إخوان ويكي
بحث
 
 
صفحة  نقاش  اعرض المصدر  تاريخ 
           
مرحبا بكم في الموسوعة  ادخل / أنشئ حسابا 

الإخوان المسلمون في سجون مصر (من عام 1942م-1975م)

من Ikhwan Wiki

اذهب إلى: تصفح, البحث
الإخوان المسلمون في سجون مصر (من عام 1942م-1975م)

بقلم المهندس / محمد الصروي


محتويات

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا [الأنعام:1].... وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا [ الإسراء: 111 ]...

والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين؛ محمد بن عبد الله r، الذي تربى على يديه جيل قرآني فريد، قال الله – عز وجل – في شأنهم: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: 110] هذا ثناء الله عليهم سجله إلى يوم الدين، كأعظم وثيقة شرف عرفتها البشرية، وكانت هذه الآية الكريمة هي وسام الشرف الرباني من الطبقة الأولى.. ليس لذواتهم، ولكن لصفاتهم المتميزة في ذات الآية: تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، مع الإيمان بالله الواحد.. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي أرقى وظيفة على وجه الأرض منذ أن وطئت أقدام آدم عليها وحتى قيام الساعة.

ثم توالت من بعدهم أفواج الدعاة إلى هذا الدين الخاتم، الذي نحن على يقين جازم الشك فيه ولا مراء في فضل إتباعه وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [ البقرة: 251 ]، ومن فضل الله على العالمين – المذكور في هذه الآية – أن يهيئ لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجد لها دينها. وفي يقيني أن هذا المجدد لن يكون وحده أن يحمل هذه الأمانة.. بل لابد من صحبة تتعاون معه، وتؤازره، وتشد عضده، وتحمل تعاليمه إلى الآفاق، كما فعل الحواريون مع عيسى ابن مريم، وكما فعل جيل الصحابة العظيم الفريد مع رسول الله محمد r.. وكما فعل العلماء الأجلاء في هذه الأمة، جيلاً بعد جيل، وقبيلاً بعد قبيل.. وحملة هذا المشعل الرباني لا يرضى عنهم أصحاب الشهوات، وأهل السلطان، فتكون مواجهة شرسة.. والشراسة من جانب الطغيان ضد هؤلاء الدعاة الذين لا حول لهم ولا قوة.. وليس لهم سلاح إلا الكلمة الطيبة.. فتأتي الابتلاءات والمحن قاسية وعنيفة.. وطويلة كذلك.. حتى إذا صبر هؤلاء الدعاة.. نزل عليهم نصر الله.. وأعظم نصر لهم، ليس في هلاك الطغاة، ولكن في انتشار دعوتهم وإيمان الناس بعقيدتهم، ومع الفساد في الأرض، أو تقليص حجمه على الأقل.. وأن ينتصر الدعاة على أنفسهم فيهبوا أرواحهم رخيصة لله عز وجل، يظنها الطغاة قتلاً، ويراها الدعاة شهادة، وفوزاً ونعيماً وملكاً كبيراً ) وَلَا تَحْسَبَنّو الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( [ آل عمران: 169 ].

ولقد تعرض الإخوان المسلمون عبر تاريخهم الطويل، للعديد من المحن والشدائد والابتلاءات، والتي كانت تهدف – كلها – إلى استئصال شأفة هذه الدعوة وإطفاء نور الله ( وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) [ التوبة: 32 ].

وصدق الله العظيم إذ يقول وهو يرسم الطريق للسالكين على مر الدهور والعصور: ) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ( [ إبراهيم: 13، 14 ] . ولقد تحدثنا في هذا البحث عن المحن والشدائد والابتلاءات التي تعرَّض لها الإخوان المسلمون في ثلاثة أبواب رئيسية:

الباب الأول: ويشمل ما تعرَّض له الإخوان المسلمون من ابتلاءات قبل انقلاب يوليو سنة 1952 م. الباب الثاني: ويشمل ما تعرض له الإخوان من ابتلاءات شاملة في عهد الانقلاب أعوام: 54، 55، 1965 م. الباب الثالث: ويتحدث عن الواقع الدعوى بعد الإفراج عن الإخوان المسلمين في أوائل السبعينات وحتى عام 1975 م.

ونسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه، وأن يتقبله، وأن ينفع به آمين، والحمد لله رب العالمين.

محمد الصروي أغسطس 2005 م

الباب الأول: ابتلاءات الإخوان قبل الثورة 1942-1951 م

الفصل الأول: الابتلاءات سنة ربانية كونية

الفصل الثاني: ابتلاءات الإخوان قبل الثورة

الفصل الثالث: الإخوان في معتقل عيون موسى


الفصل الأول: الابتلاءات سنة ربانية كونية

الابتلاء في اللغة معناه الامتحان.. والاختبار.

وفعله ابتلى.. والفعل المجرد هو (بلى) .. ومنه بلاه بلاءً حسناً. ومنه في التنزيل المحكم: ) وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ ( [ البقرة: 124 ]، أي امتحنه واختبره بها، ومنه أيضاً: ) إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ( [ البقرة: 249 ]، ومنه أيضاً: ) وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ( [ النساء: 6 ].

في الآية الأولى امتحن الله إبراهيم واختبره.. وفي الآية الثانية امتحن الله قوم طالوت بالنهر، وفي الآية الثالثة أمر بامتحان واختبار اليتامى إذا بلغوا سن الرشد . الامتحان:

نظام عادل إلى حد كبير، من أنظمة الكون، وذلك لتقويم شخص ما. فهو إذاً نوع من العدالة الذي اشتهر بين الناس:

  • فالطلبة في الفصل الدراسي يستمعون إلى المدرس شارحاً لهم الدروس، وهو لا يعرف من استوعب ومن ذاكر ومن كان شارداً بفكره وروحه رغم حضور (جسده) في الفصل. كيف تميز بين هذا وذاك.. لا شيء سوى الامتحان. وامتحان الشهادة الابتدائية أسهل من الإعدادية.. والإعدادية أسهل من الثانوية.. وهكذا تتدرج صعوبة الامتحان حتى يحصل الطالب على الدكتوراة، وصعوبة الامتحان هنا نوع من العدالة، ) قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ( [ الزمر: 9 ] والتفرقة لا تكون إلا بالامتحان.
  • وفي الوظائف يكون الامتحان نوعاً من العدالة.. إذا كنت صاحب مصنع مثلاً فامتحان تعيين البواب والفراش والعامل العادي سهل ويسير، قد تكفي فيه بمقابلة الشخص للتأكد من تمام صحته، وقدرته على بذل الجهد.. وكفى.

أما إذا أردت مديراً للمصنع.. فالامتحان صعب وعسير، وقد تلجأ إلى مكتب خبرة بعد الإعلان في الجرائد عن الوظيفة، ويخضع المتقدمون لاختبارات فنية و (تكنولوجية) وإدارية، وسرعة بديهة وحسن تصرف وعمق نظر، والإنصاف في المعاملة بين الموظفين.. إضافة إلى فحص شهاداته وخبرته وسيرته الذاتية.. لماذا؟! لأن المهمة صعبة وشاقة وخطيرة ومؤثرة.

  • واختيار وكلاء الوزارات أصعب، فلابد أن تتعرض لفحص واختبار، وتنعقد من أجل ذلك لجنة للترشيح بين المؤهلين فنياً وإدارياً.
  • وفي مصر العزيزة، في كليات الطب، عند الحصول على شهادة الدكتوراه، تتعرض للامتحان من حوالي 24 أستاذاً، ولا يمكن أن يجيزوك من أول اختبار، لماذا؟! لأنك ستكون مسئولاً عن أرواح الناس.
  • وهناك بلاد لا يمكن السفر إليها إلا بعد الحصول على شهادة إتقان لغة مثل أمريكا، فلابد للدارس من اجتياز امتحان (toifel) وهو امتحان صعب وعسير.
  • وبديهي أن أي وظيفة لها أهمية كبيرة يكون امتحانها أصعب، وكذلك أي وظيفة مرتبها كبير.. فيقابل المرتب الكبير امتحان كبير وشاق وعسير.. ومتنوع، قد يشمل التحريري والشفوي والعلمي.. وفي معظم الأحوال تحتاج إلى مقابلة شخصية مع صاحب العمل بعد اجتياز كل الامتحانات المؤهلة للوظيفة.. وهذا أيضاً نوع من العدل الذي استقر عليه الناس وتعارفوا.. وقد حدث هذا لسيدنا يوسف ، ففي قصته المبسوطة في القرآن الكريم في سورته (سورة يوسف)) وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ( [ يوسف: 54 ] ولعل سيدنا يوسف u، رأى أن الملك لم يتعرف على كل مواهبه وإمكاناته الشخصية (أقصد نعم الله عليه) .. فاستدرك على الملك قائلاً: ) اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ ( .

إني حفيظ عليم:

هذا الكلام الطويل عن الامتحانات كنظام كوني عادل للتقويم ارتضاه الناس على مر العصور كنوع من العدالة فيما بينهم [ما لم تشبه شائبة الغش أو المحسوبية أو الرشوة كما في كافة الدول المختلفة].

وهو نظام عادل أيضاً من نظم الصناعة:

  • فأنت تصهر الذهب لكي تنقيه من الشوائب، فيصير ذهباً خالصاً (عيار 24).. فإذ خُلط صار عيار (21) أو عيار (18) ولكلٍ سعره وثمنه الذي يقل كلما اختلطت به الشوائب.
  • وأنت أيضاً تقوم بتقطير البترول لكي تحصل منه على مكوناته المختلفة وتميز بينها، بالحرارة العالية التي قد تصل إلى (950ºم) ففيه وقود الطائرات وهو أغلاها ثمناً (النافثا)، وفيه وقود السيارات (البنزين) وفيه الكيروسين والجازولين، وأخيراً المازوت والقار، وقد يتفحم بعضه ويصير فحماً.

وهذه العمليات في الصناعة تسمى فتنة. والفتنة في اللغة معناها الاختبار والامتحان.. كما جاء في القاموس: فتنت الذهب والفضة ووضعتهما على النار وأذبتهما حتى يتميز الرديء من الجيد.. وفي السوائل توجد عملية التقطير، وهو فصل السوائل غالية الثمن عن السوائل رخيصة الثمن. فهو أشبه بامتحان مجموعات السوائل المختلطة لتمييزها عن بعضها البعض. ولعل هذا يضاهي في الإنسانية قول الله عز وجل: ) مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ( [آل عمران: 179].

وظيفة الدعاة إلى الله:

وهي رد الناس إلى ربهم وبارئهم وخالقهم، وهي عند الله – عز وجل – أعلى الوظائف وأرقاها، وأصعبها وأدقها، وتحتاج إلى مهارات شخصية متعددة.. وكفاهم شرفاً أن اختارهم الله واصطفاهم ) إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ( [آل عمران: 33] . وكفاهم شرفاً أن الله صنعهم على عينه – سبحانه وتعالى – قال: ) وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ( [طه: 39]. وكفاهم شرفاً: أنهم يقومون بأخطر مهمة على وجه الأرض، وهي محاربة الفساد.. ومحاربة أكبر الجرائم وهي استعباد الإنسان للإنسان.. فالدعاة يقومون بنشر التوحيد الذي ينزع عبودية كافة الطواغيت والشهوات والنزواعت، وعبودية المفسدين في الأرض.. إلى قمة الحرية.. ومنتهى الحرية.. وهي عبودية رب العالمين، وحده دون سواه، فليس بعد عبودية رب العالمين إلى رق الطغاة والبغاة والمفسدين.. فضلاً عن رق الشهوات.

وفي الوظيفة الأولى؛ وظيفة محاربة الفساد في الأرض يقول الله جل وعلا في شأن الدعاة: ) وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ( [ البقرة: 251 ]. وظيفة الدعاة إلى الله إذاً، هي أدق الوظائف وأصعبها، ولابد لها من اختبارات وامتحانات تناسب صعوبة وعظمة هذه الوظيفة.

وظيفة الدعاة إلى الله هي المركز المرموق للبشر عند الله عز وجل.. ولابد لها من مؤهلات. فإذا تراضى الناس في دنياهم نظاماً للتأكد من مؤهلات وظائف الدنيا.. فلماذا لا يرضون منهج الله في إعداد حملة دعوته؟!. إن أجر وظيفة الدعاة إلى الله عز وجل هي أعلى مرتب وأكبر أجر.. لا يعدله أجر وظيفة مهما كانت الوظيفة.. كما جاء في الحديث: " أولئك الذين غرست كرامتهم بيدي، فما رأت عين ولا سمعت أذن، ولا خطر على قلب بشر ".. فالحواس التي يدرك بها الإنسان، ويقيس بها الأمور هي العين، السمع، القلب.. هذا النعيم فوق إدراكها.. فكيف تدركه؟ وأهل الجنة بين هذين الأجرين يتفاوتون، في الأملاك والنعيم والأجر.. كل هذا بخلاف الحور العين. والقصور والأنهار.. وراحة البال ) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا ( [الواقعة: 25].

لماذا لا يكون مقابل هذا الأجر امتحان واختبار، للتفرقة في الجزاء والأجر والمرتبات والمكافآت المختلفة بين الناس من أهل الجنة !!.

والذين يرفضون مبدأ الامتحان للتفرقة بين أصحاب الأجور المختلفة ظالمون، والله لا يقبل منهم منهجاً ولا نظاماً، كما في الحديث: " إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا "، فمن العدل أن تتم التفرقة بين كل هذه الأصناف من البشر، وفي التنزيل: ) مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ( [آل عمران: 179]، هذه سنة كونية.. ونظام عادل للتمييز بين الناس.

ويصف الله عز وجل الناس الذين لا يريدون الامتحان منهجاً للتفرقة بين البشر والعدالة بينهم، أنهم (واهمون) .. فسد خيالهم، وضل تصورهم، واختار القرآن الفعل (حسب) للدلالة على هذا القصور في الفهم والتصور والإدراك.. ) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ( [العنكبوت: 2]، ) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ( [آل عمران: 142]، فالعدل والعقل والمنطق.. كلها توجب الامتحان للتفرقة بين درجات الناس في الدنيا والآخرة، وكذلك الدعاة.. وكلما كانت المنزلة أكبر كان الامتحان (البلاء أو الاختبار) أصعب، لذلك كان للأنبياء والرسل أصعب الامتحانات وأدق الاختبارات.. وفي الحديث: " أشد بلاءً: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل " .

لذلك يجب على الذين اختاروا طريق الدعاة إلى الله عز وجل سبيلاً واختاروا هداية الناس مهنة.. والعمل على التمكين لشريعة الله وظيفة لهم..أن يوطنوا أنفسهم على قبول امتحانات التأهيل لهذه الوظيفة الربانية العظيمة، وأن يتعاملوا مع الابتلاء بصبر وحب.. بل يشكرون الله عز وجل أن اختارهم لهذه الوظيفة السامية.. والمرموقة أيضاً، فامتحان الدعاة سنة كونية، وناموس رباني للتأهيل لهذه المهمة العظيمة.. ولهذه الوظيفة المرموقة عند الله عز وجل.

إن الذين ينجحون في امتحان الدعاة يحصلون على وسام رباني، تم تسجيله في أعظم الكتب على وجه الأرض وهو القرآن الكريم. هذا الوسام يسمى وسام (الخيرية).. وهو أرفع الأوسمة بعد وسامي النبوة والشهادة. ) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ( [آل عمران: 110] فهذه الخيرية ترتبط وجود وعدماً بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أنواع البلاء:

ويصنف د. محمد عبد القادر أبو فارس أنواع الابتلاء إلى نوعين (1). فردي، وجماعي، والأخير هو الذي تحدثنا عنه آنفاً. أما النوع الفردي فهو ما يحدث للإنسان من ابتلاءات وهو في دوامة الحياة الدنيا. وهذا قدر مكتوب على البشرية كلها ) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ( [البلد: 4].. إن جريان دوامة الحياة مع البشرية مليء بالمعاناة والمصائب.. ولكل إنسان نوع من المكابدة يُمتحن به.. " فمن رضا فله الرضا، ومن سخط فله السخط " كما ورد في الحديث الشريف. وهذا معناه أن البشرية كلها تكابد، وتبتلى، وتمتحن.. وتختبر .. لكن تختلف الامتحانات في أسئلتها، وأجوبتها، والشهادات الممنوحة لها. ذلك ناموس الحياة الدنيا.


الابتلاء الفردي:

وهو ما يحدث للإنسان من امتحانات في صورة مصائب، يُبتلى بها ليشكر أو يكفر، ليصبر أو يجزع.. فالشكر والصبر نجاح في الامتحان (الابتلاء) .. والجزع والكفر رسوب في الامتحان.. لذلك كان الرضا بالقضاء والقدر ركناً من أركان الإيمان ينهدم الإيمان بانعدامه.. أو على الأقل يهتز ويتزعزع.. وفي الحديث: " ليس من من لط الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية " ذلك لأن لطم الخدود وشق الجيوب تعبير عن السخط، وعدم الصبر على المصائب.

ولقد نقل صاحب الظلال عن الإمام محمد عبده كلاماً طيباً عن ناموس الابتلاء الذي يصيب النبات والحيوان والإنسان في تفسير قوله تعالى: ) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ( [البلد: 4 ]، جاء فيه(1) " فإذا تصورت كم تعاني البذرة في أطوار النمو: من مقاومة فواعل الجو، ومحاولة امتصاص الغذاء مما حولها من العناصر، إلى أن تستقيم شجرة ذات فروع وأغصان، تستعد.. إلى أن تلد بذرة أو بذوراً أخرى.. والتفت إلى ما فوق النبات من الحيوان والإنسان، حضر لك من أمر الوالد والمولود فيهما ما هو أعظم ) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (.. ووجدت من المكابدة والعناء الذي يلاقيه كل منهما في سبيل حفظ الأنواع، واستبقاء جمال الكون بصورها ما هو أشد وأجسم.

) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ( في مكابدة ومشقة (2)، وجهد وكد، وكفاح وكدح. كما قال في السورة الأخرى: ) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ( [الإنشقاق: 6].

الخلية الأولى لا تستقر في الرحم حتى تنتهي، تبدأ في الكبد والكدح والنَّصَب لتوفر لنفسها الظروف الملائمة للحياة والغذاء – بإذن ربها – وما تزال كذلك حتى تنتهي إلى المخرج، فتذوق من المخاض – إلى جانب ما تذوقه الوالدة – ما تذوق، وما يكاد الجنين يرى النور حتى يكون قد ضغط ودفع حتى يكاد يختنق في مخرجه من الرحم!

ومنذ هذه اللحظة يبدأ الجهد الأشق والكبد الأَمَرُّ، يعمل فمه ورئتاه لأول مرة ليشهق ويزفر في صراخ يشي بمشقة البداية! وتبدأ دورته الهضمية ودورته الدموية في العمل على غير عادة!.. ويعان في إخراج الفضلات حتى يروض أمعاءه على هذا العمل الجديد! وكل خطوة بعد ذلك كبد، وكل حركة بعد ذلك كبد، والذي يلاحظ الوليد حينما يهم بالحبو وعندما يهم بالمشي، يدرك كم يبذل من الجهد العنيف للقيام بهذه الحركة الساذجة. وعند بروز الأسنان كبد، وعند انتصاب القامة كبد، وعند الخطو الثابت كبد، وعند التعلم كبد، وعند التفكر كبد.. وفي كل تجربة جديدة كبد، كتجربة الحبو والمشي سواء. ثم تفترق الطرق، وتتنوع المشاق؛ هذا يكدح بعضلاته وهذا يكدح بفكره، وهذا يكدح بروحه، وهذا يكدح للقمة العيش وخرقة الكساء. وهذا يكدح ليجعل الألف ألفين وعشرة آلاف.. وهذا يكدح لملك أو جاه. وهذا يكدح في سبيل الله، وهذا يكدح لشهوات أو نزوة، وهذا يكدح لعقيدة ودعوة، وهذا يكدح إلى النار، وهذا يكدح إلى الجنة. والكل يحمل حمله ويصعد كادحاً إلى ربه فيلقاه! وهناك الكبد الأكبر للأشقياء، وتكون الراحة الكبرى للسعداء. إن الكبد طبيعة الحياة الدنيا، تختلف أشكاله وأسبابه، ولكنه هو الكبد في النهاية، فأخسر الخاسرين هو من يعاني كبد الحياة لينتهي إلى الكبد الأشق والأمرّ في الأخرى، وأفلح الفالحين من يكدح في الطريق إلى ربه ليلقاه بمؤهلات تنهي عنه كبد الحياة، وتنتهي به إلى الراحة الكبرى في ظلال الله. إلا أن في الأرض ذاتها بعض الجزاء على ألوان الكدح والعناء، إن الذي يكدح للأمر الجليل ليس كالذي يكدح للأمر الحقير. ليس مثله طمأنينة بال، وارتياح للبذل. واسترواح بالتضحية. فالذي يكدح وهو طليق من أثقال الطين! أو للانطلاق من هذه الأثقال، ليس كالذي يكدح ليغوص في الوحل ويلصق بالأرض كالحشرات والديدان! والذي يموت في سبيل دعوة، ليس كالذي يموت في سبيل نزوة. ليس مثله في خاصة شعوره بالجهد والكبد الذي يلقاه. " أ. هـ. سيد قطب ".

هكذا ترى الابتلاء الفردي قدراً مكتوباً على الإنسان في كل مراحل حياته.. ذلك الابتلاء الفردي تراه واضحاً ظاهراً إذا صار الإنسان شاباً يافعاً أو رجلاً مكتمل الرجولة.. ومن أمثلة الابتلاء المعتادة.. الامتحان في الصحة والمال، وفقد الولد، وعدم الأمن.. فمن صبر فاز وله البشرى. والقرآن يؤكد ذلك بلام التوكيد في الآية الكريمة: ) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ( [البقرة: 155] وأحاديث فضل الصبر على أنواع المصائب والابتلاءات والاختبارات الفردية كثيرة.. ومبسوطة كذلك في كتب فضائل الأعمال. منها مثلاً فقد الولد كما جاء في حديث البخاري: " ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبض صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه.. إلا الجنة ".

وفي البخاري أيضاً عن فقد الصبر. عن أنس بن مالك  قال: سمعت رسول الله r يقول: " إن الله تعالى قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر، عوضته عنهما الجنة، يريد عينيه ".

فللصبر على البلاء الفردي أجر كبير كذلك عند الله، لمن آمن وعمل صالحاً ثم صبر على الامتحان والابتلاء.. ذلك لأن طبائع الأشياء: أن ليس كل الناس يصلح ليكون داعية إلى الله عز وجل. وسوف يكون من الفتنة أن يبتلى الدعاة فقط، ولا يبتلى غيرهم من الناس. فكل البشرية في الابتلاء والامتحان والمكابدة سواء.. لكن طلاب الآخرة إذا نجحوا في الامتحان كان أجرهم أعظم وأكبر من مجرد الصبر على المصائب.


الفصل الثاني:ابتلاءات الإخوان قبل الثورة

المبحث الأول:أول قضية لُفقت للإخوان المسلمين (1942م)

كانت أول قضية(1) لفقها أتباع الإنجليز، الذين كانوا يحكمون مصر في عام (1942 م) هي اتهام بعض الإخوان بمحاولة قلب نظام الحكم.. فقام " المجلس البريطاني " في مدينة (طنطا) بتلفيق القضية للأخوين:

- محمد عبد السلام فهمي... مهندس بمصلحة الطرق والكباري (صار فيما بعد عميداً لهندسة أسيوط، فوكيلاً لجامعة الأزهر، ثم رئيساً لهيئة السكة الحديد).

- جمال الدين فكيه.. موظف ببلدية طنطا.

قد كانا من كبار الإخوان المسلمين بطنطا – آنذاك. " وقلب نظام الحكم " هي التهمة المفضلة التي يتهمون بها الإخوان منذ أكثر من ستين عاماً، ) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ( [الذاريات: 53].

وأودع الإخوان سجن الحضرة بالإسكندرية، على ذمة القضية الجنائية العسكرية العليا رقم 822 لسنة (1942 م) – قسم الجمرك – الإسكندرية.

والمجلس البريطاني (British Counsel) مؤسسة ظاهرها ثقافي، لنشر اللغة الإنجليزية والعادات والتقاليد البريطانية في طنطا، لكن المشرفين عليها كانوا موالين للإنجليز قلباً وقالباً. أما المحقق فكان الأستاذ محمد توفيق رفقي رئيس النيابة وأعضاء المحكمة هم المستشارون: فؤاد بك أنور (رئيساً)، محمد توفيق إبراهيم بك (عضواً)، زكي أبو الخير الأبوتجي بك (عضواً)، ومعهم اثنان من العسكريين.

اهتم الإمام حسن البنا بالمحاكمة، ووكل جمعاً غفيراً من المحامين للدفاع في هذه القضية. وهم الأساتذة:

محمد علوبة باشا (نقيب المحامين)، عبد الرحمن البيلي بك (صار نقيباً للمحامين فيما بعد)، محمد فريد أبو شادي (صار أيضاً نقيباً للمحامين فيما بعد)، عمر التلمساني... محام وعضو مكتب الإرشاد.. ثم المرشد الثالث بعد ذلك، علي منصور (نقيب المحامين فيما بعد)، محمد فهمي أبو غدير، محام وعضو مكتب الإرشاد.

ورغم كفاءة المحامين، إلا أن الإمام حسن البنا بذل جهوداً كبيرة، ونجح في توكيل الأستاذ المحامي القدير علي بدوي عميد كلية الحقوق جامعة القاهرة... وكان أستاذ كل الأساتذة المحامين والمستشارين في ذلك الحين... وهو عميد القانونيين في مصر على مدى نصف قرن من الزمان.

وقد مكث الإخوان في سجن الحضرة ثمانية شهور رهن التحقيق، ولما حان وقت المحاكمة تم نقلهما إلى سجن الاستئناف بوسط القاهرة، وكانت من أشهر المحاكمات في ذلك الوقت.

ترافعت النيابة واتهمت الأخوين بتهمة الخيانة العظمى!! رغم أن شيئاً من ذلك لم يحدث على الإطلاق!، ولكن النيابة ادعت أنهم يعدون (جيشاً)!!! للترحيب بمقدم "روميل" القائد الألماني الشهير الذي جهز جيشاً لضرب الإنجليز، ولكنه – أي روميل – انهزم في موقعة " العلمين " الشهيرة.

حكمت المحكمة أخيراً بالبراءة للأخوين فهمي وفكيه، وكان نصراً للعدالة، ورفعة للإخوان. هذه قصة أول محاكمة للإخوان عام (1942 م). أما سجن الحضرة الذي شرف باستقبال الأخوين الكريمين فهو سجن صغير في حي الحضرة بالإسكندرية، لم يحدث عليه أي تطور طيلة خمسين عاماً.


المبحث الثاني:الإخــوان في معتقل الهاكستــب

في ديسمبر 1948م أصدر رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي قراراً بحل جماعة الإخوان المسلمين استجابة لرغبة الإنجليز، فأغلقت دور الإخوان المسلمين ، وصودرت ممتلكاتهم، واعتقل عدد كبير منهم – إلا فرداً واحداً هو الإمام حسن البنا...، وبعد عشرين يوماً من حل الجماعة اغتيل محمود فهمي النقراشي رئيس الوزراء، على يد الطالب عبد المجيد حسن الذي ارتدى زي ضابط شرطة ودخل مكتب رئيس الوزارة وقتله بمسدسه... وجاء إبراهيم عبد الهادي رئيساً للوزراء الذي انتقم باغتيال حسن البنا في 12 فبراير 1949 م، وكان الإخوان المعتقلون بالآلاف قد أودعوا في معسكر الهاكستب.

وهذه المنطقة كانت معسكراً للإنجليز، وهي بين القاهرة ومحافظة الشرقية تبعد حوالي 30 كيلو متراً شمال شرق القاهرة ، وبعد أن رحل عنها الإنجليز قامت الحكومة بتجهيزها كمعتقل للإخوان المسلمين.

وفي عام 1948 م تم اعتقال وترحيل الإخوان من جميع المحافظات إلى معتقل الهاكتسب كمركز تجميع، تمهيداً لترحيلهم إلى جبل الطور في سيناء.

ويحكى الأخ علي أبو شعيشع(1) في كتابه " يوميات بين الصفوف المؤمنة " أن هذا المعتقل كان فيه أسرة (جمع سرير)، لكن بسبب كثرة عدد المعتقلين كان كل اثنين من الإخوان المعتقلين ينامان على سرير واحد.. وقد تم توزيع بطاطين (أغطية) عليهم... وكعادة الإخوان قاموا بترتيب المعتقل.. وأبرز ما حدث في هذا المعتقل هو السرعة الفائقة في تنظيم الإخوان لأمورهم داخله رغم أنه كان مجرد محطة للترحيل إلى جبل الطور.. ومن هذه الترتيبات:

- طابور رياضة الصباح لجميع الإخوان.

- تقديم الوجبات الغذائية وانتظامها.

- إيقاظ الإخوان قبل صلاة الفجر.

كان أحد الإخوان وابنه يطوفان المعتقل يرددان نداءً عذبًا:

يا نائمًا مستـغرقًا في النوم

قمْ واعبدْ الحي الذي لا ينام

مـولاك يدعـوك إلى ذكـــره

وأنت مشغـــول بطيب المنـام

وقد كنت أعتقد أن معتقل الهاكستب ليس به أحداث.. فالكلام عنه في المراجع نادر.. حتى عثرت على كتيب للدكتور حسان حتحوت أستاذ النساء والولادة والمفكر الإسلامي والإخواني القديم الذي صاحب الإمام حسن البنا عشر سنوات.. هذا الكتيب بعنوان " العقد الفريد – عشر سنوات مع الإمام حسن البنا ". وننقل هنا من كتاب د. حسان حتحوت بعض هذه الفترات (بتصرف):

" معسكر الهاكستب عنابر واسعة من البناء سابق التجهيز، كل منها محاط بالأسلاك الشائكة، فلا منفذ منه ولا إليه، كان المبنى الذي ذهبت إليه يسمى عنبر الإدارة لأن به مكتب قومندان المعسكر والضابط، وبعد إجراء التسجيل والتسليم دخلت دهليزاً طويلاً فوجدت الأخ إبراهيم الشربيني (رحمة الله.. كان رجلاً شهماً ووطنياً مخلصاً) يهش للقائي..

كانت هناك غرفة وحيدة صغيرة يشغلها مع عدد عبد المجيد وفتحي البرعي (وكان طالباً بكلية الزراعة ولا أدري أين هو الآن). كان كل منهم يشغل ركناً، فدعوني لأشغل الركن الرابع، وكان سائر الإخوان في العنبر المجاور.

كان في جناح الإدارة كذلك المعتقلون من اليهود والشيوعيين والوفديين، ولكن في طرف آخر غير منفصل إلا معنوياً، وكان الفناء واسعاً من دون السلك الشائك، فترك مجالاً للتمشية والرياضة. وطالما تمشيت مع الزميل (ع. ح)(1) ، وكانت الأحاديث بيننا ممتعة فكرياً، رغم تناقض العقائد والمنطلقات. وأحياناً نتمشى مع الشاب التقي يوسف القرضاوي الطالب بالأزهر، نذكر الله وندعوه ونأنس به، ولم يدر بخلدنا آنذاك أن هذا الشاب سيصبح واحداً من أكبر فقهاء العصر. وكنا نأخذ (الجراية) جافة من المتعهد، إذ صنع المعتقلون مواقد كهربائية بحفر قالب طوب وإيداع سلك يوصف طرفاه بالكُبس الكهربائي. لم يكن الطعام بالغ الرداءة ولا بالغ الحسن، ولكنه كان مملاً. واشتهينا ذات يوم (تورتة) من محل جروبي، لكنه كان اشتهاءً من قبيل الخيال.. حتى قال زميلنا وجيه الباجوري (الدكتور فيما بعد) إن الأمر ليس بهذا الإعجاز، وأخذ على عاتقه تنفيذه.. ونحن غير مصدقين.

وكان وجيه طالباً بالطب، ليس له صلة بالسياسة، لكنه كان ابن خالة عبد المجيد حسن الذي قتل النقراشي، فأتوا به ووالده الدكتور الباجوري – رحمه الله – الذي كان أستاذ الفسيولوجيا بكلية الطب، ومن أحب الأساتذة إلينا. المهم بعد أيام وصلت (التورتة)، فكيف وصلت؟! جاءت في السيارة الوحيدة التي يسمح لها بدخول المعتقل بدون تفتيش. جاءت في شنطة سيارة قائد المعتقل، بعد أن أقام وجيه علاقة إيجابية مع سائق السيارة وبعض عساكر الشرطة.. بما يعود بالنفع على الطرفين.

كانت هذه الفترة من أمرح فترات حياتي (ولا أقول أسعدها) .. كان لدي إدرار غزير من النكت والقوافي والقفشات، لدرجة أن الأخ (أ. ف) كان يتبعني باستمرار ومعه دفتر وقلم ليسجل عني ما أقول.. وكان بعد طالباً في الطب معتقلاً على ذمة الوفديين ولم يكن وفدياً ولا يحزنون. وكانت للأخ الفنجري اهتمامات بالتنويم المغناطيسي لم نأخذها مأخذ الجد الذي يفضي إلى الرفض أو القبول، لكنه في إحدى هذه المرات نوم واحداً من المعتقلين (لا أذكر اسمه ولكنه كان فيما بعد إماماً لمسجد السيدة زينب)(1) ، وطلب منه أن يذهب إلى إبراهيم عبد الهادي (رئيس الوزراء) ليرى ماذا يفعل: فأجاب بأنه اكتشف مؤامرة تمرد في الأورطة التاسعة بالجيش، وأن عبد الهادي نفسه يحقق الآن مع عدد من الضباط !! أخذناها آنذاك بفتور.. وكنا في أواسط 1949 م !!!.

وسارت الأمور على وتيرة واحدة في المعتقل (وكنت دائماً أسميه المعكسر).. وأعلنوا أنهم فتحوا باب التظلم للمعتقلين.. فمن أراد قدم طلباً جاءه الرد خلال شهر، لكن كل الردود كانت سلبية وتقضي برفض التظلم، وفي يوم من الأيام استدعى الضابط النوبتجي المعتقل محد الشحات (دكتوراه فيما بعد) ليوقع على علمه بالرد على التظلم. قال له "امض هنا" قال "أمضي على أيه" قال له " مش مهم تعرف" فأجابه لا أوقع على شيء لا أعرفه. قال الضابط "امض يا حيوان" فأجاب الشحات " أنت اللي حيوان"! وقامت القيامة! وانهالت العصى من الجنود على الشحات والمسكين يصيح ويستغيث في علقة لا يعلم لها آخر. وهنا أمسك معتقل يهودي اسمه إلياهو " كان طالباً بالطب " بحجر ورماه باتجاه غرفة الضابط!!. وساد هدوء بدأت معه الحلقة التالية: إذ قام جنود الشرطة بإشراف الضابط بتكسير مكتب القومندان وتكسير زجاجات الكوكاكولا الفارغة في إخراج متقن لإقناع النيابة بأن المعتقلين قاموا بحركة تمرد كبيرة اعتدوا فيها على الضابط ومبنى الإدارة.

وفي خلال ساعة كانوا قد فصلوا المعتقلين الآخرين عن الإخوان وأخذوا التمام، ووصلت "فرقة الباشا" والباشا هو اللواء سليم زكي حكمدار العاصمة آنذاك. أما الفرقة فكانت مدربة على أعمال الضرب والقمع والعقاب. ومن آخر الممر رأينا الفرقة تتقدم ومنظر الخوذات والعصى كمنظر القباب والمآذن. وقفز أربعتنا إلى غرفتنا الصغيرة. وحاول أحدنا أن يقفز من فوق الحائط إلى غرفة بها معتقلون سودانيون لكنهم طردوه مهددين بالإبلاغ عنه. وفي المستقبل عندما جاء دور العتاب قالوا عيب أن يفر وواجبه أن يثبت مع إخوانه!! وأغلقنا الباب مستحكمين، وراح إبراهيم الشربيني يدق مسماراً كبيراً فوق الباب بنية أن يثني المسمار فكأنه ترباس، لكنه كان يدقه بكنكة قهوة صغيرة لا تجدي، وفوق ذلك فقد كان الباب نفسه من ورق الكرتون السميك.. فلما شرع الجنود في تحطيمه وجدنا البلطة تخترقه وتدخل بين رءوسنا. ورغم أن سماع صوت العصى تنهمر كالمطر على الإخوان في العنبر بين صياحهم واستغاثتهم كان يدفعنا إلى الاستماتة في دفع الباب لإغلاقه، إلا أننا خشينا من تحطيم أدمغتنا بالبلطة كانت أشد.. ولم نجد إلا ترك الباب، وقفزنا إلى الركنين البعيدين من الغرفة والكل يحاول أن يكون خلف صاحبه، ووجدتني خلف الزميل علي عبد المجيد، وانفتح الباب: وبدأ العسكر يتقدمون، وأخذت تهوي العصى عشوائية على كل مكان، أصابت واحدة عيني فانقدحت بمثل البرق وأذني ورأسي وجسمي كله. وأدركت أن تترسى خلف علي لا يغني شيئاً، فقررت أن أقف منكمشاً وأخرج من ورائه تحت الضرب الهاطل، لكنني كنت أجابه الشرطي منهم وأمسك به قابضاً على كتفه واضعاً وجهي في وجهه وأسأله بهدوء وابتسامة خفيفة: "لماذا تضربني؟ هل بيننا عداء؟ ألم يخطر ببالك أن تسأل نفسك لماذا تضربني؟".. فيشيح بوجهه عني ويجيء الضرب من كل مكان، فأمسك بشرطي آخر وأسأله نفس الأسئلة.. ورغم انكشافي وتعرضي للزيد إلا أن هذه العملية – محاولة وضع الإنسان أمام إنسانيته – قد أفادتني نفسياً كما شغلتني عن مجرد الجلوس في انتظار سلبي لما يجيء من ضربات.

وانتهى الأمر فجأة.. وصاح بهم أحد ضباطهم: " بس يا بن الكلب أنت وهوه " وكأن حنفية كانت مفتوحة فأقفلتها يد قوية، ورثيت لحال هؤلاء العسكر الذين ضاعت منهم إنسانيتهم فدربوا على أن يكونوا كلاباً مسعورة تنهش بأمر وتسكت بأمر.

وانسحب العسكر.. وخيم صمت رهيب.. ودخلت على العنبر المجاور أزوره فذكرني فوراً باللحمة المفرومة. أكوام من الأثاث المبعثرة والأجساد المبعثرة الملطخة بالدماء وبالكدمات. قام إليَّ الأخ الأستاذ صالح أبو رقيق(1) معانقاً.. وقلنا بصوت واحد " تقبل الله ". إن الأخ صالح لما دخل الجند وقف أمامهم ومد ذراعيه جانباً يتلقى الضربات عمن وراءه من الإخوان ، وذلك من ضراوة العسكر. بل إن العسكري الذي كان ينهال عليه ضرباً إذا وقعت من يده العصا انحنى صالح والتقطها وردها إليه من جديد وعلى ثغره ابتسامة، فيأخذه الوحش وينهال عليه ضرباً من جديد!. وبينما كنا جلوساً لا تسعفنا الكلمات لا تسعفنا الكلمات إذا بالأخ عبد الودود شلبي ، الطالب بالأزهر (وكيل الأزهر فيما بعد) يدخل جرياً وهو يكرر في هلع كبير " عثمان بن عفان .. عثمان بن عفان " ولعل أحد العساكر لاحقه بالخارج.. ولا ندري كيف، لكنها كانت كافية ليضحك الجميع ويتبدد هذا الجو الكئيب.

وكنت في " المعسكر " ألبس بنطلوناً قصيراً تاركاً النصف الأعلى من جسمي عارياً تماماً؛ ولهذا فقد بدا أثر الضرب صارخاً، وبدوت مخططاً مثل النمر تماماً وجروحي تنشع بالمصل والدم. وأخذني أحدهم إلى الجناح الآخر فضمد اليهود جراحي ووضعوا عليها مرهمًا. وجاءني هنري كورييل (يهودي – مؤسس الحزب الشيوعي المصري). وحدثني عن الشيوعية وعن انتصارها في الصين، واتوني بكتاب اسمه " النجمة الحمراء في الصين " . ودخل القومندان إليهم فألقوا عليّ ملاءة لإخفائي عنه. جاء يسأل إن الكوكاكولا قد وصلت إليهم، مؤكداً أنه لن يسمح بعد اليوم بها لأولاد الكلب الآخرين. وعلمت أنهم يلعبون البوكر مع القومندان واسمه (عبد الحفيظ) ويخسرون له قصداً، فكانوا ينالون تسهيلات كبيرة، بل كان بعضهم يخرج لقضاء الليل في بيته ويعود في الصباح. وعدت للإخوان وقد عز علينا النوم في تلك الليلة، لأن إشاعة سرت بأنهم سيحضرون فرقة الباشا مرة ثانية ليفاجئنا مرة أخرى في أثناء نومنا بعلقة جديدة. لكن لم يحدث. وفي الصباح أخرجونا فأوقفونا طابوراً وبدءوا في عد التمام. كنا في غاية الرهبة، فإذا سمع أحدنا اسمه أجاب صائحاً " أفندم " .. لكن حدث أن الضابط الذي ينادي على الأسماء وصل إلى اسم عبد الودود فقرأه هكذا: "عبد الوِدْودْ ". ولم يحتمل الأمر أن ننفجر بالضحك المتواصل، والضابط عاجز في خزيه فانصرف.

وعلمت فيما بعد أن يوم العلقة كان يوم زيارة للأسر.. فأعدت لي أمي كيكة فاخرة من صنع يديها، ولما ذهبوا إلى قسم الشرطة الذي تقوم منه قافلة الزوار عاملوهم بغلظة، وفاجئوهم بأن الزيارة ألغيت.. وعادت أمي وأبي كسيرين إلى البيت ووضعت الكيكة لم تمتد إليها يدوكأنها ميت مسجى حتى رموها في القمامة.. وبعد فترة جاءت أمي وأبي زائرين وحييتهما من خلال القضبان، وكنت ألبس قميصاً، سألتني أمي عن الجرح في جبهتي فأخبرتها أنها خبطة في الشباك.

وغداة العلقة أقاموا علقة خاصة لكبار الشخصيات الإخوانية ولحسن الحظ لم أكن منهم.

ومرت الأيام بعد ذلك ثقيلة تحت وطأة حر الصيف في الصحراء، الذي أوحى بأغنية كثر تردادها مطلعها " معتقل الأحرار بين لهيب النار – هاكستب.. هاكستب" كذلك تحت وطأة شوقنا إلى من بالخارج. والظاهر أن عدة حالات مرضية ظهرت بين المعتقلين، سواء في الهاكستب أو في معتقل جبل الطور، ووجدت الحكومة نفسها تحت ضغط شديد من أقرباء المعتقلين، ومنهم كثير من نواب البرلمان حتى من حزب الحكومة، فرجعت عن قرار المنع الكامل للعلاج بالمستشفيات، ونظمت فرقاً من الأطباء تزور المعتقلات مع التنبيه بعدم التحويل للمستشفيات، إلا في حالة الضرورة القصوى.. وأبلغنا بموعد قدوم الفريق الطبي لتسجيل أسماء الراغبين في الفحص!.

كانت فرصة ثمينة ولكن لمن يحسن انتهازها. صديقي إبراهيم الشربيني (رحمه الله) استحصل على حقنة وإبرة وعبأ 2 سنتيمتر من الحليب المركز المحلي (الذي له قوام العسل) وحقن نفسه بها في العضل. ومعروف أن حقنة الحليب ترفع الحرارة فكانت حقنة اللبن علاجاً معروفاً لحالات الرمد الصديدي في العينين قبل حقنة المضادات الكيمائية والحيوية، على اعتبار أن الحرارة العالية تقتل الميكروبات. وارتفعت حرارة إبراهيم إلى 42 درجة مئوية وعاينه الأطباء ولم يصرحوا بتحويله للمستشفى.

كانت لي أنا خطة مختلفة، والحرب خدعة، طليت إصبعي بطبقة من هذا الحليب وتركته حتى يجف. وشبكت في ملابسي الداخلية دبوس مشبك. وذهبت للأطباء في حالة أليمة من المرض أشكو لهم من ألم الكلية وتقيح البول.. كان مظهري يستدر الشفقة، وكان طبيعياً أن يعطوني كأساً طالبين عينة من البول. ونظراً لأن الغرفة كان بها ناس. وأن الحياء من الإيمان فقد ذهبت بالكأس إلى الحائط واستدرت مولياً ظهري.. وشككت إصبعي بالدبوس وغسلته بسيال البول وكان اللبن والدم والبول عينة ممتازة للبول ذي الصديد والدم.. فانزعجوا وقالوا: إلى المستشفى فوراً. ويا النعيم!. وإلى مستشفاي مرة أخرى. مستشفى الدمرداش الجامعي. نفس الغرفة الخاصة التي خرجت منها مكبلاً بالحديد.

ويواصل د. حسان حتحوت قائلاً: وفي هذه الفترة استطاع الأخ نجيب جويفل الذي كان تحت الحراسة أن يغافل حراسه ويهرب من المعتقل ومنه إلى سوريا.

وكانت تأتينا أخبار قضايا الإخوان في المحاكم. ولأول مرة نعلم أن مصر قد دخلت عصر التعذيب في التحقيقات، وأن رئيس الوزراء كان يشرف على التعذيب بنفسه أحياناً، وأنه هدد أحد المتهمين بأن يأمر العسكري الأسود بأن يرتكب فيه الفاحشة، وكانت بدايات التفنن في التعذيب، وهي بدايات نمت وازدهرت وأنبتت من كل زوج قبيح.

وزارني الدكتور حسن حتحوت ، عضو مجلس الحزب الحاكم، الحزب السعدي الذي يرأسه رئيس الوزراء إبراهيم باشا عبد الهادي. طلب مني أن أعطيه كلمة الشرف بأنني غير متورط في أي عمل إجرامي، حتى يبذل مساعيه الخاصة وهو مطمئن. وطمأنته على ذلك. وهو إنسان نبيل – رحمه الله – وإن كانت الظروف في ذاك الآن لا تنفع فيها الوساطة. وكانت أمي رحمها الله قد طرقت كل الأبواب وسلكت كل المسالك بلا هوادة، ولنا أقارب كبار في الأحزاب سواء الوفد أو أحزاب الأقليات (الحاكمة)، وأمي طاقة كبيرة لا تهمد ولا تخمد، بالقياس على أبي الذي كان ذا شخصية هادئة فلسفية تتقن الصبر وتتوكل على الله.

كانت مصر متوترة.. وسرت أخبار التعذيب بين شعب لم يعهدها من قبل.. وبرأت المحاكم المتهمين في بعض قضايا الإخوان الكبرى مشيدة بوطنيتهم وحسن بلائهم في فلسطين ، وأهملت قضية جلاء الإنجليز عن مصر تماماً، وكانت المرارة في فم الجيش بعد فلسطين وفي فم الشعب من كثرة المعتقلين.. وكان واضحاً أن الأمور لا تستقيم على هذا الحال.

وزارني ذات صباح – مبكراً – الدكتور فؤاد الرشيد يقول إنه سمع من مصادر في السراي أن الملك أرسل يستدعي حسين باشا سري من مصيفه بالخارج.. وأن أكتم الأمر، وزارتني أمي بعدها بقليل وأخبرتني أنها على موعد للذهاب لبعض أقاربنا من ذوي السلطات في سلسلة مساعيها للإفراج عني، وأوصيتها أن تؤجل الأمر أياماً، متوقعاً أن تسقط الوزارة، وظنت أمي أني عبقري سياسي عندما بعث الملك بعد أيام خطاب الإقالة لإبراهيم عبد الهادي بسبب ما يعانيه الشعب من القلق والتوتر من حكمه، وتكليف حسين باشا سري بتشكيل وزارة محايدة تحل مجلس النواب وتحضر لإجراء انتخابات حرة بإشرافها.

وحسين باشا سري من السياسين المستقلين، أي ليس عضواً في حزب سياسي، وهو مهندس كفء، ومعه طاقم السياسين الذين يحتاج إليهم لتولي وزارة محايدة بفترة مؤقتة تجري فيها الانتخابات ليتولى الحكم بعد ذلك حزب الأغلبية.. ولم يكن ذلك صحيحاً دائماً، فإذا كان الوفد في الحكم وأراد الملك التخلص منه فلن تكون الانتخابات نزيهة، وإذا كانت أحزاب الأقلية في الحكم وأراد الملك التخلص منها فيكفي أن تعقد انتخابات نزيهة ليعود الوفد للحكم. وكان هذا النظام يتيح للملك أن يقلب كفه الميزان كلما ضاقت الحال بالناس من حكم أحد الفريقين، ديكتاتورية الأقليات أو محسوبيات الوفد؛ وذلك لامتصاص نقمة الأمة فلا تنفجر فيه، وإن كانت الحقيقة دائماً أنه لا يحب الوفد، ولا يرحب به نظراً لقاعدته الشعبية العريضة وتمسكه بالدستور في مواجهة الملك.

وبدأت وزارة حسين سري تفرج عن المعتقلين. وخرجتُ إلى الحياة – بحمد الله (1). إن الشيخ يوسف القرضاوي فيحكي أيضاً نقولا مطولة عن الحياة في معتقل الهاكستب في مذكراته أبرزها العلقة الساخنة التي تلقاها الإخوان المعتقلون من الضابط فريد القاضي الذي أراد أن يعلِّم المعتقلين كيف يحترمون الضابط، فاستدعى أورطة (سرية أو عدة سرايا) من العساكر (مثل عساكر الأمن المركزي) ومعهم العصى الغليظة، وأذاقوا المعتقلين جميعاً علقة شديدة جداً.. ورغم ذلك قابلها شعراء الإخوان بابتسامة شعرية، فأنشد أحدهم يناجي محبوبته فقال (2):

ولقد ذكرتك والجنود تعجني وسط العنابر بالعصايا يا سوسو

على غرار ما قال عنترة بن شداد لمحبوبته عبلة في إحدى المعلقات السبع:

ولقد ذكرتك والرياح نواهل فوددت تقبيل السيوف لأنها

مني، وبيض المهند تقطر من دمي لمعت كبارق ثغرك المبتسم

وكان بالعنبر الآخر – أثناء العلقة بعض كبار الإخوان مثل الشيخ عبد المعز عبد الستار ، والأستاذ عبد الحكيم عابدين.. وكان الشيخ عبد المعز يصرخ فيهم وهم يضربونه قائلاً: اضربوا يا أندال، اضربوا يا كلاب.

ونظم الشيخ يوسف القرضاوي قصيدة في هذا الشأن(3) اقتطف منها هذه الأبيات القليلة:

ما للجنود ذوي العصا ومالي؟

ما بالهم هجموا علينا بغتة

قد كشروا عن نابهم، وتقدموا

حملوا العصى غليظة كقلوبهم

لِمَ كل هذا الحشد من جند، ومن

وإذا عجبت فإنَّ أعجب ما أرى

ضرب بلا هدف، ولا معنى، ولا

كم بيننا من ذي سقام يشتكي

كم بيننا شيخ ينوء بعمره

كم بيننا من يافع ومرفه

ما كنت بالباغي ولا المحتال؟!

متوثبين كهجمة الأغوال؟!

ببسالة للثأر من أمثالي!

ومضوا كالسيل من مكان عال

حرس، كأن اليوم يوم نزال؟!

إضرام معركة بغير قتال!

عقل، سوى تنفيذ أوامر الوالي!

لكن لمن يشكو أذى الجهال؟

يعدو الجهول عليه غير مبال

لم ينج من ضرب وسوط


المبحث الثالث:الإخوان في معتقل الطور

وبعد أن تم تجميع الإخوان في معسكر الهاكستب تم نقل حوالي ألف منهم إلى السويس حيث ركبوا الباخرة " عايدة " إلى معتقل الطور (طور سيناء) في وسط شبه جزيرة سيناء... فهو اعتقال ونفي وتغريب وتشريد.

وكان معتقل الطور مكاناً يتوقف فيه حُجَّاج البواخر للكشف عليهم بعد عودتهم من الحج فيما يسمى " الحجر الصحي "، فتم تحويل هذا المكان إلى معتقل للإخوان.

كان الشيخ محمد الغزالي إمام الإخوان في معتقل الطور، وكذلك تم اختيار عضو مكتب الإرشاد الشيخ البهي الخولي صاحب كتاب " تذكرة الدعاة " أميراً للمعتقل.. ولكن الشيخ البهي استُدعي للتحقيق بالقاهرة فاختار الإخوان الشيخ محمد الغزالي خلفاً له، وكان عمره آنذاك 32 عاماً.

كان معتقل الطور أول محنة شاملة للإخوان على مستوى القطر ا لمصري كله، فحوّله الإخوان إلى معسكر دائم لهم.

فكانت له برامج ثقافية يشرف عليها الشيخ محمد الغزالي، في محاضرات مستمرة، شرح فيها معنى الاستبداد السياسي، وأخرجه بعد ذلك في كتابه (الإسلام والاستبداد السياسي).

وكانت له برامج رياضية يشرف عليها الشاب الرياضي الرشيق محمد مهدي عاكف الذي صار بعد 56 عاماً مرشداً سابعاً للإخوان المسلمين. ذلك النشاط الرياضي كان يشمل: التمرينات السويدية، والجري، والوثب، والزحف.. في برنامج دائم كل صباح تقريباً.

وكانت له برامج روحية، لمدارسة كتاب مدارج السالكين " للإمام ابن القيم ".. ويقوم بهذه المدارسة الشيخ محمد الغزالي، وكان يعاونه الأخ الأستاذ محمد عبد الحميد أحمد، وهو أول طالب جامعي يلتحق بالإخوان المسلمين.. وكان رئيساً لقسم الطلبة في فترة من الفترات.

وكانت له برامج ترفيهية تشتمل على حفلات الشعر والأناشيد الإسلامية والحماسية، بل " والفكاهية " فمن الأناشيد الحماسية:

هو الحق يحشد أجناده

فصفوا الكتائب آساده

نبي الهدى قد جفونا الكرى

نهضنا إلى الله نجلو الثرى

ونشهد من دب فوق الثرى

دعاة إلى الحق لسنا نرى

ويستعد للموقف الفاصل

ودُكّوا به دولة الباطل

وعفنا الشهى من المطعم

بروعة قرآنه المحكم

وتحت السما عزة المسلم

له فدية دون بذل الدم

ومن السمر اللطيف:

أنا كنت قاعد جوا البيت

وفتشوني وقالوا جنيت

قالوا لي: أنت من الإخوان

ومأثورات وسبحه كمان

بتصلي من غير إذن بوليس

وعلى صلاة الفجر حريص

دخل عليَّ كام عفريت

يا متهم، قلت لهم: إيه؟

وضبطنا في بيتك قرآن

ومربي ذقنك. جاوب: ليه؟

وتصوم الاثنين من غير ترخيص

والمصطفى بتصلي عليه

ليه ... وليه... وليه

أما الأخ علي أبو شعيشع(1) من قيادات الإخوان في دمنهور فيحكي تفاصيل كثيرة عن معتقل الطور: والمعتقل يتكون من خمسة حزاءات. كل حزاء ما يقرب من عشرين غرفة متسعة "6 × 10 أمتار تقريباً " يتوسطه مصلى بها حنفيات مياه عذبة وبجوارها دورة مياه ملحة، وطول الحزاء يقرب من مائتي متر، يتوسطه فناء واسع استعمل للرياضة ويحيط به سلك شائك يليه أبراج الحراسة، ونزلنا في حزاء رقم 3، ونزل الشيوعيون في حزاء رقم 4، وبين كل حزاء ما يقرب من 100 متر، وبتنا في حجرتنا بعد أن مررنا على الحجرات الأخرى مصافحين، وأخذنا فكرة عن نظام الإيواء، فكان مخصصاً لكل واحد لوحان من الخشب وبطانية، ورتبنا أماكن النوم، وكان عن يساري الأخ " محمد عبد الرحمن " الطالب بالصنايع، وعن يميني الأستاذ " محمد كرم " وخرجنا بعد العصر مع الإخوان إلى الميناء فكانت متعة عوضتنا عن متاعب السفر ومفارقة الأهل، ووصلنا إلى الساحل ونزل الإخوان إلى الماء يصطادون القواقع، وقبل المغرب عدنا جميعاً إلى المعتقل وقد فتحت أبواب المدخل دون قيود.

خطاب المرشد:

دعينا إلى لقاء في المصلى قبل المغرب، وتلا علينا الشيخ الغزالي – حيث الشيخ البهي في التحقيق بالقاهرة خطاباً من المرشد العام موجهاً إلينا جميعاً لينبئنا أنه اختار الأستاذ " البهي الخولي " نائباً عنه مرشداً للإخوان بجبل الطور، وفي الخطاب يطلب منهم أن يختاروا اثنى عشر نقيباً تيمناً بما فعل سيدنا موسى عليه السلام ليعاونه في إدارة المعتقل.

نمنا ليلتنا وكنا مرهقين من سفر البحر، وقبل الفجر استيقظنا على صوت المنادي للصلاة، فصلينا الصبح في المصلى في الظلام، حيث تطفأ الأنوار الساعة 12 مساءً، وقادنا أحد الإخوان في طابور رياضي ومعنا الشيوخ، وبعده تناولنا الإفطار وخرجنا إلى شاطئ البحر لصيد القواقع والمحار، وكان منظراً خلابا.. قواقع في مختلف الأحجام يصل طول بعضها إلى 30سم وبألوان جذابة، ومحارات تتحرك على سطح الماء تزن الواحدة خمس (أوقيات) (1)، يحركها جنين لا يزيد عن عقلة الإصبع.. وهذا جسم شفاف في شكل المنديل تتوسطه نقطة سوداء هي الكائن الحي الذي يحرك هذا المنديل ذي النقوش المنتظمة، وما أن يخرجه من الماء حتى يذوب تدريجياً ويتلاشى، وهذا حيوان بحري ما أن يحس بوقع أقدامنا حتى يحول المنطقة إلى بقعة ماء سوداء مستديرة قطهرا ثلاثة أمتار تقريباً، وتحت هذا السواد يفر من المنطقة، وهذا (قنفد البحر) ذو الشوك الخطر الذي يهاجم السيقان البشرية ويترك أسنانه المدببة داخل اللحم وهو أخطر أنواع الحيوانات البحرية وقد حذرنا منه عرب الطور، وبعد ذلك سمك القرش عدو البشر الذي يقضي على فريسته في الحال حين يعثر عليها، وقد لاحظنا أن حركة الصيد لهذه الأشياء مرتبطة بالمد والجزر.. فحين المد يقذف بها البحر إلى الشاطئ، وعند الجز يتركها سهلة الصيد سهلة المنال.

وكنت وزميل لي وهو الأخ "عزت خطاب" نخصص ما قبل الظهر للصيد وما بعد العصر نتسلق فوق قوارب خفر السواحل على الشواطئ نحفظ القرآن.

الطعام:

قدمت إدارة المعتقل وجبات الغذاء الثلاث من العدس والفول المخلوط بالرمال، وفي أيام وجبات اللحوم يوزع اللحم نيئاً، والطهي غير مستساغ، فاتصل الإخوان بالحكمدار الذثي وافق على تسليمنا وجباتنا بدون طهي، ليقوم الإخوان بتوزيعها على الحجرات لتتولى كل حجرة إعداد طعامها، وخصصنا نوبتجية للطعام يومياً، وجعلنا يوماً في الأسبوع نتناول فيه السمك، وكنا نشتريه من الصيادين بأحجام كبيرة لا تقل السمكة عن كيلو جرام وعليها غطاء ذو ألوان عجيبة حتى إننا عند تنظيفها كنا نتألم من إزالة هذا الغلاف الرباني الذي تكتسي به هذه الأسماك.

تأثيث المعتقل:

ابتكر الإخوان وسائل لتأثيث حجراتهم، فقاموا بعمل أسرة من ألواح الخشب وضعوها على أربعة صفائح معبأة بالرمال، ويغرس عدد من الشجر في الصفيحتين المجاورتين للحائط ليوضع عليها ملاءة " كناموسية "، وصنعت دواليب حائط من أقفاص الجريد تغطي بقطعة قماش، كما صنع براد الشاي من علب السلامون، والأكواب من علب اللبن، وصنعنا عباءات من البطاطين للتدفئة في الشتاء، واستعملت المحارات الكبيرة لحفظ الطعام، وقمنا بتصنيع شنط كبيرة لنودع فيها القواقع والمحار من صفائح الجبنة.

إخوان الطور:

اعتاد أهل الطور أن يروا الحزاءات في غالب شهور السنة مشغولة بالمجرمين الذين تنفيهم الدولة إلى معتقل الطور، وللأهالي قطيع من الماعز يدخل المعتقل من خلال الأسلاك الشائكة بحثاً عن الطعام، ويندر أن تعود الماعز إلى أصحابها، إذ يصطادها هؤلاء الخطرون ويذبحونها، ولكنهم لاحظوا أن المعتقلين في هذه المرة قوم أمناء.. يدخل الماعز معتقلهم ويعود دون أن ينقص، فلفت ذلك نظرهم، ولما سألوا علموا أن المعتقلين هم " الإخوان المسلمون "، وفوجئنا يوماً بقدوم وفد من أهالي مدينة الطور، وطلبوا مقابلة المسئول وقدموا له أنفسهم على أنهم إخوان شعبة مدينة الطور، وعلمنا أن الإمام الشهيد عند تأديته فريضة الحج وأثناء إقامته مدة الحجر الصحي اتصل بأهل المدينة وكون الشعبة ووضح لهم النظام الإداري، وأبدوا استعدادهم للقيام بأي خدمة، وقد كان لهم دور سيظهر فيما بعد.


رحلة إلى مدينة الطور:

اتفقنا نحن سبعة من إخوان البحيرة على الخروج في رحلة إلى مدينة الطور ومعنا الحاج مبروك هنيدي (1)، خرجنا صباحاً ملازمين الساحل مسافة أربعة كيلو مترات حتى وصلنا مدنية الطور، وتجولنا داخلها وصلينا الظهر بالمسجد واشترينا طعام الغذاء وتناولناه خارجها، كان الجو منعشاً والحرارة معتدلة، فأغوانا ذلك بالصعود إلى جبل مجاور للمدينة يعلوها بحوالي مائة متر، وبعد جهد وصلنا إلى القمة، وصلينا العصر وأخذ الحاج مبروك يدعو على الظالمين ونحن نردد خلفه الدعاء، واسترحنا قليلاً ثم بدأنا في الهبوط، وعند المهبط وجدنا شقوقاً بالجبل تندفع منها المياه الدافئة العذبة كنافورات تتجمع في حوض واسع، فنزلنا وحسبناها هي، كما فسرنا هذا المظهر بقوله تعالى: ( وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ) [البقرة: 74].

كانت الشمس قد قاربت على المغيب، ودفعنا الفضول إلى متابعة مسار المياه التي وجدناها تصب في غابة ضخمة كثيفة الأشجار يتوسطها قصر أبيض، وتوجه أحدنا وهو الأخ "علي شرف" إلى داخل الغابة ونحن ننتظر خارجها، وبعد دقائق سمعناه يستغيث ويطلب النجدة لأنه ضل طريق العودة، فتشابكنا بالأيدي ودخلنا الغابة في شكل قاطرة وطلبنا منه أن يردد الصوت حتى اهتدينا إلى مكانه وعدنا به حيث أتينا، وعلمنا أن الغابة والقصر مخصصان لرهبان سانت كاترين الذين يأتون إلى هنا للاستجمام، وكان المغرب قد حان فأسرعنا الخطى إلى المعتقل ودخلناه بعد العشاء فوجدنا الإخوان قد شُغلوا من أجلنا.

حزاء العمدة:

أقام الحاج محروس وهو عمدة لإحدى قرى مديرية سوهاج في آخر حذاء، ومعه إخوان كرام، فنصبوه عمدة عليهم وخصصوا له حجرة عند المدخل زينوا مدخلها بنقوش على شكل أزهار من القواقع المرصعة على قمة مرتفعة تسر الناظرين، واختار هو اثنى عشر شاباً كخفراء مع كل خفير " نبوت " والجميع طوع إشارته، وبدأ أوامر (العمودية) بأن كلفهم بمهاجمة حزاء رقم واحد وكان مغلقاً لأنه مخصص لكبار الحجاج من ذوي الرتب والألقاب وبه جميع الكماليات من أغطية ومفارش وفوط وصيني وملاعق وشوك وسكاكين وصواني وما إلى ذلك، ودهشنا حين قدم لنا الشاي في فناجين فاخرة على صينية فخمة واستعرضنا غرف الحزاء فبهرنا تأثيثها، فعزمنا على تقليدهم وخاصة أننا مجاورون لحزاء رقم (1)، وبعد العودة نظمنا الهجوم وجلبنا ما نحتاجه من (الصيني) وخلافه.

جنود الحراسة:

لاحظنا أن جنود الحراسة يجوعون بسبب قلة الطعام وأن الغذاء يتناوله الضباط، فتكفلت كل حجرة بجندي الحراسة الذي يقابلها، تسلمه وجبة كاملة على ثلاث دفعات مما ألف قلوبهم وجعلهم معنا على وفاق.

راديو:

استطاع أحد الإخوان إحضار (راديو) أوصلنا بالدنيا، وحفظه هذا الأخ في غرفته في مخبأ لا يعلمه سواه، وتعود أن يستعمله بعد نوم الإخوان ليستمع منه إلى نشرات الأخبار بالإذاعات الأجنبية العالمية.

النبأ المفجع:

وفي صبيحة يوم 12 فبراير وبعد أن أدينا صلاة الصبح، طلب منا ذلك الأخ التجمع في إحدى الغرف، وتحسسنا الطريق إليها في الظلام، وما أن تكامل العدد حتى بدأ الأخ بتلاوة قوله تعالى: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ) [آل عمران: 144] ثم فاجئنا بنبأ اغتيال الإمام الشهيد الذي استمع إليه من إذاعة أمريكية الساعة الواحدة صباحاً، ولم يزد على ذلك، وخرجنا من الحجرة هائمين على وجوهنا لا ندري ما يصنع القدر بدعوتنا وبنا، وظللنا طيلة اليوم نذرع حوش الحزاء جيئة وذهاباً صائمين لا نتناول طعاماً ولا نجد سوى المصلى نأوي إليها كما أذن للصلاة.

تشديد الحراسة:

شددت الحراسة وأغلقت أبواب الحزاءات، ومنعنا نم الخروج إلى البحر، ولم يسمح إلا للمسئولين بالخروج إلى الحكمدار، كلما استدعى الأمر مقابلته، ووضع الحكمدار فوق رأسه يافطة كتب عليها ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ) [المائدة: 33] وأخذ يردد هذه الآية لكل من يحضر إليه من المسئولين قائلاً: لقد عاقبتكم بالنفي وهو أقول أنواع الجزاء.

التفرغ للعبادة والدراسة:

حيل بيننا وبين البحر الذي كان يستغرق أكثر وقتنا، وبدأنا نهتم بالعبادة والدارسة والمحاضرات، وبدأت لجان متخصصة تدرس لما بعد الخروج، وتضع مناهج جديدة كانت من اختصاصات الإمام الشهيد الذي حُرمت الدعوة منه، وآن للإخوان أن يعملوا على منواله، وقام بعض الإخوان مثل: عبد العزيز كامل، والدكتور ضياء الدين الريس، والبهي الخولي ، ومحمد الغزالي ، وسيد سابق ، بتنظيم دروس ومحاضرات يومية استفدنا منها الكثير.

بسبس:

دست الحكومة علينا حين ترحيلنا من مصر بعض عيونها يتجسسون علينا ويقيمون معنا داخل المعتقل، وتعرفنا عليهم وأخذنا حذرنا منهم، وأطلقنا على الواحد منهم لقب (بسبس) فما أن يذكر الأخ لأخيه هذا اللقب إلا ويعلم أن جاسوساً بجواره، وخاب مكرهم وتوقفت مهمتهم.

الاتصال بالخارج:

قام كتاب الإخوان بكتابة مقالات خطيرة تصف المعتقل ومعاملة قوات الحراسة لنا، وتهاجم الحكومة والمسئولين، وكلف إخوان شعبة الطور بتوصيل هذه المقالات بطريقتهم إلى وكالات الأنباء والصحافة الأجنبية بالقاهرة التي قامت بنشرها وإذاعتها، وكان لها أثر خطير شغل رجال الدولة فاتصلوا بالحكمدار وحاسبوه حساباً عسيراً على تفريطه في رقابة المعتقلين والسماح بخروج هذه المقالات للخارج.

الحكمدار عباس عسكر:

ضاق الحكمدار ذرعاً بمحاسبة المسئولين له، فجرد حملات التفتيش على الحزاءات، وبدأ بأول حزاء، دخله ومعه قوة من (بلوكات) النظام والهجانة ومعهم يوماً لكل حزاء إلى أن جاء دورنا، وفي صبيحة هذا اليوم شغلت وزميلي " عزت "بكيفية إخفاء مذكراتي، فأحضرت علبة (بوية) ووضعت داخلها أوراق المذكرات، ووضعت بطاطين في مواجهة جندي الحراسة على الأسلاك الشائكة، وقمت بحفر الأرض بعمق متر تقريباً متجهاً بالحفر إلى خارج الأسلاك الشائكة ثم وضعت العلبة في قاع الحفرة خارج منطقة الحزاء، وأهلت عليه الرمال، وقدم الحكمدار في قوته يرغي ويزبد ويتوعد، وقام ضباطه وجنوده بالتفتيش حجرة حجرة إلى أن وصل إلى المصلى وحان وقت أذان الظهر وكانوا قد أحضروا كرسياً بجوار المصلى جلس عليه وفي محاذاته وعلى بعد أمتار متنه انطلق صوت الأخ المؤذن بالأذان، وكأنها صاعقة نزلت على أم رأسه، فأمر جنوده الهجانة بإسكات المؤذن، فاستمر يؤذن، فضربوه بالكرابيج، فظل يؤذن وهي يبكي من شدة الضرب، وهنا تأثر الضباط بالمنظر وامتنعوا عن ضربه حمية لدينهم، واتجهوا نحو الحكمدار بعيون عاتبة، فخشى من تطور الموقف ضده فأمر جنوده بإيقاف التفتيش والانسحاب من الحزاء ثم عاد إلى مكتبه.

وفي الصباح توجه بنا الشيخ محمد الغزالي إلى باب المعتقل وأخذ يردد هتافات عدائية ضد الحكومة والحمدار، فإذا بالجنود في موقع مبنى الإدارة يتجمهرون ويرددون نفس الهتافات ويهجمون على الحكمدار فيحطمون مكتبه وينهالون عليه ضرباً لولا تدخل الضباط الذين أنقذوه من بين أيديهم، وأُبلغت القاهرة باللاسلكي، واعتصم الجنود بمبنى الإدارة، وعلمنا بعد ذلك أن سبب المظاهرة هو تأثر رجال الهجانة بالأخ المؤذن الباكي وتذمر جنود بلوكات النظام من سوء التغذية واستئثار الضباط بالطعام، وكلٌ يبكي على ليلاه.

فوجئنا في آخر النهار بوصول طائرة تحمل طاقماً جديداً من الضباط ومعهم حكمدار جديد للمعتقل، وعادت بالحكمدار عباس عسكر وضباطه، وجاءت بعدها الباخرة عايدة تحمل قوة من الجنود، وعادت بالجنود المتمردين حيث أحيلوا إلى مجلس تأديب.

خطبة الجمعة:

تولاها الشيخ محمد الغزالي وبعض الإخوة العلماء، وكانت خطباً حارة لا يسمع مثلها في بلاد مصر، تناولت الأحداث والدعوة والدعاة.

شهر رمضان:

أقبل شهر رمضان ووضع له الإخوان برنامجاً حافلاً نظامه كالآتي:

- تقوم كل مديرية(1) بملازمة المصلي ليلة في الشهر بعد صلاة القيام تتعبد وتتهجد، وتدعو بالخير للإخوان وبالمصائب على رؤوس أعداء الإخوان، ثم توقظ الإخوان للسحور ثم صلاة التهجد ثم صلاة الصبح وبعدها يدخل الجميع الحجرات للنوم.

- تقوم كل مديرية بإعداد حفل مسائي مرة كل شهر بعد صلاة القيام يدعى إليه بقية إخوان المديريات تقدم فيه المرطبات في صفائح محاطة بالخيش، وتخصص نوبتجي لرش الماء على الخيش للتبريد، ثم يتلو الشيخ سرور " مقرئ الخاصة الملكية " القرآن حتى ساعة متأخرة من الليل وبعدها السحور.. وهكذا.

- وفي النهار تقوم نوبتجية بإعداد وجبة الإفطار في كل غرفة، وكانت صلاة القيام في كل حزاء جماعة يؤمها إمام، ولاحظت انشغال البعض بهموم الحياة أثناء الصلاة حيث كان الشيخ عبد اللطيف الشعشاعي يؤم حزاء رقم (4)، والشيخ الغزالي يؤمنا، وسمعته مرة يختم الفاتحة مع الإخوان بكملة " آمين " وإذا أخ بجواري يردد معهم آمين، ظناً منه أنه يصلي خلف الشيخ الشعشاعي.

العيد:

وجاء العيد، وكان يوماً مؤثراً، تذكر الجميع الأهل والأحباب، غير أن إدارة المعتقل نظمت برنامجاً روحياً وسمراً بريئاً حتى تخفف عن الإخوان ما هم فيه. وطفنا بأركان الحزاءات نردد التكبير ونتبادل التهاني.


المبحث الرابع:الإخوان في معتقل عيون موسى

لما قرب موسم الحج.. كان لابد من إخلاء معتقل الطور لأن به الحجر الصحي لحجاج البواخر، فتم ترحيل 250 معتقلاً – قالوا إنهم قيادات الإخوان – إلى معتقل عيون موسى.

ويواصل الأخ علي شعيشع قائلاً: تحركت الباخرة بعد العصر ونحن على ظهرها نودع معتقل الطور، واتجهت بنا نحو الشمال وشاهدنا سمك القرش يقفز من الماء في رشاقة إلى سمتوى السفينة، وكان معنا الدكتور حسين كمال الدين (1)، يرافق السفن في تحركها بحثًا عن الطعام، وإثباتاً لذلك قذفنا برغيف من الخبز فتوقفت سمكة القرش عن القفز.

بِرْكُة فرعون:

وقبل المغرب بقليل أحسسنا بالباخرة تهتز بعنف وتنخفض مقدمتها حتى سطح الماء وترتفع مؤخرتها حتى كدنا نسقط منها، وتكرر ذلك عدة مرات ونحن متشبثون بالسور.. حتى انتهت هذه الهزات، وعملنا من البحارة أن الباخرة تمر الآن ببركة فرعون، حيث يزعمون أن هذه المنطقة هي التي انفلق البحر فيها لموسى عليه السلام وغرق فرعون، ولذا سميت ببركة فرعون.

أمام عيون موسى:

وطلع النهار وأبطأت الباخرة في سيرها وغيرت اتجاهها نحو الشرق، ورأينا قياس الأعماق يهبط إلى نهاية السلم ويقذف بحبل في نهايته ثقل لمعرفة عمق الماء ويكرر ذلك مرات.. ثم توقفت الباخرة عن الحركة في الماء بعيداً عن الشاطئ، وطُلب منا الاستعداد للنزول، ووجدنا قوارب في نهاية السلم، وعند استعدادي للنزول منها لاحظت أنه مكتوب على القارب "الإخوان المسلمون" باللغة الإنجليزية "MOSLIMOON BROTHERS" فانشرح صدري، واستعملت المجاديب لتحريك القارب إلى أن اقترب من الشاطئ فنزلنا نحل أمتعتنا حتى وصلنا إلى البر.

لا ماء للشرب:

وما أن تكامل عددنا حتى طلبنا ماءً نشربه، فكانت المفاجأة حين قيل لنا إن المعتقل ليس به ماء وأن قارباً تجارياً سيحضر لنا مياه الشرب من السويس، وكلنا عطشى، فأحضروا لنا إبريقاً من الفخار به ماء فتسلمه أحد الإخوان وطلب فنجان قهوة وأخذ يضع في الفنجان ماءً إلى نصفه ويعطيه لكل أخ ليشرب، وارتوينا جميعاً بهذا الماء القليل الذي بارك الله لنا فيه.

الإيواء:

وزعونا على المعتقل وهو عبارة عن (كرنتينة) للحجر الصحي خاص بالأجانب، لذا فإن مبانيه فاخرة وهي عبارة عن فيلات لها (فرندات) ودورات مياه وغرف بأرضية من الخشب وداخل (الكرنتينة) كنيسة يعلوها صليب ومبخرة، كما توجد ماكينة إنارة معطلة وبجوارها خزان للماء، وكان يرفع الماء من عين في باطن الأرض طلمبة ماصة كابسة، وقد توقفت الماكينة عن الحركة من عشرات السنين، وعجز مهندسو مصر والأجانب عن إصلاحها.

كرامة الإخوان:

ما إن وصل الإخوان إلى معتقل عيون موسى إلا وكان شغلهم الشاغل توفير المياه، إذ وصل القارب التجاري من السويس يحمل ما يقرب من خمسة مترات مكعبة لا تكفي الشرب، وهنا تقدم المهندس " عبد المنعم صالح " رئيس شبكة النور بمدينة دسوق يطلب من المسئولين فحص ماكينة الإنارة وفتحت له أبوابها، ثم طلب بعض قطع الغيار ووسائل إنارة من السويس، واختار عدداً من الإخوان المتخصصين، وأخذ يزاول عمله متوكلاً على الله ونحن في مقر نومنا حتى أمسى الليل، فأخذنا نتسامر حتى الساعة الواحدة صباحاً، وإذا بنا نفاجأ بالأضواء قد سطعت من اللمبات، فكبرنا وحمدنا الله، واكتملت فرحتنا بعد تشغيل الطلمبة وصعود المياه إلى الخزان وسريانها في المواسير.

وسارت الحياة على وتيرة واحدة، ففي الصباح نصطاد المحار والقواقع من باطن الأرض، لأن الأسلاك الشائكة على شاطئ البحر تحول بيننا وبين الوصول إليه، وفي أثناء النهار دراسات ومحاضرات، وفي الليل نقف على الشاطئ داخل المعتقل نشاهد أضواء مدينة السويس عن كثب فيشتد الحنين إلى الأهل والخلان.

الكلاب:

بدأ الفرج يأتي بسبب الكلاب التي تأتينا من خيام البدو باحثة عن بقايا الطعام، وكثيراً ما كانت تعض بعض الإخوة ويرحل المصاب إلى القاهرة للعلاج، ومن هنا يأتي الفرج!!.

الإفراجات:

بدأت ترد كشوف بالإفراج عن بعض الإخوان، ومنهم الشيخ محمد الغزالي، وأخي الذي يلازمني في حياتي " محمد كرم " الذي كان نعم العون لي على متاعب الحياة، وبدأنا نتجمع في مجموعات بعد أن قل عددنا، وانتهى بي المطاف في فيلا بها (بانيو) مع الأخ الشيخ عبد اللطيف الشعشاعي والأخ عبد العزيز كامل، وأخذ الأخ عبد الرحمن البنا يجمعنا في المساء في مكان إقامته ويردد أدعية مأثورة ونحن نردد خلفه، عسى الله أن يأتي بالفرج.

تلك مقتطفات مطولة جداً من كلام الأخ علي أبو شعيشع عن معتقل الطور.

وبعد أسابيع قليلة تم الإفراج عن جميع الإخوان في المعتقلات الثلاثة (معتقل الطور – معتقل عيون موسى – معتقل الهاكستب) وذلك بعد سقوط وزارة إبراهيم عبد الهادي ومجيء وزارة حسين سري باشا.


الفصل الثالث:ابتلاءات الإخوان في عهد إبراهيم عبد الهادي


المبحث الأول:تلفيق القضايا للإخوان

قامت حكومة إبراهيم عبد الهادي بتلفيق ست قضايا لجماعة الإخوان المسلمين (عام 1949 م) .. هذا بخلاف التعذيب البشع الذي تعرض له الإخوان لأول مرة في تاريخهم في معتقل سجن الاستئناف الذي يقع في قلب القاهرة، وهو من أسوأ المعتقلات التي عاش فيها الإخوان المسلمين قبل الثورة، وهذه القضايا هي:

1- قضية القاضي أحمد الخازندار.

2- قضية اغتيال النقراشي باشا.

3- قضية محاولة نسف محكمة الاستئناف.

4- قضية السيارة الجيب.

5- قضية حامد جودة (رئيس مجلس النواب).

6- قضية الأوكار.

وهذه القضايا جميعاً تمت بخطة واحدة، وهيأتها ظروف مشتركة، حتى كأنها تمت في ساعة واحدة، وعلى رأس هذه الظروف.

- حكومة ضعيفة تمثل الأقلية وليس الأغلبية، مدعومة من الاستعمار، رئيسها فظ غليظ القلب، مثل النقراشي، على صلة وثيقة بالأمريكان، على صلة بالروتاري.. هذا ما فعلته حكومة السعديين، التي توالى على رئاستها محمود فهمي النقراشي، وبعده إبراهيم عبد الهادي.. ولهما باع طويل في قضية الأسلحة الفاسدة، وفي إعلان الأحكام العرفية، وفي اغتيال حسن البنا.

خلق مناخ في غاية الاستفزاز والتوتر، خصوصاً مع الاتجاهات الدينية.

اعتقال المجاهدين ضد اليهود، وإرسال جيش بلا تدريب وبلا عقيدة قتالية لمحاربة اليهود.

تعذيب المعتقلين في السجون تعذيباً رهيباً كما سنرى في السطور القادمة.

هذا المناخ الاستفزازي.. عادة لا يتحمله بعض الشباب المتحمس، فهناك شريحة من الشباب لا تستطيع تحمل الاستفزاز أو الجو المتوتر فتفقد أعصابها.. ويختل توازنها فتندفع في تهور وحماسة دون مشورة او إذن، فيرتكبون حماقات ضد هؤلاء الزعماء.. وبعدها تحدث الطامة الكبرى.. هذا ما حدث في عام 1948 م ثم تكرر بعد ذلك.

ولقد دفع النقراشي رأسه ثمناً لهذا الجو المتوتر.. وكان هذا هو المطلوب لمن يديرون مسرح العرائس.. النقراشي كان لاعباً في هذا المسرح أو عروساً من تلك العرائس وهو لا يدري.. ولم يكن يعلم أن رأسه لا ثمن لها في هذا المسرح حتى ولو كان رئيساً للوزارة.. فالمطلوب.. كل المطلوب هو سحق المجاهدين ضد اليهود وضد الاستعمار الإنجليزي، وليس لرأس النقراشي في هذا المخطط.. بل لعل أحد خطوات اللعبة أن يدفع النقراشي رأسه ثمناً لنجاح هذه اللعبة الشريرة.. وبعد هذا توالت الحوادث تترى.

- اغتيال الإمام حسن البنا. - حل جماعة الإخوان المسلمين.

وقبل هذا المسلسل الشيطاني كانت هناك مقدمة من نفس النوع.

قصة الخازندار:

كان القاضي أحمد بك الخازندار قد صار حكماً قاسياً على اثنين(1) من طلبة الثانوي من الإخوان المسلمين وهما حسين محمد عبد السميع، ومحمود نفيس حمدي.. هذان الطالبان اتهما بإلقاء قنبلة على نادي الضباط الإنجليز بالقاهرة في ليلة عيد الميلاد عام 1947 م، ورغم عدم ثبوت التهمة عليهما إلا أنه حكم على كل منهما بثلاث سنوات سجناً وغرامة مائة جنيه، فاهتزت الأوساط الإخوانية لهذا النبأ.

وفي نفس الوقت حكم القاضي أحمد بك الخازندار في جريمة بشعة مروعة وقعت في الإسكندرية وهزت أرجاء البلاد وسميت بقضية (سفاح الإسكندرية) وهو السفاح (حسن قناوي).. كان يستدرج ضحاياه ويمارس معهم الشذوذ ثم يقتل الضحية.. وقد تكرر هذا منه عدة مرات. وما دار في جلسات المحاكمة من شرح لهذه الجرائم يزكم الأنوف، ويؤذي المشاعر ورغم ثبوت الجرائم كان الحكم مخففاً جداً وصادماً لمشاعر المصريين، فلقد حكم عليه بسبع سنوات فقط لدرجة أن هذا السفاح تلقي هذا الحكم بالابتسام والسرور. وهنا اندفع صديقان من أصدقاء شباب الإخوان المسجونين ظلماً وعدواناً من محكمة أحمد بك الخازندار.. وأطلقا النار على هذا القاضي.. بدافع شخصي منهما وليس بتوجيه من أحد، وحكمت عليهما المحكمة بالأشغال الشاقة المؤبدة.

مقتل النقراشي:

قام عبد المجيد أحمد حسن الطالب بكلية الطب البيطري، باغتيال النقراشي.. ورغم أن هذا السلوك فردي، إلا أنه تم اتهام أربعة آخرين بالتحريض وتسعة عشر بالاتفاق الجنائي.. والخمسة الأوائل هم:

1- عبد المجيد أحمد حسن – طالب طب بيطري – 22 سنة.

2- السيد فايز عبد المطلب – مهندس ومقاول مباني – 29 سنة.

3- محمد مالك يوسف – موظف بمطار القاهرة.

4- عاطف عطية حلمي – طالب بكلية الطب - 25 سنة.

5- سيد سابق – شيخ أزهري – 24 سنة.

أما التسعة عشرة الآخرون فهم:

6- أحمد عادل كمال – موظف بالبنك الأهلي – 23 سنة.

7- طاهر عماد الدين – مهندس – 30 سنة.

8- إبراهيم محمود علي – ترزي بسجن مصر – 30 سنة.

9- مصطفى كمال عبد المجيد أيوب – ميكانيكي – 26 سنة.

10- مصطفى مشهور مشهور – 27 سنة – المرشد الخامس للإخوان المسلمين.

11- محمود السيد الصباغ – مهندس الأرصاد الجوية – 28 سنة.

12- أحمد زكي حسين – مدرس ابتدائي – 25 سنة.

13- أحمد محمد حسنين – مراقب حسابات بشركة المعادن- (عضو مكتب الإرشاد فيما بعد).

14- محمد فرغلي النخيلي – تاجر معادن – 29 سنة.

15- عبد الرحمن السندي – موظف بوزارة الزراعة – 32 سنة.

16- محمد حسني أحمد عبد الباقي – (عضو مكتب الإرشاد لحوالي أربعين عاماً).

17- أحمد قدري البهي – مهندس طيران – 21 سنة.

18- محمد بكر سلمان – نساج بشركة النيل للمنسوجات – 26 سنة.

19- أسعد السيد أحمد – ميكانيكي – 26 سنة – (صاحب مكتبة فيما بعد).

20- محمد سعد الدين السنانيري – مقاول نقل – 28 سنة.

21- علي محمد حسين – قومسيونجي – 27 سنة.

22- سعد محمد جبر – مهندس لاسلكي.

23- الشيخ محمد محمد فرغلي – واعظ الإسماعيلية – 42 سنة (عضومكتب الإرشاد.. شنقة عبد الناصر عام 1954 م).

24- محمد إبراهيم سويلم – فلاح – 22 سنة.

وأُعدم المتهم أول عبد المجيد حسن وصدر ضد الباقين أحكام مختلفة.


قضية نسف محكمة الاستئناف:

وقعت هذه المحاولة في إطار المناخ الاستفزازي، والمتهم فيها الأخ شفيق إبراهيم أنس (22سنة) الذي ضاق صدره، ونفد صبره لما كان يجري بين جدران هذه المحكمة من تزييف وتلفيق وإكراه.. ثم تعذيب بشع داخل جدران المحكمة على مرأى ومسمع من القضاة آنذاك.. ولكن أحداً لم يصب والحمد لله وفشلت المحاولة.. ورغم ذلك حُكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة.


قضية السيارة الجيب:

تم ضبط هذه السيارة في 21/11/1948 م في دائرة قسم الوايلي بالقاهرة وبها أوراق كثيرة ومضبوطات.. وقدم فيها 32 فرداً من جماعة الإخوان المسلمين إلى المحاكمة،معظمهم ذكر اسمه في قضية مقتل النقراشي والذين تحملوا جميع القضايا في تلك الفترة العصيبة في أول محنة جماعية للجماعة.

أما الآخرون الذين أدرجت أسماؤهم معهم في قضية السيارة الجيب فهم:

1- أحمد متولي حجازي – تاجر راديو – 29 سنة.

2- د. أحمد الملط – طبيب – 32 سنة (فيما بعد صار نائب المرشد العام الثالث ونائب المرشد الرابع). 3- جمال الدين فوزي – موظف بالبريد – 39 سنة – (شاعر الإخوان).

4- محمود حلمي فرغلي – موظف بالداخلية – 27 سنة.

5- محمد أحمد علي – موظف بالأشغال – 25 سنة.

6- عبد الرحمن عثمان – طالب حقوق – 22 سنة.

7- السيد إسماعيل شلبي – تاجر – 44 سنة.

8- صلاح الدين عبد المتعال – طالب ثانوي – 18 سنة (فيما بعد أصبح أستاذاً بمركز البحوث الجنائية).

9- جمال الدين الشامي – مهندس ري – 26 سنة

10- جلال الدين ياسين – موظف وطالب تجارة – 24 سنة.

11- محمد الطاهر حجازي – طالب بالزراعة – 24 سنة.

12- عبد العزيز البقلي – ترزي – 24 سنة.

13- كمال القزاز – نجار – 27 سنة.

14- علي حسنين الحريري – قومسيونجي – 27 سنة.

15- محمد إبراهيم سويلم – فلاح بالإسماعيلية – 22 سنة.

16- سليمان مصطفى عيسى – فلاح بالإسماعيلية – 22 سنة.


قضية حامد جودة:

وقع الحادث في 6/5/1949 م بعد اغتيال المرشد العام حسن البنا بثلاثة شهور وتكهرب الجو في مصر كلها، وحلت الجماعة واعتقل الآلاف من القيادات والعاملين في الإخوان. .ولم يعد هناك خارج السجون سوى شباب ليس بينهم رابط قوي، ولا خبير مجرب في ظل مناخ استفزازي وشيوع قضية العسكري الأسود في عصر إبراهيم عبد الهادي خليفة النقراشي في رئاسة الوزارة ورئاسة حزب السعديين آنذاك. ومرت سيارة حامد جودة رئيس مجلس النواب وظنوا أنها سيارة إبراهيم عبد الهادي، فألقى أحد الشباب قنبلة، ولكنها لم تصب أحداً بسوء، وأخطأت الهدف، ونجا حامد جودة الذي كان في السيارة، وتم اتهام عشرة من الإخوان هم:

1- مصطفى كمال عبد المجيد – ميكانيكي.

2- محمد نجيب جويفل – طالب.

3- عبد الفتاح ثروت – أرصاد جوية.

4- فتحي محمد علام – طالب.

5- سمير جلال شهبندر.

6- مصطفى محمد السيد.

7- عبد الكريم محمد السيد – عامل.

8- محمد شحاته عبد الجواد – مطبعجي.

9- سعيد جلال شهبندر – طالب.

10- علي صديق السيد فراج – محام.

تم ضم هذه القضية مع القضية التي بعدها وتسمى قضية الأوكار.


قضية الأوكار(1):

تم اتهام خمسين فرداً من جماعة الإخوان المسلمين – الخطرين في نظر الحكومة – في هذه القضية باتهامات مختلفة.. وقبضوا عليهم في منازلهم في كل من روض الفرج – شارع شبرا – شارع السندوبي – روض الفرج – الجيزة. وسموا هذه المنازل أوكار للإخوان المسلمين.. ومن هؤلاء الخمسين أفلت ثلاثة منهم وتمكنوا من الهرب إلى ليبيا وهم (يوسف علي يوسف، عز الدين إبراهيم، ومحمد جلال سعدة) أما محمود يونس الشربيني فقبضوا عليه في الإسكندرية بعد اختفائه شهراً بها ولم يتمكن من الذهاب إلى ليبيا.

وأثناء القبض عليه قتلت الحكومة الأخ الشهيد أحمد شرف الدين بمنزله بروض الفرج .. ولم يحاسبها أحد!!

وهؤلاء الخمسون المتهمون منهم العشرة السابق ذركهم في قضية حامد جودة، أما الأربعون الباقون فقد ذكرهم الأستاذ محمود عبد الحليم في كتابه الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ جـ2 ص 163.


المبحث الثاني:مشاهد من التعذيب في تلك الفترة

ذاق الإخوان في عهد إبراهيم عبدالهادي باشا رئيس الوزراء من التعذيب والتنكيل ما تشيب من هوله الولدان على مدى قرابة عامين ونصف العام.

ولقد أفاض الأخ محمود عبد الحليم في الجزء الثاني من كتابه " الإخوان المسلمون – أحداث صنعت التاريخ) في شرح صنوف التعذيب التي تعرض لها الإخوان في تلك الفترة، وننقل هنا مقتطفات منها (1). المتهم محمد مالك:

في جلسة 29/8/1949 م طلب المتهم محمد مالك من رئيس المحكمة السماح له بالكلام فقال: إنه اعتقل في الإسكندرية، جاءوا به موثق اليدين والرجلين إلى المحافظة، فقال له الأستاذ عبد الرحمن عمار وكيل وزارة الداخلية " أنا عمار عدو الإخوان " ثم أمر رجال البوليس بتعذيبه. فانهالوا عليه بالضرب المبرح – ولما جيء به إلى القاهرة اجتمع عليه ضباط القلم السياسي ورفعوا رجليه بعد ربطهما، وانهالوا عليه ضرباً في كل جسده، وكانوا يدوسون على وجهه بأحذيتهم، ثم شفعوا ذلك بلفحات من الكرابيج، وكان يغمى عليه، ويود ألا يخرج من إغمائه حتى لا يشعر بهذا العذاب.

وخيروه بين رواية عبد المجيد وبين التعذيب، وأعدوا له حجرة تعذيب... ولما أدركوا أنه لم يعد يستطيع المشي أجبروه على أن يجري، ولما لم يستطيع الوقوف أرغموه أن يقف ساعات، وكان يترك بالأسابيع دون أن يغتسل أو يبدل ملابسه.

وهنا وقفت والدة مالك وفي يدها رباط شاش وقالت إن جسد ابنها كان كله جروح، فأسكتها رئيس المحكمة.

وكان مالك يروي بتأثر وحنق، ويقول إنه عاجز عن تصور ما كان يعانيه من العذاب حتى تلفت أعصابه، وكان يضرب بالحديد لعله ينطق، وكان البوليس يوجه إليه كلمات مقذعة خبيثة، واستعانوا بصغار إخوته ليرغموه على الاعتراف.

فسأله الرئيس: ولماذا لم تخطر النيابة وقد حقق معك أكثر من مرة؟

مالك: بلّغت إسماعيل بك رئيس النيابة بلا جدوى، كما بلّغت محمد عبد السلام بك.

محمد عبد السلام: عندما بلغني المتهم أحلته على الكشف الطبي.

دكتور عزيز فهمي: لقد عذب أيضاً بعد الكشف الطبي.

وقال مالك إنه لم ينج من التعذيب حتى في الشوارع أثناء ذهابه للتحقيق.

المتهم محمد نايل:

وفي نفس الجلسة قال المتهم محمد نايل أمام المحكمة إنه كان يُضرب على قفاه من ضباط القلم السياسي وهو جالس في الغرفة المجاورة للمحقق، وأنه أُخذ بحجة التحقيق معه في النيابة واقتيد إلى قسم عابدين، حيث هدده رجال القلم السياسي بتشريح جسمه إذا لم يعترف.

وقال إنه بعد أن نال ضرباً مبرحاً أخذ مكبلاً إلى غرفة الحكمدار، فوجد فيها إبراهيم عبد الهادي باشا، فدهش لوجوده.. ويظهر أن رئيس الوزراء لاحظ تلك النظرة فقال له: " بتبص لي كده ليه ؟ أنت عندك حاجة يا واد؟" ثم أمر بإخراجه حيث ضرب بالفلقة.

وقال المتهم إن لديه شاهداً على هذا التعذيب وهو أمان الله خان.

الرئيس: من ملوك أفغانستان؟

نايل: فعلاً من الأسرة المالكة الأفغانية، وكانت له قضية يعرفها القلم السياسي.

صمت مخجل:

وقال إن هناك أشياء أخرى يخجل من ذكرها أمام الناس.

وفي الجلسة التالية المنعقدة يوم 3/9/1949 بدأ الحديث الدكتور عزيز فهمي المحامي فقال: إن هذه المحكمة تفضلت في الجلسة السابقة بالاستماع إلى أقوال المتهمين مالك ونايل، وقد اتضح من هذه الأقوال أن بعض المتهمين كان هدفاً للتعذيب لحملهم على الإفضاء باعترافات معينة. وقد رأت المحكمة آثار هذا التعذيب على أجسامهم، ووصف الرئيس هذه الآثار بأنها لا تزول مع الزمن – واستطرد الدكتور عزيز فقال: ولم يكن التعذيب جسمانياً فحسب، بل كان البعض هدفاً لجرائم من نوع آخر يمس أعراض المتهمين وأعراض أخواتهم وأمهاتهم وزوجاتهم، كما أشار إلى ذلك كل من مالك ونايل وأمسكا اللسان عنها استحياء.

ثم طلب الدكتور عزيز من المحكمة أن تسمع أقوال المتهمين فيما وقع عليهم من اعتداءات تمس الأعراض وتحقيقها لمحاكمة مرتكبيها طبقاً للقانون.

ودارت مناقشة بين الدكتور عزيز في ذلك وبين رئيس المحكمة رفض في نهايتها رئيس المحكمه طلبه بالتحقيق في التعذيب.

المتهم عبد الفتاح ثروت شاهداً:

وفي خلال جلسة 3/9 هذه استمعت المحكمة إلى ثلاثة من المتهمين في قضايا السيارة الجيب – بناء على رأي رئيس المحكمة – كشهود في هذه القضية، ومن هؤلاء الشهود عبد الفتاح ثروت الذي قرر أنه راصد جوي.. وما إن سألته المحكمة عن آثار التعذيب في قدميه.. حتى قال إنه ارتكب معه أعمال منافية للآداب.

الرئيس: بس.. بس.

الدكتور عزيز: نريد أن نسمع الشاهد.

واستأنف الشاهد كلامه فقال: إنه كان يُعذب بالضرب في سجن الأجانب والمحافظة، وكان يجبرونه في حجرة التعذيب على الوقوف في الصباح إلى المساء حتى لا ينام. كما قبضوا على أقاربهم ونكلوا بهم. أصبحت محطماً:

واستطرد يقول: لا يمكن أن أصور الآلام التي قاسيتها.. لقد كنت في عملي الحكومي نشيطاً، أما الآن فقد تحطمت أعصابي، وأصبحت فريسة للنوبات والاضطرابات، ولم يقدم لي طبيب السجن شيئاً.. وأنا أتناول أدوية من الخارج.

تعذيب أمام النائب العام:

وقال: لقد كان البوليس السياسي يحضرون التحقيق ويهدونني بالتعذيب، وذلك أمام سعادة محمود منصور باشا النائب العام السابق، وقد شكوت له فقال لي: " لا تتعب نفسك بالشكوى فنحن نعرف والحكومة تعرف وسوف نشرحك ".

وأمام إبراهيم عبد الهادي!!

واستأنف يقول: وقاموا بضربي يوماً ثلاث مرات في المحافظة ومرة في النيابة، وأخذوني لإبراهيم عبد الهادي باشا فقال لي " تكلم أحسن لك علشان تطلع كما طلع غيرك " – وقال الشاهد: إنه لانهيار أعصابه وقع على الأوراق لا يدري ما فيها.

وأجاب الشاهد على سؤال لغانم بك المحامي بأنه دخل على إبراهيم عبد الهادي باشا وملابسه ملوثة بالدماء فقال له: " يا ولد أنت عارف حتتكلم إزاي ولازم تقول كل حاجة " ثم أُخرج بعدها إلى غرفة التعذيب. وقال إنهم كانوا يفصحون له بأنهم يعرفون كل شيء عن عائلته، فقالوا له إن أخته مريضة بالسكر وإنهم شردوا والده.. وقال إن البوليس طلب منه أن يذكر كلاماً عن مالك وأن يتهمه بالاشتراك في الحادث.

وأجاب على سؤال آخر لغنام بك بأنه قابل إبراهيم عبد الهادي باشا ثلاث سنوات مرات. وكان البوليس يهمس في أذنه قبل المقابلة أن الباشا في يده كل شيء وكان الباشا يلح عليه أن يتكلم. ثم قال الأستاذ علي منصور: والدليل على ذلك أيضاً أنه قد توفي بين أيدي الجلادين أحد الشقيقين أحمد عبد النبي أو محمد عبد النبي، وذلك بدار محافظة الإسكندرية حيث تولت الإدارة دفنه في مكان مجهول ثم أخطرت أهله.

واستطرد يقول: هذه حقائق مقتطفة من كثير مما ثبت لدي ولا أستطيع بيانه خوفاً على مراكز من يعرفني بها. وفي هذه الكفاية أضعه أمام الضمائر الحية لحضرات المستشارين والضباط العظام لتقديرها.

التعذيب في قضية السيارة الجيب

سعد جبر – ضربوني بالحذاء في وجهي:

قال إنه استأجر فيلا الزيتون، ولم تكن الأجهزة التي بها هي لمحطة إذاعة كما أذيع، وإنما هي أدوات لمشروع تجاري خاص بتسجيل الاسطوانات وقال إنه اعتدى عليه بالضرب حتى منتصف الليل على يد الصاغين (الرائدين) توفيق السعيد وعبد المجيد العشري ، والجاويش مصطفى التركي الذي كان يضربه بالحذاء على وجهه.

مصطفى كامل – عُلقت كالذبيحة وشووني بالسجائر أمام عبد الهادي:

قرر أن كل ما نُسب إليه في التحقيقات هو من إملاء اللواء طلعت بك بعد تعذيبه- وقال: علقوني في شباك القسم زي الذبيحة، ولما صرخت شووني بالسجائر المولعة. وجاء إبراهيم عبد الهادي باشا فاستغيث به ولكنه لم يعبأ بي، وأشار علي ضابط ضخم معه لمواصلة تعذيبي قائلاً: شرحوه. كما أنهم لم يسمحوا لي بالنوم أبداً. وقد حاصرني ضابطان كانا يبادران بصفعي كلما همت عيني بالنوم، وجعلوني أوقع على أوراق وأنا كالجثة الهامدة، وقد استغيث بحضرة المحقق محمد عبد السلام بك فلم يعبأ بي وتخلى عني.

عبد الفتاح ثروت مرة أخرى:

ولما كانت حالته لا تمكنه من أداء الشهادة واقفا، فقد سمحت له المحكمة بالجلوس على مقعد. وقد قرر أنه لم يعترف بأي شيء في التحقيق وأن التعذيب جعله فاقد الشعور.

وروى بصوت مرتعش ضعيف صنوف التعذيب فقال: إن اللواء طلعت بك هدده بالتشريح إذا لم يعترف قائلاً: إن البلد في أحكام عسكرية. ثم قال: وأخذوني إلى غرفة الضابطين العشري وفاروق كمال وجردوني من ملابسي ونزلوا في ضربي من تسعة مساء إلى أربعة صباحاً.

ولقد قسموا أنفسهم أربع مجموعات، كل مجموعة من 12 عسكري وضابط، ووضعوا رجلي في الفلكة حتى أن الفلكة انكسرت، ثم استعملوا كرابيج الهجانة.. ولما أفقت من إغمائي قالي لي طلعت بك: هذه هي الجولة الأولى والبقية تأتي.

وأخذوني إلى إبراهيم عبد الهادي باشا فقال لي: أنا عندي أمر إني أموتك.. ثم أمر بموالاة تعذيبي، وكان التعذيب على أربع درجات: بالضرب بالعصى والكرابيج ثم الكي بالنيران، وأحضروا (سيخ حديدي محمي) ولكن الضابط محمود طلعت طلب من الضباط أن يكفوا عني قائلاً: ده صاحبي وسعترف بكل شيء.. ثم نمت على الأسفلت فكانوا يطرقون الباب حتى يهرب النوم من عيني. وما كانوا في حاجة إلى ذلك، لأنني لم أكن أستطيع الرقاد على أي جزء من جسمي المشوي كله.

اعتداء منكر: ثم طالبوني بالاعتراف وهددوني إن لم أفعل أن يعتدوا علي اعتداءَ منكرا.. وفعلاً تقدم واحد يريد الاعتداء علي.. فقلت له: أنا أعرف أنني لا أستطيع مقاومتك. وأنت يمكنك أن تفعل معي هذه الجريمة. ويمكنك أن تنجو من عقاب القانون.. ولكني أريد أن أقول لك قبل أن تبدأ: إن الله لن يترك هذه الجريمة بلا حساب.. فابتعد عني. واستمر تعذيبي. وتلفت أعصابي.. وكنت لما أذهب إلى إسماعيل عوض رئيس النيابة وأشكو له يضرب الجرس ويأتي الحرس فيقول لهم: هاتوه لي أخرس خالص.

وجاءني إبراهيم عبد الهادي باشا أربع مرات وقال لي أنا أبهدلك وأبهدل أهلك، وأنا الحاكم العسكري.

وبعد سؤاله في المحكمة ارتجف بدنه وحملق في الهواء، وأصيب بنوبة إغمائية وجعل يرسل شهيقاً عصبياً مؤلماً، أبكى معظم الحاضرين في القاعة.. فحملوه إلى خارج قاعدة المحكمة.

التعذيب في قضية الأوكار

- في 6/11/1949 م أثبت الطبيب أن أحد المتهمين نُزعت أظافره.

- فقد المتهم الرابع (فتحي محمد علام) سمعه نتيجة التعذيب.

- وأفاد المتهم يوسف عبد المعطي أن ثلاثة من رجال البوليس السياسي أقاموا في مسكنه مع أمه وأخته.

– بعد اعتقاله واعتقال والده – وقد أرسلت أخته برقية إلى النائب العام تطالب بإخراج البوليس من الشقة، ولكن عهد الإرهاب لم يستجب.

- رفض النائب العام(!!) محمود منصور باشا إثبات إصابات تعذيب المتهم محمد نايل الطالب بكلية الهندسة.

والدة المتهم تربط بقيد واحد مع إحدى العاهرات:

وقبل أن ينصرف هذا الضابط وقف المتهم صالح الجنايني وأشار إليه قائلاً: إن هذا الضابط أحضرني إلى بندر الجيزة في 20 مايو 1949 م وهددني بوجود مظروف سيؤدي بي إلى حبل المشنقة إذا لم أعترف. فلما أخبرته بأني لا أعرف شيئاً، أمر الجنود بإحضار والدتي – وكان قد استحضرها من بلدتي بمحافظة الشرقية ووضعت في الحجز – ولكن لم أصدق هذا حتى تبينت لي الحقيقة المرة، ووجدت العسكري يدخلها علينا وهي مربوطة بقيد حديدي واحد مع إحدى العاهرات وكانت العاهرة عارية الثياب، فأشار إليها الضابط وقال لي: سوف نجعل والدتك كهذه العاهرة إذا لم تتكلم.

واستطرد المتهم يقول: ثم أحضروا أخي الصغير – وهو كفيف البصر – ومعه ابن عمي – وهو مريض بالصرع – والدم ينزف منهما. وقال لي الضابط: انظر بعينيك لتعرف مصيرك ومصير أهلك، ثم أخرجوني ودخلت على المحقق الذي أعرض عني وانشغل بمكالمة تليفونية. ثم دخل هذا الضابط وأخرجني حيث نصبت لي فلقة من نوع جديد ابتكروه لي.. وتوالى التعذيب.

وسُئل الضابط عن صحة هذه الوقائع، فأنكرها.

جريمة خلقية:

وقال المتهم عبد الرحمن عثمان: يوم 11 يوليو ذهبت برفقة الملازم أول فاروق كامل، وظللت ست ساعات في المحافظة، واعتدى عليَّ الصاغ العشري بالضرب ومعه عسكري أظن أنه رقى لدرجة الصول ويدعى حسب الله.. وما كان الضرب والتعذيب يحملاني على الاعتراف وإنما التهديد بجريمة خلقة. وقد لمست في ذلك الوقت أن مبادئ القانون قد ديست.

وفي 13 يوليو استدعاني المحقق محمد عبد السلام بك فظننته حصناً لي، ولكني وجدته عونًا لرجال السلطة التنفيذية عليَّ.

اتهام عبد الهادي بقتل حسن البنا:

وفي 14 يوليو حضر الملازم كمال الرازي وأخرجني من السجن لتوصيلي إلى نيابة الاستئناف. ولكنني فوجئت بالصاغ محمد علي صالح والملازم فاروق كامل يصحباني إلى محطة القاهرة. وصعدت إلى القطار الذاهب إلى الإسكندرية. وبمجرد تحرك القطار أُدخلت صالوناً وجدت فيه إبراهيم عبد الهادي باشا – وأحب أن أسجل أن هذه المقابلة لم تكن كما زعم دولة الباشا بخصوص أحمد محمود يوسف ابن خالي، وإنما كانت بخصوص التحقيقات نفسها وكان مع عبد الهادي باشا محاضر التحقيقات.

وأخذ الباشا يسألني عدة أسئلة حتى يئس مني؛ لأني لم أجبه على شيء – فقال لي: ما رأيك في شعور الإخوان بعد قتل مرشدهم؟ فقلت: إن شعورهم ينحصر في أن دولتك قاتل حسن البنا. فذهل الباشا، وكان لهذا الرد وقع أليم في نفسه، وطلب مني الإفصاح عن هذا القول فقلت له: إننا نعلم جميعاً أن الأنوار أمام جمعية الشبان المسلمين أطفئت، وارتكب الحادث بسيارة محمود بك عبد المجيد رئيس المباحث الجنائية.. فأطرق الباشا مليًا، وطلب لي مشروباً "ساقع" ولكنني رفضت، لأني كنت صائماً في رمضان فأذن لي بالخروج فخرجت.

دماء على الحائط

ثم قال: وقد فاتني أن أذكر حينما دخلت الحجرة رقم (12) في سجن الأجانب، وجدت على الحائط آثار دماء مشاراً إليها بقوس ومكتوباً تحتها عبارات " لقد مزقوني إرباً إربا، وسعادتي في إيماني، وإيماني في قلبي، ولا سلطان لأحد على قلبي " ومذيلة بإمضاء إسماعيل علي – وأظن أن آثار هذه الدماء موجودة حتى الآن.

العسكري الأسود

كل ما مضى شيء.. وجريمة العسكري الأسود شيء آخر تماماً.. وتطور تاريخي في التعذيب، ذلك العسكري الأسود الذي كان يستخدم للاعتداء الجنسي الرهيب على المتهمين الذين لا يعترفون على أنفسهم أو على غيرهم اعترافات باطلة.

كتب الأستاذ محمود عبد الحليم قائلاً:

هو أحد معالم ذلك العهد الدنس، وهو عار لا يمحى مهما طال الزمن. وهو الشخص الدنيء الذي رضى لنفسه أن يكون آلة في يد البوليس السياسي في تهديد المتهمين بهتم عرضهم لحملهم على الاعتراف بما يريدون.

وقد ذكره المتهمون أمام المحاكم التي حاكمتهم، ولكن الأدلة القانونية واسمه الحقيقي ومكان وجوده وقت المحاكمات، لم يكن متوافراً.. ولكن جريدة أسبوعية كانت تصدر في ذلك الوقت وكانت ذات نشاط صحفي مبتكر تسمى جريدةالجمهور المصري" تبنت هذا الموضوع، وحملت على عاتقها كشف سر هذا الشخص الدنيء.. وجازف اثنان من محرريها هما الأستاذان إبراهيم البعثي وسعد زغلول وقاما برحلة يكتنفها الخطر، بعد أن أثبتت تحرياتهما أن هذا العسكري قد سُرِّح من البوليس وأنه مقيم في بلدته الأصلية "إدفو".

استطاع هذان الصحفيان – بطريقتهما الخاصة – أن يلتقيا العسكري الأسود في بلدته، ونشرت جريدة الجمهور المصري" اسم هذا الشخص ومحل إقامته.. وبناء على ما نشر في هذه الجريدة أمرت المحكمة النيابة بإحضاره لسماع أقواله باعتباره شاهداً.

وفي جلسة 10/5/1951 حضر هذا الشخص واسمه " أمين محمد محمود مرسي النقيب" في سن دون الثلاثين، وتمسك بالإنكار التام المطلق.. ولكن الدفاع كان قد علم بأن طريقة إحضاره من بلدته وحضوره إلى النيابة قد تخللتها مناورات خطيرة قام بها البوليس السياسي في مصر.

وقد واجهه الدفاع بما أحرجه في كيفية تسفيره من بلدته إلى القاهرة، وفي نزوله أول ما حضر عند ضابط من ضباط القلم السياسي اسمه مرتضى.. مع أنه كان يجب أن يسلم نفسه مباشرة إلى النيابة.

وطلب الدفاع من المحكمة أن تسمع أقوال سعد زغلول الصحفي في جريدة الجمهور المصري " فكان الموجود زميله بالجريدة الأستاذ البعثي، فسمعت المحكمة أقواله على سبيل الاستدلال، قال: " إن زميلي سعد زغلول محاصر الآن بمنزل صديق له هو عبد الرحيم صدقي شقيق اليوزباشي مصطفى كمال صدقي. وقد عمد رجال البوليس إلى محاصرة زميلي حتى لا يحضر الجلسة، ومنعوه من الخروج من المنزل بحجة أن أشقاء العسكري الأسود ينوون قتله. ولازال أربعة من رجال البوليس السياسي يحاصرون المنزل حتى الآن. وكانت المحكمة قد سألت العسكري الأسود عن تاريخه في البوليس وعن كيفية لقائه بالأستاذين البعثي وزغلول وعن كيفية حضوره، وأجاب إجابات كان البوليس قد لقنها له قبل مثوله أمام المحكمة.

المحكمة: هل ما ذكره الشاهد الآن هو ما حصل في إدفو ؟

البعثي: لا، هناك اختلافات كثيرة في أقواله. أولاً، هذا العسكري ظل في المحافظة سنة لا ستة أشهر كما يقولون، ثم إنه لم يكن يعرف شيئاً عن القضية لدرجة أن أهالي بلدته جميعاً لا يعرفون أن اسمه هو ما نشر في الجرائد؛ لأنه مشهور باسم أمين النقيب. وقد اهتديت في البلدة على الشيخ ناظر المدرسة، لعلاقة سابقة بيننا، ولما سألتهم عن أمين قال عندنا أمين النقيب. فكلفته بإحضاره في منزل أحد أقارب الشيخ. ولما حضر كنت متحيراً كيف أبدأ الكلام معه. وفجأة انطلق زميلي سعد زغلول وقال له: يا أمين إن حيدر باشا في حاجة إليك؛ لأنك رجل شهم وهو في حاجة إلى رجل صعيدي زيك.

اعترف بالتعذيب:

ثم تحول الكلام إلى رجال القلم السياسي، ووجدت منه أنه يميل إلى ضُباط القلم السياسي ويعرف عنهم الكثير. حتى إنه يعرف أن الصاغ عشري نُقل إلى البحيرة. ولما سألته عمن كان معهم أثناء تعذيب الإخوان ذكر اسم مصطفى التركي (عسكري آخر من الفيوم) وإنه هو وذلك العسكري كانا مكلفين بارتكاب جرائم تعذيب الإخوان.

ولما توغلنا في الحديث ارتعش وبدت عليه علامات الاضطراب، والتفت إليَّ وقال: أنا عرفك مش كده؟ فقلت له أيوه أنا كنت أتردد على المحافظة أحياناً ومن هذا الوقت بدأ يتخوف ويتهرب من الحديث. وهنا ارتفع صوت العسكري ونظر إلى الأستاذ البعثي وقال: أنا خفت منك؟ أنت يا سلام.. أمال كيف وصلتك المحطة وأنا خايف منك؟

استأنف الأستاذ البعثي كلامه فقال: أنا سألت شخصاً في البلد عن أمين فقال لي: إن أمين هذا عفريت، ده ينط على البيوت. وأي واحدة تعجبه في البلد ينط عليها بالليل الساعة 12 منتصف الليل. واستطرد يقول: أنا فهمت أثناء حديثي مع العسكري في بلدته أنه يكره الإخوان جداً وحاقد عليهم لأقصى حدود الحقد، وكان يسألني أثناء الحديث هل أحد من الإخوان يتهمني في القضية، أنا على كل حال كنت عبد المأمور، أنا مالي، وإحنا في الأول خالص لم نفعل شيء مع الإخوان وإنما في الآخر الحقيقة نفذنا الأوامر، وعملنا فيهم كثير خالص.

وبعد قضاء هذه الفترة معه في البلدة طلب منا بإلحاح أن ننام عنده ليلة في البلدة، ولكنا تخوفنا جداً وآثرنا السفر، وودعنا هو حتى مغادرة القطار. وعند قيام القطار من المحطة نظر إليَّ وقال: إذا جرى لي حاجة تبقى أنت المسئول.. وقد نفدنا بعمرنا.

كانت هذه هي المغامرة التي قام بها الصحفيان للتعرف على العسكري الأسود ومثوله أمام المحكمة، ولقد أحاطته الحكومة بعناية ورعاية كاملة، وبذلك أقصى جهدها لكي لا تنكشف هذه الفضائح أمام الناس. ونسوا أن الله عز وجل لا تخفى عليه خافية  أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ  [المجادلة: 6]. تلك صفحات من تاريخ السجون قبل ثورة يوليو 1952 م وكانت السجون كلها في يد بوليس القلم السياسي.. الذي استخدم كل سجون ومعتقلات مصلحة السجون.. أما بعد الثورة فقد انتقلت الأمور إلى العسكر الذين كانت لهم سجون أخرى أبرزها السجن الحربي.



الباب الثاني:ابتلاءات الإخوان الشاملة في عهد الثورة [52-75]

الفصل الأول: ابتلاء الإخوان 1954 م

الفصل الثاني: ابتلاء الإخوان عام 1965 م

الفصل الثالث: جريمة العصر وابتلاء الأخوات


الفصل الأول:ابتلاء الإخوان 1954م

المبحث الأول:الإخوان في سجن العامرية

في بداية عهد الثورة بدأ عبد الناصر في اعتقال الإخوان المسلمين (في 15/1/1954 م) وبعد تجميعهم في السجن الحربي في مدينة نصر ضاحية مدينة القاهرة تم ترحيلهم إلى معتقل العامرية.. فإلى هناك.


- في 18/1/1954 م نشرت الصحف عن ضبط كميات هائلة من الأسلحة والمفرقعات في منزل الأستاذ حسن عشماوي بإحدى قرى مركز فاقوس محافظة الشرقية، وبدأت النيابة التحقيق معه.. وكان عبد الناصر هو الذي أخفاها في هذا المنزل، فأصر عشماوي أمام النيابة على سماع شهادة جمال عبد الناصر.. مؤكداً أن هذه الأسلحة كان يملكها عبد الناصر، ولما حدث حريق القاهرة قبل الثورة وكان عبد الناصر ضالعاً فيه.. طلب منه إخفاء هذه الأسلحة أمانة عنده لحين التصرف فيها.. ثم غدر عبد الناصر بعشماوي.

- تم حفظ التحقيق ونُقل الإخوان إلى معتقل العامرية.

- هذا المعتقل وسط الصحراء قريب من الإسكندرية، أقامة الإنجليز.. لكنه كان تابعاً لإدارة المباحث العامة ويشرف عليه آنذاك ممدوح سالم(1) .. وهو عبارة عن أربع جمالونات حديدية لا تكاد تمنع المطر(2) حيث كان الاعتقال في أواخر فصل الشتاء والمطر يغمر المعتقلين كلما نزل.

- وكعادة الإخوان حولوه إلى معسكر رباني.. حفظوا فيه القرآن، وأقاموا فيه الليل، وتمت فيه المحاضرات والمدارسات.. هذا علاوة على التمرينات الرياضية بقيادة الأخ سعد العراقي.

– كانت دورة المياه خارج العنابر.. وكان هذا أمراً شاقاً جداً خصوصاً في صلاة الفجر حيث الصقيع.

- بعد صلاة الفجر كان الأخ الشيخ صلاح أبو إسماعيل(1) – ذات الصوت الجميل يرتل آيات من القرآن الكريم يفتتحون بها يومهم الجديد كل صباح.

- قام جمال عبد الناصر بإقالة رئيس الجمهورية محمد نجيب في 25/2/1954 م.

- نظم الإخوان مظاهرة عابدين الضخمة والشهيرة في أول مارس 1953 م وهي أكبر مظاهرة في تاريخ مصر حتى الآن (نصف مليون متظاهر).

- اضطر عبد الناصر لإعادة محمد نجيب في 8/3/1954 م ولكنه خدعه لحين امتصاص غضب الجماهير، واستطاع عبد الناصر بدهاء أن يمتص الصدمة.

- بدأ الإفراج عن الإخوان المسلمين اعتباراً من (7/3/1954 م) وفي نفس الوقت اعتقل 118 شخصاً منهم 45 من الإخوان، 20 من الاشتراكيين، 5 وفديين، 4 شيوعيين.

ولفق جمال عبد الناصر تهمة العمل على قلب نظام الحكم لخمسة من الإخوان هم:

- عبد القادر عودة – وكيل الجماعة.

- عمر التلمساني – عضو مكتب الإرشاد.

- وثلاثة آخرون هم: عز الدين مالك، محمود الفوال، وهبة الفرماوي.

وأطلق عبد الناصر جلاديه وكلابه فأذاقوا هؤلاء الإخوان الخمسة سوء العذاب وأبشع الإهانات.

- تم الإفراج عن جميع الإخوان، على دفعات، آخرها في 25/3/1954 م، وبهذا انتهت فترة المعتقل.


المبحث الثاني:الإخوان في السجن الحربي

تم توجيه ضربة قاصمة لجماعة الإخوان المسلمين في أكتوبر 1954 م، لكي يخلو الجو للثورة تماماً... ولقد أحدثت هذه الضربة جرحاً عميقاً في صفوف الجماعة، حيث لم تخل قرية من قرى مصر (وعددها 4 آلاف آنذاك) من معتقل أو سجين أو شهيد.

حادث المنشية:

في الإسكندرية، في أكتوبر 1954 م، اتهم جمال عبد الناصر الإخوان بتدبير حادثة لاغتياله، وتم إطلاق الرصاص عليه (من مجهول)، واتهم فيها الإخوان المسلمون ، وتم القبض عليهم وأُعدم ستة شهداء منهم شنقاً، وقد اتهم في الحادث أحد إخوان إمبابة بالجيزة، اتهم بإطلاق الرصاص، وهو الأخ محمود عبد اللطيف.. وتم إعدامه، وأُعدم معه مسئول الإخوان في إمبابة (هنداوي دوير) ومسئول القاهرة (إبراهيم الطيب) رحمهم الله جميعاً، مع ثلاثة من أبرز قيادات الإخوان هم الأساتذة: الشيخ محمد فرغلي، عبد القادر عودة، ويوسف طلعت.. علاوة على شهداء كثيرين ماتوا في التعذيب ولم يقم أحد بإحصائهم للأسف حتى الآن.. وتردّد أن عددهم يقارب المائة.

ولقد حكى الأستاذ حسن التهامي رجل المخابرات القوى في عهد عبد الناصر أسراراً كثيرة – بعد وفاة عبد الناصر بعشرين عاماً – منها:

- شراء عبد الناصر لقميص واق من الرصاص قبل الحادثة بقليل جداً.

- استأجر عبد الناصر خبيراً أمريكياً متخصصاً في شئون الدعاية والإعلام "لتلميع" عبد الناصر إعلامياً، ووضع هذا الخبير خطة مفصلة من أهم بنودها: "افتعال" حادث اغتيال يظهر فيه عبد الناصر رابط الجأش، جريئاً، لا يخاف.. وانطلقت الرصاصات بعدها بقليل.. ولم يتحرك عبد الناصر من مكانه!! ولم تصبه رصاصة واحدة من هذه الرصاصات الست، .. وظل عبد الناصر يقول بصوت عالٍ: أنا الذي صنعت فيكم العزة.. أنا الذي صنعت فيكم الكرامة.. ولم يتحرك، ولم يرقد، ولم يتفاد الرصاص، وأكمل الخطبة، ولم يهتز.. فهل كانت هذه الرصاصات "فشنك" أم ماذا؟!!.. علامات استفهام كثيرة .. ولكن هذا الحادث كان كافياً لتصفية جماعة الإخوان المسلمين في مصر، فتم القبض على حوالي ثلاثين ألفاً، في كل سجون ومعتقلات مصر، وكان من أولها وأهمها السجن الحربي.

وقد تكلمت في كتابي الأول عن السجن الحربي وبعض ألوان التعذيب فيه.

وما حدث في 1954 م هو تقريباً ما حدث في عام 1965 م، مع تعديل بسيط في أسلوب التعذيب.

- وفي 1965 م كانت (الفلكة) هي الوسيلة التقليدية لنزع الاعترافات والتعذيب، وفيها يُربط الرجل من رجليه بحبل توضع بينهما حديدة، ثم ترفع الحديدة وتكون الرأس وكل الجسم إلى أسفل.. والرجلان إلى أعلى معلقتين بوسيلة أو أخرى مثل ما تعلق الذبائح عند الجزارين.

- أما في عام 1954 م فلقد كان هناك تمثال يمسى "العروسة" يحتضنه الأخ المطلوب تعذيبه، جسده عار تماماً إلا ما يستر العورة، ويضرب بالكرابيج على ظهره ورجليه جميعاً.. لذلك كانت الإصابات في محنة (1954 م) أكبر بكثير منها في محنة (65).

- الاستقبال في السجن كان متكرراً.. عاصفة من الصفع بالأيدي والركل بالأقدام والضرب بالعصى في كل مكان من جسمه، ثم يُحلق شعر الرأس بماكينة (زيرو) ويحمل المتهم أمتعته ويجري بها تحت سياط الكرابيج حتى يدخل السجن.

- حجم الزنزانة 3.5 متر طولاً × 180 سم عرضاً بارتفاع أربعة أمتار وبها شباك صغير 60سم × 30 سم مرتفع جداً. والباب حديد مصمت به فتحة قطرها 5سم فقط ينظر منها العسكري.. ثمانية أشخاص في كل زنزانة، أما في (1965 م) فلم يتجاوز الأربعة أشخاص.

- تُفتح الزنزانة مرة واحدة في الصباح لمدة خمسة دقائق لتغيير الماء، وتفريغ جردل البول والغائط (أو الإناء الكاوتش) .. ومرة أخرى في المساء لمدة خمس دقائق.. كما تُفتح لتقديم الوجبات الثلاث لمدة دقيقة أو دقيقتين في كل مرة.

- كنوع من الإذلال، كانوا يجمعون الإخوان جميعاً في فترة الضحى في حوش السجن تحت ضرب السياط لكي يغنوا تمجيداً في عبد الناصر.. " يا جمال يا مثال الوطنية!".

- أقسم عبد الناصر أنه لن يستريح حتى يسفك (يسيح) دم عبد القادر عودة وكيل الجماعة.. وفعلاً نفذ ما وعد!!.

- من بين الأسماء الكبيرة التي عاشت مع الكلاب في زنزانة واحدة د. مصطفى عبد الله مفتش صحة القليوبية (عضو الهيئة التأسيسية) وكان الإخوان يتوقعون له الموت في كل لحظة.. ويحكي حارس الزنزانة أنهم أحضروا له كلباً لم يأكل لمدة يومين وأودعوه في زنزانة انفرادي مع د. عبد الله. ويقول الحارس: لقد رأيت عجباً.. لعلك لا تعلم أن الباشا (قائد السجن الحربي.. هكذا كان يلقبونه) كان قد أمر بألا نقدم طعاماً للكلب طوال الأسبوع. فلما أدخلت للدكتور طعام العشاء أمس ثم نظرت من ثقب الباب رأيت الكلب جاثياً ووجهه نحو الباب، لا يتحرك، كأنه يحرس الزنزانة من داخلها.. ورأيت الدكتور يقدم الطعام للكلب، والكلب لا يقربه، والدكتور يكلم الكلب كأنه إنسان، ويعزم عليه أن يأكل، والكلب يرفض.. ويأكل الدكتور ثم يقدم للكلب بقية الطعام فيأكله الكلب.. ويقدم له الماء فلا يمد فمه في الجردل، فينتظر حتى يتوضأ الدكتور فيلحس الكلب الماء الذي وقع في أثناء الوضوء على الأرض. ويقضي الدكتور الليل يصلي والكلب جاثم أمام الباب يحرسه.. والدكتور حين ينام أنظر فأرى الكلب في حالة تحفز نحو الباب، كالحارس الذي يخشى أن يقتحم عدوٌّ الباب على صاحبه وهو نائم.. وكنت أرى الدكتور في بعض الأوقات يضع يده على ظهر الكلب فينام باسطاً أقدامه بجانب الدكتور.. كأنه ولده الصغير.

خطوات المحاكمات في (1954 م)(1)

أولاً: يُسحب المطلوب محاكمته من الزنزانة سراً بعد العشاء.. إلى المكاتب.

ثانياً: يكتب المحققون محضراً من أسئلة وأجوبة كاملاً، قبل حضوره كما يريدون.

ثالثاً: يُقدم الأخ المطلوب إلى المحقق، الذي يجلس بجانبه قائد السجن الحربي وضباط المخابرات وضابط على الأقل من رجال جمال عبد الناصر الشخصيين ويقرأ المحقق على الأخ التهمة المطلوب اعترافه بها، فينفيها الأخ لعدم معرفته بها ولا بالأشخاص الواردة أسماؤهم فيها.

رابعاً: يأمر الزبانية، عساكر التعذيب بخلع ملابس الأخ عن جسمه فيفعلون.

خامساً: يبدأ في ضربه بالكرابيج على جميع أجزاء جسمه، وهو يصرخ ويستغيث.

سادساً: يوقفون الضرب ويُطلب من الأخ الاعتراف بالتهمة فيقول: كيف أعترف بشيء لم يحصل ولا علاقة لي به.

سابعاً: يؤمر بمعاودة تعذيبه، فتستعمل طرق أخرى من التعذيب غير الضرب، لأن جسمه لم يعد فيه مكان خال من آثار الكرابيج، فتستعمل وسائل أخرى كالإحراق بأعقاب السجائر والكي بالنار في أماكن حساسة من جسمه – أو يعلق منكساً مع ضربه وهو في هذا الوضع، أو يُضرب مرة أخرى حتى يلتهب جسمه كله وينزف من جميع أجزائه.. ثم يلقى وهو في هذا الالتهاب في زنزانة مجهزة تجهيزاً خاصاً ومملوءة بالماء المثلج بحيث يغمر الشخص حتى رقبته – وأحياناً يلجأون إلى أحط الوسائل بإحضار زوجته أو ابنته وأخوته، وتهديده بهتك أعراضهن أمامه، وكانوا يستخدمون وسائل أخرى لا تقل انحطاطاً ووحشية عن هذه الوسائل.

وهكذا تجرب معه من هذه الوسائل.. حتى يضطر إلى التوقيع على المحضر الذي عرضوه عليه من أول الأمر إنقاذاً لحياته وعرضه.

ثامناً: تضمد جراحه النازفة، ويلقى به في زنزانته.. حتى إذا توقف النزف واستطاع المشي على قدميه، اعتبروه صالحاً للتقديم إلى المحكمة.

تاسعاً: يُنادى عليه وعلى زملائه الذين مروا بكل ما مر به. وتكون المناداة ليلاً، فيقابلهم قائد السجن الحربي أو من ينيبه ممن هم على شاكلته، ويخبرهم بأنهم سيذهبون غداً إلى المحكمة في الصباح، ويحذرهم من أن ينكر أحد منهم شيئاً مما هو متهم به، أو يشكو أي نوع من التعذيب.. وإلا عادوا إلى التعذيب الأشد.

عاشراً: يذهب بهذه المجموعة إلى المحكمة التي لا يعرفون مكانها ولا زمانها ولا أشخاصها، فيجدون أنفسهم أمام حجرة داخل ثكنات الجيش ليس فيها أحد إلا ثلاثة ممن يسمون بالضباط الأحرار ، فيشعر هؤلاء المتهمون أنهم – بوقوفهم أمام هؤلاء – لم يخرجوا عن حدود السجن الحربي، وأن هؤلاء ليسوا إلا فصلاً من المسرحية المجرمة الهازلة. ويسأل رئيس المحكمة الهازلة كل واحد من المتهمين: أهذا توقيعك؟ فيقول: نعم، فيحكم عليه بما طُلب منه. ثم يعودون إلى زنازينهم بالسجن الحربي كما كانوا. أما في المحكمة: فيسأله القاضي: هل هذا توقيعك ؟

يقول: نعم، ولكنني لم أرتكب التهمة المكتوبة.

يقول: فلِمَ إذاً وقعت عليها ؟

يقول: سأريك لماذا وقعتُ عليها.. ويخلع ملابسه فيرى جميع الحاضرين ظهره مشرحاً بطريقة مثيرة.. ويقول لهم إن هذا الأثر تعذيب مضى عليه الآن خمسة أشهر.

فيتنبه "القاضي" إلى الترتيب الذي وضعه الإخوان في غفلة من "آلهتهم" الذين ظنوا أنهم قد أحاطوا بكل شيء علماً. فيوقف المحاكمة مدعياً تأجيلها لتحقيق ما زعمه المتهمون من التعذيب. ويأمر بعودة هؤلاء المتهمين إلى المعتقل.

أنا القانون:

وفي مساء ذلك اليوم حين يرخي سدوله، تفتح الزنازين كلها فجأة على غير المعتاد وبطريقة هستيرية. ويصدر أمر في مكبر الصوت بخروج المعتقلين جميعاً من زنازينهم والوقوف أمامها في (الطرقة) مطلين من السور الحديدي الذي أمامها... فخرجنا جميعاً وهالنا ما رأينا حول السارية العالية التي تتوسط فناء السجن، نار تتأجج وقد علا لهيبها حتى كان أعلى من سقف الدور الثالث في السجن، وحولها العساكر يمدونها بقطع ضخمة من جذوع الأشجار لتزداد تأججاً، فأحسسنا بأن شراً مستطيراً يقترب منا وأننا على وشك خطر داهم.. ورأينا بجانب السارية قائد السجن حمزة البسيوني بشاربه المتهدل الذي تصل ذؤابته إلى ما تحت ذقنه، وبشعر رأسه الشعث، وكرباجه تحت إبطه.. رأينا أمام حمزة البسيوني طابوراً من المعتقلين – هم الذين كانوا يحاكمون صباح هذا اليوم.. ثم انطلق حمزة يقول بصوت المغضب الحانق المتغطرس:

اسمعوا.. إن كنتم تريدون القانون فأنا القانون.. انظروا إلى هؤلاء الكلاب – أشار إلى الطابور الذي أمامه – لقد ظنوا أنهم يستطيعون أن يشكوني .. ولكن هيهات.. لقد رجعوا إليَّ وها هم أولاء في قبضتي وتحت قدمي وسأسحقهم حتى لا يفكر أحد منكم أن يتجرأ ويفعل مثلما فعلوا.

أربعمائة كرباج:

وبعد أن هدد وتوعد وأفاض في تأليه نفسه ناسياً خالقه وبارئه، قرر تأديب هؤلاء الإخوة الكرام. فدعا بأولهم.. فتقدم إليه، فأمر بربطه في السارية. فربطوه ربطاً قاسياً .. وكان ظهره عارياً. ثم قرر بصوت جهوري هز السجن بمن فيه أنه (صرف) له أربعمائة كرباج، كما أنه قرر – شفاءً لنفسه – أنه سيقوم هو بنفسه بضربه!!.

واستل المغرور الكرباج من تحت إبطه، واعتدل منتفخاً، وأخذ يضرب الأخ بكل ما أوتي من عزم وقوة.. وقد سالت دموعنا من هول الضرب الذي لا يعرف صاحبه الرحمة.. ولكن كانت مفاجأة.

المفاجأة هي أن المغرور قبل أن يستكمل المائة الأولى رأيناه قد انهار، وكاد يسقط السوط من يده، في حين أن الأخ الكريم لم يصدر منه ما يشعرنا ولا يشعر من حوله من الزبانية بالألم، فلا صراخ ولا استغاثة ولا حتى مجرد تأوه.. بل ثبات وصمت.. وكل الذي سمعناه في هذه اللحظة قول المغرور له: يا ابن الكلب (بمد الكاف، للتعجب الشديد): كل ده وأنت لا تحس، دا أنا فرهت.

وأعطى المغرور السوط لأمين – وأمين هذا هو الآدمي الذي وكلت إليه الآلهة المغرورة تعذيب المعتقلين تعذيب الإذلال والإهانة والإشراف على التنكيل بهم داخل السجن الكبير، كما كانت مهمته تنفيذ ما تقرره هذه الآلهة من وسائل التعذيب لمن يحقق معهم في المكاتب، وهو شاب نحيل لا يجاوز الثلاثين ورتبته باشجاويش بأربعة أشرطه على ذراعه، وأمين هذا شخصية وإن كان ضئيلة القدر إلا أنها تستحق مع ذلك أن نتحدث عنها فيما بعد إن شاء الله- وتسلم أمين السوط واستأنف ما انهار دونه سيده، ولكن بدت عليه علائم الانهيار وهو في أواسط المائة الثانية. ولقد رأيت بنفسي آثار التعذيب في ظهر أحد الإخوة الذين كشفوا ظهورهم في المحكمة، فقد استطاع الأخ نصار أن يتسلل إلى زنزانتنا، وكشف لنا عن ظهره، فرأينا آثار الضرب في ظهره بعد خمسة أشهر من شفائه، ومع ذلك فلا زالت آثار السياط متلاصقة زرقاء.

ومع أن مندوب لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة رأى بعينيه آثار التعذيب الوحشي.. فماذا فعل؟ لم يفعل شيئاً.. وهذه اللجان ما هي إلا أسماء سماها رؤساء أمريكا والدول الكبرى ليضحكوا بها على الناس ويوهموهم بوجود شيء هو في الحقيقة غير موجود.

جيوش البق:

ومن وسائل التعذيب التي ذكرها – أيضاً – محمود عبد الحليم في الجزء الثالث من المرجع السالف الذكر. حيث يحكي قائلاً: ولن أتعرض لآثار هذا الوضع الشاذ على الصحة، ولكني سأعرض على القارئ شيئاً بلوته بنفسي: في خلال هذه الفترة، وفي أواخر السنة التي استقر هذا الوضع عليها، فتحت حقيبة ملابسي وكانت حقيبة كبيرة من الجلد وأخرجت الملابس منها، وبدأت لأول مرة أنظر فيها، فهالني ما رأيت.

رأيت أسراباً من البق تجري هنا وهناك في جوانبها، فتعجبت لكثرتها، وأخذت أتصيدها في قطعة من الورق حتى اصطدت منها عدة مئات، ولكنها بعضها كان سريع الجري بحيث يسبق أصابعي ورأيته يدخل تحت الكرتون الذي يبطن الحقيبة من الداخل. فتتبعت الأفراد التي اختفت تحت البطانة، واضطررت إلى أن أفصل حروف البطانة التي كانت ملصقة بجدار الحقيبة، فذهلت لما رأيت. رأيت البطانة شبه مفصولة عن الجلد وقد رصت رصاً تاماً بالبق – فاضطررت إلى نزع البطانة كلها حيث قتلت ما يزيد على بضعة آلاف من البق، غير الذي هرب دون أن أدركه، واضطررت إلى أن ألقي بالبطانة بعيداً. وظلت الحقيبة بغير بطانة حتى أفرج عني.. ولازلت أحتفظ بهذه الحقيبة ذكرى لهذه الأوضاع الشائنة التي كنا نعيشها.

منع العلاج:

كان بالسجن الحربي كسائر السجون، طبيب معهود إليه الإشراف على علاج المرضى من نزلاء هذا السجن، كما كان بالسجن الحربي بناء منعزل من دور واحد يسمى "الشفخانة" وهي كلمة تركية معناها بالعربية المستشفى. وبالرغم مما عليه هذه الشفخانة من تواضع في حجراتها ووسائل الراحة بها، فإنها كانت تعد متعة وترفاً حين تقاس بزنازين السجن الحربي.

وكانت هذه الشفخانة في أكثر الوقت الذي قضيناه بالسجن الحربي شبه محرَّمة على الإخوان مهما اشتد بهم المرض؛ لأنها كانت معدة لذوي الحظوة لدى حكام البلاد، فكان يقيم فيها أفراد من اليهود المعتقلين آنذاك.

كما أن العلاج كان محرماً على من يمرض من الإخوان، ومحظور على طبيب السجن أن يمد أي مريض منهم بدواء، في الوقت الذي حظروا فيه ورود أدوية على حساب المرضى من خارج السجن، لأن الطرود ممنوعة. وهذا أسلوب لا يقف عند حد الإذلال والتنكيل، وإنما يتعدى ذلك إلى تأديبه بهذه الجموع الغفيرة من المعتقلين إلى الموت، وحينئذ لا يقال إن المشرفين على السجن قتلوهم، بل يقال إنهم مرضوا فماتوا شأن كل إنسان.

أما الأستاذ عمر التلمساني المرشد الثالث فيحكي ذكرياته في السجن الحربي قائلاً: لقد فعل عبد الناصر مع الإخوان ما لا يستطيع عقل أن يتصوره، وكانوا يرغمون الابن على أن يشتم أباه وأن يبصق في وجهه. وأن يبادل شقيقه صفعاً ولكما والضباط من حولهما يضحكون. هل رأيت مواتاً في المشاعر إلى هذا الحد؟.. لقد صوروا سيدة من كرام السيدات عارية الصدر وأمامها زجاجة خمر وفي يدها كأس وسيجارة.. ترى لو أن أي قارئ ابتلى لا قدر الله – أن يرى ابنته أو أخته أو زوجته عارية يعتدي عليها عسكري أمام عينيه. ماذا يكون إحساسه؟ ألا يتمنى الموت والتقطيع إرباً إرباً قبل أن يمر بهذا البلاء المهين البشع..ثم بعد ذلك نجد في مصر من يثني على عبد الناصر!! ولو أنهم مروا بهذه الشناعات التي لا أتمناها لهم، لكان لهم رأي آخر... كذلك من الحق أن أقول إنني كنت من أقل الإخوان تعذيباً في السجن الحربي، فكل ما نالني أنهم أدخلوني الزنزانة رقم 24 في السجن الكبير، وجاء الحلاق ليحلق شعري، فأرخيت رأسي ليبدأ عمله.. فإذا بصفعة على قفاي وهو يقول: " اجعد على الأرض يا ابن الكلب!" وبعد أن تمت حلاقة رأسي وجدتهم يحضرون حبالاً غليظة لفوها حول جسمي من فخذي إلى صدري، ثم أوقفوني على كرسي وربطوا هذه الحبال بخطاف مدلي من السقف، وأزالوا الكرسي، فأصبحت معلقاً بين سقف الحجرة وأرضها، وانهالت الكرابيج والشتائم ولم أفتح فمي بآهة، لأن ذلك كان يسعدهم، وما كنت حريصاً على ذلك.. فلما حمى وقع السياط على مكان واحد، طلبت منهم أن يضربوا في أماكن متعددة.. وها عادت بي الذاكرة إلى العام 1933 م حيث كنت أدرس لابني عابد وفي يدي مسطرة أضربه بها على فخذه كلما أخطأ، فلما آلمه الضرب في مكان واحد، رجاني باكياً أن أضربه في مكان آخر فرفضت.. تذكرت هذه الواقعة وإن كانت لا تهم القراء.. ولكنها زادتني يقيناً بأن الله لن يترك شيئاً بغير حساب وتأكدت من خاتمة هؤلاء الظالمين ولو بعد حين "(1) .


المبحث الثالث:الإخوان في ليمان طره

ليمان طره.. بناه الإنجليز عام 1886 م كسجن على النظام الإنجليزي، بعد احتلالهم مصر بقليل، في ضاحية طره الملاصقة للقاهرة على كورنيش النيل. وهو أكبر سجون مصر على الإطلاق حتى بداية التسعينات من القرن العشرين... فبعد أن صدرت الأحكام في قضايا الإخوان في 1954/ 1955 تم توزيع الإخوان كالآتي:

1- الأشغال الشاقة المؤبدة ومعهم قيادات الإخوان.. إلى ليمان طره حيث تقطيع الأحجار من الجبال.. والبعض الآخر إلى ليمان أبي زعبل حيث تقطيع البازلت في محاجر البازلت في منطقة أبي زعبل.

2- شباب الإخوان من (إخوان الخمسات) وإخوان (العشرات) بعضهم إلى سجون

بني سويف والمنيا وأسيوط وقنا والقناطر.

3- المعتقلون أغلبهم بقى في السجن الحربي عامين إلا قليلاً، منهم من نقل إلى سجن مصر وقليلون نقلوا إلى سجن الاستئناف والسجنان الأخيران بوسط القاهرة العاصمة، الأول كان في منطقة القلعة حتى عام (1972 م) والآخر لازال في منطقة (باب الخلق) حتى الآن.

وذهب الإخوان إلى ليمان طره وهو عبارة عن أربعة عنابر، كل عنبر أربعة أدوار، ويسع العنبر لحوالي ألف سجين، بمعدل أربعة سجناء في كل زنزانة صغيرة (180سم عرضاً × 350سم طولاً). أما أعضاء مكتب الإرشاد ومعهم فضيلة المرشد الثاني حسن الهضيبي قد أودعوا مع جميع الإخوان في عنبر رقم واحد.

ومن الطرائف التي حكاها لي بعض الإخوان عن الأستاذ حسن الهضيبي الذي كان راضياً تمام الرضا بقضاء الله:

كان هناك أخ رخيم الصوت يقوم قبل الفجر بحوالي ساعتين يرتل التواشيح ليوقظ الإخوان لصلاة الليل، وكان يقول كلاماً كثيراً بالدعاء التالي: " اللهم أهلك الظالمين بالظالمين، وأخرجنا من بين أيديهم سالمين غانمين ". فناداه الأستاذ الهضيبي وقال له:

- إذا أهلك الله الظالمين بالظالمين فسوف يأتي ظالمون جدد وقد يكونون أشد قسوة وأشد تنكيلاً ممن كانوا قبلهم.. وهذه واحدة.

- والثانية: إذا أهلك الله الظالمين بالظالمين، فما فائدتنا نحن إذاً! سيكون لا لزوم لنا ولا عمل.

- والثالثة: سنة الله هي التدافع بين أهل الحق وأهل الباطل، وليست السنة أن يقف أهل الحق متفرجين على أهل الباطل كأنه ماتش (مباراة) كرة بين الأهلي والزمالك.

رد عليه قائلاً: إذاً فماذا أقول؟ قال الأستاذ الهضيبي، قل: " اللهم أهلك الظالمين بأنصار الحق المبين ".

ويحكي الإخوان أن المرشد حسن الهضيبي كان يقرأ يومياً عشرة أجزاء من القرآن الكريم ويختم كل ثلاثة أيام، وكان يعتب على الأخ محمد عاكف (المرشد السابع) أنه يقرأ ثلاثة أجزاء يومياً ويحضه على أن يختم كل ثلاثة أيام.

ومن الطرائف أيضاً أن المرحوم الأستاذ عمر التلمساني كان مع الأستاذ حسن الهضيبي في حجرة واحدة.. وكانت دورة المياه غير نظيفة وأحياناً يختلط الماء الطاهر في الأرض بالنجاسة، فيقوم الأستاذ عمر بعد الوضوء بغسل (الشبشب) الذي يلبسه. فيقول الأستاذ حسن الهضيبي إن آية الوضوء في سورة المائدة ورد بها غسل الرجلين فقال الله عز وجل: ( وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) .. ولم يرد فيها " وشباشبكم "، فليس في الآية غسل (الشباشب) يا أستاذ عمر!.

وكل مرشدي الإخوان حتى الآن (2005)، عدا الأستاذ محمد المأمون (المرشد السادس).. دخلوا ليمان طره.. وكسروا الحجارة في الجبل، وحمولها على أكتافهم.. ورغم ذلك ما فارقت البسمة شفاههم، ولسان حالهم يقول: إن موسى عليه السلام، عمل عشر سنين دأباً أجيراً عند صاحب "مدين" يرعى الغنم ويقوم بكل ما يُطلب من الأجير من تكليفات مهراً لزوجة من أهل الأرض. أفلا تستحق الحور العين مهراً أكبر ؟!!

وظل الإخوان يقطعون الحجارة في الجبل حوالي ستة أشهر كاملة.. إلى أن جاء قرار الحكومة بنفي جميع القيادات إلى الواحات الخارجة في سجن الصحراء.. وكانت الحكومة آنذاك تدبر عدة مؤامرات:

- مذبحة لقيادة الإخوان في الصحراء.

- مجزرة لشباب الإخوان في ليمان طره.

ونفذت الحكومة المجزرة الثانية، لكنها فشلت في تدبير الأولى.

ولقد أسهبتُ في كتابي الأول في شرح تفاصيل مذبحة ليمان طره في يوليو 1957 م.

هذا أبرز ما كان في تاريخ ليمان طره. كما أنه تعقد به امتحانات النقل والشهادات لجميع المسجونين والمعتقلين من كافة أنحاء الجمهورية. كذلك عاش الشهيدان سيد قطب ومحمد يوسف وبعض زملائهم من مرضى الإخوان تسع سنين في مستشفى ليمان طره. أذكر منهم الشهيد العابد الناسك الصابر الأخ عزت غريب الذي كان نموذجاً للصبر الجميل على قسوة المرض وقسوة السجن.. حتى مات في السجن من شدة المرض.

ومن ذكريات المرشد الرابع للإخوان المسلمين (الأستاذ محمد حامد أبو النصر) ما يحكيه عن قمة الرضا بقضاء الله مع السكينة التامة في ليمان طره بعد صدور هذه الأحكام القاسية، كتب يقول (1): " والسجون المصرية، مشهورة بقسوتها وشدتها على النزلاء، منذ أن أسسها الإنجليز في مصر، وظلت هكذا، في التضييق على النزيل وسوء المعاملة له وتطبيق أقصى اللوائح والقوانين التي لا يمكن لأي دولة متحضرة أن تطبقها على أي إنسان، مهما كانت قدرته، وهكذا دخلنا هذه السجون وهي على هذا الشكل، ولكن الله تبارك وتعالى الرحيم بعباده والمنقذ للمظلومين، جعل من هذا الضيق فرجاً، وكأنما قالت العناية الإلهية يا سجون كوني برداً وسلاماً على الإخوان المسلمين، وفي مدخل الليمان جُردنا من ملابسنا العادية، وقدم لنا الضابط المختص بدلاً سوداء من صنع السجن؛ كانت ممزقة لا تستر أكثر من عورة الإنسان، وكذلك أمر الضابط بخلع الأحذية، فدخلنا الليمان حفاة، ووزعنا في عنبر رقم واحد على زنازين متفرقة، كان حظي السعيد وجودي مع فضيلة المرشد والأستاذ عبد العزيز عطية، وسعدت بخدمتهما، والقيام على معاونتهما، وهما في هذه السن المتقدمة. ومن أكرم المشاهد التي رأيتها في هذه الليمان، هو استقبال النزلاء للإخوان، استقبالاً كريماً، وقد قدم نزلاء الليمان إلى الإخوان وفضيلة المرشد كساوى جديدة، بدلاً من ملابس السجن التي وزعت عليهم، وهي ممزقة ومهلهلة، وغير لائقة، فجزا الله هؤلاء النزلاء الكرام خير الجزاء، وكان أغلب الإخوان في فرقة تكسير الحجارة بالحبل، وقد قام الإخوان بمهمة تكسير الحجر خير قيام، وكان بعضهم يرتل القرآن، والبعض الآخر ينشد الأناشيد الحماسية، استعلاءً على الصعاب، واستهانة بهذه الأعمال الشاقة، فكانوا موضع التقدير والاحترام من النزلاء، ومن بعض الموظفين بالسجن.

ومما هو جدير بالذكر أنني كنت أشترك مع النزلاء في لعبة العصى (التحطيب) وكنت أضع على رأسي عمامة كبيرة كرجال الصعيد، وقد رآني فضيلة المرشد وأنا في هذه الحلقة، أتحرك يميناً وشمالاً معتزاً بهذه اللعبة التي لا يزاولها إلا الشجعان من الرجال، فما كان من فضيلة المرشد – رحمه الله – إلا أن طلب مني استحضار عمامة كبيرة تشبهاً بنزلاء السجن، وقد امتثلت لرغبته، وأخذ العمامة ووضعها على رأسه بطريقة خاصة كشفت عن حقيقته رجلاً مكافحاً صلباً يهزأ بالأحداث مهما كان ثقلها، ويلين بالحق في سبيل الحق، وهكذا كانت هذه الفترة الأولى في حياة السجون، وأذكر أن إدارة السجن قيدت الإخوان بقيد من حديد يربط طرفه بوسط الجسم، ويوضع طرفه الآخر في الأرجل، وذلك حتى لا يستطيع الأخ الجري أو الهرب، وهذا تقليد قديم يتبع مع عتاة المسجونين، وأكابر المجرمين "أ. هـ ". أما الآن فلقد صار ليمان طره، ليس مجرد سجن فقط، ولكنه صار منطقة سجون بها عدة سجون مثل الليمان نفسه، وسجن مزرعة طره، وملحق مزرعة طره، وسجن المحكوم.. كلها عاش فيها الإخوان ونزلوا ضيوفاً عليها....  فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ  [ آل عمران: 146 ].


المبحث الرابع:الإخوان في سجن الواحات

عاش الإخوان المحكوم عليهم بستة شهور في ليمان طره يقطعون الحجارة في جبل طره، وهي منطقة جبال مليئة بخام الحجر الجيري الذي يستخدم في صناعة الأسمنت حيث تنتشر في هذه المنطقة مصانع الأسمنت مثل مصنع أسمنت طره، ومصنع أسمنت حلوان.(1)

... ثم فوجئت الحكومة بأن صحة المرشد الثاني حسن الهضيبي قد تدهورت، فأصدرت قراراً بحسبه في منزله في منطقة الروضة بالقاهرة، وتم ترحيل قيادات الإخوان إلى سجن الواحات الخارجة. وكان عدد القيادات الذين تم ترحيلهم حوالي (350)، وتم ترحيل بعض عتاة المجرمين المتهمين في قضايا القتل، وإلى جانب هؤلاء كان هناك الشيوعيون حيث كانت الحكومة قد اعتقلت أغلب قياداتهم منذ عام 1958(2) الذين رفضوا أن يسيروا في ركب الثورة... وأذكر في هذا الصدد أن عبد الناصر كان واضحاً مع الشيوعيين كل الوضوح، فكان يقول لهم: أنتم أقدر الناس على حرب الإخوان، ولكن قبل ذلك اخلعوا ولاءكم للقيادة الشيوعية (أحمد فؤاد آنذاك) .. وحلوا تنظيماتكم.. ولا سلطان لقيادة عليكم إذا فعلتم هذا فلكم ذهب المعز... وإذا لم تفعلوا فلكم سيفه، ولكن في الإخوان عبرة... ولمزيد من الاعتبار اعتقلهم ست سنوات حتى أفرج عنهم الزعيم السوفيتي خروشوف.

ونعود إلى سجن الواحات الذي كان عبارة عن خيام في الواحات الخارجة، وكان على الإخوان أن يتعايشوا مع الواقع الآتي:

- درجة الحرارة صيفاً فوق الأربعين وأحياناً تتجاوز الخمسين.

- درجة الحرارة شتاءً، بالليل تحت الصفر حيث الصقيع والبرد القارس.

- على الإخوان المسجونين أن يدبروا أمور الماء والطعام... وكل معايشهم، فطلمبة المياه جوفية يدوية، يعمل بها شباب الإخوان الساعات المرهقة لتوفير المياه للشرب والاستحمام والطهي.

- تعرض الإخوان هناك مرتين لفتنة الإبادة كما تحدثنا عنها في كتابي الأول.. ولكن الله سلم.


- تعرض الإخوان لفتنة التأييد، وكانت محنة قاسية.. كل القسوة. وفي هذا السجن انهار كثير من الناس الذين لا يصبروا على طول المحنة. - تحاور الأخ الأستاذ عبد الحليم خفاجي مع قيادات الشيوعيين، وأخرج كتابه القيم "حوار مع الشيوعيين في أقبية السجون".. وله أيضاً كتاب عن هذه الفترة بعنوان: " عندما غابت الشمس " يحكي فيه قصة سجن الواحات بالتفصيل، لمن أراد مزيداً من التفاصيل.

في سجن الواحات:

- وعن هذه الفترة يحكي المرشد الرابع محمد أحمد أبو النصر قائلاً في مذكراته: وبعد مضي ستة شهور قضيناها في ليمان طره، رُحلنا ومعنا مجموعة من النزلاء المحكوم عليهم في قضايا القتل إلى سجن الخارجة، في وسط الصحراء الغربية بعيداً عن أسيوط بحوالي 240 كيلو متراً، وهو عبارة عن خيام خصص بعضها لسكنى النزلاء، والبعض الآخر لمرافق السجن وإدارتها، وقد أحيط بالأسوار الشائكة، التي تتخللها أبراج الحراسة، وفي الليلة الأولى التي قضيناها في هذا السجن أصدر مأمور السجن أمراً بتقييد الإخوان بالسلاسل الحديدية، وربط كل مجموعة بعمود الخيمة، حتى لا يستطيع أحد الإخوان التحرك أو الهرب، لكن الإخوان رفضوا ذلك الأمر، وقرروا الوقوف ضد تنفيذه مهما كلفهم الأمر، ولما تلبد جو السجن بالتمرد على إدارته، اتصل مأمور السجن بمحافظ الواحات الخارجة، وقص الحالة، فرد عليه المحافظ وقال: لا داعي لهذا الإجراء، فإن الإخوان في مكان ناء بعيد عن الوادي والعمران، هم في صحراء شاسعة، ولو هرب أحدهم فلن يستطيع أن يهتدي لأي مكان، وقال مأمور السجن إنها أوامر صدرت إليه من وزارة الداخلية، فاتصل المحافظ بوزير الداخلية زكريا محيي الدين، وطمأنه بأنه مسئول شخصياً عن وقوع أي حادث هروب، وانتهت المشكلة عند هذا الحد، وبعد ذلك قامت إدارة السجن بتنسيق مرافق السجن والخيام، بمعاونة الإخوان والنزلاء. ومن أبرز الأحداث التي وقعت في داخل السجن، هي فكرة تأييد عبد الناصر، وبدأت هذه الفكرة، عندما تقدم ضباط الإخوان المسجونون بعرض استعدادهم للقتال في صفوف الجيش المصري عند الاعتداء الثلاثي على مصر، وأخذت المباحث العامة من هذا العرض (قضية) لتأييد عبد الناصر، فرسمت وخططت لها، وأخذت تضغط بشدة على أسر الإخوان في داخل السجن وخارجه، تارة بالوعود المعسولة، وتارة أخرى بالتهديد، والاعتداء، والتوجيع، والاعتقال، والتعذيب، وهكذا عاشت الأسر في رعب، وخوف، وأفهمهم ضباط المباحث أنه لا إنقاذ لكم من هذه الحالة إلا بالرجوع إلى أبنائكم في السجون وإلزامهم بضرورة تأييد الرئيس، وكان أهالي الإخوان يقولون لهم عند زيارتهم، في حسرة وبكاء: البيوت خربت.. والأبناء تشردت.. والأعراض هددت. فارحمونا يرحمكم الله.. ولكن كان كثير من الإخوان يرفضون هذه الوسيلة الحقيرة في سبيل الإفراج عنهم، وكانت تتكرر هذه الضغوط من ضباط المباحث المرة، والمرات، على أسر الإخوان، بالتهديد المخيف، واستعمال أساليب البطش والتنكيل بهم.. حتى الزوجات أغروهن بإرسال عقود زواجهن لأزواجهن من الإخوان يطلبن الطلاق منهم، وازداد هذا البلاء، وعظمت المصيبة على الإخوان، فاضطر بعضهم إلى مجاراة ضباط المباحث، وكتبوا تأييدهم، على الرغم منهم، وأما غالبية الإخوان، فقد صبروا وصابروا ورابطوا في سبيل دعوتهم، وتحملوا صنوف الضغط والإرهاب في داخل السجون وخارجها، فما لانت لهم قناة، ولا ضعف لهم عزم، وظلوا يتحدون الظالم في ثبات لا يعادله إلا ثبات الراسيات.

.. وهكذا حقق الإخوان المخلصون قول الله تبارك وتعالى: ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ) [الأحزاب: 23] صدق الله العظيم.

وكنت تراهم يواجهون هذه الصعاب بالنكتة اللاذعة، والبسمة المشرقة، وقد سجلتُ هذه الحالات في بعض المواقف، فكان أن احتفل السجن بمولد النبي r، واشترك الإخوان في هذا المهرجان، وأقاموا معرضاً تجارياً لبيع الخردوات، عُلقتْ فيه الفوط والبشاكير، وما إلى ذلك، وعندما مر مدير السجون، ومدير المباحث العامة يتفقدون هذا المهرجان، استوقفهم قسم الإخوان الذين يعرضون فيه معروضاتهم، وأمسك السيد مدير السجون بفوطة، وقال: ما هذه..؟ وكان القائم على المعروض أحد كبار الإخوان وهو الأستاذ أحمد إمام(1) ،فقال: في سرعة بديهة وطلاقة لسان: هذه الفوطة عال.. تنشف الرأس كويس، فضحك الجميع، وفهموا النكتة باعتبارها إشارة إلى إصرار الإخوان على عدم تأييد عبد الناصر، وأن رأسهم ناشفة.

.. ومما يذكر أن فضيلة الأخ الأستاذ عمر التلمساني؛ كان له الفضل في تثبيت الإخوان، وذلك بفضل الدورس التي كان يلقيها وسط الإخوان، مبيناً الضرر الفادح من تأييد الظالم، وعلى ذلك رفض عبد الناصر الإفراج عنه بعد قضاء مدة السجن وقدرها خمسة عشر عاماً، وكتب على أوراقه بالحبر الأحمر: لا يفرج عنه، ويبقى في الاعتقال وظل كذلك حتى أفرج عنه مع الإخوان بعد مضي عام من وفاة جمال عبد الناصر ". أ. هـ محمد حامد أبو النصر.

أما المرشد الثالث عمر التلمساني فيحكي عن سجن الواحات قائلاً:

" وكان سجن الواحات أكثر سجن استمتعنا فيه بحرية تصرف واسعة.. فزرعنا الرمل جرجيراً وفجلاً وبطيخاً وشماماً... وربينا الدواجن من دجاج وأرانب. وأحضر لنا السيد "محمد حامد أبو النصر " خرافاً لنذبحها في عيد الأضحى، وكنا نصلي الفرائض جماعة ونصلي الجمعة والعيدين، وكنا نتبادل الخطب ودروس الثلاثاء، وكنا نتمنى أن نقضي فترة السجن هناك، ورغم قسوة الجو التي تبلغ 52 درجة في الظل صيفاً و6 درجات تحت الصفر شتاء، ورغم كثرة الثعابين والصلال والحيات قد أبعدها الله عنا بالمرة. ولكن عز على عبد الناصر ما كنا فيه، فوزعنا على سجون الوجه القبلي. ومرت السنون وأمضيت من عمري سبعة عشر عاماً في السجون، ولست آسفاً على ما حدث. ولكني شاكر كل الشكر أن ثبتني الله على المحنة دون أن أحني رأسي لظالم. ولأن يموت الرجل واقفاً مرفوع الرأس أمام خصمه أفضل وأشرف من أن يموت جاثياً تحت قدميه. ويا لها من حكمة تتناقلها الأجيال عن أسماء بنت أبي بكر وهي تحث ابنها عبد الله بن الزبير على الرجولة في مفاوضاته مع الحجاج قائلة: " ولضربة سيف في عز أكرم ألف مرة من ضربة سوط في ذل ". أ. هـ عمر التلمساني.

مؤامرة:

أشاع بعض من دخلوا السجون مع الإخوان من العسكريين. إنهم لابد وأن يخططوا للهروب من سجن الواحات، ونشروا هذه الفكرة بين شباب الإخوان.. في مؤامرة دنيئة لإبادة الإخوان في الصحراء.. لكن الأخ (أبو الفتوح عفيفي).. من إخوان المنوفية .. وهو من المجاهدين في فلسطين، كشف هذه المؤامرة، وأبلغ عنها مكتب الإرشاد قبل وقوعها، مما أحبط هذه المؤامرة الدنيئة لإبادة الإخوان في الصحراء.. وهذا من المواقف التاريخية لهذا الأخ الكبير أبو الفتوح عفيفي.


خطاب الأستاذ حسن الهضيبي:

بعد أن تدهورت صحة الإمام حسن الهضيبي (المرشد الثاني للإخوان المسلمين) قررت الحكومة سجنه في منزله وتحديد إقامته حتى يموت خارج السجن ... فأفرج عنه بعد ضغوط من بعض حكام الدول العربية والإسلامية.

وبعد فترة – قرابة العام – تحسنت صحة الأستاذ المرشد حسن الهضيبي.. فأرسل خطاباً إلى جمال عبد الناصر يخبره أن صحته قد تحسنت، وأنه على استعداد للعودة إلى السجن مع باقي زملائه من الإخوان أعضاء مكتب الإرشاد لقضاء باقي العقوبة بين إخوانه المسجونين.. لكن عبد الناصر خاف من بقائه بين الإخوان في السجون حتى لا يشد أزرهم، ويكون عوناً لهم على الثبات.. فرفض هذا الطلب.. وأصدر أوامره بتحديد إقامته في منزله مدى الحياة.. وكان عبد الناصر يأمل في أن يموت حسن الهضيبي قريباً جداً .. ولكن عبد الناصر مات عام (1970 م) وعاش حسن الهضيبي ثلاث سنين بعد وفاة عبد الناصر.


المبحث الخامس:الإخوان في سجن المحاريق

جاء في كتاب المرشد الرابع محمد حامد أبو النصر عن سجن المحاريق:

" وكانت الحكومة تتخوف من بقائنا في سجن الواحات الخارجة، لأنه في نظرها سجن مفتوح، فقررت بناء سجن خاص في المحاريق، وأنشأت به ثلاثة عنابر لجميع النزلاء، ومباني خاصة بالإدارة، وكان يحوط السجن سور عال مبني بالأحجار، أقيمت عليه أبراج الحراسة. وكانت جميع عنابر السجن ومرافقه عليها أبواب خشبية ضخمة مبطنة ومزودة بالحديد، وفي وسط السجن أقيمت فيلا خاصة لسكن المأمور، حتى لا يغادر السجن ليلاً أو نهاراً، إمعاناً في التحفظ على الإخوان، وخشية من هروبهم، وقد أرادت الحكومة إجهاد الإخوان، فعملت على إنشاء مزرعة قريبة من السجن، وكلفت الإخوان بإصلاح هذه الأرض، فكان الإخوان يذهبون كل يوم إلى هذه الأراضي لاستصلاحها، وهم يحملون على أكتافهم الفئوس والمقاطف، وكانوا يؤدون هذا العمل بانطلاق، غير مكترثين بهذه الصعاب، بل كانوا يرتلون القرآن ويحفظونه، وكان هذا التعذيب فرصة طيبة للتزود بالقرآن الكريم، ومن النوادر التي حدثت، أن أحد الحراس، قال لفضيلة الأخ الشيخ أحمد شريت: مالك يا سيدنا الشيخ.. وهذا التعب.. المثل يقول: (إن كنت في بلد تعبد العجل حش وارميله..) فرد عليه الشيخ شريت في غضب (إزاي أرميله.. دا أنا أقطع رأسه..) وبلغ هذا الحديث عبد الناصر، فما كان منه إلا أن أمر ببقائه في السجن بعد انقضاء مدة العقوبة، وقدرها خمسة عشر عاماً، وظل فضيلته في السجن حتى توفى بين جدرانه رحمه الله رحمة واسعة، ورغم ما كنا فيه من امتهان، حيث كنا نعيش داخل السجن في زنازين ليلاً ونهاراً، ولا نخرج إلا عند الذهاب إلى الأرض لاستصلاحها، إلا أن رحمة الله كانت تتنزل علينا كلما اشتد الأمر، فتتبدد هذه الشدائد، ونذكر في هذا الصدد، أن الشاويش النوبتجي ذهب إلى الأخ المسئول عن الترزيه، وقال له: أصلح لي هذه البدلة، فقال له الأخ: سأصلحها بعد أربعة أيام، وتأخذ دورها في الترتيب، فما كان من الشاويش إلا أن اشتكى لمأمور السجن، فأمر المأمور بوضع الأخ في فلكة، وانهال عليه العساكر بالضرب المبرح، وظل الإخوان بعد أن سمعوا بهذه القصة يبتهلون إلى الله أن يرفع عنهم هذه الغمة، وأن يدفع هذا البلاء، وفي منتصف الليل طرق أحد السجانة باب زنزانة الأخ الكريم الدكتور علي شهوان(1)، طبيب الإخوان، ورجاه أن يذهب معه إلى البيه المأمور، لحالة مرضية مستعجلة، ولما ذهب الأخ الطبيب إلى سكن المأمور، وجد ابنه في حالة إعياء، وقد أشرف على الموت، ولاحظ الأخ الطبيب أن المريض قد شرب دواء والدته خطأ، فأجرى له الأخ الطبيب العلاج المطلوب، وشُفي المريض بإذن الله، وفي صباح اليوم التالي، قص المأمور على وكيل السجن حادث ابنه المريض، وقيام الأخ الطبيب بعلاجه، فرد عليه وكيل السجن: إن الأخ الترزي الذي وضعته بالأمس في الفلكة، وانهال عليه السجانة بالضرب، ربما كان يحفظ من القرآن قصار السور، فما بالك لو كنت أمرت بضرب أحد الإخوان الحافظين للقرآن جميعه، فانزعج المأمور وقال لوكيل السجن: هيا بنا نزور الإخوان في العنبر، وبالفعل تمت الزيارة بالاعتذار، ثم أحسنت إدارة السجن معاملتنا بعد هذه الزيارة، وهكذا كانت رحمة الله تتوالى علينا من حيث لا ندري، ويسخر لنا الجبابرة الطغاة من غير سؤال منا، ولا رجاء، ولله الفضل والمنة. أ. هـ (2).

وعاش الإخوان في سجن المحاريق حتى 2 مايو عام 1964 م.. وكان يعيش معهم أيضاً الشيوعيون في نفس السجن، حتى تدخل الرئيس السوفيتي خروشوف، وأفرجت الحكومة عن الشيوعيين جميعاً وقامت بترحيل الإخوان إلى سجن قنا.

وسجل شاعر الإخوان الأستاذ سعد سرور أحداث سجن الواحات وسجن المحاريق في كتاب: " خواطر مسجون "، في جزأين، وكان مغني ومنشد الإخوان المرحوم أحمد حسين يتغنى بهذه الأشعار في جميع المناسبات فيتحول السجن الكئيب إلى مرح وبهجة وسرور.


الفصل الثاني:ابتلاء الإخوان عام 1965م

المبحث الأول:أحداث ما قبل القبض على التنظيم

1- قضية حسين توفيق:

كان حسين توفيق مناضلاً وطنياً – كما يقولون – من غير هوية معروفة، فلم يكن شيوعياً ولا من الإخوان ولا حتى متديناً.. كذلك لم يكن وفدياً، لكن كان يحمل قلباً جسوراً جريئاً. يحكي الأستاذ صلاح شادي في كتابه (حصاد العمر) قصة حسين توفيق قائلاً:(1)

1- اتهمت الحكومة الضابط أنور السادات باتصاله بالألمان، وأوقف من خدمة الجيش منذ سنة 1942 م، وظل معتقلاً من ديسمبر (1942 م) حتى أكتوبر (1944 م) حيث استطاع الهروب من معتقل الزيتون.. إلى أن سقطت الأحكام العرفية عام 1945 م، فأفرج عن جميع المعتقلين، وخرج أنور السادات إلى الحياة العامة وكون جمعية سرية من المدنيين وفيها الشاب حسين توفيق الذي كان يمارس هواية قتل الجنود الإنجليز المستعمرين في ذلك الوقت.

2- استطاع أنور السادات أن يقنع حسين توفيق أن قتل حفنة من الجنود الإنجليز ليس هو الطريق إلى تحرير مصر..!! ولكن الطريق إلى تحرير مصر هو التخلص من الذين يساندون الإنجليز في ذلك الوقت. وبالفعل أقنع أنور السادات حسين توفيق باغتيال مصطفى النحاس رئيس حزب الوفد بعد أن فرضه الإنجليز بقوة السلاح في 4 فبراير 1942 م، رئيساً للوزارة الوفدية التي تولت الحكم على أسنة رماح الإنجليز، وفي أوائل سبتمبر (1945 م) ألقى حسين توفيق قنبلة على سيارة النحاس باشا ولكنها لم تصبه بأذى وانطلقت السيارة بعيداً عن مكان الانفجار، وانسحب السادات من ميدان الإسماعيلية بمصر الجديدة إلى مقهى (أسترا) بميدان التحرير وهرب حسين توفيق.

3- كرر أنور السادات المحاولة ثانية، فأقنع حسين توفيق باغتيال أمين عثمان أحد كبار أنصار الاستعمار الإنجليزي في مصر، وكان أمين عثمان رئيساً لجمعية الصداقة الإنجليزية المصرية في ذلك الوقت كما كان وزيراً للمالية. وفي 10 يناير 1946 م اعترف حسين توفيق على باقي زملائه في الجمعية، وقبض على أنور السادات في 12 يناير بتهمة تدبير الحادث.

واستمرت المحاكمة ستة أشهر، وكانت محاكمة مدنية جنائية ولم تكن عسكرية أو أمن دولة، فاستطاع المحامون التشكيك في بعض أركان القضية.. وهرب حسين توفيق من السجن وذهب إلى الإخوان المسلمين لإخفائه بعيداً عن عيون الإنجليز، وكلف حسن البنا الأخ صلاح شادي بمهمة إخفاء حسين توفيق – كمجاهد وطني – عن عيون الإنجليز، ورأى صلاح شادي أن حسين توفيق لا يصلي فأعطاه مصحفاً في مخبئه ودعاه للصلاة فصلى بعد وقت قصير.. ثم عاد فترك الصلاة بعد ذلك؛ لأنه كان يعتقد إن الإسلام يقيد (الوطنية).

4- هرب حسين توفيق من مخبئه إلى سوريا وقام بمحاولة اغتيال رئيس سوريا حين ذاك حسني الزعيم، وفشلت محاولته لاغتيال حسني الزعيم، وقبض عليه وأودع في سجن المزة بدمشق وحُكم عليه بالإعدام.. وقبل تنفيذ الحكم بأيام جاء انقلاب أديب الشيشكلي وأطاح بحسني الزعيم، وخرج حسين توفيق من سجن المزة(1) إلى الشارع بعفو جمهوري، وتزوج هو وشقيقه سعيد توفيق من سوريا وعاشا هناك حتى عام 1952 م.

5- قامت ثورة يوليو (1952 م) في مصر واستدعاه أنور السادات وعينه في وظيفة محترمة في شركة من شركات البترول، هو وسعيد توفيق وأحمد الحناوي.

6- لم يقنع حسين توفيق بذلك ورسم في ذهنه خريطة لجمهورية وادي النيل تشمل مصر والسودان، وخطط لمحاولة اغتيال الرئيس عبد الناصر. وتقول الشائعات.. كما يقول الخبثاء آنذاك: إن حسين توفيق أقنع السادات بأنه سيكون رئيساً لجمهورية وادي النيل الجديدة.. ولكن السادات أخبر عبد الناصر بالموضوع، فتم القبض على حسين توفيق وزملائه وحوكموا في عام 1965 م، وحكمت المحكمة العسكرية على معظمهم في القضية رقم (11 أمن دولة عليا) بالأشغال الشاقة المؤبدة، واستمر حسين توفيق مسجوناً مع الإخوان سبع سنوات حتى أفرج عنه أنور السادات.

ولكن ما علاقة ذلك بالإخوان..؟!!

اتصل حسين توفيق بمن يعرفه من الإخوان: الضابط السابق مصطفى راغب(1) والمهندس سامي عبد القادر وطلب منهما إمداده بالقنابل اللازمة حيث كان حسين توفيق يعتقد أن الإخوان – دائماً – عندهم قنابل وأسلحة.. فذهبوا إلى الأخ يوسف القرش في قرية "سنفا" مركز "ميت غمر" محافظة "المنصورة" .. هكذا قال الأخ سامي عبد القادر أحد أعضاء تنظيم حسين توفيق ، فاعترف سامي عبد القادر بأنه على علاقة بالأخ يوسف القرش في "سنفا" وأن عند يوسف القرش قنبلتين (يدويتين) .. وذهبوا إلى منزل يوسف القرش.. فلم يجدوه.. وكان هذا هو أول خيط للقبض على تنظيم الإخوان في عام (1965 م).

هذه هي العلاقة القوية بين قضية الإخوان المسلمين (1965 م) وبين قضية حسين توفيق، والتي ضمت خليطاً من الوطنيين أمثال جمال الشرقاوي والصحفي عبد العزيز خميس (رئيس مجلس إدارة دار روزاليوسف في عهد السادات) ولقد كافأهم الرئيس أنور السادات بالإفراج عنهم وتعيينهم في مناصب كبيرة في الصحافة والدولة بعد عام (1971 م).

2- قضية زغلول عبد الرحمن:

كان زغلول عبد الرحمن ضابطاً في المخابرات المصرية، وعلم ملحقاً عسكرياً لمصر في بيروت، وكان أحد أكبر رجال المخابرات المسئولين عن منطقة سوريا ولبنان وفلسطين.. وفي اليوم التالي لانفصال سوريا عن مصر وانتهاء الوحدة المصرية السورية (17/8/61).. فوجئ الجميع بهروب زغلول عبد الرحمن من لبنان ولجوئه إلى سوريا، وفي اليوم التالي عقد مؤتمراً صحفياً هاجم فيه جمال عبد الناصر وزميله عبد الحكيم عامر وسياستهما في سوريا.. وكان ذلك صدمة لعبد الناصر لأن زغلول عبد الرحمن كان من الصف الأول المقربين من رجال الثورة.. فكأنها كانت طعنة من الخلف لعبد الناصر ونظامه، ويقول رجال عبد الناصر إن زغلول عبد الرحمن كان مدمنا للقمار، وخسر مبالغ كبيرة في القمار سددها المشير عبد الحكيم عامر من خزينة الدولة نيابة عنه، ودعما له.. ولكنه غدر بهم، ولجأ إلى سوريا، وكرّس الانفصال السوري عن مصر (1).. ثم غادر زغلول عبد الرحمن سوريا إلى ألمانيا حيث أقام هناك.. ولكن الحكومة المصرية لم تقبل الصفعة، وخططت تخطيطاً محكماً لخطف زغلول عبد الرحمن من ألمانيا، ووضعوه في صندوق خشبي كطرد دبلوماسي للسفارة المصرية، وأحضروه من ألمانيا في طائرة إلى السجن الحربي.. وهناك ذاق ألوان العذاب وحوكم محاكمة عسكرية ولبث طويلاً في السجن الحربي حتى وفاة عبد الناصر.

وأثناء تعذيب زغلول عبد الرحمن قدم تقريراً مبالغاً فيه عن نشاط جماعة الإخوان المسلمين في أوربا، وأفاد أن لها كياناً كبيراً يتعاظم يوماً بعد يوم، ويجب أن يعمل لجماعة الإخوان المسلمين ألف حسان وحساب (2). وكان هذا التقرير دعماً كبيراً لشمس بدران ورجاله.. فهو تقرير من رجل مخابرات مخضرم ينبغي أن ينظر إليه بعين الاعتبار. وإذا ذكرنا ألمانيا وزغلول عبد الرحمن.. فإننا لا ننسى هذه القضية الطريفة التي لابد من ذكرها.. " بعد نكسة 1967 م تم القبض على شمس بدران وكل عصابة السجن الحربي، تحت مسمى مؤامرة لقلب نظام الحكم، ليشربوا من ذات الكأس المرة التي طالما تجرعها الإخوان على أيديهم.. وقُبض على حمزة البسيوني.. ولبث في السجن الحربي أياماً.. ثم تم ترحيله إلى معتقل سجن القلعة ليكون تحت إشراف مباحث أمن الدولة (المباحث العامة آنذاك).. وبعد التحقيق معه.. سمحوا له بالفسحة في فناء السجن.. فخرج يتمشى في فناء السجن.. وظن أنه كل معتقل هناك لابد أن يكون من الإخوان.. فبحث في السجن عن مسيحي يقضي معه وقتاً آمناً في طابور الفسحة بالنهار.. فوجد المهندس سمير إسكندر.. مهندس شاب مسيحي، وبالطبع ليس من الإخوان المسلمين. واطمأن إليه كثيراً.. ثم بعد قليل سأله: ما هي التهمة الموجهة إليك والتي حُكم عليك فيها بخمس سنوات أشغال شاقة؟ قال سمير إسكندر: تهمة الإخوان المسلمين!!.

وهنا سقط قلب حمزة البسيوني في يده.. فقال: حتى المسيحيون دخلهم الإخوان المسلمون!! وارتعدت فرائصه، وامتلأ قلبه رعباً.. أما المهندس سمير إسكندر.. فلقد كان مقيماً بألمانيا، ثم حضر في إجازة إلى مصر بعد أن قابل في ألمانيا الأخ المهندس سمير سالم.. الذي هرب من مصر بعد أحداث 1954 م وعاش هناك، وبدأ في إرسال النقود للمعتقلين في مصر.. ولم يجد طريقاً مأموناً لتوصيل المال إلا عن طريق زميله وصديقه المهندس المسيحي سمير إسكندر الذي كان يتميز بقدر من الشهامة، ولا يعرف شيئاً عن الظروف الأمنية للإخوان.. فهو في واد.. والسياسة في واد آخر، وتوصيل الأموال من ألمانيا إلى الأقارب أو الأصدقاء في مصر ليس مشكلة في نظره.. وحكم عليه بالسجن خمس سنوات.. قضى منها أربع سنوات حتى دخل البابا شنودة شخصياً – لدى أنور السادات – فأفرج عنه في عام 1972 م.

3- قضية مصطفى أمين:

مصطفى أمين وتوأمه علي أمين تربيا ونشآ في بيت زعيم الأمة سعد زغلول، وترعرعا هناك، وسافر مصطفى إلى أمريكا في الأربعينيات من القرن الماضي ثم عاد فأسس مع أخيه علي أمين جريدة أخبار اليوم" الأسبوعية في عام (1944 م) ثم في عام 1952 م أصدرا جريدة الأخبار" اللتين استمرتا إلى يومنا هذا.. وكان مصطفى أمين على علاقة قوية جداً بالسفارة الأمريكية!!(1) وكل من مصطفى أمين وعلي أمين من أصحاب الاتجاه العلماني في مصر، ولقد أثنى مصطفى أمين على أندية الروتاري، ولكني لم أجد اسمه بين أسماء الأعضاء العاملين في الأوراق التي تحت يدي الآن.

ولقد كانت ولا تزال " دار أخبار اليوم " مدرسة صحفية كبيرة بجوار مدرسة الأهرام"، و" دار الهلال "، و "روز اليوسف " وكانت مدرسة أخبار اليوم " تعتمد على الخبطات والإثارة الصحفية.. وليس كل من علي أمين ومصطفى أمين أي ميول دينية على الإطلاق.. وارتباطهما بمدرسة سعد زغلول الوطنية معروف وملحوظ.. وهي مدرسة تبتعد عن الدين والتدين، مما جعله قريباً من رجال الثورة، بل عاش الصحفيان اللامعان مصطفى وعلي أمين فترة التمهيد للثورة معايشة فعالة ومؤثرة.

وسافر مصطفى أمين مندوباً عن رجال الثورة بعد حرب 1956 م (العدوان الثلاثي) سفيراً فوق العادة وشارحاً للقضية المصرية ولأبعاد العدوان الثلاثي على مصر.. وكان بينه وبين جمال عبد الناصر تعاون وثيق.. لكن عبد الناصر اختار صحفياً من تلاميذ مصطفى أمين لكي يكون مفكراً له وأميناً لأسراره وهو محمد حسنين هيكل(1) وكاتباً لخطبه.. بل ولكتابيه "فلسفة الثورة" و " الميثاق ". ورغم أن عبد الناصر أمم " أخبار اليوم " ضمن الشركات التي أممها.. لكن كان قرار الحكومة أن يستمر مصطفى وعلي أمين في رئاسة تحرير " أخبار اليوم " .. حتى فوجئنا بالقبض على علي مصطفى أمين بتهمة الجاسوسية، ولقد كان مدير المخابرات صلاح نصر قد سجل المكالمات التي كانت تدور بين مصطفى أمين وضابط المخابرات الأمريكي "بروس تايلور" الذي كان يعمل في السفارة الأمريكية في ذلك الحين.

وعلى الرغم من أن مصطفى أمين قد مهّد كثيراً بعد ثورة يوليو لنمو العلاقات بين عبد الناصر والسفارة الأمريكية حيث كان مصطفى أمين يتمتع بثقة الأمريكيين!! وهناك أسرار شخصية كثيرة حول هذه العلاقة والمقابلات التي كان مصطفى أمين فاعلاً ومؤثراً فيها.. فلم يشفع له ماضيه، واتهموه بالتخابر مع أمريكا وحكموا عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة.. وهرب أخوه علي أمين إلى لندن وعاش فيها.. ولبث مصطفى أمين في السجن معنا سبع سنين. منها سنتان في السجن الحربي، ثم انتقل إلى ليمان طره حيث عاش في عنبر رقم (1) بالدور الثالث مع السياسيين.

ويردد الخبثاء في ذلك الحين أن محمد حسنين هيكل كان وراء هذه القضية، لكن ليست هناك أدلة على ذلك.

والذي يهمنا في هذه القضية هو أن مصطفى أمين قال لضباط المخابرات الأمريكي "بروس تايلور": إن الإخوان المسلمين يتطلعون للتعاون مع كمال الدين حسين عضو مجلس قيادة الثورة الذي استقال من جميع مناصبه نظراً لميوله الإخوانية.. كما يقولون!!

فاعتبرت الحكومة أن هناك تحركاً من الإخوان مع كمال الدين حسين ضد عبد الناصر.. والحقيقة التي لا مراء فيها أن شيئاً من هذا لم يحدث على الإطلاق.. وكانت هذه القضية مؤشراً على عودة نشاط الإخوان المسلمين.. مما جعل الحكومة تفكر في ضربة وقائية ضد الإخوان المسلمين ، فقامت بعمل تمشيط لأفراد الجماعة في أنحاء مصر، ورصد ثقافي لكتابات الإخوان وخصوصاً سيد قطب وتجهيز سجن أبو زعبل بعنبر جديد لاعتقال حوالي ستة آلاف عضو من الإخوان.. وبالفعل بدأ القبض والتعذيب لقدامى الإخوان في سجن أبو زعبل قبل اكتشاف التنظيم، واستشهد في هذا التعذيب الأخوة الثلاثة: زكريا المشتولي، وبدر القصبي ، وأحمد شعلان.

4- شمس بدارن:

لاشك أن شمس بدران لمع في سماء مصر فجأة، ثم اختفى سريعاً. فهو ضابط جيش من الصف الثاني من رجال الثورة، توطدت صلته بعبد الناصر ، ووثق فيه.. لأمر ما. وهو سر لا يزال خافياً حتى كتابة هذه السطور.. شأنه في ذلك شأن طابور صغار الجلادين الذين صعدوا على جماجم شهداء الإخوان المسلمين بدءاً من حمزة البسيوني.. الذي استمر لمعانه من (54-67) 13 عاماً.. ومروراً بصلاح دسوقي وصلاح حتاتة وعبد العال سلومة ، وعبد الله إمام ، وهم الذين صعد نجمهم على جماجم شهداء مذبحة طره.. ثم شمس بدران الذي صعد نجمه على جماجم الشهداء: سيد قطب ، عبد الفتاح إسماعيل ، محمد يوسف هواش ، محمد عواد ، محمد منيب ، إسماعيل الفيومي.. والأخ محمد عبد الله (كفر شكر) .. ورفعت بكر (ابن أخت الشهيد سيد قطب)، وشارك شمس بدران في الصعود الدنيوي على جماجم شهداء الإخوان، كل من الضابطين حسن كفافي ، ورياض إبراهيم بصفة خاصة، وغيرهما من الضباط الذين تلوثت أيديهم في المذبحة.. ثم الصول صفوت الروبي.

أما شمس بدران فبدأ نجمه في الظهور بعد أن عينه عبد الناصر في مكتب المشير عبد الحكيم عامر.. ويحكي عنه زملاؤه.. أنه كان متفانياً في عمله، وليست له تصرفات مالية مشينة. أما زملاؤه في المكتب.. عبد المنعم أبو زيد ومن معه من الضباط فقد تم اتهامهم في قضايا مالية وإيداعهم معنا في السجن الحربي (في السجن الكبير في المخزن رقم 6، 7) وبهذا خلا الجو تماماً لشمس بدران وصار مديراً لمكتب المشير عبد الحكيم عامر.. لا يمر يوم أو يومان على الأكثر إلا ويلتقي بعبد الناصر ويقدم له تقريراً جاداً عن أحوال كل شيء في مكتب المشير..ثم في الجيش.. ثم في الأمن الداخلي .. بل في مصر كلها.. فقد كان عيناً لعبد الناصر على المشير.. واستطاع أن يستقطب معه العميد سعد زغلول عبد الكريم مدير الشرطة العسكرية، وكذلك المباحث الجنائية العسكرية التي كانت تحت إمرته ليل نهار.

ومن قضية زميله عبد المنعم أبو زيد.. عرف شمس بدران طريق السجن الحربي.. والتحقيقات.. وطرق التعذيب وأساليبها.

وهناك في السجن عرف أن سلم الصعود إلى القمة سريعاً في مصر يأتي بسهولة شديدة على جماجم الإخوان.. والخوض في بحور دمائهم.. التي هي للأسف بالنسبة لهم سهلة ورخيصة، في نظرهم القاصر.. في الدنيا الفانية.. وعلم أن سلم الوزارة السريع يأتي بقضية كبيرة للإخوان المسلمين.

وبدأ البحث والتقاط الخيوط.. فكانت الخيوط السريعة، لخطه السريع في الدنيا، العاثر في الآخرة.. ( وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ) [مريم: 64].

قضية حسين توفيق. الخيط الأول.

قضية زغلول عبد الرحمن. الخيط الثاني.

قضية مصطفى أمين. الخيط الثالث.

ومع الخيط الأول تم رصد منزل مرشد الإخوان المسلمين الأستاذ حسن الهضيبي.. فوجد أن الحاجة زينب الغزالي تتردد على منزله. بعث ضابطاً من مكتب المشير عامر (الذي كان يرأسه شمس بدران).. إلى منزل الحاجة زينب الغزالي، وطلب منها صراحة تعاون الإخوان مع المشير على قلب نظام الحكم(1)، وأن المشير شخصياً يطلب مساعدة الإخوان المسلمين والوفد.. ولكن الإخوان رفضوا هذه المؤامرة متذرعين بظروفهم العصبية آنذاك.

أما في قضية حسين توفيق.. فتم القبض على اثنين من الإخوان هما المهندس سامي عبد القادر، والضابط مصطفى راغب.. فسامهما شمس بدران سوء العذاب.. لعلهما يكونان أول الخيط.. وبالفعل كانا.. ولعب الحظ لعبته الكبرى لصالح شمس بدران.

5- قرية سنفا:

سنفا قرية صغيرة من قرى مركز ميت غمر بمحافظة المنصورة، كان بها شاب اسمه عبد اللطيف شاهين يعمل في الجيش برتبة (صول) في سلاح الصاعقة.. ذهب مع الجيش إلى اليمن عام 1962 م وظل بها ثلاث سنوات حتى قُبض عليه في عام 1965 م.. وابتسمت الدنيا لعبد اللطيف شاهين وكثرت أمواله، وعم الخير أهله وأقاربه، وبدأ يستعد للزواج.. وهداه تفكيره إلى الحصول على قنبلة صوتية وأخرى ضوئية لضربهما في فرحه، ولكن أخاه – مدرس الابتدائي- سالم شاهين كان كثير النفقات.. محدود الدخل.. يشرب السجائر بكثرة، واحتاج سالم شاهين إلى مزيد من النقود.. وهو يشتري سجائره وبقالته من عند أحد الإخوان، صاحب محل البقالة المجاور لهم في السكن.. واستدان منه كثيراً، ولما لم يُوف دينه عرض بيع القنابل على "يوسف القرش" لسداد ديونه.. ومن عجب أن يوسف القرش قبل الصفقة واشترى القنابل في الشارع على مرأى ومسمع من الناس.. ويستطرد صاحب البوابة السوداء في شرح هذه الواقعة تفصيلاً فيقول (1):

وأسرع سالم شاهين إلى محل يوسف القرش ودار بينهما الحديث التالي:

- هل تريد أن أبيعك شيئاً بدل الدين الذي عليّ ؟

- وما هو ؟

- قنبلتين.

- وتوتر يوسف القرش وانتبه:

- ماذا تقول: قنبلتان ؟

- نعم. قد أتى بهما أخي عبد اللطيف من اليمن، ويقول إنهما تحدثان صوتاً عظيماً ولا تقتلان أحداً ولا تجرحانه، هه ماذا قلت ؟

- أراهما أولاً. - أعطني إذا سيجارة حتى أعود.

- لو أعجبتني القنابل أعطيتك السجائر.

وأسرع سالم شاهين إلى منزله وجاء بالقنبلتين، وفي طريق العودة إلى محل يوسف صار يشرح لكل من يقابله مزايا القنبلتين، وماذا تصنعان عندما يفجرهما، وأنه ذاهب ليوسف القرش ليعطيهما له بدلاً من الدين، ويعلق ساخراً لمن يتفرج على القنابل:

- أهبل وعبيط، ماذا سيفعل بهما ؟

وقبل أن يصل إلى محل يوسف القرش كانت القرية كلها قد علمت بالقصة. وكان نجل العمدة في القرية على خلاف مع يوسف القرش، ورغم هذا فهو لا يقدر على مقاطعته لأنه البقال الواحيد في القرية، وأرسل خادمه ليشتري له أربع ورقات "معسل"، وتأخر الخادم.. ولما عاد عنفه سيده، فاعتذر له بأن سبب التأخير أنه وقف يتفرج على القنابل عند الدكان، وحكى له أن يوسف أخذهما بدلاً من السبعة والتسعين قرشاً ونصف وزاد عليهما سيجارة واحدة، ووجد نجل العمدة الفرصة قد سنحت للانتقام من يوسف القرش، فأسرع إلى كاتب عمومي متخصص ليكتب البلاغ وصل إلى رئيس المدينة نكاية في يوسف القرش، ومن عجيب الصدف أن هذا البلاغ وصل إلى رئيس المدينة في اللحظة التي كان يزوره فيها واحد من أساطين المباحث الجنائية العسكرية – وكانا صديقين – فكل رؤساء المدن في تلك الأيام كانوا من حرس الثورة، إما اشتركوا فيها، أو يقومون على أمنها.

وقرأ رئيس المدينة البلاغ وضحك عالياً، وقال له صديقه من المباحث الجنائية العسكرية:

- ماذا يضحكك ؟

رد عليه رئيس المدينة وهو ما يزال يضحك:

- واحد كاتب بلاغ يقول فيه: إن فيه بقال بقرية سنفا بيتاجر في قنابل، تصور، زي ما تكون قوطه (طماطم).

وضحك الاثنان، بينما أخذ ضابط المباحث الجنائية العسكرية القصة مأخذاً جاداً، وفي هذه الليلة السوداء كان يوسف القرش معلقاً والسياط تلوشه من كل جانب، يسألونه عن الإخوان المسلمين والتمويل والتنظيم، وجاءوا بسالم شاهين ، ومن اليمن طيروا عبد اللطيف شاهين ، ودارت رحا العذاب هائلة قاسية مروعة، وكان ذلك في قصر عابدين، حيث مبنى المباحث الجنائية العسكرية، وأشرف يوسف القرش على الموت من الضرب بالسياط.

وقد قدر لي أن أراه بعد ذلك بشهور فكأنه قد ضرب منذ ساعة فقط، كانت جروحه رطبة طازجة مازالت علىحالها الأول. وفي الحقيقة بدأت مأساة الإخوان بضرب يوسف القرش في قصر عابدين حيث كان يقيم الخديوي إسماعيل وعندما يجتاز المضروب حاجز الألم فهو يقول ما يفهم وما لا يفهم، كانوا يسألونه عن الإخوان وصلته بهم، ومن يعرفه منهم، والرجل لا يعرف كيف يجيب ولا يدرك الطريقة التي يخرج بها سالماً من هذا الجحيم، وأثناء الضرب ذكر اسماً كان الخيط لكل شيء... حبيب عثمان صاحب ورشة ميكانيكة بالقاهرة.. وما كان يوسف القرش يعلم شيئاً عن حيبب عثمان ووضعه في التنظيم الجديد، وما كان يعرف أن هناك تنظيماً جديداً، ولكنها الأقدار تجري على الناس ما تشاء.

كان حبيب عثمان عضواً في أسرة يرأسها مصطفى الخضيري الذي يتبع مباشرة علي عشماوي عضو اللجنة الخماسية، ومسئوليته الموضوعية والمكانية هي القاهرة، وكان قد تم تقليده المنصب منذ أيام بناء على اقتراحه (1).

هذه قصة قرية " سنفا " .. ولقد تم وضع الحراسة على أموال وممتلكات يوسف القرش .. التي هي عبارة عن محل "بقالة" متواضع في قرية بسيطة، وبضعة قراريط من الأرض الزراعية.. و "حمار" . .وبهذا دخل " حمار " القرش التاريخ.. وعينت الحكومة حارساً قضائياً على "حمار" القرش.. وصارت له ميزانية في الدولة.. وهذه حقيقة وليست نكتة.

كانت قضية قرية " سنفا " هي ضربة الحظ التي صعد بها شمس بدران إلى كرسي الوزارة، بل رشحه عبد الناصر فور هزيمة 1967 م لتولي رئاسة الجمهورية!!، ولكنه عدل عنه فجأة، ورشج زكريا محي الدين حينما تنازل عبد الناصر عن العرش بعد النكسة في تمثيلية كبرى.. دغدغ بها مشاعر الشعب المصري الطيب.. ثم تراجع عن ذلك كله بعد أربعة أيام في (9-10) يونيو الشهيرة.


المبحث الثاني:أسباب القبض على الإخوان

أولاً: من قرية سنفا:

في قضية حسين توفيق اعترفوا بوجود قنبلتين لدى الأخ يوسف القرش في سنفا، فقبضوا على يوسف القرش وعلى المدرس سالم شاهين وأحضروا أخاه عبد اللطيف شاهين من اليمن على طائرة خاصة.. وفي مقر الشرطة العسكرية في عابدين – آنذاك – دارت رحى التعذيب وكان النصيب الأكبر ليوسف القرش. عن علاقته بالإخوان.. وبعد تعذيب بشع اعترف أن له صديقاً اسمه حبيب عثمان صاحب مسبك لسبك الأدوات الصحية من حنفيات ومحابس نحاس وخلافه.. وذهبوا بيوسف القرش إلى مسكن حبيب عثمان.. ثم إلى المسبك الخاص به.

ثانياً: حبيب عثمان:

هو أخ من إخوان تنظيم (65) فارع الطول.. هادئ النفس.. رشيق رغم طوله.. عزيمته تفل الحديد.. قليل الكلام.. كثير الصمت متميز في مهنته(1)، صاحب مسبك في حي شبرا.. شمال القاهرة.. متزوج وله بنتان (آنذاك 1965 م) وبدأ التعذيب الشديد وهو لا يتكلم، وظل هكذا ثمانية عشر يوماً كما قال لي بعض الإخوان ، أما هو فلم يتكلم عن فترة التعذيب طوال فترة تواجده في السجن. كان من جماعة الإخوان المسلمين.. في أسرة يرأسها الأخ مصطفى الخضيري.. وعليه كل علامات الإخوان المسلمين وهي:

- يحمل في جيبه مصحب جيب صغير.

- له تميز كبير في المهنة إن كان عاملاً.. وتفوق دراسي إن كان طالباً.

- أخلاق طيبة وأمانة وبُعد عن الرشوة.. وكذلك بُعد عن الألفاظ السوقية، مع البعد عن كل أنواع الغش.

- ملتحٍ (ذو لحية).

- الموظبة على الصلاة.

- علاقات اجتماعية جيدة مع الجيران والأهل والأصدقاء.

- حب التعرف على الناس ومصادقتهم مع السمعة الطيبة.

هذه الصفات كلها كانت متميزة في الأخ حبيب عثمان.. لذلك كان من العبث أن ينكر أنه من الإخوان.. وإلا سوف يعذب حتى الموت.. وبالفعل كان تعذيبه بشعاً زاد عن معظم الإخوان بكثير. وبعد وقت ليس بالقصير اعترف على نقيب أسرته الأخ مصطفى الخضيري. بدأ البحث عن مصطفى الخضيري.. ولكن الإخوان أدركوا أن القبض على حبيب عثمان يقتضي وبسرعة قطع أي خط ممكن أن يؤدي إلى التنظيم.. فتم تهريب مصطفى الخضيري في الشرقية عند الأخ الشهيد محمد عواد.. الشاعر الأديب وهو من قريبة الزوامل محافظة الشرقية.. وقد تم قطع هذا الخيط بسرعة، فجن جنون شمس بدران ، وظنوا أن مصطفى الخضيري هو رئيس التنظيم فقاموا بتوزيع صورته في كل أنحاء مصر..

أما الخيط الثاني فكان مطلوباً القبض على الشيخ عبد الفتاح إسماعيل في حملات التمشيط لعلهم يعثرون على شيء، فذهبوا إلى بلدته فلم يجدوه.. ومن هناك عرفوا أخيه فضيلة الشيخ (الأزهري) علي إسماعيل.. وهو إمام وخطيب مفوه.. وعالم أزهري جليل.. وذهبوا إليه في القاهرة، في حي المطرية، فقبضوا عليه.. لكن الشيخ عبد الفتاح إسماعيل اختفى هو الآخر.. وانقطع الخيط الثاني.. ولكنهم سألوا الشيخ علي إسماعيل عن أصدقاء أخيه عبد الفتاح، فدلهم على الأخ فاروق عبد الغني الصاوي.. مهندس زراعي وباحث في مركز بحوث الصحراء في المطرية.. وقبضوا على فاروق عبد الغني الصاوي.. وهو شاب من المنيا (الوجه القبلي) طيب القلب بصورة لافتة للنظر.. سليم الطوية.. نحيل الجسم.. من أسرة ميسورة في مركز مطاي بمحافظة المنيا.. كان والده ناظر المدرسة الثانوية في مدينة مطاي.. ودارت رحى التعذيب على فاروق الصاوي.. وكان فاروق الصاوي أثناء فترة التحقيقات مقيماً أمام مكاتب التعذيب والتحقيق.. وبالتعذيب اعترف فاروق الصاوي على وجود تنظيم جديد للإخوان المسلمين ، وأن لكل من الشيخ عبد الفتاح إسماعيل وعلي عشماوي موقعاً متميزاً في التنظيم.. ولكن الشيخ عبد الفتاح إسماعيل وعلي عشماوي اختفيا تماماً. وبهذا انقطع الخيط الثالث..

.. أما الخيط الرابع فكان أيضاً نتيجة استجواب الشيخ علي إسماعيل شقيق عبد الفتاح إسماعيل ، الذي اعترف بوجود صداقة بين شقيقه والشيخ محمد عبد المقصود مأذون قرية اسمها (البيضا) مركز السنبلاوين محافظة الدقهلية.. وهو شيخ كبير في السن.. طويل.. نحيل الجسم.. نظره ضعيف.. وقد عذبوه عذاباً أليماً، لكنه لم يكن عنده شيء يقوله.. فزادوا في تعذيبه وأحضروا بناته وعذبوهن في حجرة مجاورة.. وزاد ألم الشيخ البدني والنفسي.. ولم يكن عنده ما يقوله.. وانقطع الخيط الرابع.

فأحضروا زوج بنت الشيخ محمد عبد المقصود. وكان باحث دكتوراه في الشريعة وهو الدكتور عبد الفتاح فايد(1).

ودارت رحى التعذيب.. ولكن كما يقول المثل العربي: " ليس كل مرّة تسلم الجرة ".. فبعد تعذيب كبير واستنطاقه عن كل شيء، دلهم على مجموعة مصر الجديدة الذين كانت لهم صلة بالشيخ عبد الفتاح إسماعيل وهم (آنذاك):

- محمود فخري (طالب بكلية التجارة).

- محمود عزت (طالب بكلية الطب جامعة عين شمس ).

- مجدي عبد الحق (طالب بكلية الطب جامعة عين شمس).

- صلاح عبد الحق (شقيق مجدي – طالب بكلية الطب جامعة عين شمس)

- فتحي عبد الحق (شقيق مجدي أيضاً – طالب بالكلية الحربية).

وفي جو التعذيب الرهيب هذا. اعترف (محمود فخري) على (علي عشماوي ، أحمد عبد المجيد عبد السميع، عبد الفتاح إسماعيل.. أعضاء مجلس القيادة)، كما اعترف بوجود شقة في إمبابة – محافظة الجيزة – يسكنها باحث بالمركز القومي للبحوث حاصر على الماجستير اسمه مرسي مصطفى مرسي . وكانت هذه الشقة هي الصيد الثمين. وذهبوا إلى شقة مرسي مصطفى مرسي (1).

ثالثاً: ورقة محمود فخري:

محمود فخري.. طالب بكلية تجارة عين شمس.. صاحب خيال واسع وبحور الخيال واسعة يرتادها الناس بلا رقيب.. ولا حرج في ذلك، لكن خيال الأخ محمود طالب كلية التجارة ترجمه كتابة على ورق، فصار وثيقة إدانة، أحدثت ضحية كبرى، لكن من حسن حظ الإخوان أن الناس أن الناس لم يصدقوا كلام الحكومة آنذاك، ليس تعاطفاً مع الإخوان ، ولكن كرهاً للحكومة، .. حكومة الثورة، حكومة قوانين الطوارئ والتعذيب والسجن الحربي. تخيل محمود قيام دولة إسلامية، وجلس بخيال الأديب الشاب يكتب ما ينبغي عمله فكتب يقول:

لابد من وقف انحرافات الإذاعة والتليفزيون .. لابد من منع الأغاني الخليعة فهي سبب انحراف الشباب والفتيات.. ثم سرد قائمة من الأمور التي تخيلها لوقف نزيف أغاني الحب والهيام.. وأغاني الدعوات إلى الجنس الفاضح.. لابد من إجراء قوي لوقف العري في الكلمات.. والعري الفاضح في الملابس سواء في الإذاعة أو التليفزيون أو السينما.. ولعل محمود بالغ في الإجراءات .. التي كتبها في ورقة كراسة.. كمجرد خواطر لشاب متدين، يرى أن الداء يكمن في نشر المجون والخلاعة، وأن تكون حياة الشباب كلها حب وهيام، وجنس وخلاعة.. فهو يريد أمة جادة تخرج هذا البلد من هذه الهاوية السحيقة. ولعل له بعض الحق في تشخيص الداء.. ولكنه لم يكن موقفاً في وصف الدواء.

وتلقفت الحكومة هذه الورقة الساذجة.. التي هي مجرد أحلام لشاب متدين.. ونشرتها على أنها خطة عمل لجماعة الإخوان المسلمين .. وزادوا عليها .. ونسجوا عليها قصصاً طويلة، وصدرت (مانشتات) طويلة عريضة في الصحافة الجاهزة دائماً لترديد ما يقوله الجلادون.. كتبت الصحافة.. الإخوان يريدون قتل الممثلات.. الإخوان يخططون لاغتيال أم كلثوم وعبد الوهاب، وفريد، وعبد الحليم، وشادية، وصباح، وهند رستم، وغيرهم كثير.

وصدقت الصحافة نفسها.. ولم يصدقها الناس.

وأذاعت الإذاعة والتليفزيون أحاديث للفنانين والفنانات تناقش هذه الأفكار الظلامية.. التي ستحرم الناس من الأغاني والحب والهيام والعشق والجنس والغرام.

وظنت الحكومة وشمس بدران أنهم أحدثوا صجة كبرى، ولكن أحداً لم يصدقهم.. بل تهامس كثير من المتدينين الذين يرون الهاوية الأخلاقية السحيقة التي يجري إعدادها بسرعة مذهلة. رأى هؤلاء المتدينون أن محمود فخري على حق.. وأن الإخوان – إن كان هذا رأيهم – فهم على حق كذلك..!! وليتهم فعلوا.. فأغلب الشعب مولع بمشاهدة ومتابعة الأحداث إذا كان لا يشارك فيها ولا يصل إليه غبارها وشعار الكثيرين ( فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ )[المائدة: 24]، بل إن كثيراً من زملائي في العمل حينما يضيق بهم الحال وتتأزم الأمور يأتون لي سالين: لماذا لا تفعلون شيئاً؟!.. فأقول لهم: ضعوا أيديكم في أيدينا نفعل شيئاً.. فيكون الرد: لا.. إن مكسبكم مضمون.. إن متم فأنتم شهداء وإن انتصرتم فأنتم الحكام!! فأقول لهم: إن كان المكسب مضموناً فلم لا تشاركوننا ههذ المغانم وتلك المكاسب .. فلا أجد بعد ذلك جواباً سوى ( فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ ) .


المبحث الثالث : الإخوان في السجن الحربي سنة 1965م

وقفت أمام البوابة السوداء.. وهي اسم على مسمى.. مكتب عليها بخط كبير : " السجون الحربية.. تأديب وتهذيب وإصلاح " .. ومساحة كبيرة محاطة بأسوار عالية ارتفاعها حوالي أربعة أمتار.. وعلى أركان هذه الأسوار أبراج مراقبة عالية يقف فيها عساكر للحراسة ليل نهار.. يتم تغييرهم كل ساعتين. وبداخل السجن الحربي.. عدة مبان:

- السجن الكبير (أكبر السجون مساحة به 258 زنزانة في ثلاثة أدوار).

- سجن رقم (1) ويسكنه عساكر السجن.

- سجن رقم (2) ويسكنه عساكر السجن أيضاً

- سجن رقم (3) وبه حوالي ستون زنزانة.

- سجن رقم (4) وهو أقل من سجن (3).

- سجن رقم (5) وهو دور واحد لسكنى كبار المسئولين الذين يحكم عليهم في القضايا المختلفة.

- مستشفى صغير دور واحد به حوالي اثنتى عشرة زنزانة.

- ملحقة بالمستشفى يسكنها المرضى والذين يشرفون على الموت (وكانت تسمى الشفخانة).

- مكاتب للضباط والمساعدين والشاويشية، لإدارة شئون السجن.

- مطبخ ملحق به عدة مخازن.

- مكاتب للتحقيق، حوالي ثمانية، أمام هذه المكاتب " فسقية بها نافورة مياه".. بجوار المكاتب حديقة بها أنواع كثيرة من الأشجار.. والزهور والورود والرياحين.. وبها حظائر لتربية أنواع كثيرة من الطيور والدواجن.. من فراخ بلدي وبط وأوز، وأبراج صغيرة للحمام.. وبها حظائر لتربية الأغنام والماشية.. وهناك عساكر متفرغون للعمل في هذه الحظائر والحدائق.. وغالباً كان يختلس من طعام المسجونين كي يوضع لهذه الطيور والحيوانات علفاً وغذاء.

- مساحة السجن الحربي (هي مساحة الصالة المغطاة الآن) وهي حوالي ثلاثين فداناً.

- مساحة الزنزانة 160سم × 350سم وارتفاعها أربعة أمتار.. وبها شباك صغير (50سم × 50سم) من الحديد. باب الزنزانة مصمت ومصنوع من الحديد الداخل.. وإذا نظر المعتقل من الداخل في الفتحة لينظر إلى فناء السجن فالويل والعذاب الرهيب لهذا المعتقل.

- كان السجن الحربي مكاناً لتنفيذ الأحكام على العساكر الذين يرتكبون مخالفات أو جنحاً في الجيش تقل عن ثلاث سنوات.. أما من يحكم من العساكر بثلاث سنوات أو أكثر فإنه يذهب إلى السجون المدنية، وظل هذا حال السجن الحربي حتى عام 1953 م.. حيث قام عبد الناصر بتعيين اللواء حمزة البسيوني مديراً للسجن الحربي.. ولقد قام حمزة البسيوني بتجهيز السجن تجهيزاً جاداً لاعتقالات كبيرة، لعله لا يدري عنها شيئاً.

- أما حمزة البسوني ، فهو شخصية مريضة بالفصام، فهو كالحمل الوديع أحياناً.. ثم هو بعد لحظة قلبه كالحجارة أو أشد قسوة.. يسعد سعادة بالغة وهو يعذب الناس.. ويشعر بالفرح حين يرى الدماء تسيل من الضحية.. ويسعد بأصوات الصراخ والأنين كأنه يستمع إلى موسيقى حالمة.. ثم هو سعيد بتخصصه هذا.. وهو التعذيب.. فهو يرى أنه إنسان متخصص في مهنة يجيدها إجادة تامة.. وهو فعلاً كذلك.. ولعله درس بعض أساليب التعذيب المختلفة غير التقليدية.. وإن كان في الأساليب التقليدية الكفاية. ولقد كان رجال شمس بدران ينادونه شخصياً حينما لا تجدي أساليب التعذيب التقليدية(1)، ويكونون في حاجة إلى اعتراف سريع في أمر ما. وأتذكر أن أحد العالمين ببواطن الأمور (لا أتذكر اسمه الآن) قال لي: إن حمزة البسيوني سافر في بعثة تدريبية على فنون التعذيب، وكذلك ذكر صلاح نصر مدير مخابرات عبد الناصر أنواعاً ووسائل مختلفة للتعذيب في كتبه (2)، لذلك جاء القرآن الكريم مشيراً إلى أمثال هؤلاء في قوله تعالى:  وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا  [النساء:84].

وسائل التعذيب في السجن الحربي:

تنوعت وسائل التعذيب في السجن الحربي في عام 1965 م طبقاً لطبيعة الاعترافات المطلوبة ودرجة سرعتها.. كذلك اختلفت وسائل التعذيب من شخص إلى آخر.. وتنقسم هذه الوسائل إلى :

- تعذيب نفسي.

- تعذيب بدني.

- تعذيب روتيني.

أولاً: التعذيب النفسي:

هو محاولة إلحاق أكبر قدر من الإهانة الشخصية بالإنسان المطلوب تعذيبه، لعله ينهار سريعاً، ويكفيهم مؤنة التعذيب البدني، ووسائلة كثيرة منها:

أ- الألفاظ البذيئة والمهينة: ويه تلك الألفاظ البذيئة التي تطعن في شرف الشخص أو شرف زوجته أو أمه وأبيه بصورة في غاية الوقاحة والبذاءة والصفاقة التي لم يتعود عليها الشخص، وخصوصاً المتدين منهم، وهذه تتحول إلى روتين تقليدي في السجن، فالألفاظ البذيئة هي الوجبة التي تتكرر عشرات المرات في اليوم.

ب- الإهانة العملية: وهذه تتمثل في عدة إجراءات تقليدية في السجن الحربي.. عند الاستقبال يتم تمزيق الملابس فور وصولك إلى مكاتب التحقيق فيمزق القميص.. والبنطلون، وكثيراً ما يقف المرء بالملابس الداخلية فقط أو حتى يخلع الفانلة ويبقى ما يستر العورتين.. وإذا أريد مزيد من التعذيب فأحياناً يقف المرء عارياً كما ولدته أمه.

ومنها.. خلع الرتب العسكرية إن كان ضابطاً.

ومنها.. المشي حافي القدمين طوال فترة التعذيب، فممنوع لبس الحذاء.

ومنها .. الضرب على (القفا) .. لأن هذا الأسلوب رمز الإهانة عند الشعوب.

ومنها.. حلق شعر الرأس كله أو حلق جهة من اللحية وترك الجهة الأخرى، بغية التمثيل بالضحية، وأحياناً نتف اللحية بالملقاط أو الكماشة.

ومنها.. حلق نصف الشارب وترك النصف الآخر.

وأحياناً الحرق بالنار لجهة من اللحية وترك الجهة الأخرى.

ومنها محاولة الإهانة جنسياً، سواء للذكر أو الأنثى، أو الاعتداء الجنسي .. ولقد حاولوا هذا مع الحاجة زينب الغزالي فأمسكت برقبة العسكري وحاولت خنقه وأعانها الله عليه حتى خرج الزبد من فمه. ومنها اعتقال الزوجات.. أو البنات.. أو الأمهات.. وضربهن وإهانتهن.. وكان هذا أشد ما يؤلم الإنسان ويحطم نفسه تحطيماً.

وحدث أن عذبوا ابنة أحد الإخوان في حجرة مجاورة، وظلت تصرخ حتى انهارت عزيمة والدها. ومن المبكيات المضحكات، أن أحد الإخوان امتنع عن الاعتراف رغم التعذيب الشديد.. فأحضروا ولده.. وبدأوا يعذبونه تعذيباً بشعاً.. وأفهموا ولده أنهم يعذبونه لأن أباه لا يريد أن يعترف ولا يريد أن يتكلم.. ولما اشتد التعذيب بالسياط على الولد.. قال لأبيه وهو يصرخ: يا أبي اعترف .. تكلم يا أبي.

وصبر الأب باكياً محتسباً وانحدرت دموعه.. واشتد التعذيب على الابن فصاح الابن.

يابا (1).. يا ابن الكلب.. يابا يا ابن الكلب ... اتكلم.... اتكلم وأنت في وسط هذا كله يمكنك أن تفهم السبب الحقيقي في أن الله عز وجل أعد لهؤلاء الظالمين عذاباً مهيناً .

فالقرآن الكريم يؤكد أربع عشرة مرة العذاب المهين الذي ينتظر أمثال هؤلاء.. جزاء لما قدموه للمسلمين من إهانات نفسية ومادية.. ولكن ليس بألفاظهم القبيحة هذه.. ولكن في النار وسائل أكثر إهانة منها قول أهل النار: ( وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ) [الزخرف:77].

يقول بعض المفسرين: إن بين ندائهم وردّ مالك – خازن النار – عليهم مقدار ألف سنة، إهمالاً لهم وتحقيراً لشأنهم.. فبعد ألف سنة يرد عليهم مالك خازن النار ( قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ) [الزخرف 77، 78]، كما كرر القرآن الكريم إهمال الله لهم يوم القيامة ( ... وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) [البقرة: 174].

( أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) [آل عمران:77 ]

أما الأحاديث النبوية في العذاب المهين فكثيرة جداً.. منها على سبيل المثال ما رواه ابن وهب من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله r: " إن المتكبرين يحشرون يوم القيامة أشباه الذر على صورة الناس، يعلوهم كل شيء من الصغار، يساقون حتى يدخلوا سجناً في جهنم يقال له "بولس"، يسقون من عصارة أهل النار من طينة الخبال". أخرجه ابن المبارك(1). وفي رواية أخرى (2): " يحشر المتكبرين يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس، يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال ".

وطينة الخبال: هي عرق أهل النار، وهي خمر جهنم أعدها الله لسكارى الدنيا يشربونها في جهنم يوم القيامة.

ثانياً: التعذيب البدني:

كان صلاح نصر مدير المخابرات قد ألف كتاباً من جزءين عن الحرب النفسية فيها جميع وسائل التعذيب المتبعة في أنحاء العالم. وخص منها بالذكر الأساليب الصينية التي اتبعت مع الأسرى الأمريكان، وكذلك الأساليب الكورية والروسية وسرد جميع الأساليب ولكنه قال نتيجة... وقص قصة.. أما النتيجة.. فإنه قال إن وسائل التعذيب هذه رغم بشاعتها فإنها كثييراً ما لا تنفع ولا تجدي مع أصحاب العقائد.. ومع من يستطيعون شغل تفكيرهم بشيء جدي مثل الأسير الأمريكي الذي تم أسره ثلاث سنوات في حرب كوريا في منتصف القرن الماضي. كان مهندساً معمارياً وحُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات.. فكان يجمع أعواد الثقاب مع لبابة الخبز، واستطاع أن يصنع منهما " ماكيت " لعمارة عالية.. فكان يتسلى ويتذرع بالصبر الطويل. واستغرق جمع أعواد الثقاب ولبابة الخبز والماء حوالي سنة كاملة، وكان الماكيت يتهدم ويعيد بناءه عشرات المرات حتى تمكن في نهاية المدة من عمل هذا " الماكيت " لعمارة عالية من أدوار كثيرة.. هكذا تسلى هذا المهندس الأمريكي الأسير في سجون كوريا (1).

ولقد قاموا في السجن الحربي بتطبيق كل خبرات التعذيب البدني من أجل الاعتراف. والتعذيب من أجل التشفي والانتقام، في الإخوان المسلمين ، وأذكر منهما بعض الأمثلة (2):

- الضرب بالكرباج السوداني:

وهذا الكرباج (السوط) يتم وضعه في الزيت كي يصير ليناً سهل الالتواء في يد الجلاد.. وفي عام (1954 م) كان المراد تعذيبه يخلع ملابسه عدا ما يستر العورة ويحتضن بيده تمثالاً يسمى (العروسة) ويعطي ظهره للجلادين الذين يجلدونه بالسوط (الكرباج) على كل أنحاء جسمه ابتداء من رقبته حتى رجليه.. لقد رأيت بنفسي الأخ عباس عبد السميع (من إخوان شبرا مصر) عام (1968 م) بعد أربعة عشرة عاماً من التعذيب وظهره باقي عليه آثار التعذيب كأنها بالأمس القريب.. أما في عام (1965 م) فقد تغير أسلوب التعذيب من العروسة إلى الفلكة، وفيها تضم اليدان والرجلان ويوثقان بحبل ويعلق الحبل على ماسورة حديدية فتتدلى الرأس والبدن إلى أسفل وترتفع اليدان والرجلان إلى أعلى ويتم ضرب الرجلين واليدين بالسوط. وكثيراً ما يكون شخصان أو أربعة يتبادلون على ضرب الأخ المراد تعذيبه.. وكثيرا ًما يصرخ الإنسان من شدة الألم فيضع أحد العساكر رجله بالحذاء في فمه حتى لا يزعجهم صراخه.

أما أسلوب التعذيب فهو الضرب أولاً بدون أسئلة حتى تقول كل ما عندك.. فإن تطابق مع ما عندهم.. أو مع ما يريدونه من معلومات توقف الضرب وإلا استمر التعذيب.. بلا حدود.. ولقد كان مكتب الرائد رياض إبراهيم والرائد حسن كفافي أشد المكاتب تعذيباً للإخوان على الإطلاق .. ومعهم صول في الجيش اسمه محمد رجب.

.. ولقد كان يُحقق معي في مكتب شمس بدران.. وانتهى التعذيب والتحقيق.. فجلست على الأرض أكتب اعترافاتي .. وكان مكتب الرائد رياض والضابط حسن كفافي خلف ظهري.. ونظرت إلى قسوة وبشاعة التعذيب فحمدت الله كثيراً أنني لست من إخوان "الشرقية" حيث كانوا يعذبون في مكتب "رياض وكفافي" .. ورغم بشاعة التعذيب في كل المكاتب.. إلا أن هذا المكتب كان أبشعهم وأقساهم على الإطلاق.

وفي ليلة من الليالي نادوا عليّ للتحقيق، وإذا بي أجدني أمام مكتب " رياض وكفافي" .. واستعذت بالله من هذا المكان.. وسألوني: تعرف هذا الأخ؟ فنظرت له وقلت: لا، فأمروا بتعذيبي، وأنا لا أعرفه فعلاً.. فأيقنت أن الموت قادم لا محالة. فسأظل أضرب حتى أعرف أو أموت.. وبسرعة صرخت قائلاً: أنا لست من إخوان تنظيم الشرقية.. أنا من إخوان تنظيم الجيزة.. وفاجأت الجميع بالصدمة.. فتوقفوا عن التعذيب.. وبادرني حسن كفافي أو رياض (أحدهما) قائلاً: كيف عرفت أن هنا تنظيم الزقازيق.. فأخبرتهم أنني كان وجهي للحائط أثناء التعذيب بجوار هذا المكتب وكنت أسمعهم يرددون أسماء مراكز وقرى الشرقية وأنا أعرفها لأن أمي من الشرقية!!.. فأوقفوا التعذيب وسألني: ما اسمك بالكامل فقلت لهم: اسمي الرباعي.. وهنا صاح أحد إخوان الشرقية ليس هذا هو الأخ المطلوب.. فالمطلوب محاسب في جامعة الزقازيق اسمه الرباعي: محمد عبد العزيز عبد الله شاهين ، وهو يختلف عن اسمي في الجد والعائلة.. وكانت عناية الله التي أنقذتني من الموت.. ولم أسلم من بعض الصفعات لأنهم لم يجدوا مبرراً لتعذيبي، وتم استدعاء الأخ المطلوب وأعادوني إلى الزنزانة.. وكانت ليلة عصيبة.

- الكلاب المدربة:

ويتم تعذيب الأخ بإصدار أوامر لهذه الكلاب المدربة لكي تغرز أنيابها في لحمه وفي رجليه وظهره وبطنه وتعضه عضاً مؤلماً، والعسكري يمسك الكلاب المدربة بحبل.. ويتكرر عض الكلاب في منظر رعيب.

- المبيت مع الكلاب:

توضع سبعة كلاب في زنزانة صغيرة: 180سم × 3.50متر، ويظل الأخ يبيت مع الكلاب لمدة تصل إلى ثلاثة أسابيع، وفي هذه الأيام بلياليها يتم تجويع الكلاب فتظل تصرخ.. فلا ينام الأخ ولا يأكل. وكلما قذفوا له رغيفاً في اليوم التقطته الكلاب.. أما الشراب فالماء تشرب منه الكلاب قبل الأخ.. لقد عذبوا بهذا الأسلوب كثيراً من الناس منهم.. فضيلة الشيخ محمد الأودن(1).. أكبر علماء الحديث في مصر والعالم العربي في ذلك الحين، ومنهم الحاجة زينب الغزالي.. وغيرهما كثير.

ومنهم من سكن معي بعد سكناه مع الكلاب ثلاثة أسابيع وهو محمد عبد الحكيم الخشنية.. الذي لم يكن له ناقة ولا جمل في القضية سوى أن عمه من الإخوان.. ولما حضر إلينا بعد إقامته لمدة ثلاثة أسابيع مع الكلاب كانت رائحة ملابسة تفوح منها رائحة الكلاب بصورة لا تطاق.. ولقد تحمل الأخ المهندس صلاح العطار تعذيب العساكر في مقابل غسل هذه الملابس نيابة عن هذا الرجل.

- الزنزانة رقم 9:

وهي زنزانة مثل باقي الزنازين لكن لها سور يحيط بها ارتفاعه حوالي نصف متر.. وهي مملوءة بالماء العطن، وبعد التعذيب الشديد، إن لم يعترف الأخ كما يريدون، يتم وضعه بملابسه في هذه الزنزانة ويبيت فيها.. فإن نام غرق ومات. وإن قعد بلغ الماء فاه.. وإن قام واقفاً لا يستطيع الوقوف طوال الليل.. وهو يشرب من هذا الماء ويبول فيه.. وهناك عسكري واقف على باب الزنزانة من الخارج طوال الليل يقرع عليه الباب حتى لا ينام.. إن وقع مغشياً عليه أيقظه العسكري، وهكذا يظل يتعذب عدة أيام بهذه الوسيلة الشيطانية، وهي من الوسائل الرهيبة التي تفقد الإنسان توازنه من كثرة الوقوف، وانعدام النوم، والرائحة العطنة، ومنع ماء الشرب والطعام. ثم تلوث الجروح من هذه المياه.

- الدفن حياً:

هذه الوسيلة ذكرها الأستاذ أحمد عبد المجيد في كتابه (الإخوان وعبد الناصر) ص (137) .. فكتب تحت عنوان مشهد مثير:

" وفي إحدى ليالي سبتمبر 1965 م، رأيت أحد الإخوان الذين يقومون بتعذيبه وفهمت منهم أنه من العسكريين، وعلى صلة بالأخ الأستاذ أحمد عادل كمال (1)، ويشرف على تعذيب هذا الأخ مدير السجن الحربي حمزة البسيوني ، يساعده في ذلك العميد سعد زغلول عبد الكريم ، ولما لم تفلح معه وسائل التعذيب التقليدية أمر اللواء حمزة بإنزاله في حفرة خندق كانت قريبة، ودفنه حياً (2)، وبدأ الجنود في ردم الحفرة عليه وهو في داخلها، ولا أعلم ما الذي تم بعدها، وحيث أخذت إلى الزنزانة قبل أن أرى باقي المشهد الحزين ".


- ثالثاً: التعذيب الروتيني:

لا شك أن حبس حرية إنسان تعذيب بشع.. مجرد الحبس. ناهيك عن وسائل التعذيب.. لكن التعذيب الروتيني معناه أن برنامج الحياة اليومي في السجن هو في حد ذاته تعذيب.. وهذه صورة من حياة يوم كامل في الزنزانة بدون تحقيقات أو (فلكة) أو كرباج (سوط) أو (كلاب) أو زنزانة مياه.

1- في أول ليلة لي دخلت زنزانة ليس فيها أنوار طبعاً... ولكن شعاع بسيط يدخل خلسة من ثقب قطره خمسة سنتيمترات في باب الزنزانة.. فإذا بي أرى جيوش "البق" .. تسرح وتمرح في الزنزانة، وأجهدت عيني طوال الليل في معركة لقتل البق.. وانتصر فيها البق بالتفوق العددي الرهيب.. وبعد فترة أعطوني بطانية فرشت على الأرض نصفها والتحفت بالنصف الباقي وأوهمت نفسي أنه لا يوجد بق حتى أستطيع النوم.

2- توجد قصرية من الكاوتشمن بقايا الإنجليز وهي عبارة عن إناء دائري مصنوع من الكاوتش السميك قطرها العلوي المفتوح حوالي 40 سم وقطرها السفلي (القاع) حوالي 30سم وارتفاعها حوالي 30سم أيضاً، يتبول المرء فيها ليلاً.. وفي الصباح نتخلص من البول في دورة المياه ثم نملوؤها بالماء بعد غسلها (إن استطعت) لنشرب من هذا الماء.. وهذا الماء ممزوج برائحة الكاوتش ورائحة البول في آن واحد.

3- هناك عساكر أمثال (سامبو)، و(زغلول) حينما تفتح الزنزانة فإنه يتطوع بالصفع على الوجه أو الركل (الشلوت) .. أما عن الشتائم فحدث ولا حرج.. وبعضهم يحمل معه كرباج يضرب به كل من يقابله.

4- لا توجد دورة مياة في الزنزانة.

5- المشي في السجن حافي القدمين لمدة ستة أشهر على الأقل حتى تنتهي التحقيقات.

6- تفتح الزنازين ويحمل كل فرد "القصرية" بها البول وأحياناً البراز، ثم يجري بها في طابور تحت ضرب السياط بسرعة حتى دورة المياه، والسعيد من استطاع البقاء في دورة المياه (الحمام البلدي) دقيقة واحدة.

7- الطعام في السجن لا يمكن وصفه.. وفي بعض الأحيان كنا نأكل فاصوليا بها كيماويات تسبب الإسهال، ولا توجد دورة مياه.. تصور مدى العذاب الناتج عنها.

8- الزنزانة لا تفتح إلى خمس دقائق كل يوم.

9- توجد في السجن فسقية (حوض) ضلعه متران بعمق حوالي متر ونصف... تشرب منه الكلاب.. ثم مجرى (قناة) تصب في دورة المياه.. ويشرب المسجون من هذه القناة التي هي غالباً من سؤر الكلاب.

10- طبعاً لا توجد مراتب ولا وسائد (مخدات)، فالمخدة هي يدك أو الحذاء إن تركوه لك.. كما لا توجد مصاحف ولا جرائد ولا مجلات ولا كتب.

11- ممنوع غسل الملابس، إلا يوم الجمعة، لمدة خمس دقائق على الأكثر، فضلاً عن عدم وجود غيارات أخرى.. ولقد استمر هذا الوضع ستة أشهر كاملة، من أول أغسطس 1965 م حتى فبراير 1966 م.


عودة إلى السجن الحربي أغسطس 65 – يويلو 67

تقلبت الحياة في السجن الحربي.. وعشنا فيها مراحل مختلفة طيلة 22 شهراً كاملة.. انتهت في 16 يونيو 1967 م بعد الهزيمة بعشرة أيام..

ولقد كان حمزة البسيوني يقول لنا إننا سنعيش هنا في السجن الحربي حتى نموت.. فيشاء الله ألا يمر عام ونصف حتى خرجنا من السجن الحربي ودخله حمزة البسيوني وكبار الجلادين؛ مساجين أذلاء يعذبهم نفس العساكر الذين كانوا عبيداً لهم. وفي يوم خروجنا بعد الهزيمة (67) بعشرة أيام، قام الأخ مصطفى الخضيري رحمه الله ليؤم المصلين في صلاة المغرب ونحن على وشك مغادرة السجن الحربي.. وقرأ الربع الأخير من سورة إبراهيم، وفيه آيات بينات منها قوله عز وجل: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) [إبراهيم: 28].

ولقد كان لهذه الآيات وقع السحر في نفوسنا، فأبكانا جميعاً.

أما مراحل السجن الحربي فكانت:

- مرحلة التحقيقات:

بدأت مرحلة التحقيقات من يوليو 1965 م عقب القبض على الأخ عطية متولي القرش (من قرية سنفا)، واستمر التعذيب والتحقيقات حتى حضور النيابة في أكتوبر 1965 م، لم ينقطع التعذيب ولكن خفت حدته قليلاً حتى ديسمبر 196 5م حيث انتهت التحقيقات والنيابة من عملها.

كانت الزنازين مغلقة طوال 24 ساعة عدا خمس دقائق صباحاً لتفريغ الإناء (القصرية الكاوتش) المملوءة بالبول والبراز وغسلها ثم ملؤها بالماء.. كان الشرب مسحيلاً في الأيام الثلاثة الأولى لحضورنا. ولما استبد بنا العطش صرنا نشرب ذلك الماء.. فالبديل الموت. واجهنا معارك قاسية مع جيوش "البق" التي آذتنا كثيراً في الزنزانة حتى تم القضاء عليها يدوياً بعد صبر طويل.

في التحقيقات كانوا ينادون على الأسماء المطلوبة عادة ابتداء من العاشرة صباحاً، ويستمر طلب الأسماء والتعذيب حتى منتصف الليل، ومما لفت نظري أن الشهيد سيد قطب حرص كل الحرص على عدم ضم الحاج وهبة حسن صاحب مكتبة وهبة للتنظيم حرصا على استمرارية (دار النشر)... ذلك لأن الحكومة – أي حكومة – عندها حساسية شديدة تجاه "هوية" دور النشر، وتتعامل مع هذا الأمر بعصا غليظة ولعل رأى سيد قطب – والإخوان القادة أيضاً – هو إبعاد أصحاب المطابع ودور النشر عن أي عمل تنظيمي حرصاً على استمرارية مؤسساتهم، وهذا من حكمة الداعية.

كذلك حرص عبد الفتاح إسماعيل رحمه الله على عدم ضم أصحاب رؤوس الأموال من الإخوان المسلمين إلى التنظيم حرصاً على أموالهم رغم سخاء الكثيرين منهم معه، ولكنه لم يكن يردد أسماءهم، ولم يسثن من هذا الموضوع بصورة عفوية ومفاجئة سوى المرحوم صادق المزيني صاحب محل "الصالون الأحمر".. ولقد كان هذا المحل يضارع عمر أفندي في هذه الأيام، وقد صودرت أموال المرحوم المزيني بصورة إجرامية.. وكلنا كان يقول له: " ربح البيع يا صهيب.. ربح البيع يا صادق المزيني " وكذلك أوذي " آل كردية"، خالد وزكي سعيد ، في أموالهم كثيراً. عوضهم الله خيراً.

في التاسعة صباحاً كان يُنادي على الجرحى الذين تنزف دماؤهم لغيار الجروح.. وكنت ترى القيح والصديد على أجساد وأرجل وأيدي المعذبين تحت التحقيقات.. وكثيراً ما كانوا يعالجوننا ليبدأوا الضرب من جديد.. وكان الضرب على الجروح القديمة مؤلماً بصورة مرهقة وفظيعة وبشعة.

الإفطار في الصباح عبارة عن فول مدمس أو عدس.. مع جرعة شاي (أحياناً) من كوز صاج يعلوه الصدأ ويمسك العسكري الكوز (الإناء) بيده لتشرب شربة واحدة، وأحياناً مع الإفطار قطعة جبن مطبوخ "نستو" أو قليل من العسل والطحينة كإفطار بديل.

الآنية كانت قروانة (إناء) من التي تستعمل في معسكرات الجيش، وكان العسكري يعطي كل أربعة أفراد كمية من العسل والطحينة لا تكفي الواحد.. ولو قلبت الإناء لم يسقط منه على الأرض شيء... وكانت منتهى الأمل بضعة ملاعق من العسل والطحينة.. لدرجة أن الأخ الصيدلي علي صادق حتحوت (شقيق د. حلمي حتحوت) .. كان يمزح ويقول: "الملك.. عنده جركن عسل وطحينة !!".

- الغذاء عادة فول مدمس أو عدس أصفر.

- الخبز ثلاثة أرغفة في اليوم، لكل معتقل.

- العشاء أحياناً بضعة ملاعق من الأرز وخضار مسلوق وأحياناً قطعة تسمى "لحم مجازاً" .. وأحياناً سمك بدل الخضار والأرز مرة كل أسبوعين، وغالب الأيام عدس أصفر.. طبعاً كان العساكر ينهبون أكثر من نصف ما تصرفه لنا إدارة السجن.. لكن بصفة عامة كان الطعام أفضل مما كان يأكله إخواننا المعتقلون في السجون المدنية (طره – القلعة – أبو زعبل) وذلك لقلة الإمكانات والاعتمادات في مصلحة السجون. أما فيما يخص النوم فكان مصروفاً لكل واحد بطانية وأحياناً تصرف بطانية زيادة لكل زنزانة لكي يناموا عليها فوق أرض الزنزانة.

أما أرض الزنزانة فهي عبارة عن طبقة من الأسمنت والرمل (محارة) وليس فيها بلاط. - شباك الزنزانة العلوي مفتوح ليلاً ونهاراً، وهو عبارة عن أسياخ حديد فقط ليس عليها أي شباك.. وكان هذا الشباك يمطرنا في الشتاء بالصقيع والبرد الشديد.

  • ليس لنا صلة بالعالم الخارجي:

- لا زيارات مع الأهل.. ولا خطابات.

- لا ملابس ولا أغذية من الخارج.

- لا يوجد (مقصف) ولا كانتين لشراء أي شيء.

- لا توجد جرائد أو مجلات أو كتب.

- المشي في السجن حافي القدمين طوال فترة التحقيق.

- لا يوجد ساعات أو نظارات مع أي معتقل، إلا القليل النادر الذي لا يكاد يرى فيسمح له بنظارة طبية. - لا يوجد راديو أو تليفزيون حتى لا نعلم شيئاً عن العالم الخارجي.

- ليس في الزنزانة أي إضاءة من أي نوع سوى ضوء النهار وأحياناً يدخل شعاع ضئيل من الشمس – على استحياء – في الصباح أو في المساء.. ثم يختفي.

- عدد قليل جداً من الإخوان نسوا معه المصحف فدخل به إلى الزنزانة وهذا كان سعيد الحظ جداً.

- كان من وسائل الإرهاب.. أنه بعد تمزق ملابس كثير منا في التحقيقات أحضروا لنا ملابس الإعدام الحمراء.. للإيحاء بأن مصيرنا الإعدام إما شنقاً أو رمياً بالرصاص.. وبالفعل كانت هذه وجهة نظر المشير عبد الحكيم عامر.. وكان يقول: مات من الجيش المصري آلاف مؤلفة في اليمن ولم يتكلم مصري واحد.. فلو زادوا ألفين فلن يحدث أي شيء غير عادي عند هذا الشعب المصري الطيب.. ولكن كانت مصحلة شمس بدران في المحاكمات والقضايا والإعلان الإعلامي المكثف في الإذاعة والتليفزيون والجرائد والمجلات.. وهكذا فإن اختلافهما كان رحمة من الله.

واستمر الحال على هذا بعد أن أكملت النيابة تحقيقاتها في خيام داخل السجن الحربي.

مرحلة المحاكمات

- بدأ تسليم "الإدعاء القانوني" أو ما يسمى قانوناً "أمر الإحالة إلى محكمة أمن الدولة العليا " في أول فبراير 1966 م، واستمر تسليم أوامر الإحالة إلى المحكمة حتى نهاية شهر فبراير 1966 م، وتحدد أول إبريل لبدء المحاكمات ... ثم حلاقة الشعر لجميع من هم تحت المحاكمة.. وفي نفس الوقت تم ترحيل من هم ليسوا مطلوبين للمحاكمة، وكان عددهم يتعدى الألف، وبقي في السجن حوالي أربعمائة رهن المحكمة، مع حوالي مائة أخ تحت ظروف استكمال استجوابات وتحقيقات للمباحث وليس لملحاكمة.

- تم السماح للأهالي بإدخال غيارات من الملابس الداخلية(1) والبيجامات والجلاليب والقمصان والبنطلونات والصابون والأدوية.

- بدأت مرحلة الطوابير وفيها نخرج طوابير ابتداء من السابعة صباحاً حتى الخامسة مساء.. مع السماح بفترة أطول في دورات المياه سواء لقضاء الحاجة أو الشرب.

- يتم يوم الخميس السماح لنا بغسل الملابس ونشرها في أي مكان، من الصباح حتى الظهر.

- طابور بعد الفجر لنظافة حوش السجن، ونقوم بكنس السجن بأيدينا حيث لا توجد مقشات.. فالأيدي هي المقشة المعتمدة والمفضلة في السجن الحربي ... بعد ذلك نقوم برش السجن بالماء مستخدمين الإناء (القصرية) الكاوتش التي في الزنزانة .

- يبدأ طابور الصباح في السابعة صباحاً حيث نقف لمدة ساعة، ويبدأ طابور الجري للشباب.. والمشي بالخطوة السريعة للشيوخ والمرضى.. يحوطنا العساكر بالمدافع الرشاشة والكرابيج، وأحياناً يركب اللواء حمزة البسيوني حصانه لكي يتفرج علينا.. وكثيراً ما يأمرنا بجلد أربعة أو خمسة من الإخوان اللذين لا يعجبه منظرهم أو أداؤهم، لإرهاب الباقين.. وهذا الإرهاب يحدث عادة مرة في الأسبوع. كما يفعل ذلك صفوت الروبي مرة في الأسبوع، لاستمرار الإرهاب.

مدرسة الطوابير:

استطاع الإخوان أن يحولوا الطوابير من وسيلة تعذيب إلى عدة مدارس:

- فمدرسة لفكر الشهيد سيد قطب يديرها الأستاذ محمد قطب.

- ومدرسة الدعوة والحركة كان يديرها الشهيد محمد هواش.

- ومدرسة التاريخ كان يديرها الحاج أسعد محمد أحمد (صاحب مكتبة).

- ومدرسة أخرى تنسج على نفس المنوال السابق، كان يديرها الشهيد عبد الفتاح إسماعيل كأنه كان يودع الإخوان.

- وتاريخ الدعوة كان يتحدث عنه الكثيرون من فطاحل الإخوان المسلمين أمثال الأستاذ فريد عبد الخالق والأستاذ محمد شمس الدين الشناوي وغيرهما كثير.

- وكلام عن الفقه وعلوم الدين كان يتكلم فيه مجموعة من أفاضل علماء الإخوان المسلمين أمثال المرحوم محمود أبو عبية.. والمرحوم محمد المطراوي (إمام مسجد السيدة زينب وعضو مجلس الشعب (84-87)، والشيخ د. عبد الستار فتح الله سعيد ، وعبد الستار محمد نوير (تتلمذت على يديه فترة طويلة)، والشيخ عبد الوهاب الشاعر رحمه الله.

ولقد كانت للأخ على جريشة ثقافات عالية عن الشريعة والمشروعية العليا ينشرها بشيء من الحذر. - أما مدرسة الأكبر فكانت مدرسة حفظ القرآن الكريم.. فلقد تم فتح عشرات "الكتاتيب" لتحفيظ القرآن الكريم.. فالذين يحفظون القرآن الكريم يسيرون في الطوابير جنباً إلى جنب.. الشيخ يقول آية والتلميذ يرددها حتى يحفظها وهو يجري أو يمشي ثم آية بعدها وهكذا... وكان من أصحاب الفضل في هذا الشيخ حافظ أيوب ، كذلك كان الأخ علي يوسف رحمه الله من إخوان المنوفية يقوم أحياناً بهذا الدور الكريم.. وغيرهما كثير.. هذا نموذج.

أما النموذج الثاني فهو تبادل الحفظ.. هذا يحفظ خمسة أجزاء والآخر يحفظ خمسة غيرها، فيتبادلان ما عندهم من قرآن، فيصير كل واحد منهم حافظاً لعشرة أجزاء، ثم ينتقلون مع مشايخ ليحفظ كل منهم جزءاً آخر أو جزءين ثم يتبادلونها في ثنائيات قرآنية.. وبهذه الطريقة حفظ كثيرون القرآن الكريم، وأذكر من هذه الثنائيات د. محمود عزت إبراهيم مع الأخ الكريم عبد العزيز عبد القادر ، وأحياناً محمود عزت مع جابر رزق رحمه الله.

ولقد كنت أتبادل الحفظ مع الأخ الدكتور مرسي مصطفى مرسي حتى أتممنا حفظ القرآن الكريم بفضل الله. ولذلك كانت الطوابير تسمع فيها دوياً كدوي النحل من كثرة الثنائيات التي تحفظ القرآن الكريم، والذي لا شك فيه أن هذه الكتاتيب جعلت الإخوان ينسون أو يتناسون أن الطوابير لون من ألوان التعذيب بالإرهاق الجسدي الشديد مع التجويع المستمر ونقص الطعام الملحوظ.. ولكن القرآن كان غذاء وشفاء كما كان يردد الشيخ حافظ أيوب " القرآن مثل اللبن الحليب".. فالقرآن يغذي فطرة القلوب واللبن الحليب يغذي فطرة البطون.. وكثيراً ما يكفي القرآن عن اللبن الحليب فيغذي القلوب والبطون معاً.. ألا تراك – يا أخي – لا تشعر بالجوع ولا بالتعب حينما تعيش مندمجاً أو منغمساً في جو حفظ القرآن الكريم.

وقصة أو معجزة تخص طوابير التعذيب هي قصة الأخ جابر رزق ؛ فلقد كان قرار الأطباء قبل القبض عليه بأيام هو تثبيت إحدى رجليه ومنع عمل مفصل الركبة، وبهذا فقد إحدى رجليه عملياً مع بقائها واقعياً.. وكان لا يكاد – قبل السجن – يتحرك عليها، بل كان يتحرك برجل واحدة طوال اليوم تقريباً.. ثم جاءوا به إلى الطوابير.. فذهب يطلب الإذن له بالسير في طابور (المرضى والعواجيز) فرفض صفوت الروبي ذلك.. وكان الجري في الطوابير مرهقاً على الشباب الأصحاء.. ولكنه ظل في الشهور الأولى وهو يجري في طوابير الشباب يناجي ربه مناجاة حارة تهز القلوب.

كان العسكري يقول: شمال. يمين. شمال. يمين وجابر رزق يقول من قلبه بتضرع: عفوك. عونك. عفوك. عونك. وكانت عيناي تدمع إذا صادفني المشي وراءه في الطابور.. لأنها كانت مناجاة ومناشدة لله عزو وجل من سويداء القلب.. بحرارة إيمان بقدرة الله وعونه.

ومن عجب أنه بتكرار هذا الدعاء شُفيت رجلاه إلى حد كبير وظل يمشي عليهما بعدها ثلاثة وعشرين عاماً حتى لقي ربه (1988 م) رحمه الله رحمة واسعة.

ولقد ظلت الطوابير حتى آخر يوم لنا في السجن الحربي في 16/6/1967 م.

المحاكمات:

- بدأت الدائرة الأولى في المحاكمات برئاسة الفريق أول محمد فؤاد الدجوى وحوكم فيها قيادة التنظيم تحت إرهاب أمني مستمر. فالويل كل الويل لمن يقول شيئاً في المحكمة ليس على هوى شمس بدران وأتباعه.. بل حتى الدجوى رئيس المحكمة كان يتعامل بغلظة وسخرية مع كل الإخوان.. الذين كانوا يبدلونه نفس المشاعر.

- كثير من أهالي الإخوان لم يستطيع توكيل محامين للدفاع عنهم، فانتدبت المحكمة المحامين الذين عليهم الدور في الجدول كما هو عرف المحاكم. لكن بعض الأهالي وكلوا عنهم محامين أكفاء مثل:

- محمد شوكت التوني.. الذي قدم بحثاً قانونياً عن مدى مشروعية تهمة الشروع ووضعها في القوانين العالمية.. وكان بحثاً رائعاً ولكن هيهات.. لقد قبضوا عليه بعد ذلك وأودع معنا في السجن الحربي.

- د. محمد الرجال.. أستاذ القانون آنذاك الذي قدم بحوثاً ومرافعات قيمة انتهى إلى أن القضية عبارة عن:

- كلام في كلام وقيل وقال وليس فيها أي فعل.

- القضية كلها مبنية على اعترافات على عشماوي على الآخرين.

- اعترافات مكتوبة تحت التعذيب الشديد بل القتل أحياناً.

- الأستاذ عبده مراد المحامي.. ولقد أبلى بلاء حسناً في القضية.

- الأستاذ محمد عطية خميس المحامي .. الذي كان يضايقنا أحياناً ثم يطلب لنا البراءة أو استعمال الرأفة.. على استحياء شديد.. رحمه الله.

- في القضية الثانية كنت متهماً ضمن المتهمين، كان رئيس الدائرة فيها هو الفريق علي جمال الدين محمود رئيس هيئة أركان الجيش آنذاك، ووجد أن القضية كلها "كلام في كلام" وليس فيها أي فعل جنائي، وأن رئيس القضايا كلها "سيد قطب" لا يستحق أكثر من ثلاث سنوات سجناً إذا ثبتت التهمة ثبوتاً لا يقبل وقالوا: إن جهة ما قتلته بالشريط اللاصق، والله أعلم بالحقيقة، وأعيدت المحاكمة مرة ثانية بالنسبة لهذه الدائرة فقط بإجراءات جديدة.

- حاول أحد المتهمين في القضية الثانية إنكار التهمة والتشكيك فيها أمام المحكمة.. وكان هذا هو الأخ الكيميائي منصور عبد الظاهر منصور من إخوان مدينة الخانكة قليوبية..فكان جزاؤه رادعاً: تعذيباً بشعاً في السجن الحربي بعد عودتنا من المحكمة مباشرة. ليس هو وحده ولكن القضية كلها تم تعذيب جميع أفرادها، بأن خلعوا ملابسهم في العراء.. ما عدا ما يستر العورة وألصقوا وجوههم بالحائط.. ثم كان التعذيب ولكن بجرعة مشددة مع الأخ منصور عبد الظاهر.

- تكرر هذا الأمر مرة ثانية في القضية الرابعة حينما حاول المهندس الزراعي محمد بدير زينة الإنكار والتشكيك أمام القاضي في المحكمة.. ولكنهم هذه المرة نكلوا به تنكيلاً شديداً، بأن أغرقوه في بئر المياه المسمى "الفسقية" ثم انهالت عليه السياط، لكي يكون عبرة لكل من تسول له نفسه الإنكار في المحكمة.. وهكذا تكررت مهزلة التعذيب أمام النيابة مرة أخرى.. ولقد كان محمد بدير زينة صابراً محتسباً وأمضى ليلة كاملة في التعذيب والتنكيل بالسياط والغمر في مياه "الفسقية" التي في السجن الكبير.

  • وبعد أن انتهت المحاكمات ظللنا من شهر يونيو 1966 م حتى أول سبتمبر 1966 م حيث صدرت الأحكام.
  • تم ترحيل من صدرت ضدهم أحكام البراءة أو السجن سنة أو سنتين إلى المعتقلات في طره وأبو زعبل.


  • إن نسيت فلا يمكن أن أنسى الهدية الجميلة التي أهداها لي الشهيد محمد يوسف هواش ؛ فلقد أهداني بيجامة جديدة وجميلة قبل الحكم عليه بالإعدام بفترة قليلة، وكان يطمع في الإفراج عني وألا آخذ حكماً، ولما صدر علي الحكم بالأشغال الشاقة أثنى عشر عاماً أهديتها لزميلي المهندس عز الدين عبد المنعم علي ، لأنه حكم له بالبراءة، حيث كان بمقدوره الانتفاع بها، أما أنا فسوف ألبس ملابس السجن الزرقاء.
  • وبعد صدور الأحكام لم يبق في السجن سوى من صدرت ضدهم أحكام بثلاث سنوات فأكثر.. فبدأت مرحلة عملية "غسيل المخ".

غسيل المخ:

بعد أن انتهت التحقيقات قامت الحكومة بعمل "استبيان" شمل جميع ظروفنا الاجتماعية والثقافية، وكذلك شمل ظروف النشأة.. ولما كانت هذه الاستبيانات ليس سلوكاً مصرياً – آنذاك – علمنا أن أصابع خفية بدأت تدرس هذه القضية دراسة سيكولوجية وعلمية.. ولقد كان النقيب جلال الديب ومعه ضابط آخر في مكتب شمس بدران يتدارسان إجاباتي على هذا الاستبيان.. فسألاني سؤالاً مباشراً عن أسباب انضمامي للتنظيم.. فقلت لهما: إن والدي – رحمه الله – توفى في أغسطس 1964 م وكان موته صدمة لي جعلتني أتجه إلى التدين.. فهل كان عندكم حل في منع والدي من الموت؟!.. إن المصائب تجعل المصابين يتجهون إلى التدين. وسوف يتبع المصاب أول متدين يقابله في الطريق.. ولقد كان أول من قابلته هو فاروق المنشاوي رحمه الله، فازداد الضابط حيرة.. ولم يجد جواباً.. ولكن على ما يبدو كان هناك فريق أكبر منه يدرس ظاهرة "التدين" في "شباب 65" كما كانوا يسموننا.

أمر آخر، أن معظم "شباب 65" كانوا من الطبقة المتوسطة.. فهل يكون القرار هو محو هذه الطبقة المتوسطة من الخريطة السكنية في مصر!!

كيف يحدث ذلك.. وهذه الطبقة المتوسطة هي التي دعمت حكم عبد الناصر.. ولكن يبدو أن قرارات من كانوا يدرسون هذه الظاهرة ظنوا أن عبد الناصر خدعهم بإعلانه محو الظاهرة الدينية في مصر والإخوان المسلمين بالذات.. ويجب أن يرحل عبد الناصر ، فهل فشل عبد الناصر في تنفيذ خطة محو التدين في مصر ؟

هل كان يجب أن يرحل عبد الناصر لأنه فشل ..!!

هل كانت نكسة (1967 م) تلك الطامة الكبرى.. التي دبروها لعبد الناصر بإحكام شديد.. هذا إن كان هو بريئاً من تدبيرها.. هل كانت هذه الهزيمة قراراً بسرعة إبعادجمال عبد الناصر ومن معه عن الحكم؟

هل الخوف من مفاجآت أخرى لهذا الاتجاه الديني جعلهم يعجلون بهزيمة (1967 م) ليقطف اليهود الثمرة قبل أن يسيطر التيار الديني على الحكم في مصر، بمفاجأة أخرى قد تنجح ويستولى بها على الحكم ويدمر أحلام الصهاينة، خصوصاً أن الشعب المصري يقف دائماً موقف المتفرج وليذهب عبد الناصر إلى الجحيم. ولقد كتب محمد حسنين هيكل عن هذا المعنى مقالاً مطولاً يعلن خوفه من استغناء القوى العالمية والخفية عن عبد الناصر تحت عنوان مقالة الأسبوع " بصراحة " ولكني لا أذكر تاريخ المقال بالضبط. فلقد كان حصولنا على الجرائد في السجن الحربي مغامرة كبرى. ولكننا كنا نأخذ الجرائد من (الزبالة) التي كان أصحاب القضايا الأخرى الذين لهم حق شراء الجرائد يقذفون بها بعد قراءتها أو الأكل عليها، فيقوم أحد الإخوان بالبحث عنها تحت رقابة إخوانية مشددة خوفاً من إدارة السجن، وبهذا كنا نحصل على المقالات المهمة من الجرائد وخصوصاً مقال محمد حسنين هيكل.. المقرب جداً من عبد الناصر آنذاك.. والذي يخفي وراءه من الأسرار ما لن يظهر إلا يوم "القيامة الكبرى" وبالمناسبة كان هناك في السجن الحربي بعض الضيوف هم:

1- الرائد عبد المنعم أبو زيد مدير مكتب شمس بدران السابق.

2- المتهمون في قضية تهريب مخدرات لأعراب من سيناء.

3- يهودي بتهمة التجسس.

أما عملية غسل المخ فلقد تمت منها الإجراءات الآتية:

  • كتب صلاح نصر مدير مخابرات عبد الناصر مؤلفاً من جزءين عن الحرب النفسية.. فيه بحث طويل عن غسيل المخ في العالم كله عبر التاريخ.. وأغلب الظن أن كبار أساتذة علم النفس في مصر شاركوا في كتابته. بل لعلهم هم الذين كتبوه له.. ولا عجب في ذلك فكل مخابرات العالم عندها جيش جرار من حملة الدكتوراه في العلوم النفسية والاجتماعية.. مهمتهم العبث بعقول وأمخاخ الذين يعارضون النظام.. وكثير من معارضي الحكومات فقد عقله أثناء اعتقاله بعمليات غسيل المخ هذه(1) ، ولقد كان من الوسائل البدائية والناجحة لهذا إيداع المعارضين في مستشفيات الأمراض العقلية، كما حدث مع أحد منفذي ثورة يوليو الشيوعي العقيد يوسف صديق ، وكثيرون غيره لا يعلمهم إلا الله، أودعوهم مستشفى الأمراض العقلية آنذاك.
  • تولى ضابط كبير اسمه عقيل مظهر مهمة الإشراف على برنامج غسيل المخ للإخوان ، وصمم برنامجاً لمحاضرات الإخوان في غسيل المخ لمناقشة كل القضايا الفكرية عند الإخوان واختار لها أساتذة من الجامعات وبعضاً من رجال الدين في مصر ومن هؤلاء:

1- الشيخ محمد بن فتح الله بدران أستاذ علم مقارنة الأديان بالأزهر الشريف وعم العقيد شمس بدران.

2- الشيخ محمد عبد الرحمن بيصار وذلك قبل أن يصير شيخاً للأزهر فلقد كان أستاذاً في الشريعة بالأزهر.

3- الأستاذ الدكتور أحمد ذكي شلبي – أستاذ التاريخ بكلية دار العلوم.

4- الشيخ عبد اللطيف السبكي عضو هيئة كبار العلماء.

5- عبد الغني سعيد وكيل وزارة الشئون الاجتماعية ومحاضر اشتراكي.

6- الدكتور محمد أحمد وصفي أستاذ بكلية الطب البيطري.

  • ليس الموضوع موضوع محاضرات فقط .. ولكن العملية عبارة عن برنامج متكامل العناصر، ومناخ متناسق مع الهدف من المحاضرات.. ولقد طبق هذا البرنامج علينا كاملاً وبدقة.. ولكنه رغم ذلك فشل.. كيف؟ .. هذا فضل الله وحده علينا.

يقول صلاح نصر في الفصل الثاني من الجزء الثاني لكتابه "الحرب النفسية" بعنوان "اصطلاح جديد.. غسيل المخ ".

" تختلف الأساليب المتبعة في تقويم الفكر تبعاً للظروف وتبعاً للجماعة(1) التي تكون هدفاً للبحث، لكن الأصول الأساسية واحدة متماثلة في كل الحالات فهي تهدف إلى السيطرة على جميع الظروف المحيطة بالحياة الاجتماعية والجسمانية للفرد أو للجماعات، لإثبات أن الأفكار الفردية غير صحيحة ويجب أن تتغير.. كما تهدف إلى تنمية الطاعة والإخلاص لعقيدة معينة، فللسيطرة على بيئة الشخص الاجتماعية تبذل كل محاولة لتحطيم ولائه لأي فرد أو جماعة خارجة. ويصحب هذا أن يوضح للشخص أن اتجاهاته وطوابع تفكيره غير صحيحه ويجب تغييرها، كما يجب أن يعطي ولاءه الكامل لعقيدة معينة، ويخضع لها دون تردد، وعلى سبيل المثال استخدمت الأساليب التالية في السجون السياسية المختلفة:

1- عزل الشخص عن الحياة العامة:

وذلك بأن يزج بالفرد في زنزانة ذات أبواب حديدية وفي داخل أسوار حديدية بعيداً عن كل معارفه القدامى، وعن مصادر المعلومات وصور الحياة العادية، وهو في هذه الحالة يصبح نهباً للتعليقات والتحذيرات المفزعة، وتغشى عقله غيوم تحجب ما يدور خارج سور زنزانته، ولم يختلف التكنيك الذي يستخدم اليوم عن ذلك الذي استخدم أيام محاكم التفتيش، أو الذي استخدمه النازيون مع أسراهم في معسكرات الاعتقال، ولقد كان يتم ترك الأسير لمدة طويلة دون أن توجه له أية اتهامات، ودون السماح بتسرب أي أخبار إليه عن أسرته أو عن العالم الخارجي، فيشعر الفرد بأنه أصبح وحيداً في هذا العالم ولا يوجد بجواره من يعاونه في محنته، ويشجع على ذلك أن أخلص أصدقائه وأحبائه لا تواتيهم الجرأة ليسألوا عن مكانه أو يشيروا إلى أنهم على معرفة به خشية التعرض للاعتقال والاستجواب، ومن ثم يتم عزله.

وبعد فترة من القلق المستمر، وبتطبيق بعض الأساليب الأخرى التي سنذكرها بعد ذلك يبدأ الاستجواب، ومن المحتمل أن يتحطم الإنسان تلقائياً، وبدرجة ملموسة نتيجة القلق والتفكير الطويل فيما يعترف به، ويصبح في حالة بؤس وتعاسة.

وغالباً ما يناله الضعف والوهن نتيجة هذه الآلام الطويلة وما يصاحبها من ضغط فسيولوجي، بحيث يصبح عقله ملبداً بالغيوم فلا يستطيع أن يميز بين أي شيء، ويهبط إلى قرارة نفسه أي إيحاء يُقدم إليه بواسطة الأخبار أو الحيلة.. " .

2- الضغط الجسماني:

وهذا يتفاوت من الحرمان من الطعام ومن النوم إلى التصفيد بالأغلال كعقوبة لعدم التعاون مع المستجوب، والهدف من هذا كله هو الوصول بالفرد إلى درجة من الإعياء والانهيار بحيث يكون عقله قابلاً لتقبل أي توجيه من المستوجب.

والواقع أن الجوع يلعب دوراً أساسياً في الحياة العادية دون أحوال بيولوجية معينة منها الغذاء اللازم لبناء خلايا الجسم وتجديدها.

والتغذية السليمة هنا ليست بكمية الغذاء الذي تمتلئ به المعدة فإننا نعرف أن الجسم يحتاج إلى نسبة معينة من المواد العضوية والفيتامينات التي تمكنه من تأدية وظيفته، والواجبات الغذائية غير المتوازنة تخلق نوعاً من الجوع.

فالعبرة هنا ليست بالبطون المنتفخة ذات البنية الضعيفة والذهن المشتت ولكن التغذية الجيدة هي التي تعمل على توازن الوجبات التي تعطى للجسم طاقته اللازمة.


ولقد استخدم التجويع بهذا المعنى كعنصر من عناصر عملية غسيل المخ إذ كان يعطي للسجين ما يكفيه من أطعمة تمكنه من الاستمرار على قيد الحياة وليس بالكمية التي يتطلبها الجسم لجعل ذهنه يؤدي وظائفه بدرجة كافية، وكانت الأطعمة التي تقدم له تعدل بين فترة وأخرى لتحقيق الهدف المطلوب، إذ كانت نسب الطعام توضع تبعاً لصفات المقاومة التي يتصف بها الفرد، فكلما ازدادت مقاومته تعمد المستجوبون تجويعه.

إن الجوع يجعل الإنسان يسير نحو حتفه بمحض إرادته، بل قد يدفعه إذا وصل إلى درجة مفزعة إلى أن يتخلى عن معتقداته وقيمه، خاصة إذا عاون ذلك ظروف مضنية أخرى، والإجهاد لا يقل تأثيراً على الإنسان عن الجوع، بل قد يبرزه، إذا أن الجسم يحتاج لعدد معين من الساعات للراحة والنوم، وقد يظل بعض الناس في فترة من الفترات دون نوم لمدة يوم كامل، وظل الكثيرون على قيد الحياة بقسط لا يذكر من النوم، إلا أن الاستمرار في ذلك من شأنه أن يقضي على صفاء الذهن ويؤدي بأقوى الأشخاص إلى الجنون والانتحار، لأن الإنسان يصل في النهاية إلى درجة من الانهيار وتشويش ملكته العقلية وفقدانه كل إحساس.

ويستغل المستجوبون في السجون السياسية هذا كله مهيئين بيئة يصبح فيها النوم شبه مستحيل، إذ يوقظون الفرد في ساعة غير عادية أو يجبرونه على الاستيقاظ كلما نام، أو يوقظ في غلظة وخشونة، ثم يستجوب لفترة قصيرة ويعاد ثانية لزنزانتنه، والهدف من ذلك كله هو إجهاد المتهم أو الأسير حتى يصل في النهاية إلى درجة من الانهيار تمكن المستجوب من الإيحاء إليه بما يريد.

3- التهديدات وأعمال العنف:

يتخذ هذا الأسلوب شكلين متناقضين، فإما أن يكون مباشراً كاستخدام العنف والضرب والركل حتى الموت، وربط السجين بشدة من أسفل بحيث لا يستطيع حراكاً ثم يوضع حجر ثقيل فوقه ويترك هكذا لمدة طويلة إلى غير ذلك من الوسائل غير الإنسانية.

وأما التهديد والعنف بشكل غير مباشر، فمثلاً قد يتحدث المستجوب مع السجين بمنطق هادئ بينما يجعله يكتشف عن طريق آخر أن صديقه الذي لم يتعاون قد ضرب أو أعدم، وكانت لهذه الطريقة وسائل كثيرة فمثلاً: قد يعامل الفرد معاملة ودية طيبة ويتكرم المستجوب فيعطيه لفافة تبغ، وفي أثناء الحديث يسمع هذا الفرد زميله في الغرفة المجاورة يصرخ من الألم لرفضه الإجابة عن نفس الأسئلة الموجهة إليه، أو أن يوضع عدد من الأسرى في زنزانة واحدة وعندما يعود أحد الزملاء مخضباً بدمائه كقطعة من اللحم أو تعاد ملابسه في لفافة صغيرة يكون هذا كافياً للآخرين كصورة من التهديد غير المباشر. ومن الأساليب الوحشية التي تستخدم في مثل تلك الحالات وضع الفرد في غرفة على شكل إناء كبير ثم يوثق داخل الإناء بحيث لا يستطيع التحرك ويصب الماء بعد ذلك ببطء داخل الإناء حتى يصل مستوى الماء إلى طرف أنفه.

على أن الشخص الذي تقام عليه هذه التجربة وتكررت لفترات طويلة قد تصل إلى الشهر لا يستطيع في كل مرة أن يعرف عند أي مستوى سيصل الماء؛ فتارة يقف المستوى عند عينه وأحياناً يصل إليه فمه مما يجعله يصارع بشده لإبقاء رأسه خارج مستوى الماء.

ومن هذه الأساليب نفسها مثل مأخوذ من الحرب العالمية الثانية، إذ يجرد أسير الحرب من ملابسه ويوضع في العراء في طقس درجة حرارته تحت الصفر ثم يدلي بقدميه في حوض كبير ممتلئ بالماء سرعان ما يتجمد أو يوضع الأسير في أحد الأركان ويستجوب في أثناء تساقط قطرات من الماء فوق رأسه كل دقيقة ويستمر ذلك لساعات طويلة.

4 – الإذلال والضغوط:

تعتمد هذه الوسيلة على إتباع كل نظم السجن التي تتطلب الخضوع التام مع الإذلال في الأسلوب.. تناول الطعام والنوم والاغتسال وما إلى ذلك طبقاًَ لنظم محددة، مع عدم القيام بأي عمل دون الحصول على إذن من الحارس، وإحناء الرأس وإبقاء الأعين موجهة إلى الأرض أثناء التحدث إلى الحراس، كما تستخدم ضغوط أخرى مثل الاستجواب لمدد طويلة، ومثل عقد اجتماعات يحاول فيها الأفراد الأقل الذين تقدموا في عمليات التقويم حث الأفراد الأقل تقدماً باستخدام عدة وسائل مختلفة، كالتمسك والمداهنة والإزعاج والمضايقة أو محاولة إذلالهم وسبهم.

5- الدروس الجماعية:

واستخدمت الدروس الجماعية اليومية في الصين، حيث كانت تدرس العقيدة الجديدة بواسطة قراءات ومحاضرات تتبعها أسئلة ليثبت كل فرد هضمه للدراسات التي يتلقاها؛ على أن يتبع هذا بمناقشات يطلب فيها كل فرد أن يوضح كيف يستنبط الأهداف من مقدمات الدراسات الشيوعية، وكيف يمكن تطبيقها هو لنفسه، ويعتبر النقد المتبادل جزءاً مهماً من المناقشات التي تجري بين أفراد الجماعة". انتهى كلام صلاح نصر في كتابه حرب الكلمة والمعتقد.

أما تطبيق الخطة علينا فقد تم كاملاً بالصورة التالية:

  • التعذيب بصوره المختلفة التي تم شرحها في الفصول السابقة.
  • الحرمان من الطعام والتجويع المستمر لعدة شهور.
  • الحرمان من النوم بالليل.. وذلك بإذاعة أغاني أم كلثوم طوال الليل بصوت مرتفع حتى نُحرم من النوم.. ومن يستيقظ لا يستطيع قيام الليل بسبب تشويش الإذاعة الشديد علينا.. حتى كدنا نحفظ أغاني أم كلثوم كلها.
  • الإجهاد الشديد بالجري طوابير طوال النهار من الثامنة صباحاً حتى الخامسة مساء حتى أن كل واحد منا فقد حوالي خمسة وعشرين كيلو جراماً وصرنا في منتهى الرشاقة من كثرة الجري وقلة الطعام.
  • الوقوف أحياناً تحت الشمس الحارقة حتى أن الأخ الشاعر المرهف الحس الدكتور عبد الرحمن بارود(1) سقط من طوله فجأة بسبب ضربة الشمس والدوار الشديد.
  • إطلاق الإشاعات بموت بعض الإخوان مثل: إشاعة موت الأستاذ المرشد حسن الهضيبي.. وإشاعة موت عبد المجيد الشاذلي أثناء محاضرات غسيل المخ.. ولقد صلينا صلاة الغائب على روح الشهيد الحي عبد المجيد الشاذلي الذي عاد إلينا بعد خطفه من السجن الكبير وإيداعه بعيداً عنا في سجن آخر من مباني السجون الحربية.
  • الحرمان من الاتصال بالأهل خارج السجن ومنع الكتب والجرائد والمجلات، حتى المصحف الشريف منعوه عنا لفترات طويلة (1).
  • وضع بعض الكيماويات التي تسبب الإسهال في الطعام ثم الجري في طوابير تحت ضغط الحاجة إلى دورة المياه بسبب الإسهال.. وكان عذاباً مهيناً.. فقد لا يستطيع الواحد أن يحافظ على تماسكه فينساب الإسهال من ملابسه.
  • الشرب من "القصرية" المصنوعة من الكاوتش فكان الماء يحمل رائحة البول والبراز والكاوتش..!!
  • استعمال اليد كمقشة لكنس السجن باليد مع الجلوس القرفصاء.. في ظل هذه الظروف بدأت محاضرات التوعية وغسيل المخ، وكانت توصية الإخوان بتفويت الموقف.. ولكن ما حدث لم يكن على هوى الحكومة.. ويأبى الله إلا أن يقوم بعض الإخوة بإقامة الحجة على هؤلاء المشايخ المحاضرين منهم:
  • د. عبد الستار فتح الله سعيد ، سأل د. محمد فتح الله بدران سؤالاً مباشراً عن حكم الإسلام في الحاكم الذي يحكم ويشرع من دون الله مخالفاً بذلك أمر الله بأن يحل الحرام ويحرم الحلال!! فلما انتهت المحاضرة بدأ التعذيب بعد عودتنا إلى الزنزانة بخمس دقائق، فنزلنا إلى فناء السجن الحربي وبدأ التعذيب بالجري السريع داخل حوش السجن ساعات طويلة تعذيباً للشيوخ والشباب.. والغريب أن صاحب السؤال وهو الشيخ عبد الستار سعيد أخذته سنة من النوم فنام في دقائق معدودة سكينة من الله داخل الزنزانة ولم يمسسه سوء التعذيب حفظاً من الله وآية لنا أن صاحب كلمة الحق محفوظ مصون بمشيئة الله في أحلك الظروف بمشيئة الله عز وجل.
  • د. عبد الفتاح الجندي أخصائي الأمراض الجلدية، ناقش الدكتور محمد أحمد وصفي مناقشة علمية حرة ولكنه أحرج الدكتور المحاضر، فأخذوه وضربوه ستين سوطاً على رجليه ثم أودعوه في سجن آخر انفرادي، وظللنا قرابة الشهرين لا نعرف عنه شيئاً ونظن أنه قد مات.. حتى عاد إلينا.
  • استدعى د. محمد فتح الله بدران الأخ عبد المجيد الشاذلي وناقشه ولكن عبد المجيد كان أقوى حجة منه وأحرج الأستاذ المحاضر، فكان أن عذبوه بالكرباج وأودعوه في زنزانة وأشاعوا قتله كما ذكرت آنفا، وبكينا عليه كثيراً وصلى بعضنا علية صلاة الغائب واحتسبناه مع الشهداء.
  • آخر المناقشات وأصعبها كانت مع مجدي عبد العزيز متولي أحد قادة التنظيم.. الذي قال للدكتور محمد فتح الله بدران إن الإسلام نظام شامل للحياة ثم قرأ قول الله عز وجل: ) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( [الأنعام: 162].

فرد الشيخ المحاضر: الله يقول للنبي محمد: يا محمد قل، فالخطاب موجه للرسول وليس للمسلمين !! فرد عليه الأخ مجدي عبد العزيز: إن الله سبحانه وتعالى يقول: ) قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( فهل هذا الخطاب للنبي r وحده؟!

فبهت الشيخ وألغى المحاضرة وتوعدنا بالنقاش في اليوم التالي، وحددوا بعض الأسماء لمناقشتها ومنهم فيما أذكر المهندس المرحوم محمد أحمد عبد الرحمن (مهندس مناجم) الذي ظل يصلي طوال الليل طالباً من الله أن يثبته في مواجهته مع د. محمد فتح الله بدران(1) ، وكان ذلك يوم 4 يونيو وليلة 5 يونيو التي قضت على آمال عبد الناصر وجلاديه وزبانيته.. وكانت معجزة من الله العلي القدير.

  • وهكذا أحبط الله كيد صلاح نصر في عملية غسل المخ.. ) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ( [الزمر: 61].

وهكذا بطل السحر.. وانكشفت الغمة.. ولم تمض ساعات حتى هزم جيش عبد الناصر ، وبعدها بأحد عشر يوماً تم ترحيلنا جميعاً من السجن الحربي، وحضر شمس بدران مسجوناً في ذات السجن الذي عذبنا فيه. وقام نفس العساكر المتخلفين عقلياً بذات الدور معه. ) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ ( [النور: 44]


ما قبل الوداع

قبل وداع السجن الحربي رحت أسترجع شريط الذكريات في مدرسة الصبر الكبرى بمدينة نصر بالقاهرة، وأحياناً أقارن بين زملائي الذين كانوا قد تخرجوا تواً معي في نفس قسم كلية الهندسة الكيمائية بجامعة القاهرة.. لقد كان يصدر للمهندسين أمر تكليف بقرار جمهوري بتعيينهم في المصانع والشركات.. وكان أمر التكليف ممهوراً بتوقيع من فوق السماوات العلى.. بتعييني وقبولي طالباً في طريق الدعاة إلى الله، وكنت أشعر بالفخر والامتنان والشكر للعلي القدير.

كما كنت أسترجع عرش حمزة البسيوني وشمس بدارن.. بل وجمال عبد الناصر.. هؤلاء الذين ظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله، فأتاهم من حيث لم يحتسبوا.. الذين كانوا أحجاراً على رقعة الشطرنج.. وانتهت اللعبة باحتلال سيناء وغلق قناة السويس وتدمير الطيران المصري الذي ولى ظهره لليهود ليفعلوا به ما يشاءون.. ورحل شمس بدران ومعه الخزي والعار فلقد كان وزيراً للحربية قبل حرب (1967 م) بشهرين على الأكثر.

كان حمزة البسيوني يقول لنا في صلف.. هذا السجن الحربي ليس لتأديبكم فقط ولكنه لتأديب الشعب المصري كله.. فلو تشاجرت فرختان في أي قرية من قرى مصر.. فسوف نحضر الفرختين ونضربهما علقة ساخنة تأديباً وتهذيباً..

وبناء على هذا التصور:

- حدث تملل وإضراب في أوائل عام 1967 م في شركة الألمونيوم . فتم القبض على قيادات العمال وضربهم علقة ساخنة في السجن الحربي وتم إيداعهم في الدور الثالث من مبنى السجن الكبير معنا.

- أراد حمزة البسيوني مرة أن يشارك في برنامج " غسيل المخ " لنا فجاء وجلس على كرسي المحاضرات وحاورنا.

- حمزة البسيوني: تريدون أن تحكموا بالشريعة؟!!

- نعم..

- حمزة البسيوني: نحن نفعل أحسن من ذلك.. ستقولون كيف ذلك ؟.

ويواصل حمزة قائلاً:

- مثل السارق: الشريعة تقول بقطع يده.. لكن أنا سوف أحضره للسجن الحربي هنا وأظل أضربه وأعذبه (وأطلع دينه)!! أكثر من قطع يد السارق ميت مرة.. وهنا انفجر الإخوان الحاضرون بالضحك.

- ذات يوم من أيام 1966 م أثناء عملية غسيل المخ، فوجئنا بحضور حوالي أربعين شخصية من كبار الوزراء والشخصيات في اليمن التي كانت تحت سيطرة عبد الناصر.. هؤلاء الوزراء بعد أن أسلموا قيادتهم لعبد الناصر وجيشه تراءى لهم أن يختلفوا معه، وأن يكون لهم رأي وليسوا دمى أو أحجاراً يحركها كيف يشاء.. فطلب منهم قائد الجيش المصري عبد الحكيم عامر الحضور إلى مصر للتشاور.. فلما وصلوا إلى القاهرة قبضوا عليهم وأحضروهم إلى السجن الحربي وفيهم معظم الوزراء، وعلى رأسهم حسن العمري رئيس الوزراء اليمني. وذاقوا بعضاً مما ذقناه في السجن الحري.

- قرية كمشيش: وما أدراك ما كمشيش.. هي قرية من قرى المنوفية. وبها إحدى أكبر عائلات محافظة المنوفية "عائلة الفقي" التي اتهمتها الحكومة بأنها تتهرب من قوانين الإصلاح الزراعي.. وفي المقابل شكل جمال عبد الناصر لجنة لتصفية الإقطاع برئاسة المشير عبد الحكيم عامر .. فقام المشير بمداهمة هذه القرية بواسطة جهاز المباحث الجنائية العسكرية – آنذاك – برئاسة الرائد حسن كفافي أحد رموز التعذيب في قضايا (1965 م) .. ثم تطورت الأحداث فأطلق أحد أفراد القرية النار على الشيوعي صلاح الدين حسين زوج (الاشتراكية) شاهندة مقلد.. وكان صلاح هو مندوب لجنة تصفية الإقطاع في القرية.. وكان مستفزاً جداً، وأحدث فتنة راح هو ضحيتها.. فتم القبض على كثير من أهالي قرية كمشيش، وكذلك على أغلب أبناء عائلة "الفقي" وعلى " صلاح الفقي " عميد العائلة.. وساموهم سوء العذاب في السجن الحربي مع كم هائل من الإهانات الشخصية التي لا داعي لسردها. فأصيب كثير منهم بالذهول والاكتئاب، هذا مع الحبس الانفرادي في السجن الحربي، فتفاقمت الأمور وأصيب بعضهم بحالة من الهستيريا.. حينئذ استدعت المباحث الجنائية الأخ الدكتور حلمي حتحوت(1) للسكنى في زنزانة مع صلاح الفقي عميد عائلة الفقي حتى لا تتفاقم حالته النفسية.. وفعلاً قام الأخ حلمي حتحوت بهذا الدور الإيماني الرباني خير قيام، أما باقي عائلة الفقي .. فكان صراخهم بالليل والنهار وابتهالهم إلى الله بصوت عال جداً في السحر.. يدمي القلوب رغم أننا كنا نعيش مأساة أكبر من مأساتهم.. وكنت أصحو بالليل على صراخ أحدهم وهو يناجي ربه، ويعترف بذنبه، ويطلب عفوه وغفرانه قائلاً بصوت فيه صراخ شديد يهز الوجدان هزاً في جوف الليل البهيم: "غفرانك ربي غفرانك.. ما أعظم ذنبي غفرانك " ويبتهل بها طول الليل في صراخ يبكي الحجر، ويحرك الصخر.. هذا ما كان يفعله الظالمون بالناس.. ألا لعنة الله على الظالمين.

- آخر ذكريات السجن الحربي.. هو القبض على المحامي محمد شوكت التوني ، أحد أعمدة الدفاع القانوني عنا في المحاكم وأحد أكبر المحامين في مصر آنذاك.. لماذا، لأنه دفاع عنا في المحاكم، وكان دفاعه قانونياً، إذ أثبت بالقانون بطلان كل قضايا تنظيم (56) .. ولا يجوز الحكم على المتهمين فيها بأي أحكام لتهافت الأدلة القانونية.

مرت أيام 5،6، 7 يونيو 1967 م ثقيلة جداً، ومن عجب أن إدارة السجن الحربي فتحت الإذاعة لتذيع كافة النشرات والأنباء، فكنا ننصت إليها حتى جاء يوم 8 يونيو 1967 م حيث أعلن عبد الناصر نبأت تنحيه عن الحكم، وتنازله عن السلطة لزكريا محي الدين.. وتحمل وحده كافة مسئولية الهزيمة.. ثم توالت الأحداث.. أحداث 9، 10 يونيو التي طالبت بعودة عبد الناصر للحكم وكان شعارهم تلك الأغنية التي كان يغنيها مغني الثورة عبد الحليم حافظ " اللي شبكنا يخلصنا.. اللي شبكنا يخلصنا " تلك عقيدة الناس، فلقد كانوا يستقون العقائد من مغني الثورة عبد الحليم حافظ الذي لم يفتأ يهدم عقيدة اليوم الآخر بقوله في أغنيته عن القدر " قدر أحمق الخطى.. سحقت هامتي خطاه ". وفي يوم 11 يونيو ، بعد حبس دائم في الزنزانة حوالي ستة أيام، سمحوا لنا بالخروج طوابير في فناء السجن الكبير، فنزلت كسلاناً متثاقلاً.. وكنت أسير في الطابور أمام الأخ الكبير المحامي إسماعيل حسن الهضيبي(1) وكان أكبر مني بحوالي ثلاثة عشر عاماً.. فرآني أسير في خطو متثاقل فقل لي بلهجة غاضبة.. شد حيلك شوية يا أخ فلان امش بخطوة عسكرية جادة.. ولا داعي لهذه الخطوة المائعة فلعلك تكون قائداً للطابور في لحظة من اللحظات، فماذا تفعل بهذا الخطو المائع.. ستكون عنواناً غير جيد للإخوان.. فلم يعجبني كلامه لأنني كنت متعباً.. وبعد خمس دقائق جاء العسكري وأخذ كل الطابور الذي أمامي للخدمة في السجن، وصرت أنا قائد الطابور في غمضة عين.. وصدقت نبوءته في الحال.. فقال لي: مش قلت لك! فكان درساً لا أنساه أبداً.

وفي يوم 16 يونيو نودي علينا بالرحيل من السجن الحربي، ودخله حمزة البسيوني وشمس بدران وحسن كفافي والصاغ رياض إبراهيم ، مسجونين، ومعهم الصول صفوت مسجوناً أيضاً.. وكذلك أخذُ ربك.. وتم ترحيلنا إلى ليمان طره فإلى هناك.


المبحث الرابع : الإخوة في ليمان طره

بعد الهزيمة استلمتنا وزارة الداخلية لأول مرة كمسجونين نقم بتنفيذ الأحكام. فقامت بعمل الآتي:

- الأحكام الصادرة ضد الإخوان حتى ثلاث سنوات تم ترحيلهم إلى القناطر، للرجال.

- تم ترحيل الحاجة زينب الغزالي والأخت حميدة قطب إلى سجن النساء بالقناطر.

- تم ترحيل الأحكام من خمس سنوات حتى الأشغال الشاقة المؤبدة إلى ليمان طره.

- بعد ثمانية أشهر تم ترحيل الأحكام من خمس سنوات إلى عشر سنوات إلى سجن القناطر.

- بقي الإخوان الصادر ضدهم أحكام 12 سنة، 15سنة، 25سنة(مؤبد) في ليمان طره.

- تم ترحيل علي جريشة بمفرده إلى سجن قنا نفياً وتغريباً (بلغة السجون) في أغسطس 1968 م.

- بعد ثلاثة أشهر أخرى تم ترحيل 21 فرداً من الإخوان من ليمان طره إلى سجن قنا العمومي في 21/11/1968 م، وكنت أنا واحداً منهم. وكذلك تم ترحيل 16 فرداً من الإخوان من سجن القناطر أحكام 10، 8، 7، 5سنوات إلى سجن قنا العمومي في 22/11/1968 م. وصار عدد الإخوان من قضية (65) في سجن قنا 38 أخاً.

عنبر التأديب (مقبرة الإخوان)

وسط إجراءات أمن مشددة جداً على طول الطريق من السجن الحربي إلى ليمان طره في 16/6/1967 م (بعد الهزيمة بعشرة أيام فقط) جمعنا أمتعتنا، واستلمنا أماناتنا، إن كان قد بقى منها شيء، فقد تم نهب معظمها في السجن الحربي. وبدأ الترحيل في العاشرة ليلاً بعد العشاء.. كنا قرابة مائتي فرد من الإخوان.. ومعنا قضية حسين توفيق (حوالي عشرة محكوم عليهم، منهم الإخوان مصطفى راغب وسامي عبد القادر ومن الحزب الوطني السابق عبد القادر الشرقاوي).

وعنبرا الإيراد والتأديب عنبران صغيران جداً من دور واحد، يحتوي عنبر الإيراد على 25 زنزانة، بينما يحتوي عنبر التأديب على تسع عشرة زنزانة، بخلاف [زنزانة الجِلْد] وهي زنزانة لمن يصاب بمرض جنون الهياج العصبي فيوضع في هذه الزنزانة المبطنة كلها بالجلد؛ الحوائط والأرض والباب أيضاً مبطن من الداخل بالجلد.

  • تم توزيع الإخوان عشوائياً، وسكن أغلب الإخوان في عنبر الإيراد، إلا أن نصيبي كان في عنبر التأديب، ومعي عدد قليل، قرابة العشرين، تم حشرنا كل أربعة في زنزانة، إذ إن باقي الزنازين بها مساجين (تحت التأديب) بسبب سلوكهم السيئ داخل السجن.
  • الزنزانة مصمته ليس فيها فتحات سوى فتحة في الباب قطرها حوالي 5سم فقط يدخل منها الهواء.. وكنا نتناوب بوضع أنفنا على الفتحة لكي نشم بعض الهواء لمدة عدة دقائق كي لا نختنق.. فالزنزانة مصممة لمزيد من التعذيب.. أو قل "للخنق" الانفرادي.. فإذا سكنها أكثر من واحد كانت مأساة.. فكانت أياماً عصيبة جداً.. فشكونا إلى إدارة السجن، فتم نقلنا مع إخواننا إلى عنبر الإيراد الذي به شباكان: شباك في السقف!! وشباك صغير جداً فوق الباب (20× 80سم) والشبابيك كلها من الحديد طبعاً، وتركنا عنبر التأديب بعد بعضة أيام قليلة وحمدنا الله على النجاة من الموت خنقاً في هذا العنبر.

عنبر الإيراد (غيابة الجب)

لقد كانت غيابة الجب التي ألقي فيها يوسف عليه السلام أحسن حالاً وأرحم كثيراً من عنبر الإيراد، فغيابة الجب كانت واسعة والماء متوفر فيها والإضاءة بالنهار جيدة واستنشاق الهواء سهلاً وميسوراً، أما عنبر الإيراد الذي أودعونا فيه فكان عجباً.

يحتوي العنبر على 25 زنزانة، كل زنزانة طولها 3.5 متر وعرضها 180سم، بها جردل للبول وآخر للماء، تم حشر كل سبعة أو ثمانية في زنزانة، حتى كان الدكتور صلاح عبد الحق يقول: " باسمك ربي وضعت نصف جنبي وبك أرفعه" فيرد عليه آخر قائلاً: " لا ولكن قل.. باسمك ربي وضعت ربع جنبي وبك أرفعه" حتى إذا قام أحدنا بالليل لقضاء حاجته في جرد البول!! وعاد لم يجد له مكاناً ينام فيه ولا مكاناً يجلس فيه وبعضنا كان يغلبه الحياء فيظل واقفاً حتى يأذن الله بالفرج فيصحوا آخر وينام هو مكانه.. ولقد كان السمك في علب السردين أسعد حظاً منا بكثير.

  • بعد سويعات قلائل من دخولنا العنبر سلمنا ملابسنا التي كنا نلبسها وأعطونا ملابس المسجونين المحكوم عليهم وهي ملابس زرقاء، وهذه الملابس كانت رائحتها نتنة ونفاذة، أما الملابس الداخلية فكانت مصنوعة من الدمور الخشن جداً وفي الشتاء (كل سنتين) نستلم قطعة ملابس للتدفئة تسمى "وردة روبة" وهي أقرب إلى بردعة الحمار، وهي عندهم في السجن تعتبر بديلاً (للبلوفر) ولكن الطامة الكبرى كانت في كميات القمل التي يعد بالمئات ولا يكاد ينتهي حتى يبدأ دورة حياة جديدة.. حتى أننا ظللنا أياماً كثيرة نقضي فترة لاصباح في البحث عن القمل وسراديبه التي لا تحصى، فإذا أقبل الليل وانطمست الأنوار في الزنزانة، فحينئذ تبدأ جيوش القمل في هجومها الكاسح علينا، فتصيب كل قطعة في أجسادنا، ونحن لا نقدر على مقاومتها.. ثم يجيء هذا الحليف الشرير للقمل وهو البق فيقيم معه حلفاً قوياً، ويستمر هجومهما الكاسح علينا من بعد صلاة المغرب حتى شروق شمس اليوم التالي حينما يدخل بصيص النور إلى الزنزانة، حينئذ نبدأ مقاومتنا من جديد.. ولكن بعد أن يكونوا قد حصلوا على غنائم كثيرة من دمائنا، وتركوا آثارهم بقعاً حمراء على أجسادنا. ولما كانت الشمس لا تدخل الزنازين على الإطلاق طوال اليوم. والعنبر تم تصميمه على ذلك، فكان الظلام والرطوبة عاملين مساعدين على نمو بيض القمل سريعاً.
  • في عنبر الإيراد (أو غيابة الجب) لا توجد كهرباء أو إضاءة، ولا يوجد (كانتين) أو ساعات أو جرائد أو مجلات ولا حتى زيارات.. فكان الطعام المتاح هو طعام السجن والذي يتكون عادة من:

- في الإفطار: فول مسوس. أو سوس بفول.. ولقد كنت مع الأخ المهندس يحيى أنور بياض (وهو من إخوان الفيوم الأثرياء) نحاول تقشير هذا الفول ونزع ما به من سوس.. ولكن بعض زملائنا من أصحاب العزائم الشديدة!! كثيراً ما كانوا يتهموننا بالرفاهية!! رغم أن الفول كان نصف تسويته وجلد الفول لا يزال نيئاً وقشره سميك جداً، ولكن كان لبعضنا فلسفة تقول إن عدم هضم قشر الفول النيئ يجعلك تشعر بالشبع لساعات طوال.

والنوع الثاني من الإفطار كان جبن قريش، أو جبنة (حادقة) ولكنها كانت صلبة جداً حتى أن أحدنا كان يقذف بها على الحائط كالكرة فتعود إليه كما هي دون أن تتفتت.

- في الغذاء: أحياناً عدس أصفر.. وأحياناً فول.. وكان العدس الأصفر من أفضل طعامنا.

- الخبز: كان نصيب الفرد من الخبز ثلاثة أرغفة يومياً.. ولا يمكن زيادتها على الإطلاق.. ولقد كان خبز السجن جيداً يمكن أكله وحده، وكان بعضنا يكتفي برغيف في الوجبة، لكن البعض كان يأخذ لباب الخبز الذي لم يستو من داخل الرغيف ويضعه على باب الزنزانة فيتعرض للهواء فيجف بعد يوم تقريباً ثم يقوم بعمل (فتة) بماء الفول.. وأشهد أن طعامها آنذاك كان لذيذاً بفضل الله تعالى، وكنا جميعاً نحرص على نصيبنا من ماء الفول، فماء الفول مصدر لطبق فتة جيد.. وكثيراً ما كان الأخ أحمد حامد (من إخوان الشرقية) يداعب إخوانه فيأخذ رغيفاً يعطي منه لقمة واحدة لأحد الإخوان طيبي القلب.. وهم كثيرون، مثل الأخ عبده محمد عبده (من الشرقية) ثم يأكل باقي الرغيف كله، ويقول للأخ المسئول أنا والأخ فلان أخذنا رغيفاً من نصيبنا، فيثور الأخ ويقول أكلت لقمة واحدة.. وكان هذا يشيع جواً مرحاً في الزنزانة.

- جردل الماء: كان جردل واحد من املاء لا يكفي سبعة أبداً للوضوء والشرب وقضاء الحاجة، فتم عمل حظر شديد على المياه، وتم استخدام غطاء جركن، وهو صغير جداً، كمكيال للاستخدام، فالوضوء يتم بسبع مرات من هذا الغطاء.. فتعلمنا الاقتصاد في الوضوء إلى أقصى حد.. أما قضاء الحاجة فكان صعباً جداً، فالزنزانة تغلق من الخامسة مساءً حتى التاسعة من صباح اليوم التالي أي حوالي ست عشرة ساعة كاملة، فإذا أصيب أحدنا بإسهال فهذه طامة كبرى. فالجلوس على الجردل الحديد لقضاء الحاجة مأساة، ثم استنزاف المياه الطاهرة ثم ملء جردل البول الفارغ ثم الخوف من رذاذ البول عند استعمال الجردل لقضاء الحاجة.. كل هذه المشاكل كانت في غاية التعقيد خاصة بالنسبة للمتطهرين!!

- العشاء: أما وجبة العشاء فهي خليط من الخضروات أو الحشائش، ومعها قطعة تسمى مجازاً لحما (شغت) وأحياناً عسل أسود حامض ومتخلل، أي صار مثل الخل به لسعة الكحول.. وكان بالعنبر من الإخوان حوالي عشرين كيماوياً ومهندساً كيماوياً.. واختلفوا هل هذا العسل صار كحولاً.. أو تخمر فصار كالخمر يحرم أكله.. وكثر الجدال والنقاش، وكلٌ أدلى بدلوه.. (وصارت الحبة قبة) كما يقولون في المثل.. لكن أصحاب الفضيلة العلماء الذين كانوا معنا حسموا المسألة بحديث رسول الله r: " ما أسكر كثيره فقليله حرام " فسألوا سؤالاً: هل إذا شرب واحد (جركن) عسل أسود (2لتر) هي يسكر أم لا ؟ فكان الجواب لا.. فقالوا إذاً فهو حلال، وحُسمت المسألة سريعاً.. وإن ظل الإخوان يتندرون بها كثيراً.

- الحمامات: كان المساجين من غير الإخوان يستحمون عراة ولا حرج عندهم في ذلك.. ولكن لأن هذا محرم شرعاً.. فقد قام الإخوان بعمل إزار واسع يلبسه الواحد منا أثناء الاستحمام وبذلك حُلتْ هذه المشكلة بفضل الله عز وجل، مع ملاحظة أن الزنازين المغلقة في الصيف كانت حارة جداً والكل يتصبب عرقا.. فكان لابد من الاستحمام.

بالطبع كان جو العنبر الخانق والزنازين المكدسة ضاراً جداً بالصحة، وبعضنا كان مصاباً بالربو مثل الشيخ فتحي الرفاعي ، فتم الضغط لأخذ إذن له بالخروج من الزنزانة نهاراً والبقاء في هذا الفناء (الحوش) الضيق طوال فترة النهار.. وكانت هذه رحمة من الله تعالى. ظللنا على هذا الحال السيئ حوالي عشرة شهور، نقضي الليل والنهار مع الظلمة والرطوبة وسوء التغذية.. لقد كانت بالفعل فترة عصيبة في حياتنا.. بل كانت ترقى إلى جريمة محاولة القتل البطيء لنا.

كان ضابط العنبر مسيحي اسمه موسى عطا الله وكان ملتزماً معنا بالقوانين والتعليمات التي تصدر إليه، وكان يتحاشى أن يبادر بأي إساءة لنا.. ويذكر الإخوان في معتقل أبو زعبل أيضاً الضابط المسيحي ناصف مختار الذي كان يتعامل مع الإخوان بكل شهامة ورجولة في أحلك ظروف المعتقل.. وكان يبدي كل تقدير واحترام ويبذل كل معاونة إنسانية ممكنة للإخوان.

- معركة المصحف: لم يكن مسموحاً لنا بالكتب أو الكراريس أو الأقلام، فهذه عند الحكومة مثل المخدرات.. وتقوم إدارة السجن مرتين أو ثلاث مرات أسبوعياً بمداهمة الزنازين للبحث عن أي أوراق أو أقلام عندنا.. وبدأت أول حملة لها بمصادرة جميع المصاحف، وكان هذا شيئاً مؤلماً للجميع.. فالمصحف هو الصديق الوحيد والأنيس الفريد لنا في السجن.. وبدونه لا صحبة ولا أنس، فبدأنا في تهريب بعض المصاحف وتقطيعها ملازم وتوزيعها على الزنازين وكنا نبذل جهوداً ضخمة في إخفائها في أي مكان.. ولكن هيهات فخبرة العساكر الطويلة كانت أكبر من ذكائنا، وكل مرة كانوا يكتشفون مخبئاً.. وكثيراً ما كانت الأمور تتأزم بيننا وبينهم .. ولكننا كنا نعلم أن ليمان طره والذي حدثت به مجزرة طره للإخوان منذ بضع سنين.

- الشاويش ديهوم: كان في ليمان طره ثلاثة من الشاويشية المتخصصين في حراسة الإخوان المسلمين.. وهم قليلو الكلام كثيرو الصمت.. يؤدون التعليمات بحكمة وحنكة.. مؤدبون ومهذبون.. يحافظون على الصلاة.. يبادلوننا الود بالكلام وليس بالخدمات.. وهم الشاويشية: محمد عبد الدايم ، محمد عبد التواب ، محمد عبد الحميد.. وقد طلبوا مندوباً من الإخوان يعاونهم في تصريف شئون العنبر، وخرج لمعاونتهم الأخ الكريم عوض عبد العال ومعه الأخ الكريم حمدي حسن صالح. وفجأة أحضرت الحكومة الشاويش ديهوم، شاويشاً للعنبر، وتعامل معنا بغلظة شديدة، مع تعمد الإساءة. ثم التفتيش الدقيق والمستفز عن أي ورقة مصحف، وقد صادر ملازم كثيرة من المصاحف القليلة جداً عندنا. فحدث استياء كبير بسببه، وتم تبادل النقاش الحاد بيننا وبينه، وفي يوم من الأيام خرج له الأخ أبو اليزيد عسقول (12 سنة أشغال شاقة من إخوان المحلة، ويعمل سائق تريلا) وقال له في العاشرة صباحاً: يا عم ديهوم أنا شفت لك رؤيا إنك أصابك مرض مفاجئ ووقعت على الأرض. فخلي بالك من نفسك.

فرد عليه بحدة: أنا صحتي أحسن منكم كلكم وإنتم اللي هتتصابوا بالأمراض.. وكان الأخ أبو اليزيد عسقول من أصحاب القلوب الصافية جداً. ونفسه شفافة.. وقلبه كما يقولون مثل اللبن الحليب.. ولعله من الذين لو اقسموا على الله لأبرهم (ولا نزكي على الله أحداً). وبعد ساعتين بالتمام وقع ديهوم على الأرض وأصابته رعشة، وفقد النطق وأصيب بشلل في الأطراف، وحملوه للعلاج وظل شهوراً طويلة يعالج من هذا الشلل النصفي ولم يبرأ منه.. وكان هذا درساً قاسياً لجميع العساكر والشاويشية والضباط الذين يتعامولن معنا.. فتحسنت المعاملة معنا كثيراً.

مع مدير الليمان عبد الله عمارة:

كان مدير الليمان يمر علينا صباح يوم السبت من كل أسبوع.. وهو يعرف حجم الضغوط والعقاب الذي كان يمارس علينا، ولكنه – رغم أنه مدير الليمان إلا أنه كان ينفذ تعليمات عليا.. أو كما يقال (عبد المأمور) .. يفتح الزنازين ومعه شرطة عسكرية تلبس (كابات) وخوذات حمراء.. فيجد بعضنا يجلس ولا يقوم له.. ولا ترتعد فرائصه كما يفعل أربعة آلاف مسجون آخرين، وبعضنا كان يبالغ فيضع رجلاً على الأخرى زيادة في الاستعلاء، فيغتاظ سعادة اللواء غيظاً شديداً ويطالب بتشديد الضغوط علينا.. وكانت معركة طويلة مع اللواء عبد الله عمارة.. حتى إذا أراد أن يقدم لنا خدمة فإننا نقابله باستعلاء شديد فيمتلئ غيظاً!!

ولا أحد يريد أن يكسر هذه الحلقة (ضغوط منه، واستعلاء منا) .. لكن الحاج عباس السيسي رحمه الله، صاحب الخبرة الطويلة والحنكة الشديدة تقدم في شجاعة ورجولة وكسر هذا الحاجز النفسي.. وقدم عدة مطالب لنا (الكانتين.. الزيارات. فتح الزنازين نهاراً.. الماء الساخن في الحمامات) وبعد عشرة شهور بدأت الاستجابة.. فتم ترحيل أصحاب الأحكام (10، 7، 5 ) سنوات إلى سجن القناطر الخيرية وبقي في عنبر الإيراد الأحكام (25، 15، 12) عاماً فقط، فتناقص العدد في الزنازين إلى أربعة بدلاً من ثمانية. وجاءوا (بالكانتين) وبه خضار (بصل – طماطم – خيار) وفاكهة (البرتقال وخلافه) وسمحوا لنا (بعلب السلمون – والسردين) ولم تكن مصر قد عرفت بعد التونة.. كما أن السلمون كان جيداً.. أيام زمان.. وليس به أية (زفارة) كما الآن.. كما سمح لنا بزيارة سلكية (أي من وراء السلك، وكان هذا شيئاً سيئاً جداً وزيارة خاصة (بدون سلك) كل ستة شهور، لمدة نصف ساعة فقط.. كما سمحوا لنا بالأقلام والأوراق وتبادل الخطابات.. وببعض كتب الدين مثل ابن كثير وإحياء علوم الدين (عدا كتب الإخوان والكتب السياسية) لكنهم لم يسمحوا لنا بالساعات أو المنبهات.. كذلك لم يسمحوا لنا بالراديو، وظل الراديو، محظوراً علينا طوال مدة السجن (عشر سنين).. لكنهم كانوا يفتحون إذاعة السجن لسماع النشرات.. وأحياناً طوال النهار وجزءاً من الليل.

الأمراض:

بدأت الأمراض تداهم بعضنا.. وكان يشرف على علاجنا د. عبد القادر حجازي.. ولكن تم ترحيله إلى سجن القناطر، وبقي معنا الطبيب البيطري عبد البديع عبد المجيد سامي (كان معيداً بكلية الطب البيطري، ثم ترقى بعد خروجه من السجن حتى صار وكيلاً لكلية الطب البيطري فرع بني سويف) وكان يعالج معظم الأمراض بعسل النحل.. (الجروح – القروح – السعال – البرد – البواسير) وأشياء أخرى كثيرة جداً.. ويعالج أمراض العيون كذلك بقطرة عسل النحل.. أمراض الأنف.. بقطرة عسل النحل.. لكنه كان يطالبنا باستحضار اليقين القلبي بأن الله هو الشافي.. وأن هذه مجرد أسباب.. ولاشك – كما تقول الأبحاث العلمية – فإن قوة اليقين لها دخل قوي في شفاء كثير من الأمراض.. أما الأمراض المزمنة فيطالب أصحابها بشراء الدواء.. كما كان يتوسط أيضاً لدى طبيب السجن لعلاج الحالات المزمنة.. وقام كذلك بعمل عيادة داخل العنبر لمتابعة مرضى العمليات الجراحية والأمراض التي تحتاج إلى ملاحظة طبية، وعاونته إدارة السجن في ذلك. كما تعاطف معنا في المجال الطبي مدير مستشفى الليمان (د. عبد القادر الحسيني) تعاطفاً شديداً، فنقل بعض المرضى إلى المستشفى، وكتب مذكرات كثيرة شديدة مطالباً بمزيد من الامتيازات لنا، لأننا في نظره على وشك الانهيار الصحي، والأحوال تنذر بكارثة صحية.. رحمه الله وجزاه عنا خير الجزاء، وقد ظل متعاطفاً معنا ومع جميع الإخوان طيلة عشرة أعوام.. احتراماً لمهنته الطبية، ولم تكن الحكومة تشك في شخصه .. مما ساعدنا كثيراً كثيراً. وكان ممن داهمتهم الأمراض:

- الأستاذ الكبير السيد إسماعيل أبو سلوع (محام من شبراخيت – البحيرة)

- فاروق عبد النبي الصاوي.

- طاهر سالم.

- الحاج عباس السيسي.

- فاروق المنشاوي الذي أصيب بمرض خطير وهو تشنجات في جميع جسمه ماعدا قلبه ولسانه وعينيه، ويظل متشنجاً ساعات طويلة بل أياماً كثيرة.. ورغم ذلك كان يصر على صيام النوافل والإقلال من الطعام.. ولا يستجيب لتعليمات الأطباء حتى ولو كانوا من الإخوان.

- كاتب هذه السطور: لقد أصبت مبكراً بالتهابات حادة في البروستاتا، وتآكل في الفقرات القطنية من العمود الفقري، وقمت بعمل أشعة وأجريت لي 12 جلسة كهرباء، وكتب الدكتور عبد القادر الحسيني مدير المستشفى تقريراً بذلك.. لكن حينما كنت أسمع بأسماء هذه الأمراض بروسطاطا (بالطاء) المفخمة.. تآكل في العمود الفقري.. كان يستولى عليَّ كثير من الوهم، فصرت أمشي منحني الظهر شبه راكع، وأثر الوهم والخوف علي تأثيراً سيئاً.. خصوصاً لانعدام أي ثقافة طبية عندي.. فأرسل أهلي تلغرافات لأنور السادات رئيس مجلس الشعب (آنذاك) ولرئيس الجمهورية، ولوزير الداخلية.. فقام ضابط العنبر بإجراء تحقيق رسمي معي وتحويله إلى المستشفى لكتابة تقرير مفصل.. فأمر مدير المستشفى بصرف مرتبة ومخدة وبطانيتين لي.. لكن بعد أسبوع تم نقلي – نفياً وتغريباً – إلى سجن قنا.. ومن العجب أنني كررت في سجن قنا نفس الإجراءات، فجاءني مندوب الأمن وقال لي بالحرف الواحد: لا علاج.. لا علاج.. أحضرناك لتموت هنا في سجن قنا. ومهما كتبت من شكاوي أو تلغرافات فلن نفعل لك شيئاً.. لكن الله عز وجل متعني بالصحة والعافية، وتلك معجزة وآية أخرى سوف أحيكها إن شاء الله في كلامي عن سجن قنا.


الشبابيك:

كان بكل زنزانة شباكان أحدهما فوق الباب مباشرة طويل بطول الباب (90سم) بعرض حوالي ربع متر فقط وبيه أسياخ كثيرة من الحديد.. أما الشباك الآخر فكان عجباً.. فهو شباك في سقف الزنزانة.. ولم أر مثله في حياتي من قبل ولا من بعد وهو شباك للتهوية وللتعذيب في آن واحد. في الصيف يُستخدم للتهوية، حيث يعمل على سحب الهواء الداخل من الشباك الصغير (أعلى الباب) .. وبسبب فرق المنسوب بينهما يعمل ما يسمى بحسب الهواء، أما في الشتاء فهو وسيلة تعذيب فهو يصب علينا الصقيع بالليل صباً. لكن الطامة الكبرى كانت حين ينزل المطر بالنهار فينزل علينا المطر من سقف الزنزانة.. حينئذ يسارع كل واحد منا ويلملم حاجياته القليلة (البرش – البطانية – وبقايا الملابس) ويجلس في الركن ملتصقاً بالحائط وهو يرى الماء ينزل من سقف الزنزانة، فنردد جميعاً بدعاء رسول الله r: " اللهم حوالينا لا علينا " أما إذا نزل المطر ليلاً ونحن نيام في الظلام الدامس.. فينزل علينا منهمراً من هذا الشباك السقفي، فنقوم في الليل فزعين، ويجلس كل واحد منا في ركن، منكمشين مثل (القنفد) .. ولكننا قررنا الشكوى بعد طول معاناة فقاموا بتغطية هذا الشباك بألواح الصاج.. فتوضع الألواح في الليل لمنع البرد ثم تزاح في النهار فيأتي بصيص الضوء والهواء.

البُرش:

لم تكن الزنزانة تسمح بأي سراير، ولكن كان يُصرف لكل واحد منا (بُرش).. وهو نسيج من أحبال الليف نضعها على أرض الزنزانة لننام عليها.

كما كانت الحكومة تصرف لنا بطانيتين، فنضع واحدة فوق البُرش، ونتلحف بالأخرى، وظل البُرش هو السرير الرسمي لنا سنوات طويلة.

انفراجة:

بعد عشر شهور من المعاناة سمحت لنا الحكومة بالآتي:

- فتح الزنازين من الثامنة صباحاً حتى الثانية عشرة ظهراً، ومن الثانية بعد الظهر حتى الرابعة عصراً.

- السماح بالزيارات السلكية كل (21 يوماً) والخاصة كل ستة شهور.

- السماح بإرسال الخطابات (خطابان كل شهر).

- السماح بالكانتين وبه (بصل – طماطم – خيار – حلاوة طحينية – طحينة – زيت – سكر – فاكهة – سجائر – سلمون – سردين).

وبعد فتح الزيارات والكانتين تعامل الإخوان معها كالآتي:

- نفر قليل جداً اعتبر الانفتاح ابتلاءً وامتحاناً ومقدمة للمساومة على العقيدة والفكر.. فقاطع كل هذه لعدة شهور وكانت زنزانة رقم (25) هي وحدها (8 أفراد) التي تفردت بهذا القرار.. وبعضهم كان يبكي خوفاً من الفتنة، وطلبوا من الله في بكاء حار أن يثبتهم على هذا الدين، حتى لا يضحوا بعقيدتهم مقابل (لعاعة!!) الدنيا.

- باقي الإخوان – وهم الأغلبية العظمى – اعتبر هذا رحمة من الله نستمتع بها. فإذا منعوها فلا ضَيْر.. وكان هذا هو الرأي السليم.

- لم يسمحوا لنا بأي نوع من المواقد، فكانت لنا هذه الحيلة البدائية جداً، كنا نأخذ قطناً من العيادة ونغزله على شكل فتيل ثم نغمسه في الزيت. ونضع حوالي عشرة فتايل، ثم إنني قررت عمل (عزومة) من فول السجن بالبصل والطماطم. فقمت بتقطيع البصل قطعاً صغيرة جداً ووضعته في الزيت وأوقدت تحته لمدة ثالث ساعات حتى أصفر لونه (فقط) ثم قمت بوضع الطماطم، ثم وضعت عليها الفول بعد تقشيره وهرسه.. وكان طعمه في غاية اللذة. حتى أن الأخ المهندس يحيى بياض كان يتندر عليَّ قائلاً: هذه فتنة.. هذه فتنة.. فقد تساوم على دينك بطبق الفول هذا(!!) وكنت أضحك كثيراً من هذه المداعبة.

- وبمناسبة الأخ المهندس يحيى بياض وهو من أبناء كبار عائلات (العرب) بالفيوم.. فإنه كان متخصصاً في صناعة السكاكين، وهي من الممنوعات الشديدة جداً في السجن (آنذاك) ووجودها يعني تهمة (إحراز سلاح بدون ترخيص)..

فكان المهندس يحيى يأخذ علب السلمون ويصنع من كل علبة سكينتين.. وبهذا استطعنا الحصول على سكاكين للمطبخ.. وكلما صادروها صنع يحيى غيرها (بمعاناة شديدة).

الزيارات:

  • حملت لنا الزيارات رحمات من الله، كنا نرى أهلينا ونطمئن عليهم بعد فراق دام ثلاث سنوات تقريباً، حيث بدأت الزيارات في إبريل عام 1968 م (الاعتقال والقبض علينا كان في أغسطس 1965 م) .. ولكن الأهالي كانوا يعانون قسوة إدارة السجن لهم..فالزيارة نصف ساعة فقط.. والطعام المسموح به قليل.. والتفتيش شديد جداً.. والزيارات تختلط أحياناً ببعضها.
  • ومن طرائف الزيارات أن الأهالي كانوا يكتبون أسماء صاحب الزيارة على كل شيء.. الملابس الداخلية، الأكل، الشبشب، الحذاء.. وغير ذلك.. فكان العزب منا يرى اسمه مكتوباً من ناحية الأرض، فإذا لبس الحذاء داس اسمه على الأرض.. أما المتزوجون (حديثاً) فكانت لمسات الزواج واضحة.. فالعروس تكتب اسمه من الناحية الأخرى (من فوق) وتكتبه تحت إصبع إبهام الرجل.. فلا يدوسه، لا من فوق ولا من تحت، فكنا نقول: هذا هو الفرق بين العزب والمتزوج.


  • لكن الزيارات حملت إلينا أيضاً الأخبار المؤلمة.. فلقد ضغطت الحكومة على عائلتين.. ونجحت في طلاق زوجين متزوجين حديثاً من زوجتيهما.. كما حملت لنا أيضاً أخبار وفاة طفلة أحد الإخوان ثم طلاق أمها من أبيها المسجون، ولكن الله عوض هذا الأخ بعد ذلك بالزوجة والبنين والبنات.
  • ثم طلاق زوجة علي عشماوي بناءً على رغبتها وإصرارها على الطلاق، بسبب موقفه من إخوانه في هذه المحنة. مما زاد الشقة بيننا وبينه.
  • تقدم أهالي الأخوين الكريمين علي محمد جريشة ، وعبد الستار فتح الله سعيد ، بطلب استكمال دراسة الدكتوراة في الشريعة الإسلامية، ووافقت الحكومة لهما على إحضار الكتب الدينية اللازمة، وكان هذا فتحاً علينا.. فلقد أحضروا عشرات المراجع، وكان لا يبخلان على أحد بأي كتاب.. الأول درس الدكتوراة في الشريعة وموضوعها (المشروعية العليا).. والثاني في (تفسير القرآن الكريم) وكلاهما حصل على الدكتوراة مع مرتبة الشرف، وعلا شأنهما علواً كبيراً في مجال الدعوة الإسلامية.
  • كان علي جريشة نائباً بمجلس الدولة.. فهو إذاً رجل قانون قدير، فكان كثير المشاغبة للحكومة بالقانون، بغية الحصول على امتيازات وانفراجات في المعاملة في السجن لنا، فاعتبرته الحكومة مشاغباً، وقامت بنفيه وتغريبه إلى سجن قنا.
  • عندما سمحوا لنا بالخطابات.. كنا معتزين جداً بفكرتنا ومنهجنا، وكنا نرى أنفسنا على الحق.. وغيرنا كان على الباطل.. فكتب أحدنا خطاباً إلى والده يدعوه – بكل همة وعزيمة – أن يسير في نهجنا. فكتب يقول: " بعد السلام والتحيات – يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك، فاتبعني أهدك صراطاً سوياً" ..
  • آخر هذه الذكريات هو الكلام عن (البُرش) .. وهو نسيج من حبال من الليف يُستعمل بدلاً من الحصيرة لننام عليه.. فليس هنا سرير ولا مراتب.. ولكن مسموح لكل واحد منا ببرش وبطانية.. وعندما تم الإفراج عنا بصورة مفاجئة أصر الطيار الهمام ضياء الدين الطوبجي على تهريب (برش) للذكرى، وأخذه معه إلى البيت..
  • وفي أول ليلة من ليالي شهر رمضان 21 نوفمبر 1968 م.. وقد أعد كل واحد منا لنفسه برنامجاً تعبدياً قوياً لهذا الشهر الكريم.. بعد السحور جلست وقرأت خمسين صفحة من كتاب رياض الصالحين، ثم صليت الضحى.. وغفلت عيناي في انتظار فتح باب الزنزانة ولكنه تأخر كثيراً. ثم كانت المفاجأة في صبيحة أول يوم من رمضان، هدية من الحكومة.. صفعة على وجوهنا.. تكديرة جديدة لنا.. نموذج ثالث من التعذيب بعد السجن الحربي وعنبر الإيراد (غيابة الجب) .. أصدرت الحكومة أوامرها بنفي وتشريد وتغريب وترحيل 21 فرداً منا إلى سجن قنا ، نكالاً.. كما تم ترحيل 14 آخرين من سجن القناطر إلى قنا أيضاً.. ووجدت نفسي في غمضة عين فقدت المرتبة والمخدة اللتين حصلت عليهما منذ أسبوع واحد بعد طول معاناة.. أما المرحلون من عنبر الإيراد بليمان طره فهم:

أولاً- من عنبر الإيراد بليمان طره:

من قيادات التنظيم:

- مجدي عبد العزيز متولي (إعدام خُفف إلى أشغال شاقة مؤبدة – إسكندرية).

- أحمد عبد المجيد كشكول (إعدام خُفف إلى أشغال شاقة مؤبدة – جيزة كرداسة).

من الأشغال الشاقة المؤبدة:

- عبد المجيد الشاذلي (الإسكندرية)

- مبارك عبد العظيم عياد (جيزة).

- مصطفى الخضيري (القاهرة).

- مرسي مصطفى مرسي (جيزة إمبابة).

- سيد نزيلي محمد (جيزة – كرداسة)

- ممدوح درويش الديري (

بني سويف).

- عبد المنعم عبد الرؤوسف (إسكندرية).


أشغال شاقة 15 سنة:

- عوض عبد المتعال عوض (المنصورة)

- عباس حسن السيسي (رشيد).

- محمد فتحي رفاعي (منية سمنود – غربية).

- جابر رزق جابر الفولي (كرداسة – جيزة).

- صلاح محمد خليفة (القاهرة).

- جلال بكري ديساوي (جيزة).

- محمد عبد المعطي عبد الرحيم (محمد رحمي) (السيدة زينب – القاهرة).

- فاروق عبد الغني الصاوي (مطاي – المنيا).

- يحيى أنور بياض (الفيوم).

- حسين عبد العزيز قرقش (المنصورة).

- محمد بدير زينة (كفر الجرايدة – كفر الشيخ).

أشغال شاقة 12 عاماً:

- محمد عبد العزيز الصروي (الجيزة).

- وسبقه قبل ذلك بثلاثة شهور: د. علي محمد جريشة.


ثانياً: المرحلون من سجن القناطر:

10 سنوات أشغال شاقة:

- الشيخ محمد عبد الله الخطيب (القاهرة).

- الشيخ نصر عبد الفتاح نصر (الشرقية).

- محمد علي العريشي (الشرقية).

- أحمد توفيق أحمد (القاهرة).

- إمام سمير ثابت (الجيزة).

- أحمد حامد السيد إدريس (الشرقية).

- عبد الكريم حسين الطيل (الجيزة).

- محمود عزت إبراهيم (القاهرة).

- وهبي سالم الفيشاوي (القاهرة).

8 سنوات أشغال شاقة:

- عبد المجيد محمد عبد المجيد (الإسكندرية).

- أمين أحمد سعد (الشرقية).

7 سنوات أشغال شاقة:

- عبد الرحمن بارود (فلسطين).

5 سنوات أشغال شاقة:

- عبد المنعم دحروج (القاهرة).

-محمد إبراهيم سالم (القاهرة).

وفي صباح أول يوم من شهر رمضان الموافق 21 نوفمبر 1968 م ودعنا غيابة الجب (عنبر الإيراد) .. الذي كانت الحياة فيه شاقة ومرهقة.

وكانت محاولة للقتل البطيء، لأن ظروف عبد الناصر لم تكن لتسمح له أن يكرر المذابح الجماعية كما فعل مع الإخوان في عام 1957 م في نفس المكان الذي عشنا فيه سبعة عشر شهراً (ليمان طره) كما أن الناس كانوا قد أفاقوا من الغيبوبة.. غيبوبة النصر المزعوم، والبطولات الوهمية.. والقيادة الملهمة التي أسلمت ثلث البلاد لإسرائيل.. ورغم ذلك لم نكن نأمن من غدرهم.. فعاش الإخوان في فترة بقائهم في عنبر الإيراد بالحياة مع القرآن الكريم.. فهذا الأخ عبد الرحيم الزيادي (من إخوان المنصورة) يكتم القرآن كل يوم.. لسانه دائماً وقلبه يلهجان بالقرآن الكريم. وهذا الأخ عبد القوي عطية بدر (من إخوان المحلة) كنت أنام بجواره، فكلما استيقظت بالليل أجده واضعاً رأسه على المخدة ولسانه منشغل بقراءة القرآن، وهذا الأخ محمد جمعة حامد (صاحب مصنع ألبان في شربين دقهلية) يقرأ القرآن ليل نهار.. وكل أسبوع نحتفل بكتم حفظ أحدنا للقرآن الكريم.. ولقد ختمت حفظ القرآن بفضل الله وكرمه في أكتوبر 1967 م بعد وصولنا إلى ليمان بأربعة أشهر.. وأذكر أن واحداً من الإخوان ختم القرآن قبلي بشهر.. كان القرآن – ولا يزال – خير جليس.. ونعم الجليس.. فيه وحده كما يقولون (تبوش الحلبة) ولا يمكن القضاء على الحلبة و(تبويشها) إلا بالقرآن.. فالحمد لله الذي أنزل على عبد الكتاب ولم يجعل له عوجا. لقد عشنا في هذا السجن فترة روحية عالية.. فكما يقول الصوفية (إذا تقطعت الأسباب صار التوكل على الله 100%) ويصير الطريق إلى مناجاة الله بلا عوائق ولا إشارات مرور.. والأرواح تناجي ربها في صفاء لا يعرف طعمه وحلاوته إلا من ذاقه، ومن ذاق عرف.. والحمد لله رب العالمين.


المبحث الخامس : الإخوان في سجن قنا

  • دخلنا سجن قنا بعد منتصف الليل، وهو عبارة عن عنبر واحد فقط مكون من أربعة أدوار، الدور الأول وكذلك الدور الثاني كل واحد منهما مقسم إلى 64 زنزانة.. أما الدور الثالث وكذلك الدور الرابع فكل واحد منهما مقسم إلى 16 حجرة، كل حجرة من هذه الحجرات الست عشرة تعدل 4 زنزانات من زنازين الدول الأول أو الثاني.
  • يسكن الدور الأول المساجين تحت التحقيق، وأغلبها قضايا الثأر.. المساجين تحت التحقيق يلبسون ملابس بيضاء (سروال أبيض، وقميص أبيض) والآخرون يلبسون الملابس الزرقاء.
  • موقع السجن في صحراء قنا القاحلة، والمناخ قاري هناك، شديد البرودة ليلاً شديد الحرارة نهاراً. أما في الصيف فالحرارة مختلفة تماماً عما تعودناه في السجن الأخرى.. وإذا أغلقت الزنازين كان الأمر رهيباً.. والعرق أنهاراً.
  • الإخوان القدامى (إخوان 54) من تبقى منهم يسكن في الدور الثاني، والدور مقسم إلى أربعة أرباعه كل ربع 16 زنزانة، فهم يحتلون الزنازين (49 – 64).. أما نحن فسكنا في الزنازين من (33-44). أما الزنازين (45، 46، 47، 48) فهي زنازين مخصّصة للمحكوم عليهم بالإعدام حيث كان يتم الإعدام في الماضي في سجن قنا، إضافة على سجن الاستئناف بالقاهرة.. هنا عشماوي رقم (2) وفي القاهرة عشماوي رقم (1)، كما أن هناك مشنقة في سجن قنا لا تزال قائمة حتى الآن.
  • استقبلنا مأمور السجن، وعاونه إخوان كريمان هما الأخ الأستاذ محمد مهدي عاكف (المرشد السابع)، والأخ محمد علي الشناوي ، ويَسّرا لنا كل شيء، فلقد كانوا في هذا السجن منذ 4 مايو 1964 م أي قبلنا بأربع سنوات ونصف.. وكانت خبرتهم في السجون منذ أكتوبر 1954 م. أي منذ أربعة عشر عاماً.. وفي صبيحة اليوم التالي قابلنا إخواننا الذين سبقونا بالإيمان بهذه الدعوة، والذين ثبتوا ضد العواصف والأعاصير طوال أربعة عشر عاماً. فما لانت لهم قناة، وما ضعفوا وما استكانوا، ونحسبهم من الصابرين الذين أحبهم الله، ولا نزكي على الله أحداً، وهم:

- الأستاذ عمر التلمساني (المرشد الثالث، كان عضواً آنذاك بمكتب الإرشاد).

- الأستاذ محمد حامد أبو النصر (المرشد الرابع، كان عضواً آنذاك بمكتب الإرشاد).

- الشهيد الشيخ أحمد محمد شريت (عضو مكتب الإرشاد).

- الأستاذ محمد مهدي عاكف (المرشد السابع).

- اللواء صلاح شادي (عضو مكتب الإرشاد).

- الأستاذ أحمد محمد حسنين (عضو مكتب الإرشاد)

- الأستاذ محمد أحمد العدوي (رئيس إخوان المنصورة )(1936-1992 م).

- الأستاذ محمد الدسوقي بقنينة (عضو مكتب الإرشاد)(75-1982 م).

- الشهيد محمد كمال السنانيري (عضو مكتب الإرشاد)(75-1981 م)

- الشهيد محمود علي أبو رية (رئيس إخوان المنصورة)(1992-2004 م)

- المهندس محمد سليم مصطفى (مؤسس مدارس الرضوان بمدينة نصر).

- المهندس عبد المنعم مكاوي (عضو مكتب الإرشاد).

- الأخ أبو الفتوح عفيفي (المنوفية، وعضو مجلس الشعب 87 – 90، ومن مجاهدي فلسطين).

- الشيخ حسن عليان (عرب جهينة – قليوبية).

- الحاج أحمد محمد البس (عضو مجلس الشعب 87 – 90، طنطا).

- الحاج محمد علي الشناوي (المطرية – دقهلية).

- م/ محمد شاكر خليل (شبرا – القاهرة).

- الأخ عباس عبد السميع (شبرا – القاهرة).

- الأخ نصر جاد (الإسماعيلية، من مجاهدي فلسطين 48).

- الأخ مصطفى طرطور (الإسماعيلية).

- المهندس فتحي هاشم (شبرا – القاهرة).

- د. علي شهوان (العباسية – القاهرة).

- الشيخ علي عبد العزيز (شبرا – القاهرة).

- م/ علي عبد الفتاح نويتو (إمبابة – القاهرة. وكيل وزارة التعمير فيما بعد).

- الأخ مالك نار (منيا القمح – شرقية).

- الأخ أحمد عبيد (القاهرة).

- الأخ حسن عبد المنعم (القاهرة).

- الحاج علي يوسف (الإسماعيلية) وشهرته السلطان.

- عبد المنعم سليم جبارة (الشرقية).

- الأخ محمود توفيق (مصر القديمة).

- الأخ عبد السميع عفيفي (الخانكة – قليوبية).

- الأخ علي فيروز (الإسكندرية).

- الأستاذ أحمد إمام (طنطا)

- م/ محمد رسمي سلامة (شبرا مصر).

- الأخ حسين عبد الرحيم (الإسكندرية).

- المهندس سيد سليم (القاهرة).

- الشيخ جبر محمد جبر (الإسماعيلية).

- الشيخ عبد الفتاح السيد (عرب الصوالحة – قليوبية).

- الأخ أحمد حسين (القاهرة – مطرب الإخوان).

- الأخ سعد سرور (شاعر الإخوانمصر الجديدة – القاهرة).

- محمد فريد عوض (محاسب بالحربية).

- صابر عبد السميع (الشرقية).

- بدر عبد اللطيف.


لماذا سرد هذه الأسماء؟

هذه الأسماء شموع مضيئة، وقناديل مشعّة، ونبراس في سماء مصر.. كثير من الأجيال، بل أغلب أجيال الدعاة لا يدري عن كثير منهم شيئاً.. رغم أنهم وقفوا في وجه الطوفان الزاحف على مصر عندما أراد أن يغيّر وجهها الإسلامي.. وقفوا وقالوا: لا. إن مصر إسلامية. كانت وستظل إن شاء الله كذلك.. فسجنوهم وشردوهم مع ألف من إخوانهم في كل سجون مصر.. وقتلت الحكومة كثيراً من زملائهم عبرة ونكالاً.. فما لانت لهم قناة، وما فترت لهم عزيمة. نزلوا في سجون مصر كلها.. كما يقولون (كعب داير) منذ عام 1954 حتى عام 1975 م واحد وعشرين عاماً.. رغم الصعود المستمر لنجم الطاغية الذي سجنهم.. إلا أنهم قالوا دائماً. كلا.. وألف كلا.. لن نداهن.. لن نبيع دعوتنا بعرض من الدنيا.. نموت في السجون، وسنبقى – إن شاء الله – تاريخاً لمصر رغم أنف كل طاغية.. أصروا على حمل مشعل الدعوة حينما حاول عبد الناصر أن يطفئ الشعلة الربانية المضيئة ) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ ( [سورة التوبة: 32].. كانوا على يقين أن للباطل جولة.. ولكن للحق بعد ذلك جولات وصولات.. حمولا العقيدة صافية نقية، وتشبثوا بالمنهج الرباني لإصلاح الأمم من لدن آدم عليه السلام حتى محمد r.. بل إلى قيام الساعة .. ) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ( [طه 123، 124].

هم يعرفون أن الضلال والشقاء والضنك هي النصيب الأوحد لمن رفض منهج الله، ولمن أدار ظهره لأنوار السماء.. ولمن ذهب يلتمس الهدى في غير دين الله.. كانوا على يقين أن الحق معهم.. فليموتوا على ذلك، وليلحقوا بإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان أو ليتمن الله هذا الأمر.. وتمنى كثير منهم أن تكتحل أعينهم بعودة هذه الدعوة التي كتب لها عبد الناصر شهادة وفاة في أكتوبر 1954 م ولكنها كانت شهادة وفاة مُزورّة.. فعاد وكتب شهادة وفاة أخرى في 1965 م.. ولكنها كانت مُزوّرة أيضاً..ووافيته المنية، وعاجله الموت، وقبل أن يموت رأى بعينيه صحوة الدعوة متينة قوية.. وحين رأيت هؤلاء الأبطال في سجن قنا فهمت قول الله عز وجل: ) إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ( [الكهف: 13] ثم أيقنت حينما رأيت الأعاصير تحيطهم من كل جانب أن الله وحده هو الذي ربط على قلوبهم، ثم قال لهم: ) فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا ( [الكهف: 16] قالوا سنموت على ذلك وسنظل نرفع الراية، ونحمل المشعل عسى الله أن يرزقنا بمن يحمله.. وطال بهم الليل أربعة عشر عاماً.. فلما رأونا بعد لبث طويل في الكهف، سنين عدداً، غرمتهم السعادة، واستقبلونا بالدموع، وظنوا بنا خيراً كثيراً، وظنوا أننا جئنا لنحمل المشعل والراية معهم.. رأينا دموع الفرحة تنهمر من عيونهم.. فكان لقاؤهم يوماً من أيام الله عز وجل.

ولما خرجوا من كهف أو كهوف عبد الناصر إلى الحياة ملؤوها نوراً وإيماناً.. لكن السمت البارز لأغلبهم أنهم يحبون أن تتحدث القدرة.. فحديث القدرة خير من حديث اللسان مهما كان عذباً، وكذلك كان أهم صفاتهم جميعاً هي البساطة، والبعد عن التعقيد الفلسفي.. مع كراهيتهم الشديدة للتكلف في أي شيء.. ولطالما سمعت الشهيد الشيخ أحمد شريت عضو مكتب الإرشاد – رحمه الله – يكرر ويقول: " حال رجلٍ في ألف رجل خيرٌ من وعظ ألف رجل في رجل " ومهما كتبنا عن كل فرد منهم فلن نوفيه حقه، فهم قد أخذوا المحنة بطولها وعرضها، تعرضوا للتعذيب البشع في السجن الحربي من آخر أكتوبر 1954 م حتى يونيو 1955 م.. ومات منهم تحت السياط حوالي ثلاثين شهيداً. وكل شهيد تقتله الفئة الطاغية يتم لفّه في بطانية بعد تغسيله ويدفن في صحراء مدينة نصر التي كانت آنذاء صحراء جرداء.. ويعلم سكان مدينة نصر القدامى أنهم كلما حفروا أرضاً لبناء عمارة وجدوا جثة شهيد، ويحكي كثيرون أن الجثة كانت كأنما دفنت منذ ساعات، وتكرر الهمس بهذه الظاهرة كثيراً ) وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ( [البقرة: 154].. وأيضاً ) وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( [آل عمران: 169].

  • قيّدوهم بالسلاسل من الأرجل من الأرجل ومن وسط البطن، ثم قذفوا بهم في جبال طره لتقطيع الحجارة في الجبل.. وكذلك لتقطيع البازلت الصخري في صحراء أبو زعبل.. فما لانت لهم قناة.
  • قتلوا 21 من إخوانهم في مذبحة طره وأصيب 22 آخرون. فاحتسبوهم عند الله شهداء.. وواصلوا الصبر.
  • تم نفيهم في الصحراء الشرقية في معتقل الواحات ثم في سجن المحاريق حتى مايو 1964 م.
  • لبثوا في السجون حتى عام 1975 م فصبروا واحتسبوا.
  • ولما خرجوا من السجون عادوا ومارسوا الدعوة إلى الله، كأن شيئاً لم يكن، وشعارهم: " إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي " يناجون ربهم قائلين " واجعل من جماجمنا لعزِّك سُلَّمًا .. سُلَّماً ".

- فهذا عمر التلمساني خرج، وقاد الدعوة إلى برّ الأمان من 1975 حتى 1986 م.. في صبر وحكمة وحنكة أذهلت الكثيرين.

- ثم حمل الراية من بعده محمد حامد أبو النصر من 1986 م حتى عام 1996 م في شجاعة وإباء وشمم.. وكان صاحب قرارات عظيمة وجريئة ودخل مجلس الشعب في عهده الزاهر 36 نائباً.

- وهذا الشهيد أحمد محمد شريت (واعظ القاهرة الكبرى عام 1945 م) والعالم الجليل، آثر أن يلقي ربه شهيداً، 17 عاماً من السجن، وقبل أن يخرج من السجن بأسابيع قلائل لقي ربه شهيداً، وذهب إلى مولاه يشكو إليه الظالمين.

- وهذا اللواء صلاح شادي الذي طالما عاش عبد الناصر في بيته، وأكل على موائده، خرج من السجن، ومارس الدعوة، وألف كتاباً في رحلته إلى الله.

- وهذا الشاب الرياضي الرشيق محمد مهدي عاكف الذي كان يملأ السجون بهجة ونشاطاً ورياضة.. خرج ومارس الدعوة في أنحاء العالم، ثم ها هو يقود المسيرة. فصار المرشد السابع (2004 م).

- وهذا محمد الدسوقي بقنينة.. ذلك المجاهد التقي النقي، صار عضواً بمكتب الإرشاد.. حتى لقي ربه بعد أن خرج من السجن بسبع سنوات (أكتوبر 1982 م).

- وهذا محمد العدوي ، خرج ومارس الدعوة في أنحاء محافظة المنصورة كلها حتى عام (1992 م) وأثره لا يخفى على ذي عينين.

- ثم تبعه بإحسان، محمود علي أبو رية ، فأعادوا سجنه في 1995 م ثلاث سنوات أكمل بها 25 عاماً في السجون، فكان مثالاً للصبر الجميل والثبات العظيم وظل يقود الدعوة إلى الله في محافظة الدقهلية حتى عام (2004 م) حيث لقي ربه راضياً مرضياً إن شاء الله.

- وهذا الشهيد محمد كمال السنانيري الذي كان ملء السمع والبصر في الدعوة والحركة والجهاد.. حتى قتلوه في السجن عام 1981 م، فلحق بركب الشهداء.

- وهذا المهندس محمد سليم الذي كان رئيساً لتنظيم الإخوان في الإسكندرية والذي طالما ذهب إلى الصحراء ليجمع الأسلحة من منطقة العلمين، ويرسلها إلى المجاهدين في فلسطين..فأمد الفلسطينيين بالسلاح في جهادهم عام 1948 م بأسلحة كثيرة.

- وهذا المجاهد العظيم أحمد محمد حسنين الذي أنشأ المطابع، وقاد المسيرة جنباً إلى جنب مع المرشدين الخمسة الآخرين.. في صمت وهدوء.

- وهذا عبد المنعم المكاوي الذي ظل يشارك في قيادة مسيرة الدعوة أكثر من 11 عاماً عضواً بمكتب الإرشاد.. في حكمة بالغة.

- وهذا المجاهد العظيم الشيخ علي عبد العزيز.. الذي قاد أمة في محنة.. فلقد كان في الكويت في عام 1990م حينما غزاها صدام حسين.. وعاث صدام حسين هناك فساداً، ومنع الطعام وأوقف الاستيراد.. فكان الشيخ علي عبد العزيز حفيظاً على خزائن الطعام في الكويت كلها، وتابع وصول الطعام والحاجيات إلى كل أهل الكويت حتى انقشعت المحنة.

ولو واصلت السرد عنهم لاحتجت إلى مجلد كامل، ولكن هذه قطوف قليلة، ونبذة يسيرة عن هؤلاء الصابرين.. ولا نزكيهم على الله.

فهل نسيهم التاريخ والناس.. إن كان الأمر كذلك.. فلقد سُجلتْ أسماؤهم بالحبر والمداد.. وإن كانت عند الله مسجلة بأحرف من نور السماء – إن شاء الله – وبعض هؤلاء لا يزال حيّا يرزق، ولكن أعلم أنه سيضيق صدراً بالكتابة عنه.. فاحترمت رغبتهم.. وكفّ القلم عن الكتابة عنهم.. فاكتفيت بتسجيل أسمائهم.. ولقد حدثت في محنة 54 – في زحمة الأحداث – أخطاء في عدم المتابعة منها:

الأول: عدم تسجيل أسماء الشهداء الذين قُتلوا تحت سياط التعذيب في السجن الحربي عام 1954 م.. لذلك تفاوتت التقديرات فمن قائل إن عددهم حوالي مائة، وآخرون قالوا إن عددهم كان ثمانية وعشرين شهيداً.. ولقد ساعدني الأخ الكريم محمد نجيب راغب في حصر عدد قليل جداً منهم ذلك لأن الحكومة كانت بعد قتلهم تقول إنهم هاربون .. هربوا من السجن الحربي، ومن هذا النفر القليل جداً هم:

- فوزي المنيسي (الشرقية).

- حسين شعبان (بين السرايات).

- محمد يونس (عرب جهينة – قليوبية).

- محمد عطوة (الشرقية).

- محمود صوابي (قليوبية).

- حامد شريت – (ريفا – أسيوط).

هذا فيض من فيض من أسماء الشهداء الذين ماتوا تحت سياط التعذيب وأتمنى لو وافاني القراء بباقي الأسماء لأسجلها في الطبعة الثانية إن شاء الله.

الثاني: حكمت محكمة الثورة بالإعدام شنقاً على ثلاثين قيادياً من جماعة الإخوان المسلمين.. ونفذت الأحكام في ستة منهم وخفضت الحكم على الباقين إلى الأشغال الشاقة المؤبدة.. ولم تسجل الكتب واحداً منهم.. وإن كان لي عتبي فإني أعتبها على الأستاذ محمود عبد الحليم الذي حرص على تسجيل تاريخ الإخوان منذ عام 1928 م حتى عام 1954 م، لكنه لم يسجل هذه الأسماء.. ولقد حاولت جاهداً تسجيل أسماء المحكوم عليهم بالإعدام فأحصيت عدداً منهم وفاتني أسماء أتمنى أن أستدركها في الطبعات القادمة إن شاء الله، وهؤلاء المحكوم عليهم بالإعدام في عام 1954 (1):

- المستشار حسن الهضيبي – المرشد العام.

- المستشار عبد القادر عودة – عضو مكتب الإرشاد.

- الشيخ محمد محمد فرغلي – عضو مكتب الإرشاد.

- يوسف طلعت – رئيس النظام الخاص.

- إبراهيم الطيب – رئيس منطقة القاهرة.

- هنداوي دوير – رئيس منطقة إمبابة.

- محمود عبد اللطيف.

ولقد تم تنفيذ الحكم فيهم جميعاً، عدا المرشد العام لكبر سنه، فضلاً عن الضغوط العالمية التي مورست ضد هذا الحكم. أما الباقون فهم:

- محمد مهدي عاكف – المرشد السابع.

- صلاح شادي – ضابط بوليس.

- علي عبد الفتاح نويتو – إمبابة.

- سعد حجاج – إمبابة.

- محمد علي الشناوي – سلاح الطيران.

- محمود شكري – سلاح البحرية – إسكندرية.

- سعيد بلبع- ضابط بحري.

- أبو المكارم عبد الحي – ضابط جيش.

- عبد المنعم عبد الرءوف – ضابط جيش.

- محمد شاكر خليل – حادث شبرا الشهير (1955 م).

- صلاح العطار – من مجاهدي فلسطين.

- أحمد رمزي – ضابط بحري.

- سيد الريس – طالب بكلية الآداب (بين السرايات).

- صلاح عبد المعطي – ضابط بالجيش.

- عمر أمين – لواء بحري – إسكندرية.

- محمد علي النصيري – طالب حقوق.

- عز الدين صادق – ضابط بحري.

- عبد المنعم معبد.

وهناك آخرون لم أستطيع التوصل إلى أسمائهم، وحكم عليهم بالإعدام وتم تخفيف الحكم إلى الأشغال الشاقة المؤبدة.


الحياة في سجن قنا:

كانت الحياة في سجن قنا مختلفة عن باقي السجون.. فهو منفى يؤدي الغرض منه وهو نفياً بعيداً عن الناس والأهل والأحباب.. وخطورة الحياة داخل سجن قنا بالذات أن أغلب المساجين متهمون في قضايا قتل وثأر، والخوف من أنهم ربما يشتبكون مع شباب الإخوان فيقومون بقلتهم نيابة عن الحكومة كأنها معركة داخلية بين المساجين.. ولقد وعى الإخوان هذا الدرس جيداً.. ولأنهم أصحاب دعوة فقد أحبهم جميع المساجين (حوالي ألف سجين)، ولقد استوعب الإخوان جميع المساجين، واستوعبوا إدارة السجن، وملأوا سجن قنا نشاطاً وحركة، وأداروا معظم مرافق السجن ومنها المطبخ (عباس عبد السميع)، الغلاية (مالك نار ، وعبد السميع عفيفي)، الملاعب الرياضية (محمد مهدي عاكف)، الكانتين (محمود أبو ريةمحمد سليم وغيرهما) المرسم (معرض الرسم): (علي نويتو ، محمد رسمي سلامة ، فتحي هاشم ، السيد سليم) ورشة النجارة (محمد العدوي ، محمد الدسوقي بقنينة وغيرهما) .. العيادة الطبية (د. علي شهوان ، د. محمود عزت) المسجد (الشيخ حسن عليان) ضابط الصف والعساكر (محمد علي الشناوي ، أحمد عبيد).. الضباط (صلاح شادي ، محمد مهدي عاكف ، محمد شاكر خليل)، العساكر والشاويشية (الشيخ علي عبد العزيز).

  • كان السجن يفتح في الثامنة صباحاً، ونخرج في طابور الصباح من التاسعة صباحاً حتى الثانية عشرة ظهراً، ثم يغلق باب السجن العمومي حتى الثالثة قبل العصر، ثم يفتح حتى الخامسة بعد العصر، ثم تغلق جميع الزنازين بعد ذلك. ولكن في الصيف كان الحر شديداً وقاتلاً، فاستطاع الأستاذ محمد مهدي عاكف أن يقنع المأمور والضباط بفتح الزنازين ليلاً حتى لا يموت الناس من شدة الحر.. وكان هذا فتحاً كبيراً من الله..
  • سمحت الحكومة بالكانتين والجرائد، والإضاءة داخل الزنازين حتى الثامنة مساءً.
  • سمحت الحكومة بالكتب الدينية، فأنشأ الإخوان مكتبة ضخمة داخل السجن، وأقبل الجميع على برامج ثقافية مركزة ومكثفة مع المراجع الدينية وليس مع الكتب الصغيرة فقط.
  • كان لكل واحد مصروف شهري من الكانتين (على حسابنا الخاص) ستون قرشاً كل شهر، نشتري بها مأكولات، وكانت تكفي بحمد الله.
  • بدأت كل زنزانة تشتري من المساجين وابور جاز (ويسمى تَوْتَوْ) بلغة السجن، ومن الجدير بالتسجيل أن الذي اخترع هذا الوابور في السجون كلها هو الأخ المهندس القدير محمد دحروج ، وكان عبقرياً في علم الغلايات، وتحلية مياه البحر (كان يعمل في شركة المراجل البخارية بالجيزة) وكان محكوماً عليه بعشر سنوات أشغالاً شاقة، وهو أيضاً من قريتنا ميت يعيش مركز ميت غمر دقهلية – رحمه الله رحمة واسعة. ولقد انتشر هذا (التوتو) في كل سجون مصر.. بل وقامت بعض الورش بتطويره تطويراً بسيطاً، وهو يباع في كل أسواق مصر تحت مسمى (الوابور أبو شرايط).. وكفاءته في التسخين عالية جداً .. وهناك منازل في ريف مصر تعيش عليه الآن. ولقد تخصص كذلك الأخ المهندس يحيى أنور بياض (الفيوم) في صناعة التوتو بمهارة جيدة طوال فترة السجن.
  • كان عملنا الأساسي في الأكل هو إدخال بعض التحسينات على طعام السجن (الفول والعدس) بعمل نوع من (التسبيك) له حتى يمكن لنا استساغته، كما كان كثير منا يشتري بطاطس وسالمون من الكانتين لعمل أكلة بطاطس كنوع من التغيير والترفيه، أو نقوم بعمل طبق سالمون بالتقلية والصلصة.. وكان هذا نوعاً من الرفاهية!!.
  • بدأنا نشتري الشاي والسكر، ونشرب الشاي في الصباح أو في المساء، وبعضنا كان يرى هذا تبذيراً وفتنة!! وقليل منا قال أشربه إذ أهداني أحداً كوباً من الشاي، ولكن لا أشتريه، وكرر بيت الشعر الذي قاله الشيخ يوسف القرضاوي (1954 م):

لا أشـرب الشاي أبو قرشٍ .... ولكن أشرب الشاي البَلاشَا

حيث كان ثمن كوب الشاي من الكانتين قرش صاغ واحد كاملاً، وهو مبلغ كبير آنذاك.

  • في الأعياد كان الأستاذ محمد مهدي عاكف يتولى مسئولية مطبخ السجن، ويقوم بالإشراف على إعداد طعام جيد لجميع المسجونين، وهذا إنجاز كان كبيراً جداً (عدد المسجونين حوالي ألف).. وفي أحد الأعياد قام أحد الضباط بعمل (ترمس) في بيته وأحضره لنا.. فشكرناه على ذلك وظل هذا الضابط على علاقة طيبة جداً بنا حتى بعد إحالته إلى المعاش.
  • كان الأستاذ محمد حامد أبو النصر (المرشد الرابع) يقوم بعمل عزومة كبيرة لجميع الإخوان في السجن في العيد وكذلك لإدارة السجن.. ومن هذه العزومات (ديك رومي)!! كبير لكل سبعة من الإخوان مع فاكهة: رمان منفلوطي حجمه كبير جداً.


النشـاط الثقافي:

  • كان للأخ صلاح شادي حلقة لمدارسة كتاب مدارج السالكين، فلقد قضى سنين طويلة في تأمل ودراسة هذا الكتاب الروحاني العالي جداً.
  • كان للأخ الشيخ محمد الله الخطيب حلقة متميزة لدراسة السيرة النبوية.. وكانت في غاية الروعة.
  • كان للشيخ نصر عبد الفتاح أيضاً حلقات لتعليم تجويد القرآن الجريم ويحضرها عدد كبير من الإخوة، وأنا منهم.


النشاط الإداري:

  • للإخوان خبرات طويلة في إدارة المعسكرات، وتوزيع الأعمال اليومية عليهم خدمة لإخوانهم:

- عبد السميع عفيفي ، للمرافق والغلاية ويساعده: ملك نار.

- عباس عبد السميع ، للمطبخ والمخبز.

- علي نويتو للكانتين، وأحياناً محمد شاكر خليل أو دسوقي بقنينة.

- الأخ أحمد حسانين والأخ دسوقي بقنينة قاما بعمل عشرين صنفاً من الطورشي الفاخر ترفيهاً عن الإخوان (جزر، لفت، لارنج، قشر برتقال، ليمون بالعصفر، ليمون بحبة البركة، قشر الليمون، بصل، فلفل، شطة) وكنت أساعدهما في ذلك العمل وتعلمت منهما الكثير.. واخترت أن أكون مساعداً (لعم) دسوقي بقنينة ، ولقد كنت أحبه حباً جماً.. فلازمته كظله حتى سماني الإخوان صبي عم دسوقي.. فيقولون عم دسوقي وحبيبه، ومما زاد تلك العاطفة أن له ابناً خارج السجن في مثل سني تماماً ويعمل مهندساً أيضاً، فكلما اشتاق لولده (محمد سمير) أمطرني بعواطفه – رحمه الله رحمة واسعة.

- محمد بدير زينة لتوزيع الطعام: عدس – وفل – أرز – ثم عاونته أنا في ذلك.

- تطوع الأخ الكريم أحمد توفيق (عضو مكتب الإرشاد بعد ذلك 75 – 83) بإصلاح أحذية الإخوان بعد أن تم تجهيز الأدوات اللازمة له، فكان يقوم بإصلاح الأحذية الكاوتش والشباشب والحذاء (البوت)، ولما مرض ساعده الأخ محمد علي العريشي. فلما مرض الأخير واشتد عليه المرض استلمت (العدّة) منه وظللت أقوم بإصلاح الأحذية والشباشب لجميع الإخوان في السجن أكثر من خمس سنوات.. وكانت درساً قيماً في التواضع وخدمة الآخرين.. ولقد ساعد هذا العمل على تهذيب نفسي كثيراً.. واستفدت منه في حل مشاكل الإخوان بعد خروجي من السجن، فكثيراً ما كنت أحكم في المنازعات بين الإخوان إذا ارتفع حظ نفوسهم، أحكم على المتنازعين بمسح وغسل دورات مياه المساجد كلون من كسر حظ النفس، وتربية التواضع.. وهو حلّ غير تقليدي.

- قام الأخ إمام سمير بعمل ورشة لتجليد الكتب، كما قام بتعليم بعض الإخوان (فن التجليد).

- قام الأخ عبد المنعم دحروج بتعليم بعض من يرغب من الإخوان في التفصيل (قميص – بنطلون، سروال).

- كان الشيخ علي عبد العزيز – رحمه الله – من فتوات شبرا مصر.. وكان له سمعة كبيرة بين فتوات مصر.. ثم هداه الله، ودخل دعوة الإخوان.. وللتنكيل به حكموا عليه بالمؤبد.. فما لانت له قناة، وبرزت فيه عناصر الفتوة الإسلامية الواضحة.. ودرس وأخذ الإعدادية والثانوية ثم درس الأزهرية.. هذا فضلاً عن الصوفية العالية التي كان يتمتع بها، والتي تعطي مع أخلاق الفتوة نموذجاً فريداً بين الإخوان. فكانت عاطفته جياشة جداً، وعينه تفيض من الدمع – دائماً – من خشية الله. كان يشرف على العلاقة بين الإخوان والعساكر والشاويشية وطاقم السجن حتى مرتبة الصول (ضابط الصف) ثم عملت – أنا مساعداً له، ومن قبل عمل معه الأخ د. صلاح محمد خليفة. وكان صلاح يقوم بتجهيز وجبة الإفطار كل يوم للشاويش، واستلمت العمل من صلاح خليفة وقمت به.. وكنا نجهز للشاويش كل صباح الإفطار مكوناً من قرص العجة وقطعة من الجبن الحادق عليها بعض قطرات الزيت وكوب من الشاي، بهذا الإفطار نقضي جميع مصالحنا من السجن وهي كثيرة جداً، فحكم عليّ الأخ صلاح خليفة أن أجهز أربعة أقراص عجة مرة واحدة وأضعهم في الشباك للتهوية، وكل يوم أحضر له قرصاً.. وفي اليوم التالي كانت العجة قد دهمتها الحموضة فأرسلتها للشاويش.. فماذا فعل؟ قام على الفور بجمع الإخوان وإدخالهم الزنازين، وأول زنزانة أغلقها كانت زنزانة المرشد الرابع (محمد حامد أبو النصر).. فالشاويش يعرف كيف يغيظنا.. وبحث الإخوان الأمر بسرعة، فقلت لهم الحقيقة، فعاتبوني عتاباً شديداً.. وكان درساً تربوياً عظيماً.. إن أي خطأ من أصغر أخ يعود ضرره على الجماعة كلها.. وهم يبدأون دائماً بالضرب في القيادات وليس في الأفراد الصغار.. ويعرفون جيداً كيف يكون انتقامهم منا شر انتقام.. فإذا أخطأ واحد من الإخوان في حارة في نجح في أسوان عوقب عليها فوراً المرشد العام.. فاعتبروا يا أولي الأبصار. وهكذا أيضاً قتل حسن البنا !!.

القضية الفكرية:

اشتعلت قضية التفكير في معتقل مزرعة طره، وطال رذاذها جميع السجون، ومنها سجن قنا، وتشعبت القضية، وكلٌ أدلى بدلوه، ونزغ الشيطان بين عدد كبير من الإخوة، وكان لكلٍ رأي. ولكلٍ وجهة نظر، وحدثت جلسات طويلة، وانفعالات شديدة.. فكانت محنة نفسية شديدة علينا جميعاً.. وتشعبت فيها الآراء.. بل واحتد بعضنا على بعض.. لكن الله سلّم، وأرسل إلينا الأستاذ حسن الهضيبي كتابه " دعاة لا قضاة " وتبادلنا معه الأسئلة.. وانتهت الأزمة بخير.. إلا أن نفرا قليلاً جداً كانت عنده بعض الشبهات.. ولما خرجنا من السجون لم يواصلوا معنا نفس المسيرة. وأبرز معالم الحسم هي:

- لا نفكر من نطق بالشهادتين، ونحكم بإسلامه فوراً وعلى التو، ودون تردد.

- نحن مهنتنا الدعوة، وليست مهنتنا القضاء.. فالقضاء مهنة تخصصية وحرفة، وعلم، وخبرة.. (فنحن دعاة ولسنا قضاة).

- بعض الإخوة خلط بين الإسلام وشهادة ألا إله إلا الله، فرغم أن الشهادتين هما أعلى مراتب الإسلام.. وبوابة الدخول في هذا الدين، وبدونهما لا دين.. ولا إسلام.. ولا إيمان.. لكنهما ركن من أركان الإسلام كما في الحديث: " بني الإسلام على خمس.. " لكن الأستاذ سيد قطب عبّر عن الشهادتين قائلاً: " لا إله إلا الله منهج حياة " وهو يعني ضمناً أن الإسلام – كدين – هو منهج حياة.. لكنه عبّر عن الجزء (الشهادتين) للدلالة على الكلّ (الإسلام).. وهذا جائز في اللغة والبيان والبلاغة والمجاز، كقوله عز وجل في سورة البقرة عن الصلاة حين عبر عنها – أي الصلاة – بالإيمان رغم أنها جزء منه ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ) [البقرة: 143] كان بعض الإخوة بعد أن عبّر عن الكل بالجزء.. اتخذ الجزء مناطاً لعموم الحكم.. فوضع شروطاً على قبول الشهادتين، وهو ما رفضه الإمام حسن الهضيبي جملة وتفصيلاً. ولقد كانت فترة مؤلمة في حياتنا، ولكنها انتهت على خير والحمد لله.

- بعضنا أصرّ على تكفير الحاكم كشرط لصحة الفكر.. ولكن هذا المنهج رفضه حسن الهضيبي رفضاً تاماً وصريحاً وواضحاً، فليست دعوتنا لتكفير شخص ما .. كائناً من كان.. ومهما كانت الضغوط..

- التكفير يبدأ بتكفير فرد وينتهي بتكفير العالم أجمع، إلا من كان على مقاس ومزاج (المفكراتي).. وليس الأمر مجرد حكم على شخص، ولكنه منهج وفكر وحركة تخالف حركة الإخوان.

- واحد من أصحاب هذا المنهج ألف كتاباً سماه " حقيقة الإيمان وحد الإسلام ".. أحدث بعد ذلك بخمسة عشر عاماً أزمة ومحنة وفكر (جماعة الشوقيين) نسبة إلى مهندس في الفيوم اسمه "محمد شوقي" حيث اتهم هذا المؤلف جماعتنا بالإرجاء.. في حين أن كل العلماء أجمعوا أنه ليس بمرجئ من قال (إن الإيمان يزيد وينقص) ونحن نقول ونعتقد أن الإيمان يزيد وينقص.. يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي. فلماذا هذا الاتهام الظالم ؟

مرض الجرب:

كانت الأمور تسير عادية بالنسبة لغسيل الملابس.. يشرف عليها أحد الإخوان بجمع الملابس منا.. وكلٌّ قد كتب اسمه على جميع ملابسه الداخلية والخارجية.. ثم تذهب إلى المغسلة.. حيث يتم غليها مع الصابون السائل ثم تدلك وتشطف بالماء.. وتنشر على المناشر ثم تجمع وتعاد في اليوم التالي.. والحال يسير على ذلك منذ عام 1964 م بدون مشاكل.. لكن أحد المساجين العاملين بالمغسل أصيب بالجرب. فانتقل الجرب منه إلى ملابسنا، وفي ظرف أسبوعين كان جميع الإخوان في السجن مصابين بالجرب فيما عدا الإخوان المرضى المقيمين في المستشفى.. وكانت محنة عصيبة، فتم عزلنا جميعاً، وتم غلي ملابسنا، وفراش نومنا بما فيه البرش والبطاطين في الغلايات، مع الاستحمام بماء ساخن جداً، ثم دهان الجسم بدواء اسمه (Benzanil) .. واستمر الحال هكذا حوالي ثلاثة أشهر عصيبة جداً.. فأعراض المرض مؤلمة، ومؤذية للشعور، والحشرة تنتقل بين الجلد بسرعة فائقة، ونحن نتابعها بالهرش المستمر.. وبذل الدكتور علي شهوان جهداً كبيراً في متابعتنا وعلاجنا حتى انقشعت هذه الغمة.

وقد مرض بعض الإخوان منهم:

- الأخ محمد علي العريشي.. أصيب بمرض الكبد.. وازدادت معاناته، وأشرف على الموت عدة مرات، وانتقلت لأسكن معه هو والأخ المرحوم أحمد توفيق كنزي.. ولازم هذا المرض الأخ محمد علي العريشي أكثر من ثلاثين عاماً حتى لقي الله بعد طول معاناة (في عام 2000 م).

- الأخ مبارك عبد العظيم ، أصيب بمرض في الحبال الصوتية وظل يعالج عدة شهور حتى شفاه الله.

- بالنسبة لي، ذهبت مريضاً من ليمان طره إلى سجن قنا ، ومنعت الحكومة عني العلاج بعد مقابلة عاصفة من رجل الأمن المشرف على سجن قنا.. الذي قال لي: لا علاج لك. لا علاج لك. ولكن الأخوين الكريمين د. علي شهوان و د.محمود عزت بذلا معي جهداً مشكوراً..فبعد سفرنا إلى سجن قنا بعدة أيام فوجئت بالأخ محمود عزت يحضر لي مرتبة ومخدة وبطانية لأنام عليها، وبذل جهداً كبيراً مع إدارة السجن لإدخالها.. ونصحني د. علي شهوان أن أعرض ظهري لأشعة الشمس فوق البنفسجية.. وبعد ثلاثة شهور على الأكثر تحسنت صحتي كثيراً.. وصرت ألعب كرة القدم يومياً مع شباب الإخوان.. والحمد لله كثيراً. - كان هناك إخوان أصحاب أمراض مزمنة.. كان صبرهم جميلاً، ورضاؤهم بقضاء الله عظيماً، منهم محمد فتحي رفاعي.

قتل فاروق المنشاوي:

في 30 مايو 1970 م حملت لنا الجرائد والأخبار العائلية نبأ قتل الزميل العزيز فاروق المنشاوي داخل ليمان طره، وكان وقع النبأ علينا سيئاً جداً.. وأعادوا لنا ذكريات مذبحة طره (1957 م) .. وأذكر أن الإخوان طلبوا مني كلمة تأبين له فعقدت مقارنة بينه وبين صاحب يس (في سورة يس) ..  قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ  [يس: 26، 27] وظللت حزيناً عليه حتى فرّج الله عني برؤيا جميلة له.. فرأيته شاباً وسيماً جداً يلبس (بنطلون شورت) رياضي ويمارس الرياضة في حدائق الجنة.. ثم استيقظت، فهنيئاً له إن شاء الله مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، وكان عمره آنذاك – رحمه الله – سبعة وعشرين عاماً.

أما تفاصيل قتله، ففي أبريل 1969 م قامت الحكومة بنقل الإخوان (الذين لم يتم ترحيلهم إلى سجن قنا) من عنبر الإيراد إلى عنبر رقم (1) بالدور الثاني، وعاش هذا العدد من إخوان تنظيم (65) في عنبر رقم (1) في هدوء واستقرار مع ظروف أحسن من التي كانوا فيها في عنبر الإيراد (غيابة الجب) وبدأوا يمارسون حياتهم كمساجين عاديين مثل باقي مساجين الليمان الذين يتجاوزون الأربعة آلاف موزعين على أربعة عنابر هي (1، 2، 3، 4)...

كان الزميل المهندس فاروق المنشاوي صاحب طاقة فاعلة كبيرة جداً.. فبمجرد أن تنسم شيئاً قليلاً من حرية الحركة، بدأ يتحرك في السجن.. متشبهاً بسيدنا يوسف عليه السلام، وتوطدت علاقة الزميل المهندس فاروق المنشاوي بطبقة السياسيين الذين سجنهم [[[جمال عبد الناصر|عبد الناصر]] لأسباب مختلفة.. وهؤلاء السياسيون مزيج من مختلف في الأفكار والأخلاق والعادات، ابتداءً من الصحفي الكبير مصطفى أمين وانتهاءً بكل من تفوه بكلمة أو نقد حكم الحكومة (آنذاك).. حتى أن واحداً منهم، وكان مستشاراً في محاكم الاستئناف رأى رؤيا فسّرها بقرب موت عبد الناصر.. وبشيء من السذاجة حكى هذه الرؤيا في نادي القضاة، فبلغت الرؤيا رجال صلاح نصر ثم جمال عبد الناصر.. وتم القبض على سيادة المستشار، وحوكم أمام محكمة عسكرية في السرّ، وحكمت عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة نظير هذه الرؤيا.. بعد تلفيق عدة تهم محفوظة منها الحض على كراهية النظام، والإخلال بالسلام الاجتماعي، وزعزعة الأمن القومي أو التحريض على قلب نظام الحكم.. كل هذا من خلال الحلم الذي رآه وهو نائم!!.

  • تحدث فاروق المنشاوي مع هؤلاء جميعاً عن فكر الإخوان في قضية 1965 م، وعن الفكر السياسي عند سيد قطب ومحمد يوسف هواش.. فتم كتابة عدة تقارير فيه من ضباط كانوا مسجونين معه بتهم مختلفة، فتم نقل فاروق المنشاوي ثانية إلى عنبر الإيراد.. الذي كان فارغاً تماماً سوى من نفر قليل من محترفي الإجرام، وافتعل أحدهم مشادة مع فاروق المنشاوي ، وقابل فاروق ذلك باحترام وأدب زائد، وصبر جميل. وفي اليوم التالي أحضر هذا المجرم المحترف سكينة طولها 25سم.. وعند قيام فاروق بغسل رأسه تحت الحنفية قام المسجون بطعن فاروق المنشاوي في رقبته 13 طعنة، بسرعة فائقة، ووقع فاروق على الأرض، وحملوه بسرعة إلى مستشفى الليمان.
  • في المستشفى كان هناك الأخ المهندس محمد شاكر خليل الذي تم ترحيله من سجن قنا إلى مستشفى ليمان طره للعلاج، ولما علم بالخبر، ذهب إلى حجرة العمليات، فأشار إليه فاروق بتوجيهه إلى القبلة، وطلب أن ينام على جنبه الأيمن، ثم فاضت روحه إلى بارئها.. نسأل الله أن يتقبله في الشهداء.. آمين.
  • نشرت جريدة الأهرام الخبر يوم 30 مايو 1970 م، ثم جاءت النيابة، وحققت مع السجين القاتل، وأثناء التحقيق تم حبسه في عنبر الإيراد بدون طعام ولا ماء حتى مات صبراً، ودفنت معه الأسرار كلها. لكن هذه الأسرار سوف تظهر يوم القيامة  يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ  [الطارق 9، 10].

موت جمال عبد الناصر:

بعد صلاة فجر يوم 28 سبتمبر 1970 م، كنت منوطاً بمراقبة حركة إدارة السجن كل صباح من خلال شباك الزنزانة، فكنا نربط حبلاً في شباك الزنزانة المرتفع جداً، وأضع عليه بطانية ثم أقف عليها فأرى من خلال الشباك الحضور الصباحي لضباط وعساكر السجن. ومن هذه المراقبة أعرف إذا كان ثمة تفتيش أم أن اليوم عادي. وكنت أعيش في زنزانة (40) مع الأخوين محمد علي العريشي ، وأحمد توفيق كنزي – رحمهما الله – وفي هذا الصباح أمطراني بالنكات اللاذعة جداً، وصبرت عليهما حتى ناما، وبدأت إذاعة السجن على غير العادة في الصباح الباكر تذيع قرآناً متصلاً.. ثم مارشات عسكرية بصورة مريبة، ثم أعلن أنور السادات وفاة الزعيم جمال عبد الناصر.. الذي سجننا وعذبنا وآذانا، وقتل الكثير منا. فهتفت بأعلى صوتي (الله أكبر ولله الحمد).. فقام الأخوان أحمد توفيق ، ومحمد علي العريشي فزعين ، وسألاني: ما الخبر؟ فقلت لهم: مات جمال عبد الناصر ، ثم بدأنا نرسل إشارات لجميع الزنازين بالضرب على الحائط، وكل زنزانة تضرب على الحائط للزنزانة المجاورة حتى استيقظ جميع الإخوان.. وفي الصباح استدعاني الأستاذ محمد حامد أبو النصر (المرشد الرابع)، وكان آنذاك عضو مكتب الإرشاد الوحيد بيننا. وعنّفني بشدة، وقال إن فترة الأزمات هذه لا ثمن فيها للأرواح.. ويمكن أن يتم إبادتنا جميعاً في غمضة عين، وبلا ثمن.. فلابد من ضبط النفس الشديد.. وبعد وقت قصير جداً جاء مأمور السجن وأطلق عدة رصاصات من مسدسه داخل العنبر، وهذا أمر مخالف جداً للقانون.. ولجميع اللوائح والنظم والتعليمات.. فأيقنت حكمة وحنكة الأستاذ محمد حامد أبو النصر.. وتم تكديرنا جميعاً، وعقابنا على وفاة جمال عبد الناصر!!.. وكأننا نحن الذي قتلناه وليس المرض.. وسارت الأحداث بسرعة، وجاء أنور السادات رئيساً للجمهورية.

طرفة:

كنت زميلاً وجاراً للمهندس جلال بكري.. وكان أبوه عم بكري يسكن قريباً منا في شارع المحطة بالجيزة. وكانت أمي تحضر لزيارة أخي الأكبر.. وكان عم بكري كبيراً جداً في السن، كما كان طيب القلب بصورة ملحوظة.. فلما جاءت أمي إلى القاهرة للعلاج من مرض السرطان.. كان عم بكري وزوجته يزورانها يومياً بعد صلاة العشاء.. ويدعوان الله بالإفراج عنا.. ثم يصبون غضبهم ولعنتهم على جمال عبد الناصر ، سنين طويلة دون جدوى، وفي ليلة من الليالي اقترحت أمي على عم بكري أن يدعو بطول العمر والصحة والعافية لعبد الناصر.. لأن دعاءهم عليه ليل نهار لم يُستجب طيلة خمس سنوات.. وبلغوا ما يُسمى في القرآن بـ "حالة اليأس" ) حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا ( [يوسف: 110].. ولما غمرتهم حالة الاستيئاس رفعوا أيديهم بالدعاء لعبد الناصر بعد صلاة العشاء.

وكأن الله عز وجل رأى منهم وصولهم إلى حالة الاستيئاس، وفي الصباح مات عبد الناصر.. وتندروا بهذا كثيراً.. وكأنها رحمة من رحمات الله.. إذا بلغ الأمر حالة الاستيئاس .. نزلت رحمة الله بعباده المستضعفين.

الإفراج عن قضايا المخدرات:

كان عبد الناصر – والحق يقال – شديداً جداً مع تجار المخدرات.. حتى أن من يضبط يشرب – مجرد شرب – للمخدرات يحكم عليه بخمس عشر عاماً.. أو بالأشغال الشاقة المؤبدة.. ولا يفرج عنه إلا بعد تمام المدة كاملة غير منقوصة.. وفي كل عام في مناسبة أعياد الثورة (23 يوليو) كان يتم الإفراج عن المسجونين الذين أمضوا نصف المدة أو ثلاث أرباع بقرار جمهوري.. ويتم استثناء فئات معينة من الاستفادة من هذا القرار وعلى رأسهم الإخوان المسلمون ، وتجار المخدرات، وقضايا الشرف، والسرقة بالإكراه، وخطف الأطفال.

وكان تجار المخدرات يقولون لنا.. نحن وأنتم في خندق واحد وسوف يحضر الملك سعود!! ملك السعودية للإفراج عنكم وحينئذ سيفرج عنا معكم!! وكنا نضحك من هذا كثيراً.. ولكن الأغرب من ذلك أننا فوجئنا على غير ميعاد بتطبيق قرار العفو بنصف المدة على كل قضايا المخدرات، وفي يوم واحد في بداية عام (1971 م) خرج أكثر من سبعة آلاف مسجون في قضايا المخدرات وبقي الإخوان المسلمون..!! ولا حول ولا قوة إلا بالله.. ومن الطرائف أن مسجوناً ظل عشرة سنوات يجلس على كرسي متحرك في السجن كأنه كسيح.. فلما صدر قرار العفو.. ترك الكرسي وقام يجري على قدميه!! وآخر اسمه عبد الفتاح كان حارساً على أحراز المخدرات التي يتم ضبطها في كل قضايا المخدرات في مصر كلها.. ثم كان يقوم وهو الذي يعمل أميناً وحارساً وخازناً لإحراز المخدرات، بفض الإحراز والاستيلاء عليها بعد كتابة محضر يفيد أنه تم إعدام المخدرات.. وبعد سنين طويلة، تم ضبطه وتقديمه للمحاكمة وحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة.. مع تأشيرة باعتقاله مدى الحياة بعد أن يمضي في السجن عشرين عاماً .. هي مدة العقوبة المقررة، وينقل بعدها إلى المعتقل .. فأفرجت عنه الحكومة.. وخرج بعد 10 سنوات فقط.. وبقينا نحن في السجن.. وهكذا خرج تجار المخدرات.. ومدمنو المخدرات من السجن في مظاهرة ضخمة داخل السجون.. وبقى الإخوان المسلمون.

علي الجربان:

كان على الجربان نحيل الجسم، طويلاً بعض الشيء.. وكان متهماً في قضايا خطف أطفال أبناء الأثرياء.. مقابل فدية ضخمة، ومجال عمله محافظتا أسيوط وسوهاج.. تم القبض عليه وحُكم عليه بخمسة عشر عاماً. ومصادرة جميع أمواله.. ودخل السجن.. وكان شجاعاً جريئاً.. ذا همة عالية ملفتة للنظر، وآثر العمل خادماً للإخوان في السجن مقابل مرتب شهري عشرون علبة سجاير (العملة المتداولة في السجن).. كان يقوم بتفريغ جرادل البول في الصباح، وغسل الجرادل.. وملء جرادل الماء.. ويمضي يومه جالساً أمام زنازين الإخوان في خدمتهم.. وتاب.. وانتظم في الصلاة وكانت له اتصالات واسعة في السجن، فكان يقوم بإحضار جميع حاجياتنا، وشرائها، ويخدمنا بإخلاص.. وفي فترة مرضي كان يجلس ويحدثني عن مغامراته وحكاياته وعجائبه التي لا تنتهي.. وأذكر أنه كان يقول (في الأعمال الجادة لا يمكن للرئيس قبول أن تلكؤ من أي فرد من الأفراد. فالذين يتلكئون معوقون.. ووجودهم ضرر ومعوق لأي مسيرة.. فالأمر ليس بالكثرة ولكن بالهمة والعزيمة) .. وصدق الله العظيم في قوله عن المنافقين ) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا ( [التوبة: 47] هكذا كانت خبرة علي الجربان.. والحكمة ضالة المؤمن.. وظل علي الجربان وفياً لنا طوال فترة إقامتنا في السجن. .


فارق الصاوي.. والطعمية:

استأجر الأخ المهندس فاروق الصاوي.. مسجوناً خاصاً ليقوم بخدمته شخصياً.. وكان فاروق يحضر فولاً جافاً.. ويحضر معدات لصناعة الطعمية.. وكان هذا المسجون يطحن الفول، حفنة كل يوم، بصورة بدائية جداً.. طوال الشهر، ثم يقوم فاروق الصاوي بإنتاج كمية هائلة من الطعمية يأكل منها أغلب الإخوان في سجن قنا ، وهذا العمل رغم بساطته.. كان ترفيهاً وتغييراً في نظام الأكل. فصارت طعمية فاروق الصاوي من معالم الترفيه البارزة كل شهر تقريباً. الجانب الثقافي:

كانت فترة سجن قنا. فرصة عظيمة للقراءة، فانكب جميع الإخوان على قراءة ودراسة أغلب أمهات الكتب في جميع فروع الدين: التفسير – الحديث – الفقه – أصول الفقه – الفتاوى.. وغيرها. فأغلب الإخوان كانوا قد حفظوا القرآن الكريم.. وحان وقت القراءة والثقافة. وتبادلنا الكتب والمراجع العلمية الإسلامية.. وكان لي شرف قراءة رسالة الدكتور علي محمد جريشة للدكتوراة، ومراجعة آيات القرآن الكريم فيها كلها.. بعد أن راجعها أيضاً الأخ المرحوم الشيخ حسن عليان. مشاغبة مع الحكومة:

- تخرجتُ في كلية الهندسة جامعة القاهرة في أول يوليو 1965 م وتم اعتقالي في 28 أغسطس 1965 م.. وصدر القرار الجمهوري بتعييني مهندساً في وزارة الصناعة في 16/10/1965 م.. لكنه كان قد تم القبض عليّ قبل صدور القرار الجمهوري.

- صدر الحكم عليَّ في 6/9/1966 م.. وبصدور الحكم بالسجن فُصلتُ من العمل لصدور حكم جنائي ضدي وفق القانون.. وبالطبع لم أكن أعرف شيئاً عن كل هذا.. وفي نفس الوقت صدر قرار وزاري بتعييني مهندساً في شركة أبو زعبل للأسمدة.. كذلك لم أستلم العمل، فالاعتقال كان قبل صدور قرار التكليف، سواء الجمهوري أو الوزاري.

- حكيتُ ذلك للأخ علي جريشة فقال لي: حكمك القانوني أنك في الفترة من صدور القرار الجمهوري (16/10/65) حتى صدور الحكم عليك بالإدانة في (6/9/1966).. أنت تحت التحقيق وتستحق نصف راتبك.

- فقلت له إنني لم أستلم العمل.. ولا أدري شيئاً عن هذا.. فاقترح علي.. على سبيل التسلية أن أتابع ذلك كله.

- أرسلت خطاباً إلى وزير الصناعة آنذاك (د. عزيز صدقي) قلت له إنني مسجون في قضايا الإخوان المسلمين في سجن قنا منذ 28/8/1965 م وصدر الحكم ضدي.. ولا أعرف تاريخ صدور القرار الجمهوري ولا القرار الوزاري، ولا أعرف الشركة التي تم توزيعي عليها. أرجو التفضل بالرد.. أرسلت هذا الخطاب بتوجيه من علي جريشة.. على سبيل التسلية.

- جاءني الرد بعد ثلاثة أسابيع من مكتب وزير الصناعة وبه كل البيانات التي لم أكن أدري عنها شيئاً.

- أرسلت خطاباً إلى شركة أبو زعبل للأسمدة.. طالباً صرف نصف راتبي.

- بعد شهر واحد جاءني الرد من الشركة بما يفيد أن الموضوع تحت الدراسة وسوف توافيني الشركة قريباً بالرد.. ومن تدبير الله – عز وجل – أن الخطاب وقع تحت يد واحد من الإخوان المسملين الذي كانوا قد اعتقلوا، فتعاطف معي، وأقنع الجميع بأحقيتي في صرف نصف مرتبي.. وكان (93 جنيهاً مصرياً) .. وهو مبلغ كبير (آنذاك).. وجاء المبلغ في موعده، فلقد أصيبت أمير – رحمها الله – بمرض السرطان، وساعد هذا المبلغ في علاجها، وكان الجميع يتندرون بذلك.

نقابة المهندسين:

لم يكن أحد ليجرؤ على التعاطف معنا حتى وفاة عبد الناصر.. فلما مات تحركت المشاعر الإنسانية عند الكثيرين.. ومنهم أستاذ مرموق في كلية الهندسة جامعة القاهرة – قسم الهندسة الكيماوية (د. محمد علي صالح) وكان رئيساً لشعبة الهندسة الكيماوية والنووية في نقابة المهندسين.. فسعى لصرف معاش لنا (12 جنيهاً ونصف الجنيه شهرياً) .. وهو مبلغ كان كبيراً في تلك الأيام.. فشكرناه جميعاً.. ودارت الأيام وبعد ثمانية عشر عاماً صرت – أنا – رئيساً لنفس الشعبة. ورئيساً للجنة المساعدات المالية للمهندسين، فكنت أتعامل بعاطفة شديدة مع الجميع دون تمييز بين مهندس وآخر.. أياً كان لونه أو طبعه السياسي أو دينه.. فالمهندسون جميعاً من أبناء النقابة متساوون في الحقوق.. وظللت في هذا المنصب ثمانية أعوام حتى تم القبض عليّ.. لرابع مرة في 21/9/1995 م، ثم حكم عليّ بالسجن ثلاثة سنوات أخرى جديدة.

ترحيل إخوان الخمستاشرات:

ابتداء من نوفمبر 1969 م حتى يونيو 1970 م.. كنا نودع كل أسبوع واحداً من رجالات الإخوان الذين حكم عليهم عبد الناصر بالأشغال الشاقة لمدة خمسة عشر عاماً.. وكنا نقيم احتفالاً عاطفياً مؤثراً لوداع هؤلاء الإخوة الذين أمضوا في السجون (15 عاماً) كاملة غير منقوصة، وقد تعرضوا للتعذيب، ومحاولات القتل، والقتل البطيء، والمساومات لترك فكرتهم وعقيدتهم، فما لانت لهم قناة وصبروا.. ثم أصدر عبد الناصر ورجاله قراراً باعتقال هؤلاء مدى الحياة بعد أن أمضوا الخمسة عشر عاماً كاملة.. وأبرز هؤلاء عمر التلمساني والشيخ أحمد محمد شريت. عضو مكتب الإرشاد اللذان أشر لهما جمال عبد الناصر بالاعتقال مدى الحياة بعد انقضاء مدة العقوبة.. ولبثا في المعتقل عامين آخرين.. مات الشيخ الشهيد أحمد محمد شريت.. وأمدّ الله في عمر الأستاذ عمر التلمساني حيث صار المرشد الثالث للإخوان المسلمين.. كما أمدّ الله في عمر الأخ أحمد محمد البس (طنطا) وصار عضواً بمجلس الشعب (87- 1990 م).. وكثير منهم يعيش حتى الآن.. ومات عبد الناصر – ولا شماتة في الموت – وعاشوا هم وخرجوا أحياء.

الشهيد كمال السنانيري:

كان كمال السنانيري .. نسيج وحده.. بل قل: أمة وحده.. ما رأيت أحداً باع الدنيا.. وزهد في متاعها مثله، رغم ثرائه، وثراء عائلته.. كان زاهداً وعابداً .. جاداً وحازماً.. رأيته بعد سجنه بأربعة عشر عاماً يلبس ملابس السجن الداخلية والخارجية.. ويأكل طعام السجن من غير أي تحسين عليه ولا يأخذ شيئاً من كانتين السجن.. ويرسل له أهله الأموال في الأمانات في السجن فيعطيها لإخوانه.. يرفض شراء أي شيء من السوق السوداء بالسجن، يرفض التعامل بالعملة المتعارف عليها في السجن (وهي السجائر)، فإذا ضيقت عليه الخناق وسألته: هل هي حرام أم حلال؟ غضب من هذا السؤال.. وقال: وهل ليس في الدين إلا حلال أو حرام.. هناك مندوب ومباح ومكروه.. فالدائرة أوسع من سؤالك.. وهناك ضرورات تبيح المحظورات.. وتقدير الضرورة يختلف من واحد إلى آخر. كان يقوم الليل كثيراً.. ويناجي ربه أكثر وأكثر.. ولم يكن يشبع من اللقاء الرباني في جوف الليل، ولعل له مع ربه أسرار لا يعلمها إلى الله .. كان يحب السنة، ويحض عليها، يكثر الصيام رغم قلة الأكل.. أغلب ضحكه التبسم.. ودود بشوش.. كان فارع الطول.. في وجهه مهابة.. يهابه جميع المساجين، ويحترمونه من أول نظرة.. تمرّد أحد المسجونين (يوماً) وكان اسمه (حامد بندق) من بلطجية القاهرة.. وخلع السجين ملابسه، وأمسك (بشلة) ومزق جسد نفسه بها.. وصعد على سطح الكانتين، وهدد بالانتحار، واستعصى الأمر على إدارة السجن، فنظر إليه كمال السنانيري وقال له: انزل والبس ملابسك.. فنزل في الحال ولمن يناقش ولبس ملابسه.. وحدثت أزمة حادة في سجن قنا بسبب رذاذ قضية التكفير وتداعياتها، والشبهات حولها، فعيّنه الإمام حسن الهضيبي رئيساً لجميع الإخوان في سجن قنا بما فيهم أعضاء مكتب الإرشاد آنذاك، وأحسن إدارة تلك الأزمة الطاحنة حتى انقشعت.. خطب الأخت أمينة قطب أخت الشهيد سيد قطب وهو في السجن، وانتظرته واحداً وعشرين عاماً حتى خرج من السجن، وعاشت معه ستة أعوام، منها أكثر من عام في أفغانستان في حرب الشيوعية كان دائم التجول في العالم، وحدث أنه كان مع بعض أعضاء مكتب الإرشاد في إيطاليا وقت القبض على التيار الديني في عام 1981 م.. ورأى الإخوان أنه من الحكمة الانتظار بعض الوقت حتى تنقشع الغمة، فرفض ونزل وحده القاهرة. وقبضوا عليه، وعذبوه وقتلوه، ثم قالوا: إنه انتحر، يفترون عليه الكذب.. ورأيت زنزانته التي أودعوه فيها بعد قتله في سجن الاستقبال عنبر (1) زنزانة (3) .. ووقفت أمامها وبكي قلبي قبل عيناي حزناً على فراقه، فلقد عشت معه في أسرة واحدة عاماً كاملاً (19751976 م) .. وكان رثاء زوجته له حاراً.. ودمعها عليه غزيراً.. رحمه الله رحمة واسعة. وقد كتبت ديواناً شعرياً كاملاً في رثائه.

لما خرج من السجن في (1975 م) بعد واحد وعشرين عاماً.. صار عضواً بمكتب الإرشاد (75- 1981 م) حتى مات شهيداً. وكان مسئولاً عن الاتصالات الخارجية.. هذه شذرات قليلة جداً عن حياته وجهاده الطويل. وهو يحتاج إلى مؤلف كامل وحده حتى نوفيه بعض حقه.

حفلات الإخوان:

لم ينقطع الوجود الإخواني عن السجون منذ أكثر من ستين عاماً (منذ عام 1942 م) لذلك فهم أصحاب خبرة طويلة في الحياة في السجون.. هم قوم منظمون، ينظمون كل مظاهر الحياة في السجن، ولا ينسون أبداً أن النفس الإنسانية تحب الترويح، فلابد من الترويح عن القلوب؛ ذلك لأن القلوب تكلُّ، وإذا كلّت عميت. وإذا عميت كانت الطامة الكبرى.. لذلك فالبرامج الترفيهية والبرامج الثقافية والبرامج الدراسية علامات بارزة في كل سجن فيه نفر من الإخوان.. بهذا يمكن مقاومة ضغوط السجن الرهيبة.. ولقد كان للإخوان في (قضية 54) شاعر وزجال هو الأخ سعد سرور (من إخوان السويس) .. ينظم الشعر والزجل والأغنية، ويشرح إيقاع اللحن كأنه يكتب نوتة موسيقية ثم يقوم بغنائها الأخ أحمد حسين صاحب الصوت الرخيم في حفلة غنائية، ويقدم عدة مقطوعات غنائية.. وتتكرر الحفلات كل فترة، ولقد سجل سعد سرور كل هذه الأشعار والأزجال والأغاني في كتاب له، طبعته دار الطباعة والنشر الإسلامية بعنوان "خواطر سجين " من جزءين.

زوال نظام عبد الناصر:

مات عبد الناصر في 28/9/1970 م، بعد مقتل الشهيد فاروق المنشاوي بثلاثة أشهر، وبعد إعدام الشهداء الثلاثة: سيد قطب ، محمد هوّاش ، وعبد الفتاح إسماعيل بأربع سنوات كما تنبأ بذلك الشهيد سيد قطب.. وجاء بعده أنور السادات رئيساً للجمهورية.. لكن رجال الاتحاد الاشتراكي ووزراء عبد الناصر لم يكونوا مقتنعين بالرئيس السادات، فتجمعوا تأمروا عليه، وكانت بيدهم مقاليد جميع أمور البلد، الإذاعة.. التليفزيون.. الإعلام.. قيادة الجيش، المباحث العامة، قيادة المخابرات، وزراء الداخلية والخارجية والدفاع والثقافة والإعلام وغير ذلك.

وبدأوا يحيكون المؤامرات للتخلص من السادات، ولكن السادات استدعى اللواء ممدوح سالم الذي كان مديراً لأمن الإسكندرية.. ومعه قوة من البوليس قامت بالقبض على كل هؤلاء الوزراء والمسئولين في غضون ساعات.. وكما كان يقال حصدهم بعصاة من الجميز، وحاكمهم فيما سمي بمؤامرة (15 مايو 1971 م)، وحكم على كثير منهم بالسجن ابتداء من رفيق عمره "علي صبري" وانتهاء بكل حاشية حكم عبد الناصر ، في خبطة سياسية مفاجئة وناجحة، وعين "ممدوح سالم " وزيراً للداخلية، ثم بعد ذلك رئيساً للوزراء.. ولقد كان ممدوح سالم شخصية جادة وموضوعية ومنصفة، وهو الذي أجرى أول انتخابات نظيفة لم يحدث مثلها في عهد الثورة.


مؤامرة دنيئة:

أصدر الرئيس أنور السادات قراراً جمهورياً بالإفراج عن جميع الإخوان المسجونين في 16/10/1971 م، ولكن بقايا أتباع عبد الناصر عزّ عليهم أن نخرج إلى الحياة، فقاموا بإخفاء هذا القرار الجمهوري ولم ينفذوه.. ولما بلغ هذا القرار إلى وزارة الداخلية، قام الضابط فؤاد علام المسئول عن ملف الإخوان يوم 15 ديسمبر 1971 م باستدعاء أخي الأكبر، وأخبره أنه سيفرج عنا في خلال أسبوعين، ويمكنهم انتظاري فجر أول يناير 1972 م على محطة قطار الجيزة ، وبالفعل قامت أمي – رحمها الله – بكيِّ البدلة الخاصة بي، والبحث عن عروس لي.. وعاشت أحلاماً سعيدة لمدة أسبوعين، وحضر أهلي وجيراني وأحبابي بعد صلاة فجر أول أيام يناير 1972 م إلى محطة قطار الجيزة ، وكان استقبالاً رائعاً .. ولكن أيدي خفية قامت بإخفاء هذا القرار حتى اليوم!!! إلى أن اكتشفه أحد محامي الإخوان (أ. جمال تاج الدين) بعد ذلك بخمسة وعشرين عاماً (1996 م) .. وكان السادات يظن أنه قد أفرج عن الإخوان. إن وجود الإخوان في السجون يرتزق من ورائه كثيرون من أعدائهم، وتستفيد منه قوى كثيرة من أهل الباطل، وأتباع الهوى، وعبَّاد الشهوات، وأصحاب الأطماع.. ولا أريد أن أغالي فأقول إن هناك أصابع صهيونية وراء هذا كله.. أو لعل وجودنا في السجون كان صفقة كبرى لقوى خفية أو أيدي عابثة. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

الرحيل:

كنا نظن أنه بعد وفاة عبد الناصر بشهر أو شهرين سيفرج عنا، ولكن السادات كان قد ورث تركة ثقيلة.. بلد مهزوم، أرضه محتلة، اليهود على الضفة الغربية لقناة السويس ، والجيش هزم هزيمة منكرة، وآلاف الخبراء السوفييت جاثمون على صدره، وكثير منهم عميل لأبناء صهيون، ولا يأمن أحدٌ جانبهم، وطالما كان الخبراء السوفييت في مصر فإن اليهود في أمن وأمان كما ورث السادات أخطبوطين هما الاتحاد الاشتراكي والتنظيم الطليعي.. وكان وضعه لا يحسد عليه ولكنه كان داهية سياسية، عميق الفكرة، بعيد النظرة.. ومن ثم لم نكن نشغل باله أكثر من القرار الذي اتخذه بالإفراج عنا.. وفي يوم 30 ديسمبر 1971 م جاءت إشارة بترحيل أول مجموعة من إخوان سجن قنا إلى مزرعة طره وعددهم ستة وهم:

- علي نويتو (إعدام في 1954 م، خفض إلى المؤبد – إمبابة).

- محمد شاكر خليل (إعدام في 1954 م، خفض إلى المؤبد – القاهرة).

- محمود توفيق (مؤبد في 1954 م – مصر القديمة).

- علي محمد جريشة (12 سنة أشغالاً في 65).

- محمد عبد العزيز الصروي (12 سنة أشغالاً شاقة في 1965 م).

- جلال بكري (15سنة أشغالاً شاقة في 1965 م).


ثم توالت الدفعات بعد ذلك.. كما سبقنا المسجونون في ليمان طره عنبر (1) إلى سجن مزرعة طره، وكذلك تم نقل المسجونين من الإخوان في سجن القناطر إلى مزرعة طره أيضاً.. واجتمعنا جميعاً في سجن مزرعة طره (كل إخوان قضية 65 والإخوان المحكوم عليهم بالمؤبد والإعدام في 1954 م).

يوم رحيل المجموعة الأولى:

كان يوماً مشهوداً في سجن قنا.. أقام المسجونون مسرحاً كبيراً في الدور الأرضي وتجمعت كل المساجين الذين لهم مع الإخوان ذكريات منذ 4 مايو 1964 م حتى 31/12/1971 م. فاللإخوان على أغلب المساجين أياد كريمة، وعطف، وعلاج لمرضاهم، وتأهيل صناعي في ورشة النجارة لكثير منهم، والذين تابوا كانوا بالمئات على أيدي الإخوان.. وخصوصاً أن معظم المساجين في سجن قنا ليسوا من محترفي الإجرام، ولا من سيئي السلوك، ولكن دفعتهم الحمية والغيرة والأخذ بالثأر إلى غياهب السجون، ودرك الظلمات، فتلقفهم الإخوان ، ومدّوا لهم يد العون حتى تابوا وأقاموا الصلاة وقد تعلقت قلوب المساجين برموز الإخوان.. والشهادة لله كان على رأس الإخوان الذين يحبهم ألف مسجون في سجن قنا. المرشد السابع محمد مهدي عاكف.. كان جواداً كريماً مع كل المسجونين، لا يردّ سائلاً منهم مهما كلفه ذلك.. ولقد ساعد على ذلك أن عائلته الميسورة كانت ترسل له مبلغاً كبيراً من المال كل شهر.. فينفقه كله على إخوانه وعلى المسجونين، ولا يأخذ إلا القليل.

صعد المساجين على المسرح وقالوا كلمات وداع حارة، وتعالى بكاء كثير منهم لفراقنا.. ولازلت حتى اليوم أذكر ذلك المشهد بدموعي. أما المفاجأة الكبرى.. فكانت من ضابط السجن المختص بالإخوان (الرائد محمد...) الذي صعد على خشبة المسرح، وبكى بصوت عالٍ جداً في وداعنا جميعاً) وخص بالذكر د. علي جريشة والأخ علي نويتو.

قصة الضابط محمد:

جاء هذا الضابط مشرفاً خاصاً على الإخوان المساجين في قنا ، وكان فيما أذكر برتبة نقيب أو رائد.. كان شاباً وسيماً، واثقاً من نفسه، فرحاً بها، عنده شعور بشخصيته ولقد قام ذات يوم بحملة تفتيش مفاجأة استهدف بها الإخوان الجدد (آنذاك) (إخوان قضية 1965 م)، وكان معه شاويش غليظ الخلق والقلب، فقاما بمصادرة كل شيء في الزنزانة، وكان ذلك الشاويش اسمه (البهي) جاء معنا من ليمان طره لمزيد من التنكيل بنا.. فهو مشهور بغلظته على الإخوان.. وكان زميلاً للشاويش ديهوم الذي طالما آذانا.. ولكن الله انتقم من ديهوم.. وترك هذا "البهي" إمهالاً.. وليس إهمالاً.. وجاء الدور على زنزانتنا.. وكنت أسكن مع المرحومين محمد علي العريشي (الشرقية)، وعبد الكريم حسن الطويل (إمبابة) واقتحم الضابط والشاويش الحجرة.. وجمعوا الطماطم والطحينة والعسل الأسود، وأخذ الشاويش البهي يدوس على الأكل بحذائه الميري الغليظ.. في استفزاز شديد، وكان الإخوان الكريمان اللذان معي شديدي التوتر.. ولكنهما تذرعا بالصبر مع كظم الغيظ بصعوبة بالغة.. وظل الضابط والشاويش مستمرين في استفزازهم وقاموا بإلقاء أمتعتنا خارج الزنزانة.. بل في حوش السجن، وبلغ الغيظ الحناجر.. واستنشقنا آخر نفس في الصبر.. ولكن الضابط والشاويش استمرا في الاستفزاز.. وأخذا يعبثان في الزنزانة.. ولكنهما اقتربا من اكتشاف مخبأ سري في الزنزانة.. وهو توصيلة سرية للكهرباء كنا نستعملها بالليل حينما تطفأ أنوار السجن.. إذ أن أنوار الزنازين لها كلها مفتاح واحد خارج الزنزانة.. وفي الثامنة مساءً تطفأ كل أنوار الزنازين، لكن الأخ الكبير الحاج محمد علي الشناوي وكان مسئولاً عن كهرباء السجن، قام بعمل مخبأ سري في كل زنزانة به توصيلة للكهرباء.. في كل الزنازين.. لذلك كان اكتشافها عندنا طامة كبرى سوف تعم كل الزنازين، فكان لابد من تصرف سريع يُربك الضابط والشاويش معاً.. فقام المرحوم محمد العريشي بضرب باب الزنزانة برجله محاولاً غلق الزنزانة علينا وعليهم. وفجأة ارتعشت أطراف وأسنان كل من الشاويش البهي والضابط محمد، وأسرعا جرياً خارج الزنزانة وأغلقا الباب.. وسكتا عن باقي الزنازين. وبالطبع كانت تنتظرنا محكمة عسكرية داخل السجن مع حكم بالجلد والحبس الانفرادي.. وبسرعة بلغ الأمر الأخ محمد مهدي عاكف (المرشد السابع حالياً) فاجتمع مع الضباط، وجلس معهم الأخ اللواء صلاح شادي.. وتم الصلح.. ولكن الضابط ذهب لمقابلة رئيس الإخوان في السجن آنذاك وعضو مكتب الإرشاد الأستاذ محمد حامد أبو النصر (المرشد الرابع) الذي قال له بالحرف الواحد (يا ابني احنا دوّبنا 200 ضابط مثلك منذ عام 1954 م حتى الآن)، ومستعدين لتدويبك إنت كمان، وصار هؤلاء الضباط ذكرى بالنسبة لنا وبقينا نحن كما كنا منذ (16سنة) ولم ننقص شيئاً.. وبقيت لهم الذكرى، فمنهم من نحمل له ذكرى طيبة ومنهم غير ذلك.. ومنهم الصالح الذي ندعو له، ومنهم الطالح الذي نوكل أمره إلى الله.. فعاملنا بالحسنى خير لنا ولك.. ثم أشار الأستاذ محمد حامد أبو النصر على الأخ د. علي جريشة أن يتولى هذا الضابط بالدعوة الفردية.. وركز عليه علي جريشة تركيزاً شديداً. وفي يوم وداعنا لسجن قنا جهش بالبكاء، وانهار كأنه طفل صغير فقد أماً حنوناً عطوفاً.. فرق كبير بين بدايته وبين نهايته.. ونسأل الله لنا وله حسن الخاتمة.. آمين.

آخر ذكريات سجن قنا.. زيارة للمشنقة:

هل رأيت المشنقة.. في السينما.. في الأفلام.. هل رأيتها في الحقيقة.. هل تخيلت أن حبل المشنقة قد التف حول رقبتك.. وأمامك لحظات لكي تنطق بالشهادتين.. ما هو شعورك.. كيف تواجه هذه اللحظات العصيبة وهذا الابتلاء العظيم... أيام جهاد النبي r مع الكفار كانت الجنة تحت ظلال السيوف، أما الآن فالجنة تحت حبال المشنقة.. فالصبر على فتنة الحرب ومواجهة الأعداء ومعاينة الموت.. هو البلاء العظيم والامتحان الكبير.. وفي غزوة أحد قال سعد بن الربيع ذلك الصحابي الجليل، لأخيه سعد بن معاذ " واهاً يا سعد والله إني لأشم رائحة الجنة خلف جبل أحد.. فلعل شهداءنا الذين عُلقوا على أحبال المشانق كانوا يشمون رائحة الجنة في غرفة المشنقة، وهؤلاء عرفوا أن الجنة تحت حبال المشنقة ولعلهم كانوا يعانقون الملائكة الأطهار الذين حضروا ليأخذوا أرواحهم إلى أعلى عليين. دخلت المشنقة.. ونظرت إلى مكان تعليق حبل المشنقة. ووقفت على "الطبلية الخشبية" التي يقف عليها الذي سينفذ فيه حكم الإعدام. ورأيت الرافعة التي يرفعها عشماوي، ونظرت إلى البئر السحيقة على عمق عشرة أمتار والتي تهوي فيها الجثة.. وتخيلت هذا المنظر لإخواني وأحبابي: سيد قطب ، ومحمد يوسف هواش ، وعبد الفتاح إسماعيل شهداء محنة (65).. وفاضت عيناي، وعشت لحظات من التأمل العميق كأنها دهر.. حتى ناداني الأخ الكبير عباس عبد السميع.. تعال يا أخ محمد عاوز أقفل المشنقة .. فلقد كان معه مفتاح باب المشنقة في سجن قنا حيث كان ينفذ حكم الإعدام في سجن قنا في الثلث الأول من القرن العشرين. ثم قصرت الحكومة تنفيذ أحكام الإعدام شنقاً على سجن الاستئناف بوسط القاهرة.. وكان الأخ الكبير عباس عبد السميع (من إخوان شبرا) يقوم بتخزين أشياء كثيرة خاصة بنا في حجرة المشنقة، فهو مكان آمن بعيد عن التفتيش.. وعن أعين الجميع.


المبحث السادس : الإخوان في سجن مزرعة طره

دخلنا سجن مزرعة طره في صبيحة أول يناير 1972 م على أمل البقاء أسبوع أو أسبوعين على الأكثر ثم الإفراج عنا. ولكني لبثت فيه تسعة وعشرين شهراً وبضعة أيام.. ولأننا تعودنا على المفاجآت فلم نكن نلقي بالاً لذلك، وكل منا قد رتب نفسه على قضاء كل مدة العقوبة كاملة غير منقوصة.

  • المياه في مزرعة طره أحسن حالاً.. العنابر كلها تفتح في الثامنة صباحاً، ولا تغلق إلى في الخامسة بعد العصر.. الكهرباء والإضاءة بالعنابر.. الزيارة كل شهرين بتصريح من النيابة.. والزيارة السلكية كل 21 يوماً. الطعام جيد والخبرات كثيرة.. وجبة العشاء الرئيسية عادة أغلبها من الزيارات أو طبيخ نقوم بإعداده نحن في العنبر. الشاي مسموح به.. السخانات الكهرباء غير ممنوعة، وكذلك التوتو.. يوجد تليفزيون في العنبر كله لمن أراد .. مسموح بلبس الساعات.. الكتب الدينية متوفرة في مكتبة ضخمة جداً.. كنا نلعب كرة قدم كل يوم بعد العصر وكذلك الكرة الطائرة.. يوجد ملعب اسكواش راكيت يعلب فيه كل يوم المحترفون أمثال الأستاذ محمد مهدي عاكف.. والمهندس فايز إسماعيل. لكل واحد منا برنامجه الثقافي الخاص.. وفي هذه الفترة قرأت " الفتاوى الكبرى" لابن تيمية (خمسة أجزاء)، و "صحيح مسلم" بشرح النووي (18 جزءاً).. ورسالة الدكتوراة في الزكاة للدكتور يوسف القرضاوي وكان لتوه حاصلاً عليها.. وهي مجلد ضخم حوالي 900 صفحة.. علاوة على كتب كثيرة من الحجم المتوسط.. قرأت ثمانية مجلدات من كتاب "الدين الخالص" للشيخ محمود خطاب السبكي رئيس الجمعية الشرعية، و "الإبداع في مضار الابتداع" للشيخ علي محفوظ.. وغيرها. وكانت فرصة ذهبية للثقافة.
  • تجمع المهندسون الكيماويون وأعدوا برنامجاً دراسياً، يقوم كل واحد منا بتدريس أحد كتب الماجستير في علوم الهندسة الكيماوية علاوة على دراستنا للهندسة الكهربائية والكيمياء والهندسة المدنية (الخرسانة المسلحة)، كما قام الكيميائي النابه الأخ منصور عبد الظاهر (الخانكة – قليوبية) بتدريس علم هندسة الراديو، وكانت له حلقة لدراسة الراديو يحضرها الكثيرون.. لذلك لما خرجنا من السجن كان مستوانا العلمي مرتفعاً جداً بالنسبة لأقراننا الذين لم يدخلوا السجون.
  • لاحظت تعاطفاً شديداً معي من (الرائد عصام) بدون مقدمات. وبحثت الأمر فعجبت لأقدار الله.. هذا الضابط يسكن في عمارة وفي شقة مجاورة لزميل لي في الكلية، ونشأت صداقة عائلية بين الزوجات.. كل واحدة تحكي عمل زوجها.. حكت زوجة الضابط أن زوجها يشرف على إخوان قضية (65).. بلغ ذلك زميلي المهندس (جلال.. ) فكان كل يوم يوصي زوجته أن توصي زوجة الضابط بي خيراً، وظل يتابع ذلك كل يوم تقريباً، حتى تضايق الضابط جداً وسألني هل تريد أي شيء.. أي خدمة..؟ ولكني كنت دائماً أشكره ولا أطلب شيئاً.. وهو يغتاظ من هذا الرفض.. لأنه يريد إرضاء زوجته بتقدي أي خدمة لي، وبعد حوارات دامت أكثر من سنتين جاءني يوماً.. وأسَرّ في أذني أنني سأخرج إفراج اليوم وبعد المغرب تحديداً.. وكنا قد صلينا العصر، ونستعد لغلق الزنازين.. فقلت له مداعباً: يا عم عصام إنتم لكم عندي ثلاث سنوات باقية خدوها.. ولا داعي لسياسة هزّ الأعصاب.. فحلف لي بشرف أمه أنه جاد فيما يقول، فكررت الرفض.. فأغتاظ لأنّه أقسم بشرف أمه.. وصارت أزمة.. كيف لا أصدقه وهو يحلف بشرف أمّه!! ولما أصرّ ذهبت وأخبرت القصة للأخ الكبير صبري عرفة الكومي – فقال: المعلومات صحيحة وعليك تجهيز حاجياتك فوراً.. فلقد جاء خطاب للسجن بالإفراج عن 81 من الإخوان.
  • كان على كل واحد من الشباب أن يقوم بالعمل في خدمة إخوانه.. فالعمل عبادة وخدمة الإخوان عبادة، ولقد عملت في المهن التالية:
  • صبي سباك تحت رئاسة الأخ أحمد عبد المجيد ، لإصلاح حنفيات دورة المياه باستخدام أنبوبة معجون الأسنان الفارغة.. (صيانة بإمكانات وعقلية السجون).
  • صبي سباك محترف هو الأخ عبد السميع عفيفي ، حيث قمنا بمد شبكة مياه إلى جميع حجرات العنبر.. بدلاً من ملء الجرادل.
  • حافظت على عملي الأصلي في سجن قنا وهو إصلاح شباشب وأحذية الإخوان لمدة دامت خمس سنوات ونصف السنة.
  • وبالمناسبة عملت من قبل في سجن قنا مشرفاً على الصيدلية الخاصة بالإخوان وإعطاء حقن العضل والوريد وتحت الجلد وتطعيم الإخوان ، تحت إشراف د. محمود عزت إبراهيم.. لكن لما حضرنا إلى سجن مزرعة طره كان هناك من هم أقدر مني على هذه الوظيفة وعددهم كثير.


وباء الكوليرا:

  • في أغسطس 1972 م عَمّ وباء الكوليرا مصر كلها، وانتقل الوباء إلى السجون، وخاف الإخوان ، وخافت إدارة السجن، فقامت بعدة إجراءات صارمة أهمها منع الزيارات، ومنع الخضروات.. والاكتفاء طوال الشهر بالفول المدمس في الإفطار، وفي العشاء باذنجان أسود مطبوخ، وليس مقلياً في الزيت، فهو عبارة عن باذنجان وضع في غلاية واستمر غليه كثيراً.. وكان طعمه صعباً جداً.. ومن عجيب الأقدار أن كل واحد منا كان يشرف على مطبخ الحجرة (عدد أفرادها 30) شهراً كاملاً، وكان حظي العاسر هو الإشراف على المطبخ في هذا الشهر القحط. ولما انتهى الشهر انتهى معه الحظر، وجاءت الزيارات، فأقام الإخوان حفلة توديع لأيام القحط الغذائي، وقام الأخ المهندس يحيى بياض بعمل قصيدة زجلية كلها هجاء لي.. ولأيامي السوداء مثل الباذنجان الأسود، وكنت أتمنى تسجيلها هنا.. لكنها فقدت مع الأسف.


الضابط عبد العال سلومة:

جاء عبد العال سلومة مشرفاً على سجن مزرعة طره.. لكن هيهات، فلقد جاءنا حطاماً بعد أن كان وحشاً كاسراً.. ابتلاه الله بمرض السرطان في الأمعاء وهو شاب.. وكل مدة كان يسافر إلى لندن للعلاج.. ولم تعد له أي قدرة على الإيذاء.. ولكن كما يقول المثل " يموت الزمّار .. وصباعه بيلعب " فكان بين الحين والحين يحاول عمل أي مضايقات ولكن دون جدوى. كان الأخ المهندس محمد شاكر خليل مكلفاً بالاتصال بالإدارة والإشراف على الكانتين، وكنت أعمل مساعداً له.. ورديفاً أيضاً.. كما كان الحاج محمد علي الشناوي يتعامل مع باقي الضباط والعساكر وكنت أعمل مساعداً، رديفاً له أيضاً.. وفجأة وبلا مقدمات أفرجت الحكومة عن كليهما بعد تسعة عشر عاماً في السجن.

ووجدت نفسي أقوم بالمهمتين معاً.. خصوصاً أعمال التسهيلات، وتسليم وتسلم الخطابات.. ومتابعة الزيارات، وكان يساعدني في هذا الأخ الجليل عبد الرءوف شبانة.. وكان عبد العال سلومة رغم أنه في النزع الأخير، يرسل عيونه لمراقبتي ومتابعتي، وكنت دائماً حاضراً بالإجابة عن سؤاله لماذا أنت هنا في الإدارة.. فكان في جيبي دائماً خطاب مطلوب مراجعته من الضابط المختص وإرساله.. لكنه تمكن ذات مرة من ضبطي متلبساً بالحديث مع الزوار خارج السجن من ثقب الباب الخشبي الكبير.. وهذه مخالفة كبيرة في رأيه، إذ أنني أستطيع من هذا الثقب تهريب أي شيء خارج السجن.. لكن كل هذه كانت أشياء تافهة إذا قيست بمذبحة طره (57) التي كان هو بطلها الحقيقي.. أو المنفِّذ الحقيقي.. بل المجرم الحقيقي لها.. وبعد حوالي سنتين مات عبد العال سلومة في ريعان شبابه. وهكذا انتهت أسطورة عبد العال سلومة نهاية مأساوية، وعبرة لمن أراد أن يذكر.. أو يعتبر.. ولكني أنّي للطغاة أن يعتبروا.


زراعة سجن المزرعة:

قام الأخ عثمان عرفة أبو مهدي ، بزراعة السجن بأشجار الزينة والرياحين والورود، فلقد كان خبيراً بالزراعة.. كما قام بزراعة مساحة كبيرة وراء العنبر رقم (2) بكل الخضروات.. فجل – جرجير – شبت – بقدونس – ملوخية – وكذلك النعناع والرياحين. مما أعطى السجن شكلاً جمالياً مبهراً.. وكان يساعده إخوان كثيرون.

صالون الحلاقة: افتتح الإخوان صالوناً للحلاقة يرأسه الأخ الكريم محمود البطل (المنصورة) ويعاونه الأخ السيد شاهين من المحلة الكبرى.. وقد قاما بتدريب عدد من الإخوة وتعليمهم مهنة الحلاقة تحسبًا لأي تغيير مفاجئ في السجن.. فتعلم المهنة كل من المهندس محمد أحمد البحيري والمهندس كمال عبد العزيز سلام والأخ محمد علي العريشي والمهندس إمام سمير.

خطبة الجمعة: كان يلقيها بانتظام العالم الجليل الشيخ عبد الستار محمد نوير.. وهي من أجمل وأعظم ما سمعت من الخطب في حياتي، فجزاه الله عنا خير الجزاء.. ولا يعادلها في الروعة سوى خطب الشيخ محمد الغزالي.. وكذلك خطب العالم الجليل الشيخ عليان محمد عليان خطيب مسجد الاستقامة بالجيزة.


قضية المؤامرة (15 مايو 1971 م)

ألقى أنور السادات القبض على كل أعوان عبد الناصر في شتى أجهزة الدولة، وحاكمهم وسجنهم في سجن ملحق مزرعة طره الذي كانت له فتحة على سجن مزرعة طره.. وكان تحت إشراف مأمور سجن المزرعة.. وهم كبار رجال عهد عبد الناصر: عبد المجيد فريدسامي شرفعلي صبري وآخرون، ورغم عدائهم لأنور السادات فكان يمنحهم معاشات كبيرة جداً فور الحكم عليهم بخلاف حالنا نحن، فلا معاشات ولا شيء من ذلك.


الكانتين:

أشرفت على كانتين الإخوان بعد الإفراج عن المهندس محمد شاكر خليل واضطررت للتعامل مع كل المساجين: المتهمون في قضية المؤامرة.. وعدد قليل من المساجين الآخرين.. وفجأة تصدع سجن مصر في منطقة القلعة، فقامت الحكومة بنقل جميع المساجين هناك وعددهم حوالي 350 مسجوناً كلهم قضايا نشل ونصب واحتيال، واحتراف السرقة، وعصابات السرقة.. وبالطبع فإن لهؤلاء زعيماً كبيراً ورئيساً على مستوى القاهرة الكبرى، وكان اسمه (الكويتي) نسبة إلى الكويت ولا أدري لماذا؟

وفي أحد الأيام تشاجر (الكويتي) هذا مع مأمور السجن.. فخطف مفتاح السجن وقام بإدخاله من أسفل دبره وجن جنون المأمور فهذه يمكن أن تشكل له محاسبة وعقاباً في الوزارة.. ولكن تم الصلح بين المأمور والكويتي بعد أن تعهد المأمور بتلبية كافة رغباتهم.. كنت أتعامل كل 3 شهور مع جميع هؤلاء النشالين الذين يبيعون دمّهم مرة كل ثلاثة شهور (نصف لتر دم) مقابل مائة وأربعين قرشاً.. وفي إحدى المرات غالطني أحد هؤلاء النشالين في قيمة ثمن علبة سجائر.. فاخْتلّت العهدة عندي فأخبرت الكويتي، الذي قام على الفور بالبحث والتحري حتى أحضر هذا المسجون الذي أخَلّ بشرف المهنة.. فلا يصح أن يسرق مسجون زميله داخل السجن.. هذا ميثاق الشرف عندهم.. ولقد اكتسبت خبرة طويلة من التعامل معهم بلا شك.

ومن حوادث هؤلاء النشالين أن أحدهم وكان يدعى (محمود زرافة) نظراً لطوله الشديد.. كان يخدم الضباط في المكاتب.. وفي عصر كل يوم كان الضباط يلعبون معنا الكرة، ونحن نعيرهم بدلة تدريب فيلبسها الضباط على اللحم تماماً لأنه لا يحضر معه غياراً داخلياً آخر.. فقام (محمود زرافة) بسرقة الملابس الداخلية للضابط.. وكانت مأساة حقيقية.. لكن الإخوان سارعوا بإعطاء هذه الضابط غياراً داخلياً إنقاذاً للموقف.. وكان (زرافة) هذا يسرق من الضباط كل يوم مبلغاً تافهاً جداً.. عشرة قروش، ربع جنيه على الأكثر، ولما تكرر الأمر أعد ضابط المباحث المحترف (النقيب إبراهيم حنفي) كميناً بأن وضع علبة كبريت ماركة (Kent) في ملابسه فسرقها (زرافة)، فقام بعمل تجريدة ولم يخبر الضابط أحداً ماذا في نيته، حتى اكتشف علبة الكبريت عند زرافة.. فقام بتعليقه على الفلكة وأذاقه سوء العذاب حتى اعترف بكل شيء بما في ذلك الملابس الداخلية للضابط عصام.


المهندس محمد شاكر خليل:

في عام 1955م حينما كان يؤدي محمد شاكر خليل امتحان البكالوريوس في الهندسة.. وقعت حادثة شبرا الشهيرة وقبض عليه، وحُكم عليه بالإعدام، ثم خفف إلى المؤبد، وقضى في السجن حوالي تسعة عشر عاماً، وفجأة صدر قرار بالإفراج عنه قبل الامتحان بقليل فخرج من السجن.. وعلى عجل أدى الامتحان.. وفي أخر يوم من الامتحان بعد تسليمه المشروع ومناقشته.. عاد إلى منزله، ولكنه سقط تحت عجلات المترو فقطعت رجلاه الاثنتان في حادث بشع هزنا جميعاً، فبعد صبر تسعة عشر عاماً أهوالاً جساماً في السجون.. ولم تلن له قناة. ذلك الشاب الألمعي الذي كان أول من حفظ القرآن الكريم من الشباب في السجن مع زميله الألمعي أيضاً د. علي شهوان (أستاذ أمراض النساء والتوليد حالياً في كلية طب عين شمس).. بكينا جميعاً على هذا الحادث المروّع للأخ المهندس محمد شاكر خليل ، ودعونا الله بالصبر وأن يعوضه خيراً. فاستجاب الله دعاءنا.. وصار الآن واحداً من كبار رجال الصناعة. ومن مليونيرات الصناعة في مصر وصاحب شركة مصر الحجاز للبلاستيك.. وصار من أثرياء الإخوان وتزوج وأنجب بنتاً.. ) وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ( [البقرة: 212].


حرب أكتوبر 1973 م:

قام أنور السادات بحرب 6 أكتوبر – 10 رمضان، وعبر قناة السويس ثم حدثت الثغرة وأقف القتال، وغدر كيسنجر بأنور السادات وخانه وتواطأ مع اليهود لأنه منهم.

لكن عبور قناة السويس وتحرير جزء من أرض سيناء كان حدثاً عظيماً.. وكذلك هدم خط بارليف كان من روائع تلك المعركة بلا شك.. وكنا نتابع المعركة ساعة بساعة.


وفاة المرشد الثاني:

في يوم وقف القتال وحادث الثغرة، في 18 أكتوبر 1973 م جاءنا نبأ وفاة الأستاذ المرشد حسن الهضيبي ، رحمه الله رحمة واسعة.. الذي كان يتابعنا كل ستة شهور بخطاب منه يشد به أزرنا، ويقوي من عزمنا.. فرحمة الله عليه ورضوانه، ونسأل الله أن يجعله من الصابرين ) إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ( [الزمر: 10].


قصة الإفراج:

في كل عام يتم الإفراج عن المسجونين الذين أمضوا نصف المدة، وكانوا يستثنون فئات معينة، منها الإخوان. كان ذلك يحدث في 23 يوليو من كل عام.. فقام السادات بتغيير الموعد إلى المولد النبوي الشريف.. وفي هذه المرة لم يُكتب استثناء الإخوان من القرار الجمهوري.. ولم يفرج عنا أيضاً. فقام محامو الإخوان وعلى رأسهم الأخ المحامي القدير شمس الدين الشناوي برفع قضية مستعجلة في مجلس الدولة للإفراج عنا، واستمرت سبع جلسات ثم حجزها القاضي للحكم.. وكان واضحاً أن الحكم لصالحنا.. وطالب المحامون بسجن وزير الداخلية ومدير مصلحة السجون ومأمور السجن.. وكان الحل هو الإفراج المفاجئ عنا.. وفي يوم 4/4/1974 م الموافق ليوم ميلادي، جاء قرار الإفراج عن 81 أخاً من الإخوان وهم جميع المحكوم عليهم بـ 10، 12، 15 سنة، وبقي المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة في كل من 1954، 1965م.. فيما عدا علي عبده عشماوي الذي خرج معنا بعد تسع سنوات قضاها معنا.. رغم كل ما باعه!!.

وذهبنا جميعاً إلى وزارة الداخلية في لاظوغلي.. وفي الحادية عشرة مساءً فوجئ أخواي وأهلي بدخولي عليهم مفرجاً عني. وذلك بأن أسبوع واحد من وفاة أمي رحمها الله التي كانت تريد أن تكتحل عيناها برؤيتي خارج الأسوار، وقد صبرت تسع سنين، وقبل تحقيق الأمنية بأسبوع واحد ماتت أمي رحمها الله.. وفي الصباح وبعد صلاة الفجر سافرت وزرت قبرها واستقبلني كل أهالي البلدة استقبالاً كريماً وعاطفياً.. وكانوا محتارين بين التهنئة بالإفراج وبين التعزية لوفاة أمي رحمها الله رحمة واسعة.

  • وبعد عام كامل في 27/3/1975 م تم الإفراج عن باقي الإخوان في سجن مزرعة طره.. والحمد لله رب العالمين.


هذه هي رحلة الإخوان في السجون منذ عام 1942 م وحتى عام 1975 م.. وقد استراح الإخوان من السجون لمدة ستة أعوام ونصف .. حتى 5 سبتمبر 1981 م حيث عادت سياسة الاعتقالات والسجون حتى يومنا هذا (2005م) ولا يعلم أحد إلا الله متى ترتفع هذه الغمة عن جميع المساجين السياسيين في بلاد العرب.

والذي لا شك فيه أن السجن امتحان واختبار بكل معاني الكلمتين، لكنه امتحان معروف الأسئلة – سلفاً أو كما يقولون امتحان بكتاب مفتوح، من أسئلته:

- هل أنت مقتنع بهذا الطريق ومؤمن به ومصرٌ عليه، رغم كل الضغوط وبشاعتها، وطول أمدها؟!

- هل أنت مستعدٌ للسير في هذا الطريق حتى النهاية مهما كلّفك ذلك؟!

- هل أنت مستعدٌ للانضباط مع تعاليم هذا المنهج الذي هو وسط بين طرفين.. والوسطية صعبة صعبة ؟!.

- هل أنت مستعدٌ للتضحية بالنفس والمال والوظيفة والجاه والسلطان، بل وأحياناً كثيرة بالصحة والعمر. للاستمرار في هذا الطريق؟!.

- هل أنت موقنٌ يقيناً حازماً جازماً لاشك فيه ولا ريبة، أنك على الحق بدون غبش في التصور والفهم والحركة والأداء؟ !.

- هل أنت على يقين أن الأجر قد لا يكون في هذه الدنيا ؟!

- هل أنت موقنٌ باليوم الآخر.. والجنة .. حيث يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب ؟!.


الفصل الثالث:جريمة العصر وابتلاء الأخوات

حينما أعلن جمال عبد الناصر في موسكو !!! عن اكتشاف تنظيم للإخوان في 30/8/1965 م.. أصدر قراراً باعتقال كل من سبق اعتقاله منذ بدء اعتقالات الإخوان في عام 1942 م.. وتراوحت أعداد المعتقلين بين ثلاثة وأربعة وثلاثين ألفاً.. وامتلأت جميع السجون والمعتقلات وتخشيبات الأقسام ونقط البوليس بشباب وشيوخ الإخوان المسلمين.. ولم يكف ذلك عبدة الطاغوت.. وعملاً بمبدأ المساواة بين المرأة والرجل، أنشأت الحكومة معتقلاً للسيدات والبنات.. وألقت القبض على خمسة وخمسين امرأة من زوجات وأمهات وأخوات وبنات الإخوان المسلمين ، وألقت بهم بلا رحمة ولا شفقة في معتقل سجن النساء بالقناطر.. ونظراً لمضي مدة أربعين عاماً على هذا الحدث فلم أستطيع إحصاء كل أسماء هؤلاء السيدات الفاضليات.. ولكن أحصيت منهن عدداً لا بأس به، وآمل في الطبعة القادمة – إن شاء الله – أن أحصل على باقي أسماء المعتقلات، المجاهدات، الصابرات، وكثيراً ما يكون الاسم غير كامل، أو يكون كنية بابنها أو زوجها. وهؤلاء المعتقلات غير الأخوات اللاتي اعتقلن في السجن الحربي، واللاتي تم ذكرهن في كتابي الأول "محنة 65 – الزلزال والصحوة".

وأشهر المعتقلات في السجن الحربي هن:

- زينب الغزالي الجبيلي (مدينة نصر – القاهرة).

- حميدة قطب (حلوان).

- الحاجة أم أحمد (فاطمة عبيد – القاهرة).

- حرم الحاج عباس السيسي (أم مجدي – الإسكندرية).

- حرم الأستاذ سيد نزيلي (كرداسة – جيزة).

- علية الهضيبي (بنت فضيلة المرشد الثاني – الجيزة).

- غادة عمار (حرم الطيار يحيى حسين – مدينة نصر – القاهرة).

- حرم الدكتور مرسي مصطفى مرسي (إمبابة).

- بنات الشيخ محمد عبد المقصود العزب (المنصورة).

- زوجة الأخ يوسف القرش (المنصورة – سنفا).

- زوجة الشهيد محمد عواد (الشرقية).

- زوجة الأستاذ أحمد عادل كمال (القاهرة).


هذا بعضهما وعته الذاكرة عن المعتقلات في السجن الحربي، أما في سجن النساء بالقناطر فتم اعتقال كل من:

- السيدة/نعيمة خطاب (70 سنة)

حرم المرشد الثاني حسن الهضيبي ، وهذه مكثت في المعتقل في سجن القنطر حوالي ستة شهور، ثم تم ترحيلها إلى السجن الحربي والتحقيق معها في المساعدات التي كانت تقدم لعائلات الإخوان المسجونين (منذ عام 54). وكان عمرها عند الاعتقال حوالي سبعين عاماً.. ورغم ذلك لم يرحموا سنها ولا صحتها، وعاشت في معتقل سجن النساء بالقناطر فترات عصيبة.

- السيدة/ بهية إسماعيل الهضيبي (70 سنة)

أخت المرشد الثاني حسن الهضيبي ، وكانت سيدة كبيرة في السن جداً، ولم يكن لها أي نشاط، ولكن اعتقالها كان نكاية في شقيقها المرشد الثاني.. ولقد كان الإخوان ينادونها باسم "عمتي بهية" كأنها عمتهم جميعاً احتراماً وتقديراً لها.. وقبضوا عليها من الحقل حيث كانت تساعد زوجها في أعمال الحقل قريتها عرب جهينة – مركز شبين القناطر – قليوبية.

- خالدة الهضيبي (40 سنة): بنت المرشد الثاني حسن الهضيبي وزوجة الأخ المهندس أحمد ثابت.


نشاط سيدات عائلة الهضيبي:

  • تركز نشاط سيدات عائلة الهضيبي في رعاية عائلات الإخوان الذين سُجنوا في قضايا (19541955 م) وكفالتهن مادياً، وأشرفت السيدة حرم فضيلة المرشد على إنشاء (مشغل) تعمل فيه الأخوات لصناعة الملابس الجاهزة وخصوصاً فساتين الأطفال وبيع هذه الفساتين والصرف من ثمنها على عائلات المسجونين.
  • والنشاط الآخر هو النشاط التجاري، ويتمثل في شراء ملابس بأسعار الجملة من شارع الأزهر وبيعها، وتتولى الأخوات الشابة عملية البيع بالقطاعي، ثم يتم إنفاق الربح على بيوت المعتقلين والمسجونين.
  • شارك المرشد السادس (المستشار مأمون الهضيبي) في نشاط جمع التبرعات لأسر الإخوان المسجونين، وحوكم في هذا الشأن وحُكم عليه بالسجن لمدة سنة، اعتقل بعدها خمس سنوات أخرى. وقد اعترف بالواقعة باعتبارها شرفاً وليس تهمة، ولعله كان يريد إرسال لرسالة إلى الإخوان أن بيت المرشد الثاني يعيش رجاله ونساؤه ظروف إخوانهم المسجونين.

وقد قام شمس بدران بإحضار السيدة/ نعيمة خطاب حرم المرشد الثاني والتحقيق معها، وتمت مواجهتها بابنها المستشار الذي قال لأمه: لا داعي لإنكار أي شيء في مسائل التمويل المالي والكفالة المادية لأسر المسجونين فهذا شرف.. ولبثت في السجن الحربي فترة ثم أفرجوا عنها.


ونواصل سرد قصة المعتقلات من السيدات:

- السيدة/ أمال العشماوي (45 سنة): زوجة الأستاذ منير دلة عضو مكتب الإرشاد، وشقيقة الأخ حسن العشماوي. وكانت تشارك عائلات الهضيبي في جمع التبرعات.

- السيدة/ فاطمة عبد الهادي (37سنة): زوجة الشهيد محمد يوسف هواش ، وكانت تلقي دروساً دينية للأخوات في السجن بصورة منتظمة وتعمل على رفع معنوايتهم.. ولا عجب في ذلك من زوجة شهيد.. وتلميذة الشهيد (حسن البنا) وهي تتمتع بروح إيمانية عالية جداً.. مع حماسة منقطع النظير للإسلام.. ولقد زرتها (2004 م) وقد تخطت السبعين بكثير، ورغم ذلك لم يفتر حماسها أبداً.

لقد اعتقلوها لمزيد من الضغوط على زوجها الشهيد محمد يوسف هواش وتركت ابنتها سمية (11 سنة). وابنها أحمد (10 سنوات) وحدهما في المنزل.. لكن يقينها أن الله سيرعاهما لم يتزعزع أبداً، وكانت تعيش مطمئنة إلى كنف الله عز وجل. ولبثت في سجن النساء ستة أشهر ثم أفرجوا عنها ثم استدعوها لزيارة زوجها قبل إعدامه باثنتي عشرة ساعة للضغط عليه وحثه على كتابة اعتذار لجمال عبد الناصر حتى يتم تخفيف حكم الإعدام عليه، ولكنه رفض وأبى، فقاموا بضربه على وجهه ضرباً مبرحاً ولكنه ثبت على موقفه. وجلس مع زوجته وأولاده، ووجهه متورم من شدة الضرب، ثم تم تنفيذ حكم الإعدام عليه في فجر اليوم التالي.. وظلت في هذه الزيارة تشد أزره، وتقوي عزمه على الصبر حتى ينال الشهادة وهي تعلم أن الشهيد يشفع في سبعين من أهله.. فهنيئاً لها وله، ولقد حصل ولدها على الدكتوراة في الجراحة من لندن، وحصلت ابنتها على بكالوريوس الطب والجراحة من جامعة القاهرة.

سيدات فوق السبعين عاماً (بخلاف عائلة الهضيبي)

- والدة الأخ أحمد عيد (مصر الجديدة): وهي من إخوات العشرات، أمضى عشر سنوات في السجن ثم اعتقل بعدها ست سنوات أخرى.. حتى عام 1971 م.

سيدات فوق الستين عاماً:

- السيدة عالية السيد حسن (65 سنة): والدة الأخ جودة شعبان. اعتقلت لأن أحد الضباط حضر لاعتقال زوجة ابنها جودة شعبان بعد اعتقال ولدها الذي كان خارجاً لتوه من 10 سنوات سجن (54 – 64) واعتقل ثانية، ولما حضروا لاعتقال زوجته ناقشت الضابط عن سبب اعتقال السيدة زينب السيد حسن زوجة ابنها وهي أم لأولاد صغار (نادية 14 سنة، علية 11 سنة) فضلاً عن رضيع عمره أربعين يوماً (ياسر جودة شعبان). وهذه الزوجة الشابة (زوجة ابنها) لا تزال في فترة النفاس بعد الولادة، فقام الضابط بالقبض عليها لمجرد هذا الحوال!!.. أي والله ثم اقتادها – وهي السيدة العجوز – إلى قسم السيدة زينب حيث تم ترحيلها بعد ذلك إلى معتقل النساء في سجن النساء بالقناطر. ولبثت هناك ستة أشهر كاملة. وبهذا صار المعتقلون من عائلة المجاهد جودة شعبان أربعة هم:

- جودة شعبان (35 سنة – العباسية)

- والدته عالية السيد حسن (65 سنة)

- زوجته زينب السيد حسانين (35 سنة).

- طفله الرضيع ياسر (40 يوماً).

وتم القبض على السيدتين في الثانية بعد منتصف الليل بصورة مفزعة ومرعبة.

- ومن المعتقلات فيوق الستين عاماً أيضاً، والدة الأخ محمد عبد الرؤوف كامل وكان عمرها حوالي (60 عاماً) آنذاك.. وابنها من إخوان العشرات (من بني سويف).

- السيدة والدة الأخ إسماعيل عبد العليم.. وهو من إخوان العشرات.. وكان عمر والدته لحظه الاعتقال (65 عاماً) أمضى ولدها في السجن عشر سنوات (54 – 64)، وخرج لمدة عشر شهور، ثم اعتقل ثانية لمدة ست سنوات.

وقبضوا على والدته الكبيرة في السن (65 عاماً) لأنها كانت تزور ولدها في السجن وتحمل الأمتعة لباقي المسجونين من الإخوان الذين لا عائل لهم.

- السيدة أم وجدي... ولها ولد آخر اسمه حلمي.. ولم أستطيع الوصول على تفاصيل أكثر من اسم ولديها حيث تنادى بهما... ولعلها من أخوات الإسكندرية.

- والدة الأخ المجاهد اللواء كمال عبد الرازق: وكان عمرها فوق الستين وقت اعتقالها. سيدات فوق الخمسين عاماً:

- الأخت/ سنيه الوشاحي (55 سنة – من طنطا). زوجة الأخ الوشاحي من إخوان العشرات من طنطا.

- والدة الدكتور عبد الفتاح شوقي: وكيل نقابة الأطباء حالياً (2005 م) وعمرها آنذاك (55سنة) وهي أم لأحد شهداء مذبحة طره (1975 م) وهو الأخ الشهيد (سعد شوقي) من إخوان إمبابة.

- السيدة/ رئيفة شاكر (55 سنة): أخت الأخ اللواء/ صلاح شادي ، وهو من كبار قيادات الإخوان ورئيس تنظيم الإخوان المسلمين1954 م.

- الحاجة/ أم عناني (50سنة): والدة الأخ محمود العناني من إخوان العشرات في الجيزة (بين السرايات(.


زوجات بين (30-50عاماً):

أ- زوجات إخوان العشرات:

وهم الذين أمضوا عشر سنوات في السجن ثم اعتقلوا ست سنوات واعتقلت زوجاتهم أيضاً لمزيد من التنكيل.

- السيدة/ زينب السيد حسانين سلام (30 سنة).

- حرم الأخ جودة محمود شعبان من إخوان العشرات.

- زوجة الأخ/ الطوخي محمد طه (عمرها 35 سنة) وهو رئيس تنظيم إخوان العشرات عام (1965 م). أمضى 10 سنوات سجناً، ثم اعتقل 6 سنوات.

- زوجة الأخ سعد عمار (45 عاماً): وزوجها نم إخوان العشرات أيضاً وهو (جزار) من إخوان منطقة طره والمعادي.

- زوجة الأخ طه أبو ليل (حلوان) واسمها الحاجة (تحية) وزوجها أيضاً من إخوان العشرات.

- زوجة الأخ علي معروف (العباسية)، وزوجها كذلك من إخوان العشرات.

وهذه كانت لها مأساة خاصة فقد كان لها ستة أولاد صغار تركتهم جميعاً وحدهم بلا أهل ولا عائل، ولا تدري عنهم شيئاً لمدة ستة شهور.

ب- زوجات المعتقلين:

- زوجة الأخ علي محمد بحيري (35 سنة).. وكان يعمل كمساري ترام (شبرا) ومعها ابنها (40 يوماً) وهو غير الأخ المهندس محمد أحمد البحيري (تنظيم 65).

- أمينة الجوهري (40 عاماً) حرم المرحوم الحاج محمود الجوهري ، وكان مسئولاً عن قسم الأخوات في الإخوان المسلمين ، وهذه اقتادوها إلى السجن الحربي للتحقيق معها في نشاط قسم الأخوات.. ثم عادت إلى معتقل سجن النساء بالقناطر.

- زوجة الأخ سعد عفيفي (30 سنة – من إخوان طره).

- والدة الأخوين ماجد سالم وطاهر سالم – وهي ناظرة مدرسة (من السنطة غربية) اعتقل ولدها الأول ماجد وعمره (19 سنة) (أصغر معتقل وأصغر خريج آداب قسم إنجليزي)، وحُوكم ابنها الأكبر طاهر سالم (21 عاماً) (طالب بهندسة أسيوط ، حُكم عليه بالسجن 15 عاماً).

- زوجة الأخ المعتقل علي البدري واسمها أنعام شاكر وكان عمرها آنذاك (32 عاماً).. وهذه وضعت مولودها "أحمد" في السجن وسجلت شهادة ميلاده على أنه من مواليد سجن النساء.. وهذه طامة كبرى بالنسبة لمستقبل الطفل.. وبذلوا جهوداً مضنية في تغيير شهادة الميلاد.. والغريب أنها كانت حاملاً في الشهر السابع يوم اعتقالها ولم يرحموها.. ولما بدأت علامات الولادة.. لم يرحموها، ووضعت في السجن بعد شهرين من اعتقالها.. واستمرت في المعتقل مع وليدها بعد ذلك أربعة أشهر كاملة.. ولم يكن عليها !! ولا على زوجها أي اتهام أو أي شبهة أن زوجها من الإخوان المسلمين.. ولما حضرتها آلام الولادة بالليل تم استدعاء مأمور السجن، الذي قام بنقلها إلى مستشفى السجن واستدعاء طبيب السجن، ووضعت مولودها، وبعد الولادة أعطوها فقط أربعة أقراص أسبرين.. ثم أعيدت إلى العنبر.. وليس معها ملابس لوليدها، ولا طعام خاص بها.. ولا طعام خاص بالمولود ولا أي رعاية صحية على الإطلاق طيلة الأربعة أشهر التالية لولادتها.. في وحشية لم يعرفها التاريخ.. ذلك لأنهم حينما أعطوها أربعة أقراص أسبرين بعد الولادة ألقتهم في وجوه العساكر وقالت لهم يلعن أبو (دواكم) فقاموا بحملة تأديب هلا ولجميع المعتقلات الخمس والخمسين.

- زوجة الأستاذ رشاد عبد العزيز ، واسمها الحاجة قدرية شرف.. وكان زوجها قبل عام (1954 م) مسئول الأخوات في محافظة الإسكندرية .. لكنه نُقل إلى القاهرة بحكم وظيفته الحكومية واستقر في القاهرة.. وكان عمر الحاجة قدرية شرف آنذاك أربعين عاماً.

- مفيدة البكري ، مسئولة أخوات بين السرايات.

- هناك إحدى الأخوات وتسمى (صفية) شقيقة أحد المعتقلين واسمه (عبد المنعم) ولم أستطيع أن أحصل على باقي الاسم، وكان عمرها آنذاك ثلاثين عاماً.

- زوجة الأخ المعتقل محمود نفيس واسمها (أسماء محمود) وعمرها آنذاك (30عاماً).

اعتقال البنات الأبكار:

في وحشية لا مثيل لها تم القبل على ثلاث بنات:

- الأخت (نجاة عوض) شقيقة المجاهد محمد فريد عوض وهو من الإخوان الثابتين الذي أمضى في السجن 15 عاماً، ولم يداهن الحكومة، واعتقل سنتين بعد ذلك ثم أخرج منه في أغسطس 1971 م.

- الأخت (سميرة) وهذه جرت وراء أخيها لحظة اعتقاله في الإسكندرية وتتبعت القطار الذي ركبه مكبلاً بالأغلال، وحاولت أن تعطيه سندوتشات ليأكلها في الطريق، ففاجأها المجرمون بالقبض عليها واعتقالها واصطحابها معهم في القطار، وأودعوها سجن النساء ستة أشهر كاملة.. ولم أستطيع معرفة اسم أخيها.

- الأخت زينب الكاشف (من أخوات الإسكندرية) وكان لها نشط ملحوظ في جمع التبرعات لعائلات الإخوان المسجونين، وكان عمرها آنذاك واحداً وعشرين عاماً، ولبثت في المعتقل ستة أشهر بسبب هذا النشاط الإنساني، ثم خرجت من المعتقل في أوائل عام 1966 م.. وقد لبثت دون زواج حتى خرج من المعتقل الأخ الشاعر والزجال الكبير سعد سرور ، وتزوجها في عام 1972 م ولبثت معه حتى لقي ربه شهيداً في التسعينات من القرن العشرين.

- شهيدة من الصعيد:

هي زوجة أحد الإخوان بالصعيد (للأسف لم أتأكد من اسمه).. قبضوا عليه، وعذبوه في السجن الحربي عذاباً أليماً، ولم يكن عنده مزيد من الاعترافات.. فقبضوا على زوجته واسمها (امتثال) .. وكانت حاملاً في شهرها التاسع وعلى وشك الولادة، ولما قبضوا عليها في مفاجأة مذهلة للحرائر العفيفات.. ذهبت معهم في ذهول، وتنقلت في تخشيبات الأقسام في الصعيد.. ثم حملوها في عربة الترحيلات الكئيبة إلى قسم السيدة زينب.. ثم في أحراش الليل البهيم تم نقلها إلى سجن النساء في القناطر.. وأثناء هذه الرحلة فاجأتها – بطبيعة الحال – آلام الولادة، واشتدت عليها.. وكانت حاملاً في توأم كبير الحجم (كما تواترت الأخبار عبد ذلك عن طريق السجانات).. وفاجأها النزف الشديد في دورة مياه في عنبر سجن النساء بالقناطر.. وسقطت على الأرض مغشياً عليها وصرخت زميلاتها من الأخوات، وهرولت السجانات، وأحضروا بطانية ووضعوها فيها، وأمسك ستة عساكر بأطراف البطانية (فقد كانت رحمها الله بدينة ممتلئة الجسم) ونزل التوأم في الطريق ولم تنزل المشيمة، وهرولوا بها.. ولكن عربة الإسعاف تأخرت، ولما حضرت الإسعاف وحملوها إلى المستشفى كانت قد فارقت الحياة وفارق التوأمان معها الحياة أيضاً، هذه هي الجريمة البشعة التي ارتكبت في حق الشهيدة ووليديها رحمها الله رحمة واسعة.. وتقبلها مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.. آمني. وهكذا قدمت قضية (1965 م) شهيدة من النساء بجوار الشهداء من الرجال.

  • هذه أسماء أربعة وثلاثون معتقلة من أمهات وزوجات وأخوات وبنات الإخوان المسلمين ، تم اعتقالهن في عام 1965 م.. وباقي الأسماء وعددها 21 اسماً لم أتوصل إليهن وهن.

- أخوات من السيدة زينب.

- أخوات من شبرا والشرابية حيث معقل نشاط الأخوات قبل عام 1948 م.

- أخوات من الإسكندرية.

- أخوات من أسيوط.

- أخوات من بين السرايات.

وأرجو من الإخوة القراء أن يساعدوني في تسجيل باقي الأسماء في الطبعة الثانية إن شاء الله. وتحكي السيدة زينب السيد حسانين عن ليلة القبض عليها فتقول: في عام 1954 قُبض على زوجي جودة شعبان ، وحاكموه محاكمة ظالمة وحكموا عليه بالسجن 10 سنوات أشغالاً شاقة، ويومها كان عندي نادية وعمرها 3 سنوات، وكنت حاملاً في ثلاثة شهور، وبعدها بستة أشهر وضعت مولودتي الثانية (علية) في عام 1955 م، وجاءت حماتي وأقامت معنا للمعاونة في رعاية الطفلتين، ويعلم الله كم قاسينا وعانينا في تلك الفترة بعد أن أوقفوا صرف مرتبه بعد سجنه، ولم يتركوا لنا مورداً نعيش منه.. لكن الله – عز وجل – كفانا وآوانا وأطعمنا وسقانا، بحوله وقوته.. وكم لا كافي له ولا مأوى!! .. وعشنا هذه السنوات العشر على أمل اللقاء مع الزوج بعد الصبر الطويل والمعاناة والجري وراءه في السجون .. الحربي – ليمان طره – سجن الواحات – سجن المحاريق – سجن القناطر.. وكنا نعيش الأخبار بمرها، وعلقمها، ومعاناتها.. وطال الصبر وخرج الزوج، وسعدنا به أيام قلائل.. وفجأة وبعد عدة شهور قبضوا عليه في منتصف الليل بصورة لا تقل بشاعة ولا فظاعة عما كان في عام (1954 م) .. دون سبب ودون جريمة إلا أن يقول (ربي الله).. فأيقنت أن لا راحة في الدنيا لمن يسير في هذا الطريق، وأن الثبات على هذا المبدأ ليس مجرد كلمة تقال، أو حتى عزيمة يعزمها ويصر عليها صاحبها.. ولكن الثبات معاناة، وألم، وفراق، وقسوة، ومشقة.. ولكنا كنا قد تعودنا وتعلمنا الرضا بقضاء الله.. وأيقنا أن المطلوب ليس مجرد الرضا فقط، ولكن المطلوب دوام الرضا.. واستمرار الرضا.. بل والاستعداد بسلاح الرضا، في مواجهة المزيد من الإرهاب والضغط والتنكيل..

ولا ينفع مع هذا الموقف سوى اليقين بأن الله يرى .. ويطلع ويشاهد ويعلم.. بل واليقين بقوله عز وجل: ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ) [الحديد: 4]. هذا اليقين الذي نبه عليه رسول الله (ص) حبيبه أبا بكر في أحلك المواقف في الغار بقوله: " يا أبا بكر: ما ظنك باثنين الله ثالثهما ". ونزل في هذا الموقف قوله عز وجل: ( لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ) [ التوبة: 40 ].

... نعم..... الله..... ثم الله... ثم دع الوجود وما حوى.

ففي مواجهة هؤلاء الطغاة فقد تفقد كل شيء، ولكنك لا تفقد الله أبداً.. وما وجد من فقد الله... وما فقد من وجد الله.

وبكيت – أنا وأمه ليلة القبض عليه في المرة الثانية ما لم نبك من قبل وبكت الطفلتان "نادية" (15 سنة)، "عليه" (10 سنوات) هلعاً ورعباً من فزع منظر القبض على الوالد الحنون العطوف.. الذي لم تشبعا من حنانه وعاطفته وأحضانه بعد.. فهما لم يتذوقا عاطفة الأبوة سوى شهور قليلة بعد حرمان طويل.. ولم نفهم شيئاً عن سريات تلك الأحداث ولا يبب القبض عليه – أقصد السبب المادي - لكن السبب الحقيقي هو ما جاء في سورة البروج ) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ( [البروج: 8].. ولمن نكن نعلم أن الأقدار تخبئ لنا مزيداً من الامتحان والابتلاء.. فأنت كلما نجحت في امتحان (الابتلاء).. ترقيت في سلم الشهادات الإيمانية.. جاء الامتحان من الأعلى والأصعب.. نسأل الله أن يكون هذا ترقية عنده – سبحانه – ورفعة في الدرجات، ومحواً للذنوب والخطايا.. قبضوا على زوجي عبد ولادتي ولدي "ياسر" الذي فرحنا به فرحاً غاماً.. وما كادت عينا زوجي تكتحلان برؤية ولده الذي جاء بعد طول انتظار حتى تم القبض على زوجي.. فرضينا بقضاء الله وقدره.. حتى جاءت ليلة ليلاء.. وفي منتصف الليل وجدنا الباب يقرع بشدة ويكاد يتحطم من شدة وغلظة من يقرعه.. ودار هذا الحوار معهم:

- من بالباب؟!

- افتحي وإلا سأكسر الباب.. إحنا الحكومة.

- لقد قبضتم على زوجي.. فماذا تريدون ؟!.

وارتديت ملابسي وحجابي وفتحت الباب، ووقفت أنا وحماتي مشدوهين، مذهولين.. ورأينا مخبرين.. طوال.. عراض معهم ضابط.

- عاوزين إيه ؟!.

- عايزين نقبض عليك إنتِ !!.

- لماذا ؟!.

- مافيش داعي لكثرة الكلام.. مطلوب القبض عليك.. إحنا بنفذ الأوامر.

وهنا تدخلت حماتي التي تقيم معنا (والدة الأستاذ جودة شعبان).

- وهي عملت إيه.. ما أنتم أخذتم زوجها تاني.. إيه الظلم ده!! هي معها أولاد صغار كيف تتركهم ؟!. - الضابط: وإنت كمان مقبوض عليك، إلبسي ملابسك فوراً بدل البهدلة.

- فقلت لهم (في ثبات):- عندي بنتان صغيرتان نائمتان داخل البيت.. وأمي تسكن قريباً منا.. تسمحوا لي أوصل البنتين إلى جدتهم.

- الضابط.. لا.. اتركيهم هنا للصباح .. إحنا هنأخذك كلمتين وبس في القسم.. ما فيش مناقشة. وتكمل الحاجة زينت الذكريات الحزينة.. قمت بتغطية البنتين في فراشهما وقلت لهما: في الصباح تذهبان إلى جدتكما، وتخبرانها بما حدث.. والبنات تنظر في ذهول من هول ما تريان.. ولكني استدركت أن معي ياسر ابني.. فقلت لهم: لا يمكن أن أترك الطفل الرضيع وعمره أربعون يوماً فقط وحده.. ففكر الضابط ملياً.. ثم أجاب: أحضريه معك إلى قسم السيدة .. فذهبت أنا وأبني الرضيع الحديث الولادة (ياسر) ومعي حماتي وركبنا معهم عربة الترحيلات التي لا تليق بالآدميين، وذهبنا إلى قسم السيدة زينب.. وهناك في تخشيبة قسم السيدة وجدنا الأخت الحاجة " أمينة الجوهري " حرم الأستاذ محمود الجوهري أمين عام قسم الأخوات المسلمات (قبل عام 1954م).. ثم دخل علينا في التخشيبة أربعون شاباً وشيخاً من الإخوان المسلمين.. وبعد قليل تم ترحيلنا في الفجر إلى معتقل القلعة حيث التعذيب الرهيب.. ومررت أنا ورضيعي وحماتي على مشاهد التعذيب البشعة.. ثم وضعونا ومعنا الأخت أمينة في زنزانة مظلمة، ومن فضل الله أن الطفل الرضيع كان نائماً طوال الوقت، وقالت لهم الأخ أمينة أنها مصابة بذبحة صدرية.. ولكنهم لم يعيروها أي انتباه.. فالأرواح عندهم – آنذاك – لا وزن لها. وبعد وقت قليل أخذونا ثانية نحن النساء ومعنا الرضيع في عربة لوري ظلت تمر على كل أقسام الشرطة بالقاهرة لتجميع المعتقلات من النساء، فجمعوا عدداً ضخماً طوال النهار وجزءاً من الليل، ونحن قابعون في العربة.. ولا تسألني هل أكلتم شيئاً أو شربتم شيئاً.. أو ماذا فعل الرضيع.. وتنهدت وقالت: حسبنا الله ونعم الوكيل.. حتى صار الوصول إلى سجن النساء أملاً كبيراً لنا !!


تنظيم الحوامل والرُضِّع..

وتواصل السيدة زينب السيد حسانين فتقول:

" لا أحد يفهم ماذا كان يريد عبد الناصر من اعتقال الحوامل والسيدات حديثي الولادة مع أطفالهن الرضع.. إلا إذا كان كمثل فرعون الذي رأى رؤيا أن طفلاً من بني إسرائيل سيولد ، وعلى يديه سيزول عرش فرعون، فأمر فرعون السابق بذبح أبناء بني إسرائيل، وكل من يولد لبني إسرائيل من ذكور، واستحياء نسائهم.. أغلب الظن أنه رأى رؤيا أن طفلاً سيولد لأحد الإخوان يزيل عرش هذا الطاغية الجبار، فقام بإنشاء معتقل في سجن النساء بالقناطر للسيدات الحوامل والأطفال الرضع مع أمهاتهم.. وذاكرتي (أنا) لم تتذكر من تنظيم الحوامل والسيدات حديثي الولادة مع أولادهن سوى:

- (أنا) .. زينب السيد حسانين ، مع طفلي الرضيع (40 يوماً) ياسر جودة شعبان.

- زوجة الأخ الطوخي طه ، مع ابنها أحمد .. ولا تسعفني الذاكرة إن كان مولوداً حديثاً أم وضعته أمه وهو في السجن بعد أن تركت ثلاثة أطفال صغاراً لا تدري عنهم شيئاً بعد اعتقال والدهم ثم اعتقالها فجأة، وكان أحدهم يلعب في الشارع!!

- زوجة الأخ محمد بحيري ومعها رضيعها (محمود – أربعون يوماً).

- أنعام شاكر (زوجة الأخ علي البدري) وضعت مولودها (أحمد) في السجن كما ذكرتُ منذ قليل.

- هذا بخلاف الشهيدة التي وضعت توأماً وماتت هي والتوأم بعد سويعات من الولادة.

هذه بعض أسماء المعتقلات من الحوامل مع أطفالهن الرضع اللاتي زلزلن عرش عبد الناصر.. كما زلزل موسى بن عمران الرضيع عرش فرعون.. ولا تعجب فإنها إرادة الله.. ولا تقل كيف ؟! .. فكيف سؤال يوجه للمخلوق وليس للخالق سبحانه وتعالى !!.

هذه رحلة الإخوان في بعض سجون مصر كمسجونين، أما المعتقلات فلا يتسع المقام لكتابة شيء عنها.. وبعضها يحتاج إلى كتب متخصصة مثل " محمصة ليمان أبو زعبل ". وكذلك معتقل مزرعة طره السياسي (65 – 1970م) فكل من هذين المعتقلين به أحداث جسام، وأهوال عظام يحتاج كل منها إلى كتاب خاص. كذلك فإنه في الفترة من (54 – 1964م) عاش الإخوان في سجون بني سويف ، والمنيا وأسيوط وسوهاج وقنا وبورسعيد والزقازيق ، ولقد علمت أن أخا كريماً سوف يكتب عنها قريباً إن شاء الله فآثرت ترك هذا الموضوع له.

وأبشع من ذلك كله معتقل "سجن القلعة" حيث كان يتم تعذيب بشع تحت إشراف الضابط "أحمد رشدي" ويعاونه ضباط آخرون.. لكنه كان (ترانزيت) رغم بشاعة التعذيب هناك. ولكم أتمنى أن يسجل شاهد عيان أحداث تلك المعتقلات حتى تتضح الصورة كاملة.


الباب الثالث:الواقع الدعوى ما بعد الإفراج (ألوان من الابتلاءات)

الفصل الأول: ما بعد الإفراج – خواطر وأحداث

الفصل الثاني: مع الصحوة الإسلامية

الفصل الثالث: المؤامرة الكبرى


الفصل الأول : ما بعد الإفراج (خواطر – وأحداث)

مقدمة:

فجأة وجدت نفسي خارج أسوار السجن، فلقد خرجت في 4/4/1974 م، غادرت أسوار السجن بعد صلاة المغرب ومنها إلى وزارة الداخلية حيث قابلنا الضابط فؤاد علام ، ثم انصرفنا في الحادية عشر مساءً، وخرج معي من السجن يومها، الذين صدرت ضدهم أحكام بالسجن 15، 12، 10 سنوات. وكان معي جنيهان أعطيت واحداً منهما لإخوان المحلة للسفر به، واحتفظت بجنيه واحد لي، ودلفت إلى الشارع ومع الأخ محمد عبد المنعم شاهين وشهرته (عاطف شاهين)، وركبنا (تاكسي) سوياً إلى الجيزة ، ونزل هو في الدقي حيث يسكن أخوه، أما أنا فواصلت إلى الجيزة حتى يسكن أخي الأكبر، وفجأة وجدوني أمامهم بملابس السجن البيضاء قرابة الحادية عشرة مساءً. وفي الفجر.. صليت الفجر، وكنت أحمد بطاقة شخصية الصورة فيها (بدون لحية).. وسألت نفسي سؤالا صعباً: هل ستستمر باللحية أم تحلقها.. فلقد كانت اللحية جريمة في عام 1965 م، وكانت التعليمات لنا أن نحلق لحانا هرباً من عبد الناصر وعصابته، فكانت الإجابة: نحلق اللحية حسب التعليمات القديمة، ونستمر هكذا حتى نستكشف الطريق.. فإطلاقها سهل وميسور. لقد كانت نظرتنا إلى اللحية أنها – هي وكافة الهدى الظاهر: " جهاد من لا جهاد له " أما الذين يتصدرون للمؤامرات الخفية والظاهرة التي تحاك للإسلام.. فلابد لهم من شيء غير قليل من الحذر.. واللحية تعلن عن هويتك في وضوح، وتحدد على التو كيف يتعامل معك الآخرون.. كذلك فإن عملي في مهنة الكيمياء حساس.

وضعت الحكومة كميناً في شقتي، وكانت في شارع جامعة القاهرة وكل من جاء إلى الشقة من الأهل والأصدقاء قبضوا عليه في عام (1965 م) .. فلم يكن أحد يذهب إليها، واستولى عليها صاحب البيت بعد قضية طرد بسيطة، كما استولى على كافة منقولاتي الشخصية: السرير – المكتب – الكرسي – الكتب.

سافرت فجر الجمعة 5/4/1974 م إلى البلدة لزيارة أهلي وعائلتي، حتى أوفر على الجميع مشقة السفر إلى القاهرة.. فضلاً عن قيامي بزيارة قبر أمي التي كانت قد توفيت قبل خروجي من السجن بأسبوع واحد.. رحمها الله رحمة واسعة.. ولقد عاشت تنتظرني تسع سنين دأباً.. ولكن شاء الله أن تموت قبل أن أخرج من السجن بسبعة أيام فقط.. فأسأل الله أن يكتب لها بهذا الحرمان مغفرة ورحمة وعتقاً من النار.. آمين.

عدت إلى القاهرة صبيحة السبت، وزرت أستاذنا (المرحوم) الدكتور محمد علي صالح رئيس قسم الهندسة الكيميائية ومعي الزميل المهندس جلال بكري رفيق نقابة المهندسين (عام 1972 م) ولقد احتفل بنا الرجل احتفالاً عظيماً، وقابلنا بحفاوة بالغة.. وأوقف المحاضرة.. وتكلم عنا وعن (جهادنا) قرابة نصف ساعة.. وطلب منا الانتظار في مكتبه.. وبعد انتهاء محاضرته سألنا: هل عدتما إلى أعمالكما ؟ فقلنا: ليس بعد.. فقال على الفور: أنتما مهندسان تعملان معي في مكتبي الاستشاري منذ الصباح الباكر غداً بمرتب خمسة أضعاف مرتبكما في الحكومة لحين حل مشاكلكما القانونية مع الحكومة (مرتب الحكومة 30 جنيهاً شهرياً فقط.. ومرتبنا عنده 150 جنيهاً مصرياً) .. وبالفعل عملنا عنده، واستلمت الإشراف على مشروع "الجلد الصناعي في المدابغ النموذجية " بالقاهرة ، وبعد أسبوعين استدعاني الضابط فؤاد علام إلى لاظوغلي، وأعطى تعليمات بعودتي إلى عملي في شركة أبو زعبل للأسمدة، واستلمت عملي فوراً حسب القرار الجمهوري الصادر من الرئيس أنور السادات.

مشكلة معقدة:

بعد استلام العمل بأيام طلبت مني الشركة موقفي من التجنيد، فقلت لهم: نحن معافون من التجنيد سياسياً. وكنت أظن أنني سأحصل على شهادة المعافاة من الخدمة العسكرية بسهولة.. إلا أن الله أراد لي امتحاناً آخر.

ذهبت إلى مكتب التجنيد بالجيزة ومعي بطاقة التجنيد، وبالبحث في الدفتر وجدت مكتوباً فيه " هارب من التجنيد، ومطلوب القبض عليه " ولماذا ذهبت حرروا محضراً بذلك، وتم اقتيادي إلى قسم أول الجيزة مقبوضاً عليَّ لتسليمي إلى الجيش للمحاكمة العسكرية.. وذهبت إلى الموظف المختص، وشرحت له الموقف دون جدوى.. فكان الردّ كالآتي: يتم القبض عليك، وتودع في زنزانة في سجون الجيش لحين صدور قرار بحرمانك من شرف (!!) الخدمة العسكرية.. وسوف تستغرق هذه الإجراءات ما بين ثمانية أشهر وسنة كاملة.. فما الحل؟ .. قمت بعدة اتصالات، وكان الجواب: الهروب من منطقة التجنيد لحين إصدار هذا القرار.. لكن العسكري الذي كان يقتادني أخذ مني البطاقة الشخصية.. فخرجت إلى الشارع مسرعاً لا ألوي على شيء بدون بطاقة شخصية.. فتم الإبلاغ عني أنني هارب من شرف التجنيد.. وتلك قضية ثانية.. وعبثاً لم أفلح في إفهام أي شخص أنني فوق الثلاثين من عمري.. ومعزول سياسي وليس لي خدمة في الجيش كجميع زملائي.. لكن هيهات.. وفي اليوم التالي عدت إلى المصنع، وشرحت لهم القضية فأمهلوني فترة ثلاثة أشهر لتسوية تلك الأوضاع المعقدة.. لكني فقدت بطاقتي الشخصية، ولا أستطيع السير ليلاً متأخراً فلو سألني أحد عنها سوف تكون مشلكة، ويقبض عليّ هارباً من شرف التجنيد !!.. وتطوع أهل الخير من أصدقاء العائلة لمتابعة هذه (الفزورة) في مقابل إعطاء أبنائهم دروساً في الرياضة (جبر – هندسة – حساب مثلثات والكيمياء.. وتم لهم ما أرادوا، وقاموا بالسعي والمتابعة حتى تم استخراج شهادة الإعفاء من الخدمة العسكرية أسوة بجميع زملائي من الإخوان المسلمين. فكان امتحاناً عابراً وسريعاً.. إن السجن قدرٌ على كثير من العباد.. وليس بسبب الإخوان وحدهم ندخل السجون!

إبتلاء آخر:

المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة المؤقتة أو المؤبدة.. أمثالنا.. هناك توابع لتلك الأحكام كتوابع الزلازل.. فهناك حكم آخر يسمى " المراقبة لمدة خمس سنوات " .. وهذا معناه:

- عدم مغادرة المنزل من الغروب (المغرب) حتى شروق شمس اليوم التالي.. لمدة خمس سنوات.

- عدم المبيت إطلاقاً في غير المسكن المدون في البطاقة.

- يستلم كل مسجون مُفرج عنه، بطاقة متابعة يقوم بختمها كل أسبوع من قسم الشرطة التابع له.. فيذهب في الخامسة مساءً إلى القسم، وينتظر حتى يحضر سعادة ضابط المباحث الجنائية بالقسم للتوقيع له على البطاقة بالحضور أسبوعياً. وقد كنا ننتظر سعادة الضابط أحياناً حتى الحادية عشر مساءً.

- لا يمكنه السفر من مدينة أخرى إلا بإذن كتابي من رئيس مباحث قسم الشرطة التابع له.. ويتم إبلاغ قسم الشرطة (أو المركز) الذي سيسافر إليه لكي يتم المرور عليه، والتمام على أنه بالمنزل (مسجون) من الغروب إلى الشروق.

طبعاً لابد من دفع إكرامية لمن يقوم بالمرور والتمام عليك بالمنزل.. مع مشاكل ضجيجة، والتشهير عند الجيران كلما جاء للتمام عليّ.

- في حالة المخالفة لهذه التعليمات يحاكم محاكمة عسكرية عقوبتها شهر سجناً في التخضيبة (ملحوظة: اليوم في التخشيبة يساوي شهراً في السجون العادية).. ويحكم عليه بما يسمى (مصاريف).. أي يقوم برش السجن بالمياه، والتنظيف والكنس للمكاتب داخل القسم!! وقديماً كان يضاف إلى ذلك تنظيف اصطبل خيل الحكومة داخل القسم.

- في حالة تكرار المخالفة للمرة الثالثة يلغي قرار العفو ويعود إلى السجن لقضاء باقي العقوبة!! ولقد ظللنا تحت هذا التوتر حتى قام الرئيس أنور السادات بإصدار قرار جمهوري بإلغاء حكم المراقبة.. ومن محاسن الصدف أن الإلغاء تم يوم عقد قراني على عروسي.. فكان فالاً حسناً جداً.

من المضحكات المبكيات في موضوع حكم المراقبة.. أنه صدر في المصنع قرار بتعييني مهندس (وردية).. أي لابد من دخولي نظام الورديات.. صباحي.. مسائي.. وليلي.. فأحضرت بطاقة حكم المراقبة، وأطلعت عليها مدير الإنتاج بالمصنع، فارتعدت فرائصه وألغى قرار دخولي الورديات في الحال.. مع كثير من الأسى والشفقة على ظروفي.

كان مطلوباً مني – وقد قاربت الثانية والثلاثين من عمري.. الزواج، مع الاعتماد الكامل على النفس في كل شيء.. خلو رجل شقة.. شبكة.. مهر.. وكان نصب عيني حديث رسول الله r: " ثلاث حق على الله عونهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، والمجاهد في سبيل الله " ولقد أعانني الله عز وجل بمزيد فضله وكرمه ومننه – سبحانه – على ذلك بما يشبه المعجزات.. ولله الفضل والمنة. هذه عجالة عن حياتي كيف بدأت.. أما عن الصحوة الإسلامية فحينما خرجت من السجن حدث في مصر الآتي:

قضية يحيى هاشم (1973م):

كان يحيى هاشم وكيلاً للنيابة.. ذا ثقافة إسلامية واسعة، تعمق في القراءة، وكون تنظيماً عسكرياً، واتجه نحو الفتوى؛ وقرروا مقاومة الحكومة فصعدوا إلى جبال محافظة المنيا ، واعتزلوا الناس، وعاشوا في الجبال، ثم بدأوا في مقاومة الحكومة، حتى تمكنت الحكومة منهم، وقتلت معظمهم، وعلى رأسهم وكيل النيابة يحيى هاشم.. وكان كثير من شباب التيار الإسلامي في الجيزة منهم.. لكنهم استطاعوا الهرب.. ثم حوكموا وحُكم عليهم بالأشغال الشاقة مع إيقاف التنفيذ.. لكن هذه المجموعة كانت البداية المركزة لكل أعمال العنف في مصر.

قضية الفنية العسكرية:

كان صالح سرية مواطناً عراقياً، انضم فترة إلى جماعة الإخوان المسلمين في العراق. لكن الإخوان فصلوه من الجماعة نظراً لآرائه وأفكاره التي يرفضها الإخوان المسلمون.. لكنه جاء إلى مصر.. وعاش في حي مصر الجديدة وصار داعية إسلامياً.. والتف الشباب حوله.. ثم تعرف على بعض الشباب في "الكلية الفنية العسكرية" حيث الشباب المتميز علمياً.. وعادة يكون أغلبهم ذا تميز أخلاقي.. وانتشرت دعوته بين الشباب.. وفروا في إقامة دولة إسلامية.. ويبدو أنهم قد شاهدوا بعض أفلام المغامرات في التليفزيون.. فكانت خطتهم التي تتم عن سذاجة بالغة كالآتي:

- القيام ليلاً بالاستيلاء على الكلية الفنية العسكرية، وحبس من هو موجود من الضباط بها.

- الاستيلاء على السلاح الموجود بالكلية.. وهو سلاح بدائي عبارة عن طبنجات ومدافع رشاشة وبنادق.

- التوجه بهذا السلاح البسيط والبدائي والساذج إلى القصر الجمهوري، واغتيال رئيس الجمهورية.

- التوجه إلى الإذاعة والتليفزيون والاستيلاء عليهما.

- إعلان قيام "الجمهورية الإسلامية" في مصر.

وقامت الحكومة – طبعاً – بمحاصرتهم في الكلية، وألقت القبض عليهم وعلى زعيمهم من الطلبة، فضلاً عن القبض على صالح سرية ، وأصدرت عليهم أحكاماً بالإعدام والأشغال المؤبدة والمؤقتة، فضلاً عن إعدام صالح ومعه القائد العسكري للتنظيم وهو كارم الأناضولي ، ولقد كان له شريط كاسيت يتداوله الشباب سراً في إعجاب شديد !!.

أما الطلبة في الكلية فلقد تم التحقيق معهم جميعاً واحتجازهم لمدة شهر كامل داخل مبنى الكلية ومنعت الكلية اتصالهم بالخارج لحين انتهاء التحقيق.

كان صالح سرية يزور الحاجة زينب الغزالي في بيتها ويناقشها كثيراً .. وحاولت صحف الحكومة مع كثير من أعداء الإخوان المسلمين الربط بين هذا التنظيم والإخوان المسلمين الذين أعلنوا مراراً وتكراراً أن الدعوة إلى الله تكون بالحسنى وليس بطلقات المسدس وأن طريق المقاومة المسلحة خطأ كله شرعاً.. فليس هذا طريقنا.

كان شقيق زوجتي طالباً ببكالوريوس الفنية العسكرية (آنذاك) فتم منع خروجه لمدة شهر كامل مع باقي الطلبة حتى ثبت أنه ليس له علاقة بأي شيء من هذا.. ولقد تعرض بيت أهل زوجتي لمحنة قاسية.. ألقت بظلالها على مشروع الخطبة لابنتهم.. ولكن الله سلم.. فكان يمكن أن يقوموا بفسخ الخطبة خوفاً على الضابط المهندس.. لكن إصرار زوجتي على الزواج حال دون ذلك.


الفصل الثاني : مع الصحوة الإسلامية


شاءت إدارة الله عز وجل أن تكون عروسي طالبة في كلية طب قصر العيني جامعة القاهرة.. وكانت من أخوات هذه الصحوة الإسلامية.. بل وكانت من دفعة مشاهير العمل الإسلامي آنذاك (عبد المنعم أبو الفتوح. ثناء عبد الله أبو زيد) وبعدها بدفعة (عصام العريان 1977 م).. ثم باقي التيار الإسلامي دفعات 1978 م 1979 م.. وهذه الدفعات الأربع كانت أشهر من النار على العلم كما يقولون.

وبعد عقد قراني (أغسطس 1974 م) صرت أذهب إلى كلية الطب جامعة القاهرة.. وهناك تعرفت مبكراً جداً على هؤلاء الشباب عبد المنعم أبو الفتوح ، ثناء أبو اليزيد ، عصام العريان ، حلمي الجزار ، وغيرهم كثير.. فاندمجت فور خروجي من السجن مع هذا الشباب الطاهر الذكي.. ولا نزكي على الله أحداً. وكان هذا فصيلاً واحداً من فصائل العمل الإسلامي .. لكن كانت هناك فصائل أخرى..

نشأة الصحوة الإسلامية:

كانت نكسة (1967 م) زلزالاً مدمراً هز كثيراً من ثوابت وأفكار وقيم الشعب المصري.. .. الذي كاد أن يقدس عبد الناصر ، وأفاقت مصر كلها على كابوس الاحتلال الإسرائيلي.. كما أفاقت مصر من كوابيس الشعارات الجوفاء.. وكوابيس الاتحاد الاشتراكي ، التنظيم الطليعي الذي كان فئة منتقاة من الشعب المصري، يتم تدريبهم جيداً، والصرف عليهم بأموال طائلة لكي يكونوا حراس النظام وسندته، وكانت النية تتجه إلى أن يكون الوزراء منهم دائماً.. ولقد استطاعوا أن يكونوا كذلك أربعين عاماً بعد الهزيمة حتى يومنا هذا (2005 م)!!

وفي أواخر 1968 م اندلعت في الإسكندرية مظاهرات وكذلك في المنصورة تطالب بالتغيير، ولقد كان على رأس تلك المظاهرات المهندس محمد خيرت الشاطر الذي صار فيما بعد (2004 م) نائباً للمرشد العام للإخوان المسلمين.

الجامعات والمساجد والمشايخ

كان مقر الصحوة الإسلامية الجامعات والمساجد . وكان موجهو الصحوة الإسلامية هم الأحرار من كبار المشايخ الذين لم يدخلوا السجن مع الإخوان.

كان عبد الناصر معبوداً لكثير من الجماهير – للأسف – وساهمت إنجازاته التي كانت إما ظلماً لطبقة على حساب طبقة، كقوانين إيجارات المساكن والأراضي، أو مشروعات ظاهرها الرحمة العاجلة، وباطنها الدمار في المستقبل.. لكن هزيمة (1967 م) قضت على كل أرصدة عبد الناصر.. فالهزيمة كانت أبشع من تصور أي عقل أو إدراكه.. وكان في الذاكرة القريبة جداً موقف عبد الناصر من الشهيد سيد قطب .. فقال الناس:

- هذا ذنب سيد قطب وإخوانه.

- هذا ذنب الإخوان المسلمين.

- هذه نتيجة بعدنا عن الله والسير نحو الاشتراكية والعلمانية.. واندفع الناس نحو الدّين كملاذ لهم من كابوس الهزيمة، وامتلأت المساجد والجامعات بالمتدنيين، ولقد أفسح لها السادات كثيراً من الحرية كتيار مضاد ومعاد للتنظيم الطليعي الذي كشّر عن أنيابه للسادات.

جغرافيا الصحوة الإسلامية:

(أ) القاهرة:

- جامعة القاهرة ، خصوصاً كليتي الطب والهندسة.

- جامعة عين شمس، كليات الطب والهندسة والعلوم.

- جامعة الأزهر الشريف.. عدة كليات.

- مسجد الشيخ عبد الحميد كشك في حي دير الملاك.. ولقد بلغ عدد المصلين في فترة من الفترات 40 ألف مصل.

- مسجد أنس بن مالك بالمهندسين – الجيزة.

- مسجد صلاح الدين بالمنيل.

- مسجد (عين الحياة) في حلوان.


(ب) الإسكندرية:

- عمل في الصحوة مبكراً الأخ المجاهد محمود شكري وهو من الذين حكم عليهم عبد الناصر بالإعدام شنقاً في 1954 م ثم مَنّ الله عليه بالعافية، ورجع لمباشرة عمله الدعوي في الإسكندرية ، ولحق به عباس السيسي ، وكلاهما تفاعل مع الصحوة الإسلامية التي كان يقودها الأساتذة محمد حسين ، محمد عبد المنعم ، وجمعة أمين ، والدكتور إبراهيم الزعفراني ، وطالب الهندسة خالد داود ، والداعية الإسلامي وجدي غنيم وغيرهم كثير.

- مسجد القائد إبراهيم، وكان خطيب المسجد الشيخ أحمد المحلاوي ، ويصلي عنده في الجمعة الآلاف المؤلفة.


(جـ) أسيوط:

كان من أوائل من عايشوا الصحوة مبكراً د. محمد حبيب (حالياً النائب الأول للمرشد العام) وكان معيداً في كلية العلوم جامعة أسيوط ، ولحق به زميلانا في محنة 1965 م المرحومان: م. طاهر سالم ، د. م. دسوقي شملول ، والثلاثة من تلاميذ المرحوم الشهيد محمد منيب رحمه الله وهو من شهداء الإخوان في (1965 م) في التعذيب.

وإلى جوار هؤلاء كان الطلبة الذين لم يعجبهم الإيقاع الهادئ لجماعة الإخوان المسلمين ومنهم كرم زهدي وناجح إبراهيم ، علي الشريف وغيرهم كثير وهم الذين كونوا الجماعة الإسلامية فيما بعد والتي كانت تتبنى (آنذاك) منهج التغيير بالقوة العسكرية.


(د) في المنصورة:

نشط الإخوان المسلمون في جامعة المنصورة، في عدد من كلياتها، وقاد المسيرة ابتداء من 24/3/1975 م محمد العدوي رئيس الإخوان في المنصورة لمدة نصف قرن من الزمان.


(هـ) في الفيوم:

نشط الشيخ عمر عبد الرحمن العالم الأزهري وكان على صلة طيبة بالإخوان ، ثم مال إلى تيار العنف، ولم يعجبه (هدوء) إيقاع، الإخوان المسلمين آنذاك، فترك الإخوان ثم قاد مسيرة الجماعة الإسلامية.. وقد نشط في أسيوط حيث مركز الجماعة الإسلامية.


(و) في طنطا:

نشط الحاج أحمد البس وهو من قيادات الإخوان القدامى، وتتلمذ على يديه المرحوم الدكتور أنور شحاته ومعه آخرون، وقادوا مسيرة الصحوة في جامعة طنطا.. وكان معهم مشاركاً ومؤسساً الدكتور مصطفى الغنيمي.


علماء ومشايخ الصحوة:

تفاعل مع الصحوة عدد كبير من كبار العلماء الشرعيين ومنهم في القاهرة:

- الشيخ محمد الغزالي: وكان يخطب في مسجد عمرو بن العاص، ويلهب حماس الشباب.

- الشيخ سيد سابق: كان يتناوب خطبة الجمعة مع الشيخ محمد الغزالي في مسجد عمرو بن العاص.

- الداعية الشاب إبراهيم عزت: وهو من قيادات دعوة التبليغ، لكنه كان يمزج بين لغة التبليغ ولغة الإخوان المسلمين مزجاً فريداً، فلقد تربى في مدرسة الإخوان المسلمين ثلاث سنوات في معتقل مزرعة طره (65 – 1968 م) وكان يخطب في مسجد في حي المهندسين بالجيزه اسمه مسجد " أنس بن مالك ".

- الشيخ يوسف البدري ، وكان يخطب في حلوان في مسجد " عين الحياة " وله أسلوب قوي ومثير، كما كانت له بعض الآراء الغريبة، مثل حرمة حلق القفا وغيرها.

- خطباء متفرقون من الشباب، في مسجد مصر الجديدة وعين شمس والمطرية والجيزة وإمبابة وبولاق الدكرور.. صناعتهم الأساسية إلهاب حماس شباب الصحوة الإسلامية .. ولعل أشهرها مسجد العزيز بالله بمصر الجديدة.

- الشيخ كشك، كان للعالم الكبير الشيخ عبد الحميد كشك مسجد كبير في منطقة دير الملاك بالقاهرة ، وكان جمهوره أكثر عدداً من أي مسجد في مصر ، فلقد وصل جمهوره أحياناً أربعين ألف مُصَلٍّ، تميزت خطبه بالحماس الشديد، ونقد جميع أفراد الحكومة من الوزير إلى رئيس الجمهورية.. كما تميز أسلوبه بالفكاهة اللاذعة والمهذبة.. مع ثناءه الشديد على سيد قطب وحسن البنا ، كما كان يصب جام غضبه على عبد الناصر وعهده.. وتخلص أيضاً في محاربة محاولة تغريب الأمة الإسلامية بعادات وتقاليد الغرب في أسلوب فكاهي لاذع أزعج الحكومة أيما إزعاج.

- الشيخ أحمد المحلاوي ، في الإسكندرية.. كان مسجد القائد إبراهيم في المنشية هو مركز تجمع شباب الصحوة الإسلامية، وكان يخطب فيهم بانتظام الشيخ أحمد المحلاوي خطباً نارية وحماسية، كما كان يخطب هناك أيضاً الشيخ علي إسماعيل شقيق الشهيد عبد الفتاح إسماعيل (زميل سيد قطب في الجهاد والاستشهاد، وأحد قادة تنظيم 1965 م).

ولقد كان للشيخ أحمد المحلاوي صيتٌ زائع، فلقد كان دائم النقد للرئيس أنور السادات وسياسته وزوجته.. وقد سجنه الرئيس السادات.

- الشيخ عبد الرشيد صقر ، كان إماماً لمسجد صلاح الدين بالمنيل بالقاهرة ، وهو مسجد ملاصق لكلية طب قصر العينين.. وكان الشيخ عبد الرشيد صقر عالماً متمكناً فصيحاً، مرتب الفكر.. قوياً في خطابته، يكثر استعمال الإشارة والتورية والكناية، لأنه في مسجد حكومي.. وله مواقف إيجابية عظيمة مع الصحوة الإسلامية.. أشهرها أنه ولأول مرة في تاريخ مصر ، يستضيف معسكراً إسلامياً داخل مسجد حكومي كبير.. فلقد استضاف المعسكر الإسلامي للجماعة الإسلامية عام (1977 م) وضغطت عليه الحكومة لطرد المعسكر، فأجابهم بقول الله عز وجل: ( وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ) [هود: 29].. وحاصرت الحكومة المعسكر، لكنها لم تستطيع فَضَّه، وأكمل الشباب معسكرهم في هدوء.


الشباب والإثارة:

طبيعة مرحلة الشباب أنه يعشق الحماس والإثارة، ويحب الشعور بعدم التقييد بأي قيود، مع رغبة في الانطلاق والتحرر.. ويستطيع أي متحدث يعرف لغة الإثارة أن يكون زعيماً من زعماء هذه الصحوة.. والمسألة بسيطة.. قليل من الشتائم والنقد للحكومة، مع دراسة بدائية لفن تهييج الجماهير، ثم غرس للشعور بالتميز الديني عن الآخرين، حينئذ تكون زعيماً لعدد ضخم من الشباب.. لذلك وجد الإخوان المسلمون طريقهم صعباً (في أول الأمر) إلى قلب هذه الصحوة، ولم يكن لهم حيلة سوى الحوار الهادئ المركز مع رموز الصحوة، فضلاً عن خبرة الإخوان المسلمين في بذل الحب والعاطفة، وهم بلا شك يسبقون الكثير من الدعاة في ذلك فهم إخصائيون في الحب، ومتخصصون في استجاشة العواطف.. أما التيارات الأخرى فلقد كان طريقهم سهلاً ميسوراً إلى قلب تلك الصحوة. ورغم ذلك فلقد فاز الإخوان في الجولة النهائية لأنهم قوم متمرسون يمتازون بطول النفس والمثابرة وشعارهم دائماً: ( وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ) [آل عمران: 146].

أما التيارات الأخرى التي غزت هذه الصحوة:

- تيارات العنف واستخدام السلاح ومقاومة الحكومة.

- تيار " السلفية " والهدى الظاهر، وهذه كانت تلقى دعماً من مشايخ السعودية.

- التفكير ومدرسة شكري مصطفى.. والتوقف.

- المستفيدون من الصحوة تجارياً.. وهم كثير.. فلقد كانت الصحوة سوقاً كبيرة لمن يحسن استغلالها.

- المستفيدون اجتماعياً من أبناء الطبقات دون المتوسطة والفقيرة، فلقد كانت غالبية الصحوة من أبناء الطبقة المتوسطة، ومن ثم كانت الصحوة ملاذاً نفسياً لفقراء الشباب، وحصناً رائعاً.. فشعار المساواة الإسلامي يهيء مناخاً عظيماً للشعور بالسواسية بين الفقراء والأغنياء، وهذا إنجاز ممتاز لهذه الصحوة المباركة.


الفصل الثالث : المؤامرة الكبرى


المبحث الأول : إذكاء الخلاف حول القضايا الفرعية

تعرضت الصحوة الإسلامية لمؤامرة كبرى.. مدروسة بعناية فائقة، وتعامل المخططون لتفريغها من مضمونها بخطة واضحة، تتركز في تشبيه الصحوة بأنها هدير كالسيل الجارف.. فلو تم عمل مخرات لهذا السيل الجارف لفقد قوته.. أو كأنها شحنة كهربائية كبيرة.. لو تم تفريغ هذه الشحنة الكهربية في الأرض لانتهى أثرها.. ولو تم توريطها في جريمة قانونية لاندثرت تلك الصحوة .. فتم الآتي:

- إفساح المجال لجماعة التكفير والهجرة.. فلقد أفسحت لها الحكومة (آنذاك) المجال واسعاً.. بل وغضب الطرف عن قيامهم أكثر من مرة بالعدوان بالسلاح على بعض أفراد الإخوان المسلمين في حلوان والجيزة.. ومن ثم استطاعت الحكومة فرز وتجنيب أصحاب النفسيات المتطرفة. وهي عادة تتراوح – بالاستقراء – بين 5 – 20% من أي كيان.. ولقد كان هذا لعباً بالنار من جانب الحكومة، في خطة منها لضرب التيارات داخل الصحوة بعضها ببعض.. ولكن الخطة فشلت، ودفعت الحكومة ثمن ذلك بقتل أحد وزرائها المرحوم العالم الجليل الشيخ محمد الذهبي وزير الأوقاف على يد جماعة شكري مصطفى.

- غضبت الحكومة الطرف عن شباب يحمل السلاح، ونجحت بعض الوقت في توجيهه لضرب شباب الإخوان المسلمين في بعض المحافظات، وخصوصاً أسيوط حيث السلاح منتشر (سنج، جنازير، مطاوي، مسدسات).. واستمرت الحكومة في خطتها الفاشلة في إيقاع القيادات بعضها ببعض، فيصفي بعضهم بعضاً.. وفشلت تلك الخطة أيضاً، وتنامى تيار العنف واعتز بنفسه كثيراً، وظن أنه قادر على مواجهة الحكومة.. فكانت الطامة الكبرى التي لحقت بمصر وبدأت بمقتل رئيس الجمهورية أنور السادات ، واستمرت تلك الطامة حوالي خمسة وعشرين عاماً.. وهذا ما جنته تلك السياسة.. أي محاولة الوقيعة بين التيارات وضرب بعضها ببعض، فانقلب تيار العنف على الحكومة، وذاقت مصر ويلات تلك السياسة أكثر من ربع قرن.

المؤامرة الفكرية:

وهي – بحق – موضوع هذا الباب.. وسوف أعرض بتفصيل كبير لجزئياتها.. فلقد كانت – ولا تزال – مؤامرة ناجحة تؤتي أكلها كل حين.. تتلخص هذه المؤامرة في إغراق الصحوة في جزئيات فرعية كثيرة ومتشعبة، ظاهرها الحرص على الدين، وباطنها صرف الصحوة عن أهداف الإسلام الكبرى.. وسوف أعرض نيفاً وعشرين قضية من قضايا الإسلام الفرعية تتشبث بها الصحوة في شعور بالتميز عن الآخرين.. ولقد كان لزاماً علينا التذكير بالصبر الطويل، ومحاولة الرد الفقهي على كل هذه التساؤلات التي لا تنتهي أبداً.. ولقد آثرت أن أسجل الرد الفقهي مع كل هذه الفرعيات، فلعل داعية يتعرض لمثل هذه الأسئلة فيجد بغيته في هذه الصفحات المطولة.

التعليم:

شاع بين بعض أبناء الصحوة أن العلم الديني هو الأصل، وهذا صحيح، ولكن ليس على حساب العلوم الأخرى التي هي فروض كفاية على المسلمين.. فترك كثير من الشباب الدراسة بالجامعات، وارتدوا الجلباب، وصارت مهنتهم بيع الكتب والعطور والسواك على أبواب المساجد الكبرى في كل أنحاء مصر.. وتخصصوا فقط في البيع أمام أبواب المساجد.

جاءني – يوماً – شاب من حي المنيل بالقاهرة يسمى عمر بن عبد العزيز ، وكان طالباً بهندسة القاهرة بالسنة الأولى، وترتيبه من الخمسة الأوائل على الدفعة، متميز، يحفظ القرآن الكريم، لكنه ترك التعليم وسافر إلى السعودية لدراسة العلم الشرعي هناك.. والتقى بجماعة جهيمان" وانضم لهم، ووجد اسمه بين قتلى حادثة العدوان على الحرم الشريف (1399هـ)

وآخر كان شقيقاً لأحد القيادات في قضية الفنية العسكرية.. ترك كلية الهندسة، وتزوج اثنين، وعمل (نجاراً).. وترك مهنة الهندسة، وكان يمكن أن يكون مهندساً ناجحاً.. لكنه هو وأمثاله كانوا يعتقدون أن التعليم حرام.. أو على الأقل مكروه ولا لزوم له.

وآخرون تركوا التعليم وانخرطوا في التجارة زهداً في التعليم أو تحريماً له، وليس حباً في التجارة. أما تعليم البنات فلقد كان هناك فصيل يفتي بحرمة تعليم البنات، بناءً على فتوى لفضيلة الشيخ عبد الحميد كشك رحمه الله، وعلى فتوى بعض علماء السعودية.

وهم يخطئون في تفسير قوله تعالى: ( وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى )[الأحزاب: 33] مفسرين ذلك بمجرد الخروج من المنزل ومن ثم حرمة تعليم البنات.. وقلت لهم ذات مرة: هناك مهن نسائية مفيدة في هذا العصر مثل التدريس والطب وخصوصاً طب النساء والتوليد. فأجابوني بفتوى تجيز التداوي عند غير المسلمين من الرجال الأطباء، وبناءً على هذه الفتوى تتعرى المرأة المسلمة.. ويراها طبيب غير مسلم، خير من أن تتخصص امرأة مسلمة في طب النساء والتوليد.. لأن تعليم المرأة حرام، وما بني على حرام فهو حرام!!.

أما أن تتعرى المرأة المسلمة على رجل.. غير مسلم.. فهذه ضرورة.. والضرورات تبيح المحظورات.. فضرورة العري أمام الرجال حلال.. وضرورة تعليم البنات – إن كانت ضرورة حرام.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

هم رجال ونحن رجال:

قبل محنة (1965 م) .. أي قبل أن أدخل السجن.. كانت الكتب شيئاً غالياً ثميناً.. توضع في فتارين في المكتبات.. وبعد أن خرجت من السجن وجدت الكتنب الدينية على أرصفة الشوارع أمام المساجد.. وضاعت هيبة العلم من النفوس؛ ولما ضاعت هيبة العلم ضاعت معها هيبة العلماء، وتعالت صيحة تقول: " هم رجال ونحن رجال ".. وصيحة أخرى تقول نأخذ من (النبع الصافي) الكتاب والسنة.. وصيحة ثالثة تدعو إلى "التعامل المباشر مع القرآن الكريم"، ليس تدبراً وعظة.. ولكن فتوى وإفتاءً. أو إن شئت قل "افتئاتاً".. مع تفسير خاطئ لقول الله عز وجل: ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) [القمر: 22]، ومن ثم اقتحم كثيرون كتاب الله عز وجل، تأويلاً وإفتاءً، بغير راسخ علم، ولا فقه، ولا دراسة للغة، ولا معرفة بأسباب النزول، ولا معاني الكلمات، ولا المحكم والمتشابه، ولا العام والخاص، ولا المطلق والمقيد، ولا الناسخ ولا المنسوخ.. ناهيك عن الشعر العربي الذي هو مخزن اللغة العربية ومرجعها: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ )[يوسف: 2] .

وطائفة أخرى قالوا ما قاله علي بن أبي طالب لابن عباس حين ذهب إلى الخوارج: عليك بالسنة النبوية فإن القرآن حمّال، فجادلهم بالسنة.. لكن الكلام كان من فقيه (علي بن أبي طالب) إلى فقيه (عبد الله بن عباس) .. كلاهما درس القرآن دراسة عميقة.. في العصر الحديث جاء أناس يقولون: إن السنة كلها بين أيدينا، نأخذ منها ونفتي بها.. ولا حاجة كبيرة لنا بالقرآن ولا باللغة العربية.. وكثير منهم يجعل الفاعل مفعولاً.. بل أحياناً يجعل الاسم فعلاً. ولقد ناقشهم كثيراً.. فقالوا نحن نأخذ العلم من العلماء، وعلى رأسهم ابن تيمية، وانتشرت فتاوى ابن تيمية، وهو من أعظم علماء المسلمين ما في ذلك شك.. لكن بعضاً من فتاواه تتعلق بالزمان الذي عاش فيه، بل وبالمكان الذي تربى فيه ومات فيه، وللشافعي فتاوى في القديم وفتاوى في الجديد.. هذه في الشام وتلك في مصر.. وإخراج الفتوى عن زمانها أو مكانها ظلم، ما بعده ظلم.. والجهل بالقرآن ظلمات، والجهل باللغة العربية ثم الفتوى جريمة.

كنت نزيلاً في سجن الاستقبال عنبر (1) (1988 م) وكان أغلب نزلاء السجن من الجماعات الإسلامية ومعهم قليل من قضية الناجون من النار، وبعضهم من جماعة التكفير وجماعة الجهاد ، وقليل من الإخوان.. ودخل علينا يوماً شاب ارتج له السجن، وأودعوه في الزنزانة المجاورة لي، ولم أكن أعرفه، فقالوا لي إنه أشهر من النار على العلم.. وكان هناك ثقب كبير في حائط الزنزانة صنعه أفراد الجماعة الإسلامية ودار بيني وبينه هذا الحوار التالي:

أنا: من أنت؟

هو: أنا عالم من علماء الحديث.

أنا: هل تحفظ القرآن الكريم ؟

هو: لا.. ولكني أحفظ آلاف الأحاديث – بل عشرات الآلاف.

أنا: وهل هناك (عالم) لا يحفظ القرآن الكريم.. هل تسمح لي أن أراجع لك كل يوم جزءاً من القرآن الكريم ؟

هو: وأنت ... من أنت ؟

أنا: من الإخوان المسلمين ، لبثت في سجون ناصر تسع سنين ظلماً وعدواناً، فحفظت فيها القرآن الكريم، وكان لي نعم الأنيس والجليس.. وقرأت هناك في السجون كثيراً من المراجع، وكانت كلها تقول بداية العالم حفظ القرآن الكريم.. ثم دراسة مستفيضة لقواعد اللغة العربية ثم الإلمام بعلوم القرآن ثم الحديث.. هذا هو الترتيب الذي أفهمه.

هو: ولكن الإخوان ليس عندهم علماء ؟!

أنا: عندنا علماء كثيرون تخرجوا من الأزهر الشريف ثم تعلموا فنون الدعوة داخل الإخوان.. حسن البنا ، محمد الغزالي ، سيد قطب ، البهي الخولي ، سيد سابق ، محمد عبد الله الخطيب ، عبد الستار فتح الله سعيد ، يوسف القرضاوي ، أحمد العسال ، وغيرهم بالمئات.. ثم إن كل علماء المسلمين هم علماؤنا ابن باز، ابن عثيمين، مشايخ الأزهر، فضيلة الشيخ محمد الأودن أكبر علماء الحديث في عصره في النصف الأول من القرن العشرين.

هو: ليس السجن طريقي، ولا أريد أن أدخله، أنا عالم حديث أقوم بتحقيق كتب التراث مقابل مبلغ كبير جداً.. عندي سيارة فولفو، وشقة في مدينة نصر بالقاهرة ، وشقة في بلدتي محافظة (كذا) .. أما أنتم فمن سجن إلى سجن .. ويا قلبي لا تحزن!!

أنا: وماذا جاء بك إلى هنا ؟

هو: لقد أوعز إليَّ بعض الشباب أن نرسم على ورقة صورتين، واحدة لامرأة منتقبة والثانية لأخرى متبرجة، وكتبنا: هذه أحب إلى الله من تلك.. ثم كتبنا أحاديث عن فضيلة النقاب.. ثم صورنا منها مائة نسخة ثم علقناها على أبواب المساجد حسبة لله تعالى.. فقبضوا عليّ بتهمة زعامتي التنظيم(!)، وأحضروا معي سبعة كانوا يلصقون تلك الأوراق على أبواب المساجد.

أنا: ثم ماذا بعد ؟

هو: توبة نصوحاً.. فلن أعود إلى ذلك أبداً.

أنا: إن أصغر شاب من الإخوان يقوم بلصق 1000 منشور من مثل هذا في ليلة واحدة.

هو: هذا طريقكم وهذا طريقي.. طريقي هو طريق العلماء (!).

أنا: طريقنا هو طريق الجنود.. جند الله. (انتهى الحوار).

وآخر يفتي بغير علم!!

وحدَّث آخرُ قائلاً – وكان يجلس لتناول طعام (العقيقة) فقال: " كان رسول الله r يحب (الدهن).. وأخذ ينتقي (الدهن) من اللحم الذي فوق الفتة، ويأكله ويقول هذه سنة رسول الله r يجب أن تتعلموها.. فرد عليه أحد أساتذة الإخوان خريجي الأزهر الشريف: " يا أخي الدهن الوارد في الحديث.. هو زيت الشعر الذي يدهن به شعر الرأس.. وليس الدهن المتلبس باللحم... عجبي.


المبحث الثاني : الهدى الظاهر

أولاً: اللحية:

بدأ رسول الله r الدعوة بتوجيه من الوحي الذي شدد على معنى نزوله منجماً.. بل ومرتباً للأحداث والحوادث.. فلا عفوية في ترتيب الأحداث والتعليمات ) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ( [القمر: 49]. لقد بدأ نزول العقيدة أولاً.. وأولها " لا إله إلا الله " التي تعني حرية الإنسان من كل الطواغيت.. طواغيت الأرض وطواغيت الهوى والشهوة والنزوة، وطواغيت أبناء إبليس وأعوانه.. الحرية.. ثم الحرية.. ثم الحرية.. لذلك قال رسول الله r في الحديث: " رأس الأمر الإسلام " فالإسلام الأمر لله وحده، وتأليه المولى عز وجل دون سواه.. هو القضية الأعظم.

وقال r: " الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله.. " فلا إله إلا الله التي نزلت على أمة الفصاحة اللغوية، تدرك قيمة هذه الكلمة.. تحرير البشر أجمعين من كافة العبوديات الأرضية، سواء من خارج النفس الإنسانية في صورة الطواغيت، أو من داخلها في صورة الهوى والشهوات والنزوات.

هي أغلى ما في هذا الدين، وأهم ما فيه.. وبها البداية.. وبها وحدها يبدأ الدعاة إلى الله عز وجل.. ويجيء ملاصقاً لها: الإيمان باليوم الآخر، الذي هو قمة الجزاء على التصديق أو التكذيب بحقيقة " لا إله إلا الله " فالعقيدة هي البداية، وغير مسموح بلفت الأنظار بعيداً عن تشويش هذه الحقيقة.. فالعقيدة هي " لا إله إلا الله ".. وهي تحرير الإنسان من كافة المعبودين غير الله عز وجل.. فهي قمة الحرية، لذلك كان سيد قطب رحمه الله يهتف بهذه الحقيقة قائلاً وهو في سجنه: إذا آمنت بلا إله إلا الله فأنت حر.. حتى لو كنت سجيناً. بل أحياناً يكون الأحرار هم – فقط – الذين داخل السجون السياسية، وأنشد سيد قطب معبراً عن هذه الحقيقة:


أخي أنت حــر وراء الســدود

أخي أنت حـر بتلك القيـــود

عشت في سجون جمال عبد الناصر أتأمل هذا المنهج .. كيف البداية؟ ما الخطوات الأولى.. وأيقنت أن تغيير ترتيب خطوات محاولة إعادة مسجد الإسلام العظيم خطأ وخطر.. فالخطوات رتبها العليم الخبير.. وترتيبها أمر رباني.. فكما أن العقيدة ربانية، فإن منهج الحركة بها رباني أيضاً .. والذين يخلطون الأوراق ويعبثون بهذا الترتيب .. مخطئون.. رغم حسن نيات الكثير منهم. إن إزاحة العقيدة جانباً، وبروز أمور أخرى – رغم أنها من صميم الدين – هو إضاعة للوقت والجهد .. بل أحياناً تكون إساءة لهذا الدين، وبعثرة لجهود أبنائه، وتعطيلاً لمسيرة الحركة الربانية لإعادة مجد هذا الدين سواء في نفوس أبنائه.. أو في دنيا الناس.

والتماساً للهدى النبوي نجد أن الهدى الظاهر والتمسك به لم يكن مطروحاً في مراحل الدعوة الأولى.. بل إن أحاديث الهدى الظاهر كان مقصوداً بها مخالفة اليهود والنصارى الذين كانوا يعيشون في المدينة المنورة بعد التمكين لهذا الدين بسنوات عديدة.

إن مشابهة القوم قبل التمكين تعطي مساحة حركة للداعية يفهمها كل من له بصر بطبائع النفوس. لهذا كان المظهر الخارجي في الملبس الهدى الظاهر هو نفسه مظهر سكان تلك البلاد.. بل وكافة مظاهر الحركة في الحياة اليومية.. فيما عدا ما يتعلق بالعقائد أو الأخلاق الواردة في سورة الإسراء. واللباس واللحية والعمامة وغيرها كانت من مظاهر العرب في تلك البلاد الحارة.. وقد يختلط على كثيرين عادات أهل تلك البلاد بالسنة النبوية.. فيحسبون العادات عبادات في مقام الجهاد أو الصلاة أو سائر الفرائض الأخرى.

ولما تخلى المسلمون عن الجهاد لإعلاء شأن هذا الدين، وانهزموا عسكرياً ومادياً وروحياً.. راحوا يبحثون عما يتشبثون به كي يقنعوا أنفسهم بأنهم متمسكون بالدين، حريصون عليه، محافظون عليه، تحت سياط الذل والهوان.. فلم يجدوا سوى الهدى الظاهر الذي تركه أعداء الدين لهم كي يعضوا عليه بالنواجذ.. (وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً!).

إن الذين يقولون: " إن اللحية فريضة – كما أن الجهاد فريضة " أو أن الهدى الظاهر فريضة.. كما أن الصلاة فريضة، هؤلاء لا يفقهون، لا اللغة العربية ولا علوم الفقه.


خلاصة فهمنا لما ورد في آراء حول اللحية:

- هناك اختلاف في درجة المنع من حلقها، يتدرج بين الإباحة والكراهة والتحريم.. مما يؤكد أن الأمر ليس متفقاً عليه في تحريم حلقها أو فرضية توفيرها.

- للمجاهدين لنصرة الإسلام بحبوحة في هذه الأحكام، كما قال ابن تيمية تتناسب مع ظروف العصر، وتختلف الفتوى باختلاف الزمان والمكان، بل والأشخاص.

- التضييق الذي يعانيه المتدينون أصحاب اللحى كثير وكبير، يصل إلى حد ضرورة حلقها لمن وجد عنتاً، آخذاً حكم الإكراه.

- جميع جيوش الدول العربية (عدا السعودية) تحتم حلق اللحية.. وهذا عنت زائد للمتدينين.

- يلاقي أصحاب اللحية حرباً شعواء في لقمة العيش.

- في بعض الدول العربية وصل الحد إلى منع دخول أصحاب اللحى بعض النوادي والمؤسسات.. فضلاً عن الشك الذي يلاحقهم في دخول المصالح الحكومية، والمساءلة عند نقاط التفتيش.

- منع تعيين المتدينين، وأصحاب اللحى بصفة خاصة، في كثير من الوظائف الحكومية ووزارات الداخلية والخارجية والحربية، والمخابرات ومباحث أمن الدولة وغيرها.

- .. ومنع تعيينهم في الجامعات ومراكز البحث العلمي حتى يظل أصحاب اللحى بمنأى عن التقدم والتطور والرقي.

كل تلك الضرورات تبيح المحضورات.


كلمة أخيرة:

- ليس كل الأشخاص يأخذون حكماً واحداً في اللحية فهي تختلف من شخص إلى آخر. فالعلماء الذين يتصدرون ساحة الدعوة عليهم أن يعفوا لحاهم خروجاً من دائرة الجدل مع كثير من المتشددين الذين يحصرون رسالة الإسلام في اللحية والهدى الظاهر.

- فتوى ابن تيمية في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم في مخا