الإخوان المسلمين .... ريتشارد ميتشل

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخوان المسلمين ... دراسة أكاديمية
دفاتر التاريخ العربي

أعدها / ريتشارد ب. ميتشل

ترجمة / عبد السلام رضوان

مراجعة / فاروق عفيفي عبد الحي

تقديم / صلاح عيسى


محتويات

الإخوان المسلمين مأساة الماضي ومشكلة المستقبل

التاريخ بين العلم والسياسة

تعاني مدرسة التاريخ العربي المعاصر من ظواهر عديدة تولدت من ظروف التغير العنيف الذي شهدته الأمة العربية خلال العقود التي بدلت مع الحرب العالمية الثانية، فقد كانت سنوات الحرب مرحلة مخاض عنيف انتهت بأن انبعثت في معظم أقطارها حلقات جديدة من ثورة التحرر الوطني سعيا وراء تحطيم التبعية للاستعمار الغربي، ونشدانا لوحدتها القومية، وتحطيما لبقايا العلاقات القلبية والإقطاعية التي كانت تكبل حركتها في اتجاه التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وبدرجة ما حققت تلك الثورات بعض ما نشأت وتحركت من أجله، فاستمر بعضها بينما انتكس معظمها، ولعب العسكريون العرب دورا بارزًا في قيادتها، وتركوا بصماتهم – سلبا وإيجابا – على تلك المرحلة من تاريخ أمتنا.

بعض ما تعانيه مدرسة التاريخ العربي المعاصر نتيجة لتلك الظروف، ذلك الخلط - جهلًا أو غرضًا – بين (التاريخ) و (السياسة) بشكل كليهما واخضع التاريخ – كعلم – لمتطلبات السياسة بأكثر صورها آنية وضيق أفق، وهكذا خضعت الأجيال الجديدة لعملية «غسل المخ التاريخي» لكي يمحى الماضي لحساب الحاضر.

وربما كانت أكثر دوافع هذا الموقف إشراقا، تلك الرغبة في تقطيع روابط الأمة بماض ظن هؤلاء أنه لم يكن يحمل سوى التبعية للاستعمار والتخلف المزري على الأصعدة الاجتماعية والفكرية، ويمثل نقده بعنف وشراسة من وجهة نظرهم وسيلة لتلوى الأمة كشحها عنه وتمضي في طريق أكثر استنارة وتقدما واستقلالا.

ولأن الطريق إلى جهنم مفروش بالنيات الطيبة، فإن تلك النظرة قد خلقت رد فعل أكثر منها مراهقة، فالسلفيون الذين كانوا يرون في الماضي بعض إشراق وكثير ظلام قد استفزهم تجاهل هؤلاء للتراث بأكمله وتحيزهم ولا موضوعيتهم، فرفضوا – كرد فعل – الحاضر وازدروه، وتعصبوا للماضي تعصبا يعمى عن الرؤية الموضوعية، وأصبح كل (السلف) عندهم (صالحا) وكل (الخلف) وعندهم (صالحا)، بل أن تلك النية الطيبة لم تقد فحسب إلى جهنم (السلفية) التي تتمثل في يوتوبيا رجعيا ترفض العقل والمنطق ومصلحة الأمة والوكن ولكنها أيضًا زادت من سطحية بعض المتقدمين فكريا، فعجزوا عن قيادة التقدم في خطى تستند إلى فهم الواقع النوعي الخاص لتاريخ أمتنا.

ولا خطأ في القول بأن خطرا ماحقا قد أصاب عقلنا الجمعي نتيجة لتلك الظاهرة، بحيث افتقد – هذا العقل – على (الحاسة النقدية) فيما يدفع إليه من حقائق السياسة ونظرياتها، واستدرج إلى متاهة لن يعد البعض يرى معها أن هناك حقيقة موضوعية على الإطلاق، فاليوم يكذب الأمس، والغد سيكذب اليوم.. وهكذا درنا في حلقة مفرغة.

وأسلم آخرون عقولهم – يأسا أو عجزا- لا جهزة الإعلام والدعاية، يصدقون كل ما تسوقه إليهم – وفيه الكذب صريحا وقبيحا – فإذا أنكرته تلك الأجهزة قبل صياح الديك.. انكروه هم بعدها!!

وتلك فيما أظنه أخطر ظواهر الفكر العربي المعاصر وأكثرها اضرارا بحيوية الأمة وفاعلية الشعب لأنها تضرب في الصميم (الوعي الاجتماعي)، ذلك الذي بدونه لا تحقق الجماهير هدفها في امتلاك مصيرها والسيطرة على مقدراتها.

وبعض ما يكون تلك (الحاسة النقدية) أن تستنفذ (التاريخ) من ذلك التناول الدعائي والديماجوجي الذي صار تقليدًا من تقاليدنا العربية المعاصرة يثير اشمئزاز العالم المتحضر، عندما يرانا نسعى لتأييد وجهة نظرنا استنادا إلى حقائق مكذوبة بعلمنا أو صنعنا أو تواطؤنا بالصمت.

و(التاريخ) علم يخضع لكل ما تخضع له العلوم من شرائط وعلامات، هدف البحث عن الحقيقة في أنقى صورها بقد ما هو متاح من معطيات تساعد في الوصول إليها، والمؤرخ يقوم بعمل (معملي) محض: يجمع الحقائق من الوثائق والمذكرات والأوراق الرسمية وشهادات الأحياء، ويخضع كل ذلك لعملية تجمع المتشابه وتقارن بين الروايات، وتعتمد بعضها، وتطرح الآخر جانبًا.

والإعلاميون ممن يخلطون بين العلم والسياسة. لا يعنون كثيرا بعملية التاريخ، أو معمليته، أنعم يعتمدون عادة من الروايات ما يخدم أهدافهم السياسية الآتية – أو أهداف من يعملون لحسابهم – فإذا لم يجدوا تلك الروايات التي تخدمهم فلا بأس بتزويرها!

وعلى الجانب الآخر فقد خضع الأكاديميون للرذيلة التي لا ينجو منها إلا القلائل: رذيلة«ضيق الأفق» فجاءت معظم إسهاماتهم مجرد قدرة مذهلة على حشد كمية مهمولة من التفصيلات التي لا تنسجم في أي مسار أو تخضع لأي مفهوم كلي وشامل، غير مدركين أن هذا (التجميع) المفتقر تمامًا لأي (تنظير) يؤدي نفس الدور الديما جوجي، فالتاريخ هنا لم يعد علما لفهم الماضي والتأثير في الحاضر وامتلاك المستقبل، ولكنه أصبح مجرد حواديت وحكايات يتسلى بها الناس ولا يضرهم كثيرا ألا يعرفونها.

ولا يعني ضيق أفق بعض الأكاديميين أن نطرح جانبًا (أدوات البحث) التي يستخدمونها أو أن نزديها، ولكن الوعي بأن تلك الأدوات لا تعمل بمعزل عن المنهج أو الرؤية الكلية هو السبيل للوصول إلى تاريخ حقيقي فخطأ الاعتماد على (التجميع) دون (التنظير) لا يقل فداحة عن العكس.

وإذا كان صحيحًا أن كل موقف منهجي هو في النهاية موقف سياسي، فإن هناك فرقًا بين الانتماء لمنهج أو أيديولوجية، وبين اعتماد آراء حزبية أو حلقية، وخاصة في عالمنا العربي الذي اختلطت الحزبية فيه برواسب قبلية شديدة الوطأة.

ظاهرة تاريخية وسياسية

لا خلاف في أن الإخوان المسلمين، واحدة من أهم الحركات السياسية في تاريخ أمتنا العربية، لعبت دورا مؤثرا – بالسلب والإيجاب – في تطوره السياسي والاجتماعي والفكري منذ نشأت في عام 1928 وحتى الآن.

وخلال ربع القرن المنصرم دخل الإخوان المسلمين في مجموعة من الصراعات السياسية مع أنظمة الحكم العربية التي تولدت عقب الحرب العالمية الثانية.

وهو ما انتهى بها – بسبب ظروف معقدة – إلى صدامات دموية قلصت وجودهم المعلن، والقلت عليهم ستارا من الصمت الثقيل اللهم إلا من أقوال أعدائهم ومخالفيهم في الرأي.

وفضلًا عن أن هذا الستار من الصمت كان تجاهلا لواقع. ظل قائما وقويا لسنوات طويلة، وظلت له امتداديه في أسوأ الظروف التي مرت بهم، فإن كثيرا مما هو باطل قد قاله خصوم الإخوان فيهم، وهو ما ولد بالتالي رد فعل معاكس، فلم يقولوا هم في أنفسهم – ولم يقل فيهم كثيرون ممن يتعاطفون بالفطرة مع من يعتقدون أنه مظلوم – إلا كل ما هو خير... بل أن إمكانيات التفاعل السلمي بين الإخوان المسلمين وبين نظائرهم وأندادهم من القوى السياسية العربية، قد أصبحت بالصدام أو بحاجز الصمت مستحيلة.

وعكست نفسها بالسلب على الجميع، فالتواجد (الواقعي) للإخوان أصبح منكورا رغم واقعيته، ولم يلتفت كثيرون مع هذا الإنكار إلى ضرورة الحوار معهم، أما بالنسبة للإخوان أنفسهم فإن التقوقع على الذات واجترار مشاعر الانتقام والعزلة في السجون قد حال بينهم وبين تجديد فكرهم ليلائم واقع تغير بالفعل وأصبح ينشد بحثًا عقليًا وسياسيًا خلاقًا لكل ما يريد أن يعيش على خريطة الواقع السياسي العربي.

ويزيد من أهمية وضرورة الحوار العلمي حول الإخوان المسلمين، أنه أصبح من الثابت الآن. أنهم – في مصر – يلحون في العودة للعمل السياسي إن لم يكونوا قد بدأ وفعلا، في مناخ تنشط فيه كل القوى السياسية في مصر، مطالبة بحقها في العمل السياسي واستقلالها التنظيمي والإيديولوجي. ومعنى هذا أن الإخوان المسلمين ليسوا ظاهرة (تاريخية) تنتمي للماضي، ولكنهم أيضًا ظاهرة (سياسية) تنشط في (الحاضر) وتؤثر فيه.

ومن هنا كان ضروريا أن يكسر حاجز الصمت الذي أحاط بهم – وهو ما حدث بالفعل – فهم الآن يتكلمون عبر تجمعات شرعية ونصف شرعية، وعبر منابر فكرية متعددة، كما أصبح من المتاح الآن أن يتكلم الآخرون عن تاريخهم وعن واقعهم، خاصة هؤلاء الذين – مع خصومتهم لهم – قد تعففوا عن الكلام عنهم بسوء يوم أن كانوا عاجزين عن الرد أو الدفاع عن أنفسهم وهو مالم يتعفف عنه كثير من الإخوان.

وحرصًا على أن يكون التناول أقرب ما يكون إلى العلم – في تنزهه وحيدته – جاء اختيار هذا الكتاب الذي ألفه الدكتور ريتشارد.ب. ميتشل، في الأساس كرسالة لنيل درجة الدكتوراة في التاريخ الحديث من جامعة برنستون الأمريكية عام 60 وصدرت طبعته الأولى في كتاب بعنوان The Socity of Muslem Brothers وهي الطبعة التي يضم هذا الكتاب الجزء الأول من ترجمتها الكاملة، والتي تختلف عن الرسالة الأصلية، استنادا لما يذكه المؤلف في مقدمته – بعض الشيء، أن حذف بعض ما ورد بالرسالة وبعض ملاحقها المتضمنة للنصوص الكاملة للوثائق، مالم ير له داعيا خارج حدود البحوث الأكاديمية.

والكتاب الأصلي يتضمن ثلاثة أجزاء في مجلد واحد، يعرض الأول لتاريخ الجماعة – وهو الذي بين يدي القارئ – بينما يعرض الثاني للجانب الأيديولوجي ويخصص الثالث لدراسة نظم الجماعة وهيكلها التنظيمي، وسوف يتضمنها الجزء الثاني من الترجمة العربية الذي سيصدر قريبا.

وينتمي د. ميتشل إلى أصول عربية، إذ كان والده فلاحًا لبنانيًا من وادي البقاع قبل أن يهاجر إلى أمريكا سنة 1898 حيث أقام هناك وتجنس بالجنسية الأمريكية التي حملها أبناؤه الاثنى عشر، الذين كان مؤلف هذا الكتاب أصغرهم، وقد درس دكتور رتشارد في المدارس الأمريكية والتحقق خلال الحرب العالمية الثانية بالبحرية الأمريكية وبعد تسريحه استأنف دراسته، وبتأثيرات أصوله العربية انتقل من الاهتمام بالتاريخ الأوربي والأمريكي إلى دراسة التاريخ الإسلامي وتاريخ الشرق الأوسط.

وكأثر من آثار تواجد المؤرخ العربي المعروف (فيليب حتى) في أمريكا- التي هاجر إليها من لبنان عام 1920 – بدأ الاهتمام تدريجيًا في الجامعات الأمريكية بدراسة التاريخ العربي والإسلامي، وحتى مشارف الخمسينات كانت جامعة برنستون الأمريكية هي الجامعة الوحيدة التي تهتم بدراسة التاريخ العربي، ونتيجة لاهتمامها بذلك الجانب التحق بها د. ميتشل، وما لبث أن زار مصر لأول مرة عام 1951، فبقى بها عاما واحدا درس خلاله اللغة العربية، ولفتت نظره الظواهر السياسية المتفجرة في مصر أيامها، بعد إلغاء معاهدة 1936 وبدء الكفاح المسلح في منطقة القتال، ولأنه كان يعتبر آنذاك يساريًا فقد كان يفكر في القيام بدراسة عن الحركة العمالية في مصر.

ومع أنه اهتم بالإخوان – الذين كانت أصداء ما تعرضوا له في عام 1948 – ما تزال قريبة العهد، إلا أنه لم يفكر آنذاك في القيام بدراسة عنهم باعتبارهم – كما قال – حركة سياسية دينية رجعية، ثم ما لبث التفكير في دراسة التيار السلفي عن (رشيد رضا) أن قاده إلى وضع أساس هذا البحث خاصة وأنه في زيارته الثانية لمصر، قد شاهد بعض فصول التوتر الذي وقع بين الإخوان المسلمين وحكومة الثورة، وهو التوتر الذي انتهى بصدام 1954 الدموي الطابع.

وكان منطقيًا أن تؤهل المؤلف دراسته للعمل بالسلك الدبلوماسي الأمريكي، فعمل قائمًا بالأعمال في السفارة الأمريكية باليمن (الشمالي) خلال السنوات التي سبقت ثورة 1962، كما شغل أيضًا نفس المنصب في الكويت]، وقد استقر الآن في منصب أستاذ التاريخ المصري والعربي الحديث بجامعة ميتشجان.

ولا جدال في أ ن د. ميتشل ينتمي إلى منهج المدرسة الأمريكية في النظر إلى الظواهر التي يدرسها، وهو نفسه لا يخفي أن هذا الاهتمام بالتاريخ العربي والإسلامي هو جزء من السياسة الأمريكية العليا، فبالإضافة إلى الاهتمام بالتاريخ العربي والإسلامي هو جزء من السياسية الأمريكية محل دول الإستعمار القديم.

ومن ملامح تلك السياسة قرار الكونجرس إلى الاهتمام العلمي فإن الحكومة الفيدرالية قد بدأت تهتم بمثل تلك الدراسات وتشجع الدارسين على إنجازها منذ الخمسينات عندما بدأت ملامح السياسة الأمريكية الرامية إلى الحلول في منطقة الشرق الأوسط الأمريكي الخاص بتشجيع دراسة اللغات، فضلًا عن برنامج التعليم من أجل الدفاع القومي، وهو برنامج لاستخدام العلم والتعليم في الدفاع عن الولايات المتحدة الأمريكية وذلك بدراسة لغات وتاريخ الدول الأفريقية والآسيوية والشرق الأوسط، وهي كلها برامج تدفع الحكومة الأمريكية للجامعات الإعتمادات المالية اللازمة لتمويلها.

وتنتشر مثل تلك المراكز العملية بوفرة في العديد من الدول الأوروبية والاشتراكية أيضًا، بل أن هناك اهتمامًا إسرائيليًا واسعًا بشئون المنطقة يقدم جهدًا علميًا يستحق الالتفات والتقييم (يعتبر كتاب جبرييل باير الأستاذ بالجامعة العبرية بالقدس المحتلة عن تاريخ ملكية الأرض الزراعية في مصر واحدا من أفضل وأهم المراجع في موضوعه وسوف تنشر ترجمته العربية الكاملة الوكالة العربية للصحافة ضمن هذه السلسلة من المطبوعات)، ومن الطبيعي أن الهدف النهائي للتشجيع الرسمي على أعداد تلك الدراسات عن أمتنا العربية هو التوصل إلى حقائق يمكن على أساسها لمن يتخذون القرار السياسي أن يبنوه على أسس واقعية.. وليس بالضرورة أن يكون هذا القرار الصالح مطامحنا القومية والوطنية، كما أنه ليس من النادر أن يكون إعداد تلك الدراسات ستارًا للتجسس – أو جزءا من جهد يهدف للحصول على بيانات تفيد في رسم خطط الدعاية التي تخدم السياسات الاستعمارية.

ومع وضع تلك المحاذير كلها في الاعتبار، يبقى الجانب الإيجابي الذي يفرض ترجمة تلك الأعمال وتقديمها للقارئ العربي، وهنا يبرز اعتباران هامان:

1- أن الأدوات المستخدمة في البحث تكون – عادة – مرهقة بحكم المناخ العلمي الأكثر صحة الذي يحيط بها، ويحكم توفر العديد من الوثائق – وهو ما يعطيها القديم حقائق كثيرة – تعرض في صورة معاصرة، بعيدًا عن المبالغات التي يضفيها أصحاب الشأن على شئونهم، وفي هذا الصدد فنحن أكثر من غيرنا حاجة إلى قراءتها، والقراءة لا تعني دائمًا أن تصدق كل ما نقرأه أو ألا نخضعه للمناقشة.

2- أن وجهة النظر النابعة عن بيئة مختلفة ومناخ فكري مختلف في تناول ظواهر حياتنا تستحق اهتمامًا في فهمها، لأنها تساعدنا على فهم أنفسنا، وفهم الآخرين. كما تساعدنا – إذا شئنا – أن نصحح لهم ما قد نراه خطأ في تحليل وتفسير ظواهر حياتنا.

ويبقى بعد ذلك كله أن الحرص على الترجمة الكاملة والامينة لتلك المصوص ليس فقط حماية لحق أصحابها في تغير وجهة نظرهم بالحذف أو بالإضافة.

ولكنه حرص على احترام العلم وتقديسه، وتسييد منهجه ورؤاه في أمتنا العربية، وهو منهج يفرض لا أن ننقل لنعرف فحسب، ولكن أيضًا أن نتحاور مع نقرأه وأن نناقشه بعقل يسعى للحقيقة ولا يصده عنها جهل أو خوف.


في ضوء تلك الاعتبارات كلها يجيء اختبار هذا الكتاب لترجمته ونشره. كجزء من مشروع متكامل يأمل المخططون له والمسئولون عنه أن يكون لبنة متواضعة في أحياء العقلية العلمية العربية، بطرح كل (الظواهر العربية) في التاريخ والاقتصاد والثقافة والسياسة للحوار العلمي والخصب والبناء الديمقراطي، بما يتيح لنا أن نفهم واقعنا في شموله بعيدًا عن (السطحية) التي لا تؤصل الواقع بالنفاذ إلى جذوره.. وبعيدًا عن (الجزئية) التي تربط بين كل الظواهر في آنيتها كما تربط بينها في منشئها، وبعيدًا عن (التعصب) الذي يقدس ملا يقدس، أن أمة تسعى إلى الاستقلال السياسي والتقدم الاجتماعي والوحدة القومية، لا تستطيع أن تحقق ذلك، دون عصر تنوير عربي جديد، تجاهد في سبيله، وندعو الآخرين لكي يجاهدوا معنا من أجل تحقيقه.

ملاحظات في المنهج

والمنهج العام الذي تستند إليه دراسة د. ميتشيل، لا ينفصل عن رؤيته الحالية لظواهر الحياة السياسة والفكرية في عالمنا العربي، تلك الرؤية التي تنظر إلى ظواهر التاريخ العربي كلها من منظور النجاح في صياغة دولة قومية على النمط الذي حققت به المجتمعات الأوربية ثوراتها القومية منذ بدأ عصر التنوير الأوربي يقاوم ظلمات القرون الوسطى.

وعنده أن مصر منذ بداية القرن الحالي تشهد صراعًا بين إيديولوجيات ثلاث هي: الفرعونية، والعروبة (وتشمل الدعوة للجامعة الإسلامية) ، والغريب، ولأنه يقف مع الإيديولوجية الأخيرة، فهو يرى أن الدول الإسلامية لا تستطع أن تنهل من التكنولوجيا الغريبة دون أبنية ومؤسسات تستند إلى الرؤية الغربية للحياة، أي : دون الرأسمالية كنظام اقتصادي والليبرالية كأيديولوجية.

ومقياس النظر إلى الحركات الإسلامية الحديثة عند تلك المدرسة، هو مقدار تجاذبها أو تنافرها مع الأيديولوجية الغربية، وربما يعود الاهتمام بالإخوان المسلمين عندهم، إلى تصنيفهم لها باعتبارها دعوة إسلامية تجديدية، تساهم في قيادة العقل الإسلامي إلى حيث يصبح أقرب ما يكون إلى أليبرالية، وهو قياس – به بعض صواب وكثير من خطأ – يتصورها شبيهة بدعوة الإصلاح الديني التي نشأت في أوروبا في القرن السادس عشر كتمهيد لثوراته البرجوازية، ذلك الإصلاح الذي أدى إلى (تحرير الفرد من سلطة الكنيسة، وساعد على تحويل اهتمامه من المشاكل الأخروية إلى المشاغل الدينوية، وصور له المجد الدنيوي والثروة الشخصية – كما فعل كلفن – كصورة من صور اختيار الله للإنسان، فأحل بذاك خلقية دينية جديدة يعتبرها الباحثون الغربيون خلقية الرأسمالية الحديثة، ويؤكدون أنه لولاها لما عرف الغرب الانطلاق الإنمائي الذي شق به طريق التقدم للإنسان الحديث.

«وأفضى هذا الإصلاح إلى فصل الدين عن الدولة فصلا تتفاوت درجاته في مختلف الدول الغربية، ولكنه يتفق فيها كلها على إعلاء سلطان العقل الإنساني وسيادة التجربة الإنسانية في ميدان النشاط الاجتماعي الإنساني بمختلف صوره السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية ، ولذلك تضطرد الثورة الإنمائية في هذه الدول بدون أن يعوقها التدين الذي تحول لشأن فردي خاص، بل أن القيم والفضائل التي حركها الإصلاح الكلفيني كالحرية الفردية وروح الكسب وروح المغامرة وروح الإدخال تعتبر حوافز للإنماء إلى حد يحمل الباحثين على التساؤل عما إذا كان الفرد أن يصبح كلفينيا ليصبح إنمائيا أ, ليصير تحديثيا».. «د. حسن صعب: تحديث العقل العربي ط2- ص83/84- دار العلم للملايين – بيروت 1972».

ومع الإخوان المسلمين – فيما يزعمون لأنفسهم – دعوة تحديثية نشأت لتجديد الإسلام، فأنهم على عكس ما قد يكون قد تصوره د. ميتشيل عندما بدأ دراسته لم يدعون إلى علمانية ولم يتبنون تحديثا، والقياس بين دعوتهم وبين التجديد المسيحي قياس يفتقد لشروط القياس –بالمفهوم الإسلامي – وهي اتحاد العلة، أو تشابه السبب.

وفي ظننا ما يفسد هذا هو التنبه لعلة ظهور التجديد في المسيحية والإسلام مع وضع الاختلاف في الظروف موضع الاعتبار، فمن جانب هناك خلاف واضح، بين العقيدتين في رؤيتهما لظواهر الحياة وفي تأثيراهما على المؤمنين بكل منهما، لعل ابرز ملامحه – فيما يتعلق بموضوعنا – أن الإسلام مع كونه جاء بتنظيم أكثر شمولا لحياة الإنسان في جوانبها الاقتصادية والاجتماعية ، فإنه لم يفرض على المسلمين ألا يكونوا فاعلين في العالم الدنيوي، فلم يعرفوا أي شكل من أشكال العزوف عن الكسب أو السعي للربح.

وهي المبررات التي أدت إلى الصدام بين الكنيسة وبين البرجوازية الأوربية في فترة صعودها.

وهذا الخلاف الواضح ، أثر في الداعيين إلى التجديد الإسلامي الذين لم يجدوا أمامهم مبررات ملحة لصدام كالذي حدث في أوروبا، بل لم يجدوا رغبة في تحديث الفكر الديني وعصرنته، ولم يتنبهوا إلى أن باب الاجتهاد الإسلامي قد أغلق منذ خمسة قرون، بعد أن أعطى ثمارا يحق للمسلمين منهم بالذات أن يتيهوا بها على الدنيا طوال القرون السبعة التي استمر هذا الباب فيها مفتوحا بين القرنين السابع والرابع عشر الميلاديين.

هنا يبرز العامل الآخر – الأكثر أهمية – في الحيلولة دون تحقيق ما ظن الدكتور ميشيل أن الإخوان المسلمين قادرون عليه، وهو ضعف البرجوازية المصرية التي كان يمكن أن تستند إلى دعوة تطلق حرية العقل والبحث والاجتهاد وتصوغ – في أرقى صورها – لدى أفضل المجددين الإسلاميين، روحا إسلامية جديدة، تسمح للإسلام بأن يستسيغ كل ما هو طبيعي، أي كل ما هو علمي وجديد، وأن يظل مع ذلك معبرا تعبيرًا ذا معنى، أي تعبيرًا ذا تأثر في فكر الإنسان وسلوكه، عما هو ما قبل الطبيعة وما بعدها، وهذا الالتقاء في الدين بين ما هو طبيعي وبين ما هو (ما بعد طبيعي) هو أيضًا لقاء ما بين الضرورة والحرية بقدر ما يظل معبرًا عما هو كائن بدون أن ينفصل عما هو صائر، وبقدر ما يتجدد في الدين أو خلاله هذا الالتقاء بقدر ما يبقى قاعدة الحوار اللانهائي بين الله والإنسان. (د. حسن صعب: المرجع السابق الصفحة 91 – 92 ويهمنا أن نشير هنا إلى الأهمية البالغة لكتاب د. حسن صعب المذكور الذي يعد واحدا من أهم وأخطر الكتب العربية في السنوات العشر الأخيرة وينطبق نفس الرأي على كتابه: الإسلام تجاه تحديات الحياة العصرية – دار الآداب بيروت 1964).

هذه البرجوازية العربية الكسيحة طرحت مدرسة في التجديد الإسلامي كسيحة مثلها، وبرغم النقنقة المستمرة بشعارات الإسلام، فإن العجز عن صياغة اجتهاد إسلامي فعال، قد وضع الإسلام – كما يقومه السلفيون والرجعيون والمشعوذون والكهنة وخدام كل حكومة – ضد منهج البحث العلمي القائم على الملاحظة والاستقراء أو التجريب وعندما نواجه بعض عناصرها بما يستفزها من ظواهر التخلف كالتدهور الأخلاقي والفساد السياسي، تنصب المحارق أو تمارس الاغتيال، بينما يصبح الإرهاب العقلي صلاتها اليومية السادسة. في حين الاجتهاد الإسلامي الحقيقي هو الذي بنى حضارة الإسلام الزاهرة حتى القرن الرابع عشر، بالتفاعل مع حضارة العالم وعطائه العقلي وبالحرية بلا حدود.

أن الدكتور ميتشيل على حق عندما يرى أن محمد عبده أفضل من رشيد رضا لأن الأخير انحرف إلى الرجعية، وطه حسين وأحمد أمين ود. محمد حسين هيكل وعلى عبد الرازق وخالد محمد خالد (في أعمالهم الأساسية) أفضل من الأثنين، بينما يزداد اهتمامه واهتمام الأوروبيين عامة بكمال أتاتورك الذي يعتبرونه أهم مسلم في الدنيا لأنه أصلح الإسلام.

لكن حق الدكتور ميتشيل هو الباطل الكلي في رأي الإخوان المسلمين، أن على عبد الرازق قد وقع عندهم شهادة ردته عن الإسلام بكتاب (الإسلام وأصول الحكم) ، لأنه رأي أن الخلافة ليست أصلا من أصول الإسلام، وأهم مسلم في الدنيا في نظره –كمال أتاتورك – هو الكفر مجسدًا لأنه الغي الخلافة نهائيًا.. وبدرجة أو بأخرى انطبق القول على الآخرين، طه حسين (الشعر الجاهلي ومستقبل الثقافة في مصر – راجع وجهة ننظر متكاملة في طه حسين في كتاب يحمل وجهة نظر الإخوان المسلمين هو: طه حسين حياته وفكره في ميزان الإسلامأنور الجندي – دار الاعتصام بالقاهرة 1977وأحمد أمين (ضحى الإسلام) وخالد محمد خالد (من هنا نبدأ) – وراجع طبعاته الأولى حيث تجد المبررات التي صودر على أساسها الكتاب قبل أن يفرج عنه القضاء)، وكل داعية للعلمانية أو للقومية عندهم دسيسة صليبية (راجع تاريخيًا للفكر العربي يتبنى وجهة النظر تلك في كتاب د. محمد كامل حسين الاتجاهات الوطنية في الأدب العربي الحديث – جزءان – منشأة المعارف بالإسكندرية عام 1960).

والرؤية الغربية السائدة، والتي تذهب إلى أن الصراع بين الإيديولوجيات الفرعونية والعربية (وتتضمن الإسلامية) والغربية هو محور حركة التطور العربي الحديث – بالذات في مصر – تبدو من الناحية الظاهرية صحيحة.

ولكن الخلل يكمن في أنها تتجاهل الأسس الاجتماعية التي تولدت عنها تلك الإيديولوجيات مما يمكن أن يقود لفهم ناقص أو مغلوط لتلك الظواهر في منشأتها وتطورها وفي آفاق المستقبل أمامها.

لقد نشأت تلك الدعوات كلها مع نمو الحركة السياسية للبرجوازية القومية في مصر – وفي أقطار أخرى – التي انتهت بتحقيق درجة أو أخرى من الاستقلال القومي للأقطار العربية مهد لها وتولد عنها ذلك البحث الدءوب عن أيديولوجية قومية، ومعنى هذا أن تلك الدعوات كلها قد نشأت تعبيرا عن التطور الاقتصادي والصعود السياسي للبرجوازية وحلفائها، وفي ظل السعي الذي تقوم به آية برجوازية للاستيلاء على سوقها القومية وتوحيدها وفي حين أن العناصر الأكثر وعيا قد صاغت رؤية قومية – بالمفهوم البرجوازي لها – فإن العناصر الأقل وعيًا لم تستطع أن تمد بصرها إلى طبيعة التكامل بين البنية الإيديولوجية لأي نظام، وبين مصالح الطبقة التي تسوده أو تقوده خطوة إلى الأمام، فالقومية والعلمانية والديمقراطية كمفاهيم للتصور الليبرالي للكون شرائط لا بديل عنها لحماية مصالح البرجوازية المحلية التي كانت صاعدة آنذاك، وبينما عجزت المدرسة الإسلامية عن صياغة اجتهاد إسلامي فعال يلائم صعود البرجوازية، يفتح باب الاجتهاد على مصراعيه.

فإنها قد أبدت دائما حماسها للأساس الطبقي لبقاء البرجوازية، لكن هذا الحماس لم يمنعها من مخاصمة الشعارات الفكرية والسياسية للبرجوازية الصاعدة وبسبب تدني وعيهم لم يتنبهوا إلى أن ضرب تلك الشعارات يمكن أن يضرب تلك المصالح وهكذا وقعوا بين شقي رحى ... فهم قد قبلوا الأساس المادي للنظام الاجتماعي (الرأسمالية) كنظام اقتصادي متكامل يسعى إلى الربح ويطبق قانون الثمن، بينما رفضوا المؤسسات السياسية والاقتصادية والمقولات الإيديولوجية المعبرة عن هذا الأساس الاقتصادي (الأحزاب والبرلمان والدستور والبنوك وحرية العقيدة وحرية المرأة والدولة والقومية الموحدة التي تساوي بين أبنائها في حقوق المواطنه) متناسين أو متجاهلين أنه حيث هناك إقرار بحرية التملك وحرية المنافسة على السوق، فلابد من تواجد كافة الشرائط الأخرى.

أننا نمشي بالقطع إلى الخلف، وتلك مأساة كل فكر لا تحمله جناحا طبقة قوية وفتية، لا طبقة هجين تربت في حجر الإمبريالية العالمية، وألا ما انتهى فكر محمد عبده إلى رشيد رضا، ثم إلى الإخوان المسلمين فنحن أمام حكم بجاهليتنا، كلنا بشرقنا وغربنا، بماركسيتنا ورأسماليتنا، جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو اظلم. كل ما حولنا جاهلية، تصورات الناس وعقائدهم وعاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم، حتى ما نحسبه ثقافة ومراجع إسلامية وفلسفة وتفكيرا إسلاميا هو كذلك من صنع هذه الجاهلية. سيد قطب – معالم على الطريق ط1 مكتبة وهبه – 64 ص 21).

والمبرر الرئيسي لهذا الحكم هو «الاعتداء على سلطان الله في الأرض وعلى أخص خصائص الاولوهية، وهي الحاكمية، أنها تسند الحاكمية إلى البشر فتجعل بعضهم لبعض أربابًا... لا في الصورة البدائية الساذجة التي عرفتها الجاهلية الأولى.. ولكن في صورة ادعاء حق ووضع التصورات والقيم والشرائع والقوانين والأنظمة والأوضاع بمعزل عن منهج الله للحياة وفيما أذن الله» (المصدر نفسه – ص9)، «وأذن لابد من تحطيم وتدمير تلك الجاهلية بإزالة الأنظمة والحكومات التي تقوم على أساس حاكمية البشر للبشر وعبودية الإنسان للإنسان» (ص87)، وإذا كان البيان يواجه العقائد والتصورات فإن الحركة تواجه العقبات المادية الأخرى وفي مقدمتها السلطان السياسي القائم على العوامل الاعتقادية والتصورية والعنصرية والطبقية والاجتماعية والاقتصادية المعقدة المتشابكة. (ص84).

والعمل الانقلابي كما يتصوره سيد قطب ليس عملا يقوم على (الوعي)، فعنده أنه من السذاجة: «أن يتصور الإنسان دعوة تعلن تحرير الإنسان من نوع الإنسان في الأرض..كل الأرض.. ثم تقف أمام هذه العقبات تجاهد باللسان والبيان». أنه يعتمد الوعي بعد الانقلاب لا قبله حين يخلى بين الدعوة وبين الأفراد وهم متحررون من مؤثرات الجاهلية التي يعيشون فيها.. أما حين توجد تلك العقبات والمؤثرات المادية فلابد من إزالتها أولا بالقوة للتمكن من مخاطبة قلب الإنسان وعقله وهو طليق من هذه الأغلال (ص90).

وسيد قطب يطلب منا أن نتبعه للانقلاب وتحطيم جاهلية القرن العشرين دون أن نسأله برنامجًا أو نظرية أو اجتهادًا.. ودون أن نناقشه.. فعنده أن: «لابد أولا أن يقوم المجتمع المسلم الذي يقر عقيدة لا إله إلا الله وأن الحاكمية ليست إلا لله ويرفض أن يقر بالحاكمية لأحد من دون الله ويرفض شرعية أي وضع لا يقوم على هذه القاعدة، وحين يقوم هذا المجتمع فعلا تكون له حياة واقعية تحتاج إلى تنظيم وإلى تشريع.. وعندئذ فقط يبدأ هذا الدين في تقرير النظم وفي سن التشريعات لقوم مستسلمين أصلا للنظم والشرائع». (ص43).

والإلحاح في فتح باب الاجتهاد الإسلامي – عند الأستاذ سيد قطب هو بعض خصائص الجاهلية التي حولنا، فهو إلحاح يتضمن إحراجا متعمدًا، وهو يقول: أن الجاهلية تتعمد أحيانًا أن تحرج المخلصين، فتسألهم: أين تفصيلات نظامكم الذي تدعون إليه وماذا اعددتم لتنفيذه من بحوث ومن دراسات ومن فقه مقنن على الأصول الحديثة، كأن الذي ينقص الناس في هذا الزمان لإقامة شريعة الإسلام في الأرض هو مجرد الأحكام الفقهية والبحوث الفقهية الإسلامية.. وكأنما هم مسلمون لحاكمية الله راضون بأن تحكمهم شريعته ولكنهم فقط لا يجدون المجتهدون فقهًا مقننا بالطريقة الحديثة.. وهي سخرية هازلة يجب أن يرتفع عليها كل ذي قلب يحس لهذا (الدين بحرمة) ص58.

وحتى لو سلمنا بأن كل ما أنجزته البشرية في عمرها هو جاهلية ينبغي الثورة عليها، فإن سيد قطب – آخر صيحات الاجتهاد الإسلامي – يرفض أن نجتهد فيما نريده بعد أن نثور – وعلينا أن نتقلب على الحكومات ثم بعد ذلك نفكر لم انقلبنا؟ ونحن نعيش في جاهلية لأننا فكرنا لأنفسنا وشرعنا لأنفسنا، بينما الإسلام كما يفهمه سيد قطب هو إلا نفكر أو نجتهد.

وما يريده سيد قطب هو قمة المصادرة لحرية الإنسان، وقمة الاحتقار لعقله، سواء في المبررات التي استند إليها في التوصل إلى إفقاره، أو في النتائج التي ستترتب على تنفيذ دعوته.

ومبررات سيد قطب تستند إلى الفهم الذي قدمه للقرآن الملكي الذي كانت آياته كلها دعوة للتسليم والتي تتناول أكثر من ذلك، إذ كان ضروريًا أن تحطم الدعوة الإسلامية أو لا خضوع الإنسان للأوثان. قبل أن تسوق إليه ملامح مجمتع جديد.. لكن هذه المبررات عندما تساق هكذا تؤكد أن الأستاذ سيد قطب يحتقر منطقنا وعقولنا، فإن تبلغ الرسالة النبوية لمجتمع شبه فطري ،قبلي متخلف ، كالمجتمع الذي كان قائما في مكة – عند نزول الوحي – شيء، وأن نجدد الدعوة إليها في عصر الوصول إلى القمر، شيء آخر... إن القياس هنا خطًأ لأنه يتم دو ن تماثل في العلة.

وجاهلية عصرنا – ونحن ننظر، للأمر كله من موقع يحاول اكتشاف التناقض في أفكار سيد قطب بتطبيق منهجه لا منهجنا – بفرض وجودها، ليست جاهلية وأد البنات، أو عبادة الأصنام، أو شراء الإله من السوق لعبادته ثم أكله بعد الصلاة له إذا كان مصنوعا مما يؤكل. تلك كلها ظواهر ووجهت بمنطق عقلي بسيط قدمه النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وأورده القرين المكي... استطاع أن يسلم محطم منطقا غير عقلي... يعبد فيه الناس ما صنعوه بأيديهم... أن جاهلية العصر الحديث – بفرض وجودها – هي جاهلية أرقى درجات التفاعل بين الإنسان والطبيعة – جاهلية السبرناطيقا ولتكنولوجيا المتقدمة والفلسفات العقلية والاجتماعية.. وإذا كان سيد قطب يريد أن يواجهها استنادًا إلى المنهج القرآني وأسلوب الدعوة المحمدية الراقي فليطبق نفس الأسلوب.. أن القرآن المكي والأسلوب المحمدي في الدعوات استند إلى منهج عقلي بسيط واجه جاهلية بسيطة. وأذن فإن مواجهة جاهلية السبرناطيقا والتكنولوجيا وعالم الفلسفة المتشعب المتعقد، ومشاكل مجتمع تراكمت خلال القرون التي مضت، تحتاج إلى منهج اعتقادي عقلي شديد الرقي لمواجهة منطقها.

وهذا يعني فهما جديدا للإسلام، يعني اجتهادا عقليا طويلا، فالمسلمون سادوا الدنيا وبنوا حضارة (قرن وسطية) كانت مازالت مثار دهشة كل من يتأمل بنيانها المنطقي الداخلي، في الوقت الذي كانت أوربا فيه ترزح في إسار الظلام لسبب واحد واضح وصريح.

كنا نجتهد في الإسلام ونجتهد في العلوم العقلية والتجريبية ونعتمد مناهجها، وكانوا هم يقلدون، وعندما انقلب الوضع وصلوا هم إلى القمر بينما نجتر نحن أفكار ترهب كل مجتهد، ونعد المحارق لكل من يستخدم عقله.. ذلك هو عطاء البرجوازية العربية: تحول التجديد الديني إلى دعوة لتدمير العقل.. وتحولت القومية إلى خليط من الدعوات الثيوقراطية والشوفينية الضيقة الأفق، وعشنا العصر الليبرالي إلى العربي دون أن نتنفس يومًا حرية حقيقية.

وعندما يقال أن الصراع في الماضي القريب كما هو في الحاضر صراع بين الفرعونية (التي برزت أخيرًا كدعوة تجزئية قطرية) الهدف منها تمزيق وحدة النضال العربي المشترك ضد الإمبريالية، وبين العروبة (التي انفصل فيها الجمع بين القوميتين العربية والإسلامية)، وبين التغريب.. فإن هذا يكون صحيحًا إذا قلنا أن لهذه الإيديولوجيات مفاهيم طبقية مختلفة، وأنها في العصر البرجوازي تعني شيئًا مختلفًا عنه في العصر الأكثر تقدمًا منه.

والدعوة للتقريب مثلًا – لدى مفكري البرجوازية الثوريين – لم تكن دعوة للتبعية للغرب الاستعماري، ولكنها كانت في ظن دعاتها، محاولة لتسييد العقلية العلمية الصناعية.. وبدأت الدعوة للعروبة متوترة كرد فعل على محاولات التذويب القومي، بحيث بدت مجرد رغبة في التميز القومي، وهو ما ميز أيضًا الدعوة للجامعة الإسلامية، وهكذا نشأ أكثر مصطلحات فكرنا العربي ديماجوجية، شعار (الأفكار المستوردة) وأكثر العقول سطحية وسذاجة يعلم أن الفكر الأوروبي بكل تياراته، هو وليد عمليات تفاعل حضارية. ساهمنا نحن العرب والمسلمين – في عصور ازدهارها حضارتنا في القرنين السابع والرابع عشر – فيها بنصيب وافر.. وكانت إنجازاتنا في العلوم الطبيعية والفلسفية – التي هي نفسها تفاعل بين عقول علمائنا والتراث السابق والمعاصر لهم – هي الأساس التي انطلقت منه عصور التنوير الأوربية.. والتفاعل الآن مع مناهج البحث العلمي ومع رؤاه الفلسفية، ليست استيراد الأفكار ولكنه تفاعل حضارات.. هي بضاعة أسلافنا وردت إلينا، وهي ميراث بشرى ساهمنا في تطويره واغنائه ودافعه للأمام ومازلنا مسئولين عن الاستمرار في ذلك.

لكن برجوازيتنا العربية عجزت عن أداء كل مهامها التاريخية فلم تنسف علاقات الإنتاج الإقطاعية وكل أبنيتها الفوقية، ولم تثور فكرا، تلك البرجوازية الضعيفة التي بدأت تحقيق ثورتها بعد قرون من نجاح نظيراتها الأوربيات. وفي المراحل التي كانت فيها البرجوازية الأوربية تخون ثورتها.. وتلك هي المأساة الحقيقية التي عجزت عن مواجهتها إلا بأن تتوشح برداء الإقطاع وعقله وليس برداء البرجوازية الثورية.. والمستقبل العربي في ضوء ذلك لم يعد ملكا للبرجوازية إذا قسناه بمقياس الأهداف الراهنة لما نعيش من مراحل.. فحتى الآن.. ورغم محاولتها المجهدة لم تستطع أن تنجز أية قضية معلقة بشكل صحيح.. وظل العالم العربي قرية في تركيبه الديموجرافي وشبه قرية في بنائه الاقتصادي، وتسيطر عليه أيديولوجيات زراعية، كل تلك مؤشرات على أن طاقة البرجوازية قد كادت أن تنفذ دون أن تنجز شيئًا له قيمة، وأذن فإن إنجاز كل ذلك – بما فيه عصرنه التراث وتجديده- هو مهمة نقيضها الاجتماعي.(راجع صلاح عيسى: خريطة فكرية للمستقبل العربي – مجلة قضايا عربية العدد 2- أيار 1974 ص 75 – 92).

لقد عجز الإخوان المسلمين ومدرسة التجديد الإسلامي كله عن أداء مهامهم التاريخية باعتبارهم جزءا من التيار العام للفكر البرجوازي. عجزا عن صياغة فكر إسلامي ثوري، فهل يعودون اليوم بنفس العجز. سؤال يتطلب أن نجيب على سؤال آخر قبله. كيف عادوا؟.. ولماذا؟

مؤشرات العودة

قبل أقل من خمسة أعوام كذبت الاحداث نبوءة د. ريتشارد ميتشيل. فعندما نشر هذا الكتاب لأول مرة، أشار في مقدمته إشارة عابرة إلى الصدام الذي حدث بين عبد الناصر والإخوان المسلمين في عام 1965، والذي لم يتناوله بالبحث – واعتبر ذلك مما يمكن اتخاذه مؤشرا على استبعاد «الانبعاث العام لجماعة الإخوان المسلمين » وأكد أنه يشعر بأن القومية القائمة على أسس الإصلاح الدنيوي أساسًا والرائجة الآن – 1969 – في العالم سوف تواصل مسيرتها.

ولو تنبه د. ميتشيل للطبيعة الخاصة لبرجوازيتنا واسلوبها في ممارسة السيطرة وما طرحته من فكر طوال محاولتها صياغة ثورتها التي تجاوزت القرن لما تنبأ تلك النبوءة.

على الصعيد السياسي يذهب البعض أنه لم يكن طبيعيًا أن تعود جميع الحركات السياسية السابقة على ثورة يوليو للعمل ولا يعود الإخوان المسلمون وهم أكبر تلك الحركات – بعد حزب الوفد – وأكثرها نفوذا باعتراف خصومهم قبل أصدقائهم، ففضلا عن ثلاث أحزاب سياسية معترف بها رسميًا في أطار الاتحاد الاشتراكي العربي، فقد عاد للعمل – أو ربما لم يكف عنه – حركات سياسية سرية أبرزها فصائل متعددة من الشيوعيين المصريين (أعلن رسميا أنها أربعة هي الحزب الشيوعي المصري وحزب العمال الشيوعي والتيار الثوري ومنظمة 8 يناير)، وبعض التجمعات الوفدية فضلا عن شرائح من الناصريين، كل هؤلاء يعملون علنا أو سرا..فكيف يتصور أحد أن لا يعود الإخوان المسلمون للعمل؟

ولم يكن الإعلان الرسمي الأول عن وجود الإخوان المسلمين على خريطة الحياة السياسية المصرية هو عودة مجلتهم (الدعوة) للصدور في يوليو 1976 – إذ سبق ذلك صدور بيان أكثر تحديدًا يعلن عن هذا التواجد، فبعد انقضاء أقل من أسبوعين على فشل مغامرة (صالح سرية) للاستيلاء على الكلية الفني العسكرية في أبريل 1974 – نشرت صحف القاهرة الصباحية أغرب بيان سياسي نشر في مصر منذ 54 – وكان البيان صادرًا عن السيدة زينب الغزالي الزعيمة الإخوانية الشهيرة التي سبق الحكم عليها بالأشغال الشاقة المؤبدة في عام 1965 في القضية التي عرفت رسميا بمؤامرة سيد قطب.

وقد صدر البيان كإنكار منها لما ورد على لسان صالح سرية من أنه اتصل بها بشأن مؤامرته، وكان مصدر العجب لهجة البيان ذاتها الذي صيغ في أسلوب فيه كثير من الثقة بالذات، وقالت الزعيمة الإخوانية في مستهله:ليس أنور السادات هو ذلك الرجل الذي تقبل زينب الغزالي أن تلتقي برجل تعلم أنه ضده.. ثم انتقلت تعبر عن مبررات موقفها هذا فقالت: أنني أقول أن أنور السادات جاء لحكم جمهورية مصر العزيزة المسلمة وبحار من دماء الظلم تجري فعمل على أن يوقفها وأوقفها فعلا. وشهدت بأن : أنور السادات رجل مؤمن.. ابن رجل مؤمن.. وأنا أعرف أباه وأعرف إيمان أبيه وتقواه. وبنفس المعنى تقريبًا أصدر الشيخ محمد الغزالي وصالح أو رقيق – وهما من زعامات الإخوان التقليدية – بيانين نشرتهما الصحف واحتفت بهما.

وربما يكون هذا البيان أول إعلان شبه رسمي بأن الإخوان المسلمين يعتبرون أنفسهم كيانا سياسيا قائما ينشط في ظل تأييد كامل لسياسة الرئيس أنور السادات.

ورغم عدم صدور أي تفسير رسمي يضفي طابعًا خاصًا على الإفراج عن المعتقلين والمسجونين السياسيين من الإخوان المسلمين، فإن الدعوى قد اعتبرت ذلك إقرار كاملًا من الرئيس السادات بظلم الإجراءات التي اتخذت ضد الإخوان الدعوة – العدد 5 ).

وثمة مؤشرات عديدة حطمتها مجلة (الدعوة) عند صدورها، تؤكد هذا فهي لم تحتفظ فحسب بشعار الإخوان المسلمين المرسوم – سيفان متقاطعان يحيطان بمصحف والآية الكريمة «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة» بل أن افتتاحية العدد الأول منها أعلن مدير سياستها (عمر التلمساني) ذلك بوضوح لا لبس فيه، إذ خصص الافتتاحية لكي يؤكد أن المجلة تسير على طريق (الحسنين).

أما أولهما فهو : حسن البنا الذي وصفه التلمساني بأنه (مشعل زمانه على الطريق) ذلك الذي ترك آثاره ونتاج فكره وفهمه للإسلام بناء شامخًا، تحدى مفاسد العصر بمبادئ الإسلام وتكالبت عليه كل القوى وتجمعت ضده كل الأهواء والمشارب، ومع ذلك بقيت النبتة الطيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، وقد أبدت الدعوة اهتمامها بتراث (البنا) فأهدت إلى قرائها مع عددها الأول (وصاياه العشر) وخصصت زاوية في بعض صفحاتها لنقل مختارات من أقواله.

وأما الحسن الثاني: فهو: حسن الهضيبي (الخليفة الأول المعتمد) فإذا كان البنا قد مضى على ربه وترك (النبته يافعة فتية) – والكلام للتلمساني – فقد كان الهضيبي (علامة زمانه ومشعل عصره، يوم حمل الراية حريصًا لم يفرط، عزيزا لم يلن، كريما لم يهن، وأدى الأمانة، أمينا في عزم، قويًا في حزم، ثابت الخطى في فهم، فأكد معالم الفهم السليم للإسلام الصحيح في القول وفي العمل، لم يثنه حبل مسنقة، ولم يرهبه سجن ولا تعذيب بل زاده الأمر إصرارا وصمودًا فوق الصمود)..

وهذا السير على الطريق، ليس جهدًا تاريخيًا تقصد منه (الدعوة) الدفاع عن تاريخ الرجلين، فهي لا تعتبر نفسها مجلة تاريخية أو مبدأ فكريًا ولكنها تدخل في معمعة السياسية وتخوض بحرها مؤكدة أنها صوت الدفاع عن الماضي كما هي صوت الدفاع عن الحاضر... لذلك أعلنت أنها في صف المضطهدين من الإخوان في أي مكان من العالم العربي (صوت المعذبين بلا جريمة ارتكبوها إلا إنهم قالوا ربنا الله ولا نعبد سواه).

وإضافة إلى ذلك فإن (الدعوة) تعتبر نفسها صاحبة حق في إصدار بيانات باسم الإخوان المسلمين وعلى لسانهم، ففي العدد الثاني منها (أغسطس 76) نشر مدير سياستها عمر التلمساني بيانًا بنفس التهمة التي وجهتها بعض الصحف للإخوان المسلمين بالسودان بأنهم شاركوا الشيوعيين في محاولة الغزو التي جرت آنذاك، ضد الحكم الرئيس نميري.

وبرغم أن أجهزة الأمن المصرية قد أكشفت عددا من التنظيمات الإسلامية السرية المتطرفة – كجمعيات التكفير والهجرة – التي تنتمي عمومًا للتيار الإخواني، فإنه فلم يبد على الصعيد الرسمي أن هناك تخوفًا من نشاط الإخوان المسلمين في الحدود الذي يسير فيها حتى الآن، وبرغم العنف الشديد الذي شاب المغامرة الطائشة التي قام بها صالح سرية، فإن سوء الظن التاريخي لدى أجهزة الأمن والمؤسسات السياسية المصرية، لم يدفعها – تطبيقًا للمنهج الذي كانت تسير عليه قبل ذلك – إلى شن حملة من الاضطهاد – على المستوى الدعائي أو القمعي – ضد الإخوان المسلمين، بل عوملوا برحابة صدر لم يعاموا بها من قبل ذلك، حلم كثيرون غيرهم أن تشملهم كدليل على المساواة بين القوى السياسية في حرية العمل وفقًا للمحكات الديمقراطية المعلنة.

وعندما استدعيت السيدة زينب الغزالي لأخذ أقوالها لفتت هذه الأقوال نظر كثيرين، فقد ذكرت أنها تعرفت بصالح سرية عن طريق زوجها السابق في شهر أغسطس 1976، وأنها حددت موعدًا له مع المرحوم حسن الهضيبي – الذي توفي قبل شهور قليلة من حادث الكلية الفنية العسكرية – باعتباره – أي صالح سرية – واحدا من الإخوان المسلمين في العراق، وطلب منها – باعتباره مرشدًا عامًا – أن يحقق في موضوع فصل صالح سرية من جماعة الإخوان المسلمين في بغداد.

وذكرت زينب الغزالي أن مناقشات كانت تدور بينها وبينصالح حول أسباب فشل الإخوان في تحقيق أهدافهم داخل مصر والعالم العربي، وأنه كان يبدي ألمه لانحسار حركة الإخوان، ويتحدث عن ضرورة إقامة تجمع إخواني لتجاوز السليبة والتفرق في صفوف الإخوان، كما ذكرت أنه قدم لها مذكرتين: الأولى عن ضرورة إقامة حكومة إسلامية عن طريق القوة.

والثانية عن تاريخ الحركة السنوسية في ليبيا والمهدية في السودان وحركة بنى بأديس في الجزائر، وحركة حسن البنا في مصر.

واستنادًا إلى أقوال زينب الغزالي فإنها قد حولت سرية بمذكرتيه إلى حسن الهضيبي، الذي ناقشه فيهما ولم يستجب لإلحاحه في تحويل هما من نص مكتوب إلى تحرك سياسي عنيف من هنا رفض الهضيبي الاشتراك في العمل للإطاحة بنظام الحكم القائم في مصر عن طريق القوة، وأعلن له أن الإخوان المسلمين في حالة هدنه طويلة الأجل مع الرئيس السادات.

وقد ذكرت أنها تعرفت على أحدهم –طلال الأنصاري – وقد صدر الحكم بإعدامه ونفذ بالفعل – عن طريق الشيخ على عبده إسماعيل الذي قدمه لها على أساس أنه يرغب في قيامها بتوجيهه إلى العمل الإسلامي وأضافت بأنها نصحته – أي طلال – بالتعمق في دراسته.

والمعروف أن القانون المصري يتضمن بين نصوصه مودا تعاقب بالسجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات على كل من يعلم بنشاط مضاد ولا يبلغ عنه أجهزة الأمن، وهي التهمة التي سبق لها وقادت مئات من الإخوان المسلمين إلى السجن في قضية سيد قطب عام 1965، عندما عرض عبد الفتاح إسماعيل – اعدم في عام 1966 – الذي كان يتولى الأمور التنظيمية آنذاك، عليهم الانضمام فرفضوا خشية التعرض لما حدث للإخوان المسلمين في عام 1954، ولكنهم لم يبلغوا أجهزة الأمن بما جرى، الأمر الذي عوقبوا، بالسجن لهذا السبب مرشدا الإخوان الثاني حسن الهضيبي.. الذي اعترف عبد الفتاح إسماعيل بأنه عرض عليها الانضمام إليهم ولكنه رفض ونصحه بعدم الصدام مع عبد الناصر لقوة أجهزته البوليسية وصعوبة الآفلات منها.

ومع أن النص في ذاته غير ديمقراطي، لأنه يعاقب المواطن على أنه ليس مرشدًا أو معاونًا لأجهزة الأمن، فإن المعترضين قد اعتبروا التجاوز في تطبيقه على من علم من قيادات الإخوان بنشاط صالح سرية ولم يبلغ دلالة على أن المراجع الرسمية في مصر. قد عاملت الإخوان برحابة صدر تقديرا منها لتأييدهم غير المشروط.

وعودة الإخوان المسلمين للنشاط – وقد تعددت مظاهره – ليست في حاجة إلى تأكيد، كما أن حدود هذا النشاط في أطار الحدود المعتمدة رسميًا لخريطة القوى السياسية المصرية يؤكدها ما سبق لنا ذكره.. على أن شكله وأبعاده الأكثر عمقًا ومستقبله، تتطلب عودة للوراء، ذلك أن الإخوان المسلمين ليسوا ه ظاهرة سياسية مستحدثة لتخضع حركتها الراهنة للتكهن والاستنتاج..ولكنهم حركة سياسية ذات تاريخ، وبدرجة ما فإن محاولة التنبؤ بقدرتهم على أداء دور بناء في تجديد الفكر الديني وتنويره.. ترتبط بالتنبؤ بقدرتهم على صياغة حركة سياسية تعبد مجرى المطامح الوطنية الديمقراطية للشعب المصري، وفي هذا وذاك فإن استلهام استراتيجية حركتهم وتكتيكاتها هو البداية للإجابة على سؤالنا المطروح. لمــــاذا عـــــــادوا؟...

عطاء البرجوازية الصغيرة

وضع الإخوان المسلمين الراهن، يرتبط تمام الارتباط بنشأتهم وبالتطورات التي لحقت بالأوضاع السياسية في مصر ، وانتهت بتسكينهم خريطة الصراع السياسية والاجتماعي بكل تعقيداتها.

ودون وقوع في إملال السرد التاريخي، فقد سكن الإخوان تلك الخريطة في نهاية العشرينات، وكتعبير عن نشاط وفاعلية بعض فصائل البرجوازية المصرية الصغيرة التي كانت قد مارست نشاطًا فعالًا في مجرى الثورة الوطنية التحررية (1919) لكن تجاربها خلال السنوات العشر التي تلت تلك الثورة، كانت قد وصلت بها إلى مأزق من الناحية السياسية والفكرية ومن ناحية الوجدان النفسي.

وعندما أطلق الصحفيون الأجانب أيامها على ثورة 1919 تعبير (ثورة الأفندية) كانوا يركزون على فاعلية ونشاط فئات عديدة من البرجوازية المصرية الصغيرة: طلاب المدارس ومجاورو الأزهر والحرفيون وصغار التجار وموظفو الحكومة الذين اضربوا عن العمل إبان الثورة، مما كان مثار إعجاب الزعيم الهندي(غاندي) الذي قال أن سعد زغلول نجح في دفع موظفي مصر إلى الإضراب عن العمل وفشل هو في أن يحقق ذلك.

وفيما بعد تنبه عديد من المؤرخين للدور الهام والمميز الذي لعبته بعض عناصر من البرجوازية الصغيرة في ثورات المستعمرات، وهو دور كان بارزًا في حركة التحرر الوطني العربية عمومًا والمصرية خصوصًا لكن السنوات العشر التي تلت ثورة 1919، كانت قد أكدت بأحداثها أن الشرائح المتوسطة من البرجوازية المصرية والتي قادت ثورة 1919، قد أصبحت أكثر ميلا للمهادنة ورغبة في المصالحة مع عدويها التقليديين: الاحتلال الإنجليزي الذي كان يعصف بالاستقلال الوطني والسراي الملكية التي لم تكن تنظر برضى إلى مقولة (الأمة مصدر السلطات)، التي كانت شعار أكبر الأحزاب المصرية التقليدية، في تعبيرها عن التيار الليبرالي وهو (حزب الوفد المصري).

ومع ميل الوفد للتهادن، كانت أحلام الثورة العارمة بالتخلص من الاحتلال والطغيان قد أجهضت نسبيا لشراسة القوى التي كان على الثورة أن تواجهها من جانب ولضعف قياداتها، لكن الإحساس بفجيعة اغتيال الأحلام لدى البرجوازية المصرية الصغيرة كان غلابا، بحكم أنها كانت أكثر ميلا منذ البداية لكي تبالغ في أحلامها وتضفي على الواقع ما ليس فيه.

وكانت الحريات الديمقراطية التي انتزعها الشعب المصري في نضاله البطولي أبان ثورة 1919، قد اغتيلت بشكل بشع عبر سلسية من الانقلابات التي عطلت الدستور المصري (1923) وصادرت الحريات الشخصية والسياسية ببشاعة وجلافة، وهي ما ترك آثارًا مريرة على معظم المفردات التي تنتمي نفسيًا إلى البرجوازية المصرية الصغيرة حيث تزداد الرغبة في التمرد وتأكيد ألذات بحكم الوضع الاقتصادي القلق وغير المستقر.

بل أن حلم الاستقلال نفسه كاد أن يصبح وهما ، فما أن انتزع المصريون حقهم في الاستقلال الذاتي، وقبل أن يتقدموا خطوة واحدة للأمام حتى تصدت لهم قوى الاستعمار البريطاني فعادوا خطوتين إلى الخلف، وكان أقسى ما سمعه صغار البرجوازيين في تلك السنوات، العبارة القاسية التي تركها سعد زغلول قبل أن يموت: كانت غلطتنا أن صدقنا أننا مستقلون!!

من أنقاض الحلم البرجوازي الصغير، كان طبيعيًا أن تبدأ مرحلة الخروج الكبير تلك التي بدأت في أواخر العشرينات، وحاولت خلالها عناصر من البرجوازية المصرية الصغيرة أن تبحث لنفسها عن كيان سياسي مستقل عن (الوفد المصري)، حزب البرجوازية المصرية التقليدي، وأن تبحث أيضًا عن إيديولوجية متميزة عن أيديولوجيته التي كانت أكثر علمانية وليبرالية برغم عجزه الحركي النسبي بحكم ضعف الشرائح التي كان يعتمد عليها في حركته.

وهكذا شهدت أواخر العشرينات وأوائل الثلاثينات وعبر الأربعينات ظهور خمسة كيانات تنظيمية تنطلق جميعًا من نشاط شرائح اجتماعية محددة، وهي:

جمعية مصر الفتاة: التي قامت لإعادة مجد مصر الفرعونية القديمة متأثرة إلى حد كبير بالنازية الألمانية والفاشية الإيطالية في تنظيماتها وشعاراتها (وإن كان ذلك لا يعني بالطبع أنها تشابهت معها في أيديولوجيتها وأساسها الاجتماعي)، وقد بدأت الجمعية بالتعصب القومي الضيق الأفق والإسلامي.

الأجنحة والتنظيمات المتعددة التي تتبنى الفكر الماركسي، وتسعى إلى تحويل مصر إلى مجتمع شيوعي، والتي ظلت إلى فترة طويلة، انتهت بأن حلت نفسها اختياريا في عام 1965 لتندمج في الاتحاد الاشتراكي العربي الذي رفض قبولها، مقتصرة في عضويتها وحركتها على الشرائح الصغيرة من البرجوازية، وقد فشلت في أن تجتذب الطبقة العاملة إلى صفوفها أو إن تصعدها إلى قياداتها، مما أوقعها في أخطاء نظرية وحركية انتهت بأن اتخذت قرارا تاريخيًا لم يحدث من قبل – ولن يحدث بعدها – وهو حلها لنفسها اختياريا.

مجموعة من الجمعيات الصغيرة اتخذت شعار القتل السياسي كوسيلة لتطهير الحياة السياسية ممن أعتبرهم تلك الجمعيات (مصريون خونة): وقد انقسمت تلك العناصر في عمليات إرهابية فردية ضئيلة القيمة من الناحية الفعلية، فشلت في أن تغير أوضاع الحياة السياسية.

وقد بدأ الإخوان كجمعية دينية صغيرة شكلها في الإسماعيلية – إحدى مدن القنال – الشيخ حسن البنا (1906- 1946) الذي كان آنذاك مدرسًا للغة العربية والدين الإسلامي في واحدة من مدارسها الابتدائية وقد بدأت في بواكير حياتها، مجرد جمعية دينية تقتصر أهدافها على الدعوة للأخلاق الفاضلة، والدعوة للتمسك بأصول الدين، لذلك لم تستشعر القوى السياسية المتحركة آنذاك أي خطر منها وهكذا نشأت في ظل رضاء تام من كل القوى السياسية والاجتماعية المسيطرة آنذاك.

وبرغم أنها أنشئت في ظل حكومة رجعية هي حكومة محمد محمود في عام 1938 فإن الوزارة لم تتعرض لها، ولم تستشعر منها خطورة، في حين كانت الوزارة قد شكلت أصلا للعصف بكل القوى الديمقراطية فألغت الدستور، وأصدرت مجموعة من القوانين المعطلة للحريات العامة ولم يكن أحد يتوقع منها خيرا لآية قوى ديمقراطية لكن ذكاء الشيخ حسن البنا، الذي أخفى به بمهارة أهدافه الحقيقة، جعل وزارة (اليد الحديدية) وهو الاسم الذي أطلقهمحمد محمود على وزارته – تظن أن الإخوان المسلمين يمكن أن يكونوا عامل تهدئة في وقت كان يتميز بالصراع الديمقراطي العنيف.

وقد تكرر هذا الظن طوال مرحلة الانقلاب الدستوري الذي قاده الديكتاتور المصري إسماعيل صدقي في الثلاثينيات، مدعوما بنزعات الملك فؤاد للحكم الفردي، فعلى عكس توقعات كل المراقبين آنذاك، توسع الإخوان المسلمين في ظل الانقلاب الدستوري، وانتشروا وأصدروا صحفًا ومجلات ونقلوا مقر جمعيتهم من الإسماعيلية – المدينة الصغيرة – إلى القاهرة عاصمة وادي النيل.

ولأن الإخوان كانوا يدعون آنذاك إلى أفكار يمكن في التحليل النهائي اعتبارها أفكار معارضة، فقد بدا غريبا أن تنتشر حركتهم في ظروف جذر ديمقراطي عنيف كما حدث أيام حكم إسماعيل صدقي.

بل أن شركة قناة السويس، وكانت آنذاك شركة دولية لانجلترا الجانب الأكبر من أسهها – قد نظرت إليهم نفس النظرة فمنحتهم تبرعًا قدره خمسمائة جنيه مصري وهو ما يعتبر دعمًا قويًا إذا ما نظرنا إلى قيمة الجنيه آنذاك.

والأرجح في كل هذا أن الإخوان المسلمين – الذين ثبت فيما بعد أنهم كانوا يستهدفون السلطة بمفهومها السياسي – قد خططوا لنشاطهم بحيث لا يواجهون جبهات قوية – وفي نفس الوقت فإنهم لم يعلنوا عن أهدافهم الحقيقة، وإن كانوا قد قدروا أن حكومات الانقلابات حكومات باطشة، يمكن مهادنتها، بل والتعايش معها، بعكس حكومات الوفد، التي كانت ذات نزعات ديمقراطية واضحة تتيح معها لخصومها في الرأي فرصتهم في النشاط والعمل.

وفيما أتضح بعد ذلك من آراء فإن إخوان المسلمين كانوا ضد الجميع، ضد الوفد وضد أحزاب الأقليات وضد النظام بمجمله وبمختلف مؤسساته بما فيها النظام الملكي نفسه.

وكانوا ينطلقون في ذلك كله من رفضهم للديمقراطية الغربية عمومًا، دعوتهم إلى ما اصطلحوا على تسميته (بنظام الشورى الإسلامي).

في حماية الأقليات

وقد ثبت بعد أن ذكاء الإخوان المسلمين السياسيفوق مستوى الشبهات، وهو ما تأكد من الطريقة التي تعاملوا بها مع الاحتلال الإنجليزي في مصر، إذ تعاملوا بحجمهم الحقيقي، لا بأهدافهم التي أعلنوها تدريجيًا وفيما بعد.. وكما نجحوا في خديعة شركة قناة السويس وحصلوا منها على منحة تصل إلى خمسمائة جنيه رغم أنها شركة تعمل لمصلحة الاحتلال الإنجليزي، فقد آثروا أبان الحرب العالمية الثانية ألا يتدخلوا لسحق كل خصومهم السياسيين، أنهم لم يكفوا فقط خلال سنوات الحرب عن أي نشاط سياسي يعرضهم للعصف بهم، بل العكس من ذلك أخذوا فرصة للانتشار والتوسع، وتصرفوا بذكاء جعل سلطات الاحتلال الإنجليزي في مصر ترضى عنهم رضاء تامًا، ففي بداية الحرب العالمية الثانية ضيقت هذه السلطات على كل القوى السياسية الوطنية في مصر سواء القوى الديمقراطية أو القوى التي كانت تعادي الإنجليز من منطلق فاشستي – إذ سارعت هذه القوى تنشط في اتجاه تعطيل المجهود الحربي للحلفاء، بما جعلها تتعرض لماحقة بوليسية قادت معظم قياداتها إلى السجون والمعتقدات طوال سنوات الحرب – ولم ينج من هؤلاء سوى الإخوان المسلمين.

وفي عام 1941 اعتقل حسن البنا زعيم الإخوان المسلمين – لفترة قليلة – وأودع في معتقل الزيتون وكانت مصر أيامها تحت حكم مجموعة من أحزاب الأقليات السياسية من السعديين والأحرار الدستوريين، وفي أحد الأيام زار حامد جودة سكرتير الحزب السعدي معتقل الزيتون حيث التقى بالشيخ حسن البنا وقضى معه عدة ساعات واعتذر إليه عن اعتقاله ثم ما لبث حسن البنا أن خرج من المعتقل بعدها بقليل.

وعلى الرغم من أن أحدا لم يعرف ماذا دار بين الوزير السعدي والزعيم الإخواني إلا أن الراصدين للتطورات السياسية في مصر قد لاحظوا أنه خلال سنوات الحرب وعندما كان العمل السياسي العلني في مصر مصادرًا بقسوة، فإن الإخوان المسلمين الذين كانوا حتى ذلك الوقت مجرد جمعية دينية صغيرة لا تختلف في وزنها عن مثيلاتها كجمعية الشبان المسلمين والجمعية الشرعية، قد توسعوا بشكل قاسي، وانطلق خطباؤهم في المساجد يهاجمون النازية، ولما كانت الدعاية الألمانية قد ركزت في مصر والعالم العربي والإسلامي على القول بأن هتلر أسلم وغير أسمه إلى الحاج محمد هتلر وأنه ينوى بعد انتصاره أن يمنح الشعوب العربية دولة عربية إسلامية موحدة تحالف ألمانيا التي ستكون وقتها فوق الجميع، فقد انطلق الإخوان يفضحون هذه الأكذوبة مساندين بقوة وبلا شروط الحلفاء في صراعهم ضد النازي، وفي مقابل هذه الخدمة الإعلامية الضخمة فإن الحرب، قد انتهت ليفاجأ السياسيون في مصر الإخوان المسلمين قد كونوا مئات الشعب في القرى وتغلغلوا في المدارس تحت سمع وبصر وزارة الداخلية وسلطات الأمن (راجع وسيم خالد: الكفاح السري ضد الاحتلال الإنجليزي في مصر مطابع الشعب 1963، وهي مذكرات شاهد عيان لتلك الفترة).

وأصبحوا قوة سياسية ينبغي أن يعمل حسابها، ولولا تاريخ الوفد ورصيده الضخم الذي أكتسبه منذ ثورة 1919 لهدد الإخوان جماهيريته، تهديدًا مباشرًا لكن من المؤكد أنهم قد خرجوا من سنوات الحرب، وقد زادوا عددا وعدة، آلاف الأضعاف عما كانوا عليه قبلها، خاصة أنهم قد تميزوا منذ البداية بقدرة مذهلة على (التنظيم الحديدي) اكتسبها حسن البنا من دراسة متعمقة للحركات السرية التي نشأت في الدولة الإسلامية في عهود بني أمية وما تلاها والتي ميزت نشاط الفرق الإسلامية المتعددة وخاصة (الشيعة).

ويتمثل ذكاء حسن البنا وقدرته الفذة على عدم الدخول في صدام مباشر قبل أن يستعد له في نقطتين جوهريتين:

  • أنه رفض أبان الحرب عرضًا بانقلاب يقوم به مشتركا مع حزب مصر الفتاة بزعامة أحمد حسين، وتستند على أعداد محدودة من اتجاهين في كل قرية ومدينة مصرية يقومون في وقت محدد بالاستيلاء على السلطة المدنية والعسكرية في هذه القرية أو المدينة، بينما تتوجه مجموعة للاستيلاء على العاصمة بنفس الطريقة وقد ناقش الأمر مع أحمد حسين بشكل منطقي وأنتهي منه إلى أن ألخطه غير عملية، وأنه يجمع السلاح ويخزنه ويدرب رجاله عليه، وأنه لا يستطيع أن يحارب إنجلترا ولها جيوش جرارة في مصر ببنادق قديمة أو بقنابل من مخلفات الحرب العالمية الأولى .(راويةمحمد حسين – الدكتور خالد – مطبعة مصر 1960).
  • أنه رفض أن يصوغ برنامجا تفصيليا قبل الأوان، وقد ذكر أحد أقطاب الإخوان فيما بعد أنه ناقشه في هذا الأمر، فكان من رأيه أن محاولة صياغة رأي الإخوان في القضايا التفصيلية، وكيفية تطبيق الشريعة الإسلامية على حياة المجتمع المعاصر هي محاولة ضررها أكثر من نفعها، فإذا كانت صياغة مثل هذه قادرة على مواجهة الخصوم السياسيين الذين اخذوا على الإخوان دائما أنهم يطرحون شعارات عامة ولا يقدمون حلولا تفصيلية للمشاكل، فإنها تفتح الباب في نفس الوقت لشقاق كبير بين المسلمين أنفسهم، لتعدد المذاهب والاجتهادات وأن أوان معارك مثل هذه لم يؤن بعد (شهادة هنداوي دوير أمام محكمة الشعب عام 1954)

بهذا الذكاء في رسم التحافات السياسية عاش حسن البنا، وبه انتشر الإخوان المسلمون.. وبسببه تعرضوا لأول صداماتهم الدموية مع الحكم المصري قبل الثورة.

في الطريق إلى سنوات المحنة

ربما لم يستطع الإخوان المسلمون أنفسهم، وحتى هذه اللحظة، أن يقيموا بشكل صحيح، الخلل الذي حدث هذه اللحظة، أن يقيموا بشكل صحيح، الخلل الذي حدث في خططهم السياسية ، والذي قادهم إلى مجموعة من الصدامات المتوالية، وضعتهم في صف القوى كثيرين من المحللين إلى الظن بأن نفوذ الإخوان السياسي قد تقلص تمامًا وأنهم انتقلوا من واقع (سياسي) إلى ظاهرة (تاريخية). كان منهم مؤلفه هذا الكتاب د. ميتشل نفسه.

والقاعدة العامة التي ينطلق منها معظم المحللين السياسيين عند رصد ملامح هذا الخلل، هي الاعتراف بداية للإخوان المسلمين بثلاث ميزات أساسية، يمكن عند رصد كل واحدة منها اكتشاف عجز في الاجتهاد، أو خلل في التطبيق، حال في النهاية دون نمو الإخوان نموا طبيعيا، وقادهم إلى المراحل التي اصطلحوا على تسميتها بــ (سنوات المحنة) والتي تصاعدت – في مصر – عبر ثلاث حلقات، كانت اعنقها وأكثرها قسوة سنوات ما بين 1965 و 1971 .

وعند هؤلاء المحللين – على اختلاف منابعهم الفكرية وتناقض وقفهم من الإخوان – أنهم قد تميزوا بثلاث ميزات أساسية:

الأولى: أنهم انطلقوا من (أيديولوجية) قادرة على جذب أوسع الجماهير، بحكم أنها تتعامل مع الفطرة في بساطتها مما مهد لهم أن يكسبوا جماهيرهم دون مجهود كبير في الإقناع أو في التجنيد، وإنما باستثمار تراث مقدس وعصى على المنافسة.

الثانية: أنهم قد أثبتوا في التنظيم المحكم والقوى والفعال مهارتهم. حتى أنهم سحبوا من خصومهم التقليديين – الشيوعيين – شعارا من أهم شعاراتهم الكلاسيكية، وهو شعار التنظيم الحديدي، فطبقوه بينما ظل عند الآخرين – في الأغلب الأعم – مجرد شعار.

الثالثة: ذكاؤهم الحاد في رسم التحالفات السياسية، بحيث اخذوا فرصة هادئة تماما لبناء حركتهم وأحكام جهازها التنظيمي، وحشد جماهير واسعة حولها، قبل أن يدخلوا معارك غير محسوبة النتائج.

ولا خلاف بين المتابعين لتاريخ المنظمات السياسية، على أن توفر هذه الخصائص في أية حركة سياسية خليق بأن يكفل لها انتصارا مؤكدا على خصومها، كما هو كفيل بزرعها على الخريطة السياسية لأي مجتمع لزمن يصعب تحديد مداه.

على أن الواقع قد اخلف ظن الذين طبقوا هذا القانون على تاريخ الإخوان المسلمين – وخاصة في مصر – فبرغم كل مميزات حركتهم – التي يندر توفرها وحركة أخرى – تعرضوا لما هو معروف، الأمر الذي أكد أن الإخوان لم يستثمروا مميزاتهم استثمارا صالحا أو جيدا في كل الأحوال.

وفي هذا الصدد فإن المحللين السياسيين يرصدون:

أن استناد الإخوان المسلمين إلى (إيديولوجية) قادرة على جذب أوسع الجماهير لم يكن كافيًا وحده لعمل جماهيري نشط وفعال، في ظروف تغير اجتماعي كبير، طرا على العالم كله، وعلى الأمة العربية والعالم الإسلامي، منذ تدهورت دولة الخلفاء الراشدين وبروز أوضاع ونظم ومؤسسات وأفكار، تتطلب اجتهادات واسعا وعميقا، ولتظل لتلك الأيديولوجية قدرتها على الجذب. وبينما بدأ مرشد الإخوان الأول المرحوم الشيخ حسن البنا ذكيا عندما رفض برنامج سياسي متكامل للإخوان، حرصا على وحدة أعضاء حركته، المتعاطفة معها، وخوفًا من نقل خلافات الفرق الإسلامية إلى صفوفها أو إلى صفوف الجماهير فإن العجز – أو العزوف – عن وضع هذا البرنامج كان من بين مبررات ضعف الإخوان سياسيًا، ذلك أنهم لم يكونوا وحدهم في الساحة السياسية وقد استطاع خصومهم دائما أن يعلنوا آراء محددة في عديد من القضايا المطروحة بينما كان على الإخوان أن يوازنوا بين عديد من الاعتبارات قبل اتخاذ أي موقف سياسي عملي من جانب، فضلًا عن أنهم بدوا أمام جماهيرهم دعاة شعارات عامة، لاشك في صحتها، ولكنها تفتقر لمواجهة الواقع المحددة والزمن المعين والبلد الخاص، وفي هذا الصدد، وجه بعض المعاصرين للإخوان – في الأربعينات نقدًا لبرنامجهم لأنه عجز عن سد الفجوة التي نشأت منذ توقف الاجتهاد الإسلامي، في قرون ضعف الدولة الإسلامية، وعجز عن مواجهة تحديات العصر الذي شهد تغيرات جذرية في مختلف مناحي الحياة.

ويحكم تكامل العناصر الرئيسية لفاعلية آية حركة سياسية، فإن الخلل الأول قد عرض تنظيم الإخوان الحديدي للخلل هو الآخر، وقد ثبت فيما بعد أن مؤسس الإخوانحسن البنا – كان قد خطط لحركته بحيث تضم تيارا جماهيريا واسعًا، يتحرك بشكل ديمقراطي علني ويقوم على أساس إنشاء شعب – أو فروع – في كل قرية أو حي سكني، تنظيم مجموعة من الأنشطة التربوية التعليمية والرياضية، وتقدم ألوانا متعددة من الخدمات الاجتماعية، فضلا عن جهد ممتاز في التثقيف والتربية الدينية، لكن هذا التيار لم يكن أساس تنظيم الإخوان، ففي داخله سعى حسن البنا إلى بناء منظمة من الكوادر، تتلقى تربية وأعدادا خاصين وتعد لتكون (ميليشيا) سرية مسلحة، مهمتها أن تستولي على الحكم بتحرك انقلابي.

والأرجح في ضوء ما أعلن من وثائق حتى الآن، أن (الجهاز الخاص) – الاسم الرسمي لميليشيا الإخوان السرية – قد شكل أبان الحرب العالمية الثانية، وعلى الرغم من اتساع أعداده، وتشعب أفراده، فقد تم اختراقه بسهولة من القوى المعادية التي ذهلت تماما من تنظيمه المحكم والقوى، وصحيح أن خصوم الإخوان قد لجأوا إلى عمليات تعذيب – تعدى بعضها كل ما يمكن قبوله – مبررين ذلك بأن الإخوان لجأوا إلى أساليب إرهابية، وأن الإرهاب يحتاج إلى (إرهاب مضاد) حتى يمكن إيقافه إلا أن قليلين من أعضاء الجهاز للإخوان، هم الذين ثبتوا أمام التعذيب، وهو ما مكن خصومهم من الحصول على إسرارهم كاملة، وتدمير تنظيمهم الحديدي النادر المثال، من الطبيعي أن تكون جماهير الإخوان العريضة – أعضاء ما يمكن تسميته بالجهاز العام – أقل صلابة من خلاصة الكوادر الإخوانية التي تجمعت في الجهاز الخاص، وهو ما كان ينتهي بتشتت كامل للتنظيم الإخواني.

ويعزو بعض المتابعين لحركة الإخوان السياسية ذلك إلى عدم وحدة التثقيف السياسي للإخوان، فبينما كان الأعضاء الجماهيريين – بالجهاز العام – ينضمون للإخوان في أغلب الأحيان استجابة لمشاعرهم الدينية الفطرية التي لم يبذلوا جهدا في تعميقها أو تنظيرها، وسعيًا وراء كسب مئوية الدعوة للخير والفضيلة ومقاومة الرذائل في النفس الإنسانية، إلى الدرجة التي لم يعتبرها بعضهم أصلاً حركة سياسية فجمع بين عضويتها وبين عضوية أحزاب أخرى، كالوفد المصري مثلا، وفي هذا الإطار كان أعضاء القسم العام للإخوان ينشطون من منطلق الاعتراف بالسلطة الدينية وقوانينها، ورادين كل أثم أو خلل أخلاقي إلى عيب في نفوس الأفراد لا إلى فساد في النظام الاجتماعي يتطلب الانقلاب عليه، وهو ما دفع المرحوم حسن البنا ذاته إلى إعلان بأنه يعترف بالدستور المصري1923 – رغم أنه كان يقوم على أسس دنيوية محضه، لكي يواجه (مأزق) قيامه بنشاط علني لا يعترف بالدستور ويخضع له.

راجع رسالة المؤتمر الخامس ورده على ما سماه تهور صالح عشماوي الذي قد كتب في التقرير يرفض الدستور.

لكن هذه البساطة في نشاط إخوان القسم العام، تعقدت لدى إخوان القسم الخاص، الذين كانوا يختارون من بين العناصر النشطة من أعضاء القسم العام ويتلقون دروسًا خاصة، ويخضعون لكشف طبي ولبرامج إعداد عقائدي وعسكري مركبة ويعدون أساسًا للعصف بالنظام السياسي القائم، وإعلان بديل له، وبهذا كانت هناك مسافة في الاقتناع والإعداد بين أعضاء الحركة الواحدة، بحيث خفي على معظم الأعضاء العلنيين للحركة، وأهدافها غير المعلنة.

وإضافة إلى ذلك فإن العجز الأيديولوجي لدى الإخوان، قد ألقى بظله على ممارساتهم السياسية اليومية، وبتراكم هذه الممارسات، أستطاع خصومهم النفاذ إليهم والتشهير بهم سياسيًا، فالرغبة في حماية التنظيم قادت الإخوان المسلمين إلى مجموعة من التحالفات السياسية، لم تخضع دائما للأسس المبدأية بل تناقضت معها تناقضا حادا في بعض الأحيان حتى ذهب خصومهم الأقوياء إلى القول بأنهم ظلوا دائما – في مصر – يعملون في حماية الأقليات السياسية المكروهة من الشعب المصري والمعادية للتطور الديمقراطي، وغير المتشددة في مسألة الاستقلال الوطني من الدستوريين والسعديين، حتى بدأ الإخوان المسلمين في الفترة من نشأتهم حتى انهيار النظام القديم (19281954) جزءا من التحالف المعادي للوفد المصري، حزب الوطنية المصرية الليبرالية التقليدي، هذا التحالف الذي يخدم بنشاطه موضوعيًا – وبصرف النظر عن النوايا – اوتوقراطية السراي الملكية والاستعمار الإنجليزي.

وتتطلب دراسة أسلوب الإخوان المسلمين في رسم تحالفا تهم السياسية اهتماما خاصًا، فضلا عن أنها ضرورة لفهم طبيعة النشاط الذي ينوون القيام به الآن، فإن المحللين يعطون أهمية بالغة لأخطائهم في تطبيقها – مع ذكاء التخطيط ويعتبرون تلك الأخطاء (الخطيئة الأولى) التي جعلت الإخوان المسلمين يتعرضون لعمليات التصفية الدورية في مصر.

وتعتبر مرحلة ما بعد سنوات الحرب العالمية الثانية نموذجًا بالغ الدلالة على ذلك. وقد يفيد في الاستلال هنا، أن نعتمد مصدرا يعز على التجريح وهو مرافعة الأستاذ أحمد حسين المحامي وزعيم حزب مصر الفتاة آنذاك.

في قضية اغتيال المرحوم محمود فهمي النقراشي، زعيم الحزب السعدي، الذي قتله احد أعضاء الإخوان المسلمين في ديسمبر عام 1948، فالأستاذ أحمد حسين ليس معاصرا فحسب لنشأة الإخوان، ولكنه أيضًا ساق ذلك كله في معرض الدفاع عنهم وتبرير الصدام بينهم وبين السعديين، الذي تخلفت عنه سنوات «المحنة» الأولى.

وفي تحليله أن الإخوان المسلمين قد تحالفوا مع السعديين، بعد مفاوضات سرية أجراها القطب السعدي (حامد جودة) مع مرشدهم العام حسن البنا، أبان اعتقال الأخير في سنة 1941، مقابل شروط لم تعلن إلى الآن، ولكن النتيجة العملية كانت أن خرج الأستاذ حسن البنا من الاعتقال وقد ازداد جاها وعزا بوقوف وزارة الأقليات إلى جواره، ومضى في دعوته حرا طليقا، يجوب البلاد، ويؤلف الشعب وينظم الجماعات واشتهر في البلاد إن الإخوان المسلمين في حماية الحكومة القائمة، وفي حماية السعديين بصفة خاصة.

ومع الانقلاب الذي جاء بالوفد المصري إلى الحكم بعد حادث 4 فبراير الشهيرة نظر الوفديين شررا إلى الإخوان المسلمين، لكن الأستاذ أحمد حسين يذهب إلى أن (الوسطاء أفهموا النحاس باشا – زعيم الوفدوسراج الدين باشا – قطبه الكبير آنذاك وسكرتيره العام فيما بعد – أن الشيخ حسن البنا رجل دين لا أكثر ولا أقل، ودعوته دعوة للأخلاق والفضيلة، ونجحت الإخوان المسلمين في ذلك الوقت، أن ينزل عن ترشيح نفسه في الانتخابات في مقابل أن تطلق له الحكومة حرية المضي في دعوته الدينية البحتة، وخرج حسن البنا من لدى النحاس باشا وقد باعد بينه وبين السياسة التي أوشك أن ينزلق فيها بترشيح نفسه.

وهكذا أثبت حسن البنا أنه ذكى ومناور، هو الذي كان يرفض الوفد ويرفض الأحزاب ويرفض النظام الملكي كله، يمد يده لاعني خصومه، لكي السياسة المصرية العاصف لم يلبث أن قاده إلى مأزق جديد، فمع الانقلاب الدستوري الذي ذهب بحكومة الوفد المعروفة بحكومة 4 فبراير – عادت أحزاب الأقليات السياسية إلى الحكم من جديد، ونظرا لأن السراي الملكية – وعلى رأسها الملك فاروق نفسه – كانت تنقم على الوفد أنه قبل الحكم عقب الإنذار البريطاني الشهير للملك فاروق بدعوة النحاس لتولي الوزارة وإلا عزل الملك، فضلا عن أن الوفديين عموما كانوا عندما يتولون الحكم يكفون يد السراي الملكية عن العمل، فإن العهد الذي بدا في 4 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1944، كان برنامجه – كما يقول أحمد حسين – هو: القضاء على الوفد قضاء مبرما وردم آثاره نهائيًا. وهكذا فشل الإخوان في التنكر لتهمة التحالف مع الوفديين، وأصر السعديون – حلفاؤهم القدامى – على ألا يقبلوا منهم، إلا أن يظهروا خصومتهم للوفد، وتنكرهم له، إذا شاءوا أن يستمروا في نشاطهم.

وفي تقييم هذا الموقف، يقول الأستاذ أحمد حسين: لم يكن بإستطاعة الإخوان أن يترددوا في هذا السبيل، فأعلنوا خصومتهم للوفد، باعتباره حزبًا سياسيا وخصومة حزب سياسي معين معناها انخراط صريح في سلك السياسة الحزبية، وتحولوا من حركة روحية بحتة تصادق الجميع وتتعاون مع الجميع إلى هيئة لها رأي في السياسة فتناصر فريقًا ضد فريق، وكان معنى هذا الموقف الجديد أن يخاصمهم الوفد، وأن يخاصموه فبدأت الاحتكاكات بين الطرفين، وبدأ الصدام على طول الخط، وكان طبيعيًا أن تقف حكومة الأقليات إلى جوار الإخوان المسلمين في كل صدام يقع بينهم وبين الوفد، بل وكانت تحميهم وتشد أزرهم ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.

وفي استعراضه لملامح المساندة التي قدمتها أحزاب الأقليات السياسية إلى الإخوان المسلمين في حربهم للوفد رصد الأستاذ أحمد حسين، أن حكومة السعديين قد سمحت للإخوان بإنشاء (الجوالة) التي كانت تشكيلا شبه عسكري، وبرغم أن القانون المصري كان يحرم قيام تشكيلات من هذا النوع، فقد تضخمت جوالة الإخوان المسلمين حتى وصلت إلى عشرين ألفا كان باستطاعة الإخوان أن تعبئهم في أي مكان شاءت، وقال أحمد حسين: ما هو السر الذي خول لدعوة الإخوان المسلمين بعد أن انخرطرت في المنازعات الحزبية أن يكون لها هذا الجيش من ألجواله؟، اسألوا الحكومة التي لم تسكت فحسب بل شجعت ومولت هذا الجيش ظنا منها أنه عدة لها ضد خصومها، وأنه سلاح ضد الوفد الذي يريدون القضاء عليه بأي ثمن ولو بالخروج على كل قانون. وكل عرف. وكل مألوف.

وشملت الوقائع التي ذكرها أحمد حسين تفصيلات مزعجة، تكشف عن أن الإخوان المسلمين قد استدرجوا في تلك الفترة ليكونوا الذراع الضاربة لأحزاب الأقليات السياسية، ولعل الإخوان المسلمين لم يدركوا خطر هذا التحالف الذي اجبروا عليه وقبلوه برغم عدائهم – كما ثبت بعد ذلك لتلك الأحزاب – ولكنه عزلهم عن مجموع حركة القوى السياسية والوطنية والساعية إلى قلب النظام القديم.

ويعتبر موقف الإخوان من (اللجنة الوطنية للطلبة والعمال) نموذجًا للمأزق الذي قادهم إليه تحالفهم مع أحزاب الأقليات السياسية من مواقف تهادنبة و خاطئة، فوقتها كانت كل القوى الوطنية والديمقراطية والتقدمية قد تبنت فكرة رفض أسلوب المفاوضات والمساومات كحل لقضية الاحتلال الإنجليزي لمصر.

ورفعت شعارات الكفاح المسلح وتخليص الاقتصاد المصري من التبعية للاحتكارات الدولية وتكوين جبهة وطنية معادية للاستعمار، ولجأت السراي إلى تعيين إسماعيل صدقي – ديكتاتور الثلاثينات الشهير – رئيسا للوزارة، وتوجست القوى الديمقراطية خيفة من تعيينه.

وسارعت بتكوين اللجنة الوطنية للطلبة والعمال التي ضمن ممثلين لكل شباب التجمعات والأحزاب السياسية والنقابات العمالية في ميثاق جمهوري، للعمل على إفشال أي محاولة يبذلها إسماعيل صدقي لجر مصر إلى حلبة الأحلاف الاستعمارية الغربية، وشارك الإخوان المسلمين – الذين كان العداء للاستعمار من بين شعاراتهم المعلنة – في تلك اللجنة، لكنهم ما لبثوا أن استدرجوا إلى مؤامرة تخريب واسعة النطاق وأحدثوا انشقاقا في اللجنة وخرجوا مع بعض الجماعات الأخرى، وكونوا اللجنة القومية وتحالفوا مع إسماعيل صدقي وألقى زعيم الطلاب الإخوانيين في الجامعة مصطفي مؤمن خطابا شهيرا أيد حكومة صدقي واستشهد فيه بآية من القرآن تقول: واذكر في الكتاب إسماعيل أنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا.

كان واضحا طوال الأربعينات أن الإخوان المسلمين يعملون في حماية ومساعدة الأقليات السياسية المتحالفة مع السراي، وقد أتجه هؤلاء لدعم الإخوان وتقويتهم لأنهم اكتشفوا – أن الإخوان كقوة سياسية تعمل في حماية الدين – هي أكثر القوى قدرة على تدمير حزب الوفد المصري والقضاء عليه.

وكان هذا الحزب الديمقراطي العتيد برغم كل عيوبه قلعة الوطنية المصرية، لذلك كانت محاولات تخريبه وإرهابه مستمرة، وكان باستمرار هدفًا لحلف شرير بين السراي والاستعمار البريطاني وأحزاب الأقليات السياسية، وكان طبيعيًا أن ينفض التحالف بين الإخوان وأحزاب الأقليات عند ما كبر الإخوان وتضخموا فبدأوا يعملون لحسابهم، فعلى مشارف الخمسينات بدأ الإعداد لانتخابات جديدة لمجلس النواب، وشعر الإخوان – الذين كانوا قد توسعوا لدرجة أنه كان هنا نصف مليون عضو على الأقل ينتسبون إليهم في صور وأشكال شتى – بأنهم أصبحوا قوة مستقلة أقوى مما كانوا يحمونهم، وبدأ الإخوان يعدون أنفسهم لخوض الانتخابات القادمة، وكان لهم ألم جبار في أنهم ذا لم يكتسحوا الانتخابات على الأقل فيسخر جون منها كحزب، من أقوى الأحزاب الممثلة في البرلمان وشعر السعديون الذين تبنوا الإخوان ليكونوا ذيلا لهم بأن الذيل قد أصبح هو الأصل، وأن قوتهم أصبحت جارفة وأنها باتت تهددهم في الانتخابات القادمة، فقرروا أن يتخلصوا منهم بأي ثمن من الأثمان، وبدوا يضغطون على الإخوان المسلمين ويضغط الإخوان عليهم وراح النقراشي – الذي كان يرأس الوزارة وقتها – يضيق عليهم الخناق وراح بعض الشباب المتطرف من الإخوان الذين كانوا قد ألقوا هذه الحرية الواسعة ضد خصومهم، راحوا يردون على هذا التضييق بتوجيه بعض الضربات فكانت سلسلة من الحوادث الإرهابية الرهيبة شملت نسف بعض المحلات التجارية واغتيال أحد القضاة، وقرر النقراشي أن يضرب ضربته الحاسمة، وأصدر قرارا بحل الإخوان ودفع تمنا له حياته نفسها، إذ اغتاله الإخوان، وهكذا بدأت سنوات المحنة الأولى للإخوان، ذلك أن رسم التحالفات مهما كان ذكيا، ومقتدرا لا يمكن أن يأتي بنتيجة ما لم يكن قبل كل شيء مبدأيا.

مستقبل التحالف

وتفيد دراسة تحالف الإخوان مع ثورة 23 يوليو في استكشاف مبررات التحرك الحالي للإخوان، كما أنه يلقي ضوءا اكتشافا على الخلل الرئيسي في حركتهم.

ويمكن أن نضع في الاعتبار عددا من الحقائق الأساسية:

أولاً: أن القانون الأساسي الذي حكم تحالفات الإخوان المسلمين طوال عمرهم، لم يكن تحقيق أهداف مشتركة تجمع بينهم وبين أية قوى سياسية أخرى، سواء كانت هذه الأهداف مرحلية أو دائمة، ولكنهم سعوا دائما إلى التحالف بهدف حماية أنفسهم، وهو ما يسميه البعض(التعاون مع القوى السائدة) مخرجا إياه من دائرة التحالف السياسي إلى دائرة الانتهازية السياسية، كما أن عزوفهم عن التحالف السياسي إلى دائرة الانتهازية السياسية، كما أن عزوفهم عن التحالف على أساس برنامج مشترك ناتج من رفضهم الكامل لكل الحركات السياسية الأخرى وفضهم للنضال الديمقراطي وسعيهم لتقويض النظم السياسية القائمة على أسس دنيوية، وهم في هذا يقرون بأنهم فصيلة سياسية بين فصائل أخرى ولكنهم يرون أنفسهم (حزب الله) حيث لا يجوز مع حزب الله أن توجد أحزاب أخرى.

ثانيًا: أنهم بذلوا نشاطا في التجنيد داخل صفوف الجيش المصري، وفي صفوف قوات الشرطة في السنوات السابقة على قيام الثورة مباشرة، وكان لهم علاقات تنظيمية وشبه تنظيمية بعدد من الضباط الذين تحركوا سياسيا آنذاك، والذين تزعموا فيما بعد – لفترة تطول أو تقتصر – ثورة يوليو 1952، كما أن عددا من هؤلاء كان متعاطفا مع الإخوان، بحكم أنه كان يصب في التيار الداعي إلى إنشاء جولة إسلامية، وفي هذا الصدد تبرز أسماء كل من أنور السادات (الذي كان على صلة وثيقة بهم لم تصل إلى حد الانتماء التنظيمي بالإخوان وبالذات زعيمهم (حسن البنا) وجمال عبد الناصر وكمال الدين حسين وحسين الشافعي، فضلا عن كل من: عبد المنعم عبد الرءوف وكان عضوا بالإخوان المسلمين وعضوا بمجلس قيادة الثورة، وسبق له أن اقترح أن يكون لتنظيم الضباط الأحرار جناحا عسكريا للإخوان ولكن اقتراحه رفض، وقد اختلف بعد ذلك مع قيادة الثورة، وحوكم وهرب من السجن، فأخفاه الإخوان المسلمون حيث عمل كعقل عسكري لميليشيا الإخوان في مؤامرة 1954 ثم هرب مرة أخرى فور فشل مخططه، ورشاد مهنا الذي عين لفترة قصيرة وصيا على العرش وكان متعاطفا مع الإخوان.

ثالثًا: إن حركة الضباط الأحرار، كانت تسعى من جانبها للتحالف مع المنظمات الشعبية والجماهيرية التي تقف موقف العداء من النظام القديم، وفي وفؤاد سراج الدين، كما كان عبد الناصر صديقًا للعناصر الراديكالية واليسارية بالوفد (إبراهيم طلعت) ، فضلًا عن علاقات مع الشيوعيين عن طريق القاضي أحمد فؤاد الذي كان على صلة بالحركة الديمقراطية للتحرر الوطني (حديتو)، كما كان على صلة بالحزب الشيوعي المصري، وكان منطلق الأحرار في ذلك عدم وجود تنظيم شعبي لهم واقتصار نشاطهم على دوائر محدودة في الجيش، كما أنه وفور انتصار الثورة مدت يدها للحزب الوطني الجديد الذي كان يرأسه فتحي رضوان الذي كان أول معتقل سياسي يتم الإفراج عنه قبل صدور قانون العفو العام.

وفي ضوء ما كشف الستار عنه من وقائع حتى الآن، فإن الإخوان المسلمين كانوا على علم بموعد الثورة قبل قيامها، وقد ذكر كمال الدين حسين أنه أتصل في ليلة الثورة هو وعبد الناصر بالإخوان وأطلعهم على التفاصيل، وكان لهم في اليوم التالي متطوعون على طريق السويس لاحتمال تحرش قوات الإنجليز بالثورة، كما تذكر مصادر أخرى أن عددا منهم كلن يحرس بعض المنشآت وأماكن العبادة، والمصادر الإخوانية تذكر أن موعد الثورة تأجل يوما أو يومين حتى أخطر الهضيبي بموعد قيامها – وكان يقضي الصيف في الإسكندرية – وقد وافق على تأييد الإخوان للثورة، وهو التأييد الذي تأخر أسبوعا كاملا، كنوع من الحرص في حالة فشل الحركة، وأن كان هذا الحرص قد أستخدم فيما بعد للتشهير بالإخوان على أساس أنهم تقاعسوا عن تأييد الثورة.

على أن بيان الإخوان المسلمين بتأييد ثورة يوليو 52 صدر بعد استقرار الأوضاع، وجاء كما يقول د. عبد العظيم رمضان معبرا عن فهم لحركة الجيش كان أفضل من فهم أصحابها لها، فقد نظروا إلى الحركة باعتبارها ثورة، بينما كانت الحركة تنظر إلى نفسها على أنها انقلاب.

والواقع أن برنامج الإخوان المسلمين الذي أعلنوه في بداية الثورة، يمثل قمة نضجهم السياسي كحركة سياسية ذات طابع راديكالي، وقد تحققت كثير من بنوده فيما بعد على يد سلطة عبد الناصر، بحكم أنه في مجمله كان يعبر عن القاسم المشترك الأعظم بين مطالب وأراء الحركات والتيارات السياسية والإصلاحية التي كانت تعادي النظام القديم، لكن مشكلة البرنامج الحقيقية كانت تمكن في خللين رئيسين في عموده الفقري:

الأولى: غموض الأسلوب المطروح لحل المشكلة الوطنية وقد أكتفي البرنامج بشأنها بأن تنبأ بأن الإنجليز سيجلون عن مصر السودان دون أن بيدي رأيا في وسيلة ذلك، وكانت حكومة الوفد الأخيرة قد ألغت معاهدة 1936، وبدأت حركة شعبية ورسمية لشن حرب محدودة ضد القاعدة البريطانية بمنطقة القنال وكان التيار الغالب بعد أن أوقفت هذه الحركة بحريق القاهرة يتجه إلى رفض أسلوب المفاوضات، واتخاذ خطوات إيجابية ضد الوجود الإمبريالي وهو الأمر الذي سكت عنه البرنامج، فيما يتعلق باستئناف حرب العصابات ضد المحتل وإن كان لم يسكت عن المصالح الاقتصادية الإمبريالية.

الثانية: غموض موقف الإخوان المسلمين من قضية الديمقراطية، فقد وجه البيان نقدا حادا ولازعا وحقيقيا للدستور المصري الذي كان قائما آنذاك (دستور عام 1932) كما رفض الأبنية الديمقراطية التي أنشئت على أساسه، ولكنه في نفس الوقت اكتفى بالمطالبة بوضع دستور جديد بواسطة جميعة تأسيسية دون أن يحدد موقفه من الأسس التي يقوم عليها هذا الدستور، وهو ما دفع كثيرين إلى ظن – تأكد فيما بعد – بأن الإخوان يرفضون النظام الحزبي بمجمله.

وليس ثمة شك في أن موقف الإخوان المسلمين من ثورة يوليو – في عامها الأول على الأقل – قد ساهم في تشكيل (المسار الديمقراطي) لمصر في ربع القرن التالي لقيام الثورة، كما أن هذا الموقف كان مفترق طرق بالنسبة للإخوان المسلمين أنفسهم ولعلهم لو شاءوا تقييم سياستهم الماضية، واجدين في تلك المرحلة مفتاح مأساتهم التاريخية التي – كما يرى بعض المراقبين – توشك أن تكرر.

ومن الخللين الرئيسيين في برنامجهم السياسي المطروح، انطلق الإخوان يصوغون علاقتهم بثورة يوليو تلك العلاقة التي حددها عبد الحكيم عابدين، سكرتير عام الإخوان آنذاك قائلا: أن الجماعة الإخوان تحدد موقفها من الثورة ومن آية حكومة على الأسس الآتية: أما أن تعلن السلطة قيام دولة الإسلام، فنعلن ولاءنا لها ونذيب وجودنا في وجودها، أما أن تتابع الخطوات الإسلامية تحت أسماء وعناوين إصلاحية، وحينئذ نلتزم بتأييد الحكم مع استمرار تشيكلاتنا لإتمام الرسالة، وأما أن نكتفي بالناحية السلبية فنلتزم السلبية نحوها، فإن أبت السلطة ذلك واستأنفت حملاتها في التنكيل بأهل الدعوة فنكون مضطرين إلى الدفاع عن أنفسنا.

والتقييم الذي انتهى إليه د. عبد العظيم رمضان (عبد الناصر وأزمة مارس 1954- ص 118 ، 119) صحيح في مجمله فهو يذهب إلى أن «سياسة الجماعة في ذلك الحين كانت تقوم على التأييد التكتيكي المحسوب، الذي يخدم في النهاية أهدافها الاستراتيجية العليا في استخلاص الحكم». لكن مشكلة الإخوان وقتها، كانت مشكلتهم القديمة نفسها، فقد سعوا أولا لمحاولة السيطرة الفوقية على مجلس قيادة الثورة الذي كان يمر بأزمات سياسية بحكم التناقضات التي بدأت تنشأ بينه وبين الحركات السياسية الأخرى في مصر، وخاصة الوطنية والتقدمية منها وبالذات فيما يتعلق بقضية الديمقراطية، والذي كان في حاجة ماسة لتأييد الإخوان الجماهيري وهم أقل القوى حماسًا للأبنية الديمقراطية الليبرالية، وقد انفرد الإخوان بتأييد قرار مجلس قيادة الثورة بحل الأحزاب وإلغاء دستور 1923، وإعلان فترة انتقال مدتها ثلاث سنوات، بينما أدت هذه القرارات إلى انتفاض كل القوى الراديكالية في مصر عن مجلس الثورة، بما فيهم التنظيم الشيوعي الوحيد الذي كان يؤيد الثورة حتى ذلك التاريخ وهو الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني – حديتو .. وكان تأييد الإخوان لهذه القرارات مشروطا بتكرار محاولة بذلها الإخوان في الشهور الأولى لقيام الثورة عندما طالب الهضيبي عبد الناصر بتشكيل لجنة من هيئة الإخوان تعرض عليها القوانين قبل صدورها للموافقة عليها وهو طلب كرره صلاح شادي – مسئول تنظيمات الإخوان في أجهزة الشرطة – ورفضه عبد الناصر قائلا: لقد قلت للمرشد سابقا أننا لن نقبل الوصاية وأنني أكررها اليوم مرة أخرى في عزم وإصرار.

ومع تطور إحداث أزمة مارس (أزار) 1954، كشف الإخوان عن عيبهم الرئيسي: فهم قد ساندوا مجلس الثورة في تخطيطه الذكي للتخلص من القوى السياسية الأخرى وعلى رأسهم الوفد.

وحاولوا أن يقبضوا ثمن ذلك أن يسيطروا هم على مجلس الثورة، وبهذا يكونوا قد سيطروا على الحكم. وعندما رفض مجلس القيادة ذلك بدأوا الاصطدام معه، وسعوا إلى تقوية نفوذهم داخل الجيش والبوليس للقيام بانقلاب عسكري مضاد، مع شن حملة اغتيالات واسعة تمكنهم – مع ما لهم من جماهيرية نسبية – من السيطرة على الحكم.

لكن هذا المخطط قد فشل بمجمله لأن الإخوان رفضوا أن يراهنوا على الديمقراطية الليبرالية، ورفضوا التعاون مع القوى السياسية الأخرى.. وساهموا في العصف بها وأيدوا اعتقالها، وهكذا دخل مجلس قيادة الثورة الحرب ضدهم، فوجدوا أنفسهم وحدهم بلا حلفاء.. وانتصر الضباط عليهم.. وانتصروا أيضا على كل الليبراليين المصريين.. وبدأوا بناءا ديمقراطيا خاصا بهم.. ذلك البناء الذي وصفه الإخوان فيما بعد بأنه ديكتاتوريا.

والذين لا يوافقون الإخوان على هذا التحليل.. يقولون: حتى ولو كانت ديكتاتورية فأنتم المسئولون عنها بالدرجة الأولى.

في موقف الدفاع

يمكن القول دون شبهة خطأ، أن المشكلة الإخوان المسلمين القديمة، تكاد تكون هي نفسها مشكلتهم الجديدة، وكما أن لكل مشكلة حلقة رئيسية تتركز فيها كل مسبباتها وتتبلور وتتضح، فإن مشكلة الإخوان المسلمين في الماضي. كما هي في الحاضر تتركز في شيء أساسي: الذكاء البالغ في رسم التحالفات السياسية في درجة يصبح فيها هذا الذكاء البالغ غباء بالغًا.

وكثيرون ممن يختلفون مع الإخوان اختلافا جذريًا في منطلقاتهم الفكرية. أزعجهم هذا، وهو يخيفهم الآن، بل أن بعضهم كان يرى في الإخوان المسلمين – على العهد الذي كانوا فيه واقعا وسياسيا – قوة لا شك في عدائها للاستعمار – وفي سعيها وفق تصورها – لبناء حياة أفضل للبشرية في عصر سيطرة الإمبريالية على الصعيد العالمي، ويرى مما يفيده أن يمد إليهم يده، وإن يمضيا معا شوطا من طريق قبل أن تتفرق بهم السبل ، لكن الإخوان المسلمين رفضوا دائما يد التعاون الممدودة، وولوا وجههم شطر قوى سياسية لا جدال في إنها كانت عدوهم الحقيقي – في المنظور – الآني والتاريخي – وهو ما كانوا يعلمونه، ولكنهم أثروا المراهنة دائما على الجواد القوى باعتبار ما سيكون، وفي ظنهم أن هذا ذكاء خارق يحتمون معه في ظل القوة، مما يدفع الريب عنهم. ويقلص الظنون من حولهم، فينمون دعوتهم ويوسعون رقعتها ويرسخون جذورها في الأرض، وهم في أمن من العصف بهم، إلى أن يأتي الوقت الذي يكونون فيه قادرين على قلب النظام برمته.

لكن ما غاب عن ذكاء قيادة الإخوان المسلمين – المقتدر والغلاب – إن المراهنة على الجواد الذي تأفل شمس قوته، هي مراهنة على الجانب الآخر من التاريخ، وإن من أهم أسباب قوة أية حركة سياسية، ألا تتحالف بشروط تتدني عن الحد الأدنى من مبادئها، فهي إذ تفعل ذلك تختار لنفسها موقع «الذيل» أو «التابع» وهو شيء آخر تماما غير الحليف، والنتيجة العملية لمثل هذا الموقف هي خسارة سياسية محققة، وعلى كل الأصعدة فليس مما يفيد أية حركة سياسية، تعمل لتقوية نفسها، أن تخسر سمعتها السياسية وسط الجماهير، باتخاذ مواقف تتعارض مع مصالحها، ومن هنا فإن القوة التي نشدها الإخوان المسلمون بالتحالف مع أحزاب الأقليات السياسية والخضوع الكامل لشروط هذه الأحزاب كانت خسارة كاملة للإخوان، لم تتح لهم تحقيق هدفهم بالانتشار القوي والمؤثر وسط الجماهير، إذ أنهم كسبوا حكومة مكروهة وأحزابا مرفوضة، بينما خسروا جماهيرا شعبية واسعة، وحركات سياسية مؤثرة، بل أن حلفاءهم من أحزاب الأقليات انقلبوا عليهم عندما شعروا بأن الإخوان قد أصبحوا أقوياء بالنسبة لهم، فبددوا قوتهم، وهشموها وفتحوا لهم المعتقدات والسجون.

ويلاحظ المراقبون السياسيون في دراساتهم لتحالفات الإخوان المسلمين، إن معظمها لم يكن «فعلا»، لكنه كان «رد الفعل»، وإن ما كان يحكم الإخوان المسلمين في قبولها، كان حرصهم البالغ على حركتهم، وهكذا تحول (التنظيم) إلى كيان مقدس أشبه (بالوثن) ينبغي الحفاظ عليه بصرف النظر عن مبدئية الأسلوب أو لا مبدئيته وإضافة إلى ذلك فإن الزعامة الفردية لعبت دورًا مؤثرًا وفعالًا في تاريخ الإخوان المسلمين.

ومع أن أحدا من هؤلاء لم ينكر على مؤسس الإخوان وزعيمهم الأول حسن البنا ذكاءه المقتدر وقدرته الحركية، وصفاته القيادية الأخرى، إلا أن ذلك لا ينفي أن قوة شخصيته الطاغية، قد انتهت بالإخوان إلى حركة تدور حول شخصه وحده، الأمر الذي سهل ضربها دائما، كما سهل لخصومها التسلل إليها لشقها وتفتيتها، نتيجة لانعدام الديمقراطية، داخل التنظيم، ولفردية القيادة، وهكذا انتهى تنظيم معبود – بصرف النظر عن محتواه – وتركز هذا التنظيم في شخص حسن البنا.

وتحفل الأدبيات الإخوانية الكلاسيكية، التي صاغها حسن البنا، بنصوص صريحة تدعو للبيعة وللتسليم الكامل للقيادة، فقد طالب مريديه وأعضاء جماعته بالثقة والتسليم التام للقيادة، واحتج عليهم بالآية الشريفة التي احتج بها محمد (صلى الله عليه وسلم) على المؤمنين من المهاجرين والأنصار«فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما» وقال البنا: إن القائد جزء من الدعوة ولا دعوة بغير قائد، وعلى قدر الثقة المتبادلة بين القائد والجنود تكون قوة نظام الجماعة وإحكام خططها ونجاحها، وللقيادة في دعوة الإخوان حق الوالد بالرابطة القلبية، والأستاذ بالإفادة العلمية والشيخ بالتربية الروحية، والقائد بحكم السياسة العامة». وأردف أن دعوتنا تجمع هذه المعاني جميعا والثقة بالقيادة هي كل شيء في نجاح الدعوات، لذلك يجب أن يسأل الأخ الصادق نفسه هذه الأسئلة:

- هل هو مستعد لاعتبار الأوامر التي تصدر إليه من القيادة (في غير معصية طبعا) لا مجال للجدل فيها ولا للتردد ولا للانتقاض ولا للتحوير؟

- هل هو مستعد لأن يفرض في نفسه الخطأ وفي القيادة الصواب إذا تعارض في ما أمر مع ما يعلم في المسائل الاجتهادية؟

- هل هو مستعد لوضع ظروفه الحيوية تحت تصرف الدعوة، وهل تملك القيادة في نظره حق الترجيح بين مصلحته الخاصة ومصلحة الدعوة العامة؟

ولم تكن مراحل الدعوة غائبة عن مؤسس الإخوان ، الذي حدد مراحل معينة لانتصار دعوته تبدأ بالتبشير فالتكوين فالتنفيذ، ويصبح الاستناد إلى مصدر ذلك أهمية بالغة في هذا الصدد: والمصدر هو الكتاب المطبوع للشيخ حسن البنا مؤسس الإخوان بعنوان «رسالة التعاليم مني إلى إخوان الكتائب»، ففي هذا الكتاب ذكر الشيخ حسن البنا أن حركة الإخوان تمر بثلاث مراحل:

الأولى: مرحلة التعريف: بنشر الفكرة العامة بين الناس، ونظام الدعوة في هذا الطور نظام الجمعيات الخيرية ومهمتها العمل العام ووسيلتها الوعظ والإرشاد وإقامة المنشآت وفي هذا الطور الدعوة عامة وتقبل الجماعة فيه كل من أردا من الناس، وليست الطاعة العامة لازمة فيها.

الثانية: مرحلة التكوين: باستخلاص العناصر الصالحة لحمل أعباء الجهاد، وضم بعضها إلى بعض، ونظام الدعوة في هذا الطور صوفي بحت من الناحية الروحية وعسكري بحت من الناحية العلمية، وشعار هاتين الناحتتين دائمًا: أمر وطاعة من غير بحث ولا مراجعة ولا شك ولا حرج، لا يقبل به إلا من استعد استعداد حقيقا لتحمل أعباء الجهاد الطويل كتبع التبعات، وأول بوادر هذا الاستعداد كما ل الطاعة.

الثالثة: مرحلة التنفيذ: والدعوة في هذا الطور جهاد لا هوادة فيه، وعمل متواصل في سبيل الوصول إلى الغاية وامتحان وابتلاء.

وهذا التحديد للمراحل الاستراتيجية لثورة الإخوان كان ، فيما هو واضح، المحدد الرئيسي في رسم تحالفاتهم السياسية، لكن مشكلته فيما يبدو أنه لم يضع عديدا من العوامل الموضوعية محل الاعتبار وعلى رأسها طبيعة الحركة السياسية في المجتمع المصري، وأقطابها الفاعلة والمؤثرة، وطبيعة الصراعات بينها، وكان الشيخ البنا قد نبه الإخوان إلى أنهم سيقابلون مقاومة عنيفة فقال: «أحب أن أصارحكم بأن دعوتكم لازالت مجهولة عند كثير من الناس، ويوم يعرفونها ويدركون مراميها وأهدافها ستلقي منهم خصومة شديدة وعداوة قاسية، وستجدون من أهل الدين ومن العلماء الرسميين من يستغرب عليكم فهمكم للإسلام وستجدون من أهل الدين ومن العلماء الرسميين من يستغرب عليكم فهمكم للإسلام وينكر عليكم جهادكم» إلا أن هذا التنبيه لم يفرض على الإخوان فهما جيدا لطريقة إدارة الصراع السياسي، الأمر الذي دفع المراقبين إلى القول بأن الخطأ الرئيسي الذي وقع فيه الإخوان دائما كان ميكافيلية تكتيكاتهم السياسية وهو ما أوقعهم لمرحلة طويلة في خطأ المراهنة على الجانب الآخر للتاريخ، وقادهم إلى مآزق متتالية قلصت نفوذهم.

وفي دراسة هؤلاء المراقبين لملفات وأوراق قضية اغتيال محمود فهمي النقراشي زعيم الحزب السعدي – على يد عبد المجيد أحمد حسن طالب الطب الإخواني، ثم أوراق حادث اغتيال حسن البنا نفسه – الذي دبره البوليس السياسي انتقاما لمصرع النقراشي لاحظوا الحقائق التالية:

إن حلمة القمع الوحشية التي شنتها حكومة السعديين ضد الإخوان المسلمين، والتي شملت حل جمعيتهم بأمر عسكري – كانت الأحكام العرفية معلنة آنذاك بسبب حرب فلسطين – واعتقال قياداتهم، وحل كافة تنظيماتهم حتى تلك التي كانت ذات طابع تجاري واقتصادي محض كشركة المعاملات الإسلامية – قد دفعت الإخوان المسلمين إلى موقف دفاع، واضطر حسن البنا إلى التراجع، وقبل – في هذا الجو الإرهابي – أن يتفاوض مع حكومة السعديين. التي اشترطت أن يصدر البنا باسمه بيانا يهاجم فيه قاتل النقراشي، ومن قام من الإخوان بأعمال مشابهة لما صدر عنه، وأن يسلم ما لديه من معلومات عن الأسلحة وأجهزة اللاسلكي والأشخاص القياديين المسئولين عن مليشيا الإخوان مقابل الإفراج عن المعتقلين السياسيين من جماعته والتفكير في السماح لها بالعودة للعمل.

والأرجح أن حسن البنا الذي أبدى موافقة نظرية على تحقيق هذه المطالب لم يكن ينوي الاستجابة لها، ولكنه كان يناور، لذلك أضاع وقتا طويلا ملحا في طلب السماح له بزيارة المعتقلين والاجتماع مع رؤوس الجماعة في سجونهم، ليستنير بما لديهم من معلومات من الميلشيا، وهو ما شكت فيه حكومة السعديين فرفضت الاستجابة له، وطالت المفاوضات التي يرجح أنها كانت طعما من السعديين لتدمير الرجل وجماعته، والتي هيأت المناخ لاغتياله.

لكن مناورة السعديين نجحت في استثمار حرص الرجل على تنظيمه، فلم تدفعه فحسب إلى قبول المفاوضة معها وهو في مركز ضعف، ولكنها تشددت فانتزعت منه مكسبا هاما هو البيان الشهير الذي أصدره عقب مصرع النقراشي بعنوان «بيان الناس» وفيه هاجم البنا قاتل النقراشي، ونفى أنه يعلم شيئا عن الجريمة وذكر أنه يبرأ منها ومن مرتكبها مستندا في ذلك إلى أحاديث وآيات.

ولم تمض أيام على نشر البيان حتى قام بعض أعضاء الإخوان المسلمين بوضع حقيبة مليئة بالمتفجرات بمبنى محكمة الاستئناف بالقاهرة، وضغطت الحكومة على الشيخ البنا وكانت المفاوضات تجرى بينها وبينه آنذاك بوساطة مصطفى مرعي وزير الدولة في حكومة إبراهيم عبد الهادي الذي خلف النقراشي – ليستصدر منه بيانًا جديدا يدين به حوادث الإرهاب، وكتب بالفعل بيانه الشهير (ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين)، قال فيه أنه شعر «بأن من الواجب عليه أن يعلن أن مرتكب هذا الجرم الفظيع وأمثاله من الجرائم لا يمكن أن يكون من الإخوان ولا من المسلمين، لأن الإسلام يحرمها والإخوة نأباها وترفضها» وذكر البيان اعتقاد الشيخ البنا بأن الحادث الجديد أنما ارتكب تحديا للكلمة التي نشرت بعنوان «بيان للناس» وأردف: «ولكن مصر الآمنة لن تروعها أمثال هذه المحاولات الأثيمة وسيتعاون هذا الشعب العظيم الفطرة مع حكومته الحريصة على آمنه وطمأنينته في ظل جلالة الملك العظيم على القضاء على هذه الظاهرة الخطيرة.

وأعلن في ختام بيانه أنه سيعتبر أي حادث من هذه الحوادث يقع من أي فرد سبق له اتصال بجماعة الإخوان.

موجها إلى شخصية» ومع أن لهجة البيان لم تعجب الحكومة التي ردته على صاحبه طالبة بيانا أكثر شدة، إلا أنها قامت بنشر البيان عقب اغتيال الشيخ البنا، واستخدمه النائب العام لإرباك عبد المجيد حسن الذي اغتال النقراشي، فأدلى باعترافات متكاملة قادت رؤوس الميليشيا الإخوانية إلى قفص الاتهام ومكنت السعديين – حلفاء الأمس وأعداء اليوم – من توجيه ضربة عنيفة إلى جهاز الخاص، ساهمت – مع نجاح الحكومة في تدبير اغتيال حسن البنا – في تراجع الإخوان المسلمين خطوات إلى الخلف، مما جعلهم يبدأ ون بعد ذلك وهم في موقف دفاع، بعد أن كان ظنهم أنهم انتقلوا إلى موقف هجوم.

والنتيجة العملية لهذا الموقف هي أن انتهاء ما يصفه الإخوان المسلمين بسنوات المحنة الأولى جعلهم يبدأون من موقف ضعف، فاختاروا مرشدهم العام الجديد «حسن الهضيبي» من رجال القضاء المتعاطفين معهم، الخازندار – أبان محاكمته لبعض أعضاء الميليشيا الإخوانية – لمنعه من الحكم عليهم ولإرهاب القضاة، وحرصوا أيضا على أن يكون المرشد العام الجديد من المرضي عليهم من السراي الملكية، فهو صهر نجيب سالم ناظر الخاصة الملكية آنذاك، التي نمى إليهم أنها تعارض في عودة جماعتهم.

وهكذا شهدت السنوات التي فصلت بين المحنتين الأولى والثانية (51 – 54) عودة الإخوان للعمل ، واضطرارهم – حرصا على دعوتهم – للتحالف مع الملك فاروق الذي لم يتدخل فحسب في اختيار مرشدهم العام الجديد، ولكنه فرض على الإخوان خطهم السياسي، عندما استقبل حسن الهضيبي، الذي روى بنفسه قصة لقاءه بفاروق في حديث صحفي أدلي به بعد شهرين من ثورة تمور 1952، ذكر فيه أن الملك قال له: «أن هذه المقابلة هي الوحيدة التي تمت لقيادة الإخوان المسلمين وأن الذين سبقوك أرادو ذلك، فلم أجبهم». وهي عبارة تؤكد أن حسن البنا كان قد طلب مقابلة الملك، ولكنه رفض الطلب.

ووصف الملك في تلك الفترة دعوة الإخوان بأنها « دعوة إلى كتاب الله» وهي «دعوة خير لا يستطيع أحد أن يردها»،واستطرد قائلا: «وأنا بفطرتي متدين وهذه فطرة تولد مع الشخص» ثم أضاف: « أن الإنجليز سيخرجون من البلاد حتما، ولكن الذي يجب علينا أن نقاومه هو الشيوعية لأنها تتنافي مع الدين» ووافق الهضيبي على ذلك وقال الملك منهيا المقابلة: « بلغ إخوانك تحياتي» وقد وصف الهضيبي المقابلة في حينها بأنها كانت مقابلة كريمة لملك كريم!!!

والواقع أن موافقة الهضيبي على ما قاله الملك، كانت تشخيصًا غير دقيق للواقع السياسي المصري آنذاك وعلى سبيل المقارنة فحسب، ففي نفس الفترة تقريبًا، عبر الجنرال الإنجليزي «سليم» في مباحثاته مع مصطفي النحاس رئيس الوزراء المصري أيامها، عن قلق انجلترا لما وصفه بالخطر السوفيتي على مصر، وقد رفض النحاس ذلك، وقال أن الاحتلال الإنجليزي لمصر أمر واقع وخطر متحقق وانه لا يمكن إقناع الشعب المصري بقبول الاحتلال على أساس خطر وهمي محتمل وهو الخطر السوفيتي وأصر النحاس في مباحثاته على أن الخطر الحقيقي على استقلال مصر يتمثل في قوات الاحتلال الإنجليزي.

ويلاحظ البعض أن المقابلة قد تمت في وقت كانت المخابرات الأمريكية تتحرك فيه بنشاط زائد في مصر، وقد ذكر «مايلز كويلاند» في كتابه تشجيع الجمعيات الدينية لكي تصد المد اليساري الديمقراطي في مصر ضمن التفكير في أحداث انقلاب في مصر من داخل السلطة الديمقراطي في مصر ضمن التفكير في أحداث انقلاب في مصر من داخل السلطة نفسها أو من خارجها.

ولعل موافقة الهضيبي على توصيف الملك فارق للوضع في مصر على أساس أن الخطر الرئيسي يتمثل في الشيوعية لا في الاحتلال الإنجليزي، وهو التحليل الذي كان مرفوضا آنذاك من كافة القوى السياسية المصرية المعادية للإمبريالية، والمعادية في نفس الوقت للشيوعية، كانت تعكس مدي الخلل في تحالفات الإخوان المسلمين، والمدى الذي اضطروا إليه اضطرارا عندما عادوا إلى موقف الدفاع.

وربما يفيد هذا الصدد أن نذكر أنه أبان محاكمة قاتل النقراشي أشاع الإخوان أن هناك اجتماع عقده سفراء دول فرنسا وانجلترا وأمريكا في فايد وقرروا مطالبة الحكومة بحل الإخوان، ومع أن الحكومة نفت هذا تماما، فإنه قبل مرور أقل من خمس سنوات كان مرشد الإخوان الجديد (حسن الهضيبي) يصرح بأنه: «على ثقة من أن الغرب سيقتنع بمزايا الإخوان المسلمين وسيكف عن اعتبارهم شبحا مفزعا كما حاول البعض أن يصورهم».

وكانت تلك قمة مواقف الدفاع الذي اجبر الإخوان المسلمين- عشية ثورة يوليو 1952- إلى اتخاذها. انتهي الصدام بين ثورة يوليو سنة 1952 وبين الإخوان المسلمين، بنتائج قاسية على الضباط الأحرار، وعلى الإخوان المسلمين، وعلى التطور الديمقراطي المصري على وجه العموم.

وفي تفصيل ذلك يمكن القول بأن عطاء هذا الصدام، يتمثل في نتيجتين مترابطتين وبالغة القسوة. الأولى على الإخوان أنفسهم، إذا استطاع مجلس قيادة الثورة أن يشق صفوفهم وأن يضم إلى مؤيديه جانبا من الجمعية التأسيسية، وهي بمثابة اللجنة المركزية للإخوان، وبعض أعضاء مكتب الإرشاد، وهو بمثابة المكتب السياسي، كما نجح في أن يلزم آخرين من أعضاء هذين المستويين موقف الحياد، ووقفت الأغلبية العظمي من المستويات القيادية الأخرى للإخوان معحسن الهضيبي (المرشد العام) وزعيم الجناح المعارض لثورة يوليو خاصة بعد توقيع المعاهدة المصرية البريطانية، التي عارضها الإخوان وكانوا على حق في موقفهم منها، لكنهم فشلوا، في إيقاف عبد الناصر عن التوقيع النهائي على الاتفاقية بعد أن تشككت القوى الديمقراطية الأخرى في موقفهم بحكم مساندتهم السابقة لمجلس قيادة الثورة في إجراءاته المعادية للمنطلقات الليبرالية، كما أنهم من جانبهم لم يسعوا إلى تنسيق مع هذه القوى – فيما عدا مشاركة جزء منهم في الجبهة التي ضمت فصائل محدودة من الشيوعيين والوافدين وجناح من الإخوان – ولجأوا إلى أسلوبهم الخاطيء، وهو محاولة اغتيال عبد الناصر في أكتوبر 1954.

ولا جدال في أن مواجهة الضباط لتلك المحاولة كانت أكثر قسوة وقوة وعنفا من مواجهة السعديين للإخوان أبان ما يسمونه بسنوات المحنة الأولى، وقد ساعد على هذه القسوة ، الإخوان أنفسهم، الذين مهدوا الأرض للعصف بهم، عندما شجعوا الضباط على منحى غير ديمقراطي في الحكم، وهكذا انتهي صدامهم مع الضباط الأحرار إلى حملة اعتقالات واسعة، وحملة تعذيب شرسة، وبمحاكمة جناح الهضيبي أمام محكمة استثنائية، وعن هذه المحكمة صدرت أحكام بإعدام ستة من زعماء الإخوان، وحكم على كثيرين منهم بإحكام بالغة القسوة.

وفي عام 1957 أفرج عن المعتقلين منهم، وعفا عبد الناصر عن بعض المسجونين الذين قبلوا التنكر لإخوانهم بينما بقى الآخرون، وخاصة الكوادر الرئيسية لميليشيا الإخوان في السجون – وكانت المعاملة الشرسة في السجون كفيلة بانصراف العديدين من قيادة الإخوان إلى شئون حياتهم الخاصة بعد أن عجزوا عن تحمل قسوة النظام الناصري في التصدي لمناوئيه.

وهكذا دخل الإخوان في مرحلة التحلل التنظيمي، إذ لم ينجح عبد الناصر فحسب في توجيه ضربة محكمة إلى تنظيمهم الحديدي، ساعده عليها معرفته السابقة بهم وانضمام جناح منهم إليه بكل أسرار التنظيم، ولكنه نجح أيضا في سحب البساط من تحت أقدامهم، إذ تدعمت شعبيته بعد معارك الأحلاف والعداون الثلاثي والتسليح وتأميم القناة، فلم يعد ثمة خوف من جماهيرية الإخوان.

والأهم من هذا كله إن الإخوان ارتدوا، كالعادة إلى موقع دفاع لعله كان اسوأ مواقفهم على الإطلاق، إذ تغلب الفهم الذاتي لمشكلتهم على الفهم الموضوعي، وأصبحت جريمة عبد الناصر في رأيهم – هي«أم الجرائم» - وأصبح إسقاط نظامه والتعاون مع أعداء هذا النظام هو كل همهم، وهو جوهر حركتهم، وهكذا أصبحوا ينشطون من رد فعل بشكل مطلق، وكفوا عن الفعل السياسي، وغفلوا عن مهام إيديولوجية وفكرية كانت مطروحة آنذاك عليهم تتمثل في تطوير أفكارهم السياسية التي وضعت نفسها ببرنامج أول أغسطس 1952 – الذي أشرنا إليه – على بداية منعطف جديد، ليس هذا فقط بل أن جهودا بأس بها كانت قد بدأت في الخمسينات من جانبهم من أجل فتح باب الاجتهاد الإسلامي، وسد الفجوة بين الدين والحياة، لكنها توقفت. وعلى العكس من ذلك كله أرتد الإخوان المسلمين ارتدادا شاملًا، حتى أن كثيرين ممن أملوا فيهم كقوة وطنية معادية للإمبريالية، قد أزعجهم تحالف قياداتهم الهاربة من مصر مع كل أعداء نظام عبد الناصر، دون تمييز بين من يعادون هذا النظام من منطلقات وطنية وبين من ينقمون عليه لوطنيته وقوميته وعداؤه للاستعمار.

وهكذا خسرت القوى الوطنية الإخوان كفصيلة هامة ومؤثرة من فصائلها.

وكانت النتيجة القاسية الثانية صدام 1954 بين الإخوان والثورة، تتعلق بالضباط الأحرار أنفسهم، الذين كانوا صدامهم مع الإخوان هو (بروفة) للحكم اللا ديمقراطي، الذي ساد مصر بعد ذلك التاريخ، ولاشك أن أجهزة الأمن المصرية – التي روى فيما بعد كثير عن قسوتها وشراستها – قد تلقت تدريباتها الأولى على انتزاع الاعترافات وممارسة التعذيب، على الإخوان المسلمين، كما أنها أخذت قيمتها كركن من أركان البنية السياسية لنظام يوليو 1952، من نجاحها في تدميرهم سياسيا وتنظيميا، وتصفيتهم تصفية نفسية وبدنية.

وإضافة إلى هذا كان الإخوان المسلمون رأس الذئب الطائر، فالطريقة التي واجههم النظام بها، أرهبت كل القوى السياسية الأخرى، ودفعتها إلى موقف شبه سكوني، وخاصة الوفدين، وقللت من إمكانية أية محاولة لوجود قوى سياسية مستقلة في مصر، وما لبث هذا السكون أن أغري السلطة بتجاوزات قادتها في النهاية إلى ضيق متعجرف بكل كلمة نقد، أو كل حركة – سياسية أو جماهيرية – لا تندمج في أبنيتها أولا تتحرك بإشارة منها، وسادت نغمة من (النرجسية الثورية)، تحتقر الآخرين وترفضهم وتزدريهم، تسعى (للإجراء) بينما تضيق (بالشركاء والحلفاء) وترفض من أي ثورة غيرها أي شرط وأن دنا، وأي مطلب وأن قل، وربما يفيد هنا أن ننقل عن الذين تابعوا هذه موقف تحليلهم الذي يرى أن الإخوان هم المسئولين عن ذلك لأنهم راهنوا على الجواد اللا ديموقراطي عندما تحالفوا مع العسكريين للإطاحة بالقوى السياسية الأخرى، طنا منهم أنهم قادرون بعد ذلك على الحلول محلهم، فعصف بهم العسكريون، وانفردوا وحدهم بالحياة السياسية المصرية.

وهكذا تشتت الإخوان في أقطار عربية كثيرة، وفي حين لزم بعضهم الصمت تورط الكثير منهم في تحالفات سياسية مع أكثر القوى تخلفا، وربما أكثرها عداء للإخوان – إذا ما طبقنا مفاهيمهم القديمة – وقادهم الإحساس بالحرج الذاتي إلى مواقف على الإخوان، إذ لم يكن لهم وجود كحركة منظمة يلتزم أعضاؤها بمواقفها، ولهذا فأن الذين تحركوا منهم أو تحالفوا مع قوى معادية للشعوب العربية، قد تصرفوا على مسئوليتهم الشخصية، ولا يجوز أن نحسب تصرفاتهم على الإخوان كحركة.

لكن وجهة النظر تلك لا تلقي قبولا لدى كثيرين من الدارسين للأمر، وذلك في ضوء التطورات اللاحقة، إذ عاد الإخوان لتنظيم صفوفهم مرة أخرى في عام 1959 واستمروا يعملون بسرية تامة وكونوا تنظيما مسلحا جديدا بشكل سري والنقطة الجوهرية والأساسية في النظر إلى تنظيم الإخوان الذي عاد نشاطه بين19591965 تكمن في رصيد حقيقتين هامتين.

الأولى: أن التنظيم عاد هذه المرة للعمل بشكل سري محض من الناحية التنظيمية، بحيث اعتمد على الميليشيا المسلحة الهادفة إلى الانقلاب، دون أية محاولة للتنظيم الجماهيري الواسع أو التفكير فيه، وهكذا يمكن القول بأن تنظيم الإخوان قد توحد لحساب الجناح السري والانقلابي وغير الجماهيري منهم، فلم يعد هناك جهاز عام جماهيري وجهاز خاص يضم كوادر مسلحة، ولكنه تحول إلى مجموعات انقلابية فقط، وهذه المجموعات بحكم حلقيتها وضيقها أكثر ميلا للأفكار المتطرفة، خاصة في مناخ كان يرفض النظام الناصري جملة وتفصيلا، ويعتبره كافرا مطلقا يتطلب تدميره دمارا شاملا.

الثانية: أن التنظيم عاد بإيديولوجية أكثر سلفية وأقل رحابة عما كانت عليه أفكار الحسنين (البنا والهضيبي) منشئا جناحا جديدا في الإخوان هو جناح القطبين: نسبة إلى سيد قطب الذي كان الأب الروحي للتنظيم الجديد، وأكثر أجنحتهم محافظة واقلها قبولا للنظام الديمقراطي.

وقد عكس الصراع بين الجناحين نفسه، مما زاد من قسوة الظروف التي أحاطت باعتقالات 1965 -1971، عندما أصبح (القطبين) يكفرون إتباع الحسنين (انظر ردا هادئا على أفكار معالم على الطريق لسيد قطب ورد في كتاب حسن الهضيبي – قضاة لإدعاة، الذي كتبه إبان اعتقاله الأخير –دار النشر الإسلامية 1977).

ولم يشمل هذا الإعلان فحسب إدانة فكرية وتكفيرالعبد الناصر ونظامه ولكل أنظمة الحكم في العالم، ولكن الحكم بالتكفير شمل الإخوان المسلمين، ممن قبلوا منهج البنا والهضيبي.. وانقسم الإخوان المسلمون في السجون – إبان محنة 1965 - إلى قسمين رئيسين، وبدا الصراع الإيديولوجي بينهما، وهو ما ساهم به خلاله المرحوم حسن الهضيبي بكتابه الأكثر تسامحا الذي رد به على أفكار سيد قطب، وهو (دعاه لا قضاه) والاسم نفسه يحدد محتواه، وقد دفعته دار النشر الإسلامية للمطبعة أخيرا كرد على نشاط وأفكار القطبيين والتطويرات التي دخلت على نشاطهم العملي فيما يعرف الآن بجماعات التكفير والهجرة.

المعركة الثانية:

ومرة ثانية تدخل النظام الناصري لقمع الإخوان المسلمين فشن ضدهم حملة اعتقال وتعذيب ومحاكمات ضاربة انتهت بإعدام ثلاثة من زعمائهم، فضلا عمن قتلوا تحت التعذيب ويصل عددهم حسب تقديرات الإخوان المسلمين أنفسهم إلى 38 فردا، وسجن بعض مئات واعتقال 18 ألف منهم خلال أقل من شهر.

ومع أن الصدام الثاني وقع في مرحلة كان النظام الناصري قد استكمل فيها أسسه الفكرية والأيديولوجية، فإن كلا المرحلتين أكدت عجزه عن صياغة رؤية سياسية صحيحة لمواجهة الإخوان، وفي هذا الصدد يمكن رصد الحقائق الآتية:

أن النظام الناصري لم يتعامل أبدا مع الإخوان كخصوم أيديولوجيين، ولكنه تعامل معهم كخصوم سياسيين، وتلك كانت مأساته الكبرى ومأساة مصر بالإخوان فالقضية لم تكن مجرد تنظيمات إرهابية، ولكن الفلسفة نفسها، وحقيقة الأمر أنه بينما كان هناك عدة آلاف في السجون من الإخوان، فإن المناخ السياسي والفكري في مصر كان يفرز باستمرار ويوميا عناصر قابله لأن تستهويها دعوتها، سواء بحكم التربية أو النشأة أو تدني الوعي العام وهي كلها ظواهر لعدم وعي الشرائح المطحونة في المجتمع المصري بسبب مأساتها.

والأيديولوجية الإخوانية تقوم على فكرة القومية الإسلامية والدولة الدينية وهي بذلك معادية للفكرة القومية بكل مستوياتها ومعادية للعلمانية والزمنية ولكل الاتجاهات الديمقراطية، لكن النظام الناصري لم يجسر أبدا على أن ينازل الإخوان رافضا هذه الدعوة المغلوطة، بل حرص بديماجوجية فائقة على منافستهم فيما يدعون إليه لسحب جماهيرهم إلى صفة، وقد أنشأ بالفعل في عام 1954 منظمة شبابية دينية فاشية باسم( منظمات الشباب) كان يشرف عليها أحد الضباط وهو وحيد رمضان وكان شعارها (شرقية ولا غربية)، وقد حاول أن يستخدم هذه المنظمة ضد الإخوان، لكنها لم تنجح وانتهي الأمر بعد فترة باعتقال وحيد رمضان نفسه في قضية تآمر.

أن النظام حاول أن يستخدم الإخوان كقوة منظمة أو كتيار فكري لضرب كل خصومه وقد برز هذا بشكل واضح في العامين «الأوليين للثورة، ويلاحظ أن تنظيم سيد قطب قد بدئ تشكيله في عام 1959 ونما وتضخم في مرحلة المد اليميني الذي نشره النظام أبان معركته الضاربة ضد الشيوعيين.

إن خطأ الإخوان الرئيسي هو صياغتهم لتحالفات غير مبدأية مع القوى السياسية الأخرى بحيث قبلوا دائما التحالف مع الكل بهدف تقوية أنفسهم، وأتاح لهم هذا دائما أن ينتشروا ويتضخموا، ولولا وجود عناصر مغامرة في صفوفهم كانت تستعجل الثمرة، وتضرب في غير الوقت المناسب، لإتاح لهم هذا التحالف مع بعض شرائح البرجوازية الاستيلاء على الحكم.

ولكن هذا التحالف فشل في تحقيق أهدافه، لأنه كان مراهنة على الجانب الآخر.

فهل تكون عودة الإخوان « إلى العمل من جديد خطوة أخرى في طريق المراهنة على الجانب الآخر من التاريخ»؟

والواقع أن الباحث المحايد، يستطيع في أن يستنتج بسهولة, أن موقف الإخوان المسلمين من عبد الناصر يبدو (معركة ثأرية) في جانبيها الشخصي والسياسي، وفي حين يبدو أنهم يعترضون على الطابع البوليسي الذي ميز معظم سنوات حكمه – وهو ما تشترك في أدانته كل القوى السياسية بما فيهم الناصريون أنفسهم – فإن ذلك لا يبدو هو القضية الأساسية أو الوحيدة.

وفي رأيهم أن التجاوزات التي لحقت بالحريات العامة في العصر الناصري لم تكن مجرد (سلبيات)، ولكنها (وصمة عار في جبين الإنسانية بأسرها حتى تقوم الساعة) وعهد عبد الناصر (البغيض) و(البائد)، شهد انتهاك حرمات الحرائر وإهدار رجولة الرجال، وتعذيب الصغار والأطفال والنزول بالآدمية إلى أحط من مستوى أوغل الحيوانات في الوحشية. (مجلة الدعوة العدد 3 ص 5 والعدد 5 ص 3).

ومع اعتراضنا الكامل والنهائي والبات على أي معاملة للأفكار السياسية بالأساليب القهرية بكل أشكالها أو درجاتها، فإن الإخوان المسلمين، هي آخر القوى السياسية المصرية التي يحق لها التنديد بالحكم البوليسي أو رفضه، فمثل هذا الحكم ليس مجرد نزعات فرد، ولكنه ينطلق أساسا من المناهج التي ترفض تعدد الآراء والاجتهادات في الفكر والسياسة، وهذا هو منهج الإخوان المسلمين أنفسهم، الذين رفضوا منذ نشأتهم الحزبية وطالبوا بإلغاء الأحزاب السياسية بحجة أن الإسلام يدعوا إلى الوحدة والتعاون بين الناس، بينما الإخوان المسلمون والحزبية تدعو للتعصب للرأي وتعمل على توسيع هوة الانقسام في الأمة وكان العلاج الناجح في رأيهم هو أن تزول جميع الأحزاب لأنها كلها مقصرة في تنفيذ أحكام القرآن. (من خطب حسن البنا – الحلقة الأولى صفحة 60 – 63).

وقبل الثورة – وفي العامين الأوليين منها – تعرضت قوى سياسية مختلفة لإشكال من القهر على يد الإخوان المسلمين، الذين تميزت حركتهم السياسية، ومازالت تتميز ( بالحوار العضلي) مع خصومهم السياسيين، فضلا عن الإخوان الحوار دائما – حتى هذه اللحظة – في المطالبة بالتصفية الإدارية لخصومهم في الرأي، حتى وصل بهم الأمر إلى التعاون مع أجهزة الأمن، وأصبح قسم المعلومات لديهم يبلغ تلك الأجهزة بأسماء هؤلاء الخصوم – ومنهم الشيوعيين – على حد اعترافهم هم أنفسهم في محاكمات 1954.

ومن البديهي أن تلك الأجهزة لا تتعامل مع من يقع في يدها بالحوار ولكنها – والعهدة على مجلة الدعوة الجديدة – تنزل بالآدمية إلى أحط من مستوى أوغل الحيوانات الوحشية، وكما أصيح بالحريات الديمقراطية في مصر حدث هذا، بتأييد منهم وهو ما سبق لنا أن عالجناه عند التعرض لمواقفهم من قضية الديمقراطية في الفترة الواقعة بين قيام الثورة وأزمة مارس 1954 (هناك تفاصيل مهمة أزيح عنها الستار أخيرا في مذكرات اللواء محمد نجيب: كلمتي للتاريخ – وكتاب أحمد حمروش البالغ الأهمية: قضية ثورة 23 يوليو).

والحكم البوليسي الذي غضب منه الإخوان عندما لحقهم – ولم يغضبهم عندما لحق غيرهم - لا يبدو هو الأساس في مشاركة الإخوان في الحملة الثأرية على ذكر عبد الناصر والحقيقة أن نقدهم لعبد الناصر هو رفض لأفضل ما فيه – وقد أيدوا أسوأ ما فيه حتى عام 1954 – ومع أنهم يذهبون إلى القول بأنهم (يفرقون بين الثورة وبين من قام بها) (الدعوة العدد الخامس ص 2 و 3), وبرغم أنها تفرقة مضحكة وعصية على التخيل لم تمنعهم من الهجوم على اشتراكية عبد الناصر، التي حاربت الحريات وأعلنت الحرب على الأديان وقتلت الأبرياء وتطاولت على الأعراض وصادرت الحقوق واعتدت على الحريات وأهلت علينا بالهزائم والنكسات ( الدعوة العدد 2 صفحة 26)، وهم يفرقون بين (الثورة) وبين من قام بها، فزعامة عبد الناصر عندهم (زعامة قامت على الدعاية المزيفة والتدجيل الخسيس يريدون إسباغها على من لم يسيء إلى الإسلام والمسلمين أحد من قبل مثله)، (الدعوة العدد الخامس)، وبعض خمسة هذه الزعامة هي تطويرها للأزهر، وليس هناك مخلص على فهم ووعي إلا ويدرك أن قانون التطوير لم يكن إلا قانون تغير وتدمير (العدد 2 صفحة 27).

وتفيد المراجعة التاريخية لظروف عودة الإخوان المسلمين للعمل بعد ضربة 1954 في استكشاف المبررات السياسية لتلك العودة، فالتنظيم الجديد للإخوان بدأ العمل في عام 1959 كعملية ثأرية إرهابية للرد على ما أنزلته أجهزة الأمن الناصرية بهم في عام 1954، وقد ظل يعمل في هذا الإطار طوال أربعة أعوام، لكن سيد قطب رفض هذا المنهج في عام 1963 – وكان ما يزال سجينا – ورفضه في عام 1964، عقب الإفراج عنه، مطالبا بعمل انقلابي متكامل (رادع في هذا الصدد أقوال سيد قطب أمام صلاح نصار رئيس نيابة أمن الدولة العليا في قضية 1965 – محضر جلسة 18 – 12 -1965) والفرق بين التاريخيين وبين الهدفين، هو الفرق بين الظاهرة الناصرية في زمن كان الدفاع عن الملكية الفردية هو أقدس شعاراتها، وفي زمن أدركت ووعت لأنها لا تستطيع أن تنمي أو تتقدم دون الحد من شرور تلك الملكية.

ومع إن الإخوان المسلمين لم يقدموا أي شكل من أشكال التكامل الإيدلوجي ورفضوا أن يفتحوا باب الاجتهاد الإسلامي بشكل حقيقي، إلا أنهم كانوا قد تنبهوا في مرحلة متأخرة، إلى ضرورة تناول بعض المسائل، وخاصة ما يتعلق منها بالاقتصاد ليواجهوا زحم الأفكار الاشتراكية التي طرحت في مصر في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

ومحاولة تحليل موقفهم من قضية الملكية في الإسلام لا تعود إلى وجهة نظر متكاملة، ولكنها تقود إلى اجتهاد برجوازي صغير متخلف وغامض، فقد ذهب سيد قطب إلى أن النظام الإسلامي ليس هو الرق.. وليس هو الإقطاع وليس هو الشيوعية أن النظام الإسلامي هو فقط النظام الإسلامي. (مجلة المسلمون – عدد مارس 53) وهذا التعريف (السلبي) الذي لا يقدم بديلا، لم يعق محاولات أكثر إيجابية في الاجتهاد – لا تتسق كلها في نسق واحد.

وفي تلك الاجتهادات نغمة معادية للرأسمالية الكبيرة على أساس أن (الشركات الرأسمالية الكبيرة تقتل صغار الرأسماليين) (محمد الغزالي: الإسلام والمناهج الاشتراكية صفحة 45)، كما أنها تقوم على: أساس الاحتكار والتحكم في الأسعار صفحة 62.

والعداء للاحتكار عندهم، يقوم على أساس أنه (كثيرا ما يؤدي إلى تحكم صاحب العمل في العمال فوق تحكمه في السوق الاستهلاكية والإسلام يحرم نظام الاحتكار) لذلك يشجع الإسلام تأميم المرافق العامة( سيد قطب: معركة الإسلام والرأسمالية ص 59).

ويدخل في إطار ذلك هجوم الإخوان المسلمين على رأس المال الربوي الذي يحرمه الإسلام باعتبار أن الربا: هو عصب الحياة المالية الحاضرة ودعامة النظم الرأسمالية (محمد الغزالي صفحة 58)، وفي حين أقر سيد قطب أن: العمل هو السبب الوحيد للملكية والمكسب في الإسلام فهو يحرم الربا (معركة الإسلام والرأسمالية ص 50 – وهذه أفكار سيد قطب في الخمسينات.

إلا أنه عجز أن يرى وجها آخر للاستغلال غير الربا. وأكثر الاجتهادات تناسقا في النظرة الإخوانية تجاه حق التملك هي فكرة «الوظيفية الاجتماعية للملكية» وهي الفكرة التي نشر عنها الأستاذ البهي الخولي سلسلة مقالات في جريدة الإخوان المسلمين اليومية في الأربعينات جمعها بنفس عنوانها وأصدرها في كتاب بعنوان (الإسلام: لا شيوعية ولا رأسمالية)، وكان البرنامج التثقيفي الذي وجهه قسم العمال بالإخوان المسلمين لأعضائه، وقد عادت مجلة الدعوة) الجديدة تردد نفس الفكرة التي تقول أن الإسلام لا يعرف (الملكية) وأن كان يعرف (الحيازة) في حين قررت المذهبية الإسلامية أن هذا الكون مردة إلى خلق واحد بارئ مصور مبدع متقن، وأنه تعالى وحده مالك هذا الملك بما فيه من مادة وروح ارتضى استخلاف أشرف المخلوقات على ما في السماوات وما في الأرض، ووضع الأمانة بين يديه.

والمذهبية الإسلامية لا تنظر إلى الإنسان باعتباره مالكا أصيلا لأي شيء، لا لذاته وجسده ولا لزرع أو ضرع، ولا لأرض أو ماء أو هواء الإنسان في الإسلام خليفة الله سبحانه في ملكه (وكيل) مكلف برعاية خلقه، مأمور بإتباع أوامر خالقه ومالكه وسيده، وأذن كان التعبير الصحيح لما يكتسبه المسلم بماله الحلال من طيبات هو الحيازة وليس الملكية وأن جرى العرف تجاوزا على إطلاق لفظ الملكية والتملك.(مجلة الدعوة العدد الأول ص 42 - 43) ، وبالإضافة إلى أن تلك الفكرة لم تؤصل بما يجعلها برامج عملية نفهم منها منهاج الإخوان لمواجهة ظواهر تراكم الفقر وتراكم الغنى المتلازمة لأي مجتمع طبقي، فإن أفقها لا يتعدى الأفكار البرجوازية الصغيرة، وهي السمة الأساسية لفكر الإخوان المسلمين.

وفي هذا الصدد تبرز الملاحظات الثلاثة الآتية:-

  • أن الإخوان المسلمين يرفضون أصلا فكرة أن الاستغلال طبيعة للملكية القائمة على استغلال العمل المأجور، تلك الفكرة التي تعد جوهر النظرة الاشتراكية وعلى عكس ذلك فقد ذهب البهي الخولي في مانيفستو التثقيف الاقتصادي لعمل الإخوان المسلمين إلى القول بأن مقاومة الاستغلال الدنيء لا تكون بإلغاء الملكية بل (بإقامة السلطة العادلة)، أما الملكية ذاتها فليس من طبيعتها أن تنتج مثل هذا العدوان فقد يملك الإنسان ولا يظلم، وقد يملك ويكن محسنا كريما وسمحا رحيما يفشي الخير والمساواة والسلم بين الناس) والملكية عنده ليست في حاجة إلى معالجة أو مقاومة وإنما إلى (التهذيب) ص 19.
  • و «التهذيب» الذي طرحه الإخوان على الملكية الإقطاعية كان رفضا لاتجاه مجلس الثورة لتحديد الملكية الزراعية بمائتي فدان، إذ طالب الهضيبي بأن يكون الحد الأقصى المقترح 500 فدان. والفكر الإخواني يقر انقسام المجتمع من حيث الأساس إلى طبقات، تتكفل الزكاة والضرائب الحسنات بالتقريب بينها.
  • وقد عكس فكر الإخوان الاقتصادي عجزا بالغا عن اكتشاف الأشكال المعاصرة، والسائدة للاستغلال، بتركيزه على أن التصدي للأرباح الربوية كفيل بتحطيم شرور الرأسمالية، وهو ما لم يعد صحيحا بعد أن تراجعت الأعمال الربوية عن أن تكون أخطر اشكال رأس المال، بعد أن كانت في صدر الإسلام عصب المبادلات والمعاملات المالية، وبتراجعها أفسحت مكان الصدارة للتناقض بين رأس المال والعمل باعتباره أبشع الاشكال المعاصرة للاسغلال في ظل النظم الرأسمالية الحديثة، وهذا العجز في اكتشاف السمة الرئيسية لعصرنا يجعل الإخوان يقفون من حيث الجوهر في صف تأييد النهب الرأسمالي لجهود الطبقات الكادحة.
  • والنظام الذي طرحه الإخوان كبديل للأنظمة الاقتصادية المعاصرة، هو ما سماه – قبل ربع قرن – الشيخ محمد الغزالي بـــ(النظام الاقتصادي الوسيط)، يقول عنه أنه: طبق بأشكال مختلفة في ألمانيا وإيطاليا على عهود النازي والفاشيست، ويطبق الآن في إنجلترا بإشراف الدولة على المصالح والشركات الكبرى إشرافا مباشرا ودخولها في رأس المال بدسهم تزيد على النصف.

وهو ما أعتبره وسط بين تعطيل مبدأ الملكية وبين إطلاقه (الإسلام والأوضاع الاقتصادية ص 62 – 63، وحول فكر الإخوان المسلمين راجع الفصول البالغة الأهمية والاقتدار في كتاب طارق البشري – الحركة السياسية في مصر 19451952 – الهيئة المصرية العامة للكتاب – 72 وانظر أيضا شريف خالد: كتابات مصرية العدد 1 سبتمبر 1974 – ص 17 و 37 – دار الفكر الجديد – بيروت).

وقد قدم الفكر الناصري اجتهادات أكثر راديكالية وأكثر انسجاما وتكاملا من تلك الأفكار، وبرغم الفهم البرجوازي الصغير بأن للملكية وظيفة اجتماعية واثبت أنه أكثر إخلاصا وهو الإخلاص الذي فقدته الإخوان المسلمين الذين التزمت حركتهم السياسية بالتحالف مع الأقليات التي – فضلا عن معاداتها للجماهير الشعبية – كانت أكثر قربا للعناصر الاحتكارية، بينما عادت الوفد الذي يعود إليه الفضل في كل المكاسب الاقتصادية التي حققتها الجماهير الشعبية قبل 1952، كما عادوا عبد الناصر وأخذوا عليه أنه قضى على حرية المنافسة، وتخصص مجلة الاعتصام – التي تربطها بالتيار الإخواني صلة غير محدودة – كل جهدها للبرهنة على أن الإسلام مع الاقتصاد الحر وضد التأميم أو التدخل في حرية التملك بأي صورة من الصور.

ومع أن شرائح عديدة من البرجوازية المصرية كانت تنظر بعيون مرتابة – وإن كانت خائفة فالعمليات التصفية التي مارسها النظام الناصري ضد الشرائح العليا من تلك البرجوازية، مما مس في تقديرها قداسة حق الملكية سواء بإباحة الدعاية الفكرية ضد شرور الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم، أو بالإجراءات التي صدرت في يوليو (تموز) 1951، واستكملت في أغسطس 1963، ثم وضعت آخر لمساتها في قرارات مارس 1964، وقد بدت تلك الإجراءات في نظر البعض نسقا مطلقا لحق الملكية بالرغم من أنها لم تسد الباب مطلقا أمام التراكم الرأسمالي من الناحية القانونية أو الواقعية وأن دفعته للاختفاء في الادخار غير المثمر أو ممارسة الطفيلية التي تخرج عن الرقابة القانونية، وقد أثار هذا مخاوف برجوازية انطلقت مذعورة آنذاك، وكان رد فعلها محاولات للتهدئة، تبلورت وتحددت أكثر بعد هزيمة 1967، عندما طرح النظام الناصري فكرة الوحدة الطبقية بمفهوم مختلف عما كان يطرحها به من قبل، ألا أن البرجوازية المصرية – بقيادة شرائحها الطفيلية – في ظل تدني وعيها شنت حملة ثأرية ضد الرجل – بعد وفاته لتأكيد إعادة حرية التملك إلى مكانة مقدسة على الخريطة الفكرية والسياسية العربية عموما والمصرية خصوصا.

وفي مجرى حركتها السياسية، سرعان ما وجدت تلك الشرائح نفسها حليفة للإخوان المسلمين، باعتبارهم قادرين على تقديم غطاء أيديولوجي يستثمر المشاعر الفطرية لدى الجماهير بالتلويح بأعلام الإسلام، وباعتبارهم قوة ضاربة تتميز بانتهازية سياسية تدفعها – إلى نشدان الحماية – في فترات الضعف – تحت الجناح القوى بصرف النظر عن مبدأية التحالف أو لا مبدأيته.

وهذا التحالف يؤدي اليوم مهام لا يستطيع غير الإخوان أداؤها. ولكنه ككل التحالفات: مؤقت وسوف ينتهي حتما بالصدام.

كانت الشرائح الطفيلية من البرجوازية المصرية تبحث عن ثأرها من الرجل الذي جسر فمس حرية التملك المقدسة، وكان الإخوان المسلمون يزعمون أنهم يبحثون عن ثأر لله من الرجل الذي ظنوه أهدر الأيمان والإسلام.

وفي مجرى الحياة المصرية.. التقيا ليراهنا معا على الجانب الآخر من التاريخ. لتصبح مأساة الإخوان المسلمين هي مشكلتهم في المستقبل.

المراهنة على الجانب الآخر من التاريخ

يبدو أن الخشية من إن تكون عودة الإخوان المسلمين للعمل مراهنة على الجانب الآخر من التاريخ.. ليست مجرد مخاوف لا تستند إلى أساس واقعي، ذلك أن حركة سياسية كالإخوان لا تستطيع أن تنسلخ ببساطة من خبرتها التاريخية، أو أن تتجاوزها، وهي تعود للعمل بنفس القيادات، بعد عزلة طويلة في السجون لم تحرمهم فحسب من التفاعل مع الواقع المحيط بهم ولكنها أخضعهم لمشاعر نفسية قد تكون طبيعية ومقبولة على المستوى الشخصي لكنها على مستوى الحياة السياسية ليست كذلك.

وقد يوصل عداء الإخوان المسلمين لعبد الناصر ونظامه إلى ذروة غير مسبوقة في مشاعر الجامعات السياسية إلى درجة أخذ عليهم معها البعض أنهم شمتوا في هزيمة 1967 واعتبروها برهانا ألهيا يؤيدهم ضد عدوهم الذي صنفوه في خانه الكافرين منذ زمن طويل به دون أن يتنبهوا إلى أنهم يشمتون في الوطن وفي الأمة العربية كلها.

وقد كان طبيعيا إذن يحتل تخليل مفردات كثيرة لطبيعة الصدام الذي حدث بينهم وبين عبد الناصر نتيجة لقوة الإجراءات التي اتخذت ضدهم وفي هذا الصدد يمكن رصد حصيلة عدد من المناقشات جرت مع بعضهم تكشف عن تصورهم العام لهذا الأمر:

  • ففي تحليلهم أن عبد الناصر كان شيوعيًا تلثم لفترة طويلة ثم كشف عن نفسه اللثام عندما اتخذ إجراءات 1961 وخاصة عندما تحالف مع الاتحاد السوفيتي فانتقل بهذا إلى المعسكر أعداء الإخوان ولم تعد هناك أية أرضية للتحالف معه أو للتعاون مع نظامه مع إنهم لم يخفوا أبدا عداءهم لإسرائيل إلا أن الخطر الإسرائيلي تراجع إلى الخلف وأصبح في المحل الثاني من الاهتمام بل وأصبح لدى بعض مفرداتهم أقل أهمية فالإسرائيليون كما ذهب هذا البعض يدينون بدين سماوي وعند الحوار معهم حول إمكانية العمل المشترك بين عبد الناصر وبينهم لصد العدوان الإسرائيلي والأمريكي على أساس أنه الخطر الأكثر إلحاحا وأن تصفية الحساب مع عبد الناصر يمكن أن يكون شعار مرحلة مقبلة كان رد الإخوان أنهم لا يحاربون كافرا تحت راية كافر.
  • وقادهم هذا الخطأ الرئيسي في فعهم طبيعة الصراع على المستوى العالمي ودور القوى الوطنية العربية فيه إلى خلل في تقييم ممارستهم من ناحية وإلى فهم مغلوط لموقف القوى السياسية العربية الأخرى من نظام عبد الناصر.
  • فقد اعتبر الإخوان أن مؤامرتي 1954 و 1965 ، مجرد تحايل سياسي من عبد الناصر، أراد أن يتخذه ذريعة لتصفيتهم خضوعا لضغط الغرب الذي كان يعتبرهم الخطر الرئيسي عليه، وفي هذا الصدد أصبح محمود عبد اللطيف – الذي قام بمحاولة اغتيال عبد الناصر في ميدان المنشية في عام 1954 – في منظورهم عميلا لأجهزة الأمن الناصرية، وذكر بعضهم أن عبد الناصر لم يخرج في ذلك اليوم إلى الشرفة التي كان مفروضا أن يخطب منها، إلا بعد أن وصله قميص خاص ضد الرصاص كان قادما مع رسول من أمريكا توجه من المطار إلى ميدان المنشية، حيث ارتدى عبد الناصر القميص قبل أن يظهر أمام الجماهير مما يعني أنه كان على علم بمحاولة الاغتيال التي قامت بها أجهزته كنوع من خلق ذريعة لضرب الإخوان وتصفيتهم، ولا جدال في أن ذلك خيال نادر المثال، يتجاهل الاعترافات المفصلة التي أدلى بها قادتهم أمام محكمة الشعب، بصرف النظر عن الضغوط التي تعرضوا لها، وعن همجية المحاكمة، وعلى عكس تصفية 1954، فقد اعتبر الإخوان أن عبد الناصر قد اصطدم بهم في عام 1965 بتعليمات مباشرة من الاتحاد السوفيتي، واستدلوا على ذلك بحادث شكلي محض، هو أن عبد الناصر أذاع أنباء المؤامرة في خطاب له ألقاه على المبعوثين المصريين في موسكو أبان زيارة كان يقوم بها للعاصمة السوفيتية.

وخطورة هذا التحليل تكمن في أنه حال بين الإخوان المسلمين وبين تقييم أسلوبهم في العمل، تقييما يقوم على النقد الذاتي، وربما كان مفيدا مثل هذا الرسوخ أنفسهم: هل يفيد العمل الحلقي المحدود في مواجهة نظام له مثل هذا الرسوخ الذي كان لنظام عبد الناصر، سواء من حيث الاستمرار أو من حيث القدرة على جذب الجماهير؟ هل كان تشخيصهم لأيديولوجية النظام الناصري من أنه معاد للأديان وللإسلام بالذات.. تشخيصا صحيحًا؟.. الم يكن في إنجازاته كثير مما طالب به الإخوان المسلمين أنفسهم قبل ذلك؟.. أكان من الصحيح سياسيا وفكريا، أن يبدو الإخوان وكأنهم مع الرأسمالية وأن يربطوا الإسلام بفوضى الإنتاج الرأسمالي وشروره؟.. ألم يكن خط العداء لعبد الناصر بشكل مطلق، نوع من التأييد غير المعلن للقوى الدولية التي كانت تعاديه والتي سبق للإخوان أن أنكروا عليها عداءها لأهداف المسلمين ولمطامحهم المشروعة في التحرر والاستقلال؟.. وهل خضعت تحالفات الإخوان – مع قوى عربية أو غير عربية – لأسس إسلامية حقا، أم أن ما قادهم إلى ذلك هو تطبيق مقولة (عدو عدوي هو صديقي)، يصرف النظر عن أي اعتبار آخر.. و إلا فهل يستطيع الإخوان الزعم بأن هؤلاء الحلفاء كانوا أكثر إسلاما من الرجل من الناحية الموضوعية والشكلية؟.

أسئلة كثيرة لم يعن الإخوان بالرد عليها، ربما كان ما يجمعها كلها، هو ما ذهب إليه بعض قادتهم من قبل عندما أعلنوا أن الإسلام لم يعد يقبل إلا في إطار الذي وضعه فيه الإخوان المسلمين، الأمر الذي يؤكد ما ذهبنا إليه من قبل من أن (التشكيل) عند الإخوان قد أصبح هو الأساس، وأصبح شبيها بالوثن المقدس، رغم أنه مجرد وعاء لمضمون لم يعن به الإخوان كثيرا عنايتهم بالحفاظ على تشكليهم، ولم يقدسوه كما قدسوا التنظيم.

تصـدير

للمرة الثالثة منذ أنشاء جماعة الإخوان المسلمين عام 1928 ، دفع أعضاؤها عام 1966 أفدح ثمن (حياتهم نفسها) من أجل «حق» تحدي السلطة الرسمية في مصر.

فبعد خروج الإخوان من المعتقلات ومن ظلال الحياة السياسية المصرية عام 1965، ظهر أن أعضاء التنظيم اشتركوا في نوع من المؤامرة ضد نظام الرئيس عبد الناصر.

وعادت حملة الاعتقالات في صيف 1965 واستمرت بقية العام وخلال النصف الأول من عام 1966، وفي 21 أغسطس 1966 كانت الاعتقالات والمحاكمات قد بلغت ذروتها بصدور أحكام محكمة أمن الدولة العليا بإعدام سبعة من الإخوان شنقًا وبالسجن لمدد مختلفة على مائة أو أكثر، وفي 29 أغسطس خففت على الأحكام أربعة من المحكوم عليهم بالإعدام إلى السجن المؤبد.

وتم شنق الثلاثة الآخرين.. والواقع أه في غياب المصادر التي تشكل المادة الكافية (ووجود) صعوبات عديدة، لمستها بنفسي، تواجه الدراسة الجادة لهذه الحركة، فإنه من الأفضل أرجاء الحكم النهائي على مدلول هذه الأحداث الأخيرة.

على أننا نعتقد أنه يمكن أن نلاحظ، في إيجاز وعلى نحو عابر، أن هذه الأحكام التي صدرت بالإعدام، وعلى خلاف ما تذهب إليه الحكومة المصرية، أن تكون مانعة من أن تبعث جماعة الإخوان المسلمين من جديد، ومن الممكن تصوير ما حدث على أنه يعدو كونه انفجارًا كان متوقعًا بسبب التوتر الذي غذته زمرة من الأرهابين الأفراد كرست نفسها «لموقف إسلامي» من المجتمع بعيد تماما عن روح الإسلام، ومجموعة أخرى من محترفي السخط.

وشعورنا الذي أحسنا به منذ فترة، والذي يشار كنا فيه الآن آخرون،هو أن القومية القائمة على أساس الإصلاح الدنيوي أساسًا والرائجة الآن في العالم العربي سوف تواصل مسيرتها حتى تنتهي تمامًا إلى ما نادت به جماعة الإخوان المسلمين في بدايتها.

وتعني هذه الدراسة بتلك الفترة المبكرة، منذ تأسيس الجماعة عام 1928 وعبر أزمتيها الأساسيتين في 1948، 1954.

وهي دراسة تنقب في تاريخ الحركة وتنظيمها وأفكارها وقيل البدء في سرد تاريخ الحركة أوردنا ملخصا لحياة مؤسسها، حسن البنا، الذي بدأ في وقت مبكر من شبابه الارتباط الطويل بمنظمات تهتم بالفضيلة والبعث الروحي للإسلام، كما نمى في الوقت ذاته حسه القوى بالنواحي العملية وكان لذلك كله صداء المباشر في إحساسه بالزعامة. هذا الإحساس الذي تطور فيما بعد على نحو فعال.

وقد تتبعت الدراسة تطور حركة الإخوان منذ بدايتها المتواضعة بين عمال مدينة الإسماعيلية بمنطقة قناة السويس وخلال أيامها الأولى بالقاهرة، حيث تم إرساء لإطار الأساسي لتنظيمها، ثم خلال الحرب العالمية الثانية عندما استكملت الجماعة مؤسساتها ومارست أو صدام مع السلطة.

ونحن نرى أن القوى المتصارعة – أثناء فترة الحرب العالمية الثانية – قد لعبت دورًا هاما وظهور الجماعة – في فترة ما بعد الحرب – في مركز الحلبة السياسة المصرية.

ولقد كشفت تلك الفترة من التناقض الأساسي بين الحزبين الجماهيريين في مصرالإخوان المسلمين والوفد – في محاولة كل منهما احتلال موقع الصدارة في الحياة السياسية.

كذلك كشفت تلك الفترة عن تناسق داخلي من حيث الهدف (وهو هنا مناوأة الوفد) بين الجماعة والقصر، ذلك التناسق الذي أنهار في إثر أعمال العنف التي أتسع نطاقها في مصر فيما بين عامي 1946 و 1948 والتي بلغت ذروتها في ذلك العام الأخير بمصرع النقراشي باشا رئيس الوزراء على يد أحد الإخوان المسلمين، وما أعقب ذلك من حل للجماعة واغتيال زعيمها حسن البنا بتحريض من السلطات الرسمية. ونحن نرى أن أعمال العنف التي وقعت خلال الفترة التالية للحرب العالمية لم تكن سوى نتيجة، لا سببا، لانهيار الحياة البرلمانية في مصر الحديثة، وهي حقبة وصلت إلى نهايتها بقيام ثورة يوليو 1952.

وقد ظلت الجماعة – لفترة قصيرة بعد حلها الأول – تعمل بصورة سرية، ثم ظهرت بزعامة جديدة بعد ثورة 1952، وبهالة من الأهمية واضحة وجديدة، نجمت عن الارتباط السري القديم بين بعض الضباط الأحرار وبين الجماعة.

على أن العلاقات الطيبة بين الجماعتين لم تكن في الواقع بالقوة التي ظهرت بها في البداية، إذ سرعان ما تدهورت خلال فترة لم تزد عن عامين.

انتهى تمامًا في أكتوبر 1954 بمحاولة اغتيال عبد الناصر رئيس الوزراء في ذلك الوقت وحل الجماعة مرة أخرى وشنق ستة من الإخوان في ديسمبر 1954، وتلك هي نهاية الفترة التي يتوقف عندها تأريخنا للجماعة.

أما القسمان التاليان من الدراسة فيتناولان – على الترتيب – الهيكل التنظيمي للجماعة وأفكارها وخططها لتحقيق نظام إسلامي حقيقي.

وفي خاتمة الدراسة حاولنا تقييم الجماعة تقييماً موضوعيًا في ضوء التاريخ السياسي الحديث لمصر وفي ضوء النزعة التجديدية الإسلامية وقد ركزنا في ذلك على نقطتين: الأولى، أن القسط الأكبر من العنف السياسي الذي اتهمت به الجماعة – اتهامًا غير كاذب – كان نتيجة لإحساس بالإحباط السياسي والاقتصادي والاجتماعي شمل العناصر العديدة للحركة الوطنية، والذي كان بدوره نتيجة للشلل الذي أصاب الحياة السياسية والمسار العام للتطور الاقتصادي والاجتماعي في مصر ذلك الإحباط الداخلي الذي غزاه النزاع المصري البريطاني وقضية فلسطين.

والثانية، أن عنف الإخوان تسبب في ظهور نزعة طائفية شديدة الوقع – شملت المسلمين مثلمًا شملت الأقليات اليهودية والمسيحية – وكان منشأ هذه النزعة فقدان التوازن بين التراث المعترف به وبين والمقومات الفعلية لمجتمع مسلم، فضلا عن السمة النضالية التي حاولت بها الجماعة التغلب بها على انعدام التوازن هذا.

ونتيجة للمشاركة الملتزمة للجماعة في الحياة السياسية، فأن موقعها في حركة التجديد الإسلامي ليس واضحًا بما يكفي.

فرغم إتباعها، في بعض المجالات، التراث الفكري – المتفتح نسيبًا – للشيخ محمد عبده، إلا أن الجماعة عكست أيضًا بالتالي التغيير المضطرد في طابع هذه الحركة الرمزية من التصلب والتعصب.

وعلى ذلك، فإننا نتواصل إلى نتيجة مؤداها أن الحركة رغم الطابع المحافظ لروحها العام وشروط عضويتها، استطاعت أن تجذب إليها عددًا كبيرًا من أهل الريف والحضر كأعضاء، متحمسين، والذين كان أغلبهم قد تقبلوا بالفعل لكن بدرجات متفاوتة أسس النظرة المعاصرة.

ولما كان العديد من هؤلاء الأعضاء، لا يجدون مكانا مواتيا لهم في المجتمع متزايد الدنيوية ولا سيطرة لهم عليه، لذا جنحوا إلى التطرف والتمرد، على النحو الذي ميز حركة الإخوان.

والدراسة التي بعضها هذا الكتاب أعدت في الأصل لتقديمها كرسالة لنيل درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة «برنستون» عام 1960.

وكنت قد قررت القيام بهذه الدراسة عن جماعة الإخوان المسلمين في ربيع 1952 بعد شهور قليلة من مراقبة الحياة السياسية في مصر قبل ثورة 1952 – عندما كانت مصر قد ألغت معاهدتها مع بريطانيا وكانت تحاول مرة أخرى، بالدبلوماسية وبالعنف معا حل قضية الشكل النهائي للعلاقة التي تربطها بتلك الأمة.

ولقد بدأت الخطوات الفعلية الأولى للبحث في مجال الدراسة في يوليو 1953 وانتهت في أبريل 1955.

وخلال تلك الفترة تعرض البحث للتوقف مرات عدة، وكان أحيانا يتقدم بفضل الحصول على معلومات جديدة وفيرة، إلا أن التعقيدات واجهته دائما بسبب المتاعب المتزايدة التي واجهتها حكومة الثورة والتوترات التي اتسع مداها بين الحكومة العسكرية وبين جماعة الإخوان، والانقسام داخل الجماعة نفسها، وحل الجماعة رسميا مرتين في عهد الحكومة العسكرية، والصراع الذي نشأ داخل الحكومة من أجل السلطة وهو الصراع الذي ساهمت فيه الجماعة، ثم محاولة اغتيال عبد الناصر رئيس الوزراء في تلك الفترة وما تلاها من تنفيذ الإعدام شنقا في ستة من أعضاء الجماعة فضلا عن سجن المئات من أعضاء ولم تكن ظروف هذه الدراسة في مجرى الأحداث التي واكبتها بالشيء السهل، بل وتزايد تعقيد المسألة بسبب تناول الدراسة لحركة جاءت محولة التاريخ لها مع نوع من التطرف الهستيري معها أو ضدها على حد سواء، وهو ما حاولت – وربما لم أوفق – في أن أبدده.

وفي هذه الطبعة المنقحة لم أحاول – كما أشرت – أن أصل بها إلى أحداث 19651966 ، كما خولت لنفسي حرية حذف بعض المواد والعديد من الوثائق التي اقتصرت أهميتها على البحث الأصلي.

فضلا عن أنني لم أشعر بضرورة الإشارة – سواء فيما يتعلق بالنص أو التعليقات الواردة في الهوامش أو القائمة الببلوجرافية – إلى الأعمال الضخمة التي ظهرت منذ كتابة أصل هذه الدراسة، حول مصر الحديثة، باستثناء ما أرتبط منها بما ركزت عليه من تحليلات، أو الأعمال التي توفر معلومات جديدة حول الموضوع.

ذلك أن الدراسة – كما كان متصورًا لها في الأصل – لم تكن ترمي أبدأ إلى أن تكون أكثر من تغطية محدودة لجانب من تاريخ مصر الحديثة.

وإني لأشعر عميق للعديد من الشخصيات والمعاهد – فند أتاحت لي مؤسسة «فولبرايت» القيام بأول زيارة لمصر.

كما دعمت مؤسسة «فورد» البحث بسخاء، كذلك أعرب عن شكريا الخاص لمستر «كليون، أو سويزي» وهيئة مكتبه.

كما ساعد مستر «جون مارشل» من «مؤسسة روكفلر» في دعم الكتابة الأصلية للدراسة ولقد قدم قسم اللغات والآداب الشرقية في جامعة برنستون عونا كريما لدارستي العليا بصفة عامة ولاستكمال هذه الدراسة بصفة خاصة. وأسجل هنا الأسماء التالية بسبب اشتراكها المباشر تقريبا في القيام بهذه الدارسة: بروفيسور «تي كيلر بونج» الذي شجعني على الاستمرار و «ر. رابلي وندر» الذي قرأ الدراسة بعد كتابتها.

وأعرب عن شكري أيضًا للعديد من الأصدقاء والزملاء، أذكر هنا القليل منهم: «كريس كارسون» الذي شارك في مناقشات استمرت ساعات طويلة حول مدلول هذه الحركة والحقائق المرتبطة بها. و «وليم براون» و «وليم د. تورجر» من مركز دراسات الشرق الأدنى، الذي أتاح لي الفرصة لاعادة التفكير ومراجعة الدراسة. ولقد قدمت لمراكز «متشجان» - كنوع من العرفان – جميع المواد التي جمعتها في الدراسة الميدانية، لحفظها في مجموعة أبحاثه الخاصة، وأعتقد أنها ستكون أكثر المجموعات الكاملة الموجودة فعلا.

وقد قدم لي الكثير من طلبتي مساعدتهم فساعد «أحمد جودة» خلال البحث في القاهرة بالترجمة ومناقشة الأحداث.

كما قرأ مع «شارلز دي سميث» النص الكامل الدارسة وفحصا المراجع وقدما ملاحظات مفيدة. وقدم لي نفس المساعدة «جيمس جانكويسكي» الطاب بجامعة كلورادو الآن وقام كل من «دليلاند. إل» و«باترشيا فيتشر» و«بولا آجية» بنسخ البحث على الآلة الكاتبة ومراجعة النسخ.

كما أوجه شكري أيضا إلى مس «كاترين دوف» التي أعدت الكتاب للنشر، ولمستر «آرطومسون» الذي أعد الفهرست.

وفي النهاية فإنني أكن أعظم مشاعر العرفان لعشرات المصريين والإخوان المسلمين وغيرهم ممن رحيوا بي وتحدثوا معي (أو أظهروا لي العداء) فقد تعلمت منهم الكثير فشكرا بلا حدود. أما بالنسبة لأسرتي، التي عانت طوال فترة إعداد الدراسة، فإن الكلمات المجردة تصبح هنا بلا معنى.

ريتشارد ب. ميتشيل

هوامش التصدير:

1- أنظر بوجه خاص: م. هالبرت، سياسات التحول الاجتماعي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (1965) ص 1953. وأيضا س. ب هاريس القومية والثورة في مصر (1964) ص 209.

2- علنا أن نلاحظ هنا أن هذه الدراسة لا تعني بالحركات الجماهيرية وإنما هي دراسة لحركة واحدة في العمق. ونحن لم نربط هذه الدراسة بالحركات الجماهيرية الأخرى كما لم تضف إليها أية معلومات مستمدة من الكتابات النظرية التي ظهرت في الفترة الأخيرة حول الحركات الجماهيرية والسلوك السياسي في المجتمعات «غير الغربية» فالأسلوب الذي تناولت به الموضوع هو تاريخي على نحو كلاسيكي، أي أسلوب محاولة بحث الظاهرة تاريخية بين سلسلة الأحداث والأفكار المترابطة خلال فترة زمنية محدودة – في أبعادها الأعمق دلالة – وذلك على مستويين، (1) دراسة الظاهرة من خلال قانونها الداخلي الخاص، و (2) من خلال الإطار الذي يعكس تصوري الخاص عن الإنسان والمجتمع والافتراضات والمسلمات التي تنشأ خلال الدراسة نفسها وأنني لأرجو أن يحد زملائي الباحثين في فروع العلم الاجتماعي الأخرى، وهم الذين تمرسوا على رؤية العالم بأساليب مختلفة، أن يجدوا في هذه الدارسة – التي يغلب عليها الطابع التجريبي – معلومات تساعدهم على بناء أنساق نظرية ذات مغزى تستطيع من خلالها أن نفهم تلك الحقبة على نحو أفضل.

وفي دراستي هذه فأنني أدين بالكثير للعمل الرائع الذي كتبه الحسيني «الإخوان المسلمون»: كبري الحركات الإسلامية الحديثة» كذلك هناك عمل آخر يدافع عن الإخوان كتبه محمد شوقي زكي وهو كتاب مفيد وإن لم يحز نفس الشهرة.

وعلينا أن نذكر بطبيعة الحال الدراسة الهامة المبكرة التي كتبها «هيوراث دون» بالإنجليزية «الدين والاتجاهات السياسية في مصر الحديثة 1850» والمؤلف – كما ستلاحظ فيما بعد – شارك في تاريخ الحركة وكتابه بعد من المصادر الأساسية. أما أحدث الدراسات التي تهتم على نحو مباشر بالحركة فهي دراسة هاربس عن القومية والثورة:

وهنالك دراستان هامتان تتناولان بالتفسير النظم السياسية الناشئة في مصر والشرق الأدنى، نجد فيهما محاولة لدارسة الجماعة؛ الدارسة الأولى هي:

«مصر تبحث عن مجتمع سياسي» لــ أن . صقران. (1961).

والثانية: (سياسات التحول الاجتماعي) .

وهناك أيضا الدراسة التي كتبها ل. بثدر والتي لا تتعرض مباشرة لتاريخ الجماعة. دراسة كانتوبل سميث «الإسلام في التاريخ الحديث» (1947) ودراسة كريج «الحركات السرية في الإسلام المعاصر» فتهتمان بصورة أساسية بالدلالة الدينية للحركة. أما أول هذه الدراسات جميعا وأكثرها أهمية فهي دراسة البروفيسور جيب: الاتجاهات الحديثة في الإعلام – 1947.

3- سوف يتضح للقارئ في سياق قراءته للدراسة أننا لم نختلف مع الكثير من العناصر المكونة لإطار تاريخ مصر الحديثة والمتعارف عليها بإستثناء المواضع التي تتصل بهذه الحركة.

ودراستي التاريخية تدين بالكثير لأعمال كولومب ومارلووكيرك ولا كوتير وهو يلوك ولتيل والمؤرخ المصري الرافعي ولأن هذه الدراسة لا تتناول التاريخ العام لمصر الحديثة، فقد ثرت ألا أستعرض في هذه الصفحات معرفتي الببلوجرافية بذلك التاريخ.

4- كذلك لم أحاول أن أكتب مرة أخرى؛ أو حتى أن ألخلص، ذلك العمل الذي قام به على أفضل وجه كل من جيب وسميت وكريج وآدمز وحوراني وجاردبيه وأنواتي وجوميير وجمال أحمد وآخريين.

5- أنني مدين للبروفيسور ما نفريد هالبرن من أجل ما قدمه لي من عون للوصول إلى تصور أكثر وضوحا لمسألة العنف هذه.

المراجع الأساسية:

1- المجلات والجرائد المصرية المختلفة خلال الفترة التي تناولتها لدراسة.

2- مجلات ودوريات غربية.

  • L'Afriquo et l' Asia

Cahiers de l' orient Contemporain *

Middje East Affairs*

The Muslim world *

3- الرسائل والمنشورات الرسمية: الأناشيد – بين الأمس واليوم – دستورنا – دعوتنا في طور جديد – العبادة جوهرها وآفاقها – الإخوان المسلمون تحت راية القرآن – الجهاد – المحمدية – ومن آداب الأسرة والكتيبة – المرأة بين البيت والمجتمع – مشكلاتنا ضوء النظام الإسلامي – المجتمع الإسلامي – المؤتمر الخامس – نحو جيل مسلم – نظام الأسر نشأتها وأهدافها – نظام الأسر ورسالة التعليم – إلى الشباب – الرسائل الثلاث (دعوتنا – إلى أي شيء ندعو الناس – نحو النور) – التشريع الإسلامي – الرسالة الأولى للإخوان المسلمات.

برنامج ثقافي مهني للمدرسين – البيان الذي أقرته الهيئة التأسيسية للإخوان المسلمين في اجتماعها غير العادي المنعقد بالمركز العام في يوم الجمعة 10 ذو القعدة 1371.

(أول أغسطس 1952) – اللائحة العامة للنشاط الرياضي – اللائحة الداخلية العامة للإخوان المسلمين – اللائحة الداخلية لقسم الاتصال – المنهج الدراسي الإسلامي لمدرسة الجمع – المنهج الدراسي الإسلامي لإخوان الأسر – قانون النظام الأساسي لهيئة الإخوان المسلمين العامة.

4- كتابات بالعربية لمؤلفين من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين:

فتحي العسال: حسن البنا كما عرفته، 1953.

عبد القادر عودة: الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه، 1952.

الإسلام وأوضاعنا القانونية 1951.

الإسلام وأوضاعنا السياسية 1951.

المال والحكم في الإسلام 1951.

التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي (3 أجزاء) 1949.

عبد الباسط البنا: مني.. إلى.. شهيد الإسلام 1953.

تاج الإسلام وملحمة الإمام 1952.

لبيب البوهي: الإخوان أيام المحنة (1950-1952)

الإيمان والرجل (1950-1951)

مع شهداء الإخوان (1952-1953)

محمد الغزالي: في موكب الدعوة 1954.

الإسلام والاستبداد السياسي (1950-1951)

الإسلام والمناهج الاشتراكية 1951.

الإسلام المفترى عليه بين الشيوعيين والرأسماليين. الطبعة الثالثة 1953.

الإسلام والأوضاع الاقتصادية. الطبعة الثالثة 1952.

من هنا نعلم الطبعة الرابعة (ترجمة إسماعيل فاروخي واشنطن 1953).

تأملات في الدين والحياة 1951. التعصب والتسامح بين الإسلام والمسيحية (1953-1954)

أحمد أنس الحجاجي: الإمام (جزآن) 19501952 الرجل الذي أشعل الثورة 1952. رسالة من المريخ. روح وريحان 1964.

فتحي عبد الحميد: قضية الشهيد حسن البنا 1954.

أنور الجندي: قائد الدعوة: حياة رجل وتاريخ ومدرسة 1946.

عبد الخبير الخولي: قائد الدعوة الإسلامية حسن البنا 1952.

حسن البنا: مذكرات الدعوة والداعية 1951.

سيد قطب: العدالة الاجتماعية في الإسلام (الطبعة الثالثة) ترجمة جون هاردي، واشنطن 1955. دراسة إسلامية 1953. معركة الإسلام والرأسمالية 1952. السلام العالمي والإسلام 1951.

سعيد رمضان: في آفاق العالم الإسلامي 19571954 . معالم الطريق دمشق 1955.

محمد عبد الله السمان: الإسلام المصفي 1954.

كامل إسماعيل شريف: الإخوان المسلمون في حرب فلسطين (19521953)


5- أعمال بالعربية لكتاب آخرين:

محمد حسن أحمد: الإخوان المسلمون في الميزان (19471948)

محمد حبيب أحمد: نهضة الشعوب الإسلامية في العصر الحديث(1952-1953)

موسى إسحق الحسيني: الإخوان المسلمون: كبرى الحركات الإسلامية الحديثة الطبعة الأولى بيروت (1952) ترجمة جون برون بيروت 1956.

مجلس قيادة الثورة: الإخوان والإرهاب 1955.

عبد الرحمن الرافعي: في أعقاب الثورة المصرية 19471951-3 أجزاء.

أنور السادات: صفحات مجهولة 1954 (الطبعة الإنجليزية نيويورك 1957)

محمد شوقي زكي: الإخوان المسلمون والمجتمع المصري 1954.

6- وثائق:

- الحكم في قضية النيابة العمومية رقم 2294، 1950، الخاصة بقضية الجيب الصادر في 18 مارس 1951.

- مجلس الدولة، القضية رقم 190 دائرة وقف التنفيذ برياسة حضرة صاحب العزة محمد سامي مازن بك.

- الحكم في قضية الجناية العسكرية رقم 5 عابدين 1949 الخاصة بمقتل المغفور له دولة محمود فهمي النقراشي باشا، الصادر في 13 أكتوبر 1949.

والمواد التالية لا تصلح كوثائق بسبب كونها منشورات مناصرة للحركة، إلا أنها تحتوي بالفعل رغم سياقها للتحيز على أجزاء من الاجراءات والدعاوي والقضايا السالفة الذكر وغيرها والتي شارك فيها الإخوان:

دار الفكر الإسلامي: قضايا الإخوان: قضية سيارة الجيب، أقوال كبار الشهود وحوادث التعذيب 1951.

قضايا الإخوان: قضية السيارة الجيب الحيثيات ونقض الحكم 1951.

كمال كيره: محكمة الشعب 1954 جزآن.


الجزء الأول : تَارِيخ الجماعة

الفصل الأول : حسن البنا وتأسيس جماعة الإخوان المسلمين

الفصل الثاني : الوصول إلى مركز القوة

الفصل الثالث : الصعود إلى القمة وقرار الحل

الفصل الرابع : إعادة التشكيل... المرحلة الثانية

الفصل الخامس : ثورة يوليو 1952 وقرار الحل الثاني


الفصل الأول : حسن البنا وتأسيس جماعة الإخوان المسلمين

حسن البنا

ولد حسن البنا في أكتوبر عام 1906 بمديرية (محافظة) البحيرة في قرية المحمودية والتي تبعد تسعين ميلا شمال غرب القاهرة. وكان أبوه «الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا » الساعاتي هو مأذون الناحية وإمام مسجدها، ودارسًا ومؤلفًا للعديد من كتب الحديث، وقد تلقى علومه في الأزهر في عهد الإمام محمد عبده (. وفيما بين فترت قيامه بوجباته الدينية وقراءاته ودراساته، كان يمارس حرفة يدوية هي إصلاح الساعات، وهي الحرفة التي حرص على تلقينها لأبنه جنبًا إلى جنب مع ما لقنه إياه من معارف تقليدية وكلاسيكية واسعة وحب للعبادة.

وفي الثامنة من عمره ، بدأ حسن البنا – لأبن الأكبر بين خمسة أبناء – تعليمه النظامي في كتاب القرية وكان معلمه الشيخ محمود زهران من بين الأشخاص الأوائل بعد والده الذين تركوا أثرًا عميقًا في تطور تكوينه الشخصي والفكري.

وفي الثانية عشرة، التحق البنا بالمدرسة الابتدائية حيث بادر بالاشتراك في أول جماعة دينية من بين الجمعيات التي شارك في عضويتها خلال مراحل تطوره، وكان معلمه بالمدرسة – الذي ترك أثرًا آخر في تكوينه – هو الذي نظم ووجه «جماعة السلوك الأخلاقي» في بادئ الأمر والتي كانت تهدف إلى تعميق حساسية أعضائها تجاه الآثام الأخلاقية، والتي فرضت نظاما من الغرامات المرهقة يطبق على أعضاء الجماعة الذين يتلفظون بالسباب واللعانات في حديثهم ويصبونها على زملائهم أو يرتكبون ما يخالف الدين.

وخلال فترة وجيزة أصبح البنا قائدا للجماعة (ص 6 – 7) وقد شكل عدد من الفتيان الأحداث عهدا والذين كانوا غير مقنعين بهذا العمل، جماعة أخرى أسموها «جماعة النهي عن المنكر» تمثل هدفها الأساسي في ممارسة تأثيرًا أعمق على حياة المدينة. وكان من بين نشاطاتها الرئيسية كتابة وتوزيع الخطابات السرية (وأغلبها خطابات تهديد) إلى من ترى أنهم يحيون بصورة تتعارض مع تعاليم الإسلام.

وخلال هذه الفترة المبكرة من حياته، شهد البنا حلقات الذكر الأول مرة في لقاءا ته بالطريقة الصوفية «إخوان الحصافية». وقد أنخرط في النشاط هذه الفرقة الصوفية عشرين عاما متوالية، بعد أن تأثر بعمق بما شهده فيها. كما أهتم بالصوفية خارج إطار هذه الفرقة معظم فترات حياته، وقرأ بشغف الأعمال المتوفرة عن مؤسس الطريقة وعن الصوفية بشكل عام، وأصبح في نفس الوقت عضوا متحمسا في حلقات الذكر وتلميذا لشيخ مشايخهم (ص 10 – 14).

وكان من نتيجة انضمام هؤلاء الأعضاء الجدد – البنا وزمرته – إلى الجماعة الصوفية، أن برزت فكرة إنشاء منظمة أخرى سميت أيضا جمعية الحصافية للبر، ذات هدف مزدوج: هو النضال من أجل الحفاظ على المبادئ الأخلاقية للدين الإسلامي، ومقاومة نشاط البعثات التبشيرية المسيحية في المدينة.

وفي الثالثة عشرة أصبح البنا سكرتيرا للجمعية، أما رئيسها فكان أحمد السكري الذي لعب بعد ذلك دورا هاما في تطوير فكرة جماعة الإخوان المسلمين.

وكان السكري شابا صغيرا عندما تعرف به البنا في حلقات الذكر. ولقد نظر البنا إلى هذه المجموعة فيما بعد على أنها الأرضية الأساسية والإرهاص الذي مهد لقيام جماعة الإخوان المسلمين (ص 16).

وفي العام الأخير للبنا في المدرسة الابتدائية اندلعت ثورة 1919. واشترك البنا كطالب في المظاهرات التي انفجرت داخل وخارج المدرسة.

وفي تأليف وإلقاء الأشعار الوطنية. وفيما بعد، كان عليه أن يتذكر بمرارة خاصة منظر القوات البريطانية أثناء احتلالها لمسقط رأسه في ذلك الوقت (ص 22 – 25) ولقد صحبته هذه الذكريات عندما كان يتهيأ – ولم يبلغ بعد الرابعة عشر – للالتحاق بمدرسة المعلمين الأولية بدمنهور على بعد 13 ميلا جنوب غرب المحمودية. وأصبحت النزعة الصوفية التي راودته مؤخرا أكثر تغلغلا في كيانه وفي عام 1922 تم قبوله كعضو عامل في جمعية الحصافية، بل وأرتدي – لفترة من الوقت – العمامة ذات الشراشيب والعباءة البيضاء المميزة للجماعة (ص 14 – 16, ص 19 – 22) وفي ذلك الوقت اصطبغت رؤيته للأمور بصبغة التعاليم الصوفية والتعاليم التي وضعتها شخصية لها مكانتها الوفيعة في التاريخ الإسلامي ألا وهي شخصية أو حامد الغزالي (1058 – 1111 ميلادية).

وقد دفعت به آراء أستاذ العصر الوسيط (الغزالي) هذا حول التعليم.، والتي أستمدها البنا من كتابه (إحياء علوم الدين) إلى الاقتناع بعدم جدوى الاستمرار في التعليم الرسمي. وهكذا تعرضت للخطر المرحلة الأخيرة من تعليمه الرسمي، أي مرحلة التعليم العالي في العاصمة.

ويتذكر البنا الصراع الذي دار داخل نفسه في السنة النهائية لمدرسة المعلمين بين «حبه للتعليم» واقتناعه «بفوائد التعليم للفرد والمجتمع» وبين التعاليم الغزالية حول العلوم والمعرفة ووجهة النظر القائلة بأن التعليم يجب أن يقتصر على ما هو ضروري «لتحقيق الواجبات الدينية واكتساب الرزق» (ص 90).

وهذا الموقف من التعليم كان السمة المميزة لمواعظه التي ألقاها على أتباعه الأوائل في الجماعة، وهو الموقف الذي عزز ودعم – خلال حياته المهنية – ما يمكن تسميته بالسمات الواقعية والغيبية «لتكوينه العقلي».

على أن معلميه في تلك الفترة حاولوا إقناعه بأن يطرح جانبًا تلك الشكوك التي تراوده وأن يواصل تعليمه العالي. وفي عام 1923، وكان في السادسة عشر، ترك مدرسة المعلمين الأولية والتحق في نهاية العام نفسه بدار العلوم بالقاهرة (ص 28 – 29).

ولقد أنشئت دار العلوم عام 1873 كأول محاولة مصرية لتقديم تعليم «عصري» عال (علوم) فضلا عن العلوم الدينية القليدية التي تخصصت فيها الجامعة القديمة التابعة للأزهر وأصبحت دار العلوم من الوجهة الأساسية مدرسة عليا للمعلمين، إلا أنها اصطبغت أكثر فأكثر، مع تطور النظام الدنيوي للجامعة، بالصبغة التقليدية السلفية.

وخلال تلك الفترة كانت معالم التكوين العقلي والعاطفي للبنا آخذه في التبلور، فحتى ذلك الوقت، كان العاملان المؤثران في تثقيفه بصورة دائمة هما التعاليم الإسلامية الكلاسيكية والانضباط الروحي للصوفية.

كذلك كان التأثير المنهجي الواضح لوالده ومعلميه أكثر أهمية من تعليمه الرسمي. وكان يعتز بأنه كان يتخطى نطاق المعرفة المرتبط «ببرنامجه الدراسي» إذ كانت له فضلا عن هذا البرنامج، مطالعاته الواسعة: أدب الصوفية والسيرة النبوية والقصص التاريخي عن البطولة والدفاع عن «الوطن» و «الغيرة في الدفاع عن الدين» و «والنضال على طريق الله». وليس واضحًا ما إذا كان هذا النوع الأخير من القراءات قد جاء سابقا أم تاليا على إدراكه لوضع مصر كبلد محتل، إلا أنه يشير بوضوح إلى علاقة هذه القراءات بذلك الإدراك .

وكل هذه المؤثرات في حياته وجهها معلموه وجهة عملية طبقها في الجماعات الدينية العديدة التي اشترك فيها. ومن الأمثلة التي تكشف عن حماسته الدينية وإيمانه الديني الراسخ تلك القصة الأسطورية التي تنطوي – رغم الشك في صحتها – على الأدلة رمزية في هذا الصدد.

وتشير تلك القصة إلى أنه وهو في العاشرة من عمره استطاع بجهده الخاص أن ينجح في الاستعانة بالبوليس لإزاحة أحد التماثيل «الداعرة» لامرأة شبه عارية من فوق أحد زوارق النهر، وتحطيمه .

ولقد تشكل هذا الميل الطبيعي للفعالية على نحو جديد أكثر حدة من خلال ما تلقاه من خبرة في القاهرة.

وقد تواقت وصول البنا إلى القاهرة مع فترة الغليان الفكري والسياسي التي ميزت العشرينات. وباستعراضه للموقف «بعيني ريفي متدين» استطاع البنا أن يميز المشكلات الأكثر خطورة من وجهة نظره: الصراع المحتدم بين الوفد وحزب الأحرار الدستوريين على حكم مصر، والمجادلات السياسية الصاخبة التي أسفرت عن « الانقسام» في أعقاب ثورة 1919 و «اتجاهات الردة والعدمية» التي غمرت العالم الإسلامي بعد الحرب، والهجمات التي كانت تشن على التراث وعلى السلف الصالح – والتي شجعتها «الانتفاضة الكمالية» في تركيا – والتي اتخذت شكلا منظما من خلال حركة «التحرر الفكري الاجتماعي» لمصر، وكذلك التيارات «اللا إسلامية» في الجامعة المصرية بعد إعادة تنظيمها والتي بدا أنها تنطلق من الاعتقاد القائل بأن «الجامعة المستمدة منه»، والجمعيات والأحزاب و «الصالونات الأدبية والاجتماعية» العلمانية المؤبدة لمبادئ الحرية في الفكر والعمل التي عملت على تثبيت هذه الأفكار، مستهدفة «إضعاف شأن الدين» بصورة أساسية (ص 46 – 48).

وكان رد الفعل لدى البنا وأصدقائه ذوي الاتجاهات الفكرية المشابهة لفكرة إزاء صورة القاهرة هذه هو: «الله وحده يعلم كم أمضينا من ليال لبحث حال الأمة ، نحلل العلة ونفكر في وسائل العلاج الممكنة ولقد بلغ بنا القلق درجة وصلنا معها إلى حد البكاء».

وفي القاهرة اتصل البنا بجمعية الحصافية، وانضم في السنة التالية لجماعة دينية أخرى هي «جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية» « التي كانت تنظم المحاضرات حول الموضوعات الإسلامية»إلا أن كلا من الجمعيتين لم تكن بكافية في رأيه لسد الفجوة التي رأي أنها تفصل بين المسلمين وبين الإسلام وتعاليمه.

وهكذا من قناعة متزايدة بأن «المسجد وحده غير كاف» للوصول بالناس إلى بر الإيمان الحق، انطلق إلى تنظيم مجموعة من طلبة جامعة الأزهر ودار العلوم الذين توفرت لديهم الرغبة في التدرب للقيام بمهمة « الوعظ والإرشاد». وقدم هؤلاء خدماتهم في المساجد كما قدموها في التجمعات الشعبية» - (المقاهي وأماكن التجمع الأخرى) ( ص 44 – 46) – وكان النوع الأخير من النشاط هو الأكثر أهمية وقد ثبت نجاحه الكبير فيما بعد.

وقد أرسل عددًا من هؤلاء الطلاب بعد تدربهم في القاهرة إلى جميع أنحاء الريف المصري لتولي أعمالهم ليس فقط من أجل «نشر الدعوة الإسلامية » بل أيضا، وبصورة عملية، لنشر فكرة جماعة الإخوان المسلمين.

وقد أدى اهتمام البنا بظاهرة ارتداد «الشباب المتعلم» عن « النهج الإسلامي في الحياة» إلى سعيه للحصول على مشورة الجيل الأكبر من رجال الدين وغيرهم من المفكرين العلمانيين. فكثيرًا ما كان يتوجه إلى المكتبة السلفية التي كان يديرها في ذلك الوقت محي الدين الخطيب، ويتردد على الخلف السوري لمحمد عبده ، رشيد رضا، المشرف على تحرير مجلة المنار، كما أعجب إعجابا صادقا بفريد وجدي وأحمد تيمور باشا الذين رأى فيهما نصيرين «للقضية الإسلامية» (ص 49 – 50، 57 – 58).

وأخيرا فقد أعرب البنا عن قلقه لمشايخ الأزهر – المركز الفكري للإسلام – ثم حمل بشدة على معارضتهم السلبية واستسلامهم الواضح في وجه «التيارات التبشيرية والإلحادية» التي تشيع الفوضى في المجتمع الإسلامي.

ذلك أنه أدرك أن وقت العمل قد حان، ومن ثم كان يحث الآخرين على إدراك ذلك (ص 50 – 54). فتجاربه المبكرة هي التي هيأته للإدراك الحاد لهذه المشكلة، ولقد ظل طوال حياته يحمل ذكريات مريرة ومؤلمة حول القلق الروحي العميق الذي ساد هذه الفترة من حياته في القاهرة في علاقاته «بطبقة الموظفين» الدينيين. وبوضوح أكبر بدأ يتبين نوع «الفعل» اللازم لإنقاذ المجتمع الإسلامي، ودوره هو الخاص في هذا الصدد.

وفي السنة النهائية بدار العلوم، دعي الفصل الذي به حسن البنا لكتابة مقال حول الموضوع التالي: تحدث عن الآمال الكبيرة التي تراودك بعد إتمام دراستك، وبين كيف ستعد نفسك لتحقيق تلك الآمال.

وقد استهل البنا مقاله بالعبارة التالية: « أعتقد أن أفضل الناس هم أولئك الذين يحققون سعادتهم بتوفير سبل السعادة للآخرين وبإسداء المشورة لهم »: ثم ذهب إلى أن ذلك أمر يمكن تحقيقه على أفضل وجه من خلال إحدى الوسيلتين الآتيتين: الأولى هي « طريق الصوفية الحق والتفاني بالعمل الصادق في خدمة الإنسانية».

أما الثانية فهي طريقة التعليم وإسداء النصح، وهو طريق مشابه للطريق الأول من حيث أنه يتطلب الإخلاص والعمل إلا أنه يتميز عنه بارتباطه بحياة الناس «ثم يضيف» إني أعتقد أن شعي قد أبتعد عن أهداف إيمانه نتيجة للمراحل السياسية التي مر بها والتأثيرات الاجتماعية التي تعرض لها وتحت تأثير الحضارة الغربية.. والفلسفة المادية والتقاليد الإفرنجية» ونتيجة لهذا فإن تراث الشباب أصبح إيمانا «فاسدا» وسادت بينهم «مشاعر الشك والحيرة » و «بدلا من الإيمان تفشي الإلحاد بينهم».

وإزاء وضع كهذا كان رأي البنا أن مهمته في الحياة هي ناهضة هذه الاتجاهات، فعليه أن يصبح «ناصحا ومعلما» يكرس نفسه بالنهار للأطفال، ولآبائهم بالليل مبصرا إياهم بأهداف الدين وبالمصادر الأصلية لرفاهيتهم وسعادتهم في الحياة. وسيكون عليه أن يقدم لهذه المهمة أقصى ما يملكه من « مثابرة ونكران للذات»، ومن فهم ودراسة، واهبا لذلك جسدا يتوق لمواجهة المصاعب وروحًا «نذرها الله». وكانت كلمة الختام في مقاله هي «هذا عهد بيني وبين ربي» (ص 54 - 57).

وفي صيف عام 1927 تخرج البنا من دار العلوم وعمره 21 عاما. وفكر لفترة قصيرة في الانضمام إلى واحدة من البعثات السنوية الدراسة بالخارج، إلا أنه لم يفعل ذلك لأسباب غير معروفة ( ص 58 – 59) ، وبدلا من ذلك قبل التعيين في إحدى المدارس الابتدائية بمدينة الإسماعيلية بمنطقة القناة.

وغادر القاهرة في 19 سبتمبر 1927 إلى موطنه وعمله الجديدين وظل يعمل في حقل التدريس حتى استقالته عام 1946 بعد تسعة عشر عاما من التحاقه بالخدمة .

تأسيس الجماعة

منذ البداية بدأ حسن البنا يسهم بدور فعال في حياة مجتمع الإسماعيلية. ومن خلال المسجد والمدرسة اختلط بالشخصيات الدينية والعلمانية البارزة في المدينة.

وعلى الفور – وكما وعد في مقال تخرجه – لم يقتصر نشاطه على الفصول النهارية فقط، بل امتد أيضًا إلى تقديم الدروس الليلية لأولياء الأمور. وكانت غالبية هؤلاء – في ذلك الوقت – عمالا وموظفين وتجارًا صغارًا (ص 61-62) . وبينما أستخدم خلال أيام نشاطه الأولى المدرسة والمسجد، إلا فإنه عاد مرة أخرى لاستخدام المقاهي – كما فعل في القاهرة لخلق جمهور من المستمعين، وهو اتجاه أوحت به مناقشات المسجد.

وكانت طريقته أن يلقى حديثه، وأن يلاحظ أي المستمعين هو الأكثر تأثرًا، ثم يأخذ هؤلاء في مجموعات أصغر من أجل إعطائهم المزيد من الدروس والوعظ والمناقشة لقضية الإسلام. كما سعى في تلك الفترة أيضًا إلى أن يتعرف على نحو أوثق، وأن ينفذ إلى مصادر القوة في مجتمعه المحلي. تلك التي تصورها على أنها تتكون من :

(1)العلماء.

(2) مشايخ الطرق الصوفية.

(3) علية القوم، وكان يقصد بهم العائلات الكبيرة ولزمرة ذات المركز القيادي بالمعنى الواسع للكلمة.

(4) النوادي (الجمعيات ذات النشاط الاجتماعي والديني). تلك هي المصادر التي اهتم وسعى بالتالي إلى التأثير من خلالها على أصحاب الرأي (ص 22 - 71).

وقد أعترف عند تعيينه في الإسماعيلية بأنه لا يعرف أين تقع تلك المدينة على وجه الدقة، وأن كل ما يعرفه هذا الشأن لا يتعدى ما يعرفه غالبية المصريين وهو أنها ارتبطت دائما بقناة السويس وبكل ما يتصل بها من أحداث، ولقد أدت مراقبته لمجتمع المدينة إلى تعميق وعيه بدور المدينة إلهام كنقطة محورية لكل من الاحتلال البريطاني العسكري و «الاحتلال الاقتصادي»الأجنبي.

فهنا لا توجد فقط المعسكرات البريطانية بل وهناك أيضا – وهو ما يمقته البنا بنفس الدرجة – شركة قناة السويس حيث السيطرة الأجنبية الكاملة على الخدمات العامة وحيث علامات الشوراع في الأحياء الشعبية المصرية – كما لاحظ البنا – كانت مكتوبة بلغة الاحتلال (ص 73).

وفي الوقت الذي تركز فيه اهتمامه على بيئته الجديدة، إلى أنه لم ينس القاهرة بكل خطاياها وآمالها. وعلى ذلك فقد احتفظ بصلاته مع الجماعات الإسلامية فيها ومع الأصدقاء الذين نذر نفسه معهم لخدمة « رسالة الإسلام» فقد ساند إقامة جمعية الشبان المسلمين عام 1927 كما عمل مندوبا محليا لمجلة «الفتح» التي تأسست حديثًا والناطقة بلسان التجمعات الإسلامية المحافظة في ذلك الوقت، والتي أشرف على تحريرها محي الدين الخطيب مدير المكتبة السلفية وأحد مؤسسي جمعية الشبان المسلمين (ص 71 – 72).

وبعد تأسيس جمعية الشبان المسلمين في القاهرة بفترة قصيرة، ولدت حركة البنا الخاصة. ففي ذي القعدة من عام 1347 هجرية (مارس 1928) كما سجل البنا: حضر ستة أشخاص من العاملين بالمعسكرات البريطانية لرؤيته، وبكلماتهم نفسا دشنوا رسميا جماعة الإخوان المسلمين.

والواقع أنه لا يمكن التحقق مما قالوه بالفعل في تلك المناسبة.

أما ما نسب إليهم فهو أمر جدير بالاهتمام لسببين اثنين: أولًا، تلخيصه الدرامي الذي لا يخلو من دقة لمطامح الحركة وروحها، وثانيا، تعبيره بوضوح عما أصبح مصدرا رئيسيا لقوتها، وهو طبيعة العلاقة بين القائد والأتباع.

وتسير الرواية على النحو التالي: حضر الرجال إلى البنا وبعد أن شكروه على ما قدم لهم من علم قالوا: «لقد سمعنا ووعينا وتأثرنا ونحن لا نعرف السبيل العملي للوصول إلى عزة الإسلام ولخدمة ورفاهية المسلمين. لقد سئمنا حياة الذل والقيود هذه.

وعجيب أن نرى العرب والمسلمين ليست لهم منزلة ولا كرامة فهم ليسوا أكثر من أجراء تابعين للأجانب. ونحن لا نملك شيئا إلا هذا الدم.. وهذه الأرواح.. وهذه العملات النقدية القليلة.. وإننا لنشعر بعجزنا عن فهم الطريق إلى العمل كما تفهمه أنت، ولا نعرف الطريق إلى خدمة الوطن والدين والأمة كما تعرفه أنت. وكل ما نرغب فيه الآن هو أن نقدم لك كل ما نملكه حتى نصبح في حل من المسئولية أمام الله ولكي تصبح أنت مسئولا أمامه عنا وعما يجب أن نقوم به.

فإذا ما تعاهدت مجموعة مع الله بإخلاص على أن تحيا في سبيل دينه وأن تموت في سبيل خدمته وعلى ألا تسعى إلا لما فيه رضاه فحسب، عندئذ ستضمن قدراتها ونجاحها مهما كان من صغر عدد أعضائها أو ضعف وسائلها.

وقد قبل البنا، الذي تأثر بالموقف تأثرًا عميقا، بالمهمة الصعبة التي ألقيت على عاتقه. وأقسموا جميعا على أن يكونوا «جندًا لرسالة الإسلام».

وتم اختيار الاسم باقتراح البنا: «نحن أخوة في خدمة الإسلام، ومن ثم فنحن (الإخوان المسلمون) (ص 73 – 74).

الإسماعيلية 19281932

كان الهدف المباشر للجماعة، خلال السنوات الثلاث الأولى من حياتها، هو توسيع نطاق عضويتها داخل مدينة الإسماعيلية وفي المناطق المحيطة بها – وقد عمل البنا وعدد من المندوبين المختارين على تحقيق هذا الهدف عن طريق الاتصال المباشر والقيام بجولات في الريف أيام الأجازات الأسبوعية والعطلات، وإلقاء المواعظ في المساجد في أغلب الأحوال وفي المنازل والنوادي والتجمعات الأخرى أيضا وقد وفر لهم الحديث داخل المساجد الشرعية والاحترام اللازمين لحركتهم. كما أن الصلات المباشرة مع الناس في منازلهم وأماكن عملهم وأيام راحتهم، أضفت على هذه الشرعية طابع الصدق والتواصل الإنساني وخلال سنوات أربع تكونت عدة شعب للجماعة على طول الجانب الشرقي للدلتا في الإسماعيلية وبورسعيد والسويس وأبو صوير، وعلى الجانب الغربي حتى شبراخيت، كما كانت هناك صلة محدودة نسبيا بالقاهرة (ص 84 – 86 ، 100 – 108).

واتخذت الجماعة من أحد المنازل القديمة بالإسماعيلية مركز نشاطها في تلك الفترة –مقرا لها. وساعدت التبرعات ( ومن بينها خمسمائة جنيه مصري من شركة قناة السويس) والقروض المقدمة من تجار المنطقة على تمويل بناء مسجد انتهي منه في عام 1930 ( ص 82 – 86 – 93 – 96 ), ثم أضيف إليه بعد ذلك مدرسة للبنين وناد ( ص 96 – 98) ومدرسة للبنات ( 109 – 110) وقد تم تأسيس الشعب الأخرى على نفس النمط: إنشاء مقر قيادة يتبعه إنشاء بعض المشروعات: مسجد، مدرسة، ناد مصنع محلي صغير أي مشروعات يمكن استخدامها ركيزة لممارسة مصالح أو أنشطة تخص المجتمع المحلي .

لكن مع الانتشار السريع للجماعة، ظهرت موجة من العداء الغريزي والأعمال المناهضة لنشاطها، مثلت نذيرًا لما سوف تحمله السنوات التالية على نطاق لم يكن ليحلم به البنا. ففي ذلك الوقت، عام 1930، انحصرت المشاعر العدائية في الشكاوى المقدمة حول الحركة ونواياها تجاه وزارة إسماعيل صدقي باشا.

وقد زعمت هذه الاتهامات ضمن ما زعمت – والتي أدرك البنا أن بعضها موجه من قبل المسيحيين – بأن البنا كان: (1) شيوعيًا يستخدم الأموال الشيوعية في القيام بنشاطه (2) وفديا يعمل ضد صدقي (3) جمهوريا يعمل ضد الملك فؤاد (4) مجرما انتهك شروط الوظيفة التي تحظر جمع الأموال واستخدامها لأغراض غير قانونية. وقد تم التحقيق مع البنا من قبل وزارة المعارف بناء على طلب رئيس الوزراء، إلا أن التحقيق انتهى بتبرئة ساحته «من جميع التهم (ص 88 – 93).

وإن كان هناك شيء آخر أضافه التحقيق فهو ذلك الاهتمام الذي أولاه صدقي باشا للجماعة، الذي لعب دورًا آخر فيما بعد في الكشف عن تاريخها.

وبعد أجارة صيف عام 1932 طلب البنا نقله إلى القاهرة وأجيب إلى طلبه. وكانت جماعته على صلة سابقة بجماعة الثقافة الإسلامية القاهرة ، التي كان يرأسها عبد الرحمن البنا أحد أشقائه الأصغر سنا والمتدين بنفس الدرجة والذي كان يعمل القاهرة بعد حصوله على دبلوم التجارة العليا.

وقد اندمجت الجماعتان لتتكون منهما أول شعبة للإخوان المسلمين في القاهرة ، مما أتاح للجماعة فرصة الدخول بصورة منظمة في «الدوائر الإسلامية» بالعاصمة. وأصبح أغلب أعضاء مجموعة القاهرة قادة للجماعة في محيطها الجديد بهذه المدينة ( 108 – 109 ).

وكانت الحاجة لاختيار من يحل محل البنا في الإسماعيلية مثارًا لأول خلاف يدور داخل الجماعة. ويروي البنا كيف ثار هذا الخلاف على النحو التالي: بعد أن طلب الأعضاء المقربون منه أن يرشح ممثلا يحل محله، وفي اجتماع عام عقد بالمسجد تم اختيار مرشح بالإجماع .

إلى أن أنصار أحد المتنافسين سرعان ما بدأوا حملة من الهمس ضد الممثل المنتخب محتجين بأن الاجتماع لم يكن قانونيًا بسبب تغيب بعض الأعضاء.. وناقش البنا المسألة مع المنشقين ووافق على الدعوة لاجتماع آخر أعلن عنه على أوسع نطاق، غير أنه طلب منهم الموافقة المسبقة – وقدموها فعلا – على الالتزام بالقرار الذي سينتهي إليه هذا الاجتماع ... ومع ذلك فعندما عزز الاجتماع الثاني ما انتهي إليه الاجتماع الأول ، لجأ المنشقون إلى حيلة جديدة – فقد أشاعوا في البداية أن القدرات الإدارية المتواضعة للعضو المنتخب تعرض القروض المقدمة للجماعة لخطر الضياع.

وعليه أعلن البنا، بموافقة دائني الجماعة، تحمله شخصيًا مسئولية المبلغ بأسره. وعندما أعلن ذلك قدمت التبرعات الخاصة إليه لتمكينه من سداد الديون بالكامل.

ثم قدم المنشقون، وكان من بينهم أمين صندوق الجماعة، بلاغًا رسميًا ضد البنا، متهمين إياه بإساءة استخدام أموال الجماعة وذلك بتوزيعها على الشعب الجديدة ومن بينها الشعبة التي يرأسها شقيقه في القاهرة. وقد أصدر النائب العام قرارًا ببراءة البنا من التهمة عندما اعترف المدعي بأن الأعضاء أنفسهم يؤيدون تصرف البنا.

واقتنع البنا تمامًا أن هؤلاء الرجال فقد فقدوا إدراكهم لطبيعة الجماعة وإيمانهم بطاعة القيادة، وبأن من الواجب فصلهم. إلا أنهم استقالوا قبل أن يقدم على اتخاذ هذا الإجراء ليشنوا حملة من الإشاعات حول خطورة الجماعة و «عملها السري» وليشدوا بالذات على وقوفها ضد «حرية الرأي» وبعد وصول البنا إلى القاهرة حاول بعضهم تشويه سمعته عند ناظر المدرسة التي نقل إليها... إلا أن أصدقاء البنا قاموا بالاعتداء عليهم بالضرب وتم تحويلهم إلى المحكمة، حيث أفرج عنهم جيمعًا (ص 119 – 135).

وذلك هو الخلاف الوحيد في حياة الجماعة – في عهد البنا – الذي توجد له رواية رسمية بمثل هذا الشمول. ورغم عدم توافر أي دليل مستقل يعزز أي جزء مفرد من رواية البنا، إلا أن الأمر الجدير بملاحظة هو أن هذا الخلاف كان نموذجا لجميع القضايا الخلافية التي هددت من حين لآخر الوحدة الداخلية للجماعة عندما اتسع نطاق نشاطها، والتي كان لها تأثيرها على مسار تقدم الجماعة وعلى مجرى تاريخها، وأخيرًا توقفها النهائي عن النشاط.

هوامش الفصل الأول

(1) المصدر الأساسي لحياة حسن البنا مستقي من المادة الخاصة بسيرته الذاتية بعد جمعها (وتصنيفها) من صفحات جرائد ومجلات الجماعة .

وقد ظهرت أول كتب المذكرات، والتي جمعها أحد السوريين (انظر مجلة الدعوة 15 أبريل 1951 ص 8) في بيروت وتحت عنوان: «مذكرات حسن البنا» الجزء الأول، والكتاب يتناول حياة البنا والسنوات الأولى من تاريخ الحركة .

على أن الطبعة التي صدرت في القاهرة بعنوان « مذكرات الدعوة والداعية» هي النص الأصلي لطبعة بيروت مع إضافات كتبها أحد الكتاب المصريين امتدت بالموضوع حتى بداية الحرب العالمية الثانية. ومن المعروف أن النص الأول ظهر في بيروت عقب أول حل للجماعة عام 1948 وأن النص الثاني ظهر في الفترة المبكرة من إعادة تنظيمها بعد 1950.

وسوف نستعين في هذه الدراسة بطبعة القاهرة وسنشير لها بعد ذلك بكلمة «مذكرات». ولأن هذا الفصل يعتمد بصورة أساسية على هذا المصدر، فسوف نضع إشاراتنا إليه بين أقواس في متن الدراسة. ولسوء الحظ لا توجد، فيما نعلم، أية مصادر نقدية يمكن مقارنها مع هذه السيرة الذاتية:

ومن أجل الإلمام الأكثر تفصيلا بحياة البنا وبشخصيته وتأثيره يمكن الرجوع إلى مجلة الدعوة (غير الرسمية والموثوق بها مع ذلك) وبصفة خاصة الإعداد التذكارية التي صدرت في مناسبة ذكرى وفاة البنا: الدعوة 13 فبراير 1951، 12 فبراير 1952، 10 فبراير 1953، 16 فبراير 1954 و 15 فبراير 1955. ومن أفضل وأقدم التحليلات والتلخيصات للمادة المتوفرة حول البنا كتاب الحسيني «الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية الحديثة» ص 7 – 8 ، 12 – 19, 40 – 62.

(2) يذكر الحسيني في (الإخوان المسلمين) أن من بين أعماله دارستين عن الفقيهين الشافعي وأبن حنبل، وأنه أستقى مادته من الدراسة الوحيدة والمطولة عن والد البنا لأحمد أنيس ألحجاجي«روح وريحان»، ص 101 – 122.

(3) أنظر ما رواه إلينا عن طفولته وأيامه قبل الدراسة في مجلة العصور (20 أغسطس 55) ص 16.

(4) انظر «ذكريات هذه الأيام في مكتبة والدي» بقلم شقيقه عبد الرحمن في مجلة «الدعوة» (13 فبراير 1951) ص 3، 30.

(5) انظر أيضا الحسيني «الإخوان» ص 47.

(6) بالإضافة إلى الأعمال التي ذكرها البنا (ص 27) انظر الحسيني «الإخوان ص 7 ص 48، 49.

(7) نفس المصدر ص 46.

(8) وردت هذه القصة ضمن قصص أخرى على لسان والده في مجلة المصور (29 أغسطس 1952).

(9) محمد حبيب أحمد، نهضة الشعوب الإسلامية في العصر الحديث ص 105.

(10) انظر أيضا أنور الجندي «قائد الدعوة: حياة رجل وتاريخ ومدرسة« ص 147 – 139، والحسيني الإخوان ص 10 – 11.

(11) المؤتمر الخامس ص 7.

(12) انظر قائمة الجماعات الدينية في كتاب «مصر الحديثة» لثهيورت دون ، ص 30.

(13) المؤتمر الخامس ص 6 .

(14)ذهب البنا إلى أنه نتيجة لهذا التفاؤل للآراء ظهر «القطوران الإسلاميان» الهامان في عام 1927 وهما: تأسيس جمعية الشبان المسلمين على غرار جمعية الشبان المسيحيين، وإصدار «مجلة الفتح» التي كان مخططا لها أن تكون «صوت الإسلام» انظر مجلة الدعوة (15 فبراير 1955) ص 18، لمزيد من التفاصيل حول المقالات الأولى للبنا في مجلة الفتح.

(15) انظر أيضا من أجل وصف تفصيلي بليغ للأسلوب «المفعم بالقلق» الذي كتب به إلينا المقال، الحجاحي «روح وريحان» ص 85 – 98.

(16) أثارالأعضاء أنفسهم السؤال الهام بخصوص ما كان سيحدث لو أن البنا قد سافز إلى الخارج. انظر الدعوة (15 فبراير 1955 ص 18 وحبيب أحمد، نهضة الشعوب ص 104.

(17) انظر أيضا فتحي العسال «حسن البنا كما عرفته» ص 54 – 55.

(18) انظر الهامش رقم 14 ولم يكن نشاط جمعية الشبان المسلمين عريضا في نظر البنا بحيث يستحوذ على كامل اهتمامه.

(19) يتوافق ذو القعدة 1347 هجرية مع شهري أبريل ومايو 1929 كما لاحظ هيورث دون في «مصر» ص 15 وروزنتال « الإخوان المسلمون في مصر» ومجلة عالم الإسلام أكتوبر 1947 ص 728 إلا أن البنا أورد التاريخ الهجري المبين أعلاه متوافقا مع مارس 1928.

ومن جهة ثانية يورد الحسيني في «الإخوان» شهر مارس 1928 دون أن يشير إلى الشهر الهجري. وأتبع الكتاب هذا التاريخ أو ذاك دونما إشارة إلى الأختلاف بينهما.

وقد تم الأحتفال بالذكري العاشرة في يناير 1939 مما جعل تاريخ 1929 هو الأرجح إلا أن الاحتفال بالذكرى العشرين ثم في سبتمبر 1948 ويقبل أغلب الأعضاء تاريخ 1928 على أنه الأكثر دقة فضلا عن أنه مذكور في المادة الأولى من «قانون النظام الأساسي للحياة العامة للإخوان المسلمين، ص 5 مع التاريخ الهجري المذكور آنفا. انظر كتاب هاريس «القومية والثورة» ص 150.

(20) انظر أيضا الحسيني «الإخوان» ص 17 – 19 وعبد الباسط البنا «تاج الإسلام وملمحة الأمام» ص 18 – 25.

(21) الحسيني، الإخوان ص 21، العسال، البنا كما عرفته، ص 54.

(22) انظر أيضا عبد الباسط البنا «تاج الإسلام» ص 34 – 36 ولبيب البوهي « الإيمان والرجل» ص 6 – 7 , وعبد الجليل الخولي «قائد الدعوة الإسلامية حسن البنا» ص 26 ومجلة الدعوة (فبراير 1952) س 11.

الفصل الثاني :«الوصول إلى مركز القوة»

القاهرة: 19321993

لم تؤد الأزمة الصغيرة التي أفسدت على البنا رحيله عن الإسماعيلية إلى إضعاف مشاعر البهجة والتفاؤل بالمستقبل التي رافقت التحرك إلى القاهرة– وقسم البنا وقته بين التزاماته تجاه المدرسة التي يعمل بها وبين التنظيم أو المنظمة الجديدة. ولقد سبق أن لاحظنا أن الاندماج مع جمعية الثقافة الإسلامية قد هيأ للجماعة نقطة بدء فعالة. وأعلنت شعبة الإسماعيلية نقل مقر القيادة إلى القاهرة وواصلت تقديم المعونة المالية لنشاط الجماعة القاهرة. ويزعم البنا أنه رفض، في هذا الوقت المبكر، عروضا مختفلة «بالإعانة المالية» في مقابل تأييد «الوضع السياسي القائم»، والتي قدمها إسماعيل صدقي باشا رجل القصر الدائم والقوى، والعدو اللدود لحزب الوفد.

وقد التزم البنا وبحزم بعدد من الأعباء التي يقوم بها بعد فراغه من العمل المدرسي وأتبع نظاما روتينيا ثابتا: يزور مركز الجماعة في الصباح قبل الذهاب إلى المدرسة، ثم بعد عودته منها، ثم في المساء. وخلال تلكك الأوقات كان ينكب على تصريف الأعمال الكبيرة المتزايدة من الزوار، وكان يخصص الفترة بين غروب الشمس وصلاة العشاء لإلقاء المحاضرات التقليدية، ومعظمها يتعلق بتفسير القرآن وكان يقدمه بصورة مبسطة لمستمعيه الذين كانوا في ذلك الوقت من فقراء الحي المحيط بمقر الجماعة وكانوا قوما «بلا تعليم وبلا رغبة في التعلم».

من هذه البداية المتواضعة التي لم تختلف عن بدايات العديد من الجماعات الدينية التي ازدهرت في العاصمة، نمت جماعة الإخوان المسلمين في فترة نشوب الحرب العالمية الثانية لتصبح واحدة من أهم القوى السياسية المتصارعة على المسرح المصري. ودخل في عضويتها نوعيات مختلفة للغاية بحيث أصبحت تمثل عمليا فئات المجتمع المصري على اختلافها. كذلك كانت لها – وهو الأهم – غزوات فعالة داخل الفئات التي كانت محلا لتنافس كافة القوى السياسية – الموظفين والطلبة – والفئات التي لافت إهمالا بالغا رغم قوتها الهائلة الكامنة، أي عمال المدن والفلاحين.

أثر سلسلة من التنقلات خرجمقر الجماعة من أزقة الأحياء الشعبية إلى شوارع القاهرة الرئيسية، ومن الحجرات الصغيرة إلى المباني والأرض الشاسعة فضلا عن وجود هيئة دائمة من السكرتارية والموظفين ذوي المرتبات المدفوعة والمتفرغين للعمل تمشيا مع حجم عضويتها المتنامي وإتساع نفوذها وحقل نشاطها داخليا وخارجيا. وهناك معيار آخر لنمو الجماعة يتمثل في حجم ونطاق «المؤتمرات العامة» التي كانت تقام بصورة دورية لمناقشة عمل الجماعة ووضع الخطط اللازمة له أو التصديق على ما تم القيام به فعلا أو ما تم الاتفاق عليه. كذلك تقدم هذه المؤتمرات صورة عامة لنشاط الجماعة في الفترة من 1932 إلى 1939.

وقد تركز اهتمام المؤتمر العام الأول المنعقد في مايو 1933 على المشكلة الخاصة بنشاط البعثات التبشيرية المسيحية وأساليب مواجهتها. وأرسلت الجماعة خطابا إلى الملك فؤاد أعربت فيه عن اعتقادها بضرورة إخضاع نشاط البعثات التبشيرية الأجنبية المرقابة الحكومية الصارمة.

وتناول المؤتمر العام الثاني، المنعقد في وقت متأخر من نفس العام، تناول بالبحث مسائل الإعلان والدعاية التعليمية، وأقر تأسيس شركة صغيرة لإنشاء مطبعة خاصة بالإخوان المسلمين. وتلي ذلك مباشرة إصدار عدة صحف معبرة عن الجماعة: ففي البداية صدرت مجلة «النذير»، كما قامت المطبعة بطبع «الرسائل» التي أصبحت فيما بعد أهم النصوص «التوجيهية» بالنسبة للأعضاء، وكانت حتى عام 1948 هي المصادر الأساسية لدراسة أفكار الحركة – وتورد هذه الرسائل، التي كتبها حسن البنا، نسخا من رسائل الجماعة واتصالاتها بالحكومة المصرية المختلفة أو موجزا لتلك الرسائلحول وضع المجتمع المصري والطريق إلى الإصلاح، أو تنطوي على رسائل كتبت للأعضاء حول فكرة أو حول المهام أو المسئوليات الملقاة على عاتقهم، كذلك سارعت الجماعة إلى إقامة الاتصالات الشفوية بإلقاء محاضرات أسبوعية على جميع المستويات في |المركز العام وفي الشعب المختلفة، وبإلقاء المحاضرات والمواعظ في المساجد وفي أي مكان آخر يكون مجالا للتجمع ذلك أن البنا كان يرى أن قضية اكتساب أنصار جدد هي المرحلة الأولى التي لابد منها لأي حركة إنها مرحلة «الدعاية والاتصال والأعلام».

وانعقد المؤتمر العام الرابع للاحتفال بتتويج الملك فاروق عام 1936. أما المؤتمران الثالث والخامس (مارس 1935 ويناير 1939 فقد نوقشت فيهما موضوعات معينة مثل مقاييس أو شروط العضوية ومسئولياتها، والسلطة العليا للجماعة وبنيتها التنظيمية. ونظم المؤتمر بوجه خاص تشكيلات «الجوالة» التي تمت بصورة منتظمة من خلال ممارسة التدريبات الرياضية التي بدأت في الأيام الأولى للجماعة بالإسماعيلية. وبعد الجوالة جاء تأسيس الكتائب عام 1937 للغرض نفسه هو العمل على تواجد أتباع مخلصين للجماعة وتزويدهم بالأدوات اللازمة لوضع أفكارها موضع التنفيذ. أما المؤتمر الخامس فقد أولى اهتماما خاضا للمسائل المتعلقة بتعديل للوائح الداخلية. وهو الأمر الذي وصفه البنا بأنه «المرحلة الثانية» للحركة ، الخاصة بالتشكيل والاختيار والأعداد.

وقد تواقت المؤتمر الخامس مع الذكرى العاشرة لتأسيس الحركة وخلال هذه السنوات العشر تبلورت مجموعة الأفكار التي شكلت أيديولوجية الجماعة وجوهر فكرتها خلال السنوات العشر التالية وما بعدها. وكانت هذه الأفكار أساسًا بمثابة تعريف إسلام الإخوان المسلمين، وتأكيد على أن:

(1) الإسلام كنظام شامل متكامل بذاته، هو السبيل النهائي للحياة بكافة نواحيها

(2) الإسلام نابع من، وقائم على مصدريه الأساسين، ما جاء به الوحي في القرآن وحكمة الرسول في الحديث

(3)الإسلام قابل للتطبيق في كل زمان ومكان.

وفي داخل هذا الإطار حدد حسن البنا للأعضاء نطاق الحركة التي يشكلون جزءا منها: ففكرة الإخوان المسلمين تنطوي في ذاتها على جميع نواحي الإصلاح، وفي كلمات محدودة أوضح أن الحركة «دعوة سلفية وطريقة سنية وحقيقة صوفية ومنظمة سياسية وجماعة رياضية ورابطة علمية ثقافية وشركة اقتصادية وفكرة اجتماعية» وكان من بين خصائصها المميزة تجنب الخلافات المذهبية التي «الأعيان والأعلام» «والأحزاب والجامعات» واهتمامها بالتنظيم والبرنامج والعمل والسعي الدائب لنمو حجم عضويتها واستنادا لهذه الأسس أوضح البنا اتجاه الجماعة إزاء السلطة والحكومة والدستور والقانون والقضايا الوطنية والعروبة.

على أن المؤتمر الخامس تطلع أيضًا إلى المستقبل إلى فجر «حياة جديدة» «ونضال جديد»، إلى الأعداد للمرحلة الثالثة من نشاط الحركة، وهي مرحلة التنفيذ» وتلك هي المرحلة النشطة التي سنخرج منها «الثمار الناضجة لرسالة الإخوان المسلمين». إلا أن البنا ، إزاء ضغط أنصاره من الشباب (كما سنرى بعد حين)، انتهز الفرصة كي يحذر «المتسرعين والقلقين» بأن الطريق ما زال طويلا إلا أنه لا طريق سواه، وأن النجاح لن يتأتى إلا بعد الصبر والتخطيط وأن العمل وليس الكلام، والتحضير وليس الشعارات، هما الكفيلان بإحراز النصر. وفي كلمته الختامية الشهيرة صاغ شروط تلك المرحلة: «.. في الوقت الذي يكون فيه منكم – معشر الإخوان المسلمين – ثلاثمائة كتيبة قد جهزت كل منها نفسها روحيا بالإيمان والعقيدة، وفكريا بالعلم والثقافة، وجسميا بالتدريب والرياضة في هذا الوقت طالبوني بأن أخوض بكم لجاج البحار، وأقتحم بكم عنان السماء، وأغزو بكم كل عتيد جبار، فإني فاعل إن شاء الله».

وعلى ذلك فقد رأي المؤتمر الخامس في عام 1939 أن المنظمة قد أكتسبت داخليا إطارها الأساسي وأنها أصبحت قوية بدرجة تكفل لها أن تستعرض عضلاتها علنا وبحرص شديد في وقت معا، أما نشاطها الخارجي، الذي لم يكن يحده سوى متطلبات تنظيم في مرحلة النمو، فقد تطور على نحو متزايد الجرأة والثقة بالذات وبصورة مضطردة الأتساع مع تطور أفكارها والأدوات المرتبطة بتحقيق تلك الأفكار بصورة أكثر وضوحا وتحددا.

وكان خطاب الجماعة إلى الملك فؤاد في 1933 بخصوص النشاط التبشيري بمثابة البداية للعديد من الاتصالات المشابهة برؤساء الحكومات المصرية بهدف الوصول إلى الإصلاح باسم الإسلام روحا ونصا. ومن أكثر هذه الاتصالات شدة، الخطاب الذي وجه إلى الملك فاروق ورئيس وزرائه مصطفي النحاس باشا ولرؤساء الحكومات العربية عام 1939 وهو عبارة عن صياغة للمقترحات التي سبق أن تقدم بها البنا، والتي ظهرت في الرسالة المعروفة باسم «نحو النور»( ). وقد شغلت عملية توجيه هذه الرسائل وإصدار المجلات الأسبوعية الجانب الأساسي لنشاط الجماعة خلال سنواتها الأولى في القاهرة.

وقد هيأت الاضطرابات التي وقعت في فلسطين بين الصهاينة والعرب والبريطانيين أولى الفرص للتدخل الفعال للجماعة والذي تجاوز حدود الدعاية في المسائل «السياسية».واتخذ هذا التدخل صورة جمع الأموال لمساعدة العرب الفلسطينيين على مواصلة «لإضراب» العربي في الفترة من 1936 إلى 1939، وفي القيام بالمظاهرات وتوزيع الكتيبات وإلقاء الأحاديث دفاعا عن قضيتهم. وقد اعترف البنا رسميا – وأن جاء ذلك في وقت لاحق في أول عدد من مجلة النذير في مايو 1938 بأن النشاط السياسي يشكل جزءا من اهتمامات الحركة ميز – على حد قوله - «بداية مشاركتها في النضال السياسي الداخلي والخارجي وسوف نذكر للمؤتمر الخامس أنه حدد طبيعة الجماعة بأنها – ضمن الأشياء الأخرى - «هيئة سياسية» ومن الواضح أن هذا التحرك في اتجاه النشاط السياسي قد تطابق توقيته ليس فقط مع شعور الجماعة المتنامي بقوتها التنظيمية بل أيضا مع الاتجاه المواتي من الاهتمام السياسي الواضح لدى وجه «للقضايا الإسلامية» في العالم العربي وفي شمال إفريقيا وجنوب آسيا.

وفي مصر، كان الموقف السياسي محكوما بوجود الملك الشاب فاروق الذي اعتلى العرش حديثا وكان محببا إلى الناس في ذلك الوقت، وقد توج ملكا في يوليو 1937، بعد فترة من الوصاية على العرش بدأت في مايو 1936. وقد حظي اتجاهه الديني المبكر، نتيجة تأثره بأحد معلميه الخصوصيين وهو الشيخ مصطفى المراغي شيخ الأزهر، بتقدير الشعب واحترامه. وكما أسلفنا القول، فإن المؤتمر الرابع للإخوان قد دعي للانعقاد للاحتفال باعتلاء فاروق للعرش. وبعد احتفال طويل وبهيج – لعبت خلاله الجوالة أول أدوارها الهامة كقوى «للنظام والأمن» - تجمع الإخوان عند بوابات قصر عابدين وهم ينشدون قسما تقليديا بالولاء: «نهبك ولاءنا على كتاب الله وسنة رسوله».

وإلى جانب المراغي، كان صاحب الأثر الآخر على الملك الشاب هو على ماهر باشا، الصديق القديم للأسرة المالكة وعدو الوفد وقد انتقلت هيبة الملك الجديد إلى على ماهر، الذي سارع إلى انتهاز الفرصة لكي يمسك القصر بزمام المبادرة في الصراع التقليدي بين الامتياز الملكي وحزب الوفد الشعبي وقام حلف المراغي – ماهر، بالضرب على النغمة العربية بل والإسلامية ممتزجة بالسياسة المعادية للوفد، فحظي بتأييد الإخوان المسلمين ومصر الفتاة أو «القمصان الخضراء» بزعامة أحمد حسين أفندي – وبالتالي أبدى الحلف تشجيعه لمثل هذه التجمعات. ومن وجهة معينة، كانت الجماعتان بوصفهما حزبين شعبيين مفيدتين كنقل سياسي مضاد للوفد. على أن نشاط الإخوان المسلمين دفاعا عن فلسطين قد أثر فضلا عن ذلك – في كل من المراغي وماهر، اللذان رأيا في هذه القضية وأنصارها شيئا لتعزيز هيبة مصر في العالم العربي.

وعندما عاد على ماهر إلى القاهرة في مارس عام 1939 بعد حضوره مؤتمر المائدة المستديرة حول فلسطين في لندن، كأحد أعضاء الوفد المصري للمؤتمر، أستقبله الإخوان إستقبالا حافلا.

وقد اكتسبت هذه العلاقة بين ماهر والإخوان المسلمين أهمية إضافية خلال السنة الأولى للحرب، وهو الأمر الذي سنتناوله في جزء قادم من هذا الفصل وحالما أصبحت هذه العلاقة أكثر وضوحا سنحت الفرصة لانشقاق ثان أكثر خطورة هذه المرة . ففي خريف عام 1939 على وجه التقريب، انفصلت مجموعة صغيرة من المنشقين عن الجماعة وشكلت «جمعية شباب سيدنا محمد» وقد حدث الانشقاق حول ثلاثة مسائل منفصلة اندمجت بالتدريج في قضايا أساسية حول الوسيلة والغاية.

وأولى تلك المسائل كانت تتعلق باستخدام الأموال التي جمعها البنا لدعم إضراب العرب في فلسطين والأنشطة التي قامت بها الجماعة دعما لهم. وقد قبل معظم الأعضاء بوجهة نظره بأن إنفاق بعض هذه الأموال على شعب الجماعة في مصر – وبالتالي جعل الجماعة أكثر فاعلية – ليس من الأمور التي تلحق الضرر بالفلسطينيين بل تساعدهم بالأحرى بطريقة أخرى. وقد لزم للنشقون الصمت لفترة، إلا أن سخطهم ظهر مجددا مع النقطة الثانية في الخلاف: وهي مسألة ما إذا كان يتعين أولا يتعين على الجماعة عقد تحالفات مع قوة أو أخرى من القوى السياسية الموجودة في البلاد.

وكان البنا قد أوضح أن من بين الفضائل الأساسية للجماعة تجنب التورط مع «الأكابر والأعلام» و «الأحزاب والجماعات» إلا أن علاقته الودية مع على ماهر – التي ساد اعتقاد راسخ بأنها تضمنت تقديم «مساعدات» من نوع ما إلى الجماعة، وهي التهمة التي لم يقر بها البنا وإن لم ينكرها بحزم أدت إلى إتاحة الفرصة لإثارة القضية. فطالبت جماعة المنشقين بفصل «أحمد السكري» صديق البنا منذ الطفولة والزميل القديم في فكرة إنشاء التنظيم، والذي حضر إلى القاهرة مؤخرا لتولي منصب نائب الزعيم. وكان السكري الذي اعتبر محور المشكلة في العلاقة مع ماهر، قد أصبح في هذا الوقت «ضابط الاتصال السياسي» غير الرسمي وهو الدور الذي ظل يمارسه حتى تم فصله عام 1947. وفي عام 1939 رفض البنا فصله، وبالتالي سمح للموقف بأن يزداد اشتعالا. ووضح أن بعض المنشقين كلن يحركهم رد فعل قوى لم ينشأ عن الاعتبارات السياسية أو التحالفات بقدر ما نشأ عن موقف الجماعة من على ماهر وفكرة السماح للجماعة أن تصبح أداته لمحاربة الوفد. ففي ذلك الوقت لم يكن من التناقض بعد، أن تصبح عضوا وفديا وأنت في جماعة الإخوان المسلمين.

وقد أدن قضية التحالفات السياسية والنشاط السياسي إلى ظهور المشكلة الثالثة المتعلقة بالأساسيات العقائدية والأخلاقية التي يجب أن تسترشد بها الجماعة وبالرغم من تسوية هذه المشكلة بصورة مؤقتة إلا أنه لم يتم حلها أبدا حلا نهائيا. وقد اتخذ بعض الأعضاء الذين انضموا إلى الجماعة - «دفاعا» عن القيم الإسلامية – هذا الالتزام بصورته الحرفية وشجعهم على هذا تأكيد الجماعة على النظام والتدريب ألبدني والروحي والمعنوي. وقد مال هؤلاء الأعضاء مع تنامي قوة الجماعة ومع تجسيد هذه القوة في نظام الجوالة والكتائب، إلى المطالبة بأن تؤدي الجماعة رسالتها. فرسالة الجماعة، في رأيهم واضحة لا تتأثر بالاعتبارات السياسية المعقدة، أنها الخلاص الروحي لمصر «بقوة السواعد» إذا استدعى الأمر. وقد لجأوا في هذا السياق، إلى الحديث النبوي القائل: «من رأي منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وهذا أضعف الإيمان».

وقد عارض البنا، في هذا النزاع، تطبيق الحديث مؤثرا العمل بالآية القرآنية: أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن أن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين. مما أدى إلى انفصال عدد من الأعضاء عن الجماعة خلال الفترة من 1937 إلى 1939، بسبب سخطهم على موقف البنا في هذه المسألة، وهو الموقف الذي بدا متناقضا في رأيهم مع تعاليم الجماعة. ولقد قيل أن واحدا من هؤلاء حاول الاعتداء على حياته. وفي عام 1939 أدى تفاقم الغضب حول المسائل السياسية واستخدام الأموال في مصر فلسطين ورفض البنا المستمر لفكرة فرض الإصلاح بالقوة على ازدهار الحركة الانشقاقية. وأكدت الاتجاهات التطورية لجمعية شباب سيدنا محمد الجديدة الأهمية النسبية للجانب المعنوي في النضال ضد البنا.

وقد أدى هذا الانشقاق إلى نتائج عاجلة. وكان تحذير البنا في المؤتمر الخامس عام 1939 ضد «المتعجلين والقلقين» هو تحذير فرضه هذا التطور وظل الشعور بالتوتر عاليا لدرجة قامت معها ضحية أخرى حول هذه المسألة عام 1940، مما أدى إلى حدوث مزيد من الانشقاق. ومن بين أبرز هؤلاء المنشقين نجد محمود أبو زيد المشرف على تحرير مجلة النذير الذي أخذ معه المجلة ورخصة الجماعة الخاصة بإصدارها ( )وربما بدأ في النهاية، أن نظام الكتائب قد حكم عليه بالفشل الذريع نتيجة لرد الفعل من جانب المنشقين إزاء برنامج التدريب، وقد نعت أعضاء من الإخوان هذا الموقف بأنه سلوك «أهوج» أدى – فيما بعد- إلى توقف البرنامج.

ورغم أن انشقاق 1939 والمشكلات التي أثارها كانت من الأهمية بمكان بالنسبة للبنا كما كان سببا كافيا لإزعاجه، إلا أنه لم يؤد إلى أي عرقلة حقيقية لتقدم الجماعة سواء من حيث عدد الأعضاء أو من حيث النفوذ. وقد أدت سنوات الحرب والنتائج السياسية والاقتصادية التي ترتبت عليها إلى إضافة قوة دفع جديدة لهذا التقدم. كذلك اتضحت، على نحو محدد، الاتجاهات الفكرية والتنظيمية للجماعة – والتي كانت مفهومة ضمنا أو موجودة كإمكانية خلال سنواتها العشر الأولى وتطورت الجماعة بصورة غير محسوسة – في الغالب – إلى قوة راغبة وقادرة على القيام بدور حاسم، في سنوات ما بعد الحرب في الحياة المصرية.

الحرب العالمية الثانية

من بداية الحرب العالمية الثانية، ارتبط تاريخ الإخوان المسلمين – بصورة لا تنفصل – بتاريخ مصر. وقبل تقديم وصف مفصل لتطور الجماعة، سيتعين علينا أن نعرض للأحداث السياسية العامة في مصر وللعلاقات بين مصر وبريطانيا العظمى. ففي أغسطس 1939 استقال محمد محمود باشا رئيس الوزراء لأسباب صحية. وكلف الملك على ماهر بتشكيل الوزارة الجديدة، وعين على ماهر من بين وزرائه محمد صالح حرب باشا وزيرا للدفاع الوطني وهي الوزارة ذات الأهمية الاستراتيجية، وعبد الرحمن عزام بك وزيرا للأوقاف أولا ثم وزيرا للشئون الاجتماعية، ثم في المنصب الأخطر: قائدا للجيش المرابط مع تعيين اللواء عزيز على المصري رئيسًا لأركان القوات المسلحة.

ومع وجود ملك متأثر وخاضع تمامًا لعلي ماهر والمراغي والأفكار والخاصة بالوحدة العربية (بل وربما الإسلامية أيضا) ومع وجود هذه الشخصيات لم تكن مصر في أيدي من تعتبرهم بريطانيا زعماءها الذين يمكنها الاعتماد عليهم.

ولقد اتخذت مصر موقفا صائبا. فمع إعلان بريطانيا الحرب على ألمانيا، قامت مصر بتنفيذ ما هو مطلوب منها طبقا لبنود معاهدة 1936: إذ قطعت العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع ألمانيا وصادرت الممتلكات الألمانية واعتقلت جميع الرعايا الألمان الذين لم يقروا بعدائهم للنازي. وأعلنت الحكومة حالة الطوارئ مع تعيين رئيس الوزراء حاكما عسكريا، ووضعت الموانئ تحت سيطرة البحرية البريطانية وفرضت رقابة صارمة على البريد والبرقيات والتليفونات والمطبوعات بالمشاركة مع البريطانيين.

كذلك أعلنت الحكومة ولاءها وصداقتها وانتظرت لترى نتيجة الحرب التي بدت آفاقها – في المراحل الأولى – متطورة في غير صالح الحلفاء.

وكان من نتيجة الأنباء الواردة عن سير الحرب فضلا عن الدعاية الألمانية النشطة أن عانت بريطانيا مزيدا من الصعوبات – في غيبة الإعلان المصري لحالة الحرب –لكي تحظى بالتزام مصري أعمق في مواجهة أعباء الحرب المتزايدة النقل، وبالاستجابة بفاعلية أكثر في مواجهة الأخطار التي تحبق بقضية الحلفاء الآخذة في التدهور. لقد وضحت خطورة المسألة مع دخول إيطاليا طرفا في الحرب في يونيو 1940، ومع نشوء مشكلة الأمن بسبب وجود جالية إيطالية كبيرة في مصر – كان أن أجرت السلطة البريطانية، في مواجهة القيادة المصرية اللا مبالية بل وربما المعادية، سلسلة من التغييرات أدت إلى تعزيز سلطة الحلفاء بصورة معقولة في ذلك الوقت. فقد أعلن فجأة في فبراير 1940 عن منح عزيز المصري قائد القوات المصرية «أجازة مرضية» لمدة ثلاثة أشهر، امتدت ستة أشهر أخرى في مايو 1940، ثم أحيل إلى المعاش في 17 أغسطس وحل محله لواء آخر اعتبرته السلطات البريطانية محلا للثقة، وأعقب التخلص النهائي من عزيز المصري تشكيل وزارة جديدة، فبعد دخول إيطاليا الحرب، استقال على ماهر نتيجة لاختلافه مع السلطة البريطانية حول كيفية معالجة الوضع الجديد، وحل محله أحمد حسنين باشا رئيس الديوان الملكي.


ثم شكل حسن صبري باشا وزارة جديدة في 29 يونيو 1940، لم يشترك فيها صالح حرب كوزير للدفاع، واستمرت الوزارة قائمة حتى وفاة رئيسها في نوفمبر. وخلال تلك الفترة، وبينما انشغلت مصر بالتفكير في إمكانية القيام بدور الدولة المحاربة، اشتعلت معركة أفريقيا وقصفت الإسكندرية ذاتها بالقنابل. وتولى حسين سري باشا الوزارة في نوفمبر، الأمر الذي كان يبشر باستمرار تحسن العلاقات بين أطراف المعاهدة، بالرغم من رفض كل من الوفد والسعد بين الاشتراك في الوزارة. وأدى نجاح بريطانيا في الصحراء الغربية والذي أعقبه استقرار الأوضاع في هذه الجبهة في ربيع 1941 إلى المساعدة على استقرار نمط العلاقات المصرية الإنجليزية بصورة تعاونية وفعالة على أسس معقولة لمواجهة أعباء الحرب.

ومع ذلك فقد تعرضت العلاقات الهادئة نسبيا لانهيار في مايو 1941 بسبب العصيان المسلح الذي قام به رشيد عالي (الكيلاني) في العراق، والذي أعادت بريطانيا بعده بحث موقف الأمن في مصر وقام حسين سري بتحديد إقامة على ماهر في عزبته بوصفه شخصية ذات ميول هدامة. وفي نفس الوقت اتصلت المخابرات الألمانية والإيطالية بعزيز المصري، الذي أحيل إلى التقاعد، ثم كان أن خطط للهرب من مصر للاتصال بالمتمردين في العراق، إلا أنه تم اعتراضه وهو داخل طائرة تابعة للسلاح الجوي المصري ليلة 15 – 16 مايو وبرفقته ضابطين آخرين، لكنه تمكن من الهرب بمفرده ثم ألقي القبض عليه بعد ذلك في 6 يونيو. وفي 19 مايو صدر قرار من وزارة المعارف بنقل حسن البنا على أمر عسكري مصري. وفي 20 مايو حل شخص آخر محل عزام بك في قيادة «الجيش المرابط».

ولفترة قصيرة بدا أن الموقف في مصر قدر كن مرة أخرى إلى الاستقرار، وسمح للبنا بالعودة من الصعيد في الخريف ثم ألقى القبض عليه في أكتوبر. وإذا ما نظرنا للموقف نظرة شاملة فسنجد أن فقر المحصول ونقص المواد الغذائية وعودة التوتر بسبب فتح جبهة هجومية في الصحراء الغربية قد أدت جميعها إلى استثارة السخط في البلاد هذا السخط الذي تركيزا على الموقف المهين للقصر بسبب قرار الحكومة قطع العلاقات الدبلوماسية مع حكومة فيشي الفرنسية في يناير 1942، وأدت المظاهرة الضخمة التي قام بها الطلاب في أول فبراير إلى استقالة وزارة حسين سري. وقام السفير البريطاني سير ما يلز لامبسون (لورد كيلرن فيما بعد) بزيارة الملك فاروق وشكي من أن: « تعاون حكومة سرى مع بريطانيا قد أعبق نتيجة للتآمر في الداوئر الأخرى، وأن دعاية المحور لا تواجه بالشدة الكافية، كما أن العناصر الموالية للمحور تعمل بحرية وقد جرى تشجيع الطلبة على التظاهر تأييدا لرومل، والآن وفي الوقت الذي يتقدم فيه العدو في شبه الجزيرة اليونان فإن الموقف الاستراتيجي بالنسبة لمصر التي تعتبر القاعدة البريطانية الحيوية في الشرق الأوسط أصبح ملغما بالاحتمالات الخطرة.. (لذلك) يصبح واجبا تطبيقًا لأحكام الدستور، تشكيل حكومة أغلبية في البلاد، تكون قادرة بالتالي على السيطرة على الموقف الداخلي».

وطلب من الملك دعوة مصطفى النحاس باشا زعيم الوفد إلى تشكيل الوزارة. ووعد الملك بعقد مؤتمر لزعماء الأحزاب بهدف تشكيل حكومة ائتلافية. إلا أن البعض نصحه بعدم جدوى هذا المنحى. وفي 4 فبراير تسلم إنذارا بريطانيا، وبعد أن حاول المقاومة، وجد قصره محاصرا بالدبابات البريطانية فآثر الاستسلام. وفي 6 فبراير تشكلت وزارة النحاس باشا.

وظلت حكومة الوفد في السلطة حتى نهاية الحرب تقريبًا، حيث أنجزت كل ما كان ينتظره البريطانيون من حفاظ على النظام والأمن الضروريين لمواصلة الحرب بنجاح.. إلا أن فسادها الداخلي الخاص (الذي أدى إلى انقسام في صفوف الوفد) وتراجع خطر الحرب عن وادي النيل وظهور التوتر السياسي القديم والجديد ( وبخاصة بين القصر والوفد) أفسح المجال لإقالة وزارة النحاس باشا بأمر ملكي في أكتوبر 1944. وتشكلت الوزارة الجديدة في 9 أكتوبر برئاسة احمد ماهر زعيم السعديين الذي اختتم فترة الحرب بإعلان الحرب على قوات المحور ليدفع حياته ثمنا لهذا الإعلان عند قراءته له أمام مجلس النواب في 24 فبراير 1945.

وعندما بدأت الحرب، أعلن الإخوان المسلمون في خطاب إلى على ماهر رئيس الوزراء عن تأييدهم لعدم اشتراك مصر في الحرب ولقصر المساعدات المقدمة فيها لبريطانيا على ما يلزمها به نص معاهدة 1936 وفيما عدا ذلك واصلت الجماعة في الظاهر، شرح قضيتها، كذلك قامت بدور فعال في إثارة المشاعر الوطنية ضد بريطانيا بالرغم من وجود حالة الحرب، وهو الأمر الذي واجهته بريطانيا – كما سبق أن لاحظنا – بالحزم حرصا على تأمين مؤخرتها.

وبعد نقل حسن البنا للصعيد في مايو 1941، أستخدم موقعه الجديد كمفر للجماعة ( وكان السري قد نقل في نفس الوقت إلى الوجه البحري). وواصل نشاطه علنا. وقد أدى نقله إلى قيام مناوشة برلمانية. فقد انتهز الوفديون الفرصة لإحراج الحكومة لأسباب أخرى لا صلة لها بالبنا. وعندما برر حسين سري رئيسا الوزراء. نقل البنا بأنه أهمل في أداء عمله كموظف بوزارة المعارف، أعدت قيادة الجماعة مذكرة لتقديمها خلال المناقشات البرلمانية – أرفقت بها صورة لملفات التفتيش بوزارة المعارف لتنفيذ ملاحظات حسين سري. وفي شهر سبتمبر أعيد البنا والسكري إلى القاهرة. إلا أنه ألقى القبض عليهما وعلى عبد الحكيم عابدين أمين عام الجماعة في أكتوبر أثر انتهاء أحد الاجتماعات الجماهيرية المناهضة لبريطانيا. وأصدرت الحكومة في نفس الوقت قرارًا بإيقاف صحف الجماعة «التعارف» و«أشعاع» وصحيفة «المنار» المعروفة التي أوكل ورثة رشيد رضا أمرها للبنا مؤخرًا. كما حظر على الصحف نشر أية أنباء عن الإخوان أو عن الاجتماعات التي يقيمونها. وفي نفس الشهر تم الإفراج عن المعتقلين نتيجة لحدوث رد فعل برلماني عام مضاد للحكومة فضلا عما قيل عن الضغط الذي مارسه القصر في هذا الصدد وكانت تلك هي «المحنة» الأولى – على حد تعبير الإخوان – التي تصيب الجماعة. ومنذ ذلك الوقت لم تستطع أي حكومة في مصر أن تتجنب الصدام مع الإخوان المسلمين.

والواقع أن تواقت نقل البنا في مايو 1941 مع أبعاد على ماهر وفصل عزام من قيادة «الجيش المرابط» وإحالة عزيز المصري إلى التقاعد قد أوحى بوجود علاقة بين هؤلاء الرجال أدت إلى اتخاذ هذا الموقف المشترك منهم. على أن البنا قد نفى بعد ذلك أنه كان يعرف خلال وزارة ماهر 19391940، أيا من الوزراء أو رئيس الوزراء باستثناء صالح حرب باشا. والأخيران كانا معروفين لدائرة واسعة من الناس، والإخوان بوجه خاص، نظرًا لإخلاصهما الواضح للقضايا العربية والإسلامية. وبالمثل أصبح لعلى ماهر بعضا من هذه المكانة، فضلا عن أنه، وعلى عكس ما أكد البنا – اجتمع بالبنا وتم التعارف بينهما منذ 1935. وإلى جانب ذلك فإن هناك من المعلومات ما يؤكد ما ذكرناه: إذ كان واضحا أن هناك اعتمادًا مستمرًا من جانب على ماهر وزملائه على الإخوان المسلمين لتأييد السياسة القومية والعربية المعادية للبريطانيين. فتلك التركيبة المتشابكة من العلاقات كان تشمل في أحد الجوانب القصر وعلى ماهر وعزام والمصري والمراغي، وعلى الجانب الآخر طلبة الأزهر والإخوان المسلمين ومنظمات سياسة أخرى مثل مصر الفتاة. وقد استمر اتصال البنا بعلي ماهر – الذي كان سببا في أنشقاق البعض عن الجماعة قبل الحرب مباشرة كما سبق أن ذكرنا – خلال السنتين الأوليتين من الحرب، على أنه لا تتوافر عمليا أية معلومات محدودة عن طبيعة هذه الاتصالات.

على أن هناك قدرًا أوفر من المعلومات فيما يتعلق بعلاقة البنا بعزيز المصري. فالمصري مثل عزام وحرب، معروف بإسهاماته في خدمة القضايا الوطنية والعربية، ولقد نال شهوى ومجددا عسكريا خلال الحملات العثمانية في طرابلس كما شارك في الانتفاضات التي اجتاحت العالم العربي وأدت إلى الثورة على السلطان التركي. وقد سجل المصري بنفسه أول لقاء له مع الإخوان، ممثلين في شخص البنا، بعد زيارة له إلى لندن عام 1937. فقد استقبله في المطار ثلاثة أشخاص يرتدون «الملابس الإسلامية» ( بقصد الجلابيب) وقدموا له التحية في كلمات لم تبث في نفسه الرضا حتى أنه صاح غاضبا « أريد أن أرى الإخوان وقد مثلوا فكرة التجديد والنهضة حتى في ملابسهم.. ( وأن أرى) في أيديهم – فضلا عن المسابح – كتبها يتناقشون فيها معي.

ومن المعروف أن المصري كان يعمل في الفترة من 1928 حتى 1940، بالتنسيق مع على ماهر، على التودد ليسللإخوان المسلمين فقط بل أيضًا لمصر الفتاة. وطبقا لما ذكره هيورث دون، سعى المصري إلى توحيد الجماعتين التي ساد التوتر بينهما للمنافسة المتزايدة ( )وكانت الصداقة بين الرجلين من القوة بحيث استطاع البنا في عام 1940 أن يقوم بدور الوسيط بين المصري وبين مجموعة من صغار الضباط الساخطين الذين أطلقوا على أنفسهم فيما بعد اسم «الضباط الأحرار» ثم قادوا الثورة الناجحة 23 يوليو 1952.

وكان أنور السادات، أحد أعضاء المجموعة الثورية، هو الضابط الذي اجتمع به البنا في اللقاء الأول. ولم يكن معروفا – على وجه اليقين في ذلك الوقت – من هم هؤلاء الذين يمثلهم السادات، إلا أنه كان ضابطًا عاملا بالجيش وكان يشير إلى مجموعات تخطط للثورة. ولم يكن واضحا بحال أنه كان يقصد «الضباط الأحرار» الذين أصبحوا بعد ذلك حكاما لمصر. وقد قيل أنه التقى هو والبنا ، في البداية، عن طريق الصدفة في صالة طعام الضباط بأحد المعسكرات خارج القاهرة. وكانت الليلة هي ليلة المولد النبوي حيث ألقى البنا حديثا دينيا كجزء من الاحتفال بالمولد. وقامت بين الاثنين علاقة اتسمت بالألفة. وبدأت بينهما سلسلة من اللقاءات استمرت نحو عامين. ويشير السادات – خلال حديثه عن تلك اللقاءات – إلى أن فكرة الثورة قد تأصلت جذورها في الجيش منذ عام 1938، وإن المجموعة الثورية كانت تسعى إلى الحصول على التأييد من داخل بنية السلطة القائمة. وتحقيقًا لهذا الهدف كانوا يتطلعون إلى الاتصال بعلي ماهر وعزيز المصري الذين شكلا هدفين أساسين لعداء بريطانيا عقب نشوب الحرب.

وأدت تنحية على ماهر في يونيو 1940 إلى ابتعاده عن نطاق اتصال الجماعة، أما عزيز المصري فقد تم الاتصال به عن طريق البنا. ففي خريف 1940 أجتمع به السادات في عيادة الدكتور إبراهيم حسن النائب الثاني لجماعة الإخوان وبحث الاثنان محنة مصر في ظل الاحتلال البريطاني واتفقا، بعد أن ثبت قصور كل الوسائل الأخرى، على أن « خلاص البلاد لن يتأتى تحقيقه إلا بانقلاب يتم على أيدي العسكريين» وهو «هدف بعيد» ملأ السادات شعورا بالرهبة. وبعد هذا اللقاء الأول بدأ السادات والبنا في كشف «الأسرار» التي تشكك كل منهما في أن الآخر يخفيها عنه. وبدآ لأول مرة يتحدثان بصراحة عن النوايا وعن توحيد الصفوف من أجل تحقيق الهدف المشترك. وبعد هذه السلسلة من اللقاءات بدا أن عزيز المصري قد أصبح الشخصية المركزية التي التفت حولها جماعات من الجيش والإخوان والبوليس والتي وجدت كل منهما في الأخرى سندا في عزمها المشترك على النضال ضد البريطانيين.

وفي مايو 1941 قام المصري بمساعدة ضباط المخابرات الألمانية وأنور السادات، بمحاولته الفاضلة للاتصال بالمتمردين في العراق. وكان عبد المنعم عبد الرءوف أحد الضابطين اللذين تم القبض عليهما معه، وكان صديقا لكل من السادات [[والمصري]]، وأحد الساخطين على السلطة في الجيش منذ 1939. وحين تم الإفراج عنه في ربيع 1942 وبعد إلقاء القبض على أنور السادات في أغسطس من نفس العام ( بسبب اتصاله المستمر بعملاء الألمان) أصبح عبد الرءوف ضابط الاتصال الأساسي بين الجيش الإخوان المسلمين.

وعلى عكس السادات أصبح عبد الرءوف ضابط الاتصال الأساسي بين الجيش الإخوان المسلمين. وعلى عكس السادات أصبح عبد الرءوف بعد ذلك عضوا عاملا في الجماعة . وقد لعب دورا بالغ الأهمية في تاريخها. ففي الوقت كان يقوم بدور المبعوث الأساسي لتيار السخط في الجيش، فكان يقوم بإحضار الضباط إلى مقر الجماعة للاستماع إلى البنا، ثم يرتب بعد ذلك للقاءات خاصة بينه وبينهم. ونتيجة لهذا اكتسب وضعا قياديًا في صفوف تيار السخط الرئيسي والناجح في الجيش والذي بلغ ذروته في ثورة 1952.

وهناك نقطة أخرى لها أهميتها في هذا الصدد. فقد سر السادات أن يرى – خلال لقاءاته بالبنا – أن الأخير قد شرع بالفعل في جمع السلاح. إذا بدأ البنا – دون أن يخبر بذلك حتى أقرب الزملاء إليه – في جمعه قطعة قطعة عن أتباعه في صفوف الجيش. ومن جهة ثانية، التقى السادات بالبنا للمرة الأخيرة، قبل إلقاء القبض عليه في أغسطس 1942 بوقت قصير حيث أدلى إليه بكل ما يستطيع أن يقوله حول مجموعة الجيش وحول عملها ورغم الدهشة التي أبداها البنا لهذا الإفشاء، إلا أن السادات شعر بأنه لم يقتنع بعد تمامًا بفكرة قيام الجماعة بدور المساند المدني أو «الشعبي» لحركة عسكرية للتحرر من البريطانيين. وظل السادات مقنتعا – حتى وهو يكتب عن هذه الفترة في 1953 – بأنه على الرغم من أن البنا كان يكرس حياته المهدف «قلبا وقالبا» وعقلا وروحا، إلا أن الترتيبات والتجهيزات الضرورية والخاصة «بالتسليح والتشكيلات»، التي دفع البنا – بسلوكه التكتمي –السادات إلى الاعتقاد بوجودها، لم يكن في الإمكان الاعتماد عليها، وأن الدور الذي عرض القيام به في عملية التحرير هذه على أساس شروط الجيش، لا يمكن الاطمئنان إليه تماما. وكما أتضح في نهاية المطاف، كانت نقطة الخلاف القائمة بينهما نظرية بحتة في تلك الفترة. أما بعد ذلك ، فإن هذا الخلاف لم يمنع قيام مزيد من العلاقات المثمرة بين الجيش والإخوان مع إكساب فكرة الثورة قوى دافعة جديدة.. ومع هذا، فإن ذلك خلق إحساسًا بالريبة ظل سائدا بدرجة أو بأخرى عن العلاقات بين المجموعتين كلما ازدادت مشاركتهما في النشاط السياسي الدائر، والذي أدى في النهاية إلى تقويض هذه العلاقة.

على أنه وآياً كانت أهمية هذا الاتصال بالجيش من جانب الجماعة فيما بعد، فقد كان مقصورًا في ذلك الوقت على البنا وحده، والواقع أن الأهمية الأساسية لهذا الاتصال كانت تكمن في إقامة الصلة بين الجماعة والنطاق الأشمل للنضال الوطني ضد الاحتلال البريطاني، وهو النشاط الذي أحرز تقدمًا جديدًا وأكتسبه ثقة أعمق بسبب ضغوط الحرب على بريطانيا، ومصادرها الأولية. وكان رد الفعل البريطاني عنيفا وحاسما، وقد تمثل عنف إجراءات رد الفعل هذا في عملية تنصيب وزارة النحاس باشا في فبراير 1942. منذ ذلك الحين بدأت عناصر الحركة الوطنية على اختلافها في تطوير ركيزة جديدة لنشاطها النضالي تكون أكثر حدة بصورة لم يسبق لها مثيل.

كان أول علم لوزارة النحاس في 7 فبراير هو حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة. وفي المؤتمر العام السادس للإخوان المسلمين ، والمنعقد في يناير 1941 تم اتخاذ قرار بأن تتقدم الجماعة في الوقت المناسب بمرشحين للانتخابات. وقد اعتبرت دعوة الوفد لإجراء الانتخابات فرصة مناسبة لأول اختيار للقوة الانتخابية للجماعة. وأعلن البنا عن ترشيح نفسه عن دائرة الإسماعيلية، مسقط رأس حركته، وبمجرد تقدمه بالترشيح أسرع النحاس باستدعائه وطلب منه أن ينسحب ووافق البنا – دون الدخول في جدال طويل ولكن «في مقابل» الآتي:(1) حرية الجماعة في استئناف أعمالها على نطاق شامل. (2) أن تعد الحكومة باتخاذ الإجراءات اللازمة لحظر المشروبات الكحولية والدعارة. ووافق النحاس، وأمر بعد فترة وجيزة بفرض قيود على بيع المشروبات الكحولية في أوقات معينة يوميا، وخلال شهر رمضان وفي الأعياد الدينية. كما أتخذ بعض الإجراءات الضرورية لحظر ممارسة الدعارة وقام فورا بإغلاق بعض المواخير. كذلك سمح باستئناف الجماعة لبعض نشاطاتها، بما في ذلك إصدار بعض مطبوعاتها وعقد الاجتماعات.

وهكذا انتهت قضية الانتخابات وأعلن البنا في مارس تأييده للحكومة الوفدية ولم تحدث أية أنشطة تحريضية هامة في الفترة الباقية للحكومة الوفدية في السلطة ورغم ذلك ظلت العلاقات بين الإخوان المسلمين والوفد غير مستقرة. ففي نهاية 1942 أغلق النحاس مرة ثانية جميع الشعب فيما عدا المقر الرئيسي للجماعة. وتغير الموقف في بداية 1943 بزيارة مجموعة من أعضاء حزب الوفد البارزين – معظمهم من الوزراء – لمقر الجماعة وإعلانهم – بعد الحديث الذي ألقاه البنا - «ولا هم» لا «فكرة» التي يمثلها الإخوان. وخلال الفترة الباقية من عمر الوزارة تراوحت العلاقات ما بين العداء والمودة، فترة من الرقابة والمتابعة الصارمة تتلوها فترة من الحرية النسبية.

لقد عكس التضارب في موقف الوفد، جزئيات تسليمه بتعاظم قوة الإخوان المسلمين والمنهج المتغاير الذي اتبعه منذ ذلك الوقت فصاعدا، في التعامل معهم. فبالنسبة للجناح «الليبرالي» من الوفد كان الإخوان دائمًا شيئًا ملعونًا. أما الجناح «اليميني» الذي تزعمه منذ ذلك الوقت فؤاد سراج الدين، فكان ينظر إلى الجماعة على أنها أداة مفيدة ضد الضغوط الاجتماعية الخطيرة التي تولدت في مصر، حيث ازدهرت الشيوعية بصفة خاصة خلال الحرب. وذكرت التقارير أن سراج الدين قد ساعد الحركة، بوصفه وزيرا للزراعة في تلك الوزارة، على الانتشار في الريف. أما الوفد ككل، فلم يكن بمقدوره التغاضي عن أية قوة كامنة قد تستخدم في الصراع الطاغي الذي لا يهدأ مع القصر، أو قد تشكل تهديدا إذا ما نجح القصر في استخدامها.

على أن علاقات الوفديين بالجماعة تأثرت بتخوف النحاس – في ظروف إعلان حالة الطوارئ القصوى خلال أيام الحرب – من أن يقدم الإخوان على أي تصرف بالكتابة أو بالقوة يهدد التأييد الكامل للحلفاء الذي وعد به البريطانيين، والذي ظل ملتزما به النهاية. ورغم أن سلوكه هذا كان يصدر عن قناعته وعن صالحه الخاص، إلا أن تطابق وجهة نظره مع السفارة البريطانية جعله عرضة للاتهام بالتواطؤ مع « الإمبرياليين» ورأي الإخوان في معاملة الوفد لهم – أحيانًا – استمرار لاضطهادهم الذي بدأ منذ مايو 1941 على يد « المعتدى البريطاني».

وبعد الإفراج عن البنا في أكتوبر 1941، جرى اتصال بين السفارة البريطانية والإخوان المسلمين. والواقع أن مسألة من الذي بادر بالاتصال؟

كانت وما تزال موضعا للخلاف، وعلى أن الواضح إن الاتصال قد تم بالفعل وأنه لم يسفر عن نتائج إيجابية. والنقطة الأساسية هنا هي أن الإخوان قد رأوا في فشل بريطانيا في «شرائهم» سببا أساسيًا لمضايفات النحاس للجماعة أولا يرفضه ترشيح البنا للانتخابات وثانيا بمواقفه العدائية المتكررة تجاههم طوال فترة بقائه في الحكم. وتأكد الإخوان بشكل قاطع من الموقف ألعدائي الثابت للبريطانيين تجاههم، حتى أن البنا كتب رسالة وداع لأتباعه في منتصف عام 1943 نتيجة لاقتناعه بأن المخابرات البريطانية تعمل جاهدة على نفيه.

وتضم هذه الوثيقة – التي تحتل مكانا بارزا في قائمة القراءات الموصوفة للأعضاء- ثمار تجربته خلال السنتين الأوليتين له في الصراع مع السلطة، كما تحتوي على تحذيره للأعضاء من المعاناة التي تنتظرهم في مواجهة تزايد العداء الخارجي، ويجدر هنا الاستشهاد بجزء من تلك الوثيقة بوصفها انعكاسا لاتجاه فكري أساسي في الحركة، وبوصفها أيضا نوعا من التنبؤ بما سيقع من أحداث:

العقبات في طريقنا

« أحب أن أصرحكم أن دعوتكم لا زالت مجهولة عند كثير من النفوس ويوم يعرفونها ويدركون مراميها وأهدافها ستلقي منهم خصومة شديدة وعداوة قاسية وستجدون أمامكم كثيراً من المشقات وسيعترضكم كثير من العقبات وفي هذا الوقت وحده تكونون قد بدأتم تسلكون سبيل أصحاب الدعوات أما الآن فلا زلتم مجهولين ولا زلتم تمهدون للدعوة وتستعدون لما تتطلبه من كفاح وجهاد سيقف جهل الشعب بحقيقة الإسلام عقبة في طريقكم، وستجدون من أهل التدين ومن العلماء الرسميين من يستغرب فهمكم للإسلام وينكر عليكم جهادكم في سبيله، وسيحقد عليكم الرؤساء والزعماء وذوو الجاه والسلطان، وستقف في وجهكم كل الحكومات على السواء، وستحاول كل حكومة أن تحد من نشاطكم وأن تضع العراقيل في طريقكم.

وسيتذرع الغاصبون بكل طريق لمناهضتكم وإطفاء نور دعوتكم، وسيستعينون في ذلك بالحكومات الضعيفة والأخلاق الضعيفة والأيدي الممتدة إليهم بالسؤال وإليكم بالإساءة والعدوان وسيثير الجميع حول دعوتكم غبار الشبهات وظلم الاتهامات وسيحاولون أن يلصقوا بها كل نقيصة وأن يظهروها للناس في أبشع صورة معتمدين على قوتهم وسلطانهم، ومعتدين بأموالهم ونفوذهم: « يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون» وستدخلون بذلك ولا شك في دور التجربة والامتحان فتسجنون وتعتقلون وتنقلون وتشردون وتصادر مصالحكم وتعطل أعمالكم وتفتش بيوتكم، وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان: « أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون» ولكن الله وعدكم من بعد ذلك كله نصرة المجاهدين ومثوبة العاملين المحسنين « يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم... فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين» فهل أنتم مصرون على أن تكونوا أنصار الله؟...

أيها الإخوة المسلمون، إسمعوا:

أردت بهذه الكلمات أن أضع فكرتكم أمام أنظاركم فلعل ساعات عصبية تنتظرنا يحال فيها بيني وبينكم إلى حين، فلا أستطيع أن أتحدث معكم أو أكتب إليكم، فأوصيكم أن تتدبروا هذه الكلمات وأن تحفظوها إذا استطعتم وأن تجتمعوا عليها، وأن تحت كل كلمة لمعاني جمة.

أيها الإخوان: أنتم لستم جمعية خيرية ولا حزبًا سياسيًا ولا هيئة موضعية لأغراض محدودة المقاصد ولكنكم روح جديد يسري في قلب هذه الأمة فيحييه بالقرآن، ونور جديد يشرق فيبدد ظلام المادة بمعرفة الله، وصوت داو يعلو مرددًا دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن الحق الذي لا غلو فيه أن تشعروا أنكم تحلون هذا العبء بعد أن تخلي عنه الناس. إذا قيل لكم إِلاما تدعون فقولوا ندعوا إلى الإسلام الذي جاء به محمدصلى الله عليه وسلم والحكومة جزء منه والحرية فريضة من فرائضه، فإن قيل لكم هذه سياسة! فقولوا هذا هو الإسلام ونحن لا نعرف هذه الأقسام، وإن قيل لكم أنتم دعاة ثورة! فقولوا نحن دعاة حق وسلام نعتقده ونعتز به، فإن ثرتم علينا ووقفتم في طريق دعوتنا فقد أذن الله أن ندفع عن أنفسنا وكنتم الثائرين الظالمين وإن قيل لكم أنتم تستعينون بالأشخاص والهيئات فقولوا: «آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنتم به مشتركين» فإن لجوا في عدوانهم فقولوا «سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين».

وسواء أكان هذا التهديد حقيقيًا أم متوهمًا إلا أنه لم يتحقق أبدًا في حياة البنا. على أن كلماته كانت متمشية مع أحداث التطورات التنظيمية الداخلية. فالاحتكاك مع الحكومة جعل الجماعة أكثر عداء للسلطات المحتلة، فضلا عن أنها عززت للمرة الأولى من عدائها للنظام القائم في مصر. لقد استكمل البنا، خلال هذه الظروف ذاتها، المرحلة النهائية لتخطيطه التنظيمي. ففي أواخر 1942 أو أوائل 1943، خرجت إلى الوجود تلك الوحدة تلك التي عرفت داخل الجماعة باسم «النظام الخاص» وعرفت خارجها باسم «الجهاز السري» ويشير هذا التاريخ، وهو الأرجح بين كل التواريخ الأخرى إلى بدء تأسيس الوحدة وليس بداية التفكير في إنشائها. وقد حدد الأعضاء أنفسهم شفويًا تاريخ بدء الجهاز السري بوقت ما يقع بين 1930 و 1947، وهو ما يعد تعبيرًا مباشرًا عن جهل الجمهور الواسع من الأعضاء بالمسائل المتعلقة بهذا الجهاز.

وفي بداية عام 1930، في أول نزاع للبنا مع الأعضاء المنشقين، أتهم البنا مباشرة أحيانًا وببث الإشعاعات أحيانًا أخرى بالقيام «بأعمال سرية» إلا أنه من المؤكد أن هذا الاتهام – في تلك المرحلة المبكرة – كان يرجع أساسًا إلى إحساس المقربين منه بافتقار أسلوب البنا إلى الصراحة والمباشرة ولقد تضمن تصنيف العضوية الذي أقره المؤتمر العام الثالث في مارس 1935 إلى جانب الفئات الثلاث: (1)المساعد، (2) المنتسب (3) العامل، فئة رابعة هي (4) المجاهد ولم يجر تفسير المعنى المحدد لهذه الفئة في ذلك الوقت وترى مصادر أخرى أنه لم يكن يرمى إلى تكوين «جهاز» بمعناه الذي عرف عنه فيما بعد وإنما مجرد تكوين مجموعة من أكثر الأعضاء إخلاصا وفعالية والذين يستطيعون تحمل العبء لخدمة «الله والرسالة». وبحلول عام 1936 كان قد تم تشكيل الجوالة، وفي نفس الوقت بدأ البنا شخصيا في الاضطلاع بمهمة تمصير مجموعات صغيرة تتألف من عشرة أعضاء بأهداف الجماعة، كذلك فإن إنشاء الكتائب عام 1937، بتشديدها على التدريب الجماعي وبنظامها الصارم القائم على قضاء الليل في الصلاة والتفكير، كان تعبيرًا عن مبدأ «المجاهد» المتفاني الذي أعلن عنه في اجتماع عام 1935. وقد تواقتت هذه التطورات التنظيمية مع بداية اهتمام الإخوان بفلسطين وبدء نشاطهم فيها. وهي القضية التي شكلت مع الاحتلال البريطاني الركيزة الأساسية لطموح الجماعة لممارسة النشاط السياسي المؤثر اجتماعيا.

ومع ذلك فإذا كان هذا الجهاز السري – بما هو كذلك – لم يكن قد انتهي من إنشائه بعد، فإن التأكيد على السرية قد أصبح أسلوب عمل تم إرساؤه فيما يتعلق بأهداف التشكيلات القائمة. وفي تصريح هام للبنا عام 1938 – والذي لم ينشر إلا بعد ثورة 1952 – أجاب البنا على تساؤل لأحد الشبان ذوي الميول «الثورية» من أعضاء الجماعة حول وسائل «الإصلاح» و «التحرير» بأنه من الخطأ في مواجهة «القانون» أن يكون الإنسان صريحان وأن السرية أجراء ضروري في الفترة الأولى من عمر أي حركة للحفاظ على صمودها وضمانًا لإستمرارها. ولم ينشأ التنظيم السري إلا في أثر الصدام الأول للبنا مع السلطة في السنوات الأولى للحرب. وفي مناقشته للمبادئ الأساسية للجماعة في رسالة الوداع، التي كتبها عام 1947، ذكر البنا «وسائل أخرى» سياسية وإيجابية في وقت معا «قد يقبل البعض بشأنها الممارسات المستقرة للناس بينما يثور البعض الآخر على تلك الممارسات وقد يتصف البعض بالوداعة بينما يحتاج الآخرون إلى استخدام القوة». ولقد تعززت – في وقت لاحق – الاتصالات بضباط الجيش، بوقوع تلك الأحداث التي أثارت المشاعر الوطنية، والتي كانت من الأسباب المباشرة لتشكيل الجهاز السري والبدايات الأولى للجوء إلى النشاط المتجاوز الشرعية.

وكان التنظيم السري داخل الجماعة، نتيجة لبزوغة كفكرة في المرحلة الأولى تحت تأثير مفهوم «الجهاد» ثم تشكيله بعد ذلك تحت ضغط الحماس الوطني الجارف – ينظر إليه على أنه أداة الدفاع عن الإسلام وعن الجماعة . وفي 1943 بدأ الجهاز يلعب دور المدافع عن الحركة ضد البوليس والحكومات المصرية. ومن بين الدوافع الأساسية التي مارست تأثيرها في هذا الصدد، ذلك الشعور السائد بخيانة قيادات الحركة الوطنية – التي ظهرت على نحو أكثر سفور خلال ظروف الحرب – وهذا الشعور شاركتم فيه مختلف عناصر الحركة الوطنية، والذي كان لابد وأن يؤدي إلى توجيه اهتمام الحركة الوطنية – في ظل الضغوط المتزايدة – داخليا إلى مصر والمصريين، وخارجيا إلى مناهضة الوجود البريطاني. وفي 1944 بدأ الجهاز السري أيضا في التسلل إلى حركة الشيوعية التي بعثت فيها فترة الحرب حياة جديدة، والتي ظلت في نظر الإخوان المسلمين أحد الأعداء الرئيسيين.

وقد واكب تشكيل الجهاز السري حدوث تطورات جديدة وبعيدة الأثر في عمل التنظيم العلني. فقد تم استكمال نظام الكتائب، بعد أن لاحظت الجماعة أنه أصبح نظاما قاصرا، بتنظيمه بشكل أكثر دقة ومرونة وجعله أكثر قابلية للانضباط التنظيمي، وقد شكل نظام الكتائب بانسجامه مع روح الجماعة الأداة الأساسية لحشد ولاء الأعضاء. والشكل التنظيمي الجديد هو ما أطلق عليه «نظام الأسر» الذي أصبح حجر الزاوية في القوة التنظيمية للإخوان المسلمين على الرغم من وجود الجهاز السري. وفي أواخر 1943 وافق اجتماع جماهيري للجماعة على تقرير بتأسيس «نظام الأسر التعاوني» الذي شكل منذ ذلك الوقت فصاعدا النمط السائد للعلاقة الداخلية. ونتج عن تطبيق هذا النظام إقامة عدد غير محدود من الخلايا لا يزيد عدد الأعضاء في كل منها عن خمسة أعضاء. وكانت تمثل وحدات توجيه عقائدي أكثر منها وحدات تنظيمية، حيث يتلقى فيها الأعضاء على نحو مباشر وبجهد تعاون تلك الأفكار التي تؤهلهم للقيام بالتزامات العضوية الفعالة. وبإضافة نظام الأسر إلى الجهاز السري، الذي تم الانتهاء من تشكيله، ونظام الجوالة المتزايد الفعالية، ثم تعزيز البنية الداخلية للجماعة.

وأثر إقالة الوفد أكتوبر 1944، اختار القصر أحمد ماهر باشا زعيم الحزب السعدي لتشكيل حكومة جديدة. وكانت تلك هي البداية لسلسلة مما أطلق عليه كل من الإخوان والوفد سم «حكومات الأقلية» ومنذ ذلك الوقت وحتى انتخابات يناير 1950، حكمت مصر بواسطة المستقلين والسعديين، مما عكس عودة القصر النشطة إلى ميدان السياسة الداخلية ونجاحه في تنحية الوفد عن السلطة. كذلك كان الموقف يبشر بأن مصر ما بعد الحرب – التي تواجه مشاكل خارجية وداخلية حرجة والتي يحكمها رجال لا يتمتعون بأدنى تأييد شعبي – محتم عليها أن تمر بفترة متأججة من تاريخها.

وعلى الفور، أتخذ أحمد ماهر الإجراءات اللازمة لانتخابات عامة جديدة، وأعد الإخوان أنفسهم مرة أخرى، لخوض غمارها واختار البنا الإسماعيلية – أيضا – كما اختار خمسة من زملائه مناطق أخرى معتزمين خوض المعركة الانتخابية على أساس «برنامج إسلامي». وفي يناير 1945 جرت الانتخابات – التي أتضح أنها من أكثر الانتخابات التي جرت في تاريخ مصر تزييفا – وهزم البنا وجميع الإخوان الآخرين في الداوئر التي كانوا على يقين تام من نجاحهم فيها فإلى جانب المصلحة المباشرة للحكومة في فوز أنصارها بالمقاعد، كان ماهر قد أظهر حقيقة ميوله تجاه الجماعة عندما سعى للحصول على فتوى من الشيخ المراغي شيخ الأزهر – وإن لم ينجح في الحصول عليها – تعلن أن هنالك عددًا أكثر مما ينبغي من الجماعات الإسلامية في مصر، وكان واضحًا أن هذا الإجراء كان موجها ضد الإخوان المسلمين.

وعندما أعلن ماهر عن عزمه إعلان حالة الحرب على المحور احتج الإخوان المسلمون والغالبية العضمى من العناصر الوطنية بما في ذلك الوفد، إلا أن أحمد ماهر أصر على موقفه بهدف تأمين موقع لمصر في عملية إقرار السلام. وفي 24 فبراير ثم اغتياله أثناء قراءته لبيان إعلان الحرب في مجلس النواب. وألقى القبض على البنا والسكري وعابدين، لكن سرعان ما أفرج عنهم بعد إجراء التحقيق واعتراف القاتل بانتمائه للحزب الوطني وقام البنا بزيارة محمود فهمي النقراشي باشا رئيس الوزراء الجديد وصديق ماهر الحميم وخليفته في زعامة الحزب السعدي، لتقديم عزائه ولتوضيح رسالة الجماعة. وقد رد النقراشي على ذلك بإصدار أوامره بفرض رقابة مشددة على نشاط التنظيم وأعضائه، وكانت تلك هي السياسة التي التزم بها بدرجات متفاوتة من الشدة طوال فترة بقائه في الحكم.

ولقد كانت فترة حكم وزارة النقراشي من 25 فبراير 1945 إلى 4 فبراير 1946، فترة التحول من مرحلة زمن الحرب إلى مرحلة ما بعد الحرب من تاريخ الحركة. ورأي الإخوان في تلك الحكومة بداية «المحنة الكبرى» التي اتجهت بهم خلال السنوات الثلاث التالية إلى الفترة التي حققت فيها الجماعة أعلى مراتب القوة والنفوذ. ولقد كانت تحت رئاسة النقراشي أيضا تلك الحكومة التي تصدت في النهاية لهذا النفوذ الواسع.

هوامش الفصل الثاني

(1) مذكرات الدعوة والداعية ص 109. ويبدو وأن العرض تم تقديمه لرئيس جمعية القاهرة للثقافة الإسلامية، وهو شقيق البنا وإذا صح هذا الكلام، فيكون بمثابة أول شاهد مسجل لما يقول عن استمرار التحالف بين المجموعات الإسلامية وبين الزعامات المحافظة (أو القصر) ضد الوفد و (أو) ضد الشيوعية. انظر أيضا حول المرحلة المبكرة للجماعة في القاهرة الحجاجي «روح وريحان»، ص 228، 249 – 253.

2- الحجاجي، ص 253 – 255.

3- البوهي، الأمام والرجل، ص 8، ص 10 -11

4- مذكرات الدعوة والداعية، ص 144، وهيور ثدون ص 17.

5- عبد الباسط البنا «تاج الإسلام» ص 26 – 38.

6- مذكرات الدعوة والداعية 145، 155 – 163.

7- نفس المصدر ص 170 – 171 وتاريخ المؤتمر الثاني ليس معروفا على وجه التحديد، فما جاء في المذكرات من أنه شوال 1350 هجرية الموافق فبراير 1932 يبدو غير دقيق.

8- المصدر السابق، ص 145، 148 – 150، 35.

9- المؤتمر الخامس، ص 20 – 21، الرسائل الثلاث، ومن بينهما رسالة «دعوتنا»، ص 11 – 12، كشاهد على اهتمام البنا باستخدام الأساليب «العلمية» في الدعاية.

10- انظر «مذكرات الدعوة والداعية» ص 188 -212.

11- حول الجوالة والكتائب والأمور التنظيمية الأخرى «انظر القسم الثاني من هذه الدراسة».

12- مذكرات الدعوة والداعية ص 259 – 264، وبوجه خاص ص 162 – 263.

13- المؤتمر الخامس ص 21 – 22.

14- المصدر السابق ص 8 – 14.

15- المصدر السابق ص 14 – 16.

16- المصدر السابق ص 17 – 33.

17- نفس المصدر السابق ص 33 – 64 انظر أيضًا حول هذه المسائل وجميع القضايا الأخرى. المتعلقة بالأيديولوجية «القسم الثالث من هذه الدراسة».

18- المؤتمر الخامس ص 22 – 15 والفصل المقتبس ص 24.

19- أعيد تقديم أجزاء من هذه الرسالة في «مذكرات» ص 236 – 241، كما أعيد نشر الخطابات الموجهة إلى رؤساء الوزارات في مصر سلسلة نشرت بجريدة الإخوان المسلمين في الفترة من أول يوليو حتى 27 فبراير 1946.

20- أنظر أيضًا الصفحة التالية.

21- مذكرات ص 150.

22- انظر نفس المصدر ص 252 – 255 حول وصف الاحتفال ومبايعة فاروق.

23- هيورث دون ص 23 – 28 وص 34، والمعهد الملكي للشئون الدولية «بريطانيا العظمي ومصر» 1952 ص 56 – 57 والمعروف أن استقبال الإخوان لماهر لم يكن محل تأييد جماعي، كما أصبح جزءا من عملية انشقاق أخرى داخل الجماعة كما سنرى.

24- مذكرات، ص 257.

25- لم يناقش هيورث دون «مصر الحديثة» ص 27 – 28 وص 30 «إلا الوجه السياسي فقط للنزاع. إلا أنه قدم أكمل العروض لهذا الوجه.

26- يوجد الحديث في صحيح مسلم (طبعة القاهرة، الجزء الأول ص 48) وكتاب الإيمان (الباب الثالث والثمانين ونجد حديثًا بديلا له في صفحة 85) ويقدم الخولي في كتابه «قائد الدعوة الإسلامية حسن البنا» (ص 73 – 74) الرواية الوحيدة المتوفرة للنقطة التالية في الخلاف، انظر أيضا حبيب أحمد في كتابه «نهضة الشعوب الإسلامية» ص 110.

27- مجلة الإخوان المسلمين (20 مايو 1954) ص 2.

28- انظر م. كولامب «تطور مصر ( 1924 – 1930) ص 82 ويتحدث ج. كيرك في كتابه «الشرق الأوسط أبان الحرب» 1952 ص 4 عن «وزارة داخلية» من المصري وحرب وعزام، الذي عمل تحت توجيه ماهر على «تعزيز ولاء القوات المسلحة للملك وعلى استخدامها كسند لسلطتهم الخاصة». وقد اعتمدنا في تغطية الخلقية التاريخية لهذه المرحلة على كولومب وكيرك والمعهد الملكي للشئون الدولية «بريطانيا العظمى ومصر».

29- كيرك ص 34.

30- أنظر بصفة خاصة حول هذه المرحلة كتاب السادات «صفحة مجهولة» ص 82 – 92.

31- كيرك ص 209، وبالرغم من أن الرواية غير رسمية إلا أنها أكمل الروايات المتاحة.

32- من أجل رواية مصرية لحادث فبرير انظر: مصطفى مؤمن «صوت مصر» (1951 ص 88 – 110) ومؤمن هو أحد الزعماء الطلابيين في تلك الفترة ثم أصبح فيما بعد شخصية بارزة داخل جماعة الإخوان المسلمين.

33- مذكرات ص 280 – 286.

34- الحجاجي 230 – 31، والعسال «البنا» ص 55 وحامد «قضية الشهيد حسن البنا» ، ص 24 – 27، وهيورث درن ص 38.

35- «نظام الأمر نشأتها وأهدافه»، وهو من مطبوعات الإخوان الرسمية ص 65، 7، وجريدة الإخوان المسلمين (3 يوليو 1946) ص2.

36- جريدة الإخوان (13 يوليو 1946 ص2، والحسيني، «الإخوان ص 26 – 27, وكيرك » موجز تاريخ الشرق الأوسط (واشنطن 1949) ص200.

37- جريدة الإخوان (13 يوليو 1946)ص4.

38-انظر مجلة الدعوة (10 فبراير 1953) ص3.

39-هيورث دون ص 23 - 28, 33 – 34, 36 – 38، وكيرك «الشرق الأوسط أبان الحرب» ص 207, وجاكوب بوهم «الإخوان المسلمين» ص 212 وزيفي كابلنسكي «الإخوان المسلمين» فمجلة (ديسمبر 1954), ص 380. وانظر أيضا حول المراغي دورية الجزء الثالث 1946 ص 511.

40- انظر التلميحات العديدة حلو دور البنا «التاريخي» خلال الحرب في مجلة الدعوة 12 فبراير 1952 ص15.

42- هيورث دون «مصر الحديثة» ص 36. والمعروف أن اسم مصر الفتاة قد تغير عام 1940 إلى الحزب الإسلامي الوطني.

43- المؤتمر الخامس ص 56 – 59 وكان البنا غاضبا بوجه خاص لاعتقاد الكثيرين بأن الإخوان المسلمين شعبة من جماعة مصر الفتاة.

44- المصدر الرئيسي لعلاقة الإخوان المسلمين بالحكومة العسكرية الحالية في مصر هو كتاب السادات «صفحات مجهولة» والذي ظهر لأول مرة على هيئة سلسلة من المقالات ابتداء من ديسمبر 1953 في جريدة الجمهورية الجريدة الحكومة في ذلك الوقت، تحت عنوان «صفحات مجهولة من كتاب الثورة». وقد ظهرت «الصفحات» - شأنها شأن الروايات الموعز بها رسميا – بعد أن عرف الجمهور بالصراع بين الجماعتين في نهاية 1953، وكانت تهدف أساسا إلى أن توضح، ربما لأبعد ما يمكن البرهنة عليه، أن عدم التفاهم مع الإخوان هو مسألة قديمة، والواقع إن ما ذكره السادات هو أمر يسحق التسجيل بوصفه أول رواية تتناول هذا الموضوع.

45- منذ خلع فاروق، سجلت كافة الجماعات في مصر ذكرياتها عن عدائها القديم العهد لسياساته. ومع ذلك فمن الأمور الجديرة بالاهتمام إن مجموعة السادات في الجيش كانت تسعى للاتصال بالمصري وماهر وكلاهما من رجال القصر. ذلك أن السخط الوطني، وليس الثورة، كان محركهم الواضح.

46- السادات، صفحات، ص 33 – 48.

47- السادات، جريدة الجمهورية (سبتمبر 1954) ص 1, 9. وقد ذهب السادات بعيدًا في الحديث عن عزيز المصري كأول زعيم لأولى «الجبهات» بين الجيش والبوليس والإخوان المسلمين. انظر أيضا هاريس (القومية والثورة ص 180) التي استمدت مادتها من نفس المصدر.

48- السادات، صفحات، ص 85 – 92, ص 105,110.

49- المصدر ( 10 ديسمبر 1954) ص26.

50- السادات، صفحات ص 50 – 52.

51- نفس المصدر ص 80 – 82.

52- هيورث دون ( ص40) الذي أوضح أيضا أن البنا قد لعب حتى النهاية دور قد لعب حتى لنهاية دور «الشهيد» الذي أضفى عليه لتضحيته بالعمل في سبيل «الإصلاح الإسلامي» انظر أيضا مجلة الإخوان المسلمين (20 مايو 1954) ص 2.

53- المعهد الملكي، بريطانيا العظمي ومصر ص 72.

54- مجلة الباحث (32 يناير 1951) ص 4، وجريدة الإخوان المسلمين (30 يوليو 1946 ص4 والحجاجي «الامام» ، الجزء الثاني ص 39 – 51.

55- انظر بوهم «الإخوان» ص 212 – 2133، وكابلنسكي «الإخوان» ص 380.

56- كثيرًا ما ذكر الإخوان هذا الاجتماع دون مواربة زاعمين أن المبادرة جاءت من البريطانيين الذين خوفوا من التعارف بين الإخوان والقصر. وبعد مناقشة أفكار وبرنامج الجماعة، عرض الممثل البريطاني الذي «تأثر» تأثرًا واضحًا «مساعدة الجماعة على تحقيق أهدافها» وقيل أن البنا رفض العرض. وحول الروايات المختلفة لهذا الموضوع انظر «نظام» الأسر ص 8 – 9 وجريدة الإخوان (31 يوليو 1946، ص 2، والدعوة (2مايو 1954) ص 9، ومجلة الإخوان المسلمين ( 22 يوليو 1954) – 9, (29 يوليو 1954) ص9. ويعلق هيورث دون، الذي يذكر الإخوان أنه شارك في تمثيل السفارة البريطانية في الاتصال بالجماعة، بأن البنا صرح عن طريق المصريين الذين كانوا على اتصال بالجانب البريطاني بأن من الممكن أن يبدي استعدادًا للتعاون وربما يكون مستعدًا لقبول نوع من «الدعم المالي» ... وهو ما جعل الناس يتصورن أنه قد تعلم من درس المعتقل، إلا أنه ليس هناك ما هو أبعد عن الحقيقة من هذا. (ولم تكن لديه أية نية لتلقي أموال الكفرة، وقد أدلى بإيضاح أكبر في مجلة «الإخوان المسلمون» خاصة عام 1946 بخصوص مسألة عرض أموال عليه أثناء الحرب). وكان لأحمد السكري دور كبير في إتباع هذا التحايل. فقد طلب في أحد الاجتماعات 40 ألف دولار وسيارة في مقابل تأييد الإخوان، وكان الإخوان قد اتهموا بالدعاية المضادة لبريطانيا لفترة 12 عاما لذا كان من المستحيل عمليا أن يطلب منهم العمل في صالح البريطانيين «مصر الحديثة ص 38 – 29».

وقد أدى الهدوء النسبي للإخوان عقب وصول الوفد للسلطة إلى أن يتصور البعض أن الإخوان قبلوا عرض «الإعانة» وقد اقتنع بهذا بوجه خاص الأعضاء السابقون بجماعة مصر الفتاة، الذين قادوا المظاهرات الكبرى المؤيدة لروميل في صيف 1942، والتي لم يشارك فيها الإخوان كتنظيم انظر بوهم «الإخوان المسلمين» ص 213، وهيورث دون «مصر الحديثه» ص 41.

57- فلقد قيل أن البريطانيين كانوا: (1) غير متعاطفين مع فكرة وجود أحد الإخوان المسلمين في البرلمان الذي سيطرح برنامجا سياسيا رسميا ينطوي على عقد عنيف وساخر لهم (2) متخوفين من نتائج الحملة الانتخابية في منطقة قناة السويس البالغه الحاساسية، انظر: نظام الأسر، 8، ص 7 هيورث دون ص 40.

58- نظام الأسر 10.

59- رسالة بين الأمس واليوم، وكان عنوانها في الأصل. رسالة النبي الأمين «وأيضًا» من تطورات الفكرة الإسلامية وأهدافها.

60- بين الأمس واليوم ص 28 – 31.

61- لا يشكل الاختلاف بين التعبيرين أية أهمية إلا بالنسبة لبعض المنضمين للجماعة. ذلك أن «القسم الخاص» هو بالنسبة لهم بمثابة الجناح الأقل علانية للتنظيم الأصلي والذي لا يتاح الدخول في نشاطه إلا لخدام القضية الأكثر «تفانيا وحماسا» ونتيجة لثقتهم في مفهوم القيادة عن «الصواب والخطأ» لم يكن يخامرهم أي إحساس بالجرم وهو الإحساس الذي ارتبط بعد ذلك بتعبير «الجهاز السري» وانظر حول هذه النقطة اعترافات قاتل النقراشي باشا في عام 1948 (قضية النقراشي ص47).

62- مذكرات ص 128.

63- المصدر السابق ص 203 – 205.

64- الحجاجي الرجل الذي أشمل الثورة «ص 16 – 19, 22- 23 -33 35».

65- «رسالة بين الأمس واليوم» ص 27.

66- لم يكن معروفا على وجه اليقين داخل الجماعة ذاتها وحتى نهاية 1954 شخصيه مؤسس الجهاز هل هو البنا أم «عبد الرحمن السندي الرئيس المعين للجهاز من عام 1947 حتى 1953(انظر جريدة الجمهورية، 4 فبراير 1954 ص 7) ويذهب كمال كيرة (في «محكمة الشعب» الجزء الأول) إلى أن البنا قد استخدم الضباط الألمان لمعاونته في إنشاء الجهاز. والرواية السالفة الذكر ليست سوى رواية ملفقه باعتراف الجميع، مصدرها جهله الواضح. ومن الأشياء ذات الدلالة ذلك الخطاب الذي عثر عليه مؤلف هذا الكتاب أثناء الأزمة التي تعرضت لها الجمعية عام 1954، والموجه من محمد علوي عبد الهادي إلى زملائه في الهيئة القيادية للجماعة – والخطاب يلقي ضوءًا تاريخيًا مفيدا إلى حد ما – من خلال محاولته تحليل القضايا التي واجهتها الجماعة في أزمتها مع الحكومة عام 1954، على مسائل هامة أخرى من بينها قصة الجهاز السري وتأسيسه.

67- أنظر بصفة خاصة السادات، صفحات ص 142-144.

68- نظام الأسر ص 10.

69- أنظر على سبيل المثال: الغزالي، الإسلام المفترى عليه بين الشيوعيين والرأسماليين ص 7.

70- (الشرق الأوسط ص 263) في تعليقه على طبيعة الانتخابات ومن أجل عرض أكثر تفصيلا – وأن أفتقر إلى الحيدة – أنظر محمد شوقي زكي «الإخوان المسلمين والمجتمع المصري. ص 21,22 وكتاب زكي ( في الأصل رسالة مقدمة لجامعة القاهرة لنيل دبلوم الدراسات العليا) قدم على أنه دراسة «غير متحيزة» للحركة، وكان المشرف على الرسالة أحد القادة البارزين للجماعة (كمال خليفة: جامعة هارفارد «كولومبيا» وجامعة مينشيجان) ويمكن القول أن الجانب الأكبر من البحث عبارة عن وجهة نظر «من الداخل». وتعكس رواية زكي لأحداث الانتخابات موقف الإحباط التنظيمي للجماعة عندما رفضت محاولتها استخدام الطريق الشرعي أو «الرسمي» للدعاية للحركة وحول هذه النقطة أنظر أيضا فيما يلي: ص 307 – 313.

71- أنظر مجلة الدعوة: (10 فبراير 1953) ص 12 – 31.

72- كبرك، الشرق الأوسط ص 266، والمعهد الملكي ص 81. ويذكر كلاهما أنه قد قيل أن القاتل كان من أعضاء جماعة مصر الفتاة. وفي 1954 بذات الحكومة أول جهد مركز لاتهام الجماعة بارتكاب الجريمة، أنظر مجلة آخر ساعة «أول ديسمبر 1954) ص4, «الإخوان والإرهاب» ص21 – 27.

73- جريدة الإخوان المسلمين (4 يوليو 1946)ص4.

شوقي زكي «الإخوان المسلمون والمجتمع المصري» وربما قصد من استخدام تعبير «المحنة» الاستشهاد بالاضطهاد القديم الذي تعرض له السلفيون المحافظون، وخاصة أحمد بن حنبل، على أيدي الخلفاء المتأثرين بالاتجاهات العقلية (المعتزلة) من بني أمية والفترات الأولى للحكم العباسي. أنظر ب .ك هيتي، تاريخ العرب ص 429 – 430 (1949).


الفصل الثالث : الصعود إلى القمة.. وقرار الحل (19451949)

الجو العـــام

بانتهاء الحرب انتهي أيضا التوتر المكبوت، كما كشفت نهاية الحرب الغطاء عن المشاعر المتأججة التي ظلت تحتدم طويلا في ظل ضوابط وقيود قانون الأحكام العرفية.

وكان إغتيال أحمد ماهر، رئيس الوزراء، هو أول تعبير واضح عن هذه الحقيقة. كذلك كان للأثر المباشر للحرب نفسها على الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لمصر نتائجه المتنوعة فيما يتعلق بالقوة الدافعة للحركة الوطنية وإتجاه هذه الحركة. وقد لخص عيسوي، في فقرات قليلة، أهم السمات المميزة للحياة في مصر في فترة ما بعد الحرب بقوله:

«وربما تمثل أهم هذه العوامل في فرض تضخم القرن العشرين على بنية اجتماعية تنتمي – من نواح عدة – للقرن الثامن عشر. فالفجوة بين الأغنياء والفقراء والمتسعة بالفعل ازدادت أتساعا، والعمال غير المهرة من الريف والحضر يقاسون فقرا مدقعا، أما الطبقتين المتوسطة وما دون المتوسطة من ذوي الرواتب الشهرية، والذين شهدت دخولهم النقدية إرتفاعًا ضئيلا للغاية، فقد عصرت بلا رحمة».

«والاتجاه الآخر الذي عجلت به ظروف فترة الحرب كان «تمدين» العمالة الزراعية، بما ترتب عليه من نتائج اجتماعية عديدة.

فقد جذب نمو النشاط الصناعي المزارعين المعدمين ففي أوج المجهود الحربي، كانت الورش والمرافق التابعة لجيش الحلفاء تستخدم أكثر من 200.000 عامل مصري من بينهم حوالي 10.00 من الكتبة، وحوالي 80.00 من العمال المهرة وأشباه المهرة. وفضلا عن ذلك وجدت ألوف عديدة أخرى مجالا للعمل في خدمات التموين المختلفة لجنود الحلفاء وكان طبيعيا أن تشد الحياة السياسية والعمل التحريضي هؤلاء الوافدين الجدد.

وقد أدى انسحاب الجانب الأكبر قوات الحلفاء بعد الحرب إلى حدوث بطالة قدرت بما يزيد على 250.000 عامل وإلى المزيد من الإفقار والهياج.

«وفي هذه التربة الخصبة نثرت بذور بعض الأفكار الشديدة الإقناع. ولقد بذلت مصر أقص ما في وسعها حتى تتجنب التورط في الحرب، إلا أنها أغرقت بفيضان الدعاية الذي يتدفق عليها من كل اتجاه.

فبريطانيا والولايات المتحدة تعزفان لا انقطاع على نغمتي الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وعلى النغمة التي ربما حظت أكثر من غيرها بجمهور متفهم لأنها تتحدث عن مساندة الاستقلال الوطني ضد العدوان النازي (وبالتالي ضد العدوان السوفيتي). أما الألمان فقد واصلوا الضرب على الأوتار الحساسة، معلنين عن تأبيدهم وتعاطفهم العميق مع القضية المصرية والعربية ضد السلطات الغربية، واعدين الطبقات المصرية العليا بتوريثهم ملكيات الأجانب ومؤكدين للفلاحين أن دخول القوات الألمانية مصر سوف تتلوه مباشرة إعادة توزيع الملكيات الكبيرة من الأراضي. أما فيما يتعلق بالدعاية الروسية، فقد أتيحت أماها فرصة نادرة، فرصة توفرت دون قصد غالبا من خلال الحماس المسرف لمسئولين من البريطانيين والأمريكيين. إذ قرظت الدعاية التي قاموا بها البراعة الفائقة للاتحاد السوفيتي، وأوفيت الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية الروسية حقها، بل وأكثر وكان طبيعيا في مثل هذه الظروف أن يحدث انتشار سريع للأفكار الاشتراكية والشيوعية، وأن يحدث أيضا انتشار أوسع نطاقا للسخط العميق والمكبوت على النظام القائم، والذي لا يعرف كيف يعبر عن نفسه بوضوح، والمتهيأ تماما للمضي خلف أي اتجاه واعد بالتغيير».

ولقد ساعدت قضية فلسطين وقضية العلاقات المصرية البريطانية – وقد بقيتا دون حل – على تزايد حدة الصراع الرهيب داخل البلاد بين الأحزاب السياسية الكبيرة، وبين هذه الأحزاب من جهة والقصر والحكومة من جهة ثانية، ذلك الصراع الذي أسفر عن تعجيل سريان الفوضى والعنف: مما دل على التدهور الفعلي – وغير المعترف به رسميا – للحياة البرلمانية ولسيادة القانون. وفي حين تجاوز المحيط العام للأحداث جماعة الإخوان المسلمين، إلا أن إسهامها الخاص في الأزمة كان مع ذلك ذا أهمية أساسية، سواء بالنسبة لمستقبل مصر أو بالنسبة للجماعة.

وفي داخل التنظيم بدأت فترة ما بعد الحرب بداية مبشرة بمذكرة طرحت حول دستور الجماعة. ففي 8 سبتمبر 1945 التقي أعضاء الجماعة في اجتماع جماهيري حاشد ليعيدوا تأكيد المبادئ التي تمت صياغتها في المؤتمر الخامس – ذي الأهمية الخاصة – والذي انعقد في 1939. وقدم البنا، في الوقت ذاته، تحديدًا شاملا للقوانين المحددة لعمل الجماعة (قانون النظام الأساسي لهيئة الإخوان المسلمين العامة) والذي بقى رغم تعديلات 1948 وإضافات 1951، دستورًا أساسيًا للجماعة وهو ما وفرا قرارًا رسميًا لنظام إدارة وإشراف غير معلن قائم على تفويض نظري بالقيادة.. وتوزيع للاختصاصات والسلطات بين «المرشد العام» و «مكتب الإرشاد العام» و «الهيئة التأسيسية». كذلك وفر قانون النظام الأساسي الإطار المناسب للعمليات الإدارية والفنية، كما هيأ الأساس اللازم لقيام جهاز ميداني متماسك وتشكيل التسلسل الهرمي السلطة.

وفي نفس الوقت، وكما تقتضي مواد القانون 49 لعام 1945 بخصوص تنظيم العمل الخير ي والاجتماعي، أحالت الجماعة سجلاتها إلى وزارة الشئون الاجتماعية لمعاينتها. وقررت الوزارة أن التنظيم هو «منظمة سياسية واجتماعية ودينية» وأن القانون الذي يكفل الإعانة الحكومية للجمعيات الخيرية قابل للتطبيق على جانب من أنشطتها، وبناء على هذا القرار، قامت الجماعة بتقسيم نفسها إلى قسمين وتم إنشاء «قسم للخدمات الاجتماعية والخيرية», له رئاسته ونظمه وقياداته المنفصلة وتنظيمه الخاص، والمفوض بالتعامل مباشرة مع وزارة الشئون الاجتماعية في المسائل التي تهم الطرفين. وبهذا الإجراء، أقام البنا أساسا شرعيًا لحماية الخدمات التي تقدمها الجماعة من نزوات النظام السياسي المتقلب.

لقد عكس إنشاء القسم الجديد التوسع الكبير في نشاط الجماعة في هذا المجال وفي غيره من المجالات التي كرست الحركة نفسها من أجلها سعيا منها إلى تجسيد إيمانها بشمولية تعاليم الإسلام وقابليتها للتطبيق العملي. إذ تم إنشاء المدارس والمعاهد النهارية والليلية التي تقدم برامج التعليم الفنية والأكاديمية، لتعليم الفتيان الفتيات والبالغين. كما أقيمت بعض الصناعات الصغيرة، بهدف التخفيف من حدة البطالة المنتشرة ولتجسيم قدرة الاقتصاد الإسلامي «على الحياة». وأضيفت الخدمة الاجتماعية إلى النشاط الخيري، وعلى نطاق أوسع في المناطق الريفية، وكذلك اكتمل هذا النشاط بالخدمة الطبية في شكل مستشفيات وعيادات ومستوصفات. وسوف تناقش هذه المسائل والمسائل الأخرى المتصلة بها في الجزء الثاني من هذا الكتاب، إذ أنها أيًا كانت قيمتها كحافز ايديولوجي للأعضاء، فإنها تركت في حياة الجماعة طوال فترة ما بعد الحرب أثرًا أقل بكثير مما تركه انخراطها الكامل في القضايا والصراعات السياسية والتي كانت تشكل في ذلك الوقت المسألة الأساسية في مصر.


السياسة والحركة الوطنية

رغم احتفاظ الوفد، بعد الحرب بقوته التقليدية، إلا أنه فقد مع ذلك دوره الفريد بوصفه الصوت الأساسي المعبر عن مشاعر الاستياء الوطني الواضح. فقد تغيرت صورته تغيرًا ملحوظًا في أعين الوطنيين الشباب نتيجة لقبوله السلطة تحت إشراف البريطانيين في فبراير 1942، أضف إلى ذلك، الفساد الذي اعترى حكم الوفد والذي كشف عن نفسه في خروج مكرم عبيد السكرتير العام للحزب ونشره للملف الشهير «الكتاب الأسود» ففضلا عن أن هذا البوح بالأسرار قد كلف الوفد قدرا من هالة النقاء التي أحاطت به طوال تاريخه، فإننا نجده أيضا (وهو الأمر الأكثر أهمية) بوثق الحقيقة التي كانت معروفة حتى الآن على نحو غير مؤكد، والتي مؤداها أن الوفد، المعقل التقليدي «للطبقة الوسطي» قد أصبح محكوما – من داخل قيادته – بواسطة رجال ترتبط مصالحهم بالنخبة الحاكمة. وبغض النظر عن الاقتراحات الخاصة بالتشريعات التقدمية التي تقدم بها الوفد، نجد أن قيادته قد بدأت تتحدث بوضوح أكبر بلهجة المصالح الاقتصادية السائدة، كما بدأت تتحدث بوضوح أكبر بلهجة المصالح الاقتصادية السائدة، كما بدأت تشارك بنصيب أوفر في اللامبالاة العامة التي تبديها الفئات الحاكمة عند مطالبة بالتحرك لتخفيف حدة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة والتي تعاني منها جماهير الشعب المصري.

وبانتهاء الحرب، مثلت مسارعة الوفد إلى توطيد موقعه كقيادة الحركة الوطنية، في جانب منها، محاولة منه لتغيير صورته المرتبطة بالتعاون مع البريطانيين كذلك مثلت، من جانب آخر، خطوة ترتبط أساسًا بالحماس التقليدي للوفد في فترات وجوده خارج السلطة، وأن ارتبطت على نحو أوضح بالتحدي الذي يمثله نشاط الإخوان المسلمين. فقد تسربت تلك الجماعة داخل المعاقل التقليدية للوفد: الجامعة والوظائف المدنية والريف، كما أن ما أحرزته من مكانة ونفوذ جديدين قد ترك أثرا ضارا على الصراع القائم بين الوفد والقصر. وكان قد عزز انبعاث الوفد من جديد أن «الجناح اليساري» للحزب قد أتيح له – بالتدريج على ضوء تقدير القوى الاجتماعية المتواجدة في الساحة في فترة ما بعد الحرب وطالما كان الحزب خارج الوزارة – أن يصبح الصوت المعبر عن الحزب.

كذلك كان حادث فبراير 1942 بمثابة ضربة حاسمة للقصر. فلم يعد باستطاعة الملك أن يسترد وضعه السابق الذي أمتلك فيه زمام الأمر والنهي محاطا بعواطف التقدير من شعبه، وكان الموقف واضحا بوجه خاص في حاله ضباط جيشه الشبان، الذين استولى عليهم شعور طاغ ومؤلم باستسلامه المهين أمام استعراض البريطانيين لقوتهم والواقع أنه قد أصبح موضعا للكراهية العميقة، وذلك لأنه انتهك في حياته الشخصية كل ما تعرفه التقاليد من فضائل كما ازداد تفرده في حياته السياسية (هو وعرشه) مع البريطانيين ومع الفئة الحاكمة.

ولقد اصطبغ السياسي، حتى قبل أن تنتهي الحرب، بصيغته التقليدية والمعهودة عندما أمن القصر موقفه عند أول فرصة مواتية وطرد الوفد من الحكومة. ومنذ ذلك الحين فصاعدا، وكلما كان ذلك متاحا، استمر القصر في التعبير عن مقته للوفد وذلك بدعوته أعضاء الحزب السعدي أو المستقلين لتشكيل الوزارة والعمل على حل المشكلات المتتالية ي تلك الفترة. ولم تكن حكومات الأقلية، كما أسمتها المعارضة، تستند إلى أي تأييد شعبي، ولم يكن في إمكانها أن تمسك بدفة الحكم، في مواجهة روح التحزب المتطرفة والمشكلات الحادة في فترة ما بعد الحرب، إلا باستنادها إلى القمع البوليسي أو بالمناورات البارعة في مواجهة القوى المعارضة. ولقد شارك الرؤساء «المحافظون» للحكومات، سواء كانوا من الوفديين السابقين أو من الأعداء التقليديين للوفد، شاركوا القصر مقته للحكم الوفدي ومن ثم فقد شاركوا بحماس في المعركة، خصوصا منذ بدأ انتشار الفكر الراديكالي في مصر يتحول إلى مشكلة أكثر خطورة نتيجة لما ظهر من تزايد النفوذ الشيوعي داخل الوفد نفسه. وفي الخلفية العامة للأحداث، كان من الطبيعي أن تنشأ ضرورة للاتصال بالإخوان المسلمين. كذلك كان طبيعيًا بنفس القدر ومع وجود التناقضات الكامنة- إن اتصالا من هذا النوع لن يستمر طويلا.

ومنذ أن بدأ الإخوان يحتلون موقعًا بارزا في ساحة النشاط السياسي، أخذت المجموعات المحافظة، كما سبق أن لاحظنا، في التودد إليهم في محاولة كسب تأييدهم. ورغم أن دعوة على ماهر إلى الوحدة العربية والوحدة الإسلامية كانت موجهة أساسًا ضد البريطانيين، إلا أنها جسدت أيضًا النظرة التقليدية للإسلام كحصن وافي في مواجهة الراديكالية الاجتماعية والاقتصادية قولا وعملا كما أن هذه النظرة تفسر جزئيًا العروض المقدمة من الوفود- أو بالأحرى «الجناح اليميني للوفد»- بالمصالحة والصدقة في 1943 و 1944، كما ان من الواضح أنها كانت تحكم أيضًا مواقف القصر ورؤساء حكومات الأقلية. والواقع أن القوى نفسها التي دفعت الوفد المرن إلى سياساته «التقدمية» في فترة ما بعد الحرب، قد ساعدت على ظهور ردود فعل قوية بين الأطراف المحافظة، كان من أوضحها ذلك البرنامج المتفق عليه والواسع النطاق والخاص بقمع الشيوعيين والجماعات الشيوعية أو المتحالفة مع الشيوعيين وما سمي بالصحف والدوريات الشيوعية التي بدأ إصدارها في ظل وزارة إسماعيل صدقي في عام 1949(وكان في مقدور الإخوان المسلمين، بمعادائهم الصارمة للشيوعيين، أن يشاركوا في هذه الحملة بحماس شديد. فقد أوردت صحافتهم تفاصيل الحملة الحكومية، في همود يومي عنوانه «مكافحة الشيوعية». كما أن مخابرات الجماعة أمدت الحكومة بمعلومات مفيدة خلال حملات التفتيش المستمرة عن الشيوعيين المعروفين والمشبته فيهم، وبوجه خاص في الدوائر العمالية والجامعية.

إلا أن البنا رغم مناهضة الشيوعية العنيفة له، كان يخاطب وهو جماعته نفس المجموعات التي قد يكون هذا المبدأ (الشيوعية) قد شدها إليه بتأثير الأسباب التي ولدت السخط في النفوس، وإن كان قد فعل ذلك باستخدام «مصطلحات إسلامية». وقد أدي هذا التوجيه الديني إلى تعمية المواقف الإصلاحية المناوئة، القائمة والكامنة، في الحركة، كذلك خلقت هذه المواقف وضعًا يتعارض تمامًا، من نواح عدة، مع استمرار بقاء الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي القائم والذي تكرس له جهود الفئات الحاكمة. وقد أكدت هذه الحقيقة (رغم عدم إدراكها بوضوح) أن الاتصال بين الإخوان المسلمين والحكام المحافظين سيسير على نحو مقلقل وواهن. ومع ذلك، ففي ذلك الوقت كان من الممكن استخدام الجماعة دون أن يجري التفكير في مسألة تحقيقها لأهدافها الثورية المضمرة، ذلك لأن هناك في تلك اللحظة أعداء مشتركين يواجهون القصر والرؤساء المحافظين للحكومة والإخوان المسلمين هم: (الشيوعيون والوفد). وفيما يختص بالبناء، كان هناك بعد آخر. فبعد أن وجد الآن التنظيم القوى الذي يؤيده أصبح في مقدوره لا أن يدافع بحزم عن الأهداف التي كرس لها كل طاقاته فحسب- إصلاح مصر من خلال تحويلها إلى مجتمع إسلامي حقيقي وإجلاء البريطانيين- بل أصبح في مقدوره أيضًا أن يفكر بتحديد أكثر في الوسائل التي تلزم لتحقيق تلك الأهداف، وهو ما يشتمل حتما على مشاركة الإخوان المسلمين في توزيع السلطة في البلاد.

أما كيف تجسد هذا الاهتمام المشترك في علاقات رسمية بين تلك الأطراف، فذلك أمر بقي غامضا «والواقع أن غالبية أعضاء الجماعة كانوا سيرفضون رفضًا باتا أي اقتراح بأن يقوم البنا بأي تضرف في اتجاه القصر أو حكوماته». إلا أن زملاء البنا المقربين منه يؤكدون أنه لم يكن يحمل لفاروق أي عداء شخصي، وأن من بين أحلامه الكبيرة أن يتم استقباله في الحضرة الملكية. ومما يعزز هذا الكلام أنه ذهب في معرض وصفه لمستقبل الإسلام، إلى أن الحديث عن إقامة الخلافة هو أمر بعيد عن الوضوح وأنه يحتل موقعا بعيدًا في المستقبل بحيث يصبح غير ذي معني الآن. وفي حديثه عن البناء الإسلامي الجديد، قيل أنه تعمد تعميم آرائه في التعبير عن «النظام الإسلامي» دون إضافة أي تحديد آخر لما يعينه ذلك بلغة نظم الحكم نظريا وعمليا. وربما كانت محاولته تجنب العدوانية في هذا الصدد حيلة أو تكنيكا مراوغا لإخفاء البواعث البعيدة لحركته، أو مجرد محاولة لتفادي أية إثارة للحفيظة الملكية دونما ضرورة، على أنه يبدو أقرب للحقيقة أن البنا ظل مستمرا في ولائة للعرش، وأنه كان يأمل، في تحقيق إصلاحاته من خلاله.

إن إعادة بناء هذا الموقف تقوم أساسًا على عملية تمحيص لآراء خاصة يتعذر حتى الآن: عمها بالوثائق. ويضيف أحد المصادر (ذكريات أنور السادات حول خلفية ثورة 1952) بعض المعلومات المفيدة، وأن لم تدعم بالأدلة حتى الآن، والتي تتعلق باتصالات وقعت بالفعل. ففي أغسطس 1942، ألقي القبض على السادات، ألا أنه تمكن من الهرب في نوفمبر 1944، بعد شهر واحد من إقالة وزارة النحاس، وعلى الفور استأنف اتصالاته بالبنا والتي بدأت عام 1940. ويسجل السادات استغرابه عندما قدم البنا، بعد عدة لقاءات معه، تفسيرًا غريبًا ورجاء أغرب. فقد أخبر السادات أن القلق قد ساوره من أن «الملك والأجانب» قد يشعرون بالخوف من حركته: الأول بسبب إستناد الجماعة إلى الآراء الإسلامية التقليدية حول اعتبار «البيعة» لا الورثة هي المصدر الصحيح لسلطات الملك، والأجانب بسبب تخوفهم من أن يفقدوا أعمالهم وأملاكهم وحقوقهم إذا ما نجحت الحركى.

وشعر البنا إنه إذا ما أعيدت الطمأنينة إلى الملك فسوف تعود أيضًا إلى الأجانب ثم أنهي كلامه بأن رجال السادات أن يرتب له مقابلة مع الملك، وكان في إمكان السادات ترتيب مثل هذا اللقاء من خلال علاقته الشخصية القوية بيوسف رشاد، الطبيب الخاص لفاروق. وقد وافق السادات في النهاية، مع صعوبة الأمر بسبب وضعه الخاص كسجين هارب، وذهب إلى يوسف رشاد الذي وافق على القيام بالمحاولة. وقام رشاد بمحاولتين مختلفين لضمان الحصول على موافقة الملك على لقاء البنا فشلنا مما نظرًا لاستياء الملك، إلا أن الملك عدل قراره بعد بضعة شهور أخرى وأمر رشاد بمقابلة البنا وأن يقدم له تقريرًا بما تم بينهما. ونفذ رشاد الأمر الملكي، ولأنه اقتنع «باخلاص» البنا الفاروق، فقد نقل رأيه إلى الملك، الذي قهقه ضاحكا: «لقد خدعك حسن النبا». والمعروف أن هذه الأحداث وقعت جميعا في عام 1945. ويكمل السادات القصة بالكلمات التالية:

«ذلك ما أخبرني به يوسف رشاد».

«وقد أخبرني أيضًا بعد عدة سنوات أن الملك خاطب إبراهيم عبد الهادي عند نهاية توليه للوزارة في عام 1945 بقوله: لقد أخطأنا بضربنا الإخوان، ويتوجب علينا أن نعود إلى السياسة القديمة). وسألت يوسف رشاد ما هي تلك السياسة القديمة. فاجاب قائلًا: صدقني.. لا أعرف.. لكن يبدو لي أن اتصالا آخر قد تم بين حسن البنا والملك من خلال واسطة أخرى غيري.. وأن الملك قد أتخذ موقفا معينا في مواجهة الإخوان لفترة قصيرة خلال 1946، ثم غير هذا الموقف بعد حرب فلسطين..).. ثم قال: (الله أعلم) .

أما من الذي قام بهذه الوساطة، فذلك ما بقي لغزا، مثلما هو الحال فيما يتعلق بأية تفاصيل خاصة بطبيعة أو بمدي قوة الصلة. وهناك قصة، كثيرًا ما تكرر ترديدها، تقول أن البنا قد أخذ رأيه في تعيين إسماعيل صدقي باشا رئيسًا للوزراء في فبراير 1946 ومن الواضح أن المواقف الودي الذي اتخذته الجماعة من الفترة المبكرة لوزارة النقراشي باش التي وزارة صدقي في ديسمبر 1946، كان ينطوي على أشارة واضحة لاستمرار الصلة. وبعد فترة قصيرة من تعيين إبراهيم عبد الهادي رئيسًا للديوان الملكي في فبراير 1947، دعي البنا- للمرة الأولى- لحضور إحدى الولائم الملكية وتؤيد المحادثة التي أوردها السادات بين إبراهيم عبدا لهادي وبين الملك الرأي الشائع القائل بأن وجود عبد الهادي كان مهما بالنسبة لأية روابط قامت بين الملك وبين البنا، كذلك يسجل السادات، وهو مصيب في ذلك، أن حرب فلسطين كانت نقطة تحول في تلك العلاقة.

ومن الصعوبة بمكان أن نحدد ما عناه ذلك كله من الوجه العملية طوال عامي 1946 و 1947 فمن الواضح أن جماعة الإخوان كان ينظر إليها بوضعها أداة المناهضة الوفد والشيوعيين. ويبدو أن البنا قد حصل من صدقي على مجموعة من التسهيلات الرسمية شجته على القيام بهذا الدور. ومن بين هذه التسهيلات: ترخيص بإصدار الصحيفة الرسمية للجماعة «جريدة الإخوان المسلمين» التي بدأت تصدر منذ مايو 1946، امتيازات في شراء ورق الطباعة بالأسعار الرسمية والتي تعني توفير من 20 إلى 30% من أسعار السوداء، أمتيازات مخصصة للجوالة (استخدام الزي القومي الذي يتم شراؤه بسعر مخفض، واستخدام المعسكرات والتسهيلات الحكومية، ومنحها قطعا من الأرض لإقامة المباني اللازمة في المناطق الريفية).

كذلك كان واضحا أن تعيين محمد حسن العشماوي، الذي دعا منذ وقت طويل إلى إقرار التعليم الديني في المدارس المدنية، والصديق المخلص للجماعة، في منصب وزير التعليم (المعارف) في حكومة صدقي قد جاء منسجما مع نفس السياق من الأحداث. أما «الإعانة» المالية فالأرجح أنها لم توجه للجماعة على نحو مباشر وإنما تم تمريرها من خلال وزارتي التعليم والشئون الاجتماعية بوصفها مساهمات أو إعانات حكومية مشروعة للخدمات التعليمية والاجتماعية والخيرية للجماعة.

وأيا كانت طبيعة تلك الإجراءات، فإنها لم تمن شيئًا في ضوءا كان يجري من أحداث، فقد أبدت صحافة الجماعة في معظم الحالات عداء سافرا للحكومات المتعاقبة ولا نشطها، لتبز في بعض الأحيان لسان حال حزب الوفد. واستمرت صدامات الحكومة والجماعة، وخاصة في الاضطرابات العمالية والمظاهرات الوظيفة. وكان واضحا أن الاتصال بالسلطات العليا هو نوع من «السياسة العليا» يختض بها البنا وحفنه من رفاق المختارين. أما فيما يتعلق بالأعضاء المستشارين فلم يكن هنا معني لأي صلات ودية مع حكومات القصر. وكانت طبيعة المصادمات وحركات الشغب العمالية والوطنية وتحدي استتباب الأمن- هي البقية للتعارض الأساسي بين قوى التحالف، وقد تأكد صدق ذلك على نحو درامي في العنف والغضب الذي ميز انهيار هذا التحالف ابتداء من عام 1948.

وعلى ذلك لم تكن العلاقات بين السلطة والإخوان المسلمين بأكثر من توافق مؤقت وعارض، ومن ناحية أخرى كان هناك صراع جوهري بين الإخوان المسلمين والوفد، وهو الأكثر أهمية نتيجة لما ترتب عليه من نتائج- فقدوا كب الأضعاف المضطرد لمكانه الوفد تداعي المعالم المميزة للحياة البرلمانية وما رافقه من اضطراد كبير في التجمعات الناشطة خارج البرلمان وفي مجالات النشاط غير الشرعية. وكان محتما أن يمتد نطاق العنف الذي تلا ذلك ليشمل كل القوى الداخلية في البلاد، إلا أنه ولما كان كل من الوفد وجماعة الإخوان هما الحزبين الجماهير بين الوحيدين، فكان طبيعيًا أن يسود الصراع بينهم مسرح الأحداث. وقد نشبت المعارك في أكثر من جبهة: في أهم صحفهم، الإخوان المسلمين والمصري وصت الأمة بعد ذلك، وفي الريف في صورة حملة التجنيد المكثفة للأعوان وفي حملات التحريض داخل الأوساط العمالية، وفي الجامعات من أجل السيطرة على الحركة الطلابية. وبطبيعة الحال، كانت الحركة الوطنية هي بؤرة الصراع.

وفي ضوء ما سبق، ومستندين إلى ما يكفي من تفاصيل التاريخ المصري ليعطي لذلك دلالة- يمكن لنا أن تنبع مسار حركة الإخوان وهم يواصلون التقدم إلى مركز الحياة السياسية المصرية.

وكانت نهاية الحرب في مايو 1945 هي مؤشر أمام القوات المتحالفة لبدء طور جديد للنضال الوطني ضد بريطانيا. وقد بادر الوفد بإتخاذ موقف حينما أحال مذكرة إلى السفير البريطاني حول تطلعات وطموحات الشعب المصري. وأعرب الإخوان المسلمون عن موقفهم بالدعوة إلى «مؤتمر شعبي» يعقد بالقاهرة وفي سبعة مراكز رئيسية في الأقاليم في بداية أكتوبر لمناقشته القضية الوطنية ولتحديد وصياغة المطالب، موجهين بذلك أنظار الوفد والحكومة والبريطانيين إلى الدور الطموح والشامل الذي تتوقع لنفسها أن تلعبه. ولم تطلب حكومة النقراشي رسميًا أن تبدأ مفاوضات الجلاء ووحدة وادي النيل إلا بعد أن مضت عدة أشهر (ديسمبر 1945).

وقد بدأت اجتماعات الإخوان قبل أيام من بداية العام الدراسي بالجامعات والتي تمثل، عادة البؤرة الرئيسية للإثارة الوطنية، والتي ستكون مسرحا أيضا لأكثر جوانب الصراع بين الوفد والإخوان المسلمين أهمية. ذلك أن طلبة الجامعات، رغم وحدة الإخلاص للقضية الوطنية التي تجمعهم ورغم أنهم يعملون في تآلف في المناسبات الهامة، إلا أنهم كانوا منقسمين في الواقع- انقسامًا مريرًا- حول قيادة الحركة الوطنية.

وفي جامعة فؤاد (القاهرة الآن) كان الانقسام الأساسي بين مؤيدي الوفد والأنصار الإخوان المسلمين. أما الشيوعيون فكانوا في تحالف تكتيكي مع الوفد، بينما كان الإخوان يلقون تأييد الحزب الوطني ومصر الفتاة بقيادة أحمد حسين، وعدد آخر من المجموعات الأصغر ذات الانتماءات السياسية المشابهة.

وكانت البادرة الأولى من جانب الوفد، وذلك عندما دعت مجموعة أطلقت على نفسها اسم «اللجنة الوطنية» إلى «مؤتمر عام الطلاب لبحث الوطنية» يعقد في 7 أكتوبر. وفي اليوم السابق على عقد الاجتماع دعا الإخوان المسلمون في أولى مناوراتهم التي تلاحقت بعد ذلك، إلى اجتماع طلابي وعقدوه بالفعل وانهي بأن قرر إحالة مذكرة إلى الحكومة تحدد الحد الأدني من مطالب الحركة الوطنية. وفي الاجتماع المقرر عقده في 7 أكتوبر، قدم ممثل الإخوان قرارات الاجتماع السابق وطالب بأن يتفق الجميع على هذا القرارات، باسم «الوحدة الطلابية»، وفور إعلان الرفض الغاضب لهذا الطلب، أنسحب الإخوان من الاجتماع وفصلوا أنفسهم عن عمل المجموعة. على أنهم عادوا مرة أخرى إلى حضور اجتماعاتها في ديسمبر، عندما بدأت عملية انتخاب بقيادة اللجنة الوطنية، إلا أنهم لم ينجحوا في تفنيد البرنامج الوفدي.. ومنذ ذلك الحين فصاعدا وبعد أن حصلت اللجنة على تفويض من الطلاب، غيرت اسمها إلى «اللجنة التنفيذية»:

وتوقف النزاع للحظة عندما وصل الرد البريطاني في 26 يناير 1946 فاترًا وملتبسًا، على مذكرة النقراشي فقد طرح الطلبة خلافاتهم جانبًا، وقد أثار ثائرتهم هذا السلوك الذي اعتبر إهانة وقحة للسيادة المصرية، وحشدوا صفوفهم من أجل مؤتمر طلابي عام لإتخاذ قرارات احتجاج قوية وفي 9 فبراير أرسلت مذكرة عاجلة إلى الملك فاروق تطالب بالبدء الفوري المفاوضات. وفي اليوم نفسه، بدأ الطلبة «مسيرة سلمية» إلى قصر عابدين تعبيرًا عن إصرارهم على تحقيق مطالبهم وفي طريقهم إلى القصر فرقهم البوليس بالقوة، وقد سمي هذا الحادث، الذي ثار حوله خلاف كثير وتحول إلى واقعة تاريخية شهيرة في حوليات الحركة الطلابية، «مذبحة كوبري عباس». وتثير المجموعات الطلابية المختلفة في كل مناسبة مواتية- بما في ذلك الإخوان المسلمين- الذي تقدم قائدهم في الجامعة «مصطفي مؤمن» مسيرة ذكرى هؤلاء الذين استشهدوا فوق كوبري عباس «من أجل قضية مصر وعلى أيدي البوليس المصري الذي يسيطر عليه البريطانيون».

وفي العاشر من فبراير وصل الملك، الذي اعتزام الذهاب إلى الجامعة من أجل الافتتاح الملكي للسكن الطلابي الجديد، والمدينة الجامعية، وصل ليجد تجمعا طلابيا غاضبا يرفض تحيته. وفي ذلك المساء، وعن طريق رئيس ديوانه الملكي أحمد حسنين، دعا الملك كل القيادات الطلابية لزيارة القصر لحضور مؤتمر لم يعرب فيه فحسب عن عدم رضائه عن أفعال البوليس في اليوم السابق، بل ولمح أيضًا إلى إقالة وزارة النقراشي. وفي الحادي عشر من فبراير خرجت مظاهرة- يقودها أيضًا مصطفي مؤمن- من الجامعة إلى القصر، تحت «حماية» البوليس هذه المرة. وفي الرابع عشر من فبراير سقطت وزارة النقراشي وكان حادث الكوبري هو الحلقة الأخيرة في سلسلة الأزمات الداخلية في الوزارة والتي أصبح استمرارها في السلطة بعده أمرًا مستحيلا.

ودعي إسماعيل صدقي باشا لتأليف الوزارة الجديدة وقد خفف في التو من القيود المفروضة على المظاهرات والتي وضعها سلفه، ذلك أن القصر كان يشعر أن من الواجب ترك الناس ليعبروا عن أنفسهم وقد ضاعف وصول صدقي للوزارة وما بدا للمعارضة من إنتوائه التحالف مع الإخوان من حدة التحرك والانقسام داخل الحركة الوطنية.

وفور تعين صدقي، بادر الوفد بالسعي إلى توسيع الجبهة التي يقودها عن طريق ضم الطلاب والعمال الصناعيين في مجموعة أطلق عليها اسم «اللجنة الوطنية للعمال والطلبة» والتي ظهرت نتيجة لنشاط المجموعة التي يوجهها الشيوعيون والمسماه «لجنة العمال للتحرر الوطني». وقد شكلت المجموعة الأخيرة في أكتوبر 1945، لتشرف على اضرابات عمال الصناعة في مركز صناعة النسيج في القاهرة «شبرا الخيمة»، والتي سنتعرض لها بتفصيل أكثر بعد قليل. وسارعت اللجنة الوطنية للعمال والطلبة بالدعوة إلى اضراب على مستوى البلاد في 21 فبراير «يوم الجلاء ووحدة وادي النيل»، وهو الاضراب الذي تحول إلى واحد من أسوأ وأدي الانتفاضات خلال الفترة كلها، بعد أن اشتبك الطلاب مع البوليس والقوات البريطانية التي كانت ما تزال متمركزة في القاهرة. وفي فترة الأعداد للاضراب، رفض الإخوان الانضمام متذرعين بعدد من الأسباب، وأهما سيطرة «عناصر أجنبية» على الجنة، أي الشيوعيين. وقام وفد من اللجنة بزيارة البنا الطلب مساندته وأجابهم برد غير واقعي مؤداه أن «الإخوان غير جاهزين». وكان واضحا أنه لن يتعاون مع الشيوعيين ولن يسمح بأن يعمل تحت قيادة الوفد. وعلى الفور أنهم بتخريب الحركة الوطنية لصالح صدقي باشا. وفي يوم الاضراب كان الإخوان بطبيعة الحال في كامل استعدادهم، مع التركيز أساسا على نشاطهم المستقل تماما في الإسكندرية. وبصرف النظر عن الوعد الذي يمكن أن يكون البنا قد التزم به مع صدي، فمن الواضح أنه لم يكن ينطوي على تغيير اتجاه الحماس الوطني لاتباعه.

وفي 27 فبراير، وفي محاولة أخرى لاكتشاف نوايا الوافد، نشر البنا في الأهرام نداء من أجل تكوين «لجنة موحدة لتنظيم إضراب آخر على مستوى البلاد في الرابع من مارس» «يوم الحداد الوطني» من أجل ضحايا مظاهرات 21 فبراير. ولم يلق النداء استجابة استثناء الاتهامات الساخرة بأن البنا يقود حركة مضادة للحركة الوطنية بتوجيه من صدقي وذلك للحافظ على الأوضاع القائمة. ومضي البنا إلى مدي أبعد بأن شكل بمعرفته «لجنة تنفيذية عليا». من بعض الجماعات السياسية، وانتهي الاضراب بسلام، باستثناء ما حدث في الإسكندرية. وقد شاركت في الاضراب كل الجماعات السياسية الصغيرة وأن عملت كل جماعة منها تحت قيادتها الخاصة.

وخلال الشهر التالي استمر تركز الانقسامات في الجامعة على سيطرة الوفد على صوت الطلاب، أي «اللجنة التنفيذية». وعندما فشل الإخوان في إزاحة قيادتها في اختبار انتخابي جديد، أنشأوا مجموعة أخرى منافسة من أحزاب الأقلية سميت «اللجنة الوطنية». إلاأنهم استمروا في محاولتهم للتمكن من السيطرة على الجنة التنفيذية حتى جاء يوم 17 أبريل، وخلال احتفال بجلاء الفرنسيين عن سوريا، حدثت مشادة كلامية، اتهم فيها الإخوان بصراحة الجبهة الوفدية «بالارتباط بالشيوعية» ودمرت المعركة الحامية التي وقعت بعد ذلك كل إمكانية لقيام جبهة موحدة ومهدت الطريق لما تلا ذلك من تدهور للعلاقات بين الحزبين الجماهيريين( ). على أن الجامعة نفسها لم تعد- بالمعني المفهوم- تمثل أية مشكلة بالنسبة للحكومة، إذ أن الربيع كان قد جاء وأصبحت الامتحانات على الأبواب.

وكانت التوترات بين الجماعتين قد تركزت الآن، بمثل ما تركز انتباه الحكومة، في الإضراب الشامل الذي شل حركة الإنتاج في مركز صناعة النسيج الضخم بشبرا الخيمة. لقد بدأ الاضراب في سبتمبر 1945 بقيادة مجموعة من النقابيين ذوى الانتماءات الشيوعية الذين كانوا قد وصلوا منذ أيام قليلة من مؤتمر الاتحاد العالمي للنقابات الذي عقد في باريس. وفي الثامن من أكتوبر شكل ثلاثة من أعضاء وفد النقابيين الذي حضر المؤتمر «لجنة العمال لتتحرر الوطني» التي قادت الاضراب ورغم اعتقالهم في يناير 1946، ورغم المضايقات التي تتعرض لها من خلفوهم أثناء حملة صدقي ضد اليسار، فإن الاتصال كان قائمًا مع الائتلاف الوفدي الشيوعي في الجامعة، والذي أسفر عن تشكيل اللجنة الوطنية للعمال والطلبة التي سلف ذكرها.

وقد انضم العمال «الإخوان» في منطقة شبرا إلى الاضراب فور إعلانه، ثم أيدته في مطلع العام الجديد نقابة عمال الترام. على أن الإخوان سحبوا كل اتصال رسمي وغير رسمي بقادة الإضراب بعد مظاهرة الرابع من مارس. وكما حدث في الجامعة سخط عليهم الوفدين والشيوعيون لشرخهم الجبهة المتحدة المتماسكة ضد الإدارة المسنودة من الحكومة. وهنا وجهت إليهم تهمة مشاركة صدقي عواطفه المناهضة للحركة الوطنية وتحولهم بالتالي إلى «أدوات للأمبرياليين» وفي ذلك لم تقتصر تهتمهم على «كسر الاضراب» بل تمدت ذلك على «التجسس» على العمال وبالتالي اتهموا بأنهم «أعداء للطبقة العاملة يعملون في خدمة «الرأسماليين والمستغلين». وبطبيعة الحال أنكر الإخوان المسلمون تلك الاتهامات جميعًا، وشرحوا فهمهم الأفضل لدور العمل. وكان واضحا أن تبادل الاتهامات والانكارات جيئة وذهابا لم يغير شيئًا من حقيقة أن الإخوان المسلمون لم يتعاونوا- بعد مارس- مع اللجنة التي يقودها الشيوعيون في تحمل مسئولية الاضراب، على أن الجماعة واصلت إضراب العمال التابعين لها في شبرا وفي الإسكندرية، والذي تصاعد لعدد من الشهور ليجهز على ما تبقي من وشائج العلاقة القامة بينها وبين الحكومة.

ولقد توترت هذه العلاقة أكثر فأكثر، على أية حال، عندما صرح صدقي في شهر أبريل بأنه ينوى بدء المفاوضات مع البريطانيين. ومنذ اللحظة الأولى كانت صحيفة الجماعة في مقدمة الأصوات المرتفعة بالمطالب الوطنية. وأمر الإخوان- مثلما حدث مع الجماعات في البلاد- بالخروج إلى الشوارع، بصفة دورية، لتذكير صدقي «@@@» للأمة. وكانت الاتهامات «بالتنصل السياسي» التي توجه لكل تصريح يصدر حول الصداقة البريطانية والمصالح المتبادلة من المسائل التي جعلت جو المفاوضات صعبا للغاية.

وعقدت الاجتماعات الجماهيرية لدراسة الموقف كلما انتهت من مرحلة من مراحل المحادثات. وتلت حوادث الإسكندرية في آخر أيام مايو وأول يونيو و 8 يونيو حملة اعتقالات ثم مضايقات متفرقة لأماكن الاجتماعات التي يعقدها الإخوان خلال يوليو وأغسطس، ووضع المصلون في الجوامع تحت المراقبة، وفي سبتمبر لم يعد مسموحا للجوالة بحرية الحركة. وخلال ذلك الشهر نفسه، وبعد الاستنكارات المستمرة «لاضطهاد».. صدقي للجماعة، حذره البنا بقوله: «إن ما جمعه الله لا يستطيع العبد أن يفرقه». وكان الإحساس بقوة الإيمان يكتسب مزيدًا من القوة الدافعة.

ورغم تلك التطورات، واصلت صحافة الوفد حديثها المسهب عن تحالف «البنا- صدقي» وفي أوائل يوليو انفجرت المرارة التي تولدت بين الحزبين الجماهيرين في سلسلة من المعارك الساخنة بين شباب كل من الجماعتين، في محاولة كل منهما افشال اجتماعات الطرف الآخر في الإسماعيلية بورسعيد. وفي واحد من تلك الاجتماعات انفجرت قنبلة بجوار البنا فكادت أن ترديه قتيلا. وبطبيعة الحال اتهمت كل جماعة منهما الأخرى بإثارة القلاقل. وقد الوفد- مستغلا الحادث وخطابات التهديد التي زعم أنها وجهت إلى كبار رجال الحزب- مذكرة لصدقي محذرا إياه من أنه سيضطر إلى «الإمساك بزمام القانون بين يديه إذا لم تضع السلطات حد الأعمال العنف الفاشتيه التي يرتكبها الإخوان» وعلى وجه التخصيص، طالبت المذكرة بحل «كتائب الإخوان المسلمين»، أي فرقة الجوالة.

وكان للحملة اللاذعة التي شنتها صحافة الوفد على البنا- وخاصة تهمة العلاقة الودية مع الحكومة في غضون تلك الفترة- أصداؤها داخل الجماعة نفسها. وكان على البنا أن ينكر مرارا وتكرارا- في صحافة الجماعة تلك التهم. وفي يونيو دعا البنا إلى عقد اجتماع خاص للأعضاء لشرح موقفه إزاء صدقي. وقد قدم للأعضاء التفسير المعتاد والتقليدي القائل بأن الجماعة لا تعارض ولا تؤيد أية حكومة مهما كانت، ذلك لأن الجماعة ليست حزبا سياسيا بالمعني الشائع والسائد لتلك الكلمة. وكل ما حصلت عليه الجماعة من أموال من حكومة صدقي هو مساهمة حكومية مشروعة في أنشطة الجماعة الخيرية. وعلى النحو ذاته استنكر البنا الفكرة «السخيفة» القائلة بأنه «تدخل» في الحركة العمالية أو أن يكون قد أفاد بالتالي «الرأسمالين المستغلين للشعب».

وخلال الشهور التالية بدت تلك التفسيرات المعادة أكثر أقناعا في نظر الأعضاء مع الازدياد الواضح للتوتر في العلاقات بين الجماعة والحكومة. وقد أدي ذلك، بالإضافة إلى الضغوط التي مارسها بعض الأعضاء من داخل التنظيم، إلى عقد اجتماعات سرية في أغسطس أو سبتمبر بين فؤاد سراج الدين زعيم الجناح اليمني للوفد وأحمد السكري النائب الأول للجماعة وضابط اتصالها السياسي وكان الهدف من الاجتماع التوصل إلى «تفاهم» و «حل النزاعات». وانكرت كل من الجماعتين أن أية «اتفاقية» قد عقدت بينهما، والواقع أنه، مع تصاعد التوتر في تلك الفترة، لم يحدث أي نوع من تطور المشاعر الودية بينهما قبل فترة 1949- 1950. وعلى أن تلك الاجتماعات ساعدت داخل التنظيم- على ازدياد حدة الانقسام الذي حطم أقوى وأعرف الصدقات داخل الجماعة، وهي الصداقة التي ربطت بين البنا والسكري، وهو ما سنعرض له من فورنا.

لقد تم توقيت اللقاء بين الوفد وجماعة الإخوان ليواكب على وجه الخصوص الذروة التي أوشكت المفاوضات الإنجليزية المصرية على بلوغها- فبعد اجتياز صدقي لأزمة وزارية (من أول سبتمبر حتى 12 سبتمبر) وبعد ثلاثة شهور من المفاوضات غير المجدية في القاهرة، ذهب صدقي إلى لندن في السابع عشر من أكتوبر. وفيما بين بداية مناقشة المسألة الوطنية ورحيله إلى لندن، كانت الحركة الوطنية قد انتقلت من مرحلة الإصرار على شروط محددة للتفاوض إلى مرحلة الرفض الكامل لأية مفاوضات قبل إتمام الجلاء أولا. وقد أرسل البنا خطابا إلى الملك وإلى صدقي مناديا بـ«دعوة الأمة إلى الجهاد». وبمقاطعة انجلترا اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا. وفي رسالة إلى «شعب وادي النيل» أعلن محذرا: «إن حكومة صدقي باشا، في إصرارها على إجراء المفاوضات، لا تمثل إرادة الأمة، وأي معاهدة أو تحالف تتوصل إليه مع بريطانيا قبل أن يتم جلاء قواتها، هو إجراء باطل ولن يلزم الأمة». وفي اليوم السابع على رحيل صدقي إلى انجلترا، أكد الإخوان هذا التحذير بدعوتهم إلى مظاهرات ضخمة في جميع أنحاء البلاد.

وعاد صدقي إلى القاهرة في الخامس والعشرين من أكتوبر بالخطوط الرئيسية لمشروع معاهدة صدقي- بيفن، ليواجه ما وصف بأنه انهيار لانتصاره الخاص، والذي جاء نتيجة لعدم ارتياح كل من الحزبين لشروط المعاهدة. واستقبلت عناصر الحركة الوطنية مشروع المعاهدة بعداء شديد. ولقد أعلنت شروطها- مما ضيع الفرصة أمام إمكانية قبولها- في مطلع العام الدراسي الجامعي وفي 16 نوفمبر انضم الطلاب إلى «الجبهة الوطنية لطلاب وأدي النيل» وفي غضون أسبوع كان النشاط السلمي القائم على الخطابة وإرسال خطابات الاحتجاج إلى أعضاء البرلمان وإلى الحكومة قد تحول إلى انتفاضات يومية انفجرت بحلول الخامس والعشرين من نوفمبر في سلسلة من الحرائق شملت الكتب الإنجليزية والمحلات التجارية وعربات الترام والأشجار، وعمليات الهجوم على قوات الأمن والقوات البريطانية في كافة المراكز الرئيسية وكان هذا اليوم- من جانب- متوقعًا ما يزيد عن شهر في حملة الإخوان من أجل «مقاطعة ثقافية» للإنجليز والتي أعلنت رسميا في 21 أكتوبر والتي شملت إلقاء مجموعة ضخمة من الكتب المكتوبة بالإنجليزية في «يوم الحريق» الذي تم بالفعل في الخامس والعشرين من نوفمبر. وكان الحدث، وقد تفجر في الشهر الأول من العام الدراسي، كافيا ليحفز المجتمع الطلابي ككل للمشاركة في اليوم وتوسيع آفاقه.

وتحركت الحكومة بسرعة وحدة فأغلقت الجامعة والصحف، ووضعت القاهرة تحت حالة الطوارئ، واعتقل العديد من الوفديين والشيوعيين والاشتراكيين والإخوان المسلمين. وفي 27 نوفمبر، ألقي القبض من جديد على أحمد السكري نائب البنا. الذي سبق اعتقاله والإفراج عنه في 25 نوفمبر، بسبب خطبه النارية في مدح المتمردين. وفي ذلك الوقت كان حسن البنا في الحجاز لقضاء فريضة الحج. وأعقبت حركة الاعتقالات انتفاضات مستمرة وقعت في الأسبوع التالي، وشملت الهجوم الأكثر سفورا على المؤسسات والشخصيات البريطانية وعلى البوليس المصري. وبحلول الثامن من ديسمبر، كان الانتفاض قد حقق هدفه فبعد أن فشل صدقي في بيع المعاهدة لمصر، قد استقالته. ودعا الملك فاروق محمود فهمي النقراشي باشا مرة أخرى لتشكيل وزارة جديدة في التاسع من ديسمبر.

واستمرت المقاومة المعلقة لفكرة المعاهدة من خلال ما سمي «بلجنة الاتصال» التي ألفتها المجموعات المناهضة لها، وقد رفض الإخوان المشاركة في اللجنة، بحجة أن اللجنة تفتقر إلى «الإخلاص». وبطبيعة الحال أحيا الوفد تهمة مناهضة البنا للحركية الوطنية بأخذه جانب الحكومة، وهي تهمة لقيت تأييدًا ظاهريًا فيما تلا من أحداث. وفي غضون نفس الفترة، في 25 يناير 1947 قطع النقراشي المفاوضات وأعلن اعتزامه عرض المشكلة المصرية على مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

وقبل ذلك بشهور عدة كان الإخوان قد زكوا هذا الاتجاه. ومن هنا، قرروا إرسال مبعوث خاص بهم مع النقراشي، لأنهم رأوا أن «صوتان أعلى من صوت واحد. وغادر ممثلهم مصطفي مؤمن، القاهرة في 26 يوليو. وفي الولايات المتحدة تجول وخطب من أجل القضية المصرية وأسمع صوته للأمم المتحدة نفسها. وفي 22 أغسطس، وخلال مناقشة قرار حول استئناف المفاوضات، ألقي خطبه ملتهبة من شرفة لزوار وأشهر وثيقة موقعة بدماء الطلاب، تستنكر المفاوضات وتطالب بالجلاء التام وبالتوحيد الكامل لوادي النيل. وبعد طرده من قاعة المناقشات في ذلك اليوم وفي مناسبة أخرى تالية، عاد مؤمن إلى مصر قبل انتهاء جلسات مجلس الأمن، وبمساعدة من نقابة عمال البحرية بنيورك التي كان من أعضائها بعض المصريين السابقين، قام بمظاهرة خارك مبني الأمم المتحدة.

ومن مصر أرسل البنا برقيات لتأييد النقراشي ولعرض المطالب المصرية على مجلس الأمن ورؤساء الوفود، وقد استنكر بسرعة وبشدة المعارضة التي أبرق بها مصطفي النحاس إلى مجلس الأمن ضد النقراشي الذي اعتبره البنا صوتا شرعيًا يتحدث باسم مصر، وكان هذا الاستنكار بالنسبة للوفد بمثابة البرهان على «خيانة» الإخوان المسلمين لقضية الأمة وكان ذلك أيضًا قد جاء مع زيادة الاعتقاد بأن البنا قاد بنفسه بعض المظاهرات الشعبية خلال أغسطس.

وانفضت اجتماعات مجلس الأمن في 10 سبتمبر دون أن التوصل إلى تسوية محددة للمشكلة المصرية، وعاد النقراشي ليستقبله الإخوان باحتفال وليحظي بمزيج من الحماس الوطني الجارف والتعاطف المفعم بالحساسية الذي تدخره النفوس للأبطال المهزومين. وقد أدي عجز مجلس الأمن إلى تفاقم إحساس الوطنيين بالإحباط، ولم يكن من شأن «تدوبل» المسألة المصرية سوى إنه أكد وأبرز العزلة الدولية لمصر. كما أنه عزز فقدان الثقة في البلدان الغربية. وهذا الافتقاد للثقة وذلك الإحباط أصبحا عاملين أكثر أهمية وخطورة عندما أعلن مجلس الأمن في 29 نوفمبر 1947 قرار تقسيم فلسطين. وبصدور هذا القرار بدأ في البزوغ طور جديد في حياة مصر والإخوان المسلمين وعلينا قبل استئناف سرد تلك القصة، أن نعرض للتطورات إلى حدثت داخل الجماعة نفسها.

الانقسام الداخلي

كان عام 1947- على الصعيد الداخلي للجماعة- عام أزمات وانقسامات. فقد أسفرت التهم الأخلاقية الموجهة لسكرتير عام الجماعة والخلاف الجاد حول سياسة الجماعة بين البنا ونائبه عن عدد من الاستقالات وأوامر الفصل التي شلت جزئيًا جهاز الجماعة الإداري، والتي عززت- وقد جاءت متوافقة مع الضغط المتزايد للإحداث الخارجية، دور الجهاز السري.

ففي أواخر عام 1945 نقل البعض إلى البنا إن سكرتيره العام، عبد الحكيم عابدين (وزوج شقيقته في الوقت نفسه) يستغل مركزه «لانهاك حرمة بيوت وأعراض بعض الإخوان». ولمدة أسابيع تالية، لم تكن هذه المزاعم قد تعدت نطاق البنا والشاكين وحفنه من قيادات الجماعة. وكلف أحد نواب البنا، إبراهيم حسن، بالقيام بتحقيق سري غير رسمي. وقبل أن تم تسوية المسألة، بلغت الأنباء مسامع الأعضاء، لتسبب مع حلول منتصف عام 1946 اضطرابًا ملموسًا، وتقدم إبراهيم حسن باقتراح يقضي بفصل عابدين وأعضاء مكتب الإرشاد الأربعة الذين اتهموه، إلا أن اقتراحه بفصل عابدين وأعضاء مكتب الإرشاد الأربعة الذين اتهموه، إلا أن اقتراحه لم يحظ بالموافقة. عندئذ كان على البنا أن يشكل لجنة تقصى حقائق من كبار الأعضاء. وبعد شهور من «الاستماع» تقدم خلالها مزيد من الشاكين، رأت اللجنة، رغم أنها لم تتمكن من الوصول إلى انفاق حول صحة التهم، أن عابدين يجب أن يفصل من الجماعة كاجراء تطهيري، ووصفه أحد أعضاء اللجنة الغاضبين بأنه «راسبوتين» جماعة الإخوان المسلمين.

وصوت مكتب الإرشاد على طرد عابدين بأغلبية ثمانية أصوات لصوت واحد هم مجموع الحاضرين. عندئذ عرض الأمر على الهيئة التأسيسية التي قامت- بتأثير واضح من البنا- بتشكيل لجنة جديدة مسئولة أمامها عن إجراء تحقيق جديد. وأسفر التصويت الذي أعقب التقرير الجديد عن تبرئة عابدين. وكان واضحًا أن البنا قد نجح في إقناع غالبية أعضاء الهيئة بأن التصوبت- مراعاة لصالح الجماعة- لا يجب أن ينتهي إلى الإدانة، وفي نفس الوقت وعد البنا بأن يبعد المهم عن أنشطة الجماعة ثم بطلب منه بعد فترة تقديم استقالته. ولقد قيل أن من بين الاعتبارات التي انطوي عليها القرار الذي الحقيقة الهامة المتعلقة بالصلة العائلية المباشرة بين البنا وعابدين وما سوف يتعرض له شخصيًا من إساءة لو أن القرار جاء بالإدانة. وكانت الاستقالة في طريقها بعد ذلك إلى مكتب الإرشاد، إلا أن البنا استطاع أن يقنع المكتب برفضها. على أن أخفاق الزعيم في طرد السكرتير المام قد كلفه واحدًا من أقدم أعضائه، ففي 27 أبريل قدم الدكتور إبراهيم حسن استقالته احتجاجًا.


وعقب خروج إبراهيم حسن من الجماعة بشهور قليلة فصل نائب آخر للبنا هو أحمد السكري، وكانت المناسبة هي الاختلاف حول سياسة الجماعة في التعامل مع الوفد. وكانت اتصالات السكري الأساسية، بوصفه ضابط اتصال الجماعة السياسي، تجري مع الوفد. وفي موقف النزاع الذي أعقب الحرب اكتسب دوره أهمية أكبر، خاصة بين هؤلاء الذين تصوروا أن الصراع مع الوفد هو أمر لا مفر منه إلا أنهم كانوا يتشككون في أية أهمية خاصة تضفي على هذا الصراع حينما يكون في صالح القصر- وهو ما بدا واضحًا خلال عام 1946. وكما سبق أن لاحظنا، كان البنا يشعر أنه مضطر لإنكار مزاعم الوفد على نحو متكرر فيما بعلاقاته مع حكومات صدقي والنقراشي خلال عامي 1946، 1947. ولقد دفعت أعمال العنف الخطيرة التي وقعت بين الحزبين في بداية يوليو 1946 ببعض أعضاء الطرفين إلى إعادة التفكير في العلاقة القائمة بين الحزبين، كما كانت سببًا إلى حد ما فيما جري من مفاوضات بين سراج الدين والسكري في الشهور الثلاثة التي أعقبت تلك الأحداث. ومن المؤكد أن هذه الاجتماعات قد عكست رغبة مشتركة في إحباط مشروع معاهدة صدقي- بيفين، التي كانت المفاوضات بشأنها قد اكتملت تقريبًا، على أن الأمر بالنسبة للسكري كان يتعلق أيضًا بالمشكلة الأعمق والخاصة بالطابع النهائي للعلاقة بين الحزبين الجماهريين.

ولم يكن ذلك بالأمر الجديد في فكر زعماء الجماعة، فلقد قيل أن البنا قبل من حيث المبدأ فكرة الائتلاف إذا ما تبني الوفد برنامج ومبادئ الجماعة. أما السكري وهو «المفكر السياسي» فقد أعرب عن تصور أوضح وأكثر تماسكا: هو أن جماعة الإخوان المسلمين يمكن أن تصبح قوة ذات شأن في مصر في حالة واحدة هي أن تدخل في وحدة عضوية مع الوفد، وأن الجماعة لكي تمارس وجودًا انتخابيًا ذا ثقل أو تمسك بالسلطة فعليها أن تعمل من خلال وأن تستند إلى حزب سياسي (دنيوي.) والوفد، الحزب الوحيد الذي يستند إلى تأييد شعبي، هو ذلك الحزب. لقد تصور السكري دور الإخوان المسلمين بوصفه يحقق التكامل «الروحي» للوفد كذلك رأي في نفسه الزعيم السياسي للإخوان المسلمين، بينما رأي في حسن البنا مرشدهم «الروحي»، حيث يعملون جميعًا كجزء من وحدة لا تقاوم، باعتبارهما معًا حزبي الشعب. وبصرف النظر تمامًا عن مدي إخلاصه أو إصراره على فكرة الوحدة مع الوفد، فإن السكري كان قد قرر في الواقع أن يتحدى دور البنا في الاستخدام المتعسف لسلطانه. ومن المسلم به أن القواعد التي وضعت في عام 1945 قصد منها التمهيد لأن يتخلى البنا بالتدريج عن اختصاصاته، وتوزيع هذه الاختصاصات والسلطات على وحدات حاكمة يتم تشكيلها بعناية وكفاءة، على أن العملية لم تحدث بالسرعة المطلوبة. وإزدادت أهمية هذا الموضوع- وربما كان ذلك هو سبب تركيز السكري لاختلافه مع البنا على مسألة التحالف مع الوفد- عندما ظهر أن البنا، وعلى نحو لا يتمشى بحال مع طبيعة القوى الناشطة والمؤثرة في الحركة الوطنية قد جعل من الجماعة أداة في يد القصر.

ولقد ظلت الخلافات المتفاقمة بين الصديقين القديمين مسألة خاصة بينهما وفي نطاق المستويات العليا للجماعة خلال عام 1946. وتواقت الانفجار العام لموضوع عابدين وما ارتبط به من استجابة مريبة وموقف مهزوز من جانب البنا مع التعقيد المتزايد فيما يتعلق بعلاقات الجماعة الخارجية، لتنجم عن ذلك أزمة خطيرة. وكلا المسألتين تركزنا حول البنا، وبعد خروج إبراهيم حسن من الجماعة في أبريل 1947 بفترة وجيزة، أحال البنا السكري إلى الهيئة التأسيسة لمساءلته في موضوعات حددها البنا. وانصاعت الهيئة لرغبة الزعيم التي أعرب عنها خلف الكواليس- وأصدرت قرارها بفصل السكري(.

ونتج عن خروج إبراهيم حسن والسكري من الجماعة في وقت واحد تقريبًا مشكلة حقيقية- وأن لم تسكن ظاهرة- في الإدارة وفي الروح المعنوية العامة. وقال أحد الأعضاء أن الخلاف أعطي «أعداء الجماعة» سلاحًا جاهزًا للهجوم عليها، وأنه شتت جهود وطاقات الهيئة ومنعها من التصدي كما يجب للإحداث (الخارجية). وفي تلك الظروف، وعلى حد قول هذا المراقب نفسه، اضطر البنا إلى أن يتحمل «هذا العبء وحده» بمساعدة «القسم الخاص» الذي كان اتصاله به شخصيًا.

والواقع أن تنشيط حركة الجهاز السري قد جاء نتيجة لهذه الأزمة المعطلة للقيادة. والجدير بالذكر في هذا الصدد أن الرجل الذي اختاره البنا ليخلف إبراهيم حسن والسكري في منصب النائب هو صالح عشماوي الذي يعمل رئيسًا للجهاز السري. ومن الصعب تحديد ما حدث بعد ذلك بدقة كافية، على أن الجهاز السري قد بدا في ذلك الوقت وقد اكتمل هيكله ووضعت قواعد مناسبة تحدد المهام وطرق إصدار وتسلل الأوامر، والسلطات والمسئوليات والشفرة الملائمة والقسم، والمعدات. أما عدد الأعضاء والذي لم يصل أبدًا إلى حد الضخامة، فقد إزداد زيادة ملحوظة من خلال عملية التجنيد عبر ضباط الجيش، والتي ربما شملت بعض هؤلاء الذين شاركوا فيما بعد في ثورة 1952. وكانت علاقة البنا بالتنظيم السري من الوجهة الاختصاصية هي علاقة القائد الأعلى، إلا أنه حافظ على الاتصال الدائم به من خلال ممثلين مختارين. أما قيادة التنظيم نفسه فقد انتقلت من عشماوي إلى عبد الرحمن السندي، وقد أثارت تولية السندي بعض السلطات الاستثنائية عددًا من المشكلات منها ما يتعلق بالاتصال بين رئاسة الجهاز والبنا والتي كانت من شواهدها المبكرة التغييرات الدورية لضباط الاتصال الذين لم يوفقوا في مهمتهم، ثم تولي البنا بنفسه الاتصال المباشر في النهاية. وكانت آخر المشكلات هي ما نسب إلى البنا بعض أوجه النشاط التي أصبح الجهاز السري- فيما بعد- مسئولا عنها.

فلسطين

في أعقاب ثبني الأمم المتحدة لقرار التقسيم- في شهر نوفمبر 1947 أصبحت مشكلة فلسطين هي أكثر المشكلات الخاريجة إلحاحًا وأهمية بالنسبة للجماعة، وكانت الجماعة قد بدأت اهتمامها المباشر بالشئون الفلسطينية عندما زار عبد الرحمن البنا (شقيق حسن البنا) فلسطين عام 1935 والتقي بالحاج أمين الحسيني مفتي القدس ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى في ذلك الوقت. وعكست الزيارة الاهتمام المتوقع لجماعة الإخوان المسلمين- [[اهتمام[الإخوان بقضية فلسطين|بقضية *فلسطين]]. ومنذ البدايات الأولى للحركة في القاهرة، كان عبد الرحمن البنا هو الصوت الرئيسي والبارز للجماعة في التعبير عن هذا الاهتمام( ). وقد ظهر أول دعم رسمي من جانب الجماعة خلال الاضرابات العربية الشاملة عامي 1936- 1937. وفي المؤتمر العام الثالث- المنعقد في مارس 1935- طالب البنا بجمع المال لمساندة قضية العرب وشكل لجنة للدعاية للموضوع عن طريق إرسال البرقيات والرسائل للسلطات المعنية، وعن طريق الصحافة والمنشورات والخطب. وتم تعزيز هذه الوسائل بالمظاهرات التي خرجت تأييدًا للمضربين في فلسطين وبإرسال المؤن والمعدات.

هذا ولم تتح سنوات الحرب- العالمية الثانية- فرصة كافية للاتصال (بالفلسطينيين) وإن جرت بعض الاتصالات خلال تلك الفترة بأمين الحسبني ثم استؤنفت العلاقات فور انتهاء الحرب من خلال المبعوثين المرسلين من مصر ليس فقط من أجل نشر الدعوة للحركة بل للحث أيضًا على مناهضة الصهيونية. ومن بين المبعوثين كان هناك بعض الخبراء الفنيين للمساعدة في تأسيس وتدريب الجوالة الفلسطينية. وكان من أبرز هؤلاء الفنيين محمود لبيب الضابط المتقاعد الذي كرس جهوده في خدمة الجماعة وأصبح فيما بعد «نائبًا للشئون العسكرية» (للمرشد العام)، وقد أرسل لفلسطين للمساعدة في تدريب المجموعات المدنية تدريبًا عسكريًا. وفي عام 1947 طلبت السلطات البريطانية منه ومن أعضاء آخرين مغادرة فلسطين.

على أن النشاط الأساسي للجماعة في هذا المجال كان يتركز حتى ذلك الوقت في حقل الدعاية على اتساع العالم العربي، وفي مصر. وظلت مشكلة فلسطين محتفظة بخطورتها وبحضورها السياسي من خلال الإشارة الدائمة لها في الصحف والكتيبات والخطب والأحاديث العامة، ولاجتماعات الشعبية وفي المظاهرات. وعندما وصل المفتي، الحاج أمين الحسيني، إلى القاهرة عام 1946 فادت صحيفة الجماعة حملة مناشدة ناجحة للحكومة لمنحه حق اللجوء السياسي. ومنذ انتهاء الحرب (العالمية الثانية) كان البنا على اتصال وثيق بالجامعة العربية وبوجه خاص، الأمين العام للجامعة عزام باشا صديقة القديم، فيما يتعلق بالمسألة الفلسطينية. وبعد صدور قرار التقسيم في نوفمبر 1947 اشترك البنا مع بعض «الشخصيات الإسلامية» مثل صالح حرب باشا من جمعية الشبان المسلمين ومحمد علوبه باشا في تشكيل «لجنة وادي النيل» لجمع المال والسلاح للمتطوعين الذين أصبحوا يجندون الآن علنا «لإنقاذ فلسطين». وكان مصطفي مؤمن هو ممثل الجماعة في تلك اللجنة.

وفي أكتوبر 1947 أصدر البنا أوامره لشعب الجماعة ببدء الاستمداد للجهاد. وفي العشرين من أكتوبر، توجهت الكتيبة الأولى إلى الميدان وبطبيعة الحال كانت «التعبئة» السريعة ....... نتيجة أن أعضاء هذه الكتيبة الأولى والكتائب الأخرى التي أرسلتها الجماعة كانوا قد دربوا بالفعل قبل ذلك في فرق الجوالة والجهاز السري.

وكانت قناعة البنا- والتي شاركه فيها عزام باشا ومفتي القدس- في أن الحكومات نفسها لا ينبغي أن تشارك في المشكلة الفلسطينية إلى أبعد من حدود الدعم الدبلوماسي والسياسي الذي في مقدورها أن تقدمه لعرب فلسطين، أما إذا أصبح القتال ضروريًا فينبغي أن يترك لفلسطينيين أنفسهم وللمتطوعين. وعلى هذا النحو، كان ممكنا في رأيهم إبقاء الموضوع في نطاق «المسألة الداخلية» وبالتالي تفوت الفرصة على تدخل الأطراف الدولية. ولم توافق حكومة النقراشي بصورة رسمية على الخطة في ذلك الوقت، إلا أنه بتدريب المتطوعين بشرط أن يتم ذلك تحت إشراف أحد ضباط الجيش. ونظمت الجامعة العربية من ناحيتها حركة المتطوعين في جميع أنحاء العالم العربي بما في ذلك شمال أفريقيا، وزودت كل من جاء منهم بالسلاح والتدريب. وأضاف الإخوان، بمبادرة منهم على المستوى الشخصي والجماعي، المزيد إلى المخزون المتزايد من الأسلحة فضلا عن تدربهم وتسليحهم الخاص، وهو البرنامج الذي كان من الواضح أن ضباطا من أعضاء الجهاز السري قد أشرفوا على تنفيذه.

وفي أبريل 1948، وقبل بدء الحرب الرسمية ببضعة أسابيع، أرسلت الكتيبة الأولى من المتطوعين إلى العريش على الجبهة، حيث انضم إليها قائدها أحمد عبد العزيز وهو ضابط أحيل للاستيداع. ثم لحق بهم بعد ذلك ضباط آخرون، منهم كمال الدين حسين وصلاح سالم، الذين أصبحا بعد ذلك من الأعضاء الأساسيين لمجلس قيادة الثورة ، ومثلهم مثل أحمد عبد العزيز، تركوا وحداتهم للحاق بالمتطوعين في ميدان القتال. ولقد استمر هؤلاء الضباط ومن على شاكلتهم يكونون مصدرًا أساسيًا لجهاز التدريب والمعدات للجماعة خلال حرب فلسطين.

وليس معروفًا على وجه التحديد إلى أي مدي شارك الإخوان في حرب فلسطين ، كما أن طبيعة أنشطتهم خلالها ليست واضحة تمامًا. ومع ذلك فمن الممكن إيضاح بعض النقاط فيما يتعلق بذلك( فحتى قبل أن يصل المتطوعون الرسميون «للجامعة العربية» كان الإخوان قد اشتبكوا مع الصهاينة في النقب. وخلال محاولاتهم الاستيلاء على بعض المستوطنات، تعلموا بعض الدروس المبكرة والمريرة فيما يتعلق بطبيعة القتال الدائر، وبعد وصول أحمد عبد العزيز، وبعد إعلان حالة الحرب رسميًا في مايو، وقعت بعض الاشتباكات الصغيرة، والتي لم تتعد بعض مهمات التحرش بالمواقع الصهيونية، ولم تكن لها أهمية كبيرة، باستثناء مساهمتهم في تعزيز الدفاع العربي عن القدس وبيت لحم، قبل وبعد الهدنه الأولى خلال شهري يونيو ويوليو. ولقي عبد العزيز مصرعه على نحو غير مقصود برصاصة من حارس مصري في أغسطس 1948 وحل محله قائد جديد أحضر معه كتيبة جديدة من المتطوعين لتنضم لبقايا الكتيبة الأولى. ثم أرسل الجميع إلى القطاع الأردني من الجبهة، حيث بقوا- بسبب الخلافات مع السلطات الأدرنية- غير معبئين للقتال من الوجهة العملية.

أما الإنجاز الملحوظ للإخوان فكان المساعدة التي قدموها المصريين المحاصريين في «جيب الفالوجا» والذي نشأ عن تقدم الإسرائيليين بمدخرقهم للهدنة الثانية في أكتوبر 1948. فقد عمل الإخوان أثناء وجودهم في الميدان على نقل المؤن إلى القوات المحاصرة، وفي القاهرة شاركت الجماعة مع الآخرين في الضغط على الحكومة المصرية من أجل مزيد من المتطوعين لفك الحصار على القوة المطوقة. وجاء رد النقراشي بالرفض، ولم يتم فك الحصار عن القوة إلا في فبراير التالي، بعد توقيع اتفاقية الهدنة. وفي نوفمبر 1948 بلغ الاهتياج بسبب الفالوجا ذروته. وفي بداية الشهر التالي فقدت جماعة الإخوان المسلمين تواجدها الشرعي. ففي ليلة 8 ديسمبر صدرت أوامر لقوات الإخوان المسلمين في فلسطين بالعودة إلى المعسكرات وفي الصباح التالي وجدوا أنفسهم محاطين بقوات من الجيش المصري، ثم تم إبلاغهم بالقرار الذي صدر في القاهرة للتو معلنا حل الجماعة. وطبقًا لما أورده مؤرخ الإخوان في حرب فلسطين ، فإن فؤاد صادق قائد القوات المصرية ترك لهم الخيار بين تسليم أسلحتهم والعودة إلى القاهرة وبين البقاء في الجبهة في نطاق الانضباط العسكري، والاستمرار في معاونة الجيش. وقد فضل معظمهم البقاء، ويري المؤرخ أنهم قرروا ذلك بدافع من الولاء للمهمة التي جاءوا من أجلها فضلا عن الرسالة التي وصلتهم من البنا يناشدهم فيها بالتزام الهدوء والنظام. وبعد اتفاقية رودس وإعادة توزيع ونقل قوات كلا الطرفين، لحق هؤلاء الإخوان، بعد مصادرة أسلحتهم، بإخوانهم في القاهرةفي «المحنة».

العنف وقرار الحل

كان الباعث الأساسي وراء قرار حل جماعة الإخوان المسلمين في 1948 الاعتقاد بأن الجماعة كانت تخطط سر للقيام بثورة. على أن صدور القرار كان مترتبًا بصورة أكثر مباشرة على تيار أحداث العنف المتتابع الذي هز مصر منذ 1945 فصاعدا، حيث كان دور الإخوان- وإن لم يكن الوحيد- هو الأكثر درامية والأكثر انطواء أيضًا على الخطورة من وجهة نظر الحكومة.

وكان الصراع العنيف على السيادة في ساحة الحركة الوطنية بين الوفد والإخوان في حد ذاته جزءًا من وصرة أكبر للعنف شملت كل الجماعات المنظمة وغير المنظمة في البلاد، في تحدي كل منها للأخرى وفي تحديها للسلطة للحاكمة، وتزايد حجم العداوات المتبادلة بفعل مشاعر الإحباط التي تولدت خلال الصراعات مع الصهيونية والبريطانيين. ولم تكن حكومات «الأقلية» تملك أي قدرة ملحوظة- أو أية إرادة ذات وزن- على جذب أي درجة من التأييد الشعبي. ومن الممكن النظر إلى محاولاتهم في بعض الفترات للجوء إلى جماعة الإخوان لتطويعها كأداة في محاربة الوفد، على أنها محاولات لتعويض هذا الافتقار إلى التأييد الشعبي. إلا أن مثل تلك المناورات لم تكن لتمثل سوى محاولات مؤقته، طالما أن الإخوان المسلمين- وأيا كانت نوايا زعمائهم- كانوا في طليعة القوى التي عجلت بحدوث الأزمة. وإذا ما نحن رجعنا بذهننا إلى تلك السنوات فإن في إمكاننا أن نتصورها كسنوات بدأ فيها الطور الأخير لانهيار الحياة البرلمانية وحكم القانون في مصر، والذي بلغ ذروته بثورة 1952. كان جو الاضطراب والتخريب والعنف والمعارك الدامية، والذي عملت على إذ كائه كل الجماعات التي تملك حدا أدني من الفاعلية والقوة الرسمية، وغير الرسمية، هو الثمن الفادح لهذا الانهيار.

ففي فبراير 1945، اغتيل أحمد ماهر في أعقاب إعلانه الحرب على المحور، وقد عكس ذلك الاغتيال المناهضة الواسعة النطاق لما سمي حينئذ بعواطف ماهر والحزب السعدي المؤيدة للإنجليز- وكما سق أن لاحظنا، فإن قاتله لم يصرح بأكثر من أنه عضو في الحزب الوطني.

وأعقبت ذلك الحادث محاولة فاشلة في ديسمبر 1945 لاغتيال النحاس باشا قام بها وطني شاب هو حسين توفيق، وقد أفلح في يناير 1946 في قتل أمين عمان باشا وزير المالية في زمن الحرب، والذي شاع اتهامه بأنه «عميل للإنجليز»(. واعترف توفيق مقدما باغتياله لعثمان باش وبمحاولته الفاشلة لاغتيال النحاس، وقد صرح فيما بعد بأسماء زملائه، وكان من بينهم أنور السادات الذي سجن لمدة واحد وثلاثين شهرا ثم أطلق سراحه بعد أن برأته المحكمة. ومنذ قيام ثورة 1952، دأب السادات على الأعراب عن اعتزازه بالمشاركة في مسئولية هذا الاغتيال وبتنظيمه «لجماعة اغتيال» مهمتها تصفية عدد من الشخصيات الأخرى كانت لها مواقفها الخائنة. ولقد أشيد بالقضية في مصر بوصفها «قضية اغتيال سياسي» وعادت للظهور في الصفحات الأولى للجرائد عندما استطاع مغتال عثمان باشا الهرب في يونيو 1948 مصحوبا بالثمينات الطيبة لمدد كبير ممن ساندوه في عمله «البطولي».

وفي اعترافات المجموعة التي شاركت في عملية الاغتيال السياسي أقروا بوجود خطط أخرى للاغتيال وأعمال العنف موجهة للبريطانيين، وهو حقل للعليات مفضل دائمًا بالنسبة للوطنيين. ومنذ عام 1946 فصاعدًا كان من الشائع أن تنفجر القنابل في عربات نقل البريطانيين ومنشآتهم وأماكن سكنهم في المدن الكبيرة، حتى تم جلاء القوات البريطانية عنها، ثم في منطقة القناة حيث تمركزت هذه القوات بعد ذلك. وفي هذا المجال يمكن القول أن الجماعات كانت تتنافس فيما بينها. ومن الواضح أن الإخوان المسلمين استخدموا هذا النوع من العمليات «كاختبارات تدريبية» لأفراد الجهاز السري. ومن الأشياء التي توضح نوعية فهمهم للأمور أنهم كانوا عل استمداد تام لاستخدام مناصب البوليس المصري كهدف لهم. فقد أصبحت «الأمبريالية» و«الحكومة»- بصورة متزايدة الوضوح أكثر فأكثر- بمثابة «عدو» واحد.

وفي مايو 1946 تم تدمير أجزاء من مباني سينما متر وسينما ميامي بالقاهرة بالقنابل، وفي الحادثين كانت الخسائر في الأفراد قاصرة على المصريين.. وفي الحادث الأول لم توجه اتهامات محددة، ألا أن الاعتقالات التي أعقبت الانفجار الثاني والمحاكمة التي تلها.. والتي سميت «محاكمة قنبلة بالقاهرة » أدانت المجموعة التي ألقي القبض عليها بسبب الانفجار الأول بسبب محاولات أخرى لاغتيال عدد من المصريين والبريطانيين خلال تلك الفترة.. وكانت المجموعة تسمي نفسها «رابطة الشباب» وكانت تضم الوفديين بصفة أساسية.

وفي خريف 1947، وبعد أن رفض مجلس الأمن مناقشة المسألة المصرية وخلال مناقشته لقضية فلسطين ظهرت التشكيلات شبه العسكرية للحزب الوطني والوفد وجمعية الشباب المسلمين بصورة علنية في بالقاهرة - وكانت جميعها تشهر السلاح والذخائر والمتفجرات الممدة للاستخدام في فلسطين وضد البريطانيين فضلا عن استخدامها- أيضًا- ضد الجماعات الأخرى من المصريين. ويقول كولومب في وصفه للموقف عند نهاية 1947 «محاولات إشعال الحرائق باستخدام زجاجات مشتعلة تلقي على واجهات المحلات... انفجارات. اغتيالات.. قذف قنابل.. تلك هي الوقائع انتهي العام بمظاهرات يومية تقريبًا في العاصمتين بالقاهرة والإسكندرية احتجاجا على قرار مجلس الأمن الصادر في 29 نوفمبر بتقسيم فلسطين ، وهي المظاهرات المرتبطة بقضية فلسطين - قالبًا تخريبيًا معاديا للوجود الأجنبي.

وكان عام 1948 هو عاد عام الإخوان المسلمين. ففي يناير أعلنت الحكومة أنها اكتشفت وجود 165 قنبلة ومجموعة من الأسلحة في بقمة منعزلة عند تلال المقطم في أطراف بالقاهرة وأنها صودرت جميعًا بعد معركة بين رجال البوليس وبعض شبان الإخوان المسلمين الذين كانوا يتدربون في التلال. وقد زعم الشبان أنهم يدخرون السلاح من أجل فلسطين «فهي مشتراة من العرب (البدو) من أجل العرب». والقي القبض على قائدهم سيد فايز الذي لم يكن معروفًا وقتها للحكومة كقائد للجهاز السري، ثم افرج عنه في الحال مع الآخرين. وهكذا استمرت عملية جميع الأسلحة «من أجل العرب» و«التدريب» في المضي قدما بعد أن تم تبريرها.

وفي 17 فبراير 1948 تحول الانتباه إلى صنعاء عاصمة اليمن حيث الانقلاب الذي قام به رجال «الحركة اليمنية الحرة» والذي أسفر عن مقتل الإمام يحيي وثلاثة من أبنائه. وسرعان ماراجت اشاعات قوية بان الإخوان المسلمين قد شاركوا في الانقلاب. ومن المؤكد أنهم كانوا على اتصال باليمنيين الأحرار وفي نفس اليوم ابرق البنا لأمير العرش عندئذ سيف الإسلام أحمد داعيا إلى بذل الجهد «لرفع المستوى الاجتماعي لليمن». وبعد خمسة أيام شكل الإخوان بعثه وأوفدت لليمن «بهدف» محدد وقد ظهر الاهتمام الآخر للإخوان لليمن في البرقية المرسلة من البنا في 15 مارس 1948، وبعد في ذروة الأزمة التي أعقبت الانقلاب، إلى سيف الإسلام أحمد، الذي أصبح أمام لليمن المنتصر الآن، طالبا فيها موافقته على «الانضمام إلى جامعة الدول العربية».

على أساس دستور جديد يستمد سنده الأساسي من الإرادة الوطنية (حرفيًا قواعد الميثاق القومي») حي يصب الحاكم فيه «اماماد ستوريا» كذلك أيد البنا الرأي القائل بوجوب الموافقة على ضم قائد التمرد إلى الحكومة «كرئيس لمجلس الشورى» لتتأسس بذلك في اليمن «حكومة دستورية».

على أنه ليس واضحا تماما إني أي مدي عبر هذا الاهتمام لليمن عن ذاته في تخطيط فعلي ومشاركة في الحادث مع قادة الحركة- السيد عبد الله بن أحمد الوزير والابن الساسدس للغمام العجوز، سيف الحق إبراهيم- ولقد فسر أمر البعثات المرسلة وقبل وبعد الانقلاب على أنه جزء من مخطط موجه من القاهرة، وزعم أن ..... أرسل- أو أن الاستعداد كان قد تم لإرساله- إلى البنا من المنشقين سواء لشراء المعدات اللازمة أو في مقابل عون الجماعة على أنه وإلى أن يتوفر المزيد من المعلومات، ليس في إمكاننا أن نذهب إلى أكثر من أن الجماعة قد أبدت بالفعل أهداف حركة اليمنيين الأحرار، وأنها عملت بنشاط في صالح المنشقين بعد أن أدي فشل الانقلاب إلى طرح القضية كلها أمام الرأي العربي العام الرسمي. ولم يبذل الإخوان أي جهد ملموس لتنفيذ ما قيل بصدد اشتراكهم مع اليمنيين الأحرار وإنما أعربوا بوضوح عن اهتمامهم «بإصلاح اليمن». وفي حين لم يكن هناك ارتباط أساسي بين أحداث اليمن ومشاركة الإخوان فيها، وبين الأزمة المصرية، إلا أن هذه الأحداث وتلك المشاركة كانت لها بالضرورة آثارها على ما يجري.

وفي مصر، في الثاني والعشرين من مارس، اتخذت الأحداث طابما مأوسايا مع نبأ اغتيال أحد القضاة المعروفين وهو في طريقه إلى مقر عمله، فقد قتل أحمد الخازندار بك بسبب إصداره الحكم بالسجن على أخ مسلم لمهاجمته مجموعة من الجنود البريطانيين في أحد الملاهي الليلية بالإسكندرية وسرعان ما تم القبض على الشابين الذين قاما باغتياله، وهما عضوان بالجهاز السري، وفي 22 نوفمبر 1948 حكم عليهما بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة. كذلك تم احتجاز حسن البنا، ألا أنه أطلق سراحه لعدم توافر الأدلة. وقد سجل القريبون منه امتعاضه مما حدث وتخوفه من أن يكون أعضاء الجهاز السري قد خرجوا عن طاعته، وهناك- كما سبق أن لاحظنا- قدر غير كاف من الدلائل على واقعية الاعتبار الثاني، إلا أن الرأي السائد داخل الجماعة تمثل في أنه لا يمكن تبرئه ساحة البنا تماما، على الأقل بسبب إخفاقه في ممارسةالضغط فيما يتعلق بالحكم الذي قضى به الخازندار. وسواء أكان البنا قد ساهم فيما حدث أو لم يشارك، وبصرف النظر عن حقيقة أن أعضاء الجماعة قد رفضوا الحادث دون استثناء فقد كانت مائلة في أذهانهم دائما «الحقيقة» القائمة على اعتبارات مختلطة تقول بأن الخازندار قد أمر بسجن «وطني» كل «جريمته» أنه هاجم «المحتل البغيض». وقد أعرب الرافعي المؤرخ المصري عن أسفه لأن قاعات المحاكم- التي شهدت تلك القضية وقضية مقتل أمين عثمان التي جرت محاكمتها في نفس الفترة وحضرها محامون من مختلف الانتماءات السياسية- قد تحولت إلى «منابر لتمجيد القتل والجريمة».

ولقد تخللت الأحداث الرئيسية للشهور التسعة التالية محاولتان جديدتان لاغتيال النحاس باشا: واحدة في أبريل في أعقاب الانفجارات التي وقعت في نادي الحزب السعدي وفي مبني الصحيفة السعدية: دار أخبار اليوم. والأخرى في نوفمبر والتي تقل خلالها أثنان من الحرس الخاص للنحاس باشا وفي المحاولة الأولى اتهم النحاس سكرتير إبراهيم عبدالهادي رئيس الديوان الملكي واحد زعماء الحزب السعدي واتهم في المحاولة الثانية سكرتير النقراشي رئيس الوزراء السعدي. على أن تلك الأحداث نفسها غطي عليها الاهتمام الذي اشتد في ذلك الوقت بمجري الأحداث في حرب فلسطين.

وفي الثالث عشر من مايو، وقبل دخول الجيش المصري أرض فلسطين رسميًا بيومين، أعلنت الحكومة الأحكام العرفية في جميع أنحاء البلاد- وفي أعقاب ذلك تم اتخاذ إجراءات يقتضيها الأمن القومي. ففي 27 مايو أعلنت الحكومة ضرورة حصول المصريين والأجانب على إذن خاص قبل السفر خارج البلاد. وحدد قرار آخر حجم الأموال المسموح بخروجها من البلاد، كما حظر انتقال الممتلكات إلى السودان. وفي 31 مايو أصدرت الحكومة أوامرها بالاستيلاء على ممتلكات الأشخاص المقبوض عليهم أو المحتجزين لأسباب تتعلق بحرب فلسطين، وممتلكات التنظيمات المرتبطة بهؤلاء الأشخاص. وقد صدر هذا القرار في أعقاب حملة اعتقالات واسعة النطاق للمشتبه في انمائهم للصهاينة والشيوعيين. وهذه الأوامر، التي أثر أساسًا على الطائفة اليهودية، كانت بمثابة مساهمة من الحكومة في اتجاه إذ كاء جو الاضطراب والتوتر الذي كانت وتأثره قد تصاعدت بالفعل نتيجة الحرب بين العرب واليهود. وقد وقع أول تعبير عنيف عن ردود الفعل الشعبية بعد خمسة أسابيع من بداية القتال.

ففي 20 يونيو اشتعلت النيران في بضعة بيوت في أحد أجزاء الحي اليهودي، وفسر الحادث على أنه اشتعال غير مقصود للنيران! وفي 16 يوليو ظهرت طائرة إسرائيلية وحيدة في سماء القاهرة وألقت بقنابلها التي انفجرت في حي فقير من أحياء المدينة. وفي 17 يوليو انطلقت صفارة الإنذار بغارة وتسبب ذلك في إثارة حركة تخريب مناهضة للأجانب. وفي ليلة 19 يوليو وقع انفجار في الجزء الجنوبي من شارع فؤاد، أحد الشوارع الرئيسية بالعاصمة، ليدمر محلين تجاريين كبيرين مملوكين ليهود، هماشيكوريل وأوركو. وانحت الصحف باللائمة- بتوجيه من الحكومة- على «القنابل الإسرائيلية» التي ألقيت على القاهرة أثناء أحدا لغارات الجوية. وفي ذلك الصباح أخبر المصريون بنبأ توقيع الهدنة الأولى على الجبهة الفلسطينية. وخلال الأسبوع الأخير من شهر يوليو وبداية أغسطس وقعت عدة انفجارات أتلفت أو دمرت بعض المؤسسات التجارية اليهودية الأخرى: بنزايون وجاتينيو وشركة الدلتا التجارية، ومحطة تلغراف ماركوني (التي اعتبرت مركزا للاتصالات الصهيونية). ثم وقع انفجار آخر في 22 سبتمبر دمر جزءًا آخر من الحي اليهودي (حارة اليهود) وفي 12 نوفمبر دمرت قنبلة مبني الشركة الشرقية للإعلان، والتي شاع الاعتقاد بأنها تساعد النشاط الصهيوني. وفي كل تلك الأحداث كانت الخسائر في الممتلكات عالية كما قتل وجرح عشرات من الناس ولم تقع في ذلك الوقت أية عمليات قبض كما لم توجه أية تهم.

وخلال الفترة نفسها، اكتشفت الحكومة مخبأ للأسلحة والمعدات في الإسماعيلية في عزبة الشيخ محمود فرغلي قائد كتائب الإخوان في فلسطين. وفي الخامس عشر من نوفمبر تركز كل انتباه حول الإخوان المسلمين، ففي مساء ذلك اليوم كانت أحدى عربات الجيب تتأهب للوقوف أمام أحد المنازل بالقاهرة في نفس اللحظة التي تصادف فيها مرور قوة من رجال البوليس. وعندما لاحظ رجال البوليس أن العربة غير مطلية بأي دهان وأنها محملة بالأقفاص، ذهبوا لمواجهة الرجلين اللذين هبطا منها ولاذا بالفرار في الحال إلا أن الزحام الذي تجمع بعد أن أخذ رجال البوليس في الصياح: صهاينة.. صهاينة- أوقفهما على بعد مسافة قصيرة.. وخلال لحظات قليلة كان رجل ثالث يحمل حافظة جلدية يسير في طريقة إلى المكان المحدد للقاء- قد آثار الشبهات وأوقف أيضًا عن طريق الزحام المتجمع وألقي رجال البوليس القبض عليه. وكشف تفتيش شقة الشخص الثالث- والتي كانت هي المكان المحدد للقاء- عن ثلاثة آخرين من المجموعة، وخلال ساعات قليلة وصل عدد المقبوض عليهم إلى اثنين وثلاثين. ومن خلال الأوراق والوثائق التي عبر عليها في السيارة الجيب والحافظة الجلدية وملفات المذكرات والأجندة ومحافظة الجيب والسجلات الشخصية الأخرى التي عثر عليها في منازل المقبوض عليهم، ظهرت البوادر العلنية الأولى لانكشاف أمر الجهاز السري للإخوان المسلمين. أضف إلى ذلك كله الأدلة التي تجمعت من خلال القبض على الشبان في تلال المقطم في شهر يناير وفي قضية اغتيال الخازندار في مارس، ومصادرة الأسلحة التي عثر عليها في عزبة الشيخ فرغلي في أكتوبر الماضي، ومن هنا بدأت الحكومة تضع أول دعوى جادة ضد الجماعة وتهئ الأسباب لحلها.

وفي 28 نوفمبر ألقي القبض على البنا، الذي أمضى معظم أكتوبر والأيام الأولى من نوفمبر خارج البلاد لقضاء فريضة الحج، على أساس الدليل الذي عثر عليه في سيارة الجيب، وعلى أساس اتهامه بالمشاركة في حادث التخريب الذي واقع في بداية الشهر في مبني الشركة الشرقية للإعلان على انه أطلق سراحه دون أبطاء ليبدأ سعيًا حثيثا- من خلال الاتصال المباشر ومن خلال بعض الشخصيات البارزة والتي تربطها علاقة ودية بكلا الطرفين- لتخفيف حدة التوتر بين الحكومة والجماعة. إلا أن الأحداث كانت تسير بوتيرة أسرع بكثير.

ففي الرابع من ديسمبر أدت القلاقل الواسعة النطاق في الجامعة بسبب المحادثات المقترحة بشأن الهدنة في حرب فلسطين إلى خروج البوليس بكامل قوته وعلى رأسه حكمدار القاهرة الذي يبغضه الوطنيون، سليم زكي. و خلال معركة ساخنة مع الطلاب الذين تمركزوا في فناء كلية الطب وأخذوا يقذفون البوليس بكل ما تطوله أيديهم بما في ذلك المتفجرات، لقي سليم زكي مصرعه عندما أصابته قنبلة قذفت في اتجاهه، ورغم أنه من المتعذر تحديد هوية الفاعل في انتفاض جماهيري كهذا (كل واحد أراد قتله) ألا أن الإخوان المسلمين اتهموا في الحال بقتله ومما يدعو للاستغراب أنه لم يجر القبض على أحد في هذه القضية حتى 26 يناير 1949.

وبعد صدور الاتهام. صدر الأمر بإغلاق صحيفة الجماعة. وفي السادس من ديسمبر كان قد اتضح بالفعل ما تدبر له الحكومة، وبذل حسن البنا جهدا مستميتا لكي يسبق الحوادث، حتى أنه حاول الاتصال بالملك وبإبراهيم عبد الهادي رئيس الديوان الملكي. وفي المباشرة من مساء يوم 8 ديسمبر أكد عبد الرحمن عمار وكيل وزارة الداخلية للبنا أن شيئًا مالا بد سينقذ الموقف. وفي الحادية عشرة من مساء اليوم نفسه، وبينما كان البنا وعديد من أعضاء الجماعة ينتظرون النتيجة في المركز العام، أذاع الراديو نبأ الأمر الصادر من وزارة الداخلية بحل جماعة الإخوان المسلمين بكل فروعها في عرض البلاد وطولها. وفي الحال أحاط البوليس بالمركز العام واعتقل كل من فيه باستثناء حسن البنا. ووضعت أموال الجماعة وقد علقت مجلة آ خر ساعة الناطقة بلسان الحكومة السعدية على ما حدث قائلة: «لقد تخلصت (الحكومة) من جماعة يمكن اعتبارها أقوى خصومها. وهذه الجماعة لم تكن مجرد حزب بل كانت تشبه بالأحرى دولة كاملة بأسلحتها ومستشفياتها ومدارسها ومصانعها وشركائها. وعلقت آخر ساعة على الاحتجاج الشديد اللهجة الذي أعلنه مكرم عبيد (القبطي) ضد قرار الحكومة- وهو الزعيم السياسي الوحيد في البلاد الذي فعل ذلك- أن البنا ربما يكون قد اعتقد أن «مكرم باشا قد أصبح الأخ المسلم الأخيرة».

واشتملت مذكرة حيثيات قرار الحل التي أحالها وزير الداخلية إلى رئيس الوزراء- على دعوى الحكومة ضد الجماعة. وكانت هناك ثلاثة عشر «تهمة» «ذهبت الأولى، استنادا إلى تحقيقات عام 1942، إلى أن الجماعة كانت تعد «للاطاحة بالنظام السياسي القائم» عن طريق الإرهاب باستخدام وحدات جوالتها المدربة عسكريًا. واعتبرت تهمان أن الجماعة مسئولة عن مقتل شخصين وجرح آخرين في معارك مع خصومهم في السادس من يوليو عام 1946 وفي 27 فبراير 1948. وتعلقت ثلاثة اتهامات بالأسلحة والتدريب: القبض في 10 ديسمبر 1949 على بعض الأعضاء أثناء أنهماكهم في «تصنيع القنابل والمتفجرات» في الإسماعيلية، اكتشاف ومصادره أسلحة والقبض على المتدربين في تلال المقطم في 19 يناير 1948، واكتشاف أسلحة ووثائق في عزبة الشيخ فرغلي بالإسماعيلية في 12 أكتوبر 1948 وتلك التهم التي ذكرت في الاتهام، تدلل (كما جاء بالمذاكرة) على عزم الجماعة القيامة بنشاط إرهابي واسع النطاق يلحق أشد الضرر بأمن الدولة وكيانها.

واشتملت فقرتان أخرايتان موجهتان للجماعة على اتهامات مباشرة بارتكاب أعمال العنف، في 24 ديسمبر 1946، عندما ألقيت القنابل على «منشأت عديدة في مدينة القاهرة» وأعقب ذلك القبض على اثنين من أعضاء الجماعة وأدانه أحدهما، وإلقاء القنابل في يوم لم يحدد تاريخه في عام 1948 على فندق الملك جورج في بالإسماعيلية حيث جرح عديدة من الناس من بينهم الفاعل. وسجل بند من بنود الاتهام تهمة عامة تتصل باصطدامات عديدة من جانب أعضاء الجماعة بالبوليس، ليس فقط من خلال مقاومتهم، بل بالاعتداء عليهم أيضًا أثناء تأديتهم لواجبهم في الحفاظ على النظم والأمن. وأتهم بند آخر الجماعة باستخدام خطابات التهديد المرسلة للشركات والمؤسسات التجارية بهدف ابتزاز المال بحجة أن «المال» هو بمثابة اشتراكات مدفوعة مقدما في صحيفة الجماعة. ومما يلفت النظر أن الفقرات الثلاثة الأخيرة في المذاكرة اعتبرت الجماعة مسئولة عن العنف الذي انتشر العمال والمزارعين في الريف: في الثامن عشر من يناير 1948 حيث أشعلت النار في «جنينة» أحد الملاك بالقرب من كفر بدوى، وفي الثالث من فبراير 1948 «حرضوا الأهالي» قرب كفر البرامون على التمرد من أجل أجور أعلى وإيجارات معتدلة. ومن أجل «التظاهر» بشعارات حماسية ومقاومة البوليس بالأسلحة والحجارة، وفي 16 يونيو 1948 حيث «دفعوا العمال في أحدى القري التابعة لوزارة الزراعة إلى الإضراب» دعما لمطلب تمليكهم أراضي تلك القرية ولم يشر القرار إلى الأحداث الهامة التي وقعت عام 1948، تلك الأحداث التي شكلت في وقت لاحق الدعوى القضائية للحكومة ضد الجماعة.

ولم يكن يعادل رباطة الجاش التي تابع بها النقراشي سيره قدما بعد صدور قرار الحل وسى ذلك الجو من التوتر الذي خيم على مصر. وواصل البنا، الذي كان ما يزال مطلق السراح وإن كان تحت المراقبة، محاولاته لإنقاذ الموقف مركزا بصفة أساسية على المساومة المباشرة مع رئيس الوزراء، الذر رفض من جانبه الالتقاء به وكان البنا يعرف أكثر من أي شخص آخر أية نتيجة سينتهي إليها الموقف، ذلك أنه بعد اكتشاف «السيارة الجيب» كان من بين الأعضاء الذين قبض عليهم في 15 نوفمبر قادة الجهاز السري وبعض أفراده. وبصرف النظر عن الآثار الأخرى لقرار الحل، فإن بعض الاعتقالات الهامة التي جعلت البنا وحيدًا، وقوضت تمامًا شبكة الاتصالات القائمة في التنظيم كما قوضت بالتالي كل وسائل الانضباط وفي 28 ديسمبر وقع ما كان في الحسبان. ففي اللحظة التي كان النقراشي يدخل فيها وزارة الداخلية، تقدم منه شاب يرتدي زي ضابط شرطة وأدي له التحية العسكرية، ثم أطلق على ظهره رصاصة بعد أن مر من أمامه أردفها بأخرى على صدره عندما استدار النقراشي ليواجهه وما لبث أن مات النقراشي بعدها بدقائق معدودة. وكان القاتل عبد المجيد أحمد حسن شابا في الثالثة والعشرين من عمره طالبا في السنة الثالثة بكلية الطب البيطري وعضوا في الجماعة منذ عام 1944 وفي جنازة النقراشي تصاعدت صيحات أتباعه الغاضبة مهددة متوعدة ومطالبة بـ«الموت لحسن البنا».

بعد اغتيال النقراشي شكلت وزارة جديدة برئاسة صديقة الحميم إبراهيم عبد الهادي، رئيس الديوان الملكي والذي أصبح الآن زعيمًا للحزب السمدي. ونظرًا لارتباط عبد الهادي دائمًا بالقصر، فقد أصبح إسمه في الشهور الستة التالية مرتبطًا في أذهان جميع المصريين بالسلطة الرسمية الغاشمة، وقد اكتسب لنفسه عداء لأحد له من جانب مجموعة من ضباط الجيش كانت تعد للثورة وكما سوف يتضح فيما بعد، كان عبد الهادي هو أول القادة السياسيين القدامي الذين مثلوا أمام محكمة الثورة التي شكلها مجلس قيادة ثورة يوليو 1952 وحوكم على ما ارتكبه من أفعال خلال تلك الفترة.

وقد حاول البنا مرة أخرى الوصول إلى إتفاق مع عبد الهادي، وعرض من جانبه معاونة الحكومة في استعادة النظام والأمن في مقابل عودة الجماعة إلى الشرعية، والأفراج عن ممتلكاتها المصادرة، وأطلاق سراح أعضائها المعتقلين وشكلت «لجنة وساطة» ضمت صالح حرب باشا وزكي على باشا ومصطفي مرعي بك ومحمد الناغي ومصطفي أمين، وهم جميعًا أصدقاء الجانبين. كذلك كتب البنا كراسة، حازت قبول الحكومة، تحت عنوان «بيان للناس» استنكر فيها اغتيال النقراشي وكان واضحًا أن البنا يسمى إلى الإفراج عن قادة المرأب الدنيا وقادة الجهاز السري الذي في مقدورهم وحدهم استعادة بعض النظام في تسلسل السلطة والاختصاصات داخل الجماعة ولقد قيل بأنه صرح للوسطاء أن «موقفا خطيرًا» قد نشأ بعد موت النقراشي ، وأنه لا يستطيع أن ينكر «الأخطاء» التي أرتكبها الإخوان، وأن ما حدث قد هزه إلى حد أنه شعر شخصيًا بالحاجة إلى حل الجماعة.

على أن رئيس الوزراء لم يقتنع البنا ولم يوافق على الأفراج عن المعتقلين. وانهارت المفاوضات بعد المحاولة التي وقعت يوم 13 يناير 1949 لإلقاء قنبلة على دار القضاء حيث وضعت سجلات التحقيق في قضية الجيب. وبعد فترة وجيزة القي القبض على شفيق إبراهيم أنس وهو عضو قديم بالجهاز السري، بعد أن اكتشف أنه سلم القنبلة لأحد السعاة لوضعها داخل المحكمة لكنها انفجرت خارجها. وسارع البنا مرة أخرى إلى استنكار الحادث في خطب رسمي لوزارة الداخلية ولأعضاء الجماعة ونضمن الخطاب عبارة حول مخططي أحداث العنف استقبلها أتباعه بألم وأمتعاض، وفي هذه العبارة قل البنا أنهم «ليسوا أخوانا وليسوا مسلمين». وقد أبرزت الحكومة ما جاء بخطاب البنا جنبًا إلى جنب مع الفتوى التي قدمتها لجنة من كبار علما الأزهر واستنكروا فيها اغتيال النقراشي بوصفه «عملا مناهضا للإسلام» وبعد ذلك وجه البنا نداء عاما إلى «هؤلاء الشبان» للكف عن كتابة خطابات التهديد وارتكاب أعمال العنف، وأضاف أنه سيعتبر أي أفعال سيئة أخرى من قبل أي إنسان يرتبط بالجماعة على أنها «موجهه لشخصي»، وأنه سيصر على أن يتحمل شخصيًا كل التبعات القانونية المترتبة على ذلك، ومن المعروف أن البنا تلقي- هو وآخرين- رسالة ظهرت في الصحف من بعض الإخوان الذين لم يذكروا أسماءهم يهددون فيها بخطف طفلي النقراشي والاحتفاظ بهما كرهينه في مقابل الابقاء على حياة قاتل النقراشي.

توقفت الاتصالات بين البنا والحكومة قرب نهاية يناير وأصدر رئيس الوزراء قانونًا بتوقيع عقوبة الأعدام على أي شخص يضبط متلبسا بحمل قنابل ومتفجرات، ثم شنت الحكومة حملة اعتقالات جديدة واسعة النطاق. وكان اهتمام عبد الهادي مركزا على تحطيم الجهاز السري للجماعة قبل أن يفلح في القيام بأعمال عنف جديدة، وقد كرس لهذا الفرض إمكانيات الجهاز الحكومي كلها، القانونية وغير القانونية، يما في ذلك التعذيب الجسدي والمعنوي في السجون. ومن الأشياء التي أخذت على الإخوان- مثلما أخذ عليهم ما زعم من تعديهم على الشرف العائلي والشخصي- ذلك القرار الذي اتخذ بتعليق الآية القرآنية التالية في خلاياهم:

«إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلال أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم».

وعندما فقد البنا الأمل في عقد تسوية مع الحكومة، كتب كراسة صغيرة، بعنوان «القول الفصل» وزعت سرا، يستنكر فيها قرار الحل]]، كما استعرض وعندما فقد البنا الأمل في عقد تسوية مع الحكومة، كتب كراسة صغيرة، بعنوان «القول الفصل» وزعت سرا، يستنكر فيها قرار الحل]]، كما استعرض فيها رواية الإخوان الخاصة لما حدث لهم خلال تلك الفترة. والواقع أنه رفض أو برر كل التهم الموجهة للجماعة والتي وردت في قرار الحل]]، مفسرا إياها على أنها تلفيقات أو تشويهات لما حدث وقد أضاف بعض التعليقات على الأحداث المختلفة التي وقعت قبل وبعد صدور القرار. وأكد للبنا أن الأسلحة التي حازتها الجماعة كانت الجماعة كانت الحكومة قد اعترفت بها بوصفها جزءًا من الترتيبات القائمة بين الجماعة و جامعة الدول العربية، وأنها لم تكن تنطوي على أي نشاط أو قصد آخر بخلاف استخدامها في فلسطين. أما الانفجارات التي وقعت في المنشآت اليهودية، وحتى لو ثبت أن من قاموا بها أعضاء في الجماعة الإخوان فمن غير الممكن إثبات أنها ارتكبت بأمر من القيادة. وأضاف أن هذه الأحداث ينبغي النظر إليها على أنها نتيجة مترتبة على حرب فلسطين وما اتضح من افتقار بعض «المواطنين اليهود» وبعض الشخصيات المصرية البارزة للولاء للوطن. ورغم أنه أعرف عن أسفه لمقتل (القاضي) أحمد الخازندار، إلا أنه ذهب إلى أن الجماعة لا يمكن أن تعد مسئولة عن أفعال ارتكبها بعض أعضائها. كما ذكر الناس بأن هذا القاضي قد جلب على نفسه الاعتقاد من قبل الشباب عندما أصدر أحكاما بالسجن على بعض الوطنيين الشبان لهجومهم على الإنجليز. كذلك أعرب البنا عن أسفه لمصرع النقراشي إلا أنه لفت الأنظار إلى أنه بعد قرار الحل]]، لم تكن هناك ( جماعة) لتجري مساءلتها، ولا أحد من قادتها ليضعوا الخطط لأنهم أما كانوا في السجون أو تحت المراقبة الشديدة، «وذلك هورد الفعل الذي خشيناه». وفيها يتعلق بقنبلة دار القضاء، أعاد البنا إلى الأذهان استنكاره الشديد للحادث وأكد مرة أخرى أنه مع عجز قيادة الإخوان عن فرض سلطاتها للظروف التي تمر بها فإن «المسئولين عن مثل تلك الأحداث إنما هم مرتكبوها».

واستطرد البنا ليصف «المحنة» التي تعرض لها أعضاء الجماعة خلال حملة الاعتقالات الضخمة التي لم تسقر عن توجيه أية تهم [[القضاء يشهد بتعذيب للمعتقلين. تعرض هؤلاء للتعذيب في السجون وفقدان الوظيفة والعمل والمتملكات فضلا عن إجراءات التفتيش التسفي والوضع تحت المراقبة دون مبرر واضح.. ورأي البنا أن الأسباب الحقيقية لحل الجماعة إنما نتمثل في الضغط الأجنبي والاستعداد للتفاوض مع الإنجليز والصهاينة، والرغبة في لفت الانتباه بعيدًا عن الفشل الذريع في فلسطين، والاستعداد للانتخابات القادمة، والأصابع الخفية «للصهيونية والشيوعية العالمية، ولدعاة الإلحاد والفسق» وأنكر التهمة الموجهة للجماعة بأنها «تحولت إلى حزب سياسي» وأنها كانت تخطط «للإطاحة بالنظام السياسي» وفي القسم الأخير يلخص البنا «ما أسهمت به الجماعة في خدمة وادي النيل والبلاد العربية والأمة الإسلامية» وكانت هذه الكراسة هي آخر أعمال البنا المكتوبة ففي وقت متأخر بعد ظهر يوم 12 فبراير 1949 دعي حسن البنا (على نحو غامض) إلى لقاء بالمركز العام لجمعية الشبان المسلمين، وأطلق عليه الرصاص وهو في الطريق خارجًا من المبني بينما كان يتأهب ليستقل إحدى سيارات التأكسي، ومات بعد دقائق قليلة في إحدى المستشفيات القريبة. وكان البنا قد سبق له أن أخبر زملاءه- على نحو نبوئي- أن عدم قيام الحكومة القبض عليه هو دليلي رسمي على انتواء قتله. وأوضحت الأدلة التي ظهر خلال التحقيقات العديدة التي أجريت في وقت لاحق وما نلاها من محاكمات، أن عملية الاغتيال كانت مخططة أو على الأقل تم التغاضي عنها من جانب رئيس الوزراء (ربما بدعم من القصر)، وأنها نفذت عن طريق البوليس السياسي.. وقد حوكم كل المشتركين في الحادث بعد أن أعاد ضباط الجيش فتح ملف القضية بعد ثورة 1952 وصدرت في عام 1954 الأحكام على أربعة متهمين: فحكم بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة على اليد الرئيسية في الجريمة (أحمد حسين جاد)، وحكم على ضابطين آخرين (أحمد عبد الحميد ومحمود محفوظ) بالسجن خمسة عشر عامًا، وحكم على محمد الجزار بسنة واحدة.

وذهب البنا إلى مثواه الأخير مشيعًا بالدبابات والعربات المصفحة. ومرة أخرى كان مكرم عبيد باشا الزعيم القبطي، هو الوحيد الذي تحدي الحكومة واختراق صفوف قوات البوليس المحيطة بمنزل المتوفى للانضمام إلى عائلته، ولم يكن مسموحًا بالسير في الجنازة إلا لإفراد العائلة وحدهم.

ورسخ في أذهان أعضاء الجماعة تجريم إبراهيم عبد الهادي ومسئولياته الكاملة عن مقتل البنا وتملكهم الإحساس الفادح بالخسارة بموت قائدهم، وبدا للعيان أن الأزمة لن تنته سريعًا. ولقد قيل أن الملك كف مؤقتًا عن أداء الصلاة في المساجد العامة وضاعف رئيس الوزراء احتياطيات الأمن بالنسبة له شخصيًا وفي كل أنحاء البلاد، وكانت خطوته الأولى بعد وفاة البنا حملة اعتقالات جديدة. وفي التاسع من مارس علم المصريون أن الحكومة قد تبين لها أن الإخوان المسلمين دورًا هامًا في اغتيال الإمام يحي إمام اليمن السابق عام 1948. وخلال أبريل اكتشف أمر عدد من الخلايا وحدثت اعتقالات جديدة. وفي الخامس من مايو وقعت محاولة الاعتداء المنتظرة منذ وقت طويل على حياة إبراهيم عبد الهادي: فبعد ملاحظة دؤوبة لتحركات رئيس الوزراء من منزله وإليه، في ضاحية المعادي بالقاهرة، تمركزت مجموعة من الإخوان في بقعة استراتيجية وأطلقت سيلا من القنابل على عربة أتضح أنها عربة أخرى من طراز مشابه لطراز عربة رئيس الوزراء ويستخدمها رئيس مجلس النواب حامد جودة الذي نجا بأعجوبة بينما ألقي القبض في الحال على عشرة الجماعة.

وكان ذلك هو التطور الرئيسي الأخيرة خلال تلك الفترة، انتهت معه ستة شهور وصفت بأنها فترة من «التوتر والذكر والطغيان فاقت الوصف» وأدي الشروع في قتل جودة إلى حملة اعتقالات جديدة. وعندما ترك عبد الهادي الوزراء في 25 يوليو 1949 كان هناك حوالي 4000 كثكنات خلال الحرب ويقع قرب مطار القاهرة الدولي) وفي عيون موسي. وأبان الأزمة التي امتدت طوال عام بأكمله، والتي هزت وجود الجماعة من أساسه في صدامها المباشر والمحتدم مع الحكومة، كانت هناك أربعة قضايا تنظر بالفعل أمام المحاكم والمتهمون فيها من الإخوان:

(1) قضية سيارة الجيب،

(2) قضية اغتيال النقراشي

(3) قضية الخلايا

(4) قضية محاولة اغتيال حامد جودة

وبالنسبة للقضيتين الأخيرتين، وفي ضوء الحكم الذي صدر لصالح الجماعة في قضية الجيب- ومع خروج السعديين من الوزارة فلم يصل القضاء فيهما إلى نتيجة نهائية. وفي أكتوبر 1951 أطلق سراح اثنين وخمسين مسجونا معظمهم من المشتركين في القضيتين ثم أطلق سراح بقيتهم مع كل الآخرين الذين اتهموا في بقية القضايا، بعد ثورة 1952. وكانت قضية الجيب هي أكثر تلك القضايا إثارة، إلا أن قضية النقراشي التي نظرتها المحاكم في وقت أسبق فكانت تماثلها تقريبا من حيث الأهمية.

ولأكثر من ثلاثة أسابيع بعد القبض عليه، رفض قاتل النقراشي أن يدل السلطات على زملائه أو أن يعترف بأكثر من اتصاله في فترة قديمة بالجماعة ولكن حادث انفجار القنبلة في دار القضاء في 15 يناير بنقطة تحول: فاستنكار البنا للحادث فضلا عن لومه العلني للأعضاء، جنبا إلى جنب مع فتوى علماء الأزهر التي استنكرت الأحداث بوصفها أعمال مناهضة للإسلام، كل ذلك ثبط من عزم الشاب ودفعه إلى تلك السلسلة من الاعترافات التي أدت إلى تعجيل القبض على شركائه في ارتكاب الحادث وسرعة الانتهاء من التحقيقات التمهيدية التي تسبق المحاكمة.

ولأن البلاد كانت تحت الأحكام العرفية في ذلك الوقت، فقد شكلت محكمة عسكرية، انتقيت لها مجموعة من المحامين لتمثيل كل من الإدعاء بالحق المدني الدفاع عن المتهمين. وما لبثت أن تغيرت الوزارة في يوليو 1949 وبذلك أمكن أن ينضم محامون من الوفد ومن الإخوان المسلمين إلى محامي الدفاع وحلولا بدلا من المحامين السعديين وقدمت الحكومة عريضة اتهام احتوت على عدد كبير من التهم: بهدف إدانة تنظيم الجماعة بكامله (لا المتهم وحده) وذلك بدعوى أن هذا التنظيم كان يخطط للاطاحة بالحكومة. وعلى وجه الإجمال ذهبت عريضة الاتهام إلى أن العنف الذي وقع خلال الشهور الستة السابقة على مقتل النقراشي كان بمثابة التمهيد المخطط له من أجل اغتيال النقراشي وإشارة لبدء التمرد. وقد الادعاء البرنامج التدريبي للجماعة- بجانبيه العسكري والروحي- بصوفه دليل على انتواء زعماء الجماعة تلقين الأعضاء وتدريبهم على العنف. وتضمنت «الوثائق» المقدمة من الحكومة في هذا الصدد بعض الرسائل التي كتبها حسن البنا لتوعية الأعضاء، وخطابات وجدت في المركز العام مرسلة من بعض الأعضاء يؤكدون فيها ولاءهم لقضية الجماعة. وأخيرًا، أتهم الجهاز السري بأن وظيفته الأساسية التي حددت له هي تحقيق «أهداف جماعة الإخوان بالقوة».

على أنه وأيا كان حجم «الدراما» التي أضافها ادعاء الحكومة على المحاكمة، فإن المسألة الأساسية في القضية كانت ما تزال هي تهمة القتل. وكان واضحا من سير التحقيقات أن قرر القتل اتخذ بعد صدور قرار حل الجماعة في 8 ديسمبر وأن الخطه اكتملت في 18 ديسمبر، وأن القاتل قد انتظر بعض الوقت للتدريب واختيار اللحظة المناسبة. وفي المحكمة دفع الدفاع في البداية «بجنون» المتهم، ثم بعد ذلك «بالتأثير السيء» لتعاليم الجهاز السري، ورفضت المحكمة الدفعين وحكم على الشاب بالإعدام. ونفذ الحكم في 25 أبريل 1950.

وكان تحديد المسئولية عن مقتل النقراشي عنصرًا أساسيًا في سير المحاكمة وقد بذلت الحكمة جهدًا مستميتا لتوضيح أن حسن البنا - ولو لم نقبض عليه- يجب أن يتحمل المسئولية النهائية، على نحو غير مباشر بوصفه القائد المسئول للجهاز السري وعلى نحو مباشر من خلال مركزه كقائد أعلى وكانت وجهة النظر المعارضة (لادعاء الحكومة) تقول أن الأحداث خرجت عن يد البنا وأنه فقد السيطرة على «المتطرفين».

وخلال جلسات المحاكمة برز اسم اثنين من قيادات الجماعة. الأول هو السيد سابق، وهو أحد شيوخ الأزهر الشبان، والذي بدا أنه الملهم «الروحي» بارتكاب الحادث. فقد رأي في قرار النقراشي بحل الجماعة اعتداء على الإسلام «يوازي إغلاق أبواب مئات المساجد» كذلك بدا أنه مصدر القصة القائلة بأن المركز العام للجماعة سيحول إلى قسم للشرطة توزع عن طريقه التراخيص التي تمنح العاهرات! وفضلا عن هذه البواعث والاعتبارات «الإسلامية» كانت هناك بواعث ودوافع أكثر دنيوية شلت «خيانة الزعماء والأغنياء في فلسطين وفي التعامل مع الإنجليز». ورغم أنه وصف في ذلك الوقت بأنه «مفتي الدماء»، ألا أن المحكمة برأته لعدم توفر الأدلة على مشاركته في الجريمة نفسها.

أما الاسم الآخر فكان أحمد فؤاد، ضابط بوليس شاب وقائد تلك الوحدة من الجهاز السري التي اشتركت في الجريمة، وقد هرب من القاهرة بعد وقوعها وطارده البوليس إلى أن قتل في معركة بالرصاص مع بوليسية في مدينة بنها. وقد أشارت كل الدلائل إلى أنه المحرك الأول فيما يتعلق بالقرار الذي اتخذ بقتل رئيس الوزراء وأنه كبير مهندسي العملية وقد تأكد هذا الرأي إلى حد ما من خلال كلمات القاضي الختامية أثناء المحاكمة: «ومما يؤسف له أن مهندس الجريمة ليس حاضرا، وأنه فضل رصاصات البوليس على حكم الإعدام الذي كان مؤكدًا أن هذه المحكمة ستصدره عليه».

على أن قضية الجيب، كانت تعد من وجهة الإخوان، ونظرًا لانطوائها على مجال هام من مجالات عمل الجماعة، مركزا لمعركتهم القضائية مع السلطة. وبالنظر إلى ما انتهت إليه، اعتبرت بمثابة التبرئة الشاملة للجماعة وما قامت به من أعمال. والواقع أن المحاكمة شملت كل جوانب نشاط الجماعة وجمعت كل العناصر الرئيسية معًا: بدءا بضبط «الجيب» في نوفمبر 1948 إلى الاستيلاء على الحافظة الجلدية الممتلئة بالوثائق وبعدها اكتشاف مخبأ الأسلحة في عزبة الشيخ فرغلي، تم قتل النقراشي والخازندار، بالإضافة إلى تهمتين أخرتين بإخفاء الأسلحة.

وقد نظرت القضية أولًا أمام محكمة عسكرية إلا أن الدفاع طالب بالتأجيل إلى أن يتم رفع الأحكام العرفية. وعندئذ حولت إلى القضية محكمة مدنية في يونيو 1950، وبمجرد أن أطلعت المحكمة على أوراق التحقيق أمرت بالأفراج عن ثمانية من المتهمين. وبدأت المحاكمة الحقيقية لاثنين وثلاثين عضوًا من أعضاء الجماعة في 2 ديسمبر 1950, وكانت هذه المحكمة مشكلة من أحمد كامل بك رئيسا يساعده كل من محمود عبد اللطيف بك وزكي شرف بك.. واستغرقت المحاكمة ثلاثة شهور ونصف الشهر.

وكانت عريضة الاتهام تحتوى على نقاط أربعة:

الأولى وهي المحور الأساسي للقضية: أن المتهمين شاركوا- ومعهم آخرين- في «مؤامرة إجرامية» هدفها «الاستيلاء على السلطة بالقوة» وأن ثلاثة عشر من بين المتهمين الاثنين والثلاثين شكلوا فيما بينهم «وحدة إرهابية» لها قائد معين وأعضاء منضبطون مدربون جيدًا على استخدام السلاح وفنون الإرهاب وشملت المريضة أيضًا تهمًا فرعية بلغت أحدى عشرة تهمة تناولت «الخطط» الموضوعة للثورة، ومن بينها استخدام القتل والسرقة وأحراق المباني وتخريب المنشآت الحكومية والمواصلات والمرافق والبنوك والممتلكات الخاصة واغتيال الشخصيات العسكرية والمدنية المسئولة. وتناولت النقاط الثلاثة الأخيرة بالتفصيل التهم المتعلقة بتكديس المتفجرات والأسلحة غير المرخصة، والاستخدام غير المرخص به لأجهزة اللاسلكي.

وذهب الادعاء إلى أن التنظيم بعد أن اشتد عوده، أصبح يضع نصب عينيه أهدافا سياسية، وأن الجهاز السري إنما أنشيء ودربت فرق الجوالة، المساعدة على تحقيق الهدف السياسي النهائي وهو الاستيلاء على السلطة. وقال الادعاء أنه منذ عام 1946 بدأت الجماعة تلفت الأنظار إليها بالعنف الموجه إلى البريطانيين وأعمال العنف التي ظهرت خلال قلاقل واضطرابات فلسطين. وعلى ذلك فهم المسئولون عن الهجمات التي وقعت على الممتلكات اليهودية في القاهرة في الفترة بين يونيو ونوفمبر 1948. ولم تكن فلسطين سوى واجهة لتغطية مقاصدهم الحقيقية والتي تتمثل في التدريب استعدادًا للثورة في مصر. ولكي يؤيد الادعاء هذا المنحي قدم الوثائق التي اكتشفت في الجيب والوثائق الأخرى التي توفرت لدي الحكومة خلال مجري صداماتها بالجماعة، كذلك قدم الادعاء بعض «رسائلها» وبعض الخطب العامة المنشورة. وكانت وثائق «الجيب» هي المصدر الأساسي للمعلومات حول الجهاز السري، وقد جري تقديمها للمحكمة كدليل كاف بذاته على تأهب الجماعة للعصيان المسلح. ومن بين تلك الأوراق المقدمة، كانت هناك خرائط ومذكرات وتعليمات تشير بوضوح إلى مسئولية الجهاز السري عن بث الذعر الذي ساد الطائفة اليهودية خلالي صيف وخرف 1948- كذلك كانت هناك كتيبات حول التدريب على السلاح، والذخيرة والتنظيم العسكري وحرب العصابات، مكتوبة بالعربية والإنجليزية، وكانت كل هذه الوثائق تضيف- في رأي المدعي- أدلة أخرى تؤكد صحة الرأي القائل بأن الجهاز السري كان يعد للثورة. كذلك اشتملت الأدلة التي قدمها الادعاء- بهدف إثبات النوايا الحقيقية للجماعة- الرسالة الهامة المسماة «رسالة التعاليم» التي كانت متداولة بين أفراد الكتائب والجوالة، فضلًا عن بعض الخطابات وخطب أخرى مكتوبة كانت تستخدم فيما بين الأعضاء. ومن بين هذه الأوراق عثر على «خطة» بالمركز العام، تقدم بها الادعاء بوصفها دليلا أساسيًا على التأهب للقيام بانقلاب.

أما الدفاع فقد صاغ مرافعته على أساس مواجهة ما جاء في مرافعة الادعاء من تقسيم التهم إلى قسمين: أعمال العنف المحدودة، والعصيان المسلح. وفيما يتعلق بالمجموعة الأولى من التهم قدم الدفاع حجتين رئيسيتين هما:

(1) أن الشبان الذي ارتكبوا أعمال العنف انحرفوا عن المبادئ التي وضعها القادة،

(2) أن التنظيم ليس مسئولا عن أفعال أعضائه «المتطرفين» فالخطأ لا يكمن في الجهاز السري، وإنما في بعض أعضائه الذين هم «بعض الأفراد» أساءوا فهم تدريبهم.. وشكلوا فيما بينهم تنظيمًا أرهاربيًا.

أما التهمة الثانية الأكثر شمولا والخاصة بالعصيان المسلح فقد أنكرها الدفاع نهائيًا. فالأسلحة والتدريبات والتعاليم المكتوبة حول السلاح والحرب لا تنطوي جميعًا سوى على الاهتمام العسكري للجماعة بالدفاع عن مصر والعروبة وعن الإسلام ضد بريطانيا والصهيونية، والدليل الأوضح على ذلك قائمة «شهداء» الإخوان في معارك مقاومة الإنجليز في مصر والصهيونية في فلسطين. وفند الدفاع ما ذهب إليه الادعاء من أن الأعضاء لقنوا مبادئ العنف. «فالجهاد» كما يتضح من تعاليم الجماعة، يعني الدفاع عن البلاد ضد «الاستعمار والكفر». كذلك اهتم الدفاع بتوضيح مغزى الآية القرآنية التي فسرها الادعاء كدليل على توفر نية الجريمة: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60]. فذهب الدفاع إلى أن هذه الآية لا تعني «بالقوة» العنف وإنما تعني بالأحرى «البأس الشديد» والمقصود حشد هذه القوة تحت الإسلام في الدفاع عنه. أما الوثيقة التي أكد الادعاء بشدة أنها بمثابة «خطة للثورة» فقد أظهر الدفاع أنها ليست سوى مقال أعد للاشتراك به في مسابقة في إحدى المجلات الطلابية وفيه يصف الكاتب التصور الطلابي (للمجتمع الإسلامي). وقد ركز الدفاع جانبًا كبيرًا من اهتمامه لإظهار المقاصد (السلمية) للجماعة كما يتضح من انشطتها الاجتماعية والتعليمية والطبية والخيرية، وخدماتها الروحية المبذولة المجتمع الإسلامي.

كذلك ركز الدفاع على نقطتين أساسيتين: طنيان الحكومة السعدية ودور الإنجليز في حل الجماعة. وبالنسبة للنقطة الأولى اعتمد الدفاع أساسًا في تأييد حجته على التقارير المتعلقة بتعذيب الإخوان في السجون قاصدًا بالتالي إلى تفنيد أية قيمة قانونية للاعتراف التي يملكها الادعاء. وحول تأييد الحجة الثانية، فاجأ أحد المحامين الشبان من أعضاء المحكمة ذات يوم بإبرازه لبعض الوثائق نشرت مؤخرًا بالإنجليزية، كانت توضح وجود اتصالات متبادلة بين السفارة الإنجليزية والحكومة وأن السفارة الإنجليزية طالبت باسم السفارتين الأمريكية والفرنسية بحل الجماعة.

وأعلن المحكمة حكمها في 17 مارس 1951. ولقد عبرت حيثياته عن ذلك النجاح الباهر الذي حققه محاميو الدفاع. وقد بدأت المحكمة حيثياتها بإيجاز ممنهج لكل الأدلة والوثائق المقدمة إليها. ورفضت بعض الاعترافات التي أدلى بها المتهمون نظرًا للوسائل (غير السليمة) التي استخدمت للحصول عليها، كما أنحت باللائمة على الحكومة لانتهاكها حقوق المواطنين. وبعد أن استعرضت المحكمة عريضة الاتهام التي قدمها الادعاء وتاريخ الجماعة، رأي القضاة أن الادعاء قد خلط في مرافعته بين مسألتين:

(1) التدريب على استخدام السلاح وحرب العصابات.

(2) التصرفات الإرهابية لبعض أعضاء الجماعة. ومن الخطأ الناجم عن ذلك- اعتبار القسم المخصوص (الجهاز السري) ككل على أنه جماعة إرهابية. وكان رأي المحكمة أن (القسم المخصوص) بوصفه جهاز تدريب، ينجسم في أدائه لأنشطته مع الجماعة المعلنة حول «تحرير وادي النيل وكل البلدان الإسلامية»، كما لا يدعو أو ينطوي عمله على أية «جريمة»، وليس معنيا بحال إذا ما أنشأ بعض أعضائه فيما بينهم فرقة إجرامية لارتكاب أعمال القتال والتخريب أما عن الكتابات والتعليم حول التنظيم العسكري والأسلحة وحرب العصابات التي قدمها الادعاء بوصفها دليلا على الثورة فلم يكن يستخدم لتدريب إرهاربين، وإنما استخدم- شأنه شأن الخطط الموضوعة لنسف الكباري والمواصلات والنقل- لتخطيط عمليات المقاومة ضد الإنجليز. كذلك أولت المحكمة اهتمامًا بما أدلى به كل من (اللواء) أحمد المواوي بك (واللواء) أحمد فؤاد صادق (وكلاهما كان قائدًا للقوات المصرية في فلسطين) من تقريظ للجماعة على ما أسهم به أعضاؤها في معارك فلسطين، وعزبا ذلك المستوى الرفيع للتدريب الذي تلقوه.

وبعد أن درس القضاة الوثائق المقدمة من الادعاء، ذهبوا إلى أن هذه الوثائق هي أما تم تقديمها خارج سياقها في القضية أو أنها غير ممهرة بتوقيع، أو لا يمكن اقتفاء مصدرها، أو غير متعلقة بالتنظيم على نحو مباشر، ومثل تلك الشواهد لا يمكن اعتبارها دليلا على خطط ونوايا محددة. وفيما يتعلق «بالخطة» الموضوعة للثورة فقد وافق القضاة على رأي الدفاع القائل بأنها مقال طلابي مقدم لمسابقة ولا ضرر منه وتصادف وجود المقال بالمركز العام لأن عضو لجنة تحكيم المسابقة كان يستقبل المقالات هناك وذكرت المحكمة أن الادعاء، تجاهل عن عمد كل المعلومات الأكيدة المتوفرة حول المقال وأنه أساء تأويل مالا حظه في هذا الصدد.

وعلى ذلك، فقد وجدت المحكمة أن تهمة «المؤامرة الإجرامية للإطاحة بنظام الحكم القائم» في ضوء الأدلة والتحقيقات، لا أساس لها من الصحة. على أنها اتجهت فيما يتعلق ببعض المتهمين، إلى أن الأوراق التي عثر عليها في الجيب تشكل دليلًا على ارتباطهم بأحداث العنف التي وقعت في صيف وخريف عام 1948 وبالتالي تدل على وجود «مؤامرة إجرامية للقتل والتخريب» وقبل النطق بالحكم، شرحت المحكمة دواعيها لتخفيفه: فقد أقر القضاة، بأنهم مع إيمانهم بجلال الأهداف التي تسمى الحركة لتحقيقها، يرون أن بعض أعضائها- تحت تأثير الانفعالات الناجمة عن فترة ما بعد الحرب التي استمر خلالها الاحتلال البريطاني لمصر وظلت فيها مشكلة فلسطين قائمة دون حل- قد «فقدوا توازنهم» ورغبة منهم في اختصار الطريق تنكبوا السبيل الذي سلكه زعماء الجماعة لتحقيق أهدافها. من أجل ذلك كله، شعرت المحكمة أنه يجب أن تضع الشفقة في الاعتبار عند توقيع العقاب.

وحكمت المحكمة بسجن خمسة من المتهمين لمدة ثلاث سنوات، وسجن أثنا عشر متهما لمدة عامين، وسجن متهم آخر سنة واحدة. أما المتهمين الستة عشر الباقين فقد صدر الحكم ببراءتهم.

وفي مناسبة لاحقة، صرح رئيس المحكمة أحمد كامل بك بأنه بعد إنهاء قضية الجيب كان قد وقع تحت الإغراء على الانضمام للجماعة.

هوامش الفصل الثالث

1- عيسوي، مصر في منتصف القرن، 1954 ص 262- 236.

2- انظر: كيرك، الشرق الأوسط ص 269- 272.

3- عيسوى، المرجع السابق ص 361.

4- انظر: الشرق الأوسط (1954) ص 189.

5- انظر هيورث دون، مصر الحديثة ص 43 كابلنسكي، الإخوان، ص 380. م. الكسندر «اليسار واليمين في مصر» (القرن العشرين فبراير 1952) ص 121 يصف الصحافة الوفدية بأنها «الأرض المحررة الشيوعيين» وزكي بدوي «المشاكل العمالية وتنظيمات العمال في مصر» (1948) يحلل فيها القوى العاملة في مصر بعد الحرب ويصف الوفد بأنه «الأرض المحررة الشيوعيين» وزكي بدوي «المشاكل العمالية وتنظيمات العمال في مصر» (1948) يحلل فيها القوى العاملة في مصر بعد الحرب ويصف الوفد بأنه «أهم الأحزاب اليارية».

6- السادات (صفحات) ص 52- 54 ص 95- 96، ص 143.

7- انظر زكي بدوي المرجع السالف الذكر ص 158- 159 وكولومب، مصر، ص 249- 251 فيما يتعلق بحلة صدقي المناهضة للشيوعية.

8- انظر آخر ساعة أول ديسمبر 1954 ص 4- 5.

9- السادات، صفحات ص 99- 102 ومعظم ما ورد في هذه القصة أكده يوسف رشاد في مجله الدعوة (15 يونيو 1954 ص 6). وطبقًا لما ذكره السادات، كان برفقة البنا في أحد لقاءاته به، «مستشاره العسكري» محمود لبيب، الذي ظل مع ذلك لا يعلم بأمر الاتصال بالقصر.

10- انظر في آخر ساعة (أول ديسمبر 1954 ص 4- 5) رواية تذهب إلى أن البنا خان حركة الشعب.

11- ليس هناك خلاف حول ما إذا كان البنا قد حضر المأدبة، إلا أن شهادات شفوية ذهبت إلى أنه قد حضرها بالفعل، انظر في ذلك الدعوة (5 يناير 1954 ص 13) التي اتخذت موقفا سلبيًا فيما يتعلق بهذه المسألة.

12- الحسيني، الإخوان ص 98.

13- انظر من أجل جانب من القصة كتاب محمد حسن أحمد الذي يتخذ موقفًا مناهضًا «الإخوان في الميزان» ص 80- 83.

14- انظر حول المذكرات المتبادلة كتاب كولومب، مصر ص 228- 229 ص 243- 246.

15- الاقتباس السالف الذكر تلخيص لوجهه نظر الطلاب. ومن أجل روايتين للإحداث انظر كولومب، ص 229، والرافعي ثورة، ص 18- 181. وكان من الصعب بالنسبة لهؤلاء الذين اتهموا الجماعة خلال تلك الفترة «بخيانة» الحركة الوطنية أن يفسروا مشاركة الإخوان في ذلك الحادث والأحداث الأخرى الدامية لتلك الفترة، انظر على سبيل المثال: حسن أحمد، الإخوان في الميزان ص 83.

16- حول سقوط الوزارة انظر كولومب ص 229- 230 وجريدة الإخوان المسلمين 5 يوليو 1946 ص 4.

17- ومجلة «الإخوان المسلمون» 5 يوليو 1946.

18- الإخوان في الميزان ص 84- 85:

19- والقصة غير المؤكد التالية مصدرها أحد الشخصيات المشاركة فيها فقد قيل أن البنا قد طلب من زملائه في مكتب الإرشاد واجيب طلبه قرارا بتأييد حكومة صدقي الجديدة وفي مناسبة إضراب 21 فبراير، أصدر البنا أمرًا خاصًا إلى أحد أبرز قادة المظاهرات لكي يدعو الإخوان للخروج إلى الشارع، منهكًا بذلك سياسية المكتب. وعندما واجهة مكتب الإرشاد. بواقعه خروج الإضراب على تعليمات المجلس، وافق البنا- دون أن يصرح بدوره فيما حدث- على إجراء تحقيق فيه إلا أنه نجح في تأجيل الموضوع والانتهاء به إلى لا شيء.

20- حول هذه الأحداث انظر: الرافعي ثورة، جـ 3 ص 184- 187 وجريدة الإخوان 5 يوليو 1936 ص 4.

21- الإخوان في الميزان ص 88- 91 الرافعي جـ 3 ص 187 جريدة الإخوان 5 يوليو 1946 ص 4، 3 يوليو 1946 ص 2.

22- انظر: هاندل (الحركة العمالية في مصر).

23- انظر بوهم (الإخوان المسلمون) ص 218- 230 والإخوان في الميزان ص 38- 50 ومن الكتب اليسارية التي ظهرت حديثًا حول مصر كتاب أنور عبد الملك: مصر مجتمع يحكمه العسكريون (1962) وفي حين يهتم الكتاب أساسا بالعهد الحاضر، إلا أنه يتناول المسائل موضوع المناقشة خلال الفترة باختصار انظر ص 32- 34.

24- جريدة الإخوان المسلمون 3، 14، 17 يونيو 1946.

25- جريدة الإخوان 24، 25، 27 يوليو، 6 أكتوبر 1946

26- انظر على سبيل المثال: جريدة الإخوان 8 مايو، 3 يونيو، أول سبتمبر 1946.

27- جريدة الإخوان أول سبتمبر 1946 ص 1، 3 وأيضًا: 14 يونيو، 9، 11 يوليو، 28 سبتمبر 1946.

28- جريدة الإخوان، 7 يوليو 1946. انظر أيضًا جريدة الوفد المصري، 7 يوليو 1946 صوت الأمة 25 أغسطس 1946 وأنصر:

29- انظر: بوهم (الإخوان المسلمون) ص 212- 213، جريدة للوفد المصري، 9 يوليو 1946، صوت الأمة 17 سبتمبر، 19 أكتوبر 1946. ونوه الوفد بموقفه من القوانين التي صدرت في 1933 و 1938 بشأن منع أي حزب سياسي من أن يحوز تحت تصرفه تشكيلاذا طابع عسكري رغم أن شباب الوفد لم يكن منظما في تلك الفترة في تشكيلات تشبه القمصان الزرق» التي شكلها الحزب في فترة سابقة والتي صدرت بسبها القوانين السالفة الذاكر إلا أنه كان يؤدي نفس الوظائف بمهارة معقولة.

30- جريدة الإخوان المسلمين، 3 يونيو 1946ص. والهامش (24).

31- المصدر نفسه 15 أكتوبر 1946ص 2، وصوت الأمة، 11 سبتمبر 1946 ص 2، وانظر أيضًا ص 212.

32- جريدة الإخوان، 8 أكتوبر 1946 ص 1.

33- المصدر نفسه 10 أكتوبر 1946 ص 4.

34- المصدر السابق 16 و 17 أكتوبر 1946.

35- حول الوجهتين من النظر انظر: والرافعي، ثورة 200 جـ 3 ص 195- 213

36- جريدة الإخوان 21 أكتوبر 24 نوفمبر 1946.

37- نفس المصدر 28 نوفمبر 1، 2، 4 ديسمبر 1946 كولومب ص 233- 236، وانظر.

38- جريدة الإخوان 8 مايو 1946.

39- مصطفي مؤمن، صوت مصر ص 1، وهو كتاب يضم مذكراته حول مصر الحديثة وانطباعاته عن الولايات المتحدة جمعها خلال رحلته إليها عام 1947 وعندما أثيرت مشكلة الوفد الرسمي، نشرت إحدى الصحف اليومية القاهرية رسما كاريكاتوريا يصور كل زعماء البلاد وهم سائرون إلى الأمم المتحدة، وكان بينهم حسن البنا، الذي أخذ اتجاها معا كما لأنه رأي، كما شرح الرسم، «أن أعضاء مجلس الأمن مسيحيون جميعًا والإخوان المسلمون لا يحبونهم». (أنظر ساعة 29 يناير 1947 ص 13)، ولم يكن ذلك بمثابة افتراء على الإخوان بقدر ما كان تعبيرًا عن فكرة سائدة في أوساط المثقفين ثقافة غربية من المصريين في نظرتهم لعلاقة مصر بالغرب.

40- مؤمن، صوت مصر ص 1، 4، 295- 325 والصور المرافقة.

41- هكذا بدا الأمر للحكومة الثورية في فترة لاحقة.

42- انظر: في الدعوة 13 فبراير 1951 هي 22.

43- انظر حول الروايتين: الرافعي في أعقاب الثورة المصرية جـ 3، ص 222- 234.

44- انظر حول هذه القصة الروايات الوحيدة المتوافرة وأن كانت جزئية في: كيره، محكمة، جـ 2 ص 31- 35 الجمهورية، 23 سبتمبر 1954 ص 1، 8، 4 والرواية الأخيرة تغفل دور البنا في استبدال اللجنة الأولى باللجنة الثانية. وكلا الروايتين المستندتين لمصادر حكومية تعد متحزية في نظر الإخوان، إلا أنهما لا يختلفان في الواقع بصورة ملحوظة عن الروايات التي صدرت عن الإخوان أنفسهم باستثناء حذف الدفاع المثير الذي قدمه عابدين وأنصاره: أنه بدخوله بيوت الإخوان فأنما ليحقق بنزاهة وشرف مهمته غير الرسمية في ترتيب علاقات زواج داخل مجتمع الإخوان، وأن الغيرة والأحقاد الشخصية هي السبب الحقيقي للخلاف.

45- انظر كتاب الكندر الذي سلف ذكره ص 125 حيث يذكر- كأحد موضوعات الخلاف- قبول البنا لبعض المال من البريطانيين عام 1946 والنزاع أو الخلاف على النحو الذي صورناه لم يعالج في كتابات منشورة على حد علمنا، والرواية السالفة الذكر تستند إلى مصادر شفوية من كلا الجانبين.

46- انظر الملحق (98) في النص الأصلى لهذه الدراسة.

47- حول بعض التلميحات بأن ذلك كان الموقف الحادث، والتي أكدتها بعض المصادر الشفوية، انظر: كيره محكمة جـ 1، ص 33- 24 التابعي وآخرين: هؤلاء هم الإخوان (القاهرة 1954) ص 52- 53 وأيضًا كتاب بينز عن الإخوان ص 9.

48- مذكرات ص 213.

49- عبد الرحمن البنا، ثورة الدم 1951 حيث تجد بعض المقالات حول فلسطين نرت في الأعداد الأولى من صحف الجماعة.

50- انظر الفصل الأول، وأيضًا: مذاكرت ص 222- 227، 241- 242، 262، نظام الأسر نشأتها وأهدافها ص 6، البنا (عبد الباسط)، تاج الإسلام ص 37- 38. ويذهب الشريف في «الإخوان في حرب فلسطين» إلى أن «المتطوعين» أرسلوا لشد أزر الإضراب العربي وفي مجلة المباحث أكد المفتي (أمين الحسيني) صحة هذا الرأي.

51- جريدة الإخوان 11 أغسطس 17، 23 أكتوبر، 15 24 ديسمبر 1946. شريف، الإخوان في حرب فلسطين ص 43- 46. العمال، البنا كما عرفته ص 43 ما مش رقم (1) أقوال وتعذيب ص 20- 21.

52- جريدة الإخوان 21 يونيو 1946 ص 1، وحول أعمال الدعاية في العالم العربي أنظر: الإخوان 21 مايو 1946 ص 3، الدعوة 17 فبراير ص 22.

53- أقوال وتعذيب ص 32. وقد اتهمت الجماعة عام 1954 بسوء استخدام المبالغ التي جمعت من اجل فلسطين انظر الجمهورية 1954 (22 نوفمبر ص 3) على سبيل المثال.

54- الدعوة 13فبراير 1951 ص 22، الجمهورية 12 نوفمبر 1954ص 4.

55- الدعوة 13 فبراير 1951، ص 22، 15 يونيو 1954،ص 6.

56- الشريف، الإخوان في حرب فلسطين ص 62، 101، 103 أقوال تعذيب ص 44- 45. وانظر أيضًا كتاب ص 222- 3.

57- أقوال وتعذيب ص 3- 16، 31، 44، مجلة المباحث، 16 يونيو 1950 ص 8- 59 ص 16.

58- انظر الجمهورية 9 يونيو 1954 ص 4، المصور 14 نوفمبر 1952. ص 12-13، الجيل الجديد، 20 يوليو 1953 ص 4-5 وفي كتاب «صفحات». يقول السادات «شعر الضباط الأحرار بأن من الواجب تدريب الشباب الذين يتطوعون للمعركة، وأن يتطوعوا معهم وأن يقودوهم خلال المعركة ويسجل السادات «في صفحات ....» (ص 177- 182) الاجتماعات في منزل البنا مع الضباط الأحرار بما في ذلك جمال عبد الناصر، من أجل توحيد الجهود.

59- كتاب كامل الشريف الإخوان في حرب فلسطين هو العمل لواحد من الإخوان حول الحرب في فلسطين. أما المعلومات الأخرى فهي أما شحيحة أو مشوشة.

60- أنظر بوجه خاص كتاب الشريف: الإخوان في حرب فلسطين ص 80- 101 وبعد هذه الاشتباكات كات الأولى تقرر استخدام تكتيكات حرب المصابات بدلا من الهجوم المباشر على المواقع الصهيونية. وقد نقلت جثث الشهداء الأثنى عشر الأوائل إلى القاهرة وأقيمت لهم جنازة ضخمة، انظر الدعوة 13 فبراير 1951 ص 22، 31، وانظر البوهي: مع شهداء الإخوان ص 24، 36 حيث تجد فقرات قصيرة تتناول حياة هؤلاء الشهداء وغيرهم من المتطوعين في فلسطين.

61- الإخوان في حرب فلسطين ص 109- 172.

62- نفس المصدر ص 145- 146 ص 160- 166 ص 173- 179 أقوال وتعذيب، ص 38- 48 الدعوة 7 أكتوبر 1952 ص 15. وقد تمت التسوية النهائية لمشكلة حصار الفالوجا مع انتقال المنطقة لتبعية إسرائيل وجلا الكتيبة إلى مصر عملا باتفاقية رودس الموقعة في 24 فبراير 1949، انظر الرافعي ثورة جـ 3 ص 365 وكان عبد الناصر من بين المدافعين عن الفالوجا.

63- الإخوان في حرب فلسطين ص 146- 147 ص 179- 185.

64- أقوال وتعذيب ص 5- 16.

65- أنظر الرافعي، ثورة جـ 3 ص 265- 266 عيسوي، مصر ص 268 ويصف أمين عثمان بأنه «الوسيط الأساسي بين النحاس والبريطانيين خلال فترة الحكومة الوفدية في الفترة 1942- 1944».

66- انظر ثلاثة أسابيع في القاهرة ص 103 (فبراير 1956 وانظر أيضًا السادات صفحات ص 159- 160.

67- انظر هيورث دون ص 39 والهامش 39، وأنظر الرافعي جـ 3، ص 218- 219، 267.

68- كانت القلعة محتلة في 4 يوليو 1946 إلا أن آخر القوات البريطانية غادرت تكنات قصر النيل في 29 مارس 1947، أنظر الرافعي جـ 3 ص 218- 219.

69- المصدر السابق 266 جريدة الإخوان 6 مايو 1946 ص 3 العددين التاليين وأنظر قضية النقراشي ص 110.

70- هيورث دون ص 99 وأنظر جريدة المصري 4 يناير 1949 ص 6 من أجل تكذيب إرتباط الوفد، وانظر إرهاب ص 48- 50 من أجل الاتهام الموجه للإخوان.

71- كولومب مصر إلى أين، وأنظر أيضًا: الشرق المعاصر (1947) ص 212 و(948) ص 224.

72- انظر: ميدل إيست جورنال (أبريل 48) ص 204.

73- المصري 22 يناير 1948، ص 6 حيثيات وحكم، ص 26- 27.

74- الدعوة، 13 فبراير 1951 ص 31.

75- إرهاب ص 49- 50 ويصف هيورث دون (ص 7- 18) الانقلاب بوصفه محاولة تأسيس «حكومة دستورية تعمل وفقًا لأحكام الشرع الإسلامي» وقد قرظ الغزالي في من هنا نعلم ص 106 «الثورة على الكهنوت» في اليمن».

76- انظر هيورث دون ص 17- 18 وانظر هامش (17) من أجل المعلومات المستقاة في أغلبها من المتايمز وانظر: إرهاب ص 42- 51 من أجل تفاصيل المشاركة في الانقلاب فيما يتعلق بالجانب الآخر: المباحث 12 ديسمبر 1950 ص 5، وانظر والدعوة، 13 فبراير 1951 ص 31.

77- انظر ميدل إيست جورنال أبريل ص 183.

78- انظر آخر ساعة 24 نوفمبر 1948 ص 6- 7، المصور 12 فبراير 1954 ومن 3 وانظر.

79- الجمهورية 13 نوفمبر 1954 ص 10.

80- الرافعي (ثورة) جـ 3 ص 266- 267.

81- المصدر السابق 267- 268. وانظر أيضًا كتاب التابعي (هؤلاء...) ص 49- 50 حيث أنهم الإخوان أيضًا بارسال خطابات تهديد لنفس الدار وربما كان ذلك صحيحا.

82- انظر، ميدل أيست جورنال يوليو 1948 ص 321 ويناير 1949 ص 66.

83- مجلة المباحث 23 يناير 1951 ص 2.

84- ميدل أيست جورنال يوليو 1948 ص 321. وحول مناقشات أكثر تفصيلا وتحديدًا للموضوع أنظر: لاندشت: المجتمعات اليهودية في الشرق الأوسط (1950) و.. ال, رسنر (غرباء إلى الأبد) 1951 ص 114. ويعطي لاندشت اهتمامًا أكبر من رسنر بالعلاقة بين التوترات الناجمة عن المسألة الفلسطينية وهذه الانفجار لأعمال العنف المعادية لليهود في مصر.

85- فيما يتعلق بالصور والشخصيات انظر إرهاب ص 61- 92 وانظر أيضًا الرافعي جـ 3، ص 267- 286، ص 267- 368، المصري 20 و 21 و 29 يوليو و 1، 4 أغسطس 1948. وانظر كتاب رسنر السالف الذكر ص 116- 124 ولا ندشت ص 35- 41.

86- حيثيات وحكم، ص 23- 27 إرهاب ص 96.

87- جريدة المصري، 26 يناير 1949 ص 1. وقد حكم على المقبوض عليهم بالسجن عشرين عامًا مع الأشغال الشاقة وحول مزيد من المعلومات فيما يتعلق بقضية سليم زكي أنظر قضية النقراشي، ص 111. ويرجح البعض أن استبعاد هذا الحادث من ملف الاتهامات التي عددها مجلس قيادة الثورة في تاريخ الجماعة السابق كان يرجع لإشتراك أنور السادات فيه.

88- بخصوص التفاصيل المتعلقة بالحادث انظر مجلة المباحث 12 ديسمبر 1950 ص 1، 16.

89- آخر ساعة 15 ديسمبر 1948 ص 5 وانظر الرافعي (جـ 3 ص 269- 270) من أجل دعوى تعارض منطقية أو شرعية قرار الحل، وهي دعوى الجماعة في تقديمها في وقت لاحق في المحاكم.

90- انظر «إرهاب» ص 99- 102 من أجل نسخة من قرار الحل، وانظر الدعوة (16 أبريل 1952) من أجل بعض التفاصيل القانونية. وهناك رواية حول ما جري خلف كواليس قرار الحل مصدرها مصدر مطلع تقول أن المهاجرين من أوربا الشرقية الذين عملوا في البداية في خدمة المخابرات الإنجليزية ثم بعد ذلك في خدمة مخابرات (القصر) المصرية ولعبوا دورًا هامًا في نشر فكرة أن الإخوان كانوا في الحقيقة أدوات في يد الشيوعية العالمية وأن من الواجب كبح جماحهم. وكان يوسف رشاد من بين هؤلاء الذين قاوموا الفكرة وحاربوها من رجال الحاشية الملكية، إلا أن الملك كان قد اقتنع بها في أكتوبر، وأخذ منذ ذلك الوقت بدفع النقراشي لإصدار القرار ومن المؤكد أن الفقرات الثلاث الأخيرة من قرار الاتهام- في ضوء الأنشطة والأعمال المعروفة عن الإخوان- كانت تفتقر إلى مسوغات معقولة.

91- حسن البنا، القول الفصل (1950) ص 37- 38.

92- انظر الرافعي جـ 3 ص 271- 272 ارهاب ص 102- 108 روز اليوسف، 5 يناير 1949 ص 8- 9 آخر ساعة 29 ديسمبر 1948 ص 3-4.

93- المباحث 23 يناير 1951، ص 2.

94- الحجاجي، الإمام، جـ 1، ص 116- 117.

95- المصدر السابق، جـ 1، ص 37 العمال، البنا كما عرفته، ص 82.

96- القول والفصل ص 39- 40، حيث يتحدث البنا عن الموقف. والتصور المذكور هو تفسيري الخاص الموقف القائم.

97- الجمهورية 16 يونيو 1954 ص 10، الحسيني، الإخوان ص 36.

98- إرهاب ص 109- 111 المصري، 15 يناير 1949 ص الجمهورية 28 مايو 1954 ص 8.

99- روز اليوسف 13 فبراير 1949 ص 11، المصري 4 يناير 1949 ص 5 وذهت قصة راجت في تلك الفترة إلى أن أعضاء الجماعة أخذ بهم الغضب من البنا حتى أن خطابا وصله من السجن يقولون فيه. نحن نعتقد أن البيان هو مناورة من الحكومة، على أنه إذا كان صادرًا منك حقيقة فسوف نطلب منك تفسيرًا لذلك عند خروجنا. وكانت الإشاعة حول هذه الرسالة هي أساس الرأي الذي ذهب إليه البعض بعد ذلك والقائل بأن البنا اغتاله رجاله أنفسهم. أنظر فيما يلي هامش رقم 103.

100- المصري 22 يناير 1949 ص 1، آخر لحظة 19 يناير 1949 ص 3.

101- القرآن (5: 33) وحول مسألة التعذيب أنظر الغزالي، من هنا نعلم، ص 38 وزكي، والإخوان ص 27 أقوال وتعذيب ص 53- 79 حيثيات وحكم، ص 38- 42 ص 79- 85، البوهي، الإخوان أيام المحنة مواضع متفرقة، والدعوة 6 فبراير 1953 ص 16 ومن الواضح أن التعذيب هو وسيلة يشيع استخدامها من قبل البوليس المصري بغض النظر عن طبيعة النظام القائم، وليس هناك ما يمنع من تصديق ما قيل حول التعذيب في تلك الفترة رغم أن بعض الشبهات قد تثور فيما يتعلق ببعض التفاصيل الرهيبة. انظر فتحي عبد الحميد، قضية الشهيد حسن البنا، ص 90- 92 من أجل ملخص لنتائج التحقيق القضائي في محكمة الثورة في وقت لاحق عام 1953 ضد إبراهيم عبد الهادي فيما يتعلق بهذا الموضوع.

102- هذه الكراسة، القول الفصل، سبق الإشارة إليها (أنظر هامش 96) وقد ظهرت منها عدة نسخ عام 1950 ألا أنها ظهرت قبل ذلك لأول مرة في جريدة المصري عام 1949 وتلك حقيقة توحي بمناورة وفديه في وقت اقتربت فيه الانتخابات لإضعاف مركز السعديين ولكسب تأييد الإخوان. كما نشرت مرة أخرى في مجلة المباحث (12، 19 ديسمبر 1950). ونشرت أجزاء منها في كتاب الحجاجي الإمام جـ 1، 9، 62.

103- نتميز المادة التي تغطي الحادث والتحقيقات والمحاكمات التي تلته بالغزارة، ألا أنها لا تصل إلى مستوى الصياغة الدقيقة للحدث والنشاط القانوني المتعلق بالجريمة، ولقد تعرضت كل كتب الإخوان منذ 1950 لحادث اغتيال البنا بالتفصيل شهيد الإسلام ص 13- 29، الحجاجي الإمام جـ 1، ص 30- 78، المسأل النبا كما عرفته ص 75- 93 وقد جمع المحامون التحقيقات التي أجرتها الحكومات المختلفة حول الحادث وقدموه لأسرة البنا تحت اسم: محاضر التحقيق ومذكرات النيابة في قضية اغتيال الإمام الشهيد حسن البنا، (ثلاثة أجزاء 1954). وقد تم طبع هذه المجلدات الثلاثة قبل فترة قصيرة من صدور قرار حل الجماعة عام 1954. وليس معلوما على نحو محدد مصير نسخ الكتاب. وكما سلف لنا القول، فقد بدأت أول تحقيقات وأول محاكمة جادة بعد ثورة 1952. وكان قد تقرر عقد جلسات المحكمة في يونيو 1953، ثم أجل الموعد حتى سبتمبر، وقطع سير الجلسات مرة أخرى في ديسمبر، عندما دفع موكلو المدعي والد البنا ببطلان تشكيل المحكمة. واستؤنفت الجلسات ثانية تنتهي بصدور الحكم في 2 أغسطس 1959. ومن أجل تغطية صحيفة كاملة لسير المحاكمة أنظر الجمهورية منذ عددها الأول في 7 ديسمبر 1953 حتى 2 أغسطس 1954، ومن أجل موجز لما جري في المحاكمة وحول الاحصائيات الخاصة بها أنظر مجلة الإخوان المسلمين أغسطس 1954 ص 9. أما التفسير الذي أشرنا إليه فيما سبق (انظر هامش 99) والقائل بأن البنا قتله أتباعه، فقد روجته الصحيفة السعدية أخبار اليوم، أنظر الإخوان المسلمين ص 215 وانظر الجمهورية 30 مايو 1954، ص 3.

104- المباحث 23 يناير 1951 ص 5 وانظر كلمات مكرم عبيد في الدعوة، 12 فبراير 52 ص 6.

105- أنظر: مجلة الشرق المعاصر العدد 17 سنة 1949.

106- آخر ساعة (آخر لحظة) 9 مارس 1949 ص 1.

107- إرهاب ص 113- 120 آخر ساعة (آخر لحظة) 6 أبريل 1949 ص 1.

108- أنظر (كيره محكمة جـ 1، ص 38. وقد هرب بعض الإخوان إلى قورينه، وحصلوا هناك على اللجوء السياسي). 109- «قضية النقراشي» هي الوثيقة الرسمية الصادرة عن المحكمة بخصوص القضية وكانت محفوظة أثناء قيامنا بالدراسة في مبني مجلس الدولة بالقاهرة. وهذا الملخص يعتمد على تلك الوثيقة، وخاصة الصفحات 2، 19- 22، 49، 65- 89، 114- 124.

110- أنظر: مجلة ميدل إيست (أبريل 1949). وويرنر كاسل في كتابه «الأحلاف الغربية والحضارة الإسلامية» يذهب إلى أن جريمة القتل قام بها- على نحو مؤكد- «عضو من أعضاء الجماعة» وأن لم يكن ذلك قد تم، بعلم من البنا، الذي كان من الذكاء بحيث كان في مقدوره تقدير ما ستيرتب عليها من نتائج «أنظر التابعي وهؤلاء.. ص 52- 53.

111- قضية النقراشي ص 19- 22، 57، 112.

112- انظر الصور 12 نوفمبر 1951، ص 13.

113- حالت الظروف دون أن يري كاتب الدراسة حيثيات المحكمة في «قضية الجيب» لأكثر من ساعات قليلة، وتجد ملخصًا بنقاطها ووقائعها الهامة في «كتاب السيارة الجيب- الحيثيات «نص الحكم ص 13- 17، ومن أجل معلومات أكثر أنظر المباحث 26 ديسمبر 1950 ص 8- 9 الدعوة، 30 مارس 1951، ص 4، 5.

114- حيثيات وحكم ص 18- 19.

115- المصدر نفسه ص 34- 36، 46- 60.

116- قضية الجيب جـ 1، ص 97، 98.

117- نفس المصدر ص 99- 100 حيثيات وحكم ص 32- 33، 55- 56.

118- معظم هذا الجزء من مرافعة الدفاع نشرته تحقيقات الصحف عن المحاكمة، أنظر المباحث 23 يناير 1951 ص 1- 9، الدعوة فبراير 1951، ص 12- 13، 20 فبراير 1951 ص 12- 13، 27 فبراير 1951 ص 12- 13.

119- القصة كما قدمت تسير على النحو التالي: في العاشر من نوفمبر 1948 التي ممثلو كل من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة في بلدة فايد التي تقع على شاطئ البحيرات المرة بمنطقة القناة، واتفقوا جميعًا على المطالبة بحل جماعة الإخوان المسلمين من خلال السفارة البريطانية. ولقد قيل أن الدافع لعقد هذا الاجتماع مذكرة قدمها بعض الأجانب المقيمين بمصر ومعظمهم من اليونانيين للسفير البريطاني، يؤكدون فيها أنه لم يعد في مقدورهم أن «يشعروا بالأمان على أرواحهم في مصر» وقد أسفر الاجتماع عن سلسلة من المفاوضات بين الحكومة البريطانية والحكومة المصرية أدت في النهاية إلى صدور قرار الحل. ومن أجل معلومات تفصيلية حول الوثائق المقدمة للمحكمة، أنظر المباحث (12 ديسمبر 1950 ص 5)، ومن أجل نسخة الإنجليزية لنفس الوثائق أنظر الدعوة (31 يناير 1951، ص 1) وحول الدفاع عن صحة الوثائق انظر الدعوة (12 يونيو 1951، ص 8- 9). ويذهب البنا في «القول الفصل» ص 26، إلى أنه علم من وكيل وزارة الداخلية بأمر التدخل الثلاثي، أنظر أيضًا الحجاحي، الإمام ج ص 11- 119. ويورد رسنر في كتابة المذكور آنفا (ص 120) أن الحكومات الثلاث، احتجت في نوفمبر 1948 مهددة بإرجاع الاحتلال البريطاني للبلاد، إذا لم يستتب الأمن ثانية في البلاد.

120- حيثيات وحكم، ص 34/ 42- 89/ 85.

121- المصدر السابق ص 46- 75 ص 81. وكان عنوان المقال «النظام الإسلامي في العصر الحاضر». وقد قدمها الادعاء كدليل على خطة لإقامة اشتراكية دكتاتورية ووصفت المحكمة محتويات المقال على أنها صورة «للجمهورية الإسلامية» التي ستقوم على أساس من «الديمقراطية البرلمانية» من ممثلين منتخبين ورئيس يستمر حكمه طوال حياته. وحيث تقوم سلطة قضائية مستقلة عن السلطة التنفيذية وتصبح مسئولة عن كفالة حقوق المواطنين. أما مهمة الدولة الأساسية فهي حماية مواطنيها من الفقر والمرض والجهل. وقد ناقشت ملحقات للمقال مشكلات الإصلاح لزراعي وإنشاء الطرق.

122- المرجع السابق ص 74- 78 ص 85 وحول الأفراد الذين حوكموا انظر الدعوة جـ 3، ص 264، وانظر هيورث دون (ص 74- 77) فيما يتعلق بالرأي القائل بأن الجماعة كانت تخطط لانقلاب، ألا أن البنا انكشف أمر «وانظر أيضًا فيما يتعلق بآراء مشابهة لهذا الرأي عيسوى ص 68، كولومب ص 268- 269 ص 214- 215 ويري أن التنظيم «استغل استرخاء الضوابط الأمنية المعتادة» لكي يبدأ التعبئة والتخطيط للإطاحة الكاملة بالنظام «ونحن نعتقد أن هذا الرأي هو تبسيط زائد للاحداث، كما يتضح من هذا النص. وكما سوف نري في هذا الدراسة، فقد اتخذ مجلس قيادة الثورة عام 1954- والذي يحتمل أن يكون أعضاؤه قد استحسنوا أعمال العنف التي وقعت عام 1948- موقفًا آخر انظر كيرة، محكمة ج 1، ص 34.

123- الجمهورية 17 يونيو 1954 ص 3.

الفصل الرابع : إعادة تشكيل الجماعة (الطور الثاني)

العودة إلى الشرعية

في السادس والعشرين من يوليو 1949 خلفت وزارة حسين سرى باشا وزارة إبراهيم عبد الهادي، حيث شارك فيها الوفد حتى نوفمبر. وعندما تشكلت الوزارة الجديدة ثم حل البرلمان، وبدأ «حسين سرى» الإعداد لانتخابات جديدة. وفي الثالث من يناير 1950 فاز الوفد في أغلبية الدوائر وشكل الحكومة الجديدة في 12 يناير، وسلم القصر بالأمر الواقع.

وصاحبت عودة الوفد للحكم تذبذب البندول في صالح الجماعة المطرودة من حقل الشرعية، رغم أن الإفراج عن المعتقلين كان قد بدأ بعد تولي حسين سرى للوزارة في يوليو 1949. وعاد المحتجزون في منطقة فلسطين على دفعات صغيرة، ليتعرضوا لاستجوابات (من قبل الحكومة) وللاحتجاز لفترة قصيرة، ثم أطلق سراحهم بعد ذلك. وقد بدأ التنظيم في التجمع مرة أخرى- رغم أنه ظل عمليًا خارج حقل الشرعية- تحت قيادة الوكيل السابق للجماعة، صالح عشماوي، وكانت عودة الحيوية إلى التنظيم بهذه السرعة راجعة بصفة أساسية إلى استمراره في العمل داخل السجون، إذا كان من السهل على الإخوان، وقد تركزوا في تجمعات كبيرة (في السجون)، أن يعيدوا تشكيل أنماط وعلاقات العمل التنظيمي السابقة، كما أن الذين هربوا خارج البلاد استمروا في نشر الدعوة، وخاصة في سوريا والأردن وباكستان. وكانت رسائلهم حول تعاطف الأوساط الإسلامية في الخارج وحماسها للجماعة وهي تمر «بالمحنة» وعن الأرض الجديدة التي تكسبها الفكرة، تذكي الإحساس بحياة جديدة للجماعة وباستمرار دائم للدعوة. وكانت مهمة الأعضاء غير المعتقلين- الذين لم يعتقلوا أو كانوا في السجن ثم أطلق سراحهم- هي، وعلى حد قول أحدهم، أن «يدفعوا الدولة إلى الاعتراف بسكان الكهوف الذين يتواجدون خارج نطاق القوانين والدستور» ولقد فعلوا ذلك من خلال التلمس ال...... لتأييد الوفد.

ومن ترك عبد الهادي الوزارة في منتصف عام 1949، تعهدت الجريدة الوفدية «المصري» قضية الإخوان المسلمين بالإشارات المتحمسة والمستمرة إلى اغتيال البنا والتحقيقات نصف الجادة التي أعقبته، وبالنشر المتواصل كلما أمكن لأية معلومات جديد تظهر، بهدف مزدوج هو إحراج السعديين من ناحية وكسب تأييد الإخوان من ناحية أخرى، خاصة وقد اقترب موعد الانتخابات الجديدة، وبطبيعة الحال كان الوفد بتحديه للسعديين، يتحدى القصر في الوقت ذاته، وفي تركيزه الهجوم على جريمة القتل الموعز بها رسميا والتي راح ضحيتها زعيم الإخوان، لم يكن الوفد يركز على تحسين صورته في أعين الإخوان فحسب، بل كان يؤكد لنفسه أيضًا أن اتصال القصر في فترة ما بعد الحرب الجماعة لمناهضته لن تتكرر مرة ثانية. كما أن المفاوضات التي جرت بين الوفد والجماعة- وتولاها فؤاد سراج الدين زعيم الجناح اليميني في الحزب- قد أوضحت أن التصور التقليدي للجماعة بوصفها متراسا في مواجهة اليسار (كان ما زال قائمًا). وكان مواضحًا أيضًا أن فؤاد سراج الذين كان يسعي لتقوية جناحه ضد الجناح اليساري داخل الحزب نفسه.

أما بالنسبة للإخوان، فقد طغي الدافع المتعلق بالعودة إلى الشرعية على كل اعتبار آخر. وقد تم- إلى حد ما- تخطي العقبة الأيدلوجية الخاصة «بالحصول على تأييد حزب سياسي» يكون حزب الوفد- إذا ما قورن بالسعديين- بمثل «حزب الأغلبية»وقد وضع ذلك من سؤال لمراسل وكالة الاسوشيتديرس حول تأييد الوفد وجهه، إلى «صالح عشماوي» المتحدث باسم الجماعة فرد بقوله: «أن الوفد هو الحزب الشعبي لمصر وأعضاؤه ينتمون لنفس الطبقات التي ينتمي إليها أنصار جماعة الإخوان، أي الطبقات الشعبية. وعلى ذلك، فليس هناك أي تنافس بين الجماعة والوفد». لقد اقتضت المصلحة والحاجة المتبادلة، في ذلك الوقت، طمس العداوة الكامنة بين الحزبين. إلا أن الود لم يستمر طويلا.

وفي المفاوضات التي جرت بين الحزب والجماعة كما ممثل الإخوان هو مصطفي مؤمن. وكان سراج الدين، وزير الداخلية وممثل الوفد يمسك في يده بالأوراق الرابحة. لذلك فقد وضع شروطًا ثلاثة لإعادة الجماعة للحياة الشرعية:

1- لا يتم استئناف النشاط الرسمي للجماعة إلا بعد رفع الأحكام العرفية.

2- يمكن استئناف النشاط بصورة غير رسمية ولكن تحت اسم جديد.

3- لا يستخدم الاسم القديم إلا بعد رفع الأحكام العرفية وعودة الجماعة نهائيا إلى الشرعية. وقد اضطر مؤمن تحت إلحاح الرغبة لإعادة نشاط الجماعة بأي شروط إلى قبول العرض الوفدي وقد ذهب في ذلك إلى حد اقتراح اسم جديد للجماعة هو «النهضة الإسلامية» على أن بقية زعماء الجماعة، وعشماوي يوجه خاص، رفضوا كلا الاقتراحين: تغيير اسم الجماعة، وتأجيل نشاطها الشرعي. وقبل أن تظهر نتائج الانتخابات، كانت الجماعة قد اتهمت الوفد بالغدر والخديعة.

وفي موازاة الخلاف مع الوفد، كان هناك خلاف آخر داخل التنظيم، أدي إلى فصل مصطفي مؤمن فبعد أن رفض عشماوي شروط الوفد، أصر مؤمن على إطراء الترتيبات المقترحة بوصفها الممكن الوحيد حاليًا وقد جلب بذلك على نفسه تهمة بيع نفسه للوفد وقد انهز عشماوي هذه الفرصة وتلك المجموعة من المقالات التي كتبها مؤمن للصحافة الوفدية عن «الإصلاح» الإسلامي، ليبدأ حملة ضده، ركز فيها على تطلعه المزعامة وعلى اتفاقه مع الوفد وعلى «عدم تقواه» وأصدر عشماوي أوامر للشعب التابعة للجماعة بعدم دعوة مؤمن للخطابة، وقرب انتهاء 1950 دعا (عشماوي) إلى عقد جلسة خاصة لمكتب الإرشاد نجح فيها في استدصار قرار بطرد (مؤمن) على أساس أنه «إنحرف عن مبادئ الإخوان». ولم يكن العداء الذي بدأ يظهر بين عشماوي ومؤمن عندما كان الإخوان في السجون- والذي دعا فيه مؤمن إلى المطالبة بصبغ الجماعة بالصبغة الديمقراطية- والذي دعا فيه مؤمن إلى المطالبة يصبغ الجماعة بالصبغة الديمقراطية- سوى بداية للأحداث التي أثارتها مشكلة اختيار من يخلف البنا.

وقد هيأت المشادة مع مؤمن الركيزة الملائمة والتي استطاع (عشماوي) من خلالها إذ كان جذوة الخلاف مع الوفد، وفي صحيفة «مجلة المباحث» استغل عشماوي كل فرصة خلال عام 1950 لتذكير «حكومة الشعب» بوعدها- الذي نكثت به- لإخراج الجماع من ورطتها الشرعية، وللهجوم أيضًا على التحرش الموعز به رسميا ضد نشاطها الذي بلغ أوجه سريعا. وأزادت الحكومة غضب الإخوان احتداما باستمرارها في الإشارة إليها بعبارة «الجماعة المنحلة» وبتقديمها للبرلمان القانون رقم 50 لعام 1950 الذي يعلن رفع الأحكام العرفية وكل القرارات المرتبطة به، باستثناء ما تعلق منها الإخوان المسلمين.

ونحو نهاية العام أعلن وزير الداخلية أن الحكومة تفكر في استبدال قرار الحل «بقانون جديد للجمعيات» والذي ينبغي بموجبه تسجيل معلومات تفصيلية عن كل عضو مرفقا بها صورة فوتوغرافية، لدي السلطات المختصة. وبما أن الإخوان المسلمين هم المجموعة الوحيدة المعنية بهذا الأمر، فقد نظروا إلى القانون على أنه موجه ضدهم بالذات. وكان القانون غير ذي قائدة في نظر الإخوان كما كان مقيدا لحركة الجماعة، وفضلا عن ذلك كان قانونا اضطهاديا يحل محل مرسوم عسكري اضطهادي، ويتيح في الواقع تصديقًا برلمانيا على القرار العسكري «غير القانوني» الصادر يحل الجماعة.

على أن الحكومة كانت مصرة على تمرير القانون. وقدمته بالفعل يوم 16 أبريل إلى البرلمان. وفي 18 أبريل، وخلال مناقشة القانون، أمر عشماوي الأعضاء بالخروج في مظاهرة ضخمة أمام مبني البرلمان. ويمد خطب وأحاديث تدين القانون، قدمت مذكرة احتجاج رسمية للحكومة ثم فرق قادة المظاهرات جموع المتظاهرين وخلال أيام قليلة ثم التصديق على القانون وأعلنت الجماعة على رؤوس الأشهاد أنها لن تسجل.

وفي أول مايو كان قد تم رفع الأحكام العرفية. والتقي مكتب الإرشاد في الحال وصرح بأن جماعة الإخوان المسلمين تنعم الآن بالتواجد الشرعي. في الحال وصرح بأن جماعة الإخوان المسلمين تنعم الآن بالتواجد الشرعي. وارتفعت راية الجماعة في جميع أنحاء البلاد، وبادرت قوات الأمن الحكومية إلى العمل على الفور، فمزقت الرايات وأنزلتها هي وكل (الشارات) الأخرى المرتبطة بالجماعة، واحتلت المركز العام وأصر الإخوان على مواقفهم، فاجتمعت الهيئة التأسيسة في 17 مايو لأول مرة منذ حل الجماعة في مركز عام مؤقت، وفي 20 مايو عقدوا اجتماعهم الجماهيري الأول منذ قرار الحل، بعد أن أخطروا به الحكومة.

ولقد أصبح الخلاف علنيا بي الحكومة والجماعة بسبب ما أعلنه وزير الداخلية عن عزمه شراء (مبني) المركز العام للجماعة لتحويله إلى نقطة بوليس. وللحيلولة دون ذلك، فضلا عن توضيح الموقف القانوني الذي فرضه القرار الأصلي الصادر بحل الجماعة عام 1948 والإجراءات التي طبقت في ظل القانون الملغي للأحكام العرفية في عام 1950، رفعت الجماعة دعوى أمام مجلس الدولة ضد رئيس الوزراء ووزيري الداخلية والمالية.

وكانت هناك دعوى معلقة- أمام مجلس الدولة منذ نوفمبر 1948 قدمها البنا نفسه والسكرتير العام للجماعة عبد الحكيم عابدين ضد الحكومة بالتظلم من قرار إغلاف فرعين للجماعة في بورسعيد والإسماعيلية في ذلك الشهر. وقد استؤنف نظر الدعوى التي سقطت بموت البنا بعد التماس جديد قدمه عابدين عن الجماعة عام 1951 ونظرت الدعوى برئاسة القاضي «سامي مازن بك» في 15 أغسطس 1951( ). ورغم أن سير الدعوى كان متعلقًا أساسا بالوضع القانوني للجماعة، إلا أنه دخل في مناقشات ومداولات حول المبررات القانونية لقرار الحل والإجراءات التي تلته, وقد صدر قرار مجلس الدولة في النهاية مؤيدًا الحجج التي ساقها الجماعة، ودفع القرار ببطلان أمر بيع المركز العام، كما أوصي بإعادة ممتلكات الجماعة وأرصدتها المالية. وكان من نيتجة صدور هذا الحكم من على وجهه قضائية في مصر، أن اعتبر بمثابة تصديق قانوني على الوجود الشرعي للجماعة. وفي 17 ديسمبر أفرجت الحكومة عن ممتلكات الجماعة المصادرة بما ذلك الصحف والمنشآت جميعًا.


زعيم جديد

وفي غضون تلك الفترة، كان الموضوع الأكثر إلحاحا هو: من يخلف حسن البنا؟ فبعد وفاته كان طبيعيًا أن تنتقل السلة إلى صالح عشماوي نائب البنا منذ 1947 وكان من المسلم به بين الجمهرة والواسعة من الأعضاء عشماوي سيعين رسميًا «خليفة» البنا- على أساس قيادته النشطة للجماعة خلال أيام الأزمة في ظل حكم السعديين والوفديين فضلا عن ارتباطه القديم والمخلص بالتنظيم وبالبنا وما أداه لهما من خدمات.

ولقد ثبت أن سير الأحداث كان على خلاف ذلك، مما كان له نتائجه الخطيرة بالنسبة للجماعة خلال فترة سنين قليلة تالية.

وكان من الواض