الإخوان المسلمون وثورة اليمن 1948

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخوان المسلمون وثورة اليمن عام 1948

دراسات في تاريخ الحركة الإسلامية

بقلم: د/ صفوت حسين

محتويات

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَال وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ}

لعبت جماعة الإخوان المسلمين دوراً كبيراً في تاريخ مصر منذ نشأتها عام 1928، وقد تميز نشاطات جماعة الإخوان بالتعدد والتشعب انطلاقاً من رؤيتهم للإسلام كدين شامل ينظم كافة مظاهر الحياة المختلفة، ولذلك فقد كان للإخوان إسهاماتهم في كافة المجالات سواء علي المستوي السياسي أو الاجتماعي أو الفكري أو الاقتصادي، إلي غير ذلك من المجالات وقد لعب الصدام بين الإخوان والدولة، خاصة الصدام الأقوى والأطول بين الإخوان وثورة يوليو دوراً كبيراً في كتابة تاريخ الإخوان، فقد أدي الصدام الذي نتج عنه حظر الجماعة من الناحية القانونية، بالإضافة إلي إعدام بعض قادة الجماعة، ودخول العديد منهم المعتقلات والسجون، إلي كتابة تاريخهم من جانب واحد اتخذ جانب العداء ومحاولة تشويه الجماعة، فضلاً عن عدم وجود فرصة للجماعة للرد علي هذه الكتابات.

ولم يقتصر الأمر عند تشويه صورة الإخوان، وإصدار العديد من الكتابات العدائية الدعائية ضدهم، ولكن امتداد النزاع بين الإخوان والثورة حتى الآن، وهو الأمر الذي أدي إلي تبادل الاتهامات، وإصدار العديد من الكتب التي حاولت توظيف التاريخ لخدمة الأغراض الفكرية والأيديولوجية والسياسية بعيداً عن منهج البحث العلمي السليم. وهكذا عملت الظروف السياسية والعداء بين الحقب التاريخية المختلفة في مصر سواء قبل ثورة يوليو أو بعدها، وكذلك بين حقبة عبد الناصر، وحقبة حكم السادات، علي إيجاد ظاهرة الصراع بين الحقب التاريخية المختلفة، والتنابذ بالتاريخ، ومحاولة كل تيار فكري أو سياسي ينتمي إلي إحدى هذه الحقب استغلال التاريخ وتوظيفه لخدمة أغراضه والنيل من الآخرين، مما أوجد سيلاً من الكتابات التاريخية التي تفتقد المنهج العلمي.

ومع مجيء السادات إلي السلطة عام 1970، و البدء في إطلاق سراح المسجونين والمعتقلين من الإخوان تم السماح بالنشاط للإخوان - ولو بشكل غير قانوني - وإعادة إصدار جريده الدعوة، حدث تغيير علي ساحة الكتابات التاريخية عن الإخوان تمثل في ظاهرتين أساسيتين:-

الأولي :- ظهور العديد من الدراسات العلمية الأكاديمية عن جماعة الإخوان أتسمت بإتباع المنهج العلمي ومحاولة تقديم رؤية علمية عن الإخوان بعيداً عن الكتابات التاريخية السابقة المنحازة ضد الإخوان في ظل الظروف العدائية السابقة ضدهم.

ومن الملاحظ أنه حتى عام 1978 لم تكن قد صدرت رسالة علمية عن الإخوان المسلمين في مصر باستثناء رسالة محمد شوقي زكي عن الإخوان المسلمين والمجتمع المصري، وهي رسالة تخرج من معهد الخدمة الاجتماعية، وقد صدرت في كتاب عام 1954، وقد تمت الدراسة عقب ثورة يوليو، وأثناء فترة العلاقة الطيبة بين الإخوان والثورة.

أما خارج مصر فقد صدرت دراستان الأولي رسالة دكتوراه من الجامعة الأمريكية ببيروت لإسحاق الحسينى بعنوان "الإخوان المسلمون كبري الحركات الإسلامية الحديثة" وقد صدرت الطبعة الأولي منها في بيروت عام 1952.

أما الرسالة الثانية عن الإخوان المسلمين فهي لريتشارد ميتشل وقد نال بها درجة الدكتوراه من جامعة برنستون عام 1960.

وفي عام 1978 حصل زكريا سليمان بيومي علي درجة الدكتوراه في رسالة عن دور الجماعات الإسلامية في مصر في الحياة السياسية (19281948)، وقد نشرت تحت عنوان "الإخوان المسلمون والجماعات الإسلامية في الحياة السياسية المصرية" عام 1979.

وقد توالت بعد ذلك العديد من الرسائل والبحوث سواء عن جماعة الإخوان أو مؤسسها حسن البنا والتي تناولت العديد من الجوانب المتعلقة بالإخوان هذا بالإضافة إلي بعض الرسائل الأخرى التي تعرضت في بعض فصولها لجوانب من تاريخ وأنشطة الإخوان، وكذلك العديد من الدراسات من جانب متخصصين في التاريخ وأهم الرسائل العلمية التي صدرت عن الإخوان هي:-

أ ) في مجال التاريخ :-

1. إسحاق موسى الحسيني: "الإخوان المسلمون كبري الحركات الإسلامية الحديثة"، بيروت 1952.

2. ريتشارد ب.ميتشل: "الإخوان المسلمون"، ترجمة: عبد السلام رضوان، مكتبة مدبولي، 1977،. وتوجد ترجمة أخرى، للدكتور/ محمود أبو السعود، وتتميز بوجود تعليقات عليها لصالح أبو رقيق أحد قادة جماعة الإخوان.

3. زكريا سليمان بيومي: "الإخوان المسلمون والجماعات الإسلامية في الحياة السياسية المصرية" 19281948، مكتبة وهبة، القاهرة، 1979.

4. حمادة محمود أحمد إسماعيل: "جماعة الإخوان المسلمين ودورها في تاريخ مصر 19281949، ماجستير غير منشورة، آداب القاهرة، 1982".

ب ) في مجال العلوم السياسية:

1. عبد الهادي عبد الحكيم محمد الخطيب : "الدور السياسي لحركة الإخوان المسلمين في المجتمع المصري" 1936 –1952، ماجستير غير منشورة من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، عام 1980.

2. إبراهيم البيومي غانم : " الفكر السياسي للإمام حسن البنا"، رسالة ماجستير منشورة، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، عام 1992 .

جـ ) في مجال التربية:-

1. أحمد ربيع عبد الحميد خلف الله: " الفكر التربوي وتطبيقاته لدي جماعة الإخوان المسلمين"، رسالة ماجستير منشورة، مكتبة وهبة، 1984.

2. عثمان عبد المعز رسلان: "التربية السياسية عند جماعة الإخوان المسلمين" رسالة ماجستير منشورة، دار التوزيع والنشر الإسلامية، عام 1990.

د ) في مجال الصحافة :-

1. محمد علي شعير: "وسائل الإعلام المطبوعة في دعوة الإخوان المسلمين" رسالة ماجستير منشورة، دار المجتمع للنشر والتوزيع، جدة 1985.

2. شعيب الغباشي: "صحافة الإخوان المسلمين" دراسة في النشأة والمضمون من 1933 إلي 1954، رسالة دكتوراه منشورة، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، 2000.

هـ ) في المجال الاجتماعي :-

1. محمد شوقي زكي: "الإخوان المسلمون والمجتمع المصريالقاهرة، 1954.

أما الظاهرة الثانية: فتمثلت في العديد من الكتابات والمذكرات الشخصية من جانب أعضاء وقيادات الإخوان.

وبالنسبة للكتابات التي صدرت عن الإخوان من جانب أعضاء الجماعة أو المؤيدين لها فقد اتخذت شكلاً حماسيا في إظهار إيجابيات الجماعة وتفنيد الاتهامات والانتقادات الموجهة للجماعة، والكثير منها يتناول شخصية مؤسس الجماعة الشيخ حسن البنا، وقد صدر عدد من الكتب عنه قبل حل الجماعة عام 1954، وهذه الكتابات بصفة عامة تعبر عن موقف الجماعة، ولا يمكن إدخالها في نطاق الكتابة العلمية للتاريخ ويتضح ذلك حتى من أسماء هذه الكتب، وإن كان بعضها يفيد الباحثين في مجال التاريخ خاصة إذ كان كتابها من قيادات الجماعة ممن عاصروا الأحداث الهامة في تاريخ الجماعة.

أما النوع الثاني من الكتابة وهو المذكرات الشخصية لقيادات وأعضاء الجماعة، وهي تمثل أهمية كبيرة نظراً لافتقاد الوثائق التاريخية، وعدم الالتزام بنظام محدد للإفراج عن الوثائق كما يحدث في بريطانيا والولايات المتحدة، وبالرغم مما يوجه إلي المذكرات الشخصية بصفة عامة من انتقادات كمحاولة أصحابها المبالغة في الأدوار التي قاموا بها، وإدعاء مواقف وبطولات مبالغ فيها، فضلاً عن محاولة دفع الاتهامات الموجهة لهم أو الحقبة التي يكتبون عنها، وتبرير الأخطاء التي وقعوا فيها، والتقليل من شأن الآخرين، بالإضافة إلي أن بعد الأحداث والكتابة عنها بعد سنوات، وتقدم صاحب المذكرات في السن قد يؤدي إلي كثير من الأخطاء غير المتعمدة.

وبالرغم من هذه الانتقادات فإن المذكرات الشخصية، والتي صدر العديد منها في مصر بحيث أصبحت تشكل ظاهرة، تمثل أهمية كبيرة حيث تعوض غياب الوثائق فضلاً عن أنها تكشف العديد من الخبايا التي لا يمكن معرفتها من أي مصدر آخر، خاصة إذا كان صاحب المذكرات ممن شغلوا موقع هام أتاح له فرصة المشاركة والإطلاع علي تاريخ الفترة التي يكتب عنها، كما أن المذكرات تلقي الضوء علي طبيعة العلاقات بين أصحاب السلطة والنفوذ، وكيفية اتخاذ القرارات، والدوافع الحقيقية وراء اتخاذها.

وإن كان كثرة المذكرات وتناقضها في كثير من الأحداث خاصة في ظل صدور العديد من المذكرات من شخصيات ثانوية حاولت أن تعطي نفسها حجماً أكبر من حجمها الحقيقي، يسبب ارتباكاً للباحث، إلا أنها من ناحية أخري توفر كماً كبيراً من المادة التاريخية، وهنا بأتي دور الباحث ومعاناته أيضاً في المقارنة بين الروايات المتناقضة والترجيح بينها، ومحاولة الوصول إلي صورة أقرب للواقع لما حدث بالفعل، وذلك وفقاً للمنهج العلمي للبحث التاريخي.

وبالنسبة للمذكرات الخاصة بالإخوان، قد صدر العديد منها منذ النصف الثاني من السبعينيات وحتى الآن، إلا أن أول مذكرات للجماعة كانت مذكرات حسن البنا التي صدرت في بيروت عقب حل جماعة الإخوان 1948، وقد صدرت بعد ذلك في القاهرة باسم "مذكرات الدعوة والداعية" وتحتوى هذه المذكرات علي معلومات هامة حول حياة حسن البنا، وتأسيس جماعة الإخوان المسلمين، وتطور الجماعة في القاهرة حتى الحرب العالمية الثانية.

أما في مرحلة السبعينات فقد نشرت مجلة روز اليوسف في نهاية عام 1977 مذكرات حسن عشماوى عضو الجماعة، ثم صدرت في كتاب بعنوان "الإخوان والثورة" وقد أعيد طبع المذكرات عدة طبعات بالاسم الذي اختاره المؤلف ويتكون من جزأين، الأول بعنوان "حصاد الأيام أو مذكرات هارب" والجزء الثاني بعنوان "الأيام الحاسمة وحصادها".

ثم صدر في العام الثاني 1978 مذكرات زينب الغزالي بعنوان "أيام من حياتي" ثم أصدر محمود عبد الحليم عضو الهيئة التأسيسيه للإخوان مذكراته المكونة من ثلاثة أجزاء، وقد صدر الجزء الأول في نفس العام 1978 بعنوان "الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ رؤية من الداخل" ثم صدر الجزء الثاني عام 1981، والجزء الثالث عام 1985، وتعد هذه المذكرات أشمل المذكرات التي صدرت عن الإخوان وأكثرها معالجة للجوانب المتعددة من تاريخ الإخوان، وهي مرجع لا غني عنه لأي باحث في تاريخ الإخوان مع الأخذ في الاعتبار المحاذير التي سبق الحديث عنها عند التعامل مع المذكرات الشخصية.

ومن المذكرات الهامة التي صدرت للإخوان مذكرات صلاح شادي "صفحات من التاريخ" والتي صدرت عام 1981، وقدر ركزت هذه المذكرات علي علاقة الإخوان بالثورة والصدام بينهم وتناول بعض الأخطاء التي وقع فيها الإخوان من وجهة نظره.

ومن المذكرات الهامة مذكرات أحمد عادل كمال "النقط فوق الحروف الإخوان المسلمون والنظام الخاص" التي صدرت عام 1986، ومذكرات محمود الصباغ "حقيقة التنظيم الخاص ودوره في دعوة الإخوان المسلمين" التى صدرت عام 1988، ويستمد هذان الكتابان أهميتهما من ناحية المؤلفين اللذين كانا من قيادات النظام الخاص، ولطبيعة الموضوع الذي يتناوله الكتابان، وهو النظام الخاص أكثر الموضوعات جدلاً في تاريخ الإخوان، وقد اقتصر محمود الصباغ في كتابه علي الحديث عن النظام الخاص في فترة ما قبل الثورة، وتتميز هذه المذكرات بالصراحة الشديدة، والإجابة علي تساؤلات ظلت حائرة حول بعض الحوادث التي نسبت إلي الإخوان دون وجود دليل قاطع عليها، أما أحمد عادل كمال فقد أفرد مساحة كبيرة من مذكراته للحديث عن النظام الخاص إلي جانب تناوله لبعض الموضوعات الأخرى، وقد كشف المؤلف أيضاً عن الكثير من خبايا النظام الخاص، كما تعرض بالتفنيد لبعض ما جاء في مذكرات صلاح شادي.

وما ذكر من مذكرات للإخوان ليس حصراً لها بل عرضا لأهم هذه المذكرات، وهناك العديد من المذكرات الأخرى التي لم يتم تناولها لأن التعرض لها بالتفصيل، - وكذلك تقييم ما كتب عن الإخوان في المراحل المختلفة - يحتاج إلي دراسة مستقلة، وليس هذا هدف المقدمة الموجزة، التي تهدف إلي إعطاء فكرة عامة عن مراحل تطور الكتابة عن الإخوان المسلمين.

وما يجب لفت النظر إليه أنه يجب عدم النظر إلي مذكرات الإخوان علي أنها تعبير عن الرأي الرسمي للجماعة من الإحداث التاريخية، وذلك لأن هذه المذكرات تعبر عن رأي أصحابها وهذا ما ذكره محمود عبد الحليم في مقدمة مذكراته "ليس من حقي أن أقرر أن تحليلي هو التحليل الأوحد، وأن رأي هو الرأي الأصوب، فلكل إنسان أسلوب في التحليل ورأي فيما يعالج من قضايا" وهو الأمر الذي أكد عليه مصطفى مشهور المرشد العام الخامس للجماعة في تقديمه للمذكرات.

كما أن وجود عدد من مذكرات الجماعة لا يعنى عدم الاتفاق في التحليل والرأي فحسب بل يوجد أيضا تناقض في الروايات التاريخية حول الحادث الواحد، وهذا أمر متوقع نظراً لطبيعة المذكرات الشخصية وقد يرجع ذلك لموقع كاتب المذكرات من الحدث ومدي مشاركته فيه وبعده وقربه من قيادات الجماعة، وكذلك عامل الحفظ والنسيان نتيجة لتسجيل المذكرات بعد سنوات طويلة من وقوع الأحداث، كما أن هناك مذكرات لمن تم فصلهم من الجماعة بعد ثورة يوليو وأثناء النزاع بينها وبين الإخوان، وهو ما أدي إلي تعارض رؤيتهم للأحداث مع رؤية أعضاء الجماعة الآخرين وهو ما يظهر بصورة واضحة وجلية في مذكرات أحمد عادل كمال والذي تناول فيها الرد علي ما أثاره صلاح شادي من انتقادات للنظام الخاص ولعبد الرحمن السندي رئيس الجهاز الخاص وعلي هذا لا يجب النظر إلي الآراء والتحليلات الواردة في المذكرات علي أنها التحليلات والآراء الرسمية للجماعة وإن كان يمكن القول بصفة عامة أن أقرب المذكرات لرأي الجماعة هي مذكرات محمود عبد الحليم.

وعندما شرعت في الكتابة عن تاريخ الحركة الإسلامية وعلي رأسها الإخوان المسلمون، ووضع تصور للموضوعات التي يمكن الكتابة فيها، وجدت أن هناك موضوعات قد استحوذت علي أكبر قدر من الاهتمام والأضواء وهي الموضوعات التي تصب في اعتقاد كتابها في النيل من الإخوان، ويأتي علي رأسها النظام الخاص أو التنظيم السري كما يطلق عليه إعلامياً وعلاقة الإخوان بالسراي والإنجليز وأحزاب الأقلية إلي غير ذلك من الموضوعات التي توظف غالباً لخدمة أهداف سياسية وأيديولوجية.

وقد أدي الاهتمام بهذه الموضوعات التي سلطت عليها الأضواء، ولفتت الانتباه إلي كثير من التشويش نتيجة لتجاهلها المنهج العلمي ومحاولة توظيفها سياسياً وإعلامياً، وأدت كذلك لعدم إلقاء الضوء علي جوانب هامة من تاريخ الإخوان خاصة النواحي الفكرية والاجتماعية للجماعة، وهكذا علي عكس الشائع - أن يعاني الباحث من ندرة المصادر - نجد العديد من الكتابات التي تتناول هذه الموضوعات، ولكن - في المقابل - بطريقة تؤدي إلي التشويش والارتباك بالإضافة إلي تجاهل الموضوعات الأخرى الأقل إثارة من الناحية السياسية والإعلامية.

وقد اخترت أن أبدأ هذه السلسلة بتناول دور الإخوان في فلسطين، حيث كنت قد تقدمت بخطة بحث حول هذا الموضوع أثناء تقدمي لدراسة الماجستير لكن حالت بعض الظروف دون ذلك، ولذلك عندما أردت الكتابة عن تاريخ الإخوان تداعي هذا الموضوع إلي ذهني وفعلاً بدأت في جمع المادة العلمية الخاصة بهذا الموضوع، ولكن أثناء ذلك بدأ يشغل تفكيري موضوع علاقة الإخوان باليمن خاصة أن ما كتب عن هذا الموضوع سواء في مذكرات الإخوان أو الكتب التي تناولت تاريخهم لا يشفي غليل الباحث ولا فضوله العلمي، وبالرغم من أنني وضعت هذا الموضوع كأحد العناصر لدراسة تتناول دور الإخوان في قضايا الشعوب الإسلامية إلا أن هذا الموضوع وقلة الحديث عنه في المصادر المصرية دفعتني للبحث في هذا الموضوع في المصادر اليمنية وقد وجدت الكثير من المصادر التي توضح العلاقة بين الإخوان وثورة اليمن عام 1948، ووجدت أن المادة العلمية المتاحة تكفي لإصدار دراسة مستقلة حول هذا الموضوع الذي وقع اختياري عليه ليكون أول دراسة فى هذه السلسة، والذي يلقى الضوء على جانب لم يأخذ حظه الكافى من الدراسة في تاريخ الإخوان، ويتضح ذلك من استعراض ما كتب عن هذا الموضوع فبين العديد من المذكرات التي صدرت للإخوان لم يتعرض لهذا الموضوع سوي محمود عبد الحليم وأحمد عادل كمال ، وقد أفرد محمود عبد الحليم لهذا الموضوع صفحات قليلة للحديث عن علاقة الإخوان باليمن وبداية هذه العلاقة، وما كتبه محمود عبد الحليم لا يضيف جديداً عن علاقة الإخوان بالثورة فهو نفسه يذكر "ولست أدعي أنني كنت مشاركاً في تدبير هذه الثورة، فلقد كنت في تلك الأثناء بعيداً عن القاهرة" كما يذكر أنه عالج موضع ثورة اليمن بطريقة "لم تمس بواطن الأمور في تفاصيلها وأسرارها تاركاً ذلك لمن عانوها واصطلوا بنارها" ويذكر أنه استمع من عبد الحكيم عابدين الذي ذهب إلي اليمن أثناء الثورة لبعض التفاصيل والأسرار، ولكنه يفضل أن يناقش عبد الحكيم عابدين هذه التفاصيل والأسرار بنفسه.

أما ما ذكره محمود عبد الحليم من معلومات عن ثورة اليمن فهي في مجملها معلومات مستقاه من الصحف، وبعضها غير دقيق مثل تاريخ مقتل الإمام يحيى حيث خلط بين تاريخ الإعلان الكاذب لوفاة يحيى في 14 يناير والتاريخ الحقيقي لمقتلة في 17 فبراير، وأعتبر تاريخ الإعلان الكاذب لوفاة يحيى هو تاريخ وفاته، كما أنه ذكر أن الملك عبد العزيز رفض مقابلة الوفد اليمني الذي ذهب لمقابلته، وهذا غير صحيح حيث قابل الملك الوفد أكثر من مرة ولعل أهم ما أكد عليه محمود عبد الحليم في مذكراته أن فكرة إعداد الشعب اليمني للثورة قد نبتت في المركز العام للإخوان المسلمين .

أما أحمد عادل كمال فقد تناول في فصل من مذكراته ثورة اليمن، وقد أكد في مذكراته علي مقابلة وفد من المعارضة اليمنية لحسن البنا، وأنه عرض عليه خطة لاغتيال الإمام يحيى، وأن حسن البنا رفض فكرة الاغتيال ونصحهم بالانتظار حتى وفاة الإمام يحيى، وتصحيح المسار في اليمن دون إراقة دماء ولم يورد أحمد عادل كمال معلومات جديدة حول علاقة الإخوان باليمن كما أنه أورد بعض المعلومات غير الدقيقة مثل حادث قتل يحيى وأن الذي قام بعملية قتله هو جمال جميل، والذي أورد عنه معلومات غير صحيحة مثل لجوء جمال إلي اليمن بعد فشل ثورة رشيد عالي الكيلاني ، بينما قدم جمال جميل إلي اليمن ضمن بعثة عراقية استقدمها يحيى عام 1940 لتدريب الجيش اليمنى، وقد ظل في اليمن بعد مغادرة البعثة لليمن عام 1943 وكذلك من المعلومات غير الدقيقة التي أوردها أن الفضيل الورتلاني كان خارج اليمن أثناء الثورة، وباستثناء هذين الكتابين لا يكاد يوجد أثر لعلاقة الإخوان بالثورة اليمنية بالرغم من كثرة هذه المذكرات، وتناولها الكثير من التفاصيل، ويبدو أن القضية الفلسطينية التي تصاعدت أحداثها مع قيام الثورة قد استحوذت علي كل الاهتمام، فلا نري أي حديث في هذه المذكرات عن رأي الشيخ حسن البنا أو تعليقاته علي أحداث اليمن علي عكس القضية الفلسطينية.

وكذلك نجد هذا التجاهل عن علاقة الإخوان بالثورة اليمنية في الدراسات التي تناولت تاريخ الإخوان إلا بصورة مقتضبة للغاية باستثناء كتاب محسن محمد "من قتل حسن البنا" والذي تناول علاقة الإخوان بالثورة بشيء من التفصيل ومما يؤسف له أن أهم شخصية محورية في أحداث اليمن وهو الفضيل الورتلانى لم يترك أي كتابات عن أحداث اليمن، وهي كتابات كانت- ولا شك- ستوضح أسرار وتفاصيل العلاقة بين الإخوان والثورة، وكذلك تفاصيل الثورة اليمنية، ونفس الأمر ينطبق علي عبد الحكيم عابدين الذي لم يترك شيئا مكتوبا عن أهم أحداث الثورة التي رآها بنفسه أثناء تواجده في اليمن أثناء أحداث الثورة، وبذلك رحل عن دنيانا أهم شخصيتين كانتا من الممكن أن تضيف الكثير عن أحداث الثورة، وأسرارها الذي تحدث عنها محمود عبد الحليم في مذكراته، وترك الحديث عنها لعبد الحكيم عابدين.(1)

وحتى أمين إسماعيل – الذي كان عضوا مع عبد الحكيم عابدين في بعثة الإخوان لليمن فقد قدم معلومات محدودة عن اليمن من خلال مقالة بمجلة المباحث القضائية، وفي ظروف لا تسمح بحرية الحديث، وكذلك لم يقع بين يدي أي كتابات لأعضاء البعثة التعليمية من الإخوان في اليمن في هذا الصدد، ومع ذلك يبقي الباب مفتوحاً أمام من تبقي علي قيد الحياة ممن تواجد باليمن في أثناء أحداث الثورة، أو سمع من الشيخ حسن البنا عنها أو من الذين شاركوا في أحداثها لتقديم ما عندهم حول هذا الموضوع.(2)

ومن المصادر المهمة في هذا الموضوع الجرائد والمجلات خلال فترة الثورة، والتي عالجت الثورة اليمنية خاصة جريدة الإخوان المسلمين، وهنا تأتي مشكلة صعوبة الإطلاع علي هذه الجرائد والمجلات خاصة الجرائد والمجلات الخاصة بالإخوان، فمعظمها غير مسموح بالإطلاع عليه نظراً للحالة السيئة التي عليها هذه الدوريات وغالباً ما يكون الرد عند طلبها أنها في الترميم، وحتى ما تيسر الإطلاع عليه فهو في حالة سيئة وينطبق الحال كذلك علي العديد من دوريات تلك الفترة، والتي لم أستطع الإطلاع عليها، وهو الأمر الذي يستدعي سرعة ترميم هذه الدوريات وتصويرها ميكروفيلم لتيسير الإطلاع عليها للباحثين فهي مرجع لا غني عنه للباحث سواء في مجال التاريخ أو الإعلام وغيرها من المجالات الأخرى، حيث تمثل دوريات الإخوان بما تحتويه من وثائق مصدراً هاماً للكتابة عن تاريخهم، والملاحظ أن تصويرها ميكروفيلم لن يكون كاملاً أيضاً لتمزق وتلف الكثير من الأعداد من كثرة الاستخدام، وقد أورد عثمان عبد المعز رسلان في كتابه عن "التربية السياسية عند الإخوان" أن محمد فتحي علي شعير أعاره 18 شريطا ميكروفيلماً مسجلاً عليها كل صحف ومجلات الإخوان، وهو ما يعني وجود شرائط ميكروفيلم كاملة لهذه الدوريات، إن إهداء مثل هذه الشرائط لدار الكتب ونشرها على الأنترنت يمثل إسهاماً كبيراً يوفر الكثير من الجهد والعناء للباحثين.

وقد عانيت كثيراً للحصول علي دوريات الإخوان وغيرهم خلال فترة الثورة اليمنية، ولم أستطع الحصول علي بعض الأعداد المهمة مثل أعداد جريدة "الإخوان المسلمين" عقب الثورة مباشرة، واضطررت إلي اللجوء لبعض المصادر التي أتيح لها الإطلاع علي هذه الجريدة، للأخذ عنها بدلاً من الأخذ منها مباشرة.

كما ذكر إبراهيم البيومي غانم أن سيف الإسلام حسن البنا ابن الشيخ حسن البنا يحتفظ عنده بجميع ما كتبه والده من مقالات، وبطبيعة الحال فإن الوصول إلي هذه المقالات يمثل صعوبة في الحصول عليها نظراً لتفرقها في العديد من الدوريات التي يعاني الباحث من صعوبة في الحصول عليها، ولعل إهداء صورة منها إلي دار الكتب، أو تجميع هذه المقالات حسب الموضوعات التي تعالجها ونشرها على الأنترنت يوفر الكثير من الجهد والعناء للباحثين.

وبالرغم من هذه الصعوبات وعدم توافر كم من المادة التاريخية في كتابات الإخوان عن موضوع ثورة اليمن فقد أتاحت بعض المصادر الأخرى توفير المادة العلمية المطلوبة وعلي رأسها الوثائق فقد احتوت "محافظ عابدين" علي محفظة خاصة باليمن تحمل رقم (127) وقد احتوت علي بعض المذكرات والتلغرافات الخاصة بثورة اليمن، وكذلك الوثائق الهاشمية المنشورة، وهي أوراق الملك عبد الله بن الحسين وقد احتوت علي بعض المراسلات الخاصة بثورة اليمن.

كما ألقت المصادر اليمنية الكثير من الضوء علي علاقة الإخوان بالثورة اليمنية وعلي رأس هذه المصادر كتاب مركز الدراسات والبحوث اليمني عن ثورة 1948، والذي احتوى علي عرض فصول من كتب بعض المشاركين في الثورة، وكذلك فصول مترجمة للكتاب الأجانب الذين كتبوا عنها، كما تضمن الكتاب ندوة شارك فيها العديد ممن شاركوا في الثورة بالإضافة لبعض الكتاب والشباب، وقد كشفت هذه الندوة ومناقشتها الكثير من التفاصيل عن العلاقة بين الإخوان وقادة الأحرار اليمنيين، وتضمن الكتاب كذلك بعض الوثائق عن الثورة، ومن الكتب اليمنية الهامة كتاب عبد الله الشماحي أحد قادة هيئة النضال اليمنية المشاركين في ثورة اليمن ويحمل اسم "اليمن الإنسان والحضارة" وقد تحدث فيه عن لقائه في موسم الحج عام 1946 لحسن البنا، وحديثه معه عن أحوال اليمن وتعهد حسن البنا بمساندة القضية اليمنية، كذلك تناول الحديث عن الفضيل الورتلاني ودوره في الإعداد للثورة والاتصال بحسن البنا لإطلاعه علي اختيار عبد الله الوزير لمنصب الإمامه بعد وفاة يحيى، وكذلك من الكتب الهامة كتاب عبد الله السلال بالاشتراك مع ثلاثة ممن شاركوا في الثورة ويحمل الكتاب اسم "ثورة اليمن الدستورية" والكتاب مهم من هذه الناحية، وإن كانت بعض آرائه عن الفضيل الورتلاني لا يمكن التسليم بها.

ويبقي نقطة هامة عند توصيف ما حدث في اليمن فهناك من يستخدم لفظ انقلاب وهناك من يستخدم ثورة، ومن الواضح أن مفهوم هذه المصطلحات لم تكن قائمة في ذهن قادة الأحرار ولذلك نجد منهم من يعبر بكلمة انقلاب، وهذا الوضع كان لا يثير الاستغراب في تلك الفترة ويبدو من دراسة ما حدث في اليمن أن استخدام كلمة الانقلاب هو استخدام لا يعبر عما حدث بالفعل فلم يكن ما حدث مجرد انقلاب لتولي الحكم بل كانت حركة من فئات متعددة من المجتمع شملت المتعلمين والمثقفين والضباط والتجار وعلماء الدين والطلبة، ولم يكن الهدف مجرد الوثوب إلي الحكم بل كان الهدف إحلال النظام الدستوري وإصلاح الأحوال باليمن وذلك من خلال الميثاق الوطني المقدس، لذلك من الخطأ تصوير ما حدث علي أنه مجرد انقلاب فهي حركة كانت تهدف إلي تغيير المجتمع اليمني نحو الأفضل ويتضح ذلك من خلال الملامح العامة التي حملها الميثاق الوطني.

وبالرغم من فشل هذه الحركة بعد مدة قصيرة، لم تتح الفرصة للحكم عليها، إلا أن ما حدث هو أقرب إلي الثورة، وربما كان وصفها بالثورة الدستورية هو الأقرب إلي الصحة.

وقد تناولت البحث في مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول وخاتمة وقائمة بأهم المصادر والمراجع، وقد تناول التمهيد عرض لأحوال وأوضاع اليمن تحت حكم الإمام يحيى، وما كانت تعانيه اليمن تحت حكمه من تخلف في كافة مجالات الحياة.

الفصل الأول : بعنوان "الإخوان المسلمون والحركة الوطنية اليمنية"

ويتناول بداية نشوء الحركة الوطنية اليمنية ضد استبداد الإمام يحيى، وظهور المنظمات المعارضة لحكم يحيى، وأهم أنشطتها، والعلاقة بين حركة المعارضة والإخوان المسلمين في مصر، وتتبع هذه العلاقة التي بلغت ذروتها بإيفاد الإخوان للفضيل الورتلاني إلي اليمن ليكون ضابط اتصال بين الإخوان والأحرار اليمنيين.

الفصل الثاني : بعنوان "ثورة 1948".

ويتناول مقتل الإمام يحيى وإعلان الثورة وإعلان الحكم الدستوري والصعوبات التي واجهت الثورة، وأهمها لجوء ولي العهد أحمد بن الإمام يحيى إلي منطقة حجة وتأليب القبائل ضد الحكم الجديد حتى تمكنت قواته من حصار صنعاء ودخولها والقضاء علي الثورة التي لم تستمر أكثر من 26 يوماً كما تم تناول أسباب فشل الثورة، وأهم الآثار المترتبة عليها.

الفصل الثالث : بعنوان "موقف الإخوان من الثورة اليمنية".

ويتناول موقف الإخوان المساند للثورة والدعم الذي قدموه لها، بحيث كانت جماعة الإخوان وصحيفتهم هي الجهة الوحيدة التي أيدت الثورة منذ اللحظة الأولي، كما تم تناول محاولة الشيخ حسن البنا إنقاذ الثورة عندما تأزمت الأمور، وأوشكت الثورة علي الفشل، كما تم تناول الآثار التي ترتبت علي فشل الثورة بالنسبة للإخوان المسلمين .

  • ثم الخاتمة وتناولت أهم النتائج التي توصل إليها البحث.

وأخيراً أجد لزاماً عليّ ومن باب الأمانة العلمية أن أوضح للقارئ انتماء الباحث للتيار الإسلامي، وقد يتبادر إلي الذهن أن ذلك يتعارض مع الموضوعية والحياد الواجب أن يكون عليه الباحث في التاريخ، والواقع أن هذا الأمر يثير مشكلة كبيرة فى منهج البحث التاريخى، وهي مشكلة الموضوعية والذاتية.

ويمكن القول في إيجاز شديد:

1. أن الموضوعية المطلقة في كتابة التاريخ أمر من المستحيل تحقيقه كما تمني البعض أن يكون مرآة تعكس الأحداث كما هي، ومهما حاول الباحث أن يلتزم بهذه الموضوعية فإنه من المستحيل تحقيقها حتى لو لم يكن له انتماء سياسي أو فكري معلن، لأن كل إنسان لابد وأن يتأثر بمعتقداته الشخصية وميوله وبيئته.وقناعته الذاتية غير المعلنة، ولا يمكن أن يكون الباحث مجرد آله صماء خالية من أي مشاعر وأحاسيس.

2. أن التاريخ ليس معادلة كيمائية أو عملية حسابية محددة الخطوات والنتائج ولكنه مثله في ذلك مثل باقي العلوم الإنسانية يحتمل الخلاف والجدال من خلال الرؤية التاريخية للباحث، والتي تختلف من باحث لآخر في تفسير الحدث التاريخ بالرغم من الاتفاق حول وقائع هذا الحدث.

3. أن الذاتية لا تعني التخلي عن الموضوعية في عرض حقائق التاريخ عرضاً أميناً، أو محاولة إخفاء بعض الأحداث التاريخية التي قد لا تخدم رؤية الباحث، أو محاولة لي عنق الأحداث التاريخية للوصول إلي آراء ونتائج مسبقة ينطلق منها الباحث.

4. وبصفة عامة لابد من الجمع بين الموضوعية والنزعة الذاتية المعتدلة مع محاولة بذل اكبر جهد ممكن لتغليب الجانب الموضوعى ومراعاة منهج البحث العلمي في محاولة الوصول إلي الحدث التاريخي كما حدث بالفعل.

ولا أريد أن أزعم لنفسي الموضوعية والتجرد – التى يدعيها الجميع - فى هذه الدراسات، ولكني أدع الحكم علي ذلك للقراء والباحثين، ولكن ما أريد التأكيد عليه أن ما توصلت إليه في هذه الدراسات هي نتاج اقتناع ذاتي – بصرف النظر عن الصحة والخطأ - وفقاً للمادة العلمية المتاحة بين يدي، ولم أضع في تصوري عند الشروع في كتابة هذه الدراسات سوي محاولة الاقتراب من حقيقة الأحداث التاريخية التي أتناولها بصرف النظر عما قد تثيره هذه الدراسات من قبول أو رفض من جانب البعض، أو الاتهامات التي قد تنال الباحث نتيجة لموقفه وانتمائه الفكري، أو محاولة توظيف نتائج هذه الدراسات في خدمة أغراض سياسية أو دعائية.

وفي الختام أسأل الله العلي القدير أن يتقبل هذا العمل وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن يتجاوز عما به من خطأ وتقصير.

"ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم"

د/ صفوت سيد أحمد حجازي

القرين – محافظة الشرقية

الأربعاء 7 شوال 1423هـ &

12 ديسمبر 2002م

d-safaut-housin2002[email protected]

تمهيد

تم تأسيس حكم الإمامة الزيدية في اليمن حينما هبط يحيى بن الحسين بن القاسم، الذي ينتمي نسبة إلي الإمام علي بن أبي طالب، مدينة صعده اليمنية عام 280هـ وتمكن من دخول صنعاء في ليلة الجمعة 21من محرم 288هـ / 901م حيث خطب له بالإمامة علي المنابر وأرسل ولاته علي المخاليف والكور ولقب بالإمام الهادي فكان أول إمام باليمن.(3)

وقد تعاقب الأئمة الزيدية منذ ذلك التاريخ علي حكم اليمن وكان الإمام يملك إلي جانب السلطة السياسية، السلطة الدينية بوصفه إماماً للطائفة الزيدية.

وفي عام 1904 بويع يحيى محمد حميد الدين إماماً لليمن بعد وفاة والده المنصور وأعلن عزمه علي إحياء الشريعة الإسلامية وتنفيذ أحكامها وتحرير اليمن من الاستعمار العثماني وتظهير البلاد من ظلمهم وفسادهم، الأمر الذي أدي لاكتسابه الولاء والتأييد من جانب اليمنيين.(4)

وقضي الإمام يحيى السنوات السبع الأولي في حرب مستمرة ضد الأتراك العثمانيين من 1904إلي 1911 انتهت بتوقيع صلح "دعان" عام 1911 بين الإمام يحيى والوالي العثماني أحمد عزت وبموجب هذا الصلح تم إعطاء الإمام حق تعيين الحكام والقضاة الزيديين وأن يدفع عشر حاصلاته للحكومة، وصدور عفو عام عن الجرائم السياسية، وعدم جباية الضرائب لمدة عشر سنوات من أهالي ارحب وخولان لما أصاب بلادهم من خراب.(5)

ويمكن النظر إلي بنود هذا الاتفاق علي أنها تنظيمات تؤدي إلي إقرار الأمور في الولاية ووضع حد لثورات الإمام حيث احتفظت الدولة العثمانية لنفسها بحق التصديق علي ترشيح الإمام للحكام والقضاة الزيديين وكذلك حق تعيين حكام وقضاة الشافعية والحنفية وغير ذلك من الأمور التي تضمن استمرار تبعية اليمن وخضوعه للسيادة العثمانية.(6)

ومع نهاية الحرب العالمية الأولى وهزيمة الدولة العثمانية حاولت الإدارة العثمانية في صنعاء خدمة الإمام عن طريق دعوة الإمام يحيى إلي دخول صنعاء وتسلم قصر عمدان والأسلحة مقابل ما للإمام من ديون عند العثمانيين، كما حاول الوالي العثماني محمود نديم قبل رحيل العثمانيين أن يعطي الإمام مظاهر السيادة والسلطات وأنه الوارث الطبيعي للحكم العثماني والحاكم الشرعي لليمن بعد خروج العثمانيين وقد أرسل خطاباً بهذا المعني للحاكم البريطاني لعدن إلا أن حاكم عدن رفض الدخول في مفاوضات مع الإمام علي أساس أنه كان محايداً وليس طرفاً في الحرب.(7)

وبجلاء العثمانيين عن اليمن ودخول الإمام يحيى إلي صنعاء تحقق الاستقلال الكامل لليمن التي أصبحت الدولة العربية الأولي التي تحصل علي استقلالها في تلك الفترة، وبعد استقلال اليمن أدرك يحيى الحاجة للاستعانة بأفراد ذوي خبرة إدارية للمعاونة في حكم البلاد ولذلك لجأ لإقناع عدداً من الموظفين العثمانيين الذين كانوا يمثلون الباب العالي في اليمن بالبقاء ومعاونته في حكم البلاد.(8)

بالإضافة لاستعانته بالموظفين العثمانيين فقد أنشأ مدرسة حربية ومدرسة لدار العلوم كما كانت لديه عدة برامج في الميدان الاقتصادي والثقافي.(9)

لكن بالرغم من هذه البداية المبشرة التي بدأ بها يحيى حكمه لليمن إلا أنه سرعان ما اتبع سياسة اتسمت بالعزلة الشديدة وقد ارتكزت سياسة يحيى علي أمرين:

الأولي : خلق اتجاهات معادية لحتمية التطور بشكل عام، واحتقار الآراء التقدمية وفرض عزلة تامة علي اليمن لمنع أي مؤثرات خارجية.

الثاني : كنز حاصلات البلاد التي كان يقوم معظمها علي إرهاق الشعب وتجويعه دون استغلالها في أي مصلحة من المصالح التي تعود بالنفع علي البلاد.(10)

وترجع أسباب هذه العزلة الشديدة التي اتبعها يحيى إلي عاملين أساسيين:

العامل الأول : خبرة اليمن القاسية مع الأجانب سواء في حروبهم الطويلة للاستقلال عن العثمانيين بالإضافة إلي اصطدام يحيى العسكري مع الإنجليز في الجنوب اليمني وكذلك مع السعودية مما جعله يتشكك في نوايا الأجانب الذين يزورون البلاد ويعتبرهم جواسيس.(11)

ويذكر حسين حسني سكرتير الملك فاروق والذي زار اليمن عام 1929 كمندوب خاص للملك فؤاد أن راغب بك - وهو من رجال الدولة العثمانية الذين آثروا البقاء في اليمن والعمل مع الإمام يحيى وعهد إليه بالعمل كوزير للخارجية – أعلن له عن رغبة اليمن في توثيق العلاقات مع مصر وإيفاد أبناء اليمن للدراسة في الأزهر، والاستعانة بالمصريين للعمل في كافة المجالات في اليمن، وأنهم يودون عقد معاهدة مع مصر، ولكنهم يخشون أن تطالب الدول الأخرى بعقد مثل هذه المعاهدة وتبادل الممثلين السياسيين مع اليمن، وهو الأمر الذي يخشاه الإمام فإنه لا يريد فتح أبوابه أمام الأجانب خوفاً من الأطماع الاستعمارية، ولذلك فهو يفضل أن تبقي بلاده فقيرة متخلفة مع احتفاظها باستقلالها علي أن تصبح راقية غنية وتفقد شيئاً من سيادتهما بعد السماح للأجانب بالتغلغل في أرجائها بحجة التجارة والمساعدة في استغلال ثرواتها الطبيعية.(12)

ولعل هذا الحديث الذي نقله حسين حسني يوضح سيطرة هاجس الخوف من الأجانب علي يحيى، وأن هذا الهاجس كان أحد العوامل الجدية في فرض يحيى العزلة علي اليمن خاصة مع سيطرة القوي الاستعمارية علي البلاد العربية المختلفة بحيث كانت اليمن- كما سبق الإشارة إلي ذلك – الدولة العربية الوحيدة المستقلة في تلك الفترة.

العامل الثاني : وهو خاص بالأحوال الداخلية في اليمن ورغبة يحيى في الحفاظ علي سيطرته علي اليمن.

فقد كانت القبائل اليمنية خاصة في الشمال معادية تقليدياً لأية حكومة مركزية مما زاد من مخاوف التأثير الأجنبي عليها لتأليبها ضد الأئمة كما كان للقبائل أثر غير مباشر في دفع الأئمة لسياسة العزلة لاضطرارهم إلي تكريس جزء كبير من طاقتهم ووقتهم لتثبيت السيطرة علي القبائل.(13)

كما أن انتماء الإمام لمذهب يشكل أقلية صغيرة في الشرق العربي جعله وأنصاره يشعرون بالتميز عن البيئة المحيطة بهم.(14)

ومن المهم التوقف عند الناحية المذهبية في اليمن فقد كانت اليمن تنقسم إلي زيود وشوافع، وكان الحكم في يد الزيديين الشيعة منذ تأسيس الإمامة في اليمن، وكان الإمام يعتبر الزعيم الديني للطائفة الزيدية، وكانت السلطة مركزة في أيديهم بالرغم من التوازن العددي تقريباً بين الزيود الشيعة والشوافع السنة، وإن كانت بعض المصادر تميل إلي رجحان عدد الشوافع وأن نسبتهم تصل إلي 60٪ من سكان اليمن.(15)

وكان الإمام يميز بين الزيديين الذين كانوا يسكنون المناطق الجبلية، والشوافع الذين كانوا يسكنون المناطق الجنوبية وقد أقتصر هذا التميز علي النواحي الإدارية والسياسية فقد ترك الإمام للشوافع حرية التقاضي حسب مذهبهم، ولم يفرض عليهم ضرائب إضافية رغم أنهم كانوا يمارسون النشاط التجاري علي نطاق واسع(16).

وبالإضافة إلي الزيود والشوافع كان يوجد عدد من الطائفة الإسماعيلية قدر عددهم بحوالي من 25-50 ألفاً، كما كان يوجد حوالي 50 ألف يهودي حتى عام 1948-1949 حين نقلوا إلي الكيان الصهيوني، ولم يبق منهم إلا حوالي 1500 يهودي ومن الواضح أن كلاً من الإسماعيلية واليهود بحكم وزنهم العددي لم يكن لهم دور سياسي في اليمن(17).

لقد كانت سياسية العزلة التي انتهجها يحيى متذرعاً بحماية البلاد من الأطماع الاستعمارية تهدف في النهاية لمنع المؤثرات الخارجية، والتطلع إلي النماذج المختلفة للحكم والتي كانت تصب في النهاية لغير مصلحة الإمامة، ومن هنا جاءت رغبة الإمام في فرض العزلة لحماية الإمامة في اليمن، واستمرارها في أسرته، وليس أدل علي ذلك من قيامة بأخذ البيعة لأبنه أحمد بولاية العهد بالرغم من مخالفة ذلك – كما سنري- للمذهب الزيدي الذي يجعل الإمامة بالانتخاب.

وقد انعكست سياسية العزلة بالسلب علي كافة المجالات في اليمن فكانت اليمن هي الدولة الوحيدة من أعضاء جامعة الدول العربية التي جرت علي سياسية عدم تبادل التمثيل الدبلوماسي مع الدول الأخرى نتيجة سياسة الحذر والحرص التي جرت عليها في علاقتها الخارجية(18).

وبالرغم من عقد اليمن العديد من الاتفاقيات مع بعض الدول الأجنبية مثل إيطاليا وهولندا وبلجيكا وفرنسا وبعض الدول العربية إلا أنها حرصت علي عدم إقامة سفارات أو قنصليات معها، فلم تستطع مصر إقامة مفوضية لها في صنعاء إلا في عام 1951 وبعد وفاة يحيى بثلاث سنوات، ومن الملاحظ أنه رغم المشكلات الدبلوماسية مع الإنجليز في عدن فقد اعتذر يحيى عن إقامة أي تمثيل دبلوماسي مع الإنجليز في بلاده طول عمره(19).

ولم يكن الإمام يحيى يسمح للأجانب بدخول بلاده إلا بعد الحصول علي موافقته الشخصية عندما تقتضي ذلك الضرورات التجارية أو الدبلوماسية، ومع ذلك فإن صدور موافقة الإمام للأجنبي علي دخول البلاد، لم تكن تعني حرية الحركة له بل يظل محروماً من حرية التنقل فالسلطات تحدد له الطرق التي يجب أن يسلكها والأماكن التي يستطيع التوقف فيها، ويظل دائماً تحت مراقبة دقيقة، وفي الغالب لا يسمح للأجانب بالتوغل فيما وراء العاصمة صنعاء. ولم يكن يستطيع أي مواطن من أبناء اليمن المجيء إلي العاصمة أو الخروج منها إلا إذا كان يحمل تصريحاً من الإمام نفسه، وينطبق هذا الأمر على المسافر إلي داخل البلاد أيضاً(20).

ولم يكن حظر الدخول إلى اليمن والتحرك فيها إلا بإذن من الإمام قاصراً علي الأجانب الأوروبيين فحسب بل شمل العرب والمسلمين أيضاً، وقد ظل هذا الأمر طوال حياة الإمام يحيى ويتضح ذلك من خلال كتابات الأجانب الذين دخلوا اليمن سواء من الأوروبيين أو العرب في فترات مختلفة كأمين الريحاني الذي زار اليمن في أوائل العشرينات مروراً بهاتزهو لفريتز الذي زار اليمن في أول الثلاثينات، وانتهاءً بعبد العزيز علي الذي زار اليمن خلال شهر يناير وفبراير 1948، وغادر اليمن قبل فترة قصيرة من مقتل يحيى في فبراير 1948، حيث يذكر أن الإمام هو الوحيد الذي يصدر إذن الانتقال من جهة إلي أخري، حيث لم يستطع الانتقال من الحديدة إلي صنعاء إلا بعد الحصول علي موافقة الإمام التي جاءت متأخرة وذلك نظراً لمرض الإمام(21).

وقد اتسم حكم يحيى بالبطش الشديد وكانت ردوده وأوامره لا تقبل الجدل فهي إما "نعم" أو "لا" وكانت كلمته هي القانون فقد كان المسجونون السياسيون يدانون دون أية محاكمة أو استئناف أو دفاع ويحكم عليهم بالموت أو السجن ولم يكن يستثنى أحدا حتى أولاده من هذه العقوبات (22).

ومن الوسائل التي لجأ إليها يحيى لفرض سلطته ونفوذه علي القبائل نظام الرهائن فقد لجأ يحيى إلي أخذ رهائن من شيوخ القبائل وأصحاب النفوذ في الجهات المختلفة، وغالباً ما يكون الابن أو الأخ أو أقرب الناس إلي الشخص الذي يرغب الإمام في إخضاعه له وقد قرر عددهم بما يتراوح بين ألف وأربعة آلاف رهينة، وكانت القبائل التي أخذت منها هذه الرهائن هي التي تتولى الإنفاق علي طعامهم وملبسهم(23).

كما لجأ يحيى لما كان يعرف بـ "الخطاط" حيث كان يبيح القبيلة التي تمتنع عن دفع العشور لبيت المال لقبيلة أخرى مقابل أن تدفع هذه القبيلة مبلغا من المال، وكان من حق هذه القبيلة غزو القبيلة الممتنعة عن دفع العشور، ونهبها وسلبها وكان النهب والسلب يمتد إلي كل شئ في القبيلة(24).

كما عمل الإمام علي تشجيع تعاطي القات، والتوسع في زراعته ليضمن بقاء الشعب يدين له بالولاء والطاعة العمياء، وكان جميع أفراد الشعب فوق سن السابعة يتعاطون القات الرجال والنساء، والحاكم والمحكوم، وأهل الفكر ورجال الدين لا يستثنى منهم أحد. ولتعاطي القات طريقة خاصة ونظام مرسوم، ووقت معلوم، وأوراق القات مثل أوراق الملوخية، وهي لا تؤكل بل يحتفظ بها في الفم ويسمون هذه العملية "التخزين" حيث يضع اليمني القات في فمه بين أسنانه وخده مدة من الزمن بعد مضغه حتى يسيح كل ما فيه من سائل وينزل في جوفه(25).

وأثناء زيارة أمين الريحاني لليمن عام 1922 نظم رفيق له يدعي قسطنطين قصيدة يهجو فيها القات، ويوضح مخاطره وأضراره علي الجسم، جاء فيها:-

لا نفع في القات لكن
فيه الشقاء والعذاب
وتزهق النفـس منه
والقلب والأعصاب
والجـفن يذبل حتى
يغشي العيون سحاب

ورفعت القصيدة إلي الإمام الذي رد عليها بقصيدة يعدد فيها مزايا القات، وأن له مزايا لا يحصيها الإسهاب، وذكر منها عشراً فقط، ومما جاء في هذه القصيدة في مدح القات (26)

فللعيون جـــلاء
للضعف منه ذهاب
وللثغور صــباغ
زمردي يذاب
أحسن بثغر مليـح
له المذاب رضاب

وكان التخلف يسيطر علي كافة مجالات الحياة، وكانت وسيلة الانتقال الأساسية الدواب، وكان عدد السيارات باليمن محدوداً جداً، ولا يتعدي نطاق الأسرة الحاكمة في الغالب، وعلي سبيل المثال فإنه في عام 1929 لم يكن بالحديدة الميناء اليمني الرئيسي سوي سيارة واحدة(27).

وكانت صنعاء العاصمة مدينة صغيرة محاطة بالأسوار تقفل أبوابها السبعة عند الغروب ولا تفتح إلا بعد الفجر عند الشروق، وتعيش في ظلام دامس باستثناء دار الشكر، ودار السعادة حيث يعيش الإمام وأسرته، ودار الضيافة حيث تضاء بالكهرباء من مولد صغير، وكانت شوارعها غير معبدة(28).

ورفض الإمام يحيى أن يمنح الشركات الأجنبية تراخيصاً للتنقيب عن المعادن وكان يفضل اكتناز الضرائب التي حصل عليها من القبائل في قصره، ولا يعتبر الحكومة مسئولة عن المشروعات العمرانية، وحتى السلعة الأساسية لليمن وهي البن لم يعرف كيف يستفيد منها لأن الخوف من الاتصال بالأجانب جعله يبيع البن في الحديدة حيث يأتي بعض التجار اليونانيين لشرائه هناك ثم يقومون بطرحه فى الأسواق العالمية(29).

وفي مجال التعليم فقد اقتصر في أغلبه علي التعليم الأولى الديني في المساجد والمدارس الصغيرة وعلي نفقة الأهالي، وحتى المدارس العلمية القليلة التي أنشأها الإمام، وكذلك بعض البعثات التي أرسلها إلي الخارج، لم يكن لها أي أثر علي تطوير التعليم الذي ظل قاصراً ومتخلفاً طوال عهد يحيى وانحصر دوره في تخريج وإعداد الموظفين للدولة. وفي مجال الصحة وبالرغم من إنشاء عدد محدود من المستشفيات وإرسال عدد من الشباب لدراسة الطب في مصر وإيطاليا إلا أن كل هذه الجهود كانت ضعيفة ومحدودة ولا تتناسب مع احتياجات الشعب اليمني التي انتشرت الأمراض بين أبنائه.

وفي نطاق الزراعة لم يختلف الأمر عن سائر المجالات الأخرى بالرغم من أنها الحرفة الرئيسية لشعب اليمن(30). و إلي جانب إهمال الإمام في إدخال الوسائل الزراعية الحديثة فإن بعض الظروف الطبيعية وتحول الفلاحين من زراعة البن إلي زراعة القات الأكثر ربحا لعبت دوراً جزئياً في تأخر وتخلف الزراعة في اليمن.

كما لعب القات دوراً سلبياً في الحياة اليمنية فبالإضافة إلي أضراره الصحية والاجتماعية فقد أدي إلي نوع من البطالة المؤسسة حيث ينصرف اليمنيين إلي مضغ القات من وقت الظهيرة إلي غروب الشمس، وهو ما يعني توقف العمل والإنتاج من 4-5 ساعات يومياً(31).

ومما يدل علي جمود الإمام يحيى، ونفوره من أي تغيير حتى في الأمور البسيطة عدم قيامة بتغيير النظم المالية والإدارية التي وضعها العثمانيون، وظلت دفاتر الدولة العثمانية وأوراقها مستعملة حتى أواخر عهد الإمام يحيى.

ولم يختلف الأمر بالنسبة للجيش بالرغم من عناية الإمام به فقد ظل تدريب وإدارة الجيش معتمداً علي العسكريين العثمانيين الذين آثروا البقاء بعد انسحاب الدولة العثمانية منها، وظلوا يحملون الشارات والرتب العثمانية، ويرتدون اللباس العثماني(32).

وبصفة عامة يعتبر عهد الإمام يحيى من أسوأ العهود التي عرفها اليمن، فلم يكن للبلاد جهاز إداري ولا وزارات بالمعني المعروف في الدول الحديثة، ولا مكاتب للموظفين ولا ميزانية، وتميز حكمة بالجور والظلم(33).

إن هذا العرض السريع لأوضاع اليمن تحت حكم الإمام يحيى يوضح مدي التخلف الذي كان يسود اليمن، حيث احتكر يحيى كل السلطات في يده، بحيث يمكن القول دون مبالغة أن يحيى هو اليمن، واليمن هي يحيى.

ومن المهم الإشارة إلي أن يحيى قد عمل علي صبغ حكمه بالصبغة الدينية بوصفه إماماً للطائفة الزيدية واتخذ لنفسه لقب" المتوكل علي الله"، ورفع شعار الحكم بالشريعة، محاولاً إصباغ حكمه الاستبدادي بالصبغة الإسلامية، من خلال رفع الشعارات الإسلامية وتطبيق بعض الأحكام الإسلامية.

إلا إنه مع ذلك فإن علماء الدين كانوا من ضمن الفئات التي طالبت بالإصلاح، وقد رفع أعضاء هيئة كبار العلماء بصنعاء عريضة إلي الإمام يحيى تطالب بالإصلاح، وقد تضمنت مطالبهم :

  • جعل الواجبات المالية أمانة علي أربابها كالواجبات البدنية.
  • اسقاط الجبايات الجمركية غير الشرعية.
  • تحسين أحوال الموظفين حتى لا يضطروا إلي الرشوة.
  • العفو عن الأموال المتبقية علي الرعية.
  • العفو عن المعتقلين في سجن حجة.
  • منع سيوف الإسلام والإمراء من مزاحمة الناس في التجارة.

كما وجه الشيخ محمد سالم البيجاني رسالة إلي الإمام يحيى جاء فيها "يا أمير المؤمنين إن دخول الجندي في بيوت الرعية لجباية الأموال أو تأديبهم أو لأي شئ آخر أمر لا يقره دين ولا ترضي به شريعة ولا يقبله أي قانون أو ذوق سليم"(34).

وهكذا كانت اليمن في النصف الأول من القرن العشرين تبدو كإحدى إمارات العصور الوسطي يحكمها إمام امتلك في يده كل السلطات، وأضفي علي حكمه الطابع الديني، وفرض العزلة علي اليمن فأصبحت مظاهر الحياة فيه لا تمت بصلة إلي العصر الحديث، مقارنة حتى بالدول العربية التي كانت ترزخ تحت الاستعمار في الوقت الذي كان يزهو فيه بتحقيق الاستقلال لليمن، وهو الاستقلال الذي كان يتعلل به لفرض العزلة علي اليمن خوفاً من أطماع الدول الاستعمارية فيها.

هذا الوضع المزرى في اليمن كان لابد أن يثير القوي المثقفة في اليمن، وأن ترتفع الأصوات مطالبة بالإصلاح، وهي الأصوات التي لم يعيرها يحيى أدني اهتمام وأصر علي المضي في سياسته والتمسك بها، بالرغم من أن الظروف كانت تجبره – أحياناً – علي التخفيف من هذه العزلة، وفتح الأبواب قليلاً، إلا أن سياسة الحذر والتحفظ والجمود التي كان يسير عليها كانت تجعله يتراجع عن الخطوات التي اتخذها أو عدم المضي في هذه الخطوات إلي نهايتها.

وأمام هذا الإصرار من جانب يحيى علي سياسته وإصراره علي صم أذنيه عن الإصغاء للأصوات المطالبة بالإصلاح، لم يكن أمام حركة المعارضة إلا اللجوء إلي العنف مما أدي إلي قتل يحيى وقيام ثورة اليمن في فبراير 1948.

هوامش المقدمة والتمهيد

1- يوجد مذكرات صوتية لعبد الحكيم عابدين حسبما تذكر بعض المراجع ولكنها غير متاحة في الأسواق.

2- يوجد كتاب عن اليمن لمصطفى الشكعة الذى كان عضوا في البعثة التعليمية في اليمن ولكن لم أتمكن من العثور عليه. والدكتور مصطفى الشكعة حاليا عضو بمجمع البحوث الإسلامية، وأستاذ بكلية الآداب جامعة عين شمس وله العديد من المؤلفات في الآدب والفكر الإسلامي.

3- أحمد شوقي إبراهيم محمود : الحياة السياسية للزيدية في اليمن ، القاهرة ، 1998، ص 3-9 ، عبد الله أحمد الثور : مختصر من تاريخ اليمن ، دار الاستقلال للطباعة والنشر، القاهرة ، 1979، ص 110-114. الزيدية أحد مذاهب الشيعة وتنسب إلي زيد بن علي الزيدية أحد مذاهب الشيعة وتنسب إلي زيد بن علي بن الحسين (122هـ =739م) ، ومن أبرز آراء الإمام زيد جواز إمامة المفضول مع قيام الفاضل ، وأن يكون الإمام من نسل فاطمة سواء من أولاد الحسن أو الحسين دون تعيين واحد منهم بشخصه ، وأن الخلافة ليست بالوراثة ، وأن الإمام غير معصوم. عن الإمام زيد وآرائه والفرق الزيدية المختلفة أنظر مصطفى حلمي: نظام الخلافة في الفكر الإسلامي دار الدعوى – الإسكندرية ، 1977، ص 246 – 266.

4 - عبد الله السلال وآخرون : ثورة اليمن الدستورية، مركز الدراسات والبحوث اليمني، دار الآداب ، بيروت ، 1985، ص 23.

5 - كتب سياسية : اليمن ، القاهرة ، 1958، ص 34 وانظر نص الاتفاق ص 76-77 ، عن النزاع بين الإمام يحيى والعثمانيين بعد تولية الإمامة أنظر جاد طه : سياسية بريطانيا في جنوب اليمن ، دار الفكر العربي ، 1969،ص 331-335 .

6- فاروق عثمان أباظة : الحكم العثماني في اليمن 1872-1918، الهيئة العامة للكتاب ، القاهرة ، 1975، ص 290.

7- محمود حسن صالح منسي : تاريخ العرب الحديث والمعاصر المشارقة والمقاربة ، القاهرة ، 2001-2002 ، ص 96.

8- نفس المرجع ، ص271.

9- محمد محمد سطيحة : اليمن شماله وجنوبه ، معهد الدراسات الإسلامية ، القاهرة ، 1972 ، ص 93.

10- أحمد حسين شرف الدين : اليمن عبر التاريخ من القرب الرابع عشر قبل الميلاد إلي القرن العشرين ، القاهرة ، 1946 ، ص 316.

11- صلاح العقاد : المشرق العربي المعاصر دراسة تاريخية سياسية ، الأنجلو المصرية ، القاهرة ، 1992-1993، ص 578، أحمد يوسف أحمد : الدور المصري في اليمن ، الهيئة العامة للكتاب ، 1981، ص 67.

12- حسين حسني : سنوات مع الملك فاروق شهادة للحقيقة و التاريخ ، ط1 ، دار الشروق ، القاهرة ، 2001، ص 32-33.

13- أحمد يوسف أحمد : المرجع المذكور ، ص 67.

14- صلاح العقاد : المرجع المذكور ، ص 578.

15- جان جاك بيربي : في جزيرة العرب ، ترجمة : نجده هاجر ، سعيد الغز ، المكتب التجاري ، بيروت ، 1960 ، ص 33 ، أحمد يوسف أحمد . المرجع المذكور ، ص 65-66 يذكر د.محمد علي الشهارى أنه طبقاً لتقديرات قديمة فإن عدد الزيود يبلغ 55% من السكان وأن عدد الشوافع 45% . انظر محمد علي الشهارى : طريق الثورة اليمنية ، كتاب الهلال ، العدد 188، نوفمبر 1966 ، ص 68.

16- صلاح العقاد : المرجع المذكور ، ص 579

17- أحمد يوسف أحمد : المرجع المذكور ، ص 67.

18- محافظ عابدين ، محفظة رقم (23) وزارة الخارجية ، مذكرة مرفوعة لمجلس الوزراء من وزير الخارجية محمد صلاح الدين في أغسطس 1950 بخصوص تبادل التمثيل الدبلوماسي بين مصر واليمن.

19- صلاح العقاد : المرجع المذكور ، ص 579.

20- هانز هولفريتز : اليمن من الباب الخلفي ، ت: خيري حماد ، الانجلو المصرية القاهرة ، 1966 ، صفحات 22،152 وقد اعتبر هانز هولفرتيز سماح الإمام يحيى له بأن يظل في صنعاء أية مده يشاؤها عطفاً لم ينله إلا نفر قليل جداً من الأجانب انظر نفس المصدر ، ص 177.

21- عبد العزيز علي : الثائر الصامت ، دار المعارف ، القاهرة ، 1976،ص 249 , جميل عارف :أنا .. وبارونات الصحافة ,الدار العربية للطباعة والنشر والتوزيع, 1993, ص 37. وقد زار جميل عارف اليمن عام 1947, ويعتبر أول صحفى مصرى يزور اليمن.

22- ايفا هويك : سنوات في اليمن وحضر موت ، ت : خيري حماد ، دار الطليعة ، بيروت ، د.ت، ص 65.

23- السيد مصطفى سالم : تكوين اليمن الحديث اليمن والإمام يحيى ، معهد الدراسات العربية ، القاهرة ، 1963 ، ص 470-474، هانز هو لرتيز . المرجع المذكور ، ص 167.

24- عدلي حشاد وعطية عبد الجواد: اليمن ثورة وسلام ، كتب قومية ، القاهرة ، د.ت، ص 22 ، محمد محمد عبد الرحمن : أرض البطولات والأمجاد ، القاهرة ، د.ت ، ص 27.

25- محمد السيد أيوب : اليمن بين القات وفساد الحكم قبل الثورة ، دار المعارف ، القاهرة ، 1963، ص 62 - 64 ، عبد العزيز علي : المرجع المذكور ، ص 248 ، محمد محمد عبد الرحمن : المرجع المذكور ، ص 31 ، عدلي حشاد وعطية عبد الجواد : المرجع المذكور ، ص 22

26- أمين الرياحاني وملوك العرب أو رحلة في البلاد العربية ، جـ1، بيروت ، 1951 ، ص 178-181 ولا تزال عادة تعاطي القات أو التخزين كما يسميها اليمنيون منتشرة في اليمن.

27- حسين حسني : المرجع المذكور ، ص 31.

28- محسن العيني : خمسون عاماً في الرمال المتحركة ، دار الشروق ، القاهرة ، 2001 ، ص 13 ,جميل عارف : المرجع المذكور, ص 41

29- صلاح العقاد: المرجع المذكور ، ص 578

30- السيد مصطفي سالم : المرجع المذكور ، ص 464 –467.

31- أحمد يوسف أحمد : المرجع المذكور ، ص 31

32- السيد مصطفي سالم : المرجع المذكور ، ص 467 - 468

33- محسن أحمد العيني : معارك ومؤامرات ضد قضية اليمن ، دار الشروق ، 1999 ، ص42

34- أحمد عادل كمال : النقط فوق الحروف الإخوان المسلمون والنظام الخاص ، الزهراء للإعلام العربي ، القاهرة ، 1989 ، ص 201 – 202 ، وانظر نص عريضة .هيئة كبار العلماء في: مركز الدراسات والبحوث اليمني : ثورة 1948 الميلاد والمسيرة والمؤثرات، صنعاء ، 1982، ص 561 – 563 . وانظر ترجمة للشيخ . محمد سالم . اليبيجاني في عبد الله العقيل: من أعلام الحركة الإسلامية ، إعداد : بدر محمد بدري ، دار التوزيع والنشر الإسلامية ، القاهرة ، 2000 ، 68 – 69.

الفصل الأول: الإخوان المسلمون والحركة الوطنية اليمنية

جهل وأمراض وظلم فادح
ومخافة ومجاعة وإمامُ
والناس بين مكبل فى رجله قيد
قيد وفى فمه البليغ لجــامُ

القاضى اليمنى محمد محمود الزبيري

عرج على اليمن السعيد
وليس ب اليمن السعيد
واذكــــــــر إماماً لايزال
يعيش فى دنيا ثمود
وســــــــــيوفه مغمودة
ياتعس هاتيك الغمود

الشاعر الفلسطينى أبو سلمى

حركة المعارضة اليمنية:

كانت الأوضاع في اليمن تحت حكم الإمام يحيى كفيلة بإثارة المعارضة لنظام حكمه الاستبدادي خاصة مع إصرار يحيى علي المضي في سياسته، وعدم وجود بارقة أمل نحو الإصلاح، وقد أدي فشل يحيى في سياسته الخاصة بتوحيد الأرض اليمنية إلي ازدياد حدة المعارضة لحكمة.

ومن المهم التوقف عند إخفاق يحيى في توحيد الأراضي اليمنية بشئ من التفصيل، فقد نجح يحيى في تحقيق الاستقلال لجزء من اليمن، وهو الجزء الذي كان خاضعاً لحكم العثمانيين، بينما كانت عدن تخضع لحكم بريطانيا منذ عام 1839، وكذلك الإمارات والسلطنات في جنوب اليمن، والتي خضعت للحماية البريطانية، وعرفت بمحميات عدن، وكان الحد الفاصل بين هذه المحميات والأراضي الخاضعة للدولة العثمانية قد تحدد في اتفاق بين بريطانيا والدولة العثمانية عام 1905.

وبالإضافة لسيطرة بريطانيا علي جنوب اليمن، فقد تمكن محمد علي الإدريسي من تأسيس إمارة له في عسير تهامة، وهو الأمر الذي أدي إلي زيادة المتاعب أمام الإمام يحيى في عملية توحيد الأراضي اليمنية، وخاصة عندما عقد الإدريسي معاهدة حماية وصداقة مع بريطانيا أثناء الحرب العالمية الأولي، مما مكن الإدريسي من توسيع حدود إمارته، كما قامت بريطانيا عام 1921 بتسليمه ميناء الحديدة اليمني، والتي كانت قد دخلته مع انتهاء الحرب العالمية الأولي، وإعلان الهدنة.

وقد رفض يحيى الاعتراف بالخط الفاصل بين جنوب اليمن وشماله كما حدده الاتفاق بين بريطانيا والدولة العثمانية، وقامت قوات الإمام يحيى بغزو مناطق الحدود، والأقاليم التابعة لمحمية عدن القريبة، كما قام بالهجوم علي منطقة تهامة، واستطاع فتح الحديدة، وأجزاء من محمية عدن، وقد أدت انتصارات يحيى إلي تقليص أراضي الإدريسي، كما وجهت ضربة اقتصادية للبريطانيين لأن التجارة اليمنية التي كانت تمر عبر عدن تحولت إلي مواني تهامة التي خضعت للإمام يحيى.

وقد جرت مفاوضات بين بريطانيا والإمام يحيى عام 1926، حيث رفضت بريطانيا الاعتراف بمطالب يحيى في الأراضي التي تتكون منها المحميات في جنوب اليمن وانتهت المحادثات بالفشل، ولجأ يحيى إلي إيطاليا حيث استقبل حاكم أرتريا الإيطالي وتم توقيع معاهدة بين اليمن وإيطاليا عام 1926، وكان الهدف الأساسي ليحيى تقوية موقفة في صراعه مع بريطانيا.

وقد جاء رد الفعل البريطاني عنيفاً علي التحالف اليمني الإيطالي وخشية من تزايد النفوذ الإيطالي في البحر الأحمر، فقد لجأت بريطانيا إلي القوة، واستخدام سلاح الجو، مما أجبر القوات اليمنية علي الانسحاب عام 1928 إلي ما وراء خط الحدود العثماني – البريطاني باستثناء مناطق محدودة وقد جرت مفاوضات بين بريطانيا و اليمن وانتهت عام 1934 إلي توقيع معاهدة بين اليمن وبريطانيا وقد جمدت هذه المعاهدة الوضع القائم، وأصبح خط الحدود العثماني – البريطاني هو الحد الفاصل بين اليمن ومحمية عدن، وإن لم تعترف اليمن رسمياً بهذا الخط حيث نصت المعاهدة علي تأجيل البت في مسألة الحدود اليمنية إلي أن تتم مفاوضات بينهما قبل انتهاء المعاهدة، والتي حددت مدتها بأربعين عاماً(1).

ولقد جاءت هذه المعاهدة بمثابة صدمة لمشاعر اليمنيين، الذين كانوا يعلقون الآمال علي وحدة اليمن وضم المحميات إلي الوطن الأم، فقد كانت هذه المعاهدة تعني الاعتراف بالأمر الواقع، من الناحية العملية، وتأجيل نظر مشكلة المحميات لسنوات طويلة قادمة من الناحية الرسمية.

ولم يكد يفيق اليمنيون من صدمة المعاهدة مع بريطانيا في 11 فبراير 1934، حتى صدمتهم معاهدة الطائف مع السعودية في 20 مايو من نفس العام، والتي جاءت إثر الحرب بين البلدين نتيجة النزاع المستمر علي الحدود بين آل سعود والإمام يحيى، وفشل المفاوضات بين الجانبين حول نجران وعسير، وهو الأمر الذي أدي فى النهاية لإعلان السعودية الحرب علي اليمن في 22 مارس 1934، والتي انتهت بانتصار القوات السعودية، وتوقيع اتفاق الطائف، والذي نصت علي بقاء نجران وعسير تحت الحكم السعودي لمدة عشرين عاماً علي أن تتم المفاوضات قبل انتهاء المعاهدة بستة شهور لتعديلها(2).

ولقد شكلت معاهدة الطائف ضربة لأحلام اليمنيين في بسط سيادتهم علي كافة الأراضي اليمنية، وكانت المعاهدة تعني – في نظرهم – التخلي عن جزء من أراضي اليمن وهي نجران وعسير، وتوقف حلم وحدة الأراضي اليمنية خاصة أنها جاءت بعد المعاهدة البريطانية اليمنية.

ويري مؤلفو كتاب ثورة اليمن الدستورية أن هزيمة اليمن من السعودية عام 1934 كانت عاملاً رئيسياً في نشوء الحركة الوطنية، وأنها كانت العامل الأكثر حسماً في بلورة الوعي الوطني (3).

ولعل ما يؤكد هذا الرأي، ويوضح أثر هزيمة اليمن في نشوء الحركة الوطنية اليمنية، أن أول منظمة يمنية معارضة قد ظهرت في أعقاب الحرب اليمنيةالسعودية، وهي منظمة "هيئة النضال" التي أسسها أحمد المطاع عام 1354هـ/1936م بصورة سرية.

وقد بدأ المطاع العمل في عام 1353هـ/1935م أي بعد فترة قصيرة من انتهاء الحرب السعودية اليمنية، وفي سبيل كسب الأنصار والمؤيدين لمنظمته الإصلاحية، شرع في أواخر عام 1353هـ في جولة في اليمن لهذا الغرض، تحت ستار القيام بالتفتيش علي المدارس في اليمن، بناءً علي تكليف من سيف الإسلام عبد الله وزير المعارف، وهو التكليف الذي سعي إليها أصدقاء المطاع حتى يهرب من مراقبة الإمام ووزرائه، ويعطي لجولته في ربوع اليمن الغطاء الرسمي، وفي العام التالي 1354هـ شرع المطاع في تشكيل المركز الرئيسي لهيئة النضال بصنعاء(4).

وقد ارتكز عمل المطاع في الأساس علي اكتساب الفئات المثقفة وكبار الموظفين في الإدارات الحكومية، وقد تميزت مهمة المطاع بالعناء الشديد، وذلك نظراً للتخلف الشديد الذى كانت تعاني منه اليمن في مجال المواصلات، والتي كانت تعتمد علي الدواب والبغال، فضلاً عن التضاريس الوعرة في اليمن من هضاب وجبال والتي كانت تزيد من المعاناة والصعوبات.

وعلي جانب الإمام يحيى فقد كان لهزيمته من السعودية عام 1934، تأثير علي سياسة العزلة التي اتبعها منذ بداية حكمة، فقد أدت تلك الهزيمة إلي خيبة أمله في الإيطاليين الذي كان يعتمد عليهم في مساعدته ضد أعدائه، بالإضافة إلي قيامهم ببعض الاستعراضات العسكرية أمام السواحل اليمنية، مما أثار هواجسه نحوهم، فتلكأ في تجديد الاتفاقية مع إيطاليا عند انتهائها عام 1936، ولم يجددها إلا متأخراً في عام 1937 كما أدت هزائمه العسكرية إلي الشعور بالحاجة إلي تدريب جيشه علي الأساليب الحديثة، والبحث عن أصدقاء جدد يتقوى بهم، فاتجه بتفكيره إلي العراق وهي الدولة العربية الوحيدة في تلك الفترة التي كانت تملك جيشاً قوياً ومسلحاً بأسلحة حديثة، وقام يحيى بإرسال بعثة عسكرية يمنية إلي العراق عام 1936، ثم أعقبها بعد أشهر قليلة ببعثة عسكرية ثانية، وبعثة ثالثة مدنية(5).

ولقد جاء إرسال البعثات الثلاث خروجا عن الخط العام لسياسة الإمام يحيى بدافع الضرورة، وتطور الأحداث، وكان لهذه الخطوة آثارها المتوقعة، وحدث ما كان يحذر منه يحيى، فقد واتت الفرصة لشباب البعثات إلي العراق، للمقارنة بين أوضاع العراق، والأوضاع البائسة في اليمن، وبطبيعية الحال لم تكن المقارنة في صالح أوضاع اليمن ولا في صالح حكم الإمام يحيى، فقد كانت اليمن متخلفة بمراحل كثيرة عن العراق، وكان من الطبيعي أن يتطلع الشباب اليمني إلي الارتقاء بأحوال بلادهم، واللحاق بركب الحضارة.

لقد عاد أعضاء البعثتين العسكريتين من العراق عام 1938، والبعثة المدينة عام 1939 ليحركوا المياه الراكدة في اليمن، وبدأ الشباب اليمني العائد من العراق يتحدث عن الحضارة والمدنية، ويوجه النقد لحكم الإمامة، والأوضاع الفاسدة، وكان من أفراد البعثة الأولي عبد الله السلال (الذي اشترك في ثورة 1948، وقاد ثورة 26 سبتمبر 1962 والتي أطاحت بحكم الإمامة في اليمن) والذي زج به في السجن بعد عدة شهور من عودته من العراق، مع عدد من زملائه بتهمة تخريب أفكار الشعب، والحديث مع الضباط والجنود عن المدنية والحضارة، واستمر اعتقالهم لعدة شهور.

وكان وصول البعثة المدنية وافتتاح المدرسة الثانوية عام 1939 (كانت المدرسة الثانوية الوحيدة ب اليمن) مناسبة لأفراد البعثة لتولي التدريس بالمدرسة وبث الأفكار الوطنية بين الطلبة بالإضافة إلى بعض العسكريين الذين قاموا بالتدريس مثل السلال و أحمد المروني(6).

وكان من أبرز أعضاء البعثات الذين لعبوا دوراً كبيراً في بث الأفكار الحديثة سواء بالتدريس، أو عن طريق الخطب والشعر، محي الدين العنسي و أحمد الحورش و أحمد البراق و أحمد الثلايا و حمود الجائفي بالإضافة ل عبد الله السلال(7).

وكان من أبرز النشاط الداعي للإصلاح في تلك الفترة إصدار مجلة ثقافية هي "الحكمة اليمنية" من جانب أحمد المطاع و أحمد عبد الوهاب الوريث، وكان أحمد الوريث صورة حية لأفكار جمال الدين الأفغاني ودعوته في اليمن، وقد هدفت المجلة إلي توعية الشعب اليمني، وقد استمرت لمدة ثلاثين شهراً من سبتمبر 1938 حتى فبراير 1941، وقد شارك في تحريرها العديد من دعاة الإصلاح(8).

وقد لعب سوء الأحوال التجارية، وما ترتب عليها من آثار، دوراً بارزاً في حركة المعارضة، فقد كانت التجارة مثلها في ذلك مثل جميع المجالات في اليمن تعاني من التخلف، وسوء الأوضاع، نتيجة ارتفاع الضرائب، وسوء أحوال الطرق، مما أدي إلي رفع أسعار واردات اليمن بصورة كبيرة، بالإضافة إلي احتكار قلة من المرتبطين بالإمام للتجارة الخارجية، حيث لجأ الإمام إلي جعل التجارة الخارجية في أيدي وكلاء يعينهم الإمام، وذلك لمنع الاتصال مع الدول الأخرى، ومنع المؤثرات الأجنبية، وقد أدي هذا إلي إلحاق الضرر بالشوافع - ولعل ذلك كان متعمداً – الذين كانوا يحتكرون التجارة حيث كانوا يتركزون في المناطق الساحلية، ولعل ما يؤكد مدي التخلف التي كانت تعانيه اليمن في هذا الصدد أنه لم يكن يوجد عملة خاصة لليمن، وكانت العملة المتداولة هي ريال الإمبراطورة النمساوية ماري تريز، وهو ريال من الفضة يرجع تاريخه إلي أواخر القرن الـ18 م.

وقد أدي سوء أحوال المواني اليمنية مثل الحديده واللحية ومخا إلي أن معظم تجارة اليمن كانت تتم عبر ميناء عدن، مما أدي لافتتاح المستوردين اليمنيين مكاتب لهم في عدن، نظراً لإمكانياتها التجارية الكبرى، وما تتمتع به من حرية سياسية.

وقد أدي احتكاك التجار بالعالم الخارجي، بالإضافة إلي أن معظمهم ينتمي إلي الشوافع، لانضمامهم إلي المعارضة اليمنية، وتمويل أنشطتها من الناحية المادية، ولذلك صارت عدن بؤرة للمعارضة ضد الإمام يحيى من جانب كثير ممن استقروا فيها(9).

كما كانت عدن المكان المفضل لآلاف اليمنيين الذين هاجروا من اليمن نتيجة التخلف وسوء الأوضاع الاقتصادية، وبحثاً عن حياة أفضل، وتقدر الإحصاءات عدد العمالة اليمنية في عام 1955، أي بعد سبع سنوات من ثورة 1948 بـ 48.000 عامل(10).

وهكذا كان التجار اليمنيين إحدى الفئات الناقمة علي حكم الإمام يحيى، وخاصة أن معظمهم كانوا من الشوافع، وقد حرمهم الإمام من الاتصال المباشر بالخارج، وقام باحتكار التجارة عن طريق وكلاء له، مما أدي إلي تدهور أحوالهم الاقتصادية، باستثناء القلة التي هاجرت واستقرت في عدن، واستطاعت تكوين ثروات كبيرة.

وعلي الجانب الآخر فقد وجدت المعارضة طريقها إلي الأسر الزيدية الكبرى وكذلك داخل أسرة الإمام يحيى، ولكن لأسباب مختلفة، فقد أراد الإمام يحيى تولية أبنه أحمد ولاية العهد وهو ما يخالف المذهب الزيدي، الذي ينص علي اختيار الإمام بالانتخاب من بين السادة الهاشميين المنتسبين إلي النبي وقد أقدم الإمام يحيى علي هذه الخطوة عام 1937 عندما أعلن تولية ابنه أحمد ولاية العهد، وهي الخطوة التي أصابت جماعة السادة بالفزع(11).

لقد كانت خطوة يحيى تعني القضاء علي طموحات الأسر الزيدية الكبرى في تولي أبنائها الإمامة، ومن هنا جاء فزع السادة الكبار من خطوة يحيى، بالإضافة إلي أن هذه الخطوة كانت سابقة لم تحدث من قبل من الناحية النظرية علي الأقل، كما كانت تعني في الواقع ترسيخ هذا المبدأ الجديد وهو ولاية العهد، واستمرار الإمامة داخل أسرة الإمام يحيى، وقد أقدم الإمام أحمد بالفعل . بعد توليه الإمامة 1948 علي تعيين أبنه ولياً للعهد.

وكانت قد أثيرت في منتصف الثلاثينات مسألة من يخلف يحيى من جانب بعض الزعماء خاصة من أسرة آل الوزير، وهي الأسرة التي تولي بعض أفرادها منصب الإمامة من قبل، وكذلك من جانب العلماء ودعاة الإصلاح، وقد رفضوا شرعية ولاية العهد، وعدم اللجوء إلي القوة، والعمل علي تسلم السلطة بعد وفاة الإمام يحيى(12).

وكان الاسم المطروح بقوة لمنصب الإمامة بعد يحيى هو عبد الله الوزير الذي تولي العديد من المناصب الهامة فقد كان قائداً للجيش اليمني الذي قام بطرد الأدارسة من تهامة، وتولي منصب إمارة لواء الحديدة، ثم انتقل إلي صنعاء عضواً بارزاً في ديوان الإمام يحيى وظل في هذا المنصب حتى قيام الثورة، وكان من البارزين أيضاً في أسرة الوزير علي الوزير ابن عم عبد الله الوزير والذي كان يتولى إمارة تعز، ومكث بها ما يقرب من 15 عاماً، ولكن يحيى أقدم علي اتخاذ إجراءات ضد الذي أشيع أنهم ضد تعيين ابنه لولاية العهد، وأنهم يتطلعون لمنصب الإمامة، وقد نالت هذه الإجراءات علي الوزير الذي عزله يحيى من منصبه وولي أبنه أحمد مكانه في ولاية تعز، كما عزل من قبل عبد الله الوزير من إمارة الحديدة(13).

لقد أدت خطوة يحيى إلي سخط كبار السادة الذين كانوا يطمعون إلي تولي هذا المنصب وخاصة أسرة الوزير، وعلي رأسها عبد الله الوزير الذي كان المرشح الأوفر حظاً لخلافة يحيى ومن هنا جاءت المعارضة للإمام، هذا بالإضافة لعدم الرضا عن سياسية الإمام يحيى، وهو ما يبدو وبوضوح من انضمام عدد من الشخصيات الرئيسية المحيطة بيحيى للمعارضة كالكبسى وزير الخارجية كما سنري.

وهذه المعارضة أيضاً كانت موجودة بين أبناء الإمام يحيى، وكان عددهم تسعة وكان كل واحد منهم يحمل لقب سيف الإسلام، ولم تكن المعارضة نابعة من رفض ولاية العهد بل كانت منصبه علي رفض تعيين أحمد في هذا المنصب، وطمع كل واحد منهم في توليها ، فضلاً عما اشتهر به أحمد من قسوة وعنف، وإن كان الطمع والتنافس بين أبناء الإمام يحيى سابق علي تولية أحمد لولاية العهد.

فقد عمل أحمد علي إبعاد أخوته من مراكز السلطة فأظهر خطاباً موجهاً لأخيه الأكبر محمد يفيد أن الإيطاليين وعدوه بالمساعدة إذ ما دبر انقلاباً للاستيلاء علي السلطة، وهو خطاب مشكوك في صحته(14).

ولم تقتصر المعارضة داخل أسرة الإمام يحيى علي التنافس بين أبنائه علي ولاية العهد، فقد كان من بين أبنائه من يرغب في إدخال الإصلاحات إلي اليمن، وعلي رأسهم أبنه سيف الإسلام محمد حيث يذكر حسين حسني أنه أثناء زيارته لليمن عام 1929 قابل سيف الإسلام "محمد" الذي كان يتولى إمارة الحديدة، وأنه كان شديد الميل للإصلاح والنهوض ببلاده وانه يتوق إلي زيارة مصر، والاستعانة بالمتخصصين المصريين في كافة المجالات لا سيما فيما يتعلق بالتعليم والطب والهندسة، وقد أثارت آراؤه مخاوف أنصار القديم نظرا لتمتعه بحب أبيه الإمام حتى انتشر الهمس أن والده قد يعينه ولياً للعهد وأن الإمام تجنباً للغيرة والحقد بين محمد وأخيه أحمد، وتسكيناً لخواطر المتمسكين بالقديم الرافضين للإصلاح قرر أن يبعد محمداً عن صنعاء ويعهد إليه بحكم إقليم تهامة ويكون مقرة الحديدة، ويذكر حسين حسني أن سيف الإسلام محمد قد لقي حتفه غرقاً بعد رجوعه من اليمن، وذلك عندما حاول إنقاذ اثنين من رجاله المقربين من الغرق(15).

وما ذكره حسين حسني يؤكد وجود الرغبة في الإصلاح داخل الأسرة، الحاكمة، وفي مرحلة مبكرة من بداية نشوء الحركة الوطنية، وإن كان القدر لم يمهل سيف الإسلام محمد اً للقيام بدور في هذا الصدد حيث لقي مصرعه في مرحلة مبكرة، ومما يلفت النظر أيضاً حديثة عن التنافس بين الأخوين محمد وأحمد حول ولاية العهد مع أن هذه الفكرة لم يشرع الإمام يحيى في تنفيذها إلا في الثلاثينات كما سبق الإشارة إلي ذلك، كما يلفت النظر أيضاً المعارضة المتزمتة المحيطة بالإمام يحيى لأي رغبة في الإصلاح والتغيير.

وقد وجدت الرغبة في الإصلاح لدي بعض أبناء يحيى الآخرين، وعلي رأسهم سيف الإسلام يحيى الذي أقدم علي ترك اليمن والالتحاق بحركة الأحرار اليمنية في عدن عام 1946 كما سنري.

وهكذا تنوعت فئات المعارضة اليمنية التي شملت المثقفين سواء من الداخل أو الذين أتيحت لهم فرصة التعليم في الخارج، والعسكريين وعلي رأسهم أعضاء البعثات العسكرية إلي العراق والتجار، وبعض الأسر الكبرى كآل الوزير، وبعض الشخصيات الكبرى المحيطة بالإمام يحيى وعلي رأسها حسن الكبسي، وبعض أبناء الإمام يحيى، وعلماء الدين الذين قدموا عريضة للإمام تطالب بالإصلاح كما سبق الإشارة إلي ذلك.

وتعتبر الفترة من 19341944، وهو العام الذي أسس فيه حزب الأحرار اليمنيين في عدن بعد هروب محمد محمود الزبيري وأحمد محمد نعمان إلي عدن هي فترة المخاض التاريخي لولادة الحركة الوطنية اليمنية(16).

حزب الأحرار اليمنيين في عدن

يعتبر تأسيس حزب الأحرار اليمنيين في عدن عام 1944 نقطة تحول للحركة الوطنية اليمنية في كفاحها ضد استبداد يحيى، والمطالبة بالإصلاحات، فإذا كانت الحركة الوطنية قد نشأت داخل اليمن حيث أنشئت أول منظمة معارضة عام 1935 وهي هيئة النضال كما سبق الإشارة إلي ذلك، كما أخذ أعضاء البعثات العائدة من اليمن سواء العسكرية أو المدنية في بث الأفكار الوطنية بين اليمنيين، إلا أن هذه الجهود – مع أهميتها - ظلت محصورة في نطاق محدود، وذلك نظراً لظروف اليمن الجغرافية، وصعوبة الاتصالات بين أنحاء اليمن كما أن رقابة يحيى وحملة الاعتقالات ضد دعاة الإصلاح، والتي طالت أعضاء هيئة النضال، لم تعط الفرصة الكبيرة للتحرك.

ولذلك كانت خطوة إنشاء حزب الأحرار في عدن، بعيداً عن رقابة وسيطرة يحيى، تعني القدرة علي التحرك، وكشف سلبيات ومساوئ الحكم في اليمن، واللجوء إلي استخدام كل الوسائل الممكنة للتحرك ضد الإمام يحيى مثل إصدار الصحف والنشرات التي توضح المأساة التي تعيشها اليمن، وكذلك توحيد قوي المعارضة، والتنسيق مع المعارضة في الداخل، وتوحيد الجهود للعمل ضد نظام الإمام يحيى.

إلا أن هذه الحرية الكبرى في الحركة – التي لم يحد منها في بعض الأحيان سوى تدخل السلطات البريطانية في عدن – والحماسة الكبيرة للأحرار في عدن، وبعدهم عن اليمن، أدت إلي عدم إدراك كامل للأوضاع في اليمن، ومدي تقبل الشعب اليمني للثورة، فضلاً عن التعجل بالعمل ضد الإمام يحيى وعدم الانتظار حتى توافر الظروف الموضوعية لنجاح الثورة.

لقد أدي نشاط المعارضة، والمطالبة بالإصلاح الذي بدأ بعد عام 1934، إلي قلق الإمام يحيى فلجأ إلي وقف إرسال البعثات العسكرية إلي العراق، ولجأ بدلاً من ذلك إلي استقدام بعثة عراقية في عام 1940 إلي اليمن لتدريب العسكريين اليمنيين، وذلك لمنع الشباب اليمني من مغادرة اليمن والتأثر بمظاهر الحضارة، والأفكار الوطنية في الخارج.

ولكن هذه الخطوة لم تأت بالنتيجة التى كان يصبو إليها يحيى، بل علي العكس فقد أدت إلي تعميق الأفكار الوطنية داخل الجيش، من خلال البعثة العراقية التي هالها سوء الأوضاع في اليمن بصفة عامة والجيش اليمني بصفة خاصة، وبدأت أفكارهم تتسلل إلي الجيش اليمني، كما بدءوا في إصلاح الجيش وتطويره، ومن هنا بدأت المضايقات من جانب يحيى، والمعارضين لأي تجديد، وقد امتدت المضايقات لأعضاء البعثة العراقية، والعسكريين اليمنيين من خريجي البعثة.

وكان من أفراد البعثة العراقية جمال جميل، الذي لعب دوراُ كبيراً في الثورة، وكان بمثابة القائد العسكري لها حيث تخلف عن السفر مع البعثة العراقية التي غادرت اليمن عام 1943، وذلك حرصاً علي حياته، نظراً لمشاركته في الانقلاب العسكري الذي قام به بكر صدقي في العراق، حيث اتهم بقتل جعفر العسكري رئيس وزراء العراق السابق ووزير الدفاع أيام الانقلاب.

وقد عينه يحيى معلماً للجيش اليمني، وتزوج من يمنية، واستقر في اليمن، وقد لعب دوراً كبيراً في بث الروح الوطنية لدي الضباط من خلال عمله في الجيش اليمن، كما كان دائم النصح ليحيى بإدخال الإصلاحات، وقد اتصل بالأحرار اليمنيين، وكلف بإنشاء تنظيم عسكري تحت قيادته، وهو التنظيم الذي قاد الثورة من الناحية العسكرية(17).

كما أدى انتشار الأفكار الوطنية والإصلاحية بين الشباب اليمني المثقف، وبصفة خاصة التي لاحت له فرصة السفر والتعلم بالخارج، إلي قيام سيف الإسلام أحمد ولي العهد بمحاولة استقطاب هؤلاء الشباب ودعاة الإصلاح حوله، وذلك لتعزيز موقفة بعد تعينيه بالمخالفة للمذهب الزيدي ولياً للعهد وكسب الأنصار والأعوان له عن طريق إظهار عطفه علي دعاة الإصلاح، ورغبته في إصلاح الأحوال ب اليمن، وقد أدي موقف أحمد هذا إلي التفاف دعاة الإصلاح حول أحمد في تعز حيث مقر ولايته، ويبدو أن أحمد كان يهدف بالإضافة إلي كسب ودهم، إلي معرفة هؤلاء الشباب تحسباً للمستقبل، وسرعان ما كشف أحمد عن وجهه الحقيقي المعادي لأي إصلاحات عندما قال" إني أسأل الله إلا أموت إلا وقد خضبت سيفي هذا بدماء العصريين"، وقد أدي موقفة هذا إلي مغادرة القاضي محمد محمود الزبيري وأحمد محمد نعمان – وهما أبرز دعاة الإصلاح – اليمن إلي عدن حيث أسسا حزب الأحرار اليمنيين(18).

وكان قد سبقهم في الوصول إلي عدن الشيخ مطيع دماج في منتصف مايو 1944 قبل أن يلحقا به في 4 يونيو من نفس العام، وبدأ حزب الأحرار اليمنيين نشاطه فى عدن التي أصبحت مركزاً لتجمع قوي المعارضة، التي وجدت فيها ملجأ آمنا بعيداً عن قبضة يحيى في اليمن، وقد أخذت في بداية عملها موقفاً حذراً، تمثل في المطالبة ببعض الإصلاحات المعتدلة، ولكن بدأ صوتها يرتفع بالتدريج، وأخذت توسع من نطاق عملها، وتكتسب في كل يوم مزيدا من الأنصار، وهو الأمر الذي أشعر الإمام يحيى بالخطر الشديد، وبدأ يتحرك لإجهاض نشاط الأحرار اليمنيين بعدن(19).

وقد لجأ يحيى إلي إرسال الرسل والرسائل للأحرار لإقناعهم بالعودة إلي اليمن، وإعطاء وعود الأمان لهم ومحاولة إثارة الخلافات بينهم، ولكن هذه المحاولات لم تثمر عن شئ، فلجأ للسلطات البريطانية طالباً منها وقف نشاط المعارضة اليمنية، حرصاً علي حسن العلاقات بين اليمن وبريطانيا، وقد لجأت السلطات البريطانية لوقف النشاط الرسمي للأحرار المتمثل في حزب الأحرار، بحجة أن إنشاء الحزب مخالف للقوانين البريطانية ولكن هذا الإجراء البريطاني لم يؤثر في عمل المعارضة اليمنية.

وقد لجأ الأحرار اليمنيون رداً علي الإجراء البريطاني إلي إنشاء "الجمعية اليمانية الكبرى" في 4 يناير 1946 كبديل عن حزب الأحرار، وبذلك تم التحايل علي الحظر القانوني لحزب الأحرار باستبدال كلمة الجمعية بدلاً من الحزب (20).

ولقد أدي فشل الخطوات التي اتخذها يحيى، وتصاعد نشاط المعارضة اليمنية، إلي إقدام يحيى علي إرسال سيف الإسلام أحمد ولي العهد إلي عدن لإقناع الأحرار بالعودة إلي اليمن، وإثنائهم عن مواصلة نشر أفكارهم المعارضة للإمامة، وقد وعدهم أحمد باتخاذ بعض الخطوات الإصلاحية، كاستخدام الفنيين الأجانب لاستثمار ثروات البلاد المعدنية، والتوسع فى التعليم، وإقامة علاقات دبلوماسية مع جميع أقطار العالم العربي، إلا أن الأحرار لم يستجيبوا لمساعي أحمد، وصمموا علي مطالبهم الأساسية المتمثلة في إنشاء مجلس شوري، وتأليف حكومة حديثة، وإبعاد أبناء الإمام يحيى من الوظائف الحكومية والتدخل في شئون الدولة، وهي المطالب التي كان من المستحيل القبول بها من جانب يحيى وابنه لذلك غادر أحمد عدن بعد أن مكث بها ستة أسابيع دون أن يحقق أي شئ(21).

واستمرت حركة الأحرار اليمنيين في طريقها، وكان من أبرز أعمالها إصدار صحيفة "صوت اليمن"، التي وجدت طريقها إلي الداخل، وإلي قصور الحكام، عن طريق الأحرار داخل اليمن، والذين كانوا يقومون بتوصيل أدق المعلومات إلي عدن، كما كانوا يقومون بنقل اعداد الصحيفة إلي داخل اليمن، مع ما يعنيه ذلك من خطورة شديدة، وكانت الصحيفة تتميز في البداية بالاعتدال نتيجة تدخل السلطات البريطانية وتحذيرها من التعرض لشخص الإمام، لكن سرعان ما ارتفعت نبرة الصحيفة، كما قامت حركة الأحرار اليمنيين بإصدار كتيبات بين الحين والأخر، فأصدرت كتابين يكشفان الأحوال السيئة ب اليمن، وهما " اليمن المنهوبة المنكوبة" والثاني " اليمن ظاهرها وباطنها"(22).

وقد لعبت صوت اليمن دوراً كبيراً سواء في الداخل – بالرغم من صعوبات إدخالها لليمن، وتوزيعها علي نطاق واسع- أو علي المستوى الدولي، فقد بدأت هذه الصحيفة تكسر حاجز العزلة، التي فرضها يحيى علي اليمن، وبدأ العالم يسمع لأول مرة عن الأوضاع السيئة في اليمن، خاصة أنه لم يكن هناك تمثيل دبلوماسي في اليمن، بالإضافة إلي صعوبة دخول الأجانب إلي اليمن كما سبق الإشارة إلي ذلك.

وقد وجدت صحيفة اليمن طريقها إلي بعض الأقطار العربية، وتناقلت بعض الصحف الأخرى الأخبار والأوضاع في اليمن نقلاً عنها، وقد وجدت الصحيفة طريقها إلي السعودية، ووزعت في موسم الحج في مكة وعرفات، وكان لذلك أثره علي قضية اليمن كما سنري(23).

وفي شهر نوفمبر حدث تطور كبير، عمل علي تدعيم حركة الأحرار اليمنيين، وتمثل ذلك في التحاق سيف الإسلام إبراهيم أصغر أبناء الإمام يحيى بحركة الأحرار اليمنيين في عدن، والذي اتخذ لنفسه لقب "سيف الحق" بدلاً من لقب سيف الإسلام الذي كان يطلق علي أبناء الإمام(24).

وقد أوضح سيف الحق إبراهيم في رسالة له إلي صحيفة صوت اليمن، الدافع الذي جعله يلتحق بالأحرار في عدن " خرجت من اليمن وأنا متألم جداً من الحالة السائدة هنالك بعد أن حاولت مع أخوى سيف الإسلام علي وسيف الإسلام إسماعيل إقناع جلالة الإمام في رفع المظالم وإزالة الجور، ولما وصلت أسمره، وزارني اليمانيون وشكوا لي أحوالهم زاد ألمى و كذلك في الحبشة ومصوع، و هأنا ذا قد وصلت عدن، ولم أزل مستاء من الخطة التي تسير عليها حكومة اليمن في الوقت الحاضر"(25).

إن ما ذكره سيف الحق إبراهيم يوضح وجود الرغبة لدي بعض أبناء الإمام يحيى في الإصلاح، وقد سبق الحديث عن سيف الإسلام محمد ورغبته في الإصلاح، كما أن رسالة إبراهيم توضح وجود الرغبة في الإصلاح لدي بعض إخوته، وإنهم حاولوا إقناع الإمام بذلك دون جدوى.

وكان الإمام يحيى قد أمر بسجن إبراهيم نتيجة لاعتراضه علي سياسته، ومطالبتة بالإصلاح، وقد مكث في السجن ثلاث سنوات، ثم أشفق عليه يحيى نتيجة لتدهور حالته الصحية فأمر بالإفراج عنه، وسمح له بمغادرة البلاد طلباً للعلاج فتوجه إلي الحبشة ثم مصوع، ثم توجه إلي عدن، حيث التقي بزعماء الأحرار، الذي كان علي اتصال سري بهم وهو في السجن، وأعلن عن انضمامه إليهم بعدما " تأكدت من إخلاصهم وصدق عملهم"(26).

ويبدو أن إبراهيم قد تأثر بسكرتيرة أحمد البراق الذي كان منتمياً للأحرار داخل اليمن وكان من أعضاء البعثة التي توجهت للعراق(27).

ولعل ما تعرض له إبراهيم من سجن بسبب رغبته في الإصلاح، ينفي ما قيل في تفسير دوافع التحاقه بالأحرار في عدن، بأنها كانت دوافع ذاتية، أو لحب الزعامة، وتوقع الملك، ولعل ما يوضح أن انتماء إبراهيم لحركة الأحرار كانت عن دوافع إصلاحية حقيقية ثباته علي موقفة، وتضحيته بمركزه في اليمن، وتقبله لتعيين عبد الله الوزير إماماً، وإسراعه إلي عدن بعد نجاح الثورة ،وتقبله المنصب الذي حدد له من قبل وهو منصب رئاسة مجلس الشورى(28).

وقد أدي إبراهيم دورة كاملاً في الحركة الوطنية إلي أن قامت الثورة، وشارك فيها حتى النهاية، حيث مات مسموماً بأمر من أخيه أحمد بعد فشل الثورة، كي يتخلص منه نهائياً وبسرعة قبل أن يحدث خلافاً في نطاق العائلة(29).

لقد أدي التحاق إبراهيم بالمعارضة في عدن، إلي إعطاء حركة الأحرار اليمنيين دفعة معنوية كبيرة، وإلي تعزيزها علي المستوي السياسي والإعلامي وعلي الساحة الداخلية والعربية والدولية والنظر إليها كقوة كبيرة فعلي المستوي الداخلي، فقد شجعت الكثير من العاصر المترددة علي الالتحاق بالأحرار، واتخاذ موقف عملي في المطالبة بالإصلاح، ويتضح ذلك من انضمام آل الوزير إلي الأحرار، بالإضافة إلي بعض الشخصيات الكبيرة، والمحيطة بالإمام مثل حسين الكبسي ، وكذلك ارتفاع الأصوات داخل أسرة الإمام يحيى مطالبة بالإصلاح، واستعداد بعض أبنائه للانضمام للأحرار، ولعل محاولة سيف الإسلام إسماعيل ابن الإمام يحيى – والذي أشار إليه سيف الحق إبراهيم في رسالته إلي صوت اليمن بأنه كان من المطالبين للإمام بالإصلاح – الفرار خارج اليمن دليلاً علي ذلك، بالرغم من فشل المحاولة نظراً للحراسة الشديدة التي فرضها يحيى علي أولاده بعد فرار إبراهيم(30).

أما علي المستوي العربي والدولي، فقد أعطي انضمام إبراهيم للحركة مصداقية كبيرة، وبدأ النظر إليها كقوة سياسية حقيقية يمكن التعامل معها، وكان نشاط إبراهيم ومقالاته التي تندد بالأحوال في اليمن تأكيداً لما كانت تنشره "صوت اليمن"، والذي كان من الممكن النظر إليه في السابق علي أنها مبالغات من قوي معارضة، خاصة أن التخلف التي كانت تعاني منه اليمن، والذي كان تصوره المقالات الصحفية، كان يصعب تصديقه خارج اليمن في ظل التطور والتقدم العالمي . كما فرض إبراهيم القضية علي الساحة العربية من خلال الجامعة العربية، فقد أرسل إلي الأمين العام للجامعة عزام باشا، طالباً تدخل الجامعة لوضع حد للوضع المأساوي في اليمن "فأرجو من الجامعة العربية أن تتدخل لحل مشكلة اليمن الخطيرة قبل أن يفلت الزمام من أيدي المخلصين للقضية، ويحدث مالا نريده جميعاً". وفي رسالته التي وجهها إلي صوت اليمن قال " وسأكون علي اتصال بالجامعة العربية أناشدها العمل لحل مشاكل كل اليمنيين حتى تتحقق جميع آمال اليمانيين بواسطة إخوانهم العرب(31).

ومن المهم التوقف عند موقف الأحرار اليمنيين من الجامعة العربية، وذلك نظراً لأهمية هذا الموضوع – كما سنري عند الحديث عن أحداث الثورة - فلم تكن برقية سيف الحق إبراهيم أول مناشدة للجامعة للتدخل في المسألة اليمنية، وإن كانت هذه البرقية تحتل أهمية كبيرة نظراً لموقع سيف الحق إبراهيم فمنذ تأسيس الجامعة العربية عام 1945 لم تنقطع المناشدات للجامعة العربية بالتدخل إلى جانب اليمنيين، وحفلت الأمانة العامة للجامعة العربية بمذكرات حزب الأحرار اليمنيين، فضلاً عن مخاطبة زعماء العرب، وكبار المسئولين للتدخل للتوسط بين الشعب المثخن بالجراح والسلطات اليمنية(32).

ففي برقية موقعة من محمد محمود الزبيري وأحمد نعمان باسم الجمعية اليمنية الكبرى ونشرتها جريدة الإخوان المسلمين في عددها الأول 5/5/1946 تحدثت عن مخاطبة العرب في خلال العامين الماضيين للعمل لإنقاذ الأمة اليمنية من الظلم الذي تعانيه، وأنه مع أن المسألة اليمنية تهم الجنس البشري عامة، فإن الجمعية اليمانية لم تعرضها على هيئة الأمم ولا مجلس الأمن احتراماً للجامعة العربية، وتحدثت البرقية عن إهمال اليمن رغم كثرة المخاطبات عن الظلم التي تعانيه وتساءلت الجمعية في برقيتها أين الوفود العربية التي قضينا مدة طويلة في انتظارها ؟ وطالبت جامعة الدول العربية بإيفاد مندوبيها إلي عدن ليحكموا بينها وبين ولي العهد الذي كان في زيارة عدن- والتي سبق الإشارة إليها – وأعلنت أنها ستوافق علي قرار الجامعة سواء كان لها أو عليها(33).

ومع الموقف السلبي للجامعة العربية من القضية اليمنية، وعدم الإصغاء إلي مناشدات الجمعية اليمنية الكبرى، فإن الأحرار اليمنيين بعد الثورة قد عولوا كثيرا علي الجامعة العربية، وكان ذلك أحد عوامل فشل الثورة . ويمكن القول أن عدن كانت بؤرة النشاط للمعارضة اليمنية، وأن جماعة الأحرار اليمنية من 1944 حتى 1946 كانت مركز الثقل في حركة المعارضة اليمنية، وقد وصلت حركة الأحرار اليمنية في عدن أوجهاً خلال عام 1946، والذي شهد زيارة ولي العهد أحمد إلي عدن للتفاهم مع الأحرار، وكذلك شهد ميلاد صوت اليمن، وانضمام سيف الحق إبراهيم للجمعية اليمنية الكبرى.

وقد انعكس النشاط الكبير للأحرار اليمنيين في عدن، علي نشاط الأحرار في الداخل، وفي مصر والتي كانت مركزاً هاماً للأحرار اليمنيين في تلك الفترة، وذلك نظراً للاتصالات والتنسيق بين أطراف وأجنحة حركة الأحرار في عدن ومصر وداخل اليمن، والانعكاس الإيجابي لأي طرف من الأطراف علي بقية الأطراف الأخرى.

نشاط الأحرار داخل اليمن :

كما ذكر من قبل فإن نشوء الحركة الوطنية ارتبط بالهزائم التي تعرض لها يحيى في عام 1934، وأن أول منظمة – معارضة نشأت عام 1936 وهي هيئة النضال، بالإضافة إلي انتشار الأصوات المعارضة داخل الجيش اليمني، وبصفة خاصة من جانب أعضاء البعثتين العسكريتين التي توجهت إلي بغداد 1936، بالإضافة للبعثة المدنية.

وقد استمر نشاط هيئة النضال، وشباب الضباط، والطبقة المثقفة، ولكن هذا النشاط كان يخضع لرقابة يحيى، والذي كان يشعر بالخطر من هذه التحركات، فضلاً عن أن نشاط حركة المعارضة قد انحصر عملها علي اكتساب المزيد من الأنصار بين كبار رجال الدولة وموظفي الإدارات الحكومية وتركزت في بعض المدن والقرى. وخلال الفترة التي شهدت ازدهار حركة الأحرار اليمنية في عدن من 1944 وحتى عام 1946، تزايد نشاط الأحرار في الداخل بفعل الظروف الداخلية، وكذلك بفعل نشاط حركة الأحرار في عدن، والتي انعكست بالإيجاب علي الداخل.

فعلي صعيد الداخل فقد شهدت تلك الفترة تخرج دفعات من ضباط الكلية الحربية، والذين تأثروا بجمال جميل، والضباط اليمنيين والمثقفين من خريجي البعثات اليمنية إلي العراق . كما أدي نشاط الأحرار في عدن إلي إثارة روح الحماس في الداخل، وقام الأحرار في الداخل بدور كبير في إدخال صحيفة صوت اليمن إلي اليمن وتوزيعها، كما عملوا علي اكتساب المزيد من الأنصار داخل الأوساط الحاكمة، وقد نجحت جهودهم مع الأمير إبراهيم عن طريق أحد الأحرار، وهو أحمد البراق – وكذلك مع سيف الإسلام إسماعيل عن طريق صالح مرشد المقالح، وإن لم يتمكن إسماعيل من الفرار كما سبق الإشارة إلي ذلك، وبصفة عامة فقد استطاع الأحرار في الداخل اكتساب المزيد من الأنصار في الأوساط الحكومية، وداخل الأسر الكبرى مستغلين في ذلك النشاط الكبير لحركة الأحرار في عدن(34).

ومن المهم الإشارة إلي إنشاء منظمة معارضة في مدينة آب عام 1363هـ/1944م، برئاسة القاضي محمد الأكوع، وكان من أبرز أعضائها القاضي عبد الرحمن الأرياني ، وقد وضعت لها برنامجاً، وأرسلت نسخة منه إلي القاضي الزبيري بعدن، والذي قام بمراجعته وأضاف إليه، وأطلق عليه برنامج الإصلاح، وقام بطبعه وأرسل منه كميات كبيرة إلي القاضي محمد الأكوع، وكان من أهدافها إزالة حكم يحيى وأبنائة، وهو الهدف الذي تلتقي حوله المنظمات الثلاث، وهي حسب ترتيب إنشائها(35).

1. هيئة النضال برئاسة أحمد المطاع بصنعاء عام 1354 هـ / 1936.

2. حزب الأحرار بزعامة محمد محمود الزبيري وأحمد محمد نعمان عام 1944.

3. جمعية الإصلاح بزعامة محمد الأكوع عام 1363 هـ / 1944.

ومن أبرز أنشطة المعارضة في الداخل في تلك الفترة إقدام هيئة النضال علي الأتصال بالملك عبد العزيز آل سعود وذلك بدافع تأمين الثورة منه، ومحاولة كسب مساعدته، وقد لجأت هيئة النضال بزعامة المطاع للاتصال بعبد الله الوزير، وقد اتفق الطرفان علي الاستعانة بالملك عبد العزيز خاصة أن الصلة كانت قوية وطيبة بين الملك عبد العزيز وعبد الله الوزير، منذ المحادثات التي أدت إلي توقيع معاهدة الطائف 1934، وكان عبد الله الوزير يمثل الوفد اليمني فيها، وقد ساعد علي التفاء هيئة النضال وعبد الله الوزير الخوف من ولي العهد أحمد المشهور بالعنف والدموية.

وتم تكليف أحد أبرز أعضاء هيئة النضال وهو القاضي الشماحي بالقيام بهذه المهمة خلال موسم الحج عام 1365هـ – 1944 م، وتوصيل رسائل من عبد الله الوزير وعلي الوزير و هيئة النضال للملك، وأن يشرح للملك الأوضاع ب اليمن.

وقد تقابل الشماحي مع الملك خلال شهر ذي القعدة / أكتوبر 1946، وقد أوضح الملك موقفه بصورة واضحه، وأنه متمسك بمعاهدة الطائف، مع الإمام يحيى، وأنه من الأفضل إرجاء أي صراع إلي ما بعد موت يحيى، خاصة مع تقدمه في السن ومرضه، وبالرغم من إدراكه لخطورة أحمد - كان سيف الإسلام أحمد قائد الجيش اليمني في حربه مع السعودية – إلا أنه متمسك بعهده مع يحيى، وأعرب عن استعداده للنظر في تقديم الدعم المادي شريطة عدم الدخول في صراع مع يحيى، وأرجأ الحديث في ذلك إلي بعد مناسك الحج.

كانت مقابلة الشماحي للملك مبشرة إلا أن وصول أعداد من صحيفة صوت اليمن إلي السعودية وتوزيعها في مكة وعرفات، بما حوته من المقالات التى تندد بالاستبداد والملك والدعوة إلي الإطاحة بيحيى، أغضبت الملك عبد العزيز وأمر بمصادرتها ومعاقبة من وجدت معه، وقد كان لهذا الأمر أثره في مقابلة الشماحي للملك، والذي حاول تلطيف الجو بأن ما تهدف إليه "صوت اليمن" لا يتعدى نطاق اليمن، وأن منظمة هيئة النضال وإن كانت متصلة بحزب الأحرار في عدن في وجوب التخلص من حكم يحيى وولي عهده أحمد، إلا أنه لم يعلم بإعداد "صوت اليمن" إلا عندما عرضها عليه الملك، وقد أوضح الملك بصراحة ووضوح موقفة للشماحي "إني أري أن حركتكم هدامه ولا يسعني أن أساندها".

وبعث الملك برسالة مقتضبه إلي عبد الله الوزير يخبره بأن رسالته وصلت، وأن حاملها سيخبره بالحقيقة، وأكد الملك للشماحي علي موقفه في لقائه الأول من ضرورة عدم إحداث أي حركة في حياة الإمام يحيى وأن يبلغ عبد الله الوزير بسرعة أن الملك يرحب به في السعودية إذا كان متخوفاً علي حياته وكرامته.

وقد اتفق قادة هيئة النضال علي كتمان حقيقة موقف الملك عبد العزيز عن عبد الله الوزير واكتفوا بإبلاغه تقيد الملك بالمعاهدة مع الإمام يحيى، وأنه يرحب بالوزير في السعودية إذا رغب في ذلك، وقد أدي ذلك إلي ميل عبد الله الوزير إلي التأني، وانتظار موت الإمام يحيى(36).

أن الموقف الواضح الذي اتخذه الملك عبد العزيز برفضه فكرة الإطاحة بيحيى، ثم رفضه مساندة الحركة بعد وصول إعداد "صوت اليمن" إليه، يوضح بجلاء الموقف المتوقع من النظم الملكية بصفة عامة، والسعودية بصفة خاصة بدافع الجوار، ومعاهدة الطائف، من قيام الثورة ضد الإمام يحيى، ومع ذلك – سوف نري – طلب الثورة المساعدة من الملك عبد العزيز.

لقد كانت الأفكار التي تروج لها حركة الأحرار في عدن، وما احتوته صحيفة "صوت اليمن" من نقد ومهاجمة للملوك والدعوة للإطاحة بيحيى، مصدر إزعاج للملك عبد العزيز الذى خشي امتداد القلاقل في اليمن وآثارها إلي بلاده، ولذلك أخذ يطالب الأمام بضرورة معالجة أمر المعارضة اليمنية(37).

الإخوان المسلمون وحركة المعارضة اليمنية

لعل السؤال الذي قد يتبادر إلي الذهن، ما هي علاقة الإخوان بحركة المعارضة اليمنية، وما هو الدور الذي لعبه الإخوان في ثورة اليمن، وما الذي يجعل أصابع الإخوان تمتد بعيداً إلي هذا البلد؟

قبل الإجابة عن هذه التساؤلات لابد من التوقف حول المنطلقات الفكرية لجماعة الإخوان المسلمين التي تحكم نظرتها حول هذه القضية. ولعل أول هذه المنطلقات هي رؤية الجماعة لمفهوم الوطنية، فقد كان مفهوم الإخوان للوطنية يتجاوز المفهوم الضيق للوطنية الذي يقتصر علي الحدود الجغرافية، وكذلك تجاوز الدعوات القومية القائمة علي إحياء الحضارات القديمة كالفرعونية والفينقية وغيرها، فحدود الوطنية عند الإخوان العقيدة وليس الحدود الجغرافية "فكل بقعة فيها مسلم يقول "لا إله إلا الله" وطن عندنا له حرمته وقدسيته وحبه والإخلاص له والجهاد في سبيل خيره، وكل المسلمين في هذه الأقطار الجغرافية أهلنا وإخواننا نهتم لهم ونشعر بشعورهم ونحس بإحساسهم.(38).

وهذه النظرة الشاملة لمفهوم الوطنية عند الإخوان تمثل إحدى الثوابت الأساسية في فكر، الإخوان وهو الأمر الذى يتجلي بصورة عملية في اهتمامات الإخوان بشئون العالم الإسلامي والدعم المادي والأدبي الذي قدموه لكافة القضايا الإسلامية، وعلي رأس هذه القضايا القضية الفلسطينية.

كما عمل الشيخ حسن البنا علي مخاطبة الملوك والأمراء وحكام بلدان العالم الإسلامي المختلفة، وكذلك كبار رجال الفكر والرأي والعلماء في هذه البلدان شارحا تصوره للمنهج الإسلامي، موضحاً مزايا هذا المنهج، ومطالباً بتطبيق الإصلاحات في كافة المجالات السياسية والقضائية والاجتماعية والاقتصادية، معلنا في نهاية رسالته "وإنا لنضع أنفسنا ومواهبنا وكل ما نملك تحت تصرف أية هيئة أو حكومة تريد أن تخطو بأمة إسلامية نحو الرقي والتقدم، نجيب النداء ونكون الفداء"(39).

كما عملت الجماعة علي إبراز الطابع الإسلامي الجامع لها، والذي يتعدى الحدود الجغرافية من خلال قانون النظام الأساسي للجماعة، حيث نصت المادة الثانية من القانون علي أن "الإخوان المسلمون هيئة إسلامية جامعة تعمل لتحقيق الأغراض التي جاء من أجلها الإسلام".

"ومعني هذا أن حركة الإخوان ليست مصرية بحته ولا عربية بحتة ولكنها إسلامية جامعة"(40).

وقد ترجمت جماعة الإخوان نظرتها للوطن الإسلامية من خلال عدة وسائل من أهمها:-

الوسيلة الأولي :-

اهتمام الإخوان بالطلبة العرب والمسلمين الذين يدرسون في مصر وأحاطتهم بالرعاية والتكريم، ومن هنا جاء الاتصال بين الدعوة في مصر والطلاب العرب والمسلمين(41).

لقد كانت القاهرة مأوي للطلاب من كافة الأقطار العربية والإسلامية، الذين جاءوا للدراسة بالقاهرة، وبصفة خاصة في الجامع الأزهر، وكان الإخوان يعملون علي استقطاب هذا العدد الكبير من الطلاب، من خلال نشر الدعوة بينهم، وتوفير العناية والاهتمام بهم، بحيث أصبحت شعب الإخوان ومقراتهم الملجأ لهؤلاء الطلبة يجدون فيها معاني الأخوة الإسلامية بعيداً عن الشعور بالعزلة عن أوطانهم، وقد أتاح العمل وسط الطلاب العرب والمسلمين بالقاهرة للإخوان أداة اتصال فعاله ونشطة بمختلف البلدان الإسلامية، فقد أتاحت هذه الوسيلة معرفة الكثير من أحوال البلدان الإسلامية المختلفة، كما كان هؤلاء الطلاب نواة لشعب جديد للإخوان عند الرجوع لأوطانهم.

الوسيلة الثانية :-

استغلال مواسم الحج من قبل الشيخ حسن البناء عن طريق الالتقاء بالعديد من زعماء وقادة العالم الإسلامي، وأصحاب الرأي والفكر، ومناقشة أحوال العالم الإسلامي، وفتح قنوات الاتصال معهم، وقد حرص حسن البنا علي مواصلة السفر لأداء فريضة الحج، كما حرص علي أن يصطحب معه العديد من دعاة الإخوان، وكان يستعين بمكبرات الصوت لمخاطبة الحجاج في عرفات، فضلاً عن الدعوة إلي مؤتمرات يخطب فيها زعماء العالم الإسلامي(42).

وهكذا استطاع حسن البنا أن يحول موسم الحج إلي مناسبة لنشر دعوته بين الحجاج والالتقاء بأصحاب الرأي والفكر في سائر أنحاء العالم الإسلامي, وسنرى كيف كان الحج مناسبة لألتقاء حسن البنا بزعماء المعارضة .

الوسيلة الثالثة :-

إرسال الدعاة من كبار الإخوان المسلمين إلي الأقطار العربية والإسلامية لنشر الدعوة وفتح شعب جديد للإخوان بها، والالتقاء بالهيئات الإسلامية المختلفة وكانت أول بعثة للإخوان إلي الخارج إلي فلسطين وسوريا ولبنان، وكانت البعثة مكونة من عبد الرحمن الساعاتي (شقيق حسن البنا) ومحمد أسعد الحكيم، وقد توجهت البعثة إلي بلاد الشام في بداية شهر أغسطس 1935 حيث تقابلت البعثة في القدس مع أمين الحسيني ثم توجهت إلي دمشق وبيروت والتقت بالعديد من قادة الهيئات الإسلامية(43).

الوسيلة الرابعة :-

افتتاح العديد من الفروع للإخوان في الخارج، ويذكر إسحاق الحسيني أن إنشاء الفروع في الخارج بدأ عام 1937، وهي السنة التي أسس فيها فرع دمشق، بالرغم من أنه ذكر أنه ليست هناك تواريخ دقيقة تبين متي فتحت الفروع خارج مصر(44).

ولكن يبدوا أن إنشاء فروع للإخوان قد بدأ فعلياً قبل عام 1937، فقد ذكر حسن البنا في مذكراته أنه بعد انتقال الدعوة من الإسماعيلية إلي القاهرة عام 1932 كان مجموع شعب الإخوان المسلمين بمصر خمس عشرة شعبة، كان منها فرع جيبوتي لجمعية الإخوان المسلمين بناء علي رغبة بعض شباب جيبوتي في تكوين شعبة للجمعية بها، وأن مكتب الإرشاد انتدب أحد الأخوة ليكون صلة بين حضراتهم وبين المكتب (45).

ولعل وجود هذا الفرع في تلك الفترة المبكرة من تاريخ الجماعة والتي لم يكن لها فروع في الإسكندرية وغيرها من المدن الكبرى في مصر، واقتصر تواجدها في بعض المحافظات في منطقة القناة، والدقهلية والشرقية والبحيرة – بل إن القاهرة لم يكن يوجد فيها إلا المقر العام للإخوان في إحدى حارات القاهرة – يوضح مدى اهتمام الجماعة بالعمل في نطاق الطلبة والشباب العربي والمسلم بالقاهرة.

وقد انتشرت فروع الإخوان في بلاد الشام، ففي سوريا تأسست في عام 1937 أول جمعية تحمل اسم الإخوان المسلمون في مدينة حماة، وفي عام 1944 اتخذت حركة الإخوان المسلمين في سوريا شكلاً تنظيميا واحدا فى كل المدن السورية, وانتخب مصطفى السباعي مراقبا عاما لها.(46)

وقد تلقى مصطفى السباعي تعليمه فى الأزهر ,حيث اتصل بالإخوان المسلمين قبل ان يعود ويتولي منصب المراقب العام للإخوان فى سوريا .

ومن الملاحظ أن لقب المرشد العام كان قاصراً علي الرئيس العام لجماعة الإخوان المسلمين بالقاهرة، أما رؤساء الفروع في البلدان المختلفة فكانوا يحملون لقب المراقب العام.

وبصفة عامة فقد تأسست العديد من الفروع للإخوان في الخارج وقد حمل بعضها اسم الإخوان المسلمون، وحمل البعض الأخر أسماء إسلامية أخري، كما توثقت الروابط بين الإخوان المسلمين في مصر والجماعات الإسلامية التي نشأت بصفة مستقلة وكانت أفكارها قريبة من فكر الإخوان المسلمين.

الوسيلة الخامسة:-

صحف ومجلات الإخوان، فقد أولت هذه الصحف اهتماماً كبيراً لشئون العالم الإسلامي، واحتلت قضايا العالم الإسلامي المرتبة الأولي تقريباً في كل الصحف والمجلات التي أصدرها الإخوان، فقد خصصت مجلة الإخوان المسلمين وهي أول مجلة أصدرها الإخوان عام 1933 – بابًا بعنوان "العالم الإسلامي" وقد جاء في تقديم هذا الباب للقراء "أن جريدة الإخوان المسلمين تعتبر نفسها خادمة كل مسلم مهما كان وطنه أو جنسيته، ولا نري أهل القبلة إلا رجلا واحداً كما مثلهم بذلك رسول الله صلي الله عليه وسلم، وهي – أي المجلة – لهذا تنقل إلي قرائها بمجمل أخبار العالم الإسلامي ليعلم بها كل قارئ، وليقوم كل مسلم بما يجب عليه نحو الإخوه الإسلامية العامة غير متحيزة إلي فريق أو مائلة إلي ناحية، ولكنها ترجو الخير لكل المسلمين".

كما أفردت صحف الإخوان أبوباً خاصة لمتابعة أنباء وقضايا العالم الإسلامي، وكذلك أصدرت أعداداً كاملة للحديث عن دولة من دول العالم الإسلامي(47).

لقد كان الاهتمام من جانب صحافة الإخوان بقضايا العالم الإسلامي، تأكيداً للرؤية الفكرية للإخوان المسلمين لمفهوم الأمة الإسلامية التي تتخطي الحدود الجغرافية، كما أدي هذا الاهتمام إلي تأكيد النظرة الشاملة للإخوان المسلمين وإلي تأكيد ودعم جهود الإخوان في نشر دعوتهم إلي مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

الوسيلة السادسة :-

إنشاء قسم الاتصال بالعالم الإسلامي، وقد حددت اللائحة الداخلية العامة للإخوان المسلمين أهداف هذا القسم في العمل علي ربط الأقطار الإسلامية بعضها ببعض، وتوحيد السياسية العامة لها، والعمل علي تحرير الأوطان الإسلامية من كل سلطان أجنبي، وإقامة حكومات إسلامية ديناً ودولة في كل هذه البلاد، وتكوين وحدة سياسية إسلامية.

كما نصت اللائحة علي إنشاء لجان في القسم لمتابعة أوجه النشاط المختلفة فيها: لجنة الشرق الأدني:- وتضم البلاد العربية وباقي الشعوب الإسلامية في أفريقيا كما تضم تركيا وإيران.

لجنة الشرق الأقصى:- وتضم أفغانستان ، تركستان، الصين، الهند، الهند الصينية، أندونيسيا ، اليابان.

لجنة الإسلام في أوربا.

كما نصت اللائحة علي قيام القسم بدراسة قضايا العالم الإسلامي، وأن يعد لكل قضية ملفاً خاصاً، كما يعد لكل قطر ملفاً خاصاً يشمل كل ما يهم معرفته عن هذا القطر مما يتصل بأغراض القسم(48).

وقد استقطب هذا القسم الطلبة العرب والمسلمين في مصر، والذي أعتمد عليهم القسم في أداء عملة، من خلال معرفتهم بأحوال وقضايا أوطانهم، وكان العاملون في القسم يتولي كل واحد منهم حفظ ملف قضية أو أكثر من قضايا العالم الإسلامي، ويقوم بمتابعتها، وكان العمل في هذا القسم يعني متابعة جميع قضايا العالم الإسلامي(49).

وكانت الرسائل تأتي إلي القسم من مختلف البلدان، وكان القسم يتولى الإجابة عنها، كما كان يصدر التوجيهات إلي الأفراد والهيئات في خارج مصر، وكان القسم يجمع من المعلومات عن العالم الإسلامي ما لا يتوافر في جمعية أخري.(50).

لقد أتاح قسم الاتصالات بالعالم الإسلامي للإخوان معرفة دقيقة بأحوال العالم الإسلامي وهو الأمر الذي يتجلي بوضوح في مواقف الإخوان من قضايا العالم الإسلامي المختلفة.

الوسيلة السابعة:-

تبني قضايا العالم الإسلامي أدبياً ومادياً، وقد اتخذ ذلك أشكالاً وأساليباً مختلفة حسب طبيعة كل قضية، فقد فتح الإخوان دورهم لزعماء وقادة التحرير في البلاد العربية والإسلامية، وكان المركز العام للإخوان بمثابة " دار العائلة " لهم(51).

وقد خصص الإخوان احتفالات عامة لهؤلاء الزعماء والقادة لشرح ما يلاقونه في بلادهم وشرح قضاياهم وطرحها علي الرأي العام(52).

وبصفة عامة فقد تبني الإخوان قضايا العالم الإسلامي من المغرب حتى أندونسيا، سواء بالمساندة المعنوية، وتقديم رسائل الاحتجاج والاستنكار إلي سفراء الدول الاستعمارية ومجلس الأمن، أو إرسال المعونات المادية، وكذلك تقديم المتطوعين للقتال كما حدث في فلسطين.

إن هذه الأساليب المختلفة التي اتبعها الإخوان تأتي تأكيداً لنظرتهم لمفهوم الوطن الإسلامي والأمة الإسلامية الواحدة التي يربطها أوثق رباط وهورباط العقيدة وتدعمها " الإخوة الإسلامية" التي تجعل المسلمين كالجسد الواحد إذا اشتكي منه عضو تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمي، فأي قضية لبلد مسلمة هي قضية جميع المسلمين التى يجب أن يقفو متكاتفين كوحدة واحدة.

لقد كانت وسائل الإخوان للتواصل مع بلدان العالم الإسلامي متوافرة بالنسبة لليمن كما سنري بالتفصيل إلا أنه ينبغي التوقف عند ملاحظتين بخصوص قضية اليمن.

الملاحظة الأولي :-

أن معظم قضايا العالم الإسلامي الذي تبناها الإخوان في تلك الفترة كانت تتعلق بقضايا التحرر الوطني من الاستعمار علي عكس قضية اليمن التي انصبت علي محاولة تغيير الحكم الاستبدادي وإحلال الحكم الدستوري، وهو الأمر الذي شارك فيها الإخوان مشاركة فعالة كما سنري.

الملاحظة الثانية :-

أن الحكم في اليمن كان يعلن أنه يحكم بالقرآن ، وكان الحاكم يتخذ لنفسه لقب الإمام، كما كانت الأحكام من الناحية الرسمية تلتزم بالشريعة الإسلامية ومع ذلك فقد دعم الإخوان الثورة في اليمن ضد حكم الإمام يحيى الاستبدادي، وهو ما يوضح حقيقة نظرة الإخوان تجاه الشريعة، التي لا تنحصر في مجرد تظبيق الحدود أو بعض الطقوس الشكلية كما توضح موقف الإخوان من مفهوم نظام الحكم الإسلامي الذي يتعارض مع نظام الإمام يحيى برغم الشعارات الإسلامية التي كان يرفعها.

علاقة الإخوان المسلمين ب اليمن:

يذكر محمود عبد الحليم أن أول اتصال للإخوان ب اليمن كان عند انعقاد المؤتمر البرلماني العالمي لقضية فلسطين سنة 1938، والذي قرر إيفاد وفد عربي لحضور مؤتمر المائدة المستديرة في لندن، وقد أوفدت اليمن أثنين من أبناء الإمام يحيى لتمثيل اليمن في مؤتمر لندن الذي انعقد عام 1939، وقد حضرا إلي القاهرة، حيث أوفد المركز العام للإخوان معهم أحد الإخوان وهو محمود أبو السعود ليكون سكرتيراً لهما أو مترجماً لإجادته اللغة الإنجليزية والذي اندهش من تصرفاتهم وجهلهم بالحياة، بصورة تدعو إلي الخجل(53).

ولكن يبدو أن صلة الإخوان ب اليمن أقدم من ذلك بكثير، ولعل ما ذكره محمود عبد الحليم عن تاريخ أول اتصال للإخوان ب اليمن يرجع إلي ماعاصره بنفسه بعد التحاقه بجماعة الإخوان عام 1936، ويرجع أول اتصال للإخوان ب اليمن إلي عام 1348هـ – 1930 م- كما يذكر حسن البنا في مذكراته – حيث ألقي حسن البنا محاضرة في احتفال جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة بمناسبة ذكري الهجرة، وكان من بين الحاضرين للحفل السيد محمد زبارة الحسن اليمني أمير قصر السعيد في صنعاء، والذي التقي بالبنا بعد المحاضرة، وتحدث معه عن ضرورة مجابهة الإلحاد والإباحية المستشرية في ذلك الوقت وقد عرض علي البنا أن يعمل مدرساً ب اليمن، ودارت مخاطبات بهذا الخصوص بين محمد زبارة والإمام يحيى وبينه وبين سيف الإسلام محمد الذي كان محباً للإصلاح – كما سبق الحديث عنه – كما جرت مكاتبات بين حسن البنا وسيف الإسلام محمد بهذا الخصوص، وتم التعارف بينهما علي البعد، ولكن حالت العقبات الرسمية دون ذهاب حسن البنا إلي اليمن، والذي أرجع ذلك للسياسة الإنجليزية الراغبة في إبعاد مصر عن العرب.

وقد زار السيد محمود زبارة الإسماعيلية، ومكث بها ثلاثة أيام حيث شاهد منشآت الإخوان بها ودروسهم ومحاضراتهم، واستمرت الاتصالات بينه وبين حسن البنا منذ ذلك الحين(54).

كما وجه حسن البنا رسالة إلي الإمام يحيى والملك عبد العزيز آل سعود عبر جريدة الإخوان عندما اشتعل الخلاف بينهما حول الحدود، جاء فيها "بين الملك ابن سعود والإمام يحيى بن حميد الدين خلاف تتراءى أنباؤه الفينة بعد الفينة علي صفحات الجرائد، ولسنا نعلم أنباء تهتز لها قلوب العالم الإسلامي إشفاقاً وفرقاً أعظم مما تهتز لهذه الأنباء" ثم وضح حسن البنا مدي اهتمام جريدة الإخوان بأحوال العرب وأخبار الملكين قائلاً "ليس ذلك لصلة خاصة بيننا وبين الإمامين العظيمين، وليس ذلك لأننا نرجو مغنما شخصياً من وراء الوحدة أو نخشى مفرما شخصياً كذلك من وراء الفرقة، ولكن ذلك لإحساسنا بالخطر العظيم الذي تستهدف له الجزيرة قلب الإسلام وقبلة المسلمين إذا استحكم الخلاف بين إمام الجنوب وإمام الشمال(55).

ثم جاء اتصال الإخوان ب اليمن، عندما وفد سيفا الإسلام أبناء الإمام يحيى علي القاهرة وزاروا المركز العام للإخوان للتشاور حول فلسطين وتوجها إلي لندن للمشاركة في مؤتمر المائدة المستديرة عام 1939، كما سبق الإشارة إلي ذلك.

كما اتصل الإخوان ب اليمن من خلال اشتراك اليمن في مشاورات إنشاء الجامعة العربية عام 1944 بالقاهرة، والتي مثل اليمن فيها حسين الكبسي ، وكان الإمام يحيى قد وافق علي الإشتراك في المشاورات بعد تردد نتيجة ضغط وإلحاح القاهرة، وقد أعطي تعليمات لمبعوثه أن يكون مستمعاً وألا يتكلم أثناء المناقشات وقد التزم الكبسي بتعليمات يحيى لدرجة أثارت انتباه أعضاء المؤتمر وعندما حاول أحدهم إخراجه من تحفظه، قال لأعضاء المؤتمر بصراحة:

"أنا ما عندي كلام .. أنا مستمع كما أمرني مولانا جلالة الإمام يحيى بن حميد الدين ملك اليمن حفظه الله" ومن يومها أصبح "الكبسي" نكتة يطلقونها في الجامعة العربية علي أي عضو يحضر أحد الإجتماعات دون أن يشترك في المناقشات أنه يصبح كما يصفونه مثل "الكبسي"(56)

وقد تعرف الإخوان بالكبسي، الذي كان رجلاً ذكياً، أتاحت له فرصة التعرف علي الإخوان والاحتكاك بأعضاء مؤتمر الجامعة العربية، إدراك سوء الأحوال ب اليمن، وحرص يحيى علي عزل الشعب اليمني عما يدور في العالم من أفكار، وآراء تمثل تهديداً لنظام حكمه ومنذ ذلك الحين بدأت تختمر في ذهن الكبسي فكرة الثورة علي الحكم الاستبدادي في اليمن (57).

ويذكر محمود عساف أن الإمام يحيى كان يقدر البنا ويحترمه، وأنه أهداه عمامة يمنية كان حسن البنا يرتديها كثيراً، ولكنه لم يذكر تفصيلات عن العلاقة بين البنا والإمام يحيى ،أو تاريخ إهداء يحيى العمامة اليمنية لحسن البنا، وإن كان يبدو أن ذلك كان في فترة مبكرة، حيث يذكر أنهم لم يكونوا يعلمون شيئاً عن أحوال اليمن(58).

الإخوان المسلمون وحركة المعارضة اليمنية:-

كانت اليمن مثلها في ذلك مثل بلدان العالم الإسلامي محط اهتمام الإخوان، وقد توافر للإخوان معرفة دقيقة بالوضع في اليمن من خلال وسائل الاتصال بالعالم الإسلامي وقضاياه، والذي عمل الإخوان من خلالها علي نشر دعوتهم والذي سبق الإشارة إليها.

وكان أهم وسائل الاتصال بين الإخوان و اليمن من خلال الطلبة اليمنيين الذين قدموا إلي القاهرة للدراسة في الأزهر وقد أدي احتكاكهم بالإخوان إلي تفتيح أذهانهم علي حقيقة الأوضاع في اليمن، والحاجة إلي الإصلاح في كافة مرافق الدولة(59).

ويبدو أن الاتصال بين الإخوان والطلبة اليمنيين قد تم في فترة مبكرة، ففي عام 1937 وجد أول تجمع لليمن من الشمال والجنوب و حضرموت التي جمعتهم رابطة الوطنية، كما أن أحد أبرز الإصلاحيين وهو أحمد نعمان، والذي أسس مع محمد محمود الزبيري حزب الأحرار في عدن، قد وفد للدراسة في القاهرة عام 1937، حيث تشبع بالأفكار الثورية أثناء دراسته في الأزهر(60).

وكان الأزهر في ذلك الحين محط أنظار الطلبة اليمنيين، الذين توجهوا للدراسة في القاهرة علي حساب آبائهم، حيث كانت الدراسة بالأزهر أكثر ملائمة لهم، وذلك نظراً للمستوي الضعيف لتعليم في اليمن الذي لم يكن يؤهلهم لغير التعليم الديني(61).

كما أن الإمام يحيى بدأ يتجه إلي مصر، ويفضل التعليم الديني الذي يوفره الأزهر، وذلك بعد ما لمس تأثر طلاب البعثات التي ذهبت للعراق للدراسة العسكرية والمدنية(69).

وقد أدي توافد الطلاب اليمنيين علي مصر، ثم عودتهم لبلادهم للشعور بالهوة العميقة التي تفصلهم عن التقدم والحضارة، خصوصاً عند المقارنة بين الوضع في مصر و اليمن والتي كانت الهوة بينهم في مجال الحضارة والتقدم كبيرة.

وفي عام 1940 وصل إلي القاهرة الأمير علي الوزير، الذي تم عزله من ولاية تعز عام 1938 وتوجه إلي الحج، ثم غادر إلى القاهرة وبصحبته القاضي محمد محمود الزبيري، وقد أسس أحمد نعمان والزبيري في القاهرة جماعة أُطلق عليها "الكتيبة الأولي" وهو اسم يوحي بوجود ارتباط بالإخوان المسلمين، وعندما عاد الزبيري إلي اليمن عام 1941، كان مشبعاً بأفكار التقدم والعدل الإسلامي(63).

وقد ارتبط القاضي والشاعر محمد محمود الزبيري بالحركة الإسلامية، وتأثر بالإخوان المسلمين أثناء تواجده في القاهرة، وكان له اتصالات واسعة مع العاملين في حقل الدعوة الإسلامية، كحسن البنا والفضيل الورتلاني وعبد الحكيم عابدين وعمر بهاء الدين الأمير وعلي أحمد باكثير، وغيرهم من رجال الحركة الإسلامية(64).

وبوصول علي الوزير ومحمد محمود الزبيري إلي القاهرة، بدأت أول حركة منظمة محكمة لليمنيين الأحرار، الذين توافدوا علي القاهرة سواء للدراسة أو فراراً من حكم الإمامة، ومنهم [[محمد صالح المسمري ]] وعلي ناصر العنسي ، ومن أعضاء البعثة العراقية الذين قدموا لمصر نتيجة الحرب التي شنها نظام الإمامة عليهم، محيي الدين العنسي و أحمد الحورش(65).

وكان [[محمد صالح المسمري ]] من أبناء اليمن في الأزهر الذين لا يفارقون الإخوان المسلمين ليلاً أو نهاراً، وكان شاعراً وأديباً، وكان من رواد درس الثلاثاء، وهو الدرس الذي كان يلقيه حسن البنا أسبوعياً، وكان هذا الدرس ملتقي يحضره كبار رجال العالم الإسلامي المقيمين في مصر كالداعية الباكستاني محمد عبد العليم الصديقي والفلسطيني محمد علي الطاهر ، والحبيب بورقيبة (الرئيس التونسي الراحل) والفضيل الورتلاني ، والبشير الإبراهيمي رئيس جمعية علماء الجزائر ، وقد قتل المسمري بعد فشل ثورة 1948(66).

وقد أسس اليمنيون في مصر عدد من الجمعيات، وكان أولها جمعية "الاعتصام" التي كان تجمعاً وطنياً داخل الأزهر، والتي أصدرت بياناً استنكر الأوضاع في اليمن سواء في الشمال أو الجنوب، وطالبت بالأخذ بأسباب الحضارة والتقدم.

كما ألفوا جمعية "شباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" عام 1940، والتي كانت نواة الحركة الوطنية ب اليمن، وتعكس برامج هذه الجمعية التأثير الشديد لكل من الفضيل الورتلاني والإخوان المسلمين، ويتضح ذلك مما كتبه محمد الزبيري في البرنامج الأول من برامج شباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث حث الإمام علي القيام بنهضة إسلامية في اليمن والعناية باحتياجات الشعب عن طريق إدخال إصلاحات تقتدي بتجربة الشقيقة مصر.

وقد ساهم في تشكيل هذه الجمعية العديد من الشخصيات اليمنية التي قدر لها أن تلعب دوراً كبيراً في حركة المعارضة اليمنية وثورة 1948 مثل أحمد الحورش وعلي ناصر العنسي وصالح المسمري وأحمد نعمان ومحمد الزبيري .

وقد غادر محمد الزبيري القاهرة إلي اليمن عام 1941 لإيجاد الركائز لها هناك وانتهي الأمر باعتقال الزبيري ومحمد الخطيب عقب إلقائهما خطابين نددا فيه بحكم الإمام علي مشهد منه عقب صلاة الجمعة في الجامع الكبير بصنعاء(67).

كما تألفت جمعية "الشباب اليماني" في القاهرة في نوفمبر 1944، وكانت تهدف إلي توثيق الروابط بين اليمنيين في الداخل والخارج، والاتصال بحكومة اليمن للتعاون معها علي إنهاض اليمن وإسعاد أبنائه، والعمل علي إيجاد تعاون وثيق بين اليمن والأقطار العربية، وقد عرفت الجمعية اليمن بأنه اليمن الطبيعي ولا فرق بين مختلف أبنائه(68).

ولجأ المعارضون اليمنيون في القاهرة إلي مجال النشر لفضح نظام الحكم في اليمن، والتنديد بالقمع والظلم فيه، وذلك من خلال مجلة الصداقة والرابطة العربية، التي كان يملكها ويرأس تحريرها الصحفي عبد الغني الرافعي وقد أعلنت جريدة الصداقة في عدد 23 يناير 1946 أنها خصصت صفحة كاملة لنشر أخبار اليمنيين في المهجر، وإذاعة رسائلهم الوطنية، وتناولت الجريدة أوضاع المعتقلين في اليمن، ولجوء اليمنيين للجامعة العربية، وعرضت بعض أسماء المعتقلين، ومنهم عدد ضخم من رجال الحكومة، ومعظمهم من الطبقة المثقفة قائلة "وليس في الإمكان سرد أسماء الجيش اللجب من أولئك المسجونين ولا استقصاء ذوي الحيثيات منهم"(69).

وابتداء من العدد التالي، وضعت الجريدة تحت اسمها شعار "في خدمة اليمن الخضراء" ونشرت قصيدة للشاعر محمد محمود الزبيري بعنوان "حلوا الضمير من القيود" وتصاعد اهتمام الصحيفة بأوضاع اليمن بحيث أصبحت قاصرة تقريباً علي نشر كل ما يتعلق ب اليمن، وامتلأت الصحيفة بالمقالات التي يكتبها المعارضون اليمنيون، والتي كانت توقع بأسماء مستعارة، فضلاً عن العديد من قصائد الشعر للمعارضين اليمنيين، وبيانات الجمعية اليمنية الكبرى في عدن، كما احتفت الجريدة بانضمام الأمير إبراهيم بن الإمام يحيى للمعارضة اليمنية في عدن، وكان العنوان الرئيس للصداقة تعليقاً علي انضمام إبراهيم للمعارضة "جاء نصر الله والفتح" كما نشرت الرابطة العربية صورة سيف الحق إبراهيم علي غلافها، وكان عبد الغني الرافعي يوقع مقالاته عن اليمن باسم "خادم العروبة أبو الأحرار اليمنيين"(70).

ويعتبر عام 1946 عام الذروة للجريدة في الهجوم وانتقاد الأوضاع ب اليمن، ولكن من الملاحظ أن أخبار اليمن بدأت تنحسر في الجريدة خلال عام 1947 ، ورفع شعار في خدمة اليمن الخضراء ابتداء من العدد 890 بتاريخ 20 يوليو 1947 ، ويبدو أن ذلك كان نتيجة تدخل اليمن لدي الحكومة المصرية.

ومن المقالات الملفتة للنظر وذات الدلالة، المقال الذي نشرته الصداقة كافتتاحية، واستغرق الصفحة الأولي بأكملها، لحسن البنا ويحمل عنوان " أصنام"، والذي تحدث فيه عن مفهوم الأصنام في الإسلام ،وأن الإسلام جاء ليسحقها، وأن مفهوم الأصنام لا يقتصر علي الأصنام المادية، ولكن الإسلام أعلن الحرب علي جميع الأصنام، مثل أصنام الهوى والمال

"وهؤلاء الحكام المستبدون الذين يسيئون استخدام سلطتهم ويتخذونها ذريعة، إلي إذلال الناس والتعالي عليهم وهضم حقوقهم، أصنام جاء الإسلام لتحطيمها، والحد من سلطانها وإخضاعها لقانون العدل والمساواة" "ولقد شنها الإسلام غارة شعواء علي هؤلاء الحكام الظالمين من قبل ومن بعد" وأخذ البنا يضرب أمثلة من القرآن والسنة، وفي نهاية المقال قال "فحطموا أصنام الجاه وأصنام الحكم، واتجهوا إلي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولي الصالحين فإن عجزتم عن أن تحطموها فلا أقل من ألا تعبدوها ولا ترهبوها"(71)

ويمكن القول أن اهتمام الإخوان المسلمين ب اليمن بدأ يتصاعد مع تصاعد حركة المعارضة اليمنية وأن علاقة الإخوان المسلمين بحركة المعارضة اليمنية تحققت- كما يري أحمد قايد الصائدي في رسالته عن حركة المعارضة اليمنيية- من خلال الطلاب اليمنيين في مصر وأن هذه العلاقة ترجع بدايتها إلي أواخر الثلاثينات أو بداية الأربعينات".

وتوضح أقوال اليمنيين الذين درسوا في الأزهر، حقيقة هذه العلاقة، فيذكر أحد الأحرار اليمنيين وهو علي ناصرالعنسي " كنا ندرس في الأزهر وبدأنا الاتصال بالإخوان المسلمين، ومنهم حسن البنا الذي كان يري أن اليمن أنسب بلاد استراتيجية، ولها مناخ مناسب للإخوان، وأخذ يهتم بنا اهتماماً خاصاً(72).

وعندما بدأت جريدة الإخوان اليومية في الصدور، في 5 مايو 1946، أولت اهتماماً كبيراً ب اليمن، وقد نشرت في أول عدد لها برقية من الجمعية اليمنية الكبرى والتي سبق الإشارة إليها كما أخذ حسن البنا يهتم بأحوال المعتقلين في اليمن، ويطالب بالإفراج عنهم، بالتنسيق مع زعماء الهيئات الإسلامية والعربية، فيبعث ببرقية إلي الإمام يحيى في صنعاء، وولي العهد أحمد في عدن حيث كان يقوم بزيارة هناك للتفاهم مع المعارضة - كما سبق الإشارة إلي ذلك – جاء فيها "باسم العروبة والإسلام نرجو إنصاف المعتقلين من شباب اليمن وعلمائه بالإفراج عنهم وتحقيق آمال المسلمين في عدالتكم المعهودة" وقد وقع علي البرقية بالإضافة إلي حسن البنا كل من:- صالح حرب رئيس جمعية الشبان المسلمين وعبد المجيد إبراهيم صالح رئيس الاتحاد العربي، والفضيل الورتلاني سكرتير جمعية الدفاع عن أفريقيا الشمالية.

كما بعثوا برقية ثانية إلي رئيس وزراء اليمن ووزير الخارجية، جاء فيها "باسم الشعوب الإسلامية وهيئاتها وباسم العروبة نرجو العمل علي إطلاق سراح المعتقلين من شباب اليمن وعلمائه لما لكم من المكانة الممتازة لدي الجميع"(73).

وقد تلقي حسن البنا برقية من عدن تشيد به، وبتعاطفه مع القضية اليمنية، جاء فيها "باسم العروبة والإسلام تبعث الأمة اليمنية إليكم تحيتها بإعجاب حيث سبقتم الرجال الرسميين في الدول العربية والجامعة العربية في العطف علي الأمة اليمنية، وعلي المعتقلين المضطهدين ولا شك أن مشكلة اليمن في غاية البساطة علي شريطة أن يتدارك العرب ذلك"(74).

وقد أرسل الإمام يحيى رداً علي برقية زعماء الهيئات الإسلامية، نشرته جريدة الإخوان المسلمين في عددها الثاني 6/5/1946، جاء فيه "شفاعتكم لدينا عزيزة غير أنه لم يكن حبس المشار إليهم إلا لسعايتهم بما يخل بالأمن العام، فسامحوا ولم يكن في الحبس أحد من العلماء والسلام عليكم".

وقد علق المركز العام للإخوان علي البرقية بالإعراب عن الشكر للإمام لاهتمامه، راجياً أن "تعمل حكومته الموفقة علي كل ما من شأنه رقيه في كل ناحية من نواحي الحياة، وتؤثر جانب التسامح وتشجيع الحريات حتى تتحقق الشوري التي جاء بها الإسلام الحنيف…(75).

أن اهتمام صحيفة الإخوان المسلمين ب اليمن، ومخاطبة حسن البنا المسؤولين اليمنيين في شأن المعتقلين توضح مدي تصاعد اهتمام حسن البنا بقضية اليمن، خاصة في أوائل عام 1946 وهو العام الذي شهد تصاعد نشاط الحركة المعارضة اليمنية بصورة أساسية في عدن وكذلك في القاهرة، وداخل اليمن . وقد ذكر بعض المشاركين في ندوة مركز الدراسات والبحوث اليمنية عن ثورة 1948 – والتي ضمت العديد ممن شاركوا في الثورة – أن علاقة الإخوان بالأحرار كانت عادية من خلال اليمنيين الموجودين في القاهرة، ولم يبدأ الإخوان الاهتمام بالقضية اليمنية إلا مع خروج الأمير إبراهيم إلي عدن(76).

وهذا الرأي لا يتفق مع ما سبق ذكره عن علاقة الإخوان بالطلبة والمعارضة اليمنية في القاهرة وما ذكره الأحرار اليمنيون في القاهرة من اهتمام البنا بهم وأنه كان يري أن اليمن مناخ مناسب للإخوان، هذا فضلاً عن اهتمام صحيفة الإخوان ب اليمن الذي بدأ منذ العدد الأول في 5/5/1946 وكذلك برقية حسن البنا وزعماء الهيئات الإسلامية إلي يحيى في نفس الفترة كانت سابقة علي خروج الأمير إبراهيم إلي عدن، والذي وصلها في نوفمبر 1946.

وفي نهاية عام 1946 وخلال موسم الحج تم أول لقاء بين هيئة النضال وحسن البنا، وذلك عندما تقابل القاضي عبد الله الشماحي مع حسن البنا - وذلك أثناء قيام الشماحي بمهمة الاتصال بالملك عبد العزيز الذي سبق الإشارة إليها – في قصر الملك عبد العزيز حيث قويت الصلات بينهم، وتلازما بمكة والمدينة، حيث درسا الوضع العام في العالم الإسلامي، وشرح الشماحي لحسن البنا الوضع في اليمن، وتم الاتفاق بينهم علي تعاون الإخوان مع المنظمات اليمنية، وقد وفى البنا بوعده – كما يقول الشماحي- فساند النضال اليمني بما كانت تنشره صحافة الإخوان ثم أوفد الأستاذ الفضيل الورتلاني إلي اليمن(77).

كان لقاء الشماحي والبنا في الحج، ووعده بمساندة القضية اليمنية، تأكيداً لموقف الإخوان الذي تجلي من قبل هذا اللقاء في مساندة قضية اليمن بما كانت تنشره صحيفة الإخوان ومناشدة الإمام يحيى الإفراج عن المعتقلين، والعمل من خلال اليمنيين المقيمين في القاهرة سواء للدراسة أو هرباً من اضطهاد وظلم يحيى.

وقد أخذت العلاقة بين الإخوان المسلمين وحركة الأحرار اليمنيين في التوثق، ورأت حركة الأحرار في الإخوان نصيراً لهم في قضيتهم، وتجلي ذلك في استغاثة الأحرار اليمنيين بحسن البنا الذي أرسل خلال شهر فبراير 1947 رسالة إلي ولي العهد سيف الإسلام أحمد يناشده فيها العمل علي رفع مستوي اليمن الاجتماعي، ثم بعث في نفس الشهر، وبناءً علي قرار مكتب الإرشاد بعثة إلي اليمن لهذا الغرض، كما وجه رسالة مطولة إلي يحيى عبر فيها عن شعور الإخوان نحوه وأماني الشعب اليمني(78).

وقد اتسمت رسائل حسن البنا للمسئولين اليمنيين بالوضوح والصراحة، فقد جاء في رسالته إلي يحيى "لم يعد بد أن تقوم في اليمن حكومة إسلامية مسئولة ذات اختصاصات وسلطات واضحة يؤازرها مجلس شوري يمثل طبقات الشعب، ولن ينتقض ذلك شيئا من حقوق الإمامة وسلطانها الشرعي فلها الرأي الأعلى ولكنه تنظيم يرتفع معه شعور الأمة بحريتها وكرامتها الإنسانية وكان حرص جلالتكم علي سلامة عقيدة الأمة اليمنية وصيانة تقاليدها واستقلالها يحمل دائماً علي الحذر من التعجل بمطالب الإصلاح الذي لا بد فيه من الخبراء والأجانب.

ونحمد الله علي أنه وفق البلاد العربية إلي امتياز في مضمار التقدم الاقتصادي يجعلها كفيلة بإمداد اليمن بما تريده من الخبراء بمجرد إشارة من مولانا الإمام.

بقى أن أتقدم إلي جلالتكم مستأذنا في شأن أبنائكم في المهجر الذين دفعتهم الغيرة وحب الخير للدولة والأمة والله، فتنادوا بالمطالب الإصلاحية ودعوا إلي الأخذ بأسباب التقدم العمراني تدفعهم حماسة الشباب إلي شئ من التطرف”(79).

ويتضح من هذه الرسالة تأكيد حسن البنا علي المطالب الأساسية لحركة الأحرار اليمنية والمتمثلة في إنشاء مجلس شوري، وتشكيل حكومة مسئولة، وإبعاد سيوف الإسلام عن التدخل في شئون الدولة، فحسن البنا يطالب في رسالته بإنشاء حكومة إسلامية لها سلطات محددة، وإنشاء مجلس شوري يمثل جميع فئات الشعب، وهو ما يعني تقويض سلطة الإمام، وهي السلطة الوحيدة في اليمن في ذلك الوقت، وهو الأمر الذي كان يهدد الإمامة في اليمن، كما كان يعني إبعاد سيوف الإسلام عن السلطة والتدخل في شئون الحكم وذلك في ظل وجود حكومة مسئولة، ومجلس شوري يراقب أعمال هذه الحكومة.

كما توضح الرسالة أهمية إدخال الاصطلاحات لليمن، ومن الواضح أن حسن البنا أراد أن يقطع الطريق علي يحيى الذي كان يتذرع بالرغبة في المحافظة علي استقلال اليمن، والخوف من تدخل الأجانب في شئون اليمن، لذلك ذكر حسن البنا أن البلاد العربية قد قطعت شوطاً في مجال التقدم وأنه يمكن الاعتماد علي خبراء الدول العربية في مساعدة اليمن بما تريد بدلاً من الأجانب.

والرسالة التي أرسلها حسن البنا إلي يحيى والمسئولين اليمنيين تأتي في إطار الوسائل التي اتبعها حسن البنا لتبليغ دعوته، وتوجيه النصح للحكام وكبار المسئولين، وقد سبق الحديث عن رسالة حسن البنا إلي الرؤساء والملوك والأمراء في العالم الإسلامي والتي تحمل اسم نحو النور، كما تأتي هذه الرسالة التزاماً بتعهد حسن البنا في ختام رسالته نحو النور، بأن يضع الإخوان أنفسهم تحت تصرف أيّة هيئة أو حكومة تريد أن تخطو بالأمة الإسلامية نحو التقدم والرقي.

والملاحظ في هذه الرسالة أسلوب الصراحة والوضوح الذي اتبعه حسن البنا في مطالبة يحيى بإدخال الإصلاحات في اليمن، والحرص علي توقير شخص الإمام يحيى. ولكن الإمام يحيى كان مصمماً علي المضي في سياسته، رافضاً أي تغيير - بالرغم من تصاعد نشاط المعارضة اليمنية - وهو أمر كان متوقعاً منه، فلم يكن من المتوقع أن يستجيب لنداءات الإصلاح بعد أكثر من أربعين عاماً قضاها في الحكم، وبعد أن أوشك علي الثمانين من عمره وقد جاءت نقطة التحول في القضية اليمنية بإرسال الإخوان المسلمين الفضيل الورتلاني إلي اليمن، ويمثل وصوله إلي اليمن في أبريل 1947 نقطة تحول هامة في تاريخ حركة المعارضة، وثورة 1948، وكذلك في دعم ومساندة الإخوان للأحرار اليمنيين، ولكن قبل الحديث عن دور الفضيل الورتلاني في الثورة اليمنية، نتوقف للتعريف بهذه الشخصية التي لعبت دوراً محورياً في الثورة اليمنية.

والفضيل الورتلاني مجاهد جزائري الأصل، وهو من أكبر العلماء والخطباء في العالم الإسلامي، وهو أول المناضلين الذين وصلوا مصر للدعوة لقضية بلادهم قبل الحرب العالمية الثانية، وأول من تعاون مع الإخوان من شمال أفريقيا وأول من انضم إليهم حتى أصبح واحداً منهم، وكان كثير التردد علي المركز العام حتى ليكاد يتردد عليه كل يوم، وكان عضوا بارزا في جمعية العلماء بالجزائر التي أسسها عبد الحميد بن باديس ، وقد أوفدته الجمعية للاتصال بالجزائر يين وأبناء شمال أفريقيا في فرنسا وقد وصل فرنسا عام1934 حيث التقي بالجالية الجزائر ية هناك وأسس جمعية الدعوة والتهذيب، ومارس نشاطه السياسي ضد الاستعمار الغربي لبلاده من خلال الخطب والصحف وتنظيم الجالية الجزائر ية، مما أدي لإثارة قلق فرنسا التي قررت التخلص منه إلا أنه استطاع النجاة ومغادرة فرنسا.ثم وفد إلى مصر حيث أقام علاقة وثيقة مع الإخوان المسلمين، وأسس في القاهرة عام 1942 لجنة الدفاع عن الجزائر وانتخب أميناً عاما لها، ثم شكل في عام 1944 لجنة الدفاع عن شمال أفريقيا وانتخب أميناً عاماً لها، وكان عضوا هاماً في قسم الاتصال السياسي، وصديقاً شخصياً لحسن البنا وكان يختص بشئون الجزائر ، وشمال أفريقيا، ولكن نشاطه وجهاده لم يقتصر علي موطنه فقط، بل ساهم في كافة قضايا العالم الإسلامي، وخاصة فلسطين، و اليمن – كما سنري - انطلاقاً من رؤيته للعالم الإسلامي كوحدة واحدة لا تتجزأ.(80)

وكان الفضيل خطيباً مفوها، متعدد المواهب، يتمتع بالذكاء، واسع الثقافة، وكان رجلاً حراً في تفكيره قادراً علي أن يكون عمله صورة لقوله، متسقاً مع مخبرة، وكان يتحدث دائماً عن الشرق والغرب حديث الذي رأي وقرأ وتأثر بذلك تأثراً شديداً، أفاض عليه عشق الحرية والديمقراطية وكراهية الاستبداد، والمستبدين.

ويري الشيخ أحمد حسن الباقوري أن الفضيل كان يعتنق التطرف، ويؤثر العنف حتى ظن البعض أنه شيوعي يتستر بالإسلام، بسبب حديثه في مجالسه الخاصة عن أن للشيوعية دعاة مؤمنين بها إيمان المتصوفة بمذهب التصوف في الإسلام(81).

وما ذكره الباقوري عن الفضيل يتعلق بروح الحماسة لديه، والرغبة القوية في تقدم وتحرر العالم الإسلامي والضيق الشديد من الاستعمار والاستبداد، وتقاعس المسلمين عن العمل، ولعل حديث الفضيل عن إيمان الشيوعيين بدعوتهم، يوضح هذا المعني، فإن كان للشيوعية مؤمنون بها- وهي دعوة فاسدة- فمن باب أولي أن يتحرك المسلمون لنصرة دينهم، وقد أدت روح الحماسة الشديدة التي تمتع بها الفضيل إلي اتهام البعض له بأنه كان وراء فشل الثورة، بسبب اندفاعه، وجموحه، وتعجله في الثورة، وإقدامه علي بعض المغامرات الفردية لتفجيرها قبل أن تنضج الظروف الملائمة لنجاحها، وسوف يتم مناقشة هذه الآراء عند التعرض لها.

وتعود فكرة إرسال الفضل إلي اليمن، عندما قدم إلي القاهرة محمد البدر ابن سيف الإسلام أحمد ولي العهد، وذلك للعلاج، حيث التقي في القاهرة ببعض الأحرار اليمنيين المقيمين في القاهرة ومنهم صالح المسمري ، و أحمد الحورش ويحيى زبارة، وفي أثناء إحدى لقاءاته معهم، قام بعض الأساتذة المصريين الذين يعملون ب اليمن بدعوة البدر لحضور إحدى ندواتهم في مقر الإخوان المسلمين، حيث تعرف حسن البنا بالبدر، وتوطدت العلاقة بينهما، وقام البنا بدعوة البدر لقضاء يوم في الفيوم، وأثناء إحدى الندوات في مقر الإخوان تم التعارف بين الفضيل الورتلاني والبدر، وتكرر اللقاء بين البدر والفضيل، الذي أخذ يتردد علي الفندق الذي يقيم فيه الأمير البدر وكذلك الحاج محمد سالم صاحب شركة الأتوبيسات، وكان صديقاً للبنا، وكذلك د.أحمد فخري العالم الأثري، والذي سبق أن ذهب لليمن في بعثة أثرية، وكان من الإخوان المسلمين.

وقد أدت علاقة البدر بهذه الشخصيات إلي طرح العديد من القضايا والموضوعات السياسية، فكان البنا يتحدث بصفته رئيساً لمكتب شمال أفريقيا عن نضالها، وأبدي البدر تعاطفه الواضح مع الإخوان، ومن هنا نشأت فكرة ذهاب الفضيل إلي اليمن لتأسيس شركة تجارية هناك كمندوب للحاج محمد سالم، علي أن يرافقه أحمد فخري(82).

ولم يكن البدر فقط من أسرة حميد الدين الذي أبدي تعاطفه مع الإخوان، فقد زار سيف الإسلام عبد الله بن يحيى مصر مراراً، والتقي بعدد من الإخوان المسلمين ومنهم الفضيل الورتلاني ، وأبدي إعجابه بهم(83).

كما تم الاتفاق مع البدر علي أن يسعى من أجل طلب بعثة مصرية للتدريس في اليمن علي أن يقوم الإخوان المسلمون بتلقف هذا الطلب في وزارة المعارف، ويرسلوا مجموعة من عناصرهم الموثوق بها كجمال عمار ومحمد موافي، وغيرهما.

وقد نجح البدر في مسعاه لدي الإمام، واستطاع اقناعه بأن الفضيل عالم إسلامي، وخطيب ورجل حسن الأخلاق، وهو جزائري معادي للاستعمار، فوافق الإمام علي دعوته وكذلك علي طلب البعثة التعليمية(84).

وبهذا استطاع الإخوان إدخال العديد من عناصرهم إلي اليمن من خلال البعثة التعليمية، فضلاً عن الفضيل الورتلاني الذي استطاع الدخول إلي اليمن، بعد موافقة الإمام تحت ستار تأسيس شركة تجارية ب اليمن ،وكمندوب للحاج محمد سالم "وقد كلفه الأستاذ البنا بملف اليمن والاتصال بأحرارها ورجال الإصلاح فيها"(85).

وقد توجه الفضيل إلي اليمن في أبريل 1947 ، وعندما وصل إلي مدينة تعز، قام بإلقاء خطبة بعد صلاة الجمعة في مسجد المظفر، بعد أن ارتدي جبة وعمامة، حتى لا يلفت الأنظار، بناء علي نصيحة الأحرار اليمنيين، ثم قام بزيارة ولي العهد في نفس اليوم، واستطاع الحصول منه علي الموافقة بإقامة محاضرات دينية وأدبية .

وقد أدي اتصال الفضيل بولي العهد أحمد ،وثقة أحمد به إلي تيسير مقابلة الإمام يحيى للفضيل، بعد أن أقنع أحمد الإمام بأن الفضيل علي جانب كبير من العلم والتدين وأنه من المجاهدين في الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي، وقد أتاح ذلك للفضيل حرية الحركة والعمل والالتقاء بالأحرار في صنعاء(86).

ولعل طريقة إرسال الفضيل إلي اليمن والغرض منها – التي ذكرها شهود العيان المشاركين في الثورة خلال الندوة التي نظمها مركز الدراسات والبحوث اليمني عن ثورة 1948 - توضح عدم دقة الرأي الذي ذهب إليه البعض من أن الورتلاني أنحاز إلي المعارضة اليمنية، مدفوعاً برغبته في تحقيق مزيد من الثروة في ظل حكومة أكثر انفتاحاً، بعد أن نجح في تأسيس شركة تجارية في اليمن، او أن الفضيل حقد علي الإمام يحيى لأنه وقف من الشركة موقفاً لا يحقق أغراضها، فراح يتقرب إلي سيف الحق إبراهيم(87).

فموضوع إنشاء الشركة التجارية ب اليمن لم تكن إلا ستاراً يستطيع من خلاله الفضيل الدخول إلي اليمن، وممارسة نشاطه المكلف به من الإخوان المسلمين في التنسيق مع الأحرار اليمنيين، فضلاً عن أن الفضيل كان له اهتمامات ب اليمن من قبل، وكان علي معرفة بأحوال اليمن خلال عمله في قسم الاتصال السياسي، كما كان من الموقعين علي البرقية، التي أرسلها زعماء الهيئات الإسلامية إلي الإمام يحيى للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين كما سبق الإشارة إلي ذلك.

نشاط الفضيل في اليمن :

بدأ الفضيل نشاطه في اليمن بحماس شديد، مستفيداً من الجو العام في اليمن نتيجة نشاط قوي المعارضة في الداخل، وفي عدن، وساعد الفضيل علي نشاطه المحموم في اليمن، احتضان ولي العهد أحمد له، والذي أعجب به، وبدعوته الإصلاحية، وأسلوبه في الخطابة، وثقافته الإسلامية الواسعة وتاريخه الجهادى ضد الاستعمار، واستطاع الفضيل أن يوثق علاقته بالمعارضة اليمنية في الداخل، ففي تعز توثقت علاقته بالقاضي عبد الرحمن الأرياني والسيد زيد الموشكي والسيد أحمد الشامي وغيرهم من المعارضين في الداخل، وتبادل معهم الآراء حول الوضع في اليمن، وقد توثقت علاقته بصفة خاصة بالسيد أحمد الشامي الذي لازمه في جولاته وتأثر كل منهما بالآخر.

وفي صنعاء اتسع نطاق النشاط الثوري للفضيل بمساعدة العالم الأثري أحمد فخري، وأحمد الشامي ، واستطاع أن يجتذب الكثير من السادة إلي حركة المعارضة، وعلي رأسهم حسين الكبسي وزير الخارجية، واندفع الفضيل في إلقاء المحاضرات وإقامة الندوات في المدارس والمساجد والحفلات، وسرت حماسته وروحه الثورية إلي الشباب والضباط وطلاب المدارس (88).

وكان أهم إنجاز للفضيل ضم عبد الله الوزير للثورة ،علي أن يتولي الإمامة بعد يحيى، وكانت المعارضة اليمنية قد أدركت أن الثورة تتطلب كسب القبائل، وكان هذا الأمر يتطلب وقتاً طويلاً، بينما نذر الثورة والخطر كانت بادية في الأفق، وبدأ الإمام وأنصاره باعتقال بعض الشباب والطلاب والضباط، ولم يكن أمام قيادات المعارضة إلا صرف النظر عن هذا الطريق الطويل، والتخلي عن فكرة التخلص من الإمامة، وإقامة جمهورية وكان البديل اختيار شخصية تتوفر فيها صفات الإمامة، ولها وضعها بين القبائل، كمرحلة انتقالية علي أن يكون الحكم دستورياً، وقد وقع الاختيار علي عبد الله الوزير، الذي توافرت فيها هذه الصفات.

وقد تم إقناع عبد الله الوزير بقيادة الثورة، وقبول الإمامة بعد جهود من قوى المعارضة في صنعاء التي لعبت علي عامل تخويف الإمام يحيى من عبد الله الوزير، وتخويف عبد الله الوزير من يحيى، وقد لعب الفضيل دوراً كبيراً في هذا الصدد، وقد نجحت قوى المعارضة في مسعاها، واقتنع الوزير بتولي قيادة الثورة وقوى علاقته بالفضيل ومن يتصل به، وأخذ عبد الله الوزير يتصل بمن يثق به من أعيان القبائل الموالية له، واستطاعة استمالة القاضي عبد الله العمري الذي كان بمثابة رئيسٍ للوزراء والسيد حسين عبد القادر إلي جانبه.

وأخذ الفضيل والمطاع والوزير والكبسي يضعون الخطط ويتصلون في صنعاء بجمال جميل الذي تولي قيادة الجناح العسكري، وأرسلوا بالأخبار إلي تعز، وإلي عدن، وإلي حسن البنا بالقاهرة، وانتهت هذه الاتصالات بالموافقة علي أن يكون الوزير إماماً(89).

وأخذت الاجتماعات تتوالى في بيت حسين الكبسي ، والتي كانت تضم الفضيل و أحمد المطاع وأحمد الشامي والقاضي عبد السلام صبرة والشيخ عزيز يعني الذي كان مكلفاً بأن يكون همزة الوصل مع عبد الله الوزير، وكان ينقل إليه أحاديث هذه الجلسات.

وكان جمال جميل يحضر هذه الجلسات، وفي نفس الوقت أخذ يشكل خلايا التنظيم العسكري داخل الجيش، وتشكيل خلايا سرية داخل العاصمة وفي المناطق الحساسة، بناء علي تكليف من قيادات المعارضة التي كانت تجتمع في منزل الكبسي، وقد شرع بتشكيل التنظيم بدعوة الضباط والبارزين في ساحة العمل الوطني إلي منزله، واحداً تلو الآخر، وبطريقة لا يعرف فيها الواحد منهم عن الآخر شيئاً، حيث تم الإعداد والتخطيط لقيام الثورة، وتم تحديد المرافق التي سيتم احتلالها، ودور كل واحد منهم، وتوزيع الاختصاصات (90).

ولا شك أن وضع جمال جميل في الجيش، وتخرج العديد من الضباط علي يديه، قد أدي إلي نجاحه في مهمته، خاصة أن الضباط كانوا أحد العناصر الأساسية الثائرة علي نظام يحيى حميد الدين وكان الإنجاز الثاني للفضيل، ربط قوى المعارضة في اليمن وعدن، وإصدار الميثاق الوطني، فقد استطاع بسبب أعماله التجارية، وثقة الإمام فيه أن يقوم بالعديد من الرحلات إلي عدن دون أن يثير ذلك شك يحيى حوله ولذلك أصبح حلقة الوصل بين الجماعات المعارضة في عدن وقوى المعارضة داخل اليمن(91).

وعقب زيارته الأولي لليمن في أبريل 1947 ، والجهود التي قام بها، واكتساب ثقة الإمام به - حتى إن الإمام طلب منه تقريراً عن الاقتصاد اليمني - غادر اليمن بعد ذلك إلي القاهرة، وفي شهر أغسطس عاد لليمن مرة أخري لتسليم التقرير، ومر في طريقه إلي اليمن بعدن، حيث التقي بأحمد نعمان، والزبيري وزعماء المعارضة الآخرين، ثم توجه إلي صنعاء لاستكمال مهمته مع قادة المعارضة(92).

وقد نشرت صحيفة الإخوان في 3 أغسطس عام 1947 ، التقرير الذي رفعه الفضيل إلي الإمام يحيى وقد كتب له حسن البنا مقدمة جاء فيها "العالم العربي والإسلامي كله رجاء في أن يسرع جلالة الإمام مؤيداً مشكوراً بإقرار النواحي الإصلاحية الإدارية والاقتصادية والاجتماعية التي تنهض بشعبه حتى لا يدع ثغرة ينفذ منها الاستعمار الأجنبي"(93).

وقد تمخضت جهود الفضيل عن "الميثاق الوطني المقدس" والذي تم صياغته في صورته الأولي في القاهرة، واشترك في كتابته، وبلورته أبرز المعارضين اليمنيين في القاهرة، صالح المسمري و أحمد الحورش ومحيي الدين العنسي ، والذين كانوا علي صلة بالإخوان وعندما توجه الفضيل إلي عدن، أضيف إليه قسمان، واتفق علي كثير من الأسماء التي ستدخل في الميثاق، ثم تم استكماله بشكل نهائي في صنعاء، وقد قام بكتابة الميثاق في صنعاء الأديب أحمد الشامي ، وكان يمليه عليه الفضيل، ثم تم إرساله إلي عدن(94).

وقد نجح الورتلاني في أن يجمع كل قوى المعارضة حول الميثاق الوطني المقدس في سبتمبر 1947 قائلاً: "هذا الميثاق تم بمعرفة وإطلاع ومباركة زعيم الإخوان المسلمين الشيخ حسن البنا" وقد أكد هذه المعلومة أحمد حسن الشامي في كتابة "رياح التغير في اليمن": حيث ذكر "وضع الورتلاني وحسن البنا الخطوط العريضة الأولي للميثاق لتكون اليمن نواه لدولة الإسلام، إذا نشأت ونمت علي مبادئ قرآنية..وقد أيقنا أن اليمن أفضل من غيرها من البلاد العربية، ويمكن أن تكون منطلقاً لدعوة إسلامية صادقة صحيحة بإنشاء دولة تحكم بما أنزل الله وتستقطب زعماء وعلماء وعباقرة المسلمين"(95).

ويحتوى الميثاق الوطني على مقدمة، و 39 مادة، وملحق للميثاق المقدس يحتوي 4 مواد، و 4 قوائم تشتمل علي أسماء مجلس الوزراء، ومديري الوزارات، والموظفين الشوريين، وكبار الموظفين غير الشوريين.

وتتحدث المقدمة عن انحطاط الأحوال ب اليمن نتيجة الاستبداد وأنانية الإمام يحيى، وأنه نتيجة هذه الأحوال اجتمع ممثلو الشعب اليمني وقرروا وضع نظام شرعي صالح عند وفاة الإمام يحيى، وتتركز معظم مواد الميثاق علي الناحية الدستورية، ووضع دستور لليمن من خلال لجنة يعينها مجلس الشورى، والحد من سلطات الإمام، وإعطاء سلطات واسعة لمجلس الشورى، كما دعا الميثاق إلي تحسين حالة الجيش، وزيادة المرتبات، والقضاء علي الرشوة والمحسوبية، وإقامة نظام حديث في دوائر الحكومة، وصيانة أموال الناس وأعراضهم وأرواحهم، وحرية الرأي والاجتماع، وتأسيس مجالس للألوية والبلديات، ومحاربة الجهل والفقر والمرض، وتوسيع العلاقات مع العالم الخارجي، والمسارعة بتعيين ممثلين سياسيين بأسرع ما يمكن في البلاد العربية، والتعاون مع الجامعة العربية.

ويلاحظ الحرص الشديد في الميثاق علي تأكيد الالتزام بالتعاليم الإسلامية، ففي المادة الأولي التي تتحدث عن مبايعة عبد الله الوزير للإقامة نصت علي مبايعته إماماً شرعياً، شورياً دستورياً: "في ما لا يخالف أدني مخالفة للتعاليم الإسلامية السمحة الصحيحة " كما نصت المادة التالية التي تحدثت عن شروط البيعة علي "العمل في كل قول وفعل بما تضمنه القرآن الكريم، والسنة النبوية علي صاحبها وآله أفضل الصلاة والتسليم، وما كان عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم".

ونصت المادة (3) "يكون نظام الحكم شورياً دستوريا بما لا يخالف الشريعة السمحة الصحيحة من كتاب الله وسنة رسوله".

وبصفة عامة فقد حرص الميثاق علي تأكيد التمسك بالتعاليم الإسلامية، والالتزام في كل عمل بالكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح، ومن الواضح تأثير الإخوان المسلمين في صياغة الميثاق الذي احتوى علي الكثير من الأفكار والآراء التي كان يدعوا إليها الإخوان، مع مراعاة البيئة المحلية في اليمن.

واحتوي ملحق الميثاق المقدس علي مادة تتعلق بالفضيل الورتلاني ، وهى "يكون الطلب بإلحاح من فضيلة الأستاذ الورتلاني المعروف عندنا جميعاً بفضائل يقدرها له الإمام والمأموم أن يضيف إلي سلسلة أعماله المشكورة قبوله لأن يكون مستشاراً عاماً للدولة من المستشارين العموميين المنصوص عليهم في المادة (25) من هذا الميثاق".

وتنص هذه المادة علي أن يكون للدولة مستشارون عموميون خصوصيون، ويكون للمستشارين العموميين درجة (وزير ممتاز) ويكون لهم حق حضور جلسات مجلس الوزراء، وأن يكونوا أعضاء في مجلس الشورى وألا يزيد عددهم علي خمسة، ويلقب المستشار العام بـ"حضرة صاحب المعالي، المستشار العام للدولة اليمانية".

أما قوائم أسماء كبار الموظفين في الدولة، فقد تضمنت قائمة مجلس الوزراء تعيين علي الوزير وهو ابن عم عبد الله الوزير، رئيساً للوزراء، وبذلك احتلت أسرة آل الوزير أعلي منصبين في الدولة وهما منصب الإمام، ورئيس الوزراء، أما قائمة الوزراء فقد اشتملت علي الكثير من المعارضين اليمنيين البارزين مثل أحمد محمد نعمان، ومحمد محمود الزبيري، و أحمد المطاع بالإضافة للكبسي الذي احتفظ بمنصبه كوزير للخارجية بالإضافة لمنصب نائب رئيس الوزراء، أما الأمير إبراهيم بن يحيى فقد تولي رئاسة مجلس الشورى. وقد اشتملت قوائم الموظفين علي أسماء المعارضين اليمنيين البارزين من المثقفين والقضاة والتجار والمتعلمين بالإضافة إلي أسماء العديد من الأسر الزيدية الكبرى التي تحالفت مع المعارضة ضد نظام يحيى حميد الدين سواء بدافع الرغبة في الإصلاح، أو الرغبة في السلطة، وإزاحة أسرة حميد الدين خاصة بعد إحداث الإمام يحيى لمنصب ولاية العهد بالمخالفة للمذهب الزيدي(96).

وكان هناك قسم وطني، حيث يقسم العضو علي أن يكون وفياً للوطن ولإخوانه، وأن يضحي بالروح والمال في سبيل رفع الظلم عن البلاد، وأن لا يغش الحركة مهما بلغت به الشدة والضرورة، ويختتم الميثاق بشعار الإخوان المسلمين "الله أكبر ولله الحمد"(97).

ومن الأدوار التي أداها الفضيل الاتصال بأمين الجامعة العربية عبد الرحمن عزام للتأكد من مساندة الجامعة العربية، بعد موت يحيى، خوفاً من تحرك القبائل لنهب العاصمة، وهو الوعد الذي قطعة عزام باشا علي نفسه للأمير علي بن الوزير أثناء إقامته في مصر.

وكان علي بن الوزير الذي استقر في مصر منذ عام 1940 – كما سبق الإشارة إلي ذلك – قد تعرف علي الفضيل أثناء إقامته بمصر، وقد تم مناقشة اقتراح بإنشاء جمعية يمنية بمصر برئاسته، علي أن يكون الفضيل مستشاراً لها، ولكن تم صرف النظر عنها بناء علي نصيحة بعض الشخصيات المصرية، نظراً للجهود المبذولة في ذلك الوقت لإنشاء الجامعة العربية، وهو ما يعني أن الحكومة المصرية لم تكن تسمح بنشاط الجمعية، لو وصلها أدني احتجاج من جانب يحيى، خاصة أن الحكومة المصرية منعت الجمعية التي ألفها من قبل بعض اليمنيين في القاهرة . وقد تعرف علي بن الوزير علي عزام، وكان عزام يستفسر منه عن أحوال المعارضين في عدن خاصة بعد أن انضم إليهم الأمير إبراهيم، وقبل مغادرة علي الوزير لمصر عام 1947 التقي مع عزام وتحدث معه بشأن أحوال اليمن، وأن القبائل ستتحرك نحو العاصمة لنهبها بعد وفاة الإمام، وأن أيسر طريق لمواجهة هذا الموقف، قيام طائرتين أو ثلاثة بإلقاء القنابل حول صنعاء، لصد القبائل، حتى تصل قوة عسكرية إلي صنعاء، وقد وافق عزام علي الاقتراح، وقد أخبره علي الوزير أنه سيخبر من يهمه الأمر في اليمن بذلك.

وبعد وصول الفضيل إلي اليمن، استأذن من الإمام للتوجه إلي مصر لإخبار الحاج محمد سالم بتأليف الشركة، والتأكد من عزام باشا بشأن وعده لعلي بن الوزير بمساندة الجامعة العربية، وتوجه الفضيل إلي مصر ثم فلسطين والعراق ثم صنعاء، بعد أن اطمأن من عزام على مساندة الجامعة العربية وكذلك العراق، وبعد وصول الفضيل، وصل إلي اليمن مدير الشركة وأربعه موظفين وقد غادر المدير اليمن بعد أربعة أيام بحجة عقد اتفاقات مع شركات الغاز وقد أرسل معه علي الوزير وحسين الكبسي خطابين بإمضائهما، أحدهما إلي عزام لتأكيد ما وعد به في حالة وفاة الإمام فجأة، خاصة مع اشتداد المرض به، والثاني لإبراهيم عبد الهادي رئيس الديوان الملكي ويحمل معاني أخرى، وقد عاد رئيس الشركة وأكد تصميم عزام علي ما قال(98).

إن هذه الرواية عن وعد عزام بمساندة الجامعة العربية لليمن بعد وفاة الإمام يحيى – التي رواها علي الوزير في رسالة له إلى الحكيمى أثناء إقامته في الهند بعد فشل الثورة – تحمل دلالة كبيرة، وتوضح أسباب اعتماد الثورة الكبير علي الجامعة العربية، والذي كان سبباً من أسباب إخفاق الثورة – كما سنري- ، فضلاً عن أنه من الواضح أن الوعد بالمساعدة كان في حالة الوفاة الطبيعية للإمام يحيى الذي كان يعاني من المرض بالإضافة إلي تقدمه في السن(99).

وقد أشار علي الوزير في رسالته إلي جهود الفضيل خارج مصر ،وأنه كله ثقة وطمأنينة من العراق، دون إيراد تفاصيل من مصدر هذه الثقة، وهل هذه الثقة راجعة إلي اطمئنانه إلي موقف عراقي رسمي بالمساندة في حالة موت الإمام، أم استناداً إلي تأييد الجهود الشعبية في العراق؟، وأن كان من المستبعد أن يكون المقصود جهات رسمية لأن العراق اتخذ موقفاً عدائياً من الثورة كما سنري لقد شهدت الفترة من أبريل 1947 حتى نهاية هذا العام، نشاطاً محموماً قاده الفضيل متنقلاً بين صنعاء وعدن والقاهرة، واستطاع بما يملكه من مواهب وقدرات خطابية وثقافية أن يكسب ثقة الإمام وولي العهد، وأن يتحرك بحرية لكسب مزيد من الأنصار في الأوساط الحاكمة وتجميع قوى المعارضة حول شخص عبد الله الوزير، والميثاق الوطني المقدس، وأصبحت اليمن مركز الثقل في الحركة الوطنية منذ وصوله إلي اليمن، لكن السؤال الذي يطرح نفسه ما الذي جعل الأحرار اليمنيين يتقبلون هذا الدور الذي لعبة الفضيل وما هي المؤهلات التي أهلته لهذا النجاح الذي حققه؟.

لقد كشفت ندوة مركز الدراسات والبحوث اليمني، أن قيادة الأحرار في اجتماع لها بمنزل الكبسي بصنعاء قد ناقشت علاقة الورتلاني بجماعة الإخوان المسلمين، وأن محيي الدين العنسي – الذي تلقي تعليمه في القاهرة – أكد أن حركة الإخوان المسلمين التي كان الفضيل أحد دعاتها – مقتنع بأن الحكم الموجود في اليمن لا يمثل الإسلام بل يشوهه، ولذلك فإنهم ضده، وكان رأي العنسي أن تأييد تنظيم الإخوان لحركة الأحرار يعتبر رصيداً معنوياً لصالح الثورة(100).

ويبدو أن الفضيل قد حقق هذا النجاح والقبول من جانب الأحرار اليمنيين، انطلاقاً من كونه مبعوث حركة الإخوان المسلمين في اليمن، والتي كان تأييدها لحركة المعارضة اليمنية رصيداً كبيراً لهذه الحركة ليس فقط من الناحية المعنوية، بل وعلي الصعيد المادي والإعلامي، هذا إضافة إلي مؤهلات الفضيل الشخصية، وتاريخه الجهادى كأحد المناضلين الجزائر يين كما سبق الإشارة إلي ذلك، وكذلك كونه غير يمني مما جعل الأحرار يتقبلون آراءه بعيداً عن الحساسية التي يمكن أن تمكن أن تكون بين اليمنيين أنفسهم.

مع نهاية شهر ديسمبر كانت الاستعدادات علي الجانب السياسي والعسكري قد انتهت، وتم طبع الميثاق الوطني وقوائم بأسماء كبار الموظفين بمعرفة الإخوان المسلمين تمهيداً لنشرها عندما يحين الوقت بعد موت الإمام أو قتلة(101).


وقد قام الفضيل في أول يناير 1948 باستدعاء محيي الدين العنسي و أحمد الحورش بحضور جمال جميل، وكلفهم بحمل صورة من الميثاق وتشكيل مجلس الشورى، ومجلس الوزراء لإيصالها إلي عدن، والاحتفاظ بها، حتى وصول برقية بألفاظ مستعارة تفيد وفاة أو قتل الإمام يحيى، فيقوم الأحرار بنشرها(102).

وكانت المشكلة التي واجهت الأحرار، في إطار الاستعداد للثورة، هي موضوع الإمام يحيى فهناك من يري قتلة، وفريق يري الانتظار حتى وفاته، وقد استند هذا الفريق علي أن الإمام في الثمانينات، وحالته المرضية متدهورة، فقد شخص طبيبان مصريان حالته في أغسطس 1945 بأنه يعاني من التهاب كلوي وضيق في المثانة، أما الفريق الطبي الأمريكي الذي فحصه في مايو التالي فقد توقع وفاته بعد أشهر قلائل(103).

وقد عرض الأحرار اليمنيون الأمر علي حسن البنا، والذي أيد انتظار وفاة الإمام يحيى، نظراً لحالته المتدهورة، وحتى يمكن إدخال الإصلاحات، وتصحيح الأوضاع دون إراقة دماء وتم الاتفاق علي ذلك بين حركة المعارضة والإخوان المسلمين، وتم إعطاء الإخوان قائمة بأسماء الوزراء الذين سيتولون الأمر بعد وفاة يحيى لنشرها بجريدة الإخوان عقب وفاته(104).

ولكن يبدو أن استكمال الاستعدادات المدنية والعسكرية للقيام بالثورة، بالإضافة لنذر الخطر بالثورة التي كانت تلوح في اليمن، والخوف من إجهاض الإمام لها، بالإضافة إلي تطورات ومجريات الإحداث دفعت الأحرار اليمنيين إلي الإقدام علي اغتيال يحيى وإعلان الثورة.

هوامش الفصل الأول

1 - محمد علي الشهاري : المرجع المذكور صفحات 18-19 ، 24-25 ، 30-34، محمد حسن صالح منسي : المرجع المذكور، ص 292 – 295، جمال الدين الرمادي : اليمن في ركب التحرر الثوري، كتب قومية، القاهرة ، د.ت ، ص 61 ، ت انظر نص المعاهدة في كتب سياسية : المرجع المذكور ، ص 78 – 80 . تم الاتفاق علي تثبيت الحدود بين شمال اليمن وعدن بموافقة الدولة العثمانية عام 1913 ، وفقاً للبروتوكولات الموقعة بين الدولة العثمانية البريطانية أعوام 1903 ، 1904 ، 1905 ، انظر جادطة : المرجع المذكور ، ص 337.

2- الشهاري : نفس المرجع ، ص 34 – 41 ، منسي : المرجع المذكور، ص 260 – 261 ، انظر نفس المعاهدة في كتب سياسة : المرجع المذكور ، ص 83 – 91.

3- السلال : المرجع المذكور ، ص 39.

4 - الشماحي : اليمن الإنسان والحضارة ، القاهرة ، 1972 ، ص 177 – 180.

5 - السلال : المرجع المذكور ، ص 43.

6 - نفس المصدر ، ص 45 ، موسي صبري : مخبر صحفي وراء أحداث 10 ثورات ، دار المعارف ، القاهرة ، 1970 ، ص 464 – 466.

7 - عدلي حشاد وعطية عبد الجواد : المرجع المذكور ، ص 31.

8 - نفس المرجع ، ص 31 ، أدوجار أو بالاتس : الحرب في اليمن ، ت : عبد الخالق لاشين ، الدوحة ، 1985 ، هامش ص 70.

9 - أحمد يوسف : المرجع المذكور ، صفحات 57 – 58 ، 63 ، منسي : المرجع المذكور ، ص 275 – 276 ، الشهاري : المرجع المذكور ، ص 78 – 79.

10 - أدوجار أو بالاتس : المرجع المذكور ، 70.

11 - مركز الدراسات والبحوث: المرجع المذكور ص 230. وكان الترشيح والانتخاب قاصراً فقط علي السادة الهاشميين الذين ينتسبون للنبي صلي الله عليه وسلم ، وكان عددهم يقرب من 300 ألف من مجموع سكان اليمن البالغ عددهم 4.5 قبل قيام ثورة سبتمبر 1962 انظر أحمد يوسف : المرجع المذكور ، ص 52.

12 - عدلي حشاد وعطية عبد الجواد : المرجع المذكور ، ص 30 – 31.

13 - شرف الدين : المرجع المذكور ، ص 318 – 319 ، منسي : المرجع المذكور ، ص 277.

14 - صلاح العقاد : المرجع المذكور ، ص 588.

15 - حسين حسني : المرجع المذكور ص 30 -31.

16 - السلال المرجع : المذكور ، ص 42.

17 - نفس المرجع ، ص 45 – 48.

18 - الشماحي : المرجع المذكور ، ص 189 – 191.

19 - أدوجار : المرجع المذكور ، ص 70-71.

20 - السلال : المرجع المذكور ، ص 56.

21 - أدوجار أو بالاتس : المرجع المذكور ، ص 71 – 72.

22 - محمد علي الأسودي : حركة الأحرار اليمن يين والبحث عن الحقيقة ، ص 24، 1987 ، أحمد محمد نعمان : كيف نفهم قضية اليمن ، دار النيل للطباعة ، 1957 ، ص 16.

23 - الشماحي : المرجع المذكور ، ص 202.

24 - مجموعة من المؤلفين الروس : تاريخ اليمن المعاصر ،ت: محمد علي البحر ، مكتبة مدبولي، القاهرة ، 1990 ، ص79.

25 - مجلة الصداقة ، عدد 81 ، ديسمبر 1946 .

26 - جريدة المصري ، 7/3/1948 ، حديث مع سيف الحق إبراهيم .

27 - الأسودي : المرجع المذكور ، ص 84.

28 - راشد البراوي : اليمن والانقلاب الأخير ، النهضة المصرية ، القاهرة ، 1948 ، ص 26 – 29.

29 - الأسودي ، المرجع المذكور ، ص 85.

30 - السلال : المرجع المذكور ، صفحات 58، 62.

31 - البراوي : المرجع المذكور ، ص 36 ، الصاقة ، عدد 80 ، 41 ، 9 ، 16.

32 - محمد أحمد نعمان : التاريخ الأتم ، الاتحاد اليمن ي ، القاهرة ، 1961 ، ص 9

33 - الصداقة ، عدد 67 ، 5 مايو 1946 . وانظر نص مذكرة الجمعية اليمانية الكبرى إلي أمين عام الجامعة العربية في إبريل 1946 ، وكذلك مذكرة عبد الله الحكيمى للجامعة العربية في أكتوبر 1946 في مركز البحوث ، والدراسات اليمن ي: المرجع المذكور، ص 564 :571

34 - السلال : المرجع المذكور ، ص 58 – 62.

35 - الشماحي : المرجع المذكور ، ص 192 – 193.

36 - نفس المرجع ، ص 200 –204.

37 - السيد مصطفي سالم : المرجع المذكور ، ص 475.

38 - حسن البنا : مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا ، دار الشهاب ، القاهرة ، د.ت ، ص 19.

39 - نفس المرجع : رسالة نحو النور ، ص 56 – 78.

40 - إسحاق موسى الحسيني : الإخوان المسلمون كبري الحركات الإسلامية الحديثة ، بيروت ، 1952 ، ص 119.

41 - نفس المرجع ، ص 122.

42 - عباس السيسي: فى قافلة الإخوان المسلمين ، جـ1، القاهرة ، 1986 ، ص 39 ، عبد الخبير الخولي : قائد الدعوة الإسلامية حسن البنا ، القاهرة ، 1952 ، ض 28 –39 .

43 - حسن البنا : مذكرات الدعوة والداعية ، دار التوزيع والنشر الإسلامية ، القاهرة ، 1986 ، ص 230 – 235.

44 - إسحق الحسيني : المرجع المذكور ص 121 – 122.

45 - حسن البنا  : مذكرات ، ص 166-167.

46 - فتحى يكن : الإسلام فكرة وحركة وانقلاب ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، 1987 م ، ص88

47 - شعيب الغباشي : صحافة الإخوان المسلمين دراسة في النشأة والمضمون ، دار التوزيع والنشر الإسلامية ، القاهرة ، 200 ، ص 299 – 0304 صدرت جريدة الإخوان المسلمين في 15 يونيو 1933 بصورة أسبوعية ، وقد أطلق عليها حسن البنا  : "ريدة الإخوان المسلمين" تفاؤلاً بأن تكون يومية في يوم ما، وتعتبر من ناحية التوصيف العلمي والمهني الصحيح ، مجلة وليست "صحيفة" انظر نفس المرجع ، ص 32.

48 - انظر المادة 73 ، 74 ، 75 من اللائحة الداخلية العامة للإخوان المسلمين قسم الاتصال بالعالم الإسلامي في رءوف شلبي: الشيخ حسن البنا ومدرسة الإخوان المسلمين ، دار الأنصار، القاهرة ، 1977 ، ص 310 –311.

49 - توفيق الشاوي : مذكرات نصف قرن من العمل الإسلامي، دار الشروق ، القاهرة ، 1998 ، ص 15.

50 - إسحاق الحسيني : المرجع المذكور ، ص 140.

51 - يوسف القرضاوي : التربية الإسلامية ومدرسة حسن البنا ، مكتبة وهبة ، 1979 ، ص 56.

52 - مجلة المباحث ، عدد 54، السنة السابقة ، 12 ديسمبر 1950 ، ص 5.

53 - محمود عبد الحليم : الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ ، جـ1 ، دار الدعوة ، الإسكندرية، .

54 - حسن البنا  : مذكرات ، صفحات 88 – 90 ، 128 – 129 .

55 - شعيب القباشي : المرجع المذكور ، ص 300

56 -جميل عارف : صفحات من المذكرات السرية لأول أمين عام للجامعة العربية عبد الرحمن عزام ، جـ1 ،المكتب المصرى الحديث،د.ت،ص263ـ264. وقفت أم كلثوم ذات مرة علي أحد المسارح دون أن تغني فضجت الجماهير بمطالبتها بالغناء فقالت لهم "أنا كبسي" فضجت القاعة بالضحك انظر السلال المرجع المذكور ، ص 146.

57 – محمود عبد الحليم المرجع المذكور صفحات 322 ،402.

58 - محمود عساف : مع الإمام الشهيد حسن البنا ، القاهرة ، 1993 ، ص 85.

59 - محمود عبد الحليم : المرجع المذكور، ص 402

60 - Dresch, Paul : Ahirtosry of modern yemen , Cambridge, 2000 , P 53 أدوجار أو بالاتس : المرجع المذكور ، ص 71.

61 - مركز الدراسات والبحوث : المرجع المذكور ، ص 226.

62 - أدوجار أو بالاتس : المرجع المذكور ، ص54.

63 - Dresch, panl: of cit, P 53.

64 - عبد الله العقيل : المرجع المذكور ، ص 39.

65 - عدلي حشاد وعطية عبد الجواد : المرجع المذكور ، ص 31 – 32.

66 -أحمد حسن الباقوري : بقايا ذكريات ، مركز الأهرام للترجمة والنشر ، القاهرة ، 1988 ، صفحات 55 – 100.

67 - عدلي حشاد وعطية عبد الجواد : المرجع المذكور ، ص 32 ، السلال : المرجع المذكور ، ص 146، مركز الدراسات المرجع المذكور ، ص 253

68 - الصداقة ، عدد 49 ، 31 يناير 1945.

69 - نفس المرجع ، عدد 61 ، 23 يناير 1946 .

70 - راجع أعداد الجريدة خلال عام 1946 ، الرابطة العربية ، عدد 563 ، 6 ديسمبر 1946 .

71 - الصداقة : عدد 75 ، 14 أكتوبر 1946 .

72 - محسن محمد : من قتل حسن البنا ؟ ، دار الشروق ، القاهرة ، 1987 ، ص 229 –230.

73 - الصداقة ، عدد 67 ، 5 مايو 1946 .

74 - نفس المرجع والعدد.

75 - نفس المرجع ، عدد 68 ، 20 مايو 1946 .

76 - مركز الدراسات : المرجع المذكور ، ص 377.

77 - الشماحي : المرجع المذكور ، ص 203 –204.

78 - أحمد عادل كمال : المصر المذكور ، ص 203 .

79 - محسن محمد : المرجع المذكور ، ص 227.

80 - محمود عبد الحليم : المرجع المذكور ، ص 402 – 403 ، توفيق الشاوي : المرجع المذكور، ص 23 –26 ، السلال : المرجع المذكور ، ص 65 ، عبد الله العقيل : المرجع المذكور، ص 56 – 58. وليس صحيحاً ما ذكره أحمد حمروش في كتابه قصة ثورة 23 يوليو ، جـ3 ، من أن الفضيل الورتلاني كان عضوا في مكتب الإرشاد.

81 - الباقوري : المرجع المذكور ، صفحات 57 – 58، ص 100

82 - مركز الدراسات ، المرجع المذكور ، ص 373.

83 - توفيق الشاوي : المرجع المذكور ، ص 29.

84 - مركز الدراسات : المرجع المذكور ، ص 374.

85 - يوسف القرضاوي : مذكرات يوسف القرضاوي "ابن القرية والكتاب: ملامح سيرة ومسيرة"، جريدة آفاق عربية ، العدد 569 ، 8 أغسطس 2002 .

86 - مركز الدراسات : المرجع المذكور ، ص 374.

87 - منسي : المرجع المذكور ، ص 280 ، البراوي : المرجع المذكور ، ص 11.

88 - الشماحي : المرجع المذكور ، ص 205.

89 - نفس المرجع ، ص 206 – 210.

90 - السلال : المرجع المذكور ، ص 66 – 82

91 - مركز الدراسات : المرجع المذكور ، ص 236 ، الأسودي : المرجع المذكور ، ص 590.

92 - نفس المرجع : ص 253.

93 - محسن محمد : المرجع المذكور ، ص 231.

94 - مركز الدراسات : المرجع المذكور ، ص 366 –367.

95 - محسن محمد : المرجع المذكور ، ص 231 – 232.

96 - انظر نص الميثاق المقدس في : السلال : المرجع المذكور ، ص 100 - 111 ، الشماحي: المرجع المذكور ، ص 210 –222.

97 - انظر نص القسم الوطني المقدس في السلال : المرجع المذكور ، ص 111.

98 - مركز الدراسات ، المرجع المذكور ، ص 475 – 481.

99 - الحكيمي : هو عبد الله بن علي الحكيمي رئيس الطائفة العلوية الإسلامية ، شخصية يمنية بارزة ، قضي معظم حياته في لندن ، واستطاع أن يجمع شتات العرب المهاجرين في لندن ، وقد أضطر أثناء الحرب العالمية الثانية لمغادرة إنجلترا إلي اليمن فبقي فيها فترة الحرب ، ثم عاد إلي لندن ، وهو مستاء من الأحوال في اليمن ، وقد تعرض لمضايقات عملاء الإمام أحمد، حتى أضطر للعودة إلي عدن ، وانتخب بالإجماع رئيساً للاتحاد اليمن ي المعارض ، توفي قبل أن تتحقق آماله في الثورة ضد الإمامة ، وقد سبق الإشارة إلي رسالته للجامعة العربية حول الأوضاع في اليمن انظر الصداقة ، عدد 79 ، 24 نوفمبر 1946 . الأسودي : المرجع المذكور ، ص 133 – 137.

100 - مركز الدراسات ، المرجع المذكور ، ص 376.

101 - نفس المرجع ، ص 365.

102 - السلال : المرجع المذكور ، ص 84.

103 - مركز الدراسات : المرجع المذكور ، ص 254.

104 - أحمد عادل كمال : المرجع المذكور ، ص 204 ، محمد السيد الوكيل : كبرى الحركات الإسلامية في القرن الرابع عشر الهجري ، دار المجتمع للنشر والتوزيع ، 1986 ، ص 109. ويذكر الوكيل أن أعضاء الوفد اليمن ي الذي قابل حسن البنا رفضوا رأيه بالانتظار حتى وفاة الإمام يحيي .

الفصل الثاني: ثورة اليمن 1948

"لا أظن أنه يوجد للفضيل الورتلانى نظير في العالم الإسلامي علماً وكمالاً وإخلاصاً وهيبةً وجلالاً"

محمد محمود الزبيري

"يا شعبنا متى تصحو؟ كلما ارتفعنا بك شبراً سقطت ذراعاً!"

الأديب والثائر اليمنى أحمد الحورش

كانت الاستعدادات للثورة قد بلغت أوجها سواء علي صعيد التنظيم المدني الذي كان علي رأسه الفضيل الورتلاني، والذي كان يعقد اجتماعاته في منزل الكبسي وزير الخارجية، أو على مستوي التنظيم العسكري الذي كان يرأسه جمال جميل، وكان يعقد اجتماعاته في منزل عبد الله السلال.

وتم إرسال الميثاق الوطني وقوائم كبار الموظفين إلي عدن ليتم إعلانه عند وفاة الإمام يحيى أو قتله عندما تصل إليهم برقية بهذا المعني من صنعاء.

وفي يوم 14 يناير 1948 وصلت البرقية المنتظرة عن وفاة الإمام يحيى، وسارع أعضاء الجمعية اليمنية إلي إعلان النبأ، وإذاعة بيان الثورة، ونشر الميثاق الوطني المقدس، وإعلان قوائم كبار الموظفين، وقام سيف الحق إبراهيم بإبلاغ الإخوان المسلمين بالقاهرة، وكذلك إبلاغ الجرائد ووكالات الأنباء المختلفة.

وقد أدي هذا الإعلان – الذي اتضح فيما بعد أنه غير صحيح – إلي كشف قيادات الثورة للإمام يحيى، خاصة وقد توالت برقيات التهنئة إلي الأمير عبد الله الوزير بارتقاء عرش اليمن من رؤساء الحكومات وغيرهم من المسئولين في البلاد الغربية، والتي وجدت طريقها – بطبيعة الحال – إلي يد الإمام يحيى، الذي أراد أن يفاجئ عبد الله الوزير بهذه الأنباء، فدفع إليه بهذه البرقيات قائلاً : تأول يافخري هذه الأوراق، وقد بوغت عبد الله الوزير بما جاء في هذه البرقيات، وسارع إلي إعلان تنصله منها، وأنها مكيدة ضده وضد الإمام، الهدف منها الإيقاع به وبمن جاءت أسماؤهم فيما يسمي الميثاق ممن هم محل ثقة الإمام، وأقسم الوزير أنه لا صلة له بمن في عدن ومن يتصل بهم ولا بالميثاق.(1)

كما كتب عبد الله الوزير مقالاً في جريدة الإيمان فند فيه مزاعم جريدة صوت اليمن، ووصف ولاءه للإمام بقوله "ذلك الولاء الذي لا تزعزعه العواصف" وقال "إن الأمير أحمد هو ولي العهد الشرعي الذي سبق أن بايعته بالخلافة القلوب قبل الأكف" وأختتم المقال بآية من القرآن الكـريم" (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً) (الأحزاب:25).

وفي القاهرة سارعت صحيفة الإخوان إلي إعلان نبأ وفاة يحيى، وإعلان عبد الله الوزير إماماً لليمن ونشرت نص الميثاق الوطني المقدس، والذي كان لدي الإخوان نسخة منه، كما سبق الإشارة إلي ذلك، وكذلك قامت بعض الصحف ومحطات الإذاعة بنشر الخبر، وإن كانت صحيفة الإخوان قد انفردت بنشر الميثاق الوطني دون الجرائد الأخرى، بالإضافة أنها كانت أسبق من بعض الجرائد الأخرى في تاريخ النشر.(2)

لقد كان السبق الذي حققته جريدة الإخوان فيما يتعلق بنشر الميثاق الوطني، والذي انفردت به، مع جريدة "صوت اليمن" الناطقة باسم الجمعية اليمانية الكبرى في عدن، يعني علم الإخوان المسلمين المسبق بالإعداد للثورة في اليمن، وكان ذلك - ولا شك - يسبب حرجاً شديداً للإخوان، لذلك سارعت جماعة الإخوان إلي نفي علمها المسبق بالمؤامرة في اليمن، وذكرت أنها تلقت أنباء وفاة يحيى، ونسخة من الميثاق عن طريق برقية من سيف الحق إبراهيم في عدن.(3)

لقد أراد الإخوان المسلمون من نفي علمهم المسبق بأحداث اليمن، عدم إثارة المخاوف ضدهم من جانب الملك فاروق، والذي كان ضلوع الإخوان في أحداث اليمن، تعني لديه تجربة يمكن تكرارها في مصر ضده، خاصة وأن الجماعة قد وصلت أوج قوتها في تلك الفترة، بالإضافة إلي الفضائح التي لطخت عهد فاروق، وانهيار شعبيته نتيجة انغماسه في اللهو والفضائح الأخلاقية.

وقد نشرت صحيفة الأهرام في 18يناير 1948 نفياً لنبأ وفاة ملك اليمن، والتي نشرته قبل يومين بناء علي برقية سيف الحق إبراهيم.(4)

وقد تباينت الآراء، وتعددت الروايات حول حقيقة خبر إشاعة موت الإمام يحيى، من جانب المشاركين في ثورة 1948، ويمكن أجمالها في الآتي:-

1. يذكر الشماحي أن، ولي العهد أحمد كان له عيون داخل حزب الأحرار بعدن، وأنهم عرفوا بطبع الميثاق المقدس، وأن موعد نشره عند قيام الثورة، وموت الإمام يحيى، فرأي أحمد أنها فرصة لكشف المؤامرة، فأشاع في تعز أنه قامت ثورة بصنعاء، وقتل يحيى، وتولي عبد الله الإمامة، كما لجأ إلي الإيعاز إلي الحلالي أمير لواء الحديدة، أن يكلف الوكيل التجاري لحكومة عدن بالحديدة، أن يرسل برقية من الحديدة إلي حكومة عدن بأن الإمام يحيى مات ميتة مشبوهة، فأرسل البرقية، فأرسلت حكومة عدن مندوباً إلي إبراهيم ابن الإمام يحيى، تعزية في وفاة والده، ومن هنا سارع حزب الأحرار إلي إعلان الخبر.(5)

2. يذكر محمد علي الأسودي – وهو أحد المعارضين اليمنيين المقيمين في عدن – أن مجموعة عدن ومجموعة صنعاء اتفقوا علي يوم معين لاغتيال يحيى في صنعاء، وفي نفس الوقت اغتيال أحمد في تعز، وأن الفضيل هو الذي رتب هذه العملية، وقد حضر أحد الأعضاء البارزين العارفين بهذا السر، وبشر بأن العملية قد تمت، ولا بد من نشر الميثاق فوراً، وقد أرجع مصدر الخبر إلي الإنجليز، والذين كانوا يجندون بعض اليمنيين في الغالب، لمراقبة دار الأحرار اليمنيين في عدن، ومعرفة الأخبار، وقد سأل هذا العضو أحد رجال المخابرات – دون أن يدري صفته عن الأحرار في صنعاء، فذكر أنه سمع شخصاً يخبر شخصاً آخر أن هناك أحداثاً في صنعاء، ولكن بدون تفاصيل، وكان هذا الحديث هو المصدر الذي استند إليه هذا العضو، الذي لم يكتف بذلك بل سارع بالإبراق للجامعة العربية بهذا النبأ من على ظهر سفينة بحرية كانت راسية في عدن.(6)

3. ما نشرته صحيفة الإخوان المسلمين، أن مرض الإمام يحيى الشديد، وتخلفه عن شهود العرض الذي كان مقرراً أن يحضره في صنعاء هو الذي دعي إلي انطلاق الشائعات بوفاته، ومسارعة الأحرار في عدن إلي إذاعة النبأ.

4. أن رجلاً تمكن من دخول القصر في صنعاء لاغتيال الإمام، ولكن فاجأه تابع الإمام "أمير عنبر"، الذي أحبط محاولة الاغتيال، واندفع الرجل فاراً من القصر، وعندما رآه رفاقه خارجاً من القصر ظنوا نجاحه في مهمته، وأشاعوا موت يحيى.(7)

5. ذكر السلال أن الجناح العسكري للثورة بعد أن أتم كافة الخطوات الضرورية لتنفيذ مخطط الثورة، عقد اجتماعاً برئاسة جمال جميل في منزل السلال لمناقشة تحديد ساعة الصفر وذلك يوم 8 يناير 1948، وقد وافق المجتمعين علي تحديد يوم الأربعاء 14يناير 1948 لقيام الثورة، واغتيال يحيى، وذلك أن هذا اليوم يصادف قيام الجيش بمناورة عسكرية في ضواحي صنعاء، وسوف يخرج يحيى لاستعراض الجيش.

وقد كلف جمال جميل الشيخ علي ناصر القردعي ومحمد القردعي بإطلاق النار علي يحيى، علي أن يقوم كل ضابط بعد ذلك بتنفيذ المهمة المكلف بها وفقاً للخطة الموضوعة للثورة ولكن تردد المكلفين بتنفيذ العملية حال دون إتمامها.(8)

ويؤكد أحمد المروني – أحد الضباط المشاركين في ثورة 1948 في ندوة مركز الدراسات اليمنية - علي ما جاء في رواية السلال عن خطة لاغتيال يحيى، وإن كان هناك اختلاف في الروايتين في عدد المشاركين في التنفيذ، وأسباب عدم تنفيذ العملية.(9)

هذه أهم الروايات التي تناولت الخبر الكاذب عن وفاة الإمام يحيى، وقد قام البريطاني لي دوجلاس بعمل بحث حول النبأ الكاذب عن مقتل الإمام يحيى، وقد نشره مركز الدراسات اليمني في كتابه عن ثورة 1948، وقد استعرض لي دوجلاس الروايات التي جاءت عن الخبر الكاذب، وإن لم يذكر فيها رواية محمد علي الأسودي، وكذلك رواية السلال، والتي جاءت بعد صدور بحث لي دوجلاس.

وقد استبعد لي دوجلاس رواية وقوف ولي العهد أحمد وراء هذا الخبر، وكذلك دور حسين الحلالي أمير الحديدة في هذا الصدد، كما استبعد رواية عدم تفقد الإمام يحيى لقواته كعادته بعد صلاة كل جمعة، مما أدي لانتشار خبر وفاته.

وعلي هذا فلم يتبق إلا رواية واحدة، وهي التي رجحها دوجلاس، وهي محاولة اقتحام أحد الأشخاص لقصر الإمام يحيى، وخروجه منه بعد فشله في تنفيذ علمية الاغتيال، وهي الرواية التي ذكرها حسن إبراهيم في كتابة عن اليمن، وقد بني استنتاجه علي أساس وصول البرقية المتفق عليها إلي نعمان في عدن، حيث أقر نعمان بوصول البرقية إلي عدن حسب ما هو متفق عليه مع أحرار الداخل، وقد صحح تاريخ المحاولة وأنها كانت يوم 14يناير وليس 16 كما ذكر حسن إبراهيم، وأن الذي تسلم البرقية خادم غالب الوكيل التجاري للأمـام في عدن، ولـيس الحـاكم البريطاني في عدن(10).

ولم يتبق من الروايات التي تناولت خبر مقتل يحيى الكاذب إلا رواية الأسودي، ورواية السلال، أما بالنسبة لرواية الأسودي فيمكن استبعادها بالرغم من أنه كان يقيم بعدن علي نفس الأساس الذي استند إليه دوجلاس في استبعاده السابق لبعض روايات الخبر الكاذب، وهو وصول برقية صنعاء بموت يحيى، وهو الأمر الذي أكدته أيضاً الوثائق البريطانية، والتي حددت اسم مرسل البرقية ولا يتبقي إلا رواية السلال، والذي يجب التوقف عندها بجدية، فحسب رواية السلال في كتاب ثورة اليمن الدستورية – مع الأخذ في الاعتبار أن هناك ثلاثة مشاركين له في تأليف هذا الكتاب، وكان لهم دور مهم في الثورة – فقد كانت هناك محاولة لم تتم لاغتيال يحيى، وهنا يقدم السلال الإجابة عن السؤال، الذي لابد أنه سيتبادر سريعاً إلي الذهن، إذا كانت المحاولة لم تتم من الأساس، فكيف وصل النبأ الكاذب إلي عدن، وفي نفس اليوم المقرر للقيام بمحاولة الاغتيال؟

وهنا يلقي السلال باللوم علي الفضيل الورتلاني، الذي قام بإرسال البرقية المتفق عليها في نفس اليوم المقرر فيه اغتيال يحيى، دون الأخذ في الاعتبار احتمال فشل أو تأجيل المخطط، لاعتقاد الفضيل – كما يري مؤلفو الكتاب – أن إذاعة المخطط في حالة عدم تنفيذه سيعجل بتفجير الثورة من قبل الأحرار كنوع من الدفاع عن النفس بعد إذاعة المخطط.

ويستند السلال في هذا الرأي إلي طبيعة الفضيل الذي كان يري أن الأوضاع في اليمن قد نضجت للثورة، وأن الفضيل قد حاول من قبل الدفع ببعض العناصر لاغتيال الإمام يحيى بصورة فردية، ولكنه اصطدم باعتراض الآخرين علي هذا التصـرف، وخاصة جمال جميل.(11)

إن الرأي الذي ساقه السلال يجب التوقف عنده من ناحيتين : الأولي فيما يتعلق بحقيقة النبأ الكاذب حول وفاة يحيى، والثانية : فيما يتعلق بتقييم دور الفضيل الورتلاني في أحداث اليمن.

فبالنسبة لنبأ وفاة يحيى فنحن أمام رواية يمكن الاطمئنان إليها حول خطة دبرها الجناح العسكري للثورة بقيادة جمال جميل، في نفس اليوم الذي أعلن فيه النبأ الكاذب حول موت يحيى، وهو الأمر الذي أكده مؤلفو كتاب ثورة اليمن الدستورية وغيرهم، وأن محاولة الاغتيال لم تتم سواء لتردد المكلفين بالعملية، أو تأخر بعض المشايخ المكلفين بالعملية، وهو ما يعني بوضوح أن هذه العملية لم تكتشف وأنها ظلت في طي الكتمان، ولم يعرف بها إلا بعض أعضاء الجناح العسكري والمدني اللذين كانوا علي علم بها مسبقاً، بدليل أن الشماحي لم يشر إلي هذه المحاولة في كتابة علي الإطلاق، بل ذكر مسئولية أحمد ولي العهد عن هذه الشائعة.

إن وجود هذه المحاولة، ووصول برقية من صنعاء عن موت يحيى في نفس يوم هذه المحاولة التي لم تتم، تعني أن هناك احتمالين، الاحتمال الأول هو قيام أحد أعضاء المعارضة المطلعين علي المحاولة بإرسال البرقية المتفق عليها دون انتظار تنفيذ العملية وهو الرأي الذي رجحه السلال ، ووجه الاتهام إلي الفضيل بإرسال هذه البرقية.

أما الاحتمال الثاني: فهو قيام أحد اتباع ولي العهد أحمد بإرسال البرقية بعد تسرب خبر المؤامرة إليه، وقد ذكر السلال أن محي الدين العنسي وأحمد الحورش اللذين حملا الميثاق المقدس إلي عدن، التقوا بأمير لواء الحديدة حسين الحلالي وهما في طريقهما إلي عدن وعملا علي استمالته إلي صف الثورة ، وقد وافق الحلالي علي الانضمام للأحرار، شريطة الاحتفاظ بحياة القاضي عبد الله العمري، ويبدو أن العنسى والحورش قد افشيا له بمخطط الثورة وتفاصيلها كاملة، وافضيا له بساعة الصفر للثورة، يوم 14 يناير 1948، ومن هنا جاءت رواية أن الحلالي هو الذي أبلغ سيف الإسلام بالميثاق، و وقام بالاتصال بالوكيل التجاري البريطاني في الحديدة وأخبره بموت الإمام، وربما يدعم ذلك ما رواه السلال عن إبلاغ الحلالي بميعاد الثورة من جانب الحورش والعنسى.

وتظهر الوثائق البريطانية أن حاكم عدن البريطاني كان علي علم بتفاصيل المؤامرة ضد يحيى، منذ البداية فقد ذكر في برقياته إلي لندن، أنه تلقي معلومات في يوم 10 يناير 1948، أن رسولا وصل إلي عدن قادماً من صنعاء يحمل أنباء عن انقلاب وشيك في العاصمة، وهو نفس التاريخ الذي ذكر السلال أن الحورش والعنسى قد وصلا فيه إلي عدن، ويذكر حاكم عدن أنه أبلغ في ساعة مبكرة من صباح يوم 15 يناير بأن التاجر خادم غالب الوجيه الوكيل التجاري للإمام يحيى في عدن تلقي في ساعة متأخرة من الليلة السابقة برقية بالشفرة من صنعاء من محمد علي مرشد الوكيل التجاري لحكومة عدن فسرها بأنها تعني أن الإمام قتل.(12)

إن المصادر البريطانية توضح أن الذي أرسل البرقية هو محمد علي مرشد الوكيل التجاري لحكومة عدن، ومن الواضح أن البرقية كانت تحمل الألفاظ المتفق عليها، لذلك قام خادم غالب بإبلاغ الخبر إلي قادة الأحرار في عدن، الذين سارعوا بإعلانه اعتمادا علي وصول البرقية إلي وجيه حسب الخطة الموضوعة.

والسؤال الذي لابد أن يتبادر إلي الذهن ما هي علاقة محمد علي مرشد بالأحرار في صنعاء. وهل قام بإرسال البرقية وهو يدرك محتواها؟ أم أنه أرسلها علي أنها برقية تجارية عادية؟ ومن الذي طلب منه إرسال البرقية؟ هل هم قيادة الأحرار في الداخل؟ أم أحد أتباع أحمد ولي العهد بعد أن تسرب إليه الخبر؟ أم أنه كان علي صلة بأحرار الداخل ويعرف بتفاصيل الخطة وقام بإرسال البرقية على هذا الأساس؟.

إن المصادر المتاحة لا تقدم إجابة واضحة علي هذه التساؤلات، فحسب رواية السلال أنه تم إبلاغ الحورش والعنسى أن برقية سوف ترسل إلي الخادم غالب عند وفاة يحيى من قيادة الداخل دون تحديد من الذي سيرسل هذه البرقية، ولكن اطمئنان الخادم غالب إلي هذه البرقية، يرجح أن البرقية أرسلت من قيادة الأحرار بالداخل الذين كانوا علي علم بخطة الثورة.

ويمكن القول إجمالا أنه كانت هناك خطة من جانب الجناح العسكري للثورة للقيام بمحاولة لاغتيال يحيى يوم 14 يناير 1948، وإن العملية لم تتم من قبل منفذيها، وإن أحد المطلعين علي الخطة قد قام بإرسال برقية بوفاة يحيى. إن هذا التصور يرجح رأي السلال، والذي يعتمد بصورة أساسية علي أن قيادة الداخل هي التي قامت بإرسال البرقية المشار إليه، وأن النبأ الكاذب اعتمد أساسا علي هذه البرقية، حتى لو كان هناك برقية من جانب الوكيل التجاري في الحديدة تحمل وفاة يحيى، أوعز بها الحلالي أمير لواء الحديدة.

لكن نقطة الخلاف الرئيسية تبقي فيمن أرسل البرقية، فالسلال يجزم بأن الفضيل هو الذي قام بذلك، بل ويسوق مبررات قيام الفضيل بذلك، بينما نري المصادر البريطانية تذكر بالاسم أن محمد علي مرشدي هو الذي أرسل البرقية، ومن الواضح أنه لا يمكن تقديم إجابة قاطعة وحاسمة دون الإجابة علي التساؤلات – التي سبق طرحها – حول محمد علي مرشدي، وتتبع المصدر الأصلي وراء إرسال البرقية.

أما الرواية التي رجحها لي دوجلاس عن محاولة قتل للإمام يحيى قام بها أحد الأشخاص الذين دخلوا قصر الإمام، وفشله في اغتيال الإمام، وفراره هارباً خارج القصر مما أدي إلي الاعتقاد بنجاحه في تنفيذ مهمته، فهي رواية تدعوا للشك من جوانب عديدة، فلا يعرف من هو هذا الشخص؟ ولا من أرسله، فعملية الاغتيال التي أعدها الثوار هي التي سبق ذكرها، ولم تتم من الأساس، مما يقطع بأن هذه العملية –إن كانت صحيحة – لم تكن من تدبير الثوار.

كما أن محاولة عملية الاغتيال هذه لا نجد لها ذكراً في كتابات الأحرار اليمنيين، مثل الشماحي والسلال وغيرهم، بل إن السلال وهو يناقش رأي لي دوجلاس حول نبأ الوفاة الكاذب لم يلتفت إلي هذه الرواية، فضلاً عن أن محاولة القتل – هذه لو شرع في تنفيذها فعلاً لترددت أصداؤها في صنعاء، وشاع خبرها، ولوجدت طريقها إلي الكتابات المختلفة.

إن هذه المحاولة لو كانت وراء نشر الميثاق الوطني، لأعطت مصداقية كبيرة، لما تم نشره عن تولي عبد الله الوزير الإمامة وقيام الثورة، ولأكدت وجود مؤامرة معدة للتخلص من الإمام يحيى، ولكان رد فعله عنيفاً ومختلفاً عن نشر هذه الأنباء، بينما من الواضح أن نشر هذه الأنباء عن وفاة يحيى دون وجود محاولة فعلية للاغتيال جعلت هناك مجالاً للتشكيك فيما تم نشره من الميثاق وقوائم الموظفين، وتبرير ما نشر من أسماء بأنها محاولة للوقيعة بين الإمام والأسماء الواردة التي هي محل ثقة الإمام.

ومن الصعب تصور وجود عمليتين لاغتيال يحيى مصادفة في يوم واحد، اللهم إلا إذا كان هناك إعداد لعملية ثانية علي أساس تنفيذ العملية الثانية في حالة فشل العملية الأولي، أو أن العملية الثانية تم القيام بها علي عجل بعد فشل الأولي، وليس هناك أي مصادر خاصة من جانب الثوار – تشير إلي ذلك، فضلاً عن بساطة محاولة الاغتيال في حد ذاتها المنسوبة إلي ذلك الرجل المجهول.

إن المصدر الذي ذكر هذه الرواية، ذكر أن هذه المحاولة تمت في 16يناير، وقد قام لي دوجلاس بتصحيح التاريخ وجعله يوم 14يناير ليتلاءم مع تاريخ إرسال الأخبار إلي عدن بوفاة يحيى، وبالرغم من ظاهرة التواريخ غير الدقيقة التي تظهر في الكتابات المختلفة عن الثورة في أبرز أحداثها خاصة عند مقابلة الشهور الهجرية بالميلادية، إلا أن دقة التاريخ هنا ذات أهمية، لأن التاريخ الذي أورده حسن إبراهيم – الذي نقل عنه دوجلاس هذه العملية – يعني أن هذه المحاولة تمت بعد أن تم إعلان خبر الوفاة وتداولته الصحف ووكالات الأنباء ولا علاقة لها بإعلان النبأ الكاذب.

إن العرض السابق لأهم الآراء حول نبأ وفاة يحيى توضح صعوبة الجزم بحقيقة ما حدث بالفعل نظراً للتضارب الشديد في الروايات حول الموضوع، فضلاً عن وجود تساؤلات لا يوجد إجابات لها فيما أتيح – لدي الباحث – من مصادر، وإن ما عرض حول هذا الموضوع هو محاولة لاستجلاء الأمر واستبعاد بعض الآراء التي يبدو ضعفها وافتقادها إلي الأدلة.

يتبقى ما أثير حول قيام الفضيل بإرسال البرقية، وما وجه إليه مؤلفو كتاب ثورة اليمن الدستورية من اتهامات بإرسال البرقية بصرف النظر عن نجاح الخطة أو فشلها لإشعال الثورة، وفرض الأمر الواقع.

وقبل التعليق علي هذا الرأي لابد من الإشارة إلي الحماسة الشديدة التي تميز بها الفضيل الورتلاني، فضلاً عما ذكره الباقوري من ميله إلي العنف – كما سبق الإشارة إلي ذلك - ولكن هذه الصفات شئ مختلف عن التهور والرعونة الشديدة، فمن غير المنطقي أن يكون الفضيل بكل المؤهلات الشخصية المتوافرة فيه، والتى أهلته للقيام بنشاطه الواسع في اليمن، الذي سبق ذكره، بهذا التهور والحماقة التي تدفعه لإرسال هذه البرقية، بصرف النظر عن نجاح العملية من عدمه، مع أن التفكير المنطقي البسيط يقول إن كشف أسماء الثوار والقيادات تعني تقديم الفرصة الذهبية للإمام يحيى للإطاحة برؤسهم جميعاً، وعلى رأسهم الفضيل نفسه، خاصة أن الوثائق البريطانية تشير إلي أن البرقية التي تحمل خبر وفاة يحيى قد وصلت متأخرة مساء يوم 14 يناير، وهو ما يرجح – وإن كان هذا لا يعتبر دليلاً حاسماً - أن البرقية ربما أرسلت بعد التأكد من عدم تنفيذ عملية الاغتيال.

أما ما ذكر عن قيام الفضيل من قبل بالدفع ببعض العناصر لاغتيال يحيى، ولكنه اصطدم بمعارضة الآخرين وخاصة جمال جميل، فإن هذا الرأي لا يوجد له سند في مصادر أخري ويبدو مما ذكره السلال – نفسه – أنه كان هناك نوع من التنافس بين الفضيل وجمال جميل بصفة خاصة بسبب امتداد نشاط الفضيل إلي ضباط الجيش واستقباله لهم في منزله، حيث يذكر أن بعض الضباط الذين زاروا الفضيل توجهوا إلي جمال جميل وتحدثوا معه عن زيارتهم للفضيل وما دار فيها، وأن جمال نصحهم بألا يتصلوا بعد هذه المرة بالمدنيين.

وقد ثارت مسألة العلاقة بين جمال جميل والفضيل في ندوة مركز الدراسات، وقد طُرح سؤال حول ما قيل عن معارضة جمال جميل للتنسيق مع الإخوان، وقد ذكر عبد السلام صبره، إن الذي يذكره أن جمال جميل قد قابل الفضيل بصنعاء في بيت الكبسي، وكان بينهم تفاهم كبير ولكن يبدوا علي الأرجح أن شيئا من التنافس كان بين الرجلين الذي تولي أحدهما قيادة الجناح العسكري والآخر الجناح المدني، وربما جاء ذلك من النفوذ الكبير للفضيل، أو لضيق جمال من اتصال الفضيل بالعسكريين في الوقت الذي كان يتولي هو مهمة الجناح العسكري، ولعل ما يؤكد ذلك التحامل علي الفضيل من جانب السلال بالرغم من إشادته به وبمؤهلاته – ما لاحظه عبد القادر حمزة الذي كان أول صحفي يصل إلي اليمن عقب الثورة لتغطية أخبارها بجريدة المصري -، من أنه لو استمرت الثورة طويلاً لحدث نزاع بين الورتلاني وجمال جميل.

أما ما ذكر عن قيام الفضيل بإرسال البرقية فمن الصعب قبوله ليس فقط لأن هذا التصرف ينم عن الحماقة والتهور، وهو أمر من الصعب صدوره من شخصية جهادية كالفضيل ولكن لأن إعلان خبر وفاة يحيى نفسه ما يزال محلاً للبحث والدراسة، ولم يقطع فيه برأي.

وقد تعرضت ندوة مركز الدراسات لدور الفضيل، وباستثناء آراء محدودة جداً اتهمت الفضيل بالطيش والرعونة، وأنه كان يستجيب لعاطفته، لأن الإمام قال للتجار عندما أراد الفضيل إقامة شركة لا تصدقوا هذا السارق إنما يريد سرقة أموالكم، وعندما وصل هذا الحديث إلي الفضيل، قال سأريه من السارق، هل أنا الذي أتيت لتخليص الشعب أم هو؟ .

وباستثناء هذه الآراء المحدودة – والتي كانت تتعرض لدور الفضيل بصفة عامة – نجد أن المشاركين في الندوة، وبصفة خاصة من جانب القادة التاريخيين الذين شاركوا في الثورة، قد أثنوا علي الفضيل، بل وأطلقوا عليه العديد من الألقاب التي توضح دورة الفاعل في الثورة وأنه كان دينامو الثورة ومحركها، وأنه كان قطب الرحي فيها، وقد ذكر أحمد المروني، رداً علي الانتقاد الذي وجه للفضيل، أنه كان هناك حفل في المدرسة الثانوية حضرة سيف الإسلام عبد الله، وكان الحاضرون يوجهون الحديث في خطبهم للفضيل، الذي كان يحضر الحفل وليس للسيف عبد الله، وهو الأمر الذي أوقع الفضيل في حرج شديد، فقام في نهاية الحفل بإلقاء كلمة قال فيها إن إكرامكم لي ليس لشخصي ولكن تكريماً للحرية، وهكذا استطاع تفادي الإحراج وحول الحفل إلي مظاهرة للحديث عن الحرية.

كما استطاع أن يتغلب علي كثير من التناقضات مثل الجمع بين آل الوزير والأحرار، والتأثير في نفس الوقت علي الإمام الذي وصفه بأنه لص ثم عاد وتراجع عن ذلك، وهذا لم يكن ليمني أن يقوم به.(13)

وبالرغم من الحديث عن اندفاع الفضيل، واعتقاده بأن الظروف مهيأة للثورة، وأنه كان دائماً يدفع الأمور في هذا الاتجاه، وهو ما يبدو صحيحاً، إلا أن الملاحظ أن الذي دبر لمحاولة اغتيال وإعلان الثورة، وحدد ميعادها هو الجناح العسكري في اجتماع عقد برئاسة جمال جميل في منزل السلال كما سبق الإشارة إلي ذلك، وكما ذكر السلال نفسه.

وأياً كان الأمر حول حقيقة نبأ موت الإمام يحيى، فإن الحقيقة التي واجهت الأحرار اليمنيين هي انكشاف خططهم بعد نشر الميثاق الوطني، وإعلان أسماء كبار الموظفين، وعلي رأسهم عبد الله الوزير، وهي المعلومات التي أتاحت الفرصة الكاملة ليحيى لمعرفة كل تفاصيل المؤامرة ضده، والضالعين فيها، ومن ثم فقد كان علي قوي المعارضة التحرك السريع لمحاولة تطويق الآثار السلبية لهذا الحديث.

ففي عدن تحرك الخادم غالب – كان اسمه ضمن قائمة مجلس الوزراء التي أعلنها الثوار – واتجه إلي تعز، وقابل ولي العهد أحمد، ونفي ما نشر، وقال أنها مكيدة من جانب حزب الأحرار للإيقاع بينكم وبين المخلصين لكم، وأن الذي دفعهم لذلك فشلهم في إقناع أحد فيما يدعون إليه، ثم توجه إلي صنعاء، والتقي مع الإمام وقدم نفس المبررات لما نشر في عدن.(14)

أما الإمام يحيى فقد تظاهر بالاقتناع بالمبررات التي ساقها عبد الله الوزير في إنكار معرفته بالثوار، لكنه في واقع الأمر بدأ يفكر في رد عنيف ضد الأحرار، وأرسل يستدعي ابنه أحمد إلي صنعاء لمعاونته في الأمر، ولكن أحمد لجأ إلي المراوغة والتهرب من الحضور إلي صنعاء، منتظراً انفجار الثورة، ومصرع أبيه، ليتخلص بذلك من أبيه، ومزاحمة إخوته، وكذلك من آل الوزير المنافسين له.(15)

أما علي صعيد القيادة المدنية للأحرار في الداخل، فقد تم عقد اجتماع عاجل لمواجهة الموقف، وفي هذا الاجتماع تلا الأديب أحمد الشامي علي المجتمعين رسالتين بخط سيف الإسلام أحمد كلها تهديد ووعيد للأحرار وله، وكان الدافع وراء ذلك أن أحمد كان يتوجس خيفة من الأحرار، وبدأ ينظر بعين الشك والريبة إلي تحركات الفضيل، فكلف الشامي بمتابعة تحركات الفضيل وإبلاغه بها أولاً بأول، وكذلك أن ينقل إليه تحركات الأحرار في صنعاء.

إلا أن أحمد الشامي، الذي توثقت علاقته بالفضيل، وبقيادة الأحرار، لجأ إلي كتابة تقارير وهمية عن نشاط الفضيل والأحرار، وقد أدرك سيف الإسلام أحمد بطلان هذه التقارير بعد إذاعة خبر مقتل الإمام يحيى غير الحقيقي، وهو الأمر الذي دفع أحمد إلي كتابة رسالتي التهديد.

لقد كان الخيار الوحيد أمام قيادة الثورة، ضرورة العمل بسرعة علي تفجير الثورة، واغتيال الإمام يحيى، قبل أن يبادر يحيى للبطش بهم، ولذلك تم الاتصال بعبد الله الوزير، الذي أبدي موافقته علي الأمر.

أما علي مستوي التنظيم العسكري فقد عقد اجتماعا في 20 يناير 1948 برئاسة جمال جميل لدراسة الموقف والأخطار المحيطة بهم، وقد اقترح جمال جميل اتخاذ مبادرة رادعة تحت إشراف الفضيل وأحمد المطاع، تمثلت في إرسال منشورات تحذيرية في ظروف مغلقة وبجانبها خمس طلقات رصاص، وتم توزيع هذه المظاريف علي قصور الأسرة الإمامية وأنصار الإمام يحيى في ليلة واحدة.

وفي 12 فبراير عقد التنظيم العسكري آخر اجتماعاته، والذي طالب فيه جمال جميل مع الضباط التواجد في قطاعاتهم حيث من الصعب تحديد ميعاد محدد ليوم الثورة، وأن الأمر مرهون بخروج الإمام إلي ضواحي صنعاء.(16)

اغتيال يحيى وإعلان الثورة:

لم يكن هناك خيار أمام قيادة المعارضة في صنعاء سوي الإقدام علي إعلان الثورة، واغتيال يحيى بعد أن انكشفت خططهم، وبدأ يحيى في العمل علي توجيه ضربة قاصمة إليهم، ولكن يبقي السؤال الهام، لماذا لم يقدم يحيى علي اتخاذ الإجراءات الفعالة ضد المعارضة بعد انكشاف خططهم وأسماء قياداتهم وبالرغم من مرور أكثر من شهر علي إعلان النبأ الكاذب بوفاة يحيى في 14 يناير، واغتيال يحيى فعلياً وإعلان الثورة في 17 فبراير 1948؟

يبدو أن مرض الإمام يحيى كان له دوراً في هذا الصدد، فطبقاً لتقرير من صنعاء تلقاه حاكم عدن، كان يحيى مريضاً جداً في 19 يناير بسبب مرضه المزمن، كما أن احتواء القوائم المعلنة علي أسماء لا يتطرق إليها الشك مثل أمير الجيش علي ابن إبراهيم وسيف الإسلام علي وعبد الرحمن الشامي، والقاضي راغب بك والكبسي، جعلت هناك شيئا من التردد، إلا أن العامل الحاسمً في هذا الصدد، هو تلكؤ أحمد في القدوم إلي صنعاء بالرغم من إلحاح الإمام يحيى عليه، وقد كان أحمد أكثر أبناء يحيى مقدرة وكفاءة عسكرية، ولكن أحمد كان له حساباته الخاصة، وكان من مصلحته تفجير الثورة، حتى يستغل الفرصة للقفز على الحكم كما سبق الإشارة إلي ذلك.(17)

ولذلك نجد بالرغم من انكشاف خطط الثورة، أن اجتماعات الأحرار قد توالت في تلك الفترة، ويذكر عبد العزيز علي المتواجد في اليمن فى تلك الفترة – كما سبق الإشارة إلي ذلك – أنه تحدث مع الكبسي حول الأوضاع السيئة في العالم الإسلامي، وأن الكبسي أوضح له أن باليمن شباباً واعياً منهم من حظي بزيارة مصر وتأثر بنهضتها وتألم للأوضاع الفاسدة، وأن الشباب يتملكه شعور بضرورة التغيير، وقد يسر الكبسي له الالتقاء ببعض هؤلاء الشباب، بحضور الشيخ الفضيل الورتلاني "وهو موضع ثقتهم"، ويذكر عبد العزيز علي أنه كان هناك إحساس بأن أمراً خطيراً يدبر في الخفاء للإطاحة بالإمام يحيى.(18)

وفي يوم الثلاثاء 7 ربيع ثاني 1367هـ / 17 فبراير 1948، جاءت اللحظة الحاسمة للتخلص من يحيى وإعلان الثورة، حيث جاءت الأخبار إلي الجناح العسكري، بخروج يحيى وتوجه إلي حزيز علي بعد 10 أميال من جنوب صنعاء، وقد ركب معه في السيارة عبد الله العمري، والذي كان يتعاطف مع الأحرار، وكان من المقرر الاستعانة به من جانب الثورة بعد نجاحها نظراً لقدراته وتجاربه، ولكن لم يكن هناك مجال للتأجيل وصدر الأمر بتنفيذ عملية الاغتيال، والذي كان مكلفا بها أثنا عشر رجلاً على رأسهم الشيخ علي ناصر القردعي من قبيلة مراد، والذين استخدموا سيارة عليها مدفع رشاش، ووضعوا العراقيل في الطريق لإجبار سيارة الإمام علي التوقف، وما أن توقفت سيارة الإمام، حتى انهال عليها الرصاص وقتل كل من في السيارة، وعلي رأسهم الإمام الذي اخترق جسده ما يقرب من خمسين رصاصة، والعمرى الذي كان مشوه الوجه بفعل الرصاص الذي أصابه، وكذلك قتل حفيد الإمام، والسائق ومرافق الإمام.(19)

وهكذا نفذت العملية بنجاح، وبدأت عجلة الثورة تدور، وكان علي الجناح العسكري والمدني المسارعة إلي تنفيذ الخطط الموضوعة، وفرض سيطرتهم علي صنعاء، ومراكز الحكم فيها، وكانت أول خطوة اتخذها عبد الله الوزير بعد أن وصلة نبأ مقتل يحيى هو توجه إلي قصر غمدان مع ابن عمه [[محمد بن علي الوزير]]، وحارسة الخاص، حيث استولي عليه، وكان هذا القصر من أحصن القصور، وبه قوة كبيرة مواليه للإمام، إلا أن الوزير بشخصيته القوية، ووضعه في صنعاء، استطاع دخول القصر، وقام رئيس الحرس بتسليمه مفاتيح القصر، وبذلك تمت السيطرة علي هذا القصر الحصين، وانقاد الحرس لعبد الله الوزير.

أما الجناح العسكري فقد تحرك فور وصول النبأ للسيطرة علي العاصمة ومراكز الحكم والمرافق العامة، والملاحظ أن نبأ مقتل يحيى قد وصل إلي سيف الإسلام الحسين وأبناء الإمام يحيى في صنعاء قبل وصوله إلي الثوار، وسارع الحسين بن يحيى عقب وصول النبأ بإرسال الخبر عبر التلغراف إلي أخيه أحمد في تعز، وتحرك الحسين، وأسرع بجمع إخوته وغلق أبواب صنعاء، وتوجه إلي قصري الإمام يحيى دار السعادة ودار الشكر، حيث قام بتحصين القصرين، وبدأ تجميع القوات العسكرية، وأراد التوجه إلي قصر غمدان إلا أن محاولته فشلت نتيجة تحرك عبد الله الوزير، واستيلاءه علي القصر، وفي ذلك الوقت بدأت قوات الثورة والضباط في التحرك، حيث وضعت يدها علي مرافق العاصمة، وتأخر جمال جميل عن الوصول للقيام بدورة في احتلال مبني البلدية ليصبح مقراً للقيادة العامة، وقد اتضح معارضة زوجته لخروجه، وبعد عدة محاولات استطاع جمال جميل تخليص نفسه من زوجته بالقوة وركب مع أحد الضباط، وتوجه إلي الضباط المجتمعين، ثم توجه إلي دار السعادة الذي كان الحسين مسيطراً عليه، وخرج الحسين إليه، وطلب منه الدخول إلي القصر للتفاهم، ورد عليه جمال بأنه لا جدوى من التفاهم، وأن كان يريد التفاهم فعليه التوجه إلي مجلس الوزراء المنعقد في غمدان، وهنا استشاط الحسين غضباً وأمر بإطلاق النار، وهنا بادرت السرية التي مع جمال بإطلاق النار حيث أردي سيف الإسلام الحسين والمحسن قتيلين، بينما استطاع سيف الإسلام يحيى النجاة بعد أن انبطح أرضاَ واستطاع الهرب، وتم القبض عليه بعد ذلك.

وتوجه جمال جميل بعد ذلك إلي مبني البلدية التي تم احتلالها، واتخاذها مقراً للقيادة العامة، وخضعت العاصمة صنعاء لسيطرة قيادة الثورة، وتم في ليلة واحدة اعتقال سيوف الإسلام، والقوي المعادية، وبذلك تم الأمر لعبد الله الوزير، الذي أعلن إماماً شرعياً وخليفة دستورياً، وتم مبايعته بالإمامة من قبل علماء صنعاء والأعيان، وتكنى بأمير المؤمنين الداعي، ولم تغب شمس الثلاثاء إلا والأمور بصنعاء مستقرة، وقد تمت البيعة لعبد الله الوزير.

وهكذا مرت الأمور بهدوء وسلام، باستثناء حادث مقتل سيف الإسلام الحسين والمحسن، والملاحظ أن رعونة الحسين، وسوء تصرفه، وعدم خبرته العسكرية قد لعبت دوراً كبيراً في نجاح الثورة، خاصة أنه علم بمقتل أبيه مبكراً، وكان بإمكانه إجهاض تحرك الثوار لو سارع باحتلال مقر قصر غمدان والثكنات العسكرية أولاً، كما تظهر سذاجته في خروجه من مقر دار السعادة لمحاولة خداع جمال جميل، بينما كان بإمكانه أن يضرب المحاصرين لقصرى السعادة والشكر من أسوار القصر بالمدافع، خاصة أن المحاصرين كانوا مكشوفين، ولو حدث هذا لاشتعلت الحرب في صنعاء، ولكن عدم خبرته مكنت الثورة من تحقيق أهدافها، وأودت بحياته هو وأخيه.

والملاحظ أن السلال في روايته لأحداث الثورة تجاهل وصول نبأ وصل مقتل يحيى إلي الحسين وتحركه لإجهاض الثورة، قبل وصول الخبر إلي قيادات الثورة، وتحركها لتنفيذ مخططها، بينما نجد الشماحي يلقي باللوم علي عبد الله بن علي الوزير الذي أبلغه منفذو عملية الاغتيال بنجاح العملية، فتلكأ في إبلاغ الخبر إلي قيادات الثورة، مما أدى إلي تسرب الخبر إلي الحسين.

وفي اليوم التالي لقيام الثورة الأربعاء 18 فبراير 1948 أذاع راديو صنعاء بيان قيام الثورة وتعيين عبد الله الوزير إماماً دستورياً للثورة، وأذيع أسماء مجلس الوزراء والشورى، وكبار الموظفين، وبنود الميثاق الوطني المقدس.(20)

وقد توافدت الوفود ومشايخ القبائل تبايع عبد الله الوزير بالإمامة، والذي قام بتوزيع الأسلحة والذخائر والنقود لأهل صنعاء ولكل من وفد علي صنعاء من القبائل لتأييده وللمحافظة علي صنعاء والدفاع عنها.(21)

وفي يوم الجمعة 20 فبراير 1948 احتشد الناس في كل نواحي المملكة للمبايعة وتقديم الطاعة، في اجتماع حاشد في الجامع الكبير في صنعاء، حيث قرأ عليهم الميثاق، فأبدوا عظيم الاستبشار به وبالعهد الجديد.(22)

وسعي النظام الجديد للحصول على اعتراف الدول العربية، والجامعة العربية، فأبرق الكبسي نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية في الحكومة الجديدة عقب اغتيال يحيى، إلي الحكومات العربية والجامعة العربية "باسم حكومتي الشرعية الدستورية أرفع إليكم نبأ وفاة جلالة الملك يحيى بن حميد الدين ومبايعة جلالة الملك الإمام عبد الله بن أحمد الوزير، وتشكيل حكومة مسئولة ومجلس شوري.

أرجو التفضل بالاعتماد علي هذا الإشعار مبدئياً بإرسال من تثقون به لمعرفة الحالة عن كثب وتقديم ما يحتاج إليه من معونة ومشورة".(23)

كما أرسل الفضيل الورتلاني برقية من صنعاء إلي بعض الدوائر العربية في القاهرة ومؤداها أن الإمام يحيى اغتيل هو، وثلاثة من الأمراء ورئيـس الحــكومة اليمنية.(24)

والملاحظ عدم دقة ما جاء في برقية الورتلاني ونشرته الأهرام والمصري عن وفاة ثلاثة من أولاد الإمام، فقد قتل اثنان فقط من أولاد الإمام وهم سيف الإسلام الحسين، وسيف الإسلام المحسن في بداية أحداث الثورة، كما سبق الإشارة إلي ذلك.

كما أرسل الإمام عبد الله الوزير إلي مندوب اليمن في الجامعة العربية، للتحفظ علي أموال الحكومة، وأموال الأمراء.

وكذلك أرسل إلي رؤساء الدول والحكومات العربية يعلن مبايعته بالإمامة، وأنه بويع إماماً شرعياً وملكاً دستورياً منفذاً لدستور الأمة، وأعرب عن استعداده الاسترشاد بآراء دول الجامعة العربية في حدود ميثاقها.

كما أرسل الكبسي إلي عزام باشا أمين عام الجامعة العربية، أن الأمن مستتب في جميع أنحاء اليمن وأن المصريين المقيمين هناك في أمن وسلام، وكذلك السيد الفضيل، وناشد الجامعة العربية الإسراع بإيفاد بعثة إلي اليمن.

كما دعا الكبسي عزام باشا لزيارة اليمن ومشاهدة "بناءاً جديداً علي قواعد جديدة تضعها حكومة ديمقراطية في ظل ملك ديمقراطي".

كما أبلغ الكبسي حكومة عدن أن حكومته تعتمد علي صداقة بريطانيا المؤسسة علي علاقة الجوار الودية وإني لأفضل أن تكون بيننا وبين بريطانيا هذه العلاقات الودية علي أن تكون مع أية دولة غربية أخري، وأن اليمن الحرة ستقدر حسن نياتكم حق التقدير".(25)

إن هذه الاتصالات المتعددة، والتي جرت في يومين اثنين 18 و 19 فبراير، ونشرتها جريدة الأهرام يوم 20 فبراير، توضح مسعى النظام الجديد لاكتساب الاعتراف به من جانب الدول العربية والجامعة العربية، كما توضح برقية الكبسي إلي حاكم عدن، إدراك النظام الجديد لأهمية تحييد السلطات البريطانية في عدن، خاصة في بداية الثورة، وحتى تثبت الثورة أقدامها، أما علي صعيد الجامعة العربية فقد أسرعت بالاتفاق مع الحكومة المصرية، بإرسال وفد تمهيدي إلي اليمن لاستطلاع الأحوال هناك، وقد تألف الوفد برئاسة عبد المنعم مصطفى من وزارة الخارجية المصرية، وحسن إسماعيل المستشار التجاري المصري في برن ومحمد مصطفي يسن وكيل الإدارة العربية في وزارة الخارجية، وقد توجه الوفد إلي اليمن يوم 22/2، وقد سافر علي متن الطائرة محمد صالح المسمري المعارض اليمني الذي عينته الثورة وكيلاً لوزارة الشئون الاجتماعية، وقد كان من ضمن المقيمين بمصر أيضاً والذين عينهم النظام الجديد السيد يحيى زبارة، وقد عين وكيلاً لوزارة المواصلات(26).

ويلفت النظر في أسماء وفد الجامعة العربية، والمشكل من المصريين فقط – اسم حسن إسماعيل، والذي كان يرافق عبد العزيز محمد في زيارته لليمن، والتي انتهت قبل فترة وجيزة من قتل الإمام يحيى، كمندوبين للحاج محمد سالم، لتأسيس شركة يمنية مصرية، والذي كان الفضيل قد سبقهم إلي اليمن لتأسيسها – كما سبق الإشارة إلي ذلك - وكان حسن إسماعيل ينتمي إلي الإخوان المسلمين، وقد حاول من خلال عضويته أن يلعب دوراً في مساندة الثورة اليمنية – كما سنري – وقد ذكر عبد العزيز محمد وظيفة حسن إسماعيل كوكيل لمصلحة العمل، وقال " لم تسلم الشائعات بأني والفضيل الورتلاني وحسن إسماعيل كان لنا ضلع في إلهاب شعور اليمنيين وحضهم علي قلب نظام الحكم".(27)

وتذكر الوثائق أن حسن إسماعيل قد أتصل بحسين الكبسي تلغرافياً يوم 20 فبراير 1948 – أي بعد ثلاثة أيام من قيام الثورة – وقد أوضح الكبسي خلال الاتصال أن الأحوال طيبة وهادئة وأن السيف أحمد قد غادر تعز، وهو الآن لا يجد مأوي – سنري أن ذلك كان غير صحيح - وأن تعز خضعت للإمام عبد الله الوزير، وأن ابن السيف أحمد قد أرسل مبايعته للعهد الجديد.

وأعرب عن سروره بوصول حسن إسماعيل ضمن وفد الجامعة العربية، وطلب منه أن يبلغ عزام باشا رغبة الحكومة اليمنية في وصول خبراء واختصاصيين في تنظيم الإدارات، والوزارات، وتمني أن يكون عزام في مقدمة القادمين لليمن، وأنه كلما كثر عدد الوفد والطائرات كان شكر اليمن له أكثر، خاصة بعد التأخير من جانبه، والذي فهم علي أنه قلة اهتمام من جانب الجامعة العربية.

كما طلب مساعدة الحكومة المصرية في ضبط أموال الحكومة اليمنية الموجود في مصر سواء كانت باسم السيف عبد الله أو غيره.

وأوضح أنه لا يوجد بصنعاء زيت طائرات – كما يعرف – ولكن يمكن للطائرات أن تمون من عدن لقرب المسافة، ولو بذهابها من صنعاء إلي عدن لأخذ ما يلزمها من البنزين وتعود إلي صنعاء.

وطلب منه - أن أمكن - إحضار جهازين ميكروفون، ومكبر صوت أو أكثر من اثنين، وكذلك كل ما يمكن من اللوائح والأنظمة الإدارية خاصة فيما يتعلق بتقسيم الوزارات واختصاصاتها بمصر.(28)

إن هذه الوثائق توضح الأمل الكبير الذي كانت الحكومة اليمنية الجديدة تعقده علي الجامعة العربية، هذا الأمل الذي قام علي أساس الاتصالات التي قامت بين علي الوزير والفضيل الورتلاني وجماعة الإخوان المسلمين وعزام باشا أمين عام جامعة الدول العربية، ولذلك كانت الرغبة واضحة في سرعة وصول عزام باشا، وأكبر عدد ممكن، للحصول علي الشرعية للنظام الجديد، كما توضح الرغبة في الإصلاح عن طريق الاستعانة بالخبراء المصريين في إصلاح الأحوال الإدارية والوزارات بالبلاد والتي لم يكن بها نظام إداري أو وزاري بالمعني المعروف في النظم الحديثة.

كما يوضح طلب الكبسي إحضار جهازين ميكروفون ومكبر صوت الصلة الوثيقة مع حسن إسماعيل وكذلك افتقاد الثورة لوسائل مباشرة لمخاطبة الجماهير.

وكانت أول برقية من وفد الجامعة العربية في صنعاء بتاريخ 24/2/1948 أوضح فيها عبد المنعم مصطفى رئيس الوفد أن الحالة مستتبة للعهد الجديد، ونصح بقدوم عزام باشا مع وفد الدول العربية.(29)

وكان مقرراً أن تقوم الطائرة التي أقلت وفد الجامعة العربية التمهيدي إلي اليمن، والتي كان يقودها عبد اللطيف البغدادي – عضو مجلس قيادة ثورة يوليو بعد ذلك – بإلقاء منشورات وضعتها الجامعة، ووقعها الأمين العام عزام باشا تدعو الشعب اليمني إلي التزام الهدوء والسكينة حتى ينتهي التحقيق، ويظهر الحق من الباطل، وقد أقنع أعضاء الحكومة الجديدة حسن إسماعيل بإلقاء منشورات علي الأهالي في مدن اليمن المختلفة لتأييد الثورة، ودعوة اليمنيين إلي الهدوء والسكينة وتحكيم العقل، كما أنذرت المنشورات ولي العهد أحمد ورجاله بأن الثورة" ستصليهم ناراً حامية " ومجدت المنشورات مبادئ الثورة، وأنها قامت ضد الظلم والطغيان، ولإنقاذ البلاد من براثن الاستبداد والجهل والفقر، كما حامت الطائرة فوق حجة - التي اتخذها السيف أحمد مقراً له - مرتين علي ارتفاع منخفض.

وقد ظن البغدادي أن تلك تعليمات عبد المنعم مصطفى إلا أنه اتضح له أن وراء ذلك حسن إسماعيل، فأبلغ عبد المنعم مصطفى بذلك، ونشرت صحيفة الإخوان في القاهرة أن الطائرة قامت بإلقاء منشورات للجامعة العربية وأخري للحكومة في أنحاء اليمن.(30)

من الواضح أن الحكومة الجديدة أرادت توريط الجامعة العربية وإظهارها بمظهر المؤيد للنظام الجديد، فضلاً عن استغلال الطائرة التي حملت الوفد في إلقاء المنشورات التي تدعو للحكومة الجديدة، وكذلك إرهاب القبائل خاصة في منطقة حجة معقل سيف الإسلام أحمد.

ولعل ما يوضح هذا الاتجاه، طلب الحكومة اليمنية من الطائرة الحربية المصرية نقل الأمير إبراهيم من عدن إلي صنعاء بعد فشل طائرة بريطانية في الهبوط به بمطار صنعاء نظراً لضيق مساحته، بالرغم من عرض عبد القادر حمزة وزميله أن تقوم طائرة شركة مصر للطيران التي أقلتهم لليمن، بنقل الأمير ، وموافقة الحكومة اليمنية علي ذلك، إلا أنها عادت بعد دقائق وطلبت من الطائرة المصرية نقل إبراهيم، وقد رفض عبد المنعم مصطفى ذلك، وقال إن هذا العمل خارج حدود مهمته، التي قدم من أجلها، وإن الاتفاق علي ذهاب الطائرة تم دون أن يدري.(31)

تحركات سيف الإسلام أحمد ضد الثورة:

كان أحمد بن الإمام يحيى أكبر خطر يهدد الثورة لما يتمتع به من مقدرة حربية، فضلاً عن شهرته بميله إلي العنف والقوة، وقد قاد الجيش اليمني في الحرب ضد السعودية، وضد القبائل المتمردة علي حكم يحيى، ولهذا وضعت قيادة الثورة خطة لاغتيال أحمد في نفس يوم مقتل الإمام يحيى، ولكن تسرب نبأ الاغتيال إلي أحمد قبل أن يصل إلى المكلفين بالعملية ففوت الفرصة عليهم فقد تحرك أحمد من تعز في يوم حادث مقتل أبيه، ومعه 200 من الجنود وعدد من سيارات الشحن، وكان من المقرر أن تجري المحاولة الأولي لاغتياله خارج المدينة بين القبور حيث يبدأ طريق الحديدة، ولكن المكلفين بتنفيذ الاغتيال كانوا قليلي العدد، فضلاً عن أنهم لم يستطيعوا تمييزه بين الجنود.(32)

وتوجه أحمد بعد مغادرته لتعز إلي الحديدة في طريقه إلى صنعاء كما أعلن، وقد عمل علي اكتساب ولاء المراكز التي يمر بها في طريقة، مكتسباً مزيداً من الأعوان والأنصار، وفي الحديدة التقي بأميرها حسين الحلالي – الذي سبق الحديث عما أشيع عن دورة في إعلان النبأ الكاذب لوفاة يحيى - والذي كان في الظاهر مؤيداً للثورة، حيث تدارسا الوضع، وأبرق أحمد إلي عبد الله الوزير يحثه علي حفظ الأمن بصنعاء إلي أن يصل، وغادر أحمد إلي صنعاء بعد أن اطمأن علي الوضع، ولما وصل باجل تلقي برقية من عبد الله تدعوه إلي صنعاء للتفاهم، والدخول في طاعته، بعد أن كلفة أهل الحل والعقد بالإمامة.

وجاء رد أحمد سريعا إذ أعلن نفسه إماماً في باجل وتكني بالمؤيد بالله الناصر، ورد علي برقية عبد الله الوزير رداً عنيفاً "لقد ركبت مركباً صعباً عن طريق الغدر والخيانة، وأنك ستسقط إلي الهاوية في القريب ذليلاً حقيراً".

وكان الإمام عبد الله الوزير قد أرسل برقية إلي الحلالي باعتقال أحمد، وبرقية أخري مماثلة إلي عامل باجل بنفس المعني، غير أن الحلالي الموالي في الباطن لأحمد أسرع بعد استلام البرقية بالسفر إلي باجل للحاق بسيف الإسلام أحمد، حيث نصحه بتغيير اتجاهه إلي حجة.

وقد وصل أحمد إلي حجة نهار الجمعة 20/2/1948، حيث بدأ يثير القبائل بالرسائل وأرسل القادة والدعاة لمهاجمة صنعاء، وبدأ يتصل بالشخصيات القوية التي يعرف طموحها ومنافستها لعبد الله الوزير، كالسيد علي بن حمود شرف الدين أمير الطويلة، ويحيى محمد عباس المتوكل أمير ريمة وغيرهما من الزعماء وكبار الشخصيات التي لا تقل عن عبد الله الوزير في المكانة والنفوذ.

وقد لعب السيد علي بن حمود شرف الدين دوراً كبيراً في إجهاض الثورة لصالح سيف الإسلام أحمد، بالرغم من أنه سبق وتعاهد مع سيف الإسلام الحسين بن الإمام يحيى والأمير علي الوزير وعبد الله الوزير ضد ولي العهد، ورشحوا عبد الله الوزير إماماً قادماً لليمن بعد يحيى وذلك في منتصف الثلاثينات، إلا أن ابن حمود احتج بأن اشتراك عبد الله الوزير في مقتل الإمام يحيى وأبنه الحسن يعتبر ناقضاً للعهد بينهم.

وكان سيف الإسلام أحمد قد نجح في إقناع والده، بعد أن علم بأمر تلك المعاهدة، بأن يولي علي الوزير قضاء المحويت ويربط به الطويلة وكوكبان، وبذلك يصبح علي ابن حمود الذي كان أميراً علي لواء الطويلة التي تشمل كوكبان وقضاء المحويت تابعاً لعلي الوزير، ونجحت خطة أحمد في إثارة الصراع بينهم علي السلطة، وقد تدخل أحمد المطاع ورفاقه للإصلاح بين الأميرين، وتظاهر علي بن حمود بقبول الصلح.

ومع نجاح الثورة أظهر علي بن حمود تأييده لأحمد، ولجأ إلي الغدر بعلي الوزير، فأرسل يستقدمه إلي الطويلة حيث قبض عليه، ثم خيره بين أن يرسله إلي حجة أو يتركه يذهب لصنعاء مجرداً من أي قوة، فاختار الذهاب إلي صنعاء مخفوراً، وكان ما تعرض له علي الوزير ضربة كبيرة للثورة خاصة في ظل الجهل الذي كان يعشش علي اليمن، حيث استغل أنصار أحمد الفرصة، وفسروا، ما حدث لعلي الوزير بأنه غضب من الله عليه لاشتراكه في قتل يحيى.

وهكذا عمل أحمد من معقله الحصين في حجة علي إثارة القبائل واكتساب الأنصار، وإرسال الرسائل، وقد ارتكزت دعايته علي ضرورة الأخذ بالثأر من قتلة يحيى، وأن الثوار يستعينون بالنصارى والكفار، وأن أحمد هو الذي سيأخذ بالثأر ويقاتلهم .

وهكذا استطاع أحمد خلال أسبوع واحد من قيام الثورة، ومن خلال تحركه السريع والقوي من اكتساب القبائل والشخصيات البارزة فيها، وكذلك نسف المركز الروحي لعبد الله الوزير(33).

ولم يقتصر تحرك أحمد علي الصعيد الداخلي، بل سعي للاتصال بقادة الدول العربية وجامعة الدول العربية لكسب تأييدها باعتباره ولي العهد الرسمي للبلاد، كما لجأ إلي المراوغة والخداع، فتظاهر بطلب اللجوء إلي السعودية، وبالطبع لم يكن هذا صحيحاً.(34)

كما أرسل أحمد إلي الحكومة اليمنية الجديدة برقية يطالب فيها بتحكيم وفد الجامعة العربية المنتظر وصوله والشيخ الفضيل الورتلاني، إلا أن الحكومة لم تأخذ هذا الاقتراح بعين الاعتبار، على أساس أن أهل الحل والعقد قد قالوا كلمتهم، كما أرسل أحمد إلي بعض العواصم العربية "إذا لم تسرعوا في التوسط فستراق الدماء غزيرة ويتغلغل النفوذ الأجنبي في اليمن"(35).

كما أرسل برقية إلي علي المؤيد مندوب اليمن في جامعة الدول العربية بتاريخ 25/2/1948 أوضح فيها أن موت الإمام لم يكن طبيعياً، وأنه قام بالدعوة إلي كتاب الله وسنة رسوله حسب البيعة السابقة له، والمطالبة بضبط المجرمين ومحاكمتهم، وأن عبد الله الوزير قد تركهم وشأنهم مما أدي إلي إثارة الحفائظ، وتجمع القبائل، وأن الحالة تنذر بفتنة عظيمة، وأن هناك خوف من تدخل العدو المستعمر- يقصد الإنجليز – وفي نهاية البرقية طلب منه عرض الحقيقة علي ملك وحكومة مصر والجامعة العربية.

كما أرسل برقية ثانية بنفس التاريخ طلب فيها من علي المؤيد الاتصال بأمين الجامعة العربية، والطلب منه التوسط لحل المشكلة بما يكفل السلام لحفظ الوطن من العدو والمستعمر، وأنه أرسل بهذا المعني إلي الملك عبد العزيز آل سعود، كما طلب من عزام باشا إلزام الطرفين بالتوقف عن التقدم، أو إحداث أي حركة.(36)

وقد تم عقد اجتماع في نفس اليوم بين عزام باشا وبعض مندوبي الدول العربية لدي الجامعة العربية حيث تم مناقشة الأمر، ثم توجهوا لمقابلة رئيس الوزراء النقراشي باشا، لبحث الموضوع، وقد تم الاتفاق علي تأجيل سفر وفد الجامعة العربية الأساسي لليمن، حتى ترد أنباء مفصلة من البعثة التمهيدية هناك، وأن ترسل الجامعة العربية للطرفين للعمل علي حقن الدماء.(37)

إلا أن أهم تحركات أحمد علي الصعيد الدبلوماسي كان اتصاله بالملك عبد العزيز آل سعود، فقد سارع أحمد يوم الأربعاء 18/2/1948، أي ثاني أيام الثورة بإرسال رسالة إلي الملك عبد العزيز، يوضح له الحادث وأن خطورته لا تقف عند حدود اليمن "لأن الثورة ومقتل أبيه الإمام يحيى وليد حركة من يسمون أنفسهم" بالأحرار والإخوان المسلمين "وكلاهما خطر علي العروش والأسر والملوك وعلي الدين" كما طالب الملك عبد العزيز بتناسي ما كان بينهما من خلاف، وأنه سيكون له ابنا إذا رضي أن يكون له أباً مستمداً منه النجدة والمؤازرة، وقد استجاب الملك عبد العزيز لنداء أحمد وأمده بالمال والسلاح.(38)

وهكذا لم يدع أحمد فرصة إلا واستغلها لتدعيم موقفة، مستغلاً كل الوسائل المتاحة أمامه، علي كافة الأصعدة، في الوقت الذي كان رد فعل قيادة الثورة أمام هذه التحركات من جانب أحمد ضعيفاً، ولا يتناسب مع خطورة الوضع، فقد كان قادة الثورة يدركون خطورة أحمد علي الثورة، ولذلك وضعوا خططهم علي أساس اغتيال يحيى في صنعاء، وأحمد في تعز، لكنه استطاع النجاة، وشكلت نجاته من الاغتيال أول ضربة للثورة، التي تلكأت في اتخاذ موقف سريع وحازم لمواجهة الموقف في بدايته.فمع وصول نبأ مغادرة سيف الإسلام أحمد لتعز نحو الحديدة صباح الأربعاء 18/2/1948، قرر الإمام عبد الله الوزير أن ينهض بنفسه مع قوة من الجيش لمطاردة سيف الإسلام أحمد وأعدت القوة اللازمة لذلك، إلا أن عبد الله الوزير تراجع عن تنفيذ فكرته اعتماداً علي نجاح الثورة، وسيل التهاني وبرقيات التأييد له بالإمامة، وتوافد الثوار علي صنعاء، فضلاً عن خشيته مغادرة صنعاء لوجود مجموعة متطرفة من الشباب والأحرار، الذين يشكلون في نظرة خطراً علي مركزة بصنعاء.

وهكذا تراجع عبد الله الوزير عن قرار مطاردة أحمد، بالرغم من أنه كان الحل العملي الوحيد الكفيل بالقضاء علي خطر سيف الإسلام أحمد قبل أن يستفحل، فقد كان تنفيذ الفكرة كفيلاً بقطع الطريق علي أحمد قبل أن يصل إلي معقله في حجة، ولم يكن معه من القوة في ذلك الوقت أي ثاني أيام الثورة ما يعول عليه، فضلاً عما حققه نجاح الثورة من بريق، بالإضافة إلي مركز عبد الله الوزير الروحي، ولكن الفكرة أجهضت، وأكتفي أحمد بإرسال برقية إلى الحلالي بالقبض علي أحمد كما سبق الإشارة إلي ذلك .

وحتى علي مستوي القيادة العسكرية، فقد كان تحركها لا يتناسب مع خطورة الوضع، فبعد مغادرة أحمد لتعز، ونجاته من الاغتيال، حاول ضباط الجيش تدارك فشل اغتيال سيف الإسلام أحمد بتجهيز كتيبة من الجيش لمتابعة أحمد وقتلة بأي طريقة، وظلت الكتيبة تلاحقه طول رحلته حتى وصلت إلي حجة، ووجدت نفسها في مأزق حرج فاضطرت لتسليم نفسها.(39)

وهكذا شهد الأسبوع الأول من الثورة تحركات قوية لأحمد، وتدعيماً لمركزه، وحالة من الاسترخاء من جانب الثوار في مواجهة الموقف، والانشغال ببرقيات التأييد والمبايعة، وتوافد الثوار سواء الحقيقيون أو أدعياء الثورة، بينما الجامعة العربية اكتفت بإرسال البعثة التمهيدية وأمسكت عن إرسال الوفد الأساسي للجامعة العربية لليمن في انتظار تقرير البعثة التمهيدية.

موقف الدول العربية والجامعة العربية من الثورة:

كانت معظم دول الجامعة العربية السبعة نظماً ملكية وهي مصر والسعودية والعراق واليمن والأردن، بينما كانت كل من سوريا ولبنان ذات نظام جمهوري، ولذلك كانت سوريا ولبنان أكثر ميلاً وتعاطفاً مع الثورة علي عكس باقي دول الجامعة العربية التي اتخذت موقفا عدائيا من الثورة وكانت الأردن الأصرح في عدائها للثورة، والأسرع للأعتراف بأحمد ملكاً لليمن، كما كانت السعودية أكثر عداءً للثورة، وساهمت علي نحو إيجابي في مساعدة أحمد سواء بالمساعدة المادية العسكرية، أو عن طريق التأثير في وفد الجامعة العربية، وعرقلته عن الوصول لليمن، وإن كانت قد اتخذت في الظاهر الموقف التي اتفقت عليه دول الجامعة العربية، وهو الوقوف علي الحياد، حتى يسافر وفد الجامعة العربية لليمن ويحقق بنفسه الوضع علي الطبيعة.

وكانت الجامعة العربية قد قررت إرسال بعثة تمهيدية لليمن كمقدمة لإرسال وفد من الجامعة العربية يمثل جميع دول الجامعة برئاسة عبد الرحمن عزام أمين عام جامعة الدول العربية إلي اليمن لمعاينة الوضع علي الطبيعة والاتصال بالطرفين، ووضع تصور لحل الأزمة.

ومن المهم التوقف عند ما ذكره حسين حسني سكرتير الملك فاروق وعضو وفد الجامعة العربية إلي اليمن عن هذا الوفد ومهمته، حيث تعتبر روايته، شهادة شاهد عيان، كما تكشف شهادته الموقف الحقيقي لمصر والسعودية من الثورة، فبعد وصول أنباء الثورة وفي لقاء له مع الملك فاروق تناول أحداث اليمن، اقترح – حسب روايته – أن تتولى الجامعة العربية تشكيل وفد يمثلها للذهاب إلي اليمن لاستطلاع الحالة هناك عن كثب ومعرفة حقيقة الأمور، واتخاذ قرار جماعي للاعتراف بالسلطة التي ارتضتها أغلبية الشعب هناك، وأن هذا الاقتراح يتفادي أي خلاف بين الدول العربية، إذا انفردت كل دولة بالعمل بمفردها، ويضيف أنه أقترح أن يكون السفر علي إحدى بواخر خفر السواحل المصرية، حتى يمكن إيواء الأمير أحمد وأفراد أسرة الإمام إذا تبين أنهم مشردون يبحثون عن مأوي، كما ذكرت الأخبار في ذلك الوقت، كما أن السفينة يمكن اتخاذها قصراً أو مركزاً لوفد الجامعة أثناء مقامه في اليمن إذا اقتضت الأحوال لذلك يجب التريث في الاعتراف بالنظام الجديد، وقد وافق الملك علي اقتراحاته، وكلفه بتمثيل مصر في وفد الجامعة، والاتصال بعزام باشا لتشكيل وفد الجامعة، وتم إعداد الباخرة فاروق للقيام بمهمة نقل الوفد إلي اليمن.(40)

ويوضح حديث حسين حسني مع الملك فاروق أنه صاحب فكرة إرسال وفد الجامعة العربية لليمن وهو القرار الذي اتخذته اللجنة السياسية للجامعة العربية، كما يتضح تعاطفه مع سيف الإسلام أحمد – بالرغم من أنه زار اليمن عام 1929 كما تم الإشارة إلي ذلك، ويعلم سوء الأوضاع به - كما أنه وراء عدم المبادرة للاعتراف بالنظام الجديد، ومن الملاحظ أنه لم يذكر أي شئ علي لسان الملك فاروق يوضح موقفه بصراحة، فكل الحديث علي لسانه مع إقرار الملك فاروق لآرائه واقتراحاته، والتي كانت تتلاءم بطبيعة الحال مع مصلحة الملك فاروق الشخصية، فقد كان من الصعب علي نظام ملكي تقبل اغتيال أحد الملوك بهذه الصورة، وهو الأمر الذي يمكن أن يكون نموذجاً يحتذى به ضد النظم الملكية الأخرى.

وقد غادرت بعثة جامعة الدول العربية صباح يوم 28/2/1948 مدينة السويس حيث استقلوا الطرادة "فاروق" متجهين إلي جدة لمقابلة الملك عبد العزيز آل سعود، والأمير فيصل وزير الخارجية علي أن يغادر جدة إلي الحديدة ميناء اليمن الأول، وقد أخذ الوفد معه سيارتي جيب لاستخدامها في التجول في المناطق اليمنية، وكذلك آلة لاسلكية للاتصال بالطرادة فاروق، وكذلك كان هناك طائرة مصرية تحت تصرف الوفد لسرعة الاتصال والتنقل إذا اقتضى الأمر.

كما أرسل الوفد برقيتين لأحـمد وابن الوزير تدعوهم لحقن الدماء، كما أرسـل عبد العزيز برقية للطرفين بذات المعني، وقد سئل عزام باشا عن إمكانية استفتاء الشـعب اليمني، فأجاب أن الشعب هو الحكم إذا تعذر فض النزاع فيجب أن يرد الأمر إلي الشعب ليقول كلمته.(35)(41)

بعد وصول الوفد إلي جدة، قابل الأمير فيصل الذي أطلعهم علي آخر البرقيات الواردة من اليمن، والتي كانت تؤكد ازدياد موقف حكومة ابن الوزير سوءاً، وأن أحمد كان يزداد قوة، حتى بات ينتظر دخوله صنعاء بين لحظة وأخري، وأن أحمد يرجو من وفد الجامعة العربية تأجيل موعد السفر إليها قليلاً، وإزاء هذه الأخبار تبين للوفد أنه لم يعد هناك ما يدعو للتعجل بالسفر إلي اليمن، واقترح عليهم الأمير فيصل أداء العمرة، علي أن يتوجه الوفد بعد ذلك إلي الرياض تلبية لدعوة الملك عبد العزيز، وبالفعل توجه الوفد إلي الرياض، لمقابلة الملك عبد العزيز، وظل الوفد بالرياض حتى سقطت صنعاء في يد قوات سيف الإسلام أحمد.(42)

وهكذا لم يؤد وفد جامعة الدول العربية أي دور يذكر حتى سقطت صنعاء، وتم استباحتها من جانب القبائل، وهي النتيجة التي عملت لها معظم دول الجامعة، وتحديداً مصر والسعودية والعراق والأردن، وهو ما يمكن استنتاجه من مواقف هذه الدول.

فالأردن اتخذت موقف عدائيا من عبد الله الوزير منذ البداية، ولم تلق بالا للموقف الذي اتخذته الدول العربية بالتزام الحياد حتى يذهب وفد الجامعة العربية إلي اليمن، ويدرس الأوضاع علي الطبيعة، فقد صرح الملك عبد الله "إن الإمام الحق في اليمن هو سيف الإسلام أحمد، واغتيال المغفور له الإمام يحيى حميد الدين أمر مخيف إذ يجعل كل من يطمع في مقام أو منصب يستهين بالإقدام علي مثل هذا العمل الفظيع فيهز البلاد هذا الهز العنيف".

كما أعلن سيف الإسلام عبد الله من باريس – كان عبد الله شقيق أحمد يشغل منصب رئيس وفد اليمن في الأمم المتحدة، وكان متواجداً بباريس لحضور دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة – أنه تلقي برقية من ملك شرق الأردن يعلن تأييده للأمام أحمد تأييداً مطلقاً باعتباره الوارث الشرعي لمملكة اليمن.(43)

كما أرسل الملك عبد الله رسالة إلي عزام باشا طالب فيها بتطبيق الآية القرآنية:

( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الحجرات:9).

وأن الباغي هو أبن الوزير، والمبغي عليه هو يحيى، وحذر من أن عدم تطبيق ذلك، سيفتح باب الفتنة علي دول الجامعة العربية، بحيث يتمكن أهل الأغراض من الوثوب علي حكوماتهم بدعوى الإصلاح، وأوضح أنه تلقي كتاب من الأدارسة يطالبون بحقهم في الإمارة الإدريسية التي اغتصبتها اليمن والسعودية، ويرجون منه تعضيدهم في الجامعة، وأوضح أن هذا الأمر سوف يفتح الباب أما الكثير من المطالب، وأعرب عن اعتقاده أنه - أي عزام - قد وجد في الرياض هذه الحقائق، وأن في حكمة الملك عبد العزيز، وتجاربه السابقة، ما يجعله يسلك خير السبل.(44)

أما العراق فقد كان الموقف لا يقل عداءً عن الأردن، وإن كانت أعلنت أنها لن تعترف بحكومة عبد الله الوزير إلي أن يعود وفد جامعة الدول العربية من اليمن، ويقدم تقرير للجامعة عن الحالة هناك، وقد أعلن عبد الإله الوصي علي عرش العراق الحداد العام علي الإمام يحيى في جميع أنحاء البلاد لمدة 10 أيام، وتنكيس الأعلام علي دور الحكومة، وقد نشرت الأهرام أن الدوائر السياسية في بغداد تتوقع أن تقاطع الدول العربية عبد الله الوزير، لأنها ترتاب أن يكون ضالعا في مؤامرة اغتيال يحيى وأنه يجب أن يتولي العرش سيف الإسلام أحمد بصفته ولي العهد.(45)

أما السعودية فقد مر بنا أن أحمد قد سارع إلي إرسال رسالة إلي الملك عبد العزيز عقب اغتيال والده، وأن الملك أمده بالمال والذخيرة ووعده بالمساعدة، كما ذكر الشماحي، كما مر بنا موقف الملك عبد العزيز خلال المحاولة التي قامت بها منظمة هيئة النضال للاتصال به، وكسب تأييده للثورة.

ولعل البرقية التي بعث بها القائم بأعمال المفوضية الأمريكية في جدة ريفز شايلدز تصور علي نحو دقيق موقف السعودية، كما توضح الحديث عن المساعدات التي قدمتها السعودية لأحمد.

فقد أوضح ريفز أن الملك عبد العزيز كان من الممكن أن يميل لتأييد الوزير لولا وسائل العنف التي وصل بها إلي الحكم، كما أن تأييد حاكم وصل إلي السلطة بوسائل عنيفة، وتخطي الأمير أحمد يمكن أن يصبح سابقة ودافعاً لإثارة بعض المجموعات أو الفئات أو حتى بعض أفراد الأسرة السعودية الساخطين، كما أن أحمد أقل استعداداً لإدخال إصلاحات دستورية يمكن أن تؤدي للمطالبة بمثلها في السعودية.

ويذكر أن الملك استطاع إرسال مبعوثين إلي اليمن فوراً لجمع التأييد لأحمد وتدعيم المقاومة ضد عبد الله الوزير، مستغلاً نفوذه الكبير على سكان اليمن غير الشيعيين، كما أن هناك تلميحات بأن توزيع كمية صغيرة من النقود علي الشخصيات الهامة باليمن، الموجودة في موقع السلطة يمكن أن تؤثر بدورها علي عدد كبير من السكان، بالرغم من حرص ريفز على التأكيد أن مصادره تستطيع تقديم أي دليل إيجابي علي هذه المساعدة.(46)

وقد أوضح الملك عبد العزيز موقفه بوضوح لأعضاء وفد جامعة الدول العربية أثناء استقباله لهم في الرياض، حيث أعرب أمام جميع الحاضرين عن شدة أسفه وتأثره لما لقيه الإمام يحيى من نهاية بشعة بعد طول جهاد في سبيل حفظ كيان بلاده، والدفاع عنها، واستنكر جرأة من اقترفوا الجريمة علي طلب النجدة والمعونة، باسم الحفاظ علي الأمن وحماية الأرواح من عدوان اللصوص، وهم الذي سفكوا الدماء، "ولكن عين الله لا تغفل ولسوف تدور عليهم الدوائر من قريب، كما تشير إلي ذلك كل الأخبار الواردة إلي اليمن".

كما وزعت وزارة الخارجية السعودية علي كل أعضاء الوفد صورة تقرير احتوي علي ملخص واف لكل المعلومات المتعلقة بما حدث في اليمن منذ اللحظة الأولي، وقد احتوى علي تفاصيل اغتيال يحيى، والبرقيات التي وردت من عبد الله الوزير إلي الملك عبد العزيز طالباً العون والمساعدة، وتمسك الملك بالحياد بين المتنازعين حتى تصدر الجامعة قرارها في الموقف بأكمله.(47)

وبالرغم من الحديث عن المساعدات التي قدمتها السعودية لأحمد من ذخيرة وسلاح ومال فإنه يمكن القول أن المساعدة الفعالة من جانب السعودية تركزت في عاملين اثنين:-

الأول :- عرقلة عمل وفد الجامعة العربية عن طريق استدعاء الوفد إلي الرياض، وتأخير وصوله إلي اليمن حتى ينتهي أحمد من القضاء علي الثورة.

الثاني :- استغلال نفوذ الملك عبد العزيز علي شوافع اليمن، لتجنب انضمامهم إلي جانب الثورة، بالإضافة إلي اكتساب دعمهم لأحمد.

أما الحديث عن الأسلحة والمساعدات العسكرية التي تحدثت عنها بعض المصادر، فإنها - إن صحت - لم يكن لها دور في حسم المعركة لصالح أحمد، حيث قامت القبائل المسلحة، التي حركتها دعاية أحمد، بالدور الأكبر في حسم المعركة عسكرياً، بالإضافة لانضمام قطاعات من الجيش النظامي لصالح الأمير أحمد.

أما مصر فقد أعلنت الحياد بصفة رسمية، وصرح وزير الخارجية بأن مجلس الوزراء ناقش الحالة في اليمن، وأن الرأي استقر علي أن تقف الحكومة المصرية موقف الحياد مع بذل مساعيها للتوفيق بقدر المستطاع.(48)

ولكن بالتأكيد كان موقف فاروق مطابقاً لملوك العرب الآخرين، ولعل ما سبق ذكره عما دار بين حسين حسني والملك فاروق عن أحداث اليمن، والذهاب لليمن عن طريق البحر بدلاً من الطائرة ما يوضح موقف الملك المؤيد لأحمد، وهو الأمر الذي يتضح جلياً من حديث حسين حسني عن أحداث اليمن، وتأييده لأحمد، بل إن تعيين حسين حسني نفسه كممثل لمصر يوضح موقف الملك فاروق، واهتمامه بالأحداث في اليمن.

ويذكر حسين حسني أنه بعد إبحار الطرادة "فاروق" جرت مناقشة بينه وبين عزام باشا بحضور أعضاء الوفد، تناولت الخطة الواجب القيام بها للاتصال بطرفي النزاع، حيث يوجد عبد الله الوزير في صنعاء، بينما أحمد مجهول المكان، وكان رأي عزام أنه من الأفضل التوجه رأساً إلي صنعاء، والتفكير بعدها فيما يمكن عمله للاتصال بالأمير أحمد، وهنا أبدي حسين حسني خشيته من أن تتخذ حكومة الانقلاب من هذا التصرف سبباً للإدعاء بأن الجامعة العربية قد اعترفت بها، وهو الأمر الذي يسئ إلي الأمير أحمد وأنصاره لما ينطوي عليه ذلك من تجاهل لمركزه الشرعي كولي للعهد.(49)

وهكذا كان موقف أغلب الدول العربية الذي اتسم بالعداء من ثورة اليمن، باستثناء لبنان وسوريا التي أبدتا بعض التعاطف مع ثورة اليمن، فقد صرح رئيس وزراء لبنان أنه رأي إمام اليمن الجديد في موسم الحج فأعجب برجولته وحبه للإصلاح، وأن اليمن بدأت في عهده تفتح أبوابها للبعثات العربية ورجال الصحافة، وأبدي أسفه لظروف وفاة يحيى ونوة بفضلة في منع التدخل الأجنبي في بلاده.(50)

وفي الوقت الذي كانت فيه دول الجامعة العربية تتخذ هذا الموقف العدائي من الثورة في اليمن كانت الثورة تعتمد أساسا على جامعة الدول العربية، واستصراخ الدول العربية في تقديم الدعم لها لمواجهة سيل القبائل الزاحفة علي صنعاء دون جدوى، بعد أن رفعت هذه الدول راية التمسك بالحياد بين الطرفين، حتى يذهب وفد الجامعة إلي اليمن، وهو الوفد الذي لم يقدر له أن يري اليمن أبداً، بفعل المناورات والمراوغات، وتضييع الوقت من جانب بعض الدول العربية.

فبعد أن نجح أحمد في تدعيم موقفه، وإضعاف مركز عبد الله الوزير الروحي، بفعل دعايته بين القبائل عن الثأر لوالده، واستعانة عبد الله بالأجانب، فضلاً عن إباحته صنعاء للقبائل اليمنية، حاولت قيادة الثورة التحرك عسكرياً لمواجهة أحمد في معقله بحجة، فتم في بداية الأسبوع الثاني من الثورة إرسال حملتين عسكريتين الأولي بقيادة [[محمد بن علي الوزير]] لقيادة حملة عمران حجة والثانية بقيادة محمد بن محمد الوزير لقيادة حملة شبام حجة، وبالرغم من خطورة النتائج المترتبة علي نجاح أو فشل هاتين الحملتين بالنسبة إلي الثورة، إلا أن الإعداد لهم قد إتسم بالارتجالية، وسوء التخطيط، فقد ذهبت الحملتان علي السيارات دون أن يكون لهما طلائع أو مؤخرة، تحمى الحملتين من أي هجوم مباغت، وتؤمن الاتصال بصنعاء.

ففي الحملة الأولي علي عمران بقيادة [[محمد بن علي الوزير]]، فإنه واجهة خضم هائل من القبائل المتهيئة للانقضاض عليه، وقرر الانسحاب قرب صنعاء حتى تصل إليه الإمدادات، إلا أن القبائل لم تدع له الفرصة فالتفت حوله القبائل وسيطرت علي المرتفعات، وحالت بينة وبين الانسحاب، ولم ينقذ الحملة من مصيرها المحتوم إلا شجاعة محمد بن علي الوزير، الذي استطاع الانسحاب، والعودة إلي صنعاء.

أما الحملة الثانية علي مدينة شبام حجة بقيادة محمد بن محمد الوزير فقد كان مصيرها أسوأ من حملة عمران، فقد استطاع دخول مدينة شبام دون أن يحتل كوكبان والمرتفعات المشرفة علي شبام، فأطبقت جيوش أحمد الذي كان يقودها علي بن حمود عليه من كل جانب، واستسلم محمد بن محمد الوزير، والقي القبض عليه، وسيق مع عسكره إلي حجة، ولم يثبت من حملة شبام إلا الشيخ عبد الله أبو لحوم الذي قاتل ببسالة برغم موقفة الحرج وفي النهاية استسلم لقوات أحمد بعد أن حصل علي العفو والأمان، وأن يذهبوا لأحمد مسلمين ومبايعين له بالإمامة لا كأسرى .

وهكذا انتهي التحرك العسكري لمواجهة أحمد بالفشل الذريع، وازداد مركز أحمد قوة وأصبح الحاكم الحقيقي علي قبائل الشمال والشرق والغرب الشمالي، وأخذت القبائل تتصل بأحمد ويتقربون إليه وتنفض من حول عبد الله الوزير، بحيث أصبحت صنعاء في نهاية الأسبوع الثاني للثورة في موقف تكاد فيه أن تقطع صلتها بالقسم الجنوبي والغربي، بينما تزحف القبائل من الشمال.(51).

لقد وقعت قيادة الثورة في خطأ التركيز علي حشد قواتها، ودفعها إلي ضواحي حجة للهجوم علي مقر قيادة أحمد، دون أن تعطي أي اهتمام ببقية المناطق مما أدي إلي ضياع الفرصة من يد الثوار في الدفاع عن الثورة، وقد عمل أحمد علي استغلال هذا الخطأ أفضل استغلال، فوجه رسائله إلي كل المناطق الشمالية والشرقية يستحثها علي مناصرته، ودعمه ضد قتلة والده الذين باعوا البلاد إلي النصارى، وبذلك نجح في استنفار القبائل لصالحة، وقد اتضح ذلك جلياً في مواجهة القبائل للحملتين التي بعثت بهم الثورة إلي ضواحي حجة.(52)

وقد بدأ الحديث منذ نهاية الأسبوع الثاني علي قيام الثورة بفرض الحصار علي صنعاء، ففي 28 فبراير أبرق الأمير أحمد إلي علي المؤيد طالباً منه "أخبر من يلزم ومن يهمهم الأمر في مصر يجب ألا تقوم أية طائرة إلي صنعاء لأن القبائل كلها والجيش ثائرون معنا، والحرب قائمة الآن في حباري وعصر والصوفية وبيت معاد وظهير الحمار".

وكل هذه المناطق التي ذكرها أحمد كانت لا تبعد عن صنعاء بأكثر من كيلو مترين اثنين، كما أبرق إلي علي المؤيد في 29 من نفس الشهر ذاكراً أن "صنعاء الآن شبة محصورة من جميع الجهات وأكثر الجيش النظامي قد وصل إلينا بمعداته من جميع المراكز الخارجية، وفرارها بالسلاح من صنعاء جار إلينا".

وقد أيد ما جاء في هذه البرقية ما جاء في اعترافات جمال جميل بعد القبض عليه من أن الجيش فر وانضم إلي أحمد بالأسلحة، التي وزعتها عليه حكومة الوزير.(53)

وفي الوقت التي بدأت قوات أحمد تحيط بالعاصمة، تحرج موقف عبد الله الوزير الذي أصبح كل تركيزه منصباً علي استعجال حضور وفد الجامعة العربية، ومناشدة الدول العربية تقديم العون والمساعدة، وتوالت كتب عبد الله الوزير للدول العربية فأرسل إلي السعودية والعراق، طالباً إمداده بطائرات ودبابات لمواجهة القبائل الزاحفة نحو العاصمة للسلب والنهب، معتقدين أن العاصمة مليئة بالأموال "ونحن نطلب إليكم ذلك في سرعة وإلحاح، وليس باسم الملك والحكم إن شئتم ولكن باسم المحافظة علي الأمن فقط ولكم الحكم العدل بعد تأديب اللصوص ولمس الحقائق كما ترون أنتم والجامعة".

وكان رد الملك عبد العزيز تمسكه بالحياد حتى يصدر حكم الجامعة العربية، أما العراق فلم ترد علي رسالة عبد الله الوزير من الأساس.(54)

وقد أدي الموقف السلبي للجامعة العربية، وتزايد مركز أحمد قوة إلي تهديد ابن الوزير باللجوء للأجانب، وذلك في برقية لعزام جاء فيها "بعد أن ثبت تردد الجامعة العربية واكتفاؤها بالتفرج من بعيد ننذركم إلي أنه إذا لم تبادروا إلي القيام بواجبكم أننا سنستعين بغيركم صراحة للضرورة الملحة مسجلين عليكم نتيجة هذا العار الشنيع".(55)

كما بادر عبد الله الوزير إلي إرسال وفد منه إلي الرياض لمقابلة الملك عبد العزيز، ووفد الجامعة العربية لاستعجال وصول الوفد إلي صنعاء، وقد تكون الوفد من علي الوزير، والقاضي محمد الزبيري والفضيل الورتلاني، وقد استقل الوفد الطائرة المصرية التي أقلت وفد الإخوان المسلمين إلي صنعاء حيث وصل جدة في 6/3/1948، ومنها توجه إلي الرياض.(56)

وقد قابل الوفد اليمني الملك عبد العزيز ووفد الجامعة العربية، حيث ذكر الوفد أن الأكثرية تؤيد الحكم الجديد، وأن أحمد فر إلي حجة، وهو يوزع الأموال والمنشورات علي رجال القبائل تدعوهم للهجوم علي صنعاء لنهب ثروة الإمام ، وأن هذه الأموال ملك لجميع اليمنيين، وأن القبائل تحاول الهجوم علي صنعاء للسلب والنهب، كما أعلن الوفد اليمني الرغبة في الإصلاح وتعليق أهمية كبيرة علي الجامعة العربية لإنقاذهم، وأعربوا عن استغرابهم لتقاعس جامعة الدول العربية عن التدخل السريع، كما أعلن الوفد أنهم لا يطالبون المساعدة لتدعيم موقفهم فهذا يتركونه للجامعة والملك، ويفوضهم في إجراء ما يرونه صالحاً للتهدئة، وحذروا من اصطدام القبائل وإثارة أحقاد خامدة منذ 40 عاماً.

وقد تكلم الملك عبد العزيز، وأعلن استنكاره لقتل يحيى، وأنه لا يقر الطريقة التي صعد بها عبد الله الوزير إلي الحكم بالرغم من ولاء الوزير له، وعدائه لأحمد، وأعلن تمسكه بالحياد، كما استنكر الملك ووفد الجامعة تهديد الوزير باللجوء للأجانب، وقد أوضح أعضاء الوفد اليمني أن المقصود شراء السلاح من الأجانب، وليس الارتماء في أحضانهم.(57)

وحسب رواية علي الوزير أن الملك عبد العزيز قال لهم أنتم تعلمون أن أحمد هو الذي أرسل أولئك النفر المعتدين الذين أرادوا اغتيالي أنا وسعود في الحرم الشريف، ولكن لا يمكنني الآن إلا إظهار الحياد التام.

وحاول الوفد مقابلة عزام لتذكيره بوعوده لهم، وإرسال طائرتين لإخافة القبائل، إلا أن عزام اعتذر بأنه مصاب بالبرد، ثم أجتمع به الوفد بعد ذلك منفرداً فأقسم أنه مصمم علي ذلك، ولكنه يقود سيارة بدون عجل، وكان آخر كلام عزام للوفد "أنا أعرف أنكم وقضيتكم علي الحق ولكني غلبت علي أمري فماذا أصنع لكم".(58)

وأثناء تواجد الوفد اليمني في السعودية كانت الأحوال تزداد سوءاً، حيث أطبقت القبائل علي العاصمة من كل جانب، وبدأ الخناق يضيق، بحيث أصبحت العاصمة محاصرة بالكامل، وزاد من سوء الأحوال القبض علي عدد كبير من أبرز المعارضين اليمنيين، وعلي رأسهم أحمد محمد نعمان الذي كان معيناً وزيراً للزراعة في الحكومة اليمنية الجديدة، وكان أحمد نعمان وغيره من قادة الأحرار في عدن، قد توجهوا إلي اليمن عقب نجاح الثورة بطريق البر حيث وصلوا إلي تعز وآب، وقد أراد نعمان التوجه إلي صنعاء بعد أن قضي فترة قصيرة في تعز، بالرغم من وصول الأنباء عن الأحوال السيئة في صنعاء، ولكنه صمم علي الذهاب تدفعه الحماسة دون أن يصغي السمع لمن حذروه من مواصلة رحلته، حتى وصل إلي ذمار حيث وقع في الأسر هو ورفاقه.

وتكرر الوضع بالنسبة لزيد الموشكي الذي كان يريد التوجه إلي صنعاء، وغادر تعز متجهاً إلي الحديدة، حيث القي القبض عليه هو والخادم غالب ورفاقهم بينما تمكن عدد من الثوار من النجاة بأنفسهم إلي خارج اليمن.

لقد شكل القبض علي قادة الأحرار الذي تزامن مع الحصار المحكم حول صنعاء ضربة جديدة للثورة اليمنية خاصة بعد أن انقلب الكثير من الذين أظهروا تأييدهم للثورة عليها حتى في المدن التي خضعت للثورة مثل تعز وآب والحديدة.(59)

ولجأ عبد الله الوزير وقيادة الثورة إلي إرسال برقيات الاستغاثة إلي الجامعة العربية ورؤساء وملوك الدول العربية بتاريخ 12/3/1948 – أي قبل يوم واحد من سقوط صنعاء – الذي جاء فيها" لقد حكمنا الجامعة العربية وصارت مسئولة عن الحالة في اليمن ونحن الآن لا نطلب من الجامعة ولا من الحكومات العربية مساعدتنا وتأييدنا بعد التحكيم ولكنا نطلب إنقاذ عشرات الآلاف من سكان صنعاء من هجمات القبائل المتوحشة بإرسال طائرات تفرق شملهم حتى يستطيع القائمون بالأمر في صنعاء المحافظة علي النفوس والأموال والذخائر إلي أن يصل وفد الجامعة ويقرر مصير اليمن، ولا يستطيع أحد من المسئولين وقف هذه العصابات الثائرة لأن مبدأها النهب والسلب والدليل علي هذا أنهم نهبوا قصر الإمام الراحل في الروضة خارج صنعاء فلم يبق إلا أن توقفوا أنتم بأنفسكم هجمات القبائل حتى يجري التحكيم في جو هادئ.(60)

كما اجتمعت قيادة الثورة لمواجهة هذه الأخطار، وتم وضع خطة لمواجهة الموقف تقوم علي أساس اتخاذ تعز عاصمة ثانية لحكومة الثورة، واتخاذ رداع قاعدة عسكرية للثورة علي أن يقوم عبد الله الوزير إلي رداع لوضع القاعدة العسكرية للثورة، وتحصين المرتفعات المطلة علي صنعاء، وسحب كمية كبيرة من المال والذخيرة والمعدات الحربية من صنعاء إلي رداع.

إن هذه الخطة التي وضعت مع بداية الأسبوع الثالث من الثورة توضح الإحساس بالخطر الشديد، ومحاولة قادة الثورة البحث عن قاعدة عسكرية بديلة، واتخاذ عاصمة ثانية يمكن اللجوء إليها في حالة سقوط صنعاء، إلا أن هذه الخطة لم تجد طريقها للتنفيذ، ورفض عبد الله الوزير الخروج إلي قاعدة رداع، ويبدو أنه كان ما زال يحسن الظن بالجامعة العربية، وأن مركزه ما يزال قوياً بين القبائل، وأن مغادرته صنعاء قد يعرضها للسقوط.

وأمام المخاطر المحدقة، والحصار المحكم لصنعاء اقترح علماء صنعاء إجراء مفاوضات ومصالحة مع الأمير أحمد حفظاً للسلم، وصيانة للأرواح والأموال، وقد أبدي كل من الوزير وأحمد موافقته علي الاقتراح غير أن أحمد سرعان ما غير رأيه، وضاقت الحلقة علي صنعاء بالرغم من جهود جمال جميل للدفاع عن العاصمة، واتخاذه العديد من الترتيبات العسكرية للدفاع عنها، إلا أن جهوده ذهبت أدراج الرياح فلم يكن معه إلا عدد قليل من شباب المدارس والكليات الحربية وبعض أفراد من القبائل والجيش، بينما القبائل تزحف بقوة ومن كل صوب علي العاصمة، وتنضم إليها كتائب الجيش النظامي من كل مركز حتى من صنعاء حيث التحقت معظم الكتائب النظامية التي كانت بصنعاء وحولها بمعداتها بقوات أحمد.(61)

وبينما كانت صنعاء علي وشك السقوط علي أيدي القبائل وقوات أحمد، كان الوفد اليمني يبذل محاولة أخيرة مع الملك عبد العزيز لإنقاذ الموقف، وقد تولي الفضيل التحدث باسم الوفد أمام الملك عبد العزيز حيث أوضح سوء الحال باليمن، وأن اليمن كلها قد بايعت عبد الله الوزير بالإمامة، وأن القبائل تقوم بالإغارة على صنعاء بقصد السلب والنهب، وطلب من الملك والجامعة العربية بإرسال بضعة طائرات من القنابل والدبابات لإرهاب هؤلاء اللصوص، وإذا تقاعست الجامعة العربية عن ذلك فمعناه أنها تحمي اللصوص وتدافع عنهم، وحاول الورتلاني الطعن في الجامعة العربية، فذهب الملك غاضباً وقال له "بل أنت اللص، أنت وزملاؤك الذين قتلتم الإمام يحيى ولم تراعوا سنية التسعين ولا جهاده في سبيل استقلال اليمن وحمايتها من الأجنبي أربعين سنة".(62)

وهكذا فشلت مساعي الوفد اليمني، ليس ذلك فحسب بل كان عليه أن يغادر السعودية، فقد سقطت العاصمة صنعاء عقب هذه المقابلة، وكان علي الوفد أن يبحث عن مأوي يلجأ إليه.

سقوط صنعاء ونهاية الثورة:

وفي يوم 13/3/1948 جاءت ساعة النهاية، وسقطت صنعاء في أيدي قوات القبائل حيث أذاع راديو صنعاء أن القوات الموالية لسيف الإسلام أحمد دخلت العاصمة صباح اليوم حوالي الساعة التاسعة صباحاً.(63)

وكان سقوط صنعاء هي النهاية الحتمية المتوقعة علي ضوء تطورات الأحداث، فقد فشلت كل محاولات الحكومة اليمنية لإنقاذ الموقف سواء علي الصعيد الدبلوماسي، أو علي صعيد الوضع العسكري، وكذلك فشلت آخر محاولة قامت للصلح بين ابن الوزير وأحمد، وكانت نقطة النهاية للثـورة هي نفسها نقطة البداية لها، حيث مقر غمدان الذي كان استيلاء عبد الله الوزير عليه في بداية الثورة هي نقطة البداية لانتصارها، وكذلك جاءت نقطة النهاية للثورة من مقر غمدان حيث حدثت المؤامرة للقضاء علي الثورة، وكان أولاد الإمام يحيى قد أودعوا في مكان بقصر غمدان بالقرب من مقر عبد الله الوزير الذي تسامح معهم، ورفع عنهم الرقابة، وقد استطاعوا الاتصال ببعض الموالين لهم في القصر وفي صنعاء، كما اتصلوا بالأمير أحمد، وتم تنفيذ الانقلاب علي عبد الله الوزير داخل القصر ووقع القصر تحت سيطرة أولاد يحيى، بعد أن قطعوا خط التليفون بين قصر غمدان ومقر جمال جميل، وأطلقت المدفعية من جربة المدافع – وهو مكان استراتيجي كان يوجد في قصر السلاح – علي مقر عبد الله الوزير، الذي استسلم مع رفاقه، وتم إشعال النيران من قصر غمدان إشارة للنجاح في التغلب علي عبد الله الوزير، وكانت هذه الإشارة إشارة البدء حيث أشعلت النيران من على سطوح أتباع أحمد في صنعاء، وصاحبها إطلاق النيران، والهتافات العالية بدخول الإمام أحمد إلى قصر غمدان والقبض علي عبد الله الوزير، وقد أدي خبر القبض علي عبد الله الوزير، وإشاعة دخول أحمد قصر غمدان إلي استيلاء الرعب علي من تبقي من الحاميات الموالية للثورة علي الأبواب والأسوار، مما جعلهم يتسابقون في إعلان ولائهم لأحمد، واندفعت القبائل داخل صنعاء تمارس السلب والنهب وتهاجم البيوت والمحلات، ولم يستطع إلا القليل من رجال الثورة النجاة، وتم القبض علي قيادات الثورة، وعلي رأسهم عبد الله الوزير وجمال جميل والكبسي، وجري اعتقال ما يقرب من ألف شخص من الضباط والعلماء والأدباء والمثقفين والتجار والمشايخ وطلاب الكلية الحربية بالإضافة إلي بعض الفدائيين الذي قدموا من عدن لمناصرة الثورة.(64)

وتم إعدام 32 من الثوار علي رأسهم عبد الله الوزير، وجمال جميل والكبسي والعنسى والحورش وكذلك سيف الحق إبراهيم الذي مات في السجن مسموماً، كما زج في السجن بالكثير من الثوار، والذي قدر لبعضهم أن يلعب دوراً في تاريخ اليمن كالسلال والثلايا وحمود الجائفى وعبد الرحمن الأرياني وأحمد المروني.

أما صنعاء فقد وكل أحمد أمرها إلي إخوته الحسن والعباس وعلي وإسماعيل، حيث تم السماح للقبائل بنهب وسلب العاصمة مكافأة لهم علي موقفهم من أحمد، ومناصرتهم له، وعلي مرأى من هؤلاء الأمراء نهبت أسواق صنعاء، والكثير من البيوت والمساكن، وروعت النساء والأطفال، وبعد أسبوع من القتل والسلب توقفت القلاقل في صنعاء بعد أن فقد خمسة آلاف شخص أو أكثر حياتهم.

وتذكر الطبيبة الألمانية، ايفاهويك والتي كانت تقيم أثناء أحداث الثورة في تعز، أن جنود أحمد قد عاثوا نهباً وسلباً في صنعاء، وأن بعض هؤلاء الجنود قد روي بعد وصولهم إلي تعز أن أحمد رغبة منه في اجتذاب جميع الجنود إلي صفه لمهاجمة صنعاء وعدهم بأن ينهبوا المدينة باستثناء بيوت معينة تضم بيوت الأوربيين، كما أن نهب صنعاء كان وسيلة لإنزال العقاب بالرعايا من العصاه.(65)

أما الأمير أحمد فقد دخل العاصمة في 14 مارس، حيث بويع من جانب علماء صنعاء في 15 مارس كإمامٍ وملكٍ لليمن، وكان قد اتخذ لنفسه أثناء الثورة لقب الناصر لدين الله، كما أنه أطلق علي اليمن أسم "المملكة المتوكلية اليمنية" تخليداً لذكري والده يحيى الذي كان يحمل لقب المتوكل علي الله، وقد غادر أحمد صنعاء إلي تعز التي اتخذها عاصمة ثانية لليمن، والتي أصبحت مقراً له طوال عهده.(66)

وقد سارع أحمد إلي مخاطبة وفد الجامعة العربية الذي كان قد توجه من الرياض إلي جده، ألا يكلف نفسه عناء السفر والمشقة إلي اليمن، وأن الله كفي المؤمنين القتال.

وكان عزام باشا والوفد قد توجه إلي جده بعد سقوط صنعاء، ثم غادر عزام جده إلي القاهرة لمتابعة الأحداث في فلسطين، بينما استمر الوفد في جده بناء علي رأي عزام في انتظار وعد أحمد بتحديد موعد ملائم لزيارة اليمن، إلا أن القضاء علي الثورة، واستتباب الأمن جعل من الزيارة غير ذات موضوع(67).

وبذلك انتهت مهمة وفد الجامعة العربية إلي اليمن، والذي لم تطأ أقدام أعضائه أرض اليمن، وبعد أن لعب دوراً كبيراً في إجهاض الثورة، وتأييد أحمد في مطالبته بعرش اليمن.

ويبدو أن خطوه أحمد للحيلولة دون وصول وفد الجامعة العربية إلي اليمن - بالرغم من أنها كانت تعني الاعتراف بنظامه - كان الهدف منها تجنب أي ضغوط لإصدار عفو شامل عن الثوار، وكان الاتجاه داخل اللجنة السياسية للجامعة العربية، التي عقدت في بيروت في 18 مارس عدم الاعتراف بأحمد ملكاً لليمن إلا بعد الدخول في مفاوضات تهدف لحملة علي إصدار العفو الشامل، ولكن الملك عبد الله أجهض هذه المحاولة بمسارعته بالاعتراف بالإمام الجديد حيث أرسل في 15 مارس برقية تهنئة إلي أحمد كملك لليمن، وتبعه عبد الإله الوصي علي العرش في العراق، وبذلك تم قطع الطريق علي محاولة اللجنة السياسية، التي لم يعد أمامها إلا الاعتراف بالأمر الواقع، والاعتراف بأحمد ملكاً لليمن، مع إظهار رغبتها في العفو عن الثوار(68).

وأرسل عبد الرحمن عزام إلى الملك عبد العزيز برقية بقرار اللجنة السياسية، اعترافها بالإمام أحمد ملكاً لليمن، ودعوة وفدها للعودة، وناشد عزام الملك عبد العزيز أن يبذل النصيحة للإمام أحمد ليضرب مثلاً في العفو والغفران عن الخصوم، كما أرسل عزام برقية لأحمد بالاعتراف به ملكاً علي اليمن وفقاً لقرار اللجنة السياسية(69).

وتوالت اعترافات الدول العربية بالنظام الجديد، وأرسل الملك فاروق برقية تهنئة للملك أحمد في 18 مارس، وكانت سوريا ولبنان آخر من أعترف بالإمام أحمد ملكاً(70).

وبدخول أحمد صنعاء، واعتراف جامعة الدول العربية به ملكاً لليمن، انتهت الثورة اليمنية بالفشل بعد أن استمرت 26 يوماً منذ مقتل الإمام يحيى في 17 فبراير 1948 حتى سقوط صنعاء في 13 مارس 1948، لتعود اليمن مرة أخري إلي حكم الإمامة ولكن بطبيعة الحالة كان من الصعب إعادة حركة التاريخ إلي الوراء، فلم يكن من المتوقع أن تعود الأوضاع القديمة علي وضعها مرة أخري بعد أحداث هذه الثورة، وبعد أن ازداد الوعي بفساد هذا النظام البالي، الذي جلب لليمن العزلة والتخلف.

موقف بريطانيا من الثورة اليمنية :

من المهم التوقف عند موقف بريطانيا من الثورة اليمنية، فقد اعتمد أحمد في دعايته ضد النظام الجديد علي اعتماد هذا النظام علي القوات الأجنبية، وأنهم باعوا اليمن للنصارى، وقد وجهت الاتهامات للنظام الجديد بالعمالة، وأن الإنجليز قدموا العون لهم وقد ناقش السلال هذه الاتهامات والرد عليها بشيء من التفصيل نافياً هذه الاتهامات(71).

وتكشف الوثائق البريطانية حقيقة الموقف البريطاني من الثورة، ففي مذكرة لوزارة الخارجية البريطانية عن الثورة اليمنية، أكدت أن هناك مميزات في اتخاذ موقف ودي من عبد الله الوزير إذا استقر الأمر له، فإذا أيدت بريطانيا النظام الجديد فسيكون هناك فرصة طيبة لضمان السماح بتمثيل دبلوماسي بريطاني في صنعاء، ورسم الحدود بين اليمن ومحمية عدن علي أسـاس معاهدة 1934، ولكن في نفـس الوقت إذا انهار النظام فسيكون موقف بريطانيا أسوأ.

وعلي هذا الأساس تركت وزارة الخارجية البريطانية حرية الحركة للحاكم البريطاني في عدن مع التأكيد علي الحذر وعدم اتخاذ أي شئ يعتبر اعترافاً ضمنياً بها قبل أن يكون على يقين من استقرار الثورة وهو ما يعني أن القرار البريطاني كان يعني الانتهازية، والانتظار حتى تتضح الأمور.

وقد أكد سمارت الوزير المفوض للشئون الشرقية بالسفارة البريطانية لسيف الإسلام عبد الله أن الحكومة البريطانية لم تعترف بالإمام الوزير، ولن تعترف بأي إمام في اليمن حتى تهدأ الأمور ويستقر النظام(72).

ومن الواضح أن السياسة البريطانية فضلت سياسة الترقب والانتظار حتى تستقر الأمور، وعدم التورط في مساندة النظام الجديد خشية من سقوطه، وتعريض المصالح البريطانية للخطر، وهذا الموقف البريطاني يتفق مع السياسة التقليدية البريطانية القائمة علي لغة المصالح.

وبعد فشل الثورة واعتراف الجامعة العربية بأحمد ملكاً علي اليمن، طلب أحمد من بريطانيا وفرنسا وأمريكا الاعتراف به، وكانت أمريكا متلهفة علي الاعتراف ، ولكن بريطانيا طلبت منها الانتظار حتى تختار بين الطرفين المتنازعين من وجهة نظر مصالح هذه الدول، وأن السيطرة علي البلاد تعد شرطاً أساسياً للاعتراف، وقد اعترفت الدول الثلاث بالإمام أحمد في وقت واحد في 21 أبريل.(73)

أسباب فشل الثورة اليمنية:

هناك عوامل داخلية وخارجية عملت علي فشل الثورة اليمنية:

أولاً : العوامل الداخلية

كان على رأس هذه العوامل الإعلان الكاذب عن وفاة يحيى مما أدي إلي كشف الحركة وزعمائها، مما عجل بقيام الثورة، وكان نجاح الثورة وإعادة نشر الميثاق وقوائم الأسماء التي أعلنت من قبل خطأ آخر وقعت فيه الثورة، فكان نشر نفس الميثاق والأسماء مرتين في خلال شهر واحد تأكيداً لوجود مؤامرة ضد الإمام يحيى، خاصة أن الثورة أعلنت في البداية خبر وفاته، ولم تعلن حقيقة مقتلة، وكان من حسن السياسة عدم إعلان نفس القوائم والميثاق الوطني حتى تستقر الأمور للثورة، ولكن يبدو أن النجاح الذي حققته الثورة في اليوم الأول جعلهم لا يأخذون حذرهم.

كما لعب قتل الإمام يحيى دوراً في إثارة القبائل خاصة الشمالية المناصرة لأسرة حميد الدين، والتي ناصرت أحمد.

وكان من العوامل الحاسمة نجاة أحمد من عملية الاغتيال بما كان يملكه من كفاءة ومهارة حربية، وكان ذلك أول معول في جدار الحكم الجديد.

كما لعب عدم الوعي لدي الشعب اليمني نتيجة الجهل والتخلف الذي كان يعاني منه اليمن دوراً كبيراً في فشل الثورة حيث تركزت الثورة في قطاعات الضباط والمثقفين والمتعلمين وعلماء الدين والتجار، ولم تتجاوز هؤلاء إلي باقي أفراد الشعب، وقد حاولت قيادات المعارضة التي أدركت هذا الجانب تعويض ذلك باختيار إمامٍ جديداً بدلاً من إلغاء الإمامة إلا أن ذلك لم يأت بالنتيجة المطلوبة.

كما لعبت الاختلافات بين الثوار دوراً في فشل الثورة، فقد تدافع بعض أدعياء الثورة والنضال علي اليمن وتسللوا إلي المراكز الأولي، وفي الوقت التي لم تكن الثورة قد استقرت بعد، كانت تنهال طلبات الإصلاح والمشروعات علي الحكم الجديد، فضلاً عن انشغال العديد من المسئولين الجدد بأمور تافهة(74) .

كما كان لتراخي عبد الله الوزير، أثره في فشل الثورة، وبصفة خاصة نكوصه عن القيام بنفسه في بداية الثورة بمطاردة أحمد قبل أن تستفحل قوته، هذا فضلاً عن عدم اتخاذه قرارات حازمة لحفظ الأمن ومواجهة أعداء الثورة، ولذلك لم يكن من المستغرب أن تندلع المؤامرة ضد الثورة من مقره في غمدان، ويذكر عبد الله الفسيل أن سيف الحق إبراهيم قد عارض سياسة التردد التي مارستها الحكومة الجديدة وانذرها بالفشل قبل أن يتوقعه أحد، واستنكر عدم آخذها بالحزم الذي يتطلبه الانقلاب، وقال لهم "إنكم منهزمون في أنفسكم وكل أعمالكم تدل علي أن رهبة الطغيان لا تزال تجري في دمائكم إنكم تعملون عمل المتوقع للهزيمة والخذلان"(75).

كما فشلت الثورة في العمل علي تعبئة القبائل الموالية لها، والتي كان يتمتع فيها عبد الله الوزير بنفوذ واضح، وحصرت نفسها في صنعاء.

كما كان هناك قصور من الناحية العسكرية تجلي في فشل الحملتين اللتين تم توجيههما لمقاتلة أحمد في حجة نتيجة أخطاء عسكرية فادحة، كما أن القيادة العسكرية حصرت كل جهودها في مطاردة أحمد في مقره، ولم توجه جهودها لفرض سيطرتها في المناطق الأخرى.

كما كان السماح للقبائل بنهب العاصمة من جانب أحمد وأخوته سيوف الإسلام أثره في فشل الثورة بعد أن اندفعت القبائل نحو صنعاء طمعاً في كنوز وأموال الإمام الراحل، خاصة بعد أن انطلقت القبائل دون عائق بعد أن تحررت من القيود التي قيدها بها الإمام يحيى.

ثانياً: العوامل الخارجية

كان اعتماد الثورة علي الجامعة العربية من أكبر الأخطاء التي وقعت فيها الثورة، فقد اعتمدوا علي الوعود التي قطعها لهم عبد الرحمن عزام عن طريق علي الوزير والفضيل والإخوان المسلمين، وكان هذا خطأهم الأكبر، فقد كانت الثورة اليمنية تمس بصورة مباشرة الأنظمة الملكية التي لم تكن لتقبل بحكم جديد قام علي قتل ملك حتى ولو استبدل بملك آخر، لأن هذا كان يعني ترسيخ فكرة المبايعة وليس الوراثة، فضلاً عما نادت به الثورة من حكم دستوري، وهو أمر لم يكن مقبولاً من السعودية التي خشيت أن يمتد أثر هذا الحكم إليها، فضلاً عن الخشية والقلق من تطبيق نموذج اليمن عليهم.

ولذلك كان اعتماد الثورة والإخوان المسلمين علي وعود عزام والجامعة العربية خطأ كبيراً ففي النهاية فإن عزام موظف كبير يحمل لقب الأمين العام للجامعة العربية – بالرغم من أن شخصيته كثيراً ما كانت تتجاوز وظيفة وصلاحيات الأمين العام – ولم يكن يستطيع أن يتصادم مع إدارة الملوك والرؤساء، وهو ما عبر عنه عزام بأنه يقود سيارة بدون عجل، فضلاً عن الجامعة العربية كانت في بدايتها، وكانت أول مرة تواجه مثل هذه الحالة الداخلية.

ولعل الاتهامات التي ما تزال توجه إليها حتى الآن بالسلبية وعدم الفاعلية، تماثل نفس الاتهامات التي وجهت إليها في حوادث اليمن، والذين يوجهون هذه الاتهامات يتناسون أن قرارات الجامعة تعبر عن إرادة دول الجامعة العربية، التي كثيراً، ما غلبت المصالح الذاتية علي المصالح العربية العليا، ومهما كان دور الأمين العام للجامعة وكفاءته فإنه لن يستطيع أن يفعل أي شئ دون الحد الأدنى من توافق دول الجامعة العربية، وإذا كانت الثورة اليمنية قد أخطأت وكذلك الإخوان في الاعتماد الكبير علي الجامعة العربية فإن هناك فارقاً بين الخطأين فالثورة اليمنية كان أمامها مجالات كثيرة للعمل علي نجاح الثورة، ولكنها أخفقت في استغلالها، أما الإخوان فهم في النهاية هيئة شعبية – بالرغم من قوتها – فإن مساحات العمل أمامها محدودة، وكان من ضمن المجالات المحدودة أمامهم الجامعة العربية واستغلال علاقتهم بعزام لتأييد الثورة اليمنية.

وقد عبر علي الوزير عن خطأ الاعتماد علي الجامعة العربية بقولة " لقد كانت مصيبة الاطمئنان والثقة بالجامعة من أشد العوامل التي كانت سبباً لتلك النكبة".(76)

كما لعبت الدول العربية الملكية دوراً كبيراً في إجهاض الثورة عن طريق تقديم العون المادي والمعنوي والدبلوماسي لأحمد، وبصفة خاصة من جانب السعودية التي قدمت الدعم المادي والدبلوماسي وحرضت القبائل ضد الثورة فضلاً عما قيل عن تقديم المساعدة العسكرية، كما عملت الدول العربية علي إجهاض مهمة وفد الجامعة العربية عن طريق التسويف والمماطلة حتى استقرت الأمور لسيف الإسلام أحمد.

ولعل الرسالة التي أرسلها الملك عبد الله إلي عزام بعد انتهاء الثورة اليمنية تعبر عن شعور الدول العربية الحقيقي تجاه اليمن، فقد أعرب عبد الله في برقيته عن سروره لانتهاء مسألة اليمن بغير مشقة، وانتهائها برجوع الحق إلي أهله، وأن اليمن الآن بيد إمامة، ومن الخير أن تترك تلك البلاد تعمل لنفسها بنفسها، وأن لا يتدخل فيها من هم غرباء عنها سواء من الإخوان المسلمين أو من الآخرين.(77)

وقد علق مسئول لبناني علي موقف الدول العربية من أحداث اليمن قائلاً "لو اتحد ملوك العرب في قضية فلسطين كما اتفقوا ضد الأحرار في اليمن ما كان في فلسطين حكومة يهودية"(78).

الآثار المترتبة علي فشل الثورة اليمنية:

إذا كان فشل الثورة اليمنية أدي إلي إرجاع الحكم إلي بيت حميد الدين، وأدي إلي استمرار سياسية العزلة والتخلف التي فرضوها علي اليمن، كما أدت إلي قتل العشرات من قادة الحركة، وعلي رأسهم عبد الله الوزير، واعتقال المئات، فضلاً عن تشريد العدد القليل من القادة الذين استطاعوا الهرب خارج البلاد، إلا إن الثورة اليمنية كان لها العديد من الآثار الإيجابية.

لقد كان شعب اليمن أول شعب عربي يتمرد علي الحكم الفردي، ويحاول تطبيق الحكم الدستوري وهي المحاولة التي كادت تنجح لولا تآمر الرجعية العربية.(79)

وقد عملت الثورة علي إيقاظ الوعي لدي قطاعات كبيرة من الشعب اليمني بقدرته علي تقرير مصيره، فكانت الثورة بمثابة مدرسة عامة للشعب، أوضحت له أن له حقوقاً وعليه واجبات، كما زلزلت حكم الفرد، وردت إلي المستضعفين الثقة في أنهم يستطيعون أن يعملوا شيئاً، وأسقطت هيبة وألوهية أسرة حميد الدين.(80)

كما عملت الثورة علي تحطيم بعض أسوار العزلة المفروضة علي اليمن، فبالرغم من سياسة أحمد التي تميزت باستمرار المحافظة علي العزلة إلا أنه أضطر إلي اتخاذ بعض الإصلاحات، حيث عرفت اليمن بعض المخترعات الحديثة مثل سماح أحمد باستخدام مزيد من الكهرباء في إنارة البيوت الخاصة، وضخ الآبار داخل المدن، والتوسع في استخدام السيارات، وتقوية الإرسال الإذاعي، وتبادل التمثيل الدبلوماسي مع بعض الدول الأجنبية.(81)

كما أكدت ثورة 1948 أهمية الاتجاه العربي حيث شارك في الثورة بعض أبناء البلاد العربية الأخرى فمن الجزائر الفضيل الورتلاني، ومن العراق جمال جميل، ومن لبنان رشيد سنو مدير الصحافة والنشر، ومن مصر مصطفى الشكعة مدير الإذاعة، وبهذا جسدت الثورة بصورة عملية أهمية الوحدة العربية(82) هذا بالإضافة للدور الكبير الذي قام به الإخوان المسلمون .

ويمكن القول إن أهم الآثار التي ترتبت على الثورة اليمنية عام 1948، أنها أوجدت جيلاً من الأحرار الذي آمنوا بضرورة التغيير، والقضاء علي نظام الإمامة الفاسد، بالرغم مما تعرضوا له من تشريد واعتقال عقب فشل الثورة، إلا أنهم عملوا علي تحقيق الثورة، وشاركوا في المحاولات التي قامت للانقضاض علي حكم الإمامة حتى كللت جهودهم بالنجاح بقيام ثورة سبتمبر 1962 .

هوامش الفصل الثاني

(1) الشماحي : المرجع المذكور ، ص 223 – 224.

(3) مركز الدراسات : المرجع المذكور ، ص 258 – 259.

(4) الأهرام ، 18/1/1948.

(5) الشماحي: المرجع المذكور ، ص 221-222.

(6) الأسودي : المرجع المذكور ، ص 92 – 93.

(7) مركز الدراسات : المرجع المذكور ، ص 256. يذكر أحمد عادل كمال والوكيل رواية متشابهة مفاداها أن الأمام يحيى مرض مرضاً شديداً ودخل في غيبوبة طويلة أعلن الأطباء علي أثرها وفاته ، فأعلن النبأ ، ولكن الإمام دبت فيه الحياة من جديد انظر أحمد عادل كمال : المرجع المذكور ص 204 – 205 ، الوكيل : المرجع المذكور ، ص 109.

(8) السلال : المرجع المذكور ، ص 82 – 83.

(9) مركز الدراسات : المرجع المذكور ، ص 369.

(10) مركز الدراسات : المرجع المذكور، بحث لي دوجلاس ، ص 255 – 258.

(11) السلال : المرجع المذكور ، صفحات 66، 85 – 86.

(12) محسن محمد : المرجع المذكور ، ص 233 – 235.

(13) مركز الدراسات: المرجع المذكور، ص 411 – 414. وهناك إشادة من جانب الفضيل بجمال جميل فقد ذكر أنه قال أن أسباب الثورة كثيرة وأهمها أن اليمنيين جميعاً يريدون الثورة وفي نفس الوقت لا يريد أحد منهم الموت باستثناء الموشكي وجمال جميل أنظر نفس المرجع ، ص 375.

(14) الاسودي :المرجع المذكور ، ص 93.

(15) الوشاحي : المرجع المذكور ، ص 224.

(16) السلال : المرجع المذكور ، ص 87 – 89.

(17) نفس المرجع ، ص 86 – 87 ، محسن محمد : المرجع المذكور ، ص 237.

(18) عبد العزيز علي : المرجع المذكور ، ص 251 – 252.

(19) الشماحي : المرجع المذكور ، ص 225 – 227 ، السلال : المرجع المذكور ، ص 90 – 91 ، عبد القادر حمزة : ليلتان في اليمن ، القاهرة ، 1948 ، ص 19-20. ويذكر الجرافي أن علي ناصر القردعي الذي قاد عملية الاغتيال كان معه خمسة عشر رجلاً انظر عبد الله الجرافي : المقتطف من تاريخ اليمن، القاهرة ، 1951 ، ص 259. ويوجد خلافات بسيطة حول عملية الاغتيال لا تغير من مضمون العملية أي شئ.

(20) الشماحي : المرجع المذكور ، ص 228 – 230 ، السلال : المرجع المذكور ، ص 92-99.

(21) محمد يحيى حداد : تاريخ اليمن السياسي ، القاهرة ، 1976، ص 180.

(22) محافظ عابدين ، محفظة رقم (127) ، اليمن ، المصرى ، 26/2/1948.

(23) أمين سعد : اليمن تاريخه السياسي منذ استقلاله في القرن 3هـ ، القاهرة ، 1959 ، ص 139.

(24) الأهرام ، 19/2/1948 ، المصري / 19/2/1948.

(25) الأهرام ، 20/2/1948.

(26) أمين سعد : المرجع المذكور، ص 140 ، الأهرام ، 22/2/1948.

(27) عبد العزيز محمد : المرجع المذكور ، صفحات 245 ، 254.

(28) محافظ عابدين ، محفظة رقم (127) اليمن.

(29) نفس المرجع .

(30) عبد القادر حمزة : المرجع المذكور، ص 84 ، محسن محمد : المرجع المذكور ، ص 249 –250 نجيب أبو عز الدين:عشرون عاماً في خدمة اليمن ، دار الباحث ، بيروت ، 1990 ، ص 131 ، الأهرام 24/2/1948 المصري ، 28/2/1948.

(31) نفس المرجع : ص 86.

(32) إيفا هويك : المرجع المذكور ،ص 67.

(33) الشماحي : المرجع المذكور ، ص 232 – 240 ، السلال : المرجع المذكور ، صفحات 112-113 ، 129-131 ، محمد يحيى حداد: المرجع المذكور ، ص 380 – 381.

(34) أخبار اليوم ، 28/2/1948 ، المصري ، 26/2/1948.

(35) الأهرام ، 24 و 25/2/1948.

(36) محافظ عابدين، المرجع المذكور، برقيتان من أمير المؤمنين أحمد بن أمير المؤمنين إلي الولد علي المؤيد بتاريخ 25/2/1948.

(37) المصري ، 26/2/1948.

(38) الشماحي : المرجع المذكور ، ص 235.

(39) نفس المرجع ، ص 231 – 233 ، السلال : المرجع المذكور ، ص 112 – 113.

(40) حسين حسني : المرجع المذكور ، ص 235 – 237.

(41) المصري ، 28/2/1948.

(42) حسين حسني : المرجع المذكور ، ص 237 – 241.

(43) الأهرام ، 5و9/3/1948.

(44) الوثائق الهاشمية ، المجلد الرابع ، عمان ، 1994 ، ملحقة وثيقة رقم (38ب). (124 - 196) رسالة مرسلة إلى عزام عن طريق الوزير المفوض للملكة الأردنية في مصر بتاريخ 11 مارس . وقد ذكرت جريدة المقطم أن الملك عبد الله بعث برقية لابن الوزير يدعوه للتسليم ودعوة سيف الإسلام أحمد إلي صنعاء لتولي الإمامة، وإن هذا العمل كفيل بوقف القبائل عن مهاجمة صنعاء ، وأنه يرحب به إذا اختار الإقامة في الأردن أنظر المقطم ، 12/3/1948.

(45) الأهرام ، 23/2/1948، و 8/3/1948.

(46) محسن محمد : المرجع المذكور ، ص 256 – 257.

(47) حسين حسني : المرجع المذكور ، ص 239 – 241.

(48) الإخوان المسلمون ، 8/3/1948.

(49) حسين حسني : المرجع المذكور ، ص 237 –238.

(50) المصري ، 26/2/1948.

(51) الشماحي : المرجع المذكور ، ص 241 – 244.

(52) السلال : المرجع المذكور ، ص 129 – 130.

(53) عبد القادر حمزة : المرجع المذكور ، ص 62 – 63 ، الأهرام 29/2/1948.

(54) نفس المرجع ، ص 77 – 78.

(55) صلاح العقاد : المرجع المذكور ، ص 591 نقلاً عن المصري ، 8/3/1948.

(56) الأهرام ، 8/3/1948 ، الإخوان المسلمون ، 8/3/1948.

(57) المصري، 9/3/1948.

(58) مركز الدراسات : المرجع المذكور ، ص 482 – 486.

(59) الشماحي : المرجع المذكور ، ص 347 – 251.

(60) محافظ عابدين ، محفظة رقم (127) ، الوثائق الهاشمية : وثيقة رقم (38ج) (18 - 196) برقية من صنعاء عن طريق سوريا في 12/3/1948 مستعجل إلي عبد الله بن الحسين.

(61) الشماحي : المرجع المذكور ، ص 252 – 257 ، السلال : المرجع المذكور ، ص 132 - 134.

(62) عبد القادر حمزة : المرجع المذكور ، ص 80، حسين حسني : المرجع المذكور ، ص 241 الأهرام ، 23/3/1948 ، أخبار اليوم ، 13/3/2002 وتتفق الروايات المختلفة علي مضمون ما دار في المقابلة.

(63) محافظ عابدين ، محفظة رقم 127 ، تلغراف إلي رئيس ديوان الملك من جدة بتاريخ 13/3/1948.

(64) الشماحي : المرجع المذكور ، ص 261 – 265 ، السلال : المرجع المذكور ، ص 134 – 135.

(65) محمد عبد الرحمن : المرجع المذكور ، ص 68 ، مؤلفين روس : المرجع المذكور ، ص 87.

(66) شرف الدين : المرجع المذكور ، ص 322، أدوجار أوبالاتس: المرجع المذكور ، ص 76 – 77 .

(67) إيفا هويك : المرجع المذكور ، ص 75.

(68) مؤلفون روس : المرجع المذكور ، ص 86 – 87 ، محمــد يحيى حــداد : المرجع المذكور ، ص 384.

(69) المصري ، 16/3/1948.

(67) حسين حسني : المرجع المذكور ، ص 241 – 242.

(68) الأهرام ، 19 / 3 / 48 ، المصري ، 16 /3/1948.

(69) المصري ، 24/3/1948.

(70) أحمد عادل كمال : المرجع المذكور ، ص 212، صوت الأمة ، 22/3/1948.

(71) السلال : المرجع المذكور ، ص 116 – 131.

(72) محسن محمد : المرجع المذكور ، صفحات 242 – 243 .

(73) نفس المرجع ، ص 263.

(74) ومن ذلك انشغال ما لا يقل عن خمسة وزراء من الحكومة اليمنية بمتابعة الصناع الذين تم إحضارهم لتصنيع الأثاث الذي ستزود به حجرات الطابق الذي سينزل فيه وفد الجامعة العربية طوال النهار انظر عبد القادر حمزة : المرجع المذكور ، ص 70.

(75) محمد عبد الله الفسيل : كيف نفهم القضية اليمنية ، كتابين في مجلد ، 1406 هـ ، ص 172.

(76) مركز الدراسات : المرجع المذكور ، ص 484 ، ولعل ما يوضح الأهمية الكبيرة التي كانت تعلقها الحكومة اليمنية الجديدة علي الجامعة العربية ما رواه عبد القادر حمزة عند نزوله مطار صنعاء ، حيث وجد العديد من المستقبلين الذين كانوا في انتظار سيف الحق إبراهيم الذي لم تستطع طائرته الهبوط ، وظن الجميع أن الطائرة المصرية التي حملت حمزة هي طائرة الأمير إبراهيم ، وقد لاحظ حمزة بعد أن استقل السيارة التي كانت معدة لإبراهيم ودخل صنعاء أن سكان المدينة الذين اصطفوا علي الطريق كانوا ينشدون نشيد الجامعة العربية ، وهو نشيد بالرغم من أنه وضع في مصر فإن القليلين الذين يعرفونه وقد وجد حمزة الإجابة علي تساؤلاته حول كيف تسني لأهل صنعاء أن يحفظوا هذا النشيد؟ ومن الذي لقنه إياهم ؟ حينما نظر خلفه فوجد الفضيل الورتلاني أنظر عبد القادر حمزة : المرجع المذكور، ص 13 – 15.

(77) الوثائق الهاشمية: وثيقة رقم (38 و) (128 -196) ، عمان 26 مارس 1948 ، من الملك عبد الله ابن الحسين إلي عزام.

(78) محسن أحمد العيني : معارك ، ص 75 . ولعل ما يوضح عدم إدراك قادة الأحرار للموقف المتوقع من الدول العربية نتيجة قيام الثورة ما ذكره علي الوزير بأنه لم يكن يخطر ببالهم أن ابن سعود يعاون أحمد ويرسل لرؤساء القبائل بالتحريض ضدهم وأنه فعل ذلك خشية الحكومة الدستورية انظر مركز الدراسات : المرجع المذكور ، ص 484.

(79) الثور : المرجع المذكور ، ص 118.

(80) إبراهيم بن علي الوزير : لكي لا نمضي في الظلام ، دار الشروق ، القاهرة ، 1989، ص 68، الأسودي : المرجع المذكور ، ص 74 ، مؤلفين روس : المرجع المذكور ، ص 87.

(81) منسي : المرجع المذكور ، ص 286 ، أدوجار أوبالاتس : المرجع المذكور ، ص 79 ، إبراهيم بن علي الوزير : المرجع المذكور ، ص 68 – 69.

(82) عدلي حشاد وعطية عبد الجواد : المصدر المذكور ، ص 42.

الفصل الثالث: موقف الإخوان المسلمين من ثورة اليمن

"إن منهاجنا هو الإسلام ودستورنا هو القرآن"

"إني أحب الإخوان المسلمين وتربطني بهم رابطة روحية قوية وحكومتنا تعمل على تحقيق ما يدعو إليه الإخوان المسلمون "

عبد الله بن الوزير الذي تولى الإمامه عقب الثورة

أفضيل هذى مصر تحتفل
بلقاك فانعم أيها البطل
أمسيت لا أهل ولا وطن
وغدوت لا سفر ولا نزل
لم تقترف جرماً تدان به
كلا ولكن هــــــكذا البطل
إن الفساد إذا اعترى بلداً
فالمجرمون به هو الرسل


الشاعر على أحمد باكثير في استقبال الفضيل

موقف الإخوان المسلمون من الثورة اليمنية

وقف الإخوان المسلمون بقوة إلي جانب حركة المعارضة اليمنية، وقدموا لها كل الدعم المادي والمعنوي، وقاموا بإيفاد مبعوث لهم هو الفضيل الورتلاني الذي أطلق عليه – بحق – لقب مهندس الثورة، ولذلك يمكن القول – أن ما ذكره محمود عبد الحليم عن "أن الإخوان منذ عرفتهم كانوا يتمنون أن يتخلص اليمن من حكم الأئمة حتى تدب في أوصاله الحياة ......وأن فكرة إعداد الشعب اليمني للثورة قد نبتت في المركز العام "لا يحمل الكثير من المبالغة".(1)

لذلك كان موقف الإخوان الطبيعي التأييد والمساندة للثورة اليمن ية، وقد عبرت جريدة الإخوان عن هذا التأييد والمساندة بصورة واضحة لا لبس فيها، ووصفت الإمام الجديد فقالت " عرف الإمام عبد الله بن الوزير الإمام الجديد بدينه وتقواه، وفقهه وعلمه واجتهاده، وأصالة الرأي ونضوج الفكر، وعظيم الغيرة علي الدولة وأنه فقيه اليمن وشيخها وعالمها وحفيد الأئمة من آل الوزير".

وقالت صحيفة الإخوان : "لا ينتظر أن يحدث شئ من حروب أهلية، أو ثورات داخلية فإن الوضع الجديد اختمر في النفوس والرءوس من قبل، وهو أمنية الجميع رؤساء ومرءوسين".

ونشرت الصحيفة "الميثاق الوطني المقدس: وقالت أنها "تنفرد بهذا النشر لا في مصر وحدها بل في جميع بلاد الأرض".

ونشط الإخوان منذ اليوم الأول للثورة في مصر وسوريا والعراق للمطالبة باعتراف دول الجامعة العربية بعبد الله الوزير وحكومته، وهنأ المركز العام وصحيفة الجماعة "الأمة اليمنية الشقيقة بنظامها الجديد وإمامها الصالح"، كما أبرق المرشد العام للإمام مهنئاً بالإمامة، وأذاع راديو صنعاء البرقية.(2)

ومن الواضح أن نشر [[صحيفة الإخوان ]] للميثاق كان للمرة الثانية، حيث قامت بنشره من قبل عقب النبأ الكاذب بوفاة يحيى في 14 يناير 1948 كما سبق الإشارة إلي ذلك.

وقد جاءت أول إشارة إلي دور الإخوان المسلمين في الثورة في جريدة أخبار اليوم ، التي تصدر صفحتها الأولي في 21 فبراير مانشت "الحكومة اليمنية الجديدة تدعو الشيخ حسن البنا لاستشارته" وذكرت أن الكبسي أرسل برقية لعزام هذا نصها "نرجو تفضلكم بوصولكم ومن تستحسنون حضوره من رجال الحكومات العربية، وعباقرة رجالها مثل الأستاذ البنا ومن ترون".

وذكرت أن البنا لعب دوراً هاماً في هذا الانقلاب فقد كانت دار الإخوان مركزاً للأحرار اليمنيين المستوطنين في مصر حتى ان الإمام يحيي طلب رسمياً من الحكومة المصرية معاقبة الإخوان المسلمين لأنهم يتآمرون على قتله.(3)

وفي 22 فبراير أعادت جريدة الإخوان المسلمين التأكيد علي تأييدها للثورة، وأعلنت أن موقف الإخوان من أحداث اليمن ليس غامضاً ولا غريباً في هذه القضية من أولها إلي آخرها، وأن دار الإخوان في القاهرة مفتوحة الأبواب لكل أبناء الأمة العربية والإسلامية وقسم الاتصالات بالعالم الإسلامي، يوالي اجتماعاته بهم، ويتدارس معهم شئون أوطانهم، وأن اليمنيين كانوا يترددون علي الدار شأنهم شأن أبناء الأقطار العربية والإسلامية الأخرى فيجدون من الإخوان مشاركة في مشاعرهم وعطفاً علي مطالبهم، وأن الجمعية اليمنية الكبرى قد فوضت المرشد العام في التحدث باسمها أمام الجامعة العربة، وكتبت له بذلك، كما كتبت لعزام باشا بذلك، وأن الكثير من الأحرار قد أبرقوا يؤيدون هذا التفويض.

وأعلنت الصحيفة "أن النظام الثوري الجديد في اليمن يلقي من الشعب كل تأييد، وينال ثقته التامة، بل هي أمنيته وهدفه الذي لقي الأحرار في سبيل الوصول إليه كل صنوف العنت والاضطهاد وهو نظام مطابق لما يقضي به المذهب الزيدي الذي لا يقر الإمامة بالوراثة بل تكون بالبيعة ورضاء الشعب، وليس السيف أحمد – ولي العهد – بالشخص الذي ينال ثقة اليمنيين أو يجد فيهم أنصاراً يحدثون شغبا من أجله، واليمن هادئة مطمئنة إلي عهد الشورى وإلي القائمين عليه ولا ينقصها – حتى تستعيد تاريخها المجيد – إلا أن تؤازرها الجامعة العربية ودولها".(4)

كما رحبت مجلة الكشكول الموالية للإخوان المسلمين بالثورة اليمن ية وعبرت عنها بالانقلاب الإسلامي، وقالت "قضي الأمر وانهارت دولة الظلم والظلام وجاءت حكومة التحرير والأمان" وذكرت أن "جميع القوي الإسلامية في العالم اليوم … أن دعاة الفكرة الإسلامية في أركان الأرض يعلنون فرحهم واغتباطهم بهذا الانقلاب الإسلامي"(5).

وكانت نفس المجلة قد نشرت الخبر الكاذب عن وفاة الإمام يحيي بناء علي برقية إبراهيم بن يحيي إلي الصحف المصرية، وقد علقت علي ه الخبر بأنه لو كان صحيحاً فيكون قد مات أكبر ملوك العرب والمسلمين سناً بعد أن تجاوز التسعين، وأن بموته قد انطوت صفحة من صــفحات الحكم الأوتوقراطي في البلاد العربية ثم أخذت تعدد مساوئ حكمه.(6)

وفي إطار مساعي الإخوان لتدعيم الثورة ومساندتها قرر مكتب الإرشاد إيفاد وفد إلي اليمن من خمسة أعضاء برئاسة المرشد العام حسن البنا ، علي أن يترك له اختيار الأربعة الباقين، وقد قابل المرشد أمين عام الجامعة العربية يوم 23/2/1948 للاتفاق معه علي موعد سفر الوفد.(7)

كما بذل الإخوان جهداً كبيراً لحث الجامعة العربية علي التحرك السـريع لإرسـال وفد الجامعة بسـرعة، وكان الإخوان علي اتصال مسـتمر بعبد الرحمن عزام لحثه علي التحرك فقد كانوا يدركون أهمية وصول وفد الجامعة العربية إلي اليمن بما يحمله ذلك من تعزيز للنظام الجديد، ولذلك عملوا علي تحرك وفد الجامعة قبل توجه وفدهم إلي اليمن .(8)

وكان الإخوان يرتبطون بعلاقة وثيقة مع عبد الرحمن عزام خاصة عندما كان عبد الرحمن عزام يتولى وزارة الشئون الاجتماعية في وزارة علي ماهر عام 1939، لدرجة أن الإخوان استطاعوا إقناع عزام باقتراح إعلان الوزارة نفسها حكومة إسلامية، وطلبوا إليه إبلاغ علي ماهر باقتراحهم الذي لم يلق قبولاً من علي ماهر، كما كان اختيار عبد الرحمن عزام أميناً عاماً للجامعة العربية "أمنية عزيزة للإخوان".(9)

بعد تحديد موعد تحرك وفد الجامعة العربية عمل الإخوان علي تنفيذ قرار مكتب الإرشاد بإيفاد بعثة من الإخوان إلي اليمن ، وتم استئجار طائرة من شركة مصر للطيران، ودفعت نفقات الرحلة بتاريخ 28 فبراير ، غير أن عدم موافقة الحكومة علي سفر الطائرة بسبب الأوضاع في صنعاء أدي لاعتذار الشركة عن السفر إلا بتصريح من وزارة الخارجية، وقد أوضحت وزارة الخارجية أنها لم تمنع البعثة من السفر ولكنها أبلغت مصلحة الطيران المدني بما وصل إليها من معلومات عن تفاقم الحالة في اليمن ، والخطر التي تتعرض له الطائرات التي تحلق فوق اليمن ، وأوضحت أنها تركت لبعثة الإخوان المسلمين ولشركة مصر للطيران حرية التصرف في الأمر تحت مسئوليتهما، وقد قرر الإخوان القيام بالرحلة رغم ذلك.(10)

ولكن العراقيل لم تقف عند ذلك فقد كان من المقرر أن يرأس المرشد العام بعثة الإخوان إلي اليمن ولكن الحكومة حالت دون ذلك، وتكون الوفد من اثنين فقط عبد الحكيم عابدين سكرتير عام الجماعة ممثلاً للجماعة وأمين إسماعيل سكرتير تحرير جريدة الإخوان ممثلاً لصحيفة الإخوان ، وتوجه الوفد إلي اليمن في 3 مارس 1948 ، وقد لفت تخلف حسن البنا عن السفر إلي اليمن نظر عزام باشا الذي سأل عبد الحكيم عابدين عن ذلك، فاعتذر عابدين بمشاغل المرشد العام ومنها الشئون الخاصة بقضية اليمن .(11)

وقد ثارت تساؤلات حول أسباب تخلف حسن البنا عن السفر إلي اليمن ، فقد ذكر وفد الإخوان المسلمين عقب وصولهم إلي اليمن أن الحكومة المصرية منعت المرشد من الوصول إلي صنعاء، وأنه كان سيأتي في تلك الطائرة، وأن الملوك مستاءون من قتل يحيي.(12)

أما أمين إسماعيل فيذكر أن مسئولا كبيراً في ذلك الوقت أفضي إلي حسن البنا بعدم السفر إلي اليمن لأن سفره معناه عدم عودته إذ سيدبر اغتياله في غمرة ما يجري فيها من اضطرابات، وبهذا يتخلصون من الإخوان بقضائهم علي شخصه.(13)

والملاحظ أن أمين إسماعيل لم يصرح باسم هذا المسئول الكبير، كما أن ما أورده يحمل معني النصيحة من هذا المسئول، وليس المنع، ويمكن تفهم أسباب ذلك، لأن ما ذكره أمين إسماعيل عن هذا الموضوع جاء في مقال بمجلة المباحث – هي مجلة استأجرها الإخوان بعد قرار حل الجماعة ووقف صحفها – وكانت الجماعة قد حلت من الناحية القانونية، وتمر بمرحلة عصيبة من تاريخها بعد قرار الحل، واغتيال مرشدها العام حسن البنا .

ويبدو أن المسئول الذي أشار إليه أمين إسماعيل هو إبراهيم عبد الهادي الذي كان يشغل في تلك الفترة منصب رئيس الديوان الملكي، فقد جاء في شهادة إبراهيم عبد الهادي أمام المحكمة في قضية السيارة الجيب – وهي إحدى قضايا الإخوان - عندما سئل عن اتصال حسن البنا به وهو رئيس للديوان الملكي أن شأنه شأن كل واحد يحب مقابلة رئيس الديوان، وعندما سأله رئيس المحكمة عما إذا كان حسن البنا تناول في أحاديثه معه مسألة فلسطين والتطوع فأجاب عبد الهادي، لا " وإنما جالي الشيخ حسن البنا وطلب أن يسافر إلي اليمن في أيام ثورتها فنصحته أن لا يسافر".(14)

أما عبد القادر عودة وكيل الجماعة فقد أكد في مرافعته أمام محكمة الجنايات في قضية اغتيال حسن البنا بعد قيام ثورة 23 يوليو علي ما ذكره وفد الإخوان لليمن من منع الحكومة لحسن البنا من السفر إلي اليمن حيث ذكر "إن الحكومة المصرية نبهت علي شركة مصر للطيران بمنع سفر المرشد العام ، وقد علل ذلك بالخوف من أن تنتهي الأمور في اليمن بغير ما يتمني الجبابرة الطغاة".(15)

وهكذا غادر الوفد مصر بدون حسن البنا ، وقد اقتصرت على عضوين فقط، وقد وصل الوفد إلي صنعاء مساء يوم الخميس 4/3/1948 وكان علي رأس المستقبلين للوفد بالمطار الأمير محمد البدر ابن سيف الإسلام أحمد وحسين الكبسي نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية ومحمد محمود الزبيري وزير المعارف والفضيل الورتلاني ومصطفى الشكعة عضو البعثة التعليمية في اليمن وعضو الإخوان المسلمين وأعضاء البعثة وجمهور كبير من المواطنين، وقد استقبل الوفد بالهتاف للملك والجامعة العربية والمرشد العام ، وتم إعداد عرض عسكري للوفد بدار الضيافة حيث ألقي عبد الحكيم عابدين كلمة حيا فيها الشعب اليمني والإمام الوزير ورجال العهد الجديد، وأبلغهم تحيات المرشد، وتمني لليمن كل تقدم، وألقي عابدين كلمة في إذاعة صنعاء ترحم فيها علي الإمام الراحل متمنياً للعهد الجديد ورجاله كل توفيق، وقد أوضح مندوب الإخوان في رسالته من صنعاء أن الوضع هادئ، وأنه لا يوجد أثر لأولئك الجنود الذين قيل أنهم يحاصرون العاصمة اليمنية، وهو الأمر الذي أكدته جريدة الإخوان من قبل.(16)

والملاحظ مما سبق الأهمية الكبيرة التي كان توليها الثورة اليمن ية للإخوان المسلمين وهو ما يتضح من أسماء المستقبلين والحفاوة التي قوبل بها الوفد، كما يتضح تعلق النظام الجديد بالجامعة العربية رغم كل التلكؤ والتسويف الذي مارسه وفد الجامعة العربية ، أما ما ذكرته جريدة الإخوان عن الوضع في اليمن ، ونفيها لما قيل عن حصار العاصمة فهو غير دقيق.

فقد وصل وفد الإخوان اليمن مساء 4 مارس أي بعد أكثر من أسبوعين من قيام الثورة، وقد أكدت المصادر المختلفة – كما سبق الإشارة إلي ذلك – أن العاصمة في ذلك الوقت قد أصبحت مهددة من جميع الجوانب، وقد أكد الطيارون المصر يون الذين طاروا بوفد الإخوان المسلمين إلي اليمن ، ومكثوا بها ليلتين أنهم باتوا الليل بأكمله يسمعون أصوات الرصاص المتبادل.(17)

وقد توالت خطب عبد الحكيم في إذاعة صنعاء، وكان يساعده في الخطب ووضع برامج الإذاعة الإخوان المسلمون المصر يون الذين توجهوا لليمن للعمل في البعثة التعليمية، التي اتفق عليها مع الأمير محمد البدر –كما سبق الإشارة إلي ذلك-، وكانت الثورة اليمن ية قد كلفت مصطفى الشكعة عضو البعثة التعليمية بتولي إدارة الإذاعة اليمنية التي كانت محدودة الإمكانيات وقد استطاع مد ساعات إرسالها إلي أربع ساعات يومياً.(18)

وقد لقي وفد الإخوان كل الترحيب بصنعاء وتوافد الناس علي دار الضيافة للترحيب وتحية الوفد، وكان السؤال الذي يتردد علي ألسنة اليمنيين السؤال عن حال المرشد العام ، وأن يكون المانع من حضوره خيراً ويحملون له التحية، وكان في مقدمة الوافدين من كبار رجال الدولة، كما أرسل الإمام عبد الله الوزير ابنه للترحيب بالوفد باسم الإمام عقب وصول الوفد إلي دار الضيافة مباشرة.

وذكر مندوب جريدة الإخوان أن الجمعية اليمنية الكبرى في عدن وأسمرة وجيبوتي والحبشة يعتبرون جمعيتهم فرع للإخوان المسلمين باليمن والمحميات والصومال والحبشة.

وقد تقابل الوفد مع عبد الله الوزير صباح يوم الجمعة 5 مارس، حيث جلس عابدين بجوار الإمام، الذي بدأ بالسؤال عن المرشد وقال "أنه في غاية الشوق لرؤية المرشد العام ، وأنه وإن كان قدر رآه بالقلب، إلا أنه يود أن يراه رؤية العين، ولكن يكون جلالته مسرورا لو زار اليمن في عهد الشورى الدستورية ليستشيره ويستأنس برأيه تحقيقاً لإيجاد الحكم الإسلامي الكامل".

وقد أبلغ عابدين الإمام تحيات المرشد، واستعداده التام لخدمة الفكرة الإسلامية في أية بقعة من بقاع العالم، وقد سأل الوفد الإمام عبد الله الوزير عن منهاج العهد الجديد فقال "إن منهاجنا هو الإسلام وقانوننا ودستورنا هو القرآن ".

وقال إننا سنطبقه حرفاً حرفاً من البداية إلي النهاية غير مستبدين ولا متعاظمين، وقال إننا لا نريد أن يساعدنا أحد إلا في الحق، وقد اختتم حديثه للوفد قائلاً "إني أحب الإخوان المسلمين وتربطني بهم رابطة روحية قوية وحكومتنا تعمل علي تحقيق ما يدعو إليه الإخوان المسلمون " وقد زار الوفد بعد ذلك المكان الذي يقيم فيه أولاد الإمام الراحل في مقر غمدان حيث قدم لهم عابدين عزاء المرشد العام والإخوان في والدهم، وتحدث معهم عن وجوب التضامن والتآزر، فقالوا إنهم عند هذا الرأي منذ الساعة الأولي.(19)

إن ما أورده مراسل الإخوان في صنعاء – والذي تعمدت الاستطراد فيه لأهميته – يوضح الدور الكبير الذي لعبه الإخوان في الإعداد للثورة اليمن ية، والعلاقة الوثيقة بين الجمعية اليمنية الكبرى والإخوان ، والآمال التي كان يعلقها اليمنيون والإمام عبد الله الوزير علي الإخوان ، وإعلانه تمسكه بالعمل علي تحقيق ما يدعو إليه الإخوان ، وقد كان تعلق اليمنيين بالإخوان نابعاً أيضاً من أنها تكاد تكون الجماعة الشعبية الوحيدة في العالم العربي التي أيدت وساندت الثورة.

ومع ازدياد وضع الثورة اليمنية سوءاً، وحصار صنعاء، وتوجيه الاتهامات للثورة بالاستعانة بالأجانب، وتلكؤ الجامعة العربية المتعمد في التحرك، خرجت جريدة الإخوان المسلمين بمقال هام يحمل عنوان "في صميم قضية اليمن " حاول أن يفند الاتهامات الموجهة للثورة، ويطالب الجامعة العربية بالتحرك والعمل لما فيه مصلحة الشعب اليمني.

وقد أعرب المقال عن استنكار الناس جميعاً لمقتل الإمام يحيي وقال "ولعل الإخوان المسلمين أشد الناس تأثراً بهذه الفاجعة لما كانت لهم من صلة بالإمام يحيي ولما كان له من مواقف طيبة في حماية بلده من التدخل الأجنبي ولسنه وشيخوخته".

وأوضحت الصحيفة أنه من الظلم تحميل الحكومة الجديدة تبعة اغتيال الإمام يحيي ، وأن أقرب المقربين إلي الإمام يحيي حاولوا اغتياله، ودافعت الصـحيفة عن عبد الله الوزير وقالت "ولا يستطيع إنسان عاقل أن يتصور أن عبد الله الوزير في ورعـه ودينه وعلمه وتقواه وسنة وجلال منصبه وجميل صـلته بالإمام يكون له أدني اتصال بهذا الحادث".

وأكدت الصحيفة أن عدم اهتداء الحكومة للجناة لا يعد حجة علي اشتراكها في الجناية خاصة وقد واجهتها الأحداث الجسام من أول يوم، وطالبت بالتفكير في ستة ملايين يمني يعانون من التأخر والجمود "فمن الحق كل الحق ومن الإنصاف ومن الخير للعدالة واليمن وللعرب والإسلام ألا يرفع قميص عثمان من جديد وأن تنصرف الجهود إلي صميم القضية وإلي ما يجب أن يكون عليه الحكم والوضع الاجتماعي في هذا الوطن العزيز ثم تأخذ العدالة مجراها ويؤخذ الجاني بجنايته".

ودافعت الصحيفة عن القول بأن الحكومة الجديدة ستلجأ للأجانب، وذكرت أن الشعب اليمني خضع لمدة 40 عاماً لحكم يحيي عن طريق الرهائن وأن هذه القبائل قد انطلقت من عقالها، بعد أن أبيحت لها كنوز صنعاء، ولذلك لابد من كبح جماحها عن طريق الطائرات، وأشادت الصحيفة بقول عبد الله الوزير في رسالته للملك عبد العزيز لطلب المساعدة "إني لا أطلب ذلك باسم الحكم ولكن باسم الأمن وحقن الدم" وذكرت أن الحكومة اليمنية تقول "إذا لم تفعلوا لي ذلك فسأراني مضطرة إلي الشراء من الأجانب والتعامل معهم، وهو أمر شديد المرارة علي النفس إذا فقد معاونة الصديق، واضطر للتعامل مع الأعداء" وتساءلت الصحيفة فهل يصح بعد ذلك أن يقال أنها تهدد بالالتجاء للأجانب؟.

وانتقدت الصحيفة موقف الجامعة العربية ، وقالت إنه لا يتفق مع أهمية القضية وضخامتها " فهو مستقبل أمة بأسرها وحياة شعب بأكمله وحرام أن يضيع الوقت بين المشاورات والمناقشات والمحادثات التي لا تظهر لها نتائج عملية".(20)

ويعتبر هذا المقال مذكرة دفاع عن الثورة اليمن ية والاتهامات الموجهة إليها بقتل الإمام يحيي ، والاستعانة بالأجانب، كما تضمن المقال حيثيات مطالبة الجامعة العربية بالتحرك من أجل تحقيق مصلحة الشعب اليمني.

لكن جهود الإخوان الإعلامية والسياسية من أجل مساندة الثورة اليمن ية، وتحريك الجامعة العربية لم تجد شيئاً أمام توافق إرادات ملوك الدول العربية علي إتاحة الفرصة لأحمد للقضاء علي الثورة، خاصة مع ازدياد نفوذ أحمد، والحصار المحكم الذي أصبحت عليه العاصمة، وتوقع سقوطها بين لحظة وأخري.

ومع الشعور بالخطر من قرب سقوط العاصمة أرسل وفد الإخوان المسلمين باليمن والمدرسون المصر يون وعائلاتهم تلغرافاً في 11 مارس إلي القاهرة يطالب بالتدخل لإنقاذهم جاء فيه "حياتنا وحياة المدرسين المصريين وعائلاتهم بصنعاء تستهدف في كل دقيقة لأخطار الفتك الوحشي بيد القبائل المهاجمة لصنعاء إذا لم تصلنا طائرات حربية مصفحة مزودة بوسائل الدفاع فإن ثلاثين نفساً من المصريين والمصر يات تترقب قبورها علي أطراف السيوف وفي أجداث الرمال، النجدة النجدة فيخشى علي حياتنا"(21).

وسط هذه المخاطر يتدخل حسن البنا محاولاً إنقاذ الموقف والثورة ورجالها ويرسل إلي أمين عام الجامعة العربية ورؤساء وملوك الدول العربية بمقترحاته لحل الأزمة اليمنية، وقد تحدث البنا في البداية عن أن مهمة مندوب الإخوان بصنعاء إقناع رجال الحكومة اليمنية الجديدة بالعمل علي إطفاء الفتنة وتوحيد كلمة الأمة، وأن مندوب الإخوان أبرق إليه بأنه وفق إلي إقناع المسئولين هناك بقبول تحكيم الجامعة العربية علي الأسس الآتية:

1.إعلان دستور يمنى علي قواعد الميثاق القومي.

2.إصدار عفو عام عن كل السياسيين الأحرار وغيرهم إلي هذا التاريخ.

3. تعيين أحمد إماماً دستورياً إذا بايعه أهل الحل والعقد.

4. تعيين عبد الله الوزير رئيساً لمجلس الشورى.

5. تشكيل حكومة دستورية محددة التبعات والاختصاصات علي النحو القائم الآن.

6. حراسة الجامعة العربية لهذا النظام حتى تستقر الأمور.

وقد أعرب البنا عن اعتقاده أن هذه الأسس هي الأصلح لجمع الكلمة، والحيلولة دون التدخل الأجنبي، وطالب الجامعة بالإسراع بالاتصال بالفريقين لحقن الدماء وتوحيد الكلمة، كما أوضح البنا أن صنعاء تعاني تهديداً دائماً من القبائل التي تطمع فيما تتخيله مكنوزاً بها من ذهب الإمام السابق، وأن حياة أهلها ونزلائها من المصريين وغيرهم وزوجاتهم وأطفالهم في خطر شديد، ولذلك طالب بضرورة نجدة صنعاء بإرسال الطائرات الحربية لإبعاد خطر القبائل وإنقاذ أهلها الأبرياء.(22)

أن الاقتراحات التي قدمها حسن البنا تعني في الواقع الحفاظ علي الثورة بالبقاء علي الحكم الدستوري والحفاظ علي قادة الثورة، مع تغيير واحد وهو تولي أحمد الإمامة، وتولي عبد الله الوزير رئاسة مجلس الشورى، وهي اقتراحات من الواضح أنها جاءت من حسن البنا لتطويق الآثار التي ستترتب علي فشل الثورة سواء على اليمن ، أو على وضع الإخوان بمصر ، فقد كان انتهاء الثورة بالفشل يعنى فشل أول محاولة يقف وراءها الإخوان لقيام دولة علي أساس إسلامي، أما في الداخل فقد بدأت الصحف المعادية للإخوان تستغل دور الإخوان في اليمن لشن هجوم علي الجماعة، وهو الأمر الذي كان يثير حفيظة الملك فاروق علي الجماعة التي لعبت دوراً في الإطاحة بأحد الملوك، وعلي هذا الأساس جاءت هذه المبادرة في وقت متأخر للغاية، وحتى لو قدمت في وقت مبكر فإنها لم تكن لتلقى قبول أحمد بعد أن قوى مركزه وحصل علي تأييد معظم الدول العربية وعلي رأسها السعودية، فضلاً عن أن السعودية لم تكن لتقبل – حتى لو تولي أحمد الإمامة كولي عهد شرعي للبلاد – بقيام حكم دستوري، من الممكن أن تمتد آثاره عبر الحدود .

ومما يدل علي سرعة تطور الأحداث، صدور مبادرة حسن البنا بعد سقوط صنعاء في أيدي قوات الأمير أحمد، فقد أرسلت مقترحات حسن البنا لحل الأزمة اليمنية إلي عزام والرؤساء والملوك بتاريخ 14/3/1948 أي بعد سقوط صنعاء بيوم، وفي نفس يوم دخول أحمد صنعاء ،وهو ما يعني أن هذه المبادرة قد أصبحت غير ذات معني، بعد أن استتب الأمر لأحمد، وهو ما جاء في رد رئيس الديوان الملكي الأردني علي برقية حسن البنا للملك عبد الله "عرضت برقيتكم بخصوص اليمن علي صاحب الجلالة فتلاها بتأثر وتقدير وهو يعلم مقدار احساساتكم بالنسبة للموضوع ويخيل لجلالته أن الأمر قد انتهي، وأن الإمام أحمد قد تملك ناصية الأمر فكونوا علي ثقة من إننا في اليمن السعيد سنعمل بالنصيحة في بقاء الدستور الإلهي والسنة النبوية إن شاء الله".(23)

ومن الجدير بالذكر أن حسن البنا قد أرسل صورة من خطته لحل الأزمة اليمنية إلي سيف الإسلام أحمد مع مقدمة جاء فيها " حضرة صاحب السمو الأمير سيف الإسلام أحمد : أبرق إلي سموكم بما أبرقت به اليوم إلي سعادة الأمين العام للجامعة وإلي رؤساء الدول العربية برجاء أن يلقي هذا الحل من لدنكم قبولاً وترحيباً وأن تعملوا من جانبكم علي الاتصال بوفد الجامعة بهذا الخصـوص وسـموكم أول من يؤمل فيه العمل علي إطفاء الفتنة وجمع كلمة الأمة وحقن دماء الشـعب البريء والاسـتجابة لدعوة الخير والإصلاح ونكرر لسـموكم جميل العزاء في جلالة الإمام رضي الله عنه ونسـأل الله أن يتغمده برحمته".

وقد لفتت جريدة الإخوان المسلمين النظر بعد عرض خطة الإصلاح التي عرضها حسن البنا إلي:

1. إن الذين قاموا بالانقلاب لم يكونوا حريصين علي الحكم بقدر حرصهم علي الإصلاح والنظام الدستوري لخير الشعب، وأنهم لم يولوا وجوههم إلي أحد من الأجانب، وأنهم جعلوا همهم التوجه إلي الجامعة العربية .

2. إن مهمة وفد الإخوان لم تكن التشيع لفريق علي فريق أو الانتصار للأشخاص والأفراد ولكن العمل علي التوفيق والوحدة وتقريب وجهات النظر.

3. واختتمت صحيفة الإخوان "وإن واجب الحق والوفاء ليقتضينا أن نقول في صراحة أن الحركة التحريرية في اليمن كانت من الشعب ولخير الشعب".(24)

وما ذكرته [[صحيفة الإخوان ]] عن مهمة وفد الإخوان لا يمكن تبريره إلا في سياق محاولة الإخوان تفادي الآثار السلبية المترتبة علي فشل الثورة، ولذلك حاولت الصحيفة أن تنفي عن وفد الإخوان تحيزه ومساندته للعهد الجديد والذي وضح من خلال رسائل الوفد إلي صحيفة الإخوان ، والتي سبق الإشارة إليها.

على كل فإن مقترحات حسن البنا لحل الأزمة اليمنية لم يكن لها صدي من الناحية العملية بالرغم من قول صحيفة الإخوان أن اقتراح الإخوان جدير بما قوبل به من شعور نبيل عند كل من يعرف اليمن ويريد له الخير.(25)

وكان علي حسن البنا محاولة إنقاذ وفد الإخوان باليمن وكذلك الإخوان من أعضاء البعثة التعليمية وكانت الحكومة المصرية قد بدأت التحرك على إثر وصول استغاثة المصريين في صنعاء.

وبادرت بإرسال طائرتين حربيتين من طراز داكوتا لإنقاذ المصريين في صنعاء، وكانت الطائرتان تحملان 20 جندياً مسلحين بالمدافع الرشاشة، وكانت مهمة الطائرتين نقل المصريين، وليس تهريب أحد من رجال الحكومة اليمنية، أو الاشتراك في أي مناورات لإرهاب رجال الحكومة، إلا أن الطائرتين لم تستطعا الهبوط في المطار نتيجة وضع الخوازيق في كل جوانب المطار لمنع هبوط الطائرات، فضلاً عن إطلاق المقاتلين حول المدينة وابلاً من نيران المدافع الرشاشة علي الطائرتين مما أدي إلي إصابتهما.(26)

بينما يذكر محسن محمد أن حيدر باشا وزير الحربية المصرية طلب من عبد اللطيف البغدادي قائد إحدى الطائرتين بعد اتصاله بعدد من كبار المسئولين أن لا يهبط بالمطار، وأن يكتفي بالطواف حول المطار ثم الهبوط في جزيرة قمران ثم الاتصال بالمسئولين لإبلاغهم بالموقف لتقرير ما يمكن عمله، ومن الواضح من هذه التعليمات أن الحكومة المصرية كانت تريد التظاهر بمحاولة إنقاذ المصريين فقط، وأنها لا تريد فعلا إنقاذ الإخوان المسلمين في صنعاء أو أي أحد من الثوار.(27)

بينما يذكر أمين إسماعيل عضو وفد الإخوان في اليمن أن الحكومة المصرية عندما أرسلت طائرتين لإنقاذ المصريين الموجودين في صنعاء استثنت بعثة الإخوان "كأنما عبد الحكيم عابدين وأمين إسماعيل ليسا مصريين"(28).

وقد جرت اتصالات دبلوماسية بين مصر والإمام أحمد وكذلك من جانب عزام لتأمين حياة المصريين في اليمن ، وأعلن الإمام أحمد أن البعثة المصرية بخـير، وأنه كتب لنائبه في صـنعاء لرعايتهم، وأنه لا مانع عند إصـلاح المطار من إرسال طائرة لنقلهم.(29)

وقد أرسل حسن البنا إلي أحمد خشبة وزير الخارجية المصر ي، وكذلك إلي علي المؤيد مندوب اليمن بالجامعة العربية ذكر فيها أن المركز العام أوفد عبد الحكيم عابدين وأمين إسماعيل للمساهمة في التوفيق بين وجهات النظر المختلفة، وحقن دماء المسلمين وطالب بعودتهما إلي مصر علي نفقة المركز العام.(30)

وكانت البعثة التعليمية المصرية قد تم التحفظ عليها، وتم وضعها في مكان خاص منعزل، بعد دخول صنعاء، وقام أحد سيوف الإسلام بزيارتهم للحصول علي معلومات عن الثوار، واستطاعوا إقناعه بإرسال برقية إلي القاهرة يشكرون فيها الإمام أحمد وسيوف الإسلام ، وقالوا في برقيتهم نجونا من الأحداث، أيامنا جميلة في طره وليالينا طيبة كليالي الزيتون، وفهمت الحكومة المصرية البرقية، وأنها تشير إلي اعتقالهم.

وقامت الحكومة بإبلاغ سيف الإسلام عبد الله الذي كان بالقاهرة ويقوم بجهود دبلوماسية لمناصرة أخيه أحمد بضرورة الإفراج عن البعثة المصرية، وهددت باعتقاله، واستجاب الإمام أحمد وتم الإفراج عن البعثة التي غادرت اليمن براً.(31)

كما كان علي حسن البنا مواجهة الهجوم الذي قامت به الصحف المعادية للإخوان، التي حاولت استغلال الدور الذي لعبه الإخوان في الثورة للنيل من الجماعة، خاصة من جانب الصحف الوفدية كالبلاغ، والنداء، وصوت الأمة، في إطار العداء الذي كان مستحكماً في تلك الفترة بين الوفد والإخوان .

وكانت جماعة الإخوان قد شهدت تنامياً في قوتها أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها، وكان هذا التنامي علي حساب الحزب الشعبي الأول في مصر وهو حزب الوفد ، الأمر الذي أوجد تنافساً بين الوفد والإخوان ، وقد اتخذ هذا التنافس صورة العداء الذي تمثل في الاحتكاك بين الإخوان والوفد في كثير من المناطق، وهو الأمر الذي نتج عنه قتلي وجرحي كما حدث في بورسعيد ، كما ازداد الاحتكاك والتحرش بين طلبة الإخوان والوفد في الجامعة.

وقد لجأ حزب الوفد إلي إصدار صحيفة الوفد المصر ي وصوت الأمة للهجوم علي الإخوان خاصة بعد أن عارض محمود أبو الفتح صاحب جريدة المصر ي لسان حال الوفد الانسياق في حملة الهجوم علي الإخوان وقد قادت صحيفة صوت الأمة الحملة علي الإخوان ، ولجأت إلي أسلوب السخرية والاستهزاء بالجماعة وقادتها.(32)

ولعل بعض نماذج من كتابات هذه الجريدة، والنعوت التي رمت بها الجماعة ومرشدها توضح مدي الإسفاف الذي وصلت إليه، فقد وصفت حسن البنا بالشيخ المتآمر المتستر خلف الدين، وأنه شيخ سوء ينحدر هابطاً كلما انتفخ جيباً، الشيخ الأفاك، الشيخ الأشر، أقبح سياسي لعب علي مسرح السياسية في الجيل الحاضر، المرشد المضلل، زعيم عصابة الإخوان ، كما وصفت جماعة الإخوان بأنها فضيحة قومية للمصريين في العصر الحاضر، وأن العفن والقاذورات والألفاظ النابية بل والجرائم المنكرة مصدرها وكر الإخوان .. إلي غير ذلك من الصفات والنعوت السيئة.(33)

ولعل هجوم الوفد علي الإخوان يوضح مدي إحساسه بقوتهم وتزايد رصيدهم في الشارع الذي كان علي حساب الوفد، وسحباً من رصيده في الشارع المصر ي فقد بلغ أعضاء الجماعة العاملين في مصر في تلك الفترة نصف مليون، بالإضافة إلي أضعاف هذا العدد من المنتسبين والمؤازرين، وبلغ عدد شعبهم ألفي شعبة، وفي السودان حوالي خمسين شعبة، عدا شعبهم في معظم البلدان العربية والبلاد الإسلامية، والأصدقاء في جميع البلاد وفي أوروبا وأمريكا.(34)

وبالرغم من تباين التقديرات لعدد أعضاء الجماعة خاصة في الفترة من 1945 إلي 1948 ، والتي شهدت ذروة قوة الجماعة فالذي لا شك فيه "أن جماعة الإخوان المسلمين كانت واحدة من أكثر القوي السياسية نفوذاً وأحسنها تنظيماً وأن الإخوان كانوا بالنسبة لأصدقائهم ولخصومهم علي السواء ملء السمع والبصر".(35)

ومن هذا المنطلق وجدت الصحف الوفدية، وبصفة خاصة صوت الأمة، الفرصة السانحة في أحداث اليمن ، للهجوم علي الإخوان ، والتشهير بهم، وتعاملت مع هذه القضية من منظور العداء بين الوفد والإخوان دون النظر إلي حقيقة الوضع في اليمن ، ودوافع قيام هذه الثورة.

وكما سبق الإشارة فقد كانت أخبار اليوم أول الصحف المصرية التي أشارت إلي دور الإخوان في ثورة اليمن ، كما اهتمت هذه الصحيفة بالفضيل الورتلاني ، وقالت إنه لعب الدور الأول في مؤامرة اليمن ، وأنه لم يرتح ليحيي وموقفة إزاء الشركة التي أنشأها في اليمن ، وأنه قام في أغسطس 1947 بجولة زار خلالها بيروت ودمشق وبغداد ثم عاد للقاهرة ومنها لليمن، وأنه صرح للكثير من الشخصيات بأن يحيي حجر عثرة في سبيل تقدم اليمن ، وأنه شكا من موقف يحيي من الشركة التي تستهدف رفع اقتصاديات اليمن ، وأنه قال أنه يحب التخلص من هذا الإمام بأية صورة كانت، وأن أيامه معدودات، وقد أصبح الفضيل بعد مقتل يحيي يحتل المقام الأول في الحكومة الجديدة.

وذكرت الصحيفة أن أعضاء البعثة التمهيدية لجامعة الدول العربية لم يستطيعوا أن يجتمعوا بأحد على إنفرد، لأن الورتلاني "وهو الرجل الخفي الواقف وراء المؤامرة" كان يصحبهم في كل مكان، وأن الفضيل قال لأعضاء البعثة إنه كان لا بد من قتل يحيي وأن قتله هو الطريق الوحيد لليمن لتفادي الفتنة وأصر علي رأيه(36).

ومن الواضح صحة ما ذكرته أخبار اليوم عن احتلال الفضيل المقام الأول في الحكومة الجديدة، وعدم استطاعة أعضاء البعثة التمهيدية الاجتماع بأحد علي انفراد، نظراً لمصاحبة الفضيل لهم في كل مكان، وهو الأمر الذي أكده عبد القادر حمزة، الذي قضي ليلتين في اليمن من 24 إلي26 فبراير ، حيث أكد علي دور الفضيل في النظام الجديد، وأنه أثناء إجرائه أحاديث صحفية مع الكبسي والإمام عبد الله الوزير عن مصر ع يحيى كان الفضيل يتدخل في الحديث لتصحيح الرواية أو يضيف إليها شيئا، "ويبدو لي أن الأستاذ الورتلاني كان يحفظ القصة كلها عن ظهر قلب، وربما كان هو مبتدعها وملقنها لغيره، لذلك كان حريصا:

أولاً: علي الجلوس إلي كل من يريد أن يستمع للقصة من أحد رجال حكومة الانقلاب.

ثانياً: علي تصحيح كل ما يقع فيه الراوي من أخطاء".

فأثناء حديث حمزة مع الإمام عبد الله الوزير تدخل الفضيل مقاطعاً حديث الوزير لتعديل بعض الجمل أكثر من عشر مرات، وسط دهشة عبد القادر حمزة، الذي ضاق بتدخل الفضيل ومقاطعاته التي لا تنتهي، ويذكر حمزة أنه بعد أن انتهي من الحديث مع عبد الله الوزير واتجه نحو الباب، والتفت خلفه بمحض الصدفة، وجد الفضيل يهمس في أذن عبد الله الوزير شيئاً صرخ بعده الوزير على أثره قائلاً "لا تنسوا إبلاغ تحياتي إلي جلالة الأخ الملك فاروق الأول ملك مصر والسودان، إن مصر والسودان كلٌ لا يتجزأ"(37).

أن ما ذكره عبد القادر حمزة وإن كان يؤكد ما جاء في أخبار اليوم بخصوص دور الفضيل، إلا أنه من جهة أخري يلقي بظلال الشك عما ذكرته عن تصريح الفضيل من أنه يجب التخلص من يحيي وقتله، فحسب ما ذكره حمزة فإن الرواية الرسمية عن مقتل يحيي، والتي سمعها في صنعاء سواء من الكبسي أو عبد الله الوزير ، كان يقف وراءها الفضيل الذي كان يتدخل بتعديل بعض العبارات، وكانت الرواية الرسمية للحادث – بطبيعة الحال – تنفي تورط الحكومة الجديدة في الحادث أو تدبير الثورة، فلم يكن في مصلحة النظام الجديد إعلان ذلك، بل أعلن أنه يبحث عن الجناة، ولذلك يبدو أن ما ذكرته أخبار اليوم في هذا الصدد غير صحيح.

أما جريدة صوت الأمة فقد وجدت الفرصة سانحة للتشهير بالإخوان ، واتهمت الإخوان بالاشتراك في المؤامرة في اليمن ، واستندت في ذلك إلي مسارعة [[صحيفة الإخوان ]] بنشر الخبر الكاذب عن وفاة يحيي، وأسماء كبار المسئولين الجدد وهي نفس الأسماء التي نشرت بعد مقتل يحيي "وليس هناك دليل أقوي من هذا الدليل ليفهم الناس كيف دبرت المؤامرة ومن اشترك فيها"(38).

كما نشرت جريدة النداء في 9/3/1948 أن جماعة الشيخ حسن البنا أصبحت الآن موضع حذر شديد من جانب السلطات الرسمية لأسباب يعرفها الشيخ وجماعته، ولعل تراجع الجماعة أخيراً وظهور عبارات الحياد في صحيفتهم هي صدي " للعين الحمراء".(39)

وفتحت صوت الأمة صفحاتها لأحمد السكري - والذي كان يشغل منصب وكيل جماعة الإخوان والذي فصل منها في نوفمبر 1947 – للهجوم علي الإخوان ، فكتب مندداً بتدخل الإخوان في اليمن تحت عنوان " كيف انزلق الشيخ البنا بدعوة الإخوان تهريج حتى في بلاد اليمن "(40).

واستمرت صوت الأمة في استغلال الأحداث للتشهير بحسن البنا التي أطلقت عليه راسبوتين" واستغلت ما نشر عن تحويل مبلغ 100 ألف جنيه من اليمن إلي حسن البنا للتشهير بالجماعة، وقالت إن شباب اليمن يطالب بمحاكمة البنا وأذنابه الذين أرسلهم لليمن لإشعال الفتنة، يعتقدون أنه أشترك في تدبير الفتنة، والتمهيد لها بالدعاية بدليل ما يكتبه في جريدته وما يزال حتى اليوم من افتراء في حق الإمام الراحل، فضلاً عن تهريب الأموال للإنفاق علي جماعته، وأن اليمنيين يطالبون برد الأموال وإلا فإنهم سيطالبون حكومة اليمن بمطالبة حكومة مصر برد هذه الأموال وأن الشعب اليمني برى استبقاء أذناب البنا كرهائن حتى يسترد الأموال، وأن البعض يفكر في محاكمتهم لإشعال الفتنة ومعرفة أسرار وجودهم باليمن ، وسر من دفع لهم تكاليف الطائرة، وصاحب الميكروفونات التي أحضروها معهم.

وزعمت الجريدة أن الذي دفع أجر الطائرة الكبسي، وأنه عند تفتيش أمتعتهم وجد معهم جنيهات ذهب، ووجد مع عبد الحكيم عابدين حزام مستدير لفه حول وسطه مملوء بالجنيهات الذهبية، وأنه عند تفتيشهم عابدين وجدوا أنه قد أخفي قطعاً ذهبية في حذائه، وأن الناس طلبوا إليه أن يزيل اللحية لأنها لا تكون إلا للمسلم الصالح.

وواصلت صوت الأمة هجومها علي الإخوان ، وتحدثت عن سبائك الذهب والأموال الطائلة التي هربت إلي عدن وغيرها من البلاد وخصوصاً مصر حيث يذكر اسم "المدعو حسن البنا " الذي استُأجر هو وجريدته للدعاية المختلقة الكاذبة، وسخرت مما قيل عن أن إرسال مبلغ 100 ألف جنيه للبنا كان لشراء أدوات ومهمات، وقالت إن الجميع يسخرون من هذا الشيخ الذي يدعي الإرشاد والدعوة الإسلامية وهو معروف بالنفاق وبيع جمعيته لكل من يدفع ثمنها، وأن ابن الوزير الذي سرق أموال اليمن ، وأعطاها لسماسرة الأديان من أمثال البنا كان من بين المشترين.(41)

وصرح سيف الإسلام عبد الله أن جريدة الإخوان كانت تؤيد ابن الوزير، ولابد من تحقيق مسألة المبالغ التي قيل أنها دفعت، وإذا اتضح أن ذلك صحيح فسيكون للحكومة اليمنية حق المطالبة بما دفع، وستطالب الحكومة اليمنية بتسليم كل مجرم سياسي فر من اليمن أخيراً، كما ستطالب بالأموال التي سلبوها وأخرجوها من اليمن .

وبعد أن نشرت الصحف أن إحدى الهيئات في مصر تلقت مبلغ 100 ألف جنيه قال سيف الإسلام عبد الله أنه لا يعلم لمن أرسل المبلغ، واليوم صدرت جريدة الإخوان ، وفي صدرها اعتراف صريح من الشيخ حسن البنا بأن المبلغ أرسل له فعلاً وباسمه على بنك باركليز.(42)

أما حقيقة هذا الموضوع فهو قيام ابن الوزير بتحويل مبلغ 100 ألف جنيه إسترليني علي دفعتين عن طريق بنك باركليز في عدن، ولكن البنك – وهو بنك استعماري اسمه بالكامل بنك باركليز للدومنيون والمستعمرات وما وراء البحر – وبعد أن قبل المبلغ لم يقم بالتحويل مخالفاً بذلك القواعد والعرف والأمانة المصر فية وقد أعلن حسن البنا في الرد علي تلك الحملات، أن هذا المبلغ لم يصل ولو وصل لاستخدم في الغرض الذي أرسل من أجله، وهو شراء سلاح لأحرار اليمن .(43)

لقد قيل الكثير في الصحافة عن تهريب الأموال والذهب وأن طائرتين تصلان إلي عدن كل يوم تحمل الذهب والفضة والمال إلي عدن، لقد كان الشائع أن الإمام يحيى كان يكنز الأموال والذهب المكدس في سراديب في قصره، وهو الأمر الذي شجع القبائل علي مهاجمة صنعاء للحصول عي هذه الكنوز، وكان للإمام يحيى صندوق يد فالوذي لا يفارقه به مفاتيحه وخواتمه التي يمهر بها القرارات والرسائل، ومذكراته المالية الدقيقة المبين بها ما تحتويه خزائنه من ذهب وفضة ومجوهرات.(44)

والسؤال الذي يطرح نفسه هل فعلاً تم تهريب أموال وذهب إلي خارج اليمن ؟

يذكر الشماحي أن الثورة وضعت تحت أيديهم عشرات الملايين من الذهب الإنجليزي والعثماني وغيرهما، ومئات الملايين من الريالات الفضية، وما لا يقدر بثمن من المجوهرات والسبائك والذخائر والحلي والتحف، ومع ذلك فما حدث الإمام الوزير ولا أحد من قادة الثورة بصنعاء نفسه أن يأخذ منها لنفسه ريالاً أو ذرة أو درة، وأنهم أبقوا عي تلك الأموال الطائله في مستودعاتها حتى تستخدم في سبيل إنهاض اليمن بل يذهب الشماحي أن مثالية قادة الثورة ذهبت إلي حد اقتراض ألف جنيه احتاجتها الثورة حتى لا تؤخذ من أملاك الدولة.(45)

كما يروي الأسودي أن الإمام عبد الله الوزير رفض الاستجابة لطلب بعض الثوار نقل بعض المال إلي تعز أو عدن كاحتياطي بحيث لو سقطت صنعاء كان من الممكن قيام حركة جديدة من هناك، ولكن الإمام قال لهم إن هذه الأموال أموال المسلمين مع أنه قام بتوزيع أسلحة وذخائر ونقود أيضاً بعد نجاح الثورة مباشرة(46)

وبذكر علي الوزير أن الإمام عبد الله الوزير حول مبلغ 200 ألف جنيه مصر ية إلي علي محمد الجيلي لتحويلها للمرشد العام في مصر ، وقد تحررت الحوالة وسلم المبلغ إلي صاحب الشركة بعدن لتحويلها إلي مصر فصادف يوم الأحد عطلة وفي المساء سمع الجيلي نبأ سقوط صنعاء فأخذها فلما أخبرناه أن يعطينا شيئاً منها رفض وتوجه إلي حجة، ويقول لو حصلنا علي شئ من هذه الأموال كان من الممكن أن تذهب للأمم المتحدة، وكنا علي الأقل أوقفنا الإعدامات البربرية.(47)

إن هذه الروايات التي تبدو متناقضة بين أقوال المشاركين في الثورة يمكن الجمع بينهما، فيبدو أن موقف الإمام الوزير برفضه التصرف في أي أموال من أموال الدولة كان في بداية الثورة ونجاحها، أما بعد تدهور وازدياد الخطر علي الثورة، فقد جرت محاولات لشراء الأسلحة والمعدات وتحويل مبالغ مالية لهذا الغرض، ولكن يبدو أن الوقت كان متأخراً، وفشلت محاولة تحويل الـ100ألف جنيه إلي حسن البنا .

ومما يؤكد ذلك ما ذكره الأسودي من طلب محمد الزبيري منه السفر إلي عدن وتجنيد مجموعة من الشباب ونقلهم عن طريق البر، وهو الأمر الذي احتاج إلي سيارات نقل، وقام الزبيري بالكتابة إلي حسني الويس لتحويل مائتي ألف، وعندما توجه الأسودي إليه لأخذ المبلغ أخذ الويس في المماطلة ومراقبة الموقف، حيث كان معتمد ولي العهد أحمد في عدن قبل الثورة، وبعد نجاحها أبلغ محمد الزبيري أن لديه مال وأنه مستعد لتسليمه، فطلب منه الزبيري إبقاء المال عنده، وأنهم سيحولون عليه كلما كانت لهم حاجة إلي المال.(48)

أما ما ذكره الأسودي عن توزيع الأسلحة والذخائر علي القبائل الموالية فهذا قد حدث فعلاً بعد نجاح الثورة مباشرة، أما توزيع النقود فهي محل خلاف.

وبصرف النظر عما سبق فإن الحديث عن الذهب وثروة الإمام التي هربت غير صحيح لعدة أسباب:

1. أن الثورة لم تكن تملك طائرات، حتى ترسل طائرتين يومياً محملة بالذهب إلي عدن فضلاً عن أن الطائرات التي نزلت في عهد الثورة كانت طائرات مصر ية في مهمات رسمية أو شعبية.

2. انه لو صحت هذه الأنباء لكانت قد وصلت إلي مسامع الحاكم البريطاني في عدن، وتحدثت عنها الوثائق بريطانية.

3. بعد استتباب الأمر لأحمد، وفشل الثورة لم يثبت وجود هذه الأموال وسبائك الذهب.

4. أن الأحرار اليمنيين الذين نجوا من الموت أو الاعتقال قد عانوا من التشرد، ولعل ما ذكره علي الوزير بخصوص المبلغ الذي كان من المفروض أن يحول للمرشد العام، وعدم وجود مال للتحرك لإنقاذ الأحرار من الإعدامات دليل على ذلك.

وإلي جانب الصحف المعادية للإخوان كانت تحركات السيف عبد الله وهجومه علي الإخوان واتهامهم بالضلوع في المؤامرة ومساندة ابن الوزير تثير المشاكل أمام الإخوان ، ففي مقابلة مع فيليب أيرلاند سكرتير السفارة الأمريكية بالقاهرة صرح سيف الإسلام عبد الله بأن صحيفة الإخوان المسلمين كانت أول من نشر الأنباء المزيفة حول وفاة الإمام يحيي ، وأنها قد دأبت علي مواصلة الهجوم عليه وعلي، وقال يبدو أن الإخوان كانوا يتوقون إلى تغيير نظام الحكم في اليمن .(49)

وعندما سألت صحيفة النداء سيف الإسلام عبد الله عما إذا كان يعتقد بوجود دور للفضيل في الانقلاب الأخيرة، أجاب بأنه لا شك في ذلك وأن هذا الشخص من أهم العناصر التي جلبت علي اليمن ما نكبت به، ويكفي ما صرح به جلالة الملك ابن سعود أن هؤلاء لصوص خائنون، لم يرحموا كهلاً لو أنه قتل ابنه لافتداه بنفسه.(50)

وقد حاول البنا معالجة الموقف، وحصر الآثار السلبية المترتبة علي فشل الثورة علي جماعة الإخوان ، فأرسل ببرقية إلي الإمام أحمد نفي فيها اتهامات الأمير عبد الله، ورجا منه التكرم بالاتصال بالأمير سيف الإسلام عبد الله في القاهرة ليمنعه من التأثر بسياسة الأحزاب المصرية ومن إلقاء بيانات لا تفيد أحدا في الأزمة الحالية".

وفي رسالة من البنا إلي الأمير عبد الله طلب منه نفي البيانات التي أذيعت باسمه وان ينتظر حتى تسطع شمس الحقيقة، وهو يأمل في أن براءة الإخوان سوف تثبت بمشيئة الله، ونبه الأمير إلى أن التنافس بين الأحزاب السياسية في مصر تصاعد لدرجة أنه يمكن أن يحطم أي مبدأ أخلاقي أو ديني.

وفي إطار مساعيه لتطويق الأزمة أرسل حسن البنا إلي وزير الخارجية المصر ي أحمد خشبة وإلي عزام أمين الجامعة العربية مشيراً إلي عدم جدوى البيانات التي اتهم فيها سيف الإسلام عبد الله الإخوان وأنها لا تتفق مع الـحقائق، ولن تؤدي إلا إلي تعقيد الأمور.(51)

كانت مهمة مواجهة تداعيات فشل الثورة اليمن ية علي جماعة الإخوان مهمة ثقيلة نظراً لأنهم الجهة الوحيدة في مصر ، بل - وربما في كل الأقطار العربية التي أبدت وساندت الثورة اليمن ية - كما كانت [[صحيفة الإخوان ]] هي الصحيفة الوحيدة التي أيدت الثورة بقوة، وهذا ما أشارت إليه الوثائق البريطانية، فقد ذكرت السفارة البريطانية في برقية إلي لندن" صحيفة الإخوان المسلمون " هي الصحيفة الوحيدة هنا التي تقدم مساندة حارة وكاملة لنظام الحكم الجديد في اليمن ".

وفي برقية أخرى أكدت السفارة البريطانية في القاهرة " أيد الشيخ حسن البنا والإخوان المسلمون عبد الله الوزير رغم التقارير التي وردت عن فشله".(52)

والملاحظ أن الصحف المصرية شأنها في ذلك شأن الأحزاب والهيئات والجماعات باستثناء الإخوان – قد وقفت موقف سلبياً من الثورة، فهي إما التزمت الحياد واكتفت بنقل الأحداث دون تعليق عليها، أو أيدت سيف الإسلام أحمد ، ويبدو أن ذلك يعود إلي عدم الوعي بأحوال اليمن ، وعدم الرغبة في إظهار التأييد لثورة أطاحت بأحد الملوك فضلاً عن تغليب البعض الأخر للمصالح الحزبية الضيقة، علي الرغم مما كانت تدعيه بعض الصحف والأحزاب عن الحرية والديمقراطية.

ولذلك نجد المقالات التي أيدت الثورة أو هاجمت نظام الإمام الراحل يحيي محدودة، ومنها علي سبيل المثال ما نشرته روز اليوسف، وتحدثت فيه عن قصة من العصور الوسطي الحاكم الفرد المستبد، الذي يكنز الأموال في صفائح كدست في أقبية قصره ويحتفظ بمفتاحها معلقاً في صدره، ويتحرك الشعب ليقتل الطاغية المستبد وهو علي عرشه، وذكرت أنه حتى وفاة الإمام لم يكن في صنعاء مطار يصلح لنزول الطائرات وكان الطريق الجوى ينتهي في عدن ثم يركب المسافر السيارات لمدة يومين حتى يصل إلي صنعاء.(53)

كما نشرت" النداء" مقالاً ذكرت فيه أن هذا الانقلاب الشعبي الذي حدث في اليمن أطاح برأس الإمام، وقوض أركان حكومته الأوتوقراطية، ومكن لدعاة الحرية حدثاً تاريخياً عظيماً لم يغب مغزاه عن كثيرين، وذكرت الصحيفة أن القراء قد لاحظوا أن ما يذاع عن أخبار اليمن بدأ يميل إلي جانب أحمد، ويتجاهل السلطات الشعبية وحقها في توجيه سياسية البلاد، ولفتت الصحيفة النظر إلي ميل الملك عبد العزيز إلي جانب أحمد بالرغم من أواصر المودة بين الملك عبد العزيز وعبد الله الوزير ، والعداء بينه وبين أحمد، وذكرت الصحفية بدور عبد الله الوزير في إطفاء الحرب بين السعودية واليمن ، وتساءلت فماذا يحمل جلالته علي هذا الميل الظاهر إلي أحد الجانبين دون اعتبار لذلك الماضي؟.(54)

وإذا كانت جماعة الإخوان قد عانت من الهجوم عليها لموقفها من ثورة اليمن ، وتعرضت نتيجة ذلك لحملات من الهجوم المركز من جانب الصحف المعادية ،فإن الفضيل الورتلاني مبعوثها إلي اليمن أصابه الكثير من العنت، فقد كتبت له النجاة نتيجة لوجوده في السعودية ضمن الوفد اليمني عندما دخلت قوات أحمد صنعاء، وكان عليه وأعضاء الوفد مغادرة السعودية بعد أن اعترفت الجامعة العربية والسعودية بأحمد ملكاً علي اليمن ، وقد توجه الوفد إلي عدن، حيث طلبت منهم السلطات البريطانية مغادرتها. وقد توجه عي الوزير إلي الهند، بينما توجه الزبيري إلي باكستان، وقد توفي علي الوزير هناك بعد فترة، بينما عاد الزبيري إلي القاهرة بعد ثورة يوليو، وأسس "الاتحاد اليمني" لاستئناف حركة المعارضة ضد نظام الإمامة.(55)

أما الفضيل الورتلاني فقد ذكرت صحيفة المقطم أن الرأي بين دول الجامعة العربية انتهي إلي عدم السماح له بدخول بلادها.(56)

ويبدو أن ما ذكرته الصحيفة كان صحيحاً فعندما غادر الفضيل عدن بحراً إلي مصر ، تم منعه من النزول، واعتبروه مجرماً، وكان قد تم وضع قائمة بأسماء الثوار اليمنيين في المطارات والمواني لمنع دخولهم مصر ،ولهذا توجه الثوار الناجين من الأحداث إلي الهند وباكستان.

وقد ظل الفضيل عدة شهور علي متن الباخرة ما بين عدن وبيروت، دون أن تسمح له أي دولة بالنزول في أراضيها، وقد اتصل به الاسودي وهو علي ظهر الباخرة في عدن محاولاً مساعدته إذا أمكن، "فوجدت الرجل كما هو هاشاً باشا باسما للحياة كما عرفته" وأخبره أن حكومه لبنان قبلت ورحبت به، وأنه متوجه إلي هناك.(57)

وقد اختلفت المصادر المختلفة حول المدة التي قضاها الفضيل مطارداً علي متن الباخرة ما بين عدن وبيروت، وتراوحت التقديرات بين شهرين وثمانية أشهر، كما اختلفت حول كيفية نزوله في بيروت، فيري البعض أن بعض الجمعيات الإسلامية سعت لدي حكومة لبنان للسماح له بالنزول في أراضيها، وهناك من يري،أن رياض الصلح رئيس وزراء لبنان قد خجل من طول بقاء الفضيل هائماً في البحر وكانت تربطه بالفضيل صداقة سـابقة فأذن له بالهبوط إلي لبنان والعيش فيها شـبه متخف، ويذكر علي الوزير أن الفضيل أخذ لنفسـه تأشـيرة دخول إلي لبنان من قنصلها بجده لأنه كان أقل تعصباً.(58)

وقد استقر الفضيل في بيروت حتى قيام ثورة 23 يوليو، وقد قابلة يوسف القرضاوي أثناء زيارته لبيروت في أغسطس 1952، وكان يعرف بين الناس باسم (أبو مصطفي)، وقد أقترح عليه القرضاوي أن ينزل إلي مصر بعد تغير الوضع وزوال الملكية، وقد وافقه علي ذلك علي أن ينزل في صورة تليق بمكانته وتاريخه وقد أذنت له حكومة الثورة بالعودة إلي مصر ، وكان علي صلة طيبة بعبد الناصر، وكان لا يزال يحمل في رأسه فكرة معاودة قلب نظام الحكم في اليمن ، وحسب رواية حسن العشماوي عضو جماعة الإخوان ، أن الفضيل طالما حدث عبد الناصر بهذه الفكرة ولكن عبد الناصر رفضها.(59)

وقد أثير دور الإخوان في أحداث اليمن أثناء محاكمة قتلة حسن البنا بعد قيام ثورة يوليو وحاول الدفاع عن أحد المتهمين في جريمة قتل حسن البنا استغلال أحداث اليمن لصالح موكله واتهام الإخوان بأن مبعوثهم إلي اليمن كان له يد في قتل إمام اليمن ، كما تلقت المحكمة خطاب مجهول بإمضاء سيف .أ.ع" أحد اليمنيين من نزلاء مصر يذكر فيه أن قاتل إمام اليمن هو الفضيل الورتلاني واخر من الإخوان المسلمين ، وقد أرسل الفضيل الورتلاني رسالة إلي رئيس المحكمة نفي فيها اشتراكه في قتل يحيي، كما نفي أنه من الإخوان المسلمين .(60)

وقد غادر الفضيل مصر بعد الصدام بين الثورة والإخوان وتوجه إلي تركيا حيث استقر هناك، ومن مفارقات القدر أن الفضيل بعد وفاته تعرض لما تعرض له بعد فشل ثورة اليمن ، فقد أوصي أن يدفن في موطنة الجزائر ولكن طلبه رفض وبقي الفضيل في الباخرة دون أن تجرؤ دولة عربية علي دفنه في مقابرها – كما يذكر عبد الله العقيل – وتم دفنه في تركيا،وقد نقل رفاته بعد ذلك إلي مسقط رأسه بالجزائر(61)

لقد قام الفضيل بدور كبير في ثورة اليمن ، وتحمل في سبيلها الكثير من المعاناة، هذا الرجل الذي جاء من خلف البحار ليشارك إخوانه اليمنيين في التحرر من ربقة الظلم والاستعباد لا دافع له إلا الواجب الذي نذر نفسه وحياته من أجله، وهو الواجب القومي الإسلامي.(62)

وبالرغم من الدور الكبير الذي قام به الفضيل فقد أفاضت الصحف في قصة تتناسب مع الهوايات الصحفية، فقد ذكرت أن الفضيل قد خرج من اليمن وهو يحمل ثلاثة أكياس كبيرة من الذهب في الوقت الذي كان هائماً فيه في البحر لا يجد بلداً يهبط إليها، كانت بعض الصحف المعادية تصوره وهو يجلس محتضنا أكياس الذهب.(63)

وقد سبق الحديث عن موضوع الذهب، وعدم وجود مال في يد الوفد اليمني في السعودية للدفاع عن الثوار وإنقاذهم من حملة الإعدامات – كما سبق الإشارة إلي ذلك - والغريب التناقض في مقدار هذا الذهب، فقد ذكرت الأهرام أن أعضاء الوفد اليمني قد غادر السعودية حاملين 15 ألف جنيه ذهباً كان الفضيل قد حملها معه في الطائرة التي أقلته إلي جدة، بينما ذكرت أخبار اليوم أن الوفد قد غادر جده وهم يحملون كيسين من الذهب يحتوى كل منهما علي خمسة آلاف جنيه حملوها معهم من صنعاء.(64)

ولم توضح الصحيفتان أسباب حمل الوفد اليمني لهذه المبالغ، هل حملها الوفد لاستخدامها في مهمته؟ ولماذا لم يستخدمها مع أنه ظل في السعودية ما يقرب من أسبوعين ؟ أم حملوا هذا المال لتأمين حياتهم إذا فشلت الثورة؟ وإن كان هذا هو الغرض فلماذا لم يأخذوا معهم مبالغ أكثر وكنوز الإمام الراحل أمامهم، كما أن الصحف لم توضح هل أخذ الفضيل المبلغ وحده أم تقاسمها مع زملائه في الوفد؟‍‍‍‍‍!

والغريب أن تركز الصحف علي هذا المبلغ الذي قيل إن الفضيل حمله معه – مع عدم وجود دليل علي ذلك – بدلاً من أن تتساءل لماذا لم تستخدم هذه الأموال والكنوز التي قيل إنها هربت إلي خارج اليمن ، في مشروعات لصالح الشعب اليمني الذي كان يعاني من الفقر والتخـلف تحت حـكم يحيي الذي كان يكـتنز هـذه الأموال والكنوز في قصره؟.

آثار فشل الثورة اليمنية علي الإخوان المسلمين :

كان أول أثر مباشر لفشل الثورة اليمن ية هو القضاء على حلم الإخوان في إنشاء دولة إسلامية خاصة بعد أن تحقق الأمل فعلياً بنجاح الثورة، والتي لعب الإخوان دوراً كبيراً في نجاحها، وكان إنشاء مثل هذه الدولة يمكن أن يكون نقطة ارتكاز للجماعة، وكما يقول محمود عبد الحليم إن الإخوان "كانوا يتمنون أن تنجح الثورة ليكون للإسلام في هذا العالم دولة ولكن شاءت إرادة الله أن يتأخر تحقيق هذه الأمنية، فأحس الإخوان بقوي الشر تتألب عليهم وتجمع شتاتها لتفترسهم".(65)

كما أدي فشل الثورة إلي تشويه صورة الجماعة خاصة من جانب الصحف المعادية وعلي رأسها الصحف الوفدية، التي سارعت لاستغلال الفرصة لتشويه صورة الإخوان وحسن البنا ، وتصويرهم في أسوأ صورة، ويري الباقوري أنه كان للمؤامرة في اليمن أسوأ الأثر على الإخوان المسلمين حتى كان الرأي العام في بلاده العروبة والإسلام ينظر للإخوان علي أنها جمعية باطنية يتزعمها رجل لا هم إلا أن يثير الفتنة ويسفك الدماء، وقد شارك في تنمية هذا المعني أعداء الدعوة الإسلامية.(66)

ويبدو أن هذا الرأي فيه الكثير من المبالغة فالواقع أن جماعة الإخوان قد شهدت أوج قوتها في هذا العام، ويبدو أن تأثير أحداث اليمن عليها كان محدوداً، وذلك لعاملين أساسيين:

الأول: أن ثورة اليمن لم تستغرق سوى فترة محدودة لم تتعد الشهر.

الثاني: أن ثورة اليمن تزامنت مع تصاعد المشكلة الفلسطينية بعد صدور قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين فى نوفمبر 1947، واشتعال القتال فى فلسطين الأمر الذي عمل على التغطية على أى أخبار أخرى فضلا عن أن استتباب الأمر للإمام أحمد جعل أخبار اليمن تتوارى إلى الظل .

كما عملت جهود الإخوان من أجل فلسطين وتدفق المتطوعين من الجماعة على القتال هناك – والتي واكبت في نفس الوقت أحداث الثورة اليمنية – على إعطاء الجماعة المزيد من الدعم الشعبي وبالتالي فإن أثر الحملة على الإخوان بخصوص أحداث اليمن كانت محدودة على المستوى الشعبي.

وكان من أثار أحداث اليمن طلب على المؤيد مندوب اليمن فى الجامعة العربية استنكار موقف الإخوان المسلمين من حوادث اليمن ، وقد اقترح أحد المندوبين حل هيئة الإخوان حتى لا تكرر مأساة اليمن ولكن تم رفض الاقتراح(67).

أما أخطر أثار حوادث اليمن بالنسبة للإخوان المسلمين فكانت إثارة مخاوف الملك فاروق من قيام الإخوان بمحاولة قلب نظام الحكم، وتكرار نموذج اليمن ويبدو أن حوادث اليمن عمقت لديه الإحساس بخطورة الإخوان على ملكه.

فبالرغم من السياسة التي كان يتبعها حسن البنا بمهادنة الملك، وهى السياسة التى اتبعها –بصرف النظر عن صحتها أو خطئها – من أجل ترسيخ دعوته، إلا أن فاروق شعر بخطورة دعوة الإخوان خاصة مع تنامى قوة الإخوان أثناء الحرب العالمية الثانية .

ويلقي السادات في كتابة أسرار الثورة المصرية الضوء علي العلاقة بين حسن البنا والملك فاروق – تعد هذه الرواية مصدر أساسي لا تخلو منه أي دراسة تتناول علاقة الإخوان بالملك فاروق – في تلك الفترة، فيذكر أنه بعد هروبه من المعتقل في نوفمبر 1944 عاود الاتصال بحسن البنا الذي اشتكي له من متابعة الملك والأجانب، وأن الملك لديه شعور قوي بخطورة دعوة الإخوان ، لما كان يسمعه من أن دعوتهم تقوم علي أن يكون الملك بالمبايعة لا بالوراثة، وأن الملك يدبر أمراً ليبطش بهذه الحركة وأنه يخشي أن يضرب الملك ضربته، والحركة لم تبلغ بعد أوج قوتها، وأن حسن البنا طلب منه الاتصال بصديقة يوسف رشاد طبيب الملك لترتيب مقابلة له مع الملك فاروق، وقد حاول السادات عن طريق الاتصال بيوسف رشاد ترتيب هذه المقابلة إلا أن هذه المحاولة قد فشلت.

وقد حاول حسن البنا مرة ثانية في أواخر عام 1945 معاودة المحاولة مرة أخري، واتصل بالسادات لهذا الغرض، وقد طلب فاروق من يوسف رشاد الاتصال بحسن البنا والاستماع إليه، وقد التقي يوسف بحسن البنا لمدة ثلاث ساعات، وقد خرج من اللقاء مقتنعاً بخلوص نية البنا نحو الملك، وعندما نقل يوسف رشاد ما دار في اللقاء للملك فاروق فوجئ بالملك يقول له "حسن البنا ضحك عليك".(68)

من الواضح مما ذكره أنور السادات مخاوف الملك من حركة الإخوان بالرغم من السياسة التي اتبعها البنا تجاه الملك، والتي كانت تهدف لإزالة المخاوف من نفس الملك تجاه الإخوان ، حتى تحقق الحركة أهدافها بعيداً عن أي عقبات، إلا أن الملك كان مدركاً لخطورة دعوة الإخوان وقد عبر عن ذلك ليوسف رشاد يقول له أن حسن البنا ضحك عليك.

والنقطة الثانية المهمة فيما أورده أنور السادات أن حسن البنا برر شعور الملك بالخطر من دعوة الإخوان علي أساس أن دعوتهم تقوم علي أن يكون الملك بالمبايعة لا بالوراثة.

وإذا كانت مخاوف الملك فاروق تعود إلي عام 1944، ولأن دعوتهم تقوم علي المبايعة لا الوراثة فلا شك أن قيام الثورة في اليمن والإطاحة بالإمام يحيي ومقتلة قد رسخت مخاوف الملك فاروق من الإخوان ، فعلي الرغم من أن الثورة في اليمن قد بايعت - طبقاً للمذهب الزيدي - ابن الوزير ملكاً ولم تلغ الملكية، إلا أن تعيين ابن الوزير ملكاً بالمبايعة، وعدم الاعتراف بأحمد ولي العهد، وتأييد الإخوان للثورة، وتعيين ابن الوزير، علي أساس أن المذهب الزيدى لا يعترف بالوراثة، كان يعني تأكيد هواجس الملك تجاه الإخوان ، ولعل ما يؤكد هذا ما جاء في الأنباء عقب الثورة اليمنية من أن الإخوان وحدهم يؤيدون النظام الجديد لأنه ألغي ولاية العهد وتبني المبدأ الشرعي الذي لا يقر الملكية الوراثية وكان هذا تهديداً لبعض النظم الحاكمة في البلاد العربية في ذلك الوقت خاصة مصر والعراق (69)ولعل ما يؤيد ذلك وقوف الدول الملكية ضد ابن الوزير وتأييد أحمد الذي اعتبرته ولي العهد الشرعي.

لقد شهد عام 1948 أوج قوة الإخوان ، وقد بدأ هذا العام بثورة اليمن بتأييد ومساندة الإخوان ، ثم اشتعال الحرب في فلسطين، والدور الكبير الذي قامت به كتائب الإخوان ، هناك، مما أثار مخاوف الملك من قوة الإخوان المتنامية، وخطرها عليه، وهو الأمر الذي انتهي في النهاية إلي حل جماعة الإخوان في 8 ديسمبر 1948 ، ثم قتل مرشدها العام في 12 فبراير 1948 .

لقد تأكد الملك من مخاطر الإخوان علي حكمة بعد أن دعم الإخوان مركزهم، في نفس الوقت الذي أقلقه بعض المسائل الخاصة بالدعوة من حيث شكل نظام الحكم والبيعة والوراثة، كما أنه كان يعلم حق العلم أن الإخوان يضيقون بسيرته الشخصية و تصرفاته التي تخالف تعاليم الإسلام ولذلك أوجس منهم خيفة، فشددت الحراسة عليه، وحمل مسدساً ليدافع به عن نفسه(70).

وقد حاولت الحكومة المصرية استغلال حوادث اليمن ، بعد ما يقرب من عام من وقوعها، وحاولت إيجاد صلة بين حادث مقتل حسن البنا والأحداث التي وقعت في اليمن ، وأعلنت الحكومة المصرية صراحة أن الإخوان ساهموا في اغتيال الإمام يحيي ، وذلك بتأكيد أن قتلة الشيخ حسن البنا من اليمنيين، وأن للإمام اليمني يدا في مقتلة(71).

وهكذا لم تتورع الحكومة المصرية التي نفذت جريمة اغتيال حسن البنا عن محاولة استغلال حوادث اليمن لإثارة الشكوك حول قتلة، وإبعاد التهمة عنها.

تقييم دور الإخوان في ثورة اليمن :

كان للإخوان دور كبير في أحداث اليمن ، وقد أيدت الجماعة وصحفها الثورة اليمنية، بينما راجت إشاعات قوية بأن الإخوان المسلمين قد شاركوا في الثورة، وقد فسر البعض البعثة التي أرسلها الإخوان قبل وبعد الثورة علي أنه جزء من مخطط موجه من القاهرة، وأن المال الذي كان من المفروض وصوله إلي حسن البنا سواء لشراء المعدات اللازمة أو في مقابل عون الجماعة دليل علي ذلك.

ويذكر ميتشيل "أنه ليس واضحاً تماماً إلي أى مدي عبر هذا الاهتمام باليمن عن ذاته في تخطيط فعلي ومشاركة في الحادث مع قادة الحركة" كما ذكر إلي أن يتوفر المزيد من المعلومات" ليس في إمكاننا أن نذهب إلي أكثر من أن الجماعة قد أيدت بالفعل أهداف حركة اليمنيين الأحرار، وأنها عملت بنشاط في صالح المنشقين بعد أن أدي فشل الانقلاب إلي طرح القضية كلها أمام الرأي العام العربي، ولم يبذل الإخوان أي جهد ملموس لتفنيد ما قيل بصدد اشتراكهم مع اليمنيين الأحرار، وإنما أعربوا بوضوح عن اهتمامهم "بإصلاح اليمن ".(72)

أما محمود عبد الحليم فمع إقراره أن فكرة إعداد الشعب اليمين للثورة قد نبتت في المركز العام" أما تفاصيلها وخطوطها فلا أعتقد أن المركز العام قد تدخل في رسمها".

ومن الواضح مما ذكره ميتشيل أنه لم تتوافر له المصادر والوثائق الذي توضح حقيقة دور الإخوان في الثورة اليمن ية نظراً لأنه بدأ دراسته عن الإخوان في مرحلة مبكرة في أوائل الخمسينات، أما