الإخوان المسلمون والسياسة في مصر

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الدور السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في ظل التعددية السياسية المقيدة في مصر
دراسة في الممارسة السياسية 19841990


  • إعداد

د. حسنين توفيق إبراهيم

د. هدى راغب عوض

محتويات

شكر وتقدير

يسعد الباحثان أن يتوجها بخالص الشكر والتقدير إلى مؤسسة فورد لقيامها بتمويل هذا البحث ضمن برنامج بحوث الشرق الأوسط، ويخصان بالشكر الدكتور سليم نصر والدكتورة مايسة الجمل وذلك نظرا لتعاونهم الصادق مع الباحثين طوال فترة إعداد البحث.

كما يسجل الباحثان عظيم شكرهما وتقديرهما للأستاذين محمد فايز وذكريا محمد عبد الله على المجهود الكبير التي قاما بها في جمع المادة العلمية لهذا البحث.

الباحثان

المقدمة

أولا: مشكلة الدراسة والهدف منها:

لا شك أن حركة الإخوان المسلمين تعتبر بمثابة الحركة الأم للعديد من التنظيمات والجماعات الإسلامية سواء في داخل مصر أو خارجها، ويرجع ذلك إلى العمق التاريخي لنشأتها، حيث تأسست في عام 1928، بالإضافة إلى التراكم الملموس لتراثها وخبراتها سواء في مجال التنظير والفكر أو في مجال الممارسة والتعامل مع النظام السياسي من ناحية والمجتمع من ناحية أخرى، فضلا عن أنها أكبر الجماعات التي تشكل خريطة الحركة الإسلامية في المجتمع المصري في الوقت الراهن، فبعض الجماعات والتنظيمات المتشددة أو الراديكالية، مثل الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد،حتى وإن بدت الأعلى صوتا في بعض الفترات، وذلك بحكم ممارستها للعنف ضد بعض رموز النظام أو ضد بعض قوى وفئات المجتمع الأخرى، إلا أن قواعدها الاجتماعية تعتبر بصفة عامة محدودة.

وبشيء من التبسيط يمكن القول بأن الفترة من 19281954 تمثل بالنسبة لحركة الإخوان المسلمين مرحلة التأسيس من ناحية وتصاعد الدور السياسي والاجتماعي من ناحية أخرى وأن الفترة من 19541970 تمثل بالنسبة لها مرحلة العزلة وتراجع الدور والتشتت، وذلك نتيجة للضربات التي وجهها إليها النظام الناصري، وبخاصة في عامي 1954 و 1965، أما الفترة من 1971 حتى 1992، فتمثل بالنسبة لها مرحلة مراجعة الذات أولا، وإعادة تجميع الصفوف وتدعيم التواصل مع المجتمع ثانيا، وممارسة دورا – أدوارا – سياسيا بأساليب جديدة ثالثا، واعتبارا من عام 1993 بدأت مرحلة جديدة في علاقة النظام بجماعة الإخوان المسلمين قوامها سعي النظام لمحاصرة نشاط الجماعة وتقليص نفوذها من خلال أساليب أمنية وسياسية وإعلامية ونقابية.

ولا شك أن تولي الرئيس السادات السلطة بعد وفاة الرئيس عبد الناصر في عام 1970 كان نقطة فاصلة في تطور حركة الإخوان المسلمين على مستوى الفكر والممارسة، ففي عام 1971 بدأ الرئيس السادات بالإفراج عن بعض المسجونين من أعضاء وقيادات الحركة، واستمر تدريجيا في توسيع هامش الممارسة السياسية أمامها، حتى أنه سمح لها في عام 1976 بإصدار "مجلة الدعوة" وكان هدف النظام من وراء إعادة تنشيط الحركة وتدعيم مركزها هو توظيفها في إطار لعبة الصراع السياسي مع خصومه من الناصريين والشيوعيين في ذلك الوقت، ومن الناحية الأخرى، فإن بعض القيادات التاريخية للجماعة وبخاصة مرشدها العام المستشار حسن الهضيبي، استغل مناخ الانفراجة، واتجه إلى ممارسة نوع من النقد الداخلي والمراجعة الذاتية لتراث الحركة على مستوى الأفكار والتصورات، وكذلك لخبراتها التاريخية السابقة على مستوى استراتيجيات وأساليب التعامل السياسي إزاء النظام وإزاء القوى والتيارات السياسية الأخرى في المجتمع، فضلا عن الاتجاه لإعادة تجميع صفوف الحركة وتجديد تواصلها بالمجتمع وتدعيمه، وفي هذا السياق ظهر كتاب المستشار الهضيبي "دعاة لا قضاة" الذي فند فيه أفكار سيد قطب، التي اصطدم بعضها مع التوجهات الأساسية لفكر الحركة كما بلوره مؤسسها الإمام "حسن البنا".

ومنذ منتصف السبعينيات، حدث تطوران هامان، أولهما على صعيد النظام السياسي، وثانيهما على صعيد حركة الإخوان المسلمين، وكان لكلا التطورين أثره في صياغة العلاقة بين النظام والحركة فيما بعد، ففي عام 1976 تم الانتقال رسميا – بمبادرة من القيادة السياسية – من نظام الحزب الواحد إلى نظام التعددية السياسية المقيدة، وفي العالم التالي مباشرة تولى "عمر التلمساني" منصب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، وقد أعطى "التلمساني" دفعة قوية لعمليات المراجعة والتطوير والتغيير في بعض الرؤى الفكرية وأساليب التعامل السياسي والاجتماعي للحركة، وبذلك يمكن القول بأن قيادة "التلمساني" ساهمت في بلورة وتدشين بعض العناصر الجديدة في الخطاب السياسي للإخوان، أو تجديد بعض جوانب هذا الخطاب ومن بين هذه العناصر الجديدة: القبول بقواعد النظام السياسي والاستعداد للعمل في إطارها، ونبذ العنف والإرهاب كأسلوب للتغيير، مع التأكيد على ضرورة الالتزام بالأساليب القانونية السلمية كأدوات للتغيير، وممارسة الضغوط السلمية على النظام من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية فضلا عن السعي للحصول على حق التنظيم الشرعي والوجود القانوني.

وعقب تولي الرئيس مبارك السلطة عام 1981م، استمر الخط الإصلاحي المعتدل هو الحاكم لتوجهات الحركة وأساليب عملها، وذلك على الرغم من التوتر الذي كان قد أصاب علاقاتها بالنظام، وبخاصة بعد زيارة الرئيس السادات القدس، وفي ظل هذا التوجه اتجهت الحركة للمشاركة في الحياة السياسية، فشاركت في الانتخابات البرلمانية عام 1984، وذلك بالتعاون مع حزب الوفد، وأصبح لها ثمانية مقاعد في البرلمان، كما شاركت في انتخابات 1987 وذلك بالتحالف مع حزبي العمل والأحرار، وأصبح للإخوان (36) مقعدا في البرلمان من إجمالي – 60) مقعدا حصل عليها التحالف، وقد قاطعت الجماعة الانتخابات البرلمانية التي جرت في عام 1990.

وبالإضافة إلى ما سبق، فقد كان للحركة رؤاها ومواقفها المعلنة إزاء التعديلات المتتالية في قانون الانتخابات وكذلك إزاء العديد من القضايا والمشكلات المجتمعية، والسياسيات والقرارات التي اتخذها النظام سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي، فضلا عن مواقفها المعلنة إزاء أحداث وممارسات العنف التي انخرطت فيها بعض الحركات والتنظيمات الإسلامية المتشددة.

ومنذ منتصف الثمانينيات بدأ يبرز دور حركة الإخوان على صعيد بعض مؤسسات وتنظيمات المجتمع المدني، فأصبح لها وجودا مؤثرا في عدد من النقابات، وخاصة نقابات الأطباء والمهندسين والصيادلة والأطباء البيطريين وأطباء الأسنان والمحامين وإلى حد ما التجاريين، كما دعمت وجودها في العديد من نوادي أعضاء هيئة تدريس الجامعات، فضلا عما يطرحه البعض حول علاقة الإخوان بشركات توظيف الأموال.

وهكذا، أصبح لجماعة الإخوان المسلمين التي تعتبر غير مشرعة من الناحية الرسمية والقانونية، دور سياسي هام، فاق دور العديد من الأحزاب والتنظيمات الرسمية، وقد حدث ذلك في ظل سياسة مزدوجة مارسها النظام إزاءها حتى عام 1992، فهو من ناحية لم يضف عليها الطابع الرسمي – القانوني، لكنه من ناحية ثانية لم يمنعها من المشاركة في الحياة السياسية بأساليب مختلفة.

وتأسيسا على ما سبق، فإن هذه الدراسة تسعى إلى رصد وتحليل وتقييم الدور (الأدوار) السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في إطار صيغة التعددية السياسية المقيدة خلال الفترة من 19841990، وذلك على مستويين،

أولهما: مستوى مشاركة الجماعة في الانتخابات البرلمانية، حيث شاركت في انتخابات 1984، وانتخابات 1987 وقاطعت انتخابات 1990 على نحو ما سبق ذكره،

وثانيهما: مستوى الممارسة البرلمانية لنواب الإخوان تحت قبة مجلس الشعب وذلك خلال الفصلين التشريعيين الرابع والخامس.

وفيما يلي بعض التفاصيل بشأن بعض النقاط والعناصر التي سيتم بحثها على كل من المستويين:

1 – المشاركة في الانتخابات البرلمانية (19841987) ومقاطعة انتخابات 1990.

وفي هذا السياق تسعى الدراسة إلى رصد وتحليل ما يلي:

  • الأسس التي قامت عليها التحالفات الانتخابية للإخوان، والمبررات التي طرحتها الحركة للدخول في هذه التحالفات.
  • أساليب وتكتيكات الحركة في إدارة الحملات الانتخابية.
  • أسس الدعاية الانتخابية للحركة ومصادر التمويل.
  • نتائج واتجاهات التصويت لمرشحي الإخوان، ودلالاتها السياسية والاجتماعية والجغرافية.
  • تقييم فاعلية أداء الإخوان في الانتخابات، مقارنة ببعض تنظيمات المعارضة الأخرى.

2 – الممارسة البرلمانية (أداء نواب الإخوان في البرلمان).

لقد كان لحركة الإخوان المسلمين (8) مقاعد في برلمان 19841987، و (36) مقعدا في برلمان 19871990، ومن هذا المنطلق يمكن تحليل الأداء البرلماني لنواب الإخوان من الناحية الكمية والكيفية، وذلك من خلال:

  • تحديد حجم المشاركة الإجمالية لنواب الإخوان في البرلمان سواء في مجال الممارسة التشريعية (التقدم باقتراحات لمشروعات قوانين، مناقشة مشروعات القوانين المطروحة على المجالس) أو الرقابية (التقدم بالأسئلة والاستجوابات وطلبات الإحاطة، وطلبات المناقشة ..). وقد يكون من المفيد في هذا المقام مقارنة إجمالي الممارسة البرلمانية لنواب الإخوان بإجمالي الممارسة البرلمانية لنواب بعض أحزاب المعارضة الأخرى.
  • رصيد وتحليل القضايا الأساسية التي ركزت عليها الإخوان في ممارساتهم البرلمانية سواء على المستوى التشريعي أو الرقابي، ومن هذا المدخل يمكن الكشف عن درجة اهتمام الجماعة بقضايا ومشكلات التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي التي تواجه المجتمع المصري في الوقت الراهن، ومدى قدرتها على طرح بعض البدائل والحلول للتعامل مع هذه المشكلات.
  • طبيعة التنسيق بين نواب الإخوان، وممثلي بعض قوى المعارضة الأخرى داخل البرلمان، فالتحالفات التي خاض على أساسها الإخوان الانتخابات مع بعض القوى الأخرى، هل استمرت توتي تأثيراتها داخل البرلمان؟ وماذا عن علاقة الحركة ببعض الأحزاب التي لم تتحالف معها انتخابيا داخل البرلمان؟

وجدير بالذكر أنه ليست هناك معايير جامدة لتقييم فاعلية الممارسة السياسية لحركة الإخوان المسلمين، فهذه مسألة نسبية تحكمها بعض المعايير المرتبطة بالأدوار التي مارستها الحركة والنابعة منها، فضلا عن طبيعة قنوات ممارسة هذه الأدوار. فالمعيار الأساسي لفاعلية المشاركة في الانتخابات البرلمانية هو عدد المقاعد حصل عليها الإخوان في البرلمان مقارنة بما حصلت عليه قوى المعارضة الأخرى التي خاضت الانتخابات، فضلا عن أساليب إدارة الحملات الانتخابية على مستوى التعبئة والحشد والدعاية، أما فعالية المشاركة البرلمانية فلها معاييرها الكمية والكيفية على نحو ما سبق ذكره.

وهناك عدة ملاحظات حول الفترة الزمنية التي تغطيها الدراسة نوجزها فيما يلي:

أ – أن هذه الفترة بدأت بحدث داخلي كبير وهو انتخابات 1984، التي شاركت فيها جماعة الإخوان بالتنسيق مع حزب الوفد.

ب – أنها انتهت بحدث داخلي كبير أيضا وهو انتخابات 1990، التي قاطعتها جماعة الإخوان وعدد من أحزاب المعارضة الأخرى.

د – أن الفترة الزمنية موضع الدراسة شهدت تنامي دور جماعة الإخوان المسلمين على صعيد المجتمع سواء من خلال دورها في بعض تنظيمات المجتمع المدني مثل النقابات المهنية ونوادي أعضاء هيئة التدريس أو أنشطتها الاجتماعية الأخرى.

ثانيا: أهمية الدراسة:

هناك مجموعتان من العوامل تضيفان أهمية خاصة على موضوع الدراسة، تشمل المجموعة الأولى، العوامل المرتبطة بطبيعة الموضوع ذاته، أما المجموعة الثانية، فتتضمن العوامل المتعلقة بطبيعة الأدبيات السابقة في الموضوع.

المجموعة الأولي: العوامل المرتبطة بطبيعة الموضوع:

1 – إن موضوع هذه الدراسة يقع في إطار قضية أكبر هي العلاقة بين الإسلام والديمقراطية كما تطورت بمفهومها الليبرالي الغربي، وهي ليست بالقضية الجديدة على مستوى الفكر، فخلال القرن التاسع عشر وفي مطلع القرن العشرين طرحها – بصيغ مختلفة – رواد حركة النهضة والإصلاح في العالم الإسلامي أمثال:

الطهطاوي والأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا كما أن لهذه القضية جذورها في تراث الكتابات الاستشراقية المرتبطة بالإسلام كعقيدة وحضارة وتاريخيا.

وقد طرحت قضية العلاقة بين الإسلام والديمقراطية على المستوى الحركي، أي على مستوى الممارسة السياسية في الوطن العربي منذ منتصف السبعينيات من هذا القرن وذلك بفضل: تنامي ظاهرة الحركات الإسلامية المسيسة في العديد من الدول العربية، وقد أصبحت هذه الحركات أو بعضها – بشكل مباشر أو غير مباشر – جزءا من العملية السياسية في هذه الدول، خاصة وأن بعضها يناصب النظم الحاكمة العداء على طول الخط، وأصبحت القضية أكثر إلحاحا في إطار اتساع ظاهرة انتقال بعض النظم العربية نحو صيغ للتعددية السياسية المقيدة. ففي مثل هذه الحالات يثار التساؤل حول موقع الحركات الإسلامية في إطار التعددية السياسية فهل يمكن إنجاز تطور ديمقراطي حقيقي مع استبعاد كل الحركات الإسلامية؟ وهل يمكن بناء المجتمع المدني الذي يعتبر ركيزة للديمقراطية بمعزل عن هذه الحركات رغم اتساع القواعد الاجتماعية لبعضها؟ وجاءت الأحداث والتطورات السياسية الحادة والمتسارعة في الجزائر في أعقاب الجولة الأولى من الانتخابات البرلمانية (ديسمبر 1991)، لتفرض موضوع العلاقة بين الإسلام والديمقراطية بصورة أكثر حدة.

وفي هذا الإطار، تعددت الاجتهادات، فهناك من راح يتناول طبيعة العلاقة بين الإسلام والديمقراطية على مستوى الأصول، وذلك للكشف عن حدود الاتفاق والاختلاف بين مبادئ نظام الحكم كما قررتها الأصول الإسلامية (القرآن الكريم والسنة)، ومبادئ وقواعد النظام الديمقراطي، وهناك من راح يحلل هذه العلاقة على مستوى الفكر الإسلامي، وذلك لرصد وتحليل رؤى بعض المفكرين الإسلاميين لطبيعة هذه العلاقة، وأخيرا هناك من راح يعالج هذه القضية على مستوى الممارسة، وذلك برصد وتحليل ممارسات بعض الحركات الإسلامية، وأنماط علاقاتها بالنظم السياسية في إطار عملية التطور السياسي الديمقراطي في هذه الدولة أو تلك.

وضمن هذا السياق تأتي هذه الدراسة لرصد وتحليل أبعاد الدور السياسي لحركة الإخوان المسلمين في إطار تجربة التعددية السياسية المقيدة في مصر خلال الفترة 19841990، وبالتالي، فإن موضوع هذه الدراسة يعتبر مدخلا لفهم بعض جوانب النظام السياسي المصري من ناحية، وللكشف عن بعض معضلات التطور الديمقراطي في ناحية ثانية، فضلا عن إثبات أو نفي أو على الأقل إعادة صياغة بعض المقولات الخاصة بعلاقة الإخوان بالتطور الديمقراطي من ناحية ثالثة.

2 – أن الدور المتميز لحركة الإخوان المسلمين في المجتمع المصري والتطور الذي شهدته على صعيد الفكر والممارسة منذ مطلع السبعينات من ناحية، والتقدم النسبي لتجربة انتقال النظام المصري نحو التعددية السياسية – وذلك بالمقارنة بنظم عربية أخرى – من ناحية ثانية، يضيفان على موضوع الدراسة أهمية خاصة، حيث يسمحان بإمكانية أفضل من الناحية الموضوعية والزمنية لرصد الممارسات السياسية للحركة في إطار عملية التطور السياسي الديمقراطي، وإجراء المقارنة والكشف عن أبعاد ومظاهر الاستمرارية والتغير في الدور (الأدوار) السياسي لها.

3 – إن الدراسة تسعى للكشف عن كيفية مشاركة الإخوان في الحياة السياسية – في سياق تجربة التعددية السياسية المقيدة – سواء في الانتخابات التشريعية، أو تحت قبة مجلس الشعب، وبالتالي فهي محاولة للخروج من دائرة التعميمات والكليات إلى البحث في الممارسات السياسية الجزئية لواحدة من القوى الاجتماعية والسياسية الهامة على الساحة السياسية المصرية، وهذه الدراسة يمكن أن تكون ذات دلالات هامة فيما يتعلق بعلاقة الحركات الإسلامية بالتطور السياسي الديمقراطي المقيد في دول عربية أخرى، ومن خلال ربط ومقارنة نتائج هذه الدراسة بنتائج دراسات جزئية أخرى مماثلة، تتم على حركات أخرى، وفي دول عربية أخرى، يمكن وضع الأساس لإطار نظري جزئي أو وسيط لتحليل وتفسير العلاقة بين الحركات الإسلامية وتجارب التطور الديمقراطي الجزئي أو التعددية السياسية المقيدة في الوطن العربي.

المجموعة الثانية: العوامل المرتبطة بطبيعة الأدبيات السابقة في الموضوع:

بصفة عامة لا يمكن القول بأن هناك دراسة سابقة تناولت الدور السياسي لحركة الإخوان المسلمين خلال الفترة 19841990 بصورة تفصيلية وتأصيلية ومباشرة، وإن كان هناك بعض الدراسات التي عرضت لبعض جوانب التطور الفكري أو الممارسة السياسية للحركة خلال هذه الفترة، وتفصيل ذلك على النحول التالي:

1 – يلاحظ بصفة عامة أن أغلب الدراسات (باللغة العربية والإنجليزية) حول الظاهرة الإسلامية خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات قد ركزت بصفة أساسية على مجالين أساسيين، أولهما: الصحوة الإسلامية أو الإحياء الإسلامي أو الأصولية الإسلامية في عموميتها من حيث أسبابها ومصادرها ومظاهرها وعلاقاتها بالغرب ومستقبلها. وثانيهما: دراسات الحالة، وقد كان التركيز على الحركات الإسلامية المتشددة التي انخرطت في ممارسة العنف، وبخاصة في ضوء تصاعد حدة المواجهة بين هذه الحركات والنظم الحاكمة في العديد من الدول العربية والإسلامية، وفي هذا الإطار لم يبرز الاهتمام بجماعة الإخوان المسلمين، خاصة وأن الجماعة ظلت معزولة عن السياسة والمجتمع في مصر منذ 1954 حتى مطلع السبعينيات، كما أن التطور الذي حدث في إطارها الفكري وممارستها السياسية جعل منها جماعة إصلاحية معتدلة تنبذ العنف، ولذلك لم تستقطب اهتمامات الباحثين مثلما استقطبتها جماعات التفكير والانقلاب والعنف.

وإذا كانت بعض الدراسات في الصحوة الإسلامية أو الأصولية الإسلامية قد تناولت ضمن محتوياتها حركة الإخوان المسلمين، إلا أن هذا التناول غلب عليه الطابع التاريخي، حيث لم يتم التعمق في تحليل التطورات التي لحقت بالحركة منذ منتصف السبعينيات على مستوى تصوراتها الفكرية وممارساتها السياسية، وعلى سبيل المثال نجد أن دراسة الأستاذة هالة مصطفى الصادرة عام 1992 بعنوان "الإسلام السياسي في مصر من حركة الإصلاح إلى جماعات العنف" قد وقفت في معالجتها لحركة الإخوان المسلمين عند عام 1952، كما أن دراسة د. عبد الله فهد النفيسي الصادرة عام 1989 بعنوان "الإخوان المسلمون في مصر التجربة والخطأ" لم تعرض لتطور الحركة خلال الفترة 19701989 إلا في سبع صفحات فقط من أصل (63) صفحة، وهو إجمالي عدد صفحات الدراسة وقد اتسمت المعالجة بالطابع السردي، أما دراسة الأستاذ "محمد سعد أبو عامود" عن "البناء التنظيمي لجماعات الإسلام السياسي في الوطن العربي وأثره في السلوك السياسي لهذه الجماعات" والصادرة في عام 1991، فإنها قدمت عرضا تاريخيا لكيفية تجنيد الأعضاء في جماعة الإخوان المسلمين.

وبالإضافة إلى ما سبق نجد أن دراسة (Nikki. Keddi) الصادرة عام 1985 بعنوان "Islamic Revival in the Middle East: A coparison of Iran and Egypt" هذه الدراسة لم تعرض لحركة الإخوان إلا في عدد محدود من الصفحات، وبشيء من التعميم الشديد، ولم تتضمن دراسة محمد سيد أحمد الصادرة عام 1987/ 1988 بعنوان lamic Issue ""Egypt: The Is سوى إشارات محدودة عن دور الإخوان في الانتخابات البرلمانية .

وثمة دراساتان كلاهما أفردت حيزا أكبر لحركة الإخوان المسلمين في مرحلة ما بعد عام 1970. أولاهما:

دراسة "Gilles Kepel" المترجمة عن الفرنسية والصادرة عام 1984 بعنوان: "muslem Extremism In Egypt: The prophet & Pharaoh"

وقد تضمنت هذه الدراسة فصلا عن مجلة الدعوة التي سمح النظام لحركة الإخوان بإصدارها عام 1976 وقام بإيقافها ضمن صحف ومجلات أخرى في عام 1981، وقد سعى المؤلف استنادا إلى مجلة الدعوة لرصد وتحليل بعض رؤى الحركة ومواقفها حيال عدد من القضايا الداخلية والخارجية، التي كانت موضوعا لمعارضة الجماعة للنظام السياسي، كما عرض لبعض ملامح السياسة التحريرية للمجلة، وعموما فإن هذه الدراسة لم تتجاوز عام 1981 (عام إيقاف المجلة) كما أنهما لم تتضمن عملية تحليل مضمون كمي للمجلة ولو بصدد بعض القضايا الجوهرية، وإنما اعتمدت بصفة أساسية على الاقتباس من بعض المقالات المنشورة ببعض الأعداد لإبراز موقف الجماعة من هذه القضية أو تلك.

وثانيهما: دراسة "Barry Rubin" الصادرة في عام 1990 بعنوان "Islamic Fundamentalism in Egyptain Politics"

وقد تضمنت هذه الدراسة فصلا عن الإخوان المسلمين، وقد ركزت على التطور التاريخي للحركة منذ نشأتها، كما عرض لبعض التغيرات التي طرأت عليها بعد عام 1970 على مستوى الفكر السياسي والممارسة السياسية، وجدير بالذكر أن هذا الفصل يعتبر من أفضل مما كتب بخصوص متابعة تطورات حركة الإخوان المسلمين بعد عام 1970، وعلى الرغم من ذلك فإنه لم يتعمق في رصد وتحليل بعض مظاهر الممارسة السياسية للحركة مثل مشاركتها في الانتخابات البرلمانية أو دور النواب الإخوان في البرلمان كما أنه لم يتعرض لدور الحركة في بعض مؤسسات وتنظيمات المجتمع المدني وبخاصة بعض النقابات المهنية.

ومنذ نهاية السبعينيات، بدأت تظهر تباعا مجموعة من الدراسات (باللغة العربية والإنجليزية) عن جماعة الإخوان المسلمين، وقد انصب بعضها على عملية تقييم أو إعادة تقييم الدور السياسي للحركة منذ نشأتها حتى منتصف الخمسينيات، كما تناول بعضها الآخر رصد وتحليل الفكر السياسي لمؤسس الحركة الإمام حسن البنا، أو بعض العناصر البارزة في تاريخ الحركة أمثال عبد القادر عودة وسيد قطب، ومن هذه الدراسات على سبيل المثال، دراسة د. زكريا سليمان بيومي بعنوان "الإخوان المسلمون والجماعات الإسلامية في الحياة السياسية المصرية 1982 – 1948" (1978) ودراسة د. عبد العظيم رمضان بعنوان "الإخوان المسلمون والتنظيم السري" (1982). ودراسة محمود عبد الحليم بعنوان "الإخوان المسلمون رؤية من الداخل" (1985) ودراسة فريد عبد الخالق بعنوان: "الإخوان المسلمون بين إرهاب فاروق وعبد الناصر" (1987) ودراسة د. زكريا سليمان بيومي بعنوان: "[[الإخوان المسلمون بين عبد الناصر والسادات من المنشية إلى المنصة" (1987 ودراسة رفعت سيد أحمد بعنوان "الدين والدولة والثورة (1989) ودراسة. محمد أحمد خلف الله بعنوان "الصحوة الإسلامية في مصر" (1987) ودراسة د. محاذ حافظ دياب عن سيد قطب الخطاب والأيديولوجيا، ودراسة أحلام السعدي فرهود عن رؤية الإخوان للسياسة المصرية تجاه إسرائيل (1987). ودراسة إبراهيم غانم عن الفكر السياسي للإمام حسن البنا (1990) بالإضافة إلى دراسة عبد المنعم سعيد علي بعنوان M. W. Wemmero, form Movements: The Muslim Brotherhood In "Modern Islamic Re Contemporary Egypt," (1982)

كما أن العديد من الدراسات الأجنبية في ظاهرة الأصولية الإسلامية تضمنت عرضا لبعض أفكار ومقولات سيد قطب باعتباره أحد المصادر الفكرية المباشرة للحركات الإسلامية التي تتبنى فكرا انقلابيا قوامه التكفير والجاهلية والعنف".

وجدير بالتسجيل أن أغلب الدراسات التي سبق ذكرها قد تناولت حركة الإخوان المسلمين من منظور بعض الجوانب التاريخية أو الفكرية، ولم تتطرق إلى التطورات التي طرأت على فكر الحركة أو ممارساتها السياسية خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات، وإن كان بعضها قد عالج جانبا من هذه التطورات بصورة جزئية وغير معمقة.

وفي عام 1990 صدرت دراسة للأستاذ محمد الطويل بعنوان "الإخوان في البرلمان"، وقد سعى خلالها، ضمن أشياء أخرى، لرصد جوانب الدور البرلماني لنواب الإخوان في برلمان (19871990) وقد انعكست الخلفية المهنية للمؤلف باعتباره صحفيا على منهجية تناوله للموضوع، فطغى جانب السرد والاقتباس على جانب التحليل والتقييم، فجاء الكتاب أقرب إلى صورة للحوار المتقطع تحت قبة البرلمان بصدد بعض القضايا، منه التحليل العلمي الرصين لأداء النواب الإخوان داخل البرلمان، سواء في مجال التشريع أو الرقابة، بل راح يقتبس من هنا وهناك لبعض هؤلاء النواب ولغيرهم من أعضاء الجماعة لتحديد مواقف الجماعة بصدد بعض القضايا المطروحة، كما أن اعتماد المؤلف على مضابط مجلس الشعب، وهي المصدر الأساسي للمعلومات بهذا الخصوص جاء قاصرا فرجع إلى المضابط الخاصة بحوالي (28) جلسة من جلسات المجلس وذلك خلال الفترة من يونيو 1987أبريل 1990، واعتمد في الغالب على مصادر صحفية، وأخيرا فإن القضايا والموضوعات التي عالجها الكتاب تعددت وتشعبت ما بين دور الإخوان في انتخابات 1984، وانتخابات 1987، وموقفهم من بعض القوى والتيارات السياسية الأخرى في المجتمع، وموقفهم من قضايا عديدة مثل الاقتصاد الحر والتعليم الديني والثقافة المعاصرة والإعلام.

2 – لاحظ الباحث أن العديد من الدراسات (باللغة العربية والإنجليزية) التي عالجت تطور النظام السياسي المصري خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات، والتي تمكنا من الاطلاع عليها، لاحظا أن بعضنها لم يتطرق إلى الدور السياسي للإخوان خلال هذين العقدين بينما بعضها الآخر عرض لبعض جوانب هذا الدور ولكن بصورة عامة وموجزة، وكنماذج للنوع الأول من هذه الدراسات نذكر:

الدراسات الأربع للدكتور علي الدين هلال وآخرون، والتي تحمل العناوين التالية:

"تجربة الديمقراطية في مصر1970 –1981]]" (1982). و "التطور الديمقراطي في مصر قضايا ومناقشات" (1986). و "النظام السياسي المصري وتحديات الثمانينيات" (1986). و "النظام السياسي المصري التغير والاستمرار" (1988). وفي هذا المؤلف الأخير وردت مقالة لآلان روسليون بعنوان "الحركة الإسلامية والديمقراطية إعادة لتشكيل الساحة السياسية في مصر" وتضمن إشارات بسيطة عن حركة الإخوان المسلمين.

وفي إطار هذا النوع من الدراسات أيضا تأتي الدراسة، التي قامت بتحريرها "Craigharris" بعنوان: "Egypt: Internal Challenges and Regional Stabilization In "Prospects for Democrati"

ودراسة: Beattie (Egypt) (1988)

أما النوع الثاني من الدراسات والتي تضمن والتي تضمنت معالجات جزئية لحركة الإخوان المسلمين بعد عام 1970، فنذكر منه على سبيل المثال: دراسة منى مكرم عبيد بعنوان Opposition In Egypt: Democratic Myth or Reality" "Political (1989).

حيث أوردت صفحة واحدة عن الإخوان المسلمين، ركزت فيها على دورهم في الانتخابات البرلمانية، وكذلك دراسة (Hamid Ansari) بعنوان "Egypt: the Stalled Society" (1986) وتضمنت هذه الدراسة عدد محدود من الصفحات عن الإخوان.

ويستثنى من ذلك دراستان هامتان، أولاهما: لـ "Baker" بعنوان "Sadat and After …." وثانيتهما لــ "Hinnebusch" بعنوان "Egyptian Politics under Sadat …" فالدراسة الأولى تضمنت فصلا عن الإخوان المسلمين، تضمن معالجة لبعض جوانب تطور الحركة بعد عام 1970، أما الثانية فتضمنت عشر صفحات عن الحركات الإسلامية في مصر، وأبرزت بعض أبعاد العلاقة بين حركة الإخوان المسلمين ونظام الرئيس السادات، ومع التسليم بأهمية هاتين الدراستين، إلا أنه لا يمكن القول بأن أي منهما قد تضمنت معالجة شاملة ومكتملة للدور السياسي لحركة الإخوان المسلمين خلال الفترة 19761990 على نحو مخطط الدراسة التي نحن بصددها.

3 – أن بعض الدراسات التي عالجت بعض جوانب التطور السياسي في مصر (كالانتخابات البرلمانية) أو أداء بعض مؤسسات الدولة (مثل مؤسسة البرلمان) خلال الفترة 19761990، والتي تمكن الباحثان من الاطلاع عليها، هذه الدراسات لم تركز على دور الإخوان في الانتخابات العامة التي شاركوا فيها (1984، 1987) أو التي قاطعوها (1990)، أو دورهم في البرلمان، بل جاء تناولها لدور الإخوان بشكل موجز، وفق مقتضيات السياق العام لهذه الدراسات، ومن هذه الدراسات على سبيل المثال: الدراسات الثلاث التي أعدها د. علي الدين هلال وآخرون عن انتخابات مجلس الشعب 1984، 1987، 1990، ودراسة عمور هاشم ربيع عن أداء مجلس الشعب المصري: دراسة حالة للدورة الأولى من الفصل التشريعي الخامس 19871988 (1991)، ودراسة أماني قنديل بعنوان "التيار الإسلامي داخل جماعات المصالح في مصر" (1989).

وتأسيسا على ما سبق، فإن الإضافة المتوقعة لهذه الدراسة تتمثل فيما يلي:

أ – أنها دراسة تعالج موضوعا محددا وهو تطور أشكال الممارسات السياسية لحركة الإخوان خلال الفترة 19841990، فهي تسعى إلى رصد وتحليل أشكال الممارسة السياسية أو الدور السياسي لحركة الإخوان في الانتخابات التشريعية وداخل البرلمان.

ب – أن إنجاز الهدف السابق لن يتم من خلال ممارسة بحثية تقوم على الاستشهاد والاقتباس من بعض المقالات والتصريحات والكتب المنشورة لبعض أعضاء الحركة على غرار ما فعلت بعض الدراسات السابقة، ولكن سوف يتم ذلك من خلال منهاجية علمية قوامها الجمع والمزاوجة بين عدد من الأساليب الكمية والكيفية في التحليل السياسي على نحو سيأتي ذكره في الفقرة الخاصة بمنهج البحث.

ج – إلى جانب الأهمية التحليلية والتفسيرية للدراسة، فإنها تتجه من خلال الاعتماد على المصادر الأولية إلى بناء قاعدة بيانات عن مظاهر الممارسة السياسية للإخوان خلال الفترة 19841990 ويمكن أن تمثل هذه القاعدة عونا لباحثين آخرين يطرقون هذا المجال.

د – أن الدراسة تسعى – ضمن أهداف أخرى – إلى تقييم الدور السياسي للإخوان خلال الفترة موضع البحث، وذلك باستكشاف محددات وحدود فعالية هذا الدور (الأدوار)، ومن هذا المنطلق فإن موضوع الدراسة يمثل مدخلا لفهم بعض جوانب التطور السياسي في مصر، والكشف عن بعض معضلات التطور الديمقراطي فيها، كما أنه من خلال هذه الدراسة يمكن صياغة أو إعادة صياغة بعض المقولات أو الفروض المرتبطة بعلاقة الحركات الإسلامية بالتطور الديمقراطي، ومتى نحت دراسات مماثلة هذا المنحى، بالنسبة لحركات إسلامية أخرى، وفي دول عربية أخرى، فإنه يمكن وضع الأساس لإطار نظري جزئي أو وسيط في هذا المجال.

ثالثا: فرضيات الدراسة:

تسعى هذه الدراسة لاختيار أربع رفضيات أساسية:

أولاها: أن هناك علاقة موجبة بين تولي عمر التلمساني منصب المرشد العام لحركة الإخوان وتدعيم اتجاه التغيير فيها على صعيد الممارسة السياسية، وإذا كان لشخص (المرشد العام)، دور هام في تطور حركة الإخوان المسلمين، فإنه من الأهمية تحديد العوامل والمحددات الموضوعية التي رجحت الاتجاه الذي تبناه التلمساني لدى الحركة على صعيد الممارسة السياسية.

وثانيتها: أنه ثمة علاقة عكسية بين ضعف فعالية قوى وأحزاب المعارضة الأخرى والصعود النسبي في الدور السياسي لحركة الإخوان المسلمين سواء على صعيد الممارسة السياسية على المستوى القومي (المشاركة في الانتخابات البرلمانية) أو على صعيد الدور السياسي في بعض مؤسسات وتنظيمات المجتمع المدني، وهنا يمكن أن يبرز دور القدرات التنظيمية والتعبوية للإخوان مقارنة بالقوى السياسية الأخرى.

وثالثتها: أن هناك علاقة طردية إيجابية بين تنامي الدور السياسي لحركة الإخوان في بعض تنظيمات المجتمع المدني، وتنامي فاعليتها على صعيد المشاركة السياسية على المستوى القومي.

ورابعتها: أن هناك علاقة فردية بين القدرة التنظيمية والتعبوية لجماعة الإخوان المسلمين والإنجاز الذي حققه مرشحوها في انتخابات 1987.

رابعا: الإطار النظري للدراسة:

سوف يتم تناول موضوع هذه الدراسة في إطار مدخلين نظريين كبيرين:

أولهما: مدخل العلاقة بين الدولة والمجتمع، فالنظام السياسي بأجهزته ومؤسساته المختلفة هو الممارس لسلطة الدولة، بينما حركة الإخوان المسلمين تعتبر حركة اجتماعية، وهي من القوى الفاعلة والمؤثرة في المجتمع، ومن هنا فإن بعض المقولات النظرية المرتبطة بمفهوم الحركة الاجتماعية من ناحية، وبطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع ومحدداتها ومصادر التوتر والصراع فيها من ناحية ثانية تعتبر أساسية لمعالجة الموضوع الذي نحن بصدده، وفي هذا الإطار تثار طبيعة العلاقة بين دولة مركزية تسمح بصيغة تعددية سياسية مقيدة من ناحية، وقوى سياسية واجتماعية يعتبرها النظام غير مشروعة قانونا من ناحية أخرى، وإذا كانت هذه القوى ذات طابع إسلامي، فإن الصراع على رموز الشرعية الدينية يدخل عنصرا في معادلة العلاقة بين النظام السياسي وهذه القوى.

وفي إطار المدخل السابق تأتي قضية العلاقة بين التعددية السياسية الرسمية من ناحية والقوى السياسية والاجتماعية الفاعلة والمؤثرة في المجتمع من ناحية أخرى لتقدم بعدا هاما لمعالجة الدور السياسي لحركة الإخوان المسلمين خلال الفترة 19841990، فما هي الآثار والتداعيات التي يمكن أن تنشأ عندما لا يكون الإطار السياسي الرسمي معبرا عن الجسد الاجتماعي بمختلف قواه وتفاعلات؟ وما هي أنماط ردود الفعل السياسية للقوى التي لا تجد لها قنوات رسمية للتعبير السياسي والمشاركة السياسية؟

وثانيهما: مدخل العلاقة بين الدين والسياسة بصفة عامة، والإسلام والديمقراطية على وجه الخصوص، وهذا المدخل يعتبر مفيدا للإجابة على بعض التساؤلات الهامة من قبيل: هل هناك قيم وثقافات دينية مضادة للديمقراطية؟ وما هو موقع الإسلام بهذا الخصوص؟ أم أنه من الأدق في هذا السياق التساؤل عن الظروف والمتغيرات، الموضوعية والذاتية، التي توظف فيها بعض القيم الدينية لدعم أوضاع ديمقراطية أو بالعكس، أي لتبرير وسياسات استبدادية؟

خامسا: الأساليب والأدوات المنهاجية للبحث:

تقوم هذه الدراسة على أساس الجمع والمزاوجة بين عدد من الأساليب والأدوات المنهاجية الكيفية في التحليل، وذلك انطلاقا من مبدأ الملاءمة أو الصلاحية المنهاجية، فبعض جوانب الموضوع يمكن تناولها على نحو أفضل استنادا إلى أساليب كيفية، بينما بعض جوانبه الأخرى من الأنسب معالجتها بأساليب وأدوات كمية وتمثلت الأساليب المنهاجية والأدوات البحثية التي اعتمدت عليها الدراسة فيما يلي:

1 – الأسلوب المقارن: وسوف يتم استخدامه لرصد حدود الاستمرارية والتغير في الدور السياسي لحركة الإخوان المسلمين خلال الفترة موضع الدراسة، كما أن هذا الأسلوب ملائم للكشف عن أوجه الشبه، والاختلاف بين دور الإخوان في انتخابات 1984 ودورهم في انتخابات 1987، والمقارنة بين ممارستهم البرلمانية في برلمان 19841987، وبرلمان 1987 - 1990، فضلا عن إجراء بعض المقارنات بين الإخوان وبعض قوى وتنظيمات المعارضة الأخرى من حيث طبيعة الأداء السياسي في الانتخابات أو داخل البرلمان.

2 – التحليل الإحصائي: وهو أكثر ملاءمة لتحليل نتائج الانتخابات البرلمانية عامي 1984 و 1987 بالنسبة لحركة الإخوان المسلمين، وهو يساعد على استكشاف وتحديد طبيعة العلاقات الارتباطية بين التصويت لصالح الإخوان وبعض المتغيرات المستقلة مثل:

- المحددات الجغرافية للتصويت لصالح الإخوان، وذلك لمعرفة الدوائر التي ارتفعت فيها نسبة التصويت لصالح القوائم التي نزل عليها مرشحو الإخوان.

- المحددات الاقتصادية والاجتماعية للتصويت لصالح الإخوان، وذلك لتحديد الفئات والشرائح الاجتماعية التي ارتفعت نسبة تصويتها لصالح القوائم التي نزل عليها مرشحو الإخوان، ومن هذا المنطلق يمكن الكشف عن الأصول والقواعد الاجتماعية للحركة في المجتمع المصري في ظل تحولات السبعينيات والثمانينيات.

كما يفيد هذا الأسلوب في التحليل الكمي للمشاركة البرلمانية لنواب الإخوان في برلمان (19841987) وبرلمان (19871990).

سادسا: مصادر المعلومات:

اعتمدت الدراسة على عدد من المصادر لجمع المعلومات والبيانات الخاصة بالدور السياسي للإخوان سواء على مستوى المشاركة في الانتخابات أو الممارسة البرلمانية وتتمثل أهم هذه المصادر فيما يلي:

1 - المصادر الذاتية لحركة الإخوان المسلمين: ولا شك في أنها الأساس لرصد الخطاب السياسي للحركة ومستجداته خلال فترة الدراسة وأهمها:

- الوثائق والبيانات الرسمية والمنشورات التي أصدرتها الجماعة خلال انتخابات 1984 وانتخابات 1987.

- بعض كتابات ومقالات المرشد العام للحركة الشيخ عمر التلمساني، والشيخ محمد حامد أبو نصر الذي خلفه بعد وفاته في عام 1986، وكذلك كتابات ومقالات بعض قادتها البارزين الآخرين خلال الفترة موضع الدراسة والتي بلورت رؤى الحركة وتصوراتها بصدد بعض القضايا المطروح خلال فترة الدراسة سواء أثناء الانتخابات أو تحت قبة المجلس.

2 – المصادر الأخرى: وتتمثل في:

- الأرشيف اليومي لجريدة الأهرام القاهرية، وذلك لمتابعة ما تضمنته من تغطية للممارسات السياسية للإخوان خلال فترة الدراسة.

- أرشيف جريدة الأهرام التجميعي، وهو يقوم على أساس تجميع المعلومات المتعلقة بالتطورات السياسية الداخلية في الدول العربية من مصادر مختلفة (عربية وأجنبية) قد تكون صحف أو مجلات أو برقيات لوكالات الأنباء، إلخ، وتوضح البيانات الخاصة بكل دولة في ملفات تحمل اسم "شؤون داخلية" وهناك ملفات خاصة بجماعة الإخوان المسلمين، وقد استفاد الباحثان كثيرا مما نشرته بعض المجلات الأسبوعية المصرية مثل المصور وأكتوبر وآخر ساعة وروز اليوسف عن انتخابات 1984 و 1987، وبخاصة فيما يتعلق بمواقف بعض القوى السياسية الأخرى من تعاون الإخوان مع الوفد في انتخابات 1984 وتحالفهم مع العمل والأحرار في انتخابات 1987.

- صحيفة الوفد (حزب الوفد) خلال الفترة من 19841987، باعتبارها كانت النافذة الرئيسية للتعبير أمام حركة الإخوان خلال فترة تعاونها مع الوفد، وقد كانت مفيدة لرصد مبررات تعاون الحركة مع الوفد في انتخابات 1984، وكيفية إدارة الطرفين للحملة الانتخابية، وموقف الإخوان من بعض القضايا التي طرحت خلال هذه الفترة.

- صحيفتا الشعب (حزب العمل) والأحرار (حزب الأحرار) منذ عام 1987 حتى عام 1990، وذلك باعتبارهما نافذتين للتعبير السياسي للحركة خلال تحالفها مع حزبي العمل والأحرار في انتخابات (1987) فضلا عن مقاطعة تحالف (الإخوان – العمل – الأحرار) لانتخابات 1990، والصحيفتان بالإضافة إلى صحيفة النور الإسلامية التي يصدرها حزب الأحرار كانت المصدر الرئيسي لرصد دور الإخوان في انتخابات 1987، ومقاطعتهم لانتخابات 1990 في إطار التحالف، فضلا عن رصد رؤاهم ومواقفهم بصدد بعض القضايا الداخلية والخارجية التي أثيرت خلال هذه الفترة.

- مضابط مجلس الشعب المصري19841987 و 19871990 وذلك لرصد أبعاد مظاهر المشاركة البرلمانية لنواب الإخوان.

وجدير بالذكر أن الدراسة لم تعتمد على صحف الوفد والشعب والأحرار كمصادر للمعلومات على سبيل الانتقاء، بل قام الباحثان برصد حصري لكل أعداد "الوفد" الصادرة خلال الفترة 19841987، ولكل أعداد "الشعب" و "الأحرار" الصادرة خلال الفترة 19871990، كما فعلا الشيء نفسه بالنسبة لمضابط مجلس الشعب خلال الفصلين التشريعيين، الرابع والخامس، وذلك لرصد كل ما يتعلق بنشاط نواب الإخوان تحت قبة المجلس خلال هذين الفصلين.

سابعا: تقسيم الدراسة:

تنقسم هذه الدراسة إلى بابين يتضمن كل منهما عدة فصول، بالإضافة إلى المقدمة والخاتمة، ويغطي الباب الأول دور الإخوان في انتخابات 1984 والممارسة البرلمانية لنواب الإخوان خلال الفصل التشريعي الرابع، أما الباب الثاني فيتناول دور الإخوان في انتخابات 1987 ويحلل كميا وكيفيا طبيعة الممارسة البرلمانية لنواب الإخوان خلال الفصل التشريعي الخامس بالإضافة إلى تحليل موقف الإخوان في انتخابات 1990، وتتضمن بعض فصول هذا الباب مقارنات علمية بين أداء الإخوان في انتخابات 1984 وأدائهم في انتخابات 1987، فضلا عن مقارنة الممارسة البرلمانية لنواب الإخوان خلال الفصل التشريعي الرابع بالممارسة البرلمانية لنواب الجماعة خلال الفصل التشريعي الخامس، وهي مقارنات مفيدة إذ تلقي الضوء على طبيعة تطور الدور السياسي للجماعة خلال الفترة موضع الدراسة.  

الباب الأول: دور الإخوان في انتخابات 1984 وتحليل طبيعة الممارسة البرلمانية لنواب الإخوان خلال الفصل التشريعي الرابع.

الفصل الأول: الإطار القانوني والدستوري لانتخابات 1984 وبيئتها السياسية.

الفصل الثاني: التعاون بين الوفد والإخوان في الانتخابات: المقدمات، المبررات المعلنة، الدوافع الحقيقية.

الفصل الثالث: طبيعة التعاون بين الوفد والإخوان ومواقف القوة السياسية الأخرى منه.

الفصل الرابع: التعاون الوفدي الإخواني في إدارة العملية الانتخابية وتحليل نتائج الانتخابات ودلالاتها.

الفصل الخامس: الممارسة البرلمانية لنواب الإخوان خلال الفصل التشريعي الرابع: تحليل كمي وكيفي.   يتناول هذا الباب دور الإخوان في انتخابات 1984، كما يحلل طبيعة الممارسة البرلمانية لنواب الإخوان خلال الفصل التشريعي الرابع، وهو ينقسم إلى خمسة فصول، يعرض أولها: للإطار الدستوري والقانوني لانتخابات 1984 وكذلك لأهم ملامح البيئة السياسية المباشرة التي أحاطت بالانتخابات، ويحلل ثانيها: التعاون بين الوفد والإخوان في الانتخابات من حيث مقدماته، والمبررات التي أعلنها كل طرف لتبرير مسلكه، والأسباب الحقيقية التي دفعت نحو التعاون بين الطرفين ومهدت له الطريق.

أما الفصل الثالث: فيناقش طبيعة التعاون بين الوفد والإخوان من منظور رؤية وتصور كل طرف لحدود هذا التعاون، وفحواه ونتائجه، كما يعرض لمواقف بعض الأطراف السياسية الأخرى من التعاون الوفدي الإخواني، ويعالج الفصل الرابع، ديناميات إدارة العملية الانتخابية من قبل الوفد والإخوان سواء فيما يتعلق باختيار المرشحين وإعداد القوائم الانتخابية أو بالدعاية الانتخابية وما إلى ذلك من أمور، كما يحلل هذا الفصل نتائج الانتخابات ودلالاتها بالنسبة للإخوان. أما الفصل الخامس والأخير، فيحلل الممارسة البرلمانية لنواب الإخوان سواء فيما يتعلق بالعمل التشريعي أو الرقابي وذلك خلال الفصل التشريعي الرابع.

وفيما يلي عرض لكل من الفصول السابقة بشيء من التفصيل:

الفصل الأول: الإطار الدستوري والقانوني لانتخابات 1984 وبيئتها السياسية

إن البيئة القانونية والدستورية التي تمت في إطارها انتخابات 1984، كان لها أثرها على تلك الانتخابات ابتداء من اتخاذ المعارضة قرارها بالمشاركة فيها، وانتهاء بتأثيرها على طبيعة مجلس الشعب الذي أسفرت عنه تلك الانتخابات، ومرورا باستراتيجيات الأحزاب والقوى السياسية التي خاضتها وحملاتها الدعائية، ولذا فسوف يتناول هذا الفصل من خلال مبحثين مسألتين هامتين، أولاهما: طبيعة ومكونات الإطار الدستوري والقانوني لانتخابات 1984، وتأثيراته في ظهور التعاون الوفديالإخواني وثانيتهما: البيئة السياسية المباشرة التي أحاطت بالانتخابات بمعنى أهم القضايا التي كانت مثارة خلال فترة الانتخابات، والتي انعكس صداها بدرجة أو بأخرى على العملية الانتخابية.

المبحث الأول: الإطار الدستوري والقانوني

أول ما يلاحظ على الإطار القانوني والدستوري لانتخابات 1984 هو تعدد وتنوع مكوناته على نحو جعلها تشكل في الأغلب الأعم قيودا على حركة وحرية القوى السياسية أكثر منها ضابطا ومنظما لحركة تلك القوى السياسية.

والسمة الثانية التي يمكن ملاحظتها على هذا الإطار القانوني والدستوري أنه قد أثار العديد من الخلافات والقضايا الجدلية على نحو جعل عملية الانتخابات مناسبة لطرح العديد من القضايا المتعلقة بطبيعة النظام السياسي المصري واتجاهات تطوره مثل قضية عدم التكافؤ بين أحزاب المعارضة والحزب الحاكم، وقضية منصب رئيس الدولة والدعوة إلى أن يكون منصب الرئيس فوق الانتماء الحزبي .. إلخ.

ويمكن أن نعرض لأهم عناصر هذا الإطار الدستوري والقانوني فيما يلي:

أولا: قانون الأحزاب السياسية:

وقد كانت أهمية قانون الأحزاب السياسية ضمن عناصر هذا الإطار أنه هو الذي كان من شأنه أن يحدد ما هي القوى السياسية على الساحة والمؤطرة في شكل حزب سياسي شرعي، فقد أجريت انتخابات 1984 في إطار قانون الأحزاب رقم 40 لسنة 1977 الذي صدر في ظل حكومة حزب مصر العربي الإشتراكي في 2 يوليو 1977، والذي تم تعديله عدة مرات فيما بعد.

وقد حدد قانون الأحزاب وتعديلاته الأسس التي يجب أن يقوم عليها النشاط الحزبي والشروط الواجب توافرها في أي تنظيم أو قوى سياسية لامتلاكها وصف الحزب السياسي، وكانت السمة الواضحة في هذا القانون هو التضييق إلى أبعد الحدود الممكنة على بعض القوى السياسية للحيلولة دون تمتعها بوصف الحزب السياسي أو الوجود الشرعي الرسمي، فلم يقتصر القانون على ما تضمنه من قواعد إجرائية خاصة بإجراءات تشكيل الحزب السياسي، ولكنه تضمن قيودا تتعلق بالبناء الفكري وبرامج تلك الأحزاب، والتي من المفترض اعتبارها مسائل خاصة بالحزب نفسه يتمسك بها ويؤمن بها.

فقد تضمن القانون المذكور وتعديلاته أسسا يجب أن يقوم عليها النشاط الحزبي محددا إياها في الوحدة الوطنية وتحالف قوى الشعب العاملة، والسلام الاجتماعي، والإشتراكية الديمقراطية، والحفاظ على مكاسب العمال والفلاحين (مادة 3 من القانون)، كما وضع القانون أيضا شروطا لتأسيس أي حزب سياسي وحدد هذه الشروط في مادته الرابعة في عدم تعارض مبادئه وأهدافه وبرامجه مع مبادئ الشريعة الإسلامية، والحفاظ على الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي والنظام الاشتراكي الديمقراطي، والمكاسب الإشتراكية، ومن الطريف في هذه الشروط اشتراطه تميز برنامج الحزب السياسي عن برامج الأحزاب الأخرى القائمة، بالإضافة إلى اشتراطه عدم قيام الحزب على أسس طبقية أو طائفية أو فئوية أو جغرافية، وعدم انطوائه على أية تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية أو ارتباطه بأي حزب آخر في الخارج، واشتراطه توافر شروط العلانية في مبادئ وأهداف ووسائل الحزب وقياداته، بالإضافة إلى شروط أخرى.

ويلاحظ على هذه الشروط أنها تفرض قيودا على التكوين الفكري للأحزاب المزمع قيامها، كما أن بعضها يثير الأسئلة والاستفسارات مثل اشتراط تميز برنامج الحزب عن برامج الأحزاب الأخرى القائمة وكأنه يمنع اعتناق القوى أو الأحزاب السياسية لنفس الفكرة أو المبدأ، وقد انعكست الرغبة في تقييد العمل الحزبي بل وتقييد حق تكوين أحزاب جديدة من خلال القانون رقم 40 لسنة 1977 وتعديلاته في طريقة تشكيل لجنة شئون الأحزاب السياسية وهي اللجنة المختصة بالنظر في طلبات تأسيس الأحزاب، فطريقة تشكيلها تنطوي على تمييز واضح للحزب الحاكم، إذ أن نسبة من أعضاء تلك اللجنة من الوزراء والذين ينتمون إلى الحزب الحاكم نفسه، كما أن دور هذه اللجنة، من ناحية ثانية، لا يقتصر على النظر في طلبات تكوين الأحزاب فحسب بل يمتد إلى تمتعها بموجب القانون بحق تقديم طلب بحل حزب سياسي قائم بالفعل إلى محكمة القضاء الإداري في حالات محددة، أو وقف صحيفته أو أحد قراراته في حالة إخلاله بأحد الأسس والمبادئ المنصوص عليها في القانون.

ولم تقتصر القيود على تلك التي جاءت في القانون رقم 40 لسنة 1977 إذ جاء التعديل بقانون رقم 36 لسنة 1979 لسنة 1979 ليحكم القبضة على حرية تكوين الأحزاب السياسية وحرية نشاط الأحزاب القائمة، فأضاف شروطا أخرى لتكوين الحزب سياسي أهمها: عدم انتماء أي من مؤسسي أو قيادات الحزب إلى تنظيمات أو جماعات معادية أو تعمل ضد المبادئ المنصوص عليها في القانون الأصلي رقم 40 لسنة 1977، وقد ارتبط هذا التعديل بصدور القانون رقم 33 لسنة 1978 أو ما عرف بقانون حماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي، حيث اشترط القانون رقم 36 لنسة 1979 عدم قيام الحزب في مبادئه أو برامجه أو مباشرة نشاطه أو اختيار قياداته وأعضائه على أساس يتعارض مع أحكام القانون رقم 33 لسنة 1978 بشأن حماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي.

وإذا كان القانون رقم 40 لسنة 1977، وتعديلاته قد استقر قبل فترة ليست قصيرة قبل انتخابات 1984 فإنه قد يجدر بنا هنا الأخذ في الاعتبار موقف القيادة السياسية من هذا القانون باعتبار أن أحد أهم مستجدات البيئة السياسية لانتخابات 1984 كانت مجيء الرئيس مبارك إلى السلطة عقب اغتيال الرئيس السادات فما هو موقف القيادة السياسية الجديدة من قانون الأحزاب؟ فرغم كل ما يقال عن صدور قانون الأحزاب رقم 40 لسنة 1977 من أنه صدر كنوع من حساسية واستشعار السادات لأهمية الدخول في مرحلة التعدد الحزبي، وبناء شرعية جديدة خاصة به تختلف عن شرعية الرئيس السابق عليه والتي قامت على الكاريزما أو الزعامة الملهمة إلا أن هذا التطور الذي أتى به السادات لم يأخذ اتجاها إيجابيا على طول الخط، فلم ينته عده السياسي، إلا وقد تم تعديل قانون الأحزاب عدة مرات وفي كل مرة كان يتم إضافة قيود جديدة إلى القيود التي تضمنها القانون الأصلي بالإضافة إلى قانون حماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي والذي ربط بينه وبين قانون الأحزاب السياسية ليجعل الالتزام به قيدا جديدا على حرية تكوين الأحزاب وحرية العمل الحزبي، وهنا يثور السؤال حول موقف الرئيس مبارك من القانون، باعتباره القيادة السياسية الجديدة، ويلاحظ في هذا الصدد أن الرئيس مبارك استمر في التأكيد على عدم إدخال أية تغييرات على قانون الأحزاب السياسية أو تعديله في نفس الوقت الذي أكد فيه على حرصه على تدعيم الحرية والمشاركة السياسية، إذ ظل ينظر إلى إطلاق حرية تكوين الأحزاب على أنها بداية للتشرذم والاختلاف أو هي المدخل الطبيعي للتفتت وهي نظرة تعني ضمنا تمسكه بضرورة الاحتفاظ بالقيود المفروضة على حرية تكوين الأحزاب السياسية.

غير أن هذا لم يمنع تمايز القيادة السياسية الجديدة في مسألة مهمة وهو موقفها السياسية المرن تجاه القوى السياسية والحزبية، فإذا كانت جماعة الإخوان المسلمين على سبيل المثال قد حرمت بموجب القانون – قانون الأحزاب – من العمل كقوة حزبية مشروعة إلا أنها في ظل النظام السياسي الجديد قد ترك لها الباب مواربا للدخول إلى ساحة العمل السياسي بصرف النظر عن عدم تمتعها بصفة الحزب السياسي.

غير أنه تجدر الإشارة أيضا إلى أن هذا الموقف السياسي المرن قد تطور فيما بعد في اتجاه التراجع عن مرونته وتسامحه مع القوى السياسية غير الحزبية، وسار في اتجاه التأكيد على القيود التي يفرضها قانون الأحزاب على العمل الحزبي وحق تكوين الأحزاب السياسية، وتمثل هذا التراجع في إصدار القانون رقم 108 لسنة 1990 لتعديل قانون الأحزاب رقم 40 لسنة 1977 وتعديلاته، والذي فوت آخر فرصة أمام أية قوة سياسية تسعى إلى الحصول على حق تكوين حزب سياسي أو حق التمتع بالحقوق التي كان يعطيها القانون 36 لسنة 1979 للحزب تحت التأسيس عندما منع القانون التمتع بأي حقوق قبل الحصول على الشخصية الرسمية للحزب السياسي بعد موافقة لجنة الأحزاب.

ثانيا: قانون انتخابات مجلس الشعب بالقائمة الحزبية والتمثيل النسبي المشروط:

وهو العنصر المهم في الإطار الدستوري والقانوني لانتخابات 1984، وهو القانون رقم 114 لسنة 1983، والمعدل للقانون 38 لسنة 1972، والذي أخذ بنظام الانتخابات بالقائمة الحزبية والتمثيل النسبي المشروط عادلا عن نظام الانتخابات الفردي الذي استقر في مصر منذ فترة طويلة.

وعلى هذا الأساس فإن القانون 114 لسنة 1983 يتضمن عنصرين أساسيين:

1 – الانتخابات بالقائمة الحزبية.

3 – الأخذ بقاعدة التمثيل النسبي المشروط.

وعلى ذلك يكون هذا القانون قد أتى بمجموعة من المستجدات الموضوعية والإجرائية والتي كانت لها أبلغ الأثر في سير انتخابات مجلس الشعب 1984، كما كان له أثره على مواقف القوى السياسية غير الحزبية أيضا، وبمعنى آخر فإن قانون الانتخابات 114 لسنة 1983 كان أهم تطور قانوني له الأثر المباشر على تلك الانتخابات.

فقد جاء القانون رقم 114 لسنة 1983 مقارنة بالقانون السابق عليه 38 لسنة 1972 بمجموعة من المستجدات الموضوعية والإجرائية، إلا أن تلك المستجدات التي توصف بأنها إجرائية أو ذات طابع إداري – مثل طريقة احتساب الأصوات وتحديد من تؤول إليه كسور الأصوات عند تقسيم المقاعد على الأحزاب .. إلخ – لم تكن ذات طابع إداري وعملي صرف، إذ أن أغلب هذه التعديلات قد ذهبت إلى تحقيق غايات أخرى أبعد تتعلق بالموقف من أحزاب المعارضة والموقف من المستقلين، وبمعنى آخر فإن ما جاء به القانون 114 لسنة 1983 من تعديلات سواء تعلقت بالنواحي أو الأمور الإجرائية العملية أو الموضوعية فإنها لم تخل من دلالة سياسية.

فأهم ما جاء به القانون 114 لسنة 1983 هي المادة الخامسة مكرر والتي نصت على أن يكون انتخاب أعضاء مجلس الشعب يكون "عن طريق الانتخاب بالقوائم الحزبية وأن يكون لكل حزب قائمة خاصة به ولا يجوز أن تتضمن القائمة الواحدة أكثر من مرشحي حزب واحد" وأن "تتضمن كل قائمة عدد من المرشحين مساو للعدد المطلوب انتخابه في الدائرة وعددا من الاحتياطيين مساو له".

ووفقا لذلك فقد انخفض بموجب القانون المذكور عدد الدوائر الانتخابية إلى 48 دائرة انتخابية حددها القانون في م 3 فقرة 1.

ولم يكتف القانون بالأخذ بقاعدة الانتخاب بالقائمة الحزبية ولكنه جمع أيضا بين الانتخاب بالقائمة الحزبية والتمثيل النسبي المشروط، بمعنى أن الذي يدخل المجلس ليست سوى الأحزاب التي تحصل على نسبة معينة فأكثر (حددها بـ 8%) وتوزع مقاعد المجلس على الأحزاب التي تتخطى هذه النسبة بنسب ما تحصل عليه من الأصوات الصحيحة على المستوى القومي (مادة 7 من القانون).

ومما ابتكر القانون فيما يتعلق بطرق احتساب الأصوات ومعايير تحديد الحزب الفائز وعدد المقاعد التي يحصل عليها ما يلي:

أ – أنه في الدوائر التي لا يتقدم فيها للترشيح إلا قائمة حزبية واحدة فإن هذه القائمة لا تعد فائزة إلا إذا حصلت على 20% من أصوات الناخبين في تلك الدائرة (مادة 15 من القانون).

ب – يتم توزيع مقاعد المجلس على الأحزاب الفائزة بنسبة ما تحصل عليه من أصوات من جملة الأصوات الصحيحة على المستوى القومي وتعطى المقاعد المتبقية (المقابلة لكسور القسمة) للحزب الحاصل على أكثر الأصوات على المستوى القومي (مادة 17 من القانون).

ج – إلزام الأحزاب بتشكيل قائمة أصلية وأخرى احتياطية مساوية للقائمة الأصلية. (م 5 مكرر).

د – يلتزم الحزب صاحب القائمة الحاصلة على أقل عدد من الأصوات باستكمال نسبة العمال والفلاحين طبقا للترتيب الوارد بها وذلك عن كل دائرة. (م 17).

وقد أثار هذا القانون قدرا كبيرا من الجدل حول قضايا متعددة أهمها ما يلي:

  • مدى اتفاق هذا القانون مع الدستور.
  • قضية التحالفات الحزبية ومدى مشروعيتها في ضوء نصوص القانون وخاصة نص المادة الخامسة مكرر.
  • قضية المساواة بين الأحزاب السياسية أو بمعنى مفاضلة القانون للحزب الحاكم أو حزب الأغلبية.
  • موقف المستقلين.

وفيما يلي قدر من التفصيل حول تلك القضايا:

1 - مدى اتفاق القانون مع الدستور:

فصدور هذا القانون 114 لسنة 1983 قد أثار سؤالا هاما حول مدى دستوريته أي مدى اتفاقه مع الدستور، فلما كان هذا القانون يعالج مسائل متعلقة بالترشيح للانتخابات، وحق التصويت وإبداء الرأي وغيره من المسائل المرتبطة بالانتخابات فإن ذلك يرتبط بعدد من مواد الدستور ذات الصلة بهذه المسائل والتي يكون من المفترض في القانون الالتزام بها أو الاتفاق معها باعتبارها نصوصا دستورية، وهذه المواد هي:

المادة الخامسة من الدستور، المادة 8، المادة 62، المادة 87، المادة 88، المادة 94.

وقد ساد اتجاه بعد صدور القانون 114 لسنة 1983 يرى أو يدفع بعدم دستوريته ويمكن مناقشة مرتكزات هذا الاتجاه في ضوء مواد الدستور السابقة على النحو التالي:

أ – فقد نصت المادة الخامسة من الدستور على أن "النظام السياسي في جمهورية مصر العربية يقوم على أساس تعدد الأحزاب ..." وهنا قد يثور المبرر الأول لصدور القانون آخذا بالقائمة الحزبية حيث قد يدفع المشرع هنا بأنه لما كان الدستور ينص على أن النظام السياسي في مصر هو نظام يقوم على أساس تعدد الأحزاب السياسية فمن الأولى أن يعكس قانون الانتخابات لمجلس الشعب هذه الطبيعة الجديدة أو السمة الجديدة للنظام السياسي، إلا أن واقع الأمر يشير إلى أن وصف الدستور المصري للنظام السياسي على أنه يقوم على تعدد الأحزاب فإن ذلك لا ينهض مبررا كافيا للأخذ بنظام الانتخابات بالقائمة الحزبية لأن الأخذ بنظام التعدد الحزبي لا يعني انضواء كافة المواطنين تحت لواء الأحزاب السياسية، إذ تظل هناك فئة أخرى لا تنضم إلى أي من الأحزاب السياسية القائمة وهي فئة المستقلين، غير أنه تجدر الإشارة إلى أن الأخذ بنظام الانتخابات بالقائمة الحزبية لا يعني أنه كان في نفس الوقت محاولة للاتفاق مع نص الدستور لأن نظام الانتخاب الفردي لا يرتبط بالضرورة بغياب التعدد الحزبي، كما أن الأخذ بنظام التعدد الحزبي لا يرتبط بالضرورة بنظام الانتخاب بالقائمة الحزبية، غاية القول أن المادة الخامسة من الدستور لا يمكن الاستناد إليها للأخذ بالقول بعدم دستورية القانون 114 لسنة 1983 لأنها لا تنفي إمكانية الأخذ بنظام الانتخاب الفردي، وفي نفس الوقت لا تفرض الأخذ بنظام القائمة الحزبية، فنص المادة الخامسة من الدستور لا يربط النظام الحزبي وطريقة إجراء الانتخابات.

ب – نصت المادة 8 من الدستور على أن "تكفل الدولة تكافؤ الفرص لجميع المواطنين"، فإذا ما سحبنا نص المادة الثامنة من الدستور على حق الترشيح للانتخابات فإن ما تنص عليه من تكافؤ الفرص لا ينسحب على ما ذهب إليه قانون الانتخابات 114 لسنة 1983، فبموجب القانون المذكور لا يتمتع المواطنون بتكافؤ فرص الترشيح للانتخابات، حيث لا يتمتع المواطن الذي ينتمي لحزب سياسي بنفس الفرصة التي يتمتع بها الآخر الذي لا ينتمي لحزب سياسي أو ينتمي لقوة سياسية غير حزبية، فالأخير لا يتمتع بموجب قانون الانتخابات بحق الترشيح، حيث حصر القانون 114 ممارسة هذا الحق عن طريق الأحزاب السياسية، ومن ثم يمكن بحق الاعتماد على نص المادة 8 من الدستور للقول بعدم دستورية القانون 114 لسنة 1983.

ج – نصت المادة 62 من الدستور على أن "للمواطن حق الانتخاب والترشيح وإبداء الرأي في الاستفتاء وفقا لأحكام القانون ومساهمته في الحياة العامة واجب وطني" فقد تحدثت المادة 62 من الدستور عن ثلاثة حقوق أساسية للمواطن وهي حق الانتخاب والتصويت والترشيح والحق الثالث هو إبداء الرأي في الاستفتاء، وقد كفلت له ممارسة هذه الحقوق الثالثة دون أن تربطها بالانتماء الحزبي من عدمه، بعكس ما ذهب إليه قانون الانتخاب عندما ربط بين ممارسة حق الترشيح لمجلس الشعب والانتماء الحزبي مخالفا بذلك المادة 62 من الدستور، غير أن عدم نص المادة 62 من الدستور على ربط ممارسة تلك الحقوق بالانتماء الحزبي لا يعني أن ممارسة هذه الحقوق الثلاثة مطلقة أو مفتوحة دون ضوابط، فقد نصت المادة 62 نفسها على أن ممارسة هذه الحقوق يكون وفقا للقانون وبالطبع فإن القانون المعني هنا هو قانون الانتخاب فليس من المفترض أن يظل حق الترشيح مطلقا بدون ضوابط أو قيود سواء في نظام الانتخاب الفردي أو القائمة الحزبية.

بمعنى آخر فإن القضية فيما يتعلق بقيود وضوابط ممارسة حق الترشيح ليست قضية اشتراط الانتماء الحزبي وإنما هي بالأساس مدى توافر الفاعلية في النظام الحزبي وما إذا كانت الأحزاب لديها القدرة على دخول الانتخابات على مستوى جميع الدوائر أم لا؟ فلو فرض أن هناك عددا من الدوائر لم يقرر أيا من الأحزاب طرح مرشحين بها – في إطار الانتخاب بالقائمة الحزبية – فإن ذلك سوف يقلل بكثير من فرصة ممارسة حق الترشيح – على الأقل على مستوى تلك الدوائر – والعكس صحيح، وهكذا فإن مدى الفاعلية الحزبية ومدى قوة الأحزاب السياسية تلعب دورا لا يستهان به في ضمان ممارسة حق الترشيح ومن ثم فقد كان من الممكن التغلب على أو التقليل من الأثر السلبي لاشتراط القانون 114 لسنة 1983 الأخذ بالقائمة الحزبية لو كانت الأحزاب السياسية قوية، ومن ثم فإن اشتراط القانون 114 لسنة 1983 ممارسة حق الترشيح عن طريق الأحزاب السياسية فقط لا يعني عدم ضمان ممارسة حق الترشيح بفاعلية فقد كان من الممكن أن يقلل من الأثر السلبي لذلك قوة الأحزاب السياسية وقدرتها على التعبئة السياسية.

د – نصت المادة 87 من الدستور على أن "يحدد القانون الدوائر الانتخابية التي تقسم إليها الدولة وعدد أعضاء مجلس الشعب المنتخبين على ألا يقل عن ثلاثمائة وخمسين عضوا نصفهم على الأقل من العمال والفلاحين ويكون انتخابهم عن طريق الانتخاب المباشر السري العام ..." وقد فسر هذا النص على أنه يشير إلى الأخذ بنظام الانتخاب الفردي باعتباره هو الوحيد الذي يتحقق فيه شرط الانتخاب "المباشر" وباعتبار أن نظام الانتخاب بالقائمة الحزبية يضع الحزب كحلقة وسيطة بين الناخب والمرشح ومن ثم لا تصبح العلاقة مباشرة بين الناخب والمرشح، ومما يؤيد هذا التفسير أن كافة قوانين الانتخاب السابقة على القانون 114 لسنة 1983 قد أخذت بنظام الانتخاب الفردي ابتداء من القانون رقم 38 لسنة 1972 وهو القانون الذي وضع لتنفيذ المادة 87 من الدستور وكذلك القوانين المعدلة له والمتعاقبة عليه، القانون 16 لسنة 1974، و 109 لسنة 1976، 14 لسنة 1977 والقرار بقانون رقم 21 لسنة 1979، القرار بقانون 22 لسنة 1979، والقرار بقانون 23 لسنة 1979، فكل هذه القوانين قد أخذت وأكدت على نظام الانتخاب الفردي باعتباره الترجمة الحقيقية والمباشرة لنص المادة 87 من الدستور.

غير أنه رغم وجاهة الاعتماد على نص المادة 87 من الدستور للقول بعدم دستورية القانون 114 لسنة 1983، إلا أن الجدير بالملاحظة أن قانون الانتخابات 114 نفسه قد نص في مادته الأولى على أن أعضاء مجلس الشعب يختارون بطريق "الانتخاب المباشر السري العام" كما جاء في الدستور تماما بما يعني أن القانون 114 لم ير تعارضا بين الانتخاب بالقائمة الحزبية والانتخاب السري المباشر العام".

هـ - المادة 94 من الدستور والتي نصت على أنه "إذا خلا مكان أحد الأعضاء قبل انتهاء مدته انتخب أو عين خلف له خلال ستين يوما من تاريخ إبلاغ المجلس بخلو المكان" والسؤال هنا هو هل الآخذ بنظام الانتخاب بالقائمة الحزبية يتنافى مع نص المادة 94 من الدستور؟

واقع الأمر أن الاعتماد على هذه المادة للقول بعدم الدستورية يشوبه الضعف، فنص المادة الأولى من القانون 114 لسنة 1983 والتي جاء فيها "إذا خلا مكان أحد الأعضاء المنتخبين قبل انتهاء مدة عضويته حل محله أحد الأعضاء الأصليين الذي لم يحل دوره في العضوية نتيجة عدد المقاعد التي حصلت عليها قائمته في الانتخابات فإذا لم يوجد أعضاء أصليين حل محله العضو الاحتياطي، وفي الحالتين يكون حلول العضو بترتيب ورود اسمه في القائمة التي انتخبت وبذات صفة سلفه ...".

فظاهر نص المادتين 94 من الدستور والمادة الأولى من القانون 114 لسنة 1983 يوحي بأن هناك تعارضا بينهما حيث ينص الدستور على أن تكون الوسيلة هي إما الانتخاب (في حالة خلو مكان عضو منتخب) أو التعيين (في حالة خلو مكان عضو معين)، بينما في قانون الانتخابات 114 لسنة 1983 قد اختفت بموجبه ظاهرة الانتخابات التكميلية حيث أصبح يحل محل من انتهت عضويته من يليه في القائمة مباشرة ومن يحمل نفس الصفة (عمال، فلاحين، فئات) إلا أن هذا التناقض في واقع الأمر ليس تناقضا ظاهريا فقط وذلك لأن العضو الذي يختار مباشرة من القائمة هو في الأصل عضو منتخب أيضا غير أن الذي منع وصوله إلى المجلس ليس إلا مسألة التوزيع النسبي، ومن ثم فإنه يصعب الاعتماد على نص المادة 94 من الدستور للقول بعدم دستورية القانون 114 لسنة 1983 عندما ألغى الانتخابات التكميلية لأن وسيلة شغل المكان الشاغر في المجلس تظل هي أيضا الانتخاب في حالة العضو المنتخب غير أن الانتخابات قد أجريت مرة واحدة، وبمعنى آخر فإن القانون 114 لسنة 1983 يظل في هذه المسألة متفق وروح الدستور ونص المادة 94 منه حيث يظل أسلوب شغل المكان الشاغر هو الانتخاب أيضا وإن كان قد أجرى بموجب قانون الانتخاب 114 لسنة 1983 مرة واحدة.

2 – قضية التحالفات الحزبية:

كانت قضية التحالفات الحزبية من أهم القضايا التي أثارها القانون 114 لسنة 1983، فقد نصت المادة الخامسة مكرر من القانون على "يكون انتخاب أعضاء مجلس الشعب عن طريق الانتخاب بالقوائم الحزبية ويكون لكل حزب قائمة خاصة به، ولا يجوز أن تتضمن القائمة الواحدة أكثر من مرشحي حزب واحد" كما اشترطت المادة السادسة من القانون أن يكون اسم المرشح مدرجا في قائمة حزبية حيث نصت على ضرورة أن يقدم المرشح طلب الترشيح مدرج به "صورة معتمدة من قائمة الحزب الذي ينتمي إليه، مثبتا بها إدراجه فيها ..." وبذلك يكون القانون قد أغلق الباب أمام تقديم قائمة انتخابية غير حزبية، كما أغلق الباب أمام قيام التحالفات الحزبية أو تقديم قوائم تحمل أكثر من مرشحي حزب واحد، وهو ما يثير أسئلة عديدة حول غاية المشرع من وراء نص المادة الخامسة مكرر، فهل الهدف الحقيقي هو منع التحالفات الحزبية ذاتها أم أنه يسعى إلى أهداف أبعد من ذلك، ومن ثم يكون من الأفضل التعرض لمسألة موقف القانون 114 لسنة 1983 من قضية التحالفات الحزبية في إطار أوسع يمكن أن يعكس موقف الحكومة والقيادة السياسية من النظام الحزبي برمته في ضوء هذا القانون المذكور.

ولا شك في أن قضية موقف الحكومة والقيادة السياسية من النظام الحزبي، أو من أحزاب المعارضة تحديدا، تعتبر أحد القضايا الهامة التي أثارها القانون 114 لسنة 1983، ويمكن النظر إليها في نفس الوقت باعتبارها الإطار الأكبر المناسب لطرح قضية التحالفات الحزبية من خلاله.

وقضية الموقف من النظام الحزبي ترتبط بكل تأكيد بطبيعة النظام السياسي الجديد في تلك الفترة خاصة أن قانون الانتخاب بالقائمة كان وليد هذا النظام، إذ لم يعرفه النظام السياسي منذ صدور دستور 1971.

وبصدد الموقف من النظام الحزبي في ضوء القانون 114 لسنة 1983 نكون أمام اتجاهين

أولهما: أن الهدف من صدور القانون 114 لسنة 1983 فيما يتعلق بالنظام الحزبي كان هو تقوية النظام الحزبي المصري وتدعيمه،

وثانيهما: أن الهدف من هذا القانون فيما يتعلق بالنظام الحزبي هو إضعافه.

وواقع الأمر أن قانون الانتخابات نفسه تضمن من النصوص ما يدعم ويؤيد كل من وجهتي النظر السابقتين، إلا أن أكثر مواد هذا القانون تؤيد وجهة النظر الثانية لا الأولى، والدليل على ذلك ما يلي:

أ – ارتفاع النسبة اللازمة التي اشترطها القانون للتمثيل في مجلس الشعب وهي 8% من جملة الأصوات الصحيحة وهي نسبة مرتفعة بالنظر إلى طبيعة الأحزاب السياسية في مصر وانخفاض مستويات الوعي والمشاركة، ورغم أن الهدف من التمثيل النسبي كان هو تمثيل جميع الاتجاهات السياسية في المجلس تمثيلا يتناسب مع وزنها السياسي إلا أن ارتفاع هذه النسبة إلى 8% يكون قد هدم الهدف الأصلي من قاعدة التمثيل النسبي فالأحزاب السياسية في – تلك الفترة على الأقل – لم تكن لها من القوة التنظيمية والشعبية ما يكفل لها القدرة على الحصول على هذه النسبة بسهولة، وما يعكس ذلك بوضوح هي نتائج الانتخابات نفسها حيث فشلت جميع أحزاب المعارضة – باستثناء حزب الوفد – في الحصول على هذه النسبة، ولعل ما يلفت النظر في هذا القانون أنه في الوقت الذي يأخذ بقاعدة التمثيل النسبي فإنه يرحل الأصوات التي يحصل عليها أي حزب لم يحص على نسبة 8% على المستوى القومي لصالح حزب الأغلبية، ومن ثم فإن أصوات الناخبين لصالح حزب ما قد تذهب بموجب القانون نفسه إلى حزب آخر ما دام لم يحصل الأول على نسبة الــ 8%

ب – المؤشر الآخر في قانون الانتخابات الذي ينحو به إلى إضعاف النظام الحزبي هي مجموعة القواعد والشروط المتعلقة بتشكيل القائمة، فقد اشترط القانون على الحزب تقديم قائمة أصلية وأخرى احتياطية مساوية لها، ومن ثم يصبح على الحزب أن يقدم قائمتين في كل دائرة إحداهما أصلية والأخرى احتياطية وهو ما يعني ضرورة توفير الحزب لعدد من المرشحين مساو لضعف عدد أعضاء المجلس إذا ما قرر الحزب المشاركة في الانتخابات على مستوى جميع الدوائر، وهو ما يعني إرهاق الأحزاب السياسية عدا الحزب الوطني بالطبع في توفير هذا العدد الضخم من المرشحين في ضوء ضعف شعبيتها ومحدودية عضويتها، كذلك أوجب القانون على الحزب السياسي صاحب القائمة الحاصلة على أقل عدد من الأصوات والتي لها حق التمثيل داخل المجلس استكمال نسبة العمال والفلاحين طبقا للترتيب الوارد بها وذلك في كل دائرة، وهو ما كان يعني حرمان هذه الأحزاب من العديد من الكفاءات الحزبية بسبب الحاجة إلى تغيير صفة المرشح، بالإضافة إلى ما كان يؤدى إليه ذلك من خلافات عميقة داخل الحزب بين القيادة والمرشحين.

ج – كذلك مما كان يساهم به هذا القانون في إضعاف النظام الحزبي رغم أن الأخذ بنظام الانتخاب بالقائمة الحزبية كان من المفروض أن يؤدي إلى تقوية موقف الأحزاب السياسية وذلك من جانبين: اعتبار الأحزاب هي الوسيلة الوحيدة للترشيح، مما يقوي من فكرة ضرورة الانتماء الحزبي والالتزام الحزبي، كما يجعل للحزب الكلمة الأخيرة في تحديد المرشحين وطرح البرامج الانتخابية وإجراء الدعاية الانتخابية.

إلا أن هذا لم يحدث في ظل قانون الانتخابات بالقائمة الحزبية والتمثيل النسبي المشروط (114 لسنة 1983) فبدلا من أن يؤدي القانون إلى تدعيم قوة الأحزاب السياسية ومزيد من سيطرة الأحزاب السياسية على أعضائها ومرشحيها فقد أدى إلى خلق خلافات حادة على مستوى الأحزاب السياسية خاصة بين القيادات والكوادر الحزبية أو بين المرشحين وبعضهم، وكانت النتيجة خروج العديد من أعضاء الأحزاب على أحزابهم والذهاب إلى أحزاب أخرى سعيا وراء فرصة أحسن، ويرجع ذلك إلى عاملين: أولهما: أن زعيم الحزب السياسي أصبح هو المكلف بوضع القائمة الحزبية وتشكيلها وليس غيره، مما أفسح المجال لدور العوامل الشخصية في تشكيل القائمة واختيار المرشحين وترتيب ورودهم في القائمة، أو على الأقل أفسح ذلك المجال لاحتجاج المرشحين – خاصة المتأخرين من القائمة – بدور العوامل الشخصية في تأخر أسمائهم في القائمة، وثانيهما: أن المسألة لم تكن مجرد إدراج اسم مرشح على القائمة الحزبية فهذا في حد ذاته لم يكن يضمن النجاح أو يعني نجاحا مباشرا في الانتخابات إذا حصلت القائمة على النسبة المطلوبة، فالانتخابات بالقائمة مع التمثيل النسبي المشروط كان يعني اختيار عدد من المرشحين على القائمة يتناسب مع نسبة حصول الحزب على الأصوات الصحيحة على المستوى القومي، ومن ثم فإذا كانت القائمة تحوي عشرة أعضاء وكانت نسبة الأصوات التي حصل عليها الحزب تكفل له الحصول على ثلاثة مقاعد فقط ففي هذه الحالة لا ينجح من القائمة فقط سوى الثلاثة الأعضاء الذين يحتلون المراتب الأولى في ترتيب القائمة ولا يعني نجاح القائمة بالنسبة للسبعة الآخرين شيئا، وقد فتح ذلك الباب أمام صراعات حادة بين المرشحين وبعضهم وبينهم وبين القيادة الحزبية من أجل محاولة إدراج أسمائهم في الصدارة من القائمة، وهو ما كان يعني في التحليل الأخير ضعف السيطرة الحزبية على الأعضاء، فقد اضطر عدد من أعضاء الأحزاب إلى ترك أحزابهم بحثا عن فرصة أفضل في أحزاب أخرى.

وهكذا نخلص إلى أنه رغم أن قانون الانتخابات 114 لسنة 1983 الذي أخذ بنظام القائمة الحزبية والتمثيل النسبي المشروط كان من المفترض أن يؤدي إلى تقوية الأحزاب السياسية والانتماء الحزبي إلا أنه أدى إلى نتيجة معاكسة بسبب الدور الذي أخذه رئيس الحزب في تشكيل القائمة وأهمية مسألة ترتيب الأعضاء على القائمة، ولم يقتصر هذا التأثير لقانون الانتخابات 114 لسنة 1983 على أحزاب المعارضة فقط ولكنه امتد إلى الحزب الوطني نفسه.

نعود إلى نقطة التحالفات الحزبية مرة أخرى لنربطها بموقف قانون الانتخابات من التحالفات الحزبية في إطار الموقف من النظام الحزبي، فقد نصت المادة الخامسة مكرر على ضرورة أن يكون لكل حزب قائمة انتخابية خاصة به ومنع نزول مرشحي حزب على قائمة حزب آخر، بمعنى آخر فإنها تكون قد منعت إمكانية قيام تحالف حزبي أو تحالف انتخابي بالمعنى المعروف، فالقانون 114 لسنة 1983 قد أغلق الباب أمام فرص التعاون والتنسيق بين الأحزاب في شكل التحالف، بل أكد على استقلال كل حزب بقائمته بما يفرضه ذلك من تنافس وصراع بين الأحزاب السياسية من أجل الحصول على أكبر عدد ممكن من المقاعد، حيث ينظر كل حزب إلى مكسب حزب آخر باعتباره خسارة له.

وهكذا رغم أنه كان من المفترض أن يقترن قانون الانتخاب بالقائمة الحزبية والتمثيل النسبي المشروط بالتحالفات الانتخابية والحزبية حيث تتكتل الأحزاب من أجل عدم تشتيت الأصوات والحصول على النسبة المطلوبة فإن القانون 114 لسنة 1983 قد عمل على قطع طريق التحالفات الانتخابية أمام الأحزاب السياسية عندما نص القانون صراحة على أن يكون الانتخاب بالقوائم الحزبية وأن يكون لكل حزب قائمة خاصة به مع عدم جواز ترشيح أعضاء حزب على قائمة حزب آخر، ومن المؤكد أن هذا الأمر كامن الدوافع الرئيسية للتحالف أو التعاون الوفديالإخواني في انتخابات 1984، وهو أمر سنتناوله بالتفصيل فيما بعد.

3 – قانون الانتخابات والموقف من المستقلين:

إذا كان موقف قانون الانتخابات 114 لسنة 1983 كان يكتنفه قدرا من الغموض النسبي في مسألة التحالفات الحزبية فإنه كان واضحا جدا في مسألة المستقلين عندما جعل الترشيح لعضوية مجلس الشعب قاصرا فقط على أعضاء الأحزاب أو الترشيح عن طريق حزب سياسي، فإن لم تكن العضوية الحزبية شرطا للترشيح فإن النزول على قائمة حزبية كان شرطا أساسيا للترشيح، وذلك عندما نص القانون في تعديله للمادة السادسة الفقرة الأولى من القانون الأصلي على أن "يقدم المرشح طلب الترشيح لعضوية مجلس الشعب كتابة إلى مديرية الأمن بالمحافظة التي يرشح في دائرتها مرفقا به صورة معتمدة من قائمة الحزب الذي ينتمي إليه مثبتا بها إدراجه فيها ..." ومن ثم فلم يصبح هناك فرصة أمام المستقلين للترشيح في تلك الانتخابات عندما اشترط القانون أن يرفق بطلب الترشيح صورة من القائمة الحزبية التي ينزل عليها اسم المرشح.

وكانت قضية المستقلين إحدى القضايا المهمة التي أثارها القانون 114 لسنة 1983، والحق أنها لم تثار فقط من جانب المستقلين أو القوى السياسية غير الحزبية مثل جماعة الإخوان المسلمين ولكن أثارتها أيضا بعض الأحزاب السياسية، ولعل ذلك قد يكون راجعا إلى أن قانون الأحزاب نفسه لم يسهم في تقوية الأحزاب السياسية أو لم يحقق ما كان متوقعا منه في تقوية الأحزاب السياسية وتدعيم فكرة الولاء الحزبي، وذلك عندما جعل قضية الترتيب في القائمة مسألة مهمة مما جعل المرشحين يتنافسون وتثور بينهم الخلافات والصراعات من أجل الحصول على أماكن متقدمة في القائمة.

ورغم أن اشتراط العضوية الحزبية أو النزول على قائمة حزبية للترشيح في الانتخابات كان من الممكن أن يخدم الأحزاب السياسية عن طريق إجبار المستقلين على الانضواء تحت لواء الأحزاب السياسية بما يزيد من شوكتها في النظام السياسي وزيادة إمكاناتها، بالإضافة إلى تقليل أو انعدام المنافسة بين الأحزاب والمستقلين في الانتخابات، إلا أن القانون قد نقل المنافسة بين الأحزاب والمستقلين إلى منافسة بين الأحزاب السياسية وبعضها البعض – عندما منع التحالف والتنسيق بين الأحزاب – وكذلك منافسة على مستوى الحزب الواحد بشأن ترتيب أسماء المرشحين في القوائم.

وقد وجهت الانتقادات للقانون المعني فيما يتعلق بحرمانه المستقلين من ممارسة حق الترشيح المقرر للمواطنين دستوريا في المواد 8، 94، 40، 47، 62، 5 من الدستور، فالقانون خالف المادة 8 التي تنص على أن الدولة تكفل تكافؤ الفرص لجميع المواطنين، ومن ثم فإن حرمان القانون المستقلين من ممارسة حق الترشيح يكون قد أخل بهذا الالتزام لأنه لم يساو بين فرصة عضو الحزب السياسي وفرصة المستقل في ممارسة هذا الحق، وهو ما أفسح المجال للطعن في دستورية القانون.

غاية القول أن ذهاب القانون 114 إلى حرمان المستقلين يثير التساؤل حول الحكمة من وراء ذلك خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن الأحزاب السياسية كانت ما زالت ضعيفة ولم تصل شعبيتها وانتشارها على المستوى القومي إلى الحد الذي يمكن اعتبارها هي الوسيلة الوحيدة للترشيح، إلا أنه يمكن تفسير ذلك – في ضوء النقطة السابقة – بعاملين أساسيين:

أولاهما: أن القانون 114 لسنة 1983 – والمعدل للقانون 38 لسنة 1972 – وتعديلاته والذي كان يأخذ بنظام الانتخاب الفردي – كان المقصود به على ما يبدو هو التفريق بين أحزاب المعارضة القائمة في تلك الفترة أكثر من خلق الظروف المهيأة للتنسيق بينها، بمعنى آخر فإن القانون 114 أدى إلى زرع التنافس والخلافات بين الأحزاب السياسية بما لا يحولها إلى قوة مؤثرة في النظام السياسي أو تصل من القوة إلى الحد الذي يجبر النظام السياسي على إدخال تعديلات جذرية لا يراها ضرورية في مرحلة كانت – ولا زالت – تحتاج فيها البلاد إلى الاستقرار والهدوء وكانت الساحة السياسية ما زالت تحتاج إلى الحذر والترقب، وهذا ما كان يوفره نظام القائمة مع عدم السماح للمستقلين بممارسة حق الترشيح بحيث تكون هناك جبهة واحدة هي صراع الأحزاب من ناحية والمستقلين من ناحية أخرى، فوجود جبهة صراع بين الأحزاب والمستقلين كان يعني إمكانية اتفاق أو خلق مجال للتنسيق بين الأحزاب وبعضها للتغلب على المستقلين ولكن عندما يلغى القانون المعنى جبهة الصراع مع المستقلين فإنه يكون قد حصر المنافسة والصراع بين الأحزاب وبعضها البعض وهو ما كان يحلو له في تلك الفترة وما يراه مناسبا لخدمة طبيعة تلك المرحلة.

وثانيهما: رغبة النظام وحرصه على استبعاد بعض التيارات السياسية غير الرسمية من دخول الانتخابات مثل جماعة الإخوان المسلمين والشيوعيين، ومما يدعم ذلك هو جمع القانون 114 لسنة 1983 بين حرمان المستقلين من الترشيح للانتخابات جنبا إلى جنب مع منع التحالفات الحزبية حيث يكون بذلك قد سد الطريق أمام تلك التيارات السياسية غير الرسمية من المشاركة في الانتخابات.

إلا أن الملاحظة الجديرة بالاهتمام أنه في الوقت الذي ذهب فيه القانون 114 لسنة 1983 إلى منع التحالفات الحزبية وحرمان المستقلين من الترشيح فإن ذلك لم يمنع من الناحية الفعلية من ظهور أشكال من التعاون والتنسيق بين القوى السياسية والحزبية سواء في شكل التعاون بين الوفد والإخوان المسلمين في انتخابات مجلس الشعب 1984، أو التحالف الإسلامي 1987 بين حزب العمل والأحرار وجماعة الإخوان المسلمين كما أنه لم يمنع من الناحية العملية مشاركة الإخوان المسلمين كجماعة سياسية غير رسمية في تلك الانتخابات، وهو ما يعني أن هناك عوامل أخرى لعبت دورها في السماح لجماعة الإخوان المسلمين بالمشاركة في تلك الانتخابات تختلف عن دور العوامل المتصلة بقانون الانتخابات، وهو ما سنتعرض له في الجزء الخاص بالبيئة السياسية.

4 – مفاضلة القانون للحزب الحاكم:

ومفاضلة القانون 114 لسنة 1983 للحزب الحاكم عن بقية الأحزاب المعارضة كانت مسألة واضحة في القانون، فقد تضمن القانون المعنى العديد من المواد والتعديلات التي كانت تعكس بوضوح حرص القانون على تمييز الحزب الحاكم في فرص النجاح، وقد أثارت المعارضة هذه القضية في شكل الحديث عن ضمانات حرية ونزاهة الانتخابات في ضوء تلك المواد التي كانت تميز الحزب الحاكم عن أحزاب المعارضة، فقد تضمن القانون العديد من المواد التي كانت تعلي من شأن الحزب الحاكم بل أنها كانت تضع كافة مؤسسات الدولة في خدمته بحيث تضمن له قدرا كبيرا من السيطرة، ومن هذه المواد على سبيل المثال: ما جاءت به المادة 17 من القانون والمتعلقة بطريقة احتساب الأصوات وتوزيع المقاعد حيث نصت على أن توزع المقاعد على الأحزاب التي حصلت على نسبة الـ 8 % بنسب الحصول على الأصوات الصحيحة، وتعطي المقاعد المتبقية المقابلة للكسور للقائمة الحاصلة على أكثر الأصوات، وهو ما يعني أن عددا من المقاعد التي كانت من نصيب المعارضة ككل تحولت إلى الحزب الحاكم أو حزب الأغلبية، كما أن سيطرة وزارة الداخلية على عدد ضخم من الإجراءات والتي تبدو في ظاهرها أنها إجراءات روتينية ذات طابع إجرائي إلا أنها لم تخلو من دلالة وتأثير على أحزاب المعارضة، فوزارة الداخلية أو وزير الداخلية هو في التحليل الأخير وزير في حكومة الحزب الوطني، ومن أمثلة ذلك:

- ما نصت عليه المادة 6 فقرة 1 أن طلب الترشيح الذي يتقدم به العضو ابتداء يتقدم به إلى مديرية الأمن بالمحافظة التي يرشح نفسه بها.

- كذلك اللجنة التي تحدث عنها القانون في مادته التاسعة والمختصة في الطعون والاعتراضات التي يتقدم بها المرشحون أو غيرهم بخصوص الأسماء الواردة في القائمة أو صفة المرشح (فئات، وعمال وفلاحين) حيث تعكس طريقة تشكيل هذه اللجنة تمييزا للحزب الحاكم، فقد نصت المادة التاسعة على أن هذه اللجنة تتكون من أحد أعضاء الهيئة القضائية من درجة مستشار أو ما يعادلها وأحد أعضاء الهيئات القضائية من درجة قاض أو ما يعادلها ويختارهما وزير العدل، وبالإضافة إلى هذين العضوين تضم اللجنة ممثلا لوزارة الداخلية يختاره وزير الداخلية، وهنا يثور تساؤل لماذا ممثل وزير الداخلية؟ وما الداعي أن تقوم وزارة الداخلية بعرض تلك القوائم؟

- كذلك فإن وزارة الداخلية هي المسئولة عن تحديد الرموز الانتخابية حيث يصدر بها قرار من الوزير، ولمسألة الرموز الانتخابية هذه أهميتها خاصة في ضوء انخفاض مستوى الوعي ومستوى التعليم في مقابل ارتفاع مستوى الأمية وسيادة طابع ثقافي تقليدي يجعل للرموز دورا مهما في الحكم على الأمور.

وثمة نقطة أخرى جديرة بالملاحظة وهي ما نص عليه القانون من أن الأصوات التي حصلت عليها الأحزاب التي لم تحصل على نسبة الـ 8% تذهب مباشرة إلى الحزب صاحب الأغلبية، وهي النقطة التي أوقعت القانون في تناقض مع نفسه ففي الوقت الذي أخذ فيه بقاعدة التمثيل النسبي مع القائمة الحزبية فإنه يعطي أصوات الناخبين لحزب آخر قسرا ليس إلا لأنه لم يحصل على نسبة الــ 8% فلو فرضنا أن الأصوات التي ذهبت إلى هذين الحزبين ترحل إلى الحزب صاحب الأغلبية – الحزب الحاكم – مباشرة، ومن ثم فإن 14% من مقاعد المجلس تصبح غير معبرة عمن تمثلهم، بمعنى أن 14% من الأصوات على الأقل لا تجد من يمثلها في المجلس.

موقف المعارضة من قانون الانتخابات:

كان من الطبيعي أن ترفض أحزاب وقوى المعارضة قانون الانتخابات بمواده السابقة والتي كانت تمنع من فرص التعاون والتنسيق فيما بينها، فرغم أنه كان من المفترض في الانتخاب بالقائمة الحزبية أن يؤدي إلى تقوية الأحزاب السياسية والتدعيم من فرص التعاون فيما بينها خاصة مع الأخذ بقاعدة التمثيل النسبي، إلا أن ذلك لم يحدث في ضوء نصوص ومواد القانون السابق على نحو ما سبق ذكره.

ويمكن أن نعرض لموقف المعارضة من قانون الانتخابات عبر مرحلتين:

المرحلة الأولى:

وقد بدأت مع إثارة مسألة تعديل قانون الانتخابات وحتى فترة قليلة قبل إجراء الانتخابات، وجدير بالذكر أن مع مجيء الرئيس مبارك ساد الشعور بأن هناك انفراجة يشهدها النظام الجديد وأنه يجب قدر المستطاع الاستفادة من هذا النظام ومحاولة دفعه في اتجاه تدعيم الديمقراطية ودور المعارضة والتي أثيرت في تلك الفترة هي قانون الانتخابات والنظام الانتخابي في مصر بصفة عامة سواء مجلس الشعب أو الشورى أو المجالس المحلية، ومما ساعد في تفجر هذه القضية هو تصادف إجراء انتخابات مجلس الشورى والمجالس الشعبية ومجلس الشعب في فترات متقاربة (الفترة من أكتوبر 1983 - مايو 1984) ومن ثم نستطيع القول إن موقف المعارضة في هذه المرحلة قد يضرب بجذوره إلى لحظة مجيء الرئيس مبارك إلى السلطة.

ففي الفترة التي سبقت صدور قانون الانتخاب لمجلس الشعب أخذا بالقائمة الحزبية والتمثيل النسبي المشروط أثيرت الأسئلة والمناقشات حول أي نظم الانتخابات أنسب في مصر بالنسبة لمجلس الشعب هل هو النظام الفردي أم القائمة الحزبية؟ ورغم أنه ليس من الثابت أن المعارضة هي التي فجرت السؤال إلا أن المسألة أخذت أهميتها بعد تصريح الرئيس مبارك بأنه يميل إلى الأخذ بنظام القائمة.

وكان موقف المعارضة يقوم على إما الإبقاء على نظام الانتخاب الفردي باعتباره النظام الانتخابي الذي يتفق مع الدستور أو الأخذ بنظام الانتخاب بالقائمة مع ضرورة توافر عدد من الشروط أو الضوابط أهمها أن يتم الأخذ بنظام القائمة النسبية وليس المطلقة، ودون التقيد بنسبة معينة لتمثيل الحزب السياسي أو القوة السياسية في المجلس، والشرط الثالث هو ألا تكون القائمة حزبية بالضرورة. وقد أعلنت بعض الأحزاب ذلك مباشرة بالتأكيد على أنها تقف في جانب الأخذ بنظام الانتخاب بالقائمة النسبية (حزب التجمع مثلا) أما فيما يتعلق بموقف الدستور فقد دعت إلى الأخذ في الاعتبار روح الدستور وليس مجرد الشكل والنصوص، بمعنى آخر فإنه إذا كان نظام الانتخاب الفردي ينطبق مع نصوص الدستور فإن نظام الانتخاب بالقائمة النسبية ينطبق مع روح الدستور، وقد أعلن حزب التجمع بعد صدور القانون 114 لسنة 1983 مباشرة أنه يؤيد القائمة النسبية والتمثيل النسبي ولكنه ليس مع نسبة الـ 8%.

وهكذا فإن اتجاه المعارضة قبل صدور القانون كان يتأرجح بين الإبقاء على النظام الفردي أو التحول إلى القائمة النسبية بشرط: الاحتفاظ لكافة القوى السياسية غير الحزبية بحق الترشيح، أي رفض فكرة حرمان المستقلين، مع رفض فكرة القائمة المطلقة وتأييد فكرة القائمة النسبية فضلا عن رفض فكرة التمثيل النسبي المشروط والأخذ بالتمثيل النسبي فقط، وتقدمت أحزاب المعارضة الرئيسية في تلك الفترة بمذكرة إلى الرئيس بخصوص مطالب المعارضة فيما يتعلق بالانتخابات (في ديسمبر 1982) دارت حول هذه المطالب.

ورغم مطالبات المعارضة فيما يتعلق بنظام الانتخاب فقد صدر القانون دون أن يأخذ في اعتباره تلك المطالب، فقد صدر القانون أخذا بالقائمة الحزبية والتمثيل النسبي المشروط مع حرمان المستقلين، وكانت النسبة التي تمثل الحد الأدنى لدخول الحزب مجلس الشعب هي 8% وذلك بعد أن تدخل الرئيس لتخفيضها حيث كانت 10%.

وبعد صدور القانون أعلنت المعارضة رفضها التام لنظام الانتخاب بالقائمة الحزبية والتمثيل النسبي المشروط وقد عارضت في القانون مسألتين محددتين الأولى هي اشتراط توافر وصف الحزبية في القائمة مما يعني حرمان القوى السياسية غير الحزبية من حق الترشيح، والثانية هي اشتراط الحصول على نسبة معينة من إجمالي عدد الأصوات الصحيحة على مستوى الجمهورية – وهي نسبة الـ 8% - حيث اعتبرتها نسبة مرتفعة جدا في ضوء ظروف المجتمع المصري وطبيعة الأحزاب والحياة الحزبية فيه، هذا بالإضافة إلى ما احتواه القانون من قيود على إمكانيات فوز المعارضة خاصة عملية احتساب وتوزيع الأصوات على نحو ما سبق توضيحه.

وقد انعكس موقف المعارضة من القانون في البيانات الصادرة بأسماء بعض الأحزاب أو باسم اللجنة القومية للدفاع عن الديمقراطية التي تشكلت في تلك الفترة، فبمجرد صدور القانون عقدت أحزاب المعارضة في 16 يوليو 1983 مؤتمرا طالبت فيه بـ "إلغاء بدعة نظام الانتخاب بالقوائم المطلقة والقوائم النسبية المشروطة وتقرير ما طلبته الأحزاب غير الحاكمة من تعديلات في مباشرة الحقوق السياسية ضمانا لنزاهة الانتخابات".

كذلك أصدرت اللجنة القومية للدفاع عن الديمقراطية بيانين طالبت في أحدهما (الصادر في 15 أكتوبر 1983) بـ "إلغاء نظام الانتخابات بالقوائم الحزبية المطلقة والنسبية المشروطة وإصدار قانون جديد يتفق مع الدستور الذي يكفل المساواة بين المصريين في ممارسة الحقوق السياسية دون قيد أو شرط بما في ذلك حق المستقلين ..". وفي بيان ثان (صادر في منتصف يناير 1984) طالبت اللجنة بإلغاء نسبة الـ 8%، هذا بالإضافة إلى البيانات الصادرة عن الأحزاب السياسية بصورة منفردة لتأييد مطالب المعارضة.

وهكذا كان الموقف الأول للمعارضة بعد ظهور القانون مباشرة هو المطالبة بإلغائه والطعن في دستوريته على أساس أن الدستور ينص على أن يكون نظام الانتخاب على أساس الانتخاب الفردي المباشر وطالبت المعارضة بأنه إذا كان لا بد من الأخذ بنظام الانتخاب بالقائمة فإن لا بد وأن يقترن بشروط معينة أهمها إطلاق حرية تكوين الأحزاب السياسية وأن تكون القوائم لكل الفئات بما فيها المستقلون، بالإضافة إلى توافر الضمانات الكافية لضمان نزاهة الانتخابات، وألا يكون هناك شرط الحصول على نسبة معينة من الأصوات للتمثيل في المجلس.

وأمام هذا المستوى الملحوظ من التنسيق بين المعارضة والذي بدأ بإصدار البيانات المشتركة وانتهى بتكوين اللجنة القومية للدفاع عن الديمقراطية والعمل على عقد مؤتمر لطرح مطالبها فيه، وبرغم إجماعها على هدف محدد، ضمن أهداف أخرى، وهو إلغاء قانون الانتخابات بالقائمة الحزبية والتمثيل النسبي المشروط فإن السؤال هو لماذا لم تنجح المعارضة الحزبية والسياسية في الضغط على الحكومة من أجل إلغاء هذا القانون أو تعديله؟

وجدير بالذكر أن جماعة الإخوان المسلمين قد أيدت المعارضة في كل مطالبها بخصوص قانون الانتخابات وأعلنت تأييدها لكافة البيانات الصادرة عن المعارضة أو عن اللجنة القومية للدفاع عن الديمقراطية، كما اشتركت في التوقيع على بعض البيانات الصادرة عن المعارضة بالإضافة إلى مشاركتها في أعمال اللجنة القومية للدفاع عن الديمقراطية والتجهيز مع المعارضة لمؤتمر عابدين. وقد كان هناك مجموعة من العوامل التي أدت إلى فشل المعارضة في الضغط على الحكومة من أجل إلغاء قانون الانتخاب بالقائمة الحزبية والتمثيل النسبي المشروط منها: موقف الحكومة ذاتها والقيادة السياسية من موقف المعارضة، فقد عارضت الحكومة هذا التكتل الحزبي والسياسي وتمثل موقف الحكومة في معارضتها لمؤتمر عابدين في 9 ديسمبر 1983، ورفض وزارة الداخلية منح المعارضة التصريح بإقامته، والأهم من ذلك هو موقف الرئيس مبارك من المعارضة فيما يتعلق بهذا الموقف أيضا والذي تمثل في معارضته لعمل اللجنة القومية للدفاع عن الديمقراطية حيث أنكر الرئيس وجود أي مبرر لوجود مثل هذه اللجنة، وحملت كلمات الرئيس مبارك بخصوص عمل هذه اللجنة قدرا كبيرا من التحذير، وكان من شأن معارضة الرئيس لعمل هذه اللجنة أن يضعف من موقف المعارضة ويقلل من قدرتها على التصدي للحكومة.

أما العامل الثاني الذي أدى إلى عدم نجاح المعارضة في الضغط على الحكومة لإلغاء القانون أو تعديله فيتمثل في طبيعة المعارضة وطبيعة تشكيلها في تلك الفترة، حيث كانت الأحزاب المشكلة للمعارضة في تلك الفترة هي أحزاب العمل والأحرار والأمة وحزب الوفد، وقد كانت أحزاب العمل والأحرار والأمة أحزاب ضعيفة وصغيرة ولم يكن في مقدورها الوقوف في مواجهة تصلب الحكومة وإصرارها على إجراء الانتخابات بنظام القائمة الحزبية والتمثيل النسبي المشروط، ومما يعكس هذا الضعف توالي انسحاب الأحزاب المشاركة في أعمال اللجنة والمؤتمر واحد تلو الآخر رغم الحصول على الحكم القضائي بحقها في إقامة هذا المؤتمر، أما فيما يتعلق بحزب الوفد والذي كان من المفترض أن يلعب دورا مهما في الضغط على الحكومة من أجل تعديل هذا القانون إلا أنه لعب دورا سلبيا في هذا الشأن، إذ انسحب من المشاركة في أعمال اللجنة والمؤتمر، وكان لذلك تفسيره، فيبدو أن الوفد الجديد كان يريد أن يثبت أقدامه في البرلمان، وأن يحافظ لنفسه على قدر من التمايز عن أحزاب المعارضة الأخرى والقوى السياسية الأخرى، ومن ثم فقد كان من مصلحته أن يهادن الحكومة حتى يصل إلى مقاعد المجلس خاصة بعد أن عاد إلى الحياة السياسية بموجب حكم قضائي وبعد صراع بين الحزب والحكومة، وقد قدم الحزب تبريرا لعدم مشاركته في أعمال اللجنة بأن اللجنة لم تكن تمثل الأحزاب الموجودة على الساحة السياسية فقط ولكنها ضمت قوى سياسية أخرى في حين أن الحزب – حزب الوفد الجديد – لا يتعامل فقط إلا مع الأحزاب الشرعية القائمة في حدود القانون والمشروعية، ويتضح من هذا التبرير أن الحزب كان يريد الاحتفاظ لنفسه بمكانة متميزة كأكبر حزب للمعارضة أو أن يطرح نفسه باعتباره بديل الحزب الوطني ومن ثم لم يكن من مصلحة الوفد تصعيد العلاقة بينه وبين الحكومة وكان لهذا الموقف من جانب حزب الوفد الجديد دوره في فشل عمل لجنة الدفاع عن الديمقراطية وتكتل المعارضة من أجل تغيير قانون الانتخابات بصفة خاصة والإطار الدستوري والقانوني بصفة عامة لصالحها، وكان هذا بمثابة إيذان للمعارضة بقبول الأمر الواقع.

المرحلة الثانية:

فأمام إصرار الحكومة على الإبقاء على قانون الانتخابات بالشكل الذي صدر به آخذا بالتمثيل النسبي المشروط ورفض تخفيض نسبة الـ 8% اضطرت المعارضة إلى قبول الأمر الواقع بعد أن قررت المشاركة في الانتخابات في إطار هذا القانون وأغفلت جانبا المطالبة بالعدول عن القانون أو تعديله، بمعنى أن الموقف الجديد قام على أنه إذا كان لا بد من إجراء الانتخابات في ظل هذا القانون فليس أقل من أن تتوافر الضمانات الكافية لإجراء الانتخابات في جو من الحيدة والنزاهة.

والملاحظة الجديرة بالاهتمام أن المعارضة في مطالبها بتوفير الضمانات الكافية لحيدة الانتخابات ونزاهتها كان تركيزها بالأساس على رئيس الجمهورية في عرض هذه المطالب، بمعنى آخر فإنها لجأت إلى خلق قدر من التمايز بين الرئيس والحكومة، ولم تقدم المعارضة على هذه الخطوة إلا بعد أن فشلت في تغيير القانون أو تعديله.

وقد تمثلت مطالب المعارضة فيما يتعلق بتلك الضمانات بالأساس فيما يلي:

1 – إشراف الهيئات القضائية إشرافا مباشرا على عملية الانتخابات سواء في اللجان العامة أو اللجان الفرعية حتى ولو أدى ذلك إلى إجراء الانتخابات على يومين.

2 – المطالبة بتشكيل حكومة محايدة لإجراء الانتخابات.

5 – محاكمة كل من يتدخل في حرية الانتخابات محاكمة سريعة ورادعة.

6 – إلغاء حالة الطوارئ وقت الانتخابات.

7 – العمل على ألا تزيد بطاقات الانتخاب المطبوعة عن عدد أصوات الناخبين المدونة أسماؤهم في جداول الانتخاب وذلك حتى لا يمكن للحكومة استغلال البطاقات الزائدة لصالحها.

8 – السماح لمندوبي الأحزاب في اللجان الفرعية بمصاحبة الصناديق حتى يتم تسليمها إلى اللجان العامة.

9 – حظر استخدام العمد والمشايخ .. إلخ كوكلاء عن المرشحين خاصة مرشحي الحزب الوطني تجنبا لتأثيرهم على الناخبين.

وقد أثارت كافة بيانات المعارضة قضية ضمانات الانتخابات، كما قدم حزب الوفد مذكرة إلى الرئيس مبارك في أبريل 1984 تضمنت تفصيلا لمطالب الحزب فيما يتعلق بضمانات نزاهة الانتخابات وحيدتها، إلا أنه رغم كل تلك المطالبات من جانب المعارضة لم تستجب الحكومة لأي منها رغم تأكيد المعارضة على أن الأخذ بهذه المطالب لا يحتاج إلى إصدار تشريعات جديدة ولكنه لا يحتاج لأكثر من إصدار قرارات إدارية تصدر عن وزير الداخلية، ولم تستطع المعارضة الحصول على أكثر من وعد من الرئيس مبارك ورئيس الوزراء في ذلك الوقت الدكتور فؤاد محيي الدين بأن الانتخابات ستكون نزيهة وأن الحكومة لن تتدخل لصالح الحزب الوطني.

المبحث الثاني: البيئة السياسية لانتخابات 1984

ونقصد بالبيئة السياسية مجموعة الظروف والقضايا السياسية التي كان لها أثرها المباشر أو غير المباشر على سير انتخابات 1984، والتي نالت حجما كبيرا من الاهتمام من جانب مختلف القوى السياسية أو النظام السياسي.

وبشيء من الإيجاز يمكن القول بأن هناك عدة قضايا ومتغيرات شكلت البيئة السياسية لانتخابات 1984، فهي أول انتخابات برلمانية تجرى في عهد الرئيس مبارك، كما أنها أول انتخابات يشارك فيها حزب الوفد الجديد بعد ظهوره على الساحة السياسية، كما أن هذه الانتخابات كانت مسبوقة بانتخابات مجلس الشورى والمجالس المحلية، وأخيرا فإن قضايا الديمقراطية والإصلاح السياسي والاقتصادي والإجماع القومي كانت من القضايا الرئيسية المثارة على الساحة السياسية المصرية في ذلك الوقت، وفيما يلي بعض التفاصيل حول بعض القضايا والمتغيرات التي شكلت بيئة لانتخابات 1984 وألقت بتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة عليها.

1 – قيادة سياسية جديدة:

فأهم ما شهدته البيئة السياسية في الفترة السابقة على انتخابات 1984 هو مجيء قيادة سياسية إلى سدة السلطة، وقد جاءت هذه القيادة الجديدة بعد أزمة حادة مر بها نظام الرئيس السادات انتهت باغتياله، وقد وضعت هذه الأزمة الرئيس الجديد ونظامه في مفترق طرق بحيث إنها فرضت عليه مواجهة قضايا عديدة أهمها قضية الشرعية، فالرئيس مبارك لم يكن ينتمي إلى مجموعة الضباط الأحرار فيستطيع الاستناد إلى شرعية الثورة التي اعتمد عليها الرئيس عبد الناصر، كما أنه لم يكن مشاركا من الناحية السياسية في حرب أكتوبر 1973 فيستطيع الاستناد إلى شرعية نصر أكتوبر التي استند إليها الرئيس السادات إذ أن مشاركته في حرب 1973 لم تتعد المشاركة بالعمل الحربي، ومن هنا كانت أزمة تأسيس مصدر شرعية جديد هي الأزمة الأولى أمام النظام السياسي للرئيس مبارك، فضلا عن قضية النخبة، فكان من الضروري لاستقرار هذا النظام الجديد أن يسعى لخلق وتكوين نخبة جديدة تتوافق وقيم وأهداف النظام الجديد مع تقليص النخبة القديمة التي ورثها عن النظام السابق.

وفي إطار سعيه لتأسيس أسس جديدة للشرعية اتجه النظام السياسي للرئيس مبارك إلى ضرورة إدخال عدد من التغييرات على الحياة السياسية والنظام السياسي الجديد، فقام برفع شعارات الديمقراطية وسيادة القانون والحرية .. إلخ، وبذلك فقد حدد الرئيس الديمقراطية والشرعية القانونية كمصدر لشرعية نظامه السياسي، كما اتخذ الرئيس الجديد العديد من الإجراءات لتخفيف حدة التوتر في الحياة السياسية المصرية، ومن ناحية أخرى فإن حاجة الرئيس مبارك إلى تكوين نخبة سياسية واجتماعية جديدة جعلته يحتفظ بقدر من المرونة في علاقته بالقوى السياسية الموجودة على الساحة بالإضافة إلى ما كانت تستلزمه حالة الأزمة التي كان يمر بها النظام السياسي في تلك المرحلة من المرونة، إلا أن هذا التطور الذي طرأ على النظام السياسي الجديد لم يكن تطورا مطلقا أو بلا حدود سواء فيما يتعلق بالديمقراطية أو بالمرونة في التعامل مع القوى السياسية الأخرى كما سنرى فيما بعد.

2 – انتخابات مجلس الشورى والمحليات:

وقد كان لهذه الانتخابات أثرها الكبير على انتخابات مجلس الشعب سنة 1984، فقد أعلنت المعارضة مقاطعتها لانتخابات التجديد النصفي لأعضاء مجلس الشورى والتي أجريت في أكتوبر 1983 لعدم اعترافها بفائدة مجلس الشورى والدور الذي يقوم به النظام السياسي، ومن ناحية أخرى وهو الأهم لاعتراضها على نظام الانتخابات بالقائمة المطلقة الذي أجريت بموجبه تلك الانتخابات، وقد اتخذت المعارضة نفس الموقف في انتخابات المحليات، وعموما فقد أثرت تلك الانتخابات ودرجة التنسيق المرتفعة التي تميزت بها المعارضة الحزبية السياسية، فقد طورت المعارضة أشكالا من العمل المشترك فيما بينها سواء من خلال إصدار البيانات التي اشتركت جميعا في التوقيع عليها أو من خلال عمل اللجنة القومية للدفاع عن الديمقراطية فضلا عن البيانات الصادرة عنها، وتميزت تلك البيانات بالتركيز على فكرة تضامن المعارضة وتضافر القوى السياسية، بما فيها البيانات الصادرة بصورة فردية عن أحزاب المعارضة.

وقد كان لنجاح المعارضة في التنسيق فيما بينها في مقاطعة تلك الانتخابات أثرها من ناحية على نتائج تلك الانتخابات ومن ناحية أخرى على انتخابات مجلس الشعب 1984 بحيث ظل موقفها في انتخابات مجلس الشورى والمحليات مثالا يمكن تطبيقه في انتخابات مجلس الشعب، فطرحت المعارضة من جديد في انتخابات مجلس الشعب فكرة مقاطعة الانتخابات، إلا أن ظروف انتخابات مجلس الشعب لم تكن مواتية لنجاح هذه الفكرة مثلما حدث في انتخابات الشورى والمحليات وهو ما سنتعرض له فيما بعد.

4 – أهم القضايا السياسية المثارة في تلك الفترة:

كانت هناك قضيتان من أكثر القضايا المثارة في تلك الفترة، وهما قضيتا الإجماع القومي والديمقراطية، وسنركز على تصورات الرئيس مبارك فيما يتعلق بهاتين القضيتين باعتبارهما من أهم القضايا التي حظيت بالاهتمام سواء من قبل الحكم أو المعارضة منذ بداية تولي الرئيس مبارك السلطة.

أ – الإجماع القومي:

وكان أكثر من طرح قضية الإجماع الوطني والقومي هو الرئيس مبارك فقد نظر الرئيس إلى الإجماع القومي باعتباره الضمانة الأولى للاستقرار وقد كان لمسألة الإجماع القومي في تصوره أبعاد عديدة فالإجماع القومي، كان يعني ضرورة ارتفاع الأحزاب السياسية فوق الخلافات الشخصية والحزبية الضيقة والالتفاف حول الخطة القومية، بمعنى أن تعالج الأحزاب الخطة القومية من منطلق تقديم المشورة لا من منطلق النقد والتجريح، أيضا كان من أهم أبعاد الإجماع القومي لدى الرئيس مبارك هو البعد عن المنافسات الحزبية الضيقة وإهمال المطالب المتعلقة بإطلاق حرية تكوين الأحزاب السياسية، حيث حرص الرئيس على الربط بين إطلاق حرية تكوين الأحزاب السياسية، وعدم الاستقرار، كذلك دعى الرئيس مبارك إلى أن تقوم العلاقة بين السلطات الدستورية الثلاث على الانسجام التام والتكامل الوظيفي.

إلا أن أهم ما أكد عليه الرئيس فيما يتعلق بالإجماع القومي كان ضرورة ارتفاع الخلافات بين الأحزاب السياسية فوق مستوى الخلافات الحزبية الضيقة والتأكيد على ضرورة الإبقاء على قانون الأحزاب السياسية خوفا من التشرذم وعدم الاستقرار السياسي سواء على المستوى البرلماني أو على مستوى الحياة السياسية اليومية.

وقد كان لحرص الرئيس مبارك على التأكيد على الإجماع القومي أثره على سير انتخابات مجلس الشعب فيما يتعلق بالموقف من قانون الانتخابات، حيث اتجه النظام السياسي إلى تبني فكرة نظام الانتخابات بالقائمة الحزبية مع التمثيل النسبي المشروط، فلما كان النظام السياسي يسعى في تلك الفترة إلى التقليل من حدة المنافسة الحزبية بهدف تحقيق نوع من الإجماع القومي ولما كانت القيادة السياسية غير واثقة من قدرات المعارضة وفي استعدادها للتعاون والتكاتف مع حزب الأغلبية فقد استقر الأمر على ضرورة إضعاف القوى الحزبية وتبنى قانونا أو نظاما انتخابيا يقر سيطرة حزب الأغلبية، وهو ما تمثل في قانون الانتخابات بالقائمة الحزبية والتمثيل النسبي المشروط كما رأينا سابقا في تحليل قانون الانتخابات.

وما يلاحظ في إثارة قضية الإجماع القومي من جانب الرئيس مبارك أنه رغم أن الظروف السياسية في تلك الفترة كانت تدفع إلى إثارة القضية في إطار ديني أو تحت مسميات أخرى مثل "الفتنة الطائفية" إلا إن الرئيس مبارك لم يثر قضية الفتنة الطائفية كثيرا وكان تركيزه أكثر على مسألة الإجماع القومي، ولم يطرح البعد الديني، فردا على سؤال حول أبعاد أو مستويات الصراع الممكنة في مصر قال الرئيس مبارك لمجلة "التضامن" التي تصدر في لندن: "في مصر مسلمون ومسيحيون نحن نعيش معا لكم دينكم ولي دين، لي أصدقاء مسيحيون مثلما هناك لي أصدقاء مسلمون ونحن جميعا مصريون ومصر للجميع ليست للمسيحي فقط أو للمسلم فقط، هذا موضوع استبعده تماما أما بالنسبة لمسألة صراع هذه الاتجاهات مع السلطتين التنفيذية والتشريعية ومع التنظيم السياسي فإن ذلك أمر طبيعي .. إلخ"، وهو ما يعني أن الرئيس مبارك كان يستبعد إمكانية قيام صراع ديني أو فتنة طائفية في مصر في تلك الفترة بينما كان تركيزه على تحقيق إجماع قومي ووطني على المستوى السياسي والاجتماعي دون إثارة البعد الديني كثيرا.

ب – قضية الديمقراطية:

فرغم تأكيد الرئيس مبارك على تبنيه النظام الديمقراطي بمختلف أبعاده السياسية والقانونية من قبول الرأي والرأي الآخر وسيادة القانون وحرية الصحافة وأهمية دور المعارضة ... إلخ، إلا أن تحليل مضمون خطابات الرئيس مبارك في الفترة منذ توليه السلطة وحتى إجراء الانتخابات البرلمانية سنة 1983 يكشف عن وجود تصور معين للرئيس مبارك لنظامه "الديمقراطي" هذا، ففي الوقت الذي تضمن خطابه السياسي العديد من المؤشرات الإيجابية فيما يتعلق باتجاهات تطويره للنظام السياسي فقد حوى في الوقت نفسه عددا من المؤشرات السلبية فيما يتعلق بإمكانات أو احتمالات التطور الديمقراطي السليم، سواء فيما يتعلق بدور المعارضة، أو حرية العمل الحزبي، أو أولوية قضية الديمقراطية ... إلخ، ويجدر بنا هنا تقديم الخطوط العامة لهذا التصور:

1 – أنه فيما يتعلق بأولوية قضية الديمقراطية أو بناء نظام ديمقراطي لوحظ من تحليل الخطاب السياسي للرئيس مبارك تراجع قضية الديمقراطية في أولويات العمل السياسي، حيث احتلت المرتبة الثانية بعد العمل على "تثبيت الاستقرار الأمني والاجتماعي والاقتصادي" "وإرساء العمل الوطني" ففي خطاب الرئيس أمام الاجتماع المشترك لمجلس الشعب والشورى في 3/ 10/ 1982 حدد الرئيس مبارك أولويات العمل الوطني في: أولا: تثبيت الاستقرار الأمني والاجتماعي والاقتصادي، وثانيا: إرساء العمل الوطني في شتى صوره على أساس التخطيط للمدى القريب والبعيد، وثالثا: تعميق مفهوم الديمقراطية وترسيخ الالتزام بها في وجدان كل مواطن.

وهكذا فإن قضيتي بناء الإجماع القومي والوطني، والاستقرار الاقتصادي والأمني كانتا تحتل مرتبة متقدمة بالنسبة لقضية الديمقراطية.

2 – في الوقت الذي أكد فيه الرئيس مبارك على دور المعارضة وأهميتها في النظام السياسي إلا أنه قد أحاط هذا الدور بسياج من الضوابط التي لا بد وأن تلتزم بها المعارضة في عملها في إطار النظام السياسي سواء المعارضة الحزبية أو غير الحزبية أهم هذه الضوابط على سبيل المثال: أن وجود المعارضة واستمرارها هو أمر مرتبط ومرهون بالتزامها بالقانون والدستور، فقد أكد الرئيس مبارك في أكثر من مناسبة على أنه لن يتردد في الإطاحة بالمعارضة إذ ما خرجت عن الشرعية القانونية والدستورية وخاصة إذا ما تعارض وجود المعارضة مع الأمن والاستقرار، كما ربط الرئيس مبارك بين التعدد الحزبي أو كثرة عدد الأحزاب السياسية وعدم الاستقرار أو التشرذم، ومن ثم فقد كان موقف الرئيس مبارك من الأحزاب السياسية يقوم على رفض زيادة عدد الأحزاب السياسية ورفض المطالب المتعلقة بإطلاق حرية تكوين الأحزاب السياسية، فيقول الرئيس في خطابه أمام المؤتمر الأول لشباب الحزب الوطني في 19/ 7/ 1983: "فيه جريدة امبارح بتقول لك إيه إفرض فيه عشرة أحزاب إحنا لو وصلنا إلى عشرة أحزاب، 12، 15 حزب أنا بأقول لكم رأيي بصراحة الله يعوض علينا ..".

كذلك كان تصور الرئيس للمعارضة ولدورها يقوم على ضرورة التزامها بالمصلحة العامة وتأييد الخطة الوطنية، وفي سبيل التأكيد على ذلك وحصن الأحزاب السياسة إلى نبذ فكرة التنافسات الحزبية وطرح التضامن بين الأغلبية والمعارضة كنموذج للعلاقة بين الحزب الوطني والمعارضة، بمعنى آخر كان الرئيس يسعى إلى شكل معين من المعارضة تلعب دور المؤيد والمقدم للمشورة للحكومة دون التركيز على النقد والصراع من أجل السيطرة على السلطة أو مجلس الشعب وهكذا فإنه قد تصور دورا للمعارضة لا يقوم بالضرورة على الصراع من أجل تداول السلطة وقد وضح هذا التصور في تركيز الرئيس مبارك في حديثه على المعارضة على فكرة الإجماع في مقابل التنافس والتضامن مع الأغلبية في مقابل الصراع، بل أنه يلمس في بعض أحاديثه وخطبه دعوة المعارضة إلى الزهد في السلطة وكراسي البرلمان باعتبارها أمورا زائلة فيقول: "إذن التنافس والعراك كله لمصلحة الشعب وليس لمصلحة كراسي نجلس عليها، الكراسي دي هتتكسر وكلنا زائلون لكن المصلحة العامة باقية".

3 – كذلك فقد وضع الرئيس مبارك عددا من الضوابط التي تحكم عملية التحول الديمقراطي أهمها: أن هناك مجموعة من الأمور حددها الرئيس مبارك لا مجال   والاستقرار إلى الحياة السياسية المصرية وذلك من خلال تهدئة جملة الأزمات التي تفاقمت خلال الفترة الأخيرة من حكم الرئيس السادات وورثها الرئيس مبارك، كما جرت هذه الانتخابات في ظل سعي أحزاب المعارضة وبخاصة حزب الوفد الجديد الذي عاد إلى الساحة السياسية بعد غياب طويل، سعيها لتثبيت مواقعها وزيادة فاعليتها وتأثيرها في الحياة السياسية، وإلى جانب ذلك فقد كان على الأجندة السياسية جملة من القضايا التي أثرت على الانتخابات، بل وتحول بعضها إلى قضايا انتخابية ومنها على سبيل المثال: قضية الديمقراطية والإصلاح الاقتصادي والتغيير السياسي والعلاقة بين الدين والدولة .. إلخ.

الفصل الثاني: التعاون بين الوفد الجديد والإخوان في الانتخابات المقدمات – المبررات المعلنة – الدوافع الحقيقية

ويتناول هذا الفصل تحليل تجربة تعاون الوفد والإخوان في انتخابات مجلس الشعب سنة 1984 وهو يتضمن ثلاثة مباحث، يعرض أولها: لمقدمات ظهور فكرة التعاون بين الوفد والإخوان وتطوراتها، ويحلل ثانيا: الدفوع والمبررات التي طرحها كل طرف لتبرير مسلكه بينما يرصد ثالثا: الدوافع الحقيقية وراء التعاون الوفديالإخواني في الانتخابات، وقد كانت هذه الدوافع في الغالب ضمن المسكوت عنه في الخطاب السياسي للطرفين المعنيين.

المبحث الأول: مقدمات ظهور فكرة التعاون بين الوفد الجديد والإخوان المسلمين وتطوراتها

كان لجوء الإخوان المسلمين إلى التعاون مع حزب الوفد الجديد بمثابة البديل القانوني لفكرة التحالف الحزبي الذي لم تقره المادة الخامسة مكررة من قانون الانتخابات 114 لسنة 1983، ومن ناحية أخرى كان هذا التعاون بمثابة البديل السياسي الأكثر رجحانا أمام جماعة الإخوان المسلمين كي تشارك في انتخابات مجلس الشعب 1984.

ومن ثم فالسؤال هو كيف ظهرت فكرة التعاون بين الوفد والإخوان المسلمين في تلك الانتخابات وما هي الظروف التي أفرزت هذا التعاون بينهما؟

كان ظهور هذا التعاون بين الوفد الجديد وجماعة الإخوان المسلمين مرتبطا إلى حد كبير بظروف المعارضة في تلك الفترة، فرغم أن تعاون الوفد والإخوان يعكس إيمان أو إدراك كل منهما بفكرة العمل الجماعي أو المشترك في ظل الإطار القانوني والدستوري السابق التعرض له إلا أن فكرة العمل الجماعي السياسي والحزبي لم تكن قاصرة فقط على حزب الوفد الجديد أو جماعة الإخوان المسلمين ولكنها امتدت إلى المعارضة ككل.

فمن خلال استقراء سلوك المعارضة وبياناتها في الفترة السابقة على إجراء الانتخابات نستطيع القول بأن الإطار القانوني والدستوري خاصة قانون الانتخابات قد فرض على المعارضة استراتيجية محددة إذا ما أرادت تحقيق نتائج ملموسة، وتركزت هذه الاستراتيجية حول فكرة "العمل الحزبي السياسي المشترك" فمنذ صدور قانون الانتخابات 114 لسنة 1983 آخذا بالقائمة الحزبية والتمثيل النسبي المشروط أدركت المعارضة بجميع فصائلها الحزبية والسياسية أنه لا يمكنها تحقيق نتائج في تلك الانتخابات إلا عن طريق العمل الجماعي للتغلب على العقبات التي تضمنها هذا القانون، والتي كانت تحول دون الحصول على نتائج تعكس الثقل الحقيقي للأحزاب والقوى السياسية المختلفة، بالإضافة إلى أنه كان للقانون 114 لسنة 1983 تأثيرا إضافيا على القوى السياسية غير الحزبية وهو حرمانها من الأصل من دخول تلك الانتخابات عندما قصر الترشيح على القوائم الحزبية فقط، ومن ثم لم يكن أمام تلك القوى غير الحزبية إلا المشاركة من خلال أحد الأحزاب السياسية القائمة سواء أخذ ذلك صيغة التحالف الانتخابي أو البرلماني أو صيغ أقل قوة مثل التعاون.

وهكذا بدأت المعارضة في طرح صيغ مختلفة لهذا "العمل الجماعي" فمن استقراء سلوك المعارضة والبيانات الصادرة عنها في الفترة من يوليو 1983 وحتى مايو 1984 يتضح أن المعارضة قد طرحت ثلاثة بدائل للتحرك في إطار قانون الانتخابات بالقائمة الحزبية والتثميل النسبي المشروط، دارت هذه البدائل الثلاثة حول: التكتل من أجل إلغاء قانون الانتخابات نفسه، مقاطعة الانتخابات، أو دخول الانتخابات بقائمة مشتركة، وهكذا فإنه رغم تعدد تلك البدائل أو الصيغ بالقائمة للعمل الحزبي والسياسي فقد كان جوهرها يقوم على فكرة العمل الجماعي.

فبمجرد صدور قانون الانتخابات بالقائمة الحزبية والتمثيل النسبي المشروط عملت المعارضة على التكتل من أجل إلغاء هذا القانون والعدول عنه أو تعديله، فطالبت في بياناتها بإلغاء هذا القانون والعدول عنه إلى قانون الانتخابات الفردي أو تعديله بالتخلي عن نسبة الـ 8% أو على الأقل تخفيضها، وقد تعرضنا بالتفصيل لهذا البديل في الجزء الخاص بموقف المعارضة والذي وصل قمته بتشكيل اللجنة القومية للدفاع عن الديمقراطية، إلا أن المعارضة لم تنجح في الضغط على الحكومة لإلغاء هذا القانون أو تعديله بما يوفر لها فرص أفضل في تحقيق نتائج إيجابية في تلك الانتخابات، ولذلك سرعان ما تنازلت المعارضة عن هذا البديل لتسلك بدائل أخرى تعتمد هي الأخرى على فكرة العمل الجماعي.

وتمثل البديل الثاني الذي طرحته أحزاب وقوى المعارضة في الانتخابات وقد كانت خبرة مقاطعة المعارضة لانتخابات مجلس الشورى والمجالس المحلية التي سبقت انتخابات مجلس الشعب 1984 عاملا مهما في دفع المعارضة إلى طرح هذا البديل.

كما أن عدم استجابة الحكومة لمطالب المعارضة بإلغاء القانون 114 لسنة 1983 أو تعديله كان عاملا آخر لطرح هذا البديل، فكثيرا ما ربطت المعارضة في بياناتها بين المشاركة في الانتخابات وبين إلغاء القانون أو تعديله، واعتبرت أن ذلك شرطا مسبقا يتعذر بدونه أن تخوض الأحزاب السياسية انتخابات مجلس الشعب، بالإضافة إلى ذلك فإن المعارضة قد اعتبرت المشاركة في تلك الانتخابات وفي إطار القانون 114 لسنة 1983 تعد من ناحية بمثابة اعتراف ضمني من قبل المعارضة بدستورية ومشروعية هذا القانون ومن ثم فإنه لاستمرار تأكيد المعارضة على عدم اعترافها بهذا القانون لا بد من رفض المشاركة في الانتخابات التي تتم بموجبه، ومن ناحية أخرى فإنها قد اعتبرت أن المشاركة في تلك الانتخابات كانت بمثابة مشاركة في معركة غير متكافئة ستؤدي في النهاية إلى تكريس وضع عدم التكافؤ بين حزب الأغلبية وأحزاب المعارضة الأخرى ويستطيع الحزب الوطني الحاكم بناء على نتائج تلك الانتخابات الطعن في قدرات المعارضة.

ونظرا لعدم إجماع أحزاب وقوى المعارضة على بديل مقاطعة الانتخابات لأسباب عديدة أهمها إدراك بعض الأحزاب وبخاصة حزب الوفد أن المشاركة في الانتخابات في ظل قانون معين أفضل من المقاطعة والبقاء على هامش الحياة السياسية، فقد تم طرح البديل الثالث وهو دخول الانتخابات بقائمة مشتركة.

فرغم أن قانون الانتخابات 114 لسنة 1983 قد تضمن العديد من القيود على فكرة القائمة الحزبية المشتركة والتي تمثلت تحديدا في المواد الخامسة مكرر والسادسة والتاسعة من القانون، إلا أن المعارضة لم تتردد في طرح هذا البديل، وقد لعب القانون 114 لسنة 1983 نفسه دورا في دفع المعارضة إلى طرح هذا البديل وذلك من خلال تلك العقبات التي تضمنها القانون أمام إمكانية تحقيق المعارضة نتائج تتناسب مع قوتها الفعلية، وذلك من خلال: اشتراط القانون حصول أي حزب على نسبة الـ 8% للتمثيل في مجلس الشعب، فارتفاع هذه النسبة مقارنة بضعف الأحزاب السياسية كان من شأنه أن يدفع المعارضة إلى التفكير في القائمة المشتركة للتغلب على هذا الشرط، فضلا عن اشتراطه على الأحزاب المشاركة في الانتخابات بأن يتقدم كل منها بقائمة انتخابية أصلية وأخرى احتياطية مساوية لها، أي أنه أصبح على كل حزب يشارك في تلك الانتخابات أن يتقدم بعدد من المرشحين ضعف العدد المطلوب لعضوية مجلس الشعب – إذا قرر الحزب دخول الانتخابات على مستوى جميع الدوائر – وقد دفع بهذا العدد الكبير من المرشحين والذي يصعب توفيره في ضوء ضعف مستوى الانتماء الحزبي والعضوية وقدرات الأحزاب السياسية في تلك الفترة على الانتشار على المستوى القومي، تصبح المعارضة ككل مسئولة عن تشكيل نفس هذا العدد ومن ثم يتوزع الجهد على الجميع.

وبالإضافة إلى هذين القيدين اللذين تضمنهما القانون، واللذين دفعا المعارضة إلى التفكير في القائمة المشتركة كان هناك مجموعة أخرى من العوامل الإجرائية المتعلقة بتوزيع المقاعد على الأحزاب الفائزة وطريقة احتساب الأصوات، إذ كان من شأن هذه القواعد الإجرائية أن تؤدي إلى تشتيت الأصوات الحاصلة عليها المعارضة وإعادة توزيع لصالح حزب الأغلبية، فمثلا اعتبار القانون الحزب الذي لا يحصل على نسبة الـ 8% من مجموع الأصوات على المستوى القومي غير ناجح حتى ولو حصل على أعلى من هذه النسبة في عدد من الدوائر وذهاب هذه الأصوات إلى حزب الأغلبية، كان من شأنه أن يؤدي إلى فقدان المعارضة عدد ضخم من الأصوات لصالح حزب الأغلبية، كذلك أخذ القانون بقاعدة ذهاب المقاعد المقابلة للكسور الناتجة عن عملية القسمة والتوزيع إلى حزب الأغلبية أيضا كان من شأنه أن يؤدي إلى فقدان المعارضة لعدد لا يستهان به من المقاعد.

وفي إطار هذه القيود التي تضمنها على فرض المعارضة في الانتخابات كان من الطبيعي أن تفكر في فكرة القائمة المشتركة للتغلب على تلك القيود، وهكذا يتضح مما سبق أنه في الوقت الذي تضمن فيه القانون 114 لسنة 1983 العديد من القيود على فكرة القائمة الحزبية المشتركة فقد تضمن في الوقت نفسه نصوصا دفعت المعارضة إلى التفكير في الفكرة نفسها وطرحها.

وهنا يثور التساؤل حول تفسير المعارضة لتلك النصوص والمواد الواردة في القانون والتي وقفت ضد فكرة القائمة المشتركة، وكما سبق القول بأن القانون 114 لسنة 1983 قد تضمن عقبات محددة ضد فكرة القائمة المشتركة تركزت في المواد 5 و 6 و 9 من القانون، ومن ثم كان لا بد أن يقترن طرح المعارضة لهذا البديل بتفسير معين لهذه المواد:

أ – فيما يتعلق بنص المادة الخامسة مكرر والتي نصت على أن يكون لكل حزب قائمة خاصة به ولا تتضمن القائمة الواحدة أكثر من مرشحي حزب واحد، طرحت المعارضة تصورا يقوم على أنه بدلا من أن تتقدم المعارضة بقائمة حزبية مشتركة يكون لها الوصف الحزبي المشترك تتقدم بقائمة واحدة ولكنها تظل تحمل اسم حزب واحد فقط ولتكن قائمة حزب العمل، أو الوفد مثلا ويصبح المرشحين فيها هم مرشحي حزب العمل أو الوفد وبعد الانتهاء من الانتخابات يعود كل مرشح إلى حزبه الأساسي.

ب –وفيما يتعلق بنص المادة التاسعة والتي نصت على تشكيل لجنة تكون مهمتها تلقي الطعون المتعلقة بصفة المرشح والفصل فيها، وما انطوت عليه من إمكانية الأخذ بالمعنى الواسع لمفهوم صفة المرشح لتتضمن الانتماء الحزبي، فقد أخذت المعارضة بالمعنى الضيق لصفة المرشح بحيث تتضمن فقط الانتماء إلى أحد الصفات الثلاثة (عمال – فلاحين – فئات) دون أن تمتد إلى الانتماء الحزبي، ومن ثم لم تأخذ المعارضة بفكرة إمكانية الطعن في تلك القائمة المشتركة على أساس أن المرشحين لا ينتمون إلى الحزب الذي ينزلون على قائمته، وبالإضافة إلى هذا التفسير فإن ملء المرشحين استمارات عضوية في الحزب الذي سينزلون على قوائمه كان من شأنه أن يدحض مثل هذه الطعون.

فشل المعارضة في تفنيد هذه البدائل وظهور التعاون بين الوفد والإخوان:

كانت هناك علاقة وثيقة بين فشل المعارضة في تنفيذ أي من البدائل السابقة من ناحية وظهور تعاون الوفد والإخوان من ناحية أخرى بحيث إن ظهور تعاون الوفد الجديد وجماعة الإخوان المسلمين كان إحدى نتائج فشل المعارضة في تحقيق أي من البدائل السابقة.

فقد كان من الصعب قبول بديل مقاطعة الانتخابات بالقياس إلى انتخابات مجلس الشورى والمجالس المحلية، فإذا كانت المعارضة قد قاطعت انتخابات مجلس الشورى والمحليات لاقتناعها بعدم أهميتها، فإن الموقف بالنسبة لانتخابات مجلس الشعب يختلف، فالأخيرة لا خلاف على أهميتها بالنسبة للمعارضة، ومن لم يكن من المتوقع أن تتفق المعارضة بسهولة على بديل المقاطعة، خاصة حزب الوفد الجديد، فحزب الوفد لم يكن عائدا للحياة السياسية بعد غياب طويل ليقاطع الانتخابات، فالمشاركة في الانتخابات كانت ذات أهمية خاصة بالنسبة لحزب الوفد، وإذا كان حزب الوفد الجديد قد قاطع انتخابات الشورى أو المحليات فإن ذلك فإن ذلك كان بمثابة مرحلة للاستعداد لانتخابات مجلس الشعب.

كذلك فإن خوف المعارضة من أن تشير مقاطعتها لتلك الانتخابات على أنها دليل ضعفها حال دون اتفاقها على بديل المقاطعة خاصة في ضوء نسبة الـ 8% وهكذا فإن مشاركة المعارضة في تلك الانتخابات كانت بمثابة التحدي الذي قبلته خوفا من استغلال المقاطعة كمؤشر على الضعف.

إلا أن العامل المهم وراء عدم نجاح المعارضة في تنفيذ أي من البديلين المقاطعة أو القائمة المشتركة هو طبيعة التغير الذي طرأ على الخريطة الحزبية في تلك الفترة، وتحديدا عودة حزب الوفد الجديد إلى الساحة السياسية، فعودة حزب الوفد الجديد كان لها أثرها المباشر على قدرة المعارضة على اتباع أي من البديلين السابقين، فحزب الوفد الجديد كان يسعى إلى تمييز نفسه على الأحزاب السياسية الأخرى وكان حريصا على إبراز نفسه على أن الحزب صاحب التراث والخبرة البرلمانية العريقة، وتقديم نفسه باعتباره الحزب البديل للحزب الوطني، وقد كان لهذا التصور أثره الهام، فمن ناحية رفض حزب الوفد الجديد فكرة مقاطعة الانتخابات، ففكرة المقاطعة لم تكن تتوافق مع هذا التصور، فكما سبق القول فالوفد الجديد كان حريصا على تثبيت أقدامه في البرلمان والحياة السياسية لإعادة مجده السياسي والحزبي ولم يكن من المتصور أن يحقق ذلك عن طريق المقاطعة، كذلك فإن نظرة الحزب لنفسه وتصوره لحجم قدراته كان يتنافى مع فكرة المقاطعة خوفا من أن تشير المقاطعة إلى ضعف الحزب وعدم ثقته في الحصول على نسبة الـ 8%

وأمام هذا الموقف من جانب حزب الوفد لم يكن من الممكن مقاطعة بقية أحزاب المعارضة للانتخابات إذ أن المقاطعة لم تكن ذات جدوى إلا في حالة إجماع كل الأحزاب والقوى السياسية على هذا البديل خاصة الأحزاب الكبيرة، كالوفد، ونجد ذلك الإدراك واضحا في حديث د. حلمي مراد، أمين عام حزب العمل، حين قال: "الحقيقة أنه إذا خاض الوفد الانتخابات وهو سيخوضها فعلا بعد ثلاثين سنة من الغياب، فلن يكون بإمكان الأحزاب المقاطعة لأنها تصبح غير مجدية، بعبارة أخرى فإن مشاركة الوفد تقضي على أية قيمة للمقاطعة".

كذلك كان لحزب الوفد دوره في عدم تمكن المعارضة من دخول الانتخابات بقائمة مشتركة، فقد رفض الحزب فكرة القائمة المشتركة، ولم يكن هذا الرفض من جانبه راجعا للعوامل القانونية بقدر ما كان راجعا إلى عوامل تتعلق بالحزب نفسه، فرغبة الحزب في تمييز نفسه عن أحزاب المعارضة الأخرى دفعته إلى رفض فكرة القائمة المشتركة حيث اعتبرها بمثابة عبئا عليه، وأن نجاح المعارضة سيكون على حسابه، ومما يؤكد هذا التصور ما صرح به فؤاد سراج الدين رئيس الحزب بخصوص فكرة القائمة المشتركة حين قال: "إن هذه الفكرة – القائمة المشتركة – سوف تقابل صعوبات كبير من الناحية العملية ... وفي النهاية سوف تحصل الأحزاب سواء كانت متفرقة أو مجتمعه في قائمة مشتركة على نفس العدد من الأصوات في الحالتين، فمثلا إذا نزلت الأحزاب بقوائم منفصلة في دائرة شرق القاهرة وحصلت قائمة الوفد على عدد من الأصوات والتجمع .. والعمل والأحرار فإن مجموع هذه القوائم هو نفسه الموجود في قائمة واحدة وكل حزب سوف يحصل على عدد الأعضاء بنسبة الأصوات التي حصلت عليها قائمته .. إذن ما هي الفائدة وراء ذلك؟!".

ولكن عندما وجه سراج الدين بأن نسبة الـ 8% هي الدافع الحقيقي وراء القائمة المشتركة قال فؤاد سراج الدين: "... والحزب غير المطمئن إلى أنه لن يستطيع تخطي نسبة الـ 8% يجب أن يفكر مرة واثنين قبل الدخول في المعركة الانتخابية حتى لا يكون عبئا على أحزاب أخرى بالدخول معها في قوائم مشتركة" ويستدل من هذه التصريحات أن الوفد الجديد كان لديه شعورا قويا بالنجاح وعدم الحاجة إلى الأحزاب الأخرى ومن ثم فلم ير مبررا أن تكون أحزاب المعارضة الأخرى عبئا عليه إذا اشترك معها في قائمة واحدة، كذلك لعب حزب الوفد دورا في عدم نجاح فكرة القائمة المشتركة من خلال موقفه من اللجنة القومية للدفاع عن الديمقراطية، فقد كان الحزب الذي يدفع بكل قوته وراء فكرة القائمة المشتركة هو حزب الأحرار وكان الأحرار أيضا من أكثر الأحزاب دفاعا عن اللجنة القومية للدفاع عن الديمقراطية وتبنيا لأعمالها، كما سعى إلى تنظيم مؤتمر عابدين، إلا أنه مع توالي انسحاب أحزاب المعارضة الأخرى من أعمال اللجنة والمؤتمر تأكد لديه أن مراهنته على فكرة توحيد صف المعارضة بصفة عامة وانضمام حزب الوفد الجديد بصفة خاصة إلى صفوف المعارضة، وتبنيه أفكارها كانت مراهنة مبالغ فيها من جانبه مما دفعه إلى إهمال فكرة القائمة المشتركة، وأعلن الحزب تخليه عنها ودخوله الانتخابات بقوائمه المنفردة بعد ما تأكد له موقف المعارضة من المؤتمر الذي سعى إلى تنظيمه.

وهكذا كان لحزب الوفد الجديد دوره في عرقلة المعارضة من اتباع أي من البدائل السابقة، وكان ذلك هو بداية الطريق لظهور التعاون بينه وبين جماعة الإخوان المسلمين، ومن ناحية أخرى فقد كان للإطار القانوني وخاصة قانون الانتخابات وقانون الأحزاب السياسية دوره في هذا التعاون، فمن ناحية فقد حرم قانون الأحزاب السياسية جماعة الإخوان المسلمين من حق تكوين حزب سياسي، إلا أن قانون الأحزاب السياسية في حد ذاته لم يكن هو العقبة المباشرة أمام جماعة الإخوان المسلمين للمشاركة في الانتخابات، ولكن تأثير قانون الأحزاب السياسية جاء من خلال قانون الانتخابات نفسه 114 لسنة 1983 عندما ربط بين ممارسة حق الترشيح لعضوية مجلس الشعب سواء من خلال تقديم قائمة حزبية، حيث لا تتمتع الجماعة بوصف الحزب السياسي، أو من خلال تقديم مرشحيها كمستقلين، حيث حرم القانون المستقلين من حق الترشيح، وهكذا فإنه لم يكن أمام الجماعة إلا التعاون مع أحد الأحزاب السياسية القائمة لتشارك من خلاله في تلك الانتخابات، أما لماذا اختارت   القدوس بزيارة زعيم حزب الوفد الأستاذ فؤاد سراج الدين في منزله وذلك لوضع أسس وقواعد التعاون بين الطرفين.

ومن ثم نخلص إلى أن تبني حزب الوفد لفكرة التعاون مع جماعة سياسية غير مشروعة أو غير حزبية تحديدا ورفضه فكرة التحالف مع أحد الأحزاب السياسية الأخرى لم يكن بسبب العوامل القانونية أو نص المادة الخامسة من قانون الانتخابات بالتحديد التي لم تجز فكرة التحالف الحزبي، ولكن تبنيه فكرة التعاون مع الجماعة إنما عاد إلى مجموعة من العوامل السياسية والتي ستتناولها بمزيد من التفصيل فيما بعد.

وقد ارتبط بظهور تعاون الوفد وجماعة الإخوان المسلمين في هذه الانتخابات سؤالا مهما وهو كيف مر التعاون قانونيا؟ بمعنى أنه إذا كان الإطار القانوني قد لعب دورا في ظهور فكرة التعاون نفسها فإن السؤال أيضا هو كيف مر التعاون في ضوء نصوص القانون 114 لسنة 1983 والتي كان من السهل في ضوئها الطعن في مشروعية التعاون خاصة باستعمال نص المادة الخامسة مكرر؟ بالإضافة إلى ما تعرض له التعاون من هجوم شديد من جانب بعض الكتابات والنظر إليه باعتباره خطرا على الاستقرار والديمقراطية.

فيما يتعلق بتمرير التعاون من الناحية القانونية فإنه لم يكن هناك رغم ما جاء في قانون الانتخابات من قيود على التحالفات الحزبية ما يمكن على أساسه توجيه الطعن في قانونية أو مشروعية حالة التعاون بين الوفد وجماعة الإخوان المسلمين وذلك في ضوء عدد من العوامل التي ميزت التعاون الوفديالإخواني أهمها: إن هذا التعاون لم يكن تحالفا انتخابيا أو حزبيا بالمعنى الدقيق، فأحد طرفيه وهو جماعة الإخوان المسلمين لم تكن حزبا سياسيا، ومن ثم كان من الصعب الطعن في اقائمة التي خاض بها الطرفان هذه الانتخابات باعتبارها قائمة حزبية مشتركة لأنها كانت ما زالت قائمة حزب واحد وهو حزب الوفد الجديد وقد عبر عن ذلك حزب الوفد بأنه يقبل ترشيح عدد من الإخوان المسلمين على قوائمه بصفتهم الفردية وليس بصفة حزبية، ومن ناحية ثانية فإنه كان من الصعب أيضا الطعن في الصفة الحزبية لأعضاء الإخوان المسلمين المرشحين على قائمة حزب الوفد، من ناحية لأنهم لا ينتمون إلى حزب سياسي آخر، ومن ناحية أخرى لأن انتماءهم إلى جماعة الإخوان المسلمين لا يمنع من انتمائهم إلى حزب سياسي، فعضوية الإخوان لا تتنافى أو تتعارض مع الانتماء الحزبي (بصرف النظر عن تصور الجماعة نفسها لهذه العلاقة) كما شاع الحديث عن قيام أعضاء جماعة الإخوان المسلمين المرشحين على قائمة الوفد بملء استمارات عضوية في حزب الوفد الجديد.

بالإضافة إلى ذلك فإن هذا التعاون كان حول برنامج انتخابي حمل اسم "برنامج حزب الوفد لانتخابات مجلس الشعب 1984" فمن ناحية لم يأت هذا البرنامج الانتخابي نتيجة توفيق بين برنامجين حزبيين أو برنامج توفيقي وهو الظاهرة المميزة للتحالفات الحزبية في الانتخابات، ولم يقدم البرنامج الانتخابي باعتباره برنامج التعاون الوفديالإخواني وإنما ظل البرنامج الانتخابي يحمل اسم حزب الوفد فقط، كما أن طرفي التعاون لم يستخدما كلمة "التحالف" أي أنهما لم يطلقا على تعاونهما "تحالفا" وهو نفس التعبير الذي جاء في القانون، وبدلا من ذلك استخدم كل من الوفد والإخوان المسلمون مسميات أكثر اتساعا وغموضا مثل "التعاون" و "التنسيق" و "التضامن"، ولعل ذلك قد جعل من الصعب الطعن في هذا التعاون باعتباره تحالفا تمنعه المادة الخامسة مكرر من القانون 114 لسنة 1983.  

المبحث الثاني: المبررات المعلنة للتعاون بين حزب الوفد الجديد وجماعة الإخوان المسلمين

أوضحنا فيما سبق كيف أن سعي جماعة الإخوان المسلمين على أن يكون لها تمثيلها السياسي الرسمي في الحياة السياسية هو الذي دفع القيادة السياسية إلى غض الطرف عن التعاون بين الوفد والإخوان، خاصة وأن نظام الرئيس مبارك كان يسعى في ذلك الوقت إلى إعادة الهدوء والاستقرار إلى الحياة السياسية، ومن ثم تبنى استراتيجية ذات بعدين للتعامل مع القوى الإسلامية أولهما: التصدي لجماعات التطرف والعنف بالقوة. وثانيهما: التسامح مع جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها جماعة معتدلة، خاصة بعد أن بدأت تغير في مفردات خطابها السياسي وأساليبها الحركية، والسماح لها بالمشاركة في الحياة من خلال أطراف ثالثة ولكن دون منحها المشروعية القانونية.

وقد استطاعت جماعة الإخوان المسلمين أن تترجم هذه الرغبة من جانبها من خلال عملها مع المعارضة في إطار اللجنة القومية للدفاع عن الديمقراطية والتوقيع على كافة البيانات الصادرة عن المعارضة وتأييد مطالبها المتعلقة بإلغاء قوانين الانتخابات والطوارئ والأحزاب السياسية، بل امتد الأمر إلى نجاح الجماعة في أن تعكس ثقلها في المطالب التي تضمنتها بيانات المعارضة أو اللجنة القومية للدفاع عن الديمقراطية خاصة المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية، وإطلاق حرية الممارسات الدينية.

وهكذا لم يكن من المتصور أمام هذا الإصرار من جانب جماعة الإخوان المسلمين أن تترك الانتخابات البرلمانية في عام 1984 دون أن يكون لها دورا فيها باعتبارها مدخلا مهما للوصول إلى أهم المؤسسات التمثيلية وهي مجلس الشعب، فقد أعطت الجماعة لمجلس الشعب أهمية كبيرة بالنظر إلى أهدافها الأصيلة المتمثلة في هدفي نشر الدعوة وتطبيق الشريعة الإسلامية وذلك باعتباره منبرا يمكن للجماعة من خلاله عرض وجهات نظرها وآرائها فيما يتعلق بقضية الشريعة الإسلامية، ونستطيع أن نتلمس هذا التصور لدى جماعة الإخوان المسلمين من خلال أحاديث رموز الجماعة عن تعاونهم مع حزب الوفد والمشاركة في الانتخابات كما سنرى لاحقا، وليس أدل على إصرار الجماعة على أن يكون لها دورها السياسي ولها تمثيلها الرسمي من تعبير التلمساني "ماذا نفعل تجاه الأحداث التي تمر بنا ونحن كالبلهاء .. نحن لسنا بأموات نحن لنا حق الحياة كما هو حق لكل مصري ويجب أن نتمتع بأي حق يتمتع به المصري ... نحن حقا نتحمل ونتحرج ولكن لا تخالف أحدا في الوجود ...".

إلا أن دخول الإخوان انتخابات مجلس الشعب لسنة 1984 لم يكن قرارا سهلا على الجماعة إذ أن قرارها بالمشاركة في الانتخابات قد وضعها أمام عدد من الصعوبات باعتباره تطورا هاما وجديدا في حياة الجماعة بعد فترة طويلة من الانقطاع عن الوجود السياسي، فقرار الجماعة بالمشاركة في تلك الانتخابات قد فرض عليها أمرين: أولهما، هو محاولة إزالة التناقض الذي وقعت فيه الجماعة عندما قررت التعاون مع أحد الأحزاب السياسية في الوقت الذي قام تاريخ وفكر الجماعة على رفض فكرة الأحزاب السياسية والنظر إليها وإلى التعدد الحزبي باعتبارهما تفتيتا وإضعافا للأمة، ومن ثم فقد فرض قرار الجماعة "بالتعاون" مع أحد الأحزاب السياسية القائمة ضرورة تبرير إقدامها على العمل من خلال أحد الأحزاب السياسية في الوقت الذي رفض مؤسسوها الأوائل لفكرة الأحزاب السياسية والعمل الحزبي، وثانيهما: هو تبريره الاختيار حزب الوفد بالذات دون غيره من الأحزاب السياسية القائمة لكي تتعاون معه، إذ أن قرار الجماعة باختيار حزب الوفد بالذات دون غيره كان ينطوي على شيء أو قدر من الغرابة، إذ كان من المنطقي أن جماعة مثل الإخوان المسلمين تحتل قضيتا الدعوة والشريعة الإسلامية لديها أهمية عليا أن يكونا هما المعيار الحاكم لدى الجماعة في تحديد بدائل العمل السياسي، إلا أن اختيار الجماعة للوفد في هذا الإطار لم يكن يعكس بالضرورة أن قضية الشريعة الإسلامية كانت هي المعيار الوحيد أو الأول ناهيك عن ميراث الخصومة السياسية بين الوفد والإخوان في مرحلة ما قبل 1952.

وسيقدم هذا المبحث رصدا وتحليلا للمبررات التي طرحها كل من الإخوان والوفد لتبرير التعاون الانتخابي بينهما.

أولا: المبررات التي أعلنتها جماعة الإخوان المسلمين للتعاون مع حزب الوفد:

ويعرض هذا الجزء لقضيتين أساستين أولاهما: تبرير الجماعة لمشاركتها في الانتخابات من خلال حزب سياسي، وثانيهما: تبريرها للتعاون مع حزب الوفد دون غيره من الأحزاب السياسية.

وفيما يتعلق بالقضية الأولى يمكن القول بأن جماعة الإخوان المسلمين بلجوئها إلى العمل السياسي أو المشاركة في انتخابات مجلس الشعب من خلال حزب سياسي قد وقعت في تناقض، فقد قام فكر الجماعة وممارستها السياسية طيلة فترة ما قبل 1952 على نبذ فكرة العمل الحزبي وفكرة الأحزاب السياسية باعتبارها مرادفا أو مدخلا "لتفتيت الأمة" وقد كان سبب الوقوع في هذا التناقض كتابات مؤسسي جماعة الإخوان المسلمين ذاتهم أو التصور الذي صاغوه لجماعة الإخوان المسلمين وطبيعتها وصياغاتهم لمبادئها الفكرية، فقد وضع مؤسسو الجماعة تصورا للجماعة وصياغة لمبادئها يقوما على رفض فكرة العمل الحزبي وفكرة الأحزاب السياسية من ناحية، ومن ناحية أخرى يقوم على تأكيد تميز الجماعة عن طبيعة الأحزاب السياسية، ففي تعريف الإمام حسن البنا للجماعة كما ورد في رسالة المؤتمر الخامس قال بأن الإخوان المسلمين جماعة سلفية وطريقة سنية وحقيقة صوفية وهيئة سياسية وجماعة رياضية ورابطة علمية ثقافية وشركة اقتصادية وفكر اجتماعية".

وفي نفس الرسالة حدد "حسن البنا" موقف الجماعة من الأحزاب السياسية فاعتبرها ليست شرطا لتأسيس نظام سياسي صالح، كما أنه وليس من الضروري أن يرتبط النظام الديمقراطي البرلماني أو النيابي بنظام التعدد الحزبي، وقال: "إن النظام النيابي بل حتى البرلماني في غنى عن نظام الأحزاب بصورتها الحاضرة في مصر وإلا لما قامت الحكومات الائتلافية في البلاد الديمقراطية، فالحجة القائلة بأن النظام البرلماني لا يتصور إلا بوجود الأحزاب حجة واهية وكثير من النظم الدستورية تسير على نظام الحزب الوحد، وذلك في الإمكان كما يعتقد الإخوان أن هناك فارقا بين حرية الرأي والتفكير والإنابة والإفصاح والشورى والنصيحة وهو ما يوجبه الإسلام وبين التعصب للرأي والخروج على الجماعة والعمل الدائم على توسيع هذا الانقسام في الأمة وزعزعة سلطان الحكم وهو ما تستلزمه الحزبية ويأباه الإسلام ويحرمه أشد التحريم، والإسلام في كل تشريعاته إنما يدعو إلى الوحدة والتعاون" وهكذا فإن نظرة الإخوان المسلمين إلى الأحزاب السياسية كما جاءت في كتابات مؤسسها الأول كانت تقوم على اعتبارها مجرد أداة لتوسيع هوة الانقسام في الأمة وزعزعة سطات الحكم، كما أنه لم ير ضرورة ارتباط النظام البرلماني أو النيابي بوجود أحزاب سياسية، إذ قام تصوره على إمكان قيام نظم دستورية في إطار وجود حزب سياسي واحد.

وهكذا فإن فكر الجماعة كان يقترب من نظام الحزب الواحد باعتباره هو الأقرب في نظرها إلى تحقيق التماسك ووحدة الأمة الإسلامية، ونفس المر أو التصور نجده في رسالة حسن البنا "نحو النور" تلك الرسالة التي أرسلها في سنة 1936 إلى سائر ملوك ورؤساء البلاد الإسلامية، والتي وضح فيها أن "القضاء على الحزبية وتوجيه قوى الأمة السياسية في وجهة واحدة وصف واحد" إنما هي الركيزة الأولى في الإصلاح السياسي.

وقد استمر هذا التصور لدى جماعة الإخوان عن الأحزاب السياسية حتى إقدامها على التعاون مع حزب الوفد والعمل السياسي تحت مظلته في 1984، فقد عبر عن مناسبة، أهمها في تقديمه وشروحه لرسالة الإمام حسن البنا في إطار "سلسلة نحو النور" عندما برر دعوة حسن البنا إلى "القضاء على الحزبية وتوجيه قوى الأمة السياسية في وجهة واحدة وصف واحد" حيث قدم التلمساني تبريرا لهذه الدعوة يقوم على اعتبارين أساسين:

أولهما: أنه إذا كانت فكرة الأحزاب السياسية فكرة مشروعة في الغرب باعتبار أن التنافس الحزبي هو الطريق للوصول إلى الطريق والمنهج الأمثل فإن ذلك مشروع في مجتمع إسلامي لأن المجتمع الإسلامي لديه منهج مستمد من مصدر إلهي ومن ثم فلا داعي لوجود أحزاب سياسية تتفرق وراءها الأمة وتبتعد معها عن الأصل والمنهج الإلهي.

وثانيهما: أن الأحزاب السياسية تسعى إلى الوصول إلى السلطة والحكم بينما الإسلام قد دعى إلى الزهد في السلطة وعدم طلب الولاية، كما أكد التلمساني في تحقيقه لرسالة حسن البنا أن الاستبداد إذا كان محتملا في غياب الأحزاب السياسية فإنه لا مانع من حدوثه أيضا في ظل وجودها، بمعنى آخر فإن وجود الأحزاب السياسية ليس ضمانا لحكم سياسي صالح أو لعدم حدوث استبداد.

بل إن التلمساني قد عبر عن تصور الجماعة للأحزاب السياسية على النحو السابق قبل الانتخابات بفترة قليلة وأثناء التعاون مع الوفد حيث اعتبر أن الأحزاب السياسية هي تصور خاطئ للحرية وأنها فكرة تسربت إلينا من الدول المادية، حيث قال: "إن طبع الشعوب الإسلامية بالطابع الديني الصحيح فيه القيمة الحقيقية عن الأحزاب التي يتصور الكثيرون أنها مظهر من مظاهر الحرية والديمقراطية كما يقولون، وهذه الأحزاب في نظري هي تصور خاطئ للحرية وقد تسربت إلينا من الدول المادية" إلا أن هذا التصور الذي حرصت عليه جماعة الإخوان المسلمين بخصوص الأحزاب السياسية كان العائق الأول ومصدر التناقض الأول الذي وقعت فيه الجماعة عند إقدامها على خوض انتخابات 1984، حيث نص قانون الانتخابات صراحة على الأخذ بنظام الانتخاب بالقائمة الحزبية، وهكذا لم تستطع الجماعة التقدم لانتخابات 1984 بوصفها حزب سياسي، كما لم تستطع خوض الانتخابات تحت راية المستقلين إذ أن القانون حرم المستقلين من الترشيح للانتخابات، وإزاء هذا الوضع لم يكن أمام الجماعة إذا ما قررت دخول الانتخابات إلا مسلك واحد وهو دخول الانتخابات تحت مظلة أحد الأحزاب السياسية القائمة بالفعل، ومن ثم فقد كان على الجماعة أن تقدم تبريرا لهذا التطور الهام في مسلكها السياسي، فكيف يتسنى لجماعة يؤكد زعماؤها ابتداء من مؤسسها على نبذ فكرة العمل الحزبي أن تقدم في هذه الفترة من حياتها على العمل من خلال أحد الأحزاب السياسية القائمة؟ ويلاحظ بصفة عامة في تبرير الجماعة لهذا التعاون مع الأحزاب السياسية أو العمل من خلال مظلة أحد الأحزاب السياسية عدد من السمات أهمها: أن تبرير الجماعة للعمل الحزبي أو العمل من خلال أحد الأحزاب السياسية قد اتسم بالوضوح والصراحة المباشرة في تبرير اللجوء إلى العمل تحت مظلة أحد الأحزاب السياسية القائمة فقد اعتمدت الجماعة في تبريرها "للتعاون" مع أحد الأحزاب السياسية على الإطار الدستوري والقانوني خاصة قانون الأحزاب السياسية وقانون الانتخابات، فقد دار تبرير رموز جماعة الإخوان المسلمين للجوء إلى العمل من خلال أحد الأحزاب السياسية حول التأكيد على أنه بصرف النظر عن إيمان الجماعة بفكرة الأحزاب السياسية من عدمه فإن الإطار القانوني والدستوري أجبر الجماعة إلى اتباع هذا المسلك ما دامت الجماعة تحرص على المشاركة في الانتخابات.

وفي معرض هذا التبرير استعرض رموز الجماعة بشكل أو بآخر البدائل المختلفة التي كانت متاحة أمامها وفندوا كل منها بحيث يفهم ضمنا من تلك العملية أن لجوء الإخوان إلى أحد الأحزاب السياسية كان بمثابة البديل العقلاني الوحيد في إطار الواقع القانوني والسياسي المحيط بها والذي أعلنت احترامها له رغم القيود التي يتضمنها ضدها، وفي هذا الإطار عرض أحد رموز الجماعة وهو الشيخ صالح أبو رقيق، عضو مكتب الإرشاد لمختلف البدائل التي كانت متاحة أمام الجماعة وصعوبات وإمكانات كل بديل وذلك على النحو التالي:

البديل الأول: أن يشكل الإخوان المسلمون حزبا سياسيا، وقد عبر صالح أبو رقيق عن صعوبة هذا البديل لاعتبارين:

أولهما: الاصطدام بقانون الأحزاب والذي يمنع قيام أحزاب سياسية على أساس ديني.

وثانيهما: أنه حتى إذ ما استطاعت جماعة الإخوان المسلمين التغلب على هذا القيد ونجحت في تقديم برنامج يتسم بالعمومية وعدم وضوح الانقسام الديني، أو الدين كأساس للتفرقة بين المواطنين، وفتحت عضويته للمسلمين وغير المسلمين فهناك صعوبة أخرى وهي وجود حزب سياسي آخر له برنامج مشابه – حزب الأمة – والذي يقوم برنامجه على الإعلاء من شأن الشريعة الإسلامية – وهي القضية الأساسية لجماعة الإخوان المسلمين – بالإضافة إلى الطابع الإسلامي الذي يميز برنامجه، فكل ذلك كان من الممكن أن يدفع لجنة الأحزاب السياسية إلى رفض حزب "الإخوان" باعتبار أن برنامجه "لا يتمايز" عن برنامج حزب قائم بالفعل، وذلك وفق ما نص عليه قانون الأحزاب السياسية من ضرورة تمايز برنامج الحزب المزمع قيامه، عن برامج الأحزاب الأخرى القائمة.

البديل الثاني: وهو أن تسعى الجماعة إلى إعادة وجودها القانوني في شكل جمعية، إلا أن هذا البديل لم يكن مفضلا من جانب رموز الجماعة لاعتبارين: أولا: لأن حجم الجماعة الضخم لم يكن يتناسب معه شكل الجمعية، وثانيا: لأن الوجود القانوني للجماعة في شكل جمعية – ويفرض نجاحها في تحقيقه – كان لا يزال يحرم الجماعة من ممارسة بعض الحقوق السياسية وخاصة حق الترشيح في الانتخابات في ضوء قانون الانتخابات بالقائمة الحزبية، ومن ثم فإن هذا البديل لم يكن مفضلا أيضا من جانب الجماعة حتى بفرض نجاحها في الوصول إليه.

البديل الثالث: وهو أن تظل الجماعة كما هي على وضعها غير الرسمي وغير القانوني لا يحتويها أي تنظيم رسمي في شكل حزب أو جمعية، وكان هذا البديل مستحيلا من وجهة نظر رموز الجماعة، فلم تكن الجماعة على استعداد لقبوله لأنه وضعا يتسم بالخطر على الجماعة إذ يسهل في إطاره ضربها ومحاصرتها، بالإضافة إلى أنه كان من الصعب على الجماعة قبوله في ضوء نظرتها إلى نفسها على أنها القوة السياسية الهامة التي لا بد وأن يكون لها وجودا رسميا وتمثيلا داخل المؤسسات السياسية، كما أكد لديها عدم الاستعداد لقبول هذا البديل نظرة القوى السياسية الأخرى إلى الجماعة باعتبارها القوى السياسية التي لا يمكن ولا يجب إغفالها على الساحة السياسية كما وكيفا، بما في ذلك حزب الوفد الجديد أكبر أحزاب المعارضة، بل إن حزب الوفد نفسه في تبريره لتعاونه مع جماعة الإخوان أرجع هذا التعاون إلى الحزب بخطورة ترك جماعة وقوة سياسية هامة مثل الإخوان المسلمين على الساحة السياسية دون إتاحة الفرصة أمامها للوجود السياسي الرسمي، وبمعنى آخر ساق الحزب تعاونه مع جماعة الإخوان باعتباره مساهمة منه في التنفيس عن هذه القوة السياسية الهامة في المجتمع المصري والتي لا تتمتع بتمثيل رسمي وما ينطوي عليه ذلك الوضع من خطر شديد على مستقبل الديمقراطية والاستقرار السياسي.

وقد عبر عن نفس الفكرة أيضا عمر التلمسانيالمرشد العام للجماعة آنذاك – حين أكد أن جماعة الإخوان المسلمين "تفهم في السياسة" وأن الإخوان لا يستطيعوا أن يعيشوا "كالبلهاء" وهي تعبيرات تشير بوضوح إلى إدراك الجماعة لأهميتها في المجتمع وحرص من جانبها على إيجاد مواقع لها على ساحة العمل السياسي الرسمي.

وقد جاء تبرير جماعة الإخوان المسلمين للعمل من خلال حزب سياسي أو تبرير تعاونها مع أحد الأحزاب السياسية أكثر وضوحا على لسان الشيخ صلاح أبو إسماعيل حيث برر التعاون بأن الإخوان المسلمين لم يكن أمامهم سوى طريقين الأول "السلبية داخل البيوت" وهو طريق لا يرضاه الإسلام لأن الإسلام لا يقر السلبية، والطريق الثاني هو اختيار أمثل الأحزاب السياسية إذا ما حرص الإخوان على أن يكون لهم دورا في العمل التشريعي.

وقد قال الشيخ صلاح أبو إسماعيل في تبريره للجوء الإخوان والتيار الإسلامي عموما إلى التعاون مع الأحزاب السياسية "لقد منعوا قيام الحزب على أساس العقيدة وكمم القانون أفواه الدعاة على المنابر وأغلقت "الدعوة" لسان حال الإخوان المسلمين وأغلقت "الاعتصام" و "المختار الإسلامي" و "الهداية" فلا نستطيع إذن أن نرفع صوتنا على م نبر أو من خلال حزب سياسي، فلم يكن أمامنا إلا أن نعمل من خلال حزب سياسي ..." كما برر أحد قيادات الإخوان لجوءهم إلى العمل من خلال حزب سياسي بالظروف أو القيود التي فرضها قانون الانتخابات بالقائمة الحزبية النسبية المشروطة أصبح ممنوعا على المستقلين ومن لا ينتمي إلى حزب شرعي قائم ليس أمامه أن يرشح نفسه إلا من خلال الانضمام إلى أحد الأحزاب السياسية أو أن يخرج من الساحة السياسية ولم يكن هناك بدا من اختيار أحد الأحزاب".

ولما كان الإخوان المسلمون في تلك الفترة يرفضون الخروج من الحياة السياسية فلا بد أن يختاروا أحد الأحزاب للعمل من خلاله، وهكذا نخلص إلى أن جماعة الإخوان المسلمين قد بررت لجوءها إلى العمل من خلال أحد الأحزاب السياسية بالاستناد مباشرة إلى الإطار القانوني والدستوري المليء بالقيود القانونية المفروضة على حرية حركتها وفرص تمتعها بالحقوق السياسية، سواء كان ذلك بالاستناد إلى قانون الأحزاب الذي يمنع قيام أحزاب سياسية على أساس ديني أو بالاستناد إلى قانون الانتخابات الذي اشترط توافر صفة الحزبية في القائمة الانتخابية وحرمان المستقلين، ولكن السؤال الذي يثيره تبرير الإخوان للعمل من خلال حزب سياسي هو أولا لماذا حرصت الجماعة على تبرير عملها من خلال حزب سياسي بالإطار القانوني؟ والثاني هل أثرت خبرة عملها من خلال حزب الوفد كحزب سياسي على موقفها من الأحزاب السياسية فيما بعد؟"

وقد يجد لجوء جماعة الإخوان المسلمين إلى الإطار القانوني وقيوده عليها في تبريرها للعمل من خلال الأحزاب السياسية تفسيره في رغبة الجماعة في استمرار تمسكها بموقفها من الأحزاب السياسية والعمل الحزبي، وحتى لا ينظر إلى عملها من خلال حزب سياسي على أنه تنازل من الجماعة وتراجع عن موقفها الأصيل من الأحزاب والعمل الحزبي، بمعنى رغبة الجماعة في التأكيد على أن وجهة نظرها وموقفها من الأحزاب والعمل الحزبي – باعتبارها فكرة غير مقبولة شرعا وأنها مدخل لتفتيت الأمة – ما زال قائما وأن تحالفها مع حزب سياسي لا يجب أن يفهم على أنه تنازل عن هذا الموقف ولكن الظروف هي التي اضطرتها لذلك حيث نظام الانتخابات بالقائمة الحزبية ولا فرصة أمام المستقلين، ومن ثم فالتحالف مع الأحزاب هو أمر مرهون بهذه الظروف ليس إلا، ويفسر البعض وضوح الجماعة في تبرير التحالف بالواقع القانوني أيضا هو رغبة الجماعة في التأكيد لحزب الوفد أن التعاون معه أمر مرهون بهذه الظروف وأن استمرار التعاون معه مرهون بالوصول إلى مجلس الشعب وبتحقيق الغرض منه، أو بمعنى أنه تعاون انتخابي ليس إلا، ولم يصل إلى حد الاندماج، وهذا ما أكد عليه التلمساني نفسه أكثر من مرة.

وثمة سمة أخرى في تبرير جماعة الإخوان المسلمين للعمل من خلال الأحزاب السياسية فبالإضافة إلى وضوحه واستناده المباشر إلى الإطار القانوني، فإنه اتسم أيضا بالتمييز بين موقف الجماعة من الأحزاب السياسية والعمل الحزبي وبين لجوئها إلى "التعاون" مع حزب سياسي، وقد كان أكثر رموز الجماعة حرصا على توضيح هذا التمييز هو مرشدها العام آنذاك الشيخ عمر التلمساني، ففي بداية التعاون أكد الشيخ عمر التلمساني على أنه رغم "تعاون" الجماعة مع أحد الأحزاب السياسية إلا أن ذلك لا يعني تخليها عن مبادئها وأفكارها فيما يتعلق بالأحزاب السياسية والعمل الحزبي، فمن ناحية فإن الإخوان يعلنوا دوما أنهم ليسوا حزبا سياسيا وأن الجماعة حريصة على أن تظل كهيئة تدعو إلى الأخذ بشرع الله، وقد ارتبط هذا التمييز لدى التلمساني بين إقدام الجماعة على العمل من خلال حزب سياسي وبين مبادئها وآرائها فيما يتعلق بالأحزاب السياسية بالتأكيد على سلبيات ظاهرة الأحزاب السياسية والعمل الحزبي وقد قال بهذا الخصوص: "... والإخوان أعلنوا أكثر من مرة أنهم ليسوا حزبا لما يرونه من حال الأحزاب وأساليبها، أنهم هيئة تدعو إلى الأخذ بشرع الله في كل شيء داخلي وخارجي" وقد أتى هذا التصريح في فترة التعاون مع الوفد وهو ما يشير إلى أهمية مثل هذا التصريح من جانب الشيخ التلمساني فيما يتعلق بالموقف من الأحزاب السياسية.

وعلى الرغم مما سبق فإن تبرير جماعة الإخوان المسلمين لإقدامها على العمل من خلال حزب سياسي قد عكس قدرا من التطور على موقف جماعة الإخوان المسلمين من الأحزاب السياسية أو بمعنى آخر فإن موقفها التبريري كان بمثابة مؤشرا لتطور موقف جماعة الإخوان المسلمين من الأحزاب السياسية والعمل الحزبي، ويتمثل هذا التطور الهام في تحول الجماعة من انتقاد فكرة الأحزاب السياسية والعمل الحزبي إلى التأكيد على أنها لا ترفض مبدأ الأحزاب ذاته وأن انتقاداتها تنصب بالأساس على أساليب عمل الأحزاب، وفي هذا الإطار بدأت الجماعة تطرح مطلب ممارسة حقها في العمل السياسي من خلال تشكيل حزب سياسي مع التركيز على حجم الظلم الذي يقع عليها من جراء حرمانها من حق تشكيل حزب سياسي، بالإضافة إلى محاولة الجماعة خلق قدر من الثقة ونوع من الحوار بينها وبين النظام السياسي بهدف إزالة الشكوك لدى النظام تجاه الجماعة.

وفي هذا الإطار قام رموز الجماعة بتنفيذ كافة الحجج التي يدفع بها النظام في حرمانه الجماعة من حق تكوين حزب سياسي وتفنيد الأساس الذي استند إليه قانون الأحزاب السياسية في منع قيام حزب سياسي على أساس ديني، خاصة الخوف من أن يؤدي قيام حزب سياسي على أساس ديني إلى "صراع ديني" أو "فتنة طائفية" وذلك من خلال التأكيد على أن العلاقة بين المسلمين والأقباط أقوى من أن يهددها وجود أحزاب سياسية على أساس ديني ومن خلال التأكيد على أن تاريخ الإخوان أبعد ما يكون عن إثارة "الفتنة الطائفية" كما سعت الجماعة إلى الإشارة إلى الآثار الإيجابية التي يمكن أن تترتب على فتح الباب أمام الجماعة لتشكيل حزبها السياسي أما المبرر الذي ساقته الجماعة لهذا التطور الهام هو أنه رغم أن للجماعة أنصار داخل كل الأحزاب السياسية ورغم الصلات الطبية التي تربطها بالأحزاب السياسية إلا أن ذلك لا يوفر للجماعة الحرية في ممارسة نشاطها بصورة ترسمها هي وبما تمليه عليها حريتها فيقول التلمساني في هذا الشأن: "إذا قيل لماذا يباشر الإخوان المسلمون نشاطهم السياسي ولهم في كل حزب أنصار؟ قلنا فما الداعي لوجود الأحزاب نفسها مع أن برامجها تكاد تكون متشابهه؟ هذا إلى أنه ليس منطقيا أبدا أن ترغمني على استعمال نشاطي بصورة ترسمها لي أنت وإلا فأين حريتي التي تبشرني بها كل يوم؟".

وبمعنى آخر فإنه يمكن تفسير هذا التطور في موقف الجماعة بخبرة تعاونها مع الوفد، فيبدو أن خبرة تعاون الجماعة مع حزب الوفد قد أثبتت لها أنه من الصعب أن تنجح في تحقيق أهدافها (الدعوة وتطبيق الشريعة الإسلامية) من خلال التعاون أو التحالف مع حزب سياسي، فأيقنت أنه من الصعب أن تتحرك بحرية من أجل خدمة هذه الأهداف من خلال الأحزاب إذ تظل قضية الشريعة الإسلامية مهما أعلن الحزب السياسية عن تبنيه للقضية تظل في التحليل الأخيرة أحد القضايا التي يهتم بها الحزب ضمن قضايا أخرى، ويظل هناك فارق واسع بين الحزب السياسي والجماعة الدينية، فالحزب من ناحية يرفض أن تحتويه جماعة دينية تقوم من أجل قضية واحدة ومحورية وذات طابع ديني والجماعة الدينية من ناحية أخرى ترفض أو تأبى إلا أن تكون الشريعة الإسلامية هي قضيتها الأولى والأخيرة وأنها المدخل الوحيد للإصلاح بكافة جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهكذا أدركت الجماعة من خلال خبرة "التعاون" مع الوفد أنه ما زالت هناك حواجز تحول دون حرية العمل السياسي من خلال حزب سياسي مهما كانت شعاراته وأيديولوجيته، ولما كان الحزب السياسي هو المدخل لمباشرة أهم الحقوق السياسية وهو حق الترشيح فلم تجد الجماعة بدا من المطالبة بتشكيل حزب سياسي وأهم ما يلاحظ في هذا التطور أنه جاء على أيدي أهم قادة ورموز الجماعة التي تبنت أو تصدت للدفاع عن الموقف الأول من الأحزاب والعمل الحزبي وهو المرشد العام الجماعة آنذاك الشيخ عمر التلمساني.

وهكذا بدأ موقف الجماعة في التطور تجاه قضية الأحزاب السياسية والعمل الحزبي من الرفض والانتقاد إلى محاولة تشكيل الحزب السياسي وهو التطور الذي جاء بعد ما يقرب من ستة أشهر من تعاونها مع الوفد وبداية بروز الخلاف بين الطرفين خاصة حول مسألة الشريعة الإسلامية ومدى أولوية تلك القضية داخل مجلس الشعب، فبدأت تتوالى أحاديث وتصريحات رموز جماعة الإخوان المسلمين عن الإعداد لبرنامج حزب سياسي تتقدم به إلى لجنة الأحزاب السياسية.

إلا أن هذا التطور لما يأت مفاجأة أو بصورة مطلقة، فمن ناحية قد أتى على نحو متدرج ومن ناحية أخرى فإنه لم يكن تطورا مطلقا في اتجاه تبني الجماعة فكرة الأحزاب والتعددية الحزبية، فقد بدأت الجماعة بالتأكيد على موقفها الأصيل والثابت من فكرة الأحزاب السياسية والتعدد الحزبي باعتبارها مظهرا للفرقة والتشتت مع التأكيد في نفس الوقت على عدم الاعتراض على وجود أحزاب سياسية حيث يقول التلمساني عن موقف الجماعة من العمل الحزبي: "هنا توجد نقطتان الأولى أننا لا نقر بوجود أحزاب والثانية أننا لا نعترض على وجودها وهناك فرق بين الاثنين" وفي فترة لاحقة تبنى الشيخ التلمساني حملة واسعة من أجل الدفاع عن حق الجماعة في تكوين حزب سياسي لها مفندا كل الأسباب والأسانيد التي تعتمد عليها الدولة في حرمانها للإخوان من حق تكوين حزب سياسي، واستمر هذا التطور حتى أخذ قمته في عهد الأستاذ محمد حامد أبو النصر – المرشد الحالي للجماعة والذي حدد موقف الجماعة من الأحزاب السياسية والعمل الحزبي بقوله: "موقفنا من الأحزاب القائمة هو الترحيب بها" فضلا عن استمراره في المطالبة بتشكيل حزب سياسي للجماعة، وأكثر من هذا فقد أصدرت الجماعة في عام 1995 وثيقة رسمية أكدت فيها قبولها بالتعددية السياسية والحزبية وهو ما يشير إلى تطور هام بشأن موقف الإخوان من الأحزاب السياسية، فإذا كان موقف التلمساني قد قام على أساس عدم الاعتراض على وجودها مع استمرار النظر إليها باعتبارها مصدرا للتشتت فإن الأستاذ محمد حامد أبو النصر قام موقفه على اعتبارها مصدرا لتعدد الآراء الذي يعود على البلاد بالنفع.

وبخصوص المبررات التي طرحتها جماعة الإخوان المسلمين لتبرير تعاونها مع حزب الوفد الجديد دون غيره من الأحزاب القائمة يمكن القول بأنه على الرغم من محاولة القوى الحزبية الأخرى استقطاب الإخوان المسلمين إليها بما فيها حزبي الأحرار والعمل وهما الحزبان الرئيسيان في تلك الفترة بجانب حزب الوفد الجديد، إلا أن قرار جماعة الإخوان كان اختيار حزب الوفد الجديد، فقد حاولت مختلف القوى الحزبية أن تبرز إيمانها بقضية الشريعة الإسلامية وإبراز موقع القضية فقد اجتهد حزب العمل ورئيسه المهندس إبراهيم شكري في محاولة التأكيد على وجود قاسم مشترك يجمع بين الإخوان المسلمين و "مصر الفتاة" باعتبارها الامتداد القديم لحزب العمل، وقد استمرت محاولات استقطابه للإخوان المسلمين هذه حتى قرب موعد الانتخابات، فقد صرح إبراهيم شكري بأن حركة مصر الفتاة ظلت تعتبر الإخوان المسلمين حلفاء قريبين من مبادئها ومواقفها، وأضاف: إن "مدرستنا مدرسة مصر الفتاة سقط منها الشهداء في سبيل دعوتنا الإسلامية لمحاربة الخمور والموبقات ...".

بل إن موقف حزب العمل كان أكثر وضوحا عندما وصف رئيس تحرير جريدة الشعب – لسان حال حزب العمل – تحالف الإخوان مع الوفد بأنه كان قرارا مبنيا على سوء تفاهم بين الإخوان والعمل وأن قرارها الأصح كان ينبغي أن يكون هو اختيارها العمل وليس الوفد، كما كان استخدام الجريدة لتعبيرات مثل "التيار الديني بين الوفد والعمل" يعكس مدى الحرص على الإشارة إلى أن حزب العمل مكانا مناسبا لهذا التيار أو على الأقل هو أحد مكانين لا ثالث لهما يعمل من خلالهما هذا التيار، وبالإضافة إلى ذلك فقد وفرت جريدة الشعب صفحات كاملة فتحت من خلالها حوارا بين حزب العمل ورموز الجماعات الإسلامية بما يعكس محاولة الحزب فتح صفحات الجريدة كمتنفس لرموز هذه الجماعات تعبر من خلاله عن آرائها.

ونفس الأمر نلحظه بالنسبة لحزب الأحرار، فقد حاول مصطفى كامل مراد رئيس الحزب لفت الانتباه إلى ارتباطه القديم بجماعة الإخوان المسلمين، بالإضافة إلى الدور الهام الذي لعبته جريدة النور ذات الطابع الإسلامي في التنفيس عن رموز الجماعة وفي التعبير عن آرائهم، ولم يتردد رئيس تحرير "النور" الحمزة دعبس في دعوة الإخوان المسلمين إلى التعاون مع حزب الأحرار باعتباره الحزبي الذي يعلي من جانب أهمية قضية الشريعة الإسلامية، بل أنه تعديل الدستور في 1980 ليجعل الشريعة الإسلامية هي المصدرالرئيسي للتشريع إلى دور حزب الأحرار في هذا الشأن.

وهكذا يتضح لنا أن هذين الحزبين كانا يدركان بوضوح أن الأهداف الأساسية لدخول جماعة الإخوان المسلمين الانتخابات هي قضية تطبيق الشريعة الإسلامية والتعبير عن نفسها أو إيجاد وسيلة مشروعة وقناة رسمية تعبر من خلالها عن آرائها، ولذلك ففي سعي كل منهما إلى استقطاب الجماعة إليه راح يؤيد من ناحية على أهمية ومحورية قضية الشريعة الإسلامية في برنامجه ومن ناحية أخرى سعى إلى فتح صحيفته الحزبية كمتنفس لرموز الجماعة للتعبير عن آرائهم.

إلا أنه رغم تعبير الحزبين عن وضوح إدراكهما لأهداف وقضايا أو متطلبات الجماعة فإن جماعة الإخوان المسلمين رغم ذلك لم تقرر التعاون مع أي منهما وقررت التعاون مع حزب الوفد الجديد رغم أن عناصر الاختلاف بين الوفد والإخوان قد برزت إلى السطح منذ بداية التعاون، وقد حرص الوفد على التأكيد على تمايز كل طرف فكريا عن الطرف الآخر، ومن جانبها فقد حصرت جماعة الإخوان أيضا على التأكيد على أن التعاون لم يصل إلى الاندماج الفكري وسلم رموزها منذ بداية التعاون بوجود اختلاف وأدركت طبيعة هذا الاختلاف بين الجانبين، ومن ثم تصبح الإجابة على كيف بررت الجماعة اختيارها لحزب الوفد أمرا مهما لتفسير مسلكها هذا. ومن خلال استقراء أحاديث وتصريحات رموز الجماعة نستطيع أن نحدد المبررات التي قدمتها الجماعة لاختيارها الوفد فيما يلي:

1 – طبيعة العلاقات التاريخية بين الوفد والإخوان:

فقد كان للتاريخ دور مهم في ذهن وخلفية الإخوان المسلمين في معرض تبريرهم لتعاونهم مع حزب الوفد الجديد بالذات دون غيره، فرجوعهم إلى التاريخ كان يعكس مدى أهمية هذا التاريخ في حكمهم على الأمور وتحديدهم لمسارات المستقبل، وقد اتسم استخدام الإخوان للتاريخ والعلاقات التاريخية كمدخل لتبرير تعاونهم مع الوفد بالتأكيد على أن العلاقة التاريخية بين الوفد والإخوان (بالتحديد فترة ما قبل الثورة) كانت علاقة طيبة بعيدة عن احتدام الصراع، إلا أنه مع وضوح فتور هذا التبرير وتوالي الهجوم على التعاون من زاوية العلاقات التاريخية نفسها من الجانبين وخاصة من جانب من عايشوا فترة ما قبل الثورة كان لا بد وأن يعيد الإخوان صياغة هذا التبرير بعد أن رفضت القوى السياسية الأخرى قبول هذا التبرير على إطلاقه، وهنا لجأت جماعة الإخوان إلى الاعتراف بأن العلاقة التاريخية قد شابها قدر من الصراع بين الطرفين، وفي نفس الوقت عملت الجماعة على التقليل من شأن هذا الجانب السلبي في العلاقة التاريخية بطرق أخرى، فأشار التلمساني إلى أنه رغم ما يقال عن الصراع التاريخي بين الوفد والإخوان في الماضي فإن الوفد لم يعتقل أحدا من الإخوان ولم يؤذ أحدا ولم يصادر أموال أحد من الإخوان وأن التنافس بينهم كان تنافسا سلميا لم يتعد استخدام الأقلام، وقد قال التلمساني بهذا الخصوص "... فالوفد لم يعذب أحدا من الإخوان ولم يقتل أحدا ولم يشرد أحدا من الإخوان وكل الذي كان بين الوفد والإخوان في الماضي هي مساجلات صحفية ...".

ومن ناحية أخرى فقد حاول الإخوان تحويل الانتباه بعيدا عن هذه الفترة من الصراع بين الطرفين فاعترفوا بأنه كان هناك فعلا قدر من الصراع بين الوفد والإخوان إلا أن الصراع قد ارتبط بفترة معينة وبظروف محددة، وأنه بانتهاء هذه الظروف انتهى الخصام بين الطرفين، وأن استفادة الطرفين من هذه الخبرة لا بد وأن تكون أهم وأولى من أن يعيشا في آثارها السلبية، ففي حديث لفريد عبد الخالق – عضو مكتب إرشاد الجماعة وواحد من الإخوان الذين اشتركوا في المفاوضات التي سبقت إبرام التعاون – إلى الجمهورية قال "... أما ما يذكر أحيانا من أن هناك عداوات قديمة بين الوفد والإخوان في الأربعينات والاحتكاك بين شبابيهما في الجامعات فهذه الأمور انتهت بظروفها واعتقد أن الطرفين استفادا من التجربة ..." وردا على سؤال حول صراع الوفد والإخوان في فترة ما قبل الثورة قال التلمساني: "عافاك الله يا أخي ألم تقرأ التاريخ؟ إن الوفد في كل تاريخه لم يعتقل أخا مسلما ولم يلفق له تهمة ولم يعذبه ولم يقتله ولم يصادر أمواله ولم ينتهك حرماته، وكل ذلك فعله حكام سابقون لقد زار زعماء الوفد المركز العام للإخوان المسلمين وأظهروا من عواطف الود والرضا ما شكرهم عليه الإمام حسن البنا المرشد السابق".

2 – طبيعة الوفد كحزب لليبرالية والوحدة الوطنية:

فقد أشار رموز الإخوان إلى أن سبب اختيارهم حزب الوفد إنما يرجع إلى كونه هو حزب الوحدة الوطنية وحزب المصالحات التاريخية، فهو الحزب الذي عمل على توحيد عناصر الأمة وهو الحزب الذي وجد فيه المسلمون والأقباط على حد سواء مجالا للتعاون والالتحام منذ عام 1919 ، وبمعنى آخر فإن الإخوان وجدوا في الوفد من اتساع الأفق والمجال الفسيح للعمل السياسي بصرف النظر عن العوامل والانتماءات الدينية وهو ما كان يصعب وجوده في ساحة أي حزب سياسي آخر، وهكذا أراد الإخوان المسلمين أن يقولوا أنهم نظرا لطبيعتهم كجماعة دينية لها طابع ديني وإسلامي والشريعة الإسلامية تشكل الأساس في تفكيرها ومبادئها وممارساتها فإنه كان من الصعب أن يجدوا مكانا في حزب آخر غير الوفد الذي تشكل الوحدة الوطنية مبدءا من مبادئه الثابتة، وهكذا أكد الإخوان على أن "فكر الإخوان والفكر الإسلامي بصفة عامة مع الوحدة الوطنية" وأنه ليس هناك "تناقضا بين دخول الإخوان بفكرهم الإسلامي إلى الوفد مع ما عرف عن الوفد من أنه حزب الوحدة الوطنية".

ولم يكتف الإخوان بالإشارة إلى أن أحد عوامل تعاونهم مع الوفد هو طبيعة حزب الوفد من حيث إنه حزب الوحدة الوطنية وجمع عناصر الأمة، بل أنها توسعت في هذا التبرير لتجعل الوحدة الوطنية والمبادئ المشتركة التي تجمع بين الوفد والإخوان، فكما يؤمن الوفد بالوحدة الوطنية تؤمن جماعة الإخوان هي الأخرى بالوحدة الوطنية وقد أشار التلمساني إلى الصلات الطيبة التي كانت تربط الإخوان بالأقباط، مثل حرص الأستاذ حسن البنا على دعوة الأقباط ورؤساء الكنيسة إلى أي حفل يقيمه الإخوان، واستعانة حسن البنا باثنين من الأقباط للعمل في اللجنة السياسية التي أنشأها البنا (وهيب دوس، واخنوخ لويس) كذلك يتضح تأكيد الإخوان على إيمانهم بالوحدة الوطنية قول التلمساني: "إن تعاون الوفد والإخوان ما هو إلا تعاون بين المسلمين والأقباط".

ألا أن ما يلاحظ بالنسبة للاعتماد من جانب الإخوان المسلمين على الوحدة الوطنية لتبرير تعاونهم مع الوفد أن هذا الاعتماد على الوحدة الوطنية لم يكن مقصورا على تبرير التعاون بقدر ما كان المقصود منه أمور أخرى مثل عدم التخويف منه والرد على التوقعات السلبية لهذا التعاون والرد على من هاجموه باعتباره تهديدا للوحدة الوطنية، كما قد يمكن النظر إلى إثارة الإخوان لقضية الوحدة الوطنية وتأكيدهم عليها على أنه رغبة الجماعة في تحسين صورتها لدى النظام السياسي والقوى السياسية، والقضاء على أي مخاوف لديها من دخول الجماعة الحياة السياسية والبرلمانية.

والمسألة الثانية التي يجب عدم إغفالها في اعتماد الجماعة على الوحدة الوطنية في تبرير تعاونها مع الوفد أنها اعتمدت على خبرتها في الماضي في هذا الشأن، أو بمعنى آخر أنها أثارت خبرة جماعة الإخوان المسلمين في علاقتها بالأقباط أكثر من تركيزها على تصوراتها بالنسبة لمستقبل علاقتها بهم بل أن التلمساني قد أوقع نفسه في حرج عندما وضع الأخوة الدينية في مرتبة سابقة على الأخوة الوطنية بمعنى آخر فإنه عند تعارض الأخوة الدينية مع الأخوة الوطنية فقد جاهر بأنه ينحاز إلى الأولى، بل إنه اعتبر ذلك من الأمور البديهية التي لا تحتاج إلى تفكير فيقول: " ... الأخوة الدينية أم الأخوة الوطنية؟! ماذا جرى للمسلمين حتى يجهلوا هذه البديهيات". وربما لا يكون ذلك مدعاة للخوف من وجهة نظر الجماعة على مستقبل الوحدة الوطنية بدخول الإخوان الحياة السياسية والبرلمانية ولكن مثل هذا التصريح لا بد وأن يكون له أثره السيئ عند غيرهم وخاصة الأقباط.

3 – وجود أهداف مشتركة بين الوفد والإخوان:

فقد حاول الإخوان المسلمون تبرير تعاونهم مع الوفد بأنه ليس فقط تعاون انتخابي من أجل الوصول إلى مقاعد مجلس الشعب ولكن هناك ما هو أعمق من هذا، فهناك المبادئ والأهداف المشتركة التي تجمع ما بين الوفد والإخوان، إلا أنه يلاحظ أن هذا التبرير قد اتسم بضعفه ومحدوديته، فلم يثار من جانب جماعة الإخوان المسلمين بنفس القدر الذي أثيرت به المبررات الأخرى، وبمعنى آخر فإن الإخوان لم يعتمدوا كثيرا على وجود أهداف مشتركة بين الوفد والإخوان كمبرر للتعاون بينهما، ويجد ذلك تفسيره في إدراك الإخوان أن عوامل الاختلاف مع الوفد كان يتعلق أولا بقضايا محورية بالنسبة للإخوان، وعلى رأسها قضية الشريعة الإسلامية، وثانيا أن عوامل الاتفاق بين الإخوان والوفد لم تتعد كثيرا عوامل الاتفاق بين الإخوان والقوى الأخرى، ومن ثم كان من الصعب الاعتماد على تلك العوامل المشتركة التي قد تجمع بين الطرفين، بمعنى آخر فإن العوامل التي جمعت بين الوفد والإخوان أو تلك الأهداف والمبادئ المشتركة كانت هي تقريبا نفس العوامل والأهداف التي جمعت ما بين مختلف قوى المعارضة بصفة عامة.

وعموما فقد سعى البعض من جانب الإخوان إلى التأكيد على أن هناك أهدافا ومبادئ مشتركة تجمع ما بين الوفد والإخوان تجعل التعاون بينهما يتعدى مسألة التنسيق الانتخابي، وحدد هذه المبادئ والأهداف المشتركة في: العمل على تدعيم الحريات وترسيخها، حيث إن الوفد والإخوان هم أكثر من اكتووا بنار الديكتاتورية، وإلغاء قانون الطوارئ ووقف التعذيب في السجون واحترام حقوق الإنسان، القضاء على الآثار السلبية اتفاقية كامب دايفيد، وتعديل مسار الانفتاح الاقتصادي فهما.

بالإضافة إلى المبررات السابقة كان هناك مبررا آخر هاما وذا طبيعة خاصة لما أثير حوله من جدل من ناحية ومن ناحية أخرى الطريقة التي أثير بها من جانب جماعة الإخوان المسلمين، وهو موقف الوفد من قضية تطبيق الشريعة الإسلامية.

5 – النظر إلى الوفد باعتباره يساند قضية الشريعة الإسلامية:

وأهم ما يلاحظ على تبرير جماعة الإخوان تعاونها مع الوفد على أنه يساند قضية الشريعة الإسلامية أنه كان تبريرا حذرا ولم يثار من قبل الجماعة بصورة مطلقة ويرجع ذلك ببساطة إلى إدراك الجماعة بصورة واضحة أن حزب الوفد لا يتفق تماما مع جماعة الإخوان بخصوص مسألة الشريعة الإسلامية، إذ ظل هناك فجوة بين تصور الطرفين لطريقة تطبيق الشريعة الإسلامية ومجالات التطبيق، وكانت أهم محاور الخلاف بين الطرفين ليس في مشروعية القضية من حيث المبدأ ولكن الخلاف يبدأ من ما هو المقصود بالشريعة الواجب تطبيقها؟ فهل هي القرآن والسنة فقط أم يدخل فيها الاجتهاد والفقه؟ ومحور الخلاف الثاني هو كيف يتم تطبيق الشريعة الإسلامية؟ هل بإلغاء القوانين القائمة وإحلال مجموعة جديدة من القوانين والتشريعات أم يكتفى بتنقية القوانين والتشريعات؟ والمحور الثالث للخلاف هو هل يتم تطبيق الشريعة الإسلامية جملة واحدة ومرة واحدة أم تطبق بالتدريج وأن يرتبط التطبيق بتطور معين في الظروف الاجتماعية والاقتصادية؟ أما المحور الرابع فهو يتعلق بشكل الدولة النهائي بعد تطبيق الشريعة الإسلامية أو حدود هذا التطبيق؟ فهل سينتهي إلى الدولة الدينية أم إلى شكل آخر غير تلك الدولة، وما هو حدود ودور الدين في المجتمع؟ وما هو مضمون الحكومة الدينية وهل الدولة والحكومة الإسلامية هي حكومة دينية؟ كل هذه المحاور من الخلاف بين الطرفين جعلت الإخوان حذرين أشد الحذر في الاعتماد على موقف الوفد من الشريعة الإسلامية لتبرير اختيارها للوفد "للتعاون" مع دون الأحزاب الأخرى.

وهكذا فإن جماعة الإخوان المسلمين في اعتمادها على موقف الحزب من الشريعة الإسلامية كمدخل لتبرير تعاونها معه أو اختيارها له لم تتخط التركيز من ناحية على الحدود الدنيا المشتركة بين الجانبين فيما يتعلق بالموقف من الشريعة، ومن ناحية أخرى كانت مضطرة للرد على الاتهامات التي وجهت للجماعة بسبب اختيارها للوفد باعتباره ليس الحزب الأنسب لتبني قضية الشريعة الإسلامية في البرلمان أو بمعنى آخر كانت ملزمة بالدفاع عن نفسها إزاء التناقض الذي وقعت فيه، فكيف تكون الشريعة الإسلامية هي قضيتها الأساسية وغايتها وفي نفس الوقت تتسق مع حزب علماني لا يخجل من إعلان علمانيته؟

وفيما يتعلق بالتركيز على الحدود الدنيا المشتركة بين الجانبين بخصوص قضية الشريعة الإسلامية فقد ركزت الجماعة على أن حزب الوفد يؤمن بأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع كما جاء في المادة الثانية من الدستور وأن الحزب ملزم دستوريا بالعمل على تنفيذ هذه المادة، ولم يتعد الإخوان هذا الحد كثيرا في تبرير اختيارهم للوفد من هذه الزاوية، وكان ذلك راجعا بالطبع إلى إدراك الجماعة منذ بداية التعاون أن الوفد لا يتفق معها في مسألة الشريعة الإسلامية ومواقف الطرفين غير متطابقة ومن ثم فلم يكن من المنطقي إثارة القضية أبعد من هذا الحد في تبرير التعاون بينهما، والأهم من ذلك أن جماعة الإخوان المسلمين في تبريرها لموقفها باختيار الوفد من زاوية الشريعة الإسلامية أنها لم تكتف فقط بأن تبرز موقف الحزب المؤيد لتطبيق الشريعة الإسلامية على النحو السابق ولكنها كانت تسعى إلى تقريب موقفها من موقف الوفد، أكثر من محاولتها تقريب موقف الوفد من موقفها أي أن محاولة التوفيق والتقريب كانت تأتي من جانبها، بمعنى أنها كانت تبدو وكأنها تحاول تعديل موقفها هيمن الشريعة الإسلامية ليقترب من موقف الوفد من تلك القضية، وقد اتضح ذلك من خلال مؤشرات عديدة منها تمييع مفهوم العلمانية الذي يؤمن به الوفد في مواجهة إيمانها بتطبيق الشريعة الإسلامية، فقد ركزت الجماعة في مفهوم العلمانية على الجانب الإيجابي دون السلبي، فقد أعلنت أن مفهوم العلمانية وإن كان "يعني فصل الدين عن الدولة إلا أن الدولة لا تتدخل في معتقدات الناس ولا تتعرض للمساجد والكنائس ولا يعنيها ماذا يعبد الناس يعبدون الله أم يعبدون الدرهم والدينار؟"

وذلك وفق ما أشار إليه زعيم الجماعة ومرشدها العام الشيخ عمر التلمساني آنذاك، والذي أكد في نفس الوقت على أن العلمانية وإن كانت تعني فصل الدين عن الدولة "إلا أنها لا تعني الإلحاد" ويظل للدين وجود في الدولة العلمانية ، هكذا تبنت الجماعة فهما للعلمانية – التي يؤمن بها الوفد – يقوم على التركيز على الجوانب الإيجابية دون السلبية فيه، وكأنها أرادت أن تقول إن حزب الوفد وإن كان يؤمن بالعلمانية إلا أن ذلك لا يعني عدم إيمانه بالدين وأهميته ولا يعني أيضا أنه يؤمن بالدولة الملحدة.

ومن ناحية أخرى فقد أظهرت الجماعة موقفا من قضية تطبيق الشريعة الإسلامية يقوم على إيمانها بالتدريج في تطبيق الشريعة وأنها لا ترى بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في يوم وليلة ولكن من الممكن أن تطبق الشريعة الإسلامية بالتدريج بشرط ألا يؤدي ذلك إلى الإهمال والتسويف وأن يرتبط التدريج بالجدية، ومن ناحية ثالثة أن الجماعة قد حاولت إزالة المخاوف لدى الوفد من النتيجة النهائية لتطبيق الشريعة الإسلامية خاصة فيما يتعلق بطبيعة الدولة، فأبرزت جماعة الإخوان المسلمين أنها ترفض حكم رجال الدين أو أن تدعي جماعة معينة أنها هي التي تمتلك الحقيقة دون غيرها من الفرق أو الجماعات، كما أكدت على أن الإسلام لا يعرف "الحكومة الدينية" ولا يقرها وأن تطبيق الشريعة الإسلامية لا يمكن أن يؤدي إلى حكومة دينية لأن مصطلح الحكومة الدينية مصطلح غريب على الإسلام وهو نمط من الحكم والحكومات ارتبط بالخبرة الغربية فقط في عصر من عصورها بينما في الإسلام لا يوجد أي سند للحاكم يجعله يدعي أنه ذو حكم إلهي أو حق إلهي في الحكم، وهكذا فإن جماعة الإخوان المسلمين في تبريرها اختيار الوفد لم تكن تعتمد على موقف حزب الوفد من الشريعة الإسلامية لتبريرها "التعاون" بقدر ما كانت تسعى إلى تقريب وجهات نظرها من وجهة نظره.

وبالإضافة إلى ذلك فإن الجماعة كانت مضطرة للدفاع عن نفسها لاختيارها الوفد باعتباره حزب العلمانية "للتعاون" معه والذي أوقعها فيما يشبه التناقض بين مبادئها المعلنة وممارساتها الفعلية – فلجأت الجماعة في تبرير تعاونها مع الوفد إلى الدفاع عن الحزب في موقفه من الشريعة الإسلامية: فقد بررت الجماعة عدم سعي الحزب إلى تطبيق الشريعة الإسلامية رغم توليه السلطة أو الوزارة أكثر من مرة قبل الثورة بأن الحزب كان مشغولا في تلك الفترة، وأنه لو وجدت الفرصة لطرح قضية تطبيق الشريعة الإسلامية لما تردد الحزب أو تأخر، بالإضافة إلى لتأكيد على أن مدة الحكم ليست معيارا لتحديد الموقف النهائي من الشريعة الإسلامية بدليل أن حوالي 32 عاما مرت بعد الثورة ولم يتم تطبيق الشريعة الإسلامية، كذلك تجاهلت الجماعة نص البرنامج الأصلي لحزب الوفد بأن الشريعة الإسلامية هي مصدر أصيل للتشريع وليس المصدر الرئيسي، ورغم الفرق الواضح بين التعبيرين إلا أن الإخوان المسلمين قد تجاهلوا هذا الفرق.

وخلاصة القول أن جماعة الإخوان المسلمين لم تعتمد على قضية الشريعة الإسلامية في تبرير تعاونها مع الوفد أو اختيار الوفد بالذات دون الأحزاب الأخرى بنفس درجة استخدام المبررات الأخرى، فقد اعتمدت في تبرير "تعاونها" مع الوفد على إثارة الحدود الدنيا من الاتفاق بين الطرفين والتي لم تتعد الاتفاق على المادة الثانية من الدستور، ومن ناحية ثانية فقد ذهب تبرير اختيارها للوفد إلى محاولة التقريب بين وجهات النظر، ويرجع ضعف اعتماد الإخوان على الشريعة الإسلامية في تبرير اختيارها إلى إدراك الجماعة منذ بداية التعاون أن الوفد على اختلاف معها في مسألة الشريعة الإسلامية، وقد حرص رموز الوفد أنفسهم على إظهار قضايا الخلاف بوضوح وصراحة شديدة، وقد قبلت الجماعة التعاون معه على الأساس ومن ثم فلم يكن من الأفضل للجماعة أن تثير هذه القضية أكثر مما تفرضه ظروف "التعاون" وملابساته.

والحق أن السؤال ليس لماذا لم تعتمد الجماعة على قضية الشريعة الإسلامية في تبرير اختيارها للوفد ولكن السؤال الحقيقي هو لماذا اختارت الجماعة الوفد بالفعل رغم وضوح الخلاف بين الطرفين فيما يتعلق بقضية الشريعة الإسلامية وإدراكها لحجم هذا الخلاف؟ بمعنى آخر إذا كانت الشريعة الإسلامية هي القضية الأم بالنسبة للجماعة فلماذا لم تجعل الموقف من الشريعة الإسلامية هو معيار تحديد الصديق والعدو أو من تتعاون معه ومن لا يجب التعاون معه؟ والحق أن الإجابة على هذا السؤال توضح أو تعكس لنا أن الجماعة تتسم بدرجة عالية من المرونة والتكتيك في الممارسة السياسية أو أنها لا تنطلق من الاعتبارات الأيديولوجية والدينية دائما، وهذا ما سنوضحه في موضع آخر.

ثانيا: المبررات التي أعلنها حزب الوفد الجديد لتسويغ تعاونه مع جماعة الإخوان:

في جزء سابق من الدراسة قد تعرضنا للمبررات المعلنة من جانب حزب الوفد لرفض فكرة التحالف مع الأحزاب السياسية الأخرى، وذلك حين تعرضنا لموقف الوفد من فكرة القائمة المشتركة التي طرحتها المعارضة، وفي هذا الجزء نعرض للمبررات المعلنة من جانب حزب الوفد للتعاون مع جماعة الإخوان المسلمين، ومن خلال استقراء الكثير من الأحاديث والتصريحات والمقالات لرموز حزب الوفد وقياداته نستطيع أن نحدد تلك المبررات في:

1 – العلاقة التاريخية الطيبة بين الوفد والإخوان المسلمين:

فقد اعتمد الوفد هو الآخر على فكرة العلاقة التاريخية بين الوفد والإخوان المسلمين فترة ما قبل الثورة تحديدا في تبريره للتعاون معها، فأشار الوفد إلى أن الإخوان دائما كانوا يناصرونه في معاركه الانتخابية، وأن وزارات الوفد طالما كافحت من أجل مناصرة قضايا جماعة الإخوان، وضرب فؤاد سراج الدين مثالا بوزارة 1949 الائتلافية، ووزارة الوفد سنة 1950 والتي قام في الأسبوع الأول من تشكيلها بالإفراج عن جميع المعتقلين من الإخوان المسلمين كما أعاد دار المركز العام لجماعة الإخوان المسلمين، وقد أشار الوفد كثيرا إلى أن علاقة التعاون بين الوفد والإخوان هذه ليست جديدة بين الطرفين ولكن التعاون قديم قدم وجودهما على الساحة السياسية.

2 – إيمان حزب الوفد بالليبرالية والديمقراطية والوحدة الوطنية:

فقد برر الوفد قبوله التعاون مع جماعة الإخوان المسلمين بالتأكيد على طبيعته باعتباره حزب ليبرالي يقبل كافة الاتجاهات والأفكار مما يجعله لا يجد ما يمنع من تعاونه مع الإخوان أو فتح أبوابه لتعاون الجماعة معه، كذلك كان إيمان الحزب بالديمقراطية وضرورة تمثيل كافة الاتجاهات والقوى السياسية ذات الثقل في المجتمع تفرض عليه أيضا ضرورة المساهمة في توفير قناة لجماعة الإخوان المسلمين لتعبر عن نفسها من خلالها خاصة في ضوء حرمان الجماعة من حقها في تكوين حزب سياسي خاص بها، وقد قال د. عبد العظيم رمضان في هذا الشأن: "ومن الطبيعي أن الانتماءات الأيديولوجية للأحزاب المعارضة الموجودة الآن في الساحة السياسية ترفض قبول الإخوان المسلمين تحت مظلة أي منها ولكن مظلة الوفد الديمقراطية تقبل الجميع، فهي تقبل الأقباط والمسلمين، وتقبل اليساريين والليبراليين وتقبل العمال والرأسماليين وتترك للممارسة الديمقراطية الحزبية التي يتميز بها الوفد تغليب وجهة نظر أي فريق". وقال د. نعمان جمعة (سكرتير مساعد حزب الوفد في ذلك الوقت): "إن الإخوان المسلمين مصريون ولا بد أن يتمتعوا بالحقوق السياسية التي تحرمهم منها الدولة ونحن لا نتضامن مع الدولة في حرمانهم من الحقوق السياسية ...".

3 – تمايز جماعة الإخوان المسلمين عن بقية الجماعات الإسلامية الأخرى:

فقد برر الوفد اختياره لجماعة الإخوان المسلمين للتعاون معها في الانتخابات بأن الإخوان المسلمين يتميزون عن بقية الجماعات الإسلامية الأخرى في نواحي عديدة سواء من حيث الفكر أو وسائل العمل السياسي التي تتبناها، أو من حيث الاستقلال التنظيمي عنها.

فأعلن حزب الوفد على لسان فؤاد سراج الدين زعيم الحزب: "إننا نفرق بين الإخوان المسلمين وبين أعضاء الجماعات الإسلامية ذات الميول المتطرفة الذين يكفرون الناس بما فيهم الإخوان أنفسهم .. وطبعا لا وجه للشبه بين هؤلاء وبين الإخوان المسلمين".

كذلك أعلن الوفد أن جماعة الإخوان المسلمين تتميز عن بقية الجماعات الدينية الأخرى من حيث الأهداف باعتبار "أن جماعة الإخوان المسلمين مستقلة تماما عن الجماعات الدينية الأخرى في المنطق والأسلوب وفي الأهداف، فجماعة الإخوان المسلمين نشأت أساسا للتربية والتثقيف والتقويم من أجل التمسك بالمبادئ والقيم الإسلامية".

كما أكد الوفد على أن جماعة الإخوان المسلمين لم تعد تؤمن بالعنف كوسيلة للعمل السياسي، فيقول د. عبد العظيم رمضان مبررا تعاون الوفد مع الإخوان "إن جماعة الإخوان المسلمين بعد أن نبذت فكرة إنشاء التنظيمات السرية وفكرة الوصول إلى السلطة عن طريق العنف تمثل أكثر الجماعات الإسلامية اعتدالا في المجتمع المصري" بالإضافة إلى اتجاه الجماعة إلى الإيمان "بالديمقراطية وبأن تولي المناصب يكون بالانتخاب الحر وأن التغيير يكون بالتطور عن طريق الوسائل السياسية والقانونية".

وهكذا نخلص إلى أن حزب الوفد في تبريره للتعاون مع جماعة الإخوان المسلمين قد ركز على مسألتين محددتين:

الأولى: هو إيمان الحزب بالديمقراطية وضرورة تمثيل كل القوى السياسية عبر الطرق السلمية للممارسة السياسية، وأن إيمانه بخطورة ترك جماعة مثل الإخوان المسلمين تحتل مساحة كبيرة من الاهتمام دون تمثيل رسمي هو الذي دفعه إلى فتح أبوابه أمام الجماعة لدخول انتخابات مجلس الشعب 1984 للحصول على تمثيل سياسي في البرلمان بدلا من أن يؤدي حرمانها من التمثيل السياسي الرسمي إلى تبنيها أو على الأقل تبني قطاعات من أعضائها العمل السري العنيف

والثانية: هي تركيز الوفد على أن اختياره لجماعة الإخوان المسلمين إنما يرجع إلى مجموعة عوامل أيضا تتصل بالجماعة نفسها والتي تتعلق بطبيعة أهدافها وأفكارها باعتبارها جماعة تهدف إلى نشر الدعوة الإسلامية بالطرق السلمية، بالإضافة إلى التغير الذي طرأ على الجماعة وهو نبذها لفكرة العنف وتبنيها لفكرة العمل الديمقراطي السلمي، بمعنى أن الوفد قد ركز في تبريره للتعاون مع جماعة الإخوان المسلمين على أن متغيرات قد طرأت على الجماعة جعلت من الممكن التعاون معها في الحياة السياسية.

ومن العرض السابق لكل من المبررات المعلنة من جانب الوفد والإخوان المسلمين نستطيع أن نخلص إلى عدد من النتائج بخصوص تلك المبررات:

أولا: أن الوفد في تبريره لتعاونه مع جماعة الإخوان المسلمين كان تبريره ينطوي على قدر من "المن" أو المساعدة والعون للجماعة – وقد لوحظ ذلك خاصة من إهمال الوفد الاعتماد على ظروف قانون الانتخابات ونسبة الـ 8% كمبرر للجوئه إلى التعاون مع الجماعة للاستفادة من شعبيتها.

ثانيا: لوحظ أيضا من تبرير الوفد إهماله لقضية الشريعة الإسلامية إهمالا واضحا، فلم تثار قضية الشريعة الإسلامية من جانبه كمبرر لاختياره جماعة الإخوان المسلمين للتعاون معها ولم يثر الوفد قضية الشريعة الإسلامية إلا من زاوية محاولة كسب تأييد مختلف القوى الاجتماعية بما فيها أنصار وأتباع جماعة الإخوان المسلمين.

ثالثا: نلاحظ أنه من خلال المبررات التي قدمها كل طرف لتعاونه مع الطرف الآخر أنه كان هناك فجوة فاصلة بين المبررات التي قدمها الطرفان، وهي تعكس وجود قدرا من عدم التكافؤ بين الطرفين، فمن ناحية كان حجم المبررات التي قدمها الإخوان أكثر من تلك التي قدمها الحزب بما يمكن أن يشير إلى شعور الجماعة بأن تعاونها مع الوفد كان بمثابة أمرا غير طبيعيا أو مات يمثل التناقض الذي وقعت فيه الجماعة أكثر مما شعر به الوفد من تناقض بتعاونه مع الجماعة، وكان هذا أمرا طبيعيا بالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين لأن الجماعة كانت ملزمة بتبرير لجوئها إلى العمل الحزبي جنبا إلى جنب مع تبريرها لتعاونها مع الوفد دون غيره من الأحزاب الذي دافع طوال تاريخه عن العلمانية ، بالإضافة إلى تاريخ الصراع السياسي بين الحزب والجماعة في فترة ما قبل الثورة على عكس ما قيل من الجانبين عن العلاقات التاريخية الحسنة بينهما في تلك الفترة، بينما بالنسبة لحزب الوفد فإن تاريخه وسمعته التاريخية باعتباره حزب الوحدة الوطنية وأنه الحزب الذي تتسع مظلته الديمقراطية لكل الاتجاهات، فحضور كل هذه الأمور في خلفيته قد قلل من إحساسه بالتناقض بتعاونه مع إحدى القوى السياسية غير المشروعة بل إن كل العوامل قد دفعته إلى تصوير علاقته بالإخوان على أنها علاقة مساعدة أو "من" من جانبه عليها.

ومن ناحية أخرى نلاحظ أن المبررات التي قدمتها جماعة الإخوان المسلمين كانت تميل إلى الإجابة على سؤال لماذا لجأت جماعة الإخوان المسلمين إلى التعاون مع الوفد؟ بينما كانت تميل المبررات التي قدمها الوفد الجديد إلى الإجابة على سؤال لماذا قبل حزب الوفد التعاون مع جماعة الإخوان المسلمين؟ ولا شك أن الاختلاف بين هذين السؤالين واختلاف المبررات المقدمة على أساس كل مهما تعكس قدرا من عدم التكافؤ أو الندية في العلاقة التي قامت بينها ومن ناحية أخرى تعكس قدرا من الاختلاف الذي انطوى عليه هذا التعاون منذ بدايته، وهو ما ظهر بوضوح في إدارة الطرفين للعملية الانتخابية ونتائجها، حيث كان الإخوان بمثابة الشريك الأصغر في علاقة كان الوفد فيها هو المسيطر.

المبحث الثالث: الدوافع الحقيقية وراءالتعاون بين الوفد والإخوان

يسعى هذا الجزء إلى الكشف عن الدوافع والأسباب الحقيقية وراء تعاون الوفد والإخوان مع ملاحظة مهمة وهي أن وجود أسباب حقيقية وراء قرار التعاون لا يعني بحال من الأحوال عدم صحة المبررات المعلنة للتعاون سواء تلك التي قدمها الوفد أو التي قدمتها جماعة الإخوان المسلمين، فهذه المبررات لم تخلو من قدر من الصحة، إلا أن الاعتماد عليها في فهم الدوافع الحقيقية وراءالتعاون غير كاف، إذ أن هذه المبررات ليست سوى الأسباب أو الدوافع التي أراد الطرفان للآخرين أن يعرفوها، ومن ثم يصعب الاعتماد عليها أو النظر إليها باعتبارها الدوافع الحقيقية وراء قرار التعاون، إذ أنها قد لا تخلو من تأثرها بمقتضيات الدعاية الانتخابية والرد على الهجوم الذي قوبل به التعاون الوفدي الإخواني، إلا أنها تظل مفيدة من جانبين، الأول في فهم بعض أبعاد الدوافع الحقيقية وراء قرار التعاون والثاني في فهم تصور كل طرف لطبيعة التعاون وهو ما نتعرض له في جزء تال من الدراسة.

ومن الجدير بالذكر أن الكشف عن الدوافع الحقيقية وراء التعاون بين الوفد والإخوان لا يكون إلا من خلال قراءة وتحليل طبيعة الظروف السياسية والقانونية التي جرت في ظلها الانتخابات، وطبيعة القوى الحزبية والسياسية التي تنافست فيها وتوازنات القوى بينها.

وفي محاولة فهم الدوافع الحقيقية وراء قرار التعاون سوف نناقش تلك الآراء التي ذهبت إلى القول بأن قرار التعاون كان قرارا "مستغربا" أو قرارا "غير طبيعيا" باعتبار أن طرفي التعاون لا ينتميان إلى نفس الخط الفكري بالإضافة إلى مناقشة الدوافع التي وقفت وراء قرار التعاون نفسه.

فقد ذهبت أغلب التحليلات التي تعرضت لتعاون الوفد والإخوان إلى أن عوامل الاختلاف بين الطرفين كانت تفوق عوامل الاتفاق بينهما وأن النظر إلى طبيعة الخريطة الحزبية والأيديولوجية في تلك الفترة كان من الصعب معها التكهن بحدوث مثل هذا التعاون بين الوفد والإخوان، وتحديدا فقد ذهبت تلك التحليلات إلى أن هذا التعاون كان انضمام "الشوام للمغاربة" أو أنه بمثابة اجتماع "الأخوة الأعداء" أو "زواج مصلحة" وهي كلها أوصاف قدمتها تلك التحليلات للتعاون بين الوفد والإخوان بناء على فكرة أساسية جوهرها التناقض الفكري والأيديولوجي بين الطرفين المعنيين فقد ذهبت تلك التحليلات إلى أنه بالنظر إلى المعايير المختلفة التي كان من المتوقع أن يستند إليها أي منهما في تحديد حليفه لم يكن قرار التعاون متوقعا، فبالنظر إلى تقسيم الخريطة الحزبية في تلك الفترة على أساس الموقف من الديمقراطية والتعدد الحزبي فإن الوفد والإخوان لا يقعان في نفس السلة، كذلك بالنظر إلى الموقع بين اليمين والوسط فإن الوفد يقع يمين الوسط بينما يقع الإخوان بين المسلمين في أقصى اليمين، كما اعتمدت تلك التحليلات أيضا على الخبرة التاريخية الصراعية بين الطرفين في فترة ما قبل الثورة لتنتهي إلى أن هذا التعاون لم يكن متوقعا ولم يكن طبيعيا، ومن ثم لم تتردد بعض التحليلات في التخويف من الآثار المحتملة لهذا التعاون "المشبوه" على حد وصف أحد الكتاب لهذا التعاون، إلا أن أهم ما اعتمدت عليه تلك التحليلات هو معيار الموقف من الشريعة الإسلامية، باعتبارها القضية الأم بالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين، وقضية العلمانية باعتبارها من القضايا الرئيسية التي يجد حزب الوفد في الدفاع عنها تاريخه وسمعته، فكيف في الوقت الذي لا ييخفي فيه الوفد اختلافه مع جماعة الإخوان المسلمين، في مسألة الشريعة الإسلامية ويعلن تحفظاته صراحة في تلك القضية تقبل جماعة الإخوان المسلمين التعاون مع حزب الوفد؟ وفي نفس الوقت كيف يقبل الوفد التعاون مع جماعة تناصب فكرة العلمانية التي نذر الحزب تاريخه للدفاع عنها العداء؟

ولذلك فإن مناقشة تلك التحليلات ومناقشة النتائج التي انتهت إليها استنادا إلى تلك المعايير التي طرحتها في معالجة قرار التعاون تساعدنا في فهم الدوافع الحقيقية وراءه هذا القرار وإلى أي حد كانت تلك المعايير عاملا أو مدخلا في هذا القرار خاصة قضية الشريعة الإسلامية، فحزب الوفد لم يتردد في الإعلان عن عدم اتفاقه مع جماعة الإخوان المسلمين في مسألة تطبيق الشريعة الإسلامية ولم يتورط الحزب طيلة فترة التعاون والدعاية الانتخابية تحديدا في القول بأن قضية الشريعة الإسلامية ستكون هي القضية الأم للتعاون في مجلس الشعب، فالقضية الأساسية التي أفصح الحزب عن إعطائها الأولوية في المجلس كانت قضية الإصلاحات السياسية والديمقراطية، ومن ناحية أخرى لم يتردد الحزب منذ بداية التعاون في إبراز محاور اختلافه مع الإخوان المسلمين بخصوص قضية الشريعة الإسلامية، فالطرفان مختلفان حول ما هو المقصود بالشريعة الإسلامية التي يجب تطبيقها هل هي القرآن فقط والسنة أم يدخل فيها الفقه والاجتهاد وهو ما عبر عنه بوضوح د. نعمان جمعة (سكرتير مساعد حزب الوفد في ذلك الوقت).

كذلك فإن الطرفين كانا مختلفان حول كيفية تطبيق الشريعة الإسلامية، فهل يتم التطبيق عن طريق إحلال قوانين جديدة محل كل القوانين القائمة أم يكتفى فقط بتنقية القوانين والتشريعات القائمة مما يخالف الشريعة الإسلامية؟ فقد أعلن حزب الوفد على لسان المرحوم د. وحيد رأفت (نائب رئيس الحزب) أن الوفد يرفض تماما فكرة إلغاء جميع التشريعات القائمة على أساس أنها تتعارض مع التشريع الإسلامي معللا ذلك بأن هذه التشريعات القائمة إنما وضعها رجل قانون مسلم وهو الدكتور السنهوري وهو رجل متفقه في الشريعة الإسلامية والدين، كما أن هذه القوانين لا يوجد فيها ما يخالف الشريعة الإسلامية إلا في عدد محدود من المواد، وفي مقابل إعطاء الإخوان لقضية الشريعة الإسلامية أهمية خاصة فإن حزب الوفد كان يركز على قضايا أخرى وبالذات تلك المتعلقة بالإصلاح السياسي، فقد أعلن فؤاد سراج الدين صراحة أن تعديل الدستور هو المهمة الأولى أمام نواب مجلس الشعب، والأكثر دلالة من ذلك أن الهيئة البرلمانية لحزب الوفد بعد النجاح مباشرة في الانتخابات قد أعدت ستة مشروعات قوانين لم يتعلق أي منهما بقضية الشريعة الإسلامية وتركزت كلها حول الإصلاح السياسي.

ولكن يبقى الخلاف الأهم بين الوفد والإخوان حول مسألة الشريعة الإسلامية هو ذلك المتعلق بالفوائد والحدود، فلم يتردد حزب الوفد في التأكيد على أن تطبيق الحدود مسألة غير منطقية في هذه العصر، وقال د. وحيد رأفت في هذه الشأن: "هل من المنطق بعد 1400 سنة من الإسلام أن تقطع في مصر يد السارق؟" كذلك فيما يتعلق بالموقف من فوائد البنوك بينما ينظر إليها الإخوان باعتبارها ربا أخذ الوفد بوجهة النظر التي تفسرها باعتبارها فوائد مشروعة تعوض صاحب المال عن عوائد استخدام هذا المال، فيقول د. وحيد رأفت "ومع خلافي في الرأي حول الفوائد لأن هناك من يفسرها بعقلية الإسلام الأولى وهناك من يفسرها بعقلية متفتحة ويقول إن الفوائد التي يأخذها الناس مقابل الإيداع لأموالهم في البنوك ليست ربا كما يدعي البعض بل هي في نظر الكثير من المثقفين فوائد مشروعة".

ومن ناحية أخرى فإنه في الوقت الذي ركز فيه حزب الوفد على العلمانية باعتبارها الأساس الذي يمكن أن تقوم عليه الوحدة الوطنية والتلاحم بين عنصري الأمة دون توتر أو حساسية، وهي القضية التي ارتبطت بتعبير الوفد عن مخاوفه من أن يؤدي تطبيق الشريعة الإسلامية على النحو الذي يسعى إليه الإخوان المسلمين إلى شكل من أشكال الحكومات الدينية والتي تعد أخطر تهديد للوحدة الوطنية في نظر الوفد، فقد ركز الإخوان المسلمين على قضية الشريعة الإسلامية وتطبيقها باعتبارها الضمانة لتحقيق الاستقرار والتلاحم الوطني بين عنصري الأمة باعتبار أن الشريعة الإسلامية تحافظ على حقوق المواطن سواء كان مسلما أو قبطيا.

وفي ضوء هذا التناقض الظاهر بين الطرفين سواء فيما يتعلق بالموقف من الديمقراطية والتعدد الحزبي أو العلاقة الصراعية القديمة أو فيما يتعلق على وجه الخصوص بالموقف من قضية الشريعة الإسلامية فالسؤال المهم هو كيف حدث التعاون أو ما هو تفسير قرار التعاون؟ وعموما يمكن فك هذا التناقض الذي لا يعدو أن يكون تناقضا ظاهريا بين طرفي التعاون أو بالأحرى يمكننا فهم وتفسير قرار التعاون في ضوء عدد من الاعتبارات أهمها ما يلي:

1 – موقع قضية الشريعة الإسلامية لدى جماعة الإخوان المسلمين وأهميتها النسبية في قرار التعاون:

فهل كانت قضية الشريعة الإسلامية بحق هي المعيار الأول أو الوحيد لدى جماعة الإخوان المسلمين في تحديد من تتعاون معه ومن لا يجوز التعاون معه، أو هل كان الموقف من الشريعة الإسلامية هو المعيار الوحيد في تحديد تكتيكات الجماعة وتحديد مواقفها من القوى السياسية المختلفة؟ فرغم أن قضية الشريعة الإسلامية هي القضية الأم بالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين وأن تطبيق الشريعة الإسلامية وإقامة المجتمع الإسلامي هما الهدفان الاستراتيجيان للجماعة إلا أنه يكون من المفيد لفهم ممارسات الجماعة التمييز بين أهداف استراتيجية للجماعة وأخرى تكتيكية، فالأخيرة تخدم على الأولى، ولا تتردد الجماعة في اتباع أي من الوسائل والأهداف التكتيكية لخدمة الأهداف الاستراتيجية ما دامت لا تخالف تلك التكتيكات نصوصا شرعية.

وهذا ما يفسر لنا كيف أقدمت الجماعة على التعاون مع حزب سياسي ليست الشريعة الإسلامية هي قضيته المحورية، فالإخوان المسلمون لم يكن ينتظروا من تعاونهم مع الوفد أن يتحول الحزب إلى مناصر على طول الخط لقضية الشريعة الإسلامية أو أن يغير من برنامجه لتصبح الشريعة الإسلامية هي هدفه الأول والأخير، إذ أن الجماعة كانت من النضج في الممارسة والعمل السياسي إلى الحد الذي جعلها تفرق بين الحزب السياسي والجماعة الدينية، الأول باعتباره تنظيم سياسي يسعى إلى السلطة السياسية والحكم، وتظل القضية الشريعة الإسلامية هي أحد القضايا التي يهتم بها الحزب، والثانية باعتبارها جماعة دينية قامت في الأصل بهدف إقامة المجتمع المسلم وتطبيق الشريعة الإسلامية وتدور كل ممارساتها حول هاذ الهدف المحدد، ومن ثم فإن الجماعة كان من المنطقي أن تقبل تعاونها مع حزب سياسي ليست الشريعة الإسلامية هي قضيته الأولى أو على أقصى تقدير يختلف معها بخصوص هذه القضية.

وبعبارة أخرى فإن الجماعة لم تكن تطمح من وراء الوفد سوى تحقيق الهدف التكتيكي المحدد وهو أن يوفر لها قناة للوصول إلى مجلس الشعب باعتباره المنبر الذي يمكن أن تطرح من خلاله مطالبها بتطبيق الشريعة الإسلامية، وكان من المنطقي أن تكتفي الجماعة من الحزب بأن يتفق معها على التسليم بنص المادة الثانية من الدستور بما لا يقود إلى معارضة الحزب للجماعة داخل المجلس إذا ما أثارت قضية تطبيق الشريعة الإسلامية، وهكذا اكتفت الجماعة بوجود حد أدنى من الأرضية المشتركة بين الجانبين في مسألة تطبيق الشريعة الإسلامية، ولعل ما يعكس هذا التصور لدى الجماعة هو استنكار التلمساني – المرشد العام للجماعة آنذاك – لقيام الشيخ صلاح أبو إسماعيل بتجميد عضويته في الحزب بسبب تجاهل الوفد لقضية الشريعة الإسلامية في مجلس الشعب وإعلان الوفد صراحة أن الشيخ صلاح أبو إسماعيل في حديثه بالمجلس عن الشريعة الإسلامية لا يمثل إلا نفسه ولا يعبر عن الهيئة البرلمانية لحزب الوفد بالمجلس وقال التلمساني: "إن كون الوفد يؤجل عرض قضية تطبيق الشريعة الإسلامية فهي مسألة ترجع إلى الوقت في تقديرهم" بمعنى آخر فإن التلمساني لم ير غضاضة في أن يطرح الوفد القضية في الوقت الذي يراه مناسبا.

وخلاصة القول: إن جماعة الإخوان المسلمين قد تميزت بوضوح أو أدركت أن هناك فروقا بين الحزب السياسي والجماعة الدينية وهذه الفروق كان لا بد أن تنعكس على أولوية قضية تطبيق الشريعة الإسلامية بين أهداف كل منهما، ومن ناحية أخرى كان تمييز الجماعة بين الأهداف الاستراتيجية والأهداف التكتيكية يجعلها لا تجد غضاضة في التعاون مع حزب سياسي ليست الشريعة الإسلامية هي قضيته الأولى ومن ثم يكفيها اتفاق الحزب معها من حيث المبدأ على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، ولعل خبرة التعاون داخل مجلس الشعب تلقي لنا الضوء على هذه القضية بما يدعم هذا التحليل.

2 - تطور أفكار كل من الوفد والإخوان:

فقد لا يكون من المناسب الحكم على هذا التعاون كما لو كان تعاونا في الأربعينات، فليس من المنطقي أن نحلله في ضوء أفكار وممارسات طرفيه في فترة سبقت التعاون بحوالي أربعة عقود، بمعنى آخر فإن مجموعة من التطورات الهامة قد حدثت في مواقف وأفكار طرفي التعاون – الوفد والإخوان – قد جعلت من الممكن تلاقيهما على أهداف محددة بحيث يكون الاعتداد إلى العلاقة الصراعية القديمة بين الطرفين أو أفكار وأيديولوجيات كل منهما في فترة سبقت التعاون بأكثر من ثلاثة عقود اعتدادا غير دقيق، فقد شهدت أفكار وأيديولوجيات الطرفين مجموعة من التطورات الهامة جعلت من الممكن تلاقيهما دون حساسية عالية.

ويمكن أن نرصد أهم هذه التغيرات أو التطورات التي طرأت على فكر وممارسة جماعة الإخوان المسلمين في انفتاح جماعة الإخوان على القوى السياسية الأخرى (قبول الآخر)، وكان هذا أهم تطور لدى جماعة الإخوان المسلمين، فأكدت جماعة الإخوان مرارا على أنها لا تحتكر لا الحديث باسم الإسلام ولا حتى الحق المطلق على طول الخط، بحيث أصبحت جماعة الإخوان المسلمين تقبل التعايش، مع الأفكار الأخرى مثل فكرة التعدد الحزبي والديمقراطية والانتقال السلمي للسلطة ... إلخ، وما يعكس هذا التطور في حياة الجماعة هو حرصها على مشاركة القوى السياسية والحزبية في أعمال المعارضة من أجل إدخال الإصلاحات السياسية على النظام السياسي، وقد شارك التلمساني نفسه في أعمال المؤتمر الثالث للحريات الذي عقد في مقر حزب التجمع، وكانت مشاركته ذات ذا دلالة هامة بالنسبة لتطور موقف جماعة الإخوان المسلمين من الشيوعيين والناصريين والذي كان يقوم على رفض أي صورة من صور التعاون معهم، كما فتحت جريدة الأهالي صفحاتها لنشر أحاديث لزعماء ورموز الجماعة لأول مرة.

والأهم من ذلك أن الجماعة استطاعت أن تقبل أفكارا مثل العلمانية ما دامت تقتضي مصلحتها ذلك عن طريق تبني فهما معينا للعلمانية يقوم على التركيز على أن العلمانية وإن كانت تعني فصل الدين عن الدولة إلا أنها لا تعني تدخل الدولة في معتقدات الناس أو ممارستهم لشعائر دينهم، وهكذا نستطيع القول بأن إخوان الثمانينيات ليسوا هم إخوان الأربعينيات وأن مواقف وأفكار الإخوان قد شهدت مجموعة من التطورات الهامة أهمها: قبول الانفتاح على القوى السياسية الأخرى وقبول التعاون معها لتحقيق أهداف محددة وليس الاندماج الفكري، وقبول التعايش مع أفكار كانت الجماعة ترفضها مثل العلمانية والتعدد الحزبي والديمقراطية .. إلخ. بالإضافة إلى تمييز الجماعة بوضوح بين التعاون مع أحد القوى السياسية وبين اندماج الأفكار، فقد ميز التلمساني بوضوح في أحد أحاديثه بين هذين الأمرين، عندما قال: " .. إن المجتمعات المتباينة الاتجاهات يلتقي أفرادها مع البعض في المعاملات والأسفار والاحتفالات دون أن يقال إن أحدا تخلى عن فكره أو عقيدته، كل ما في الأمر أنني أشعر أنني لست مستكملا لكل حريتي فكل من يدعونني لبحث استكمال هذه الحرية بادرت بإجابة هذا النداء وجلست معه على مائدة أو على الأرض أو في طائرة لبحث هذا الأمر فقط دون زيادة، فلن أتحدث معه في فكري ولن يتحدث معي في عقيدتي ...".

وهكذا يعكس حديث التلمساني بوضوح تمييزه بين التعاون مع أي قوة سياسية أو جماعة والاندماج الفكري معها، ومن ثم أصبح من الممكن لدى جماعة الإخوان أن تلتقي مع حزب سياسي أو جماعة سياسية ما لتحقيق هدف محدد دون أن يمتد ذلك إلى مناقشة أفكار وأيديولوجيات كل منهما أو وضعها موضع النقاش والجدل، هذا بالإضافة إلى الثوابت الفكرية لدى الجماعة المتمثلة في الإيمان بالتدرج في تحقيق أهدافها سواء فيما يتعلق بتطبيق الشريعة الإسلامية أو غيره من الأهداف، وكل هذا يفسر لنا كيف ساهمت تلك التطورات في قبول الجماعة التعاون مع الوفد أو قبول الوفد التعاون معها.

ولم تقتصر تلك التطورات على جماعة الإخوان المسلمين ولكنها امتدت أيضا إلى حزب الوفد نفسه، وقد تمثل أهم تطور تعرض له الحزب في نمو تيار ديني إسلامي داخله، وقد بدأ هذا التيار ترسيخ جذوره بانضمام الشيخ صلاح أبو إسماعيل إلى الحزب في 1978 والشيخ عبد الغفار عزيز، وبصرف النظر عن الأسباب التي أدت إلى نمو هذا التيار الديني داخل الحزب إلا أن المهم هو أن وجود هذا التيار الديني داخل الحزب ونموه قد ساهم في خلق استعدادات لدى الحزب لقبول التعاون مع قوى دينية وإسلامية كالإخوان فيما بعد.

ولعل ما يعكس هذا التطور الهام في بنية واتجاهات حزب الوفد هو عدم تردد الحزب في تبني فهما "للعلمانية" هو الآخر لا يعني دائما الفصل بين الدين والدولة والذي مثل أهم تطور في فكر حزب الوفد، فقد ميز زعيم الحزب فؤاد سراج الدين بين أربعة أنواع من الأنظمة السياسية أو الحكومات: "الأول هو الحكومة اللادينية التي تنكر الأديان جميعا والثاني النظام الديني البحت الذي يسيطر فيه رجال الدين على الدولة كما هو حادث في إيران تحت حكم الخوميني، والثالث النظام العلماني الذي ينادي بفصل الدين عن الدولة والوفد يستبعد هذه الصور الثلاث ويبقى النظام الرابع الذي لا يفصل الدين عن الدولة وهو النظام المتبع في مصر وهذا ما يؤمن به الوفد"، ويمكن أن نحدد عددا من المؤشرات على وضوح هذا التيار الديني داخل الوفد بالإضافة إلى تحديده لمفهوم العلمانية بالمعنى السابق، ومن أهم هذه المؤشرات: اتجاه الحزب إلى إعطاء قضية الشريعة الإسلامية قدرا من الاهتمام أكبر مما كان عليه الموقف من قبل، فحتى الإعلان عن عودة الحزب إلى الحياة السياسية في 1983 ظل موقفه من الشريعة الإسلامية كما نص عليه برنامج الحزب من أن الشريعة الإسلامية هي مصدر أصيل للتشريع، ولم تحتل الشريعة الإسلامية من البرنامج أكثر من سطرين في أواخر الجزء الخاص بالحريات السياسية، إلا أنه مع عودة الحزب إلى الحياة السياسية في 1983 تعدل موقفه من الشريعة الإسلامية وأعطاها قدرا أكبر من الاهتمام فرغم الاحتفاظ بنص البرنامج الأصلي حتى تاريخ عودته إلى الحياة السياسية أصدر الحزب بيانا هاما مارس 1984 أكد فيه على أهمية الشريعة الإسلامية في المجتمع ودور الدين بصفة عامة في الحياة، كما أعاد صياغة موقفه في قضية علاقة الدين والدولة.

وثمة مؤشر آخر يدل على أهمية هذا التيار الديني وتأثيره على البنية الفكرية للحزب، وهو موقف الحزب من مجموعة الوفديين الذين أعلنوا اختلافهم مع الحزب على أثر المواقف الجديدة التي تبناها من العلمانية والشريعة الإسلامية وإعلانهم استقالاتهم من الحزب، فقد كان واضحا أن حزب الوفد على استعداد للتضحية بمجموعة من كوادره مقابل التمسك بهذا التيار الديني في الحزب، فمع إعلان الحزب لبيان مارس 1984 وحديث فؤاد سراج الدين بشأن العلمانية أعلن عدد من الوفديين اختلافهم مع الحزب بشأن هذا التطور الجديد وقدموا استقالاتهم من الحزب، وكان أهم هؤلاء الوفديين د. محمد أنيس، د. لويس عوض، كمال خالد (سكرتير عام الوفد بدمياط والمحامي الخاص لسراج الدين)، أحمد الخواجة (نقيب المحامين) .. إلخ، بالإضافة إلى د. فرج فودة والذي كان يعتبر نفسه من منظري الحزب رغم حداثة انضمامه إليه، وقد أعلن فؤاد سراج الدين صراحة أن د. فرج فودة فيما يتعلق بحديثه عن العلمانية والصراع الديني المحتمل بسبب نمو التيار الديني بالحزب لا يعبر إلا عن نفسه، بما يشير إلى تمسك الحزب بالتيار الديني مقابل استعداده للتضحية ببعض كوادره.

وخلاصة القول: إذن أن قدرا من التطور قد دخل على البنية الفكرية للحزب مع نمو هذا التيار الديني داخله بحيث أصبح الحزب على استعداد لقبول أفكار معينة أو إعادة صياغة بعض أفكاره ومواقفه فيما يتعلق بالدين والعلمانية ، كما اصبح على استعداد لقبول التعاون مع قوى دينية كالإخوان، ومن ناحية أخرى أصبحت القوى الدينية هي الأخرى على استعداد لقبول التعاون مع الوفد.

وبالإضافة إلى ما سبق فإنه إذا كانت السمة الأساسية لعلاقة الوفد بالإخوان فترة ما قبل الثورة هي الصراع، فإن أهم ما يميز حزب الوفد في فترة الثمانينات والتي ارتبطت بعودته للحياة السياسية بعد القرار القضائي الذي حصل عليه الحزب هو إدراكه أن الظروف السياسية والاجتماعية قد تغيرت عن فترة الأربعينات، ويعكس هذا الإدراك من جانب الحزب ما عبر عنه رئيس الحزب فؤاد سراج الدين في أول تصريحاته بعد عودة الحزب إلى الحياة السياسية حين ذكر بأن "هناك تغيرات طرأت على الساحة السياسية خلال السنوات الخمس الماضية تقتضي ضرورة إدخال تعديلات على برنامج حزب الوفد الجديد" وكانت أهم هذه التطورات أو التغيرات التي أدركها الحزب أن الظروف السياسية والنظام السياسي لم يعد يحتمل فكرة الصراعات الأيديولوجية الحادة مثل تلك التي شهدتها في فترة ما قبل الثورة، وعلى هذا الأساس فقد أكد زعيم الحزب بأنه لم يعد من المتصور دخول الوفد في صراعات أيديولوجية مع الإخوان أو إعادة نمط العلاقة الصراعية القديمة إلى الوجود مرة أخرى، وقد حسم هذه المسألة بعد عودة الحزب مباشرة بقوله: "الوفد لن تكون في يوم من الأيام حرب خفية أو علنية ظاهرة أو مستترة بينه وبين الإخوان المسلمين أو بينه وبين أي اتجاه ديني إطلاقا" وهكذا فإن تغيرا ما في البنية الفكرية قد طرأ على حزب الوفد جعله أكثر استعدادا لقبول فكرة التعاون مع قوى دينية كان يناصبها العداء قبل الثورة بحيث إنه عاد إلى الحياة السياسية في بداية الثمانينات وهو حريص على عدم إعادة هذه العلاقة الصراعية مرة أخرى لإدراكه بحدوث تغيرات على الساحة السياسية والاجتماعية تجعل من الصعب قبول تكرار هذه الصراعات مرة أخرى، كما أن قبول الحزب التعاون مع الإخوان كان من شأنه أن يؤكد لكافة القوى والفئات الاجتماعية المختلفة تخلي الوفد عن هذه الصراعات الأيديولوجية السابقة التي ارتبطت بتاريخه قبل الثورة.

3 – قضية الإصلاح السياسي ومستقبل ودور الإخوان في الحياة السياسية:

فإذا كنا قد تناولنا فيما سبق الإجابة على سؤال لماذا لم تجد جماعة الإخوان المسلمين عضاضة في التعاون مع حزب الوفد في الوقت الذي لم يتردد فيه الحزب في إظهار اختلافه مع الجماعة بخصوص قضية الشريعة الإسلامية، إلا أن السؤال الآخر المهم هو لماذا لم تقرر الجماعة التعاون مع أحزاب أخرى أعطت لقضية الشريعة الإسلامية اهتماما أكبر ومساحة أوسع على برامجها الحزبية والانتخابية مثل حزب الأحرار وحزب العمل وحزب الأمة واللذين أعلنوا صراحة استعدادها لتقديم تسهيلات وتنازلات لجماعة الإخوان المسلمين أكبر من تلك التي قدمها لها حزب الوفد، والإجابة على هذا السؤال تتمثل في أن جماعة الإخوان المسلمين لم تكن تهدف من التعاون فقط السعي لتطبيق الشريعة الإسلامية ولكن كانت هناك أهداف أخرى بالطبع كان أهمها العمل على إدخال تعديلات سياسية أو إصلاحات سياسية على النظام السياسي بما يخدم مستقبل ووضع الجماعة أو موقفها في علاقتها بالنظام السياسي، خاصة تلك الإصلاحات المتعلقة بإلغاء قانون الطوارئ وغيره من القوانين الاستثنائية، وإلغاء القيود على حرية تكوين الأحزاب السياسية، ومن ثم كان من الطبيعي أن تتعاون الجماعة لتحقيق هذه الأهداف مع أكبر الأحزاب السياسية وأكثرها ثقلا في النظام السياسي، ومن ثم فإننا نستطيع تفسير لماذا اختار الإخوان حزب الوفد بالذات، فهو الحزب المعارض الكبير ذو الثقل التاريخي والشعبي الذي يستطيع أن يلعب دور المعارضة الأساسية في مجلس الشعب، بالإضافة إلى أن قضايا الإصلاح السياسي كانت في أولوياته، وهكذا فإن الجماعة بتعاونها مع أكبر أحزاب المعارضة تستطيع إحراز تقدم على مستوى تحسين وضعها في إطار النظام السياسي، أضف إلى ذلك أن مشاركة الإخوان في انتخابات 1984 كانت بمثابة أول مشاركة فعلية لها في الحياة السياسية بعد أن عادت الجماعة لممارسة نشاطها منذ مطلع السبعينيات، ومن ثم كان حرص الجماعة إلى خوض الانتخابات بالتنسيق مع الوفد باعتباره أكبر حزب معارض وذلك لضمان الحصول على تمثيل في البرلمان حتى لا تظهر الجماعة بمظهر الذي فشل في أول اختبار سياسي، فضلا عن أن مشاركتها كانت تتضمن نوعا من "جس نبض" موقف النظام إزاء وجودها على الساحة السياسية ومشاركتها في العمل السياسي ومن هنا فضلت التنسيق مع حزب كبير كان هو الآخر حريصا على أن يثبت وجوده على الساحة السياسية التي عاد إليها بعد غياب طويل، وبالتالي فضل التعاون مع الإخوان بقصد الاستفادة من شعبية الجماعة، وذلك حتى لا يظهر بمظهر الضعيف في أول مشاركة سياسية له.

4 – ظروف عودة حزب الوفد الجديد:

بالإضافة إلى مجموعة العوامل السابقة والخاصة بالاعتبارات الفكرية والأيديولوجية وراء ظهور تعاون الوفد وجماعة الإخوان المسلمين كانت هناك مجموعة أخرى من العوامل المتعلقة بظروف عودة حزب الوفد الجديد في أواخر عام 1982 والتي كان لها أثرها المباشر على اتخاذ حزب الوفد الجديد قرار التعاون مع جماعة سياسية مثل الإخوان المسلمين، يمكن أن نوجز هذه العوامل فيما يلي:

1 – قصر الفترة الزمنية ما بين عودة حزب الوفد الجديد في أواخر عام 1982 وإجراء انتخابات مجلس الشعب في مايو عام 1984، فقصر هذه الفترة مثل ضغطا على قيادة الحزب، ففي خلال هذه الفترة المحدودة كان على الحزب إعادة بناء هياكله وتنظيماته أو على الأقل تجديدها، وأن يعيد شعاراته إلى الساحة السياسية بالإضافة إلى ضرورة إعادة النظر في برنامجه القديم الذي وضع في 1977، خاصة في ضوء التغيرات الكبيرة على الساحة السياسية والاجتماعية، وفي ضوء صعوبة إنجاز هذه المهام المطلوبة والتي كان على الحزب النظر فيها قبل الانتخابات لم يكن أمامه إلا البحث عن أقصر الطرق للوصول إلى نتائج مرضية في تلك الانتخابات ومن ثم كان التعاون مع الإخوان المسلمين بمثابة البديل الأفضل للخروج من هذا المأزق بما توفره الجماعة من مؤيدين، ومرشحين، أو بمعنى آخر كانت جماعة الإخوان المسلمين بمثابة تعويض للحزب عن ضعف قدراته الشعبية والتنظيمية في تلك الفترة بما لديها من قدرات وإمكانات على الانتشار على المستوى القومي والمحلي.

2 – كذلك من العوامل التي لعبت دورها في قرار الوفد بالتعاون مع جماعة سياسية كالإخوان المسلمين هو تورط الحزب بالإعلان عن دخوله الانتخابات على مستوى جميع الدوائر الانتخابية فور عودته للحياة السياسية، ورغم أن هذا الإعلان من جانب رئيس الحزب كان بمثابة نوع من المناورة الحزبية إلا أنه مع مجيء الانتخابات بالفعل ظهرت صعوبة تنفيذه، ومن ثم يمكن النظر إلى إقدام الوفد على التعاون مع جماعة الإخوان المسلمين على أنه كان نوعا من الخروج من مأزق تلك المراهنة بما توفره الجماعة من كوادر ومرشحين يمكن النزول بها في الانتخابات وملء القوائم الانتخابية للحزب بها ولو على على الأقل القوائم الاحتياطية، إلا أنه يجدر التأكيد على محدودية هذا العامل في تفسير قرار الوفد بالتعاون مع جماعة الإخوان المسلمين في ضوء محدودية عدد مرشحي جماعة الإخوان على قوائم الوفد (الأصلية) حيث لم يتعدوا سبعة عشر مرشحا فقط (17 مرشح إخواني) ومن ثم فإن الاعتماد على جماعة الإخوان المسلمين في ملء القوائم الانتخابية كان اعتمادا ضعيفا ومحدودا بالمقارنة بالاعتماد عليها في كسب تأييد أنصارها.

3 – أيضا كان من العوامل ذات الصلة بحزب الوفد الجديد والتي لعبت دورا في قرار تعاونه مع جماعة الإخوان المسلمين هو عودة الحزب بمجموعة من الصراعات الداخلية، فهناك جناح الحرس القديم في مقابل الجناح الديني، المؤيد لقيادة سراج الدين للحزب في مقابل الجناح المؤيد لسعد فخري عبد النور، فوجود هذه الصراعات وتعددها وتعدد أنماطها كان بمثابة عامل ضغط على قيادة الحزب بضرورة اتباع أقصر الطرق للوصول إلى أحسن النتائج، هذا بالإضافة إلى مجموعة العوامل المتعلقة بقانون الانتخابات والتي دفعت كل من الوفد والإخوان المسلمين إلى اتخاذ قرار التنسيق فيما بينهما، والتي عرضت لها الدراسة في جزء سابق.

وخلاصة القول: إنه بالرغم من كل التبريرات التي طرحها الوفد الجديد والإخوان المسلمون لتبرير التعاون فيما بينهما في الانتخابات، فإنه كانت هناك حسابات سياسية برجماتية خاصة بكل طرف من وراء التعاون، وبخاصة فيما يتعلق بحرص كل منهما على تثبيت وجوده على الساحة السياسية المصرية في أول مشاركة فعلية لهما في الحياة السياسية.

ومن هنا اختار الإخوان التعاون مع الوفد باعتبار أن فرصته لتخطي شرط الـ 8% أكبر بكثير من غيره من الأحزاب الأخرى، والتي هي أحزاب هشة وضعيفة، بينما قبل الوفد التعاون مع الإخوان ليضمن تجاوز شرط الـ 8% ومن هنا فإن ما حدث بينهما هو مجرد تنسيق انتخابي ليس إلا حكمته بالأساس اعتبارات برجماتية حاول في إطارها كل طرف أن يقلل من شأن الاختلافات الفكرية والسياسية بينهما، وقد انعكس ذلك على رؤية كل طرف لطبيعة التحالف، وهو ما تتعرض له الدراسة في الفصل التالي.

الفصل الثالث: طبيعة التعاون بين الوفد والإخوان ومواقف القوى السياسية الأخرى منه

إذا كان الفصل السابق قد تناول التعاون بين الوفد والإخوان من حيث مقدماته ومبرراته المعلنة ودوافعه الحقيقية، فإن هذا الفصل يحلل من خلال مبحثين طبيعة التعاون بين الطرفين من زاوية رؤية كل منهما وتصوره لحدود هذا التعاون ومداه ومستقبله فضلا عن رصد وتحليل مواقف الحكومة والقوى السياسية الأخرى من التعاون الوفديالإخواني.

المبحث الأول: طبيعة التعاون بين الوفد والإخوان

وفي هذا الجزء نهتم بالإجابة على سؤال محدد وهو هل كان هذا التعاون تعاونا استراتيجيا أم كان فقط تعاونا تكتيكيا ارتبط في نشأته وانتهائه بهدف محدد نشأ من أجله وانتهى بتحققه؟ فقد أثار ظهور هذا التعاون أسئلة وجدالا حول طبيعته، فقد نظر البعض إلى التعاون على أنه نوعا من الاندماج أو الاحتواء من جانب أحد طرفيه للآخر والبعض الآخر نظر إليه على أنه تعاون على مستوى الندية بين طرفين متساويين، بينما ركز اتجاه ثالث على أن هذا التعاون لا يتعدى كونه تكتيكا انتخابيا ارتبط بظروف الانتخابات، إلا أن هذه الآراء والتحليلات المختلفة قد شابها قدر كبير من محاولة الهجوم على التعاون الوفديالإخوان أكثر منها محاولة لتحليل هذه التجربة على أسس ومعايير موضوعية.

وسوف نحاول الكشف عن طبيعة هذا التعاون من خلال عدد من المعايير أو الضوابط التي يمكن أن تساعدنا في هذا الشأن ذلك على النحو التالي:

1 – نظرة كل من الوفد والإخوان لطبيعة العلاقة القائمة بينهما:

فأهم ما يلاحظ أن كل من الإخوان المسلمين والوفد لم يستخدما مسمى "التحالف" لوصف تلك العلاقة القائمة بينهما كذلك لم يستخدم أي منهما لفظ "الاندماج" فقد لوحظ استخدام الإخوان المسلمين تعبير "التعاون الوفدي الإخواني" لوصف علاقتهم بالوفد.

وتعبير "التعاون" يعكس دلالة مهمة فيما يتعلق بتصور الإخوان المسلمين لطبيعة العلاقة الوفديةالإخوانية يذهب بها بعيدا عن أي احتمالات للتقارب الفكري أو الاندماج بل إنه يذهب بهذه العلاقة بعيدا عن مضمون "التحالف" بمعناه الدقيق سواء كان تحالفا برلمانيا، أو حزبيا فالتعاون قد لا يتعدى مجرد التنسيق لتحقيق أهداف محددة.

أما من جانب الوفد فإن رموزه مثل (سراج الدين رئيس الحزب، ووحيد رأفت نائب رئيس الحزب، د. نعمان جمعة) السكرتير المساعد للحزب آنذاك لم يستخدموا أي من وصف الائتلاف أو التحالف بل إنهم استخدموا تعبيرات قد تكون أكثر فتورا من الوصف الذي استخدمه الإخوان، فقد استخدم رئيس الحزب فؤاد سراج الدين تعبير "التعاطف" لوصف علاقة الوفد بالإخوان المسلمين، والحديث عن تلك العلاقة باعتبارها كأحد علاقات التعاطف المتبادلة بين الوفد والقوى السياسية الأخرى بما فيها الأقباط، بينما استخدم د. نعمان جمعة وصف التعاون إذ قال: "والوفد لا يقتضي التعاون مع الإخوان المسلمين إلا الإيمان بالديمقراطية .. إلخ) كذلك استخدام إبراهيم فرج وصف "التضامن" لوصف تلك العلاقة فيقول: "... وإن الوفد الذي كان يمثل الوحدة الوطنية قد انتهى إلى أن يتضامن مع الإخوان المسلمين ... إلخ".

وهكذا كان واضحا أن أيا من الوفد أو الإخوان المسلمون لم يستخدم مسمى التحالف أو الائتلاف لوصف علاقة الوفد بالإخوان في تلك الفترة وهو ما يعكس دلالة هامة بخصوص طبيعة هذه العلاقة ومدى مشروعية إطلاق تعبير التحالف لتوصيفها.

2 – المبررات التي دفع بها طرفا التعاون:

إن المبررات التي ساقها كل من الوفد والإخوان تلقي قدرا من الضوء على طبيعة العلاقة بينهما، فكما سبق من استعراض تلك المبررات نلاحظ أنها تركزت غالبا على العلاقة التاريخية بين الطرفين، فبينما ركز الإخوان مباشرة على ظروف البيئة الدستورية والواقع القانوني فقد ركز الوفد على مسئوليته كحزب يؤمن بالديمقراطية وضرورة تمثيل كل القوى السياسية، وهكذا لم يكن لمسألة التقارب الفكري أو الإيديولوجي دور في عملية تبرير التعاون بل إن كلا الطرفين قد ركز على إظهار أو إبراز مساحة الاختلاف – غير البسيطة – بينهما خاصة فيما يتعلق بالموقف من قضيتي الشريعة الإسلامية والعلمانية وهما القضيتين الفكريتين المحوريتين لدى طرفي التعاون، فلم يتردد الوفد من جانبه في إظهار خلافه مع الإخوان حول مسألة الشريعة الإسلامية، ولم تخف جماعة الإخوان هي الأخرى رفضها لفكرة العلمانية وفق مفهوم أو تصور معين لها واكتفى الطرفان بالتركيز على الحد الأدنى من الاتفاق بينهما فيما يتعلق بهاتين القضيتين (أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، وأن العلمانية لا تعني الإلحاد) مع احتفاظ كل منهما بموقفه من القضيتين، وهكذا يلاحظ من عملية التبرير أنها كانت تنطوي على اجتهاد من أجل خلق مساحة مشتركة بين الطرفين ليس فيما يتعلق بالفكر والأيديولوجية ولكن اقتصرت على الموقف من قضايا معينة كقضية الحريات السياسية والإصلاح السياسي أو الاستناد إلى التاريخ لإعادة تقديمه بصورة تبرر هذا التعاون وهو ما يعني في التحليل الأخير أن الفكر أو الأيديولوجية لم يكن أحد الأسس التي قام عليها هذا التعاون وأن غاية ما كان يسعى إليه الطرفان هو تحقيق إصلاح سياسي أو إدخال تغييرات سياسية على النظام السياسي، ومن ثم يصعب القول بأن هذا التعاون بينهما "كان يمثل نوعا من الاندماج الفكري" أو "الالتقاء الفكري" على نحو ما ذهبت إليه بعض التحليلات.

3 – طبيعة أهداف التعاون الوفديالإخواني:

فأهم سمة "للتعاون" الوفديالإخواني هي غياب الأهداف الاستراتيجية المشتركة فالإخوان كان هدفهم الاستراتيجي هو تطبيق الشريعة الإسلامية وإقامة المجتمع المسلم ولا يعدو الوصول إلى مجلس الشعب أن يكون أحد الوسائل التي قررت الجماعة اللجوء إليها لعرض القضية من خلالها باعتبار مجلس الشعب أهم مؤسسة تشريعية وأهم منبر يمكن من خلاله عرض آرائهم في هذا الشأن، وهو ما عبر عنه رموز الإخوان صراحة ففي حديث للتلمساني يحدد موقع قضية الشريعة الإسلامية في أولويات عمل الجماعة أو موقعها بالنسبة لهدف الوصول إلى مجلس الشعب قال: "إننا لا نحرص على ما تسمونه بنصر سياسي إنما الذي يهمنا هو نصر الله بتطبيق الشريعة فينا فإذا دخلنا المجلس لا نعتبره نصرا بمعايير الناس ولكننا نعتبره منبرا له قدره في تبليغ دعوة الله وإذا لم ندخل فلن نعتبر ذلك هزيمة لأن دخولنا المجلس ليس هدفا ولكنه وسيلة وإذا لم تنجح وسيلة تركناها وبحثنا عن وسيلة أخرى" وأكد على نفس الفكرة كافة أعضاء الإخوان الذين دخلوا مجلس الشعب فأكدوا على أن السلطة التشريعية لا قيمة لها في نظرهم إلا في إعلاء كلمة الله ... إلخ.

وهكذا فإن الهدف الاستراتيجي لجماعة الإخوان ليس الوصول إلى مجلس الشعب في حد ذاته أو ممارسة قدر من السلطة أو المشاركة فيها بقدر ما هي وسيلة لهدف استراتيجي آخر هو تطبيق الشريعة الإسلامية، أما بالنسبة لحزب الوفد فإن الهدف الاستراتيجي يدور حول رغبة الحزب في الحكم أو المشاركة فيه أو على الأقل لعب دور المعارضة القوية، بالإضافة إلى إدخال إصلاحات سياسية على النظام السياسي تتعلق بالحريات السياسية والعمل الحزبي، فقد حدد د. وحيد رأفت نائب رئيس الحزب الأهداف التي عاد الحزب من أجلها في أربعة أهداف هي: ترسيخ الحكم الديمقراطي السليم القائم على تعدد الأحزاب، والعمل على قيام معارضة قوية في مجلس الشعب، وحرية الانتخابات التي تكفل تمثيل حقيقي للأحزاب السياسية، أما الهدف الرابع فيتمثل في العمل على احترام حقوق الإنسان.

وهكذا فإنه بينما كانت قضية الشريعة الإسلامية هي الهدف الاستراتيجي بالنسبة لجماعة الإخوان من وراء دخول مجلس الشعب فإن قضية الحكم وممارسة المعارضة والإصلاح السياسي كانت هي القضايا الاستراتيجية بالنسبة للوفد ورغم أن ذلك لا ينفي اتفاق جماعة الإخوان مع حب الوفد حول قضية الحريات السياسية والإصلاح السياسي إلا أنها لم تصل إلى مرتبة الهدف الاستراتيجي المشترك فقد أعلن أحد أعضاء الإخوان في البرلمان صراحة (محمد المطراوي) "إن الإسلام لا يعني فقط العمل على إصدار مشروعات القوانين الإسلامية بل إنه يعني في المقام الأول بقضايا الحريات فهذا في صميم الإسلام" فالوفد بالذات عاد إلى الحياة السياسية للحكم وممارسة العمل السياسي الذي يعيد إليه تاريخه وموقعه القديم في النظام السياسي.

ورغم تأكيد الأعضاء البرلمانيين للوفد على أن قضية الشريعة الإسلامية ستكون أحد القضايا المهمة التي سيركزون عليها، فقد وضع زعيم المعارضة نفسه ممتاز نصار قضية الشريعة الإسلامية في المرتبة الثانية في أولويات القضايا التي سيركز عليها في المجلس إلا أن هذا الترتيب لم يكن المعمول به داخل المجلس من الناحية الفعلية بل سرعان ما نشب الخلاف بين الطرفين بسبب قضية الشريعة الإسلامية ذاتها وتبادل الوفد والإخوان الاتهامات، فالإخوان اتهموا الوفد بعدم الالتزام باتفاقهم بالاهتمام بقضية تطبيق الشريعة من ناحية ومن ناحية أخرى بأنه لم يترك للجماعة الحرية الكافية لكي تطرح القضية بالطريقة التي تتفق وتصوراتها وأفكارها.

وخلاصة القول: إنه لم يكن هناك هدف استراتيجي مشترك يلتقي حوله الطرفان ومن ثم يكون من الصعب القول بأن هذا "التعاون" الوفدي الإخواني كان ذا صبغة أو طابع استراتيجي بالنظر إلى طبيعة أهداف كل طرف، وهذا ما يؤكد أن التعاون بينهما كانت تحكمه حسابات واعتبارات تكتيكية بالأساس جوهرها حرص الطرفان على الحصول على تمثيل في مجلس الشعب، وكان لكل منهما غايته النهائية من وراء الحصول على هذا التمثيل، فالإخوان غايتهم تطبيق الشريعة الإسلامية بينما الوفد هدفه النهائي الإصلاح السياسي والديمقراطي وإذا كان الإخوان قد التقوا معه في مطالب الإصلاح الديمقراطي فإنهم نظروا إليه باعتباره مدخلا لتحقيق غايتهم النهائية.

4 – تصور كل من الوفد والإخوان لحدود هذا التعاون بينهما:

بمعنى ما هي الحدود التي وضعها كل طرف لهذا "التعاون"؟ فبالنسبة للإخوان وبالإضافة إلى استخدامهم وصف "التعاون" للإشارة إلى تلك العلاقة التي تربطهم بالوفد فقد أكد التلمساني صراحة على أن حدود هذه العلاقة لا تتعدى هذا التعاون وأن هذا التعاون لا يثير من قريب أو بعيد احتمالات الاندماج الفكري والإيديولوجي أو حتى الاندماج التنظيمي، وأنه تعاون لا يتعدى السعي إلى تحقيق هدف محدد ولا يتطرق إلى الأفكار والأيديولوجيات، وحرص التلمساني على التأكيد أن الحدود الفاصلة والتمييز بين أفكار الجانبين سيظل واضحا وقائما، ونلمس ذلك بوضوح في قوله: "لست أدري لماذا يتصور الناس كل لقاء بين فكرين مختلفين هو انضواء أحدهما تحت الآخر ومفهومه، إن المجتمعات المتباينة الاتجاهات يلتقي أفرادها مع البعض في المعاملات والأسفار والاحتفالات دون أن يقال إن أحدا تخلى عن فكره أو عقيدته، كل ما في الأمر أنني أشعر أنني لست مستكملا لكل حريتي فكل من يدعوني لبحث استكمال هذه الحرية بادرت بإجابة هذا النداء وجلست معه على مائدة أو على الأرض أو في طائرة لبحث هذا الأمر فقط دون زيادة فلن أتحدث معه في فكري ولن يتحدث معي في عقيدتي ..." وهكذا كان التلمساني حريصا على التأكيد على أن حدود هذا التعاون تقف عند حدود مناقشة الأفكار والأيديولوجيات والعقائد أو محاولة احتواء أي طرف للآخر، ونفى التلمساني من جانبه أية نية أو محاولة من جانب الإخوان إلباس الوفد "عمامتهم" فيقول التلمساني صراحة: "وأنه يبعث الشك إلى نفسي أن أقرأ أن الإخوان ألبسوا الوفد عمامتهم هو شيء مضحك فليس الإخوان من لابسي العمامات وإن كانوا كذلك فليس لديهم فائض يعطوه أو يلبسوه لغيرهم" وفي نفس الوقت حرص التلمساني على التأكيد على أن الإخوان المسلمين من القوة بما لا يدع فرصة أمام الوفد للسيطرة عليهم أو محاولة احتوائهم فيقول: " .. وإن كان النصح خوفا على الإخوان من أن يطويهم الوفد ويبتلعهم فقد أثبتت الأيام أن لحمهم مر وأن عظمهم حديد ..".

ومن أهم ما قاله التلمساني عن حدود التأثير والتأثر بين طرفي التعاون قوله : "لا تناقض بالمرة الوفدي وفدي والأخ المسلم أخ مسلم ولم ندخل الوفد لنضع على رأسه عمامة كما يقولون وهم يعرفون والإخوان يعرفون وأننا نتعاون لا أكثر ولا أقل على تحقيق المصلحة الوطنية .." وهكذا فقد كان تصور جماعة الإخوان المسلمين لهذه العلاقة أو لهذا التعاون على أنه يقف عند حدود ما يقتضيه التنسيق بين الجانبين وأنه لا يمتد بحال من الأ؛وال إلى محاولة الاحتواء أو السيطرة من جانب أي منهما على الآخر أو احتمال ذوبان أيهما في الآخر، فليس لدى الإخوان المسلمين النية في السيطرة على الوفد أو إلباسه ثوبهم الديني كما أن الإخوان المسلمين ليسوا من الضعف الذي يجعلهم يذوبون في الوفد.

أما من جانب حزب الوفد الجديد فقد كان هو الآخر يقدم تصورا مطابقا تقريبا لتصور الإخوان المسلمين لحدود هذه العلاقة، فنفى أن تكون العلاقة بين الوفد والإخوان علاقة اندماج أو تنازل أي منهما للآخر، فيقول د. نعمان جمعة (السكرتير المساعد للحزب آنذاك): ".. وتسأل ما نوع العلاقة بين الوفد والإخوان وما مستقبل تلك العلاقة؟ أرد فورا بأنه لا يوجد اندماج بينهما ولا تصالح تنازل فيه أي من الطرفين عن أفكاره، الذي يوجد بين الوفد والإخوان المسلمين هو مودة وتفاهم واحترام متبادل أساسه المصارحة وتفهم كل من الطرفين لأفكار وآراء الطرف الآخر ..." كذلك قوله: "وما بين الوفد والإخوان هو المودة والصداقة ولكل طرف رأيه وفلسفته وبرنامجه، فلم يحدث اندماج أو سيطرة لأحد على الآخر ..." ولعل أهم ما في كلام د. نعمان جمعة (سكرتير مساعد الحزب) التأكيد على وجود تمايز بين طرفي التعاون فيما يتعلق بالبرامج والفلسفة جنبا إلى جنب، أي أن "التعاون" لم يمتد حتى إلى وجود برنامج انتخابي مشترك.

خلاصة القول: أن "التعاون" الوفدي الإخواني كان ذا طبيعة غير اندماجية أو لم يكن يعكس تقاربا فكريا أو أيديولوجيا حيث حرص كل من طرفي التعاون على أن يظل في إطاره "التعاوني" أو "التضامني" أو "التعاطفي" دون أن يمتد إلى التفاهم أو النقاش الفكري وأن يظل عند الحدود الدنيا من الناحية الفكرية، ويجد ذلك تفسيره في إدراك كل منهما لقوة الآخر، فمن ناحية كان الإخوان يدركون تماما أن الوفد حزب تاريخي له من الخبرة والسياسية والنضح المؤسسي ما يحول دون إمكانية سيطرة إحدى الجماعات السياسية عليه، وهو ما صرح به التلمساني صراحة حين قال: "هذا إلى أن الوفد بتاريخه ليس من الضآلة أن يلبسه الناس عمائم .." كذلك فإن الوفد كان يدرك أن الإخوان ليسوا قوة بسيطة فعمرها ليس أقل بكثير من عمر الوفد كما أن درجة التنظيم التي تتمتع بها لا تقل أيضا عن الوفد، وهكذا فإن المصلحة التكتيكية المشتركة المتمثلة في الرغبة في الوصول إلى مجلس الشعب جعلت الطرفين يجنبا قدر الإمكان مسألة الأفكار والعقائد حتى لا تؤثر على تعاونهما الانتخابي وفرص نجاح مرشحيهما في الانتخابات.

6 – العلاقة التنظيمية التي قام على أساسها التعاون الوفديالإخواني:

وهذه مسألة مهمة في بحث طبيعة "التعاون" القائم بين الوفد والإخوان، فالإخوان لم يدخلوا الوفد كجماعة سياسية ولكن دخلوه كأفراد عاديين أو كمواطنين لهم حق الانتماء الحزبي، فانتماؤهم لجماعة الإخوان المسلمين لم يكن يمنع من انتمائهم إلى أحد الأحزاب السياسية ومن ثم فإن الذين انضموا إلى الوفد كحزب فقط هم مجموعة الأعضاء الذين رشحوا أنفسهم على قائمة الحزب حتى يتجنبوا الطعن في انتمائهم الحزبي لحزب الوفد الذي ينزلون على قائمته، ولم تتعد العلاقة بين الحزب وبقية أعضاء الجماعة أو الإخوان كجماعة عملية التأييد في الانتخابات والإدلاء بأصواتهم لصالح مرشحي الحزب وقوائمه الانتخابية، ولذلك لاحظنا أن أي من قادة الجماعة لم يستخدموا كلمة الاندماج في حزب الوفد أو حتى كلمة الانضمام مثال ذلك قول صالح أبو رقيق عضو مكتب الإرشاد "إننا لم ننضم إلى أي حزب حتى الآن ..." رغم استمرار التعاون الوفديالإخواني في تلك الفترة وعندما تحدث عن العلاقة مع الوفد وصفها بأنها تعاون لا انضمام أو اندماج بمعنى أنه كان يميز بين الاندماج والانضمام إلى حزب سياسي كجماعة والانضمام إليه كأفراد، وقوله أيضا: "وأستطيع أن أقول إن الإخوان لا وجود لهم في أي حزب ولكنهم متعاونون مع الوفد".

وهكذا نستطيع القول إن العلاقة بين الوفد والإخوان كانت علاقة انضمام أفراد من الإخوان إلى الحزب حتى يتمكنوا من الترشيح على قوائمه لدخول مجلس الشعب مع احتفاظ هؤلاء الأفراد بعقيدتهم وفلسفتهم وإطارهم الفكري كأعضاء في جماعة الإخوان المسلمين، وقد حدد "التلمساني" القواعد التنظيمية التي اتفق عليها الوفود والإخوان لتنظيم التحالف بينهما في:

"الوفد قناة شرعية والإخوان قاعدة شعبية؛ الوفدي وفدي والإخواني إخواني، يقف الإخوان مع الوفد كمعارضين إلا إذا قدمت الحكومة قانونا أو مشروعا فيه خير للبلد فالوفد والإخوان يقراه ويؤيداه، حضور نواب الإخوان جميع اجتماعات الهيئة الوفدية، أنه تعاون لا تكتيك ولا استراتيجية، الحرص على هذا التعاون".  

المبحث الثاني: مواقف الحكومة والقوى السياسية الأخرى من التعاون الوفديالإخواني

وفي هذا المبحث نحاول رصد مواقف الحكومة والقوى السياسية الأخرى من التعاون الوفدي - الإخواني، ونقصد بتلك القوى السياسية تحديدا أهم الأحزاب السياسية القائمة في تلك الفترة بالإضافة إلى موقف الحكومة والقيادة السياسية من هذا التعاون، وعلى ذلك فسوف نتناول النقاط التالية:

1 – موقف حزب العمل من التعاون الوفديالإخواني.

2 – موقف حزب الأحرار من التعاون الوفديالإخواني.

3 – موقف الحكومة والقيادة السياسية من التعاون الوفديالإخواني.


1 – موقف حزب العمل من التعاون:

يمكن القول إن حزب العمل قد سعى قبل حزب الوفد الجديد إلى اجتذاب عناصر التيار الإسلامي وبخاصة الإخوان المسلمين إلى صفوفه ومحاولة كسب تأييدهم وخلق جسور من التفاهم والتعاون بين حزب العمل وهذا التيار أو على الأقل إزالة الآثار السيئة التي تركتها الفترة الناصرية على علاقة الطرفين ببعضهم البعض وما تركته من انطباع لدى هذا التيار وقياداته بأن الإشتراكية عموما هي العدو الأول للتيار الإسلامي، وفي سبيل ذلك سعى حزب العمل إلى فتح قنوات من الحوار بين التيارين، وكانت جريدة الحزب "الشعب" أهم هذه القنوات، فبدأت "الشعب" في تنظيم سلسلة من الحوارات مع قيادات التيار الإسلامي سبقت بداية تعاون الإخوان مع الوفد، فنظمت "الشعب" حوارا حول "كيفية تطبيق الشريعة الإسلامية" في يناير سنة 1984 أشرف عليه محمد عبد القدوس، عبر فيه رئيس حزب العمل إبراهيم شكري عن موقفه من هذه القضية مؤكدا على إيمانه بأهمية تطبيق الشريعة الإسلامية على أن يتم التطبيق من خلال الإبقاء على القوانين القائمة مع تغيير القوانين التي تتعارض مع الشريعة الإسلامية، ومن ناحية أخرى أكد على ضرورة القضاء على بعض المظاهر التي تتعارض مع الشريعة الإسلامية مثل صناعة الخمور، ولعب "القمار والميسر والمراهنات" وهي القضايا التي يوليها الإخوان والتيار الإسلامي عموما أهمية خاصة، كذلك نظمت "الشعب" سلسلة من الحوارات حول قضية الانتماء الوطني والوطنية في الإسلام استضافت فيه "الشعب" عصام العريان وإبراهيم الزعفراني، وخالد داود، وهكذا فإن سبق "العمل" بإجراء هذه الحوارات واللقاءات مع قيادات التيار الإسلامي كان يعكس حرص الحزب على استقطاب هذا التيار إلى صفوفه وأن هذا الحرص من جانبه كان يسبق حزب الوفد ولكن حسابات جماعة الإخوان المسلمين لم تذهب إلى ترجيح كفة حزب العمل.

ومع اتخاذ الإخوان المسلمين قرارهم بالتعاون مع الوفد دون غيره من الأحزاب السياسية القائمة بما فيها العمل انتقد الحزب هذا القرار بشدة وأعلن صراحة على لسان رئيسه إبراهيم شكري أن الإخوان المسلمين لم يوفقوا في قرار اختيار حزب الوفد الجديد للتعاون معه دون أي من الأحزاب السياسية الأخرى مؤكدا أنه لا يوجد أي مبرر لاختيار الوفد بالذات، فمن ناحية أبرز إبراهيم شكري أن تعاون الإخوان مع الوفد لم يكن ليمثل فائدة للإخوان، فليس من مصلحة الإخوان في نظره أن يظهروا أمام الأجيال القادمة وكأن أن أقرب القوى السياسية إلى الإخوان هو حزب الوفد الذي يمثل من ناحية دعامة النظام القديم الذي حرصت جماعة الإخوان المسلمين على المباهاة برفضه ومقاومته بكل ما كان به من مفاسد، ومن ناحية أخرى باعتباره حزب العلمانية والذي يتخذ موقفا من الشريعة الإسلامية لا يتفق وموقف جماعة الإخوان المسلمين.

ومن ناحية أخرى فقد أبرز إبراهيم شكري تناقض الإخوان المسلمين والوفد في نواحي عديدة، فمن ناحية بينما يتخذ الوفد مواقف معتدلة من الاستعمار الغربي والصهيونية فإن الإخوان يعادون بشدة الصهيونية والاستعمار الغربي وبينما يعارض الإخوان بشدة "الانفتاح الاستهلاكي" والذي يعتبرونه غزوا حضاريا واقتصاديا فإن الوفد أيضا يتخذ موقفا اعتداليا بخصوص هذه المسألة، كما أشار إبراهيم شكري إلى توتر علاقة الوفد بالإخوان في فترة ما قبل الثورة، واعتبر أن قيام جماعة الإخوان المسلمين بالتنسيق مع حزب الوفد في الانتخابات إنما يساهم في تحسين صورة الوفد أمام الأجيال الجديدة وهو ما يخلق بلبلة في فهم التاريخ والحاضر والمستقبل فضلا عن خداع الجماهير ودفعها إلى تصديق حزب الوفد.

وهكذا ينتهي إبراهيم شكري إلى أنه لم يكن هناك سبب منطقي يبرر قرار الإخوان بالتعاون مع الوفد دون غيره من الأحزاب السياسية.

وفي مقابل انتقاده لقرار الإخوان بالتعاون مع الوفد عمل إبراهيم شكري على إظهار العلاقة الطيبة التي تجمع بين العمل والإخوان ابتداء من مصر الفتاة، وقال في هذا الشأن: "ابحثوا عن ماضينا وموقفنا فمدرستنا مدرسة مصر الفتاة سقط منها شهداء في سبيل دعوتنا الإسلامية لمحاربة الخمور والموبقات وإن كنا نقول هذا الكلام فليس من قبيل المزايدات بل هو كلام آمنا به في الماضي وظللنا على هذا الطريق في حزب العمل نؤمن به إيمانا شديدا"،"ويشهد التاريخ أيضا أننا اعتبرنا الإخوان المسلمين في أغلب المراحل حلفاء قريبين من مبادئنا ومواقفنا ووصل الأمر في عام 1947 إلى طلب من جانبنا الاندماج معهم وإن رفض من جانبهم هذا الطلب، وفي مرحلة ما قبل الثورة إلى بداية الخمسينات كان الشهيد سيد قطب يكتب أعنف المقالات الثورية في جريدة الإشتراكية التي كنا نصدرها ..".

وهكذا بمعنى آخر كان يريد إبراهيم شكري القول بأن القرار السليم من جانب الإخوان المسلمين كان ينبغي أن يكون هو اختيار حزب العمل وليس حزب الوفد الجديد، وهو ما عبر عنه صراحة حامد زيدان (رئيس تحرير جريدة الشعب آنذاك)، والذي انتقد قرار الجماعة بالتعاون مع حزب الوفد دون العمل وخاصة ما أشيع حول أن جماعة الإخوان المسلمين قد استبعدت التعاون مع العمل الاشتراكي بسبب قيام وفد حزب العمل الاشتراكي أثناء حضوره اجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني في دمشق في بداية سنة 1981 بدعوة منظمة التحرير الفلسطينية بالاجتماع بالرئيس حافظ الأسد الذي قام في تلك الفترة بعمليات تصفية دموية ضد الإخوان المسلمين في سوريا بما يعني مباركة وفد حزب العمل الاشتراكي لهذه التصفيات، فكذب حامد زيدان هذه الواقعة تماما وأعلن أن وفد حزب العمل لم يلتق بالرئيس حافظ الأسد ولا بأي شخصية سورية أخرى، ودعا حامد زيدان قيادات الإخوان المسلمين إلى حوار شامل مع حزب العمل وبدون أية شروط مسبقة لإزالة سوء التفاهم الذي نشأ بين الجانبين، وقد قام عمر التلمساني مرشد جماعة الإخوان المسلمين آنذاك بالرد على إبراهيم زيدان معبرا عن تقديره لحزب العمل وقياداته ومؤكدا على أن قرار جماعة الإخوان المسلمين بالتعاون مع الوفد إنما جاء وليد دوافع كثيرة وليس فقط لموقفهم من حزب العمل.

وهكذا نستطيع القول بأن موقف حزب العمل الاشتراكي من التعاون بين الوفد والإخوان لم يكن قائما على رفض فكرة التعاون من حيث المبدأ ولكنه على العكس من ذلك كان يسعى إلى اجتذاب الإخوان المسلمين إلى صفوفه منكرا من ناحية وجود أي مبرر لاختيار الإخوان للوفد كي يتعاونوا معه في انتخابات 1984 ومؤكدا في الوقت نفسه على أن القرار السليم كان ينبغي أن يكون اختيار حزب العمل الاشتراكي وليس الوفد الجديد، ويبدو أن حزب العمل الاشتراكي بعدم نجاحه في اجتذاب جماعة الإخوان المسلمين إليه أو التعاون معها قد أخذ الحزب في التجهيز للتحالف معها في 1987، وقد وضح ذلك في إعلان الحزب عن مواقفه من قضية الشريعة الإسلامية في أكثر من مناسبة، فقد استنكر الحزب الدور الذي لعبه صوفي أبو طالب في مماطلة عملية تطبيق الشريعة الإسلامية واستنكر أيضا مماطلات د. كامل ليلة في هذا الشأن، وطالب إبراهيم شكري في مجلس الشعب بتطبيق الشريعة الإسلامية في أوجه الحياة المختلفة، وهو ما يؤكد أن الحزب وإن كان قد فشل في اجتذاب جماعة الإخوان المسلمين إليه في 1984 إلا أنه بدأ في التجهيز لإبرام تحالف معها في سنة 1987 وذلك من خلال اتخاذ مواقف عديدة للتقارب مع جماعة الإخوان المسلمين، وهكذا نستطيع أن نحدد موقف حزب العمل الاشتراكي من تعاون الإخوان والوفد في انتخابات مجلس الشعب سنة 1984 في العناصر التالية:

1 – محاولة اجتذاب جماعة الإخوان المسلمين إلى الحزب، حيث لم يرفض حزب العمل فكرة التعاون من حيث المبدأ ولكنه رفض أن يكون التعاون بين الوفد والإخوان.

2 – انتقاد قرار جماعة الإخوان المسلمين بالتعاون مع الوفد الجديد.

3 – السعي للتمهيد لإنجاز تحالف مع جماعة الإخوان في الانتخابات التالية في 1987.


2 – موقف حزب الأحرار:

وقد كان حزب الأحرار أحد الأحزاب المطروحة بقوة للتعاون مع الإخوان المسلمين معها إلا أنه يبدو أن الإخوان المسلمين كانوا يسعون إلى الوصول إلى مجلس الشعب بأقصر الطرق مما جعلهم يتجاهلون حزب الأحرار مفضلين حزب الوفد الجديد نظرا لضعف حزب الأحرار ومحدودية شعبيته، وإذا كان حزب العمل قد عمل على فتح حوار بينه وبين التيار الإسلامي في أوائل عام الانتخابات فإن حزب الأحرار تميز بوجود جريدة مستقلة عن جريدة الأحرار، لسان حال الحزب، وهي جريدة "النور" التي مثلت المنبر الأساسي للتيار الإسلامي والإخوان المسلمين بعد إغلاق مجلات الإخوان المسلمين، ونستطيع أن نميز بين موقفين في إطار حزب الأحرار:

الأول: وهو الموقف الذي عبر عنه الحزب من خلال جريدة "النور" على لسان رئيس تحريرها الحمزة دعبس، وهو موقف ركز على انتقاد قرار الإخوان المسلمين بالتعاون مع حزب الوفد الجديد والإشارة في الوقت نفسه إلى أن المكان المناسب للإخوان هو حزب الأحرار وليس حزب الوفد، فأكد الحمزة دعبس (رئيس تحرير جريدة النور) على تعارض أهداف ومبادئ الوفد مع أهداف ومبادئ جماعة الإخوان المسلمين سواء فيما يتعلق بالشريعة الإسلامية أو العلمانية خاصة موقف د. وحيد رأفت وفرج فودة، د. نعمان جمعة، كما انتقد الحمزة دعبس ما عبر عنه الشيخ صلاح أبو إسماعيل من إيمانه باتخاذ "الهلال والصليب" شعارا لحزب الوفد واستمر نقاشه لهذه المسألة حتى اضطر الشيخ صلاح أبو إسماعيل إلى رفع هذه المسألة إلى لجنة الفتوى بالأزهر لإبداء الرأي فيها، ومن ناحية أخرى فقد طالب الحمزة دعبس الشيخ صلاح أبو إسماعيل بتعديل قراراته في المستقبل ودعوة التيار الإسلامي إلى التعاون في المستقبل تحت مظلة حزب الأحرار، فيقول الحمزة بعد استعراضه لمواقف د. حيدر رأفت ود. نعمان جمعة من قضايا الشريعة الإسلامية والحدود والربا مخاطبا الشيخ صلاح أبو إسماعيل الذي كان عضوا بالوفد وأحد العناصر المحركة لتعاونه من الإخوان:

"أما الحزب الذي له ماض معك وله قائمة وماضيك معه يرشحك لوضع يدك في يده مستقبلا فهو حزب الأحرار لأن قضية الشريعة الإسلامية هي قضيته الأولى منذ نشأته ...".

أما الموقف الثاني: فهو الذي عبر عنه الحزب من خلال جريدة الأحرار على لسان رئيس تحريرها وحيد غازي والذي انتقد فيه التعاون بين الوفد الجديد والإخوان المسلمين دون أن يعبر عن دعوته إلى تعاون الإخوان مع الأحرار، فوصف وحيد غازي التعاون بأنه انضمام "الشوام للمغاربة" "الأخوة الأعداء" واتهم هذا التعاون بأنه هو السبب وراء عدم وضوح الانتماء الحزبي في الخريطة الحزبية المصرية بحيث إنه أصبح ليس كل من ينضم للوفد على سبيل المثال وفديا أو يؤمن بمبادئ الوفد.

أما بالنسبة لموقف رئيس الحزب مصطفى كامل مراد فقد اكتفى بالتأكيد على العلاقة الطيبة التي تربطه بجماعة الإخوان المسلمين، وأشار إلى أنه كان عضوا قديما بجماعة الإخوان المسلمين، وقد عبر رئيس الحزب مصطفى مراد عن إمكانية تعاون الأحرار مع الإخوان قبل قيام التعاون الوفديالإخواني، إلا أن الصيغة التي طرحها مصطفى كامل مراد للتحالف لم تكن قاصرة على الإخوان والأحرار فحسب، فقد اقترح مصطفى كامل مراد أن تتقدم المعارضة بثلاثة قوائم، الأولى تضم الحزب الوطني الديمقراطي، والثانية تضم ما أطلق عليهم "أحزاب اليمين" على أن تضم الإخوان المسلمين، والجماعات الإسلامية، وحزب الوفد، وحزب الأحرار، وحزب مصر ... إلخ والقائمة الثالثة تضم ما أطلق عليهم "أحزاب اليسار" على أن تضم حزب العمل، والناصريين، والتجمع والشيوعيين.

وهكذا نخلص أيضا إلى أن حزب الأحرار لم يرفض فكرة التعاون من حيث المبدأ وإن كان الانتقاد موجها أيضا بالأساس إلى اختيار الإخوان التعاون مع الوفد دون غيره من الأحزاب السياسية.

3 – موقف الحكومة والقيادة السياسية:

والسؤال الذي نحاول الإجابة عليه هنا هو إذا كانت القيادة السياسية كما سبق القول كانت تبغي من قانون الانتخابات تحديدا ومن الإبقاء على قانون الأحزاب السياسية بما فيه من قيود على حرية حركة القوى السياسية سواء الحزبية أو غير الحزبية بصفة عامة إلى تحجيم دور المعارضة التي تمثلها التيارات الإسلامية، فكيف سمحت الحكومة والقيادة السياسة لمثل هذا التعاون أن يمر وأن يدخل الانتخابات رغم توافر عدد من النصوص القانونية التي كان من الممكن استخدامها بصورة أو بأخرى لمنع استمرار هذا التعاون أو الطعن فيه سواء من حيث مشروعيته القانونية أو من حيث خطره على مسألة الوحدة الوطنية.

فالموقف الملحوظ من جانب الحكومة القيادة السياسية هو تجاهل هذا التعاون والسماح له بدخول الانتخابات، ومن ثم يثور التساؤل حول مسوغات هذا الموقف، فهذا التجاهل من جانب الحكومة والقيادة السياسية كان يعكس أحد أمرين إما تبلور موقف سياسي جديد أو وجود قدرا من التناقض في الموقف السياسي، بمعنى أولا تبلور موقف جديد يختلف عن موقف القيادة السياسية من القوى السياسية غير الحزبية عموما والدينية خصوصا وفق ما عكسه إصدار قانون الانتخابات والاستمرار في العمل بقانون الأحزاب السياسية. ثانيا: وجود تناقض بين الهدف من إصدار قانون الانتخابات والإبقاء على قانون الأحزاب السياسية والسماح باستمرار التعاون بين الوفد والإخوان والسماح لهما بدخول الانتخابات تحت هذه الصيغة.

وواقعا يمكن القول أن تجاهل الحكومة والقيادة السياسية لمثل هذا التعاون الذي قام بين الوفد والإخوان لم يكن بسبب أن هذا التعاون كان قانونيا فقط ولكن لأن قدرا من المرونة قد تبلور في التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين، ومن ثم يمكن تفسير تجاهل الحكومة والقيادة السياسية لهذا التعاون والسماح له بدخول الانتخابات بعدة أسباب منها ما يلي:

1 – أن التعاون الوفدي الإخواني كان يتمتع بالمشروعية القانونية على نحو ما سبق توضيحه وهو ما يصعب معه توجيه الطعن في مشروعيته أو الحصول على حكم قضائي بعدم قانونيته، ومن ثم كان من المنطقي ألا تخوض الحكومة هذا المسلك بالنظر إلى ما يمكن أن يتركه من انطباع أو أثر سيء بشأن موقف الحكومة من العمل الحزبي وتمتع القوى السياسية بحقها في التمثيل السياسي الرسمي.

2 – أن جماعة الإخوان المسلمين في تلك الفترة بالذات ومع مجيء الرئيس مبارك أخذت في الظهور على الساحة السياسية لتعكس رغبة أكيدة من جانبها على أن يكون لها وجود سياسي ورسمي وتمثيل رسمي في أهم المؤسسات التمثيلية وهو مجلس الشعب، وفي الوقت الذي وضعت فيه هذه الرغبة من جانب جماعة الإخوان المسلمين قدرا من الالتزام لدى المعارضة الحزبية بمساعدة الجماعة للوصول إلى المجلس والحصول على تمثيل شرعي، وضعت هذه الرغبة لدى الإخوان أيضا قدرا من الالتزام على النظام السياسي والقيادة السياسية بترك الباب مواربا للجماعة للمشاركة في الحياة السياسية وفق الحدود المسموح بها وبما لا يضر بالمصالح العامة أو بالاستقرار السياسية والأمني.

3 – العامل الثالث يرتبط بموقف القيادة السياسية في تلك الفترة من جماعة الإخوان المسلمين، فقد درجت القيادة السياسية على التمييز بين جماعات تتبنى العنف كوسيلة للعمل السياسي وجماعات أخرى ترفض تبني العنف، وقد صنفت القيادة السياسية جماعة الإخوان المسلمين ضمن النوع الثاني الذي يرفض العنف كوسيلة لعملها السياسي، بل إن القيادة السياسية في تلك الفترة قد رفضت الأخذ بوجهة النظر القائلة بأن جماعات العنف قد خرجت من تحت عباءة الإخوان المسلمين أي أنها لم تكتف بتمييز الجماعة عن الجماعات الدينية الأخرى فيما يتعلق بوسيلة العمل السياسي بل إنها رفضت القول بوجود روابط أو علاقات أمومة أو أبوة بين الإخوان المسلمين وتلك الجماعات التي تتبنى العنف، وهكذا يمكن القول بأن السماح للإخوان بدخول الانتخابات عبر هذا التعاون كان نوعا من مبادلة السلم بالسلم أو مكافأة تبني الجماعة للعمل السلمي بالسماح لها بدخول الانتخابات والمشاركة في البرلمان، ومما عكس تمييز الرئيس مبارك جماعة الإخوان المسلمين عن باقي الجماعات الأخرى التي تتبنى العنف أنه رفض أن ينسب حادث اغتيال الرئيس السادات إلى جماعة الإخوان المسلمين حتى قبل إعلان نتائج التحقيق في الحادث، فقد قال الرئيس مبارك ردا على سؤال لصحيفة نيويورك تايمز في أكتوبر 1981 (بعد حادث الاغتيال) حول ما إذا كان الذي قاد عملية الاغتيال ينتمي إلى الإخوان المسلمين: "إنه ليس من جماعة الإخوان المسلمين وهو من المتطرفين الذين اكتشفنا أنهم متصلون بجماعة التكفير والهجرة .."، وهكذا فإن حسم الرئيس مبارك الموقف لصالح جماعة الإخوان المسلمين منذ بداية توليه السلطة، كان يعكس وضوح تمييزه بين الإخوان وجماعات التطرف والعنف، وقد أكد على نفس التصور وزير الداخلية في ذلك الوقت اللواء حسن أبو باشا فقال ردا على سؤال حول علاقة الإخوان بالعنف: "بدأ الإخوان أعمال العنف قبل ثورة يوليو، بين عام 1946، وعام 1949 نتيجة وجود الجهاز السري، وفي عام 1954 وفي محاولة اغتيال عبد الناصر، ومما يلفت النظر أن جماعة الفنية العسكرية لم يكن لها صلة بالإخوان المسلمين ولم يكن من بينهم من سبق اعتقاله، أما جماعة التكفير والهجرة فكلهم لا علاقة لهم بالإخوان باستثناء شكري أحمد مصطفى، كذلك جماعة الجهاد ليس من بينهم من سبق اعتقاله ضمن الإخوان كان الشيخ عمر عبد الرحمن والجماعات الجيدة تختلف فكريا مع جماعة الإخوان المسلمين ...".

4 – أيضا يمكن القول إن أحد عوامل عدم اعتراض الحكومة والقيادة السياسية على التعاون الوفديالإخواني خشية أن يترك ذلك انطباعا بأنه صراع بين القيادة السياسية والوفد الجديد بالذات، أو خشية أن يفسر تدخل الحكومة ضد التعاون على أنه تدخل ضد حزب الوفد بالذات، خاصة بعد الصراع الذي دار بين الوفد والحكومة بمناسبة رجوع الوفد إلى الحياة السياسية واللجوء إلى القضاء لحسم الخلاف بينهما.

5 – بالإضافة إلى هذه العوامل السابقة لا ننسى طبيعة القيادة السياسية الجديدة وظروفها ورغبتها في خلق مصادر شرعية جديدة لنظامها السياسي وخلق نخبة سياسية جديدة يسهل العمل من خلالها وما كان يفرضه ذلك عليها من شرورة التعرف على مختلف القوى السياسية يمكن التعامل معها، ورغم أنه لم يكن من المتوقف أن يلجأ النظام السياسي الجديد إلى خلق نخبته السياسية من جماعة الإخوان المسلمين إلا أنه كان من الضروري التعرف على الوزن النسبي لكل جماعة أو قوة سياسية على الساحة، بالإضافة إلى أن ترديد القيادة السياسية عددا من الشعارات كالديمقراطية والحرية وسيادة القانون ... إلخ، كانت تفرض عليها ضرورة الاحتفاظ بقدر من المصداقية فكيف تتحدث عن الديمقراطية وتدعيم الحريات وسيادة القانون وفي الوقت نفسه تقدم على حرمان إحدى القوى السياسية الهامة من الوجود أو فرصة التعبير عن نفسها من خلال القنوات الرسمية.

إلا أن هذا الموقف المرن من جانب الحكومة والقيادة السياسية تجاه التعاون الوفدي - الإخواني لم يتسم بالإطلاق فقد أصدرت وزارة الداخلية قرارا خاصا لتنظيم عملية الدعاية الانتخابية، تضمن هذا القرار مجموعة من الضوابط والقيود التي تحكم تلك العملية، ولعل أهم ما يلاحظ في تلك الضوابط أنها لم تقتصر على النواحي الإجرائية أو التنظيمية للدعاية الانتخابية ولكنها امتدت لتشمل النواحي الفكرية المتعلقة بآراء وأيديولوجيات يمكن أن ترفعها المعارضة في عملية الدعاية الانتخابية، فقد حدد القرار ستة ضوابط لا بد أن تلتزم بها عملية الدعاية الانتخابية وهي: الالتزام بألا تتضمن الدعاية الانتخابية أي شكل من أشكال الدعاية (رسوم أو صور أو عبارات ... إلخ) تنطوي على مناهضة أو رفض أو كراهية للمبادئ التي يقوم على نظام الدولة الاشتراكي الديمقراطي، وعدم التعرض للانتماء العربي لمصر أو التشكيك فيه، وعدم النيل من السلام الاجتماعي والوحدة الوطنية والمكاسب الإشتراكية، وعدم المساس بالوحدة الوطنية، وعدم استخدام العنف أو مقاومة السلطات، عدم الطعن في نزاهة وسلوك الآخرين.

وبالإضافة إلى مجموعة الضوابط الفكرية هذه اشتمل القرار على مجموعة من الضوابط الإجرائية والتنظيمية أهمها: الالتزام بألا يتجاوز حجم إنفاق الفرد على الدعاية الانتخابية أكثر من 1000 جنيه والحزب السياسي خمسة آلاف، وإخطار المرشح أو الحزب المركز أو قسم الشرطة المختص بأسماء المندوبين عنه في تنظيم عملية الدعاية، وعدم اجتماع أكثر من مرشحي حزب واحد في وقت واحد في نطاق دائرة واحدة، وعدم استخدام مكبرات الصوت.

وأهم ما يثيره إصدار هذا القرار هو لماذا صدر؟ وما الحكمة من صدوره في الوقت الذي استند فيه القرار إلى مجموعة من القوانين أهمها: قانون رقم 66 لسنة 1956 في شأن تنظيم الإعلانات، قانون رقم 73 لسنة 1956 لتنظيم مباشرة الحقوق السياسية، وقانون رقم 36 لسنة 1972 في شأن مجلس الشعب، وقانون رقم 40 لسنة 1977 في نظام الأحزاب السياسية وتعديلاته وقانون رقم 1978 بشأن حماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي، بالإضافة إلى وجود القرار الوزاري رقم 951 لسنة 1979 بشأن الدعاية الانتخابية، والقانون رقم 14 لسنة 1923 بتقرير الأحكام الخاصة بالاجتماعات العامة وبالمظاهرات في الطرق العمومية، وفي ضوء ذلك فإن السؤال هو ما الدافع وراء إلغاء القرار الوزاري رقم 951 لسنة 1979؟ ولا نجد تفسيرا لإقدام الداخلية على إصدار هذا القرار إلا في موقف الحكومة من التعاون الوفديالإخواني وطبيعة النظرة الحكومية إليه، فكما سبق القول فإنه رغم سماح الحكومة والقيادة السياسية بهذا التعاون وذلك نتيجة لموقف سياسي اتسم بالمرونة تجاهه إلا أن هذا الموقف المرن من جانب القيادة السياسية والحكومة لم يكن مطلقا، فإن كان ولا بد من تمريره فليس أقل من اتخاذ الاحتياطات ووضع مجموعة من الضوابط التي لا بد وأن يمر التعاون في إطارها ويلتزم بها خاصة وأن نظرة الحكومة إليه كانت نظرة أمنية سياسية بالدرجة الأولى ولم تكن قانونية في المقام الأول، وهو ما أكده رئيس الوزراء في هذه الفترة الدكتور فؤاد محيي الدين في قوله عن التعاون: "لا أريد أن أعقب الآن لأن المسألة سياسية وهي مسألة أمنية ونريد أن نرى أبعادها وما هو منتهاها، والقوائم حتى الآن لم تظهر لكنه من الواضح أن هناك لقاء لكن ليس من المصلحة العامة ..." وهكذا فإن عدم إقدام الحكومة والقيادة السياسية على اتخاذ قرار سياسي ضد التعاون كان لا بد أن يقتر باتخاذ مجموعة من الاحتياطات والمواقف الأمنية عكسها قرار وزير الداخلية الذي تضمن مجموعة من الضوابط الفكرية والإجرائية لعملية الدعاية الانتخابية.

ومن ثم ننتهي إلى أن موقف الحكومة والقيادة السياسية من التعاون كان موقفا سياسيا أمنيا اتسم بقدر من المرونة، فالحكومة لم تقف ضد التعاون ولكن أطرته بمجموعة من الضوابط الإجرائية والتنظيمية التي تحول دون تجاوز تأثيره حدود معينة.

الفصل الرابع: التعان الوفديالإخواني: إدارة العملية الانتخابية وتحليل نتائج الانتخابات

ينقسم هذا الفصل إلى مبحثين، يتناول أولهما، ديناميات إدارة الوفد الجديد والإخوان للعملية الانتخابية سواء فيما يتعلق بإعداد القوائم الانتخابية أو بصياغة البرنامج الانتخابي أو بالدعاية الانتخابية، ويحلل ثانيهما، نتائج الانتخابات ودلالاتها بالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين، وتعرض الدراسة لكل من المبحثين بشيء من التفصيل.

المبحث الأول: التعاون الوفديالإخواني وإدارة العملية الانتخابية

نتناول في هذا المبحث المسائل المتعلقة بتشكيل القوائم الانتخابية وما ارتبط بها من خلافات وانقسامات سواء على مستوى العلاقة بين طرفي التعاون أو على مستوى كل طرف على حدة، كذلك نتناول عملية الدعاية الانتخابية وتنظيم الحملة الانتخابية وما عكسته من سمات أو خصائص لتعاون الوفد الجديد والإخوان المسلمين.

وعلى ذلك يمكن تقسيم هذا المبحث إلى مجموعة من النقاط الفرعية هي:

أولا: إعداد القوائم الانتخابية.

ثانيا: تداعيات التعاون بين الوفد والإخوان على كل منهما.

ثالثا: تنظيم عملية الدعاية الانتخابية.

رابعا: البرنامج الانتخابي للوفد الجديد وحدود تأثير جماعة الإخوان المسلمين على صياغة البرنامج.


أولا: إعداد القوائم الانتخابية:

انطوت عملية تشكيل قوائم التعاون بين الوفد الجديد والإخوان على قدر كبير من السرية والغموض فيما بأسس وقواعد توزيع نصيب كل طرف من إجمالي هذه القوائم ونصيب كل منهما من رؤوس القوائم، فقد خضعت هذه العملية للمفاوضات المباشرة بين قيادات الجانبين ولم يعلن عن هذه الأسس أو تلك القواعد التي اتفق عليها في توزيع القوائم وأسس تشكيلها، ولعل ما يعكس درجة الغموض هذه هو إسناد عملية تشكيل القوائم وإعدادها إلى اللجنة العليا للوفد، والتي لعبت الدور الأساسي في إدارة المعركة الانتخابية وعملية تشكيل القوائم، ومن ناحية أخرى فإن إسناد مهمة تشكيل القوائم إلى اللجنة العليا وبوصفها هيئة ذات طبيعة مركزية يعكس مدى الخلافات التي كانت تكتنفها عملية تشكيل القوائم الأمر الذي كان يحتاج إلى درجة عالية من التنسيق بين الطرفين، وقد عملت تلك اللجنة في ضوء المفاوضات والاتفاقات التي تمت بين قيادة الحزب وخاصة زعيمه فؤاد سراج الدين وقيادات الإخوان المسلمين خاصة الشيخ عمر التلمساني وصالح أبو رقيق (عضو مكتب الإرشاد) بالإضافة إلى الشيخ صلاح أبو إسماعيل، غير أن السمة الملاحظة هي غياب تمثيل أعضاء الإخوان في اللجنة العليا أثناء مرحلة تشكيل القوائم الانتخابية، إلا من خلال وجود الشيخ صلاح أبو إسماعيل كمدافع عن الجماعة داخل اللجنة.

وفي ضوء هذا الغموض الذي اكتنف عملية تشكيل القوائم وعدم الإعلان عن أسس وقواعد توزيع هذه القوائم فقد أختلف بشأن نصيب الإخوان من حجم المرشحين ونصيبهم من رؤوس القوائم، فقد ذهب البعض أن نصيب الإخوان من حجم القوائم الأصلية هو 65 مرشحا، وأن الاتفاق بين الإخوان والوفد كان هو حصول الإخوان على 50% من عدد المرشحين على قوائم الحزب في حين أن الـ 65 مرشح لا يمثلون سوى 14.5% من إجمالي عدد المرشحين على القوائم الأصلية (المساوي لعدد أعضاء مجلس الشعب) وهو 448 مرشح (حيث تقدم حزب الوفد للانتخابات في جميع الدوائر الانتخابية الـ 48)، ومن ناحية أخرى فإن هناك من يقول إن نصيب الإخوان من إجمالي عدد المرشحين على قوائم الحزب لم يتعد 17 ويبدو أن هذا الرقم الأخير هو الأقرب إلى الصحة وقد أكد على ذلك الشيخ عمر التلمساني نفسه، وهو ما يؤكد ضعف ومحدودية عدد مرشحي الإخوان في انتخابات 1984 حيث لا يتعد هذا الحجم إلى إجمالي عدد مرشحي الوفد على القوائم الأصلية 3.8%.

ورغم محدودية عدد الإخوان المرشحين على قوائم الوفد الجديد غلا أن عملية تشكيل القوائم قد انطوت على قدر كبير من الخلاف بين الجانبين خاصة فيما يتعلق بترتيب المرشحين على القوائم الانتخابية وكان من أهم أمثلة الخلافات على ترتيب القوائم والمرشحين الخلاف الذي نشب في محافظة الإسكندرية، فقد أسندت عملية تشكيل القوائم في الإسكندرية (المكونة من ثلاث دوائر انتخابية) إلى لجنة خماسية، كان كل أعضائها من الوفديين، وقد عملوا على رفع عادل عيد (المرشح الإخواني) من رأس القائمة ووضع عبد السلام رجب (مرشح وفدي وصديق أحد أعضاء اللجنة الخماسية) بدلا من عادل عيد وهي الأزمة التي أدت إلى اجتماع مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين لبحث هذا الأمر، وعموما فقد تغلب الطرفان على الخلافات بينهما بخصوص ترتيب المرشحين.

كذلك يلاحظ أن مرشحي الإخوان المسلمين لم يكن يمثلوا التيار الإسلامي الوحيد على قوائم حزب الوفد الجديد فقد ضمت قوائم الوفد بالإضافة إلى الإخوان المسلمين مرشحين إسلاميين لا ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين وأهمهم الشيخ عبد الغفار عزيز، والشيخ صلاح أبو إسماعيل – وإن كان في بداية حياته ضمن أعضائها.

ويعكس ذلك طبيعة العلاقة بين الإخوان وهذه الاتجاهات الإسلامية في تلك الفترة والتي اتسمت بقدر من التعاون وعدم الصراع، فلم يكن هناك من الظروف ما يدعو إلى حرص الإخوان على تمييز أنفسهم وخطهم الفكري عن تلك الجماعات أو التنظيمات الإسلامية الأخرى، فردا على سؤال للتلمساني حول موقفه من الجماعات الإسلامية الأخرى قال "ليس أشهى إلى قلوب الإخوان من أن يكثر الدعاة إلى الإسلام فكلهم من رسول الله ولكل جماعة وجهة نظر ولسنا من الظلمة الذين يحتكرون الذكاء والقدرة والتفكير ونحن لا ندعي أننا وحدنا المسلمون فلتكثر الجماعات الإسلامية إلى أبعد الحدود .. ولكن على ثقة كاملة بأننا لسنا حريصين على أن نكون ثقلا سياسيا كبيرا في الشارع المصري وحدنا ودون غيرنا إننا ندعو الله أن يضاعف ثقل الدعاة المسلمين في الشوارع .. والدعوة إلى الله تحت أية قيادة واعية عاملة مخلصة من هنا أو هناك" وقد جاء هذا الحديث قبل إجراء الانتخابات بأقل من أسبوعين.

وفيما يتعلق بتوزيع أعضاء الإخوان على القوائم والدوائر الانتخابية يوضح التالي توزيع مرشحي الإخوان على تلك الدوائر وترتيبهم داخل القوائم الانتخابية لحزب الوفد الجديد.

جدول رقم (1)

المرشح الدائرة الانتخابية الترتيب في القائمة
حسن أحمد إبراهيم الجمل محافظة القاهرة/ الدائرة الثانية رأس القائمة
الشيخ محمد المطراوي محافظة القاهرة/ الدائرة الثالثة الثاني في القائمة
محمد محمد الشيتاني محافظة الغربية/ الدائرة الأولى الثاني في القائمة
محمد محفوظ حلمي السيد دياب محافظة الغربية/ الدائرة الثالثة الثاني في القائمة
محمد محمد محمد المسماري محافظة الجيزة/ الدائرة الأولى رأس القائمة
حسني أحمد المليجي محافظة الجيزة/ الدائرة الثالثة رأس القائمة
محمد عبد الرحيم المراغي محافظة الإسكندرية/ الدائرة الثانية الثاني في القائمة
إبراهيم كامل الزعفراني محافظة الإسكندرية/ الدائرة الثانية الثالث في القائمة
عادل عيد عبد المقصود محافظة الإسكندرية الدائرة الثالثة رأس القائمة
محسن جودة عبد الحافظ محافظة بني سويف/ الدائرة الأولى رأس القائمة
حنفي محمد مصطفى رمضان محافظة الجيزة/ الدائرة الثانية الرابع في القائمة
موسى جمال طلعت محافظة الإسماعيلية الثاني في القائمة

ملحوظة: لم يتمكن الباحثان من الحصول على معلومات عن بقية مرشحي الإخوان.

وهكذا يتضح من توزيع 12 مرشح من الإخوان المسلمين على قوائم الوفد أن الإخوان المسلمين قد احتلوا رؤوس القوائم الأصلية (الترتيب الأول والثاني) في عشر قوائم انتخابية أي بنسبة 20.8% من إجمالي عدد القوائم الأصلية فإذا افترضنا أن الإخوان الخمسة الباقين من الإخوان المسلمين قد احتل جميعهم رؤوس القوائم التي رشحوا عليها فإن النسبة لن تتعدى 31.25% وهكذا فإن نسبة مرشحي الإخوان المسلمين من رؤوس القوائم تقع بين 20.8% - 31.25% كحد أدنى وحد أقصى، بينما احتل من مرشحي الإخوان المسلمون الاثني عشر الترتيب الثالث عضوا واحدا، والترتيب الرابع عضوا واحدا أيضا، وهو توزيع يشير بوضوح إلى أن أغلب مرشحي الإخوان المسلمين قد احتلوا رؤوس القوائم.

وهكذا يتضح من توزيع مرشحي الإخوان وترتيبهم داخل القوائم أن معظمهم قد احتل المراكز الأولى من القوائم (الأول أو الثاني) بينما لم يتأخر منهم إلى الترتيب الثالث أو الرابع إلا عدد محدود.

كما يلاحظ أيضا أن أغلب مرشحي الإخوان في الانتخابات كانوا في عدد محدود من المحافظات الكبرى مثل القاهرة والجيزة والإسكندرية والغربية، وهو ما يؤكد أن قواعد التأييد الشعبي للإخوان أكبر في تلك المحافظات، وهو ما أكدته نتائج الانتخابات بالفعل، فمرشحو الإخوان الثمانية الذين نجحوا في الانتخابات كانوا على قوائم الوفد في عدد من الدوائر الانتخابية في القاهرة والجيزة والإسكندرية على نحو ما سيتضح فيما بعد.

ثانيا: تداعيات التنسيق بين الوفد والإخوان:

وهذه النقطة تتعلق بأثر التعاون بين الوفد الجديد والإخوان على التماسك الداخلي لكل من طرفيه وما إذا كانا قد طورا آلية لفض الخلافات التي كان من المتوقع نشوبها على مستوى كل طرف أو على مستوى العلاقة بين الطرفين.

وقد أدى تعاون الوفد الجديد والإخوان إلى نتائج هامة فيما يتعلق بمدى تماسك كل منهما وقدرته على الاحتفاظ بهذا التماسك، فبمجرد أن بدأ التعاون وأعلن عنه تسارعت الانشقاقات والخلافات على مستوى كل طرف، مع اختلاف درجة حدة هذه الانشقاقات على مستوى الوفد مقارنة بالإخوان، فقد كانت هذه الخلافات والانشقاقات على مستوى حزب الوفد أكثر حدة منها في حالة جماعة الإخوان المسلمين، ويجد ذلك تفسيره في طبيعة تشكيل الجماعة من حيث ارتفاع درجة التنظيم وارتفاع مستوى الانضباط الداخلي القائم على الأمر والطاعة والتزام المستويات الدنيا بتعليمات وأوامر المستويات الأعلى، ورغم الدور الهام الذي يلعبه زعيم الحزب في الوفد والهالة التي تحيط به إلا أن درجة الالتزام الحزبي في الوفد لا تماثل حالتها في جماعة الإخوان المسلمين.

فقد ترتب على إقدام الوفد على تعاونه مع الإخوان خروج أكثر من 15 شخصية وفدية بارزة من الحزب وقدموا استقالاتهم احتجاجا على ما اعتبروه تحالفا مع الإخوان، وكان من أهم هذه الوجوه: دكتور لويس عوض، دكتور محمد أنيس، دكتور فرج فودة.

والمهم في الانشقاقات أو توالي هذه الاستقالات أنها برزت من جانب أصحابها صراحة بإقبال الوفد على التعاون مع الإخوان، بما يعنيه ذلك في نظرهم من تراجع الوفد الجديد عن مبادئه التاريخية المتمثلة في العلمانية ، والديمقراطية والوحدة الوطنية، وعلى سبيل المثال، فقد برر د. لويس عوض استقالته صراحة بأن تغيرا قد طرأ على الوفد بتعاونه مع الإخوان خاصة فيما يتعلق بموقف الحزب من العلمانية فقد جاء في استقالته: "... وقد فوجئت في الفترة الأخيرة بتصريحات على مستوى القمة في قيادة حزب الوفد الجديد تعلن رفض الحزب للعلمانية التي أؤمن بها أساسا للعقد الاجتماعي بما أقنعني بأن الوفد الجديد يختلف اختلافا عن الوفد الذي أسسه سعد زغلول وقاده مصطفى النحاس في فترة ما بين الثورتين، وبناء عليه فقد قررت للأسف الشديد الاستقالة من عضوية حزب الوفد الجديد ..." ونفس الأمر أكد عليه د. محمد أنيس في معرض حديثه عن أسباب استقالته من الوفد حيث أكد على أن الوفد لم يعد هو الوفد القديم بعد "تحالفه" مع الإخوان.

أما فيما يتعلق بالإخوان فإن الأمر كان أقل حدة فقد ظهر تيار داخل جماعة الإخوان المسلمين يستنكر إقدام التلمساني على خطوة التعاون مع حزب الوفد باعتباره الحزب "الذي طالما دافع عن العلمانية والعدو التقليدي للإخوان قبل ثورة 1952" من أمثلة هؤلاء فكري الجزار (عضو مجلس الشعب 19791984) والذي رفض الترشيح على قوائم الوفد الجديد، بالإضافة إلى رفض جزء غير قليل من القاعدة الشعبية للإخوان لقرار التعاون مع الوفد الجديد وتفضيل عدد من قيادات وزعماء الجماعة على مستوى الأقاليم التعاون مع حزب العمل بدلا من حزب الوفد الجديد.

غير أن شخصية التلمساني قد نجحت في الحفاظ على هذه الخلافات تحت السطح، فلم يتردد في إصدار المنشورات والبيانات التي وزعت على أنصار الجماعة والتي شرح فيها حقيقة التعاون الوفديالإخواني وأبرز فيها الأسباب التي دعته إلى التعاون مع الوفد وأن التعاون لا يعدو أن يكون على الهدف منه هو الوصول إلى مقاعد مجلس الشعب، بالإضافة إلى حرصه على استمرار التأكيد على أن التعاون الوفديالإخواني لا يعني الاندماج وذوبان الإخوان في الوفد، وعموما فإن خروج بعض كوادر الوفد الجديد من صفوفه من جراء تعاونه مع الإخوان لم يثن الحزب على الاستمرار في عملية التنسيق مع الإخوان، خاصة وأن الذين خرجوا من الحزب قد خرجوا كأفراد ولم يترتب على خروجهم حدوث انقسام كبير في صفوف الحزب، والأرجح أن الحزب قد تحمل التضحية ببعض كوادره مقابل الاستفادة من القاعدة الشعبية التي يمثلها الإخوان في الانتخابات، أخذا في الاعتبار أن الحزب كان حريصا على تحقيق نتائج طيبة في أول انتخابات يشارك فيها بعد عودته إلى المسرح السياسي بعد غياب طويل.

ثالثا: تنظيم عملية الدعاية الانتخابية:

وقد اعتمدنا في هذا الجزء على رصد تحليلي للمؤتمرات الانتخابية التي أقامها الحزب (والتي سجلتها جريدة الوفد وقامت بتغطيتها) ورغم أن هذا قد يواجه بانتقاد، حيث إنه ليس من الضروري أن تكون المؤتمرات الانتخابية التي سجلتها وغطتها جريدة الحزب هي إجمالي المؤتمرات التي أقامها الوفد والإخوان إلا أن هذا العدد من المؤتمرات الذي سجلته الجريدة وقامت بعرض أحداثه يمثل على أقل تقدير نسبة كبيرة من إجمالي عدد هذه المؤتمرات، ومن ثم فإنها قد تكون أكثر الوسائل تعبيرا عن طبيعة الدعاية الانتخابية وملامحها، فمن خلال رصد تحليلي لمجموعة المؤتمرات الشعبية والانتخابية التي عقدها الحزب بمختلف المحافظات والدوائر الانتخابية والتي زادت عن الستة وعشرين مؤتمرا انتخابيا (والتي أمكن حصرها من خلال جريدة الحزب) يمكن أن نستخلص مجموعة من السمات التي تتصل بالتعاون الوفديالإخواني من حيث القضايا التي أثارها كل طرف في الانتخابات من ناحية، وحجم وطبيعة مشاركة الإخوان، فيها من ناحية أخرى:

أ – القضايا التي أثارها كل من الإخوان والوفد الجديد في المؤتمرات الانتخابية:

كانت القضايا التي أثارها رموز جماعة الإخوان المسلمين هي: تبرير تعاون الجماعة مع حزب الوفد وتبرير لجوئها إلى العمل السياسي من خلال حزب سياسي، وقضية الشريعة الإسلامية، والدفاع عن جماعة الإخوان المسلمين وحقها في الوجود السياسي وممارسة العمل السياسي الشرعي، وقضية الحرية والديمقراطية وقانون الانتخابات، والهجوم على الحزب الوطني الحاكم.

أما عن الأهمية النسبية لكل من هذه القضايا فقد لوحظ أن قضية تبرير التعاون مع حزب الوفد الجديد نالت قدرا أكبر من الاهتمام، وارتبط تبرير الجماعة للتعاون مع حزب الوفد الجديد بالرد على من هاجموا جماعة الإخوان من زاوية اختيارها لحزب الوفد بالذات لتتحالف معه، وقد تصدى للرد عن هذا الهجوم رموز هامة في جماعة الإخوان المسلمين مثل الشيخ عمر التلمساني، وإبراهيم الزعفراني ومحمد رشيد النحال، وكان أهم المؤتمرات التي تصدى فيها هؤلاء لهذه القضية هو مؤتمر الحزب في الإسكندرية في منتصف مايو 1984.

كما اهتم الإخوان بقضية الحقوق السياسية للجماعة، وقد ربطت جماعة الإخوان إثارة هذه القضية بقضية الديمقراطية والحرية، فقد أثار رموز جماعة الإخوان المسلمين في المؤتمرات الانتخابية والشعبية قضية حرمان الجماعة من العمل الحزبي والسياسي العلني والقيود المفروضة على العمل الإسلامي بصفة عامة، وطالب زعماء الإخوان الحكومة بفتح القنوات الشرعية أمام الجماعة لممارسة العمل السياسي العلني وأكدوا أن لجماعة الإخوان المسلمين حقوقا سياسية لا بد وأن تتمتع بها سواء حقها في إصدار الصحف الناطقة بلسانها أو حقها في الترشيح أو ممارسة عمل الدعوة الإسلامية .. إلخ.

أما قضية الشريعة الإسلامية فقد جاء اهتمام الإخوان بها في الدعاية الانتخابية تاليا لاهتمامهم بقضيتي تبرير التعاون مع الوفد الجديد والحقوق السياسية للجماعة، وهذا لا يعني تقليلا من جانب الإخوان لأهمية قضية تطبيق الشريعة الإسلامية التي هي القضية الأم بالنسبة لهم، ولكن يعني أن الظروف التي خاض فيها الإخوان المعركة الانتخابية بالتعاون مع حزب الوفد المعروف بعلمانيته فرضت عليهم التركيز على تبرير هذا التعاون من ناحية، فضلا عن المطالبة بالحقوق السياسية للجماعة بما في ذلك حقها في الوجود الشرعي وتأسيس حزب وإصدار صحف .. إلخ، وهو ما يؤهلها للعمل بفاعلية في خدمة قضيتها المحورية.

ومن الأمور الجديرة بالذكر والملاحظة أن مسألة الشريعة الإسلامية لم تثر بطريقة مباشرة بمعنى أن التركيز لم يكن على تطبيق الشريعة الإسلامية أو الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية بقدر ما كان التركيز على المسائل الأخرى المرتبطة بتطبيق الشريعة الإسلامية مثل المطالبة بحرية ممارسة الدعوة الإسلامية والدعوة إلى إعطاء قدر من الحرية لخطباء المساجد لممارسة حقهم في انتقاد بعض القوانين القائمة، أو من خلال التركيز على عدم تعارض تعاون الجماعة مع حزب الوفد الجديد مع قضية الشريعة الإسلامية، ولعل مرد ذلك هو حرص الإخوان على تطمين الأقباط الذين يشكلون عنصرا هاما في حزب الوفد.

وبالإضافة إلى هذه القضايا أثار الإخوان في الدعاية الانتخابية بعض القضايا الأخرى الأقل أهمية بالنسبة للقضايا السابقة ومنها الموقف من الحزب الحاكم، والموقف من قانون الانتخابات، حيث هاجمت جماعة الإخوان المسلمين الحزب الوطني الحاكم واتهمته بأنه "حزب الفساد والإفساد" وحزب الديكتاتورية، كما أنها قد وصفت وجوده بأنه تناقض مع الديمقراطية.

أما بالنسبة لحزب الوفد فإن القضايا التي أثارها زعماء الحزب في المؤتمرات الانتخابية تمثلت في:

الديمقراطية وقانون الانتخاب، وموقف الحزب من ثورة يوليو والقطاع العام والإصلاح الزراعي، الهجوم على الحزب الوطني، الوحدة الوطنية، وتاريخ الحزب، تبرير التعاون والدفاع عنه.

وكانت أهم القضايا التي شغلت مساحة مهمة في مؤتمرات الدعاية الانتخابية هي قضية الديمقراطية، إذ يكاد لا يخلو مؤتمر شعبي وانتخابي من الحديث عن قضية الديمقراطية وحرية الصحافة وحرية تكوين الأحزاب السياسية، بالإضافة إلى قانون الانتخابات وضمانات حيدة الانتخابات ونزاهتها، وقد عولجت قضية الديمقراطية معالجة شاملة من كافة جوانبها سواء حريات الصحافة وتكوين الأحزاب السياسية أو المطالبة بإلغاء القوانين الاستثنائية، وقانون الطوارئ، والمطالبة بتحقيق استقرار في القوانين والتشريعات، والتعديل من مفهوم الأمن ليصبح أمن المواطن بدلا من أمن الدولة، وتعديل قانون الانتخابات وإلغاء نسبة الـ 8% تحقيق والإشراف القضائي على الانتخابات .. إلخ، كما لقيت هذه القضية اهتمام أهم رموز وزعماء حزب الوفد د. وحيد رأفت، علوي حافظ، علي سلامة (عضو الهيئة العليا)، أحمد ناصر (سكرتير عام الجمعية العمومية للوفد)، د. نعمان جمعة (سكرتير مساعد الحزب).

تلي قضية الديمقراطية من حيث الأهمية النسبية قضيتي موقف الحزب من الثورة والقطاع العام وحقوق العمال، والهجوم على الحزب الوطني الحاكم، فقد احتلتا هاتين القضيتين قدرا متساويا من الأهمية، فقد أكد زعماء الحزب في المؤتمرات الانتخابية فيما يتعلق بالثورة، أن الحزب قد أيد الثورة منذ لحظتها الأولى وأنه لا زال يؤكد على الثورة وأن رجوعه للحياة السياسية لا يعني سعي الحزب إلى هدم الثورة ولكن كل ما هنالك أن الحزب ينتقد سلبيات الثورة وينتقد الجرائم التي ارتكبت باسمها، وفيما يتعلق بقضايا العمال والقطاع العام فد أكد زعماء الحزب على أن الوفد لا يعارض قضايا العمال أو القطاع العام فالحزب ملتزم أكثر مما سبق بقضايا العمال، بل إن قوانين العمال قد صدرت في عهد حكومات الوفد 1936 - 1952 فكيف يسعى إلى هدم هذه القوانين؟ كما دافع زعماء الحزب عن فلاحي الإصلاح الزراعي وقوانين الإيجارات التي صدرت بعد 1952.

أما فيما يتعلق بالهجوم على الحزب الوطني فقد كان واضحا أن هذه القضية قد شغلت مساحة كبيرة من المؤتمرات الانتخابية، فلا يكاد يخلو مؤتمر انتخابي إلا وأنتقد فيه زعماء الحزب ومرشحيه الحزب الوطني الحاكم، فتساءلوا عن مصادر تمويله وعن تعاون المحافظين مع مرشحي الحزب، كما شككوا في مصادر شرعيته، ودعوا الحزب إلى التخلي عما يملكه من منشآت ومبان ... إلخ لصالح الديون الخارجية، ومما يلاحظ أن أهم من هاجموا الحزب الوطني هم فؤاد سراج الدين، رئيس الحزب.

ويلي قضيتي موقف الحزب من الثورة والقطاع العام والهجوم على الحزب الوطني قضيتين أخريتين كانتا ذات أهمية خاصة في الحملة الانتخابية وعلى نفس القدر من الأهمية تقريبا وهما قضيتا الشريعة الإسلامية والوحدة الوطنية، وتاريخ الحزب وسمعته، فقد شغلت كل منهما مساحة مهمة من المؤتمرات الانتخابية، فأكد زعماء الحزب على أن حزب الوفد هو حزب الوحدة الوطنية وهي قضيته التي لم ولن يتخلى عنها في يوم من الأيام، كما وظف الحزب تعاون الإخوان معه كمظهر من مظاهر إيمان الحزب بالوحدة الوطنية وحرصه عليها.

ومن الملفت للنظر أن أهم من دافعوا أو أثاروا قضية الوحدة الوطنية هم أعضاء ومرشحي الحزب من الأقباط، إذ كانت النسبة الغالبة ممن أثاروا قضية الوحدة الوطنية هم أقباط الوفد بالإضافة إلى زعيم الحزب فؤاد سراج الدين، فمن خلال استقراء مضامين المؤتمرات الانتخابية التي أمكن رصدها كان ممن أثاروا هذه القضية أكثر من غيرهم كل من سمير مرقص، فهمي ناشد، مهندس عياد مينا، سميحة توفيق بالإضافة إلى فؤاد سراج الدين.

وفيما يتعلق بتاريخ الحزب وسمعته فقد كانت قضية ذات أهمية خاصة بالنسبة للوفد، إذ كان اسم الحزب وتاريخه أحد الركائز الأساسية التي اعتمد عليها الحزب في انتخابات 1984، فقد حرص زعماء الوفد على إعادة التذكير بتاريخ الحزب ونضاله في مرحلة ما قبل الاستقلال كما أثاروا فكرة توكيل الأمة للوفد، وأكدوا على استمرار هذا التوكيل وإن كان الهدف قد اختلف فالوفد قد عاد هذه المرة ليأخذ بيد الشعب إلى الديمقراطية والحرية، كما كان هناك حرصا من جانب زعماء الحزب على ترديد وإعادة التذكير بالرموز القديمة للوفد مثل سعد زغلول، ومصطفى النحاس.

ومن خلال هذه الرصد يمكن أن نلاحظ مجموعة من الأمور فيما يتعلق بالقضايا التي أثيرت من جانب طرفي التعاون، فقد كان هناك قدرا من التمايز أو المساحة الفاصلة بين الطرفين فيما يتعلق بالقضايا التي أثارها كل منهما في الدعاية الانتخابية.

فمن جانب الإخوان لاحظنا أن أهم القضايا كانت هي قضية تبرير تعاون الإخوان مع الوفد، ثم قضية الحقوق السياسية للجماعة، ثم قضية الشريعة الإسلامية ثم الهجوم على الحزب الوطني، وهكذا نلاحظ ضعف اهتمام الإخوان المسلمين بقضايا مثل الوحدة الوطنية، أو على أقصى تقدير لم تثرها الجماعة في الدعاية الانتخابية بدرجة ملحوظة تجعلها تأخذ قدرا ملحوظا من مساحة تلك المؤتمرات أو أحاديث الجماعة وزعماؤها في تلك المؤتمرات كما حدث من جانب رموز وزعماء حزب الوفد .. وفي الوقت الذي اعتمد فيه الحزب على الأقباط من أعضاء الحزب في التأكيد على مسألة الوحدة الوطنية لم يكن للإخوان دورا واضحا في معالجة هذه القضية في الدعاية الانتخابية.

وفي المقابل نجد أن حزب الوفد الجديد كان ترتيبه لقضايا الدعاية الانتخابية من حيث الأهمية النسبية هي قضية الديمقراطية وقانون الانتخابات ثم موقف الحزب من الحزب الوطني والحكومة وثورة يوليو والقطاع العام ثم قضية الوحدة والوطنية والشريعة الإسلامية، وتاريخ الحزب ثم تبرير تعاون الوفد الجديد مع الإخوان، وهكذا فإن أول ما نلاحظه هو تراجع مسألة الشريعة الإسلامية بين اهتمامات الحزب في الدعاية الانتخابية، ومن ناحية ثانية نلاحظ تأخر قضية تبرير التعاون في أولويات اهتمام الحزب في عملية الدعاية.

وهكذا نخلص إلى أنه كان هناك قدر من التمايز بين الطرفين فيما يتعلق بقضايا الدعاية الانتخابية وقد انعكس ذلك بوضوح سواء من خلال موضوع تلك القضايا أو ترتيب الأهمية النسبية لكل منها، وبمعنى آخر فإن كلا الطرفين قد احتفظ لنفسه بقدر من التمايز في اختيار وتحديد قضايا الحملة الانتخابية بما يتناسب وموقفه، فبينما ركزت جماعة الإخوان المسلمين على مسألة الحقوق السياسية المحرومة منها الجماعة وقضية الشريعة الإسلامية بالإضافة إلى إعطائها أهمية خاصة لتبرير تعاونها مع الوفد ولجوئها إلى العمل السياسي من خلال أحد الأحزاب السياسية وهي المسألة التي كانت تحتل أهمية خاصة في تبرير التعاون بصفة عامة كما سبق القول، بينما ركز حزب الوفد باعتباره حزبا سياسيا شرعيا على قضايا أخرى مثل قضية الديمقراطية وموقفه من الثورة والإصلاح الزراعي وقوانين العمال وموقفه من الحزب الوطني، ومن ثم يمكن القول إن ما جمع بين الإخوان والوفد في قضايا الدعاية الانتخابية هي قضية الديمقراطية والإصلاح السياسي بصفة عامة.

ومن الأمور اللافتة للنظر فيما يتعلق بالإخوان المسلمين أن مسألة الشريعة الإسلامية لم تكن هي القضية المركزية في دعاية الإخوان، فعدد مرات إثارة الجماعة لهذه القضية في المؤتمرات الانتخابية للوفد أكد تراجع هذه القضية بالنسبة لقضية الحقوق السياسية للجماعة، وهذا ما يؤكد حديثنا في موضع سابق عن الأهمية النسبية لقضية الشريعة الإسلامية لدى الجماعة، في تحديد واختيار الحليف السياسي.

ولعل عدم إثارة القضية بصفة أساسية من جانب زعماء وأقطاب الجماعة من أمثال الشيخ التلمساني إنما يعكس دلالة هامة وهي حرص أو رغبة الجماعة في عدم إعطاء انطباع بأنها ألا تهتم بقضية الشريعة الإسلامية، أو الإشارة إلى أن للجماعة قضايا واهتمامات أخرى جنبا إلى جنب مع قضية الشريعة الإسلامية.

ب – حجم وطبيعة مشاركة الإخوان في المؤتمرات الانتخابية:

لوحظ من خلال مجموعة المؤتمرات التي تم رصدها انخفاض حجم المشاركة من زعماء ورموز الإخوان المسلمين في تلك المؤتمرات سواء من حيث حجم المؤتمرات التي شاركوا فيها أو من حيث عدد الإخوان المسلمين الذين شاركوا كمتحدثين في تلك المؤتمرات، فمن بين حوالي (26) مؤتمرا انتخابيا تم رصدها من خلال الجريدة.

وجد أن عدد المؤتمرات التي شارك فيها الإخوان المسلمون لم يتعد (9) مؤتمرات.

كذلك انحصر عدد من شاركوا من الإخوان في هذه المؤتمرات في عدد محدود هم على سبيل الحصر: الشيخ عمر التلمساني، إبراهيم الزعفراني، أمين رستم، محمد المراغي، محمد رشيد النحال، عادل عيد وهو ما يعكس دلالة هامة بخصوص حجم مشاركة الإخوان في الدعاية الانتخابات وهو ما يثير التساؤل عن أسباب هذا الانخفاض، فهل يرجع ذلك إلى عزوف الإخوان المسلمين أنفسهم عن هذه المشاركة أم إلى رغبة الوفد الجديد أو حرصه على عدم الاعتماد أكثر من اللازم على رموز الجماعة في الحملة الانتخابية، أم أن هذا الانخفاض يرجع إلى عوامل أخرى كالقيود الأمنية على مشاركة الإخوان في هذه المؤتمرات الانتخابية؟ ولما كان من الصعب القول أن هذا الانخفاض أو تراجع دورهم في الحملة الانتخابية، إنما يرجع إلى رغبة من جانب الوفد في تحجيم دورهم في تلك المؤتمرات، فالأرجح في تفسير هذا التراجع هو أن الإخوان كان لهم دعايتهم الخاصة بهم والمنفصلة إلى حد كبير عن حملات الوفد الانتخابية وذلك من خلال منشورات الجماعة والاعتماد على وسائل أخرى في جمع التأييد والمساندة والتي تعتمد في أغلبها على الروابط المباشرة .. إلخ، بالإضافة إلى اعتمادهم على مؤتمراتهم الخاصة بهم والتي لم يتم تسجيلها بواسطة جريدة الوفد، خاصة في ضوء الاتفاق على قيام الإخوان بالمشاركة في تمويل الحملة الانتخابية وقيامهم بالاتفاق على دعاية مرشحيهم.

غاية ما نود استخلاصه هو أنه كان هناك قدرا كبيرا من التمايز والخصوصية بين طرفي التعاون في عملية الدعاية الانتخابية سواء فيما يتعلق بقضايا الحملة الانتخابية نفسها أو فيما يتعلق بحجم مشاركة الإخوان المسلمين في المؤتمرات الانتخابية للوفد وهو ما يعكس حرص كل طرف على الاحتفاظ بخصوصيته وتمايزه عن الطرف الآخر.

رابعا: البرنامج الانتخابي للوفد الجديد وحدود تأثير الإخوان في صياغته:

رغم ما لوحظ من محدودية نفوذ وتأثير جماعة الإخوان المسلمين في تشكيل القوائم الانتخابية خاصة من حيث عدد المرشحين من الإخوان المسلمين على قوائم حزب الوفد إلا أن تعاون الإخوان مع حزب الوفد قد كان له أثره على صياغة البرنامج الانتخابي للحزب في انتخابات مجلس الشعب لسنة 1984 مقارنة بالبرنامج الأصلي للحزب، ويهمنا هنا أولا التعرض لتلك القضايا التي كان من المتوقع أن تكون محل تأثير جماعة الإخوان المسلمين على حزب الوفد في صياغة البرنامج الانتخابي، وثانيا إلى أي حد كان هذا التغير الذي طرأ على البرنامج الانتخابي للحزب مقارنة بالبرنامج الأصلي راجعا إلى تعاون الإخوان مع الحزب في تلك الانتخابات:

1 – التوجهات العامة للبرنامج الانتخابي للوفد الجديد:

اشتمل البرنامج الانتخابي لحزب الوفد على خمسة أبواب غطت مختلف القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، الداخلية والخارجية، وكان ترتيب أولويات البرنامج الانتخابي على النحو التالي:

قضية الحريات العامة والدستور، الشئون الدينية، السياسة الخارجية، السياسة الاقتصادية والمالية والفئوية، والقضايا الخدمية والقطاعية.

وفيما يتعلق بالأهمية النسبية التي احتلتها كل من هذه الأبواب في البرنامج الانتخابي فقد احتلت هذه القضايا قدرا متساويا نسبيا من مساحة البرنامج، ومن ثم فإن المقارنة بين هذه القضايا من حيث مدى تركيز الحزب عليها يعكسها ترتيب ورودها في البرنامج، فبدأ البرنامج الانتخابي بطرح توجهات الحزب فيما يتعلق بقضية الحريات العامة والدستور، وقد أثار البرنامج عددا من النقاط أهمها تعديل نص المادة 76 من الدستور الخاصة بطريقة اختيار رئيس الجمهورية ونائبه حيث دعى البرنامج إلى التأكيد على حق كل مواطن في أن يرشح نفسه لرئاسة الجمهورية أو لمنصب نائب الرئيس وأن يتم الاختيار عن طريق الانتخاب المباشر بين كافة المرشحين، كما أثار البرنامج قضية المسئولية السياسية للوزارة وطالب بتخفيف القيود الواردة على حق مجلس الشعب في سحب الثقة من الحكومة والواردة في المادة 127 من الدستور، بالإضافة إلى التأكيد على ضرورة منح مجلس الشعب السلطات الكافية في شأن الموازنة، وإلغاء المادة 74 من الدستور، وبشأن ترسيخ الديمقراطية أثار البرنامج خمسة أسس يجب أن تقوم عليها الديمقراطية هي: احترام حقوق الإنسان، تعدد الأحزاب السياسية وإطلاق حرية تكوين الأحزاب دون قيد أو شرط، حرية الصحافة، وجود معارضة قوية، حرية الانتخابات ونزاهتها وأفراد البرنامج جزءا خاصا للموقف من القوانين الاستثنائية فطالب بإلغاء كافة القوانين التي تتعارض مع الحريات والدستور وقدم حوالي 12 قانونا على سبيل المثال تتعارض مع الحريات العامة والدستور طالب بإلغائها.

وتناول الباب الثاني الشئون الدينية وهو يعد بمثابة التغير الذي أتى مع البرنامج الانتخابي للحزب في 1984 مقارنة بالبرنامج الأصلي، وسوف نتعرض لهذه القضية بالتفصيل لاحقا.

وفيما يتعلق بقضايا السياسة الخارجية لوحظ تركيز البرنامج على الدور المصري وأهميته سواء على المستوى العربي أو الإسلامي، بالإضافة إلى تركيزه على مسألة الصراع العربي الإسرائيلي من زوايا عدة، فأثار البرنامج الموقف من اتفاق كامب دايفيد، مؤكدا على أن الاتفاقية لم تعد ذات موضوع لما ترتكبه إسرائيل من أفعال وأنه لا يجوز لإسرائيل أن تطالب مصر باحترام الاتفاقية أو الالتزام بها بينما هي لا تلتزم بها، كذلك أثار البرنامج القضية الفلسطينية وتحرير القدس مؤكدا على أن تحرير القدس قضية مقدسة يجب على الأمة العربية تسخير كافة مقدراتها للوصول إلى ذلك الهدف.

أما فيما يتعلق بالسياسات الاقتصادية والمالي فقد تضمن البرنامج تفصيلات كثيرة وعديدة فأثار البرنامج قضايا الانفتاح الاقتصادي، البنوك الأجنبية، الأسعار، سياسة الإقراض والقروض، القطاع العام، القطاع الخاص، سياسة الدعم وربط الأجور بالأسعار، حيث حدد البرنامج الموقف باختصار من كل قضية من القضايا السابقة وقدم عددا من الاقتراحات لمعالجة تلك القضايا.

وفيما يتعلق بالباب الأخير والخاص بالقضايا الخدمية والقطاعية فقد ركز البرنامج على قضايا الإسكان، الحكم المحلي، الإعلام، الصناعة، العمل والعمال، القوات المسلحة، الزراعة، الري، الثروة الحيوانية، الشئون الاجتماعية السجون، الصحة – المواصلات، السياحة، المرافق العامة، الريف والقرى، المرأة الشباب.

وهكذا فإنه رغم التأخر النسبي للقضايا الاقتصادية والقضايا المتعلقة بالخدمات الاجتماعية إلا أن المساحة التي شغلتها تلك القضايا من البرنامج لم تقل عن المساحة التي شغلتها القضايا السياسية الخاصة بالحريات العامة والدستور، ومن ثم نخلص إلى أن البرنامج الانتخابي اتسم بالاهتمام المتساوي نسبيا بتلك القضايا إلا فيما يتعلق بقضايا السياسة الخارجية حيث تراجعت المساحة التي شغلتها من البرنامج مقارنة بالقضايا الأخرى ويفسر ذلك بضعف اهتمام الرأي العام بالقضايا الخارجية مقارنة بالقضايا الداخلية.

لكن ترى ما هي مظاهر وحدود تأثير جماعة الإخوان المسلمين في صياغة البرنامج الانتخابي للوفد الجديد؟

حدود تأثير جماعة الإخوان المسلمين على صياغة البرنامج الانتخابي:

كان أهم ملامح تغيير البرنامج الانتخابي لحزب الوفد الجديد مقارن بالبرنامج الأصلي للحزب الصادر في عام 1977 هو اهتمام البرنامج الانتخابي بقضية الشريعة الإسلامية والشئون الدينية، فقد أفرد لها البرنامج جزءا خاصا مستقلا ضمن الأبواب الخمسة التي تضمنها البرنامج، بينما لم يفرد لها في البرنامج الأصلي سوى سطرا واحدا في نهاية الجزء الخاص بالحريات والدستور والذي اكتفى بالإشارة إلى أن الشريعة الإسلامية هي مصدر "أصيل للتشريع" كذلك فإن ورود جزء خاص بالشئون الدينية في الترتيب الثاني بعد قضية الحريات العامة والدستور في البرنامج الانتخابي كان له دلالة هامة تعكس مدى اهتمام البرنامج الانتخابي بقضية الشئون الدينية والشريعة الإسلامية، وبدلا من الاكتفاء بالنص على أن الشريعة الإسلامية هي مصدر أصيل للتشريع نص البرنامج الانتخابي للحزب في 1984 على ما يلي: "يؤمن الوفد بأن فيما نص عليه الدستور من أن الإسلام دين ودولة وأن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع ...".

ولم يكتف البرنامج الانتخابي بالنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع بل تضمن أيضا التأكيد على بعض المبادئ الهامة والمطالب التي تحرص جماعة الإخوان المسلمين على التأكيد عليها وأهمها دور الإعلام في عملية التثقيف الديني ومحاربة الانحرافات الأخلاقية وتطهير وسائل وأجهزة الإعلام مما يخالف الشرع والآداب الإسلامية، فقد نص البرنامج الانتخابي للوفد الجديد على وجوب الاهتمام بالتربية الدينية في مختلف مراحل التعليم وجعلها مادة أساسية، ونشر التوعية الدينية بين المترددين على المساجد والكنائس، و"توجيه أجهزة الإعلام من إذاعة وتليفزيون وسينما وصحافة إلى دورها الهام في هذا المجال ومحاربة كل ما يتعارض مع آدابنا وأخلاقنا" بالإضافة إلى ما نص عليه البرنامج من ضرورة "دعم جهاز الوعظ والإرشاد بالأزهر" كذلك ركز البرنامج على أحد المطالب التي طالما أثارها الإخوان المسلمون وهي "إعادة تكوين هيئة كبار العلماء بالأوضاع التي كانت عليها من قبل وأن يكون لها حق اختيار شيخ الأزهر من بين أعضائها دون قيد على السن".

وهكذا كان واضحا مدى التغير الذي طرأ على البرنامج الانتخابي لحزب الوفد الجديد في انتخابات مجلس الشعب سنة 1984 مقارنة بالبرنامج الأصلي للحزب من خلال تركيز البرنامج الانتخابي على قضية الشريعة الإسلامية ودور الدين في المجتمع بصفة عامة أو وضوح العامل الديني في صياغة البرنامج ليس فقط من حيث حجم المساحة التي احتلتها هذه القضية من البرنامج الانتخابي والتي انفردت بباب متكامل منه ولكن أيضا من حيث مضمون ومحتوى تناوله لهذه القضية، فمن ناحية تحول موقف الحزب من الشريعة الإسلامية من اعتبارها مصدرا أصيلا للتشريع إلى اعتبارها المصدر الرئيسي للتشريع، ومن ناحية أخرى فقد استعمل البرنامج الانتخابي أهم الألفاظ أو المفردات المرتبطة بالتيار الديني بصفة عامة مثل "الإسلام دين ودولة"، "سماحة الإسلام الذي يكفل الحق لصاحبه ولو لغير المسلم على المسلم" وهو – أي الإسلام – خير "ضمان للوحدة الوطنية".

كما أن تأكيد البرنامج على "ضرورة نشر التوعية الدينية بين المترددين على المساجد والكنائس" إنما هي ترجمة غير مباشرة لوظيفة "الدعوة الإسلامية" التي ترتبط بالتيار الديني بصفة عامة.

غير أن وضوح تركيز البرنامج الانتخابي على الدين بصفة عامة ودور العامل الديني في الحياة في الوقت الذي عكست فيه عملية تشكيل القوائم الانتخابية والدعاية الانتخابية ضعف ومحدودية تأثير جماعة الإخوان المسلمين يثير سؤالا مهما حول ما إذا كان هذا التغيير الذي طرأ على البرنامج الانتخابي للحزب في انتخابات مجلس الشعب 1984 كان راجعا بالتحديد إلى تعاون الإخوان المسلمين مع حزب الوفد الجديد أي أنه جاء نتيجة دور ما لعبه الإخوان المسلمين في صياغة البرنامج أم كانت هناك عوامل أخرى أدت إلى ذلك.

ويمكن أن نثير عددا من الاعتبارات للوقوف على حدود هذا التأثير الذي مارسته جماعة الإخوان المسلمين في صياغة البرنامج الانتخابي للوفد الجديد وذلك على النحو التالي:

1 – أن هذا التغير خاصة فيما يتعلق بالنص على أن "الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع" مقارنة بنص البرنامج الأصلي على أن الشريعة الإسلامية هي مصدر "أصيل للتشريع" إنما الأرجح أنه يرجع إلى تغير الظروف التي صدر فيها البرنامج الانتخابي في 1984، وبالتحديد ما سبق ذلك من تغيير في الدستور عام 1980 ، ففي الوقت الذي صدر فيه البرنامج الأصلي سنة 1977 كان الدستور نفسه ينص على أن الشريعة الإسلامية هي مصدر رئيسي من مصادر التشريع ومن ثم كان من الطبيعي أن ينص البرنامج الأصلي للحزب على أن الشريعة الإسلامية هي مصدر "أصيل" إلا أنه مع تغيير نص المادة الثانية من الدستور وبعد أن أصبحت الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع وفق تعديل سنة 1980 لم يكن من المنطقي أن يحتفظ البرنامج الانتخابي في سنة 1984 بنفس الموقف من الشريعة الإسلامية خاصة إذا أخذنا في الاعتبار ضرورة التزام الحزب السياسي بالدستور.

ومن ثم قد يكون من السهل إرجاع هذا التغيير في الموقف من الشريعة الإسلامية إلى تعديل نص المادة الثانية من الدستور خاصة في ضوء كثرة حديث رموز الوفد عن تغير الظروف وإدراكهم وجود تطورات كثيرة في المجتمع لا بد وأن تنعكس في برنامج الحزب.

2 – إنه رغم الأولوية التي حظيت بها قضية الشئون الدينية ورغم المساحة الكبيرة التي أفردها لها البرنامج فإن زعماء ورموز حزب الوفد الجديد لم يترددوا في توضيح وإظهار خلافهم مع الإخوان المسلمين صراحة فيما يتعلق بالموقف من الشريعة الإسلامية وإمكانية تطبيقها وحدود هذا التطبيق ... إلخ وهو ما تعرضنا له في أجزاء سابقة من البحث، ومن ثم فإن ما جاء في البرنامج الانتخابي للحزب 1984 لم يكن يتضمن التزاما على الحزب بتطبيق الشريعة الإسلامية ولم يعكس في أحسن الأحوال الاتفاق على المبدأ العام والقاعدة العريضة فيما يتعلق بالتأكيد على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع مثله في ذلك مثل بقية الأحزاب السياسية، وجدير بالذكر أن البرنامج الانتخابي للحزب لم يشر صراحة إلى مطلب تطبيق الشريعة الإسلامية، وإن كان قد تضمن بعض النقاط المرتبطة بتطبيق الشريعة على نحو ما سبق ذكره.

3 – أن البرنامج الانتخابي للحزب في 1984 تقدم به الحزب كبرنامج انتخابي أيضا في انتخابات مجلس الشعب 1987، وهنا يثور السؤال إذا كان برنامجه في انتخابات 1984 يعكس ثقل جماعة الإخوان المسلمين وتأثيرها على صياغة البرنامج في ضوء الجزء الذي أفرده البرنامج للشئون الدينية فما هو تفسير استمرار احتفاظ البرنامج بهذا التأكيد على مسألة الشئون الدينية والشريعة الإسلامية في عام 1987 في الوقت الذي رفض فيه الحزب التعاون مع جماعة الإخوان المسلمين؟ بل امتد الأمر إلى أن أصبح هذا البرنامج الانتخابي لانتخابات مجلس الشعب 1984 هو البرنامج الأصلي للحزب حتى الآن، ومن ثم يثور سؤال آخر وهو هل كان تأثير جماعة الإخوان المسلمين على الوفد إلى الدرجة التي تجعل هذا التأثير يمتد إلى التسعينيات؟ وخلاصة القول: فيما يتعلق بالتغيرات التي طرأت على البرنامج الانتخابي لحزب الوفد الجديد في انتخابات مجلس الشعب 1984 بخصوص الموقف من الشريعة الإسلامية والشئون الدينية عامة كانت تعود في جزء كبير منها إلى إدراك الوفد الجديد لتغيير الظروف المحيطة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وإدراكه أن الدين أصبح له من الدور في حياة المجتمع إلى الحد الذي لا يمكن تجاهله وذلك أكثر من أن يكون هذا التغير راجعا فقط إلى تأثر الحزب بتعاونه مع جماعة الإخوان المسلمين، مع ملاحظة مهمة وهي أن ذلك لا يعني بحال من الأحوال أن تعاون جماعة الإخوان المسلمين مع حزب الوفد الجديد في تلك الانتخابات لم يكن له أثره فيما يتعلق بصياغة البرنامج الانتخابي كل ما هناك أننا نريد التأكيد على أن تعاون الإخوان مع الوفد لم يكن هو العامل الوحيد وراء هذه التغيرات، فالوفد الجديد منذ رجوعه إلى الحياة السياسية في 1983 أكد على إدراكه لتغير الظروف السياسية وأن ذلك لا بد وأن يتبعه تغيير وتطوير في البرنامج الأصلي، غير أن الوقت لم يكن كافيا لإجراء هذه التعديلات على البرنامج الأصلي للحزب، ساعد على ذلك أيضا اهتمام مختلف الأحزاب السياسية بقضية الدين في برامجها ودعاياتها الانتخابية، وبالتالي لم يكن في استطاعة الوفد الجديد أن يتجاهل هذه التطورات، فكان لا بد وأن يتعامل معها في حدود على نحو ما سبق ذكره، خاصة وأن تعاونه مع الإخوان كان عاملا دافعا لذلك.

وهكذا يتضح أن دور جماعة الإخوان المسلمين سواء فيما يتعلق بعدد مرشحيها على قوائم الوفد الجديد أو بتأثيرها في صياغة البرنامج الانتخابي للوفد الجديد أو بمشاركتها في الدعاية الانتخابية كان محدودا، حيث كان الوفد الجديد هو المتحكم في إدارة كل ما يتعلق بالعملية الانتخابية، وكان الإخوان بمثابة الشريك الأصغر في علاقتهم التعاونية مع الوفد الجديد، وقد أكد هذا المعنى المستشار المأمون الهضيبي الذي يشغل حاليا منصب النائب الثاني للمرشد العام للإخوان، عبر عن ذلك في حديث له إلى جريدة النور التي يصدرها حزب الأحرار بتاريخ 5/ 4/ 1987 بقوله: "الإخوان لم يخوضوا المعركة الانتخابية السابقة كإخوان" أي كهيئة وهذا ما يؤكد مشاركتهم فيها كأفراد وهذا ما كان الوفد حريصا عليه.

المبحث الثاني: تحليل نتائج الانتخابات ودلالاتها بالنسبة للإخوان

يركز تحليلنا لنتائج انتخابات مجلس الشعب 1984 على دلالات تلك النتائج بالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين بمعنى أنه لا يمتد إلى تحليل تلك النتائج على مستوى كافة الأحزاب السياسية ككل، وقبل تحليل نتائج الانتخابات نلقي الضوء على بعض الحقائق العامة المرتبطة بها: معدلا بلغ حجم الهيئة الناخبة وفق الأرقام النهائية التي أعلنها وزير الداخلية لنتائج الانتخابات، والتي نشرت في الصحف القومية يوم 1/ 6/ 1984 .. 12.619.99 ناخب، وبلغت جملة من شاركوا في تلك الانتخابات بالإدلاء بأصواتهم 5.465.283 وهو رقم يشير إلى انخفاض حجم ومستوى المشاركة في عملية التصويت وهي السمة الملازمة لعمليات التصويت في مصر بصفة عامة حيث تصبح نسبة من شاركوا في تلك الانتخابات حوالي 43.3% وتزداد هذه النسبة انخفاضا إذا أخذنا في الاعتبار وجود نسبة غير بسيطة من الأصوات الباطلة من ناحية ومن ناحية أخرى إن حجم الهيئة الناخبة يزيد بكثير عن 12.619.99، لأن المقيدين في جداول الانتخابات لا يعبرون عن الحجم الحقيقي للهيئة الناخبة، فدائما كانت هناك فئة من المواطنين ممن لهم حق التصويت (البالغين لسن الانتخاب) وغير مقيدين في جداول الانتخابات لسبب أو لآخر، وبالتالي فإن نسبة التصويت إلى إجمالي عدد المقيدين في جداول الانتخابات والتي بلغت 43.3% لا تعبر عن الحجم الحقيقي لمشاركة المصريين في الانتخابات، لأنه إذا قارنا عدد الذين شاركوا في الانتخابات إلى إجمالي من لهم حق التصويت وليس إلى إجمالي المقيدين في جداول الانتخابات فإن هذه النسبة سوف تنخفض إلى حد كبير، وقد قدرتها إحدى الدراسات بـ (23.62%) وهو ما يعني أن أكثر من 3÷4 المصريين الذين لهم حق الانتخاب لم يمارسوا هذا الحق لأسباب عديدة ليس هناك مجال الخوض فيها.

وقد بلغت جملة الأصوات الصحيحة على المستوى القومي 5.283.741 صوتا بينما بلغت جملة الأصوات الباطلة 181.542 صوت، أي بنسبة 3.32% وهي نسبة تؤكد وجود صعوبات في عملية التصويت بالنسبة للمواطن العادي، هذا وقد كان الحد الأدنى من الأصوات الصحيحة اللازمة لتمثيل أي حزب سياسي في مجلس الشعب والتي توازي نسبة الـ 8% على المستوى القومي حوالي 422.699 صوتا صحيحا، وهو رقم كبير بالقياس إلى حجم من شاركوا في تلك الانتخابات وحجم الأصوات الصحيحة على المستوى القومي.

وقد جاءت نتائج تلك الانتخابات على النحو التالي:

- حصل الحزب الوطني الحاكم على 3.856.372 صوتا صحيحا على المستوى القومي، أي نسبة 72.987% من إجمالي عدد الأصوات الصحيحة.

- حصل حزب الوفد الجديد على 798.550 صوتا صحيحا على المستوى القومي أي بنسبة 15.113% من إجمالي عدد الأصوات الصحيحة.

- حصل حزب العمل الاشتراكي على 372.385 صوتا صحيحا أي بنسبة 7.073%

- حصل حزب التجمع على 220.673 صوتا صحيحا أي بنسبة 4.176%

- حصل حزب الأحرار على 35.761 صوتا صحيحا أي بنسبة .677%

ومعنى ذلك أن ثلاثة أحزاب من جملة خمسة أحزاب سياسية تقدمت للانتخابات لم تحصل على الحد الأدنى من الأصوات الصحيحة اللازمة لدخول المجلس وهي أحزاب الأحرار والتجمع والعمل الاشتراكي، بل إن أحداها وهو حزب العمل الاشتراكي حرم من التمثيل في المجلس عن طريق الانتخابات بسبب فارق 58.659 صوتا أي بفارق أقل من 1% عن النسبة اللازمة لدخول المجلس.

ومن ناحية أخرى كان واضحا وجود فارق كبير جدا بين نسبة ما حصل عليه الحزب الوطني من ناحية وإجمالي ما حصلت عليه المعارضة عموما، فبينما حصل الحزب الوطني على 72.987% من إجمالي الأصوات الصحيحة حصلت المعارضة مجتمعة على 27.013% فقط، أما فيما يتعلق بعدد المقاعد التي حصل عليها كل من حزبي الوفد الجديد والحزب الوطني الديمقراطي فقد حصل حزب الوفد الجديد على 58 مقعدا من إجمالي مقاعد المجلس الـ 448 التي يتم شغلها عن طريق الانتخاب، وحصل الحزب الوطني الديمقراطي على باقي المقاعد وعددها 390 مقعدا، ويتضح هنا مدى الفارق بين نسب توزيع الأصوات الصحيحة من ناحية ونسب توزيع المقاعد من ناحية أخرى، فبينما حصل حزب الوفد الجديد على 15.113% من جملة الأصوات الصحيحة وهو ما كان يؤهله للحصول على (67) مقعدا على الأقل لم يحصل إلا على (58) مقعدا أي فقد ما يقرب من 9 مقاعد، وبينما حصل الحزب الوطني على 72.987% من جملة الأصوات الصحيحة وهو ما كان يؤهله للحصول على 326 مقعدا إلا أنه قد حصل على 390 مقعد، أي بزيادة قدرها 64 مقعدا، ويرجع ذلك إلى قانون الانتخابات بالقائمة الحزبية والتمثيل النسبي المشروط وطريقة احتساب الأصوات وتوزيع المقاعد، فمن ناحية فقد حصل الحزب الوطني باعتباره الحزب الحاصل على أعلى نسبة من المقاعد المخصصة للمرأة، ومن ناحية أخرى حصل على المقاعد المقابلة للأصوات التي حصلت عليها أحزاب المعارضة التي لم تمثل في البرلمان (العمل الاشتراكي، الأحرار، التجمع) والتي حصلت مجتمعة على 11.891% من إجمالي عدد الأصوات الصحيحة، والتي يقابلها 53 مقعدا تقريبا، بالإضافة إلى حصوله على المقاعد المقابلة لإجمالي الكسور الناتجة عن عمليات القسمة .. إلخ، كل هذه القواعد الحسابية وفق قانون الانتخابات 114 لسنة 1983 هي التي أدت إلى وضوح هذا الفارق وبروزه.

وكان توزيع الثمانية وخمسون مقعدا التي حصل عليها حزب الوفد الجديد كالتالي: (13) مقعدا بالقاهرة، (6) مقاعد بالجيزة، (2) ببورسعيد، (1) بمحافظة السويس، (5) بمحافظة أسيوط، (3) بمحافظة الدقهلية، (5) بالإسكندرية، (4) بالغربية، (2) بني سويف، (3) بمحافظة المنيا، (4) مقاعد بالبحيرة، (3) مقاعد بالشرقية، (3) بسوهاج، (2) بقنا، مقعدان بكفر الشيخ.

وبالنسبة لتوزيع عدد المقاعد التي حصل عليها حزب الوفد الجديد بين كل من حزب الوفد الجديد وجماعة الإخوان المسلمين فهناك خلاف كبير بهذا الشأن، فرغم أن الوفد قد أشار إلى حصول الإخوان على (8) مقاعد فقط من إجمالي (58) مقعدا، إلا أن الشيخ عمر التلمساني قد أشار إلى أن الإخوان قد حصلوا على (10) مقاعد، ويرجع سبب الاختلاف حول تقدير عدد الإخوان بالمجلس إلى عدم الإفصاح خلال عملية إعداد القوائم الانتخابية عن أسماء المرشحين من الإخوان المسلمين أو أسماء الناجحين منهم فقد ظلت هذه المسألة لا تتوافر عنها معلومات كاملة ولم يعلن صراحة عن أسماء الإخوان المسلمين سواء أثناء عملية إعداد القوائم أو بعد إعلان النتائج ونقصد بالإعلان هنا الإعلان المباشر عن المرشحين من قبل رموز الجماعة، كما أنه لم يكن هناك فصل واضح بين مرشحي الوفد ومرشحي الإخوان سواء على القوائم أو في إعلان النتائج، ولم تكن الصفة الإخوانية معيارا ظاهرا للتمييز بين مرشحي طرفي التعاون، وبصفة عامة فقد كان توزيع الـ 58 مقعدا ثمانية مقاعد للإخوان وخمسون مقعدا للوفد الجديد ويوضح الجدول التالي المقاعد الثمانية والدوائر التي فازوا بها.

جدول رقم (2)

أسماء الفائزين من مرشحي الإخوان والدوائر التي فازوا فيها

م اسم المرشح اسم الدائرة
1 حسن أحمد إبراهيم الجمل محافظة القاهرة الدائرة الثانية
2 الشيخ محمد حسن المطراوي محافظة القاهرة الدائرة الثالثة
3 محمد الشيتاني محافظة الغربية الدائرة الأولى
4 [[محمد محفوظ دياب|محمد محفوظ حلمي دياب]] محافظة الغربية الدائرة الثالثة
5 محمد محمد محمد المسماري محافظة الجيزة الدائرة الأولى
6 حسني أحمد عبد الباقي المليجي محافظة الجيزة الدائرة الثالثة
7 محمد عبد الرحيم المراغي محافظة الإسكندرية الدائرة الثانية
8 حسن جودة عبد الحافظ الدائرة الأولى محافظة بني سويف

وأحيانا يضيف البعض كلا من الشيخ عبد الغفار عزيز والشيخ صلاح أبو إسماعيل إلى قائمة الإخوان في المجلس ليصبح عدد الإخوان (10) أعضاء، إلا أن ذلك يشوبه قدر من عدم الدقة إذ أن الشيخ عبد الغفار عزيز والشيخ صلاح أبو إسماعيل قد يكون من الصعب تصنيفهما ضمن قائمة الإخوان، فهم أنفسهم لا يصنفون أنفسهم ضمن الإخوان المسلمين.

وفيما يتعلق بدلالة هذه النتائج بالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين فإننا نهتم بسؤالين محددين وهما: إلى أي حد كان الإخوان دورا في نجاح الوفد الجديد في تلك الانتخابات وتحديدا ما هي مدى مساهمة جماعة الإخوان المسلمين في نسبة الـ 15% التي حصل عليها الوفد من إجمالي الأصوات على المستوى القومي؟ والسؤال الثاني إلى أي حد كانت هذه النتيجة بالنسبة لجماعة الإخوان تمثل تطورا كبيرا في حياتها السياسية أو بمعنى أبسط إلى أي حد عكست تلك النتائج مؤثرا للجماعة في نتائج الانتخابات؟

ورغم أننا لا نستطيع أن نحدد مدى مساهمة جماعة الإخوان المسلمين في نسبة الـ 15% التي حصل عليها الحزب وذلك بسبب طبيعة نظام الانتخابات بالقائمة الحزبية حيث يصوت الناخب لقائمة كاملة وليس لصالح مرشح بعينه ومن ثم لا نستطيع تحديد حجم الأصوات التي حصل عليها كل مرشح من الإخوان ومن ثم إجمالي عدد الأصوات التي حصل عليها الإخوان من إجمالي عدد الأصوات التي حصل عليها حزب الوفد الجديد، ورغم ذلك فإن بعض التحليلات تذهب إلى تقسيم هذه النسبة (15%) مناصفة بين حزب الوفد الجديد وجماعة الإخوان حتى يمكن على أساسها توزيع النسبة التي حصل عليها الحزب مناصفة مع الجماعة، إذ أن جماعة الإخوان المسلمين لم يكن لها إلا 17 مرشحا فقط من بين 448 مرشحا على القوائم الأصلية للحزب وهي نسبة لا تتعدى 3.79% من إجمالي عدد المرشحين على قوائم حزب الوفد الجديد (القوائم الأصلية).

إلا أننا يمكن الوصول إلى مؤشرات عامة أو اتجاهات عامة بخصوص مدى مساهمة جماعة الإخوان المسلمين في إنجاح حزب الوفد الجديد عن طريق تحديد اتجاهات التصويت لصالح قوائم الوفد الجديد بالدوائر التي كان يوجد بها على قوائمه مرشحين إخوان، وتلك التي لم يكن بها مرشحين إخوان.

فبالنسبة لـ (12) مرشحا من الإخوان المسلمين – الذين أمكن حصرهم – تم ترشيحهم على قوائم حزب الوفد الجديد في 13 دائرة انتخابية وكان توزيعهم على نحو ما هو موضح في الجدول التالي.

جدول رقم (3)

توزيع مرشحي الإخوان حسب الدوائر الانتخابية

الدائرة الانتخابية أسماء الإخوان المرشحين بها
محافظة القاهرة: الدائرة الثانية والثالثة الدائرة الثانية:حسن أحمد إبراهيم الجمل - الدائرة الثالثة:الشيخ محمد المطراوي
محافظة الغربية: الدائرة الأولى والثالثة الدائرة الأولى:محمد محمد الشيتاني - الدائرة الثالثة:محمد محفوظ السيد حلمي دياب
محافظة الجيزة: الدائرة الأولى والثانية والثالثة الدائرة الأولى:محمد محمد المسماري - الدائرة الثانية:حنفي محمد مصطفى رمضان-الدائرة الثالثة:حسني أحمد عبد الباقي المليجي
محافظة الإسكندرية: الدائرة الثانية والثالثة الدائرة الثانية:محمد عبد الرحيم المراغي، وإبراهيم كامل الزعفراني - الدائرة الثالثة:عادل عيد عبد المقصود
محافظة بني سويف: الدائرة الأولى حسن جودة عبد الحافظ
محافظة الإسماعيلية: دائرة إسماعيلية موسى جمال طلعت

ويوضح الجدول التالي جملة الأصوات التي حصل عليها الوفد في كل دائرة من الدوائر التي خاض فيها الانتخابات منسوبة إلى إجمالي عدد الأصوات الصحيحة في الدائرة.

وهو ما يسمح بالمقارنة بين نسبة التصويت لصالح الوفد في الدوائر التي كان يوجد ضمن قوائمه فيها مرشحين من الإخوان وتلك التي لم يكن للإخوان مرشحين فيها.  

  • جدول رقم (4) يوضح اتجاهات التصويت لحزب الوفد في الدوائر الانتخابية التي رشح بها إخوان مسلمين مقارنة بتلك الدوائر لم يرشح بها إخوان مسلمين.
100.JPG
خطأ في إنشاء صورة مصغرة: تعذر حفظ الصورة المصغرة للوجهة
خطأ في إنشاء صورة مصغرة: تعذر حفظ الصورة المصغرة للوجهة
خطأ في إنشاء صورة مصغرة: تعذر حفظ الصورة المصغرة للوجهة
  • حسب نسب التصويت التي حصل عليها حزب الوفد الجديد بناء على الجدول الذي أعلنته وزارة الداخلية، الأهرام، 1/ 6/ 1984، ص 17.

ومن الجدول السابق يتضح أن أعلى نسب التصويت لصالح حزب الوفد الجديد كانت بالترتيب في محافظة بورسعيد (44.4%) الدائرة الثانية/ محافظة الجيزة (34.95%) الدائرة الثانية/ محافظة الإسكندرية (30%) الدائرة الثانية/ محافظة القاهرة (29.4%) الدائرة الثالثة/ محافظة الغربية (29.4%)، الدائرة الثانية/ محافظة أسيوط (27.7%)، الدائرة الأولى/ محافظة القاهرة (27%) الدائرة الأولى محافظة أسيوط (25.01%)، الدائرة الخامسة/ محافظة القاهرة (25.04%)، محافظة السويس (25.9%) الدائرة الثانية/ محافظة البحيرة (25.04%)، الدائرة الأولى/ محافظة الغربية (22.4%) الدائرة الأولى/ محافظة الإسكندرية (24.2%) بينما كان توزيع مرشحي الإخوان المسلمين على تلك الدوائر (بالترتيب) على النحو التالي: لا أحد، 1، 2، 1، 1، لا أحد، لا أحد، لا أحد، لا أحد، لا أحد، لا أحد، 1، لا أحد على التوالي.

وباستثناء محافظة بور سعيد يلاحظ أن أعلى نسب للتصويت لصالح حزب الوفد كانت في عدد من الدوائر التي كان يوجد بها على قوائم الوفد مرشحون من جماعة الإخوان، وهذه الدوائر في محافظات الجيزة والقاهرة والإسكندرية والغربية، وبالمقابل فإن نسب التصويت لصالح حزب الوفد الجديد بلغت أدناها في دوائر مثل الفيوم (3.6%) محافظة المنيا (5.2%) الدائرة الثانية قليوبية (5.6%) دمياط (6.8%) بلغت نسبة التصويت لصالح حزب الوفد صفرا في محافظات البحر الأحمر، الوادي الجديد، مطروح، جنوب سيناء، شمال سيناء.

ولم يكن هناك مرشحين من الإخوان على قوائم أغلب تلك الوفد في تلك الدوائر وهو ما يؤكد أن وجود مرشحين من الإخوان على قوائم حزب الوفد كان من بين العوامل الهامة التي أدت إلى زيادة التصويت له في عدد من الدوائر، ولكن ذلك لم يكن العامل الوحيد بدليل أن الوفد قد حصل على نسب تصويت مرتفعة في عدد من الدوائر التي لم يكن يوجد على قوائمه فيها مرشحون إخوان، كما أن بعض القوائم التي كان يوجد عليها مرشحون إخوان قد حصلت على نسب منخفضة من التصويت.

خلاصة القول: إذن أنه من دراسة وتحليل اتجاهات التصويت لحزب الوفد الجديد على مستوى الدوائر الانتخابية نلاحظ أنه بينما لم تكن هناك علاقة مباشرة بين حصول قوائم حزب الوفد على نسب عالية من التصويت ووجود مرشح أو أكثر من جماعة الإخوان المسلمين على تلك الدوائر فإنه في الوقت نفسه لوحظ أن أغلب القوائم التي حصلت على نسب منخفضة من التصويت لم يكن بها أي من مرشحي جماعة الإخوان المسلمين (باستثناء قوائم الوفد في كل من الإسماعيلية، ومحافظة الجيزة الدائرة الأولى حيث كانت نسب التصويت على الترتيب 8.84%، 3.14%، بمعنى آخر أن أغلب القوائم الوفدية التي تضمنت مرشح أو أكثر من جماعة الإخوان المسلمين كانت تحصل على نسب عالية من التصويت ولكن ليس كل القوائم التي حصلت على نسب عالية من التصويت كانت تتضمن مرشح أو أكثر من الإخوان المسلمين، ويتضح ذلك من حصر النسب التي حصلت عليها القوائم الانتخابية التي تضمنت مرشحين من الإخوان كما في الجدول السابق، حيث تراوحت معظمها بين 18% - 34.95% (9 قوائم) بينما حصلت قائمتين على نسبة أقل من 9%.

ومن ثم نستطيع الانتهاء إلى أن وجود الإخوان المسلمين على قوائم حزب الوفد الجديد كان عاملا مساعدا أو محفزا لحصول هذه القوائم على نسب عالية من التصويت، أي أن دور الإخوان أو مساهمتهم في إنجاح الوفد الجديد في تلك الانتخابات لم يتعد دور العامل المساعد أو الضمان لتخطي نسبة الـ 8% وليس مجرد الحصول عليها ولا نستطيع القول إن نصيب الإخوان المسلمين من نسبة الـ (15%) التي حصل عليها حزب الوفد الجديد في تلك الانتخابات هي (7.5%).

وخلاصة القول: إنه كان في مقدور حزب الوفد الجديد أن يتجاوز نسبة الـ 8% من إجمالي الأصوات على المستوى القومي والحصول على تمثيل في البرلمان وذلك دون الدخول في تعاون مع الإخوان، إلا أن تعاونه مع الإخوان سمح له بزيادة عدد المقاعد التي حصل عليها، ويتعين فهم ذلك في ضوء محدودية عدد مرشحي الإخوان على قوائم الوفد الجديد حيث لم يتجاوز عددهم السبعة عشر مرشحا.

ومن المؤكد أن ثقة حزب الوفد في حجم شعبيته كانت من بين العوامل التي دفعته إلى أن يخوض انتخابات 1987 منفردا دون تعاون مع الإخوان، فضلا عن رفضه فكرة دخول الانتخابات من خلال تحالف يضم كل قوى وأحزاب المعارضة على نحو ما سيتضح فيما بعد.

أما بخصوص تقييم هذه النتائج بالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين فقد نظر الإخوان المسلمون إلى هذه النتائج باعتبارها نصرا كبيرا في حياة الجماعة وذلك من زوايا عدة: أولا أن مجرد دخول الإخوان المسلمين مجلس الشعب للمرة الأولى منذ نشأة الجماعة هو بمثابة نصر كبير في ضوء القيود التي فرضت عليهم للحيلولة دون وصولهم إلى المجلس وحصولهم على تمثيل رسمي خاصة قانون الانتخابات بالقائمة الحزبية، ثانيا ركز الإخوان المسلمين في تحليلهم لهذه النتائج على نسبة من نجح من الإخوان في تلك الانتخابات إلى إجمالي عدد المرشحين، واعتبروا أن المرشحين الثمانية اللذين نجحوا يشكلون 50% من إجمالي عدد المرشحين، ثالثا: اعتبر الإخوان المسلمون ذلك نصرا بالنظر إلى أن تركيزهم على دخول مجلس الشعب في حد ذاته ليس غاية ولكن الغاية هي تطبيق الشريعة الإسلامية ومن ثم لا يصح تقييم الوسيلة إلا من خلال نجاحها في تحقيق الغاية وذلك وفق ما عبر عنه أحد رموزهم "أننا لا نسعى إلى نصر سياسي" ومن المؤكد أن حصول الإخوان على تمثيل في البرلمان قد أضفى شرعية برلمانية على الجماعة التي تعتبر محظورة قانونا.

الفصل الخامس: الممارسة البرلمانية للإخوان المسلمين خلال الفصل التشريعي الرابع: تحليل كمي وكيفي

ونهتم في هذا الجزء بتحليل الدور البرلماني الذي لعبه أعضاء جماعة الإخوان المسلمين في مجلس الشعب 19841987 (الفصل التشريعي الرابع)، وقد عقد خلال هذا الفصل التشريعي ثلاث دورات انعقاد، بدأ دور الانعقاد الأول في 24/ 6/ 1984 واستمر حتى 3/ 7/ 1985 عقد خلاله 99 جلسة بالإضافة إلى اجتماع خاص واجتماع مشترك بين مجلس الشعب ومجلس الشورى، وبدأ دور الانعقاد الثاني في 13/ 11/ 1985 واستمر حتى 18/ 6/ 1986 عقدت خلاله 67 جلسة عادية بالإضافة إلى 3 جلسات مشتركة بين مجلسي الشعب والشورى، وبدأ دور الانعقاد الثالث في 11/ 11/ 1986 واستمر حتى 14/ 2/ 1987 عقدت خلاله 21 جلسة عادية.

وفيما يتعلق بالنشاط العام للمجلس خلال هذا الفصل التشريعي يوضح الجدول التالي النشاط العام للمجلس خلال دورات الانعقاد الثلاثة، وجدير بالذكر أن هذا الفصل التشريعي لم يكمل مدته الدستورية المحددة بخمس سنوات حيث تم حل المجلس بعد دور الانعقاد الثالث.

  • جدول رقم (5) يوضح النشاط العام للمجلس خلال الفصل التشريعي الرابع 84 – 1987
خطأ في إنشاء صورة مصغرة: تعذر حفظ الصورة المصغرة للوجهة

المصدر: ملحق مضبطة الجلسة 99 (2/ 7/ 1985)، ص 8297، ملحق مضبطة الجلسة 67 (17/ 6/ 1986)، ص 5434 ومضابط الجلسات من 1 – 21 لدور الانعقاد الثالث.

  وسوف نركز في دراستنا للنشاط البرلماني لأعضاء الإخوان المسلمين خلال هذا الفصل التشريعي على أنشطة محددة هي الاشتراك في مناقشة تقارير لجان المجلس، الأسئلة، طلبات الإحاطة، الاستجوابات.

وسوف نعتمد في تحليل الممارسة البرلمانية لأعضاء الإخوان المسلمين في المجلس على مضابط مجلس الشعب، بصفة أساسية.

وتثير معالجة الأداء البرلماني لأعضاء الإخوان المسلمين خلال هذا الفصل التشريعي ثلاثة أسئلة هي:

1 – ما هي مدى مشاركة أعضاء الإخوان المجلس في ممارسة مختلف الأنشطة البرلمانية داخل المجلس خلال هذا الفصل التشريعي؟

2 – ما هي التوجهات العامة للنشاط البرلماني لأعضاء الإخوان خلال هذا الفصل التشريعي، بمعنى ما هي القضايا التي اهتم بها الإخوان داخل المجلس وما هي الأهمية النسبية التي أولاها الإخوان لكل قضية؟

3 – أما السؤال الثالث فهو يدور حول مدى اتفاق أعضاء جماعة الإخوان المسلمين مع حزب الوفد الجديد داخل المجلس أو فيما يتعلق بتوجهاتهم بشأن القضايا التي طرحت بالمجلس خلال هذا الفصل التشريعي أو بمعنى آخر إلى أي مدى شكل الوفد والإخوان كيان متسق داخل المجلس خلال هذا الفصل التشريعي؟

ويمكن معالجة كل قضية من هذه القضايا الثلاث على حدة بما يمكننا من فهم الأداء البرلماني لأعضاء الإخوان المسلمين خلال هذا الفصل التشريعي:

1 – مشاركة الإخوان في الأنشطة البرلمانية:

وكما سبق القول سوف نركز في تحليلنا للممارسة البرلمانية للإخوان على أنشطة محددة هي الاشتراك في مناقشة تقارير لجان المجلس، الأسئلة وطلبات الإحاطة، الاستجوابات، ومن ناحية أخرى سوف ينصرف مفهومنا لأعضاء الإخوان المسلمين إلى الأعضاء الثمانية (حسن أحمد إبراهيم الجمل، محمد محمد الشيتاني، محمد محمد عيسى المطراوي، محمد محفوظ حلمي دياب، محمد محمد المسماري، محمد عبد الرحيم عبد الغيث المراغي، حسني أحمد عبد الباقي المليجي، حسن جودة عبد الحافظ).

ويوضح الجدول التالي مشاركة سبعة أعضاء من الإخوان المسلمين لمختلف الأنشطة البرلمانية خلال هذا الفصل التشريعي.

  • جدول رقم (6) يوضح جم مشاركة الإخوان المسلمين في الأنشطة البرلمانية خلال دورات الانعقاد الثلاثة
خطأ في إنشاء صورة مصغرة: تعذر حفظ الصورة المصغرة للوجهة

  ويتضح من الجدول السابق حجم مشاركة أعضاء الإخوان المسلمين في الأنشطة البرلمانية خلال هذا الفصل التشريعي خلال دورات الانعقاد الثلاث، فمن بين 414 تقرير رفعتها لجان المجلس للمناقشة خلال دور الانعقاد الأول، اشترك الإخوان المسلمون في مناقشة (12) تقريرا، ومن بين 363 سؤالا طرحت بالمجلس خلال دور الانعقاد الأول شارك الإخوان المسلمون في (7) منها، وفيما يتعلق بطلبات الإحاطة فمن بين 91 طلب إحاطة طرح بالمجلس لم يشارك الإخوان المسلمون في أي منها، وبالنسبة للاستجوابات، فمن بين 15 استجوابا تقدم بها أعضاء المجلس خلال دور الانعقاد الأول شارك الإخوان في استجواب واحد منها وخلال دور الانعقاد الثاني نجد أنه من بين 305 تقرير لجنة نوقشوا خلال دور الانعقاد الثاني شارك الإخوان في مناقشة (4) منها فقط، ومن بين 317 سؤالا شارك الإخوان فقط في خمسة أسئلة، ومن بين 91 طلب إحاطة شارك الإخوان المسلمون باستجواب واحد، وخلال دور الانعقاد الثالث، شارك الإخوان المسلمون في خمسة أسئلة من بين 28 سؤال طرحت بالمجلس خلال دور الانعقاد الثالث، وشارك الإخوان بثلاثة استجوابات من بين خمسة استجوابات طرحت بالمجلس خلال هذا الدور، وفيما يتعلق بالاشتراك في مناقشة تقارير اللجان اشترك الإخوان المسلمون في مناقشة (3) تقارير لجان من بين 48 تقرير لجنة رفعت إلى المجلس.

وهكذا يصل عدد تقارير لجان المجلس التي اشترك الإخوان المسلمون في مناقشتها خلال الفصل التشريعي 19 تقريرا من بين 767 تقرير ويصل عدد الأسئلة التي تقدم بها الإخوان خلال الفصل التشريعي 17 سؤالا من بين 708 سؤال، ووصل عدد طلبات الإحاطة التي تقدم بها الإخوان خلال الفصل التشريعي إلى 4 من إجمالي 182 طلب إحاطة، بينما شارك الإخوان المسلمون بخمسة استجوابات خلال الفصل التشريعي من إجمالي 27 استجواب. ويتضح من مشاركة الإخوان المسلمون في مختلف الأنشطة البرلمانية تركيزهم على الاستجوابات أكثر من الأنشطة الأخرى، فقد اشترك الإخوان المسلمون في 2.4%

  • جدول رقم (7): يوضح حجم مشاركة كل عضو في الأنشطة البرلمانية خلال الفصل التشريعي.
106.JPG

من إجمالي الأسئلة، و 202% من إجمالي طلبات الإحاطة، 2.5% من إجمالي تقارير اللجان التي عرضت على المجلس، بينما شارك الإخوان المسلمون في 18.5% من إجمالي عدد الاستجوابات، ويشير ذلك إلى تركيز الإخوان المسلمون على ممارسة الرقابة البرلمانية على الحكومة وذلك بالنظر إلى أهمية الاستجواب كأحد أشكال الرقابة البرلمانية مقارنة بالأشكال الأخرى من الأسئلة وطلبات الإحاطة.

هذا فيما يتعلق بحجم مشاركة الإخوان المسلمون في الأنشطة البرلمانية خلال هذا الفصل التشريعي، إلا أن هذا التحليل لا يبين لنا مستوى مشاركة كل عضو من الإخوان المسلمين، وهو ما يوضحه الجدول رقم (7).

ويوضح الجدول السابق مدى تفاوت مستوى المشاركة بين الأعضاء الإخوان، فبينما اتسم بعضهم بقدر كبير من السلبية والإحجام عن المشاركة في الأنشطة البرلمانية المختلفة اتسم البعض الآخر بارتفاع مستوى مشاركته في تلك الأنشطة. ففيما يتعلق بالأسئلة لم يشارك في هذا النشاط خلال الفصل التشريعي سوى أربعة أعضاء فقط هم محمد المراغي، محمد محفوظ حلمي دياب، ومحمد الشيتاني وحسن جودة عبد الحافظ حيث تقدم الأول بـ 9 أسئلة خلال الفصل التشريعي وتقدم الثاني بـ 9 أسئلة أيضا، بينما تقدم محمد محمد الشيتاني بسؤالين وتقدم حسن جودة عبد الحافظ بسؤالين.

وعلى مستوى الاستجوابات لم يشارك في هذا النشاط طوال الفصل التشريعي سوى محمد محمد المراغي ومحمد محفوظ حلمي دياب، حيث تقدم الأول بأربعة استجوابات، وتقدم الثاني باستجواب واحد، وفيما يتعلق بطلبات الإحاطة لم يتقدم بطلبات إحاطة طوال الفصل التشريعي سوى محمد عبد الرحيم عبد الغيث المراغي ومحمد محفوظ حلمي دياب أيضا، تقدم الأول بثلاث طلبات إحاطة وتقدم الثاني بطلب إحاطة واحد.

وفيما يتعلق بالاشتراك في مناقشة تقارير اللجان اشترك جميع الأعضاء السبعة في مناقشة تقارير لجان ما عدا محمد محمد الشيتاني، فقد اشترك حسن إبراهيم الجمل في مناقشة 3 تقارير لجان خلال الفصل التشريعي واشترك محمد محمد المسماري في مناقشة تقرير لجنة واحدة، واشترك محمد عبد الرحيم المراغي في مناقشة 6 تقارير لجان واشترك محمد محفوظ حلمي دياب في مناقشة 5 تقارير لجان، بينما اشترك محمد محمد حسن المطراوي في مناقشة تقارير 3 لجان فقط خلال الفصل التشريعي، وأخيرا شارك حسن جودة عبد الحافظ في مناقشة 10 تقارير لجان.

وهكذا يتضح مدى التفاوت بين مستويات مشاركة الأعضاء الإخوان في المجلس فبينما اتسم بعضهم بدرجة عالية من المشاركة في كافة الأنشطة البرلمانية اتسم البعض الآخر بانخفاض مستوى مشاركته في هذه الأنشطة، وبصفة عامة كان أكثر الأعضاء مشاركة محمد عبد الرحيم عبد الغيث المراغي ومحمد محفوظ حلمي دياب بينما اتسم باقي الأعضاء بدرجة عالية من السلبية فيما يتعلق بتلك الأنشطة.

2 – التوجهات العامة للنشاط البرلماني للإخوان:

اتسم النشاط البرلماني لأعضاء الإخوان المسلمين في المجلس بتنوع وتعدد القضايا التي اهتموا بها خلال هذا الفصل التشريعي، بمعنى أنها لم تقتصر على قضية الشريعة الإسلامية فقط، وامتدت لتشمل قضايا ذات طبيعة اقتصادية، تعليمية، سياسية، ودستورية، إعلامية .. إلخ، كذلك لوحظ ممارسة أعضاء الجماعة لمختلف الأنشطة البرلمانية، بما فيها الأنشطة الرقابية، من أسئلة، استجوابات، طلبات إحاطة، الاشتراك في مناقشة تقارير اللجان، وتوضح الجداول التالية موضوعات الأسئلة، الاستجوابات، طلبات الإحاطة التي تقدم بها الإخوان خلال الفصل التشريعي 19841987، بالإضافة إلى تقارير اللجان التي اشترك أعضاء الإخوان في مناقشتها.

أ – الأسئلة:

  • جدول رقم (8) يوضح موضوعات الأسئلة التي تقدم بها أعضاء الإخوان المسلمين خلال الفصل التشريعي:
خطأ في إنشاء صورة مصغرة: تعذر حفظ الصورة المصغرة للوجهة
خطأ في إنشاء صورة مصغرة: تعذر حفظ الصورة المصغرة للوجهة

ب – الاستجوابات:

خطأ في إنشاء صورة مصغرة: تعذر حفظ الصورة المصغرة للوجهة

ج – طلبات الإحاطة:

خطأ في إنشاء صورة مصغرة: تعذر حفظ الصورة المصغرة للوجهة

د – الاشتراك في مناقشة تقارير لجان المجلس:

111.JPG
خطأ في إنشاء صورة مصغرة: تعذر حفظ الصورة المصغرة للوجهة
خطأ في إنشاء صورة مصغرة: تعذر حفظ الصورة المصغرة للوجهة
خطأ في إنشاء صورة مصغرة: تعذر حفظ الصورة المصغرة للوجهة
خطأ في إنشاء صورة مصغرة: تعذر حفظ الصورة المصغرة للوجهة

ويلاحظ بالنسبة للنشاط البرلماني لأعضاء المسلمين بالمجلس وكما توضحه الجداول السابقة:

1 – أنه لم يكن هناك ارتباط واضح بين موضوعات الأسئلة الاستجوابات أو طلبات الإحاطة، بمعنى أن أعضاء الجماعة لم يثيروا قضية ما واحدة بأكثر من أسلوب واحد من أشكال الرقابة البرلمانية، فالقضية التي أثيرت في شكل سؤال لم تثر في شكل آخر سواء طلب إحاطة أو استجواب، ودلالة ذلك أنه لم يكن هناك نوع من تكثيف الجهد أو العمل في معالجة قضية ما ذات أهمية.

2 – يلاحظ بالنسبة لأغلب موضوعات الأسئلة وطلبات الإحاطة أنها كانت تميل إلى التعامل مع الأحداث اليومية أو ما يمكن أن يطلق عليها قضايا "الشارع" الجارية، بينما مالت موضوعات الاستجوابات إلى التعامل مع القضايا التي يمكن تسميتها بالقضايا الهيكلية أو ذات الطابع الهيكلي .. فمثلا حوالي 10 أسئلة من إجمالي 17 سؤال تقدم بها الأعضاء الإخوان بالمجلس قد تناولت أو تعلقت بقضايا جارية (راجع موضوعات الأسئلة في الجدول رقم 8).

وتصدق نفس الملاحظة على طلبات الإحاطة، أما بالنسبة لموضوعات الاستجوابات فإن جميعها تقريبا يتناول قضايا هيكلية في المجتمع المصري تقريبا وليست قضايا ترتبط بأحداث جارية يومية، هذا مع الأخذ في الاعتبار أنه ليس هناك فصلا جامدا بين هذين النوعين من القضايا فكلاهما مرتبط بالآخر. ودلالة ذلك أن أعضاء جماعة الإخوان المسلمين في مجلس الشعب كانوا على درجة عالية من الارتباط بالقضايا الجارية في المجتمع المصري ولم يتسموا بالانعزالية عن المجتمع وقضاياه المختلفة على نحو ما كان يتوقعه البعض عند دخول الإخوان المجلس في 1984، وبمعنى آخر لم يختزل الأعضاء الإخوان اهتماماتهم في قضية الشريعة الإسلامية والمطالبة بإدخال التغيرات الهيكلية على المجتمع.

3 – أن موضوعات الاستجوابات التي تقدم بها الإخوان المسلمين بالمجلس خلال هذا الفصل التشريعي قد تركزت حول قضيتين محددتين الأولى هي قضية تعذيب المتهمين في قضايا أمن الدولة، والثانية هي قضية الربا (فوائد البنوك)، والصناعات المخالفة للشريعة الإسلامية كصناعة الخمور، فمن إجمالي خمسة استجوابات تقدم بها أعضاء الإخوان خلال الفصل التشريعي كان اثنان منها حول قضية تعذيب المتهمين في قضايا أمن الدولة، استجواب الجلسة 51 بتاريخ 11/ 2/ 1985 في دور الانعقاد الأول، واستجواب الجلسة 16/ بتاريخ 10/ 1/ 1987 في دور الانعقاد الثالث، بالإضافة إلى تقدم الإخوان باستجواب آخر مرتبط بموضوع التعذيب وهو الاستجواب المقدم من محمد محفوظ حلمي دياب في الجلسة 19 بتاريخ 24/ 1/ 1987 حول قيام الحكومة بالقبض على أكثر من مائة مواطن في أحداث أسيوط 26/ 12/ 1986، والملاحظ بالنسبة لاستجوابات الإخوان بشأن قضايا التعذيب أنهم لم يثيروا مسألة تعذيب المتهمين في هذه القضايا من التيار الإسلامي فقط ولكنهم أثاروا مسألة تعذيب المتهمين في هذا النوع من القضايا بصفة عامة بما فيها الشيوعيين (استجواب الجلسة 51، بتاريخ 11/ 2/ 1985، الذي تقدم به محمد عبد الرحيم المراغي).

وفيما يتعلق بقضية قيام الحكومة بالأعمال المخالفة للشريعة الإسلامية ونص المادة الثانية من الدستور فقد تقدم الإخوان المسلمون باستجواب حول هذه القضية مرتين أيضا كان الأول في دور الانعقاد الثاني (جلسة 42، بتاريخ 5/ 4/ 1986) والثاني في دور الانعقاد الثالث (جلسة 16، بتاريخ 10/ 1/ 1987) وتقدم بهما محمد عبد الرحيم المراغي، ويشير تمحور الاستجوابات التي تقدم بها الإخوان المسلمين حول هاتين القضيتين إلى مدى الاهتمام الذي أولاه الإخوان لهما وذلك بالنظر إلى أهمية الاستجواب كشكل من أشكال ممارسة الرقابة البرلمانية على الحكومة.

4 – يلاحظ بالنسبة لمناقشة تقارير اللجان محدودية عدد التقارير التي اشترك أعضاء الإخوان بالمجلس في مناقشتها، فمن بين 414 تقرير لجنة عرضت على المجلس للمناقشة خلال دور الانعقاد الأول لم يشترك الأعضاء الإخوان سوى في مناقشة 12 تقرير، وفي دور الانعقاد الثاني اشترك الأعضاء الإخوان بالمجلس في مناقشة 4 تقارير فقط من إجمالي 305 تقرير، وفي دور الانعقاد الثالث اشترك الإخوان في مناقشة 3 تقارير فقط من إجمالي 767 تقرير لجنة عرض للمناقشة بالمجلس، أما فيما يتعلق بطبيعة لتقارير اللجان التي اشتركوا في مناقشتها فإن مشاركتهم لا تكشف عن وجود توجه معين في ممارستهم لهذا النشاط البرلماني بمعنى أنها لا تشير إلى تركيزهم على تقرير لجان معينة، فلم يقصروا اهتمامهم على تقارير لجنة الشئون الدينية والاجتماعية والأوقاف فقط ولكن اهتمامهم امتد ليشمل الاشتراك في مناقشة تقارير مختلف اللجان مثل لجنة الشئون الدستورية والتشريعية، لجنة الخطة والموازنة، لجنة الدفاع والأمن الوطني والتعبئة القومية، لجنة الصناعة والطاقة، لجنة الزراعة والري، بالإضافة إلى اللجان الخاصة مثل اللجان المشكلة للرد على بيان الحكومة وبيان رئيس الجمهورية.

وبصفة عامة يمكن القول إن جماعة الإخوان المسلمين قد ركزت داخل المجلس على عدد من القضايا أهمها الشريعة الإسلامية، الإعلام، التعليم، الحقوق السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، البرنامج النووي المصري، الحرب الأفغانية – السوفيتية، القطاع العام والجهاز المصرفي، بالإضافة إلى قضيتي التعذيب، وقيام الحكومة بالأعمال المخالفة للشريعة الإسلامية كالربا وتصنيع الخمور واللتان تعرضنا لهما من قبل.

وفيما يتعلق بتوجهات الإخوان في طرح تلك القضايا:

1 – بخصوص قضية الشريعة الإسلامية: طالب الإخوان المسلمين بتطبيق الشريعة الإسلامية والإسلام كنظام اقتصادي واجتماعي وثقافي وعسكري، وفي سبيل ذلك فقد طرح الإخوان عددا من الضوابط أو الاعتبارات العامة التي تحكم عملية التطبيق أهمها:

أ – العمل على تنقية القائمة القائمة مما يخالف الشريعة الإسلامية.

ب – أنه لا مانع من الانتظار حتى تتم تهيئة الظروف اجتماعيا واقتصاديا قبل أن يتم التطبيق على شرط أن يتم البدء في تهيئة هذه الظروف.

ج – العمل على تطبيق القوانين التي تم إعدادها بالفعل طبقا للشريعة الإسلامية مثل قانون المعاملات المدنية والقانون الجنائي.

2 – طالب الإخوان المسلمين بخصوص الإعلام بضرورة تنقية الإعلام المصري مما يخالف الآداب والأخلاق والقيم الإسلامية، وفي سبيل تحقيق هذا الالتزام فقد اقترح الإخوان أن تكون هناك لجنة من العلماء تشرف على برامج الإذاعة والتلفزيون حتى يتحقق التزام الإعلام بالقيم الدينية وتعاليم الإسلام.

3 – طلب الإخوان المسلمون بضرورة صدور قرار بإعادة جماعة الإخوان المسلمين.

4 – طالب الإخوان بضرورة إصلاح التعليم، وقد تمحور الإصلاح التعليمي لدى الإخوان المسلمين حول ضرورة تعميق القيم الدينية عمليا ونظريا في المدارس والمناهج التعليمية والتركيز على التربية الدينية فلا يكتفى بتحفيظ آية أو آيتين من القرآن الكريم، كما طالب الإخوان بضرورة صدور قرار بإلزام الطالبات بارتداء الزي الإسلامي.

5 – وفيما يتعلق بالبرنامج النووي المصري فقد رأى الإخوان أنه لا مانع من دخول مصر مجال الطاقة النووية، مؤكدين على أن الإسلام لا يمنع من ذلك، بل إنه يشجع على الأخذ بنتائج العلم واستخداماته الحديثة ما دامت لا تتنافى مع الشرع.

3 – مدى التوافق بين حزب الوفد الجديد والإخوان المسلمين داخل مجلس الشعب:

وفي هذا الجزء سوف نهتم بنقطة محددة وهي إلى حد كان هناك اتفاقا بين حزب الوفد الجديد والإخوان داخل مجلس الشعب، بمعنى إلى أي حد كان هناك تعاونا من ناحية ومن ناحية أخرى إلى أي حد كانت لديهم رؤية مشتركة في طرح القضايا التي أثيرت خلال هذا الفصل التشريعي؟ ونعتمد هنا على معيارين محددين: الأول هو مدى تعاونهم في ممارسة الأنشطة البرلمانية (الأسئلة، الاستجوابات، وطلبات الإحاطة) الثاني هو التوجهات العامة للجانبين داخل المجلس فيما يتعلق بالقضايا التي طرحها كل جانب، سواء من حيث طبيعة هذه القضايا والأهمية النسبية التي أولاها كل فريق لهذه القضايا أو من حيث آرائهم في القضايا التي أثيرت داخل المجلس خلال هذا الفصل التشريعي.

ويوضح الجدول التالي أهم القضايا التي أثيرت خلال الفصل التشريعي والتي أثيرت بشأنها أسئلة أو استجوابات أو طلبات إحاطة، ومدى تعاون أعضاء الوفد الجديد وأعضاء الإخوان المسلمين في ممارسة هذه الأنشطة البرلمانية.

خطأ في إنشاء صورة مصغرة: تعذر حفظ الصورة المصغرة للوجهة
خطأ في إنشاء صورة مصغرة: تعذر حفظ الصورة المصغرة للوجهة
خطأ في إنشاء صورة مصغرة: تعذر حفظ الصورة المصغرة للوجهة
خطأ في إنشاء صورة مصغرة: تعذر حفظ الصورة المصغرة للوجهة
خطأ في إنشاء صورة مصغرة: تعذر حفظ الصورة المصغرة للوجهة
خطأ في إنشاء صورة مصغرة: تعذر حفظ الصورة المصغرة للوجهة
خطأ في إنشاء صورة مصغرة: تعذر حفظ الصورة المصغرة للوجهة

ويتضح من الجداول السابقة أنه لم يكن هناك خلاف واسع بين الأعضاء الوفديين وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين داخل مجلس الشعب فقد اشترك أعضاء الوفد والإخوان المسلمون في تقديم عدد كبير من نفس الأسئلة وطلبات الإحاطة والاستجوابات وهو ما يشير إلى وجود قدر كبير من التعاون بينهما في هذه الأنشطة وفي قضايا كثيرة سواء كانت هذه القضايا ذات طابع مؤقت تتعلق بحادثة معينة (مثل حادث حريق مصانع محرم بالإسكندرية، حادث اختطاف الطائرة المصرية، ... إلخ) أو كانت قضايا أكثر أهمية مثل التعليم، والظواهر الاجتماعية مثل تعاطي المخدرات، الإعلام، التعذيب والسجون، الشريعة الإسلامية والشئون الدينية ... إلخ).

ويهمنا في تحليل الممارسة البرلمانية لكل من أعضاء الوفد الجديد والإخوان المسلمين التأكيد على النقاط التالية:

1 – كان هناك عدد من القضايا التي اهتم بها أعضاء الوفد الجديد ولم يشاركوهم في الاهتمام بها الإخوان وهذه القضايا كانت: التلوث (تلوث مياه النيل، التلوث البيئي، مشروع الصرف الصحي بالإسكندرية وتلوث مياه البحر المتوسط) قضية العلاقات المصريةالإسرائيلية، (حادث قيام إسرائيل باغتصاب دير السلطان بالقدس، اتفاق كامب دايفيد) قضايا الطاقة والبرنامج النووي المصري (مشروع بتروكيماويات الإسكندرية، البرنامج النووي المصري) القضايا المتعلقة بالإصلاحات السياسية والدستورية (حقوق المعارضة في مواجهة الحزب الحاكم، قوانين الانتخابات، استقلال السلطة القضائية) المواصلات، القضايا المتعلقة بالسكان والإسكان، بالإضافة إلى هذه القضايا التي لم يشارك الإخوان المسلمون اهتمام أعضاء الوفد الجديد بها كانت هناك مجموعة أخرى من القضايا كانت درجة المشاركة فيها ضعيفة أو محدودة مثل القضايا المتعلقة بالزراعة والفلاحين.

والسؤال الذي يثور هنا هو لما لم يتعاون الإخوان مع الوفد الجديد في القضايا التي تخص الإصلاحات الدستورية والسياسية من أجل أحداث تغيرات تستطيع من خلالها الجماعة الحصول على وجود رسمي، إلا أن عدم تعاون الإخوان المسلمين مع أعضاء الوفد في إثارة الأسئلة أو طلبات الإحاطة أو استجوابات بخصوص قضية الإصلاح السياسي والدستوري لم يكن يعني إهمال أعضاء الجماعة لهذه القضية بصورة كاملة ولكنهم قد اكتفوا بالمطالبة بالحقوق السياسية لجماعة الإخوان من خلال المناقشات التي جرت داخل المجلس.

2 – أنه فيما يتعلق بقضايا التي كانت محل تعاون مشترك بين أعضاء الوفد الجديد والإخوان المسلمين وهي القضايا المتعلقة بالشريعة الإسلامية والشئون الدينية، فقد اهتم أعضاء الوفد من جانب بقضية كيفية التصرف في أموال النذور وقضية قبة مسجد الإمام الحسين، وفي المقال اهتم أعضاء الإخوان بقضايا مثل قيام الحكومة بأعمال مخالفة للشريعة الإسلامية والتعامل بالربا، وتصنيع الخمور وبيعها، والسماح بلعب الميسر والقمار.

ويشير ذلك إلى أنه رغم إقدام الوفد على التعاون مع جماعة الإخوان المسلمين بخصوص القضايا المتعلقة بالشئون الدينية إلا أن الموضوعات التي اهتم بها الوفد لم تتعلق مباشرة بالشريعة الإسلامية، بمعنى أنه كان هناك تمايزا إلى حد واضح بين الإخوان والوفد الجديد بخصوص قضايا الشئون الدينية.

وبخصوص القضايا المتعلقة بالإعلام فقد اشترك الطرفان في الاهتمام بقضية محددة هي عدم التزام الإعلام بالقيم الأخلاقية والدينية وذلك من خلال تقديم عدد من الأسئلة المشتركة أكثر من مرة، إلا أن هذا التعاون لم يمتد إلى بقية القضايا الإعلامية الأخرى مثل إنشاء قناة ثالثة، أو انحياز الإعلام للجهاز الحاكم وهما الموضوعان اللذان اهتم بهما أعضاء الوفد الجديد فقط، فبينما تقدم أعضاء الوفد الجديد بسؤال بخصوص الموضوع الأول، وسؤال وطلب إحاطة بخصوص الموضوع الثاني لم يتقدم أي من أعضاء الإخوان المسلمين بأية سؤال أو استجواب أو طلب إحاطة بخصوص هذين الموضوعين.  

الباب الثاني: دور الإخوان في انتخابات 1987 وتحليل طبيعة الممارسة البرلمانية لنواب الإخوان خلال الفصل التشريعي الخامس

الفصل الأول: الإطار القانوني الانتخابات 1987 وبيئتها السياسية.

الفصل الثاني: التحالف الانتخابي بين الإخوان المسلمين وحزبي العمل والأحرار (التحالف الإسلامي): المقدمات – المبررات المعلنة والدوافع الحقيقية – الأسس والقواعد.

الفصل الثالث: التحالف الإسلامي وإدارة العملية الانتخابية.

الفصل الرابع: تحليل نتائج الانتخابات ودلالاتها بالنسبة للإخوان

الفصل الخامس: الممارسة البرلمانية لنواب الإخوان خلال الفصل التشريعي الخامس: تحليل كمي وكيفي.   يتناول هذا الباب بالدراسة والتحليل دور جماعة الإخوان في انتخابات 1987 التي خاضتها الجماعة بثقلها متحالفة مع حزبي العمل والأحرار تحت راية ما سمي بالتحالف الإسلامي، كما يتضمن تحليلا كميا وكيفيا لممارسات نواب الإخوان تحت قبة البرلمان خلال الفصل التشريعي الخامس وأخيرا يتضمن هذا الباب تحليل لموقف الإخوان في انتخابات مجلس الشعب سنة 1990م، وينقسم هذا الباب إلى خمسة فصول، يعرض أولها، للإطار القانوني لانتخابات 1987 ويحدد أهم القضايا التي شكلت بيئة سياسية مباشرة للانتخابات وأثرت عليها بشكل مباشر أو غير مباشر، ويحلل الفصل الثاني، التحالف الإسلامي من حيث مقدمات ظهور فكرة التحالف وتطوراتها، وطبيعة المبررات التي أعلنها كل طرف من أطراف التحالف الثلاثة لتبرير مسلكه، فضلا عن رصد الدوافع والأسباب الحقيقية التي دفعت الأطراف المعنية إلى التحالف فيما بينهم، مع تحديد الأسس والقواعد التي قام عليها التحالف، ورؤى أطرافه لطبيعته ومداه.

أما الفصل الثالث، فيحلل دور التحالف في إدارة العملية الانتخابية سواء فيما يتعلق بتشكيل القوائم الانتخابية أو إعداد البرنامج الانتخابي أو ممارسة الدعاية الانتخابية، ويتضمن الفصل الرابع، تحليلا لنتائج الانتخابات ودلالاتها بالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين، كما يتضمن تحليلا لخلفيات نواب الإخوان في المجلس من حيث أصولهم الاجتماعية وخلفياتهم التعليمية والعمرية والمهنية ... إلخ، ويتضمن الفصل التشريعي الخامس بالإضافة إلى تحليل لمواقف الإخوان في انتخابات مجلس الشعب 1990م.

وقبل أن تعرض الدراسة لكل من فصول هذا الباب بشيء من التفصيل، هناك ملاحظتان عامتان جديرتان بالتسجيل:

أولاهما: أن التركيز سيكون في جميع الفصول على دور جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها محور الدراسة التي نحن بصددها.

ثانيتهما: أن الدراسة لم تفرد فصلا مستقلا لإجراء مقارنات بين دور الإخوان في انتخابات 1984 ودورهم في انتخابات 1987، وكذلك بين الممارسة البرلمانية لنواب الجماعة خلال الفصل التشريعي الرابع من ناحية والفصل التشريعي الخامس من ناحية أخرى، وسوف يتم إجراء هذه المقارنات ضمن فصول هذا الباب على النحو الذي يبرز حقيقة التغيير الذي طرأ على دور الإخوان في انتخابات 1987 مقارنة بدورهم في انتخابات 1984.

الفصل الأول: الإطار القانوني لانتخابات 1987 وبيئتها السياسية

تضمن المبحث الأول من الباب الأول شرحا وافيا للإطار القانوني لانتخابات 1984 والتي جرت طبقا لأحكام قانون رقم 114 لسنة 1983 المعدل للقانون رقم 38 لسنة 1972 في شأن مجلس الشعب وتعديلاته، وقد أخذ القانون المذكور بنظام "القائمة الحزبية النسبية المشروطة" وذلك للمرة الأولى منذ بداية الانتخابات البرلمانية في مصر في مطلع العشرينيات من هذا القرن، ومن المعروف أن أحزاب المعارضة كانت قد رفضت هذا القانون منذ صدوره، واستمرت تطالب بإلغائه والعودة إلى النظام القديم "نظام الانتخاب الفردي".

هذا وقد تعرض القانون المعني للطعن في دستورية بعض مواده أمام المحكمة الدستورية العليا، حيث قصر القانون حق الترشيح على المواطنين المنتمين إلى الأحزاب السياسية، وبذلك حرم المواطنين غير المنتمين إلى الأحزاب من حق الترشيح.

وفي أكتوبر من العام 1986 صدر تقرير هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا مؤكدا على وجود عيوب دستورية تشوب بعض مواد القانون رقم 114 لسنة 1983 فجعل حق الترشيح لعضوية مجلس الشعب مقصورا على المواطنين المنتمين إلى الأحزاب السياسية معناه حرمان المواطنين غير المنتمين إلى أحزاب من ممارسة حق كفله لهم الدستور في المادة 62 التي تنص على أن "للمواطن حق الانتخاب والترشيح وإبداء الرأي في الاستفتاء وفقا لأحكام القانون، ومساهمته في الحياة العامة واجب وطني".

كما أن قصر حق الترشيح على المواطنين المنتمين إلى الأحزاب السياسية من ناحية، وتخصيص 31 مقعدا للمرأة في 31 دائرة انتخابية من ناحية أخرى يتضمن انتهاكا لمبدأي تكافؤ الفرص والمساواة من المواطنين اللذين يقررهما الدستور في المادة الثامنة التي تنص على أن "تكفل الدولة تكافؤ الفرص لجميع المواطنين" وفي المادة 40 التي تنص على أن "المواطنين لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة".

وعلى الرغم من أن تقرير هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا يعتبر بمثابة رأي قانوني استشاري في القضية المعنية المعروضة أمام المحكمة، وأن للمحكمة أن تأخذ به أو ببعضه، إلا أن الخبرة العملية تؤكد على أن حكم المحكمة غالبا ما يأتي مرتبطا بتقرير هيئة المفوضين، خاصة وأن تقرير الهيئة يأتي كمحصلة لدراسة قانونية متأنية ومستفيضة لمختلف جوانب القضية المعنية، وبناء على ذلك أصبح من المرجح أن تحكم المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية بعض مواد القانون رقم 114 لسنة 1983، هذا وقد أدى صدور تقرير هيئة المفوضين إلى تصاعد الجدل السياسي والقانوني حول استمرار مجلس الشعب أو حله، وحول مدى دستورية القوانين والتشريعات، التي أصدرها، وهنا وجد النظام الحاكم نفسه في مأزق سياسي خطير، وللخروج من هذا المأزق تحرك النظام على محورين:

أولهما: الإسراع بتعديل القانون رقم 114 لسنة 1983، وذلك لمعالجة العيوب الدستورية التي تضمنها تقرير هيئة المفوضين بشأن هذا القانون،

وثانيهما: استخدام رئيس الدولة لسلطاته الدستورية بدعوة الناخبين إلى الاستفتاء على حل مجلس الشعب وإجراء انتخابات جديدة، وقد تمت كل هذه الإجراءات قبل صدور حكم المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية بعض مواد القانون رقم 1914 لسنة 1983 المعدل للقانون رقم 38 لسنة 1982 بشأن مجلس الشعب وتعديلاته (صدر الحكم في 16 مايو 1987).

وبخصوص تعديل القانون رقم 114 لسنة 1983، فقد تحرك الحزب الوطني على وجه السرعة، وتقدم كمال الشاذلي الذي كان يشغل أمين التنظيم بالحزب في ذلك الوقت، تقدم باقتراح مشروع لتعديل القانون رقم 114 لسنة 1983، وذلك لتلافي الشبهات الدستورية التي جاءت في تقرير هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية بشأنه، وقد تمت مناقشة مشروع التعديل وإقراره في مجلس الشعب في جلسة عاصفة انسحبت منها المعارضة التي كان يمثلها في المجلس نواب حزبي الوفد – ومن بينهم 8 أعضاء ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين – التي خاضت انتخابات 1984 بالتعاون مع حزب الوفدوحزب العمل، وكانت النتيجة أن صدر في 31 ديسمبر عام 1986 القانون رقم 188 المعدل للقانون رقم 38 لسنة 1982 بشأن مجلس الشعب وتعديلاته، وهو القانون الذي أجريت على أساسه انتخابات 1987.

وتتمثل أهم التعديلات التي تضمنها القانون رقم 188 لسنة 1986 مقارنة بالقانون رقم 144 لسنة 1983 فيما يلي: إلغاء المقاعد المخصصة للمرأة، والجمع بين نظامي الانتخاب بالقائمة الحزبية والانتخاب الفردي، وذلك بتخصيص 48 مقعدا يتم شغلها عن طريق الانتخاب الفردي على مستوى الجمهورية، وذلك بواقع مقعد في كل دائر انتخابية من الدوائر الـ (48)، ولم يخصص القانون المقاعد الـ (48) التي يتم شغلها بالانتخاب الفردي للمواطنين المستقلين أي غير المنتمين إلى الأحزاب السياسية، بل جعلها مفتوحة للمنافسة الانتخابية بين المستقلين وأعضاء الأحزاب غير المرشحين على قوائم حزبية، واشترط القانون لفوز المرشح بالمقعد الفردي في الدائرة حصوله على أكبر عدد من الأصوات الصحيحة التي أعطيت للمرشحين للمقعد الفردي على ألا تقل النسبة التي يحصل عليها عن 20% من مجموع الأصوات الصحيحة في الدائرة، وفي حالة عدم حصول أحد من المتنافسين على المقعد الفردي في الدائرة على الأغلبية أو النسبة المطلوبة من الأصوات يعاد الانتخاب بين المرشح الحاصل على أكثر الأصوات والمرشح التالي له في عدد الأصوات وفي هذه الحالة يفوز المرشح الحاصل على أكثر الأصوات.

وباستثناء هذه التعديلات، فإن بقية مواد القانون رقم 114 لسنة 1983 المعدل للقانون رقم 38 لسنة 1972 لشأن مجلس الشعب وتعديلاته بقيت كما هي في القانون رقم 188 لسنة 1972، ويتضح من قراءة التعديلات التي تضمنها القانون الجديد أنها تمثل استجابة جزئية من قبل الحكومة لمطالب المعارضة بخصوص قانون الانتخابات، ولكن بقيت المطالب الأساسية لهذه الأحزاب دون استجابة، فهي كانت تطالب – ضمن أشياء أخرى – بإلغاء نظام الانتخابات بالقوائم الحزبية والعودة إلى نظام الانتخاب الفردي، أو على الأقل إلغاء أو تخفيض نسبة الـ (8%) التي حددها القانون رقم 114 لسنة 1983 كشرط لتمثيل أي حزب في مجلس الشعب، وقد أبقى القانون الجديد على نسبة الـ (8%) كسيف مسلط على رقبة أحزاب المعارضة وبخاصة الأحزاب الصغيرة، وقد كان لهذا العامل – ضمن عوامل أخرى – تأثيراته في صياغة خريطة التحالفات والتفاعلات السياسية التي ارتبطت بانتخابات 1987.

وبعد إصدار القانون رقم 188 لسنة 1986 اتخذ الرئيس مبارك في 4 فبراير قرارا بدعوة الناخبين إلى استفتاء عام على حل مجلس الشعب وقد برر الرئيس ذلك بضرورات الملاءمة السياسية، حيث إن هناك قانونا جديدا للانتخابات قد صدر، ومن الأهمية بمكان إجراء انتخابات جديدة لتشكيل مجلس جديد يكون للمستقلين دور فيه، وجدير بالذكر أن هذا القرار قد صدر قبل يوم واحد من انعقاد مؤتمر الأحزاب المعارضة (عقد في 5 فبراير 1987)، والذي طالبت فيه – ضمن أشياء أخرى بإلغاء نظام الانتخابات بالقوائم النسبية والمطلقة والعودة إلى نظام الانتخابات الفردي وإعداد جداول جديدة للناخبين، وتوفير ضمانات نزاهة العملية الانتخابية سواء فيما يتعلق بالتصويت أو فرز الأصوات مع وجود إجراء الانتخابات الجديدة تحت إشراف حكومة محايدة وفي ظل رقابة كاملة للسلطة القضائية، ومن المرجح أن توقيت صدور قرار الرئيس بالدعوة إلى استفتاء عام على حل مجلس الشعب إنما كان يهدف إلى قطع الطريق على أحزاب المعارضة حتى لا تبدو عملية حل المجلس وكأنها استجابة لمطالب المعارضة وضغوطها.

هذا وقد جرى الاستفتاء العام على حل المجلس في 12/ 2/ 1987، وقد شارك في هذا الاستفتاء 7651% من جملة الناخبين المسجلين في جداول الانتخابات، وقد أيد (88.9%) منهم حل مجلس الشعب، وفي 14 فبراير 1987، أي بعد الاستفتاء بيومين أصدر الرئيس قرارا بحل المجلس، وتحديد السادس من أبريل من العام 1987 كموعد لإجراء انتخابات جديدة، وقد بدأت كافة الأحزاب والقوى السياسية على الفور في ترتيب أوراقها وإعداد خططها وبرامجها لخوض غمار المعركة الانتخابية.

وهناك عاملان هامان دفعا النظام إلى سرعة التحرك لتعديل قانون الانتخابات ومجلس الشعب، أولهما: استباق حكم المحكمة الدستورية العليا، أملا في أنه بعد تعديل القانون وتدارك عيوبه الدستورية، يمكن أن تقضي المحكمة بانتهاء الدعوى أما لزوال المصلحة فيها أو لزوال موضوعها أو للاثنين معا، ولم تأخذ المحكمة بذلك، واستمرت في نظر الدعوى، وأصدرت حكمها في 12/ 5/ 1987 بعدم دستورية بعض مواد القانون رقم 114 لسنة 1983، وثانيهما: حرص الرئيس مبارك على ألا يتخذ إجراءات ترشيحه لفترة رئاسية ثانية (أكتوبر 1987أكتوبر 1993) مجلس مطعون في دستوريته، لأن هذا من شأنه إثارة شبهات دستورية حول مشروعية إجراءات ترشيح الرئيس لفترة ثانية.

وإلى جانب التطورات السابقة التي ارتبطت بقانون الانتخابات، فإن هناك جملة من القضايا التي شكلت بيئة مباشرة لانتخابات 1987، ومن هذه القضايا: تصاعد حدة الأزمة الاقتصادية التي تمثلت أبرز مظاهرها في التضخم والبطالة والمديونية وتدني معدل الإنتاجية والعجز في كل من الموازنة العامة للدولة وميزان المدفوعات وزيادة التبعية الاقتصادية للخارج، فالبلاد خلال هذه الفترة كانت على حافة الانهيار الاقتصادي، وقد ارتبط بذلك ارتفاع تكاليف المعيشة وتفاقم مشكلات الإسكان والمواصلات والعلاج والتعليم .. إلخ، كما أن الانتخابات جرت بعد مرور أكثر من عام بقليل على تمرد جنود الأمن المركزي (فبراير 1986)، والذي شكل أكبر تحد للنظام خلال فترة الرئاسة الأولى للرئيس مبارك، وفي أعقاب هذا التمرد بدأت تتصاعد بعض أعمال العنف المضادة للنظام السياسي من قبل بعض الحركات الإسلامية المسيسة، وهو الأمر الذي ساهم - ضمن عوامل أخرى – في إبراز عنصر الدين على الساحة الانتخابية، أضف إلى ذلك أن خبرة انتخابات 1984 مثلت متغيرا هاما في تحديد خريطة التفاعلات السياسية والتحالفات الانتخابية التي ارتبطت بانتخابات 1987، وأخيرا فإن التطورات، الإيجابية والسلبية، التي حدثت على صعيد علاقات مصر بكل من الدول العربية وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية مثلت في بعض جوانبها مجالات للجدل السياسي والتنافس الانتخابي، تلك هي أبرز القضايا التي شكلت بيئة مباشرة لانتخابات 1987 والتي انعكست، بدرجة أو بأخرى وبشكل أو بآخر، في البرامج الانتخابية والحملات الدعائية للقوى والأحزاب التي شاركت في الانتخابات.

الفصل الثاني: التحالف الانتخابي بين الإخوان المسلمين وحزبي العمل والأحرار(التحالفالإسلامي) المقدمات – المبررات المعلنة والدوافع الخفية – الأسس والقواعد

لقد شارك في انتخابات مجلس الشعب التي جرت في السادس من أبريل من العام 1987 إلى جانب الحزب الوطني كل من التحالف الإسلامي (الإخوان المسلمون والعمل والأحرار) وأحزاب الوفد الجديد والتجمع والأمة فضلا عن مجموعة المرشحين الذين تنافسوا على المقاعد الفردية، وقد ضمت هذه المجموعة مرشحين مستقلين غير حزبيين ومرشحين حزبيين لم يدرجوا على القوائم الانتخابية لأحزابهم، ويهدف هذا الفصل إلى رصد وتحليل "التحالف الإسلامي" بين الإخوان وحزبي العمل والأحرار من حيث مقدماته والمبررات المعلنة من قبل أطرافه ودوافعه والأسس والقواعد التي قام عليها، وفي هذا الإطار، ينقسم هذا الفصل إلى ثلاث مباحث، يعرض أولها لمقدمات ظهور فكرة التحالف وتطوراتها ويحلل ثانيها، المبررات المعلنة والدوافع الحقيقية من وراء قيام التحالف الإسلامي ويتناول ثالثها، الأسس والقواعد التي قام عليها التحالف، ورؤية كل طرف من أطرافه لطبيعته ومغزاه.

وتعرض الدراسة لكل من المباحث السابقة بشيء من التفصيل، مع التركيز على رؤى ومواقف جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها محور هذه الدراسة.  

المبحث الأول: مقدمات ظهور فكرة التحالف وتطوراتها

من المؤكد أن التطورات السياسية المتسارعة التي أعقبت إصدار قانون انتخابي جديد في ديسمبر 1986 (القانون رقم 188)، والتي تمثلت في حل مجلس الشعب عقب إجراء استفتاء عام على الحل، وتحديد يوم 6 أبريل من العام 1987 لإجراء انتخابات جديدة، من المؤكد أن هذه التطورات قد وضعت أحزاب وقوى المعارضة أمام تحد كبير، خاصة وأنه أصبح من المتعين عليها أن تعمل تحت ضغط عنصر الوقت، هذا وكانت أحزاب وقوى المعارضة قد عقدت مؤتمرا مشتركا في 5 فبراير 1987 – قبل عقد هذا المؤتمر بيوم واحد صدر قرار الرئيس مبارك بدعوة الناخبين إلى استفتاء عام على حل مجلس الشعب – وقد شارك في هذا المؤتمر وفد من جماعة الإخوان المسلمين، كما أن مرشدها العام الأستاذ محمد حامد أبو النصر قد بعث برسالة إلى المؤتمر، وتم تلاوتها بالفعل على المشاركين فيه، وتضمنت الرسالة نقدا لبعض الأوضاع السياسية في مصر مثل: استمرار العمل بقانون الطوارئ والقوانين الاستثنائية الأخرى التي تشكل قيودا على حقوق المواطنين وحرياتهم، كما انتقدت عمليات التعذيب التي يتعرض لها المعتقلين السياسيين في السجون والمعتقلات، وأكدت الرسالة على تأييد الإخوان لكل ما يصدر عن مؤتمر المعارضة من توصيات وقرارات لإقامة نظام ديمقراطي صحيح وتطبيق شريعة الله الغراء، وذلك هو المخرج والسبيل الوحيد والأكيد" وجدير بالذكر أن مسلك الإخوان حيال مؤتمر المعارضة إنما يعكس حرصهم على تأكيد دورهم باعتبارهم قوة سياسية فعالة لا يمكن تجاهلها، لأنها تشكل جزءا من الواقع السياسي المصري، فضلا عن تأكيد استعدادهم للتنسيق مع أحزاب المعارضة الأخرى في الانتخابات البرلمانية.

هذا وقد أصدر مؤتمر المعارضة جملة من التوصيات، تبلورت حول ثلاثة محاور أساسية: أولها: الإصلاح الدستوري، وما يتطلبه ذلك من تعديل للدستور المصري ليصبح أكثر ديمقراطية، ومن التوصيات التي وردت في هذا المحور: التأكيد على ضرورة انتخاب رئيس الجمهورية ونوابه بالاقتراع المباشر، وتخلي الرئيس ونوابه عن انتماءاتهم الحزبية بمجرد تقلدهم مناصبهم، وإلغاء المادة (74) من الدستور، وتقرير مبدأ المسئولية الوزارية الكاملة أمام البرلمان، وإلغاء نظام المدعى العام الاشتراكي، وثانيها: إصلاح نظام الانتخابات، وذلك بإلغاء نظام القوائم النسبية والمطلقة والعودة إلى الانتخاب الفردي، وإعداد جداول جديدة للناخبين، والالتزام بتطبيق إجراء توقيع الناخب أو أخذ بصمته بجوار صوته، وإجراء الانتخابات بواسطة حكومة محايد وتحت رقابة كاملة للسلطة القضائية، وثالثها: إلغاء كافة التشريعات المقيدة للحريات مثل: قانون الطوارئ، وقوانين: الاشتباه، وحماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي، وحماية القيم من العيب، ومحاكم أمن الدولة، فضلا عن تعديل قوانين: المحاكم العسكرية، وتنظيم الأحزاب السياسية، وسلطة الصحافة، وعموما فقد مثلت هذه التوصيات قاسما مشتركا بين أحزاب وقوى المعارضة، واتخذت فيما بعد كمبرر – ضمن مبررات أخرى – لتدعيم مواقف الأحزاب والقوى السياسية التي رأت أن تكون مشاركة أحزاب وقوى المعارضة في الانتخابات من خلال قوائم مشتركة تحت مظلة حزب واحد.

وفي أعقاب صدور قرار رئيس الجمهورية بالاستفتاء العام على حل مجلس الشعب (4 فبراير 1987) تسارعت تحركات أحزاب وقوى المعارضة للبحث فيما يمكن عمله إزاء الانتخابات القادمة، وبرزت في الأفق فكرة مقاطعة الانتخابات كنوع من ممارسة الضغوط على النظام، لكن هذه الفكرة سرعان ما تم تجاوزها، حيث لم تحظ بإجماع كافة الأحزاب والقوى السياسية المعارضة عليها، وهو ما يعني أن أية مقاطعة جزئية للانتخابات سوف تكون عديمة التأثير أو على أفضل الأحوال ذات تأثير محدود، وعلى أثر استبعاد فكرة المقاطعة لم يبق أمام أحزاب المعارضة سوى خياران: إما مشاركة كل حزب في الانتخابات بقوائمه المستقلة، وإما مشاركة أحزاب وقوى المعارضة جميعا بقوائم موحدة تحت مظلة حزب واحد.

وانطلاقا من خبرة انتخابات 1984، حيث أخفقت كل أحزاب التي شاركت فيها بصورة مستقلة – باستثناء حزب الوفد الجديد الذي دخلها متعاونا مع الإخوان – في أن تحصل على نسبة الـ (8%) من مجموع الأصوات الصحيحة على مستوى الجمهورية، وهو الشرط الذي وضعه القانون لتمثيل أي حزب في المجلس، ولذلك بقيت كل الأحزاب ما عدا الوفد، والعمل – الذي تم تمثيله في المجلس من خلال التعيين – خارج المجلس، انطلاقا من هذه الخبرة رجحت أحزاب المعارضة في البداية دخول الانتخابات بقوائم موحدة تحت مظلة حزب واحد.

وبالإضافة إلى ما سبق، فقد كانت هناك عوامل أخرى دفعت أحزاب وقوى المعارضة إلى المضي في طريق المشاركة في الانتخابات عن طريق قوائم موحدة منها: السعي لتحقيق التوصيات والمطالب التي صدرت عن مؤتمر المعارضة (5 فبراير 1987) والتي تشكل قاسما مشتركا بين مختلف أحزاب وقوى المعارضة، وذلك عن طريق ضمان تمثيل عادل وفعال للمعارضة في مجلس الشعب على النحو الذي يمكنها من تحقيق التوازن السياسي مع الحزب الحاكم وإنهاء احتكاره للحياة السياسية واتخاذ الإجراءات وممارسة التأثيرات التي من شأنها دعم فاعليات التطور الديمقراطي وتحقيق الإصلاح الدستوري والانتخابي الذي تطالب به قوى وأحزاب المعار ضة.

هذا وقد كان لحزب العمل، ممثلا في شخص رئيسه الأستاذ إبراهيم شكري، دور هام في الدفع بهذه الفكرة إلى حيز التنفيذ، وقد جرت في هذا الإطار سلسلة من الاتصالات بين رؤساء أحزاب المعارضة، وتم عقد أكثر من اجتماع بينهم في مقر حزب الوفد الجديد وفي منزل الأستاذ فؤاد سراج الدين – رئيس الحزب – للتشاور بخصوص هذا الموضوع، وكانت محصلة ذلك أن اتفق رؤساء أحزاب المعارضة على دخول الانتخابات بقوائم موحدة تحت اسم حزب الوفد الجديد باعتباره كان يقود المعارضة البرلمانية في مجلس 1984، على أن تشمل هذه القوائم مرشحين عن القوى السياسية غير الممثلة في أحزاب مثل الإخوان المسلمين والناصريين – حصل الناصريون على حكم قضائي وأسسوا الحزب العربي الديمقراطي الناصري في عام 1922 – كما اتفق رؤساء أحزاب المعارضة على تشكيل لجنة تحضيرية لوضع المبادئ والأسس والقواعد التي سيتم على أساسها التنسيق بين أحزاب وقوى المعارضة سواء بالنسبة للقوائم الحزبية أو المقاعد الفردية، وعقدت هذه اللجنة اجتماعا في منزل الأستاذ فؤاد سراج الدين يوم السبت الموافق 14/ 2/ 1987، وذلك لإقرار هذه الأسس والقواعد وإعلانها، إلا أن هذا لم يحدث بسبب القرار المفاجئ الذي أعلنه حزب الوفد الجديد في مساء يوم الجمعة الموافق 13/ 2/ 1987، والذي أكد فيه على رفضه لفكرة القوائم الموحدة واتجاهه لخوض الانتخابات منفردا بقوائمه الخاصة، ولا شك في أن قرار حزب الوفد هذا يثير العديد من التساؤلات حول الأسباب، المعلنة والحقيقية، التي دفعته إلى ذلك، والتأثيرات التي تركها هذا القرار على مواقف قوى وأحزاب المعارضة الأخرى.

وعلى الرغم من أن الأستاذ فؤاد سراج الدين – رئيس حزب الوفد الجديد كان موافقا على خوض أحزاب المعارضة الأخرى الانتخابات تحت مظلة الوفد الجديد، كان موافق على خوض أحزاب المعارضة الأخرى الانتخابات تحت مظلة الوفد الجديد، إلا أن قرار الرفض صدر بعد عرض الموضوع على اللجنة العليا للوفد، وقد انقسم أعضاؤها بشأنه، فقد رفض (11) عضوا فكرة القوائم المشتركة، بينما أيدها تسعة أعضاء من بينهم الأستاذ فؤاد سراج الدين رئيس الحزب، وهكذا يتضح أنه لم يكن هناك اتفاق داخل الحزب بشأن هذا الموضوع، وكانت الغلبة في اللجنة العليا للتيار الرافض لفكرة القوائم المشتركة، وقد برر حزب الوفد الجديد مسلكه هذا بحجتين، إحداها قانونية والأخرى سياسية، أما الحجة القانونية فمفادها أن مشاركة أحزاب المعارضة بقوائم مشتركة في الانتخابات تعتبر مخالفة للقانون الانتخابي الذي لا يسمح بأن تتضمن القائمة الواحدة أكثر من حزب واحد، وبذلك يمكن أن تطعن الحكومة في القوائم الموحدة وتعترض عليها لمخالفتها للقانون بما يعنيه ذلك من إلحاق أضرار كبيرة بحزب الوفد، وبالنسبة للحجة السياسية فجوهرها وجود اختلافات وتناقضات فكرية وسياسية عميقة بين أحزاب وقوى المعارضة، وهو الأمر الذي يجعل من تحالف هذه الأحزاب والقوى في قوائم موحدة أمرا ليس سهلا، بل إن مثل هذا تحالف في حالة قيامه يمكن أن يواجه بصعوبات حقيقية في المحك العملي، وقد تؤدي إلى انهياره، إذا ما قرر بعض الأحزاب الانسحاب منه نظرا لعدم موافقتها على توزيع الحصص في قوائم التحالف أو على طريقة إعداد القوائم وترتيب المرشحين، وهو الأمر الذي يمكن أن يفوت على الوفد فرصة المشاركة في الانتخابات بفاعلية بمفرده.

لكن بعيدا عن هذه التبريرات المعلنة من قبل حزب الوفد، فالأرجح أن هناك أسبابا حقيقية دفعته إلى اتخاذ هذا القرار منها: وجود قناعة لدى قطاع كبير من المسئولين في الحزب بقدرته على تجاوز نسبة الـ (8%) منفردا ودون حاجة إلى التحالف مع أحزاب أو قوى سياسية أخرى، فضلا عن أن دخول الوفد الجديد في تحالف مع أحزاب المعارضة، ومعظمها أحزاب صغيرة ومحدودة الفاعلية وقدرة كل منها على تجاوز نسبة الـ (8%) بمفرده مشكوك فيها إلى حد كبير، سوف يسمح لهذه الأحزاب بأن تستفيد من قوة الوفد الجديد دون أن يستفيد منها شيئا، بل ستشكل عبئا عليه باعتباره العربة التي ستحملها إلى المجلس، فضلا عن حرص قيادات الوفد الجديد على استمرار تماسك الحزب ووحدته الداخلية وتجنيبه خطر حدوث انشقاقات داخله بسبب موضوع التحالف مع أحزاب وقوى المعارضة الأخرى، في وقت هو أحوج ما يكون فيه إلى تجميع صفوفه لخوض المعركة الانتخابية.

وبالإضافة إلى ما سبق، فإن هناك سببا آخر دفع الوفد الجديد إلى اتخاذ هذا القرار ويتمثل في حرصه على تمييز نفسه عن بقية أحزاب وقوى المعارضة الأخرى حتى يؤكد دوره كحزب كبير، بل وكقطب ثان في الحياة السياسية المصرية إلى جانب الحزب الوطني وذلك انطلاقا من رؤية راسخة لرئيس الحزب الأستاذ فؤاد سراج الدين مفادها "أن الصورة المثلى للحياة الحزبية في مصر إنما تتحقق بوجود حزبين قويين وأساسيين لديهما ثقة بالنفس تمكنها من رعاية المسيرة الديمقراطية بعيدا عن سبل الإثارة التي تلجأ إليها بعض فصائل المعارضة الصغيرة" وبناء على ذلك يمكن القول: بأن موافقة رئيس حزب الوفد الجديد في البداية على دخول الحزب الانتخابات بالتحالف مع أحزاب وقوى المعارضة الأخرى، إنما كان الهدف منها التأكيد على أن الوفد الجديد حريص على تماسك المعارضة وتحالفها، ولكن عندما جاءت ساعة الحسم أعلن الوفد رفضه لفكرة القوائم المشتركة، وذلك بناء على قرار اللجنة العليا للحزب الذي مثل مخرجا لرئيسه ليتراجع عما كان قد اتفق عليه من قبل مع رؤساء أحزاب المعارضة الأخرى بخصوص هذا الموضوع، وبذلك يكون الوفد الجديد قد كرر خبرة انتخابات 1984 فيما يتعلق بالتحالف بين أحزاب المعارضة لخوض الانتخابات على قوائم موحدة، ففي الحالتين كان الوفد عنصرا هاما في عرقلة جهود أحزاب المعارضة الأخرى من أجل التحالف الانتخابي.

وهنا تبدو المفارقة المثيرة للتساؤل، فإذا كان القرار النهائي في حزب الوفد الجديد هو قرار اللجنة العليا للحزب، فلماذا لم يطرح الأستاذ فؤاد سراج الدين موضوع التحالف مع قوى وأحزاب المعارضة الأخرى على اللجنة قبل أن يدخل في اجتماعات مع رؤساء أحزاب المعارضة الأخرى ويعطي موافقته على هذا الاقتراح؟ ولماذا لم يعلق الأستاذ فؤاد سراج الدين موافقته على قرار اللجنة العليا للحزب باعتباره الفيصل في هذا الموضوع؟

ومن المؤكد أن قرار الوفد بالتراجع عن فكرة القوائم الموحدة واتجاهه لخوض الانتخابات منفردا قد أربك أحزاب المعارضة الأخرى، ففي أعقاب إعلان الوفد لقراره هذا، بادر رئيس حزب العمل الأستاذ إبراهيم شكري على الفور بالاتصال بجماعة الإخوان المسلمين، بل إنه ذهب لمقابلة الأستاذ محمد حامد أبو النصر المرشد العام للجماعة بمقر مجلة الدعوة – المحظورة منذ سبتمبر 1981) وعرض عليه فكرة التحالف بين جماعة الإخوان وحزب العمل على أن يخوض مرشحو الجماعة الانتخابات على قوائم الحزب، وقد قبل الإخوان ذلك، كما أن حزب الأحرار سعى بدوره للتنسيق مع حزب العمل والانضمام إلى التحالف الذي يضم العمل والإخوان، وبناء على ذلك عقد مممثلون عن الأطراف الثلاثة اجتماعا في مقر حزب العمل يوم السبت الموافق 14/ 2/ 1987، وذلك بهدف الاتفاق على الأسس والقواعد التي سيقوم عليها التحالف.

وقد كان مفوضا عن حزب العمل في هذا الاجتماع الأساتذة: إبراهيم شكري وأحمد مجاهد وممدوح قناوي وعبد الحميد بركات وجمال أسعد عبد الملاك وصالح عبد الله، ومثل حزب الأحرار الأساتذة مصطفى كامل مراد وصلاح أبو إسماعيل وأحمد السيد درويش وعبد الفتاح الشوربجي، بينما مثل جماعة الإخوان الأساتذة مأمون الهضيبي وصلاح شادي وعبد المنعم أبو الفتوح، وقد اتفق المجتمعون على عدد من المبادئ تتعلق بالتحالف بين الأطراف التي يمثلونها، من بينها:

أ – أن التحالف سيخوض الانتخابات على قوائم حزب العمل، التي يجب ألا تكون موضع مناقشة من قبل الإخوان وحزب الأحرار باعتبارهما شريكين في التحالف.

ب – أن الهدف النهائي للتحالف هو توسيع دائرة الحريات الديمقراطية وتصفية النظام الشمولي وتطبيق الشريعة الإسلامية.

ج – تشكيل لجنة مشتركة بين الأطراف الثلاثة للتوصل إلى اتفاق بشأن الأسس والقواعد التنظيمية التي سيتم على أساسها اختيار المرشحين وترتيب الأسماء في القوائم، والتنسيق بين مرشحي الأطراف المتحالفة للدوائر الفردية.

د – أن توزيع القوائم الانتخابية على الأطراف الثلاثة المتحالفة هو على النحو التالي (40%) لحزب العمل و (40%) للإخوان و (20%) لحزب الأحرار، على أن يتم توزيع رؤوس القوائم طبقا لهذه النسب.

هـ - أن الاتفاق على تشكيل تحالف بين الأطراف الثلاثة لا ينفي وجود بعض الاختلافات بينهم، ولذلك فإنه يجب توخي الحرص في الدعاية الانتخابية حتى لا يتمكن خصوم التحالف من استغلال ذلك في توسيع شقة الخلاف بين أطرافه على النحو الذي يؤثر سلبيا على النتائج التي يمكن أن يحققها التحالف في الانتخابات.

ومن المؤكد أن هذا الاجتماع الذي استغرق حوالي الساعتين وانتهى بأن قرأ المشاركون فيه الفاتحة لمباركة التحالف بين الأطراف الثلاثة، كان بمثابة الإعلان الرسمي عن قيام ما عرف – فيما بعد – بـ "التحالف الإسلامي" لأن جريدة الشعب عندما أعلنت عن قيام التآلف في بداية الأمر، صدرت ذلك بعنوان "حدث تاريخي: تحالف انتخابي بين العمل والإخوان والأحرار" وهي بذلك تكن قد حددت طبيعته باعتباره تحالفا انتخابيا، لكن استخدام الأطراف الثلاثة لتعبير "التحالف الإسلامي" فيما بعد، وشيوع هذا المفهوم على نطاق واسع وبخاصة خلال مرحلة الدعاية الانتخابية، إنما يدل على محورية مركز الإخوان ودورهم في التحالف، فضلا عن بروز قضية الشريعة الإسلامية – وكل ما يرتبط بها من قضايا فرعية – كقضية أساسية وحاكمة في الانتخابات، حيث شكلت هذه القضية محورا للاستقطاب الديني والسياسي والتنافس الانتخابي للأحزاب والقوى المشاركة فيها، وذلك على نحو ما سيتم توضيحه فيما بعد.

وبعد أن توصل الإخوان والعمل والأحرار إلى إبرام تحالف ثلاثي فيما بينهم، بادر الأستاذ إبراهيم شكري – رئيس حزب العمل بترتيب لقاء مع الأستاذ خالد محي الدين – رئيس حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، في مساء نفس اليوم الذي أعلن فيه قيام تحالف بين الأطراف الثلاثة (14/ 2/ 1987) وعرض عليه دخول التجمع في التحالف كشريك رابع إلى جانب العمل والأحرار والإخوان، على أن يقتسم حزبا العمل والتجمع نسبة الـ (40%) المخصصة لحزب العمل في قوائم التحالف، فيكون نصيب كل منهما (20%) من القوام ولم يبد رئيس حزب التجمع تحمسا لذلك، وانتهى الأمر بأن رفض حزب التجمع الدخول في التحالف وقرر خوض الانتخابات منفردا، وقد طرح مسئولو التجمع عدة أسباب لرفض دخول التحالف على قوائم حزب العمل:

أولها: رفض حزب التجمع لصيغة تآلفية "تكون سببا في الإضرار بالوحدة الوطنية أو دافعة للمزيد من التشاحن الطائفي .. أو استبعاد أحد عنصري الأمة" وهذا يعني ضمنا أن صيغة التحالف بين الأطراف الثلاثة تشكل من وجهة نظر حزب التجمع تهديدا للوحدة الوطنية، وذلك بسبب مشاركة الإخوان في التحالف مع ما يعنيه ذلك من إضفاء طابعا إسلاميا على التحالف وإثارة قضايا إسلامية مثل تطبيق الشريعة وغيرها بصورة حادة وجدية مما يزيد من احتمالات التشاحن الطائفي وتهديد الوحدة الوطنية، وسوف نعرض لهذا الأمر بالتفصيل عن رصد وتحليل مواقف الأحزاب والقوى السياسية من التحالف.

وثانيها: أن حزب التجمع لم يكن طرفا في صياغة الأسس والقواعد التي قام عليها التحالف، فالإخوان والعمل والأحرار نسقوا فيما بينهم وتوصلوا إلى اتفاق، وبعد ذلك راح الأستاذ إبراهيم شكري يعرض على التجمع نتائج ما توصلوا إليه، ومن هذا المنطلق يمكن القول بأن مبادرة الأستاذ إبراهيم شكري بدعوة حزب التجمع للانضمام إلى التحالف بعد إعلان قيامه، إنما ترجع إلى أمرين هامين :

الأول: أن نية الأطراف الثلاثة لم تكن متجهة منذ البداية لإشراك حزب التجمع في التحالف، وإلا فلماذا لم يتم عرض الأمر عليه قبل الاجتماع الذي عقده الأطراف الثلاثة في 14/ 2/ 1987 وأقروا فيه المبادئ العامة للتحالف؟ ولماذا لم تتم دعوته للمشاركة في هذا الاجتماع؟ ويبدو التبرير الذي طرحه الأستاذ إبراهيم شكري لعدم دعوة التجمع للمشاركة في الاجتماع الذي أقرت فيه الخطوط العريضة للتحالف بين الأطراف الثلاثة غير مقنع، حيث برر ذلك بأن الاجتماع لم يكن مرتبا له من قبل نظرا لتسارع التطورات والأحداث،

والثاني: أن مبادرة الأستاذ إبراهيم شكري بمفاتحة حزب التجمع بالانضمام إلى التحالف لا يستنتج منها أنه كان هناك اتفاق كامل بين الأطراف الثلاثة على قبول مشاركة التجمع في التحالف، وإذا كان الأمر غير ذلك فلماذا لم يتم تشكيل وفد يضم ممثلين عن الأطراف الثلاثة لبحث الأمر مع حزب التجمع؟ كما أن عرض الأستاذ إبراهيم شكري تضمن تنازل حزب العمل عن نصف الحصة المقررة في قوائم التحالف وهي (40%) لحزب التجمع، وذلك دون أي مساس بحصتي الطرفين الآخرين.

وثالثها: رفض حزب التجمع للنسبة التي عرضت عليه من قوائم التحالف في حالة مشاركته فيه، وهي (20%) فقد اعتبر الحزب التوزيع الرقمي للقوائم بين أطراف التحالف غير منطقي وغير واقعي، فنسبة (40%) للإخوان هي في تصور حزب التجمع أكبر من حجمهم الحقيقي، كما أن نسبة (20%) لحزب الأحرار الذي حصل في انتخابات 1984 على أقل من (1%) من مجموع أصوات الناخبين تبدو مجافية لحجم هذا الحزب ودوره في الشارع السياسي، وعلى هذا الأساس رفض حزب التجمع أن يشارك في تحالف تكون حصته من قوائمه الانتخابية (20%) فقط.

وبصفة عامة يمكن القول بأن نتيجة مبادرة الأستاذ إبراهيم شكري بدعوة التجمع للمشاركة في التحالف كانت معروفة سلفا، وبدا الأمر وكأن الأستاذ إبراهيم شكري تقدم بمبادرته لكي يرفضها حزب التجمع، فلم يكن من المتصور أن يقبل التجمع أن يشارك في تحالف رباعي تكون حصته في قوائمه الانتخابية نصف حصة الإخوان ومساوية لحصة حزب الأحرار، ناهيك عن التناقضات الفكرية والعقائدية العميقة بين الإخوان وحزب التجمع، وبالتالي فلا يمكن تصور أن يتحمس الإخوان لوجود التجمع في التحالف، وقد ظهر هذا الأمر حليا خلال فترة الدعاية الانتخابية على نحو ما سيرد ذكره فيما بعد.

أما بالنسبة لحزب الأمة، فإن أحدا لم يأخذه في الحسبان عند إجراء ترتيبات إبرام التحالف بين الإخوان والعمل والأحرار، كما أن أحدا لم يعرض على الحزب الانضمام إلى التحالف بعد الإعلان عن قيامه رسميا، وقد عبر الأستاذ أحمد الصباحي – رئيس الحزب عن هذا المعنى بقوله: "نحن كحزب الأمة لا نريد أن نتسول من أية أحزاب معارضة أخرى، وسندخل الانتخابات بقائمة حزب الأمة فقط ومرحبا بأي حزب للدخول تحت قوائمنا".

وجدير بالذكر أنه كانت هناك محاولة من قبل الإخوان لجذب الوفد الجديد إلى التحالف الثلاثي، وقد قال الأستاذ محمد حامد أبو النصر في هذا الصدد: "لقد ذهبت إلى سراج الدين عندما التقينا في العمل والأحرار، وقبل أن يذاع هذا الالتقاء حتى لا يفهم أحد أننا ندور على أحد أو ندبر لأحد، وقلت له: بأننا التقينا مع العمل والأحرار وجئت لك وأمل أن تكون رابعنا ونكون كلنا يدا واحدة، فقال: إن الوفد اتخذ قرارا بأن قوائمه ستكون من رجاله، وقد تمنينا لهذا الائتلاف الخير" وليس هناك شكا في أن نتيجة مبادرة المرشد العام للإخوان المسلمين بدعوة الوفد الجديد للانضمام إلى التحالف الثلاثي كانت محسومة سلفا، فليس من المتصور أن يتراجع الوفد عن قرار اتخذه في ظروف حساسة وحرجة لأن هذا سيضع مصداقية الحزب في الميزان، كما أن من غير المتصور أن ينضم الوفد الجديد غلى تحالف لم يشارك في صياغة قواعده ووضع أسسه، خاصة وأن الأستاذ أبو النصر لم يفصح عن مكونات العرض الذي قدمه للوفد في حالة قبوله الانضمام للتحالف الثلاثي، فهل التحالف سيكون على قوائم حزب العمل أم حزب الوفد؟ وما هي حصة حزب الوفد الجديد في قوائم التحالف في حالة تراجعه عن قراره؟ ... إلخ.

وقد كانت النتيجة – المنطقية التي ترتبت على تجاهل أطراف التحالف لحزب الأمة ورفض حزبي التجمع والوفد الجديد الانضمام إلى التحالف الثلاثي – وهو أمر كان في حكم المحسوم سلفا – أن أصبح التحالف مغلقا على أطرافه الثلاثة (الإخوان وحزبي العمل والأحرار)، وقد فسر الأستاذ إبراهيم شكري ذلك بقوله: "إن الله أراد ذلك فكان".

وفي ضوء التطورات السياسية التي أدت إلى انهيار محاولة تأسيس تحالف انتخابي كبير يضم جميع أحزاب وقوى المعارضة ويخوض الانتخابات بقوائم مشتركة، وذلك على أثر انسحاب حزب الوفد ورفضه لفكرة التحالف، واستنادا إلى الظروف والملابسات التي أحاطت بقيام "التحالف الإسلامي" بين الإخوان وحزبي العمل والأحرار، يمكن القول بأن انهيار محاولة إقامة تحالف يضم جميع أحزاب المعارضة قد أفادت بدون شك جماعة الإخوان المسلمين وذلك في ضوء عدة اعتبارات موضوعية منها ما يلي:

1 – على الرغم من أن الأستاذ إبراهيم شكري – رئيس حزب العمل – كان قد أشار في تصريحاته وأحاديثه الصحفية بأن قوائم التحالف الذي كان من المقرر تأسيسه بين أحزاب المعارضة كانت ستشمل أيضا القوى السياسية غير الممثلة في أحزاب ومنها الإخوان، وعلى الرغم من أن جماعة الإخوان قد شاركت في مؤتمر أحزاب المعارضة الذي عقد في 5 فبراير 1987، بل إن المرشد العام للجماعة الأستاذ محمد حامد أبو النصر قد بعث برسالة إلى المؤتمر، تم تلاوتها على المشاركين فيه، إلا أنه ليس هناك ما يدل على قيام الإخوان بدور مباشر – ولو محدود – في الاجتماعات والترتيبات التي تمت بين أحزاب المعارضة في أعقاب مؤتمر 5 فبراير 1987 لوضع الأسس والمبادئ لتنفيذ اقتراح دخول أحزاب المعارضة الانتخاب بقوائم موحدة تحت مظلة حزب الوفد، وهو الاقتراح الذي انهار بعد أن غير حزب الوفد موقفه بشأنه.

2 – أن توصيات مؤتمر أحزاب المعارضة الذي عقد في 5 فبراير 1987 والتي تمت الإشارة إليها سلفا مثلت حدا أدنى مشترك بين أحزاب وقوى المعارضة التي شاركت في المؤتمر، وبذلك يمكن اعتبارها أحد مرتكزات الدعوة لقيام تحالف انتخابي يضم كل أحزاب وقوى المعارضة، بل هي بمثابة الخطوط العريضة للبرنامج الانتخابي للتحالف في حالة قيامه، وجدير بالذكر أن هذه التوصيات لم تتضمن أي إشارة لموضوع تطبيق الشريعة الإسلامية، التي هي القضية الأولى بالنسبة للإخوان المسلمين ، وبالتالي فلو أن أحزاب وقوى المعارضة كانت قد نجحت في إقامة تحالف انتخابي بينها، حتى وإن ضم هذا التحالف الإخوان المسلمين، فقد كان من المتصور أن يتجاهل برنامجه الانتخابي قضية تطبيق الشريعة الإسلامية عن عمد أو على الأقل يجعلها في أحسن الأحوال قضية ثانوية وليس مركزية، وذلك لسبب بسيط وهو أنه لا يوجد إجماع بين القوى والأحزاب السياسية في مصر بشأن هذه القضية، بل هي تمثل مجالا للخلاف الفكري والاستقطاب السياسي والديني بينها، فعلى الرغم من أن أغلب الأحزاب والقوى السياسية لا تضع نفسها في خانة الرفض الصريح لتطبيق الشريعة الإسلامية، خاصة وأن الدستور المصري ينص على أن مبادئ الشريعة الإسلامي هي المصدر الرئيسي للتشريع، إلا أنها تطرح رؤى وتصورات متعددة لمفاهيم ومتطلبات وأساليب تطبيق الشريعة، وبذلك فإن تحالف أحزاب وقوى المعارضة في حالة قيامه كان سيركز على ما يجمع بين هذه الأحزاب والقوى وليس على ما يفرق بينها.

3 – أن حصة الإخوان في القوائم الانتخابية لتحالف انتخابي يضم أحزاب المعارضة بما فيها الوفد الجديد والعمل والتجمع وقوى سياسية أخرى غير متمثلة في أحزاب مثل الناصريين – قبل حصولهم على رخصة تأسيس حزب – والشيوعيين، كانت ستكون بالقطع محدودة، وهذا أمر طبيعي لأن القوائم الانتخابية للتحالف سيتم توزيعها على عدد أكبر من الأحزاب والقوى السياسية المشاركة فيه، كما أن مشاركة الإخوان في تحالف من هذا النوع لم يكن ليجعل منهم القوة الرئيسية أو المسيطرة فيه، خاصة في ظل وجود حزب الوفد الجديد الذي كان يتولى زعامة المعارضة البرلمانية في مجلس 1984، والذي كان من المقرر تشكيل التحالف باسمه وتحت مظلته، وهذا الأمر يختلف بالقطع عن مشاركة الإخوان في تحالف انتخابي محدود مع أحزاب صغيرة ومحدودة الفاعلية، ففي هذه الحالة يمكن للإخوان أن يحصلوا حصة أكبر من القوائم الانتخابية للتحالف من ناحية، بل وربما يكونوا القوة الرئيسية في التحالف والمحركة له من ناحية أخرى، فإلى أي حد استطاع الإخوان تحقيق ذلك بتحالفهم مع حزبي العمل والأحرار؟ .. سؤال ستجيب عليه الدراسة فيما بعد.

وتأسيسا على ما سبق، يمكن التأكيد على النتائج التالية:

أ – أن التحالف بين الإخوان المسلمين وحزبي العمل والأحرار لم يكن مستهدفا منذ البداية، بل هو ظهر على أثر انهيار فكرة تأسيس تحالف انتخابي يضم مختلف أحزاب وقوى المعارضة، ويخوض الانتخابات بقوائم موحدة تحت مظلة حزب الوفد الجديد، وذلك نتيجة لتراجع حزب الوفد الجديد عن الفكرة ورفضه لها.

ب – أن حزب العمل هو الذي أخذ زمام المبادرة وعرض الإخوان أن يتحالفوا معه ويخوض مرشحوهم الانتخابات على قوائمه، وقد وافق الإخوان على ذلك، كما قبل الطرفان مشاركة حزب الأحرار في التحالف.

وعلى الرغم من وجود مصلحة أكيدة للإخوان في التحالف مع حزب سياسي شرعي أو أكثر، إلا أن مسلك حزب العمل وإسراعه في الاتصال بالإخوان إنما يؤكد على أنه كان هو الأكثر حرصا على التحالف معهم – لاعتبارات وحسابات عديدة سوف نذكرها فيما بعد – باعتبارهم ورقة رابحة من وجهة نظره، فعدم التحالف مع الإخوان معناه أنه كان يتعين على الحزب أن يختار بين بديلين: إما أن يخوض الانتخابات منفردا على غرار ما فعل الوفد الجديد، أو يخوضها بالتحالف مع حزب أو أكثر من أحزاب المعارضة الأخرى، وجدير بالذكر أن كلا من البديلين السابقين لم يكن مضمون النتائج في ضوء خبرة انتخابات مايو 1984، بل وأكثر من هذا، فقد كان بعض أحزاب المعارضة من المحتمل أن تسارع الأخرى وتقدم عروضا أفضل للتحالف مع الإخوان، ومن هنا كان إسراع حزب العمل بإنجاز التحالف معهم.

ج – أن الاتفاق على صيغة التحالف بين العمل والأحرار والإخوان لم يستغرق وقتا طويلا، بل إن المبادئ الأساسية والخطوط العريضة للتحالف تم الاتفاق عليها في جلسة واحدة وهذا الأمر إنما يدل على وجود خلفيات سابقة للتحالف بين الأطراف الثلاثة بخاصة بين الإخوان والعمل من ناحية، وقبول العمل والأحرار بمطالب الإخوان أو على الأقل عدم حدوث خلافات كبيرة بين الأطراف المعنية بشأن هذه المطالب من ناحية أخرى وهي أمور سنتناولها بمزيد من التفاصيل فيما بعد.

د – أن تعبير "التحالف الإسلامي" لم يظهر مع بدايات إعلان التحالف بين الإخوان، وحزبي العمل والأحرار، بل تم الإعلان عنه بمسمى "تحالف انتخابي" بينما تعبير "التحالف الإسلامي" ظهر في مرحلة تالية مع إعلان البرنامج الانتخابي للتحالف وخوض غمار الحملة الانتخابية، وقد شاع هذا التعبير، وأصبح هو التسمية المتعارف عليها للتحالف بين الإخوان والعمل والأحرار، وهذا الأمر إنما يدل – ضمن أمور أخرى – على حقيقة وأن جماعة الإخوان المسلمين في التحالف.

هـ - أن صيغة اتفاق التحالف بين الإخوان والعمل والأحرار وضعت في شكل جعل منها صيغة مغلقة، وفي ظل هذه الصيغة فإن نتائج المحاولات التي بذلت لجذب حزبي الوفد الجديد (من قبل الإخوان) والتجمع (من قبل حزب العمل) إلى التحالف كانت محسومة سلفا، كما أن أطراف التحالف تجاهلوا حزب الأمة من حيث المبدأ، ولذلك فلم ينظم أي حزب أو قوة سياسية أخرى إلى التحالف.

و – أن انهيار محاولة تأسيس تحالف يضم كل أحزاب وقوى المعارضة على قوائم حزب الوفد قد شكل عنصرا إيجابيا بالنسبة للإخوان، فبدلا من أن يشاركوا في تحالف كبير – في حالة قبول جميع أطرافه الفاعلة مشاركة الإخوان – تكون حصتهم فيه محدودة وكذلك دورهم، شاركوا تحالف أصغر وحصلوا على (40%) من قوائمه الانتخابية، بل وكانوا بمثابة القوة المحركة لهذا التحالف على نحو ما سيتضح فيما بعد.

المبحث الثاني: التحالف الإسلامي بين المبررات المعلنة والدوافع الحقيقية

الهدف من هذا المبحث هو رصد أهم المبررات التي أعلنها كل طرف من أطراف التحالف الثلاثة (العمل والأحرار والإخوان) للمشاركة في التحالف، فضلا عن تحليل بعض الخلفيات والدوافع والحسابات غير المعلنة التي حكمت مواقف الأطراف الثلاثة.

ومن خلال القراءة التحليلية لمعظم المقالات والخطب والبيانات والتصريحات الصادرة عن بعض قادة ورموز أطراف التحالف الثلاثة منذ منتصف فبراير من العام 1987 حتى نهاية أبريل من نفس العام، وهي الفترة التي شهدت الزخم الحقيقي للمعركة الانتخابية، يمكن القول بأن المسوغات التي طرحها الأطراف الثلاثة لتبرير التحالف بينهم قد تبلورت حول محورين أساسيين:

أولهما: وجود قواسم مشتركة بين الأطراف الثلاثة من حيث التوجهات الفكرية والأهداف السياسية.

وثانيهما: مواجهة القيود والعقبات التي كان يفرضها قانون الانتخابات (القانون رقم 188 لسنة 1986) على أحزاب وقوى المعارضة، والتصدي للضغوط التي تمارسها الحكومة والحزب الوطني ضد المعارضة.

وفيما يلي بعض التفاصيل لما سبق إجماله:

أولا حزب العمل:

أكد الأستاذ إبراهيم شكري – رئيس حزب العمل وغيره من العناصر القيادية في أكثر من مناسبة على أن التحالف بين حزب العمل والإخوان هو أمر طبيعي، وذلك نظرا لوجود أرضية مشتركة تجمع بينهما من حيث التوجهات الفكرية والاهداف العامة، وذلك طبقا للحقائق والمعطيات التالية:

1 – وجود اتفاق كبير بين مبادئ حركة مصر الفتاة – التي يعتبر حزب العمل وريثها والامتداد الطبيعي لها – ومبادئ جماعة الإخوان المسلمين في مرحلة ما قبل الثورة، وهو الأمر الذي يؤكد عمق العلاقات التاريخية بين الحركتين، ومن هنا فقد سعى قادة حزب العمل إلى التقليل من شأن الاختلافات الفكرية والسياسية الحادة التي ظهرت بين حركة مصر الفتاة وجماعة الإخوان المسلمين في بعض الفترات، يقول الأستاذ إبراهيم شكري – رئيس حزب العمل: "إن حركة مصر الفتاة دعت في يوم ما إلى تحطيم الحانات وإلغاء البغاء والدعوة إلى الأخلاق والفضيلة، وأن ذات الأهداف كان الإخوان يدعون إليها وكان تواجدهم المؤثر على الساحة في هذا الوقت ... إن تاريخ العلاقة بين الإخوان والعمل يرجع إلى الدعوة التي سبق أن وجهها المرحوم أحمد حسين مؤسس حركة مصر الفتاة للشهيد حسن البنا بتوحيد الحركتين في إطار واحد، ولكن هذا لم يتم لعدم موافقة الشهيد حسن البنا في هذا الوقت على ذلك .. وبالرغم من توازي الحركتين فقد كان لهما أن تصطدما في بعض الأحيان نتيجة تنافسهما على الساحة وكذلك محاولة كسب ثقة الشباب .. ولكن هذا لا يمنع من أن هناك اتفاقا مشتركا بيننا وبينهم على الكثير من الأمور".

2 – على الرغم من الأستاذ أحمد حسين – مؤسس حركة مصر الفتاة التي يعتبر حزب العمل وريثها وامتدادا لها كان قد نادى بالإشتراكية العلمية في بعض الفترات مما أوجد خصومة فكرية بين مصر الفتاة والإخوان المسلمين، إلا أن الرجل عدل عن هذا الاتجاه تماما في أواخر حياته، بل وأصبح رائدا من رواد الفكر الإسلامي المعاصر، حيث اجتهد في تقديم تفسير لبعض سور القرآن الكريم، وقد ظهر هذا التفسير في أربعة مجلدات عن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية التابع لوزارة الأوقاف المصرية، هذا وقد اعترف الأستاذ أحمد حسين بهذا التحول صراحة في مقالة طويلة نشرها بمجلة الاعتصام في عدد فبراير 1987 تحت عنوان "إني أعترف" وقال فيها: "وبعد فإذا كانت الأعمار بيد الله ولكل أجل كتاب فالشيء المحقق في أخريات حياتي، وقد كانت حياتي كلها من أجل مصر ومجدها وشعب مصر وخيره، ولقد دعوت إلى الإشتراكية عندما تصورت أنها قد تكون علاجا لما نشكو منه، واليوم بعد أن قمنا بالتجربة فساءت أحوالنا إلى القدر الذي يشكو منه الشباب، فإن واجب علي أن أعلن أن الإشتراكية هي التي انتهت بنا إلى ما انتهينا إليه، والآن فلنرفعها عالية مدوية: إسلام وعدالة اجتماعية وليس اشتراكية"، وضمن مقالته بعد ذلك جملة من الأصول والمبادئ الإسلامية التي يتعين الالتزام بها وتطبيقها باعتبارها تمثل أسسا صالحة لمواجهة المشكلات والتحديات التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية، ويتفق ما طرحه الأستاذ أحمد حسين في هذه المقالة مع المبادئ والأفكار التي نادى – وينادي بها الإخوان المسلمون.

3 – أن التوجه الإسلامي هو توجه أصيل لحزب العمل منذ تأسيسه، وقد قال الأستاذ إبراهيم شكري في هذا الصدد: "إنني عندما دعوت إلى حزب العمل كان توجهي بالفعل أن يكون اسمه: "حزب العمل الإسلامي، ولكنني وجدت في القانون ما يمنع ذلك تماما، ولهذا اخترنا اسم حزب العمل الاشتراكي على اعتبار أن آخر صورة للحزب قبل الثورة هي "حزب مصر الاشتراكي .. وكان لا بد أن أربط بين الماضي والحاضر". وفي إطار تأكيد علاقة الحزب بالإخوان منذ البداية أشار الأستاذ إبراهيم شكري إلى "أن حزب العمل بدأ نشاطه في عام 1978 باستقبال الأستاذ عمر التلمساني في بداية ظهوره في المجتمعات العامة، ومن خلال جريدة الشعب تتابعت كتابات ومحاضرات الأستاذ محمد المسماري .. وفي مجلس الشعب حاولنا نواب حزب العمل – الذين عينوا بقرار من الرئيس مبارك في مجلس 1984 – ومجموعة الإخوان أن نجمع التوقيعات على اقتراح بقانون تطبيق الشريعة الإسلامية لولا أن خزلنا الآخرين.

4 – التأكيد على عدم وجود تعارض بين الإشتراكية التي يدعو إليها حزب العمل وبين الإسلام، وقد قال الأستاذ إبراهيم شكري بهذا الخصوص: "الإشتراكية التي نعرفها والتي ننشدها هي النابعة من ديننا .. من تاريخنا .. ومن واقعنا". وقد كان الهدف من ذلك بالطبع هو الرد على سؤال كبير طرحه البعض منذ بداية الإعلان عن التحالف مفاده: ما هو الجامع الفكري الذي يمكن أن يجمع بين حزب العمل وجماعة الإخوان المسلمين رغم التناقضات الفكرية التي بينهما، فالأول حزب سياسي يتخذ من الإشتراكية منهجا فكريا له، والثانية جماعة إسلامية مسيسة تعمل من أجل تطبق الشريعة وإقامة الدولة الإسلامية؟

5 – أن حزب العمل هو أول حزب طالب بتطبيق الشريعة الإسلامية منذ تأسيسه في عام 1978، وقد نص البرنامج الأساسي للحزب الصادر في العام نفسه على أن "الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع في الدولة ولا يجوز أن تتضمن القوانين ما يخالف الشريعة الإسلامية"، وبالإضافة إلى ذلك، فإن "برنامج الحزب يتضمن نقاطا كثيرة تتفق مع دعوة الإخوان المسلمين".

6 – أن حزب العمل طالب في برنامجه الانتخابي في انتخابات 1984 بتطبيق الشريعة الإسلامية – رغم أنه لم يكن متحالفا مع الإخوان في تلك الانتخابات – بما يتضمنه ذلك من ضرورة "المبادرة بإصدار التشريعات الوطنية التي تم مراجعتها في لجان مجلس الشعب للتأكد من مطابقتها لأحكام الشريعة الإسلامية وإتمام مراجعة بقية القوانين الوضعية على أساس أحكام الشريعة .. والإسراع في بناء المجتمع بناءا مسايرا لما تقضي به الشريعة .. والتأكد من توفير الأمان والعدالة لغير المسلمين من المواطنين في ظل الشريعة الإسلامية .. وتطبيق الحدود التي جاء بها القرآن الكريم باعتبارها أحكاما إلهية لضمان الالتزام بتعاليم الإسلام في المجتمع".

7 – أنه في أعقاب انتخابات 1984 تصاعد وزن التيار الإسلامي داخل حزب العمل بشكل واضح، وقد تجلى ذلك في مظاهر عديدة منها: إفساح مساحات أوسع في جريدة حزب العمل "الشعب" لنشر مقالات نخبة من رموز وقيادات حركة الإخوان المسلمين، وإحداث تغيير جوهري في رئاسة تحرير الجريدة، حيث حل الأستاذ عادل حسين المعروف بتوجهاته الإسلامية – التي تبناها بعد أن تخلى عن الفكر الماركسي – محل الأستاذ حامد زيدان في هذا المنصب، وهو ما يعكس حرص الحزب على دعم جسور وقنوات الاتصال مع