الإسلاميون والديمقراطية فى مصر

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإسلاميون والديمقراطية في مصر
عصف ورميم
غلاف الكتاب

د. عبد الله إبراهيم الدلال

مكتبة مدبولى

محتويات

استهلال

الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه.

الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات .

والصلاة والسلام على نبنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه واستن بسنته البينات.

أما بعد ..

فهذه دراسة عمليو واقعية لإسقاطات مشاركة الإسلاميين في بعض الأنظمة الديمقراطية وأثر ذلك على حركة الحياة السياسية التي يسعى الإسلاميون أن يكون لهم دور في تحديد اتجاهاتها وتوجيه مساراتها.

إن هذا الكتاب عبارة عن سبر أغوار تجربة مهمة من تجارب الإسلاميين في المجال الديمقراطي ، وهى التجربة المصرية.

وكان لابد من اختيار نماذج عملية واقعية لأسباب كثيرة ، كمها:

1- ليكون كلامنا عن واقع حي ومعيش، وليس عن مجرد تصور وتخيل ، وحتى أيضا لا نلج مدرسة " الأرأيتيين".
2- للتدليل على أن مسلك الإسلاميين في هذا السبيل هو مسلك منهج وليس مسلك ضرورة .
3- ولإيضاح أن التنازلات الخطيرة والكبيرة التي يقدمها الإسلاميون هى من طبيعة هذا الطريق الديمقراطي.
4- ولبيان أن الطريق الديمقراطي لا يحقق للإسلاميين ما يصبون إليه من أهدافهم، كتطبيق الشريعة الإسلامية ، وغيرها من ألهداف المعلنة.
5- ولتعضيد وتثبيت ما هو معلوم من أن منهاج الأنبياء في التغيير وأساليبهم المتبعة في الدعوة ( كخطوط عريضة) هو المنهاج الصحيح الذي ينبغي أن يتبع ويجب أن يقتفى.
6- ولتأكيد أن المستفيد الحقيقي من سلوك الإسلاميين السبيل الديمقراطي إنما هم أعداء الأمة، سواء من اليهود والنصارى، أو من أذنابهم من الحكام العملاء، أو الأحزاب العلمانية، أو الشخصيات المستغربة والمستشرقة.
7- ثم ليستفيد الإسلاميون من تجارب من سبقهم من الإسلاميين المجلسين فلا يعيدوا الخطأ نفسه، فيقع المتأخرون في نفس الحفرة الديمقراطية التي ابتلعت المتقدمين.

8- ولتتضح الصورة بخصوص حجم الإمكانات المادية والمعنوية التي تبذل في الإطار الديمقراطي دون فائدة تذكر، على حساب العمل الدعوى السليم الذي تجهض إمكاناته المتنوعة في خضم الزخم الديمقراطي.

9- ولبيان حجم الخسائر الفادحة التي تتكبدها الدعوة الإسلامية على مستوى المنهاج أو على مستوى السلوك أو على مستوى الجهد، بسبب الانصراف الإسلامى نحو الديمقراطية.

10- ولكشف اللثام عن السبل الشيطانية التي يمارسها الملأ من خلال اللعبة الديمقراطية في إجهاض أي توجه إسلامي حقيقي يريد أن يعلى راية لا إله إلا الله في الأرض.

فتلك هى عشرة أسباب ، وهناك أسباب غيرها، جعلت إبراز بعض تجارب الإسلاميين في المجالس النيابية من الأمور المهمة التي ينبغي بسطها بين أيدي الدعاة، بغية الدراسة العميقة، واستفراغ العبر منها، واستنباط الدروس والعظات.

إن اختياري للتجربتين المصرية والسورية لا يعنى بأي حال من الأحوال الغض من أهمية دراسة تجارب الإسلاميين الأخرى، كالتجربة الجزائرية والتجربة التركية والتجربة الباكستانية والتجربة الأردن ية والتجربة السودانية وغيرها من التجارب.

إن هذه الدراسة تنفرد بذكر تجربة الإسلاميين الماركين في ديمقراطية مصر. اللهم تقبل منا صالح أعمالنا وألحقنا بعبادك المتقين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

مقدمة

تعتبر التجربة المصرية من أثرى التجارب الديمقراطية التي كان للإسلاميين فيها دور ومشاركة، ولذلك فقد حظيت باهتمامات المتابعين، خاصة أنها اتسمت بتقدمها الزمانى بالنسبة لغيرها من تجارب الإسلاميين الديمقراطية ، كما أنها اتسمت باستمراريتها أيضا.

وإنني في هذه المقدمة لا أريد استعجال القارئ بالحديث عن تجربة مشاركة الإسلاميين في المجالس النيابية المصرية، بل سأرخى له عنان مثابرته ليخوض بها غمار صفحات هذا الكتاب ، حتى يبلغ نهايته، ولكنى، في هذه المقدمة، سأشير إلى خطة البحث ليكون القارئ الكريم على بينة ما هو مقدم عليه.

لقد جعلت هذا الكتاب في ثلاثة مباحث رئيسة ، وهى:

- المبحث الأول:، مرحلة الأستاذ حسن البنا – رحمه الله-.
- المبحث الثاني: مرحلة الأستاذ حسن الهضيبي –رحمه لله-.
- المبحث الثالث، مرحلة ما بعد حكم عبد الناصر.

ثم جعلت له ( خاتمة) قصيرة تشير على فحوى ما انتهى إليه البحث.

أما مرحلة حسن البنا، فقد جعلتها في تسعة فصول.

وأما مرحلة حسن الهضيبي فقد جعلتها في فصلين فيهما محطات ووقفات.

وأما مرحلة ما بعد حكم عبد الناصر فقد جعلتها في ثمانية فصول، تخللتها مطالب، ووقفات عديدة ( راجع عناوين الفصول والمحطات والمطالب والوقفات في فهرس الكتاب).

وإنني أسأل الله تعالى أن ينفع المسلمين جميعا بما ذكرته في هذا الكتاب من الحق ، وأن يرشدنا جميعا للصواب، وأن يستعملنا في طاعته وحسن عبادته ، والذب عن دينه والجهاد في سبيله ، إنه ولى ذلك والقادر عليه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه الفقير لرحمة ربه
الدكتور: عبد الله سامي إبراهيم الدلال

المبحث الأول: مرحلة الأستاذ حسن البنا رحمه الله تعالى

ويتضمن الفصول التالية:

- الفصل الأول: الإخوان المسلمون والحكم.
- الفصل الثاني: موقف الأستاذ البنا من الدستور المصري.
- الفصل الثالث: موقف الأستاذ البنا من ملوك مصر إبان عهده.
- الفصل الرابع: موقف الأستاذ البنا من الحكومات المصرية.
- الفصل الخامس: الإمام البنا والتمثيل النيابي.
- الفصل السادس: تحفظات البنا على التطبيق العملي للمجالس النيابية.
-الفصل السابع: البنا يرشح نفسه للانتخابات النيابية.
- الفصل الثامن: التمثيل النيابي عند البنا منهج أم ضرورة.
- الفصل التاسع: هل طرح البنا بديلا للمجالس النيابية؟

الفصل الأول : الإخوان المسلمون والحكم

بين الحكم والزهد

هل يزهد الإخوان المسلمون في الحكم؟
وإذا كانوا يزهدون فيه، فمتى يزهدون؟

ابتداء أقول: ليس صحيحا ، في منهج الإخوان المسلمين الأساس ، أنهم يزهدون في الحكم، ويكتفون بالتوجيه من بعيد.

هم يزهدون فيه فقط إذا كان القائمون على الأمر يطبقون منهاج الله تعالى في جميع نواحي الحياة.

يقول الأستاذ البنا – رحمه الله- : " فالإخوان المسلمون لا يطلبون الحكم لأنفسهم، فإن وجدوا من الأمة من يستعد لحمل هذا العبء وأداء هذه الأمانة والحكم بمنهاج إسلامي قرآني فهم جنوده وأنصاره، وأعوانه، وإن لم يجدوا فالحكم من منهاجهم ، وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله".ا هـ.

واقع الحكومات

ثم يقرر البنا – رحمه الله- أن واقع الحكومات القائمة ليس على الشرط الذي ذكره ، فهم لا يطبقون شرع الله ، ولا ينصرون دينه.

يقول الأستاذ البنا – رحمه الله- :" وكلمة لابد أن نقولها في هذا الموقف ، هى أن الإخوان المسلمين لم يروا حكومة من الحكومات التي عاصروها ، لا الحكومة القائمة ولا الحكومة السابقة ولا غيرها من الحكومات الحزبية، من ينهض بهذا العبء أو من يبدى الاستعداد الصحيح لمناصرة الفكرة الإسلامية فلتعلم الأمة ذلك ولتطالب حكامها بحقوقها الإسلامية وليعمل الإخوان المسلمون". ا.هـ

الحكم بما أنزل الله أصل عقدي

لماذا يطالب الإخوان المسلمون بالحكم بما أنزل الله تعالى؟

يجيب الأستاذ البنا على ذلك فيقول:" والحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول لا من الفقهيات والفروع.

فالإسلام حكم وتنفيذ، كما هو تشريع وتعليم، كما هو قانون وقضاء، لا ينفك واحد منها عن الآخر، والمصلح الإسلامي إن رضي لنفسه أن يكون فقيها مرشدا يقرر الأحكام ويرتل التعاليم ويسرد الفروع والأصول، وترك أهل التنفيذ يشرعون للأمة ما لم يأذن به الله، ويحملونها بقوة التنفيذ على مخالفة أوامره، فإن النتيجة الطبيعية أن صوت المصلح سيكون صرخة في واد ونفخة في رماد كما يقولون " ا هـ.

واديان

يقرر الأستاذ البنا أن التشريع الإسلامى في مصر في واد والتشريع الفعلي والتنفيذي في واد آخر، مما يستوجب النهوض لاستخلاص قوة التنفيذ من الذين لا يحكمون بدين الله.

يقول الأستاذ البنا- رحمه الله- :" أما والحال كما نرى : التشريع الإسلامى في واد والتشريع الفعلي والتنفيذي في واد آخر فإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف. هذا كلام واضح لم نأت به من عند أنفسنا ولكننا نقرر به أحكام الإسلام الحنيف" ا هـ.

تدرج وتهيؤ

ثم يبين الأستاذ البنا أن هذا لا يعنى الوثوب على الحكم فجأة والاستحواذ على السلطة، فالإسلام لا يبنى في فراغ ، إذ لابد من أن تتهيأ الأمة لذلك أولا.

يقول الأستاذ البنا:" وعل هذا فالإخوان أعقل وأحزم من أن يتقدموا لمهمة الحكم ونفوس الأمة على هذا الحال.

فلابد من فترة تنشر فيها مبادئ الإخوان وتسود ويتعلم فيها الشعب كيف يؤثر المصلحة العامة على المصلحة الخاصة" ا هـ.

خلاصة ما تقدم

إن خلاصة ما نقلته من كلام الأستاذ البنا – رحمه الله- هو:

1- إن الحكم بما أنزل الله تعالى من العقائد والأصول.
2- أن واقع الحال في مصر هو أن التشريع الإسلامى في واد والتشريع الفعلي والتنفيذي في واد آخر.
3- أن القعود عن المطالبة بالحكم الإسلامى جريمة إسلامية . لذلك فإن الإخوان يطالبون بالحكم الإسلامى.
4- لابد أن تتهيأ الأمة أولا بهذا الأمر.

الفصل الثاني:نبذة عن الدستور المصري إبان النشاط الدعوى للأستاذ البنا رحمه الله

في 16 رجب سنة 1340 الموافق 15 مارس سنة 1922م أصدر الملك فؤاد بسراي عابدين الأمر رقم 18 لسنة 1922 م الخاص بإعلان استقلال مصر.

وجاء فيه : " ونعلن على ملأ العالم أن مصر منذ اليوم دولة متمتعة بالسيادة والاستقلال".

وفى 3 رمضان سنة 1341 هـ الموافق 19 ابريل سنة 1923م أصدر الملك فؤاد بسراي عابدين الأمر رقم 43 لسنة 1923 م الخاص بإعلان الدستور المصري.

وقد جاء في سبعة أبواب مؤلفة من 170 مادة تحت رقم 42 لسنة 1923 م.

وفى 2 صفر سنة 1347 هـ الموافق 19 يوليو سنة 1928م أصدر الملك فؤاد بسراي رأس التين الأمر رقم 46 لسنة 1928 م بحل مجلس النواب والشيوخ وإيقاف تطبيق بعض مواد الدستور.

وقد جاء حل مجلس النواب والشيوخ بناء على المذكرة الإيضاحية التي رفعها رئيس مجلس الوزراء محمد محمود باشا للملك فؤاد في 18 يوليو سنة 1928 .

ومما جاء في تلك المذكرة:" على أن فئة قليلة هيأت لها المصادفة المحضة في هذا العهد الأخير مكان الزعامة من حزب الأكثرية ما زالت في حرصها على الاستئثار بالأمر تنقض أسباب التعاون، وتسرتسل في حزبية شديدة الخطر على المصالح العامة.. ثم انتهى الأمر إلى أن أصبحت الحياة النيابية نفسها أداة لطغيان تلك الفئة واستبدادها مستعينة بأكثرية اضطرت إلى ممالأتها أو مداراتها بين رجل مخدوع فيها وآخر يخشى شرها وثالث يطمع في خيرها.

ولذلك عجزت تلك الحياة النيابية عن تحقيق أخص ما يرجى فيها من إنفاذ الإصلاحات المختلفة في المرافق العامة للبلاد.. ولما كان البرلمان في حالته الحاضرة من ناحية أخرى عقبة في سبيل الأخذ بالأسباب الموصلة لها. لذلك لا ترى الوزارة بدا من حل المجلسين وتأجيل الانتخابات إلى الوقت الذي يرجى فيه أن تتجلى إرادة الأمة على وجهها الصحيح.".

وفى 28 جمادى الأولى سنة 1348 هـ الموافق 31 أكتوبر سنة 1929م صدر بسراي المنتزه الأمر الملكي رقم 72 لسنة 1929م بالعمل بالمواد المعطلة من الدستور وانتخاب أعضاء مجلس النواب ودعوة البرلمان إلى الاجتماع.

وفى 30 جمادى الأولى سنة 1349هـ الموافق 22 أكتوبر سنة 1930م صدر بسراي المنتزه الأمر الملكي رقم 70 سنة 1930م بإبطال العمل بالدستور القائم وأن يستبدل به الدستور الملحق بالأمر أعلاه.

وقد جاء استبدال الدستور بناء على الكتاب والبيان المرفوعين للملك فؤاد من قبل رئيس مجلس الوزراء إسماعيل صدقي باشا بتاريخ 21 أكتوبر سنة 1930م.

ومما جاء في الكتاب:" وما بالوزارة أن ترمى أعضاء المجلسين جملة أو فرادى بأنهم يتعمدون العمل لغير مصلحة البلاد ولكنها تندب الظروف التي غشت على جو الحياة النيابية في مصر ولما تكد تظهر الى الوجود، فلوتها عن قصدها ولم تبق من وجوه الحرية إلا حرية محاربة استقلال الآراء.. فلم يبق إذن إلا أن يمحى الماضي بما له وما عليه وأن يصدر دستور جديد.. فالتاريخ العام للحياة النيابية حافل بمثل هذه الظاهرة ، ظاهرة إبدال دستور بدستور.." .

ومما جاء في البيان: " وضع الدستور المصري بين سنتي 1922م و1923 م منقطع الصلة بالماضي.. وضع على مثال الدستور البلجيكي مستعيرا هنا وهناك من غيره من الدساتير الحديثة أحكاما مختلفة.. إنما الذي يعنينا أن نقرره منذ الآن في يقين العقائد ووضوح البديهيات هو أن الدستور لم يعنينا أن نقرره منذ الآن في يقين العقائد ووضوح البديهيات هو أن الدستور لم يحقق ما عقد به من الآمال.. والذي يعنينا أيضا هو أن نحقق أسباب ذلك وان نبين آخر الأمر وجوه الطب لما تشكو منه البلاد.. على أنه، ومن الجائز أن يكون رئي مجلس الوزراء غير مسلم، لا يتصور أن يكون ذلك الرئيس هو الذي يختص باختيار شيخ الجامع الأزهر، أو الرؤساء الدينيين المسلمين ، خصوصا والإسلام دين الدولة الرسمي.

لذلك وجب الرجوع إلى ما كان متبعا أصلا قبل ذلك القانون من أن يكون تعيين هؤلاء منوطا بالملك وحده..." .

وقد صدر الدستور الجديد مؤلفا من سبعة أبواب تشمل 156 مادة.

في 22 شعبان سنة 1353 هـ الموافق 30 نوفمبر سنة 1934م أصدر بسراي القبة الملك فؤاد أمرا ملكيا برقم 67 بإبطال العمل بالدستور السابق، وحل المجلسين : النواب والشيوخ.

فى16 رمضان سنة 1354 هـ الموافق 12 ديسمبر سنة 1935م أصدر بسراي القبة الملك فؤاد أمرا ملكيا برقم 118 أعاد بموجبه العمل بدستور 1923م.

وقد أصدر رئيس مجلس الوزراء محمد توفيق نسيم باشا في ديسمبر 1935م بيانا موجها للأمة المصرية، ومما جاء فيه:" وإني أوجه إلى الأمة المصرية جمعاء أخلص التهاني بمناسبة هذا الحادث السعيد الذي هو خير مثوبة لها" وقد استمر العمل بهذا الدستور إلى حين قيام الثورة المصرية عام 1952 م ما عدا تعديلين .

الأول: قانون رقم 176 لسنة 1951 م بتعديل المادتين 159 و و160 من الدستور بتقرير الوضع الدستوري للسودان وتعيين لقب الملك.

الثاني: قانون رقم 177 لسنة 1951 م وقد حصل التعديل في عهد الملك فاروق الذي تولى السلطة عام 1936 م وأقصى عن العرش عام 19522م.

أذكر ها هنا بعض نصوص دستور 1923م.

وقد ذكرت هذه النصوص نفسها في دستور عام 1930 م فيما عدا ما سوف أشير إليه.

مادة (1) : مصر دولة ذات سيادة وهى حرة مستقلة، ملكها لا يجزأ ولا ينزل عن شيء منه ، وحكومتها ملكية وراثية وشكلها نيابي.
مادة (4): الحرية الشخصية مكفولة.
مادة (12): حرية الاعتقاد مطلقة.
مادة (14): حرية الرأي مكفولة. ولكل إنسان الإعراب عن فكره بالقول أو الكتابة أو بالتصوير أو بغير ذلك في حدود القانون.
مادة ( 23): جميع السلطات مصدرها الأمة. واستعمالها يكون على الوجه المبين بهذا الدستور.
مادة (24) : السلطة التشريعية يتولاها الملك بالاشتراك مع مجلس الشيوخ والنواب.
مادة (25) : لا يصدر قانون إلا إذا قرره البرلمان وصدق عليه الملك.
مادة (28): للملك ولمجلسي الشيوخ والنواب حق اقتراح القوانين ، عدا ما كان منها خاصا بإنشاء الضرائب أو زيادتها فاقتراحه للملك ولمجلس النواب.
( وفى دستور 1930 حذفت "عدا" وما بعدها ووضع لها : على أن اقتراح القوانين المالية خاص بالملك).
مادة (33): الملك هو رئيس الدولة الأعلى وذاته مصونة لا تمس.
مادة (38): للملك حق حل مجلس النواب. ( وزاد في دستور 1930 م : على أنه لا يجوز حله أكثر من مرة لسبب واحد).
كمادة (39): للملك تأجيل انعقاد البرلمان. على أنه لا يجوز أن يزيد التأجيل على ميعاد شهر، ولا أن يتكرر في دور الانعقاد الواحد بدون موافقة المجلسين.
مادة (149): الإسلام دين الدولة ، واللغة العربية لغتها الرسمية. ( وقد وردت هذه المادة في دستور 1930 برقم : 138).
مادة (155): لا يجوز لأية حال تعطيل حكم من أحكام هذا الدستور إلا أن يكون ذلك وقتيا في زمن الحرب أو أثناء قيام الأحكام العرفية، وعلى الوجه المبين في القانون ، وعلى أي حال لا يجوز تعطيل انعقاد البرلمان متى توفرت في انعقاده الشروط المقررة بهذا الدستور. (وقد وردت هذه المادة في دستور 1930 برقم 144).

يلاحظ في دستوري 1923م و 1930م خلوهما من أي قيد بخصوص تطبيق الشريعة الإسلامية ، أو اعتبارها المصدر الرئيس والوحيد في التشريع مما أطلق يد السلطة التشريعية في تشريع ما تشاء مما أضفى عليها وضعا استقلاليا كاملا في التشريع دون أي رجوع ملزم أو غير ملزم للكتاب والسنة، فانتحلت بوضعها ذاك وصفا إلهيا لا يليق ولا يحق إلا لله تعالى.

بل يعترف البيان الذي رفعه إسماعيل صدقي باشا للملك بأن النظام النيابي المصري الذي بدأ في عام 1923 م انطلق من دستور وضع على مثال الدستور البلجيكي .. مستعيرا هنا وهناك من غيره من الدساتير الحديثة أحكاما مختلفة بل إن لفظة الإسلام لم ترد في أي من الدستورية إلا مرة واحدة وهى حين قال : الإسلام دين الدولة.

الأستاذ البنا- رحمه الله – والدستور

في الوقت الذي قال فيه الأستاذ البنا – رحمه الله -:" أما والحال كما نرى : التشريع الإسلامى في واد والتشريع الفعلي والتنفيذي في واد" فإنه يقول عن الدستور المصري:" وأستطيع بعد هذا البيان أن أجلى لكم موقفنا من نظام الحكم الدستوري عامة، ومن الدستور المصري خاصة.

الواقع أيها الإخوان أن الباحث ينظر على مبادئ الحكم الدستوري التي تتلخص في المحافظة على الحرية الشخصية بكل أنواعها وعلى الشورى واستمداد السلطة من ألأمة وعلى مسئولية الحكام أما الشعب ومحاسبتهم على ما يعملون من أعمال وبيان حدود كل سلطة من السلطات، هذه الأصول كلها يتجلى للباحث أنها تنطبق كل الانطباق على تعاليم الإسلام، ونظمه وقواعده في شكل الحكم.." ثم يقول:" .. إن من نصوص الدستور المصري ما يراه الإخوان المسلمون مبهما غامضا يدع مجالا واسعا للتأويل والتفسير الذي تمليه الغايات والأهواء فهي في حاجة إلى وضوح وإلى تحديد وبيان، ههذ واحدة.

والثانية : هى أن طريقة التنفيذ التي يطبق بها الدستور ويتوصل بها إلى جني ثمرات الحكم الدستوري في مصر طريقة أثبتت التجارب فشلها، وجنت الأمة منها الأضرار لا المنافع ، فهي في حاجة شديدة إلى تحوير وغلى تعديل يحقق المقصود ويفي بالغاية" ا.هـ.

أقول : إن البنا – رحمه الله- قد فرق في هذين النصين بين شيئين: بين الإطار وهو النص وبين التنفيذ.

وقسم النص إلى قسمين . فذكر في القسم الأول المحافظة على الحرية الشخصية وعلى الشورى، واستمداد السلطة من الأمة وعلى مسئولية الحاكم أمام الشعب ومحاسبتهم له وبيان حدود كل سلطة من السلطات.

قال الأستاذ البنا/ عن هذا القسم: " إنه ينطبق كل الانطباق على تعاليم الإسلام ونظمه وقواعده" .

ولكنني أتساءل ، واطلب منك أخي المسلم أن تتساءل معي: كيف تنطبق هذه الأمور كل الانطباق على تعاليم الإسلام وليس في الدستور نص يضع لها هذا القيد.

كأن تقيد هذه الاطلاقات بالنص مثلا: حسب تعاليم الإسلام وشرائعه، وهذا لم يقله الدستور ولم ينص عليه.

وبما أن هذا القيد أصل وليس فرعا، لذلك فإن هذا الشكل من الحرية الشخصية والشورى.. الخ، لا ينطبق ولا بعض الانطباق على الإسلام، فكيف بكل الانطباق؟ ومعلوم أن مجرد النص على أن دين الدولة الإسلام لا يشكل تقييدا لهذه الانطلاقات.

وأحب أن أنوه إلى أن هذه الأمور التي عددها الأستاذ البنا- رحمه الله – من حرية شخصية وغيرها منصوص عليها في جميع دساتير الدول الديمقراطية في العالم الغربي، وهذه الألفاظ من مثل الشورى ومسئولية الحاكم أمام الشعب وحدود السلطات والحرية الشخصية لابد أن ترد إلى مناطها الذي تدل عليه .

فالشورى المقصودة هنا هى ليست الشورى بالمفهوم الإسلامى، وإنما هى المجلس النيابي المستقل بالتشريع ، لا أكثر ولا أقل .

ومسئولية الحاكم أمام الشعب إنما هى مفصلة بقدر قوانين الدستور الوضعي، فهي ليست بمفهوم مسئولية الحاكم المسلم المؤتمن على تطبيق شرع الله، ولكل حدوده وتفصيلة.

والحرية الشخصية عندهم ليست كمفهوم الحرية الشخصية في المنظور الإسلامى، إذ أن حرية التعبير عن الاعتداء الكفرى والشركي عند أولئك مكفولة لأنها حرية شخصية ( أنظر المادة: 4، 14).

وإزاء ما تقدم من بيان موجز فإنني لست مع الأستاذ البنا في قوله: " يمكن أيضا أن نقول في اطمئنان إن القواعد الأساسية التي قام عليها الدستور المصري لا تتنافى مع قواعد الإسلام، وليست بعيدة من النظام الإسلامى ولا غريبة عنه.

بل إن واضعي الدستور المصري رغم أنهم وضعوه على أحدث المبادئ والآراء الدستورية وأرقاها فقد توخوا فيه ألا يصطدم أي نص من نصوصه بالقواعد الإسلامية ، فهي إما متمشية معها صراحة كالنص الذي يقول : دين ا لدولة الإسلام أو قابلة للتفسير الذي يجعلها لا تتنافى معها كالنص الذي يقول : حرية الاعتقاد مكفولة".

إن القواعد الأساسية التي قام عليها الدستور المصري هى اعتماد الديمقراطية كأسلوب في الحكم، وأن السلطات مصدرها الأمة، وأن السلطة التشريعية يتولاها الملك، ومجلس الشيوخ والنواب غير متقيدين بأحكام الشريعة الإسلامية .

فكيف لا تكون هذه القواعد متنافية مع الإسلام؟

ثم ، لماذا يقبل الإسلاميون دستورا عباراته مبهمة يفسرها من شاء كيفما يشاء؟ فهذا النص الذي استشهد به الأستاذ البنا وهو :" حرية الاعتقاد مكفولة" إذا ألحقناه بالمادة(4) من الدستور وبالمادة (14) منه، شكل مظلة وارفة للشيوعيين والقوميين والصليبيين وغيرهم ليمارسوا ما يشاءون من النشاطات والدعايات باعتبار أن التعبير عن الحرية الشخصية وحرية الاعتقاد مكفولتان ومن الذي يكفلهما؟ إنه النظام الحاكم باعتباره منفذا للدستور وحاميا له.

فالذي أقوله إن هذه العبارات وأمثالها تغلق الطريق أمام الإسلاميين إزاء تأييدهم لهذه الدساتير الوضعية.

هذا عن القسم الأول من النص الذي ذكرته سابقا.

وأما القسم الثاني فقد ذكر فيه الأستاذ البنا- رحمة الله – أن من نصوص الدستور المصري ما يراه الإخوان المسلمون مبهما وغامضا يدع مجالا واسعا للتأويل والتفسير الذي تمليه الغايات والأهواء.

ومن اللافت للنظر حقا أن الأستاذ البنا الذي قال عن واضعي الدستور إنهم ( توخوا فيه ألا يصطدم أي نص من نصوصه بالقواعد الإسلامية ، فهي إما متمشية معها صراحة.. أو قابلة للتفسير الذي يجعلها لا تتنافى معها..) هو نفسه يشكو من غموض عبارات هذا الدستور.

فهو بالإضافة لما نقلته عنه سابقا فإنه يضع عنوانا رئيسا في رسالته " مشكلاتنا الداخلية في ضوء النظام الإسلامى" فيقول : " غموض الدستور المصري" .

وتحت هذا العنوان يسوق مقتطفات من مذكرة " نظام جديد" التي كتبها الدكتور إبراهيم مدكور عضو مجلس الشيوخ المصري ومريت غالى إذ قالا تحت عنوان:" الدستور وغموضه" فأما العامل الأول فملخصه أن دستورنا على الرغم من دقته وضبط عباراته قد وقع في نفس الغموض الذي وقعت فيه دساتير أسبق منه.. إلى أن قال: واكتفى بأن يصاغ هنا في عبارات تصلح لكل ما يراد منها . ا. هـ

فمن هذه النقولات التى سقتها يتبين لنا الموقف العام للأستاذ البنا من الدستور.

إلا أن كثيرا ممن جاء بعد الأستاذ البنا في داخل الإخوان- وكثيرون غيرهم خارج حركة الإخوان- وقعوا ضحية هذه العبارة في الدستور المصري وهى: الإسلام دين الدولة ، فاعتبروا هذا النص مستندا يضفى وجها شرعيا على الدستور ووددت ل, أن الأستاذ البنا حسم الموضوع بعبارات قاطعة.

ولكنه ساقه بعبارات قابلة للأخذ والرد والإطلاق والتقييد والعموم والخصوص فقال : " لهذا يعمل الإخوان المسلمون جهده حتى تحدد النصوص المبهمة في الدستور المصري ، وتعدل الطريقة التي ينفذ هذا الدستور في البلاد".

لكن الذين جاءوا من بعده، كالإخوان المسلمين في بعض البلدان العربية، وقفوا بحزم بجانب دساتير بلادهم بغير تحفظ، وصالوا في ذلك وجالوا بعبارات قاطعة واضحة لا تقبل تأويلا، رغم أن دساتير بلادهم لا تعتبر الشريعة الإسلامية مصدرها الرئيس والوحيد في التشريع والتقنين .

ولا يفوتني أن أنوه إلى أن الأستاذ البنا- رحمه الله- أشار إلى سوء طريقة تنفيذ الدستور وبين أن هذه الطريقة أثبتت التجارب فشلها.

وهذا أمر طبيعي إذ إن كل إناء بما فيه ينضج .

فمثل هذا الدستور، من منظور إسلامي ، لا يمكن أن ينتظر منه خير.

البنا - رحمه الله- والقوانين المنبثقة من الدستور

يحدد البنا موقفه من القوانين المنبثقة من الدستور المصري فيقول:" فمن غير المفهوم ولا المعقول أن يكون القانون في أمة إسلامية متناقضا مع تعاليم دينها وأحكام قرآنها وسنة نبيها، مصطدما كل الاصطدام بما جاء عن الله ورسوله، وقد حذر الله نبيه صلى الله عليه وسلم ذلك من قبل ، فقال تبارك وتعالى " وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليه فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون، أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون " المائدة وذلك بعد قوله تعالى" ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " .. "الظالمون" " الفاسقون " المائدة 44، 45، 47 . فكيف يكون موقف المسلم الذي يؤمن بالله وكلماته إذا سمع هذه الآيات البينات وغيرها من ـ الأحاديث والأحكام ثم رأى نفسه محكوما بقانون يصطدم معها، فإذا طالب بالتعديل قيل له: إن ألأجانب لا يرضون بهذا ولا يوافقون عليه، ثم يقال بعد هذا الحجر والتضييق : إن المصريين مستقلون وهم لم يملكوا بعد أن يتمتعوا بحية الدين وهى أقدس الحريات.

على أن القوانين الوضعية كما تصطدم بالدستور الوضعي نفسه الذي يقرر أن دين الدولة هو الإسلامى، فكيف نوفق بين هذين يا أولى الألباب؟.

وإذ كان الله ورسوله قد حرم الزنا وحظر الربا ونع الخمور وحارب الميسر، وجاء القانون يحمى الزانية والزاني ويلزم بالربا ويبيح الخمر وينظم القمار، فكيف يكون موقف المسلم بينهما؟ أم يعصى الله ورسوله ويطيع الحكومات فيشقى في الآخرة والأولى؟ نريد الجواب على هذا من رفعة رئيس الحكومة ومعالي وزير العدل ومن علمائنا الفضلاء الأجلاء.

أما الإخوان المسلمون فهم لا يوافقون على هذا القانون أبدا ولا يرضونه بحال، وسيعملون بكل سبيل على أن يحل مكانه التشريع الإسلامى العادل الفاضل في نواحي القانون " ا.هـ.

فيتبين لنا من هذا النص الذي نقلته أن موقف البنا- رحمه الله – من تلك القوانين يلخص في الأمور التالية:

- اعتبارها متناقضة مع تعاليم دين الأمة وقرآنها وسنة نبيها، ومصطدمة مع ما جاء من عند الله ورسوله.
- يتساءل عما يمكن أن يكون عليه موقف المسلم من ذلك. وفحوى تساؤله هو أنه ليس أمام المسلم إلا أن يرفض ذلك الواقع.
- يرفض البنا- رحمه الله- زعم من يبرر أن ذلك الواقع لابد منه لإرضاء الأجانب.
- يقرر البنا اصطدام تلك القوانين مع نص الدستور بأن دين الدولة الإسلام.
- ثم يطرح البنا معادلة الاختيار أمام المسلم أيختار الله ورسوله أم القوانين الوضعية ؟ ويطلب الجواب من الحكومة والعلماء.
- يقرر البنا رفض الإخوان الأبدي لهذه القوانين .
- يقرر البنا أن الإخوان سيعملون بكل السبل للإطاحة بهذه القوانين وإحلال التشريع الإسلامى مكانها.

خلاصة موقف البنا –رحمه الله- من الدستور والقوانين

إن خلاصة موقف البنا من الدستور والقوانين المنبثقة عنه هو كالتالي :

- موقفه من الدستور بين القبول المتحفظ والرفض المتحفظ.
- موقفه من القوانين المنبثقة عن الدستور والمعارضة للتشريع الإسلامى هو الرفض القاطع.

وكان ينبغا ، كما ذكرت سابقا، أن يعلن البنا رفضه القاطع للدستور ( باستثناء دين الدولة الإسلام) كإعلانه رفضه القاطع للقوانين المنبثقة عن ذلك الدستور، إذ إن واقع الحال الدستور هو المغايرة للتشريع الإسلامى، كما قرر البنا- رحمه الله – ذلك بنفسه عندما قال :" أما والحال كما نرى : التشريع الإسلامى في واد ، والتشريع الفعلي والتنفيذي في واد..".

الفصل الثالث: لماذا نهتم بموقف البنا- رحمه الله – من الملك فؤاد والملك فاروق؟

إننا نهتم بذلك لأن الملك يمثل القمة الهرمية للسلطة الحاكمة.

وموقعه منها كموقع القلب من الجسد لما له من تأثير في توجيه الأحداث وإدارة الأمور بما يحقق أهداف الذين دفعوا به إلى ذلك المكان من الانجليز وأعوانهم.

فهناك أربعة عناصر يكمل بعضها بعضا في الإطار الدستوري هى :

الدستور والملك والحكومة والمجلس النيابي.

وإذا كان الدستور هو مجموعة النصوص، فإن الملك والحكومة والمجلس النيابي هى الوجه المعبر عن تلك النصوص في أرض الواقع. والملك هو في واقع الأمر الآمر الناهي.

وبالتالي فإن تلك القوانين المنبثقة عن الدستور إنما يتم تنفيذها برعاية الملك ومباركته لها.

فلا نستطيع أن نتصور ، في ظل الواقع المصري في ذلك الوقت ، أن القانون الذي ينفذ مخالف لإرادة الملك. والانجليز لا يرضون عن أي قانون يخلف توجهاتهم ويتعارض مع أغراضهم .

ووظيفة الملك عندهم هى القيام والسهر على تنفيذ تلك التوجهات وتحقيق تلك الأغراض ولولا قيامه بذلك خير قيام لما أبقوه متربعا على كرسي الملك.

وليس هذا الكلام خرصا أو توهما، إذ من لديه شيء من الإلمام بالسياسات الدولية وتطلعات الدول الكبرى ومدى محافظتها على مصالحها وأهدافها يدرك تماما صحة هذا الكلام.

فإذا كانت المعارضة منصبة على القوانين ، ومعبرة عن هذه المعارضة بالرفض ، كما قال البنا- رحمه الله - :" أما الإخوان المسلمون فهم لا يوافقون على هذا القانون أبدا، ولا يرضونه بحال، وسيعملون بكل سبيل على أن يحل مكانه التشريع الإسلامى العادل الفاضل في نواحي القانون".

إذا كان الأمر كذلك، فإن هذا الرفض وتلك المعارضة لابد أن تلحق براعة ذلك القانون ومنفذه وحاميه وهو الملك.

هذا هو الاستقراء الطبيعي. إن أهمية هذا الموقف تنبع من انعكاسها على صحة التصور التربوي عند مجموعة الإخوان فلا يشعرون أنهم واقعون تحت مظلة التناقض.

نعم، لين البنا- رحمه الله- ألحق بمعارضته للقوانين معارضته للملك.. لكنه لم يفعل ، بل العكس حصل .

يتكلم الأستاذ البنا في مذكراته " الدعوة والداعية" عن واقعة اتهامه بأنه شيوعي وأنه ضد النظام القائم وضد الملك وضد الدنيا كلها، وذلك في عريضة رفعت من رئيس الوزراء إلى وزير المعارف، وطلب فيها من الناظر أن يتحرى القضية ويبدى رايه .

يقول البنا:" فلم يجد بدا- أي : الناظر- من أن يستعين بكل من يرى أنه يفيده في هذا الشأن .." إلى أن قال :" واطلع على الكراسات فوجد أول قطعة من الإملاء موضوعا عن زيارة الملك فؤاد للقناة في رحلة من بور سعيد إلى السويس، وفيه ثناء عليه وتعداد لمآثره .

فنقلته بنصه في تقريره ، ثم قال : " ومن الطرائف أن معاون البوليس حينذاك قد كان اليوزباشي حسن الشريف البنايوسى، كان يكتب تقريره وهو متضايق أشد الضيق بما جاء في هذه العريضة من أكاذيب، إذ دخل عليه أحد كتاب شركة القناة غير المصريين ، فسأله عن سبب ما يبدو عليه من ضيق، فأخبره الخبر، فدهش الرجل، وقال هذا كلام فارغ، أنا رأيت الشيخ حسن في يوم مرور الملك فؤاد بالإسماعيلية يقول للعمال، لازم تذهبوا إلى الأسكة وتحيوا الملك، حتى يفهم الأجانب في هذا البلد أننا نحترم ملكنا ونحبه فيزيد احترامنا عندهم".

نلاحظ من هذا النص قضيتين :

الأولى : جانب تربوي ، وهو الخاص بتربية النشء على حب الملك، حيث يقول:" وفيه ثناء عليه وتعداد لمآثره" .
فكيف نربى نشا على حب الملك الذي يرعى القوانين التي تحمى الزاني والزانية، وتلزم بالربا، وتبيح الخمر، وتنظم القمار ، كما قال البنا/ في مجموع رسائله؟
فأي مآثر هذه لملك تلك القوانين ويحمى تنفيذها؟
الثانية: جانب سياسي، تبدى بحث العمال ليخرجوا لتحية الملك ليفهم الأجانب أن المصريين يحبون ملكهم.
والذي يقال في هذه المناسبة إن الانجليز هم الذين نصبوا الملك ، فما أعظم فرحتهم حقا وهم يرون الشعب المصري مؤيدا عميلهم المصطنع.
وكان الأولى أن يرى الأجانب أنهم إزاء شعب واع، لا يصفق للمتاجرين بدينه وأعراضه، ولا يقبل بالدستور الذي تنبثق تلك القوانين من خلاله برعاية الملك.
وسؤالنا : هل كان موقف البنا من الملك بالنسبة للتلاميذ وبالنسبة للعمال اجتهادا أم منهجا.

وإذا كان البنا/ فعل هذا اجتهادا وله عنده المبررات الكثيرة، فكيف سيعرف التلاميذ والعمال تلك المبررات فيكون موقفهم هم أيضا " تمثيلا مرحليا" وليس منهجا؟

والذي يرجح أن الأمر عند الأستاذ البنا- رحمه الله – لم يكن مجرد اجتهاد ما جاء في رسالة وجهها إلى الإخوان وهو يعدد لهم خطوات العمل، إذ قال :" وإن لنا في جلالة الملك المسلم أيده الله أملا محققا".

وقد مات الملك فؤاد ، ولا أدرى أي أمل لجموع المسلمين المتعطشين لتطبيق الشريعة الإسلامية في مجالات حياتهم وجميع شئونهم قد حققه ذاك الملك.

وكثيرا ما استغل الأستاذ البنا- رحمه الله- المناسبات ليعبر باسم الإخوان عن تأييده للملك فؤاد.

فها هو يوجه عريضة إليه يقول فيها: " إلى سدة صاحب الجلالة الملكية حامى حمى الدين، ونصير الإسلام والمسلمين ، مليك مصر المفدى، يتقدم أعضاء مجلس الشورى العام للإخوان المسلمين المجتمعون بمدينة الإسماعيلية بتاريخ 22 صفر سنة 1352 هـ والممثلون لخمسة عشر فرعا من فروع جمعية الإخوان المسلمين برفع أصدق آيات الولاء والإخلاص للعرش المفدى ولجلالة المليك وسمو ولى عهده المحبوب، ويلجأون إلى جلالتكم راجين حماية شعبكم المخلص الأمين من عدوان المبشرين الصارخ على عقائده وأبنائه وفلذات كبده بتكفيرهم وتشريدهم وإخفائهم وتزويجهم من غير أبناء دينهم، الأمر الذي حظره الإسلام وحرمه.. وإننا إن أدلينا بهذه الآراء فنحن نعتقد أن حزم جلالة الملك المفدى وصائب رأيه السديد وغيرته الدينية المعروفة، كل أولئك كفيل برأب الصدع وإسعاد الأمة وإنقاذ الشعب من أيدي المعتدين".

فكيف يكون صاحب تلك القوانين الحامية للزنا والخمر والربا والميسر هو نفسه حامى حمى الدين ونصير الإسلام والمسلمين ؟

وعلى أي وجه تقدم لمثل هذا الملك وولى عهده آيات الولاء والإخلاص ؟

وفوق كل ذلك يكون أيضا مفدى؟ مفدى بماذا ؟

بالمال أم بالدم، أم بالاثنين معا، أم بماذا ؟

إننا حقا لنقف حائرين إزاء هذه العبارات التي تسد في وجوهنا كل إمكانات التماس المبررات والأعذار إلا أن نقول : إن الأستاذ البنا- رحمه الله- أراد بذلك أن يجنب سفينته تلك الأمواج العاتية التي تكاد تعصف بها من كل جانب، ولكن ألم تكن ثمة وسيلة أخرى؟

إن هذه الطريقة لإنقاذ السفينة أثبتت فشلها على المدى البعيد، وإن كانت ربما قد نجحت في تعويمها في ذلك الحين.

ذلك أن بعض الأجيال المتأخرة من الإخوان قد تأثرت كثيرا بمواقف البنا هذه من الملك، فإذا بها تختط إزاء ملوكها وحكامها نفس المواقف.

وفى خضم كل هذا الركام وتكاثف الغبار، ضاع وضوح التصور، واندرست معالم المنهاج السليم. ثم، من بعد فؤاد؟

إنه فاروق

ذلك الملك الذي في ظل حكمه حيكت المؤامرة الكبرى على حياة رجل من أعظم دعاة القرن العشرين، وأكثرهم تأثيرا في مجالات الدعوة في هذا العصر : حسن البنا – رحمه الله- هل كان يعلم الداعية الأستاذ حسن البنا أن هذا الذي احتفل الإخوان بتتويجه هو الذي في ظل حكمه ستنفذ جريمة الاغتيال لرجل من خيرة رجالات القرن، وذلك بتدبير ومكر من الجهات العليا.

ماذا فعل الإخوان عند تتويج فاروق؟

أصدروا نشرة قالوا فيها:" قرر مكتب الإرشاد العام للإخوان المسلمين الاحتفال بحضور جلالة الملك المعظم فاروق الأول وتسلم مهام ملكه السعيد وتقديم فروض التهنئة والولاء بهذه المناسبة الميمونة ".

ثم شكلت لجنة من عشرة أشخاص، من بينهم الأستاذ عمر التلمسانى- رحمه الله- لترتيب أمور الاحتفال ن واحتشد عشرون ألفا أو يزيدون- كما قال الأستاذ البنا- لهذا الغرض.

واقرأ وصف هذا الاحتفال وما حشد له في مذكرات الدعوة والداعية.

وكان من هتافات الإخوان :" الله أكبر ولله الحمد.

الإخوان المسلمون يبايعون الملك المعظم.

الإسلام منقذ الإنسانية.

القرآن دستور الدنيا، ومن يتبع غير القرآن قانونا فقد ضل، نبايعك على كتاب الله وسنة رسوله".

وإنني والله، لا أعلم لماذا توجه هذه الجهود الضخمة للاحتفال بالملك، في الوقت الذي تكون فيه الدعوة أحوج ما تكون إليها.

وهل قال فاروق إنه سيحكم بكتاب الله وسنة رسوله حتى يبايعه الإخوان على ذلك؟ كلا، إنه لم يقل ذلك، بل إن عهده كان مليئا بالمجون والفجور، مما دعا حسن البنا- رحمه الله- أن يوجه له رسالة في 8 محرم سنة 1358هـ نشرتها مجلة النذير ثم نقلتها عنها مجلة الدعوة في عددها الصادر في 27 صفر سنة 1371 هـ ، ثم نشرتها مجلة الدعوة مرة أخرى في عددها رقم 19 الصادر في ديسمبر عام 1977م.

وها أنا أنقلها هنا بتمامها إنصافا للإمام حسن البنا، ودرسا للإسلاميين كي لا ينساقوا وراء العواطف ويستعجلوا المواقف.

قالت الدعوة: " قال الإمام الشهيد: يا صاحب الجلالة، حدود الله معطلة لا تقام، وأحكامه مهملة لا يعمل بها، في بلد ينص دستوره على أن دينه هو الإسلام.

بور الخمور، ودور الفجور، وصالات الرقص ، ومظاهر المجون، تغشى الناس في كل مكان.

حتى الإذاعة اللاسلكية كثيرا ما تنقل جراثيم هذا الفساد إلى البيوت.

أندية السباق والقمار تستنفد الأوقات والأموال، ويعمرها كبار القوم، ويتردد عليها ثراة الأمة، حتى أصبحت أندية الموظفين في العواصم والحواضر عنوان الفساد وملتفة الأخلاق في البلاد.

كبار الموظفين يضربون للناس أسوا المثل في كل تصرفاتهم الشخصية والرسمية، مما أطلق ألسنة الناس بالنقد وأضعف ثقتهم بالحكام.

الصور السافرة المتبرجة بالزينة التي لا تتفق بحال مع آداب الإسلام وما فرضه الله على المرأة من التستر والاحتشام تظهر في كبريات الصحف وصغرياتها، وتصبح ملهاة العيون الحائرة والقلوب الفاجرة تتناول أعرق الأسر وأكبر البيوت وأطهر الأعراض.

الحفلات الساهرة والاجتماعات المتكررة والمقابلات الكثيرة من رسمية وأهلية تختلط فيها الأجناس وتشرب فيها الكأس ، ويقضى الليل في مجون وعبث ولهو ورقص.

يا صاحب الجلالة كل هذا وأمثاله قد حطم عقائد الشعب وثقته بنفسه، وأنساه امثل العليا وحرفه عن طاعة الله وعمل الخير، وقضى على العقل والصحة والمال والعاطفة وهدد الأسر الآمنة والبيوت المطمئنة بالخراب العاجل والتحلل والسريع الذريع، والحوادث التي تنشر تباعا في الجرائد والمجلات ترعب وتخيف، ولابد من أن تمتد اليد من أن تمتد اليد الآسية الطبيبة حتى يطهر هذا المجتمع من الميوعة والطراوة والخنوثة والمجون.

فلها كلمة منفذة، وأصدره أمرا ملكيا ألا يكون في مصر المسلمة إلا ما يتفق مع الإسلام". ا. هـ الرسالة.

وهكذا تبدل الحال من التأييد والبيعة للملك فاروق إلى توجيه الرسائل إليه ليضع حدا لهذه الهرج والمرج الذي في البلاد.

ولم يكن متوقعا من مثل فاروق أن يغير تلك الحال، إذ إن فاقد الشيء لا يعطيه.

هكذا اختلطت الصورة التي قدمتها القيادة التاريخية للإخوان إلى قواعدها التي جاءت بعد ذلك، فلم تتمكن تلك الجموع المتأخرة من تبين وضوح المنهج، فنشأت في إطار غموض الأوائل ، فسارت على طريقهم ونسجت على منوالهم، إن ذلك كله نجم عن التناقض بين الشعار المرفوع، وهو " القرآن دستورنا" ، وبين الموقف الفعلي إزاء الملوك الذين استبعدوا القرآن من حياتهم وحياة شعوبهم المسلمة.

إن مهمة الحركة الإسلامية أن تكون حارسة على حماية منهاج هذا الدين بنصاعته وبياضه، ولا ينبغي أن تؤتى سلامة تصوراته من قبلها أبدا.

وإذا كانت بعض مواقف المناورة ستترك ظلالها القائمة على أصل المنهج ومخططاته المستقبلية ، فليضرب بتلك المناورة عرض الحائط.

فكيف إذا تحولت المناورة إلى منهج إنها – والله- مخاطر غير محسوبة، ومسارعة غير محمودة.

كان ينبغي للإخوان في ذلك الوقت أن يكونوا واضحين في أقوالهم ومواقفهم من الذين تجاهلوا التحاكم إلى شريعة الله، وفضلوا الاحتكام إلى قوانين أعداء الله، ولو فعلوا لكان ذلك خيرا لهم ولمن بعدهم.

ولا نقول: إن مثل هذا الموقف الثابت والقاطع تجاه أعداء الله سيمر من غير ضريبة الجهاد والصبر، فتلك هى طبيعة الطريق، وإذا كان الطواغيت لا يتأخرون عن ضرب الإسلاميين مهما كانت مواقفهم، فلتكن ضربتهم والإسلاميون خطاهم تتتابع على استقامة الطريق.

إنهم يفتكون بالإسلاميين لمجرد استظلالهم بشعار الإسلام.

وقد دفع الإخوان المسلمون- رغم ما أبدوه في البداية لفاروق من مداراة- ضريبة الانتماء لهذا الدين ورفع رايته، من دمائهم وأعراضهم،وأموالهم.

تغمد الله شهداءهم بواسع رحمته وأسكنهم فسيح جنانه وغفر لنا ولهم. اللهم سددنا للحق، وأرشدنا للصواب ، هداة مهديين غير ضالين ولا مضلين ، مخلصين لك الدين.. آمين.

الفصل الرابع: موقف الإمام حسن البنا- رحمه الله – من الحكومات المصرية

يعتبر البنا/ إسلام تلك الحكومات في عهده غير صحيح وإيمانها غير صادق، فيقول:" لو كانت حكومة إسلامية صحيحة الإسلام، صادقة الإيمان، مستقلة التفكير والتنفيذ، تعلم حق العلم عظمة الكنز الذي بين يديها ، وجلال النظام الإسلامى الذي ورثته، وتؤمن بأن فيه شفاء شعبها وهداية الناس جميعا، لكان لنا أن نطلب إليها أن تدعم الدنيا باسم الإسلام وأن تطالب غيرها من الدول بالبحث والنظر فيه، وأن نسوقها سوقا إليه بالدعوات المتكررة والإقناع والدليل .." .

ويعتبر الإمام البنا/ أن واجب الحكومة هو الدعاة إلى الإسلام، فهذه مهمتها باعتبارها حكومة دولة إسلامية ، ولكنه يقرر عدم وجود ههذ الحكومة التي تقوم بتلك المهمة.

يقول الأستاذ البنا- رحمه الله- :" عجيب أن تجد الشيوعية دولة تهتف بها وتدعو إليها وتنفق في سبيلها وتحمل الناس إليها.. ولا تجد حكومة إسلامية تقوم بواجب الدعوة إلى الإسلام".

ثم يبين البنا سبب ذلك فيقول:" ولكن أنى لحكامنا هذا ، وهم جميعا قد تربوا في أحضان الأجانب ودانوا بفكرتهم، على آثارهم يهرعون، وفى مرضاتهم يتنافسون ، ولعلنا لا نكون مبالغين إذا قلنا إن الفكرة الاستقلالية في تصريف الشئون والأعمال لعلها لم تخطر ببالهم، فضلا عن أن تكون منهاج عملهم.

لقد تقدمنا بهذه الأمانة إلى كثير من الحاكمين في مصر، وكان طبيعيا ألا يكون لهذا التقدم أثر عملي.

فإن قوما فقدوا الإسلام في أنفسهم وبيوتهم وشئونهم الخاصة والعامة لأعجز من أن يفيضوه على غيرهم، ويتقدموا بدعوة سواهم إليه. وفاقد الشيء لا يعطيه".

ويسجل البنا في مذكراته : الدعوة والداعية" موقفه من زيارة رئيس حكومة مصر صدقي باشا خلال مروره في الإسماعيلية في طريقه إلى سيناء فيقول : " وصادف في هذه الأثناء أن اعتزم صدقي باشا ، وهو رئيس الحكومة حينذاك زيارة سيناء، وكان طبيعيا أن يمر بالإسماعيلية .

واهتزت الإدارة لهذا النبأ وأخذت في الاستعداد لاستقبال رئيس الحكومة وحشد الناس له.. وأخذوا يفكرون فيمن يخطب له في هذا الاستقبال ، ولا أدرى أي خبيث دلهم على.. ودعيت إلى القسم وفاتحني في هذا مأمور الضبط، فغضبت لذلك غضبا شديدا، وقلت لهم إنني أكتب لكم استقالتي الآن .

إذا كنتم تظنون أن الموظف أداة تتحرك بإرادة الناس فأنا الذي أقدر قيمة نفسي لا وزارة المعارف".

وتمنيت لو أن الإمام البنا كان موقفه من الملك كما كان موقفه من رئيس وزارته.

فصدقي باشا يقوم بدور تنفيذ القوانين المنبثقة من الدستور.

ويتم ذلك كله برعاية الملك، فلماذا تعدد مآثر الملك للتلاميذ، وتعقد فيه الآمال المحققة، ولا يكون الأمر كذلك لرئيس وزرائه المنفذ لأمره.

نعم كان الأولى أن يكون الموقف من الملك كالموقف من رئيس وزرائه سواء بسواء.

لقد كان موقف البنا- رحمه الله- من صدقي باشا منسجما مع تصوره عن واقع الحكومة الهزيل.

لقد واظب الإمام البنا على توجيه الرسائل إلى الحكومات المصرية ممثلة برؤسائها لأجل تلبية المطالب الإسلامية العاجلة، أو لأجل توجيه الحكومة نحو الواجب الإسلامى الذي ينبغي أن تضطلع به.

ورغم الموقف القوى الذي ذكرته لكن رسائله لم تكن كذلك.

وأسوق هنا نموذجا من رسائل الأستاذ البنا إلى رئيس وزراء مصر،منقولا من مذكرات الدعوة والداعية:

" حضرة صاحب الدولة رئيس مجلس الوزراء. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد.

فقد كان سرور الأمة جميعا بتوليتكم أمرها شاملا، وفرحها- إذ أخذ القوس باريها، وعاد الأمر إلى نصابه في أشخاصكم الكريمة- عظيما.

ولا شك أن عهدكم الزاهر هو عهد الإصلاح الكامل والخير الشامل إن شاء الله تعالى.

ويؤلمنا يا صاحب الدولة أن نرى إلى جانب ذلك الجهاد الموفق قرار وزارة الشغال الذي نشرته جريدة السياسة وهو انصراف النية عن بناء مسجد البرلمان الذي كان قد تقرر إنشاؤه .

إن دار البرلمان هى مظهر كرامة الأمة ورمز آمالها وأمانيها وصورة قوميتها وحياتها.

وإن المسجد في البرلمان أمر لابد منه. فحضرات النواب- إلا عددا قليلا- مسلمون. ودين الدولة الرسمي الإسلام..".

والذي لا أعلمه حقا هو كيف كان سرور الأمة جميعا بتولية رئيس الوزراء شاملا وفرحها عظيما، في حين لم يكن رئيس الوزراء هذا، ولا من جاء بعده، قد فعلوا شيئا لمصلحة الإسلام، أو قمعوا بعضا من المنكرات، وأما التعقيب على قضية البرلمان فسوف يأتي بعد حين.

ومن نماذج رسائل الأستاذ البنا- رحمه الله- إلى رؤساء الحكومات المصرية ما كتبه إلى رئيس الحكومة مصطفى النحاس، تعقيبا على تصريح النحاس للأهرام الذي قال فيه:" أود قبل كل شيء أن قول إنني من المعجبين بلا تحفظ بكمال أتاتورك الذي صاغ بعبقريته تركيا الجديدة..الخ".

قال الإمام البنا في رسالته:" وبعد ، فدولتكم أكبر زعيم شرقي عرف الجميع فيه سلامة الدين وصدق اليقين وموقف الحكومة التركية الحديثة من الإسلام وأحكامه وتعالميه وشرائعه معروف في العالم كله لا لبس فيه.

فالحكومة التركية قبلت نظام الخلافة إلى الجمهورية، وحذفت القانون الإسلامى، وحكمت بالقانون السويسري ، مع قوله تعالى:" ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون".

المائدة 44 وصرحت في دستورها بأنها حكومة لا دينية ، وأجازت بمقتضى هذه التعاليم أن تتزوج المسلمة غير المسلم، وأن ترث المرأة مثل الرجل واصطدمت في ذلك بقوله تعالى:" للذكر مثل حظ الأنثيين" النساء :11 وهذا قليل من كثير من موقف الحكومة التركية .. الخ".

والذي ينبغي أن يلفت النظر إليه أن النحاس وهو يؤيد أتاتورك ويعجب به بلا تحفظ فإنه في نفس الوقت يعلم حق العلم موقف كمال أتاتورك من الإسلام، ونسخه لشريعة الله من التطبيق في تركيا، وإبعاده الناس عن كل ما يمت إلى الإسلام بصلة في جميع شئون حياتهم، وحتى الخاصة منها.

فتصريحه هذا ، وإعلانه عن إعجابه بأتاتورك الذي صاغ بعبقريته تركيا الحديثة العلمانية هو بمثابة برنامج عمل يريد النحاس أن يختطه ليصوغ به مصر الحديثة كما صاغ به أتاتورك تركيا الحديثة. فهذا الإعجاب هو تعبير عن منهج عمل وإطار تخطيط لما يريد النحاس أن تصل إليه مصر.

والذي ينظر إلى الواقع المصري الآن، ثم يذهب إلى تركيا، فإنه لن يجد هناك فروقا تذكر في القضايا الأساسية، اللهم إلا ما بقى من دور محجم للمسجد فروقا تذكر في القضايا الأساسية ، اللهم ما بقى من دور محجم للمسجد في مصر لم يستطع النحاس ولا الذين خلفوه أن يجتثوه كامل الاجتثاث كما فعل أتاتورك.

فهل حقق النحاس أمنيته، وجسد إعجابه؟

إن الحركة الإسلامية، وهى تخوض في هذا البحر الخضم المتلاطم الأمواج ، العاتي الرياح، لا ينبغي لها أن تغلب حسن الظن إزاء جلاديها، حتى ولا من باب المجاملة التي يقال من خلالها للجلاد: إنا نعيذك أن تكون جلادا، مع كونه يعلن افتخاره بما يقوم به.

فالإمام البنا يقول في رسالته للنحاس وهو ينصحه ويعظه:" ولقد اخذ الكثير ممن طالعوا هذا التصريح يتساءلون ، هل يفهم من هذا أن دولة النحاس باشا ، وهو الزعيم المسلم الرشيد، يوافق على أن يكون لأمته بعد الانتهاء من القضية برنامج كالبرنامج الكمالي، يتولى الأوضاع فيها ويفصلها عن الشرق والشرقيين، ويسقط من يدها لواء الزعامة.

وإنا نعيد دولة الرئيس من هذا المقصد الذي نعتقد أنه أبعد الناس عنه".

نعم ، لا عجب من أن يوافق النحاس، بل يطالب أيضا، بأن يكون له برنامج كالبرنامج الكمالي.

فالمدرسة التي خرجت الجميع واحدة، سواء بهيئتها الظاهرة، أم بأصابعها الخفية.

وإننا لا نعتقد- كما اعتقد الأستاذ البنا- أن النحاس كان أبعد الناس عن ذلك المقصد الخبيث ، فالأيام أثبتت أنه كان من اقرب الناس إليه.


جزى الله تعالى الداعية الإمام البنا- رحمه الله- خير الجزاء، إذ كان يجتهد في هذه المسائل وتلك المواقف، ولكنه في كل الأحوال كان لا يألو جهدا في التوجيه والنصح والإرشاد على كل المستويات الشعبية منها والرسمية عذرا أو نذرا.

كنا نتمنى أن تقوم جماعة الإخوان المسلمين هؤلاء الحكام وأولئك الوزراء بما يكشف خباياهم، ويعرى تحركاتهم المشبوهة ضد الإسلام وأهله. ثم يكون موقفها منهم موقف المفاصل .

إذ إن هؤلاء الحكام لم يترددوا لحظة واحدة عندما واتتهم الفرصة في أن يبطشوا بهذه الجماعة الرائدة، قيادة وقواعد. فأعدموا من أعدموا، وعذبوا من عذبوا، وزجوا في السجون من زجوا.

ولم يشفع لجماعة الإخوان المسلمين عند هؤلاء الأوغاد الطغاة أنهم لاطفوهم بالكلمة الطيبة وبالإرشاد الحكيم وبالنصح الخالص والموعظة الحسنة.

وعلى كل حال، فإن واجب الدعاة ينبغي أن يبقى محافظا على استمرارية التوجه والبيان وإسداء النصيحة، ولكن على طريقة الند للند، فهذا معسكر وذاك معسكر، ولكل منهجه وجنده.

ومما وجهه الإمام البنا – رحمه الله – للهيئات الحكومية ما ذكره في مذكراته فقال:" في هذا الأسبوع رفع حضرة الأستاذ المرشد العام للإخوان المسلمين خطابا موجزا إلى حضرات أصحاب الجلالة والسمو ملوك الإسلام وأمرائه ، وحضرات رجال الحكومات الإسلامية الفخام وأعضاء الهيئات التشريعية والجماعات الإسلامية وأهل الرأي والغيرة في العالم الإسلامى".

وإذا أردت التعقيب على الخطاب فالأمر سيطول، ولكن أطلب من القارئ الحصيف أن يعود إليه ويعرضه على القواعد العامة التى سبق ذكرها من أهمية مخاطبة هؤلاء بالعودة أصلا عما هم عليه من الغي والضلال إلى ضرورة تطبيق شرع الله تطبيقا، كاملا شاملا.

ذلك أن الخطابات التي تطالب بالترقيع ها هنا وها هنا لا تجدي في الواقع شيئا ، فالفتق قد اتسع على الراقع، وأصبح الثوب كله مثقبا ، بل وممزقا ، بما لا يفيد معه سوى التبديل .

وأما مخاطبة هؤلاء بمثل القضاء على الحزبية وإصلاح القانون وتقوية الجيش وتمتين الروابط بين الأقطار الإسلامية وغيرها من الأمور، فهذه القضايا وغيرها يخاطب بها من رضي بالله تعالى ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا وبالقرآن سبيلا ومنهاجا.

وأما من يتنكر لمنهاج الله ويجعله وراءه ظهريا ويتخذ من أتاتورك قدوة له فهو بحاجة إلى لون آخر من الخطاب يضعه عند حجمه الحقيقي من الضعة والصغار وليس الفخامة والجلالة والسمو.

وأرجع مرة أخرى إلى سرد مواقف الإخوان من حكومة مصر.

فقد عقد المؤتمر الدوري الخامس للإخوان المسلمين في الثالث عشر من شهر ذي الحجة سنة 1357هـ وأصدر المؤتمر قرارات، جاء في الفقرة الخامسة منها:" مطالبة الحكومة المصرية بالإسراع في سن التشريعات اللازمة لحماية الآداب والأخلاق والعقائد، ويقترح المؤتمرون على الحكومة أن تسرع في تكوين لجنة من علماء الأزهر ورجال الجمعيات الإسلامية ورجال القانون لإرشادها إلى ما يجب أن تفعله في هذا السبيل في كل نواحي التربية الهامة وتحضير القوانين اللازمة لذلك، فالأمر لا يحتمل الإبطاء".

وجاء في الفقرة السادسة:" رفع هذه القرارات إلى سدة جلالة المليك وإبلاغها إلى الجهات المختصة وإذاعتها في الجرائد وعلى شعب الإخوان المسلمين في القطر وفى الخارج".

إن هذه القرارات هى من باب الأعذار إلى الله تعالى، وهى قضية مهمة وأساسية.

ولكنها في الوقت نفسه خاطبت وما ليسوا أهلا لتحقيق تلك المطالب، إذ إن كل إناء بما فيه ينضح.

فالإسلام لا يقوم على تطبيقه إلا من جرد نفسه لله، ووالى أولياء الله، وعادى أعداء الله.

فأما الذين أشربوا في قلوبهم حب الغرب وقوانينه فليسوا لذلك بأهل وكيف يحمى الآداب من هو بحاجة إلى التحلي بها أولا.

وكيف يحمى الأخلاق من هو مفتقر إلى الالتزام بأهدابها وقيمها. وكيف يحمى العقائد من كانت عقيدته مشوهة ومنحرفة.

فليتأدب هؤلاء الحكام بأدب الإسلام في أنفسهم ابتداء ، وليتخلقوا بأخلاقه وليعتقدوا عقيدته اعتقادا صافيا، ثم بعد ذلك فليفيضوا هذا الخير على شعوبهم.

ويقرر الإمام البنا – رحمه الله – هذا المفهوم ، وهو أن هذه الحكومات لم تلتزم بشيء من عهدها الشرعي لله ورسوله يوم نطقت بالشهادتين ، ولم تلتزم بنصها الدستوري الذي يعتبر أن دين الدولة الإسلام.

يقول الإمام البنا:" وإذا فلا مناص للحكومة المصرية والهيئات المصرية والأحزاب المصرية من أن تفي بعدها الشرعي لله ولرسوله يوم نطقت بالشهادتين فالتزمت الإسلام، وبعهدها المدني الوطني لهذا الشعب يوم أصدرت الدستور ونصت فيه على أن الدين الرسمي هو الإسلام، وبغير ذلك تكون قد غدرت بعهدها وخانت أمانة الله والناس عندها، وعليها أن تصارح الشعب ليحدد موقفه منها وموقفها منه، ولا محل اليوم للمداورة والخداع".

والنتيجة، أن هذه الحكومات قد ضعفت عن أداء واجبها، كما يقول الإمام البنا، ولا يعفى الناس أيضا من مسئولية ذلك.

يقول الأستاذ البنا – رحمه الله -:" لا يجادل احد في أن الحكومات المتعاقبة قد ضعفت عن أداء واجبها وفقدت معظم هيبتها في النفوس كحكومة بسبب هذا التجريح بالحق وبالباطل الذي تمليه الروح الحزبية البحتة، وبسبب هذا العجز الناتج عن عدم تحديد المسئولية والاضطلاع بها كاملة غير منقوصة، ولولا أن النفوس في مصر مطبوعة بطابع الطاعة والاستسلام، والأعمال تسير بطريق روتيني (كذا) ، لا تجديد فيه ولا ابتكار، لتعطل كل شيء ولعجز الدولاب الادارى المضطرب عن أن ينهض بحاجات الشعب أو أن يؤدى للناس عملا".

ومن المعلوم أن هذه الحكومات ما دامت تسير في ظل الدستور الوضعي فإنه لا خير يرجى منها مهما وجهت لها من نصائح وكتبت لها من رسائل ومواعظ وإرشادات ، إذ أنها لا تهتدي بكل ذلك، وإنما تهتدي بنصوص الدستور الوضعي. وكذا وزراء تلك الحكومات قد أشربت قلوبهم ذلك، فلا فائدة حقيقية ترجى من جهتهم.

وقد قرر الأستاذ البنا ههذ الحقيقة السافرة بعد أن ناله التعب وهو يوجه الرسائل والنصائح لتلك الحكومات ، فما ارعوت ولا اهتدت.

يقول الإمام البنا- رحمه الله- في رسالة المؤتمر السادس: " فأما موقفنا من الحكومات المصرية على اختلاف ألوانها فهو موقف الناصح الشفيق الذي يتمنى لها السداد والتوفيق، وأن يصلح الله بها هذا الفساد، وإن كانت التجارب الكثيرة كلها تقنعنا بأننا في واد وهى في واد ، ويا ويج الشجي من الخلي.

لقد رسمنا للحكومات المصرية المتعاقبة كثيرا من مناهج الإصلاح وتقدمنا لكثير منها بمذكرات إضافية في كثير من الشئون التي تمس صميم الحياة المصرية.

لقد لفتنا نظرها إلى وجوب العناية بإصلاح الأداة الحكومية .. وغلى إصلاح منابع الثقافة..

وإصلاح القانون باستمداده من شرائع الإسلام.. وتوجيه الشعب وجهة صالحة..

فما أفاد كل ذلك ؟ لا شيء.

ولقد قامت وزارة الشئون الاجتماعية لسد هذا الفراغ، فماذا فعلت وقد مضى عليها أكثر من عام ونصف عام؟ وماذا أنجزت من أعمال ؟ لا شيء.

وستظل لا شيء هى الجواب لكل المقترحات..

ومع هذا فسنظل في موقف الناصحين حتى يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين".

وهذا النص يعقب بنفسه على نفسه، وأنا أهديه إلى المسارعين من الإسلاميين في الحكومات القائمة ، ظانين أو معتقدين ، أنها مؤهلة لتطبيق شرع الله والقيام على حماية تنفيذه.

وصدق الإمام البنا- رحمه الله- عندما قال:" لو كانت لنا حكومة إسلامية صحيحة الإسلام، صادقة الإيمان، مستقلة التفكير والتنفيذ، تعلم حق العلم عظمة الكنز الذي بين يديها، وجلال النظام الإسلامى الذي ورثته، وتؤمن بأن فيه شفاء شعبها وهداية الناس جميعا، لكان لنا أن نطلب إليها أن تدعم الدنيا باسم الإسلام، وأن تطالب غيرها من الدول بالبحث والنظر فيه، وأن نسوقها سوقا إليه بالدعوات المتكررة والإقناع والدليل ".

تلك كانت تجربة الإمام البنا- رحمه الله – مع الحكومات ، فهل يستفيد الإسلاميون منها؟

الفصل الخامس:الإمام البنا – رحمه الله- والتمثيل النيابي

ابتدئ بذكر الإطار الشرعي حسب ما ذكره الإمام البنا- رحمه الله- ثم أثنى بالواقع العملي للمجالس النيابية حسب ما ذكره الإمام البنا أيضا، ثم أعقد مقارنة بينهما لاستخلاص النتائج الهامة من الموضوع.

الإطار الشرعي

يقرر الإمام البنا – رحمه الله- الإطار الشرعي في العلاقة بين الحاكم والمحكوم فيقول:" ومن حق الأمة الإسلامية أن تراقب الحاكم أدق مراقبة، وأن تشير عليه بما ترى فيه الخير، وعليه أن يشاورها وأن يحترم إرادتها ،وأن يأخذ بالصالح من آرائها .

وقد أمر الله الحاكمين بذلك فقال " وشاورهم في الأمر" آل عمران : 159 وأثنى به على المؤمنين خيرا فقال " وأمرهم شورى بينهم " الشورى : 38 .

ونصت على ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين والمهديين من بعده، إذا جاءهم أمر جمعوا أهل الرأي من المسلمين واستشاروهم ونزلوا عند الصواب من آرائهم، بل إنهم ليندبوهم إلى ذلك ويحثونهم عليه، فيقول أبو بكر رضي الله عنه:" فغن رايتمونى على حق فأعيوننى، وإن رأيتموني على باطل فسددونى أو قوموني" ويقول عمر بن الخطاب :" من رأى في اعوجاجا فليقومه" .

والنظام الإسلامى في هذا لا يعنيه الأشكال ولا السماء متى تحققت هذه القواعد الأساسية التي لا يكون الحكم صالحا بدونها".

ويضرب الإمام البنا- رحمه الله – مثلا على الحاكم الذي تجب له الطاعة بخطبتي عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز – رضي الله عنهما – واقتطف ما ذكره الأستاذ البنا من خطبة عمر بن عبد العزيز : قال ك" أما بعد، فإنه ليس بعد نبيكم صلى الله عليه وسلم من نبا، ولا بعد الكتاب الذي أنزل عليه كتاب، ألا ما أحل الله عز وجل فهو حلال على يوم القيامة، وما حرم الله حرام إلى يوم القيامة، ألا لست بقاض ولكنني منفذ .

إلا وإننا لست بمبتدع ولكني رجل منكم، غير أن الله جعلني أثقلكم حملا".

ويشير الأستاذ البنا إلى أن الأمة الإسلامية كانت مجتمعة الكلمة امتثالا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال البنا- رحمه الله- :" وكانت الأمة مجتمعة الكلمة باستمساكها بأهداب الدين، واعتقادها فضل ما جاء به من أحكام، ورعايتها لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتشديده في الوحدة ، حتى أمر بقتل من فارق الجماعة أو خرج على الطاعة .

فقال :" من أتاكم وأمركم جميع يريد أن يشق عصاكم فاضربوه بالسيف كائنا من كان".

كما قال: " من خرج على الطاعة وخالف الجماعة فمات ، مات ميتة جاهلية ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتلة جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي ذا عهد فليس منى ولست منه". ا.هـ.

من هم ممثلوا الأمة الذين يشاورهم الحاكم؟

يقول الأستاذ البنا- رحمه الله- :" وأما عن احترام رأى الأمة ووجوب تمثيلها واشتراكها في الحكم اشتراكا صحيحا فإن الإسلام لم يشترط استبانة رأى أفرادها جميعا في كل نازلة، وهو المعبر عنه في الاصطلاح الحديث بالاستفتاء العام، ولكنه اكتفى في الأحوال العادية بأهل الحل والعقد. ولم يعينهم بأسمائهم ولا بأشخاصهم ، والظاهر من أقوال الفقهاء ووصفهم إياهم أن هذا الوصف ينطبق على ثلاث فئات هم:

1- الفقهاء المجتهدون الذين يعتمد على أقوالهم في الفتيا واستنباط الأحكام.
2- وأهل الخبرة في الشئون العامة.
3- ومن لهم نوع قيادة أو رئاسة في الناس كزعماء البيوت والأسر وشيوخ القبائل ورؤساء المجموعات.

فهؤلاء جميعا يصح أن تشملهم عبارة : أهل الحل والعقد " ا.هـ

الواقع العملي

يقرر البنا أن النظام النيابي المصري منبته أوربي، ولم يكن للمصريين من دور في هذا النظام، سوى أنهم نقلوه ثم وضعوا الدستور على أساسه ، أي : أساس النظام النيابي الأوربي.

يقول الأستاذ البنا- رحمه الله- :" ونحن في حياتنا العصرية قد نقلنا من أوربا النظام النيابي الذي تعيش في ظله حكوماتنا الآن، ووضعنا دستورنا على أساسه وتغير هذا الدستور مرة باسمه كذلك، وجربنا الكثير من آثاره" ا.هـ

إذا ، فهذا بيان واضح من البنا – رحمه الله- تضمن قضيتين أساسيتين:

الأولى : أن النظام النيابي المصري هو نظام أوربي، ومعنى ذلك أنه يلبى مصالح الذين وضعوه، وهم الرأسماليون النصرانيون، ليبرروا هيمنتهم ويحكموا سيطرتهم ويبسطوا نفوذهم بدعم شعبي وهذا النظام، كما نعلم ، لا يمت إلى الإسلام بصلة كما كنت قد بينت سابقا بما يغنى عن الإعادة هنا.
ونحن نتساءل : إذا كان هذا النظام هو نظام أوربي يلبى مصالح مبتدعيه، فلماذا يتبناه الإسلاميون ويدعون إليه ويشاركون فيه ؟ ونحن نعلم أنه ما جاءت بدعة إلا ونحت سنة ، فكيف بها وقد نحت منهاج الإسلام عن الحياة كلية؟ وها أنت ترى أثر ذلك فيما يعلنه كثير من الإسلاميين .
فتكاد لا تشاهد ولا تسمع الطرح الإسلامى البديل للمجالس النيابية ، ولا كيف يمكن الوصول إلى تنفيذ الطرح الإسلامى ، لأن الجميع إلا من رحم الله، غارقون في الحديث والجري في حمأة المجالس النيابية حتى شحوم الآذان.
فها نحن إذا نتبع سنن الذين من قبلنا شبرا بشبر ، وذراعا بذراع حتى عندما دخلوا حجر المجالس النيابية دخلناه وراءهم.
الثانية : أن الدستور المصري وضع على أساس النظام النيابي كما قرر ذلك الإمام البنا، أي على أساس غير إسلامي .. فتأمل.
نظام لحكم هذا الذي يقوم على أساس المجالس النيابية يطلق عليه نظام الحكم الدستوري .
ويقرر البنا أن الإخوان المسلمين يتبنون هذا النظام ولا يعدلون به نظاما آخر.

يقول الأستاذ البنا : " ولهذا يعتقد الإخوان المسلمون أن نظام الحكم الدستوري هو أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام ، وهم لا يعدلون به نظاما آخر" ا.هـ

ويقول البنا – رحمه الله- أيضا" فنحن نسلم بالمبادئ الأساسية للحكم الدستوري باعتبارها متفقة، بل مستمدة من نظام الإسلام، وإنما ننقد الإبهام وطرائق الإنفاذ" ا .هـ.

والذي أقوله : هل يصح عندنا أن ندع النظام الإسلامى ثم نتبنى نظما أخرى، ونبرر ذلك بقولنا أن النظام الذي اخترناه ، أو اختاره غينا لنا، هو اقرب نظم الحكم القائمة إلى الإسلام، ثم أكثر من ذلك لا نعدل به بديلا؟

قد يقول قائل : إن الإمام البنا- رحمه الله- وضع لكلامه هذا ضوابط أقول : نعم.. لكن هذه الضوابط هى من باب التمنيات، وكلامه هنا منصب على النظام النيابي الدستوري القائم بالفعل، وليس على النظام النيابي الذي يتمناه ويخضعه للضوابط.

وأما قول البنا في تبرير قبول هذا اللون من الحكم الدستوري بأنا مبادئه الأساسية متفقة، بل مستمدة من نظام الإسلام، فهو غير مقبول ، ذلك أن الذين وضعوا النظام النيابي الأوربي لم يستمدوه من النظام الإسلامى.

وإنني في الواقع لا أعلم إن كان رجال الحكم والقانون الأوربيون قد خطرت في بالهم هذه الفكرة فضلا عن أن يكونوا قد أتوا بالنظام الإسلامى ودرسوه ثم قننوه أوربيا .

وأما القول إن مبادئه الأساسية متفقة مع نظام الإسلام، فإننا لو سلمنا بذلك، ولسنا بمسلمين فإننا نقول: ليس كل ما هو في الإسلام يمتنع أن يوجد بعض منه عند غير المسلمين .

فإن حصل أن وجد عند غير المسلمين شيء متفق مع ما جاء به الإسلام، فهذا لا يعنى أو أولئك قد أصبحوا مسلمين ، ولا أن نظامهم قد أصبح إسلاميا.

ذلك أن بعض النظم قد تدرك المصلحة في جانب معين، فتتخذ موقفا إزاءه يشابه موقف الإسلام من نفس القضية.

كأن تدرك بعض النظم ضرر الربا فتمنعه، فتمنعه كما هو حاصل جزئيا في بعض الدول الشيوعية سابقا، أو تدرك ضرر الخمر فتمنعه كما حاولت الولايات المتحدة سابقا.

وكذلك نقول في النظام النيابي، فهو قد يتفق في بعض القضايا مع الإسلام.

وحتى هذه القضايا ، فإن لها ضوابطها الإسلامية ، وحدود التحرك ضمن دائرتها ،على عكس الضوابط وحدود التحرك في النظام النيابي لنفس القضية.

ومثال ذلك: الحرية الشخصية مكفولة. هذه الجملة لها مفهومان : مفهوم نيابي ، ومفهوم إسلامي.

فمفهومها النيابي أن الحرية الشخصية مكفولة في إطار القانون الوضعي .

ولما كان القانون الوضعي قد أباح الربا والخمر وحمى الزاني والزانية ونظم القمار، فإن من تعاطي شيئا من ذلك فهو حر، ويحميه القانون الوضعي.

وباسم هذا القانون يمسخ إعلام الدولة ومؤسساتها عقيدة الأمة ويلوث عقول الرجال والنساء والأطفال وباسمه ينشر أصحاب العقائد الباطلة عقائدهم بكل وسيلة مكتوبة ومقروءة ومسموعة.

أما في المفهوم الإسلامى، فمعنى الحرية الشخصية مكفولة أي افعل: ما تشاء على أي وجه تشاء، وفى أي وقت تشاء، ولكن ضمن حدود أوامر الشرع.

فحريتك الشخصية تنتهي عند تلك الحدود، فإذا ما جاوزتها عرضت نفسك للعقاب والتعزير.

فانظر إلى هذا الفارق الواسع الشاسع بين المفهوم النيابي والمفهوم الإسلامى لمقولة: الحرية الشخصية مكفولة.

فهل يصح لنا بعد ذلك أن نقول: إن هذه المادة الدستورية تتفق مع الإسلام، بل مستمدة منه.

كلا، لا نقول ذلك، بل نقول: إنها متفقة ومستمدة من قوانين الغرب وتشريعاته وعندما تذكر في الدستور فإنها تعبر عن معناها بمفهوم قانون الغرب وتشريعه، لا بمفهوم التشريع الإسلامى .

بين الإطار الشرعي والواقع العملي

إن النظام النيابي الأوربي ، الذي قيا عنه إنه أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام، لا يتفق مع ما قرره البنا- رحمه الله- عندما تكلمنا في الإطار الشرعي عن العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

ذلك أن ذاك النظام لا يحقق ما ذكره البنا من تقرير حق الأمة الإسلامية في مراقبة الحاكم، إذ إن أعضاء المجلس النيابي هم في واقع الحال لا يمثلون الأمة، لا من حيث كونهم أهل حل وعقد، ولا من حيث انتخابهم جاء من خلال قنوات تتيح فرصة الترشيح لكل من هو أهل لذلك وإن كان فقيرا معدما، فضلا عن أن كثيرا منهم لا يمثلون عقيدة الأمة أصلا.

بل هم من أعداء هذه العقيدة الألداء، كالشيوعيين والقوميين ومن لف لفهم.

فهل هؤلاء هم المعنيون بقول الله تعالى الذي أشار إليه البنا – رحمه الله- واستشهد به:

" وشاورهم في الأمر" آل عمران 159، وقوله تعالى" وأمرهم شورى بينهم" الشورى : 38. ؟

قطعا ليسوا هم المعنيين . ولو أننا -جدلا – استرسلنا في طرق الاحتمالات فقلنا : لو أن غالبية أعضاء المجلس أقروا وجوب الاحتكام لشرع الله في كل صغيرة وكبيرة، فهل سيقرهم رئيس الدولة على ذلك ، سواء كان أميرا أو ملكا أو رئيس جمهورية؟ إن الحاكم الذي يرنوا البنا إلى وجوده غير موجود ، ذلك الحاكم الذي أشار إليه البنا باستشهاده بفقرات من خطبة أبى بكر رضي الله عنه عند توليه الخلافة، ومن قول عمر رضي الله عنه وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.

إن الملك فؤاد أو الملك فاروق والذين جاءوا من بعدهما قد سلكوا طريق الغواية والفساد والتعاون مع الأجنبي، فهم أبعد ما يكونون عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وبالتالي ، فإن هؤلاء لا تجب لهم طاعة وهم على حالهم ذلك الذي وصفنا.

فإن كلا من أبى بكر وعمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم كلهم جميعا اشترطوا طاعتهم في طاعة الله عز وجل، فإن عصوه فلا طاعة لهم ذلك أنهم متبعون وليسوا مبتدعين و"إنما الطاعة في المعروف" كما نص عليه صلى الله عليه وسلم.

إذا لا طاعة لمن نحى شريعة الله، ووقف بجنده ومؤسساته حائلا بين تلك الشريعة وبين احتكام الناس إليها .

فوجود مثل هذا لحاكم على قمة هرم السلطة سيلغى أو يعطل بوسائله الخاصة، ومن خلال نفوذه واستغلاله للمنتفعين والانتهازيين كل محاولة جادة تأتى من خلال المجلس النيابي لتحكيم شريعة الله وسيأتي بعد حين إن شاء الله تعالى تفصيل هذه النقطة من واقع حال مصر وحكامها ، والله المستعان.

ولقد تكلم الإمام البنا- رحمه الله – كما عرضت في الإطار الشرعي، عن وحدة كلمة المسلمين ، وأنه من خرج على الطاعة وخالف الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية .

أقول : نعم ، ثم ألف نعم، لوحدة كلمة المسلمين .

ولكن وحدتهم على ماذا ؟ نعم، إن كانت على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

ولا يمكن للمسلمين أن يتحدوا بغير ذلك.

ولكن هؤلاء الناس الذين لم يبق لهم من الإسلام إلا اسم محمد وأحمد ومحمود، في حين أن عقيدتهم شيوعية أو قومية، هل خرجوا على الطاعة ، وخالفوا الجماعة؟ اللهم نعم.

وهل يتوانون عن الخروج على أمة المسلمين فيضربون برها وفاجرها، وقد فعلوها في الموصل وحماة وأسيوط وغيرها؟ كلا، إنهم لا يتوانون عن ذلك، بل يفعلونه بأشد ما عندهم من قوة وما يملكونه من بطش.

إذا ، كيف يكون لهؤلاء حق الترشيح والانتخاب، ثم التسكع بين كراسي المجلس النيابي ليشرعوا القوانين للمسلمين وهم ينفثون دخان سجائرهم، أو ربما يترنح بعضهم من سكره ولكن ما العمل؟ فإن طبيعة خذا النظام النيابي الأوربي تتيح لشذاذ الآفاق من هؤلاء ، وأمثالهم، أن يتسنموا هذه المواقع التشريعية المهمة.. فيا حسرة على المسلمين الذين رضوا بهذا الواقع وانقادوا له خانعين.

فإذا فهمنا هذا الكلام واستوعبناه جيدا، فإنني أقول: إن المراتب الثلاث التي وصفها البنا لأهل الحل والعقد لا تصلح أن تكون فئة منها في موضع التشريع إلا الفئة الأولى فقط، وهم الفقهاء المجتهدون أو من كان في حكمهم إزاء القضية المعروضة.

وعندما أقول " موضع التشريع" فلا أعنى التقدم بين يدي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بل أقصد فيما أتاحته الشريعة من ضوابط لمعرفة أحكام الله تعال وتنزيلها على القضايا الواقعة.

وأما أهل الخبرة في الشئون العامة فيستشارون فيما يتعلق باختصاصاتهم ويستفاد من خبراتهم.

وكذا يقال فيما يتعلق بالفئة الثالثة التي لحظ فيها البنا ما للنفوذ الاجتماعي من مكانة .

ولكن هؤلاء لا يكونون من أهل الحل والعقد إن زاغت عقائدهم وضلت أفكارهم وتصوراتهم.

فالشيوعيون والعلمانيون ومن على شاكلتهم لا مكان لهم في مقاعد أهل الحل والعقد، بل مكانهم حيث يناسب ظلام وأفكارهم وسواد ضلالهم.

ولا شك أنه يجب على رئيس الدولة المسلمة أن يأخذ على أيدي هؤلاء وأن يقعد لهم كل مرصد، لا أن يعطيهم فرصة نشر سمومهم وأباطيلهم باسم الانتخابات والمجالس النيابية وتمثيل الشعب.

ولكن أين هو رئيس الدولة المسلمة الذي يتمثل أمر الله تعالى؟

وبعد ، فقد تبين لنا تماما أن الواقع العملي الحاصل في مصر بشأن المجالس النيابية مخالف للإطار الشرعي الذي بينه البنا – رحمه الله-.

الفصل السادس:تحفظات الإمام البنا – رحمه الله-على التطبيق العملي للمجالس النيابية:

البنا – رحمه الله – له تحفظات بشأن موضوع المجالس النيابية.

وعندما أقول تحفظات فهذا يعنى أنه لا يرفضها .

فهو يقر أن مصدرها أوربا، فيقول:" إننا نقلنا هذا النظام النيابي الذي تعيش حكوماتنا في ظله عن أوربا" ولكنه يقبلها ، فيقول: ليس في قواعد هذا النظام النيابي ما يتنافى مع القواعد التي وضعها الإسلام لنظام الحكم" ويقول: " ومع أن النظام النيابي والدستور المصري في قواعدهما الأساسية لا يتنافيان مع ما وضعه الإسلام في نظام الحكم".

إذا ، فإننا عندما نذكر تحفظات البنا على المجالس النيابية ، فهذا لا يعنى أنه رفضها، بل هو يقبلها مع التمني أن تأخذ تحفظاته طريقها إلى التطبيق .. وأنى السبيل إلى ذلك؟

إن مجمل تحفظات البنا- رحمه الله- ثلاثة:

الأول: تحفظه على الدستور، وقد بينت ذلك سابقان وأعيد هنا ما يفيد هذا .

:يقولالبنا – رحمه الله- :" إننا نصرح بأن هناك قصورا في عبارات الدستور وسوءا في التطبيق، وتقصيرا في حماية القواعد الأساسية التي جاء بها الإسلام وقام عليها الدستور، أدت جميعا إلى ما نشكو، منه من فساد وما وقعنا فيه من اضطراب في كل هذه الحياة النيابية" وليست لي زيادة تعقيب إزاء هذا التحفظ عما ذكرته سابقا.

الثاني: تحفظه على الحزبية:

معلوم أن العمود الفقري للحياة النيابية هو التكتلات الحزبية. وتستنفر تلك الأحزاب جميع طاقاتها، وتوظف كل إمكاناتها قبل الانتخابات بفترة طويلة لتجميع أكبر عدد ممكن من الأصوات لصالحها. وإن النتيجة النهائية للانتخابات هى في الواقع محصلة التنافس الشديد بين تلك الأحزاب والجماعات.
فما هو واقع هذا التنافس الحزبي في مصر، وما هى انعكاساته على المجلس النيابي؟ يجيب عن هذا السؤال الأستاذ البنا فيقول:" لقد انعقد الإجماع على أن الأحزاب المصرية هى سيئة هذا الوطن الكبرى، وهى أساس الفساد الاجتماعي الذي نصطلي بناره الآن ، وأنها ليست أحزابا حقيقية بالمعنى الذي تعرف به الأحزاب في بلد من بلاد الدنيا ، فهي ليست أكثر من سلسلة انشقاقات أحدثتها خلافات شخصية بين نفر من أبناء هذه الأمة اقتضت الظروف في يوم ما أن يتحدثوا باسمها وأن يطالبوا بحقوقها القومية، كما انعقد الإجماع على أن هذه الأحزاب لا برامج لها ولا مناهج، ولا خلاف بينها في شيء أبدا إلا في :الشخصيات، وآية ذلك واضحة فيما تعلن من بيانات خارج الحكم، وفيما تطلع به من خطب العرش داخل الحكم.
وبما أن الأحزاب هى التي تقدم الشيوخ والنواب ، وهى التي تسير دفة الحكم في الحياة النيابية، فإن من البديهي ألا يستقيم أمر الحكم وهذه حال من يسيرون دفته" ا.هـ
وبناء على هذا التحليل فإن النتيجة المنطقية التي يراها البنا- رحمه الله – هو حل الأحزاب كلها، ثم تجمع قوى الأمة في حزب واحد.

:'يقول البنا ':" ولم يعد الأمر يحتمل أنصاف الحلول، ولا مناص بعد الآن من أن تحل هذه الأحزاب جميعا، وتجمع قوى الأمة في حزب واحد يعمل لاستكمال استقلالها وحريتها ويضع أصول الإصلاح الداخلي العام، ثم ترسم الحوادث بعد ذلك للناس طرائق في التنظيم في ظل الوحدة التي يفرضها الإسلام"

:'ويقرر البنا : '" عن النظام النيابي لا يأبى هذه الوحدة، وبخاصة إذا كان لون الحياة الاجتماعية واحدا في أصوله واتجاهاته العامة كما هو شأن الأمم الإسلامية جميعا في هذه الأيام.. ومع هذا فإن الحكم النيابي في اعرق مواطنه لم يقم على هذه الحزبية المسرفة، فليس في انجلترا إلا حزبان فهما اللذان يتداولان فيها الأمر".

ويوضح البنا أن وحدة الأمة ليست بديلا للنظام النيابي فيقولك" وإذا كان الأمر كذلك، وكانت وحدة الأمة أساسا في النظام الاجتماعي :الإسلامى ، ولا يأباه النظام النيابي ، فإن من الواجب أن نتحول سريعا إلى الوحدة"

إذا ، خلاصة تحفظات البنا- رحمه الله – بشأن الحزبية هى:

- أن الأحزاب في مص أساس الفساد الاجتماعي.
- وان تعددها جاء نتيجة توجهات شخصية.
- وأنها لا تملك برامج ولا مناهج.
- فلابد من حل هذه الأحزاب جميعا.

:وتعقيبا على ذلك أقول وبالله التوفيق: إن طبيعة النظام النيابي، وخاصة الذي استوردته البلاد الإسلامية ، يقوم على أساس تعدد الأحزاب وإذا كان الأستاذ البنا – رحمه الله- يتمنى عدم وجود الأحزاب فإن الواقع لا يلبى له تلك الأمنية الغالية .

فالأحزاب موجودة في اللعبة النيابية لا محالة.
وليس ضروريا أن تكون هذه الأحزاب معلنة ومعترف بها فمن قبل الدولة.
فربما هناك دول تتبنى النظام النيابي وليس فيها أحزاب معلنة ومعترف بها رسميا، كالكويت مثلا. فمن الناحية الرسمية. قد تكون :الأحزاب كلها محلولة، ولكنها من الناحية الواقعية موجودة وقائمة ولها قياداتها وقواعدها .
فإذا ، حتى لوحلت هذه الأحزاب رسميا كما تمنى الإمام البنا ، فإنها واقعيا ستبقى موجودة تحت الأرض ولا تمر الانتخابات إلا من خلال قنواتها ومعنى ذلك أنه ليس صحيحا القول عن وحدة الأمة هى البديل الحتمي لحل الأحزاب.. وأما من جهة تعدد الأحزاب ، فنعم ، قد تتعدد الأحزاب بسبب طموحات شخصية وخلافات بين القيادات.
وقد يكون هذا صحيحا بالنسبة لمصر، ولكننا لا نستطيع اعتباره مطردا في كل بلاد المجالس النيابية.
ولا شك أننا نوافق البنا – رحمه الله – أن هذه ألأحزاب هى أساس الفساد الاجتماعي، وكذا العقدي، طالما هى أحزاب أرضية جاهلية، ذلك أن الصلاح العقدي والاجتماعي لا يمكن أن يتأتى إلا عن طريق منهج الله تعالى الذي بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما كون تلك الأحزاب الأرضية لا تملك برامج ولا مناهج، فهذا أيضا ليس مطردا ،إذ ربما كان ذلك صحيحا في مصر كما قال البنا – رحمه الله- عما هو ظاهر في وقته، ولكن بشكل عام نقول : إن الأحزاب الشيوعية والقومية لها برامجها ومناهجها ومخططاتها، وربما قد نقع في السذاجة إذا ظننا أن تلك الأحزاب لا تملك مناهج ولا برامج.

':والخلاصة': إن هذه الحزبية هى من مستلزمات النظام النيابي الذي لا انفكاك له عنها، وبالتالي فإنه ما دام هناك نظام نيابي فهناك أحزاب، سواء معلنة أو مستترة .

وسيعكس ذلك ظله على كل البلاد.

:ويصدق هنا قول البنا – رحمه الله – عن نتيجة هذه الحزبية إذ قال عنها:" بل فهمناها عداوة وبغضاء تتعدى النظر في المصالح العامة إلى المقاطعة في كل الشئون عامة وخاصة.. وهذا الشعور البغيض والفهم الخاطئ للحزبية الذي تحول إلى عداوة متأصلة قد كان من نتائجه أن انصرفت معظم الجهود الفكرية والعملية إلى أمرين استغرقا كل اهتمام رجالنا، وهما: الإيقاع بالخصوم الحزبين، واتقاء مكائدهم، فالحاكم يصرف جل همه في هاتين الناحيتين، والمعارضة لا تقل عن الحاكم اهتماما بهما، وفى سبيل ذلك تضيع الحقوق، وتتعطل المصالح، ويرثى الأصدقاء، ويشمت الأعداء، ويستفيد الخصم الجاثم على صدر البلاد".

الثالث : التحفظ على نظام الانتخابات:

يقرر البنا أن الفقهاء الدستوريين قد وضعوا نظم الانتخابات، وأن الإسلام لا يأبى هذا التنظيم، فيقول:" ولقد رتب النظام النيابي الحديث طريق الوصول إلى أهل الحل والعقد بما وضع الفقهاء الدستوريون من نظم الانتخابات وطرائقه المختلفة، والإسلام لا يأبى هذا التنظيم ما دام يؤدى إلى اختيار أهل الحل والعقد، وذلك ميسور إذا لوحظ في أي نظام من نظم تحديد الانتخاب صفات أهل الحل والعقد وعدم السماح لغيرهم بالتقدم للنيابة عن الأمة".

ثم يتطرق الإمام البنا لبيان عيوب نظم الانتخابات في مصر فيقول:" ولقد شعر الجميع بقصور قانون الانتخاب الحالي عن الوفاء بالغرض الذي وضع من أجله، وهو الوصول إلى اختيار الصالحين للنيابة عن ألأمة، ووجهت إليه انتقادات مرة كشفت عن كثير من العيوب التي أهمها ما ذكره الدكتور سيد صبري في كتابه " مبادئ القانون الدستور" : أنه أوجد هيئة ناخبة لا يمكنها تحقيق الغرض من الانتخابات على الوجه المطلوب، وأنه لم يحقق فكرة تمثيل الأمة تمثيلا صحيحا، وانه لم يصل إلى إيجاد هيئة تعمل للصالح العام مجردة من كل قيد .. وقد أورد بعد ذلك إحصائية دقيقة خلص منها بالأرقام إلى أن قرارات البرلمان المصري في أدواره المختلفة لا تعبر عن رأى الأمة ولا عن رأى أكثريتها ولا عن رأى أقلية محترمة من أبنائها، وإنما تعبر عن رأى نسبة ضئيلة من مجموع من له حق الانتخاب، لم تصل يوما ما إلى 12% ".

وبعد ذلك فإن الإمام البنا كان يرى ضرورة تعديل قانون الانتخاب في مصر فقال :" لابد من تعديل وإصلاح لقانون الانتخاب".

وإليك ملخص التعديلات التي طرحها الأستاذ البنا – رحمه الله-:

1- وضع صفات خاصة للمرشحين.
2- وضع حدود للدعاية الانتخابية ، وفرض عقوبات على من يخالف الحدود .
3- إصلاح جداول الانتخاب، وتعميم نظام تحقيق الشخصية.
4- وضع عقوبة قاسية للتزوير من أي نوع كان للرشوة الانتخابية كذلك.
5- وإذا عدل إلى الانتخاب بالقائمة لا الانتخاب الفردي كان ذلك أولى وأفضل.

ولى على كلام الأستاذ البنا- رحمه الله- الملاحظات التالية:

1- قال الأستاذ البنا: " إن نظام الانتخابات رتب طريقة الوصول إلى أهل الحل والعقد ، والإسلام لا يأبى هذا التنظيم إذا لوحظ في ذلك صفات أهل الحل والعقد"
وأقول : من الذي سيحدد أهل الحل والعقد، أهو الحاكم اللاهي الساهي، أم الأزهر، أم من ؟ نحن نتمنى أن لا يكون في مجلس شورى المسلمين إلا أهل الحل والعقد من فقهاء المسلمين المتجردين لله، الداعين إلى دينه وتنفيذ شرعه.
لكن هذه الأمنية شيء والواقع شيء آخر. ثم إذا حدد أهل الحل والعقد هل ستطرح أسماؤهم للانتخابات فيبدأ كل منهم ببيان فضائله وعلو محاسنه وجميل خلقه وكريم أعماله، وأنه أفضل في هذه الصفات من فلان وعلان، اللذين هما أيضا من أهل الحل والعقد، وأنه هو البحر العلامة، الحبر الفهامة، وحيد عصره، وفريد زمانه، فلا ينبغي أن يحل ويعقد في دائرة انتخابه غيره. أقول: لو فعل ذلك لما كان جديرا أن يرشح أصلا ليكون من أخل الحل والعقد.
فهذه التركيبة الانتخابية تتناقض أصلا مع طبيعة طرح البنا.
هذا من جهة، ثم من جهة أخرى، من هم هؤلاء الذين سيحكمون بأفضلية فلان على فلان وكلا الفلانين من أهل الحل والعقد .
من سيحكم بأفضلية أحدهما': أهؤلاء الذين ليس لهم في دنياهم إلا جمع المال من حل أو من حرام، وليس لهم من المؤهلات إلا أنهم تجاوزوا السن القانوني الذي يسمح لهم بالانتخاب، أم ألئك الذين يقتلون أوقاتهم في الشيشة والمقاهي ولعب الدومنة والورق وهم لا يعلمون من أمور دينهم شيئا، أم أولئك الذين يسمون أنفسهم مثقفين وليست ثقافتهم إلا كتب جرجى زيدان وتخريفات طه حسين وكتب دستوفسكى وأرنست همنغواى وألبير كامو وسيمون دوبرفوار وجان بول سارتر ومن هل شاكلتهم وألوانهم، وهم لا يعرفون كيف يتوضئون ، وتختلط عليهم جهة القبلة بجهة السينما والمسرح؟ أم أولئك الذين يعملون في أجهزة الإعلام الذي ينشر الرذيلة ويعادى الفضيلة، أو أولئك الذين يعملون في البنوك الربوية والمصارف الاحتكارية والشركات الرأسمالية ، وليس لهم من رصيد إلا تلك الورقة التي منحتهم إياها جامعة من الجامعات والتي تسمى ( شهادة تخرج) وما أرخص شهادات التخرج في هذه الأيام التي أصبحت شهادات الدكتوراه تباع فيها بأرخص الأثمان.
أقول : أهؤلاء الطغام من تلك الأصناف التي ذكرتها، ومن أمثالها أشكال، يصلحون ليدلوا بأصواتهم في الانتخابات فيفاضلون بين أهل الحل والعقد، فينتخبون فلانا ويحجبون أصواتهم عن فلان.
فإذا كان النظام النيابي قد رتب طريقة الوصول على أهل الحل والعقد كما قال البنا- رحمه الله- وهو لم يرتب ذلك، فهل رتب طريقة انتخاب أهل الحل والعقد؟ كلا ، ثم كلا.
2- يقرر البنا النتيجة الحتمية التي وصلنا إليها آنفا فيقول: " لقد شعر الجميع بقصور قانون الانتخاب الحالي عن الوفاء بالغرض الذي وضع من أجله وهو الوصول إلى اختيار الصالحين للنيابة".
إذا ، فالقضية ليست كامنة في قصور قانون الانتخاب، بل هى كامنة في طبيعة النظام النيابي وتركيبته الهيكلية .
فأرني ، يرحمك الله، في أي بقعة في العالم وجد فيها النظام النيابي ولم يخضع لملابسات أحوال المنتخبين الذي ذكرتها سابقا.
إنك لو استطعت أن تضع قانونا تفصيليا ينفرز لدى تطبيقه أهل الحل والعقد فإنك لا تستطيع أبدا أن تضع قانونا ينفرز من خلاله جماهيريا من هو صالح لانتخاب أهل الحل والعقد ومن هو غير صالح.
ولذلك أقول: إن مجلس الشورى المكون من أهل الحل والعقد لا ينبغي أن يأتي من خلال هذه الانتخابات الجماهيرية الشعبية، بل يأتي بعضه من خلال التعيين والاختيار، وبعضه من خلال الترشيح من قبل هيئة علمية شرعية أو بأي طريقة أخرى تكفل ضمان وصول من هم فعلا رجال أهل الحل والعقد إلى مجلس الشورى.
فالقضية ليست قصورا في قانون الانتخاب، إذ إن قانون الانتخاب للمجالس النيابية هذا هو واقعه ولا يمكن الارتقاء به فوق هذا .
ولنا مزيد من التفصيل في الكلام عن هذه النقطة بعد حين إن شاء الله تعالى.
3- نقل البنا- رحمه الله – عن الدكتور سيد صبري " أن قرارات البرلمان المصري في أدواره المختلفة لا تعبر عن رأى الأمة ولا عن رأى أكثريتها ولا عن رأى أقلية محترمة من أبنائها".
أقول: نعم هذه هى النتيجة المنطقية للنظام النيابي، وهل تستطيع أن تدلني على مجلس نيابي في إحدى البلاد الإسلامية خالف هذه النتيجة؟
إن الإسلاميين لا ينبغي لهم أن يمروا على هذه الحقائق مرور الأعشى ويعيدوا أخطاءهم باستمرار.
يقول البنا: " ليس الخطأ عيبا في ذاته، ولكن الرضا به والاستمرار عليه والدفاع عنه هو الخطأ ، كل الخطأ".
فإذا كانت الأمة تريد أن يطبق فيها شرع الله، وهذا هو رأيها القاطع وعقيدتها الراسخة ، فلماذا يرضى الإسلاميون أن يكونوا في مجلس لا يعبر عن رأى الأمة ولا عن رأى أكثريتها؟.
4- كان البنا يرى أن قانون الانتخابات لا يصلح، فلابد من تعديله.

فمن التعديلات التي طرحها البنا:" وضع صفات خاصة للمرشحين"

معلوم أنه من الصعوبة البالغة أن توضع ضوابط لهذا التعديل ، سواء كان المرشح للنيابة ممثلا لهيئة أو مستقلا، فلو اشترطت أن يكون مصليا مثلا، فإنه إن كان لا يصلى ورشح نفسه فلا تستطيع أن ترفضه، لأنه سيقول: إني أصلى في البيت، وقبيل أن يتقدم لترشيح نفسه ستجده يصلى في المسجد في الصف الأول خلف الإمام مباشرة، ولا تفوته صلاة أبدا، ابتداء من صلاة الفجر وحتى صلاة العشاء، فضلا عن تمتمة شفتيه بالذكر، ومداعبة أصابعه للسبحة وجلوه بين الصلوات لتلاوة القرآن.

فإذا جاءك هذا التارك للصلاة طول الفترة السابقة، ثم لم يصل بعد ذلك إلا للانتخابات، فهل تستطيع أن ترفض ترشيحه ولو باسم القانون، فإنه الآن يصلى .

فبالله عليك، كيف ستضبط هذه القضية؟

وإذا ذكرت في صفات المرشح أنه لا يتعامل بالربا مثلا، فكيف ستضبط ذلك؟ إن هذا المرشح صاحب الرصيد المودع في البنك الربوى سيسارع قبيل الانتخابات إلى سحب رصيده من ذلك البنك ثم يودعه في بنك إسلامي وبعد الانتخابات يعود سيرته الأولى ويتاجر بالربا. فما هو السبيل لضبط هذا القيد؟

وهكذا فإننا لو استرسلنا في ضرب الأمثلة لوجدنا أن هذا القيد هو في حقيقته قيد غير منضبط، وبالتالي فإن إدخاله في قانون الانتخابات لن يقدم ولن يؤخر شيئا.

وأما التعديل الثاني وهو " وضع حدود للدعاية الانتخابية وفرض عقوبات على من يخالف هذه الحدود" فأقول : إن جميع المرشحين سيطرحون شعارات يبتزون بها عواطف الجماهير ، فإذا قال الإسلامى في دعايته: إنني سأحقق العدالة الاجتماعية ، فإن الشيوعيين والقوميين أيضا سيقولون ذلك في دعاياتهم.

بل أكثر من هذا ، سيقولون : إننا ندعو إلى وحدة الكلمة وإنصاف العامل والفلاح والموظف، وإلى تحقيق المساواة بين طبقات الشعب وإلى تحقيق السيادة الوطنية، والاستقلال الاقتصادي ، وحفظ الأمن، والنهوض بأعباء الدفاع، وتعبئة الطاقات والإمكانات لتحرير فلسطين، والنضال ضد الامبريالية العالمية، والمناداة بحقوق الإنسان، وهلم جرا.

ماذا تقول لمن يرضع هذه الدعايات الانتخابية؟ إن كل هذه اللافتات هى في حدود القانون الانتخابي المعدل؟ إذ إن هذا القانون مهما عدل فإنه لا يستطيع إلغاء أي واحدة من هذه الشعارات والدعايات التي ذكرتها.

فإذا ، إن قانون الدعاية الانتخابية مهما عدل فإن مساحته تتسع لشعارات جميع التيارات التي تتاجر بعواطف الناس المساكين. فهذا القيد، وذاك التعديل المطلوب، لن يحققا الغاية المقصودة.

وأما التعديل الثالث الذي ذكره البنا- رحمه الله- فهو تعديل إجرائي لن أتوقف عنده.

وأما التعديل الرابع وهو :" وضع عقوبة قاسية للتزوير.. " فأقول : إن التزوير لا يقره القانون في أي شرع من الشرائع سواء كانت سماوية أو أرضية، فهو مرفوض في الشرق والغرب على حد سواء ، هذا من جهة القانون .

وأما من جهة الوقاع فالتزوير حاصل ، وتشرف عليه وترتبه الحكومة التي تشرف على الانتخابات، فمن الذي سيعاقبها؟ وأذكر لك الآن بهذه المناسبة ما أورده خالد العظم رئيس الوزراء السوري السابق في مذكراته ، إذ قال: " وعند فرز الأصوات ظهر أن سعيد الغزى نال عددا يفوق ما ناله شكري القوتلى ، فكانت مفاجأة غير سارة.

ولم ترتح اللجنة لإعلان النتيجة الصحيحة، فكيف يصح أن ينال رئيس القائمة زعيم البلاد أصواتا اقل من أحد أفراد قائمته؟ فاضطر الأعضاء لإنقاص عدد أصوات الغزى بما يجعلها تلي عدد أصوات القوتلى. وبالطبع فإن هذا التعديل والتبديل لا يجوز تسميتهما تزويرا بل تجميلا".

أرأيت كيف تقوم الحكومة بالتزوير ثم تسميته تجميلا، ألا ترى كيف يستغفل هؤلاء المتسلطون شعوبهم ويركبون فوق ظهورهم؟

إذا ، إذا كان التعديل المطروح هو وضع عقوبة قاسية للمزور فإن هذا التعديل سيبقى في الإطار النظري؟ فلا أبرع من حكومات البلاد الإسلامية في التزوير ، فهي صاحبة الرقم المسجل باسمها وهو 99,999 %.

وأما التعديل الخامس وهو:" الانتخاب بالقائمة وليس بالفرد" فها لن يغير شيئا فما أتقن المرشحين لهذه اللعبة؟ وكم من انتخابات كانت قوائم المرشحين فيها تضم أسماء أقصى اليسار على جانب أمساء أقصى اليمين.

والانتخابات بالقائمة تساعد على توسيع دائرة المناورات الانتخابية.

وعلى كل حال، فهذا التعديل ليس تعديلا جوهريا.

فالخلاصة: لقد تبين لنا أن التعديلات التي طرحها الإمام البنا- رحمه الله- لإصلاح قانون الانتخابات لا تجدي فتيلا من الناحية العملية. وهى بمثابة محاولة لترقيع هذا الثوب المهترىء لا أكثر.

الفصل السابع: الإمام البنا- رحمه الله- يرشح نفسه للانتخابات النيابية:

يقول الأساذة أنور الجندي في كتابه" حسن البنا الداعية الإمام والمجدد الشهيد" :" ضاعف الانجليز ضغطهم وضاعفت الحكومة شدتها ، وكانت الملاحظة الواضحة الجلية أن المنفذ الوحيد للرأي، وأن المنبر الذي كانت تعلن فيه شكاية أهل الحق في ذلك الوقت منبر مجلس النواب، إذ كانت الصحف لا تجرؤ حينذاك، على التوقف عن نشر مضابطه، فكان ما ينشر من مناقشات المجلس هو البصيص الوحيد من النور، هذا هو الذي حدا بالمؤتمر السادس للإخوان المنعقد في يناير 1941م أن يصدر قرارا بالإذن لمكتب الإرشاد بالتقدم بالأكفاء من الإخوان إلى الهيئات النيابية المختلفة ليرفعوا صوت الدعوة وليعلنوا كلمة الجماعة.

وجاءت وزارة النحاس في فبراير شباط 1942 م وباشرت إجراء الانتخابات، ورأى الإخوان الفرصة سانحة، وتقدم المرشد في دائرة الإسماعيلية رغبة في أن يكون للإخوان موقف إيجابي، وقد تنازل عن الترشيح بناء على محاولات رئيس الحكومة الذي صرح بأنه أمام تبليغ من الانجليز ، فإما التنازل وإما إعلان الحرب على الإخوان بكل وسيلة.. وأقيلت وزارة النحاس باشا في أكتوبر تشرين أول 1944،وجاءت وزارة أحمد ماهر، وحل مجلس النواب، وباشرت الحكومة إجراءات الانتخابات من جديد، ودارت الساقية المعروفة دورتها المألوفة.

وامتنع الوفد عن دخول الانتخابات كما امتنعت الأحزاب من قبل.

وكان الإخوان أمام قرار المؤتمر السادس من ناحية، وأمام التزامهم لأهل دائرة الإسماعيلية من جهة أخرى.. أصدر مكتب الإرشاد قرارا واضحا بأن هيئة الإخوان لا ترشح أحدا من أعضائها بصفته الاخوانية، وأن مت يريدون أن يتقدموا إلى الترشيح فإنهم يتقدمون بصفتهم الشخصية كمستقلين ، وقد رجا المكتب بعد ذلك عددا كبيرا من الإخوان أن يعدلوا عن الترشيح والتقدم حتى أصبح عدد المتقدمين، من الإخوان لا يزيد عن بضعة أفراد، منهم المرشد العام في الإسماعيلية ، وآخرون في بنها والفيوم ومطر طارس ومنفلوط والفاروقية"

ثم قال الأستاذ أنور الجندي: يقول الأستاذ – أي : البنا " ولقد أقدمنا على هذا الميدان مخلصين كل الإخلاص، برآء كل البراءة ، مدفوعين إليه بحب الخير والحرص على المصلحة والغيرة على الدعوة المقدسة والرغبة في اختصار الوقت وإعلان رسالة الإصلاح الإسلامى من فوق هذا المنبر الرسمي.

وما كان يدور بخلدنا عن الخطة الوطنية المجردة إلى الحزبية السياسية البغيضة ، وأنه استغلال للدعوة البريئة أريد به الوصول إلى الجاه الدنيوي والكرسي الحكومة وأن الإخوان بعدما كانوا دعاة دين قد أصبحوا محترفي سياسة، وأنهم بذلك ينافسون الأحزاب القائمة ويناوئونها ويخاصمونها، ويعلنون حربا لا هوادة فيها.

هذه ما كانت تخطر لنا ببال، ذلك أننا لم نكن نطلب من وراء هذا الترشيح حكما ولا مغنما بدليل أننا لم يتقدم منا في المرة الأولى إلا اثنان، وفى المرة الثانية إلا ستة، وإننا لم نقصد بذلك مناوأة أحد أو خصومته، بدليل أننا تنازلنا في المرة الأولى وتفاهمنا في المرة الثانية، وأعلنا في كل من المرتين أننا نشجع أهل الخير والصلاح مهما كانت ألوانهم الحزبية، وإننا لم ننحرف بذلك عن نهج الدعوة القوم وصراطها المستقيم.

فقد أعلنا في وضوح أن المرشحين إنما يتقدمون بصفتهم الشخصية لا بصفتهم الاخوانية، وأن من واجب الإخوان أن يناصروا من المرشحين من يأملون فيهم العمل لخدمة الفكرة الإسلامية ، فضلا عن أن نجاح الإخوان في البرلمان من خير ما يساعد على ظهور الدعوة وقوتها ونجاحها وهو حق مكفول لكل مواطن، ومن الظلم أن يحرم منه شخص بسبب انتمائه إلى الدعوة أو جهاد في سبيل الفكرة.

ولكن هكذا انطلقت الألسنة بقالة السوء تكيل الاتهام وتلغ في الظلام..

ويقول بعض الخلصاء الذين لا يتهمون في رأى ولا نصيحة: إنكم تعجلتم الأمر قبل الأوان، وكان عليكم أن تنتظروا فترة حتى يتم النضج الشعبي ويكتمل الوعي القومي، وحينئذ تكونون المطلوبين لا الطالبين، والمدعوين لا الداعين، وسواء أكان هذا القول صحيحا كل الصحة، أم مبالغا فيه بعض المبالغة، فحسبنا أننا ما قصدنا إلا الخير، وما أردنا إلا النفع، وما تحرينا إلا ما اعتقدنا أنه الحق".

ثم يعقب الأستاذ أنور الجندي على ذلك بقوله: " ولقد جرت مناقشات كثيرة في شأن التقدم إلى الانتخابات التي ستجيء بعد ذلك، أو في شان الإحجام ، ولكل فريق حجته، وكانت هناك وجهة نظر أن هذا الطريق لا يوصل ، وأن الطريق الصحيح هو طريق الإقناع والدعوة الفردية، ولم يقطع الإخوان برأي في ذلك، وكان واضحا أن الأستاذ يرى أن هذا طريق لا بأس من تجربته " ا.هـ كلام الأستاذ أنور الجندي.

وأتوقف إزاء هذا النص عند بعض النقاط

1- إن مكتب الإرشاد أصدر قرارا عام 1941 م بالإذن للأكفاء من الإخوان أن يتقدموا للهيئات النيابية ليرفعوا صوت الدعوة وليعلنوا كلمة الجماعة.
وفى عام 1944م أصدر مكتب الإرشاد قرارا يسمح للإخوان أن يشاركوا في ترشيح أنفسهم بصفتهم المستقلة لا الاخوانية.
وقد رشح الأستاذ البنا نفسه في المرة الأولى عام 1942م وفى المرة الثانية عام 1944م عن دائرة الإسماعيلية.
إذا مشاركة الإخوان في الترشيح للمجلس النيابي لم تكن مبادرة فردية من حسن البنا – رحمه الله- أو من أفراد الإخوان الآخرين، وإنما كانت بقرار صادر من مكتب الإرشاد في كلتا المرتين.
إذا ، هذا الموضوع يمثل خطأ للجماعة وليس اجتهادا من الأفراد.
ولا يضير حكمنا هذا أن جماعة في ا لمرة الثانية قد وافقت على دخول المجلس النيابي من خلال الترشيح المستقل، وليس من خلال الترشيح المنتمى ، فالأمر سيان، والنتيجة من حيث الجانب المبدئي واحدة، إذ أن رأى مكتب الإرشاد مكان مبنيا على منظور المناورة لا على الحكم الشرعي في المسألة.
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن مشاركة الإخوان المسلمين في السنين اللاحقة في المجالس النيابية كانت مستندة على هذا الموقف المبدئي القديم لمكتب الإرشاد في مصر.
فلا يفوتك أن تتأمل هذا المعنى جيدا.
2- الانتخابات أجريت عام 1942م، لكن المجلس حل عام 1944م وأجريت انتخابات جديدة.
هكذا بجرة قلم يحل مجلس ويؤتى بآخر.
فهل يصلح هذا الأسلوب منهج عمل ويتخذ منبر دعوة؟ وهل بهذه البساطة يطاح بكل الجهود المضنية والتكاليف الباهظة والأوقات الثمينة التت بذلت لأجل إيصال المرشحين إلى المجلس النيابي؟
إن هذه عبرة، ولكن من يعتبر؟
وإنه من اللافت للنظر أن بعض الإخوان رشحوا أنفسهم لانتخابات عام 1944م لكن الوفد امتنع عن المشاركة فيها.
إذا ، مشاركة الوفد في الانتخابات أو امتناعه عن المشاركة فيها خاضع للمصلحة الحزبية عند أولئك القوم.
إلا أن المسألة بالنسبة للإخوان المسلمين لا ينبغي أن تخضع لذلك المقياس ، وإنما ينبغي أن تخضع للمقياس الشرعي المنهجي.
وأنا لا أدعى ، وليس لأحد أن يدعى، أن مشاركة الإخوان في الانتخابات وذلك بترشيح بعض قياداتهم للمجلس النيابي كان لأجل مصلحة شخصية أو جاه دنيوي أو الحصول على كرسي حكومة، لكنى أقول: هذا المنبر النيابي ليس هو المنبر الذي يصلح حقيقة لرفع راية الدعوة.
وقد أثبتت التجارب ذلك بما لا يدع مجالا للشك، ولا متسعا للمخالف أن يجادل في هذا.
3- إن الأستاذ البنا قال :" ولقد أقدمنا على هذا الميدان مخلصين كل الإخلاص، برآء كل البراءة ، مدفوعين إليه بحب الخير والحرص على المصلحة".
أقول : نحن لا نشك في هذا أبدا إن شاء الله. غلا أن العمل يحتاج إلى ركنين حتى يكون صحيحا:
الأول: أن يكون خالصا لله تعالى.
الثاني: أن يكون موافقا للشرع.
وكلامنا على الركن الثاني، فقد كان ينبغي للمؤتمر السادس قبل أن يصدر قراره لمكتب الإرشاد بالمشاركة في الانتخابات النيابية أن يقدم دراسة شرعية حول الموضة تتناول أدلة المؤيدين والمخالفين ثم تخلص إلى نتيجة محددة مبنية على منهاج الشرع في الترجيح بين النادلة.
هذه الدراسة الشرعية لابد منها قبل الإقدام عل مثل هذا العمل الخطير. فأين هى تلك الدراسة الشرعية بهذا الخصوص والتي سيعلم المرشحون للمجلس النيابي من نتيجتها إن كان عملهم هذا موافقا للشرع أم لا؟
4- لقد شن الأستاذ البنا – رحمه الله – هجوما عنيفا على الأحزاب المصرية كما بينت آنفا، تلك الأحزاب التي لا تلوى على شيء وهى مندفعة في خوضها للمعارك الانتخابية ونشرها دعاياتها الباطلة في كل مكان. فكيف يوافق، والحال هذه ، مكتب الإرشاد على النزول إلى مجاهل هذا الخضم ويصارع دعايات تلك الأحزاب في ذلك الدرك؟ مع ملاحظة أن الإخوان كانت صيغة مشاركتهم في انتخابات عام 1942 م صيغة حزبية حيث نزل مرشحوهم الانتخابات باسم الجماعة.
إن الدعوة الإسلامية لها منهاج حركتها الفريد، الذي تتميز به عن غيرها من الدعوات.
وإن من منهاجها التصدي لدعايات أهل الباطل والضلال وأصحاب الزيغ والفجور، إلا أن التصدي لا ينبغي أن يصب في إطار حزبي للوصول على مجلس نيابي.
فالتصدي على وجع العموم والإطلاق لدعايات أهل الباطل هو توجه منهجي، استراتيجي كما يقولون.
وأما التصدي لتلك الدعايات على وجه الخصوص النيابي فهو توجه يخالف تلك المنهجية ويصنف في المناورة فهل تصدى الدعوة الإسلامية لأهل الانحراف وفضح أباطيلهم وكشف دعاياتهم هو مناورة مرحلية أم تخطيط منهجي؟ لا شك أنه تخطيط منهجي.
وبالتالي، فلا داعي لإيقاع الدعوة في مطب الاتهام من أن مهاجمتها لتلك الأحزاب الباطلة إنما كانت لمصلحة حزبية وقتية.
لابد للدعوة الإسلامية أن تنأى عن احتمال توريث مثل هذا التصور لاى أحد من أفراد الناس.
5- وأما قول الأستاذ البنا- رحمه الله- :" إن نجاح الإخوان في البرلمان من خير ما يساعد على ظهور الدعوة وقوتها ونجاحها.." فهو قول خالفه الواقع فيما بعد .
6- فإن نجاح الدعوة ليس هو نجاحا في البرلمان، وإنما هو نجاح في تغيير دفة توجهات المجتمع من السير نحو الانحراف العقدي والسلوكي إلى الوضوح العقدي والصفاء السلوكي، كما بينه الإسلام.
وإن التجربة قد أثبتت أن المجالس النيابية التي شارك فيها الإسلاميون قد فشلت فشلا ذريعا في تغيير تلك الدفة.
ولنا عودة لهذا الموضوع إن شاء الله تعالى ، فيما بعد.
7- وبعد، فلسنا وحيدين في لفت النظر لتلك النقاط، فإن البنا- رحمه الله – قد أشار إلى أنه لم يلق التأييد من بعض الخلصاء الذين لا يتهمون في رأي ولا نصيحة.

الفصل الثامن:موقف البنا – رحمه الله- من التمثيل النيابي منهج أم ضرورة

لقد تبين لنا من النصوص التي سقتها موقف الإمام البنا من التمثيل النيابي وهذا الموقف قد تمثل في وجهين،الأول: وجه نظري تصوري، والآخر: وجه عملي واقعي.

التوجه النظري التصوري

1- قال البنا- رحمه الله – فيما سقته من نص سابق:" لهذا يعتقد الإخوان المسلمون أن نظام الحكم الدستوري هو أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام، لا يعدلون به نظاما آخر".

فهذا النص قاطع الدلالة على أن القضية عند الإمام البنا منهجية من حيث الاعتقاد الذي لا يعدل به نظام آخر. وهذا مفهوم من قوله: لهذا يعتقد الإخوان المسلمون..

2- نقل الأستاذ أنور الجندي عن الإمام البنا قوله: " إن الدستور المصري بروحه وأهدافه العامة من حيث الشورى وتقرير سلطة الأمة وكفالة الحريات لا يتناقض مع القرآن، ولا يصطدم بقواعده وتعاليمه، وبخاصة وقد نص فيه على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام، وإذا كان فيه من المواد ما يحتاج إلى تعديل أو نضوج فقد نص الدستور نفسه على أن ذلك التعديل والنضوج من حق النواب بطريقة قانونية مرسومة، وتكون النيابة البرلمانية حينئذ هى الوسيلة المثلى لتحقيق هدف الإخوان من قولهم: القرآن دستورنا".
فعند تأمل النص يتضح أن البنا كان له أمل وطيد في أن يرتقى النواب بطريقة قانونية بالدستور إلى مستوى النضج، وحينئذ فإن النيابة البرلمانية هى الوسيلة المثلى لتحقيق مقولة الإخوان: القرآن دستورنا.
ونفهم من ذلك أن البنا كان يعتبر هذه النيابة البرلمانية هى السلم الذي يوصل إلى تحقيق هدف الإخوان.
وإننا بطبيعة الحال لا يمكننا اعتبار ذلك الموقف إلا موقفا منهجيا وليس موقفا أملته الضرورة. ولو كان ذلك الموقف مما أملته ضرورة معينة في ذلك الوقت لكان أولى بالبنا أن يبين ذلك ويوضحه.

الوجه العملي الواقعي

1- لقد بينت فيما سبق أن البنا – رحمه الله- قد رشح نفسه للنيابة مرتين. المرة الأولى ترشح عن الإخوان المسلمين مرشحان، أحدهما كان البنا – رحمه الله- وكان ذلك باسم الجماعة في انتخابات عام 1942م ، والمرة الثانية ترشح عن الإخوان المسلمين ستة مرشحين كان البنا أحدهم، ولكن ذلك لم يكن باسم الجماعة، وإنما بصفتهم الشخصية المستقلة ، وذلك في انتخابات عام 1944م.
وعلى كل حال فإن البنا كان هو مرشد الإخوان المسلمين ، فسواء ترشح باسم الجماعة أو بصفته الشخصية فالأمر سيان من حيث الواقع.
إذ لا يمكننا القول: إن حسن البنا- رحمه الله- مرشد جماعة الإخوان المسلمين هو غير حسن البنا المستقل.
فمن الناحية العملية لا فرق . وإن كان ثمة من فرق فهو ينعكس على الجانب السياسي المنظور إليه من جهة الدولة، وهذا لا شأن لنا به.
2- في رسالة بعث بها الإمام البنا إلى رئيس مجلس الوزراء بخصوص مسجد البرلمان قال :" إن دار البرلمان هى مظهر كرامة الأمة ورمز آمالها وأمانيها وصورة قوميتها وحياتها، وإن المسجد في البرلمان أمر لابد منه، فحضرات النواب إلا عددا قليلا مسلمون، ودين الدولة الرسمي الإسلام، والاجتماعات في تعقد في المجلس في أوقات تتخللها أو تتقدمها أو تلقيها أوقات صلاة، فالمسجد في البرلمان مظهر من مظاهر عناية الحكومة بتحقيق دستورها، وعناية الأمة بشعائر دينها، ومعين لحضرات النواب على أداء واجبهم الالهى إلى جانب واجبهم الوطني ، وما أوثق ارتباط كل منهما بالآخر".
ومن المعلوم أن هذا البرلمان ما هو في الواقع إلا المكان الذي تصادر تحت قبته شريعة الله بدلها شريعة البشر.
وما القوانين التي أباحت الربا والزنا والخمر وغيرها مما قد أشار إليه البنا قبل ذلك إلا مظهرا من مظاهر مصادرة شريعة رب العالمين وإحلال بدلها شريعة الأرذلين. فكيف يكون البرلمان، والحال هذه ، هو مظهر كرامة الأمة ورمز آمالها وأمانيها وصورة قوميتها وحياتها؟
وأما من حيث بناء المسجد فلابد من ملاحظة أن المنتفعين الانتهازيين لا يألون جهدا في اتخاذه وسيلة للتمويه على الناس وإظهار الحكم الفاجر بالمنظر الطاهر.
ولكننا نغلب حسن الظن طالما كان لحسن الظن متسع، وإنني مع تشييد المساجد في كل مكان يكون المسجد فيه محققا للهدف الذي شيد من أجله وهو إعلاء كلمة الله واتخاذه منطلقا للدعوة إلى دينه. والشاهد في كلامي هو ما يتعلق بالموقف العملي.
فهذه الرسالة المدبجة بما ذكرت هى موقف من المواقف العملية التي لا توحي بإيحاءات الضرورة بقدر ما توحي بإيحاءات الطريقة والسبيل والمنهج، وهى تتفق على كل حال مع الأصل النظري التصوري الذي أسلفت ذكره.

الفصل التاسع: هل طرح البنا – رحمه الله- بديلا للمجالس النيابية؟

معلوم أن المجالس النيابية طريق سياسي للمشاركة في الحكم.

وقد تبين لنا أن هذا الجانب كان أسلوبا تبناه الإخوان المسلمون وطالبوا به للمشاركة في الحكم ولتحقيق ما ذكروه من المصالح الإسلامية.

فهل لديهم ثمة من بديل لهذا الأسلوب؟

هل يفكر الإخوان المسلمون باستعمال القوة مثلا للوصول إلى الحكم؟ وإذا كانوا يفكرون بذلك فهل كان هذا التفكير مقصورا على البنا- رحمه الله- ؟ ثم إذا وصلوا إلى الحكم بالقوة فهل سينفردون بالحكم بمشاركة الإسلاميين الآخرين مع إبعاد العلمانيين والقوميين وأمثالهم، أم أنهم إذا وصلوا إلى الحكم سيتبنون المجالس النيابية أسلوبا له؟

وأبدأ الآن الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها واحدا واحدا.

السؤال الأول: هل يفكر الإخوان المسلمون باستعمال القوة كأسلوب للوصول إلى الحكم؟

هذا السؤال طرحه البنا في رسالة المؤتمر الخامس، فقال : " يتساءل كثير من الناس، هل في عزم الإخوان المسلمين أن يستخدموا القوة في تحقيق أغراضهم والوصول إلى غايتهم."

ثم يجيب البنا عن هذا السؤال فيقول:" أما القوة فشعار الإسلام في كل نظمه وتشريعاته .

فالقرآن الكريم ينادى في وضوح وجلاء:" وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم" الأنفال , والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( المؤمن القوى خير من المؤمن الضعيف).

ثم يصنف البنا مراتب القوة إلى ثلاث مراتب فيقول:" فهم يعلمون أن أول درجة من درجات القوة قوة العقيدة والإيمان، ويلي ذلك قوة الوحدة والارتباط، ثم بعدهما قوة الساعد والسلاح".

ثم يلقى البنا ثلاث نظرات على ضوابط استعمال قوة الساعد والسلاح فيقول: " إذا استخدمت قوة الساعد والسلاح وهى مفككة الأوصال، مضطربة النظام، أو ضعيفة العقيدة، خامدة الإيمان فسيكون مصيرها الفناء والهلاك. هذه نظرة.

ونظرة أخرى: هل أوصى الإسلام ، والقوة شعاره، باستخدام القوة في كل الظروف والأحوال؟ أم حدد ذلك حدودا ، واشترك شروطا، ووجه القوة توجيها محدودا؟

ونظرة ثالثة: هل تكون القوة أول علاج أم أن آخر الدواء الكي؟ وهل من الواجب أن يوازن الإنسان بين استخدام القوة النافعة ونتائجها الضارة وما يحيط بها الاستخدام من ظروف، أم أن واجبه أن يستخدم القوة وليكن بعد ذلك ما يكون؟" .

ومن خلال هذه النظرات الثلاث يتضح أن الإخوان المسلمين لن يستخدموا القوة المسلحة إلا إذا كانت الجماعة ثابتة النظام، قوية العقيدة، متأججة الإيمان أقول: هذا قيد مهم وصحيح بدون شك.

وأما النظرة الثانية، فهي عائمة غائمة يمكن تفسيرها على وجود كثيرة.

إذ إن تلك الظروف والأحوال، وكذا الشروط لابد من وضع إطار لها.

وإلا فإن المندفعين ربكا شدهم حماسهم واندفاعهم إلى اصطناع التبريرات في تلك الظروف والأحوال، ثم توجيه الأحداث والتفسيرات لتلاءم تلك الشروط، كل ذلك ليشرعوا في استعمال السلاح، ثم ينقشع غيم الحماس عن نتائج وخيمة.

هذا جانب، وعلى العكس من ذلك، فربما أوجد المنهزمون تبريرات كثيرة ومختلفة ليبرهنوا بها أن الظروف والأحوال لا تلاءم أبدا استخدام القوة المسلحة بأي حال من الأحوال، وأن شروط استخدامها لم يتوافر منها ولا حتى شرط واحد.

فلابد إذا من تحديد الإطار الذي يحد من اندفاع المندفعين، ويقطع الطريق أمام المنهزمين.

هل حدد البنا- رحمه الله – هذا الإطار؟

الجواب: إن الإخوان المسلمين قد اعدوا العدة، واستخدموا القوة فعلا ، ولكن في اتجاه معين، سيأتي الحديث عنه بعد قليل إن شاء الله.

وأما النظرة الثالثة لقيد استعمال القوة المسلحة فهو ألا تستعمل إلا عندما لا يجدي سواها.

وهذا لا غبار عليه، غير انه يخضع لضوابط جلب المصالح ودرء المفاسد.

السؤال الثاني: هل استعمال القوة المسلحة معناه الثورة، أم أن لكل منهما مفهوما خاصا به؟

دعنا نستق الجواب من الأستاذ البنا – رحمه الله-.

يتساءل البنا: " هل يفكر الإخوان المسلمون في إعداد ثورة عارمة على النظام السياسي أو النظام الاجتماعي في مصر؟"

يجيب البنا فيقول:" الثورة أعنف مظاهر القوة، فنظر الإخوان المسلمين إليها أدق وأعمق، وبخاصة في وطن كمصر جرب حظه في الثورات فلم يجن من ورائها إ لا ما تعلمون".

ثم يقول البنا:" وأما الثورة فلا يفكر الإخوان المسلمون فيها، ولا يعتمدون عليها، ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها، وإن كانوا يصارحون كل حكومة في مصر بأن الحال إذا دامت على هذا المنوال، ولم يفكر أولوا الأمر في إصلاح عاجل وعلاج سريع لهذه المشاكل فسيؤدى ذلك حتما على ثورة ليست من عمل الإخوان المسلمين ولا من دعوتهم".

نفهم من كلام البنا أن الثورة هى تصعيد عنيف لاستعمال القوة، ولكننا لم نتبين من خلال إجابته ما هو الحد الفاصل بينهما، وما هو الوجه الذي إذا استعملت به القوة كانت ثورة، وما هو الوجه الذي إذا استعملت به القوة لم تكن ثورة إلا أننا نستطيع أن نتلمس ذلك الحد الفاصل من السؤال نفسه الذي وجهه البنا – رحمه الله – عندما قال:" هل يفكر الإخوان المسلمون في إعداد ثورة عامة على النظام السياسي أو النظام الاجتماعي في مصر؟"

لعلنا نستطيع أن نتلمس من ثنايا هذا الكلام أن القوة المسلحة إذا استخدمت لإسقاط النظام السياسي أو النظام الاجتماعي فهي ثورة.

وما لم تستخدم لاى من هذين الأمرين فهي ليست ثورة، بل هى مجرد استعمال للقوة.

وبناء على هذا الفهم – وأرجو أن أكون خاطئا في فهمي هذا – فإن الإخوان المسلمين ليس في برنامجهم إسقاط النظام السياسي بالمواجهة التصادمية ولا في أي مرحلة من مراحل الصراع مع ذاك النظام، إذ إنهم لو فعلوا ذلك لقفزوا فورا إلى ساحة مفهوم الثورة، وهم ى يفكرون فيها ولا يعتمدون عليه؟

وبما أن السيطرة على النظام السياسي ليكون إسلاميا ، وبالتالي تكون الدولة إسلامية ، هو هدف الإخوان كما قال البنا- رحمه الله – " اذكروا دائما إن لكم هدفين أساسيين :

1- أن يتحرر الوطن الإسلامى من كل سلطان أجنبي..
2- أن تقوم في هذا الوطن الحر دولة إسلامية حرة بأحكام الإسلام وتطبيق نظامه الاجتماعي وتعلن مبادئه القويمة وتبلغ دعوته الحكيمة للناس، وما لم تقم هذه الدولة فإن المسلمين جميعا آثمون.."

وبما أن الإخوان المسلمين لن يسيطروا على النظام السياسي بمواجهة تصادمية مسلحة لأن ذلك اسمه ثورة، فلم يبق أمامهم إلا السيطرة على النظام السياسي سلميا.

وليس هناك من خط سلمى لذلك- حسب رأى الإخوان- إلا خط المجالس النيابية.

ويؤد هذا الفهم قول البنا:" ولهذا يعتقد الإخوان المسلمون أن نظام الحكم الدستوري هو أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام، وهم لا يعدلون به نظاما آخر".

وقول البنا:" وعلى هذا فليس في قواعد النظام النيابي ما يتنافى مع القواعد التي وضعها الإسلام لنظام الحكم، وهو بهذا الاعتبار ليس بعيدا عن النظام الإسلامى ولا غريبا عنه".

فالنتيجة التي خرجنا بها من كل ما ذكرت هى أن الإخوان المسلمين ليس من منهجهم استعمال القوة للوصول إلى الحم، لأن ذلك سيكون ثورة، وهم لا يفكرون بالثورة، ولكن ليس معنى ذلك أنهم أسقطوا من منهجهم استعمال القوة، فهم يعدون العدة، ويستعملون القوة في أهداف أخرى.

إن الذي يجمع بين نصوص البنا – رحمه الله- ويقابل بينها بهذه الطريقة سيصل إلى النتيجة التي وصلنا إليها.

إلا أن البنا يوصلنا إلى نتيجة مغايرة، فيقول:" إن الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها، وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة.

وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء، وسينذرون أولا ، وينتظرون بعد ذلك ، ثم يقدمون في كرامة وعزة".

لكن، ما هو الهدف من استعمال القوه؟ هل هو الانفراد بالحكم ليكون إسلاميا نقيا صافيا، ام لإتاحة الفرصة لإقامة نظام نيابي انتخابي؟

كم أتمنى أن يكون البنا- رحمه الله- كان يقصد الهدف الأول، لكن واقع حال الإخوان المسلمين ، وخاصة في سوريا، كان يدعو إلى الهدف الثاني.

وقد بينت ذلك واضحا في نصوص ميثاق التحالف الوطني، فارجع إليه إن شئت ، فإنه يوضح هذا الموضوع تماما.

ولكن السؤال الثالث يلقى ضوءا سريعا على القضية.

السؤال الثالث: كيف تفسر استعمال الإخوان المسلمين للسلاح لأجل إسقاط نظام البعث في سوريا؟

لابد من أن يعلم أن الذي رفع السلاح لإسقاط سلطة البعث في سوريا هو تنظيم الطليعة المقاتلة الذي انبثق من خروج مروان حديد – رحمه الله- عن خط الإخوان المسلمين المتبنى للتغيير بالطرق النيابية.

إذ كان مروان حديد يرى أن هذه النظم المتسلطة على رقاب المسلمين لا يمكن اختراق صفوفها بالوسائل النيابية، فالحديد لا يفله إلا الحديد.

وأما التنظيم الدولي للإخوان المسلمين فإنه لم يكن يؤمن بتاتا بالخط المسلح الذي انتهجته الطليعة المقاتلة، إذ أن هذا الخط لا يدخل في إطار منهجهم.

اقرأ معي، إن شئت ، كلام الأستاذ سعيد حوي – رحمه الله- حول هذه النقطة.

وهذا الكلام الذي سأنقله لك من كتاب " في آفاق التعاليم" يلقى ضوءا ساطعا على هذه القضية، ذلك أن الأستاذ سعيد حوي كان في قيادة التنظيم الدولي إبان قتال الطليعة المقاتلة للسلطة في سوريا.

يقول الأستاذ سعيد حوي: " انطبع في أذهان الكثيرين أن الإخوان المسلمين يعتبرون استعمال السلاح هو الطريق المفضل عندهم للحكم، وهذا من أكبر الأخطاء، فالأستاذ البنا بصريح العبارة يقول: إن الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة حيث لا يجدي غيرها، فالطريق المفضل عند الإخوان المسلمين للوصول إلى الحكم الإسلامى هو غير استعمال القوة" ويردف الأستاذ سعيد حوى- رحمه الله- قائلا: " لقد طالب الأستاذ الهضيبى بالحياة النيابية أمام محاكم 1954م، ورشح الأستاذ البنا نفسه للمجلس النيابي في أوائل الأربعينات، فالطريق المفضل عندنا لإقامة الحكم الإسلامى هو ذاك: أن تعطى حرية الدعوة والعمل والتربية، وأن تعطى للأمة فرصة التعبير عن رأيها في انتخاب ممثليها".

ويوضح الأستاذ سعيد حوي- رحمه الله- فكر الإخوان المسلمين في موضوع استعمال القوة فيدرجه تحت مسمى غير واضح وهو " الوسائل الأخرى" وأنهم سيستخدمون هذه الوسائل الأخرى بينهم وبين الوصول للحكم عن طريق التمثيل النيابي.

يقول الأستاذ سعيد حوي:" لقد كفلنا الله بالإسلام، وكلف العالم به، ونحن مسئولون عن هذا التكليف ، فكل من طبق الإسلام فنحن جنده وأعوانه، ومن لم يفعل فليعط الإسلام وأهله حرية العمل وحرية الوصول عن طريق التمثيل النيابي الذي اعترف العالم كله بأنه طريق مشروع، فإذا لم يكن هذا ولا هذا ، فمن حق المسلمين أن يفكروا في الوسائل الأخرى.

على ضوء ذلك كله ينبغي أن يفهم فكر الإخوان المسلمين وفكر الأستاذ البنا، وعلى ضوء أننا مسلمون مكلفون بأن تكون أجسادنا قوية وتدريبنا عاليا".

ثم يتحرز الأستاذ سعيد حوي من أن يفهم من آخر كلامه أنه يدعو إلى الثورة، فيقول مباشرة بعد كلامه السابق" على ضوء ذلك نقول: يرفض الأستاذ البنا مبدأ الثورة كطريقة للوصول إلى الحكم، ويرفع بدلا منه شعار استخدام القوة.

والفارق بين الشيئين ، والله أعلم، أن الثورة عمياء هوجاء واستخدام القوة إسلاميا لا يكون إلا على بصيرة وتعقل.

وإن الثورة يرافقها ظلم، واستخدام القوة إسلاميا يحكمه العدل. وإن الثورة لا يبالى بنتائجها ، وأما استخدام القوة إسلاميا فالنظر إلى العواقب مقدم فيه.

والثورة تشكل اندفاعات حاقدة، واستخدام القوة إسلاميا هو عين الرحمة"

والخلاصة ، فإن استعمال السلاح لإسقاط السلطة في سوريا لم يكن في الواقع يمثل خط الإخوان المسلمين .

وأما قول جماعة التنظيم الدولي للإخوان المسلمين بعد أن ارتفع صوت قعقعة السلاح في سوريا من قبل غيرهم إنهم ستبنون الخط الجهادي ويؤيدونه ، فهذا كلام دخل في باب حساب الأرباح والخسائر، وأثبتت الأحداث عدم صحته، وخاصة توقيعهم على ميثاق التحالف الوطني.

السؤال الرابع: هل أعد الإخوان المسلمون في زمن البنا وبعده قوة عسكرية؟ وفيم استخدموها؟

نعم، لقد اهتم الإخوان المسلمون بالتدريب الجسدي أيما اهتمام، وأنشئوا معسكرات التدريب على استعمال السلاح، واهتموا بالجوالة، وخاضوا غمار المعارك..

في مقابلة أجراها محمد التابعي مع الأستاذ البنا- رحمه الله- ونشرتها مجلة ( آخر ساعة) في عد د 5 مارس 1941م قال التابعي: ( سألت الأستاذ البنا المرشد العام عن السيفين .

فقال : هما رمز الجهاد.

والمصحف؟

قال : دستوره.

قلت : والكلمة المكتوبة بين السيفين: وأعدوا؟

قال : هى الكلمة الأولى من الآية الكريمة : " أعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم" الأنفال 60.

ولم نستطع أن نكمل الحديث لأن خمسة آلاف رجل من أنصاره جاءوا يتلقون تعليماته بعد حوادث يوم الجلاء.

قلت : وكم عدد الشعب المنتمية للجمعية الآن؟

قال : في مصر ألف وخمسمائة شعبة، تضم مليونا من الإخوان .

ولنا شعب أخرى في الشرق كله، تجعل لنا مليونا ونصف مليون من الإخوان العاملين:".

:وفى العدد 32 مارس 1978 م كتبت مجلة الدعوة" :" وحين اجتاحت الكوليرا قرى مصر ومدنها سنة 1947م تقدم الإخوان المسلمون بالألوف يضعون أنفسهم في خدمة أمتهم، فهما للإسلام، وتطبيقا له" وفى عددها 432 الصادر في 30/9/1947م قالت جريدة "الإخوان المسلمون" تحت عنوان: الإخوان المسلمون يكافحون الكوليرا :" 40 ألف جوال، 1500 شعبة" ا.هـ.

ويقول الأستاذ أنور الجندي في كتابه " حسن البنا"  :" وجاءت ذكرى مرور عشرين عاما على ظهور الدعوة، 5 سبتمبر ، أيلول 1948م ، وجدد الأستاذ البنا حديثه عن الفكرة الإسلامية ، وأشار إلى عالمية الحركة وأنها بلغت ألفى شعبة، وفى السودان 50 شعبة، وفى فلسطين والأردن وسوريا ولبنان والعراق والكويت وإمارات الخليج والحجاز والمغرب العربي وإندونيسيا وسيلان والباكستان وإيران وأفغانستان وتركيا وأوربا وأمريكا، وشعب وأصدقاء ومؤازرون .

وقال : إن عدد الأنصار العاملين في وادي النيل خمسمائة ألف – نصغ مليون – والأعضاء المنتسبون أضعاف هذا العدد".

ثم نتساءل : منذ متى كان هناك بروز عسكري في تنظيم الإخوان المسلمين في مصر؟

مجلة الدعوة تجيبنا عن هذا السؤال.

ففي عددها الصادر في آذار عام 1980 م كتبت تقول: " حين وضحت نيات السياسة البريطانية في فلسطين، أخذ الإخوان يعقدون المؤتمرات ويبينون للشعوب والحكومات حقيقة هذا الخطر، حتى نجحوا في إشراك العالم الإسلامى كله في هذه القضية، وباتت قضية المسلمين والعرب لا قضية أهل فلسطين وحدهم.

وحين قامت القلاقل في فلسطين أخذوا يمدون المجاهدين بما وقع في أيديهم من مال وسلاح حتى كانت ثورة 1936م في فلسطين حين نجح عدد من شباب الإخوان في التسلل إليها والاشتراك مع الثوار في جهادهم وخاصة في مناطق الشمال حيث عملوا مع المجاهد العربي الشيخ عز الدين القسام.

وبعد نهاية الحرب العالمية أرسل الإخوان وفودا من دعاتهم وشبابهم يستحثون العرب على الكفاح، ويتولى نفر منهم تدريب الشباب الفلسطيني عسكريا، ولقد نجحوا في ذلك حتى أصبحت شعبهم ودورهم هى مراكز القيادة وساحات التدريب.

وحين تشكلت المنظمات العسكرية العربية قام خلاف بين قواد النجادة والفتوة، وفطن الإخوان لخطر هذا الخلاف فقاموا بمحاولات كثيرة للتوفيق انتهت باختيار المجاهد الكبير الصاغ محمود لبيب وكيل الإخوان المسلمين حينئذ للشئون العسكرية منظما له التشكيلات، فقبل هذا العمل الجليل وسافر إلى فلسطين وأخذ يباشر مهامه".

ولقد بلغ الجانب العسكري عند الإخوان المسلمين ذروته حين قرروا الاشتراك في حرب فلسطين ومقاتلة اليهود في عام 1948 " وأعلن البنا – رحمه الله- أنه سيدخل الى فلسطين في عشرة آلاف مجاهد كدفعة أولى".

وأراد الإخوان استئذان حكومة النقراشي لدخول فلسطين فرفضت ، مما دعا الإخوان الى التسلل إلى فلسطين سرا.

كتبت مجلة الدعوة في عددها الصادر في آذار ( غالبا) عام 1980م تقول: " طلب الإخوان من حكومة النقراشي باشا ، رئيس الوزراء وقتئذ، السماح بإدخال فوج من مجاهديهم ليرابط في الجزء الشمالي من صحراء النقب، فرفضت الحكومة هذا الطلب.

ولكن كتائب المجاهدين من الإخوان استطاعت أن تتسلل إلى فلسطين سرا، وبدخولهم في فبراير سنة 1948م بدأ القتال في صحراء النقب، وأخذوا يهاجمون المستعمرات اليهودية بعناد وصلابة رغم قلة العدد وضعف الأسلحة.

وتجمع من حولهم المجاهدون من أهل فلسطين ، وبدأت حرب عصابات ضخمة كانت تبشر بنجاح رائع.. وفى الوقت الذي كانت فيه القوة الأولى ترابط في النقب وتفتتح أولى معارك الجنوب في كفار ديروم في 14 ابريل سنة 1948م كانت القوة الثانية بقيادة محمود عبده تنتقل إلى معسكر قطنا بسوريا لتستكمل تدريبها، ثم ترابط فترة في النقب وتشترك مع زميلتها الأولى، وأخيرا تصحب الشهيد أحمد عبد العزيز في جولته الموفقة قبل أن يستقر في جنوب القدس.. ولم يكن الإخوان في سوريا أقل نصيبا من غيرهم، إذ أدخلوا قوة من رجالهم يقودهم الأستاذ مصطفى السباعي رئيس الإخوان في دمشق، فعملت بهمة ونشاط في مناطق المثلث والقدس".

ويقول الأستاذ أنور الجندي :" وكان الأستاذ البنا يعد العدة في ذلك الوقت لأن يقدم إلى فلسطين قوة ضخمة للدفاع عن لقدس حيث كان اليهود يشنون هجمات عنيفة على مراكز الجيش الأردن ي، وكان على وشك إعلان الجهاد الديني والتعبئة الشعبية بعد أن فشلت الحكومة وجامعة الدول العربية".

وهل أثر موقف الانجليز والحكومة المصرة المعارض لجهاد الإخوان على عموم الموقف الجهادي؟ الجواب نستقيه من مجلة " الدعوة" في عددها المذكور آنفا تقول:" وهكذا نرى ، رغم تلك القيود القاسية التي فرضها الانجليز وحافظ عليها أذنابهم من الحكومات المصرية، فقد اشترك الإخوان في الحرب بأعداد كبيرة ، كانوا يتحملون الإنفاق على معظمها، ويتكبد المركز العام مئات الألوف من الجنيهات في شراء الأسلحة والمعدات".

وعندما حاصر اليهود قوات الجيش المصري في الفالوجا، والمقدرة بأربعة آلاف جندي، وهو تقريبا ثلث الجيش المصري الذي شارك في حرب فلسطين، وذلك ابتداء من ليلة 17 أكتوبر 1948م ، وعندما رفض قائد القوات المصرية اللواء سيد طه أي فكرة للتسليم، قام الإخوان المسلمون بدور كبير في نقل المؤن للقوات المحاصرة ، أو في المساعدة على نقلها.

وتمت المساعدة على دفعتين ، الأولى عشرة جمال، والثانية 53 جملا.

يقول محمد عبد الغفار الذي اشترك في هذه الرحلة:" إن قائدنا عبد الجواد طبالة قد استقبلنا قبل الرحيل، وقال لنا بلهجة حاسمة: لابد أن تصل هذه المؤن إلى سيد طه، فهو في اشد الحاجة إليها، وإلا فأنتم تتحملون مسئوليتكم أمام الله عن ذلك.

ولن أعتبركم من الإخوان المسلمين إذا فشلتم في مهمتكم لاى سبب".

إن تفاصيل هذه الحوادث وغيرها نشرتها مجلة الدعوة" بعنوان : رحلة الإخوان التي مكنت قوات الفالوجا من الصمود. بقلم محمد عبد القدوس المحرر في المجلة المذكورة.

وهل من مزيد؟

نعم..

يقول صالح عشماوي في أحد أعداد مجلة الدعوة بعنوان " الإخوان المسلمون يقومون بحرب العصابات" :" وحين تشعبت أعمال الإخوان واتسعت الجبهات التي يحاربون فيها وزادت القيود التي فرضتها الحكومة لمنع دخول المجاهدين من مصر، اضطررنا لتشكيل مجموعات منظمة من رجال القبائل، وفتحنا باب التطوع، فانهالت جموع كبيرة من شبابهم، وفعلا تشكلت منهم عدة سرايا، وتركنا مهمة تدريبها وإعدادها للأخ المجاهد نصر الدين جاد الذي بذل جهدا مشكورا في تنظيمها، حتى صاغ منها قوة مقاتلة استطاعت أن تثبت وجودها وأن تشترك في معارك الإخوان الكبرى، ويكون لها أثر كبير في نتائجها العامة".

وبعد أن تم الغدر وطعن المجاهدون من الخلف وسقطت فلسطين في أيدي اليهود، هل توقف الإخوان عن الإعداد العسكري؟

الجواب: كلا، بل استمروا في التدريب والتجهيز وبدءوا يناوشون المحتلين الانجليز في القنال ويقضون مضاجعهم ويفجرون الأرض من تحت أقدامهم .

فتحت عنوان : الإخوان المسلمون يقودون العمل المسلح ضد الاستعمار الانجليزى، كتبت مجلة الدعوة" في عدد 32 .

يناير 1979م " لقد قاد الشباب المسلم الحملة المسلحة ضد الانجليز المستعمرين في القتال سنة 1951م في صمن وإنكار ذات، وفى همة ودأب، حتى قال الاستعماري العجوز ونستون تشرشل رئيس الحكومة البريطانية حينئذ: لقد دخل المعركة عنصر جديد ".

وفى ديسمبر عام 1951م أقام الإخوان المسلمون معسكرا في جامعة القاهرة، وأترك وصف هذا المعسكر لمجلة " الدعوة" .

تقول " الدعوة" في عددها السالف الذكر وهى تتكلم عن العمل المسلح ضد الاستعمار الانجليزى: " وفى ديسمبر سنة 1951 م قام مندوب " الدعوة " بعمل تحقيق صحفي عن المعسكر الذي أنشأه الإخوان المسلمون في جامعة القاهرة وتخرجت فيه كتائب مسلحة، فاز بالشهادة منهم أبطال شجعان بعد أن أقضوا مضاجع المستعمرين، وألهبوا الأرض نارا تحت أقدامهم.

قالت " الدعوة" منذ سبعة وعشرين عاما: عشرات الخيام تحوطها الأسلاك الشائكة، ليس فيها إلا طلبة الجامعة، الطلبة هم الجند وهم القواد وهم المدربون وهم صناع الأسلحة والذخائر ، بل هم يخترعون نوعا جديدا من المفرقعات .

من كان يصدق أن شباب مصر أصبحوا هكذا ؟ يا للمعجزة، معجزة الإيمان بالله.

في الصباح بلغ عدد الجنود من طلاب الجامعة ثمانية آلاف، ولم يقل يوما عن ثلاثة آلاف، وبعد العصر دراسات عملية خاصة، نوبات، وعدد كل نوبة ألف جندي (طالب) .

هذا تدريب على المسدسات وذاك تدريب على الأسلحة الرشاشة تومى وبرتا وبنادق، وعلى اليمين تدريب على القنابل الألمانية والايطالية والمصرية، وعلى اليسار تدريب على استعمال المواد الناسفة، ديناميت ، جيلجينايت، وعلى بعد تدريب على المصارعة الياباني، واستعمال الخناجر، ثم دراسات في علم تكتيك المبيدات وفن حرب العصابات .

ليس العجيب أن يتعلم طلبة الجامعة كل هذا ، ولكن العجيب ، كل العجب أن المعلمين والمدربين هم بعض طلبة الجامعة، ومرة ثانية ، يا لروعة المخزن الإسلامى".

وتحت عنوان : اعلم عن المعسكر ، كتبت الدعوة:

- يستطيع المعسكر أن يخرج فوجا كل خمسة عشر يوما.
- صنع طلبة كليتي العلوم والصيدلة مفرقعات قوية.
- صنع طلبة كلية الهندسة أجسام قنابل على اختلاف أنواعها.
- المعسكر يرفض التبرعات النقدية.
- ويقبل السلاح بشرط أن يلتحق صاحبه بالمعسكر.
- مدير الجامعة وعمداؤها وهيئات التدريس يؤيدون فكرة المعسكر والمعسكرين في جميع الحالات والاحتمالات".

وبعد سرد هذه العجالة فإننا نخرج بالخلاصة التالية:

1- الجانب العسكري والاهتمام به كان لدى الإخوان المسلمين قبل عام 1936م.
2- إن هذا الاهتمام هو تعبير عملي عن شعار السيفين وتطبيق واقعي لقوله تعالى" وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة" الأنفال: 60.
3- إن عدد الإخوان المسلمين بلغ في عام 1946م حوالي مليون، وفى عام 1948م كان أكثر من مليون ونصف.
4- بعد عشرين عاما من بدء حركة الإخوان المسلمين حققت هذه الجماعة وجودا عالميا لها في آسيا وأفريقيا وأوربا وأمريكا.
5- مظاهر القوة لديهم أصبح لها ثقلها سواء على مستوى الجوالة 40 ألفا. أو على مستوى المجندين المدربين.
6- شاركوا بقوة وتأثير في حرب اليهود في فلسطين رغما عن حكومة النقراشي.
7- كان لهم من القوة المادية والإمكانيات المالية والحركية ما جعلهم في موقع من يغذى الجيش المصري بالمؤن.
8- كان لهم وجود إعلامي قوى متمثل بالمؤتمرات والنشرات والكتب وغيرها.
9- افتتحوا معسكرا هائلا في الجامعة.

وبعد هذا الإيجاز نصل على هذا السؤال:

السؤال الخامس: هل هذه القوى الهائلة التي تجمعت لدى الإخوان لم تكن كافية لتغيير الأوضاع في مصر لصالح الحركة الإسلامية ؟ أم ماذا ؟

للإجابة عن هذا السؤال لابد من إلقاء الضوء على قضيتين:

القضية الأولى : هل كانت الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها تسير وفق أحكام الله تعالى أم وفق أحكام الطاغوت.

وماذا كان موقف الطاغوت أثناء ذلك من الإخوان.

القضية الثانية : إذا كانت تلك الأوضاع تسير وفق أحكام الطاغوت، فما القوى المطلوبة لتغييرها، وما طبيعتها وأوصافها؟ وهل ملك الإخوان المسلمون ذلك؟

فأما القضية الأولى فقد وضحت من خلال ما نقلته من رسائل الإمام حسن البنا- رحمه الله-.

ولكن للذكرى، ولأجل ربط الموضوع، أسوق بعض المقتطفات مما كنت قد ذكرته ومما لم أكن قد ذكرته.

ففي وصفه العام لحالة المجتمع المصري وما يسيطر عليه من الحيرة والاضطراب والقلق في ذلك الوقت، قال حسن البنا – رحمه لله- في مجموعة رسائله تحت عنوان: أي لون نختار:" تسود مجتمعنا اليوم حيرة، وإذا دامت الحيرة فليس وراءها إلى الثورة ، والثورة الهوجاء التي لا غاية لها ولا ضابط ولا نظام ولا حدود ولا تعقيب إلا الهلاك والدمار والخسارة البالغة..

هذا الكلام متفق عليه بين كل من يعنيهم أمر هذا الوطن، وإنك لتسمع من الزعماء والمفكرين كما تسمعه من العامة في مجلسهم والمجتمعين في أنديتهم وذوى الأعمال في أماكن عملهم.. وفى مثل هذه الحال لا يجدي في الإنقاذ الترقيع الادارى ولا الروتين الحكومة، ولا تسعف الحائرين الدراسات البطيئة في اللجان المتواكلة. .

ومهما تحاول الحكومة بالإنصاف أو التنسيق أو الوعود أو الخطب أن تسكت الأفواه الصارخة أو البطون الجائعة أو الأجساد العارية فلن تستطيع ذلك ولن تصل إليه.

والبرهان ماثل، والدليل قائم، لأن الحيرة والقلق والاضطراب قد مست النفوس والقلوب والأذهان قبل أن تمس المظاهر والأوضاع".

وفى الجانب السياسي ذكر الأستاذ البنا كلاما كثيرا، سقت سابقا أجزاء منه يمكن الرجوع إليه في مجموع رسائله.

ولكن أقتطع هنا كلاما يصف فيه واقع الحكام الذين يسيطرون على هذا الجانب ويسيرونه، فيقول:" ولكن أنى لحكامنا هذا، وهم جميعا قد تربوا في أحضان الأجانب، ودانوا بفكرتهم ، على آثارهم يهرعون وفى مرضاتهم يتنافسون، ولعلنا لا نكون مبالغين إذا قلنا: إن الفكرة الاستقلالية في تصريف الشئون والأعمال لعلها لم تخطر ببالهم، فضلا عن أن تكون منهاج عملهم، لقد تقدمنا بهذه الأمنية إلى كثير من الحاكمين في مصرن وكان طبيعيا ألا يكون لهذا التقدم أثر عملي، فإن فقدوا الإسلام في أنفسهم وبيوتهم وشئونهم الخاصة والعامة لأعجز من أن يفيضوه على غريهم، ويتقدموا بدعوة سواهم إليه، وفاقد الشيء لا يعطيه".

وعن الواقع الاجتماعي والفكري وتأثره بما تدفق عليه من خلال أبواب الشر الغربية والشرقية قال البنا:" من الحق أن نعترف بأن موجة قوية جارفة وتيارا شديدا دفاقا قد طغى على العقول والأفكار في غفلة من الزمن وفى غرور من أمم الإسلام، وانغماس منهم في الترف والنعيم.

فقامت مبادئ ودعوات، وظهرت نظم وفلسفات، وتأسست حضارات ومدنيات ونافست هذه كلها فكرة الإسلام في نفوس أبنائها، وغزت أممه في عقر دارها، وأحاطت بهم منكل مكان، ودخلت عليهم بلدانهم وبيوتهم ومخادعهم، بل احتلت قلوبهم وعقولهم ومشاعره، وتهيأ لها من أسباب الإغواء والإغراء والقوة والتمكن ما لم يتهيأ لغيرها من قبل، واجتاحت أمما إسلامية بأسرها، وانخدعت بها دول كانت في الصميم والذؤابة من دول الإسلام، وتأثر ما بقى تأثيرا بالغا، ونشا في كل الأمم الإسلامية جيل مخضرم إلى غير الإسلام أقرب، تصدر في تصريف أمورها واحتل مكان الزعامة الفكرية والروحية والسياسية والتنفيذية منها، فدفع بالشعوب مغافلة إلى ما يريد، بل إلى ما ألف، وهى لا تدرى ما يراد بها، ولا ما تصير إليه".

وفى الجانب الاقتصادي فقد كان الوضع في غاية السوء ـ إذ كان الأجنبي قد انهمك في استغلال ثروات مصر وتسخيرها لمصالحه. فانتفخت كروش أصحاب رؤوس الأموال المتعاونين معه. وأما الفقراء فقد ازدادوا فقرا.

وقد عنون حسن البنا واصفا تلك الأوضاع بمثل هذه العناوين:

- غنى طبيعي.
- استغلال أجنبي.
- ثراء فاحش وفقر مد قع.
- تخبط اقتصادي.
- ثم يقول حسن البنا- رحمه الله- :" لقد صبر الشعب المصري صبرا طويلا على هذه الحياة الجافية القاسية، وهذا الحرمان العجيب الذي لا يصبر عليه آدمي إلا بمعجزة من معجزات الإيمان.

ومن نظر إلى العامل المصري والفلاح المصري، ومن إليهما من عامة الشعب المصري، أخذه العجب مما يشاهد من فاقة وصبر.

لقد أخجلني أحد الإخوان الهنود وقد قام من انجلترا حديثا، حين عاد من جولة قصيرة في القاهرة يقول لي: لقد كنا نظن أن ما تنشره الصحف في انجلترا من سوء حالة الشعب المصري وانخفاض مستوى معيشته مجرد دعاية يراد بها الحط من كرامته، ولكنى قضيت هذه الفترة القصيرة في القاهرة وزرت بعض أحياء عامتها فأسفت لما رأيت.

فخجلت لقوله هذا ، ولكنني رددت عن نفسي وعن الشعب بقولي له: سل هذه الجرائد التي تنشر ، أليس هذا البؤس من مظالم الاحتلال" .

وبعد، فتلك هى بعض النقولات التي تبين سوء الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والفكري والنفسي الذي كان يعانى منه المسلمون في مصر إبان تلك الفترة التي كان فيها للإخوان المسلمين في مصر ما لهم من القوى البشرية والطاقات المادية والتنظيم الشمولي.

وخلاصة ما نقلته يبين بوضوح الجواب عن الشق الأول من القضية الأولى، وهى أن تلك الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والنفسية كانت مخضعة لأحكام الطاغوت ، وليست لأحكام الله تعالى.

والآن إلى الشق الثاني من القضية الأولى ، وهو: ماذا كان موقف الطاغوت إبان ذلك من الإخوان؟

الموقف الأول: في أوائل شوال عام 1366هـ 1947م، ذهب النقراشي إلى مجلس الأمن ليطالب بجلاء الانجليز عن مصر والسودان.
فقدم مندوب البرازيل مشروع قرار بعودة مصر إلى مفاوضة الانجليز، وأيده في ذلك مندوبو أمريكا وفرنسا وبلجيكا.
فأدى تقديم هذا المشروع إلى حالة استياء شديدة في مصر، وطغت على البلاد موجة عنيفة من الاستنكار القاسي.
فقرر المركز العام للإخوان المسلمين القيام بمظاهرة سلمية تحت مسئوليته تنطلق من الأزهر الشريف وتتجه إلى ساحة فقصر عابدين ، وذلك عقب صلاة الجمعة من يوم 6 شوال عام 1366هـ 1947م.
وتحت عنوان " الإخوان المسلمون من صفحات الأمس" نشرت مجلة " الدعوة" تفاصيل ما حدث. وها هنا ملخص لذلك.
قالت " الدعوة" :" أحاط فضيلته- أي : المرشد العام الأستاذ حسن البنا- الرجال المختصين الرسميين علما بذلك. فبعث إلى محافظ القاهرة الكتاب التالي: حضرة صاحب السعادة محافظ القاهرة.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد.

فقد قرر المركز العام للإخوان المسلمين القيام بمظاهرة سلمية تحت مسئوليته ، من الأزهر الشريف ، عقب صلاة الجمعة، إلى ساحة قصر عابدين، مخترقة شارع الأزهر وميدان الملكة فريدة وميدان إبراهيم باشا وشارع إبراهيم باشا .

لذلك أخطر سعادتكم للعلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".

والذي يلفت نظرنا هنا أن المرشد العام لم يرسل هذه الرسالة للاستئذان بقيام ههذ المظاهرة، بل للإعلام فقط، وفى هذا إشارة إلى قوة الإخوان المسلمين في ذلك الوقت، وأنهم قادرون على فعل ما يريدون رغما عن الدولة.

ولا نعلم أن دولة فيها حكومة قوية وتنظيم فيها مظاهرات من قبل تنظيمات معينة معترف بها رسميا، ولا يكون للحكومة المعينة من دور إلا أن تعلم بذلك فقط ، إلا كان ذلك دلالة على قوة تلك التنظيمات وتمتعها بإمكانات تجعلها تتحدى الدولة وتفعل ما تريد.

وهكذا كان ، فانطلقت مظاهرات الإخوان من الأزهر.

قالت " الدعوة" : " وسارت المظاهرة مرددة بقوة الهتافات الوطنية حتى وصلت إلى ميدان الملكة فريدة.

وكانت قوات كبيرة من البوليس مرابطة هناك سرعان ما تصدت للمظاهرة بعنف، وأطلقت أعيرة نارية متتابعة على المتظاهرين أصابت كثيرين منهم إصابات مختلفة.. وسارت المظاهرة في حماسة بالغة إلى ساحة قصر عابدين، فملأ المتظاهرون جميع جوانبه.

ووقف المرشد العام بينهم فخطبهم طالبا منهم الانصراف في سكون وهدوء بعد أن أدوا واجبهم.. وتقدم سعادة اللواء سليم زكى باشا حكمدار العاصمة من فضيلة المرشد العام ورجاه أن يرافقه في سياراته للطواف بأنحاء المدينة لتهدئة المظاهرات التي كانت لا تزال مستمرة ن فحقق فضيلته هذا الرجاء".

إذا، وصلت المظاهرة إلى نهايتها المقررة في ساحة عابدين ، ولم تستطع قوى الأمن المصرية إيقافها قبل بلوغها هدفها.

ولم تتفرق هذه المظاهرة الضخمة إلا بعد أن استمعت إلى خطاب المرشد العام، ثم تلقت منه أمر الانصراف.

وهكذا استطاع المرشد العام أن يدعو الجماهير بكلمة واحدة لتحتشد، فاحتشدت .

ثم دعاها بكلمة واحدة لتنصرف فانصرفت في حين أن السلطة لم تستطع تفريق المظاهرة رغم استعمالها قوة السلاح ودفقات الرصاص .

فأيهما أقوى؟ الدولة أم المرشد العام؟

انظر إلى حكمدار العاصمة يرجو المرشد العام أن يرافقه في سيارته ليطوف في أنحاء المدينة لتهدئة المظاهرات، هكذا .

الدولة ترجو المرشد العام وتستعين به.

الموقف الثاني: كتبت " الدعوة" في عدد 16 ، سبتمبر 1977م ، تنقل عن " الدعوة" قبل 26 من ذلك التاريخ تسلسلا للأحداث التي جرت منذ قرار حل جماعة الإخوان المسلمين الذي صدر في 8 ديسمبر سنة 1948م وحتى قرار إلغاء الحل الذي صدر في 15 ديسمبر سنة 1951م.

وأقتطف هنا ما أراه مناسبا وكافيا للدلالة على ما نريد.

قالت " الدعوة" : "في يوم 8 ديسمبر سنة 1948م ، وفى الساعة الحادية عشرة مساء، دوى صوت المذيع لنشرة الأخبار بأول خبر، فإذا به أمر عسكري بحل جمعية الإخوان المسلمين .

فأسرعنا إلى دار المركز العام بالحلمية الجديدة حيث وجدنا الإمام الشهيد والمرشد الراحل في مكتبه رابط الجأش، ثابت الجنان، وقد وصله ومعه صفوة من الإخوان لمتكن قد انصرفت بعد.

ومضت دقائق معدودات وإذا بصوت يشق الفضاء.

وعرفنا فيه صوت معاون الدار، وخرجنا إلى الفناء نستطلع الخبر، فرأينا القوات المسلحة والسيارات المصفحة تحاصر الدار من كل جانب، ثم تقتحمها وكأنها تقتحم حصنا منيعا ملؤه الجنود والسلاح، وعلى رأس القوة ضابط شاهر مسدسه، مثبت بصره وحواسه في شخص فضيلة المرشد العام .

وقال : إن عندي أمرا بالقبض على كل من بالدار عدا فضيلة المرشد. ثم اخذ يرجو فضيلته أن يسهل له مهمته لأنه عبد مأمور.. ".

"... ففي 8 ديسمبر سنة 1948م أغلقت دار المركز العام للإخوان المسلمين ، وصودرت ممتلكاتهم وشركاتهم وأموالهم في كل مكان، وظل مصيرها منذ ذلك الحين يتأرجح في كفة القدر.

فقد قرر النقراشي باشا رئيس الوزراء والحاكم العسكري ووزير الداخلية يومئذ أن يجعل من هذه الدار مقرا لقسم الدرب الأحمر.

وقرر دولته وبجلالة قدره أن يفتتحه بنفسه في أول يناير سنة 1949م .. وجاء بعده إبراهيم باشا عبد الهادي.. وجاءت وزارة سرى باشا الائتلافية ، وكان وزير المعارف فيها من السعديين، فلم يكتم حقده، فأصدر أمرا بتحويل المركز العام إلى مدرسة للبنات.." .

"... وأخيرا تجرى الانتخابات ويعود الوفد الى الحكم على أكتاف الإخوان المسلمين، وبعد أن بذل سكرتيره العام الوعود بعودة جماعة الإخوان ورد الأموال المغتصبة ولكن معاليه لم يكد يجلس على كرسي الحكم حتى تبخرت الوعود، ومد الأمر العسكري بحل جماعة الإخوان سنة أخرى., وبقى المركز العام وبقية الممتلكات والأموال المصادرة.

وأراد وزير الداخلية الوفدي أن ينتقم من الإخوان الذين شقوا عليه عصا الطاعة ولم يخروا لع ولقانونه ساجدين، فأوعز مذكرة ببيع المركز العام إلى وزارة الداخلية ليكون مقرا لقسم الدرب الأحمر.. رفع الإخوان قضية أمام مجلس الدولة لإيقاف تنفيذ البيع فحكم لهم القضاء.. ولكن وزير داخلية الحكومة الوفدية رفض أن يخضع لأمر القضاء..

وأخيرا وفى 15 ديسمبر سنة 1951م هبط الوحي (كذا .. ) على الوزير، فطلب الأوراق الخاصة بجماعة الإخوان المسلمين ، واطلع على فتوى قسم الرأي بمجلس الدولة بشأن ممتلكاتهم.. ولذلك أصدر معاليه قرارا بذلك، وتسلم الإخوان دار المركز العام" ا.هـ من مجلة الدعوة.

وبعد فهذان موقفان من الحكم الطاغوت في مصر ضد حركة الإخوان المسلمين .

ويتبين لنا من هذين الموقفين أمور مهمة يمكنني إيجازها فيما يلي:

1- إن الطاغوت لا يسمح للعمل الإسلامى التمتع بحرية الحركة والدعوة إلى ما لا نهاية.
2- إن الطاغوت يصعد المواقف إلى أن تصل إلى درجة الصدام مع الحركة الإسلامية ، حتى إن أعلنت الحركة الإسلامية مسبقا أنها ليست بصد الصدام معه. وهذا واضح من الموقف الأول.
3- إن الطاغوت يستغل الحركة الإسلامية ويتخذ منها سلما لمآربه. فإذا ما وصل إلى هدفه تنكر لها ونكل بها. وذلك واضح من موقف الوفد من الإخوان المسلمين بعد أن وصل إلى الحكم على أكتافهم.
4- إن عين الطاغوت مركزة على الحركة الإسلامية ، يرصد تحركاتها ويجمع المعلومات عنها، ولا يتوانى قيد لحظة عن اعتقال زعمائها وقواعدها عندما يشعر بالخطر وأعد قراءة الموقف الثاني لتتبين ذلك.
5- إن الطاغوت ملة واحدة وإن تعددت أشكاله ورموزه. فالمركز العام للإخوان المسلمين بقى مغلقا رغم مرور أكثر من حكومة خلال فترة إغلاقه ، ابتداء بحكومة النقراشي، مرورا بحكومة إبراهيم باشا عبد الهادي ، ثم وزارة سرى باشا الائتلافية وأخيرا حكومة الوفد. لقد اتفق الجميع على الإخوان المسلمين ، وما ذلك إلا لأن الطاغوت ملة واحدة.
6- إن الطاغوت لا يكتفي بالاعتقال والتنكيل ، بل يبادر إلى مصادرة الأموال والممتلكات، زيادة منه في التعبير عن حقده الدفين وعدائه السافر للحركة الإسلامية .
فما إن تم اعتقا لزعماء الإخوان حتى أغلقت دار المركز العام ،وصودرت ممتلكاتهم وشركاتهم وأموالهم. إنها الكراهية السوداء التي تعشعش في قلوب الطغاة المجرمين.
7- لخصت مجلة الدعوة العبرة مما حصل في شقين فقال: " أما الشق الأول فهو خاص بالطغاة المستبدين الذين يقدرون فتضحك الأقدار ويظنون أنفسهم آلهة أو أنصاف آلهة، بيدهم آجال الناس وأرزاقهم، فإذا بهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.

أما الشق الثاني من العبرة فهو خاص بالمؤمنين الصادقين.. فمهما أظلمت الأيام وادلهمت الخطوب وبلغت القلوب الحناجر، فما عليهم إلا أن يستعينوا بالصبر والصلاة، ويكونوا بما في يد الله أوثق مما في يد الناس، وليطلبوا الحوائج بعزة النفس. فالنصر لهم في النهاية، والعاقبة للمتقين" ا.هـ من مجلة الدعوة ، العدد المشار إليه سابقا.

تلك كانت عجالة دونتها حول القضية الأولى.

والآن إلى القضية الثانية، وهى:

ما القوى المطلوبة لتغيير ذلك الواقع الطاغوت، وما طبيعتها وأوصافها، ثم هل ملك الإخوان المسلمون ذلك؟

الجواب: لست بصدد الدخول في التفاصيل، ولكن سأذكر فقد بعض النقاط.

النقطة الأولى: لابد أولا من تحديد معالم الساحة التي تتحرك عليها الدعوة. وهى ها هنا ذات شقين:

الأول: النظام الحاكم. وقد تبين لنا أنه نظام طاغوتا لا يحكم بما أنزل الله، وانه قد سن القوانين التي تحل ما حرم الله وتحرم ما أحل الله.

والذي نقلته من مقتطفات من كلام الإمام حسن البنا – رحمه الله- بشأن واقع القوانين المصرية فيه الكفاية ، فليرجع من يشاء.

الثاني: الواقع الديني للمجتمع المسلم، وهو واقع طغت عليه مفاسد عقدية ومفاسد عملية، فأما العقدية فتتلخص ببعد كثير من الناس عن المفهوم الحقيقي " للا إله إلا الله" مما انعكس أثره من خلال انتشار الصوفية وعلم الكلام والبدع والأفكار الباطنية، فضلا عن تسرب الأفكار العلمانية والقومية والوطنية إلى عدد غير قليل ممن يسمون بالمثقفين.

وأما المفاسد العملية فهي كثيرة ، أبرزها شيوع الربا وسفور المرأة والتأثر بالعادات والأعراف الغربية، مع ما يصاحب ذلك من استنفار إعلامي لنشر المنكر وإشاعة الرذيلة، في هيمنة تامة للقوانين الوضعية.

وقد نقلت أيضا قطوفات من كلام المرشد العام حسن البنا- رحمه الله- بشأن تفشى المفاسد العملية في المجتمع المصري.

ومن أراد المزيد فليرجع إلى " مجموعة الرسائل".

النقطة الثانية: بعد تحديد معالم الساحة وفق ما ذكرته آنفا، تبرز أمامنا مجموعة من الأسئلة عن الحاكم وعن المجتمع المسلم ( الإخوان نموذج في واقعهم العقدي وموقفهم العملي).

أ‌- وفق الوصف الذي أطلقته على النظام المصري من أنه كان نظاما طاغوتيا لا يحكم بما أنزل الله، فإنه يترتب على ذلك ، السعي لتغيير النظام المذكور من أساسه.
ب‌- فهل كان المطروح لدى الإخوان هو تغيير النظام، أم ترقيعه ومحاولة إغلاق الثقوب المتنوعة الأحجام والأشكال التي ظهرت فيه؟
لقد ظهر لنا، حسب ما قدمته ، أن الإخوان المسلمين كانوا يريدون نظاما إسلاميا ، لكن يغلب عليهم أسلوب الترقيع ومحاولة سد الثقوب، وذلك من خلال السعي للتغيير البطيء من خلال المشاركة في المجالس النيابية، وترقيع بعض توجهات النظام من خلال الضغوط الشعبية، كالمظاهرة التي تحدثت عنها عند عرض قضية جلاء الانجليز أمام مجلس الأمن.
ولا يشوش على هذا الرأي أن الإخوان كانت لهم مشاركة فعلية في إسقاط النظام المصري الحاكم في 23 يوليو عام 1952م، إذ إن تبنى إسقاط النظام، وأخذ مسئولية ذلك على عاتقه هم حفنة ما يسمون بالضباط الأحرار، الذين استفادوا من دعم الإخوان لهم للوصل إلى دفة الحكم، وقد كان لهم ما أرادوا ، فلما استقرت بهم الكراسي قلبوا للإخوان ظهر المجن، وغدروا بهم غدر الحاقد اللئيم ، فعليهم من الله ما يستحقون .
ت‌- ما يتعلق بالواقع الديني للمجتمع المسلم فليكن الإخوان نموذجا، ولنبدأ بالفهم العقدي، فيبرز أمامنا هذا السؤال: هل القول: إن دعوة الإخوان هى عقيدة سلفية وحقيقة صوفية يتمخض عنه صفاء في مفهوم العقيدة؟ وكيف سيتصدى الإخوان للفكر الصوفي إذا كانت حقيقة دعوتهم صوفية، وكانت تربيتهم الروحية صوفية أيضا؟ وكيف يمكن الجمع بين المتضادين: العقيدة السلفية.. والحقيقة الصوفية؟

وقد سقطت ههذ الفقرة المتعلقة بالواقع الديني، ( ولا أريد الاسترسال في ذكر أمثلة أخرى) لأثير هذا السؤال: كيف ستستخلص الدعوة ما علق في أفكار المسلمين من شوائب القومية والعلمانية والوطنية في حين أن أسلوب تربيتها لهم قائم على تعليمهم أنواعا من الوطنيات والصوفيات وغيرها.

فمثلا ما هو الحد الفاصل بين وطنية الطين ووطنية الحنين ووطنية الحرية والعزة ووطنية المجتمع ووطنية الحزب؟

فإذا كانت الدعوة تحارب بعض الأطروحات الوطنية وتتبنى بعضها الآخر، فمن سيضمن لها عدم الخلط بين ههذ الأنواع عند عموم المسلمين ، هذا إذا سلمنا بتبني بعض الأطروحات الوطنية، ولسنا بمسلمين .

بل نقول: إن الوطنية ليست من الإسلام في شيء، بل هى لوثات الجاهلية.

وإذا كانت الدعوة تقول للناس إنها ضد رفع شعار القومية العربية بديلا عن الإسلام.

ثم تقول لهم بعد ذلك : لكن لا بأس بقومية المجد، وقومية التنظيم، فكيف لهم استنتاج الحقيقة واستخلاصها من تلك الخلطة المركبة وذاك المزيج العجيب؟ وبدل أن يكون الإشكال هو في كيفية إيصال الدعوة الإسلامية الحقة للناس، سيكون الإشكال هو كيف سيتبين للناس ما هى الوطنية التي ينبغي لهم أن يعتزوا بها، وما هى القومية التي ينبغي لهم أن يفاخروا بها، ثم ما هى الوطنية التي ينبغي لهم أن يعادوها .

أي : لابد من تبيين أنواع الوطنيات والقوميات على حساب بيان المفهوم الحقيقي لـ " لا إله إلا الله" ( راجع في مجموعات الرسائل : رسالة دعوتنا" لتقرأ ما ذكرته لك من أنواع الوطنيات والقوميات وتعريف كل منها).

إن نفس الخلط الذي وقع فيه الإخوان المسلمون بشأن الوطنية والقومية وقعوا فيه بشان الديمقراطية.

من ذلك قولهم:" نلتقي على ما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه".

وهذا خلاف منهاج أهل السنة والجماعة الذين دانوا الله تعالى باتباع الدليل الشرعي.

ولم يعذر بعضهم بعضا إلا فيما يمكن أن تحتمله الأدلة الشرعية من اختلافات في الفهم أو التفسير.

وهذا ما نص عليه أصحاب المذاهب الأربعة. وقال الشافعي : " ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعزب عنه، فمهما قلت من قول أو أصلت من أصل ، فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلت فالقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قولي".

وقال الإمام مالك" إنما أنا بشر أخطاء وأصيب ، فانظروا في رأيي ، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه" وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه"

وقال الإمام أحمد بن حنبل: لا تقلدني ولا تقلد ملكا ولا الشافعي ولا والأوزاعى ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا".

فهذا هو منهج السلف في ما يصدرونه من أحكام ويفتون به فتاوى.

إن قضية التماس الأعذار للمخالفين رغم خلو ما ذهبوا إليه من أي دليل شرعي هى واحدة من البوابات الواسعة جدا التي ولجت منها المبادئ الديمقراطية إلى فكر الإخوان المسلمين .

إذ لا يسع المخالفين للفكر الديمقراطي من الإخوان المسلمين إلا أن يعذروا الموافقين.

ومن ذلك قولهم: " ونحن نعتقد أن رأى السلف من السكوت وتفويض علم هذه المعاني- أي : معاني الصفات- إلى الله تبارك وتعالى أسلم وأولى بالإتباع ، حسما لمادة التأويل والتعطيل".

فهل حقا فوض السلف معاني الصفات إلى الله تعالى، أم فوضوا الكيفية؟ لقد كان الإمام مالك حاسما في هذه القضية عندما سئل عن الاستواء على العرش في قوله تعال" الرحمن على العرش استوى" طه: 5 . فقال :" الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".

وبعد أن ساق الشيخ الألباني في مقدمة " مختصر العلو" بعضا من أقوال السلف في هذه المسألة قال:" فهذا قل من جل من النصوص، وهى كلها متفقة على أن السلف كانوا يفهمون آيات الصفات ويفسرونها ويعينون المعنى المراد منها، على ما يليق به تبارك وتعالى.

وقال ابن كثير في تفسيره عند قوله تعالى" ثم استوى على العرش" الأعراف: 54. " وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح: مالك والأوزاعى والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل".

أي : إمرارها كما جاءت من حيث " الكيفية " وليس من حيث " المعنى".

وقد سقت الكلام لأبين أن تفويض معاني الصفات ليس هو منهج السلف.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن تفويض معاني الصفات يفوت كثيرا من آثار تعبد الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى.

فمعلوم أن " الحكم" الواجب الإتباع هو حكم الله تعالى.

وأن هذا الفهم مندرج من كون وصف الله تعالى لنفسه بأنه " أحكم الحاكمين".

ولكن في ظل " تفويض " هذا المعنى وعدم إدراك معناه ما أسهل أن تتسرب المفاهيم الديمقراطية إلى أذهان الإخوان المسلمين .

إذ ما أخذ الإسلاميون المجلسيون بمبدأ " حكم الشعب بالشعب " إلا لاختلال فهمهم في أن " حكم الشعب بالكتاب والسنة" هو من مقتضى تحقيق عبوديتهم لله تعالى، ومن مقتضى فهمهم الصحيح لأركان التوحيد الشاملة لتحقيق العبودية الخالصة لله تعالى في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته.

ذلك بعض مما يتعلق بالجانب العقدي من الواقع الديني.

ج-فما القول فيما يتعلق بالجانب العملي من الواقع الديني؟

أقول : لا يشك أحد أبدا في أن الإخوان المسلمون قد بذلوا جهودا عظيمة على كافة المستويات لاقتلاع المفاسد العملية من المجتمع المصري، وحققوا في ذلك نجاحات كبيرة، وكسبوا إلى صف الدعوة أعدادا هائلة من المثقفين والعمال والفلاحين، ويكفى القول إن الذين انتظموا في شعب الإخوان، أي : كانوا منظمين في جماعة الإخوان وفق مختلف المراتب التنظيمية قد بلغ حوالي مليونين ، أي : عشرة بالمائة من مجموع الشعب المصري.

فأي نجاح أكبر من أن يسلك حوالي 10% من مجموع الشعب في أطر تربوية ترتقي بأخلاقه الإسلامية درجة درجة.

النقطة الثالثة: هل امتلك الإخوان القوى المادية الكافية التي تمكنهم من السيطرة على الحكم وإخضاعه للنظام الإسلامى؟

الجواب من شقين:

*الشق الأول: يثار سؤال مهم هو : لو سيطر الإسلاميون على السلطة في بلد ما، في الوقت الذي لم يكن الشعب فيه مهيئا عقديا وعمليا لتقبل الإسلام ، فهل هذه السيطرة قد جاءت في وقتها الصحيح؟
الجواب: لابد من العلم أن شعوبنا الإسلامية بالاسم هو شعوب إسلامية بالفعل، تعتز بدينها ، ذلك لأن هذا الدين هو فطرتها.
وإن جميع الجهود التي يبذلها أعداؤها تنصب في بوتقة واحدة، وهى كيف يتمكن أولئك الأعداء من إبعاد هذه الشعوب عن إسلامها.
وإن الذين يطرحون السؤال المشار إليه متأثرون بالزوبعات الإعلامية التي يسيطر عليها العلمانيون والقوميون.
وإذا كانت القضية تحسب بالأعداد ة ، فإن الملتزمين بالخط العلماني والقومي التزاما عقديا لا يشكلون نسبة تذكر.
وسوف تختبئ هذه الخفافيش في أوكارها بمجرد أن تصبح السلطة في يد الإسلاميين.
وأما العلمانيون والقوميون من غير الملتزمين بهذا الخط عقيدة، فهؤلاء سرعان ما يثوبون إلى رشدهم عندما تزول عن أعينهم وقلوبهم غشاوة الدعاية الإعلامية .

وأما هؤلاء الناس الذين درجوا على التسكع والتحجر أمام التليفزيون ليلا ونهارا أو يرتادون السينما والمسرح ويحضرون المباريات أو غي ذلك ، فهؤلاء ما فعلوا ذلك إلا لخلو حياتهم من ألهداف السامية التي ينبغي أن يشعروا أنهم يعيشوا لأجلها.

إنهم حصيلة تربية هذه الأنظمة الطاغوتية التي أوحت إلى الناس أنهم لا يعيشون إلا للأكل والشرب والمتعة، ذلك لأجل أن تموت فيهم الروح التغييرية الإسلامية ، فينفرد المتجبرون بالسلطة من غير حسيب ولا رقيب.

إن هؤلاء المتسكعين في تلك الأروقة سيطرأ على حياتهم في ظل النظام الإسلامى ما يغير نظرتهم إلى الحياة، ويأخذ عليهم أوقاتهم مستثمرا إياها في مناحي الدعوة وساحات الجهاد في سبيل الله.

فإن قيل: إنك متفائل أكثر من اللازم ، أقول: نعم، إني متفائل جدا، ولكن تفاؤلي مبنى على أسس منطقية وليس على مشاعر عاطفية.

وأما بالنسبة للإخوان فإنهم فعليا قد هيأوا الجماهير الشعبية ليقفوا سندا ودرعا للنظام الإسلامى لو قام في مصر، ولا يعنى هذا أنهم قد حققوا نجاحا بشكل شمولي. بل يكفى القول: إنهم قد سيطروا على معظم الساحة الثقافية في مصر، فضلا عن القطاعات الأخرى.

وهذا في ظني ، كان كافيا لتقديم الدعم الشعبي اللازم.

الشق الثاني: إن السيطرة على السلطة من الوجهة الإسلامية هى ليست انقلابا عسكريا يقوم به حفنة من العسكر، بل هى تصعيد للزخم الشعبي المؤيد بالقوى المستعدة عسكريا، سواء كانت هذه القوى شعبية مدربة أو عسكرية منظمة.

وقد امتلك الإخوان المسلمون الأمرين معا: القوى الشعبية والقوى العسكرية .

وما المواقف الشعبية والعسكرية التي ذكرت طرفا منها سابقا إلا دليل عملي على ذلك.

فما الذي حال دون توجيه تلك القوى للسيطرة على نظام الحكم في مصر؟

هل هى تبنى خط التغيير عن طريق المجالس النيابية؟ .. ربما.

النقطة الرابعة : قد يقال : إن الحركة الإسلامية في مصر كانت بحاجة إلى مزيد من المد الشعبي والتنظيم العسكري، حتى تكون مؤهلة بالفعل لتسلم السلطة هناك.

أقول: لا ينبغي أن يغرب عن ذهننا أن الطاغوت ليس غافلا عن تحرك الإسلاميين ولن يقف مكتوف الأيدي إزاء خططهم وانتشار دعوتهم.

فهو يعلم أنهم الخطر الماحق والأكيد عل حكمه وهيمنته.

ومعنى هذا أن الحركة الإسلامية لا تعمل في جو حر ومفتوح، بل تعمل في ظروف صعبة خانقة وإطار مقيد، ومراقبة من قبل عدو لدود متربص.

فإذا كان البعض يظن أن الإسلاميين ، في ظل مثل هذه الظروف، سيسيطرون على الساحة الشعبية بكاملها، ويهيئون قوى عسكرية هائلة ، فإنه واهم جدا.

هذه حقيقة ينبغي أن يدركها الإسلاميون جيدا. ويترتب على هذا الفهم ، أن على الإسلاميين التحرك باتجاه السيطرة على نظام الحكم بمجرد أن يمتلكوا القوى الشعبية والعسكرية الكافية لتحقيق هذا الغرض، وليس بعد أن يمتلكوا القوى الشعبية كافة ويسيطروا على كل القوى العسكرية، وذلك لسببين:

الأول: إن إحراز السيطرة الشعبية الشاملة بحيث تكون جميع فئات الشعب داعمة للإسلاميين أمر صعب للغاية في ظل حكم الطواغيت.
الثاني: إن إحراز السيطرة العسكرية الشاملة لصالح العمل الإسلامى غير ممكن أيضا.

ففي ظل مثل هذه الظروف لابد من التحرك من خلال الحد الأدنى الكافي شعبيا وعسكريا في إطار تصعيدي مسيطر على مراحله بشكل حاسم.

ولعله من المهم ملاحظة أن الوصول إلى تحييد الجيش في حالة الصراع مع السلطة يوفر على الحركة الإسلامية كثيرا من التضحيات ، ويقلل الخسائر الى الحد الأدنى.

وبعد بيان هذه الأمور يصبح من نافلة القول إن الإخوان المسلمين في مصر قد حققوا زخما شعبيا ووفروا قوى عسكرية، رغم وجود حكم الطاغوت، بما لا يمكن إعادة تكراره مرة أخرى بسهولة.

وإن الطمع في تحقيق امتداد شعبي وحضور عسكري أكبر من الذي حصل يعتبر أملا متجاوزا للظروف الحالية ومداخلاتها المعقدة.

فهناك حد معين من الإعداد يصبح بعده الطرفان ، الإسلاميون والطواغيت، في سباق مع الزمن .

أيهما يسبق الآخر في توجيه الضربة الأولى.

فالقول إن الإخوان المسلمين في مصر، في أواخر الأربعينات كانوا بحاجة إلى مزيد من المد الشعبي والحضور العسكري لكي يكونوا مؤهلين لتسلم السلطة هو قول عاطفي أكثر مما هو قول واقعي، وعلى كل حال ، فإن تحديد ذلك على وجهه الصحيح يبقى خاضعا لحسابات القيادة، هذا إذا كانت القيادة تخطط بالفعل لتسلم السلطة ، أما إذا كانت القيادة تريد خوض الانتخابات النيابية والتغيير البطيء من خلال القنوات الدستورية والمجالس البرلمانية، فهذا شأن آخر، ومحكوم عليه بالفشل ابتداء.

ولعل توجه قيادة الإخوان المسلمين في مصر في هذا الاتجاه ، هو الذي جعل اعتماد الحل بواسطة التحرك الشعبي المدعوم عسكريا، أمرا مستبعدا، مما أتاح الفرصة للطاغوت أن يوالى ضرباته للحركة الإسلامية في مصر على مدى سنوات متتبعة.

ولولا فضل الله تعالى أولا، ثم عمق الإيمان والحضور الشعبي والصبر على الشدة والابتلاء ، لكانت حركة الإخوان المسلمين الآن لا تتجاوز كونها مجرد ذكرى وحدثا تأريخيا مر وانتهى ، لكن الإخوان المسلمين صبروا على المحنة وثبتوا ثبات الجبال الرواسي.

فاللهم اجزهم خيرا وأجزل ثوابهم وأعظم أجرهم، إنك أنت الوهاب.

وبعد .. فهذا درس نستقيه مما جرى ، فهل وعينا الدرس ،استخلصنا العبر؟

الخلاصة

إن خلاصة ما انتهينا إليه في هذا المبحث هو:

1- إن حسن البنا- رحمه الله- تكلم عن الإعداد والاستعداد واستعمال القوة حيث لا يجدي سواها.
2- إن الإخوان المسلمين في مصر قد نجحوا في إعداد القوة على المستويين الشعبي والمسلح.
3- إن هذه القوى لم تستعمل لأجل إحداث التغيير الجذري للنظام الحاكم في مصر .
4- إننا لا نجد أماما منبرا قويا لعدم استعمال هذه القوى إلا ما وجدناه من اعتماد الإخوان المسلمين الخط النيابي كطرق للتغيير باعتباره قناة دستورية.
5- إن عدم توجيه هذه القوى في الوقت المناسب لإحداث التغيير الجذري في السلطة الحاكمة أعطى الفرصة المواتية للطاغوت الحاكم ليوجه ضربته القاصمة، مما أدى إلى بعثرة تلك القوى وإجهاضها،مما أستدعى أن تعاد كرة البنا من جديد.

المبحث الثاني: مرحلة الأستاذ حسن الهضيبي – رحمه الله تعالى-

ويتضمن الفصلين التاليين:

الفصل الأول: محطات نيابية.
الفصل الثاني: وقفات تحليلية .
الفصل الأول: محطات نيابية:
ويتضمن المحطات التالية:
المحطة الأولى: النظام الحاكم يرتدى ثوب الديمقراطية.
المحطة الثانية: مشروع هيئة التحرير.
المحطة الثالثة: الإخوان المسلمون يقترحون الإصلاح الدستوري.
المحطة الرابعة: الديمقراطية أساس الاستقرار في رأى الإخوان المسلمين .

الفصل الأول: محطات نيابية

اتفق الإخوان المسلمون على أن يكون الأستاذ حسن إسماعيل الهضيبى هو المرشد العام للإخوان المسلمين بعد وفاة المرشد العام حسن البنا- رحمه الله- وكان ذلك في عام 1951م. وقد استمر الهضيبى في هذا المنصب حتى توفاه الله تعالى في عام 1973م.

وما نحن بصدده الآن هو موقف الهضيبى- رحمه الله- من المجالس النيابية.

لابد أن نقرر أولا: أن الإخوان المسلمين قد اختطوا لأنفسهم هذا الطريق منذ أيام البنا ، ثم إنهم ساروا على دربه بعد ذلك.

ومن هذا المنطلق فإن الحكم النيابي هو ما كانوا يطالبون به ويسعون إليه.

وأدل على ذلك بفقرات اخترتها من كتاب " صفحات من التاريخ" للأستاذ صلاح شادي ، أسوقها متوقفا عند أربع محطات.

المحطة الأولى : النظام الحاكم يرتدى ثوب الديمقراطية:

يقول الأستاذ صلاح شادي: " إن فكرة الحكم النيابي بمفهومها وبما فيها من الحرية والشورى، التي تم اتفاق الإخوان عليها مع عبد الناصر قبل قيام الحركة بأيام، اتضح منذ أول اجتماع عقده مجلس قيادة الثورة بعد 23 يوليو أنها لم تكن واردة في أذهان قادة الحركة على الإطلاق ، حتى لقد عرض وقتئذ اقتراح للاتفاق على نظام الحكم، وهل يكون حكما استبداديا بالمفهوم الدستوري ، ديكتاتوريا بالمفهوم الدارج، أم حكما نيابيا".

إذا ، قد بادر الإخوان إلى تأكيد توجههم الديمقراطي بالاتفاق مع عبد الناصر قبل أيام من انقلاب 23 يوليو 1952م على الحكم النيابي، وكان ذلك بعد تولى الهضيبى – رحمه الله- منصب المرشد العام للإخوان المسلمين بحوالي عام واحد.

علما أن عبد الناصر هذا ، ليس من الديمقراطية في شيء، فليس له منها إلا اسمها، فهو طاغية متغطرس ، إلا أن شأنه في استغلال هذا اللون الشعبي من الحكم، والمسمى بالحكم النيابي كشأن أقرانه من الحكام الذين تسلطوا على شعوبهم وأذاقوهم الويلات وأحلوهم دار البوار باسم الديمقراطية.

ولعلى أتوقف هنا عند هذه النقطة لأهميتها في سياق البحث، ولأبين من خلالها كيف يتلاعب هؤلاء الحكام المجرمون بمصائر شعوبهم تحت شعار الديمقراطية والحكم النيابي، وذلك لأجل أن يفتح الإسلاميون فلعيونهم جيدا، وليعتبروا من التاريخ ولا ينقادوا خلف العواطف المندفعة والحماس المتأجج.

وأسوق هنا بعض الوقائع ملخصة من كتاب" صفحات من التاريخ "، قال الأستاذ صلاح شادي:" عندما صوت مجلس الثورة على اختيار نظام الحكم وقفوا جميعا على جانب النظام الاستبدادي، ما عدا عبد الناصر، فقد وقف على جانب الحكم النيابي.

ونزل الأعضاء على رأيه، وقرروا إجراء انتخابات نيابية بعد ستة أشهر، وبالتحديد في يوم 2 فبراير عام 1953م ، لكنها لم تتم".

"وفى صباح يوم 25 فبراير 1954م اجتمع مجلس الثورة ، ونوقش اقتراح قبول استقالة محمد نجيب، فكان المعترض الوحيد هو خالد محيى الدين، الذي تمسك بأن الحل هو إعادة الحياة النيابية ، فرأى المجلس إعفاءه من عضويته".

" واجتمع مجلس الثورة بتاريخ 26 فبراير 1954م وقرر بالإجماع العودة إلى الحكم النيابي، وتعيين خالد محيى الدين رئيسا لوزارة مدنية تعيد الحياة النيابية في اقرب وقت، وإعادة محمد نجيب رئيسا للجمهورية.

لكن الضباط الموالين لعبد الناصر رفضوا قراري المجلس الخاص بإعادة الحياة النيابية ومحمد نجيب وأعلنوا عزمهم على تدمير سلاح الفرسان المؤيد لمحمد نجيب، وكان سلاح الفرسان يطالب بعودة الحياة النيابية.

وهنا انبرى عبد الحكيم عامر ليعلن أنه سيأمر بتدمير سلاح الفرسان لمطالبته بالحياة النيابية وبقاء محمد نجيب.

وفى 28 فبراير 1954م قامت مظاهرات شعبية، أغلبها من الإخوان المسلمين ، فخطب محمد نجيب، وكان على جواره عبد القادر عودة، وقال إنه سيعمل على إعادة الحياة النيابية في أسرع وقت ممكن.

ثم إن عبد الحكيم عامر الذي رفع عقيرته ضد سلاح الفرسان لمطالبته بالحياة النيابية طبع في ديسمبر عام 1961م منشورات، ووزعها على الشعب، قال فيها: إنه استقال من أجل الديمقراطية والحكم النيابي، لأنه رفض الحكم الديكتاتوري الذي يحكم به عبد الناصر بلده.

وهكذا استمرت المناورات والمناقشات والمداولات سنوات.

ولم يخرج المجلس النيابي إلى الوجود إلا في عام 1957 م برئاسة عبد اللطيف البغدادي.

ثم استمرت اللعبة بعد ذلك سنوات وإلى الآن تحت أسماء شتى، آخرها كان الاتحاد الاشتراكي العربي، ثم مجلس الشعب.

فما موقف الإخوان المسلمين إزاء هذه القضية التي كانت ألعوبة بيد الطغمة الحاكم؟

المحطة الثانية: مشروع هيئة التحرير

في ديسمبر 1952م طرح عبد الناصر فكرة هيئة التحرير ، وهى " هيئة يذوب فيها نشاط الإخوان وجميع نشاطات الأحزاب ، لإيجاد الأمة المصرية الموحدة المستمسكة بقيم الإسلام.

دون شعاراته التي ينادى بها الإخوان المسلمون، حتى يتسنى للجميع الانضمام إليها، وضمانا لتحقيق المضمون الإسلامى المطلوب فيمكن أن يعهد إلى احد الإخوان برئاسة هذه الهيئة التي اختار لها اسم هيئة التحرير لتمثيل الواقع التحرري الذي دعا الجيش إليه بتحركه الميمون".

هكذا لخص إبراهيم الطحاوي مهمة هيئة التحرير للأستاذ صلاح شادي بحضور عبد الناصر. وفى لقاء آخر، تم في آخر ديسمبر 1952م في منزل عبد القادر حلمي، حضره من الإخوان ، بالإضافة إلى صاحب المنزل، منير دلة وفريد عبد الخالق وصالح أبو رقيةوحسن عشماوي، وحضره من جانب الدولة عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وكما لحسين وصلاح سالم وعبد اللطيف البغداديوأنور الساداتوأحمد أنور، افتتح فيه عبد الناصر الكلام" وأبدى رغبته في أن تتكون هيئة تنصهر داخلها جماعة الإخوان المسلمين ، فلا يعود لها شكلها المعروف، ,وإنما تذوب بقيادتها في الهيئة الجديدة، لتكون تنظيما جديدا تدخله جميع الأحزاب بدون حساسيات تمنع حاليا انضمام أي منها إلى هيئة الإخوان المسلمين ".

ولما رأى عبد الناصر عدم تجاوب الإخوان مع فكرته، طلب منهم أن يتجاوبوا " بإرسال دعاة ينضمون إلى هذه الهيئة لينهضوا بعبء الدعوة فيها، فقبل الإخوان ذلك وأفهموه أنه إذا فتحت لهم الهيئة الجديدة هذا المجال فلن يتأخروا عن الدعوة فيها، على أن يظل الجماعة الإخوان كيانها الخاص الذي تنطلق منه دعوتهم إلى العالم كافة.

وبدا من عبد الناصر عدم الارتياح حتى بعد هذه الموافقة" وفى خلال المناقشات أشار فريد عبد الخالق إلى موقف السلطة من الإخوان باتخاذها إجراءات تحجم نشاطهم، فقال عبد الناصر: " أعمل لكم إيه.

ما أنتم عصاة" فأجابه الأخ فريد مستنكرا : عصاة كلمة كبيرة لها معناها، فهل رأيتنا نقف موقفا عدائيا من ألأهداف الوطنية للثورة، وهل مطالبتنا بنشر بياناتنا التي تطالب بالحياة النيابية ومطاردة الفساد والقيام بأحكام الدين يعتبر عصيانا ؟ فتراجع قائلا: ما أنتم كده بتحرجونى، طالبين انتخابات حرة..

يعنى: عايزين النحاس باشا يرجع تانى ونعود لنفس الأوضاع، أنا بأقولكم ادخلوا هيئة التحرير وتولوا أمرها وتصبح هى مسرح نشاطكم وأنتم بترفضوا، عايزين إيه أمال؟ فأجابه الأخ فريد في صراحة: يا جمال عليك أن تعلم أنه لا بديل للحكم النيابي الذي أعلنت عند بدء الحركة أنك تهدف إلى تصحيحه لا إلغائه..

أما هيئة التحرير فلا يمكن أن تصبح بديلا للحياة النيابية.. أما اندماج جماعة الإخوان المسلمين مع هيئة التحرير فهذا أشبه بالضبط بمن يضع زيتا وماء في زجاجة ويحاول مزجهما ببعض.. ومن الأفضل للإسلام وللبلد ولك أن تظل في معزل عن أجهزة الحكم التي تمارس بها أهدافك، نصوبها إذا جنحت، ونرشدها إلى استهدت، ونؤيدها إذا صلحت.

وليس من هدف الإخوان المسلمين أن ننافسك في الحكم، فنحن لا نبتغيه، ولذلك لا أرى أي سبب للصدام بيننا".

على أن هذه العروض التي كان يتقدم بها عبد الناصر من مثل هيئة التحرير وغيرها إلى الإخوان كانت تكرس عدم اطمئنان المرشد العام حسن الهضيبى إلى عبد الناصر وثورته، خاصة أن اللقاء الأول بين الهضيبى – رحمه الله- وعبد الناصر، والذي عقد في 30 يوليو عام 1952 م في منزل صالح أبو رقيق قد ألقى ظلالا من الشك على مستقبل العلاقة مع عبد الناصر ونظامه، ففي هذا اللقاء تنصل عبد الناصر عن وعوده بالتشاور مع الإخوان في الأمور الرئيسية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وقال :" إنه لا يقبل وصاية من أي جهة على الثورة، فوجه المرشد حديثه متسائلا بتعجب إلى حسن عشماوي: ألم تتفقوا على المشاركة يا حسن؟ فأجاب: بلى اتفقنا.

يقول صلاح شادي: أبدى المرشد للإخوان عقب انصرافه عدم اطمئنانه إلى اتجاه هذه الحركة، وعدم ثقته بالقائمين عليها، لما بدا من تنصل المسئول الأول الفعلي من التزاماته ووعوده".

المحطة الثالثة: الإخوان المسلمون يقترحون الإصلاح الدستوري

في 1/8/1952م أصدر الإخوان المسلمون بيانا عن الإصلاح المنشود في العهد الجديد (كذا سموه).

ومما جاء في البيان بند ثالثا، وهو الإصلاح الدستوري قولهم:" هذا وينبغي أن نستفيد أيضا من التجارب الدستورية، ليكون اتجاهنا إلى الإصلاح مؤسسا على واقعية ملموسة.

والذي يستقرى هذه التجارب منذ بدء الحياة النيابية إلى اليوم، يجد أنها لم تقدم نيابة صالحة ولا تمثيلا صحيحا.

وليس أدل على ذلك من أنه مع شيوع المفاسد وانتشار الأخطاء التي تعترف بها الأحزاب السياسية اليوم ، وتقول: إن الملك كان هو الآمر بها، لم يفلح برلمان واحد في إسقاط حكومة أو مناقشة مخصصات الملك أو تغيير وزير أو توجيه اللوم إلى وزارة، ولم ينته أي مجلس من مناقشة أي استجواب إلا بالانتقال إلى جدول الأعمال.

وفوق ذلك، فما من قانون جاء ضارا بالحريات إلا وقد أقرته وخضعت لمشيئة الحكومات فيه البرلمانات المتلاحقة، تلك البرلمانات التي طالما يسرت للحكومات اعتماد الأموال الضخمة المرهقة للميزانية في أوجه البذخ والترف وتحقيق شهوات الحكم الفردي بحيث عجزت الميزانية في مواجهة مطالب النهضة وضرورات الإصلاح في مرافق الحياة.

وهكذا انتهت الحياة البرلمانية في كل العهود الحزبية إلى أن أصبحت أداة تعطى شهوات الحكام ومظالم السلطان صيغة قانونية.

فلا مناص إذا من النظر في إعادة بناء الحياة النيابية والقوانين الانتخابية على أصول سلمية حتى تؤدى رسالتها على الوجه المنشود".

المحطة الرابعة: الديمقراطية أساس الاستقرار في رأى الإخوان المسلمين :

في 4 مايو 1954 م أرسل المرشد العام للإخوان المسلمين الأستاذ حسن الهضيبي- رحمه الله- رسالة إلى رئيس مجلس ا لوزراء المصري في ذلك الوقت البكباشي جمال عبد الناصر ضمنها رأى الإخوان المسلمين في وائل الاستقرار للمجتمع المصري.

ومما جاء في الرسالة:

" وإن للاستقرار وسائل أحب أن أضع تحت نظركم منها ما يلي:

1- إعادة الحياة النيابية : لا ريب أن الحياة النيابية هى الأساس السليم لكل حكم في العصر الحاضر، وإذا كانت تجارب الماضي قد أظهرتنا على بعض العيوب فمن واجبنا أن نخلى حياتنا النيابية من العيوب، وأن نجعلها أقرب ما تكون إلى الكمال. والأمة لا تتعلم بإلغاء الحياة النيابية في فترة الانتقال، وإنما تتعلم بممارسة الحياة النيابية بالفعل، فلنشرع فورا فيما يؤدى بنا إليها في اقرب وقت..".

الفصل الثاني: وقفات تحليلية

ويضم ما يلي:

- إصرار على النهج الديمقراطي.
- الديمقراطية لعبة بيد الحكام.
- كمين هيئة التحرير.
- أهداف وطنية.
- البطش بالإخوان تمهيدا للديمقراطية .
- الإخوان يقومون الديمقراطية المصرية.

الفصل الثاني: وقفات تحليلية

الوقفة الأولى: إصرار على النهج الديمقراطي

إن أول ما نلحظه في المقتطفات التي سقتها في الفصل الأول الإصرار الشديد والمتكرر على الدعوة لما يسمى بالحياة النيابية.

وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على انها تنتهجه الجماعة، خاصة أن تلك المطالبة كانت تتكرر على مر السنين .

كما أنها تطرح في المناقشات الخاصة خلف الأبواب المغلقة، فضلا عن البيانات المعلنة والرسائل الموجهة إلى أصحاب السلطة.

وقد برز ذلك فيما نقلته في عدد من المواقف ، منها:

1- اتفاق الإخوان مع عبد الناصر على الحكم النيابي، وذلك قبل الثورة بأيام . ومن الطبيعي أن مثل هذا الاتفاق لا يمكن أن يتم بدون تعليمات من المرشد العام.
2- قيام الإخوان بمظاهرة تأييد لمحمد نجيب لكونه قد قال: إنه سيعمل عل إعادة الحياة النيابية في أسرع وقت ممكن.
3- في مقابلة وفد الإخوان لعبد الناصر وزمرته، والتي تمت في أواخر ديسمبر 1952م أشار فريد عبد الخالق إلى البيانات التي كان يصدرها الإخوان للمطالبة بالحياة النيابية.
وقد جاء في تلك المقابلة قوله: مطالب الإخوان بثلاثة مطالب، أولاها: إعادة الحياة النيابية ، وذلك في الرسالة التي أرسلها لرئيس مجلس الوزراء المصري عبد الناصر. بل جعل الهضيبي – رحمه الله- الحياة النيابية أسلوبا تربويا تتعلم منه الأمة، إذ قال:
" والأمة لا تتعلم بإلغاء الحياة النيابية في فترة الانتقال، وإنما تتعلم بممارسة الحياة النيابية بالفعل".
4- الدعوة إلى العودة إلى الحياة النيابية سريعا سريعا. جاء ذلك في نفس البيان المذكور في البند رقم 5 ورد فيه:" فلنشرع فورا فيما يؤدى بنا إليها – أي : إلى الحياة النيابية – في أقرب وقت".
5- وفى رسالة وجهها المرشد العام حسن الهضيبي إلى عبد الناصر عندما كان رئيسا لمجلس الوزراء، ونشرتها مجلة " الدعوة " الناطقة بلسان الإخوان المسلمين في العدد رقم 7 ديسمبر 1976 م قال الهضيبى:" ولعل الذي حملك على إبداء العداوة والبغضاء للإخوان المسلمين هو أنهم عارضوا المعاهدة، فالإخوان المسلمون لن يؤمنوا بها دون أن تناقش في برلمان منتخب انتخابا حرا يمثل الأمة أكمل تمثيل".
وهكذا وجدنا أن الهضيبي- رحمه الله- يصر على انتهاج الأسلوب البرلماني في مناقشاته للقضايا الكبرى المعروضة.
ونحن نتساءل : أين ذلك البرلمان الحر الذي يطمع الهضيبى أن تعرض عليه مثل هذه الأمور؟
أليس البرلمان المصري الذي وافق على اتفاقيات كامب ديفيد كان قد انتخب انتخابا حرا نزيها كما تدعى السلطة الحاكمة؟ فإذا كانت معاهدة الجلاء للقوات الانجليزية عن مصر قد مررت بسبب عدم وجود مجلس نيابي، فما هو القول بشان اتفاقيات كامب ديفيد وقد مررها البرلمان وهى أفدح خطبا وأقسى شروطا من اتفاقية الجلاء التي عقدت مع الانجليز.
فإن قلت: إن الهضيبى، عندما اشترط الانتخاب الحر إنما قصد انتخابا حرا وفق المقياس الإسلامى وليس وفق مقياس السلطة.
أقول: لن يكون هناك انتخاب حر نزيه وفق المقياس الإسلامى إلا إذا كان الإسلاميون هم الذين يمسكون بزمام السلطة.
فإذا أمسك الإسلاميون بزمام السلطة، وحصلت ثمة انتخابات، فسوف تتم بالمقاييس والشروط الإسلامية ووفق ما يراه الحاكم المسلم في إطار ضوابط تحقيق المصلحة الإسلامية.
وإذا فلا معنى للانتخابات التي تتم تحت سيطرة النظام الطاغوتى، ذلك أنه يستطيع أن يغير بواسطة إعلامه المسار الذهني لكثير من أفراد الشعب بحيث تتحقق مصلحة الطاغوت من خلال انتخاب حر نزيه، حيث أن الجهاز الطاغوتى يستطيع بإمكانياته الهائلة تعبئة الجماهير الشعبية لصالح أطروحاته وتوجيه طريقة تفكيرهم نحو النهج الذي يريد، بحيث تكون النتيجة دوما لصالحه، وكأن الشعب قد أخضع للتنويم المغناطيسي الجماعي. فلا شك بعد ذلك في استطاعة الطاغوت إيصال من يريد إلى المجلس النيابي بانتخاب حر نزيه يمثل الأمة أصدق تمثيل.
هذا ، إذا كان ثمة انتخاب حر نزيه يمكن أن يحصل في ظل حكم الطاغوت.
هذه الحقيقة المهمة ينبغي للمسلم أن يعيها جيدا وهو يقرأ تصريح الهضيبى لجريدة " المنار" الدمشقية عام 1954م والذي نشرته مجلة " الدعوة" المصرية في عددها الحادي عشر لعام 1977 م حيث قال ك" ولذلك يعلن الإخوان المسلمون رفضهم هذا الاتفاق ويصرن على أن اتفاقا ما بين الحكومة المصرية وأية حكومة أجنبية لا يجوز أن يتم دون أن يعرض على برلمان منتخب انتخابا حرا نزيها يمثل إرادة الشعب المصري أصدق تمثيل".
6- إن المنهج النيابي، باعتباره طريقا نحو تطبيق الشريعة الإسلامية، قد هيمن على تفكير أعضاء مكتب الإرشاد وبسط ظلاله على عموم قيادات الإخوان فضلا عن أفرادهم.
ولقد كان الداعية الإسلامى المحامى إبراهيم الطيب هو أحد أفراد الإخوان المسلمين الذين أعدمهم العبد الخاسر عبد الناصر عام 1954م.
وقد كان انتماؤه للإخوان المسلمين في عام 1940م ، وأنهى دراسته للحقوق عام 1944م، وكان من الذين واكبوا محن الإخوان وابتلاءاتهم، واعتقل مع الذين اعتقلوا بسبب تمثيلية المنشية.
ولقد عذب في السجن تعذيبا شديدا، غذ كسروا ذراعه، وشوهوا جسده، ونهشوا لحمه وجلده، ولكنه ثبت وصبر، ثم حوكم محاكمة صورية في محكمة عبد الناصر التي أداها جمال سالم.
رحم الله الأخ إبراهيم الطيب، وطيب الله ثراه وأجزل ثوابه وأحسن مثواه.
اللهم تقبله في قوافل الشهداء الذين هم أحياء عند ربهم يرزقون.
لقد كان إبراهيم الطيب مثالا لما ذكرته سابقا من اعتبار المجالس النيابية منهجا يتربى على المطالبة بها الإخوان المسلمون قيادات وقواعد.
ففي المحكمة المهزلة التي عقدها جمال سالم قال إبراهيم الطيب- رمه الله- فيما نلته عنه مجلة " الدعوة" في عددها العاشر لعام 1977م:" ما قمنا به وما أعددنا له إنما كان يهدف أول ما يهدف إلى تحقيق الأهداف التي قامت عليها الثورة، وهى كفالة الحريات وإقامة حكم نيابي سليم نظيف من الشوائب التي لوثته في الأزمنة السابقة ، ومن ناحية أخرى إطلاق الحريات وخاصة حرية الصحافة".
فإبراهيم الطيب يوضح أن من الأهداف إقامة حكم نيابى سليم نظيف.
وقد جعلت هذا النص في مرحلة الهضيبى لصدوره عنه في تلك الفترة، لكن ينبغي الملاحظة أن الطيب قد عاصر مرحلة البنا قبل ذلك.
فقوله ها هنا هو امتداد لمدرسة النهج النيابي الذي درج عليه الإخوان في زمن المرشد العام حسن البنا.
إذا، فقد لاحظنا، بما لا يدع مجالا لأي تأويل، من خلال الفقرات السابقة أن الهضيبى – رحمه الله- قد انتهج الطريقة الفوقية للتغيير السياسي والاجتماعي والاقتصادي وغيرها ممتطيا صهوة جواد الحياة النيابية.
ولم يذكر أحد الإخوان المسلمين، فيما سقته من فقرات، أن هذا الأسلوب وذاك النهج قد أملته الضرورة، أو أنه خضع لضغوط الظروف، بل ألأمر كان على عكس ذلك تماما، خاصة أن أحدا من الإخوان المسلمين لم يطرح أي بديل لتلك الحياة النيابية فيما لو رفضها النظام الحاكم.
وفعلا، فعندما رفض النظام الحاكم الاستمرار في اللعبة الديمقراطية بضع سنين توقفت العجلة، ونضبت أرحام الحلول من ولادة البدائل.

الوقفة الثانية: الديمقراطية لعبة بيد الحكام

إن وقائع مناقشات مجلس الثورة لقضية الحكم النيابي تبين بوضوح أن هذه الديمقراطية إنما هى لعبة الطغمة الحاكمة.

وإن نظرتهم إليها متعلقة بمقدار ما يتحقق لهم بها من مصالح .

فإنهم ، وإن أعلنوا تمسكهم بها أمام الشعب، فإنما هم في الحقيقة يتخذونها وسيلة مؤقتة لتحقيق أهدافهم، وليست نهجا مستمرا .

أي : بلغة الاصطلاح العصري: الديمقراطية في مفهومهم " تكتيك" أي " مناورة" وليست " إستراتيجية " ويتبين ذلك فيما نقلته مما يلي:

1- في أول اجتماع عقده مجلس قيادة الثورة ظهر أن فكرة الحكم النيابي السليم ، كذا ، الذي اتفقوا عليه مع الإخوان، لم تكن واردة في أذهان المجتمعين ألبتة.
2- إن ما حصل في ذلك الاجتماع هو عرضهم اقتراحا لأجل الاتفاق على نظام الحكم ، وهل سيكون دستوريا أم استبداديا ؟ فأين ذهب قرارهم الأول الذي كان قبل انقلابهم بأيام؟
3- عندما صوت مجلس قيادة الثورة على نظام الحكم الذي يريد تطبيقه اختار النظام الاستبداى، أي : النظام الطاغوتى الذي يحكم بالحديد والنار.
ولم يختر النظام الديمقراطي إلا عبد الناصر لغاية في نفسه بعيدة المدى. هذه الغاية التي ظهرت فيما بعد تتلخص باستخدام الرداء الديمقراطي لتغليف الوجه الطاغوتى، ولتكون له ستارا يحقق من خلفه ما يشاء في الخفاء. فما أسعد النظام الطاغوتى عندما يكون مدعوما بإرادة وتأييد شعبيين.
4- ببساطة تامة، وفى ا لاجتماع نفسه، غير أعضاء مجلس قيادة الثورة رأيهم تملقا لقائدهم فقفزوا في لمح البصر من خندق الاستبداد إلى خندق الديمقراطية بل قد عينوا موعدا للانتخابات البرلمانية في يوم 2 فبراير 1953م والسؤال هو: هل من المعقول أن يتنازل جميع أعضاء مجلس قيادة الثورة عن رأيهم بضرورة اختيار الحكم الاستبدادي إلى اختيار النظام الديمقراطي لو كانت هذه الديمقراطية تمثل منهجهم وطابع تفكيرهم؟
5- ثم إن قرار إجراء الانتخابات في 2 فبراير 1953م قد ذهب أدراج الرياح وتوالت عليه السنون، فلم تتم الانتخابات إلا بعد الموعد المضروب بأربع سنوات فقط أي : في عام 1957م.
وسؤالنا هو : لماذا تأجلت هذه الانتخابات طوال تلك الفترة المديدة إن كانت الديمقراطية تمثل منهج الحكم؟
لا شك أن مجلس قيادة الثورة رأى أن هذه الانتخابات لن تحقق في الموعد الأول الذي قرره الغاية المرجوة التي يبتغيها .
وهذا يوضح الرأي الأول الذي ذكرته في البداية من أن هذه الديمقراطية ما هى إلا لعبة في يد كبار القوم الذين يمثلون الملأ.
6- في 25 فبراير 1954م، أي : بعد عام واحد تقريبا من الموعد المقرر للانتخابات التي لم تتم انقلب رأى مجلس قيادة الثورة رأسا على عقب، فإذا به يرفض الحكم النيابي ويعفى محيى الدين من عضويته في المجلس لأنه تمسك بإعادة الحياة النيابية.
7- في 26 فبراير 1954م أي : بعد يوم واحد من رفض مجلس قيادة الثورة للحكم النيابي، عاد وقرر بالإجماع الرجوع للحكم النيابي، ثم عين خالد محيى الدين رئيسا للوزارة المدنية التي ستعيد الحياة النيابية.
ما أتعسك يا أيتها الشعوب بهؤلاء الحكام الأطفال الذين هيمنوا على مقدراتك ورفضوا حكم الله الذي شرعه لك، ثم بعد ذلك ابتزوا ثرواتك وأذاقوك الهوان وجرعوك كؤوس الظلم والقهر.
8- في يوم 26 فبراير 1954م ، وهو نفس اليوم الذي قرر فيه مجلس قيادة الثورة بالإجماع إعادة الحكم النيابي، تحرك الضباط الأحرار في الجيش الموالون لعبد الناصر، رئيس مجلس قيادة الثورة، وأعلنوا عن عزمهم على تدمير سلاح الفرسان الموالى لمحمد نجيب، لأن سلاح الفرسان طالب بإعادة الحياة النيابية.
ولا يمكن أن يتحرك الضباط الأحرار دون الإيعاز والموافقة من عبد الناصر.

فيالها من مهزلة.

في أول النهار يطالبون بالحياة النيابية، وفى آخره يريدون مقاتلة من يطالب بالحياة النيابية.
9- ثم في عام 1957م أعادوا ما يسمونه الحياة النيابية . أي : عادوا وآمنوا بها ، فيا سبحان الله.
10- في عام 1961م وزع عبد الحكيم عامر بيانا يعلن فيه استقالته لأجل الديمقراطية والحكم النيابي ولأنه يرفض الديكتاتورية.
كيف استقال لأجل الديمقراطية، وهو الذي أعلن أنه سيدمر سلاح الفرسان عام 1954م لأنه يطالب بالديمقراطية.
هذه هى حقيقة ما يجرى وراء الستار بشأن الديمقراطية. وهذه هى الوقائع تتحدث بنفسها على مسرح الواقع المشاهد.
فهل يتعظ الإسلاميون؟

الوقفة الثالثة: كمين هيئة التحرير

لا نريد أن نمر على موضوع هيئة التحرير هذا مرور المسرعين .

فالأنظمة الطاغوتية تتفنن في كيفية احتواء أي عمل إسلامي .

فهي لا تطيق أن يكون للإسلاميين كيانهم المميز وقيادتهم المستقلة ومنهاجهم الخاص ونشاطهم المبرمج.

إن مثل هذا الكيان يؤرقها ويقض مضجعها.

فلا تفتأ تصطنع التمثيليات وتعد المشاريع التي تحاول من خلالها محاصرة العمل الإسلامى، ثم تشل فاعليته تمهيدا للإجهاز على قيادته وتشتيت قواعده.

وهذا هو الذي حاولته ثورة يوليو المصرية مع الإخوان المسلمين في مصر.

فطرحت مشروع هيئة التحرير ، وجعلت له ألوانا جذابة من مثل:

1- تحقيق المضمون الإسلامى ( هكذا زعموا).
2- تسلم الإخوان رئاسة الهيئة.

وأما في الواقع ، فإن حقيقة المشروع هى:

1- تذويب حركة الإخوان شكلا من خلال عدم تميزها قيادة وقاعدة، ومضمونا من خلال تخليها عن أهدافها ووسائلها ( وهذا الذي عبروا عنه بقولهم: الأمة المصرية المتمسكة بقيم الإسلام دون شعاراته).
2- إخلاء الجو للطغمة العسكرية لتعيث في الأرض فسادا وتهلك الحرث والنسل بغير رقيب ولا حسيب.

لكن المهم في الأمر أن اللعبة لم تنطل على الإخوان فرفضوها.

قم يحق لنا أن نسأل الإخوان: أليست اللعبة الديمقراطية وجها آخر من هذه الاقتراحات والتمثيليات؟

إذ إن ظاهرها:

1- تحقيق المضمون الإسلامى بزعمهم، وهو قضية الشورى.
2- مشاركة الإسلاميين في مجلس النواب، بل ربما تسند لهم رئاسته، كما حصل في هيئة التحرير .

ولكن حقيقتها:

1- تذويب الأهداف الإسلامية في بوتقة تعدد الأحزاب والشعارات والأفكار، والانتهاء بجعل الحركة الإسلامية مثل أي حزب أرضى من تلك الأحزاب التي تتنافس على السلطة من خلال دعم شعبي مزيف. مما ينتج عنه تذويب وتمييع الثوابت الإسلامية التي لها تميزها وأصالتها.
2- استغلال واجهة المشاركة الإسلامية لإضفاء وجه شرعي على تحرك السلطة في أي اتجاه تريده.

ها نحن الآن بلغنا نقطة الموازنة.

فإذا قارنا بين لعبة هيئة التحرير ولعبة المجالس النيابية وجدنا أن الفرق الوحيد هو أنه في حالة الحكم النيابي يبقى للإخوان قيادتهم وقواعدهم، ولكن في حالة هيئة التحرير تنصهر قيادتهم في قيادتها وقواعدهم في قواعدها.

ولست أدعى أن هذا يعتبر فرقا شكليا، بل هو فرق جوهري بلا شك، ولكن ما دام الإخوان المسلمون لا يمثلون في عرف الدولة حزبا سياسيا معترفا به فهم إذا يدخلون المجلس النيابي كأفراد وغن كانوا في الحقيقة يمثلون الإخوان.

فمثل هذا يمكن أن يقال كذلك بشأن هيئة التحرير من حيث إمكان دخولهم كأفراد، لكن تبقى لهم قيادتهم وقواعدهم في خارجها.

هذا الإمكان كان واردا، إلا أن الدولة كانت تريد المشروع الأول، وهو التذويب، فلما رفضه الإخوان عرضوا المشروع الثاني وهو " إرسال دعاة ينضمون إلى الهيئة لينهضوا بعبء الدعوة فيها".

الخلاصة: هيئة التحرير والمجلس النيابي وجهان لعملة واحدة، لها عنوان واحد هو: مناورة من قبل النظام الحاكم.

إلا أن لكل وجه لونه وشكله وحيثياته وخلفياته . ولكن نهاية المطاف هى استغلال هذه المناورات لصالح تدعيم أركان النظام وشد أزره وتثبيت دعائمه.

الوقفة الرابعة: أهداف وطنية

خلال مناقشة موضوع هيئة التحرير بين وفد الإخوان المسلمين وبين عبد الناصر قال فريد عبد الخالق مخاطبا عبد الناصر:" فهل رأيتنا نقف موقفا عدائيا من الأهداف الوطنية للثورة؟" والذي أود قوله : إن جميع الثورات تدعى أن لها أهدافا وطنية، وهكذا كان دأب جميع قادة الانقلابات العسكرية التي ابتلى بها العالم الإسلامى من أقصاه إلى أقصاه.

إن المطلوب من الحركة الإسلامية ألا تنظر إلى أهداف تلك الانقلابات بشكل مجزأ، بل تنظر إلها من خلال اعتبارها نسيج وحده، شكلا ومضمونا، وذلك من إطار المنطلق الإسلامى فقط وليس من إطار المنطلق الوطني.

إن أكثر هذه الانقلابات بل كلها، تدعى لنفسها أهدافا بطريقة خبيثة، بحيث يعتبر كل من لا يؤمن بتلك الأهداف ولا يباركها ولا يؤيدها خائنا ومتمردا.

إن قبول الحركة الإسلامية بمثل تلك الأهداف الوطنية يعوقها عن مواصلة السير في طريق الاستقامة، بل يوظفها لصالح المشروع الوطني، في حين هى مطالبة بالمحافظة على أصالتها الإسلامية.

إن موقف الحركات الإسلامية المجلسية من أنظمة الحكم النيابي هو ترجمة لذلك الغموض، الذي يكتنف تصوراتها الإسلامية، والذي يعوقها عن التقدم في أرض الواقع.

إن الحركة الإسلامية، وإن كانت تقر بعض ما يسمونه الأهداف الوطنية، كالاستقلال من حكم الأجنبي وإذكاء روح الحرية ورفع راية العدالة والمساواة، فإن ذلك الإقرار لا ينبغي أن يكون إلا مؤطرا بكون تلك الأهداف ليست في محل التعارض مع المنهاج الإسلامى في الحكم لا إجمالا ولا تفصيلا.

كما لا تؤخذ مجردة عن باقي القضايا التي تكرس ذلك المنهاج.

وبعد أن قررنا القاعدة التي ينطلق منها الحديث، أعود إلى موضوع الأهداف الوطنية للانقلاب المصري في يوليو 1952م.

في كتاب " فلسفة الثورة" لخص عبد الناصر أهداف انقلابه بأنها:

- القضاء على الاستعمار وأعوانه.
- القضاء على الإقطاع والاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم .
- إقامة عدالة اجتماعية شاملة.
- إنشاء جيش وطني قوى.
- إقامة حياة ديمقراطية سليمة.

وفى 23 يوليو 1957م ألقى عبد الناصر خطابا في الجلسة الافتتاحية لأول مجلس أمة في مصر، وذلك بعد أن حلف النواب اليمين القانونية، فاستهلته ببيان الأسباب التي حالت دون اجتماع مجلس الأمة قبل ذلك التاريخ، فكانت كالتالي:

- إنه كان لابد للاستعمار من أن يجلو وللملك من أن يرحل.
- كان لابد للإقطاع من أن ينتهي ويزول.
- كان لابد للنظام الحزبي الذي مزق وحدة مصر من أن يختفي.
- كان لابد للإيمان والثقة أن يعودا حتى يتم اجتماع ممثلي الشعب في جو حر تملؤه عزة مصر وكرامة مصر.

والآن ، أعد قراءة الأهداف الوطنية التي قامت لأجلها ثورة يوليو.

ثم.. أعد قراءة ما استهل به عبد الناصر خطابه في الجلسة الافتتاحية لمجلس الأمة.

إذا فعلت ذلك، ستخرج معي بنتيجة واحدة لا ثاني لها، هى: إن الثورة قد حققت أهدافها الوطنية بعد خمس سنوات بالضبط من قيامها.

لم يقف الإخوان المسلمون من تلك الأهداف الوطنية موقفا عدائيا( كما قال فريد عبد الخالق لعبد الناصر) ، والثورة قد حققت أهدافها خلال خمس سنوات ، فماذا كان نصيب الإخوان المسلمين من تحقيق تلك الأهداف؟

1- دق اسفين الشقاق في داخل الجماعة مما ترتب عليه حدوث انقلاب على المرشد العام حسن الهضيبي – رحمه الله- وذلك عام 1953م.
2- حل جماعة الإخوان المسلمين بأمر صدر من مجلس قيادة الثورة بتاريخ 14 يناير 1954م.
3- تنفيذ جريمة مذبحة " ليمان طرة" الشهيرة عام 1954م والتا ذهب ضحيتها 21 سجينا، و23 جريحا، و6 فقدوا عقولهم.
4- تنفيذ حكم الإعدام بستة من خيرة رجال الإخوان المسلمين وذلك في عام 1955م، وهم :
المحامى عبد القادر عودة.
المحامى إبراهيم الطيب.
المحامى هنداوي دوير.
الشيخ الفر غلى .
رئيس النظام الخاص يوسف طلعت.
محمود عبد اللطيف، وهو الذي اتهموه بتنفيذ حادث المنشية والذي دبرته في الحقيقة مخابرات عبد الناصر.
5- زج حوالي ألف من جماعة الإخوان المسلمين في السجون بأحكام، وزج آلاف أخرى في تلك المعتقلات بلا أحكام.
6- فصل عشرات من ضباط البوليس المشتبه بعلاقتهم بالإخوان ونقل عشرات من ضباط الجيش إلى أماكن نائية لنفس السبب والإرسال إلى جميع نظار المدارس الثانوية بإعداد كشوف بأسماء الطلاب المنتمين إلى الإخوان ليحول دون التحاقهم بالمدارس والطلب من رجال البوليس الموافاة بأسماء كل من ينتمي للجماعة.
7- إغلاق جميع مراكز الإخوان المسلمين في كل أنحاء مصر.
8- تلفيق جميع أنواع التهم على الإخوان المسلمين من أمثال العمالة للانجليز والخيانة.
9- حفر هوة عميقة بين الشعب والإخوان لم تردم إلى الآن بعد.
10- تحريض جميع أنظمة البلاد العربية على الإخوان المسلمين وتخويفهم منهم، ليسلكوا معهم نفس مسلك القمع والبطش الذي مارسه ضدهم النظام المصري.
11- لقد فقد الشعب المصري خلال تلك المدة مجموعة من خيرة دعاته من أمثال عبد القادر عودة- رحمه الله- وهذه ليست خسارة لمسلمي مصر فحسب. بل هى خسارة للمسلمين في جميع أنحاء العالم قاطبة.
12- توليد ردود فعل شديدة لدى مجمل الشعب المصري ضد أي نشاط إسلامي، وقد ظهر أثره في منع الشباب من ريادة المساجد بضغوط شديدة من أهاليهم.

وبعد.. فإننا ندرك تماما أن جميع ما جرى هو من طبيعة صراع الحركة الإسلامية مع الطواغيت، ولذلك لا نعجب ولا نستغرب مما حصل.

وإننا أيضا لا نشك أبدا أن تلك التضحيات العظيمة التي قدمتها حركة الإخوان المسلمين في مصر ستبقى صفحة ناصعة البياض في تاريخ الحركة الإسلامية المعاصرة.

لقد سقنا الذي سقناه بصدد موضوع الأهداف الوطنية للثورة المصرية والتي قال عنها فريد عبد الخالق في مقابلة وفد الإخوان لعبد الناصر وزمرته : فهل رأيتنا نقف موقفا عدائيا من الأهداف الوطنية للثورة؟

.. سقنا ذلك للذكرى واستحضار العبرة.

إن قول فريد عبد الخالق ذاك، كان منسجما مع عدم الوضوح الذي يكتنف معظم تصورات وأساليب العمل الإسلامى.

إذ إن تلك الموافقة المجردة وغير المشروطة لم تلمح ما كان يكمن وراء الأكمة.

فإنه بدون اشتراط إقامة حكم الله والجهاد في سبيل الله فإن تلك الأهداف التي تطرحها جميع الفئات الأرضية لا تلبى المتطلبات الإسلامية.

والذي ينبغي أن تدركه الحركة الإسلامية وتتصرف في إطار فهمه ، هو أن هذه الأهداف لا ينبغي المناداة بها إلا من خلال التصورات الإسلامية، ذلك أنه لا يستطيع أحد تنفيذها بذاك المفهوم إلا الإسلاميون، والإسلاميون فقط لا القوميون ولا الوطنيون ولا العلمانيون ولا الشيوعيون .

أقول هذا مع مراعاة رأينا الذي ذكرناه كثيرا بخصوص موضوع سراب إقامة حياة ديمقراطية سليمة.

ثم .. يبقى أمامنا سؤال شاخص : هل حقق عبد الناصر فعلا تلك الأهداف الخمسة كما زعم في الجلسة الافتتاحية لمجلس النواب. أم أنه كان مراوغا دجالا.

الوقفة الخامسة: النظام المصري يبتز الإخوان المسلمين ويستدرجهم

لقد تبين لنا أنه في اللقاء الذي تم في 30 يوليو 1952م بين المرشد العام حسن الهضيبي وعبد الناصر، تنصل عبد الناصر من وعوده القاضية بالتشاور مع الإخوان في الأمور الرئيسية ن ثم قال : إنه لا يقبل وصاية من أي جهة على الثورة.

ولا شك أن عبد الناصر قد ابتز الإخوان قبل انقلابه ليتقوى بهم ويستفيد من قواعدهم فيوظفها لصالحه.

فلما استنفد أغراضه منهم ونجح في انقلابهن وتسنم مركز القيادة ألقى بكل وعوده السابقة خلف ظهره، وقرر من مركز القوة أن لا يقبل وصاية من أي جهة على الثورة.

أي : أنه قد نسخ من ذهنه نهائيا أن يكون للإخوان أي دور في توجيه الأمور.

إذا ، فأين ديمقراطية عبد الناصر؟

لقد كانت تلك الديمقراطية المدعاة واحدة من وعوده التي قطعها على نفسه قبل أيام قليلة من قيام ثورته، كما ذكر ذلك الأستاذ صلاح شادي فيما نقلته عنه قبل صفحات، لكنه تنكر لتلك الديمقراطية ، فلم يترك الانتخاب المزيف لأول مجلس أمة إلا في عام 1957م ، بعد أن تأكد عبد الناصر أنه قد صفى تصفية شاملة وكاملة جميع العناصر الإسلامية التي يمكن أن ينقدح لها أثر.

وقد اعترف عبد الناصر بنفسه بذلك في خطاب افتتاح لمجلس الأمة عندما تحدث عن أسباب تأخر انعقاد المجلس خمس سنوات بعد الانقلاب إذ قال :" كان لابد للنظام الحزبي الذي مزق وحدة مصر من أن يختفي ويزول".

ونحن لا ينقصنا الذكاء حتى نعلم ما يستتر خلف هذه الجملة، إذ إن فحواها أنه انتظر خمس سنوات حتى تمن من القضاء على معارضيه، الذين هم الإخوان.

ولا يضيرنا قول القائل: إن الإخوان كانوا جماعة ولم يكونوا حزبا، وإنما تحدث عبد الناصر عن الأحزاب.

أقول : إن عبد الناصر لم يكن ينظر إلى التسمية الشكلية، بل إلى المضمون القائم.

فالإخوان من حيث الحقيقة لهم قيادة وقواعد جماهيرية ومنهج، فهم من ههذ الزاوية يعتبرون عند عبد الناصر ليسوا حزبا فحسب، بل من أخطر الأحزاب على الإطلاق.

لقد استغل عبد الناصر الإخوان المسلمين عندما كان يرى أن تعاونه معهم مفيد لتحقيق أهدافه، وعندما حقق ما يريده لفظ التعاون معهم وتنكر لهم، ثم نكل بهم.

نعم، إن الهضيبى- رحمه الله- لم يكن يعلم الغيب، ولك يكن يتصور أن ألأمور ستنحدر نحو الحضيض بهذه السرعة الفائقة. لكن يجب علينا الآن أن نعى هذا الدرس جيدا ونفهمه فهما عميقا ونعتبر منه ونستفيد من مواعظه.

إن الدرس الذي استخلصناه هو أن النظام الطاغوتى عندما يرى أن الديمقراطية بمشاركة الإسلاميين ستحقق له أهدافه ومآربه فإنه سيكون سخيا بتوزيع ابتساماته الصفراء لهم، وسيكون جوادا بكيل وعوده الوردية لقياداتهم، فإذا ما استنفد أغراضه منهم، وذلك بتعرفه على حجم تنظيمهم ومنهج تحركهم وأساليب عملهم، وضع الخطة المناسبة لتحجيم وتقليص أنشطتهم وتشويه سمعتهم، ملتحفا بغطاء الديمقراطية.

ويستخدم لتحقيق أهدافه وسائل شتى، منها تشجيع الفئات اليسارية والقومية والعلمانية على دعمه، وتيسير السبل الإعلامية لهم ليشاركوه مؤامرته، التي غالبا ما يسدل ستارها على لوحة مأساوية تصور الإجهاز على التحرك الإسلامى تحت مظلة شعبية ومن خلال مؤسسات ديمقراطية.

إن الدرس البليغ الذي نخرج به من هذه الوقفة هو أنه لا ينبغي للحركة الإسلامية أن تقع ضحية الاستدراج بالوعود الديمقراطية، فيستفاد منها، تنظيما وطاقات ، لدعم نظام معين ثم يجهز عليها، كما حصل ذلك في مصر عندما وعد عبد الناصر الإخوان بالديمقراطية ، فلما دعموه وتسلم السلطة أجهز عليهم ولم يرقب فيهم إلا ولا ذمة.

الوقفة السادسة: الإخوان المسلمون يقومون الديمقراطية المصرية

لنستمع الآن إلى تقويم الإخوان المسلمين ف مصر للتجربة الديمقراطية المصرية قبل الثورة. في البيان الصادر بتاريخ 1/8/1952، أي : بعد انقلاب يوليو 1952م بأسبوع واحد فقط، والمذيل بتوقيع المرشد العام للإخوان المسلمين الأستاذ حسن الهضيبي- رحمه الله ، والذي ذكرت مقتطفات منه وردت تحت عنوان: الإصلاح الدستوري، في ذلك البيان أورد الإخوان المسلمون ملاحظاتهم على النظام البرلماني الذي كان في مصر إلى حين حدوث انقلاب يوليو،

وخلاصتها:

الملاحظة الأولى: قالوا عن الدستور:" إن الفرد الصالح لا تطيب له الحياة في ظل دستور تم وضعه في عهد الاستعمار الانجليزى أولا والطغيان السياسي ثانيا.. ولقد كان المظهر البارز لهذه الملابسات أن يجى الدستور منحة من الملك لا تابعا من إرادة الأمة .

ولما كان تصرف الحكام قد أهدر الدستور نصا ومعنى، وكان من طبيعة الثورات الناجحة أن تسقط الدساتير التي تحكم الأوضاع السابقة عليها، فإن الدستور المصري يكون قد أصبح لا وجود له من ناحية الواقع ولا من ناحية الفقه مما يقتضى المسارعة إلى عقد جمعية تأسيسية لوضع دستور جديد، على أساس أنه تعبير عن عقيدة الأمة وإرادتها ورغبتها، وسياج لحماية مصالحها، لا على أنه منحة من الملك".

وأتوقف إزاء هذا النص عند نقطتين:

الأولى: قارن هذا النص المذكور آنفا مع النص التالي الذي أنقله لك من مجموعة رسائل حسن البنا – رحمه الله- حيث قال:" يمكن أن نقول في اطمئنان : إن القواعد الأساسية التي قام عليها الدستور المصري لا تتنافى مع قواعد الإسلام، وليست بعيدة من النظام الإسلامى ولا غريبة عنه، بل إن واضعي الدستور المصري رغم أنهم وضعوه على أحدث المبادئ والآراء الدستورية وأرقاها فقد توخوا فيه ألا يصطدم أي نص من نصوصه بالقواعد الإسلامية، فهي إما متمشية معها صراحة، كالنص الذي يقول(دين الدولة الإسلام) .
أو قابلة للتفسير الذي يجعلها لا تتنافى معها، كالنص الذي يقول: (حرية الاعتقاد مكفولة).
اقرأ جيدا كلام المرشد العام حسن البنا، ثم كلام المرشد العام حسن الهضيبي، رحمهما الله، وسترى أن تقويم حسن الهضيبي للدستور المصري مخالف تماما لتقويم حسن البنا.
لكن، ما الذي نستفيده نحن من هذه المقارنة؟
إن الدستور المصري قد أفرز تجربة برلمانية في مصر، وسنرى بعد قليل إن كانت تلك التجربة قد رجحت تقويم الهضيبى أو تقويم البنا.
الثانية: إن التقويم لدستور معين لا يكون وليد يوم أو يومين، بل هو وليد استيعاب مكثف لنصوصه وتطبيقاته، وقد مر على الدستور المصري سنوات نحسبها كافية للحكم عليه من خلال التطبيق العملي، فضلا عن الحكم عليه من خلال نصوصه النظرية.
وسؤالنا هو : لماذا لم تعلن قيادة الإخوان رأيها في الدستور إلا بعد انقلاب عبد الناصر، ولم تطالب بتغييره قبل ذلك، علما أن الإخوان كانوا في ذلك الوقت في مركز يؤهلهم لمثل تلك المطالبة، بل كانوا في وضع أقوى من وضعهم بعيد انقلاب يوليو.
ثم، هل الدستور الذي سيفرز من خلال نظام عبد الناصر لن يكون منحة مفصلة على قد نظامه، كما كان الدستور في عهد فاروق منحة من الملك؟
لا شك أن الإخوان يعرفون الآن الجواب عن هذا السؤال ، ولكن بعد فوات الأوان .
على أنه لا ينبغي لنا أن ننسى مدلول هذا الدرس في التعامل مع الأنظمة الطاغوتية.

ولذلك يحق لنا أن نسأل : كيف يطالب نظام عسكري يحكم بالحديد والنار ولا يفهم الأمور إلا من خلال لمعان الرتب على الأكتاف وزينة النياشين على الصدور، كيف يطالب بوضع دستور يعبر عن عقيدة الأمة وإرادتها ورغبتها، في الوقت الذي كان قد ضرب بتلك العقيدة عرض الحائط؟ إن كل إناء بما فيه ينضح فمثل هذه الطغمة المنحرفة التصور، الفاسدة السلوك، لا تصلح لوضع مثل ذلك الدستور.

الملاحظة الثانية : في تقويمهم للتجارب الدستورية النيابية في مصر، ذكر الإخوان المسلمون النقاط التالية:

1- إن التجارب النيابية السابقة افتقرت إلى النيابة الصالحة والتمثيل النيابي الصحيح .
قالوا: " والذي يستقرى هذه التجارب منذ بدء الحياة النيابية إلى اليوم يجد أنها لم تقدم نيابة صالحة ولا تمثيلا صحيحا".
أقول: هذه النتيجة هى تعبير عملي وواقعي عن أن طبيعة النظام الديمقراطي غالبا لا تفرز في مركز النيابة الناس الصالحين، وبالتالي فإن ذلك النظام لا يعبر عن تمثيل صحيح للأمة، إن هذه المقولة لازمة لكل مجلس نيابي، ولا عبرة بوصول بضع أشخاص من الإسلاميين يعدون على أصابع اليد على مجلس النواب. فنحن هنا نتكلم عن القواعد لا عن الاستثناءات.
2- بالرغم من شيوع الفساد الاجتماعي في ظل النظام البرلماني، فإن البرلمان فشل في القيام بواجبه الدستوري لإيقاف ذلك الفساد عند حده . قالوا: " ليس أدل على ذلك من أنه مع شيوع المفاسد.. لم يفلح برلمان واحد في إسقاط حكومة أو مناقشة مخصصات الملك أو تغيير وزير أو توجيه اللوم إلى وزارة .." .
إن معنى هذتا الكلام هو أن البرلمان كان ألعوبة في يد الملك ، وليس أدل على ذلك من فقدان المجلس لدوره الرقابي، إذا ، لم يكن المجلس النيابي في واقع الحال إلا مجرد واجهة، وصورة بلا مضمون.
3- إن البرلمان كان أداة لقمع الحريات بدلا من دوره المفترض، وهو أن يكون أداة لإطلاقها .
قالوا : " فما من قانون جاء ضارا بالحريات إلا وقد أقرته وخضعت لمشيئة الحكومات فيه البرلمانات المتلاحقة".
قل لي أيها الأخ المسلم الذي تقرأ هذه السطور: هل سمعت بمجلس نيابي في دولة إسلامية لا ينطبق عليه هذا الكلام. فإن كان هذا هو شأن تلك المجالس النيابية، فلماذا يشارك فيها الإسلاميون ليكونوا جزءا من أداة قمع الحريات في أيدي الأنظمة الغاشمة.
4- إن البرلمانات المصرية وافقت على الميزانيات التي تكرس من البذخ والترف وشهوات الحكم على حساب مطالب النهضة والإصلاح.
قالوا: " تلك البرلمانات التي طالما يسرت للحكومات اعتماد الأموال الضخمة المرهقة للميزانية في أوجه البذخ والترف وتحقيق شهوات الحكم الفردي بحيث عجزت الميزانية في مواجهة مطالب النهضة وضرورات الإصلاح في مرافق الحياة".
أقول : إن هذا ليس مقصورا على مصر، فجميع البرلمانات الموجودة في العالم الإسلامى تفعل مثل هذا .
5- ليس للبرلمانات وظيفة إلا إعطاء صبغة قانونية يستظل بها الحكام لتحقيق شهواتهم وممارسة ظلمهم، قالوا:" وهكذا انتهت الحياة البرلمانية في كافة العهود الحزبية إلى أن أصبحت أداة تعطى شهوات الحكام ومظالم السلطان صيغة قانونية".

إن خلاصة تقويم الإخوان المسلمين للتجربة الديمقراطية في مصر على حين قيام ثورة يوليو الناصرية هى أن تلك البرلمانات شاع في ظلها الفساد، وكبلت الحريات، وعم البذخ وساد الظلم، كل ذلك بصيغة قانونية.

لا شك أن هذا التقويم له دلالته وآثاره وخطورته.

إن طبيعة ما يقودنا إليه هذا التقويم، هو إعادة النظر بشكل جذري فيما يسمى بالحياة النيابية. فتلك الديمقراطية لا ينتج منها إلا ذلك التقويم الذي مؤداه المخالفة التامة لأصول الإسلام وتصوراته ومفاهيمه. إذا ، ما ينبغي لنا توقعه بعد هذا التقويم هو أن يقول الإخوان المسلمون.

إن التجارب العلمية قد أثبتت أن الحياة النيابية لا تصلح أن تكون منهج تغيير وأسلوب حركة في العمل الإسلامى.

ولكن، وللأسف، فقد خاب توقعنا، إذ وجدنا أن الدرس الذي استفاده الإخوان المسلمون من هذا التقويم هو قولهم في نهاية الكلام عن الإصلاح الدستوري" فلا مناص ، إذا من النظر في إعادة بناء الحياة النيابية والقوانين الانتخابية على أصول سليمة حتى تؤدى رسالتها على الوجه المنشود".

وربما استدرك على الإخوان المسلمون الكلام بقولهم: أربع علينا، فإنا قد قيدنا ذلك بالأصول السليمة.

أقول : إن كلمة " الأصول السليمة " هذه يفسرها كل طرف على الوجه الذي يناسبه.

ألم يقل عبد الناصر في كتاب فلسفة الثورة إن الهدف الخامس هو : إقامة حياة ديمقراطية سليمة.

فإذا اتفق الإخوان المسلمون مع عبد الناصر على إقامة حياة ديمقراطية سليمة. فهل " سليمة" الإخوان كـ " سلمية " عبد الناصر؟

قطعا لا فتأمل.

والآن .. وبعد النظر في تقويم الإخوان للتجربة البرلمانية المصرية، والتي أفرزها الدستور، يتبين لك بما لا لبس فيه أن تقويم حسن الهضيبى للدستور المصري هو الأصوب والأصح والأدق من تقويم حسن البنا له.

وعلى كل حال، فكل البشر خطاءون ، وخير الخطائين التوابون .

والكل يؤخذ منه ويرد عليه إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وليست ثمة عصمة لأحد من البشر إلا ألأنبياء والرسل، على الوجه الذي فصله علماء السلف رحمهم الله تعالى.

المبحث الثالث:الإسلاميون والديمقراطية بعد حكم عبد الناصر

وفيه الفصول التالية:

الفصل الأول: على أبواب فترة التلمسانى.
الفصل الثاني: عمر التلمسانى والدستور.
الفصل الثالث': إسلاميو مصر يرفضون الدستور وينادون بتطبيق الشريعة الإسلامية.
الفصل الرابع: القصة.
الفصل الخامس: وقفات ودروس وعبر من القصة.
الفصل السادس: أين ألزهر؟
الفصل السابع': تنازلات على الطريق.
الفصل الثامن: ظاهرة الشيخ حافظ سلامة.

الفصل الأول: على أبواب فترة التلمسانى

في 28 أيلول عام 1970م هلك عبد الناصر، بينما كان الهضيبى لا يزال يرسف في أغلاله في معتقله الذي دخله عام 1965م للمرة الثالثة.

وكان عبد الناصر، قبل ثلاثة أيام من هلاكه قد أدار الحوار التالي مع وزير إرشاده آنذاك محمد حسنين هيكل:

هيكل.. أجل .. وبالقطع أنا مؤمن.
  • هيكل : ذلك سؤال بالغ الصعوبة، وأعتقد أن الجنة والنار هما هنا فوق هذه الأرض، وربما كان القصد من ذكرهما هو الرمز للخير والشر.. وفى إمكاننا نحن أنفسنا أن نجعل من حياتنا جنة أو نارا.
أما بعد الموت فربما كانت النهاية.
عبد الناصر: أتعنى أن من يفعل خيرا على هذه الأرض لا يدخل الجنة؟
  • هيكل: لا أدرى.. وإنما أظن أن الجنة والنار رموز؟
عبد الناصر: ذلك يعنى أننا بالموت ننتهي، وهذا كل شيء؟
  • هيكل: هذا كل شاء.
عبد الناصر: هذا ليس مطمئنا.

م أنقل حوارا آخر دار بين عبد الناصر وحسن التهامي.

  • التهامي: لعلنا نفعل شيئا للإسلام والمسلمين.
عبد الناصر: إسلام لا .. لكن المسلمين الفقراء نعم.
  • التهامي:....
عبد الناصر: أنت عامل نفسك زى اللي بتقوللى عليه معرفش إيه من لا ينسى.
  • التهامي: أستغفر الله، لا حول ولا قوة إلا بالله. أنت تقصد الحق جل جلاله ، جل من لا يسهو.
عبد الناصر: أنا عارف بتاعكم اللي بتقولوا عليه معرفش إيه من لا يسهو، ومن لا يخطئ ،وأنت عامل نفسك زيه.
  • التهامي: أستغفر الله ، لا حول ولا قوة إلا بالله ، جل من لا يسهو..

وبعد، فقد ذكرت هذين الحوارين ها هنا لأبين طبيعة الوسط الحاكم وخلفياته في أصل الاعتقاد ، وليتبين لنا أثر ذلك على تصرفات هذه الطغمة إزاء الإسلاميين الذين يؤمنون بربهم وباليوم الآخر.

إن هذا التصور الالحادى هو الذي كان وراء محاولة وأد الحركة الإسلامية في مصر منذ عام 1954م وحتى هلاك ذاك الرجل، فأي مسيرة ديمقراطية وأي اتحاد اشتراكي، وأي مجلس أمة، كان يتشدق بها ذلك الطاغية ، بينما الإسلاميون مغيبون في غياهب السجون، ليسوا بموتى فيدفنون ولا أحياء فيخرجون.

هلك عبد الناصر فتأملنا خروج الهضيبى من السجن، لكنه لم يفرج عنه حتى استكمل مدة حكمه التي كانت قد مددت مرة أخرى.

فلم يغادر المعتقل إلا في 15 أكتوبر عام 1971م ، وكان قد دخله آخر مرة في أغسطس عام 1965م ، أي : أنه مكث فيه حوالي ست سنوات وشهرين، وبذلك يكون الهضيبى قد مكث في السجن سنة وسبعة عشر يوما تحت نير الحكم الديمقراطي لأنور السادات.

وفى صباح الخميس 14 شوال عام 1393 هـ الموافق 11 نوفمبر 1973م انتقل الهضيبى إلى رحمة الله تعالى .

اللهم تقبل من الهضيبى جهاده وصبره، وأكرم مثواه وأجزل ثوابه وأرفعه إلى عليين وألحق بقافلة الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. آمين.

ثم ولى منصب الإرشاد العام للإخوان المسلمين الأستاذ عمر التلمسانى – رحمه الله-.

وكانت ولاية عمر التلمسانى لمنصب الإرشاد العام قد تمت وفق قانون داخلي للإخوان .

ففي مقابلة أجرتها مجلة الحوادث اللبنانية ونشرتها في عددها بتاريخ 13/ 9/ 1985م ونقلت طرفا منه مجلة المجتمع الكويتية في عددها رقم 734 بتاريخ 24/ 9/ 1985م قال الأستاذ التلمسانى:" القانون الذي وضع أيام الأستاذ حسن الهضيبي كان ينص على انه إذا غاب المرشد العام، فإن أكبر الأعضاء سنا من مكتب الإخوان هو مسئول الإخوان حتى يعود.

ولقد مات الهضيبى- رحمه الله- والحكومة ترفض أن تعيدنا، وأنا بمقتضى هذه المادة مسئول عن الإخوان، والحكومة معترفة بى رسميا".

وفى بيان صدر عن التنظيم العالمي للإخوان المسلمين في 5/9/1985م ونشرته مجلة المجتمع في عددها المشار إليه جاء ما يلي:" إذ إن المسئول الوحيد لجماعة الإخوان المسلمين في مصر أو في غيرها والذي يتعامل معه المسئولون والقواعد الإسلامية على هذا الأساس هو فضيلة المرشد العام الأستاذ عمر التلمسانى.

وقد تقلد فضيلته هذا الموقع امتثالا لما تفرضه نظم الجماعة ولوائحها وبايع كل عامل في صفوفها في تجاوب ورضا واقتناع".

وفى عام 1974م أفرج السادات عمن تبقى من الإخوان المسلمين في السجون.

ثم في عام 1976م سمح للإخوان، وبدون تصريح رسمي، بإصدار مجلة الدعوة" من جديد فصدر عددها الأول في رجب عام 1396هـ ـ الموافق يوليو عام 1976م.

ثم انقلب السادات على رأسه فمنع صدورها.

وكان عددها الصادر في ذي القعدة عام 1401هـ، الموافق سبتمبر 1981م هو آخر عدد صدر لها في مصر.

وقد تميزت تلك الحقبة من حكم السادات، ثم حقبة حسنى مبارك من بعده، باستمرار نهج الإخوان المسلمين ، وكذا بعض الإسلاميين الآخرين، في اعتماد القنوات النيابية أسلوبا للتغيير الفوقي في نظام الحكم.

وفى بحثنا هذا سنتعرض إلى نقاط متعددة، تأتى تباعا إن شاء الله تعالى.

الفصل الثاني: عمر التلمسانى والدستور

لقد كان رأى التلمسانى في الدستور المصري واضحا جدا، فهو يرفضه ، لأن نصوصه استمدت من دساتير غير المسلمين .

فهي ملائمة لعقائدهم وعاداتهم وأخلاقهم، التي تختلف تماما مع عقيدتنا وعاداتنا وأخلاقنا.

ثم، ولأن ذلك الدستور من وضع البشر، فإن التغيير والتبديل يطرأ عليه دوما، خلافا لدين الله الثابت.


يقول المرشد العام الأستاذ عمر التلمسانى في افتتاحية عدد " الدعوة" رقم 40 ، الصادر في سبتمبر 1978م تحت عنوان: " ولنا في الدستور رأى " : " إن سر التغيير والتبديل في الدساتير بين الحين والحين يرجع على سبب واحد، وإن بدت في الصورة مجموعة من الأسباب ، إن الدستور المصري استمد نصوصه أصلا من دساتير غريبة عنا.. لقومها أخلاقهم وعاداتهم وعقائدهم، وكلها مخالفة لنا ولعقائدنا وأخلاقنا تمام المخالفة، كما أن الدستور استمد نصوصه بصورة أثبتت عدم كفايته في حماية الحريات والحقوق والأمان الفردي والجماعي في مصر.

ولو أنه قام أصلا على أساس من شرع الله الذي هو دين هذه الأمة، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفهن والذي لم يتبدل منه حرف منذ نزوله من مئات السنين ن لو أن الدستور قام أول ما قام على أساس من دين الله لما مسه التغيير، ولما طرا عليه التبديل منذ قيامه إلى اليوم، ولما اضطررنا إلى إثارة هذه العاصفة التي مست مشاعر المسلمين بتعديل قانون الأحوال الشخصية".

وأقف عند هذا النص أمام بعض النقاط:

1- وضوح رؤية الأستاذ عمر التلمساني لواقع الدستور المصري المخالف كل المخالفة للإسلام.
2- تقويمه للواقع التطبيقي لهذا الدستور من حيث ثبوت عدم كفايته في حماية الحريات والحقوق والأمان الفردي والجماعي.
3- رؤية الأستاذ التلمسانى للدستور موافقة لرؤية الأستاذ الهضيبى له، ومخالفة لرؤية الأستاذ حسن البنا، رحمه الله جميعا.
4- هل تحرر التلمسانى – رحمه الله – من العمل من خلال القنوات الدستورية المنبثقة عن الدستور المرفوض من قبله؟
5- هذا السؤال ستأتي إجابته إن شاء الله خلال ما تبقى من هذه الدراسة للتجربة الديمقراطية الإسلامية في مصر.

انتقل الآن على نص آخر للأستاذ التلمسانى بشأن الدستور، مقتطف من نفس المقالة الافتتاحية السابقة.

يقول الأستاذ عمر التلمسانى:" يراد إدخال نص على الدستور الدائم يفيد أن نظامنا اشتراكي ديمقراطي.

وأعجب أن الذين يريدون إدخال هذا النص مسلمون .

فهل الإسلام من قواعد لنظام الحكم؟ وهل قصر التطبيق العملي للإسلام في توضيح أصول الحكم؟ وهل قعد الفقهاء عن بيان قواعد نظام الحكم في ا لاسم؟ ثم ألا يرى القوم تناقضا بين أن يكون نظامنا اشتراكيا ديمقراطيا، وبين أن تكون مبادئ الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسي للتشريع في مصر؟ كيف يمكن التطبيق بين الاثنين إذا تعارضا؟ وهما لابد متعارضان، لأن الإسلام لا يعرف اشتراكية ولا يعرف ديمقراطية بالمعاني التي قيلت عنهما أو المعاني التي قامتا عليها أو التطبيقات التي حدثت هنا أو هناك في أي دولة من دول العالم".

وأقف إزاء هذا النص أما النقاط التالية:

1- يعارض الأستاذ التلمسانى- رحمه الله- إدخال نص على الدستور يفيد أن النظام الحاكم هو اشتراكي ديمقراطي، ويعجب من أن الذين يريدون إدخال هذا النص مسلمون.
2- أن التطبيق العملي للإسلام قد وضح أصول الحكم، فضلا عن دور الفقهاء في بيان قواعده.
3- يرى الأستاذ التلمسانى أن من التناقض أن يكون نظام الحكم اشتراكيا ديمقراطيا مع كون مبادئ الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيس للتشريع.
4- لقد مارس الإخوان المسلمون، في عهد التلمسانى وقبله، الانتخابات والترشيحات للمجالس النيابية في إطار الحكم الديمقراطى المعلن، فهل الديمقراطية التي شاركوا فيها هى بالمعاني التي قيلت عنها وعرفها العالم، أم هى بالمفهوم الإسلامى، إن صح التعبير ( ولا يصح في رأينا ولكنى استعرت بعض تعبير القوم).

إن جواب هذا السؤال قد مر سابقا، وسيأتي مزيد لإيضاحه لاحقا، وخلاصته أن جميع الممارسات النيابية التى خلت والقائمة الآن، تتم في الإطار العام للمفهوم العلماني للديمقراطية ولا أظن أن أحدا يخالف في ذلك.

وبعد أن سقت النصين السابقين أتوجه بهذا السؤال لمن يعنيهم ويهمهم أمر العمل الإسلامى.

هل استطاع الإخوان المسلمون في مصر أن يسحبوا مفهومهم الأصيل بخصوص الدستور والديمقراطية المذكور آنفا على أرض الواقع ومجال التطبيق؟ تفصيل الجواب يأتي لاحقا.

الفصل الثالث: إسلاميو مصر يرفضون الدستور وينادون بتطبيق الشريعة الإسلامية

وفيه مدخل ومطلبان.

مدخل: لقد كمم عبد الناصر الأفواه وحجر على العقول وألهب جلود الإسلاميين بالسياط وفعل ما فعل.. ونشر علمانيته في سوائل الإعلام، وشجع الفساد وأفسح للإلحاد، وظن أنه قد انتصر .. ولكن.

لقد غاب عن هذا الطاغية أن الإسلام قد ضرب بجذوره في أعماق قلوب الناس، وإن الشجرة الغائرة جذورها في الأرض لا يقضى عليها باجتثاث ساقها، فضلا عن قص أغصانها، فسرعان ما يتنامى الساق وتتكاثر الأغصان.. وهكذا كان.

فقد خرج الإسلاميون من جديد في طول مصر وعرضها ينادون بالعودة إلى الشريعة الإسلامية ، تطبيقا وتنفيذا.. واقعا وحياة. إلا أنهم اختلفوا في الأسلوب المؤدى إلى ذلك.

فباستثناء جماعة الجهاد وبعض الجماعات الإسلامية الأخرى، فإن الخط العام الذي ساد ولا يزال يسود، هو ولوج المجالس النيابية ثم النفاذ من خلالها لتطبيق الشريعة الإسلامية.

ونظرا لأن دراستنا هذه تتعلق بموضوع اعتماد الإسلاميين خط الانتخاب والمجالس النيابية أسلوبا للتغيير وطريقا لتطبيق الشريعة الإسلامية فإنني سأقصر أغلب حديثي على هذا الموضوع دون غيره.

وأجزىء الموضوع إلى قسمين ، أذكرهما في مطلبين .

الأول هو: مناداة الإسلاميين بتطبيق الشريعة الإسلامية .

والثاني هو: أسلوب الوصول لهذا التطبيق.

المطلب الأول: مناداة الإسلاميين بتطبيق الشريعة الإسلامية

أولا: الإخوان المسلمون

نادى الإخوان المسلمون بتطبيق الشريعة الإسلامية منذ البداية وحتى الآن.

وما نحن الآن بصده هو فترة الأستاذ التلمسانى – رحمه الله-.

يقول الأستاذ التلمسانى:" تطبيق الشريعة الإسلامية أمر يهمنا جميعا كمسلمين ، نبادر إلى مؤازرة كل من يدعو إليه".

ويقول:" إن الإخوان المسلمين منذ قيام دعوتهم لم يركزوا على شيء تركيزهم على تطبيق الشريعة الإسلامية، وقد لاقوا ما لاقوا.

أتراهم بعد هذه السنين الطوال يتراجعون عن عقيدتهم؟ ولماذا ؟ لقد تزينت الدنيا لهم ليعدلوا عن مطلبهم، فاحتقروها وأعرضوا عنها".

ويقول :" قد أعلنت أن الإخوان المسلمين يطالبون بتطبيق الشريعة الإسلامية".

إلا أن التلمسانى، مع مناداته بتطبيق الشريعة الإسلامية فإنه يرى التأني في ذلك.

وقد وجهت إليه مجلة المجتمع الكويتية هذا السؤال:" طالبت في حديثك أمام اللجنة الدينية بالمجلس بضرورة التأني والتريث في تطبيق قوانين الشريعة، ألا ترى أن ذلك يعد مبررا للحكومة تستند إليه في عدم تطبيق الشريعة الإسلامية؟".

فأجاب الأستاذ عمر التلمسانى:" إن الواقع هو الذي يملى هذا التأني، لأننا إذا أردنا الخروج بالتقنين الذي يتلاءم مع سمو التشريع الإسلامى فلابد وأن ندرس ونحقق حتى نأتي بالنتيجة المرجوة.

إن الذي سيعرض على المجلس القوانين المدنية والتجارية والجنائية والاقتصادية والسياسية واللوائح والمذكرات الإيضاحية، فهل ترى أن كل ذلك يمكن أن يتم على عجل؟ إن طبيعة العمل نفسه هى التي تملى هذا التريث.. هذا إلى أن التأني والتسرع أمور نسبية، فقد يتم في شهر ما يعتبر تأنيا، وقد يتم في أشهر ما يعتبر تسرعا".

وقال التلمسانى في مقابلة مع جريدة " القبس" الكويتية:" قد أعلنت أن الإخوان المسلمين يطالبون بتطبيق الشريعة الإسلامية، ولكننا نريد التطبيق على مهل وفى تؤده، حتى ى نتعثر في الطريق ويصبح التطبيق أعرج أو سيئا مثلما حدث في بعض البلاد الأخرى التي تسرعت في تطبيق الشريعة الإسلامية".

الأستاذ صلاح شادي:

في مقابلة أجرتها معه مجلة المجتمع الكويتية ونشرته بتاريخ 30/7/1985م في عددها رقم 727، وجهت له السؤال التالي:" في رأيك .. ما مدى إلحاح وأهمية تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر ؟"
فأجاب :" المسلم يعتبر دينه دستور حياته، والقرآن يحدد له فلسفة وجوده ، ويرسم له إطار علاقاته بربه وبنفسه وبعائلته وبوطنه وبالمجتمع العالمي.
ومن هنا ندرك مدى أهمية وضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية .
إذ إن عدم تطبيقها هو الأمر الشاذ الطارئ الذي يجب أن ينتهي في أسرع وقت.
وعندما نطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية فإننا نعنى بها المفهوم العام والكامل للإسلام، وليس كما قد يتبادر إلى أذهان من لا يعرفون حقيقة الإسلام أنه مجرد المطالبة بتطبيق قوانين العقوبات الإسلامية.
فهذه مع أهميتها ما هى إلا جزء من الإسلام.. إننا نطالب بسيادة الإسلام على مسار الحياة كلها والالتزام به في الفكر والشارع والمدرسة والمنزل، وليس فقط في المحكمة.
فالإسلام، كما قلت: منهاج حياة يجب أن يلتزم به المسلم إذا أراد أن يصحح مسار حياته".
والأستاذ صلاح شادي، خلافا للأستاذ عمر التلمسانى ، يرى أن الشريعة الإسلامية يجب تطبيقها فورا، من غير تأن ولا تريث.
وقد وجهت إليه مجلة المجتمع في نفس عددها المشار إليه سابقا السؤال التالي:" هل تعتقدون أن مصر ليست مستعدة للتطبيق الكامل للشريعة الإسلامية؟"
فأجاب :" إن تطبيق الشريعة الإسلامية بمفهومها العامر أمر لا يمكن أن يختلف عليه اثنان من المسلمين ، وإن مصر وكل بلد إسلامي يمكن أن تطبق فيه الشريعة فورا، بل إن الشعوب المسلمة في كل مكان تطالب حكوماتها بذلك.
وإذا كان البعض يظن أنه ليس في الإمكان مثلا قطع يد السارق في ظروفنا الاقتصادية الحالية نظرا لحالة الفقر التى يعانيها الكثيرون، وبالتالي نكون قد أوقفنا تطبيق الشريعة، فلابد أن يعرف هؤلاء أنتلك نظرة خاطئة، لأن عدم قطع يد السارق الفقير هو جزء من الشريعة الإسلامية، له قواعده وشروطه".
ولا يوافق الأستاذ صلاح شادي على فكرة وجوب تحضير المجتمع أولا حتى يكون مهيئا قوانين الشريعة الإسلامية، ويعتبر هذه الدعوة مطية يستغلها أعداء الله، فيركبون موجة الدعوة إليها ثم يقولون : لكن ينبغي تحضير المجتمع أولا.
يقول الأستاذ صلاح شادي في مقال نشرته له مجلة الدعوة في عددها رقم 8 في شهر يناير 1977م :" تلقف الدعوة الخبثاء من أعداء الإسلام وركبوا الموجة ورفعوا عقيرتهم بشعار تطبيق الشريعة الإسلامية، حتى الشيوعيون واليساريون قالوا: لا مانع عندنا من قطع يد السارق، ولكن.. بعد تمهيد وتحضير للمجتمع، والتقى الجميع على هدف واحد هو احتواء هذه الرغبة الشعبية العامة وامتصاص غضب الشعب. فأعلنوا عن قيام لجنة بوزارة العدل لتعديل القوانين بما يتمشى مع الشريعة الإسلامية، وسكت الشعب في انتظار انتهاء اللجنة من عملها، ولكنها ما زالت، ولا يدرى أحد متى تنتهي".
ويرى الأستاذ صلاح شادي أن الموضوع لا يتعلق بإقرار تطبيق الشريعة الإسلامية فقط،بل لابد أيضا من وجود من يقوم على تطبيقها وإنفاذها على الوجه الشرعي الصحيح.
يقول:" من قال : إن الشريعة الإسلامية بكل كنوزها وتراثها قد انحصرت في قطع يد السارق وجلد الزاني؟ بل إنني أقول: إن هذه القوانين لو قدر لها أن تتم وتصدر فلن تجد طريقها إلى التطبيق والتنفيذ، ولست في ذلك متشائما ولا أسبق الحوادث، وعندي على ذلك شواهد كثيرة، لعل أقربها- قانون الخمر الذي دخل مجلس الشعب السابق على أنه خطوة على الطريق نحو تطبيق الشريعة الإسلامية، وخرج من المجلس المذكور هزيلا نحيلا لا يمثل إلا خطوة إلى الوراء ومشية على استحياء .
وقد صدر القانون ونشلا، وما زلنا نرى حانات الخمور مفتوحة والخمر يباع ليلا ونهارا، خذ مثلا آخر، لقد تحمس المشرع لمحاربة تجارة المخدرات، ورفع العقوبة على هذه التجارة إلى الإعدام.
ولكن منذ صدر هذا القانون لم يحكم القضاء مرة واحدة بهذا الحكم على تاجر من ت جار المخدرات تحرزا وتهيبا من حكم الإعدام. ولن تكون الحدود الإسلامية في قانون العقوبات أسعد حظا.
سيبحث القضاة عن كل شك يفسر لصالح المتهم، وسيفتشون عن كل شبهة ليدرءوا بها الحدود.
ولن ترى العقوبات الإسلامية طريقها إلى التنفيذ. وأخيرا هناك مثل آخر، فقد هال بعض الغيورين على الدين انتشار سب الدين، واستجاب المشرع المصري، فحرم هذا السب ووضع له في القانون عقوبة، وصدر القانون فعلا، ولكن منذ صدوره لم يقدم أحد إلى القضاء، ولم تحكم محكمة على أحد بهذه العقوبة، مع أننا نسير في الشوارع والطرقات وندخل السواق ونركب المواصلات ونسمع في هذه الأمكنة وفى غيرها في كل يوم وليلة سب الدين مرات ومرات" انتهى، من المقال السابق نفسه.

الداعية زينب الغزالي :

أجرت مجلة المجتمع" مقابلة مع الداعية زينب الغزالي، ونشرتها بتاريخ 25/6/1985 في عددها 722.

وأسجل هنا مقتطفات من ذلك اللقاء.

حول رغبة الشعب المسلم في مصر بتطبيق الشريعة الإسلامية والحكم بما أنزل الله قالت:" نواب الحزب الوطني يتصورون أنهم أجهضوا الرغبة الجماهيرية في تطبيق الشريعة، ولكن جماهير مصر المسلمة تأبى هذا .
وأنا أعتقد أن الإجهاض الذي توهمه بعض الناس غير قائم، لأن إصرار المسلمين في مصر الإسلامية على الحكم بما أنزل الله هو، إن شاء الله، الذي له المستقبل وله الغلبة في نهاية الأمر".
وحول كون الشريعة جاهزة للتطبيق بغير إبطاء ولا تأن أو تريث قالت:" إن الشريعة جاهزة، ولو لم تكن قد قننتها لجان، لأننا إذا رجعنا إلى كتب الفقه، نجد لكل مشكلة حلها، ولكل قضية حكمها.. وسنظل نجاهد حتى نحقق الغاية العليا، وهى تطبيق الشريعة وتطبيق النظام الإسلامى في مصر المسلمة، لتقتدي بها كافة البلدان الإسلامية".

نواب الإخوان في مجلس الشعب

يقول الشيخ محمد المطراوي وهو أحد نواب الإخوان في مجلس الشعب:" منذ اليوم الأول لدخول الإخوان المسلمين مجلس الشعب المصري في مايو 1984م تم الاتفاق بيننا على أن يكون المجلس مجالا للدعوة.. وكنا نجد ترحيبا كبيرا، وظللنا على هذا أكثر من ثلاثة شهور بعد بدء الدورة البرلمانية ، ثم رفعنا لواء الشريعة الإسلامية فوق الأحزاب- وبدأنا في إعداد طلب رغبة يوقع عليه الأعضاء لطرح قوانين الشريعة الإسلامية على المجلس لإقراراها لا لمناقشتها، لأننا نرفض أن تناقش، وإنما نضعها موضع الاطلاع حتى يوافق المجلس على طلب الرغبة. والمطلوب كحد أدنى 20 عضوا، حتى تمر الرغبة من لجنة الاقتراحات والشكاوى إلى اللجنة التشريعية مباشرة..

ووقف السيد توفيق عبده إسماعيل المتحدث باسم الحكومة في المجلس يعلن أن الحكومة يسعدها أن تبدأ مناقشة قوانين الشريعة في أول مايو القادم. وانتهى الأمر عند هذا الحد".

وفى 4 مايو 1985م رفض مجلس الشعب التطبيق الفوري للشريعة الإسلامية.

وحول تلك الجلسة، قالت مجلة " المجتمع" في عددها رقم 717 الصادر بتاريخ 14/5/1985 : " وانتهت المهزلة التي تمت تحت قبة البرلمان ، وفى واحدة من أخطر وأهم القضايا المطروحة في مصر الآن، بتلك المأساة ن حين أعلن رئيس المجلس بكل ثقة وتحد أنه جاءه اقتراحان، الأول من 36 عضوا، والثاني من 22 عضوا يطالبون بإغلاق باب المناقشة.. وهنا انسحب نواب الإخوان الثمانية من جلسة المجلس، وتبعهم خمسة من حزب الوفد المعارض.. وهكذا انتهى الحديث عن تطبيق الشريعة الإسلامية".

ثم إن نواب مجلس الشعب من الإخوان المسلمين اجتمعوا بعد انسحابهم من جلسة مناقشة تطبيق الشريعة ونظروا في المر وأصدروا بيانا نشرته مجلة " المجتمع" في عددها رقم 719 الصادر بتاريخ 28/5/1985م ، وجاء في مقدمته :" تعلقت آمال الملايين في مصر وفى العالم الإسلامى بجلسة مجلس الشعب التي عقدت بتاريخ 4 مايو 1985م، وتعلقت أسماع الناس بكل صوت ينبعث من هذه الجلسة، وذلك اهتماما منهم بتطبيق الشريعة الإسلامية التي حكمت مصر ثلاثة عشر قرنا من الزمان.." .

إلى أن قالوا في آخر البيان:" فلعلنا أن نظفر بعدد من التوقيعات والمؤيدين يمكننا من فتح باب المناقشة من جديد في هذا الأمر المقدس أمر تطبيق الشريعة الإسلامية بحثا عن عز الدنيا ونعيم الآخرة.

ونحن على يقين من أن شريعة الله هى الطريق إلى تحقيق الآمال".

وقد نشرت " المجتمع" هذا البيان تحت عنوان : " من نواب الإخوان في البرلمان المصري: هذا بيان للناس حول تطبيق الشريعة في مصر".

ثانيا : الإسلاميون الآخرون: الشيخ صلاح أبو إسماعيل – رحمه الله

لقد كان صوت الشيخ صلاح أبو إسماعيل من الأصوات العالية التي نادت بقوة بتطبيق الشريعة الإسلامية.

يقول هو عن نفسه: " ومن قبل تحركنا كعلماء، وأنا كنت أشغل مكتب شيخ الأزهر سنة 1972م ، وكان العلماء ينادون بتطبيق الشريعة الإسلامية، وذهبت إلى السيد المستشار وزير العدل، كان ذاك سنة 1972م، مع وفد من العلماء باسم الأزهر ، يطالب وزارة العدل بتنفيذ الشريعة تمهيدا لتطبيقها".

ولقد كان للشيخ صلاح أبو إسماعيل صولات وجولات في محاولاته لتطبيق الشريعة الإسلامية في مجلس الشعب.

وكان مما قاله في إحدى خطبه في مجلس الشعب المصري :" إن الله أمر رسوله أن يحكم بما أنزل الله فقال " وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون، أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون" المائدة 49، 50، وكلف الله عباده أن يترافعوا إلى رسوله وعلق إيمانهم على شرط تحكيم كتابه، قال تعالى " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما". النساء: 65.

وفى إجابته عن سؤال من المحكمة في قضية الجهاد، قال الشيخ صلاح أبو إسماعيل  : " إنني وأنا أطالب بتطبيق شرع الله أعلم علم اليقين أن مصر تعيش أزماتها الاقتصادية، وأنها تعيش أزماتها العسكرية وأزماتها الاجتماعية، ومن أجل كل هذا نطالب بتطبيق الشريعة، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:" ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض" الأعراف: 96.

ويتحدث وزير الاقتصاد عن القدرة الشرائية وقلة الإنتاج، فيشير إلى ما ترتب على ذلك ن تضخم وغلاء والتهاب أسعار، والله يقول:ط أفرءيتم ما تحرثون ، ءأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون،" الواقعة 63، 64، ويتوقف ذلك على الماء، والله يقول: " أفرءيتم الماء الذي تشربون ، ءأنتم أنزلتموه من المزن أن نحن المنزلون، " الواقعة: 68، 69.

فوفرة الإنتاج لا مصدر لها إلا الله الذي أعرضنا عنه وهو القائل:" ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ، قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا ، قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى" طه 134- 136. "

وينقل الأستاذ صالح عشماوي عن الشيخ صلاح أبو إسماعيل ، رحمهما الله تعالى قوله:" إنه طلب من لجنة الأمن القومي بمجلس الشعب إقامة حدود الله في المجتمع، وذلك لكثرة ما شاع من جرائم الخطف والاغتصاب والسرقة والانحرافات الكبرى بعد أن ظهر قصور القوانين الوضعية في حماية النفس والدين والعقل والإنسان والمال".

وقى مقابلة أجرتها معه صحيفة " الأنباء" الكويتية ونشرت بتاريخ 4/3/1985م قال الشيخ صلاح أبو إسماعيل :" لكل غاية وسائلها، وغاية الغايات تطبيق الشريعة الإسلامية لما في ذلك من إعلاء كلمة الله .

ولمن يعلى كلمة الله عز الدنيا ونعيم الآخرة".

وفى مقابلة أخرى أجرتها معه مجلة " آخر ساعة" القاهرية ونشرتها في عدد 2624 بتاريخ 6/2/1985م سألته المجلة:" هل تعتقد أن تطبيق الشريعة ضرورة ملحة وقد عشنا بدونها مئات السنين؟".

فأجاب :" ولماذا لا تقول إن المسلمين عاشوا في ظل تطبيق الشريعة منذ بداية الفتح الإسلامى لمصر حتى عام 1882م عندما احتل الانجليز مصر، لقد عشنا مئات السنين في ظل الشريعة".

ويرى الشيخ أبو إسماعيل أن تطبيق الشريعة الإسلامية يجب أن يكون فورا، من دون إبطاء ولا تريث ولا تأن .

سألته المحكمة في شهادته في قضية الجهاد : " هل ترى وجوب تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية مرة واحدة أم بالتدريج؟. هناك عدة آراء، نسمع رأى سيادتك فيها".

فأجاب:" لا أستطيع يا سيادة الرئيس أن أهمين على المهيمن جل علاه.

لست أملك أن أقول لربى: إن هذا الحكم يناسبنا اليوم أو لا يناسبنا ، لأنني لو قلت هذا لخرجت عن حدودي. مضى واحد وثلاثون عاما، ولا زالوا يزعمون التدريج، ولم تعد الأمور ، إلا إلى ما هو أسوأ فيا يختص بموازين الإسلام".

وقال الشيخ صلاح أبو إسماعيل – رحمه الله- في كلمته في مجلس الشعب في 4 مايو 1985م ، وهى الجلسة التى أقفل فيها النقاش حول تطبيق الشريعة الإسلامية، قال :" لقد أسفرت كل الاستفتاءات الشعبية عن رغبة شعبية تقترب من الإجماع بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية التي تحفظ العرض والمال والنفس، لا مجال هنا للمطالبين بالتدرج في تطبيق الشريعة. فالتدرج جاء في أول الإسلام، لأن الرسالة لم تكن قد اكتملت. أما ليوم فإن الإسلام كامل، فيجب أن نبدأ فورا في تطبيق الشريعة الإسلامية بشكل متكامل، خصوصا وأن المشروعات تم إعدادها من عدة سنوات".

وفى مقابلة مع مجلة " آخر ساعة" نشرت في عدد 2625 بتاريخ 13/2/1985م قال الشيخ صلاح أبو إسماعيل :" فلن نترك ديننا للذين يرون أنه لا يجوز تطبيق الشريعة الإسلامية دفعة واحدة.. وشعبنا يتطلع للشريعة وتطبيقها رغم المنادين بالتدرج".

ويرى الشيخ صلاح أبو إسماعيل – رحمه الله- أن الشريعة الإسلامية ينبغي تطبيقها كاملة غير ناقصة ولا مجزأة.

ولذلك جاءت مشروعاته التي قدمها لمجلس الشعب المصري في هذا الإطار .

ففي شهادته في قضية الجهاد قال الشيخ صلاح أبو إسماعيل :" وبعد أن ألفت الحكومة بيانها قدمت مشروعا بقانون لإقامة الحدود الشرعية ومشروعا بقانون بتحريم الربا، مع اقتراح الحل البديل، ومشروعا بقانون تطوير وسائل الإعلام وفقا لأحكام الله، ومشروعا بقانون رعاية حرمة شهر رمضان وعدم الجهر بالفطر في نهاره، ومشروعا بقانون تنقية الشواطئ من العربدة، ومشروعا بقانون رعاية المعوقين. وقدمت غير ذلك من المشروعات الإسلامية".

الشيخ حافظ سلامة:

لقد كان الشيخ حافظ سلامة تاريخ جهادي حافل .
وبرز اسمه في الجهاد الإسلامى في مدن قناة السويس قديما.
ثم أصبح كعلم على سارية بعد أن أراد اليهود دخول مدينة السويس عام 1973م ، فتصدى لهم، ورفع راية الجهاد في سبيل الله منطلقا من مسجد الشهداء التابع لجمعية الهداية الإسلامية التي يرأسها بنفسه.
فرد الله به وبإخوانه اليهود على أعقابهم خائبين.
ويعتبر الشيخ حافظ سلامة من ابرز الذين طالبوا بتطبيق الشريعة الإسلامية في مصر .
وهو ممن فهم الشريعة الإسلامية بمعناها الشامل الذي يستغرق جميع جوانب الحياة الإنسانية وفق التشريع الرباني.
:يقول الشيخ حافظ سلامة: " إننا نطالب بإقامة مجتمع إسلامي يطبق الشريعة الإسلامية كما جاءت في كتاب الله وفى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس في الحدود فقط، وإنما نحن نريد إقامة مجتمع إسلامي محمدي يقوم على كتاب الله وسنة رسول الله .
والله تبارك وتعالى ولله الحمد، عندما أنزل كتابه، أنزله لسعادة البشرية في الدنيا وفى الآخرة. ولم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
ويقول لنا" ما فرطنا في الكتاب من شيء" الأنعام: 38.
فعندما نعود إلى الله تبارك وتعالى وننفذ ما جاءنا في كتابه وسنة رسوله،لا نقول: نطبق جزءا ونترك الأجزاء الأخرى، إنما الغاية أن نقيم شرع الله في أرض الله".
:ويقول الشيخ حافظ سلامة أيضا: " نحن نطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية وأملنا في الله تبارك وتعالى أن يستجيب الحكام إلى هذه الدعوة، وإن لم يستجيبوا فقد أقمنا الحجة عليهم، حتى لا يكون لهم عند الله عذر بعد ذلك".
وتصفه "مجلة المجتمع" فتقول:" هذا هو الرجل الذي أصر على المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية".
والشيخ حافظ سلامة لا يرى التأني والتريث في تطبيق الشريعة الإسلامية، بل يرى أن تطبق فورا من غير تدرج ولا تأن.

يقول الشيخ حافظ سلامة حول هذا الموضوع:" نحن لا نرى التدرج في التطبيق، وإنما نرى أن يكون التطبيق فوريا وكاملا.

:لا نستطيع أن نقول: اليوم نطبق جزءا من الشريعة مثلا، ثم بعد ذلك نطبق الأجزاء الأخرى، فلا نقيم الحد على السارق دون شارب الخمر، دون المرتشي، دون الزاني، دون قاطع الطريق.. وهكذا ، إنما عندما نطبق الشريعة يجب أن نطبقها كاملة".

الشيخ الدكتور عمر عبد الرحمن:

هو من أبرز القيادات الإسلامية المعاصرة في مصر.
وله سجل حافل بمحاربة الطغاة والدفاع عن الحق وأهله.
وعندما هلك عبد الناصر وقف على المنبر وقال :" لا تجوز الصلاة عليه". ومنع الناس من الصلاة عليه.
اعتقل مرات عديدة، كانت إحداها بتهمة تزعمه لجماعة الجهاد، وادعاء إفتائه لهم بقتل السادات.
والذي يهمنا الآن هو إبراز موقفه من موضوع تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر.
وها هنا أسوق نصوصا تبين موقفه من هذه القضية الأساسية مقتطفة من مرافعته في قضية لجهاد، وقد أصدرتها بتمامها دار الاعتصام في كتاب بعنوان " كلمة حق".
يقول الدكتور الداعية الشيخ عمر عبد الرحمن في مرافعته:" إن التسليم بقضية الحاكمية لله عز وجل هى نتيجة بديهية وحتمية ومنطقية لأساسيات ثابتة في الدين يعرفها الصغير والكبير ولا ينكرها عاقل، فالله تعالى هو خالق كل شيء وله ملك كل شيء:" الذي له ملك :السموات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا" الفرقان: 2.
فالكون كله مخلوق لله سبحانه، مملوك له، ومن كان مالكا فله حق التصرف فيما خلق وفيما ملك، وتحتم من كل هذا أن يكون له الحكم والأمر ... وهو صاحب الحق وصاحب السلطان في تقرير المنهج الذي يرتضيه لتصريفه شئون ملكه وخلقه، فهو الذي يشرع فيما ملك، وهو الذي يطاع شرعه وينفذ حكمه".
وبعد أن قرر الشيخ عمر عبد الرحمن هذا الأصل المتين والقاعدة الثابتة الأساسية بين بطلان شرعية ما يشرعه الناس من عند أنفسهم خلافا لما جاء من عند الله .
يقول:" والناس غنما يزاولون تطبيق ما شرعه الله بسلطانه، أما ما لم يشرعه الله فلا سلطان له ولا شرعية، فالناس ليس لهم حق التشريع ابتداء، وكل ما لهم هو مزاولة التطبيق لما شرعه الله، أو الاستنباط والقياس على أحكام الله فيما يراد به نص.
والتحريم بالهوى وبدون ضابط شرعي هو منازعة في الحاكمية، ومشاركة في توجيه العبودية لغير الله، وهو منازعة للإلوهية.
لا مراء في ذلك" تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون" النحل : 116.
ويطالب الدكتور عمر عبد الرحمن بالتطبيق الشامل الكامل للشريعة الإسلامية من غير تجزئة ولا تبعيض، لأن شمول الشريعة وكمالها هو من طبيعتها .
يقول :" لقد ادعت النيابة أن تخلف تطبيق حكم جزئي أو بعض الأحكام الشرعية لا يعنى عدم الحكم بالشريعة الإسلامية.
وزعموا، وذلك إفكهم وما كانوا يفترون، أن الحكم بالشريعة لا ينقطع من فوق ظهر الأرض إلا إذا نحيت تماما جملة وتفصيلا.
ولقد حذر القرآن أشد تحذير من اتباع الأسلوب الهدام الذي يطبق بعض الشريعة ويترك البعض الآخر، فهو يوضح الرد على هذه الشبهة ويدحضها تماما، إذ يقول تعالى " فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق" المائدة: 48.
فينهى الله عز وجل عن ترك شريعته كلها إلى أهوائه من ثم يحذر النبي من فتنتهم له عن بعض ما أ نزل الله إليه فيقول:" وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما انزل الله إليك " المائدة: 49 .
فالتحذير هنا أشد وأدق.

وبذلك يوجب الشرع الاستمساك الكامل بالصغيرة والكبيرة، فشرع الله كل لا يتجزأ ولا يتبعض ولا ينقسم".

ويقول :" إن تعطيل بعض الأحكام الشرعية واستبدالها والإتيان بقوانين وضعية تحكم المجتمع هو معنى التجزئة التي تريدها النيابة.

وهو أمر جائز عندهم لا يناقض حاكمية أحكم الحاكمين. وهذا من أبطل الباطل وأبين الزور، لأنه رفع لشرع الله تعالى وتقديم لحكم فوق حكم الله تعالى:" يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله" الحجرات :1.

وقال تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض" الحجرات: 2.

الجماعة الإسلامية

لقد برزت ظاهرة الجماعات الإسلامية في مصر بشكل واسع في عهد السادات .

وكانت الساحات الجامعية ميدانها الفسيح.

ومن خلال تلك الجماعات ظهرت قيادات فاعلة.

ولقد حاولت تلك الجماعات أن تستفيد من التجارب السابقة.

وبعضها حاول إعادة النظر في الأمور المطروحة، ووجد أنه من الضروري تأصيل المنهج أولا، ليكون المنطلق في الدعوة سليما.

والذي سأعرضه هو مقتطفات من ما سمى بـ "ميثاق العمل الإسلامى" الذي يمثل المنطلق المنهجي لـ " الجماعة الإسلامية".

وهذا الميثاق مخطوط. ولا أعلم إن قد تم طبعه وتوزيعه أم لا . وهو من إعداد عاصم عبد الماجد، عصام الدين دربالة ، ناجح إبراهيم عبد الله . هكذا ذكروا أسماءهم على غلاف الكتاب المخطوط.

في بيان من له حق التشريع ومن ليس له حق ذلك قالوا : " إن المشروع هو الله عز وجل والرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ عن ربه. حق التشريع غير ممنوح لأحد، لا للخليفة ولا لأهل مشورته ولا لبرلمان ولا لحزب ولا لمجموع الأمة ، بل هو خالص حق الله تعالى.

أما الاجتهاد لمعرفة حكم الله فيما يعرض من وقائع وفيما يجد من نوازل وقضايا فهذا ليس تشريعا، بل هو البحث عن حكم الله في ههذ الواقعة بالطريق الذي شرعه الله لذلك:" ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه " النساء: 83.

وهذا موكول بأهله من العلماء، وهم بذلك لا يشرعون للأمة بل يستنبطون للأمة حكم الهع في هذه الوقائع ويجتهدون في ذلك ملتزمين في اجتهادهم بالشرع وقواعده وحدوده وضوابطه وقيوده، لا يحيدون عن ذلك قيد أنملة".

وعن شمولية التشريع في هذا الدين يقولون:" أيدعى بشر أن باستطاعته أن يأتي بمنهج أفضل أو أتم من منهج الله ولو في جزئية واحدة، في الاقتصاد أو السياسة أو السلم أو الحرب أو العقيدة أو العبادة؟ أيقول بهذا عاقل؟ وإن ادعى مدع بزور ومفتر ببهتان أنه يملك منهجا، أو أن بوسعه أن يضع منهجا أفضل أو أتم أو أشمل من منهج الإسلام في إدارة شئون الخلق، أفنصدقه وترك ديننا وشرعنا ونتبع هذا الضال في غيه؟ وصدق الله العظيم : " يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب" الحج 73.

وعن وجوب التحاكم بشكل شمولي وفى كل الأمور إلى الإسلام يقولون: " ونحن في حاجة، بل في أمس الحاجة، لأن نتحاكم بشرع الله في كل الأمور، ونحن نعمل وندعو ونجاهد لإعادة شرع الله حاكما مهيمنا.

نحن في حاجة إلى كل هذا ، وإلى كل ما جاء به الإسلام من عقيدة وشعائر وشرائع ونظم وقيم.. لا نستطيع بحال أن نتخلى عن جزئية واحدة مما جاء به هذا الدين، وإلا لكان الفشل والإحباط نهايتنا ومصير حركتنا ومحصلة دعوتنا".

نتائج مهمة

بعد تمعن جيد، يتضح لنا من مجمل ما سقته من نقولات لمختلف التوجهات في الساحة الإسلامية المصرية ما يلي:

1- أن الجميع متفقون، وينادون بتطبيق الشريعة الإسلامية ، وفحوى هذا الاتفاق والمناداة تعنى أن النص الوارد في الدستور بأن دين الدولة الإسلام لم يتجل لا قانونا ولا واقعا، على الحياة في مصر.
2- إن الإسلاميين في مصر يرفضون التطبيق المجزأ للشريعة الإسلامية ، بل لابد من تطبيقها كاملة بمفهومها الشامل.
3- أن الإسلاميين جميعا يطالبون بالتطبيق الفوري للشريعة الإسلامية من غير تدرج ولا تأن ولا تريث. ولم يخالف في هذا سوى الأستاذ عمر التلمسانى مخالفا في ذلك أيضا آراء إخوانه من الإخوان المسلمين .
4- لم أستوعب فيما سقته من نقولات جميع الحركات الإسلامية في مصر، بل ذكرت أشهرها، وهى جماعة الإخوان المسلمين ، وجماعة الجهاد ممثلة بالشيخ الدكتور عمر عبد الرحمن ، ثم الجماعة الإسلامية من خلال ميثاقهم، وكذلك لم أستوعب في النقولات جميع الشخصيات الإسلامية المؤثرة في مصر، بل اكتفيت بأشهرها، وهما الشيخ صلاح أبو إسماعيل والشيخ حافظ سلامة.

وقد اخترت ما اخترت من نقولات لمختلف التوجهات ، ليتضح أن الجميع متفقون على مبدأ ضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر، لكنهم يختلفون في الأسلوب.

فالإخوان المسلمون يتبنون الأسلوب البرلماني لإحداث التغيير الفوقي، والأسلوب التربوي المنظم لإحداث لتغيير الشعبي، مع ملاحظة أهمية البناء المؤسساتي.

أما الشيخ صلاح أبو إسماعيل فهو يتبنى ألأسلوب البرلماني من غير عمل جماعي تربوي منظم، وهو يرفع شعار إصلاح الدنيا بالدين.

ولا يعكر علينا انتماؤه لحزب الوفد القول أنه لا يتبنى التغيير من خلال عمل جماعي تربوي منظم، إذ إن حزب الوفد ليس إلا حزبا سياسيا رأسماليا.

وأما الشيخ حافظ سلامة، فهو يتبنى أسلوب الضغط الشعبي على أجهزة الدولة ، ليحمل معوقي تطبيق الشريعة الإسلامية في مجلس الشعب على الرضوخ للمطالب الشعبية.

فالقاسم المشترك بين جماعة الإخوان المسلمين والشيخ صلاح أبو إسماعيل والشيخ حافظ سلامة هو أن تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر لابد أن يمر من خلال نفق المجلس النيابي أي مجلس الشعب.

أما جماعة الجهاد التي يتزعمها الشيخ عمر عبد الرحمن فتعتمد أسلوب تطبيق الشريعة الإسلامية من خلال إحداث التغيير الفوقي أولا، بحيث يكون الحكم في يد الإسلاميين ,ولذلك فإنه تخطط إبداء في اتجاه الإعداد للقاعدة الصلبة المؤهلة للاستيلاء على السلطة ولو بالقوة.

وأما الجماعة الإسلامية فهي لا تخرج كثيرا عن هذا الاتجاه إن لم تكن في الاتجاه نفسه فعلا. وبناء على ما ذكرت فإن حديثي سيقتصر على المطلب الثاني، وهو أسلوب التغيير ، على جماعة الإخوان المسلمين والشيخ صلاح أبو إسماعيل والشيخ حافظ سلامة ، لأن هذه الدراسة منصبة على دور الإسلاميين في المنهج الديمقراطي الذي تحكم به مصر.

المطلب الثاني : أسلوب التغيير من خلال مجلس الشعب

إن مجلس الشعب في مصر هو الواجهة الديمقراطية لذلك البلد.

ولقد نجح الإسلاميون في ولوجه في عهد السادات.

فما معنى الديمقراطية عند السادات؟

ليس المهم أن أذكر وجهة نظري الخاصة بشأن ديمقراطية السادات بل المهم بيان هل الإسلاميون في مصر يعرفون ما هو معنى الديمقراطية لدى السادات؟

الجواب: نعم، إنهم يعرفون ذلك، ويعلمونه حق العلم .

وإليك البيان؟

وصف الأستاذ عمر التلمسانى – رحمه الله- ماهية ديمقراطية السادات في كتابه " أيام مع السادات" في مواقع متعددة من كتابه .
وأضع بين يديك يا عزيزي القارئ بعضها:
1- يسوق الأستاذ التلمسانى على لسان السادات قوله في خطابه أمام مجلس الشعب نقلا عن جريدة الأخبار القاهرية بتاريخ 6/9/ 1981م: " لما قلت له: خليهم خمسين ، قلت له : أنا لا أستأذن حد، علشان أقول له: والنبى أدى الأب شنودة كام ، أنا صاحب القرار في هذه البلد".
يعقب الأستاذ التلمسانى على هذه الجملة فيقولك" أيمكن أن يحتقر أحد مثل احتقار السادات للشعب، إنه بهذا التحدي يكشف عن واقع الديمقراطية في مصر أثناء حكمه.
إنه وحده صاحب القرار، وإنه لا يستأذن أحدا في فعل ما يريد وإذا كان هذا هو حال الديمقراطية عنده، فأين مجلس الشعب ومجلس الشورى والمسئولية الوزارية ورأى الشعب الذي يستفتيه في كل ما هب ودب؟ "
2- يا ترى ، كيف كان السادات يمارس ديمقراطيته من الناحية العملية؟

يقول الأستاذ التلمسانى: " فتشرق علينا شمس أخبار 6 سبتمبر 1981 بعناوين رهيبة مخيفة وبالخط العريض:

أخطر استغلال للدين.
دور العبادة تستغل لتحقيق أغراض سياسية .
ضرب الوحدة الوطنية.
التحفظ على 1536 شاركوا واستغلوا أحداث الفتنة الطائفية.
حل بعض الجمعيات المشهرة التي عملت ضد الوحدة.
التحفظ على أموال الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية.
نقل 64 من هيئات التدريس بالجامعات والمعاهد العليا.
فصل 67 من العاملين بالصحافة والإذاعة والتليفزيون.
لجنة من خمسة أساقفة للقيام بالمهام البابوية.
إلغاء القرار الجمهوري بتعيين الأنبا شنودة".
ثم يقول الأستاذ التلمسانى: " واحذر أن يغيظك أو يحرق أعصابك خلال تلك الظلمات التي يتراكم بعضها فوق بعض يوما بعد يوم، أن تقرأ في الصحف في ذلك اليوم أن السادات صرح بأنه لن يتراجع عن الديمقراطية، وأن للشباب أن يعبد ربه، ولكن على ألا يبيع إرادته حتى عبادة الله بتصريح من السادات"
3- يعقب الأستاذ التلمسانى بأسلوب لاذع على دعوة السادات لإنشاء حزب معارضة لتكتمل لعبته الديمقراطية فيقول :" إن لم يعجبك هذا ، فاسمع يا حبيبي جاء في أهرام 16 سبتمبر 1981م ، اقرأ الفتوحات والتجليات والفيوضات ،التي تنهمر على رأس هذا الشعب من رب العائلة، وإياك أن تضحك أو تبتسم أو تستنكر أو تشمئز إن السادات يدعو إلى إنشاء حزب معارض كبير وإيه كمان؟ بإرادة شعبية أرأيت كيف يحب السادات المعارضة ويتعشق الإرادة الشعبية الحرة. وكل ذلك، كما يقول : لحفظ التوازن السياسي .
ذلك لأن الانتخابات لو جرت بإرادة شعبية حرة، لما رأينا من السادة أعضاء الحزب الديمقراطي الوطني من يجلس على كرسي النيابة ولا في مجلس قروي، وهم يعلمون ذلك تماما.
وهذا هو السر في موقفهم مع السادات، وربنا يسهل على الجميع أحزاب معارضة تنشا من الأوساط المعادية" .
4- ويشير الأستاذ عمر التلمسانى إلى استغلال السادات للديمقراطية كمظلة للبطش والإرهاب ولتصفية خصومه فيقول:" انظر كيف يتحدث سيادته عن الديمقراطية : إننا لم نضرب الديمقراطية كما أشاعوا، ولكننا ضربنا الذين أرادوا العبث بالديمقراطية ، والذين أرادوا ضرب الوحدة الوطنية، انتهى كلام السادات".
يقول الأستاذ التلمسانى:" هكذا لا يعرف السادات المحافظة على الديمقراطية إلا بضرب من يخالفون رأيه، وليس بالحوار الحر والدليل والبرهان هذه هى ديمقراطية السادات التى يريد حمايتها.. المعتقلات والسجون والتحفظ والإيذاء؟ هذه هى أساليب المحافظة على الديمقراطية .
ثم من هم الذين يعبثون بالديمقراطية وضرب الوحدة الوطنية؟ أهم الوفديون أم الشيوعيون أم المستقلون أم الجمعيات الإسلامية أم الإخوان المسلمون؟ وفى أي شرع يحكم فرد على غالبية شعبه أنهم يعبثون بمصالح الوطن ويضربون الوحدة الوطنية؟ إنه لم يكلف لنيابة حتى تحقق ما ينسبه إليهم، ولم يقدمهم للقضاء ليقول كلمته فيهم. يا عفاريت الأرض ويا جنها، هل في عالمكم الخفي مثل هذه التصرفات؟
5- ويواصل الأستاذ التلمسانى- رحمه الله- وصف ديمقراطية السادات بأسلوبه المتهكم الساخر، فيقول:" لقد أتحفتنا – أي : الصحافة – بحديث للسادات، وما أكثر تحفه العلنية والخفية.

نشرته أخبار اليوم بتاريخ 12 سبتمبر 1981م تحت هذه العناوين المهولة:

رفض الرئيس استعمال حقه في إعلان حالة الطوراىء فليحيا السادات زعيم الحرية ..أحقا لم يعلن حالة الطوراىء؟ إذن في ظل أي قانون " تخفوا" كلمة التحفظ التي أباحت القبض على آلالاف من شباب هذا البلد ونسائه ورجاله؟

أعطى الرئيس الحق للمتحفظ عليهم في التظلم حفاظا على الديمقراطية الله ، يا حنين يا سادات .. يا بو قلب كبير.

يا " سأسأ " حرية وديمقراطية ، يا قطعة من حميم أعماق محيطات الحرية، يا مبعوث العناية الإلهية ، يا من أتيت بما لم تأت به الأوائل من " عكننة " الناس في عيد من أعياد الله .

إنها عناوين السخرية والاستخفاف بعقول الناس. عجبا لك يا رجل ، ما أثقل التبعة التي تحملها فوق كتفيك بأقوال ينقصها الأفعال.

وأرجوك يا رئيس مجلس الشعب، يا علم الديمقراطية ، يا صاحب أكثر الناس وعودا بتطبيق الشريعة الإسلامية في مفتتح كل دورة برلمانية.. أرجوك أن تدلني على تظلم واحد من آلاف التظلمات التى قدمت للمدعى الاشتراكي أثناء حياة السادات وقضى فيها بالقبول".

وبعد ، لماذا سقت هذه المقتطفات؟

لقد سقتها للأسباب التالية:

1- كونها رؤية إسلامية من الداخل للواقع الديمقراطي المزيف في مصر . وهذه الرؤية لها أهميتها ،لأنها ليست من رجل عادى، أو من رجل لا يسعى للمشاركة في هذه اللعبة الديمقراطية ، بل هى من مرشد الإخوان المسلمين ، الذين بدورهم يسعون لأن يكون لهم وجود في المجلس النيابي المسمى بمجلس الشعب.
2- لم ينفرد الإخوان المسلمون بهذه الرؤية الإسلامية للديمقراطية من الداخل، بل شاركهم فيها كثير من الإسلاميين الآخرين، وخاصة الشيخ صلاح أبو إسماعيل على ما سيأتي تفصيله بعد قليل إن شاء الله تعالى.
3- بعد قراءة تلك المقتطفات، يحق لنا أن نتساءل ، مادامت هذه اللعبة الديمقراطية على هذه الشاكلة التي لا تتعدى أن تكون أداة يتبرقع وراءها السادات، أو شلته فلماذا يشارك فيها الإسلاميون؟

ولماذا يتحملون جزءا من أوزارها وآثامها ومظالمها؟ في الوقت الذي لا يحققون من خلالها أي مكسب معتبر يذكر؟

وبعد ذكر هذه الملاحظات التي بينت فيها سبب سوق تلك المقتطفات، فإنني أسجل أهم الاستنتاجات التي لابد من استنباطها من النصوص السابقة، وهذه هى:

1- إن المجلس النيابي لا قيمة لرأيه إذا تعارض مع رأى الملأ، والذي يمثله السادات وزبانيته في حالتنا هذه . فهو يقول: " أنا صاحب القرار في هذا البلد".
ومعنى هذا بالنسبة للإسلاميين في مجلس الشعب أن آراءهم لا تتعدى في مفعولها أكثر من " تسجيل موقف".
2- وبما أن الإسلاميين في عهد السادات، وكذا في عهد مبارك، لم يحصلوا على قرار بتطبيق الشريعة الإسلامية رغم جهودهم المضنية في المجلس، فهذا يعنى أن السادات ومن بعده، منن هم "أصحاب القرار" لا يريدون ذلك .
وأن السادات ومبارك لو كانا يريدان فعلا تطبيق الشريعة الإسلامية لطبقاها ، ولو عارضها مجلس الشعب بالإجماع، لأنهما وحدهما "أصحاب القرار".
3- إن الإعلام في ظل الطواغيت لا يخدم إلا الملأ الحاكم، فهو مسخر لتحقيق مصالحه وتنفيذ مآربه. فإن الواجهات الديمقراطية في ظل الطواغيت لا سلطة لها على الإعلام.
اقرأ إن شئت ما ساقه الأستاذ التلمسانى من عناوين في الصحافة في 6 سبتمبر 1981م.
4- إن هذه الديمقراطية المزيفة لا تملك شيئا لحماية الشعب. ففي ظلها تفتح السجون، وتحل الجمعيات، وتصادر الأموال، ويتلاعب بهيئات التدريس في المعاهد والجامعات، ويفصل العاملون في أجهزة الإعلام من أعمالهم، بسبب عدم سيرهم في ركب النظام الحاكم كما يريد ، وذلك محافظة من النظام على ألا تتعدى تلك الأجهزة دورها الذي أسست من أجله، وهو تسخيرها لتكون مطية له.
5- اللافت للنظر حقا، أن هذه الإجراءات التعسفية التي تتم في الظلال الوارفة للديمقراطية لا تتناول في الغالب سوى الإسلاميين ، ولا تنفث دخان الحقد إلا عليهم.
إن الإسلاميين هم وحدهم الذين يزج بهم في غياهب السجون عبر بوابات الديمقراطية المشرعة.
وهم الذين يكال لهم السباب ويقذفون بوابل الشتائم، وهم الذين يتهمون دوما بإثارة الفتن الطائفية، وهم الذين يستغلون المساجد لتنفيذ مآربهم بعد أن يهيئوها مركزا للانطلاق.
وكأن المساجد( يسمونها دور عبادة) لا ينبغي أن تكون سوى مرتعا لأصحاب السلطان، لا ميدانا لتخريج المجاهدين الشجعان.
والإسلاميون هم الذين تطلق عليهم أبواق الديمقراطية اسم المتطرفين، وهم الذين تصادر أموالهم، وتطارد في البيوت نساؤهم.
إن كل هذا يمارس في إطار من الديمقراطية الطاغوتية.
فماذا صنع مجلس الشعب في مصر عندما استفحلت هذه المهزلة؟
صح لسان الأستاذ التلمسانى عندما قال:" حتى عبادة الله بتصريح من السادات".
أفما آن للإسلاميين المجلسيين أن يتعظوا؟
6- إن أصحاب اللعبات الديمقراطية هم الملأ الحاكم، فتراهم يجيدون التمثيل على شعوبهم أيما إجادة. فمن ذلك مثلا؟ إن من الأصول الديمقراطية أن يضم المجلس في صفوفه ما يسمى بالمعارضة.
وهذا مبنى على أساس الانتخابات الحرة التي سوف تفرز بطبيعة الحال كل الفئات السياسية، وتدفع بهم إلى كراسي المجلس .
ولما كانت الفئات السياسية منها المؤيد ومنها المعارض كما هى العادة، فلابد إذن أن تتمثل المعارضة في المجلس النيابي بنسبة معينة.
وغالبا ما تكون هذه المعارضة حقيقية إذا كان النظام البرلماني ليس في ظل تسلط طاغوتى قمعي .
ولست بصدد شرح ما ينطوي تحت كلمة " معارضة حقيقية " إلا أن المعنى أنها معارضة لم يأت بها النظام الحاكم.
وهذا مما لا ينطبق غالبا على واقع الحال في بلدان ما يسمى بالعالم الثالث، حيث إنه في هذه البلدان تكون المعارضة من ترتيب النظام الحاكم وصنع يده. . وبالتالي فهي " معارضة مزيفة" في أغلب الأحوال، وليس لها من دور سوى المشاركة في تجميل الصورة الديمقراطية، في محاولة لإضفاء مسحة من " المكياج" على محياها.
وعندما ينجح بعض الإسلاميين في ولوج المجلس النيابي يصنفون فورا بأنهم مع كفة المعارضة.وحالما تبدأ جلسات المجلس يصطدمون فورا مع مؤيدي النظام الحاكم، ومع " المعارضة المزيفة" التي جاء بها ذلك النظام نفسه.
فإذا فهمنا هذه اللعبة جيدا، علمنا لماذا دعا السادات إلى إنشاء " حزب معارض كبير" .
إن هذا الحزب المعارض الكبير سيجعل المعارضة الإسلامية لا قيمة لها عدديا في المجلس النيابي. وستنضم أصوات ذلك الحزب المعارض الكبير إلى أصوات المؤيدين للنظام لإسقاط أي مشروع قانون إسلامي.. وهذا هو الذي حصل على ما سيأتي تفصيلة بعد حين إن شاء الله تعالى.
7- إن سلطة الملأ الحاكم في ظل النظام الديمقراطي في العالم الثالث، هى فوق القانون الذي يصدره المجلس النيابي.
فالسادات مثلا، فهل ما فعل، برغم وجود مجلس الشعب، مع كونه لم يستعمل " حقه" في إعلان حالة الطوراىء- كما قالت الصحف فيما نقلته من كلام الأستاذ التلمسانى- فماذا كان سيصنع وماذا عساه سيفعل لو أعلن حالة الطوراىء؟

وبعد هذا الاستعراض السريع، يقفز أمامنا السؤال التالي:

في ظل هذه الديمقراطية ، هل يستطيع الإسلاميون أن يصلوا إلى تطبيق الشريعة الإسلامية من خلال مجلس الشعب؟
هذا السؤال يقودنا إلى الحديث عن جهود الإسلاميين في مجلس الشعب لتحقيق هذه الغاية.

فهيا بنا إلى التفاصيل.

الفصل الرابع: القصة: للإسلاميين مع مجلس الشعب المصري من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية قصة

وسأسوق هذه القصة باختصار من خلال كتبات الشيخ صلاح أبو إسماعيل ، ثم نواب الإخوان المسلمين في مجلس الشعب، ثم أتوقف بعد ذلك مع أهم الدروس والعبر من هذه القصة في الفصل الخامس.

إذا لأبدأ. يقول الشيخ صلاح أبو إسماعيل في شهادته في قضية جماعة الجهاد:" اتجهت أنا شخصيا لترشيح نفسي لعضوية مجلس الشعب، على أساس أنه السلطة التشريعية في البلاد، والأزهر لا يستطيع أن يقنن الشريعة ولا أن يطبقها .. فإن الآمال في تطبيق الشريعة الإسلامية لا يمكن أن تتحقق إلا عن طريق السلطة التشريعية.. دخلت إذن مجلس الشعب تحت شعار: أعطني صوتك لنصلح الدنيا بالدين".

كيف كان تصور الشيخ صلاح أبو إسماعيل لدور مجلس الشعب في قضية تطبيق الشريعة الإسلامية؟

ثم ما الحقيقة المرة التي اصطدم بها؟

يجيب الشيخ عن ذلك فيقول:" كنت أظن أن ما قضى الله به في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم لا يحتاج إلى موافقة عباد الله، ولكنني فوجئت أن قول الرب الأعلى يظل في المصحف، له قداسته في قلوبنا، إلى أن يوافق عباد الله على كلامه في مجلس الشعب ليصير كلام الله قانونا، وإذا اختلف قرار عباد الله في مجلس الشعب عن حكم الله في القرآن، فإن قرار عباد الله يصير قانونا معمولا به في السلطة القضائية، مكفولا بتنفيذه من السلطة التنفيذية ولو عارض القرآن والسنة.

والدليل على ذلك، أن الله حرم الخمر مثلا وأباحها مجلس الشعب، وأن الله حرم الربا وأباحه مجلس الشعب، وأن الله أمر بإقامة الحدود وأهدرها مجلس الشعب.

والنتيجة على ضوء هذه الأمثلة أن ما قرره المجلس صار قانونا على رغم مخالفته للإسلام، بل ومخالفته للدستور".

لكن، هل غير الله المقصودون بكلام الشيخ صلاح أبو إسماعيل موقفهم، فتنازلوا ووافقوا على كلام الله تعالى، فأمروه من خلال مجلس الشعب؟

ومنذ متى بدأ شريط هذه القصة يدور؟

يحكى لنا الشيخ صلاح أبو إسماعيل روايته فيقول: " ذهبت إلى السيد المستشار وزير العدل، كان ذلك سنة 1972م، مع وفد من العلماء باسم الأزهر، يطالب وزارة العدل بتنفيذ الشريعة تمهيدا لتطبيقها.. وانعقدت في وزارة العدل لجان لهذا الغرض، وكان على رأسها المستشار جمال المرصفاوى ، ثم رحنا كعلماء تنصل برجل كشفت الإحداث أنه ينادى بتطبيق الشريعة الإسلامية في مجلس الشعب، هو المرحوم الأستاذ الدكتور إسماعيل معتوق.. ونادى الرجل ، وقدم مشروع قانون بإقامة الحدود الشرعية الستة إلى مجلس الشعب، واجتاز هذا المشروع لجنة الاقتراحات والشكاوى، واستقر الموضوع باللجنة التشريعية في مجلس الشعب.

ومضت سنوات والأمل معقود على مجلس الشعب الذي انتهى عام 1976م دون جدوى".

إذن ، هذه أربع سنوات مرت، ولم يتحقق فيها من تطبيق الشريعة الإسلامية شيء.

ثم جاءت انتخابات 1976م ، فماذا كانت شعارات المرشحين؟

يقول الشيخ صلاح أبو إسماعيل  :" تعلقت آمال الجماهير التي يضمها الشعب المصري بتطبيق الشريعة الإسلامية، وارتفعت الأصوات تنادى بهذا الهدف المقدس في كل مكان، حتى أن السادة المواطنين الذين رشحوا أنفسهم لعضوية مجلس الشعب كانوا يؤكدون في سبيل الحصول على ثقة الناخبين أن أصواتهم ستكون لشرع الله .

وفاز الأعضاء بهذه الثقة . الكلام ده كان في انتخابات 1976م ، ثم أيضا في انتخابات 1979م".

ثم يتحدث الشيخ صلاح أبو إسماعيل عن مشروعات القوانين الإسلامية التي قدمها للمجلس في يناير 1977م فقال : " وبعد أن ألقت الحكومة بيانها، قدمت مشروعا بقانون لإقامة الحدود الشرعية، ومشروعا بتحريم الربا مع اقتراح الحل البديل، ومشروعا بقانون تطوير وسائل الإعلام وفقا لأحكام الله ، ومشروعا بقانون رعاية حرمة شهر رمضان وعدم الجهر بالفطر في نهاره، ومشروعا بقانون تنقية الشواطئ من العربدة، ومشروعا بقانون رعاية المعوقين، وقدمت غير ذلك من المشروعات الإسلامية".

وطلب الشيخ صلاح أبو إسماعيل من وزير العدل أن يقدم ما عنده مما تم إنجازه من تقنين الشريعة الإسلامية، وإلا فسوف يستجوبه في شهر مايو 1977م.

وبدأ الشيخ صلاح أبو إسماعيل يجمع الأصوات للقوانين التي عرضها.

يقول عن الجهد الذي بذله في ذلك: " ولكي تأخذ هذه المشروعات قوتها طلبت من أعضاء مجلس الشعب أن يوقعوا معي عليها، لتجتاز لجنة الاقتراحات والشكاوى، ولكي تمضى من فورها إلى لجان الموضوع.

واستجاب الأعضاء، ووقع منهم ما يزيد على 320 من مجموع أعضاء المجلس وعددهم 360 بالمجلس السابق. والآن صار عددهم 392ن وهذه أغلبية ساحقة".

ثم شاء الله تعالى أن تتهيأ فرصة العمر لـ 270 عضوا من أعضاء المجلس، فاستغلها الشيخ صلاح أبو إسماعيل ليأخذ منهم عهدا على أن تكون أصواتهم لشرع الله.

يقولك" رأيتها فرصة متاحة، فها هم عند الحجر الأسود، وعند مقام إبراهيم، وفوق الصفا والمروة، ثم ركبنا الطائرة إلى الروضة الشريفة، وهناك تعاهدنا في رحاب الله أن أصواتنا ستكون لشرع الله، ولن يغلبنا على ذلك انتماءات حزبية.

وعدت منشرح الصدر إلى أن 270 عضا، أغلبية مطلقة بالنسبة لـ 360".

وعندما جاء شهر مايو 1977م لم يقدم وزير العدل مشروعاته، فوجه الشيخ صلاح استجوابه للوزير في مجلس الشعب. ولكي تتهرب الحكومة من المأزق وإثارة موضوع الشريعة الإسلامية من جديد في المجلس، أجرت تعديلا وزاريا في مايو 1977م، خرج بمقتضاه وزير العدل أحمد سميح طلعت من الوزارة فسقط الاستجواب.

هذه هى الواجهة، فماذا جرى وراء الكواليس؟ ومن الذي أعاق إخراج مشروعات القوانين الإسلامية؟

ينقل الشيخ صلاح أبو إسماعيل ما ذكره له وزير العدل بعد إقالته فيقول:" الآن أكشف لك الغطاء عما لا تعلمه من أمر استجوابك .

لقد ذهبت إلى رئيس الوزراء آنذاك وقلت له: إن الشيخ صلاح أبو إسماعيل وجه استجوابا يتهمني فيه بالإهمال في تقديم مشروعات القوانين الإسلامية باسم وزارة العدل .

ومشروعاتي جاهزة، فهل أقول أنا جاهز مستعد، فيكون السؤال الطبيعي ، لماذا لا تطبق الحكومة إذن هذه المشروعات الإسلامية؟ أو أقول أنا غير مستعد، فيكون السؤال الطبيعي ماذا فعلت وزارة العدل عام 1972م إلى مايو 1977م ؟ فقال رئيس الوزراء: أنا الذي سأتولى الإجابة عن هذا الاستجواب، فقلت له- والكلام للمرحوم أحمد سميح طلعت- إن الاستجواب موجه إلى وزير العدل، لا إلى رئيس الوزراء، فقال : اذهب أنت ولا شأن لك بهذا الاستجواب .

ثم أجرى التعديل الوزاري وأخرج الوزير المستجوب ليسقط الاستجواب في مايو 1977م".

لم تلن شوكة الشيخ صلاح أبو إسماعيل لهذا الإجراء ، فماذا فعل؟

يقول: " فلجأت مرة ثانية إلى نواب مصر في مجلس الشعب المصري، وقلت لهم: إن مشروعات القوانين الإسلامية وضعت في أدراج اللجان، فتحولت الأدراج إلى قيود على المشروعات .

وقد عاهدتم الله في الحرمين أن تكون أصواتكم لله ورسوله، فأرجو توقيعكم على مطالبة بالتطبيق الفوري لشريعة الله على ضوء هذه القوانين ، فاستجابوا. ووقع معظم الأعضاء، فوق الثلاثمائة.

وقمت لأتحدث باسمهم وأودعت هذه الوثيقة الحافلة بتوقيعاتهم أمانة المجلس.

وطالبت باسم النواب جميعا النظر لقوانين شرع الله .

وأيدني نواب مصر، فماذا جرى؟ قام الدكتور فؤاد محيى الدين ، وكان وقتها وزير الدولة لشئون مجلس الشعب.

وقد فوجئ بهذا ، فقال : يا حضرات النواب، إن الحكومة لا تقل عنكم حماسا للإسلام، ولكننا نطلب منكم فرصة للموائمات السياسية فصفق له النواب ووافقوا على طلبه.فأعلنت دهشتي، مبديا تضارب المجلس مع نفسه يصفق لشيء ونقيضه في بضع دقائق .. واتهمت حزب مصر آنذاك بأن قياداته وقواعده تخلت عن مبادئها التي تنص على تطبيق الشريعة الإسلامية ، ثم انتهت الدورة وجاء عام 1978م.

ثم يتحدث الشيخ صلاح أبو إسماعيل عن استغلال الدين، وباذلات موضوع تطبيق الشريعة الإسلامية في الألاعيب السياسية التي كانت يقوم بأداة ( يهلوانياتها) السادات فيقول: " إلى أن كان يوم 18 ديسمبر 1978م، وكانت وسائل إعلامنا تحدث الجماهير عن لقاء مرتقب بين السادات وبيجن على قمة جبل موسى في سيناء .

ثم فوجئنا بأن بيجن، في صلافة وعنجهية وغطرسة، تجاهل الموعد ولم يحضر.

وأريد اصطناع غطاء لهذه الفضيحة، فإذا رئيس مجلس الشعب يفاجئنا بأنه يقترح على المجلس الموقر أن يوافق على تكوين لجنة عامة لتقنين الشريعة الإسلامية، وأحسست وقتها أن هذه المفاجأة السارة لم تكن إلا غطاء للطعنة الصهيونية التي وجهت إلى رئيس مصر.

ولكنني رحبت بالفكرة وتعلقت بها".

ذاك الكلام كان في 18 ديسمبر 1978م. وما كادت الثمرة توشك أن تلوح حتى أطاح بها السادات في ابريل 1979م، فأصدر قراره بحل المجلس .

يقول الشيخ صلاح أبو إسماعيل : " ثم فوجئنا بحل المجلس في ابريل 1979م، وكنت وقتها أتشرف بأنني رئيس لجنة المراجعات لتقنين الشريعة الإسلامية، وجاء الحل مفاجئا.

هناك حوالي 95% أو أكثر موافقون ، ثم كامب ديفيد".

ثم جرت انتخابات جديدة، وفاز الشيخ صلاح أبو إسماعيل بعضوية المجلس مرة أخرى.

فما المسلسل الجديد؟

- صدر قرار جمهوري بقانون 44 لسنة 1979م في شأن الأحوال الشخصية ، وكان القرار مخالفا للإسلام، وقد وقت صدوره بعد انتخاب مجلس الشعب الجيد وقبل انعقاده.
- قدم الشيخ صلاح أبو إسماعيل استجوابا للحكومة بشأن إضرارها بالإسلام من خلال ضرب الإخوان المسلمين ، وضرب القضاء الشرعي، وضرب أوقاف المساجد والمعاهد الدينية ومكاتب تحفيظ القرآن الكريم، ولم تجرؤ على ضرب أوقاف الكنائس.
وكذا من خلال ضرب الأزهر في مناهجه. ثم ضربت المساجد بعد ضرب أوقافها ، فأصدرت قانونا يقول: لا يجوز لأحد ، ولو كان من رجال الدين داخل دور العبادة أن يقول، ولو على سبيل النصيحة الدينية ن قولا يعارض به قرارا إداريا أو قانونا مستقرا أو عرفا سائدا، ومن فعل ذلك حبس وغرم خمسمائة جنيه. فإن قاوم ضوعفت الغرامة وسجن.
- ثم واصل صلاح أبو إسماعيل تقديم استجواباته بشأن الأراضي، وبشأن الخمور في المدرسة الفندقية، وتعليم الطلبة التعامل الفندقي مع الخمور تصنيعا وتقديما، ثم استجوابا بشأن الرقص، وآخر بشأن النقل.

لكن ما مصير تلك الاستجوابات؟

يقول الشيخ صلاح أبو إسماعيل  :" ورأيت أنني أقدم الاستجوابات إلى بالوعات".

وبعد أن وصل الشيخ صلاح أبو إسماعيل إلى نهاية الطريق المسدود، كان لابد أن يصطدم بالنتيجة الحتمية، وهى الاستقالة من مجلس الشعب ، يقول الشيخ صلاح أبو إسماعيل :" ثم قلت للمجلس: لقد وجدت طريقي بينكم إلى هذه الغاية طريقا مسدودا، لذلك أعلن استقالتي من مجلس الشعب، غير آسف على عضوية المجلس ، كان ذلك في ابريل 1981".

ولما انصرف الشيخ صلاح أبو إسماعيل إلى داره جاءه جميع أعضاء المجلس تقريبا، وألحوا عليه بالعدول عن استقالته ، وقالوا له: " عن مجلس الشعب هو الطريق الدستوري الوحيد لتقنين الشريعة الإسلامية وتطبيقها.

وإنك لا تستطيع أن تجد السبيل إلى هذه الغاية إلا بعضوية مجلس الشعب".

فعاد الشيخ صلاح أبو إسماعيل إلى المجس، وذكرهم بعدهم أمام الله، وواجبهم في احترام الدستور، فاستراحوا وصفقوا.

ثم.. ماذا بعد؟

يقول الشيخ صلاح أبو إسماعيل  :" واستمرت القافلة إلى الغاية بخطوات وئيدة، تحولت إلى شلل تام، بدليل أنني رفضت بقائي في لجان التقنين احتجاجا على إضاعة الوقت".

وهكذا ، لم يتحقق شيء طوال رئاسة الشيخ صلاح أبو إسماعيل للجنة المرافعات في مجلس الشعب.

هل من نشاطات أخرى لتقنين الشريعة الإسلامية داخل مجلس الشعب لغير الشيخ صلاح أبو إسماعيل ؟

بهذا المعنى وجه رئيس محكمة أمن الدولة سؤاله إلى الشيخ صلاح أبو إسماعيل .

فرد الشيخ قائلا:" هناك لجنة الجنائي، كان يتولاها المرحوم الأستاذ حافظ بدوي، وهناك لجنة الاقتصاد في المجلس السابق والحالي يتولاها الدكتور طلبة عويضة، وهناك لجنة المدني وكان يتولاها الأستاذ مختار هاتى، ولعلها أسندت الآن إلى غيره، وهناك لجنة الاجتماعي وكان يتولاها الأستاذ الشيخ عبد الله المشد وألقت بلسان مقررها بيانها الذي تشير فيه إلى انتهائها من مرحلة التقنين ".

ثم، بعد هذه الجهود المضنية أراد الشيخ صلاح أبو إسماعيل أن يمارس ضغوطا إضافية على رئيس مجلس الشعب.

فجمع له جمعا، كما يقول ، ثم قابله.

يقول الشيخ صلاح أبو إسماعيل  :" ألححت على رئيس المجلس د. صوفي أبو طالب أن يدفع بهذه المشروعات لتصير قوانين ، ثم جمعت له جمعا يضم رئيس جامعة الأزهر الشيخ الطيب النجار، والشيخ عبد العزيز عيسي والأستاذ عمر التلمسانى، كما اشترك معنا د. كامل ليلة، عض مجلس الشعب ورئيس لجنة التعليم فيه، والحاج حسن الجمل عضو مجلس الشعب، وآخرين .

نطالب رئيس المجلس ونشهد عليه، فاعتذر بأنه يلح بدوره على ما تبقى من مجال القانون المدني من بعض المواد(كذا) ، فاستحثه الحاضرون، وقالوا له: إن هذا المجلس يقتر من نهاية دوراته، وإننا نخشى أن تضيع الفرصة.

وهو يؤكد لهم أن الفرصة آتية لا ريب فيها. فتواعدنا على اللقاء ، للاستعجال ، بعد شهر. ثم يمضى الشهر حتى الآن".

وهكذا لم تقنن الشريعة الإسلامية في مصر منذ صدور الدستور وحتى أكتوبر 1981م انتهى عهد السادات ، وبدأ عهد حسنى مبارك.

ولم يتغير شيء عما كان سابقا. واستمرت الجهود مبذولة، ولكن بغير طائل.

وقد حاول الشيخ صلاح أبو إسماعيل أن يلتقي بحسنى مبارك ولو مرة واحدة، لكنه فشل.

يقولك" إنني أثق أن الرغبة إذا جاءت من رئيس الدولة لقيت احتراما من الأعضاء.

فأبرقت إلى رئيس الدولة الحالي ثلاث مرات، وهو يقابل أعضاء مجلس الشعب على هيئة الأحزاب، وعلى هيئة ممثلي المستقلين ، ولم يتح لي حتى ألان شرف لقائه ( أي : حتى صدور كتابه هذا في مايو 1984م) .. بالرغم أنني طلبت مقابلته برقيا ثلاث مرات، وذهبت إلى القصر الجمهوري، وتركت رغبتي ، وقابلت المشير أبو غزالة وحملته رغبتي".

وفى مقابلة أجرتها مع الشيخ صلاح أبو إسماعيل جريدة الأنباء الكويتية ونشرتها بتاريخ 4م3/1985م قال:" جاء الدكتور صوفي أبو طالب، وأخذ قرارا من المجلس في 18 ديسمبر 1978م بالإجماع، يوافق المجلس ( بموجبه) على تكوين لجنة من 15 عضوا، كنت واحدا منهم لتقنين الشريعة الإسلامية ثم اجتمعت اللجنة وقررت الاستعانة بالعلماء والمستشارين والخبراء وتفرعت إلى لجان الاجتماع والاقتصاد والمدني والمرافعات والإثبات البحري والتجاري.

واستغرقت في عملها 5 سنوات ووضعت هذه المشروعات بقوانين . ويدل على عمل هذه اللجنة عدة أمور هى:

- مضبطة المجلس ، فهي لما أقول.
- المكافآت التي صرفت لهذه اللجان التي دأبت على صب الشريعة الإسلامية في قوالب قانونية. ولم أتقاض على خدمة ديني أجرا من غير ربى.
- إن مجمع البحوث الإسلامية ولجنة الفتوى ومشيخة الأزهر قاموا بمراجعة هذه القوانين والرسائل المتبادلة موجودة في أرشيف مجلس الشعب.
- المطابع الأميرية طبعت هذه المشروعات بقوانين ، وصرفت على ذلك أجرا.
- إن هذه المطبوعات وزعت على الأعضاء قبل أن تنتهي مدة المجلس السابق في سنة 1984م "اهـ.
ويذكر الأستاذ صلاح أبو إسماعيل موقف الابتزاز في قضية تطبيق الشريعة الإسلامية الذي وقفه رئيس مجلس الشعب صوفي أبو طالب.

فيقول:" وانتخب المجلس الجديد الدكتور صوفي أبو طالب رئيس له. فإذا به في أول خطاب له يشيد بالشريعة الإسلامية، ويبشر بأنه آن الأوان لتطبيقها وتقنينها.

واستبشرنا خيرا، وانتظرنا الوفاء بالوعد، ولكن... مضت الأيام والسنوات ولم يخرج شيء إلى حيز الوجود.

وفى مستهل كل دورة برلمانية يعلن الدكتور صوفي رئيس مجلس الشعب أن مشروعات القوانين الإسلامية قاربت على الانتهاء ، وستعرض على المجلس لإقرارها في دورته الحالية.

وتنعقد الدورة وتنفض.. وتبدأ أخرى وتنتهي، وليس لمشروعات القوانين الإسلامية ذكر أو اثر".

وبالفعل، انتهت مدة مجلس الشعب في مايو عام 1984م.

وخرج الإسلاميون من (المولد بلا حمص) كما يقولون.

فنجح الإسلاميون التالية أسماؤهم في الانتخابات البرلمانية فصاروا نوابا في مجلس الشعب:

- الشيخ محمد المطراوى.
- الشيخ صلاح أبو إسماعيل .
- الأستاذ حسين أحمد عبد الباقي.
- الدكتور عبد الغفار عزيز.
- الأستاذ محمد المراغي.
- الأستاذ حسن جودة.
- الأستاذ حسن الجمل.

- واستؤنفت القصة من جديد لتكون نسخة طبق الأصل عن سابقتها.

بدأ الإسلاميون يتصلون مع أعضاء المجلس والمجموعات البرلمانية ، وبدا جمع التوقيعات كالعادة وإليك القصة كما ذكرها الشيخ محمد المطراوى في مقابلة أجرتها معه مجلة ( المجتمع) ونشرتها في عددها رقم 708 تاريخ 12/3/85.

يقول الشيخ المطراوى:" حقيقة، لقد وجدنا استجابة لا بأس بها في صفوف إخواننا من أعضاء حزب الأغلبية.. وكنا نجد ترحيبا كبيرا، وظللنا على هذا أكثر من ثلاثة شهور بعد بدء الدورة البرلمانية. ( بدأت الدورة البرلمانية الجديدة في مايو 1984م) .

ثم رفعنا لواء الشريعة الإسلامية فوق الأحزاب، وبدأنا في إعداد طلب رغبة يوقع عليه الأعضاء بطرح قوانين الشريعة الإسلامية على المجلس لإقراراها لا لمناقشتها، لأننا نرفض أن تناقش ، وإنما نضعها موضع الاطلاع حتى يوافق المجلس عليها فتنفذ.

بدأت أنا والدكتور عبد الغفار عزيز.

كتبنا المقدمة، وذهبنا إلى الأخ ألأستاذ ممتاز نصار باعتباره زعيما للمعارضة، وقلنا له: ما رايه؟ قال : أنا معكم وأنا أول من يوقع على طلب الرغبة، فقد كنت رئيسا لإحدى اللجان التي قامت بتقنين بعض فروع الشريعة .
وبدأنا على بركة الله ... بدأ الدكتور عبد الغفار عزيز يتصل بالمجموعات البرلمانية.
وكنت أرافقه أحيانا إذا اقتضى الأمر، وجمعنا توقيع 66 عضوا من أعضاء المجلس على طلب الرغبة، والمطلوب كحد أدنى 20 عضوا حتى تمر الرغبة من لجنة الاقتراحات والشكاوى إلى اللجنة التشريعية مباشرة .. لتقينا بفضيلة الشيخ صلاح أبو إسماعيل في ردهة المجلس .
فقال: لماذا لا أوقع معكم؟ فقلنا له: انتهت سطور الورقة التي تحمل التوقيعات، فوقع باسمه على الصفحة من جهة الشمال، وفجأة أخذ الورقة ودخل على رئيس المجلس ، فذهب الدكتور عبد الغفار عزيز معه... وبالفعل عرض رئيس المجلس الأمر يوم السبت 26 يناير 1985م، وقال بالحرف الواحد : جاءني طلب رغبة من 20 عضوا، آسف، من 67 عضوا، لطلب مناقشة تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية، وأنا أعلن في المجلس أنه ليست لدى القوانين . إنا لدى دراسات قدمت للمجلس السابق. وقد انتهى المجلس السابق بكل ما فيه" اهـ.
ويذكر الشيخ صلاح أبو إسماعيل رواية قريبة من هذه الرواية وذلك في مقابلة أجرتها معه صحيفة الأنباء الكويتية بتاريخ 4/3/ [1985 []] لكنه يضيف أن رئيس المجلس الدكتور رفعت المحجوب أبى أن يستلم الرغبة مرة بعد مرة .
لكنه في المرة الثالثة أخذها بنفسه، أي الشيخ صلاح أبو إسماعيل ، فأمر الدكتور المحجوب مدير مكتبه أن يتسلمها، وأبى أن يوقع الدكتور المحجوب على صورة بالاستلام، فكتب الشيخ صلاح أبو إسماعيل على أصل الصورة أنه سلمه إياها، واشهد على ذلك بعض الوزراء والنواب.

نرجع الآن إلى جلسة السبت في 26 يناير 1985م.

وقد حان وقت عرض ورقة النواب بشأن تطبيق الشريعة الإسلامية. يقول الشيخ صلاح أبو إسماعيل :" فعرض هذا الأمر في الدقائق الأخيرة رغم انصراف النواب، واتفق مع توفيق عبده إسماعيل وزير الدولة لشئون مجلسي الشعب والشورى على مناقشة موضوع الشريعة الإسلامية في أول مايو، ونفى أن يكون في المجلس مشروعات قوانين إسلامية.وقرر أن المجلس سيعتكف في الأيام المقبلة على القوانين المعمول بها حاليا لتقنينها.
وهذا يدل على أن النية تتجه إلى عدم الإضافة".
وفى نفس المقابلة سألت صحيفة الأنباء الشيخ صلاح أبو إسماعيل :" ولكن ما هو المنتظر من تحديد أول مايو لمناقشة تطبيق الشريعة الإسلامية"؟
فأجاب:" أعتقد أنهم قذفوا بالشريعة الإسلامية إلى ساحة الضياع ، لأن أول مايو معناه أن الميزانية سوف تناقش، ومناقشة الميزانية تكون صباح مساء طوال عشرة أيام، أي: سنقضى عشرية جلسة، بعدها نفض الدورة. وحتى إذا أدركنا مناقشة ما في شأن الشريعة الإسلامية، فإنها ستكون دورة على وشك الانتهاء.
وعلينا أن ندخل دورة جديدة نحتاج معها إلى جهد جهيد بعد سقوط هذا الموضوع حسب اللائحة، ويتطلب ذلك إحياءه مرة أخرى، وهكذا" اهـ.
نعم.. وهكذا كان.

فقد جاء يوم السبت الموافق 4 مايو 1985م وعقدت الجلسة المنتظرة ، فماذا حدث؟

كتب مراسل مجلة (المجتمع ) في القاهرة بعضا مما جرى في تلك الجلسة فقال:" المناقشات التي دارت ـ والآراء التي طرحت، وإدارة جلسة المجلس التي رأسها الدكتور المحجوب أدت كلها في النهاية إلى نفس الهدف: لا لتطبيق الشريعة وانتهت المهزلة التي تمت تحت قبة البرلمان، وفى واحدة من أخطر وأهم القضايا المطروحة جاءه اقتراحان، الأول من 36 عضوا، والثاني من 22 عضوا يطالبون بإغلاق باب المناقشة وهنا انسحب نواب الإخوان الثمانية من جلسة المجلس، وتبعهم خمس من نواب حزب الوفد المعارض..
وهكذا انتهى الحديث عن تطبيق الشريعة الإسلامية، وهى المطلب الجماهيري الذي نادت به كل الأحزاب في الانتخابات التي جرت قبل أقل من العام، انتهى على لا شيء إن رئيس مجلس الشعب الحالي الدكتور رفعت المحجوب ، ذا الاتجاه اليساري المعروف، هو ابرز العناصر التي تعارض تطبيق حكم الإسلام في مصر، ولذلك فهو على قمة أعلى جهاز تشريعي، حيث يستطيع من خلاله وقف الرغبة الشعبية الجارفة في العودة إلى الذات الإسلامية".

وممن تكلم في تلك الجلسة

1- المستشار ممتاز نصار، زعيم المعارضة الوفدية. فكان مما قاله:" نحن نؤيد تنقية القوانين من النصوص المخالفة للشريعة الإسلامية".
2- وتكلم المهندس إبراهيم شكري ، رئيس حزب العمل المعارض ، فكان مما قاله:" وأرى أن تطبيق الشريعة في مصر سيكون نموذجا يحتذي به في العالم الاسلامى كله".
3- وقال حسن حافظ من الحزب الوطني:" تطبيق الشريعة الإسلامية أمل كل مسلم وهدف كل مؤمن، ونحن أغلبية ومعارضة نؤمن بأن تطبيق الشريعة الإسلامية هو أمر واجب، ولكن الأمر يستلزم تقنين الموضوعات التي لم يتناولها نص قرآني أو حديث نبوي، لا نريد أن نتعجل..".
4- وقال سعد الدين وهبة، من الحزب الوطني أيضا" ليس في بلادنا مواطن واحد لا يتطلع إلى غد تكون الشريعة فيه هى الحكم بين الناس، فالشريعة تنقذ مجتمعنا والأجيال القادمة، والخلاف الوحيد هو كيف نبدأ الخطوات الأولى..".
5- وقال الشيخ صلاح أبو إسماعيل :" إنني أذكركم بإحدى مضابط المجلس التي تنص على إنجاز مشروعات قوانين الشريعة الإسلامية، وهذه قد حددها الدكتور صوفي أبو طالب رئيس المجلس السابق. ( وسمى في كلامه أسماء هذه القوانين التي تم إنجازها) ولقد أحضرت معي كل القوانين الإسلامية ووقعت عليها مع بعض الزملاء لتجديدها في هذه الدورة ومناقشتها . وسأقدمها إلى رئيس المجلس الآن".
6- فثار الدكتور المحجوب وانفعل وقال:" إنني أؤكد أنه ليس في المجلس قوانين ، ولكن توجد دراسات. وعلى الشيخ صلاح التقدم بما يشاء عن طريق اللجان طبقا للإجراءات اللائحية".

فقال الشيخ صلاح أبو إسماعيل " سأفعل" .

قم قال:" لقد أسفرت كل الاستفتاءات الشعبية عن رغبة شعبية تقترب من الإجماع بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية التي تحفظ العرض والمال والنفس. فالتدرج جاء في أول الإسلام لأن الرسالة لم تكن قد اكتملت.

أما اليوم، فإن الإسلام كامل، فيجب أن نبدأ فورا في تطبيق الشريعة الإسلامية بشكل متكامل ، خصوصا وأن المشروعات تم إعدادها من عدة سنوات".

وبعد إسدال الستار على هذه المسرحية أصدر نواب الإخوان بيانا حول الذي جرى، ونشرته مجلة " المجتمع" الكويتية بتاريخ 28/5/ 1985م تحت عنوان : " من نواب الإخوان في البرلمان المصري: هذا بيان للناس حول تطبيق الشريعة في مصر".

وهاك أخي في الله مقتطفات مما جاء في ذلك البيان:" تعلقت آمال الملايين في مصر وفى العالم الاسلامى بجلسة مجلس الشعب التي عقدت بتاريخ 4مايو 1985م، وتعلقت أسماع الناس بكل صوت ينبعث في هذه الجلسة، وذلك اهتماما منهم بتطبيق الشريعة الإسلامية التي حكمت مصر ثلاثة عشر قرنا من الزمان، كانت خلالها كلمة الله هى العليا" .

" ولم يبق سوى إجراءات إصدار هذه القوانين بأن تكتب لجنة الشئون التشريعية والدستورية بمجلس الشعب تقريرها تمهيدا للعرض على المجلس فقد أحال المجلس السابق إليها هذه المشروعات الإسلامية بتاريخ 1/7/ 1982م".

" وقد هالنا أن رئيس مجلس الشعب يعلن المرة تلو المرة بإصرار عجيب أنه لا يوجد في حوزة مجلس الشعب شيء من هذه القوانين ، لذلك لجأنا إلى أسلوب لائحي يتمثل في أننا طلبنا تخصيص جلسة لمناقشة موضوع الشريعة الإسلامية لهدف الحصول على قرار مجلس الشعب الحالي بأنه يتبنى القوانين الإسلامية التي أنجزها المجلس السابق، ويطالب باستكمال إجراءات استصدارها تطبيقا لشرع الله ، ففوجئنا بالترتيبات التالية:

1- تأجيل موضوع المناقشة من يناير على 4 مايو 1985م.
2- خلال هذه المدة نودي بعقد جلسات استماع، وصولا لوضع تقرير ينتهي بالآمال إلى النهاية التي فجعنا بها، وامتصاصا لاجتماعات الرأي العام المتعلق بإعلاء كلمة الله.
3- فوجئ رئيس مجلس الشعب بأن كل المقدمين في لجان الاستماع أجمعوا على المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية ، فكان لابد من تصفية هذا الإجماع بتكليف لجنة الشئون الدينية بوضع تقرير يتحكم في هذا التيار الاجتماعي لتنتهي به إلى لا شيء.
4- تقع المفاجأة المذهلة بعد توزيع التقرير فإذا أعضاء لجنة الشئون الدينية بمجلس الشعب يستنكرون نسبة التقرير إليهم، لأنه ظهر مخالفا لما طالبوا به ولما اتفقوا عليه من ضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية، وأهدر إنجازات المجلس السابق ( بخصوص تنقية القوانين ) مما يخالف الشريعة الإسلامية، علما بأن ذلك قد تم بالفعل مما يعد تحصيل حاصل وإهدار واقع وتضييعا للتقنين الذي تنعقد عليه الآمال وتطلعا لمرحلة سبق اجتيازها... ولما أحسسنا بهذا كله أرسلنا اقتراحا إلى رئيس مجلس الشعب نقترح فيه أن يتخذ المجلس قرارا بأنه يتبنى ما اتخذه المجلس السابق من مشروعات القوانين الإسلامية يعرضه رئيس المجلس".

" أعلن الأستاذ حسن الجمل عضو مجلس الشعب ومن معه من الزملاء المسيحيين أن حسن حافظ عضو مجلس الشعب كان يجمع توقيعات بعض النواب على المطالبة بقفل باب المناقضة في موضوع الشريعة الإسلامية قبل أن تبدأ الجلسة فضلا عن المناقشة، وهى الورقة التي أعلنها رئيس مجلس الشعب، كأنها تطلب قفل باب المناقشة. وبهذا التكتيك تبخرت الآمال وضاعت الفرصة".

" قدمنا مشروعات القوانين الإسلامية التي أنجزها المجلس السابق... والسؤال الآن : هل سيحيل رئيس مجلس الشعب هذه المشروعات بقوانين إلى اللجان المختصة.. وهل إذا أحالها ستنظرها اللجان أن ستهدرها؟

... أيها الشعب المصري الكريم، إننا معشر الموقعين على هذا البيان، ومن ينضم إلينا من زملائنا مجلس الشعب الذين سنوافيكم بأسمائهم تباعا، لن نيأس ولن نسكت وان نضيع فرصة تسنح للمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية ، ويجب على الرأي العام في مصر أن يمارس مطالبته الشرعية لنوابه الذين توجهم بثقته ومنحهم تأييده ووثق بوعودهم أثناء المعركة الانتخابية... فلعلنا أن نظفر بعدد من التوقيعات والمؤيدين، يمكننا من فتح باب المناقشة من جديد في هذا الأمر المقدس، أمر تطبيق الشريعة الإسلامية".

الأعضاء الموقعون على البيان

الشيخ صلاح أبو إسماعيل ، الدكتور عبد الغفار عزيز، الشيخ محمد المطراوي، الأستاذ حسنى أحمد عبد الباقي، الأستاذ محمد المراغي، الأستاذ محفوظ حلمي، الأستاذ محمد الشيتانى حسن جودة، الأستاذ حسن الجمل.
وجميع الموقعين وقعوا تحت اسم " الوفد" ما عدا الشيخ صلاح أبو إسماعيل فأشير إليه بأنه " مستقل" ا هـ.
وطير الصحفيون هذا النبأ ، فنشير في معظم الصحف. وقد كتب مراسل صحيفة " القبس " الكويتية في عددها الصادر في 5/5/ 1985م قائلا:" وقد أنهى مجلس الشعب المصري أمس المناقشة، رافضا الدعوة الفورية إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، فقد صوتت أغلبيته، أي : أكثر من 300 نائب لصالح إنهاء المناقشة، بعد أن تحدث 12 نائبا من المؤيدين للتطبيق الفوري والدعوة إلى العدالة الاجتماعية وتحريم شرب الخمر وإلغاء الفوائد على قروض البنوك والحكم بالبتر والجلد للجرائم وقد تزعم الحزب الوطني الحاكم إنهاء المناقشة، ورفض التطبيق الفوري للشريعة الإسلامية". ا هـ.
وهكذا انتهى هذا الفصل المأساوي من هذه القصة الطويلة..
فماذا يحمل الفصل القادم في طياته من أحداث؟

الفصل الخامس: وقفات ودروس وعبر من القصة

إنني لم أورد تلك القصة، رغم طولها، إلا لأجل الاستفادة من دروسها وعبرها.

والقصة حقا طويلة، والذي ذكرته منها ما هو إلا مقتطفات مختصرة، رجوت أن تفي بالغرض المطلوب.

وسأذكر الآن بعض ما وقفت عليه من دروس وعبر من تلك القصة، وسأسردها في وقفات لها عناوين منفصلة، وليس شرطا أن تأخذ هذه الوقفات مسارا انسيابيا بحسب مضمونها، إذ يمكن أن يقدم بعضها على بعض.

ودعنا الآن نستعرض ما نحن بصدده.

الوقفة الأولى: جهد عديم الثمرة

في قصتنا هذه ، منذ عام 1972م وحتى عام 1985م لم يحقق الإسلاميون ما صبوا إليه من تطبيق الشريعة الإسلامية من خلال المجلس النيابي ، وهو مجلس الشعب، وليس اعتراضا منصبا على طول المدة، فإن تحقيق الأهداف لا يقاس دائما بطول الفترة الزمنية التي قضيت في سبيل إنجازها، وإن كان للمدة اعتبارها العام إذا ثبت أن بصيص أمل قد انبثق أثناءها .

إنما اعتراضنا منصب على صرف جهود العلماء والقيادات الإسلامية، ومن ورائهم القواعد الشبابية للعمل الاسلامى ، فيما لا طائل من ورائه.

لو كرست هذه الجهود على مدى ثلاثة عشر عام (من عام 1972م وحتى عام 1985م) في الدعوة إلى الله تعالى ونشر دينه بين جماهير الناس، على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلك، لحق لنا أن نتصور الثمرات الطيبة المباركة الناتجة عن ذلك.

الوقفة الثانية: نفسية الملأ

تكاد تكون نفسية الملأ عبر التاريخ واحدة. كبر وغطرسة وتجبر وتأله، يصاحبه بطش وقهر وقتل وتعذيب وتشريد لكل من يريد أن يدين بعبوديته لغيرهم.

ولقد حكي القرآن نماذج كثيرة من مواقف الملأ لمختلف الأقوام وفى شتى البقاع وعلى مر العصور.

وبما أن محطتنا الحالية هى التجربة المصرية، فمن المناسب الإشارة إلى ما ذكره القرآن من موقف ملأ مصر، فرعون وزبانيته مع موسى صلى الله عليه وسلم وقومه.

لقد اغتر فرعون بكرسي العرش الذي يجثم عليه، ونادى بأعلى صوته" أنا ربكم الأعلى" النازعات: 24.

وأمر قومه أن يقفلوا على عقولهم ويقذفوا بآرائهم إلى مهب الريح فليس ثمة رأى إلا رأيه ولا سبيل رشاد إلا سبيله:" قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد" غافر: 29.

وادعى هيمنته على مقدرات مصر وكنوزها وأرضها وأنهارها:" ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لى ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتي أفلا تبصرون" الزخرف: 51.

وقد كان لفرعون " مجلس ملأ" وهو الذي يسمى الآن " مجلس الشعب".

وكانت اللعبة واضحة بين الزعيم المتأله فرعون وبين أعضاء المجلس. فرعون يقرر سلفا والمجلس يبصم.

وهاك شيئا من قرارات فرعون التي أراد تمريرها من خلال " المجلس" وبعضا مما كان يدور فيه:

1- " وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه" غافر: 26. وعلل ذلك بقوله:" إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد " غافر: 26.
2- " وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك" الأعراف: 127 ، هكذا حرضه أعضاء المجلس، فقال: " سنقتل أبناءهم ونستحي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون". الأعراف: 127.
3- ووقف منتفشا كالطاووس وقال " أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين" الزخرف: 52.
4- ولم يستطع أن يقرع الحجة بالحجة ولا أن يفل البرهان بالبرهان، فعمد إلى طريقين : البطش والاستهزاء.
" قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون، لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين" الأعراف : 123، 124.
" فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون" الزخرف: 47.
" فتولى بركنه وقال ساحر أو مجنون" الداريات: 39.
قال ابن زيد: "أي بمجموعه التي معه" ، وقال مجاهد: "جمعه وجنوده الذين كان يتقوى بهم".
5- وفى استغراق تألهي مدع:" وقال فرعون يا هامان ابن لى صرحا لعلى لأبلغ الأسباب ، أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإنى لأظنه كاذبا" غافر: 36، 37.
6- وكان " مجلس " فرعون يعج بالجدل فيما جاءهم موسى به. قال تعالى حكاية عن طبيعة جدالهم في مجلسهم " الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار" غافر: 35.

استعصم موسى عليه الصلاة والسلام بربه وأوصى بذلك قومه وأمرهم بالصبر :" قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين" الأعراف: 128.

لم يطلب موسى ولا أحد من قومه الاشتراك في مجلس فرعون. ولم يقل أحد منهم: أنه الطريق الدستوري لتطبيق شريعة الله المنزلة على موسى.

وأما مؤمن آل فرعون فقد كان في المجلس أصلا. فقال كلمة الحق ومضى .

قال مقاتل: " هرب هذا المؤمن إلى الجبل فلم يقدروا عليه".

إن النفسية المستعلية لفرعون أودت به إلى الهلاك، فنصر الله تعالى موسى وقومه وأغرق فرعون وجنده.

قال تعالى" فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين، وأروثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمت ربك الحسنى على بنى إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون" ألأعراف: 136، 137.

" كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم، ونعمة كانوا فيها فاكهين، كذلك وأورثناها قوما آخرين، فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين" الدخان: 25- 29.

إن الداعية إلى الله تعالى، وهو يصارع الطغاة المتجبرين لابد أن يستهدى بما قص الله تعالى علينا من القصص التي يستنير بها الدرب وينجلي بها الظلام.

إن نفسية الملأ عبر القرون تكاد تكون على نسق واحد.

فهذا السادات يقول:

• "أنا صاحب القرار في هذا البلد" . وهذا لا يختلف كثيرا عن قول فرعون: " أنا ربكم الأعلى" النازعات: 24 و" ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد" غافر: 29.
• ويقول :" لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة" أي : لا مكان لشريعة الله في سياسة السادات، أو قل في شريعته.
• ويقول مستهزئا بالذين يتبعون سنة رسول الله سلى الله عليه وسلم فيطلقون لحاهم: " الإخوان المسلمون لحاهم كالهيبيز..".
• ويستهزئ بالحجاب الشرعي الذي فرضه الله تعالى على نساء المؤمنين فيقول:" إن الحجاب خيمة لها ثقبان".
• بعد أن ألقى القبض على جموع الإسلاميين وأودعهم غياهب السجون قال: " أنا لن أرحمهم أبدا".
• وقال عن أحد علماء المسلمين:" إنى ألقيه في السجن كالكلب".

تلك هى نفسية الملأ، لم تتبدل ولن تتغير. ومثل ما كان هامان لفرعون كان صوفي أبو طالب ثم محجوب للسادات ثم من خلفه.

إن نفسية الملأ تعتقد أن تشريع الله تعالى يحل محل تنافسيا لإرادتهم المتألهة. وهو لا يريدون أمرا إلا أمرهم ولا قولا إلا قولهم .

أعدة قراءة قانونهم الذي يقول: " لا يجوز لأحد، ولو كان من رجال الدين داخل دور العبادة أن يقول، ولو على سبيل النصيحة الدينية، قولا يعارض به قرارا إداريا أو قانونا مستقرا أو عرفا سائدا، ومن يفعل ذلك حبس وغرم خمسمائة جنيه، فإن قاوم ضوعفت الغرامة وسجن".

إن فهم الإسلاميين لنفسية الملأ يساعدهم كثيرا على تلمس طريقة إدارة الصراع مع هؤلاء الطغاة.

ولابد للإسلاميين أن يعلموا أن " المجالس النيابية" بواقعها الحالي ما هى إلا وسيلة " مكررة" من الوسائل التي يستخدمها الملأ لتحقيق أهدافه والوصول إلى أغراضه.

الوقفة الثالثة: هينة الملأ على الملعب الديمقراطي:

لقد كانت خيوط اللعبة في هذه القصة البرلمانية مشدودة بقوة بأيدي الملأ، وهم رئيس الجمهورية والوزراء والحزب الوطني الحاكم.

ولم يفلح الإسلاميون رغم جهودهم المستميتة في قطع بعض تلك الخيوط.

فعلى مدى ثلاثة مجالس نيابية متتالية تحطمت جهود الإسلاميين على صخرة الملأ.

وفى كل مرة كان الملأ يدير لعبته في الخفاء، ويستعمل جميع وسائل المخادعة والمخاتلة.

ورغم أن الإسلاميين سلكوا جميع المسالك والمنافذ التي تتيحها لهم النصوص الدستورية ولوائح المجلس الداخلية، فإن الملأ، أيضا في كل مرة، كان يلتف حول تلك النصوص وهاتيك اللوائح، ويروغ كالثعلب، ويتلون كالأفعى، ويلدغ كالعقرب.

وعلى مدى هذه المجالس المتعددة لم يضطر الملأ لحل المجلس إلا مرة واحدة، وذلك في إبريل عام 1979م بسبب ترتيباته الخاصة بتمرير اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل.

إن سلاح المجلس هو السلاح الاحتياطي ( البتار) الذي يملكه الملأ . وتراه لا يستخدمه أبدا طالما كان في إمكانه استخدام الوسائل الأخرى، إذ إن آخر الدواء الكي.

وإلى الآن لم يستخدم مل مصر هذا السلاح إزاء موضوع تطبيق الشريعة الإسلامية، حيث إنه، إلى الآن، لا يزال قادرا على إجهاض ذلك الموضوع باستخدام وسائله المناسبة.

فإذا ما تنامي موضوع المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية إلى الحد الذي يمكن به تمريره من مجلس الشعب فإنني لا أشك أبدا ولا أتردد ثانية واحدة في القول: إن الملأ سيحل مجلس الشعب، وسيوجد عددا من التبريرات وكثيرا من الحجج السخيفة ليسند موقفه.. وما أسهل ذلك عنده.

الوقفة الرابعة: مكر الملأ

لابد أن أشير أولا إلى أن الملأ لا يريد من الديمقراطية أكثر من اتخاذها واجهة يستر خلفها سوأته ويخفى وراءها غدره ومكره .

لذلك تراه يجيد هذه اللعبة بتقدير امتياز .

وهاك أمثلة على ذلك:

• ففي مجلس 1976م أجرى رئيس الوزراء تعديلا وزاريا لإسقاط الاستجواب المقدم من الشيخ صلاح أبو إسماعيل إلى وزير العدل بشأن مشروعات القوانين الإسلامية. وخرج بموجب هذا التعديل وزير العدل أحمد سميح طلعت من الوزارة، رغم أن وزارته قد أعدت المشروعات المطلوبة مسبقا. لكن الملأ لا يريد لهذه المشروعات أن ترى النور. فجمدها وأقال الوزير وأسقط الاستجواب.
• وعندما وقع فوق ثلاثمائة عضو من أعضاء مجلس الشعب على وثيقة المطالبة بالتطبيق الفوري للشريعة الإسلامية، وذلك في مجلس 1976م، وخشيت الحكومة، وهى من الملأ ، أن يسقط في أيدها، لجأت على المراوغة والمداورة والمناورة ، فقام الدكتور فؤاد محيى الدين، وكان هو وزير الدولة لشئون مجلس الشعب، فقال:" يا حضرات النواب ، إن الحكومة لا تقل حماسا للإسلام، ولكننا نطلب منكم فرصة للمواءمات السياسية" فصفق النواب وجمدت المشاريع في أدراجها.
• لقد عزف الملأ على نغمة تطبيق الشريعة الإسلامية ليغطى على فضيحة رفض بيجن لدعوة السادات ليلقاه على قمة جبل موسى، فألهى الناس والنواب بهذا الموضوع، ثم حل السادات المجلس بعد أربعة شهور. كان ذلك في ابريل عام 1979م.
• استطاع الملأ في مجلس الشعب أن يطيح بجميع الاستجوابات التي قدمها الشيخ صلاح أبو إسماعيل ، الواحد تلو الآخر، وذلك بمكره ودهائه، حتى عقب الشيخ صلاح أبو إسماعيل على ذلك فقال: " ورأيت أنني أقدم الاستجوابات إلى بالوعات".
وبالإضافة إلى ذلك، فإن الملأ استغل الفترة القصيرة بين انتخاب مجلس الشعب وبين انعقاده، فأصدر القانون رقم 44 لسنة 1979م بقرار جمهوري بشأن الأحوال الشخصية المخالف للإسلام، وهكذا تسقط الاستجوابات وتمرر القرارات.
• عندما قدم الشيخ صلاح أبو إسماعيل استقالته من مجلس الشعب، وخشي الملأ أن تتشكل محاور من خارج المجلس لا يمكن السيطرة عليها، أراد أن يبقى الشيخ صلاح أبو إسماعيل في الإطار الذي يمكن احتواؤه فيه، فأوعز على النواب الذين صفقوا للمواءمات السياسية فجمدوا بتصفيقهم مشروعات القوانين الإسلامية.
أن يذهبوا إلى داره ويقنعوه بالعودة إلى المجلس .. فعاد.
فماذا قالوا له حتى عاد قالوا:" إن مجلس الشعب هو الطريق الدستوري الوحيد لتقنين الشريعة الإسلامية وتطبيقها، وإنك لا تستطيع أن تجد السبيل على ههذ الغاية إلا بعضوية مجلس الشعب".
لكن، هل كان هذا الكلام جديدا على الشيخ صلاح أبو إسماعيل فأقنعه بالعودة إلى المجلس ؟
الجواب: كلا، ليس هذا الكلام جديد، بل هو قناعة أصلية كانت لدى الشيخ قبل ذلك.
فهو الذي قال:" اتجهت أنا شخصيا لترشيح نفسى لعضوية مجلس الشعب على أساس أنه السلطة التشريعية فىا لبلاد، والأزهر لا يستطيع أن يقنن الشريعة ولا أن يطبقا.. فإن الآمال في تطبيق الشريعة الإسلامية لا يمكن أن تتحقق إلا عن طريق السلطة التشريعية".
فإذا كانت قناعة الشيخ صلاح أبو إسماعيل لم تتغير، فلماذا استقال من المجلس؟ وإذا كانت قناعته قد تبدلت ، فلماذا عاد إليه بعد استقالته منه؟ هكذا أوقع مكر الملأ ودهاؤه وخبثه الشيخ صلاح أبو إسماعيل في التناقض.
• استطاع الملأ في جلس الشعب أن يستمر في لعبة كسب الوقت لصالحه، وأن يسرب اليأس إلى معارضيه ، حتى وجد الشيخ صلاح أبو إسماعيل أن لا فائدة ترجى من بقائه في لجان التقنين فقال:" إنني رفضت بقائي في لجان التقنين احتجاجا على إضاعة الوقت".
وهذا الذي فعله الشيخ صلاح هو بعينه ما كان يريده الملأ في مجلس الشعب فتم له ما أراد.
• كان رؤساء مجلس الشعب على التتابع يمدون حبل الأمل للإسلاميين باستمرار، لكنه أمل كالسراب ، إذ لم تكن حقيقته سوى تمييع للمواقف وتسويف للأمور.
فها هو الدكتور صوفي أبو طالب في مقابلته للجمع الذي حشده له الشيخ صلاح أبو إسماعيل لا يجد أمامه إلا الاعتذار والتبرير. وعندما قالوا له: إن هذا المجلس يقترب من نهاية دورته، وإنهم يخشون ضياع الفرصة، أكد لهم أن الفرصة آتية لا ريب فيها.
ولم تأت الفرصة بعد، وقد مر على كلامه قرابة عقدين.
• أوصد كبير الملأ بابه، وأحكم إغلاقه دون الشيخ صلاح أبو إسماعيل فحسنى مبارك يقابل رجال الأحزاب والمستقلين، إلا أن بابه لا يمرر الإسلاميين ، فلم يوافق على مقابلة أحد منهم.
• اعتمد رجال الملأ أسلوب التسويف مخطط منهجي، تستنزف من خلاله جهود الإسلاميين .
وشرعوا في تمرير أسلوبهم هذا عن طريق المراوغة والمخادعة، حتى أنهم أجادوا اللعبة بشكل كامل، فتراهم يسبقون الإسلاميين في مطالبتهم بتطبيق الشريعة، فيركبون من خلال ذلك الموجة ويوجهون دفة السفينة إلى حيث أرادوا.
• اقرأ معي كلام الأستاذ صالح العشماوي الذي نقلته سابقا وفيه:" وانتخب المجلس الجديد الدكتور صوفي أبو طالب رئيسا له، فإذا به في أول خطاب له يشيد بالشريعة الإسلامية، ويبشر بأنه قد آن الأوان لتطبيقها وتقنينها.. ومضت الأيام والسنوات ولم يخرج شيء إلى حيز الوجود.
وفى مستهل كل دورة برلمانية يعلن الدكتور صوفي رئيس مجلس الشعب أن مشروعات القوانين الإسلامية قاربت على الانتهاء، وستعرض على المجلس لإقرارها في دورته الحالية، وتنعقد الدورة وتنفض وتبدأ أخرى وتنتهي وليس لمشروعات القوانين الإسلامية ذكر أو اثر".
• الملأ يراوغ، وعند الضرورة يواجه ويقذف القفاز في وجوه معارضيه. هكذا فعل الدكتور رفعت المحجوب في جلسة 26 يناير عندما تقدم 67 عضوا بطلب رغبة لمناقشة تطبيق الشريعة الإسلامية .
إذ قال بصلافة وعنجهية " أنا أعلن في المجلس أنه ليست لدى قوانين ، أنا لدى دراسات قدمت للمجلس السابق، وقد انتهى المجلس السابق بكل ما فيه"
• وفى جلسة 4 مايو 1985م رتب الملأ فصول المسرحية ووزعوا الأدوار وعينوا الملقنين ، حتى إذا جاء الفصل الأخير واقترب من نهايته أسدل الستار بإغلاق باب المناقشة.
تلك كانت أمثلة من أساليب المكر والدهاء التي مارسها الملأ ليدخل موضوع تطبيق الشريعة الإسلامية في دوامة لا يعرف أحد من البشر متى ستقف ولا أين ستقف.

الوقفة الخامسة: شعارات الترضية

معلوم أن العملية الانتخابية تكمن في القدرة على جذب الجماهير في اتجاه ما.

ولذلك ترى الأحزاب تتسابق في اختيار الكلمات التي تعتقد أنها أكثر تأثيرا من غيرها في الاستحواذ على أصوات الناخبين.

لكن القضية لا تنتهي عند هذا الحد، بل تتجاوزه من جهة الدعم الاعلامى والحضور المادي.

وكلا الأمرين يستحوذ عليهما الحزب الوطني الحاكم ولذلك فإن المحصلة الطبيعية أن يكسب الحزب أغلبية أصوات الناخبين كيف لا ن وهو يتحرك بإمكانات الدولة المسخرة بين يديه.

لقد حاول الإسلاميون أن ينزلوا إلى الشارع الانتخابي بشعارات ترضى أكثر الناخبين .

فمن ذلك شعار الشيخ صلاح أبو إسماعيل  :" أعطني صوتك لنصلح الدنيا بالدين".

إذ هذا الشعار يدغدغ الجانب المصلحى في نفوس أصحاب المصالح، كما أنه يشمم المتدينين رائحة التغيير الاصلاحى بواسطة الدين.

ولا أشك، إن شاء الله تعالى ، في طبيعة ما يرمة إليه صاحب هذا الشعار، لكنني أقول: إن هذا الدين ليس لصلاح الدنيا فحسب، بل هو لصلاح الدنيا والآخرة معا. بل إن صلاح الآخرة مقدم على صلاح الدنيا.

واقصد بصلاح الآخرة ألأعمال التي يراد بها الفوز في يوم الحساب. قال تعالى:" وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا" القصص: 77.

فالآخرة مقدمة عند المسلم على ما سواها، بل هى التي تنصلح بها الدنيا حقيقة، باعتبار الدنيا محلا موقوتا للأعمال الصالحة التي يستمطر بها المسلم رحمة ربه في الآخرة فيفوز برضاه ويدخل جنته.

نحن نريد أن يرتفع الناس إلى ذرى الإسلام، لا أن نهبط بالإسلام على حضيض الناس.

وإذا كانت الغاية هى كسب أصوات الناخبين، فمعلوم أن مبدأ الغاية تبرر الواسطة مرفوض إسلاميا، والشيخ صلاح أبو إسماعيل هو من أول العارفين لذلك.

إن هذا المنهج الانتخابي هو الذي يؤدى إلى مثل تلك التنازلات حكما.

إن أكثر الجماهير جاهلة بدينها جهلا مطبقا، لا أستثنى من ذلك معظم المثقفين .

غذ إن كثيرا منهم يجهل كيفية الوضوء فضلا عن كيفية أداء الصلاة، فما بالك بباقي الأحكام.

وإن أكثر الجماهير لا تفهم عقيدتها الإسلامية فهما صحيان فهي مكتفية بانتمائها الولادى للإسلام.

كيف ستعطيك هذه الجماهير أصواتها بناء على عقيدة هى جاهلة بها.

إنك لن تكسب أصواتها أبدا على أساس عقدي.

وبما أن الصوت الانتخابي هو المهم، إذن فلتكسب أصواتها على أساس مصلحي بلون ديني. هذه هى فحوى ذاك الشعار.

لكن أين المصلحة الحقيقية لهذه الجماهير؟

إن مصلحة الجماهير ، المثقفة منها وغير المثقفة، تكمن في تعريفها بعقيدتها وأصول دينها وتفاصيل شريعتها.

هذه هى المصلحة الحقيقية لتلك الجماهير والتي تحقق لها سؤدد الدنيا وفوز الآخرة.

فإن قيل: إن الإسلاميين يسعون لتطبيق الشريعة الإسلامية من خلال مجلس الشعب لهذا الغرض.

قلت: وهل ينتظر الناس لمعرفة دينهم وأحكام شريعتهم تلك السنين الطوال، أي: إلى أن تطبق فيهم أحكام الشريعة الإسلامية من خلال المجلس كم من هذه الجماهير ستكون قد غادرت الدنيا ورجعت على بارئها وهى جاهلة بدينها، خلال تلك السنين .

اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه. آمين .

الوقفة السادسة: تأله المجلس

إن دور مجلس الشعب في مصر له اتجاه واضح، وهو إقصاء شريعة الله عن التطبيق وامتحاله لحق التحليل والتحريم. إن هذا الدور الشنيع الذي يضطلع به مجلس الشعب جعله بمثابة الإله الذي يعلو ولا يعلى عليه. تعالى الله ربنا عن أفعالهم علوا كبيرا.

إن مرتبة الألوهية التي جعلها مجلس الشعب لنفسه ترتب عليها أن تعرض شريعة الله رب العالمين عليه ليرى هو – أي : المجلس- هل هى صالحة أم لا ؟ ثم ليقرر هل سيأخذ بها أم لا؟

إنها – والله – مهزلة من أكبر مهازل التاريخ.

والسؤال الذي يبرز أمامنا: هل هذا الكلام دعوى؟ أم هو حقيقة؟ وإذا كانت حقيقة فهل يعرفها الإسلاميون ؟

إن الجواب نأخذه من فم الشيخ صلاح أبو إسماعيل في مرافعته في قضية الجهاد مما كنت قد نقلته عنه في الفصل السابق، حيث قال :" لكنني ففوجئت أن قول الرب الأعلى يظل في المصحف، له قداسته في قلوبنا، إلى أن يوافق عباد الله على في مجلس الشعب ، ليصير كلام الله قانونا .

وإذا اختلف قرار عباد الله في مجلس الشعب عن حكم الله في القرآن .

فإن قرار عباد الله يصير قانونا معمولا به في السلطة القضائية، مكفولا بتنفيذ من السلطة التنفيذية، ولو عارض القرآن والسنة".

ثم يقدم الشيخ صلاح أبو إسماعيل الدليل على ذلك فيقول:" والدليل على ذلك أن الله حرم الخمر مثلا وأباحها مجلس الشعب" وأن الله حرم الربا وأباحه مجلس الشعب ، وان الله أمر بإقامة الحدود وأهدرها مجلس الشعب.

أقول: إذا كان الإسلاميون يعرفون كل هذا ، وهو واضح عندهم غيما أعلم ، فلماذا إذا يشتركون في مجلس هذه صفته ، وهكذا قراراته؟ إن هذا يثير في أنفسنا الاستغراب حقا؟

فإن قالوا: إننا اشتركنا لأول مرة، وليس لدينا علم بهذه الحقائق المرة ، لكننا اكتشفناها بعد دخول المجلس.

قلت: ما دام قد تم اكتشافكم لها بعد دخولكم المجلس لأول مرة فلماذا كررتم دخوله مرة ثانية وثالثة ورابعة ؟ والحبل على الجرار؟

ثم، هل من المقبول أن يدخل الإسلاميون في مجالس نيابية وهم جاهلون بخلفياتها وملابستها وقوانينها ولوائحها؟

الوقفة السابعة: مجلس الشعب يحلل ويحرم

كان ممكنا أن أضم هذه الوقفة إلى سابقتها، إذ إن التحليل والتحريم من خصائص الألوهية.

إلا أنى أفردتها في وقفة منفصلة لأهمية توجيه نظر الإسلاميين إليها ، خاصة الذين يغمضون أعينهم منهم، فليفتحوها الآن إذن.

إن مجلس الشعب في مصر، شأنه شأن جميع المجالس النيابية، لا يلقى بالا لاختراقه أصول الإسلام اختراقا صارخا.

إن المسائل التي أباحها مجلس الشعب مما حرمه الله هى من أمهات المسائل التى تتبنى سلامة المجتمعات الفاعلة والمستقرة.

أقول هذا ردا على من يقول: إن مجلس الشعب لم يخترق حدود الشريعة إلا في بعض الجزئيات.

نحن نقول : إن ديننا كل متكامل ،وإن تبعيضه مرفوض وغير جائز . فالذي حلله الله تعالى لا يجوز لأحد تحريمه كائنا من كان.

والذى حرمه الله تعالى لا يجوز لأحد تحليله كائنا من كان، مهما كان هذا المحلل أو المحرم في الشرع جزئيا أو صغيرا ( إن صح التعبير) .

فانطلاقا من مبدئنا الإسلامى نحن لا نقر ادعاء البشر لأحقية التحليل والتحريم تحت أي ظرف من الظروف.

بل حتى في حالة الضرورة، فإن الضرورة لها أيضا أحكامها الشرعية المقررة والمبينة. ههذ واحدة.

والثانية ، وهى اللب التفصيلي لهذه الوقفة أبدؤها فأسأل : ما هى المسائل التي حللها مجلس الشعب مما حرمه الله ؟ الجواب:

أولا: حلل مجلس الشعب الخمر ، وهذه دعوة مفتوحة إلى تعطيل العقول وفتح باب الشر والفساد على مصراعيه. فالخمر كما هو معلوم أم الخبائث.

قال تعالى :" إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر اله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون" المائدة: 90، 91.

ثانيا : حلل مجلس الشعب الربا. وهذا أذن بالحرب مع الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. قال الله عز وجل في محكم التنزيل :" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون" البقرة: 278، 279.

هذا فضلا عن الظلم والجور الذي يقع على الفقراء والمساكين وأصحاب الدخول الصغيرة ممن يأكلون بعرق جبينهم ، يقابله ملء جيوب المترفين وزيادة احتكاراتهم وتوسيع ممتلكاتهم.

فهذا الربا الذي حاله مجلس الشعب ما هو إلا بذر للأحقاد بين الفقراء الذين سيزدادون غنى، مما يترتب عليه تفتيت الوحدة الاجتماعية وتقوي أواصرها وهد بنيانها.

ثالثا: حرم مجلس الشعب إقامة الحدود، مما ترتب عليه انتشار الجرائم بأنواعها ، وهتك للأعراض ، وتشجيع للأوغاد. لقد وقف مجلس الشعب سدا منيعا دون تنفيذ قوله تعالى:" إنما جزاؤا الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم " المائدة : 33 .

وقوله تعالى:" والسارق والسرقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم" المائدة : 38 .

وقوله تعالى " الزانية والزاني فاجلوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله " النور: 2 .

وقوله تعالى: " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا" النور : 4.

لقد أهدر مجلس الشعب حدود الله تعالى وعطل إقامتها واستخدم دهاقنته جميع وسائل الخداع والمراوغة للحيلولة دون إقرارها.

إن هذه مجرد أمثلة يجمعها مبدأ واحد، وهو رفض حاكمية الله تعالى والوقوف دون إقرارها . ويتولى كبر ذلك كله مجلس الشعب.

فعجبا للإسلاميين المشاركين في أمثال هذه المجالس النيابية كيف يرضون لأنفسهم أن يقحموها هذا الدرك ويدفعوها إلى هذا النفق المظلم المنحدر في هوة سحيقة.

فيا إخواني الإسلاميين : أعيدوا قراءة هذه الفقرة، مرة ومرة ومرة، ثم تفكروا في أنفسكم ، فإني – والله – لكم ناصح أمين.

الوقفة الثامنة: تركيبة المجلس

لا أريد الحديث هنا عن تركيبة المجلس من حيث الانتماءات الحزبية أو التكتلات السياسية. بل أريد الحديث عن بعض مواقف النواب، وعما تنم تلك المواقف، ولأي شيء تشير. ومن مجموع ذلك تتضح لنا تركيبة المجلس.

وأبلور كلامي في عدة نقاط:

نقلت فيما سبق قول الشيخ صلاح أبو إسماعيل :" ولكنني فوجئت أن قول الرب الأعلى يظل في المصحف له قداسته في قلوبنا، إلى أن يوافق عباد الله على كلامه في مجلس الشعب ليصير كلام الله قانونا".
وأنا لا أدعى أن جميع أعضاء مجلس الشعب ينطبق عليهم هذا الوصف، لكن الذي يبدو أن أكثرهم يقع تحت مظلته.
وفحوى منطوق هذا النص أن هؤلاء الأكثرية واقعون في انحراف عقدي خطير، وهو أنهم يرون أن تفكيرهم وقولهم مقدم على ما جاء من عند الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.
• هذا المجلس أباح الخمر التي حرمها الله تعالى. وأباح الربا الذي أنذر الله تعالى آكله بالحرب. وعطل الحدود التي أوجبها رب الأرض والسماء. ماذا يعنى كل هذا؟
إنه ، ببساطة ، يعنى أن أكثرية رجال المجلس قد بلغت بهم الجرأة على الله تعالى مداها.
وهم بهذا قد ترجموا تفكيرهم وأقوالهم ( التي أوردت ذكرها في الفقرة السابقة) إلى تشريع مقنن، يعاقب من يخترق نصوصه.
• بل إنهم أخرجوا ذلك إلى حيز التنفيذ والتطبيق فتعدوا على الدعاة إلى الله تعالى الذين يطالبون بتحريم ما حرمه الله ، فسجنوهم وعذبوهم وقتلوهم.
فإن قيل : إن المجلس لا علاقة له بالتنفيذ .
قلت : إن الوزراء هم الذين يضطلعون بذلك، في نفس الوقت الذي هم أيضا أعضاء في المجلس .
إن مجمل ما ذكرت في الفقرات الثلاث يدل على استعلام المجلس بمحاربته لله ورسوله مع سبق الإصرار والمضي في التحدي.
• أكد كثير من الأعضاء لناخبيهم أن أصواتهم ستكون لشرع الله .
ووثق الناخبون بهذه التأكيدات ، ففاز الأعضاء بسبب تلك الثقة ، فوصلوا للمجلس . لكنهم ، بعد أن استقرت بهم الكراسي صفقوا تأييدا لطلب الحكومة تأجيل البت في مشروعات القوانين الإسلامية، وذلك لأجل الموائمات السياسية وعندما عقدت جلسة 4 مايو 1985 لبحث تطبيق الشريعة الإسلامية طلبوا قفل باب المناقشة.

فماذا يعنى ذلك؟

إنه يعنى أن هذه الفئة من الرجال ما هم إلا شرذمة من الانتهازيين والنفعيين والوصوليين، بل والكذابين.

أليست مواقفهم في المجلس إزاء موضوع تطبيق الشريعة الإسلامية هو تكذيب صريح ووقح للوعود التي أعطوها لناخبيهم؟

لقد كذبوا على ناخبيهم، واخلفوهم الوعد، ونكثوهم العهد.
فهم شرذمة لا مبدئية ، تدور مع مصالحها الشخصية حيث دارتـ وتتزلف لأصحاب السلطان، بل ولخدمه كذلك.
• لقد مارس هؤلاء الأعضاء نفس طريقة الدجل التي مثلوها على ناخبيهم مع الإسلاميين في المجلس.
فها هو الشيخ صلاح أبو إسماعيل يجمع تواقيع 392 نائبا لصالح تطبيق الشريعة الإسلامية ، ويأخذ المواثيق من 270 عضوا، وهم في الرحاب المطهرة خلال العمرة، وعندما حان موقف الجد انسلوا من تواقيعهم ومواثيقهم كما تستل الشعرة من العجين، فصفقوا لفرصة الموائمات السياسية التي طلبتها الحكومة.
ويدل هذا الموقف على أن هؤلاء القوم لا يحترمون تواقيعهم التي رسموها بأيمانهم، ولا يوفون بعهودهم ، حتى وإن قطعوها على أنفسهم في أرشف وأطهر وأقدس البقاع.
فماذا ينتظر من أمثال هؤلاء الناس؟
• عندما استقال الشيخ صلاح أبو إسماعيل من المجلس احتجاجا على الموقف المتخاذل لهؤلاء النواب الذين يصفقون للشيء ونقيضه في نفس الجلسة، ذهب هؤلاء النواب أنفسهم وأقنعوا الشيخ صلاح أبو إسماعيل بالعودة إلى المجلس.
• لا شك أن هذا الموقف من قبل النواب يثير الاستغراب، وأكثر مواقفهم أو كلها مثيرة للاستغراب.

وأقف إزاء تصرفهم هذا عند محطتين :

الأولى: إنهم هم، وليس سواهم، من سبب استقالة الشيخ وذلك لموقفهم المتراجع والمتخاذل والمتهاون إزاء قضية تطبيق الشريعة الإسلامية ، ثم هم يذهبون للشيخ ويقولون له: ليس أمامك طريق لتطبيق الشريعة الإسلامية إلا طريق المجلس.
سبحان الله ، كم هؤلاء القوم مخلصون لنفاقهم.
:الثانية: إنهم رضوا لأنفسهم أن يكونوا مطية للسلطان، يسخرهم في تحقيق مآربه، وهل ذهابهم للشيخ صلاح أبو إسماعيل بعد استقالته إلا أحد وجوه ذلك.
• إن رئاسة المجلس لا تعطى إلا على الشخص الذي يدافع عن الملأ ، وهو منهم، بحرارة بالغة. ومن مواصفاته المهمة عداؤه الشديد لهذا الدين الرباني وأهله، ثم قدرته الفائقة على اللف والدوران والمخادعة والمراوغة، وملكته الكبيرة على تلفيق المواقف وتوظيف النتائج لصالح السلطان وزبانيته.
فهو رجل السلطان في المجلس. بلا منازع ومن أراد من أعضاء المجلس أن يتقرب من السلطان فلابد له أن يتقرب أولا من رجل السلطان في المجلس، أي من رئيسه .

ولا يتقرب من رئيس المجلس , إلا إذا كان عبدا مطيعا له، بوقا صداحا بصوته.

فكم من عبد مطيع في المجلس للدكتور صوفي أبو طالب ومن بعده الدكتور رفعت المحجوب. وكم ملك هذان الشخصان من أبواق ، بل ومن طبول؟

أقول: هذه هى تركيبة المجلس . وأستثنى مما ذكرت الإسلاميين المنتمين منهم وغير المنتمين، وأما الآخرون فيصيبهم من الوصف كل ما ذكرت ، أو بعض رذاذه،إلا من رحم الله.

الوقفة التاسعة: أضواء على جهود الإسلاميين لتمرير تطبيق الشريعة من المجلس

في هذه الفقرة ألقى الضوء على حجم الجهود التي بذلها الإسلاميون لتمرير قضية تطبيق الشريعة الإسلامية من نفق مجلس الشعب.

ابتدأ الأمر من خلال رفد علماء من الأزهر إلى وزارة العدل، ترتب عليه بعد ذلك تقديم مشروع قانون بإقامة الحدود، واجتاز هذا القانون لجنة الاقتراحات ، ثم دخل القانون في دياجير ظلم مجلس الشعب فتبدد. وهكذا مرت أربع سنوات.

ثم قدم الشيخ صلاح أبو إسماعيل مشاريع عدة في يناير عام 1977م وجمع لها الأصوات ، وأخذ من أصحاب الأصوات المواثيق، وقدم لأجل ذلك الاستجوابات .

فتساقط بسبب ذلك وزير العدل، ثم تبعه تساقط الاستجوابات، ثم تبع ذلك إسقاط مشاريع القوانين الإسلامية .

سقط كل هؤلاء ، وبقى مجلس الشعب فيا سبحان الله العزيز الحكيم.

وهكذا مرت سنتان أخريان، وجاءت نهاية عام 1978م فإذا رئيس مجلس الشعب يقترح تكوين لجنة لتقنين الشريعة الإسلامية، سرعان ما أطاح بها قرار حل المجلس عام 1979م.

جاء مجلس جديد، وحصلت ضغوط شديدة لتمرير قضية تطبيق الشريعة الإسلامية، لكنها ذهبت جميعا أدراج الرياح، وتكسرت أمواجها العاتية على صخرة ممثل الملأ في مجلس الشعب الدكتور صوفي أبو طالب .

ومرت أربع سنوات أخرى. وجاء عام 1984م.

دخل الإسلاميون المجلس الجديد تحت مظلة الوفد. ثم بدأ الدولاب يدور دورته، فبذلت الجهود العظيمة والأوقات الثمينة من قبل الإسلاميين لتمرير قضية تطبيق الشريعة الإسلامية، ولكن دون جدوى إذ كان المسرح قد أعد لتمثيلية جديدة ، انتهت بقذف الشريعة الإسلامية إلى ساحة الضياع، على حد قول الشيخ صلاح أبو إسماعيل.

وقرر القوم في جلسة 4 مايو 1985م إغلاق باب المناقضة . أقول : لقد كان الإسلاميون جادين كل الجدية في محاولتهم تمرير تطبيق الشريعة الإسلامية من خلال مجلس الشعب.

وترجموا ههذ الجدية إلى واقع وفعل، فأعدوا مشاريع القوانين واتصلوا بالنواب وبالجماهير، ومارسوا الضغوط وقدموا الاستجوابات وفعلوا كل ما في وسعهم.

لعله يحق لي أن أظن أنه لم يبذل أعضاء في مجلس الشعب في أية دولة إسلامية ترفع شعار الديمقراطية ما بذله الإسلاميون في مجلس الشعب المصري، من جهد ووقت في سبيل قضية تطبيق الشريعة الإسلامية.

ألا يكفى ذلك عبرة وعظة؟
ألا يدل ذلك عمليا على أن هذا الطريق ليس هو الطريق السليم ولا المستقيم؟
ألا ندخر هذا الجهد والوقت لنبذله في السبيل الصحيح؟

دعونا يا إخواني نلتقط أنفاسنا، ونقف إزاء ذلك كله موقف تأمل وتشخيص، فذلك خير من التمادي في الجري خلف السراب.

الوقفة العاشرة: استمرار اللعبة

في كل مرة يدعو الملأ إلى انتخابات برلمانية جديدة يتجدد أمل الإسلاميين في تحقيق ما يصبون إليه .

ويبدءون العمل من جديد وكأنهم لم يمروا بتجربة سابقة.

ويشرع الدولاب دورته، ومع كل دورة تعود حليمة إلى عادتها القديمة؟

في ابريل 1987م بدأت دورة برلمانية جديدة لمجلس جديد وراح كل نائب يخرج ما في جعبتهن وتسابق القوم في إبراز المطالب وتسجيل المواقف .

وسأمر على فحوى الانعقاد الأول للمجلس في دورته الأولى التي استمرت إلى يوليو 1987م ، ملاحظا في ذلك أن عدد نواب " التحالف الإسلامى" كانوا أكثر من 60 عضوا، منهم أكثر من 36 عضوا من الإخوان المسلمين.

وألخص قولي تحت العناوين التالية:

صخرة رئيس المجلس:

إنه رفعت المحجوب تلك الصخرة الكأداء التي أحسن الملأ اختيارها للتعبير عن باطلهم والدفاع عن ظلمهم، وللوقوف سدا منيعا أمام أي دعوة للإصلاح ولإطفاء أي جذوة للخير.
ليس هذا قولنا، بل هو خلاصة رأى الإخوان ، بل " التحالف الإسلامى" في مجلس الملأ الذي يطلقون عليه مجلس الشعب.
يقول الإخوان: " وفى تصورنا أن أكبر عائق يواجه التحالف الإسلامى في البرلمان هو رئيس المجلس الحالي، لأن شخصية الدكتور رفعت المحجوب قادرة على إحباط أي جهد أو رأى يمكن أن تطرحه المعارضة عموما، ونواب الإخوان المسلمين على وجه الخصوص، وفى تقديرنا أيضا أن استمرار رئاسة الدكتور المحجوب للمجلس كان هدفها الاساسى والرئيس هو الوقوف في وجه نواب الإخوان وإحباط جهدهم.
وبالرغم من أن شخصية الدكتور المحجوب لا تلقى قبولا على المستوى العام، وذلك لإدارته جلسات المجلس كما لو كان يدير فصلا دراسيا في مدرسة إعدادية أو أقل منها، ورغم ذلك حرصت القيادة السياسية على فرضه في هذا الموقع لتحقيق هدف السيطرة على نواب الإخوان، وإحباط أي استجواب أو مناقشة يقومون بها، وهذا هو العائق الأكبر".
صحيح أن اختيار الملأ للمحجوب كان اختيارا دقيقا، بحيث إنه شمل فيما شمل طبيعة ما يعبر عنه اسمه من حجب للخير والمعروف والإصلاح، إلا أن القضية لا تتعلق " بالنصيب والحظ" الذي جعل من مثل المحجوب رئيسا لمجلس الشعب، بل هو " الاختيار" المتميز الذي يلحظه الملأ عندما يختار رئيس المجلس ليكون خير معبر عن الشر الذي يريد والبطش الذي ينفذه.

أغلبية الملأ وحسب.

أغلبية المعارضة..

أغلبية التحالف الإسلامى..

أغلبية الإخوان المسلمين ..

لا صحة لأي من ذلك، بل هى أغلبية الملأ وحسب، تلك هى الحماية الاحتياطية للملأ والتي تسند ظهر رئيس المجلس، فالعائق ليس هو رئيس المجلس فقط، بل وليس هو العائق الأكبر، بل العائق المتلاحم هو رئيس المجلس وأغلبية الملأ في المجلس ، فتأمل.

إن هذه الأغلبية قادرة على إسقاط أي مشروع إسلامي يقدم للمجلس بل وأي استجواب كذلك. وهكذا كان.

حكومة الملأ..

هى الأداة التي من خلالها يمارس الملأ دوره الفاعل في داخل مجلس الشعب.

إنها الأداة التي تجيد المناورات والمراوغات دون أن تخرج عن اللوائح التي تحكم الحركة الداخلية في مجلس الشعب، ومنهنا تستمد قوتها وتحكم نفوذها.

وهاك أخي المسلم مثالين فقط على ما تؤديه الحكومة مندور خطير في أداء عمل المجلس:

المثال الأول : الاستجوابات

قدم الأستاذ مختار نوح استجوابا .

ماذا كانت النتيجة؟

" حاول نواب الأغلبية إفساد هذا الاستجواب بكل صورة.

ولأن الحكومة رأت أن موقفها حرج ، فقد قررت قيد الاستجواب لمناقشته بعد خمسة شهور كاملة، ولكن مقدم الاستجواب الأستاذ مختار نوح المحامى فوجئ بسقوط جميع الأسئلة والاستجوابات وطلبات الإحاطة فور الاستفتاء على رئاسة الجمهورية، وبالتالي فلابد من تقديم الاستجواب مرة أخرى لتجرى مناقشته، وتكون الحكومة قد أعدت دفوعها ومبرراتها لرفض الاستجواب".

المثال الثاني: موضوعات الحكومة

تقوم الحكومة بمفاجأة المجلس بموضوعات غير مدرجة في الأصل في جداول أعمال اللجان. وتكون تلك "الموضوعات هامة وجدية وتحتاج إلى دراسة وبحث مطولين وتعرض على اللجان، ويصر أعضاء كل لجنة، وغالبيتهم من الحزب الوطني، على نظرها ورفض التأجيل" .

"وإذا عرض موضوع ما ويحتاج إلى مناقشة وأخذ ورد، يصمم نواب الحزب الوطني( الحاكم) على السرعة في المناقشة وذلك بالتصويت دائما بالموافقة على قفل باب المناقشة قبل أن يأخذ الموضوع حظه من تبادل وجهات النظر.

ويزداد الأمر سوءا إذا كانت التقارير المعروضة على اللجان يتم تسليمها في نفس وقت انعقاد الجلسة، أو قبل الجلسة بنصف ساعة".

الشورقراطية

هى ملخص دمجي لكلمتي" شورى" و " ديمقراطية" . وهى تفيد اختلاط حابل شورى الإسلام بنابل ديمقراطية العلمانيين بما جعلها كيانا واحدا ما أنزل الله به من سلطان. فإذا الشورى تصبح هى الديمقراطية بين عشية وضحاها والعكس صحيح.

هذه هى النتيجة الطبيعية لاختلاط الطروحات وغيبوبة المفاهيم وغبش التصورات.

أريد أن أقول: إن هذا الخلط ليس مقبولا ، بل هو مرفوض قولا واحدا.

ومع ذلك فإن نواب الإخوان يصرون على أن الشورى هى الديمقراطية ، والديمقراطية هى الشورى.

ولا أحسب إصرارهم ذاك إلا تبريرا لاستمرارهم في لعبة البرلمانات الفظيعة.


اقرأ معي كلام المستشار محمد مأمون الهضيبى في مجلس الشعب.

يقول: " الديمقراطية في مفهومنا هى الشورى التي جعلها الله تعالى سمة أساسية من سمات المجتمع المؤمن، وقرنها بالصلاة التي هى عماد الدين، بل جعلها أصلا ودليلا على حقيقة الاستجابة لأمره تعالى والخضوع لعزته." والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم" الشورى : 38.

وهى شورى فيما نعتقد لا تحل حراما ولا تحرم حلالا ، شورى لأمر الله ، وتخضع لحكمه، وتسارع بإنفاذ مقتضى النصوص الصريحة الثابتة التي لا تحتمل تأويلا أو اختلافا في الفهم، شورى تؤمن أن الاجتهاد فيما يقبل التأويل وما هو ليس محل إجماع، باب مفتوح على مصراعيه لكل من هو أهل للاجتهاد،شورى تنظم المباح على هدى الأصول العامة للشريعة الغراء، لتحقيق الغايات التي أمر بها الشارع الحكيم، شورى تؤكد لغير المسلمين من المواطنين حقوقا متساوية مع حقوق المسلمين ،ولا تتعرض لعقائدهم وأماكن عبادتهم، وتراعى مشاعرهم وتحفظ وتحرس جميع حرماتهم" .

أقول لحضرة المستشار: إن مجلس الشعب هو المعبر الواقعي عن الحضور الديمقراطي الرسمي. فهو منتخب من قبل الشعب هكذا هو من الناحية الرسمية، وجزئيا من الناحية العملية.

فحسب مفهوم المستشار يكون مجلس الشعب هو مجلس الشورى. إن النظام الحاكم في مصر لم يسلم لك بهذه المقولة ولا بتلك النظرة، ولذلك فلديه مجلس شورى منفصل عن مجلس الشعب.

ونحن لا يهمنا، إن كان النظام الحاكم يسلم لك بذلك أو لا ، وإن كان يعد منتفعا بمقولتك، ولكن الذي يهمنا ه كشف التلبيس على المسلمين بمثل هذه المقولات التي طرحتها مما لم ينزل الله بها سلطانا .

فأنت تقول:

- "شورى فيما نعتقد لا تحل حراما ولا تحرم حلالا" ولكن مجلس الشعب الديمقراطي أحل الحرام وحرم الحلال.
- " شورى تدين لأمر الله وتخضع لحكمه" . ولكن مجلس الشعب الديمقراطي يدين لأمر الحاكم ويخضع لدستوره، في نفس الوقت الذي يعطل فيه شرع الله ويصادر أحكامه.
- " شورى تسارع بإنفاذ مقتضى النصوص الصريحة الثابتة التي لا تحتمل تأويلا أو اختلافا في الفهم" فهل سارع مجلس الشعب الديمقراطي بإنفاذ مقتضى نصوص تحريم الخمر والربا وإقامة الحدود وإعلان الجهاد في سبيل الله لتحرير الأقصى والدفاع عن حرمات المسلمين ؟
- " شورى القوانين الإسلامية التي قدمها النواب الإسلاميون لمجلس الشعب الديمقراطي فرفضها بإقفال باب المناقشة تحتمل تأويلا أو هى ليست محل إجماع " كتحريم الخمر والربا وإقامة الحدود"؟

وهل أعضاء مجلس الشعب الديمقراطي أهل للاجتهاد؟

- شورى تنظم المباح على هدى الأصول العامة للشريعة الغراء لتحقيق الغايات التي أمر بها الشارع الحكيم" فهل بادر مجلس الشعب الديمقراطي بفعل ذلك؟ إذا كان مجلس الشعب الديمقراطي لم ينظم إجراءات تنفيذ مشروعات القوانين الإسلامية الملزمة، فكيف يظن به تنظيم المباح؟
هلا بادر مجلس الشعب الديمقراطي بإقرار قانون يصادر بموجبه الخمارات والكباريهات وملاهي العربدة والعترى ..وهلا وهلا..
- "شورى تؤكد لغير المسلمين من المواطنين حقوقا متساوية مع حقوق المسلمين، ولا تتعرض لعقائدهم وأماكن عبادتهم وتراعى مشاعرهم وتحفظ وتحرس جميع حرماتهم".

أولا: ليس صحيحا أن المسلمين وغير المسلمين متساوون في الحقوق.

ثانيا : أين مجلس الشعب الديمقراطي من أولئك الذين يتعرضون في صحفهم وإعلامهم لعقائد المسلمين ؟ وأين هو من عصابات الأمن المركزي التي تقتحم المساجد غير مراعية لحرمة ولا متقية لله، وأين هو من زوار الفجر الذين يفجعون الآباء والأمهات والأبناء ، غير آبهين بمشاعر ولا راقبين إلا ولا ذمة؟

إن الشورى يا حضرة المستشار ليست هى الديمقراطية. وإن مجلس الشعب الديمقراطي ليس هو مجلس الشورى. ( وهذا ليس تزكية لمجلس الشورى المصري، إذ معلوم أنه واجهة للنظام بلون آخر).

ولذلك فإن إلباس الديمقراطية لباس الشورى هو تلفيق مرفوض وتجميع مبتسر ولعبة مكشوفة . إذ لا " شورقراطية" في الإسلام.

إرهاب ديمقراطي

رغم أن اللعبة الديمقراطية واصلت استمرارها في مصر، إلا أن تلك اللعبة لم تكن في الواقع سوى مظلة يستظل في فيئها قانون ممارسة الإرهاب، ذلك القانون الجائر الغاشم الظالم الذي يسمونه " قانون الطوراىء" فأي ديمقراطية هذه التى يتبجحون بها؟ ولماذا رضي الإسلاميون لأنفسهم أن يكونوا جزءا من هذه المسرحية القذرة؟

دعونا نستمع للمستشار مأمون الهضيبى وهو يتحدث في مجلس الشعب عن ذلك القانون .

قال:" إن استمرار العمل بقانون الطوراىء يقضى على الحريات الأساسية للمواطنين .. الحريات التي كفلها الدستور، مثل عدم القبض على الإنسان أو تفتيش بيته إلا بإذن النيابة ولأسباب مقبولة، وإذا كنا نستنكر الارهاب وندين الاعتداءات التي وقعت على بعض المواطنين وبعض الأجانب، فإننا في ذات الوقت لا نقبل أن تعالج تلك الحوادث بإرهاب آخر يشمل عموم الناس".
فإذا كان هذا هو واقع الديمقراطية الإرهابية في مصر، إذا كان الإسلاميون يعلمون ذلك حق العلم ، فلماذا الإصرار على المشاركة في الإثم، فهم يعلمون جيدا أن مشاركتهم في المجلس لن تلغى قانون الطوراىء. وإذا كان مأمون الهضيبى قد قال قولته في ابريل عام 1987، فها أنا ذا أكتب هذا الكلام في مايو عام 1993، ولا يزال قانون الطوراىء هو سيد الموقف في مصر، وترفرف رايته الخرقاء على قبة الديمقراطية، أي : مجلس الشعب وكأنها جزء لا يتجزأ من المبنى.
فأي صدى عملي لقول النائب أحمد سيف الإسلام حسن البنا في جلسة ابريل 1987م:" إن الحكومة رفعت شعار الديمقراطية، وأنا أطالبها بأن تقرن القول بالعمل، ولن يكون ذلك إلا بإلغاء القوانين المقيدة للحريات والقوانين الاستثنائية والمشبوهة وبإعطاء الحق لجميع المواطنين في تكوين الهيئات والجمعيات والأحزاب، كما أطالب بإطلاق حرية الصحافة لكل من يشاء ، لأنها حق أصيل في الدستور".. إنها أقوال تنثرها الرياح ولا يعود لها صدى.

حرية الصحافة

1987هكذا دوى بها صوت أحمد سيف الإسلام حسن البنا: 1987" أطالب بإطلاق حرية الصحافة لكل من يشاء" سبحان الله العظيم .

ها هى ذي الصحافة تتمتع بحريتها في الهجوم الشرس على الإسلام والدعاة إلى الله تعالى .

وها هى ذا صحافتها السوداء مفتوحة لاستقبال كل مقال أو رسم تمثيلي ( كاريكاتيري) يقدح في الإسلام وعلمائه ورجاله وأتباعه.

إن تشرب بعض الإسلاميين للمفاهيم الديمقراطية قد أغلق أبصارهم دون النظر إلى حقيقة واقعهم وإلى ما يدبر لهم في الخفاء والعلانية.

فهل يبيح الإسلام " حرية الصحافة لكل من يشاء" ومن قال بهذا من العلماء المعتبرين المشهود لهم بالعمل والجهاد؟

عتب رقيق

نعم ، إنه يعتب . فنحن في زمن العتب.

إذ لم يجد الدكتور محمد السيد حبيب عضو مجلس الشعب والأستاذ بجامعة أسيوط سوى القول :" إنني أعتب على رئيس الجمهورية الذي يعلم بأن عاطفة جماهير الشعب المصري مع الإسلام،والتي تطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية في جميع مجالات الحياة" .

ومن حسن الحظ أن الدكتور أعقب عتبه بمناشدة " رئيس الجمهورية إغلاق مصانع الخمور والبارات والكباريهات وتنقية وسائل الإعلام منكل ما هو مخالف للدين الإسلامى".

تتجدد العقوبة وتتجدد المطالبة

حقا استمرأ الطاغوت اللعبة، ولا أشك أن الدهشة لا تزال تتجدد في نفسه كلما رأى الإسلاميين يقعون في نفس الحفرة في كل مرة. وبات يقلب فهمه في قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين ) .

إذ إن الحديث صحيح، وهؤلاء يلدغون في كل مرة في نفس الجحر، فما السر؟

هل هو نقص الإيمان، هل هو عدم إدراك لمفهوم الولاء والبراء، هل هو سوء تقدير للمصالح والمفاسد، أم ماذا ؟ فها هى العقوبات تتوالى في سجل التاريخ، والإسلاميون يراوحون في أماكنهم وكلما مرت " حافلة" قالوا: إنها هى، فإذا ما فاتتهم قالوا: ننتظر التالية، فإنهم لم يكتشفوا بعد أن محطتهم هذه لا تمر بها الحافلة المنتظرة ، إنهم في المكان الخطأ.

فما إن جاء مجلس 1987م حتى وقف النائب حسن الجمل، وقال في رده على بيان الحكومة :" إننا نطالب رئيس مجلس الشعب بتحريك مشروعات قوانين الشريعة النائمة في أدراج المجلس، فقد تقدمنا في الدورة الماضية بثلاثة عشر مشروعا بقوانين لتطبيق الشريعة الإسلامية، فإذا كانت هناك نية جادة فعلا، فلتخرج هذه القوانين إلى المجتمع المصري المسلم، بل والعالم الإسلامى أجمع"

لا فائدة من الوقوف في هذه المحطة يا أستاذ حسن الجمل. اقرأ معي ما اقله مراسل مجلة المجتمع في القاهرة :" والسبب في كثير من العوائق التي تعترض العمل البرلماني لنواب التحالف ونواب المعارضة عموما، أن لائحة المجلس الداخلية التي تنظم الحديث والمناقشات والطلبات داخل القاعة، تعطى سلطات واسعة لرئيس المجلس، وهو من حزب الأغلبية، ويمارس سلطته بهذه الصفة لحماية الحزب والحكومة ، وبعض نصوص اللائحة تذيل بعبارة " إلا إذا رأت الأغلبية خلاف ذلك" مما يجعل الباب مفتوحا دائما لتسلط الأغلبية"

فلا فائدة يا أستاذ حسن الجمل من مطالبتك رئيس المجلس بتحريك مشروعات القوانين الإسلامية.

أما آن لكم أن تكتشفوا أنكم في المكان الخطأ نخالف السنن ويجب أن ننجح.

هل هذا معقول؟ نريد أن ننجح رغم مخالفتنا للسنن. لقد بينت سابقا أن تطبيق الشريعة الإسلامية من خلال المجالس النيابية ما هو إلا محض وهم وسراب بقيعة. فهو مخالف لهدى الرسل في إدارة صراعهم مع أهل الباطل.

إن الإسلاميين المجلسيين لا يزالون على إصرارهم الأول وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

يقول مراسل مجلة المجتمع في القاهرة في ختام نقله لفحوى ما دار في مجلس الشعب المصري: " إن تجربة دخول نواب الإخوان في السلطة التشريعية تجربة يجب أن تنجح، لصالح الحركة الإسلامية أولا، ولصالح الشعوب المسلمة التي تبحث عن البديل والله المستعان".

نعم، الله المستعان، لقد جعلت الديمقراطية هى البديل عن منهاج النبوة في التغيير ، فحسبنا الله منعم الوكيل.

الوقفة الحادية عشرة: التجربة في ميزان النفيسى

في مقاله: " الحركة الإسلامية : ثغرات في الطريق" وتحت عنوان " تجربة جماعة الإخوان في مجلس الشعب المصري" كتب الدكتور عبد الله فهد النفيسى- من الكويت- دراسة تحليلية، ضمنها وجهة نظره بخصوص التجربة المذكورة .

وقد وجدت أنه من ألأهمية بمكان أن ألقى ضوءا سريعا على بعض ما جاء في تلك الدراسة لعلاقتها المباشرة بموضوعنا.

قال الدكتور النفيسى:" لابد من تفنيد بعض التخوفات التي كانت رائجة في مصر قبل دخول الأخوان للمجلس والذي دحضها سلوكهم المتوازن فيه".

وسأسوق الآن تلك التخوفات التي ذكرها النفيسى وأعقبها بتعليقات مقتضبة تشير على المقصود.

التخوف الأول: قال الدكتور النفيسى:" لقد تصور البعض أن الإخوان سيركزون على خوض معارك الماضي، وبالأخص حساب الجماعة مع عسكر ثورة 23 يوليو 1952م الذين كانوا سببا رئيسا في تعريض جماهير الجماعة للتعذيب لفترة طالت واستطالت ما بين 1954م- 1970م.

لقد أراد الدكتور النفيسى أن يمدح نواب الإخوان بهذا الذي ذكره، وليس ما قاله إلا قدحا بهم، فإن الذي فعله عبد الناصر وزبانيته في دعاة الإخوان والمنتسبين إليهم لم يكن قليلا ولا عابرا، بل كان شنيعا وفظيعا. فكان حقا لهم على إخوانهم أن يفضحوا أولئك الطواغيت على رؤوس الأشهاد، وإن " حساب الجماعة مع العسكر" هو حق لهم ولن تطويه السنون.

وقد قال الإخوان، وغيرهم: إن أحد أسباب دخولهم في المجالس النيابية هو الدفاع عن حقوق المسلمين والمنافحة والمناضلة ضد المتغطرسين والمتسلطين على الدعاة. فهلا فعلوا ذلك نصرة لإخوانهم في الدين وفى –الجماعة- ؟

التخوف الثاني: قال الدكتور النفيسى :" ولقد شاع خلال انتخابات 1984م و1987م أن الإخوان سيحولون منبر المجلس إلى منبر مسجد، من عليه يعظون الناس وينبهونهم للمفاسد والمباذل التي تميزت بها المجتمعات العصرية".

يا ليتهم فعلوا، فإذ لم يستطيعوا أن يمرروا مشاريع تقنين الشريعة، فليفعلوا ما دون ذلك، وهو فضح المباذل والفاسد التي يعج بها المجتمع . تلك المفاسد التي يرعاها الوزراء وتنفذ بحماية القانون .

ويكفى أن أشير على مفسدتي الربا والرشوة، فضلا عن الخمور والتعري ونشر الأفكار العلمانية والإباحية والمحاربة للفضيلة ولدعوة الإيمان والتوحيد.

التخوف الثالث: قال الدكتور النفيسى:" ومن ألأمور التي تكرر ذكرها أن الإخوان هيئة عالمية، تعنى بشئون العالم الإسلامى ولا تركز عملها في القطر المصري فقط، ولذا فيتخوف ألا تنجح الجماعة في الموازنة بين العالمية والقطرية، وأن يتم إهمال الشأن المصري في خضم الشأن الإسلامى ذي الطبيعة الأممية"

في رأينا، أن القضية ليست هى مجرد تسجيل مواقف، بل هى القدرة الفعلية والعملية على تغيير الواقع البائس الشائن إلى واقع يرضى الله عنه ورسوله والمؤمنون.

لقد تحدث الإسلاميون، ومنهم الإخوان، كثيرا في مجلس الشعب في القضايا العالمية والقطرية، وسجلت مواقف .

منذ لك مثلا ما طالب به الدكتور عصام العريان عضو مجلس نقابة الأطباء وعضو مجلس الشعب في رده على بيان الحكومة في مجلس 1987 م من أنه ينبغي " بأن يكون لمصر دور أكبر في الأخضر واليابس، وتستنزف موارد الدولتين المالية والبشرية، ولأنها مؤامرة قصد بها إنهاء الدولتين الإسلاميتين" وطالب " بالعمل الجاد وتجميع الصفوف لعودة القدس، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، بدل أن نقف مكتوفي الأيدي نرضى بالمهانة والذلة والعار".

لكن ماذا بعد؟ .. اتفاقية كامب ديفيد لا تزال تجتر الأخضر واليابس في أرض الكنانة، وقد اتخذت نبراسا يقتدي به في اتفاقيات الاستسلام التي تطبخ في هذه الأيام. ( وقد نضج بعضها وتم أكله. والباقي في الطريق..).

إذا كانت القضية هى مجرد تسجيل مواقف، فتلك المواقف يمكن تسجيلها بسهولة وبوسائل كثيرة، ليس من بينها الموافقة على المشاركة في مجلس الشعب الذي هو مظلة من مظلات الطاغوت الحاكم.

التخوف الرابع: قال الدكتور النفيسى:" ومن التخوفات التي راجت خلال الانتخابات أن الإخوان سيستعجلون في الضغط لإصدار التشريعات لتطبيق الحدود الشرعية، مثل حد الزنا وشرب الخمر والسرقة والقذف وغيرها".

ثم قال معقبا على تلك التخوفات:" غير أن كل تلك التخوفات تبخرت في الهواء من خلال الترتيب المنطقي للأولويات السياسية التي وضعها الإخوان لأنفسهم في عملهم داخل المجلس".

في هذه المرة صدق تخوفك يا أخانا الدكتور النفيسى، واستعجل الإسلاميون الضغط لتطبيق الشريعة، ومع استعجالهم الذي بدأ منذ عام 1972م فلا تزال الشريعة لم تطبق ونحن الآن في عام 1993م.

فكيف بالله عليك سيكون الأمر لو لم يستعجلوا ؟ ربما تقول: إنه سيان، سواء طالبوا بها منذ القديم أم طالبوا بها الآن .

أقول :نعم ، أنت الآن على حق ، فلن تطبق الشريعة الإسلامية من خلال مجلس الشعب حتى وإن طالت السنون.

ثم لي بعد ملاحظات أخرى على ما ساقه الدكتور النفيسى في دراسته: الملاحظة الأولى: قال الدكتور النفيسى:" عندما تناول الإخوانموضوع الشريعة الإسلامية وضرورة تطبيقها كانوا يدركون ضرورة التدرج في الأمر، وكانوا يدركون أن مؤسس الجماعة حسن البنا – رحمه الله وأجزل له المثوبة- وضع في ( مذكرات الدعوة والداعية) ما اسماه بت ( المنجيات العشر) ، ووضع ( الوحدة والحرية) في الوطن المصر في ترتيب أولويات الإخوان قبل أولوية إقامة الحدود الإسلامية، وهذه معلومة ينبغي أن يتدبرها المتعجلون في أوساط الجماعات الإسلامية".

ونحن نسجل في إطار هذه الملاحظة ما يلي:

1- لم يكن ثمة إجماع بين الإخوان المسلمين على قضية التدرج. ومن الذين قالوا بالتدرج الأستاذ عمر التلمسانى، لكن قد خالفه غيره من الإخوان ممن سقت أقوالهم في فصل سابق.
2- إقامة الحدود الإسلامية، هو معنى منضبط مفهوم الإطار والمضمون.
أما الوحدة والحرية فهما اصطلاحان مطلقان بحاجة إلى تحديد وضوابط.
3- إن إقامة الحدود الإسلامية هى الإطار التي تنضبط في مضمونه معالم الوحدة والحرية بمعناها الشرعي.

فليتسع صدر أخينا الدكتور النفيسى للتأمل في هذه الملاحظة.

الملاحظة الثانية: قال الدكتور النفيسى: " نجح الإخوان في إبراز قضية الحريات السياسية وضماناتها ، وتقدموا بهذا الخصوص بجملة من مشاريع القوانين .

فلقد اعترضوا على القانون الخاص بمحكمة الثورة، وهو قانون وضع في ظل فترة الحكم العسكرة المباشر.

وقدموا قانونا آخر لإلغائه ، كما قدموا تعديلات على مواد قانون الطوراىء والأحكام العسكرية ذات العلاقة بحريات المواطن السياسية والاجتماعية. وقدموا تعديلا لقانون تنظيم السجون.

وهذه أمثلة فقط لبعض مشاريع القوانين التي قدموها".

وفى إطار هذه الملاحظة أسجل ما يلي:

1- كما ذكرت سابقا، فإن العبرة ليست بما يقدم من مشاريع تسجل من خلالها مواقف، بل العبرة فيما يتحقق عمليا.
فما فائدة تقديم المشاريع إذا كانت لا تقر من قبل أغلبية الملأ فتبقى قابعة في أدراج المجلس؟
2- إن الجميع يعلم أنه في ظل " إبراز قضية الحريات السياسية" سيق عدد هائل من الإسلاميين إلى سجون الملأ الحاكم ولاقوا فيها أصناف التعذيب والاضطهاد.
بل حتى الأستاذ عمر التلمسانى المرشد العام للجماعة لم يسلم من ذلك .
فما الوجه المؤثر الذي تم من خلاله إبراز قضية الحريات السياسية؟
3- من المعلوم أن الأثر الطيب لهذه الشريعة المباركة لا يظهر ناصعا إلا بالأخذ بها مجتمعة .
بل إن تجزئتها تذهب بكثير من المحامد الفضائل التي لا تتحقق إلا بالأخذ بها جملة واحدة. وما تلك القوانين التي تقدم بها الإخوان إلا محاولة لترقيع الثقوب التي لا حصر لها.
4- لقد استدرك الدكتور النفيسى ما سلف على نفسه فقال:" فمن الملاحظة أن مشاريع القوانين التي تقدم بها الإخوان في مجلس الشعب المصري لا تروم التغيير الهيكلي في نظام البناء التشريعي المصري بقدر ما تهدف إلى تعديل بعض بنوده ومواده".

الملاحظة الثالثة: قال الدكتور النفيسى: " ومن الملاحظات السلبية على نشاط الإخوان في مجلس الشعب النزوع الاقليمى والقطري في الخبرة السياسية وعدم حرصهم على الاستفادة من التجارب البرلمانية العربية والإسلامية والغربية من خلال الاتصال والتواصل والاطلاع والتفاعل معها ومع مؤسساتها مثل ( الاتحاد البرلماني العربي) و( الاتحاد العالمي للبرلمانيين ).

فتجارب الشعوب ثروة إنسانية ينبغي توظيفها في التحرك والعمل مهما اختلفت المشارب والرؤى والأهداف".

ولدى هذه الملاحظة ، أقف عند النقاط التالية:

1- كنت أتمنى على الجماعات الإسلامية أولا، ثم الدكتور النفيسى ثانيا أن يخضع تجارب الإسلاميين مع المجالس النيابية للدراسة الشرعية بمعناها الشامل.
ولعل كتاب" الإسلاميون وسراب الديمقراطية" لعبد الغنى الرحال- دراسة أصولية- كان إسهاما مهما في هذا الاتجاه.
2- إن من أهم الاستفادات اللافتة للنظر في مشاركة الإسلاميين في المجالس النيابية أنهم لم يحصدوا إلا الوهم ولم يركضوا إلا خلف السراب وهذه نتيجة واضحة لكل متأمل منصف.
3- نحن نؤمن أن تجارب الشعوب ثروة إنسانية ، يستفاد من إيجابياتها ويحتاط من الوقوع في سلبياتها .

ولكن ليس كل ما هو إيجابي لغيرنا يكون إيجابيا لنا. فإذا كانت المجالس النيابية منفذا من منافذ التغيير الشعبي لدى اليهود والنصارى ، باعتبارهم متحللين واقعيا م،ا تمسك بالدين الحقيقي الذي يدعون الانتساب إليه، فإن هذه المجالس ليست كذلك بالنسبة لنا باعتبارنا متمسكين، مبدئيا وعمليا ، بالدين الحقيقي الذي ننتسب إليه وهو الإسلام.

فإذا كانت المجالس النيابية لديهم هى تعبير عن حكم الشعب بقانون الشعب. فإن ما يقابله لدينا هو مجل الشورى والذي هو تعبير عن حكم الشعب بشريعة الله تعالى.

وبالتالي فإن مجال الاستفادة من تجارب البرلمانات السابقة ينبغي أن يكون محكوما بتلك الحقيقة.

ما يقال في آخر هذا الفصل

إن مجلس الشعب المصري هو نموذج لواحد من مجالس الشعب في البلاد الإسلامية. ويكاد هذا النموذج ينسحب على مجمل تلك المجالس. وندائي إلى الإخوة الإسلاميين أن يتمعنوا في هذا النموذج " إن ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد". ق: 37.

وهكذا تبين لا، بما لا يدع مجالا للشك، أن تعويل الإسلاميين في تطبيق الشريعة الإسلامية على المجالس النيابية ما هو إلا ضرب من الوهم وأمل في السراب.

ولقد أثبتت الوقائع ودلت الأحداث، وهى شاهد عيان لا يزال صناعها أحياء، أن سلوك أسلوب المجالس النيابية ما هو إلا منهج حركة بشرى لا يمكن أن يؤدى إلا على ما أدى إليه.

الفصل السادس: أين الأزهر؟

أما عن مشيخة الأزهر فلا تسل

لقد حولت تلك المشيخة ذلك الصرح العظيم إلى ملاذ للسلطان الحاكم، تدبج له الفتاوى، وتفصلها له حسب الطلب.

ولست متجنيا في ذلك، ففتاوى الأزهر بشأن كامب ديفيد والتي يندى لها جبين المسلم، لا يزال حبرها رطبا.

والذي يهمنا فيما نحن بصدده هو موقفه من قضية تطبيق الشريعة الإسلامية من خلال مجلس الشعب. وسأناقش هذا الموضوع من خلال أربعة مطالب هى:

- تقرير الأزهر الذي رد به على شهادة صلاح أبو إسماعيل في قضية تنظيم الجهاد.
- ماذا قالوا عن الأزهر؟
- الأزهر يركب موجة تطبيق الشريعة الإسلامية.
- براءة ذمة ترافق ركوب الموجة.

وأبتدئ ببيان تلك المطالب باختصار مستعينا بالله تعالى.

المطلب الأول: رد الأزهر على الشيخ صلاح أبو إسماعيل

كتب الأزهر ردا على شهادة الشيخ صلاح أبو إسماعيل ، وقد أعده خمسة من علماء الأزهر.

حيث نشر النص الكامل له في كتاب " الشهادة" طبعة دار الاعتصام من ( ص: 105) وحتى (ص: 152).

ثم رد الشيخ صلاح أبو إسماعيل على تقرير الأزهر، ونشر رده في نفس الكتاب من ( ص: 155) وحتى ( ص: 209).

إن كثيرا مما ورد في تقرير الأزهر بحاجة على ردود موسعة، ولكنى لست بصدد ذلك، إذ إن حديثي مقتصر على قضية تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر من خلال مجلس الشعب.

لابد أن أشير أولا أن ألزهر في تقريره لم يأل جهدا في استخدام عمومات النصوص للدفاع عن الحاكم الطاغوتى في مصر، ووضع لكلامه عناوين من مثل :

- في العلاقة بين الراعي والرعية.
- طاعة الحاكم واجبة رداءا للفتن والقتل.
- متى يكون الإنسان مسلما.
- هل يجوز تكفير المسلم.
- إمارة المسلمين والشروط الواجب توافرها في الأمير.
- هل الشاهد أفقه من سيدنا عمر.
- الرأي الشرعي في كامب ديفيد.( وتحت هذا العنوان دافع واضعوا تقرير الأزهر عن تلك المعاهدة المشئومة دفاعا مستميتا).
- الأزهر وتقنين الأحكام الشرعية والمطالبة بتطبيقها. ونحن سنتوقف عند كلامهم الذي أورده تحت هذا العنوان لأنه هو محل البحث.

فماذا قال الأزهر في تقريره؟

*قال:" سئل الشاهد – أي : الشيخ صلاح أبو إسماعيل -: هل كان للأزهر الشريف أو مجمع البحوث الإسلامية نشاط بخصوص الشريعة الإسلامية وتطبيقها؟

فأجاب الشاهد: الأزهر ،وأنا واحد من علمائه، كان يؤمن بأن تطبيق الشريعة الإسلامية، لا يتوقف على تقنينات، إلى أن قال: تطبيق الشريعة الإسلامية في نظرنا نحن رجال الأزهر ى يحتاج إلى الرأس الذي يستوعب القرآن والسنة ، وعرف بقدرته على الاستنباط، وذلك كله في إطار من التقوى والورع. لذلك كان الأزهر ولا يزال يستنكر تعليق التطبيق على التقنين ".
  • يقول التقرير :" والشاهد يتحدث بهذا المنطق المتناقض عن نفسه وليس عن الأزهر، فإن الأزهر يسعى لتطبيق الشرعية في كل أمور الحياة في مصر وغيرها من الأقطار الإسلامية بمنطق الإسلام".
ويعقب التقرير على كلام الشاهد فيقولك" أليس هذا القول أدعى لربط التطبيق بالتقنين ، أي وضع الأحكام الشرعية في الصيغة القانونية المألوفة التي اعتاد القضاء على تطبيقها، ولا يقبل أن نقول للمحامين والقضاء أمامكم القرآن والسنة، احكموا بها فيهما.

والكثيرون لا يحفظون القرآن ولا يعرفون طرق الاهتداء إلى صحيح السنة".

يجيب الشيخ صلاح أبو إسماعيل عن هذه النقطة في رده على تقرير الأزهر فيقول:" يل لجنة الأزهر، ألم يرسل النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل قاضيا إلى اليمن؟ ألم يقل له: بم تقضى بين الناس؟ قال معاذ: بكتاب الله عز وجل .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإن لم تجد؟ قال معاذ : فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : فإن لم يكن في سنة رسول الله .

قال: أجتهد رأيي ولا آلو.

فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله .

ألم يحدث ذلك يا لجنة الأزهر؟ وإذا كان ذلك قد حدث، فهل ترى فيه أن تطبيق شرع الله توقف على تقنين ؟ إذا لم يتوقف التطبيق على التقنين ، فهل من المنطقي تعليق تطبيق شرع الله على التقنين .

ومصانع الخمر مثلا تعمل على قدم وساق ولا يحتاج الأمر بالنسبة لها إلا إلى قرار بإغلاق هذه المصانع؟ ومع ذلك، فلو كانت هناك رغبة في التطبيق لشرع الله فلماذا ألغي تخصص القضاء الشرعي؟

وإذا كانت لابد من التقنين كضرورة للتطبيق، فهل ترى أن ستة عشر عاما مضت حتى الآن على بدء مطالبة مجمع البحوث الإسلامية بتطبيق الشريعة الإسلامية كما يدل على ذلك تقرير الأزهر عن شهادتي، هل ترى تلك المدة غير كافية وقد نزل الوحي كله وطبق، وشرق وغرب، في ثلاثة وعشرين عاما؟ ولا زلت على يقين بأن الأزهر شيء عظيم جدا، وشيخ الأزهر ولجنته شيء آخر".

خلاصة الكلام: إن خطة الأزهر لتطبيق الشريعة الإسلامية تسير في منهج تقنين الشريعة وذلك من خلال الأطر الرسمية.

وهاك موجزا لتلك الجهود في هذا المجال، من خلال تقريره المشار إليه.

يقول التقرير :" قرر مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر بتاريخ 8 مارس 1967م بالجلسة 27: أن من مهام المجمع العمل على إيجاد مشروعات قوانين مستمدة من الفقه الإسلامى شاملة لكافة فروع القوانين.

ثم أوصى المؤتمر الرابع لعلماء المسلمين المنعقد بمجمع البحوث الإسلامية في 27/6/1968م بتكليف لجنة من رجال الفقه الإسلامى ومن رجال القانون الوضعي بمهمة وضع الدراسات ومشروعات القوانين التي تيسر على المسئولين في مصر وسائر البلاد الإسلامية الأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية في فروع القانون المختلفة، كالعقوبات والمدني والتجاري والبحري وغيرها، ثم وافق مجمع البحوث الإسلامية بجلسة 62 في 7/1/ 1970م على الخطة المرحلية لأعمال اللجان التي أنيطت بها هذه المهمة ضمن خطة لجنة البحوث الفقهية التي أقرتها جلستها رقم 20 في 11/9/ 1969م .

ثم أصدر المرحوم فضيلة الإمام الأكبر الشيخ عبد الحليم محمود القرار رقم 3 لسنة 1976م بتشكيل لجنة عليا بالأزهر لتعديل القوانين الوضعية إلى ما يطابق أحكام الشريعة الإسلامية.

كما أصدر فضيلة المرحوم الإمام الأكبر الشيخ محمد عبد الرحمن بيصار القرار 84 لسنة 1980م بإعادة تشكيل هذه اللجنة تدعيما للقيام بالمهمة المنوطة بها.. وتفرغت اللجنة العليا إلى ما عهد إليها به، فأنجزت مشروع قانون الحدود الشرعية مع مذكرته الإيضاحية، وقدمته مشيخة الأزهر إلى الجهات المعنية ( رئاسة الوزراء ووزارة العدل ومجلس الشعب واللجنة التشريعية به) ، وكان ذلك في شهر ربيع الآخر 1389هـ ، 28 ابريل 1977م .

وغنى عن البيان أن مجلس الشعب قد أخذ على عاتقه القيام بهذا الأمر كله، وشكلت لجان من علماء مجلس الشعب قد أخذ على عاتقه القيام بهذا الأمر كله، وشكلت لجان من علماء الأزهر ورجال القانون والاقتصاد والاجتماع لاقتراح ووضع مشروعات القوانين المختلفة، يكون استمدادها أصلا من أحكام الشريعة الإسلامية .

وقد اتخذت هذه اللجان أعمال اللجنة العليا بالأزهر، واللجنة التي شكلتها وزارة العدل بمحكمة النقض وشارك في عضويتها أعضاء لجنة البحوث الفقهية بمجمع البحوث الإسلامية، وأعمال لجنة تجلية مبادئ الشريعة الإسلامية بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية من حيث كانت هذه اللجنة قد بدأت في تقنين أحكام المعاملات، المدني، وقطعت شوطا كبيرا، اتخذته لجنة المعاملات بمجلس الشعب أساسا لمشروع قانون المعاملات المدنية الذي تم إعداده أساسا لعملها، وقد أنجزت كل هذه المشروعات .

أليس هذا من عمل الأزهر وجهده وسعيه الدائب لتيسير تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية ، واشتراك علمائه في كل اللجان، وبذلهم من الجهد والوقت ما وفقهم الله إلى بذله ابتغاء مرضاته".

وأتوقف إزاء ما اقتطفته من تقرير الأزهر أمام النقاط التالية:

1- إصرار الأزهر على مصادرة دوره الشعبي في قضية تطبيق الشريعة الإسلامية، وإصراره أيضا على سلوك القنوات الرسمية الشائكة. فهل هذا هو دور الأزهر ؟
2- نحن نرفض أن يكون تقنين الأحكام الشرعية شرطا لتنفيذها ، بل لنا ملاحظات جوهرية مهمة على موضوع تقنين الأحكام الشرعية ليس هنا محل ذكرها. ومعلوم أيضا أن هناك كثيرا من الأحكام الشرعية يمكن تطبيقها فورا لوجود النصوص القاطعة بشأنها .
فتطبيق تحريم الخمر والربا، وإغلاق دور البغاء وملاهي الليالي الحمراء، وما هو في حكم ذلك، مما هو معلوم تحريمه من الدين بالضرورة ، هل ينتظر في تطبيق تحريمه إلى تقنين ؟
إن إصرار الأزهر على التقنين في كل الأحكام هو خلط للأمور ببعضها، وتسويف لا تستفيد منه إلا السلطة.

ونحن لنا أن نسأل ماذا يريد الأزهر من خلط الأوراق؟

3-جهود الأزهر كما هى معروضة في التقرير لا تزيد في معظمها عن تشكيل لجان وصياغة توصيات:
- ففي 8/3/ 1967م قرر مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر أن من مهامه العمل على إيجاد مشروعات قوانين مستمدة من الفقه الإسلامى.
- في 7/1/ 1970م وافق مجلس مجمع البحوث الإسلامية على الخطة المرحلية لأعمال اللجان التي أنيطت بها هذه المهمة.
معنى ذلك أن ثلاث سنوات تقريبا قد مرت بين قرار مجمع البحوث الإسلامية أن من مهامه العمل على إيجاد مشروعات قوانين إسلامية وبين الموافقة على الخطة المرحلية لأعمال اللجان.
- بعد ست سنوات من موافقة مجلس البحوث الإسلامية بالأزهر على الخطة المرحلية لأعمال اللجان أصدر شيخ الأزهر في عام 1976م قرارا بتشكيل لجنة عليا بالأزهر لتعديل القوانين الوضعية إلى ما يطابق أحكام الشريعة الإسلامية.
- بعد أربع سنوات منذ لك، أي في عام 1980م ، أصدر شيخ الأزهر قرارا بإعادة تشكيل هذه اللجنة.
- لم يتمخض عن تلك اللجان إلا مشروع قانون الحدود الشرعية وذلك في ابريل عام 1977م ،وأحيل القانون إلى الجهات المعنية.
- وهكذا استمرت اللجان بعد ذلك.
- نحن نتساءل : كيف نوفق بين ما سماه الأزهر جهودا لتطبيق الشريعة الإسلامية ، وقولهم في التقرير :" وما زالت بحمد الله تظل بلاد المسلمين على مدى أربعة عشر قرنا من الزمان زاهية بأصولها المستمرة المستقرة، متجددة بفروعها التي لا يعقلها إلا العالمون.

ولا يزال المسلمون يسعون إلى التجديد في تطبيقها ورفع أعلامها في كل شأن من شئون الحياة، وممارسة أحكامها علما وعملا".

فإذا كان هذا هو واقع بلاد المسلمين ، فماذا يريد المسلون أكثر من ذلك؟ وما هى حاجتهم لكل تلك اللجان؟

ولعل هذا هو الذي دفع الشيخ صلاح أبو إسماعيل إلى أن يعقب على هذه الفقرة من التقرير فيقولك" أتتحدثون بهذا عن مجتمعنا؟ أم عن مجتمع آخر؟ في مجتمعنا أين الشريعة الإسلامية في السلطة التشريعية التي تعطل النص الشرعي بالرأي الشخصي؟ وأين ا لشريعة الإسلامية الزاهية، الزاهرة، في السلطة القضائية ن وهى تحكم بغير ما أنزل الله ؟ وأين الشريعة الإسلامية بأصولها المستقرة المستمرة في السلطة التنفيذية، وهى تجند نفسها لحماية القانون الوضعي لا الشرعي؟ عن أي مجتمع تتحدثون؟ ".

والخلاصة: إن الأزهر يعتبر نظام الحكم القائم في مصر نظاما إسلاميا، ولذلك فهو يدبج الفتاوى للحاكم من هذا المنطلق.

ودليلنا على ذلك أنه اعتبر اتفاقية كامب ديفيد مع اليهود اتفاقية بين نظام إسلامي وبين اليهود، وأن الذي أبرمها هو الحاكم المسلم لذلك البلد، متقيدا في ذلك بالنصوص الشرعية.

يقول تقريرهم : " وحين نعرض هذه المعاهدة في ضوء مسئوليات الحاكم المسلم ف نظر الفقهاء المسلمين نجد أن رئيس مصر السابق قد نصح للأمة وقام بالمسئولية، فحافظ على الرعية، واسترد الأرض.

فحين وجد أن لا مندوحة عن الحرب حارب ،بعد أن استعد وأعد العدة. وفاوض وسالم حين ظهر أن لا مفر من السلم، وأنه يستطيع الوصول إلى الحق سلما لا حربا".

والذي انتهى إليه في آخر مطاف المطلب الأول أن الأزهر لم يقل كلمة الحق، ولم يصدع بها، ومن نسمع له صوتا عندما قال الهالك السادات:" لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة "

واكتفى الأزهر بتشكيل اللجان وصياغة التوصيات والقرارات التي ليس لها سبيل من وجهة نظر الأزهر إلا أن تمر من خلال الجهات المعنية، وأبرزها مجلس الشعب .

فالسبيل الوحيد أمام الأزهر لتطبيق الشريعة الإسلامية هو مجلس الشعب، فقط لا غير فتأمل.

المطلب الثاني: ماذا قالوا عن الأزهر؟

أولا: الشيخ الدكتور، موسى شاهين لاشين، نائب رئيس جامعة الأزهر سابقان ورئيس قسم الحديث بكلية أصول الدين.

رد الدكتور موسى على تقرير الأزهر المشار إليه . وركز كلامه على ما ورد في التقرير بشان قانون الأحول الشخصية.

لكنه أعطى وصفا عاما لهذا التقرير، فقال :" التقرير يخدع المسلمين بالأباطيل ، وينقل من النصوص ما يوافق الهوى، ويترك منها ما ينص على الحق، كما يقرأ القارئ" فويل للمصلين"الماعون :4 ويترك " الذين هم عن صلاتهم ساهون" الماعون: 5".

ثانيا : الدكتور فتحي السيد لاشين المستشار بمحاكم الاستئناف.

ركز الدكتور في تعقيبه على تقرير الأزهر على القضايا الجوهرية، والتي تنسف موقف الأزهر منـ أساسه.

قال الدكتور في مقدمة رده:" عمدت اللجنة إلى سرد المبدأ الشرعي من الناحية النظرية، وهو غالبا لا خلاف عليه، ولكنها أغفلت ، عن عمد أو سهو، ربط هذه المبادئ الشرعية بالواقع الذي يعيشه المسلمون في هذا العصر، حتى يكونوا على بينة من أمر هذا الواقع الذي يهمهم بالدرجة الأولى معرفة حكمه، ليتصرفوا على ضوء هذه المعرفة".

وفى معرض رده على اللف والدوران الذي سلكته اللجنة في تقريرها قال تحت عنوان : اللجنة كتمت الحق واكتفت بالرأي الذي يوافق هوى الحكام: " إن الرأي الذي اعتنقته اللجنة، وهو تحريم الخروج على الحكام وإن كانوا فسقة ظالمين، وعدم انعزالهم بظلمهم وفسقهم ليس هو الرأي الوحيد في الإسلام، وأن هناك رأيا آخر للعديد من الأئمة المجتهدين يرى نقيض هذا الرأي.

وقد أورده الشيخ صلاح أبو إسماعيل في رده، ويسانده نصوص صحيحة وصريحة في السنة النبوية، وأقوال مأثورة للخلفاء الراشدين، كلها تربط بين واجب طاعة الإمام بوجوب طاعته لله ورسوله، فإذا عصى الله ورسوله أوامر بمعصية فلا سم ولا طاعة.

ومتى انتفى واجب السمع والطاعة عن عاتق المسلم حل له مجاهدة الإمام بكل سبيل مشروعة.

واللجنة بالتأكيد لا تغيب عنها هذه الآراء، وكان الإنصاف والأمانة العلمية تقتضى لإبراء للذمة، ولكن اللجنة اكتفت بالرؤى الذي يوافق هوى الحكام".

ثم استعرض الدكتور في تعقيبه على تقرير لجنة الأزهر حال المسلمين وحال حكامهم فقال:" إن حكام الدول الإسلامية قاطبة يفرضون على مجتمعات المسلمين التعامل بالربا.. ويعطلون حدود اله، ويبيحون الميسر والزنا وتعرى النساء واختلاط الرجال بالنساء ويدفع الناس بواسطة أجهزة الإعلام المختلفة والصحف والمجلات إلى طريق الفساد وإشاعة المنكر والفاحشة، وينادون جهرا بفصل الدين عن الدولة، وأن الدين لا شأن له بأمور الحياة.

وهم بذلك ينكرون معلوما من الدين بالضرورة وبالنصوص القاطعة.. وينظمون مجتمعاتهم وإداراتهم وثقافاتهم ومعاملاتهم وسائر شئونهم على أوضاع ونظم ومبادئ وعقائد تخالف الكثير من أحكام الإسلام وقواعده.

وهم يفرضون كل هذه المنكرات على المسلمين ويضعون عليها الحماية ، ويضمنون لها الذيوع والشيوع في المجتمع بقوة القانون وسطوة الدولة وأحكام القضاء، ويمنعون القضاة قسرا وإرهابا من تطبيق شرع الله، على خلاف تلك القوانين والقواعد والنظم التي وضعوها من عند أنفسهم وألزموا بها المسلمين" ثم يقول :" هذا أيها السادة أعضاء لجنة العلماء هو واقع حال مجتمعات المسلمين اليوم.. ونطلب منكم ونرجو ونلح في الطلب والرجاء أن تبينوا لنا حكم الله في ذلك من واقع النصوص الشرعية التي أوردتموها في ردكم، وهل يعد ذلك تغييرا لقواعد الإسلام".

إننا نفهم من كلام الدكتور فتحي أن هذا الوقع لا يعالج من خلال مشروعات قوانين الأزهر لتطبيق الشريعة الإسلامية من خلال مجلس الشعب أو بقية القنوات الدستورية.

إذ إن أصل هذا النظام الحاكم مرفوض من أساسه، لكونه نظاما علمانيا.

يقول الدكتور" إن أنظمة الحكم القائمة الآن في الدول الإسلامية أنظمة علمانية مقتبسة من النظم الغربية القائمة على مبدأ الفصل بين الدين والدولة، وحكام المسلمين يعلنون في كل وقت إيمانهم بهذا المبدأ وأنهم يحكمون وفقا له، وأنه لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة".

ثم عقب الدكتور فتحي على قول الأزهر في تقريره:" إن ألزهر يسعى لتطبيق أحكام الشريعة في كل أمور الحياة بالحكمة والموعظة الحسنة، وإن نداءاته مسطورة في قلوب الشعب وفى صحفه وكتبه" قائلا:" هل يتفق ما قالته اللجنة أولا: من أن الشريعة تظلل بلاد المسلمين زاهية مستقرة مع ما انتهت إليه من أن الاستعمار قد نسج للأمة من صنعه قوانين تدور في فلك ثقافة وتشريعا وتطبيقا، وأن الأزهر يسعى الآن لتطبيق الأحكام الشرعية في كل أمور الحياة في مصر وغيرها من الأقطار الإسلامية. أليس ذلك في غاية التناقض والاضطراب؟

أما كان أولى باللجنة أن تبرز هذا الواقع المحزن من أول الأمر، بدلا من إخفائه هكذا بين طيات سطور جهود الأزهر لتطبق الشريعة الإسلامية.. تقول اللجنة: إن نداءات الأزهر لتطبيق الشريعة الإسلامية مسطورة في قلوب الشعب وصحفه.. ولنسأل ، أين هى تلك النداءات ، ومتى وأين قيلت؟ ومن قالها؟ وبأي وسيلة نشرت على الناس؟

يا علماء الإسلام: لقد أصبحت كلمات التقنين والتدرج مجرد مشجب لتعطيل تنفيذ الإسلام عشرات السنين ، بينما الفساد والفجور والمنكرات والانخلاع من ربقة الدين تترسخ وتنتشر يوما بعد يوم بتوجيه وحماية الدولة".

ثالثا: الدكتور عبد الستار فتح الله سعيد، قسم التفسير في كلية أصول الدين، القاهرة.

عقد الدكتور في رده مقارنة بين أزهر الأمس وأزهر اليوم، قال عن أزهر الأمس:" الأزهر له ثقل تاريخي مشهور، وهو قد استمد مكانته من تمثيله لدين الله تعالى، وقيامه على حياطته، والذود عن معاني الحق والعدل التي جاء بها الإسلام العظيم.

ومن هنا كان علماء الأزهر أئمة في كل نازلة، وقادوا الأمة في معاركها الضارية، وقارعوا كل مظاهر الانحراف عن دين الله غاية جهدهم، وبذلك جعلوا الأزهر قبلة علمية ومنارة إسلامية في العالم كله.

فلم يكن مصادفة أن يقارع العلماء الظلم والطغيان، وإنما كان تطبيقا وتحقيقا وصدعا بأمر الله وكتابه.. ومن هنا استحق علماء الأزهر مكانتهم العظيمة، فكانوا أجل من الملوك، لأنهم قاموا بأمانة الله في أرض الله ، دعوة وجهادا وعلما وعملا".

وماذا عن أزهر اليوم؟

يقول الدكتور :" ثم تسللت الدسائس السياسية والمصالح الشخصية إلى هذا الحصن العريق، فقادته إلى وضع بئيس غير مسبوق في تاريخه الطويل مع الأسف الشديد.

لقد انتهى الأمر بالأزهر إلى أن صار في أعين الناس وكأنه بوق تنفخ فيه السلطة، كلما حزبها أمر، ثم تهمله بعد ذلك ولا تلقى له بالا، وهذا للأسف حقيقة مرة مهما حاولنا إنكارها، أو غضب بعض الناس من المصارحة بها".

ونظرا لهذا الوضع الذي وصل إليه الأزهر ، فإنه حتى لو نادى بتطبيق الشريعة الإسلامية ، لاى سبب من السباب ، فإنه لن يجد من السلطات أذنا مصغية .

يقول الدكتور :" والدليل على ذلك أنه ناشد الحكومات المختلفة لتطبيق الشريعة فلن تقم له أي حكومة وزنا حقيقيا، فلا تزال القوانين الوضعية هى الحاكمة المهيمنة، ولا تزال المفاسد والمباذل تملأ ربوع البلاد.. إنها ليست قضية شخصية تتعلق بهذا أو ذاك من الشيوخ، وإنما هى قضية تتعلق بالأزهر العريق كله، وبالدين الذي يمثله، وبالحق الذي ينبغي أن يقوم عليه".

ويضرب الدكتور عبد الستار فتح الله سعيد مثلا على مفهوم تطبيق الشريعة والمناداة بها عند أزهر اليوم فيقول:" حين وضع قانون الأحوال الشخصية 1979م في ظروف مريبة كل الريبة، ولأغراض خبيثة معروفة سارع بعض الشيوخ في هوى السلطة، ولووا أعناق النصوص الشرعية ليا غليظا، حتى صار ما أحله القرآن من الزواج ضررا فادحا يستجلب التطليق على الزوج رغم أنفه، وهذه مسألة ذاعت وشاعت من كثرة ما كتب فيها، فلا نطول بذكرها .

لكنا نسأل:

- هل هذا القانون أعده وقدمه الأزهر وفاء بحاجات المسلمين ؟
- أو أن هذا القانون بيت بليل ، والتمسته الفتاوى التماسا؟
- ثم ما حصيلة ذلك كله في قلوب الناس وسلوكهم حين يرون الدين يمتهن للسلطة، وحين يرون بعض العلماء يسوقون الأزهر إلى مصير فاجع أليم؟".
وحول موضوع إصرار الأزهر على شرط تقنين الأحكام الشرعية قال الدكتور عبد الستار مخاطبا اللجنة التي وضعت تقرير الأزهر:" فهل عندكم حجة أو شبهها تبين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم و من تبعه بإحسان اشترطوا لتطبيق الشريعة زائدا عليها، مثل ( التقنين ) أو ( التدوين) أو ( التبويب) أو ( التأليف) أو غير ذلك؟
إن شريعة الله واجبة التطبيق على كل حال.
- حين كانت نصوصا محفوظة في الصدور ، كما في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى عهد الخلفاء.
- ثم حين كتبت بعد ذلك في السطور، كما كانت في أول عهد التدوين.
- ثم حين وضعت لها بعض القواعد والأصول الاصطلاحية.
- ثم حين فصلت في كتب الفقهاء أبوابا وفصولا ومسائل.

هل سمعتم قط أن قائلا قال بجواز إيقاف تطبيق شرع الله حتى يستكمل مرحلة من ( التطور الفني) لأساليب التطبيق؟ عل عطلت إلى أن جاء الإمام الشافعي ليؤصل قواعد علم الأصول؟ هل استعار المسلمون قوانين فارس والروم إلى أن يقوم أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وإضرابهما بهذه الجهود الفقهية البالغة؟

فكيف ، يا بعض علماء الأزهر، تجعلون التقنين شرطا للتطبيق؟ وبأي كتاب أو سنة أو اثر ، ولو موضوع تثبتون هذا الأداء الخطير؟

ثم يقول:" وأمعن في الخطأ قولهم(ضرورة التقنين تمهيدا للتطبيق الصحيح المشروع) أي : أن كل تطبيق بغير تقنين لا يكون الآن صحيحا ولا مشروعا، مع أن العكس هو الصحيح المشروع، لأن القرآن كما قلنا لم يشترط شرطا ما ، خاصة هذا الشرط الحادث المبتدع.

والتقنين ، يا أصحاب التقرير ، في أحسن الأحوال أسلوب عصري أو وسيلة مستحدثة تيسر تطبيق الشريعة وتقوم خادما لها، لا مهيمنة عليها.. وقد خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:" ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" ، جزء من حديث رواه البخاري عن عائشة، باب الشروط في الولاء 3/251.

ومن هنا يتضح مدى الجرأة على دين الله في قول التقرير : ( لا يقبل أن نقول للمحامين والقضاة : أمامكم القرآن والسنة ، احكموا بما فيهما)".

وتحت عنوان :" عراقيل يصنعها التقرير في وجه الشريعة، قال الدكتور عبد الستار فتح الله سعيد:" وقد تأملت التقرير مليا فوجدت فيه وجها غريبا واتجاها مزعجا، حتى إني لأستريب أحيانا، وأكاد أنكر أن يكتبه أحد من علماء المسلمين، ذلك لأن التقرير، وإن لم يقصد أصحابه، ألقى صخورا وعراقيل في وجه تطبيق الشريعة، عدا ما ذكرنا سابقا، ومن ذلك:

أ‌- استشهادهم على ضرورة تدوين الدواوين في عهد عمر رضي الله عنه. وهذه استشهاد تحار فيه العقول. تدوين الدواوين مسألة تنظيمية إدارية، وليست قضية تشريعية فقهية، فأخذ عمر بها هو اقتباس للنافع المفيد، في باب الوسائل والأساليب .
كما قال صلى الله عليه وسلم(الحكمة ضالة المؤمن ، فحيث وجدها فهو أحق بها) رواه الترمذي وابن ماجه من حديث أبى هريرة.
والسؤال هنا: هل كان عمر يطبق الشريعة قبل التدوين أو أخرها حتى دون الدواوين؟ وهل كان عمر يطبق الأحكام الشرعية قبل تمصير الأمصار، أو هو أخر التطبيق حتى أقام الأمصار الكبرى؟ هل كان عثمان يطبق شرع الله أو أخر ذلك حتى جمع المصحف في الكتبة الأخيرة؟ والوسائل شيء، والمقاصد شيء آخر، كما يعلم الشيوخ جيدا، المبادئ واجبة التنفيذ فورا، والوسائل تأتى تبعا، وتجدد أو تبلى ، وتؤخذ أو تترك حسبما تقتضيه مصلحة الشريعة نفسها في تطبيقها وتنفيذها.
ب‌- الادعاء بأن العرب قد عسرت عليهم أساليب القرآن الآن.. وهذا الادعاء شر مستطير، وحجة يلقنها التقرير للمبطلين، وقد نهينا أن نلقن الكذوب الحجة.. ذلك لأن الكلام تعليق لتطبيق الشريعة على ما هو أعسر من ( التقنين ) لأن التقنين قد تؤلف له لجان، ويمكن الفراغ منه في سنين معدودة لو صحت النيات، وصدقت العزائم. أما لو أخرنا التطبيق حتى يرجع العرب إلى سابق عهدهم في اللغة، فذلك يجعلنا ننتظر دهورا، أو نمشى وراء سراب يحسبه الظمآن ماء .

بيد أننا يسهل علينا تبديد هذه الخدعة الجديدة إذا علمنا أن العرب والمسلمين جميعا، لديهم الآن من العلوم الإسلامية والتفاسير والجوامع العلمية في الفقه والأصول ما لا يتيسر مثله لأمم الأرض جميعا.

بل إنهم يملكون من ذلك ما لم يملكه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ولكن الفارق بيننا وبينهم جد خطير.

ويكفى فارقا أن علماءهم كانوا يموتون دفاعا عن شريعة الله ، وبعض علمائنا لا يصمتون في مواطن الجد، بل ينددون بمن أقام الشهادة لله".

رابعا: الداعية زينب الغزالي

في مقابلة صحفية أجراها مراسل مجلة " المجتمع" الكويتية في القاهرة مع الداعية زينب الغزالي، وجه إليها السؤال التالي:" ما رأيك في موقف الزهر المتخاذل من قضية تطبيق الشريعة الآن".

فأجابت :" الأزهر في موقف لا يحسد عليه، وإن كان لا يحسد على شيء أبدا .

كان يجب أن يقف شيخ الأزهر ويجابه هذا المجلس وينشر على العالم أنه غاضب لله.

ولكن هل يفعل شيخ الأزهر؟ هل يغضب لله؟ هل يغضب لهذا الهرج الصبياني في مجلس الشعب؟ لا ، لا يغضب. ولكن نجده في غاية النشاط ليستقبل ضيوفا مقبلين إلى مصر غير مسلمين.

كان الأولى به أن يسرع الخطى إلى الدفاع عن تطبيق الشريعة الإسلامية، ومناهضة هذا العبث في هذا المجلس".

وبعد، فتلك كانت أربع شهادات تلقى ضوءا على موقف الأزهر من قضية تطبيق الشريعة.

وأحسب أن تلك الشهادات كافية بحد ذاتها، وغنية عن التعليق.

المطلب الثالث: الأزهر يركب موجة تطبيق الشريعة الإسلامية

لقد أبى الشعب المسلم في مصر أن يبقى تحت نير وجود الأحكام الوضعية، لأن هذه الأحكام تناقض عقيدة التوحيد التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودان بها ذلك الشعب الذي التزم بتلك العقيدة منذ القرن الهجري الأول.

لقد استطاعت قوى الشر والطغيان وفئات البدع والانحراف أن تشوه المعالم الأساسية لتلك العقيدة الربانية الصافية.

وكما تسلط على ذلك الشعب المسلم طواغيت الضلال والزور والبهتان فألهبوا ظهور دعاة الحق فيه بالسياط والحديد والنار وكبلوه بالأحكام الوضعية، كذلك تسلط عليه الصوفية وأهل البدع فحرفوا عقيدة كثير من أبنائه، ولكن الله تعالى ليس بغافل عما يعمل الظالمون، وهو ناصر دينه، ومعز أوليائه.

فبعد ما فعل عبد الناصر أصناف السيئات، وبعد أن ظن أهل الظلم والعدوان أن الساحة قد فرغت لهم، وأنهم قد احكموا الوثاق، وسلس لهم العنان، إذا بهذا الشعب المسلم الأبي ينهض من جديد، وإذا بشبابه في الجامعات والنقابات والمصانع وغيرها من المرافق يصدع وينادى بأعلى صوته، وكأنه مارد قد خرج من القمقم، أن هلموا إلى شريعة الله أن بادروا إلى الرجوع إلى كتاب المولى العزيز وسنة نبيه الكريم. وتردد الهتاف ، وعلت الأصوات على المنابر وفى الميادين وفى دوائر الحكومة، كلها تطالب بتحكيم شريعة الله ونبذ الأحكام الوضعية البشرية.

ولم يتخلف عن هذا الركب المحامون ولا الأطباء ولا المهندسون ولا المدرسون ولا الطلاب ولا المهنيون ولا بقية فئات الشعب.

وإذا بشعار تطبيق الشريعة الإسلامية يتحول إلى تيار شعبي، حتى أن كثيرا من النواب لم يجدوا بابا يلجون منه لينجحوا في انتخاب مجلس الشعب إلا من خلال باب شعار المناداة بتطبيق الشريعة الإسلامية .

لقد أصبح موضوع تطبيق الشريعة الإسلامية دعاية انتخابية رائجة تستقطب الجماهير ، وتستحوذ على عواطفهم وأحاسيسهم، لأن هذا الشعب المسلم قد تعلق أمله من حدي بالرجوع إلى دينه والاحتكام إلى شريعة ربه.

وفى خضم هذه الموجة الشعبية العاتية التي تنادى بتطبيق الشريعة الإسلامية يبرز سؤال عريض يعرض نفسه، هو : أين الأزهر ؟ هل يصح أن ينادى بائع الفول والحمص بتطبيق الشريعة الإسلامية، والأزهر لا ينادى بذلك؟

هل يقبل الأزهر لنفسه أن يكون بعيدا عن كل هذا ، وقد تحول موضوع تطبيق الشريعة الإسلامية إلى حديث الساعة في استراحات العمال في مصانعهم، ومجالس الفلاحين في قراهم وندوات الطلاب في مدارسهم وجامعاتهم؟

إذن ، لابد للأزهر أن يخجل.

ولابد أن يكون للحياء على محيا الأزهر ولو بقعة صغيرة ، فلابد أن يتحرك الأزهر، ولابد أن يغطى ما بدا وظهر من تقصيره بصدد هذا الموضوع.

هنا.. وهنا فقط، سارع الأزهر إلى إصدار البيانات التي شرح فيها موقفه وأبان مشاركته في لجان مجلس الشعب التي أنيط بها موضوع تقنين الشريعة.

ويؤيد ما ذكرت ، حديث صحفي أجرته صحيفة " أخبار اليوم" المصرية مع شيخ الأزهر ، الشيخ جاد الحق على جاد الحق، ونشرته بتاريخ 23/2م1985م، ثم نقلته عنها مجلة " المجتمع" الكويتية في عددها رقم 709 المؤرخ 19/3م1985م، وإليك أخي القارئ نصه:" أعلن فضيلة شيخ الأزهر الشيخ جاد الحق على جاد الحق أن مصر مهيأة تماما اليوم لتطبيق الشريعة الإسلامية، وقال : إنه يكفى أن ننزل على الشرع المصري لنسمع رغبة الناس في الأخذ بها، بل إنه ترد إلى مكتبي بالأزهر العديد من الكتابات من أفراد الشعب يلحون ويطلبون ويستعجلون ويستفسرون عن الأسباب الداعية إلى تأخير إصدار القوانين المأخوذة من الشريعة الإسلامية.

وتساءل شيخ الأزهر قائلا: لعل مجلس الشعب يجيب على ذلك، وأضاف: لا ينبغي أن تحجب هذه المشروعات بقوانين بوصف أنها لم تقدم إلى المجلس بالطريق المنصوص عليه في الدستور، فإن هذا الطريق يملكه كل أعضاء مجلس الشعب.

وانتقد موقف البرلمان قائلا: إذا كنا نتقدم بمشروعات القوانين العادية وبتعديلاتها، ونسرع في إنفاذها وتقريرها من يوم صدورها، فمن باب أولى أن نسارع، وأن يتقدم نوابنا أو بعضهم باسمه بهذه المشروعات لتأخذ الصفة الدستورية،وإن كان الدستور لا يقف أمام الشريعة.

وقال شيخ الأزهر: إن مجلس الشعب وكيل عن الشعب، وإنه إن لم يأخذ نفسه بإصدار هذه القوانين ، بحيث لا يقتصر على مجرد المناقشة في شأنها، فإنه يكون قد خالف موكله وهو الشعب، ولا أقول قد خانه، فإن أنزه مجلس الشعب عن أن يخون شعبه.

وقال: إنها أمانة و" إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل " النساء: 58. ثم قالت مجلة " المجتمع" في نفس عددها بعد هذا الحديث الصحفي مباشرة:" وقد أرسل شيخ الأزهر خطابا إلى د. رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب يحمله فيه مسئولية التقاعس عن تطبيق الشريعة الإسلامية، وذلك بعدم عرض القوانين الخاصة بها على ا لمجلس، وندد شيخ الأزهر بالمماطلة والتسويف في هذا الموضوع".

ولابد لي أن أتوقف عند بعض النقاط إزاء هذا الحديث الصحفي:

1- أكد هذا الحديث ما ذكرته بشأن تحرك الأزهر نحو المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية تحت وطأة ضغط الجماهير.
وإن دوره في هذا المضمار لا يزيد في الواقع عن ركوب تلك الموجة الطاغية فهو يقول:" إن مصر مهيأة تماما اليوم لتطبيق الشريعة الإسلامية" .
وقال " إنه يكفى أن ننزل إلى الشارع المصري لنسمع رغبة الناس في الأخذ بها" إلى آخر الكلام.
2- يقول شيخ ألزهر:" إن مصر مهيأة اليوم تماما لتطبيق الشريعة الإسلامية" وأنا أتساءل : هل كل سكوت الأزهر منذ عام 1952م وحتى عام 1985م عن المطالبة الفعالة بتطبيق الشريعة الإسلامية لأن مصر لم تكن مهيأة لذلك؟ وإذا أصبحت مصر مهيأة اليوم فمن الذي هيأها، هل هو الأزهر؟ فإن لم يكن هو الذي هيأها، هل كان له دور في تهيئتها؟ أم أن الأزهر في تلك السنين كان مطية للسلطان ؟ إلا من رحم الله تعالى من علمائه.
3- ثم سؤال آخر: ما المقصود بقول شيخ الأزهر : إن مصر مهيأة تماما اليوم لتطبيق الشريعة الإسلامية؟ فإذا كان المقصود أنها مهيأة شعبيا، فهل يصح للأزهر أن يسكت إلى أن جاء غيره فهيأ الساحة الشعبية ثم جاء الأزهر فزج بنفسه فيما لم يكن له فيه دور سابقا.
وهل يصبح للأزهر أن يسكت عن المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية طيلة تلك السنين الماضية، بحجة أن الساحة الشعبية غير مهيأة، وأما إذا كان قصد شيخ الأزهر أن مصر مهيأة رسميا لتطبيق الشريعة الإسلامية فإنه يكون قد خانه الصواب، إذ إن الساحة المصرية الرسمية ليست فقط غير مهيأة لتطبيق الشريعة الإسلامية، بل هى حاملة السلاح على كل من ينادى بها، لا تتردد في توجيه طعنة رمح نجلاء إليه، غير مستترة ولا خجلة.
هذا هو دأبا منذ سقوط الخلافة الإسلامية وإلى الآن .
4- وحول استفسار الناس عن تأخير إصدار القوانين المأخوذة عن الشريعة الإسلامية حول الأزهر الإجابة إلى مجلس الشعب، وقال: لعل مجلس الشعب يجيب على ذلك. وكأن الأزهر لا ناقة له في الموضوع ولا جمل.

والقضية – كما يبدو- ليس لها عند الأزهر إلا وجه واحد، وهو وجه القنوات الرسمية والبلهلوانيات الدستورية. هكذا تملص الأزهر ببساطة من دوره، وقذف بالكرة في مرمى مجلس الشعب.

5- إننا نفهم من هذا الحديث الصحفي أن الأزهر يرى أن لا سبيل إلى تحكيم شرع الله إلا من خلال مجلس الشعب، ومجلس الشعب فقط دون غيره.
يقول شيخ الأزهر: " إن مجلس الشعب وكيل عن الشعب" وهذه مغالطة فادحة.
فإن مجلس الشعب، إلا من رحم الله منهم، هو وكيل عن السلطة، وعن مراكز القوى صاحبة رؤوس الأموال.
وبالتالي فلا معنى لقوله:" فإني أنزه مجلس الشعب عن أن يخون شعبه" .
أقول:هذا تناقض فاضح . فالشعب يطالب بتطبيق الشريعة، ومجلس الشعب يحجب هذا المطلب، ويذروه في الرياح، فهل يكون مجلس الشعب ، والحال هذه ، قد خان شعبه أم لا ؟
وشيخ الأزهر يضع البيض كله في سلة مجلس الشعب ويقول:" لا ينبغي أن تحجب هذه المشروعات بقوانين بوصف أنها لم تقدم إلى المجلس بالطريق المنصوص عليه في الدستور، فإن هذا الطريق يملكه كل أعضاء مجلس الشعب..".
وقال :" من باب أولى أن نسارع وأن يتقدم نوابنا أو بعضهم باسمه بهذه المشروعات لتأخذ الصفة الدستورية".
هكذا ، إذن ، المهم الصفة الدستورية عند شيخ الأزهر.
رحم الله تعالى علماء السلف ،الذين جعلوا من جهادهم وصبرهم قنطرة تمر عليها كلمات الحق فتزلزل أركان السلاطين.. ولم يركنوا إلى الصفات الدستورية.
6- حمل شيخ ألزهر مسئولية التقاعس عن تطبيق الشريعة الإسلامية رئيس مجلس الشعب الدكتور رفعت المحجوب.ولا شك أن رفعت المحجوب وزبانيته في المجلس يتحملون وزرا عظيما في ذلك، وتقع على كواهلهم مسئولية جسيمة في موقفهم المضاد لتطبيق الشريعة الإسلامية.

لكن وصمة التقاعس هذه ، هل يسلم منها الأزهر أيضا؟

اللهم هيئ للأزهر علماء عاملين، صابرين محتسبين يعيدون له دوره التليد، إنك حميد مجيد. آمين..

المطلب الرابع: براءة ذمة ترافق ركوب الموجة

أراد الأزهر أن يبرى ذمته إزاء هذه القضية، فأصدر البيان التالي:

" أولا:إن علماء الأزهر على مختلف مواقفهم اشتركوا مع غيرهم من رجال القضاء والقانون والاقتصاد بوجه عام في أعمال اللجان التي شكلها مجلس الشعب في الفصل التشريعي الثالث برئاسة الأستاذ الدكتور صوفي أبو طالب ، وثابوا واستنهضوا الهمم، حتى أتمت اللجان مهمتها التشريعية.

ثانيا: إن هذه اللجان لم تبدأ من فراغ،بل اتخذت القوانين السائدة الآن أساسا فراجعتها، واستبدلت بغير الشرعي من نصوصها، نصوصا شرعية مستقاة من فقه المذاهب الإسلامية المعتبرة، فلا محل إذن لاقتراح العودة إلى الدراسات، أو القول : بأن البعض يضع دراسات أو مشروعات، لأن هذا تمييع لقضية تعد من أهم قضايا عصرنا في مصرنا العزيزة التي تقود إلى أمتها الى المنعة والقوة الذاتية.

وإن الأزهر يحذر من هذه المقترحات التي تهدف إلى إضاعة ما أنفق من جهد ومال ووقت طيلة فصل تشريعي كامل لمجلس الشعب.

في تطهير القوانين وإعدادها لتكون مستمدة من فقه الشريعة الإسلامية، إمضاء لحكم الله، وإمضاء لإيمان وعقيدة الناس الذين تسن لهم وعليهم هذه القوانين.

ثالثا: إن مجلس الشعب أرسل إلى الأزهر الكتاب رقم 1490 المحرر في 26/10/ 1982م ، ومعه مشروع قانون العقوبات، نصوصا دون مذكرة إيضاحية، وتمت مراجعة هذه النصوص وأعيدت إلى المجلس باسم رئيسه الأستاذ الدكتور صوفي أبو طالب بكتاب شيخ ألزهر المؤرخ في 7/10/ 1983م ، ومعه تقرير بالملحوظات طلبا لإجرائها قبل طبع النصوص وإذاعتها، كما طلب منه الانتهاء من إعداد المذكرة الإيضاحية للمشروع للتثبت من وفائها بالمراجع الفقهية التي استمدت منها النصوص، تمكينا للدارسين من رجال القضاء والمحاماة من تفسير النصوص بالرجوع إلى مصدرها.

رابعا: لقد ورد إلى شيخ الأزهر كتاب السيد الأستاذ لمستشار أحمد موسى رئيس لجنة الشئون الدستورية والتشريعية بمجلس الشعب في أواخر الفصل التشريعي الثالث لهذا المجلس بتاريخ 16 ربيع الأول 1404هـ الموافق 20 ديسمبر 1983م ، يطلب الرأي في الاقتراحات بمشروعات قوانين بشأن المعاملات المدنية والإثبات والعقوبات التي أعدتها لجان تقنين الشريعة بمجلس الشعب مع مذكراتها الإيضاحية، وذلك للمراجعة الأخيرة، أو إبداء ما قد يكون للأزهر عليها من ملاحظات.

وقد أنهت لجنة من السادة أعضاء مجلس مجمع البحوث الإسلامية مهمة مراجعة هذه المشروعات ومذكراتها الإيضاحية بتقرير أرسله الأزهر إلى السيد الأستاذ الدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب في مستهل الفصل التشريعي الرابع بعد الانتخابات، وذلك بالكتاب رقم518 ص بتاريخ 10/7/ 1984م .

وقد اختتم شيخ ألزهر خطابه إلى السيد رئيس المجلس بما يلي: ويسرني إرسال نسخة من هذا التقرير أملا في أن يتولى مجلس الشعب إنهاء الإجراءات التشريعية بالنسبة لاستصدار هذه القوانين وغيرها المنضوية تحت لواء الشريعة الإسلامية.

واختتم البيان بالتحذير من الذين يقصدون تحويل الأنظار والأفكار عن المسئولين عن تأخير إصدار هذه القوانين، وإلقاء مسئولية هذا على الأزهر" انتهى البيان.

وأود الوقوف إزاء هذا البيان عند النقاط التالية:

1- إن الأزهر اختار ألا يكون له دور مستقل في موضوع تطبيق الشريعة الإسلامية، بل اختار أن يقصر دوره على المشاركة في أعمال لجان مجلس الشعب. ( راجع الفقرة الأولى من البيان: أولا).
2- اكتشف ألزهر أن القول بأن البعض يضع دراسات أو مشروعات حول موضوع تطبيق الشريعة الإسلامية هو تمييع لتلك القضية التي هى من أهم قضايا العصر.
وأنا شخصيا لا أعلم لماذا لم يكتشف الأزهر أن سكوته تلك السنين الطويلة عن المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية لا يعتبر تمييعا لقضية العصر.
3- في الفقرتين ( ثالثا) و( رابعا) ، لم يزد البيان عن الحديث عن بعض القضايا الإجرائية بين مجلس الشعب وبين الأزهر. ثم انتهى دور الأزهر بقيام مجمع البحوث الإسلامية بمهمة مراجعة مشروعات القوانين المحولة إليه من مجلس الشعب، وكذا مذكراتها الإيضاحية.

وأرسل شيخ ألأزهر ، وهو مغمور بالسرور، نسخة منذ لك التقرير إلى رئيس مجلس الشعب رفعت المحجوب .

ثم أسدل الستار.

وخلاصة الكلام: إن الأزهر لم يكن له دور شعبي في موضوع الاحتكام إلى شرع الله تعالى، بل اكتفى بركوب الموجة الشعبية التي نادت بذلك.

بل، وحتى لدى ركوبه تلك الموجة فإنه لم يزد عن توجيه دفة السفينة لتسير في انحناءات والتواءات التيارات الرسمية، تتلقفها أمواج الموائمات السياسية.

لقد اختار الأزهر لنفسه سلوك طريق مجلس الشعب كإطار يتم من خلاله تطبيق الشريعة الإسلامية، ومارس ذلك واقعا وفعلا.

لقد أضحى واضحا أن ذاك المسلك كان عند الأزهر منهجا وليس ضرورة ومن المؤسف حق أنه مستمر فيه رغم استمرار الفشل فإلى متى؟

الفصل السابع: تنازلات على الطريق

إن طريق المجالس النيابية ليس هو طريق المنهاج الرباني للتغيير. فلذلك تراه محفوفا بمحاولات التوفيق والتلفيق.

وبين يدي هذا المسلك تجد الإسلاميين يقدمون التنازلات تلو التنازلات، لعلهم يحظون بمزيد من مقاعد المجلس ولا تخلو هذه التنازلات من أويلات.

فمن ذلك، أنهم يؤولون تنازلهم لأجل دخول المجلس النيابة بقصة يوسف عليه الصلاة والسلام.

فها هو الشيخ صلاح أبو إسماعيل ، في مرافعته في قضية الجهاد يقول:" وأستأذن سيادة الرئيس.. فيما أن هذا الحديث وقف أمامي وأنا أعتزم ترشيح نفسي لأول مرة، فأسعفني قول الله تعالى بلسان نبيه يوسف ، وقد رأى ندرة الكفايات، وإشراف سفينة المجتمع على الغرق، فقال للملك" قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم" يوسف: 55ز ثم اتجهت إلى دراسة أقوال لعلماء بالآية والحديث، فأعجبني أنهم يفضلون البعد عن الإمارة إذا أسندت الأمور إلى أهلها، وأهلها هم المنفذون لشريعة الله ، فإن أسند الأمر إلى غير أهله، فقد وجب على الكفايات أن ترشح نفسها".

ولست بصدد الرد على مثل هذا التأويل، فلعله يأتي فيما بعد، في هذا الكتاب أو غيره، ولكنة بصدد إيراد هذه التأويلات بين يدي ما يقدمونه من التنازلات.

والذي أعلمه أن يوسف عليه الصلاة والسلام قد أنقذ الله به سفينة المجتمع من الغرق، وقد أخذ الأمر على عاتقه بعد أن منح الصلاحيات المطلقة، فكان هو ألأمر، وأمره هو المنفذ والمطاع.

لكن مجتمعنا لا تزال سفينته تواصل الغرق رغم مرور السنين الطوال على دخول الإسلاميين المجالس النيابية.

ذلك الدخول الذي تم بغير ضمانات ولا صلاحيات، إذ ليسوا هم في تلك المجالس الآمرين، وليس لديهم سلطة رجالها لأمرهم منفذون ولقراراتهم مطيعون.

ودعنا الآن نستعرض بعض التنازلات باختصار ضمن خمسة مطالب.

المطلب الأول: الإخوان تحت مظلة الوفد

حزب الوفد ليس حزبا إسلاميا، بل هو حزب علماني، يسيطر على قيادته أصحاب رؤوس ألأموال بزعامة فؤاد سراج الدين .

ومنذ أواخر الأربعينات كان هذا الحزب ينظر إلى قاعدة الإخوان الشعبية العريضة نظرة الحاسد اللئيم. وكان يفكر دوما في كيفية توظيفها لصالحه، أو على الأقل، الاستفادة منها ولو إلى حين وكان أسلوبه في ذلك أن يعزف على الأوتار التي تجعل الإخوان يتعاطفون معه، بل يؤيدونه.

يقول ريتشارد ميتشل في كتابه" الإخوان المسلمون" " ومنذ أن غادر عبد الهادي الحكم في أواسط 1949م ، تولت الصحيفة الوفدية اليومية ( المصري) قضية الإخوان المسلمين ، مشيرة بأسلوب ملتهب إلى اغتيال البنا وإلى التحقيق الهزيل الذي تبعه، ومستقصية القرائن المعروفة بقدر الإمكان، وكان من الواضح أنها فعلت ذلك ابتغاء النيل من السعديين ، واكتسابا لتأييد الإخوان في الانتخابات القادمة".

ونجحت خطة الوفد، ففاز في الانتخابات التي أجريت في 3 يناير عام 1950م وذلك بواسطة سواعد الإخوان.

يقول الأستاذ صالح أبو رقيق في تعليقه على هذه الانتخابات: " وما حصل الوفد على هذه النتيجة إلا بسواعد الإخوان المسلمين، الذين نزلوا المعركة الانتخابية بثقلهم لمساعدة مرشحي الوفد انتقاما من السعديين، حتى إن سكرتير الوفد السيد فؤاد سراج الدين صرح لأعوانه أثناء المعركة الانتخابية بأن لا داعي لارتباط الوفد بوعود من الإخوان، لأنهم سيتفقون مع مرشحي الوفد انتقاما من السعديين.

وعندما علمت قيادة الإخوان بهذا التصريح أصدرت تعليمات للإخوان بالوقوف على الحياد، مما أثار ثورة مرشحي الوفد على سكرتير الوفد، فطلب مقابلة أحد المسئولين في الإخوان، فقابله المرحومان الدكتور خميس وإبراهيم نجم، فوعدهما بأنه بمجرد تولى الوفد الحكم تعود للإخوان شرعيتهم، وترد لهم أموالهم، ويعوضون عن خسائرهم. ولكنه للأسف لم يف بما وعد".

تقول مجلة الدعوة عدد 16 سبتمبر 1977م عن موقف الوفد الذي تبع تلك الانتخابات :" ولكن معاليه- أي : فؤاد سراج الدين – لم يكد يجل على كرسي الحكم حتى تبخرت الوعود ود الأمر العسكري بحل جماعة الإخوان سنة أخرى.. وبقى المركز العام وبقية الممتلكات والأموال المصادرة .

وأراد وزير الداخلية الوفدي أن ينتقم من الإخوان الذين شقوا عليه عصا الطاعة ولم يخروا له ولقانونه ساجدين، فأوعز بكتابة مذكرة ببيع المركز العام إلى وزارة الداخلية ليكون مقرا لقسم الدرب الأحمر".

ولم يتسلم الإخوان مركزهم العام إلا في 15 ديسمبر سنة 1951م.

أي: بعد حوالي سنتين من الوعود التي منحها إياهم الوفد بمقابل منحهم أصوات الإخوان الانتخابية في يناير عام 1950م.

واستمر الوفد في الاستفادة من قواعد الإخوان ليبنى عليها منجزاته .

يقول الأستاذ محمود عبد الحليم في الجزء الثالث من كتابه" الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ " وكان إلغاء حكومة الوفد لمعاهدة 1936م دافعا قويا ألجأ الوفد إلى التقرب إلى الإخوان المسلمين وخطب ودهم، لأنه فوجئ بأن إلغاء المعاهدة قد أوجد فراغا لا يملؤه إلا قوة شعبية أخذت نفسها بأسلوب التضحية والجهاد.

ولم تكن هيئة في مصر قد أخذت نفسها بهذا الأسلوب غير الإخوان المسلمين ، وقد جربوا أنفسهم في ذلك الأسلوب في فلسطين وأبلوا بلاء حسنا.." .

ولنطو صفحة الأربعينات والخمسينات ولنفتح صفحة السبعينات والثمانينات. وسف نلاحظ من خلال ذلك كيف يعيد التاريخ نفسه، وكيف تتكرر نفس الأخطاء. لكن أين الذي يعتبر؟

بدأ الإخوان منذ انتخابات عام 1976م يلوحون بأهمية مشاركة الإخوان في مجلس الشعب وأن هذا الطريق مغلق عليهم بسبب منابر السادات الثلاثة، أو أحزابه الثلاثة: اليمين الوسط واليسار. وبدأوا يصفون الصورة القائمة بطريقة يستنطق من خلالها الجواب.

فإذا قلت مثلا: لابد أن أشترك في مجلس الشعب، لكنهم لا يسمحون لي بصفتي القائمة.

ثم قلت: إنهم لا يسمحون إلا لثلاثة أحزاب.

عندها لن يكون مستغربا أن أقول لك: ولماذا لا تدخل المجلس من خلال أحد هذه الأحزاب الثلاثة؟ إذ ليس المطلوب هو الاسم، بل المسمى.

أرأيت ، ها أنت قد سقت لي الوقائع بطريقة تقود في النهاية إلى تبرير ما تريد، بحيث أنك تغلق على في المستقبل أي وجه من أوجه لاحتجاج.

وهكذا حصل .. ففي افتتاحية مجلة الدعوة، العدد السابع الصادر في ديسمبر 1976م كتب الأستاذ صلاح شادي مقالا افتتاحيا تحت عنوان : كلمة إلى نواب الشعب.

ومما جاء فيه قوله: " كان ألأولى أن يفسح المجال للشعب لاختيار منابره وأحزابه بإرادته الحرة المعبرة عن ذاته، ولا يقتصر الأمر على إلزام الشعب بهذه الأحزاب الثلاثة، ولكن جرت تصريحات المسئولين بعدم السماح لأي حزب ينهض على قاعدة دينية بالوجود ضمن تنظيمات مجلس الشعب.


ويتساءل الناس في حيرة يائسة: إذا كان في نظام الدولة ما يسمح للحزب الشيوعي بالوجود، بالرغم مما يعلمه خاصة الناس وعامتهم عن فلسفته عن الدين، وأنه أفيون الشعوب ، فهل ضاق نظام المجلس عن وجود متسع فيه لحزب الموحدين الذين يؤمنون أن الإسلام دين ودولة، عقيدة وشريعة، مصحف وسيف؟" انتهى كلام مجلة الدعوة.

إذن ، المسئولون لا يسمحون لاى حزب ينهض على قاعدة دينية بالوجود ضمن تنظيمات مجلس الشعب ، والناس يتساءلون في حيرة.

فما الحل؟

وهكذا تمهدت الساحة من جديد للخطوة القادمة. لكن هذه الخطوة تأخرت حتى عام 1984م ،وذلك بسبب مواقف السادات من الإخوان المسلمين ومن عموم الجماعات الإسلامية في مصر.

في ذلك العام بدأت الدعوة لانتخابات جديدة لمجلس الشعب، وقرر الإخوان إدراج مرشحيهم ضمن قوائم الوفد.

وقصة سبب ترشيح الإخوان ضمن قوائم الوفد نشرتها جريدة ( الوطن) الكويتية الصادرة بتاريخ: 14مارس 1985م على لسان جابر رزق، أحد المبرزين في قيادة الإخوان في مصر، وأقتطع من تلك المقالة ما له علاقة بموضوعنا.

قال جابر رزق:" .. ونحن نرى أن الحزبية التي تلتزم بأصول الإسلام وسلوكياته لا أظن أن الإسلام يقف في طريقها، بالإضافة إلى أن الواقع الذي نعيشه لا يمكن تجاهل مقتضياته، فنحن نوائم بينها وبين المبادئ والأصول الإسلامية، وهذا ما دعانا للتشريح على قوائم حزب الوفد في الانتخابات للوصول إلى السلطة التشريعية.. وهنا أود أن أوضح أن جميع الأحزاب المصرية قبل الانتخابات عرضت علينا أن نترشح على قوائمها ، بما فيها حزب التجمع، وجاء العرض من التجمع بواسطة شقيق لأحد الإخوان، عضو في التجمع ، ومن خلال دراسة أوضاع هذه الأحزاب ومواقفها وعقائدها استقر الرأي على الترشيح على قوائم الوفد".

" وقال الأستاذ عمر التلمسانى في لقائه بالأستاذ فؤاد سراج الدين زعيم الوفد:" إن الإخوان المسلمين قوة شعبية، والوفد قناة شرعية، ولا مانع من التعاون بيننا وبينكم، ولكن داخل المجلس، الوفدي وفدى ، والاخوانى إخواني، ولا يتصور أن يكون الوفدي إخوانيا ولا والاخوانى وفديا" وهذا الكلام ردده الأستاذ عمر التلمسانى على لسان الأستاذ فؤاد سراج الدين في لقاءات متعددة، وأعتقد أننا في هذا لم نقدم تنازلات، ولم نحد قيد أنملة عن المنهج الذي حدده حين البنا" انتهى كلام جابر رزق فيما نشرته صحيفة الوطن نقلا عن مراسها في القاهرة حسنين كروم.

ولنا إزاء هذا النص بعض الوقفات:

1- قال جابر زق:" ونحن نرى أن الحزبية التي تلتزم بأصول الإسلام وسلوكياته لا أظن أن الإسلام يقف في طريقها.. ثم قال: ومن خلال دراسة وضاع هذه الأحزاب وعقائدها استقر الرأي على الترشيح على قائم الوفد".
لقد قالجابر رزق هذا الكلام، وتركنا لوحدنا نتساءل: كيف أمكن التوفيق بين العقيدة العلمانية لحزب الوفد وبين كونه حزبا يلتزم بأصول الإسلام وسلوكياته.
2- ما سر هذا الانجراف من قبل الأحزاب المصرية جميعها، بما فيها حزب التجمع، نحو الإخوان ليعرضوا عليهم الترشيح على قوائمهم؟
الجواب واضح: هو أن الجميع يريدون الاستفادة من أصوات قواعد الإخوان.
والطريف في الموضوع أن الوفد هو الذي فاز بذلك الود فاستحوذ على الكنز الانتخابي والاخوانى.
تماما نفس الصورة التي كانت في انتخابات 1950م الوفد يصل البرلمان بسواعد الإخوان .
وقد كتبت مجلة المجتمع الكويتية في عددها رقم 721 تاريخ: 11/6/1985م نقلا عن مراسلها في القاهرة تقول:" إنها- أي الحركة الإسلامية- استطاعت رغم المعوقات والعراقيل أن تفوز في انتخابات مجلس الشعب التي جرت في مايو من العام الماضي بأكثر من 15% من الأصوات، وأن حزب التجمع لم يحصل على أكثر من 4% من نفس الانتخابات ، رغم أن دعايته الانتخابية، بشهادة التجمع، كانت أنجح الدعايات وأكثرها تنظيما وحيوية وحزب الوفد لم يكن له أدنى تأثير جماهيري، لأنه عاد إلى الحياة العامة قبل الانتخابات بشهور قليلة، ولولا تحالفه مع الإخوان ما كان ليحصل حتى على 11% من الأصوات".
3- تنازل حزب التجمع عن مضمون شعاراته اليسارية وعرض على الإخوان الترشيح على قوائمه.
أقول: هذا مفهوم، فعندهم الغاية تبرر الواسطة ولو على حساب عقيدة الحزب، هذا عندهم، لكن عندنا الأمر يختلف، إذ العقيدة أولا، والغاية لا تبرر الواسطة، لكن للأسف أقول: إنه عند المقابلة بين موقف التجمع وموقف الإخوان فإن الصورة لا تكاد تختلف ، إذ إن الإخوان تصرفوا بنفس طريقة التجمع عندما عرضوا الترشيح على قوائم حزب الوفد العلماني، وأنا لا أعلم لماذا ينساق الإسلاميون لمثل هذه المواقف المحرجة بسهولة ولا يستخلصون الاستفادة حتى من تجاربهم السابقة.
4- إن إخضاع المنهاج الدعوى الإسلامى إلى قضايا المزايدات السياسية يشكل خطورة بالغة وسابقة خطيرة، وموضوع تبادل المصالح السياسية على حساب المنهاج القويم مرفوض قطعا، فالقول: إن الإخوان المسلمين قوة شعبية، والوفد قناة شرعية، ولا مانع من التعاون بيننا وبينكم ، هذا القول هو مشروع اتفاق يعبر عن صفقة سياسية تضفى صورة إسلامية على حزب الوفد العلماني.
وماذا سيقول رجل الشارع عندما يرى أسماء القيادات السياسية للإخوان على قوائم حزب الوفد، وكيف سيتصرفون؟
إنه – ببساطة – سيعطى صوته للعلمانيين والوفديين ولسان حاله يقول: هل أنا أفهم السياسيات أحن مما يفهمها الإخوان المسلمون ؟
لا شك أن هذا الموقف فيه تغرير لرجل الشارع المسلم.
5- إن موقف الإخوان هذا قد نقل الصراع إلى ساحة الإسلاميين أنفسهم. فالإخوان يعلمون جيدا أن موقفهم هذا لا تقره كثير من الجماعات الإسلامية لا داخل مصر ولا في خارجها، خاصة إذا علمنا أن الترشيح على قوائم حزب الوفد ليس هو مجرد وضع أسماء على ورقة أو دعايات انتخابية، بل هو اجتماعات ومحاورات وترتيبات وتنسيقات، بما يضيع صورة التميز الإسلامى للحركة السلامة.
وهكذا قدم الإخوان 17 مرشحا، نجح منهم 10 أعضاء، وكان الذي رتب التنسيق بين الوفد والإخوان هو الشيخ صلاح أبو إسماعيل.
6- إن ا لخلل في منهج الاستدلال هو الذي أودى بالإخوان وغيرهم من بعض الجماعات الإسلامية المتعددة في مهاوى الترخص والتنازل، ذلك أنهم اعتبروا " منهج حسن البنا" هو المرجع الذي يرجع إليه سواء في المنطلق أو لدى وقوع الخلاف.

انظر إلى جابر رزق في قوله- وهو يحدد منبع الدليل على الدخول إلى غياهب الوفد-:" وأعتقد أننا في هذا ، لم نقدم تنازلات، ولم نحد قيد أنملة عن المنهج الذي حدده حسن البنا" سبحان الله العظيم؟ فأين الكتاب والسنة، أين منهاج الله تعالى ورسوله؟

ثم نمضى قدما ونسمع رأى الأستاذ عمر التلمسانى في موقف الوفد من تطبيق الشريعة الإسلامية وهل اتفق معه على ذلك:

بصدد هذه النقطة قال الأستاذ التلمسانى:" كون الوفد- كما قيل على لسان صلاح أبو إسماعيل – يؤجل عرض قضية تطبيق الشريعة فهي مسألة ترجع إلى الوقت في تقديرهم ، إنما نرى بوجوب أن يطرح الأمر على مجلس الشعب ليرى الرأي فيها".

ثم استمر التنسيق بين الوفد والإخوان في مجلس الشعب، وعندما سرت شائعات بوجود خلاف بين الطرفين، سارع الأستاذ عمر التلمسانى إلى نفيها.

فقد ورد في مقابلة أجرتها معه صحيفة (القبس) الكويتية ونشرتها في عددها 4854 بتاريخ :

16/11/1985م سؤال وجهه له مندوب الصحيفة جاء فيه:

" تردد مؤخرا أن هناك خلافا قد وقع بين الإخوان المسلمين وبين حزب الوفد .
ويقال : إن نقطة الاتفاق الأولى التي التقيا حولها- وهى تطبيق الشريعة الإسلامية- قد تحولت مؤخرا إلى نقطة خلاف بينهما، فإلى أي مدى وصل هذا الخلاف؟"

فأجاب الأستاذ التلمسانى:" هذه شائعات لا أساس لها من الصحة بدليل أنه منذ فترة قصيرة للغاية، نشرت إحدى المجلات المصرية حديثا للأستاذ ممتاز نصار المتحدث الرسمي باسم الوفد في مجلس الشعب قال فيه: إنه لا خلاف بين الإخوان وبين الوفد من تطبيق الشريعة الإسلامية، وإن الوفد سيتقدم بجملة قوانين مدروسة في الدورة الجديدة لمجلس الشعب حول تطبيق الشريعة الإسلامية".

ثم سأل مراسل ( القبس) الأستاذ التلمسانى :" هل سيراعى حزب الوفد خلال هذه المشروعات بقوانين وجهة نظر الإخوان المسلمين في تطبيق الشريعة الإسلامية؟"

فأجاب الأستاذ التلمسانى :" ليس للإخوان المسلمين وجهة نظر معينة في تطبيق الشريعة الإسلامية، لأنني في جلسات الاستماع التي عقدتها اللجنة الدينية بمجلس الشعب قد أعلنت أن الإخوان المسلمين يطالبون بتطبيق الشريعة الإسلامية، ولكننا تريد التطبيق على مهل وفى تؤدة حتى لا نتعثر في الطريق.." .

فنحن نفهم من هذه المقابلة أن نقطة الاتفاق الأولى التي التقى فيها الوفد مع الإخوان هى تطبيق الشريعة الإسلامية من خلال مجلس الشعب.

والسؤال الآن: إلى أي مدى سيستمر الوفد في رفع الراية التي يخدع بها المسلمين؟

يجيبنا عن ذلك وحيد رأفت رئيس الحزب، فيقول في خضم حديثه عن خلافات الوفد مع الشيخ صلاح أبو إسماعيل :"معركتي مع الشيخ صلاح لم تكن معركة أو انشقاقا شخصيا، إنما كانت معركة فكرية واضحة بين تيارين ، تتحد ملامحهما الآن في صورة أحزاب سوف تتكون على الساحة السياسية المصرية، أحدهما تيار ليبرالي علماني يؤمن بالصبغة المدنية في الحكم، ويتبنى فصل السياسة عن الدين، ويقبل بعلاقة الدولة بالدين في المناسبات الدينية والتعليم الديني في المدارس، وتيار آخر هو في الأصل تيار عنف وتيار تكفير وتيار سياسي في جوهره يرتدى ثياب الدين، وهو لا يؤمن بالديمقراطية ، ولا يرى الأحزاب إلا حزبين: حزب الله وحزب الشيطان، وهو أيضا لا يؤمن بحدود الوطن، ويرى فيها اختراعا استعماريا، وأنا أعتقد أن الوفد سيجد نفسه منضما إلى التيار الأول: إما بحكم التاريخ، أو ربما بحكم الخوف من محاذير المستقبل، وهذا يعنى فك التحالف مع الإخوان".

فهاتان صورتان متقابلتان، إحداهما: نظرةالإخوان بالنسبة للوفد، والثانية: نظرة الوفد بالنسبة للإخوان، وشتان ما بين النظرتين، إذ ليس بينهما أدنى توافق.

وهنا أسجل للتاريخ ما قاله الأستاذ التلمسانى عن لقائه مع فؤاد سراج الدين ،

قال: " قبل الانتخابات كان هناك لقاء بيني وبين فؤاد سراج الدين ، فقلت له: اطمئن تماما بأنه إذا كان هناك احتمال لأي خلاف بين الوفد والإخوان فلن يبدأ به الإخوان، وأكد لي انه يملك نفس الفكرة، فلن نبدأ معكم بخلاف أبدا".

وفى الوقت الذي كرس فيه الإخوان توافقهم مع حزب الوفد العلماني فإنهم اختلفوا مع الشيخ صلاح أبو إسماعيل الإسلامى.

يقول الأستاذ التلمسانى: " لا خلاف بيننا وبين الوفد، كما قلت: إنني لم أعرف بتصرف الشيخ صلاح أبو إسماعيل إلا من الجرائد، فهو لم يستشرني ،ولم أتفق معه في الاستقالة ، وتصرفه فردى من جانبه، ولا أدرى ما سبب تصرفه هذا إلا ما ذكره من أن الوفد تقاعس عن تطبيق الشريعة الإسلامية".

وهكذا تستهلك هذه الانتخابات أوقات الإسلاميين ، وتجعل كيدهم بينهم، وتراهم يسعون على أثرها دون فائدة ملموسة وبغير طائل، فقد سقط موضوع تطبيق الشريعة الإسلامية في مجلس الشعب سيء الذكر كام بينته سابقان ولم يخرج الإسلاميون إلا بمحن جديدة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.

المطلب الثاني: تنازلات الشيخ صلاح أبو إسماعيل على عتبة الوفد

أراني مضطرا لذكر قصة الشيخ صلاح أبو إسماعيل مع الوفدد، تكميلا للصورة، وإيضاحا للحقيقة القائلة: أن لا فائدة ترجى من هذه التنازلات التي يقدمها الإسلاميون، إذ دوما هم الخاسرون الوحيدون في هذه الساحة التي هى ليست ساحتهم.

وربما يتصور الإسلاميون أنهم يقاتلون بغيرهم، فإذا غيرهم هو الذي يقاتل بهم.

ودعني أترك الكلام للشيخ صلاح أبو إسماعيل ليحدثنا عن قصته مع الوفد من خلال مقابلة أجرتها معه صحيفة ( الأنباء) الكويتية ونشرتها في عددها الصادر بتاريخ : (4 /3/1985م).

يقول الشيخ صلاح أبو إسماعيل رحمه الله :" .. دخلت الوفد على أساس أن برنامج الحزب فيه نص على أن الحزب يرى أن الشريعة الإسلامية هى المصدر الوحيد للتقنين في مصر، والحزب عزل فرج فودة الذي ينادى بالعلمانية التي تدعو إلى فصل الدين عن الدولة، وأيضا أصدر فؤاد سراج الدين بيانا في 11/مارس / 1984م يقول فيه بأن الوفد مع الدستور في المناداة بتطبيق الشريعة الإسلامية، ويؤكد أن الوفد حرب على العلمانية ، والوحدة الوطنية جزء من عقيدة الوفد التي لا تتبدل، ثم خاض المعركة بنشرات انتخابية ينص في أول نقطة منها على ضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية، وعلى هذا الأساس رحت أدعو إلى انتخاب الوفد في شتى المحافظات .

وعلى هذا الأساس رحت أدعو إلى انتخاب الوفد في شتى المحافظات، وكان لابد أن ننتظر حتى ينتهي مجلس الشعب من مناقشة بيان الحكومة ورئيس الجمهورية، وبعد ذلك نتقدم بالمشروعات والاقتراحات برغبة في مناقشة موضوع الشريعة الإسلامية، فلما جاء أوان ذلك وكان ذلك في 11 يناير 1985م عقدت اللجنة البرلمانية لحزب الوفد اجتماعا، وقلت لهم: لقد جاء الأوان لكي نتقدم جميعا باقتراح برغبة لكي يناقش مجلس الشعب موضوع تطبيق الشريعة الإسلامية، وبعد أخذ ورد فإن قرار فؤاد سراج الدين ، والذي أعلنه أمام الهيئة البرلمانية وأخص بالذكر ممتاز نصار وعلوي حافظ وحسن الجمل والدكتور عبد الغفار عزيز قال: إن حزب الوفد لن يتقدم إلى المجلس مطالبا بتطبيق الشريعة الإسلامية، فلما ناقشته في المبادئ التي دخلنا عليها مع الوفد لم أر تجاوبا، فقلت لهم: سأتحرك كعضو في مجلس الشعب مطالبا بتطبيق الشريعة الإسلامية، وهذا ما فعلته طوال وجودي كمستقل في مجلس الشعب، فإذا بالمفاجأة الثانية هى قوله: لن يسمح الحزب لواحد من أعضائه أن يتحرك في مجلس الشعب مطالبا بتطبيق الشريعة الإسلامية، فهالني ها، وقلت له: إنك عودتنا على عرض القضية على الزملاء، وخاصة في حالة اختلاف وجهات النظر فقال: ولن نسمح بعرض هذه القضية على الهيئة البرلمانية ، ولهذا أعلنت تجميد عضويتي حتى أطرح هذه القضية على الجمعية العمومية باعتبار عضوا مؤسسا في حزب الوفد.." فقال مندوب ( البناء) : قال لي الأستاذ ممتاز نصار على وجه التحديد إن الهيئة البرلمانية لحزب الوفد قد أيدت فؤاد سراج الدين في الاجتماع العاصف في يناير الماضي، وما هى وجهة نظرك وأنت تقول إن فؤاد سراج الدين رفض طرح هذه لقضية على الهيئة البرلمانية؟

فأجاب الشيخ صلاح أبو إسماعيل : " اعتقد أن الأمر لم يطرح على الهيئة البرلمانية لحزب الوفد- مع احترامي لممتاز نصار- لأن رئيس الحزب رفض طرحه، واستشهد به شخصيا وبمن ذكرتهم، حتى إن الأستاذ حسن الجمل قال: إننا لم ندخل مجلس الشعب إلا من أجل الشريعة، وحتى أن الدكتور عبد الغفار عزيز قال: يا باشا أنا وقعت مطالبا بتطبيق الشريعة الإسلامية، ولن أسحب توقيعي، فقال له: لا تسحب توقيعك، ولكن لا تتحرك مرة أخرى في المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية".

ثم سأل مندوب ( الأنباء) : هل أنت نادم على انك كنت همزة الوصل بين الإخوان والوفد؟

فأجاب الشيخ صلاح أبو إسماعيل:" أبدا.. وأنا سعيد بهذا كل السعادة، وواثق كل الثقة بأن هذا الوفاق بين الوفد والإخوان سينتهي حتما إلى واحد من أمرين: فهو لقاء، وإما سينتهي بتسليم الوفد لما ينادى به الإخوان ، وهذه نهاية سعيدة سواء تم على يدي أو يد غيري ، أو ن يعرف الإخوان ما عرفته من اتجاه الوفد كما أعلنه رئيسهن وعند ذلك سينفضون أيديهم تماما من ارتباط بحزب يمتنع عن المطالبة بالشريعة الإسلامية ويحجر على أعضائه المطالبة بالشريعة، ويأبى أن يناقش الموضوع كقضية، وليجربوا أنا سعيد بهذه التجربة" انتهى كلام ما اخترته من مقابلة( الأنباء) للشيخ صلاح.

وفى مقابلة أجرتها ( آخر ساعة) المصرية مع الشيخ صلاح أبو إسماعيل ونشرتها في 6/ 2/ 1985م في عددها رقم 2624 قال الشيخ صلاح:" فاخترت الوفد بعد أو أوضحت لفؤاد سراج الدين بأن الإسلام قضيتي، فوضع أمامي برنامج الحزب الذي ينص على أن الشريعة الإسلامية هى المصدر الوحيد للتشريع في مصر، وقد حضرت اجتماع الهيئة البرلمانية لحزب الوفد في 11 يناير 1985م ودارت مناقشات حرجة ومحرجة أعلن بعدها فؤاد سراج الدين أنه لن يسمح بأن يتحرك للمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية في مجلس الشعب".

والآن أسجل ملاحظات مهمة حول هذه المقتطفات :

أولا: يقول الشيخ صلاح أبو إسماعيل أنه دخل الوفد باعتبار أن برنامجه ينص على أن الشريعة الإسلامية هى المصدر الوحيد للتقنين في مصر.

و:نحن بدورنا يحق لنا أن نعجب من هذه المقولة ، إن حزب الوفد هو حزب علماني مناول يوم تأسس فيه، وقد مرت عليه عشرات السنين ، وهو على علمانيته ، فكيف تحول بين عشية وضحاها إلى حزب اسلامى ينادى بأن تكون الشريعة الإسلامية هى المصدر الوحيد للتقنين في مصر، ليس هذا فحسب ـ بل أصبح حربا عل العلمانية.

هذا من جهة ، ومن جهة أخرى، كيف نفصل بين برنامج الحزب وبين واضعيه، إن الذين وضعوا برنامج الحزب هو فؤاد سراج الدين ووحيد رأفت وشلتهما، وهؤلاء الأشخاص علمانيون حتى العظم، وهم يعترفون بذلك، ولم يقوموا في يوم من الأيام أنهم قد عادوا عن علمانيتهم ، ولم نلمح لهم سلوكا يؤيد عودتهم عنها، فكيف نصدقهم في دعواهم المناداة بتطبيق الشريعة الإسلامية وهم لا يزالون على حالهم الأول؟
إن عزل فرج فودة الذي ينادى بالعلمانية من حزب الوفد لا يغير شيئا، علما أن فرج فودة خرج من الوفد في ظروف- تكتيكية- اقتضتها التحالفات الجديدة، وخاصة بسبب كتابه" الوفد والمستقبل".
إن خروج فرج فودة من االوفد لا يكفى لإزالة صبغة العلمانية عن الحزب، إذ لابد من خروج فؤاد سراج الدين نفسه ووحيد رأفت ومن على شاكلتهما، ثم ننظر بعد ذلك إن كان الوفد لا يزال علمانيا أم ماذا ؟
ولفرج فودة هذا رواية في قضية برنامج الحزب وما ورد فيه من لفظ ( المصدر الوحيد) فيقول:" برنامج الوفد الأصلي موجود، والنص تحديدا: الشريعة الإسلامية مصدر أصيل للتشريع" انظر : " آخر ساعة" العدد 2624.

وإذا اعتددنا بكلام الشيخ صلاح أبو إسماعيل فإنه يبقى للأمر احتمالان:

الأول : أن برنامج الحزب الذي طرحه فؤاد سراج الدين هو برنامج ملفق وليس هو البرنامج الأصلي للحزب، وهذا ينسجم مع أخلاقيات هؤلاء الناس.
والثاني: أن فرج فودة يكذب في دعواه هذه ، وليس ذلك بمستبعد ، ,وعلى الحالين فالوزر على الرجلين.
لكن الذي يثير عجبنا حقا هو إصرار الشيخ صلاح أبو إسماعيل على تبرئة الوفد من علمانيته، ويصطنع لذلك تبريرات يحاول أن يقنع المسلمين بها، ولا أدرى إن كان هو حقا مقتنعا بها؟
ففي مقابلة أجراها معه الدكتور عمر عبد السميع ونشرتها مجلة (المجلة) في عددها رقم 213 تاريخ 16/3/ 1984م قال الشيخ صلاح أبو إسماعيل – ردا على سؤال :" هل يفهم من انضمامك إلى الوفد أنه بريء من العلمانية؟" - : " الوفد بريء من العلمانية لأنه مرتبط بدستور مصر الذي ينص على أن الإسلام هو دين الدولة الرسمي، وأن الشريعة الإسلامية هى المصدر