الإخوان المسلمون والمؤامرة على سوريا

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخوان المسلمون والمؤامرة على سوريا


للأستاذ/ جابر رزق

إهداء

إلي روح الشهيد مروان حديد....

وإلى إخوانه شباب سوريا المجاهدين السائرين على دربه .. إليكم يا أحبابي أهدي هذا الكتاب

جابر رزق

اعتراف

( كان انقلاب حسني الزعيم يوم 30 آذار ( مارس) 1949 من إعدادنا وتخطيطا . فقد قام فريق العمل السياسي بإدارة الميجر ميد بإنشاء علاقات صداقة منظمة مع حسني الزعيم الذي كان رئيسا لأركان الجيش السوري . ومن خلال هذه الصداقة أوحي الميجر ميد حسني الزعيم بفكرة القيام بانقلاب عسكري اضطلعنا - نحن فى السفارة- بمهمة وضع كامل خطته وإثبات كافة التفصيلات المعقدة إلا أن تحركاتنا هذه لم تثر أى شكوك عند الساسة السوريين فقد كانت كلها سرية ومتقنة الوضع والتخطيط . وأثارت هذه الشكوك – فيما بعد – فضول رجال الصحافة الغربيين وفئات من الطلبة فقاموا بإجراء مقابلات مع من كان لهم ضلع فى العملية كما قاموا بفحص الوثائق التي لها صلة بالموضوع . وكانت نتيجة ذلك أن اعترفوا بصحة شكوك الساسة السوريين ودقتها بيد أن الانقلاب حافظ على صبغة سورية محضة أمام أنظار العامل الخارجي إلى أن بدأت الروائح تفوح منه وأخذت الألسن تتناقل أن حسني الزعيم ليس أكثر من مجرد صبي من صبيان الأمريكان ) .

مايلز كوبلاند

رجل المخابرات الأمريكية

(لعبة الأمم)

المقدمة

لا تزال القوي المعادية للإسلام الحاقدة على المسلمين تدعم النظام النصيري المتسلط بالقهر والإرهاب على رقاب الشعب السوري ولا يزال موقف الإعلام العربي وغير العربي هو موقف التعتيم والتجاهل لما يقع من أحداث داخل الشعب السوري وما ينشر من أحداث تقع داخل سوريا ما هو إلا القليل النادر مما لم يستطع النظام البعثي الطائفي إخفاءه !!

فمنذ أن استولي حرب البعث النصراني – النصيري ( نسبة إلأى مؤسسيه ميشيل عفلق النصراني وزكي الأرسوزي النصيري ) على سلطة الدولة فى سوريا والشعب السوري يعيش داخل سجن كبير قوامه الإرهاب والاضطهاد والتشريد والمطاردة والتقتيل والتعذيب والسجن والاعتقال والاعتداء على الأعراض .

وقد ازداد العسف والإرهاب والظلم والإستبداد بعد أن انفردت الطائفة النصيرية بالحكم على يد أبنها الخائن العميل الذي سلم الجولان لليهود رخيصة سهلة الفريق حافظ الأسد الذى مكن من حكم سوريا مكأفأة له على تسليم الجولان فقام بتصفية حزب البعث من كل الأعضاء الذين ليسوا من طائفته العلوية النصيرية ومكن الأفراد طائفته وقلدهم المراكز الرئيسية فى جميع أجهزة الدولة والجيش وأنشأ منهم قوات خاصة ( سرايا الدفاع ) وسلحها أحسن تسليح وجعل على رأسها أخاه السفاح رفعت الأسد . وقد أفرغ نظام الأسد النصيري العميل كل حقده ضد الإسلام والمسلمين فى سوريا حافظ الأسد النصيري العميل كل حقده ضد الإسلام والمسلمين فى سوريا وبذل كل جهده فى تدمير الشخصية الإسلامية بكل ما أوتي من خبث وكيد ,واستعمل أخس الأساليب فى القضاء على على العناصر الإسلامية من الشباب والشابات ولم يراع فى لذك إلا ولا ذمة ... ومنذ توليه السلطة بعد هزيمة الخيانة بعام واحد وهو يلاحق ( الإسلاميين) بضراوة ووحشية لا تقل عن ضراوة ووحشية اليهود إن لم تفقها !! وقد اتسعت رقعة ( الإسلاميين ) فى نظر حافظ الأسد وطائفته النصيرية الحاقدة فلم تقتصر على ( الإخوان المسلمين) بل أصبح حافظ الأسد وطائفته فى مواجهة ضارية مع الشعب السوري السني كله الذي يمثل أكثر من 90% من أفراد الشعب .

وقد تصدي الشعب السوري المسلم للحكم الإرهابي النصيري وعقد العزم على تصفيته وتصفية العناصر الطاغية الفاجرة من الطائفة النصيرية المتسلطة وجهاد الشعب السوري للحكم البعثي بصفة عامة وللنصيريين بصفة خاصة لم يتوقف رغم جسامه التضحيات , وقد تصاعدت الأحداث خلال الشهور الستة الأخيرة حتى أصبحت أشبه بالحرب الأهلية التي تدور بين أقلية متسلطة بالقهر والإرهاب وأغلبية مقهور مستهدفة للقتل والتعذيب والتشريد والسجن والاضطهاد والشنق على أعواد المشانق !!.

ورغم تصاعد الأحداث بين الطائقية النصيرية الحاكمة والتي لا تزيد عن 10%من الشعب السوري وبين بقية الشعب السوري المسلم السني إلا من هناك تواطوا وتعتيما على ما يقع من أحداث ولولا حادث مدرسة المدفعية فى مدينة حلب الذي وقع منذ أكثر من شهرين وقتل فيه 270 طالبا كلهم من الطائفة النصيرية بيد أحد أعضاء حزب البعث لما سمع العامل شيئا عن المذابح التي يقيمها النظام البعثي النصيري للشباب السوري المسلم. ومنذ هذا الحادث وبعد أن قام النظام الحاكم بإعدام ثمانية عشر شابا مسلما على أعواد المشانق انتقاما من الشعب السوري المسلم فيهم رغم أنهم كانوا داخل السجن ولا علاقة لهم بالحادث ارتفعت درجة المواجهة بين الشعب السوري المسلم وبين النظام النصيري الحاكم فلا يكاد يمر يوم أو أسبوع إلا ويغتال الشعب السوري زعماء الطائفة النصيرية ... ورغم هذه الأحداث إلا أن وسائل الإعلام العربية وغير العربية تقف صامتة صمتا مريبا إن دل على شئ فإنما يدل على العمالة والتبعية والذيلية للقوي المعادية للإسلام !!.

وإسهاما منا فى هدم جدار الصمت هذا الذي يشترك فى إقامته مع النظام النصيري الإرهابي فى سوريا معظم النظم العربية والأغلبية الساحقة للإعلام العربي والعالمي أردنا أن نكشف عن حقيقة حزب البعث العميل وعن دوره فى المؤامرة على الأمة العربية والإسلامية بصفة عامة وعلى الشعب السوري المسلم بصفة خاصة حتي نفضح هؤلاء الخونة الذين ابتليت بهم أمتنا ولا يزالون يعيثون فيها فسادا .

وفى نفس الوقت نلقي قبسا من الضوء على جهاد الشعب السوري المسلم فى سبيل التحرر من جلادية وحكامه الخونة لعل الشعوب المقهورة الشقيقة للشعب السوري ويحكمها حكام عملاء وخونة وتحركهم نفس القوي التي تحرك الخائن حافظ الأسد لعل هذه الشعوب تقتدي بجهاد الشعب السوري فتنهب هى الأخري من غفلتها لتجاهد ضد حكامها العملاء الذين باعوها بثمن بخس ورضوا أن يكونوا عملاء للشرق أو للغرب ما داموا مسلطين بالقهر على رقاب الشعوب.

لك الله يا شعب سوريا المسلم .

والله معكم يا سباب الإسلام المجاهدين .

" يؤتكم أجوركم ولا يلتكم أعمالكم "

جابر

جذور ... المؤامرة!!

منذ أن عقد المؤتمر الصهيوني الأول فى مدينة بازل بسويسرا سنة 1898 وقرر إقامة وطن قومي لليهود فى فلسطين المسلمة وعلى حساب الأمة الإسلامية والدول الكبري ترميم سياستها وتخطط إستراتيجيتها بما يحقق هذا ( الحلم اليهودي) لا فرق فى هذا بين استعماريين قدامي أو استعماريين جدد ولا بين شرق شيوعي أو غرب رأسمالي صليبي فالجميع لم يتفقوا على شئ أكثر مما اتفقوا على إقامة هذا الكيان الصهيوني السرطاني فى قلب الأمة المسلمة وضمان وجوده .

من أجل هذا حيكت المؤامرات ودبرت المكائد للشعوب الإسلامية وكانت الضربة القاضية موجهة إلى إسقاط دولة الخلافة التي كانت بمثابة السد المانع أمام الاجتياح الصليبي للوطن الإسلامي الكبير وتعاونت الصليبية الحاقدة مع اليهودية الماكرة فى القضاء على دولة الخلافة فالقضية الحيوية الأولي بالنسبة للإنجليز – الممثلين للصليبية وقتئذ – كانت تنحصر فى هدم مقام الخلافة الإسلامية التى كان لها على الدوام تأثير روحي ومعنوي ملحوظ – بالرغم من الضعف الذي أصاب هذا التأثير من الناحية السياسية – على جميع المسلمين الذين كانوا يمثلون الأكثرية فى مستعمرات الأمبراطورية الإنجليزية – الإستعمار القديم – التي لم تكن الشمس تغيب عنها ... وكانت فرصة هذا الهدم والقدرة عليه قد انتقلت إلى يد مصطفي أتاتورك وهيئ مسرح الأحداث ليقوم البطل !! المزيف مصطفي كمال أتاتورك بالدور الذي رسمته له الصليبية واليهودية ليحقق ( المنية ) التي ملكت على أ‘داء الإسلام كل قلوبهم وكانت من بين شروط معاهدة ( لوزان) التي كانت بمثابة الصفقة الخاسرة التي يتبع فيها الإسلام بثمن بخس !! يقول صاحب كتاب الرجل الصنم كمال أتاتورك : إن معاهدة لوطن قلمت أظافره وقصت أجنحته مقابل التضحية بالإسلام . وقد وضعت مجلة ( بيوك دوغو) فى سنة 1950 وكذلك كتاب ( معاهدة لوزان... انتصار أم هزيمة) فى سنة 1958 هذه الحقيقة المرعبة أمام الأنظار .

وما أشبه الليلة بالبارحة . فبالأمس كان الوسيط بين العميل الخائن أتاتورك وبين الصليبية هو الحاخام حاييم ناحوم واليوم الوسيط بين الصهيوينة العالمية وبين العرب هو القس كارتر!!.

لقد حقق أتاتورك حلم الصليبية واليهودية بإلغائه الخلافة الإسلامية وسلخ الشعب التركي المسلم من الأمة الإسلامية وألغي الإسلام وطارد كل ما يمثله من الناس والأشياء والقيم !!.

وصار ( البطل المغوار) مصطفي كمال الأنموذج الأمثل لكل حاكم عربي يمكن من الحكم فى أي بلد إسلامي !!.

وانطوت صفحة الاستعمار القديم بعد الحرب العالمية الثانية وفتحت صفحة الاستعمار الحديث مع بداية الخمسينات وحلت أمريكا محل الإمبراطوريات القديمة – الإنجليزية والفرنسية – كزعيمة للصليبية العالمية وأخلت التعديلات اللازمة على شخصية ( البطل النموذج) بما يتناسب والمتغيرات الدولية وبدأت سلسلة الانقلابات العسكرية التي دبرتها المخابرات الأمريكية المركزية فى بلدان الوطن الإسلامي والتي أحدثت زلزالا سبب الكثير من الإنهيارات فى كيان الأمة الإسلامية بل إن المأساة التى تعيشها اليوم الأمة الإسلامية بصفة عامة والمسلمون العرب بصفة خاصة هى المحصلة لهذه السلسلة من الانقلابات العسكرية التي دبرتها المخابرات الأمريكية !!.

ولقد كانت سوريا أكثر البلدان العربية الإسلامية إصابة بالنكبات وتعرضا للبلايا والمحن خلال تلك الحقبة السوداء التي أعقبت الحرب العالمية الثانية حيث كانت مسرحا لسلسلة من الانقلابات العسكرية التي لم يشهد مثلها أى بلد آخر بل لقد بدأت لقد بدأت تجربة الانقلابات العسكرية التي دبرتها المخابرات الأمريكية المركزية فى سوريا بانقلاب حسني الزعيم ولا تزال هذه السلسلة من الانقلابات مستمرة حتي اليوم !!..

والمتصفح لتاريخ سوريا الحديث منذ استقلالها وحتي اليوم يروعه كثرة الانقلابات العسكرية والتصفيات بين كبار الضباط وبالذات بين العناصر الوطنية الشريفة . ولقد بلغ عدد هذه الانقلابات الظاهرة التي وقعت فى سوريا وتغيرت أنظمة وأشخاص الحكم نتيجة لها عشرة انقلابات كانت على التوالي :

1- انقلاب حسني الزعيم الذي كان بمثابة التجربة الأولي للمخابرات الأمريكية فى 30 آذار ( مارس ) سنة 1949.

2- انقلاب سامي الحناوي فى 14/8/ 1949.

3- انقلاب أديب الشيشكلي فى 29 تشرين الثاني ( نوفمبر) سنة 1951.

4- الانقلاب ضد أديب الشيشكلي فى 25 شباط ( فبراير ) سنة 1954.

وجاء بعده وضع ديمقراطي دستوري بدأت فيه مقدمات سيطرة اليسار على الحكم .

5- الانقلاب العسكري البطئ الصامت الذي توج بإعلان الوحدة فى 23 / 2/1958.

6- انقلاب الثامن والعشرين من أيلول ( سبتمبر) عام 1961 وكان الانفصال نتيجة له وجاء بعده وضع ديمقراطي دستوري كان لليمين فيه سيطرة ظاهرية بينما بقيت السيطرة الحقيقية فيه للقوي اليسارية.

7- انقلاب 28 آذار ( مارس) عام 1962 وقد أبدل حكومة بأخري ولكن موقف القوي اليسارية ازداد بعده قوة وخطرا .


8- انقلاب 8 أذار ( مارس) عام 1963 وجاء على أثره نظام الحكم التركيبة الذي ضم حزب البعث والحريري والناصريين .


9- انقلاب 23 شباط ( فبراير) عام 1966 الذي أبدل أشخاصا وفئات بغيرها ضمن إطار حزب البعث ولكن كانت النتيجة ازدياد سيطرة اليسار المتطرف يتخفي وراءه العنصر الطائفي المتعصب.

10- محاولة انقلاب 8 أيلول ( سبتمبر) عام 1966 الفاشلة والتي كان من نتائجها إبعاد فئة معينة ن حزب البعث هي الفئة الدرزية التي يمثلها سليم حاطوم وطلال أبو عسلي .

أما العصيانات والتحركات السرية التي لعبت أدوارا لا تقل خطورة عن الانقلابات الظاهرة فهي كثيرة كان من أهمها :

1- عصيان البعثيين فى قطنا فى آذار عام 1957 وكان من نتيجته تقاسم المناصب الخطيرة فى الجيش بين البعثيين وخصومهم.

2- الانقلاب الأبيض فى 17 آب( أغسطس) عام 1957 والذى أخرج بموجبه عدد من الضباط ذوي الرتب الكبيرة أمثال العقداء ( عمر قباني, سهيل العشي, حسن العابد, هشام السمان) ثم أقام الزعيم توفيق نظام الدين ثم اختتم برفع الشيوعي العقيد عفيف البزري إلى منصب رئاسة الأركان العامة بعد ترقيته إلى رتبة اللواء .


3- عصيان حمص فى نيسان ( أبريل ) عام 1963 الذي أسفر عن إخراج عبد الكريم النحلاوي وعدد ن زملائه خارج البلاد ثم سرحوا من الجيش ثم أعقبه بعد أيام عصيان حلب بزعامة العقيد جاسم علوان وقتل خلاله أربعة ضباط ثم فشل العصيان وأحيل العصاة إلى المحاكمة .

4- عصيان 13 / 1/ 1963 الذى قام به عدد من أنصار عبد الكريم النحوى ملغومين بعناصر من أنصار القاهرة وكان من نتائج هذا العصيان أن فشل ودخل قادته السجن وخلا طريق دمشق أمام زياد الحريري وشركائه فى المؤامرة ليقوموا باننقلابهم فى 8 آذار ( مايو) عام 1963.

5- محاولة الانقلاب المعروفة ب(18 تموز) التي قام بها الناصريون ففشلت وكان من نتائجها استقالة رئيس الدولة يومذاك الفريق – لؤى الأناسي وتصفية عدد كبير جدا ن أنصار القاهرة وإعدام سبعة وعشرين شخصا كان أشهرهم العقيد هشام شيب والنقيب ممدوح رشيد الذي ذهب ظلما دونما ذنب اقترفه والمساعد البحري كلشي وعدد من الفدائيين الفلسطينيين .

6- سلسلة من العصيانات المحدودة تمت خلال عهد حزب البعث فى سوريا وأسفرت عن تصفيات كثيرة كان أهمها طرد اللواء أحمد سوديداني من قيادة الجيش ثم هربه من سوريا ملاحقا وكان ذلك فى عام 1968 بعد تسلمي الجولان لليهود .

7- وأخيرا حركة الفريق حافظ الأسد التي جرت خلال نيسان ( أبريل ) عام 1969 والتي أسفرت عن نتائج خطيرة لم تظهر آثارها الحاسمة بعد.

أما التصفيات المتعاقبة بالقتل أو الطرد أو المحاكمة أو التشريد التي تمت خلال هذه المدة الطويلة فقد كانت كثيرة جدا ولكن أهمها :

1- مقتل العقيد الطيار محمد ناصر قائد القوي الجوية السورية بتاريخ 31 تموز عام 1950 وقد كان من أكبر منافسي الشيشكلي على السلطة .

2- إخراج العقيد إبراهيم الحسيني من الجيش ثم من البلاد بأوامر من الزعيم أديب الشيشكلي فى عام 1952.

3- تصفية أنصار أديب الشيشكلي بعد الانقلاب عله وكان من أبرزهم الزعيم خان ترم والرئيس عبد الحق شحادة .

4- مقتل العقيد عدنان المالكي فى 22 نيسان ( أبريل ) عام 1955 بتدبير من الحزب القومي السوري .

5- تصفية العسكريين من الذين اتهموا بالصلة أو الانتساب إلى الحزب القومي السوري الاجتماعي فى عام 1955 وبعد مقتل العقيد عدنان المالكي ومن أبرزهم المقدم غسان جديد ( شفيق صلاح جديد)

6- تسريح عدد ن الضباط فى ( تموز – آب) عام 1957 بعد اتهامهم – ولم يحاكموا – بالإعداد لانقلاب يعيد الشيشكلي والحسيني إلى الحكم وكن من أبرزهم العقداء ( عمر القباني , سهيل العشي, حسن العابد , هشام السمان , واللواء طالب الداغستاني والزعيم فيصل الأناسي).

7- مقتل الملازم أزل بدر الدين حيدر بتدبير من البعثي عدنان حمدون لأنه كان شوكة فى حلوق الضباط البعثيين وكان ذلك فى عام 1957.

8- سلسلة طويلة من التصفيات بالتسريح أو التقاعد أو النقل إلى الدوائر المدنية – قامت بها سلطات الوحدة وشملت عددا من الضباط والعسكريين الآخرين – الشيوعيين والقوميين السوريين والبعثيين والأكراد . وبلغ مجموعهم ما لا يقل عن ستمائه ضابط وعدد أقل من ضباط الصف والجنود المحترفين .

9- تسريح عدد من الضباط الموالين للقاهرة خلال حكم الانفصال بلغ عددهم العشرة او يزيد قليلا وكان من أبرزهم قائد الجيش جمال فيصل واللواء محمد الجراح والعقيد جاسم علوان والعميد حكمت الداية والعقيد استانبولي الذى كان مديرا للمخابرات العسكرية .


10- تسريح 63 ضابطا خلال عهد الانفصال أيضا ( أوائل عام 1962 على وجه التقريب ) كان أكثرهم من كبار ضباط حزب البعث وكان فيهم صلاح جديد وعبد الكريم الجندي وحافظ الأسد ومحمد عمران .

11- سلسلة طويلة جدا من قرارات التسريح والسجن والمحاكمة والإعدام والقتل سرا شملت أكثر من 85% من ضباط وعناصر الجيش تمت منذ قيام حكم 8 آذار ( مايو ) وحتي تسليم الجولان بل كانت أحد أسباب تسليم الجولان سنة 1967 .

دور البعث فى المؤامرة!!

لعب حزب البعث العربي الاشتراكي الدور الرئيسي فى تنفيذ المخطط الإمبريالي الصليبي والصهيوني فى سوريا وعلى مستوي الأمة العربية . ولا غرابة فى هذا لأن نشأة الحزب كانت بمثابة البذرة النكدة التي أنبتت الشجرة الخبيئة التي أعطت الثمرة المرة التي أودت بالأمة العربية فى الهوة السحيقة بعد هزيمة الخيانة فى يونيو سنة 1967.

لقد أسس حزب البعث رجلان اثنان : أحدهما ( نصيري) من لواء الإسكندرونة اسمه زكي الأرسوزي وأحد أقطاب حزب البعث السوري الأرسوزي :

( كان الأستاذ الأرسوزي يتحدث كثيرا عن المسيح ... ويري الجاهلية مثله الأعلي يسميها المرحلة الذهبية .... بل ذهب إلى ابعد من هذا فتنبئ ما كان جاهليا فى الإسلام فقط).

ويقول :

( ناقشته سنة 1946 بالقرآن فعاب على نزعتي الدينية قائلا : أنت راهب فى ثياب ثوري ( اعترضت قائلا  إن الإيمان بالأفكار هو ديني الملامح) فأجاب : ( إن الثورة نفسها إيمان صوفي) وجدت فى الحديث أنه لم يقرأ حتي إذ القرآن قراءة جدية .. وقد لا يعلم كثيرون أنه بدأ يدرس العربية سنة 1940 وكان يفصل الحديث قبل ذلك بالفرنسية !!

ويقول سامي الجندي رفيق ميشيل عفلق عن عفلق :( عفلق شخصية متناقضة عقدها أنه قوي وشعيف وهو إلى ذلك عنيد يتثبث برأيه إلا إذا عرف محدثه كيف يدخل إلى قلبه فيستسلم وينسي ويحب , إذا أهين حق) .

ويضيف سامي الجندي :( سمعت من الأعضاء – أعضاء حزب البعث – من يقول : إ، ميشيل عفلق جاسوس إنجليزي والحوراني جاسوس فرنسي والبيطار جاسوس لأكثر من دولة ... أما عن إشاعات السرقات والاتهامات الأخلاقية فحدث ولا حرج )

وكان عفلق قبل تأسيسه لحزب البعث أمينا للحزب الشيوعي فى لبنان .

وقد انضم الأرسوزي إلى ناد للأرثورذكس وانتخب رئيسا للنادي بالإجماع حيث حل الشماس ملايثوس الذي أصبح أسقفا فيما بعد وقد درس فى مدرسة ( اللاييك) ببيروت لينشأ على عين المبشرين ويتعلم اللغة الفرنسية كما أراد له أبوه وعينه الانتداب مدرسا فى ثانوية انطاكية .

إ، نشأ’ الحزب على يد هذين الرجلين المعاديين الحاقدين على الإسلام جعل الحزب مباءة لتجمع أبناء الأقليات والطوائف غير الإسلامية أو التي تبطن أحقادا شد الإسلام والمسلمين مثل النصيريين النصاري والدروز والإسماعيلية .

وقد كانت المنافسة بين هذه الرجلين منذ البداية بحيث تركت آثارها على الحزب وتاريخه حتي يومنا هذا .

ويقول سامي الجندي :

( وقد يجهل الناس أن حركة 23 شباط أحلت الأستاذ الأرسوزي أبا روحيا للحزب بدل الأستاذ ميشيل عفلق تنفيذا لخطة قديمة بعد تمهيد طويل بدا قليلا بعد 8 آذار عام 1963 ).

لقد كان حزب البعث صليبيا فى بدايته وانتهي إلى أن أصبح نصيريا وقد ترعرع فى أحضان الانتداب الفرنسي الذي جثم على صدر سوريا قرابة ربع قرن .

لقد ضم حزب البعث السوري كل الطوائف الحاقدة على الإسلام من نصيريين ونصاري, ودروز , وإسماعيليين , أما أهل السنة فكانوا أقل من أن يحسب لهم أى حساب فى قوي الحزب لقلتهم وغفلتهم وأبرز نماذجهم ( صلاح البيطار) و( أمين الحافظ) فكلا الرجلين أصبح خارج الساحة الحزبية مائة فى المائة .

أما الطائفة الإسماعيلية فقد مثلها سابقا كل من عبد الكريم الجندي وسامي الجندي وبعد أن أتيح لهما البروز فى الحزب والسلطة أيام أمين الحافظ أو حكم صلاح جديد إذا هم ينسحبون إلى الصفوف الخلفية بعد ضربة أو ضربتين وقد اغتالت السلطة عبد الكريم الجندي وأعلنت أنه انتحر!!

أما الدروز فربما كان لهم فى الحزب والسلطة شأ، أكبر من الإسماعيلية فإلى الآن يمثلهم شبلي العيسمي الأمين العام المساعد فى جناح حزب البعث العراقي كما يمثلهم جميل شيا وصابر فلحوط فى الجناح السوري وكانت اكبر ضربة وجهت إليهم حينما حاول سليم حاطوم استرداد نفوذه بعد هزيمة حرب يونية 1967 وكان مصيره وأمثاله الإعدام وتسريح كتلة الدروز من الجيش والحزب .


أما الصراع بين الجناح النصراني الذي يمثله عفلق والجناح النصيري الذي يمثله زكي الأرسوزي فقد ظل قائما منذ بداية الحزب وقد تجلي ذلك واضحا بعد انقلاب الثامن من آذار فى سوريا ام 1963وبالضبط بعد إزاحة الناصريين وانفراد البعث السوري بالسلطة آنذاك ..

فى ذلك الحين أحس ميشيل عفلق بطغيان الطائفة النصيرية على الحزب فألقي بيانه المشهور فى القيادتين القومية والقطرية مركزا على النقاط التالية:

1- خطورة طغيان الطائفة النصيرية على الحزب .

2- تعاظم دور الجناح العسكري على حساب الجناح المدني .

3- كثرة الحزبيين الانتهازيين.

4- ضرورة العودة إلى الحزبيين القدامي أى قبل الثامن من آذار.

كان الرد الطبيعي على بيان ميشيل عفلق أن يتحالف النصريون والعسكريون المغامرون والانتهازيون والحزبيون الجدد وأن يقوموا بالحركة التصحيحة الأولي !! التي برز فيها صلاح جديد النصيري وسليم حاطوم الدروزي وعبد الكريم الجندي الإسماعيلي وكان وراء الجميع حافظ الأسد النصيري وجماعته وخاضوا بسورية حرب تسليم الجولان بلا قتال يذكر , وحاول بعد النكسة جناح سليم حاطوم وبدر جمعة استغلال الفوضي العسكرية فى دمشق لكنهما اعتقلا وأعدما مع كبار أعوانهما العسكريين والمدنيين.

بعد إزاحة ميشيل عفلق عن الحزب فى سورية ولجوئه إلى العراق بدأ الصراع إذن بين الطوائف الأخري فأزيح الدروز ثم جاء دور الإسماعيلية ممثلين بعبد الكريم الجندي ( مدير الأمن القومي) وقد تم ذلك مع تصفية ما بقي من مراكز نفوذ الدروز والسنين بالحركة التصحيحة الثانية التي قادها حافظ الأسد وأخوه رفعت الأسد فى 16/ 11/ 1970 وتمت الهيمنة الكاملة لطائفة النصيرية على الحزب والسلطة .

لقد ولد حزب البعث العربي الاشتراكي فى أحضان الاستعمار الفرنسي وكانت فرنسا الصليبية هى حاضنته غذي بلبانها وأشربت قلوب أعضائه الحقد على الإسلام والكيد للمسلمين ومن حقائق التاريخ أن نصاري الشام كانوا المبشرين ( بالقومية العربية) رسالة حزب البعث العربي تلك الفكرة الخبيثة التي كانت تهدف أول ما تهدف إلى ضرب الإسلام وإحلالها محله !!.

وقد ترعرع الحزب فى جو الإرهاب والدكتاتوريات والانقلابات العملية تلك السلسلة التي بدأتا المخابرات الأمريكية بانقلاب حسني الزعيم فى 30 مايو عام 1949 على يد مهندس الانقلابات فى المنطقة كيرميت روزفلت رجل المخابرات الأمريكية المركزية الذي دبر معظم هذه الانقلابات .

ومنذ بدء عام 1949 أخذ الحزب يمهد لانقلاب عسكري لم يكن بعيدا عما يحاك وفي العام دبرت المخابرات المركزية الأمريكية انقلاب حسني الزعيم الذي أطاح بنظام الرئيس شكري القوتلي .

ويقول سامي الجندي عضو قيادة حزب البعث السوري ووزير الإعلام فى أول وزارة:

( من يقرأ الكتب الموجهة من قيادة الحزب إلى قائد الانقلاب يلمس احتراما وتفاؤلا كبيرين . يقول الأستاذ عفلق : أيها الإخوان ليس ما حدث فى سوريا انقلابا وهو فى الواقع خطوة نحو الانقلاب إننا نستبشر بهذا الحادث ونعلق عليه الآمال ولكن علينا أن نوسع أفقنا وننظم صفوفنا وأن ننظر دوما إلى الأمام إلى العلا فالانقلاب الذي يجب أن نسعي إليه دائما وأن نجعل من انقلابنا الحاضر وسيلة وخطوة نحوه هو الانقلاب الذي يحقق للشعب العربي فى جميع أقطاره الإشتراكية العربية والوحدة العربية).

ويقول سامي الجندي :

( واتخذ الحزب من حسني الزعيم موقف المرشد ) ولكن حسني الزعيم انقلب على الحزب وقبض على غالبية الأعضاء وأنهار ميشيل عفلق وكتب مذكرة إلى حسني الزعيم يتعهد فيها بالتخلي عن السياسة وقد نشرت هذه المذكرة فى الصحف بعد سقوط حسني الزعيم موقعة باسم ميشيل عفلق وقد نظر شباب الحزب إلى هذه الوثيقة على أنها وثيقة تخاذل وعندما خرج عفلق من سجنه أجمع الحزب على ضرورة محاكمته وقرروا أن يكون عميدا للحزب مكان عفلق الدكتور [[وهيب الغانم النصيري]] الذي يقول عنه سامي الجندي  إنه أكثر تلاميذ الأرسوزي شبها به نفسيا) ولكن الدكتور وهيب الغائم رفض لأن دور الطائفة النصيرية لم يكن حان بعد .


بعد ستة شهور سقط حسني الزعيم وجاء بعده اللواء الحناوي الذي لم يدم طويلا حيث قام انقلاب العقيد أديب الشيشكلي . ويقول سامي الجندي عن رأي الشيشكلي فى حزب البعث :

( فوصمنا بالجبن والكذب)

ووحدة\ت المعركة ضد أديب الشيشكلي بين حزب البعث وبين الحزب العربي الاشتراكي ( الذي كان زعيمه أكرم الحوراني) فكان منهما هذا المزيج العجيب باسم ( البعث العربي الاشتراكي) الذي كان زعيمه أكرم الحوراني الذى كان فى عام 1936 أحد أعضاء الحزب القومي السوري المعروف بعداوته للإسلام وبعمالته لأمريكا ( فى بداية عام 1952 سقط حكم الشيشكلي وجرت انتخابات فنجح 17 نائبا بعثيا من 30 مرشحا لهم واستمرت الخلافات بين البعثيين حول مفاهيم الحزب وشعاراته والعمل السياس ).

( فى عام 1955 عقد مؤتمر فى دمشق سيطر عليه جو غوغائي وأتهم فيه البعثيون بعضهم البعض فهذا يقول عن عفلق : بانه جاسوس إنجليزي , وعن الحوراني جاسوس فرنسي , وعن البيطار جاسوس لأكثر من دولة).

( وفى الاجتماع طرح الحزبيون عدة أسئلة عن مفاهيم الحزب الأولي : ما هي الإشتراكية العربية ؟! ما هي حرية البعث ؟! ما هي وحدة البعث ؟! وأهم من كل ذلك ما هو البعث ؟!).

ويجيب سامي الجندي عضو مجلس القيادة السابق :

( ما زال السؤال قائما حتي الآن : ما هو البعث ؟! لم تجب القيادات أبدأ رغم تبدل الوجوه والزمان ولا أظنها قادرة أن تفعل ..)

" وفى آيار ( مايو) عام 1956 اتفق البعثيون مع حزب الشعب والحزب الوطني على إقامة حكم التجمع القومي وهكذا التقت الرجعية والتقدمية على صعيد واحد على كراسي الحكم وأصبح خصوم الأمس أصدقاء اليوم وعملاء الاستعمار أصدقاء السلطة !! وساد سوريا فى ظل حكم التجمع جو من الإرهاب وخنق الحريات وخاصة بعد اغتيال عدنان المالكي.

وجاءت الوحدة بين مصر وسوريا سنة 1958 وأيدها البعثيون رغم مالهم عليها من تحفظات وقد ظنوا أن فى الوحدة مصلحتهم على هذا الأساس دخل البعثيون الحكم منذ الوزارة الأولي وأسرعوا إليها خفاقا وثقالا, وانتقل الحوارني والبيطار إلى القاهرة بعد تشكيل الحكومة الثانية , وبعد محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم من قبل البعثيين فى أواخر عام 1959 استقال البعثيون فأخذ عبد الناصر يهاجمهم فقابلها البعث بحملة على حكم الوحدة فى نقاط رئيسية : المخابرات . الحرية . وقوات الطوارئ الدولية تحويل مجري نهر الأردن .

وفى 18 أغسطس عام 1958 أصدر عبد الناصر أمرا بنقل عشرة ضباط للقاهرة منهم ثمانية بعثيين لما رأي كثرة اجتماعاتهم ثم نقل دفعة كبيرة فى صيف عام 1959 مما دعا البعثيين إلى تأليف لجنة عسكرية أعادت التنظيم العسكري الحربي وكانت مؤلفة من 13 عضوا أبرزهم الرائد النصيري محمد عمران وقد دعت اللجنة إلى دراسة أوضاع الحزب وفصل الثالوث عفلق والبيطار والحوراني . وقد أخذت الصحافة العربية المتحدة تهاجم الحزب تحت شعار ( إن القومية العربية ليست ملكا لأي حزب) وكتب مصطفي أمين مقالا فى الأخبار وصف البعثتين فى أول أيام الوحدة بقوله  لقد خلعوا حزبيتهم كما يخلع المؤمن حذاءه على باب الجامع ...)

ويقول سامي الجندي : ( لم يعمل البعث بصورة مباشرة ضد الوحدة ولكن موقفه السلبي ونقد الأعضاء الدائم ساهم فى التمهيد للانفصال ).

وفي 28 أيلول عام 1961 وقع الانفصال بين سوريا ومصر وتناقضت مواقف البعثيين ففي دمشق كان موقف البعث غير واضح وفى بيروت اعترف البعثيون بالانفصال أما في العراق فقد شجعوا الانفصال وأخيرا وقع البيطار والحوراني وثيقة الانفصال !!.

وبعد الانفصال بدأ البعث يستعد للقفز على السلطة ليرث الحكم فيها وأخذ البعثيون القطريون – اللجنة العسكرية – يدبرون أمرأ , وهم أقدر الناس على الصيد فى الماء العكر فعقدوا اجتماعا وانتخبوا قيادة من ضنها صلاح جديد – النصيري – وقرروا التعاون مع جاسم علوان الناصري .

فى هذه الثناء قرر الناصريون القيام بانقلاب ضد الانفصال صبيحة 7 نيسان ( أبريل ) عام 1962 على أن تبدأ الحركة فى حمص بقيادة جاسم علوان ومحمد عمران – النصيري – مما يدل على أن الأخير قد استلم مهامه فى صفوف الناصريين كما هو مرسوم له .

ولكن جاسم علوان استبق الأحداث وسيطر على حمص فى 1 نيسان ( أبريل ) وانضمت حلب بقيادة حمد عبيد ودير الزور بقيادة لؤي الأناسي .

إلا أن مؤتمرا عقد فى حمص وبرزت الخلافات بين الوحدويين والبعثيين وتقرر إخراج النحلاوي ورفاقه من البلاد وهرب جاسم علوان ومحمد عمران .

وتميع الوضع فى سوريا وأخذ الناس يترقبون الانقلاب بين ساعة وأخري فاستغل الوحدويون والبعثيون الوضع واجتمعوا فى أوائل آذار مع العقيد الحريري قائد الجبهة وقر الرأي على تحديد يوم 7 آذار ( مارس) موعدا للإنقلاب رغم معارضة ميشيل عفلق إلى ما بعد استقرار انقلاب بغداد الذى حصل فى 8 شباط ( فبراير ) عام 1963 .

فى 5 آذار ( مارس) طلب الوحدويون تأجيل الانقلاب حتي ينتهوا من تركيز عناصرهم فى الأركان وتبين فيما بعد أنهم كانوا يعدون لحركة خاصة بهم فى 11 آذار ( مارس).

فى 6 آذار ( مارس) بدأـ حملة اعتقالات بين جماعة الحريري والبعثيين فاستعجل البعثيون الأمر وقاموا بانقلابهم فى 8 آذار ( مارس) عام 1963 استدعي أمين الحافظ من الأرجنتين ليتسلم وزارة الداخلية وانتخب لؤي الأناسي رئيسا لما سمي بالمجلس الوطني لقيادة الثورة .

ويعلق سامي الجندي على هذا الانقلاب بقوله :

( محال أن يحيط العقل بأحداث حكم آذار وتطوره ولأنه ضد العقل والمنطق كل عقل وكل منطق ) .

( لم يعرف تاريخ الشعوب والقبائل المتوحشة فوضي تحللت من كل خلق مثله!!) ( كنت أعود إلى كتيب صغير فيه مبادئ الحزب وأقارن بين الأمل والواقع , بين ما يمكن تحقيقه وما نصنع , بين ما كنا نقول وما بتنا نقول , بين وعود وعهود أ‘طيناها للبسطاء وسوط لوحنا به على رءوسهم وأدمينا به جلودهم فأحس بالخجل يفتت أعصابي )

البعث يتسلم السلطة ويعد ... للنكسة !!

بعد عمليات الاستنزاف التي حدثت للجيش السوري على يد الانقلابيين العسكريين بدءا من حسني الزعيم الذي قام بأول انقلاب دبرته المخابرات الأمريكية عام 1949 وبعد فشل تجربة الوحدة بين مصر وسورية ووقوع الانفصال سنة 1961 أصبح الطريق ممهدا أما حزب البعث كي يتسلم السلطة فى سوريا فقد خلت له الساحة وأصبح ( الحزب الوحيد الذي أثبت فاعليته على الرغم من مصاعبه الداخلية)

فى 8 آذار ( مارس) عام 1963 قام البعثيون بانقلابهم واستولوا على السلطة فى البلاد .

ويقول الأستاذ جلال السيد البعثي القديم :

( انقلاب آذار لم يكن مفاجئا بل أن رائحته كانت تزكم الأنوف .. بل إن الحديث عن الانقلاب كان يجري علانية وعلى قارعة الطريق )

( وأعلنت الإذاعة فى دمشق نبأ الانقلاب الذي لم يلق مقاومة كما أنه لم يلق اهتماما من الرأي العام أول الأمر فالشعب كان يجهل مرامي هذا الانقلاب كما أن الشعب قد مل وضجر من هذه العمليات) وشكل صلاح البيطار – رفيق ميشيل عفاق – وزارته الأولي وأشرك فيها الوحدوين ثم استقال الوحدويون وسقط البيطار .

وشكل البيطار وارته الثانية ولكن ولكن الوحدويين استقالوا من المجلس الوطني وقاموا بانقلاب 18 تموز ( يوليو ) الذي سقط فيه نحوا من 170قتيلا وخيم جو رهيب على دمشق وسجلت مشاهد الإعدام بشكل مخجل وأصبح السوريون كلهم فى نظر البعث متهمين , واستقر الأمر للبعث وقامت دولة الإرهاب والفوضي فى دمشق وكان مقياس نجاح الوزير هو قوائم التسريحات وبدأت قوافل القرويين تظهر على المسرح تاركة القري والجبال .

ويصف الأستاذ جلال السيد انقلاب 8 آذار ( مارس9 عام 1963 بقوله :

(سلك حكام ثورة الثامن من آذار مسالك أعطت منها بعض الحق ليقول الناس فيها أقوالا نصف ظواهر البادية للعيان , فهي فى نظر الناس:

ثورة الأقليات الطائفية على الأكثرية.

ثورة الجهل على العلم وذلك برفه الجهلاء من الحزبيين وخفض العلماء سواهم .

وثورة التحلل وقطع الأواصر الاجتماعية على المروءات والأخلاق العربية .

ثم هي فوق ذلك ثورة الإلحاد والمروق على الدين ومناخه الروحي .

وثورة المصالح المادية على المعاني السامية والمصطلحات الإنسانية ثورة الماركسية على القومية وتراثها العربي الثمين )

ويضيف الأستاذ جلال السيد :

(وخلاصة الرأي عندنا أن انقلاب آذار هو انقلاب كسائر الانقلابات التى سبقته ...) وقد أقام البعث باستيلائه على السلطة حكما دكتاتوريا لا صلة له بالشعب استنادا إلى أقوال فاقدة الدلالة من حكم الطليعة والنخبة والحزب الرائد وما هو مثل هذه الألفاظ . ونظر البعثيون إلى الشعب السوري على أنه قاصر وأنه يحتاج إلى وصي والوصي هو ( الحزب الرائد ) ومعني هذا وأد الديمقراطية والحكم الدستوري والنظام النيابي وانخرط فى الحزب بعد استيلائه على السلطة الشيوعيون والسوريون القوميون والشعوبيون من كل الفئات وما قصد هؤلاء إلا الاستفادة والانتفاع من دولة الحزب .

وقام الحزب بعملية عزل سياسي شملت الكثير من السياسيين ورجال الفكر فى سوريا ولم يسلم حتي زملاء الانقلابين من التدبير ويقول الأستاذ جلال السيد :

( قامت المزايدات بين حكم آذار وبين عبد الناصر والمزايدات كانت تجري على حساب الشعب ومصلحته وقد اتخذت قرارات بالتأميم وأخرى بشأن الإصلاح الزراعي والتجارة الخارجية وما إلي ذلك من تصرفات كانت كلها ضربة للشعب حدت من رزقه وزادت فى قلقه وجعلت كل قادر على الرحيل والهجرة يفكر فى الرحيل والهجرة وزادت هذه المشاعر بالهجرة وكثرت المحاولات مع الزمن حتي يمكن القول : إن المال والعلم كليهما قد غادرا القطر السوري وهاجرا إلى حيث يجدان مناخا صالحا لهما فى أى مكان تحت الشمس وقد فرغت سورية ن هذين العنصرين تفريغا يكاد يكون تاما ).

ويضيف البعثي القديم الأستاذ جلال السيد:

( نشر جو من الإرهاب الفكري والمادي مما أذل المواطن العربي السوري ثم جعله يميل إلى استعمال النفاق تقيه وتخلصا مما يهدده من مصير أسود وبدلا من أن يذهب حكم البعث إلى نفخ الإباء والأنفة فى النفوس فإنه قد راح يستل ما في النفوس من بقايا لهذه الصفات التي هي ضرورة لمواجهة العدو الذي يقف على حدودنا ويتربص با كما فعل بعد ذلك فى حزيران ( يونيو) عام 1967)

لقد جنح حزب البعث بعد تسلمه للسلطة فى سوريا إلى أسلوب لا إنساني فعاقب على الشبهة ونفذ مبدأ المسئولية الجمعية ( وقتل وسجن وأفقر وأجاع كل من يري أنه ليس مؤيدا ولا مؤمنا بالحزب ثم مد بعضهم يده إلى خزانة الدولة فعمل فيها إسرافا وبعثره ) وفى مكان آخر يقول عضو البعث القديم الأستاذ جلال السيد:

( وعاشت سوريا فى ظلال بعض الدكتاتوريات أيضا تحت ظل الإرهاب كعهد حسني الزعيم مثلا وعهد الشيشكلي لكن كل هذه العهود لم تزد فى قسوتها عن عهود البعث )

ويضيف عضو القيادة القطرية لحزب البعث السوري الدكتور سامي الجندي وزير الإعلام فى أول حكومة شكلتها حركة الثامن من آذار فى كتابه ( كسرة خبز):(.....كنت أنذرهم أن سبل الثورة باتت خطرة على نفسها وعلي الشعب وإنها باتت ثورة بل انقلاب شرذمة أدي بها الغرور والأنانية والتمسك بالحكم إلى طغيان بوليسي لا هدف له ولا رجاء منه غير الخراب والتخريب والولوغ بالدم والشرف.....).

إنكل الدلائل تشير إلى تمكين حزب البعث من السلطة فى سورية بانقلاب آذار سنة 1963 إنما كان للإعداد للنكبة التى أصابت الأمة العربية بأفدح مما أصيبت به عام 1948 وكان الجيش السوري – برغم كل ما أصابه – لا يزال القلعة الخطرة الذي يقف كالصخرة أمام تنفيذ المؤامرة اليهودية . لذلك كان لابد من تصفيته كالصخرة أمام تنفيذ لمؤامرة اليهودية . لذلك كان لابد من تصفيته وشل فعالياته وقد تم ذلك بأبشع صورة للخيانة وأقبح جريمة ارتكبت فى تاريخ هذه الأمة . وكان ذلك على الشكل التالي :

1- بعد وقوع انقلاب الثامن من آذار بخمسة أيام فقط أى بتاريخ 13 آذار عام 1963 صدرت نشرة عسكرية أخرجت من الجيش مائة وأربعة ضباط هم كبار الجيش افتتحت بالفريق عبد الكريم زهر الدين واختتمت بالمقدم بسام العسلي .

2- وبتاريخ 16 آذار ( أى بعد 3 أيام أخري ) صدرت نشرة أخري أخرجت من الجيش 150 ضابطا هم الطاقة الفعالة فى الجيش ( قادة الكتائب ورؤساء عمليات الألوية وقادة السرايا) وكنت واحدا من الذين شملته هذه النشرة .

3- ثم تتابعت النشرات تسرح وتحيل إلى التقاعد وتنقل إلى الوظائف المدنية على نحو لم يتح لى الاطلاع على تفاصيله حتي بلغ مجموع الضباط الذين أخرجوا من الجيش حتي آيار ( مايو) عام 1967 ما لا يقل على ألفي ضابط مع عدد لا يقل عن ضعفه من ضباط الصف القدامي والجنود المحترفين الذين يشكلون الملاك الحقيقي الفعال لمختلف الاختصاصات فى الجيش.

4- ولزيادة تعميق الجريمة وللذر الرماد فى العيون لئلا يقال : إنهم يسرحون الجيش – استبدال بالذين أخرجوا من الجيش ( وخاصة الضباط ) أعدادا كبيرة جدا من ضباط الاحتياط الذين سبق لهم أن أدوا خدمة العلم وجميعهم تقريبا من البعثيين وأكثريتهم من أبناء طائفة معينة ( العلويين النصيريين) .

وبذلك أصبح الجيش مؤسسة بوليسية لقمع الحريات والتنكيل بالشعب لا جيشا قادرا على صون الحدود والدفاع عن أرض الوطن .

5- وقد رافق ذلك كله عمليات مجرمة شملت حل بعض القوات المقاتلة وتشكيل وحدات غيرها على أسس طائفية بحتة تماما كما فعل الفرنسيون أيام الاحتلال وبذلك أصبح الجيش عبئا كريها على عاتق الشعب بدلا من أن يكون درعا وحصنا يصون بلاده ويحفظ أمته وحرياته .

6- تميزت تلك المرحلة من تصفية الجيش بصور من العنف والتنكيل كان منها القتل والسجن والأحكام الاعتباطية والإعدام والاتهامات جزافا ومصادرة الأموال والممتلكات وتضييق سبل العيش على الناس ( وخاصة العسكريين) حتي أصبح المواطن يمسي فلا يصدق أنه سيصبح بخير أو يصبح فلا يصدق أنه سيمسي بدون أن يصيبه سوء وقد كان من ابرز العسكريين الذين قتلهم حزب البعث ظلما النقيب معروف التغلبي والنقيب ممدوح رشيد والملازم نصوح الجابي والعقيد أ.ح كمال مقصوصة .

وغصت السجون بالمئات من الضباط وآلاف من باقي العسكريين كان من أبرزهم اللواء محمد الجراح واللواء راشد فطيني والفريق محمد الصوفي والفريق عبد الكريم زهر الدين واللواء وديع مقعبري والعمداء مصطفي الدواليبي ونزار غزال وأكرم الخطيب وموفق عصاصة ودرويش الزورني وممدوح الحبال والعقداء هيثم المهايني ومحي الدين حجاز ووحدي الكزبري ثم امتدت يد الظلم إلى أهله .

بل لقد امتدت نار الظلم إلى البعثيين أنفسهم فأدخل السجن اللواء محمد عمران ( بعثي نصيري ) والفريق [[أمين الحافظ وكثيرون من أنصارهما .

وصدرت أحكام الإعدام جزافا فشملت الكثيرين وكان منهم العقيد جاسم علوان والنقيب محمد نبهان والمقدم عبد الرحمن السعدي والرائد صدقي العطار ثم عاد الظلم يأكل أهله فصدرت أحكام الإعدام على سليم حاطوم وبدر الدين ومصطفي الأظن وغيرهم ممن لا أذكر الآن أسماءهم.

أضف إلى هذا أن الخلافات الداخلية بين أجنحة حزب البعث والتي كانت تظهر فى مؤتمراته القطرية والقومية كانت دائما تحسم عن طريق البلاغ رقم ( 1) أى باللجوء إلى الجيش فالحزب نفسه لم يصل إلى السلطة إلا بانقلاب آذار المشئوم مع حلفائه المخدوعين ( الوحدويين) ثم الانقلاب عليهم ولم تتم تصفية جناح ميشيل عفلق إلا بالانقلاب على حكومة أمين الحافظ وصلاح البيطار ,ولم يقم سليم حاطوم بفرض نفوذه ثم بمحاولة استرداده إلا بقيادته الدبابات ومحاصرته القصر الجمهوري ولم يستطع صلاح جديد أولا وحافظ الأسد ثانيا أن يقوم كل منهما بحركته التصحيحية إلا باللجوء إلى الجيش أو القطاعات العسكرية الموالية له.

وهناك ملاحظة جديرة بالاهتمام وهى أن الضباط المسلمين السنيين كانوا هم المستهدفين للتسريح ولتفريغ الجيش السوري منهم بصفة خاصة وكأن هناك اتفاقا مسبقا على إبعاد المسلمين السنيين عن الجيش وعن اللعبة السياسية بعد استيلاء البعث على السلطة فى انقلاب آذار المشئوم , وإذا تذكرنا كلمتين لرجلين من رجال السياسة والفكر فهمنا سرا من أسرار استبعاد المسلمين السنيين وتقديم الطوائف الأخري : يروي عن فارس الخوري النصراني ( رئيس وزراء سورية سابقا) قوله:

( إن المسلم العربي لا يشك فى وطنيته حتي يثبت ما يناقض ذلك أما النصراني العربي فلا ثقة بوطنيته حتي يثبت العكس ) هذا كلامه منذ نصف قرن تقريبا..

وفى مقابلة أجرتها جريدة النهار العربي الدولي مع البروفسور مكسيم رودنسون ( ماركسي يهودي فرنسي) قال فيها:

إن السني الشامي لا شك فى عروبته أما المسيحي اللبناني ففي عروبته كل الشك وقد أثبتت الأحداث اللبنانية الأخيرة وصدق ذلك .. وهذا الكلام مذكور فى كتابه الجديد عن العرب باللغة الفرنسية.

سوريا يحكمها الجواسيس

النكبة التي أصابت الأمة العربية بهزيمة عام 1967 كانت محصلة ( خيانة نظم الحكم القائمة وقتئذ فى القاهرة ودمشق . هذه الحقيقة صارت كالشمس فى واضحة النهار كل ما هناك أن تعيين ( الخائنين) لم يحن حينه بعد لأن دورهم لم ينته حتي الآن ولا يزال بعضهم يتسلط بالقهر والإرهاب ويتحكم فى رقاب الشعب ولأن هؤلاء الخائنين لا يزالون ينفذون المخطط الذي يحقق آمال وأحلام الصليبية العالمية والصهيونية فى المنطقة !!

وهناك سبب آخر فى عدم تعيي ( الخائنين) وتعريتهم وفضحهم وهو الوضع الذي وصلت إليه الشعوب من الإنهاك والاستنزاف والضعف واليأس والضنك والشقوة والفقر المدقع الذي يأخذ بخناق الشعبين !!.

وربما يكون تعيين ( الخائنين) فى النظام السوري الحاكم – الذي أعد ونفذ النكبة – ولا يزال يتحكم بالقهر والإرهاب فى رقاب الشعب السوري – أمرا سهلا لأن هناك أكثر من شاهد وأكثر من قرينة وأكثر من دليل على ذلك .

والشاهد الأول الذي نقدمه للقارئ هنا ربما لا يعرف عنه شيئا وربما لم يسمح عنه رغم أنها كانت فضيحة لا تقل بشاعتها عن بشاعة الهزيمة التى كانت نتيجة لها .

ولا أريد أن أطيل فى مقدمتي هذه بقصد الإثارة لأن الفضيحة التى سأحدثك عنها مثيرة إلى حد (الصدمة) ولا تحتاج لاستثارة من خارجها.

هل سمعت عن الجاسوس الإسرائيلي الجنسية المصري المولد – ( إيلي كوهين) الذي زرعته إسرائيل داخل حزب البعث واستطاع أن يترقي فى مناصب الحزب فى مدي ثلاث سنوات حتي وصل إلى عضو القيادة القطرية ورشحه الحزب وزيرا للإعلام ورشحه كثير من ضباط الجيش السوري نائبا لوزير الدفاع ؟! ربما لن تصدق ذلك وستقول :

إن فى الأمر مبالغة ولكن القصة حقيقة اعترف بها البعث السوري واعترفت بها إسرائيل وتوسطت دول كثيرة من أجل إنقاذ حياة أذكي جاسوس فى العالم ( إيلي كوهين) من حبل المشنقة وقد ألفت عدة كتب تروي قصة الجاسوس الإسرائيلي الذي خطط لانقلاب 8 آذار عام 1963 الذي أوصل حرب البعث إلى السلطة فى سوريا والذي استدرج جمال عبد الناصر إلى حرب حزيران وسلم لإسرائيل الجولان بدون حرب !!

ولكن الشعب العربي فى كل مكان هو آخر من يعلم .. لقد اختار الأستاذ غسان النوفلي أهم الكتب التي تناولت الموضوع وترجمة إلى العربية وكتب مقدمة للكتاب الذي اختاره مؤلفاه عنوانا له : الجاسوسية الإسرائيلية وحرب اليام الستة .

وقد جاء فى مقدمة المترجم للكتاب بعض الفقرات جاء فيها :

( هذه ليست قصة جاسوس .. بل قصة مرحلة من مراحل التاريخ العربي عامة والتاريخ السوري خاصة كان للجاسوسية الإسرائيلية فى أحداثها وتطوراتها فى تقلباتها وانقلاباتها أثرا خطير وانعكاسات بعيدة المدي...)

ويقول :( إن جهاز المخابرات الإسرائيلية)( الموساد) قد استن فى الجاسوسية سنة جديدة هي محاولة خلق انظمه جديدة فى بلدان الأ‘داء وتوجيه هذه الأنظمة بحيث تطبق على النحو المتطرف الذي ينسجم مع ما تريده لهذه البلدان من فوضي واضطراب وما تنشده لها من خراب ودمار وما يتأتي داخل صفوفها من تطاحن داخلي على كل المستويات يؤدي بها إلى الانحلال).

ويقول أيضا :

(.... فالحقائق فى هذا الكتاب مذهلة والوقائع مؤلمة والصورة الملامح والانعكاسات مفجعة ومذلة مهينة وقد يندي لها جبين كل عربي )!

فما هي هذه الحقائق والوقائع المذهلة والمؤلمة ؟!!

لنتبع القصة من أولها :

فى العاشر من شهر كانون الثاني ( يناير سنة 1961 وصل إلى دمشق عن طريق بيروت الشاب اليهودي ( إيلي كوهين) تحت أسم (كامل أمين ثابت) مواطن سوري كان يعيش ف الأرجنتين وقد قرر العودة إلى الوطن !! وكان يصحبه فى الرحلة عميل سوري للمخابرات الإسرائيلية الموساد اسمه ( شيخ الأرض).

وعندما وصل الرجلان إلى أحد الفنادق قدم شيخ الأرض ( إيلي) إلى مالك الفندق على اعتبار أنه صديق قديم وصل الآن من الآرجنتين ليقيم فى بلاده أجداده !! ورجاه ان يعامل ضيفه كما لو انه يعامله هو.. وفى خلال هذه الفترة كان ( إيلي) قد أعطي الكاتب جوازه الأرجنتيني الذي يحتاج إلى المرور على محفوظات الشرطة وكانت هناك استمارة مطلوبة من كل الأجانب , وحمل سوداني أسود أمتعته إلى الطابق الثالث حيث وجد ( إيلي). أن وسائل الراحة كانت تتسم بالصرامة فقرر منذ البدء التفتيش عن شقة يسكنها .

وفى الأيام العشرة التالية كان ( ايلي) يتجول فى دمشق مع شيخ الأرض محاولا أن يتأقلم بالمحيط الجديد بينما كان يوجه أسئلة سرية عن المنازل المعدة للإيجار . ولم تكن لعاصمة دمشق غريبة عنه تماما فقد تلقي معلومات عن الحياة فى مدينة دمشق من أساتذة فى الموساد كانوا يعيشون فى دمشق وكذلك الخرائط والأفلام والصور الفوتوغرافية عن الأحياء الرئيسية فى المدينة.

وبمساعدة شيخ الأرض استطاع ايلي أن يختصر بحثه عن منزل فى ( أبو رمانة ) وهى منطقة سكن تشتمل على مقر رئاسة أركان الجيش ومكاتب اللجنة المختلطة لمراقبة الهدنة وعشر سفارات ومفوضيات وقنصليات عامة وقد أحاط ايلي الملاك علما انه قرر الإقامة فى دمشق بصورة دائمة وأنه فى حاجة إلى منزل واسع أو (فيلا) يمكن أن يستخدمها كمنزل ومكتب للشغال التجارية التي ينوي القيام بها .

وأخيرا – وبعد أسبوعين قضاهما ايلي فى الفندق – وجد الشقة التي كان يبحث عنها وكانت هذه الشقة فى الطابق الرابع من عمارة تقع فى مقابل رئاسة القيادة العامة واتخذ ( ايلي) من هذه الشقة قاعدة لعملياته ومركزا لنشاطه الذي استمر نيفا وثلاث سنوات حقق فيها لإسرائيل ما لم تكن تحلم به !!.

وكانت بداية العلاقات التى أقامها (ايلي) فى دمشق مع الملازم أول فى الجيش السوري معزي زهر الدين وهو ابن أخ قائد الجيش وقتئذ عبد الكريم زهر الدين وكان شيخ الأرض هو الذي جمعه وإياه وقال له شيخ الأرض ( قد يكون معزي هذا هو أكثر الأشخاص الذين تحتاج إليهم فهم يعمل فى القيادة العامة وهو قريب د جدا من عمه ).

أما العلاقة الثانية مع ايلي فكانت عن طريق موظف فى وزارة الإعلام نضراني مجند من قبل المخابرات الإسرائيلية قبل وصول ايلي إلى دمشق وهو الذي سعي إلى ايلي وعرفه بنفسه ووعده بتعيينه مديرا للبرنامج الموجه إلى أمريكا الجنوبية فى إذاعة دمشق وستتاح له بذلك الفرصة بالدخول فى الدوائر الرسمية وأضاف النصراني العميل وإسمه ( جورج سيف) قائلا لأيلي :

( قد أكون قادرا على تقديمك للأمين العام لوزارة الإعلام ) وبدأ ايلي ممارسة مهمته وجمع المعلومات وإرسالها إلى مركز الموساد فى تل أبيب . ويتلقي التعليمات لينفذها فى العاصمة دمشق . كان ايلي عين وأذن الموساد فى دمشق وقد استطاع أن يستفيد من الملازم معزي زهر الدين الذي كان يعمل فى مكتب شئون الضباط وأصبح ايلي يعرف كل ما يحدث داخل الجيش السوري من أحداث .

وكان ( الموساد) أحيانا يطلب ايلي ليسافر إلى تل أبيب لدراسة بعض الأمور وفى هذه الحالة يحيط ايلي أصدقاءه زبائنه علما بأنه ينوي السفر إلى الخارج لعقد صفقات بالاستيراد والتصدير ويسافر وبعد إقامة قصيرة فى أوربا يذهب إل تل أبيب وقد عاد ايلي إلى تل أبيب بعد ستة أشهر من وصوله إلى دمشق وممارسته لمهمته وهناك شرح لرؤسائه فى الموساد عن مصادره المأمولة ووصف علاقته مع مغزي زهر الدين كمصدر معلومات وقد اعتبر رؤساؤه أن علاقته بمغزي زهر الدين كمصدر معلومات وقد اعتبر رؤساءه أن علاقته بمغزي هى من الإنجازات الهامة التى أوصوه برعايتها والعمل على تنميتها لكي تتيح الفرصة لسيل من المعلومات السياسية والعسكرية كما طلبوا إليه أن يركز بالدرجة الأولي على التقارير السياسية والاقتصادية وأن يترك لمود لاحق مهمة الحصول على المعلومات الفنية العسكرية والمعلومات الأخري عن القوات المسلحة وخاصة القيادة الجنوبية .

وفى هذا الاجتماع نوقش احتمال دخول ايلي إلى الحياة السياسية وطلب إلى ايلي أن يحرص على تأمين اتباع أقوياء من أفراد الجيش لأن انقلابات عسكرية جديدة فى الأفق القريب وكان فى رأي الموساد وقتئذ ( أن الحزب الوحيد الذي أثبت فاعليته على الرغم من مصاعبه الداخلية هو حزب البعث العربي ولذلك اتقرح ضباط الموساد على ايلي أن يوسع علاقاته مع عدد من البعثيين فى دمشق وأن مما لا يقدر بثمن قيامه بمحاولة للإنتساب إلى الحزب).

وبعد ثمانية أيام استعد ايلي للعودة إلى دمشق حاملا بين أمتعته جهاز إرسال أقوي وجهازا فوتوغرافيا صغيرا جدا مع آلاف الأفلام ذات الحساسية العالية وضيغ جديدة للشفرة .

واصبح أيلي بعد أسابيع من عودته زائرا يتردد باستمرار على وزارة الإعلام وتعرف على جميع زملاء جورج سيف وقد تعرف عليه الحراس جيدا حتي أنهم توقفوا عن مطالبته بالإذن الخاص المطلوب من الزوار الآخرين وقد استفاد ايلي ن هذا التساهل للدخول غلى مكتب جورج سيف أثناء الليل لتصوير الوثائق التي لم يستطع إخراجها من الوزارة .

وتوثقت العلاقة بين سيف وايلي بازدياد تعاونهما معا وبدأ سيف يكثر من زيارة ايلي فى منزله ولم يتخلف عن سهرة واحدة من السهرات التي كان يقيمها ايلي بل كان يصطحب أصدقاءه . وفي إحدي المناسبات وصل جورج سيف مع ضيف لم توجه إليه دعوة سابقة وكان المدعو ضابطا برتبة رائد وهو شاب ضخم الجثة يدعي ( سليم حاطوم) وكان رئيسا للحرس فى الأركان العامة حيث المبني القائم على الطرف الآخر من الشارع وقد بدأ حاطوم ياقر الخمر بدرجة غير عادية وأن يتذوق الطعام اللذيذ وأن صلاته النسائية أصبحت مدار حديث منذ تلك الليلة وعلى الرغم من أنه بدأ متحفظا فيما يتعلق بعمله فقد انجذب بسرعة إلى ايلي وأصبح مساهما دائما فى أمسيات العزوبة فى منزله !!.


وسليم حاطوم هذا أحد أعضاء حزب البعث الكبار وممثل الطائفة الدرزية فى الحزب وله أخ اعتنق الديانة اليهودية وحمل اسما يهوديا وتزوج إسرائيلية وأصبح مستشارا لشئون الأقليات فى بلدية حيفا بإسرائيل !! وكان ايلي يعرف الكثير عن حساسية سليم بالنسبة لخيانة أخيه لم يأت أبدأ على لسانه ذكر اسمه فى أحاديثهما .

لقد بدأ كامل أمين ثابت ( ايلي كوهين ) يستعد للانتساب إلي حزب البعث وقد أعرب عن رغبته فى أن يصبح عضوا فى حزب البعث لصديقه سليم الذي وعد بتزكيته بكل سرور وكان كامل أمين ثابت قد حقق كل المتطلبات الأساسية ليصبح بعثيا فهو عربي من المهجر تجاوز الثامنة عشرة قوي متحمس لم يسبق له أن انتسب إلي أى حزب آخر .

وعلى الرغم من أن المتعاطفين مع حزب البعث كان يطلب إليهم أن ينشطوا سنة كاملة فى خدمة الحزب قبل أن يقبلوا فى عداد أعضائه , فلم تمض أسابيع قليلة حتي قبل ( ايلي) كامل أمين ثابت عن طريق مستويات عليا فى الحزب ففي مساء قارس من أيام شهر شباط دعي إلى منزل أحد قادة المناطق الذي راح يستمع إلى قسمه فى وضع مهيب فأقسم ( ايلي) بحضور حاطوم ( بشرفه ومعتقده) أن يكون ( أمينا على مباديء حزب البعث العربي الاشتراكي وأن يكتم أسراره وأن يمتثل لأوامره وينفذ مخططاته )!! ... وبعد القسم عين فى مركز القيادة لإحدي المنطق وخلال فترة قصيرة تعلم ايلي أساليب حزب البعث وأصبح مطلعا على بنيته الهرمية .

وسرعان ما أصبح طريق ايليي ( كامل أمين ثابت * إلى القمة فى الحزب موضع مناقشة فقد فاتح حاطوم ميشيل عفلق ( النصراني ) فى صفات ثابت القيادية وتقرر أن يستثني من الإجراءات التي تحول دون تقدمه السريع داخل الحزب وفي وقت لاحق دعي ايلي للاجتماع بميشيل عفلق مؤسس الحزب وصانع أيديولوجية البعثية الإشتراكية فى مكان بعيد عن مركز المدينة.

والتقي ايلي بصلاح البيطار رجل الحزب رقم 2 فى منزل ميشيل عفلق بعد وقت قصير وقد تأثر البيطار بغيره ايلي القائمة على القناعة وقد شق لقاؤهما الطريق إلى صداقة سريعة ظهر فيما بعد أنها كانت بالنسبة للموساد لا تقدر بثمن !!.

ايلي .. يشترك فى انقلاب البعث !!

علم ايلي الذي كان يجمع المعلومات عن محاولة الانقلاب من المصادر البعثية أن الأمين العام ( ميشيل عفلق ) لم يكن مقتنعا بكفاءة الحريري السياسية غير أنه مع ذلك كان يري أن أمل الحزب الوحيد فى الوصول إلى السلطة هو التعاون مع العسكريين ثم تجاوزهم عن طريق الحيلة والدهاء .

وكان مقتنعا بأن انقلابا سريعا وناجحا سيرفع من شأن البعث وعلى هذا الأساس أصدر تعليماته إلى المراجع التنفيذية بمساندة العصاة .

وقررت القيادة البعثية التعاون مع اللواء الحريري الوحدوي وصدرت الأوامر المبدئية بالطريقة التي سيساهم بها البعث فى الحركة وأرسلت هذه الأوامر إلى خلايا الحزب .

ولم يشترك ايلي فى المهام التي وزعت على الشوارع ليلة الانقلاب لأن الأوامر التي أو كلت إليه هي أن ينتظر فى منزله حتي يتلقي كلمة من حاطوم تؤكد أن محطة الإذاعة سقطت فى أيدي العصاة كي يتجه إلى هناك حيث يساهم فى الإشراف علي إذاعة أخبار الثورة والجهود الإعلامية الأخري .

وعند الساعة الخامسة صباح الثامن من آذار عام 1963 كانت جميع مراكز الحكومة والمؤسسات العسكرية حول دمشق وداخلها قد استسلمت وبعد دقائق تلقي ( ايلي) الرسالة الهاتفية المنتظرة حيث أخبره حاطوم بكلمات موجزة أن محطتي الإذاعة والتليفزيون قد حررتا فاتجه ايلي فورا إلى المحطة بعد أن اجتاز شريطا من الجنود وعددا من مراكز التفتيش التي كان يقوم عليها مدنيون مسلحون وذلك قبل أن يصل مسرعا إلى حيث قام بالواجب الذي أوكل إليه من قبل الحزب وبينما كان ايلي يشرف على إعداد إذاعة الصباح كان الاتصال مستمرا بمبني القيادة العامة وقد استدعي ايلي ميشيل عفلق للحضور إلى الإذاعة حيث تحدث إلى العراقيين ونقل إليهم صورة ملخصة عن الموقف .

وعند الساعة السادسة والنصف أصدر الحريري وضباطه الوحدويون بيانهم الأول ثم انصرفوا إلى إنشاء جهاز حكومي قادر على إخضاع الشعب .

ولكي يستطيعوا حل المشاكل العاجلة أنشأوا مجلسا وطنيا لقيادة الانقلاب من 21 عضوا وأسندت القيادة الإسمية للؤي الأناسي ثم ألف المجلس وزارة من 21 وزيرا برئاسة صلاح البيطار كان بينهم 11 وزيرا من حزب البعث وتسعة من مؤيدي عبد الناصر وقد شغل المدنيون جميع المناصب الوزارية فيما عدا وزارتي الداخلية فقد اختار صلاح البيطار أمين حافظ وزيرا للداخلية .

وفى أقل من أربعة شهور برز أمين الحافظ الذي التقي به ( ايلي) عندما كان ملحقا عسكريا فى السفارة السورية فى بوينوس إيرس بالأرجنتين, برز كشخصية قائده داخل حزب البعث وكان ( ايلي) فى هذا اليوم المشرف على الإذاعة والذي يعطي الإذن بإذاعة بيانات المجلس الوطني لقيادة الثورة يقول مؤلفا الكتاب :

( كان انقلاب 8 آذار نقطة تحول فى مهمة ( ايلي) كبعثي وكعميل فبعد أن استقرت علاقاته مع قيادة الحزب أصبح غطاؤه – وهو الأساس فى مهتمه السرية – قويا جدا وفى الوقت نفسه فإن تحليله للعصيان وسلسلة السرية التى أرسلها إلى مركز الموساد كانت إشارة إلى بداية مهمته الحقيقية ) وهنا يتساءل مترجم الكتاب الأستاذ غسان النوفلي ( ما هي مهمة كوهين الحقيقية بعد 8 آذار ؟!)

(هل عي التجسس فقط ؟! هل هي نقل المعلومات والأسرار العسكرية عن التخطيط والتحصين والتسليح فقط ؟! هل هي إرسال التقارير السياسية عن أوضاع البلاد وإدراتها وسياستها وما يطبخ فى مطابخ الدولة السرية من أمور وأمور؟! هل هي فى تقديم صورة دقيقة وواضحة وكاملة ن أوضاع البلاد الاقتصادية وفعاليتها التجارية والصناعية والزراعية وبيان طاقاتها وإمكاناتها المالية مفرغا كل ذلك فى جداول إحصائية ومخططات بيانية وأرقام تنطق بكل ذلك ؟!

ويجبيب المترجم على تساؤلاته السابقة بقوله ( كلا ليست هذه هي بداية مهمة كوهين الحقيقية – يقول هذا الكتاب – فى انتسابه إلى الحزب: ( الذي قال ضباط الموساد كوهين خلال شهور تدريبه فى تل ابيب أنه هو حزب المستقبل وأن قوة كافية تشكلت من أعضاء حزب البعث والمتعاطفين معهم من الضباط وأن انقلابا وشيكا سيرفع من حزب البعث الذي يستطيع أن يعمل كقوة توازن النفوذ الناصري فى العالم العربي ) وفى تأسيس علاقات واسعة مع عدد من قادته وفى ارتقائه إلى أعلي المستويات وفى نفوذه إلى مختلف أجهزة الدولة الرئيسية والحساسة ومن مركز القوة ومن منطلق السلطة يستطيع أن يوحي وأن بوجه وأن يؤثر وأن يضغط لتنفيذ التعليمات التي يتلقاها على الدوام وهو فى كل يوم يعطي تل أبيب المعلومات ويتلقي التعليمات – مستغلا أبرع استغلاله علاقاته وصلاته الشخصية والحزبية بكل من رئيس الدولة أمين الحافظ ورئيس الحزب ميشيل عفلق ورئيس الوزراء صلاح البيطار وسليم حاطوم حارس الدولة الأمين وعشرات العشرات غيرهم من الرئاسات والقيادات الأخرى التي امتنع الكتاب عامدا عن ذكر واحد منهم لأسباب لا يعرفها إلا رجال المخابرات الإسرائيلية كما امتنع كوهين عن ذلك فى جميع أطوار التحقيق والمحاكمة هذه بداية مهمة كوهين الحقيقة).

وقضي ايلي ما بقي من الأسبوع المحموم الذي تلا الانقلاب وهو ينتقل بين مكتب جورج سيف فى وزارة الإعلام ومقر قيادة حاطوم فكانت المعلومات التي حصل عليها من أعمال المجلس الوطني لقيادة الثورة ثمينة جدا وفى تلك الفترة بالذات بدأ ايلي يتردد على مكتب رئيس الوزراء حيث أقام عفلق والقيادة القطرية لحزب البعث مقرهما المؤقت .

وقد استطاع حزب البعث أن يتخلص ممن شركائه فى الانقلاب وينفرد بالسلطة فقد انتهز أمين الحافظ فرصة سفر الحريري على رأس وفد مكلف بالقيام بزيارة ودية للجزائر حتي انتزع السلطة من الحريري عن طريق المكيدة وكان الحافظ هو القوة الحقيقية وراء عصبة الحزب العسكرية وقام بعملية تطهير للحريريين فى الجيش وعين الحريري نفسه ملحقا عسكريا فى الولايات المتحدة وأرسل إليه التعليمات بأن يتابع سفره إلى واشنطن عن طريق باريس ولكن الحريري لم يذعن وعاد إلى دمشق ولكن البعثيين العراقيين هددوا بالتدخل إلى جانب أمين الحافظ عندئذ أذعن الحريري للأمر ووضع تحت الإقامة الجبرية فى منزله قبل أن يطرد إلى فيينا.

وبعد إخراج الحريري تولي أمين الحافظ جميع صلاحياته وكان أفضل ما فعله (ايلي) فى الأرجنتين أ،ه أقام علاقات صداقة مع أمين الحافظ وما كاد الحافظ يقوم بأعماله الوزارية حتي بعث إليه ايلي بمذكرة تهنئة ثم راح – بناء على تعليمات الموساد , يتابع أعماله بدقة وقد شجع تقدم حافظ السريع ايلي على أن يطالب جورج سيف بإعداد لقاء بينهما .

وبعد أيام قليلة استقبل أمين الحافظ الرجلين بروح من الود فى منزله فى أبو رمانة وتحدث ايلي للجنرال عن أعماله لتجارية ثم تناقشوا فى شئون الحزب وأعلن كامل أمين ثابت ( ايلي) أنه يضع نفسه تحت تصرفه , وقد تأثر أمين الحافظ كثيرا بوطنية !! ثابت وأعرب عن رغبته فى تكرار هذا اللقاء سواء لأسباب شخصية أو أسباب تتعلق بحزب البعث ولما كان نجم ايلي قد تألق فى الحزب لذلك أصبح ضيفا دائما فى منزل أمين الحافظ . ولم تمض فترة طويلة حتي حاز ثقة السيدة زوجة أمين الحافظ وصداقة الحافظ نفسه .

وفي شهر تموز اقترح فرع الحزب فى دمشق أن يعين ايلي عضوا فى القيادة القطرية . قدم ميشيل عفلق الاقتراح وأيد حافظ وحاطوم والبيطار هذا التعيين وخلال أيام قليلة كان ايلي يجلس فى القيادة القطرية لحزب البعث كمراقب ليس له حق التصويت .

ولم تمض فترة قصيرة على وضعه هذا حتي قبل كعضو كامل فى مجلس القيادة ولما كانت شخصية أمين الحافظ آخذة فى اللمعان نلقي ايلي من ( الموساد) تعليمات بتمتين علاقاته بالرجل القوي وسرعان ما ضاعف من زياراته للحافظ كما راح يستخدم الفرص الممكنة...للاجتماع بالحافظ فى قصر المهاجرين وأصبح الحافظ فى حاجة – أكثر من أي يوم مضي – إلى مساندة مدنية تصدر عن عضو فى القيادة القطرية لذلك لم يرفض ولا مرة الإذن له بالدخول وكان يستقبله بطريقة ودية وفي جميع الساعات وكان ( ايلي) يضع نفسه تحت تصرف أمين الحافظ لذلك سرعان ما تمتع ايلي بصلاحيات الحاكم من وراء ستار أما تعاونهما داخل القيادة القطرية فقد استمر حتي النهاية .

فى هذه الفترة أصدر الموساد تعليماته إلى ايلي بأن يضع فى المقام الأول المعلومات الخاصة بالتحصينات السورية على طول الحدود الشمالية واستطاع ايلي بما حصل عليه من نفوذ بمساعدة حاطوم وقيل انقلاب 8 آذار عام 1963 بمساعدة معزي زهر الدين أن يفتح الأبواب إلى منطقة الحدود .

واستطاع ايلي أن يرافق أحد الاثنين ثلاث مرات فى عام 1963 عندما كان يقوم برحلات تفقدية إلى خطوط القتال ومن خلال هذه الزيارات لم يزود ايلي تل أبيب ببيان عن سيرة ومؤهلات الضباط فى القيادة الجنوبية فقط ولكنه أرفقها بصورة فوتوغرافية ومخططات عن المخابئ المحصنة وحجيرات الأسمنت المسلح ومواقع المدفعية بالقرب من مقر الشعار وتل الحمراء وتل العزيزات كما استطاع من مشاهداته الخاصة والمعلومات التي أسر غليه أن يرفع تقريرا عن قوة وهوية الوحدات التي تشرف على الخطوط وقد كانت هذه المعلومات ذات ثمن لا يقدر بعد سنوات قليلة أي خلال الأيام الستة .

وتوثقت صداقة ايلي بحاطوم للدرجة التي سمح فيها ايلي لحاطوم أن يستخدم منزله كمكان للقاءات الغرامية سواء لفترات قصيرة أو لشهر كثيرة عندما يسافر ايلي إلى خارج البلاد وكثيرا ما كان سليم حاطوم يقضي فترة بعد الظهر مع إحدي عشيقاته فى شقة ايلي.

وبالإضافة إلى حاطوم وجورج سيف ومعزي زهر الدين الذين كانوا يستخدمون منزل ايلي لشئونهم الخاصة فقد انضم أخيرا ضابط جديد إلى هذه الحلقة وهو العقيد ( صلاح الضللي) وهو من المحسوبين على أمين الحافظ وعضو فى اللجنة المركزية للحزب وقد أصبح هذا من الضيوف الذين يترددون على منزل ايلي وكان يستضيف مضيفة إيطالية من الخطوط الجوية السورية التقي بها فى حفلة ساهرة اقامها ايلي بعد عودته من أوربا .

وكان لدي ايلي عدا ما أودعه من دين فى رقبا هؤلاء الأصدقاء سبب آخر للسماح لهم باستعمال شقته , فقد كان استخدام حاطوم الشقة لاجتماعات كان يعقدها مع الضباط الدروز واليمنيين من حزب البعث الذين ينتمون إلى جناحه وجميع هؤلاء كانت تجمعهم الكراهية والاحتقار للمستشارين الروس المتغطرسين أساتذة وفنيين من أفراد البعثة العسكرية السوفيتية.. وكان الضباط يجتمعون فى غرفة ايلي الخضراء وهي عبارة عن ردهة واسعة أحادية اللون ومجهزة تجهيزا فنيا فيتحدثون فيها دون عائق وكانوا لا يعرفون طبعا ذات أداة للتوقيت , وفوق كل هذا فقد تبين لإيلي أن هذه الوثائق يمكن أن تستخدم لأغراض الابتزاز فى أية مؤامرة محتملة وفى المواقف الحرجة.

ومضت سنة كاملة على زيارة ايلي الأخيرة لإسرائيل فطلبه رؤساؤه فى ( الموساد) فى تل أبيب ولم تعد مغادرة دمشق لفترة قصيرة مهمة شاقة بالنسبة لأيلي فكل ما كان عليه أن يقوله هو : إن مقتضيات أعماله فى الاستيراد والتصدير اقتضته أن يطير مرة أخري إلى أوربا وقبل أيام من سفر ايلي اقام حفلة ساهرة وكانت حفلة سخية احتفالا بنجاحه بطريقة خاصة قبل العودة إلى إسرائيل .

وفى مقر الموساد قدم ايلي أولا تقريرا إلى رئيس الموساد ثم استجوب ايلي بعد ذلك من رؤسائه خلال عدد من المحادثات حيث قدم تقريرا كاملا عن دوره فى الانقلاب وعن علاقاته بزعماء حزب البعث وقد جري تحليل كامل لاتصالاته بجورج سيف وشيخ الأرض ومعزي زهر الدين وسليم حاطوم وتلقي ايلي الإرشادات حول الأسلوب الذي يتيح الفرصة للمزيد من استثمارهم ثم عاد إلى دمشق ليواصل أداء مهمته.

وكان ايلي يهتم بالتطور الأيدلوجي فى الحزب ما دام يؤدي إلى زيادة معلومات عن تحول واضح لحزب البعث فى اتجاه اليسار وهو تطور كان الموساد يهتم به إلى درجة كبيرة .

وكان بين الأحداث التي شهدها ايلي وقدم عنها بيانات مفصلة سقوط صديقه صلاح البيطار , واستغل ايلي الانقسامات داخل القيادة البعثية أيما استفادة . وقد استطاع ايلي عن طريق حاطوم أن يزور الجبهة الأمامية ويحصل على معلومات وصور لكل ما يهتم إسرائيل .

وكان فصل الخريف مرحلة محمومة بالنسبة لنشاطات ايلي فقد دعي بوصفه عضوا فى لجنة الدفاع ليشهد تمارين المدرعات فى إطار المناورات العسكرية السنوية التي جرت فى 24 تشرين الأول بالقرب من الحدود الإسرائيلية .

وبعد أيام قليلة رافق الفريق على على عامر رئيس القيادة العربية الموحدة فى دورة تفتيشية بالجبهة الجنوبية ولم يكد ينتهي من نقل المعلومات التي جمعها عن هذه المرحلة إلى تل أبيب حتي أحيط علما من قيادة حزب البعث بأن رئيس الجمهورية الذي سيطير إلى باريس لمعالجة آلام أصابته فى كليتيه قد أصر على أن يكون حاضرا فى حفلة الوداع الرسمية التي ستجري له فى مطار دمشق الدولي وعلي الرغم من أن ايلي كان حتي ذلك التاريخ يتجنب الصور الفوتوغرافية فقد فشل فى تجنب بطاريات المصورين الصحفيين الذين هاجموا الوفود المودعة وهي تضم الوزراء والقادرة العسكريين الذين جاءوا يشاركون فى وداع الرئيس وعندما عاد أمين الحافظ من رحلته بعد عملية جراحية أجراها الجراح يهودي فى مستشفي أمريكي فى نويبي كان ايلي حاضرا لنحيته فى مطار دمشق الدولي .

وفي وقت من ذلك المساء زاره أحد مساعدي القصر ليبلغه أن أمين الحافظ أعرب عن رغبته فى الاجتماع به فى اليوم التالي .

وعندما وصل ايلي إلى قصر المهاجرين أدخل إلى غرفة رئيس الجمهورية فاستقبله أمين الحافظ ببشاشة ثم قال له : إنه دعاه لهذه الزيارة لسبب هام يتعلق بالحزب , وإنه كان يتابع عن كثب نشاطه وإنه لذلك يعرف ما بينه وبين صلاح البيطار من صلات الصداقة المتينة لذلك فهو يريد أن يوكل إليه مهمة دقيقة : وهي أن يحمل رسالة مصالحة بينه وبين رئيس الوزراء السابق الذي يقيم الآن فى الأردن للمعالجة من مرض سياسى وانطلق أمين الحافظ يحكي تفاصيل دقيقة أتت على كل الأحداث التي أعقبت ( عصيان نيسان المخجل).

وغادر ( ايلي) دمشق إلى الأردن ولديه صورة كاملة عن كل هذه الأسرار فالتقي بالبيطار فى مدينة الخليل وكان رئيس الوزراء السابق شديد التردد فى العودة لإنقاذ أمين الحافظ مما يتلظي فيه غير أن ايلي استنجد بأوضاع الحزب وحاجاته الملحة إلى عودة أقطابه من رجال الحكم إلى دمشق ونزل البيطار أخيرا عند رأي ايلي وطار الرجلان إلى دمشق وبعد أن عاد البيطار إلى السلطة عاد ميشيل عفلق من منفاه الاختياري فى أوربا .

لقد قام ايلي ( كامل أمين ثابت) المواطن الأرجنتيني الذي عاد ليعيش فى أرض أجداده سوريا خدمات لإسرائيل جعلتها توجه ضربات شديدة الضراوة وعلى درجة فائقة من الدقة حتي تأكد السوريون أن هذه الضربات لا يمكن أن تكون بغير وصول معلومات عن الأهداف المضروبة.

وقيل : إن هذه النتيجة جعلت أجهزة مكافحة التجسس تنشط خاصة بعد وصول جهاز جديد من روسيا للكشف عن أجهزة الإرسال الموجودة داخل سوريا !!.

وفى يناير عام 1965 عقد اجتماع حضره رئيس المخابرات العسكرية ورئيس قوي الأمن الداخلي للبحث فى استخدام الجهاز السوفيتي الجديد الذي وصل مؤخرا إلى دمشق .

وفى يوم التجربة اكتشفت ذبذبات غريبة ومنعزلة وخلال دقائق كانت وحدتان من وحدات تحري الإشارات تتجهان بسرعة إلى حي ( ابو رمانة) حيث يقيم ( ايلي كوهين ) واستطاعوا أن يحددوا أن الجهاز الذي يرسل هذه الذبابات يوجد فى الدور الرابع .

شنت الغارة على منزل ( ايلي) فى دمشق وضبط وهو فى حالة تلبس .. واكتشفت كل الأجهزة التي كان مزودا بها .

وهناك قول آخر فى اكتشاف الجاسوس ( ايلي كوهين ) الإسرائيلي الجنسية المصري المولد الذي استطاع أن يصل إلى مركز القيادة القطرية فى حزب البعث واكتسب ثقة أقطابه هذا القول هو : إن رجال المخابرات المصرية هم الذين اكتشفوا شخصية ايلي كوهين من صورة فوتواغرافية.

أخذت له أثناء مرافقته للفريق على على عامر عندما زار الجبهة السورية إنني أتوقف هنا لأن بقية ما جاء فى الكتاب لا يهمنا فقد حقق مع ( ايلي) ونفذ فيه حكم الإعدام والعجيب أن قضاة أيلي كانوا أعز أصدقائه واللذين مكنوه من أسرار سوريا بحيث كانت بالنسبة للإسرائيليين ككتاب قرءوه ووعوه جيدا.. حتي كانت حرب حزيران ( يونيو) وكانت خيانة تسليم الجولان التي سنتكلم عنها فى الفصل القادم لنلقي مزيدا من الأضواء على جرائم حزب البعث ودوره فى المؤامرة على الشعب السوري المسلم بل وعلى الأمة العربية المسلمة!!

ملاحظة أخيرة :

لم يكن إيلي كوهين هو الجاسوس اليهودي الوحيد الذيلى كان يحكم سوريا من خلال ( الدمي) التي تسمي قيادة حزب البعث ولكن ايلي كوهين هو الجاسوس الذي اكتشفته المخابرات المصرية فأجريت له محاكمة سريعة وأعدم دون أن يصيب عملاءه الذين جندهم فى الحرب فى شتي المجالات شئ.

يضاف إلى ايلي كوهين ممن اكتشف دوره خلال حكم البعث .

1- أحمد رباح يهودي مغربي وأمين فرع الحزب في دمشق الذي غاب فجأة عقب حرب 1967 وأسدل الستار عليه.

2- خالد الجندي الذي أصبح رئيس اتحاد نقابات العمال فى سوريا وطالب الحكومة بان تسمح له ليأتيها برءوس العلماء بعد حوادث عام 1964 فى دمشق وحمص وحماه . وقد تبين أنه جاسوس يتعامل مع جاسوسة يهودية تزوره فى ميناء اللاذقية .

3- وهكذا قادت إسرائيل سوريا إلى حيث أرادت من خلال مجموعة الجواسيس اليهود والذين جندوهم من قيادات حزب البعث أمثال سليم حاطوم وصلاح الضللي ومعزي زهر الدين , وأمين الحافظ وصلاح البيطار , وميشيل عفلق . بعث.... الخيانة!!

الذي يتأمل تاريخ الشعب السوري منذ انقلاب حسني الزعيم الذي دبرته المخابرات الأمريكية وحتي تمكين الطائفة النصرية بزعامة حافظ الأسد من حكم سوريا يجد أن التمكين لإسرائيل وضمان أمنها هو الهدف من كل ما جري ويجري فى سوريا من أحداث خلال تلك الحقبة السوداء .

لقد كان حسني الزعيم يؤكد لأسياده الأمريكان ( أنه ينوي اتخاذ الوحيد الإجراءات الإيجابية لإنهاء النزاع العربي الإسرائيلي) وكان الإنجاز الوحيد الذي أنجزه حسني الزعيم هو عقد اتقافية ( الهدنة) مع إسرائيل عقب نكبة عام 1948.

كما أن سلسلة الانقلابات العسكرية التي أعقبت انقلاب حسني الزعيم كانت كلها صناعة أمريكية وسارت كلها فى نفس الطريق الذي سار فيه حسني الزعيم وكان (الجيش السوري , هو المستهدف من كل تلك الانقلابات ففرغ من العناصر الوطنية الشريفة بالتسريح والتشريد والطرد والسجن والاعتقال والإعدامات أحيانا لأن الجيش السوري كان بمثابة ( القلعة) الحصينة التي تقف عقبة كئودا فى طريق المخطط الإمبريالي الصليبي والصهيوني وخاصة أن الشعب السوري كان هو الشعب الوحيد الذي لم يفلح الحكمان التركي والفرنسي فى إذلاله وترويضه ) كما يقول مايلز كوبلاند عميل المخابرات الأمريكية: لقد نجح المخطط الأمريكي فى المنطقة وحقق أهدافه التي أولها : ( تمكين إسرائيل وتأمين وجودها) عن طريق الانقلابات العسكرية التي اجتاحت المنطقة والتي أثمرت تلك الثمار المرة التي تجنيها الشعوب الأمة العربية وكنت هزيمة يونيو عام 1967 هي ذروة المأساة التي صنعتها تلك الأنظمة .. ولم تكن هزيمة يونيو التي لا مثيل لها فى تاريخ الأمة العربية الإسلامية وربما فى التاريخ البشري كله نتيجة التخريب والتدمير والهدم الذي أوقعته تلك الانقلابات بالشعوب العربية إنما كانت ( الخيانة) هي العامل الحاسم فى تحقيق الهزيمة.. خيانة النظم العسكرية التي أقيمتها فى المنطقة وبصفة خاصة فى مصر وفى سوريا !! وليس هذا استنتاجا منا ولا اتهاما جزافيا ولكنه ( الحقيقة ) التي اعترف بها رفاق عبد الناصر ( حسن التهاميحسين الشافعيصلاح نصر) وبعض قيادات حزب البعث السوري أمثال الدكتور سامي الجندي !!

وربما كان ( سقوط الجولان) خير شاهد على خيانة حزب البعث وسوف أعرض مجموعة من الملاحظات مستقاه كلها من كتاب : ( سقوط الجولان) الذي ألفه ضابط استخبارات الجولان قبل الحرب والذي كان سببا فى اعتقاله واختفائه!!.

لقد علمت فى الفصل السابق أن إسرائيل قد شاركت فى انقلاب 8 آذار سنة 1963 عن طريق رجلها ( إيلي كوهين ) الجاسوس الذي تسمي باسم ( كامل أمين ثابت) استطاع أن يرتقي فى حزب البعث إلى أن وصل إلى عضوية القيادة القطرية ورشح وزيرا للإعلام مرة ونائبا لوزير الدفاع مرة ثانية .

,قد أشرف ( ايلي كوهين) الإسرائيلي الجنسية المصري المولد على إذاعة البيانات الأولي للإنقلاب وقد استطاع ( ايلي كوهين) أن يحكم سوريا من خلال علاقاته بأقطاب حزب البعث وخاصة رئيس الجمهورية أمين حافظ ورئيس الوزراء صلاح البيطار ورئيس الحزب ميشيل عفلق بل كان ( الموساد) جهاز المخابرات الإسرائيلي هو الذي يرسم الخطط ( لإيلي كوهين ) ويصدر له الأوامر صباح مساء ويتلقي منه التقارير أى أن الموساد كان يحكم سوريا عن طريق إيلي كوهين الذي كان ينفذ مخططات تل أبيب عن طريق ( ارتقائه إلى أعلي المستويات ومن مركز القوة من منطلق السلطة ) حيث يستطيع أن يوحي وأن يوجه وأن يؤثر وأن يضغط لتنفيذ التعليمات التي يتلقاها على الدوام وهو ف كل يوم يعطي تل أبيب المعلومات ويتلقي التعليمات مستغلا أبرع استغلال علاقاته وصلاته الشخصية والحزبية.

وقد استطاع إيلي كوهين أن يجعل من سوريا كتابا مفتوحا أمام المسئولين الإسرائيليين فقد فتحت أمامه كل الأبواب ولم يبق هناك فى سوريا سر لم يعرفه حتي الأماكن التي كانت محرمة كان ( ايلي) يذهب إليها وقد زار جبهة الجولان أكثر من مرة مع صديقه سليم حاطوم واستطاع فى هذه الزيارة أن يحصل على أدق الأسرار العسكرية وأن يلتقط الصور الفوتوغرافية للسلاح وللرجال على السواء !!.

وقبل أن تكتشف فضيحة ( ايلي كوهين ) وتقديمه للمحاكمة وإعدامه عام 1965 أي قبل وقوع هزيمة حزيران بعامين اثنين فقط كان ( المسئولون الإسرائيليون) يعرفون عن طريق ( الموساد)ما وصلت إليه الأوضاع داخل الشعب لسوري وداخل الحكومة السورية وداخل الجيش السوري .

أضف إلى هذا أن هناك احتمال وجود إيلي كوهين آخر.. أو كواهين آخرين اضطلعوا بالمهمة بعد إعدام ايلي كوهين , خاصة أنه لم يصب أحد من أعوان ايلي كوهين داخل الحزب وداخل الحكومة وداخل الجيش السوري بأي سوء بل إن الذين كانوا علي علاقة به قد رقوا إلى رتب أعلى بعد ذلك !!.

وقد سبق أن تكلمنا فى فصل سابق عن تفريغ الجيش السوري من طاقاته واستنزاف هذه الطاقات عن طريق تسريح كبار الضباط وخاصة العناصر الشريفة فيه والتخلص من كثير من الضباط عن طريق الإعدام أو السجن أو الطرد والتشريد.

وقد كان لحزب البعث السوري بعد توليه حكم سوريا عن طريق انقلاب 8 آذار سنة 1963 نصيب الأسد ى صناعة مأساة الجيش السوري .

يقول مؤلف كتاب ( تسليم الجولان) عن تسريحات حزب البعث لضباط الجيش السوري بعد استيلائه على السلطة .

(.... ثم تتابعت النشرات : تسرح وتحيل إلى التقاعد وتنقل إلى الوظائف المدنية حتي بلغ مجموع الضباط الذين أخرجوا من الجيش حتي آيار ( مايو) عام 1967 ما لا يقل عن ألفي ضابط مع عدد لا يقل عن ضعفه من ضباط الصف القدامي والجنود ولزيادة تعميق الجريمة ولذر الرماد فى العيون لئلا يقال : أنهم يسرحون الجيش استبدل بالذين أخرجوا من الجيش وخاصة الضباط أعداد كبيرة جدا من ضباط الاحتلال الذين سبق لهم أداء خدمة العلم وجميعهم تقريبا من البعثيين وأكثريتهم من أبناء طائفة العلويين .

وبذلك أصبح الجيش مؤسسة بوليسية لقمع الحريات والتنكيل بالشعب لا جيشا قادرا على صون الحدود والدفاع عن أرض الوطن).

ويسوق مؤلف كتاب( سقوط الجولان) عددا من الأدلة والبراهين على خيانة نظام حزب البعث الحاكم فى سوريا ز.. نلخصها فيما يلي:

1- فرغم أن سوريا كانت هي الطعم الذي ابتعله عبد الناصر او اتخذه مبررا لإغلاق مضيق نيران وطلب سحب قوات الطوارئ الدولية وقد الجيش المصري فريسة سهلة لإسرائيل إلا أن الحكومة البعثية لم تعلن التعبئة العامة ولم تعبئ سوي ثلاث لوءات كلهم من الاحتياط .

2- قبل الحرب مباشرة اتخذت الحكومة البعثية عددا من الإجراءات التي تمكنها من تنفيذ مؤامرة تسليم الجولان من هذه الإجراءات أنها رحلت عائلات أعضاء حزب البعث العسكريين من جبهة الجولان وحملت هذه العائلات كل أمتعتها بما يؤكد إنها لن تعود مرة ثانية غلى المنطقة .. سحبت أسلحة المقاومة الشعبية وتركت سكان منطقة الجولان عزلا من السلاح فى وجه خصم متفوق.. لم توزع الأسلحة على الألوية الاحتياطية إلا قريبا من قواعد الانطلاق للهجوم ب1-2كم لعدم ثقتها بهذه الألوية والخوف من أية محاولة لإسقاط الحكم البعثي القائم فى دمشق .

أكثر من هذا فقد وضعت هذه الألوية الاحتياطية المهلهلة فى الخطوط الأولي لتتلقي الصدمة من العدو .. سحب أطعمة الطوارئ من الجيش بحجة تبديلها فكان أن انقطع التموين وجاءت القوات خمسة أيام خلال الحرب) وبالتحديد منذ حوالي ثلاثة أسابيع قبل الحرب أصدرت قيادة الجبهة أمرا بسحب جميع أطعمة الطوارئ بحجة استبدالها بأطعمة جديدة ومرت الأيام التي سبقت الحرب دون تزويد للقوات المدافعية نوع من أطعمة الطوارئ واقتصر تزويدها بالطعام على الأسلوب اليومي المعتاد حتي إذا ما وقعت الواقعة قام الطيران الإسرائيلي بقصف مراكز التموين وأماكن الطبخ وآليات التموين المتحركة على الطرقات انقطع مورد الطعام الوحيد عن القوات وبقيت طيلة أيام 5, 6, 7, 8 يونيو بلا طعام ولا ماء هذا عن القوات الموجودة فى الجولان .. أما القوات التي حشدت للهجوم فلم يكن حالها أحسن فلم تزود بطعام جاف وحين انقطع التموين أصابها ما أصاب أختها من جوع وظمأ وهنا يكمن احد الأسرار المذهلة التي تعطي تفسيرا عن السهولة التي دخلت بها قوات العدو أرض الجولان المنيع دون ما مقاومة تذكر!!.

أضاف إلى هذا أن القوات السورية لم تبدأ الحرب إلا بعد 22 ساعة من بدء إسرائيل القتال بل أخذت القوات السورية وضع الترقب واكتفت بالبلاغات الكاذبة.

أكثر من هذا أن الطيران السوري لم يظهر فى سماء المعركة بشكل حاسم وكل ما قام به هو طلعات متفرقة نفذتها مجموعات تتألف كل منها من أربع أو ست طائرات اتجهت نحو فلسطين المحتلة يوم 5 حزيران.. وبعد هذا وطيلة أيام الحرب اختفي الطيران ولم يظهر إلا بعد انتهاء الحرب حدث هذا رغم مطالبة القيادة الأردنية باشتراك الطيران السوري مع طيران الأردن فى قصف المطارات والقواعد الإسرائيلية خلال عودة طيران الأردن فى قصف المطارات والقواعد الإسرائيلية خلال عودة الطائرات الإسرائيلية من هجومها على مصر صباح 5 حزيران وهي مجهدة وقد نفذ وقدها وذخيرتها وقد كررت القيادة الأردنية هذا الطلب أكثر من ثلاث مرات وفى كل مرة كان حزب البعث يتهرب ويدعي أعذار واهية .

أما الطامة الكبري التي وقعت فكانت فى الهروب الكبير وقصة هذا الهروب كما يرويها ضابط استخبارات جبهة الجولان( منذ مساء يوم الخميس 8 حريزان بدأت الشائعات تسري سريان النار فى الهشيم عن أوامر صدرت بالانسحاب وبدلا من أن يملك القادة أمرهم ويضبطوا أعصابهم ويبقوا فى أماكنهم ينفذون واجبهم ... بدأ قسم من الضباط – حتي القادة – الانسحاب ولكي تشيع الجريمة ساهموا بنشر تلك الشائعات عن أوامر صدرت من القيادة العامة تنص على الانسحاب كيفيما !! ويا لهول ذلك الذي حدث :

1- قائد الجيش اللواء [[أحمد سويداني]] انهزم عن طريق ( نوي) إلى دمشق تاركا وحدات الجبهة ووحدات دون قيادة واقعة فى حيرة من أمرها وقادتها لا يدرون ماذا يفعلون وقبل هروبه أصدر أوامره إلى العقيد سعيد الطيان بالتراجع إلى موقع خلفي .

2- قائد الجبهة العقيد أركان حرب أحمد المير غادر الجبهة فارا على ظهر حمار لأنه لم يجرؤ على الفرار بواسطة آلية عسكرية لأن الطيران الإسرائيلي كان يقضي على كل آلية يراها مهما صغر شأنها ولكن الحمار عجز عن متابعة الحلة فتخلي عنه أحمد المير وأكمل الرحلة على قدميه فارا إلي دمشق فلم يصلها إلا وقد تورمت قدماه .

3- اتصل عدد من الضباط بقائد الجبهة قبل فراره فرفض التصرف وقال لهم بالحرف الواحد : ( أنا لست قائد جبهة اتصلوا بوزير الدفاع) ( وكان وقتئذ حافظ الأسد) فأقيم الاتصال مع وزير الدفاع بواسطة الأجهزة اللاسكلية وجرت الاتصالات بين قمر1, وقمر 2 فأجاب وزير الدفاع : أنه قد أخذ علما بالوضع وأنه قد اتخذ الإجراءات اللازمة.

وانفرط عقد السيطرة القيادية الذي كان ينظم الوحدات كلها أخذ كل من القادة الصغار يتصرف حسب هواه وأعطوا الأوامر لجنودهم بالهروب والقلائل جدا – وهم من غير البعثيين صمدوا وقاتلوا. لقد بدأ الهروب الكبير منذ مساء الخميس 8 يونيو وبدأ يستشري ويتسع ويمتد حتي بلغ ذروه تفاقمه يوم السبت 10 حزيران ( يونيو) ولم يك جند العدو قد رأوا بأعينهم بعد أرض القنيطرة .. التى أعلن سقوطها !!.

ولقد كان القادة أول الفارين .. وأول من تبعهم وحدات الدبابات وخاصة اللواء السبعين بقيادة المقدم عزت جديد والكتائب التى يقودها كل كل من المقدم رئيف علواني والنقيب رفعت الأسد التي تركت ساحة القتال وعادت إلى دمشق لتحمي الثورة , والضباط الحزبيون على اختلاف رتبهم تركوا قواتهم وفروا إلى القيادة لحضور اجتماع حزبي هام !!

ثم .. صدر البلاغ المشئوم .. من إذاعة حزب البعث فى دمشق يوم السبت 10 حزيران الساعة التاسعة والنصف صباحا يعلن سقوط القنيطرة بيد قوات ويحمل توقيع وزير الدفاع – اللواء حافظ الأسد ويحمل رقم 66.

ويقول صاحب كتاب سقوط الجولان :

( ورغم كل ما اشرنا إليه من جرائم مدبرة وخيانات مرتكبة وهروب كبير كبير فى صفوف القوات المدافعية فإن العدو – رغم قوته المحترفة- لم يستطع التقدم بحرية تامة ...)

( ولقد أذيع البلاغ المجرم يعلن سقوط القنيطرة بينما كانت أقرب قوات متقدمة إليها تشتبك مع مقاومات بطولية فردية البعث من نقطة القلع وتل شيبان...)

( وكان للبلاغ المذكور فعل رصاصه الخلاص فانهارت القوي المعنوية الجبارة ...)

( وبعد إعلان سقوط القنيطرة – كذبا وبهتانا – غادر دمشق أعضاء الحكومة والحزب ( بقيادته كلها ) والجيش ( بجميع ضباطه البعثيين) وأخذت أرتال الآليات ( عسكرية مدنية) تتابع وتتدافع على طريق دمشق- حمص حاملة فى بطونها النساء والأطفال والضباط والقادة ( المسوخ) من رجال حزب البعث تاركين دمشق مفتوحة الأبواب مكشوفة الصدر والظهر والجوانب نهيا لكل غاز وخلوا من كل حارس وجالت السيارات تحمل مكبرات الصوت تثقل الأسماع بندائها المشئوم ( ممنوع التجول) وفى الوقت نفسه اهتبل بعض لصوص الحزب الفرصة ونهبوا ما استطاعوا نهبه من أموال البنك المركزي فى دمشق بحجة أن نقل الاحتياطي الذهب واجب ( قومي)!!.

لقد كان البلاغ رقم 66 الذي أصدره وزير الدفاع وقتئذ اللواء حافظ الأسد يعلن سقوط القنيطرة قبل أن تراها عيون الإسرائيليين بمثابة كلمة النهاية فى مسرحية الخيانة التي سلمت فيها جبهة الجولان التي كان يطلق عليها ( خط ماجينو السوري المشهور الذي كلف البلاد أكثر من ثلاثمائة مليون دولار لتحصينه وتجهيزه بأحدث المعدات والذي اشتهر عنه بأنه لا يؤخذ .. هذا الخط سقط بأيدي القوات الإسرائيلية خلال 48 ساعة فقط )

وقد وصفت مجلة تايم جبهة الجولان قبل سقوطها فى أيدي إسرائيل أن سوريا تسيطر على سلسلة من التلال الصخرية الشديدة الانحدار تمتد لمسافة أربعين ميلا وتشرف على سهول منكشفة للنيران وعلي جوانب التلال خطوط دفاعية مستقلة بعضها فوق بعض وكل خط منها تحميه ثلاث طبقات من الألغام وأسلاك شائكة واستحكامات منيعة ولوصول إلى الطبقة العليا يجب عبور تسعة خطوط ( ماجينو مصغرة ) فهل يمكن أن تسقط الجولان فى أيدي الإسرائيليين بهذه السهولة ودون قتال إلا إذا كانت هناك ( خيانة) ..؟!

والغريب أن عدد القتلي من الجيش السوري لم يتجاوز ال250 قتيلا كما لم يتجاوز عدد الجرحي 300 بينهم عدد من الضباط وحوالي سبعة أطباء . فى الوقت الذي فقدت فيه مصر عشرات الألوف !!.

أما الأسلحة فقد دمر العدو المدفعية بكاملها والمدافع المضادة للدبابات والطائرات ذهبت كلها بين مدمر أو غنيمة والمدفعية الصاروخية أصبحت كتلا من الحديد الأسود المحروق وقد نقل مؤلف كتاب سقوط الجولان عددا من النصوص تدعم ما قدمناه من أدلة على خيانة حزب البعث منها :

قبل الحرب بما يقارب الأربعين يوما وفى إحدي السهرات الليلية وقف مسئول حزبي كبير جدا يتبجح ويقول : (بالأمس كنا فى اجتماع هام , وقد قررنا السعي بكل وسيلة لتوريط عبد الناصر بالحرب مهما كانت النتائج حتى ولو كان ثمن ذلك ضياع الجولان... نحن لا يهمنا إلا توريط عبد الناصر وكشفه أما الرأي العام العربي وإسقاطه وعندها سنبقي ( يعني حزب البعث) قادة الثورة العربية بلا منافس ).

وتتحدث ألسنة المطلعين فى أوساط السوريين عن أمر ذى أهمية بالغة :

يقول الملازم أول (...) عضو الوفد السوري إلى لجنة الهدنة المشتركة ما يلي : ( إنه استدعي إلى مكتب يوسف زعين رئيس الوزارة البعثية بتاريخ 9 حزيران يونيه عام 1967 الساعة العاشرة ليلا فوجد عددا من أفراد لجنة الرقابة الدولية فى مكتب الزعين برفقة السفير (.....) فى دمشق فكلف الضابط المذكور بالترجمة بين رئيس الوزراء ومخاطبيه قال السفير : إذا لم تسحب القيادة السورية قواتها من الجولان فإن القوات الإسرائيلية لن ترتضي هدفا يتوقف زحفها عنده إلا دمشق.

وهنا سأل زعين : وما هي الحدود التي تريد إسرائيل الوقوف عندها ؟!

أجاب السفير : هل عندكم خريطة ؟!

فأبرز الملازم الأول المذكور خريطته وهنا وضع السفير عددا من النقاط التي يجب أن يمر بها خط الحدود الجديد وتتوقف عنده القوات الإسرائيلية إذا قامت السلطات البعثية بسحب قواتها خارجا عنه .

وافق الدكتور زعين ) يقول الملازم الأول المترجم ): ووعد السفير بتحقيق ما طلب وغادر الجميع مكتب رئاسة الوزراء على هذا الأول.

وفى الساعة التاسعة النصف من صباح اليوم التالي صدر بلاغ سقوط القنيطرة!!..

ويقول الدكتور سامي الجندي وزير الإعلام البعثي فى أول وزارة بعثية بعد انقلاب 8 آذار عام 1963:

( لم أخف أبدأ أن الحكم يعد لهزيمة لا لاسترداد فلسطين ).

(..... من يعد إلى الصحافة ويقرأ ما حدث بين عامي 1965, 1967 يتبين الإلحاح على الحرب دون إعداد عسكري أو تنسيق سياسي. لم يكن يعنيهم أبدأ أن ذلك مستحيل وما كانت التقارير التي بين أيديهم تدع مجالا للشك..)

وقد كان جمال عبد الناصر أكثر ذكاء من قيادات حزب البعث فقد تصرف بذكاء إذ استطاع أن يحمل غيره أوزراه فقدم أركان نظام حكمه إلى المحاكمة وقتل أخلص أصدقائه رجاله و أما حزب البعث قد تصرف بغباء حيث كافأ كل الذين شاركوا فى مسرحية الخيانة .. وكان حافظ الأسد وزير الدفاع وقتئذ وصاحب البلاغ رقم 66 الذي سلم فيه الجولان بدون قتال هو الذي فاز بنصيب الأسد ومكن هو وطائفته من مقاليد الحكم وبقي فيه حتي الآن .

أما أحمد سويدان قائد الجيش الذي كان أول الفارين فقد استمر فى منصبه بعد النكبة قرابة ستة أشهر قم أزيح من منصبه لأن القيادة

الطائفة النصيرية ترث حزب البعث

قلت فى الفصل السابق : إن هزيمة حزيران ( يونيو) سنة 1967 كانت نتيجة خيانة النظامين الحاكمين فى سوريا ومصر : نظام حزب البعث .. ونظام جمال عبد الناصر . هذا ما اعترف به بعض رجال النظامين . وقلت : إن جمال عبد الناصر كان أكثر ذكاء من قادة حزب البعث فقد استطاع أن يحول أصابع الاتهام عن شخصه ووجها إلى أخلص أعوانه وعلى رأسهم رفيق عمره المشير عبد الحكيم عامر الذى قيل : إنه انتحر وكل القرائن تدل على أنه أرغم على الانتحار, وهناك من يقول : إنه قتل وذكر محمد حسن التهامي أن جمال عبد الناصر اعترف له أن المشير عامر قد تناول السم فى مكتب جمال عبد الناصر نفسه وقدم أركان نظامه أمثال شمس بدران ..وصلاح نصر.. إلى محاكمة مسرحية سميت بمحكمة النكسة وثارت الجماهير على الأحكام التى أصدرتها المحكمة على قادة سلاح الطيران لأنها لم تكن تتناسب مع الجريمة التى ألصقت بها !!.

وأعيدت المحاكمة ورفعت الأحكام !!

وبذلك استطاع جمال عبد الناصر أن يبعد عن نفسه تهمة الخيانة ليبقي فى الحكم ثلاث سنوات بعد أبشع هزيمة فى تاريخ مصر وتاريخ الأمة العربية ويبو أن القوي التي تحرك الدمي العملية التي أدت دورها بعبقرية وبصفة خاصة شخصية الزعيم الخالد أرادت أن يبقي عبد الناصر – صنما تعبده الجماهير الغافلة العمياء حتي بعد موته مثلما فعلت مع شبيه مصطفي كمال أتاتورك رقم واحد والرجل الأنموذج لعمالة العسكر!!.

أما حزب البعث فلم يفعل ما فعله عبد الناصر بل فعل العكس تماما فلم يقدم أحد من العسكريين لمحاكمة ولم يكلف خاطره بإجراء أى تحقيقات ولكن سارت الأمور كأن شيئا لم يكن وكأن هزيمة بشعة لم تقع! لقد رقي الذين نفذوا المؤامرة القذرة التى انتهت بتسليم الجولان وعلى رأس هؤلاء وزير الدفاع الذي أذاع البلاغ رقم 66 الذي أعلن فيه ( سقوط الجولان ) بأيدي اليهود قبل أن تسقط ب22 ساعة اللواء حافظ الأسد الذي رقي إلى رتبة فريق ومكن بعد ذلك من حكم سوريا ليقوم بتنفيذ بقية المؤامرة التي وضعت خطوطها الصليبية الإمبريالية والصهيونية العالمية !!

وبعد الهزيمة استطاعت الطائفة النصيرية , وعلى رأسها حافظ الأسد أن تبتلع حزب البعث وتتخلص من كل الطوائف الأخري التي كانت تشاركها فى الحزب ففي 17 تشرين الثاني ( نوفمبر) عام 1968 أى بعد الهزيمة التى انتهت بسقوط الجولان بعام واحد قام حافظ الأسد بما سماه حركة تصحيحية وأودع الأتاسي وجديد وزعين السجن وأظهر الطاغية الخائن للشعب السوري حرصه على الحرية وقتئذ ووعد بالدستور ثم أصبح رئيسا للجمهورية عام 1970 أثر انتخابات صورية مزيفة لم يشارك الشعب فيها عدا طائفة دفعها الخوف من المخابرات أو الحرص على المصلحة ! ومنذ استيلاء الأسد على الحكم بدأت مرحلة جديدة سيطرت فيها هذه الطائفة المعروفة بخيانتها للإسلام وبعمالتها للاستعمار وبعطفها على اليهود !!.

ولابد لنا من وقفة لنلقي الضوء على تاريخ هذه الطائفة وعقائدها ومخططاتها َ!.

الطائفة النصيرية واحدة من الفرق التي انسلخت من الإسلام واستبدلت به دبنا من صنع الناس ومنذ قرون اتخذت من الساحل السوري مقرا أساسيا لها وقلما اغتربت عنه إلا فى مناسبات طارئة وفى أمواج قليلة استقر بعضها حول مدينة حلب لكنها فى العهد الحاضر ومنذ الانقلاب البعثي فى 8 آذار عام 1963 انطلقت خارج معاقلها وأحاطت بمدن رئيسية فى سوريا وخاصة حول حمص وطرطوس واللاذقية وكثروا فى دمشق وحماه .

أما عن الجذور التاريخية للطائفة وأصولها العقائدية فيحدثنا عنها أحد شيوخ النصيرية الذى كشف الأسرار الخطيرة للطائفة ونشرتها مجلة المجتمع الكويتية فقال :

( تاريخ الباطنية فى الإسلام يرمز من طرف خفي إلى أولئك الغلاة أصحاب البدع الذين تبرأ منهم جعفر الصدق على رءوس الأشهاد قبل وفائه عندما شعر بخطر الأفكار التي راحوا يبشرون بها على الإسلام ووحدة الصف الإسلامي ).

وبعد وفاة الإمام جعفر الصادق استطاع هؤلاء أن يتلاعبوا فى صفوف الشيعة ففرقوا شملها وجعلوها فرقا وأحزابا يتزعم كل منهم إحداها ويضع لها الأسس والمبادئ التي تتفق ع ميوله والغاية التي يهدف إليها والهادفة غلى تقويض دعائم الإسلام ومن هؤلاء :

1- ميمون القداح الديصاني اليهودي الفارسي مؤسس الفرقة الميمونة وواضع المبادئ القرمطية الهدامة.

2- المفضل الجعفي أصل كل رواية باطنية ومؤسس الفرقة المفضلية الغالية .

3- أبو الخطاب المجوسي الذى يمت بصلة القربي لحد الكهان اليهود في البصرة ولما شعر الإمام جعفر الصادق بأنه استطاع أن يغوي ولده إسماعيل بن جعفر تبرأ منه ونزع ولاية العهد عن والده إسماعيل وبالرغم من كل هذا تمكن من إيجاد الفرقة الخطابية وساهم بوضع مبادئ الإسماعيلية والقرامطة.

4- محمد بن سنان خازن علم الباطن ومؤسس الفرقة السنانية .

( إن أصل الغلو والزندقة والتطرف هؤلاء الأربعة مجتمعين لأنهم كما يشتم من تاريخهم الأسود اعتنقوا الإسلام وافتعلوا الولاء لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم المتغطية وليتمكنوا من تنفيذ المخطط اليهودي الهادف إلى تحطيم الدين الإسلامي , هؤلاء هم الذين وضعوا الأسس والمبادئ العقائدية الباطنية الغالية وظلت الفرق التي نوهنا عنها آنفا تعمل بموجبها حتي عام 360 هجرية حيث أعلنت غيبة الإمام الثاني عشر محمد بن حسن العسكري عندما ظهر من أحفاد هؤلاء شيخ آخر اسمه ( وحيد العين) يتمتع بذكاء خارق ودهاء منقطع النظير هو أبو شعيب بن نصير النميري الذي عكف على دراسة المبادئ والأسس لكافة الفرق الشيعية المتطرفة فصهرها جميعا فى بوتقه واحدة صاغ منها المعتقدات لنصيرية السرية التي لا يزال حتي يومنا هذا القسم الأكبر من المشايخ السذج يطبقونها وينطلقون منها فى وعظهم وإرشادهم ولقد حمل أبو شعيب هذا أو سيدنا ( وحيد العين) المحور الرئيسي الذي تدور عليه العقيدة إطلاق صفة الأولوهية على الإمام على بن أبي طالب رضي الله عنه وتسميته ( بأمير النحل) حيث شبه المؤمنين بالنحل وهو أميرهم كما منح نفسه لقب ( الباب) الذي يحل محل ( أمير النحل) ويمثله)!!

( ثم جاءه بعده الشيخ الجنبلاني والحلي والزاهري, وجبين المذهب الشيخ على الصوري , والخصيبي فأوجدوا المراتب والحجب والأظلة والقباب والنقبا , والنجبا ودعوا إلى عبادة الشمس والقمر والحلول ى حلول ( الألوهية ) فى أمير النحل وبأنها سلمان الفارسي وان سلمان خلق المقداد والمقداد خلق الناس لذلك فهو رب الناس أوجدوا الاجتماعات السرية والقداسات والصلوات التي تذكر بعضا منها.

مقتطفات من صلوات النصيرية :

( بسم الله الرحمن الرحيم قد فاز وأفلح من أمسي وأصبح بمعنوية مولاي على أمير المؤمنين الأنزع صلع والجلح ابتديت بأول إجابتي بالإقرار لقدس معنويته مولاي( أمير النحل) على حيدرة أبي تراب منه استفتح وفيه أحيا وأنجي وفيه أفوز وفيه أستغني وفيه أختم وهو ربي ورب آبائي الأولين ورب الآخرين ورب الخلائق أجمعين وأقول كما قال ( وحيد العين ) سيدي( أبو شعيب ) محمد بن نصير إلى يحيي بن معين السامري قال : إذا دهت فى الحياة ونزلت بك نازلة فى الممات فقل يا مولاي يا على بك استعنت وعليك توكلت يا دليل الأدلة).

وفى هذه العبارة ظاهر الغلو والحلولية فى معتقدات النصيرية وليس بعد هذا الكفر كفر!!

والمطلع على عقيدة النصيرية المتتبع لمنابعها يعلم بيقين أنها منحدرة من ثلاثة مصادر هي : النصرانية والماسونية والمجوسية ففيها من النصرانية التثليت إذ نقدس من الأشخاص ثلاثة هم : على ويسمونه المعني والاسم ثم الحجاب وهو محمد صلى الله عليه وسلم ثم سلمان ويطلقون عليه اسم ( الباب) ولذلك الرمز المقدس لكل نصيري هو ( عين,ميم, سين) وهم شديدو التمسك بهذا الرمز المقدس حتي لا يكادون يحنثون إذا حلفوا به , وقد أخذت النصيرية من الماسونية بعض الخصائص وبخاصة السرية واستبعاد المرأة ورموز التعرف فالنصيري كتوم لنحلته لا يبديها إلا لأهلها ويعتبر التقية أساسا لدينه فيتظاهر بالإسلام وقد يداوم على الصلاة مع المسلمين حتي يحسبوه منهم ولا تنكشف لهم حقيقته إلى حين يدعونه إلى التبرؤ من كل دين يخالف دين الإسلام . والنصيري يحجب دينه عن المرأة فتنشأ على غير دين ويبالغ فى اقصائها عن اجتماعاته الدينية كشأن الماسون فى عدم إشراكهم المرأة فى نحلتهم قبل التطور الأخير .

أما المجوسية فتتجلي فى إيمان النصيري بالتناسخ الذي يقوم على إنكار البعث والجنة والنار.

ومن المعروف أن اسم ( العلوية الذيى يتمسح به النصيريون لمك يكن معروفا قبل عام 1930 حينما اخرعته لهم فرنسا التي أنت تحتل بلاد الشام ( سوريا ولبنان) وسمت جبال النصيرية ب العلويين وأقامت لهم فترة من الزمن دولة تحمل هذا الاسم كما جعلت لهم إلها يعبدونه هو ( سليمان المرشد ) الذى أعدم فى عهد وزارة صبري العسلي فى بداية عهد الاستقلال ولا يزال أبناء المرشد يتوارثون الإلوهية حتى الآن .

" أما التاريخ الأسود للطائفة النصيرية فيسجله الإمام ابن تيمية فى إجابته على سؤال العلامة المحقق أحمد بن مري الشافعي .. وجواب ابن تيمية هذا هو القول الفصل فى عقيدته هذه الطائفة الحاقدة على الإسلام والمسلمين ..

جواب ابن تيمية

النصيرية أكفر من اليهود والنصاري والمشركين

يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله عليه :

( الحمد لله رب العالمين هؤلاء القوم المسلمون بالنصيرية هم وسائر أصناف القرامطة الباطنية أكفر من لليهود والنصاري بل وأكفر من كثير من المشركين وضررهم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أعظم من ضرر الكفار المحاربين مثل كفار التتار والفرنج وغيرهم فإن هؤلاء يتظاهرون عند جهال المسلمين بالتشيع وموالاة أهل البيت ).

وهم فى الحقيقة لا يؤمنون بالله ولا برسوله ولا بكتابه ولا بأمر ولا نهي ولا ثواب ولا عقاب ولا جنة ولا نار ولا بأحد من المسلمين قبل محمد صلى الله عليه وسلم ورسوله عند علماء المسلمين يتأولونه على أمور يفترونها يدعون أنها علم الباطن من جنس ما ذكره السائل .

النصيرية ملاحدة لا دين لهم

فإنهم ليس لهم حد محدود فيما يدعونه من الإلحاد فى أسماء الله تعالي وآياته وتحريف كلام الله تعالي ورسوله عن مواضعه , إذا مقصودهم إنكار الإسمان وشرائع الإسلام بكل طريق مع التظاهر بأن لهذه الأمور حقائق يعرفونها من جنس ما ذكر السائل ومن جنس قولهم : إن ( الصلوات الخمس) معرفة أسرارهم ( والصيام المفروض ) كتمان أسرارهم ( وحج البيت العتيق ) زيارة شيخهم وأن يدي أبي لهب هما ابو بكر وعمر ( وأن النبأ العظيم والإمام المتين) هو على بن أبي طالب .

النصيرية أعداء الإسلام وكفار وزنادقة

ولهم فى معاداة الإسلام وأهله وقائع مشهورة وكتب مصنفة فإذا كانت لهم مكنة سفكوا دماء المسلمين كما قتلوا مرة الحجاج وألقوهم فى بئر زمزم وأخذوا مرة الحجر الأسود وبقي عندهم مدة وقتلوا من علماء المسلمين ومشايخهم وأمرائهم وجنودهم مالا يحصي عدده إلا الله تعالي وصنفوا كتبا كثيرة مما ذكره السائل وغيره .

وصنف علماء المسلمين كتبا فى كشف أسرارهم وهتك أستارهم وبينوا فيها ما هم عليه من الكفر والزندقة والإلحاد هم به أشد كفرا من اليهود والنصاري ومن براهمة الهند الذين يعبدون الأصنام وما ذكره السائل فى وصفهم قليل من الكثير الذى يعرفه العلماء من وصفهم .

النصيرية هم السبب فى احتلال النصاري

ومن المعلوم عندنا أن السواحل الشامية إنما استولي عليها النصاري من جهتهم وهم دائما مع كل عدو للمسلمين فهم مع النصاري على المسلمين.ومن أعظم المصائب عندهم انتصار المسلمين على التتار. ومن أعظم أعيادهم إذا استولي والعياذ بالله تعالي النصاري على ثغور المسلمين ومازالت بأيدي المسلمين حتي جزيرة قبرص يسر الله فتحها عن قريب , وفتحها المسلمون فى خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه فتحها معاوية بن ابي سفيان إلى أثناء المائة الرابعة .

النصيرية هم السبب فى سقوط القدس فى ايدي الصليبيين وهم السبب فى سقوط الخلافة العباسية

فهؤلاء المحادون لله ورسوله كثروا بالسواحل وغيرها فاستولي النصاري على الساحل .

ثم بسببهم استولوا على القدس الشريف وغيره فإن أحوالهم كانت من أعظم الأسباب فى ذلك .

ثم لما أقام الله ملوك المسلمين المجاهدين فى سبيل الله تعالي كنور الدين الشهيد , وصلاح الدين , واتباعهما وفتحوا السواحل من النصاري ممن كان بها منهم , وفتحوا أيضا أرض مصر فإنهم كانوا مستولين عليها نحو مائتي سنة واتفقوا هم والنصاري فجاهدهم المسلمون حتي فتحوا البلاد , ومن ذلك التاريخ انتشرت دعوة الإسلام بالديار المصرية والشامية .

ثم إن التتار ما دخلوا بلاد الإسلام وقتلوا خليفة بغداد وغيره من ملوك المسلمين إلا بمعاونتهم ومؤازرتهم فإن مرجع هؤلاء الذي كان وزيرهم وهم النصير الطوسي كان وزيرا لهم , وهو الذي أمر بقتل الخليفة وبولاية هؤلاء .

للنصيرية أسماء أخري ولهم ألقاب معروفة عند المسلمين.

تارة يسمون الملاحدة.

وتارة يسمون القرامطة.

وتارة يسمون الباطنية.

وتارة يسمون الإسماعيلية.

وتارة يسمون النصيرية.

وتارة يسمون الحزمية .

وهذه الأسماء منها ما يعمهم ومنها ما يخص بعض أصنافهم كما أن الإسلام والإيمان يعمان المسلمين.

ولبعضهم اسم يخصه إما لنسب , وإما لمذهب , وإما لبلد , وما لغير ذلك وشرح مقاصدهم يطول.

ظاهر مذهبهم الرفض وباطنهم الكفر المحض

وهم كمال قال العلماء فيهم : ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض. وحقيقة أمرهم أنهم لا يؤمنون بني من الأنبياء والمرسلين لا بنوح ولا إبراهيم ولا موسي ولا عيسي ولا محمد صلوات الله وسلامة عليهم أجمعين . ولا بشئ من كتب الله المنزلة لا التوارة ولا الإنجلي ولا القرآن , ولا يقرون بأن للعالم خالقا خلقه , ولا بأن له دينا أمر به , ولا أن له دارا يجزي الناس فيها على أعمالهم غير هذه الدار. وهم تارة يبنون قولهم على مذاهب الفلاسفة الطاعنين والإلهيين(؟). وتارة يبنونه على قول الفلاسفة وقول المجوس الذين يعبدون النور ويضمون إلي ذلك الرفض ويحتجون لذلك من كلام النبوات .

إما بقول مكذوب ينقلونه كما ينقلون عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال : أول ما خلق الله العقل , والحديث موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث ولفظه – أن الله لما خلق العقل فقال له : أقبل فأقبل فقال له : أبر فأدبر – فيحرفون لفظه ويقولون : أول ما خلق الله العقيل ليوافقوا قول المتفلسفة أتباع أرسطو فى أ، أول الصادرات عن واجب الوجود هو العقل.

وإما بلفظ ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيحرفونه عن مواضعه كما يصنع أصحاب رسائل إخوان الصفا ونحوهم فإنهم من أئمتهم . وقد دخل كثير من باطلهم على كثير من المسلمين وراج عليهم حتي صار ذلك فى كتب طوائف المنتسبين إلى العلم والدين وإن كانوا لا يوافقونهم على أصول الدعوة النهائية وهى درجات متعددة ويسمون النهاية البلاغ الأكبر والناموس الأعظم.

استهزاؤهم بالله وبأسمائه الحسني

ومضمون البلاغ الأكبر جحد الخالق تعالي والاستهزاء به وبمن يقر به حتي قد يكتب أحدهم اسم الله فى أسفل رجله , وفيه أيضا جحد شرائعه ودينه وما جاء به الأنبياء ودعوي أنه ن جبسهم طالبين للرئاسة فمنهم من أحسن فيطلبها , ومنهم من أساء فى طلبها حتي قتل , ويجعلون محمد وموسي من القسم الأول , يجعلون المسيح من القسم الثاني وفيه من الاستهزاء بالصلاة والزكاة والصوم والحج من تحليل نكاح ذوات المحارم وسائر الفواحش ما يطول وصفه .

ولهم إشارات ومخاطبات يعرف بها بعضهم بعضا وهم إذا كانوا فى بلاد المسلمين التي يكثر فيها أهل الإيمان فقد يخفون على من لا يعرفهم , وأما إذا كثروا فإنه يعرفهم عامة الناس فضلا عن خاصتهم لا تجوز مناكحتهم ولا أكل ذبائحهم

وقد اتفق علماء المسلمين على أن هؤلاء لا تجوز مناكحتهم ولا تجوز أن ينكح الرجل ولاته منهم , ولا يتزوج منهم امرأة ولا تباح ذبائحهم.

وأما الجبن المعمول بأنفحتهم ففيه قولان مشهوران للعلماء كسائر أنفحة الميتة وكأنفحة ذبيحة المجوس وذبيحة الفرنج الذين يقال عنهم أنهم لا يذكون الذبائح.

فمذهب أبي حنيفة وأحمد فى إحدي الراويتين أنه يحل هذا الجبن لأن أنفحة الميت طاهرة على هذا القول لأن الأنفحة لا تموت بموت البهيمة وملاقاة الوعاء النجس فى الباطن لا ينجس .

ومذهب مالك والشافعي وأحمد فى الرواية الأخري أن هذا الجبن نجس لأن أنفحة هؤلاء نجسة لأن لبن أنفحتها عندهم نجس .

ومن لا تؤكل ذبيحته , فذبيحته كالميتة , وكل من أصحاب القوانين يحتج بآثار ينقلها عن الصحابة, فأصحاب القول الأول نقلوا أنهم أكلوا جبن المجوس وأصحاب القول الثاني أنهم أكلوا ما كانوا يظنون أنه من جبن النصاري , فهذه مسألة اجتهاد للمقلد أن يقلد من يفتي بأحد القولين .

أوانيهم وملابسهم كأواني المجوس وملابسهم

أم أوانيهم وملابسهم فكأواني المجوس وملابس المجوس على ما عرف من مذاهب الأئمة الصحيح فى ذلك أن أوانيهم لا تستعمل إلا بعد غسلها فإن ذبائحهم ميتة فلابد أن تصيب أوانيهم ما يطبخونه من ذبائحهم من ذبائحهم فتنجس بذلك , فأما الآنية التي لا يغلب على الظن وصول النجاسة إليها فتستعمل من غير غسل كآنية اللبن التي لا يضعون فيها طبيخهم أو يغسلونها قبل وضع اللبن فيها وقد توضأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه من جرة نصرانية فما شك فى نجاسته لم يحكم بنجاسته بالشك .

لا يصلي على ماتاهم ولا يدفنون فى مقابر المسلمين

ولا يجوز دفنهم فى مقابر المسلمين ولا يصلي على من مات منهم فإن الله سبحانه وتعالي نهي نبيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على المنافقين كعبد بن أبي ونحوه وكانوا يتظاهرون بالصلاة والزكاة والجهاد مع المسلمين ولا يظهرون مقالة تخالف دين الإسلام لكن يسرون ذلك فقال الله :" ولا تصل على أحد منهم مات أبدأ ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهو فاسقون " فكيف بهؤلاء الذين هم مع الزندقة والنفاق يظهرون الكفر والإلحاد .

استخدام المسلمين لهم فى الجيش والوظائف العامة والخاصة من الكبائر

أما استخدام مثل هؤلاء فى ثغور المسلمين أو حصونهم أو جندهم فإنه من الكبائر وهو بمنزلة من يستخدم الذئاب لرعي الغنم فإنهم من أغش الناس للمسلمين ولولاة أمورهم , وهم أحرص الناس على فساد المملكة والدولة وهم شر من المخامر الذي يكون فى المعسكر , فإن المخامر قد يكون لع غرض إما مع أمير العسكر وإما مع العدو وهؤلاء مع الله ونبيها ودينها وملوكها وعلمائها وعامتها وخاصتها.

النصيرية خونة ومتآمرون يسلمون البلاد والعباد للعدو متي استطاعوا

وهم أحرص الناس على تسليم الحصون إلى عدو المسلمين وعلى إفساد الجند وعلى ولي الأمر وإخراجهم عن طاعته ويحل لولاة الأمور قطعهم من دواوين المقاتلة فلا يتركون فى ثغر ولا فى غير ثغر فإن ضررهم فى الثغر أشد , وأن يستخدم بدلهم من يحتاج إلى استخدامه من الرجال المأمونين على دين الإسلام وعلى النصح لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم , بل إذا كان ولي الأمر لا يستخدم من يغشه وإن كان مسلما فكيف بمن يغش المسلمين كلهم .

ولا يجوز له تأخير هذا الواجب مع القدرة عليه بل أى وقت قدر على الاستبدال بهم وجب عليه ذلك وأما إذا استخدموا وعملوا العمل المشروط عليهم فلهم إما المسمي وإما أجرة المثل لأنهم عوقدوا على ذلك فإذا كان صحيحا وجب المسمي وإن كان فاسدا وجبت أجرة المثل , وإن لم يكن استخدامهم من جنس الإجازة اللازمة فهي من جنس الجعالة الجائزة لكن هؤلاء لا يجوز استخدامهم فالعقد عقد فاسد لا يستحقون إلا قيمة عملهم فإن لم يكونوا عملوا عملا له قيمة فلا شئ لهم.

ديارهم وأموالهم مباحة

لكن دماءهم وأموالهم مباحة , وإذا أظهروا التوبة ففي قبولها منهم نزاع بين العلماء فمن قبل توبتهم إذا التزموا شريعة الإسلام أقروهم عليها من لم يقبلها – وورثتهم من جبسهم فإن مالهم يكون فيئا لبيت المال ولكن هؤلاء إذا أخذوا فإنهم يظهرون التوبة لأن أصلي مذهبهم التقية وكتمان أمرهم وفيهم من يعرف وفيهم من قد لا يعرف فالطريق فى ذلك أن يحتاط فى أمورهم .

لا يتركون يجتمعون ولا يمكنون من حمل السلاح

فلا يتركون مجتمعين ولا يمكنون من حمل السلاح وأن يكونوا من المقاتلة ويلزمون شرائع الإسلام. مع الصلوات الخمس وقراءة القرآن ويترك بينهم من يعلمهم دين الإسلام ويحال بينهم وبين معلمهم فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه وسائر الصحابة لما ظهروا على أهل الردة وجاءوا إليه قال لهم الصديق اختاروا إما الحرب المحلية وإما السلم المخزية فقالوا: يا خليفة رسول الله هذه الحرب المحلية قد عرفناها فما السلم المخزية ؟ قال : تدون قتلانا ولا ندي قتلاكم وتشهدون أن قتلانا فى الجنة وقتلاكم فى النار ونقسم ما أصبنا من أموالكم تردون ما أصبتم من أموالنا وتنزع منكم الحلقة والسلاح وتمنعون من ركوب الخيل وتتركون تتبعون أذناب الإبل حتي يري خليفة رسول الله والمؤمنون أمر بعد ردتكم فوافقه الصحابة على ذلك إلا فى تضمين قتلي المسلمين فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال له : هؤلاء قتلوا فى سبيل الله فأجورهم على الله يعني هم شهداء فلا دية لهم فاتفقوا على قول عمر فى ذلك.

وهذا الذي اتفق الصحابة عليه هو مذهب أئمة العلماء والذي تنازعوا فيه تنازع العلماء فذهب أكثرهم أ، من قتلة المرتدون المجتمعون المحاربون لا يضمن كما اتفقوا عليه آخر وهو مذهب ابي حنيفة وأحمد فى إحدي الروايتين ومذهب الشافعي وأحمد فى الرواية الأخري وهو القول الأول فهذا الذى فعله الصحابة بأولئك المرتدين بعد عودتهم إلى الإسلام يفعل بمن أظهر الإسلام والتهمة ظاهرة فيه فيمنع أن يكون من أهل الخيل والسلاح والدروع التي تلبسها المقاتلة ولا يترك فى الجند من يكون يهوديا ولا نصرانيا ويلزمون شرائع الإسلام حتي يظهر ما يفعلونه من خير أو شر ومن كان من أئمة ضلالهم وأظهر التوبة أخرج عنهم وسير إلى بلاد المسلمين التي ليس لهم بها ظهور فإما أن يهديه الله تعالي وإما أن يهديه الله تعالي وإما يموت على نفاقه من غير مضرة المسلمين.

قتال النصيرية المرتدين... وإقامة الحدود عليهم من أعظم الطاعات

ولا ريب أن جهاد هؤلاء وإقامة الحدود عليهم من أعظم الطاعات وأكبر الواجبات وهو أفضل من جهاد من لا يقاتل المسلمين من المشركين وأهل الكتاب , فإن جهاد المرتدين من جنس جهاد المرتدين والصديق وسائر الصحابة بدءوا بجهاد المرتدين قبل جهاد الكفار من أهل الكتاب , فإن جهاد هؤلاء حفظ لما فتح من بلاد المسلمين وأن يدخل فيه من أراد الخروج عنه وجهاد من لم يقاتلنا من المشركين وأهل الكتاب من زيادة إظهار الدين وحفظ رأس المال مقدم على الربح.

وأيضا فضرر هؤلاء على المسلمين أعظم من ضرر أولئك بل ضرر هؤلاء من جنس ضرر من يقاتل المسلمين من المشركين وأهل الكتاب وضررهم فى الدين على كثير من الناس أشد من ضرر المحاربين من المشركين وأهل الكتاب.

يجب على كل مسلم أن يفشي أخباركم.

ويجب على كل مسلم أن يقوم فى ذلك بحسب ما يقدر عليه من الواجب, فلا يحل لأحد أن يكتم ما يعرفه من أخبارهم بل يفشيها ويظهرها ليعرف المسلمون حقيقة حالهم ولا يحل لأحد أن ينهي عن القيام بما أمر الله به ورسوله , فإن هذا من أعظم أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد فى سبيل الله تعالي وقد قال الله تعالي لنبيه صلي الله عليه وسلم :" يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين".. والمعاون على كف شرهم وهدايتهم بحسب الإمكان له من الأجر والثواب ما لا يعلمه إلا الله تعالي :" كنتم خير أمة أخرجت للناس " قال أبو هريرة : كنتم خير الناس للناس تأتون بهم فى القيود والسلاسل حتي تدخلوهم الإسلام .

فالمقصود بالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هداية العباد لمصالح المعاش والمعاد بحسب الإمكان فمن هداه الله منهم سعد فى الدنيا والآخرة ومن لم يهتد كف الله ضرره عن غيره.

ومعلوم أن الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أفضل الأعمال ما صلى الله عليه وسلم : رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد فى سبيل الله تعالي.

وفى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إن فى الجنة مائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء إلى الأرض أعدها الله عزوجل للمجاهدين فى سبيله).

وقال صلى الله عليه وسلم ( رباط يوم وليلة فى سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه ) ومن مات مرابطا مات مجاهدا وجري عليه عمله وأجري عليه رزقه من الجنة وأمن الفتنة.

والجهاد أفضل من الحج والعمرة كما قال تعالي :" أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد فى سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين . الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبدأ إن الله عنده أجر عظيم ".

والحمد لله رب العالمين وصلاته وسلامه على خير خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. وإذا كان الإمام ابن تيمية رحمة الله عليه قد سطر لنا صفحة من التاريخ الأسود للطائفة النصيرية وحكم عليها ( بأنها أكفر من اليهود والنصاري بل وأكفر من كثير من المشركين وضررها على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أعظم من ضرر الكفار المحاربين مثل كفار التتار والفرنج وغيرهم ) فإن التاريخ المعاصر لهذه الطائفة لا يزال ماثلا أمام أعيننا ولا تزال أيدي سفاحيهم مغموسة فى دماء الآلاف من المسلمين اللبنانين والفلسطنيين والسوريين أنفسهم !؟

وتبدأ جرائم هذه الطائفة الوالغة فى دماء الضحايا من مسلمي السنة مع عصر الاحتلال الصليبي لبلاد الشام ( سوريا ولبنان) على يد فرنسا التي لا تزال تبارك جرائم النصيريين فى لبنان وسويا . وإذا كان النصيريون ركائز للصليبيين والتتار فى الماضي فبمساعدتهم احتل الصليبيون القدس ونكلوا بالمسلمين وهم الذين حملوا السلاح مع التتار فى أثناء عدوانهم على بلاد المسلمين .. وإذا كانوا بالأمس قد جندوا أنفسهم مع جيوش الصليبيين والتتار فهاهم اليوم يحملون السلاح مع الموازنة الصليبيين فى لبنان ضد المسلمين , وحقيقة تعاونهم مع الموازنة تعود إلى زمن الإنتداب الفرنسي لبلاد الشام فى مطلع هذا القرن فقد أقامت فرنسا لهم دولة وصنعت منهم إلها عبده جميع النصيرين وجندتهم فى جيشيها وكانت أما حنونا لهم وللموارنة.

وقد وجدت الطائفة النصيرية فرصتها الذهبية فى الدعوة إلى القومية العربية تلك الفكرة التي أوحي بها الاستعمار الصليبي والصهيوني إلى عملائه من ذرارى المسلمين والحاقدين من أبناء الطوائف الأخري( النصاري – الدروز – الإسماعيليين النصيريين) وكان حزب البعث هو التجسيد لهذه الفكرة و هو ( التنظيم) الذي احتوي كل هؤلاء الحاقدين بل إن منشئ الحزب هما ميشيل عفلق النصراني وزكي الأرسوزي النصيري وكلاهما ربيب الصليبية الفرنسية ومنذ إنشاء حزب البعث برز الدور النصيري فى الحزب بل وفى كل مرحلة من مرحلة بدءا بزكي الأرسوزي ومرورا بوهيب الغانم وسليمان العيسي ومحمد عمران وصلاح جديد وانتهاء بحافظ الأسد وعصابته فى الحزب والجيش !! بل لقد استطاعت الطائفة النصيرية على يد حافظ الأسد أن ترث الحزب كاملا وتستحوذ عليه وتصفيه من كل العناصر المناوئة لها !!

وقد خططت الطائفة النصيرية لتصل إلى هذه النتيجة فعقدت المؤتمرات وحددت الأدوار التي يلعبها أبناؤها وقد كشف أحد شيوخ النصيرية عن المؤتمرات السرية التي عقدتها الطائفة منذ عام 1960 فى رسالته التي أرسلها إلى مجلة المجتمع الكويتية ونشرتها تحت عنوان : ( شيخ نصيري ( علوي) يكشف أسرار خطيرة عن مؤتمري القرداحة وحمص) يقول الشيخ النصيري:

فى عام 1960 تنادي مشايخ النصيرية سرا لعقد اجتماع لهم فى قرية( القرداحة) حضره كبار الضباط النصيريين وعلى رأسهم كل من محمد عمران ومحمد نبهان وصلاح جديد وحافظ الأسد وكان الهدف الرئيسي من هذا الاجتماع التداول والاتفاق على كيفية انخراط الضباط النصيريين فى صفوف حزب البعث لاستغلاله وجعله سلما للوصول إلى الحكم وفى نهاية الاجتماع اتخذت القرارات السرية التالية :

1- منح محمد عمران رتبة ( البابية) وتكليفه بالتخطيط للمنظمات العسكرية وكيفية توزيعها على المنظمات الوطنية لاستغلالها والتستر بها .

2- الموافقة على بقاء محمد عمران فى صفوف الوحدويين من ناحية الظاهر .

3- التغرير بالضباط الدروز والإسماعيليين للتعاون معهم .

4- منح عزت جديد رتبة ( نقيب) فى المذهب النصيري.

5- الموافقة على إحلال إبراهيم ماخوص – محل والده فى رتبته الدينية.

6- تكليف المشايخ دعوة أبناء الطائفة للتضامن والتعاون وتشجيعهم للانخراط فى الجيش .

هذه هي قرارات المؤتمر النصيري الأول الذي مهد للمؤتمر الثاني الذي عقد فى حمص بعد 18 تموز سنة 1963 لدراسة النتائج المتأتية عن الدور الذى لعبه محمد نبها نفى حوادث 18 تموز وأدي إلى تسريح أكثر من 400 ضابط من أنصار عبد الناصر.

الاجتماع الثاني فى حمص

من البدهي أن يضم الاجتماع الثاني عددا أكبر من المشاريع بالإضافة إلى كل من الضباط الآتية أسماؤهم :

عزت جديد ومحمد عمران, وحافظ الأسد وإبراهيم ماخوص.

وفى نهاية الاجتماع اتخذت القرارات الآتية :

1- ترفيع محمد نبهان إلى رتبة – نجيب – تقديرا لدوره الفعال فى 18 تمورز.

2- منح محمد عمران الوشاح البابي الأقدس وتكليفه بمتابعة نشاطه فى حقل الناصريين.

3- إعادة النظر بالتخطيط الموضوع بشأن انضمام المزيد من أبناء الطائفة المثقفين إلى حزب البعث والدخول باسم الحزب فى الليات العسكرية ومؤسسات الجيش.

4- التخطيط البعيد لتأسيس الدولة النصيرية عاصمتها حمص.

5- تكليف صلاح جديد بقيادة وتوجيه العناصر النصيرية فى الجيش ومنحه أرفع رتبة عسكرية ( مقدم).

6- مواصلة نزوح النصيرية من كافة قري الريف إلى المدن وخاصة إلى حمص واللاذقية وطرطوس.

7- منح حافظ الأسد رتبة – نجيب – وهي تلي رتبة جديد.

8- منح عزت جديد وعلى حمادة رتبة ( المختص).

9- السعي لاستئصال العناصر الدرزية والإسماعيلية الموجودين فى صفوف الجيش والعمل على إحلال العناصر النصيرية محلهم.

10- تسليم القيادة المدنية السياسية إلى إبراهيم ماخوص وإعداده ليكون رئيسا للوزارة النصيرية المنشودة.

وافق الجميع على هذه القرارات التي قدمها الشيخ على ضحية بإيعاز من – الباب – محمد عمران – ولكنني استهجنت استغلال الدين والطائفية من أجل أمور دنيوية بحتة وحذرت المؤتمرون من مغبة هذا العمل اللاوطني وذكرت لهم أن العرب سيتألبون عليهم فى كل مكان ونوهت لهم بأنهم مهما أوتوا من قوة فلن يستطعيوا الصمود فى وجه الشعوب عندما يعلن صراحة قيام الدولة النصيرية المنشودة أما منح الرتب الدينية المقدسة لأشخاص لا علاقة لهم بالدين فمخالف للصول والأحكام ولن أوافق عليه مطلقا وأفهمت المشايخ بأنهم إذا كانوا يرغبون فى الحفاظ على الطائفة يجب أن يكونوا أوفياء لبلادهم فيعملوا لإبعاد الدين والطائفية عن سياسة الاستغلال والتآمر . وبالرغم من هذا الموقف فقد أقرت المقترحات وانتخبوا وفدا يضم ثلاثة مشايخ هم : الشيخ على ضحية , والشيخ أحمد سلطان الأحمد, والشيخ سليمان العلي لنقل قرارات الاجتماع وليقدموا التهاني لأصحاب الرتب الجديدة .

وفى اليوم التالي لوصول الوفد إلى دمشق استدعاني جديد والأسد إلى دمشق حيث تقابلنا فى بيت العميد على حماد وجري نقاش حاد كشفت فيه كل شئ .

مخطط صليبي .. صهيوني .. نصيري

بعد تجربة الحكم التي استمرت خمس سنوات مكن فيها لحكم البعث الذي نجح فى إعداد البلاد لأبشع هزيمة تمت بدون حرب وضاعت فيها ( الجولان) . بل وسلمت فيها الجولان إلى اليهود هدية رخيصة .. وكان البيان المشئوم رقم 66 الذي أذاعه اللواء حافظ الأسد وزير الدفاع وقتئذ من إذاعة دمشق وأعلن فيه سقوط القنيطرة قبل أن تطأها قدم يهودي ب22 ساعة .. كان نجاح حزب البعث خلال تلك الفترة..

وبروز شخصية الأسد وقحته وخيانته فى هزيمة حزيران دافعا لأن يختار حافظ الأسد ليكمل مسيرة سوريا نحو الخراب والدمار التي بدأها حزب البعث فى الثامن من آذار عام 1963 .. فبعد عام واحد مكن للأسد من الحكم وكان ماكرا خبيثا استطاع أن يخدع الشعب السوري الذي كان قد ضاق صدره بحكم البعث واستبداد حكم البعث الذي أذل الشعب السوري ولطخ جبينه بالعار جاء الأسد إلى الحكم ورفع شعارات الديمقراطية والحرية والانفتاح .. واستبشر الشعب السوري وظن خيرا.

ولكن حافظ الأسد بدأ بتصفية حزب البعث نفسه من كل العناصر غير العلوية ومكن للطائفة العلوية تمكينا تاما فى أجهزة الدولة وقطاعات الجيش المختلفة ورافق تصفية الحزب هذا التخفيف من كبت الحرية فى التعبير عن إنقاذ الحزب وشئ من الحرية الاقتصادية وكان بذلك يخدم أهدافه هو فى تنفيذ مخطط مرحلة ما بعد الهزيمة وسعيا منه وراء كسب تأييد شعبي للعهد الجديد..!

ورغم غبطة الشعب السوري بما حدث فى صفوف حزب البعث إلا أن الشعب كان لا يخفي قلقه من تعصب الوضع الجديد للطائفة النصيرية العلوية وتحققت المخاوف شيئا فشيئا ففي ظل الحريات البسيطة الممنوحة مررت الخطط النصيرية ولم يفق الناس إلا على وضع طائفي متكامل توج بتشكيل ( سرايا الدفاع ) أقوي فرق الجيش السوري وأحسنها تسليحا من الطائفة ذاتها ووضعت تحت إمرة رفعت الأسد شيقي حافظ الأسد ومع اكتمال الصورة أخذت المخاوف تتغلغل فى نفوس الشعب السوري تغذيها الاستفزازات والتحديات الصادرة من أفراد الطائفة النصيرية لعموم الناس وكشف حافظ الأسد عن وجهه القبيح الحاقد على الإسلام والمسلمين عندما ألف لجنة لإعداد الدستور الذي غاب طوال الفترة السابقة من حكم البعث وجمعت اللجنة الأذناب والحاقدين على الإسلام فجاء الدستور صورة مناقضة تماما لما ترضاه الجماهير وخلا من أى نص يحمي الأمة فى دينها وعقيدتها وتاريخها بل جاء ثوريا ! اشتراكيا! تحرريا! تقدميا! مباركا من الفئات الصليبية والنصيرية لأنه جاء تعبيرا عما تريده هذه الفئات للتحكم فى جماهير الشعب السوري المسلم!! واستبعد الدستور الشريعة الإسلامية حتي كمصدر من مصادر التشريع وركز على ضرورة تنشئة جيل اشتراكي علماني ( أى لاديني) فى سوريا.

ولم يسلم قانون الأحوال الشخصية من كيد الحكم النصيري فقد نظمت مظاهرة من أبناء الطائفة ومن الحاقدين على الإسلام من أبناء الطوائف الأخري ( النصاري – الدروز – الإسماعيلية) واتجهت إلى المجلس النيابي وأعلنوا سخطهم على قانون الأحوال الشخصية وخاصة ما يتصل بالطلاق وتعددالزوجات واتخذت هذه المظاهر مبررا لتشكيل لجنة من نصاري ونصيريين لتعديل القانون وجعله يتمشي مع التقدمية والإشتراكية وأوضاع المجتمع العصري ولكن نقمة المسلمين وصرخة علمائهم أجلت الموضوع إلى حين ولكن حافظ الأسد الخائن العميل أصدر مؤخرا قانونا يمنع الزواج بأكثر من واحدة ووضع قيودا على الطلاق!!

واستمر حافظ الأسد فى تنفيذ المخطط النصيري الذي يخدم المخططات الصليبية والصهيونية والشيوعية والحاقدة على الإسلام والمتآمرة على المسلمين فاستهدف كل ما هو إسلامي من النظم والقوانين والقيم والأعراف والعادات وحاول القضاء عليها فبعد أن جاء الدستور الذي وضعه سنة 1970 خاليا من كل ما هو إسلامي وبعد أن مسخ قانون الأحوال اتجه بعد ذلك إلى المؤسسات التعليمية لهدمها فأفرغ المناهج من كل ماله صلة بالإسلام فغير منهج التربية الإسلامية واستبدل لاصطلاحات الإسلامية باصطلاحات غير إسلامية فالفتوح الإسلامية سماها حروب التحرير والحروب الصليبية بالحروب الإستعمارية !! وطارد العناصر الإسلامية بين هيئات التدريس فنقل مدرس ومدرسة من أكبر الكفاءات التعليمية إلى وظائف بعيدة عن التعليم ل لشئ إلا أنهم من أصحاب الاتجاه الإسلامي بصفة عامة والذين ينتمون إلى الإخوان المسلمين بصفة أخص .

بل لقد وصلت قحة حزب البعث النصيري إلى مطالبة اتحاد الطلبة بإلغاء كلية الشريعة بجامعة دمشق أو على الأقل إخراج هذه الكلية من مباني الجامعة .. وتمادت السلطات البعثية النصيرية إلى طرد ما يزيد عن عشرين طالبة محجبات من دار المعلمات بدير الزور لمحافظتهن على مظهرهن الإسلامي , وقد حدث إحدي مدارس البنات أن زارها أحد الوزراء البعثيين فأحنقه منظر البنات المحجبات فهجم عليهن كالوحش الكاسر وانتزع من على رءوسهن الخمار.

أكثر من هذا أخذت الأجهزة الأمنية للنظام البعثي النصيري تتعقب النساء المسلمات وتطاردهن وتتعدي عليهم وكثيرا ما اختطفت بعض الشابات واعتدت على عفتهن وتخلصت منهن بالموت ومن بين هؤلاء الآنسة ( غفران أنيس ) التي اختطفت منذ أكثر من عامين وعثر عليها مشوهة ومثلها الطالبة ( ليلي....) فى مدرسة القبالة والتمريض بدمشق التي عثر على جثتها فى مجاري مياه نهر بردي ولم يكتف النصيريون العلويون بإخراج العناصر الإسلامية من المعلمين والمعلمات وتسريحهم أو نقلهم إلى وظائف بعيدة عن التعليم ولم يكتفوا بإفساد المناهج وتفريغها من كل ما هو إسلامي ولكن أقاموا ما أطلقوا عليه معسكرات الطلائع حيث أوجبوا على الطلاب والطالبات الذين أنهوا المرحلة الابتدائية حضور هذه المعسكرات بنين وبنات ولا يسمح لهؤلاء بالانتقال إلى المرحلة الإعدادية إلا بعد حضورهم هذه الدورات وذلك ليلقنوهم مبادئ البعث ويزيلوا العقدة القائمة بين الذكور والإناث ليتم بناء الإنسان الاشتراكي العلماني الملحد وليشيعوا الميوعة والتخنث فى نفوس الناشئة ويقضوا على روح الرجولة التى لا تتناسب مع بقائهم فى سدة الحكم .

وقد واصل نظام الحكم البعثي النصيري الذي على رأسه الخائن العميل حافظ الأسد السياسة التى انتهجها حزب البعث منذ استولي على السلطة فى آذار عام 1963 والتي تتمثل فى تصفية الجيش من كل العناصر اللابعثية وعلى وجه أخص من العناصر الإسلامية السنية .

فلم يبقوا فى الجيش إلا العناصر السنية الذيلية التابعة للحزب بل كثيرا ما تخلصت الطغمة النصيرية الحاكمة حتي هذه العناصر وممن لهم تاريخ أسود أمثال _ صلاح الضللي) الذي كان بعثيا متعصبا ومن أصدقاء ( ايلي كوهين) الجاسوس اليهودي عضو القيادة القطرية والذي كشفته المخابرات المصرية وحاكمه حزب البعث أيام حكم أمين واللذان حاكماه هما أخلص أصدقائه وأهم عملائه اللذان مكناه من أدق الأسرار :

سليم حاطوم الدرزي وصلاح الضللي السني لقد تخلصت من صلاح الضللي هذا الطغمة النصيرية الحاكمة .

لقد تدنت نسبة السنيين الذين يمثلون أكثر من 90% من الشعب السوري فلا يوجد فى الجيش أو الكليات العسكرية السورية إلا ما يعادل 12 % من عدد الجيش وطلاب الكليات العسكرية وقد تبين فى حادث مدفعية حلب أن عدد الطلاب الثلثمائة لم يكن من بينهم سوي ثلاثين طالبا سنيا وال270 طالبا هم من الطائفة النصيرية العلوية الحاكمة .

ولم يكتف الخائن العميل حافظ الأسد بتسليم الجولان بإعلان بيانه المشئوم رقم 66 من إذاعة دمشق الذي أعلن فيه سقوط القنيطرة قبل أن تطأها قدما يهودي ب22 ساعة .. لم يكتف بهذا ولكن فى حرب 10 رمضان 1393 – 6 أكتوبر عام 1973 أضافت إسرائيل 800 كيلو جديدة من أراضي سوريا غلى الجولان والغريب أن الأسد عد بطلا من أبطال حرب العاشر من رمضان هذه!!.

وموقف النظام البعثي النصيري الحاكم من القضية الفلسطينية هو موقف العمالة للصليبية واليهودية والخيانة للإسلام وللعروبة على السواء وهذا ما يوضحه حديث السيد سليم زعنون ( ابو الأديب) معتمد حركة التحرير الوطني ( فتح) فى منطقة الخليج فى المؤتمر الصحفي الذي عقده فى مقر ( فتح) فى الكويت وجاء فيه:

( إننا نعقد مؤتمرنا الصحفي باسم ( فتح) لأن الناطق الرسمي السوري صرح لأول مرة بأن الجيش السوري يستهدف ( فتح) وحلفاءها وأضاف : أنه اتضح لدي قيادة المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية منذ عدة أشهر أن الخط الذي يحكم تصرفات الحكم السوري ونواياه هو العداء الكامل للمقاومة الفلسطينية ومحاولة إجهاض المكتسبات التي حققتها بدماء أبنائها للحفاظ على شرف الأمة العربية).

ثم تحدث عن علاقة منظمة الصاعقة بالمقاومة الفلسطينية : إن حركة فتح لا تنسي أنه فى عام 1966 , وبمؤامرة من بعض أفراد الصاعقة جري اعتقال بعض الإخوة القاديين وكانت يادتنا تعاني بإستمرار من سؤال كبير فى أيليول عام 1970 حول رفض قائد سلاح الطيران السوري فى ذلك الوقت أن يتحرك سلاحه مع القوات السورية التي توجهت لحماية الثورة فى شمال الأردن , وفي تموز عام 1971 عندما عاني شعبنا من مجزرة الأحراش وعجلون على يد الأردن , حاولت قواتنا المؤلفة من لواء اليرموك وعدد كبير من مقاتلينا الاندفاع من ت الحدود السورية إلى جرش وعجلون من أجل المشاركة فى الدفاع عن فدائيينا هناك, ولكن منعهم النظام السوري بالقوة من القيام بهذا الواجب... ولا زالت كوادرنا تذكر كيف حجزت سوريا السلاح الذي قدمته الجزائر للثورة الفلسطينية.

ثم صادرته بعد ذلك , كما أننا نذكر بكل ألم الكثير من المضايقات التي فرضتها المخابرات السورية على مقاتلينا داخل سوريا وعلى معسكرات التدريب .. وكنا ننفي ما يقال على أن ثوارنا ممنوعون من عبور الأراضي السورية فى طريقهم لتنفيذ عملياتهم داخل الأراضي المحتلة كان بعض العالمين بخفايا السياسة يهمسون بأن هناك مخططا تآمريا للقضاء على الثورة الفلسطينية وعلى فتح وكنا نرفض أن نتعامل على أساس الوساوس.

وقال : إن الإنقلاب الذي قام به العميد عزيز الأحدب فى لبنان وقد أدخل علاقة المقاومة مع سوريا فى مرحلة جديدة وخاصة بعد أن فرضت سوريا حصارا بريا وبحريا وجويا على الأسلحة والأدوية والمواد الغذائية المرسلة إلى المقاومة من دول الخليج .. إن سوريا لم تلتزم بتنفيذ النقاط السرية فى اتفاق الرئيس السوري مع أبو عمار ومن أهمها انسحاب القوات السورية من لبنان .

إن الصهيونية وأمريكا تريدان العودة بالعجلة إلى الوراء حيث تكون الجبهة المواجهة لإسرائيل هي الأنظمة العربية والجيوش النظامية فقط .

-وهذا يفسره احتلال السوريين لمنطقة العرقوب فى جنوب لبنان مما يوضح أن العملية تبين أن الغاية هي إبعاد المقاومة عن الناس مع إسرائيل .

ومن جهة أخري فقد صرح جنبلاط للصحفيين بقوله : المخطط الذي أوضحه العميد ريمون أده صحيح وقد أوضحه عدد من السفراء والأصدقاء وقالوا لنا : إن هناك اتفاقا أمريكيا – عربيا يهدف إلى إعطاء الجنوب للفلسطنيين والشمال والبقاع لسوريا , وإلى إنشاء دولة صغيرة محايدة فى الضفة الغربية , كما يقضي المشروع الإسرائيلي لأمريكي إضافة إلى دويلة فلسطينية للنازحين فى الجنوب ودويلة ثانية فى غرب الأردن تفصل بين إسرائيل وشرق الأردن وقيام دولة مارونية فى لبنان أو فيما تبقي من لبنان , هناك عرض أمريكي فى هذا الصدد منذ أكثر من تسعة أشهر ويدخل ضمن هذه المشاريع الطائفية مشروع يهدف إلى إقامة وطن قومي علوي فى سوريا ووطن قومي كردي فى شمال العراق .

لقد تجاوز حقد حزب البعث بعامة طوائفه والطائفة النصيرية على وجه الخصوص للإسلام وللمسلمين كل حد وراحوا يحاربون الإسلام والمسلمين بأخبث الأساليب وأنكد وأخس الوسائل وأسفلها لقد وصلت القحة بهؤلاء وأولئك أن يذيعوا من محطة دمشق الإذاعية هذا النداء :

آمنت بالبعث ربا لا شريك له
وبالعروبة دينا ما له ثان

بل إن صحفهم الرسمية ( الجيش والشعب) قد نشرت ما هو أوقح من هذا النداء مقالا بتوقيع ( خلاص) قال فيه:

( إن الله والأديان والإقطاع والرأسمال والاستعمار والمتخمين وكل القيم التي سادت المجتمع السابق ليست إلا دمي محنطة يجب إحالتها إلى متاحف الآثار ).


أكثر من هذا فإن كتائبهم عندما استباحت مدينة حماة المجاهدة أيام أمين الحافظ كانت تهتف بهذا الهتاف القذر الذي يعبر عن ( الحلم الرهيب) للبعث والنصيرية :

هات سلاح وخذ سلاح
دين محمد ولى وراح !!

إن مسية الله والمقدسات الإسلامية أسرع الأشياء إلى ألسنة ضباط النصيرية فى مخاطباتهم للمسلمين من الجنود وقد وصل الأمر بهذه الطائفة النصيرية الكافرة أن يكتب أحد أفرادها اسم الجلالة على فرج امرأة عاهرة عارية وتنشر الصورة فى صحيفة تصدرها مؤسسة حزبية تحت رعاية الدولة !!.

وكان الاضطهاد والتشريد والسجن والاعتقال والملاحقة والمطاردة والقتل هو نصيب الإخوان المسلمين فى سوريا طوال هذه الحقبة السوداء من حكم البعث النصراني النشأة النصيري النهاية حتي قبل تنفيذ كل خطوة من المؤامرة الصليبية اليهودية ضد الإسلام والمسلمين فى سوريا ولبنان وهذا هو موضوع الفصل الأخير من هذا الكتيب !!.

الإخوان ... يتصدون للمؤامرة

لقد حمل الإخوان المسلمون لواء الجهاد طوال الخمسين عاما الماضية ضد أعداء الإسلام فى الخارج وعملائهم من الحكام فى الداخل ولا يزالون كذلك يحملون اللواء رغم المؤامرات التي حيكت لهم والنكبات التي أنزلت عليهم والافتراءات والتهم التى لفقت لهم والمحاكمات التي أقيمت لقادتهم والمشنق التي علق عليها خيرة رجالهم , كان الإخوان المسلمون ولا يزالون هم وحدهم فى ساحة الجهاد يقاتلون أعداء الله باللسان والسنان وليس لهم سند إلا الله وإيمانهم القوي أنهم جنود الحق وأنهم أوفياء لعهدهم مع ربهم لا يخيفهم طغيان طاغية ولا ترهبهم شراسة دكتاتور ولا تنطلي عليهم مخادعة منافق أو عميل و خائن مهما كان خداعه أو ادعاؤه أو نفاقه لأن ( الحق) وحده هو ميزانهم الذي يزنون به الرجال .

وكانت سوريا أول قطر عربي تنتقل إليه دعوة ( الإخوان المسلمون) وتقام فيه جماعة تحمل نفس الإسم وتسير على نفس المنهاج وتتخذ نفس الوسائل والأهداف .

ففي شهر جمادي 1354هـ الموافق أغسطس سنة 1935 أرسل الإمام الشهيد حسن البنا أخاه الأستاذ عبد الرحمن الساعاتي والأستاذ محمد أسعد الحكيم لزيارة القطر الشقيق وبث الدعوة فى أنحاء سوريا وفلسطين وقد وصلا إلى بيت المقدس صباح يوم الأحد 5 من جمادي الأولي بمعية الزعيم التونسي الأستاذ عبد العزيز الثعالبي الذي رافقهما من القاهرة عصر السبت 4 من جمادي . وقد قابل مبعوثا الإخوان سماحة السيد محمد أمين الحسيني رئيس المجلس الإسلامي الأعلي فى فلسطين ونشر الدعوة ثم غادرا بيت المقدس إلى دمشق عن طريق بيروت فوصلا دمشق يوم الأربعاء وصليا الجمعة فى المسجد الأموي وخطبا فيه لدعوة الإخوان المسلمين وقابلا زعماء الحركة الإسلامية هناك .

ويقول الأستاذ عبد الرحمن الساعاتي فى الكلمة التي نشرتها مجلة الإخوان المسلمين فى العدد التاسع عشر من السنة الثالثة جمادي 1354هـ الموافق أغسطس سنة 1935 عن لقائه بالحاج محمد أمين الحسيني مفتي فلسطين السابق .

( رجل ذكرنا له الإخوان المسلمين فقال : أهلا بالإخوان المسلمين وشرحنا له ما حضرنا من أجله فقال : مرحبا بالمجاهدين العاملين وقال : لقد قرأت عقيدتكم فما وجدت أجمع منها ورأيت جريدتكم فما أعجبت بمثلها وسمعت حديثكم فسمعت قولا عجبا ) ثم كان من حديث سماحته لنا: ( إن مصر لا تنجو إلا بفكرتكم ولا نجاة لمصر غلا بفكرة الإخوان المسلمين ).

ويقول أحد رجالات الإخوان فى سوريا :

بدأت الحركة الإسلامية فى سوريا أواخر الثلاثينيات فى شكل جمعيات إسلامية متباينة فى السماء فكان مثلا فى حلب جمعية ( دار الأرقم) وفى حمص جمعية تحمل اسما آخر وهكذا.

ولكن أول تشكيل للإخوان المسلمين كان فى مدينة حلب سنة 1937 وأول من حمل دعوة الإخوان المسلمين إلى سوريا بعد زيارة الأستاذ عبد الرحمن الساعاتي وصاحبه هما فضيلة الشيخ محمد الحامد والدكتور مصطفي السباعي رحمهما الله رحمة واسعة وكان المرحوم الشيخ الحامد على صلة بالإمام الشهيد حسن البنا عندما كان الأول طالبا بالأزهر وكان يعتبر من أصفياء الإمام الشهيد وكذلك كان المرحوم الدكتور مصطفي السباعي وكان الدكتور السباعي والشيخ والحامد يقيمان معا فى القاهرة وكان يتردد عليهما الإمام البنا إلا أن اهتمامات الدكتور مصطفي السباعي كانت تختلف عن اهتمام الشيخ حامد فقد كان الدكتور السباعي يهتم اهتماما كبيرا بالسياسة وقد سبب له لذلك كثيرا من المتاعب فتعرض للسجن مرات فسجن فى مصر وفى فلسطين وفى سوريا فى أول عهده .

وفى أوائل الأربعينيات توحدت الجمعيات الإسلامية فى مختلف المدن السورية تحت اسم ( الإخوان المسلمين ) واختير الدكتور مصطفي السباعي أول مراقب للإخوان المسلمين فى سوريا ووثق الإخوان المسلمين فى سوريا صلتهم بالإخوان المسلمين فى مصر واعتبر الإخوان فى سوريا منذ اللحظة الأولي لتأسيس الجماعة هناك أنهم جزء لا يتجزأ من جماعة الإخوان المسلمين التي أسسها الإمام الشهيد حسن البنا فى مصر عام 1928 وكانوا يكتبون فى لوائحهم منذ أول تشكيل وفي المادة الأولي من اللائحة أن :


( الإخوان المسلمون فى سوريا جزء من جماعة الإخوان المسلمين التي أسسها الإمام الشهيد حسن البنا...)

وقد كان المرحوم الدكتور مصطفي السباعي أول مراقب للإخوان المسلمين فى سوريا عضوا فى نفس الوقت بالهيئة التأسيسية للإخوان المسلمين فى مصر والهيئة التأسيسية كانت أعلي هيئة للجماعة وكانت بمثابة مجلس شوري لجماعة الإخوان .

هذا عن نشأة ( الإخوان المسلمين) فى سوريا , أما عن دور الإخوان فى الحركة الوطنية فى سورية فيقول أحد كبار الإخوان السوريين :

- الحقيقة أن الإخوان المسلمين فى سوريا قد ساهموا مساهمة فعالة ومؤثرة وجدية فى الحركة الوطنية السورية والتي انتهت باستقلال سوريا عام 1945 هب الشعب السوري عن بكرة أبيه ثائرا فى وجه المستعمرين الفرنسيين وقد قاد الدكتور مصطفي السباعي بنفسه مجموعة مسلحة فى مدينة حمص وربما كانت هذه المجموعة الوحيدة التي حاربت واصطدمت بالسلاح مع القوات الفرنسية المستعمرة , وقد شكل الإخوان فى كل المدن السورية قوات ضاربة رغم أنهم كانوا لا يزالون فى أول الطريق وكتب الإخوان المسلمون فى سوريا صفحات مشرقة بجهادهم اليهود الصهاينة فى فلسطين وقد قاد الدكتور مصطفي السباعي بنفسه كتائب الإخوان على أرض فلسطين وكان لجهاد الإخوان تأثير مباشر ومؤثر فى الاحتفاظ بالقدس القديمة فقد رفض المجاهدون من الإخوان أوامر الملك عبد الله بالجلاء عن القدس وكان المرحوم عبد الله التل قائدا للقوات الأردنية وقد تعاون الدكتور السباعي مع عبد الله التل وعندما اصدر الملك عبد الله أوامره إلى قائد القوات الأردنية المرحوم عبد الله التل حرض الدكتور مصطفي السباعي قائد القوات الأردنية عبد الله التل على عدم إطاعة أوامر الملك عبد الله ونسق معه وقاتل مجاهدو الإخوان إلى جانب عبد الله التل والقوات الأردنية للإحتفاظ بمدينة القدس القديمة وتأخير سقوطها حتي المؤامرة الناصرية التى انتهت بهزيمة عام 1967 وقد كشف الدكتور مصطفي السباعي رحمة الله عليه خيانة الملك عبد الله بعد ذلك وطاف بالمدن السورية والأردنية وألقي العديد من الخطب فى عمان وقريبا من قصر بسمان وحفيده الملك حسين بحكم سنة 1956 ولم يمنعه ذلك من الكشف عن خيانات الملك عبد الله التي أدت إلى تسليم فلسطين لليهود بتعاونه مع غيره من حكام الشعوب العربية أمثال الملك فارق ملك مصر وجهاد الإخوان المسلمين فى فلسطين لا ينكره إلا جاحد او حاقد أو جهول لأن الإخوان في فلسطين قد كشفوا عن قوتهم بأ‘مالهم البطولية التي كانت أكبر دليل على نموهم وقوة ساعدهم وقد تميز جهاد الإخوان المسلمين فى فلسطين أكثر مما كان عليه قبيل استقلال سوريا فالثورة ضد المستعمرين الفرنسيين شارك فيها كل الشعب السوري ولم ينفرد الإخوان بالجهاد ولكن فى فلسطين تميز الإخوان عن غيرهم من المتطوعين فقد كان المتطوعين ينتمون إلى أحزاب مختلفة فلكل حزب قواته وكان للإخوان قواتهم وقد حارب الإخوان المسلمون فى شمال فلسطين وحاربوا فى جنوب فلسطين وفي وسط فلسطين وتمركزوا أكثر فى القدس وحول القدس لأنها كانت عزيزة عليهم أكثر من غيرها .

- وحارب الإخوان المسلمون الذين جاءوا من مصر أيضا حول روابي القدس والتقت جحافل الإخوان المسلمين القادمة من مصر على أرض فلسطين وقد زار الإمام الشهيد حسن البنا سوريا أثناء حرب فلسطين لأن الحكومة المصرية لم تترك لمتطوعي الإخوان الحجرية الكافية للحركة فى دخول المعركة فدخل المتطوعون من الإخوان المسلمين فى مصر إلى أرض فلسطين متسللين عن طريق غزة والعريش ورفح وسيناء وانتقلت بعض قوات الإخوان بالطائرات إلى سوريا ومارسوا التدريب فى معسكر قطنه واشتركوا مع إخوانهم المتطوعين من سوريا ومما يذكر أن ألإمام الشهيد حسن البنا لما رأي الجمعية الإسلامية لمتطوعي الإخوان المسلمين فى سوريا قال :


- لو كنت فى بلاد الشام لغزوات العالم فى عشرين سنين !؟ لما رأي من قوة الشكيمة عند الشعب السوري ولأن الشعب السوري لا ينقصه إلا التنظيم والتعبئة الروحية التى كان للإمام الشهيد حسن البنا قدرة فائقة عليهما وكان للإخوان المسلمين فى سوريا موقف واحد من جميع الانقلابات العسكرية التى ابتليت بها سوريا أكثر من أى بلد عربي أخر لإدراكهم اليقيني أن يدا خفية أجنبية وقفت خلف هذه الانقلابات العسكرية فالقوي المعادية للإسلام صليبية ويهودية وشيوعية هي التي دبرت هذه الانقلابات وأيدتها وساندتها وكفلتها وكانت هذه الانقلابات هي صانعة مأساة الشعب السوري طوال تلك الحقبة السوداء التي بدأت بانقلاب حسني الزعيم الذي دبرته ونفذته المخابرات الأمريكية الصليبية اليهودية وحتي آخر تلك السلسلة القذرة المتمثلة فى انقلاب العميل الخائن حافظ الأسد البعثي النصيري الكافر !! لقد رفض الإخوان المسلمون فى سوريا كل هذه الانقلابات وناصبوها العداء وكان القضاء على الإخوان المسلمين فى سوريا وفى العالم العربي كله أول أهداف تلك الانقلابات العميلة التى اجتاحت العالم العربي فعندما جاء حسني الزعيم زج بزعماء الإخوان فى غياهب السجون وكان فى مقدمتهم الدكتور مصطفي السباعي مراقب عام الإخوان المسلمين والدكتور محمد المبارك وشاعر الإسلام الكبير الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري . وبعد انتهاء دور حسني الزعيم جاء انقلاب سامي الحناوي الذي أعقب انقلاب حسني الزعيم وبعد انقلاب سامي الحناوي أتيحت فرصة للشعب السوري وردت له بعض الحريات وفي ظل هذه الحريات استطاع الإخوان المسلمون أن يدخلوا الانتخابات ويفوزوا بعدد من المقاعد البرلمانية وعندما تكون المجلس التأسيس لوضع دستور سوريا عن طريق الانتخابات عقب انقلاب سامي الحناوي كان للإخوان نصيب كبير وكانت العناصر الإخوانية ذات أثر كبير فى وضع هذا الدستور فمن بين أعضاء البرلمان السوري الذين كان عددهم يزيد على المائة عضو انتخبت لجنة موضعه من بضعة وثلاثين نائبا ثم اختيرت لجنة مكونة من تسعة أعضاء كان الدكتور مصطفي السباعي المراقب العام للإخوان المسلمين أحد الأعضاء البارزين فى هذه اللجنة إن لم يكن أبرز الأعضاء على الإطلاق وقد كان الدكتور مصطفي السباعي رحمه الله فضل كبير فى إدخال نصوص رئيسية تؤكد على المعاني الإسلامية فى الدستور السوري خاصة فى مجال التعليم والتشريع والضمانات الاجتماعية وقد نقلت دساتير عدد من الدول العربية عن الدستور السوري الذى شارك فى وضعه المرحوم الدكتور مصطفي السباعي . ثم جاء بعد ذلك انقلاب أديب الشيشكلي وعارضه الإخوان معارضتهم لسابقية وكان نصيبهم الزج فى سجون سوريا وكان انقلاب الشيشكلي أشد ضراوة على الإخوان من انقلاب حسني الزعيم وسامي الحناوي وقد استطاع الدكتور مصطفي السباعي رحمه الله أن يهرب من سوريا ويعيش خارجها مطاردا .

وانتهي انقلاب أديب الشيشكلي فى سنة 1953 وكان انقلاب 23 يوليو سنة 1952 قد وقع فى مصر والتقي جمال عبد الناصر والشيشكلي بقصد اكتساب الخبرة وقد دام اجتماع عبد الناصر والشيشكلي ست ساعات وهناك علاقة وثيقة بين الانقلابات العسكرية التي دبرت ونفذت فى سوريا وانقلاب 23 يوليو الذي دبر ونفذ فى مصر فقد كانت انقلابات سوريا بمثابة ( التجريب) للعبة القذرة التي بدأت تلعبها المخابرات الأمريكية فى المنطقة حتي إذا ما وقع انقلاب 23 يوليو سنة 1952 فى مصر بقيادة جمال عبد الناصر أطلق عليه مايلز كوبلاند عميل المخابرات الأمريكية الضائع فى ( اللعبة القذرة) والصديق الحميم لجمال عبد الناصر ( العملية الكبري ) التي صنعت مأساة الشعب المصري بل مأساة الأمة الإسلامية فى النصف الثاني من القرن العشرين !!.

انتهي حكم أديب الشيشكلي وأعيدت الحريات إلى الشعب السوري وطرح موضوع الإنتخابات ولكن الإخوان لم يدخلوا هذه الانتخابات لأنهم شعروا أنهم فى حاجة إلى إعادة ترتيب بيتهم من الداخل ( وإعادة تنظيم صفوفهم وتربية الإخوان تربية روحية تؤهلهم للجهاد لإعلاء كلمة الله ) وكان رأي الدكتور مصطفي السباعي رحمة الله عليه مخالفا لهذا الرأي وأنه واجب على الإخوان أن يدخلوا الانتخابات حتي لا تترك الميدان خاليا لليساريين !! ورغم ذلك فقد نزل الدكتور السباعي على رأي الجماعة ولم يدخل الانتخابات وكان رأي الدكتور السابعي على صواب وكانت مخاوفه فى محلها فلم على هذه الانتخابات التي لم يدخلها الإخوان عام واحد حتي بدأت التنظيمات اليسارية والقومية تحتل مكانها على الساحة متربصة بالاتجاه الإسلامي الذي يقوده الإخوان المسلمون وقد نشأت هذه التنظيمات اليسارية والقومية فى أحضان القوي المعادية للإسلام : صليبية ويهودية وشيوعية ووجدت كل دعم ومساعدة ومساندة من هذا الثالوث النكد الذي كان يعد تلك التنظيمات لتصنع مأساة الشعب السوري المسلم بل والأمة المسلمة عامة. ونجحت ( اللعبة القذرة) التى أجادتها المخابرات الأمريكية المنطقة وسطع نجم عبد الناصر كزعيم للأمة العربية ونفذت مؤامرة فى السويس التي رفعت عبد الناصر إلى مرتبة الزعيم الذى يحرك الأمة العربية من المحيط إلى الخليج بهذا النصر الزائف الذي كان بمثابة ( التجربة) للمأساة الكبري التي نفذت فى يونيو سنة 1967 وكان النصر المزيف الذي طنطنت بع وسائل الإعلام الصليبية واليهودية العربية العملية بمثابة الدفعة القوية للأحزاب والتنظيمات اليسارية والقومية ورز عبد الناصر بعد حرب السويس كبطل قومي وبرز الاتجاه اليساري فى الوطن العربي كاتجاه وطني تحرري وكان هذا كله بتدبير من الأمريكان الذين تمكنوا من السيطرة على المنطقة وإن بدا للشعوب غير ذلك !! وضرب جمال عبد الناصر جماعة الإخوان المسلمين فى مصر فى أواخر سنة 1954 ضربة قاصمة واستمرت أجهزته تلفق التهم وتزور التحقيقات وتقدم الأبرياء إلى المحاكمات وتزج بهم فى غياهب السجون وفى الفترة التى أعقبت زوال حكم الشيشكلي كان الإخوان المسلمون فى سوريا منشغلين بقضايا التكوين والتنظيم والتربية التوجية الفكري والروحي فكانوا يقيمون المعسكرات الضخمة لإعداد الشباب السوري فى حمص وحماة واللاذقية والمناطق الجبلية وقد أقيم عام 1954 فى مدينة حمص مخيم ضخم للإخوان حضره المرحوم [[حسن الهضيبي]] المرشد العام للإخوان المسلمين فى مصر وجاءت هذه الزيارة لسوريا قبل محنة الإخوان فى مصر بشهور قليلة حتى إن الإخوان المسلمين فى سوريا نصحوا المرحوم الأستاذ [[حسن الهضيبي]] بعدم العودة إلى مصر بعد أن بدت الغيوم تتجمع فى سماء العلاقات بين رجال الانقلاب وقيادات الإخوان فى مصر ولكن الأستاذ الهضيبي عليه رحمه الله رفض هذه النصيحة وأصر على العودة إلى القاهرة ليكون على رأس الجماعة فى مواجهة العسكرين عام الإخوان المسلمين على مستوي مصر والعالم كله لسوريا ذات أثر كبير فى دفع الأحداث فقد كشفت عن قوة الإخوان المسلمين فى سوريا وعن التجاوب العميق الذي يربط الشعب السوري بالإخوان المسلمين وأظهرت الإخوان فى صورة التحدي السافر للتيار اليساري يحمل لواءه !! لقد استقلت سوريا الأستاذ الهضيبي عن بكرة أبيها وكان فى استقباله المسيحيون أنفسهم وكانت فرصة عبر فيها المسلمون المضيق عليهم عن عواطفهم الإسلامية الكامنة فى الأعماق وعن وجودهم وتجاوبهم مع الحركة الإسلامية بصورة أذهلت الخصوم وكشفت النقاب عن كمون القوة الإسلامية فى الشعب السوري وأنه لا يزال مستمسكا بعقيدته وبإسلامه وعندما تتاح له أسباب التحريك يظهر على حقيقته بحميته الإسلامية الأصيلة والعميقة فى مدينة حماة خرج المطران وزعماء الطائفة المسيحية ورجال الكنيسة هناك يستقبلون المرشد العام للإخوان المسلمين الذي أكد لهم تسامح وأهداف الحركة الإسلامية التي تضمن لهم حقوقهم وتضمن لهم حرياتهم ودعوة الإخوان المسلمين تمثل العودة إلى الإسلام الذي ضمن بنصوصه بواقعه التاريخي البقاء لهذه الأقليات وأعطاها حريتها حقوقها وأمورها الخاصة ولولا الإسلام ما بقيت هذه الأقليات , وأن بقاء الإخوان المسلمين وبقاء الحركة الإسلامية قوية ينطوي ذلك على الحفاظ على الأقلية المسيحية!! هذا ما كان يدركه زعماء الطائفة المسيحية فى سوريا أما المتعصبون منهم الذين لا تتجاوز نظرتهم أنوفهم فلا شك أنهم يراهنون لضرب الحركة الإسلامية لأنهم ينظرون بمنظار الخصومة للإسلام دون أن يفطنوا إلى ما يفطن إليه عقلاء المسيحية من أن القضاء على الإسلام فيه قضاء على المسيحية ما عاشت إلا فى ظل قوة الإسلام حينما كان الإسلام قويا فى نفوس المسلمين وفى ظل قوة الإسلام حينما استطاعت المسيحية أن تبقي فى بلاد الإسلام كل هذه القرون ).

لقد كان فى استقبال المرشد العام للإخوان المسلمين الذي استقبل به فى سوريا ما أثار حفيظة أعداء الإسلام وعملائهم . وقد كتب يحذر فيه من أنه إذا استمر الوضع فى سوريا على ما هو عليه فسوف يصل الإخوان المسلمون إلى الحكم فى غضون خمس سنوات !!.

- وأحست التنظيمات والأحزاب اليسارية والقومية بهذا الخطر الذي يهددهم ويتمثل فى جماعة الإخوان المسلمين فأخذوا يتكتلون ضد الإخوان ويحيكون الخطط والمؤامرات ضدهم وبدأت الأيدي الخفية تنسج خيوطها حول سوريا فسيقت سوقا بفعل مسلسل الانقلابات الرهيب الذي لم تشاهد دولة عربية أخري مثيلا له فى طريق الإشتراكية وتفريغ الشعب السوري من التيار الإسلامي وإجهاض حميته الإسلامية ووضعت الخطط ودبرت المؤامرات وزرع الجواسيس وهيئت الظروف لتمكين الاشتراكيين من حكم سوريا ولعبت الصهيونية دورها وساندتها الصليبية الأمريكية وساعدتها فى تحقيق ذلك حتي أن الذي يتأمل مسلسل الانقلابات الرهيب سيجد أن الهدف من تنفيذ مخطط الانقلابات العسكرية وتمكين الأحزاب والتنظيمات اليسارية والقومية التي رفعت راية الإشتراكية هو تطمين إسرائيل وتحقيق أمنها والإعداد لتسليم اخطر أجزاء الوطن السوري الذي يهدد أمن إسرائيل والذي يتمثل فى الكافر لأسياده اليهود ضمن المؤامرة الكبري التي نفذت فى يونيو عام 1967 وكان من بين هذه المقدمات التي حققت لإسرائيل الأمن والاستقرار والاستمرار هو ضرب الحركة الإسلامية وعزلها من مسرح الأحداث وهذا ما يؤكد لنا عمالة القائمين بهذه الانقلابات للقوي الصليبية واليهودية والشيوعية لزعماء تلك الانقلابات وكفالة القوي الصليبية واليهودية والشيوعية لزعماء تلك الانقلابات!!.

المواجهة مع البعث .... والنصيرية!!

كان المرحوم الشيخ محمد الحامد أحد المؤسسين لدعوة الإخوان المسلمين فى سوريا يحذر من حزب البعث ومن أفكاره المعادية للإسلام وكان يحذر شباب الإخوان من البعد عن الانخراط فى الجيش السوري حتي لا تترك الفرصة أمام حزب البعث ليستولي عليه وكان يرد على أسماع الإخوان فى سوريا هذه الكلمات ( سيأتي يوم خطير جدا تجدون فيه حزب البعث يسيطر على الأمة عن طريق الجيش دون أن يحتاج إلى انقلاب لأن حزب البعث يوجه شبابه إلى الالتحاق بالجيش فى الوقت الذى تبتعدون فيه أنتم عنه ).


وكان الشيخ الحامد ببصيرته النافذة أسبق من حذر من هذا الحزب المشوم وكان أيضا يحذر من الطائفة العلوية النصيرية لمعرفته بجذورها العقائدية وتاريخها الأسود وخياناتها المتكررة للإسلام والمسلمين وعمالتها وموالتها للصليبيين والتتار قديما وللصليبيين والصهيونية حديثا كان كثيرا ما يكرر على أسماع الإخوان فى سوريا .

يا إخواني هؤلاء النصيريون حاولوا اغتيال صلاح الدين ثلاث مرات وتسلوا حتي غرفة نومه وكادوا يفتكون به .

وبسبب هذه التحذيرات تعرض المرحوم الشيخ الحامد للأذي الشديد وللتهديد بالقتل والتشريد الإبعاد عن وظيفته وهي مصدر رزقه الوحيد !! ولكن كل هذا لم يصرف الشيخ رحمه الله من الصدع بكلمة الحق والنصح لشباب الإخوان حتى وفاته .

وتحقق ما كان منه الشيخ الحامد رحمه الله عليه واستولي حزب البعث على الجيش وبالجيش اغتصب السلطة وتسلط بالقهر على رقاب الشعب السوري .. واستطاعت الطائفة النصيرية عن طريق أبنائها الذين جندتهم وأعدتهم لهذا اليوم المشئوم أن تغتصب السلطة من كل الطوائف الحاقدة على الإسلام التي اجتمعت كلها داخل حزب البعث وتخلصت من كل العناصر القوية الممثلة للدروز والإسماعيليين والناصريين وتفردت بالسلطة خاصة بعد استيلاء الفريق الخائن حافظ الأسد على السلطة فى حركته التصحيحية سنة 1970 .

ولم يقف الإخوان المسلمون فى سوريا مكتوفي الأيدي أما سلطات حزب البعث وطوائفه الحاقدة وبالذات الطائفة النصيرية .. لأن الساحة السياسية فى سوريا لم يبق فيها من القوي الوطنية الشريفة غير الإخوان هم وحدهم الذين عرفتهم ساحات الجهاد منذ الاحتلال الصليبي الفرنسي وبعد الاستقلال وخلال الثلاثين عاما الماضية فرغم الضربات الشرسة التي وجهت على يد الطاغية العميل جمال عبد الناصر فى مصر وحل الجماعة فى سوريا زمن الوحدة بقي الإخوان المسلمون يستشعرون مسئوليتهم فى التصدي للمؤامرة القذرة التى خططتها القوي الصليبية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية والقوي اليهودية المتجسدة فى إسرائيل وينفذها عملاؤها من الحكام الذين مكنوا من حكم شعوب المنطقة بالقهر والتسلط وقادوا شعوبهم إلى الذبح وألبسوا أمتهم ثوب الذل والعار!!.

فلم يكد البعثيون يغتصبون الحكم ويتسلطون بالقهر على رقاب الشعب السوري سنة 1963 حتي بدأ للإخوان الوجه الشائن للطائفية المقيتة الحاقدة على الإسلام والمسلمين ولم يمض سوي عام واحد حتي انفجرت الثورة فى حماة عام 1964 وقادها الشهيد مروان حديد الذي سنفرد له فصلا خاصا به نختتم به هذا الكتاب .. تجمع الإخوان المسلمون فى مسجد السلطان بمدينة حماة يقودهم مروان حديد بعد أن توالت الأحداث فى المدينة وكان عبد الحليم خدام محافظا وقتئذ لحماة وقامت معركة بين الإخوان الذين تحصنوا فى مسجد السلطان وبين قوات الجيش البعثي السوري أو بتعبير أدق بين الجيش الطائفي البعثي يقوده الخائن الدروزي سليم حاطوم وقاتل الإخوان بشجاعة واستبسال ووقفت حماة تساند الإخوان واستشهد عدد من الإخوان واستطاع أن يفلت من الحصار البعض وهدم المسجد على من فيه وألقي القبض على مروان حديد هو ومن بقي معه من شباب الإخوان وحقق معهم وقدموا للمحاكمة وصدرت عليهم أحكام الإعدام وقبل أن ينفذ فيهم الحكم بساعات ذهب الشيخ محمد الحامد لأمين الحافظ رئيس الجمهورية وقت الحادث وكان يهاب الشيخ الحامد وطلب المرحوم الشيخ الحامد من أمين الحافظ إلغاء أحكام الإعدام والإفراج عن جميع المسجونين وفعل أمين الحافظ.

وخرج مروان حديد وأصحابه من السجن ليواصلوا جهادهم ضد البعثيين الطائفيين وبعد ثورة حماة فى أبريل سنة 1964 جاء حادث المسجد الأموي يروي احد الشباب الذين حضروا الحادث فيقول :

كنت وقتها فى الصف السابع الإعدادي وقد علمت بعقد اجتماع فى المسجد الأموي وهو أكبر مسجد بمدنية دمشق وقيل : إن كبار العلماء سيحضرونه وسوف يخرجون بمسيرة صامتة يطالبون فيها بالإفراج عن المسجونين والمعتقلين من الإخوان وذهبت لأشاهد الاجتماع وتوالي الخطباء واحدا بعد الآخر وأثناء الخطابة أراد البعثيون إدخال بعض عناصر المخابرات إلى المسجد فاكتشفهم الشباب المجتمعون داخل المسجد فأوسعوهم ضربا حتي قضوا على واحد منهم وأغمي على الآخر وألقوا بهما خارج المسجد مما اثار السلطات واستدعيت قوات سليم حاطوم التي كان أطلق عليها اسم ( المغاوير ) وجلهم من طائفة الدروز فأحاطوا بالمسجد ومنعوا الدخول إلى المسجد والخروج منه وفجأة فتح الباب الرئيسي للمسجد من جهة سوق الحميدية وأطلقت النيران بكثافة على من بداخل المسجد وحدث هرج ومرج واستشهد البعض وأصيب الكثيرون وألقي سليم حاطوم بنفسه قنبلتين انفجرتا داخل المسجد ثم أخذ المغاوير تجميع الذين داخل المسجد وأخرجوهم مجموعات وساقوهم خارج المسجد حيث السيارات التى تنقلهم إلى السجون ولم يتركوا حتي الأطفال الصغار وكنت أحد الذين نقلوا إلى سجن المزة الرئيس وهناك استقبلنا الجنود على الجابنية بخراطيم المياه ثم أدخلونا إلى زنزانات وبعد ساعتين حضر أمين الحافظ بنفسه إلى السجن وبسرعة أخرجونا إلى ساحة كبيرة وأخذوا أسماءنا وعنوان كل منا وعمله وفجأة دخل أمين الحافظ وفى صحبته عدد كبير من الضباط وأول من لفت نظر أمين الحافظ لصغره هو أنا وبعض زملائي الصغار فسأل:

-لماذا أتيتم بهؤلاء الصغار إلى هنا ؟! وطلب منهم أن يخرجونا فورا .. ولم يخرجونا إلا بعد أن حققوا معنا وأشبعونا ضربا وتعذيبا وأخيرا أخرجوني مع سبعة من زملائي وأركبونا سيارة وذهبوا بنا إلى وزارة الداخلية وأدخلونا على وزير الداخلية وبعد قليل من الوقت جاء أحد المصورين وأخذ لكل منا صورة وأخذوا منا تعهدا بعدم تكرار ما حدث .

ثم طلب غلى أحد أفراد الشرطة العسكرية أن يوصلنا إلى الحي الذي نسكن فيه فرفض خوفا لأن حالة الغليان كانت قد بلغت ذروتها عقب الحادث وأخيرا تطوع أحد أفراد الشرطة العسكرية بشرط ألا يقف إلا أمام مخفر الشرطة وينزلنا أمامه ثم ينطلق بعد ذلك وعدت إلى منزلي وقت السحور فقد وقع الحادث فى شهر رمضان من تلك السنة !!.

وفى عام 1967 كتب أحد البعثيين الملاحدة مقالا فى مجلة جيش الشعب التي توزع إجباريا على جميع الجنود والضباط فى القوات المسلحة مقالا ألحد فيه فقام فقام الشيخ حسن حبنكة وهو أحد علماء دمشق البارزين ومؤسس معهد التوجيه الإسلامي الذي يضم طلابا من مختلف الجنسيات ولم يكن الشيخ حسن حنبكة من الإخوان المسلمين ولكنه من المحبين لدعوتهم . قام الشيخ على المنبر يوم الجمعة وأخذ يقرأ ( المقال) الذي نشر فأثار فى المصلين الحمية الإسلامية وتحدي السلطة وانتقدها انتقادا قاسيا وكانت سيارات الأمن تقف على باب المسجد تنقل الخطبة مباشرة إلى أمين الحافظ وبعد الصلاة خرج المصلون فى مظاهر غاضبة هادرة تهتف ضد البعث وحكمه وقد استدعيت المخابرات الشيخ حسن حنبكة فلم يذهب إليهم ولم يجرؤ رجال المخابرات أن يدخلوا الزقاق الذي يوجد فيه بيت الشيخ للقبض عليه وانتظروا حتي أتيحت لهم فرصة القبض عليه ووضع فى سجن القلعة.

وفي هذه المناسبة ألقي القبض على عدد كبير من الإخوان ولم يفرج عنهم إلا بعد هزيمة الخيانة وتسليم الجولان إلى يد اليهود .

وفى سنة 1970 استطاع الأسد أن يغتصب السلطة وتنفرد الطائفة العلوية بالحكم وأراد حافظ الأسد أن يخدع الشعب السوري فأعطي قدرا من الحرية فى نقد الحكام السابقين له ووعد بوضع الدستور الدائم وإرساء قواعد الديمقراطية أراد بذلك أن يخفي وجهه الطائفي الحاقد القبيح ولكن مسودة الدستور فضحته فقد جاء الدستور خاليا من النص على أن الإسلام دين الدولة الرسمي وخاليا من اشتراطه الإسلام دينا لرئيس الجمهورية فقام العلماء وجلهم من الإخوان ومن المحبين لدعوة الإخوان بالاحتجاج ورفضوا هذا الدستور وقام فضيلة الشيخ محمد على مشعل وهو من علماء الإخوان العاملين ووقف على منبر مسجد ( جورة الشياح) فى حمص وألقي خطبة فند فيها مواد الدستور وبين أن هذا الدستور لا يختلف عن دستور أى دولة أوروبية ولا يمكن أن يكون دستورا لشعب سوريا المسلم ... وبعد الخطبة خرج المصلون فى مظاهرة تهتف بسقوط الدستور وسقوط الأسد وأرادت السلطات أن تلقي القبض على الشيخ محمد على مشعل ولكنها لم تتمكن من ذلك وخافت من غضبه الشعب وفى اليوم التالي كان الشيخ محمد على مشعل يسير فى شوارع حمص فى صحبة الشيخ وصفي المسدي أحد علماء حمص ولكن ليس من الإخوان فطلبت المخابرات من الشيخ محمد على مشعل أن يسير معهم وأخذوه بالقوة إلى دمشق حيث بقي فى غياهب السجن عامين وبضعة أشهر وقد ذهب وفد من العلماء للتوسط فى الإفراج عن الشيخ محمد على مشعل ولكن الفريق الخائن حافظ الأسد قال :

- لن يفرج عنه ما دمت حيا !!.

وقد وافق هذا الحادث ذكري المولد النبوي فاحتفل به فى المسجد الكبير فى حمص وكان من العادة أن يحضر الحفل محافظ حمص ولكن الجماهير الغاضبة استقبلت المحافظ بإلقاء الحجارة عليه من على أسطح المنازل وخرجت جموع المصلين فى مظاهرة تهتف بالهتافات الإسلامية والهتافات المعادية للبعث والنصيرية وأحرقوا سيارة للمخابرات وواجهت السلطة الجماهير الثائرة بقسوة وشراسة ففتحت النيران على الجماهير الذين تفرقوا تلاحقهم النيران وقد قتل عدد كبير من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ فقد كانت النيران تطلق على الآمنين داخل منازلهم وبشكل عشوائي على أبواب المنازل وكان عدد التقلي أكثر من مائة شهيد .. وبعد أن عاد الهدوء إلى حمص أرسل حافظ الأسد وفدا يرأسه وزير الدفاع مصطفي طلاس وبعض المسئولين لتعزية الأهالي وترضية خواطرهم ولكن الأهالي لم يقبلوا التعزية !!.


لقد تميز حكم حافظ الأسد العميل النصيري الذي باع الجولان لليهود فمكنوه من الحكم ثمنا لخيانته , تميز حكمه بالقسوة والشراسة والإرهاب والضراوة وهكذا كل حكم يغتصب السلطة بالقهر سواء كان حكما فرديا دكتاتوريا أو حكما طائفيا .

- ومنذ تولي حافظ الأسد رئاسة الدولة السورية وهو يمكن لطائفته ويتخلص من كل العناصر التى تنتمي غلى الطائفة النصيرية وكلما انتفض الشعب السوري المسلم معلنا غضبه على هذا الحكم الطائفي الحاقد كان حافظ الأسد يواجه غضبه الشعب السوري بإطلاق الرصاص وإزهاق الأرواح بدون شفقة ولا رحمة لقد كان الحقد الطائفي لهذه الفئة النصيرية الكافرة التي عاشت تاريخها الأسود كله مستذلة هو الذي يدفع نظام الأسد جماهير الشعب السوري هي التي جعلت الشهيد مروان حديد يري أنه لا حل و لا أمل فى التخلص من هذا الحكم الطائفي النصيري إلا عن طريق المواجهة العسكرية ولابد من إعداد شباب الإخوان لهذه المواجهة مهما كانت التضحيات وبدأ مروان منذ عام 1974 فى إعداد الشباب للجهاد ضد الحكم النصيري الكافر واختفي مروان عن أعين رجال الأمن واستطاع أن يختفي ويعيش فى دمشق نفسها ولكنه يجوب سوريا ينظم ويعد ويوصي بالتدريب وكل أمله أن يعد العدد الكافي من الشباب الذي يكفي للقضاء على الحكم النصيري العميل الخائن الذي سلم الجولان وأعطاها لليهود بثمن بخس !!.

- واستطاع مروان أن يمتلك قلوب الشباب وكانوا يرون فيه القدوة والمثل الذي يقتدي به.

لقد حدثني عنه أحد تلاميذه فقال

- كنت أري فيه عمر بن الخطاب.

وروي لى كثير من تلاميذه وأصدقائه الكثير عن صفات مروان وموافقة.

وفى صيف عام 1975 وكانت عمليات الاغتيال قد بدأت فى العناصر المتعاونة مع النظام وكان قد وقع انفجار فى سيارة أحد عملاء المخابرات السورية وكان اسمه أحمد الغزاوي وهو عراقي وعضو القيادة القومية لحزب البعث فداهم رجال المخابرات السورية بعض منازل منطقة العدوي أحد أحياء دمشق وكان مروان حديد يقيم فى واحد من تلك المنازل التي دوهمت دون أن يدروا من يسكن فيها وقد حدث صدام مسلح بين رجال المخابرات السورية وبين مروان حديد ومن معه واستمر الصدام من الساعة السابعة صباحا وحتي الخامسة بعد الظهر استخدم مروان ومن معه الرشاشات وبعض القنابل بعمليات إنزال بطائرات الهليكوبتر على سطح البناية ولم يستسلم مروان ومن معه إلا بعد نفاذ الذخيرة وبعد أن أصيب مروان فى كتفه واستشهد واحد من الذين كانوا معه ونقل مروان إلى السجن وكان صيدا ثمينا للنظام النصيري الحاقد الذي لم يقدم مروان للمحاكمة ولكنه قتل مروان قتلا بطيئا وفى الفصل التالي نقرأ قصة استشهاد مروان الذي اختار الجهاد المسلح لإسقاط النظام النصيري العميل يرويها واحد من أخلص إخوان مروان لمروان .

مروان حديد.... أول المجاهدين ضد البعث والنصيرية!!

مروان رحمه الله من أسرة عريقة معروفة فى حماة وهو الرابع من خمسة أشقاء وله أربع أخوات . تتميز هذه الأسرة بما أتاها الله من بسلطة فى الجسم وميزات قيادية , وإن اختلفت مشاربهم واتجاهاتهم فشقيقه الكبير وأسمه أحمد محام مشهور ومزارع كبير آثر العمل العمل خارج حماة فى منطقة الجزيرة ,وهو أحد الأعضاء البارزين للحزب الاشتراكي الذي ينتمي إلى أكرم الحوراني ومسئول عن منطقة الجزيرة بأكملها وشقيقة الثاني عدنان له نفس الاتجاه مع صبغة تحريرية واضحة عاش ولا زال يعيش فى أوروبا بعد أ، تزوج بفتاة دانمركية ومعه دكتوراه فى الصيدلة والمخابر وأخوه الثالث كنعان ضابط مسرح له نفس الانتماء مشرح برتبة رائد أيام الوحدة مع مصر بعد خصام مع ضابط كبير ناصري مصري أدي إلى إشهار السلاح .

ويأتي مروان عليه الرحمة والرضوان بكل ما في هذه الأسرة من ميزات شخصية تؤهلها للتقدم فليسوا فقط طوال الأجسام أقوياء الأبدان إنما يتميزون بذكاء ربما يفوق غيرهم من الأقران مع صلابة فى المواقف , وكرم وسخاء جعل هذه الأسرة رغم مشاريعها الضخمة وتجارتها الواسعة مستورة الحال كغيرها من اسر الطبقة المتوسطة وخامسهم شقيقه رضوان . ومروان نشأ فى وسط مثقف متطلع فى مرحلة من أهم وأخطر المراحل التي مرت بها أمتنا , مرحلة الكفاح ضد الاستعمار ثم غرس إسرائيل فى قلب الأمة الإسلامية وهي مرحلة يري تسلط الإنسان على أخيه الإنسان واضحا جليا يدفع بالنفس الأبية إلى البحث عن الخلاص وعن طرقه ووسائله .

والشهيد مروان حديد كان ممشوق القامة قوي البنية مسرح الشعر , حليق الشارب واللحية , يلبس القميص والبنطلون له لياقته ولباسه الأنيق يلفت النظر .

مروان ولد فى حماة عام 1934 من أبوين مسلمين محافظين أشد المحافظة والده الحاج خالد حديد يعمل تاجرا فى أحد أسواق حماة التجارية ووالدته الحاجة رئيفة البارودي رحمها الله ربة منزل ذات شهرة واسعة فى كرمها وسخائها فكم وكم تصدقت حتي بأثاث البيت والثياب وربما بعض ما ترتديه عليها , فهي لا تطيق أن تسمع كلمة نجدة أو استغاثة حتي تكون لها ملبية بما تملك وربما فوق ما تملك .

تدرج مروان فى مدارس حماة الابتدائية والإعدادية والثانوية وحصل على البكالوريا – الفرع العلمي عام 1955 وتسجل فى كلية الزراعة – جامعة عين شمس فى عام 1956 وتخرج منها فى عام 1964 ثم الحق بكلية الآداب قسم الفلسفة فى عام 19651966 جامعة دمشق وتخرج منها عام 1970.

والذي أعلمه أن مروان كان مسئولا ماليا عن التنظيم الاشتراكي فى ثانوية ابن رشد فى الفترة التي سبقت التحاقه بجماعة الإخوان المسلمين ولقد حدثني شخصيا عن أول سبب دعاه إلى الإنتماء الفكري ثم العضوي إلى هذه الجماعة بقوله:

( لقد كنت كما تعلم اشتراكيا بدافع البيئة التى أعيشها بين أشقائي وبدافع من واقع الأمة المرير الذي يبحث عن طريق الخلاص وفي يوم من الأيام دخلت البيت وإذ بأخي الكبير يقول : قتل اليوم أخطر رجل على الأمة العربية وكال إلى هذا الرجل الشتائم والسباب بأقذع العبارات قلت :ما هو قال : حسن البنا شيخ الإخوان فى مصر فتتبعت الخبر من الراديو وتيقنته ثم وجدت نفسي تحت وطأة خاطر ملح أن أتعرف على فكر هذا الرجل ومدي خطورته على العرب فقرأت رسائله وما أمكني يومها أن أطلع عليه وأسمع عنه وكان التحول من العماية إلى الهدي ومن الضلال إلى الرشاد ومن الجندية للباطل إلى الجندية للحق).

ومن بعدها عرف مروان بين الإخوان من أكثرهم تمسكا بالدعوة والإسلام وتعاليم الإسلام وشرائع الإسلام .

ومروان جدي فيما يعتقد وكانت مرحلة انقلابات فى سورية ومتابعاته للحركة الإسلامية من قبل الحكومات المتعاقبة الانقلابية وكان العمل فى تلك الحقبة سريا ويتركز فى جامع النوري الشهير فى حماة, فكان البعض يستغرب من مروان كثرة صلاته وتمسكه بالجماعة , وطول سجوده حتي إذا أطال واحد السجود من زملائه قيل له : أتصنع كما يصنع مروان ؟!.

وشارك مروان فى نشاطات الجماعة فى صحبة إخوانه الذين أحبهم وأحبوه وكانوا طليعة الجهاد والتضحية أمام أعداء الإسلام وعلى الأخص الشهيد حسن عصفور رحمه الله فساهم فعالة فى ردة فعل العالم الإسلامي على إعدام الإخوان الستة من قبل عبد الناصر , كما ساهم قبلها فى العمل أثناء الانتخابات بين الدكتور السباعي رحمه الله مراقب الجماعة وبين رياض المالكي الاشتراكي التقدمي وشهد كيف تزيف الحقائق وتتدخل الدول وتباع وتشتري الضمائر من قبل بعض الذين يلبسون لباس العلم والمشيخة .

وكان لإعدام الإخوان واضطادهم بالغ الأثر وأعمقه فى قلبه وحسه المرهف , فأعلن عداءه لعبد الناصر الذي خان وعوده وعهوده وحاربه فى كل مكان وكان أشد ما يكون له عداء ومحاربة عندما تحول إلى مصر ليتلقي علومه فيها وعبد الناصر يومها زعيم العرب وبطلها وفى الداخل جلاد مصر ومرعبها ولكن هيات أن يتطرق إلى قلب مروان خوف من بشر كائنا من كان حاكما أو محكوما صغيرا أو كبيرا . فقد امتلأ قلبه بحب الله والخوف منه فلم يعد لسواه فى قلبه نصيب كيف وقد لقن الدنيا درسا لم تعرفه إلا من أمثاله من المؤمنين الصادقين , لقنها كيف تكون ذليلة حقيرة تافهة أمام الأهداف السامية الرفيعة ورضاء الله تعالي فما رأيت رجلا داسها بقدميه مترفعا بإباء وشمم عنها وهو قادر عليها مثله .

دخل مروان إلى مصر بهذه الروح فلم يفتر ولم ينقطع عن الدعوة إلى الله واستخلاص الخوف من قلوب من حوله حتي تربي ونشأ بقربه جيل من الشباب المصري أحب الموت والاستشهاد فى سبيله . وأدبر عن الدنيا بقلبه وسلوكه فكانت طلائع الربانيين من الإخوان المسلمين الذين اكتووا بنار المحنة فى عام 1965 وما تلاه فمنهم الشهداء ومنهم الأبطال ومنهم من بقي على قيد الحياة وفيا بعهده ثابتا على دينه مخلصا لربه لم تفت فى أعضادهم صليل السلاسل و عواء السياط ولا تمزيق الأجساد وتحريقها والأمثلة عليهم كثيرة .

والمرحلة التي عاشها فى مصر مرحلة صراع مع رجال المباحث تدرب فيها على مصاولتهم ومصارعتهم ودرب عليها إخوانه كيف ينظرون إلى هؤلاء الأدوات السيئة مرة بالإزدراء ومرة بالمرحمة والإشفاق ولم يكن تأخره فى الجامعة إلا لأن جل وقته ومعظم أيامه يقضيها فى الدعوة وشرح العقيدة والمبدأ ولم يترك مصر إلا بعد أن ترك بصمته وروحه منطبقة على كثير من الشباب الذين يحبون الموت فى سبيل الله كما يحب غيرهم الحياة .

جاء انقلاب عام 1963 بحزب البعث إلى السلطة فى سوريا وبدأت العناصر الباطنية المتسلطة على هذا الحزب الملحد تمد أعناقها وتحكم قبضتها على مقاليد الحكم من وراء ستار دون أن تسفر علانية عن وجهها وعاد مروان رحمه الله فى أوائل شهر آذار عام 1964 من مصر بعد حصوله على بكالوريوس الهندسة الزراعية شعبة محاصيل من كلية الزراعة – جامعة عين شمس . وسرعان ما أحس بالخطر الذي يكمن وراء هذا الحزب الملحد فقام يدعو الناس ويحذرهم وينذرهم ويبين لهم بحسه المرهف وشفافيته للأمور . أن هؤلاء القوم لا يهادنون فيما يصنعون ولابد من مجابهتهم من اللحظة الأولي وإلا استشري خطرهم وقويت قبضتهم وعندئذ سيدسون المقدسات ويتكون الحرمات ولن ي يجدي بعد ذلك علاج فكشف نواياهم وعري مخططاتهم وألهب حماس الشباب وغذاه بروحه التي تستهين بالطواغيت وتحب الموت ما يحب غيره الحياة وكان لابد لهذه الدفعة الإيمانية العارمة ولهذه الروح المتصلة بالله أن تصطدم بالكفر والإلحاد للتباين الواضح والمفارقة المعروفة فكانت أحداث جامع السلطان فى 14 نيسان عام 1964 وكما كانت أهداف مروان وإخوانه نبيله شريفة كانت خصومته مع أعدائه كذلك رغم وقاحة العدو ونذالته .

مروان يعرف جيدا من هو حزب البعث ؟ ما هي مبادئه ؟ ما هي أهدافه ؟ من هو مؤسسه ؟ من هم أنصاره ؟ الطائفية الحاقدة المستترة وراء شعاراته لذلك لم يفتر لحظة واحدة عن الإعداد النفسي والحركي لمجابهته بشتي الوسائل .

وبعد أن خرج من السجن مع إخوانه فى أحداث عام 1964 تابع مروان مسيرته كالمعتاد واعتقل بعدها عام 1966 إلى ما بعد حرب 5 حزيران عام 1967 مع مجموعة كبيرة من الإخوان والعلماء من سوريا ثم أفرج عنه ومن معه أثناء الحرب ولكن مروان هو يدرك أن ألأمور تتطور من خطر إلى خطر بعد تسليم الجولان الحصين ولم يكن الأمر مفاجئا بل متوقعا .

فشارك مع العمل الفدائي ودفع بالعديد من الشباب للتدريب على القتال والسلاح وربما خالف بذلك رأي الكثير من الإخوان ولكنه كان أبعد نظرا إذ تخرج على يديه مجموعات جيدة من المقاتلين الذين شاركوا فى العمل الفدائي وونوا نواة الجهاد فى المقاومة المسلحة فى سوريا .

ولم تكن السلطة الغاشمة بغافلة أو متغافلة عن تحركاته ونشاطه بل كان همها الوحيد أن تلاحقه وتراقبه فى كل مكان وزمان وأن ترصد أعماله فزجت به فى السجن مرة ثانية وفى هذه المرة رمت به فى سجون الشمال من الجزيرة السورية ليلبث حوالي أربعة شاهر ثم أطلق سراحه ومروان هو مروان لم يتوان لحظة واحدة عن الإستمرار فى الطريق الذي نذر له روحه وحياته ويردد كلمته المشهورة المقتبسة من الحديث الشريف ( لموت فى طاعة الله خير من حياة فى معصية) وكانت أحاديثه تدور حول الصبر والمصابرة ومقارعة الأعداء وأن من كانوا قبلنا كان يؤتي بأحدهم فيمشط بأمشاط الحديد ما بين لحم وعظم ويوضع المنشار على مفرق رأسه حتي يكون نصفين ما يصدهم ذلك عن دينهم وكان يبشر بالنصر ويعتقد أ، النصر مع الإيمان والصبر والقلة المؤمنة وبالسلاح المتاح ويستشهد بالآية الكريمة :" وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة " أى الممكن منها حتي ولو كانت عصا فقط فالله تكفل بالنصر إذا صدق العبد ربه .

ومروان لم يخف نفسه ولم يتحرك وراء الكواليس إنما كان واضحا فى منهجه فى تحركه فى معتقده فى مجابهته للسلطة فى فكرة فى حياته البسيطة المتواضعة مروان أحد القلائل ( وأقولها بصراحة ) الذين تصدروا مواقع قيادية فى الدعوة بإخلاصهم ومع ذلك نسوا أنفسهم نسيانا كاملا أو ما نسميه ( فناء النفس أمام الدعوة ) حتي لم يبق منها إلا الحق وقد كنت أذكره مرة ( أنه اليوم غيره بالمس ... وأنه اليوم ليس فقط لنفسه إنما هو الآن لإخوانه جميعا ... لبلدته ... لأمته) فيجيب بابتسامته المعهودة دون كلام فأفهم منه أن هذا لا يروق له وأقولها بصراحة كذلك : إنه أحد القلة الذين اجتذبوا الشباب إلى الدعوة بدماثة خلقه وكرم نفسه وتواضعه ودعابته التي لا تفارقه وتوافق عمله قوله لذلك كون فى أى مكان حل به نسخا من ذاته لها تقريبا نفس المواصفات والسمات.

وقد يكون مروان بعيدا عن أحداث الدستور فى أول عام 1973 وربما فوجئ به كغيره من إخوانه ولكن هيهات للسلطة الباغية أ، تباشر اضطهادا للإخوان وتنسي مروان أو تدعه حرا طليقا فقد حرصت فى كل مرة على قتله والتخلص منه ولكن الأجل هو الذي فوت عليهم ذلك فقط حرصوا على قتله عام 1964 وعام 1966 ليلة أن قتلوا المرحوم الشهيد عثمان أمين , إذا اعتقل مروان فى نفس الليلة . وأرادوا اعتقاله فى أوائل شهر أذار عام 1973 فى منزله الكائن فى حي البارودية وكادوا يقتلون ابن أخته لولا أن حذرهم أحد المابحث أن هذا غير مروان .

وشاء الله لمروان أن يختفي بعد هذه المرحلة وأن يعمل بالخفاء ليعد العدة ليوم تواجه به السلطة الباغية بقوة السلاح وشاء الله أن يجعل مكان وجوده دمشق . وتنقل بين عدة بيوت لمدة سنتين ونصف تقريبا وقد دفعت السلطة النصيرية بكل قوتها وحيلها وتجسسها للتعرف على مكان وجوده وإلقاء القبض عليه أو قتله , خاصة بعد مقتل مدير الأمن القومي فى حماة وهو نصيري برتبة رائد واسمه محمد غرة .

مروان عقد على فتاة مؤمنة تعلم حياته وتدرك نوع العيش الذي يمكن أن تحيا معه وذلك فى أواخر عام 1972. وللظروف التي أحاطت به لم يدخل بها بل دفعها أهلها إليه فى آخر أيامه لتبقي بجانبه وتقوم على خدمته إلا أن الرجل النبيل الذي بدأ يدرك بمرهف إحساسه النهاية التى تنتظره أبى أن يدخل بها لكي يوفر لها مستقبلها من بعده فتسامي وتسامي وهي بجانبه إلى أن داهمته قوة من المخابرات فى صبيحة يوم 30 حزيران عام 1975 بعد أ، خرج أحد إخوانه ليأتيه بطعام فقرع الباب وظن أنه ذلك الأخ.. فتح الباب ليري نفسه مطوقا بقوة من العدو وقبضت عليه بعد أن كبلت حركة بغطاء واقتادته دون أن يتمكن من المقاومة أو استعمال السلاح وقد أطلقوا عليه الرصاص وأصيب بكتفه إلا أن بعض الإخوة الذين كانوا قى البيت وزوجته وزوجة أخ آخر باشروا المقاومة المسلحة لساعات عديدة حتي استشهد أحدهم وجرح الآخر وتمكنت السلطة من إلقاء القبض على أخوين آخرين لا زالا فى السجن , وكذلك على الزوجتين اللتين أطلق سراحهما بعد ثلاثة وعشرين يوما لم يكن هناك محاكمة سرية أو علنية لمروان وإنما كان التحقيق المعروف لدي رجال المباحث والمختصين بشئون التعذيب والتصفية الجسدية . ومروان قوي البنية والشكيمة صعب المنال لا يبالي أن يقاوم حتي ولو كانت يداه فى القيود فاتبعوا معه أسلوبا جديدا فى التعذيب النفسي والجسدي أما النفسي فكانوا يسمعونه صوتا كصوت زوجته وهي تعذب ويراد اغتصابها حتي أنهكوه ولم يكن من هذا شئ إنما هى الوسائل الخبيثة الحديثة.

وعذب بالأضواء المبهرة وكان أعظم وأشد تعذيبه على نفسه وما استطاعوا أن يكبلوا به قواه ويحدوا من مقاومته هو كشف قبله ودبره ومروان معروف بشدة حيائه وخجله فإذا دخلوا عليه الزنزانة انكمش على نفسه ليستر عورته التى أرادوا كشفها وأراد الله أن سترها . وهناك يكيلون له صنوف التعذيب الأخري بهذه الطريقة تمكنوا من السيطرة على مروان وإلا لكان أمام الكلمة بكلمة والصاع بصاعين ثم أجاعوه حتي خارت قواه وكانوا يقيمون له الطعام بعد أ، يمزجوه أمام ناظريه بالأقذار ومن يعرف مروان بأنفته يدرك أنهم قتلوه جوعا قتلهم الله .

مروان صاحب الطول الفارع والجسد الممتلئ والقبضة الحديدية ينقل عنه أحد الذين شاهدوه بحالة هو فيها أقرب إلى الهيكل العظمي منه إلى الجسد العادي يقول مروان له بعد أن سقاه هذا الشخص لبنا بيده تقيأ وبعد أن صحا قليلا : انقل على وقل للناس : إن هؤلاء الكلاب ( يعني بهم المخابرات والمحققين) لم يحصلوا مني على كلمة واحدة !!.

ثم ساءت حالته الصحية بعد ذلك إلى درجة يئست السلطة منه فأرادت أن تخفي جريمتها فأرسلت وراء أخيه أحمد ونقلت مروان إلى مستشفي ( حرست العسكري) ومروان قد أعياه الجوع وأضناه الجهد وهبط ضغطه فكان أخوه يتوسل إليه أن يأكل ويشرب فيرفض لكثرة ما رأي من تلويث الطعام والماء بالبول والغائط فقال له مروان :

- يا أخي أشرب وآكل بشرطين .. أحدهما : أن يكون الماء من حماة والثاني : تعدني أن تصلي !!.

- فقال له أخوه :

- أفعل .. وقد كان .

وبدأت صحته فى التحسن وضغطه يعود إلى الوضع الطبيعي وعاد إلى الحديث مع أهله .

وفى مساء أحد الأيام عاد إليه أهله ليجدوه يجود بروحه الطاهرة وقد أشار إليهم أنه قد أعطي حقنة فى عنقه وإذ بالأجهزة تشير إلى أن ضغطه أخذ يهبط من جديد وأن حالته تسوء ثم فاضت روحه الطاهرة زكية إلى بارئها لتلتقي مع ركب الشهداء الذين سبقوه ويستبشرون بقدومه كما يستبشر هو بقدوم إخوانه من خلفه ولا حول ولا قوة إلا بالله.

استشهد مروان ولم يسمح لأهله بدفنه فى حماة فدفن بدمشق وكانت جنازته محاطة بقوات غفيرة من الجند وحاملات الجنود والمخابرات ورجال المباحث .. وبعد دفنه بقيت الحراسة على قبره ويعتقل كل من يزور القبر !!

هكذا عاش مروان حديد حميدا ومات شهيدا وبلغ أسمي أمانيه .

كان مروان حديد كامل الالتزام بجماعة الإخوان المسلمين فى سوريا يلزم أوامر قادتها وكان لا يخيفه شئ ولا يرعبه خبر مثل تهديد الإخوان له إذا لم يلتزم فى أمر ما أن يدرسوا فصله عن الجماعة ينصاع لأمر الجماعة وينزل على رأيها ويتنازل عن رأيه الشخصي خوف الفصل عشنا كل هذا العمر معه لا نعرف أنه فكر يوما فى تشكيل جماعة خاصة تحمل اسمه إنما كان مروان يعتبر نفسه فردا عاديا وينادي بالإعداد والجهاد من خلال أجهزة الجماعة ومؤسساتها ونعوذ بالله من الافتراء عليه بعد استشهاده .

وأذكر لمروان موقفين من مواقفه التي تتم على عظمة شخصيته ومدي التزامه بالإسلام والدعوة إليه :

الموقف الأول: فى حوادث حماة عام 1964 وبعد أن هدم الطغاة مسجد السلطان فى حماة واعتقل مروان آخر من اعتقل فى المسجد حيث تقدموا نحوه وهم يطلقوم عليه الرصاص خوفا منه وهو اعزل من السلاح ولكنه قوي بإيمانه, كنت أري ثقوب الرصاص فى ثوبه وعباءته دون أن يمس جسمه بأذي وحين اقتربوا منه حصل تماسك بالأيدي فضرب ثلاثة من الضباط كلا بقبضة من يده وفى كل مرة كان يلقي المضروب أرضا وعقب كل ضربة كانوا يتكاثرون عليه ويكيلون له الضربات بكعوب البنادق ولا يتركونه حتي يغمي عليه وفى النهاية اقتادوه إلى غرفة المحافظ فى السراي العام حيث كان يوجد أمين الحافظ نفسه وهو رئيس الجمهورية وقت الحادث دخل عليه مروان وهو مضرج بدمه مشجوج الرأس خائر القوي يمسك به جنديان عن اليمين وعن الشمال فجابه أمين الحافظ وكان معروفا ببذاءة لسانه فلما سب مروان تماسك مروان وأجأبه سجلت بأحرف من نور قال لأمين الحافظ وهو رئيس الجمهورية وقتئذ :

- لتكن خصومتك يا أمين شريفة !!.

- فبهت أمين الحافظ وخرس!!.

- أما موقفه الثاني : فقد رواه لى أحد إخوان مروان الذين حكم عليهم بالإعدام معه عام 1964 قال هذا الأخ : بعد أن ألقي فضيلة الشيخ محمد الحامد رحمة الله عليه بثقله لإلغاء أحكام الإعدام على مروان وإخوانه الذين اشتركوا فى حادث جامع السلطان فى حماة واستجب أمين الحافظ وألغي أحكام الإعدام لم يرق هذا لعزت جديد أحد الضباط النصيريين المتنقدين يومها فاقتحم السجن بجنده المدججين بالسلاح وأمر السجناء المحكوم عليهم بالإعدام أن يتهيأ لتنفيذ الحكم فيهم وأمام كل منهم خمس دقائق فقط لكتابة وصيته ولترتيب أنفسهم !!. فتنازع الإخوان كل يريد أن يكون أول من ينفذ فيه حكم الإعدام ولكن مروان رحمه الله قام وقال :

- - يا إخواني أما الأول فلا نزاع عليه إذ أنه لن يكون أمامي احد.

- فما كان من الإخوان إلا أن اقترعوا على الثاني والثالث!!.

- لقد كان مروان - ولا أزكي على الله أحدا – أحسبه كان أهلا لمقام الشهادة فأنعم الله عليه بها ربه وتقبله شهيدا جمعنا الله وإياه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا !!.

- ومضي مروان إلى ربه .. ولكنه بقي فى نفوس إخوانه المجاهدين قدوة ومثلا حيا للجهاد والتضحية والصدر الثبات .. وهم على الطريق الذي سلكه مروان سائرون وتحت لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاهدون حتي تعلو كلمة الله وتنكس راية البعث النصيرية الكافرة والله معهم ولن يحبط أعمالهم !!.