إخوان ويكي
بحث
 
 
صفحة  نقاش  اعرض المصدر  تاريخ 
           
مرحبا بكم في الموسوعة  ادخل / أنشئ حسابا 

الإخوان المسلمون وحكومة النقراشي الأولى (1945-1946هـ)

من Ikhwan Wiki

اذهب إلى: تصفح, البحث
الإخوان المسلمون وحكومة النقراشي الأولى (1945ـ1946م).

مركز الدراسات التاريخية

ويكيبيديا الإخوان المسلمين

بقلم:اشرف عيدالعنتبلي

طالب دكتوراه بجامعة القاهرة

محتويات

أولا:المقدمة

مرت الأحداث سريعا عقب اغتيال أحمد ماهر فى 22 فبراير 1945 ، فقد تولى محمود فهمي النقراشي الوزارة يوم 24 فبراير 1945، واستمر إلى 15فبراير 1946 أى ما يقرب من عام أو بالأحرى 355يوما .

ولعلنا يمكن توضيح الصورة أكثر عندما نوضح سياسة الحكومة خلال تلك الفترة وسياسة القوى الوطنية، ولعل الأحداث التى تمر بها البلاد كان لها أثر فى اضطراب العلاقة بين النقراشي والحركة الوطنية بصفة عامة، وبينه وبين الإخوان المسلمين بصفة خاصة .

سياسة حكومة النقراشي

لم يكد يتولى النقراشي الحكومة حتى سار على خطى أحمد ماهر فى إعلان الحرب على المحور، فبعد توليه بيومين فى يوم 26 فبراير 1945 انعقد مجلس النواب والشيوخ فى جلسة سرية، ووافق المجلسان على إعلان مصر فى حالة حرب مع ألمانيا واليابان .

وقد سارت الحكومة فى وادٍ والمطالب الوطنية فى وادٍ ، وسعت إلى إرضاء الإنجليز بكل الوسائل ،ولم تلتفت إلى الحركة الوطنية المطالبة بالاستقلال ، بل إن حكومة النقراشي ، وهى حكومة أقلية التى تحتاج إلى دعم ومساندة الأحزاب والشعب إلا أنها لم تكد تتولى الحكم حتى سارعت إلى محاربة القوى الشعبية ممثلة فى الوفد والإخوان مما كان مؤشرا على فشل الحكومة وعدم استمرارها مستقبلا .

وقد سارت الحكومة خلال هذا العام فى اضطراب وتخبط حيث عملت على قمع الحركة الوطنية بشتى الطرق إرضاء للانجليز . (1)

وجاء في عدد الأهرام 21577 ص 2 بتاريخ 27/ 2/ 1945م أن الإنجليز استقبلوا وزارة النقراشي بالترحاب وأن اللورد كيلرن أرسل رسالة تهنئة وترحيب للنقراشي لتوليه الوزارة، فرد عليه النقراشي؛

كما ورد في مجلة الدستور العدد 235 ص(2) بتاريخ 28/ 2/ 1945م يشكره على هذه المعاني، وأنه سيظل يعمل على التعاون مع صاحبة التاج البريطاني، كما أن أول عمل قام به إعلانه دخول الحرب بجوار إنجلترا في 26/ 2/ 1945م، كما نوه في خطاب العرش الذي ألقاه في 12/ 11/ 1945م بالصداقة مع بريطانيا.

ويقول الدكتور سيد عبدالرازق:

"إن النقراشي اشترك في الاعتداء على الدستور والحرية الشخصية للأفراد، كما تخلى عن العمل الوطني منذ أن اشترك في الوزارات، فأصبح يتطلع لنصرة الإنجليز، كما أنه أصدر قانون رقم 597 في 4/ 7/ 1945م بصفته وزيرًا للداخلية بمنع الاجتماعات المقررة لحزب الوفد ببورسعيد؛
كما أصدر قرارًا بمنع الاحتفال بعيد الجهاد فى نفس العام، كما أصدر قرارًا بمنع ارتياد المرضى لمستوصف الإخوان الخيري، وذلك كما ورد في محفظة رقم 561 الإخوان المسلمين محفظة عابدين دار الوثائق ص (364)، كما كان الصدام دائمًا بينه وبين الوفد ومصر الفتاة واليسار المصري".(2)

وفى 20 ديسمبر 1945 قدمت مصر إلى بريطانيا مذكرة طلبت فيها الدخول فى مفاوضات بين الدولتين لإعادة النظر فى معاهدة سنة 1936.

وفى 26 يناير 1946 أبدت الحكومة البريطانية عدم موافقتها على هذا الطلب ، لكنها مع ذلك لا تمانع من الدخول فى مفاوضات تمهيدية لهذا الغرض .(3) مما كان سببا فى تصاعد الاحتجاج الشعبى على الإنجليز وحكومة النقراشي .

وهكذا لم تحاول حكومة النقراشي التحرك نحو قضية الجلاء تحركا فعالا ، ومحاولة التفاهم مع القوى الوطنية والعمل على تقارب وجهات النظربينهما ، بل العكس تماما فتراجعت فى قضية الجلاء ، ودخلت فى مخاصمة وعداء مع القوى الوطنية معتمدة على دعم الملك والإنجليز لها مما يدل على أن النقراشي باشا لم يكن ذا خبرة سياسية تجعله يستغل الحركة الوطنية المطالبة بالجلاء فى الضغط على الإنجليز، وعدم الدخول فى خصومة مع القوى الوطنية وهو يحتاج إلى دعمها ، وهذا التهور وسوء التقدير للموقف السياسى أطاح بوزارته.

سياسة القوى الوطنية نحو الاستقلال

كانت نهاية الحرب في مايو 1945 مؤشرًا لبدء طور جديد للنضال الوطني ضد بريطانيا على مستوى القوى الوطنية والحركات الطلابية بينما ظهرت الأمة فى أعقاب الحرب العالمية الثانية متراخية متخاذلة ، فالطبقات المثقفة تؤثر الراحة والدعة . وترتب على تقاعد طبقات المجتمع عن النضال أن انفرد الطلبة وحدهم بالإضراب والقيام بالمظاهرات وما إلى ذلك . (4)

وتكونت مجموعات مسلحة من ناحية أخرى للقيام بعمليات ضد الاحتلال الإنجليزى وأعوانه ، فقد كون السادات مجموعة مسلحة لهذا الهدف ، وحاولت تلك المجموعة في ديسمبر 1945 اغتيال النحاس باشا قام بها شاب وطني هو حسين توفيق، وقد أفلح في يناير 1946 في قتل أمين عمان باشا وزير المالية في زمن الحرب، والذي شاع اتهامه بأنه عميل للإنجليز.

و دأب السادات على الإعراب عن اعتزازه بالمشاركة في مسئولية هذا الاغتيال وبتنظيمه (لجماعة اغتيال) مهمتها تصفية عدد من الشخصيات الأخرى كانت لها مواقفها الخائنة. ولقد أشيد بالقضية في مصر بوصفها (قضية اغتيال سياسي). (5)

وكانت الأحزاب السياسية تهدف إلى مصحتها أولا قبل الوطن ، فالوفد الحزب الشعبى ينقم على النقراشي لاستئثاره بتشكيل الحكومة دونه ، لذا فقد عمد الوفد إلى محاولة زعزعت الحكومة وتأليب الجماهير عليه بمطالب عجز الوفد نفسه عن تحقيقها وهو فى الحكم بشعبيته الواسعة، فهى مطالب ظاهرها مطالب وطنية ، وباطنها تصدير أزمات للحكومة وإشعار الرأى العام بعجزها ، فيطالب بتغيير الحكومة التى ربما تعيده إلى الحكم .

ومن ناحية أخرى سعى السعديون كالنقراشي إلى تشوية صورة الوفد وتذكير الشعب بحادث 4فبراير 1948 الذى حمل فيه الإنجليز الوفد إلى الحكم محاولة للرد على الهجمة التى يشنها الوفد عليه . (6)

وأعرب الإخوان المسلمون عن موقفهم بالدعوة إلى «مؤتمر شعبي» يعقد بالقاهرة ، وفي سبعة مراكز رئيسة في الأقاليم في بداية أكتوبر 1945 لمناقشة القضية الوطنية ولتحديد وصياغة المطالب الوطنية ، موجهين بذلك أنظار الوفد والحكومة والبريطانيين إلى الدور الطموح والشامل الذي تتوقع لنفسها أن تلعبه. ولم تطلب حكومة النقراشي رسميًا أن تبدأ مفاوضات الجلاء ووحدة وادي النيل إلا فى ديسمبر 1945 بعد أن مضت عدة أشهر. (7)

ولم ينساق الإخوان مع معارضة الوفد فى نزاعهم السياسى مع حكومة السعديين ممثلة فى حكومة النقراشي ، وحاولوا الالتقاء مع النقراشي حول المطالب الوطنية ، بالرغم من تحفظاتهم على شخصيته ورفضهم لرئاسته للحكومة .

ثانيا:الإخوان والنقراشي علاقات متوترة

رأى الإخوان فى النقراشي

لقد أشاد الإخوان بمواقف للنقراشى باشا عندما كان وزيرا للمعارف حيث أصدر قرارا بعقد امتحان في القرآن الكريم للتلاميذ المسلمين بالمدارس الابتدائية ابتداء من السنة الدراسية 1940م-1941م، ولا يعد التلميذ ناجحًا إلا إذا حصل على 40٪ على الأقل من درجة النهاية الكبرى لهذه المادة .

وانتقد الإخوان النقراشي عندما قام بالتصريح لنوادي القمار ،وفتح نادي عماد الدين للمقامرة، وقد رأس هذا النادي محمد رضا بك مدير الجيزة أي من كبار موظفي وزارة الداخلية عام 1945م .

وقد اشتكى الإخوان للنقراشي باشا من وجود صور عارية على غلاف المجلات وأخذوا عليه إعطاء هذه المجلات التراخيص التي تسمح بنشر الإباحية. (8)

أما توليه رئاسة الحكومة ، فيرى الإخوان أنه لا يصلح لرئاسة الحكومة ، وكان رأى جمهرة الإخوان أن النقراشي يصلح لكثيرمن الأعمال إلا الرياسة لما يغمرالسعديين من نوايا وأحقاد.. (9)

ويعبر بصورة أوضح محمود عبد الحليم بقوله:

والنقراشي رجل يصلح لكثير من المناصب ، لكنه لا يصلح للعمل السياسي المتشعب لاسيما في بلد كثير المشاكل والمتاعب ، ويحتاج مع الإرادة والحزم إلي المرونة وسعة الأفق وبعد النظر ، ولكن هكذا كان .. ورأي الإخوان أنفسهم أمام أمر واقع لا مفر منه ولا معدي عنه ، وهو أن الأداة الرسمية التي لابد أن تطالب بحقوقها عن طريقها هي هذه الحكومة السعدية النقراشية ومما يرسي له أن هذه الحكومة قد جاءت إلي الحكم وارثة حقد أسود علي الإخوان المسلمين لا يعرف سببه .. (10)

النقراشي يسعى للقضاء على الإخوان

وكان أهم ما يؤرق وزارة النقراشي هو كيفية القضاء على الإخوان المسلمين الذى أصبح لهم نشاط واسع المدى بين كافة الأوساط والمجتمعات على خريطة مصر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، وكان دورهم فى الحركة الوطنية له مكان الصدارة.. (11)

لذا فقد فرض عليهم أثقل القيود في نشاطهم ومراقبة دورهم محاولا القضاء عليهم، وهذه السياسة التي اتبعها طوال فترة حكمه وفق كلام ميتشيل فى كتابه (الإخوان المسلمون)، فهي إذن علاقة لا تتسم بالعطف ولا بالمحاباة. (12)

وبذل محاولات فى سبيل القضاء عليهم على النحو التالى:

(1) اتهام النقراشي الإخوان بقتل أحمد ماهر:

بدأ النقراشي عقب حكمه باتهام الإخوان بارتكاب حادث قتل أحمد ماهر ، لعله يستطيع بذلك التخلص منهم .
تقول هدى أباظة حفيدة النقراشي فى كتابها (النقراشي باشا) : يمكننا أن نقرر أن حكم النقراشي كان بمثابة "المحنة الكبرى" بالنسبة للإخوان على حد التعبير الذي استخدموه. (13)
ولذا قام النقراشي بإلقاء القبض على الأستاذ حسن البنا والأستاذ أحمد السكري وكيل الجماعة إثر حادث الاغتيال ثم أفرج عنهما بعد القبض على القاتل واعترافه.

(2) التضييق على أنشطة الإخوان:

لم يمض شهران على اتهام الإخوان بقتل أحمد ماهر حتى منع احتفالهم بافتتاح دارهم الجديدة في 30 من أبريل 1945م ، فقد اشترى الإخوان دارا جديدة بميدان الحلمية بالقاهرة ، وأعلنواعن موعد الافتتاح للدار
وأعدوا لذلك برنامجا حافلا وكبيرا على رأس هذا البرنامج عمل عرض لفرق جوالة الاخوان لا يقل عن عشرين ألفا ثم فى نهاية اليوم يقام مؤتمر جامع للاخوان بميدان الحلمية ، وجهزت إدارة الجوالة بالقاهرة الأعلام الكبرى وعربات الاتصال والحراسات اللازمة للطوارىء وغير ذلك .. (14)

ولذا كان أول قرار له بمنع حفل افتتاح دار الإخوان الجديدة ، مما دفع الإخوان لصلاة الجمعة في الجامع الأزهر وخطب الإمام البنا في جموع الإخوان قائلا:

"أيها الإخوان،إننا لم نلتق فى هذا المسجد على شكل مظاهرة،وإنما لم يعد فى القاهرة بعد قرار منع الاحتفال بافتتاح دارنا مكان يتسع لهذا اللقاء فى شكله وفى مضمونه سوى الجامع الأزهر... ثم قال:"أيها الإخوان،إننا لسنا راغبين فى إثارة،ولا خائفين من أى قوة،ولكننا أبعد نظرًا من أن تستفزنا الحوادث؛ فنغامر بأمر دعوتنا"

ثم ختم بقوله:

"والآن أيها الإخوان قد حققنا بهذا اللقاء بعض ما تجيش به نفوسنا نحوكم، كما أنكم أعلنتم بهذا اللقاء مدى ارتباطكم بدعوتكم فى دقة التنظيم وسرعة الاستجابة وضبط النفس، فإني أهيب بكم أن تنصرفوا فى هدوء مشكورين مأجورين، ولا تعطوا لأعدائكم فرصة الاصطدام بكم". (15)

وقام النقراشي باشا بمنع الإخوان من إقامة حفل خاص لتجار الإخوان ومنع البوليس دخول المرضى إلى مستوصف الإخوان المسلمين الخيري حيث حاصر المستوصف بالقوة بأوامر من وزير الداخلية النقراشي باشا

حتى أن الإمام البنا أرسل له خطاب قال له فيه:

" حضرة صاحب الدولة محمود فهمي النقراشي باشا وزير الداخلية: منعت إدارة الأمن العام حفل شاي خاصًّا لتجار الإخوان المسلمين اليوم الساعة السادسة مساء، ومنع البوليس المرضى من الدخول إلى مستوصف الإخوان الخيري، أرجو أن يصدر أمركم الحازم بمنع هذه التصرفات الجائرة. حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين". (16)

وهكذا أثبت الإخوان فى هذا الموقف أنهم يعبرون عن رأيهم بحكمة بالغة، ولا ينساقون وراء الانفعالات .

(3) محاولة وقف نشاط الإخوان والقضاء عليهم:

ولما فشلت محاولات إلصاق تهمة قتل أحمد ماهر للإخوان والتضييق عليهم فى القضاء عليهم أو الحد من نشاطهم ، فقد لجأ النقراشي إلى الطرق القانونية لحل الجماعة، و سارع النقراشي بإصدار أوامره بإخضاع نشاط الجماعة وجميع تنظيماتها للمراقبة الدقيقة. (17)
كما أنه حاول وقف نشاط الإخوان بأن سن قانون رقم 49 لعام 1945م وهو الذي يدعو الجمعيات والهيئات بتحديد موقفها هل هي حزب سياسي أم جمعية اجتماعية تنطوي تحت مظلة وزارة الشئون الاجتماعية؛
ولقد استطاع الإمام البنا الخروج من هذا المأزق بعد أن استشار إخوانه بتعديل القانون الأساسي للجماعة حيث قرر القانون الجديد للجماعة أنها هيئة إسلامية شاملة، واستحدث الإمام البنا قسم البر والخدمة الاجتماعية على أن يكون تابع لوزارة الشئون الاجتماعية ، ولهذا القسم كيانه وإدارته المستقلة غير أنه تابع للجماعة.

ثالثا:مطالب الإخوان لحكومة النقراشي

رد فعل الإخوان إزاء حملة النقراشي عليهم

وإزاء الحملة الشرسة التى شنها النقراشي على الإخوان من ناحية والوفد الخصم التقليدى من ناحية أخرى لم يجد له ظهيرا شعبيا يناصرحكومته .

وقد امتص الإخوان هجوم النقراشي وتضييقه عليهم بغاية من الصبر مدته الستة أشهر الأولى من حكمه ، بل تناس البنا اعتقاله فى بداية حكمه ، وحاول الإخوان من جانبهم تهدئة الأوضاع بين الوزارة والإخوان فبادر البنا بزيارة النقراشي باشا معزيًا في أحمد ماهر، وليشرح له طبيعة دعوته. (18)

ويفسر ذلك محمود عبد الحليم بقوله:

وبالرغم مما يعلمه الإخوان من سوء نية النقراشي، ومما يضمره من تحامل نحوهم، فإن الإخوان كانوا يتجـاوزون عن ذلك ويتغاضون عنه ، ويتناسونه حين يذكرون حق بلادهم عليهم وأن الفرصة السانحة للمطالبة بحقوقها إذا أفلتت فقد لا تعود ، فالأمرلا يخلو من مهاترات سياسية لا تصب فى مصلحة الوطن.
ولما كان الإخوان أصحاب دعوة تلزمهم بأن يبذلوا كل شيء في سبيل تحرير بلادهم ، ولا يمكنهم أن يحققوا ذلك إلا عن طريق الحكومة القائمة إذن فليتجـاوزوا عن كل شيء وليتعاونوا مع هذه الحكومة في سبيل تحقيق هذا الهدف الأسمى . (19)

وقد اعتبرت المؤلفة هدى أباظة حفيدة النقراشي فى كتابها (النقراشي باشا):

أن البنا هو الذى ذهب إلى النقراشي باشا، وليس العكس، ويفهم من قولها ذلك:اعتبار محاولة من البنا التزلف لحكومة النقراشي فى حين أن النقراشي لم يسع للتقرب من الإخوان ، فزيارة البنا للنقراشى تمجد النقراشي وتحط من البنا .

وهذا الكلام إن كان مقبولا فى الأعراف الاجتماعية إلا أنه لا يقبل فى البحث العلمى والسياسة ، فليس معنى الاختلاف أو الخصومة الفكرية أو السياسية تمنع من الالتقاء والتشاور ، وليس التحالف السياسى أومحاولة التفاهم بين الفرقاء تعنى الاندماج والتخلى عن المبادىء والأفكار ، بل تعنى التقارب حول وجهات النظر المشتركة .

وقد تصاعدت حالة الاحتقان بين الحكومة والحركة الوطنية التى يعتبر الإخوان جزءا أصيلا منها بسبب فشل سياسة النقراشي فى تلبية مطالب الشعب فى التطلع إلى الحرية ، ولم يستغل الموقف الشعبى للضغط على الإنجليز فى المطالبة بالجلاء عن مصر ، بل النقيض تماما ، فقام النقراشي باشا بمواجهة المظاهرات المطالبة بالجلاء بالجنود والسلاح والقمع والعنف ، فالأمر كان يحتاج مع الإرادة والحزم إلي المرونة وسعة الأفق وبعد النظر .

وقد مثل الإخوان جزءا فعالا من المعارضة الشعبية لموقف حكومة النقراشي من قضية الجلاء واتهامها بالتفريض فى حقوق البلاد ، ونظر كذلك النقراشي باشا إلى تلك المظاهرات المطالبة بالجلاء أنها أعمال شغب تضر ولا تفيد ، فالجلاء يأتى بالتفاوض ، وليس بتلك المظاهرات.

لم يكن الإخوان راضين عن النقراشي لشخصه لكن عن سياسته تجاه الوطن وهذا دأب الإخوان ألا يعادوا أحدا لشخصه لكن للمصلحة العامة حيث لم يقدم النقراشي للقضية الوطنية أي شيء في وزارته الأولي والتي انتهت بتقديم استقالته بعد الحادث الشهير حادث كوبري عباس في 9 فبراير عام 1946م..

حيث أمر بفتح الكوبري وهو وزير الداخلية أمام الطلبة المتجهين لقصر عابدين للمطالبة بالجلاء، فكانت نقطة خطيرة من القضية الوطنية بالإضافة إلى موقفه من قضية السودان المتراخي ووحدتها بمصر تحت التاج المصري، وكذلك انتقد الإخوان سياسته الخارجية تجاه أندونسيا ومطالبها فى هيئة الأمم المتحدة .

رابعا:حادثة كوبري عباس 9 فبراير 1946 وسقوط وزارة النقراشي

رد الإخوان والقوى الوطنية حول المذكرة البريطانية

لقد كانت القضية الوطنية القاسم المشترك بين القوى الوطنية الوفد والإخوان والأحزاب والهيئات والجمعيات والشَّعب عموما على اختلاف رؤاهم وتوجهاتهم ، فكانوا كثير ما يختلفون فيما بينهم ، وتصل الخلافات بينهم ذروتها ، لكن يتفقونحول القضية الوطنية .

تقدمت حكومة النقراشي إلى الإنجليز فى ديسمبر 1945بمذكرة تطلب فيها تعديل بعض بنود معاهدة 1936 ورد ت الحكومة البريطانية فى 26 يناير 1946 رداهزيلا يكرس لمعاهدة 1936 حيث إنه أقر المبادئ الأساسية التي قامت عليها معاهدة 1936 كما أنه وضع مصر في مصاف " مجموعة الأمم البريطانية والإمبراطورية " مما يتنافى مع الكرامة الوطنية ، فاندلعت المظاهرات الصاخبة في الجامعة. (20)

وتبين للرأى العام مبلغ سوء نية الإنجليز نحو مصر، وإصرارهم على إبقاء قواعد معاهدة سنة 1936 كأساس العلاقات بين البلدين ، مما أدى إلى اشتداد سخط الأمة على هذه السياسة وتجلى هذا السخط فى مظاهرات عمت أرجاء البلاد ، وأصدرت الهيئات المختلفة بيانا احتجت فيه على هذا الموقف . (21)

ويوضح محمود عبد الحليم موقف الإخوان من حكومة النقراشي بصفة عامة ، بقوله:

ولقد أخذ الإخوان يحثون الحكومة علي الجلد في المطالبة بحقوق البلاد في استقلال والوحدة لوادي النيـل .. ولـسنا ندعي أننا كنا وحدنا الذين يحثون الحكومة علي ذلك بل كانت جميع الهيئات والأحزاب تحث علي ذلك ولكن الـهدف كان مختلفًا فقد كان هدفنا من ذلك تبصير الحكومة وتقوية موقفها أمام المستعمر في حين كان حزب كالوفد يهدف من ذلك إلـي إحراج مركزها . ولكن الذي حدث فعلا هو أن الحكومة لم تأخذ هذا الأمر مأخذ الجد .
وأخذت تسـوف وتتـهاون وتؤجل وأخيرًا تقدمت إلي الحكومة البريطانية علي استحياء وخجل بمذكرة هزيلة تشعر بأنها تطالب بما هي ليست مؤمنة به مما أطمع الإنجليز وجعلهم لا يؤدون حتى برفض هذه المطالبة الهزيلة . وقد آثار ذلك جميع الهيئات في مصر فأصدرت كل هيئة بيانًا أوضحت فيه احتجاجها علي هذا التهاون المخزي .
ولما كان الإخوان يرون انتزاع البلاد المسلوبة في هذه الفرصة السانحة قضية المصير فقد عقدت الهيئة التأسيسية جلسة غير عادية استمرت يومين ناقشت فيها هذا الموضوع وأصدرت البيان التالي الذي نشر بالصحف يوم 5-2-1946 وكان البيان بيانًا مطولاً استعرض المذكرة المصرية والرد البريطاني ثم قال : الذي يلفت الأنظار في المذكرة المصرية أنها مسلك الضعف والاستجداء في أسلوبها مما يسر للانجليز التهرب من الاعتراف بحقوقنا التي أنعقد إجماع الأمة عليها (22)

وقد سجل الإخوان فى اجتماع الهيئة التأسيسية موقفهم من موقف حكومة النقراشي المتخاذل ، وتردد صدى هذا البيان فى كل أنحاء مصر،ولم تتحرك حكومة النقراشي الأولى خطوة واحدة فى سبيل تحقيق المطالب الوطنية المصرية وعقب هذا البيان وقعت مصادمات عنيفة بين البوليس والشباب . (23)

ولم يكن بيان الإخوان هذا هو البيان الوحيد الذي ووجهت به الحكومة إزاء موقفها الضعيف المتخاذل بل إن كل الهيئات والأحزاب التي كانت خارج الحكم قد أصدرت بيانات بهذا المعني ولكن الحكومة كانت تتلقي بيان الإخوان بجدية واهتمام؛

لأن الهيئة الوحيدة التي كانت قادرة علي إتباع بيانها بحركة شعبية عملية معبرة عن السخط هي هيئة الإخوان ، فكل بيان يصدر عن الإخوان يتردد صداه في جنبات الجامعة وفي أحياء القاهرة وفي مختلف بلاد القطر ، ولما كان هذا البيان قد أشعر الجميع باليأس من هذه الحكومة التي ظلت في الحكم قرابة العام دون أن تخطو خطوة جادة لاستخلاص حقوق البلاد . (24)

بيان الإخوان المسلمين بشأن المطالب الوطنية

ولما كان الإخوان يرون انتزاع البلاد المسلوبة في هذه الفرصة السانحة قضية المصير فقد عقدت الهيئة التأسيسية جلسة غير عادية استمرت يومين ناقشت فيها هذا الموضوع وأصدرت البيان التالي الذي نشر بالصحف يوم 5-2-1946 وكان البيان بيانًا مطولاً استعرض المذكرة المصرية والرد البريطاني ثم قال:

الذي يلفت الأنظار في المذكرة المصرية أنها مسلك الضعف والاستجداء في أسلوبها مما يسر للانجليز التهرب من الاعتراف بحقوقنا التي أنعقد إجماع الأمة عليها:

فأولاً: بنت الحكومة مطلبها علي تعديل المعاهدة التي أثبتت الظروف أنه لم تعد صالحة لأن تكون أساسًا للعلاقات بين الدولتين ، بل إن هذه الظروف نفسها قد فرضت بطلان هذه المعاهدة وإلغاءها إلغاء تامًا
لأسباب أهمها:زوال عصبة الأمم من الوجود ، وقيام ميثاق الأمم المتحدة الذي اشتركت مصر في توقيعه ، وتغير الظروف الاستثنائية التي أبرمت فيها المعاهدة ، فضلا عما بذلته مصر من مجهود أثناء الحرب فاق ما قررته المعاهدة بمراحل كثيرة ، وفاق ما كان منتظرًا منها مما أدي إلي تغيير في مجري الحرب في جانب الخلفاء كما اعترف بذلك قادة الحرب وزعماء الدول الكبرى أنفسهم .
ثانيًا: لم تحدد الحكومة في مذكرتها مطالب البلاد في قوة وصراحة ، وكان أولي بها وهي مصاحبة الحق أن توضح هذا الحق توضيحًا قويًا تؤكد أنه لن ترضي عن الجلاء ووحدة وادي النيل بديلا .
ثالثًا: السودان ... شطر الوادي لقد فجع أبناء الوادي لهذا الأسلوب المتخاذل الذي صاغت فيه الحكومة مسألة السودان "مستوحية" مطالب السودانيين وأمانيهم .. وكان أحري بها أن لا تردد هذه النغمة الملتوية التي يذكرها الإنجليز علي الدوام ليفرقوا بين شطري الوادي ، ولقد أعلنا غير مرة أن مطالب السوداني وأمانيه هي بعينها مطالب المصري وأمانيه .
إن الإخوان المسلمين في أنحاء الوادي ليعلنون في قوة ووضوح أنهم لن يرضوا بعد اليوم ذلا ولا هوانًا ، ولن يقبلوا ترددًا في نيل حقوقهم ومطالبهم ، ويدعون الشعب كله أفرادًا وجماعات وهيئات أن يقفوا صفًَا واحدًا في المطالبة بهذه الحقوق والعمل علي تحقيقها أو الفناء في سبيلها .

أيها المواطنون ...

إن الإخوان المسلمين ليسجلون علي الحكومة هذا الموقف الضعيف ، ويسجلون علي الإنجليز هذه الجحود ولقد علمتنا التجارب أن الاستقلال والحرية ما كانت يومًا من الأيام صحًا يكتب أو اتفاقا يعقد لا يشفي غلة ولا يروي أوارًا ، ويهيبون بالأمة أن تستعد لجهاد متصل عنيف ، فليس للهوان بعد اليوم من سبيل .
ولتعلموا أن المفاوضة وسـيلـة وليست غاية مقصورة لذاتها ، ولا يمكن أن نقدم علي الوسيلة إلا إذا أطمأننا علي أسس بينة لتحـقيق هـذه الـغاية ، فلنتعظ بالماضي ، وليحذر الساسة ألاعيب المستعمرين ، ولتتوحد الصفوف وتتحد الجهود بتوجيه وطني خالص لوجه الله والوطن .

أيها المواطنون ...

إن حقوقكم قد اجتمعت عليها كلماتكم، وارتبطت علي المطالبة بها قلوبكم، وهي الجلاء التام عن وادي النيل بلا مراوغة ولا تسويف ووحدة الوادي بلا تردد ولا إمهال ، وحل المشاكل الاقتصادية المعلقة بيننا وبين الإنجليز علي وجه السرعة حتى تتنسم البلاد ريح الحرية ويطمئن الناس علي حياتهم ومستقبلهم .
والإخوان المسلمون حين يضعون هذه الحقوق والأهداف من رسالتهم موضع العقيدة والإيمان يرون أنها ليست مما يصح أن يكون محلا للمساومة علي الإطلاق ، وكل من حاول ذلك فهو خارج علي وطنه ، متحمل وحده تبعة عمله منبوذ من سائر مواطنيه . " (25)
ولقد ساهمت سياسة النقراشي تجاه القوى الوطنية من قبل فى تصعيد احتجاحها وتكاتفها حول المطالب الوطنية التى وحّدت الفرقاء على معاداة النقراشي والوقوف ضد تخاذله، وهكذا أثمرت سياسة النقراشي غير الرشيدة فى سخط الجميع عليها؛
فقد توقف النزاع للحظة عندما وصل الرد البريطاني في 26 يناير 1946 فاترًا وملتبسًا، على مذكرة النقراشي فقد طرح الطلبة خلافاتهم جانبًا، وقد أثار ثائرتهم هذا السلوك الذي اعتبر إهانة وقحة للسيادة المصرية، وحشدوا صفوفهم من أجل مؤتمر طلابي عام لإتخاذ قرارات احتجاج قوية .

مظاهرة كوبري عباس الثانية في 9 فبراير 1946

وفى يوم 9 من فبراير 1946 قام فى القاهرة مظاهرة من طلبة جامعة فؤاد الأول ضمت بضعة آلاف منهم ساروا من فناء الجامعة قاصدين قصر عابدين يهتفون بالجلاء ولا مفاوضة إلا بعد الجلاء .

وفي اليوم نفسه أرسلت مذكرة عاجلة إلى الملك فاروق تطالب بالبدء الفوري للمفاوضات. وفي اليوم نفسه، بدأ الطلبة «مسيرة سلمية» إلى قصر عابدين تعبيرًا عن إصرارهم على تحقيق مطالبهم وفي طريقهم إلى القصر فرّقهم البوليس بالقوة، وقد سمي هذا الحادث، الذي ثار حوله خلاف كثير وتحول إلى واقعة تاريخية شهيرة في حوليات الحركة الطلابية (مذبحة كوبري عباس).

وتثير المجموعات الطلابية المختلفة في كل مناسبة مواتية بما في ذلك الإخوان المسلمين الذي تقدم قائدهم في الجامعة مصطفي مؤمن مسيرة ذكرى هؤلاء الذين استشهدوا فوق كوبري عباس من أجل قضية مصر وعلى أيدي البوليس المصري الذي يسيطرعليه البريطانيون.(26).

وفي العاشر من فبراير وصل الملك، الذي اعتزام الذهاب إلى الجامعة من أجل الافتتاح الملكي للسكن الطلابي الجديد، والمدينة الجامعية، وصل ليجد تجمعا طلابيا غاضبا يرفض تحيته.

وفي ذلك المساء، وعن طريق رئيس ديوانه الملكي أحمد حسنين، دعا الملك كل القيادات الطلابية لزيارة القصر لحضور مؤتمر لم يعرب فيه فحسب عن عدم رضائه عن أفعال البوليس في اليوم السابق، بل ولمح أيضًا إلى إقالة وزارة النقراشي .

وفي الحادي عشر من فبراير خرجت مظاهرة يقودها أيضًا مصطفي مؤمن من الجامعة إلى القصر، تحت «حماية» البوليس هذه المرة. وفي الرابع عشر من فبراير سقطت وزارة النقراشي وكان حادث الكوبري هو الحلقة الأخيرة في سلسلة الأزمات الداخلية في الوزارة والتي أصبح استمرارها في السلطة بعده أمرًا مستحيلا. (27)

وقد شارك الإخوان المسلمون في تلك المظاهرات الطلابية،تقول هدى أباظة:

شهد عام 1946 حادثة كوبري عباس التي تحدثنا عنها طويلا ولقد كشفت تقارير وزارة الداخلية التي رفعت إلى النقراشي عن دور الإخوان فيها.
فقد وقعت مصادمات عنيفة عقب صدور هذا البيان بين البوليس والشباب في القاهرة والإسكندرية في 9 فبراير سنة 1946 وكان هذا يومًا مشهودًا تكررت فيه مأساة كوبري عباس التي حدثت في 1936.. وقد أصيب 160 طالبًا إصابات شديدة وفقد 28 طالبًا حيث كانوا يلقون بأنفسهم من فوق الكوبري في النيل من شدة الضرب الرصاص .

وفي نفس اليوم قامت مظاهرات في المنصورة وأسوان وقامت قوات كبيرة من رجال البولي بمحاصرة المركز العام للإخوان ودور الإخوان بالقاهرة ومنعوا دخول الإخوان ، وقد أرسل وكيل الإخوان برقية احتجاج إلي جريدة المصري علي هذا الحصار محملا الحكومة نتيجة هذا التصرف الجائر فكان أن صادرت الحكومة جريدة المصري يوم 11-2-1946 . وأمام هذه المقاومة الشعبية العارمة اضطرت هذه الحكومة لتقديم استقالتها يوم 14-2-1946 فقبلت . (28)

وظن النقراشي أن الحل الأمنى هو الدواء الناجع ، فبدلا من امتصاص الحركة الطلابية الغاضبة ،فراح يحاصر الطلاب ويتعامل معهم بضرواة بالغة ، وبدلا من مهادنة الإخوان والقوى الوطنية راح يحاصر المركز العام للإخوان مما يدل على أن النقراشي ليس رجل سياسة ، وأنه يمضى بتهورفى مواقفه.

وتتفق الروايات على بشاعة الجرم الذى ارتكب بحق الطلاب ، لكنها تختلف حول عدد الإصابات بين الطلاب ، يقول عبد الرحمن الرافعى : وقد بالغ الرواة فى تصويرها إذ جعلوا منها فيما بعد دعاية سياسية ضد النقراشي ،وزعموا أن بعض الطلبة قتلوا فيها وبعضهم غرق فى النيل من أعلى الكوبرى ،وقد تحققنا أنه لم يقتل أحد ولا غرق فى هذه الواقعة بالذات .

وقد تجددت مظاهرة الطلبة فى اليوم التالى 10 فبراير فصدها رجال البوليس بالقوة .وشملت المظاهرات مدن الإسكندرية والزقازيق والمنصورة وأسيوط ، تصدى لها رجال البوليس بالقوة. وقتل ثلاثة فى الإسكندرية وثلاثة فى الزقازيق وواحد فى المنصورة ..

وكان لهذه الحوادث وقع أليم فى النفوس ، واشتد سخط الرأى العام على مسلك الوزارة تجاه تلك المظاهرات عامة ، وكان واجب عليها ألا تقابلها بهذا العنف وبتلك القسوة ، فإنها كانت مظاهرات سلمية بريئة لا يراد منها إلا الإعلان عن سخط الاحتلال وسياسته ، ولولم يمنعها البوليس لانتهت بسلام . (29)

وبالطبع لابد أن تنفى الكاتبة هدى باظة حفيدة النقراشي باشا المذبحة التى ارتكبت بحق الطلاب على كوبرى عباس 9 فبراير 1946، فتقول : وبفعل هذه العوامل أصبحت أسطورة كوبري عباس ، أما ما يدعونها بمذبحة كوبري عباس في 9 فبراير 1946؛

وكأنها حقيقة تاريخية ولد كانت للمصالح السياسية المختلفة أسبابها التعدية إذكاء وإضفاء الغطاء على الأكاذيب التي أحاطت بحقيقة الموضوع حتى رسخت في مخيلة الشعب دون أن يعنى أحد بتتبع الأحداث الحقيقية واستجلاء بواعثها اكتفاء بالادعاءات التي تصور هذه الاضطرابات على أنها كانت محاولات سلمية من جانب الطلبة للتعبير عن آرائهم في الرد البريطاني المتعنت على المذكرة المصرية.

ثم تقول: ولقد عثرنا أخيرا في حقائب النقراشي على مذكرة وزارة الداخلية إدارة الأمن العام وهى تتناول وقائع ثابتة يمكن الرجوع إليها ، كما تحتوى على أحداث مشهودة وشخصيات محددة ترتبط بالواقع الزمني والمكاني والتاريخي .

ولا شك أن وثائق وزارة الداخلية الخاصة بكوبري عباس لابد وأن تكون محفوظة على الرغم من مرور ستين عاما على الحادث، وكذلك المحاضر الرسمية والسجلات ودفاتر الأقسام لما يصوره الحادث من أهمية بالغة . (30)

تذكر أن الهدف من المظاهرة إحداث انقلاب فى القاهرة ، فتقول:

وهكذا سار المتظاهرون أو سيروا نحو كوبري عباس سعيا لقلب مدينة القاهرة إلا أنهم وجدوا الكوبري مغلقا للمشاة فما كان من بعض طلبة كلية الهندسة إلا أنهم ركبوا الزوارق وأرغموا المهندس المقيم بالكوبري على فتحه عنوة للمرور بين شاطئ الجيزة وشاطئ الروضة؛

بل ولقد أيدت رواية الرافعى شهادة أحمد عادل كمال في كتابه "النقط فوق الحروف،الإخوان المسلمون والنظام الخاص" وهو أحد أعضاء الجهاز السري لجماعة الإخوان المسلمين؛

ورغم التناقض الواضح بين الألفاظ المنتقاة فهو يقرر أن:

"أحدا لم يقتل يومها رغم أن كثيرين ألقوا بأنفسهم من فوق الكوبري إلى النيل أو إلى الضفة الطينية من جهة الجيزة ولكنها على أي حال كانت مذبحة أسفرت عن مئات من الجرحى ". (31)
ويبقى السؤال هل الانقلاب الذى كان يفترض أن يقوم به الطلاب فى تلك المظاهرة كان ضد الملك أو الإنجليز أو الحكومة؟ وغالب الظن أن تلك المظاهرة قامت ضد الإنجليز، وهذا لابد يعتبر انقلابا ، بل نضالا يشاد بالقائمين به .

وعلى أى حال ، فقد تكررت مأساة حادث كوبرى عباس للمرة الثانية فى القاهرة والإسكندرية وأصدر وكيل وزارة الداخلية عبد الرحمن عمار أوامره للجنود بإطلاق الرصاص على الشباب البرىء على نفس الكوبرى وراح ضحية هذا الحادث الأثيم أكثر من 25 طالبا وجرح المئات وانطلقت المظاهرات فى كل مصر وحاصر البوليس المركز العام للإخوان المسلمين فأرسلت الجماعة بيان احتجاج على تصرفات الحكومة الى جريدة المصرى فقامت الحكومة بمصادرة الجريدة . (32)

سقوط حكومة النقراشي

إزاء العنف الذى استخدم فى مظاهرة كوبرى عباس فى 9 من فبراير 1946 وما تلاه من مظاهرات فى أماكن متفرقة بمصر وسخط الرأى العام على حكومة النقراشي جعل الملك يطلب من الحكومة تقديم استقالتها فى 15من فبراير 1946 بعد أن قضت ما يقرب من عام فى الحكم .

ويقال إن الإخوان المسلمين كان لهم دور فى إقالة النقراشي، فيقال أن رئيس الديوان الملكى استدعى البنا وتشاور معه ثم بعد اللقاء بيومين تم إقالة حكومة النقراشي . (33)

خامسا:المراجع

  1. عبد الرحمن الرافعي:في أعقاب الثورة المصرية ج3 ص162.
  2. محمود فهمي النقراشي ودوره فى السياسة المصرية وحل جماعة الإخوان المسلمين،مكتبة مدبولى ، القاهرة.
  3. عبد الرحمن الرافعي السابق ج3 ص160 ، 186ـ 187 .
  4. الإخوان المسلمين .... ريتشارد ميتشل .
  5. السابق.
  6. السابق.
  7. السابق.
  8. راجع:محمود عبد الحليم:الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ الجزء الأول
  9. إبراهيم قاعود:الإخوان المسلمون في دائرة الحقيقة الغائبة .
  10. الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ ، ج1 الجزء الأول : الباب الرابع .
  11. إبراهيم قاعود : السابق.
  12. هدى أباظة : النقراشي باشا، والمؤلفة (حفيدة النقراشي) ابنة صفية محمود النقراشي .
  13. السابق.
  14. عباس السيسي:في قافلة الإخوان المسلمين الجزء الأول
  15. محمود عبد الحليم:الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ ، ج1 الجزء الأول:الباب الرابع .
  16. السابق.
  17. هدى أباظة : السابق. .
  18. السابق..
  19. محمود عبد الحليم: السابق..
  20. هدى أباظة : السابق. ..
  21. إبراهيم قاعود:الإخوان المسلمون في دائرة الحقيقة الغائبة .
  22. محمود عبد الحليم ، الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ ، ج1 الجزء الأول:الباب الرابع .
  23. إبراهيم قاعود:الإخوان المسلمون في دائرة الحقيقة الغائبة .
  24. محمود عبد الحليم:السابق .
  25. محمود عبد الحليم ، الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ ، ج1 الجزء الأول:الباب الرابع .
  26. الإخوان المسلمين .... ريتشارد ميتشل .
  27. السابق..
  28. محمود عبد الحليم ، الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ ، ج1 الجزء الأول:الباب الرابع .
  29. عبد الرحمن الرافعي:فى أعقاب الثورة المصرية ج3 ص188 .
  30. النقراشي باشا:هدى أباظة (حفيدة النقراشي) ابنة صفية محمود النقراشي .
  31. السابق ..
  32. إبراهيم قاعود:الإخوان المسلمون في دائرة الحقيقة الغائبة .
  33. الإخوان المسلمين .... ريتشارد ميتشل .

إقرأ أيضاً