام تدعون ؟

فقولوا ندعو الى الإسلام لذى جاء به محمد صلى الله عليه وسلم والحكومة جزء منه والحرية فريضة من فرائضه فإن قيل لكم : هذه سياسة فقولوا هذا هو الإسلام ونحن لا نعرف هذه الأقسام وإن قيل لكم : أنتم دعاة ثورة فقولوا : نحن دعاة حق وسلام نعتقد ونعتز به .

فإن ثرتم علينا ووقفتم فى طريق دعوتنا فقد أذن الله أن ندفع عن أنفسنا وكنتم الثائرين الظالمين وإن قيل لكم أنتم تستعينون بالأشخاص والهيئات فقولوا : " آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنتم به مشركين " فإن لجوا فى عدوانهم فقولوا " سلام عليكم لا نبتغى الجاهلين " .

ويقول الأستاذ عمر التلمسانى : " هذه الواقعة لها نصيب من الصحة ولكن على غير الصورة التى أوردها ميتشل فى كتابة عن ا لاخوان المسلمين فعندما قامتالحرب العالمية الثانية كان زعماء انجلترا وفرنسا والولايات المتحدة قد صدرت منهم دعايات وأصوات تدعو لحماية حقوق الانسان وحماية الديمقراطية وإنكار فضيلة بعض الأجناس والواقع أن هذه الدعايات وجدت اتساعا وانتشارا ووجدت مسرى فى نفوس الكثيرين وظنوا مخطئين أن هذه الدول تدافع حقا عن حقوق الإنسان وعن حريته ومن هذه الوسائل جرى اتصال من جانب السفارة البريطانية بالأستاذ البنا وطلبت منه أن يلقى محاضرات فى الاذاعة عن الديمقراطية وحددت له خمسة آلاف جنيه فى المحاضرة الواحدة فسألهم .

هل أتحدث عن حقوق الإنسان والحريات والديمقراطية بمفهومى أنا ومفهوم الاسلام أم أن لكم غرضا آخر للحديث عن الديمقراطية فكان جوابهم : إنك تعرف أننا فى حرب مع ألمانيا وأننا نريد أن ينضم الرأى العام العالمى كله الى جانبنا فإذا تحدثت عن الحريات من وجه نظرنا فيكون لذلك أثر فى الرأى العام العالمى ويساعدنا فى هذا الموقف فقال لهم الإمام الشهيد : إن أردتم أن أتحدث فى الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان فأنا على استعداد أن أتحدث عنها فى الاذاعة وبلا مقابل على شريطة أن أتحدث بوجه نظرى أنا ووجهة نظر الإسلام وليس من وجهة نظركم ..

هذا كل ما تم من اتصالات أو كلام أو لقاء فى هذه " الشوشرة " التى يفتعلها ميتشل وأمثاله وانتهى فيها بأنه قال : إن هذه لم تسفر عن شىء .. والأستاذ البنا يوم أن فكر فى هذه الجماعة ومن يوم أن قامت وانتشرت وكل الإخوان المسلمين ـ وليس الأستاذ البنا بمفرده ـ يعلمون أن أشد أعداء هذه الفكرة هم الصليبيون وأن أنصار الصليب لا يريدون أن تقوم للإسلام قائمة فى أية بقعة من بقاع الأرض ..

وكنا جميعا على ثقة كاملة من عدائهم لهذه الدعوة ولذلك تجد أن شعار الإخوان المسلمين أو هتافهم " الموت فى سبيل الله أسمى أمانينا " كانوا يعلمون أنهم عرضة لمضايقات واعتقالات واغتيالات ولكل شىء كانوا يعدون أنفسهم لهذا فرحين مستبشرين بأنه إذا قتل إنسان منهم فى سبيل الله فمأواه الجنة والنعيم الدائم عند الله سبحانه وتعالى .. ولقد كان أمرا متوقعا عند جميع الإخوان " .

الخلاف مع الوفد :

ذكرنا من قبل أن هناك إحساسا تولد لدى الوفد أن الاخوان المسلمين يسحبون البساط ـ وهو الشعبية والأغلبية ـ من تحت أقدامه وأن الإخوان ينافسونه وخاصة فى مجال اجتذاب الشباب رغم محاولته الأولى تحسين صلته بالجماعة وتزكية بعض زعمائه لجماعة الإخوان ـ على اعتبار أنها جمعية دينية لا تحشر أنفها فى خضم السياسة ودهاليزها فلم يحاول الإخوان المسلمون فى يوم من الأيام أن يدخلوا فى صدام أو صراع مع أية جبهة من الجبهات السياسية المعروفة فى ذلك الوقت وعلى وجه الخصوص " الوفد " صاحب الأغلبية الجماهيرية ولكن سرعان ما سبب الأنتشار السريع لتشكيلات الجماعة وشعبها قلقا بالغا لدى زعماء حزب الوفد وسرعان ما تحرك هذا القلق فى اتجاه الحركة والصدام مع الإخوان "

ولكن حزب الوفد كان حزب الأغلبية وأحس أن الإخوان امتد نفوذهم الى الشباب واصبح الكثير من هؤلاء الشباب يتسللون من الوفد الى صفوف الإخوان وطبعا حرص رئيس حزب الأغلبية أنتظل أغلبيته كما هى فلا بد أن يفتعل المواقف للصدام مع الهيئة التى تنافسه الزعامة علىالشعب فحدث ما حدث عندما استدعى النحاس باشا الأستاذ حسن البنا وقابله فى " مينا هاوس " وألح عليه أن يتنازل عن ترشيح نفسه للإنتخابات فى الاسماعيلية بحجة ان موقفه هذا وتصميمه على المضى فى الانتخابات أمر لا يفيد الإخوان المسلمين بقدر ما يضر البلد نفسها لأن الإنجليز لا يريدون أن يدخل البنا مجلس النواب.

ولأن الأستاذ البنا كان يقدر دائما مصلحة البلد فاستجاب الى هذا الرجاء وتنازل عن ترشيح نفسه ولكن الوفد ظل على موقفه من الإخوان لأنها الهيئه الوحيدة التى كان يستجيب المواطنون لها ولم يكن لحزب الأحرار الدستوريين أو السعديين أو غيرهم أى اثر فى نفوس الشعب لأنها كانت احزاب أقلية لا تنجح فى الانتخابات إلا إذا كان هناك تأثير من الحكومة القائمة لتستبعد الوفد عن مجلس النواب وحلت الشعب تقريبا ولم يبق غير المركز العام.

وحاول الوفد بمختلف الوسائل شأنه شأن غيره فى ذلك الوقت أن يشكك الناس فى دعوة الإخوان المسلمين واتهمهم بأنهم يسعون الى الحكم وفى كل هذه الأطوار لم يقل الإخوان كلمة واحدة تجاه النحاس باشا أو غيره ولكنهم كانوا يستمعون الى الاتهامات والاشاعات بدون اكتراث لأنها تموت من تلقاء نفسها ولأنها لا أساس لها من الصحة ولما عجز الوفد عن أن يحتوى الإخوان المسلمين أو أن يضمهم الى صفوفه أسفر عن حقيقة نواياه وأغلق الشعب والمركز العام ولكن لم يكن فى تصرفات الوفد تجاه الإخوان ما انحدر الي غيره من الأحزاب أو القصر ـ حقا حصل قبض واعتقال ولكن كل هذا كان يتم فى صورة بعيدة عن العنف أو لا يجرح مشاعر الناس فى مجالات القبض والاعتقال وما كان يمكن أ تكون هناك علاقة مودة وصفاء من ناحية الوفد أو الأحزاب ألأخرى تجاه الإخوان لأنه فى الوقت يعتبرون فيه الإخوان دعاة لمصلحة هذا البلد وحمله لتعاليم دينه كان الوفد والأحزاب الأخرى تنظر لهذه المسألة من زاوية أخرى وهى أن الإخوان منافس خطير لهم على زعامة الشعب . وكان هذا الأمر لا يرضيهم بأى حال من الأحوال لأن الوفد كان يعتقد بأنه صاحب الأغلبية وصاحب الشعبية وأن الأمة كلها تثق فيه فلما رأوا إقبالالشباب على مبادىء الإخوان المسلمين راوا أنهم " الخطر الحقيقى " على شعبيتهم فكان ما كان من عدم وفاق واتفاق فى وجهاتالنظر .

والحقيقة أن الإخوان المسلمين كان موقفهم موحدا تجاه جميع الأحزاب ما كانوا يفضلون الوفد على الاحرار الدستوريين ولا يفضلون السعديين على الوفديين ولاشىء من هذا القبيل لأن النزاع كان على مبادىء والمبادئ لها جذور عميقة والإخوان المسلمون كانوا يريدون أن تحكم مصر بشرع الله وهذا أمر لم يكن وارد ا فى أى برنامج من برامج الأحزاب بل كلها كانت راضية لتنفيذ القوانين الوضعية الأمر الذى رأى الإخوان المسلمون بأنهم لا يصح أن يقبلوه لأن حكم الله فوق كل حكم ولذلك أمر الله سبحانه وتعالى فى كتابه الكريم : " إن الحكم إلا لله " أى أن الحكم لا يجوز أن يكون إلا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم "

ومن نافلة القول : أن الإخوان ا لمسلمين لم يرسموا لأنفسهم الدخول فى تحالفات سياسية أو الانضواء تحت جبهات معينة وإنما انطلقوا فى دعوتهم مستقلين عن أى ضغوط يمكن أن تمارس عليهم . ولم يهدفوا كما ذكر الأستاذ البنا فى مذكراته للوصول الى كرسى الحكم كما كانت تسعى الأحزاب صاحبة الأغلبية والأقلية البرلمانية أو فى المستوى الجماهيرى .

ويقول الأستاذ عمر التلمسانى : " نحن رفضنا أن نكون حزبا لأن للأحزاب أسلوبا معيبا فى العمل ولأن للحزب برنامجا ونحن ليس لنا برنامج أو منهاج لأننا ندين بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهو منهاجنا لهذا ا لمعنى ولأننا لا نقر الأساليب التى تتخذها الأحزاب سبيلا للوصول الى أهدافها ومن بينها الحكم ولم نرض أنفسنا أن نكون حزبا لأننا نتبع أسلوبا يخلو من أى غرض شخصى نحن يرضينا أن يأتى أى انسان من أى حزب يطبق شريعة الله فنتبعه ولا نعارضه ونحن لسنا حريصين علىأن يكون رئيس الدولة من الإخوان المسلمين .

وما دام يتبع كتاب الله وسنة رسوله فنحن لسنا ضده هذا ا لذى حال بيننا وبين أن نكون حزبا لأننا نعرف كيف تتعامل الاحزاب مع بعضها البعض وكيف تسلك مختلف الطرق التى لا نقرها للوصول الى المجالس النيابية " .

والغريب أن يسعى كاتب مثل صلاح عيسى للتقول على الاخوان حين يقول : وهم أى الإخوان ـ لا يقرون بأنهم فصيلة سياسية بين فصائل أخرى ولكنهم يرون أنفسهم " حزب الله " حيث لا يجوز مع حزب الله أن توجد أحزاب أخرى ,, ونتسائل من أين أتى صلاح عيسى بهذا التصور الغريب ـ إن فكرة الحزبية لم تكن واردة بشكل صريح أو متوارب فى دعوة الإخوان المسلمين وكون أنهم لا يرضون أن يكونوا جزءا من التحالفات السياسية لا يعنى أن يدخلوا ضمن ما وصفه الكاتب " بالانتهازية السيباسية " .

إن حكومة النحاس باشا التى جاءت الى الحكم فى حادث 4 فبراير 1942 بمساندة الدبابات الإنجليزية أبت أن يقلق مضجعها وجود شعبية تقارب شعبيتها وأن تقلق النفوذ الإنجليزى الذى حرصت تلك الحكومة الوفدية ألا تثير قضيته وسادت موجة من التوتر وعدم استقرار العلاقات بين حزب الوفد وجماعة الإخوان ثم أغلق النحاس باشا جميع شعب الإخوان عدا المركز العام فى نهاية عام 1942 وعقب زيارة لمجموعة من كبار رجال الوفد تغير الموقف ثم عاد للتدهور وهكذا كان " ترمومتر" العلاقة بين الإخوان والنحاس باشا مرتبطا بالإنجليز .. وهكذا ظل التوتر قائما بين الجماعة والحزب وسرعان ما تحول الى صراعات عنيفة لم يكن الإخوان المسلمون بمثيريها .

إنشاء النظام الخاص وأخطــاء عبد الرحمن السندي

إنشاء النظام الخاص:

بعد ان استكمل الإمام الشهيد بناء أركان النظام العام للجماعة وقواعده متمثلة فى مكتب الارشاد والمرشد العام ـ على قمة التنظيم ـ ونزولا فى السلم التنظيمى الى الشعب الإخوانية فى مدن وقرى القطر المصرى ..

وأحس الإمام الشهيد بأن الجماعة تمضى فى تحقيق أهدافها بشكل طيب وإيجابى ولكن ثمة ما ينقص هذه الجماعة وأطال التفكير فى هذه المسالة وهى إيجاد البعد المادى للدعوة وهو أن تمثل الجماعة الى جانب أدوارها المعنوية فى إيقاظ شعلة الوعى الإسلامى بين المصريين قوة مادية قادرة أن تبطش بأعداء الدعوة الإسلامية وحماية الدعوة من هؤلاء الأعداء وكانت مجريات الأمور فى تلك الفترة تشير الى ان الإنجليز يشددون قبضتهم علىالبلاد مستندين الى تحالف طبيعى وتقليدى مع القصر فى حين لم تشكل الأحزاب خطرا من أى نوع على وجودهم وخاصة بعد أن أتوا بوزارة النحاس باشا الوفدية للحكم بالدبابات الإنجليزية فى حادث 4 فبراير 1942 ..

وفى نفس الوقت كانت تجرى مؤامرة خطيرة هدفها بيع أرض فلسطين لليهود بتواطىء أنجليزى ولطرد أهل فلسطين من أرضهم التى عاشوا فيها آلاف السنين وشعر الأستاذ البنا أن مثل هذه الأمور تجرى دون أن تجد من يقف لها ويواجهها فالحكومات العربية فى ذلك الوقت ومنها الحكومة المصرية كانت أسيرة قوى الاحتلال متهالكة هزيلة المواقف لا تنفع ولا تضر ولا تتحرك قيد أنمله لدرء الأخطار المحيطة بدولها وشعوبها .

وهداه تفكيره لأنشاء النظام الخاص للجماعة لأنه الحل الوحيد لكى يشعر المحتل الإنجليزى بوجود المقاومة لوجوده غير المشروع على الأرض المصرية ولحماية الدعوة ومواجهة خطر اليهود فى فلسطين وهى الأهداف التى قام من أجلها الجهاز الخاص وليس كما يزعم عباقرة الكتاب الماركسيون من أساتذة التصنيف والتوصيف والتشويه ـ بأنه أنشىء للقيام بالاغتيالات السياسية وقلب نظام الحكم .

ويقول الأستاذ عمر التلمساني " الإخوان المسلمون أعلنوا أن هذا النظام الذى أنشئ عام 1936 كان هدفه الأول هو تحرير مصر من الاستعمار البريطانى وإنقاذ فلسطين من اليهود ولكن ا لأغراض والأهواء كانت دائما تنكر هذا المعنى الحقيقى وتنسب الى الإخوان أن النظام لم ينشأ فى الإخوانا لمسلمين إلا سعيا وراء الحكم وما من شك أن هذا ا لنظام قام بأدوار غاية فى البطولة بالنسبة للوطن والاساءة الى الضباط والجنود البريطانيين المحتلين كما قام بدورة المجيد فى حرب العصابات فى فلسطين ضد اليهود ـ

والمغرضون ينسون هذه المواقف ولا يتذكرون إلا أن النظام أنشئ فى الإخوان لغرض الاستيلاء علىا لحكم ومن المسلم به بداهة أن الشئون التى فيها الشكل العسكرى أو الحربى ـ فى كل دول العالم فإنها تأخذ صورة من السرية وليست هناك دولة فى العالم تطلع غيرها من الدول على أسرار الجيش حتى المواطنين أنفسهم لا يكونون على علم بالشئون الحربية ولا يتدخلون فيها ربما أن النظام كان الجانب الأكبر من دوره الحربى هو مقاتلة الإنجليز باعتبارهم محتلين ومقاتلة اليهود باعتبارهم مغتصبين لأرض فلسطين كان هناك شئ من السرية فى عدم التصريح بأسماء الجهاز وحقيقة وقعت أخطاء من بعض أفراد النظام ولكنها فى مجملها أخطاء شخصية يجب ألا تنصرف الى الإخوان جميعا أو لا تنصب على الإخوان جميعا وهنا لابد أن نقف وقفة مع ما جاء فى مقدمة صلاح عيسى عن هذه الفقرات حيث يقول *

لقد سعى حسن البنا الى بناء منظمة من الكوادر تتلقى تربية وإعدادا خاصا وتعد لتكون ( ميليشيا ) سرية مسلحة مهمتها أن تستولى علىا لحكم بتحرك إنقلابى "

ولا ندرى كيف استنتج الكاتب استنتاجه هذا وهل دلته نشاطات التنظيم السرى خلال فترات وجوده على وجود هذه النية لدى أفراد الجهاز ثم ألم يطلع الكاتب على أدوار الجهاز فى مقاومة الإنجليز بدءا بإثارة الفزع والرعب فى قلوب جنود الاحتلال السكارى المعربدين فى شوارع ومدن مصر وانتهاء بدورهم فى مقاومة اليهود ونحيل الكاتب الى قضايا الأوكار وسيارة الجب ـ التى سنعرض لها فيما بعد ـ لو وجد أن كل هذا من أجل فلسطين وليس سعيا وراء ما يسميه الكاتب بالتحرك الانقلابى ـ وربما تكون هناك أخطاء قد وقعت فى هذا الجهاز وهذا وضع طبيعى لجهاز يشرف عليه بشر وطبيعة البشر الخطأ ـ ولقد وضع هذا الجهاز لتربية الشباب تربية جادة وإشعارهم بالمسئولية نحو أوطانهم ونحو عقيدتهم .. لقد كان الهدف الأول للنظام هو الجهاد فى سبيل الله دفاعا عن الدين .

نظام الأسر والكتائب :

ولقد واصل الأستاذ البنا إكمال عناصر البناء المتكامل للإخوان المسلمين فأنشأ نظام الكتائب ونظام الأسر .

وبالنسبة لنظام الأسر يقول الأستاذ عمر التلمسانى " نظام الأسر كان الغرض منه فى الإخوان المسلمين تعارف أفراد الإخوان بعضهم على بعض فمثلا إذا كان جماعة الإخوان أسرة كل أسرة مكونة من خمسة أو سبعة أفراد فرؤساء هذه الأسر كانوا يكونون بدورهم أسرا جديدة ولرؤساء الأسر الجديدة رؤساء ومن بينهم تتكون أسر أخرى وهكذا ..

فكان نظام الأسر فى الإخوان يقصد به التعارف والتعاون والتكامل والحب وإن الأسرة الواحدة كانت تتكافل فيما بينها فى جميع أوجه شئون الحياة المحتاج يعطيه من لديه والابن يعطيه المدرس فى أسرته درسا وهكذا كان التكافل بين أعضاء الأسر على وجه متكامل وبناء وكان المقصود من نظام الأسر وحدة الفهم وإيجاد نوع من التكافل بين الإخوان المسلمين جميعا ولم يقصد أن يعارض أى نظام آخر .

أما الكتائب فهى أيضا صورة من صور النظام الخاص لم يكن هناك فروق بين هذه التشكيلات وكان الهدف منها جميعا هو إيقاظ الوعى الإسلامى فى نفوس المصريين ليعودوا الى تطبيق تعاليم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .. وكان هدف الكتائب هو تحقيق أسلوب التربية العميقة وبشكل مباشر ولعل الأستاذ البنا قد اشتقه من اجتماعات دار الأرقم بن أبى الأرقم حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع المؤمنين به فى ذلك الوقت المبكر ولقد كان لهذا النظام تأثيره العميق على الاخوان فأفرز هذا النظام مجاهدين لا يخافون فى الله لومة لائم ودعاة مخلصين للعقيدة وعلماء على بينة من أمور دينهم .. "

أخطــاء عبد الرحمن السندي :

لقد عهد الإمام الشهيد بتيسير أمور هذا النظام الى أحد الشباب بعد تزكية من بعض عناصر الإخوان وبعد مبايعة للإمام الشهيد وكان أول أعمال النظام الخاص بث الفزع والرعب فى قلوب المحتلين الإنجليز حيث تم اختيار ليلة عيد الميلاد * واختاروا النادى البريطانى حيث يكون مكتظا بالجنود الإنجليز وضباطهم وألقوا عليهم قنبلة لم تقتل أحدا ولكنها بعثت الرعب فى نفوسهم وحققت الغرض منها تماما فبدءوا يفهمون أنهم يعيشون وسط قوم يستطيعون أن يحفظوا كرامة أنفسهم وأن يلقنوا من يعتدى عليهم دروسا قاسية .. "

وقد سار عبد الرحمن السندي سيرا حسنا موفقا نال به رضاء القيادات والأفراد فى النظامين الخاص والعام فى الإخوان المسلمين .. ولكن ثمة تغيرات ظهرت على شخصية عبد الرحمن السندي فى الاتجاه العكسى .

ويقول الأستاذ عمر التلمسانى " بانتشار وازدياد قوة النظام الخاص أحس عبد الرحمن السندي رحمه الله بقوته وسلطانه * وكان يتصرف فى بعض الأحيان تصرفات لا يقرها الأستاذ الامام وهذا ليس أمرا مقصورا على الإخوان المسلمين قد يتصرف بعض أفرادها تصرفات لا تقرها رئاسة الحزب وقد تحمل الإخوان المسلمون كل الأعباء التى حدثت بعد ذلك ولذلك عندما طلب من الإمام الشهيد ـ

أن يصدر بيانا ـ فى أيام النقراشى باشا رحمة الله عليه ـ يستنكر فيه ما حدث كان الامام على أتم استعداد ونشر فى الصحف بيانا عنوانه " هذا بيان للناس " وبيانا آخر بعنوان " ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين " ..

أما مسألة شعور عبد الرحمن السندي أنه على مستوى الندية مع الإمام الشهيد لأكبر دليل على أن قيادة الإخوان المسلمين أبعد ما تكون عن العنف لأنها لو كانت عنيفة أو تدعو الى العنف لتم الاتفاق بين الامام وعبد الرحمن السندي على العمل فى طريق واحد وتخيل عبد الرحمن السندي وصل الى مرحلة الندية مع الإمام البنا فإن هذا لا يسىء الى الأستاذ البنا ولا يعيب الإخوان المسلمين ..

إنما هو إحساس إنسان بلغت به القوة الى حد أنه يضع نفسه فى مستوى قائد الجماعة وهذا الانسان أغرته القوة وأغواه الشيطان ولما لم يرض رئيس الجماعة عن ذلك وقع الخلاف بينهما أما لماذا لم يفصل عبد الرحمن السندي ؟

فإن أى إنسان فى أى جماعة ينمو وتزداد قوته يوما بعد يوم قد لا يدرك خطره إلا بعد أن يصل أمره الى منتهاه وهذا ما حدث ، والسلاح الذى ضبط مع الإخوان أيام الرئيس جمال عبد الناصر فإن لهذا السلاح قصته فحين حدث حريق القاهرة وشعر الضباط الأحرار بأنهم موضع تفتيش لجئوا الى الإخوان المسلمين لتهريب الأسلحة التى كانت فى بيوتهم وكانت من اسلحة الجيش استعانوا بالإخوان المسلمين ووضع جمال عبد الناصر بنفسه التصميم للمخابىء ووضعت فيها الأسلحة بالاسمنت وهو يعرفها ولما وقعت المشاكل بين عبد الناصر والإخوان قال : إنه عثر على مخازن للإخوان تكفى لنسف القاهرة عشر مرات .

لقد نشأ الجهاز لمقاومة الوجود الأجنبى ثم انحرف عن الطريق ولو أن الحكومات اعتقدت أننا أخطأنا وأخذتنا بالحسنى وتفاوضت معنا بدل التعذيب فربما كان الحال الآن غير الحال .."

ويضيف الأستاذ عمر التلمسانى :" ومن المسلم به بداهة وأنا أقتنع بمواقف الأستاذ البنا كنت أرى أن عبد الرحمن السندي قد تجاوز حدوده عندما شعر بطاعة أفراد النظام له باعتباره أنه رئيس هذا التنظيم وبلغ به الأمر أنه عندما حدث صدام بين فريق من هذا النظام وبين الاستاذ الهضيبى ـ الذى خلف الأستاذ البنا فى مركز المرشد العام ـ

أن كنت من الساعين الى التوفيق بين وجهات النظر فالتقيت مع عبد الرحمن السندي فى مكان اسمه دار الكتاب العربى لصاحبها المرحوم حلمى المنياوى فسألت عبد الرحمن السندي : هل أخذت رأى من معك قبل أن تقف هذا الموقف من الأستاذ الهضيبى ؟

فكان رده عجيبا جدا قال : إننى ماتعودت أن آخذ رأى أحد أبدا ‍ فتركته وانصرفت ودارت الأيام والسنون وألقى جمال عبد الناصر القبض على الأستاذ الهضيبى وبعض الإخوان فى يناير 1954 فكنا نلتقى فى مكتب المرحوم عبد القادر عودة لعلاج الموقف فحضر عبد الرحمن السندي فى ليلة من الليالى وظل هو والحاضرون يتناقشون فى الموقف وظللت أنا صامتا ولاحظ ذلك عبد الرحمن السندي فبادرنى قائلا : لماذا لا تبدىء رأيك ولا تتكلم يا فلان ؟

فقلت له يا أستاذ عبد الرحمن السندي أنا سمعت منك أن لا تأخذ رأى أحد فيما تريد أن تفعل فلا داعى لأن أناقش فى أمر من الأمور فحاول جاهدا أن ينكر هذا وأنه ما قال مثل هذا القول فتأكد لى من الاحداث الواقعة ان الغرور تملك المرحوم عبد الرحمن السندي فأخذ هذا الموقف من الأستاذ حسن الهضيبى مثلما وقف نفس الموقف مع الأستاذ حسن البنا رضوانالله عليه ولمتطل أيام الأستاذ البنا حتى يتخذ إجراء معينا مع السندى فوقف عبد الرحمن السندي هذاالموقف واحتل المركز العام هو وبعض أنصاره.

وذهبوا الى منزل الأستاذ الهضيبى وأساءوا اليه واجتمعت هيئة مكتب الارشاد والهيئة التأسيسية وقررت فصل السندى وبعض من معه وكان من فضل الله أن الأغلبية كانت ساحقة من أفراد هذاا لنظام التزمت بكلام الأستاذ المرشد ولم تتابع عبد الرحمن السندي على أهوائه واتجاهاته وزاد الأمور وضوحا فى نوايا عبد الرحمن السندي حين عينه عبد الناصر فى شركة " شل " فى قناة السويس وأفرد له فيلا " معينه وسيارة وأثث له منزلا وأطلعه عبد الرحمن السندي ـ مع بالغ الأسف ـ على الكثير من أحوال النظام الخاص وأسماء أعضائه مما مكن لجمال عبد الناصر من أن يسىء لهذا النظام إساءة بالغة كما ثبت من التحقيقات والقضايا التى صدر فيها أحكام ضد المخابرات التى عذبت الاخوان المسلمين فى مبدأ حكم جمال عبد الناصر ولقد نجح عبد الناصر فى التأثير على عبد الرحمن السندي.

واجتذبه الى جانبه فاتخذ هذا ا لموقف مع الأستاذ الهضيبى هو وبعض الشخصيات أيضا ـ ولم يكن هناك كما شاع فى ذلك الوقت تنظيم سرى بالمعنى المعروف ولكنهم الشباب الذين تحالفوا على مقاومة اليهود فى فلسطين ولقد أراد عبد الرحمن السندي أن يكون له دور فى توجيه سياسة الإخوان المسلمين إلا أن الفريق الذى كان له صله بعبد الرحمن السندي عندما تم انتخاب أعضاء مكتب الارشاد فى بدء عهد الأستاذ [[[حسن الهضيبي|الهضيبى]] كانت الأغلبية الكبرى من أعضاء المكتب من المدنيين ـ أى لم يدرسوا فى الأزهر وليسوا مشايخ فلعل مثل هذا أساء البعض وأدخل فى روع عبد الرحمن السندي أنه تحول فى السياسة ومقابلة الأستاذ الهضيبى خصوصا وأن الاستاذ الهضيبى كان لديه مبدأ الحزم فى آرائه وتصرفاته بحكم عمله لفترة طويلة كقاض كان يقدر ويحكم وربما كان الأستاذ البنا أكثر تحملا وصبرا فى مواجهة الأمور ومعالجتها بالهدوء ولكن مواقف الأستاذ الهضيبى كانت تتسم بالحسم العاجل فى الأمور .."

وهكذا نخلص أن الجهاز السرى كانت بدايته طيبة ويعمل وفق النسق العام لحركة ومنهاج الإخوان ـ وهو مقاومة الاحتلال الإنجليزى ومقاومة التآمر اليهودى ـ الإنجليزى فى فلسطين ولكن هذاالجهاز انحرف عن طريقه وأصاب رئيس الجهاز عبد الرحمن السندي الغرور فظن أنه ينافس أو يضع نفسه فى مرتبة مع الإمام الشهيد حسن البنا ثم مع الأستاذ حسن الهضيبي كما وقعت بعض أخطاء من الشباب المتحمس الذى انطلق من تلقاء نفسه فى ارتكاب هذه الأخطاء مثل حوادث نسف المحلات اليهودية أثناء حرب فلسطين ومقتل المستشار الخازندار ونسف شركة الاعلانات الشرقية وغيرها وكان ذلك نفكيرا لا تقره الجماعة مما أوجد خلافات حادة لم تنته إلا بفصل عبد الرحمن السندي وتشكيل الجهاز بأسلوب جديد بعيد عن كل مظاهر العنف والخروج من طاعة الجماعة ولكن أحدا لا ينكر أدوار هذا الجهاز فى محاربة الإنجليز والاحتلال الصهيونى لفلسطين .

الباب الثانى: عـقـد الصدمات

حرب فلسطين

كانت قضية فلسطين مجهولة للكثير خلال فنترة الثلاثينات وقد حاول الإخوان المسلمون جاهدين تنبيه الأذهان لخطورة المؤامرة التى تجرى على أرض فلسطين عن طريق الخطب والمساجد وكتباتالإمام الشهيد ضد الاختلال الإنجليزى لفلسطين وطبع المنشورات التى تهاجم الإنجليز لتواطئهم مع اليهود كما دعا الإخوان لمقاطعة المحلات اليهودية فى القاهرة فكان لهذه الدعوة تأثير بالغ فى النفوس كما سجلت كتابات الإخوان المسلمين فضائح التواطؤ الإنجليزى ـ اليهودى كما قاد الإخوان مظاهرات عارمة فى ذكرى وعد بلفور وحاول الإنجليز فصل مصر عن الأمة العربية ولكن الإخوان وقفوا إزاء هذا التخطيط الخبيث وعقد أول مؤتمر عربى من أجل فلسطين فى دار المركز العام بالعتبة مما دفع انجلترا إزاء الضغط الشعبى الى الدعوة لمؤتمر المائدة المستديره بلندن .

وأصدر المؤتمر الكتاب الأبيض الذى وضع حدا لهجرة اليهود الى فلسطين وتشكلت لجنة التحقيق البريطانية الأمريكية بإيعاذ من اليهود والتى طافت بمختلف مناطق الوطن العربى واستمعت ضمن جولتها لرأى الاخوان المسلمين فى قضية فلسطين ولكنها ضمنت تقريرها السماح لمائة ألف يهودى بالهجرة لفلسطين ثم جاءت الأمم المتحدة لتقرر واقعا جديدا وغريبا وهو تقسيم فلسطين بين دولتين : أحدهما عربية والاخرى يهودية فى قرارها فى 29 نوفمبر عام 1947 عمت موجة من الغضب فى سائر أنحاء مصر والعالم العربى وفى مايوا 1948 وعد الشهيد الامام حسن البنا زعماء الدول العربية الذين أجتمعوا فى " عالية " بلبنان بإرسال 10 آلاف مجاهد كدفعة أولى لفلسطين وسارع الإخوان للتطوع فى كافة أنحاء الجمهورية ولما انسحب الإنجليز من فلسطين فى مايو 1948 دخلت الجيوش العربية وكان من بينهم متطوعو الإخوان المسلمين والجيش المصرى .

ويقول الأستاذ عمر التلمسانى : " كان قرار دخول الإخوان المسلمين الحرب أمرا بديهيا ولا بد أن يكون لأن المسلم لا يرضى أن يحتل اليهود بلدا مسلما فلا بد أن يقاوموا هذا الاحتلال أما تدريب هذه الكتائب فكان يتم فى الجامعة فى معسكرات تحت إشراف الحكومة والقائمين على شئون الجامعة وكان السلاح من عند الحكومة نفسها وقد جمعوا فيما بينهم أموالا ليشتروا بها السلاح عن طريق التبرعات ..

وقد أبلى الإخوان المسلمون بلا ء حسنا فى هذه المعارك أو فى حرب العصابات ضد العصابات الارهابية اليهودية والصورة الواضحة فى هذه المسألة أن الإنجليز واليهود كانوا يقررون أنهم علىا ستعداد أن يقابلوا فرقا من الجيوش ولا يلتقوا بأحد من الإخوان المسلمين لأن الأخ كان إذا خرج لغزو كان يخرج وهو مستعد للموت ما كان يفكر فى العودة حيا ولقد كون الإخوان المسلمون خطورة كاملة لأن حرب العقائد أقوى وأكبر من أى حرب وأشد أثرا فى نفوس أصحاب العقائد لأنهم يعتقدون أنهم إذا قتلوا فإنهم شهداء وسيدخلون الجنة وفعلا من الاحداث الطيبة أن سبعة من الإخوان تسللوا ذات ليلة الى احدى المستوطنات اليهودية فى فلسطين وقبل الفجر بساعة تسلل أحدهم الى الجامع الذى كان فى تلك المستوطنة وأذن لصلاةالفجر من فوق مئذنة المسجد فظن سكان المستوطنة أن الإخوان المسلمين احتلوا المستوطنة ففروا هاربين ومعهم الجنود اليهود وسلم الإخوان القرية للجيش المصرى ولكن بعد أيام استردها اليهود من الجيش مرة أخرى وقد شهد قادة الجيش مثل النواوى وفؤاد صادق شهادات قيمة بالنسبة للإخوان ولتضحياتهم وشجاعتهم وقد استشهد فى معارك حرب فلسطين ما بين 30ـ40 من الإخوان " ..

ثم كانت المفاجأة التى أذهلت مجاهدى الإخوان وهى قبول الدول العربية للهدنة الأولى وأصدرت أوامرها للجيوش العربية بوقف القتال لمدة 4 أسابيع من 11 يونية 1948 وحاول الإخوان تقديم نصيحتهم للحكومة المصرية بعدم قبول الهدنة أو المماطلةفى تنفيذها لأن الجيوش العربية كانت تواصل انتصاراتها وقد أعلن الإخوان رفضهم وعدم قبولهم هذه الهدنة المخططة وذلك فى بيان للإمام الشهيد حسن البنا فى الثالث من يونية عام 1948 وبعد نهاية الهدنة واصلالجيش المصرى ومعه كتائب الإخوان تقدمهم داخل فلسطين ثم فرضت الهدنة الثانية ولكن اليهود ضربوا بالهدنة عرض الحائط وبدأت الموازين تختل لصالح عصابات الارهاب اليهودى وقد حقق الإخوان المسلمون بطولات خارقة لحماية الجيش عند انسحابه ..

أماالإنجليز فلم يكونوا راضين عن دخول الإخوانالمسلمين الحرب لأنهمأصحاب فكرة استيطان اليهود فى فلسطين ولم يوجه الإنجليز معارضة مباشرة للإخوان لأن الإخوان مصريون وللمصريين حكومة فكانت اتصالاتهم بالحكومة فلما ضاقوا بالأمر اجتمعوا فى فايد ( سفراء انجلترا وفرنساوأمريكا ) وأرسلوا قرارا للنقراشى وقد أخذت صورة القرار بأسلوب معين وقدمت فى قضية سيارة الجيب وكان القرار يقضى بأن تقوم الحكومة بحل الإخوان المسلمين وإما أن تحتل الدول الثلاث الاسكندرية والقاهرة فكان عند النقراشي ما فى نفسه تجاه الإخوان فنفذ قرار حل الجماعة .

أما الكتائب التى كانت تحارب من الإخوان المسلمين فلم تكن كتائب بالمعنى الدقيق وإنما مجموعات فى حدود مائتين وكان يخفف العبء أن هؤلاء الأفراد لم يكونوا يتناولون أجرا على انتظامهم فىالعصابات ولم يكبدوا الجماعة أى مصاريف وكان الاخ المجاهد ينفق على نفسه فى ميادين القتال الى جانب أن الإعاشة من طعام وشراب كانت تقدمه الحكومة وقد تم السفر بموافقة الحكومة ثم عادت تتنكر لمواقفها حينما وقع الشقاق بين النقراشى والجماعة فاستغلوا الفرصة وقبض على عدد من الإخوان المجاهدين فى حرب فلسطين وهم فى أرض القتال وأرسلوا مكبلين بالحديد من فلسطين الى مصر .. "

وقد وصفت احدى الصحف الأمريكية الأستاذ حسن البنا قائلة : " إنه صار أقوى شخصية فى الشرق العربى وإن هذه الشخصية لن تهزم إلا أن تصير الأحداث أقوى منها " وكانت إشارة وتلميحا لتدبير مؤامرات ضد الإمام الشهيد وجماعة الإخوان المسلمين ولقد أثارت بطولات الإخوان وشجاعتهم النادرة قلوب الحاقدين سواء فىا لسراى أم فى الوزارة السعدية وماعكسته هذه البطولات من انعكاسات شعبية عارمة مؤيدة للإخوان وانتشار ساحق لحركة الإخوان ومن هنا بدأت التربصات والمؤامرات التى تدبر فى الخفاء ولكن الله كشفها جميعا وهكذا كان الإخوان المسلمون على مستوى الأحداث واستيعاب المتغيرات السياسية علىالساحة المصرية والعربية وكانوا وراء التحرك المصرى فى حرب فلسطين ولكن مؤامرات الأنظمة العربية وضعفها إزاء طغيان المستعمر الذى كان يكبل المنطقة العربية أوقع فلسطين فريسة سهلة فى أفواه عصابات اليهود الوحشية والارهابية والتف النظام المصرى الخاضع للسراى والإنجليز ليوجه ضرباته للحركة ذات الشعبية الواسعة ـ الإخوان المسلمين ..

حكايتنا مع النقراشي

بعد مقتل أحمد ماهر رئيس وزراء مصر ورئيس الحزب السعدى فى فبراير 1945 عقب إعلانه الحرب علىالمحور على يد شاب ينتمى للحزب الوطنى شكل نائبه محمود فهمى النقراشي باشا الوزارة لأول مرة وكان أهم ما يؤرق وزارة النقراشي هو كيفية القضاء على الإخوان المسلمين الذى أصبح لهم نشاط واسع المدى بين كافة الأوساط والمجتمعات على خريطة مصر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وكان دورهم فى الحركة الوطنية له مكان الصدارة وكان رأى جمهرة الإخوان أن النقراشي يصلح لكل الأعمال إلا الرياسة لما يغمر السعديين من نوايا وأحقاد ولكن الإخوان عملوا على حث الحكومة علىالمطالبة بحقوق البلاد فى الاستقلال والوحدة لوادى النيل وتقدم الحكومة بمذكرة ضعيفة جعلت الإنجليز لا يعنون بمجرد الرد عليها وأصدرت الهيئات المختلفة بيانا احتجت فيه على هذا الموقف وقد سجل الإخوان فى اجتماع الهيئة التاسيسية موقفهم من هذا ا لموقف المتخاذل لحكومة النقراشي وتردد صدى هذا البيان فى كل أنحاء مصر ولم تتحرك حكومة النقراشى الأولى خطوة واحدة فى سبيل تحقيق المطالب الوطنية المصرية وعقب هذا البيان وقعتمصادمات عنيفة بين البوليس والشباب فى القاهرة والاسكندرية وتكررت مأساة حادث كوبرى عباس للمرة الثانية فقد أصدر وكيل وزارة الداخلية عبد الرحمن عمار أوامره للجنود بإطلاق الرصاص علىالشباب البرىء على نفس الكوبرى وراح ضحية هذا الحادث الأثيم أكثر من 25 طالبا وجرح المئات وانطلقت المظاهرات فى كل مصر وحاصر البوليس المركز العام للإخوان المسلمين فأرسلت الجماعة بيان احتجاج على تصرفات ا لحكومة الى جريدة المصرى فقامت الحكومة بمصادرة الجريدة ..

وتهاوت وزارة النقراشي الأولى فى 14 فبراير 1946 بعد أن فشلت فى أن تحقق مطلبا وطنيا واحدا ثم جاءت وزارة اسماعيل صدقى التى هوت هى الأخرى لعجزها وخضوعها للإنجليز وفشل اسماعيل صدقى فى تحقيق الحد الأدنى من المطالب المصرية فى المفاوضات المصرية ـ البريطانية وعندما قامت مظاهرات ضخمة فى فبراير 1946 للمطالبة بحقوق البلاد تصدت لها قوات الجيش البريطانى وفتكت بعدد كبير منهم وقد طالب الإخوان اسماعيل صدقى باشا فى بيانهم الذى سلمه له وكيل الجماعة بمطالبة الإنجليز بالجلاء التام عن مصر وعرض قضية مصر على مجلس الأمن الدولى والتحقيق فى تلك الأحداث واعتذار الإنجليز عنها وتعويض أسر الشهداء وفشلت المفاوضات مع الإنجليز وأحس اسماعيل صدقى بعجزه وضعفه إزاء السخط الشعبى الذى عم مصر فقدم استقالته فى 9 ديسمبر عام 1946 ليعود للوزارة مرة أخرى النقراشي باشا ولتبدأ صفحة من الصدام مع هذا الرجل ورغم مايعلمه الإخوان ورأوه من فشله فى وزارته الأولى فقد أرسلوا اليه بخطاب يحدون فيه خطوات إصلاح الموقف المتدهور فى البلاد بعد فشل مفاوضات الجلاء مع الإنجليز وقد سافر أحد الإخوان ( مصطفى مؤمن ) الى الأمم المتحدة وألقى بيانا داخل مجلس الأمن عن مطالب مصر الخاصة بالاستقلال وبوحدة شطرى النيل : مصر والسودان وقامت مظاهرات فى سائر أنحاء مصر تهتف بمطالب البلاد ووقعت مصادمات عنيفة وخيب النقراشى أمل المصريين فى مسألة المفاوضات وخضع للنفوذ الإنجليزى وتحولت مصر كلها الى شعلة من الوطنية إزاء الموقف المتخاذل للنقراشى باشا ثم ظهرت كارثة قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين وقد أبلى الإخوان المسلمون بلاء حسنا فى معارك فلسطين ـ وسبق القول بالتعرض فى فصل سابق لهذه النقطة ـ

وبدأ النقراشي فى تنفيذ مؤامراته ضد الإخوان بعد أن انتشروا انتشارا ساحقا بسبب بطولاتهم فى فلسطين معتمدا على جهاز البوليس السياسى فى تدبير هذه المؤامرات وتلفيقها للإخوان المسلمين واعتمد النقراشى فى تنفيذ سياسة العدائية للإخوان على نائبه إبراهيم عبد الهادى وعبد الرحمن عمار وكيل الداخلية للأمن العام ثم كان القرار العسكرى الذى أصدره النقراشى وهو الأمر العسكرى رقم 63 لسنة 1948 بحل جماعة الإخوان المسلمين وإغلاق كل شعبها ومصادرة أموالها وقد رد الإمام الشهيد بمذكرة فند فيها ما نسبته المذكرة التفسيرية لقرار الحل مما وجه الإخوان من اتهامات ومنها أتهام الإخوان بالدعاية للمحور وقد ثبت براءة الإخوان منها وحوادث الشغب التى أشترك فيها شباب من كل الأحزاب والفئات وألصقت بالإخوان وحدهم دون غيرهم .

ويقول الأستاذ عمر التلمسانى :

" لقد خضع النقراشي للقصر والإنجليز وأى شعب لا يرضى أن يكون رئيس حكومته خاضعا لدولة أجنبية ولقصر مستبد وتاريخ النقراشى حافل بالأخطاء والجرائم لأنه فتح كوبرى عباس وعليه المئات والالآف من الشباب الجامعى منهم من غرق ومنهم من قتل برصاص الإنجليز فكان حكمه كله إرهابيا ودمويا وما من شك أن النقراشى لم يتخذ قرار الحل من تلقاء نفسه وإنما بضغط من الحلف الثلاثى ( انجلترا ـ فرنسا ـ الولايات المتحدة ) ومصادرة أموال الإخوان المسلمين كان عملا ظالما ما كان يصح أن يلجأ اليه حاكم عادل أو منصف فكان هذاالتصرف له أسوأ الأثر فى نفوس الإخوان "

من وراء الحل ؟

رغم أن الننقراشى أعلن أنه هو الذى أصدر الأمر العسكرى ولكن تكشفت أبعاد خطيرة تؤكد أن هناك مؤامرة دولية وراء قرار الحل ففى مرافعة الاستاذ شمس الدين الشناوى فى قضية "السيارة الجب " أمام محكمة الجنايات فى 21 يناير 1951 حيث قدم للمحكمة وثيقة مكتوبة باللغة الإنجليزية وسلمها للمحكمة وتلى نصها باللغة العربية وهذه عبارة عن رد من القيادة العليا للقوات البريطانية فى الشرق الأوسط على إشارة وردت اليها من السفارة البريطانية وتقول القيادة فى الوثيقة " لقد أخطرت هذه القيادة رسميا بأن خطوات دبلوماسية ستتخذ لإقناع السلطات المصرية بحل جماعة الإخوان المسلمين فى أقرب وقت ممكن " وذيلت الوثيقة بإمضاء رئيس إدارة قوات القيادة العليا الحربية البريطانية فى الشرق الأوسط ـ وطعنت النيابة فى الوثيقة بأنها مزورة فقا ل رئيس المحكمة : إلى أن تقرر السفارة البريطانية بأن هذه الوثيقة مزورة وغير صحيحة فإنها يجب أن تعد صحيحة ولما ردت السفارة البريطانية بعد صحة الوثيقة ولكن الاستاذ الشناوى طلب أن تقدم القيادة العليا للقوات البريطانية فى الشرق الأوسط ردها على هذه الوثيقة وإنكارها ولم يصل أى رد بعد ذلك وقال الأستاذ الشناوى : إن هذه الوثيقة رسمية صادرة من موظف رسمى مختص بتحريرها وهو المستر " ماك رموث " .


اغتيال النقراشي

ولم يكد يمضى على القرار العسكرى بحل الجماعة سوى عشرين يوما إلا وتقدم شاب من النقراشي باشا وأطلق الرصاص عليه وهو على سلم وزارة الداخلية فى 28 ديسمبر 1948 وقتله واسمه عبد المجيد حسن وكان عضوا بجماعة الإخوان المسلمين .

ويقول الأستاذ عمر التلمساني : " إن دوافع هذه ا لجريمة كانت دوافع نفسية محضة لقد كان فردا فى جماعة ورأى النقراشي يحل هذه الجماعة ويعتقل أفرادها ويعذبهم ويصادر أموالهم ويجمد ممتلكاتهم فاندفع هو وبعض الشبان معه لارتكاب مثل هذا التصرف الذى استنكره الأستاذ البنا صراحة على صفحات الجرائد ولم يكن هناك تخطيط جماعى ولكن كان هناك تخطيط بين جماعة من الشباب فيما بينهم والواقع أن النقراشي هو الذى قتل نفسه ولم يقتله الإخوان المسلمين بسبب ما اقترفه فى حق هذا ا لبلد وتصرفاته هى التى أودت بحياته وحملت بعض الشباب المتحمسين لقتله على هذه الصورة ولقد كان حل الجماعة أثر بالغ على نفوس الإخوان جميعا من أولهم لآخرهم وهذا الأثر السىء كان يختلف انعكاسه فى النفوس على قدر احتمال كل إنسان لما يصادفه من صعاب وعقبات البعض يحتمل ويطول احتماله والبعض الآخر لا يطول احتماله فكانت النتيجة ارتكاب الشباب المتحمس لهذا الفعل ؟؟ "

وهكذا جاءت نهاية حكم النقراشي على هذه الصورة وبهذه الكيفية والتى لم يخطط لها أى مستوى قيادى فى الإخوان سواء فى النظام العام أو الخاص وإنما دفع الحماس بعض الشباب للإنتقام من الشخص الذى حل جماعتهم ولقد كانت فترات حكم النقراشى من الفترات التى تمتلىء صفحاتها بالتهاون والعجز والخضوع لسلطة القصر وسطوة الإنجليز وأيضا من الفترات الساخنة على مستوى الحركة الوطنية والصدامات العنيفة والتى دفع ثمنها فى النهاية النقراشي ولتغلق صفحة أخرى من صفحات العداء للإخوان وما زال الزمن يحمل للإخوان صفحات جديدة .

مؤامرة إغتيال الشهيد

بعد أغتيال النقراشى فى 28 ديسمبر 1948 بعد عشرين يوما من صدور الأمر العسكرى بحل جماعة الإخوان المسلمين والقبض على عدد كبير من الإخوان فى ظل وزارة إبراهيم عبد الهادي الذى خلف النقراشي باشا وجاءت هذه الوزارة بإجراءات أكثر عنفا وشراسة تجاه الإخوان المسلمين وقد اتسمت صفحات هذا ا لرجل ومواقفة من الإخوان بالسواد وأ تى بتصرفات يندى لها الجبين بحكم خضوعه للملك والإنجليز وكان أداة طيعيحركونها كيفما شاءوا ولقدحاول الأستاذ تهدئة الجو وأجرى عدة اتصالات بالحكومة أملا فى أن يفيئوا الى رشدهم ويعودوا لجادة الصواب .

وأصدر الشهيد البنا " بيان للناس " ونشر فى 11 يناير 1949 وقال فى بعض فقراته : " ولقد حدث أن وقعت أحداث نسبت الى بعض من دخلوا الجماعة دون أن يتشربوا روحها أو يلتزموا نهجها مما ألقى عليها ظلا من الشبهة فصدر أمر بحلها وتلا ذلك هذاالحادث المروع حادث اغتيال رئيس دولة الحكومة المصرية محمود فهمى النقراشى باشا الذى أسفت البلاد لوفاته وخسرت بفقده علما من أعلام نهضتها وقائدا من قادة حركتها ومثلا طيبا للنزاهة الوطنية والفقه من أفضل أبنائها ولسنا أقل من غيرنا أسفا من أجله وتقديرا لجهوده وخلقه .

ولما كانت طبيعة دعوة الإسلام تتنافى مع العنف بل تنكره وتمقت الجريمة مهما يكن نوعها أو تسخط على من يرتكبها فنحن نبرأ الى الله من الجرائم ومرتكبيها ولما كانتبلادنا تجتاز الآن مرحلة من أدق مراحل حياتها مما يوجب أن يتوفر لها كامل الهدوء والطمأنينة والاستقرار.

ومضى ا لامام الشهيد قائلا : لهذا أناشد إخوانى الله ةالمصلحة العامة أن يكون كل منهم عونا على تحقيق هذا المعنى وأن ينصرفوا الى اعمالهم ويبتعدوا عن كل عمل يتعارض مع استقرار الأمن وشمول الطمأنينة حتى يؤدوا بذلك حق الله والوطن عليهم ..

ويقل الاستاذ محمود عبد الحليم لقد أصدر الأستاذ المرشد البيان ونشر فى الصحف تحت عنوان " بيان للناس " وإن كان ممثلو الحكومة قد ألزموه بإثبات عبارات معينة لم يكن هو راضيا عنها ولكن ـ أملا فى تدارك الموقف المتفاقم ـ أجازها كارها "

وقد بدأت خيوط المؤامرة حول الإمام الشهيد منذ اغتيال النقراشي باشا تتضح فقد اعتقلت مجموعة كبيرة من الإخوان المسلمين ومكتب الارشاد عدا الإمام الشهيد تمهيدا لارتكاب الجريمة البشعة وتركه حرا ليجرى اتصالاته مع الحكومة حتى يكون تحت عين أجهزة الأمن " البوليس السياسى " وقد شعر الإمام الشهيد بهذه المؤامرة وأنها تستهدفه هو شخصيا فطلب اعتقاله مع زملائه أو أن تفرج الحكومة عنهم كما طلب الشهيد من الحكومة مغادرة القاهرة لمكان آخر فلم ترد الحكومة على طلبه بينما كانت خيوط المؤامرة يتم نسجها فى أجهزة البوليس السياسى فإن عيون هذا الجهاز تراقب كل حركة وكل سكنة للإمام الشهيد ولكن المفاوضات مع الحكومة انهارت بسبب محاولة نسف محكمة الاستئناف فى 133 يناير 1949 وألقى القبض على أحد أعضاء الجهاز السرى بعد أن اكتشفت أنه سلم القنبلة لأحد السعاه لوضعها داخل المحكمة ولكنها انفجرت خارجها وتأثر الإمام الشهيد بهذا الحادث أيضا واتصل به بعض المسئولين فى الحكومة وحصلوا منه على بيان " ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين " ولكن بدلا من أن تنشره ا لحكومة كما فعلت مع البيان الأول فإنها حجبت البيان حوالى شهر أى فى 12 فبراير 1949 بعد ارتكاب الجريمة ا لبشعة واغتيال الإمام الشهيد حتى يحجبوا الحقيقة عن الناس ولايهامهم أن مرتكبى حادث محكمة الاستئناف هم من الإخوان المسلمين وكان المرشد العام يلح علىالحكومة أن تتيح له فرصة الالتقاء بإخوانه فى السجون والمعتقلات ليستعين بهم فى تهدئة الجو ولكن الحكومة كانت ترفض دائما ولكن بدون مقدمات وافقت ـ وبشكل مريب ـ على موعد يقوم فيه المرشد العام بزيارة الإخوان المعتقلين وبصفة خاصة أعضاء مكتب الارشاد .

وكان إبراهيم عبد الهادى قد أخبر أحد وزرائه وهو زكى على باشا وكان وزير دولة وأكده لأحد أقربائه وهو الاستاذ الناغى الذى كان عضوا مؤسسا فى جمعية الشبان المسلمين وأرسل اليه أحد أعضاء جمعية ا لشبان ا لمسلمين ليخبر الإمام الشهيد بالنبأ السار ويطلب منه الحضور لدار الجمعية فى الساعة الخامسة يوم السبت الموافق 14 ربيع الثانى 12 فبراير 1949 وبعد مقابلة الإمام الشهيد للأستاذ الناغى خرج الأستاذ حسن البنا ومعه الأستاذ عبد الكريم منصور والأستاذ الليثى ـ الذى أرسله الأستاذ الناغى للإمام الشهيد وركب ا لامام الشهيد سيارة أجرة وفجأة ظهر ثلاثة رجال مسلحون وانهالوا بمسدساتهم علىالسيارة فأصيب الإمام الشهيد إصابة خطيرة ونقل الإمام الشهيد البنا الى مستشفى قصر العينى لا سعافه .

ويقول الاستاذ عمر التلمسانى : " لقد ظنوا قتل الاستاذ حسن البنا سينهى وجود الإخوان ولقد دبروا ذهابه لجمعية الشبان المسلمين ليلتقى بمندوب من قبل ابراهيم عبد الهادي ليتحدث ويهدىء الجو ولكنهم كانوا يدبرون لقتله وانتظره ثلاثة من المخبرين فى الشارع وعند خروج الإمام الشهيد أطئت أنوار نفس الشارع الذى توجد فيه جمعية الشبان المسلمين وانطلقت سبع رصاصات ونقل لمستشفى قصرا لعينى وهو حى وصدرت الأوامر من الملك الى ادارة قصر العينى بأن لا يسعف حسن البنا وظل الإمام الشهيد ينزف طويلا حتى فاضت روحه الطاهرة إنما لو كان فى أجله بقية وأدركوه بالاسعاف لما مات قبلأن يحين الأجل ولكنها إرادة الله عز وجل ..

ويؤيد ذلك شهادة الأستاذ محمد الليثى الذى كان مع الإمام الشهيد لحظة وقوع الجريمة ـ والذى لاقى تعذيبا شديدا بعد ذلك بسبب شهادته ـ فقال الأستاذ محمد الليثى : ذهبت الى قصر ا لعينى ورأيت الأستاذ الإمام حين أدخل غرفة العمليات وكانت حالتة فى نظرى غير خطيرة بدليل أنه حينما طلب الدكتور من التومرجى خلع ملابس الشيخ البنا هب الشيخ وجلس وخلع ملابسه بنفسه وبعد ذلك وجدت شخصا يقول للدكتور : أنا جاى من قبل الحكمدار لأعرف حالة البنا وكان هذا ا لشخص هو الأمير لاى " محمد وصفى " ممثل الملك فى الجريمة ..والغريب أن الشخص الثانى الذى كان مع الإمام الشهيد وهو عبد الكريم منصور كانت حالتة خطيرة بدليل أنه لم يستطع الاجابة عن عنوانه حين سألة الطبيب وتولى الامام الاجابة عنه " ولكن بعد ساعات أعلن وفاة الاستاذ الإمام الشهيد وشفاء عبد الكريم منصور ولم تكتف الأصابع الأثيمة بما فعلته وإنما نقلت جثمان الإمام الشهيد وسط مظاهرة مسلحة من رجال البوليس بالبنادق والمسدسات وأرغمت السيدات على حمل الجسثمان الى النعش ولم يسمح لأحد من الأسرة بالاقتراب من الجثة ..

حتى القرآن حرم عليهم تلاوته ونقل الجثمان الى مسجد فيسون القريب من المنزل ولم يسمح لأحد بتشييعه ولم يستطع أحد تقديم العزاء سوى مكرم عبيد باشا وظلت الحراسة مستمرة على قبره واعتقال كل من يقترب من قبر الإمام الشهيد طيب الله ثراه .

إن هذه الوقائع تكشف بشكل واضح وسافر عن الجريمة البشعة التى اشترك فيها القصر بالاتفاق مع وزارة الداخلية وجهاز البوليس السياسى ولقد حاولت هذه الأطراف إخفاء وطمس معالم الجريمة ولم تسمح لأحد بالعزاء فى الامام الشهيد والطريقة الفظة والبشعة التى أوصلوا بها جثمان الإمام الشهيد لبيته تثير آلاف الشكوك حول المخطط الذى جرى تنفيذه فى الظلام للقضاء على داعية ما كان يدعو فى يوم من الأيام لعنف أو كراهية ..

وقد مر التحقيق فى اغتيال الشهيد بعدة مراحل أولها فى عهد وزارة ابراهيم عبد الهادى وكان النائب العام وهو محمود منصور ولم يجرؤ أحد أن يتقدم بشهادته وعذب " محمد الليثى " بسبب إفصاحه عن رقم السيارة التى ارتكبت الحادث ضد الإمام الشهيد وقيد الحادث جناية ضد مجهول وثانيها : فى عهد وزارة الوفد ( حسين سرى باشا ) وجرت التحقيقات سرية ولكن لم يتم التوصل للجناة الحقيقيين .

وثالثهما فتح التحقيق بعد قيام انقلاب يوليو قبض على بعض المشتبه فى قيامهم بالجريمة ولكن طوال المدة بين ارتكاب الجريمة والتحقيق فيها طمس الكثير من معالمها ولذا فقد قررت الحكومة التى شكلت عام 1952 أنه لا محل لإقامة الدعوى على ابراهيم عبد الهادى وعبد الرحمن عمار وكيل الداخلية فى عهده ثم توالت دائرة الجنايات برياسة الدكتور كامل ثابت نظر القضية فى 10 نوفمبر 1953 ثم أصدرت المحكمة فى 2 أغسطس 1954 حكما بالسجن على أحمد حسين جاد ومحمد محفوظ ومحمود عبد المجيد بالسجن مددا تتراوح بين الأشغال الشاقة (25عاما ، 15 عاما ) ودفع تعويضات لأسرة الشهيد وأثبتت الحيثيات تواطؤ وزارة إبراهيم عبد الهادى والقصر فى القضاء على زعيم الإخوان المسلمين الشهيد الامام ..

الجماعة تمضى رغم المحنة

وقد كانت ردود الفعل قاسية ومريرة على أعضاء جماعة الإخوان إزاء الجريمة البشعة التى ارتكبت ضد مرشدهم ومعلمهم وإمامهم الشهيد حسن البنا لقد سادت موجة من الحزن الدفين لدى معظم أعضاء الجماعة لتكالب قوى ا لفساد ضد دعوتهم فلقد كان حب الإخوان للإمام الشهيد حبا لا يقبل الشك ولا الجدل وكانت الصدمة قاسية بالنسبة لهم وكان لها تأثير فيما بعد ولم يكتف إبراهيم عبد الهادى بمؤامرته ضد الإخوان وآخرها مؤامرة اغتيال الإمام الشهيد والذى ثبت ادانة اطرافها بعد قيام انقلاب يوليو 1952 ـ وإنما مارس من خلال أجهزته ألوانا بشعة من التعذيب ضد الإخوان المسلمين الذين اعتقلهم وثبت هذا التعذيب أيضا بأحكام من محكمة الجنايات بمصر كما اعتقل الكثير بعد استشهاد الأمام حسن البنا وضاعف الحصار حول البلاد بقوات الأمن والبوليس السياسى حتى ترك إبراهيم عبد الهادى غير مأسوف عليه فى 25 يوليو 1949 وكان الوزر الأكبر على ابراهيم عبد الهادى ـ على حد قول الاستاذ عمر التلمسانى أنه حيث انتهى من التعذيب بدأ جمال عبد الناصر ومن بعده فى هذه الآجراءات " .

ويضيف الأستاذ التلمسانى " إن الجماعة مضت فى طريقها رغم المحنة التى واجهتها وكانت محظورة بعد قرار الحل ولكننا كنا نجتمع فى مكتب ا لاستاذ طاهر الخشاب وظلت أمور الإخوان كما هى دون وجود الشكل الرسمى والقانونى لها "

فقد حفلت ا لمحاكم بعدة قضايا أطلق عليها " قضايا الإخوان " ووقعت كل أحداثها فى عهد وزارة ابراهيم عبد الهادى عدا قضية سيارة الجيب فكانت فى عهد النقراشى وكانت خمس سنوات وهى قضية اغتيال النقراشى ومحاولة نسف محكمةالاستئناف وسيارة الجيب ومحاولة اغتيال حامد جودة رئيس مجلس النواب وقضية الأوكار .

أما بالنسبة لقضية مقتل النقراشى فقد سبق الحديث عنها أما قضية الأوكار يقول عنها الاستاذ التلمسانى " إن الإخوان المسلمين كانوا يختفون فى أماكن معينة لكيلا يقبض عليهم وكانوا يقاومون البوليس إذا ما هاجم منزلا أو شقة من الشقق فأطلقوا عليها الأوكار بدلا من شقة أو بيت وقد دفع محامو المتهمين بممارسة التعذيب ضد المعتقلين على ذمة القضية .

وظلت القضية معلقة حتى أول أكتوبر 1954 حيث تقرر إعادة عرضها من جديد على محكمة الجنايات .. أما قضية مقتل المستشار الخازندار فقد قبض على بعض شباب النظام الخاص فى حوادث اعتداء على الضباط الإنجليز كما قبض على رجل أعمال كبير فى الاسكندرية اسمه حسن قناوى وكان مصابا بالشذوذ الجنسى وقام بقتل اثنين من الشباب وحاول قتل الثالث ولكنه نجا من المحاولة فضبط حسن قناوى ولم تثبت عليه جريمتا القتل السابقتان وحكم عليه المستشار الخازندار بالسجن 7 سنوات بينما حكم على الشباب من الإخوان بعشر سنوات والشباب لم يدرس القانون جيدا خاصة وأن جريمة حسن قناوى هى شروع فى قتل فظنوا أن الخازندار يمالىء المستعمرين وينتقم منهم لأنهم اعتدوا عليهم وكان هذا الظن خاطئا ففعلوا ما فعلوا وكنا جميعا نستنكر مثل هذه التصرفات .

أما قضية سيارة الجيب فالشىء المهم هو الكراسة أو الدفتر الذى وجد مع أحد أفراد النظام الخاص عندما حصل انفجار وقبض عليه بعض المخبرين وعرفوا من الحقيقة أسماء أعضاء التنظيم والأسماء الحركية لهم “ .

وقد صدرت الأحكام فى سيارة الجيب ببراءة 14 متهما من 32 متهما وحكم على ا لباقى بأحكام تتراوح بين ثلاث سنوات وسنتين بسبب التعذيب الذى لاقاه المعتقلون أما قضية الأوكار فحكم فيها بالبراءة عام 1954 وامتد نظر بعض القضايا بعد قيام حركة يوليو عام 1952 .

ولكن أبرز الاحكام التى صدرت لصالح الإخوان المسلمين هو قرار مجلس الدولة فى 17/9/1951 والذى قررأن جمعية الإخوان المسلمين موجودة قانونا حيث إنها سجلت أوجه نشاطها الخيرية فى وزارة الشئون الاجتماعية طبقا لنص القانون رقم 49 لسنة 1949وقام الإخوان بفتح المركز كما قضت محكمة القضاء الادارى فى جلسة 3/6/1952 بالغاء الأمر الادارى رقم 63 بحل جمعية الإخوانالمسلمين لأنه قرار على أساس غير سليم من القانون ويتعين إلغاؤه .. وهكذا عادت الجماعة للنشاط الرسمى رغم كل المحاولات التى بذلها النقراشى وإبراهيم عبد الهادى للقضاء على الجماعة والمؤامرات التى دبرت وكان أخطرها على الإطلاق مؤامرة اغتيال الإمام الشهيد حسن البنا وسبقها حل جماعة الإخوان المسلمين واعتقال عدد كبير من أعضائها وتعذيبهم بأسلوب وحشى .


الاستاذ حسن الهضيبي

ويقول الأستاذ عمر التلمساني : “ الأستاذ حسن الهضيبي رحمه الله كان قديم الصلة بالإخوان المسلمين وكان شخصية يمكن أن تتولى قيادة الإخوان المسلمين وفى مثل هذه الأمور بل فى العالم كله يختلف الناس فيمن يتولى رئاسة الحزب أو الحكومة أو الدولة فريق يعطى صوته لهذا وفريق ثان يعطى صوته لذاك وعندئذ يؤخذ رأى الأغلبية وهكذا تسير الأمور بمنتهى البساطة إذ ليس هناك تعقيد ولا مؤامرات .

أما من يقول بحدوث تجاوزات فى اختيارالمرشد العام الجديد فنقول له : إن الحقيقة لم تكن هناك تجاوزات فى القانون ولكنها هى تنفيذ لروح منهاج الإخوان المسلمين وحصل هذا فى عهد الصحابة حين قتل سيدنا عمر بن الخطاب ووكل الأمر الى ستة من الصحابة الكبار وقيل لهم اختاروا من بينكم واحدا فاختاروا ثم جاءت الأغلبية فى صف سيدنا عثمان بن عفان فانتخب لقد كان اختيار المرشد العام الجديد فيه نوع من المرونة أما ما يقال عن دور للملك فاروق فى تسهيل تعيين الأستاذ حسن الهضيبي فهذا الكلام محض افتراء ولا أصل له من الحقيقة لأن الثغرة التى نفذ منها المغرضون عند الإخوان المسلمين هى أن “ نجيب سالم “ الذى كان ناظر للخاصة الملكية كان صهر أحد ابناء الأستاذ الهضيبى فجعلوا من هذه المصاهرة سببا لأن يفرض فاروق الأستاذ الهضيبى على جماعة الإخوان المسلمين.

وهذا غير صحيح بالمرة لأن موقف الإخوان المسلمين فىكل الظروف سواء كان فى عهد الأستاذ البنا أم الأستاذ الهضيبى كان مقاومة استبداد القصر وحكم الفرد ويدعون الى تطبيق الشريعة الإسلامية ومعنى هذا أنه غير راض عن حكم فاروق وتصرفاته فى البلاد فأعداء الدعوة والذين يريدون أن يشوهوا موقفها وتصرفاتها فى كل وقت وكل تصرف من التصرفات يلجئون الى مثل هذه الثغرات ويجعلون من الحبة قبة.

“ كما يقال ولقد كان الأستاذ الهضيبى على علاقة بجماعة الإخوان قبل اختياره لمنصب المرشد العام حيث كان المستشار القانونى للإمام الشهيد حسن البنا وكان يعمل مستشارا بمحكمة النقض والابرام وله تاريخ طويل فى المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية وكان زملاؤة يرون فيه مثالا للنزاهة والحسم والحزم وقوة الشخصية وبعد النظر أما ما يثيره أيضا المغرضون من زيارة الأستاذ الهضيبى للملك فإننى أقول : إن هذا هو خلق الإسلام فإذا حصل أمر فليس من خلال المسلم أن يستمر على حقد وضغينة أو كراهية ولكن المسلم يتصرف التصرف الذى يصلح لمفاداة الاخطار والمواقف وكان هذا موقف الأستاذ الهضيبى فقد رأى أن حسن البنا قد انتقل ا لى رحمة الله ولن يعود حسن البنا للحياة هذا أمر مفروغ منه ولكن كيف يكون الحال مع الإخوان ومن دعوة الإخوان ؟

لا بد أن يكون التصرف متفقا مع مصلحة الإخوان ومصلحة الدعوة الإسلامية لا مودة ولا تقرب وإلا لما حصل ما حصل بيننا وبين الملك ثم لماذا حصل ما حصل بيننا وبين الملك ؟

ثم ماذا يحصل إذا تقربنا الى الملك ما نتيجة هذا التقرب .. لا شىء لقد كنا فى موقف الناصحين للملك حتى أنه لما خرج قرر أنه بعلم أن الذى فعل هذا الانقلاب هم الإخوان المسلمون .. "

حريق القاهرة

فى 26 يناير 1952 اشتعلت النيران فجأة فى شارع فؤاد ألأول ( 26 يوليو ) وكان ولا يزال من أهم الشوارع التجارية فى مصر وبحث البوليس السيباسى عمن يوجهون له الاتهام فلم يجدوا سوى الاستاذ أحمد حسين زعيم الحزب الاشتراكى وذلك لمهاجمته النظام بأسلوب عنيف ولكن الاستاذ عمر التلمسانى يقول ": الحقيقة أن مسألة حريق القاهرة لم تتحدد الى اليوم بطريقة قاطعة ويمكن أن يلقى عبؤها على هيئة من الهيئات أو حزب من الأحزاب إنما الشواهد كلها التى حدثت فى هذا الوضع كدعوة الملك لجميع ضباط البوليس والشرطة للسراى فى حفلة وقطعهم عن القيام بواجباتهم والاشراف على القاهرة وأمنها وإشعال الحريق وهو ليس من وسائل الإخوان أو مصر الفتاة لأن الدين والإسلام ينهى عن مثل هذه الأفعال وهذه الأمور فى أغلب الظن ولآ أقول يقينا هى من الملك ومن الإنجليز ليصلوا الى ما وصلوا اليه .."


هذه هى مواقفنا

خلال رحلة الدعوة الإسلامية التى سار فيها الإخوان المسلمون على مدى نصف قرن من الزمان تعاملوا وتفاعلوا مع الأحداث تلك الحقبة الطويلة من الزمن وكانت لهم مواقفهم التى يعرفها القاصى والدانى كما كانت لهم مواقفهم من القضايا الخلافية التى ثارت داخلالمجتمع المصرى وعلى كل المستويات الدينية والفكرية والسياسية وقد أدرنا هذاالفصل لطرح مواقف الإخوان من هذه القضايا ومواقفهم مع بعض الشخصيات ذات الاتجاهات الفكرية وفى كل مواقف الإخوان فإنهم لم يسعوا لاستخدام العنف فى ا لتعبير عن مواقفهم .

المسألة الحزبية

ثار خلاف وجدل واسع حول موقف الإخوان من المسألة الحزبية وكان السؤال الذى يتردد على مدى تاريخ الإخوان المسلمين العريض : لماذا لم يشكل الإخوان حزبا ليتحرك من خلاله علىالساحة ويضفى مزيدا من الشرعية على وجوده ؟

وبادىء ذى بدء فإن الإخوان المسلمين وإمامهم ومرشدهم الشهيد حسن البنا قد شاهدوا التجربة الحزبية فى مصر ومدى ما وصلت اليه الأحزاب من صدامات ومواجهات عنيفة وطعن وتشويه الأحزاب فى ذمة ونزاهة وسمعة بعضها البعض فكانت ثمار هذه ا لتجربة مريرة وماثلة بكل مثالبها أمام أعين الامام ا لشهيد وأحس وأدرك أن الاحزاب كلها بلا استثناء لا هم لها إلا التفكير فى الوصول الى الحكم والمناصب الوزارية ولم يتفق زعماء أحزاب ما قبل حركة الجيش فى 23 يوليو إلا مرة واحدة فى محاولتهم إعادة دستور 1923 ورأى الإخوان أن الاحزاب ما هى إلا لعبة استعمارية هذفها إذكاء نارالصراعات بين أبناء الوطن وتقسيمهم الى وفديين وأحرار سعديين ودستوريين وغيرهم والفكرة الحزبية كما ذكرنا فى فصل سابق لم تأت بشكل صريح أو متوارب .

وهنا نرد على ما طرحه فاروق عبد السلام * الذى أفرد فصلا عن الإخوان المسلمين والمسألة الحزبية وقال : “ إلا أنها ـ أى جماعة الإخوان المسلمين ـ وضعت نفسها موضع الشبهات بموقفها غير المدروس من قضية الحزبية وربما تعددت الأسباب وراء ذلك كله إلا أن ما يعنينا منها بالدرجة ا لأولى وما نعتقد أنه أهم الأسباب جميعا وراء هذا الموقف المتناقض هو اعتقاد الجماعة بأن الأحزاب السياسية لا تتفق وروح الشريعة ا لاسلامية وأن النظام الحزبى حرام ومرفوض من وجهة نظر الشريعة “ .

والذى يقرأ مذكرات الإمام الشهيد حسن البنا يجده قد حدد موقف الإخوان من هذه المسألة فلم يكن واردا فى تخطيط الإخوان المسلين الوصول لكرسى الحكم وهو أحد الأهداف الرئيسية لتكوين الاحزاب ونشاطها ولو كان الإخوان يريدون ذلك لدخلوا فى تحالفات سياسية أو انضووا تحت أحد الأحزاب ذات ا لشعبية الهائلة ولكن أمرا كهذا لم يحدث على مدى تاريخ الإخوان المسلمين .

المسألة الثانية ك أن الإخوان أعلنوا مرارا معارضتهم لتشكيل الحزب لأن معظم الأحزاب قبلت ورضيت بالقوانين الوضعية وتنفيذها الأمر الذى لم يقبله الإخوان لأن حكم الله فوق كل حكم وهم كانوا يريدون أن تحكم مصر بشرع الله ولم يكن ذلك واردا فى أى برنامج حزبى موجود فى تلك الأوقات .

وقد سبق للأستاذ عمر التلمسانى أن قال فى فصل سابق " للحزب برنامج ونحن ليس لنا برنامج أو منهاج لأننا ندين بكتاب الله وسنة رسوله وما جاء فى كتاب الله هو برنامجنا وما جاء فى سنةرسوله صلى اللهعليه وسلم هو منهاجنا كما اننا لسنا حريصين على أن يكون رئيس الدولة من الإخوان المسلمين مادام يتبع كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم فنحن جنده " ويقول الاستاذ عمر التلمسانى : ان الإخوان المسلمين لا يقيمون حزبا ولا يرضون عن الاحزاب جميعا لأنهم لم يرضوا عن أى منهاج يخالف كتاب الله وسنة رسوله صلى ا لله عليه وسبلم أما مسألة دخول مجلس النواب فهذا أمر آخر ليس فيه اعتراف بالاحزاب ولا اعتراف بصواب مناهج الأحزاب .

والإخوان ا لمسلمون ينطلقون من قاعدة أساسية وهى تربية المسلمين على المنهج الإسلامى واقتداء برسول الله صلى اله عليه وسلم وإيقاظ الوعى الإسلامى فإنها ستكون قادرة على تطبيق شريعة الله فى أرضه واختيار الحاكم المسلم الذى يتبع قواعد الشريعة الإسلامية فدعوة الإخوان المسلمين هى تربية من القاعدة للقمة وترسيخ القواعد وحين يتكون هذا الرأى العام المسلم فإنه سيكون أعم وأشمل وأكثر تأثيرا من الاحزاب فى تحقيق مصلحة الأوطان فما دام الشعب قد تربى تربية اسلامية سيتم التغيير بأسهل وسيلة ودون عنف .

ومن قال إن رفض قيام الاحزاب فى الإسلام يوقع فى حيرة شديدة عن كيفية ترشيح الحاكم ويقود الى الحكم المطلق فإنه لم يدر جيدا بدعوة الإخوان المسلمين فالحكم المطلق القائم على غير شريعة ا لله مرفوض من الإخوان المسلمين وليس الحكم المطلق وحده وإنما كافة أشكال الحكم التى تستند على قوانين وضعية ـ من عند غير الله ،‎ـ أما من يقول بأن عدم وضوح مسألة الحزبية لدى الإخوان قد أدت الى بطش عبد الناصر نقول لهم : سواء انضوى الإخوان تحت راية حزب يؤسسونه أو ظلوا كما هم فإن النيات قد توافرت لدى عبد الناصر للتخلص منهم بأية صورة من الصور كما تأكد هذا ا لغرض فى قانون الأحزاب الذى أصدرة السادات .

لقد حققت الجماعة انتشارا واسعا فى الثلاثينات والآربعينات خارج نطاق التجربة الحزبية رغم كل المصاعب والهجمات التى تلقتها كما أثار انتشارها ضيق وحقد الأحزاب .. الموجودة التى انطلقت فى صراعات حزبية بالغة العنف فى اتجاه التنافس على كراسى الوزارة بينما دفعت مصر ثمن ممارساتهم على مدى التجربة الحزبية . لقد اختار الإخوان المسلمون ألا يضيقوا نطاق الدعوة ويحددوها فى إطار ضيق هو أطار الحزبية وأن يجدوا أنفسهم فى صراع من أجل مقاعد مجلس النواب أو كراسى الوزارة وربما يغوى ذلك البريق نفوس الكثير من الإخوان فيخرجوا عن الخط الأساسى للجماعة وهو أحد المحاذير التى تنبه لها القائمين على أمر هذه الدعوة ولذلك اتجهت ا لدعوة من خلال الجماعة ونصح الحاكمين والقائمين بالأمر وتكوين الرأى العام المسلم الذى يستطيع التغيير .. هذا كان طريق الإخوان المسلمين ..

القومية الإسلامية والمصرية

برزت فى الثلاثينات دعوة الى القومية المصرية قادها كل من الدكتور طه حسين وسلامة موسى ومحاولة سلخ مصر من الاطار العربى باعتبار أن جذور مصر تمتد الى عهد الفراعنة وقد رد الأستاذ البنا على هذه الدعوة قائلا : تلك فكرة لا ينفرد بها ا لدكتور طه وحده بل نادى بها من قبله الأستاذ سلامة موسى وحمل لواءها كل من يحمل ضغنا على العربية وحفيظة على الإسلام إنها خطأ محض ـ خطأ تاريخى وخطأ إجتماعى وخطأ فى جانب القومية المصرية لا يغتفر وهى فكرة غرسها الأجانب للقضاء على قوة الشرق ووحدته ..

فهل يرى الدكتور طه وغيره أن لمصر لغة غير اللغة العربية وأن لها دينا غير الدين الذى حمل لواءه العرب ؟ وهل يرون أننا نستطيع أن نتخلى عن اللغة العربية والقرآن العربى والشعور العربى ونحل محل ذلك كله لغة ودينا وثقافة تختص بمصر والمصريين ؟ " .

ويقول الاستاذ عمر التلمسانى : الإسلام لا يعرف القومية وينكرها تماما ويراها نوعا من أنواع التعصب وإنما يرى الذى يجمع بين الناس هو العقيدة إما مسلمين أوغير مسلمين والأستاذ البنا رضوان الله عليه كان يستمد كل آرائه وأفكاره ونظمه من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والقرآن والسنة ينكران مسألة اتلقومية ولا يقرانها لأنها مدعاة الى النفور بين القوميات المختلفة وبسبب من أسباب الخلاف والحروب وغيرها لأن الإسلام حدد المسألة فى قوله تعالى : " وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون " .

معنى هذا ان المسلمين جميعا أمة واحدة سواء فى الشرق أو الغرب ولذلك نجده ما كان يدعو الى ما يسمى " القومية الإسلامية " أو غيرها وإنما كانوا يدعو الى وحدة المسلمين فى كافة بقاع الأرض وكان يدعو الى عودة الخلافة الإسلامية باعتبارها رمزا لهذه الوحدة الإسلامية بين المسلمين جميعا ولذلك كان حكام البلاد الإسلامية ينشرون هذاالمعنى باعتبار أنه مقلل لسلطانهم فى بلادهم وباعتبارهم سيخضعون لحاكم واحد هو خليفة المسلمين أو أمير المؤمنين وهذا الفهم فى الواقع فهم خاطىء لأن الخلافة العثمانية كان كل قطر يكاد يكون مستقلا فى أموره مثل النظام القائم فى أمريكا بين الولا يات المتحدة فكل ولاية منها مستقلة بكافة شئونها الداخلية ولا يجمع بينها إلا وحدة الدفاع عن الوطن الأمريكى والسياسة الخارجية هذه كانت فكرة الأستاذ البنا والإخوان المسلمين جميعا فيما يختص بهذه المسألة أما القومية فإننا ننكرها جميعا وكفى ما حدث أيام هتلر عندما دعا الى أفضلية الجنس الآرى ..

وتفوقه على كافة الاجناس الأخرى وما يفعله اليهود من دعوات أنهم شعب الله المختار كل هذه أمور ليس منها خير للإنسانية باعتبار أننا كلنا فى النهاية جميعا أبناء آدم وحواء وإن اختلفنا دينا فيجب ألا نختلف الخلاف الذى يدعو الى القطيعة والحرب والقضاء والتدمير يجب أن نتعاون جميعا على مصلحة الانسان وكرامته أيا كان لونه وعقيدته أو أتجاهه .

طه حسين كان يدعو الى تقبل مصر للثقافة الأوربية كما دعا فى كتابه " مستقبل الثقافة فى مصر " الى الارتماء فى أحضان الغرب وقد جرت مواجهة بين الأستاذ حسن البنا والدكتور طه حسين وقال فيها الدكتور طه حسين للإمام الشهيد " ليت أعدائى مثل طه حسن البنا إذن لمددت لهم يدى من أول يوم " .

وقد كان من نتيجة هذا اللقاء أن عدل طه حسين عن آرائه التى سجلها فى هذا الكتاب .

الصوفية والأزهر

يقول الأستاذ عمر التلمسانى : " الإخوان فى حقيقة ألأمر ـ من ضمن مقومات دعوتهم أنهم ـ دعوة صوفية ولكنها الصوفية التى كانت معروفة فى صفوف الصدر الأول من الإسلام فإن كانوا ينتقدون الصوفية الآن فإنهم ينتقدونها للمظاهر التى تبدو ليس بينها وبين الشرع صلة كالرايات والطبل والرقص فى الشوارع بمناسبة شهر رمضان وغيرها هذا ما كنا نعترض عليه وكنا ننتقده ما كنا نحرم زيارة القبور وزيارة الأولياء وإن كنا ندعو الناس ألا يتمسحوا بالقبور وأن يعلموا أن الله وحده هو الفعال وإن كان حقا أن صاحب هذا بالطبع رجل صالح ومن أولياء الله إلا أنه لا يليق بمسلم أن يستعين بغير الله سبحانه وتعالى لأننا ليس بيننا وبين ا لله واسطة الا العمل الذى نقوم به .. "

أما موقف الإخوان المسلمين من الأزهر فيقول الأستاذ عمر التلمسانى : من ناحية الأزهر كنا ولا زلنا نحس أن تعيين شيخ الأزهر قيد من القيود التى تحد من حرية تصرف الأزهر فى إبداء القرار فى المسائل الدينية وكنا نتمنى أن ينزل رجال الأزهر الى العمل فى وعظ الناس وتوعيتهم ونحن لا نطلب من رجال الأزهر أن يكونوا سلطة تنفيذية ولكن كنا نريد منهم ولا زلنا أن يقوموا بواجبهم الدعائى للإسلام على الصورة التى ترضى المسلمين جميعا لأننا نعتقد أن كلمة حق واحدة من الأزهر لها أثرها فى نفوس العالم الإسلامى كله ولقد كنت على صلة دائمة بشيخ الأزهر المرحوم الدكتور عبد الحليم محمود وكلفنى فى فترة من الفترات أن ألقى دروسا تربوية على الوعاظ فى المدينة الجامعية بالأزهر التى أنشأها وحضرت معهم شهرا وساءنى أنهم ما كانوا يعنون بالوعظ قدر عنايتهم بحالتهم المادية وما يعانونه من شظف العيش وسوء المعاملة وعدم الاحترام الكامل لهم أثناء تأدية عملهم وكانت هذه الشكوى حقيقية كما كنت على صلة بكل رجال الأزهر حتى الشيخ عبد الرحمن بيصار رحمه الله أرسل الى فى يوم من الأيام سكرتيره الخاص وقابلته لمدة ساعة وتحدثنا فى الأمور العامة ومهام الأزهر ومهام الإخوان المسلمين فى جو ودى خالص وكنت دائم الاهتمام بالازهر ورجاله " .

موقفنا من الشيوعية

حدد الإخوان منذ نشأة الحركة رفضهم للشيوعية باعتبار أنها تنافى الفطرة الانسانية التى فطر الله سبحانه وتعالى عباده عليها وأنها تتبع تقنينا غير تقنيين الإسلام على طول الخط وقد حصلت محاورات ومناقشات واسعة داخل المعتقلات بين الإخوان المسلمين وأصحاب الفكر الماركسى ويقول الاستاذ عمر التلمسانى : المعتقلون كانوا ثلاثة أصناف : الإخوان ـ ا لشيوعيين ـ الوفديين وغيرهم وكانوا يسمونهم النشاط المعادى ولأننا كنا قريبين من بعضنا البعض فكنا نجلس ونتناقش ونتحاور ولكن أنا بالذات لم أكن أجد فى نفسى ميلا للدخول فى مثل هذه المناقشات أو الحوارات ولكن حصل حوار طويل بين بعض قادة الشيوعيين وأخ اسمه محمد عبد الحليم وكتب كتابا أسماه " وراء الأسوار " وهو كتاب يرد بالأدلة المنطقية بأن الإسلام خير كله وأن الشيوعية لا تصل الى الخير الذى وصل اليه الإسلام ولم يستطيعوا أن يوجدوا دليلا واحدا يدحضون به مقولة الأستاذ عبد الحليم خفاجى ..

والغريب ما فعله عبد الناصر بالشيوعيين حيث كان دخولهم السجن مرتبطا بترمومتر العلاقة مع موسكو وعلى سبيل المثال عام 1964 عندما كنا بسجن الواحات وحدث خلاف بين " خروشوف " وعبد الناصر ..

وخروشوف قال عن عبد الناصر : إنه " ولد طائش " فاشتدت نقمة عبد الناصر على الشيوعيين ظنا منه أنهم يحاولون العمل على خلعه من الحكم فاعتقل منهم الآلاف وعذبهم ولكنه فى النهاية كان تعذيبا لا يرقى لدرجة تعذيب الإخوان وعندما تم الصلح بين جمال عبد الناصر وبينهم وعادت المياة لمجاريها أفرج عن هؤلاء الشيوعيين وبقى الإخوان داخل السجون .

ويقول الأستاذ محمود عبد الحليم  : كان الأستاذ البنا يرى أ ن الوقت الذى نضيعه فى مهاجمة فكرة كالشيوعية نحن أحوج اليه لنشر فكرتنا وتوضيح معالمها وأهدافها ..

حتى الكتب التى ألفها بعض الإخوان عن الشيوعية لم يكن المقصود منها أكثر من تفقيه الإخوان فى الأفكار التى يضطرب بها العالم من حولهم .

ومع أن الإخوان لم يتعرضوا للشيوعية تعرضا مباشرا مما يعده الناس مقاومة إيجابية فإن الشيوعية العالمية كانت تعد الإخوان المسلمين ألد أعدائها وأكبر عائق فى سبيل انتشارها ..

والغريب أن الشيوعيين اتهموا حسن البنا فى نهاية الاربعينات فى منشوراتهم بأنه أكبر رأسمالى فى مصر وأنه يملك أسهما قيمتها ربع مليون جنيه ( بالارقام والحروف ) فى شركة الجريدة وربع مليون جنيه فى شركة الطباعة ـ وهى الشركات التى أنشأها الإخوان ولم يكن الإمام الشهيد يملك شيئا يذكر فى هاتين الشركتين سوى مرتبه الشهرى ..

ومنحته الهيئة التأسيسية أسهما فى حدود مائة سهم قيمتها أربعمائة جنيه ليكون ضمن هيئة المؤسسين كما يطلب القانون .

ويضيف محمود عبد الحليم : وقد أيقنت بعد قراءة هذه الورقة أن هناك تواطؤا بين الشرق والغرب أى بين الشيوعية والرأسمالية على إبادة هذه الدعوة الإسلامية من الوجود ..

أما الغرب فأدواته هم حكامنا وأما الشيوعية فإنها تفترس الشباب الغافل خالى الذهن فى غيبة الحقائق عنه وفى ظل حكم إرهابى كمم أفواه البراء ليطلق رعاع ا لشيوعيين عليهم ألسنة حدادا وألسنة كذابا آمنين من أن يعترض طريقهم من يستطيعون أن يفضحوا كذبهم ويدحضوا افتراءاتهم .

موقف عباس العقاد

ويقول الاستاذ عمر التلمسانى : " العقاد كان وفديا والوفد بطبيعته عادى الإخوان المسلمين لمصاتلح وفدية محضة ظنا منه أن الإخوان المسلمين إذا انتشروا سيكون فى هذا إضعاف لقوتهم كحزب صاحب أغلبية فى هذا البلد وطبعا هذا ألأمر لا يرضى السياسيين ولا يرضى الأحزاب فنابذوا الإخوان العداء وحملوا عليهم حملة شعواء وإنما كانت مخاصمة الوفد للإخوان لا تعدو الحملات الصحفية والتشهير والتشنيع إنما لم يتخذوا مع الإخوان الوسائل التى أتخذها إبراهيم عبد الهادى أو جمال عبد الناصر أو السادات لقد كانت خصومة كلامية لا أكثر ولا أقل " .

لقد عرضنا فى عجالة لبعض مواقف الإخوان من بعض الأطراف خلال الثلاثينات والاربعينات لنزيل الشبهات حول هذه المواقف وحتى لا يجد أساتذة التشويه فرصة للنيل من جماعة الإخوان لبعض مواقفهم والله الهادى .. وخلاصة القول : إن المؤامرات والدسائس قد أحاطت بجماعة الاخوان المسلمين من كل جانب سواء من وزارتى النقراشى وأبراهيم عبد الهادى أو الملك أو الإنجليز واتفقوا كلهم على شىء واحد هو : ضرورة التخلص من هذه الجماعة المسلحة وراح ضحية هذه المؤامرات الشهيد الإمام حسن البنا ولفقت عشرات القضايا للإخوان المسلمين ولكن الله سبحانه وتعالى قيض لهذه الدعوة وإظهار الحق فى جانبها قضاء عادلا ونزيها وقضاة مخلصين لاسلامهم ومصريتهم ولقد كانت أحكام القضاء فى تلك الفترة من الاحكام المشرفة وكانت أزهى فترات عدالة القضاء وساهم ذلك فى استمرار جماعة الإخوان فى ممارسة دورها الطبيعى ..

علاقتنا بالضباط الأحرار

علاقة الإخوان بجماعة الضباط الأحرار التى خططت ودبرت ونفذت انقلاب 23 يوليو عام 1952 علاقة تمتد الى الأربعينات وبدأت باتصالات للشهيد الإمام حسن البنا مع بعض القيادات والرتب فى الجيش المصرى فى إطار أنتشار دعوة الإخوان المسلمين وليس لأهداف أخرى كما يدعى بعض المغرضين وذهبوا فى ذلك مذاهب شتى .

وقد اتفق كل من ميتشل وصلاح عيسى وعبد العظيم رمضان على اتصالات الإمام الشهيد بالجيش وأن ذلك جاء عن طريق عزيز المصرى الذى كان على صلة وثيقة بالأستاذ البنا .

ويرد الأستاذ عمر التلمسانى على هذه المقولة قائلا : " هؤلاء الناس لأنهم لا يأخذون بالمفاهيم الإسلامية فإنهم يستطيعون أن يقولوا كما يشاءون ..

الذين اختلطوا بعزيز المصرى يرحمه الله يعرفون أخلاقه تماما .. ولو أنه مباح لى كمسلم أن أتحدث عن عزيز المصرى لتحدثت الكثير عن أيام أن كان مديرا لكلية البوليس وما كان يقوله للطلبة فى الكلية وما يعرفه الناس عن عزيز المصرى لقلت الكثير ولكنى أقول : إن عزيز المصرى وجد أن هذه الجماعة جماعة منظمة وتدعوالى العمل المادى الواقعى والتربية التى تنتهى بالوعى الكامل فاستهوته هذه الناحية فى جماعة الإخوان المسلمين

أما الفكرة الدينية فى حد ذاتها فلم يكن لها وجود فكانت ميول عزيز المصرى مجرد إعجاب لأنه عسكرى إعجاب بتنظيم إعجاب بقوة وبشباب طاهر هذا كل ما فى الأمر .

أما إن الإخوان أتصلوا ببعض ضباط الجيش فهذا صحيح وضباط الجيش أنفسهم اعترفوا بهذا وكان فى الجيش عشرات الضباط من الإخوان المسلمين واتصال الأستاذ الامام بهؤلاء الناس ليس فيه شىء مستنكر أو غريب إن الذى يدعو الشباب المدنى الى عبادة الله وترسيخ دينه ليس بعجيب أن يدعو القوات العسكرية أن تؤمن بالله وتصحح دينها ..

ولكن أصحاب النوايا التى يعلم الله خفاياها يريدون أن يشوهوا هذه الحركة وعزيز المصرى لم يكن واسطة بين الإخوان والضباط الأحرار لأن هذه الصلة كانت بعيدة تماما عن عزيز المصرى إنما حدث أن ألتقى الإمام الشهيد ببعض الضباط فى بيت عزيز المصرى والذين عرفوا هذا صوروها أن عزيز المصرى هو الواسطة بين الإخوان والضباط الأحرار وعندما وقع حادث هروب عزيز المصرى من مصر ووقوع الطائرة فى قليوب وكان يقود الطائرة عبد المنعم عبد الرؤوف أحد الضباط الذين كانوا يأخذون بمبادىء الإخوان المسلمين .

وجد أعداء الدعوة وخصومها فرصة يبنون على أساسها أن عزيز المصرى كان الواسطة وعزيز المصرى لا يصلح لدعوة إسلامية علىالاطلاق لأن تكوينه لا يقبل هذا الوضع أما ما يورده أنور السادات فى جميع كتبه عن علاقةالإخوان بالضباط الأحرار فليس فيها كلمة واحدة صحيحة وإذا كان يلتقى بالأستاذ البنا فقد كان يلتقى به كتلميذ مع أستاذ ولا يستطيع أنور السادات ولا غيره أن يقول للأستاذ البنا ما قاله فى كتابه " البحث عن الذات " من أنه هو الذى أنشأ جماعة الإخوان المسلمين مع حسن البنا ..

هذا الكلام لا أساس له من الصحة ولكن أنور السادات كان رئيسا للجمهورية وما كان أحد يستطيع أن يكذبه فى الوقائع التى ذكرها فى كتابه ولا يمكن أن نأخذ حرفا واحدا صادقا من كلامه فى البحث عن الذات سواء عن علاقته بالأستاذ البنا أو علاقته بجمال عبد الناصر ولو اطلع البعض منا على وثائق محاكمة اغتيال السادات لعرفوا تماما من هو أنور السادات .

وقد جاءت فكرة إنشاء تشكيله الضباط الأحرار بسبب عدم رضاء مجموعات من الضباط الشبان عن أستمرار الإحتلال الإنجليزى وتصرفات الملك ومفاسدة وكانت المبادىء الإخوان المسلمين سارية بين صفوف الضباط الشباب فبدأ نوع من التقارب فى وجهات النظر بين الإخوان والضباط الشبان والتقى الأستاذ البنا بالسادات مرة فى بيت عزيز المصرى ومرة فى المركز العام ولقد جرت إجتماعات ولقاءات فى المركز العام بيننا وبين مجموعة الضباط الأحرار لأتفاقنا على ضرورة القضاء على الأحتلال ولكن أن يتزايد أنور السادات ويقول : إنه أنشأ الإخوان مع الأستاذ البنا فهذا أمر غير مقبول منه ولم يكن الإخوان ينظرون لصلتهم بالضباط الأحرار نظرة استفادة وإنما كانوا ينظرون للصالح العام .

ولقد امتدت صلة الإخوان المسلمين مع الضباط الأحرار حتى قيامهم بتنفيذ انقلاب يوليو وكانت الصلات بين الجماعة والضباط الأحرار تتم فى صورة لقاءات منفردة أو جماعية وفى صورة تدريب بعض الضباط الأحرار لعدد من كتائب الإخوان على استخدام الأسلحة لمواجهة الاحتلال الإنجليزى وللدخول فى حرب فلسطين التى أبلى فيها الإخوان المسلمون بلاء حسنا باعتراف كثير من الضباط فى المحاكمات التى جرت حول الأسلحة الفاسدة بعد قيام الانقلاب وكانت اتصالات الإخوان بالضباط الأحرار تنبع من ابتغاء المصلحة العامة وتوسيع دائرة انتشار الدعوة الإسلامية داخل صفوف الجيش وكان الإخوان يتعاملون بنوايا حسنة مع مجموعة الضباط بينما نظر الضباط الأحرار لهذه العلاقة بمنظور هم الخاص وخاصة جمال عبد الناصر لتبدأ سلسلة غريبة من الأحداث التى تكشف الكثير عن طبيعة النظام الذى حكم ممارسات عبد الناصر بعد ان اعتلى الحكم ..

هكـذا أيدنا الحركـة

مع بزوغ فجر الثالث والعشرين من يوليو عام 1952 تحركت مجموعات من الضباط فى عدة اتجاهات وسيطرت علىالمواقع والمنشآت الحيوية معلنة قيام " حركة الجيش المباركة " ـ ظل هذا التعبير مستخدما حتى أضفى عليه قادة الحركة لفظ ثورة فى يناير 1953 ـ وتصدر هذه الحركة اللواء محمد نجيب كما عين علي ماهر رئيسا للوزراء ولم يستمر سوى 45 يوما فقط من قيام الحركة وأطيح به ليحل محله محمد نجيب ورحل الملك فاروق عن مصر يوم 26 يوليو 1952 ثم أصدرت حركة الانقلاب قانونا بالغاء الألقاب فى مصر فى 12 أغسطس 1952 ودعوة الأحزاب لتطهير نفسها .

ولا يهمنا الدخول فى تفصيلات هذه الحركة بقدر ما يهمنا التعرض لموقف الإخوان من الإنقلاب وقبل ذلك فهناك سؤال يطرح نفسه وهو : هل كان الإخوان على علم بموعد قيام الإنقلاب ؟

يقول الاستاذ عمر التلمسانى : " هذه المسألة هم يعترفون بها ـ الضباط الأحرار ـ وكانت الصلات بين بعض الإخوان وبعض القائمين بحركة الضباط ومنهم عبد الناصر وكانوا على لقاءات مستمرة ودائمة فى تنظيم هذا الأنقلاب ومدى مساعدة الإخوان للضباط الأحرار فى مثل هذه الحالة فكانت كل التصرفات تتم عن لقاءات واتفاقات من الإخوان المسلمين إنما كان ا لخطأ الذى أرتكبه ضباط الإخوان أنهم لم يدخلوا مجلس قيادة الثورة واكتفوا بقيادة القوات التى حاصرت قصر عابدين ورأس التين وغيرها من المنشآت وكان جديرا بهم أن يكونوا داخل هذاا لمجلس ليحكموا تصرفاته وفق شرع الله والذى يعرفه الكثيرون أنه قبل قيام الحركة كان هناك اتفاق بين الإخوان والضباط الأحرار على كيفية حكم مصر وتعاهد الضباط الأحرار والإخوان على ذلك أمام الشيخ محمد حسن الأودن رحمه الله عليه وصلوا المغرب جماعة خلفه على أنهم إذا تم الانقلاب يكون الوضع على صورة معينة وهى شريعة الله سبحانه وتعالى وكان هذا فى مايو أو يونيو 1952 دون أن يفكر الإخوان فى المشاركة فى الحكم لأن كل الذى بينهم هو تطبيق شرع الله بصرف النظر عمن يطبقه .

وقد أعلن الإخوان تأييدهم لحركة الجيش فى جلسة استثنائية للهيئة التأسيسية عقدت يوم 26 يوليو وأعلنت بيانها فى الأول من أغسطس فى مشروع بيان أعلنته وتعرب الجماعة فيه عن فرحتها بنجاح المباركة واحتوى بيان الجماعة عرضا لآراء الجماعة فى قضايا الاصلاح الاجتماعى والأخلاقى والسياسى والاقتصادى التى تواجه الشعب المصرى مع بداية العهد الجديد وقد ذهب والد الإمام الشهيد حسن البنا للمركز العام ـ للمرة الأولى منذ وفاة الإمام الشهيد ـ واتجه للمسجد وقال للإخوان : " أيها الإخوان اليوم تحققت رسالتكم إنه فجر جديد بالنسبة لكم ويوم جديد للأمة فاستبقوا الفجر أيها الإخوان شدوا من أزر نجيب وأعينوه بقلوبكم ودمائكم وأموالكم وكونوا جنوده فتلك هى رسالة ( حسن ) التى أراد الله لها النجاح " .

ويقول الاستاذ عمر التلمسانى : أيد المصريون قيام الانقلاب وقد أيدناه بالطبع لأننا مصريون ومسلمون عانينا الكثير من ويلات الاحتلال وتحكم القصر الكل كان يرضى عن هذا الانقلاب وكنا نحن نحرس المنشآت العامة فىمصر لكيلا تمس والمعنى أننا راضون عن هذه الحركة وأننا معها ما دمنا اتفقنا على أ ن نطبق كتاب الله وسنة رسوله فى حكم البلاد ومثل هذه الحركات كانت لا بد أن يؤخذ رأى الجهات المسؤوله فى كل هيئة وكل حزب وكانت قيادة الإخوان المسلمين تضم ( المرشد ومكتب الارشاد ) فلم تكن المسألةموضع خلاف ولكنها كانت نية مبيتة قبل أن تقوم هذه الحركة والذى عرفناه فيما بعد أن عبد الناصر كان على اتصال بكل الاطراف ألأخرى سواء الوفد أو الأحرار الدستوريين والشيوعية وكل الهيئات ولقد كنا فى غاية الوفاء فى حماية هذا ا لآنقلاب وحماية المنشآت بمفردنا .

وخلاصة القول : أن الضباط الأحرار تعاهدوا وأقسموا على أن يحكموا بشرع الله قبل قيامهم بهذا الانقلاب وعلى رأسهم جمال عبد الناصر وأوفى الإخوان بعهدهم فى مساندة ودعم الانقلاب وكان لبيان الإخوان فى تأييد الانقلاب بالغ الأثر فى كل ربوع مصر نظرا لامتداد وانتشار شعب الإخوان فى كل بقعة من أرض مصر وكان تأييدهم دفعة شعبية وضعت حركة الانقلاب على أرض صلبة للسيطرة على مقادير الأمور فى مصر .. وحين أيد الإخوان الانقلاب فإنهم لم يؤيدوا تأييدا أجوف مفرغا من المعانى والآراء وإنما طالبوا منذ اللحظة الأولى بالاصلاح فى كافة شئون البلاد استنادا الى أساس من الشرعية الإسلامية وتطبيق شرع الله فى أرضه .

ويقل الأستاذ صلاح شادى " لقد تنكر عبد الناصر ومعه ثمانية من مجلس قيادة الثورة لبيعتهم مع الإمام الشهيد والصاغ محمود لبيب وعبد الرحمن السندي بعد نجاح الحركة فى الوقت الذى تأخر فيه موعد قيام الحركة فى يوليه 1952 يوما فى انتظار موافقة المرشد حسن الهضيبى الذى ذهب نفر من الإخوان الى الاسكندرية للحصول على موافقته " .

تنكر عبد الناصر لتأييد الإخوان وبعد 29 شهرا من قيام الانقلاب كان قد أطاح برؤوس عدد من الشهداء الأبرار وألقى بالمئات بل الألوف خلف أسوار السجون والمعتقلات من الإخوان المسلمين .

ويقول الاستاذ عمر التلمساني : " أشهد الله أن ا لمرحوم حسن الهضيبي وفؤاد سراج الدين كانا الوحيدين فى مصر اللذين قطعا من اول أيام الحركة أن جمال عبد الناصر رجل لا يؤمن وفاؤه بعهده "

الباب الثالث: قصتنا مع إنقلاب يوليو

خلافاتنا مع الإنقلاب

كانت نزعةالتحمس والتأييد غالبة على كافة أعضاء الإخوان لقيام هذه الحركة بينما طالبت قيادة الإخوان مجموعة الضباط بأن يسيروا على الخط الإسلامى وقد سبق أن قطعوا على أنفسهم عهدا بذلك وقد تصور بعض الكتاب ـ من أصحاب الأغراض ـ أن فى هذا وصاية على الانقلاب وعلى زعمائه ومنهم الكاتب د. عبد العظيم رمضان .

ويقول الأستاذ عمر التلمسانى : للأسف الشديد أن كل كتابات عبد العظيم رمضان فى هذا الموضوع كتابات مغرضة لم يقصد بها إلا تشويه وضع الإخوان المسلمين جمال عبد الناصر من أول الأمر كان يريد التخلص من كل حزب وكل هيئة وجماعة ومن كل قوة موجودة وكان هذا أسلوبه وتخطيطه حتى من قبل أن تقوم حركة الضباط الأحرار فالمسألة لم تكن مسألة نزاعات أو صراعات مع قادة الانقلاب وإنما كانت النية مبيتة ومسألة تنفيذ خطة قديمة ليصل بها جمال عبد الناصر حتى أنه تخلص بعد ذلك من زملائه فى مجلس قيادة الثورة والقصة معروفة للجميع .

قانون الاصلاح الزراعى

طرح موضوع تحديد الملكية الزراعية بعد قيام الانقلاب بقليل ـ الذى ادعت حركة يوليو أنه من بنات أفكارها وإنما جرت محاولات كثيرة فى هذا المضمار قبل قيام الحركة ولقد طرح هذا الأمر وقال الإخوان كلمتهم فيه .

ويقول الاستاذ عمر التلمسانى : " ما يثار أن إدلاء الإخوان المسلمين برأيهم فى قضية تحديد الملكية الزراعية هو بداية الصدام مع نظام الضباط الأحرار إنما هو فى الحقيقة أوهام فى رءوس البعض فكون أن الإخوان طالبوا أن يكون الحد الأقصى لملكية الأرض 500 فدان بينماأصرت الحركة على تحديدها بحوالى 200 فدان فقط هل فى هذا صدام ؟ .. نحن رأينا أن هذا الحد معقول وهم رأوا عكس ذلك فهذا مجرد خلاف فى وجهات ا لنظر لقد أيدنا تحديد الملكيات الزراعية واختلفنا معهم فى رقم التحديد ليست مشكلة يصورها البعض على أنها الصدام الأول وغيره " .

وصدر قانون الاصلاح الزراعى فى أول اجتماع عقدته وزارة محمد نجيب يوم 8 سبتمبر عام 1952 وأصدر معه أيضا قانون تنظيم الأحزاب السياسية الذى قضى بعد ذلك على كل الأحزاب القديمة .

ثم قللت الحركة بعد ذلك الحد الأقصى فوصل الى 100فدان عام 1961 ثم 50 فدانا للفرد و100 فدان للأسرة عام 1969 وهذا القانون الذى فاخرت به حركة يوليو وحشت به رءوس جيل الخمسينات وحتى الثمانينات ضجت الشكوى من تطبيقه بسبب ما فعله فى الكثيرين فقد تفتت الملكيات الزراعية وأهملت الارض وتناقصت رقعة الارض الزراعية حتى بعد استصلاح آلاف الفدادين وضج الملاك من تعسف القانون إزاء حقوقهم ونمت ثمار جديدة فى ا لريف المصرى بين صغار الملاك ـ على حد قول الأستاذ صلاح منتصر * ـ والمسـتأجرون هم ثمارا لحقد والعداء وسلسلة طويله من جرائم إحراق المنازل وسم المواشى وإتلاف المزروعات وبعد أن كان المالك هو إقطاعى ما قبل الثورة أصبح المستأجر فى نظر كثير من صغار الملاك هو الإقطاعى الجديد الذى يحتكر الانتفاع بالآرض بينما الفتات للمالك الذى وصل به الحال الى حد عدم مقدرته على رؤية أرضه إلا بتصريح من المسـتأجر .. "

فتح ملفات اغتيال الشهيد البنا

وفى محاولة لاجتذاب الراى العام قرر مجلس قيادة حركة الانقلاب تصفية نفوذ البوليس السياسى وعلى رأسهم محمد الجزار الذى خطط ودبر لجريمة اغتيال الشهيد البنا كما تم الاعلان عن إعادة التحقيق فى مقتل الشهيد البنا التى حفظت دون التوصل الى شىء ـ أو هكذا أرادت السلطات فى ذلك الوقت مع السراى .. كما تم الافراج عن قتلة المستشار الخازندار ..

ويقول الاستاذ عمر التلمسانى : " لم يكن هذا نوع من إظهار النوايا الحسنة من جانب قيادة الثورة بقدر ماكان أسلوبا من أساليب جمال عبد الناصر لكسب الرأى العام لأن الرأى العام كام مع مرتكبى الحوادث السياسية وكان يعطف عليهم وكان أسلوب جمال عبد الناصر أن يفرج عن هؤلاء اكتسابا لشعبية الرأى العام فى البلاد وليس تقربا من الإخوان... "

والجدير بالذكر أن التحقيقات فى قضية اغتيال الشهيد حسن البنا كانت قد حفظت بأمر من النائب العام الذى أمر بحفظه وتقييد الجناية ضد مجهول وبعدها بقليل أنعم الملك فاروق برتبة البكوية على محمود عبد المجيد مدير المباحث الجنائية بوزارة الداخلية مكافأة له على التخلص من الشهيد حسن البنا ؟ !!

وبعد قيام حركة الانقلاب أمرت القيادة بالقبض على العميد محمود عبد المجيد والقبض على المتهمين الآخرين وأصدرت المحكمة حكمها محمد محفوظ ومحمود عبد المجيد بالاشغال الشاقة 15 سنة وان يدفعوا عشرة آلاف جنيه لزوجة الإمام الشهيد وباحكام أخرى بالتعويض وأثبتت التحقيقات تواطؤ كل من البوليس السياسى والقصر فى مؤامرة اغتيبعد مداولات طويلة ( من 10نوفمبر 1953 الى 2أغسطس 1954 وبلغ عدد صفحات أوراق القضية أربعةآلاف صفحة ) بمعاقبة أحمد حسين جاد بالأشغال الشاقة المؤبدة و ال الشهيد البنا ..

حكاية الوزارة

ثار جدل كبير حول موقف الإخوان المسلمين من مسألة الاشتراك فى الوزارة وانهالت كثير من الاتهامات للإخوان حول هذه المسألة وكان لا بد من جلائها إحقاقا للحق والحقيقة .

يقول الأستاذ عمر التلمسانى : لقد طلبنا الاشتراك فى الوزارة ووافق مجلس قيادة الثورة على ترشيح ثلاثة أسماء فقط فعرض عليه الأستاذ حسن الهضيبى ثلاثة مرشحين هم حسن العشماوى ، عبد القادر عودة ، منير الدلة ، الحقيقة أن جمال عبد الناصر لم يرد أحدا من الإخوان المسلمين وقال عن الثلاثة : إن حسن العشماوى ما زال صغيرا وعن منير الدلة : إنه ما زال مساعد مستشار فى مجلس الدولة ولا يصح أن يصبح وزيرا وقال عن عبد القادر عودة إنه" ثقيل الدم " كانت النية مبيتة أما مسألة عرض الوزارة على الأستاذ أحمد حسن الباقورى فلم تكن بترشيح من الإخوان المسلمين وإنما كما قال الأستاذ الباقورى إنه حاول الاتصال بقيادة الإخوان ليأخذ رأيها فى مسألة ترشيحه فعجز عن الاتصال فقبل الوزارة وانتهى الأمر واستقال الباقورى من الإخوان وبقى فى الوزارة إلى أن خرج منها بالصورة التى يعرفها الناس وقد رشح الأستاذ الهضيبى لهم وزير العدل ولم يكن من الإخوان وإنما كان مستشارا فى فى محكمة النقض وبالفعل تولى وزارة العدل وقد قرر مكتب الارشاد بالاجماع عدم الاشتراك فى الوزراة لقد كان الإخوان يعلمون نية عبد الناصر التخلص منهم ولكن ماذا كنا نفعل ونحن لسنا دعاة عنف أو صراع أو تخريب ؟ فقط نعمل على النصح وندل علىالطريق السليم لخير هذا البلد والجميع يعلمون أن الإخوان بعد رفضهم الاشتراك فى الوزارة لم يأتوا باآ رد فعل فى معاداة الانقلاب وانصرفوا لدعوتهم فى سلام .

وقفة عند شخصية عبد الناصر

وكان لا بد من أن نتوقف هذه الوقفة عند شخصية الرجل الذى اعتبر المحرك الرئيسى لجماعة الضباط الأحرار والذى كان يبيت النية للتخلص من الإخوان المسلمين .

ويقول الاستاذ التلمسانى : " لقد التقيت بجمال عبد الناصر كثيرا والحقيقة أنه كان فى حديثه ملفتا للنظر وكان لين الجانب بصورة عجيبة كان هادىء الطبع فى لقاءاته مع الإخوان المسلمين ولكنه كان يخفى غير ما يظهر لأنه كما ثبت من كتابات السادات وغيره أن جمال عبد الناصر التقى بجميع الهيئات والاحزاب فى مصر وكذلك بالشيوعيين والدستوريين ومصر الفتاة والإخوان شخص مثل هذا الانسان لا يمكن القول بأن له مبدأ من المبادىء يتمسك به وإنما كان يتسلل الى صفوف كل هذه الجماعات والهيئات والاحزاب ليعلم دخائلها وليكون لنفسه مستقبلا على أ ساس هذه المعلومات فلما هيأت له الظروف فرصة الانقلاب العسكرى الذى حصل استفاد من هذه الخبرات وتخلص من الوفد والأحرار الدستوريين أولا ولم يرض أن يضم الإخوان المسلمين فى هذا الأمر ثم انفرد بالسلطان ولم يكن أمامه غير الإخوان المسلمين فانقلب عليهم واستعمل معهم كل الوسائل غير النظيفة التى كتبت عنها الصحف والمجلات وأصدرت بشأنها محاكم الجنايات أحكامها .

ولقد دعانى ذات مرة عبد الناصر فى منزله بمنشية البكرى يوم 9 سبتمبر 1954 أنا وتسعة من الإخوان فالتقينا به هناك وأخذ يقص علينا كيف لم يرض عن رؤساء الوزارات الذين عينهم لنهم اختلفوا معه فى طريقة الوصول لأحسن السبل لحكم مصر بحرية كاملة فوصف محمد نجيب بأنه " فقر " ووصف على ماهر بأنه " خبيث " وأنه كان يميل للرأسمالية ويريد العودة للحكم القديم وأخذ يسرد كل هذه ا لأحداث الى أ ن وصل الى كلمة أنه يعانى كثيرا ويخاف من حماقات بعض الضباط الأحرار واعتبرت أنا بالذات هذا القول تهديدا للإخوان المسلمين فكان ردى عليه : إنك رئيس الوزارة وتستطيع أن تقبض وتحبس وتحاكم ولكن لا داعى للتهديد ونحن فى منزلك أنت طلبتنا للقائك فلا يليق أن تهددنا فى منزلك بحماقات الضباط الأحرار وكان يعنى أنهم يريدون الدخول على بيوت الإخوان المسلمين وتدميرها وتخريبها وقتل من فيها هذا الذى كان يريده ولكنه حاول أن يبرر هذا الكلام بأنه لا يقصد المعنى الذى استقر فى ذهنى ولعل جمال عبد الناصر كان يفكر فى إدخالى السجن مع من أدخلهم رغم علمه بأننى بطبيعتى لا أقر أعمال العنف ولاشىء من هذا القبيل ..

هذا هو جمال عبد الناصر ولقد بدأ عبد الناصر فى التنصل من وعوده وكان الكثير من الإخوان يبررون تصرفاته أمام الإخوان حين يقع الشقاق بين الإخوان وعبد الناصر " .

لعبة التطهير !

وبدأ جمال عبد الناصر ينفذ ما وضعه من قواعد اللعبة الخاصة بالتخلص من كل خصومة أو قوى الضغط أو القوى التى يحسب لها حساب فى شعبيتها وتأثيرها وكانت المناورة التى اتبعها عبد الناصر ففى 10سبتمبر طلبت حركة ا لانقلاب من الاحزاب أن تقدم إخطارات إعادة تكوينها وتطهير نفسها وبالطبع كان جمال عبد الناصر يعرف بحكم اتصاله بهذه الأحزاب ما سيحدث وقد حدث فعلا صدامات داخل هذه الأحزاب فغرقت هذه الأحزاب فى تصفية حساباتها القديمة على حساب استمرارها .

ويقول الأستاذ عمر التلمسانى : " لقد اكتشف الأستاذ الهضيبى هذه اللعبة من أول خطوة خطتها .. وقال : إن جمال عبد الناصر سيتخلص من الاحزاب بطلبه أن تطهر نفسها ثم يترك الإخوان المسلمين لأنه أراد أن يتخلص من الأحزاب لينفرد بالإخوان المسلمين دون ان يكون فى البلد أية هيئة أخرى هذا ما توقعه الأستاذ الهضيبى وقاله للذين يحسنون الظن بجمال عبد الناصر لا تفرحوا بحل الاحزاب فالدور آت عليكم وفعلا حصل ما توقعه الأستاذ الهضيبى رحمه الله عليه .. فعندما تخلص عبد الناصر من الاحزاب التفت للإخوان وانقلب عليهم وفعل بهم ما فعل بعد ذلك ولقد أراد جمال عبد الناصر أن تقسم الأحزاب وتنهار وأن تشتم نفسها بنفسها ثم أصدرت قيادة ا لانقلاب قرار ا فى 17 يناير 1953 بحل جميع الأحزاب القديمة كما توقع الأستاذ الهضيبى .

وهنا نورد واقعة ذكرها الأستاذ عبد العظيم رمضان حيث يقول: " ففى صبيحة يوم الحل حضر الى مكتب جمال عبد الناصر ـ كما يقول بيان مجلس الثورة فى هذا ا لشأن ـ كل من صلاح شادى ومنير الدلة ودار بينهما وبينه حديث مثير بدأه الإثنان بقولهما : " الآن وبعد حل الأحزاب لم يبق من مؤيد للثورة إلا الإخوان .. ولهذا فإنهم يجب أن يكونوا فى وضع يمكنهم من أ، يردوا على كل أسباب التساؤل ! " وقد سألهما عبد الناصر عما هو ا لوضع المطلوب فأجابا بأنهما يقصدان الاشتراك فى الوزارة . فرد عليهما عبد الناصر قائلا " إننا لسنا فى محنة وإذا كنتم تعتقدون أن هذا الظرف هو ظرف المطالب وفرض ا لشروط فأنتم مخطئون " . فا قترحا عليه حلا آخر يشركهم فى الحكم من وراء ستار ويقضى بأن تتكون لجنة من هيئة الإخوان تعرض عليها القوانين قبل صدورها للموافقة عليها واعتبر أن هذا الحل " هو سبيلنا لتأييدكم إن أرتم التأييد " .

ولكن جما ل عبد الناصر أجابهما بأنه قد سبق أن قال للمرشد " لإننا لن نقبل الوصاية وأنه يكررها اليوم مرة أخرى فى عزم وإصرار” .

ويقول الأستاذ عمر التلمسانى : " هذه الوقائع التى رواها د . عبد العظيم رمضان رواها من جانب واحد هو مجلس قيادة الثورة وكان لزاما عليه ـ ككاتب موضوعى ـ أن يسأل الطرف الآخر ولكنه اكتفى بما حصل عليه من جانب واحد واستقى المعلومات من بيان مجلس قيادة الثورة والبيان عملة ذات وجه واحد والإخوان هم الوجه الآخر للعملة وكان عليه أن يسأل قيادة الإخوان المسلمين عن صحة ما ورد فى البيان وعن مدى مطابقته للحقيقة ولكن لم يفعل سوى قراءة بيان مجلس قيادة الثورة وبنى حكمه على هذا الأساس ولا يستطيع قاض أو مؤرخ أن يحكم على الاحداث والأمور إلا بعد سماع كل أطراف المسألة " .

إنشاء هيئة التحرير

وواصل عبد الناصر خطواته لترسيخ أقدامة فى الحكم فعمل على إنشاء هيئة التحرير كتنظيم يعمل على حمايته على المستوى الشعبى وبث فكرة " الثورة " فى الجماهير وكان المقصود منها أن تسحب البساط من تحت أقدام جماعة الإخوان والقضاء عليها بعد ذلك فتفقد رد الفعل الجماهيرى إزاء الإطاحة بها أما ما يذكره بعض الكتاب من تعبيرات مثل الصراع الاجتماعى الذى أورده الدكتور عبد العظيم فى إنشاء هيئة التحرير فيقول الاستاذ التلمسانى :" كل اتعبيرات والشعارات الشيوعية تأخذ نوعا ولونا من الضخامة الصراع السياسى الدموى وفوارق الطبقات كلها شعارات وألفاظ ضخمة لا حقيقة لها وفيها إضفاء من ا لمؤلف على ما يكتب أما هيئة التحرير فإنها من تدبيرات عبد الناصر الذى كان يريد أن يقاوم بها جماعات الإخوان المسلمين ولكنه عندما أنشأ هيئة التحرير طلب منا أن نضع له قانون إنشاء هذه الهيئة فتولى ا لأستاذ محمد البهى رحمة الله عليه وضع أسس هذا التنظيم وسلمة لعبد الناصر وكان فى رأى بعض الإخوان أن ينضموا الى هذه التشكيلة ولكن الأغلبية الساحقة رفضت أن تنضم الى أى تشكيل آخر غير الإخوان المسلمين . "

الخلاف بين المرشد والسندى

وقع هذا الخلاف بين المرشد الأستاذ الهضيبى عبد الرحمن السندي رئيس الجهاز السرى عندما رأى المرشد تجاوزات السندى .

ويقول الأستاذ عمر التلمسانى : " رأى بعض الإخوان ـ نتيجة لأخطاء الجهاز السرى وتجاوزاته ـ أنه لا داعى لوجودة على هذه ا لصورة ثم أعلن عبد الرحمن السندي خروجه على الجماعة وكنت من الداعين بعدم استمرار هذا الجهاز ـ لأننى بطبيعتى لا أميل للسرية ـ وخلافه لم يكن مع الأستاذ الهضيبى وإنما كان مع الإمام الشهيد حسن البنا وإن كان الأستاذ صالح العشماوى قد اتخذ موقفا من الاستاذ الهضيبى فإنما مرجع ذلك الى أن تشكيل مكتب الارشاد فى بدء عهد الأستاذ الهضيبى كان أكثره من الحقوقيين والمدنيين ولم يكن فيه أحد من المشايخ أو علماء الدين كما يقولون هذا من أسباب الخلاف وبدأت المنازعات الى أن بلغ الأمر الى أن الفريق الذى كان يناصره الأستاذ صالح العشماوى ذهب الى بيت الأستاذ الهضيبى وقطعوا التليفون وأساءوا اليه وأخرجوه من منزله واحتلوا المركز العام فترة من الوقت وكانت خلافات داخل إطار الإخوان ويحدث مثلها كثيرا فى الهيئات والاحزاب وليست الأمور كما صورها الدكتور عبد العظيم فى السلسلة التى نشرها فى مجلة روزا ليوسف ولم أقرأها ولا أعرف عنها شيئا إلا من بعض الإخوان وكنت أطلب منهم أن يهملوها ولا يعنوا بالرد عليها .

ويضيف الأستاذ التلمسانى : " أما ما قاله عبد العظيم رمضان عن ضعف سلطات الأستاذ الهضيبى على الجهاز السرى بعد تعيين " يوسف طلعت " فهذا كلام غير صحيح لأن الأستاذ الهضيبى والإخوان يفهمون أن النظام الخاص لم ينشأ إلا لأغراض معينة فلما شطح الفكر ببعض الشباب وارتكبوا بعض الأحداث لم يرض عنها الاخوان المسلمون .. اراد الأستاذ الهضيبى أن يضيق دائرة التصرفات الفردية والشخصية وأن يحكم السيطرة عليها فكان يوسف طلعت من الذين يستجيبون للأستاذ الهضيبى ولم يحدث بين الاستاذ الهضيبى و يوسف طلعت أى خلاف إطلاقا "

شبهة الاتصال بالإنجليز

ويبدو أن عبد الناصر كان يتمنى أن ينفض شمل الإخوان فى الخلاف الذى وقع خلال عام 1953 ولكن الإخوان استطاعوا أن يتفادوا امتداد تأثيرات الخلاف الى الخارج واستطاعوا توحيد صفوفهم ونبذ العناصر الخارجة فألقى عبد الناصر بورقة أخرى فى سبيل خطواته للتخلص من الإخوان المسلمين وكانت الورقة الجديدة التى ألقاها عبد الناصر هى أن تحوم الشبهات حول الإخوان باتصالات لهم مع الإنجليز وإجرائهم مفاوضات سرية من وراء ظهر الحكومة ويقول الأستاذ صالح أبو رقيق فى مجلة الدعوة تحت عنوان الحقيقة الكاملة فيما يدور عن الإخوان المسلمين والأسلحة والإنجليز " والحقيقة التى أشهد الله عليها وألقاه بها أن المرحوم الأستاذ حسن العشماوى لم يقابل المستر كروزول " الوزير المفوض البريطانى فى مصر فى ذلك الحين " لا فى فى بيته ولا فى غير بيته .. أولا : يدعون أن الزيارة المزعومة قد حدثت فى العاشر من الليل ولم يقل لنا متى بدأت ؟ والحقيقة التى تبطل كذب القوم ان الأستاذ حسن العشماوى كان معتقلا فى السجن الحربى مع الكثيرين من إخوانه بأمر من صديقه جمال عبد الناصر .

والحقيقة أنه كانت هناك أتصالات بين الحكومة والإخوان من ناحية والإنجليز من ناحية أخرى بخصوص الجلاء عن البلاد .. وكانت كل هذه المحادثات بالطبع تصل عبد الناصر أولا بأول وذلك بحضور كمال الدين حسين وعندما استشعر جمال عبد الناصر أن الثمرة فى سبيلها الى النضوج أراد إخراج الإخوان المسلمين من الصورة فافتعل حادث جامعة القاهرة واتخذه ذريعة لاعتقال مجموعة كبيرة من الإخوان المسلمين وكنا ضمن المعتقلين فى السجن الحربى فى أول يناير 1954 وأصدر بيانا يتهم الإخوان المسلمين بالاتصال بالإنجليز كان لقلب نظام الحكم وقلنا يا للعجب ! .. حسبنا الله ونعم الوكيل أما مسألة الأسلحة فقد أصدرت الحكومة بينا تتهمنا بمؤامرة وباتصلات كاذبة وبحيازة أسلحة للتآمر فى عزبة حسن العشماوى مع أنها أسلحة عبد الناصر نقلناها بطلب منه من مكاتب الثكنات لرفع الحرج عنه ووضعناها فى عزبة حسن العشماوى بعلم وبرأى منه " .

ورد الأستاذ حسن التهامى على هذه الوقائع فى شهادة للتاريخ * فيما نشر فى المقال بشأن اتصال بعض قيادات الإخوان المسلمين بالسفارة البريطانية فى القاهرة وذلك عام 1954 فإنه وإن كانت أمور عديدة مثل هذه الأمور فى ذلك الوقت لم تكن من مسئوليتى المباشرة أثناء عملى مع عبد الناصر فى تلك السنوات كما لم يشأ عبد الناصر منى أن أتدخل فى سياسته الداخلية بشأن الإخوان المسلمين بالذات ولعلمة بالنظرة الإيمانية الهادفة التى آليت على نفسى منذ زمن بعيد ـ قبل الثورة وبعدها ـ أن أنتهجها خطا أساسيا فى فكرى ومعاملاتى " .

إلا أنه أمام ما نشرته المجلة ـ روزاليوسف فى عددها 2601 فى باب حوار الأسبوع تحت عنوان " هذه الحقيقة " صفحة 41 والتوجيه الصريح أن أدلى بفكرى إزاء ما نشرته المجلة فلا يسعنى إلا أن أقول بأننى سمعت عبد الناصر شخصيا يتحدث فى مبنى قيادة الثورة فى الجزيرة عن اتصال بعض الإخوان ا لمسلمين وأن مجموعة قيادية ومن بينهم السيد حسن عشماوى ـ الذى كان كثير التردد على عبد الناصر وكان الكثير يعرفون عن صلتهما ولقاءاتهما المتكررة وقد حضرت اليه المجموعة القيادية لتخبره بأن البريطانيين يسعون للإتصال بالإخوان للتفاهم عن أوضاع داخلية أساسها كما سمعت من حديث عبد الناصر دخول الإخوان المسلمين فى محاولة للإمساك بالحكم وأن عبد الناصر قد صرح لهم بإجراء هذه الاتصالات وإبلاغه بما يتم وإحاطته علما بمخطط الإنجليز الذين يهدفون اليه وحسب علمى وما كان يعرفه كثيرون ممن حول عبد الناصر وأبلغ الإخوان عبد الناصر بنتائج هذا الإتصال ...

وهكذا شهد شاهد من أهلها بأن الاتصالات لم تكن تجرى فى الخفاء ومن وراء ظهر نظام عبد الناصر وإنما كان يعلم بكل ما يجرى ولكنه تنكر لذلك مدعيا وملمحا باتصال الإخوان مع جهات أجنبية .

إفتعال أحداث الجامعة

ويبدو أن جمال عبد الناصر قد عقد النية على افتعال مواقف تكون مبررا وذريعة له لتصفية حركة الإخوان بشكل نهائى ففى 12 يناير 1954 التقى طلاب الجامعة ببعض أعضاء جماعة الإخوان المسلمين وكانت ا لمناسبة الاحتفال بالذكرى السنوية لشهداء الجامعه ثم ظهرت مجموعة من الأشخاص ينتمون الى هيئة التحرير التى شكلها عبد الناصر لمواجهة الإخوان وحدث نوع من الصدام والذى كان واضحا أن المجموعة التى خططت له كانت تهدف لوقوعه .

ويقول الأستاذ عمر التلمساني : " لقد أرادت مجموعة من هيئة التحرير افتعال هذا الموقف حتى يحدث الصدام بينها وبين جماعة الإخوان أمام حضور الزعيم الإيرانى " نواب صفوى " الحفل فلم يكن مقصودا به استعراض القوة كما يردد بعض الكتاب وإنما دعى هذا الرجل ليحضر هذاالآحتفال فى إطار دعم الصلات بين الإخوان المسلمين والشباب الإيرانى ولم يكن احد من الإخوان مسئولا عن إثارة هذاالتوتر أو الصدام لأنهم كانوا يرتبون لحدوث الصدام بأوامر عليا حتى يجد عبد الناصر ذريعة للتخلص من الإخوان وبأنهم مثيرون للشغب "

ومن نافلة القول أن نقول : إن الإخوان المسلمين قدموا تأييدهم ودعمهم لانقلاب يوليو دون شروط سوى الالتزام بما قطعه عبد الناصر وجماعته على انفسهم ـ ولا يستطيع احد منهم أن ينكر ذلك ـ بتطبيق شرع الله فى ا لبلاد ولكن ما كان من الواضح أن بريق القوة والسلطان الذى أصاب تشكيل الضباط الأحرار قد جعلهم يتنكرون لهذه العهود وكانت خلافات الإخوان مع أعضاء مجلس قيادة الثورة خلافات فى إطار المصلحة العامة ولم تتخذ سبيلا الى الصدام أو العنف ولكن عبد الناصر كان ينوى التخلص من منافسيه فى الزعامة الشعبية ولذلك فقد كان مخططه هو التخلص من بقايا العهد القديم ثم التفرغ لمواجهة الحركة التى امتدت الى الحاضر بشكل أقوى رغم المحن التى لا قتها ورغم حملات التشويه والتزييف وكل ما يقال عن فرصة الإخوان المسلمين لوصايتهم أو محاولتهم ذلك على مجلس قيادة الثورة هو اختلاق للمعاذير لما فعلته يد عبد الناصر بعد ذلك ولو كان الإخوان يسعون للسلطة لأقام الاستاذ الهضيبى الدنيا ولم يقعدها يوم رفض جمال عبد الناصر الأسماء التى رشحها له .. ولكن شيئا من هذا لم يحدث .

حـــل الجماعة

استقر فى ذهن جمال عبد النصر أن يطيح بجماعة الإخوان المسلمين بدعوى حفظ النظام العام فبعد يوم واحد من الصدام المفتعل لحماة النظام الجديد " هيئة التحرير " داخل أسوار الجامعة القاهرة قرر مجلس الوزارة حل جماعة الإخوان المسلمين بحجة أنها أعلنت نفسها " حزبا سياسيا " وصدر قرار الحل يحمل بنودا أبسط ما يقال عنها أنها جحود ونكران للوقفة التى وقفتها الجماعة مع قادة الانقلاب فقد أنكر هذا القرار تأييد الأستاذ الهضيبى للإنقلاب ومناهضة قانون الاصلاح الزراعى بينما لم يفعل الأستاذ الهضيبى سوى إعلان بأن الحد الأقصى للملكية الزراعية يجب أن يكون 500 وليس 200 فدان وفى نفس الوقت فإن البيان قلب الموازين فجعل الثورة هى الحمل الوديع فى مواجه " غول " الإخوان وأنها فعلت الكثير من أجلهم مثل إعادة التحقيق فى مقتل الأستاذ البنا والإفراج عن المعتقلين السياسيين " وإنقاذ " الحكومة الإخوان من التعرض لأحكام قانون الأحزاب السياسية وأن الجماعة أرادت فرض وصايتها على شئون الدولة وأن الإخوان يتسترون خلف ستار الدين لتحقيق أغراضهم واجتماعاتهم مع الإنجليز من خلف ظهر الحكومة ومعارضتهم لأنشاء حزب التحرير وعديد من الأكاذيب والافتراءات وأن الإخوان كانوا يدبرون لقلب نظام الحكم وتم حل الجماعة والقبض على 450 من أعضاء الجماعة .

ويقول الأستاذ عمر التلمسانى : " لم يبلغ قرار الحل لجماعة الاخوان المسلمين وإنما ذهبت قوات الشرطة لبيوت المطلوب القبض عليهم وقبضت عليهم ووضعتهم فى السجون والمعتقلات وفى اليوم التالى صدرت الصحف تنشر هذا ا لخبر وقالت : إن هؤلاء الأشخاص هم الذين كانوا سيحكمون مصر إذا فشلت حركة الضباط الأحرار لقد كان تصرفا فرديا من جانب جمال عبد الناصر بقبضه على الاخوان ولم أكن من الذين قبض عليهم فى يناير ولكن فى فبراير قبض على ومعى المرحوم عبد القادر عودة وبعض الإخوان الآخرين عندما رأى رجال الانقلاب أننا لا زلنا على قلب رجل واحد من الذين هم داخل المعتقلات قبض علينا وأفرج عنا بعد شهر عندما حدث خلاف بين رجال وضباط الانقلاب وبين بعض وحدات الجيش وسلاح المهندسين فأفرج عنا جمال عبد الناصر ليظهر للبلاد أنه رجل ديمقراطى ورجل حرية وأنه لا يريد أن يعاقب فلما استتب له الأمر تخلص من نجيب ومن معه وظهرت نواياه الحقيقية وتصرفاته , ولم يكتف جمال عبد الناصر بقرار الحل وإنما ذهب الى أبعد من ذلك فقد وجه صحافة مصر فى الوجهة التى يريدها وجعلها تشن حملات مكثفة من التشويه والتزييف وكان من بين هذه حملات ما نشرته الصحف فى 18 يناير 1954 بعنوان " ضبط مدافع وديناميت عند الإخوان ، 219 قنبلة و 15 مدفعا و10 آلاف طلقة ومحطتين للإذاعة والعثور على مخزن للأسلحة ومواد تنسف مدينة كاملة فى عزبة حسن العشماوى ومعها كتاب عن الجرائم السياسية فى القرن العشرين .

ويقول الأستاذ التلمسانى : " الحقيقة التى يعرفها الكثيرون أن جمال عبد الناصر وبعض الضباط الأحرار كانوا يشتركون فى تدريب الإخوان على استعمال الأسلحة فى النظام السرى من عام 45 ـ 1947 بقصد تدريبهم على إجادة استخدام الأسلحة لمحاربة اليهود والإنجليز وعندما حدث حريق القاهرة فى يناير 1952 كان لدى جمال عبد الناصر وبعض الضباط الأحرار كثير من أسلحة الجيش فى بيوتهم بغير حق وعلى صورة يؤاخذون بها عسكريا فلما أحسوا بالخطورة فى حريق القاهرة طلبوا من الإخوان أن يساعدوهم فى إخفاء هذه الأسلحة وفعلا استخدموا سيارات بعض الإخوان فى نقل هذه الأسلحة الى عزبة العشماوى باشا ووضع جمال عبد الناصر التصميم للمخابىء التى وضعت فيها ا لأسلحة وأخفاها فلما وقع الشقاق بين الإخوان والضباط الأحرار فى بداية عام 1954 أرسل قوة من المخابرات والمباحث وضبطوها لأنه يعلم تماما بمكان الأسلحة وهوالذى وضعها بيده وصمم المخابىء التى تخفى فيها ثم أعلن أن الإخوان يخفونها وأنها تكفى لنسف القاهرة عشر مرات .. ! "

ويقول ميتشل فى كتابه  : " وقد انتشرت على نطاق واسع إشاعة تقول : بأن تلك الأسلحة هى بعينها الأسلحة التى سبق أن خبأها أعضاء المجموعة العسكرية قبل الثورة بأنفسهم هناك وأن هذا الإتهام جلب على الحكومة بعض السخرية كما عزز صورة الجماعة المضطهدة .. " .

ويقول الأستاذ عمر التلمساني : " لما شعر جمال عبد الناصر ببعض التحركات خصوصا سلاح الفرسان وكنا وقتها فى الاغتقال وأحس أن " محمد نجيب " غير راض عن بعض الضباط رأى أن مصلحته أن يفرج عن الإخوان المسلمين فأفرج عنهم بالفعل فى أواخر مارس وذهب الى منزل الأستاذ الهضيبى معتذرا عما حدث ودعا الإخوان الى طعام العشاء فى سلاح الفرسان فى الحلمية والإخوان المسلمون دعوة للعشاء هو والضباط الأحرار وبدا الجولة بمصالحة بين الطرفين واعتذار من جمال عبد الناصر عما قام به نحو الإخوان المسلمين ولكنه ـ على حسب عادته ـ كان دائما يستر تصرفاته بخطوات سلمية فى البداية تحسبه صافيا ولا يحمل شيئا لأحد، وفجأة يتصرف التصرف الذى لا يليق و لا يصح أن يحدث مع المواطنين فى هذا البلد .. " . وقبل ذلك أى قبل الافراج عن الإخوان وفى يوم 23 فبراير زار جمال عبد الناصر قبرالإمام الشهيد حسن البنا كنوع من إثبات حسن نواياه ولكنه كعادته إنه يقول غير ما يفعل ويفعل غير ما يقول ؟‎..."

على حد قول الاستاذ صلاح شادى : ولقد ظهر الخلاف بين عبد الناصر ومحمد نجيب لدى التنافس بينهما على زيارة قبر الإمام الشهيد حسن البنا فى 12 فبراير سنة 1954 ففى هذا اليوم الذى ظهر فيه هذا الخلاف بين محمد نجيب وعبد الناصر كان قرار حل الجماعة قائما ودار الإخوان مغلقة وكنا فى السجن الحربى حينذاك مع المرشد نحو اربعمائة من الإخوان وذلك بخلاف المعتقلين بالسجون الأخرى ويبدو ان محمد نجيب عندما علم برغبة عبد الناصر فى هذه المجامله ظن أن جمال أراد أن يكسب لنفسه شعبية لدى الاخوان المسلمين ينفرد بها دونه فعزم كذلك على الذهاب الى قبر الشهيد ليشاركه فى هذه الشعبية وغضب عبد الناصر غضبا شديدا لأنه أراد أن يستغل وحده دعاية الذهاب الى قبر الشهيد فاستدعى إسماعيل فريد ياور محمد نجيب وسب محمد نجيب ولعنه أمامه وطلب منه أن يبلغ ذلك الى محمد نجيب نفسه محذرا إياه من الذهاب الى مقبرة الشهيد وإلا فإن العاقبة ستكون وخيمة ولذا فعندما سمعنا ونحن فى السجن الحربى سنة 1954 بذهاب عبد الناصر الى قبر الإمام الشهيد أدركت أن وراءذهابه الى القبر محاولة جديدة منه لتقسيم الإخوان الى فريقين : فريق راض عنه وفريق آخر غاضب عليه لأنهم كما كان يقول عنهم دائما ـ عصاه ـ ويزعم أنه ليس معارضا للجماعة ذاتها وإنما هو يعارض أصحاب الأفكار المنحرفة فيها ، العصاه "

أزمة مارس 1954

لكى نطلع على أبعاد الصراع الذى دار على كرسة الحكم فى أزمة مارس 1954 المعروفة فلا بد أن نعود لجذور هذا الصراع والتى بدأت بوادرها باستقالة محمد نجيب من رياسة الجمهورية ورياسة الوزراء والصراع الذى دار داخل مجلس قيادة الثورة بعد ذلك فقبل قيام انقلاب يوليو اتفق بعض قادة الحركة على أن يتصدر الانقلاب ضابط من أصحاب الرتب العالية ويلقى قبول الجماهير واحترامها واتفقوا على اختيار اللواء محمد نجيب ليكون على رأس الإنقلاب وقد اتفقت آراؤهم على هذه المسألة فى محاكمة ثورة يوليو * ووافق محمد نجيب على ذلك وتحمل فى شجاعة عواقب ومخاطر هذه ا لمسألة وبعد نجاح الانقلاب استطاع محمد نجيب أن يكسب شعبية كبيرة بين الجماهير بينما كان عبد الناصر يتحرك فى كل الاتجاهات ليقبض بيده على زمام الأمور باعتبار محمد نجيب فى رأيه ورأى زملائه فى مجلس قيادة الثورة مجرد خطوة فى طريقهم وأنه مجرد واجهة يمكن أن تلقى قبولا طيبا لدى الجماهير وقد كان وأثارت هذه الشعبية أحقادا دفينة لدى عبد الناصر وأحس بخطورة وضع محمد نجيب بالنسبة لأهدافه وطموحاته .

وحدث التكتل داخل مجلس قيادة الثورة ضد محمد نجيب مما أدى بالرجل الى تقديم أستقالته واحتل نبأ استقالة صدر الصفحات الأولى من الصحف المصرية من رياسة الجمهورية ورياسة الوزراء وجميع الوظائف التى يشغلها وإن يستمر مجلس قيادة الثورة بقيادة البكباشى جمال عبد الناصر فى تولى كافة سلطاته الحالية مع تعيينه رئيسا لمجلس الوزراء مع بقاء منصب رئيس الجمهورية شاغرا وجاء فى أسباب قبول الاستقالة مطالبة محمد نجيب بسلطة فردية مطلقة ومباشرة سلطته فى تعيينه الوزراء وعزلهم وترقية الضباط وبعد ذلك بأيام فى 26 فبراير قال صلاح سالم " إن إقامة محمد نجيب تحددت فى منزله بالزيتون وإن أعضاء مجلس قيادة الثورة قرروا أن ينسحبوا لمراكزهم فى صفوف الجيش تاركين محمد نجيب بمفرده ليحكم مصر وقد أبلغوا وحدات ا لجيش بهذا القرار ولكن ضباط الجيش لم يقبلوا هذا الوضع " ـ وكان واضحا أن عبد الناصر أراد وا أن يساعدوا بين نجيب والشعب الذى كان يميل لشخص محمد نجيب . وبعد أيام وفى 26 فبراير 1954 عادت الصحف التى هاجمت على صفحاتها محمد نجيب لتعلن عودة محمد نجيب الى رياسة الجمهورية مرة ثانية .

وفى اليوم التالى لعودة محمد نجيب للحكم خرجت الجماهير مؤيدة لمحمد نجيب ومطالبة بالاقلاع عن الظلم ـ ويقول الأستاذ عمرالتلمساني لقد زحفت الآلاف الى ميدان عابدين وقتذاك تطالب السيد محمد نجيب بالافراج عن المعتقلين وتنحية الباطش ومعاقبة الذين قتلوا المتظاهرين عند كوبرى قصر النيل وتطبيق شرع رب العالمين وأدرك القائمون علىالأمر خطورة الموقف وطلبوا من المتظاهرين الثائرين أن ينصرفوا ولكن بلا مجيب فاستعان محمد نجيب بالشهيد عبد القادر عودة على تهدئة الموقف متعهدا بإجابة الأمة الى مطالبها ومن شرفة قصر عابدين وقف الشهيد يطلب من الجماهير الثائرة أن تنصرف فى هدوء وقد وعد رئيس الجمهورية بإجابة مطالبها ..

فإذا بهذا البحر الزاخر من البشر ينصرف فى دقائق معدودة وبمنطق الحكم الديكاتورى الذى كان يهيمن على البلد حينذاك كان لا بد أن يصدر قرار فى عبد القادر عودة فإذا كان الشهيد قد استطاع أن يصرف الجموع الحاشدة التى جاءت محتجة تطالب بإطلاق الحريات وإفساح المجال للحياة الدستورية السليمة الأصلية والوفاء بالوعود وتأدية الأمانات .. فهو يمثل خطورة على هذا الحكم الذى كان مفهومة لدى الحاكم أن يضغط على الاجراس فيلبى نداؤه وعلى ا لازرار فتتحرك الأمة قياما وقعودا .

ومن هنا كانت مظاهرة عابدين هى أول وأخطر حيثيات الحكم على الشهيد عبد القادر عودة بعد ذلك بالاعدام ولذلك لم يكن غريبا أن أعتقل هو والكثيرون من أصحابه فى مساء اليوم نفسه ووقفوا على أرجلهم فى السجن الحربى من الرابعة صباحا حتى السابعة صباحا يضربهم ضباط السجن وعساكره فى وحشية وقسوة شأنهم شأن الذين إذا خلا الميدان أمامهم طلبوا الطعن وحدهم والنزالا.."

وقد علم محمد نجيب بواقعة تعذيب عبد القادر عودة وزملائه وقال فى تصريح للأخبار * " لا يوجد مسئول يوافق على ارتكاب هذا الجرم إن صح ولا بد أن يحاسب مرتكبه بمنتهى الشدة إذا ثبت الاعتداء ولقد جرى التحقيق فور التبليغ عنه وكان بودى لو اتسع وقتى لأحضره بنفسى وهو يسير بسرعة وبكل دقة "

ويقول الأستاذ عمر التلمساني : " لقد وقف عبد القادر عودة الى جانب حركة 23 يوليو 1952 ظنا منه أن رئيسها سيحقق الخير الذى أعلنه على الناس ولكنه لما اكتشف أمامه النوايا وبدأت تظهر الحقائق سلك الطريق الذى ألزم به نفسه فى حياته .. طريق الحق والصدق .. قال له رئيس الجمهورية السابق ـ جمال عبد الناصر ـ إنه سيقضى بدوره على الطغاة الظالمين .. وقدم عبد القادر عودة فى تهمة لا صلة له بها ولا علم وحكموا على الشهيد بالاعدام ـ فى تمثيلية المنشية فيما سيأتى من أحداث " .

ثم توالت الأحداث واشتعل الصراع بين محمد نجيب وعبد الناصر وصدر قرار بحل مجلس قيادة الثورة وعودة الأحزاب وأفرج عن الأستاذ حسن الهضيبي وأحمد حسين و200 معتقلا وقرر جمال عبد الناصر كنوع من الدهاء أن يعود للجيش وأن مجلس قيادة الثورة يعلن انتهاءها ثم كانت مظاهرات التأييد المفتعلة التى حركتها هيئة التحرير حامية عبد الناصر وأنه لا بد أن تستمر الثورة وما حدث من إصرار لعمال النقل وخروج المظاهرات وكانت اتحادات النقل تسيطر عليها الحكومة سيطره كاملة وبحركة تمثيلية بارعة واستجابة لرغبة الجماهير أو " الإرادة الشعبية " عاد مجلس قيادة الثورة وألغى كل قراراته السابقة وإلغاء الأحزاب عدا الإخوان المسلمين .. وقد أوضح الأستاذ الهضيبي موقف الجماعة مما حدث قائلا : * " إن الإخوان يريدون أن يكون هناك حياة برلمانية ونحن ساعون فى ذلك وسنجلس مع أولى الأمر لنقول لهم هذا خطأ وهذا صواب فإن الله قد أمر بالشورى " .


علاقة نجيب بالإخوان

لقد ألمح عبد الناصر واتهم نجيب صراحة بتواطئه مع الإخوان المسلمين وحقيقة علاقة محمد نجيب بالإخوان كما يقول الأستاذ عمر التلمساني : محمد نجيب كان على علاقة طيبة بالإخوان وكان فى تقديرنا أنه ليس بالشخص الذى يصلح للعمل مع جمال عبد الناصر لأن عبد الناصر يخطط ويبنى منذ زمن طويل .

وكان محمد نجيب رجلا خالص النية تولى قيادة الانقلاب لإصلاح البلاد فكانت علاقتنا به طيبة وحتى علاقته بالنحاس باشا علاقة طيبة .. وعلاقاته أيضا مع كل الناس طيبة وقد قام الأستاذ الهضيبي بواسطة الصلح بينه وبين جمال عبد الناصر لكيلا يحدث صدام فى الجيش لا تؤمن عواقبه " .

مفاوضات الجلاء

وفى 27 يوليو عام 1954 أعلنت حكومتا مصر وبريطانيا موافقتهما المشتركة على رءوس موضوعات اتفاق كأساس لمعاهدة جديدة لتسوية النزاع وجلاء القوات الإنجليزية وقد أبدى الأستاذ الهضيبي اعتراضه على بعض بنود النقاط الأساسية للإتفاقية .

ويقول الأستاذ التلمسانى : لقد اعترض الإخوان كلهم من مكتب إرشاد الى هيئة تأسيسية علىا لمعاهدة ولقد كتبت مذكرة عن هذا الموضوع لأنه ساءنى أن تكون مصر حليفة أو شريكة فى حرب إذا حصل اعتداء على انجلترا نفسها وهذا لا شأن لنا به فى مصر فكانت مثل هذه الأمور التى تعرض مصر للخطر لا علاقة لها بها إرضاء لأنجلترا ولقد كان موضوع استنكار منا وعدم قبول فرفضنا ذلك ولم نعارض جلاء الإنجليز وإنما عارضنا البنود التى كانت تذهب بقيمة هذا الجلاء " .

وهكذا يتضح مما سبق التناقضات الواضحة التى كان يعيشها عبد الناصر ونواياه تجاه معارضيه وخصومه والأكاذيب التى ظلت الصحف تنشرها فى حملات تمهيدية لحل جماعة الإخوان المسلمين ثم حملات بعد الحل والتى تمثلت فى محاولة التأثير على الرأى العام وتحويل اتجاهاته الى تأييد عبد الناصر وكانت كل لقاءات عبد الناصر مع الإخوان تتسم بنوع من الدهاء والحيلة أو ما يسمونه " التكتيك السياسى " فقد كان يتظاهر بالحرص على مطالبهم وتطبيقها بينما كان يضمر لهم كل سوء ووجد عبد الناصر أن ´محمد نجيب " بدأ برفض منطق الواجهة ليكون له دور فعال فة تسيير دفة الأمور فكانت تكتلاته داخل مجلس قيادة الثورة وأحس عبد الناصر بالضغط الشعبى بعد استقاله نجيب والتأييد الجارف له بعد عودته للحكم فعقد النية والعزم أن يتخلص من آخر أقوى الأطراف المواجهة لطموحاته ونواياه وهم : محمد نجيب ـ والإخوان المسلمون .. وقد كان !!


الباب الرابع: المؤامرة الكبرى

وجاءت تمثيلية المنشـية

يوم السادس والعشرين من أكتوبر عام 1954 يوم لا بد أن نقف عنده طويلا ففى ذلك اليوم نشهد فصل الختام فى ظهور نوايا عبد الناصر الحقيقية التى طالما حاول أن يظهر عكسها ولكن جمهور الإخوان قيادة وأعضاء كانوا يعلمون النيات المبيتة لدى جمال عبد الناصر تجاه من ناصروه وأيدوه من اللحظة الأولى لقيام الحركة فلم تكن المسألة كما قال الأستاذ عمر التلمساني فى فصل سابق ردا على ا لكتابات المغرضه لبعض الكتاب الماركسيين حول صراعات وخلافات ونزاعات الجماعة مع عبد الناصر ونظامه . إن جمال عبد الناصر كان يبيت النية للتخلص من الإخوان بعد أن انفرد بهم بعد تخلصه من الاحزاب القديمة وأنهم ـ أى الإخوان ـ كان يعلمون ذلك وانهم كانوا على ثقة بأنه سيفعل ذلك .ز وقد فعل .

ففى هذا اليوم كان قد مر على قيام الحركة 27 شهرا وعلى علاقتهم بالإخوان المسلمين وعلى تأييد الإخوان ـ أقوى الهيئات والجماعات شعبية فى مصر فى ذلك الوقت ..ولقد جاء فصل الختام الذى لم يكن مسكا سريعا كما توقع الإخوان وسندع الأحداث كشريط مصور تمر أمامأذهاننا وعيوننا لعلنا نفهم أبعاد تلك الأحداث التى جرت فى ساحة ميدان المنشية بالاسكندرية فى السادس والعشرين من أكتوبر 1954 .

فى مساء ذلك اليوم توجه جمال عبد الناصر ـ وكان رئيسا للوزراء فى ذلك الوقت ليلقى خطابا أمام جمهور كبير من المواطنين فى ساحة الميدان ليعلن اكتمال الكفاح باتفاقية الجلاء ووقعها مع الإنجليز قبل أسبوع من الحادث .. ولم تمض ثلاث دقائق حتى انطلقت رصاصات من مسدس يحمله شاب من وسط الجماهير ..

ويبدو أن الرصاصات طاشت وكانت ثمانى رصاصات ـ كما اتضح هذا خلال التحقيق ـ والغريب أن جمال عبد الناصر أستأنف الحديث غير آبه بالحادث وصاح فى ا لجماهير : فليبق كل منكم فى مكانه .. أيها الرجال فليبق كل منكمم فى مكانه .. دمى فداء لكم .. حياتى لكم .. دمى منكم ولكم .. دمى فداء لكم .. أنا لست جبانا .. أنا أقبل الموت من أجل حريتكم .. من أجل عزتكم .. أنا جمال عبد الناصر لا أخشى الموت .. أنا جمال عبد الناصر أتكلم بعد أن حاول المغرضون الاعتداء على وعلى حياتى . .

إن حياتى فداء لكم .. دمى فداء لكم .. أيها الرجال أيها الرجال .. أيها الأحرار ..ان جمال عبد الناصر ملك لمصر كلها .. وها هو جمال عبد الناصر يتكلم أنا لست جبانا أنا أستقبل الموت سعيدا من أجل حريتكم .. ومن أجل عزتكم ومن أجل كرامتكم واستمر يقول .. أيها الناس ، أيها الأحرار وحتى لو قتلونى فقد وضعت فى نفوسكم العزة فليقتلونى الآن فقد غرست فى ضمير الأمة الحرية والكرامة والعزة من أ جل مصر حرية مصر .. سأعيش من أجل مصر وفى سبيل مصر سأموت .. " .

هذا ما أوردته الصحف اليومية فى اليوم التالى حول وقائع هذاالحادث وتحدثت الصحف عن وقائع ما جرى بين عبد الناصر ورفاقه قالت : وزاد فى كهربة الموقف أنه كان فى جيب جاكته جمال الأعلى قلمه الحبر وهو قلم أحمر وفى أثناء جذب جمال وتخلصه من أيدى زملائه انفتح صمام القلم الأحمر وسقط الحبر الأحمر على صدر جمال وظن من حوله أنه جرح وأن هذا دمه وعندما انتهى جمال عبد الناصر من كلمته أقبل زملاؤة عليه يبحثون عن مكان الجرح فقال لهم : إن الذى جرح قلمى الأحمر .

والشىء الغريب أنالصحف اليومية خرجت صباح اليوم التالى دون ذكر شىء عن سلاح الجريمة الذى استخدمه هذاالشاب باستثناء جريدة الاهرام التى قالت : إنه عثر فى المكان الذى يقف فيه الجانى على أربعة أظرف عيار 26 ملليمترا وأنها تختلف عن طلقات المسدس الذى ضبط مع المتهم إذ أن المسدس الذى عثر عليه مع المتهم من نوع " المشط " الذى لا يلفظ إلا ظرف الفارغة ..

ثم اختفى ذكر سلاح الجريمة من جميع الصحف المصرية وكأنه " فص ملح وذاب " ونمضى مع رحلة المسدس المختفى ونقرأ هذه القصة اللطيفة !! والتى نشرتها الصحف أيضا حيث نشرت صورة عامل يدعى " خديوى آدم " عامل بناء حضر من الاسكندرية ليحضر الى جمال عبد الناصر المسدس الذى استخدمه المتهم فى جريمته وقالت الصحف * إن عامل البناء كان ضمن الموجودين فى السرادق وسقط على الارض مع الذين سقطوا عقب إطلاق الرصاص وجاءت سقطته على ا لمسدس " وكان لا يزال ساخنا فعرف أنه المسدس المستخدم فى الجريمة وقرر أن يسلمه بنفسه للرئيس عبد الناصر .

ولما لم يكن معه نقود ليستقل وسيلة مواصلات الى القاهرة التى عاد اليها الرئيس فى اليوم التالى للجريمة فإن هذا ا لعامل قرر أن يسافر الى العاصمة سيرا على الأقدام .ز وبالفعل بدأ رحلته فجر الأربعاء 27 أكتوبر مستخدما قضبان السكة الحديد دليلا له فى ا لمجىء الى القاهرة التى وصلها يوم الاثنين أول نوفمبر وفى خلال الطريق وبسبب أفلاسه الشديد فإنه إضطر لبيع قفطانه ليشترى بثمنه " سندوتشا " يأكله وفور وصوله الى القاهرة أتجه الى مقر قيادة الثورة وطلب مقابلة الرئيس عبد الناصر بعد أن كشف للحرس عن المسدس الذى يحمله وبالفعل استقبله عبد الناصر وعندما عرف حكايته وأنه من الأقصر تأثر وعانقه وقال له " يعيش أبناء الأقصر " وأعطاه مكافأة 100جنيه !!

وذكرت الصحف ـ فيما يتعلق بالطرف الثانى من أركان الجريمة ـ أن الشعب قبض على الجانى وفى يده المسدس ـ هذا ما ذكرته الصحف فىاليوم التالى ـ كما قبض الشعب على الجناه الذين كانوا معه والجانى أسمه محمود عبد اللطيف وهو سمكرى من امبابة ومن الإخوان المسلمين وتولت النيابة التحقيق مع المتهم فى السجن الحربى بمعسكر مصطفى كامل وجاءت التحقيقات تقول : إنه يبلغ من العمر 30 سنة ومتزوج من عشر سنوات وله ثلاثة أولاد وعضو فى الاخوان المسلمين منذ 16 سنه وكما ذكرت الصحف فى اليوم التالى للحادث أن المجرم ضبط متلبسا بإطلاق الرصاص فقد هجم عليه العسكرى إبراهيم حسن الحالاتى وهو من بوليس باب شرقى وكان يبعد عن المتهم بأربعة أمتار وفى ا لتحقيق الذى أجرى مع المتهم اعترف أنه اطلق النار ولكنه فى بادى الأمر قال : إنه أطلقه على سبيل الابتهاج باعتبار أنه محارب قديم فى فلسطين ثم عاد واعترف بأنه كان يريد اغتيال جمال عبد الناصر وأنه سبق أن حاول منذ عشرة أيام اغتيال جمال عبد الناصر فى القاهرة أثناء خطابه فى مؤتمر الموظفين بميدان الجمهورية ولكنه لم يستطع تنفيذ محاولته لأنه منع من الدخول ووقف على مسافة بعيدة من مكان الرئيس .

مما دعاه لتأجيل مؤامرته لفرصة ثانية وعندما سئل من الذى حرضك على هذه المحاولات ؟ قال : إن الجهاز السرى لجماعة الإخوان المسلمين دربه على إحكام إصابة الهدف فى أرض فضاء بمدينة الأوقاف بجهة إمبابة منذ أكثر من شهرين وأنه تسلم من هنداوى دوير رئيس فرع الجهاز السرى بمنطقة امبابة المسدس الذى استخدمه فى ارتكابه الحادث وكانت محاولة الاغتيال قد جرت مساء الثلاثاء 26 أكتوبر وخلال نفس الليلة تم القبض على ما يقرب من 18 الف شخص ( على حد قول جمال عبد الناصر فى أحدى خطاباته اللاحقة ) وذكر أحد الرسميين أن العدد وصل الى 24 ألف شخص خلال ليلة واحدة كما تم ضبط كميات كبيرة من الاسلحة من مختلف الأماكن وبعد أربعة أيام أعلن الصاغ صلاح سالم وزير الإرشاد القومى أن هنداوى دوير المحامى اعترف بمعلومات خطيرة عن الخطة التى وضعها الجهازالسرى لجماعة الإخوان لمحاربة الحكومة وكان محمود عبد اللطيف قد اعترف بأن هنداوى سلمه السلاح لقتل الرئيس وأن قتل عبد الناصر كان بمثابه إشارة يتبعها تنفيذ مخطط لاغتيال أعضاء مجلس قيادة الثورة وقتل 160 ضابطا أو خطفهم .

وبعد يومين من هذا التصريح أعلن تشكيل محكمة أطلق عليها اسم " محكمة الشعب " للنظر فى الأفعال التى تعتبر خيانه للوطن أو ضد سلامته فى الداخل والخارج وشكلت برياسة قائد الجناح جمال سالم وعضوية القائمقام أنور السادات والبكباشى حسين الشافعى وشكل مكتب ادعاء برياسة البكباشى زكريا محى ا لدين كماأعلن تشكيل ثلاث دوائر جديدة لمحكمة الشعب الى جانب الدائرة الرئيسية التى يرأسها جمال سالم وذلك للنظر فى القضايا العديدة التى كشفت لتحقيقات الواسعة والتى أدت الى اعتقال المئات واعترافهم ـ كما ذكرت الصحف ـ بسلسلة من المؤامرات الايجابية الخطيرة.

لقد أردنا بهذا العرض السريع لوقائع الحادث أن نرويها كما جاءت حرفيا بالصحف اليومية دون إضافة أو تعديل وقبل ان ننتقل الى ما وقع من أحداث المحاكمات التى جرت بعد ذلك لا بد أن نتوقف قليلا عند هذه الوقائع ونضعها تحت مجهر البحث التحليلى الهادىء لما سماه صلاح سالم وزير الارشاد القومى بأبعاد المؤامرة الكبرى وما حفلت به الصحف المصرية .

إن الظروف التى سبقت الحادث لا بد ان تعكس نوعا من الاستنتاج يمكن أن نستشف منه شيئا فقد اهتزت شعبية جمال عبد الناصر بسبب الخلافات داخل مجلس قيادة الثورة وازدياد حدة الخلاف بينه وبين الرئيس محمد نجيب وازدياد شعبية الأخير خاصة بعد انتهاء أزمة مارس 1954 .

ولنسمع شهادة حسن التهامى فى " شهادة للتاريخ عن حادث المنشية * يقول " .ز وقد شد انتباهنا أن خبيرا ـ امريكى الجنسية ـ فى الدعاية والآعلام ومن اشهر خبراء العالم وقتها فى الدعاية كان قد حضر الى مصر وكان من مقترحاته غير العادية والتى لم تتمش مع مفهومنا وقت اقتراحها هو " اختلاق محاولة لاطلاق الرصاص على عبد الناصر ونجاته منها فإن هذا الحادث بمنطق العاطفة والشعور الشعبى لتأهيله للحكم الجماهيرى العاطفى أكثر من أية حملة دعائية منظمة توصله الى القيادة الشعبية فى أقرب الطرق العاطفية .

بالنسبة لنا كان مرادفه هذا الحادث لهذه الفكرة وحدوثها بعد الاقتراح بشهور قليلة جدا مثار دهشة كنا قد فسرنا ها وقتها " توادر أفكار عجيب ومصادفة " .

وكان حسن التهامى يرد بهذه الشهادة على دعوة الاستاذ صالح أبو رقيق فى عدد سابق من هذهالمجلة فى باب حوار الأسبوع تحت عنوان " رسالة " صالح أبو رقيق " قال فيها : " ..

كما أن هناك شاهدا أحسبه أمينا وأتعشم أن تقوى الله التى تنزل على قلبه الآن تدعو الى أن يجلى الحقيقة فى هذا الحادث " حادث المنشية المشئوم " ويظهر الحق لعباد الله وهى شهادة أطالبه بها أمام ا لله فى الدنيا وبين يديه فى الآخرة هو السيد حسن التهامى يقول فقط من أطلق الثمان رصاصات فى الهواء الطلق ؟ "

ويقول الأستاذ عمر التلمساني .. " لقد سمعنا فى تلك الفترة أن جمال عبد الناصر استدعى أحد الخبراء الأمريكيين فى ا لدعاية لوضع خطة يكسب بها تأييد الجماهير وأشار عليه بفكرة اختلاق حادث إطلاق رصاص وهمى أما بالنسبة للمتهم وهو محمود عبد اللطيف " فقد غرر به واستخدم كطعم فى هذه التمثيلية الواضحة التى كان هدفها التخلص من جميع معارضى جمالف عبد الناصر سواء الإخوان أو محمد نجيب وقد تحقق له ما خطط ورتب له وكان يبيت النية له منذ زمن والإخوان يعلمون مسيقا بما ينويه عبد الناصر " .

أما شهاد ة السيد حسين الشافعى عضو مجلس قيادة الثورة فى روزاليوسف * فيقول فيها /: الحقائق التى رآها الناس تثبت أن الإخوان المسلمين قد أطلقوا الرصاص على عبد الناصر !! ولو كان المرحوم حسن البنا موجودا عند قيام الثورة لرحب بها وتم تعاون وثيق بين الثورة والإخوان ولكن قيادة الإخوان ـ فى ذلك الوقت ـ كانت لها رواية مختلفة لهذاا لتعاون كان تصورهم أن الجيش قام بما عليه عندما أزاح الملك وانهم الوريث الشرعى للحكم " .

ولعلنا نسأل السيد حسين الشافعي أية حقيقة تلك التى رآها الناس ؟ ولماذا هذه الشهادة المقتضبة حول الحادث ؟ وهل كانت الظروف خلال وقت الحادث وما بعده وطوال فترة حكم الضباط الأحرار تسمح للناس أن يروا الحقائق ـ التى طالما أضفت عليها حركة يوليو 1952 ستارا من التعتيم الاعلامى على مدى 30 عاما ؟ ! ثم ما هذا النكران والجحود تجاه حركة الإخوان التى وقفت مؤيدة مشجعة للحركة ودافعة لمزيد من التأييد الشعبى الذى افتقدتة حركة الانقلاب فى بدايتها ؟ ! وماذا كان يتصور السيد حسين الشافعي صورة هذا التعاون من الإخوان الذين كان الإمام الشهيد لهم معلما ومرشدا ومربيا ؟

لو امتد الأجل بالاماما لشهيد لأيد الانقلاب يوليو بنفس الصورة وليس بصورة التعاون كما رسمها قادة الانقلاب فى مخيلتهم لقد كان تعاون الإخوان فى عهد الإمام الشهيد ينطلق من النصح لرؤساء الحكوماات والملك بتطبيق شرع الله المستند على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والإخوان فى فترة الأستاذ حسن الهضيبي لم يفكروا أنهم الوريث الشرعى للحكم كما يتصور السيد حسين الشافعي وإنما اقتصرت المسألة على مطالبتهم وحثهم لجماعة الضباط الأحرار علىالعمل بشرع ا لله ـ فتصور معظمهم أن هذا نوع من الوصاية وفرض أفكار ومبادىء الإخوان ولكنها العقيدة التى طالما نادى بها الإخوان بأن تأخذ مسارها فى مصر وأن تحكم مصر بالشرع الالهى الذى لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها .

ونعود لأحداث تلك الأمسية من ذلك اليوم ـ 26 أكتوبر 1954 ـ ونطرح علىبساط البحث هذا التضارب فى الوقائع ـ والتى طبقا لنصوص القانون أن الشبهات تفسر لصالح المتهم ـ والمتهم هنا هم جماعة الإخوان المسلمين .

لقد تضاربت روايات الصحف حول المسدس أو سلاح الجريمة الذى استخدم فى محاولة الاغتيال فقالت صحيفة : إن الشعب قبض على الجانى وفى يده المسدس . كما قبض الشعب علىالجناة الذين كانوا معه بينما قالت صحف أخرى : إن المجرم ضبط متلبسا بإطلاق الرصاص فقد هجم عليه العسكرى إبراهيم حسن الحالاتى وهو من بوليس باب شرق وكان يبعد عنالمتهم بأربعة أمتار .

اختفاء ذكر وجود المسدس فى الصحف المصرية فى ا لأيام التالية للحادث قال حسن العشماوى * فى مذكراته بروزاليوسف مع الصباح علمنا أن ا لذى أطلق النار هو محمود عبد اللطيف وأنه اعترف بأن محرضه هو هنداوى دوير المحامى بامبابة ـ وانا أعرف محمود عبد اللطيف منذ معركة قناة السويس عام 1951 وأعلم أنه انضم الى الجهازالسرى أيضا وأعرف مهارته فى إصابة الهدف بالمسدس على نحو غير طبيعى ..

ويضيف حسن عشماوى كان يوسف طلعت رئيس الجهاز السرى يؤمن بأن حادث المنشية حادث مفتعل لم يحدث لم يحدث على هذا ا لنحو وإن قام بجانب من أدواره أشخاص فى الجهاز السرى وكان يستمد إيمانه هذا ـ كما تصورت ـ من أنه لم يكلف أحدا بالاقدام عليه وأن ا لمرحوم إبراهيم الطيب الذى يليه فى الرياسه لم يأمر به أيضا ..

أيضا المسافة بين مطلق النار وموقف عبد الناصر والميل الشديد فى الاتجاه ووقوف المجنى عليه وراء حاجز وذهاب محاولة القتل وحده دون شريك يسنده بمسدس أو قنبلة ثم عدم اصابة الهدف من شخص يعرف مقدرته الفائقة ز وكان يوسف يتساءل دائما عن تفسير لأن يرسل هنداوى دوير شخصا واحدا وهو يستطيع أن يرسل من عنده عشرة أشخاص ..

ولأن يرسل مسدسا واحدا بدلا من عدة مسدسات وعدة قنابل ..

وقد سمعت بعد ذلك من موظف عاين مكان الحادث رسميا أن ا لحائط المواجه لإطلاق النار ليس به أثر للرصاص وأنه يعتقد أن المسدس الذى سمعت طلقاته كان محشوا بالبارود فقط دون الرصاص .

التوافق الزمنى الغريب بين إطلاق الرصاص وانسكاب القلم الحبر الاحمر على صدر جمال عبد الناصر وما أداه من إلهاب مشاعر الناس الذين رأوا اللون الاحمر على صدر جمال عبد الناصر .. وإصرار عبد الناصر علىالكلام وأنه لم يمت ـ أى انه كان واعيا تماما بما يجرى ولم يتأثر بحالة الزعر الجماعى التى أصابت الجميع فى ساحة ميدان المنشية وربما كان جمال عبد الناصر هو الوحيد الذى كان يعى ماذا يفعل .

أليس غريبا فى مثل هذه الظروف أن تجرى الأمور بعد الحادث بشكل مرتب ودقيق رغم أن هذه المحاولة تشكل حالة من الاضطراب فى كل أجهزة الدولة وقيادة الثورة ولقد قبض على الآلاف من الإخوان وصلوا فى التقديرات ما بين 18 و 24 ألف من الإخوان فى نفس الليلة !! أما تلك القصة المحبوكة والعاطفية عن ذلك العامل الذى جاء على فلنكات "السكة الحديد من الاسكندرية للقاهرة فقد قصد بها كسب المزيد من التعاطف مع عبد الناصر وقصد بها أن يذهب مواطن لعبد الناصر نفسه وليس لأحد أقسام البوليس حتى لا يقال إنه مدفوع من اجهزة الأمن لتدبير موضوع تسليم المسدس وهى قصة من تأليف البوليس على حد قول حسن العشماوى فى مذكراته *

ثم ألم تذكر الصحف اليومية أن المسدس الذى ضبط مع الجانى ظهر بعد ذلك أنه ليس من عيار الرصاص المضبوط حيث ضبط معه مسدس من نوع " المشط " وهو نوع لا يلفظ إلا الأظرف الفارغة !!

ثم هناك واقعة الرداء الواقى من الرصاص والذى يرتديه عبد الناصر فقد قال حسن التهامى فى شهادة للتاريخ ..

أما بالنسبة لحادث إطلاق الرصاص على عبد الناصر فى ساحة المنشية بالاسكندرية فلم أكن معه أثناء إلقاء هذه الخطبة كما لم أصحبه فى العديد من مثل تلك المناسبات الخطابية وزياراته للمحافظات وعلمت بنبأ إطلاق الرصاص على عبد الناصر وقد كان من بين إجراءات تأمين عبد الناصر وقتها محاولة إقناعه بارتداء قميص واق من الرصاص يرتديه على صدره وكانالقميص قد ورد فعلا من أمريكا قبل الحادث ببضعة اسابيع وكان مودعا عنده فى بيته بمنشية البكرى وأرسلناه إليه فى نفس الليلة فوصله فى الصباح الباكر اعتقادا منا بأن فشل النحاولة الأولى قد يعقبه تكرار لمحاولة طالما هو مازال بالاسكندرية وعندما رآه فى الصباح وكان معه العديد من الزملاء يهنئونه على نجاته ضحك كعادته وقال “ كل شىء انتهى “ ! يقصد أن المحاولة انتهت ولا داعى للقميص “ .

ولكن هناك شاهد آخر يكذب أقوال حسن التهامى بخصوص القميص الواقى من الرصاص ـ فى مجلة الدعوة ـ كتب شوكت التونى المحامى قائلا : قام الانقلاب العسكرى عام 1952 بحجة إصلاح الفاسد من نظام الحكم وإذ بنا نرى منذ يوليو سنة 1953 الى أن انقشعت كل هذه الغمة تسلطا على كل ما هو جميل بدءوا يريقون دم العمال ليخيفوا العمال ـ نسفوا النظام الحزبى ـ نسفوا الدستور ... ثم ابتدءوا بمذبحة الإخوان المسلمين سنة 1954 .ز هناك جريمة كانت معدة اعدادا .. وهى جريمة واقعة المنشية كانت معدة أعدادا لكى يطاح بالإخوان المسلمين ..

وحين أقول ذلك لا أقوله خيالا ولكن بالواقع فقد حدث أن وكلت وترافعت عن العقيد “ عبد الرحمن مخيون “ وكان مديرا لمكتب عبد الناصر سنة 1961 واتهم بتدبير انقلاب فإذا به يقول لى فى السجن الحربى : أنا الذى أعددت القميص الواقى لعبد الناصر وألبسته له فى مبنى البورصة فى الاسكندرية ( قبل الحفل الذى أطلق فيه الرصاص على عبد الناصر ولما تأخر القميص فى الوصول ربع ساعة تأخر الحفل ربع ساعة عن موعده وهكذا جاءت الرصاصة المزعومة فى قلب عبد الناصر فلماذا لم يمت ؟ لأنها كانت مدبرة ـ قميص واق تنشين مضبوط فلا يموت عبد الناصر !!

ان تمثيلية المنشية قد أحسن أداؤها من جمال عبد الناصر ومن حوله بعد أن وصل ترمومتر علاقته بالشعب الى درجة الصفر قبل هذاالحادث المرسوم وما جرى بعد ذلك من حملات شنها عبد الناصر على الإخوان واستغلاله لنقابات العمال التى كانت الحكومة تسيطر عليها سيطرة كاملة وأثار هذه الحملات فى تضليل أبناء الشعب المصرى لدرجة أوصلتهم لاضرام النيران فى المركز العام للإخوان المسلمين والمقار المختلفة فى شتى أنحاء البلاد .

أغرب محاكمات فى التاريخ

الى جانب السرعة الغريبة فى تشكيل ما أطلق عليه “ محكمة الشعب “ فإن ما دار فيها وما وصلت اليه من أحكام لا يمت للقضاء أو القانون ولا يمت أيضا بالعدالة بأدنى صلة .. تشكلت المحكمة فى أول نوفمبر عام 1954 أى بعد أسبوع واحد فقط من حادث المنشية برياسة قائد الجناح جمال سالم وعضوية القائمقام حسين الشافعى والبكباشى أنور السادات ومكتب ادعاء برياسة البكباشى زكريا محى الدين .

أما المحاكمة فقد بدأت فى الحادية عشرة من صباح الثلاثاء 9 نوفمبر أى بعد أسبوعين من الحادث وفىا لجلسة الاولى التى خصصت لمحاكمة محمود عبد اللطيف وأقر فيها بأنه مذنب كان هناك موقف غريب للغاية .. فقد سألت المحكمة محمود عبد اللطيف عن المحامى الذى يحب أن تنتدبه المحكمة فذكر أسماء [3 محامين ] طلب الى رئيس المحكمة جمال سالم أن يدافع عنه واحد منهم وكانوا: محمود سليمان غنام وفتحى سلامة ومكرم عبيد وفجأة جمال سالم قائلا : وإذا رفضوا ؟ ! قال محمود عبد اللطيف تنتدب لى المحكمة أى محام ثان .

وبالفعل كما رسم جمال سالم فقد رفض المحامون الثلاثة الدفاع عن محمود عبد اللطيف ـ وكانت كل تهمتة محاولة شروع فى قتل ـ وقال أحدهم زهز محمود سليمان غنام لمندوب جريدة الأخبار “ لا أوافق إطلاقا على الدفاع عنه لأنى أستنكر كل الاستنكار هذه ا لجريمة البشعة !!وقال المحامى الثانى وهو فتحى سلامة : أرفض الدفاع عن هذا المتهم لأنى محام ولى شعور وطنى ولأنى أحتقر هذاا لمجرم وقال مكرم عبيد لا أستطيع أن أدافع عن من يعتدى على جمال عبد الناصر .. مستحيل .. مستحيل ّ‎!!

أية مهزلة كانت تجرى .. إن عتاة المجرمين يجدون من يدافعون عنهم وربما يجدون لهم الأعذار التى قد تؤدى لتبرئتهم مثل الخلل العقلى والدفاع عن الشرف والدفاع عن النفس والاضطراب النفسى وغيرها من الاسباب التى قد تؤدى لتخفيف الأحكام أو تبرئة ا لمتهم ولكن أن يرفض ثلاثة من المحامين الدفاع عن متهم كل تهمته الشروع فى قتل ـ إذا كان ذلك صحيحا ـ فهذه أولى مهازل محاكمة نظام عبد الناصر للإخوان المسلمين .

وتوالت المهازل ـ ويقول الآستاذ عمر التلمساني ( إن المحكمة التى أمر عبد الناصر بتشكيلها لم تكن محكمة .ز لقد كانت وسيلة للوصول الىأحكام بالقتل والسجن والمحامون لم يكونوا يقدرون أن يؤدوا زاجبهم كما يجب أمام هذه المحكمة والمتهمون ظنوا انهم أمام محكمة حقيقية وأرادوا أن يعدلوا عن اعترافاتهم الكاذبة التى أخذت منهم تحت ضغط التهديد والتعذيب فكان جمال سالم رحمه الله يرفع الجلسة ويطلب من السجين أن يعدل عن اعترافاته فيؤخذ المتهم ليضرب مرة أخرى ليعود فيقر أن اعترافاته الأولى كانت صحيحة وفعلا حصل ان جمال سالم طلب من المرحوم الدكتور خميس حميدة أن يقرأ الفاتحة بالمقلوب وباعتبار أن سورة " آل عمران " كانت نازلة فى أحدى غزوات الرسول صلى ا لله عليه وسلم فما كان جمال سالم يعرف أن اسمها " آل عمران " فكان يقول للمتهمين اقرءوا سورة " العمران " وما كان يعرف الاسم الصحيح لنطقها !!

ويضيف الاستاذ عمر التلمساني : لقد كان الضباط فى أجهزة الأمن والسجون يجمعون معلومات من هنا وهناك ثم يطلبون من الأخ المعتقل أن يكتبها بخط يده ويعترف بأنه ارتكب أفعالا معينة فمن رفض كان يعذب حتى الموت فقد مات كثيرون بل عشرات من الإخوان من التعذيب للأعتراف بمسائل لا يعلمون عنها شيئا ولا دراية لهم بها .. حقا لقد حصل تعذيب فى الحصول على الاعترافات بالغ الشناعة والبشاعة فيما يختص بالإخوان البعض استجاب والبعض الآخر لا يدرى شيئا ولا يعلم شيئا فمات من التعذيب " .

.. وامتد التخطيط المرسوم بدقة ليكمل الصورة ففى الجلسات الأولى للمحكمة الصورية ورد اسم ـ أو أريد لاسم محمد نجيب أن يرد ـ فى خلال مناقشة المحكمة لأقوال هنداوى دوير المحامى وأن هناك أتفاقا تم بين محمد نجيب والإخوان أن يقوم محمد نجيب بمسايرة الإخوان بعد اغتيال الرئيس عبد الناصر واعضاء مجلس قيادة الثورة وفى نفس اليوم وفى نفس اليوم أطاح عبد الناصر بآخر وجه كان ينافسه الشعبية الجماهيرية وصدر قرار مجلس قيادة الثورة بتنحية محمد نجيب من رئاسة الجمهورية وإبعاده من مجلس قيادة الثورة لينفرد عبد الناصر بحكم البلاد دون منافس أو معارض واحد !!

أما ما دار فى " كواليس " هذه المهزلة التى سميت محاكمة فهناك الكثير كانت أسئلة المحامين تستهدف إدانة المتهمين وليس الدفاع عنهم وأيجاد الثغرات والظروف المخففة لهم وجه جمال سالم من ألفاظ السباب ما يعف اللسان عن ذكره وكان يكره بعض المتهمين علىا لاعتراف بالتهديد ولم يكن يسمح لمتهم أن يلتقى بمتهم آخر وكان يسمح للجمهور الذى يحضر المحاكمات أن يشارك المحكمة فى ممارسة السخريةوالاستهزاء بالمتهمين .

أما صحافة تلك الفترة فكانت صحافة موجهة مزيفة للحقائق فقد أفاضت فى ذكر الاتهامات وإلصاقها بقيادات وأعضا ء الإخوان وتبارت فيما بينها فى توجيه أفظع السباب والشتائم لجماعة الإخوان ولم تنشر سطرا واحدا من محاورات الدفاع وإنما كانت كل مساحتها مخصصة للإدعاء ـ والقول بأن محاولة اغتيال عبد الناصر كانت جزءا من مخطط شامل أومؤامرة كبرى للإطاحة بنظام الحكم والقضاء على " الثورة ".

ثم صدرت الأحكام فى الرابع من ديسمبر بعد أن عقدت 19 جلسة لمحاكمة 19 متهمت منهت 7 جلسات لمحاكمة المتهم الأول محمود عبد اللطيف !! .. وعند النطق بالأحكام كان المتهم يحضر وحده ليسمع الحكم عليه ويصحبه الحراس لخارج المحكمة وكانت الآحكام تقضى بإعدام 8 هم : محمود عبد اللطيف ـ حسن الهضيبي ـ يوسف طلعت ـ إبراهيم الطيب ـ هنداوي دوير ـ محمد فرغلى ـ عبد القادر عودة ـ والاشغال الشاقة المؤبدة لسبعة هم : خميس حميدة ، حسين كمال الدين ، محمد كمال خليفة ، منير الدلة ، صالح أبو رقيق ، حامد أبوالنصر ، أحمد عبد العزيز عطية ، والسجن 15 عاما لأحمد شريت ، عمر التلمساني وبراءة عبد الرحمن البنا والبهي الخولي وعبد المعز عبد الستار .

وبنفس السرعة التى تمت بها المحاكمة ( 26) يوما تم التصديق على ا لاحكام بعد صدورها بخمس عشرة دقيقة فقط ؟ !! فيما عدا حكم الاعدام للأستاذ الهضيبى فقد حففت للأشغال الشاقة المؤبدة وبنفس السرعة أيضا تم تنفيذ أحكام الاعدام وصعدت أرواح الشهداء الى بارئها .. وقال الشهيد عبد القادر عودة فى الدقائق الأخيرة من حياته : الحمد لله الذى أماتنى شهيدا وإنه لقادر على أن يجعل دمى لعنة تحيق برجال الثورة .

والغريب على حد قول الأستاذ عمر التلمساني : أن حاكم ذلك العهد جمال عبد الناصر لما رفعت اليه تقارير جواسيسه بأثر ذلك الاغتيال قال فى حديث نشرته الصحف ما معناه : عجبت لأمر هذا الشعب لا يرضى بالجريمة ولكن إذا عوقب المجرم ثار عطفه على المجرمين . "

وهكذا أسدل الستار على العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين والضباط الأحرار وكذلك الوجود الفعلى والشرعى للجماعة وكذلك أى نشاط دينى من أى مستوى داخل مصروبدأت أجهزة القمع والتعذيب داخل وخارج سجون ومعتقلات عبد الناصر فى تنفيذ مهامها الوحشية بتعليمات واضحة من جمال عبد الناصر وليس من وراء ظهره كما يدعى بعض المدافعين عن عبد الناصر وسواء كان يعلم ـ وهذا أغلب الظن ـ أو لا يعلم فتلك مصيبة .. فقد تخلص عبد الناصر من كل معارضيه قبل أن تمضى السنة الرابعة من قيام انقلاب يوليو تخلص من الاحزاب القديمة وتخلص من محمد نجيب والإخوان المسلمين فى ضربة واحدة مزدوجة رسم لها خطة دقيقة لينفرد بحكم البلاد وحده أما من عارضه من الضباط الأحرار فقد أقصاه عبد الناصر ولتصبح مصر فريسة فى يد حكم فرد واحد وكانت مأساة الشعب المصرى على مدى 18 عاما مع حكم الفرد .

جرائم وراء الأسوار

إن ماتعرض له الإخوان المسلمون ـ دون غيرهم من الفئات سواء من عتاه المجرمين أو الشيوعيين أو حتى المعتقلين اليهود ـ كان أقصى ما يتعرض له البشر من ألوان التعذيب وكان تعذيبهم موجهاالى كرامة الإنسان وجسده وعقله ونفسه وأهله وروحه فى النهاية وعادن محااكم التفتيش تطل برأسها فى سجون ومعتقلات عبد الناصر ولكن بصورة أكثر تطورا وحداثة ومهما قيل عن إنجازات "أو مكاسب لانقلاب 23 يوليو 1952 أو لجمال عبد الناصر فهى لا قيمة لها مع هدم الانسان المصرى داخل وحارج السجون .

ويقول الآستاذ عمر التلمساني " لو سئلت ما هى إنجازات عبد الناصر لقلت لا شىء سوى انتهاك الحرمات وهتك الاعراض وهدم الانسان والقتل وسفك الدماء إننى فى اليوم الأول لدخول السجن لتنفيذ الحكم بالسجن 15 سنة دخلت السجن الحربى وأخذونى الى غرفة رقم 42 فى عنبر رقم "4" وقيدونى بالحبال ـ يدى ورجلى وظهرى ـ ورفعونى الى سقف الحجرة وانهالوا على بالسياط وبعد ذلك ـ إقرارا بالحق ـ لم يعتد على أحد بعد ذلك الحادث أما الإخوان فكان تعذيبهم يجرى ليل نهار وكان صراخهم وتوجعهم يحطم أعصاب الإخوة الموجودين داخل السجن وبلغت قسوة التعذيب أنهم ـ أى أساطين التعذيب كانوا يجلسون الإخوان على مناشير من الخشب وإذا حققوا معهم ـحققوا معهم وهم عراه والمحققون كانوا من ضباط الجيش أو المخابرات جالسين على مكاتبهم يدخنون السجائر وغير السجائر وإذا ما حلا لأحدهم أن يطفىء سيجارة قام من على كرسيه وأطفأها فى أمكنة حساسة من جسم الأخ الواقف أمامه ذلك غير الضرب المبرح الذى ينتهى بأنه إذا أعادوه الى زنزانته بعد الضرب لم يجدوا فى جسمه مكانا يمسكون به فكانوا يضعونه فى بطاطين ثم يحملونها ويلقونها بما فيها فى الزنزانة كانت آلام ووحشية فى التعذيب ويكفىأن محاكم الجنايات قالت : إن ما حدث فى ذلك العهد لم يحدث فى التاريخ مثله على طول الزمن !!

أما من يقول : إن عبد الناصر كان لا يدرى بتلك الوسائل الوحشية فى المعتقلات فمردود عليه بأن ذلك غير صحيح بالمرة لأنه كانت تؤخذ أعمال صوتية ومرئية لما يجرى فى السجن الحربى من تعذيب وكانت تعرض على جمال عبد الناصر فى منزله فى سهراته مع بعض الضباط .. لقد كان يعلم تمام العلم والجميع الذين اعتقلوا يعلمون ماذا كان يفعل حمزة البسيوني رئيس السجن الحربى وكان رجلا أجوف يتظاهر بالقوة والعظمة وهو أجبن من النعامة وأيضا صلاح نصر ورياض ابراهيم وشمس بدران وصفوت الروبى و " سمبو " وآخرون كثيرون من أساطين الوحشية والتعذيب أما صلاح نصر الذى كتب كتابا اسمه " الحرب النفسية " وكان كل ما ذكره كان هو يفعله لأنه كان رأس كل هذه المذابح الخسيسة وانتهى فى كتابه الى أن أصحاب المبادىء والعقائد لا يزيدهم التعذيب أو التنكيل إلا تمسكا بمبادئهم أو عقيدتهم ولقد استمرت صور التعذيب لفترات بينما عذبنا نفسيا مثل الحرمان من زيارات الأهالى أو إرسال أشياء من بيوتنا الينا واستمر ذلك سنين طويله وكانت إذا جاءت بعض الأشياء من بيوتنا فى ا لمناسبات الدينية يحجبها السجانون لأسابيع حتى تتلف ويعيدوها مرة أخرى للأهالى "


مذبحة لومان طرة

فى أول شهر يونيو عام 1957 وقعت هذه الجريمة البشعة والتى شهدتها زنازين ليمان طره وجرت وقائع هذه الجريمة بعد تدهور العلاقات بين مصر وسوريا وقال عبد الناصر : إن الإخوان المسلمين فى سوريا لهم دخل فى هذا وكانت يده لا تصل الى الآخوان فى سوريا فصب جام غضبه علىالإخوان فى مصر وطلب من الضباط أن يضايقوا الإخوان أشد المضايقات داخل السجون وحدث انه فى يوم من الايام دخل أحد الضباط العنبر الذى يوجد به الإخوان وحاول إدخالهم الزنازين فى وقت الفسحة فانتزع منه بعض الإخوان مسدسه وأدخلوه فى زنزانه من الزنازين فثارت ثائرة القائمين على السجن ووجدوا انها الفرصة الملائمة فاستدعوا فرق المتطوعين فى الجيش بأسلحتهم ووقفوا على سطح العنبر وأخذوا يطلقون ا لنار على من فيه ثم دخلوا الى الزنازين فقتلوا 22 فى تلك الجريمة البشعة وانتهى الأمر بحفظ التحقيق فى هذه القضية وقالوا : إنها ثورة فى سجن وانتهت المسألة .


وثيقة تصفية الإخوان

فى الحكم الصادر من محكمة جنوب القاهرة الدائرة التاسعة المدنية يوم 30 مارس 1975 أصدرت حكما فى أحدى قضايا التعذيب ورد فى حيثيات ودفاع المستشار على جريشة هذه الوثيقة ويقول نص الوثيقة * التى نشرها الشيخ محمد الغزالى : بناء على أمر السيد رئيس الجمهورية بتشكيل لجنة عليا لدراسة واستعراض الوسائل التى تم الوصول اليها بخصوص مكافحة جماعة الإخوان المسلمين المنحلة ولوضع برنامج لأفضل الطرق التى يجب استعمالها فى قسمى مكافحة الإخوان بالمخابرات والمباحث العامة لبلوغ هدفين :

1ـ غسل مخ الإخوان من أفكارهم

2 ـ منع عدوى أفكارهم من الانتقال لغيرهم

اجتمعت اللجنة المشكلة من:

1ـ سيادة رئيس مجلس الوزراء

2ـ السيد / قائد المخابرات

3ـ السيد/ قائد المباحث الجنائية العسكرية

4ـ السيد / مدير المباحث العامة

5ـ لسيد / مدير مكتب السيد / المشير

وذلك كله فى مبنى المخابرات العامة بكوبرى القبة وعقدت عشرة اجتماعات متتالية وبعد دراسة كل التقارير والبيانات والاحصائيات السابقة أمكن تلخيص المعلومات المجتمعة فى الآتى :

1 ـ تبين أن تدريس التاريخ الإسلامى فى المدارس للنشىء بحالتة القديمة يربط السياسة بالدين فى لا شعور كثير من التلاميذ منذ الصغر ويسهل تتابع ظهور معتنقى الأفكارالإخوانية .

2ـ صعوبة واستحالة التمييز بين أصحاب الميول والنزعات الدينية وبين معتنقى الأفكار الإخوانية وسهولة فجائية تحول الفئة الأولى الى الثانية بتطرف أكبر .

3ـ غالبية أفراد الإخوان عاش على وهم الطهارة ولم يمارس الحياة الاجتماعية الحديثة ويمكن اعتبارهم من هذه الناحية " خام " .

4 ـ غالبيتهم ذو و وطاقة فكرية وقدرة تحمل ومثابرة كبيرة على العمل وقد أدى ذلك الى اطراد دائم وملموس فى تفوقهم فى المجالات العلمية والعملية التى يعيشون فيها وفى مستواهم العلمى والفكرى والاجتماعى بالنسبة لأندادهم رغم أن جزءا غير بسيط من وقتهم موجه لنشاطهم الخاص بدعوتهم المشئومة .

5 ـ هناك انعكاسات ايجابية كبيرة تظهر عند تحرك كل منهم للعمل فى المحيط الذى يقتنع به .

6 ـ تداخلهم فى بعض ودوام اتصالهم الفردى ببعض وتزاورهم والتعارف بين بعضهم البعض يؤدى الى ثقة كل منهم فى الآخر ثقة كبيرة .

7 ـ هناك توافق روحى وتقارب فكرى وسلوكى يجمع بينهم فى كل مكان حتى ولو لم تكن هناك صلة بينهم .

8 ـ رغم كل المحاولات التى بذلت منذ سنة 1939 لافهام العامة والخاصة بأنهم يتسترون خلف الدين لبلوغ أهداف سياسية إلا أن احتكاكهم الفردى بالشعب يؤدى الى محو هذه الفكرة عنهم رغم أنها بقيت بالنسبة لبعض زعمائهم .

9 ـ تزعمهم حروب العصابات فى فلسطين سنة 1948 والقنال 1951 رسب فى افكار الناس صورهم كأصحاب بطولات وطنية عملية وليست دعائية فقط بجوار أن الاطماع الاسرائيلية والاستعمارية الشيوعية فى المنطقة لا تخفى أغراضها فى القضاء عليهم .

10ـ نفورهم من كل من يعادى فكرتهم جعلهم لا يرتبطون بأى سياسة خارجية سواء عربية أو شيوعية أو استعمارية وهذا يوحى لمن ينظر لماضيهم بأنهم ليسوا عملاء وبناء على ذلك رأت اللجنة أنالأسلوب الجديد فى المكافحة يجب أن يشمل أساسا بندين متداخلين وهما :

1 ـ محو فكرة ارتباط السياسة بالدين الإسلامى.

2 ـ إبادة تدريجية بطيئة مادية ومعنوية وفكرية للجيل القائم فعلا والموجود من معتنقى الفكرة ويمكن تلخيص أسس الأسلوب الذى يجب استخدامه لبلوغ هذين الهدفين فى الآتى :

أولا: سياسة وقائية عامة:

1ـ تغيير مناهج تدريس التاريخ الإسلامى والدين فى المدارس وربطها بالمعتقدات الاشتراكية كأوضاع إجتماعية وإقتصادية وليست سياسية مع إبراز مفاسد الخلافة وخاصة من العثمانيين وتقدم الغرب السريع عقب هزيمة الكنيسة وإقصائها عن السياسة .

2 ـ التحرى الدقيق عن رسائل وكتب ونشرات ومقالات الإخوان فى كل مكان ثم مصادرتها وإعدامها .

3 ـ يحرم بتاتا قبول ذوى الإخوان وأقربائهم حتى الدرجة الثالثة من القرابة من الانخراط فى السلك العسكرى أو البوليس أو السياسة مع سرعة عزل الموجودين من هؤلاء الأقرباء من هذه الأماكن أو نقلهم الى أماكن فى حالة ثبوت ولائهم .

4 ـ مضاعفة الجهود المبذوله فى سياسة العمل الدائم على فقدان الثقة بينهم وتحطيم وحدتهم بشتى الوسائل وخاصة عن طريق إكراه البعض على كتابة تقارير عن زملائهم بخطهم ثم مواجهة الآخرين بها مع العمل على منع كل من الطرفين من لقاء الآخر أطول فترة ممكنة لتزيد شقة انعدام الثقة بينهم .

5 ـ بعد دراسة عميقة لموضوع المتدينين من غير الإخوان وهم الذين يمثلون ا لاحتياطى لهم وجد أن هناك حتمية طبيعية وعملية لالتقاء الصنفين فى المدى الطويل ووجد أن الأفضل أن يبدأ بتوحيد معاملتهم بمعاملة الإخوان قبل أن يفاجئونا كالعادة باتحادهم معهم علينا .

ومع افتراض احتمال كبير لوجود أبرياء كثيرين منهم إلا أن التضحية بهم خير من التضحية بالثورة فى يوم على أيديهم ولصعوبة واستحالة التمييز بين الإخوان المتدينين بوجه عام فلا بد من وضع الجميع ضمن فئة واحدة ومراعاة ما يلى معهم :

(أ) تضييق فرص العمل والظهور أمام المتدينيين عموما فى المجالات العلمية والعملية

(ب) محاسبتهم بشدة وباستمرار فى أى لقاء فردى أو زيارات أو اجتماعات تحدث بينهم .

(ج) عزل المتدينيين عموما عن أى تنظيم أو اتحاد شعبى أو حكومى أو اجتماعى أو طلابى أو عمالى أو اعلامى .

(د) التوقف عن السياسة السابقة فى السماح لأى متدين بالسفر للخارج للدراسة أو العمل حيث فشلت هذه السياسة فى تطوير معتقداتهم وسلوكهم وعدد بسيط جدا هو الذى تجاوب مع الحياة الأوربية فى البلاد التى سافروا اليها أما غالبيتهم فإن من هبط منهم فى مكان ما بدأ ينظم فيه الاتصالات والصلوات الجماعية أو المحاضرات لنشر أفكارهم .

(و) التوقف عن سياسة استعمال المتدينين فى حرب الشيوعيين واستعمال الشيوعيين فى حربهم بغرض القضاء على الفئتين حيث ثبت تفوق المتدينين فى هذاالمجال ولذلك يجب أن تعطى الفرص للشيوعيين لحربهم وحرب أفكارهم ومعتقداتهم ومع حرمان المتدينين من الأماكن الإعلامية .

6 ـ تشويش الفكرة الموجودة عن الإخوان فى حرب فلسطين والقنال وتكرار النشر بالتلميح والتصريح عن اتصال الإنجليز بالهضيبي وقيادة الإخوان حتى يمكن غرس فكرة أنهم عملاء للإستعمار فى ذهن الجميع .

7ـ الاستمرار فى سياسة محاولة الايقاع بين الإخوان المقيمين فى الخارج وبين الحكومات العربية المختلفة وخاصة فى الدول الرجعية الإسلامية المرتبطة بالغرب وذلك بأن يروج عنهم فى تلك الدول أنهم عناصر مخربة ومعادية لهم بأنهم يضرون بمصالحها وبذلك تسهل عملية محاصرتهم فى الخارج .

ثانيا : سياسة استئصال (السرطان) الموجود الآن:

بالنسبة للإخوان الذين اعتقلوا أو سجنوا فى أى عهد من العهود ويعتبرون جميعا قد تمكنت منهم الفكرة كما يتمكن السرطان من الجسم ولا يرجى شفاؤه ولذا تجرى عملية استئصالهم كالاتى :

المرحلة الأولى :

إدخالهم فى سلسلة متصلة من المتاعب تبدأ بالاستيلاء أو وضع الحراسة على أموالهم وممتلكاتهم ويتبع ذلك فى اعتقالهم .

فيس بوك وأثناء الاعتقال يستعمل معهم أشد أنواع الإهانة والعنف والتعذيب على مستوى فردى ودورى حتى يصيب الجميع ثم يعاد وهكذا وفى نفس الوقت لا يتوقف التكدير على المستوى الجماعى بل يكون ملازما للتأديب الفردى وهذه المرحلة إن نفذت بدقة ستؤدى الى ما يأتى :

بالنسبة للمعتقلين : إهتزاز المثل والأفكار فى عقولهم وانتشار الاضطرابات العصبية والنفسية والعاهات والأمراض بينهم بالنسبة لنسائهم : سواء كن زوجات أو أخوات أو بنات فسوف يتحررن ويتمردن بغياب عائلهم وحاجتهن المادية قد تؤدى الى انزلاقهن بالنسبة للأولاد تضطر العائلات لغياب العائل وحاجتهم المادية الى توقيف الأبناء عن الدراسة وتوجيههم للحرف والمهن وبذلك يخلو جيل الموجهين المتعلم القادم ممن فى نفوسهم حقد وثأر أو آثار من أفكار آبائهم .

المرحلة الثانية :

إعدام كل من ينظر اليه كداعية ومن تظهر عليه الصلابة سواء داخل السجون أو المعتقلات أو بالمحاكمات ثم الافراج عن الباقى على دفعات مع عمل الدعاية اللازمة لنتشار أبناء العفو عنهم حتى يكون ذلك سلاحا يمكن استعماله ضدهم من جديد فى حالة الرغبة فى العودة الى ا عتقالهم حيث يتهمون بأى تدبير ويوصفون حين ذلك بالجحود المتكرر لفضل العفو عنهم .

وهذه المرحلة إن أحسن تنفيذها باشتراكها مع المرحلة السابقة ستكون النتائج كما يلى :

1 ـ يخرج المعفو عنهم الى الحياة فإن كان طالبا فقد تأخر عن أقرانه ويمكن أن يفصل من دراسته ويحرم من متابعة تعليمه .

2ـ إن كان موظفا أو عا ملا فقد تقدمه زملاؤه وترقوا وهو قابع مكانه ويمكن أيضا أن يحرم من العودة الى وظيفته أو عمله .

3 ـ إن كانتاجرا فقد أفلست تجارته ويمكن أن يحرم من مزاولة تجارته

4 ـ إن كان مزارعا فلن يجد أرضا يزرعها حيث وضعت تحت الحراسة أو صدر بها قرار استيلاء .

وسوف تشترك جميع الفئات المعفو عنها فى الأتى :

1 ـ الضعف الجسمانى والصحى والسعى المستمر خلف العلاج والشعور المستمر بالضعف المانع من أية مقاومة .

2 ـ الشعور العميق بالنكبات التى جرتها عليهم دعوة الإخوان وكراهية الفكرة والنقمة عليها .

3 ـ عدم ثقة كل منهم فى الآخر وهى نقطة لها أهميتها فى انعزالهم عن المجتمع وانطوائهم على أنفسهم .

4 ـ خروجهم بعائلاتهم من مستوى اجتماعى الى مستوى أقل نتيجة لعوامل الافقار التى أحيطت بهم .

5 ـ تمرد نسائهم على تقاليدهم وفى هذا إذلال فكرى ومعنوى لكون النساء فى بيوتهن سلوكهن يخالف أفكارهم وتبعا للضعف الجسمانى لا يمكنهم الاعتراض .

6 ـ كثرة الديون عليهم نتيجة لتوقف إيراداتهم واستمرار مصروفات عائلاتهم والنتائج الايجابية لهذه الساسة هى :

1ـ الضباط والجنود الذين يقيمون بتنفيذ هذه السياسة سواء من الجيش أو البوليس سيعتبرون فئة جديدة أرتبطمصيرها بمصير هذا الحكم القائم حيث عقب التنفيذ سيشعر كل منهم أنه فى حاجة الى هذاالحكم ليحميه من أى عمل انتقامى قد يقوم به الإخوان كثأر

2ـ إثارة الرعب فى نفس كل من تسول له نفسه القيام بمعارضة فكرية للحكم القائم

3ـ وجود الشعور الدائم بأن المخابرات تشعر بكل صغيرة وكبيرة وأن المعارضين لن يتستروا وسيكون مصيرهم أسوأ مصير

4 ـ محو فكرة ارتباط السياسة بالدين انتهى ويعرض على السيد الرئيس جمال عبد الناصر

إمضاء ـ السيد رئيس الوزراء

إمضاء ـ السيد قائد المخابرات

إمضاء ـ السيد مدير المباحث العامة

إمضاء ـ السيد شمس بدران

يعتمد

رئيس الجمهورية

ويقول الأستاذ عمر التلمساني " إن هذه الوثيقة صحيحة وكان يقصد بها أن ينخلع الإخوان المسلمون عن هذه الدعوة حتى أنهم قالوا : إنه يجب أن يحرم من كافة موارد الرزق حتى تضطر نساؤهم للبغاء والتسول فى الشوارع وقد نفذت هذه ا لوثيقة ضد الإخوان ولكن الله سبحانه وتعالى لم يرد أن يحبس صوت الإخوان رغم كل هذه الظروف المفزعة والبشعة والوثيقة ـ رغم الفكر الاجرامى الذىتحمله فى طيات سطورها ـ تعترف بطهارة الإخوان المسلمين وبطاقتهم الفكرية وبقدرتهم على التحمل ومثابرتهم وتفوقهم فى المجالات العلمية والعملية وقوة تأثيرهم فى المحيط الذى يخاطبونه ويسعون فيه بالدعوة وقوة الروابط التى تحكم علاقات الإخوان وتوافقهم الروحى وعدم اكتراث الشعب بما يتردد حولهم من أكاذيب وأساليب للتشويه لأنهم أصحاب بطولات فى حرب فلسطين كما أقرت الوثيقة بانتفاء صفة العمالة أو الخيانه عن الإخوان وهى التى رددها البعض طعنا فى سمعة وسلامة تصرفات زعماء الإخوان أما ما جاء فى الوثيقة من اجراءات فقد تم تنفيذها على مدى 18 سنة من حكم عبد الناصر بحرفية تامة الى درجة اتهام من يواظب على ارتياد مساجد الله للتعبد والخضوع من المتدينين الذين تجب مراقبة تصرفاتهم وربما محاربتهم فى رزقهم وحياتهم !! ..

لقد استمدت هذه ا لوثيقة من تلك الأفكار التى جاءت فى " بروتوكولات حكماء صهيون " التى فرقت بين اليهود شعب الله المختار ـ كما يدعون ـ وسائر الأجناس أو الجوييم " وهم فى مرتبة الجنس الأدنى وأقرب الى الحيوانات وفرقت الوثيقة هنا بين الشعب والمتدين واعتبار التدين " سبة " فى جبين المجتمع ولا بد من إزالة صاحبه ومحاربته لأنه فرد فاسد أصيب " بسرطان " التدين وانتقلت عدوى الإخوان " الارهابيين " اليه فوجب استئصاله من الجذور .

هكذا كان يفكرأفراد نظام عبد الناصر وهكذا كانوا يتعاملون لقد حكم منطق الغاب سلوكياتهم وانتزعت من قلوبهم معانى الإيمان ومعانى العبودية لله سبحانه وتعالى ونسواأن لكل ظالم دولة وأن الله يداول الأيام بين الناس .. ولكنهم اكتشفوا ذلك بعد فوات الأوان .

ولنعد الى " امبراطور " التعذيب صلاح نصر الذى ذكر فى كتابه مفهوم " غسيل المخ " وقد استخدم هذا الأسلوب مع الكثيرين من الإخوان المسلمين لنقل انتمائهم وولائهم من الجماعة الىالطرف الآخر منها .

ويقول الاستاذ عمر التلمساني " كلمة غسيل المخ كلمة مخففه ولكن الواقع أن الوسيلة الوحيدة التى كانت تمارس هى التعذيب الوحشى حتى أنهم كانوا يرسلون الى السجن فى أبى زعبل بعض المشايخ ليهاجموا الإخوان المسلمين ويؤيدواا لحكومة ويبرروا اعمالها حتى بلغ الهوس ببعض هؤلاء المشايخ أنه اعترض على " حد السرقة " فقال لبعض الإخوان : أنتم تريدون أن نعيش فى مجتمع مشوه ( لقطع يد السارق ) وكانت " تفاهة هؤلاء المشايخ قد وصلت الى الحد الذى كان يسخر فيه الإخوان منهم فما كان لهم من أثر أو تأثير وانتهى الأمر بأن الادارة طلبت من بعض الإخوان أن يخطبوا فى الإخوان مبينين مزايا حكم عبد الناصر ومساوىء الإخوان فكان البعض يستجيب والبعض الآخر ى يستجيب وكان الذين يستجيبون معذورين لما يقع عليهم من تعذيب وإيذاء " .

ويضيف الأستاذ عمر التلمساني :

" لم يقم الدكتور عبدالعزيز كامل بدور المرشد للحكومة وإنما خاشن الإخوان وانفصل عنهم وأغواه زكريا محى الدين على أن يهاجم الإخوان وعينه نائبا لوزير الأوقاف فخرج من السجن الى نيابة الوزارة مرة واحدة ..

فصار أكثر مخاشنة للإخوان وكان ينتصر لجمال عبد الناصر وما كان يليق بالدكتور عبد العزيز كامل أن يشبه السيدة عائشة رضى الله عنها بحرم جمال عبد الناصر والعكس إن شاء الصحيح وكان يشبه مجتمع المدينة فى عهد الرسول عليه الصلاة والسلام بمجتمع جمال عبد الناصر والعكس هو الصحيح إنما لم يعمل مرشدا لأى جهة من المباحث إنما كان هناك إخوة آخرون بلغ بهم الضعف الى هذا الحد أنهم كانوا يتجسسون على الإخوان ويكتبون تقارير ويقدمونها للمباحث ويقولون : إن هذا الأخ متشدد وهذا الأخ سهل وإن هذا سيؤد وهذا لن يؤيد أما على عشماوى فكان فى أحداث سنة 1965 ينفذ كل ما تطلبه منه السلطة مقابل تخفيف الحكم الى الأشغال الشاقة ا لمؤبدة والى الافراج عنه بعد فترة قصيرة وهكذا حال قدرة ا لبشر فى التحمل حين الابتلاء والبشر متفاوتون فى هذه القدرة ولكن الأخطر من هذا هو أن رد الفعل العنيف الذى تحرك بين جموع الشباب تجاه هذا التطرف فى الأساليب الو حشيية والذى أسفر عن فكر متحمس ولكن فى اتجاه عنيف لقد ظهرت فكرة ا لتكفير والهجرة كرد فعل عنيف لما يجرى داخل المعتقلات وبين أوساط الشباب .

ظهور فكرة التكفير

أدت المحاورات العنيفة بين المشايخ الذين أرسلتهم الحكومة للقيام بعملية غسل المخ يكملها إقامة حلقات التعذيب المتواصلة فى محاولة لإحكام ا لحصار حول معتنقى الفكرة الإسلامية لاستسلام البعض وإصرار البعض الآخر على عدم التخلى عن عقيدته وقناعته الايمانية متحملا الإهانة والضرب المبرح وأساليب التعذيب وربما الجنون والموت على ترك هذا الأمر .

ولكن قبل الدخول الى هذا الموضوع الشائك لا بد أن نقول : إن عبد الناصر لم يكتف بالتصفية الأولى للإخوان فقرر أن أن يعيد الكرة والقضاء نهائيا على هذه الجماعة فقرر القبض على ا لآلاف من الإخوان مرة ثانية وكان البعض منهم قد أفرج عنه قبل شهور من يوليو 1965 حيث صدر قرار سرى بالقبض على الإخوان وفاخر جمال عبد الناصر بقراره حيث أعلنه فى 29 أغسطس 1965 أثناء زيارة له لموسكو وجاء هذا القبض باسم مؤامرة قلب نظام الحكم فعاد من أفرج عنه للسجن ولم يتنسم عبير الحرية إلا بضعه شهور واعتقل فى هذه العملية ما يقرب من 20 ألف شخص واعتبرهم متهمين حتى تثبت براءتهم ولم تثبت إلا بعد الافراج عنهم فى عام 1971 ولم يقبض على جميع قيادات الإخوان فمنهم من هرب خلال أحداث 1954 المريرة ومنهم من سافر للبلاد العربية وعاش فيها .

ويقول الاستاذ عمر التلمساني :

" كل المتهمين فى عام 1965 حوكموا وعذبوا تعذيبا شديدا ولم يكن هؤلاء متهمين فى قضايا إنما كان الغرض من اعتقالهم عدم تمكينهم من إقامة أى إثارة فى المحيط الذى يقيمون فيه وعذب الكثير من أقارب ومعارف بعض الإخوان وكانت كل تهمتهم صلة القرابة والمعرفة ولم يحاكم كل العشرين ألفا ولكن حوكم ألف تقريبا وأثبتت المحاكم إدانتهم ثم جرت المحاكمات عام 1966 وأعلن القاضى العسكرى الدجوى والقاضى العسكرى التميمى أن التعذيب الذى يلقاه المتهمون هو " الهيلتون " الذى أعددناه لهم .

وقد نشر المرحوم الأستاذ سامى جوهر تحقيقا عن هذه الوقائع فكتب يقول " ولم يكن أحد يعرف أين يساق من أخذوه ؟ وتمر أيام .. وأسابيع .. وأحيانا شهور .. وبعد الوساطة أو الرشوة يعرف الأب أين أبنه ؟ أوتعرف الزوجة أين زوجهاا ؟ أو يعرف الابن أين أبوه وأى اتهام ملفق موجه اليه ؟ "

وبنفس الطرق المتطورة فى التعذيب وباستخدام آلات وحشية كان يعامل المعتقلون فى أحداث 1965 واضطر الكثيرون من الإخوان تحت ضغط التعذيب البربرى بخلاف الحكم الجائر الذى أصدرته محاكم الدجوى بإعدام مجموعة جديدة من الإخوان من بينهم الكاتب والمفكر الشهيد سيد قطب وعبد الفتاح اسماعيل ويوسف هواش وهكذا أجهز جمال عبد الناصر يدفعه حقده وتسلطه على الجماعة المنهكة القوى من فرط ما لاقت من بشاعات .

ولقد كان طبيعيا ان يفرز هذاالجو ظهور فكرة تكفير المجتمع وحاكمه ولقد كان من العوامل التى ساهمت الى حد كبير فى ظهور مثل هذا الفكر من جانب الشباب تلك الوسائل الوحشية الخارجة عن الأبعاد البشرية والانسانية والتى مارسها النظام الحاكم فى مصر فى عهد جمال عبد الناصر تجاه أصحاب الفكر الإسلامى أو المتدينين بصفة عامة كما رأى هذا الشباب ما انحدرت اليه الأخلاق فى مجتمعهم من انحرافات واستشراء الفكر الماركسى الملحد ومن هنا ظهرت فكرة التكفير لدى بعض شباب جماعة التبليغ وبعض شباب الإخوان المسلمين واستند بعضهم لكتابات الشهيد سيد قطب عن جاهلية المجتمع وخرجوا منها بفهم خاص وهو ارتداد المجتمع المسلم وكفره .

ولقد طلب من المعتقلين ذات مرة فى سجون أبى زعبل وطرة والسجن الحربى تأييد رئيس الدولة مقرونا بالتهديد بمضاعفة التعذيب والابادة ورفض الكثيرون فحل بهم ما حل من صنوف العذاب والهوان والوحشية وأعلنوا رغم ذلك كله رفضهم إعلان الولاء للحاكم وجرت عمليات غسيل المخ ـ المعروفة من الناحية النفسية لكثيرين من الشباب المعتقل دون هوادة وطوابير التعذيب مستمرة لانتزاع الأفكار من رءوس هذا الشباب ولكن دون جدوى ولكن فى نفس الوقت فإن بعض قادة الإخوان المسلمين اختلف كثيرا على منهج هؤلاء الشباب رغم دوافعه ومسبباته ومنهم الأستاذ حسن الهضيبي المرشد العام للجماعة والذى أصدر ردوده على هذه المناظرات التى جرت بينه وبين الشباب الداعى لفكرة تكفير وهجرة المجتمع الجاهلى فى كتابه المعروف "دعاة لا قضاة "

فقد امتد أسلوب هذه الجماعات الى ابتداع قاعدة خاطئة * وهى تكفير من لم يكفر الكافر وأرادوا بها تكفير من خالفهم فى الرأى وكانت حجتهم أن الإمام محمد بن عبد الوهاب وبعض شيوخه يرون كفر من لم يكفر الكافر المعين .. وهذا حق أريد به باطل فالكافر المعين المجمع على كفره لا يحل ادعاء أنه مؤمن لأن فى هذا إنكار لحكم الله عليه بالكفر أما إن كان الحكم بكفر الشخص ليس محل اجماع كما هو الحال فى كفر تارك الصلاة فلا يجوز استخدام هذه القاعدة فى هذا الموضع .

وبالتالى فالمسائل التى رأى هؤلاء الحكم بالكفر على المسلمين مثل كفر من لم ينخرط فى جماعتهم أو من مات ولم يبايع إمامهم أو من خالفهم فى تكفير جميع حكام المسلمين فهذه الأمور كلها الحكم فيها بالكفر ليس محل اجماع وبالتالى لا مجال هنا لتطبيق هذه القاعدة وللأستاذ سالم البهنساوى بحث مشهور فى هذه القضية وجذورها ودوافعها .

وإن ما تم ممارسته داخل المعتقلات المصرية فى السجن الحربى وأبى زعبل وطرة والواحات وغيرها من أبشع ألوان العذاب والوحشية ويكفى تدليلا على هذا القول ما جاء فى حيثيات حكم المحكمة العسكرية العليا بعد حركة مايو 1971 ونشر ذلك بالصحف المصرية والعربية جاء فيه ك إن المحكمة لتسجل بحق أن الجريمة موضوع هذه الدعوى ( تعذيب ) كانت سبة فى جبين الحكم المصرى يندى لها خزيا وعارا ولعل فى حكم المحكمة ما يدل على حقبة من تاريخ مصر امتهنت فيها وأهينت كرامة الإنسان الذى كفل الإعلان العالمى لحقوق الإنسان حدها الأدنى ـ حقبة من تاريخ مصر كانت فيها السيادة للسياط توصلا للإرهاب وللإلقاء فى غياهب السجون أو تقريبا وزلفى للحكام والرؤساء حقبة من تاريخ مصر تضاءلت فيها سمعة سجن الباستيل فى فرنسا وطغت عليها سمعة السجن الحربى بمصر حقبة منتاريخ مصر أعادت الى الأذهان ذكرى محاكم التفتيش وما كان يجرى فيها من مخاز وفظائع حقبة من تاريخ مصر تسابق فيها الجلادون الى ابتكار وسائل التعذيب .

ولقد كان التعذيب الذى لا قاه الإخوان المسلمون والشباب المسلم كان أضعاف التعذيب الذى تعرضت له الفئات الأخرى سواء الشيوعيون أو عتاه المجرمين فى القضايا العادية أو حتى اليهود الذيناعتقلوا بعد هزيمة 1967 .

ويقول الاستاذ عمر التلمساني لقد كان معنا اليهود اختلطوا بنا فى معتقل مزرعة ليمان طرة وكانوا فى منتهى الأدب ومنتهى كمال الصلة بالإخوان المسلمين وكانوا يقدمون كل ما يطلب منهم من خدمات وكانوا يقولون لنا إذا كنتم الآن فى راحة وبعض التسهيلات فإنما سببها وجودنا معكم وعندما نخرج ستنقلب الآية ويعودون الى مضايقاتكم كما كانوا قبل أن نحضر وحصل هذا فعلا !! وكان اليهود فى معتقل مزرعة ليمان طرة يعاملوننا معاملة فى منتهى الكمال وتأتيهم زيارات وهدايا بصورة غير معقوله ولما حصل الاعتداء اليهودى على نادى الضباط بالمعادى تجنب الطيارون ضرب المعتقل لأن هناك العشرات من اليهود كانوا معتقلين فيه

أما ظهور فكرة التكفير والهجرة فإن التاريخ يحدثنا عن ظهور أفكار وآراء مختلفة فى كل فترة من الفترات وجماعة التبليغ كانت تنتمى الى جماعات هندية كانت تكتفى بتبليغ الرسالة لا أكثر ولا أقل لا تطلب عملا ولا تطلب جهادا إنما يقال لهم اذهبوا فبلغوا الدعوة كانوا ينتشرون فى القرى والآرياف والمدن يبيتون فى المساجد فى أى مكان ليبلغوا الدعوة أما فكرة التكفير والهجرة فكانت مبنية على تكفير الناس ومقاومة الكفر كما يجب أن يقاوم الكافرون وانتهت الأحداث فيما يختص بهم الى هذا المصير .

ولقد ظهرت هذه الأفكار بسبب التعذيب الذى تعرض له الإخوان المسلمون وهى لا يمكن القول بأنها كانت انشقاقا عن الإخوان إنما الذى حصل أن هناك فريقا كان يريد أن يؤيد وفريق لا يريد أن يؤيد ذلك وكان هناك اختلاف فى الآراء ولم تحدث بينهم وبين الإخوان مصادمات أو مشاحنات وكل إنسان كان فى حالة المؤيدون فى حالهم وغير المؤيدين فى حالة ولقد طاف بأذهان البعض بعد ما رأى من ألوان التعذيب ما يعجز عن تحمله البشر وإن مسلما لا يمكن أن يتصرف مع مسلم مثل هذا ا لتصرف ولا يمكن أن يكون الشخص الذى ينتهك عرض سيدة أو رجل لا يمكن أن يكون مسلما فنضجت هذه الفكرة فى أذهان البعض وكانت فى رأس شكرى مصطفى زعيم جماعة التكفير والهجرة وظنوا أن فى بعض كتابات المرحوم سيد قطب من تعرض لذكر الجاهلية الأولى والثانية والمظالم والظلم والتنكيل ظنوا أن هذا معناه يكفر من يفعل هذه المسائل ـ

هو لا يقصد هذا بالطبع ـ سيد قطب ما دعا يوما للتفكير والهجرة لأحد أبدا وتكونت هذه الجماعة بشكل ظاهر وكانت فى مزرعة ليمان طرة ووصلت الفكرة وانتقلت الى كل سجون القطر التى كان يوجد داخلها إخوان مسلمون وتكونت " شلل " صغيرة تأخذ بهذا الرأى وتدعو اليه ولما انتقل الأستاذ الهضيبي من مستشفى ليمان طرة الى معتقل مزرعة طرة استدعى القائمين على هذا الفكر وناقشهم طويلا فكان يظهرون الاقتناع بوجهة نظر ه فى الوقت الذى مضوا فيه على تصميمهم فى هذاا لمسار واضطر الأستاذ الهضيبى لأن يصدر كتاب " دعاه لا قضاة " وعندما وجد الأستاذ الهضيبي أن المسألة استفحلت استدعى بعض الإخوان الذين كان لهم شىء من الدراية بأحكام ا لشرع وطلب منهم أن يدلوا برأيهم فى هذا الموضوع فكتب بعض الإخوان آراءهم فى موضوع التكفير وأجمعوا على أنه من قال لأخيه المسلم " ياكافر فقد باء أحدهم بها فبدأ وضع هذا الكتاب وشاركه فى كتابته [ 7 أفراد ] شاركوا الأستاذ الهضيبى فى جمع المعلومات والأسانيد وألأدلة وقدموها له والإخوان المسلمون أنفسهم وأولهم المرشد الإمام الشهيد حسن البنا نفوا نفيا قاطعا التكفير والعنف والابداء ورغم ذلك يصر ا لناس على اتهام الإخوان المسلمين بأن جماعات التكفير والهجرة خرجت من جبتهم .

وعند خروج هؤلاء الشباب من السجون والمعتقلات كانت الفكرة قد اشتدت ورسخت فى أذهانهم وظهرت بشكل واضح وتحدث عنها رجال الأمن فى وزارة الداخلية حتىأنه عندما ارتكب حادث مقتل المرحوم " الشيخ الذهبى " ألصقوا هذه التهمة بجماعة التكفير والهجرة وشكرى مصطفى كان معتقلا معنا فى سجن مزرعة طرة ولكنى لم أكلمه أو أحدثه وفى الوقت الذى كان ينادى الإخوان المسلمون بمنهاج " ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن " فإن هؤلاء الشباب اتخذوا معنا أسلوبا شيعيا وهو أسلوب التقية وهو أن يتحدث معك على أنه مقتنع وهو غير مقتنع ولقد كفرونا جميعا بعد ذلك وبعد خروجهم وخروجنا من السجون وقالوا : إن الإخوان المسلمين هم أيضا فى زمرة الكافرين لأنهم قعدوا عن الجهاد ورضوا بالآوضاع القائمة وكل هذا غير صحيح وإنما تراءى لهم ففعلوه " .

سيد قطب وقضية التكفير

ربط الكثيرون بين كتابات المرحوم سيد قطب وبين نشوء فكرة التكفير والهجرة وهذا نوع من الالتباس والخلط ويقول الأستاذ عمر التلمساني : من يرجع الى كتب سيد قطب لا يجد فيها أنه كفر أحدا ولكن حملته على مظاهر الانحراف والانحلال والفساد ومجانبة تطبيق شرع الله استنبطوا منها أن هذا نوع من أنواع التكفير أما هو فى كتبه جميعا ولا تزال قائمة وموجودة حتى الآن لم يكن يدعو الى تكفير انسان أبدا ..

وربما كان سيد قطب قاسيا أو شديد الوطأة على هذه المظاهر حتى ظن البعض أنه عندما كان يتكلم عن الجاهلية وأن الحكم لله أنه يكفر من لا يفعل ذلك إنما هو لم يدع فى أى كتاب من كتاباته لذلك ونحن عندما نقرأ تفسير المرحوم سيد قطب لبعض آيات القرآن الكريم والتى تتعلق بمن لا يحكم بما أنزل الله لا تجد معنى للتكفير هذا الى أن بعض المفسرين يقول : إن الحاكم إذا حكم قائلا إننى أحكم بقانون من عندى لا من عند الله فهو ليس بكافر وإنما إذا قال : إن الذى عندى هو من عند الله ويخالف حكم الله فهو كافر فإلى هذا الحد الإسلام حريص فى ناحية التكفير على أبعاد الناس فى هذا .

والشيخ النمر له رأى معلن ومنشور تعرض فيه لهذه الناحية وقال /: إن سبب نزوع الشباب لتيار العنف ما رأوه من تعذيب لم يكن يخطر على بال إنسان نحن لم نشاهد فى العالم أيام محاكم التفتيش مثل هذا الذى شهدناه .. فالشباب له عذره فى أن يقول إن هذا ليس عمل مسلمين ومن هنا تولدت فكرة لدى بعض الناس بأن الآخرين ليسوا مسلمين .. نحن نقول : للذى يبكى لا تبك بدلا من أن نقول للذى يضرب لا تضرب إننا نعكس الآية ونقول شباب مخرب إرهابى وقد قلنا للمسئولين أكثر من مرة دعونا نحن نتحدث مع هؤلاء الشباب ونصحح له الفهم الخاطىء ونقيمه علىا لصراط المستقيم .. لأن معالجة الأمر ليس بالعنف لأن العنف يولد العنف " .

إن ظهور فكرة التكفير والهجرة جاءت إفراز ا طبيعيا لممارسات نظام عبد الناصر من تعذيب ووحشية خرجت عن الدوائر الإنسانية بينما لم تعامل الفئات الأخرى بمثل الوحشية التى عومل بها أصحاب التيار الدينى ولم يجدوا من أجهزة الدولة المختلفة من يتفهم أسباب اعتناقهم لكل هذه الأفكار بل وجدوا كل تعسف واتهام بالارهاب الفكرى وأدت بهم الى اعتقاد كفرالمجتمع حكومة وشعبا ولو تحقق ما طالب به الشباب من تطهير البلاد من مظاهر الفساد ووقف تيار التعذيب والوحشية ضد المعتقلين السياسيين من أصحاب التيار الدينى لما وجد هذا التيار ـ من معتنقى فكرة التكفير والهجرة ـ عوامل تغذى انتشار هذه الأفكار بين أوساط الشباب المسلم .

وجاءت الهزيمة فى 5 يونيو 1967

ويبدو دائما أن الرياح لا تأتى بما تشتهى السفن ففى الخامس من يونيو عام 1967 بدأت فصول المأساة الدرامية التى عاشها شعب مصر المسلم دافعا الثمن لممارسات نظام عبد الناصر ومفاسد إدارته فقد دخلت مصر عصر الهزيمة وبدون أن تدخل حربا حقيقية فقد جرت معركة بالراديو والشعارات واستبيحت عقول أبناء الشعب المصرى وادعت قيادته بأن القوات المسلحة المصرية فى طريقها الى النصر الى تل أبيب بينما كانت الهزيمة تسعى وراء جيش مصر الذى مزقت أوصاله وانقطعت أطرافه وتاه فى تيه سيناء الكبير .

ويقول الاستاذ عمر التلمساني: " كنا نتوقع هذا الأمر وكنا على ثقة بأن ظننا لن يدوم وأن عبد الناصر سوف ينتقم الله منه بأية صورة من الصور فلما حصلت هزيمة يونيو 1967 رأى الإخوان أن هذا انتقام من الله سبحانه وتعالى من جمال عبد الناصر وكسر شوكته وإذلاله ولكننا كنا على حزن لأن وطننا هزم واستبيحت كرامة جيشنا وكانت فضيحة لا حد لها فى العالم كله حتى أن بعض الإذاعات الأجنبية والتلفزيونات كانت ترافق الطيارين اليهود فى سيناء أثناء مطارتهم الجيوش وترسم الصور للجنود والضباط الفارين بصورة مزرية حتى ا لمصريين فى الخارج كانوا منكسى الرءوس عندما تعرض هذه الصور لقد كانت فضيحة وهزيمة جعلتنا نعيش الأحزان لسنوات طويلة "

والغريب ان تلك الأيام لم تجرؤ القيادة المصرية على الاعتراف بالهزيمة وأطلقت عليها " نكسة " ولكنها كانت قمة الهزائم لأننا هزمنا دون أن نحارب وتلك كانت المأساة ولقد دفعت مصر ثمن ديكتاتورية عبد الناصر منذ انفرد بالحكم وتخلص من كل معارضيه بغض النظر عن الاسلوب الذى تخلص به منهم ولقد عاشت مصر سنوات ما بعد الهزيمة سنوات حالكة السواد يتذكرها الكثيرون وبقى الحال كما هو داخل السجون ـ موجات تلو موجات من التعذيب والمعتقلات ظلت تعج بآلاف من المعتقلين دون أمل فى الحرية . "

الباب الخامس: أسرار الخلاف مع انور السادات

بداية طيبة .. ولكن ؟

يمكن أن يؤرخ لبداية السادات رئيسا وحاكما ـ باليوم العاشر بعد وفاة عبد الناصر ـ بعد انتهاء دوامات الحزن الغريبة التى غرق فيها أبناء شعب مصر على زعيمه الشعبى على مدى 18 عاما كانت لهذا الشعب خلالها أذن واحدة أو هكذا أريد أن يفقد السمع فى أذنه الثانية التى وهبها له الله الى جانب الأولى لتكتمل نعمة السمع ولتستمع لصوت الحق الذى أريد له أن يخبو ولكن الأيام دول .

فى ذلك ا ليوم ـ السابع من أكتوبر عام 1970 عقدمجلس الشعب المصرى جلسة لإعلان خلو منصب رئيس الجمهورية وترشيح انورالسادات ـ الذى كان نائبا لعبد الناصر خلفا له على كرسى الرياسة .

ولعل الكثيرين من أصحاب الرأى والفكر والعقيدة قد تنفسوا الصعداء ـ خاصة من هم خارج الوطن وخارج وداخل السجون السوداء لهذا العهد ـ لانتماء العصر الذى حوربت فيه الكلمة والعرض والشرف والعقل وسحق فيه كل معارض ينبس ببنت شفة مجرد بنت شفة وجرى ذلك كله تحت شعارات زائفه ترضى أذواق الحكام فى دول متخلفة منها حماية مكاسب الثورة والقضاء على أعداء الثورة أو الثورة المضادة وبدأ هذا العصر بمصر والسودان كيان واحد وانتهى بمصر ناقصة أو فاقدة السيادة على ثلث أراضيها بعد أن سلمت سيناء لقمة سائغة يسيرة الهضم والابتلاع لدولة إسرائيل الانزراعية فى المنطقة العربية كجسر للصهيونية وأحلام هرتزل فى " فى بال " فى نهاية القرن الماضى ومطامع الغرب فى ا حتواء المنطقة العربية والإسلامية وبعد أن راح ضحية هذه الحرب مئات الألوف من الأرواح الطاهرة والجرحى و المفقودين وفاقدى ا لنطق والعقل وهى حرب دخلتها مصر ووصلت الى تل أبيب " عاصمة الكيان الصهيونى عن طريق ماسبيرو " أو الاذاعة المصرية وكان مذيعى هذه الإذاعة هم القادة الذين يعلمون أين تتحرك القوات المصرية ومواقع انسحابها أما مطربو الأمة المصرية فهم طبول الحرب وآلاتهم تدوى كالمدافع والصواريخ بينما تاه جيش مصر المغلوب على أمره فى صحراء القرارات المتضاربة وأوامر التقدم والانسحاب فى آن واحد وكم كانت خيبة الأمل كبيرة لدى أبناء الشعب وإحساسه بالهوان من جراء هذه الهزيمة النكراء التى دللوها وقالوا : إنها نكسة يونيو وهى قاسية للشعب الذى هز فى سالف العصور جحافل التتار وحملات الصليب وغيرهم .

وبدأ الصراع حول الكراسى

بعد أعتلاء السادات كرسى الحكم واجه مصاعب جمة عقب اعتلائه من أهمها :

ـ فقدان رصيد التأييد الشعبى له خاصة فى مجال المقارنة بينه وبين عبد الناصر

ـ إحساس الشعب المصرى بأنه ـ أى أنور السادات ـ لم يكن له وجود فعلى وملموس فى ساحة ا لسياسة أو فى صنع القرار السياسى فى عهد عبد الناصر باستثناء دوره المحدود فى عملية 23 يوليو وبعض المناصب التى تولاها فى الستينات .

ـ وجود العديد من المؤامرات حوله وخاصة من جانب من أسمو ا أنفسهم بورثة ا لناصرية ومن أنصار الكرملين فى مصر .

ـ الجو العام الذى كان يسود الشعب المصرى كان مشبعا بخيبة الأمل واليأس بعد هزيمة يونيو وما أورثته من ازمات اقتصادية وكوارث اجتماعية ووسط هذه الظروف المتعددة ووسط جو من النكات اللازعة حول أنور السادات التى كانت تشير لعدم تهيؤ الشعب المصرى لقبول هذاالوضع الجديد وهو تولية السلطة فى البلاد وحاولت مجموعة تيار موسكو المعروفة بولائها للتيار الماركسى أولئك الذين حاولوا زرعه فى صفوف وتنظيمات الشباب المصرى خلال فترة الستينات قلب نظام أنور السادات فيما سمى بمؤامرة مايو أو حركة التصحيح فى 15 مايو 1971 وكان من الواضح أن ميول السادات قد اتضحت مبكرا حيث بدأ مشواره فى التقارب مع الغرب باستقباله بعد شهور قليلة من توليه الحكم وزير الخارجية ا لأمريكى " وليام روجرز " وفشل مبادرته للسلام بين مصر وإسرائيل وكانت البداية التى أنتهت لتوقيع معاهدة السلام واتفاقية كامب ديفيد وقد فشلت مبادرة روجرز بسبب تعنت الإسرائيليين الذين كانوا يتحدثون من مواقع القوة والنصر ولم يرضوا إلا بالتنازل عن مواقع الشرف والكرامة حتى يوافقوا على السلام

وحاول السادات على المستوى الداخلى أن يكسب أرضية شعبية عن طريق بعض الخطوات الإيجابية فأصدر قراراته الخاصة بإغلاق المعتقلات والافراج عن المعتقلين السياسيين الذين ظل بعضهم جزءا من عهد عبد الناصر أو طوال عهده خلف أسوار السجون والزنازين وأعلن السادات أنه لن يبقى معتقل سياسى وأن المواطن سيكون آمنا على نفسه وأولاده فى ظل ما أسماه " دولة المؤسسات " التى تعتمد على الحكم بالقانون والعدل رغم أنه تراجع عن ذلك كلية فى نهاية عهده وقبيل اغتياله ـ واستقبلت هذه ا لممارسات بنوع من القبول لدى أبناء شعب مصر بعد كل ما عاناه من كبت واضطهاد فيما مضى .

كان من بين المفرج عنهم المئات من قيادات وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين سواء ممن اعتقلوا بعد " مذبحة المنشية " أو الذين اعتقلوا فى المذابح الثانية فيماأطلق عليه مؤامرة قلب نظام الحكم عام 1965 .

وبعد 17 عاما خلف أسوار السجون غادر عمر التلمسانى زنزانته وعندما سئل عن علاقته بأنور السادات * قال : " حين خرجنا من السجون عام 1971 كان أول شىء فعلته هو ذهابى الى قصر عابدين لتسجيل شكرى للرئيس السادات بإفراجه عنا .

وهكذا نجد أن الإخوان مثلهم مثل باقى الطوائف وفئات الأمة استقبلوا هذه الخطوة استقبالا حسنا إلا أن الإخوان استوعبوا الدروس السابقة جيدا وتعاملوا مع واقع الأمور برؤية فيها درجة من الاختلاف عن تعامل الآخرين كان تعاملهم بشكل حذر ويقظ أيضا .

وقد حكمت علاقة الإخوان بأنور السادات ونظامه عدة اعتبارات وبشكل أدق محاذير ضبطت هذه العلاقة على مدى السنوات الإحدى عشرة من بينها :

1ـ لم ينس الإخوان ـ ولهم كل العذر فى ذلك ـ أن أنور السادات رئيس الجمهورية هو نفسه ـ جسدا وشخصا هو القائ مقام أنور السادات عضو محكمة الشعب التى أصدرت أحكامها ـ بعد محاكمات صورية ومزرية لا تمت لأى أشكال الحكم بالقانون بصلة ـ بالسجن والاعدام على أقطاب وأعضاء الجماعة عقب حادث المنشية المدبر فى نهاية عام 1954 والتى عصفت وللأبد بعلاقات جماعة الإخوان وجماعة الضباط الأحرار كما أطاحت هذه المحكمة برءوس عدد من الشهداء الأبرار الطاهرة أرواحهم وسجن الآلاف من الإخوان لفترات تراوحت بين شهور وسنين طويلة امتدت حتى بداية حكم السادات نفسه وهو شىء علمه السادات جيدا وأحس بأنه لن يكون هناك صفاء فى العلاقة بينه وبين جماعة الإخوان وإن حاول أن يقترب إليهم بشتى الطرق .

2 ـ أن الإخوان المسلمين رأوا بعد استيعابهم بالطبع لدرس الضباط الأحرار خاصة بعد إعلان السادات بشكل غير متوار : أنه جاء على طريق عبد الناصر محافظا على نهجه وعلى مكاسب الثورة وأنه يتحمل المسئولية كاملة فيما أصدره عبد الناصر من قرارات ـ وإن كانت جمهرة الإخوان يرون أن قرارات عبد الناصر كانت أحادية البعد وهو بعد عبد الناصر فقط ولم يكن يسمح لأى من المقربين منه من صفوة رجال الحكم بإبداء رأيه سواء بشكل صريح أو متوارب ويعلم الإخوان تمامات كيف كانت طبيعة العلاقة بين عبد الناصر والسادات وعبد الناصر وبقية جماعة الضباط الأحرار والذين اختلف معهم عبد الناصر واختلفوا معه وأطاح بهم فى النهاية الواحد تلو الآخر عدا السادات ..

3ـ أن جماعة الضباط الأحرار الذين اتفقت آراؤهم على الاطاحة والتخلص نهائيا من جماعة الإخوان المسلمين صاحبة الثقل السياسى والشعبى الخطير والذى هدد شعبية الضباط الأحرار ومن بين هؤلاء أنور السادات والذى رأى الإخوان أن الخلاف معه سوف يؤدى الى نفس الطريق المسدود والمعتقلات وهذا ما حدث بعد ذلك بكل دقة .

هذه ـ بعض من كل الاعتبارات التى حددت الخطوط العريضة لتعاملات الإخوان مع النظام الساداتى الجديد وحددت ايضا الأرضية التى تعامل الإخوان عليها مع السادات طوال فترة حكمه التى امتدت 11 عاما كاملا .

وربما تجدر الاشارة الى أن الإخوان كانوا خلال تعاملاتهم مع انور السادات اختلفوا مع السادات فكريا ولم يسعوا للصدام أو إثارة الشغب أو الفتن أو القلاقل وهو أمر اعترف به السادات فى ثورة غضبه إبان أحداث الاعتقالات التى وقعت فى نهاية عهد السادات والاختلاف فى الرأى لا يفسد للود قضية فلم يكن الإخوان على مدى 11 عاما دعاة عنف أو تطرف وإنما انطلقوا كعهدهم دعاة للإسلام دون الدخول فى جبهات أو أحزاب لأن هدفهم الأول والأخير كان ابتغاء إعلاء كلمة الله فى الأرض ويحد الأستاذ عمر التلمساني موقف الإخوان منالسادات قائلا : " الإخوان المسلمون لم يؤيدوا أنور السادات فى يوم من الايام ولكنهم كانوا يلتزمون جانب الحيدة وبما أنه بدأ عهده سهلا هينا لم يكن هناك داع من مخاشنه الإخوان له لأن قاعدة الإخوان الأساسية فى مناهجهم تطبيق الشريعة الله فى مصر فكل من لا يطبق هذه الشريعة يقفون منه موقف الحيدة ما دام يحسن المعاملة فإن أساء التصرف تظاهروا عليه ونحن لم نخاشنه فى أول عهده وكان موقفنا طوال مدة حكم السادات من أيام مبادرة القدس الى أن انتقل الى رحمة الله هو موقف المعارضة والدعوة تشهد بموقفنا منه " ( وهذا يناقض ما كتبه الكاتب الماركسى صلاح عيسى " فى دراسته عن الإخوان فى مقدمة دراسة " ريتشارد ميتشيل " " وربما يكون هذا البيان أو الإعلان شبه رسمى بأن الإخوان المسلمين يعتبرون أنفسهم كيانا سياسيا قائما ينشط فى ظل تأييد كامل لسياسة الرئيس أنور السادات " )

( أما هذا الإعلان الذى يقصده صلاح عيسى فهو مواقف بعض الإخوان فى أعقاب استيلاء " صالح سرية " على الكلية الفنية العسكرية بالقاهرة عام 1974 حيث نشرت فى الصحف فى أعقاب ذلك بيانا للسيدة زينب الغزالى ـ إحدى العضوات البارزات فى الإخوان وحكم عليها بالاشغال الشاقة المؤبدة عام 1965 ـ تنفى فيه ما قاله صالح سريه من أنه أتصل بها بشأن تنفيذ عملية الاقتحام وقالت زينب الغزالي فى البيان : ليس أنور السادات هو ذلك الرجل الذى تقبل زينب الغزالي أن تلتقى برجل تعلم أنه ضده ـ إننى أقول : إن أنور السادات جاء لحكم جمهورية مصر العزيزة المسلمة وبحار من دماء الظلم تجرى فعمل على أن يوقفها وأوقفها فعلا . .

وإن أنور السادات رجل مؤمن ابن رجل مؤمن وأناأعرف اباه وأعرف إيمان أبيه وتقواه كما صدرت بيانات استنكار مشابهة من الآستاذ صالح أبو رقيق والشيخ محمد الغزالي ( ويقول عمر التلمساني عندما وقعت أحداث صالح سرية الخاصة بمهاجمة الكلية الفنية العسكرية ذكر اسم زينب الغزالي والأستاذ صالح أبو رقيق وطبعا الجريمه كانت جريمه خطيرة فكل منهم كان يحاول الدفاع عن نفسه فسلكوا هذاالمسلك أما الإخوان المسلمون فى مجموعهم فلم يؤيدوا أنور السادات .."

( هذه هى صورة موقف الإخوان المسلمين منذ بداية وخلال عهد أنور السادات وحتى لا يذهب الكثيرون مناحى شتى فى الاعتقاد بأن الإخوان كانوا يؤيدون أنور السادات ـ ولو كحركة تكتيكية ـ ثم انقلبوا عليه واصطدم بهم . )

( ويروى عمر التلمسانى كيف أفرج عنه ومشاعره لحظة الإفراج قائلا : استقبلت هذا الخبر كأى خبر أقل من عادى : لم أشعر بغرح ولم أشعر بتغير فى عواطفى أو مشاعرى .. لقد قابلته بمنتهى الفتور ..

حتى أننى عندما بلغنى الخبر عند صلاة المغرب وطلب منى مدير السجن مغادرة السجن فطلبت منه أن أبيت تلك الليلة فى السجن فأين سأذهب فى تلك الساعة فتعجب منى قائلا : ألم تشبع من السجن ؟ ‍ ابحث عن مكان آخر أنا لا أستطيع أن أسمح لك بأن تبيت فى السجن لأن الأوامر صدرت بإطلاق سراحك ولو حدث لك فى السجن الليلة سأحاسب عليها طلبت منه أن يطلب لى سيارة أجرة وعدت بها لمنزلى ..

كان أمرا عاديا لأنى أعتبر أن الحبس والسجن والافراج كلها قضاء من الله سبحانه وتعالى يتقبلها المسلم بكل رضاء وطمأنينة .. أما نبأ تولى السادات فلم يكن يعنى لى شيئا لأنه فى أول خطبه له فى مجلس الشعب قال : أنا جئت ومعى الميثاق وساسير على أثر جمال عبد الناصر ..واعتقدت أنه سيسير كما سار جمال عبد الناصر وبعد ذلك رأى ضمن تخطيطه أن يفرج عن الإخوان المسلمين وغيرهم لعله يكتسب بذلك تأييدا وشعبية وفعلا عندما أفرج عن جميع الإخوان المسلمين المعتقلين أحس الناس بنوع من الراحة واكتسب هو فعلا شعبية لها قيمتها ..

ولكن بعد ذلك دلت تصرفاته على أن هذا التخطيط له ما وراءه فيما ظهر بعد ذلك من أفعال والتى انتهت باحداث ( 3 سبتمبر ـ 1981 ) ويضيف عمر التلمسانى : لقد أحسست بتغيير كبير بعد خروجى من المعتقل فأدهشنى ما رأيته تغير كامل فى كل شىء فى العلاقات فى الاخلاق فى المعاملات ـ كان شيئا غريبا جدا فمصر بلد لا يزال فيه جانب كبير من القيم مراعى ومحترما ومتبعا فلما خرجت وجدت أن كل هذا قد انتهى وقضى عليه ولم يبق منه الا أقل القليل للذين يتمسكون بتقاليدهم وتقاليد دينهم )

عودة جماعة الإخوان

وقد ثار الجدل على الساحة السياسية والشعبية عقب الإفراج عن الإخوان المسلمين حول احتمال وإمكانية عودتهم نشاطهم السابق وأنهم يسعون لذلك ويقول عمر التلمسانى : بعد خروجى 1971 لم يكن هناك عودة فى التفكير لاعادة الجماعة لأن التفكير فى الجماعة لم ينقطع ى داخل السجن ولا خارجه .. الذين دخلوا السجن دخلوا وهم على عقيدة وخرجوا وهم على نفس العقيدة وأن عليهم أن يستمروا فى العمل لدعوة الإخوان المسلمين وفعلا ظلوا على هذا طوال فترة حكم السادات وكان لهم نشاطهم الذى يعرفه الشعب كله من الحفلات والمواسم الدينية وإصدار المجلة والنشرات وغيرها من الانشطة ..)

وعادت مجلة الدعوة :

(فى شهر رجب عام 1396هـ (يوليو 1976) بدا ظهور الدعوزة فى شكلها الجديد كمجلة والمتتبع لمجلة الدعوة على مدى 25 عاما يرى أنها لم تتوقف كمجلة عن الصدور وإن اتخذت عدةأ شكال .. وكان ظهورها فى ثوبها ا لجديد فى عام 1976 كامتداد لها ولكن فى شكل جديد فقد تصدر العدد رقم 375 ـ العام الخامس والعشرون ) ويقول الأستاذ عمر التلمساني *صدرت الدعوة فى الاربعينات وليس للرئيس السادات فضل فى إعادة صدور المجلة لأن الأستاذ صالح العشماوي كان حريصا على صدور المجلة بصفة مستمرة ولكنها كانت تصدر متواضعه فكان يصدرها فى صفحتين وثلاث محافظة على التصريح والرخصة وحين خرجنا من السجن كانت مجلة الدعوة تصدر حتى عام 1971 .. ولم ينقطع صدور المجلة وكانت تصدر وفيها إعلانات المحاكم للمحافظة على الرخصة ..

أى بصورة متواضعة فليس لأحد فضل فى إصدار هذه المجلة ولا يمكن أن يقال إننا متواطئون مع الرئيس أنور السادات إنما للأسف الشديد لم نقل هذه الحقائق فى كثير من الخطب وبالتالى فهى ليست دليلا على أن بيننا وبينه شيئا والذى يرصد حركة الأحداث يستطيع القول إن مجلة الدعوة كانت محورا هاما وأساسيا فى الكشف عن مسار العلاقات بين أنور السادات والإخوان المسلمين كما أنها كانت منبرا لطرح أفكار وتصورات قيادة الحركة وأيضا كشفت المجلة الكثير عما دار بين الحركة وقوى الصراع قبل وبعد حركة يوليو 1952 وقد كانت أول مقالة فى المجلة للأستاذ عمر التلمساني وكانت بعنوان " الدعوة على الطريق "

حيث طرح الخطوط العامة لدعوة الإخوان واللبس والغموض حول أهداف الحركة .. كما خصصت المجلة على مدى أعدادها الخمسة والستون حتى إغلاقها وسحب ترخيصها صفحات لشهداء الحركة وأدوارهم كما طرحت المجلة استفتاء لعلماء الدين وقادة الفكر حول عودة حركة الإخوان المسلمين ..

ولكن فى الوقت نفسه رفض الإخوان تسجيل حركتهم كجمعية .)(ويقول الأستاذ عمر التلمسانى : لقد كنت أرفض أن تكون الإخوان المسلمين مجرد جمعية خيرية وعندما قال لى الرئيس السادات توجه الى الدكتورة آمال عثمان ( وزيرة التأمينات والشئون الاجتماعية ) قلت للرئيس السابق : وقد جعلت ذلك حجتى ..

مجرد حجة إننى مع إحترامى الكامل للسيدة آمال عثمان فأنا أرجو أن ترسلنى الى النبوى اسماعيل أو الى منصور حسن ولكن لا داعى للسيدة آمال .. ومن نافلة القول : أن الإخوان المسلمين لم يسعوا لعودة الجماعة فى شكلها القديم .. ولم يرضوا أن يكونوا محل شبهات فى الوجود غير القانونى أو أى شكل من أشكال مخالفة القانون حيث يقول الأستاذ عمر التلمسانى فى حديث لجريدة السياسة الكويتية الإخوان المسلمون تنظيم غير معترف بوجوده قانونا فى مصر ونحن قوم نلتزم بالقانون فإن ادعيت أننى رئيس للإخوان المسلمين سأكون قد تجرأت على القانون لأننا غير موجودين فى نظر القانون ..

ولكن دورهم الحقيقى تمثل فى استمرار دعوتهم للمناهج الإسلامية والسعى لتطبيق الشريعة الإسلامية . وبث الروح الإسلامية فى ا لشباب المسلم وأن ينحوا بعيدا عن تيارات التطرف والعنف الذى يشجبه الإسلام الحنيف وكشف الستار عن الكثير من الحقائق التى خيم عليها ضباب كثيف وربما عاشت كثيرا فى ظلام دامس تحت وطأة التعتيم الاعلامى المكثف وحجب الجانب الآخر من الحقيقة مثلهم مثل الذى قرأ قوله عز وجل " ولاتقربوا الصلاة " واكتفى دون أن يكمل الآية " وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون .."( وهكذا نخلص الى أن جماعة الإخوان لم تفكر بشكل كبير فى عودة الحركة فى نظام السادات لطبيعة النظام وخلفياتهم عنه وما يراد لهم من ذلك الوجود واقتصرت الحركة على طرح آرائها فى مجلة الدعوة ومن خلال الندوات والمؤتمرات وغيرها ..

خلاف بسبب المعــاهدة

لم تسر الأمور بين أنور السادات والإخوان سيرا هادئا ففى نوفمبر استقل السادات طائرة من مطار " أبو صوير " قاصدا مطار " اللد " الاسرائيلى ورافعا شعار السلام وما يعنيه من الاعتراف الرسمى المشهور امام المجتمع الدولى بدولة اسرائيل التى يعلم المسلمون كيف جاءت الى الوجود واستمدت شرعيتها من عام 1948 بفضل تعاون القوى الاستعمارية على زرعها كشوكة فى ظهر السلام .

وزار السادات القدس والمسجد الأقصى ويقول هو نفسه فى كتابه البحث عن الذات " وفى الصباح خرجت لصلاة العيد ودخلت القدس لثانى مرة منذ 22 عاما كاملة وكانت ا لمرة الأولى عندما كنت وزير دوله وسكرتيرا عاما للمؤتمر الإسلامى وتبين لى علىالفور أن المسجد الأقصى قد ساءت حالة إذ ما تزال آثار الحريق الذى اجتاحه عام 1969 قائمة .. وجدت منبر صلاح الدين قد احترق تماما وأن عملية إصلاحه تسير بصورة بالغة البطء ولهذا أمرت ببناء المنبر من جديد إن المصريين هم الذيم بنوا منبر صلاح الدين .."

وأضاف أنور السادات " عدت من إسرائيل بعد أن اتفقت هناك على شيئين أساسيين:

أولا : أن تكون حرب أكتوبر آخر الحروب .

ثانيا : أن نتناقش حول مائدة المفاوضات فى موضوع الأمن لهم ولنا .

وقد تباينت ردود الفعل لهذه المبادرة بين شعوب العالم غربه وشرقه وكانت نوعا من المفاجآت التى لا يمكن هضمها بسهوله وخاصة للشعوب الإسلامية خاصة وأنهم تعاملوا خلال التاريخ لالآف السنين مع اليهود ويعرفون طبيعتهم جيدا .. واستقبل الشعب المصرى هذه المبادرة استقبالا طيبا فقد طال به أمد الحروب لآكثر من ثلاثين عاما راح ضحيتها مئات الآلاف من الشهداء والجرحى وتوالت الأحداث ـ مع وجود التصلب اليهودى المعروف ووقعت اتفاقيات كامب ديفيد فى البيت الأبيض ألأمريكى فى سبتمبر 1978 وتبعها توقيع معاهدة فى مارس 1979 .

موقف الإخوان :

منذ ذهاب أنور السادات فى مبادرته للقدس وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام مع اسرائيل فإن موقف الإخوان حدد بوضوح تجاه الخطوات وعبر عنه أقطاب الإخوان بصراحه على صفحات مجلة ا لدعوة وهو المعارضة التامة لهذه الخطوات ولكنهم ـ أى الإخوان ـ أبدوا معارضتهم بأسلوب يتسم بالصراحة والموضوعية بعيدا عن الاسفاف والدخول فى معارضة جانبية .. وحرص عمر التلمسانى على طرح هذا الموضوع مرارا فى افتتاحيات الدعوة وعبر بوضوح عن وجهة النظر الإسلامية تجاه هذه الخطوات قائلا فى حديث لجريدة السياسة الكويتية *

" إن السادات كان يحب أن يرى فى مصر من يعارض المعاهدة مع اسرائيل ويعتبر أن هذا شدا لأزره ضد المفاوض اليهودى .. فنحن جميعا عارضنا المعاهدة عن عقيدة لأن هذا عمل ينكره الإسلام .. وحينما اشتدت معارضتنا ووجد ا، الاستقبال الشعبى للمعاهدة وخاصة بعد تلاعب الاسرائيليين بالمعاهدة ومواقفهم فيما يعنى الحكم الذاتى قلب ظهرة وتنكر لنا خاصة بعد أن وجد أن الرأى العام تجمع حول رأى الإخوان المسلمين .. "

ويقول عمر التلمساني : عندما علمنا بنبأ حرب أكتوبر 1973 وانتصار ا لجيش المصرى أرسل الأستاذ حسن الهضيبي رحمة الله عليه تلغرافا يهنىء فيه الرئيس أنور السادات بالنصر وطبعا أى مواطن كريم يسعده أن جيشه ينتصر على جيش آخر بأية وسيلة من الوسائل وكنا نظن أننا سنجنى ثمار هذا النصر فوائد كثيرة تعود على مصر ولكن انتهى الأمر ..

بمعاهدة السلام " كامب ديفيد " ومبادرة القدس ووقفنا منها موقف المعارضة من أول الأمر الى الآن ونحن لا نقرها لأنها اعتبرت وجود اسرائيل فى هذه المنطقة وجودا شرعيا وهذا أمر لا يقره الإسلام بأية صورة من الصور ..

قد يظن البعض أنه لا وسيلة إلا هذه المعاهدة وإلا فماذا كنا نفعل ونحن ضعاف ولا نستطيع أن نقاوم أمريكا أو أسرائيل ؟ لأنهم كانوا جميعا متآمرين على زرع اسرائيل فى هذه المنطقة لتقطع اوصال العالم الإسلامى ..

نحن كنا لا نيأس من رحمة الله وكنا نظن أن صمودنا على رفض أى خطوة تعطى لإسرائيل شرعية فى هذا المكان هو قوة وتضحية وأن الله سبحانه وتعالى لا بد أن يحدث لنا فرجا نتمكن معه من إجلاء إسرائيل من هذه المنطقة لأن الغيب لا يعلمه إلا الله ولا ندرى ماذا سيحدث فى الغد ؟ إنما الناس وعامة الناس الذين يستجيبون الى الأمن والسلام والدعة يمكن أن تكون المعاهدة قد أرضتهم لأنها جنبتهم الأحداث والحروب الى آخره ..

ولكن لو علموا ما عاناه المسلمون وقاسوه فى أول دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكونوا ليقبلوا هذا الوضع ولكن بعدهم عن تعاليم الله ورضاؤهم بالعيش على حساب العقيدة والدين جعلهم يميلون الى هذا الرأى .

ويقول الأستاذ عمر التلمساني فى مكان آخر فى افتتاحية الدعوة :

ورضى بعض الشعب بما حدث طلبا للسلامة المفترضة والأمن المزعوم ظانين أن ما حدث هو نهاية ما بيننا وبين اسرائيل ومن وراءها غافلين عن الهدف الذى غرست إسرائيل من أجله وهو الفصل بين العقيدة وبين الشريعة عند المسلمين هذا إن كفاهم ما نقول متجاوزين .

ولعل هذا البعض الذى رضى بما تم سيظل على هذا ا لرضا حتى يفيق على خاتمة سريعه ترده الى الاستبصار حين لا تنفع هذه الاستفاقة ففى هذا الرضا ما يقضى على كل شىء ونسأل الله جلت قدرته ألا يكون ما نحن واثقون منه لأننا نراه رأى العين لا ذكاء منا ولكن إيمانا بأن النتائج كلها فىتقدير البشر وليدة هذه المقدمات ولهذا دلائله .. ""

فى افتتاحية أخرى يقول عمر التلمساني بعنوان " البديل موجود لمن يريد " الضعف الذى نستشعره فى أنفسنا والقوة التى يهولنا أمرها عند خصمنا هو السبب الوحيد الذى يجعل ساستنا وكتاب صحافتنا يبحثون عن بديل للسلام مع إسرائيل فيخيل اليهم أنهم لا يجدون : الوهن الذى أصبح يملآ فلوبنا التى ترهبها القوة المادية هو الذى يحير ساستنا وكتابنا عند البحث عن بديل للسلام فلا يجدون ..

التهافت على السلام المضيع لكثير من الحقوق دفعا لأثقال النضال وتبعات الكفاح وأعباء الجهاد هو الذى يجعلنا نضرب أسداسا فى أ خماس للوصول الى حاصل ضرب يجنبنا الحرب حتى مع الفئران فلا نجد ؟ ألم يعلم ساستنا أنه كان إذا أسر جندى اسرائيلى كان يبكى وينحنى على قدم العسكرى المصرى ألا يقتله لأنه خرج الى الحرب رغم أنفه مكرها ؟؟

ياسادة .. يا ساسة .. يا أبطال .. يا رجال .. البديل موجود لمن يريد أن يراه والبديل قائم أمام من يريد أن يلجأ إليه ولكننا نغمض أعيننا فلا نرى البديل ونبحث بأقفيتنا لا بوجوهنا فنضل السبيل !

ويستطرد عمر التلمساني : البديل أيها السادة هو عودتكم الى شعوبكم وتوثيق ما بينكم وبينها حتى تشعر أنها شريكتكم فى السراء والضراء فى ميسور العيش وقسوته فى التنعم بخيرات بلادها لا بحرمانها منها البديل أيها السادة فى وحدتكم ونبذ الشقاق فيما بينكم وعودة الوفاق والتعاون وخيرلكم ألف مرة أن يرأسكم واحد منكم أيا كان خير لكم ألف مرة من أن يسودكم عدوكم .. "

وفى افتتاحية أخرى بعنوان يا حكام المسلمين انصروا الله ينصركم :

قال عمر التلمساني : لا يعارض عاقل فى أن السعى الى الحلول السلمية أمر يرضاه كل الناس الذين يحبون السلام أما أن يكون الحرص على السلام نتيجة ما نرى من إضعاف روح المقاومة فى ألأمم الإسلامية والتمكين القهرى لليهود حتى يحققوا أمانيهم وتصبح خرائطهم المعلقة على جدران الكنيست حدودا واقعة فى عالم الأرض والحدود الدولية أما كل هذا فشىء لا اجد له فى اللغة وصفا يمكن أن يوصف به : وأهم وصف فى تقديرى أن حكام المسلمين أصبحوا لا يعلمون البديهة السافرة التى يعرفها كل من له أبسط المام بالسياسة العالمية : بديهية أن الدول لا تقيم وزنا للقيم والعواطف عند التعامل مع بعضها ا لبعض ولكنها تنظر الى مصالحها ولو ضحت فى سبيلها بكل شىء حتى شرف الكلمة أو شرف المعاهدات ,‎.

نحن مسلمون هذا صحيح .. والمسلم إذا وعد أوفى وإذا قال صدق وإذا عاهد أنجز .. كل هذه أخلاق إسلامية عرفها العالم فى عالم السياسة يوم أن كانت السيادة للمسلمين أما اليوم والعرف السياسى كما نرى ونعلم فلم يعد لنا إلا أن نتذأب لهم ومن لم يتذأب فى عالم الذئاب تأكله الذئاب .

إن المسلم يجب ألا يكون خبا ولا يرضى أن يخدعه الخب .. إن المسلم لا يجب أن يكون أبله يستغله البلهاء والأغبياء وغيرهم لقد حان ـ وربى ـ أن يتغير حال حكام المسلمين الى غير ما هم عليه وإلا فهم أول ضحايا هذا التوانى والتخاذل لا بيد شعوبهم ولكن بيد أعدائهم الذين يحسنون بهم الظن .. "

وتحت عنوان " يوم أغبر" قال عمر التلمساني :

يوم قاتم الغبرة من الأيام الحزينة التى تجثم على الشعوب المبتلاه فى أيام محنتها يوم ا لأحد 26 من أكتوبر سنة 1980 يوم زار نافون مصر يوم وطئت أقدام أشد الناس عداوة للذين آمنوا أرضهم الطاهرة .لقد أعتصر الحزن المكتوم أهل مصر وهم يرون ضباط جيشهم يرفعون أيديهم * تحية لممثل سفاحى دير ياسين ومغتصبى بلاد المسلمين لقد عارضنا محالفة هؤلاء الناس وما زلنا نعارض ولكن هذا المنظر أدمى قلوبنا وحز فى نفوسنا إننا ننكر هذه الزيارة وننكر مظهرها الذى بدأ فى مطار القاهرة ورجالنا يمدون أيديهم مبتسمين يصافحون يد ممثل دولة ما تزال أيدى رجالها ملطخة بدماء الفلسطينيين الأبرار المغلوبين على أمرهم غنه سوء الطالع وكم لهذه الدنيا من نكد .

لا أهلا ولا سهلا ولا مرحبا ولكن بعدا بعدا ورفضا رفضا وسحقا سحقا . وماذا نملك اليوم إلا الاسترجاع . إنه من نكد الدنيا على الحر أن يرى صداقة عدو ما من صداقته بد وبد وبد ..

فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم .اللهم إنك تعلم أننا لا نملك اليوم إلا هذا ولكن أملنا فى عافيتك واسع فسيح سنترقب يوم الخلاص يوم استرداد الحق المغصوب والمال المنهوب مهما طال زمان المحن ولن يقرب منا هذا اليوم الا بقدر ما نقترب من تعاليم الإسلام . هيا ياشباب المسلمين إقبالا على ربكم وتمسكا بدينكم .. فعلى أيديكم سيفرح المؤمنون بنصر الله فى يوم يظنونه بعيدا ونراه قريبا " والله من ورائهم محيط "

وهكذا أعلن الإخوان رأيهم بوضوح لا لبس فيه وهو معارضتهم التامة لمعاهدات واتفاقيات السلام من منظور إسلامى محض لا يصادره الواقع ولا تجبره الظروف على الالتواء .. والذين يعرفون أنور السادات يعلمون تماما أنه كان على عكس ما صوره وأبداه فى خطبه كان يضيق بالمعارضة حتى ولو كانت بين صفوف رجاله فى السلطة التنفيذية .. وكثيرا ماغضب وأرغى وأزبد عند سماعه رأيا معارضا لمعاهدة السلام وخطواته للصلح مع اليهود .

وخلاصة القول إن الإخوان المسلمين لم يحاولوا الطعن فى أنور السادات شخصيا كما فعلت ألأنظمة العربية وأجهزة إعلامها من المحيط الأطلسى وحتى الخليج العربى وإنما أنطلقوا فى معارضتهم الى لب القضية وهى تخاذل العالمين العربى والإسلامى عن واجب الجهاد المقدس وأن أنور السادات ـ على حد قول عمر التلمساني فى إحدى مقالاته ـ قد فعل ما فى استطاعته وفى حدود إمكانياته ولكن ما ذا فعل قادة وزعماء العالم العربى والإسلامى ؟ وأين هذا الجهاد المقدس الذى يتغنون به فى إذاعاتهم وصحفهم ؟ ولكن رغم سلوك الإخوان فى معارضتهم فإنه لم يرض أنور السادات من قريب أو بعيد وبدأت بوادر الصدام تظهر فى الأفق !!

واقعة ميتشل والمخابرات الأمريكية

بدأت أولى بوادر الصدام ـ فالسادات لم يرضيه موقف الإخوان من خطواته للصلح مع اليهود وفى أحد أعداد الدعوة .

نشرت رسالة بعث بها ريتشاردميتشل أستاذ تاريخ مصر والعرب فى جامعة ميتشجن الأمريكية المتخصصة فى الشرق ألأوسط وله دراسة عن الإخوان المسلمين الى رئيس هيئة الخدمة السرية بالمخابرات المركزية الأمريكية قال فيها

" بناء على ما أ شرت اليه من تجمع المعلومات لديكم من عملاءنا ومن تقارير المخابرات الاسرائيلية والمصرية التى تفيد أن القوى الحقيقية التى يمكن أن تقف فى اتفاقية السلام المزمع عقدها بين أسرائيل ومصر هى التجمعات الإسلامية وفى مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين بصورها المختلفة فى الدول الغربية وامتداداتها فى أوربا وأمريكا الشمالية ، وبناء على نصح مخابرات إسرائيل من ضرورة توجيه ضربه قوية لهذه الجماعة فى مصر قبل توقيع الاتفاق ضمانا لتوقيعه ثم لاستمراره وفى ضوء التنفيذ الجزئى لهذه النصيحة من قبل حكومة السيد ممدوح سالم باكتفائها بضرب جماعة التكفير والهجرة ..

" وتمضى الوثيقة فى شرح وسائل القضاء على جماعة ا لاخوان على غرار وثيقة ضرب جماعة الاخوان فى عهد جمال عبد الناصر وقد ردت السفارة الأمريكية فى القاهرة وكذلك ريتشارد ميتشل ينفيان صحة هذه الرسالة وأنه لم تصدر منه رسالة للمخابرات كما لا توجد هيئة بهذا الأسم فى جهاز المخابرات ولكن بعد عامين كتب عمر التلمسانى فى افتتاحية الدعوة قائلا : وعندما نشرنا وثيقة منذ عامين أو أكثر أو أقل ترسم الخطة التى تؤدى الى القضاء على الإخوان المسلمين ثارت ثائرة البعض فى الداخل والخارج ..

ولم نضف على أصحاب الشأن بنشر تكذيبهم لتلك الوثيقة وتجرى الأيام تباعا حافلة بكل ما يثبت أن ما جاء فى هذه الوثيقة تلك إنما هو جزء من كل اعد إعدادا دقيقا ومدروسا للتخلص من الإخوان المسلمين بكافة الطرق .. وإننى أعتقد أن هذه الوثيقة رغم تكذيبها صحيحة ..

ويكشف عمر التلمساني عن حقيقة نوايا الغرب ضد الإسلام قائلا : فقد أذاعت وكالة أ . ش . أ . لندن فى 13 فبراير 1981 ما نصه ( ذكرت مجلة الايكونوميست البريطانية فى دراسة لها عن التهديد الذى تواجهه مصر من قبل ا لجماعات الإسلامية ما يلى : إن جماعة الإخوان المسلمين تعتبر حتى الآن البديل الوحيد الممكن لنظام حكم السادات فى مصر وقالت ا لمجلة : إن الجماعات الاسلامية ظهرت كمنظمة قوية منذ ثلاث سنوات وأنها تضم نخبة طلابية اسلامية وهى تعمل علانية فى المدارس العليا والجامعات وأن عدد أعضائها نحو ما ئة ألف عضو وأن أ عضاء الجماعة يتميزون بالاخلاص والنظام الشديدين وهم موزعون فى خلايا جيدة التنظيم حيث يستطيعون أن يحشدوا عشرة آلاف رجل وامرأة فى شوارع أية بلدة أو مدينة مصرية خلال ساعات وأنهم متعصبون وضيقوالأفق وغير متسامحين وهم على استعداد لاستخدام ا لقوة ضد معارضيهم على الرغم من أنهم لا يظهرون أسلحتهم وأوضحت المجلة أن الجماعات تتمتع بتأييد علنى بين رجال الشرطة ومن بينهم بعض الضباط ذوو الرتب المتوسطة ومن المشكوك فيه قيام البوليس باستخدام قوته الكاملة ضدهم وعن مصادر تمويل تلك الجماعات قالت الايكونوميست : إنه من المحتمل أن الأموال تأتى إليهم من السعودية ومن رجال الأعمال الذين يتسمون بالتقوى والورع ونوهت المجلةبالقوة المتزايدة للإخوان المسلمين فى السودان وذكرت أنه لدى الرئيس السادات ونميرى القوى لوقف الفيضان الإسلامى وإن كان الرئيسان يحاولان فى نفس الوقت استرضاء الميليشيات الإسلامية والمزايدة عليها وأشارت المجلة كذلك الى أن السادات تحدث كثيرا عن تغيير القانون المصرى لجعله موافقا للشريعة الإسلامية إلا أنه لم يجد بدا فى حقيقة الأمر من تأجيل تنفيذ ذلك وير الأستاذ عمر التلمسانى قائلا إن كل كلمة فى هذاالمقال تقطر سما وتحمل تحريضا سافرا وتدعهوز الى اسلوب معين وتنبه الى أخطار وهمية وتسرجد وقائع كاذبة لا أساس لها ولا وجود إلا فى مخيلى أعداء الإسلام الكارهين ليقظة أبنائه والمقاومين لمده .

إن المقال يقرر أن الإخوان ا لمسلمين هم البديل الوحيد لنظام السادات فى مصر وهى القرية الكبرى التى يلوح بها أعداء الإسلام للفرقة بين كل حاكم لبلد اسلامى وبين دعاة الإسلام فى تلك البلاد وللأسف المخزى فقد أفلحت هذه الأكاذيب فى بعض بلاد المسلمين التى لا يستطيع داعية مسلم أن يباشرلا فيها مهمته فى نشر الدعوة الإسلامية ..

إن الإخوان المسلمين لن يفكروا يوما من الأيام فى استبدال حاكم بحاكم " فالكل فى الهوى سواء " ولكنهم يعملون ويصرحون وينادون باحلال حكم الله محل حكم البشر لأن فيه الخير والصلاح " ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ": ولو أراد الإخوان المسلمون الحكم لنالته أيديهم ولتسمنوا غاربة منذ أمد بعيد ولكنهم عن زهو الدنيا فى شغل وما أرادوا إلا حكم الله وتطبيق شريعته علىأية يد وأيا كانت هذه اليد التى تطبق هذه الشريعة السمحاء وما من شك أن كل حاكم لبلد إسلامى يعلم عن طريق جواسيسه ومخابراته أن الإخوان المسلمين لا يتآمرون ولا يخربون لأن أساس دعوتهم الحكمة والصراحة والوضوح " ادع الى سبيل ربك بالحكمة " وهم لو لجئوا الى الاستخفاء لما علم أحد بدعوتهم .."

(ونعود الى رسالة ميتشل للمخابرات المركزية الأمريكية والتى أحدثت ردود فعل غاضبة لدى السادات واستدعى كبار الأقطاب من الإخوان المسلمين للتحقيق فى هذه الرسالة .. ووجد أنور السادات فى هذه الوثيقة فرصته الذهبية للنيل من الإخوان والتشهير بهم وكان ذلك فى الملتقى الأول بمدينة الاسماعيلية )

البداية فى الاسماعيلية

( فى ليلة 27 رمضان 1399 (21أغسطس 1979 ) التقى أنور السادات بعلماء الأزهر والمفكرين الإسلاميين ودار حوار شدة انتباه الناس فى ذلك الوقت بعد فترة من جمود فى الاتجاهات والمواقف وبعد أن كان الناس ينسون مسألة تعارض وجهات النظر والمعارضة ( ويقول عمر التلمساني : بدأت معرفتى بأنور السادات حين استدعانى السيد منصور حسن وكان وزيرا للإعلام فى ذلك الوقت وألح على أن أحضر هذه الندوة ولم يسعنى إلا القبول وكانت تلك هى المرة الأولى التى أتقابل فيها مع أنور السادات وقد تأكدت بعد ذلك أنه كان مطلوبا بإلحاح حضورى هذا اللقاء لأنه عندما وصلت جلست فى الصف الأخير فإذا أحدهم ينقلنى من الصف الأخير الى الصف ألأول فى مواجه السادات .

وقال عمر التلمساني فى الكلمة التى القاها فى بداية الندوة: يتابع المواطنون هذه اللقاءات فى اهتمام ويسألون الله أن يفتح منها النفع على هذا الوطن وهم فى هذا محقون كل الحق لولا عتب يسير على الذين حضروا هذه اللقاءات السابقة فى أن يطلبوا فى هذه المناسبات طلبات خاصة فهى لقاءات تهم الأمة كلها ولذلك لن تسنع سيادتكم من حملة رسالة الدعوة الإسلامية طلبا خاصا وإنما مطالب عامة تعود على الوطن بالنفع . جئت الى الحكم وكانت السجون والمعتقلات تعج بالآلاف فتحت السجون والمعتقلات وأبحت حرية وأبحت للصحف ان تتحدث كل هذا جميل ومقدر كل التقدير وانطلق الذين خرجوا من السجون يربطون بين الحاكم والمحكوم بالمحبة لأن عاطفة الود والوئام هى الأساس الوطيد لدوام كل حكم ولمحبة كل حاكم وما دامت أواصر القلوب مرتبطه فهى التى نمت وتحرس وتؤبد .

بقى ـ ولا أطيل ـ أن نقول كل من يحضر هذه اللقاءات يطالب بإصلاح كل شىء فى هذا البلد وكنا فى غنى عن هذه التفصيلات بأن يطبق شرع الله فينطلق الناس بما جاء فى كتاب الله وسنة رسوله فى ذلك أكبر الضمان بين الشعب قلبا واحدا ويوم أن ترتبط

قلوبنا بهذا المعنى ستجد الشعب يسيروا وراءك يقول : لبيك وحتى نضحى بكل غال لكى نفتدى هذا الوطن لكى نكون جميعا قلبا واحدا ويدا واحدة بدون حقد )

( إن الداعية الى الله خير كله كلنا نريد بك ولك الخير وأن يوفقك اللهلما فيه خير هذا الوطن والله يرعاكم لهذا البلد تقيمون فيه شرع الله وتطبقون فيه حكم الله والشعب كاه خلف السادات يوم أن يقول الله وحكم الله وكتاب الله خذ بكتاب الله وسترى منا ما يرضيك ويرضى الله .. نحن مخلصون ولا نكره ولا يجتمع الإيمان والكراهية .. على بركة الله سر بأمتك والله يحفظك ويرعاك .

وبدأ انور السادات بعد أن انتهى علماء الأزهر من إلقاء كلماتهم فى خطابه لهم الذى وضح منذ البداية أنه يحمل نوعا من الغضب المكتوم والحنق تجاه المعارضين وخاصة من أصحاب التيار الدينى ولعله ركز ـ وأشار هو بنفسه لذلك ـ على الإخوان ومواقفهم وأنه يقدر الاطاحة بهم بجرة قلم .. !!

قال أنور السادات : وهنا أنتقل لأعتب .. كان لعمر التلمساني عتب .. ولى أيضا عليه عتب .. أرسلت جماعة الاخوان المسلمين بواسطة محاميها لرئيس الوزراء السابق ممدوح سالم إنذارا أو إعلانا بأن قرار حل الجمعية أنها لا تعترف به أو أنه غير قائم ..

أنا لم أعلم بهذا أبدا إلا بعد استقال ممدوح سالم ولو علمت لقلت آسف ..

لا القرار قائم وحقيقى أقولها أمامكم جميعا ويكتب افتتاحيتها الأستاذ عمر التلمساني على أ ساس أن ا لجمعية مسجلة فى الشئون الاجتماعية نعم .. مسجلة ولكن قرار إلغائها قائم ومع ذلك لآ أظن أنى أرسلت اليكم ووضعتكم فى المعتقل من أجل هذا ..

ويزيد ألأمر مرارة فى نفسى يوم أن أكتب لشبابنا الذى أ تحدث عنه لكم عن تكوينه ليقابل هذا ا لتحدى من حولنا تحدى أولئك الذين يظنون أن المال هو كل شىء السعوديون وغيرهم والذين يحاولون أن يعلقوا عضوية مصر فى العالم الإسلامى بكل بذاءة وبكل وقاحة وتجرؤ على مصر يخرج عمر وفىصدر المجلة بمقال من خطاب وصله أن الحكومة الامريكية أو المخابرات الأمريكية أرسلته لممدوح سالم رئيس الوزراء بتقول له فيه أنه اوعوا خدوا بالكم من الجماعات الإسلامية لأن دول خطر جدا واضربوهم واخلصوا منهم أنا شاهد وأنت تعلم ( موجها حديثه لعمر التلمساني ) والجميع والشيخ عبد الرحمن ( الشيخ عبد الرحمن البنا شقيق الشهيد حسن البنا ) أن يدى كانت فى يد الشيخ البنا الله يرحمه ..

التنظيم السرى أمامى وبأشخاصه وبما كان فيه من أسلحة أمامى .. ولكن ماذا فعلت أنا برغم كل هذا ؟ لم يتعرض لكم أحد ولم أقفل الجريدة وإنما أرسلت لوزير الداخلية لكى يقول لك عيب وقالك فعلا .. كما تحدث عمر بالذات فى النفس المسلمة لا يكون الحقد ولا يعيش الحقد ..

وفى جزء آخر من الخطاب قال أنور السادات لما قلت لا دين فى السياسة ولا سياسة فى الدين كان سببها إيه أنا أرسلت لك ياعمر برضه فى معركة نقيب من نقباء للنقابات المهنية تصادف شىء غريب جدا فوجئت بأن الإخوان الشيوعيين الوفديين القدامى الانتهازيين شوفوا المفارقات العجيبة جميعا يتكتلوا وراء مرشح معين لأنه بيشتم فى الدولة وبعثت لعمر وقلت لا يا عمر عيب إيه هو الدين من يشتم فى الدولة أو ننتخب من كل مؤهلاته هى البذاءة .

ويضيف : هل يعقل فى تركيبة واحدة من الإخوان الشيوعين الوفد الجديد اللى هم بقايا الفساد القديم اللى قبل 23 يوليو على الانتهازيين يبقى دى كله مع بعضه ..

هل هذا يصح ؟ حزنى أن هذا السلوب كان لا بد أن ينتهى بعد كل ما جرى ياعمر فى الماضى ..

كما تحدثت أنت تماما فتحت السجون والمعتقلات أعدت لكم اعتباركم أعطيت سيادة القانون وحرية كاملة بدليل أنه لكم كل اعتباركم أعطيت سيادة القانون وحرية كاملة دليل أنه تصدر مجلة فلا يتعرض لك أحد مع أن إصدارها قائم على أساس غير قانونى ولا بد أن توقف فى الحال أبدا .. بقى لى شىء واحد بس أرجومن جماعاتنا الدينية ألا تقبل أموالها من أولئك الأقزام لأن عندى البيان وإذا كان الأمر مقصودا به خدمة الإسلام على العين والراس وليكن علنا أما بالاساليب ألأخرى لا .

وهنا نهض عمر التلمساني بعد أن فاض به الكيل مما كاله أنور السادات من هجمات على الإخوان وطلب أن يتكلم وهنا قال السادات : عمر عايز يدافع وله الحق أنا يمكن ركزت عليه شوية هو كان طالب مقابلتى وأنا رفضت الى أن قابلته النهاردة لكى نتكلم أمام الشعب لأن هذا هو أسلوبى لن أتكلم إلا أمام الشعب ليعرف الحقيقة الحقيقة كاملة فليس لى حقد مع أحد وإلا كنت اتخذت إجراءات من يومها وخلصت اتفضل يا عمر قال عمر التلمساني : أرسل زعماء الحزب الشيوعى أكثر من مرة يدعوننى لحضور هذه الندوات عندهم فكنت أرفض كل مرة لأنى أعلم ما بين الإسلام والشيوعية من عداء وأن الإثنين لا يمكن أن يجتمعا فى ركب واحد أو أن يسيرا فى طريق واحد ..

أعلم تماما أنهم أرسلوا الى لأحضر ندوات لا لأنهم يتعاونون أو يريدون أن يشاركوا فى اتجاه .. إنما يريدون أن ينشروا أن عمر التلمسانى جالس مع زعماء الشيوعية ويصدر هذا للشعب ويقال : إن الإخوان والشيوعية مع بعض ولن يكون الإخوان والشيوعية فى يوم من الأيام مع بعض ..

أرسل الى من الأحزاب التى تحدثت سيادتك عنها للزيارة قلت من جهة ا لزيارة للتحية والسلام والسؤال عن الأمور العادية أهلا وسهلا .. إذا كانت الزيارة للكلام فى سياسة فى جبهات ..

الإخوان المسلمون لن يسيروا فى جبهة مع أحد .. لأن طريقهم إسلامى محدد معروف ..

أرسلت الى ا لسفارة الإنجليزية تخطرنى أن أحد كبار وزارة الخارجية الإنجليزية سيزور مصر وسيزورنى فى يوم 12/6 الساعة 12 وأرسلت الخطاب الى وزير الداخلية وأرسلت ا لرد بتاعى وقلت أنا ليه أسمح بزيارة إلا إذا أستأذنت ؟ أما أنه كانت الزيارة لمعان صحفية أهلا .. إن كانت سياسة أنا لن أتحدث لأجنبى فى سياسة مصر ..

لو أن غيرك اتهمنى كنت أرفع الأمر اليك .. إنما اليوم الى من أرفع أمرى ؟ الى الله أنا برىء من كل ما قلت ..

أنا طاهر من كل ما قلت .. أنا نظيف .. أنا مسلم .. أنا مخلص غاية الاخلاص ويسمعنى ا لكثيرون أننى دعوت الله أن يديم حكم السادات الى أطول عهد ممكن لأننا نستمتع فيه بحريتنا وإن كان هذا جزائى عند أنور السادات الحمد لله والسلام عليكم ورحمة الله .

  • الرئيس : أخشى أنك عايز تطلعنى أننى استغليت موقفى ووجهت لك هذاالكلام يا عمر .. لا أنت استدعاك وزير الداخلية كام مرة يا عمر ؟
  • الرئيس : لا الانتخابات بتاعة النقابة .
  • عمر التلمساني : انتخابات أحمد الخواجة وعبد العزيز الشربجى ( نقابة المحامين طالع فى الجرايد أسماء إخوان محامين وذهلت وسألت أحدهم وأجيبه لسيادتك يزورك ويقول لك .. قال لى هؤلاء كتبوا أسماءنا بغير إذن وهذه شئون انتخابية ولنا دخل لنا مع هؤلاء ولا هؤلاء وإذا قال إنسان إنى أمرت أو كلفت فلانا أنا أستحق كل ما قلته عنى
  • الرئيس : يا عمر علشان نجلو الأمر وحتى لا أكون متجنيا أخبرت وزير الداخلية بهذا وبهذا أخبرك وزير الداخلية أيضا فى شأن المقال .. إذن أنا لم أذكر وقائع تجنيت فيها عليك .. لم يحدث ولم أتخذ إجراء ولن أتخذ إجراء .. ..

وإلا كان ما يكونش السبيل هو الكلام اللى احنا بنقوله النهاردة .. إذن لا حق لك فى شكوتى الى الله لأنى أنا أخافه ..

أخافه فعلا فأنا بعتلك وقد حكيت ما حدث أنا أحكيه .. وأقول يا عمر لو أن هناك نية مسبقة أو رؤيا كونته ما تركت مجلتك تسير على أساس غير قانونى ولو أننى كونت لاتخذت الاجراءات والقانون معى لا .. وأنا باكلمك النهاردة كبير العائلة الذى أراد الله له أن يجلس فى هذا الكرسى ويعلم الله أننى أريد أن استريح من كل هذا حقيقة والله ولكنى فضلت أن أؤجل الكلام ده اللى بقاله شهور الى أن نلتقى وكان اللقاء اليوم ولعلك لا تذكر ولا تعرف أنى كلفت منصور حسن أننى عايز عمر ييجى لأنه لم يكن فى التخطيط أنك تحضر قلت أنا عايز عمر ييجى للمعنى اللى أنا بأقوله هو أننا كعائلة نقعد ونتناقش بمنتهى الصراحة وبعد ذلك يبقى اللى يخطىء عليه أن يتحمل تبعته ولو أننى كونت رأيا مسبقا أو إدانه مسبقة لا تخذت الاجراء ولما كان هناك داع أن تأتى اليوم .. وعلى اسحب شكواك أمام الله ..

  • عمر التلمساني : المدعى الاشتراكى أرسل الى وحقق معى ومضى على هذا التحقيق مايو ويونيو ويوليو وأغسطس ولا أدرى ما ذا تم ؟ ولو كنت أعتقد أن هناك خطأ أو إساءة ما كان المدعى الاشتراكى يتأخر عن إقامة الدعوى أو اتخاذ إجراء لم يحدث هذا وأنا على استعداد كامل أن أقدم ليعلم محمد أنور السادات رئيس جمهورية مصر العربية الرجل المسلم أنه لا يمكن لعمر التلمساني لا خلقا ولا دينا ولا تربية ولا منشأ أن يتآمر أن يكذب أن يشتم والله أبدا ما حدث على لسانى ..

لما كنت فى المعتقل فقيل ان فلان توفى الى رحمة الله أول كلمة خرجت من لسانى بعد ما قضيت 17 سنة فى ا لسجن الله يرحمه .. لم يصدر من لسانى كلمة سباب لأحد بعد 17 سنة سجن الكلمة الأولى الله يرحمه .. مش أنا اللى اتآمر أو أؤذى أو أسب بلغت من العمر الذى لا يسمح أن أسير فى هذا ..

انت الآن يا سيادة الرئيس عفوا ستجعلنى ألازم فراشى أشهر لأن هذا الذى وجه الى آذانى نفسيا ومعنويا وأسأل الله أن يلطف بى هذه السن وأن لا ألازم الفراش وأن أغادر الدنيا خيرا من ألزم الفراش مريضا وأنا إذا شكوت الى الله فأنا أشكو الى عادل وإن كنت قد تجنيت سيعلم الله أنا لا أشكو الى ظالم أشكو الى عادل بيده الحكم وإليه المصير بدل أنا ما أسحب الشكوى بتاعتى سيادتك اتخذ طريق تعالج به التعب الذى نالنى الآن .. )

  • الرئيس : أحسن طريق لهذا هو أنه كل ما تحدثنا عنه مضى وفات وعلينا أن نبدأ جميعا أيدينا فى أيدى بعض لنقيم البناء .. )

وأحدث حوار السادات والتلمسانى ارتياحا لدى الرأى العام الذى حجبت عنه الحقائق عن تاريخه لأكثر من ربع قرن من الزمان وزيفت أكثر الحقائق وصور له أصحاب الحق والعقيدة بأنهم سادة الارهاب ـ وأحس الناس بأن حوار وكلمات وردود عمر التلمساني نوع من المعارضة الهادئة البناءة التى لا تبغى إلا صلاح الفرد والجماعة ..

كان واضحا أن أنور السادات كان فى قمة غضبه وثورته على مواقف الإخوان لدرجة خروجه عن شعوره كرئيس الدولة ـ ورب العائلة المصرية ـ كما كان يحلو له ولعل هذا يكشف سبب استدعاء السادات لعمر التلمساني ـ لقد أراد أن يوقعه فى الحرج وتصور له أنه قادر على الطعن فى الإخوان حتى أ نه انهال بالشتائم وطرح بعض الحقائق بشكل ملتو أو طمس معالم الحقيقة كما فعلت أجهزة الاعلام المصرية وخاصة ضد جماعة الإخوان المسلمين ..

أما اللقاء الثانى بين السادات وعمر التلمساني فكان فى القناطر الخيرية وفى السنة التالية فى الاسماعيلية .. ويقول عمر التلمساني : استدعانى السادات لمقابلته فى 2 ديسمبر 1980 فذهبت لمقابلته واستغرقت المقابلة قرابة الساعة على انفراد عرض فيها على أن أوافق على تعيينى فى مجلس الشورى فرفضت .. وكانت رغبته فى أن ينشر نبأ هذه المقابلة فرفضت وأن تكون مقابلة كسائر المقابلات العادية .. وفى هذه المقابلة وعدنى بأن يعيد جماعة الإخوان المسلمين ..

كان يريدها أن تعود ـ نعم ولكن فى صورة جمعية خاضعة لسلطة وزارة الشئون الاجتماعية وليس هذا فى برنامج الإخوان المسلمين لأن الجمعيات التى تخضع للشئون الاجتماعية عرضه للحل فى أ ى وقت وعرضه أيضا لتغيير مجالس إدارتها فى أى وقت إذا لم ترض الوزارة عنها ولم يكن هذا أيضا فى برنامج الإخوان ا لمسلمين .. كان السادات يحاول جاهدا فى هذه الناحية لم أكن حريصا فى أن أتحدث معه فى المسألة مرة أخرى ..

وهكذا نجد أن الخلاف الذى تفجر مع هجوم أنور السادات على الإخوان المسلمين فى ملتقى الاسماعيلية والذى كشف عن حنق وضيق أنور السادات من مواقف الإخوان المختلفة وخاصة موقفهم من معاهدة السلام واتفاقيتى كامب ديفيد للصلح مع اسرائيل انطلاقا من موقف عقيدى يتفق ومبادىء الإسلام الحنيف ..

وقد حاول أنور السادات أن يضع الإخوان فى مواجه المدفع بإصراره حضور احد قياداتهم البارزة لأيقاعه فى ا لحرج والتهجم بلا مبرر وبلا سند على جماعة الإخوان وأفكارها وخاصة بعد أنتشار وامتداد تأثير الجماعة ـ غير المسجلة أو المعلنة رسميا ـ فى أوساط الرأى ا لعام وبصفة خاصة شباب الجامعات الذى بدأت موجات من التدين والحرص على تعاليم الإسلام تسوده مما أثار غضب السادات حيث كانوا النبض الحى لمشاعر الناس وأكثرهم قدرة على الحركة السريعة ورد الفعل التلقائى تجاه ا لأحداث انطلاقا من عاطفة إسلامية جياشة .. وظهرت ردود أفعال شباب الجامعات فى معارضتهم القوية لمعاهدة السلام مع إسرائيل ..

ولعل تصور السادات ومن حوله أن جماعة الإخوان المسلمين هى التيار المغذى الرئيسى لحركات شباب الجامعات هو الذى دفعه لمخاطبة الشباب خلال خطبته فى ملتقى الاسماعيلية محذرا إياهم من تلقى أموال من أولئك الأقزام " .

وكانت التقارير التى تصل السادات يوميا تحذر من ازدياد نشاط الشباب المسلم وسيطرته على ا تحادات الطلاب الجامعية وجذبهم الكثير للتيار الإسلامى ولعل الأحداث تكشف فيما بعد كيف عصف أنور السادات بالشباب الذين حرص فى كل خطاباته على مناداتهم " بأبنائى وبناتى " ..

ولكن أصحاب العقيدة سواء كانوا شبابا أو شيوخا صمدوا للطوفان الذى أراد إغراق الأرض وفى نفس الوقت فإن قوى ا ليسار والشيوعيين رغم تقليم أظافرها فى أحداث يناير 1977 وما تلته من قوانين استثنائية بدأت تشكل نوعا من القلق فى مواقفها تجاه السادات ..

لعبة الفتنة الطائفية

منذ بداية السبعينات ظهرت على سطح الحياة السياسية فى مصر قوى جديدة لم تكن فى حسبان القيادة السياسية المصرية ..

هذه القوى تحركت بوعى وأحينا بلا وعى ـ تفاعلا مع مجريات الأمور .. لقد ظهرت الجماعات الإسلامية " الشابة هذه الجماعات كانت نبضا حيا إزاء المواقف والأحداث التى مرت بها بعد حرب أكتوبر 1973 .. ولا شك أن مناخ الحياة السياسية والحنين ا لى العودة الصادقة الى أحضان الدين والعقيدة هو الذى مهد لقيامها .. وربما دفع الحماس بعض أفكار هذه الجماعات الى مواجهة ظاهرة الانحراف بأشكالها المختلفة بنوع من التطرف أو ا لمغالاه فى التصورات الإسلامية وأيضا انتمى بعض من هذه الجماعات لرد الفعل العكسى والعنيف لما حدث من وحشية وبشاعة فى سجون عبد الناصر .

وهنا لا بد أن نتوقف عند المتغيرات التى لحقت بالمجتمع المصرى عقب حرب رمضان أكتوبر 1973 حتى نتبين أوجه الخلل فى بنية المجتمع المصرى والتى أفرزت ظواهر التطرف من جانب بعض الشباب المسلم . )

( لقد أعلن السادات إنهاء عصر انغلاق مصر اقتصاديا واتباع سياسة الانفتاح الاقتصادى فى عام 1974 .. وهو تفكير محمود إذا كان يقصد بها مصلحة البلاد فى الاتصال بالعالم ا لخارجى وتنشيط حركة الاستثمارات داخل مصر .. واستبشر الشعب خيرا من تطبيق سياسة الانفتاح فهى ستتيح فرصا للرزق للكثير من شبابنا ورجالنا وسوف نخرج بكنوز وثروات الرجال التى كنزت فى عهد عبد الناصر خوفا من الحراسة والتأميم ـ لتحقيق الخير للبلاد .

( ولكن الوجه الآخر للعملة أن هذه السياسة والتى تحولت الى انفتاح استهلاكى قد سببت الكثير من المشاكل وتسببت فى أحداث أزمات أقتصادية ما زال المجتمع المصرى يعانى منها حتى الآن نتيجة لسوء التخطيط والادارة .. لقد انتظر الشعب المصرى وتوقع ازدهار اقتصاديا بعد انتهاء عصر الحروب التى خاضتها جيوشه على مدى ثلاثين عاما وهذا يعكس حسن النية البالغ من الجماهير ولها العذر فى ذلك بعد أن أقنعته أجهزة إعلامه بهذه النغمة )

وأحس الشباب المسلم بسلبيات عصر الانفتاح ـ لأن إيجابيات الانفتاح كان مقصورة على مجموعات من المستثمرين وأيضا المستفيدين ـ كما أحسوا بالتناقضات الغربية فى بنية ا لمجتمع المصرى وظواهر الانحراف المنتشرة فظهر تيارهم للجنو الى العنف كوسيلة للتغيير ..

وإن كان الإسلام يرفض ظاهرة العنف ويؤمن السلام فى المجتمع فإن الإغراق والإسراف وظهور طبقات جديدة من أثرياء الأنفتاح ـ بحق وبدون وجه حق ـ بالاضافة الىأن الجماعات القديمة ( صالح سرية ـ وشكرى مصطفى ) لهم خلفياتهم نتيجة تجارب التعذيب الوحشية فى المعتقلات المصرية فإن النوعية الجديدة منهم بدأت تنتشر ويقول الأستاذ التلمسانى : * " إن أهم أسباب انحراف الشباب الى العنف هو التعذيب الذى لا قوه أيام السجن وهو شىء ليس بقليل ناحية أخرى أن مظاهر المجتمع كلها فى نظر أى مسلم طاهر يرى الشباب أن تعاليم دينه تقضى بأوضاع معينة ويرى أن هذه الأوضاع لا تتبع وخاصة فى دولة يقول دينها إن دستورها الرسمى هو الإسلام وإن الشريعة هى المصدر الرئيسى للتقنين قطعا الشباب يتأثر ويفكر طويلا هل هذا العمل ينطبق مع ما يقال إنها دولة إسلامية أم لا ؟ ..

وهذا بالفعل يؤدى بالشباب الى أن يفكر طويلا لأنه إذا لم يفكر يعيش على هامش الحياة ولا يهمه دولته ولا دينه .. أرى أيضا أن الشباب يعرف من خلال تعاليم الإسلام كيف تكون الفتاة فى زيها واحترامها وتعاملها ثم يرى فى الجامعة معرضا " فاترينه " لأزياء لا ترضى الإسلام.

فالشباب معذور عندما يرى هذه المظاهر .. إنه يقول إن الأوضاع غير سليمة ولا بد أن تتغير وعندما يعرض التلفزيون فى الأفلام مشاهد خليعة وخارجة .. أين الرقابة ؟ وأين الإسلام ؟ ثم هذا الآنفتاح الاستهلاكى وما جره على البلاد من مشاكل .. وأنا عندما أستنكر هذا الآنفتاح الاستهلاكى لا أستنكر شيئا أتحدث عنه وحدى لكن أنتم أيضا تتكلمون عنه .. ونحن نقرأ لكم ما تكتبونه .

هناك فى البلد ثروات ضخمه وهذه الثروات نستطيع معالجتها .. بحيث نحافظ على حق الثرى وينتفع المسلمون جميعا فعندما يقول الله فى كتابه " والذين فى أموالهم حق معلوم " فهذا ليس صدقة أو إحسانا ولا زكاه إن حق الزكاة فريضة .. وفيما يقول الرسول " ليس منا من بات شبعانا وجاره جوعان " فإن هذا هو التكافل الاجتماعى على أية حال فإن الإسلام لا يرضى لأى غنى من الأغنياء ـ دون ذكر اسماء ـ أن يكون عنده قصور وسرايات وبجانبه ناس فقراء أى أسلام هذا ؟ .. )

( أنا لا أستنكر المال عند الغنى ولكن استنكر تصرفه هو فى ماله .. إذا لم يؤد واجبه المفروض عليه .. )

ولعل من المفيد أن نطرح العوامل التى أدت ا لى إصابة الشعب المصرى بنوع من خيبة الأمل بعد توقيع معاهدات السلام انتظارا للرخاء المأمول : )

  • إن السادات أعلن مرارا وتكرارا فى خطبه بعد معاهدة السلام بأن عام 1980 " هو عام الرخاء " وأن الاقتصاد المصرى سوف يشهد عددا من التغيرات فى طريق الانتعاش وأنه سوف يتم القضاء على كافة المشاكل المزمنة جذريا .

إن الانفتاح ـ برغم ما حققه من انتعاش اقتصادى ـ قد أوجد طبقات أثرت ثراء غير مشروع ـ على غرار أثرياء الحرب ـ مثل السماسرة وعمولاتهم من الصفقات والمتتبع لهذه الحالات على مدى السبعينات وأوائل الثمانينات يرى العديد من هذه الصور مما أثار ضيق وحنق الطبقات المحدودة الدخل التى تعانى الضائقة الاقتصادية إزاء دخولها المحدودة والأسعار التى قفزت قفزات غير عادية .. )

( فشل كثير من المشروعات الاستثمارية وهروب الكثير من المستثمرين نتيجة فساد الجهاز الادارى والعراقيل التى تقف فى طريقهم .. )

( تدهور أجهزة المرافق وا لخدمات وتدهور الانتاج الزراعى وتغيير الخطط بتغيير الوزارات .. ونقص العمالة نتيجة موجات الهجرة المتتابعة للخارج مما زاد من معاناه الشعب المصرى .. )

( أما البعد الثانى من المتغيرات التى أدت لأزمة سبتمبر 1981 فهو علاقة مصر وإسرائيل بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام وبدء عملية التطبيع بكافة مستوياتها فإن هذه الخطوات التى اتخذتها القيادة المصرية قد أدت الى انقطاع علاقة مصر خارجيا بالدول العربية وبعض الدول الإسلامية وتعليق عضويتها فى منظمة المؤتمر الإسلامى ..

وكان لذلك أثره داخليا حيث انقطع مورد الدعم العربى لمصر وبحثت القيادة المصرية عن مصادر تمويل جديدة وهى الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية حليف اسرائيل القوى فى المنظمة بالاضافة الى خرق اسرائيل المستمر والمتوالى لتعهداتها ـ كالعادة ـ فشنت اسرائيل هجمات على جنوب لبنان ودمرت المفاعل النووى العراقى وأعلنت ضم القدس العربية كعاصمة موحدة لها وأبدية لاسرائيل واغتيال الشخصيات العلمية والسياسية العربية وضم الجولان وغيرها من التصرفات . )

( وقد بدأ نشاط الجماعات الإسلامية يظهر بداية فى الجامعات المصرية حيث ظهرت لهم تجمعات قوية ونشاط تمثل فى المعسكرات والمؤتمرات والندوات وغيرها ثم انطلقوا خارج الجامعات وكان ضرب المفاعل النووى العراقى بداية جديدة لهذا النشاط حيث عقدوا مؤتمرات فى الأزهر الشريف ثم مسجد النور بالعباسية بالقاهرة حضره الآلاف من الشباب والشيوخ وحضره الأستاذ عمر التلمساني والشيخ حافظ سلامة والشيخ صلاح أبو إسماعيل .

وطالب المتحدثون * بالغاء كل خطوات التطبيع وسحب السفير المصرى من اسرائيل وإعداد الأمة للجهاد المقدس ووجه شباب الجماعات الإسلامية خطابا بهذا المعنى لرئيس الجمهورية وكان خروج الجماعات الإسلامية بنشاطها الذى يجمع حوله الآلاف من الشباب مؤشر خطورة لدى القيادة المصرية التى وقفت باستمرار أمام خطواتهم ..

وكانت زيارات السادات للجامعات المصرية والالتقاء بالشباب فيها فى محاولة لوقف هذه الجماعات ومنع انتشارها تأثيرها خارج الجامعات وأعطيت تعليمات صارمة لرؤساء الجامعات بعدم السماح ببمارسة السياسة داخل جدران الجامعات .. وأن الجامعات مكان للعلم فقط ولا مجال فيها للمارسة النشاط السياسى والدينى ..

وأبدى أعضاء الجماعات الإسلامية ضيقهم وغضبهم من زيارة مناحم بيجن وزمرته لمصر ..

وقد أحس السادات بما يعتمل فى صدور المصريين تجاه النظام الصهيونى ولذلك فقد كانت زيارات بيجن ووزراء حكومته زيارات قصيرة وخارج القاهرة وعلى المستوى الرسمى دون الشعبى والذى لم ولن يتقبل وجود مثل هذه الزمرة الطاغية وهذا الطاغية " بيجن " كان يبرهن للحليف الطبيعى والحميم الاسرائيلى الولايات المتحدة الأمريكية أنه اليد التى تبطش فى المنطقة وأنه يمثل الشرطى الذى يحفظ النظام بين القوم والرعاة ولذلك عندما كان يحس باهتزاز وضعف لدى الأمريكيين كان يبرهن لهم بتصرفات حمقاء على وجوده القوى فتغضب أريكا وتقيم الدنيا ولا تقعدها ثم تخبو هذه الأصوات وكأن شيئا لم يكن ..

وقائع ضم القدس والجولان وغزو لبنان الوحشى تشهد بذلك .. ولقد قالها موشى ديان وزير الدفاع والخارجية الاسرائيلى السابق " إننا نريدها ـ أى اسرائيل قوية مكروهة خير من اسرائيل ضعيفة محبوبة "

وكان لا بد لأنور السادات أن فعل مثلما يفعل الطرف الاسرائيلى ليثبت أقدامه فى معركة المفاوضات من أجل استعادة الأرض .. ولذلك فقد اتسمت تصرفاته فى بداية عقد الثمانينات بنوع من الغضب وتوتر الاعصاب تجاه معارضيه خاصة من الجماعات الإسلامية وجماعة الإخوان المسلمين الذين ينطلثقون ـ عكس غيرهم ـ من منطق عقيدى وعلى وحى من القرآن وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم

أحداث الزاوية الحمراء

عاشت مصر 14 قرنا من الزمان لم تقربها فتنة طائفتى المسلمين والمسيحيين من قريب أو من بعيد وحتى عندما أثيرت مثل تلك المسألة فإنها كانت تجتث من جذورها وهى فى مهدها .. وذلك لأن الإسلام يحترم أصحاب الأديان الأخرى ويحفظ لهم وجودهم ويوفر لهم كل الرعاية ويشهد تاريخ الإسلام قديما وحديثا على حسن سماحة الإسلام وحسم معاملتهم للنصارى وغيرهم انطلاقا من أوامر دينهم ووصية رسولهم صلى الله عليه وسلم .. كما لا تتمتع أقلية دينية فى أى بلد من بلدان العالم بمثل ما تتمتع به الأقلية المسيحية فى مصر ويشهد بذلك العالم كافة .. ولكن كانت هناك مؤامرة قصد بها الشحن المستمر بين المسلمين والمسيحيين والاطاحة بقيادات الطرفين فى أيام قليلة .. ولندع الأحداث تتكلم عما وقع وبدأ فى الزاوية الحمراء

(بدأت أحداث حادث الزاوية الحمراء يوم الأربعاء 17 يونيو 1981 عقب صلاة المغرب بمسجد النصر بالزاوية الحمراء بالقاهرة حيث كان المسلمون يصلون وفوجئوا بكرة قدم تصيب المصلين داخل المسجد والتى كان يلعب بها بعض الشباب النصرانى .. وعندما خرج المصلون يعتبون عليهم كان ردهم فيه سوء أدب واستفزاز مما دفع أحد المصلين الى تحذير إخوانه من الاستدراج وطلب منهم الإنصراف .. )

(ولكن قبل أن ينصرف المصلون إذ بوابل من الرصاص ينطلق من العمارة المواجهة للمسجد فأحدثت مقتلا من واحد من المصلين فحدث هرج ومرج وانتشر الخبر فى كل الحى فكانت هناك ردود أفعال من بعض المصلين ضد المسيحين ولكن عقب صلاة العشاء وعند خروج المصلين من مسجد النذير ويبعد حوالى 500 متر تقريبا عن مسجد النصر أطلق النصرانى كامل الموان وأولاده الرصاص على المسلمين داخل وخارج المسجد من مسدساتهم الأوتوماتيكية واستمروا فى إطلاق الرصاصحتى الساعة الثانية صباح الخميس ولم يتوقف اطلاق الرصاص إلا بعد القبض عليهم كما أطلق نصارى آخرون الرصاص على المسلمين فى منطقة الجنينة وعزبة أبو ليلة .. وسقط من المسلمين صباح ذلك اليوم أكثر من 60 قتيلا ومصابا )

(وقد وجهت مجلة الدعوة نداء على صفحاتها لأبناء الوطن قالت فيه إن هذا الوطن العزيز يشق طريقه اليوم بين أحداث غاية فى الخطورة على مستقبله ولئن لم يتبين هذا الشعب طريقه فى ضوء قرآنه وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام فالله وحده العالم بعاقبة ا لأمور )

(والأحداث الأخيرة وما صاحبها من جراح ودماء وأرواح باعيرة نارية لم تصب إلا المسلمين يجب أن تقف عند حد محدود اتقاء لشر مستطير وإنا لنهيب بأفراد هذا الشعب مسلمين ونصارى أن يقدروا دقة الظروف التى تمر بها البلد كما نهيب بالحكومة أن تتخذ على وجه الاستعجال كل الوسائل التى تعيد الأمان الى نفوس الجميع فى إجراء ات قوامها الحزم والعدل والمساواة ومراعاة الملابسات كلها حتى يشعر كل مواطن بأنه آمن معافى والغريب أن الأحداث التى وقعت تمت فى غيبة تامة عن رجال الشرطة والأمن الذين سارعوا بالالتجاء لرجال الدين من الطرفين .. ويذكر عمر التلمساني ..

أن رجال وزارة ا لداخلية قد طلبوا منه النزول للزاوية ا لحمراء لعلاج الموقف المتدهور ويشهد على ذلك النبوى اسماعيل وزير الداخلية فى ذلك ا لوقت .. فكيف أتهم بإثارة الفتنة بعد ذلك والمسئولون فى الداخلية يشهدون على دورى فى تهدئة ا لموقف المتفجر ؟

( لقد كان هناك اتجاه لاثارة هذه الفتنة الطائفية كمفهوم ينتشر بين عامة ا لناس وكذلك الصفوة من جانب البعض لمواجهة موجة المعارضة العارمة لمواقفنا على معاهدة السلام والتصالح مع اسرائيل ـ التى انطلقت تعربد فى المنطقة وبلا هوادة فى كلاتجاه )

ويحدد عمر التلمسانى موقف الإخوان من هذه القضية الشائكة فى حواره مع المصور قائلا :

نعود بأذهاننا الى التاريخ سنة 1910 أو 1911 كان هناك مؤتمران : مؤتمر فى مصر الجديدة ومؤتمر آخر فى أسيوط .. هذا للمسلمين وذلك للمسيحين وتبودلت فيهما التهم وانتهى الأمر بسلام .

لم تتضخم الأمور كما حدث مؤخرا كانت هناك منشورات توزع فى الوتوبيسات والترام والشوارع تطعن فى الدين الإسلامى وفى محمد عليه الصلاة والسلام .. أنا وصلت لى مجموعة من هذه المنشورات وقدمتها لوزير الداخلية ..

ويستطرد الأستاذ عمر التلمساني قائلا : حين أعود بذهنى للتاريخ أرى أن الذى يقولون عنه " فتنة طائفية " ليس هو كذلك وإنما كان هناك منذ 70 سنة موقف كهذا ـ فى مصر ـ ولم تتضخم الأمور بهذا القدر .

النشرات التى تحدثت عنها لا أستبعد أن تكون صادرة عن أى فريق ثالث إنما طالما نحن نفترض يصبح كل فرض محتملا .. طالما أنه لا يوجد عندى دليل قاطع نحن كمسلمين نؤمن بأن عيسى عليه الصلاة و السلام رسول ولا يمكن أن يبلغ بنا السفة فى ديننا أن نتناول عيسى أو مريم بأى سوء أبدا .. نحن ننزه مريم عما قاله فيها اليهود نحن نعتقد أنها بتول وطاهرة وأنها نفخ فيها من روح الله سبحانه وأن المسيح نبى ورسول .. وغيرنا لا يعتبر محمدا بهذه الصورة .. غيرنا ينكر على محمد رسالته ..

أنا كمسلم ـ رغم أنفى ـ أردت أو لم أرد تشدنى الغيرة على محمد عندما يسبه أحد .. ولا أكون مرتاحا لهذا بالطبع .. إنما الهوس لا يبلغ بالإخوان المسلمين الى الدرجة ا لتى يتصورها الناس .. لأنه فى فترة من الفترات كانت هناك لجنة سياسية للإخوان المسلمين وكان من بين أعضائها وهيب دوس وأخنوخ لويس .. كانا عضوين فى اللجنة السياسية للإخوان المسلمين ..

الذى يأتى بهؤلاء ليكونوا أعضاء فى لجنة سياسية لدعوة أسلامية ليس إنسانا متعصبا إن الشعار التى انتشر مؤخرا فى مصر لم يكن له وجود .. شعار الفتنة الطائفية .. هذا كلام فارغ ليس فى مصر فتنة طائفية .. لا يحدث فى مصر أن يذبح مسلم قبطيا أو يقتل قبطى مسلما أبدا .. إنما هى مسائل عادية مثلما يقتل مسلما مسلما .. أو قبطى قبطيا أو العكس مسائل عادية جدا فى العرف الاجتماعى ..

ولقد أقام أنور السادات فى خطابات بعد أحداث الزاوية الحمراء الدنيا ولم يقعدها وألقى بالاتهامات شمالا ويمينا وفى كل الجهات الأصلية وتحدث عن تضليل الجماعات الإسلامية صارت تشكل له صداعا مزمنا بسبب نشاطها المكثف فى الوقت الذى عجزت بل وفشلت جميع تنظيمات الشباب أن تقدم ـ

منذ بداية حركة 1952 مضامين جادة تنبع من قيم ومعتقدات هذاا لوطن المسلم فوقع هذا الشباب ضحية وفريسة سهلة لتيارات الشرق الماركسية وتيارات الغرب ( وما حملته من أفكار وقيم قريبة من الانحلال ) بل أن التنظيمات مضت فى مخطط تحت دعوى الاشتراكية فى بث الأفكار الماركسية المسمومة لشبابنا ويشهد علىذلك معسكرات العمل والتثقيف التى كانت تقام طوال عهد عبد الناصر واستمرت جزءا من فترة حكم أنور السادات ويكفى ما قاله أحد المحللين المصريين فى أعقاب مبادرة السادات حين قال إن ظاهرة التحول الغريب فى مشاعر المصريين تجاه اليهود فى شكل الحوار والتعامل بعد 30 عاما من الكراهية وبحور الدم لا تعنى سوى شىء واحد هو فشل التنظيمات السياسية فى تنشئة الجماهير على أسس سليمة ولكن من أين لهذه التنظيمات السياسية بهذه الأسس حيث إن فاقد الشىء لا يعطيه ..

ولقد أريد من استقراء الأحداث خاصة بعد أحداث الزاوية الحمراء لكل قوى المعارضة المخلصة وأصحاب الدعوة والعقيدة الإسلامية المخلصين لها أن يفرقوا ـ رغم أنفهم ـ فى أوحال لعبة الفتنة ا لطائفية والتى قادتهم فى نهاية الأمر الى الأماكن المظلمة فى غياهب السجون جزءا تجرئهم على معارضة النظام القائم .

كانت عيون أجهزة الأمن ترصد تحركات وتصرفات المعارضة بكافة أشكالها وفى نفس الوقت جرت عملية تقليم أظافر للمعارضة داخل مجلس الشعب وأقصى الكثيرون من أحزاب المعارضة ولم يتمكنوا من العودة لمقاعدهم ومنهم الشيخ عاشور ود. محمود القاضى وعددمن أعضاء حزب التجمع الماركسى وذلك بعد أن ازدادت حملات المعارضة خاصة ضد عملية التطبيع فى العلاقات بين مصر وإسرائيل كما بدأت حملة ضد صحف المعارضة ومن بينها جريدة الأحرار (لسان حال حزب الأحرار) والشعب ( لسان حال حزب العمل الاشتراكى ) ثم كانت الحملة على مجلة الدعوة لسان حال جماعة الإخوان المسلمين حيث جرى أكثر من تحقيق مع الأستاذ عمر التلمسانيحول بعض المقالات التى نشرت بالمجلة .

وكانت هذه التحقيقات مؤشرا لما قد يجرى فى الأفق من تطورات بل ومضاعفات بدء ا برقابة صارمة على الصحف التى قيل إن الرقابة رفعت عنها فى بداية عام 1974 ـ وكانت إحدى مفاخر أنور السادات التى عددها فى خطبه ـ ثم ما هو أسوأ من فرض الرقابة على الصحف وهو فرض الرقابة على الأشخاص أنفسهم .

والبلد الذى عاش 1400 سنة بعيدا عن هذا ا لمعنى ليس هو البلد الذىتنشأ فيه ـ فجأة ـ هذه الفكرة .. فكرة الفتنة الطائفية .. إن المسلمين ـ وخاصة الدعاة يحرصون كل الحرص على إفهام الشباب أن لغير المسلمين حقوقا يجب أن تحترم وأن تصان وأن يدافع عنها .. ونحن أحق الناس بهذا ..

وفى مصر ولله الحمد الكثير من الكنائس الموجودة والتى تبنى .. ومصر بلد السماحة ولو ذهب أحدنا الى وزارة الداخلية وقارن نسبة التصاريح التى تعطى لبناء الكنائس لوجد أن النسبة هائلة ..

من قال إن دعاة المسلمين حاربوا فكرة بناء الكنائس فى مصر .. الكنائس تبنى من قديم ا لزمان ..

اليوم الأخوة المسيحيون يحصلون على ما يريدونه ولا توجد فتنة طائفية أحيانا يكون هناك طبيبان مسلم ومسيحى تجد المسلمين هم الكثرة الغالبة عند الطبيب المسيحى .. ولو أن هناك فتنة طائفية ..

أو تعصب عهل اترك الطبيب المسلم وأذهب الى المسيحى ؟ .. إن البعض يخترعون لنا فكرة فتنة طائفية وربما تخفى هذه الفكرة أو هذا ا لشعار وراءه أغراضا كثيرة أو قد يخفى مسائل ليس من حقى أن أتحدث عنها لأنها تمس أشياء حساسة ..

لماذا نقول ونعلن على الملأ أن هناك فتنة طائفية “ يقوم بها بعض المسلمين وبعض المسيحيين ..

ياليتكم زرتمونى فى مستشفى قصر العينى وكان معى أب اسمه صمويل راعى كنيسة فى الاسكندرية كان يقول لى : أنا كنتأتصور عمر التلمسانى وحشا يقطر من أظافره الدم .. مما كان يقال له عنى وقال أيضا : عندما رأيتك وجدتك شيئا مختلفا تماما .. )

وعلى مدى عام 1981 بدأت عمليات منظمة “ لتقليم أظافر “ أعضاء الجماعات الإسلامية مستخدما كافة الأسلحة منها أسلحة الفصل والتأديب فى الجامعات حتى جاءت مسألة الفتنة الطائفية .. وازدادت المواجهة معهم حدة .. وفى خطاب أنور السادات عن الكثير من الغضب والعنف إزاء هذه ا لظاهرة التى حاول أن ينفيها ولكن بعد فوات الأوان بعد أن انتشرت الشائعات بين ا لطرفين ـ المسلمين والمسيحيين ـ عن خسائر بالمئات والآلاف وفرضت رقابة صارمة بالأسلحة والجنود حول الكنائس وحدث نوع من التعبئة الغريبة تحت دعوى كبت ووأد الفتنة فى مهدها .. فى حين أن النيات التى وضحت فيما بعد أن المعارضين فى أحزاب المعارضة الثلاثة والإخوان المسلمين قد زج بهم فى السجون بتهمة الفتنة الطائفية والحفاظ على الوحدة الوطنية فى مصر ..

إن ما حدث عقب أحداث الزاوية الحمراء التى تعتبر الى حد كبير صراع بعض القلة المتعصبة الجاهلة لسماحة الأديان وأيضا لسماحة الإسلام بصفة خاصة لم تكن لتكون بهذا الحجم .. وقد أعلن السادات أن هناك تحقيقات تجرى حول أحداث الزاوية ا لحمراء ولكن هذا الموضوع صار حبيس الأدراج الموصدة .

اقتحام مجلة الدعوة

وجاءت ذروة بداية المواجهة بين أنور السادت والإخوان المسلمين عندمااقتحم رجال الأمن من وزارة الداخلية مقر مجلة الدعوة بشارع التوفيقية بالقاهرة فى شهر رمضان عام 1401 والتى روت مجلة الدعوة تفاصيلها فى عدد سبتمبر 1981 والذى تمت مصادرته تقول وقائع هذا الاقتحام *

الوقت : الأربعاء 22 من رمضان عام 1401 خلت الدار من جميع الإخوة العاملين فيها والمترددين عليها عقب صلاة العصر ولم يبق بالدار إلا السعاة : الأخ توفيق ـ الأخ عبد الله ومعهما ضيف ابن عم لهما .. وضيف أفغانى يعالج فى القاهرة .

الأخ توفيق والأخ عبد الله عاملان فى قرى الصعيد وليسا من جماعة الإخوان المسلمين وهما نموذجان لبساطة المواطن المصرى .

نزل عبد الله واشترى كيلو تين وضعه فىا لثلاجة انتظارا لساعة الإفطار وجلس توفيق يعد الطعام للإفطار وجلس معهما ابن عمهما الضيف .

وفى الساعة الخامسة والنصف تقريبا أراد الضيف الأفغانى أن يخرج من الدار لقضاء بعض شأنه .. ذهب معه الأخ توفيق ليفتح له الباب ويغلقه من خلفه ..

وعندما خرج الضيف الأفغانى من باب الشقة وقبل ان يغلق الأخ توفيق الباب اقتحم الدار قرابة ا لثلاثين فى مقدمتهم ثلاثة ضباط شرطه .. بسرعة أحاطوا بتوفيق .. وعبد الله وابن عمهما الضيف الذى قال للمقتحمين من أنتم ؟

ـ نحن الحكومة .

ـ من يدرينا أنكم الحكومة .. فيه ناس كثيرون يقولون إنهم الحكومة ويكونوا حرامية ؟ وهنا أخرج بعض المقتحمين بطاقتهم الشخصية ..

يروى الأخ توفيق : أمسكنى الرائد محمد تاج من ذراعى واندفع بى الى حجرة الأستاذ عمر التلمساني ومعه ثلاثة أو أربعة من الرجال وباقى الأفراد وزعهم على التليفونات وعلىا لأبواب فى الشقتين وبعض الأفراد أحاطوا بالأخ عبد الله وبالضيف كحارسين لهما .

والذين اقتحموا حجرة الأستاذ عمر أخذوا يفتشون فى أدراج المكتب ويجمعون أوراقا بعينها .. حاولت أن أخرج من الحجرة فأمرنى ألا أخرج وأجلسنى وأخذ يقرأ فى أوراق الأستاذ عمر وأخذ منها ما اراد وترك الباقى .

وبعد ان انتهى من التفتيش فى حجرة مكتب الأستاذ عمر سألنى عن مكتب مدير الدار

الأخ إبراهيم شرف وفتشه وأخذ منه أوراقا ثم فتشوا حجرة الأخ الأستاذ مصطفى مشهور وجمعوا الكثير من الأوراق وأخذوا كثيرا من الملفات .

أثناء التفتيش سألنى الرائد محمد تاج : متى يحضر الأستاذ عمر الى هنا ؟ أجبته الأستاذ عمر لا يحضر أثناء النهار الى الدار . وواصل رجال الأمن تفتيشهم لجميع مكاتب المجلة وأخذوا أوراقا كثيرة .ز ثم ذهبوا الى الشقة الثانية وهكذا جمع رجال الداخلية ما حلا لهم أن يجمعوه حتى التين الموجود فى الثلاجة أكلوه واقتادوا العمال البسطاء معهم فى عربة أمن مركزى الى مباحث أمن الدولة وطلبوا منهم أن يدخلواالحجز فقالوا لهم : حجز إيه ما هى الجريمة التى ارتكبناها حتى تدخلونا الحجز .

ووافق رجال الداخلية على بقائهم جالسين فى أماكنهم بجوار البوفيه ثم طلبوا واحدا بعد الآخر وانهالوا عليهم بالأسئلة حول عملهم بالدعوة .

وفى منتصف الليل عادت بهم سيارة الى مجلة الدعوة مرة أخرى وقال لهم الرائد : أنت يا توفيق عرفت المكان وعرفت مكتبى أريد منك أن تزورنى بين وقت وآخر فقال له : أنا لا آتيك فى هذاالمكان لأنه مكان مخيف فقال إن شاء الله بعد العيد أعزمك فى منزلى ونتغدى معا فقال له توفيق : إن شاء الله ووصل العمال البسطاء لمقر المجلة وأعطاهم رجال الداخلية مفاتيح المجلة ونزعوا المسامير التى كانوا مسمكرين بها الباب .

والسؤال الذى طرح نفسه بشدة : ماذا كان رجال الداخلية يعملون فى مجلة الدعوة ؟ وعم كانوا يبحثون ولماذا هذا التصرف الغريب للغاية ؟ ولماذا استباحوا حرمة المكان بهذه الصورة المزرية فى شهر مبارك ؟ وهل كانوا يتصورون أن مجلة الدعوة سوف تزخر ترسانة أسلحة لقلب نظام الحكم ؟

لقد كان هذاا لآقتحام الشاذ وغير المنطقى إشارة تحذير لجماعة الإخوان لما سيجد من ممارسات وإجراءات هدفها القضاء على أية معارضة خاصة فيما يتعلق بمعاهدة السلام مع اسرائيل وأحس أنور السادات أن المعارضة التى خدمته فى تفاوضه مع اليهود واستخدمها كسلاح ضغط فى التفاوض تحت دعوى وجود معارضة شعبية للأتفاق والصلح مع اسرائيل ـ هذا السلام وضح أنه قد تعدى المدى والحد الذى تصوره أنور السادات وامتد اليه شخصيا وتعدى مسألة معاهدة السلام الى كل الشئون والمسائل الداخلية .

هنا كانت هذه الفترة ـ أى فى صيف عام 1981 حافلة بالتوتر والشحن المستمر ضد المعارضة وتوقع الناس بحسهم المرهف ـ أن هناك عاصفة على وشك أن تهب لتعصف بكل قوى المعارضة وبدت بوادرها بتدخلات الحكومة فى انتخابات النقابات المهنية وخاصة فى نقابة المحامين والصحفيين ونادىا لقضاة وفى افتتاحية العدد 65 والذى تمت مصادرته كتب الأستاذ عمر التلمسانى مقالا بعنوان : لماذا اقتحم رجال الداخلية مقر مجلة الدعوة ؟ كتب يقول : " إن تصرفات العقلاء منزهة عن العبث وما من انسان يتصرف تصرفا معينا إلا إذا كان هذاالتصرف نتيجة لشىء سابق أو تحقيقا لغرض لاحق ولقد ذهب الناس كل مذهب فى محاولة الوصول الى الأسباب والأهداف التى حدت برجال الشرطة الى اقتحام دار مجلة الدعوة وتفتيشها والاستيلاء على بعض الأوراق والمستندات الموجودة بها دون إذن من النيابه ودون تحريز محضر بأحداث التفتيش وفى غيبة كل من فى الدار إلا الفراشين وإذا عن لمتطفل أن يسأل : لماذا لم يقتحم رجال الشرطة الدار إلا فى آخر النهار وفى غيبة كل موظفى الدار ؟

فالجواب لهذا المتطفل كيف يبيح لنفسه أن يسأل من يستطيع أن يفعل ما يشاء ما دام فى يده السلطان لماذا ؟ وكيف ؟ ومتى ؟ وأنى ؟ وبماذا ؟ ولذلك أرحنا أنفسنا من كل هذه النتساؤلات ؟ لعدم اهتمامنا بما حدث وأسبابه لأن ذلك فى حسابنا وتقديرنا من أول يوم عادت فيه المجلة الى الظهور بعد غيبة طالت سنين والحمد لله الذى جاءت هذه الأحداث على هذاا لقدر لأن ما خفى قد يكون أعظم عند فاعلية وإن كان عندنا أهون مما يظن الكثيرون ( وياما دقت على الرأس الطبول ) إن الظلم مقيت ومن يرتكبه فهو ظالم ومن يرفع الظلم عن مظلوم فهو مثاب من قبل الله مشكور من لاناس أجمعين بشرط واحد هو أن يكون رفع الظلم يبتغى به وجه الله حبا فى العدالة والانصاف أما أن يكون رفع الظلم لشد المظلوم فى مركبة من رفع الظلم فهذا أمر حابط لا ثواب عليه من الله ولا شكر له من أحد كما أن ترك الناس يستمتعون بالحرية التى من الله بها على عباده أمر طبيعى لا يمن به إلا إذا اعتقد المان بأنه فضل منه على أحد كما أن الحرية حق من أغلى وأعز حقوق الإنسان .

ويمضى عمر التلمساني قائلا : إذا وضحت هذه الحقائق نفعنى الله وإياكم بها ـ فتعال أستعرض معك ما فعله رجال الشرطة بدار مجلة الدعوة وإنها لحقائق بعيدة عن التزييف والتلوين والتزلف لا يرويها من حضرها من فراشى الدار ولكنها الوقائع ذاتها هى التى تتحدث عن نفسها بنفسها وقد تنكر وزارة الداخلية وهى ستنكر فعلا * ولكن لا الإنكار يدحضها ولا الاعتراف يدعمها لأن الحق حق سواء ظهر أو حيل بينه وبين الظهور ولعل الذين عاشوا حكم عبد الناصر وكانوا يقرءون حين ذلك ويسمعون من أجهزة الاعلام عن عدالة عبد الناصر واستمتاع شعب مصر بحريته فى حكم ذلك الفتى الملهم كما كان يصفه شيخ الأزهر المرحوم " الشيخ شلتوت " غفر الله لنا وله ولعل الذين عايشوا ذلك الحكم البغيض الذى سودت حلوكته كل شىء فى مصر لم ينسوا أحداثه...

  • لم تصدر وزارة الداخلية تكذيبا لهذه الحقائق التى ذكرتها مجلة الدعوة وهذا يؤكد قيام رجالها بهذا ، ذلك العهد لن ينسى لأن الذنب لن يبلى والديان لا يموت وما اقتحام دار مجلة مسلمة مصرية إلا صورة من صور ذلك العهد الذى ما زال البعض يتغنى بعظمة حاكمه .ز إننا حيث نحن من موقف المعارضة رضى الحكم القائم أو أبى فما رضاه مغنما ولا غضبه مغرما .

ولئن لم نصبر على ما صبر عليه أسلافنا فما أحرانا أن نتخلى عن الدعوة الى الله التى ارتضاها الله لنا لباسا وقد عاهدناه على ألا نخلعه مهما لقينا فى سبيله لأن التحمل فى سبيل الله أسمى ما يرتضيه الداعى الى مولاه ألم يلفتنا ربنا الى هذا فكيف نغفل عنه ولا نحمده عليه " ولنبلونكم بشىء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا اليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون " ..

ياوزارة الداخلية إننا ندعولك بالهداية ولا ندعو عليك بالدمار لأن صلاح حالك خير للمسلمين من سوء تصرفاتك وقد يغضبك هذا القول ولكن لو تبينت الحقيقة لعلمت أى خير نريده لك .

وحتى إذا لم تتبينى حسن قصدنا وسلامة صدورنا ومضيت فى هذا الأسلوب فلتكونى على ثقة أن من عاهد الله على العمل لنصرته لن تقلقه تصرفاتك ولا تصرفات آلاف الوزارات من أمثالك هذاأمر انتهى عند الإخوان المسلمين فما عادوا يقيمون حسابا لمن يخاشنهم من أجل دعوة الله وسنظل نعمل ما بقى فينا لسان ينطق وأيد تمسك بقلم وأرجل تسعى الى تحقيق الخير ألكيد إن الذى يفزع الناس وينزل الرعدة بأوصالهم هو الذى نستهين به فالسجن خلوة والنفى هجرة والتعذيب تكفير والقتل شهادة والموت فى سبيل الله أسمى أمانينا ..

صادروا المجلة إن شئتم فكلمة الله لن تتوقف لأن كل ألسنة المسلمين مجلات وأغلقوا الدار إن أردتم فكل قلوب المسلمين دور لدعوة الله وافعلوا بالدعاة الى الله ما حلا لكم فالدعوة ليست دعوتهم ولكنها دعوة ملك الملوك الجبار الذى لا يقهر والقوى الذى لا يغلب والباطش الذى لا يهن ولا يدحر " إن بطش ربك لشديد أنه هو يبدى ويعيد وهو ا لغفور الودود ذو العرش المجيد فعال لما يريد “

ولعل كلمات عمر التلمساني كانت احساسا واستشفافا صادقا لما سيجرى بعد ذلك على ساحة الأحداث لقد قالها واضحة لأنور السادات فى عبارة موجزة “ أما أن يكون رفع الظلم لشد المظلوم فى مركبة من رفع الظلم عنه فهذا أمر حابط لا ثواب عليه من الله ولا شكر له من أحد “ وأوضح للنظام القائم أن الإخوان المسلمين يتوقعون كافة وسائل التنكيل والتعذيب بدءا من مصادرة المجلة ( وحدث ذلك بالفعل وفى نفس العدد الذى كتبت فيه هذه الكلمات ) وأغلقت ا لدار بالفعل بعد ذلك وأودع كتابها السجون ويقول الأستاذ عمر التلمساني: لعل ما فجر الخلاف مع أنور السادات هو موقفنا من معاهدة السلام مع اسرائيل ومن استقراء الأحداث يمكن أن يستتنتج الإنسان خطأ أو صوابا : أن معاملة السادات للإخوان كانت تنفيذا لهذه المعاهدة أما ما حدث من مصادمات مباشرة تمثلت فى حادث اقتحام مجلة الدعوة فنحن ما ظننا فى يوم من الأيام أن القوى التى تخاصم الإخوان المسلمين فى الداخل والخارج ستتركنا نسير فى طريقنا آمنين وكنا نتوقع فى كل وقت أنه قد يحدث شىء فهم اسفروا عن وجههم باقتحام دار المجلة وبالرجوع الى الأعداد الخاصة بهذين الشهرين يمكن تبين كل الأحداث ومواقفنا ورأينا فى هذا العمل الذى لم يكن له داع على الآطلاق .

وعادت المعتقلات

كما قلنا ـ بأن المواجهة ازدادت احتداما بين أجهزة الأمن وجماعات وأحزاب المعارضة فيما تمثل فى مصادرة بعض أعداد من جرائد ومجلاتالمعارضة وتكثيف نشاط أجهزة القمع داخل الجامعات للحد من خطورة ونشاط الجماعاتالإسلامية وكان ما كان من اقتحام مجلة الدعوة بشكل مريب غير قانونى أو دستورى ..

وقلنا أن أنور السادات كان يهدف من نشاط المعارضة فيما يتعلق بعلاقاته مع اسرائيل أن يرى اليهود ديمقراطية حكمه وأن هناك نشاطا معاديا لمعاهدة السلام ونشاطه فى محاولة كسب الرأى ا لعام المصرى لتسيير عملية تطبيع العلاقات فى مسارها المرسوم لها طبقا لنصوص وبنود معاهدة السلام واتفاقية كامب ديفيد قبلها .. وخلصنا الى أ ن موقف الإخوان مبدئيا كان معارضة التصالح مع اليهود لأسباب عقيدية انطلاقا مما نصت عليه آيات وسور القرآن الكريم فى شان اليهود وخصالهم ولم يتطرق أى عضو من الجماعة لاستخدام أسلوب آخر غير أسلوب الكلمة فى معارضة هذا الصلح .

ثم جاءت عملية ـ وبشكل أدق ـ " لعبة " الفتنة الطائفية ليختلط الحابل بالنابل ومقولة : إن الإخوان المسلمين كان لهم دور فى إذكاء شعلة الفتنة ا لطائفية بين مسلمى مصر وأقباطها وهى مقولة مدحوضة تماما ويكذبها الدور الذى قام به عمر التلمساني وبعض أقطاب الإخوان فى إخماد نار الفتنة فى مهادها فى منطقة الزاوية الحمراء ـ ولعل هناك شاهدا على قيد الحياة يشهد بذلك الدور وهو " محمد نبوى اسماعيل " وزير الداخلية السابق ـ حيث نزل عمر التلمساني فى عدة مرات آخذا بأسلوب الحوار فى محاولة تهدئة الأمور فى المنطقة المشتعلة ـ بل كانت مجلة الدعوة أمينة فى طرحها لأحداث الزاوية الحمراء حين دعت لشجب مسألة الفتنة الطائفية ودعت الإخوان المسيحيين للتعقل والحكمة رغم ما بدر منها من تصرفات مشينة من بعض المتطرفين الأقباط .

وقد قال عمر التلمساني فى حديث لمجلة المصور بعد خروجه من الاعتقال الذى سيرد ذكره لا حقا قال: لم نشهد ما يسمونه فتنة طائفية فى مصر إلا فى السنين الأخيرة وأنا أعمل فى السياسة منذ 50 عاما ولم أر مثل هذه الصورة من قبل ..

مصر ليس فيها فتنة طائفية لأنك ترى عيادة الطبيب المسيحى وبها الكثير من المسلمين ومكتب المحامى المسلم يمتلىء بالعديد من المسيحيين إن الفتنة الطائفية فى رأيى شعار تسرب الى مصر لزعزعة الأمن وخلق شقاق بين طائفتين من أبناء هذه ألأمة لقد كان معى فى مستشفى قصر العينى " الأب صمويل ط قسيس إحدى كنائس الإسكندرية وما زال موجودا بالمستشفى أخبرنى إن الإذاعات التى كان يسمعها صورتنى له وحشا تقطر أظافره دما فلما رآنى وعاش معى قال لى : أنا الذى سيتول الدفاع عنك فى كل المواقف " كما قال الأستاذ صالح عشماوي فى نفس العدد ليس هناك ما يسمى ذلك فجميعنا إخوة شركاء فى وطن واحد .. لقد كنا نشترى ورق مجلة الدعوة من رجل مسيحى يعاملنا معاملة تفوق معاملة الكثير من المسلمين .

ولكن فى هذه الفترة طفت فوق السطح أمور غريبة .. فقد وصلت الى كثير من البيوت المسلمة منشورات أرسلت أحيانا بالبريد وأحياناأخرى وجدت تحت الأبواب تهاجم الإسلام وتهاجم رسول البشرية صلوات الله عليه وسلامه عليه مما أثار علامات قلق عن مصدر تلك الرسائل المشبوهة والمسمومة .

ثم وصلت المواجهة ذروتها بين السادات ومعارضيه .

أحداث 3 سبتمبر 1981

غير بعيد عن الأذهان الإخوة القراء ما وقع من أحداث فى ذلك اليوم فقد انطلقت قوافل مؤلفة من عشرات السيارات من الأمن المركزى ورجال الشرطة السريين يقودهم مجموعات من ضباط الداخلية وطرقت أبواب الآلاف من كافة ا لتيارات الإسلامية والشيوعية وأحزاب المعارضة والصحفيين والمحاميين وغيرهم ليودعوا فى كافة سجون مصر الفرعية والمركزية ..

وخرجت صحف القاهرة فى اليوم التالى بعناوين ضخمة من التحفظ على مثيرى الفتنة الطائفية وأحس الناس أن هناك إنقلابا فى تصرفات وتوجهات أنور السادات وأن ا لصدام الذى أحسوا به لا ئحا فى الأفق قد وقع والغريب بل والأشد غرابة فى نوعيات الذين تم التحفظ عليهم والتهمة الموجه اليهم هى " الفتنة الطائفية " فمن بين من تم التحفظ عليهم كتاب ماركسيون وما يدعون أنفسهم ناصريين وأعضاء الجماعات الإسلامية وبعض العناصر المسيحية وأقطاب أحزاب المعارضة

وكان من بين الذين تم اعتقالهم رهن التحفظ الاستاذ عمر التلمسانى الذى يروى قصة اعتقاله قائلا : جاءونى يوم الخميس الموافق 3 سبتمبر 1981 وفى الساعة السادسة صباحا وعلى رأسهم اثنان من الضباط ومعهم ستة من المخبرين السريين والحقيقة انهم كانوا مؤدبين وكانت أحاديثهم معى مهذبة ومؤدبة وطلبوا منى أن أصحبهم الى قسم الظاهر فذهبت معهم الى هناك ثم أخذونى الى ليمان طرة وظللت طوال يوم 3 سبتمبر فى طرة الى العشاء تقريبا حيث حضر مدير السجن وأرسلوا لى فى الزنزانه لأقابله وأخبرنى أن هناك توصيات من السيد وزير الداخلية " محمد نبوي اسماعيل " بأن أعامل معاملة مريحة وطيبة وخاصة وصحبونى الى مستشفى ليمان طرة الى الدور الثانى وكان هذا ا لدور مشغولا بالمرضى من المسجونين العاديين ووضعت فى حجرة كان يقيم فيها " شمس بدران " وفى اليوم التالى أخلوا هذاالدور من كل إنسان ولم يبق سواى وانقطعت أى صلة لى بالناس كأنى فى سجن انفرادى لا أرى فيه أحدا إلا نادرا ..

كانت مقابلات الضباط ومدير السجن مقابلات مهذبة ومؤدبة إنما المعاملة كانت فى منتهى الفظاعة لأنه أحيانا كان يمر يوم كامل بساعاته دون أن يحضر لى طعام وأحيانا كان يأتينى طعام الإفطار فى ا لساعة الثانية ظهرا أو الثالثة بعد الظهر ..

دورة المياه لم تكن معدة لمن هو فى مثل سنى .. فكنت أقاسى من هذه ا لمسائل مقاساة ومعاناة متعبة للغاية ..

كنت أنا الذى أغسل الأطباق التى آكل فيها ا لعدس والفول وهذا منتهى ما كان يصل الى ..

ولكن كان بعض المسجونين عندهم من الشهامة الكثير وكانوا يرسلون الى ما يستطيعون فى السر والخفاء من الأطعمة والمأكولات وظللت على هذاا لحال حتى يوم 12 نوفمبر عام 1981 حيث أرسل لى السيد وزير الداخلية واستصحبنى بعض الضباط لوزارة الداخلية حيث تحدث معى الوزير حديثا طويلا فى الموقف وأنهى الحديث بقوله : تحب تروح مستشفى قصر العينى فكان ردى عليه : إنه يستوى عندى ليمان طرة بقصر العينى بأى مكان تضعنى فيه الحكومة لأنه ليس لى طلبات ولا أريد شيئا وفى عصر ذلك اليوم حضر بعض الضباط واستصحبونى لمستشفى قصرالعينى واعتقد أن متاعب السجن كلها انتهت بوجودى فى مستشفى قصر العينى لأن المعاملة هناك كانت طيبة جدا والعناية الطيبة كانت فائقة وليس لى شكوى فى هذا .

وقد بلغ عدد المتحفظ عليهم حسب مصادر أجهزة الأمن 1536 من كافة التيارات الدينية والسياسية وغيرها .

خطاب السادات العنيف

عقب حركة الاعتقالات الواسعة تحت أسم " التحفظ " ألقى أنور السادات خطابا عنيفا تحت قبة مجلس الشعب .. وقد حلا لبعض الصحف المسماه بالقومية بإطلاق شعارات فاقعة اللون على هذا الخطاب وما ورد فيه من قرارات لحماية الوحدة الوطنية بما شمله من اعتقال الآلاف وإبعاد الكثير من الصحفيين خارج مؤسساتهم وعزل الأنبا " شنودة " والدعوة الى الاستفتاء على هذه القرارات على مستوى الشعب ووضعت هذه ا لصحف الخطاب بأنه ثورة 5 سبتمبر * ..

ولعل أهم ما تناولة أنور السادات فى خطابه ويتعلق بالإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية هو قوله " بدأنا نسمع حاجة اسمها الجماعات الإسلامية ..

إنها بعيدة عن الإخوان المسلمين " " الإخوان المسلمين دى حاجة والجماعات الإسلامية دى حاجة تانية " " بادىء ذى بدء عايز اقول لكم حاجة الإخوان المسلمين كجمعية غير موجودة رسميا وغير شرعية .

لأنه بمقتضى قرار مجلس قيادة الثورة الجمعية محلولة وبالتالى لا حق لها فى إصدار جريدة وهى الدعوة " " وعايز أضيف حاجة ..

أما شفت الأنبا شنوده وشفت التلمسانى وقلت له هذا الكلام اللى بقوله لكم الآن :

" يا تلمسانى الجمعية غير شرعية بمقتضى قرار مجلس قيادة الثورة .. اكتبوا طلب جديد وابعتوه الى وزارة الشئون الاجتماعية عشان تسجلوا الجمعية من جديد الى أن يتم هذا بالروح اللى احنا عارفنها وبالروح التى خلتنى أقول لشنودة ياأخى بلاش 30،35 كنيسة.

" قلت للتلمسانى كمل وقدم الطلب والجريدة علشان تاخد وضعهخا بس لا دين فى السياسة ولا سياسة فى الدين " .

" وللأسف فإنه من الجانبين سواء من الجماعات الإسلامية والإخوان المسلمين أو من ناحية الأنبا شنودة والكنيسة القبطية .. الى أن وصلنا الى عملية الزاوية الحمراء "

" التلمسانى لما جانى كان عندى فكرة أنه أدخله مجلس الشورى باعتبار أن فيه لنا جزء بالتعيين فيبقى فيه أقباط معينين وأعين أيضا التلمسانى عشان داخل المجلس الناس تبتدى تعرف بعضها وزى ما قلنا مجلس الشورى ده مجلس العيلة ..

ما كنتش أعرف أبدا أن هناك للإخوان والجماعات الإسلامية وزى ما هاوريكم دلوقتى ما فيش حاجة اسمها إخوان مسلمين وجماعات اسلامية كله واحد ..

الإخوان المسلمين أتارى لها تار مع ثورة 23 يوليو تار ليه ؟ لكن ما بقيتش فاهم بدليل أنى شفت التلمسانى شفته فى الاسماعيلية وأنا باجمع فى رمضان الجماعات الإسلامية ندهت له وقلت له : مش عيب يا تلمسانى فى مجلة الدعوة بتاعتك تكتب أن أمريكا بعتت لممدوح سالم وهو رئيس وزراة تقول : اضرب الجماعات الإسلامية أحسن دول خطر عليكم وموش عيب هو احنا بنقبل تبليغات من حد وهو أنا لما كان فيه سبعتاشر الف خبير سوفيتى وشميت ريحة من الاتحاد السوفيتى محاولة فرض إرادة علينا طلعتهم فى اسبوع ده قلته قدامه له ما قدرش يرد "

" فقال شوف عدد الدعوة اللى هية زى ما قلت لكم جمعية غير شرعية الدعوة وجمعية الشبان ا لمسلمين غير شرعية زى ما قلت للتلمسانى قلت له روح سجل وخذ الإذن له من هنا لهناك خللى الدعوة ماشية بس لا سياسة فى الدين ولا دين فى السياسة ..

تعالوا بقى للعدد بتاع أغسطس 81 بتشتم العرب التلمسانى بيقول لهم عقدت مصر معاهدة السلام مع اسرائيل وعارضناها من أول لأنها كانت ولا تزال شر من جميع نواحيها وعلت صرختكم غضبا وكنا نظن أنكم ستفعلون شيئا ينقذ المسلمين من أخطار هذه المعاهدة الفظيعة "

" بيستعدى على بلده لأنه هو الرجل المسئول عن الدين وعن الإسلام ولى الله على الأرض وبيهاجم العرب إزاى إحنا نعارضها وأنتم ما تعملوش حاجة وتكتفوا بالكلام بس "

" وبعدين يكتب واحد من الكتاب بتوعهم فى نفس العدد أولا وقبل كل شىء .. فى صفحة 8 ونحن نرفض فكرة فصل الدين عن السياسة وما يترتب على ذلك بعدم إقامة أحزاب سياسية على أساس دينى وعدم اشتغال الجمعيات الدينية بالسياسة ..

بمنتهى الوضوح كده دا واحد من اللى بيكتبوا فى الدعوة ومن الإخوان المعروفين أنا محيرنى كان إيه ؟ الإخوان فعلا خلال 18 سنة قبل ما أتولى رئاسة الجمهورية حصل معركتين معاهم المعركة الأولى كانت فى 54 زى ماأنتم فاكرين انحلت الإخوان وحاولوا يموتوا عبد الناصر فحصل اللى حصل وقبض عليهم واتصفت الجمعية والجهاز السرى و " المرفقعات " وكل اللى انتم عارفينه .

العملية الثانية كانت فى 65 ـ طيب أنا لما جيت عام 70 طلعت جميع الإخوان من السجن اللى محكوم عليه أعدتهم لوظائفهم صرفوا لهم فرق الماهية اللى كانوا مسجونين بيها أنا اعتقدت أن الموضوع خلاص اتصفى وانتهى لا شغل اللى يقولوا عليه التقية ..

بس التقية ما هياش عندنا احنا السنة .. المسلمين السنة فأتاريهم كانوا بيكلمونى بلسان إنما لا دا تارهم مع ثورة 23 يوليو وقعدوا الوقت ده كله يرتبوا والجماعات الإسلامية وغيره لليوم المعهود وعلى هذا " كمالة المقال " ده " فالإخوان المسلمون لا يطلبون الحكم لأنفسهم فإن وجدوا من ألأمة من يستعد لحمل هذا العبء وأداء هذه الأمانة والحكم بمنهاج إسلامى قرآنى فهم جنوده وأنصاره وأعوانه وإن لم يجدوا فالحكم من منهاجهم وسيعملون لاستخلاصه من أيدى كل حكومة لا تنفذ أوامر الله "

" طيب أداء الأمانة والحكم بمنهاج إسلامى قرآنى .. مين اللى يحددوه هم اللى يحددوه طبعا وعليه كده بوضوح وبعدين لقيت ما هو أخطر صورة أنا وبيجن وكارتر فى كامب ديفيد اللى بنسلم فيها على بعض وبعدين كاتبين تحت الصورة " فى كامب ديفيد خرجت مصر من ساحة الجهاد خرجت مصر من ساحة الجهاد ده اللى بيقولوه أعداء مصر وجبهة الرفض القذافى وحافظ الأسد اللى بيقتلوا شعوبهم واللى بيسجلوا واللى فى إيران كل يوم بيندبح 50،60 ،70 وبيتنسف من الناحية الأخرى 70 الجرأة والبذاءة دى ما هو بقى أخطر ".

" " العنوان مقالة أمريكا والتآمر على مصر المسلمة " فى نصف المقال بيقول إيه اللى هو عدد أغسطس 81 ولقد ابتدعت الولايات المتحدة الأمريكية أسلوبا إجراميا للمجىء بهؤلاء الحكام هو بيتكلم عن الحكام اللى بيتعاونوا مع أمريكا أو أنجلترا أو فرنسا أو مع الاستعمار عموما هو أسلوب الانقلابات العسكرية الذى كان أخطرها على الاطلاق انقلاب 23 يوليو الذى سمته المخابرات الأمريكية على لسان رجلها مايلز كوبلان العملية الكبرى ..

ولقد جاء هذا ا لآنقلاب بالنموذج الكامل لشخصية الحاكم العميل الذى تطابقت ملامحه الشخصية مع ما رسمته المخابرات الأمريكية واستطاع أن يؤدى الدور المرسوم له بعبقرية إجرامية فاقت خيال الذين جاءوا به .. على عبد الناصر وموش عبد الناصر بقى لا ..

ده انا اللى أعلنت ثورة 23 يوليو ده انا اللى اعلنتها الصبح ده أنا اللى اترفت من الجيش واتحبست واعتقلت وجعت وشردت على ما رجعت بعد 8 سنين للجيش تانى وعملنا ثورتنا سنة 52 الكتاب اللى بيستشهد به بتاع ما يلزكوبلان .. مايلز كوبلان دا صحيح رجل من السى .آى إيه " "

" البعض بيسأل بره بيقول : الله طيب الفتنة الطائفية طيب جايبين التانيين دول ليه العملية كلها حلقة واحدة وتنسيق واتحدة .. ثورة 23 يوليو زى الثورة الفرنسية تمام بالنسبة لمصر وزى ثورة أمريكا بالنسبة لأمريكا فلما ييجى بالبساطة يكتب بهذة فلما بهذه البذاءة والتهجم والاجرام دى ثورة شعب طلع من جديد وكان محكوم عليهم اتعلموا وعادت الحقوق لأصحابها ..

كامب ديفيد ما خرجتش مصر من ساحة الجهاد . ده أسيادهم اللى بى ولوهم ولازم يدفعوا ثمنه وثورة 23 يوليو أنا طلعت غلطان كان لازم أخليهم فى مكانهم " تصفيق حاد "" زى ما حاحكى لكم كل من مهد أو ساند أو جند من أحزاب .. من مشتغلين بالحياة السياسية .. من صحفيين .. من أساتذة جامعة .. لن أرحمه أبدا "

ثم قرأ السادات القرارات التى قيل أنها لحماية الوحدة الوطنية وإخماد الفتنة وشملت قرارات التحفظ والنقل والفصل لوظائف أخرى وحل عدد من الجمعيات الدينية الإسلامية والمسيحية ومصادرة مجلاتها والدعوة لاستفتاء شعبى .

وهكذا نجد أن أنور السادات ألقى بجميع أوراق اللعبة على مائدة توجهاته نحو جماعة الإخوان .. فهو قد كشف بوضوح ندمة على إخراج الإخوان من السجون وحنقه من مواقف الإخوان المعارضة لمعاهدة السلام والغريب أن أنور السادات أشار الى أن عمر التلمساني من أسباب الفتنة فى حين أنه فى إحدى خطبه السابقة قال إن المؤتمر الدائم للجماعات الإسلامية كان له دور مشكور فى إخماد الفتنة وكان التلمسانى رئيسا لهذا المؤتمر والغريب أن الحضور فى المرتين صفقوا له *

كما لم يكمل السادات حديثه فيما يختص بعرض دخول عمر التلمسانى مجلس الشورى وهو اعتذار التلمسانى عن قبول هذا العرض شاكرا وذلك فى أحد اللقاءات الثنائية بين السادات والتلمسانى فى القناطر الخيرية .

ولقد كشف أنور السادات فى هذا الخطاب ما بينه وما بين جماعة الإخوان حين قال : إن هناك " تار بايت " بين الإخوان المسلمين وثورة 23 يوليو ولكن استقراء الأحداث يقول : إن مسألة الانتقام لم تكن فى ذهن أى عضو بجماعة الاخوان وإنما تركوا المسألة برمتها للعزيز الجبار المنتقم وكان واضحا أن تهمة الفتنة الطائفية كانت فى ذيل الاتهامات الموجهة للإخوان المسلمين وكان على رأس القائمة موقف الإخوان من معاهدة السلام ـ حيث كان صوت الإخوان من المعاهدة أعلى وأبرز الأصوات معارضة لها ـ دون تطرف وإنما فى حدود الكلمة وبالحسنى فقط وتوالت خطب وبيانات السادات فتحدث مع مراسلى الصحف الأجنبية وكان واضحا للرأى العام المصرى حالة التوتر والعصبية التى كانت تسيطر على السادات وحديثه لأحد المراسلين قائلا : " لو لم تكن فى بلادى لأطلقت عليك الرصاص " حينما حاول المراسل الربط بين زيارة مناحم بيجن لمصر وزيارة السادات لأمريكا وما حدث بعد ذلك من حملة اعتقالات لكل صوت معارض فى مصر .

ثم كان بيان السادات للشعب حيث واصل حملته على جماعة الإخوان وروى قصتها مع الضباط الأحرار وحرص السادات على الربط بين نشاط الجماعات الإسلامية والإخوان المسلمين بل مضى الى أكثر من ذلك فى قوله : عبر السنوات الثلاث الماضية بقى الجماعات الإسلامية بدأت طبعا ومعاها الإخوان المسلمين لأنه زى ما قلت لكم الجماعات الإسلامية هى الجهاز السرى للإخوان المسلمين "

ويقول عمر التلمساني : لقد كان شائعا فى صفوف المصريين حتى رجل الشارع أن زيارة بيجن التى انتهت فى الاسكندرية والتى انتهت بأحداث 3 سبتمبر 1981 كانت هى السبب الحقيقى فى كل ما جرى فى مصر بعد ذلك .

ويضيف التلمسانى : لا شك أن الأسلوب الذى سلكه السادات فى آخر أيام حكمه وما شاع من أن هناك إصلاحات فى سجن الطور لاقامة معتقلات دائمة الى آخره يدل على أنه كان سيسلك نفس الطريق الذى سلكه عبد الناصر ولكن فى هذه المرة الجميع إخوان وغير إخوان ووفديين وشيوعيين وغيره بالجملة .

تحقيقات المدعى الاشتراكى

وبعد عدة أسابيع من التحفظ على ال1536 حسب المصادر الرسمية ـ بدأت التحقيقات تجرى يوميا فى مكاتب المدعى الاشتراكى وقد استغرقت التحقيقات مع عمر التلمسانيأربع جلسات على مدى شهر كامل ويقول الاستاذ التلمسانى : " لقد سألونى عن كل المحاضرات والمقالات التى كتبتها منذ خمس سنوات لأن المباحث العامة قدمت مذكرات تحوى كل تحركاتى وكتاباتى وحسبت أيضا خطواتى فى السنوات السابقة على هذا الاعتقال ..

حتى أنى قد ألقيت محاضرة فى نقابة المحامين عن الحرية فى الإسلام وذكرت فيها “ أن مصر تتمتع بجزء قليل من الحرية ولكننا نريد حريات أوسع وأكبر حتى تأخذ الحرية وضعها الصحيح فكانت مذكرة المباحث : إن عمر ألقى محاضرة فى الحرية ولم يقولوا إنها كانت مع الحرية أو ضد الحرية وكانوا يقتطعون بعض العبارات من المقالات ويرسلونها فى مذكرتهم المدعى الاشتراكى كدليل على أننى أقاوم الحكم القائم حتى أن المحقق لما سألنى عن أحسن نظم الحكم قلت له : الخلافة الإسلامية فكان بدوره يسأل أيضا أليس فى هذا معنى لقلب نظام الحكم وتغيير الأنظمة فى مصر ؟ فقلت : هذا فهم عجيب لأن الخلافة الإسلامية ليس معناها أن أنور السادات سيطاح به من الحكم أو يتغير ونفس الاشتراكية أخذت الكثير من المبادىء ولكنها لا تحتاج إلا لشىء من التعديل لا أكثر ولا أقل .. فنحن ما فكرنا فى يوم من الأيام لا فى مؤامرات ولا فى قلب الحكم ولا فى إزالة حاكم ولا غيره من هذه الأشياء .

ويضيف عمر التلمسانى فى المرة ا لرابعة شكوت من سوء المعاملة بل ورفضت إجراء التحقيق معى والسبب أنه فى كل مرة عندما يدار التحقيق كنت أطلب من السيد المحقق أنه يتصل بإدارة السجن لتعديل المعاملة التى كنت أعامل بها لدرجة أننى قلت له : إنهم يقتلوننى جوعا فلم أجد نتيجة لكلامى ففى المرة الثالثة أو الرابعة عندما بدأ سؤالى قلت له : لن أجيب على أى سؤال من هذه الأسئلة ما دامت المعاملة على هذه الصورة وأنتم لا تتدخلون ولم أر شيئا مما حدث ولكننى أريد القول : إن المعاملة لم تكن مخاشنة من ضباط السجن أو رئيس السجن وإنما الحقيقة أنهم كانوا فى منتهى الأدب معى ..

إنما التصرف المادى من ناحية الأكل والطعام والراحة وقضاء الحاجة كانت مفقودة تماما ..

أما بقية المعتقلين فكنت معزولا عنهم فى سجنى الانفرادى وكنت أسمع أنه كان هناك بعض المضايقات وكان بعض الذين يترددون على المعتقلين فى مختلف السجون وكان منهم أفراد يعملون فى المنشآت التى كانت تقام فى الطور كانوا يقولون : إن هناك إعدادا تاما لاقامة كل من سيحكم عليه فى قضايا القيم او العيب بالارسال الى الطور ويظل هناك حتى نهاية حياته سواء كان وفديا أو شيوعيا أو إخوانا مسلمين أو جميع الهيئات التى تنكر لها السادات وألقى القبض على قادتها وزعمائها .

" وقد قال عمر التلمساني خلال التحقيقات : لقد دعوت سابقا للرئيس أنور السادات بطول العمر والآن فإننى أسحب هذا الدعاء :‎"

وفى الجلسة الأولى للتحقيقات تدافع أكثر من 30 محاميا للحضور مع الأستاذ التلمسانى مماأضطر مكتب المدعى الاشتراكى لقصرالحضور على عدد محدود منهم وقدم لهم عمر التلمساني شكره على تطوعهم للدفاع عنه وانصرف الباقى وقد استمرت التحقيقات فى بعض الأحيان أكثر من 10 ساعات وقد طلب الأستاذ عمر التلمسانيأكثر من مرة حضور وزير الداخلية ( نبوى اسماعيل ) كشاهد على ما يقوله حول دوره فى أحداث الزاوية الحمراء وغيرها من المواقف وقد منعت الزيارة أو الاتصال عن كل المعتقلين خلال فترة حكم أنور السادات ومنعت عنهم كل وسائل المعرفة بما يدور خارج المعتقلات وكان الشىء الوحيد المسموح به هو إرسال الملابس والنقود للكانتين " فقط وعدا ذلك يدخل قائمة الممنوعات .

ويقول الاستاذ عمر التلمساني : وفى مجال التحقيقات فقد ذكرت أنه كان مضيقا علينا بصورة غير معقوله وهذا الكلام قلته لوزير الداخلية السابق قلت إنكم ركزت كل مسئولياتكم على الإخوان المسلمين وتركتم هذه الجماعات وقد بلغته أكثر من مرة دعونا أعطونا فرصة لكى نفهم الشباب .. إن هذه الجماعات الدينية تعتبر الأزهر وعلماءه موظفين رسميين .. دعونا نحن ولم يمكنونا وفى بعض الأحيان كان وزير الداخلية يرسلنى الى بعض كليات الجامعة وحين كنت أخطب فى ا لشباب كانوا يتقبلون كلامى ونصيحتى ضد التظاهر وضد العنف وضد الإضراب وضد التخريب والاعتصام كل هذه المظاهر كنت أقاومها بمنتهى الوضوح ومنتهى الصراحة وفى الزاوية الحمراء أنا أول انسان اتصل به السيد نبوى اسماعيل وأول إنسان خدمته فى هذا .. "

ومن نافلة القول أنا لسادات أراد فى ضربة واحدة تصفية كل قوى المعارضة التى اقلقت مضجعه وهزت كيانه السياسى وكشفت الكثير مما يعانيه الشعب من نظامه خاصة البعد الاقتصادى والأزمات المتوالية التى غرق فيها الناس فى ظل وعود بتحقيق رخاء وهمى ربما تحقق للبعض من استثمار سياسة الانفتاح وما تكشف عنها من ثراء غير مشروع للكثيرين وتضارب القوانين الاقتصادية وتفصيلها على البعض من المستفيدين من هذه السياسة ولعل الماضى القريب يذكر وقفات أنور السادات التى أسماها " موضوعية ".

وهى تعكس تراجعات السادات المستمرة عن المضى فى سياسة إتاحة الفرص للآراء المعارضة أن تقول كلمتها ولقد وصل أنور السادات لذروة إثارته العصبية بعد أن نجحت طبول الدعاية الغربية فى تصويره أنه أحد معجزات الزعامة فى القرن العشرين بعد مبادرته واتفاقيات كامب ديفيد ومعاهدة السلام ولم يتصور السادات للحظة أنه يمكن أن يقف أمامه رأى معارض بعد ما حققه من أمجاد لذلك فقد رتبت مذبحة 3 سبتمبر للإطاحة بأصحاب كل الاتجاهات وعلى رِأسها الإخوان ا لمسلمون العدو رقم " واحد " لأنور السادات لما تمتعوا به من ثقة المصريين ولاعتمادهم فى دعوتهم على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وخاصة فى موقفهم من الصلح مع اليهود فى من حديد مقاليد الأمور حتى لا يفكروا فى الاطاحة به وحتى يقف على قدم المساواة فى مفاوضات الصلح مع صديقة الجديد مناحم بيجين زعيم الأراجون الارهابى " السابق " وفى نفس الوقت فقد خرجت تحليلات خارج البلاد وخاصة فى المجلات الإنجليزية والأمريكية تقول : أن ما يحدث فى مصر الآن من حملة ضخمة للإعتقالات سوف تفجر موجة من الاغتيالات السياسة حيث ستنشط التنظيمات السرية ( فى القاع 9 بعد اختفاء التنظيمات الرعية ( فى القمة ) وأن مصر سوف تشهد موجة من الغليان وعدم الاستقرار بعد وقوع هذه الأحداث الجسام .

ـ وهذا ما حدث بالفعل !!

إغتيال السادات وأخطاؤه

أسفرت موجة الاعتقالات التى جرت أحداثها صبيحة الثالث من سبتمبر 1981 والتى شملت حسب المصادر الرسمية 1536 تم التحفظ عليهم فى سجون مصر المركزية عن موجة صامتة من الغليان وسط فئات وطوائف الشعب المصرى الذى تعاطف معظم أبنائه مع من دخلوا المعتقلات التى عادت للظهور ـ وكانت خطوة إغلاقها إحدى مفاخر عهد السادات بغض النظر عن الاستفتاء الذى جرى عقب حركة الاعتقالات لأنه لا بد أن نجنب جميع الاستفتاءات التى جرت خلال عهدى عبد الناصر والسادات جانبا لعدم جديتها وصدقها فى إظهار مواقف الشعب المصرى ولأنها لم تكن تقل فى تأييدها لمواقف النظام الحاكم عن نسبة التسعين فى المائة وربما لا تقل عن 95 % فى أحيان كثيرة !! وأحس الناس بأن هناك نارا تحت الرماد وأن " شطحات " السادات لا بد وأن تقوده فى النهاية الى مصير محتوم .. وقد كان .

ففى الذكرى الثامنة لاحتفال مصر فى السادس من أكتوبر بالانتصار الكبير على العدو الصهيونى وأثناء الآستعراض العسكرى الذى جرت أحداثه فى أرض الاستعراض بمدينة نصر هو موقع أختير لإقامة العروض العسكرية توقفت إحدى المركبات العسكرية أمام المنصة التى كان يجلس عليها السادات وكبار رجال الدولة واندفع أربعة من العسكريين نحو هذه المنصة حاملين الرشاشات والبنادق ليسددوها نحو المنصة ليسقط السادات قتيلا فى الحال كما لقى عدد من العسكريين والمدنيين مصرعهم .

وعقب وقوع الحادث سادت موجة من الاضطراب والفوضى ونزلت قوات الجيش لمحاصرة مخارج ومداخل القاهرة والمدن الكبرى والسيطرة على المنشآت الحيوية ومع قدوم عيد الأضحى المبارك عقب الحادث بيومين سادت مصر موجة من العنف خاصة فى محافظات الصعيد وبالتحديد فى محافظة أسيوط حيث اشتبكت مجموعة من الجماعات الدينية مع قوات البوليس راح ضحية هذه الاشتباكات عشرات من الضحايا من الطرفين ومن المدنيين الأبرياء ـ وجرت فيما بعد محاكمة أعضاء هذه الجماعات فى قضية أمن الدولة العليا تحت اسم تنظيم الجهاد وعقب اغتيال السادات جرت عملية انتقال السلطة حيث عين ـ بمقتضى الدستور الدكتور صوفى أبو طالب رئيسا مؤقتا للجمهورية لحين إجراء الانتخابات ودعى أبناء الشعب المصرى لحضور الانتخابات والتى انتخب فيها الرئيس محمد حسنى مبارك رئيسا للجمهورية خلفا للرئيس الراحل السادات .

أما الغريب فهو كيف استقبل أبناء الشعب المصرى اغتيال السادات فقد استقبلوه بنوع من الوجوم والذهول ـ على عكس ما جرى بشكل غريب من موت عبد الناصر والغريب أيضا أن وزارة الداخلية كانت قد أعلنت قبيل اغتيال السادات ببدء السماح بزيارة المتحفظ عليهم والسماح لهم بالملابس والمأكولات وتم إلغاء هذا السماح بعد الحادث .

وبينما كانت تجرى تلك الأحداث كان المتحفظ عليهم يتابعون أيضا هذه الأحداث ويقول الأستاذ عمر التلمساني : " أنا بطبيعتى أكره العنف وكنت أفضل أن يترك أمر أنور السادات الى أن تكشف أعماله عنه صراحة فيعرف المصريون من هو أنور السادات ؟ إنما لم أحزن ولم أفرح .. المسألة كانت عادية بالنسبة لى إنما يشهد الله أننى لم أهتز لا فرحا ولا تأسيت على كل ما تم وإنما قلت : هذا قضاء الله وأنا أعارض العنف فى مواقفى وكتاباتى كلها .. أنا استنكرت