الإسلاميون وسراب الديمقراطية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإسلاميون وسراب الديمقراطية
دراسة أصولية لمشاركة الإسلاميين في المجالس النيابية
مكتبة مدبولي


د. عبد الله سامي إبراهيم الدلال

محتويات

الإهداء

أهدي هذا الكتاب

لكل مسلم يعقد العزم على أن يكون له دور في تحديد الدين في هذا العصر الذي نحتاج فيه جميعا إلى شحذ هممنا وبذل جهودنا لتدخل دعوة الإسلام كل بيت وتعم عقيدة التوحيد جميع الأرض ..

بين يدي هذا الكتاب

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على إمام المرسلين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

وبعد فبين يدي هذا الكتاب أتحدث فيه عن موضوعات ثلاثة :

الأول : العمل الإسلامي والساحة السياسية المعاصرة .

الثاني : تعريف بهذا الكتاب .

الثالث : الموقف من هذا الكتاب .

العمل الإسلامي والساحة السياسية المعاصرة

بعد أن غابت شمس الخلافة الإسلامية عام ( 1924م) أضحت الأمة الإسلامية كيتيم لا والدين له .. فتشتت أجزاء وتناثرت أشلاء .

ومن أهم ما آل إليه أمر الأمة الإسلامية القضايا التالية :

1- تنحية شرع الله تعالي عن الحكم والاحتكام إلى القوانين الوضعية البشرية المستوردة من الشرق والغرب ..
2- استيلاء الطغاة على دفات القيادات السياسية في البلاد الإسلامية.
3- محاربة الإسلام والمسلمين في معظم البلاد الإسلامية مع موالاة أعداء الإسلام ..

انتشار ألوان الفساد على كافة المستويات سواء ما تعلق منها بالفكر والثقافة والسياسة أو ما تعلق منها بالأخلاق والسلوك والمعاملات ..

وقد تفاوت عمق وتأثير هذه القضايا الأربع في البلاد الإسلامية كل بحسبها فأما تنحية شرع الله تعالي عن الحكم والاحتكام لقوانين البشر فيكاد يكون عاما في كافة البلاد الإسلامية وأما أصقاع هذه البلاد فقد تجزأت إلى وحدات سياسية مستقلة كل عن الأخرى فبعضها يحكمها ملوك ، وبعضها أمراء وبعضها رؤساء جمهوريات، ومنهم من يحارب الإسلام نهارا جهارا ومنهم من يحاربه سرا وخفاء ، ومنهم من يداري ويحابي : إما مكرا ودهاء وإما مصلحة ورياء ثم إن منهم من يصلي ومنهم من لا يصلي ومنهم من يصلي في المناسبات ولا يصلي بقية الأوقات ثم إن منهم من يقدم في ظاهر الأمر للإسلام خدمات ومنهم من يضيق عليهم الدروب ويورثهم الشدة والأزمات ثم إن منهم من باشر ذلك بنفسه ومنهم من باشر ذلك من خلال الأحزاب العلمانية التي طوعها لخدمته ..

ولقد أدي حكم الناس بالقوانين الوضعية إلى اختلال التوازن في المجتمع الإسلامي ، ثم مال به إلى التطبع بتوجيهاتها وأحكامها وقراراتها فانفلت زمام الأمة وانخرم جمعها ، وانفرط عقدها وانقطعت صلتها بكتاب ربها وسنة نبيها صلي الله عليه وسلم ..

ومعلوم أن القوانين لها الأثر البالغ في بلورة وتشكيل وصياغة حياة الأمة وتحديد منحاها واتجاه حركتها خاصة إذا قيض لها من يسهر على تنفيذها ويقوم على حراستها وما من شك أن القوانين الوضعية المستوردة التي حكم بها العالم الإسلامي قد نجح القائمون على تنفيذها في إعادة صياغة الحياة في الأمة الإسلامية وصبغها بغير صبغتها فتوجه مسارها على وفق منحي المنهج الغربي أو الشرقي بما لم يبق فيها من المنهاج الإسلامي سوي مزع وفتاتات مبعثرة هنا وهناك ..

ولقد كان أول معلم من معالم نجاح المخططات الماكرة أن ضعفت الصلة بين الأمة وعقيدتها ثم بينها وبين شريعتها وبدأت تنسحب شيئا فشيئا من مفاهيم إسلامها وتتخلي عن أمجادها وتاريخها حتى باتت لقمة سائغة في فم أعدائها يمضغونها كيفما شاءوا ويتلاعبون بأمرها على أى وجه أرادوا ، وما زالوا يستخدمون طاقاتها المادية والبشرية لتنفيذ برامجهم الإجرامية ومخططاتهم الطاغوتية وهكذا انصاعت الأمة لأعدائها من اليهود والنصارى والشيوعيين وأذنابهم .

ولقد وجد هؤلاء الأعداء من المنفلتين من إسلامهم من قوميين وبعثيين ووطنيين مادة خصبة تصلح لبث بذور فسادهم وقناة سالكة تمر من خلالها مخططاتهم ومؤامراتهم فتترست الأقليات الحاقدة على هذا الدين بهؤلاء المتنكرين لدينهم وتاريخ أمتهم واتخذت منهم وسائل وواجهات واصطنعت لهم أحزابا ومؤسسات ضمت كل عميل لفكر الغرب والشرق وكل كاره للإسلام ثم تغلغل هؤلاء العملاء في جميع مرافق بلاد المسلمين وخاصة العسكرية منها وتمكنوا في بعض البلاد من الاستيلاء على زمام الأمور فيها فأحالوا نهارها ليلا ، وقلبوا أخضرها يابسا واستغني بهم الأعداء عن مباشرة قمع المسلمين في ديارهم بأنفسهم بل لقد فعل بالمسلمين ما لم يجرؤ الأعداء على فعله فرأي المسلمون بأعينهم ما قرأوه عن همجية التتار يتجدد في بلاد المسلمين على أيدي من يدعون انتسابا للإسلام ومن لا يدعون وليس ببعيد ما جنت يدا طاغية مصر في الإخوان المسلمين ، ولا ما فعله طاغية الشام في حماة وتل الزعتر ولا ما ينفذه اليهود من الجرائم الوحشية في مسلمي فلسطين تحت حماية الأنظمة الحاكمة ..

إن مجمل هذه الأوضاع جعلت كثيرا من المسلمين في حيرة من أمرهم سواء أكانوا على مستوي أفراد أم مستويات جماعات ..

فمنهم من رد الأمر إلى كفر الحكام وألحق بعضهم بعضا في هذا الحكم بلا استثناء ..

- ومنهم من كفر المسلمين إلحاقا لهم بالأحكام .

- ومنهم من رأي الاعتزال عن المجتمع والانكفاء على نفسه في الوديان والجبال .

- ومنهم من رأي مجاهدة الحكام بالقوة والسلاح .

- ومنهم من رأي سلوك المنهج الديمقراطي لتحكيم شرع الله .

- ومنهم من رأي مقاطعة المدارس والوظائف والجيش مع بقائه في المجتمع .

- ومنهم ... ومنهم .

إن شدة وطأة الأمر على قلوب المسلمين المخلصين قد أفرزت كل هذه التوجهات ثم يضاف إلى ذلك ما عليه كثير من المسلمين من الجهل بالضوابط الشرعية التي تتحدد بها الاتجاهات والمواقف .

ولقد جعلت هذا الكتاب مخصوصا للرد على من رأي سلوك المنهج الديمقراطي لتحكيم شرع الله .

ولكن قبل الدخول في التفاصيل ولأجل تجلية الموقف لابد من بيان بعض النقاط المتعلقة بواقع الساحة الإسلامية .

النقطة الأولي : قال الله تعالي :" يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) ( النساء :59)لقد أمر الله تعالي في هذه الآية الأمة الإسلامية بطاعته وطاعة رسوله وأولي الأمر منهم فمن هم أولو الأمر الذين أمرنا بطاعتهم ؟

  • أهم الذين نحوا شريعة الله عن الحكم وعن حياة الناس أم هم الذين حكموا بها وأقاموها في الناس ؟
الجواب واضح.
وإذا ما التفت المسلم لواقع المسلمين اليوم فإنه يري أن جل حكام المسلمين لا يحكمون بشريعة الله فإنهم قد فقدوا الأهلية الشرعية التي تبقيهم في هذه المناصب لأن مناط بقائهم فيها مرتبط بقيامهم بواجبات الدين وقد قرر هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية في " السياسية الشرعية " فقال " يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين بل لا قيام للدين إلا بها ، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض ولابد لهم عند الاجتماع من رأس "
إلا أن هؤلاء الحكام لا يريدون التزحزح عن مناصبهم بل يدافعون عن وجودهم فيها إلى آخر رمق لذلك أعدوا الجيوش والشرطة لحماية نظمهم من أى تهديد داخلي أو خارجي ..
ولما كانت مواقف هؤلاء الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله متباينة من حث واقع حالهم الشخصي وواقع وعودهم وتبريراتهم لعدم الحكم بما أنزل الله فقد انقسم الإسلاميون في شأ، تبين حكم الشرع فيهم فمن مكفر لهم ومن مبرر لهم ..
ولكن الواضح في المسألة أن من أقيمت عليه الحجة ولم يكن متسترا بتأويل سائغ شرعا ولم تتحقق فيه شروط الإكراه والاضطرار فلا شك أنه داخل في مدلول قوله تعالي ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون )..

( الظالمون )... ( الفاسقون) المائدة44، 45، 47).

  • وهل تنزل هذه الآيات على جميع الحكام بمنزلة واحدة ؟
الجواب : كلا إنما تنزل عليهم كل بحسبه وواقع حاله وظاهر أمره .

النقطة الثانية : لما رأي كثير من الإسلاميين أن هؤلاء الحكام لا أمل فيهم بشأن التطبيق الشمولي لأحكام الشريعة ولما لم ينضبط لديهم مفهوم الكفر البواح، ارتبط مفهوم التغيير عندهم بأحد أمرين :

- إما بالخروج الفوري على الحاكم بأى وسيلة ومن الوسائل التي يرونها مشروعة .

- وإما مهادنته والاستفادة من أواض1عه الديمقراطية المفززة للمجالس النيابية فالأولون وقعوا في خطأ التلازم بين تكفير الحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله وبين الخروج عليه فورا فهؤلاء وضح عندهم الهدف بحسب ما يرونه لكنهم أخطئوا إليه الوسيلة .

- والآخرون وقعوا في خطأ عدم إخضاع حال الحاكم الضابط الشرعي في تكفيره أو عدمه ثم في خطأ المشاركة في المجالس النيابية هادفين إلى تحكيم الشريعة الإسلامية من خلال الحاكم الرافض لها فوقعوا في خطأين !!

-النقطة الثالثة : ولما كان تحكيم الشريعة الإسلامية مرتبط بطبيعة النظام القائم من حيث قبوله أو رفضه وبما أن ذلك مرتبط بالحاكم في ذلك النظام وبالدستور الذي يحتكم إليه فوجب بيان الضابط الشرعي للمسألتين : الحاكم والدستور .

أ‌-الحاكم : إن الإجماع منعقد على أن الشخص يثبت له الإسلام إذا شهد بالشهادتين ولا يكفر بذنب لم يستحله ، ولا يخرج من دائرة الإسلام إلا بكفر بواح فيه من الله أو رسوله برهان فلابد من تحقق شروط وانتقاء موانع ، وهذا ينطبق على الحاكم كما ينطبق على كل مسلم والفرق أن الكفر البواح من الحاكم يستلزم الخروج عليه ضمن الضوابط الشرعية المتفق عليها عند أهل السنة والجماعة وأما المسلم سوي الحاكم فكفره البواح يستلزم عقابه العقوبة الشرعية من قبل الحاكم المسلم ..

ويكون الكفر بواحا :

- إذا استعلن به الفرد معبرا عن نفسه بأنه كافر .
- إذا اعتقد عقيدة من عقائد الكفار مخالفة لعقيدة المسلمين بغير تأويل مقبول شرعا ثم لم يرجع عنها بعد إقامة الحجة عليه .

-إذا عمل عملا علم من الدين بالضرورة أى : بدليل شرع من كتاب الله أو حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم ، أن من فعله يحكم عليه بالكفر ..ولكن هل كفره مخرج له من الملة أم لا ؟ وهل يعتبر كفره كفرا عمليا فقط أو اعتقاديا أيضا ؟ فيه تفصيل لكن من عبد عبادات الكفار بغير إكراه ( كمثل السجود لصنم أو الصلاة لنار ) أو وضع تشريعا شموليا أو جزئيا للناس ألغي به تشريع الله تعالي وأمر الناس بطاعة تشريعه والتولي عن طاعة تشريع الله فهو ملحق بنوعي الكفر : العملي والاعتقادي .

ب‌-الدستور : معلوم أن منهاج المسلم هو دين الله تعالي الذي أنزله على محمد صلي الله عليه وسلم وقد أمر المسلم أن يحتكم إلا لدين الله : الكتاب والسنة ولكن الحكام المعاصرين قد وضعوا من عند أنفسهم دساتير أحلوا الاحتكام إليها في المنازعات وغيرها محل الاحتكام لشريعة الله ورسمت لهم منهج حياة مستقل ومخالف لمنهاج الله ورتبت الثواب والعقاب بحسب طاعة أو مخالفة الدستور فما هو موقف المسلم من ذلك ؟

إن موقفه هو الرفض التام لهذه الدساتير البشرية والتولي عن طاعتها وعدم الاحتكام إليها والكفر بها قال الله تعالي ( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم أمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ) ( النساء : 60 ) فالأمر الشرعي هو أن يكفر بتلك الدساتير .

النقطة الرابعة : إن الحال الذي ذكرته أعلاه أوقع الإسلاميين في إشكالات متعددة إزاء الصور الواقعة ومنها :

- حاكم يصلي كل الأوقات ولكنه يحكم في المسلمين دستورا مخالفا لشرع الله كليا أو شبه كلي .
- حاكم يصلي ولكنه ينفذ بعض شرع الله ولا ينفذ البعض الآخر بل يحل محله تشريع البشر .
- حاكم يصلي في المناسبات ويستشهد بالآيات ولكنه يحكم في المسلمين سوي شرع الله ويقتل الدعاة أو يسجنهم ويعذبهم ..
- حاكم لا يصلي ولا يحكم شرع الله تعالي .

فالحاصل أن المشكلة هي عدم تحكيم شرع الله وأن الذي وراء المشكلة هو الحاكم وبطانته وزبانيته – أى :

الملأ – ثم من يدعمه من الداخل والخارج..

واختلف الإسلاميون في معالجة المشكلة بعد أن اتفقوا على أن شرع الله غير محكم واختلفوا أيضا في الحكم على الحاكم الذي لا يحكم بشريعة الله .

فالذين حكموا بإسلامه قالوا بعدم جواز الخروج عليه وظنوا أن لا طريق أمامهم لتحكيم شريعة الله إلا الاستفادة من الديمقراطية التي يدعيها الحاكم فاختاروا المشاركة في المجالس النيابية سبيلا للوصول لمرادهم فإن لم يكن نظامه ديمقراطيا فهم بين ساكتين في المجالس النيابية سبيلا للوصول لمرادهم فإن لم يكن نظامه ديمقراطيا فهم بين ساكتين أو مؤيدين وقليل منهم ناصحون ومرشدون .

وأما الذين لم يحكموا بإسلامه فقالوا بوجوب الخروج عليه فورا ، وأن لا طريق إلى ذلك إلا الجهاد بالقوة والسلاح.

والذي أقوله وهو قول الفريق الثالث :إن المشكلة الحقيقية تكمن في الانتهاك العام لمفاهيم الإسلام في العقيدة والشريعة وأن الأمر برمته يحتاج لعمل دعوي تجديدي شمولي منظم يستفيد من جميع طاقات الإسلاميين في كل العالم ( ما كان في بوتقة التنظيم وما كان خارج بوتقته ) ويوظفها توظيفا موجها ومبرمجا ويري أن التربية على الأصول الإسلامية ووفق تصوراتها هو السبيل الذي من خلاله تتجدد معالم الدين في المسلمين .

وإن تعدد الجماعات الإسلامية يعتبر ظاهرة طبيعية لمفردات الواقع الإسلامي وبالتالي فإن هذا التعدد لا ينبغي أن يوظف عائقا حقيقيا يحول دون الوصول لذاك الهدف بل يمكن اعتبار أن كلا منها يسد فجوة من الفجوات ويغلق باب من الأبواب التي يتدفق منها الفساد ويتحدر من خلالها الشر وإن المطلوب هو ترشيد عقدي وحركي لهذه الجماعات بحيث تتضح أمامها حقيقة الواقع بكافة أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسلوكية وغيرها لأجل أن تنظر إليها من الناحية التقويمية والدعوية من خلال المنظار الأصولي لأهل السنة والجماعة وهذا بدوره يؤسس القاعدة التي يمكن أن تلتقي عليها هذه الجماعات في إطار الانصهار التنظيمي في بوتقة واحدة شاملة ذلك الانصهار الذي يبدو بسبب المعطيات الحالية للجماعات الإسلامية وخاصة على مستوي القيادات نظريا أكثر مما هو عملي ولكن يمكن تحقيق ذلك عمليا – كليا أو جزئيا – عندما ترتقي القيادات بمفاهيمها التصورية والتنظيمية للتتطابق مع الأصول الكلية لأهل السنة والجماعة وخاصة فيما يتعلق بالسياسة الشرعية.

ويقول هذا الفريق : إن الذي ينبغي أن ينال الاهتمام المناسب هو الدعوة إلى الله تعالي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع حضور شعبي للدعوة وتأثير واقعي مترادف مع اتساع جماهيري حتى تصل قوة المد الدعوي كما وكيفا إلى المرحلة التي يستطاع عندها الاستعلان بالمواجهة الندية مع الذين يحكمون المسلمين بغير ما أنزل الله ..

وإن من علامات تلك المرحلة أن تتوفر لدي العمل الإسلامي من القوي عدديا وماديا ما هو أعلي من الحد الأدنى المطلوب لمثل تلك المواجهة ولا شك المواجهة على مستوي الطرح العقدي والتأطير الفكري للصراع مع ما يصاحب .

ذلك من تحديات على المستويات الثقافية والاجتماعية والسلوكية فضلا عن السياسية وغيرها ستكون متصاحبة ومتصاعدة مع كل مرحلة من مراحل الصراع السابقة لمراحل المواجهة المتسمة بالحدة والشدة..

وعلى كل حال فإن هذا الأمر لا يمكن إدعاء إمكان حصره الآن أو توقيته كما أنه يستعصي على الضبط الموحد لكافة البلاد الإسلامية إذ لكل بلد ظروفه وأحواله وملابسات الأوضاع فيه وفي كل الأحوال فإن هذا العمل الدعوي الشمولي ينبغي أن يكون منضبطا بالضوابط الشرعية الأصولية في كافة مراحل تطوره المتتابعة .

النقطة الخامسة : لنلتقي في هذه النقطة أضواء على الآراء السابقة ..لابد من ايضاح أن الديمقراطية هي ليست مجرد قبة برلمان أو عدد من الكراسي يقبع فوقها مثيلها من النواب .

إن الديمقراطية منهج وضعي بشري علماني قائم على مبدأ فصل الدين عن الدولة وإطلاق الحريات بغير قيد وعلاقات اقتصادية وسياسية واجتماعية وتوجهات فكرية وثقافية وممارسات في العلاقات الإنسانية وسوي ذلك نابعة كلها من حثالات العقول البشرية دون الرجوع إلى أى دين سماوي إنها نظرة للكون والحياة والإنسان منفصلة انفصالا كليا عن الإسلام وغيره من الأديان ..

وعندما انهزم المسلمون في هذا القرن انعكست هذه الهزيمة على توجهاتهم وطريقة تفكيرهم وأصبح كثير منهم يتقمصون منهج المنتصرين وهم الغرب ظنا منهم أنهم بذلك سيستعيدون ما فقدوه من انهيار الخلافة وانسحاب حياة المسلمين من شرع الله ومع غياب التصور السليم لمعالجة هذه الأوضاع المستجدة بعد سقوط الخلافة الإسلامية المنعقد أمل كثير من الإسلاميين على امتطاء المنبر الديمقراطي ودخول الانتخابات والمجالس النيابية ظانين أنهم من خلال ذلك سيستطيعون تحكيم شرع الله تعالي وهم بهذا الفعل كالمستجير من الرمضاء بالنار ومما يؤسف له حقا أن هذا التوجه قد تحول إلى منهج عمل سياسي لدي أولئك المسلمين .. ورغم أ، جماعات إسلامية متعددة اعتمدت منهج التربية الطويل لمغالبة عوامل العصر إلا أنها وظفت كثيرا من تلك الطاقات التي سلكت بها منهج التربية في خدمة خططها الانتخابية وبرامجها النيابية وانبري دعاتها وكتابها يدافعون عن هذا السلوك ويبررونه بشتى التبريرات .

ولما مضي زمن طويل ولم تتحصل للعمل الإسلامي أو منفعة من ولوج المجالس النيابية ورأي بعض الشباب المسلم أنه لا طريقة سلمية تجدي مع أنظمة معادية للإسلام ومدججة بالسلاح ومتدرعة بالقوة والغطرسة قرروا سلوك الطريق الآخر وهو القوة إزاء القوة والسلاح ضد السلاح وظن بعض هؤلاء الشباب أن القضية تكمن في الحاكم دون النظام وفي الرئيس دون المرءوس وأنهم إذا خرجوا على ذلك الحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله فهددوه وقتلوه فإن زمام الأمر سينتهي إلى أيديهم وقالوا : لا فائدة ترجي من طول التربية وامتداد الإعداد بل لابد

للخروج فورا على ذلك الحاكم المنتهك لشرع الله لينال قصاصه العادل وليحل محله الحاكم المسلم المنصف المطبق لشرع الله .

والحقيقة أن هذا الحل الذي رأع هؤلاء الشباب نتج من رد فعلين :

الأول : هو هزيمة المنهج الديمقراطي الذي سلكه الإسلاميون النيابيون لأجل التغيير مما أدي إلى خيبة أمل شاملة ،

الثاني : شدة بطش الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله بالدعاة والعاملين للإسلام مع انتهاكهم المستمر والمبرمج لهذا الدين في عقيدته وشريعته وشعائره بما لا يمكن السكوت عليه ولا يفل الحديد إلا الحديد..وإن المتمعن في واقع الحال يجد أن الذين طرحوا استعمال القوة فورا للخروج على الأنظمة الحاكمة لم يتمكنوا من تحقيق ما يريدون في المدة التي ظنوا أنهم من خلالها سيفعلون ذلك..

وبين هذين الطريقين " طريق الديمقراطية وطريق التغيير بالقوة كان الطريق الثالث وهو الذي ذكرته فأصحاب الطريق الثالث يرون أ، المنهج الديمقراطي مخالف الإسلام ولا يمكن تطبيق الإسلام من خلال منهج يخالفه وأيضا فإنهم يرون أن كفر الحاكم لا يعني الخروج الفوري عليه باستعمال القوة والسلاح بل يرون طريق الإعداد والتربية والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في إطار خطط مرحلية تشمل التوسع الفقي المتنامي مع الإعداد العمودي هو الطريق الأحكام والأصح وعندما يصبح الكم والكيف في الحدود المطلوبة والكافية للدخول في مراحل حاسمة مع النظام فعندها تبدأ تلك المرحلة التي قد تطول بدورها لفترة غير محددة وفي كل الأحوال فإن كافة المراحل يجب أن تكون خاضعة للدراسات الشرعية المستفيضة أخذة بعين الاعتبار أن خوض الغمار بالسلاح غالبا ما يكون مجلبا للفتنة والفتنة عمياء تطال البر والفاجر وتصيب المؤمن والكافر بغير ما تحديد ولا هدف .

وما أسهل أن تسعر نار الفتنة ثم ما أصعب السيطرة على امتدادها وإطفائها وإن فتنة الاقتتال تحت رايات متداخلة غير متفاصلة من أعظم الفتن التي تترك آثارها عبر الأجيال فلا تكاد تخمد حتى تتوقد فلتتحاش الجماعات الإسلامية السقوط في هذه الحفرة ما وجدت لذلك سبيلا فإن لم تجد إلا ذلك السبيل فليكن مدروسا بعناية فائقة ومستنفذا جميع الأدلة الشرعية التي تبرره .

النقطة السادسة : في هذه المحطة أتكلم عن ضوابط العمل الدعوي في المجال السياسي وغيره .

في دفاع الإسلاميين عن وجهة نظرهم بشأن مشاركتهم في المجالس النيابية قالوا: إن تلك المشاركة هي أفضل تعبير عن الحضور السياسي للإسلاميين ومن خلالها يستطيعون ترك بصماتهم السياسية على الوضع العام وإن كلام الفريق الثالث هو كلام عام لا يمثل أى ثقل حقيقي في الساحة السياسية الإسلامية بل يصادر تأثيرها وضغطها على السلطات .

ولست بصدد الرد على هذا الكلام إذ سيأتي في محله من الكتاب إن شاء الله تعالي ولكني أقول : بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذو معني واسع وله وجوه متعددة ذات تأثيرات بالغة ومن وجوهه الحضور السياسي الإسلامي إذ في البلاد التي تتدعي الديمقراطية لا يعدم الخط الإسلامي وسائل استخدام المنابر المتاحة له سواء في المجال الإعلامي من صحافة ومجلات وأشرطة ’ أو في المجال الخطابي أو في المجال النقابي ، بل وفي المجال الاقتصادي أيضا ، ومجالات أخري وتمتلك القيادة الإسلامية خلال اضطلاعها بالأعباء الدعوية السيطرة على كيفية تصعيد أو تخفيف أو توجيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما يخدم ضرورات المرحلة ويلبي احتياجاتها وبما لا يجعل الزمام يفلت من يدها كل ذلك بحسب القدرات والطاقات المؤثرة لديها .

إن استقلالية العمل الإسلامي على كافة المستويات وخاصة المستوي السياسي بعطي لهذا العمل تميزا وقوة ضاغطة وفاعلة إذ أنه بهذا المنحي لن يكون مستوعبا من قبل الأجهزة الرسمية لأنها لا تملك إمكانية استيعابه وإذا حدث هذا جزئيا ومتفرقا فلن يحدث كليا وشموليا ومع استمرار الزمن فإن العناصر النشطة والمتحركة في هذا العمل ستتمكن من التغلغل وأخذ زمام المبادرة في كافة مرافق الدولة فضلا عن سيطرتها على الجامعات والمعاهد ومع تقدم الزحم الدعوي واتساعه وشموله فإنه وسائل الضغط الإسلامية باتجاه التغيير ستأخذ توجها يتقرب من الحسم شيئا فشيئا .

ويتقرر ذلك ويتحدد إذا تقيد العمل السياسي بالنقاط التالية :

1- وضوح العقيدة على منهاج أهل السنة والجماعة ( ما أنا عليه وأصحابي )
2- الانضباط بأصول أهل السنة والجماعة في الاستدلال والحركة.
3- تبين سبيل المجرمين والتزام سبيل المؤمنين في كيفية إدارة الصراع الدعوي مع أصحاب سبيل المجرمين ويتضمن ذلك الإحاطة بساحة الصراع ومكوناتها والعناصر الفاعلة فيها كما يتضمن الإحاطة بالتحديات الفكرية والثقافية والحضارية التي تترك انعكاساتها في تلك الساحة وكيفية إعمال مفهوم الولاء والبراء في كافة التحركات والتوجهات .
4- نشر الوعي السياسي المتقيد بالضوابط الشرعية بين صفوف عناصر العمل الإسلامي .
5- وضوح الهدف الأساس وهو الدعوة إلى الله وبيان الإسلام للناس وأنه كل لا يتجزأ وأنه لا يجوز الاحتكام للقوانين الوضعية ولا يجوز الرضا بترقيع هذه القوانين بفتاوى شرعية مع بيان موقع الحكم بما أنزل الله تعالي من العقيدة .
6- عدم الدخول في تحالفات وجبهات وطنية مع أعداء الله من قوميين وشيوعيين وإضرابهم ..
7- بيان موقف الإسلام من القضايا المعاصرة كالحكم بغير ما أنزل الله والمجالس النيابية وما يسمي تحري المرأة – أى : انقلابها من الضوابط الشرعية – وتعطيل الجهاد والحدود السياسية الإقليمية ، والطوائف المدعية الانتساب للإسلام وحقيقة عقائدها وتاريخها وارتباط الأنظمة المشبوهة وغير المشبوهة مع الشرق والغرب وحقيقة الأفكار والعقائد الوافدة من علمانية وشيوعية وحداة ووجودية وغيرها ..
8- بيان حقيقة عداوة الأنظمة وأتباعها للإسلام والدعاة كل بحسبه إذ لا ينبغي للعمل الإسلامي وهو يتقحم المجال السياسي السكوت على إجرام الطواغيت وكيدهم بل له دور بالغ ومؤثر في التصدي لهم ..
9- فضح مخططات الأعداء في الكيد للإسلام والمسلمين نصارى ويهود شيوعيين مجوس ، سيخ الخ..

10- تعريف المسلمين بحقيقة ما كان عليه الامتداد الجغرافي للإسلام في الأرض وأن كثير من الأراضي التي في يد أعداء الإسلام الآن كانت للمسلمين مع بيان المآسي والآلام والإجرام الذي صاحب إخراج المسلمين من ديارهم ..

11- الالتزام بالعمل الدعوي السلمي ما وجد لذلك سبيلا وعدم استخدام العنف والقوة إلا في الحدود التي تقررها قيادة العمل الإسلامي بعد أن تلاحظ ميزان المصالح والمفاسد آخذة بعين الاعتبار أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ومعلوم أن مثل هذه الأمور لا يجوز ترك الاجتهاد فيها للأفراد إلا في حالات ضيقة جدا كالدفاع عن النفسي والعرض عند تعرضهما للخطر المحدق من قبل أعداء الله ويترتب على هذا الفهم أن إدراك القيادة بأن هناك هدفا مركزيا وأساسيا للدعوة هو التغيير الجذري لواقع المجتمع الإسلامي يعتبر بؤرة وجوهر ومحور التحرك الدعوي مستهلمة في ذلك أسلوب الرسل في طريقه مقارعة الظالمين ومنهجهم في دعوة الملأ .
12- الاستفادة من كافة الإمكانات الدعوية المتاحة سواء كانت شعبية أو حكومية بشرط أن لا يعكر على الدعوة صفاءها ولا يربطها بما يشوب نقاءها .
13- في بعض البلاد الرأسمالية ليس مجديا إلا امتطاء صهوة الجهاد بعد تأمين الحد الأدني لاستمراره وثباته كأفغانستان مثلا مع ملاحظة أن بعض ضوابط العمل السياسي المذكورة كانت قد أخذت مجراها مسبقا بأعماق متفاوتة قبل بدء الجهاد هناك ولا يستغني العمل الجهادي في أفغانستان عن باقي الضوابط التي ذكرتها في سبيل أن يتوج هذا الجهاد بإقامة النظام الإسلامي في تلك البلاد على منهاج النبوة ..

النقطة السابعة : أسجل في هذه النقطة ملحوظات على العمل السياسي الإسلامي لبعض الجماعات الإسلامية ..

1- عدم وضوح الرؤية بشأن إسقاط المعني العقدي للحاكمية على واقع الأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي .
2- انتهاج الطريق الديمقراطي كمنهح للوصول لتحكيم الشريعة الإسلامية .
3- الدخول في تحالفات مرفوضة شرعا مع قوي غير إسلامية وتشكيل جبهات وطنية معها .
4- تأييد الدساتير التي تكرس الحكم بالقوانين الوضعية ..
5- عدم قيام أكثر العلماء بتعرية واقع الذين نحوا شريعة الله عن حياة الناس بل مسارعة بعضهم للدفاع عن أولئك وتبرير أفعالهم التي يرفضها الشرع ويستنكرها .
6- التنسيق مع بعض القوي الباطنية والتعاون معها أو تأييدها .
7- التركيز في الجانب التربوي على المعاني السلوكية والروحية ( إن صح التعبير ) على حساب الوضوح العقدي والعلم الشرعي مما أفقد القواعد الإسلامية ميزان النظر في التقويم الصحيح للواقع السياسي لقياداتها مما حرر القيادات من الجانب الرقابي من قبل القواعد بعد أن تحولت تلك القواعد إلى كم شبه مهمل بسبب الخلل في توازنها التربوي ..
8- الافتقاد للدراسات السياسية ذات التحليل العميق لمجريات الأحداث .
9- السطحية في المواقف السياسية والتخبط فيها بسبب غياب الرصد للواقع وافتقاد المنهج في رد الأمور إلى مظانها وعدم عرضها على الضوابط الشرعية .
10- استبعاد جانب الإعداد التعبوي بسبب الاعتقاد الخاطئ بأن العمل السياسي كاف لوحدة لإقامة النظام الإسلامي في الأرض ونتج هذا الاستبعاد من تجاهل تلك الجماعات الإسلامية للقوي الحقيقية التي بحوزة الأنظمة والمؤهلة ماديا ومعنويا للدفاع عنها حتى آخر رمق لأن سقوط تلك الأنظمة هو سقوط للامتيازات الكثيرة التي حصل عليها الملأ والمستظلون بنفوذهم ..
11- تغلغل أجهزة الأنظمة في بعض المشاريع المهمة للعمل الإسلامي أفقد قيادات ذلك العمل استقلالية القرار السياسي ..

إن مجمل هذه الملحوظات قد انعكست سلبيا على مسار الحركة الإسلامية وأفقدها الاستغلال الحقيقي لزخم ما أطلق عليه تعبير الصحوة الإسلامية .

وما يؤسف له حقا أن كثيرا من الحركات الإسلامية لا تزال متخبطة .

هذا الكتاب

إن المتفحص للساحة الإسلامية يري أن معظم الجماعات الإسلامية بنت مخططاتها في التغيير على المبدأ الديمقراطي فهي إما ضالعة فيه وإما مناضلة لأجله وكم من وعود معلنة كانت قد قدمتها بعض الجماعات الإسلامية بأنها في حال هيمنتها على الحكم ستجعله ديمقراطيا وأن مجلسها النيابي ستتمثل فيه كافة الطوائف وأنها ستطلق حرية الأحزاب والتعبير عن كافة الآراء والاتجاهات مع عدم التعرض لها حال إعلانها ولا حال الدعوة إليها .

وقد انبري عدد من الكتاب الإسلاميين للدفاع عن هذا المنهج الديمقراطي وسارع عدد من الدعاة المعروفين إلى ترشيح أنفسهم عند أول بادرة سنحت لهم في ذلك وقامت المجلات الإسلامية ولا تزال – بتغطية إعلامية مكثفة لهذا المنهج فدبجت المقالات وعقدت المقابلات وأجرت الحوارات ورغم السقوط العملي لهذا المنهج وثبوت إفلاسه في تقديم أى خدمة معتبرة لهذا الدين ودعاته فإن هذا السقوط ما زاد أصحاب الديمقراطية إلا شدة في الدفاع عنها وحماسا متأججا للدعوة إليها بل إن أكثر أفراد هذه الجماعات سلكوا مسلك قياداتهم في هذا الطريق من باب أن أمر القيادة ملزم ، أو من باب الاقتناع السطحي الذي لم يغر إلى الأعماق ولم ينفذ إلى صلب القضية .

إن أصحاب المنهج الديمقراطي من الإسلاميين قد شملتهم أكثر الملحوظات التي ذكرتها على العمل السياسي الإسلامي إن لم يكن قد شملتهم كلها وليست الخطورة كامنة فقط فيما أصاب العمل الإسلامي من تخبط وتقهقر بسبب سلوك المنهج الديمقراطي بل الخطورة الحقيقية أن يتحول بعض الإسلاميين إلى تبني منهج له نظرة في الكون والحياة والإنسان مخالفة مغايرة كليا لنظرة الإسلام في تلك المسائل مما أدي إلى غياب المفهوم الإسلامي في هذا الموضوع عند عدد غير قليل من الدعاة وقد رد بعض المفكرين الإسلاميين على تبني بعض الجماعات الإسلامية لهذا المنهج وبينوا خطورته إما بمقالات أو بفصل من كتاب أو ما شابه ذلك..

ولما رأيت أن الأمر بحاجة إلى تقديم دراسة أصولية لهذه المسألة فقد استعنت بالله تعالي وشرعت في كتابتها منذ بضع سنوات ولم أنته منها إلا منذ فترة قصيرة وذلك بسبب عدم التفرغ لهذا رغم أهميته ولا حول ولا قوة إلا بالله وأضع بين يديك أخي القارئ في هذا الكتاب دراسة أصولية لموضوع مشاركة الإسلاميين في المجالس النيابية ..

إن تجارب الإسلاميين في ولوج المجالس النيابية كثيرة منها ما حصل في مصر ، وفي سوريا ، وفي السودان ، وفي الجزائر ، وفي المغرب ، وفي الكويت ، وفي تركيا ، وفي باكستان ، وفي اندونيسيا ،، وغيرها .

وإن كل واحدة منها جديرة بدراسة تحليلية مستفيضة للتدليل فقط على أن هذا المنهج لا يصلح طريقا للتغيير إذ أن للتغيير سياسة شرعية مقررة وأن منهج الحكم في الإسلام خاضع لضوابط وقواعد شرعية ( ليس منها المجالس النيابية ) يمكن الرجوع إليها في مظانها من أمثال كتابي : الأحكام السلطانية للماوردي والفراء وكتابي : السياسة الشرعية لابن تيمية وخلاف وسواها كثير من الكتب التي خاضت في هذا الموضوع .

إن كتابي هذا متعلق بمناقشة دعوي الإسلاميين الذين يقولون بإمكان تحقيق المصالح الإسلامية من خلال المنهج الديمقراطي والمشاركة في الانتخابات والمجالس النيابية .

ولقد قسمت الجزء الأول من الكتاب إلى مقدمة وثلاث أبواب وخاتمة .

أما المقدمة فهي ما عنونته بـ " بين يدي الكتاب "

وأما الباب الأول فقد خصصته للحديث عن الديمقراطية وجعلته في ثلاثة فصول تحدثت في الفصل الأول عن طبيعة النظام الديمقراطي وتاريخه ثم تكلمت في الفصل الثاني عن مصلحة الأنظمة الحاكمة من النظام الديمقراطي ثم عقبته في الفصل الثالث بالكلام عن مصلحة الإسلاميين المجلسيين من النظام الديمقراطي .. وأما الباب الثاني فقد خصصته للحديث عن المجالس النيابية ومقاصد الشرع وجعلته من مدخل وأربعة فصول فأما المدخل فناقشت فيه فيما إذا كان تحقيق المصالح الشرعية من خلال المشاركة في المجالس النيابية حقيقة أم وهما ثم ناقشت الكيفية التي يريد بها الإسلاميون تحقيق المصالح التي ذكروها ثم ذكرت خطة البحث في هذا الباب ..

وأما الفصول الأربعة فخصصتها لعرض هذه المصالح على ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية .

فتكلمت في الفصل الأول عن الضابط الأول وهو الاندراج في مقاصد الشرع وجعلته في خمسة مباحث :

تحدثت في المبحث الأول: عن مدي إمكان تحقيق مصلحة تحكيم الشريعة الإسلامية من خلال المشاركة في المجالس النيابية فذكرت المراحل والمناط الدستوري لهذه القضية ثم ذكرت مراتب مقاصد الشريعة الإسلامية ثم ناقشت موضوع المجالس النيابية وتحكيم الشريعة على ضوء مقاصد حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ العقل وحفظ النسل وحفظ المال .

وفي المبحث الثاني: ناقشت موضوع المشاركة في المجالس النيابية لتحقيق مصلحة " الإصلاح حسب الاستطاعة " فبدأت بتشخيص واقع الأنظمة الديمقراطية في العالم الإسلامي ثم بينت فساد العقيدة من جهة النظام الديمقراطي الحاكم ثم ناقشت مدي إمكان إصلاح ما فسد بشأن العقيدة ثم بينت فساد التشريعات المنبثقة من النظام الديمقراطي على كافة المستويات الإدارية والقضائية والإعلامية والاقتصادية والثقافية والفكرية والتوجيهية والسياسية والاجتماعية والأمنية والدفاعية ، ثم أوضحت إن إصلاح كل هذا الفساد يحتاج إلى إصلاح النظام برمته وأن ذلك أن يبدأ من أعلي ثم ذكرت في هذا الفصل سلم التراجعات التي يقدمها الإسلاميون في أصل شعاراتهم المرفوعة مع محافظة الأنظمة الحاكمة على ثوابت أصلية ولا مانع لديهم من استخدام متغيرات جزئية يناورون بها حسب الحاجة ثم عرجت على الكلام عن ترتيب القضايا المطروحة وذلك من وجهة نظر الإسلام وهي : لمن تكون العبودية ؟ ومن له حق التشريع ؟

ثم بينت أن الإسلام لا يقر مبدأ أن الغاية تبرر الواسطة بل لابد من التقيد بالشرع سواء فيما يتعلق بالغاية أو بالواسطة الموصلة إليها ثم انتهت من هذا الفصل ببيان أن رفع هذا الشعار هو في حقيقة الأمر إضاعة لمقاصد الشريعة ..

أما المبحث الثالث : فناقشت فيه مصلحة عدم تمكين أعداء الله من الانفراد بالسلطة وبينت أن المشاركة في المجالس النيابية لم تحقق هذا المقصد وناقشت في المبحثين : الرابع والخامس دعوي أن المشاركة في المجالس النيابية تحقق مصلحة نشر الدعوة الإسلامية ومصلحة الدفاع عن حقوق المسلمين في العالم ..

أما الفصل الثاني : فقد تكلمت فيه عن الضابط الثاني من ضوابط تحقيق المصلحة في الشريعة الإسلامية وهو عدم معارضتها للكتاب والسنة وجعلته في ستة مباحث :

أما المبحث الأول: فجعلته في خمسة مطالب وبينت في المطلب الأول أن واقع المجالس النيابية مناقض لتوحيد الربوبية والأسماء والصفات والإلوهية وأما المطلب الثاني فوضحت فيه أن الدساتير الوضعية هي أطر تشريعات المجالس النيابية وأوضحت في المطلب الثالث أن المجالس النيابية تستبدل الطاغوت بشرع الله المحكم وبينت في المطلب الرابع كيف أن المجالس النيابية تحجب الجانب الرسالي عن حياة الناس ثم تساءلت في المطلب الخامس عن السبب الذي يجعل الملأ يكره شرع الله وأجبت فيه على ذلك ..

أما المبحث الثاني : فقد تحدثت فيه عن تضييع حدود الولاء والبراء وجعلته في خمسة مطالب بينت في المطلب الأول منها لمن يكون الولاء وممن يكون البراء ؟ ثم أوضحت في الثاني أن الموافقة علي منهج الطاغوت موالا له وفي الثالث ذكرت حقيقة الولاء لرموز الطاغوت وفي المطلبين الرابع والخامس وبينت أن التنسيق والتعاون مع أ‘داء الله ومداهنتهم هو من الموالاة لهم.

وأما المبحث الثالث : فقد بينت فيه أن المشاركة في المجالس النيابية فيها تثبيت لأركان الأنظمة الطاغوتية المتبرقعة بالديمقراطية ..

وفي المبحث الرابع : بينت كيف أن اتخاذ المجالس النيابية كمنهج في مواجهة الملأ ولتحكيم الشريعة الإسلامية هو تضييع للمناهج النبوي في طريقه تغيير الواقع الشركي إلى واقع إيماني وجعلته من مدخل وأربعة مطالب : الأول منها عن حلف الفضول والاني عن حلف خزاعة والثالث عن الجوهر والشكل في القضية المطروحة والرابع عن خطوط عريضة في المناهج النبوي في تغيير الواقع الشركي إلى واقع إيماني ..

أما المبحث الخامس : فجعلته للحديث عن المشاركة في المجالس النيابية وأن فيها تلبيسا على المسلمين في عقيدتهم من خلال إضفاء لبوس إسلامي على أنظمة غير إسلامية وجعلته في ثلاثة مطالب الأول : تحدثت فيه عن قبض العلم والثاني : عن دور العلماء في بيان الحق للأمة والثالث عن مهمة العمل الإسلامي من خلال علمائه .

أما المبحث السادس : فأوضحت فيه ان المشاركة في المجالس النيابية تشتمل ضمنا على الرضا بواقع الأنظمة الديمقراطية مع كونها ملغية للجهاد ومكرسة للإقليمية السياسية والجغرافية ومطلقة لحرية الإلحاد فضلا عن عدم تحكيم الشريعة الإسلامية ..

وفي الفصل الثالث : تكلمت عن الضابط الثالث من ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية وهو كونها غير معارضة للقياس ، وقد بينت في هذا المبحث أن المشاركة في المجلس النيابية معارضة للقياس وقد جعلته في أربعة مطالب ..

أما الفصل الرابع : فتحدثت فيه عن الضابط الرابع وهو عدم تقويتها مصلحة أهم منها أو مساوية لها ، وجعلته في ثلاثة مباحث تحدثت في المبحث الأول عن إجمال المصالح التي تضيع بمشاركة الإسلاميين في المجالس النيابية ثم تحدثت في المبحث الثاني عن إجمال المفاسد الناجمة عن مشاركة الإسلاميين في المجالس النيابية ثم ذكرت في المبحث الثالث ميزان النظر في المصالح ..

وأما الباب الثالث : فقد جعلته تحت عنوان : مصالح متوهمة أمام أبواب مغلقة وجعلته في أربعة فصول ، فبينت في الفصل الأول عدم اندراج المشاركة في المجالس النيابية في باب المصالح المرسلة ثم بينت في الفصل الثاني عدم اندراجها في باب سد الذرائع ثم أثبت في الفصل الثالث عدم اندراجها في باب الضرورة وأخيرا تساءلت في الفصل الرابع عن اندراج المشاركة في المجالس النيابية في باب البدعة وبينت من خلال هذا الفصل أنها مندرجة في المفهومين اللغوي والاصطلاحي للبدعة وتحدثت في هذا الفصل عن المشاركة في المجالس النيابية بين تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة ، وبين كونها حقيقية أو إضافية وهل هي جزئية أو كلية ؟ ثم ذكرت الفرق بين البدعة والمصلحة ولم أذكر في هذا الفصل اندراج المشاركة في المجالس النيابية في البدعة العملية أو الاعتقادية لأن في ذلك تفصيل يتعلق بالأشخاص وهو خارج موضوع الكتاب ثم جعلت لآخر هذا الجزء خاتمة أنهيت بها هذه الدراسة الأصولية .

الموقف من الكتاب

لا أعلم أن أحد قدم دراسة أصولية لمشاركة الإسلاميين في المجالس النيابية قبل هذه الدراسة ولذلك ستقابل هذه الدراسة بالترحيب من المؤيدين لعدم مشاركة الإسلاميين في المجالس النيابية وأيضا فإنها ربما تقابل بالرفض من قبل الجماعات الإسلامية المؤيدة للمشاركة في المجالس النيابية أو من بعضهم وآخرون لا يرحبون ولا يعارضون وأما موقف الحكومات من مثل هذه الدراسات فهو المعارضة والمصادرة .

والذي أنصح به إخواني في الله أن يقرءوا هذه الدراسة بإمعان ،أن يعيدوا قراءتها إن لم يتم استيعابها من المرة الأولي وأن يجردوا أنفسهم من المواقف المسبقة ولا يجعلوا للهوي والشيطان على قلوبهم سبيلا .

ثم إن القارئين لهذه الدراسة قسمان :

القسم الأول : أشخاص إسلاميون ربما منتمون لجماعة إسلامية أو غي منتمين فحسب هؤلاء أن يتعرفوا على الرأي المبين في هذه الدراسة وهو رأي مدعوم بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة.

القسم الثاني : قيادات في الجماعات الإسلامية المنتهجة لهذا النهج الديمقراطي وأملي في هذه القيادات أمران :

الأول: أن تأخذ هذه الدراسة محلها المناسب لها بشأن ما وضحته من خطورة المنهج الذي عليه المشاركون في المجالس النيابية ( وأقصد به المنهج الديمقراطي )

الثاني : أن لا توعز تلك القيادات جهرة أو خفاء للقواعد في تلك الجماعات بمقاطعة هذه الدراسة وعدم الاطلاع عليها .

وعلى كل حال فغني أسأل الله تعالي أن يجد هذا الكتاب طريقه إلى تصور الإسلاميين عموما والمجلسيين منهم خصوصا ثم يتحول هذا التصور إلى زخم ضاغط من القواعد على القيادات المستمرة على هذا النهج لأجل أن تصحح منهجها وتقوم مسلكها فتختط السبيل الصحيح لأجل تغيير الواقع المعاصر إلي ما يرضي الله ورسوله ، وذلك وفق المناهج الذي بينه الله تعالي ورسوله صلي الله عليه وسلم ..

هذا عن الإسلاميين وأما عن غير الإسلاميين من قوميين وشيوعيين وأمثالهم فربما تسرهم مثل هذه الدراسة لاعتقادهم أن ابتعاد الإسلاميين عن المجالس النيابية سيخلي لهم الساحة السياسية وهذا محض وهم ذلك أن الساحة الحقيقية المؤثرة والضاغطة هي ساحة الجماهير بكل مفرداتها فضلا عن أن تمسك الإسلاميين بأصولهم سيكون حافزا لهم لاقتحام البدائل الشرعية وعندما ينخلع تفكير الإسلاميين من التعلق بالمجالس النيابية فإنه عندها وعندها فقط سيتجه للأخذ بالبدائل الشرعية وهي بدائل ذات قيمة حقيقية ووزن فاعل وليست وهما أو حلما ..

اللهم إنك تعلم أني قد استنفذت وسعي وبذلت جهدي لأتعرف على طريق الحق في هذه المسألة فإن كنت قد وفقت فمنك وحدك وبعونك وفضلك فلك الحمد والشكر والمنة والثناء والحسن الجميل الطيب المبارك. وإن كنتا قد أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان وأستغفر الله العظيم..

( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا * ربنا ولا تحمل عليه إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكفرين )

(البقرة : 286) وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين .

كتبه العبد الفقير لرحمة ربه

د. عبد الغني بن محمد بن إبراهيم بن عبد الكريم الرحال

الموافق ( 23 ذو القعدة 1409هـ)

( 26 حزيران 1919 م)

الباب الأول الديمقراطية

الفصل الأول النظام الديمقراطي

من أقواله

( قيل : إن الديمقراطية أسوأ أنواع الحكم من بين كل الأنواع الأخرى التي جريت بين حين وآخر)ونستون تشرشل في المجلس العمومي البريطاني (1947م)

(كانت الديمقراطية حتى مائة سنة خلت شيئا فشيئا ، وفي الخمسين سنة التالية أصبحت شيئا حسنا ثم في الخمسين سنة الأخيرة أصبحت شيئا غامضا) س.ب. مكفرسون في " معني الديمقراطية الحقيقي "

الديمقراطية أكث تقدما وأكثر م تعقيدا من أى نظام سابق جيوفني سار توري في النظرية " الديمقراطي "

معني الديمقراطية وتاريخها .

الديمقراطية تعني " ( حكم الشعب بالشعب ) وهذه الكلمة هي جمع كلمتين ومعناها : الشعب ومعناها : السلطة .

أى : سلطة الشعب

لقد بزغت الفكرة مشاركة الشعب في السلطة منذ عصورة قديمة وقد شهدت بعض المدن اليونانية تطبيقا واقعيا لذلك كمدينتي : أثينا وإسبرطة .

وقد عبر أفلاطون عن ذلك فبين " أن مصدر السيادة هو الإرادة المتحدة للمدينة – أى : الشعب ك" في حين وضح أرسطو أنواع الحكومات فقال " إنها ثلاث : ملكية ، وأرستقراطية ، وجمهورية – أى: يتولي الشعب زمام أموره بنفسه ".

ثم اندثرت هذه الديمقراطية وساد أوروبا الإقطاع لقرون طويلة ثم نقضت فكرة الديمقراطية عن نفسها الغبار ولعبت الأيدي اليهودية ( تحت شعارات شتي وأهمها الماسونية ) لعبتها في صياغة شعارات الثورة الفرنسية وهي : الحرية والإخاة والمساواة ثم بلورت ذلك كله في إطار قانوني ملزم ، وكان ذلك في " إعلان الحقوق" الفرنسي الصادر عام (1789م) حيث جاء في المادة الثالثة :

" الأمة مصدر السيادة ومستودعها وكل هيئة وكل شخص يتولي الحكم إنما يستمد سلطته منها "

ثم ثبت ذلك في " الدستور الفرنسي " الصادر عام ( 1791م) فنص على " أن السيادة ملك للأمة ، ولا تقبل التجزئة ولا التنازل عنها ولا التملك بالتقادم"

ثم انتشرت فكرة الديمقراطية على المستوي العالمي وأخذ بها كثير من الدول وجميعهم استقوها من فرنسا ولم تستثن من ذلك معظم الدول الإسلامية ... فمصر على سبيل المثال نص دستورها لعام ( 1923م) في المادة ( 23) على أن " جميع السلطات مصدرها الأمة واستعمالها يكون على الوجه المبين بهذا الدستور "

وجاء في دستور عام ( 1956م) في " المادة الثانية" " السيادة للأمة وتكون ممارستها على الوجه المبين في هذا الدستور " ونصت " المادة الثانية" في الدستور المؤقت لعام ( 1964 م) على أن " السيادة للشعب وتكون ممارستها على الوجه المبين في هذا الدستور ".

وفي دستور عام ( 1971 م) نصت " المادة الثالثة " على أن :

" السيادة للشعب وحده ، وهو مصدر السلطات ويمارس الشعب هذه السيادة ويحميها ويصون الوحدة الوطنية على الوجه المبين في الدستور " ونصت المادة (86 ) من الدستور على أن " يتولي مجلس الشعب سلطة التشريع ..كما يمارس الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية "

وجاءت مثل هذه النصوص أو ما هو بمعناها في كثير من دساتير الدول الإسلامية .

فلسفة الديمقراطية

لقد تكلم بعض المتخصصين حول الأساس الفلسفي للديمقراطية ومبرراته العملية .

يقول الدكتور محمد كامل ليلة : الأساس الفلسفي للمبدأ الديمقراطي يرجع إلى نظرية العقد الاجتماعي التي نادي بها الفلاسفة وفقهاء القانون وازدهرت في كتابات – روسو – وخلاصتها أن العقد الذي أبرمته الجماعة هو الذي أنشأ السيادة وجعلها للأمة نفسها باعتبارها شخصا معنويا له إرادة تتكون من مجموعة إرادات الأفراد وبين – روسو – خصائص هذه السيادة المركزة في الأمة فقرر أنها وحدة لا تقبل التجزئة ولا يصح التنازل عنها إذ يجب بقاؤها دائما بيد الأمة "

ثم يقرر الدكتور " ليلة " المبررات العملية للمبدأ الديمقراطية وأنها ثلاث :

1- من حيث المنطق والتقدير السليم حيث إن هذا النظام هو لخدمة الجماعة وليس الفرد .
2- استحالة تبرير النظريات المخالفة للمبدأ .
3- الرأي العام وأثره .

إن فحوي الديمقراطية هي أن السيادة إما أن تكون للشعب ممثلا في نوابه فقط وبالتالي ليس للأفراد دور حقيقي في توجيه الدولة أو أن تكون للشعب ممثلا في نوابه مع احتفاظه بدور معين يعبر فيه الأفراد عن آرائهم من خلال الاستفتاء الشعبي .

صور الديمقراطية

من المفهوم السابق تنوعت صور الديمقراطية وحصل التداخل بين النظامين الديمقراطي والرئاسي .

فآل أمر الديمقراطية إلى ثلاث صور وهي :

1- الديمقراطية المباشرة وهي أن يدير الشعب أمور نفسه فيناقش الأموال العامة ويفصل بينها على النحو الذي يراه وهذا النوع من الديمقراطية أقرب إلى الجانب النظري منه إلى الجانب العملي وليس له وجود الآن إلا في بعض الولايات السويسرية ..
2- الديمقراطية غير المباشرة وهي الديمقراطية النيابية وتقوم فكرة هذا النوع من الديمقراطية على مبدأ الانتخاب الشعبي الذي ينفرز من خلالها نواب للشعب يشكلون فيما بينهم المجلس النيابي ( البرلمان )

إن الخصائص الأساسية للنظام النيابي هي :

أ‌- وجود رئيس أعلي للدولة ، ورئيس آخر للحكومة .
ب‌- رئيس للدولة هو الذي يعين رئيس الوزراء .
ت‌- رئيس الوزراء هو الذي يختار وزراءه .
ث‌- الوزارة تكون وحدة متجانسة والأصل فيهم أن ينتموا جميعا إلى كتلة نيابية واحدة وقد ينتمون إلى أمثر من حزب في صورة وزارة ائتلافية إلا أن الجميع يدافعون عن سياسة الحكومة أمام المجلس النيابي وأمام الرأي العام وهم متضامنون .
ج‌- الوزراء أعضاء في المجلس النيابي .
ح‌- الوزارة مسؤولية أمام المجلس النيابي ، ويستطيع المجلس سحب الثقة من الحكومة .
خ‌- الوزارة لها حق طلب حل المجلس النيابي من رئيس الدولة
د‌- رئيس الدولة له حق حل المجلس النيابي .
3- الديمقراطية شبه المباشرة يقوم مبدؤها على أساس الجمع بين الديمقراطيين السابقتين إذ هي تقوم على ركنين أساسين:

الأول أن يزاول الشعب بنفسه مقدارا معينا من المشاركة في صنع القرار .

الثاني : أن تتألف هيئة نيابية ينتخبها الشعب لتمارس شؤون الحكم باسمه ..

وأما المظاهر التي يمكن للشعب أن يمارس من خلالها المشاركة في الحكم فهي :

أ‌- الاستفتاء الشعبي وهي أن يعطي الشعب رأيه بالقبول أو الفرض في القضية التي تعرض عليه من قبل الحكومة أو المجلس النيابي أو من هيئة منتخبة خصيصا لهذا الموضوع ..
ب‌- الاعتراض الشعبي : وهو أن يعترض بعض الناخبين على قانون أقره المجلس النيابي وذلك في إطار قانوني معين فيعرض هذا الاعتراض على الاستفتاء الشعبي ليأخذ مصيره إلى الإقرار أو الرفض وممن أخذ بهذا النظام الدستور الإيطالي الحالي الذي بدأ تطبيقه عام ( 1948م)
ت‌- الاقتراح الشعبي : وهو أن يقترح بعض الناخبين قانونا معينا فيرفعونه إلى المجلس النيابي أو إلى الحكومة .
فإذا وافق المجلس النيابي على الاقتراح فإن الاقتراح يصبح قانونا وإذا رفض الاقتراح عرض على الاستفتاء الشعبي وفي بعض الدول يجوز للشعب أن يقترح تعديل الدستور كما هو مطبق في أربع عشرة ولاية أمريكية حيث يمكن تعديل الدستور إذا تقدم بطلب ذلك ( 15% ) من مجموع الناخبين .
ث‌- حق الحل والعزل الشعبي ومعناه أن الناخبين لهم حق سحب الثقة من الحاكم أو النواب قبل انتهاء مدتهم الممنوحة لهم دستوريا وطريقة ذلك أن يعرض طلب الحل أو العزل على الاستفتاء الشعبي ليقرر الناخبون بقاءه أو عزله ومن الدساتير التي تعطي الشعب حق عزل رئيس الجمهورية دستور " فيمار الألماني " لعام ( 1919 م) وكذلك دستور النمسا لعام ( 1920م) وكذلك دستورها المعدل لعام ( 1929م)

النظام النيابي في النظام الرئاسي

من خصائص النظام النيابي الجمع بين السلطات الثلاث :

التشريعية والتنفيذية والقضائية ومن خصائص النظام الرئاسي الفصل بين السلطات الثلاث والرئيس هو رئيس السلطة التنفيذية أيضا وقد يجمع بين النظامين : النيابي والرئاسي في بعض الدول .

ماذا قالوا عن الديمقراطية

إن الكثير من المنادين بالديمقراطية وجهوا لها أنواعا من الانتقادات والمآخذ لا لأجل استبعادها ولكن لأجل التغلب على سلبياتها وهؤلاء لا يستطيعون استبعادها لأنهم لا يملكون عنها البديل المناسب فلا يجدون أمامهم لو استبعدوها سوي الدكتاتورية ولا أقصد بهذا الكلام إلا أصحاب الديمقراطية غير المسلمين ..

ولقد أنصبت مآخذهم في النقاط التالية :

1- التشكيك في مبدأ سيادة الأمة وذلك لأن صنع القرار يكون بالأغلبية النيابية وليس للأمة.
2- التشكيك في حقيقة الأغلبية ومدلولها لأن الأغلبية هي عند التحقيق تمثل حكم الأقلية المترفة ..
3- تؤدي إلى تعدد الأحزاب مع ما يرافق ذلك من التعصب الذي يخرج النظام الديمقراطي عن غاياته ذلك لأن الأفراد موالون لأحزابهم لا لمصلحة الشعب .
4- لا تهتم بالكفاءات فيتغلب الكم على الكيف وخاصة في الانتخابات .
5- لا تهتم بفكرة التخصص إذ لا يشترط في الوزراء التخصص الفني المناسب لكل وزارة .
6- تقوم على أساس توزيع السلطات على عدة هيئات
7- تقوم على أساس تساوي الأفراد في الحقوق السياسية رغم عدم تساويهم في الكفاءة والمقدرة والمركز الاجتماعي .
8- استبداد المجالس النيابية.
9- عجز المجالس النيابية في فترة الأزمات التي تتطلب قرارات فورية أو سريعة .

هذا هو تقويمهم وتلك هي مآخذهم .

أما بخصوص ما نراه من مآخذ على النظام الديمقراطي فسوف يأتي مفصلا من خلال هذا الكتاب .

إقحام الديمقراطية على الإسلام

إن بعض الكتاب الذين تصدوا للكتابة عن الديمقراطية أقحموها على الإسلام وجعلوا الديمقراطية أربعة أنواع : مباشرة وغير مباشرة وشبه مباشرة وديمقراطية الإسلام !! وإن معظم الذين فعلوا ذلك ، فعلوه عن حسن نية فيما أحسب إلا أنهم انساقوا وراء الألفاظ وظنوا أنهم يسدون بذلك خدمة للإسلام .

يقول الدكتور ماجد راغب الحلو أستاذ القانون العام بكلية الحقوق بجامعة الإسكندرية : أما الصورة الرابعة من صور الديمقراطية التي عرفها العالم ولم تلق بعد العناية الكافية من الدراسة والبحث في العصر الحديث فهي الديمقراطية الإسلامية " ثم استدرك على نفسه قائلا :" ونحن لا نريد أن نقحم الإسلام بالحدي عن ديمقراطية فيما ليس منه أو أن نربطه بألفاظ أجنبية عنه وإنما نحاول أن نتجاوز المصطلحات والشكليات إلى الحقائق والجوهريات "

ومما يؤسف له أن كثيرا من الإسلاميين قد انساقوا وراء هذا الإقحام ومضوا فيه إلى مداه على ما سنراه مفصلا في هذا الكتاب إن شاء الله تعالي .

الديمقراطية والشورى

الديمقراطية ليست هي الشورى التي أمر بها الإسلام فهما نظامان مختلفان ، الأول : بشري، والثاني : إلهي فالنظام الديمقراطي يقول على أساس أن الشعب هو الذي يشرع لنفسه وأما الشورى فينظر إليها باعتبارها جزءا من الدين الإسلامي الذي يقوم على أساس أن المشرع هو الله تعالي وحده .

ففي النظام الديمقراطي الشعب أو المجلس النيابي الذي يمثله هو الإله بينما في الدين الإسلامي الله تعالي هو وحده الإله لا شريك له فالخلاف بينهما أساسي وجوهري وبسبب ذلك يحصل الاختلاف في اختصاصات كل من المجلس النيابي ومجلس الشورى ، إذا المجلس النيابي له استقلال تشريعي كامل لا يخضع فيه إلى أى توجيه رباني بينما الشورى في الإسلام لا تكون إلا في الجانب الإجرائي الذي يختص بكيفية تطبيق الشرع الإلهي على الوجه الذي يحقق مقاصد الشريعة الإسلامية أو في تشريع قوانين جديدة تتطلباها المجالات الحياتية المتجددة ولكن في إطار الكتاب والسنة .

ويترتب على هذا الخلاف أن أهل الرأي في النظام الديمقراطي هم كافة الشعب أو من يمثلهم في المجلس النيابي وأما في الشورى فإن الذين ينتصبون لها هم أهل الحل والعقد من العلماء والفقهاء وأصحاب الاختصاصات وذوي المعارف الذين لهم ملكة الحكم على المسائل التي تعرض أمامهم متقيدين بأحكام الشريعة الإسلامية .

الديمقراطية وأنظمة الحكم في العالم الإسلامي

لقد تدثرت معظم أنظمة الحكم في العالم الإسلامي بدثار الديمقراطية وذلك في محاولة تلميع وجهها أمام الجماهير وقد فصل كل نظام ذلك الدثار على قد مقاسه ليحقق الغرض المطلوب منه فلم يعرف العالم الإسلامي من الديمقراطية التي تحكم معظم بقاعها إلا اسمها ومن المعلوم أن هذه الأنظمة قد اختارت هذا الدثار بديلا عن الإسلام إذا كانت قد استبعدته من كافة شؤون الحياة ومن أهمها الحكم وأحلت الديمقراطية أو غيرها من النظم مكانه وحتى هذه الديمقراطية التي اختاروها لم يطبقوها على وجهها المعروف في البلاد التي أنتجتها ومذهبتها وصاغتها في شكل أنظمة حاكمة بل طبقوها بطريقة تحقق تثبيت حكم الأنظمة وصدق فيها ما سماه بعض منتقدي النظام الديمقراطي بقولهم " استبداد الديمقراطية " فكم احتمت هذه الأنظمة خلف هذا البرقع وجعلته واجهة لها مارست من خلقه وباسمه جميع ألوان القهر والظلم ضد شعوبهم الإسلامية فما هي مصلحة هذه الأنظمة من استيراد النظام الديمقراطي ؟!

الفصل الثاني مصلحة الأنظمة من النظام الديمقراطي

حقيقة النظام الديمقراطي

تاريخيا جاء هذا النظام على أنقاض الإقطاع عند حركة الانتقال من النظام الزراعي إلى النظام الصناعي ..

إن هذا النظام – وهو حكم الشعب بالشعب وأنه هو مصدر السلطات – قائم على أساس سيطرة رأس المال إذ أن أصحاب رأس المال هم الذين يفوزون بمقاعد المجلس النيابي وأما الفقراء فيفوتهم ذلك لأنهم لا يجدون ما ينفقون على دعايتهم الانتخابية كما أنهم يفتقدون الوجاهة الاجتماعية .

ففي النظام الديمقراطي يئول أمر الدولة إلى طبقتين رئيستين " طبقة أصحاب رءوس الأموال ومنهم أعضاء المجلس النيابي ثم طبقة عموم الشعب الأولي : موقعها موقع السادة والثانية موقعها موقع العبيد ..

عنوان الديمقراطية

إن العنوان الظاهر للديمقراطية هو أن الشعب يشرع لنفسه من خلال المجلس النيابي ثم يقوم بالرقابة على تنفيذ هذه التشريعات من قبل الحكومة وفحوي ذلك هو إلغاء التشريع الإلهي وإحلال التشريع البشري مكانه .

ثم تأكيد ذلك بالإشراف القانوني على تشريع البشر ووضع العقوبات المختلفة لمن يحيد عنه إلى أى تشريع آخ سواء كان تشريعا إلهيا أو تشريعا بشريا سواه ..ومعني ذلك أن المسئولية الفردية والجماعية بالنسبة للمجلس النيابي ملاحظ فيها رضا الشعب وموافقته لا رضا الله تعالي والمجلس يكون مسئولا أمام الشعب ولا حساب لمسئوليته أمام الله تعالي والرقابة ستكون شعبية ..

من هم أعضاء المجلس النيابي ؟

إن أصحاب رءوس الأموال هم أعضاء المجلس في الأغلب وهم الطبقة الحاكمة وهذا امتياز حصلوا عليه بعد نضال انتخابي !! فإنه من الطبيعي أن يكون في مقدمة اهتمامهم المحافظة على تلك الامتيازات التي حصلوا عليها ولا يهم كثيرا الحديث عن كونهم حصلوا على ذلك من خلال تمثيل أنفسهم أو بتمثيلهم لأحزابهم هذا أولا .

ثم ثانيا : تتجه اهتماماتهم إلى تعميق وتوسيع مصالحهم النفوذية والمالية والتي بها يتمكنون من السيطرة على كافة المرافق .

لذلك فإن الأمر الطبيعي عندهم هو تشريع القوانين التي تحافظ على مصالحهم وامتيازاتهم دستوريا فيظلوا هم السادة بحكم السيطرة على المرافق جميعا وبحكم الدستور ويبقي أفراد الشعب في موقع العبيد بحكم افتقادهم للمال والذي لا يحصلون عليه إلا من خلال خدمتهم لمصالح السادة هذا بالإضافة لكونهم في موقع العبيد بالنسبة للسادة دستوريا !!

التشريع الإلهي وامتيازات الملأ

نظرا لأن التشريع الإلهي يلغي الامتيازات الجائزة للملأ ويقضي على المصالح الأنانية لهم وبالتالي يتعطل احتكار رأس المال من قبلهم فإنه بهذا سيكون متناقضا كل التناقض مع امتيازات ومصالح أعضاء المجلس النيابي ومن في حكمهم أو فوقهم ويترتب على ذلك أن تكون النتيجة الطبيعية لدور المجلس هو إلغاء التشريع الإلهي وإحلال تشريع وضعي أرضي بشري بديل لتشريع الله بحافظ من خلاله على امتيازات السادة وهم الملأ .. لذلك فإن الإسلاميين في حال وصولهم إلى المجلس سيصطدمون مع هذه الحقيقة وفي حال تمكنهم من الحصول على مشروع قرار يناقض مصالح وامتيازات الملأ فإن زعامة الملأ تملك من النصوص الدستورية ما يعطل كل قرار يناقض مصالحها وامتيازاتها ومثال على ذلك : مواقف زعامة الملأ إزاء محاولات تعديل المواد الدستورية الخاصة بجعل الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد للتشريع وليس " المصدر الرئيسي للتشريع " كما هو الحال في بعض الدول العربية التي تلتحف بالديمقراطية .

أضواء على قنوات الملأ إلى الجماهير

نظرا لأن أصحاب المالح والامتيازات اختاروا القناة الديمقراطية طريقا لتحقيق مآربهم وبما أن ذلك لا يتم إلا من خلال الانتخابات الشعبية لذلك اقتضي هذا الأمر صياغة أدمغة أفراد الشعب واستمالة مشاعرهم واستثارة أحاسيسهم بطريقة تفقدهم وتسلبهم التفكير الذاتي والشعور بحقيقة مصالحهم ،

بمعني آخر جعل أفراد الشعب يفكرون وفق المنهج الذي يريده منهم الملأ ويحسون بذات الإحساس الذي يفرح له الملأ ويتم كل ذلك من خلال القنوات التالية .

* التعليم : بكافة مراحله ووسائله .

الإعلام : سواء كان مرئيا أو مسموعا أو مقرءوا .
الترفيه : ويدخل فيه الحفلات والمسارح والنوادي والمسابح والعلاقات الاجتماعية المبرمجة من خلال النوادي الثقافية والنسائية والمشروعات السياحية وغيرها.
• الاقتصاد : ويدخل فيه البنوك والشركات والمؤسسات الصناعية والزراعية والمشاريع الإنمائية وغيرها .
• السياسة : من خلال اصطناع المشاركات الجماهيرية سواء في المجالس النيابية أو الجمعيات أو النقابات وما في حكمها ولنا كلام حول هذا الموضوع عندما نتحدث عن الجانب الإعلامي .
• القضاء : وتدخل فيه المحاكم بأنواعها وما له علاقة بها .
• الدفاع والأمن .

ومرافق أخري

إن المطلوب هو أن يتقولب تفكير وأحاسيس كل فرد من أفراد الشعب إزاء المرافق المذكورة بقالب تفكير الملأ بحيث تكون نظرة الفرد العادي لهذه الأمور متطابقة مع ما يريده الملأ.

ولأجل الوصول إلى هذه النتيجة المهمة فلابد أن يقوم المجلس النيابي بتشريع قوانين لكل مرفق من تلك المرافق المذكورة توصل إلى هذا الهدف وتحقق تلك الغاية ..

وقد لا يصل الملأ إلى هذه النتيجة من خلال مجلس واحد دورته أربع سنوات ولكن مع تكرار الدورات تتحصل النتيجة شيئا فشيئا .

إن الأهم من ذلك هو أن كثيرا من أفراد الشعب سيتقبلون هذه القوانين ويرضون بها لأن الذين شرعوها إنما هم ممثلوهم !!

منحة الديمقراطية وهيمنة الملأ

إن المسألة المهمة هي أن النظام الديمقراطي هذا لم يتحصل عليه الشعب من خلال نضاله وثورته إنما هو منحة يمنحها إياه الملأ !! وهذا في بعض البلدان وليس في كلها إلا أن ذلك لا يغير من الحقيقة شيئا لأنه حتى في البلدان التي يكون فيها مجلس نيابي بسبب رغبة شعبية فإنه في النهاية لن يصل المجلس إلا المترفون الأغنياء أصحاب احتكارات رؤوس الأموال سواء تم ذلك بتغطية ذاتية أو بتغطية حزبية .

ولكن في بلدان المنحة الديمقراطية فإن رقبة المجلس تكون بين يدي زعامة الملأ لأنه هو الذي قدم هذه المنحة وعندما تري تلك الزعامة أن " اللعبة الديمقراطية " لم تحقق آمالها ومطامعها فإنها تقوم بتعديل مسارها لصالحها أو بتجميدها أو بإلغائها فطالما أن المجلس النيابي منعقد فهذا يعني أن مصالحة زعامة الملأ متحققة وملخص هذا التحليل أن الصورة الظاهرة تضم فريقين من الملأ :

ملأ أقوي : وهي زعامة الملأ وهي السلطة الحاكمة والمستفيدة الأولي وقد تتمثل في الرئيس وبطانته أو العائلة المالكة أو الطائفة الحاكمة فهذا ملأ بالأصالة إن صح التعبير .
ملأ قوي : وهم أعضاء الوزارة وأعضاء المجلس ومن في حكمهم ..

لكنهم مع قوتهم ونفوذهم فإنهم ألعوبة بيد الملأ الأقوى ملأ على سبيل التبعية والإنشاء لا على سبيل الأصالة .

الديمقراطية والمكاسب الشعبية

إن استمرار الديمقراطية بشكل يعطيها زخما وقوة يقتضي أن يقدم هذا النظام مكاسب شعبية وضمانات قانونية كما يقتضي أن يرفع شعارات براقة من مثل :

حرية الكلمة ورفع الظلم وحق العمل ، وإنهاء البطالة والقضاء على أعداء الأمة وتحقيق المصالح الجماهيرية وتوفير الأمن ، الخ ..

وقد يقتضي ذلك تشكيل نقابات مفصلة تفصيلا لترويج هذه الشعارات وتحويلها في أعين الجماهير إلى مكاسب وإن كانت موهومة .

وأما الضمانات القانونية فهي أو هي من بيت العنكبوت فمنها :

ضمانات الاتهام أى أن كل متهم برئ حتى تثبت إدانته .
وضمانات التحقيق أى عدم استعمال العنف لانتزاع الاعترافات .
وضمانات الحكم ، وهي تتعلق بتطبيق القانون في الحكم على المتهم بدون زيادة ولا نقصان..
وضمانات التنفيذ : وهي أن الحكم سينفذ .
وهذه الضمانات من الناحية العملية لا يقل اختراقها في الأنظمة الديمقراطية في العالم الثالث عن الأنظمة الديكتاتورية .

من يكسب في دول المنحة الديمقراطية ؟

إن الكاسب الوحيد في دول المنحة الديمقراطية هو النظام الحاكم ومن ينتفع ببقائه .

ذلك أن المصلحة الحقيقية التي يحصل عليها النظام الحاكم من المنحة الديمقراطية هي :

- البقاء في السلطة .
- والمحافظة على مصالح الملأ .
- بدعم شعبي !!


الفصل الثالث المصالح التي يتوخاها الإسلاميون

المجلسيون من النظام الديمقراطي

سرد المصالح

يقول الإسلاميون المجلسيون : إن مشاركتهم في الأنظمة الديمقراطية من خلال اشتراكهم في المجالس النيابية إنما هو لتحقيق المصالح التالية :

1- تحكيم الشريعة الإسلامية في شؤون الحياة كلها .
2- الإصلاح حسب الاستطاعة ،
3- عدم تمكين أعداء الله من الانفراد بمواقع التوجيه وهو هدف احترازي لحماية الدعوة وحامليها .
4- نشر الدعوة من خلال أكبر منبر إعلامي وبحماية حصانة نيابية .
5- الدفاع عن حقوق المسلمين وصيانة أعراضهم والرد عنهم وفضح مخططات أعدائهم ..

يقول الإسلاميون المجلسيون : إن جميع هذه المصالح تدخل في إطار مقاصد الشريعة الإسلامية وما دامت الفرصة سانحة لتحقيق هذه المصالح من خلال النظام الديمقراطي فما المانع من ولوج المجالس النيابية بل قد يكون واجبا !!

حوار حول تحقيق المصالح المذكورة

لعله من المناسب توضيح ما يمكن أن يئول إليه أمر مشاركة الإسلاميين المجلسيين في المجالس النيابية من خلال حوار متخيل نجريه على صيغة سؤال وجواب ..

*س: من له الحق الدستوري في الدعوة إلى النظام الديمقراطي  : هل هي الأنظمة الحاكمة أو الإسلاميون ؟

ج: الأنظمة الحاكمة.
  • س: هل ترنو الأنظمة الحاكمة إلى تحقيق أهدافها ومصالحها من خلال هذه الدعوة النيابية ؟
ج: نعم .
  • س: هل يدخل في أهداف ومصالح الأنظمة الحاكمة أى مصلحة من المصالح الخمس التي تهدف الإسلاميون المجلسيون إلى تحقيقيها ؟
ج: كلا.
  • س : عندما تعلن الأنظمة الحاكمة لشعوبها موافقتها على المنحة الديمقراطية هل تكون قد درست الساحة الشعبية ومكوناتها بعمق وإحصاء ؟
ج: نعم.
  • س : ما مدي التقابل أو التوافق بين مصالح الإسلاميين ومصالح الأنظمة الحاكمة من خلال المجالس النيابية ؟
ج: التناقض التام أو شبه التام.
  • س: هل تحقيق المصالح الخمس التي يدعو إليها الإسلاميون يعني تقويض مصالح الملأ المغايرة الشريعة الإسلامية وبالتالي يعني تقويض النظام الحاكم ؟
ج: نعم.
ج: كلا.
ج: لتحقيق مصالحة .
ج: يضمن عدم تحقيقيها لأن تحقيقها إنهاء للنظام الحاكم .
  • س: ما هي ضمانات النظام الحاكم التحقيق مصالح نفسه والحيلولة دون تحقيق مصالح الإسلاميين ؟
ج: النظام الحاكم يقوم بالإجراءات التالية :
أ‌- إعداد دراسة ميدانية مفصلة الساحة الشعبية بكافة شرائحها القبلية والحزبية والحركية والفكرية وكذا الإمكانات السياسية والاقتصادية والجماهيرية لكافة الأطراف سواء كانت مناوئة للنظام الحاكم أم موالية له ..
ب‌- شن حملة موسعة وضخمة على الأطراف التي يري النظام الحاكم أن بإمكانها الإخلال بتوازن اللعبة الديمقراطية .
ت‌- بث الفتنة وفرقة وزرع الأحقاد والكراهية في داخل الحركة الإسلامية وتشويه سمعتها وتكريه الناس لها .
ث‌- نبش الماضي والاستفادة من " الأرشيف " لتحطيم المناوئين ..
ج‌- تقديم الدعم الإعلامي والمادي والسياسي الموسع لأنصار النظام الحاكم .
ح‌- تزوير الانتخابات إذا دعت الضرورة .
خ‌- تثبيت ضمانات دستورية وقانونية لتعليق المنحة الديمقراطية إلى أجل مسمي أو غير مسمي إذا وجد النظام الحاكم أن الظروف القائمة ليست في خدمته .
د‌- التعاون مع الأنظمة المشابهة ومع الدول الكبرى وتبادل الخبرات والرأي لتحقيق الهدف المنشود من المنحة الديمقراطية ..
ذ‌- ممارسة الضغوط المتنوعة في داخل المجلس لتمرير ما يريده النظام الحاكم واستخدام النفوذ والتلويح بقوة القرار السياسي من قبل زعامة الملأ في حالة شعور النظام الحاكم بأى خلل ولو بسيط في قواعد اللعبة الديمقراطية .
  • س: ما هي ضمانات الإسلاميين المجلسيين لتحقيق المصالح المذكورة ؟
ج: لا توجد أية ضمانات ويمكننا أن نذكر بعض أسباب ذلك:
أ‌- ضعف الدراسة الميدانية لديهم التي تقابل دراسة النظام الحاكم .
ب‌- عدم استطاعتهم شن أية حملة على النظام الحاكم يشعر من خلالها ذلك النظام أنهم يريدون إسقاطه أو يخلون بتوازن اللعبة الديمقراطية التي يريدها النظام الحاكم وإذ فعلوا ذلك فليتوقعوا أن يحصل ما يحصل ..
ت‌- لا يملكون أدوات زرع بذور الفتنة والشقاق بين أركان النظام الحاكم كتلك التي يملكها النظام الحاكم ضدهم خاصة وأن الملأ يظهرون في موقف موحد ومالك للزمام ..
ث‌- إمكاناتهم الإعلامية والسياسية والمادية لا تقارن مع إمكانات النظام الحاكم وبالتالي فإن دعمهم لمرشحيهم دون دعم النظام لمرشحيه بكثير ..
ج‌- لا يملكون أية ضمانات دستورية أو قانونية يعلقون من خلالها الانتخابات عندما تكون الكفة ليست راجحة لصالحهم ..
ح‌- تبادل الرأي بين الإسلاميين في هذا الجانب يفتقر إلى أمور منها :
الأول : التقويم لتجارب الإسلاميين في هذا المضمار .
الثاني : تقديم الدعم المادي والمعنوي من الإسلاميين في الخارج إلى الإسلاميين في الداخل والمقصود بالدعم المادي والمعنوي : هو ذلك الدعم الذي يتمكن بواسطته من تغيير قرارات النظام الحاكم بحيث تصبح في غير صالحه وهذا لا يتأتي في ديمقراطيات العالم الثالث .
الثالث : الحد الأدنى من اجتماع كلمة الإسلاميين ..

ر‌- إن الإسلاميين المجلسيين لا يستطيعون ممارسة أية ضغوط فعالة في داخل المجلس النيابي على الحكومة وذلك لسببين :

الأول : أنهم أقلية .
الثاني : لأن زمام اللعبة ليس في أيديهم بل في أيدي ممثلي زعامة الملأ في المجلس .

فإن قيل إنهم يستطيعون فعل ذلك عندما يصبحون أكثرية .

أقول عندما يصبح الإسلاميون أكثرية فإن توازن اللعبة سيختل لغير صالح النظام ويهدد امتيازاته وبالتالي فإن عامة الملأ ستوقف انسياب اللعبة الديمقراطية وتحل المجلس النيابي وتلغي الحصانات النيابية وتفعل كل ما يضمن بقاء امتيازاتها أو مصالحها حتى إن ذلك إلى تعليق تطبيق الدستور أو بعض فقراته أو أدي إلى إعلان حالة الطوارئ والأحكام العرفية .

  • س: هل سبق أن اشترك الإسلاميون في انتخابات نيابية باسم تلك المصالح المعلنة ؟
ج: نعم في باكستان وتركيا وسوريا والسودان ومصر والكويت الأردن وغيرها ..
  • س: هل حقق الإسلاميون المجلسيون بعضا من تلك المصالح المذكورة من خلال مشاركتهم في المجالس النيابية ؟

ج: كلا ! لم يحققوا شيئا يذكر :

- فلم يتمكنوا من تحكيم الشريعة الإسلامية .
- ولم يحققوا أى إصلاح يذكر مغاير لما تريده الحكومات وكيف يتصور تحقيق إصلاح حقيقي في ظل غياب الشريعة الإسلامية ؟
- ولم يتمكنوا من إيقاف أعداء الله عند حدهم إذ استمر أعداء الله في ممارسة كافة أنشطتهم دون أى أثر معتبر لوجود النواب الإسلاميين في المجلس .
- ولم نسمع أن الدعوة الإسلامية قد انتشرت من خلال أى مجلس نيابي شارك فيه الإسلاميون .
- ولقد لاقي كثير من الإسلاميين الاضطهاد وتعرضوا لأصناف التعذيب في سجون الطغاة رغم بسط المجالس النيابية لظلالها على الحياة السياسية في تلك البلاد ( مصر ، سوريا ، تونس ، وغيرها )
  • س: هل يستفيد النظام الحاكم من مشاركة الإسلاميين في الانتخابات
ج: نعم .
- فمن خلالها يلمع النظام الحاكم صورته أمام الشعب ويلبس لبوس الإسلام .
- ومن خلالها يرصد حركة الإسلاميين ويرقب الساحة بعمق أكبر ويلاحظ تحولاتها والتغييرات الداخلية التي تحصل في أرجائها ويساعده ذلك على وضع الخطط اللازمة لضرب الحركة الإسلامية وشلها ورفع المعاول لاقتلاعها من جذورها .
  • س: هل مشاركة الإسلاميين المجلسيين في الانتخابات النيابية منهج أم ترتيب مؤقت ( مناورة )؟
ج: للأسف أقول: إنه منهج يتبنونه ويدافعون عنه ويرغبون فيه ويفاصلون إخوانهم لأجله ، ولا أدل على ذلك من مشاركتهم في كافة المجالس النيابية التي أتيح لهم المشاركة فيها .
  • س: هل قدمت الحركات الإسلامية التي شاركت في الانتخابات النيابية دراسة شرعية مرتبطة مع مناط مشاركتها تبرر بها تلك المشاركة ؟
ج: كلا حتى هذه اللحظة لم نطلع على شئ من ذلك وأما الذي كتبوه في كتبهم فهو لا يعدو كونه مبررات واهية سآتي بالرد عليها خلال هذا الكتاب إن شاء الله تعالي ..
  • س: هل سبق أن اعتمد المسلمون هذا المنهج في تغيير الواقع ومواجهة الطغاة عبر التاريخ الإسلامي الطويل فيما عدا المشاركة المعاصرة ؟
ج: كلا ، لم ينقل لنا التاريخ شيئا من ذلك.
  • س: هل سبق وأن مر المسلمون في ظروف مشابهة لأوضاعنا الحالية من حيث الحكم بغير ما أنزل الله ؟
ج: نعم في عهد التتار .
  • س: وهل اتفقوا معهم على انتخابات وعلى التصويت على شرع الله تعالي أم ماذا فعلوا ؟
ج: الانتخابات النيابية أمر مستحدث منكر والتصويت على شرع الله تعالي كفر كما هو معلوم .
أما الذي فعلوه فهو أنهم جابهوا التتار بمنهج محدد : عقيدته التوحيد ووسيلته الجهاد بأنواعه.
  • س : هل الإسلاميون المجلسيون واثقون من أن مشاركتهم في المجالس النيابية ستحقق المصالح المذكورة ؟

أم أنهم غير واثقين وإنما يسعون ؟

ج: واقع التجربة يفيد عدم ثقتهم من ذلك وإنما يظنون ، ولأجل ذلك يسعون .
  • س: إذا كان تحقيق المصالح التي لأجلها شارك بعض الإسلاميين في المجالس النيابية ظنيا وليس قطعيا فهل يبيح هذا الظن انتهاك الأصول والقواعد الإسلامية القطعية ؟
ج: القضية متعلقة بتحقيق المصالح وأول هذه المصالح تحكيم الشريعة الإسلامية ولا يمكن تحكيم الشريعة الإسلامية من خلال انتهاكها إذ أن هذا تناقض واضح وليس هاهنا الكلام على تفصيل هذه المسألة إذ سيأتي بيان ذلك في محله من هذا الكتاب إن شاء الله تعالي .
وبعد فلقد قصدت من هذا الحوار لملمة الموضوع في ذهن القارئ قبل أن يدخل في تفاصيل شعابه .

الباب الثاني المجالس النيابية ومقاصد الشرع

مدخل حقيقة أم وهم

ابتدئ بإبراز هذا السؤال

  • هل تحقيق المصالح الشرعية المذكورة من خلال المشاركة في المجالس النيابية حقيقة أم وهم ؟
أقول : لقد أكمل الله تعالي دينه ، وأتم نعمته.

قال تعالي ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) ( المائدة / 3) وبعث رسوله محمد صلي الله عليه وسلم رحمة للعالمين ، قال الله تعال : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) ( الأنبياء : 107)

وأمر الناس جميعا بالإيمان به وإتباع سبيله قال الله تعالي : ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ) ( يوسف : 108) وبين الرسول صلي الله عليه وسلم أن صحة الطريق لا تكون إلا بإتباع أمره ومن أحدث فيه ما ليس منه فهو رد فقال صلي الله عليه وسلم ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة .

وفي رواية عند مسلم ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ) ولقد جاء هذا الدين رحمة من الله تعالي ليحقق مصالح العباد بما يسعدهم في الدنيا والآخرة قال الله تعالي : ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتائ ذي القربى وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون )النحل : 90)

وقال الله تعالي ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) الأنفال / 24 )

وقال الله تعالي :( هذا بصائر من ربكم وهدي ورحمة لقوم يؤمنون ) الأعراف 203)

وقال الله تعالي : ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا ) الإسراء :9)

وآيات أخري كثيرة تبين فضل الله تعالي على عباده بإرساله رسول محمدا صلي الله عليه وسلم وإنزاله القرآن ليعبد الناس ربهم ويحيون حياة كريمة فاضلة هنية .

قال ابن القيم / في " أعلام الموقعين" " إن الشريعة مبناها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد ، وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وأن أدخلت فيها بالتأويل " قوله " بالتأويل " أى كما فعل أصحاب المجالس النيابية من الإسلاميين ف يوقتنا المعاصر .

فأى مصلحة مدعاة فعلي مدعيها أن يأتوا عليها بدليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس فإذا لم ينتصب لها دليل مما ذكرت فهي مصلحة موهومة لا أساس لها من الواقع وهذا ينطبق على مشاركة الإسلاميين المجلسيين في المجالس النيابية إذ هي مصلحة موهومة لافتقارها للدليل الشرعي ولا ينقل هذا الوهم إلى عالم الحقيقة بتوهم العقل أنها مصلحة مع افتقارها للدليل الشرعي .

قال الشاطبي في " الموافقات" " لو جاز للعقل تخطي مأخذ النقل لجاز إبطال الشريعة بالعقل وهذا محال باطل وبيان ذلك أن معني الشريعة أنها تحد للمكلفين حدودا في أفعالهم وأقوالهم واعتقاداتهم وهو جملة ما تضمنته فإن جاز للعقل تعدي حد واحد جاز له تعدي جميع الحدود لأن ما ثبت للشئ ثبت لمثله وتعدي حد واحد هو معني إبطاله أى : ليس هذا الحد بصحيح ، وإن جاز إبطال واحد جاز إبطال السائر وهذا لا يقول به أحد لظهور حاله "

ومن المعلوم أن أحكام الله تعالي الثابتة بالكتاب والسنة لا يمكن بحال من الأحوال أن تتأخر في بيان ما يسعد المسلم في دقائق شؤونه من أكل وشرب ونوم وعبادة وأخلاق وغير ذلك فهل تتأخر عن بيان قضية منهجية مهمة وهي كيفية تغيير الواقع ومنهج مصارعة أهل الباطل فلم تهمل هذه الحركات الإسلامية منهاج التغيير المبين في الكتاب والسنة وتنتح لنفسها منهجا وضعه أ‘داء الله بحجة دلالة العقل عليه وهو دلالة موهومة لا أساس لها من الواقع ..

قال الأستاذ البوطي في كتابه " ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية "

" لا يصح للخبرات العادية أو الموازين العقلية والتجريبية أن تستقل وحدها

بفهم مصالح العباد أو تنسيقها فلا يجوز الاعتماد على ما قد رآه علماء الاقتصاد وخبراء التجارة من أن الربا لابد منه لتنشيط الحركة التجارية والنهوض بها "فلا يجوز الاعتماد على ما قد يراه بعض الإسلاميين وخبراءهم الديمقراطيين من أن المجالس النيابية لابد منها للوصول إلى تحكيم الشريعة الإسلامية هكذا بغير دليل من كتاب ولا سنة.

ثم قال الأستاذ البوطي :" لابد إذا أن يعرض نتاج خبرات الناس وتجاربهم وعلومهم على نصوص الشريعة وأحكامها الثابتة ، فإن كان بينها اتفاق أخذ بها وكان النص هو المحكم في ذلك ، وإن كان بينها تعارض بأن كان ما رآه الناس مصلحة يعاكس النص الشرعي الثابت وجب إهمال تلك المصلحة وليس معني ذلك أن الشارع قد أهمل مصلحة للناس دلت عليها علومهم وتجاربهم بل المعني أن تقدير هؤلاء الناس لهذه المصلحة لابد أن يكون قد اتصل به نوع من الخلل والفساد"

وبتنزيل هذا الكلام على واقع المجالس النيابية يتضح أن معاكسة المشاركة في المجالس النيابية للنصوص الشرعية لا يعني أن الشرع قد أهمل ما توهمه المجلسيون أنه مصلحة بما استقراءه من تجارب الآخرين بل المعني أن تقدير هؤلاء الإسلاميين المجلسيين لهذه المصلحة الموهومة قد اتصل به نوع من الخلل والفساد .

الاتفاق والاختلاف

قال الإسلاميون المجلسيون: إن مشاركتهم في المجالس النيابية لا يقصدون منها إلا تحقيق المصالح المشار إليها .

أقول : إننا وإياكم متفقون عل وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية في كل شئ وإن الإصلاح حسب الاستطاعة لابد منه وإنه لا يجوز التمكين لأعداء الله وإن نشر الدعوة الإسلامية واجب وإن الدفاع عن حقوق المسلمين وصيانة أعراضهم فرض ولازم شرعي .

فنحن متفقون على كل ذلك .

إلا أن وجه الخلاف مع الإسلاميين المجلسيين يتلخص في قضيتين :

الأولي : إن الطريقة المطروحة والمنهج المعروض وهو المشاركة في المجالس النيابية لتحصيل تلك المصالح المذكورة مردود شرعا.
الثانية : إن المشاركة في المجالس النيابية تحول دون تحصيل تلك المصالح المذكورة .

خطة البحث في هذا الباب

سأناقش في هذا الباب – إن شاء الله – الوسيلة المعروضة وهي المشاركة في المجالس النيابية لتحقيق ما ذكر من المصالح وذلك من خلال عرضها على ضوابط المصلحة وفق الشريعة الإسلامية ، وهي :

1- الضابط الأول : اندراجها في مقاصد الشرع
2- الضابط الثاني : عدم معارضتها للكتاب والسنة .
3- الضابط الثالث : عدم معارضتها للقياس.
4- الضابط الرابع عدم تفويتها مصلحة أهم منها أو مساوية لها وسأفرد مناقشة كل ضابط من هذه الضوابط في مبحث خاص به وعلى هذا فسيتألف هذا الباب من أربعة فصول بعدد الضوابط الأربعة المذكورة وسيتألف كل فصل من عدد من المباحث .

الفصل الأول: مناقشة اندراج المصالح المتوخاة في مقاصد الشرع وهو الضابط الأول

وفيه المباحث التالية :

المبحث الأول : مصلحة تحكيم الشريعة الإسلامية
المبحث الثاني : مصلحة الإصلاح حسب الاستطاعة .
الثالث : مصلحة عدم تمكين أعداء الله من الانفراد بالسلطة
المبحث الرابع : مصلحة نشر الدعوة .
المبحث الخامس : مصلحة الدفاع عن حقوق المسلمين .

المبحث الأول مصلحة تحكيم الشريعة الإسلامية

وفيه الموضوعات التالية

- المراحل والمناط
- مقاصد الشريعة الإسلامية
- المجالس النيابية وتحكيم الشريعة على ضوء مقصد حفظ الدين
- المجالس النيابية وتحكيم الشريعة على ضوء مقصد حفظ النفس
- المجالس النيابية وتحكيم الشريعة على ضوء مقصد حفظ العقل
- المجالس النيابية وتحكيم الشرعية على ضوء مقصد حفظ النسل
- المجالس النيابية وتحكيم الشريعة على ضوء مقصد حفظ المال .

موضوعات هذا البحث

هل تندرج وسيلة تحكيم شرع الله بالطريقة المطروحة وهي المشاركة في المجالس النيابية في إطار ضوابط المصلحة وفق الشريعة الإسلامية ؟

هذا هو الموضوع الذي سنناقشه في هذا المبحث .

المراحل والمناط

إن الإسلاميين الذين يوافقون على المشاركة في المجالس النيابية التي تدعو إليها الأنظمة الحاكمة لابد لهم من المرور في المراحل التالية :

- المرحلة الأولي : الموافقة المسبقة والمعلنة على الشكل والمضمون الدستوري القائم بالفعل ، وإن كانوا يريدون تغييره في المستقبل .
- المرحلة الثانية : الموافقة على الاحتكام لغير شرع الله إلى حين تتم الموافقة على تحكيمه إذ في خلال هذه الفترة يمارس الإسلاميون المجلسيون مع بقية أعضاء المجلس النيابي تشريع القوانين في ظل الدستور القائم والذي هو دستور وضعي إذ هيه الممارسة تنشئ مفهوم الموافقة .
- المرحلة الثالثة : طرح شرع الله تعالي للتصويت النيابي عليه .
- المرحلة الرابعة : إذا كانت نتيجة التصويت لصالح تحكيم شرع الله تعالي .
- فإنها تعرض على زعامة الملأ وهو رئيس الدولة ليقرر فيه رأيه .
- المرحلة الخامسة : إن زعامة الملأ لها الخيار بين ثلاثة أمور :
- إما أن تقبلها وهذا لم يحدث ولا مرة واحدة .
- وإما أن ترفضها فتعود إلى المجلس النيابي للنقاش مرة أخري .
- وإما أن تجمدها .
- المرحلة السادسة : في حالة رفضها من قبل زعامة الملأ نعود إلى المرحلة الثالثة وفي حالة تجميدها يبقي الحال على الوضع الأول .،والنتيجة واحدة .
- إن لكل مرحلة من هذه المراحل الست مناطا ذو إلزام دستوري منصوص عليه في دساتير الأنظمة الديمقراطية .
- وسأختار كمثال دستور إحدى الدول العربية التي شارك الإسلاميون في مجالسها النيابية وسأرمز لأسم تلك الدولة بـ ( البلاد) ولزعيمها بـ أى : متعلقها – وسأذكر نصوص الدستور كما هي فيما عدا ما ذكرت .

• مناط المرحلة الأولي :

( المادة 2) " : دين الدولة الإسلام ، والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع ".
( المادة6 ) :" نظام الحكم في ( البلاد) ديمقراطي ، السيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعا، وتكون ممارسة السيادة على الوجه المبين بهذا الدستور ".
( المادة : 51 ) " السلطة التشريعية يتولاها ( رئيس الدولة ) ومجلس الأمة وفقا للدستور ".

إن الذين يرشحون أنفسهم لعضوية المجلس النيابي من الإسلاميين موافقون على المادتين ( 6) و(51 ) لأنهما أساس ما هم مقبلون عليه حيث إنهما يشكلان الإطار الذي سيعملون من خلاله وإن غاية ما يصبون إليه هو إعادة صياغة المادة (2) ولنا فيها نقاش يأتي في حينه إن شاء الله تعالي .

• مناط المرحلة الثانية :

• إنه واقع الحال حيث القوانين الوضعية هي السائدة والمطبقة في كافة المرافق وجميع أعضاء المجلس من إسلاميين وغيرهم يحتكمون إليها ويحترمونها بنص الدستور حيث يقول في ( المادة 91) :" قبل أن يتولي عضو مجلس الأمة أعماله في المجلس أو لجانه يؤدي أمام المجلس في جلسة علنية اليمين التالية : أقسم بالله العظيم أن أكون مخلصا للوطن و( الرئيس الدولة ) وأن أحترم الدستور ) وقوانين الدولة وأذود عن حريات الشعب ومصالحه وأمواله وأؤدي أعماله بالأمانة والصدق ".
• إن الإسلاميين المجلسيين وهم في انتظار تعديل المادة (2) من الدستور المشار إليه إنما لا يستظلون بظل هذه المادة وهم خلال ذلك ربما لا يملكون أن يطرحوا قانونا لتنفيذ تحريم الربا مثلا لأنهم بذلك يتجاوزون الخط الأحمر الذي وضعته لهمة زعامة الملأ ، والخطوط الحمراء لهذه الزعامة كثيرة جدا ولو طرحوه للتصويت لوقعوا في المحذور الشرعي كما هو مبين في المرحلة الثالثة ولهذا الكلام تفصيل سيأتي إن شاء الله تعالي .
• فإن قيل : إن تحكيم الشريعة الإسلامية لا يتم دفعة واحدة وإنما يحتاج إلى زمن .
• قلت : إن القضية عند زعامة الملأ ليست هي : كم الفترة الزمنية التي يحتاجها النظام ليطبق الشريعة ؟ بل القضية حقيقة هي أن موضوع تطبيق الشريعة مرفوض عنده برمته .

• مناط المرحلة الثالثة :

• ( المادة -97 ) : يشترط لصحة اجتماع مجلس الأمة حضور أكثر من نصف أعضائه وتصدر القرارات بالأغلبية المطلقة للأعضاء الحاضرين وذلك في غير الحالات التي تشترط فيها أغلبية خاصة وعند تساوي الأصوات يعتبر الأمر الذي جرت المداولة في شأ،ه مرفوضا ".
ومعني هذه المادة عمليا : أن تعرض الشريعة الربانية على التصويت البشري فإما أن يقرها أو أن يرفضها .

• مناط المرحلة الرابعة :

• ( المادة -79 ) لا يصدر قانون إلا إذا أقره مجلس الأمة وصدق عليه ( رئيس الدولة )
• مناط المرحلتين الخامسة والسادسة
- الأول : إصدار قانون بمرسوم ، وذلك بعد فوزه بالأغلبية في المجلس النيابي ومناط ذلك هو ( المادة 79) المذكورة أعلاه فإذا رفض رئيس الدولة التوقيع على القانون فلا يصدر بل يعود مشروع القانون إلى المجلس النيابي وذلك وفق المادة (66) ونصها ..
- ( المادة – 66) " يكون طلب إعادة النظر في مشروع القانون بمرسوم مسبب فإذا أقره مجلس الأمة ثانية بموافقة ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس وصدق عليه ( رئيس الدولة ) وأصدره خلال ثلاثين يوما من إبلاغه إليه فإن لم تتحقق هذه الأغلبية امتنع النظر فيه في دور الانعقاد نفسه .
فإذا عاد مجلس الأمة ف دور انعقاد آخر إلى إقرار ذلك المشروع بأغلبية الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس صدق عليه ( رئيس الدولة ) وأصدره خلال ثلاثين يوما من إبلاغه إليه "
إن هذه الحالة من المناط ( المتعلق ) الدستوري تشمل اقتراح استصدار قوانين تتعلق بتطبيق بعض جوانب الشريعة الإسلامية كإقرار تحريم الخمر ، أو إقرار إقامة الحدود الشرعية وغير ذلك ..
- الحالة الثانية : وهي متعلقة بإعادة صياغة مادة من مواد الدستور وفي حالتنا المعروضة للبحث المطلوب إعادة سياغة ( المادة 02) وهذا ما يسمي بـ " تنقيح الدستور ".

إن المناط الدستور لهذه الحالة هي " المادة 174 ) ونصها :

- ( المادة – 174 ) : " لـ( رئيس الدولة ) ولثلث أعضاء مجلس الأمة حق اقتراح تنقيح هذا الدستور بتعديل أو حذف حكم أو أكثر من أحكامه ، أو بإضافة أحكام جديدة إليه ، فإذا وافق ( رئيس الدولة) وأغلبية الأعضاء الذين يتألف منهم مجلس الأمة على مبدأ التنقيح وموضوعه ناقش المجلس المشروع المقترح مادة وتشترط لإقراره موافقة ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس ولا يكون التنقيح نافذا بعد ذلك إلا بعد تصديق ( رئيس الدولة ) عليه وإصداره وذلك بالاستثناء من حكم المادتين ( 65 ) و(66) من هذا الدستور وإذا رفض اقتراح التنقيح من حيث المبدأ أو من حيث موضوع التنقيح فلا يجوز عرضه من جديد قبل مضي سنة على هذا الرفض ، ولا يجوز اقتراح تعديل هذا الدستور قبل مضي خمس سنوات على العمل به"
- هذا مع ملاحظة أن إعادة صياغة ( المادة -2) من الدستور تستوجب إعادة صياغة مواد أخري ك( المادة -6 ) مثلا :

هذا مع ملاحظة أن إعادة صياغة ( المادة -2 ) من الدستور تستوجب إعادة صياغة مواد أخري كـ ( المادة -6) مثلا ..

وهكذا يتبين لنا مما ذكرته من مواد دستورية للمرحلتين : الخامسة والسادسة أن السلطة الحقيقية هي في يد زعامة الملأ .

مقاصد الشريعة الإسلامية د إن مقاصد الشرع تنحصر في حفظ خمسة أمور هي : الدين ، والنفس ، والعقل ، والنسل ، والمال ، وفق هذا الترتيب فحفظ الدين مقدم على حفظ النفس ، ولذلك تجاهد بنفسك في سبيل دينك وحفظ النفس مقدم على حفظ العقل عند التعارض لذا يجوز حفظ النفس من الموت بالعطش بتناول المسكر ، وكذا حفظ العقل مقدم على حفظ النسل عن التعارض فلا ينبغي أن يتسبب جلد الزاني إلى فقدان قواه العقلية وكذا حفظ النسل مقدم على حفظ المال عند التعارض فينبغي صيانة العرض والتضحية بالمال إن كان لابد للحصول على المال من انتهاك العرض ..

يتبين لنا مما سبق أن حفظ الدين هو أول مقاصد الشرع .

  • إن وسيلة حفظ الأمور الخمسة المذكورة تتدرج في ثلاث مراتب هي :
1- مرتبة الضروريات : وهي ما لابد منه لحفظ تلك الأمور الخمسة .
2- مرتبة الحاجيات : وهي ما تتحقق مع عدم وجودها الأمور الخمسة لكل من الضيق والتحمل .
3- مرتبة والتحسينيات وهي ما لا يؤدي تركها إلى ضيق وشدة إلا أن مراعاتها متفقة مع ما يليق ومتمشية مع مكارم الأخلاق ومحاسن العادات .

وبمراعاة هذه المقاصد وفق تلك المراتب تتحقق المصالح الدنيوية والأخروية.

قال الشاطبي في " الموافقات " ثبت أن الشارع قد قصد بالتشريع إقامة المصالح الأخروية والدنيوية وذلك على وجه لا يختل لها به نظام لا بحسب الكل ولا بحسب الجزء وساء في ذلك ما كان من قبيل الضروريات أو الحاجيات أو والتحسينيات فإنها لو كانت موضوعة بحيث يمكن أن يختل نظامها أو تختل أحكامها لم يكن التشريع موضوعا لها إذ ليس كونها مصالح إذ ذاك بأولي من كونها مفاسد لكن الشارع قاصد بها أن تكون مصالح على الإطلاق فلابد أن يكون وضعها على ذلك الوجه أبديا وكليا وعاما في جميع أنواع التكليف والمكلفين وجميع الأحوال وكذلك وجدنا الأمر فيها والحمد لله "

مثال على الضروريات

شرع لحفظ الدين من حي تقويم أركانه : الإيمان والنطق بالشهادتين وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وبقية الأركان وكذا تحكيم شرع الله وفض أى حكم سواه وشرع لحفظه من حيث درء الفساد الواقع أو المتوقع عدم التفريط بجزء منه تحت أى ظرف وعدم التفاوض على إقامة أركانه ووجوب موالاة أنصاره والبراءة من أعدائه ويتم هذا بالمفاصلة بين الداعين إلى الله تعالي وبين الطاغوت وتكون قمة هذه المفاصلة بالجهاد وعقوبة الداعين إلى البدع .
ويقول الشاطبي في كلامه عن الضروريات :" والحفظ لها يكون بأمرين أحدهما / ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها وذلك بمراعاتها من جانب الوجود والثاني : ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم"
وشرع لحفظ النفس من حيث الوجود إباحة أصل الطعام والشراب والسكن والملبس مما يتوقف عليه بقاء الحياة وشرع لحفظها من حيث المنع عقوبة الدية والقصاص ..
وشرع لحفظ النسل من حيث الوجود النكاح وأحكام الحضانة والنفقات كما شرع لحفظها من حيث المنع حرمة الزنا ووضع الحدود عليها .
وشرع لحفظ العقل من حيث الوجود ما شرعه لحفظ النفس من تناول الغذاء الذي به تبقي الحياة والعقل كما شرع لحفظه من حيث المنع حرمة المسكرات ووضع العقوبة عليها .
وشرع لحفظ المال من حيث الوجود أصل المعاملات المختلفة بين الناس كما شرع لحفظه من حيث المنع تحريم

لسرقة ووضع العقوبة عليها ..

  • مثال على الحاجيات
شرع لحفظ الدين الرخص المخففة كالفطر في السف ر والرخص الخاصة بالمريض .
وشرع لحفظ النفس إباحة الصيد والتمتع بالطيبات.
وشرع لحفظ العقل إباحة الطيبات بغير إسراف .
شرع لحفظ النسل المهور والطلاق وتوفر الشهود على موجب حد الزنا .
وشرع لحفظ المال التوسعة في المعاملات كالقراض والمساقاة والإجارة.
  • مثال على التحسينيات
شرع لحفظ الدين أحكام النجاسات والطهارات وستر العورة
وشرع لحفظ النفس آداب الطعام والشراب ومجاني ما استخبث
وشرع لحفظ العقل ما يوفر له حسن التفكير والإدراك .
وشرع لحفظ النسل آداب المعاشرة والكفاءة في اختيار الزوجين .
وشرع لحفظ المال المنع من بيع النجاسات وفضل الماء والكلا .
  • المجالس النيابية وتحكيم الشريعة على ضوء مقصد حفظ الدين :
سانأقش هاهنا موضوع المشاركة في المجالس النيابية لتحكيم الشريعة الإسلامية على ضوء المقصد الأول وهو حفظ الدين .

تقر ابتداء أن تحكيم الشريعة الإسلامية لأجل تحقيق مصلحة حفظ الدين تندرح في جميع مراتب المصلحة وهي :

الضروريات والحاجيات والتحسينيات وبالتالي فإن نقاشنا سيكون في إطار ذلك ووفق تتابع المراتب ..

مرتبة الضروريات

أقول وبالله التوفيق ومنه السداد والرشاد:

إن الوسيلة المتبعة – وهي المشاركة في المجالس النيابية – لا تؤدي إلى الهدف المنشود وهو تحكيم الشريعة الإسلامية إذ أن المراحل الستة التي ذكرتها ، ومناط كل مرحلة منها فيه انتهاك صارخ لحفظ الدين بل هو تفريط بحدوده وهدم لشرائعه ..

فقد قلت : إن الإسلاميين المجلسيين قد وافقوا ابتداء على الشكل والهيئة الدستورية القائمة وهذا يتضمن لزوما موافقتهم على الاحتكام لغير شرع الله وذلك من خلال مشاركتهم في سن القوانين والتشريعات في إطار الدستور الوضعي القائم فهاتان المرحلتان – الأولي والثانية - مع مناطهما الدستوري تنافيان ما ذكرته بخصوص مقصد حفظ الدين في مرحلة الضروريات إذ قد بينت أن من حفظه " تحكيم شرع الله ورفض أى حكم سواه وقد شرع لحفظه من حيث درء الفساد الواقع أو المتوقع عدم التفريط بجزء منه تحت أى ظرف وعدم التفاوض على إقامة أركانه "

فكيف سيحكم شرع الله من وافق ابتداء على الاحتكام لغير شرعه وكيف يكون الاحتكام لغير شرعة وسيلة مشروعة لتحكيم شرعة فهذا تناقض واضح ثم هل من الصحيح أن ينتظر الناس أن يأتيهم تطبيق حكم الله تعالي من خلال أشخاص إسلاميين تجاهلوا هذه الحقيقة العقدية !!

فكيف يغيب عن الأذهان أنه ليس من المعقول أن ينزل الله شرعا يطالب الناس بالامتثال له إلى قيام الساعة ولا يبين في نفس الوقت الطريق الأمثل والأصلح لكيفية الوصول إلى تطبيقه وكيف رضي الإسلاميون المجلسيون لأنفسهم أن يضربوا بالمنهاج التطبيقي الذي سلكه الرسول صلي الله عليه وسلم لأجل عرض الحائط ويأخذوا بمنهج اليهود والنصارى ؟

إن من البدهيات أن الذي يصنع سيارة أو مذياعا أو أى جهاز آخر يقدم بين يدي صناعته تعليمات المصنع لتشغيل هذا الجهاز وكيفية صيانته على الوجه الصحيح ليعطي مردود .. فكيف يغيب عن الأذهان أن دينا ينزله الله تعالي من السماء وهو مجرد من تعليما تطبيقه وإرشادات تنفيذه ؟! إذا فلماذا أنزل الله كتابه ولماذا أرسل رسول الله صلي الله عليه وسلم ؟!! هذه حقيقة لا ينبغي أن تغيب عن فكر الإسلاميين المجلسيين ولا ندري الآن كيف غابت !!

إن المشاركة في عضوية مجلس نيابي لا يحتكم في واقعه القائم عند دخول الإسلاميين فيه إلى شرع الله هو موافقة واقعية على التفريط بمفهوم أحقية التشريع في الدين الإسلامي وإذ أن المنهج الديمقراطي اعتبر حق التشريع هو للشعب وليس لله وإذا برر الإسلاميون مشاركتهم النيابية بأنهم يسعون لجعل التشريع الفعلي في الأمة هو لله فإن وسيلة تنفيذ هذا التبرير لا تعدو أن تكون في أحسن الأحوال مفاوضات في اللجان لإقامة أركانه ومحاولة إقناع الآخرين به في حين أن إقامة أركان الدين والتي من أهمها هيمنة تشريعه على حياة الناس هي قضية لا تخضع للتفاوض بحال من الأحوال وإلا لجعلنا أصل الدين كله مجالا للمفاوضات والأخذ والرد وقد قلت قبل ذلك إنه شرع لحفظ الدين من حيث درء الفساد الواقع أو المتوقع عدم التفاوض على إقامة أركانه فإقامة أركان الدين هي الأساس المتين والتي لا يكون المسلم مسلما إلا بالرضا بها والمحافظة عليها والقيام بمقتضياتها .

وقد قلت أيضا : إنه شرع لحفظ الدين من حيث درء الفساد الواقع أو المتوقع موالاة أنصار الدين والبراءة من أعدائه فعجبا لما يحصل !! إذ أن إخواننا الإسلاميين المجلسيين ألا ينتقدون بغير بينة ولا علم إخوانهم الذين لا يرون رأيهم في المجالس النيابية محل الحديث في حين أنهم يوافقون على منهج وضعه أعداء الله لتحقيق مآربهم الخاصة ( أى / مآرب أعداء الله ) ومن خلال الموافقة على ذلك المنهج رضوا بأن يسيروا في إطار وسائله التصورية والحركية وكان ينبغي لهم أن يعلنوا صراحة أن هذا منهج أعداء الله وأن الذين يقفون وراءه هم أعداء الله وبالتالي فإن انتماءنا الإسلامي وفهمنا لحفظ الدين في مرتبة الضروريات يعني أن نتبرأ من ذلك المنهج ومن أصحابه ولا أن نواليهم ونتطاول على إخواننا في الدين .

إن هذا الموقف فيه هدم لكل معني من معاني المفاصلة وفيه تمييع للفواصل العقدية الصلبة بين الطاغوت وبين الدعاة إلى الله ودليلنا على ذلك : أن بعض الإسلاميين المجلسيين يقفون اليوم في صف واحد مع النظام الحاكم ضد الذين لا يرون صحة هذا المنهج الديمقراطي فهل هناك معني للولاء للسلطات الحاكمة أكبر وأعمق من ذلك !!

وإذا أخذنا بعين الاعتبار واقع الجهل بالإسلام الذي يعيشه عموم المسلمين – إلا من رحم الله – فإن التبعة على الإسلاميين المشاركين في المجالس النيابية ستكون مضاعفة إذ أن عامة الناس سيرضون بواقعهم التشريعي الوضعي طالما أن قادة الإسلاميين يفيد واقعهم ذلك .

إن هذا التمييع في المواقف سيقود السفينة من سيئ إلى أسوأ بل سيؤدي في النهاية إلى تحطيمها والقضاء عليها وسيبقي الناس راضيين بما هم فيه وهم يغذون السير في إطار ما يخطط لهم بواسطة الوسائل الشيطانية التي تنشر بينهم الفساد والانحلال وتلهيهم عن الاهتمام الحقيقي والواقعي بقضايا أمتهم المصيرية إضافة إلى الاستمرار في تشويه تصوراتهم وتلويث عقولهم عبر وسائل الإعلام والتعليم ..

نحن نقول لإخواننا هؤلاء إن معني حفظ الدين في مرتبة الضروريات هو الرفض التام لهذا الواقع بكافة رموزه ومرتكزاته غير الشرعية .

ثم قلت في باب : حفظ الدين في مرتبة الضروريات " وقمة هذه المفاصلة تكون بالجهاد وعقوبة الداعي إلى البدع " وهذا حفظ للدين من حيث درء الفساد الواقع أو المتوقع فالجهاد يمثل القوة التي بها تستطيع الفئة المؤمنة أن تنتقل بعقيدتها من مرحلة التبليغ والمجادلة بالتي هي أحسن إلى مرحلة التمكين لهذا العقيدة والذب عنها وإثبات الهيبة لها إلا أن هذه الأنظمة الديمقراطية الحاكمة في العالم الإسلامي قد عطلت هذا الجهاد ، وهو أمر متوقع فهل ينتظر ممن عطل شرع الله أن يمضي الجهاد !! إلا أن المؤسف حقا أن مشاركة بعض الإسلاميين في المجالس النيابية وضعتهم في موضع المشارك في هذا التعطيل إذ هم قد عطلوا الجهاد ضد السلطات الطاغوتية الحاكمة وذلك بمشاركتهم في اللعبة الديمقراطية من جهة وصاروا جزءا من النظام الذي يحارب الجهاد في سبيل الله من جهة ثانية .

إن الإسلاميين المجلسيين يقولون : نحن نريد من خلال المشاركة في المجلس النيابي أن نفرض على زعامة الملأ تحكيم الشريعة الإسلامية ثم يأتي دور الجهاد بعد ذلك وسيكون تحصيل حاصل ..

ونحن نقول : إن زعامة الملأ ترفض ذلك كله جملة وتفصيلا مستندة في موقفها ذاك إلى النصوص الدستورية المفصلة لصالحها وكذلك إلى قوة مؤسساها الداعمة لها بما فيها المؤسسات العسكرية والأمنية لكن ماذا يملك الإسلاميون المجلسيون إزاء بما فيها ليفرضوا رأيهم على الملأ ؟ أو حتى مجرد احترامه وقبول الاستماع إليه ؟ الجواب : لا شئ .

إن واقع الحال هو أن زعامة الملأ في موقع الأمر الناهي وأما الآخرون فليس مطلوبا منهم سوي التنفيذ أو الاستقالة من المجلس طوعا أو كرها !! فطالما المجلس النيابي قائم فأعضاؤه منفذون وإن كانت صورتهم أنهم مشرعون مستقلون وحقيقة التنفيذ المشار إليها هي أنهم ينفذون إعداد التشريعات التي يطلبها منهم الملأ أو التي يوافق الملأ على تقديمها لتبحث في المجلس .

  • وإن واقع الحال ليثبت ذلك فقد مرت سنوات طويلة والإسلاميون المجلسيون تحت الحكم الوضعي وهم أعضاء في المجالس النيابية فهل غيروا شيئا ؟
الجواب : كلا لأنهم لا يملكون أية وسيلة ناجعة ليفرضوا بواسطتها رأيهم ولقد أحدثت هذه المشاركة تمويها على عموما المسلمين وتشويها لنصاعة هذا الدين وتعكيرا لبياض منهاجه وبالمقابل فخلال تلك الفترة الماضية وهي سنوات عديدة هل فرض النظام الحاكم ما يريد ؟!
الجواب : نعم .
وعودة إلى محاضر الجلسات للمجالس النيابية السابقة تبين ذلك وتوضحه ..
ثم إننا ليأخذنا العجب كل مأخذ من الإسلاميين المجلسيين وهم يحطمون جدر المفاصلة العقدية بين هذا الدين وما سواه في حين أن المطلوب منهم أن يقفوا حراسا لحفظ هذه الجدر من التصدع فضلا عن الانهيار فيدافعوا عنها ويجاهدوا دونها لا أن يشتركوا مع أعداء الله في هدمها وتحطيمها من حيث لا يشعرون وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ..
  • هل يعلمون كيف أنهم يفعلون ذلك؟؟
إن ذلك يقع منهم بأدائهم " القسم الدستوري " وفحواه القسم بالله على احترام أعداء الله والامتثال لدستورهم وقوانينهم وأن يتم ذلك في إطار الإخلاص والطاعة وهذا كله مخالف تماما لحفظ الدين في مرتبة الضروريات والتي فحواها في هذا الخصوص المفاصلة العقدية مع أعداء الله ودعني أستحضر لك هنا للمرة الثانية المادة (91 ) من الدستور والتي نصها :-
" قبل أن يتولي عضو مجلس الأمة أعماله في المجلس أو لجانه يؤدي أمام المجلس في جلسة علنية اليمين التالية : أقسم بالله العظيم أن أكون مخلصا للوطن و( لرئيس الدولة ) وأن أحترم الدستور وقوانين الدولة وأذود عن حريات الشعب ومصالحه وأمواله وأودي أعمالي بالأمانة والصدق "فعجبا لمسلم يقسم بالله العظيم على معصيته !!
وعجبا! لمسلم يتجاهل الإخلاص لله ويقسم على أن يكون مخلصا للوطن ولرئيس الدولة أى : يكون الطين وليه سواء كان في صورة وطن أو صورة بشر ، غني عن البيان رفض الإسلام التام لتكريس أى نوع من الولاية لبقعة الأرض إلا أن تكون مالكا لها فتقاتل دونها من جاء يسلبك إياها وأما الوطن فإن المسلم يعتبر كل بقعة أرض وجد فيها مسلمون وأقاموا فيها شرع الله ه يوطنه فتراه يدافع عنها ويقاتل دونها لا من حيث تقديسه لترابها وأشجارها وأنهارها ولبنات بنائها بل من حيث إنها محل إقامة – شرع الله في قوم يدينون بدين الله ويملكونها أما " الوطن" في هذه المادة من الدستور فالمقصود به هو هذه البقعة الصغيرة من الأرض وهي عبارة عن قطر صغير من مجمل الأقطار الإسلامية التي جزأها الاستعمار المحتل إلى " أوطان " فلماذا يكون ولاء المسلم لوطن صغير دون بقية " الأوطان " الإسلامية ، هذا إن سلمنا بقضية الولاء والإخلاص للوطن ولسنا بمسلمين .
فبالله لو أن إخلاص وولاء المسلمين الأوائل كان لتراب الجزيرة العربية فكيف كان للإسلام أن ينساب في الأرض !! وما الذي يجعل هذا " المخلص " للجزيرة العربية أن يقطع الفيافي والقفار ويجتاز السهول والجبال ليقاتل في القسطنطينية أو يقاتل في الأندلس مثلا !!
أتري أن المسلمين عندما قاتلوا على هذه الجبهات البعيدة جدا عن مواطنهم الأصلية كانوا يدافعون عن وطنهم بالمعني المذكور في الدستور أم أنهم كانوا يجاهدون في سبيل الله لنشر الإسلام في كل الأرض فتكون كل الأرض وطنا لكل مسلم ؟
إن الإخلاص للوطن بالمعني المذكور في الدستور إنما هو تكريس للإقليمية البغيضة التي جاء الإسلام لاجتثاثها والقضاء عليها فكيف يقسم " النائب الإسلامي " بالله لى تثبيت ما جاء الإسلام لاجتثاثه ثم يدعي أنه ما فعل ذلك إلا ليطبق شرع الله !!

ثم ما معني الإخلاص "" للزعيم " وهو على حال لا يحكم فيها بشرع الله تعالي ؟

إن طاعة ولي الأمر مقيدة بطاعته لله فحسب وهذا يعلمه كل مسلم وأنه لا طاعة مطلقا لأي ولي أمر في حال تلبسه بالأمر بمعصية اله إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " فكيف يجوز لمسلم أن يقسم بالله على طاعة من يأمره بمعصية الله ؟ وليس ذلك فقط بل يقنن هذه المعصية ويقيم لها المؤسسات التي تولي الدفاع والذب عنها بل أكثر من ذلك بأن جعلها سوطا مسلطا على رقاب من يأمر بطاعة الله "
فيا أيها الإسلاميون المشاركون في هذه المجالس النيابة والمقسمون بالله على معصيته اتقوا الله فيما أنتم متلبسون فيه فإنكم بين أمرين إنا أنكم لا تدرون ما تفعلون بأنفسكم وبالمسلمين فهذه مصيبة وإما أنكم تدرون فالمصيبة أعظم !!
وهأنتم تبرهنون على صحة الكلام الذي قلته في مناط المرحلة الأول ومناط المرحلة الثانية بأنكم مقرون ابتداء أو أن واقع حالكم الإقرار ابتداء بالقوانين والدستور القائم بإقسامكم المذكور هو برهان ساطع على صحة ما ذهبت إليه إذ أنكم تقولون في القسم :" وأن أحترم الدستور وقوانين الدولة "

فهل أنتم تحترمون قوانين الجزاء الوضعية التي نشخ بها النظام الحاكم حدود الشريعة ؟

وهل أ،تم تحترمون قوانين الاقتصاد التي أقرت التعامل بالربا ؟!! وهل أنتم تحترمون قوانين المطبوعات والإعلام التي من خلالها يهاجم دين الله تعالي في الليل والنهار جهارا عيانا من غير مواربة ولا حياة ؟!

وسوي ذلك من القوانين إنها مجرد أسئلة إلا أن جوابكم الصريح هو أنكم تقسمون بالله على احترامها !!

فهل يصح من مسلم أن يفعل هذا ؟ وهل يجوز له أن يضع نفسه في موضع بئيس كهذا ؟!

إن كان ممكنا لمسلم عادي جاهل بدينه أن يقع في مثل هذا الخطأ فلا ينبغي أن يقع فيه مسلم يقول عن نفسه : إنه من الدعاة إلى دين الله تعالى بل الأدهى من ذلك وأمر أن يقول : إنه يجاهد لتطبيق الشريعة .

وأما الذود عن حريات الشعب فإننا نسأل : أى حريات هذه ؟

هل هي حية التحلل من الدين واعتناق أى فكر أرضي وضعي ؟

وهي هي حرية التحلل من الأخلاق والتعاليم الإسلامية ؟

أم هي الحرية المحاطة بإطار الشرع ؟

ومن المؤسف أن نقرر أن الحريات التي تمارس في البلاد الإسلامية غير منضبطة بإطار الشرع إلا من حالات فردية وبمبادرات خاصة .

وذاك القسم الدستوري يذكر الحريات هكذا بإطلاق من غير تقييد ولا تخصيص ولا عجب في ذلك إذ أن هذا الدستور وأمثاله من الدساتير تفصل ولو من الجانب النظري على قد مطالب الشعب مراعية كافة فئاته .

فإذا كان في الشعب دروز ونصارى ونصيريون وإسماعيليون وقوميون وبعثيون وملحدون وغيرهم فإن على النائب الإسلامية أن يحترم حرية التعبير عن تلك العقائد لهؤلاء جميعا بل يقسم بالله على ذلك .

فمتى شرع هذا الدين الجديد الذي يقسم أتباعه على احترام حرية المرتدين والملحدين والمارقين ؟!!

فهل هناك انتهاك أعظم من ذلك لمفهوم حفظ الدين في مرتبة الضروريات ؟!

والآن لنناقش المرحلة الثالثة وستتضمن مناقشتنا المراحل التي بعدها وهي الرابعة والخامسة والسادسة . لقد بينت أن المرحلة الثالثة هي : طرح شرع الله للتصويت ذلك أن أى قانون تشريعي ينبغي عرضه على المجلس النيابي ليناقشه ثم يصوت عليه وذلك كما هو منصوص عليه في المادة (97) من الدستور والتي فيها : "وتصدر القرارات بالأغلبية المطلقة للأعضاء الحاضرين " وفيها :"وعند تساوي الأصوات يعتبر الأمر الذي جرت المداولة في شأنه مرفوضا "

إذا أراد الإسلاميون المجلسيون إقرار قانون بمنع الربا أو باعتماد التشريع الإسلامي في قانون الجزاء – مثلا – فإن عليهم أولا أن يطرحوا مشروع هذا القانون على المجلس النيابي ليناقشه ويصوت عليه فإذا فاز بالأغلبية فإنه يرفع لرئيس الدولة وذلك حسب المادة( 66) من الدستور فإما أن يقره وإما أن يعيده إلى المجلس لإعادة النظر فيه وفي حال عدم فوز القانون بالأغلبية أو في حال تساوي الأصوات فإن القانون يعتبر مرفوضا وفحوى هذا التسلسل معناه : أن الله عزوجل يقترح ( تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا) على المجلس من خلال كتابه المنزل على رسول الله صلي الله عليه وسلم قانونا بتحريم الربا ، ثم يعرض هذا القانون على المجلس النيابي من خلال النواب الإسلاميين ليري المجلس رأيه في قانون الله تعالي وهل هو ملائم لمصالح الشعب أو غير ملائم فإذا وجده غير ملائم رفضه وإذا وجده ملائما أقره بعد فوزه بالأغلبية ثم يرفع لرئيس الدولة ليري مدي ملاءمته أو عدم ملاءمته فإن وجده ملائما أقره وإلا أعاده إلى المجلس لإعادة النظر فيه .

فما معني ذلك ؟!

إن معناه أن الله تعالي خالق السموات والأرض الواحد الأحد الفرد الصمد، قد خصص له هؤلاء القوم ( تعالي الله عن ذلك علوا كبير ا) دورا لا يتجاوز اقتراح القانون على المجلس النيابي فإذا وافق عليه المجلس بالأغلبية رفعوه لرئيس الدولة وإلا رفضوه .

  • والسؤال هنا : وفق ذلك الترتيب من هو الإله؟!
الجواب : هو من له الكلمة النهائية !!
  • فبهذه الصيغة هناك ثلاثة آلهة يعلو بعضهم فوق بعض !
- إله مرتبة أولي وهو رئيس الدولة .
- إله مرتبة ثانية وهو المجلس النيابي .
- إله مرتبة ثالثة وهو الله تعالي ( تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا ) وسمينا المرحلة الثالثة إلها تجاوزا وإلا فإن من يقترح القوانين لا يسمي إلها إنما هو بمرتبة العبد الذي يدلي برأيه ..

وأنا أسائل الإسلاميين المشاركين في المجلس : إن طرح شرع الله تعالي للتصويت ألا يعني هذا الترتيب ؟

أجيبوا هداكم الله .

ثم الأنكي من ذلك أن شرع الله تعالي يوضع في مستوي واحد مع كافة القوانين الأخرى التي تقترح على المجلس النيابي .

ذلك أن اليساريين يقترحون القوانين كما يتقرحها الإسلاميون فإذا كان الإسلاميون يقترحون القوانين باسم الله تعالي فإن أولئك يقترحون القوانين باسم الشيطان والطاغوت .

أى : أن الله تعالي والشيطان يستويان – والعياذ بالله – من حيث اقترح القوانين ما أظلمها وما أبشعها من نتيجة مخزية مقرفة .

بالله عليكم يا أيها الإسلاميون المشاركون في المجالس النيابية من يرضيه ذلك !! من يسعده ذلك !! لا شك أنه لا يرضيكم ولا يسعدكم .

فإذا : لماذا يضع المسلم نفسه هذا الموضع ويختار لها هذا المنزلق ؟

فيتحصل لنا من ذلك أن ما ذكرناه يعتبر انتهاكا صارخا وفظيعا جدا لحفظ الدين في مرتبة الضروريات وإن هذا الأمر يتنافي كليا مع مقاصد الشرع من كافة الوجوه وكيف لا يكون كذلك وهو مناف لمعني لا إله إلا الله منافاة تامة إذ إن معني التسلسل الذي ذكرته هو : لا إله إلا رئيس الدولة ، أو لا إله إلا المجلس !! وهذا تعطيل فاضح لمعني توحيد الإلوهية بل هو تعطيل لمعني الربوبية كذلك ذلك أن هذه الصلاحية التي لدي المجلس تنطوي على انتحال حق التحليل والتحريم فإذا اقترح اليساريون في المجلس النيابي قانونا يحلل ما حرم الله سواء كان في الربا أو الخمر أو المطبوعات أو حرية إعلان الرأي وإن كان كفريا شركيا أو ما شابه ذلك ... أقول إذا اقترحوا ذلك ثم استطاعوا أن يحصلوا على موافقة الأغلبية عليه ثم وافق عليه رئيس الدولة فإن هذا المحرم من جهة الشرع سيكون محللا من جهة المجلس النيابي ونحن نعلم أن الذي له حق التحريم والتحليل هو الرب كما سيأتي بيانه في الضابط الثاني إن شاء الله تعالي .

وبالمقابل إذا اقترح الإسلاميون قانونا مما هو في شرع الله حلالا ثم لم توافق عليه الأغلبية في المجلس فإنه سيبقي معطلا حتى يتكرم المجلس فيوافق عليه !!.. وبئست هذه النتيجة التي مؤداها تعطيل مفهوم توحيد الربوبية .

بل لابد من إضافة شئ آخر وهو أن من صفات الحاكم المطلق الذي إذا أمر كان أمره عدلا وإذا نهي كان نهيه عدلا وأن يكون قد حاز صفات الكمال من علم وخبرة وقدرة وسمع وبصر ... إلى آخر صفات الكمال وأعني بصفة الكمال : أى الصفة المنزهة من كل نقص ،لا يعتري الموصوف بها أى وهن أو غفلة ، أى : حاز الكمال بكل معانيه ومقتضياته وهذه الصفات التي ينبغي أن يتصف بها المشرع ليكون شرعة عدلا ليست إلا لله تعالي لذلك فهو الحاكم العدل الحق ..

لكننا إذا اعتبرنا أن الحاكم المطلق الذي له الأمر والنهي هو المجلس النيابي أو رئيس الدولة أو كلاهما فإننا بشكل أو بآخر تكون قد أضفينا عليه هذه المعاني شئنا أم أبينا ونكون قد ألبسناه هذه الصفات التي لا تجوز ولا تعقل إلا لله رب العالمين وهذا يعد انتهاكا فاضحا وخارقا لمعني توحيد الأسماء والصفات فيتحصل مما ذكرت بشأن المرحلة الثالثة وهي التصويت على شرع الله :

- تعطيل مفهوم توحيد الإلوهية .
- تعطيل مفهوم توحيد الربوبية .
- تعطيل مفهوم توحيد الأسماء والصفات .

أى : تعطيل أركان التوحيد التي لا يعتبر المسلم موحدا إلا بالإقرار بها جميعا في آن واحد.

فهل يسمي هذا حفظا للدين أم يسمي تفريطا به وتعطيلا به بتعطيل أحكامه وهل يسمي هذا إمضاء لشرائع الإسلام وتثبيتا لها أم يسمي اختراقا لها في مرتبة الضروريات !!

مرتبة الحاجيات

لننتقل الآن إلى الحديث باختصار عن حفظ الدين في مرتبة الحاجيات.

لقد قلت : إن المصالح الحاجية هي ما تكون الأمة محتاجة إليها لأجل انتظام أمورها بدون حرج ولا ضيق بحيث لو لم تراع لما فسد نظام حياة الأمة كلها وإنما سيتعثر سيرها فتمضي حياتها على حال غير منتظمة ولذا لا تبلع هذه المصالح مبلغ الضروري ..

والذي يهمنا فيما يتعلق بحفظ الدين هو ما يترتب على المراحل المذكورة بخصوص مرتبة الحاجيات وقد ضربت على ذلك مثالا للرخص المخففة كالقطر في السفر وصلاة المريض وكذا صلاة الخوف وما شابه لكن الذي يعنينا في هذا الموضوع هو ليس ما خص أعيان الأفراد بل ما يخص عموم الأمة..

وفي هذا الإطار أطرح بعض الأسئلة :

  • السؤال الأول. إن التضييق على الدعاة إلى الله وتكميم أفواههم بقوة القانون " أليس هو تضييق على الأمة ووضعها في حالة الحرج ؟
الجواب : نعم بلا شك خاصة وأن التضييق على الدعاة يتم بأشكال مختلفة وتحت عناوين شتي منها ضرورة التقيد بقانون التجمعات فحيثما التقي الداعية بعموم الناس فعليه أن يراعي هذا القانون المفصل لصالح الدولة فتعال اقرأ معي الفقرة التالية من المادة ( 44 ) من الدستور ونصها :
" الاجتماعات العامة والمواكب والتجمعات مباحة وفقا للشروط والأوضاع التي بينها القانون "
إن هذه المادة فضفاضة يفصلها النظام حسبما يراه مناسبا لأوضاعه وتارة يتم التضييق بالتحذير من التطرق إلى مواضيع معينة وهذا يحدث بالنسبة لخطباء الجمعة في أغلب الأحوال .
إن تضييق فوهة كلمة الحق يلحق خطرا فادحا إزاء دينها وتحكيم شريعة ربها إذ مع غياب كلمة الحق فإن الناس لا يسمعون إلا معزوفة أجهزة الإعلام التي تشحن النفوس بالباطل وتلوث العقول بعكر الأنظمة وتملأ القلوب بتقديسها والتطبيل لها .
  • السؤال الثاني ن السماح لأعداء الله بإطلاق أبواقهم ليهاجموا دين الله والداعين إليه في الليل والنهار تحت ظل القانون وبحمايته أليس ذلك تضييق على الأمة ووضعها في حالة الحرج؟!!
الجواب : نعم بلا شك فمنذ أمد طويل تهاجم الصحافة ووسائل الإعلام عموما مجمل الدعاة إلى الله ، تارة بالمقالات الصحفية وأخري بالرسوم الرمزية ( كاريكاتور) وتارة باسم ندوات الرأي ، ولا تكاد تخلو صحيفة يومية أو مجلة أسبوعية من مثل هذا الردح فلا رادع ، ولا مخر ، ولا ناه ، ولا قانون يحاسب هؤلاء فإذا ما تعرضت مجلة إسلامية للدفاع المشروع عن الإسلام طبق عليها القانون وشد عليها من الحلقوم فلنا أن نسأل : لماذا تطبق المادتين ( 36) و(37) من الدستور على الإسلاميين ولا تطبق على سواهم ؟ اقرأ معي نص هاتين المادتين من الدستور :
المادة ( 36) :" حرية الرأي والبحث العلمي مكفولة ، ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غيرها وذلك وفقا للشروط والأوضاع التي يبينها القانون "
المادة (37) :" حرية الصحافة والطباعة والنشر مكفولة وفقا للشروط والأوضاع التي يبينها القانون "
فلا يفوتك أخي المسلم أن تنتبه إلى التذييل المشترك في هاتين المادتين وهو " وفقا للشروط والأوضاع التي يبينها القانون" إن هذه الشروط والأوضاع مفصلة لصالح النظام الحاكم في كل الأحوال .
ألا تقع الأمة في الضيق والحرج وهي تقرأ كل صباح وتري في كل مساء ما يقدح في عقيدتها ويسفه دينها بصور شتي ؟
  • السؤال الثالث :إن تنشئة الناشئة – وهم الطلاب – على أفكار علمانية وقومية ووطنية وحجب عقولهم وأفكارهم عن شمول وعمق عقيدتهم الإسلامية وذلك من خلال منهج يطبق بقوة القانون أليس ذلك تضييق على الأمة ووضعها في حالة حرج ؟
الجواب : نعم بلا شك فها هي المناهج التعليمية وتلك هي الكتب الدراسية ، وبين أيدي أبنائنا الطلبة المعازف الموسيقية وأمام ناظريهم في كل صباح تقدس الأعلام الوطنية ومع كل طلعة صبح تصح آذانهم الأناشيد القومية وفي درس اللغة الأجنبية يترنمون بالأغاني الانجليزية تارة بالموسيقي الصاخبة ، وأخر بما يسموه " الكلاسيكية " فبالله عليك يا سامع هذا الكلام أو قارئه ، بأي صبغة ستصبغ عقول هذه البراعم الفتية وعلى أى توجيه ستنمو تلك الأعواد الغضة الطرية ؟!!
فأى دين هذا سيتعلمه الطلاب وعلى أى شريعة سينشأن ؟ وهب أن هناك مادة تسمي التربية الإسلامية فهل تدرس هذه المادة بمواصفات مختارة قادرة على محو ما يتعلمه الطالب مما يوطد أركان التنشئة القومية والانتماءات الوطنية في نفسه وعقله فضلا عما يشاهده ويمارسه ؟!
إ ن هذا الطالب يشب وهو ولا يكاد يعلم من أمر دينه شيئا ربما ولا كيفية الوضوء بله الصلاة ، فكيف بتاريخ أمته الإسلامية في جهادها ورفعة شأنها عندما تمسكت بدينها وطاعة ربها فهذا الشباب المائع خريج هذه المناهج المتخلفة هل ينتظر منه سوي تتبع "مايكل جاكسون " ورقص " الديسكو" فأى حرج وأى ضيق يمكن ان يلحق بأمه هكذا شبابها وهكذا شاباتها ؟
إن ذلك كله إنما يتم تحت ظلال القانون المنبثق من الدستور وفي كنف حمايته فتعال أقرأ معي تفصل ذلك في المادة (40) من الدستور والتي نصها ( التعليم حق للمواطنين ) تكفله الدولة وفقا للقانون وفي حدود النظام العام والآداب والتعليم إلزامي مجاني في مراحله الأولي وفقا للقانون ، ويضع القانون الخطة اللازمة للقضاء على الأمية وتهتم الدولة خاصة بنمو الشباب البدني والخلقي والعقلي ).
  • فإن قلت : وماذا تريد أن تغير في هذه المادة ؟!
أقول : إن هذه المادة متعلقة بالأصل والأصل عند هذه الأنظمة هو عدم الاحتكام لشرع الله وبالتالي فإن مواد الدستور مصاغة بطريقة تفيد العموم غير المقيد سوي بالقانون الوضعي .
لنعد النظر في هذا النص " وفقا للقانون وفي حدود النظام العام والآداب أن هذه الجملة مطاطة ، ويمكن أن تمط حتى تتسع لكل ما تريده الأنظمة .
فهذه الآداب مثلا ما هي ؟ هل هي الآداب الإسلامية ؟ أم هي الآداب الغربية ؟ أم هي الآداب العرفية ؟ أم ماذا بالضبط؟ لا شئ يقيدها .
ولست بصد مناقشة هذه المادة كلمة وحرفا حرفا فإن ذلك يطول ولكني بصدد وضع علامات لا أكثر ..
  • السؤال الرابع :إن إباحة ما يؤدي إلى المجون والفجور من حرية الاختلاط غير الشرعي ونشر الصور الخلاعية في المجلات وغيرها تحت ظل القانون وهيمنته أليس هو تضييق على الأمة في صيانة عرضها وشرفها ووضعها في حالة الحرج؟!.
الجواب : نعم بلا شك وحد في هذا ولا حرج فالأمر لا يحتاج إلى بيان إذ حيثما يممت وجهك وأينما أجلت بصرك سواء في وظيفة حكومية أو في الشوارع أو الأسواق أو المكتبات أو الرائي ( التلفاز) أو المذياع أو الصحافة أو ... أو... فإنك لا تكاد تجد فرقا بين وجودك في هذا البلد الإسلامي وبين أى بلد أوروبي نصراني أو شيوعي إلحادي بل ربما كان الحال في بعض البلاد الإسلامية أشد سوءا من البلاد الأوروبية ويحدث كل ذلك باسم الحرية الشخصية وحرية التعبير التي يكفلها القانون المنبثق من الدستور وذلك حسب المادة (30) التي نصها :" الحرية الشخصية مكفولة "
  • السؤال الخامس :إن تكريس الإقليمية البغيضة ومعاملة الناس بطبقية منبثقة من ذلك سواء في الوظائف أو غيرها بقوة القانون وسطوته أليس هو تضييق على الأمة ووضعها في حالة الحرج ؟ ( مع ملاحظة أن تكريس الإقليمية مناف لمفهوم حفظ الدين الذي يدعو إلى الإخوة الإيمانية والتكافل الإسلامي ) .
الجواب : نعم إن القانون يكرس هذه الإقليمية وينفخ فيها حتى أضحت نارا تتأجج على الوافدين المسلمين هذان رجلان مسلمان لهما نفس المؤهلات العلمية وذات الخبرة العملية ويعملان نفس العمل وفي مكان واحد وتحت ظروف واحدة ولكن هذا يتقاضي مرتبا مرتفعا لأنه " مواطن" والآخر يتقاضي مرتبا منخفضا لأنه مسلم "وافد" ولربما كان هذا الوافد أكثر حاجة من أخيه .
إن القانون أقر هذه التفرقة وعمقها وقننها مما سبب – مع طول الزمن – إلى انتقال مضمون القانون من الجانب التطبيقي التنفيذي إلى الجانب الشعوري النفسي فإذا بـ " المواطن" بعد حين من الزمن يري أنه خير وأفضل من أخيه المسلم " الوافد " فأفضي ذلك إلى ضياع مفهوم أخوة العقيدة ورابطة الدين ثم انعكس ذلك كله بصورة تضييق وحرج في حياة الناس مرة بسبب التفاضل غير الشرعي والذي يكرسه القانون ومرة بسبب تفاقم أسباب التباعد والتباغض بين " المواطنين " وبين المسلمين " الوافدين "
ولا أدري إلى الآن كيف أن القانون المطبق في ذاك البلد الديمقراطي مغاير لما هو في دستوره حيث تنص المادة (29) منه على أن " الناس سواسيه في الكرامة الإنسانية وهم متساوون لدي القانون في الحقوق الواجبات العامة لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين "
أقول : إن الواقع القانوني المعمول به في الوظائف العامة في ذاك البلد الديمقراطي متعارض مع نص هذه المادة وإن دل ذلك على شئ فإنما يدل على أن الملأ لا يبالي في سبيل تكريس مصالحه أن يضرب بعرض الحائط الدستور الذي وضعه بنفسه .
  • السؤال السادس :إن تربية الأمة على الولاء للوطن وعلى تحية العلم وعلى النداء بحياة رئيس الدولة مما يؤدي إلى قبض القلوب عن الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين مع ملاحظة أن واقع الولاء للوطن ولرئيس الدولة فيه ظلم لدينهم وانتقاص من حقوقهم أليس في ذلك تضييق على الأمة ووضعها في حالة الحرج؟
الجواب : إن النشيد الوطني وتعيش الزعيم ومراسم تحية العلم هي من مظاهر الولاء التي على جميع طلبة المدارس أن يؤدوها مع إشراقة كل صباح بل هي المراسم التي تؤدي مع كل مناسبة وطنية أو مباراة دولية وما شابه ذلك وهذا كله يتم حسبما ينظمه القانون كذا ورد في المادة ( 5) من الدستور والتي نصها :
يبين القانون علم الدولة وشعارها وإشاراتها وأوسمتها ونشيدها الوطني "
فإن قلي وماذا في هذا ؟ أليس ذلك تعبيرا عن الولاء لكيان سياسي قائم بالفعل ولو كان النظام إسلاميا بحتا فهل سيفعل غير ذلاك؟
قلت إن معاني كلمات النشيد الوطني وتعييش الزعيم وتحية العلم ما هي في الحقيقة إلا مظاهر وثنية في أساسها حتى أن بعض الشباب المسلم يسمي العبد الوطني بالعيد الوثني .
فالخلاصة إن هذه التنشئة للطلبة مغايرة لتنشئتهم على حب الله ورسوله والمؤمنين ثم إنها استبدلت بذلك حب الوطن وحب الزعيم وحب العلم فهل هناك أكثر ضيقا وأشد حرجا من أن يتعلم أولاد المسلمين تلك الشعارات الوثنية ؟
  • السؤال السابع :إن السماح بحرية التعبير عن الاعتقاد لكل الناس غير المسلمين مع ما يرافق ذلك من إظهار لشعائرهم حتى وإن كانت إلحادية شركية وفي غير المدى الذي سمح به الشرع وفي بلاد إسلامية ألا يثير هذا في نفوس المسلمين الضيق ويشعرهم بالحرج؟
الجواب : من المعلوم أن سكان البلاد الإسلامية تقريبا كلهم مسلمون ولكن يوجد بعض المواطنين أو الوافدين من ملل شتي ونحل كثيرة منهم من يعبد المسيح ومنهم من يعبد النار ومنهم من يعبد البقر ومنهم من يعبد الحجر أو الشجر ومنهم من يعبد الشيطان ، ومنهم ... ومنهم ... إن كل هؤلاء لهم الحق - حسب نص الدستور – أن يعبروا عن معتقداتهم بما يشاءون من شعائرهم الخاصة حسب عاداتهم المرعية وأن يجهروا بذلك وتقوم أجهزة الدولة المختلفة بتوفير الحماية الكاملة لهم تطبيقا للدستور !!
هكذا ورد في المادة (35) من الدستور ونصها " حرية الاعتقاد مطلقة وتحمي الدولة حرية القيام بشعائر الأديان طبقا للعادات المعية على ألا يخل ذلك بالنظام العام أو ينافي الآداب "
ألا يضيق صدر المسلم ويعلو وجه الحزن وتلفه الكآبة وهو يري أمام ناظريه جميع أنواع الطقوس الوثنية الإلحادية تقام وتمارس في ظل حماية القانون ثم الأدهى من ذلك أن هؤلاء الذين يمارسون تلك الطقوس ويظهرون تلك الشعائر هم أ،فسهم وليس غيرهم الذين يقتلون إخواننا المسلمين ويستبيحون نساءهم ويذبحون أطفالهم في الهند وغيرها !! فحسبنا الله ونعم الوكيل ..

وبعد: فقد يقول الإسلاميون المشاركون في المجالس النيابية : إن الذي ذكرته وطرحته من خلال هذه الأسئلة السبعة إنما هو واقع وحقيقة ونحن نراه ونلمسه وإننا لم نشارك في تلك المجالس إلا لإزالته واجتثاثه ولذلك فقد عملا وسنعمل جاهدين لإنهائه والقضاء عليه .

قلت : هذه والله نية طيبة ومن قبل قلتم إنما شاركنا في المجالس النيابية لنتمكن من تحكيم الشريعة وما طرحت عليكم هذه الأسئلة إلا من خلال مناقشة ما ذهبتم إليه وهانحن نكرر القول : إن مناط المراحل التي ذكرت في البداية تفيد إقراركم بالدستور والقسم على احترامه وما خرجت في أسئلتي السابقة عن ذلك الإطار فكيف تحترمون القوانين التي كرست الواقع الذي بينته من خلال الأسئلة السابقة ثم أنتم تريدون تغييره وتبديله وإذا كانت تلك النصوص الدستورية التي توفر الحماية القانونية لذلك الواقع مغايرة لأحكام الله تعالي فكيف أقسمتم على احترامها ابتداء ؟!

ومحصلة الكلام : إن دخولكم المجلس النيابي في إطار المراحل الستة التي ذكرتها مع مناط كل منها لا يشك أبدا أنه مخالف لحفظ الدين في مرتبة الحاجيات .

بمعني آخر : إن تلك المشاركة ستضيع المصالح الحاجية التي بها يحفظ الدين في هذه المرتبة .

مرتبة والتحسينيات

سنناقش هنا مراد سيجني دخول الإسلاميين المجالس النيابية على حفظ الدين في مرتبة والتحسينيات وهي أدني المراتب في سلم المصالح .

وقد بينت أن المصالح التحسينية هي التي لا يؤدي تركها إلى ضيق أو إحداث حرج ولكن مراعاتها تفيد الأخذ بما يليق بمكارم الأخلاق ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات .

ومن المفيد أن نذكر بعض الأسئلة لنري إن كان حفظ الدين في هذه المرتبة ملحوظ في القوانين المعمول بها .

• فهل القدح في الإسلاميين بما ليس فيهم مما تفعله وسائل الإعلام يتماشي مع مكارم الأخلاق .
• وهل تعليم الأولاد في المدارس الموسيقي وتعليم البنات الرقص وموافق لرعاية أحسن المناهج في العادات .
• وهل إلباس الفتيات الملابس القصيرة التي تكشف ما أمر الله بستره ثم إخراجهن للاستعراضات فيما يسمي بالأعياد الوطنية أو الدورات الرياضية موافق لجميل الصفات وكريم الخصال وحسن الأفعال والأخلاق .
• وهل إنشاء المدارس المختلطة وإناطة تدريس الذكور بالإناث موافق لبديع المنابت وحسن التوجيه ومكارم الأخلاق ..
• وهل اختلاط الموظفين والموظفات في حجر ضيقة في المكاتب الحكومية والشركات وقد أخذت كل امرأة زينتها موافق لكريم الخصال وسليم الطباع ..
  • ألا يتم ذلك في مجمل دور الحكومة ومؤسساتها بحماية القانون في ظل الدستور ؟
فقد جاء في المادة (40) من الدستور " وتهتم الدولة خاصة بنمو الشباب البدني والخلقي والعقلي "
  • أليس الذي ذكرته هو التفسير الخاص للنظام الحاكم لهذه المادة أم ماذا ؟
أليس الذي ذكرته مناف لحفظ الدين ومهدار صيانته ومشوها جمال منهاجه .

إن هذا الانتهاك لحفظ الدين في مرتبة والتحسينيات يحدث كل يوم فماذا استطاع الإسلاميون المجلسيون أو يفعلوا لإيقاف هذه المهزلة .

وإذا كان الإسلاميون المجلسيون قد فشلوا في حمل الأنظمة على تطبيق الشريعة الإسلامية على مستوي والتحسينيات فكيف سيفلحون في حملها على تطبيق الشريعة الإسلامية على مستوي مرتبة الحاجيات بله الضروريات !!

الخلاصة

إن الذي انتهينا إليه في هذه الجولة الطويلة هو أن اشتراك الإسلاميين في المجالس النيابية في إطار المناط الذي ذكرته يؤدي إلى انتهاك مفهوم حفظ الدين في المراتب الثلاث الضروريات والحاجيات والتحسينيات أى " إضاعة المصالح الإسلامية على هذه المستويات الثلاث ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وحسبنا الله ونعم الوكيل وإنا لله وإنا إليه راجعون.

المجالس النيابية وتحكيم الشريعة على ضوء مقصد حفظ النفس :

مرتبة الضروريات :

قد بينت أنه شرع لحفظ النفس من حيث الوجود إباحة أصل الطعام والشراب والسكن مما يتوقف عليه بقاء الحياة وشرع لحفظها من حيث المنع عقوبة الدية والقصاص .

ومن المعلوم أن تحكيم الشريعة الإسلامية هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق العدالة التي في ظلها ينعم الناس بتوفير ضروريات حياتهم من مطعم ومشرب وملبس ومسكن وربما تفاوت الناس فيما بينهم في هذه الضرورات من حيث الرفاهية لكن لا غني لهم عنها من حيث الأصل وفي ظل القوانين الوضعية فإن مصالح الملأ وهم الذين يسيطرون على مجلس الأمة غالبا هي المقدمة على ما سواها ...وفي ظل غياب التشريع الإلهي ربما تحول هؤلاء الناس المتحكمون إلى أجساد متحركة فارغة من كل إحساس خالية من كل شعور لذلك تراهم يستغلون هذه السلطة لتشريع قوانين لصالح تثمير مصالحهم الخاصة وقد أفرز ذلك واقعا أدي إلى تشريد عدد من العائلات أو ألجأها إلى مد اليد إلي الآخرون وإلى إراقة ماء الوجه في سبيل تحصيل أصل الطعام والشراب والمسكن واللباس .

ولست متعسفا فيما أقول فتحت شعار تطبيق المادة (22) من الدستور والتي نصها : ينظم القانون على أسس اقتصادية مع مراعاة قواعد العدالة الاجتماعية العلاقة بين العمال و أصحاب العمل وعلاقة ملاك العقارات بمستأجريها " وافق المجلس النيابي في تلك الدولة – والذي كان فيه إسلاميون – على جواز رفع أجرة العقارات إلى حدود ( 100%) أى مضاعفة أجرة المساكن وقد استغل أصحاب العقارات ( وأكثر الملأ أصحاب عقارات ) هذا القانون الجائر الظالم أيما استغلال وتخلف دخل كثير من الناس عن إمكان تغطية الأجرة الشهرية لسكنهم الضيق وعن توفير الطعام والشراب واللباس اللائق فعاشت كثير من الأسر في ضيق أضيق مما تحتمله كلمة الضيق وأورث هذا القانون كثيرا من الأسر المسلمة الأسي والحزن وأحل بيوتهم الفقر والفاقة وقد أدي ذلك إلى اشتداد الضغط على لجان الزكاة والصدقات كما سبب في خروج المرأة من بيتها للعمل لتعاون زوجها في إعالة الأسرة واضطرت كثير من الأسر إلى مغادرة ذلك البلد لشدة ما لاقوه فيه من تضييق وضنك ولو كان المقام متسعا لسردت قصصا كثيرة لمآسي شتي حدثت بسبب هذا القانون وإذا كان صحيحا ما يدعيه أصحاب المجالس النيابية من أنهم ممثلون للشعب وساهرون على مصالحه فلماذا يبلورون ظلمهم بقانون ويأكلون أموال الناس بالباطل بقانون !!

فإن قلت : فما علاقة الذي ذكرته بموضوع دخول المجالس النيابية لأجل تحكيم الشريعة الإسلامية .

أقول : إن الذي ذكرته مرتبط ارتبطا وثيقا لا فكاك له بالمراحل الستة التي ذكرتها في البداية ألا تري كيف شرع هذا القانون الفاحش الظلم تنفيذا للمادة ( 22) من الدستور إن تشريع هذا القانون يدخل في مناط المراحل " الثانية والثالثة والرابعة والخامسة فارجع إليها يرحمك الله لتتأكد من ذلك .

وعود علي بدء فقد قلت : إنه شرع لحفظ النفس من حيث المنع عقوبة الدية والقصاص .

إن تنفيذ الحدود حسب الشريعة الإسلامية تفر منه الأنظمة الحاكمة فرار الحمر الوحشية من الأسود الكاسرة لا يمكن لهذه الأنظمة أن تبرر تعطيلها لإقامة الحدود بأنه ناشئ عن انهزامها أمام ضغوط التيارات الإلحادية وأمام مدعي الحضارة الإنسانية وأمام المدافعين عن حقوق الإنسان لأن هذه حجة ساقطة لا قيمة لها عند أصحاب المبادئ المعتزون بمبادئهم لكن الحقيقة أن هذه الأنظمة كرهت الإسلام وتشريعاته واعتبرته حجر عثرة أمام تحقيق مصالحها وتكريس امتيازاتها فما برحت تفت في أساساته لتهد أركانه ودعائمه ثم تقتلعه من جذوره وتمحو كيانه ولكن هيهات هيهات ! فإن هذا الإسلام شامخ بإذن الله طالما وراءه من يدافع عنه ويجاهد في سبيله .

إن حقيقة الأمر هي أن هذه الأنظمة الديمقراطية لا تريد تطبيق الحدود أصلا معتبرة ذلك رجعية وتقهقرا إلى الوراء لا يتناسب مع روح العصر وتقدم البشرية كما يدعون وفي هذا انتقاص لهذه الشريعة مع ما يستتبع ذلك من انتقاص للذات الإلهية ..

إن تشريع الحدود في ديننا الإسلامي إنما شرع لحفظ النفس الإنسانية وحماية كرامتها وصون عفتها وتوفير الأمن لها لتعيش حياة هانئة مطمئنة لكن هذه الأنظمة الديمقراطية لا تريد ذلك فتراها تضع العقبات لعرقلة سير العجلة الإسلامية فماذا فهل هؤلاء النواب الإسلاميون ليعود الأمر إلى نصابه ؟! إنهم لم يفعلوا شيئا ولا أظنهم قادرين على أن يفعلوا شيئا فها هي نصوص الدستور تصدح بأعلي صوتها معلنة نسخ تشريع الحدود وفق الشريعة الإسلامية بل وتتهمها بإيقاع المشرع في حرج بالغ !!

هكذا جاء في " المذكرة التفسيرية " للدستور إياه في تفسيرها للمادة الثانية منه وقد نصت هذه المادة على أن " دين الدولة الإسلام ، والشريعة الإسلامية مصدر رئيس مصدر رئيس للتشريع "فجاء في تفسير هذه المادة قول المشرع الوضعي : " لم تقف هذه المادة عند حد النص على أن دين الدولة الإسلام بل نصت كذلك على أن الشريعة الإسلامية – بمعني الفقه الإسلامي – مصدر رئيس للتشريع وفي وضع النص بهذه الصيغة توجيه المشرع وجهة إسلامية أساسية دون منعه من استحداث أحكام من مصادر أخري في أمور لم يضع الفقه الإسلامي حكما لها أو أن يكون من المستحسن تطوير الأحكام في أمور في شأنها تمشيا مع ضرورات التطور الطبيعي على الزمن بل إن في النص ما يسمح مثلا بالأخذ بالقوانين الجزائية الحديثة مع وجود الحدود في الشريعة الإسلامية وكل ذلك ما كان ليستقيم لو قيل :

" والشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع " إذ مقتضي هذا النص عدم جواز الأخذ عن مصدر آخر في أى أمر واجهته الشريعة بحكم مما قد يوقع المشرع في حرج بالغ إذا ما حمله الضرورات العملية على التمهل في التزام رأي الفقه الشرعي في بعض الأمور وبخاصة في مثل نظم الشركات والتأمين والبنوك والقروض والحدود وما إليها .

فهكذا نري أن هذه المادة لا تمنع المشرع من استحداث مصادر أخري في أمور لم يضع الفقه الإسلامي حكما لها كما يدعي ونحن نقول : إن الشريعة الإسلامية فيها من السعة والشمول ما يلبي الاحتياجات البشرية في كل مكان وزمان وليس ثمة قصور فيها بل في العقول التي انبهرت بزخارف الشرق والغرب وارتعت بثقافات اليهود والنصارى.

إن المشرع الوضعي يري أنه من المستحسن تطوير الأحكام لتتماشي مع ضرورات التطور الطبيعي على مر الزمن.

ولا يغفل المشرع الوضعي عن الإشارة إلى أن النص يسمح بالأخذ بالقوانين الجزائية الوضعية والتي يسميها " حديثة " مع إشارته لوجود الحدود الإسلامية وكأنه يقول إنني فعلت ذلك مع استحضاري لوجود الحدود في الشريعة الإسلامية فلم أقل ذلك غافلا أو ساهيا فانظر معي إلى سبق الإصرار في هذا الإقرار !! مع وجود طابع التحدي والاستفزاز !!

ثم نراه قد سمي قوانينه الوضعية " حديثة " وهذه إشارة بطريقة المقابلة إلى إن الحدود الإسلامية قديمة بالية قد تجاوزها العصر وبناء على هذه النتيجة المنكوسة التي وصل إليها فإنك تراه قد أمعن في توسيعها وتضخمها حتى شملت عنده نظم الشركات والتأمين والبنوك والقروض والحدود..

ثم لم يكتف بذلك!! بل أضاف إليها زيادة غامضة ربما استوعبت في المستقبل تغيير كل الفئات الذي أبقاه من أجزاء الشريعة كقانون الأحوال الشخصية مثلا فقال بعد أن عدد ما عدد :" وما إليها " فلا أعلم هل كلت يده من استمرار التعداد !! أو تراه أصابه الحياء!!

لا هذا ..ولا ذاك فهل يستحي من الخلق من لم يستحيي من الخالق ؟!

إن المشرع الوضعي تركها هكذا مجهولة ممطوطة ""وما إليها " عامدا لغاية في نفسه قضاها ويقضيها .

فالخلاصة إن معني هذا التفسير للمادة الثانية من الدستور هو تضييع للمصالح التي شرعها الله تعالي لحفظ النفس على مستوي الضروريات سواء من حيث الوجود أو من حيث المنع وإن مناط المراحل السابقة الستة التي ذكرتها يفيد الموافقة على هراء المشرع الوضعي بل أنكي من ذلك وابكي إنه يفيد الإقسام بالله العظيم على احترام ذلك الهراء !!

ونصيحتي للإسلاميين المجلسيين أن ينتبهوا للنفق المظلم الذي يساقون وينساقون إليه..

مرتبتا الحاجيات والتحسينيات :

ثم أني بعد الذي ذكرت سأتجاوز عن الاستمرار في ذكر ما يستتبع دخول المجلس النيابي من تضييع لحفظ النفس على مستويي: الحاجيات والتحسينيات وأترك ذلك لمتابعة القارئ اللبيب فها هو قد استنار بمعالم الطريق في هذا المبحث فلينظر في رتبة الحاجيات إلى المقصود بالتمتع بالطيبات وفي رتبة والتحسينيات إلى المقصود من الابتعاد عن الإسراف وهما مما قد ذكرت في حفظ النفس على مستوي هاتين الرتبتين .

المجالس النيابية وتحكيم الشريعة على ضوء مقصد حفظ العقل:

إن مناط الحديث عن ذلك هو المراحل الست التي ذكرتها في البداية وإطار ذلك كله هو الموافقة المعلنة أو غير المعلنة على الواقع الدستوري القائم بالفعل الآن ومحاولة التحرك من خلال قنواته وفي حيز مساحته وأبدا الآن بمناقشة تحقيق هذا المقصد على مستوي المراتب الثلاث الضروريات والحاجيات والتحسينيات .

مرتبة الضروريات

قد بينت أنه قد شرع لحفظ العقل من حيث الوجود ما شرع لحفظ النفس من تناول الغذاء الذي توقف عليه الحياة والعقل كما شرع لحفظه من حيث المنع حرمة المسكرات والعقوبة عليها ..

  • قد ذكرت ذلك سابقا وإطاره العام هو ما ذكره الشاطبي من أن الحفظ لها يكون بأمرين ..
أحدهما : ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها وذلك بمراعاتها من جانب الوجود.
الثاني : ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم.

ومن المعلوم أن تحريم الخمر في الشرعة الإسلامية إنما شرع حفاظا على إبقاء الملكة العقلية للإنسان في المستوي الذي يتمكن صاحبها من إدراك وتمييز ما يقول وما يفعل ولذلك شرع للحفاظ عليها ما يدرأ عنها الغيبوبة العقلية فمنع المسكرات وعاقب على تعاطيها وقد جعل الإسلام العقل مناطا لكافة الأحكام فتري اشتراط العقل هو القاسم المشترك في إقامة الأحكام وتوجيه التكليف فلذا فتري اشتراط العقل هو القاسم المشترك في إقامة الأحكام وتوجيه التكليف فلذا كانت المحافظة على الحضور العقلي للمكلف قضية أساسية ألا تر ا،ه منع من الصلاة في حالة السكر وألا تري أن طلاقه لا يقع عند أكثر العلماء في حالة الغضب الشديد المذهب للتمييز العقلي فإذا أدركنا ذلك كله علمنا أهمة ما يوليه الإسلام لحصانة العقل وصون مقامه وحفظ مركزه..

  • وإذا كانت العقوبة قد شرعت لمن تعاطي الخمر فغاب عقله لوقت محدود ثم استعاده بعد ذلك فيا تري كيف ستكون العقوبة لمن واصل تكرار هذا التعاطي ؟
قالوا : نكرر له العقوبة وقال بعضهم إنه يقتل بعد تكراره مرات معينة وقال بعضهم يسجن وغير ذلك وهذا كله محله كتب الفقه فليرجع إليها من أحب التفصيل لكن ليس هذا هو محل بحثنا .
إن محل بحثنا هو صيانة هذا العقل بحيث يضمن له استمرار الحضور طالما صاحبه غير نائم ولا مصاب بطارئ مرضي .
  • لماذا يريد الشرع استمرار حالة تيقظ العقل ؟
الجواب : لأجل ضمان إبقائه عاقلا لأمر الله تعالي فيفعل ما يرضيه ويقلع عما يسخطه .
  • فإذا ألقينا نظرة فاحصة على واقعنا الحالي وجدنا أن عقل المسلم يخضع لتأثيرات كثيرة أهمها ما يلي :
أولا : كتب ومطبوعات الفكر الإلحادي .
ثانيا : وسائل الإعلام المعادية للإسلام .
ثالثا : استجلاب عناصر الإفساد الغربية والشرقية .
إن المطلوب لحفظ العقل في مرتبة الضروريات من حيث الوجود إحاطته بالعقيدة الصحيحة وتوفير الجو المناسب لانطلاقه في إطار هذه العقيدة والمطلوب لحفظ العقل في مرتبة الضروريات من حيث المنع هو إبعاده عن الوقوع في التأثيرات الثلاثة التي ذكرتها وما كان على شاكلتها ..
فهل مشاركة الإسلاميين في المجالس النيابية وهم في إطار المراحل الست المذكورة يوفر هذا الحفظ من حيث الوجود والمنع ..
إن الدستور الذي يقسمون على احترامه يكرس إخضاع عقل المسلم للتأثيرات المذكورة بمعني آخر : إن عقل المسلم يعرض إلى نوع جديد من الإسكار بحكم القانون وفي ظل الدستور .
فانظر إلى عقل المسلم وهو يقع تحت تأثير البند الأول وهو كتب ومطبوعات الفكر الإلحادي وذلك في إطار المادة ( 35) والمادة (36) من الدستور ..
تقول المادة (35) " حرية الاعتقاد مطلقة ، وتحمي الدولة حرية القيام بشعائر الأديان طبقا للعادات المرعية على ألا يخل ذلك بالنظام العام أو ينافي الآداب "
  • فهل يعقل أن الاعتقاد يبقي مطويا في القلب ولا يتجلي بأقوال وأفعال ولفظ " الاعتقاد" هذا مطلق فربما كان اعتقادا إسلاميا وربما كان نصرانيا أو يهوديا أو مجوسيا أو بوذيا أو إلحاديا أو غير ذلك أتري أن هؤلاء عندما يعلنون اعتقاداتهم تحت حماية الدستور ألا يحبون أن يخرج المسلمون عن دينهم ويدخلوا في معتقداتهم ؟
الجواب : نعم إنهم يحبون ذلك ويطمعون فيه فإذا كان الأمر كذلك ألا يمارسون ما يترجم هذه الرغبة في عقول المسلمين ليضلوهم عن دينهم ويسفهوا لهم شريعتهم ؟!
وما يمنعهم من ذلك والمذكرة التفسيرية للدستور تفتح لهم الأبواب على مصاريعها ليفعلوا ما يحلو لهم وما يروق ..

تقول المذكرة التفسيرية للدستور بشأن المادة ( 35) من الدستور والتي نحن بصددها ( تقرر هذه المادة " حرية الاعتقاد" مطلقة لأنها ما دامت في نطاق "الاعتقاد " أى :" السرائر" فأمرها إلى الله ولو كان الشخص لا يعتقد في دين ما فإن جاوز الأمر نطاق " السرائر" وظهر في صورة " شعائر " به وجب أن تكون هذه الشعائر طبقا للعادات المرعية ، وبشرط ألا تخل بالنظام العام أو تنافي الآداب والمقصود بلفظ " الأديان في هذه المادة الأديان السماوية الثلاثة : الإسلام والمسيحية واليهودية ولكن ليس معني ذلك على سبيل الإلزام منع الأديان الأخرى من ممارسة شعائرها كلها أو بعضها إنما يكون الأمر في شأنها متروكا لتقدير السلطة العامة في البلاد دون أن تتخذ لحريتها سندا من المادة (35) المذكورة).

فإذا كان يسمح – حسب هذه المادة وفق ما جاء في المذكرة التفسيرية لشذاذ الآفاق والمفترين على الله ورسوله أن يستغلوا بشعائرهم الإلحادية فكيف لا يؤدي ذلك إلى تلويث عقول المسلمين بهذه المبادئ الفاسدة والمذاهب الهدامة والأغرب من ذلك أن المساح لهؤلاء بقول وفعل ما يريدون وتغطيتهم قانونيا يكون مطلبا إسلاميا فقد ورد في بيان احدي الحركات الإسلامية الشهية صدر عنها بتاريخ ( 13 جمادي الأول عام 1405 هـ الموافق 3 شباط 1985 ) في " البند الثالث " من المطالب المرفوعة للحكومة السورية وما يلي : " إعلان الحريات العامة وضمان حرية التفكير والتعبير والحقوق السياسية لجميع المواطنين بدون تمييز أو تفرقة أو استثناء فإن مصادر الحريات وحرمان شعبنا منها تحت أى ذريعة إنما هي جريمة كبري تستهدف استئصال الأمة من الجذور وتسلميها للأعداء لقمة سائغة "

أقرأت ، أرأيت ! غبش وضباب وغبار وغيم يحيط ويكتنف ويظلل هذه التصورات المشوشة المحسوبة على الإسلام.

إنهم يقولون : ضمان حية التفكير والتعبير والحقوق السياسية لجميع المواطنين ..

إن المواطنين المقصودين فيهم نصارى ويهود ودروز وإسماعيليون ونصيريون وفيهم بعثيون وقوميون وشيوعيون وغير ذلك هؤلاء جميعا يطالب الإسلاميون المجلسيون بإعطائهم حرية التفكير والتعبير والحقوق السياسية وليس ذلك فقط بل وضمانها لهم !!.. ومعني الضمان : هو صياغة القوانين الضامنة لذلك فإن الضمان في هذه الحالة ليس ضمانا شخصيا يقدمه فرد لفرد بل هو ضمان قانون دستوري تقدمه الدولة لشعبها وكم من الشباب المسلم قد انحرف عن دينه وركل بقدمه شريعة ربه بسبب ما قامت به هذه الفرق والطوائف والمذاهب والأحزاب من تسميم لعقله وقتل لفكره .

إن المصلحة الإسلامية العليا والتي تقتضي صيانة عقول المسلمين من اللوثات الإلحادية والكفرية والشركية والوجودية والقومية وما إليها هذه المصلحة العليا تقتضي رفض أى قانون يعطي سماحا لمثل تلك التيارات المنحلة العفنة بممارسة أى نشاط لها مهما كان بل ينبغي أن يكون القانون هو إنزال العقوبة الشرعية بكل من يروج لفكره الضال وعقيدته الزائفة لا أن نعطيه حرية إقامة الشعائر لأجل أن يورد عقول المسلمين المقابر !!

أما عن تأثير البند الثاني – وهو وسائل الإعلام المعادية للإسلام على عقول المسلمين – فحدث ولا حرج !! إن وسائل الإعلام بيد النظام الحاكم وهو لا يريد لشريعة الإسلام أن تسود وبالتالي فإن مهمة الإعلام الأساسية الترويج لكل ما يمكن أن يصرف عقول المسلمين إلى التكفير الجدي في قضاياهم ومشاكلهم .

لقد استطاعت وسائل الإعلام باسم القانون وتحت ظل الدستور أن تستعدي المسلمين على دينهم الحق وأن تجعل كثيرا من المسلمين جنودا متبرعين لاحتواء كل عمل إسلامي صحيح ولكيل الاتهامات لكل داعية صادق ولقد استخدمت هذه الأبواق الإعلامية كل ما استطاعت من وسائل شيطانية للوصول إلى هذه الغاية وليست ندوات الرأي التي تعرضها تلفازات بعض الدول العربية الديمقراطية عنك ببعيد..

لقد استطاع هذا الإعلام الخبيث أن يستخدم المسلمين أنفسهم من حملة الشهادات العالية والعالمية ومن متبوئي المناصب الإسلامية اللامعة ليشن بواسطتهم حملته المسعورة على عقول المسلمين وليتخذ منهم رداء يلبسه ليظهر بثوب إسلامي أمام الشعوب الإسلامية فمن ذا الذي يجرؤ بعد ذلك على التشكيك في التوجهات الإسلامية لتلك الأنظمة الحاكمة فضلا عن توجيه أصابع الاتهام لها ؟؟

إن ذل كله يتم تحت مباركة الإسلاميين المجلسيين لذاك الدستور العقيم الذي في ظله تحدث هذه التوجهات الشاذة فقد حيت مجلة إسلامية الدستور في بلدها ممثلا بجيل الدستور على حد تسميتها وهو الجيل الذي صاغ الإعلام المنبثق من الدستور كثيرا من عقول مسلميه صياغة علمانية تقول هذه المجلة في عددها الصادر في ( 6) جمادي الآخرة عام ( 1405هـ ) الموافق ( 26 /2/85) تحت عنوان : تحية لأهل .... " ونحن بهذه المناسبة ... والمناسبة المقصودة هي الانتخابات النيابية التي جرت في ذلك البلد بتاريخ ( 20/ 2/85) نحيي الجيل الراحل من أهل ..ونحيي جيل الدستور الذي أرسي قواعد دولة .. الحديثة وخطا بنا خطوات نحو مبادئ الحرية والعدل والمساواة في علاقاته المختلفة " وقالت في مقالها الافتتاحي في العدد نفسه " ل قد أثبتت المعركة الانتخابية أن الشعب .. يزداد وعيا يوما بعد يوم وكان واضحا أن الذين اختارهم الشعب إنما اختارهم على أساس الحفاظ على المبادئ الدستورية وزيادة الحرية والمكتسبات الشعبية "

فكيف لا تتلوث عقول عامة المسلمين وهو يقرءون هذا الكلام في مجلة إسلامية ؟ وكيف لا يؤيدون الأنظمة التي سلطت أجهزة إعلامها المختلفة لتحيد بعقول المسلمين نحو طريق منحرف عن جادة الشريعة بقيادة المادة ( 37) من الدستور والتي تقول : حرية الصحافة والطباعة والنشر مكفولة وفقا للشروط والأوضاع التي يبنها القانون "

ولا أعلم كيف تؤيد هذه المجلة الدستور وهي التي دفعت ثمن ذلك عندما منعت من الصدور عددا من الأسابيع تطبيقا للدستور لأنها خالفت الشروط والأوضاع التي يبينها القانون !!

إننا نأسف أشد الأسف أن يكون الإعلام الإسلامي مشاركا لإعلام الأنظمة الديمقراطية في تشويه الصورة أمام عقول المسلمين بحيث أوشكت أن تفقد تمييز الخبيث من الطيب وكيف لا تتشوه عقول المسلمين بواسطة الإعلام الإسلامي وهو يقرءون قول المجلة الإسلامية " مبارك .. مبارك للفائزين أيا كانت النتائج " نفس العدد السابق ذكره.

إن هؤلاء الذين فازوا بعضوية المجلس النيابي يمثلون توجهات شتي منهم من هم ممثلون لليسار المعادي لكل توجه وفكر إسلامي كيف يبارك هؤلاء الإسلاميون لأولئك اليساريين ويهنئونهم بذلك الفوز الذي من خلاله يصلون إلى مجلس تشريعي يشرع للمسلمين !!

إن موقف الإسلاميين هذا – سواء على مستوي احترام الدستور أو تهنئة غي الإسلاميين بالفوز بعضوية المجلس هو تضييع لما ينبغي المحافظة عليه من صيانة عقول عامة المسلمين من أن تتلوث بعوامل الحث والتعرية التي يمارسها أعداء الله .

وأما تأثير البند الثالث – وهو استجلاب عناصر الإفساد الغربية والشرقية فهذا غني عن البيان فكل يفعل ما يشاء ويعمل ما يشاء باسم الدستور أليست المادة (30) تقول " الحرية الشخصية مكفول ".

أليست المادة ( 36) تقول : حرية الرأي والبحث العلمي مكفولة ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غيرها وذلك وفقا للشروط والأوضاع التي يبينها القانون " فلا تكاد تفتح صحيفة يومية إلا وتقرأ فيها الإعلانات عن الحفلات التي يقيمها المغنون الأجانب من شرق وغرب وعن الدعاية للعشاء الراقص والغداء الموسيقي في الفندق الفلاني وصالة الرقص العلانية وكازينو محمد ومحمدين وحسن وحسنين بالإضافة إلى مقاهي جروج وجوني ونلسون وويلسون .

فانظر إلى عقول المسلمين وهي تتغذي الموسيقي وتتعشي الرقص !!! إن هذه اللوثة أوشكت أن تفقد بعض المسلمين عقولهم حقا .

مرتبتا الحاجيات والتحسينيات:

بعد ذلك هل أنا مضطر إلى ذكر ما ينتج من تضييع مقصد حفظ العقل في مرتبة الحاجيات أو التحسينيان ؟

كلا لست مضطرا لذلك حيث إن إضاعة مرتبة الضروريات في مقاصد الشرع هي تضييع على سبيل الحتم للمرتبتين اللتين بعدها ذلك أن مرتبة الضروريات هي أصل ما بعدها فإذا ضاع الأصل ضاع الفرع تبعا له.

يقول الشاطبي في " الموافقات " :" المقاصد الضرورية في الشريعة أصل للحاجية والتحسينية فلو فرض اختلال الضروري بإطلاق لاختلا باختلاله بإطلاق ولا يلزم من اختلالها اختلال الضروري بإطلاق نعم قد يلزم من اختلال التحسيني بإطلاق اختلال الحاجي بوجه ما ، وقد يلزم من اختلال الحاجي بإطلاق اختلال الضروري بوجه ما فلذلك إذا حوفظ على الضروري فينبغي المحافظة على الحاجي وإذا حوفظ على الحاجي فينبغي أن يحافظ على التسحيني إذا ثبت أن التحسيني يخدم الحاجي وأن الحاجي يخدم الضروري فإن الضروري هو المطلوب فهذه مطالب خمسة لابد من بيانها :

أحدها : أن الضروري أصل لما سواه من الحاجي والتكميلي .
الثاني : اختلال الضروري يلزم منه اختلال الباقيين بإطلاق .
الثالث : أنه لا يلزم من إخلال الباقيين اختلال الضروري .
الرابع أنه قد يلزم من اختلال التحسيني بإطلاق أو الحاجي بإطلاق اختلال الضروري بوجه ما .
الخامس : أنه ينبغي المحافظة على الحاجي وعلى التحسيني للضروري "

ثم شرع الشاطي في شرح هذه المطالب الخمسة وكان مما قاله بصدد موضوعنا :" ولو عدم العقل لارتفع التدين ) ومعني كلامه أن ارتفاع التدين هو دليل على عدم العقل وقد بينت في مرتبة الضروريات مناط الأوضاع الدستورية المعاصرة والتي أدت وما زالت تؤدي إلى ارتفاع التدين والحيد بالعقل عن التوجه السليم والتفكير الحكيم ولذلك تري بسبب تطبيق هذه القوانين الدستورية التي يقسم النواب على احترامها أن كثيرا من المسلمين انصرفوا عن الصلاة وباقي العبادات وعن الجهاد إلى التلفاز والمباريات والمسارح والترفيهات الخلاعية على شواطئ البحر وغيرها فأصبحت قلوب كثير منهم لا تنتفع بالذكري وأعينهم لا تطيق التكاليف الشرعية وضربوا بها عرض الحائط وساروا في الشوارع مستهترين ورجعوا إلى بيوتهم متمطين ولسان حال كثير منهم يرطن بلغة الانغماس في التوافه والسخافات فهل تعجب بعد ذلك أن يهونوا في أعين اأعدائهم ؟

ولما علم أعداء المسلمين ما وصل إليه المسلمون من حال متردية اجتمعوا عليهم من شرق وغرب ورموهم عن قوس واحدة فهتكوا الأعراض وداسوا المقدسات وقتلوا وشردوا ونهبوا كل ذلك بسبب تخلي المسلمين عن القيام بالتكاليف الشرعية فارتفع منهم التدين وهذه علامة على تضيع هذه المصلحة المهمة وهي حفظ العقل الذي هو مناط التكليف .

  • فإن قلت : قد أنزلت كثيرا من المسلمين منزل من لا عقل له وهذا رديف لاتهامهم بالجنون ومن كان هذا حاله ارتفع عنه التكليف أصلا ..
قلت : إن الله عزوجل قد أعطي الإنسان عقلا للتفكر والتدبر وجعله مناطا للتكليف ليعقل عن الله أمره إلا أن هذه القوانين الدستورية التي يقسم الإسلاميون المجلسيون على احترامها هي التي في ظلها يمارس أعداء الله خططهم الجهنمية وتدابيرهم الشيطانية ليلوثوا عقول المسلمين بأنواع العقائد الضال المضلة وألوان البدع المختلفة حتى يحولوا هذه العقول من حالها السليم الذي خلقها الله عليه إلى الحال السقيم الذي آلوا إليه .

نسأل الله الهداية والتوفيق والصلاح والرشاد وهو حسبنا ونعم الوكيل .،.

المجالس النيابية وتحكيم الشريعة الإسلامية على ضوء مقصد حفظ النسل :

  • حفظ النسل مقصد مهم من مقاصد الشريعة الإسلامية فهل المشاركة في المجالس النيابية يمكن اعتبارها وسيلة من وسائل تحقيق هذا المقصد ؟
إن المقصود من حفظ النسل هو توفير الضمانات الشرعية له من حيث الوجود ومن حيث المنع وهذه الضمانات مناطة بشكل رئيس بالجهة التي تصيغ النصوص صياغة قانونية وتجعل موضوع تنفيذها مناطا بالقضاء الذي يقوم على رعايتها وتطبيقها على الناس من حيث الوجود والمنع فيتحصل لنا أن مناقشة مقصد حفظ النسل متعلقة بأربعة أركان :
الأول : المشروع .
الثاني التشريع أو القانون .
الثالث : القضاء.
الرابع : المحكوم عليه .

ولو نظرنا إلى هذه الأركان بإمعان من حيث ترتيب أولويتها بحسب تسلسل أهميتها لكانت على النسق الذي ذكرته ولوجدنا بينها ارتباطا وثيقا فالتشريع أو القانون متبط بالمشروع من حيث إنه منبثق منه وكذا القضاء مرتبط بالقانون إذ إن القانون هو الدائرة التي يتحرك ضمن مساحتها القضاء ثم نجد أن الناس مرتبطين بالقضاء باعتباره الجهة المخولة للفصل بينهم في الخصومات وغيرها .

وبما أن القضاء محكوم بدائرة القانون والناس مرتبطون بالقضاء فيبقي الحديث في مقصد حفظ النسل مقصور على المشرع وعلى التشريع .

فأما المشرع في الأنظمة الديمقراطية فهم البشر أصحاب العقول القاصرة والمصالح الأنانية والتسورات الأرضية والأهواء المنحرفة ولا يغررنا أنهم حائزون على شهادات دراسية عالية أو أنهم أصحاب ممتلكات طائلة أو أنهم ذوو وجاهات سياسية متنفذة أو أنهم أمراء قبائل متعددة فكل ذلك لا يخرجهم من محيط دائرة ما ذكرت من وضعهم فهؤلاء البشر هم الذين يشرعون الدساتير وأما التشريع فهو ذاك الدستور الذي فصل لحفظ مصالح المشرع تفصيلا لكي يقر له نظامه السياسي ويدعم بناءه الاقتصادي ويضمن له استقراره الأمني ويهيئ له استعداده الدفاعي .

فها هنا ثمة سؤالين:

  • الأول : ما هي مصلحة المشرع البشري في إطار مقصد حفظ النسل ؟!
  • الثاني : ما هي القانون الذي يكرس ويحقق هذه المصلحة ؟
ففي الإجابة على السؤال الأول أقول وبالله التوفيق : إن المشرع البشري ينظر إلى هذا الموضوع من زاوية محددة وهي مدي انسجامها أو تعارضها مع توجهات والأنظمة الأرضية على العموم لا تعني بموضوع حفظ الأنساب المنبثق من حفظ النسل وعلى هذا الأساس فإن المشرع الوضعي يشرع ما يلائم تطلعاته وما لا ينغص عليه شهواته .
فإذا وجد المشرع الوضعي - مثلا – أن قانون الأحوال الشخصية حسب ما جاءت به الشريعة الإسلامية يحقق له إنجازات سياسية معينة كأن يظهر بواسطة تطبيقه أنه متمسك بإسلامه مدافع عن دينه فهو يأخذ به ويطبقه فتطبيقه له ليس لأنه تشريع إلهي أمر به رب السماء والأرض بل لأنه تشريع يحقق له في هذا الظرف غطاء معينا يتيح له أن يرتدي عباءة إسلامية ويتوج رأسه بعمامة إيمانية !
وإذا وجد نفسه ليس بحاجة لهذه العباءة ولا تلك العمامة استبدله بغيره أو أخذ بعضه وترك بعضه فينبني على ذلك أن المشرع الوضعي سواء كان رئيسا أو مجلسا نيابيا – ربما أخذ بقانون الأحوال الشخصية الفرنسي أو الانجليزي أو الروسي أو غير ذلك طالما أنه ينسجم مع أفكاره الخربة وآرائه النتنة وليس تونس أيها القارئ اللبيب عنك ببعيد.
ولا يفوتني التنويه إلى أن هذا المشرع البشري الوضعي فيه من الخواء الفكري والروحي ومن ضعف الشعور الإيماني ما يجعله يعتقد أن قمة التقدم وزهرة الحضارة وكمال المدنية إنما هو عند أولئك النصارى واليهود والعلمانيين فتراه يلهث وراءهم يلعق تراب أقدامهم ويتمرغ بأوحال أفكارهم حتى إنه ليجد رائحة عفونتهم عطرا ويحسب ظلام أفئدتهم بدرا !!
فلذلك نجد أن هذا المشرع الوضعي يستجلب تلك القوانين من شرق ومن غرب ثم يطبقها على أبناء المسلمين فتضيع بسبب ذلك أنسابهم ويقل نسلهم ..
ألا تملأ عيوننا إعلانات الدعوة لتحديد النسل وألا تصغ آذاننا أنباء اللقطاء الذين كثرت أعدادهم وجهلت أمهاتهم وآباؤهم..
فبعد أن انكشف الآن مناط الحديث عن مقصد حفظ النسل واتضحت معالم وحدود مساحته فإن تقرير المسألة أصبح هينا بعون الله تعالي .

مرتبة الضروريات :

لقد ذكرت أن الإسلام شرع لحفظ النسل من حيث وجود النكاح وأحكام الحضانة والنفقات وشرع لحفظها من حيث المنع حرمة الزنا ، ووضع الحدود عليها ..

ومن المعلوم أن أحكام الشريعة الإسلامية كل لا يتجزأ وأنها لا تحقق أهدافها المرجوة منها إلا إذا طبقت مجتمعة غير متفرقة ولا ممزقة بل إن كل جزء منها لا يتم كماله إلا باجتماعه مع باقي أجزاء الشريعة فإن فصل عنها زال ذلك الكمال الذي لا يتحصل له إلا بوجوده واتحاده معها وإننا عندما قسمنا مقاصد الشريعة إلى هذه المقاصد الخمسة وهي : حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال وقسمنا كل واحد من هذه المقاصد إلى ثلاث مراتب وهي : الضروريات والحاجيات والتحسينيات عندما فعلنا ذلك فإنما جرينا على طريقة من سبقنا ونسجنا على منواله ولم يكن أحد يقصد من هذا أن الشريعة يمكن تقسيمها إلى خمسة أقسام منفصلة بحيث يمكن أن يعمل كل منها منفردا... كلا ثم كلا ...

إن كل مقصد من هذه المقاصد مرتبط ارتباطا تكوينيا مع المقاصد الأخر بحيث لا يتم تحقيق أى منها إلا بديمومة روابطه المتينة مع باقي المقاصد ، وإن كل مقصد من هذه المقاصد لا يمكن له لو عمل وحده أن يتحصل لنا منه نفس النتيجة فيما لو عمل مع باقي المقاصد ، فمقاصد الشريعة تعمل متضامنة متجانسة وفق نظام دقيق ليثمر ذلك حياة مستقيمة ترفرف عليها أعلام الرفاهية والسعادة فلو خلطنا تشريعاتها على غير منوال نسجها لكان مثلنا كمثل من يخلط الألوان في لوحة جميلة فتتشوه صورتها ولو سلبنا منها مقصدا واحدا أو تجاهلناه لعطلنا كمالها وأنقصنا تمامها ولربما اجتثثنا جذورها فكيف إذا عطل من المقاصد أربعة وأعمل واحد ! وكيف إذا كان الذي أعمل منها لم يعمل به على وجه ، بل جعل معوجا مائلا.

ومعروف أن أغلب الأنظمة الديمقراطية لا تأخذ من الشريعة إلا ما يتعلق بأمور الأحوال الشخصية من نكاح وطلاق وحضانة وغير ذلك وتترك ما بقي من أحكامها والذي يأخذونه من أحكام الأحوال الشخصية من الشريعة الإسلامية يكيفونه على هواهم فيحذفون منه ما يشاءون ويضيفون إليه ما يشاءون ثم يصنعون من ذلك ثوبا يرتدون أمام الناس ليروهم مدي حرصهم على الإسلام وأحكامه وكم انطلت هذه الخدعة على كثير من سذج المسلمين ومرت هذه المكيدة على كثير من المعممين من الذين يقولون : لا دخل لنا بالسياسة فاستمرأت هذه الأنظمة الديمقراطية تلك الحيلة وأعجبتها هذه الوسيلة ..

إن بعض الأنظمة الديمقراطية تجد لمصلحة تراها ، أنه من المناسب لها حاليا أن تظهر تمسكها بهذا المقصد وهو حفظ النسل من حيث الوجود وبالتالي فلا حاجة للنواب الإسلاميين أن يتجشموا عناء خوض الانتخابات وما يتبعها لأجل تحقيق هذه الغاية فإنها عند بعض الأنظمة الديمقراطية موجودة ومقننة سواء باشتراك النواب الإسلاميين في المجلس أو بعدم وجودهم فالأمر سيان لكن قد يقال إن بعض الأنظمة الديمقراطية في العالم الإسلامي حورت في قانون الأحوال الشخصية وحللت فيه وحرمت كتونس ومصر فأصبح دخول الإسلاميين المجلس ضروريا لإعادة الأمر إلى نصابه .

فأقول : إن الجواب من وجهين :

الأول : إن بعض الأنظمة الديمقراطية قد حورت في قانون الأحوال الشخصية مع وجود النواب الإسلاميين في المجلس فلم يستطيعوا أن يفعلوا شيئا لإيقاف المهزلة .
الثاني : إن قانون الأحوال الشخصية ما هو إلا جزء من الشريعة وقد كنت بينت أن مشاركة الإسلاميين في المجلس النيابي لا تؤدي إلى تحكيم الشريعة إضافة إلى ما ذكرت من موافقة الإسلاميين المشاركين في المجالس على الواقع الدستوري غير المقر للشريعة سواء قبل دخولهم أو عند القسم أو بعد ذلك مما كنت قد وضحته سابقا .
وأما بشأن مقصد حفظ النسل من حيث المنهج فقد شرع الإسلام حد الزنا وهو الجلد مائة جلدة مع التغريب عام لغير المحسن والرجم للمحصن .
  • إن تنفيذ حد الرجم هذا لم نقرأ عنه إلا في السيرة وكتب التاريخ ونحن لسنا من هواة الرجم ولا تتبع المرجومين بل أقول إن هذا الحد أوجبه الله تعالي فيجب الإقرار به والإذعان له مع التسليم ظاهرا وباطنا فهل أقرت دساتير هذه الأنظمة الديمقراطية هذا الحد أم لم تقره ؟
الجواب : إنها لم تقره .

فقانون الحدود المنبثق من المادة الثانية في الدستور ومن مذكرتها التفسيرية ( في البلد الذي اخترت دستوره كمثال ) لم يقر رجم الزاني المحصن تمشيا مع ضرورات التطور الطبيعي على مر الزمن !! وإن الإقرار بمثل هذه القوانين يوقع المشرع في حرج بالغ !! كذا جاء في المذكرة التفسيرية للدستور في تفسيره للمادة الثانية .

ولما كانت المشاركة في المجلس النيابي تمر من نفق الموافقة على إبطال شرع الله بنص الدستور فإن هذه المشاركة مع ما يرافقها من الإقرار بالواقع الدستوري الحالي والقسم على احترام قوانينه لا يمكن اعتباره بحال من الأحوال وسيلة شرعية للتغيير.

وكيف يستطيع النائب الإسلامي أن يغير نظاما وافق على إدخاله في منظومة لعبته الديمقراطية وقيده بحبائلها وأوثقه بشروطها وشدد على انصياعه وتسليمه لقراراته العليا ونطقه السامي !!

فالحاصل من هذه المناقشة أن مشاركة الإسلاميين في المجلس النيابي هي وسيلة يستغلها النظام لانتهاك مقصد حفظ النسل وليس العكس وذلك على مستوي الضروريات .

مرتبتا الحاجيات والتحسينيات :

قد بينت أن الإسلام شرع لحفظ النسل المهور والطلاق وتوفر الشهود على موجب حد الزنا ولا أريد أن أخوض في التفاصيل إذ معلوم أن بعض الأنظمة الديمقراطية تعتبر المهر تأخرا وإن كانت لم تقنن ذلك وبعضها يعتبر الطلاق رجعيا وتخلفا .

وبالمقابل فإن البديل عن الطلاق عند غير المسلمين هو اتخاذ الأخذان فلكل زوج أكثر من " عشيقه " ولكل زوجة أكثر من " عشيق " وقد منعت بعض الأنظمة الديمقراطية في العالم الإسلامي الطلاق، إذ أن في مفهوم أولئك أن الارتقاء بالأمة من الحضيض إلى القمة ومن الجهل إلى العلم ومن التبعية إلى القيادة ومن التخلف إلى التقدم لا يكون إلا بمنع الطلاق !!

فما أتعس عقولا هكذا تفكيرها وما أبأس أمة هذا منطق قيادتها ثم أسجل رثائي لعمل إسلامي يمر على هذه الحقائق المرة بغير تأمل ثاقب ولا تمحيص متأن ويبني عمله السياسي على أمل المشاركة في هذه المجالس .

وأوقف هاهنا قلمي لأترك لك أيها القارئ التنبيه أن تواصل التمعن في انتهاك مقصد حفظ النسل على مستوي التحسينيات وإنك كلما أمعنت النظر وجردت الفكر عن الهوى كلما تجلت لك الكبائر الخافيات وسألت الله أن يعين المسلمين على الصبر في الملمات وأن يفرج عنهم الكربات ..

  • وفي الإجابة على السؤال الثاني وهو : وما القانون الذي يكرس ويحقق مصلحة الأنظمة بخصوص حفظ النسل ؟
أقول : لقد بينت أن بعض الأنظمة الديمقراطية رأت أن ترتدي العباءة الإسلامية في موضوع الأحوال الشخصية لكنها لم تستح من خلع هذه العباءة فيما سوي ذلك وبعض الأنظمة لم تر ضرورة أصلا أن ترتدي أى عباءة إسلامية لا في موضوع الأحوال الشخصية ولا في غيرها فهي لا تستح كلية !!

والسر في ذلك أن تطبيق قانون الشريعة الإسلامية بخصوص حفظ النسل من حيث الوجود والمنع ينغص على الملأ استمتاعهم بملذاتهم إما من حيث عرقلة وصولهم إليها وإما من حيث إيقاعهم في حرج عند ممارستها ومن هذا المنطلق الذي حقيقته التكبر على أمر الله ضربوا بحد الزاني الذي بينه الشرع عرض الحائط وشرعوا له قوانين من عند أنفسهم ما أنزل الله بها من سلطان تأسيا باليهود من قبلهم فإذا وقع الزنا برضا الطرفين فإن القانون الوضعي لا يعاقب عليه !! وإذا ثبتت جريمة الزنا في إطار عقوبة القانون الوضعي فإن العقاب لا يتجاوز الغرامة أو السجن أو عدم النطق بالحكم أو درء العقوبة بواسطة !!

فهذه هي حدود الدائرة القانونية وعلى القضاء بقضاته ومحاميه ومؤسساته أن يتحرك ضمن هذه المساحة المتاحة له .

ولذلك تري أن هذا القضاء لا يلقي بالا إذا جاءه رجل أو امرأة مقران على أنفسهما ممارسة الزنا طالبين إقامة الحد الشرعي عليهما !!

إن ذلك لا يدخل عندهم في إطار القانون !! وإذا دخل فلا يقام عليهما الحد الشرعي بل يطبق عليها القانون الوضعي .

ولا شك أن القانون الوضعي قد أخذ بعين الاعتبار صيانة وجاهة الملأ من التساوي مع عامة الناس في حالة ثبوت التلبس بجريمة الزنا كما أخذ بعين الاعتبار صيانة الملأ من الفضائح وهذا الذي حمل اليهود على تغيير حد الزنا الذي جاء في التوراة .

ذلك أن تطبيق الحد الشرعي ينبغي أن يكون ظاهرا أمام ملأ من الناس يدعون لحضوره ويعلن مسبقا عن موعد التنفيذ .

والملأ لا يرضون لأنفسهم هذه الفضيحة لذلك طمسوا قانون الشريعة واستبدلوه بقانون يواكب شهواتهم وذلك كله انتهاك صارخ لمقصد حفظ النسل على مستوي الضروريات فالانتهاك على مستوي الحاجيات والتحسينيات حاصل من باب أولي .

المجالس النيابية وتحكيم الشريعة الإسلامية على ضوء مقصد حفظ المال :

مرتبة الضروريات:

المال قوام الحركة الاقتصادية للمجتمع ودعامة من دعامات بنائه واستقراره وإن تكدسه لدي حفنة قليلة من الناس يخل بالتوازن الاجتماعي ويزعزع الكيان السياسي المجموع الأمة.

إن مناط الفاعلية الاقتصادية للمال هو تداوله الحلال بين الناس على الوجه المشروع بعيدا عن الإسراف والتذبير نائيا عن اتخاذه سلما للأبهة والخيلاء لذلك .

وضع الإسلام الضوابط المحكمة والقواعد المتينة والوسائل الضامنة لاستخدامه على الوجه الذي ينفع الأمة الإسلامية أفرادا وجماعات في حالات السلم والحرب والرخاء والشدة .

ولقد شدد الإسلام على أن لا يكون هذا المال في أيد تستهر بأهميته فتبدده ذات اليمين وذات اليسار .

وكنت قد بينت أن الذين يرشحون أنفسهم لدخول المجلس النيابي لابد لهم من أن ينفقوا مالا طائلا خلال حملاتهم الانتخابية وبالتالي فإن هذا المجلس لا محل فيه للفقراء ولو كانوا من أكابر العلماء دينا ودنيا إذ هو مجلس الأغنياء أصحاب الاحتكارات المالية والشركات الكبيرة والاقطاعيات الواسعة فهؤلاء هم أعضاء المجلس حتى وإن كان بعضهم لا يجيد كتابة اسمه أو قراءته !! وهذا الوصف وإن كان لا ينسحب على جميع أعضاء المجالس النيابية في البلاد الإسلامية إلا أنه ينطبق علي جلهم ..

فإذا رشح الإسلاميون أنفسهم فإنهم لا يسلكون طريق الفوز ببعض الكراسي إلا إذا أنفقوا على حملاتهم الانتخابية بسخاء وأبلوا في إنفاقهم أحسن البلاء !!

هل سيرشح نفسه صاحب الثقافة الشرعية الواسعة أم صاحب الباع الطويل في الدعوة أم الذي يحمل على كاله هموم المسلمين وتعاسة حياة المستضعفين ؟!

إن مثل هؤلاء لن يرشحوا أنفسهم إلا إذا كانوا قادرين على الإنفاق على حملاتهم الانتخابية أو يوجد من ينفق عليها لصالحهم من أحزابهم أو جماعاتهم .

إن هذا المال الذي ينفق على الحملات الانتخابية يوظف في الأمور التالية:

1- إبراز المرشح وتزكيته والدعاية له من خلال حملة إعلامية مكثفة تتناول نشر صوره وأقواله ومؤهلاته ومآثره ووعوده للناخبين بالعمل لأجل رفاهيتهم وقضاء حوائجهم ويتم ذلك من خلال الصحافة والمجلات واللوحات والمنشورات وغيرها من وسائل الدعاية .
2- الإنفاق على المقر الانتخابي سواء من حيث إعداده وتزيينه وتجهيز الخدمات فيه أو من حيث إقامة الولائم الانتخابية التي يصرف عليها ببذخ مع ما يرافق ذلك من التنافس بين المرشحين على إعداد الأفضل لاستجلاب أكبر عدد ممكن من الناخبين .
3- توظيف الأجهزة الحديثة في الدعاية الانتخابية بما في ذلك استعمال الدوائر التلفزيونية المغلقة في المقر الانتخابي ليوصل المرشح صوته وصورته إلى جميع زائري مقره من خلال اللوحات والسماعات المبثوثة فيه وأما استعمال الكمبيوتر وغيره من الأجهزة فبات أمرا طبيعيا هذا فضلا عن الأجهزة التقليدية كالمسجلات والفيديو والكاميرات وغيرها .
4- شراء الأصوات الانتخابية من خلال نشاط العملاء السري وذلك لتجميع أكبر عدد ممكن من الناخبين ويرتفع سعر " الصوت الانتخابي " عندما يحتدم الصراع بين المرشحين وتكثر العروض على " الصوت الواحد" مما يجعل المسألة شبيهة بالمزاد العلني .
5- عقد الصفقات السرية بين المرشحين وذلك بتنازل بعضهم للبعض الآخر مقابل مبالغ مرتفعة جدا وأحيانا خيالية ..
6- الإنفاق الجانبي – العلني والمستور – الذي يقون به القبائل والعائلات لتقديم الدعم الإعلامي للمرشح المنتسب إليها .
7- تقديم " الخدمات المالية " وغيرها للناخبين لضمان الحصول على أصواتهم ومن المعتاد أن يستبق المرشح موعد الانتخابات فيؤدي هذه الخدمات قبل ترشيح نفسه وهذا نوع من شراء الأصوات الخفي .
8- محافظة المرشح على إبراز " حضوره المالي " اللائق سواء خلال فترة الانتخابات أو بعدها وذلك استعدادا للانتخابات التي بعدها سواء فاز المرشح في الانتخابات الحالية أو لم يفز.

فتلك بعض الأمور التي ينفق من خلالها المال بإسراف وبذخ أثناء الحملات الانتخابية.

وعند التحقيق يعلم تماما أن هذا المال قد صرف في غير وجهه الشرعي .

  • فهل الإنفاق في تلك " المهرجانات " بهذه الطريقة المكلفة جدا وفي سبيل غاية تفتقر للدليل المبرر لها يعتبر داخلا في مقصد حفظ المال على مستوي الضروريات أم هو انتهاك صارخ له ؟!
وبعد ذلك إذا سألت المرشح الإسلامي لماذا فعلت كل هذا وجاريت الآخرين الذين ينعقون وراء الدنيا ؟ لأجاب إنني لا أبغي من ذلك إلا المشاركة في المجلس النيابي لهدف تحكيم الشريعة الإسلامية وهذا الهدف يهون دونه كل إنفاق لكل غال ونفيس ويقول لك : وإذا كان هذا اللون من الإنفاق سيؤدي بعد ذلك إلى تحكيم الشريعة الإسلامية فأنا أول المنفقين وأحتسب أجر ذلك عند الله تعالي فأنا لا أفعله رفعة لجاهي وإظهارا لشخصي بل لأن هذا هو مقتضي الدعوة إلى الله تعالي في مثل هذه الحال والتي أرجو أن يكلل نجاحها بالفوز بالمقعد العتيد في المجلس الرشيد لأشارك وزملائي وإخواني الإسلاميين في جهدهم لتحكيم الشريعة الإسلامية .

قلت مسكينة أنت أيتها الشريعة الإسلامية .

كم يعلق على شماعتك من الادعاءات بحسن نية أو بغير ذلك.

  • وكم تنتهكين باسم إقراراك وتحكيمك !!
يحبك كثيرا من الناس ويهواك كل المؤمنين ويدعو إلى الاحتكام إليك أكثر المسلمين ولكن للأسف ! أخطأ طريق الوصول لتحكيمك وتطبيقك غير قليل من هؤلاء ..ومنهم إخواننا الإسلاميون المجلسيون الذين طالما ينادون بتحكيمك لكنهم يجانبون الأصوات في هذا المسلك الذي سلكوه إليك !! إنفاق بلا حدود لولوج طريق مسدود !!
وحسبي في هذا المقام أن بينت أن تطبيق الشريعة الإسلامية من خلال سلوك هذا السبيل هو أمر غير ممكن بسبب الاحتزازات والموانع الكثيرة والمتعددة التي تضعها هذه الأنظمة العلمانية ذات الرداء الديمقراطي لتحول دون ذلك.
ألا تري ما فعل النميري بالإسلاميين في السودان عندما شعر أن اللعبة على وشك الاختلال لصالح الإسلاميين إنه ببساطة اعتقل قياداتهم وكثيرا من أفراد قواعدهم وأودعهم السجون ولم يشفع لهم ماضيهم في تأييد نظامه ، ولا إنفاقهم الكثير على دعاياتهم الانتخابية ولا كون بعض قياداتهم في الاتحاد الاشتراكي السوداني ( وهو اسم المجلس النيابي هناك) ففعل فعلته الشنيعة بهم وهكذا تفعل هذه الأنظمة الديمقراطية الشعبية عندما تكشر عن أنيابها الحقيقية .
  • فما معني هذا الكلام ؟!!
إن معناه أن النية الطيبة وحدها لا تكفي وأن الحماس المجرد من الدراسة الشرعية ومعرفة واقع الحال وساحة التحرك وطبيعة العدو لا يكفي ولا يجعله يحقق أهدافه بكثرة الإنفاق .
صحيح أن الدعوة بحاجة إلى الإنفاق لكن ذلك مقيد بالطريقة الشرعية من جهة وبسلامة المنهج الذي يكون الإنفاق من خلاله من جهة أخري فالإسراف والتبذير وإظهار الأبهة والخيلاء والتباهي كل هذه المظاهر مغايرة للطريقة الشرعية ومباينة لتعاليمها ووسائلها وأما المنهج الديمقراطي الذي يكون هذا الإنفاق من خلاله فقد بينت فساده وبطلان منطلقاته .
هذا من حيث تضييع مقصد حفظ المال على مستوي الضروريات عند سلوك سبيل الدخول للمجلس ..

بقي أن أشير إلى تضييع هذا المقصد بعد دخول المجلس النيابي والمشاركة في أعماله وهذا أيضا لا ينفك عما قبله .

فقد بينت أنه شرع لحفظ المال على مستوي الضروريات من حيث الوجود أصل المعاملات المالية المختلفة بين الناس .

هذه المعاملات وضع لها الشارع معالم وحد لها حدودا بحيث أن مصلحة المسلمين تتحقق من خلال الاسترشاد بها والتقيد بها ويضيع جزء من هذه المصلحة أو تضيع كلها بحسب ما ينتهك من هذه الحدود وبقدر ما تتجاهل هذه المعالم .

فشرع الإسلام كل ما ييسر هذه المعاملات بين الناس ويحقق لهم بها مصالحهم المالية فشرع لهم البيوع وبين لهم ضوابطها وحدودها وشرع لهم الشركات وبين لهم ضوابطها وحدودها وغير ذلك من الأحكام المالية المختلفة.

إلا أن هذه التشريعات التي جاء بها الإسلام لا تقر الدساتير الديمقراطية بها أو ببعضها وتعتبرها مما تجاوزه الزمن وأصبحت من تراث الماضي وعندما نصت المادة الثانية من الدستور ( الذي اخترته كمثال للواقع الديمقراطي ) أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع ولم تنص على أنه المصدر الوحيد فإنها بهذا النص استثنت تشريعات من الشريعة لم تأخذ بها وإنما أخذت من غيرها باعتبار أنها أصبحت بالية لا تصلح لعصرنا الحاضر ومن هذه التشريعات التي استثناها الدستور بعض المعاملات المالية التي شرعها الإسلام وذلك واضح فيما نصت عليه " المذكرة التفسيرية " للدستور ذلك أن الالتزام بالشريعة الإسلامية باعتبارها مصدرا وحيدا للتشريع " وقد يوقع المشروع في حرج بالغ إذا ما حملته الضرورات العملية على التمهل في التزام رأي الفقه الشرعي في بعض الأمور وبخاصة في مثل نظم الشركات والتأمين والبنوك والقروض والحدود وما إليها " فها هو الدستور لا يقر أحكام الشريعة الإسلامية بشأن هذه المعاملات المالية إقرار نهائيا بل يعتبر أن أحكام الشريعة بهذا الخصوص إنما هي أحكام نظري لا تستجيب لمتطلبات الوقائع العملية وهذا معني قوله " إذا ما حملته الضرورات العملية "

ونحن نعلم أن الضرورات تكون لها أحكام استثنائية تغطي حالة الضرورة كما ينبغي أيضا أن تكون منسجمة مع أحكام الشريعة ومنبثقة منها ومنضبطة بمقاييسها .

فكيف تكون " ضرورات " ويشرع لها القانون المنبثق من الدستور " أحكاما ثابتة " أخذها من أ‘داء الإسلام وهذه الأحكام التي سماها " ضرورات " قد فعلت فعلها في المجتمع الإسلامي بما غيرت في جوهر توجهاته الحياتية فضلا عن تمسكاته الدينية إذ قادته إلى التعامل بالربا وغيره بحيث لم يبق بيت من بيوت المسلمين في أدني الأرض ولا في أقصاها – إلا من رحم الله – إلا وقد دخل في باب من أبواب هذه المعاملات المحرمة .

فانظر يرحمك الله ! كيف يمكن أن تسمي هذه التغييرات الهائلة التي أحدثتها هذه القوانين الوضعية في البنية الأساسية للبناء الاجتماعي للمسلمين ضرورات واستثناءات إن هذه التعبيرات ليست سوي تلاعب بالألفاظ لا أكثر فحقيقتها واضحة لكل ذي لب ودوافعها وخلفياتها معروفة لكل بصير .

لذلك تجد أن واقع الحال في القوانين المعمول بما فيما يخص الشركات والبنوك والتأمين وغير ذلك ما هو إلا انعكاس للمذكرة التفسيرية فيما يخص المادة الثانية من الدستور وتنفيذ وتطبيق لها .

ثم إنني قلت : إن الشارع قد شرع لحفظ المال من حيث المنع تحريم السرقة وشرع العقوبة عليها وأضيف هنا إنه شرع كذلك تحريم الربا والاحتكار والرشوة والغصب والحرابة والغش وأكل المال بالباطل وغير ذلك وبين العقوبات الخاصة لكل حالة بحسب ما يراه القاضي المسلم المحتكم لشرع الله في قضائه وحكمه وأوجز القول في موضوعي " حد السرقة " و" الربا" وغيرها يقاس الحدي فيه عليهما .

حد السرقة

قال تعالي ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) المائدة 38)

إن الدستور والقوانين المنبثقة منه لا تأخذ بحد السرقة الذي أمر به الشارع الإسلامي لدعواهم أن روح العصر قد تقدمت وأن الناس قد ازدهرت إنسانيتهم !!وقد كانت قبل ذلاك منحطة !!

فقد كانوا يعيشون في عهود مظلمة اتسم الناس فيها بالوحشية فكان عقاب السارق قطع اليد ( وهو عقاب وحشي في زعم الناعقين وراء الغرب والشرق ) وهو مناسب لتلك الطباع القاسية المنطلقة من وراء تلك الظلمة الحالكة في تلكم العهود المتخلفة وبالتالي فهذا العقاب لا يوافق الآن روح العصر ومتطلباته إذ أن الاختراعات والمبتكرات العلمية قد أعادت للإنسان إنسانيته المفقودة فهو الآن إنسان متقدم يعيش في عهد نور العلم والمعرفة وبالتالي فكيف نطبق عليه قانون الإنسان المتخلف الذي عاش في عهد الجهل والأمية !!

قد يقال إنك تقولت على الدستور ما لم يقله ، وحملت كلامه ما لا يحتمل انطلاقا من موقف خفي اتخذته مسبقا وانبعاثا من عواطف جياشة وضغوطات نفسية ولو لم يكن هذا حالك لما ألصقت هذا الكلام بالدستور ولا بمذكرته التفسيرية .

أقول : مهلا يا أيها القائل ، فإني لا أكتب كلاما عاطفيا ولا أنقل مشاعر نفسية ولا انطلق من حساسيات شعورية فإنني أناقش فحوي كلام " المذكرة التفسيرية " وهي من كلام القانونيين وأنا أناقشهم بلغتهم التي يفهمونها جيدا فإن العبارات التي نقلتها من المذكرة التفسيرية تحتمل في طياتها وخلفياتها جميع الكلام الذي ذكرته وهذا يفهمه من له أدني معرفة بما وراء السطور وما تدل عليه معاني اللغة العربية وهل أوضح من أن يقول المشرع الوضعي في مذكرته التفسيرية :" أو يكون من المستحسن تطوير الأحكام في شأنها تمشيا مع ضرورات التطور الطبيعي على مر الزمن وأن يقول " يوقع المشرع في حرج بالغ " فما معني هذا ؟!!

فإن قلت لكن مشروع الدستور قد قال في آخر " المذكرة التفسيرية " للمادة الثانية " ومن ثم لا يمنع النص المذكور من الأخذ عاجلا أو آجلا بالأحكام الشرعية كاملة وفي كل الأمور إذا رأي المشرع ذلك "

قلت هذه الإضافة هي من باب ذر الرماد في العيون إذ كيف يقرر في البداية أن ضرورات التطور الطبيعي على مر الزمن جعلت من المستحسن تطوير الأحكام وأن المشرع إذا أخذ بالأحكام الإسلامية سيقع في حرج بالغ ثم يبين هنا أن النص لا يمنع من الأخذ عاجلا أو آجلا بالأحكام الشرعية إذ فحوي كلامه أن الذي سيطبق الأحكام الشرعية كاملة سيفوت عليه الأحسن والمستحسن !! وأنه سيقع في حرج بالغ !!

ثم أيضا : فإنه من الوجهة الشرعية لا يجوز أبدا الرضا بأى أحكام بديلة لتشريع الله تعالي مهما كان مصدرها وتحت أى مسمي كان الأخذ بها ولا يجوز لأي أحد كائنا من كان أن يلغي أحكام الشريعة أو يعطلها أو يأخذ بعضها ويترك بعضها فمن يكون هذا المشرع للدستور الذي يعطي لنفسه حق منح صلاحية الخيار للمشرع الوضعي في أن يأخذ بالشريعة الإسلامية أو لا يأخذ ؟

لاشك أن هذه مهزلة كبري إذ أصبحت أحكام الشريعة سلعة متداولة بين مشرع الدستور وبين المشرع الوضعي ( المجلس النيابي ) قابلة للأخذ والرد

وفق ما يرونه !!!

الربا

قال تعالي ( وأحل الله البيع وحرم الربا ) [البقرة 275 ]

وقال تعالي ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ) [ البقرة 278]

  • ثم ماذا بشأن الربا وما قول مشرع الدستور فيها ؟
إنه لم يذكر تحليله بالنص ولكن ذكر ما يدل عليه ويشير إليه وهو تجويز أعمال البنوك فمعلوم أن أساس وقاعدة عمل واستثمارات البنوك إنما هو قائم على الربا وإذا اختار بنك أو مؤسسة مالية أن لا تتعامل بالربا فإن ذلك ليس بحكم القانون الذي يمنع الربا وإنما بحكم الاختيار خوفا من الله تعالي واستجابة لأمره إذ أن القانون لا يمنع الربا فضلا عن أن يجعل المتعامل به محل العقاب بل ولا حتى محل اللوم أو المآخذة فهل العمل الربوي للبنوك مخالف للدستور أم موافق له ؟ لو كان مخالفا للدستور ولقوانين الدولة لم تجرأ بنك على اقترافه أو التعامل به وكون أن البنوك الحالية تزاول أعمالها من خلاله فهذا يدل على عدم مخالفته للدستور ولا لقوانين الدولة بل هو موافق لهما .

ولا أريد الاستطراد في هذا الموضوع أكثر من ذلك .

فيقاس على ما ذكرت ما يتعلق بقوانين الشركات والأسهم والبورصة والصرافة والقروض الحكومية وغيرها . مرتبتا الحاجيات والتحسينيات:

لقد بينت أن المشرع الوضعي لم يراع في دستوره الأحكام المالية وفق الشريعة الإسلامية علي مستوي الضروريات.

ولذلك فإن انتهاك مقصد حفظ المال على مستويي : الحاجيات والتحسينيات هو امتداد طبيعي لانتهاكه على مستوي الضروريات .

فمن ذلك:

- القروض التي تقدمها الدولة لأفرادها بالفائدة الربوية.
- قوانين الإجارة التي تشرعها الدولة لصالح فئة معينة.
- الحوالات والمضاربات المالية التي تتم في إطار ربوي .
- التأميم وهو قيام الدولة بانتهاب أموال أو ممتلكات بعض الناس بالباطل.
- احتكار الدولة لكثير من المنتوجات والصناعات باسم القطاع العام .
- مفاضلة الدولة بين فئات الشعب في المنح المالية وفقا للانتماء الحزبي أو الطائفي أو القبلي أو الإقليمي أو غير ذلك.
- عدم ممانعة معظم الدول الديمقراطية من المتاجرة بالخمور وغيرها من الخبائث.
- تبني الدولة لتشييد وافتتاح المرافق الترفيهية على غير الطريقة الشرعية وذلك باستعمال المال العام .

وهكذا يتبين أنه في ظل الدستور الوضعي لا تلبي مصالح الناس على مستويي الحاجيات والتحسينيات بالطريقة الشرعية وإنما بالطريقة الوضعية المخالفة للشرع ..

  • فكيف يقبل الإسلاميون هذا الدستور ويتعاملون معه على ضوء المراحل الست التي ذكرتها في بداية البحث ؟

فتبين من خلال الكلام على مقصد حفظ المال أن الوسيلة المختارة من قبل بعض الإسلاميين لتحكيم الشريعة الإسلامية من خلال المشاركة في المجلس النيابي تمر من نفقين مظلمين :

الأول : الموافقة على الواقع الحالي للدستور
الثاني إنفاق المال على وجه غير مشروع فضلا عما فيه من تبذير وإسراف منهي عنه شرعا .

المبحث الثاني مصلحة الإصلاح حسب الاستطاعة

وفيه الموضوعات التالية

تشخيص واقع الأنظمة الديمقراطية في العالم الإسلامي

أ‌- فساد العقيدة من جهة الأنظمة الحاكمة .

ب‌- فساد أكثر التشريعات المنبثقة من دساتيرها.

- إصلاح ما فسد على ضوء مقاصد الشريعة :

• سلم التراجعات.

• الثوابت والمتغيرات .

• ترتيب القضايا المطروحة .

• الغاية والواسطة .

• إضاعة مقاصد الشريعة .

تشخيص واقع الأنظمة الديمقراطية في العالم الإسلامي

إن أول ما يلفت النظر أن الفساد قد استشري في كل أو معظم مرافق الأنظمة الديمقراطية في العالم الإسلامي ولست منفرا ولا معسرا لكني بصدد قضية مهمة لا تنفع فيها المجاملات ولا تطييب الخواطر .

وإذا كنت سأشير إلى بعض نواحي الفساد الذي ظهر في البر والبحر فهذا لا يعني بطبيعة الحال أن الخير قد استؤصل وأن الصلاح قد اجتث كلا ثم كلا.. فلا يزال هناك خير كثير وصلاح وفير لكنه لدي الأفراد وليس لدي الأنظمة وحديثنا هنا ليس عن الأفراد بل هو منصب على الفساد في أجهزة ومؤسسات هذه الأنظمة الحاكمة باسم الديمقراطية .

ويمكن تلخيص ما تسرب إليه الفساد في هذه الأنظمة فيما يلي :

1- فساد العقيدة من جهة النظام الحاكم كنظام لا كأشخاص على تفصيل في هذا الأمر يأتي إن شاء الله تعالي .
2- فساد أكثر التشريعات المنبثقة من دستور هذا النظام مما أدي إلى :

• الفساد الإداري .

• الفساد القضائي .

• الفساد الإعلامي.

• الفساد الاقتصادي .

• الفساد الثقافي والفكري والتوجيهي .

• الفساد السياسي.

• الفساد الاجتماعي .

• الفساد الأمني والدفاعي .

ولكن من هذه النقاط تفصيل ولا يعني التسلسل المذكور الإشارة إلى خطورة الفساد بحسب الأهمية وذلك لتداخل قنواته بين النقاط المذكورة.

لقد تعرضت سابقا للكلام على بعض هذه البنود وبيان واقع الفساد فيها من خلال الحديث على المصلحة الأولي وهي تحكيم الشريعة الإسلامية ولذلك سأتناول هنا بعض الأمور التي لم أذكرها سابقا مع اعتبار ما ذكرته سابقا في شرح بعض هذه البنود جزءا لا يتجزأ من الكلام هنا وربما استدعي المقام بعض التكرار فلا يضيق صدرك.

فساد العقيدة من جهة النظام الديمقراطي الحاكم :

إن أساس عقيدة التوحيد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ومعني لا إله إلا الله : أى لا معبود بحق إلا الله . ومعني محمد رسول الله : أى هو رسوله المبلغ عنه أمره ونهيه .

ومعني تعلق هذا الكلام بالنسبة للنظام الحاكم هو :


1- الإقرار بالعبودية لله وأنه هو الإله المشرع والحاكم
2- أن تكون كافة التشريعات بدون استثناء منبثقة منه ومبنية على قواعد وأصول الشريعة الإسلامية التي بلغها رسول الله صلي الله عليه وسلم عن ربه عزوجل فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير مع حصول الرضا القلبي والتسليم الفعلي .
الجواب إذا نظرنا إلى حال أفراد النظام فإن أكثرهم وأحيانا كلهم يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله .

هم يقولون ذلك كأفراد .

لكننا نتحدث هنا عن النظام الحاكم من حيث هيئته الدستورية وأما الأفراد كأعيان فهذا له مسلك آخر يتعلق بالإبلاغ وإقامة الحجة ودفع الموانع وغير ذلك .

  • إن النظام الديمقراطي بهيئته الدستورية يتألف من :
رئيس الدولة ونوابه .
- مجلس الوزراء وهم الحكومة.
- المجلس النيابي .
- وسلطات هذه الهيئة الدستورية تشريعية ما عدا مجلس الوزراء باعتبار أعضائه نوابا في المجلس فسلطاته تشريعية باعتبار أعضائه وتنفيذيه باعتبار كيانه .

ولما كان الدستور هو الإطار الذي تمارس من خلاله الهيئة الدستورية أعمالها وتستمد منه سلطاتها فإن مناط كلامنا بشأن فساد العقيدة من جهة النظام الحاكم سيكون منصبا على الدستور ..

إن مدار هذا المبحث هو أن الدستور يستمد تصوراته ومفاهيمه من ورح العصر والقومية العربية والوطن كأرض وكأفراد لهم جنسية هذا الوطن ويعطي صلاحيات التشريع للبشر مع الإشارة في نفس الوقت إلى قصور التشريع الرباني عن مواكبة الاحتياجات البشرية المستجدة .

ومعني هذا الكلام هو:

1- الإقرار بالعبودية للمشرع البشري بدل الإقرار بالعبودية لله وصورة ذلك هنا هي تنحية شرع الله عن أن يكون هو الحاكم بين الناس واستبدال شرع البشر بشرع الله وهذا نقض لمعني لا إله إلا الله
2- أن منطلق كافة التشريعات هو بحسب ما رآه المشرع البشير في دستوره الوضعي بدل أن تكون هذه التشريعات وفق ما جاء به رسول الله صلي الله عليه وسلم وهذا نقض لمعني محمد رسول الله .
3- وإليك البيان فيما ذكرته وذلك من واقع الدستور المعمول به إلى لحظة كتابة هذه السطور .

:4- وألخص الكلام في النقاط التالية :


5- النقطة الأولي : ورد في ديباجة الدستور ومقدمته ما يلي :

6:- " نحن ( رئيس الدولة) رغبة في استكمال أسباب الحكم الديمقراطي لوطننا العزيز وإيمانا لدور هذا الوطن في ركب القومية العربية وخدمة السلام العالمي والحضارة الإنسانية " إلى أن قال " صدقنا على هذا الدستور وأصدرناه "

:7- ويلاحظ في هذه المقدمة ما يلي :

أ‌- قوله : رغبة في استكمال أسباب الحكم الديمقراطي ومعناه يحكم الشعب نفسه بنفسه فيما يراه لنفسه من تشريع بمعني أن الشعب مصدر السلطات جميعا .
ولقد جاءت هذه العبارة مطلقة غير مقيدة بما يمت للإسلام بصلة فمضمونها معناه إعطاء حق الاختيار للهيئة الدستورية الحاكمة فيما تراه مناسبا ولا يخفي أن الانصياع والأخذ بشرع الله مع التسليم له ليس فيه خيار لأى أحد كأئنا من كان فهذه العبارة هي الإطار الذي ينبثق من خلاله الدستور فتأمل !!!
ب – قوله : لوطننا العزيز " والمقصود طبعا هو الأرض الواقعة في إطار الحدود السياسية للدولة مصدرة الدستور ولا اعتراض على هذه العبارة من وجهة نظر الوطنيين وأصحاب المصالح التي يحصلون عليها ويكرسونها من خلال هذا التحديد..

وعلى كل الأحوال فنحن نفهم من هذه العبارة أن هناك أرضا أطلق عليها اسم (كذا) هي في حقيقتها ملك لله تعالي قررت هيئتها السياسية الدستورية أن تقر لغير الله مالك الأرض وما عليها أن يكون لها حق التشريع فيها والتصرف وإصدار القوانين دون الله تعالي لتطبق علي قاطنيها من عباد الله !!

ومن جهة أخري فإنه يفهم من مدلول هذه العبارة أن الولاء إنما يكون لهذا الوطن دون غيره وهذا تكريس للإقليمية البغيضة التي أوجدها المستعمر قبل أن يرحل عن بلادنا الإسلامية بجنوده إلا أنه للأسف بقي مسيطرا على هذه البلاد ومهيمنا على توجهاتها من خلال عملائه وأعوانه الذين مسخ عقولهم وانحرف بهم عن دينهم ونتج عن هذا التحديد الدستوري لمفهوم الوطن أنط تري المسلم في هذا البلد لا ينبغي له بحسب الدستور أن يشغل باله ونفسه بما يحل في المسلمين خارج بلاده لأن أولئك المسلمين هم خارج حدوده السياسية فإذا دارت معركة مثلا بين المسلمين وغيرهم على حدود هذه الدولة من خارجها فإن المسلمين في هذه الدولة لا يهمهم الأمر من الوجهة الدستورية لأن المعركة خارج " وطننا العزيز " فإذا انتقلت المعركة إلى الحدود من داخلها فإن على كل مواطن في هذا " الوطن العزيز " أن يهب عن بكره أبيه ليدافع عن الأرض بالغالي والنفيس .

فإن قلت : إن هذا مبالغ فيه فإننا لو دارت معركة على حدودنا من خارجها لقمنا بالواجب كما لو كانت على الحدود من داخلها .

لقلت نعم نحن نقوم بالواجب انطلاقا من انتمائنا الإسلامي الملزم وليس انطلاقا من انتمائنا الدستوري فما بعد الحدود السياسية حسب الدستور هو الخارج " وطننا العزيز" وعلى افتراض أن الهيئة السياسية قامت بالواجب فهذا من منطلق أن انهيار الوضع على الحدود من خارجها لصالح العدو ستكون نتيجته تهديد مباشر لهذه الدولة فالمنطلق هنا هو أيضا الدفاع عن " وطننا العزيز " أو أن تقوم الدولة بالواجب بسبب كون الجميع تحت مظلات سياسية متعاونة أو موحدة وقد تهب هذه الدولة لمساعدة دول إسلامية أو عربية أخري طالما أن ذلك يقع في إطار الامتداد القومي أو التحالف " لوطننا العزيز" وليس في إطار المصالح العليا للأمة الإسلامية فإذا كانت مصلحة " الوطن العزيز" تكمن في مساعدة النصارى في لبنان أو أن تعطي الأموال لمن يقتل الفلسطينيين ويعقد الاتفاقات مع إسرائيل أو ما شابه ذلك فلا مانع من هذا الفعل حسب نص الدستور وإذا كانت مساعدة المجاهدين في أفغانستان أو العراق ليست في مصلحة " الوطن العزيز " لأن الأمريكان سيغضبون على النظام الحاكم فلن تقدم لهم أية مساعدة وواقع الأمر أن لفظة " وطننا العزيز " مكافئة للهيئة الدستورية الحاكمة وما هذه اللفظة إلا واحدة من الألفاظ التي يتستر بها ليفعل النظام الحاكم ما يشاء .

ومما يؤسف له حقا أن إعادة تكرار هذا اللفظ في كل مناسبة قد انعكس على مشاعر كثير من الإسلاميين حتى تحسبهم أحيانا دستوريين أكثر من الدستور !! ولا حول ولا قوة إلا بالله .

ثم ما المقصود من إضافة لفظ " العزيز " إلى وطننا "؟

هل المقصود هو أن حال وطننا " عزيز " أى مستقل حر ذليل لأحد؟

أو هل المقصود أن الناس أصحاب الجنسية في هذا البلد حالهم العزة بانتمائهم إلى هاذ الوطن ؟

فإن كان المقصود هي المعني الأول فهو غير موجود إذ أن القرارات الحقيقية ( الإستراتيجية ) والسياسات العامة لها شعب وإنفاق تتصل بالخارج فلا استقلال حقيقي في القرارات ولا حرية حقيقة في السياسات والتوجهات .

وإن كان المقصود هو المعني الثاني فإن المسلمين في هذا البلد وغيره ليس لهم عز على الإطلاق إلا بانتمائهم إلى عقيدتهم واعتزازهم بدينهم وتطبيق شريعة ربهم فيه .

وعلى المقصودين فإن إضافة لفظ " العزيز " إلى " وطننا " لا وجه له !! فلا العالم الإسلامي متحرر – بما تحمل هذه اللفظة من معني – ولا هو مطبق فيه شرع الله ليكون عزيزا بذلك .

فإن قيل : إن لفظ الوطن هو علم على الأرض التي تقع تحت هيمنة السلطة السياسية الحاكمة لها وليس في هذا غضاضة ولو كان هناك تقنين إسلامي فلا يسعه أن يخرج عن هذه اللفظة للتدليل على هيمنة السلطة السياسية على أرض معينة .

قلت : أما الجملة الأولي فهي نابعة من واقع التكريس الوطني المتبع عالميا وأما الجملة الثانية فأقول : ليس لأحد أن يفرض على التقنين الإسلامي أى لفظ والإسلام إذا قام على بقعة من الأرض فإنه لا يتحدد فيها بل الإسلام له طابعه الامتدادي حتى يكون الدين لله وحده في كل الأرض مشارقها ومغاربها ولا يخفي على المسلم اللبيب أننا نفرق بين الانتماء الجغرافي للدلالة على موطن الولادة أو محل السكني ، وبين الانتماء الجغرافي للدلالة على الولاء للسلطة السياسية صاحبة التعريف الوطني ثم نقول : أنه لا حرج على المقنن الإسلامي أن يسمي البقعة الجغرافية التي تحتضن الكيان السياسي في وقت ما بما يشاء من التسميات المتلائمة مع منهاجه على أن لا تكون هذه التسمية حجرا على توسعه .

ج‌- قوله : إيمانا بدور هذا الوطن في ركب القومية العربية "

لا شك أن بدعة القومية العربية هذه كان ولا يزال اليهود والنصارى وراء ابتدعها وبثها وبلورتها في أحزاب سياسية وتيارات شعبية ولسنا بصدد التدليل التاريخي والوثائقي على هذه القضية فهي معلومة معروفة لكل متابع وقد ابتدعها هؤلاء كشعار يقابل الإسلام ..

ولما كان الإسلام دينا متكاملا يغطي جميع مرافق الحياة بكل شمولها الدنيوي والأخروي وبالتالي لا يمكن مقابلته بالشعارات فكان لابد أن يعطي شعار القومية العربية محتوي عقيدي ونهجي فانتهي الأمر إلى القول أن عقيدة القومية العربية مقابلة لعقيدة الإسلام ومنهج القومية العربية مقابل لمنهاج الإسلام فيترتب عليه أن القومية العربية بشقيها العقيدي والمنهجي مقابلة للإسلام بشقيه العقيدي والمنهجي فإذا اخترنا الإسلام فلا مكان للقومية العربية وإذا اختاروا القومية العربية فلا مكان للإسلام .

  • فالسؤال هو : ما الذي اختارته ديباجة الدستور ومقدمته ؟ هل اختارت الإسلام لم اختارت القومية العربية ؟
الجواب : إنها اختارت القومية العربية كما نقلت ذلك بنصه من ديباجة الدستور آنفا ..

ولما كان ارتكاز الإسلام هو على الشهادتين : لا إله إلا الله محمد رسول الله ولما كان اختيار الدستور في ديباجته هو للقومية العربية بدلا من الإسلام فمعني ذلك هو إسقاط ورد لمفهوم الشهادتين .

فإن قيل إن المادة الثانية من الدستور نصت على أن دين الدولة الإسلام والشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع .

قلت : إن ديباجة الدستور تمثل الإطار العام له لذا فإن جميع المواد الواردة في الدستور ينظر إليها من خلال ديباجته وإلا كان الدستور متناقضا ومعني هذا مفهوم مستقل للإسلام بل مفهومه حسب هذا النص الدستوري مفهوم قومي أى تفسر نصوصه تفسيرا قومنا وإذا تمعنت جيدا في كلامهم هذا فلن تجد له معني حقيقيا ! إذ ما معني الإسلام بالمفهوم القومي ؟! وما هو التفسير القومي للإسلام ؟

فلا شك أن هذا كلام متهافت ، وإذا فلا معني للقول : إن دين الدولة الإسلام ، إذا كانت " الدولة" تسير في ركب القومية العربية دستوريا وهكذا يكون " دين الدولة الإسلام" هو مجرد شعار لا غير لأنه قد أفرغ تماما من محتواه !! أى مجرد من تعلقه بمفهوم لا إله إلا الله محمد رسول الله .

وقد كرست المادة الأولي من الدستور هذا المنطلق القومي إذ جاء فيها " وشعب (...) جزء من الأمة العربية " فهو جزء من الأمة العربية وليس الإسلامية وقد أكدت " المذكرة التفسيرية " للدستور هذا المعني إذ جاء فيها بخصوص المادة رقم (1) :" ولذلك كان الاصطلاح المذكور وهو : شعب ( ال..) أفضل من اصطلاح الشعب ( ال..) وأكثر تجاوبا مع القومية العربية "

فتمعن في قوله : وأكثر تجاوبا مع القومية العربية " ذلك أن القومية العربية هي المنطلق – حسب الدستور – في النظرة إلي سائر الأمور كيف لا وهي الإطار المختار للدستور حسب ديباجته المذكورة ومن الملاحظ أن هذه الديباجة وهي تؤكد على المفهوم القومي فإنها خلت من أى لفظ يتعلق بالإسلام أو حتى مشتقات هذه اللفظة وكأن المشرع البشري الوضعي لم يرد أن تتلبس هذه الديباجة بأي شئ يمكن أن يلتمس منه ميل للإسلام أو أى شئ يمت للفظة بصلة !! وهكذا كان الحال في الكلمة التي وجهها رئيس الدولة لشعبه عند تقديم مشروع الدستور له وفي الكلمة التي وجهها رئيس المجلس التأسيسي عندما قدم الدستور لرئيس الدول !!

النقطة الثانية : جاء في المادة الثانية من الدستور ما نصه " دين الدولة الإسلام والشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع "

إن الكلام في هذه المادة يتناول قضيتين :

الأولي : قوله " دين الدولة الإسلام "

ونحن ابتداء نتساءل : هل هذا شعار أم هذا إطار ومحتوي ؟

فإن كان مجرد شعار فمعناه لا يتجاوز أحد احتمالين :

إما أن الدين الإسلامي ليس فيه محتوي يحقق متطلبات الحياة الإنسانية المعاصرة فيكون إظهاره مجرد شعار يميز أصل الانتماء الديني المقابل للأديان الأخرى فكما أن المنتمي إلى النصرانية لأيس له منها إلا اسمها وكذا المنتمي لليهودية فكذلك هذا الانتماء إلى الدين الإسلامي هو انتماء تعريف لا انتماء إتباع.
- وإما أن يستغل هذا الشعار لتخدير الشعوب الإسلامية المستضعفة والتي ناخ على صدرها الجهل بدينها الذي ارتضاه الله لها وربط عزها وسؤددها بالأخذ به بقوة .

إنني لا أكون متجنيا – إن شاء الله تعالي – إن قلت إن الذين رفعوا هذا الشعار قد نجحوا في اتخاذه رداء يستترون به من أوزار هم وأفاعليهم الشنيعة فكم من مظلوم في ظل إسلام الأنظمة قد غص الظلم فاه لا يستطيع أن ينبس ببنت شفة ؟

وكم من قائل حق وداع إلى دين وفضيلة قد غيب في ظلمات السجون باسم هذا الشعار ؟ لا يكاد ينتقد هذا النظام أو ذاك فيظهر بعض عورته وعواره ، ويدعوه إلى تقوي الله ومخافته إلا وصم بالخروج على النظام وكيف يخرج عليه ودين النظام الإسلام كما جاء في الدستور !!

لقد سلط هذا الشعار كالسيف البتار على كل مذكر بالإسلام وداع إلى المعروف وناه عن المنكر .. وأما بعض الأنظمة الأخرى في عالمنا الإسلامي وهي ديمقراطية أيضا !! فقد ضاقت ذرعا بهذه العبارة وإن كانت لا تتجاوز كونها شعارا مجردا فحذفتها من الدستور واتخذت لنفسها شعارات شتي من مثل وحدة حرية اشتراكية أو مرادفاتها الخاوية .

فإن لم يكن قول الدستور " دين الدولة الإسلام " مجرد شعار فهل هو إطار ومحتوي ؟

والله إننا لنتمنى ذلك من صميم قلوبنا لكننا نفرق بين العواطف وبين العقل ونحن لسنا بصدد مواقف عاطفية في مثل هذه القضايا البالغة الخطورة لذلك فإننا نقف إزاء هذه النصوص مواقف عقلانية متأنية وليس مواقف حماسية متهورة .
فأقول وبالله التوفيق : إن كان المقصود من هذه الجملة " دين الدولة الإسلام" أنه هو الإطار والمحتوي فهذا يعني أن يتبني النظام المفهوم الشامل للدين عقيدة ومنهاجا.
ومعني أن يتبناه عقيدة أى أن يقر بالعبودية الخالصة لرب العالمية على نحو ما قدمنا في بداية هذا المبحث .
ويتبناه منهاجا أى أن تكون كافة التشريعات والتوجهات على كافة المستويات منبثقة من تشريع هذا الدين .

فهل الذي قلته متحقق ؟!

الجواب :كلا إنه غير متحقق .

فعلي مستوي العقيدة فالدستور لا يقر بالعبودية الخالصة لله وإنما يجعل الشعب مصدر السلطات كما جاء في المادة السادسة منه والتي نصها " نظام الحكم .. ديمقراطي ، السيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعا ، وتكون ممارسة السيادة على الوجه المبين في الدستور "

  • والمقصود بلفظ السلطات جميعا:
السلطة التشريعية ( الباب الرابع، الفصل الثالث )
السلطة التنفيذية ( الباب الرابع، الفصل الرابع)
السلطة القضائية ( الباب الرابع ،الفصل الخامس )

فيفهم من مجموع ما يختص بالسلطات أن الله تعالي لا سلطان له فيما يتعلق بشئون هؤلاء البشر ( تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا ) وإنما السلطان هو الشعب صاحب السلطة الحقيقية على حد زعمهم !!

فهل هذا يعني الإقرار بالعبودية الخالصة لله أم للشعب ؟!! ذاك الشعب الذي قد يكون من مكوناته اليهود والنصارى والمشركون لا شك أن الذي ذكرته يعني العبودية للشعب ولا يعني العبودية لله بحال من الأحوال .

ثم إذا نظرنا إلى واقع اللعبة الديمقراطية في العالم الثالث رأينا هذه الشعوب مغلوبة علي أمرها وممثلوها في المجالس النيابية ليسوا هم ممثليهم الحقيقيين بل هم أغنياؤهم والتنفذون فيهم وصاحب الأمر والنهي رغم وجود المجلس النيابي هو الزعيم الذي بيده سلطة حل المجلس في أى وقت يشاء تماما كالخاتم في الإصبع يخلعه متى شاء ويتختم به متى شاء !!

وأما على مستوي التشريع فإن مادة الدستور الثانية تجيب بنفسها على الشق الثاني من السؤال والمتعلق بالمنهاج فعلي مستوي المنهج تقرر هذه المادة أن السلطة التشريعية لها أن تأخذ ما تراه من التشريعات من غير الدين الإسلامي وذلك بما يلائم روح العصر ويخرج الشارع من الحرج !! وذلك واضح من واقع النص الدستوري والذي هو " الشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع "

لقد تكلمت سابقا عن مضمون مفهوم هذه العبارة بما يؤكد تأكيدا قاطعا فساد عقيدة من أقربها على هذا النحو فضلا عمن وضعها وأردفها بمذكرته التفسيرية وأضيف هنا إلى ذكرته بعض الملحوظات الأخرى :

أ‌- يلاحظ في مواد الدستور التي يأتي في سياقها ذكر للفظة ( القانون ) أنها تذكر هذه اللفظة ( القانون ) مطلقة من غير تقييد بأن يكون هذا القانون هو حسب الشريعة الإسلامية كقوله مثلا في المادة (9) يحفظ القانون كيانها " وفي المادة (16) " ينظمها القانون " وفي المادة ( 18) " إلا في حدود القانون " وفي المادة(19)" في الأحوال المبينة في القانون " وفي المادة (20) وذلك كله في حدود القانون " وهكذا في أكثر مواد الدستور .
ب‌- وكون لفظه " القانون " تذكر بهذه الصيغة المطلقة فإن المشرع الوضعي الأرضي غير ملزم بالتقيد بالشريعة الإسلامية ودليلنا على ذلك أن مشرع الدستور عندما أراد أن يقيد مشروع قانون بالشريعة الإسلامية ذكر ذلك صراحة كما قال في المادة (18) من الدستور :" والميراث حق تحكمه الشريعة الإسلامية "
ت‌- ولم يأت تقييد لأى قانون آخر بأنه وفق الشريعة الإسلامية فدل ذلك على أن الدستور أطلق اليد للمشرع الأرضي في أن يختار لنفسه ما يشاء ولما كان واضعوا القوانين قد تلقوا دراساتهم في أوروبا وغيرها فأشربوا عاداتها وتقاليدها بالإضافة إلى قوانينها فالأمر الطبيعي أن تكون القوانين التي يشرعونها مستقاه من ذلك المشرب وكل إناء بما فيه ينضح .
ث‌- فإن قلت : إن كثيرا منهم قد تخرجوا من جامعات عربية وليس من أوروبا وأمريكا أقول : إن مناهج الجامعات العربية مستقاة من مناهج تلك الجامعات الأوروبية والأمريكية والشرقية فإذا أضفت إلى ذلك أن كثيرا من المسلمين قد سلكوا مسلك الغربيين في حياتهم الاجتماعية من مأكل ومشرب وملبس وعلاقات أسرية وغير أسرية فأصبحت عاداتهم وتقاليدهم كتقاليدهم إذا أخذت كل ذلك بعين الاعتبار فإن النتيجة تكون واحدة سواء كان القانونيون متخرجين من أوروبا أو من البلاد العربية فالأمر سيان .
ج‌- وعلى كل حال فلا يفوتني أن أنوه إلى أن المادة ( 91 ) من الدستور ورد فيها بشأن اليمين الدستورية التي يؤديها النائب قوله " وأن أحترم الدستور وقوانين الدولة " فنلاحظ أن لفظ الدستور جاء عاما ومعرفا بـ (ال) التي تفيد العموم لكنه أردف فقال " وقوانين الدولة " وهذا من باب عطف الخاص على العام ، وبالتالي فإن احترام الدستور والذي فيه " دين الدولة الإسلام ، والشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع " يكون من خلال احترام قوانين الدولة والتي هي في حقيقتها متحررة من ضوابط الشريعة الإسلامية كما بينت سابقا .
ح‌- ب- ورد في المادة (9) " الأسرة أساس المجتمع قوامها الدين ) وورد في المادة (29) " الناس سواسية في الكرامة الإنسانية ، وهم متساوون لدي القانون في الحقوق والواجبات العامة لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين " وورد في المادة (35) " حرية الاعتقاد مطلقة وتحمي الدولة حرية القيام بشعائر الأديان طبقا للعادات المرعية على أن لا يخل ذلك بالنظام العام أو ينافي الآداب ".

هكذا وردت كلمة " الدين " مطلقة كما في المادتين (9) و(29) من الدستور ووردت كلمة " الأديان " كذلك مطلقة كما في المادة (35) فأى " دين ": هو المقصود في المادة ( 9) ؟ هل هو دين الدولة وهو الإسلام ؟ أم هو أى دين يعتنقه صاحبه ؟ ظاهر العبارة هو الإطلاق ونحن إزاء نص دستوري والألفاظ فيه منتقاه ومحددة فالمشرع الأرضي لم يقل : دين الدولة فيكون ذلك إشارة إلى الإسلام كما أنه لم يقل الدين الإسلامي وهذه الإضافة كان لابد منها لو كان المشرع يعني فعلا أن مقصوده هو الدين الإسلامي .

فإذا كانت الأسرة مسلمة فقوامها هو الدين الإسلامي وهذا لا شك فيه لكن إذا كانت الأسرة نصرانية أو يهودية فكيف يكون قوامها الدين الإسلامي ؟ لا شك أن قوامها سيكون الدين النصراني أو الدين اليهودي ولعل المشرع الوضعي عندما أطلق لفظ " الدين " ولم يقيده بأية إضافة إنما كان يعني هذا المعني ولما كان الدينان النصراني واليهودي لا وجود لهما على الحقيقة بل الموجود مجموعة من التحريفات والتزويرات أطروها بالإنجيل والتوراة المزيفين فمعني هذا أن لفظ " الدين" إنما يعني واقع الحال الذي عليه النصارى واليهود الآن بل أكثر من ذلك فهذا اللفظ وهو " الدين " يمكن تعميمه ليشمل كل دين سواء كان مجوسيا أو بوذيا أو وثنيا أو غير ذلك ولاما كانت هذه الأديان معادية لدين الإسلام و فإن قوام هذه الأسر غير المسلمة سيكون معاداة للإسلام في ظل الدستور الذي كفل لها هذا الحق والذي يترتب عليه حق تنشأة أولادهم على كراهية الإسلام والمسلمين فهل يصح أن تكون هذه الأسر هي أساس المجتمع كما قالت المادة (9) من الدستور !!

فإن قيل : لو كان الإسلام حاكما وكان هؤلاء النصارى أو اليهود أهل ذمة أفلا تكون النتيجة واحدة حيث إن أسرهم ستنشأ أيضا على كراهية الإسلام والمسلمين .

أقول : نفرق بين حالتين : حالة اندساس إتباع هذه الديانات وانبثاثهم في كل مرافق المجتمع فهم ينشرون فيه عهرهم وفجورهم ومروقهم وبين حالة كونهم أهل ذمة يأخذ الإمام على عائقه أن يضع كل الاحتزازات التي تؤمن عزل تأثيرهم ذلك المجتمع مع إبقاء القنوات مفتوحة لوصول الدعوة الإسلامية إليهم ولكي يتضح هذا الكلام قارن هذه المادة من الدستور مع الوثيقة العمرية .

وعلى هذا ، فإن هذه الأسر غير المسلمة حتى وإن بقيت على الفساد التي هي عليه فإنها لن تكون " أساس المجتمع " ولذلك نقر أن هذه المادة الدستورية قد صيغت من منطلق قومي علماني وليس من منطلق إسلامي وهي على العموم منسجمة مع التوجه العلماني للمشرع إذ ساوت بين الأسر المسلمة والنصرانية واليهودية في اعتبار كل منها " أساس المجتمع "

وأما المادة ( 29) من الدستور فقد ساوت في الحقوق والواجبات العامة بين المسلمين وغيرهم ونحن نقر أن الإسلام قد نظر إلى الناس من حيث إنسانيتهم نظرة واحدة فلم يفرق بين جنس أو أصل أو لغة وأما الدين فلا . فلا يستوي المسلم مع غير المسلم أبدأ من زاوية العقيدة فهذا يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وغير المسلم لا يقر بذلك ولا يؤمن به فكيف لا يكون فرق بين المسلم وغير المسلم في الحقوق والواجبات ونحن في بلاد المسلمين ومعلوم أن الإسلام قد بين ما على المسلم من حقوق وواجبات سواء الخاصة نفسه أو أسرته أو مجتمعه أو حاكمه وكذلك قد بين ما علي غير المسلم الذي يعيش في بلاد المسلمين من حقوق وواجبات ولا سواء في هذه الحقوق والواجبات لكن المادة ( 29) تساوي بين المسلم وغيره ومقتضي ذلك عند التطبيق أنه مثلا: إذا كان الذمي يدفع الجزية فإن على المسلم أن يفعل ذلك وكذا على الذمي أن يؤدي الزكاة كما يؤديها المسلم !!

فمن قال بذلك !!.. ولكنها علمانية واضع الدستور صاحب المادة (29)

فإن قيل : قد ضربت مثلا لحالة المسلم والذمي والدستور لا يعترف أصلا بموضوع الذمي لذلك فإن المثل الذي ضربته لا يصلح شاهدا لما تقول .

أقول إن هذا القول هو الذي كنت أبغي، فقد كنت أريد توضيح هذه النقطة وهي أن الدستور يجعل غير المسلم بإطلاق – سواء كان ذميا أو غير ذمي – بمستوي المسلم ويخاطبهما بنفس العبارة .

وأما المادة (35) فقد كنت تكلمت عما يندرج تحتها من انتهاكات صارخة للشريعة الإسلامية ولكن يلفت النظر حقا تعهد الدولة بحماية " حرية القيام بشعائر الأديان " غير السماوية وتندرج في كل الأديان على وجه الأرض حسب تقدير السلطة العامة في البلاد كذا ورد في المذكرة التفسيرية لهذه المادة إذ جاء فيها : "والمقصود بلفظ ( الأديان ) في هذه المادة الأديان السماوية الثلاثة : الإسلام والمسيحية واليهودية ولكن ليس معني ذلك على سبيل الإلزام منع الأديان الأخرى من ممارسة شعائرها كلها أو بعضها إنما يكون الأمر في شأنها متروكا لتقدير السلطة العامة في البلاد دون أن تتخذ لحيتها سندا من المادة (35) المذكورة ".

والعجيب في الأمر حقا ويدعو إلى الدهشة فعلا أن السلطة لا تقوم بواجبها حسب نص دستورها بحماية الدين الإسلامي وهو دين الدولة كما نص الدستور – من الهجوم اليومي المركز عليه في كافة الصحف والمجلات سواء بالمقالات أو الرسومات أو غيرها ما أن السلطة لا تألو جهدا في التدخل المعرقل لإقامة الشعائر الإسلامية كما أمر الله تعالي ورسوله صلي الله عليه وسلم في حين إذا كان الأمر متعلقا ببيان فساد وخطورة ما يفعله النصارى وغيرهم فإن هذه الوسائل الإعلامية الناشرة لهذه الفضائح تحارب وتضطهد وتضايق وربما تشرد كما تصادر الكتب التي تفضح هذه المخططات والمؤامرات.

وخلاصة القول : إن كلا من المواد (9) و(29) و(35) إنما تستظل حذف "ال" من كلمة " مصدر " وتحت " رئيس " بدل" الوحيد " في المادة الثانية من الدستور والتي تقول " والشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع " بدلا من قولها : والشريعة الإسلامية المصدر الوحيد للتشريع "

النقطة الثالثة : إن الطابع العلماني للدستور يترك بصماته على مواد كثيرة منه وهي لا تخفي على المتأمل وقد أشرت إلى بعضها سابقا .

وما أحب أن أشير إليه هو الآن أن الدستور لم يشترط الإسلام بالنسبة للوزراء ولا لأعضاء المجلس النيابي وهذا يعني جواز أن يتولي غير المسلمين التشريع للمسلمين وأن يكونوا وزراء كذلك فقد جاء في المادة ( 82) من الدستور ما يلي :

" يشترط في عضو مجلس الأمة :

أ‌- أن يكون ( وطني ) الجنسية بصفة أصلية وفقا للقانون .
ب‌- أ، تتوافر فيه الشروط الناخب وفقا لقانون الانتخاب .
ت‌- أن لا تقل سنه يوم الانتخاب عن ثلاثين سنة ميلادية
ث‌- أن يجيد قراءة اللغة العربية وكتابتها "

وورد في المادة (125) من الدستور ما يلي :

" تشترط فيمن يولي الوزارة الشروط المنصوص عليها في المادة (82) من هذا الدستور "

فلاحظ يا أخي أنه لا يوجد في الدستور بخصوص شروط عضو مجلس الأمة ولا الوزارة شرط في أن يكون النائب أو الوزير مسلما .

وعدم وجود هذا الشرط متناسق مع التوجه العلماني العام في الدستور فإن قيل : إن هذا الشرط لا ينبغي أن يضاف لأنه محصلة حاصل إذ من المعلوم أن سكان البلاد مسلمون والمعروف عرفا كالمشروط شرطا .

أقول إن كان عدم اشتراط الإسلام ليس ضروريا بالنسبة لأعضاء المجلس النيابي والوزراء باعتبار أنه من المعروف أنهم لابد أن يكونوا مسلمين فمن باب أولي إذا أن لا يشترط هذا الشرط بالنسبة لرئيس الدولة فليس من المعقول وفق هذا التصور أن يكون سكان البلاد مسلمين ثم يكون رئيس دولتهم غير مسلم فإذا كان الأمر وفق ما ذكرت فلماذا اشترط الدستور ذلك بشأن ( رئيس الدولة ونائبه )؟

فقد جاء في المادة (4) ما يشير إلى ذلك حيث جعلت رئاسة الدولة في ذرية رئيس الدولة الحالي وهو مسلم فذريته لها نفس الحكم وهو الإسلام .

فإن قيل ربما خرج بعض ذريته عن الإسلام في المستقبل والقلوب بين يدي الرحمن يقلبها كيف يشاء وبموجب الدستور فإنه لا مانع من أن يتولي رئاسة الدولة .

أقول : هذا استدراك على القائل وليس له فهو دليل أيضا على وجود ثغرة علمانية حتى في رئاسة الدولة .

وأما بشأن اشتراط الإسلام في نائب رئيس الدولة فقد ورد في المادة (4) ما يلي " ويشترط في ( نائب رئيس الدولة ) أ، يكون رشيدا عاقلا وابنا شرعيا لأبوين مسلمين ".

والحاصل أن الدستور بعدم اشتراطه أن يكون عضو المجلس النيابي مسلما وهو شخص في مسئولية التشريع وكذا عدم اشتراط ذلك في الوزير وهو شخص في مسئولية التشريع والتنفيذ يدل دلالة واضحة على التوجه العلماني في الدستور فكيف لا تكون عقيدة النظام فاسدة وهو ينحي عقيدة الإسلام من أن تكون المهيمنة على كل توجه سواء كان مقننا أو غير مقنن ثم لاحظ بعد ذلك كيف أن عدم اشتراط الإسلام لعضو المجلس النيابي والوزير قد أفرغ النص الدستوري الذي يقول " دين الدولة الإسلام " من محتواه وذلك أن هذا النص لا يزيد عن كونه شعارا لا أكثر فلا هو إطار ولا هم جوهر لتوجه الدولة .

النقطة الرابعة : ورد في المادة (153) من الدستور ما يلي :" كل احتكار لا يمنح إلا بقانون وإلى زمن محدود "

ومعلوم أن الشريعة الإسلامية قد حرمت الاحتكار لكن صيغة عبارة الدستور تفيد جواز الاحتكار المقنن والمحدد بزمن حسب ما يراه المشرع الوضعي مستقلا عن التقيد بالشريعة الإسلامية وهذا تحليل لما حرمه الشارع .

فإن قيل : إن الدولة لا يمكن أن تصدر قانون بهذا الخصوص ما لم تكن هناك مصلحة مؤكدة للشعب .

أقول : الاحتكار عموما محرم، وحالات الضرورة لها أحكامها الخاصة التي تقدر بقدرها وفق ما جاء في الشريعة الإسلامية ولكن هذه المادة اعتبرت الاحتكار جائزا إذا منح بقانون ثم من يقول : إن هذا القانون سيكون لمصلحة الشعب وليس لمصالح فئة معينة ؟!

ونحن لسنا بصدد مناقشة هذه التفاصيل وإنما الذي أريد تأكيده هو أن هذه المادة فيها انتهاك لأصل عام من أهم أصول الإسلام وهو أن التحريم والتحليل مناط بالشارع الرباني فقط وليس للمشرع الأرضي مهما كان شأنه أو صفته أو شهادته أو منصبه أو جاهه أن يحلل حرمة الله تعالي ولا أن يحرم شيئا أحله الله تعالي وهذه المادة من الدستور تشير إلى أن هذه الحقيقة غير مراعاة على سبيل الأصالة وما ذاك إلا بسبب المنطلق العلماني في صياغة الدستور .

  • النقطة الخامسة :

قال الله تعالي ( وقتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله )( البقرة : 193)

ورد في المادة (68) من الدستور ما يلي :

" يعلن ( رئيس الدولة) الحرب الدفاعية بمرسوم أما الحرب الهجوية فمحرمة "
إن هذه المادة بهذه الصيغة منشؤها التوجه العلماني للدولة وإلا فما معني تحريم الحرب الهجومية ؟ ومن الذي حرمها ؟!!

إن الذي حرمها هو واضع الدستور وقوله " محرمة " فيه إشارة إلى أنه هو صاحب التحليل والتحريم وليس غيره .

إن هذا المشرع الأرضي عندما حذف " ال" التعريف من كلمة " مصدر" ووضع " رئيس " بدل " الوحيد " في المادة الثانية من الدستور اتخذ من ذلك مظلة يقرر تحت ظلها ما يشاء وبابا يمرر منه ما يشاء .

لقد أمر القرآن المسلمين أن يرفعوا راية الجهاد في الأرض حتى يكون الدين كله لله إعلاء لكلمة الله ونشرا لعقيدة التوحيد في كافة أرجاء المعمورة ..

إن هذه المادة من الدستور تنسخ عددا كبير من آيات الكتاب ومعني ذلك أن هذا المشرع الأرضي قد وضع نفسه موضع الإله الذي له حق أن ينسخ ما أمر به تعالي الإله الملك الحق المبين خالق السموات والأرضين فهل ثمة من فساد في العقيدة أفحش من ذلك..

لقد تكالبت قوي الشر من غرب وشرق وهي ترفع رايات الصليبية الحاقد واليهودية الماكرة السافلة لأجل دك أعناق المنتسبين لهذا الدين القيم حتى لا تقوم له في الأرض قائمة لقد علموا حق العلم أن الذي يقف ضد تنفيذ مخططاتهم إنما هو تشريع الجهاد الذي يستنفر المسلمين لينشروا دين الله على كل بقعة في الأرض وكم بذلت هذه القوي الشيطانية من أموال وجهود جبارة لتصل إلى هذه النتيجة المدمرة للوجود الإسلامي .

إن هذه الأمة لا يحييها إلا الجهاد ولا يعزها الله إلا بالجهاد ولذلك أراد هؤلاء الأعداء أن يبقوا هذه الأمة ميتة ذليلة فإذا كانت لا إله إلا الله محمد رسول الله بالنسبة للإسلام بمثابة القلب للجسد فإن الجهاد هو نبضات هذا القلب التي بها تندفع دماء الحياة في شرايين ذاك الجسد.

فانظر إلى هذا المشرع الأرضي كيف أراد أن يحقق أغراض الأعداء بصيغة دستورية ملزمة يلغي بها تشريع الجهاد إرضاء للشيطان وإغضابا للرحمن ..

النقطة السادسة : قال تعالي : ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ) ( النحل  : 116)

  • ورد في المادة (181) من الدستور ما يلي :
" لا يجوز تعطيل أى حكم من أحكام هذا الدستور إلا أثناء الأحكام العرفية في الحدود التي يبينها القانون "لقد جعل المشرع الأرضي في محل التقديس واعتبر أحكامه نافذة لا يجوز تعطيلها فكيف أجاز هذا المشرع الأرضي لنفسه أن يعطل شريعة الله وحرم هو على غيره تعطيل دستوره ؟!! إن هذه المادة تعني على سبيل المقابلة أن لا قدسية لشرع الله تعالي وإنما القدسية الدستور الوضعي البشري وأما الاستثناء الذي وضعه المشرع الأرضي بخصوص الأحكام العرفية فهو استثناء يتعلق بحماية النظام لا أكثر ..

إن تعطيل شريعة الله هو تعطيل للسعادة البشرية وظلم للجنس الإنساني وقهر للروح وإذلال للنفوس وإفساد للقلوب ..

فكيف بلغت الجرأة بهذا المشرع أن يلغي شرع الله ويثبت شرعه الوضعي ؟!!

  • النقطة السابعة :

ورد في المادة (54) من الدستور ما يلي :

" ( الزعيم) رئيس الدولة وذاته مصونة لا تمس "
انظر كيف وفر الدستور الحماية لرئيس الدولة واعتبر ذاته مصونة لا تمس ، ولكن ماذا بشأن الذين يمسون الذات الإلهية إما بسب أو شتم تعالي الله عما يقولون علوا كبيرا .

إن الذين يفعلون ذلك لا يقعون تحت طائل العقاب الدستوري ولا تحت طائلة قانون من قوانين الدولة إذ أننا للم نسمع في يوم من الأيام أن أحدا قد قدم للمحاكمة بسبب تعديه على الذات الإلهية رغم أن هذا يحدث من بعض متعلمي المسلمين ولا حول ولا قوة إلا بالله .

إن الذي وضع الدستور البشري وقد استهان بقدر الذات الإلهية إلى الدرجة التي اعتبر فيها تشريع الله لا يتمشي مع ضرورات التطور الطبيعي على مر الزمن ويوقع المشرع في حرج بالغ كما جاء في المذكرة التفسيرية للمادة الثانية من الدستور فهل تعطيل إنفاذ شرع الله وهو الحاكم السميع البصير العليم الذي له الأسماء الحسني والصفات العلي لا يمس الذات الإلهية ؟!!

إنه يمسها إذ مضمونه تنقيص لكمال الله تعالي وإحاطته وعلمه بما يحتاج إليه خلقه وما هو نافع لهم وما هو ضاربهم فبئس ما انتهي إليه المشرع الوضعي من نتائج مشينة ومخزية لا تعود عليه إلا بالذل والعار وعلى من وافقه واتبع دستوره بالويل والبوار .. وبعد فهذه سبع نقاط على سبيل التمثيل لا الحصر ذكرتها لأبين جانب الفساد من جهة العقيدة في النظام الديمقراطي لواحد من الأنظمة التي دستورها ديمقراطي .

مدي إمكان إصلاح ما فسد بشأن العقيدة:

إن الإصلاح المطلوب يتضمن تغييرا أساسيا وجوهريا في توجه الدستور مما يعني تغييرا أساسيا في بنية النظام وأركانه الرئيسة .

ومما ينبغي الإشارة إليه والتأكيد عليه أن العقيدة الإسلامية وحدة متكاملة غير قابلة للتجزئة بحال من الأحوال وتحت أى ظرف من الظروف وإذا كان هناك من يقول علينا بالإصلاح التدريجي .

أقول : إن صح هذا في بعض الأحكام التنفيذية كما يزعم أصحاب التدرج وزعمهم غير الصحيح فإنه لا يصح أبدأ بالنسبة للعقيدة .

فالعقيدة الإسلامية غير قابلة للتفاوض عليها من حيث القبول أو الرد وليس هناك حلول وسط بشأنها تتوصل إليها الأطراف المختلفة فلا لقاء في شأن العقيدة في منتصف الطريق مع رافضيها ولا أنصاف حلول تقبل بهذا الشأن حتى ولا على سبيل المناقشة فضلا عن القبول .

إن شعار الإصلاح حسب الاستطاعة الذي يطرحه بعض الإسلاميين ليبرروا من خلاله مشاركتهم في اللعبة الديمقراطية إن جوزوا رفعه بخصوص إصلاح من خلاله مشاركتهم في اللعبة الديمقراطية إن جوزوا رفعه بخصوصا إصلاح بعض المواد الدستورية المتعلقة بشأن بعض الأحكام والقضايا فإنه لا يجوز رفعه بشأن موضوع العقيدة أبدأ ذلك أن موضوع العقيدة لا يندرج تحت شعار الإصلاح حسب الاستطاعة الذي يرفعونه فالقضية المطروحة هي : العقيدة أولا .

ولابد للنظام الديمقراطي إياه أن يقر ابتداء إن كان يؤمن بالعقيدة الإسلامية والشريعة المنبثقة عنها بوحدتها المتكاملة ويتبناها كمنهاج حياة أو لا يؤمن .

هذه هي الحقيقة التي ينبغي تقريرها أولا .

فإن قيل إن النواب الإسلاميين سيسعون بعد دخولهم إلى المجلس النيابي كأعضاء أصليين لتغيير جميع هذه المواد الدستورية بما يجعلها مرآة ناصعة للعقيدة الإسلامية الصافية .

أقول : ليس كل ما يتمناه المر يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن .

إن قضية تعديل هذه المواد الدستورية ليست متعلقة بمجرد التصويت وضمان أصوات الأغلبية المجتمعة تحت قبة المجلس ولو كان الأمر كذلك لهانت قضاياه الإجرائية ، ولكن الموضوع بخصوص هذا الشأن يتعلق ابتداء بتوجهات الملأ .

إن الحركة الإسلامية ليس لها خيار من أن تكون هي المهيمنة على زمان الأمور ابتداء وينبغي أن تكون مخططاتها وتوجهاتها خادمة لهذا الهدف .

فإن قيل : ربما كان هناك طريق أقصر وهو أن تعمل الحركة الإسلامية على تغيير توجهات الملأ لتصبح توجهاته إسلامية فينفض الإشكال وتتغير مواد الدستور تلقائيا أقول : ها قد تم الاعتراف بأن تغيير مواد الدستور بشأن القضايا العقدية يحتاج إلى تغيير توجهات الملأ وما لم يتحقق ذلك فلن تتغير أية مادة أساسية من المواد التي أشرت إليها .

وأما بشأن أن تعمل الحركة الإسلامية على تغيير توجهات الملأ فمن حيث المبدأ لابد من تأكيد أن الجهود ينبغي أن توظف في كل الجهات وعلى كافة المستويات ولكن أصعب ما يمكن تغييره فعلا هو توجهات الملأ أصحاب المصالح المتعددة الأشكال والأحجام وإن صراع الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام مع الملأ من أقوامهم خير شاهد على ذلك .

وعلى سبيل المثال : لو نجحت الحركة الإسلامية في ذلك فماذا يعني هذا ؟ هل يعني أن تبقي رموز النظام كما هي ؟

إن فعلت الحركة الإسلامية ذلك فإنها لا شك تقع في خطأ تاريخي ذلك أن هذا الملأ لن ينصاع لقبول التوجه نحو العقيدة الإسلامية إلا في حال الاضطرار غالبا فهو يتوجه لها على سبيل الإكراه لا الاختيار ولقد عودتنا هذه الأنظمة الماكرة أن توافق على دخول هذه اللعبة ولكن ليس لصالح مطالب الحركة الإسلامية بل لصالح ركوب موجة مد هذه الحركة والعزف على أوتارها واستعارة ألفاظها وشعاراتها إلى حين فإذا ما أعاد النظام ترتيب أموره انقلب على وجهه أظهر ما بطن من شره وعاد سيرته الأولي وليست تجربة باكستان والسودان وليبيا وغيرها عنا ببعيد ولذلك نقول : إن الحركة الإسلامية سواء في حالة الاستضعاف أو في حالة استعراض القوة والعضلات لا ينبغي لها أن تسلم أمرها إلى أحد من خارج صفوفها أبدا وتحت أى ظرف مهما كان ففي ذلك هلاكها وانتكاستها وبالتالي فإن رموز هذه الأنظمة الديمقراطية أو غيرها إذا أعلنوا إذعانهم وقبولهم لهذه العقيدة كما جاءت بكامل صفائها وجمال رونقها فإن هذا لا يعني تصديقهم فيما يقولون فضلا عن الخضوع لهم وتسليمهم زمام قيادة هذا الشأن ..

إن هؤلاء القادة لتلك الأنظمة لا يؤتمنون على ما يقولون ولا يصدقون إلا إذا تبلورت أقوالهم في مواقف حقيقية تمحص صحة قولهم وسلامة توجهاتهم ومع ذلك فإن الحركة الإسلامية في مثل هذه الظروف ينبغي أن تقف موقف الحذر حتى يتبين لها الخبيث من الطيب والخيط الأبيض من الخيط الأسود .

فمن هذا الاستعراض المبسط نخرج بالنتيجة مهمة وواضحة هي " إن الإصلاح في قضايا العقيدة لا يمر من ردهات المجلس النيابي فضلا عن أن يقبع تحت قبته وكل من ظن غير ذلك فإنما يحرث في بحر ويتعلق بأوهام ويأمل في سراب ..

وبعد أن بينت فساد عقيدة النظام الحاكم فإن الكلام عن فساد باقي الجوانب هو محصلة حاصلة فلو كانت جميع الجوانب الأخرى صالحة وعقيدة النظام الديمقراطي الحاكم فاسدة فلا غني في ذلك ولا فائدة ولكني مع ذلك سأتعرض إلى ذكر بعض فساد باقي الجوانب التي أشرت إليها من باب استكمال الموضوع فقط وإلا ما قدمته من الجانب الأول كاف فيما أظن لأن أتجاوز الحديث عن بقية الجوانب ولكن لاعتقادي أن بعض الإسلاميين لا يزال في قلوبهم بقية أمل بشأن تلك الجوانب فإني أستعين بالله عزوجل وأتوكل عليه وأطلب منه الهداية للصواب والتوفيق والرشاد فاستكمل بعون الله تعالي ما بدأت ..

فساد أكثر التشريعات المنبعثة من النظام الديمقراطي :

في مبحث فساد العقيدة من جهة النظام الديمقراطي أشرت إلى قضايا أساسية في الدستور ناشئة من توجهه العلماني والذي اخترته هناك من أمثلة كان تعبيرا عن فساد العقيدة ولما كان الدين عقيدة تنبثق عنها تشريعات فإني هنا سأسلط بعض الضوء عل الجوانب التشريعية في الدستور مع ملاحظة أنها لا تنفك في أغلبها عن الدلالة أيضا على فساد العقيدة أو أن تكون وجها معبرا عن ذلك الفساد وإن سبب عدم إمكانية الفصل الكلي بين الجانبين راجع في الحقيقة إلى أن الإسلام نسيج وحده مثله كالجسد الواحد ما أن يصيب بعضه شئ إلا وتداعي له باقي الجسد بالحمي والسهر فكذا الإسلام ما إن تفصل منه شيئا إلا وانعكس على بقية جوانبه لذا لا يمكن أخذه مشتتا ولا مجزا .

أولا : الفساد الإداري

ابتداء لابد من الإشارة إلى أن الإدارة هي العمود الفقري في أجهزة أية دولة لذا فإن فسادها هو قصم لظهر هذه الأجهزة والمؤسسات .

إن العنصر الأول في الإدارة هو الإنسان ، فإذا أحسن اختيار الإنسان الملائم لذلك العمل كانت هذه هي أولي الخطوات السليمة في هذا الاتجاه فإذا وافق ذلك قوانين إدارية صحيحة فإن دائرة الإدارة تكون قد اكتملت .

  • فكيف كانت نظرة الدستور لهذين العاملين ؟
نصت المادة (6) من الدستور على ما يلي " نظام الحكم في الدولة ) ديمقراطي " ومعني ذلك أن الدستور قد استبعد في نظام حكمه وإدارته التقيد بالإطار الإسلامي لقوانينه وأنظمته وقرر أن نظامه ديمقراطي ومعني " ديمقراطي " في تطبيق النظام الإداري أى أنه يستبعد تقييد أن يكون القائمون على تنفيذه مسلمين لذلك تجد أعدادا كبيرة من النصارى والسيخ والهندوس وغيرهم من الملل قد تنسموا مواقع مرموقة في السلك الوظيفي في كثير من أجهزة الدولة وتراهم قد سيطروا على كثير من المؤسسات الاقتصادية وأسسوا كثيرا من الشركات في معظم المجالات تغطية ا لتحركاتهم المشبوهة ودعما اقتصاديا لأبناء طوائفهم وتعزيز ماليا لتنفيذ مخططاتهم الإجرامية وبثا لعقائدهم الفاسدة في المجتمع المسلم ونشرا لأنواع الرذيلة والجريمة بين صفوف المسلمين فأى فساد إداري أكب من هذا ؟

ولو افترضنا أن القوانين الإدارية التي تحكم أجهزة الدولة كانت على أعدل وأسلم ما يمكن من حيث انبعاثها من الشريعة الإسلامية ثم بثثنا أمثال هذه الحثالات بين صفوف من يقوم على تطبيقها لكان هذا كافيا لإبطال مفعولها وحسر تأثيرها فكيف وأن هذه القوانين هي أيضا محل مساءلة ومداولة ؟

إن نظرة الدستور لهذا الغثاء هي نظرة تكريم واحترام تجعلهم كالمسلمين بل لا فرق بينهم وبين المسلمين لا في قليل ولا في كثير وهذا واضح من نص المادة (29) من الدستور إذ تقول :" الناس سواسية في الكرامة الإنسانية وهم متساوون لدي القانون في الحقوق والواجبات لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين "

وأنا لا أعترض - بل ولا ينبغي لأحد أن يعترض على أن الناس سواسية في الكرامة الإنسانية وذلك أن الله تعالي كرم بني آدم وأما بالنسبة لتصنيف هؤلاء الناس فالقول في ذلك أمر آخر فإننا لا نجعل غير المسلمين كالمسلمين أبدا ذلك أن الذي يعبد إلها غير الله تعالي يكون قد اقترف جرما عظيما والله تعالي قد فرق بين من عبده وبين من عبد سواه فلم يجعل المسلمين كالمجرمين ومن سوي بينهم في النظرة العقدية فقد أساء في حكمه وتعدي وظلم قال الله تعالي ( أفنجعل المسلمين كالمجرمين * ما لكم كيف تحكمون ) ( القلم 35 -36) ثم إن هذا الغثاء من أصحاب الديانات الوثنية من عباد البقر والساجدين للنار وأمثالهم من مجمل الأشرار قد أقاموا علاقات وثيقة مع عليه القوم من جماعة الملأ فهم يديرون لهم أعمالهم الاقتصادية وييسرون لهم قضايا أخري يفهمها اللبيب بل وغير اللبيب ومن خلال هذه العلاقات الخاصة أصبح هؤلاء يتميزون عن غيرهم بحماية غير معلنة سببها قوة نفوذهم وعمق تغلغلهم في مسارب الملأ ،فهذا باختصار وجه واحد من الفساد الإداري فماذا أنتم فاعلون لأجل اجتثاثه يا أيها النواب الإسلاميون ؟

إن النواب الإسلاميين لا يستطيعون عمليا أن يفعلوا شيئا إزاء هذا اللون من الفساد الإداري المستشري فلا هم قادرون على تغيير نص المادة (6) ولا المادة (29) ولا غيرها من المواد التي تثبت وتكرس هذه المفاهيم فإنهم لو أرادوا استصدار قانون يعيد التوظيف في أجهزة الدولة ومؤسسات القطاعين العام والخاص بالمسلمين دون غيرهم لاتهموا بالعنصرية والطائفية والتعصب الديني الأعمي والتحجر والتقوقع وبعدم فهمهم لروح العصر وبالرجعية وهلم جرأ من هذه الأوصاف وكيف للإسلاميين أن يطرحوا مثل هذا الطرح الذي يقلب مفهوم الديمقراطية رأسا على عقب .

  • فإن قيل : إن المسلم يقول كلمة الحق ولا يخاف في الله لومة لائم .
أقول : نعم يقول كلمة الحق ولا يخشي إلا الله تعالي ولكن هؤلاء الإسلاميين أصحاب المجالس النيابية يحرثون في غير أرضهم ويريدون أن يزرعو ا نخيلا في وسط ماء البحر فليس هذا المجلس النيابي هو تلك الأرض الصالحة لهذه المفاهيم والتطورات والإسلامية النقية وهذا البحر الهائج المائج وهو بحر الديمقراطية والألعاب الانتخابية لا يصلح لزراعة نخيل الشريعة ذات الثمر وألوان الرطب !! إن هذه المجالس النيابية لا تصلح في الواقع لمثل هذه الأطروحات أبدا ثم إن هذه الحثالات الغوغائية من عباد الحجر والبقر ستجد من يدافع عنها من جماعة الملأ لأن تهديد هذا الغثاء هو تهديد لمصالح الملأ المستفيد استفادات شتي من وجودهم والملأ صاحب اللعبة النيابية لن يقبل أبدا أن تنقلب هذه اللعبة عليه فتهدد مصالحه وتعرض كيانه للخطر لهذا كله فإن الإسلاميين في المجالس النيابية لا يستطيعون فعل شئ إزاء هذه القضية وبالتالي فإن هذا اللون من الفساد الإداري سيستمر ويكبر وينتشر كما هو حاصل الآن والأدهى من ذلك والأمر أ ن هؤلاء الأوباش يستفيدون من رواتبهم واستثمارات أموالهم ليرسلوها إلى بلادهم لتتحول حمما تنزل على رءوس المسلمين .

ثم لا يخفاك أخي المسلم كما يحمل هؤلاء الكفرة الفجرة من الحقد الأسود والكراهية اللئيمة على كل مسلم وعلى كل ما يمت للإسلام بصلة ثم هم هنا في بلاد المسلمين يسرحون ويمرحون في الظل الوارف للدستور الذي يؤمن حمايتهم ويساويهم بالمسلمين .

هذا من جهة ومن جهة ثانية لابد لى كذلك من التنويه إلى أن الجهاز الإداري متخم بمن اسمه محمد وأحمد ومحمود ومشتقاتها إلا أنهم انساقوا وراء المجعجعين باليسار واليمين والاشتراكية والرأسمالية فتقمصوا آراءهم ودعوة إلى أفكارهم ونبذوا الإسلام وراءهم ظهريا بل إنهم عادوه وعادوا المنتسبين إليه وشحذوا أقلامهم لخدمة أوليائهم من شياطين الإنس والجن فلا تعجب بعد ذلك من انتشار التيارات الإقليمية وتفشي " الواسطة" والمحسوبية والرشوة وغير ذلك من أوجه الفساد ذات الألوان والأشكال المختلفة الأحجام والمساحات في مثل هذا المستنقع الملوث .

ولا يفوتني أيضا أن أشير إلى أن الأجهزة الإدارية سواء في القطاع العام أو الخاص قد عم فيها الاختلاط على أوسع نطاق .

فماذا الإسلاميون المجلسيون فاعلون لإزالة هذه الأوجه المستشرية من ألأوان الفساد الإداري .

  • هذا بالنسبة للأشخاص فماذا بالنسبة للقانون ؟
هناك مثالين:
المثال الأول : لقد أدي فساد بعض القوانين إلى خراب كثير من البيوت وتشريد العديد من العائلات فقانون الإجارات الذي أقره المجلس النيابي في إحدى الدول الديمقراطي والذي قضي بالسماح بزيادة أجرة العقار بنسبة ( 100%) قد أدي إلى التضييق على كثير جدا جدا من الأسر وكثير منهم يعول عليه أهله وأقرباءه من سكان المخيمات على مساعدته المالية فإن هؤلاء جميعا وقعوا بين عشية وضحاها ضحية هذا القانون الجائر الظالم والذي صدر في عهد مشاركة الإسلاميين في المجلس النيابي فماذا أصلحوا في هذا الأمر !!

أوجه هذا السؤال مع محاولتي عدم البحث فيما إذا كان الإسلاميون من بين الموافقين على هذا القانون أو لا وسر عدم بحثي في هذا الأمر هو كي لا أصاب بخيبة أمل إضافية وإن كانت ضرورة البحث والتجرد في الطرح ربما تدعوني لمثل هذا الأمر ولكن على كل حال فالقانون صدر والإسلاميون أصحاب شعار الإصلاح حسب الاستطاعة لم يستطيعون أن يصلحه شيئا في هذا القانون هذا إن كانوا يرون أنه كان ينبغي إصلاحه أصلا ..

المثال الثاني : إن قانون الوظائف أو ما يسمي بـ " قانون الخدمة المدنية" هو وجه آخر من أوجه الفساد الإداري .

إن هذا القانون قنن الإقليمية ، البغيضة وأضفي العنصرية الواضحة على طريق تعامله مع موظفي الدولة في ذلك البلد الديمقراطي ففرق بين " المواطن " وغير " المواطن" بطريقة لا نعلم لها مثيلا ولا اعتراض إن كان هذا التفريق بسبب تفاوت الشهادات العلمية أو الخبرة أو طبيعة العمل لكن القانون كرس التفريق مع وجود التماثل في كل ذلك مما أدي إلى إشعار " المواطن" بالفوقية وسواه بالدونية !!

  • فماذا فعل الإسلاميون إزاء تغيير هذا الفساد الإداري المقنن ؟
إن هذا الفساد الإداري من شكل الذي ذكت ومن أشكال أخري لم أذكرها – موجود في كثير من هذه الدولة الديمقراطية التي يريد الإسلاميون أن يشاركوا في مجالسها أو هم مشاركون فيها بالفعل .

فأين شعار الإصلاح حسب الاستطاعة من كل ذلك !!

إن القضية قد استفحلت واتسع الفتق على الراقع وأحسب أن الإسلاميين المشاركين في المجالس النيابية لن يستطيعوا أن يغيروا شيئا مما ذكرت لأسباب كثيرة فضلا عن أنهم قد أصبحوا بشكل أو بآخر جزءا من المشكلة نفسها .

ثانيا : الفساد القضائي :

قال الله تعالي ( وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم وأحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ) ( المائدة  :49)

معلوم أن القضاء لا يتحاكم إلى شرع الله تعالي إلا في بعض قضايا الأحوال الشخصية فأى فساد أعظم من ذلك وأكبر ؟

إن القضاء يتعامل مع كافة أنواع الجرائم والقضايا التي فيها تنازع ومهمته إصدار الأحكام على الوجه الذي يضمن العدالة ويرد الحقوق إلى المظلومين حتى يعيش الناس آمنين على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم ولقد بينت فيما سبق أن مقاصد الشريعة تتناول حفظ الأمور الخمسة : الدين ، النفس ، العقل ، النسل ، المال .

لذا فإن مهمة القضاء هي إصدار الأحكام بحق من ينتهك هذه الأمور الخمسة سواء على مستوي الضروريات أو الحاجيات أو التحسينيات .

ولما كان العدل هو فيما قضي الله به وبينه في كتابه أو فيما قضي به رسول الله صلي الله عليه وسلم ذلك أن الحكم في نفس تلك القضايا بغير ما حكم الله تعالي به أو رسوله صلي الله عليه وسلم ظلم لا شك فيه وإن الذي يطلع على الصحف اليومية في الدول الديمقراطية سيهوله التجاهل التام لأحكام الله تعالي فيما يعرض من جرائم سواء في قضايا السرقة أو الزنا أو القتل أو غيرها ويحق له بعد ذلك أن يعجب كيف أن هذه الدول تقر في دستورها أن " دين الدولة الإسلام " .

إن إعراض القضاء عن الأخذ بأحكام الله تعالي ساعد على تفاقم مختلف أنواع الجرائم وخاصة فيما يتعلق بالسطو المسلح والاغتصاب والقتل وانتهاك الحرمات .

وإذا قلنا : إن الجرائم قد تفاقمت فهذا يعني أن الأمن فيما يخص الأسرة وممتلكاتها والمال العام قد تهدد!! فما هو حكم القاضي ؟!!

إن القاضي حسب الدستور غير ملزم بإتباع أحكام الشريعة الإسلامية بل هو ملزم بحسب القانون بإتباع غيرها !!

إن عدم إتباع أحكام الله تعالي في القضاء ثم ادعاء أن الأحكام البديلة تمثل العدالة هو خلل وتحريف وتزوير وتبديل لمدلول معني كلمة " العدالة " وبالتالي فإن ألفاظ " العدالة " ومشتقاتها التي وردت في الدستور لا معني حقيقي لها وإنما هي مجرد استعارة " لفظة لتغطية عكس مدلولها !!

وبالتالي لا معني حقيقي لهذه الكلمة في مثل المادة ( 162 ) من الدستور والتي تقول " شرف القضاء ونزاهة القضاة وعدلهم أساس الملك وضمان للحقوق والحريات " أو في مثل المادة (163) من الدستور والتي تقول " لا سلطان لأي جهة على القاضي في قضائه ولا يجوز التدخل في سير العدالة "

فتمعن أخي القارئ في مدلول المادة (162 ) التي أشارت إلى أن العدل ضمان للحقوق والحريات فأى عدل هو : أهو عدل القاضي الذي يحكم في الحدود بغير حكم الله أم هو العدل المنزل من السماء ؟ فإن قلنا : هو عدل القاضي كان ذلك إشارة إلى ظلم الأحكام النازلة من السماء وهذا كفر محض وإن قلنا : هو العدل النازل من السماء فمعني ذلك إلغاء القوانين الوضعية التي يتحاكم إليها الناس الآن وإحلال الشريعة الإسلامية مكانها باعتبار مصدرها أولا وباعتبار أنه هي الأصل ثانيا ذلك أن هذه القوانين الوضعية إنما هي قوانين طارئة لم تعرفها أمة الإسلام في طول تاريخها المجيد وإنما فرضت عليها فرضا بواسطة عملاء الشرق والغرب الذي باعوا دينهم بعرض من الدنيا قليل فباءوا بغضب من الله تعالي وخسروا الدنيا والآخرة .

ثم أن هذه الأحكام الوضعية لا يجرؤ أحد على الاحتجاج عليها أو عدم الخضوع لها وذلك لأنها محروسة بالضمانات الدستورية التي تجعل كل متحج أو رافض لها محل المساءلة والعقوبة الرادعة كيف لا وذلك المحتج أو الرافض لها يكون بفعله هذا قد عرقل سير العدالة المدعاة والتي يرعاها الدستور وقد وضحت ذلك المادة (167) من الدستور والتي نصها :" تتولي النيابة العامة الدعوي العمومية باسم المجتمع وتشرف على شئون الضبط القضائي وتسهر على تطبيق القوانين الجزائية وملاحقة المذنبين وتنفيذ الأحكام"

فالدعوي العمومية تتولاها النيابة باسم المجتمع وليس باسم الشريعة والسلطة بجيشها وشرطتها ومخابراتها تسهر على تنفيذ القوانين الجزائية الوضعية .

هذا الفساد في القضاء هل يستطيع الإسلاميون المشاركون في المجالس النيابية أن يقضوا عليه وأن يعيدوا الأمر إلى نصابه فتحل أحكام الله تعالي محل أحكام البشر القاصرين ؟

ليتهم يستطيعون !! ولكن ذلك غير متيسر من خلال هذه المجالس النيابية وإذا أردت أن تعرف السبب فارجع وأعد قراءة ما ذكرته في مبحث المصلحة الأولي التي يتوخاها الإسلاميون المجلسيون وهم تحكيم الشريعة الإسلامية .

ثالثا : الفساد الإعلامي :

إنه بحر لا تدرك سواحله ولا تبلغ أعماقه إن الفساد قد دب في جميع الأجهزة الإعلامية بلا استثناء الإذاعة ، الرئي، الصحافة ، السينما ، والمسرح ، غيرها من الوسائل ويستظل كل ذلك بظل المادتين (36)و(37) من الدستور .

لقد زيلت خاتمة كل من هاتين المادتين بهذه العبارة " وفقا للشروط والأوضاع التي بينها القانون "

ولا يمكن استقامة مضمون هاتين المادتين إلا بإضافة ما يقيد إطلاق كلمة ( القانون ) كان يقال ( القانون وفق الشريعة الإسلامية ) أو ( القانون في إطار الشريعة الإسلامية ) أو ما شابه ذلك من العبارات التي تفيد هذا المعني وفي حال هذا الإضافة فإن النص لكل من المادتين الدستوريتين المذكورتين سيكون كالتالي :

المادة (36) : ( حرية الرأي والبحث العلمي مكفولة ، ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غيرهما وذلك وفقا للشروط والأوضاع التي يبينها القانون حسب الشريعة الإسلامية وبما يحقق المصلحة الإسلامية )

المادة (37) : ( حرية الصحافة والطباعة والنشر مكفولة وفقا للشروط الأوضاع التي يبينها القانون حسب الشريعة الإسلامية وبما يحقق المصلحة الإسلامية )

فإن قيل : إن كلا المادتين بحاجة إلى إعادة صياغة من الأصل .

أقول : نعم ولكنني أثبتهما هنا عمدا كما وردتا في الدستور ثم أضفت في آخرهما القيد المذكور تخفيفا على أصحاب شعار الإصلاح حسب الاستطاعة ذلك أن إضافة هذا القيد أسهل في الطرح من تغيير نصي المادتين من أصليهما .

فإن قيل : إن صياغة المادة الثانية من الدستور بحيث تصبح " والشريعة الإسلامية المصدر الوحيد للتشريع " يوفر إضافة هذا القيد في المادتين المذكورتين .

أقول : ربما نعم لكنني هنا أناقش الإخوة الإسلاميين المجلسيين من خلال شعارهم المرفوع وهو الإصلاح حسب الاستطاعة ومثل هذا الشعار يشير بشكل خفي إلى إعادة صياغة مواد الدستور بحيث تكون موافقة للشريعة الإسلامية باعتبار وقوع الفشل في إمكانية تعديل المادة الثانية من الدستور ..

  • وقناعتي الخاصة هي أن الإسلاميين المشاركين في المجالس النيابية لن يستطيعوا إضافة هذا القيد للمادتين المذكورتين فضلا عن تغييرهما وهذه القناعة لها مبرراتها التالية :
1- إن الإطار العام للدستور هو الديمقراطية والملأ يستفيدون من هذا اللفظ لتمرير ما يريدون إذ أن سقف الديمقراطية يستطيعون مده حسبما يريدون ويفصلونه بالطريقة الملائمة لهم ولا معني لهذا الإطار العام إذا قيدت نصوص الدستور بقيد الشريعة الإسلامية .
2- إن هذه الإضافة تخالف التوجه العام للملأ وهو توجه علماني لا يريد التقيد بأى قيد يحد من انطلاقه أو يعيق مسيرته ..
3- إن التطبيق الحفي لهذا القيد سيجعل وسائل الإعلام متجهة في اتجاه واحد ويعبئ الرأي العام في قالب واحد ذاك الاتجاه هو الاتجاه الإسلامي وذاك القالب هو القالب الإسلامي مما سيؤدي إلى وجود تيار شعبي ينادي بالإسلام كمنهاج حياة لا كشعائر فقط.
4- إن من مصلحة النظام الحاكم أن تكون هناك تيارات متناقضة يؤدي تناقضها إلى استنفاذ طاقات أصحابها وتفريغها وليس من مصلحة النظام أن يعلو تيار بحيث يخل بتوازن التوجهات الشعبية لصالح تيار معين ..

إن وسائل الإعلام المتنوعة هي التي تقوم بصياغة الرأي العام وكون هذه الوسائل في يد الملأ وهي مفرغة من الإلزامات الدستورية التي تقيد توجهاتها تمكن الملأ من استعمالها في الاتجاه الذي يراه مناسبا لإعادة التوازن بين التيارات المختلفة بما لا يجعل لأحدها إمكانية الحسم الشعبي لصالحه ولا أدل على ذلك مما قامت وتقوم به وسائل الإعلام الآن بكافة أنواعها من توجيه ألوان التهم الباطلة لتشوه دعوة الإسلاميين والطعن في الإسلام بشكل سافر أحيانا وبشكل مبطن أحيانا ولقد أعطيت هذه الوسائل الضوء الأخضر في هذا الاتجاه وذلك لما أصبح واضحا أن التيار الإسلامي بدأ يسيطر على الساحة الشعبية بقطاعاتها المتنوعة مما أعطي انطباعا بأن التوازن قد أصبح مختلا لصالح التيار الإسلامي فاستخدم الملأ هذه الوسائل في الاتجاه المضاد مما أدي إلى أثر انحساري للتيار الإسلامي في الأوساط الشعبية ومد التيار اليساري في الاتجاه المقابل ولو كانت المادتان ( 36 ) و(37) مقيدتين بالقيد الذي أضفته لما تمكن الملأ من استعمال هذا السلاح الفتاك لصالحه هذا إن كان يحترم الدستور حقا .

ولهذه الأسباب مجتمعة فالقناعة التي لدي أن الإسلاميين لن يستطيعوا أن يضيفوا أى قيد على هاتين المادتين ولا غيرهما لصالح الإسلام وسيقف الملأ بكل إمكاناته ووسائل المعلنة والخفية دون إدخال أى تعديل على هاتين المادتين أو غيرهما لصالح الإسلام .

ثم دعني أطرح نقطة أخري !!

لو افترضنا أن الإسلاميين نجحوا بتغيير هاتين المادتين على أحسن ما يمكن صياغته من نص وفق الشريعة الإسلامية فماذا بعد !! إن الإعلام هو ليس مجرد نصوص جامدة مسطرة على الورق بل هو بالإضافة إلى ذلك أشخاص وإدارات وأجهزة فإذا كان المقصود من تغيير هاتين المادتين أن يكون الإعلام إسلاميا فمعني هذا إحداث انقلاب في كافة الأجهزة الإعلامية وإداراتها وأشخاصها .

فالصحافة يجب أن تلغي منها الأقلام الحاقدة على الإسلام وهذا معناه تسريح أكثر هيئات التحرير لهذه الصحف وإحلال هيئات تحرير إسلامية بدلا منها ويستتبع ذلك تسريح معظم العاملين في هذه المؤسسات الصحفية من أصحاب التوجهات العلمانية ومثل ذلك يقال في الرائي والإذاعة والمسرح والمجلات ووسائل النشر والطباعة ومثل هذه التغييرات غير ممكنة أبدا في مثل هذه الأطر الديمقراطية القائمة ولن يكون بالمستطاع التخيل أن يتم ذلك في أجهزة الإعلام مثلا دون أن يكون هذا الأمر عاما في جميع أجهزة الدولة ومعني ذلك : أن الحركة الإسلامية ينبغي أن تكون في موقع من يقدم البديل لهذه الأوضاع المهترئة إذا فليست القضية هي مجرد تغيير نصوص بإضافات أو بحذف ،إن كان تغيير النصوص يعد بحد ذاته خطوة إلى الأمام إلا أنه حتى هذه الخطوة باتت متعذرة .

رابعا : الفساد الاقتصادي

إن حديثنا عن ذلك لو لم نختصره لطال !!

فمعلوم أن اقتصاد الدول الديمقراطية خاضع في حركته للنظرية الرأسمالية القائمة على الربا وتأسيس الشركات الاحتكارية والهيمنة على المصارف والمؤسسات المالية في إطار دوامة الاقتصاد العالمي الخاضع للسيطرة اليهودية .

إن منشأ الفساد الاقتصادي في البلاد الإسلامية كامن في استبعاد النظرة الإسلامية لدورة رأس المال وتوزيعه والاستعاضة عنها بالنظرة الرأسمالية العلمانية .

ولقد سبق أن تحدثت عن بعض وجوه هذه القضية عند حديثي عن المصلحة الأولي التي يتوخاها الإسلاميون من مشاركتهم في المجالس النيابية وهي تحكيم الشريعة الإسلامية .

إن إزالة الفساد المذكور لا يتم إلا بالإقرار الفعلي بتحريم الربا وبتحريم السيطرة الاحتكارية لرأس المال وبتحويل المصارف وشركات التأمين إلى مصارف وشركات إسلامية محكومة بالشريعة الإسلامية وبتغيير قوانين الشركات والمؤسسات الحالية القائمة على غير ما بينته الشريعة الإسلامية ويستدعي هذا الأمر تصفية هذه المصارف والشركات والمؤسسات من العناصر النصرانية والمجوسية والبوذية وغيرها بما يحقق الهيمنة الإسلامية الصرفة على مقدرات أموال المسلمين .

وإن من أهم الإصلاحات في المجال الاقتصادي هو التوزيع الشرعي للثروة بين المسلمين بما يكافئ جهودهم وكفاءاتهم العلمية والعملية وليس على أساس الانتماء العائلي أو القبلي كما هو حاصل الآن إذ كيف يعقل أن لا يكون هناك فساد اقتصادي وبعض الناس تخصص لهم الدولة ما يغطي احتياجاتهم المعيشية وغير المعيشية بمجرد الولادة وذلك بسبب أنه من الفئة الحاكمة في حين أن بعض أولاد المسلمين يتضورون جوعا ولا يؤمن لهم الحد الأدنى من المعيشة العادية فأكثرهم لا يستطيع أن يسجل أولاده في المدارس إلا برسوم تعليمية باهظة ولا يستطيع أن يدفع أجرة منزله المتواضع جدا والمكتظ بأفراد عائلته إلا باقتطاع ذلك من قوت يومه الأساسي وبسبب هذه الشدة فإنه ربما يحل بينه وبين زوجته وأولاده لاضطراره للعيش خارج بلده لتحصيل قوت أهله فلا يراهم إلا مرة واحدة كل سنتين أو أكثر لأنه لا يملك ما يجعله يسافر كل عام فتراه متزوجا شرعا وأعزب واقعا فكيف نتوقع لشخص هذا حاله أن يتملك تفكيره ويحافظ على توازنه ؟!! وكيف لا ينمو في نفسه الحقد على من ظلمه ؟ وكيف لا يرفع يديه إلى السماء يدعو الله أن يشرد من شرده وأن يذل من ذله وأن ينزل الفقر على من أفقره ، وأن يشتت شمل من شتت شمله ، وأن يذيق اللوعة والأسي والحزب والكآبة من أذاقه ذلك ؟!!

ما هذه – وغيرها كثير – إلا بعض الآثار التي نجمت عن الفساد الاقتصادي القائم الآن فماذا عسي الإسلاميون في المجالس النيابية فاعلين ؟

- هل سيتمكنون من إقرار تحريم الربا الذي حرمه الله وأحله الملأ ؟
- هل سيتمكنون من إلزام الدولة بتحصيل الزكاة وتوزيعها في مصارفها الشرعية ؟
- هل سيتمكنون من إعادة الحقوق المالية إلى أصحابها بما يعيد البسمة إلى الوجوه العابسة ويرضي رب السماء والأرض ؟
- هل سيتمكنون من إعادة صياغة قوانين الشركات والمصارف والمؤسسات صياغة إسلامية ليتحقق العدل وتعم المساواة ؟
- هل سيتمكنون من إلغاء الفوارق المالية بين الفئة الحاكمة وغيرها بحيث تلغي تلك الامتيازات الجائرة ؟

وهل .... هل ...

ثم ماذا بشأن الأموال التي تهدر وتبذر فيما لا طائل تحته إلا الفساد والإفساد؟

وماذا بشأن الودائع المالية الهائلة التي تودع في مصارف اليهود في أمريكا وأوروبا ؟

وماذا بشأن المساعدات المالية الضخمة التي تقدم للدول يقتل فيها المسلمون لا لشئ إلا لأنهم يرفضون العبودية للطواغيت ..

ثم إننا بعد ذلك نتساءل : هل يتم هذا الإصلاح بتسطير قوانين وكتابة جمل على الورق ؟

إن الموضوع لا يعلق باستصدار القوانين أو تعديلها فقط بل الموضوع يتعلق من قبل ومن بعد بتغيير البناء النفسي للأشخاص الذين رتب عقولهم وأشربت أفئدتهم هذه النظم .

ولما كانت هذه النظم القائمة الآن تخدم مصالح الملأ فإن الملأ لم ولن يسمح بتغييرها البتة مهما بلغ الثمن وسوف يدافع عنها إلى آخر قطرة من دم وخلية من جسد وجذوة من جهد ونفس من روح .

إن هذه البني الاقتصادية هي الأساس الذي تقوم عليه هذه الأنظمة وإن تقويضها لأساسات هذه الأنظمة فهل سيقف الملأ متفرجا على تقويض أساساته واجتثاث بنياته ؟ كلا ثم ألف كلا.

ولست أريد فيما أقول تثبيط الإسلاميين عن بذل الجهد لفعل ما يستطيعون ولكنني أسلط الضوء على طبيعة هذه المعركة وأنها ليست معركة شعارات واستدار عواطف واستجاشة مشاعر إن القضية بالنسبة للأنظمة الديمقراطية الحاكمة قضية حياة أو موت .

وربما قال الإسلاميون المجلسيون : إننا لا نستطيع أن نغير كل هذه الأمور دفعة واحدة لكننا سنغيرها بالتدريج من خلال المجلس النيابي .

فأقول ليس موضوع التدريج أو عدمه هو الذي أتحدث عنه بل ما أريد بيانه أن هناك أولويات من أهمها :

إقرار النظام الحاكم بأن تطبيق الشريعة الإسلامية هو الأمر الذي لا بديل عنه ولما كان النظام الديمقراطي لا يقر بذلك ويرفضه فإن الصدام سيكون من البداية فليكن هذا مفهوما ومعلوما لئلا تضيع الجهود سدي وتتطاير المبذولات هباء .

خامسا : الفساد الثقافي الفكري والتوجيهي :

إن ذلك كله يحدث في ظل المواد (30 ) و(35) و(36) و (37) من الدستور وسبق أن تكلمت عما تنطوي عليه هذه المواد من مداخل يجد فيه متسعا كل ناعق بباطل وكل داع لمنكر ثم لا تطاله عقوبة ولا يطبق عليه قانون .

وإذا اعتبرنا أن الثقافة هي مجمل المعارف الاطلاعات وتراكم المحصلات التعليمية وإذا اعتبرنا الفكر هو مجمل التوجهات الاعتقادية التي تصوغ طريقة التفكير والحكم على الأشياء وخلفياتها عقديا إذا اعتمدنا هذين الإطارين لمضمون الثقافة ومضمون الفكر فإن ذلك سيسهل علينا توضيح الموضوع بدقة أكبر..

  • وأما التوجيه فهو المنحي الحركي لهذين الإطارين ، ففي إطار الثقافة والفكر ما هي المعارف والاطلاعات والأفكار التي تساق للناس ؟ وما هو الهدف منها وهل حققت أهدافها ؟!
الجواب : إن هذه الثقافات والأفكار تطل على الناس من النوافذ التالية :
1- مناهج التربية والتعليم ابتداء من مستوي الروضة مرورا بالابتدائي ثم المتوسط ثم الثانوي وانتهاء بالجامعة بكافة تخصصاتها وفروعها وشهاداتها العلمية المختلفة ..
2- الصحافة بكافة لغاتها العربية والانجليزية والفرنسية والأردية وغيرها من اللغات وبكافة توجهاتها السياسية يومية أو أسبوعية أو شهرية أو فصلية .
3- الرائي بكافة قنواته والإذاعة بمختلف موجاتها .
4- الأشرطة سواء الكاسيت أو الفيديو أو الأقراص .
5- السينما والمسرح .
6- المتاحف .
7- المعارض سواء لألوان الفن أو الثقافة أو المنتوجات أو غيرها .
8- الكتب بجميع توجهاتها .
9- الأحزاب المعلنة وغير المعلنة .
10- الجمعيات سواء كانت رجالية أو نسائية دينية أو علمانية أو عير ذلك .
11- المكتبات ودور النشر والطباعة .
12- الأندية الرياضية ومراكز الشباب ، والأندية الصيفية والحدائق العامة وحدائق الأطفال .

ووسائل أخري لكن لا تعدو في الأغلب أن تكون مندرجة تحت أحد تلك البنود المذكورة أعلاه .

هيه هي النوافذ التي تطل منها ألوان الثقافة والفكر على عموم الناس وكل نافذة منها تحتاج إلى وقفة تمعن وتفحص .

ولا شك أن كل نافذة منها يمكن توظيفها للإصلاح أو للإفساد أو للمزج بينهما إلا أن جانب الإصلاح في الوقت المعاصر فيها محدود وأما جانب الإفساد فكبير والذي يهمنا الحديث عنه هو جانب الإفساد لأنه هو الذي يريد الإسلامية المجلسيون إصلاحه ومحو الفساد الذي فيه .

ولست بصدد شرح جانب الإفساد الكبير هذا الذي يطل من كل نافذة مما ذكرت إذ أن ذلك يطول ولكن حسبي أن أبين أن الجوانب الإفسادية لما عددته من البنود السابقة يتلخص بما يلي :

"1- تشويه صورة العقيدة الإسلامية مع تكريس وتوضيح وبث العقائد العلمانية ذات المفاهيم القومية والوطنية والتبعية .

"2- تأليه رموز الأنظمة الحاكمة وأداء طقوس الولاء والطاعة لها .

( وهذا له صور كثيرة منها : تحية العلم ، النشيد الوطني الهتاف بتعييش الزعيم ، تعليق صور الزعيم عالية فوق رءوس الموظفين في كافة الدوائر الحكومية وغير ذلك )
3- تشويه التاريخ الإسلامي وبواعث الجهاد الإسلامي وتعكير الصور الناصعة للحضارة :الإسلامية وأثرها المشع على الحركة الإنسانية .
4- تعظيم الشخصيات غير الإسلامية وربط أفكار الناشئة والمثقفين بآثار هذه الشخصيات سواء كانت تنشط في السياسة أو الفلسفة أو الفن أو الكتابة أو الرياضة أو غيرها .
5- انسياق عموم الناس - إلا من رحم الله – في تبني الطروحات اليسارية واليمينية والتفسيرات السياسية وغير السياسية التي تحقن بها عقولهم وتشحن بها نفوسهم وقلوبهم .
6- تمييع شخصية الفرد المسلم وجعله يعيش بغير هدف محدد ولا غاية يصبو إليها .
7- انحلال شنيع في الأخلاق انعكس على كثير من المسلمين بطريقة جعلتهم يشعرون أن انتماءهم الإسلامي يشكل قيدا على تحركاتهم وتصرفاتهم
8- انتشار الجريمة وشيوع ألوان الفساد الإرهابي .
9- حب الذات وشيوع الأنانية وفقدان روابط المحبة وتفكك أواصر الإخاء بل وحتى الرحم.
10- موت روح الجهاد في سبيل الله وقتل دوافع الفداء والرضا بالدون والخضوع للذل والظلم .
11- احتقار القيم الإسلامية التي ترتفع بالكيان الإنساني وتحلق به في أجواء الفضيلة والتقوى ( عن طريق التعريض بها كتابة أو صورة )
112- نشير مبدأ الغاية تبرر الواسطة مما أدي إلى انتشار الرشوة والسرقة والثراء غير المشروع .

تلك بعض ألوان الفساد التي تهب من نوافذ الثقافة والفكرة التي يسيطر عليها العلمانيون تحت غطاء الديمقراطية .. ثم إن كل نافذة من تلك النوافذ يمكن أن تهب منها كل تلك المفاسد أو بعضها .

وهنا أوجه السؤال المتكرر إلى الإسلاميين المشاركين في المجالس النيابية هل يمكن إزاحة كل ذاك الركام من الفساد من خلال تغيير المواد (30) و(35) ، (36) و(37) من الدستور ؟!

كلا أبدا لا يمكن

إن حجم هذا الفساد يفوق جميع النصوص الدستورية والقوالب القانونية إنه سرطان انتشر في الأمة من أقصاها إلى أقصاها فلا يفيد في علاجه الترقيع أو لف الشاش ، ولابد لهذا الداء من ترياق شامل يجتثه من أساسه ويطوح ببنيانه فإذا كان الإسلاميون المشاركون في المجالس النيابية يريدون الإصلاح حقا ونحن نحسبهم كذلك إن شاء الله – فإن المجالس النيابية ليست هي الطريق ولا من خلالها السبيل .

وإن نظرة فاحصة لما ذكرت وقراءة متأنية ومتجردة للذي بينت تبرهن بما لا شك فيه على أن القضية لا يمكن حلها تحت قبة المجلس النيابي ولا في التنافس على كراسيه خاصة إذا علمت أخي المسلم أن وراء هذه النوافذ الإفسادية قوي موجهة ومحرضة تستخدم المسلمين أنفسهم لتحقيق البرامج الموضوعة ولقد حققت هذه القوي نجاحا باهرا بأن استطاعت أن تقنع المسلمين أنفسهم بطبيعة ما يقومون به من دور إلى الدرجة التي أصبحوا فيها مدافعين عنها وذائدين عن حماها ومضحين لأجلها !! وهم يعلمون أو لا يعلمون طبيعة هذا النفق الأسود المظلم الذي يساقون فيه.

بل إن كثيرا من الناس إذا ذكرتهم بطبيعة الفساد في العمل الذي يقومون به ويؤدونه ردوا عليك بلسان دونه حد السيف !!

واسمح لى أخي المسلم بعد كل هذا أن أتساءل بل وأن تتساءل أنت معي أيضا هل حققت " بروتوكولات حكماء صهيون " أهدافها ؟!!

سادسا : الفساد السياسي

يمكن إجمال ذلك في النقاط التالية :

1- استحواذ الملأ – وقد يكون عائلة حاكمة أو طائفة أو فئة – على المراكز الأساسية في السلطة فرئيس الدولة وعدد من وزرائه المستلمين للوزارات الرئيسة من فئة أو عائلة واحدة وتكاد تكون هذه الوزارات مقصورة على أولئك وقد كرس الدستور في المادة (4) رئاسة الدولة في عائلة بعينها .
وإذا كان التاريخ الإسلامي قد حفل بالإمارات الوراثية فإن ذلك لا يلبسه ثوب الحق والصواب دوما فكم هناك من الرجال المؤمنين الصادقين هم أحق بقيادة الأمة من الذين ألبستهم الوراثة ثوبها ..
وعلى كل فإن سدة الرئاسة وولاية الحكم هي ليست ملكا شخصيا للحاكم حتى يورثها من بعده لمن شاء وملاحظ أن هؤلاء الحكام لا يركنون إلا لذوي قراباتهم فيخلعون عليهم الألقاب ويسمونهم الوزارات على حساب ذوي الاختصاصات وأصحاب الكفاءات ولا شك أن تدعو الحاجة والشعار الديمقراطي إلى إشراك وزراء آخرين في السلطة التنفيذية من غير تلك الفئة ومن الجدير بالذكر أن النواب وغيرهم من السياسيين من غير العائلة أو الطائفة أو الفئة الحاكمة يتحرجون من الإشارة لهذه الحقيقة القائمة ولا أدري لماذا حرجهم هذا : هل هو بسبب اقتناعهم بما يرون ورضاهم به أم هو بسبب الخوف من ردود الفعل التي يمكن أن تنشأ من المجاهرة بهذا التساؤل ؟ لكن يبقي السؤال مطروحا : هل هذا الموضوع داخل فيما يريد الإسلاميون إصلاحه من خلال المجلس النيابي أم هم على إقراره بوضعه الحالي موفقون ؟!
2- سبق أن أشرت إلى أن الدستور لم يشترط الإسلام لا في الوزير ولا النائب وتكلمت على أثر ذلك وما يترتب عليه .
3- من جملة الفساد السياسي اشتراك الرافضة أصحاب الامتداد المجوسي في مجلس الوزراء والمجلس النيابي في بعض الدول الإسلامية الديمقراطية ومن المفارقات المبكية المضحكة أن يعقد مجلس الوزراء والمجلس النيابي في تلك الدول جلسات سرية يناقشون فيها أثر الرافضة على الأمن الداخلي أو الحرب العراقية الإيرانية بوجود موالين لإيران في تلكم الجلسات السرية ؟
4- إن طبيعة اللعبة الديمقراطية هي من مجمل الفساد السياسي إذ أنها تتيح الفرصة والمجال الواسع أمام الباطنيين والملحدين للوصول إلى المجلس التشريعي الذي يفترض فيه أنه يشرع للمسلمين وليس لأولئك من دلالات الإسلام إلا الاسم .
فماذا عسي الإسلاميون فاعلين لإزالة هذا الفساد ؟!!
5- إن العلاقات مع الدول منطقها علماني بحت ومما يلفت النظر فعلا قوة أواصر الصداقة مع دول المعسكر الشرقي ولم أقل : المعسكر الغربي إذ أن ذلك معروف ومفروغ منه وشعار " دين الدولة الإسلام " قد تم تجاهله بالكلية فيما يتعلق بتلك العلاقات ، فحسب هذا الشعار أنهم تكرموا عليه فوضعوه مادة في الدستور أو جزءا من مادة وهذا كاف فهو شعار متواضع لا يحب الفخر !!
6- بيت القصيد : هذه العلاقات مع أمريكا ما هو سر توثقها وتوطدها ؟ ولماذا تزداد تمكينا وقوة في نفس الوقت الذي تساعد فيه أمريكا إسرائيل بكل الوسائل العسكرية والمالية والتقنية لتتحول هذه المساعدات إلى حمم وقنابل وصورايخ تقتل أهلنا وتمزق شملنا وتوزع أشلاءنا وتنشرها بين القفار .

ولماذا تأتي القرارات من هناك ولا تكون نابعة من هنا ؟ ولماذا هؤلاء الحكام كالدمي والجنود يؤمرون فيطيعون وإذا عصوا يسرحون ؟!!

إن العالم كله بأجمعه يعلم ما تخططه أمريكا ومن ورائها أوروبا تحت شعار الصليب ليكيدوا لهذا الدين وليخرجوا أهله منه حتى وإن لم يدخلوا في أى دين آخر .

إن هذه الدول الخبيثة تمد حركات التبشير في طول العالم وعرضه لتمارس نشاطها الماكر والحاقد ضد كل ما يمت للإسلام بصلة ثم قبل ذلك وبعد ذلك هؤلاء هم أسياد الحكام في معظم دول العالم الثالث ثم إن العالمين : الشرقي والغربي يتقاسمان دعم اليهود في فلسطين أحدهما : بالمال والعتاد والآخر بالرجال والخبرات ويخططان لضمان توسيع هذا الكيان اليهودي السرطاني على حساب المسلمين وأرضهم وديارهم .

وأما ما يفعله الروس في أفغانستان المسلمة من قتل وهتك وتشريد وسرقة وهلك للحرث والنسل فمعلوم لكل ذي بصر أو بصرة ومع ذلك يسارع زعماء الدول الإسلامية الديمقراطية وغير الديمقراطية في تهنئة أولئك القتلة بثورة أكتوبر وفي تعزيتهم إن هلك زعيم من زعمائهم ولكن لا تجد لهؤلاء المسلمين المقتلين والمشردين من يعزيهم أو يبكي عليهم بل ولا تجد من هؤلاء الحكام من يهتم بأخبارهم فضلا عن رعاية شئونهم هذا إضافة إلى أمرهم لأجهزة إعلامهم بالتعتيم على جهاد أولئك المسلمين وتضحياتهم وما يكابدونه من عدوهم ولا يختص كلامي هنا بأفغانستان وحدها فهذا هو دينهم إزاء كل جهاد إسلامي سواء في الفلبين أو تايلندا أو ارتريا أو غيرها .

ومن المؤسف حقا أن تقدم رءوس الإسلامين قربانا لطواغيت الشرق والغرب تحت سمع وبصر وتسهيل وأمر وكلائهم المتسلطين على رقاب المسلمين في الدول الإسلامية فما هو موقف الحكومات المنتسبة للديمقراطية إزاء كل ذلك ؟

ثم ما هو برنامج الإسلاميين المجلسيين لإصلاح هذا الفساد من خلال المشاركة في المجالس النيابية ؟!!

إن البنية الديمقراطية قائمة على أساس المناورات السياسية سواء ما كان منها قبل انتخاب المجلس النيابي أو بعد انتخابه وكل نائب أو تكتل نيابي يريد أن يمرر مصلحة الذين انتخبوه وأوصلوه للمجلس فهل هؤلاء حقا يريدون مصلحة البلاد والعباد والتي لا تتحقق إلا من خلال تطبيق الشريعة الإسلامية تقربا إلى الله وتنافسا على رضوانه ؟

إن طبيعة التركيبة المجلسية لا تتفتح على هذا الاتجاه فهل يتصور الإسلاميون المجلسيون أن مجلسهم هذا هو مجلس الشورى حسب المفهوم الإسلامي ؟ لا أظن ذلك فإني لا أ‘تقد أن الإسلاميين المجلسيين لا يعلمون أن مجلس الشورى ينبغي أن يكون أعضاؤه من أهل الحل والعقد كل بحسب اختصاصه ولا أظن أنهم لا يعلمون أن المجلس النيابية الحالية هي ليست مجالس لأهل الحل والعقد بل هي مجالس لأهل الغني والجاه ومحترفي المناورات السياسية والتي وصل بعضهم بواسطتها إليه !!

  • هذا الفساد السياسي الذي أشرت إليه هل يستطيع الإسلاميون إصلاحه وإلى أى مدي ؟
الجواب : نعم يستطيعون إصلاح بعض ما ذكرت أو كله إذا استطاعوا تغيير البنية السياسية وهيكلها القائم وبتضمن لك إعادة النظر في المادة (4) بالنسبة للبلد الذي استشهدت بدستوره وبإلغاء المجالس النيابية الحالية وإحلال مجالس شوري إسلامية بدلها وهذا معني إلغاء قوة ونفوذ الملأ واستلام الإسلاميين السلطة بكافة مضامينها إجمالا ومفردات .

ولما كان كل ذلك لا يمكن أن يتم من خلال المجالس النيابية بصورها القائمة الآن فمعني ذلك أن على الإسلاميين أن يفكروا بإتباع منهج غير الذي هم عليه الآن وهذا المنهج لا يحتاج ابتكارا أو لا ابتداعا فهو منهج واضح بين إنه منهاج الأنبياء والرسل في تغيير الواقع الذي أرسلوا وبعثوا لتغييره .

سابعا : الفساد الاجتماعي

قال عزوجل ( كلكم راع ، وكلكم مسئول عن رعيته ، والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته ، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها ... الحديث ) متفق عليه.

إن الأسرة هي أساس المجتمع ، والمجتمع هو مجموع الأسر فإذا صلحت الأسرة صلح وإذا فسدت فسد ، ومن مجموع الروابط والصلات والمعاملات ما بين هذه الأسر تتكون العلاقات الاجتماعية ويتبلور البناء الاجتماعي .

إن وظيفة الدولة هي المحافظة على البناء بترسيخ المفاهيم الاجتماعية التي تدعم تماسكه وتقوي أساسته وبالتالي فإن الدولة معنية بتوطيد كافة العلاقات الاجتماعية بشكل سليم وصحيح لتحافظ على متانة وصلابة وصمود هذا البناء .

والملاحظ الآن أن الأسر في العالم الإسلامي بصورة عامة قد أصابها التفكك ودب فيها الوهن وحل فيها التمزق والتشتت .

  • فما هي أسباب وراء ذلك ؟

يمكن تلخيص هذه الأسباب فيما يلي :

1- فقدان الروابط العاطفية بين الأبوين والأولاد وذلك ناشئ من خروج الأم للعمل في خارج المنزل من جهة ولعدم تفرغ الأب من جهة ثانية فأين الطفل ومن يعتني به ؟ ومن يوقظه صباحا ويضعه على صدره ويسكب عليه حنانه ؟ من يقبله ومن يحضنه ؟ ومن يطعمه ومن ينظفه ؟
هنا يأتي دور المربية الهندوسية أو النصرانية أو غيرها القادمة من الهند أو الفلبين أو من بلاد أخري فينشأ هذا الطفل لا يعرف لغة أهله ولا دين أبيه وأمه في حين تربيه هذه الدخيلة على وثنياتها و شركياتهم وتحكي له قصص السحرة والمشعوذين رابطة كل ذلك بمعابدهم وأصنامهم فأى نشأة سينشأ هذا الطفل وعلى أى دين سيترعرع؟!. لا شك أن هذه جريمة من أنكر الجرائم وأبشعها إنها جريمة إضاعة الأجيال وقتل الإحساس الإسلامي والانتماء الديني في قلوبهم ومحوه من شعورهم فإذا ما كبر هذا الطفل فإنه لن يشعر بأى حنان نحو أمه أو أبيه لأنه لم يلق منهم الحنان في صغره ولم يشرفوا على تربيته وليس لديهم الوقت للنظر في مشاكله فما أسرع ما ينظر هذا الطفل في كبره إلى والديه نظرة متعالية إذ لا يجد لهما حقا عليه فلا سمع ولا طاعة ثم سرعان ما يدلف هذا الولد من بيته ليعيش حياة الأزقة وتهيم الفتاة على وجهها لتتلقفها الأعين الجائعة فتقع فريسة للغواية والضلال .
  • والسؤال هو : كيف كانت البداية ؟
  • ومن المسئول ؟
  • لقد كانت البداية بخروج المرأة من بيتها لأجل العمل وغالبا ليس لحاجة وإنما لأمور أخري تتفاوت فيما بين النساء ومن المسئول ؟
إن المسئول هو الدولة التي شجعت خروج المرأة لتتسكع بين الموظفين في الدوائر الحكومية وغير الحكومية وإنني لست ضد عمل المرأة بإطلاق فهناك أعمال لا تقوم بها إلا المرأة كالتدريس في مدارس البنات وتطبيب النساء وما شابه ذلك من الأعمال التي تختص بالنساء ولا ينبغي أن يقوم بها إلا النساء .
وحديي ليس هو عن هذا الجانب بل عن الجانب الآخر الذي هو في حقيقته عالم الرجال فإذا هو بين عشية وضحاها يعج بالنساء .
ثم إن هذه المرأة في الحقيقة فتنة ، رضينا أم لم نرض اعترفنا أم لم نعترف وقد ورد في صحيح مسلم ( واتقوا النساء فإن أول فتنة بين إسرائيل كانت في النساء ) وإن الله تعالي قد جعل انجذاب الرجال للنساء وانجذاب النساء للرجال في صلب الفطرة وحتى لا يؤدي هذا الانجذاب إلى فوضي جنسية واختلاط للأنساب شرع الأطر التي يتحرك فيها كل جنس فإذا ما تعدي أحد الجنسين الإطار الذي حدد الشارع له الحركة فيه وسار في مساحة الجنس الآخر حصلت الفوضى وعم الاضطراب وشاع الفساد .
وكيف لنا أن نتصور أن امرأة في كامل زينتها تجلس مع رجل في غرفة واحدة لمدة ثماني ساعات يوميا ثم لا يحصل بينها تجاذب ولا ود ولا حب !! وفي كثير من الأحيان يؤدي ذلك إلى تنكر المرأة في بيتها لزوجها وتضيق عليه ليطلقها حتى يتزوجها صاحبها الموظف ومثل ذلك يحدث للرجل فيخترع الأسباب التي تبرر عدم قدرته على العيش مع زوجته ليطلقها ثم ليتزوج صاحبته في الوظيفة ولو تتبعنا هذه القصص اليومية لألفنا منها مجلدات .

الأول : ضياع الأولاد .

الثانية : انهدام الرابطة الزوجية .

الثالثة : الفوضى الاجتماعية .

كل ذلك يحدث باسم المساواة بين الرجل والمرأة والتي يمكن أن تسقي من المادة من الدستور والتي نصها " العدل والحرية والمساواة دعامات المجتمع "

وخلاصة تطبيق هذه المادة في الجانب الاجتماعي هي أن يتم العدل بين المرأة والرجل في كل شئ فلتخرج المرأة كما يخرج الرجل وأن الحرية ليست مقصورة على جنس دون جنس فالمرأة حرة كما أن الرجل حر فلماذا يخرج الرجل ولا تخرج المرأة طالما أنهما متساويات في الحقوق والواجبات فكما أن للوطن ( هكذا ) حق على الرجل يترتب عليه واجب فكذلك للوطن على المرأة حق يترتب عليه واجب وكما أن الرجل يتطلب أداء واجبه أن يكون خارج البيت فكذلك المرأة ..

هذا بعض ما يمكن فهمه من نص هذه المادة بخصوص العلاقات الاجتماعية خاصة وأنها أول مادة ذكرت في الباب الثاني من الدستور بعنوان " المقومات الأساسية للمجتمع .." وعلى هاذ النحو يمكنك أن تفهم كفالة الدولة لتكافؤ الفرص للمواطنين كما ورد في المادة الثامنة من الدستور .

وبناء على ما ذكر فإن واقع الحال الذي تشجعه الدولة وتحميه وتقننه لا يتناسب مع ما جاء في المادة التاسعة من الدستور والتي تقول " الأسرة أساس المجتمع قوامها الدين والأخلاق وحب الوطن يحفظ القانون كيانها ويقوي أواصرها، ويحمي في ظلها الأمومة والطفولة " فكما هو حاصل بالفعل وكما كنت قد بينته آنفا لك أن تحكم فيما إذا كان تقوية لأواصر الأسرة أم توهينا لها وإضعافا لروابطها ؟!

وهل هو حماية للطفولة والأمومة أم تضييع لها ؟

إن نظرة شاملة على الواقع الذي امتلآ بالشباب الضائع المتسكع في الشوارع والذي ذهب ضحية غرور الغني والترف والذي بدأ يتردي في مهاوي المخدرات توضح لك الصورة.

ثم هذا الشباب من يري حاله ورزية مآله ما هو حظه من نص المادة العاشرة من الدستور التي تقول " ترعي الدولة النشء وتحميه من الاستغلال "

فكيف تحمي الدولة النشء من هذه المفاسد التي أدت إلى أن يعيش فيما يشبه اليتم في أحضان الهنديات والفلبينيات !!

فهل يستطيع الإسلاميون في المجلس النيابي أن يغيروا من النصوص الدستورية التي ذكرتها بما يستأصل شأفة الفساد الذي ضرب أطنابه في كل مكان ؟!

وهل يمكن أن يتم هذا التغيير الجذري بمجرد تغيير بعض النصوص الدستورية وعمليا فإنني لا أظن أن بإمكان الإسلاميين تغيير هذه النصوص لأسباب ذكرتها سابقا وحتى لو غيروها فلن ذلك التغيير كافيا والله تعالي أعلم .

2- السبب الثاني : توفر الوسائل الإعلامية التي انتشرت انتشارا واسعا ومن أهمها التلفاز والفيديو والفضائيات والانترنت فضلا عن السينما والمسرح وغير ذلك مما ذكرته عند الحديث عن الفساد الإعلامي والذي يهمني الإشارة إليه هنا هو أثر ذلك على الأسرة ودوره في تفتيتها وتمزيقها فهذا الشاب المراهق وتلك الشابة المراهقة ماذا يشاهدان عبر الشاشة الصغيرة والكبيرة ؟

إنهما يشاهدان كل ما يثير الغريزة ويؤجج الشهوة مما يؤدي إلى تفاقم ضغط نفسي لديهما لا يتمكنان من تنفيسه إلا بتقليد ما رأياه وهكذا تتشكل قصص الحب والغرام على غير الوجه الشرعي بين الفتيان المرهقين والفتيات المراهقات فيتبادلان الوعود والورود إلى أن يقع ما لا يحمد عقباه.

فإذا سأل الأب عن ابنته قيل له : أنها خرجت في نزهة مع ابن عمها أو ابن خالها أو مع ابن الجيران أو مع زميلها في الدراسة فلا يملك الأب إلا أن يحوقل أو أن يتربص مجيئها ثم ينقلب البيت إلي بركان يتأجج نارا فيئول المنزل من مكان للطمأنينة والهدوء والراحة إلى ساحة للمعارك والمنازعات العائلية .

إن مثل هذه القصص تكاد تكون القاسم المشترك في كثير من البيوت وخاصة لدي الأغنياء ووجهاء المجتمع !! وأصبحت قضايا الخيانة الزوجية من الأمور الشائعة كيف لا ، والرائي يقدم كل ليلة دروسا في هذا الفن بالألوان !!

  • وما الذي تعرضه هذه الأجهزة المرئية أيضا ؟
إنها تعرض الجريمة كيف يخطط لها وكيف توفر لها الإمكانيات المناسبة ثم كيف يتم تنفيذها .

وأى نوع من الجريمة !! إنها جميع أنواع الجرائم : السرقة انتهاك العرض والاغتصاب القتل قطع الطريق عصابات السطو على المصارف الاحتيال على الشرطة وأجهزة الأمن ، الانتحار ..وعيرها كثير .

كل ذلك يقدم ملونا ومجانا وليس على النشء سوي تعلم الدرس تنفيذه !! ومن المعتاد أن تجتمع الأسرة كلها : الأب والأم والأولاد ليتلقوا هذه الدروس بشكل جماعي ، وعند التنفيذ إذا بالأرب أودع السجن بتهمة الاحتيال والأبن بتهمة السطو، والمرأة بتهمة أخلاقية فماذا سيبقي من ترابط الأسرة وقد تناثرت أشلاء وما هو موقفها الاجتماعي إزاء الجيران والأقارب والأصحاب ؟ وكيف تدافع عن نفسها وقد افتضح أمرها ؟ وكيف تستعيد احترامها بعد أن أصبحت محل الاحتقار والازدراء ؟

إن مجمل ذلك سيبلور مشاعر تلك الأسرة ضحية الإعلام في شكل موجات من الحقد والكراهية لمجتمعها الذي تعيش فيه لرفضه لها سرعان ما تتكاثر وتتجمع لتتأهب لجريمة جديدة نتج من كل ذلك أربعة أمور :

- تفكك الأسرة
- انطواؤها عن المجتمع .
- حقدها على المجتمع .
- أرض جديدة لبذور جريمة مقبلة ..

فكيف نجمع بين هذه النتائج الخطيرة وبين ما جاء في المادة العاشرة من الدستور من أن الأسرة " يحفظ القانون كيانها ويقوى أواصرها "

3- السبب الثالث : إن الضائقة من أكبر العوامل التي تهدد كيان الأسرة وسبق أن تحدثت عن جانب من هذا الأمر .

والذي ينبغي تقريره هو أن الفقر كاد أن يكون كفرا ولا نشك أن بعض الأسر الكريمة تدفعها الاحتياجات الاقتصادية لإخراج نسائها للعمل لتغطية النفقات المتراكمة والتي لابد منها ابتداء من أجرة المنزل إلى رسوم تعليم الأولاد مرورا بالاحتياجات المعتادة من طعام ولباس ومركب وغالبا ما تنعكس هذه الأزمة المالية على جو البيت ويسود التوتر بين أفراد الأسرة فإذا بالملاسبات تعلو لأتفه الأسباب ثم يدفع الأولاد ضريبة كل ذلك إذ ربما أدي هذا الأمر إلى انهيار المودة بين الأبوين وتلاشي وشائج المحبة ثم قد ينتهي الأمر بالطلاق والفراق فيتشرد الأولاد وتنهار هذه اللبنة الاجتماعية الأساسية ألا وهي الأسرة .

  • فإن قيل : فما علاقة الدولة بهذا الفساد الذي ذكرت ؟
أقول إن الدولة على علم بمثل هذه القضايا إذا إن زيادة قيمة أجرة المنازل ورسوم المدارس وانخفاض الرواتب قياسا على مستوي المعيشة وأمثال ذلك كله يتم بقوانين صادرة منها بعد أن شرعها المجلس النيابي !!.. وقد انعكس كل ذلك على الأسرة وكيانها وسعادها وشعورها بالطمأنينة والأمن وقد يؤدي ذلك إلى انفجارات شعبية شاملة كما حدث في مصر وتونس والجزائر والمغرب وغيرها .

فأين كل ذلك من المادة (20) من الدستور التي ذكرت أن الاقتصاد الوطني هدفه " رفع مستوي المعيشة وتحقيق الرخاء للمواطنين "

فانظر إلى هذا الفساد الذي دب في الأسرة كيف ا،ه كشر عن أنياب ثلاثة

- الجنس - الجريمة - الفقر

  • فماذا سيفعل الإسلاميون في المجلس النيابي لأجل استئصاله ؟
وأذكرهم أن هذا الفساد مستشر رغم وجود نصوص دستورية كالمواد (7) و(9) و(10) و(20) وغيرها .
وهذا دليل قاطع على أن القضية ليست هي مجرد تغيير نصوص دستورية بل هي قضية إصلاح شامل يتناول المجتمع بكل مرافقه ومكوناته ومنهجه ووسائله ابتداء من الفرد ومرورا بالأسرة انتهاء بالمجتمع .

ثامنا الفساد الأمني والدفاعي :

  • لنا أن نتساءل : ما الهدف من هذه الجيوش الجرارة وتلك الأجهزة الأمنية لدي هذه الأنظمة الحاكمة ؟
الجواب : إن الهدف من الجيوش الجرارة حماية النظام من الخطر الخارجي والهدف من الأجهزة الأمنية حماية النظام من الخطر الداخلي .
  • فما هو ذلك النظام الذي توفر له هذه الحماية ؟
إنه النظام العلماني المسمي " الديمقراطي " ( ولم أقل : الدكتاتوري لأنه ليس محل نقاشنا ).

ونحن لا نختلف من حيث أن كل نظام لابد له من حماية ضد الخطرين الخارجي والداخلي ولكننا ننظر إلى الموضوع من زاوية أن بعض الدول الديمقراطية تدعي الإسلام وقد ورد هذا صريحا في الدولة " النموذج " التي اخترت دستورها كمحور للنقاش حيث جاء في المادة الثانية ما نصه : دين الدولة الإسلام "

ومعني ذلك أن الإسلام هو العمود الفقري للدولة دستوريا وأيضا : فإننا ننظر إلى الموضوع من زاوية أن الدولة ديمقراطية كما ورد في المادة السادسة من الدستور والتي مطلعها " نظام الحكم في ( البلاد ) ديمقراطي " وهذا يعني أن الديمقراطية هي أيضا العمود الفقراء للدولة دستوريا :

وبالتالي فالدولة لها عمودان فقريان متعارضان :

- أحدهما يتعلق بالدين .
- والآخر يتعلق بنظام الحكم .

فدين الدولة الإسلام ونظام حكمها الديمقراطية !!

ومعني ذلك فصل بين الدين والدولة فالدين شئ ونظام حكم الدولة شئ آخر .

فهل مهمة الجيش والأمن الداخلي حماية الدين أم نظام الحكم أو الاثنين معا ؟

فمن جهة الجيش فالأصل في تأسيسه حماية الحدود السياسية للدولة وليس الجهاد في سبيل الله من أغراضه وقد فصلت هذا الموضوع سابقا وتكلمت حول نص المادة (68) من الدستور والتي جاء فيها " يعلن ( رئيس الدولة ) الحرب الدفاعية بمرسوم أما الحرب الهجومية فمحرمة "

وقد يستدعي الجيش عند الضرورة لمساعدة الأمن الداخلي فالجيش إذا قد أسس لحماية النظام الديمقراطي ولو كان تأسيسه لحماية الدين لكان أصل مهمته هذه الغاية ، حيث أن الإسلام – وهو دين الدولة – منتهك في جميع أمم الأرض لكن الدستور حظر على الجيش أية مهمة تحقق الدفاع عنه لذلك فإننا لا نري لهذا الجيش من أثر حيث ينتهك الإسلام وتدك معاقله خاصة في أرض الأقصى وأفغانستان لأن الجيش أسس لحماية النظام وليس للدفاع عن الدين أو نشره .

إذا ... الفساد القائم في الجيش ابتداء هو من حيث هدفه وإنشائه فهل يستطيع النواب الإسلاميون تغيير نص المادة (68) بما يحول مضمونها إلى أن إنشاء الجيش هدفه جهادي ؟

ليتهم يستطيعون !! ولكن بحسب علمي فإن هذا الموضوع ليس مطروحا لديهم أصلا ولو قلنا : إنهم يريدون طرحه لما استطاعوا فعل ذلك لاعتبارات كثيرة أهمها طبيعة منطلقا وتوجهات الملأ ..

  • ثم أعرج على الأمن الداخلي هي هدفه حفظ دين الدولة أم نظام الحكم فيها ؟
الجواب سهل وواضح والحمد لله .
فهذا الدين يتعرض لهجوم في الصحافة وغيرها من وسائل الإعلام بطرق شتي وكذا الدعاة الذين يحملون لواء الدعوة إليه فإذا ما تجاوز الدعاة الخط الأحمر الذي حدده النظام لمجال حركتهم سارع نحوهم الأمن الداخلي ليدفعهم إلى ما وراء ذلك الخط فربما قتل وربما سجن وربما أبعد إلا أن هذا الأمن الداخلي لا يتحرك ضد العلمانيين وتبجحاتهم وتهجماتهم علي الدين والمتدينين .
فأصبح الجواب على السؤال واضحا : إن مهمة أجهزة الأمن الداخلي هي المحافظة على نظام الحكم وليس المحافظة على دين الدولة !!

فهل يستطيع النواب الإسلاميون إزالة هذا الفساد المتمثل بتوجهات ومنطلقات الأمن الداخلي وتحويله ليكون مدافعا عن الدين قبل أن يكون مدافعا عن نظام الحكم؟

إنهم لن يستطيعوا ذلك لأن دين الدولة منتهك دستوريا بالشق الثاني من المادة الثانية من الدستور مع مذكرتها التفسيرية وكذلك بالمادة السادسة التي أشرت إليها من قبل فضلا عن الديباجة الأساسية للدستور ومعلوم أن مهمة قوات الأمن الداخلي هي المحافظة لى هذه النصوص وجودا وتنفيذا وبالتالي فالأمر كما تري دوران في حلقة مفرغة .

هذا من حيث الفساد في أصل هدف إنشاء الجيش وإنشاء أجهزة الأمن الداخلي فماذا عن الفساد في طبيعة الأنظمة المتبعة في هاتين المؤسستين.

إن نظام الجيش والأمن الداخلي هو في الحقيقة نظام يتبع المدرسة الغربية ولا فرق بين المدرسة الغربية والمدرسة الشرقية من حيث تعبيد كل فرد في الجيش لمن هو أعلى منه رتبة لذا فإن أول ما ينشأ عليه الجندي هو العبودية للرتبة وليس لله ولأجل أن تنصاع نفس الجندي لهذا النوع من التعبيد فإنه يصدم ابتداء بأنظمة في غاية القسوة والشدة لم يكن قد تعودها في حياته السابقة ولا تفيد هذا الجندي المستجد طبيعة وضعه الاجتماعي قبل دخوله الجيش ولا شهادته إ يستقبل بالكلام الجاف وتوجه له الألفاظ الفظة والقاسية وأحيانا الماجنة والمنحطة ويخاطب بلغة تترفع عنها البهائم كل ذلك لأجل أن ينسي خلفيته المدنية ، ولتهون عليه نفسه لكثرة الإهانة ثم يستمر هذا الجندي تحت وقع هذا النوع من التدجين حتى ترضخ نفسه وتنصاع لهذا اللون من التعبيد ويصاحب هذا ويستمر بعده حشو مخه بتقديس النظام الحاكم والهتاف بحياته والتحية لعلمه ، والتفاني في سبيل بقائه والموت لأجله .

وعليه أن يلغي عقله ويدوس على مبادئه التي كان يعتنقها قبل دخول الجيش أو قوات الأمن الداخلي وعلى كل خلية في جسمه ان تتفهم جيدا هذا الشعار الفتاك : نفذ ثم اعترض ، ولا يطبق من هذا الشعار إلا أوله وهو : نفذ لكن من يملك أن يعترض !!

لا شك أن طبيعة أنظمة هذه الجيوش مقتبسة من الطقوس الوثنية التي حاربها الإسلام أيما محاربة وتحت شعار هذه الطقوس وبين بريق نجومها ونسورها يتجه ذلك الجندي ليقتل أهله وأصحابه وأبناء بلده ... لماذا ؟.. لأنهم تظاهروا ضد النظام !! وهو الآن قطعة من النظام فإذا به وبوحشية عجيبة بوجه رصاصه لأحبابه ليقتلهم وهو يضحك !!.. يالها من وسائل شيطانية غريبة استطاعت أن تمسخ عقل هذا الجندي أو الشرطي وتلغي شعوره ، وتصادر إحساسه وليست أحداث سوريا والجزائر وغيرها عنا ببعيد فقد خرجت الجيوش الجرارة من أوكارها فسفكت الدماء الزكية دفاع عن الأنظمة !! وهذه هي طبيعة الجيوش في جميع دول العالم الثالث بلا استثناء .

والأعجب من ذلك ! أن هذه الأنظمة لا تطيق أن تري أى أثر من آثار التدين على أفراد جيشها ولذلك تلجأ إلى إرغامهم على حلق لحاهم ومن أطال لحيته تعرض للعقوبة الصارمة لماذا ؟ لأن اللحية تدل على أن هذه الجندي لم يتخلص بعد من آثار ما كان عليه قبل دخوله للجيش ولم يتجرد بعد تجردا كاملا لصالح النظام .

هذا الفساد في طبيعة البنية العسكرية هل يستطيع الإسلاميون المجلسيون التصدي له من خلال المجلس فيصلحوه ؟!

لا شك أن الموضوع فضلا عن أنهم لم يطرقوه فإنهم لو طرقوه جدلا لاصطدموا مباشرة مع الملأ .

فماذا أيضا عن الفساد في تركيبة هاتين المؤسستين العسكريتين ؟

تتألف هاتان المؤسستان العسكريتان في غالبية العالم الإسلامي من مسلمين سنة ومن باطنيين ومن نصارى عرب ومن ملل أخري ومن مدربين أجانب .

فأما المسلمون السنة فإن أكثرهم – إلا من رحم الله – ليس له من انتمائه السني إلا الاسم ( وخاصة على مستوي القيادات ) فهو إما قومي عربي أو يساري شيوعي أو مسلم هوية فإن كان قوميا عربيا فولاؤه علمانية فهو في خدمة النظام الحاكم طالما كان الأخير على منهجه .

- وإن كان يساريا شيوعيا فولاؤه شرقي ، روسي ، أو صيني .
- وإن كان مسلما بالهوية فولاؤه مصلحي ، فهو في خدمة النظام طالما تحققت مصلحته من خلاله .
- وإن كان باطنيا فولاؤه لزعماء الباطنية .
- وإن كان نصرانيا فولاؤه غربي صليبي ..
- وأما المدربون الأجانب فمهمتهم معروفة وخلاصتها تطويع الجيش ليكون في خدمة الأسياد الأجانب ولذا فليس في الجيش سر مخفي عن أولئك الأوغاد إذ هو كالصحيفة المعروضة تحت ضوء الشمس لا يخفي من حروفها عليهم شئ وعن طريق أولئك وغيرهم من العملاء فإن الغرب والشرق يعرفون كثيرا من صغائر وكبائر هذه الجيوش الجرارة ظاهرا المنهارة حقيقة
- وسؤالنا هنا: ما هي مخطط الإسلاميين المجلسيين لاستئصال واجتثاث هذا الفساد المستشري كالسرطان في تركيبه هذه المؤسسات العسكرية والأمنية ؟

- فتبين لنا مما سبق أن ألوان الفساد في الجيش وقوات الأمن تتلخص في :

- فساد في الهدف والغاية .
- فساد في طبيعة الأنظمة المتبعة .
- فساد في البنية والتركيبة .
- فهل إزالة هذا الفساد تتم بمجرد تغيير قانون ؟ أم أن القضية أكبر من ذلك.

الخلاصة

وبعد : فقد ذكرت ثمانية ألوان من الفساد المستشري وقد تبين لنا من مجمل ما أوردته من أوجه ذاك الفساد أنه :

- فساد مقنن .
- ومدعوم من فئات معينة .
- ويحميه القانون .
- وإنه عم معظم – إن لم يكن جميع – المرافق الحيوية.
- وأن بعضه امتد في تجاوزه إلى ما وراء الحدود الدستورية .
- وأن بعضه لم يتطرق الإسلاميون لإصلاحه ولا يبدو أنه داخل في أفق مخططاتهم .
- وأن اجتثاث هذا الفساد العام لا يتم بمجرد تغيير بعض النصوص الدستورية .
- وأن الإصلاح الحقيقي يفرض المواجهة مع الملأ مع استخدام ما يناسب من الوسائل الشرعية لكل مرحلة من مراحل تلك المواجهة .
- وأن الخرق قد اتسع على الراقع فلابد من تغيير الثوب كله .

إصلاح ما فسد على ضوء مقاصد الشريعة

سلم التراجعات

لقد رفع الإسلاميون المجلسيون في احدي الدول العربية الديمقراطية شعار ( إن أربد إلا الإصلاح ما استطعت ) في حملتهم الانتخابية لعام (1985 ) واكتفوا به ولا أدري السبب الكامن وراء رفع هذا الشعار كبديل لشعار تحكيم الشريعة الإسلامية وإن كان شعار تحكيم الشريعة الإسلامية لم يلغ بالمرة وقد كان هذا الشعار المرفوع في الانتخابات السابقة فهل كان سبب تبني شعار الإصلاح في تلك الحملة اللاحقة هو فشل شعار تحكيم الشريعة الإسلامية الذي رفعوه لدي حملتهم الانتخابية السابقة ( عام 1981)

وإذا فشل الإسلاميون في تحقيق الإصلاح المطلوب على الوجه الذي بينته فماذا ستكون شعاراتهم في حملاتهم الانتخابية المقبلة ؟

ولا ينبغي للبيب أن يفوته معني تداعي الشعارات المرفوعة وتراجعها للخلف إذ أن معناه أن النظام الحاكم صمد في تلك المرحلة ولم يقدم أية تنازلات في حين أن الإسلاميين لم يستطيعوا الصمود فتراجعوا عن شعار تحكيم الشريعة الإسلامية إلى شعار الإصلاح حسب الاستطاعة ولا شك أن هذه نقطة لصالح النظام الديمقراطي الحاكم .

ولما كانت التجارب السابقة لمشاركة الإسلاميين في المجالس المتلاحقة قد فشلت في تحقيق أهدافها وغاياتها فإن ذلك يعني بالضرورة أن يقف الإسلاميون المجلسيون وقفة تأمل ودراسة لتلك الحقبة المنصرمة لكن كونهم قد استمروا في اللعبة الديمقراطية فهذا يعني :

- إما أنهم لم يقوموا تجربتهم السابقة .
- وإما أنه قوموها فوصلوا إلى نتيجة رفع شعار الإصلاح حسب الاستطاعة بدلا من رفع شعار تحكيم الشريعة الإسلامية .

فإن كان الأمر على الاحتمال الأول فتلك مصيبة وإن كان على الاحتمال الثاني فالمصيبة أعظم!!

ومن الجدير بالذكر والملاحظة أن الإسلاميين هم وحدهم الذين يقدمون التنازلات وأما النظام الحاكم فلا يكاد يتزحزح عن موقفه الأصلي قيد أنملة ..

ولا يغرنك تراجع النظام الحاكم من خلال اللعبة الديمقراطية عن بعض الجزئيات وليس عن مواقفه الأصلية فهذا من أصول اللعبة وما يقدمه النظام من تنازل عن بعض الجزئيات يعني أن على الطرف المقابل أن يقدم تنازلا مماثلا على الأقل وهذا أيضا من أصول اللعبة !!

الثوابت والمتغيرات

إن النظام الحاكم له ثوابت لا يحيد عنها ، وله أصول أساسية يرتكز عليها وينطلق منها وكذلك له متغيرات يناور من خلالها ولا يضيره استبدال متغير بمتغير آخر طالما كان هذا الاستبدال في النهاية لصالحه فمثله كمثل البناء له أساسات وهيكل أسمنتي فهذه من الثوابت وأما أشكال الأبواب والنوافذ ولون الدهان وتوزيع الإنارة فهذا داخل في المتغيرات فالنظام الحاكم يعتبر مجرد الكلام في الثوابت يعني أن أصل البناء أصبح محل تفاوض وهذا ما يرفضه رفضا قاطعا وبالتالي فهو لا يسمح لأحد بذلك ألبته وأما موضوع استبدال باب بباب أو نافذة بأخرى فهذه ليست مشكلة طالما أنها في النهاية ستصب في جعبته أيضا ومن هذا الباب فالنظام الحاكم لا يضيره كثيرا استجواب وزير أو إسقاط قانون للحكومة طالما أن إسقاط الوزير أو القانون هو في إطار المتغيرات وطالما أنه سيسترد ثمن هذا الاستبدال للوزير أو هذا الإسقاط للقانون من جعبة النواب بطريقته الخاصة .

فإذا ما أمعنا النظر في الجهة المقابلة وهي جهة الإسلاميين المجلسيين فماذا تري ؟

نري أن الإسلاميين لابد لهم أيضا من ثوابت ومتغيرات .

فماذا يقول الإسلاميون المجلسيون عن تحكيم الشريعة الإسلامية هل هو من الثوابت أم من المتغيرات ؟

لا شك أنهم سيقولون : إنها من الثوابت إذ من يستطيع من الإسلاميين أن يقول غير ذلك ؟

وأما الإصلاح حسب الاستطاعة فإن قالوا : إنه من المتغيرات فلقولهم وجه فعندما يثار هذا التساؤل :

لماذا يتراجع الإسلاميون المجلسيون عن المطالبة والبرمجة لتحكيم الشريعة الإسلامية وهي من الثوابت واستبدلوا ذلك بالمتغيرات ؟

وإن أجرينا القياس على أساس البناء وأبوابها ونوافذها فالمعني يكون أن صاحب البناء قد وافق على غض النظر عن مطلب تغيير أساسات بنائه وجعلها محلا للتفاوض والأخذ والرد والذي يفاوضك على تغيير أساسات البناء لن يفاوضك الآن على تغيير نافذة بنافذة أو مصباح بآخر أو لو بثان إذ أن ذلك سيكون محصلة حاصل لا أكثر ولا أقل .

وبمقابلة هذا المثل مع واقع الإسلاميين المجلسيين يتضح لنا بغير عناء أنهم قد سلكوا طريق التنازلات وتراجعوا عما كان ينبغي أن يكون بالنسبة لهم ولعموم المسلمين من الثوابت التي لا محيد عنها ولا زحزحة عن العمل لأجلها والتضحية .

بكل غال ونفيس في سبيل تطبيقها ألا وهي الشريعة الإسلامية وتحكيمها في كل صغير وكبير بحيث تكون هي المظلة التي يستظل الناس في فيئها في عسرهم ويسهم في منشطهم ومكرههم في سلمهم وحربهم ..

وإننا لم نر إلى الآن ما يدل على أن الإسلاميين المجلسيين قد اقتربوا من النجاح فيما يتعلق بالضروريات بل ولا في الحاجيات وأقصي ما استطاعوا تحقيقه لا يتجاوز مرحلة من التحسينيات المفرقة هاهنا ، وهاهنا .

وإذا كان الإسلاميون المجلسيون يتصورون أنهم قد حققوا نجاحا باستصدار موافقة على تعبيد شارع أو تشجير دوار أو افتتاح مدرسة أو بناء مستشفي أو ما شابه ذلك فإن مثل هذا موجود في جميع دول العالم فإنك لو زرت الصين الملحدة أو أمريكا النصرانية أو جنوب أفريقيا أو أية دولة وثنية لوجدت فيها شوارع معبدة ومدارس مشيدة ومستشفيات حديثة وبساتين نضرة وعلوم وصواريخ وعربات فضائية وغير ذلك .

ترتيب القضايا المطروحة :

إن القضية الأساسية في الإصلاح من وجهة نظر الإسلام هي العقيدة أولا :

- لمن تكون العبودية ؟
- من له حق التشريع ؟

هذه هي الأولويات التي لابد من البت فيها أولا وتقريرها ابتداء ثم تأتي بعد ذلك القضايا الأخرى التي هي في معني التكميل للسعادة البشرية والترفيه لحياتهم والتتميم لهنائهم وراحتهم .

إن مقاصد الشريعة الخمسة بحفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل لا تتحقق على مستوي الضروريات والحاجيات والتحسينيات وإلا في إطار قبول وتحقيق شروط لا إله إلا الله المتضمنة للعلم النافي للجهل واليقين النافي للشك والقبول النافي للرد والإتباع النافي للترك ، والتصديق النافي للتكذيب والإخلاص النافي للرياء والمحبة النافية للكره والبغض وإن كل مسلم سواء كان مشاركا في المجالس النيابية أو لم يكن لا يجوز له بحكم إسلامه أن يتجاوز هذه الشروط.

فهذا هو مفهوم العقيدة أولا وما ينبثق منها من أهمية تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في مجالات الحياة كلها وإن الإسلاميين المجلسيين ليس من حقهم بحال من الأحوال أن يغضوا الطرف عن هذا الموضوع فضلا عن أن يتجاوزوه ويعتبروه عسير التحقيق بالنسبة لطبيعة المرحلة فطالما هم يقدمون أنفسهم للناس باعتبارهم حاملي لواء الإسلام والمدافعين عنه فهم مجبورون على الإصرار على قضية العقيدة أولا والإسلام ليس ملكا لأحد من البشر حتى يملك التجاوز أو التراجع عن أولياته مهما كانت الظروف .

وفي الوقت الذي يستظل المسلمون فيه قسرا بمظلة غير إسلامية ويحكمون بشريعة غير إسلامية فإن الأولية كل الأولية هي ليست لتعبيد الطرقات و لا لتشجير الشوارع ولا المقاهي الشعبية بل هي لتطبيق الشريعة الإسلامية .

فإذا كان الإسلاميون المجلسيون يفهمون هذه الحقيقة – وهم يفهمونها طبعا – فهذا الفهم ملزم لهم بسلوك الطريق الذي يصل بهم فعلا نحو تحقيق هذا الهدف .

ولدي تقرير هذه الحقيقة فإنه ينبغي أن يلاحظ أن الموضوع لا يتعلق في الأساس بأشخاص بعينهم أو بحزب بعينه فالأمر هاهنا متجاوز للأشخاص والأحزاب والجماعات فالإسلام عندنا هو الأصل فكل من انتسب إليه فهو ملزم بهذا الأصل ولا ينبغي له أن يحيد عنه باجتهاده الخاص وفهمه الخاطئ :

وعلى ضوء ما تقدم من بيان لنوعي الفساد ألا وهما :

- فساد عقيدة النظام الحاكم .
- فساد معظم التشريعات المنبثقة منه .

فإن جهود الإسلاميين ينبغي حين توظيفها مراعاة ترتيب ما ذكر أعلاه .

الغاية والواسطة :

لابد من ملاحظة أن المنهاج الإسلامي في الحركة لا يؤمن أبدا بأن الغاية تبرر الواسطة ومعني ذلك أن الإسلام لا يقر أن يسلك طريقا لاجتثات فساد عقيدة النظام الديمقراطي الحاكم إذا كان ذاك الطريق بحد ذاته مغاير للخطوط العريضة للعقيدة الإسلامية فلا ينبغي :

- أن نرضي بالدستور الذي لا يحكم بما أنزل الله .
- ولا أن نوالي الحكام العلمانيين .
- ولا أن ننسق ونخطط بالتشاور والمشاركة مع أعداءالله كاليساريين والباطنيين وغيرهم .
- ولا أن نسكت عن فضح مخططات الباطنيين والنصارى واليهود وجميع أعداء الله .
- فلا ينبغي أن نفعل ذلك بحجة أن المشاركة في المجالس النيابية تقتضي المناورة في إطار تلك التركيبة فهذه التركيبة الرباعية هي نقض لأصول العقيدة التي دخل الإسلاميون المجلس لتحقيق مقتضياتها وهذه الواسطات الأربعة لا تصلح أن تكون جسرا للغاية التي يتوخاها الإسلاميون المجلسيون بل وإن من المضحك المبكي معا أن لا يحافظ الإسلاميون المجلسيون على مقتضيات عقيدتهم ثم يطالبون غيرهم بالإيمان بها وبتبني تطبيقها !!

إضاعة مقاصد الشريعة :

قد توضح لنا أن دخول الإسلاميين المجلس النيابي تحت شعار الإصلاح حسب الاستطاعة هو في حقيقة الأمر إضاعة لمقاصد الشريعة على مستوي الضروريات فلا يهمنا أى مكسب يحقق بعد ذلك على مستوي الحاجيات فضلا عن الحسينيات فإذا ضاعت الضروريات – وهي أساس البناء – فلا معني بعد ذلك للحاجيات والتحسينيات التي هي بمثابة الأبواب والنوافذ ودهان وما شابه ذلك،

وحتى على مستوي الضروريات فإنه إذا ضاع الضروري الأول وهو الدين فلا جدوى بعد ذلك من محاولة صيانة النفس والعقل والمال والنسل فحفظ الدين هو في المقدمة والمال والنسل على أى مستوي من المستويات سواء الضرورية أو الحاجية أو التحسينية إذا ضاع الدين والدين هو العقيدة والشريعة المنبثقة منها .

فإذا علمن النظام الحاكم عقيدته وتشريعه فقد أضاع الدين وإذا رضي الإسلاميون المجلسيون – سواء تصريحا أو واقعا – بعلمنة النظام فقد أضاعوا هم بدورهم ما كلفوا بحفظه وصيانته فالله تعالي قد ارتضي لهم هذا الدين وأمرهم أن يدافعوا عنه ويدعوا إليه ويجاهدوا في سبيله ولا يحيدوا عنه راضين حتى وإن قطعوا إربا إربا ونشروا بالمناشير وفقدوا المال والأهل والديار .

فلا ينبغي لهم أن يجعلوه محلا للمفاوضة والمساومة وأنصاف الحلول .

اللهم اهدنا سواء السبيل وأرشدنا إلى طريقك المستقيم وخذ بيدنا إلى الصواب وأرنا الحق حقا وارزقنا إتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه .

اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب .

اللهم هيئئ لهذه الأمة من يقودها بكتابك ويحكمها بشريعتك ويرفع أمامها لواء الجهاد فتجتث به جذور الشرك وترح به العباد .

اللهم أمين ... آمين .

المبحث الثالث مصلحة عدم تمكين أعداء الله من الانفراد بالسلطة

يقول الإسلاميون المجلسيون :

إن هذه المصلحة تدور في فلك احترازي هدفه حماية الدعوة وحامليها .

إذ ، فإن فحوي هذه المصلحة متآلف من مطلبين :

المطلب الأول : عدم تمكين أعداء الله من الانفراد بالسلطة .

المطلب الثاني : حماية الدعوة وحامليها .

المطلب الأول عدم تمكين أعداء الله من الانفراد بالسلطة

فأما المطلب الأول فمعناه أن مشاركة الإسلامية في المجلس تعتبر ضرورية باعتبار أنهم لو لم يدخلوه لأصبحت ساحة المجلس فارغة يسرح فيها أعداء الله ويمرحون .

ونحن هنا بصدد مناقشة هذه المقولة من وجهين :

الوجه الأول : ما مدي صحة هذه الدعوي .
الوجه الثاني : هل يسمح النظام الحاكم بانفراد مجموعة معينة بالهيمنة على المجلس .

وأبدأ بالوجه الأول فأقول :

إن مبني هذه المقولة ينصب في أمرين :

الأول : إن الإسلاميين يرفضون الديمقراطية .
الثاني إنهم قبلوها لأسباب منها : عدم تمكين أعداء الله من الانفراد بالسلطة التشريعية .

فأما الأمر الأول فليس صحيحا أن الإسلاميين المشاركين في المجالس النيابية يرفضون الديمقراطية كمنهج بل هم على العكس من ذلك تمام إذ هم يدعون إليها ويطالبون بها وإن وسائل إعلامهم لطافحة بالتشدق بها سواء فيما ينشر لهم من كتب أو مجلات أو مقالات ولعل هذا ما دعا المفكر الإسلامي محمد قطب أن يقول في كتابه " مذاهب فكرية معاصرة " وما نصه " وفي العالم الإسلامي كتاب ومفكرون ودعاة مخلصون مخدوعون بالديمقراطية ويقولون نأخذ ما فيها من خير ونترك ما فيها من شرور ، يقولون نقيدها بما أنزل الله ، ولا نبيح الإلحاد و لا نبيح التحلل الخلقي والفوضى الجنسية إنها إذا لن تكون الديمقراطية إنما ستكون الإسلام !!" ثم يقول :" إن الديمقراطية هو حكم الشعب بواسطة الشعب ، إنها تولي الشعب سلطة التشريع فإذا ألغي هذا الأمر أو قيد بأى قيد فلن تكون هي الديمقراطية التي تقوم اليوم بهذا الاسم "

وفيما يلي أسوق بعضا يسيرا جدا من توجهات قيادات الحركة الإسلامية أو ممثليهم ( وهي الحركات التي شاركت في المجالس النيابية ) لأبين أن الإسلاميين المجلسيين لم يشاركوا في المجالس النيابية بسبب الضرورة بل بسبب كونها منهجا وأنهم لا يرفضون الديمقراطية .

1- الأستاذ حسن البنا .

قال الأستاذ البنا : " ولهذا يعتقد الإخوان المسلمون أن نظام الحكم الدستوري هو أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام وهم لا يعدلون به نظاما آخر "
ويقول :" فنحن نسلم بالمبادئ الأساسية للحكم الدستوري باعتبارها متفقة بل مستمدة من نظام الإسلام وإنما ننقد الإيهام وطرائق الإنفاذ "
قال البنا : ذلك في معرض حديثه عن نظام الحكم الدستوري في مصر ومعلوم أنه كان نظاما نيابيا .
ويقول عن النظام النيابي المصري : وليس في قواعد هذا النظام النيابي ما يتنافي مع القواعد التي وضعها الإسلام لنظام الحكم " وفي عام (1941 م) أصدر مكتب الإرشاد قرارا بالإذن للأكفاء من الإخوان أن يتقدموا للهيئات النيابية ليرفعوا صوت الدعوة وليعلنوا كلمة الجماعة وفي عام ( 1944 م ) أصدر قرارا آخر يسمح للإخوان أن يشاركوا بترشيح أنفسهم بصفتهم المستقلة لا الإخوانية .

ولقد رشح الأستاذ البنا / نفسه مرتين الأولي عام ( 1943م) والثانية عام (1944م) وذلك بناء على القرارين الصادرين .

2- الأستاذ حسن الهضيبي :

في (4) مايو عام (1954م) أرسل المرشد العام الأستاذ حسن الهضيبي / رسالة إلى رئيس مجلس الوزراء المصري جمال عبد الناصر جاس فيها :" وإن للاستقرار وسائل أحب أن أضع تحت نظركم منها ما يأتي :
- إعادة الحياة النيابية : لا ريب أن الحياة النيابية هي الأساس السليم لكل حكم في العصر الحاضر ..والأمة لا تتعلم بإلغاء الحياة النيابية في فترة الانتقال وإنما تتعلم بممارسة الحياة النيابية بالفعل فلنشرع فورا فيما يؤدي بنا إليها في أقرب وقت .."

3- الأستاذ عمر التلمساني :

لقد بدأت في زمانه المشاركة الفعالة من قبل الإخوان في المجالس النيابية في مصر ولقد وضع الإخوان جل ثقلهم في هذا الطريق وكرسوا كثيرا من أوقاتهم في سلوك ذلك المنهج.

4- الأستاذ مصطفي السباعي

يذكر الأستاذ السباعي أن هناك أربعة أمور تقتضي أن يكون دين الدولة الإسلام و هي :

- القواعد الديمقراطية .
- المصلحة الداخلية.
- المصلحة القومية.
- المصلحة السياسية .

فقال تحت عنوان : المصلحة الديمقراطية " إن القواعد المتبعة في دساتير العالم وأنظمة الأحزاب ومداولات المجالس النيابية بل في عرف الدنيا جميعا أن رأي الأكثرية هو المتبع والمعمول به .." ويقول في شأن وضع المسيحيين في الدولة :" فكيف يتوهم الآن أن يطبق عليهم أحكام تخالف دينهم ونحن في دولة برلمانية شعبية الحكم فيها للشعب ممثلا في نوابه المسلمين والمسيحيين "

ويطمئن الأستاذ السباعي العلمانيين بشأن النص الدستوري على أن " دين الدولة الإسلام " فيقول :" ونحن لا نريد بهذا النص أن نلغي البرلمان ونطرد ممثلي الأمة وتمحو القوانين كلا ! كونوا مطمئنين فسيظل كل شئ على حاله سيبقي لنا مجلسنا ونوابنا وقوانيننا وأنظمتنا ولكن مع سمو الروح ونظافة اليد واستقامة الأخلاق .."

5- الأستاذ سعيد حوي :

في كتابه " حبذ الله تنظيما وتخطيطا وتنفيذا " قال الأستاذ سعيد حوي :" قد يكون سبيل الجماعة الإسلامية للوصول إلى الحكم وإقامة الدولة الإسلامية في قطر ما هو الانتخابات والمشاركة في الوزارات وذلك هو الطريق البطئ والتدريجي والأسلم "

ويقول : إن المعارك الانتخابية تحتاج إلى دراسة وتخطيط وخبرات كالمعارك الحربية تماما "

6- الأستاذ أبو الأعلى المودودي :

تحدث الأستاذ المودودي في كتابه " موجز تاريخ تجديد الدين وإحيائه " عن برنامج الجماعة الإسلامية في باكستان ، فذكر لبرنامجهم أربعة أجزاء فقال في الجزء الرابع ما نصه :" أما كيف يتأتي هذا التغيير فليس له من سبيل في نظام ديمقراطي إلا خوض معارك الانتخابات وذلك أن نربي الرأي العام في البلاد ونغير مقياس الناس في انتخابهم لممثليهم ونصلح طرق الانتخاب ونطهرها من اللصوصية والغش والتزوير ثم نسلم مقاليد الحكم والسلطة إلى رجال صالحين يحبون أن ينهضوا بنظام البلاد على أسس الإسلام الخالص ومن حسن حظنا أن قرار مبادئ الدستور قد أزاح عن طريقنا جميع العقبات الدستورية التي كانت تحول الآن بيننا وبين احتيار هذا الطريق فبمجرد زوال هذه العقبات في سبيلنا نشترك في معترك الانتخابات ولا يزال أمام أعيننا في هذا العمل نفس الغاية التي قد بينتها لكم آنفا"واكتفي بهذا القدر من الأقوال .

فقد تبين لنا ما سبق أن الإسلاميين المنادين بالديمقراطية لم ينادوا بها باعتبارها ضرورة لا مندوحة عنها ولا حل سواها بل هي منهج يطرحونه للتغيير وأتوقف هنا عند بعض النقاط للتعليق على الأقوال التي سقتها:

1- عبر الأستاذ البنا/ عن انتهاج السبيل الديمقراطي بقوله :" ولهذا يعتقد الإخوان المسلمون أن نظام الحكم الدستوري هو أقرب النظم .. " إلى آخر الكلام .
فالحظ كلمة " يعتقد " فإنها تنم عن تأصيل " اعتقادي " وليس عن ضرورة عابرة .
2- ويعلل البنا / اعتقاده بأنها " أقرب نظم الحكم القائمة في العالم إلى الإسلام " ثم يقول " فنحن نسلم بالمبادئ الأساسية للحكم الدستوري باعتبارها متفقة بل مستمدة من نظام الإسلام "ونحن لا ننفق مع البنا / على هذا التعليل فالحكم الدستوري يعطي حق الحاكمية للشعب من خلال المجلس النيابي وأما في النظام الإسلامي فالحاكمية لله كما هو معلوم ولا لقاء ألبته بين هذين المنهجين ذاك من وضع البشر وهذا منهج نازل من رب البشر ولا أعلم كيف يقع هذا الاضطراب في القضايا الرئيسة فهذا الأستاذ فتحي يكون يقول بقولنا ويقرر ذلك بقوله " فالحاكمية في النظام الإسلامي ليست للشعب كما هو الشأن في النظام الديمقراطي "
3- ويؤكد البنا / أن هذا الخط الدستوري الديمقراطي منهج وليس ضرورة بقوله :" وهم لا يعدلون به نظاما آخر "
4- إن ترشيح البنا / للانتخابات جاء بناء على قرار من مكتب الإرشاد صدر في عام ( 1941 م) ولا يزال الإخوان المسلمون يشاركون في الانتخابات النيابية إلى الآن صادرين في وقفهم هذا من ذاك القرار الذي مر عليه نحو نصف قرن فهل يمكننا اعتبار السير على خط محدد لمدة نصف قرن أنه ضرورة فماذا يكون المنهج إذا ؟
5- ومما يؤكد أن القضية المعروضة منهج وليست ضرورة قول الهضيبي : " لا ريب أن الحياة النيابية هي الأساس السليم لكل حكم في العصر الحاضر "
فانظر كيف قصر الأستاذ الهضيبي / سلامة الحكم على الحياة النيابية – أى : الديمقراطية وأنها هي الأساس السليم لكل حكم في العصر الحاضر .
6- لقد كانت أبرز فترات التطبيق للمشاركة في المجالس النيابية في مصر هي في عصر الأستاذ التلمساني .
7- ثم تمعن في قول الأستاذ السباعي / تحت عنوان : المصلحة الديمقراطية " وتطمينه للنصارى ( وقد سماهم مسيحيين ) وللعلمانيين فماذا نسمي كل هذه التنازلات ؟ هل هي أيضا ضرورة .
8- ويؤكد الأستاذ سعيد حوي هذا المنهج بالنسبة للإخوان السوريين ويعتبره انه هو المنهج الأسلم فكيف يكون المنهج الديمقراطي في التغيير هو الأسلم ولا يكون منهج الرسول صلي الله عليه وسلم في التغيير هو الأسلم ! ولقد شارك الإخوان السوريون في أول فرصة سنحت لهم بعد حكم عبد الناصر وذلك في عهد الانفصال ومن أشهر من فاز منهم في تلك الانتخابات الأستاذ عصام العطار والأستاذ زهير الشاويش والأستاذ عمر عودة الخطيب علما أنهم كانوا قد شاركوا في الأنشطة النيابية في الخسمينات .
9- ولقد كان الأستاذ المودودي / أمير الجماعة الإسلامية في باكستان واضحا جدا في تقريره أن طريق الديمقراطية هو المنهج الوحيد في التغيير في ظل النظام الديمقراطي إذ يقول : أما كيف يتأتي هاذ التغيير فليس له من سبيل في نظام ديمقراطي إلا خوض معارك الانتخابات " إلى آخر الكلام فلاحظ أنه / لم يطرح في كلامه رفض هذا النظام بل سلم بوجوده ولذلك فلابد عنده من خوض الانتخابات باعتبار النظام النيابي أمرا واقعا .
وبعد استعراض هذه الأقوال ، لابد أن أشير إلى أنها ليست فقاعات في الهواء أو أنها قيلت للاستهلاك المحلي أو للتبرير الآني بل لقد ترجمت هذه الأقوال إلى واقع عملي في أكثر البلاد الإسلامية .

فلقد سلك طريق التغيير الديمقراطي كثير من الأحزاب الإسلامية منها :

- الإخوان المسلمون في مصر وسوريا والسودان والكويت والأردن .
- الجماعة الإسلامية في باكستان .
حزب السلامة في تركيا .
حركة الاتجاه الإسلامي في تونس .
جماعة السلفيين في الكويت ..وغيرهم .

وإذا قلنا جدلا : إن مشاركة الإسلاميين المجلسيين في الحكم الديمقراطي قد وقع في بلد ما وكان ذلك بسبب الضرورة فكيف حدثت هذه الضرورة نفسها في جميع البلاد التي للحركات الإسلامية فيها وجود ودعوة ابتداء من مصر قم اندونيسيا شرقا وتونس غربا والسودان جنوبا وتركيا شمالا فهل هذا كله ضرورة !!

فتبين من مجموع ما ذكرت أن هذا الخط الديمقراطي الذي سلكته بعض الجماعات الإسلامية ما سلكته إلا باعتباره منهجا اعتمدته كوسيلة رئيسة للتغيير .

وأما الأمر الثاني وهو قولهم إنهم ما قبلوا المشاركة في الانتخابات النيابية إلا لأسباب منها : عدم تمكين أعداء الله من الانفراد بالسلطة .

فأقول وبالله التوفيق :

إن القرارات النهائية التي تصدر من المجالس النيابية معقودة على الأغلبية التي تصوت لصالحها فن صوتت ضدها سقطت وكأن شيئا لم يكن فلكي لا يتمكن أعداء الله من الانفراد بالسلطة التشريعية لابد
أن يشكل الإسلاميون الأغلبية في المجلس النيابي فعندها يستطيعون تمرير ما يشاءون من التشريعات ويحجبون ما يشاءون وهذا لا يتأتي للإسلاميين من الناحية الواقعية وقد أثبتت التجارب ذلك بل إن اللعبة الديمقراطية مبنية في الأساس على عدم تمكين الإسلاميين من تشكيل الأغلبية في المجلس النيابي إذ هم دوما أقلية وإذا أتيحت لهم الفرصة في دولة ما أن يشكلوا أغلبية ( وهذا لا يحصل عادة إلا بسبب خطا يحصل في حسابات النظام الحاكم ) فسرعان ما يتحرك الجيش لينفذ انقلابا عسكريا يكون حل المجلس النيابي أول انجازاته القومية !!( كما حصل في باكستان أكثر من مرة وكذا في الجزائر )
ولأجل أن يشكل الإسلاميون عددا معتبرا في المجلس النيابي فإنهم لا يمانعون بل يسعون للدخول في تحالفات مرتبة مع أحزاب غير إسلامية ليستفيدوا من أصوات ناخبيهم على طريقة احملني وأحملك ( وقد حصل مثل ذلك مصر بين الإسلاميين المجلسيين وحزب الوفد العلماني ) .

فانظر كيف يقود التنازل إلى تنازل آخر وهكذا تتابع حبات المسبحة في الانسياب من الخيط .

وأما من جهة السلطات الحاكمة صاحبة شعار الديمقراطية فإنها لا تمانع من مشاركة الإسلاميين في المجلس بحدود معينة بل هي أحيانا ترغب في هذه المشاركة لما يترتب عليها من تحقيق أهداف كثيرة منها :

1- إضفاء ثوب الديمقراطية الحقيقة على النظام الحاكم .
2- إقامة الحجة على الإسلاميين من حيث أن نسبة عدد الأعضاء الذين يفوزون منهم في الانتخابات تعبر عن نسبة عدد الذين يؤيدون إقامة النظام إسلامي حاكم ، ولما كان عدد الذين يؤيدون إقامة نظام إسلامي حاكم ، ولما كان عدد الذين يفوزون من الإسلاميين لا يشكلون نسبة تذكر أى بعدد أصابع اليد غالبا فمعني ذلك أن الشعب لا يرغب في إقامة النظام الإسلامي الاحتكام إليه يقولون : والدليل على ذلك أنه لم ينتخبكم رغم توفر حية الانتخاب المتاحة لجميع الأحزاب فيا أيها الإسلاميون ! لقد أخذتم فرصتكم وهذه هي مساحتكقم الحقيية وبالتالي فقولكم ودعوتكم لإقامة نظام إسلامي في هذا البلد أو ذاك لا تعدو أن تكون نوعا من فرض رأي الأقلية على الأغلبية وهذا ضرب من ضروب الإرهاب !!هكذا يقولون وهكذا يستغلون الانتخابات لصالحهم !!
3- استدراج الإسلاميين إلى أفخاخ منصوبة منها :

لابد لكم أيها الإسلاميون من جعل دعوتكم علنية فها نحن قد أتحنا لكم الفرصة الذهبية بالمشاركة الديمقراطية فلا مبرر أبدا لأن تكون لكم أية تنظيمات سرية وبالتالي فنحن في حل إذا قصمنا ظهور هذه التنظيمات غير المعلنة من جهتكم وإذا كنا قد أعطيناكم فرصة العمل في العلن فما معين عملكم وتنظيماتكم في الفخاء ؟ ونحن لم نعط هذه الفرصة للأحزاب كافة إلا لتتخلي عن التنظيمات السرية .

أن يكشف الإسلاميون عن حجمهم الحقيقي وعن قاداتهم ومراكز ثقلهم وتنوع جماعاتهم واختلاف أطروحاتهم إلى غير ذلك من المعلومات الهامة جدا والذي يبذل كل نظام حاكم الغالي والنفيس ليتحصل عليها لتكون الأساس الذي يبني عليه دراساته في حربه للإسلاميين .

• تفريغ الشحن الحركية الدعوية في غير مجالها وتوجيهها في غير مساراتها فتتحول جهود الإسلاميين قاطبة لترتيب أمور الانتخابات ثم متابعة مناقشات المجلس النيابي في جلساته المتسلسلة فتشغل عن قضايا الدعوة واحتياجاتها ولقد لاحظنا من التجارب السابقة أن الأوقات والجهود التي يشغل حيزها المجلس بالنسبة للإسلاميين خلال فترة انعقاده ( وهي عادة أربع سنوات ) هي أكثر بكثير من الأوقات والجهود التي تبذل في التحضير للانتخابات ذلك أن الطاغوت يستخدم ذكاءه كله في شغل قيادات الإسلاميين في التحضير لمناقشات المجلس وفي الاستحواذ على أوقاتهم الهامة وذلك بإدخالهم في أتون لجان فرعية منبثقة عن المجلس ، لا يشكلون هم فيها أدني ثقل فضلا عن أن تكون لهم الأغلبية .

• إدخال الإسلاميين في المناورات التي تتم خلف الكواليس وكثيرا ما يتعرض الإسلاميون إلى ضغوط تجري وراء الأبواب المغلقة ..

ومحصلة هذه الضغوط أن السلطة الحاكمة تجعل الإسلاميين بين فكي الكماشة فتقول لهم : إما أن تسكتوا عن إثارة القضية الفلانية في المجلس أو أننا سنفعل بقواعدكم كذا وكذا . أو يقولون لهم : إما أن تصوتوا لصالح القضية الفلانية بقواعدكم كذا وكذا أو يقولون لهم إما أن تصوتوا لصالح القضية الفلانية المعروضة على المجلس أو أننا سنتخذ إجراءات معينة إزاء بعض رموزكم من مؤسسات وشركات ومجلات وسوي ذلك أو يقولون لهم : إن أعضاء الحكومة أو حزب الحكومة سيمنحونكم أصواتهم في المشروع الفلاني المعروض من قبلكم مقابل أن تعطونا أصواتكم في المشروع الفلاني المعروض من قبلنا أو .... أو... وهكذا يدخل الإسلاميون في سلسلة متصلة من المساومات والمقايضات لا يعرفون كيف يفلتون منها ولا كيف يخرجون من إحراجاتها بل وضغوطها ونتائجها .

الوجه الثاني وهو : هل يسمح النظام الحاكم بانفراد مجموعة معينة بالهيمنة على المجلس ؟

إن الإسلاميين يمنون أنفسهم بأنه في يوم من الأيام ستكون لهم الأغلبية في المجلس النيابي والواقع أن النظام الطاغوتي الذي يطرح اللعبة الديمقراطية في سوق المزايدات يعلم ما يريد ولذلك فإنه يحيك اللعبة بذكاء وإتقان فهو ابتداء يقرر حدود اللعبة وهي كالتالي : إن الأغلبية الساحقة في المجلس النيابي يجب أن تكون من أتباعه والباقي وهي الأقلية – يترك للاكتتاب الانتخابي العام بين الأحزاب الأخرى هذا هو الإطار العام وعلى جميع مؤسسات الطاغوت أن تطبق اللعبة بحذافيرها فيعلن عن الانتخابات ويتقدم المرشحون ثم لتظهر النتيجة حسب ما هو مقرر لها .

هذه هي اللعبة الديمقراطية في العالم الثالث !!وهي كذلك في العالم الذي يسمي نفسه متحضرا لكنها هناك تلبس ثوبا آخر غير ثوب العالم الثالث وليس هذا محل حديثنا .

إن غاية النظام الطاغوتي صاحب اللبوس الديمقراطي هو أن لا يجعل أية فئة معارضة تشكل أغلبية في المجلس تهيمن على قراراته بل لابد من أن تكون الأغلبية الساحقة لأعوانه وأزلامه .

المطلب الثاني حماية الدعوة وحامليها

قال الإسلاميون المجلسيون : إن وجودنا في المجلس النيابي يشكل ضمانة معتبرة وأكيدة ودرعا منيعا وقويا يحول بين السلطات الغاشمة وبين تجرئها على الإسلاميين وذلك لأن السلطة تخشي أن نفضحها على رءوس الأشهاد إذا سامت الإسلاميين سوء العذاب وألقتهم في المعتقلات والسجون .

أقول : إن هذه المقولة مبنية على أماني مكللة بالأحلام الوردية ومثل هذا القول يكذبه الواقع فكم منم الإسلاميين أودعوا في السجون ووقع عليهم الظلم والتعذيب والتشريد ونزل بأهلهم الحيف والجور مع وجود النواب الإسلاميين في المجلس النيابي ؟.

لقد ساق السادات الهالك عشرات الآلاف من الإسلاميين وزجهم في غياهب سجونه دون أن يخشي من الإسلاميين الذين كانوا في مجلس شعبة لقد كان جريئا في باطله وبطشه فماذا فعل الإسلاميون الذي كانوا في مجلس الشعب ؟

- هل استطاعوا أن يغيروا فعل الإسلاميون الذين كانوا في مجلس الشعب ؟!
- هل استطاعوا أن يطلقوا سراح سجين واحد من تلاك الآلاف المؤلفة ؟
- هل استطاعوا أن يطفوا سياط الجلاديين المجرمين من تلهب أجساد الشباب المسلم بالضرب واللسع ؟
- لم يحصل ذلك . ومثل هذه المأساة – أو قريب منها – حدثت في أواخر عهد النميري في السودان وذلك عندما قلب على الإسلاميين ظهر المجن وتذكر للشريعة الإسلامية التي نادي بتطبيقها دجلا ومكرا .
- فماذا فعل الترابي ومن معه من الإسلاميين الأعضاء في الاتحاد الاشتراكي السوداني ؟ ماذا فعلوا ليطلق النظام الحاكم سراح السجناء الإسلاميين ويرفع الظلم عنهم ويكف سياط جلادته عن جلد أجسادهم ؟

إن هذه الأنظمة الطاغوتية تتخذ من المجالس النيابية واجهة فقط تمرر من خلالها مخططاتها الجنهمية بتأييد شعبي مزيف فإذا ما شعر الطاغوت أن هذا المجلس سيكون حجر عثرة في طريق تنفيذ تلك الخطط اتخذ قراره الحاسم بحله مؤقتا أو مؤبدا بحسب ما يراه مناسبا لأوضاعه وظروفه .

إن الطاغوت لا يخشي من الإسلاميين الذين في المجلس النيابي ولا قيمة عنده لاحتجاجاتهم وصراخهم فليحتجوا كيفما شاءوا وليصرخوا ملء أفواههم فلن يغير ذلك من تسارع خطواته نحو تحقيق بأكمله بل إن الطاغوت ليفرح بهذه الاحتجاجات وذاك الصراخ ، لأنه سيتخذه وسيلة يلمع بها وجهه أمام شعبه .

يقول لهم : هذه هي الديمقراطية الحقيقية !! اسمعوا .. هذه هي المعارضة تقول في المجلس ما تشاء فافرح يا شعبي بما تنعم به من ديمقراطية حقه !!

نعم يفرح الطاغوت بكل ذلك طالما لم يؤثر هذا المشهد المصطنع على خططه وبرامجه وطالما لن يؤدي إلى إطلاق سراح السجناء الإسلاميين فليقل الإسلاميون في المجلس ما يشاءون وليفعل الطاغوت ما يشاء !!

لكن ، هل يسمح للإسلاميين فعلا أن يقولوا ما يشاءون في المجلس النيابي ؟!

وإذا قالوا ما يشاءون فبينوا الحق وفضحوا الطاغوت هل يبقون في المجلس بل هل يبقي المجلس ؟!

كلا ثم ألف كلا! سيدبر لهم الطاغوت مكائد شتي يخرجهم بها من المجلس بوسائل شيطانية إطارها دستوري فإن لم يفلح حل المجلس ودعا إلى انتخابات جديدة أو يحل المجلس وكفي والخلاصة فهذه المصلحة التي هي دخول المجلس لحماية الدعوة وحامليها هي مصلحة وهمية وخيالية لا حقيقة لها عالم الواقع وهي تبرير ينقصه الذكاء والفطنة وإن التلبيس الذي ينشأ بسببها هو أكثر فتكا بالفكر الإسلامي الصحيح من الفتك الطاغوتي بالأجساد فهي مصلحة مدعاة يزينها الشيطان للإسلاميين ليوقعهم في شرك الطاغوت وحبائله .

ولا داعي بعد ذلك لتفصيل القول في أن هذه الوسيلة لتحقيق تلك المصالح هي وسيلة مضادة لمقاصد الشريعة على مستوي الضروريات والحاجيات والتحسينيات .

المبحث الرابع مصلحة نشر الدعوة الإسلامية

يقول الإسلاميون المجلسيون : نحن نحقق عدة أهداف من مشاركتنا في المجالس النيابية ، ونصطاد عددا من العصافير بحجر واحد وإن من الأهداف التي يمكن أن نحققها الحصول على منبر علني للدعوة له حصانة مكفولة دستوريا وإننا من على هذا المنبر نستطيع قول كلمة الحق عالية مدوية نرمي بها غي وجه الطاغوت دون أن يسمنا منه ضرر أو يقع علينا منه حيف أو ظلم .

أقول في الدول ذات النظام الديمقراطي من غير العالم الثالث – كما يسمونه – يقول النائب في المجلس النيابي ما يشاء دون أن يخشي على نفسه أو أهله أو ماله أو حزبه بطش النظام الحاكم .

أما في العالم الثالث فالأمر يختلف !!فإن النظام الحاكم مع وضعه حصانة معينة للنائب في المجلس وهذه الحصانة لابد منها ليكون الوجه الديمقراطي مقبولا فغنه يستخدم وسائل كثيرة يحجم بها هذه الحصانة :

- منها : تهديد النائب بالتضييق على أقاربه أو أعضاء حزبه .
- ومنها تهديده بإسقاط اقتراحاته في المجلس .
- ومنها وضع العراقيل إزاء الخدمات التي تقدم من خلاله لأبناء منطقته فلا ينفذ منها شئ فيبدو ضعيفا أمام ناخبيه غير مستحق لثقتهم فلا يعاد انتخابه مستقبلا .
- ومنها : محاولة استدراجه لمواقف معينة مشينة بحق شخصه فتسجل عليه ويلتقط له فيها الصور .
- ومنها : أن يدس له من يلقي في روعه أن سيصفي جسديا .
- ومنها ، ومنها ..
- والطاغوت أمامه خيارات كثيرة يختار منها لكل نائب إسلامي جرئ وشجاع ما يناسب حاله ويوقفه عند حده !! ويحرص الطاغوت كثيرا على أن يعرف النائب الإسلامي كل هذه الاحتمالات التي يمكن أن تخذ ضده في حال تعرضه للنظام الحاكم انتقاد يتجاوز به الخط الأحمر المسموح به إذ أن هذه المعرفة ستعمل عمل الكابح ، فلا يتمادي النائب الإسلامي في نقده وتجريحه للنظام الحاكم وكم وقع عدد من النواب الإسلاميين في المجالس النيابية المختلفة ضحية هذا المخطط لذلك كله تري النائب الإسلامي وهو يتحدث في المجلس واقعا تحت ضغط هذا الهاجس الحرس على أن لا تحتمل أكثر من معناها الذي سيقت لأجله بل إن هذا الهاجس الخفي والشعور المتغلغل في الأعماق حول بعضا من النواب الإسلاميين إلى أن يكونوا ملكيين أكثر من الملك !! فتراهم يسارعون في مدح الرئيس أو الزعيم ويعرضون عن كل ما يمكن أن يزعجه أو يغضبه وهم يفعلون ذلك رغم أن هذا الرئيس أو الزعيم من ألد أعداء الإسلام والمسلمين وخاصة الدعاة منهم ورغم أنه نحي شريعة الله تعالي عن الحكم وأنه نشر الرذيلة وبسط الفساد وبعد أن شارك الإسلاميون في عدد كبير من المجالس النيابية في عدد من البلدان الإسلامية لنا الحق أن نتساءل عما حققوه لصالح الدعوة الإسلامية ونشرها من فوق ذاك المنبر .

فنقول :

- هل نجح الإسلاميون في جعل الشريعة الإسلامية هي التي يتحاكم إليها دون سواها ؟
- هل نجحوا في إنقاذ قانون يحقق جزئية من أحكام الإسلام كتحريم الربا أو فرض الحجاب مثلا ؟!
- هل نجح الإسلاميون المجلسيون في حمل أى نظام حاكم في البلاد الإسلامية الديمقراطية على تنفيذ حد من الحدود الشرعية كحد الرجم للزاني المحصن أو قطع اليد للسارق أو غيرها من الحدود .

وإذا كانوا قد نجحوا في مرات قليلة جدا - كالسودان مثلا) فهل استمر ذلك ؟

- هل نجح الإسلاميون في تغيير مناهج وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروء ة؟
- هل نجح الإسلاميون في جعل المساجد منابر للدعوة لها حصانتها الشرعية ؟
- هل نجح الإسلاميون في منع البنوك الربوية من ممارسة أنشطتها المحرمة ؟
- هل نجح الإسلاميون في تغيير مناهج التربية والتعليم لتكون إسلامية بدل كونها علمانية أى : لا دينية .
- هل نجح الإسلاميون في توفير حماية للدعاة وإيجاد مجالات ينبئون من خلالها دعوتهم في قنوات الدولة من قوات مسلحة وشرطة وغيرها بحيث يؤمنون الحد الأدنى من تلك الحماية .
- هل نجح الإسلاميون في أسلمة القضاء ؟
- هل نجح الإسلاميون في إيقاف موالاة هذه الأنظمة التي شاركوا في مجالسها إلى نظام يرفع راية الجهاد في سبيل الله ليحرر المسجد الأقصى من براثن اليهود أو أى بلد إسلامي آخر وقع تحت الاحتلال .
- وهل ..وهل ... وهل ؟

لقد فشل الإسلاميون المجلسيون في كل ذلك ولم يحققوا منه شيئا إذا ما معني أن يكون كرسي المجلس منبرا للدعوة ؟

إن أول ما يعطي منبر الدعوة قوته وتميزه هو استقلاليته والتي من خلالها يعلن العقيدة الإسلامية بوضوح لا مداهنة فيها ولا مواربة فأين من ذلك المجالس النيابية التي هي ألعوبة في يد النظام الحاكم ؟

والخلاصة فإن هذه الوسيلة لا تتفق مع مقاصد الشرع ليس على مستوي الضروريات فحسب بل على مستوي الحاجيات والتحسينيات أيضا .

وأخيرا فلابد لنا في هذه المحطة من بيان منهاج الرسول صلي الله عليه وسلم في الدعوة ليظهر لنا الفرق .

ولست في مجال التوسع ولكن سأذكر نقاطا رئيسة :

1- استقلالية منبر الدعوة فالرسول صلي الله عليه وسلم لما يمارس الدعوة من خلال أى نظام ارضي سائد او تحت وصايته أو في إطار قانونه وعرفه وتقاليده وعندما بدأ الرسول صلي الله عليه وسلم دعوته لم يكن معه ثمة أحد فلا أعوان ولا أنصار ولا جماهير ولا قبائل .
بدأ الدعوة وحده مستقلا عن كل ما سواه من الوسائط البشرية م دخلت زوجه خديجة في دينه ثم أبو بكر ثم علي ثم تتابع القوم .
2- وضوح عقيدة الدعوة إنها لا إله إلا الله محمد رسول الله كفر بالطاغوت وإيمان بالله .
3- البراءة والموالاة : البراءة من الشرك وأهله والموالاة لله ولمن دخل في هذا الدين ولا لقاء مع المشركين في منتصف الطريق ولا مداهنة لهم .
4- الاحتكام لهذا الدين وحده ونبذ كل ما سواه من أحكام جاهلية مهما كانت عميقة الجذور في الأعراف والتقاليد .
5- العالمية : فهذا الدين لكل الناس مخاطب به جميع الأجناس في كل أنحاء الأرض فلا فرق بين عربي وغير عربي ولا بين أبيض وأسود ولا بين حر وعبد، ولا بين شريف ووضيع الكل من آدم وآدم من تراب .
6- المسلمون أمة وحدهم وهم يد على من سواهم يقاتلون في سبيل الله من كفر بالله أذلة فيما بينهم أعزة على الكافرين .
7- ألف المسلمون فيما بينهم الجماعة المسلمة التي أخذت على عاتقها رفع راية الإسلام وإقامة دولته على مراحل دون أن يخلوا بمنهاج الله في أى مرحلة من تلك المراحل .

هذه بعض الخطوط العريضة التي شكلت منهاج الرسول صلي الله عليه وسلم في الدعوة فأين الإسلاميون المجلسيون من هذه الخطوط الرئيسية وهل قولهم : إنهم يتخذون من دخولهم المجلس منبرا للدعوة ينسجم مع تلك الخطوط التي ذكرتها ؟ قطعا لا إنما مغايرة لذلك المنهاج مجافية له.

المبحث الخامس مصلحة الدفاع عن حقوق المسلمين في العالم

إن الكلام في هذه المسألة تحصيل حاصل فبعد أن بينت أن مشاركة الإسلاميين في المجالس النيابية قد فشلت في الدفاع عن الدعاة الإسلاميين وحقوقهم في نفس البلاد التي تحكم بالنظام الديمقراطي وفيها المجلس النيابي وفشلت في الحيلولة بين النظام الحاكم وبين التضييق والسجن والتعذيب للإسلاميين فإذا كانت قد فشلت في كل ذلك في بلادها فكيف ستنجح في الدفاع عن حقوق الإسلاميين في غير بلادها.

هذا من ناحية الاستنتاج العقلي ولقد جاء الواقع مترجما لهذا الاستنتاج ومؤيدا له فماذا فعل الإسلاميون المجلسيون في كل مص والسودان والكويت عندما سيق الإسلاميون في سوريا إلى حبال المشانق وذبحوا في مجازر وحشية في تدمر ثم كلل كل ذلك بالجريمة الكبرى في ( حماة ) عندما حصد الإسلاميون وأهلوهم حصدا وداست ‘لأى أجسادهم الدبابات وهدمت فوق رءوسهم البيوت وانتهكت أعراض الحرائر وفعل بهم ما لا يخطر على بال إنسان فيه بقايا الإحساس البشري أو نبضة من حياة .

ماذا فعل الإسلاميون المجلسيون إزاء ذلك ؟

لا شيء سوي بعض الكلمات هاهنا وهناك ولا تسمن ، ولا تغني ، ولا تقدم ولا تأخر .

ماذا فعل الإسلاميون في الكويت والسودان عندما بطش السادات بالإسلاميين في مصر ؟....

لا شئ .

ماذا فعل الإسلاميون المجلسيون دفاعا عن حقوق إخوانهم في فلسطين وأفغانستان ؟

لا شيء

ماذا فعل الإسلاميون المجلسيون للدفاع عن حقوق المسلمين الذي يقتلون جماعيا في وضح النهار في الهند؟

وماذا فعلوا وماذا فعلوا ؟!

لم يفعلوا شيئا من خلال المجالس النيابية وكل الذي فعل على قلته فهو من خارج المجالس النيابية .

إن الدفاع عن حقوق المسلمين له قنواته الفعالة وله رجاله المخلصون الذين لا يتاجرون بالكلمات لتسجيل المواقف ، وليست أتهم الإسلاميين المجلسيين بعدم الإخلاص أو بالمتاجرة بالكلمات فالإخلاص لا يعلمه إلا الله والمتاجرة بالكلمات ليست من خلق الدعاة لكني أقول : إن قنوات المجالس النيابية ليست هي القنوات الصحيحة التي يدافع من خلالها عن حقوق المسلمين .

ولن أناقش هاهنا هذه الدعوة وهي المشاركة في المجالس النيابية للدفاع عن حقوق المسلمين لن أناقشها على مستوي الضروريات أو الحاجيات أو التحسينيات إذ أن الإسلاميين المجلسيين لا يقولون إنهم لم يدخلوا المجالس النيابية إلا لهذا الغرض وإلا لتحقيق هذه المصلحة فحسب بل هي مصلحة من مصالح عدة وهي التي ذكرتها سابقا .

ولذلك سأكتفي بالذي قلته سابقا من ردود بخصوص عدم صلاحية هذه المجالس لتحقيق تلك المصالح على كافة المستويات الضرورية والحاجية والتحسينية .

الفصل الثاني مناقشة عدم معارضة المصالح المتوخاة للكتاب والسنة وهو الضابط الثاني

وفيه المباحث التالية

المبحث الأول : حق التشريع.

المبحث الثاني : تضييع حدود الولاء والبراء .

المبحث الثالث : تثبيت أركان الأنظمة الطاغوتية المتبرقعة بالديمقراطية.

المبحث الرابع : تضييع المنهاج النبوي في طريقة تغيير الواقع الشركي إلى واقع إيماني .

المبحث الخامس : التلبيس على المسلمين في عقيدتهم من خلال إضفاء لبوس إسلامي على أنظمة غير إسلامية .

المبحث السادس : الرضا بواقع الأنظمة الديمقراطية الملغي للجهاد في سبيل الله والمكرس للإقليمية السياسية والجغرافية والمطلق لحرية الإلحاد..

تمهيد

ألخص أولا النقاط التي تبين مخالفة المشاركة في المجالس النيابية الحالية للكتاب والسنة وهي :

1- جعل حق التشريع للشعب وإلغاء التشريع الإلهي .

2- تضييع حدود الولاء والبراء من الطاغوت.

3- تثبيت أركان الأنظمة الطاغوتية المتبرقعة بالديمقراطية .

4- تضييع المنهاج النبوي في طريقة تغيير الواقع الشركي إلى واقع إيماني .

5- التلبيس على المسلمين من خلال إضفاء لبوس إسلامي على أنظمة غير إسلامية .

6- الرضا بواقع الأنظمة الديمقراطية الملغي للجهاد في سبيل الله والمكرس للإقليمية السياسية والجغرافية .

7- ولقد أفردت لكل نقطة من هذه النقاط مبحثا مستقلا .

المبحث الأول حق التشريع

وفيه المطالب التالية

المطلب الأول : واقع المجالس النيابية نقض للتوحيد

المطلب الثاني : الدساتير الوضعية أطر تشريعات المجالس النيابية .

المطلب الثالث : المجالس النيابية تستبدل الطاغوت بشرع الله المحكم .

المطلب الرابع : المجالس النيابية تحجب الجانب الرسالي عن حياة الناس .

المطلب الخامس : لماذا يكرهون شرع الله ؟!

المطلب الأول واقع المجالس النيابية نقض للتوحيد

يقرر الإسلام أن التشريع حق لله وحده ذلك أن الله تعالي هو الخالق الواحد الأحد وهو أعلم بما يصلح لخلقه وما لا يصلح وكل ما سوي الله تعالي هو عبد الله .

ولقد أرسل الله تعالي رسله ليقرروا للناس هذه الحقيقة وليبينوها لهم ويعرفونهم بمقتضاها وهو : أن لا يعبد إلا الله ، ولا يعبد الله إلا بما شرع وأن العبد لا يكون محققا لمعني العبادة لله إلا إذا وحده في الربوبية والأسماء والصفات والإلوهية ..

هذا ما بينه الرسل ودعوا إليه .

فماذا يقرر النظام الديمقراطي ؟ ولأ شئ يدعو ؟

إنه يقرر أن حق التشريع للشعب الممثل بالمجلس النيابي .

ويدعو الشعب إلى ممارسة التشريع من خلال ناخبيه .

وهذا نقض للتوحيد بأركانه الثلاثة وهناك البيان .

توحيد الربوبية :

قال الله تعالي  : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) ( التوبة 31 ) قال الشيخ رشيد رضا في تفسيره ( المنار ) : والمعني : اتخذ كل من اليهود والنصارى رؤساء الدين فيهم أربابا فاليهود اتخذوا أحبارهم – وهم علماء الدين فيهم – أرباب تما أعطوهم من حق التشريع فيهم وأطاعوهم فيه )

ونقل صاحب ( تيسير العزيز الحميد) عن شيخ الإسلام ابن تيمية قوله :( وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وعكسه يكونون على وجهين :

أولاهما : أنهم يعلمون أ،هم بدلوا دين الله فيتبعوهم على التبديل فيعتقدون تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله إتباعا لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل فهذا كفر وقد جعله الله ورسوله شركا وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون .

الثاني : أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتا لكنهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب )

فنخلص من ذلك أن من مقتضيات توحيد الربوبية أن لا يكون التشريع إلا لله وحده .

فهؤلاء جعلوا حق التشريع للشعب كما جعل اليهود حق التشريع لأحبارهم وكما جعل النصارى حق التشريع لرهبانهم .

فيكون المجلس النيابي الذي له حق التشريع بمثابة الرب لمن وافق على تشريعه كما كان الأحبار والرهبان الذين يشرعون لليهود والنصارى بمثابة الأرباب لهم من دون الله فهذه كتلك سواء بسواء ولا فرق .

وإن من مقتضيات توحيد الربوبية كما في ( تيسير العزيز الحميد ) الإقرار بأن الله تعالي رب كل شئ ومالكه وخالقه ورازقه وأنه المحيي المميت النافع الضار المتفرد بإجابة الدعاء عن الاضطرار الذي له الأمر وبيده الخير كله القادر على ما يشاء ليس له في ذلك شريك )فكيف يكون الله تعالي هو المالك والخالق والرازق ثم لا يكون له التشريع في ملكه وخلقه ومن يرزقه بل يكون التشريع للشعب من خلال المجلس النيابي ؟

فالنتيجة الطبيعية المترتبة على ذلك هي الادعاء أن مجلس الشعب – وهو المجلس النيابي – هو الذي يملك ويخلق ويرزق !!

وكيف يكون لله تعالي ( الأمر كله ) والمجلس النيابي يدعي أن ( الأمر له ) فهو يشرع وعلى الناس أن يطيعوا تشريعه ويتبعوه وإلا نالوا العقوبة والجزاء فهذا نقض صريح لتوحيد الربوبية وهذا مثل قول فرعون ( وما رب العالمين ) إذ أن لسان حالهم يقول : نحن المجلس النيابي ونحن المشرعون ونحن الآمرون والناهون فما رب العالمين ؟!!

وهذا هو شرك الربوبية وهو أقبح أنواع الشرك إ ذ هو شرك التعطيل . ولذلك أمر الله تعالي نبيه صلي الله عليه وسلم أن يبين لليهود والنصارى معني التوحيد الخالص فقال له : ( قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) ( أل عمران : 64 )

وقد ذكر الأستاذ المودودي في ( المصطلحات الأربعة ) هذه الآية والآية التي سقتها أولا وهي ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) ( التوبة  : 31 ) ثم قال : والمراد بالأرباب في كلتا الآيتين الذين تتخذهم الأمم والطوائف هداتها ومرشديها على الإطلاق فتذعن لأمرهم ونهيهم وتتبع شرعهم وقانونهم ، وتؤمن بما يحلون وما يحرمون بغير أن يكون قد أنزل الله تعالي به من سلطان وتحسبهم فوق ذلك أحقاء بأن يأمروا وينهوا من عند أنفسهم )

وقد بين القرآن الكريم أن الحاكمية والتشريع هي من خصائص الربوبية فما أنزل الله تعالي على نبيه محمد صلي الله عليه وسلم قوله ( قل رب احكم بالحق ) [ الأنبياء : 112 ]

فأجيبونا بعد ذلك على هذا السؤال : إذا كان التشريع من خصائص الرب فمن الرب في قضيتنا المعروضة المجلس النيابي الذي انتحل لنفسه حق التشريع أم الله تعالي الذي جعل المجلس النيابي تشريعه وراءه ظهريا !!

لذلك كله فإننا نطالب بجزم ووضوح من الإخوة الإسلاميين المشاركين في المجالس النيابية والداعين إليها أن يتمعنوا جيدا في هذا الكلام ويقرءوه مرة ومرتين وثلاث فالأمر جد خطير والخطب حقا عظيم .

وقال الله تعالي ( وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب ) [ الشورى : 10) بين الله تعالي في هذه الآية أن المرجع في الحكم حال الاختلاف إنما هو وحده وأن التحاكم إلى الله تعالي عند الاختلاف هو مقتضي توحيد الربوبية وذلك قوله تعالي ( ذلكم الله ربي ) الشورى : 10) أى الله تعالي هو ربي الذي لا يكون التحاكم إلا إليه هذا في حال النظام الإسلامي وفق المنهاج الرباني أما في حالة النظام الديمقراطي فإن التحاكم عند الاختلاف إنما هو للمجلس النيابي وقوانينه ونظمه التي شرعها على غير منهاج الله تعالي وخلاف تشريعاته وقد أورد الشنقيطي في ( أضواء البيان ) في تفسيره لهذه الآية قوله ( فهل في الكفرة الفجرة المشرعين للنظم الشيطانية من يستحق أن يوصف بأنه الرب الذي تفوض إليه الأمور ويتوكل عليه وأنه فاطر السموات والأرض: أى خالقهما ومخترعهما على غير مثال سابق ...)

وقال الله تعالي ( أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين أتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين . وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم ) ( الأنعام )

بين الله تعالي في هاتين الآيتين أنه لا يجوز التحاكم إلى ما سواه وأن التحاكم إليه يكون بالتحاكم إلي كتابه ( وهو الذي أنزل إليكم الكتاب ) ( الأنعام : 114)

ذلك أ،ه ( منزل من ربك بالحق ) ( الأنعام : 114 وبه ( تمت كلمت ربك صدقا وعدلا ) الأنعام : 115) فمقتضي توحيد الربوبية هو الرجوع إلى هذا الكتاب وهو القرآن – والتحاكم إليه والخضوع لتشريعاته فبهذا القرآن تمت كلمة الله تعالي صدقا في الإخبار والمواعيد وعدلا في الأقضية والأحكام قال الألوسي في ( روح المعاني ): ( والمعني : لا أحد يبدل شيئا من كلماته بما هو أصدق وأعدل منه ولا بما هو بمثله فيكف يتصور ابتغاء حكم غيره تعالي )

ولا يفوتني أن أنوه إلى ما يتمناه أهل الكتاب من اليهود والنصارى إنهم يتمنون أن ينشغل المسلمون عن كتاب ربهم وينحوا شريعته ويتنكبوا لمنهاجه وهم يعلمون أن هذا الكتاب منزل من ربك بالحق ) الأنعام : 114) فهل يجوز للإسلاميين أن يغفلوا عن ذلك فيشاركوا في تحقيق أماني اليهود في تنحية شرع الله وإحلال تشريع المجلس النيابي مكانه إن أهل الكتاب حريصون على صرف المسلمين عن حقيقة التوحيد وجوهره ومضمونه وهاهم نجحوا فعلا في تشويه جانب مهم من ذلك وهو توحيد الربوبية قال الله تعالي ( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق )البقرة : 109) قال ابن كثير في التفسير: ( يحذر تعالي عباده المؤمنين من سلوك طريق الكفار من أهل الكتاب ويعلمهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين مع علمهم بفضلهم وفضل نبيهم )

فهذا هو ما يحرص عليه أهل الكتاب من اليهود والنصارى وهم لا يرضون بدون ذلك قال تعالي ( ولن ترضي عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم )

( البقرة : 120) قال ابن جرير الطبري في ( جامع البيان في تفسير القرآن ) ( وليست اليهود يا محمد ولا النصارى براضية عنك أبدا فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق فإن الذين تدعوهم إليه من ذلك لهو السبيل إلى الاجتماع فيه معك على الألفة والدين القيم ولا سبيل إلى إرضائهم بإتباع ملتهم )

توحيد الأسماء والصفات :

قال الله تعالي : ( أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا ) (الأنعام : 114)

وقال الله تعالي: ( والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب ) ( الرعد : 41 )

وقال الله تعالي: ( ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم ) ( الممتحنة: 10)

وقال الله تعالي :( وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون ) ( النور 48)

وقال الله تعالي : ( إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ) ( النور : 51 )

وقد ورد وصف الله تعالي بالحكيم في آيات كثيرة منها : ( إنك أنت العزيز الحكيم . [ البقرة  : 129] ( والله عليم حكيم ) [ النساء : 26)

قال الشيخ ابن عثيمين في ( القواعد المثلي في صفات الله وأسمائه الحسني ) " العزيز الحكيم" ( فإن الله يجمع بينهما في القرآن كثيرا فيكون كل منهما دالا على الكمال الخاص الذي يقتضيه وهو العزة في العزيز والحكم والحكمة في الحكيم ..وكذلك حكمه تعالي وحكمته مقرونان بالعز الكامل بخلاف حكم المخلوق وحكمته فإنهما يعتريهما الذل )

فيفهم مما ذكرت من الآيات أن الله تعالي من أسمائه ( الحكم ) ومن صفاته أنه ( يحكم) بين عباده وأن حكمه هو العدل على مقتضي ( الحكمة ) والحكم والحكمة متضمنان في صفة ( الحكيم ) وقد روي البخاري ومسلم من حدي أبي هريرة وهذا لفظ البخاري أن رسول الله صلي الله عليه وسلن قال : ( إن لله تسعة وتسعين اسما و مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة ) .

ورواه الترمذي بلفظ ( إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس .. الحكم العدل ) الحديث

قال الترمذي : هذا حديث غريب ، حدثنا به غير واحد عن صفوان بن صالح ولا نعرفه إلا من حديث صفوان بن صالح ، وهو ثقة عند أهل الحديث قال الحافظ ابن حجر في " الفتح" ( وأما رواية الوليد عن شعيب وهي اقرب الطرق إلى الصحة وعليها عول غالب من شرح الأسماء الحسني فسياقها عن الترمذي ..

ثم ساق رواية الترمذي ) ثم قال ( وقد وقع نحو ذلك من الأسماء التي في رواية الترمذي وهي ..والحكم من قوله ( أفغير الله أبتغي حكما ) ( الأنعام : 114)

وقال ابن الأثير في " جامع الأصول " الحكم ، الحاكم ، وحقيقته الذي سلم له الحكم ورد إليه العدل : هو الذي لا يميل به الهوي فيجور في الحكم "

وقال في " تيسير العزيز الحميد" أما الحكم فهو من أسماء الله تبارك وتعالي وقد ورد عده في الأسماء الحسني مقرونا بالعدل فسبحان الله ما أحسن اقتران هذين الأسمين قال في – شرح السنة -: الحكم : هو الحاكم الذي إذا حكم لا يرد حكمه ، وهذه الصفة لا تليق بغير الله تعالي ، كما قال تعالي ( والله يحكم لا معقب لحكمه ) الرعد : 41 )

وقال الشوكاني في " فتح القدير " في تفسير قوله تعالي ( أفغير الله ابتغي حكما ) الآية " التقدير : قل لهم يا محمد كيف أضل وأبتغي غير الله حكما ينكر عليهم ما طلبوه منه من أن يجعل بينه وبينهم حكما فيما اختلفوا فيه وإن الله هو الحكم العدل بينه وبينهم "

واسم " الحكم" هو من الأسماء المختصة بالله تعالي ويدل على ذلك ما ورد في حديث أبي شريح عند أبي داود والنسائي والبيهقي وهذا لفظ أبي داود " أنه لما وفد إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم مع قومه سمعهم يكنونه بأبي الحكم فدعاه رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال: إن الله هو الحكم وإليه الحكم فلم تكني أبا الحكم ؟ فقال : إن قومي إذا اختلفوا في شئ أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين . فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم ما أحسن هذا فما لك من الولد ؟ قال : لي شريح ومسلم وعبد الله قال : فمن أكبرهم ؟ قلت : شريح . قال : فأنت أبو شريح " والحديث رواه أيضا البخاري في " الأدب المفرد " والدولابي في " الكني " ورواه ابن سعد في " الطبقات " من طريق آخر وقد صححه الألباني في " صحيح الجامع " وكذا الأرناؤوط في " جامع الأصول ".

قال في " تيسير العزيز الحميد في شرحه لهذا الحديث :" وفيه الدليل علي المنع من التسمي بأسماء الله المختصة به والمنع مما يوهم عدم الاحترام لها كالتكني بأبي الحكم ونحوه "

فتبين لنا مما سبق :

1- أن الله تعالي من أسمائه الحسني " الحكم"

"2- وأن من صفاته تعالي أنه " يحكم بين عباده " كما قال تعالي ( إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون ) الزمر : 3 ) وأن الله تعالي ( يحكم ما يريد ) المائدة : 1) وأنه ( لا معقب لحكمه ) ( الرعد : 41 )

  • والسؤال الآن : فما يجوز للعباد من ذلك ؟ وما لا يجوز
الجواب : لا يجوز للعباد أن يتسموا باسم " الحكم" ولكن يجوز لهم أن يمارسوا " الحكم" وأن " يحكموا " في القضايا التي يختلفون فيها بما شرع الله وأن يسمي الذي يحكم بين الناس بـ " الحاكم " أو " القاضي " وقد يطلق عليه لفظ " الحكم " على سبيل الوصفية وليس على سبيل العلمية .

وأدلة ما ذكرته بشأن الجواز ما يلي :

قال الله تعالي ( إنا أنزالنا التوراة فيها هدي ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار ) ( المائدة : 44) فوصف الله تعالي النبيين والربانيين والأحبار بأنهم " يحكمون " وقال لنبيه محمد صلي الله عليه وسلم ( فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ) المائدة : 48 ) وقال له : ( فإن جاءوك فاحكم بينهم أو اعرض عنهم ) ( المائدة : 42 )
وقال تعالي في صفات المؤمنين ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) ( النساء ك65)وآيات أخري كثيرة والذي يحكم يوصف بأنه " حاكم "و" حكم"قال الله تعالي ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون )( البقرة : 188) وقال تعالي : ( وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ) النساء : 35 )د وقد ورد في مسند الإمام أحمد قصة على رضي الله تعالي عنه مع الخوارج وفيها أنهم قالوا له : انسلخت من قميص ألبسكه الله تعالي ، واسم سماك الله تعالي به ثم انطلقت فحكمت في دين الله ، فلا حكم إلا الله تعالي " وفيه " أن عليا دعا بمصحف إمام عظيم ، فوضعه بين يديه ، فجعل يصكه بيده ، ويقول أيها المصحف ! حدث الناي . فناداه الناس فقالوا : يا أمير المؤمنين ما تسأل عنه ، إنما هو مداد في ورق ، ونحن نتكلم بما روينا منه فماذا تريد ؟ قال : أصحابكم هؤلاء الذين خرجوا، بيني وبينهم كتاب الله ، يقول الله تعالي في كتابه في امرأة ورجل : وإن الله بينهما . فأمة محمد صلي الله عليه وسلم أعظم دما وحرمة من رجل وامرأة .." الأثر بطوله .
قال ابن كثير في " البداية والنهاية " تفرد به أحمد وإسناده صحيح . وقال الشيخ أحمد شاكر في " المسند " المحقق إسناده صحيح .
ومحل الشاهد أن الخوارج اعترضوا على بأن أنكروا عليه قبول التحكيم ، وقالوا : إنه حكم الرجال ( يقصدون أبا موسي الأشعري وعمروا بن العاص ) وأنه لا حكم إلا لله ، وظنوا أن هذه الصفة وهي " الحكم" لا تكون للبشر بإطلاق بل هي لله وحده فرد عليهم علي بالآية وأن الله تعالي وصف المبتعث من أهل الزوج لحل الخلاف بين الزوجين بالـ " حكم" وكذا المبتعث من أهل الزوجة لهذا الغرض وصفه بالـ حكم" .

فصفة " الحكم" من صفات الله تعالي وتكون صفة للعباد أيضا فما الفرق بينهما ؟

الفرق هو أن حكم الله تعالي الأصل والمرجع وأما العباد فيجب عليهم الرجوع في ما اختلفوا فيه إلى حكم الله تعالي فيتحاكمون إلى تشريعه ويرجعون إلى حكمه فحكمهم في أية قضية ليس على سبيل الاستقلال بل على سبيل الإتباع ووظيفة " الحاكم " أو القاضي " هي أن " يحكم" أو " يقضي " في القضية المعروضة أمامه بما حكم الله تعالي فيها سواء كان حكم الله تعالي مبينا في القرآن أو مبينا في السنة ولا يجوز للحاكم أو القاضي أن يحكم في قضية علم فيها حكم الله تعالي فيحكم بخلافه وهو يعلم فإن فعل مختارا راضيا غير مكره كان كافرا وظالما وفاسقا كما قال تعالي : -( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) (المائدة : 44)( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون )فيتنزل عليه وصف " الكفر" و" الظلم " و" الفسق " بحسب حاله فربما كان مخرجا من الملة وربما كان كفرا دون كفر وظلما دون ظلم وفسقا دون فسق .
فما علم فيه تحليل من الله تعالي فإنه يحرم علي أية سلطة أن تجعله حراما وما علم فيه تحريم من الله تعالي فإنه يحرم على أية سلطة أن تجعله حلالا ، فلا يجوز لأحد من العبيد – كائنا من كان – أن يبتدر الأمر فيجعله حلالا أو حراما من تلقاء نفسه ولا قيمة لقوله : إن الذين شرعت لهم بتحليل وتحريم رضوان بما فعلت أو قوله إنه فوضوني بذلك.
قال الله تعالي ( قل أرئيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل الله أذن لكم أم على الله تفترون ) يونس : 59 )ودلالة الآية واضحة في أن الذي نزل الرزق هو وحده فقط الذي له حق التحليل والتحريم .
وقال الله تعالي : ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون . متاع قليل ولهم عذاب أليم ) النحل : 117)
قال الشيخ الشنقيطي في " أضواء البيان " في كلامه على هذه الآية : فقد أوضحت الآية أن المشرعين غير ما شرعه الله إنما تصف ألسنتهم الكذب لأجل أن يفتروه على الله وأنهم لا يفلحون وأنهم يتمتعون قليلا ثم يعذبون العذاب الأليم وذلك واضح في بعد صفاتهم من صفات من له أن يحلل ويحرم "وبعد هذا البيان أصبح الكلام واضحا بخصوص ما يتعلق بالمجالس النيابية .

إن هذه المجالس النيابية لأنها جعلت من نفسها السلطة التشريعية المطلقة فإنها وقعت في المحاذير الآتية :

1- إن هذه المجالس النيابية لها صفة الاستقلالية المطلقة في التشريع فتشرع ما تشاء بدون الرجوع إلى حكم الله تعالي في أية قضية فتحلل ما تشاء وتحرم ما تشاء بحسب ما تراه بنظرها القاصر أنه مصلحة وإذا أصابت في تشريعاتها موافقة منها اتفاقا فعندما توصف هذه المجالس بأنها " تحكم" بمعني أنها تصدر التشريعات والقوانين التي يتم بها الحكم – فإن هذا الوصف يقع لها ليس على سبيل الاستقلال إلا لله تعالي لذلك فإن هذه المجالس النيابية قد انتحلت لنفسها وصفا بخصوص هذا الموضوع وهو استقلالية التشريع والحكم ولا يكون حقا إلا لله تعالي فهي بذلك تكون قد نازعت الله تعالي في صفة من صفاته .
ومثال ذلك ما أوردته سابقا من تحليل الدستور للاحتكار المقنن من قبل الدولة ( مادة -152 ) ومعلوم أنه محرم في الشريعة فقد ورد من حديث معمر أن النبي صلي الله عليه وسلم قال ( من احتكر فهو خاطئ ) رواه مسلم وأبو داود والترمذي .
قال الصنعاني في ( سبل السلام ) : ( وظاهر حديث مسلم تحريم الاحتكار للطعام وغيره إلا أن يدعي أنه لا يقال : احتكر إلا في الطعام وقد ذهب أبو يوسف إلى عمومه فقال : كل ما أرض بالناس حبسه فهو احتكار وإن كان ذهبا أو ثيابا وقيل لا احتكار إلا في قوت الناس وقوت البهائم وهو قول الهادوية والشافعية ولا يخفي أن الأحاديث الواردة في منع الاحتكار وردت مطلقة ومقيدة بالطعام وما كان من الأحاديث على هذا الأسلوب فإنه عند الجمهور لا يقيد فيه المطلق بالمقيد لعدم التعارض بينهما بل يبقي المطلق على اطلاقه ، وهذا يقتضي أن يعمل بالمطلق في منع الاحتكار مطلقا ولا يقيد بالقوتين إلا على رأي أبي ثور وقد رده أئمة الأصول وكأن الجمهور خصوه بالقوتين نظرا إلى الحكمة المناسبة للتحريم وهي دفع الضرر عن عامة الناس والأغلب في دفع الضرر عن العامة إنما يكون في القوتين فقيدوا الإطلاق بالحكمة المناسبة أو أنهم قيدوه بمذهب الصحابي الراوي )
ومثال آخر : وهو ما أوردته من تحريم الدستور للحرب الهجومية ( المادة 68) وهذا يقع في إطار تحريم ما أمر الله تعالي بفعله وحث عليه وأجزل الثواب فيه والأجر العظيم لمن قام به قال تعالي ( انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ) التوبة : 41) والآيات الأمرة بالجهاد كثيرة معلومة .
فتبين لنا من هذين المثالين أن المجالس النيابية قد انتحلت لنفسها صفة مستقلة في التحريم والتحليل غير متقيدة بالشريعة الإسلامية من قريب أو بعيد ولما كان الأمر على هذا النحو فإن الدستور لم يشترط الإسلام في أعضاء المجلس النيابي !!
2- بالاعتبار السابق تكون المجالس النيابية هي الحاكمة على أمر الله تعالي بالإنفاذ أو بالإيقاف أو بالرد فمثلا : يقدم لها تشريع الله تعالي ( كتحريم الخمر مثلا)
بصيغة قانون يصوت عليه فهي إما أن تنفذه أو توقفه أو ترده أو تعدل فيه أو ما شاءت وأعضاء المجلس النيابي يفعلون ذلك رغم أنهم عبيد ضعفاء فقراء إلى ربهم فأى مفارقة أعظم من ذلك وأعجب !! فانظر إلي المفاهيم كيف انقلبت !!
حيث أصبح حكم المجالس النيابية هو الموصوف بالاستقلال وحكم الله تعالي هو الموصوف بالإتباع إذا رضوا !! وكيف يكون هذا والله تعالي يقول : ( والله يحكم لا معقب لحكمه ) ( الرعد :41)
3- ومعني ذلك أن واقع المجلس النيابي هو بمثابة ما يقع له وصف " ملك الأملاك" أو" قاضي القضاة " ذلك أن " الملك " في أنظمة البشر هو الذي يحكم الناس بصفته " الملكية " فإذا كان النظام " الملكي " ديمقراطيا – يعني : أن فيه مجلسا نيابيا – فالقول قول المجلس ، ولا دخل للملك فيما يقرره المجلس وليس له من دور إلا التوقيع على القرارات تنفيذا للدستور وليس هذا في جميع النظم الديمقراطية إذ أن في بعضها القول الأخير والكلمة النافذة هي للملك لا للمجلس فعلي الحالين أحدهما سيكون " ملكا" والآخر " ملك الأملاك" أو أن يكون الزعيم " ملكا " و" ملك الأملاك" في آن واحد فملك إيران السابق مثلا كان يسمي " شاهان شاه " أو " شاه شاه" أى " ملك الملوك" وكان نظامه نيابيا .
وقد روي البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالي عنه وهذا لفظ البخاري قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ( أخني الأسماء يوم القيامة عند الله رجل تسمي ملك الأملاك) ومعني أخني : أذل وأوضع .وعند مسلم : قال سفيان : مثل شاهان شاه " وعند البخاري : قال سفيان : قال غيره : تفسير شاهان شاه .
قال الحافظ في " الفتح " في شرحه لهذا الحديث :" إن لفظ شاهان شاه كان قد كثر التسمية به في ذلك العصر فنبه سفيان على أن الاسم الذي ورد الخبر بذمه لا ينحصر في ملك الأملاك ، بل كل ما أدي معناه بأى لسان كان فهو مراد الذم " ثم قال : واستدل بهذا الحديث على تحريم التسمي بهذا الاسم لورود الوعيد الشديد ويلتحق به ما في معناه مل خالق وأحكم الحاكمين وسلطان السلاطين وأمير الأمراء وقيل : يلتحق به أيضا من تسمي بأسماء الله الخاصة به كالرحمن والقدوس والجبار ، وهل يلتحق به من تسمي قاضي القضاة أو حاكم الحكام ؟.. اختلف العلماء في ذلك"
الحاصل فإن أهم خاصية من خصائي الملوك أنهم مشرعون وحكام في آن واحد كذا في نظام البشر وفي عرفهم فإذا سلب خاصية التشريع كان ملكا صوريا فحسب لا تقع في قلوب شعبه هيبة الملوك وبما أن المجلس النيابي يمارس استقلالية التشريع فهو بهذه المثابة تقع له أهم خاصية من خصائص الملوك الحقيقيين لا الصوريين .
- هذه المجالس النيابية لا تنتحل لنفسها صفة الاستقلال في التشريع فحسب بل هي بالإضافة إلى ذلك تحارب شرع الله وتعرض عنه وتصوت ضده ( طبعا ما عدا الإسلاميين المشاركين في المجلس أو أصحاب النوايا الطيبة ) وهذا كما قال تعالي ( وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون ) ( النور : 48) وإذا قال أعضاء المجلس النيابي المصوتون ضد تطبيق شرع الله إننا نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وإننا مؤمنون فكيف توصمنا بكل هذه التهم .
أقول : حسنا فما قلتموه بمعني أن تنطبق عليكم صفة الإتباع لمنهاج الله تعالي وليس الاستقلال عنه .

وذلك قوله تعالي (أنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ) ( النور : 51 )

4- ذكرت سابقا أن معني " حكيم " يتضمن " الحكم " و" الحكمة" وأن هذين المعنيين لا يكون متصفا بهما على وجه الكمال إلا الله تعالي فهو " الحكيم "
إن المجلس النيابي قد وضع لنفسه حق التشريع من دون الله تعالي ليكون تشريعه هو " الحكم" بين الناس فيما اختلفوا فيه وإليه يرجعون في مقاضاتهم .
فإن قال المجلسيون : إن حكمنا يتضمن منتهي الحكمة وهي وضع الشئ في محله وإجرائه على مقتضي المصلحة المطلقة .

قلنا لهم : إذا ينبغي أن توافق تشريعاتكم تشريعات الله تعالي ويكون لكم بذلك وصف " الحكيم " بنفس المعني الموصوف به الله تعالي .

فإن قلتم : نعم إن المعني كما تقول .

قلنا : هذا هو الشرك بعينه .

وإن قلتم : ليس هذا ما أردنا بل أردنا أن نضع تشريعا يوافق العصر ويحقق مصالح الناس .

قلنا : فهذا لله تعالي بأن تشريعه لا يوافق العصر ولا يحقق مصالح الناس وهذا تعطيل لصفة " الحكيم" الموصوف بها الله تعالي وإثباتها للمجلس !! فضلا عن ذلك فإن فيها تكذيبا لله تعالي في قوله ( اليوم أكملت لكم دينكم أتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) ( المائدة : 3) وهذا يعني تعطيل لصفة الصدق في قوله تعالي ( ومن أصدق من الله حديثا ) النساء : 87 )

وفي قوله تعالي ( قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ) (أل عمران :95) وفي قوله تعالي ( وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته ) ( الأنعام : 115 ) فكلمة الله تعالي هي " الصدق " و" العدل"ومعني " كلمة ربك" على ثلاثة أقوال ذكرها ابن الجوزي في " زاد المسير " : أحدها : القرآن . والثاني : أقضيته وعدله . والثالث وعده ووعيده ثوابه وعقابه " فتشريع الله تعالي هو الموصوف بالعدل ولذلك أمر الله تعالي بالاحتكام إليه لأن ذلك هو مقتضي تحقيق العدل قال الله تعالي ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاي ذي القربى ) النحل :90) وما خالف تشريع الله تعالي هو " الظلم "

قلنا : معني كلامكم – والحال كما ذكرت – أن تشريع الله عزوجل هو " الظلم تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا وقد نزع الله تعالي نفسه عن الظلم في كثير من الآيات قال تعالي ( وما ربك بظلام للعبيد ) [ فصلت : 46) وقال تعالي : ( إن الله لا يظلم مثقال ذرة) [ النساء : 40] وقال تعالي : ( وما ظلمهم الله ولكم أنفسهم يظلمون ) ( آل عمران : 117) فعجبا للمجلسيين كيف انتحلوا لأنفسهم صفة " العدل " بتشريعهم غير ما أنزل الله تعالي ونفوها عن الله بنفيهم العدل في تشريعه !! لكن ذلك هو ديدن العلمانيين ومن لف لفهم ..

توحيد الإلوهية

هذا الركن من التوحيد هو الذي وقع عليه الخلاف الرئيس بين الرسل وأقوامهم وما جاء من رسول إلا قال لقومه : ( اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) وأمرهم أن يشهدوا بأن لا إله إلا الله . أى لا معبود بحق إلا الله تعالي .

ويشتمل توحيد الإلوهية على ركنين أساسين:

الأول : توحيد الله تعالي بالقصد والطلب .
الثاني : توحيد الله تعالي في الطاعة والإتباع .

وشرك الأقوام إنما يقع في أحد هذين الركنين أو في كليهما معا.

فأما الشرك في الركن الأول فيقع في التوجه إلى غير الله تعالي في الصلاة والدعاء والاستغاثة والاستعانة والتوكل والخوف الرجاء وسائر الشعائر التعبدية وكل ما يتوجه إليك بذلك وهو راض سوي الله تعالي فهو " طاغوت " مهما كان مسماه .

وأما الشرك في الركن الثاني فيقع بالتولي عن طاعة الله والإعراض عن إتباع شرعه والمبادرة إلى طاعة غير الله تعالي وإتباع سوي شرعه وكل ما توجه إليه بالطاعة والإتباع على خلاف طاعة أمر الله وإتباعه وهو راض فهو طاغوت مهما كان مسماه وهذا الركن الثاني هو محل حديثنا وأوجزه في نقاط .

الأولي : أن هذه المجالس النيابية المستقلة بنفسها بالتشريع لا تتورع أن تشرع ما لم يأذن به الله فهي بهذا الواقع تضع نفسها موضع الشريك لله تعالي في التشريع .

قال الله تعالي ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ) ( الشورى: 21) قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية :" أى هم لا يتبعون ما شرع الله لهم من الدين القويم بل يتبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجن والإنس من تحريم ما حرموا عليهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وتحليل أكل الميتة والدم والقمار إلى نحو ذلك من الضلالات والجهالة الباطلة التي كانوا قد اخترعوها في جاهليتهم من التحليل والتحريم والعبادات الباطلة والأموال الفاسدة "

فهذه المجالس النيابية تتبع ما وضعه شياطين اليهود والنصارى فتشرع قوانين على منوال ما عندهم وإن كان قد أحل حراما أو حرم حلالا وهذا لو من شرك الإلوهية .

وقد بين العلامة المودودي / تعالي في " المصطلحات الأربعة " أن في الآية " دلالة واضحة على أن الذين يرون أن ما وضعه رجل أو طائفة من الناس من قانون أو شرعة أو رسم هو قانون شرعي من غير أن يستند إلى أمر من الله تعالي فهم يشركون ذلك الشارع بالله تعالي في الإلوهية "

الثانية قال الله تعالي : ( أرأيت من اتخذ إله هواه أفأنت تكون عليه وكيلا ) الفرقان : 43 )

فهؤلاء المجلسيون الذين يشرعون وفق ما تهوي نفوسهم لا على وفق ما أمر الله تعالي به ويحكمون القوانين الوضعية بدلا من التشريعات الإلهية يكونون بذلك قد جعلوا هوام إلها يتبع بدل أن يتبعوا تشريع إلههم الحق وهو الله تعالي .

قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية " أى مهما استحسان من شئ ورآه حسنا في هوي نفسه كان دينه ومذهبه "

وقال الآلوسي في "روح المعاني " ( أرأيت من اتخذ الهه هواه ) تعجيب لرسول الله صلي الله عليه وسلم من شناعة حالهم بعد حكاية قبائحهم من الأقوال والأفعال ، والتنبيه على مالهم من المصير والمال وتنبيه على أن ذلك من الغرابة بحيث يجب أن سيري ويتعجب منه ) ثم قال : ( أرأيت الذي جعل هواه إله لنفسه بأن أطاعه وبني عليه أمر دينه معرضا عن استماع الحجة الباهرة وملاحظة البرهان النير بالكلية على معني انظر إليه وتعجب منه ) فمن مقتضيات توحيد الإلوهية طاعة الله في حكمه وإتباع منهاجه وتلك هي عبادته قال تعالي : ( إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) يوسف ( قال الأستاذ سيد قطب / في " الظلال " في معرض كلامه على هذه الآية " وهنا يضرب يوسف عليه السلام ضربته الحاسمة ، فيبين لمن ينبغي أن يكون السلطان لمن تكون العبادة إن الحكم لا يكون إلا الله فهو مقصور عليه سبحانه بحكم إلوهيته إذ الحاكمية من خصائص الإلوهية.

من ادعي هذا الحق فرد أو طبقة أو حزب أو هيئة أو أمة أو الناس جميعا في صورة منظمة عالمية ومن نازع الله سبحانه أولي خصائص إلوهيته وادعاها فقد كفر بالله كفرا بواحا يصبح به كفره من المعلوم بالدين بالضرورة حتى بحكم هذا النص وحده وادعاء هذا الحق لا يكون بصورة واحدة هي التي تخرج المدعي من دائرة الدين القيم وتجعله منازعا لله في أولي خصائص إلوهيته سبحانه فليس من الضروري أن يقول : ما علمت لكم من إله غير أو يقول أنا ربكم الأعلى كما قالها فرعون جهرة ولكن يدعي هذا الحق وينازع الله فيه بمجرد أن ينحي شريعة الله عن الحاكمية ويستمد القوانين من مصدر آخر وبمجرد أن يقرر أن الجهة التي تملك الحاكمية أى : التي تكون لها مصدر السلطات جهة أخري غير الله سبحانه و ولو كان هو مجموع الأمة أو مجموع البشرية والأمة في النظام الإسلامي هي التي تختار الحاكم فتعطيه شرعية مزاولة الحكم بشريعة الله ولكنها ليست هذا مصدر الحاكمية التي تعطي القانون شرعية مزاولة الحكم بشريعة الله ولكنها ليست هي مصدر الحاكمية التي تعطي القانون شرعيته إنما مصدر الحاكمية هو الله وكثيرون حتى من الباحثين المسلمين يخلطون بين مزاولة السلطة وبين مصدر السلطة فالناس بجملتهم لا يملكون حق الحاكمية إنما يملكها الله وحده والناس إنما يزاولون تطبيق ما شرعه الله بسلطانه أما ما لم يشرعه الله فلا سلطان له ولا شرعية ما أنزل الله به من سلطان ويوسف عليه السلام يعلل القول بأن الحكم لله وحده فيقول ( أمر ألا تعبدوا إلا إياه ) ولا نفهم هذا التعليل كما كان يفهمه الرجل العربي إلا حين ندرك معني العابدة التي يخص بها الله وحده .

إن معني : عبد في اللغة : دان وخضع ولم يكن معناه في الاصطلاح الإسلامي في أول الأمر أداء الشعائر إنما كان هو معناه اللغوي نفسه فعندما نزل هذا النص أول مرة لم يكن شئ من الشعائر قد فرض حتى ينطلق اللفظ إليه إنما كان المقصود هو معناه اللغوي الذي صار هو معناه الاصطلاحي كان المقصود به هم الدينونة لله وحده والخضوع له وحده وإتباع أمره وحده سواء تعلق هذا الأمر بشعيرة تعبدية أو تعلق بتوجيه أخلاقي أو تعلق بشريعة قانونية فالدينونة لله وحده في هذا كله هو مدلول العبادة التي خص الله سبحانه بها نفسه ولم يجعلها لأحد من خلقه وحين نفهم معني العبادة على هذا النحو نفهم لماذا جعل يوسف عليه السلام اختصاص الله بالعبادة تعليلا لاختصاصه بالحكم فالعبادة – أى :الدينونة – لا تقوم إذا كان الحكم لغيره.

وسواء في هذا حكمه القدري القهري في حياة الناس وفي نظام الوجود ، وحكمه الشرعي الإرادي في حياة الناس خاصة فكله حكم تتحقق به الدينونة ويقرر يوسف عليه السلام أن اختصاص الله سبحانه بالحكم تحقيقا لاختصاصه بالعبادة ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون) وكونهم ( لا يعلمون ) لا يجعلهم على دين الله القيم فالذي لا يعلم شيئا لا يملك الاعتقاد فيه ولا تحقيقه فإذا وجد ناس لا يعلمون حقيقة الدين لم يعد من الممكن عقلا وواقعا ووصفهم بأنهم على هذا الدين ولم يقم جهلهم عذرا لهم يسبغ عليهم صفة الإسلام ذلك أن الجهل مانع للصفة ابتداء فاعتقاد شئ فرع عن العلم به وهذا منطق العقل والواقع بل منطق البداهة الواضح.

لقد رسم يوسف عليه السلام بهذه الكلمات القليلة الناصعة الحاسمة المنيرة كل معالم هذا الدين وكل مقومات هذه العقيدة كما هز بها كل قوائم الشرك والطاغوت والجاهلية هزا شديدا .

الثالثة إن إعطاء المجالس النيابية الحق لنفسها بالتشريع إنما هو تعطيل لتوحيد الإلوهية وتثبيت لحكم الجاهلية قال الله تعالي : ( أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ) المائدة:50)

فبينت هذه الآية أن هناك حكمين لا ثالث لهما : حكم الله تعالي وحكم الجاهلية فمن أعرض عن حكم الله تعالي فقد وقع في حكم الجاهلية وإتباع حكم الله تعالي هو مقتضي توحيد الإلوهية والإعراض عنه حكم الجاهلية هو عين الإشراك في إلوهيته ولأن المجالس النيابية قد خصت نفسها بحق التشريع بتخويل من الشعب كما تدعي فتشريعها هو تشريع الجاهلي وحكمها هو حكم الجاهلية ولو كان أعضاء هذه المجالس الموافقون على غير تشريع الله تعالي يوقنون بأن التشريع الحق هو التشريع المنزل من الله دليل بين وعلامة واضحة على عدم إيقانهم أن هذا التشريع هو من الله تعالي أو يوقنون لكنهم يستكبرون عن إتباعه أو عدم إيقانهم أن هذا التشريع مناسب لكل حال وزمان أو عدم إيقانهم أن تشريع رب الأرباب ورب العالمين هو أعدل وأفضل وأحسن من تشريعهم أو عدم إيقانهم بذلك كله !!

قال الله تعالي ( ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون )المائدة ( 50)قال ابن كثير في تفسيره لقوله تعالي ( أفحكم الجاهلية يبغون )( المائدة :50) " ينكر تعالي على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل اشرع وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بل مستند من شريعة الله كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكز خان الذي وضع لهم " الياسق " وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتي من اليهودية والنصرانية الملة الإسلامية وغيرها وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه فصارت في بنية شرعا متبعا يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير قال تعالي ( أفحكم الجاهلية يبغون ) ( المائدة :50) أى يبتغون ويريدون وعن حكم الله يعدلون ( ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ) المائدة:50) أى : ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه وآمن به وأيقن وعلم أن الله أحكم الحاكمين وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها فإنه تعالي هو العالم بكل شئ القادر على كل شئ في كل شئ "

الرابعة : إن المجالس النيابية بانتحالها حق التشريع لنفسها من دون الله تكون قد اقتفت ما كان علي مشركو العرب من جرأة على الله تعالي بمبادرتهم التحليل والتحريم بموجب هوي نفوسهم ومن غير أن يأذن الله تعالي لهم قال الله تعالي ( وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون ) ( الأنعام 136) وقال الله تعالي : ( وقالوا هذه أنعام وحث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون . وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم ( الأنعام : 138 -139 )

قال الشيخ رشيد رضا في " المنار " ( بعد محاجة مشركي مكة وسائر العرب فيما تقدم من أصول الدين وآخرها البعث والجزاء ذكر بعض عباداتهم الشركية في الحرث والأنعام وقتل الأولاد والتحليل والتحريم بباعث الأهواء النفسية والخرافات الوثنية ) وفي قوله تعالي ( ساء ما يحكمون ) الأنعام : 136) قال الشيخ رشيد رضا : أى قبح حكمهم هذا ، أو ما يحكمون به وقبحه من وجوده منها أنه اعتداء على الله بالتشريع ومنها الشرك في عبادته ولا يجوز أن يكون لغير الله أدني نصيب مما يتقرب به إليه ومنها ترجيح ما جعلوه لشركائهم على ما جعلوه لخالقها وخالقهم "

فكان التحليل والتحريم بباعث الأهواء النفسية إنما هو بسبب شركهم بالإلوهية ولذلك شنع الله تعالي عليهم ذلك الفعل ثم انظر إلى ما قاله الشيخ رشيد رضا في تفسيره لقوله تعالي ( ساء ما يحكمون ) ( الأنعام 136) فبين أن أكبر إساءة وأولها هي الاعتداء على الله بالتشريع من دون إذن من الله وهذا عين ما تفعله المجالس النيابية إذ أنها تبادر بالتشريع بغير إذن من الله وفي تفسيره لقوله تعالي ( وقالوا هذه أنعام وحرث حجر) ( الأنعام : 138) قال شيخ المفسرين الإمام الطبري في "جامع البيان في تفسير القرآن " " هذا خبر من الله تعالي ذكره عن هؤلاء الجهلة من المشركين أ،هم كانوا يحرمون ويحللون من قبل أنفسهم من غير أن يكون الله أذن لهم بشئ من ذلك " وفي تفسيره لقوله الإمام ( سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم ) ( الأنعام :139) قال الإمام الطبري :" يقول جل ثناؤه ( سيجزي) أى : سيثيب ويكافئ هؤلاء المفترين الكذب في تحريمهم ما لم يحرم الله وتحليلهم ما لم يحلله الله وإضافتهم كذبهم في ذلك إلى الله وقوله ( وصفهم ) يعني : بوصفهم الكذب على الله وذلك كما قال جل ثناؤه في موضع آخر من كتابه : ( وتصف ألسنتهم الكذب ) "

إن مشركي العرب الذين وقعوا في شرك الإلوهية بسبب هذه الأعمال بادروا بالتحليل والتحريم من عند أنفسهم فشنع الله عليهم ذلك رغم أنه لم يكن لهم كتاب فكيف سيكون التشنيع على مثل هذه المجالس النيابية التي حللت وحرمت من عند نفسها رغم وجود كتاب الله تعالي وسنة نبيه محمد صلي الله عليه وسلم بين أيديها !!

لقد بين الله تعالي أن المبادرة بالتحليل والتحريم هي من أعظم الظلم لأنه افتراء الكذب على الله تعالي وإضلال للناس بغير علم قال الله تعالي ( ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل الذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل الذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذه فمن أظلم ممن افتري على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) [ الأنعام : 143 -144] فإذا كان هؤلاء قد استحقوا هذا الوصف بسبب فعلهم هذا وليس معهم من الله كتاب فما هو الوصف الذي يستحقه المجلس النيابي وكتاب الله بين يدي أعضائه؟!!

يقول الإمام الطبري / تعالي في تفسيره لهذه الآيات " فلا تتبعوا خطوات الشيطان في تحريم ما حرم هؤلاء الجهلة بغير أمري إياهم بذلك قل يا محمد لهؤلاء الذين حرموا ما حرموا من الحرث والأنعام اتباعا للشيطان من عبدة الأوثان والأصنام الذين زعموا أن الله حرم عليهم ما هم محرمون من ذلك الذكرين حرم ربكم أيها الكذبة على الله من الضأن والمعز فإنهم إن ادعوا ذلك وأقروا به كذبوا أنفسهم وأبانوا جهلهم.. قل لهم : خبروني بعلم ذلك على صحته أى ذلك حرم ربكم عليكم ؟ وكيف حرم؟ إن كنتم صادقين فيما تنحلونه ربكم من دعواكم وتصفونه إليه من تحريمكم ، وإنما هذا إعلام من الله جل ثناؤه نبيه أن كل ما قاله هؤلاء المشركون في ذلك وأضافوا إلى الله فهو كذب على الله وأنه لم يحرم شيئا من ذلك وأنهم إنما اتبعوا في ذلك خطوات الشيطان وخالفوا أمره "

وقال : " وأما قوله ( أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افتري على الله كذبا ليضل الناس بغير علم ) [ الأنعام : 144] فإنه أمر من الله جلب ثناؤه نبيه صلي الله عليه وسلم أن يقول لهؤلاء الجهلة من المشركين الذين قص قصصهم في هذه الآيات التي مضت يقول له عز ذكره : قل لهم يا محمد أى هذه سألتكم عن تحريمه حرم ربكم عليكم من هذه الأزواج الثمانية ؟ فإن أجابوك عن شئ مما سألتهم عنه من ذلك ، فقل لهم : أخبرا قلتم : إن الله حرم هذا عليكم أخبركم به رسول ربكم ؟ أم شهدتم بكم فرأيتموه وصاكم بهذا الذي تقولون وتردون على الله ؟ فإن هذا الذي تقولون من أخباركم عن الله أنه حرام بما تزعمون على ما تزعمون لا يعلم إلا بوحي من عنده مع رسول يرسله إلى خلقه أو سماع منه فبأي هذين الوجهين علتم أن الله حرم ذلك؟.. أم شهدتم ربكم فأوصاكم بذلك وقال لكم :حرمت ذلك عليكم فسمعتم تحريمه منه وعهده إليكم بذلك فإنه لن يكن واحدا من هذين الأمرين ( فمن أظلم ممن افتري على كذبا ) يقول : فمن أشد ظلما لنفسه وأبعد عن الحق ممن تخرص على الله – قيل : الكذب – وأضاف إليه تحريم ما لم يحرم وتحليل ما لم يحلل ليضل الناس بغير علم " ومعلوم أنه لا يختلف حال المجالس النيابية عن هذا الوصف من حيث الأصل إلا فيما تدعيه من كونها أعلم بشئون الناس واحتياجاتهم من المسطر في كتاب الله وسنة نبيه .

وإذا كان المشركون ينسبون تحليلهم وتحريمهم إلى الله تعالي ليضفوا عليه – على زعمهم – مسحة القبول ، فإن المجالس النيابية لا تفعل ذلك لأنها تعتبر نسبة ذلك إلى الله تعالي انتقاصا من قدراتها وإمكاناتها العقلية والفكرية والثقافية وتشكيكا في تعبيرها عن آمال الجماهير التي انتخبتها !! وتصرفها ذلك يعني أنها غنية عن الله وتشريعه !! وكيف يكون ذلك والله تعالي يقول ( يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد"

وخلاصة ما وصلنا إليه وتبين واضحا أن استقلالية المجالس النيابية بالتشريع بغير رجوع إلى كتاب الله وسنة نبيه فيه نقض لتوحيد الربوبية والأسماء والصفات والإلوهية ..

المطلب الثاني الدساتير الوضعية .. أطر تشريعات المجالس النيابية

قد بينت سابقا أن المجالس النيابية تستقل بالتشريع بتخويل مزعوم من الشعب إلا أن ما ينبغي التنبيه إليه هنا هو أن هذا الاستقلال التشريعي مأطر بدستور الدولة وإذا تتبعنا دساتير الدول الإسلامية الحاكمة بالنظام الديمقراطي وجدنا أن هذه الدساتير ينص بعضها على أن الشريعة الإسلامية هي مصدر رئيس للتشريع وليست مصدرا وحيدا وبعضها لم ينص على ذلك مطلقا بل ترك الأمر للمجلس النيابي بإطلاق من غير تقييد أو توجيه فأما هذه الأخيرة فالأمر فيها واضح لا لبس فيه لكن الغبش يتسرب من الذين جعلوا الشريعة الإسلامية مصدرا رئيسا للتشريع ومن المعلوم أن هذا النص لا يلزم المجلس النيابي بالتشريع الإسلامي دون سواه فما الذي يمنع من أن يكون للمجلس النيابي مصادر رئيسة أخري للتشريع ؟!

إن كان بحسب المدلول اللغوي فلا مانع وإن كان من حيث الواقع فإن الشريعة الإسلامية ليست إلا مصدرا انويا ومحدودا في تشريعات المجالس النيابية وليس لها من وجود في الواقع إلا في حدود الأحوال الشخصية فقط لا غير وحتى الأحوال الشخصية لم تسلم تشريعاتها الإسلامية من التحريف والتعطيل جزئيا أو كليا ..

والذي سأتحدث بشأنه الآن هو عدم جواز اعتبار التشريع الإسلامي مصدرا رئيسا للتشريع بل لابد من الإيمان والإقرار والاعتراف والتسليم بأن التشريع الإسلامي هو المصدر الوحيد الذي يجب التحاكم إليه والعمل بموجبه في جميع النواحي السياسية والاقتصادية والقضائية والاجتماعية والإعلامية والثقافية وغيرها . أى جميع جوانب الحياة لقد بين الله تعالي أن هذا الدين يؤخذ كاملا كما أنزله الله تعالي وليس لأحد من البشر كائنا من كان أن يجزئه أجزاء ويفرقه أشتاتا يأخذ منها بعضا ويترك البعض الآخر قال الله تعالي : ( يا أيها الذين أمنوا ادخلوا في السلم كافة و لا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين )[ البقرة:208ٍ]

قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية :" يقول الله تعالي آمرا عباده المؤمنين به المصدقين برسوله ، أن يأخذوا بجميع عري الإسلام وشرائعه والعمل بجميع أوامره وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك " ثم قال :" ومن المفسرين من يجعل قوله : ( كافة ) حالا من الداخلين أى : ادخلوا في الإسلام كلكم والصحيح الأول ، وهو نهم أمروا كلهم أن يعملوا بجميع شعب الإيمان وشرائع الإسلام ، وهي كثيرة جدا ما استطاعوا منها " وقال الله تعالي في موقف بني إسرائيل من تنفيذ بعض الأحكام لإلهية وإعراضهم عن بعضها الآخر : ( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون ( البقرة:85)

يقول الشيخ رشيد رضا في " المنار " في تفسيره لهذه الآية : أليس من الحماقة والهزأ والسخرية أن يدعي مدع مثل هذا الإيمان بأهون الأمور مع الكف بأعظمها ؟ والإيمان لا يتجزأ بالكفر بالبعض كالكفر بالكل " فالتشريع الرباني الذي أوحاه الله تعالي إلى نبيه محمد صلي الله عليه وسلم تشريع كامل لا نقص فيه ولا عوج ، قال الله تعالي ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) [ المائدة : 3)

لقد أمرنا الله تعال بالاستسلام الكامل والانقياد التام لما أنزله في كتابه وهذا هو معني الإسلام بالمدلول اللغوي ، قال الله تعالي ( وأنيبوا إل ربكم وأسلموا له من قبل أن أتيكم العذاب ثم لا تنصرون * واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون) [ الزمر : 55]

قال القرطبي في تفسيره لهذه الآية " أى : رجعوا إليه بالطاعة ( وأسلموا له ) أى : اخضعوا له وأطيعوه ( واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ) هو القرآن وكله حسن فهل موافقة المجلس الانيابي على الاحتكام في بعض الأحكام إلى غير كتاب تعالي إنابة إلى الله تعالي أم تول عنه وإعراض ؟!! وهل هو إسلام له أم استعلاء واستكبار!!

المطلب الثالث المجالس النيابية تستبدل الطاغوت بشرع الله المحكم

لقد بينت أن المجالس النيابية تحتكم إلى الدساتير الوضعية وإن من صلاحياتها التبديل في تلك الدساتير بحسب ما تراه ومعلوم أن الدساتير الوضعية إنما هي طاغوت يفرض على المسلمين الاحتكام إليه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

لكن العبد مأمور بعبادة الله واجتناب الطاغوت قال الله تعالي : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) [ النحل / 36)

قال ابن القيم : " الطاغوت م تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع فطاغوت كل قوم ما يتحاكمون إليه غير الله ورسوله أو يعبدونه من دون الله فهذه طواغيت العالم "

فالدساتير الوضعية هي طاغوت من حيث القدسية التي أضفيت عليها والحرمة التي جعلت لها وهي شرعة الطاغوت من حيث كونه يحكم بها ويحمل الناس على الاحتكام إلى نصوصها ولقد علم من الدين بالضرورة أن العبد لا يكون موحدا لله حق توحيده إلا إذا كفر بالطاغوت كما قال تعالي : ( فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بلله فقد استمسك بالعروة الوثقى انفصام لها ) [ البقرة : 256].

ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها ( البقرة : 256).

ولا يخفي عليك ما في تقديم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله من نكتة إذا يلزم من تقديم بالطاغوت منع احتمال تداخله مع الإيمان بالله ولو للحظة واحدة فيكون الإيمان بالله خالصا ولذلك لمك يقل " فمن يؤمن بالله ويكفر بالطاغوت " فإن المعني عندئذ يفيد إمكانية اجتماع الإيمان بالله والطاغوت معا في وقت ما قبل أن يحصل الكفر بالطاغوت فأفاد النص القرآني أن تقديم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله معناه أنه لا ينبغي ن يجتمع إيمان بالله وإيمان بالطاغوت في قلب المؤمن ولو للحظة واحدة فكيف يدعي المجلس النيابي إيمانا وهو يحتكم إلى شرعة الطاغوت !!

ولقد عجب الله تعالي نبيه ممن يدعي ذلك فقال ( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم امنوا بما انزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا )( النساء : 60)

قال ابن كثير في " التفسير " "هذا إنكار من الله عزوجل على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله كما ذكر في سبب نزول هذه الآية أنها نزلت في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما فجعل اليهودي يقول : بيني وبينك محمد وذاك يقول : بيني وبينك كعب بن الأشرف وقيل في جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإسلام أرادوا أن يتحكموا غلى حكام الجاهلية وقيل غير ذلك والآية أعم من ذلك كله فإنها ذامة لمن عدلوا عن الكتاب والسنة وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل وهو المراد بالطاغوت هن ولهذا قال ( يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ) [ النساء : 60] فلقد ذم الله تعالي من أراد أن يتحاكم إلى الطاغوت فكيف بمن عبر عن هذه الإرادة بالتحاكم الفعلي !!

ولقد بوب الإمام محمد بن عبد الوهاب / في كتاب " التوحيد " باب لهذه الآية فقال " باب قول الله تعالي ثم ذكر الآية " قال شارح كتاب التوحيد في كتاب " تيسير العزيز الحميد " " نبه في هذا الباب على ما تضمنه التوحيد واستلزمه من تحكيم الرسول صلي الله عليه وسلم في موارد النزاع إذ هو مقتضي شهادة أن لا إله إلا الله فلابد من الانقياد لحكم الله والتسليم لأمره الذي جاء من عنده على يد رسوله محمد صلي الله عليه وسلم فمن شهد أن لا إله إلا الله ثم عدل إلى تحكيم غير الرسول صلي الله عليه وسلم في موارد النزاع فقد كذب في شهادته " ثم قال " وتأمل تصديره سبحانه الآية منكرا لهذا التحكيم على من زعم أنه قد آمن بما أنزله الله عليه رسوله صلي الله عليه وسلم وعلى من قبله ثم هو مع ذلك يدعو إلى تحكيم غير الله ورسوله صلي الله عليه وسلم ويتحاكم إليه عند النزاع وفي ضمن قوله ( يزعمون )نفي لما زعموه من الإيمان ولهذا لم يقل ( ألم تر إلى الذين آمنوا ) فإنهم لو كانوا من أهل الإيمان حقيقة لم يريدون أن يتحاكموا إلى غير الله تعالي ورسوله صلي الله عليه وسلم ولم يقل فيهم : ( يزعمون ) فإن هذا إنما يقال غالبا لمن ادعي دعوي هو فيها كاذب أو منزل منزلة الكاذب لمخالفته لموجبها وعمله بما ينافيها )فيتبين لنا ممن سبق أن دعوي الإيمان التي يدعيها الذي يتحاكم إلى غير شرع لله إنما هي زعم لا وجود لها على وجه الحقيقة .

ومن هنا يفهم جليا أن كفر الذي يشرع غير الله أو يتحاكم إلى غير شرع الله مؤمنا به فيحكمه في شئون حياته إنما هو كفر اعتقادي وليس كفرا عمليا .

ولذلك قل الله تعالي في الكفار كفرا اعتقاديا ( والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ) ( البقرة : 257) ووصف المدفعين عن الطاغوت المقاتلين في سبيله بأنهم كفار فقال ( والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ) ( النساء: 76)ه قد تبين الأمر فما هو قول أصحاب المجلس النيابية وحالها أنها تتحكم إلى الطاغوت ؟!

المطلب الرابع المجالس النيابية تحجب الجانب الرسالي عن حياة الناس

لقد بعث الله رسوله محمد صلي الله عليه وسلم ليبين للناس ما نزل إليهم من ربهم ويفصله لهم على الوجه الذي تصح به عقيدتهم وعبادتهم ويصلح به شأن دنياهم ومعاشهم قال الله تعالي ( وما أنزلن عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدي ورحمة لقوم يؤمنون ) ( النحل : 64) ولقد بلغ رسول الله صلي الله عليه وسلم رسالة ربه وأشهد أصحابه على تبيلغها لهم كما قال في حجة الوداع ( وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلو ؟ قالوا : نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فقال بأصبعه السبابة يرفعه إلى السماء وينكتها إلي الناس : اللهم اشهد ، اللهم اشهد ، ثلاث مرات ..)الحديث رواه مسلم وغيره .

وقد أمر الله تعالي بالتقيد بما جاء به رسوله الله صلي الله عليه وسلم من أمر أو نهي قال الله تعالي ( ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن لله شديد العقاب ) ( الحشر : 7) إن هذه الآية وإن كان نزولها بصدد غزوة بني النضير إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو معلوم قال الإمام الشوكاني : ( والحق أن هذه الآية عامة في كل شئ يأتي به رسول الله صلي الله عليه وسلم من أمر أو نهي أو قول أو فعل وإن كان السبب خاصا فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وكل شئ أتانا به من الشرع فقد أعطانا إياه وأوصله إلينا ومن أنفع هذه الآية وأكثر فائدتها ثم لما أمرهم بأخذ ما أمرهم به الرسول وترك ما نهاهم عنه أمرهم بتقواه وخوفهم شدة عقوبته فقال ( واتقوا الله إن الله شديد العقاب ) فهو معاقب من لم يأخذ ما آتاه الرسول ولم يترك ما نهاه عنه )

وقد بين الله تعالي أن طاعة الرسول صلي الله عليه وسلم من طاعته فقال ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولي فما أرسلناك عليهم حفيظا ) ( النساء : 80)

وقد ورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة وهذا لفظ البخاري – أن رسول الله صلي الله قال : ( من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصي الله )

وفي حديث المقدام بن معد يكرب الكندي قال : قال رسول الله صلي الله عليه ( لا إني أوتيت الكتاب ومثله معه . ألا أني أوتيت القرآن ومثله معه ، ألا يوشك رجل ينثني شبعانا على أريكته يقول : عليكم بالقرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حران فحرموه ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السباع ولا لقطة من مال معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها ) قال الألباني في ( المشتكاة) رواه أبو داود بسند صحيح وروي الدار مي نحوه وكذا ابن ماجة إلى قوله ( كما حرم الله) .

وقد جعل الله تعالي طاعة رسوله أصلا ، كما أن طاعته صبحنه أصل ، فقال : ( يأيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا )[ النساء]

قال سيد قطب / تعالي في " الظلال " في استظلاله عند هذه الآية : والنص يجعل طاعة الله أصلا وطاعة رسوله أصلا كذلك ، بما أنه مرسل منه ، ويجعل طاعة أولي الأمر منكم تبعا لطاعة الله وطاعة رسوله فلا يكرر لفظ الطاعة عند ذكرهم كما كررها عند ذكر الرسول صلي الله عليه وسلم ليقرر أن طاعتهم مستمدة من طاعة الله وطاعة رسوله بعد أن قرر أنهم منكم بقيد الإيمان وشرطه "

وقال الله تعالي " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما )( النساء : 65)وقد ورد في سبب نزول هذه الآية من حديث الزهري عن عروة قال : خاصم الزبير رجلا من الأنصار في شريح من الحرة ( الشريج : سيل الماء ، والحرة الأرض ذات الحجارة السوداء ) فقال النبي صلي الله عليه وسلم : اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك .

فقال الأنصاري : يا رسول الله أن كان ابن عمتك ؟ فتلون وجهه ، ثم قال اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ، ثم أرسل الماء إلى جارك واستوعى النبي صلي الله عليه وسلم للزبير حقه في صريح الحكم حين أحفظه الأنصاري وكان أشار عليهما بأمر لهما فيه سعة قال الزبير : فما أحسب هذه الآيات إلا نزلت في ذلك : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) [ النساء : 65)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في " مجموع الفتاوى " : وقد أمر بطاعة الرسول في نحو أربعين موضعا " ثم ذكر بعضها ، ثم قال :" فهذه النصوص توجب إتباع الرسول وإن لم نجد ما قاله منصوصا بعينه في الكتاب كما أن تلك الآيات توجب إتباع الكتاب وإن لم نجد م في الكتاب منصوصا بعينه في حديث عن الرسول غير الكتاب "

وفي تفسير هذه الآية يقول العلامة الشفيطي في " أضواء البيان " : " أقسم تعالي في هذه الآية الكريمة بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم رسوله صلي الله عليه وسلم في جميع الأمور ثم ينقاد لما حكم به ظاهرا وباطنا ويسلمه تسليما كليا من غير ممانعة ولا مدفعه ولا منازعة وبين في آية أخري أن قول المؤمنين محصور في هذا التسليم الكلي والانقياد التام ظهرا وباطنا لما حكم به صلي الله عليه وسلم " وقد حذر الله تعالي من معصية رسوله صلي الله عليه وسلم ومن التولي عن تنفيذ أمره ، قال تعالي ( ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيه أبدا )(الجن:23)وقال تعالي ( ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالد فيها وله عذاب مهين ) [ النساء :14] وقال الله تعالي ( ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ياويلتي * ليتني لم اتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا ) [ الفرقان : 27 -29]وقد مر الله تعالي رسوله صلي الله عليه وسلم أن يتبع ما أنزله إليه ولا يتبع هواء المضلين فقال : ( فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) المائدة : 48) وحذر الله تعالي رسوله صلي الله عليه وسلم من أن يفتنه أصحاب الأهواء عن حكم الله تعالي أو عن بعضه فقال : ( ولا تتبع أهواءهم وأحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ) [ المائدة : 49].

وشدد الله تعالي عليه في التزام ما أوحاه إليه من شريعة فقال ( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ) ( الجاثية : 18)فتبين لنا مما سبق:

1- إن مهمة الرسول صلي الله عليه وسلم هي أن يبين للناس حقيقة التوحيد وما اختلفوا فيه وما أنزل الكتاب إلا لأجل ذلك لكن المجالس النيابية جعلت لنفسه حق التشريع وألغت في الوقت ذاته التشريع الذي بينه الرسول صلي الله عليه وسلم وبذلك تكون قد حجبت التطبيق العملي لذلك البيان فبقي مدونا بين دفات الكتب لا يعمل به فترتب على ذلك فرض الجهل بالعقيدة والتشريع على المسلمين بقوة القانون الوضعي المشرع من قبل المجلس النيابي ولئن سألت أحدا من عامة المسلمين اليوم : هل بلغ رسوله الله صلي الله عليه وسلم رسالة ربه ؟ لقال : نعم . فإن سألته : فما الذي بلغه ؟ لقال : الدين . فإن سألته عن بعض تفاصيل هذا الدين الذي بلغه تلعثم وارتبك ذلك ن القوانين الوضعية في القضاء والإعلام والاقتصاد والتعليم وغيرها حجبت عنه التشريعات الربانية فلم يعد يعرفها وأصبحت تلك القوانين هي التي تبين للناس الذي اختلفوا فيه ناسخة بذلك البيان الذي بلغه رسول الله صلي الله عليه وسلم .
2- إن التشريعات الصادرة من المجالس النيابية تصاغ بشكل قوانين وعلى جميع الناس أن يأخذوا بتعاليمها أمرا ونهيا فأصبح حال الناس أن ما أتاهم من المجالس النيابية فعليهم أن يأخذوا به وما نهتهم عنه أن ينتهوا عنه والله تعالي يقول : ( وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) الحشر : 7) وبذلكم تكون المجالس النيابية قد حجبت مهمة الرسول صلي الله عليه وسلم عن حياة الناس بحجبها لما جاء به وعطلت طاعة الناس لربهم بتعطيله طاعتهم لرسول الله صلي الله عليهم وسلم والله تعالي يقول : ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) [ النساء : 80)
3- لقد حذر رسول الله صلي الله عليه وسلم من الذين يدعون الأخذ بالقرآن ثم هم في ذات الوقت يرفضون سنته وهم ينثنون شبعي على أرائكهم فكيف بهذه المجالس النيابية التي تستقل بالتشريع وترفض الأخذ بالقرآن والسنة جميعا ؟
4- لقد بين الله تعالي أن من علامات الإيمان به وباليوم الآخر طاعته وطاعة رسوله صلي الله عليه وسلم وأنه لا مندوحة من التحاكم إلى الله تعالي وإلي رسوله صلي الله عليه وسلم عند النزاع إلا ن هذه المجالس النيابية قد ضربت بذلك كله عرض الحائط فهل يثبت لها إيمان بالله وباليوم الآخر على الوجه الذي بينه تعالي ورسوله صلي الله عليه وسلم اقرأ قوله تعالي ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا لله والرسول وأول الأمر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا (النساء : 59)
5- إن على المؤمنين أن يرجعوا في أحكمهم كلها إلى الله تعالي ورسوله صلي الله عليه وسلم ولا يتحقق لهم الإيمان حتى يفعلوا ذلك ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا من حكم الله ورسوله ويسلموا تسليما وحكم الله هو كتابه وحكم رسوله صلي الله عليه وسلم هو سنته وإن المجالس النيابية تحول بين الناس وبين ذلك عن طريق إخضاعهم بالقسر والقهر إلى غير حكم الله ورسوله بل إلى حكم اليهود والنصارى .
6- إن على المسلمين جميعا أن يرفضوا هذه الأحكام الوضعية المفروضة عليهم باسم المجالس النيابية أو باسم الدكتاتورية وإلا وقعوا في معصية الله ورسوله ولابد لهم من إنكار هذا المنكر إما باليد أو باللسان أو بالقلب ، كل بحسب طاقته ومقدرته لكن لا ينبغي لهم أن يشاركوا في هذه المجالس بتبريرات واهية لا قيمة حقيقية لها عند التحقيق .
7- إن على الإسلاميين على وجه الخصوص أن يعلنوا إنكارهم لواقع المجالس النيابية المؤسسة على إتباع الهوى ( ولا تتبع أهواءهم ) ويعلنوا على الملأ أن لهم شرعة ومنهاج غير شرعة ومنهج الطاغوت ولا ينبغي لهم أن يستدرجوا من قبل أعداء الله بل عليهم أن يحذروا كيدهم ومكرهم ( وأحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ) [ المائدة :49] الآية .

المطلب الخامس لماذا يكرهون شرع الله

إن القوي الطاغوتية المسيطرة على كراسي المجالس النيابية تضع العراقيل بعد العراقيل للحيلولة دون أن يأخذ شرع الله تعالي طريقه في حياة الناس فما هو السر الكامن وراء هذه الكراهية الحاقدة والمتغلغلة في نفوس هذه الرمز فتحملهم على تنحية شرع الله تعالي عن الحكم وعلى صد الناس عن سبيل الله ؟

لقد بين القرآن الكريم الأسباب الكائنة وراء ذلك وهذه بعضها :

1- إنهم لا يحبون الله تعالي ولا رسوله صلي الله عليه وسلم وعلامة ذلك توليهم عن إتباع أمر الله تعالي وأمر رسوله صلي الله عليه وسلم قال الله تعالي ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) ( آل عمران :31 )إن المحبة محلها القلب وعلامته الإتباع فكل من ادعي محبة الله تعالي ولم يكن متبعا لرسوله صلي الله عليه وسلم فدعواه باطلة .
إن أعضاء هذه المجالس النيابية المحادون لله ولرسوله يعلنوها صريحة واضحة : إنهم لا يريدون شرع الله وحيانا – ولظروف معينة – يسرون قولتهم هذه لكن النتيجة واحدة فدل ذلك على عدم محبتهم لله تعالي ولرسوله صلي الله عليه وسلم .
قال ابن كثير : تعالي في تفسير لهذه الآية :" هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعي محبة الله تعالي وليس هو على الطريقة المحمدية ، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر ،حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله كما ثبت في الصحيح عن الرسول صلي الله عليه وسلم انه قال ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ) ثم قال وقال الحسن البصري وغيره من السلف : زعم قوم نهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية فقال ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) [ آل عمران : 31 ]
ومعلوم أن الذي لا يحب الله تعالي يستكبر عن عبادته ويضيق صدره عند ذكر الله أمامه وتنفرج أساريره عندما يذكر الذين من دونه كما قال تعالي واصفا حال أمثالهم ( وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذ هم يستبشرون ) الزمر : 45)
قال ابن القيم / تعالي :" فأصل المحبة المحمودة التي أمر الله تعالي بها وخلق خلقه لأجلها هي محبته وحده لا شريك له ، المتضمنة لعبادته دون عبادة ما سواه فإن العبادة تتضمن غاية الحب بغاية الذل ، ولا يصلح ذلك إلا الله عزوجل وحده "
2- إنهم يكرهون ما أنزل الله تعالي على نبيه صلي الله عليه وسلم كما قال تعالي : ( ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم ) [ محمد : 9] وكما قال تعالي :(لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون ) [الزخرف :78] وكما قال تعالي أيضا : ( بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون ) ( المؤمنون : 70)

فهذا بيان واضح من الله تعالي لحال هؤلاء الذي يشرعون غير ما أنزل الله تعالي فما هو سر كراهيتهم لما أنزل الله ؟

سر ذلك أنهم اتبعوا أهواءهم وشهواتهم التي تستنزل سخط الله عليهم فلم يكونوا حريصين على رضوانه كما قال تعالي مبينا حالهم ( ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم ) ( محمد : 28)
3- إن هذه الأنظمة الطاغوتية المتسترة بالديمقراطية لا تفتأ تسر لأعداء الله بالطاعة ولإتباع والموافقة والولاية وإن كانت علانيتهم أحيانا خلاف ذلك وقد فضح الله تعالي حالهم هذا وهتك عنهم الأستاذ قال الله تعالي ( ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم ) ( محمد : 26) قال الحافظ ابن كثير :" أى ما لؤوهم وناصحوهم في الباطن على الباطل وهذا شأن المنافقين يظهرون خلاف ما يبطنون "
4- إن أصحاب هذه المجالس النيابية يتلونون حسب مقتضيات الحال ، فإن كانت الكلمة للمسلمين وصوتهم بها يجلجل ، ركبوا الموجة ورعوا الشعارات الإسلامية رغم أن حقيقة حالهم أنهم يكرهون المسلمين وشعاراتهم وإن كان العكس بأن كان المسلمون في سبات عميق والدولة للمجلسين رأيتهم يصدون عن سبيل الله ويرفضون أية دعوة لتحكيم شرع الله قال الله تعلي ( ويقولون أمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولي فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين * وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون * وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين * أفي قلوبهم مرض أو ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون ) النور وكما قال الله تعالي ( وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا ) [ النساء :61) إلا أن مهما راوغوا وتحايلوا فإن الله تعالي يفضحهم من خلال تصرفاتهم ولحن قولهم كما قال تعالي :( أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ولو نشاء لأرينا كهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم ) ( محمد : 29-30)
5- إنهم يريدون تحقيق شهواتهم وما تهوي نفوسهم ولما كانت شهواتهم وأهواؤهم مغايرة للحق منغمسة في الباطل فإن شرع الله يفضحها ويزهقها فهم يكرهونه لهذا السبب حيث إنه يعكر عليهم التلذذ بالخطيئة وينغص عليهم الاستمتاع بالمعصية .،. وبالمقابل .. فإن واقع حالهم محتاج إلى تشريع يبرر ما هم فيه ويحقق ما يصبون إليه ولقد وجدوا بغيتهم في المجالس النيابية التي يشرعون من خلالها ما يهوون من تشريعات بإرادة شعبية !!!فلهذه الأسباب الخمسة ولغيرها تراهم يكرهون شرع الله .

المبحث الثاني تضييع حدود الولاء والبراء

وفيه المطالب التالية

المطلب الأول : لمن الولاء وممن البراء ؟

المطلب الثاني : الموافقة على منهج الطاغوت وموالاة له .

المطلب الثالث : الولاء لرموز الطاغوت

المطلب الرابع : التنسيق والتعاون مع أعداء الله .

المطلب الخامس : المداهنة لعداء الله لون من ألوان موالاتهم .

المطلب الأول لمن الولاء وممن البراء

قال الله تعالي ( إنما وليكم الله ورسوله والذين أمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) ( المائدة : 559 تحصر هذه الآية ولاء المؤمنون في أن يكون :

1- لله تعالي
2- ولرسوله صلي الله عليه وسلم
3- وللمؤمنين .

وفي تحديد الأصالة في الولاية يقول العلامة الألوسي في " روح المعاني " في تفسيره لهذه الآية :" وأفرد الولي مع تعدده ليفيد كما قيل : إن الولاية لله تعالي بالأصالة وللرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين بالتبع فيكون التقدير : إنما وليكم الله سبحانه وكذلك رسوله صلي الله عليه وسلم والذين آمنوا فيكون في الكلام أصل وتبع "

هذا ما بينه الله تعالي من حصر الولاء فما هو مفهوم الولاء لدي المجالس النيابية !.. إنه ولاء للزعيم والحكومة والوطن ،وينص على هذا في جميع دساتير البلاد الديمقراطية .

ولا يغرنك ما يحدث أحيانا من صدام بين بعض النواب والحكومة فهذا من صميم اللعبة ولا يغير من الواقع شيئا .

إن التعبير العملي لمعني الولاء لا يتجسد في الحب والطاعة والإتباع فكيف يمكن الجمع بين نقيضين : حب الله تعالي مع حب الزعيم الذي لا يحب الله تعالي وحب الرسول صلي الله عليه وسلم مع حب الحكومة التي تمنع تطبيق ما جاء به الرسول صلي الله عليه وسلم وحب المؤمنين مع حب الوطن الذي يجعل الموت في سبيله بدل الموت في سبيل الله والمقاتلة دونه بدل المقاتلة في سبيل نشر الإسلام في جميع أنحاء الأرض .

نعم لا يمكن الجمع بين حبين متناقضين في نفس القلب ونفس الوقت قال الله تعالي ( وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ) ( الأحزاب : 4) ومثل ذلك يقال في الطاعة والإتباع .

إن الإسلاميين المشاركين في المجالس النيابية يضعون أنفسهم في حرج شديد عندما يحاولون الجمع بين هذين النقيضين في آن واحد،

إن انعكاس ذلك الموقف لا يقف عند جدران المجلس النيابي بل يتخطاه إلى عموم الإسلاميين فيقعون في حيرة شديدة واضطراب مائج وغبش كثيف نتيجة هذا التمييع وتتشوه أمامهم معاني الولاء وكيف لا يحدث ذلك وجدران المفاصلة بينهم وبين أعدائهم تتصدع ثم تنهار ليجدوا أنفسهم مع أعدائهم على أرض واحدة وفي خندق واحد يحكمهم نفس النظام ويحتكمون إلى نفس التشريع الوضعي هنا تحدث الكارثة .

وللأسف فإنها قد حدثت بالفعل في كثير من البلدان الإسلامية فإذا قضية العقيدة تتحول إلى قضية مزايدات وتجميع أصوات .

يقول الأستاذ سيد قطب / وهو " يستظل " بمعاني هذا الآية :" هكذا على وجه القصر الذي لا يدع مجالا للتحميل أو التأول ولا يترك فرصة لتمييع الحركة الإسلامية أو تمييع التصور ولم يكن بد أن يكون الأمر كذلك لأن المسألة في صميمها هي مسألة عقيدة ومسألة الحركة بهذه العقيدة وليكون الولاء لله خالصا والثقة به مطلقة وليكون الإسلام هو الدين وليكون الأمر أمر مفاصلة بين الصف المسلم وسائر الصفوف التي لا تتخذ الإسلام دينا ولا تجعل الإسلام منهجا للحياة ولتكون للحركة الإسلامية جديتها ونظامها ف يكون الولاء فيها لغير قيادة واحدة وراية واحدة ولا يكون التناصر إلا بين العصبة المؤمنة لأنه تناصر في المنهج المستمد من العقيدة"فهلا انتبه الإسلاميون المجلسيون إلى هذا الجانب المهم في تحقيق معني الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين .

ومع تمييع معاني الولاء ضاعت معالم معاني البراء إذ أن مشاركة الإسلاميين في المجالس النيابية في إطار حكم الطواغيت أكسب أولئك الطواغيت صبغة إسلامية في نظر الجماهير ثم انسحبت تلك الصبغة على تشريعاتهم وشعاراتهم غير الإسلامية فأصبحت محل ولاء الجماهير المسلمة بدل أن تكون في ساحة البراء منها .

المطلب الثاني الموافقة على منهج الطاغوت موالاة له

قال الله تعالي ( فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقي لا انفصام لها ( البقرة : 256] .

إن الكفر بالطاغوت يعني فيما يعني الكفر بمنهجه وعدم الاستمداد من فكرة ورأيه فيما يخص العقيدة والشريعة .

يقول الأستاذ سيد قطب / في " الظلال " والطاغوت صيغة من الطغيان تفيد كل ما يطغي على الوعي وجور على الحق ويتجاوز الحدود التي رسمها الله للعباد و لا يكون له ضابط من العقيدة في الله ومن الشريعة التي يسنها الله ، ومنه كل منهج غير مستمد من الله وكل تصور أو وضع أو أدب أو تقليد لا يستمد من الله فمن يكفر بهذا كله في كل صوره من صوره ويؤمن بالله وحده ويستمد من الله وحده فقد نجا "

ويقول الله عزوجل ( الله ولي الذين أمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خلدون ) البقرة : 257 ) إن هذه الآية تشير إلى أن موالاته الطاغوت علامة واضحة جلية من علامات الكفر بالله .

إن النور الذي يخرج الله المؤمنين إليه إنما هو كتابه المنزل إلى رسول صلي الله عليه وسلم كما قال تعالي : ( فالذين أمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ) ( الأعراف : 157) وأما الظلمات فهي كل ما عدا هذا النور فهي ظلمات كثيرة عدد بعضها سيد قطب : فقال : " فأما ضلال الكفر فظلمات شتي متنوعة ، ظلمة الهوى والشهوة وظلمة الشرور والتيه ، وظلمة الكبر والطغيان وظلمة الضعف والذلة وظلمة الرياء والنفاق وظلمة الطمع من غير الله والاحتكام لغير منهج الله "

فإذا تقرر هذا فإنه من المعلوم أن المجالس النيابية مهمتها تشريعية بالدرجة الأولي ثم رقابية بالدرجة الثانية فهي تشرع القوانين وتراقب تطبيقها من قبل السلطة التنفيذية وقد بينت فيما سبق أن هذه المجالس النيابية لها صفة الاستقلال في التشيع بمعني أنها تشرع ما تشاء بغير تقيد بشرع الله وخلاصة تشريعها مقتبس من اليهود والنصارى فكون أن هذه المجالس النيابية تنبذ تشريع الكتاب والسنة وراءها ظهريا وتستقل هي بالتشريع فهي طاغوت بهذا المعني أو أنها تتبع تشريع اليهود والنصارى فهي تتبع تشريع الطاغوت وهذا معني آخر وغالب حال المجالس النيابية أنها تجمع بين هذين المعنيين وقد حذر الله تعالي المؤمنين من موالاة اليهود والنصارى فإن فعلوا فإنهم منهم !! قال الله تعالي : ( يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) ( المائدة :51) ولا نشك إن أبرز معاني الموالاة لهم هو ترك تشريع الله تعالي وأخذ التشريع منهم قال العلامة الألوسي في " روح المعاني " في تفسيره لهذه الآية " أى لا يتخذ أحد منكم أحدا منهم وليا بمعني لا تصافوهم مصافاة الأحباب ولا تستنصروهم "

وقال العلامة الشوكاني في " فتح القدير" الظاهر أنه خطاب للمؤمنين حقيقة وقيل المراد بهم المنافقون والمراد من النهي عن اتخاذهم أولياء أن يعاملوا معاملة الأولياء في المصادقة والمعاشرة والمناصرة "

وقال العلامة القرطبي في " الجامع لأحكام القرآن " : و" وقيل إن معني ( بعضهم أولياء بعض ) أى : في النصرة ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) شرط وجوابه . أى :لأنه قد خالف الله . تعالي ورسوله كما خالفوا ووجبت معاداته كما وجبت معاداتهم ووجبت له النار كما وجبت لهم فصار منهم أى : من أصحابهم "فقد فسر الآلوسي الموالاة بالمصافاة والاستنصار وفسرها الشوكاني بالمصادقة والمعاشرة والمناصرة ، وفسرها القرطبي بالنصرة .

أقول : فإذا كان هذا النوع من الموالاة وقع فيه التحريم والنهي المغلظ الذي جزاؤه النار فكيف بالإتباع لهم في تشريعهم والأخذ من قوانينهم والاقتباس من دساتيرهم ؟! فلا شك أن النهي عن هذا أشد وأغلظ إلا أن المجالس النيابية تضرب بهذه المفاهيم العقدية عرض الحائط ولا تقيم لها وزنا في ذات الوقت الذي ينظر فيه أهل الكتاب إلى المسلمين نظرة المستهزئين بهم المحتقرين لهم قال الله تعالي :( يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين قال العلامة الحافظ ابن كثير في التفسير : هذا تنفير من موالاة أعداء الإسلام وأهله من الكتابيين والمشركين الذين يتخذون أفضل ما يعمله العاملون وهي شرائع الإسلام المظهرة المحكمة المشتملة على كل خير دنيوي وأخروي يتخذونها ( هزوا ) يستهزئون بها ( ولعبا ) يعتقدون أنها نوع من اللعب في نظرهم الفاسد وفكرهم البارد "وما كان ينبغي للإسلاميين الاشتراك في مثل هذه المجالس النيابية وهم يقرءون هذه الآيات .

لقد حذر الرسول صلي الله عليه وسلم والصحابة من بعده من مغبة الأخذ من أهل الكتاب وسؤالهم فقد روي الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم :( لا تسألوا أهل الكتاب عن شئ ، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا ، فإنكم إما أن تصدقوا بباطل أو تكذبوا بحق ، فإنه لو كان موسي حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني )وهذا الحديث وإن كان ضعيفا بسبب مجالد بن سعيد فإنه " ليس بالقوي " كما قال الحافظ في التقريب لكن يشهد له ما روي من أقوال الصحابة وقد ترجم البخاري في كتاب الاعتصام من " صحيحه " بابا فقال  :" قول النبي صلي الله عليه وسلم لا تسألوا أهل الكتاب عن شئ "

قال الحافظ : هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه أحمد وابن أبي شيبة والبزار من حديث جابر ثم ذكره وقال في آخره : ورجاله موثقون إلا أن مجالد ضعفا "

وعند البخاري أن ابن عباس ب قال : ( كيف تسألون أهل الكتاب عن شئ وكتابكم الذي أنزل على رسول الله صلي الله عليه وسلم أحدث تقرءونه محضا لم يشب وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا : هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا لا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل عليكم )

وقال عبد الله بن مسعود : ( لا تسألوا أهل الكتاب عن شئ فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا فتكذبوا بحق وتصدقوا بباطل ) رواه عبد الرزاق في " المصنف " قال الحافظ في " الفتح " سنده حسن وخلاصة المذكور أن اليهود والنصارى لن يهدوا المسلمين وقد ضلوا هم فكيف يؤخذ منهم تشريع أصلا ؟ ثم الأدهى من ذلك أن يحل تشريعهم مكان تشريع الله المحكم !! فهل ثمة من موالاة لهم أكبر من هذه ؟!

المطلب الثالث الولاء لرموز الطاغوت

إن الأنظمة الحاكمة سواء كانت دكتاتورية أو ديمقراطية تتخذ لنفسها رموزا تضفي عليهم لباس التقديس .من هذه الرموز :

• تحية العلم : فيجعل لها مراسم خاصة وعلى الجميع التقيد بأدائها وفي كثير من البلاد الإسلامية إن لم يكن في كلها تكون لهذه المراسم نفس القدسية التي لشعائر العبادة والتي لا ينبغي أن تكون إلا لله تعالي .
• تعيش الزعيم : وهذه أيضا يضفي عليها قدسية براقة وعلى جميع الطلبة في المدارس أن يهتفوا للزعيم في صباح كل يوم دراسي حتى وإن كان الزعيم من أحط خلق الله وأرذلهم .
• القسم على احترام الدستور : هذه هي النقطة التي نخصها بالحديث إذ أن على جميع النواب بما فيهم الإسلاميون – أن يؤدوا ما يسمونه باليمين الدستورية وهناك نص القسم كما ورد في المادة ( 91) من الدستور الذي اخترناه أنموذجا :
• " أقسم بالله العظيم أن أكون مخلصا للوطن ( وللزعيم ) وأن أحترم الدستور وقوانين الدولة وأذود عن حريات الشعب ومصالحه وأمواله وأودي أعمالي بالأمانة والصدق "
• والسؤال هو : كيف يقسم النائب الإسلامي على احترام الدستور وقوانين الدولة وهي قوانين وضعية مخالفة للشرع الإسلامي ؟!

لقد سبق أن تكلمت في مضمون هذه النقطة في أول الكتاب بما لا داعي لإعادته لكن الذي أضيفه هنا أن هذا القسم هو إقرار واضح لا لبس فيه لموالاة الطاغوت ومنهجه الوضعي ولقد كان من عادة المنافقين في المدينة أن يحلفوا للمؤمنين ليرضوهم فإذا بالزمان يستدير فنري بعض المسلمين يحلفون للطواغيت ليرضوهم وهم لا حاجة لهم في ذلك ألبته ، إذا لم يكرههم أحد على الاشتراك في المجلس النيابية ولا الحلف على طاعة الطواغيت ودساتيرهم قال الله تعالي : ( يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين ) [ التوبة:62] ونحن نقول للإسلاميين المجلسيين الحالفين على احترام الدساتير الوضعية : إن الله ورسوله أحق أن ترضوه .

كونوا يا إخواننا في مركز القوة والعزة الإسلامية فعندما سترون أولئك المسارعين في الطواغيت يأتونكم وهم أذلة يطلبون رضاكم دعوهم هم يقدمون الإيمان بين أيديكم أما قرأتم في سورة التوبة ما حكاه الله تعالي عن المنافقين في استرضائهم لرسول الله صلي الله عليه وسلم قال الله تعالي : ( سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون * يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضي عن القوم الفاسقين ..

وكيف يقسم الإسلاميون المجلسيون على احترام الدستور الوضعي والله تعالي يقول :

" ومال كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضي الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الحيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ) [ الأحزاب : 36)وقال الله تعالي ( واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك )( المائدة : 49) فإذا وقع التحذير من الافتتان عن بعض ما أنزل الله تعالي فكيف بتركه كله والإقسام على احترام المأخوذ من غيره !!

إن الإقسام على احترام الدساتير البشرية والقوانين الوضعية المخالفة لشرع الله هو تفريط بالحد الأدنى من معني الولاء لهذا الدين وإني والله لا أدري كيف يجمع الإسلاميون المجلسيون بين متناقضين : الدعوة لتحكيم شريعة الله مع الإقسام على احترام الدساتير المخالفة لشريعة الله ظ!

المطلب الرابع التنسيق والتعاون مع أعداء الله

قال الله تعالي ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ) [ الفتح : 29].

وقال الله تعالي : )( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) المائدة : 54 )

فوصف الله تعالي المؤمنين بأنهم :

- أشداء على الكفار .
- أعزة على الكافرين .

إلا أن الإسلاميين المجلسيين يقعون في محذورين :

الأول : أنهم ينسقون ويتعانون مع الكفار من خلال جبهات وطنية أو من خلال لجان مشتركة أو من خلال النزول في قوائم مشتركة مع الأحزاب العلمانية وعادة ما يتم ذلك قبل وإبان الدخول في الانتخابات النيابية وهؤلاء الكفار قد يكونون نصاري أو دروزا أو نصيريين أو إسماعيليين أو شيوعيين أو بعثيين أو ما شابه ذلك وقد حصل ذلك في سوريا ومصر وغيرهما .
الثاني : إنهم ينسقون ويتعاونون مع غير الإسلاميين في داخل المجلس النيابي من خلال اللجان المشتركة مع ما يصاحب ذلك من إظهار المودة وانبساط الوجه علما أن مهمة هذه اللجان المشترك هي دراسة القوانين المرشحة للتقديم للمجلس النيابي مع ملاحظة أن جل هذه القوانين وضعي وربما كان مخالفا للشريعة أو ساكتا عما هو مخالف للشريعة .

إن كل مخالف لقول الله تعالي : ( يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين ) ( النساء : 144 ) ولقوله تعالي : ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوأدون من حاد الله ورسوله ولو كانوا أبائهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ) المجادلة : 22) ولقوله تعالي :

( وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا ) النساء : 140) بل إن الله تعالي وصف من يفعل ذلك بالنفاق فقال ( بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما * الذين يتخدون الكفرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا ) ( النساء : 140)

نعم .. أيبتغون بالتنسيق معهم والتعاون معهم من خلال الجبهات والأحلاف والمجالس النيابية العزة !! إنهم إذا لن يحصلوا عليها بل علهم البراءة منهم والاعتصام بحبل الله المتين فإن العزة لله جميعا ..

إن من المفارقات العجيبة في هذا الشأن أنك تري أن هؤلاء الإسلاميين المجلسيين في الوقت الذي يمارسون فيه هذا التنسيق مع أعداء الله فإنه يتهجمون على إخوانهم في الله الناصحين لهم لا لشئ إلا لأنهم لا يرون رأيهم ذلك الرأي المجرد عن أى دليل شرعي يحتج به وما كان ينبغي أن يقع ذلك منهم والله تعالي بقوله ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) ( التوبة : 71) ويقول ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ) آل عمران : 28)

هكذا قادت المجالس النيابية الإسلاميين إلى الخلط في الممارسة العملية لمفهوم الولاء والبراء فاختلطت الألوان وتداخلت الخنادق ..

المطلب الخامس المداهنة لأعداء الله لون من ألوان الولاء لهم

المسلمون صف واحد لهم عقيدتهم ومنهاجهم الربانيان وغير المسلمين صفوفهم متفرقة لهم عقائدهم ومناهجهم الشيطانية ووظيفة المسلمين إزاء غير المسلمين هو أن يدعوهم إلى الدخول في هذا الدين والانضواء تحت رايته فيدخلون في صف المسلمين ولن يحصل هذا إلا إذا حافظ المسلمين لا على تميزهم الإسلامي وصبغتهم الربانية قال الله تعالي : ( صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون ) البقرة : 138) ولا تجوز مداهنة أعداء الله تعالي قال الله عزوجل ( ودوا لو تدهن فيدهنون ) القلم : 9)

قال ابن كثير في تفسيره ( قال ابن عباس لو ترخص لهم فيرخصون وقال مجاهد ( ودوا لو تدهن ) تركن إلى آلهتهتم وتترك ما أنت عليه من الحق )

هكذا إذا هو تمني الكافرين والمشركين أن يتنازل المسلمون عن عقيدتهم ودينهم أو عن بعض عقيدتهم وعن بعض دينهم ليتنازلوا هم عن بعض باطلهم واله إنها لقسمة ضيزي .

إن الذي يتنازل عن بعض باطله لا يخسر شيئا ، إنما الخاسر هو الذي يتنازل عن بعض حقه .

لقد قدم الإسلاميون المجلسون تنازلات كبيرة وكثيرة لا يحق لا يجوز لهم أن يقدموها أو يقدموا عليها لأن هذا الدين هو دين الله ليس ملكا خاصا لأحد من البشر حتى يجوز له أن يتصرف في ممتلكاته الخاصة به ولقد قدم الإسلاميون المجلسيون تنازلات عجيبة للنصارى والقوميين والعلمانيين والحقوقيين .

إن هذه المداهنة هي لون من ألوان الولاء لأولئك ولا يغير من هذه الحقيقة عدم الاعتراف بها أو عدم الاعتراف أن ذلك الفعل من المداهنة هو ولاء لأولئك إن التفريط بالأصول الشرعية يقود لتصرفات لا يمكن ضبطها أو الحد منها ومن ذلك مثلا : إتاحة الولاء لغير الله تعالي بنص الدستور كما ورد في المدة (30) من الدستور الذي اخترناه نموذجا، إذ تنص على أن ( الحرية الشخصية مكفولة ) ومثل ما ورد في نصوص ميثاق التحالف السوري وكما ورد في لدستور المصري وغيره ومن دساتير البلاد الإسلامية ذات الحكم ( الديمقراطي ).

ولقد سبق أن تحدثت عن مدلول هذه العبارات وما تنطوي عليه وأقول الآن : كيف تكفل للبعثيين والقوميين والشيوعيين حريات التعبير وغير ذلك حال كونهم محادين لله ورسوله والله تعالي يقول : ( ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم ) التوبة : 63 )

يقول حسن العلوي وهو عراقي شيعي قومي ( وفي العراق أتيحت الفرصة للمفكر القومي الكبير ساطع الحصري أن يكون مسئولا عن وضع مناهج الدرس وجعل دراسة التاريخ العربي الإسلامي هامشيا وثانويا بالقياس إلى مادة التاريخ الأوروبي ) واستشهدت بهذا القول من باب ( من فمك أدينك) إن هؤلاء وأمثالهم وصفهم الله تعالي بقوله : ( أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشي عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حدد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا ) الأحزاب :19)فكيف يوافق الإسلاميون المجلسيون على إعطاء الحرية وكفالتها لأمثال هؤلاء الأفاكين المجرمين ؟

لا نشك أن هذه التصرفات تنم عن حدوث خلل شديد وشرخ عميق في مفهوم الولاء والبراء لدي أولئك الإسلاميين المجلسين .

المبحث الثالث تثبيت أركان الأنظمة الطاغوتية المتبرقعة بالديمقراطية

قال الله تعالي : ( وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين * قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ) [ الأنعام : 55-56 ] لا يستطيع الدعاة إلى الله تعالي أن يشقوا طريقهم في وسط هذه الركامات الجاهلية دون أن يستبينوا سبيل المجرمين فيتعرفوا على وسائلهم ويخبروا طرائقهم ، وإن من وسائلهم استدراج المسلمين واستنزالهم من علوهم العقدي إلي الحضيض الشركي وهم لا يرضون بسوي هذه النتيجة ولقد بينت الآية التي سقتها سبيل المجرمين ووضحت أن بؤرته هي عبادة ما دون الله ( الذين تدعون من دون الله ) [ الأنعام :56 ] ون فلكه الذي يدور فيه هو الهوى ( أهواءكم ) وأن ثمرة ذلك الضلال ( قد ضللت )

ولذلك فقد نهي المسلمون عن الاقتراب من هذه الدائرة نهوا عن الاقتراب من فلكها فضلا عن بؤرتها ومركزها ( قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم ) [ الأنعام : 56]

إن سماح الطاغوت باشتراك الإسلاميين في المجالس النيابية إنما هو سوق لهم نحو هذا الشرك المنصوب لهم والذي نتيجته الحتمية ولوج سبيل المجرمين ولو ع حسن نية إلا أن أحسن النية هذه لا تغير النتيجة المترتبة على ذلك ( وما أنا من المهتدين ) [ الأنعام :56] ولذلك يحرص الطاغوت على السماح للإسلاميين بالاشتراك في المجالس النيابية في الإطار الذي لا يؤثر تأثير مخلا في توجهاته ومنطلقاته ولقد أظهرت التجربة العملية أن الطاغوت قد نجح في التلبيس على المسلمين من خلال المجالس النيابية وأن المشاركين في المجالس النيابية قد قدموا تنازلات ليس من حقهم أن يقدموها كما قد بينت ذلك سابقا .

إن النتيجة التي ظهرت أن هؤلاء الإسلاميين قد فشلوا في استبانة سبيل المجرمين أما عامة المسلمين فيقولون : انظر إلى الداعية الفلاني إنه عضو في المجلس النيابي انظروا إلى الحزب الإسلامي الفلاني إنه مشارك في المجلس النيابي انظروا إلى الجماعة الإسلامية الفلانية ، إنها ممثلة في المجلس النيابي إذا : فنظامنا الحاكم شعبي يتيح الفرصة للجميع للمشاركة في الحكم والمساهمة فيه فلماذا لا ندعم هذا النظام ونشد أزره ونكون من جنده ؟!.. بل لماذا لا نكون سيوفه المسلطة على أعدائه ، وهكذا تنطلي الخدعة على السذج وأصحاب الغفلة فيتحول النظام الطاغوتي بين عشية وضحاها من نظام مكروه ممقوت معزول لكونه حبا على الله ورسوله إلى نظام مدعوم محبوب مقبول دون أن يتغير من جوهره شئ .

بل الطامة الأدهي من ذلك هي أن الإسلاميين أولئك يصبحون مطبلين للنظام الطاغوتي ومزمرين له لا لشئ إلا لأنه أتاح فرصة المشاركة في المجالس النيابية فتراهم يكيلون المديح للزعيم الفلاني والرئيس العلاني لأنه تفضل عليهم بهذه المكرمة وما هي في الحقيقة من المكارم في شئ .

إن جوهر الأنظمة الطاغوتية في موقفهم من الإسلام لا يغير مشاركة الإسلاميين في مجالسهم النيابية ولقد وضحت الآيات الكثيرة جوهر ذلك الموقف وهي بعض الآيات :

1- قال الله تعالي ( وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ) ( لأعراف : 146 ) .
2- وقال الله تعالي ( إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفرو إلى جهنم يحشرون ( الأنفال : 36) .
3- وقال الله تعالي : ( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على م في قلبه وهو ألد الخصام * وإذا تولي سعي في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد * وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد ( البقرة 204 – 206).
4- وقال الله تعالي : ( يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون * هأنتم أولا تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا أمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور ) [ آل عمران : 118 – 119).
5- وقال الله تعالي ( أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشي عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا ) [ الأحزاب : 19].وآيات غيره كثيرة .

لقد بينت الآية الأولي أن الطاغوت الحاكم بأمره لأن يتأثر بدعوة الإسلاميين له من خلال المجالس النيابية ليغير ما هو عليه مهما كان إيضاحهم لسبيل الرشد جليا وبينما وذلك لإصرار الطاغوت على ولوج سبيل الغي والإعراض عن سبيل الرشد والعلة في ذلك كامنة في قلوبهم المكذبة بآيات الله لاستكبار فيها ولغفلتهم عن دلالات تلك الآيات البينات .

ودلت الآية الثانية على أن الطاغوت ينفق الأموال الكثيرة الطائلة ليص عن سبيل الله سواء بشراء الذمم أو بتشييد مؤسسات الفساد أو بدعم أعداء الإسلام وكم أنفق الطواغيت من مال لشراء أصوات السذج في الانتخابات النيابية .

وإن الإسلاميين لا يستطعيون مجاراة الطاغوت في هذا المجال لا من حيث المبدأ ولا من حيث الإمكانات المادية فلذلك يتفوق الطاغوت عليهم في هذا المضمار والمحصلة الحتمية لذلك هي أن الطاغوت يتمكن باستمرار من إيصال ممثليه للمجلس النيابية بدعم شعبي فيما يزعم وأما الإسلاميون فلم يصل منهم إلا نفر يسير بسبب رفض الشعب ولتوجهاتهم فيما يزعمون وبالتالي فإن النظام الطاغوتي يستفيد من هذه النتيجة استفادة عظيمة في دعم أركانه وشد بنيانه .

ودلت الآية الثالثة على أن الطاغوت يكون في بعض المرحل بحاجة لمسايرة الإسلاميين أو مداهنتهم بسبب الظروف لتي يمر بها فتراه يركب موجة الإسلام وربما تراه إسلاميا أكثر من الإسلاميين على طريقة ملكيين أكثر من الملك فيحمل راية الإسلام ويتهم الإسلاميين بالتخلف عن ركبة المبارك !!.

فيعجب الناس بتوجهاته وشعاراته إلا أن صريح ما في قلبه مخالف لعلانيته فما أن يستلم دفة الأمور حتى يظهر على حقيقته ويكشف عواره فيهلك الحرث والنسل ويسعي في الأرض فسادا لا يبالي أن يفتك بالأمة في سبيل تحقيق مصالحة فلا يلتفت لأى نصيحة ولا يقبل أى توجيه ويستكبر على من يذكره بقوله : اتق الله فتأخذه العزة بالإثم ولقد فعل بعض الطواغيت هذه الفعلة الشنيعة فتقربوا من الإسلاميين بالقول وركبوا موجة الإسلام من خلال المجالس النيابية التي شارك فيها الإسلاميون بقوة واندفاع وحماس ثم انقلب الطاغوت على وجهه ونجلي انتكاس قلبه فقلب للإسلاميين ظهر المجن بعد أن تسلق على ظهورهم وقد حصل هذا في السودان من خلال الطاغوت نميري فأطاح الله به وجعله عبرة لمن يعتبر فهل اعتبر الإسلاميون بتلك التمثيلية التي مثلها عليهم نميري ويمثلها عليهم لآن آخرون من مثل شاكلته ؟!

وقد بينت الآية الرابعة أن الحب حاصل من طرف واحد لا من طرفين ( هما أنتم أولا تحبونهم ولا يحبوكم ) فالطاغوت ينطوي قلبه علي كراهية شديدة للإسلام والمسلمين لكن إذا دعته ظروفه لمصانعتهم فغنه يفعل ( وإذا لقوكم قالوا آمنا ) يقولون ذلك لما يترتب على هذا القول من استفادة يحصلون عليها من تلميع صورتهم أمام الناس وإظهارهم بمظهر مقبول عندهم بل ومحبوب أيضا فإذا ما خلا الطاغوت بأركان نظامه أظهر غيظه الدفين وحقده الكامن في حين لا يستطيع مشاركتهم له في مجلسه النيابي ويعتبر وجودهم المؤقت مدعما لنظامه ومثبتا لحكمه .

أما الآية الخامسة فهي وإن كانت تتحدث عن موقف المنافقين إبان غزوة الأحزاب إلا أن العبرة بعمق للفظ لا بخصوص السبب كما هو معلوم فهؤلاء لمنافقين أشحة على الخيرة لا يريدونه لغيرهم ويبخلون به عن وساهم وخاصة الإسلاميين ( أشحة عليكم ) فإذا ما داهمهم خطر وظنوا إن الإسلاميين يصلحون لدرئه استنجدوا بهم ينظرون إليهم وأعينهم جامدة لا تطرف مما حل في قلوبهم من الجزع والرعب والهلع ( فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك ) [ الأحزاب : 19].

من جبنهم وشدة خوفهم وفرط جزعهم ، فإذا ذهب الخوف وانجلي الخطر واستتب الأمن عادوا سيرتهم الأولي قال سيد قطب / في الظلال ) : ( فخرجوا من الجحور وارتفعت أصواتهم بعد الارتعاش وانتفخت أوداجهم بلعظمة ونقشوا بعد الانزواء وادعوا في غير حياء ما شاء لهم الادعاء من البلاد في القتال والفضل في الأعمال والشجاعة والاستبسال )

لقد احتاج الطاغوت الناصري في يوم 23 يوليو عام ( 1952م) وما بعده من الأيام إلى الإخوان المسلمين فوقفوا في صفه ونزلوا إلى الشوارع والمباني الحكومية والجسور والمؤسسات لهامة فحرسوها وأمنوا الشوارع لصلح النظام الجديد فما أن استتب الأمر للطاغوت الهالك حتى جمعهم في السجون وعلق أ‘لامهم على رءوس المشانق قالته الله وجازاه على شر فعله بما يجازي به المستكبرين المعتدين وتغمد الله شهداء الإسلام بالرحمة الواسعة وأسكنهم فسيح الجنان .

والخلاصة أن الطاغوت لا يري بأشا من استخدام الإسلاميين من خلال المجالس النيابية وغيرها ليدعم نظامه ويثبت أركانه وليس في ذلك عجب بل العجب كل العجب في انسياق الإسلاميين ببساطة وسذاجة منقطعة النظير إلى هذا الفخ وهم فرحون مستبشرون ويحسبون أنهم يحسنون صنعا !!

إذا .. فقد تبين لنا الجوهر الخبيث الذي ينطلق منه الطاغوت في محاربة أهل الإيمان فهلا فطنا لهذا لأمر وأعددنا العدة الحقيقية التي يرفع بها لواء الإسلام وتخفق بها راية القرآن ؟! وخيرا فلابد من الإشارة إلى أن المنهاج القرآني واضح الدلالة في كشف زيف الطاغوت وبيان باطله ولذلك فقد وجب على الإسلاميين أن يبذلوا الجهود الكبيرة والمضنية لتبين حقيقة الطاغوت الذي يحكم الناس ويحملهم على التحاكم إلى شرعه الوضعي وإنهم لا يستطيعون ذلك إلا إذا وضح لهم الفرق بين واقع الطاغوت وبين حقيقة ما يدعون هم إليه .

إن المفاصلة العقدية لابد من إظهارها وبيانها وإن الحق له أهله وله رايته وإن الباطل له أهله وله رايته ولا ينبغي لأهل الحق أن يتنازلوا عن رايتهم ويستظلوا براية الباطل أبدا ولا نشك أبدا أن المشاركة في مجالس الطاغوت النيابية فيها تنازل عن رفع راية الحق بشكل منفضل ومستقل وفيها استظلال تحت راية الباطل وإن كثرت التأويلات وتعددت التعليلات إذ أن هذه التأويلات وتلك التعليلات لا تعدو أن تكون ( كسراب بقيعة يحسبه الظمأن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ) ( النور : 39)

المبحث الرابع تضييع المنهاج النبوي في طريقة تغيير الواقع الشركي إلى واقع إيماني

وفيه ( مدخل ) وأربعة مطالب هي :

المطلب الأول : حلف الفضول

المطلب الثاني : حلف خزاعة .

المطلب الثالث : الجوهر والشكل .

المطلب الرابع : خطوط عريضة في المنهاج النبوي في تغيير الواقع الشركي إلى واقع إيماني ..

مدخل

إن الإسلاميين المجلسيين يطرحون ولوج المجالس النيابية طريقة للتغيير السلمي ويقولون : إنهم في النهاية سيقضون على الطاغوت ويحلون مكانه فيحكمون الناس بشرع الله .

ونحن نسأل : هل هذا طرح جديد للتغيير أم هو إتباع لما فعله عليه الصلاة والسلام ؟

سيقولون : إن هذا ليس طرحا جديدا بمعني الكلمة ، كما أنه ليس اتباعا صريحا لمنهاج الرسول صلي الله عليه وسلم بمعني الكلمة إلا أن لكل زمان ما يناسبه .

يقولون : فأما قولنا : إنه ليس طرحا جديدا بمعني الكلمة فنقصد بذلك أن الرسول صلي الله عليه وسلم أثني على اجتماع ( حلف الفضول ) وأنه لو دعي إليه في الإسلام لأجاب ، وأن الرسول صلي الله وسلم حالف خزاعة وهي مشركة .

وأما قولنا : إنه ليس إتباعا صريحا لمنهاج الرسول صلي الله عليه فنقصد بذلك أن الأوضاع في ذلك الزمن لم تكن متبلورة منصب على الجوهر دون الشكل والجوهر هو ما قصدناه بكلامنا الأول  : ( حلف الفضول ) و ( حلف خزاعة ) وهذا هو المهم إذ إن الأشكال تتغير بحسب ظروف الزمان والمكان .

أقول : الكلام في هذا الموضوع أحصره في أربع نقاط:

الأول: حلف الفضول
الثانية : حلف خزاعة.
الثالثة الجوهر والشكل
الرابعة : خطوط عريضة في المنهاج النبوي في التغيير .

وقد أفردت كل نقطة في( مطلب ).

المطلب الأول حلف الفضول

لقد وردت رواياته من طرق عند أحمد وابن حبان والبخاري في ( الأدب المفرد ) والحاكم والبيهقي عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : ( شهدت حلف المطيبين مع عمومتي وأنا غلام ، فما أحب أن لى حمر النعم وأني أنكثه ) قال الحاكم : صحيح الإسناد ووافقه الذهبي وخرجه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة وصححه في ( صحيح الجامع ) وفي تخريجه أحاديث ( فقه السيرة ) للغزالي .

وقد ذكر ابن كثير في ( السيرة ) رواية البيهقي ، ثم قال : ( وزعم بعض أهل السير أنه أراد حلف الفضول ، فإن النبي صلي الله عليه وسلم لم يدرك حلف المطيبين . قلت ( أى ابن كثير ) هذا لا شك فيه ثم قال : ولكن المراد بهذا الحلف حلف الفضول ، وكان في دار عبد الله بن جدعان كما رواه الحميدي عن سفيان بن عيينة عن عبد الله عن محمد وعبد الرحمن ابني أبي بكر قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ( لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا لو دعيت به في الإسلام لأجبت ، تحالفوا أن يردوا الفضول على أهلها وألا يعز ظالم مظلوما ) ( أى : لا يغلبه ) .

ولقد رواه ابن إسحاق مرسلا كما ذكره ابن هشام وابن كثير كل في ( سيرته ) قال : قال محمد بن إسحاق فحدثني محمد بن زيد بن مهاجر بن قنفذ التيمي أنه سمع طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري يقول : يقول رسول الله صلي الله عليه وسلم فذكره . سنده صحيح حيث إن محمد بن زيد وطلحة بن عبد الله كليهما ثقة كما في التقريب وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث فسلم من التدليس وقال الألباني في تخريجه لأحاديث ( فقه السيرة ) هذا سند صحيح لولا أنه مرسل لكن له شواهد تقويه .

أقول : إن حلف الفضول أو حلف المطيبين لا يستأنس به لتبرير المشاركة في المجالس النيابية فضلا عن أن يحتج به وذلك للأسباب التالية :

1- إن حلف المطيبين أو حلف الفضول فحواه مناصرة المظلوم حتى يأخذ حقه من الظالم وهذا بالجملة لا يتنافي مع ما جاءت به الشريعة من إحقاق الحق وإبطال الباطل ودل قوله عليه الصلاة والسلام ( فما أحب أن لى حمر النعم وأني أنكثه ) على أن ليس في نصوصه ولا فيما اتفق عليه المجتمعون ما يعارض الوحي وإلا فكيف يتصور أن يكون بين نصوصه ما يعارض الوحي ثم يمتنع الرسول صلي الله عليه وسلم عن نكثه ؟ فهذا مستحيل ولا يقول به أحد.
2- وأما رواية ( الحميدى ) التي أوردها ابن كثير والتي فيها : ( لو دعيت به في الإسلام لأجبت ) فهي مثبتة للمعني الذي ذكرته وتزيد عليه استعداد الرسول صلي الله عليه وسلم للمشاركة فيما يرفع الظلم بما لا يتنافي مع نصوص الشريعة.
3- والذي ذكته في النقطتين السابقتين يعارض الأسس التي تنبني عليها المجالس النيابية ذلك أن هذه المجالس لها استقلالية التشريع وفق ما يراه أعضاؤه لا وفق ما جاءت به الشريعة إذا فإن واقع حالها ناسخ لأحكام الشريعة فهي مجتمعة على ظلم وباطل لا على عدل وحق ومثال ذلك : القوانين الوضعية الحالية فهي لا تري قطع يد السارق ولا جلد الزاني أو رجمه وتجعل الإعلام الفاسد محميا بالقانون وسوي ذلك كثير مما كنت قد ذكرت سابقا إذا : فلا يقال بعد ذلك : إن المجالس النيابية كمثل اجتماع المجتمعين في حلف المطيبين أو حلف الفضول ، ولا يقال : إن المشاركة فيها كالمشاركة في مثل الفضول . فتأمل !!
4- إن الرسول صلي الله عليه وسلم عندما قال : ( لو دعيت به في الإسلام لأجبت ) كان يمثل جماعة لها كيانها ولا يضار هذه الجماعة أن لا تكون مستقلة في الأرض في العهد المكي ونحن لا نعلم متى قال ذلك وهذا محتمل أيضا لكن على كلا الحالين فالرسول صلي الله عليه وسلم كان علي رأس جماعة لها استقلالها العقدي المتميز وكيانها التنظيمي المنفصل عن الكيان الجاهلي فلو دعي الرسول صلي الله عليه وسلم لمثل ذلك الحلف للبي تلك الدعوة باعتبارها لا تعارض ما جاءه من الوحي ولاعتبار أنه يمثل جماعة لها كيانها تستطيع أن تنفذ مضمون الحلف من جهتها وأن تحميه وتناصره وليس هذا هو الحال بالنسبة لواقع المجالس النيابية من جهتين فلا الدستور الذي يستظل المجلس به موافق للوحي ولا الإسلاميون المشاركون في المجلس لهم كيانهم المستقل الذي به يستطيعون إقرار تنفيذ العدل ورفع الظلم .
5- إن الإسلاميين المجلسيين يطرحون المنهج الديمقراطي من خلال المشاركة في المجالس النيابية كطريق للتغيير السلمي فهل كان قول الرسول صلي الله عليه وسلم ( ولو دعيت به في الإسلام لأجبت ) يقصد به أنه يتخذ من مثل هذا الحلف طريقا ومنهاجا يتبعه ويسير في إطاره لتغيير المجتمع المكي من الواقع الشركي إلى الواقع الإيماني ؟!.. لا أظن أن أصحاب المجالس النيابية من الإسلاميين يقولون ذلك ، فإن صح ظني فاستئناسهم بهذا الحلف لتبرير المشاركة في المجالس النيابية لا معني له .
6- فإن قالوا : نحن لا نستدل بحلف الفضول على قضية التغيير بل نستدل بها على جواز اجتماع المسلم مع الكافر لأجل رفع الظلم وإن المجالس النيابية يمكن أن ننظر إليها من هذه الزاوية وهي : اجتماع الإسلاميين مع غيرهم من نصارى ويساريين وأمثالهم لرفع الظلم الواقع على الشعب .
7- أقول : سبق أن رددت على هذه المقولة ، وهي أن المجالس النيابية هي مجالس تشريعية تستظل بدساتير وضعية مخالفة للوحي فكيف يكون رفع الظلم عن الشعب بواسطة القوانين الوضعية وهي قوانين ظالمة جائرة في حد ذاتها !! ولذلك قال ابن الأثير في حديثه عن الحلف :" والممنوع منه ما خالف حكم الإسلام "
8- هناك فرق أساسي بين حلف الفضول والمجالس النيابية ذلك أن الرسول صلي الله عليه وسلم عندما حضر حلف الفضول لم يكن ثمة دستور مسبق قد وضع من خارج المتحالفين بل ولا من المتحالفين أنفسهم لكنهم جاءوا ليضعوا ابتداء بنود ذلك الحلف وقانونه أما المجالس النيابية فهي في إطار دستور موضوع مسبقا ، وعلى جميع النواب أن يدوروا في فلكه ولا يتجاوزوا إطاره ومعلوم أن الدستور علماني لا تستند نصوصه إلى الشريعة الإسلامية استنادا أحاديا بل هو ملفق من مجموعة دساتير شتي .

قوله صلي الله عليه وسلم ( لو دعيت به في الإسلام لأجبت ) السؤال هو : كيف سيكون حضوره صلي الله عليه وسلم هل سيكون حضورا تابعيا أم حضورا قياديا ومؤثرا ؟ فإذا كان حضوره في حادثة إعادة وضع الحجر الأسود قياديا وعمليا وكان ذلك قبل النبوة علما أنه ما طلب منه إلا أن يكون حكما فكان أن وضع رداءه دون رداء غيره ثم أمرهم أن يحملوا الرداء إشارة للخدمة ثم أخذه للحجر وحده ليضعه في مكانه ، فكيف سيكون حضوره لمثل حلف الفضول لو دعي به في الإسلام حال كونه نبيا ؟

إن النبي صلي الله عليه وسلم يتبع ولا يتبع وبالتالي فإن شريعته متبوعة وليست تابعة وكل ذلك خلاف حال المجالس النيابية إذ سيكون الإسلاميون تابعون وليسوا متبوعين وسيكون دستور الملأ متبوعا وليس تابعا فتأمل !!

المطلب الثاني حلف خزاعة

قالوا : حالف رسول الله صلي الله عليه وسلم خزاعة وهي مشركة وفي ذلك دليل على جواز التحالف مع الأحزاب غي الإسلامية لتيسير دخول بعض الإسلاميين للمجالس النيابية طالما تتحقق من خلال ذلك مصلحة إسلامية .

قلت : الكلام في هذه المسألة ذو فرعين :

الأول : هل كانت خزاعة مشركة عندما حالفها رسول الله صلي الله عليه ؟
الثاني : هل كان هذا الحلف هو وسيلة الرسول صلي الله عليه وسلم لإقامة الدولة الإسلامية ؟

الفرع الأول : خزاعة عند التحالف مسلمة أو مشركة ؟

لابد في البداية من تقرير أن تحالف خزاعة مع بني هاشم كان قبل الإسلام واستمر في الإسلام .

فعند البخاري في صحيحه من رواية المسور بن خرمة ومروان ( وكانوا أى : خزاعة ) عيبة نصح رسول الله صلي الله عليه وسلم مسلمها ومشركها لا يخفون على رسول الله عليه وسلم شئنا كان بمكة " لكن فيه عنعنة ابن إسحاق إلا أنه يشهد لما قبله .

قال ابن حجر في الفتح :" وكان الأصل في موالاة خزاعة للنبي صلي الله عليه وسلم أن بني هاشم في الجاهلية كانوا تحالفوا مع خزاعة فاستمروا على ذلك في الإسلام "إذا فحلف خزاعة مع بني هاشم كان في الجاهلية واستمر في الإسلام فهو ليس حلفا جديدا عقد في الإسلام وقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ( لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة ) رواه مسلم وأبو داود والبيهقي والحاكم وأحمد.

ثم بعد صلح الحديبية دخلت بنو بكر في حلف قريش ودخلت خزاعة في حلف رسول الله صلي الله عليه وسلم وكان دخولها في هذا الحلف بعد صلح الحديبية هو تأكيد لاستمرار تحالفها السابق الذي كان مع بني هاشم فماذا كان حال خزاعة عندما دخلوا في حلف رسول الله صلي الله عليه وسلم من جدي صلي الله عليه وسلم د: هل هو حال شرك أم حال إسلام ؟ تذكر لنا الروايات أن رسول الله صلي الله عليه وسلم أرسل لهم كتاب – وكان ذلك قبل صلح الحديبية – يدعوهم فيه إلى الإسلام وأن من آمن منهم فهجرته في أرضه .

فقد روي ابن أبي شيبة في " مصنفه " قال : حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن زكريا بن أبي زائدة قال : كنت مع أبي إسحاق فيما بين مكة والمدينة فسايرنا رجل من خزاعة فقال به أبو إسحاق كيف قال رسول الله صلي الله عليه وسلم لقد رعدت هذه السحابة بنصر بني كعب ، فقال الخزاعي : لقد وصلت بنصر بني كعب ثم أخرج إلينا رسالة رسول الله صلي الله عليه وسلم إلى خزاعة وكتبتها يومئذ كان فيها : ( بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى بديل وبسر وسروات بني عمرو فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو أما بعد.. ذلكم فإني لم أثم بالكم ، ولم أضع في جنبكم وإن أكرم أهل تهامة على أنتم وأقربهم رحما ومن تبعكم ومن المطيبين وإني قد أخذت لمن هاجر منكم لنفسي ولو هاجر بأرضه غير ساكن مكة إلا معتمرا أو حاجا ، وإني لم أضع فيكم إن أسلمتم ، وإنكم غير خائبين من قلبي ولا محصرين أما بعد قد أسلم علقمة بن علاثة وابنا هوذة وبايعا وهاجرا على من اتبعهما من عكرمة ، أخذ لمن تبعه مثل ما أخذ لنفسه ، وإن بعضا من بعض في الحلال والحرام ، وإني والله ما كذبتكم وليحيكم ربكم ) قال : وبلغني عن الزهري قال : هؤلاء خزاعة وهم من أهلي قال : فكتب إليهم النبي صلي الله عليه وسلم وهم يومئذ نزول بين سنده ثقات وليس فيه تدليس زكريا بن أبي زائدة .

ويؤيده ما ذكره ابن أبي حاتم الرازي في ترجمته لبديل بن ورقاء في " الجرح والتعديل " حيث قال : روي عنه ابنه سلمة ابن بديل أن النبي صلي الله عليه وسلم كتب له كتابا سمعت أبي يقول ذلك.

وقال ابن سعد في " الطبقات " بديل بن ورقاء كتب إليه النبي صلي الله عليه وسلم وإلى بسر بن سفيان يدعوهما إلى الإسلام وابنه نافع بن بديل كان أقدم إسلاما من أبيه وشهد نافع بئر معونة مع المسلمين وقتل يومئذ شهيدا "

وأورد نص الكتاب ابن الأثير في " أسد الغابة" في ترجمته لبديل بن ورقاء من طريق يحيي بن محمود الثقفي بإسناده إلى أبي بكر بن أبي عاصم الذي أسنده متسلسلا عن أحفاد بديل إليه .

وقد استجابت خزاعة لكتاب رسول الله صلي الله عليه وسلم فأسلمت وفي هذا قال شاعرهم نجيد ( وقيل : بجير وبجيد) بن عمران الخزاعي :

وقد أنشأ الله السحاب بنصرنا

ركام سحاب الهيدب المتراكب

وهجرتنا في أرضنا عندنا بها

كتاب أتي من خير ممل وكاتب

ومن أحلنا حلت بمكة حرمة

لندرك ثأرا بالسيوف القواضب

وقد أورد هذه الأبيات ابن هشام في السيرة وابن الأثير في أسد الغابة وابن حجر في الإصابة جميعهم بغير إسناد لكن قال ابن الأثير : أخرجه أبو علي الغساني وابن مفوز فأقل ما يقال فيهم إن الإسلام قد فشي بينهم قبل صلح الحديبية ويؤيده ما ذكره ابن سعد من أن نافع بن بديل شهد بئر معونة مع المسلمين وقتل يومئذ شهيدا ومعلوم أن بئر معونة كانت قبل صلح الحديبية فهي في سنة أربع من الهجرة بل إن بعضهم قد دخل الإسلام قبل ذلك فقد روي ابن إسحاق في قصة حمراء الأسد بعد مرور معبد بن أبي معبد الخزاعي برسول الله صلي الله عليه وسلم فقال : ( وقد مر – كما حدثني عبد الله بن أبي بكر - معبد بن أبي معبد الخزاعي وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة نصح رسول الله صلي الله عليه وسلم بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئا كان ، ومعبد يومئذ مشرك) فالحظ قوله : ( مسلمهم ومشركهم ) فهو دليل على المراد.

ولا يتعقب علينا بالقول : كيف حالفهم وهم مسلمون ؟

فالجواب : أنه لم يحالفهم بل جدد حلفهم وكانوا إذ ذاك منهم المسلمون ومنهم المشركون الموادعون ولم يكونوا في إطار حماية الدولة الإسلامية لكونهم لم يكونوا قبل التحالف جزءا من المجتمع الإسلامي ولكن بعد التحالف أصبحوا في إطار دار الإسلام وإن كان بينهم مشركون ثم ما المانع أن يحالف النبي صلي الله عليه وسلم قبيلة مسلمة خصوصا وهي منفصلة عن المدينة انفصالا جغرافيا ظاهرا في الوقت الذي أقرت فيه بنود صلح الحديبية .
وعليه ... فإنه لو لم يوقع مع خزاعة حلفا ثم اعتدي المشركون عليها وهي مسلمة لما كان له الحق في أن يدافع عنها – في نظر المشركين على الأقل – فضلا عن أن يكون الاعتداء على خزاعة مبررا مشروعا عند كل القبائل آنذاك لفتح مكة ..

وقد وردت روايات كثيرة صحيحة تفيد أن خزاعة أسلمت قبل الفتح وأهمية هذه الروايات كامنة في بيان أن خزاعة عندما انضمت إلى الجيش الإسلامي الذي سار لفتح مكة كانت مسلمة إذا لم يستعن الرسول صلي الله عليه وسلم في فتح مكة بمشرك .

ولن أستطرد في ذكر أقوال أصحاب السيرة والمؤرخين في إيضاح أن خزاعة قد أسلمت قبل الفتح إذ إنها كثيرة ولكنني سأكتفي برواية واحدة وهي كافية للدلالة .

قال الحافظ ابن حجر في " الإصابة " في ترجمة عمرو بن سالم الخزاعي " قال محمد بن إسحاق في " المغازي " حدثني الزهري عن عروة بن الزبير ، عن مروان بن الحكم ومسور بن مخرمة أنهما حدثاه جميعا أن عمرو بن سالم الخزاعي ركب إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم لما كان من أمر خزاعة وبني بكر بالوتير حتى قدم المدينة يخبر الخبر فأنشد:

اللهم إني ناشد محمدا

حلف أبينا وأبيه الأتلدا

كنت لنا أبا وكنا ولدا

ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا

فانصر رسول الله نصرا أعتدا

وادع عباد الله يأتوا مددا

فيهم رسول الله قد تجردا

إن سيم خسفا وجهة تربدا

في فيلق كالبحر يجري زبدا

إن قريشا أخلفوك الموعدا

ونقضوا ميثاقك المؤكدا

هم بيتونا بالوتير هجدا

وقتلونا ركعا وسجدا

وهي أطول من هذا فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم " نصرت يا عمرو بن سالم .."

هذه الرواية صحيحة السند، وصرح فيها ابن ساحقا بالتحديث وبقية رجالها رجال سند البخاري في قصة الحديبية .

وهذه الأبيات واضحة الدلالة في أن خزاعة كانت مسلمة إذ فيها : "ثمة ألسمنا : وهي صريحة في إسلامهم وفيها " فانصر رسول الله " وهذه لا يقولها إلا من أقر لرسول الله صلي الله عليه وسلم بالرسالة ومثلها قوله :" وادع عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله .." ثم قوله أيضا :" وقتلونا ركعا سجدا " أى : حال صلاتهم .

قال الحافظ ابن حجر في " الإصابة " : ووقع في رواية ابن اسحاق :

هم قتلونا بالصعيد هجدا

نتلوا القرآن ركعا سجدا

ثم قال : وقد قال الكلبي وأبو عبيد والطبري : أن عمرو بن سالم هذا كان أحد من يحمل ألوية خزاعة يوم فتح مكة .

فتحررت المسألة وتبين أن قول الإسلاميين المجلسيين : إن رسول الله صلي الله عليه وسلم حالف خزاعة وهي مشركة ناجم عن جهل بالسيرة، وهو مخالف للواقع .

فإذا انهدمت القاعدة التي استندوا إليها انهدم تلقائيا البناء الذي بنوه فوقها وتبين أن ذاك الادعاء ما هو إلا مراوغة وتغطية والتفاف حول الحقيقة لتبرير تصرف غير مشروع .

الفرع الثاني : هل هذا الحلف كان وسيلة الرسول صلي الله عليه وسلم لإقامة الدولة الإسلامية ؟

لم يثبت أبدا أن الرسول صلي الله عليه وسلم حالف أى مشرك معتبرا ذلك التحالف وسيلته لإقامة الدولة الإسلامية ولم تقم الدولة الإسلامية معتمدة على الأحلاف مع المشركين ولقد وضحت أن حلف خزاعة كان في الأصل مع بني هاشم قبل الإسلام ولم يزد الإسلام هذا الحلف إلا شدة وبعد أن قامت دولة الإسلام في المدينة وبعد صلح الحديبية دخلت خزاعة في حلف رسول الله صلي الله عليه وسلم ولم يكن ذلك في الواقع إلا تجديدا للحلف القديم مع الفارق وهو أن خزاعة كانت قد دخلت الإسلام وعندما وقع الاعتداء من بني بكر على خزاعة جاءت خزاعة مستنجدة برسول الله صلي الله عليه وسلم فأنجدها ودخلت كتائب الرحمن مكة ومكن رسول الله صلي الله عليه وسلم خزاعة من أخذ ثأرها من بني بكر .
فيلاحظ مما سبق أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قد أنشأ الدولة الإسلامية الأولي وبعد أن مكن الله له في صلح الحديبية جاءته خزاعة تطلب العون على بني بكر فهل يصلح بعد ذلك الاستدلال بهذه الحادثة على جواز التحالف مع المشركين من علمانيين وصليبيين وغيرهم لأجل الدخول في المجالس النيابية .

وهل يصلح الاستشهاد بهذه الحادثة على جواز الجلوس مع أعداء الله على كراسي المجلس النيابي ليشرعوا للمسلمين شرعا جديدا غير شرع الله ؟

ولا ينبغي أن يغيب عن ذهننا أن تجديد خزاعة حلفها بعد صلح الحديبية إنما كان للاحتماء بمظلة حماية الدولة الإسلامية التي كان مركزها المدينة وأنا لا أدري كيف يصنف الإسلاميون المجلسيون موقعهم فإن اعتبروا أ،فسهم كخزاعة فالنظام الطاغوتي صاحب المجلس النيابي ليس هو الدولة الإسلامية الحاكمة بشرع الله بل العكس فضلا عن أن خزاعة حال دخولها في حلف رسول الله صلي الله عليه وسلم كانت حسب زعمهم مشركة فلا يصح لهم هذا القياس إذ هم مسلمون !!
وإن اعتبروا أنفسهم هم الدولة الإسلامية والذين تحالفوا معهم كخزاعة فلا يسلم لهم ذلك إذ لا هم الدولة الإسلامية فعلا ولا الذين تحالفوا معهم كخزاعة إذ ثبت أن خزاعة كانت مسلمة حال دخولها مع رسول الله صلي الله عليه وسلم .
وإن اعتبروا أنفسهم مجرد مسلمين أو جماعات إسلامية والذين تحالفوا معهم كخزاعة فلا يسلم ذلك لهم أيضا لفساد القياس ، إذ إن حلف خزاعة مع رسول الله صلي الله عليه وسلم لم يكن معه مجرد أناس مسلمين مستضعفين بل كان مع دولة إسلامية لها كيانها وهيبتها واحترامها ولأن الذين تحالف معهم الإسلاميون ليسوا كخزاعة إذ أن خزاعة كانت مسلمة حال تجديد الحلف كما أسلفت وهكذا سقط الاعتماد على هذه الحادثة لتبرير ولوج هذه المجالس النيابية المتألهة .

المطلب الثالث الجوهر والشكل

قالوا : لم نحد عن إتباع رسول الله صلي الله عليه وسلم من حيث الجوهر عندما شاركنا في المجالس النيابية وأما الشكل فهو يتجدد بتجدد الأزمنة والظروف إن الأشكال الحالية لها صيغ دستورية وأنماط حياتية غير التي كانت في زمن الرسول صلي الله عليه وسلم واستدللنا على ذلك باستعداد الرسول صلي الله عليه وسلم لتلبية حلف الفضول لو دعي به في الإسلام وبتحالفه مع خزاعة وهي مشركة .

قلت : الكلام في هذه المسألة من وجوه :

الوجه الأول : إن جوهر العقيدة الإسلامية هو التوحيد وكل ما ينافي التوحيد فالعقيدة الإسلامية تحاربه وتنابذه وتفضحه وتظهر باطله وتبين زيغه وتعلن عواره وانحرافه قال الله تعالي : ( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) ( محمد:19)فهذا هو جوهر العقيدة وكان رسول الله صلي الله عليه وسلم يدعو الناس لذلك ويقاتلهم عليه كما قال عليه الصلاة والسلام في رواية أبي هريرة : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ) رواه البخاري ومسلم وهذا لفظ مسلم وكان عليه الصلاة والسلام يوصي بها عمالة ومبعوثيه إلى البلاد والقبائل والأقوام كما جاء في وصيته لمعاذ عندما بعثه إلى اليمين إذ قال له ( إنك ستأتي قوما من أهل الكتاب ، فإذا جثتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله ) الحديث رواه البخاري ومسلم .

ولست بصدد الاسترسال في ذلك فهو واضح.

وكنت قد بينت أن حال المجالس النيابية الحالية مناقض لتوحيد الربوبية والإلوهية والأسماء والصفات أى : مناقض لشهادة أن لا إله إلا الله فكيف يقول أصحاب المجالس النيابية إننا لم نحد عن إتباع الرسول صلي الله عليه وسلم من حيث الجوهر !!!
الوجه الثاني : إن جوهر العقيدة الإسلامية بعد التوحيد قائم على أساس موالاة أهل التوحيد والبراءة من أهل الشرك ، وقد فصلت ذلك سابقا لكن جوهر المجالس النيابية قائم على أساس موالاة الدستور الوضعي والقسم على إتباعه لا على البراءة منه والانسلال من تبعاته .

ولا يصح الاستدلال بحلف الفضول أو التحالف مع خزاعة على التحاكم للقوانين الوضعية فضلا عن القيا بتشريعها على حال مجاف لشريعة الله ومناف لها إذ إن جوهر " حلف الفضول " أو " التحالف مع خزاعة " ليس فيه ألبتة التحاكم إلى أنظمة أو قوانين أو أعراف جاهلية جاء الإسلام فأبطلها وأمر بالانسلاخ منها .

الوجه الثالث : إن المفاصلة العقيدية مع أعداء الله تعني ألا ننسق ولا ننظم معهم طريق حياتنا وتشريع قوانيننا ومنهاج سلوكنا لأن عقيدتهم غير عقيدتنا ومنهج حياتهم غير منهاجنا وتشريعهم غير تشريعنا وسلوكهم غير سلوكنا لهم دينهم ولنا ديننا فجوهر ما هم عليه غير جوهرنا لكن المجالس النيابية تضرب بكل ذلك عرض الحائط..

ورغم ذلك فإن الإسلاميين المجلسيين يتعكزون على " حلف الفضول " و" التحالف مع خزاعة " لتبرير المشاركة فيها :

فهل لو دعي رسول الله صلي الله عليه لمجلس يتفق بحسب أغلبيته على انتهاج طريق حياة جاهلية وإتباع أعراف وأنظمة جاهلية ، وتقنين ممارسة سلوك وأخلاق جاهلية هل كان سيوافق على الانضمام إليه والمشاركة في فعالياته ؟!!
حاشا وكلا ! اللهم صل على نبيك محمد معلم الناس الخير والهادي إلى الحق وإلى الطريق المستقيم .
فأصحاب المجالس النيابية يجلسون مع بعضهم تحت قبة ( البرلمان ) في ظل دستور وضعي يصوغون من خلاله طريق حياة الناس وتشريع قوانينهم ورسم منهج سلوكهم وأخلاقهم كل ذلك يتم باستقلال تام عن منهاج الله وشريعته .

فكيف يقول الإسلاميون المجلسيون بعد ذلك : إننا لم نحد عن إتباع الرسول صلي الله عليه وسلم من حيث الجوهر ؟

الوجه الرابع : تحدثوا عن " الشكل " وقالوا " إن المجالس النيابية ذات الصفة الدستورية ما هي إلا مخالفة في " الشكل " ليس إلا و" الأشكال " تتبدل وتتعدل مع ظروف الزمان والمكان ..
أقول : قد بينت فيما سبق واقع المجالس النيابية وأنها مجالس تشريعية أعضاءها يصلون إليها بالانتخاب أو التعيين أو الاثنين معا بغض النظر عن دينهم ومبادئهم سواء كانوا مسلمين أو نصارى أو يهود أو شيوعيين أو علمانيين أو بعثيين أو نصيريين أو اسماعيليين أو... أو... فهل هذه الصيغة الدستوررية هي مجرد " شكل " لا غير !! هل تريدون أن تقولوا : إنها " شكل " من " أشكال " مجالس " الشورى " !! وأنا أقول : شوري في ماذا ؟!!

هل هي في تطبيق شرع الله من حيث القبول أو الرد أو هي في كيفية تطبيق شرع الله كما نزل من السماء ؟

وأنتم تعلمون أنه لا هذه ولا تلك هي مهمة المجالس النيابية إذ أن استبعاد شرع الله ابتداء هو فحوي الدعوة إليها وأما عرض شرع الله على المجلس النيابي ليقره أو يرفضه أو ليقر بعضه ويرفض بعضه فهذا لا يكون إلا إذا كانت شوكة الإسلاميين في المجلس النيابي قوية ... فتأمل !! تأمل كيف أن دور الإسلاميين في حالة قوة حضورهم في المجلس لا يتجاوز أبعد من مجرد عرض شرع الله تعالي على التصويت البشري ... حقا إنها مهزلة كبري ثم إن قالوا وهم يجادلون : إن هذا المجلس بمثابة مجلس الشورى .
أقول : فهل أعضاء هذا المجلس هو أهل الحل والعقد من رجال الإسلام ؟ أم أنهم – باستثناءالإسلاميين وأصحاب النوايا الطيبة – حثالة الصناعة الفكرية والسلوكية الوافدة من بلاد النصارى وبلاد الكفر ؟ وأما وإن الحال هي الثانية فأنتم إذا يجب أن تقروا معنا من بلاد النصارى وبلاد الكفر ؟ أما وإن الحال هي الثانية فأنتم إذا يجب أن تقروا معنا وبلا جدال أن هؤلاء ليسوا رجال الشورى وليس هذا المجلس الذي في إطار الطاغوت هو مجلس شوري .
الوجه الخامس : هذا التنسيق وذاك التنظيم الذي يرتب بين الإسلاميين وبين الأحزاب العلمانية الأخرى المشاركة في الانتخابات النيابية والذي ربما أدي إلى نزول الإسلاميين للانتخابات تحت مظلة تلك الأحزاب وتحت سقف مسمياتها هل هذا " شكل " أو " جوهر "
نحن نقول : إن هذا اختراق لجوهر العقيدة الإسلامية المتميزة وأما قولكم : إن هذا ليس فيه اختراق العقيدة بل هو " شكل " اقتضته ظروف الزمان والمكان قولكم هذا لا قيمة شرعية له لأنه فضلا عن كونه لا يستند إلى دليل شرعي فهو معارض للأدلة المستفيضة من الكتاب والسنة.

المطلب الرابع خطوط عريضة في المنهاج النبوي

في تغيير الواقع الشركي إلى واقع إيماني لست بصدد ذكر أى تفصيل بهذا الخصوص هاهنا .

إذ أن تفصيله يحتاج إلى إفراد بحث متكامل بصدده وأما الآن فسأذكر فقط الخطوط العريضة التي سلكها رسول الله صلي الله عليه وسلم وهي :

1- دعوة الناس إلي شهادة لا إله إلا الله محمد رسول الله .
2- من قبل ذلك كان ضمن الصف المسلم ومن رفضها كان في الصف الكافر .
3- توضيح وشرح مفهوم لا إله إلا الله محمد رسول الله بكل الدقائق التفصيلية لتسليم المسلمين عقيدتهم ويدخل في ذلك أركان الإسلام والإيمان .
4- ترتيب الصيغ التنظيمية الحركية التي من خلالها كانت تتحرك الدعوة بقيادة رسول الله صلي الله عليه وسلم وتربية القاعدة الصلبة التي تنهض بالدعوة واحتياجاتها .
5- الصبر على متطلبات الدعوة وعلى استهزاء المشركين وتعذيبهم للمسلمين .
6- رصد حركات المشركين وخططهم لإبطالها وإفسادها .
7- توسيع قاعدة الدعوة بحيث لا يسهل حصرها واستئصالها .
8- السعي ضمن مخطط متوازن لإقامة الدولة الإسلامية ثم أقامها في المدينة.
9- رفض التفاوض أو التنازل أو المداهنة أو اللقاء عند أنصاف الحلول فيما يتعلق بالعقيدة .
10- ترتيب المجتمع المسلم من الداخل وتأمين سلامة بنيان الدولة وترسيخ أركانها .
11- تتابع نزول آيات الأحكام التي تفصل للمسلمين أحكام الله تعالي في كل ما يتعلق بشئون حياتهم وذلك

وفق تنسيق وتوافق محكم ثم قيام الرسول صلي الله عليه وسلم بتنفيذ تلك الأحكام حسب تتابعها كل وقت نزوله .

12- مقاتلة المشركين ومقاتلة أهل الكتاب من يهود ونصارى حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله أو أن يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون .
13- الانسياح في الأرض لنشر الدعوة اللسان والقدوة والسيف .

هذه أهم الخطوط العريضة في منهاج الرسول صلي الله عليه وسلم في دعوته وبعضها مرتب وفق تسلسله وبعضها متداخل حسب ما تقتضيه حركة الدعوة وانسيابها.

ومن تأمل في هذا المنهاج النبوي وفي منهج الإسلاميين المجلسيين وضح له الفرق وعلم علم اليقين السبب الذي يحول بين هؤلاء الإسلاميين وبين تحقيق ما يصبون إليه من إقامة حكم الإسلام في الأرض من خلال المجالس النيابية فهلا تذكروا قول الله تعالي لنبيه محمد صلي الله عليه وسلم ( قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ) ( يوسف : 108)مع ملاحظة أن واقع المجتمع الإسلامي الآن من حيث تصحيح مفاهيمه في عقيدة دينه هو أسهل من الواقع الشركي المحض الذي أرسل له رسول الله صلي الله عليه وسلم هذا من جهة ومن جهة أخري فإن الحركات الإسلامية ليست مدعوة لابتكار أساليب جديدة في المنهاج الشامل للدعوة ذلك لأن منهاج الرسول صلي الله عليه وسلم بين أيديها وهو مناهج رباني متكامل .

المبحث الخامس التلبيس على المسلمين في عقيدتهم من خلال إضفاء لبوس إسلامي على أنظمة غير إسلامية

وفيه المطالب التالية

المطلب الأول : قبض العلم .

المطلب الثاني : دور العلماء في بيان الحق للأمة .

المطلب الثالث : مهمة العمل الإسلامي من خلال علمائه .

المطلب الأول قبض العلم

لقد وضحت هذه النقطة سابقا باختصار لا يخل بالمقصود وأضيف هنا بعض الملاحظات والملاحظة الأولي متعلقة بقبض العلم .

ما فشي الجهل في قوم إلا ضلوا السبيل وحادوا عن الجادة .

وأقصد بالجهل هنا الجهل بالكتاب والسنة وإذا نحي الاحتكام للكتاب والسنة فالبديل هو الهوى أو الحكم على المسائل المعروضة بمجرد العقل وكلاهما مهلكة .

وقد سئل أحد المرشحين الإسلاميين إبان دعايته الانتخابية عن الدراسة الشرعية التي استندت عليها جماعته عندما قررت دخول الانتخابات عن الدراسة الشرعية التي استندت عليها جماعته عندما قررت دخول الانتخابات النيابية فقال :

ليس لدينا الآن دراسة شرعية حول الموضوع ولكن سنقوم بإعدادها فيما بعد!!

سبحان الله !! ما سمعنا بمثل هذا المنهج أبدا كيف يقدم العمل على العلم ؟ كيف يبدأ به ثم يفتش له عن الدليل ؟!!

إن هذا قلب لكل المفاهيم الشرعية إذ من المعلوم لكل طالب علم أن معرف الدليل مقدمة على العمل ولا يصح العمل إلا في ضوء الدليل الشرعي إلا أن تكون مسألة لا يسعه فيها معرفة الدليل الشرعي فيقلد فيها من هو أهل لأخذ العلم منه وبخلاف ذلك فإنه وإن أصاب فقد أخطأ هذا على أحسن أحواله فكيف إذا اجتمعت الخطيئتين : خطيئة ترك طلب العلم وخطيئة سوء العمل ؟

وصدق رسول الله صلي الله عليه وسلم إذ قال : ( إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعا ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم فيبقي ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون ) وفي رواية ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد .. الحديث ) رواه البخاري ومسلم .

وقد روي الترمذي من حديث أبي الدرداء قال : ( كنا مع النبي صلي الله عليه وسلم فشخص ببصره إلى السماء ثم قال : هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شئ ،. فقال زياد بن لبيد الأنصاري : كيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا ؟ فقال ثكلتك أمك يا زياد ، إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة هذه التوراة والإنجيل عن اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم .. الحديث )

ورواه الحاكم عن أبي الدرداء أيضا وأخرجه أحمد والحاكم عن زياد بن لبيد.قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب . وقال الألباني في ( صحيح الجامع الصغير ) : صحيح.ولقد كانوا يتهمون الرأي ولا يقدمونه على الدين وكانوا يوصون بذلك فلقد ورد عن أبي وائل قال : قال سهل بن حنيف ( يا أيها الناس اتهموا رأيكم على دينكم ، لقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلي الله عليه وسلم لرددته وما وضعنا سيوفنا على عواتقنا إلى أمر يفظعنا إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه غير هذا الأمر . قال وقال أبو وائل : شهدت صفين وبئست صفين ).

وقال القرطبي في تفسيره لقوله تعالي ( خذوا ما أتيناكم بقوة ) ( البقرة :63) هذا هو المقصود من الكتب العمل بمقتضاها لا تلاوتها باللسان وترتيلها فإن ذلك نبذ لها على ما قاله الشعبي وابن عيينة وقال مالك : ( قد يقرأ القرآن من لا خير فيه فأمرنا بإتباع كتابه والعمل بمقتضاه لكن تركنا ذلك كما تركت اليهود والنصارى وبقيت أشخاص الكتب والمصاحف لا تفيد شيئا لغلبة الجهل وطلب الرياسة وإتباع الأهواء )وقد صدق في زماننا قول ابن مسعود فيما أورده عنه الإمام مالك في موطئه في قوله لإنسان ( إنك في زمان كثير فقهاؤه قليل قراؤه تحفظ فيه حدود القرآن وتضييع حروفه قليل من يسأل كثير من يعطي يطيلون فيه الصلاة ويقصرون الخطبة يبدون أعمالهم قبل أهوائهم وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه كثير قراؤه يحفظ فيه حروف القرآن وتضيع حدوده كثير من يسأل قليل من يعطي يطيلون فيه الخطبة ويقصرون الصلاة يبدون في أهواءهم قبل أعمالهم ).

قلت : هذا الأثر وإن كان سنده منقطعا إلا أنه يشهد له حديث أبي الدرداء المتقدم فضلا عن أن واقع الحال في زماننا هو مثل ما قال ابن مسعود!

إن قبض العلم قد انعكس أثره على تصرفات كثير من الإسلاميين وإن مشاركة الإسلاميين في المجالس النيابية تحت إشراف الطواغيت لهي أوضح دليل على ذلك ولا أدعي هنا غياب العلم أو قبضه من الدعاء فلا يزال كثير منهم على مستوي طيب من العلم الشرعي لكنه ليس عاما بينهم فضلا عن أن بعض الذين هم على علم طيب فإن علمهم في هذه المسألة بالذات لم يعملوا به كما هم مأمورون به شرعا أو أنهم اجتهدوا فلم يصيبوا في اجتهادهم وعسي أن يكون لهم في هذه الدراسة منار لما اكتنف طريقهم من غبش .

ولا يعني هذا أنني نصبت نفسي متعالما على هؤلاء أو أولئك إنما أنا طالب علم مفتش عن الحق فثمة وجدته اتخذت طريقي إليه وليس الاهتداء إلى الحق في زماننا بهين بسبب قبض العلم وندرة العلماء المحققين وليس مشاركة الإسلاميين في هذه المجالس النيابية إلا إفرازا من إفرازات مرحلتنا الراهنة .

المطلب الثاني دور العلماء في بيان الحق للأمة

إن قضية مشاركة الإسلاميين في المجالس النيابية تستحق كل اهتمام وبحث ويقع عبء كبير من ذلك على العلماء لأنهم هم المضطلعون بحمل المسئولية الشرعية في بيان الحق للناس وإفتائهم في المسائل الواقعة .

ونحن لم نر إلى الآن فتوى معتبرة شرعا في هذه المسألة .

لكني سمعت أن بعض الإسلاميين المجلسيين سألوا عالما مشهورا عن جواز المشاركة في المجالس النيابية فأفتاهم بالجواز هكذا قيل والله أعلم بصحة هذه الدعوي .

ولكن أين الدراسة الشرعية في هذه المسألة وكيف تم توجيه السؤال وهل حصل استفصال للمسألة من قبل المفتي وهل علم بواقع الحال وتفاصيله ؟ كل ذلك لم أحصل فيه على جواب .

إن من الملاحظ حاليا افتقار كثير من العلماء إلى معرفة واقع المسلمين لعلك تجدهم يحفظون الآيات والأحاديث والمتون وخاصة فيما يتعلق بما تعارف الناس على تسميته بالعبادات والمعاملات والأحوال الشخصية وغيرها من مسائل الفقه ،

إلا أن هناك جهلا مطبقا عند غير قليل منهم بواقع المسلمين وحالهم ولم كين هذا هو واقع علماء السلف وإن المطلع على سيرهم ليعلم ذلك حق العلم .

قال تعالي ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ( التوبة : 122)إن هذه الآية تلقي ضوءا باهرا على ما ينبغي أن يكون عليه حال العالم إن عليه أن يحتك بالواقع ويعايش أحوال الأمة وإن من أهم أحوالها وأرقاها وأجدرها بالاهتمام هو الدعوة والجهاد فالحركة الدعوية الجهادية للعالم تزواج بين علمه وعمله إذ إن ذلك يجعله ملما بحقيقة ما يمر على الأمة الإسلامية من أزمات ونكبات وانتهاكات صارخة لحدود الله فبهذه الحركة الدعوية الجهادية يتم التفقه في الدين .

ويقول الأستاذ سيد قطب / في " الظلال " بعد أ ن ذكر هذه الآية " لقد وردت روايات متعددة في تفسير هذه الآية وتحديد الفرقة التي تتفقه في الدين وتنذر قومها إذا رجعت إليهم والذي يستقيم عندما في تفسير هذه الآية : أن المؤمنين لا ينفرون كافة ولكن تنفر من كل فرقة منهم طائفة على التناوب بين من ينفرون ومن يبقون لتتفقه هذه الطائفة في الدين بالنفير والخروج والجهاد والحركة بهذه العقيدة وتنذر الباقين من قومها إذا رجعت إليهم بما رأته وما فقته من هذا الدين في أثناء الجهاد والحركة والوجه في هذا الذي ذهبنا إليه وله أصل من تأويل ابن عباس به ومن تفسير الحسن البصري واختيار ابن جرير وقول لابن كثير أن هذا الدين منهج حركي لا يفقهه إلا من يتحرك به فالذين يخرجون للجهاد به هم أولي الناس بفقهه بما يتكشف لهم من أسراره ومعانيه .

وبما يتجلي لهم من آياته وتطبيقاته العملية في أثناء الحركة به أما الذين يقعدون فهم الذين يحتاجون آن يتلقوا ممن تحركوا لأنهم لم يشاهدوا ما شاهد الذين خرجوا ولا فقهوا فقههم ولا وصلوا من أسرار هذا الدين إلى ما وصل إليه المتحركون وبخاصة إذا كان الخروج مع رسول الله صلي الله عليه وسلم والخروج بصفة عامة أدني إلى الفهم والتفقه ولعل هذا عكس ما يتبادر إلى الذهن من أن المتخلفين عن الغزو والجهاد والحركة هم الذين يتفرغون للتفقه في الدين.

ولكن هذا وهم لا يتفق مع طبيعة هذا الدين والتجارب تجزم بأن الذين لا يندمجون في الحركة بهذا الدين لا يفقهونه مهما تفرغوا لدراسته في الكتب دراسة باردة .

إن فقه الدين لا ينبثق إلا في أرض الحركة ولا يؤخذ عن فقيه قاعد حيث تجب الحركة والذين يعكفون على الكتب والأوراق في هاذ الزمان لكي يستنبطوا منها أحكاما فقهية يجددون به الفقه الإسلامي أو يطورونه – كما يقول المستشرقون من الصليبيين – وهم بعيدون عن الحركة التي تستهدف تحرير الناس من العبودية للعباد وردهم إلى العبودية لله وحده بتحكيم شريعة الله وحدها وطرد شرائع الطواغيت هؤلاء لا يفقهون طبيعة هذا الدين "هذا وجه في تفسير الآية .

وذكرت وجوه أخر منها ما ذكره ابن كثير في " التفسير " عن ابن عباس "" كان ينطلق من كل حي من العرب عصابة فيأتون النبي صلي الله عليه وسلم فيسألونه عما يريدون من أمر دينهم ويتفقهون في دينهم ويقولون للنبي صلي الله عليه وسلم ما تأمرنا أن نفعله ؟ وأخبرنا بما نأمر به عشائرنا إذا قدمنا لعيهم قال : فيأمرهم النبي صلي الله عليه وسلم بطاعة الله وطاعة رسوله ويبعثهم إلى قومهم بالصلاة والزكاة وكانوا إذا أتوا قومهم قالوا : إن من أسلم فهو منا وينذرونهم حتى إن الرجل ليفارق أباه وأمه وكان النبي صلي الله عليه وسلم يخبرهم وينذرهم قومهم فإذا رجعوا إليهم يدعونهم إلى الإسلام وينذرونهم النار ويبشرونهم بالجنة "إن المتمعن في قول ابن عباس يلاحظ أن الحصول على الفقه رافقته الحركة متمثلة في الذهاب إلى المدينة والرجوع إلى القرى وإنذار العشائر وإعلان المفاصلة والتخويف من النار والتبشير بالجنة .

إنها حركة بالدين وليست جمودا وقوقعة وانعزالا ... إذا علمنا ذلك اتضح لنا ما يقع على عاتق علماء الأمة اليوم من ضرورة بيان الحق في مسألة المجالس النيابية تحت حكم الطواغيت ومشاركة الإسلاميين فيها خاصة وأن هذا الموضوع لا يخص فردا بذاته بل أصبح توجها عاما تبنته كثير من الحركات الإسلامية في معظم البلاد الإسلامية وإذا كان علماء اليوم يغربلون الأدلة ويمحصونها ويقارنون بينها لمعرفة حكم مسح الرأس كله أو بعضه في الوضوء مثلا فمن باب أولي أن تحوز هذه القضية المهمة على اهتمامهم فيشمروا لأجلها ساعد البحث والدراسة .

إن الأمة – وخاصة الحركات الإسلامية – تنتظر قولة الحق من علماء الأمة العاملين في هذه المسألة الخطيرة وأما هذه الدراسة المتواضعة التي أقدمها في هذا الكتاب فهي لا تزيد عن كونها بضاعة المقل، وارتعاشه الضعيف .

المطلب الثال مهمة العمل الإسلامي من خلال علمائه

إن جميع المسلمين يعانون اليوم من تسلط الطواغيت عليهم الذين يريدون من هذه الأمة أن تتوجه لهم بالعبادة من دون الله تعالي ، ولم يعد التصدي لهذه الطواغيت تجدي فيه الأعمال الفردية والعواطف الشخصية، إذ لابد من العمل الجماعي ولكن لا يمكن لهذا العمل الجماعي أن يؤتي أكله إذا وافق الكتاب والسنة ولا يمكن أن يكون موافقا للكتاب والسنة إلا إذا كانت لكثير من الجماعات الإسلامية من العلماء وليس هذا هو واقع الحال الآن بالنسبة لكثير من الجماعات الإسلامية إذ الملاحظ أن ضغط الواقع الجاهلي على الشباب الغيور على دينه قد أفرز جماعات إسلامية تتحرك من خلال ردود الفعل، أو من خلال العواطف الجياشة فتراها الكتاب والسنة بل هو مجرد القياس العقلي رغم أنها تقول : إنها تحتكم للكتاب والسنة ولذلك نقول : إنه لا ينبغي للعمل الإسلامي من خلال جماعاته العاملة أن يسلم قياداته لغير المؤهلين تأهيلا شرعيا وإلا كانت طامة كبري كما هو واقع الآن .

ولابد من الإشارة إلى أن التشعبات الحالية في المجالات الثقافية والفكية والإعلامية والجهادية والاقتصادية وغيرها لا يمكن لفرد واحد – وإن كان من كبار العلماء – أن يحيط بها من أطرافها ولذلك ليس من الصحيح أن لا يكون في الجماعة الإسلامية أيا كانت هذه الجماعة سوي عالم واحد تصدر عن أقواله في كل حالاتها وتصرفاتها فهب أن هذا العالم قد أدركه أجله فماذا بعد؟!.. ولذلك فلابد للعاملين في الحقل الإسلامي من الالتقاء على منهاج الكتاب والسنة من خلال فهم العلماء وليس من خلال ضرورات المصلحة التي يمكن أن تتغير وتتبدل من آن لآخر .

إن هذا اللقاء للعاملين في الحقل الإسلامية يحقق وحدة العمل ووحدة الجماعة ويجمع الإمكانات المتناثرة والمبعثرة لتعمل في حقل واحد وخندق واحد فإن لم يتحقق ذلك فلا أقل من فتح قنوات الحوار التي يتم من خلالها التناصح والتداول ولا أشك أن ذلك لو حصل لما ذهبت الاجتهادات الخاطفة تلك المذاهب الخاطئة في المشاركة في المجالس النيابية تحت مطلات الطواغيت ولأصبح المجال أوسع وأرحب في التخطيط والتنفيذ لإقامة حكم إسلامي من خلال قنوات إسلامية ووسائل إسلامية دون الحاجة إلى الولوج في هذه المجالس النيابية التي تستهلك جهود الدعاة العاملين في غير ما طائل وتحت سقف ليس هو سقف بيتهم وفي إطار منهج ليس هو منهاجهم .

وبعد ... فإن هذه المطالب الثلاثة وهي :

- قبض العلم .
- دور العلماء في بيان الحق للأمة .
- مهمة العمل الإسلامي من خلال علمائه .

قد أدي التفريض في وضعها في إطارها الصحيح إلى تمكين الطواغيت من استغلال بعض الحركات الإسلامية وبعض أعلام المسلمين العاصرين في تحقيق أهدافهم والوصول إلى مآربهم في غياب مذهل عن إدراك هذه الحركات لطبيعة تلك المخططات وخطورتها وما تنطوي عليه فاستطاعت هذه الأنظمة أن ترتدي لباسا إسلاميا لا يعبر عن حقيقتها واستخدمت طلائع المسلمين في التلبيس على الشعوب الإسلامية فصارت تنظر إلى هذه الأنظمة التي صادرت عقيدتها نظرة إعجاب وإكبار وتأييد ، ولا شك أن هذا منزلق خطير لا تظهر نتائجه إلا بعد حين وقد ظهرت الآن بعض تلك النتائج بعد أن مر حين من الدهر على مشاركة الإسلاميين في مجالس الطواغيت النيابية ورحم الله ابن عبد البر إذ قال " وقال جمهور أهل العلم : الرأي المذموم ... هو القول في الأحكام بالاستحسان والتشاغل بالأغلوطات ورد الفروع بعضها على بعض دون ردها إلى أصول السنن "

المبحث السادس الرضا بواقع الأنظمة الديمقراطية

- الملغي للجهاد في سبيل الله .
- والمكرس للإقليمية السياسية والجغرافية.
- والمطلق لحرية الإلحاد.

لقد بينت سابقا ما يفيد بالتصريح والتلميح موافقة الإسلاميين المجلسيين على الدستور الذي تتحاكم إليه الأنظمة الديمقراطية والذي حقيقته تكريس الحكم بغير ما أنزل الله تعالي .

إن واقع الأنظمة الديمقراطية هذه إنما هو تطبيق لتلك الدساتير وإخراج لنصوصها من حيز الورق إلى حيز التطبيق والتنفيذ فالرضا بالدستور هو في الحقيقة رضا بالواقع المنبثق منه وقد يعارضني الإسلاميون المجلسيون في ذلك فيقولون : نحن لم نرض بالدساتير المكرسة للحكم بغير ما أنزل الله .

أقول : كم أتمني أن يكون قولكم صحيحا إذا لأثلجتم صدري وصدور المسلمين ولكن يؤسفني أن قولكم هذا مجانب للصواب وقد أثبت بعضا من أقوالكم التي تقررون فيها الموافقة على الدستور وضرورة الدفاع عنه !!!

وقد تقولون إنك ظلمتنا واتهمتنا بالموافقة على واقع الأنظمة التي حالها إلغاء الجهاد وتكريس الإقليمية السياسية والجغرافية وإطلاق حرية الإلحاد.

أقول : لم أظلمكم ولم أتهمكم إنما هي أقوالكم مساقة لكم من مصادركم المعتمدة لديكم . وقد اضطررت إلى ذكر هذه المقدمة ورد الأمور إلى مظانها وذلك قطعا للظنون وسدلا لمنافذ الشيطان .

إن مرضاة الله تعالي هي غاية كل مؤمن وهدف كل مسلم قال تعالي : ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا ) الفتح :29) وقال الله تعالي ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد)( البقرة: 207) ولا يمكن للمؤمن أن يجمع بين مرضاة الله تعالي ومرضاة الطاغوت والطاغوت لا يرضي عن المؤمن إلا إذا عصي المؤمن ربه قال تعالي :( ولن ترضي عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ) ( البقرة : 120)هذه هي المعادلة إنها باهرة الوضوح ، لا لبس فيها ولا غموض وقد تستدعي مصلحة الطاغوت التقرب من المسلمين لغاية في نفسه فيحلف للمسلمين أنه لا يريد إلا طاعة الله ورسوله ولكن الظروف الآن لا تسمح بتحقيق ذلك عمليا ويقولون : إنهم ليس بينهم وبين الخط الإسلامي عداء وإنه ينبغي للخط الإسلامي أن يتعامل معهم بصفاء نية وأن يرضي عنهم قال تعالي ( يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين ) ( التوبة : 62 ) ويود الطاغوت من الخط الإسلامي أن يتعامل معه ويهادنه ويداهنه قال تعالي ( ودوا لو تدهن فيدهنون ) ( القلم :9)

ولا شك أن فرصة المجالس النيابية هي من أسنح الفرص لتحقيق هذه الغاية التي يرمي إليها الطاغوت لذلك فإنه يسهل للإسلاميين المشاركة فيها ولكن بقدر يحقق هدفه ويحول في نفس الوقت دون تحقيق أهدافهم وقد أجاد الطاغوت هذه اللعبة إلى الآن أيما إجادة وقد مر على بدئها ما يزيد على الستين عاما في الوقت الذي لم يتنبه كثير من الإسلاميين إلى ذلك !! إذ لا تزال وسائل الإسلاميين المجلسيين الإعلامية تداهن لأولئك الطواغيت برفع برقيات التأييد لهم في شتي المناسبات القومية والوطنية !!

إن هذا الواقع المنبثق عن هذه الأنظمة لا ينبغي لمسلم أن يسكت عنه ؟ فضلا عن أن يرضي به أو يبر له فهذه الأنظمة عن كونها تحت شريعة الله عن الحكم وقد ناقشنا ذلك سابقا فإنها أضافت إلى ذلك عدة مسائل أخري مهمة . منها :

1- الغاء الجهاد في سبيل الله :

نعم أقول : إلغاء ولا أقول : تعطيلا ذلك أن قولنا :" تعطيل الجهاد" يفيد أن هذه الأنظمة مقرة بالجهاد ولكنها تعطله إلى حين بسبب ظروف معينة تراها ولكن ليس هذا هو واقع الحال ذلك أن هذه الأنظمة ألغت فعلا الجهاد في سبيل الله فلا تجد لتشريعات الجهاد أثرا في قوانينها وأنظمتها بل أحلت مكانه الدفاع عن الوطن ..
إن " إلغاء الجهاد " رمز من رموز هذه الأنظمة الديمقراطية التي تحوز على تأييد بعض الإسلاميين المجلسيين ولا ينبغي أن يظن أن معني الجهاد هو مجرد حمل السلاح في ساحة الوغي وليس له ما قبله ولا ما بعده إن الجهاد في سبيل الله معناه أن تتغير معالم حياة الأمة وتتبدل اهتماماتها وطريقة عيشها لتكون في خدمة المقاتلين فالمجاهدون الذين يكونون في جبهة القتال بحاجة إلى مجتمع جهادي يقف وراءهم يوفر لهم الدعم المادي والمعنوي خاصة وأن الجهاد يخلف وراءه أرامل ويتامي وجرحي ومشوهين ومعاقين ومحتاجين وغير ذلك فإلغاء الجهاد هو إلغاء لطريقة عيش الأمة وتغيير لمجري سلوكها وأخلاقها وهو إحلال لطريق عيش ومجري سلوك مقنن في إطار الشعارات الوطنية والأهداف القومية .
ولأهمية الجهاد وأثره في حياة المسلمين جاءت الآيات الكثيرة حاضة عليه وداعية إليه ولم توفر خفيفا أو ثقيلا .
قال تعالي ( انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) ( التوبة : 41)ولست بصدد استعراض وذكر آيات الجهاد فقد ذكر القرآن الجهاد في نحو ثلاثة وثلاثين موضعا .
ثم جاءت هذه الأنظمة وألغت ذلك كله بجرة قلم !فأين المجالس النيابية من الجهاد ؟! وماذا فعل الإسلاميون في المجالس النيابية لأجل الجهاد على مدي يزيد عن ستين عاما ؟ لم يفعلوا شيئا بل علا صوت الإسلاميين وارتفع تأييدا للمعارك القومية ، وأقصد بها المعارك التي حصلت بين هذه الأنظمة واليهود أو غيرهم على أسس قومية ووطنية وليس على أساس إسلامي لقد انتهت جميع تلك المعارك إلى سراب بل إلى هزائم منكرة ويعلم ذلك القاصي والداني والسبب في ذلك كله أنها لم تكن في سبيل الله وليست لإعلاء كلمة الله ولا دافعا عن دين الله ولا نشر لدعوة الله إنما كانت معارك لأجل الدفاع عن تلك الأنظمة الطاغوتية وكم تغنت تلك الأنظمة بهزائمها على الأرض مدعية أن ذلك نصرا مؤزرا لأن النظام لا يزال قائما ولم يسقط ّ!!وليست معارك (67) و(73) عنا ببعيدة !! فماذا قال الإسلاميون المجلسيون وماذا فعلوا ؟ لا شئ !!

2- تكريس الإقليمية السياسية والجغرافية :

إن تشريعات البلاد ذات الحكم المسمي بالديمقراطي تنصب على إضفاء التميز والاستقلال السياسي والجغرافي لذلك البلد فهو وحدة سياسية وجغرافية مستقلة ويعبر عن هذا التوجه بالصياغات القانونية والشعارات الوطنية وإذا كان ذلك ربما يصلح لبلاد الغرب فإنه لا يصلح أبدا لبلاد المسلمين ذلك أن المسلمين أمة واحدة وقال تعالي ( إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ) ( الأنبياء:92)
فما وحده الله لا يجوز للبشر أن يجزئوه لكن هذه المجالس النيابية انبثقت من الواقع الذي فرضه الطواغيت وهو تجزئة بلاد المسلمين ثم كرست تلك المجالس ذلك التجزئة بالدستور والقانون ونشأ عن ذلك كله تعميق الانتماء للتراب والطين بدل الانتماء للعقيدة و الدين والغريب في الأمر حقا أن يشارك بعض الإسلاميين المجلسيين في هذه المهزلة الكبرى ! بل الأغرب من ذلك أن تكون المطالبة بتكريس هذه الإقليمية البغيضة قد صدرت من أولئك الإسلاميين المجلسيين وقد تركت هذه التصرفات المخالفة لتعاليم الشرع آثارا بالغة في نفوس المسلمين الذين يقطنون تلك البلاد لكنهم ليسوا من أهلها بالجنسية وإن كان بعضهم من أهلها بالولادة .
إن تلك القوانين أشعرت أهل ذلك البلد المسور جغرافيا بحدود اصطناعية اصنعها المستعمر الغاشم ما أنزل الله بها من سلطان أشعرتهم بالتميز والفوقية على من سواهم فأين ذلك من قوله تعالي ( يا أيها الناس إن خلقناكم من ذكر وأنثي وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) ( الحجرات : 13) فجعلت هذه القوانين المشرعة من قبل المجالس النيابية ميزان التفاضل : التراب والطين والقبيلة والعشيرة بدل التقوى .
وبسبب ما أوجدت هذه القوانين من استعلاء وتفاخر فإن حواجز وحجبا قد نشأت بين الشعوب الإسلامية ولدت فيها التنافر والتدابر بدل التواصل والتعارف ولا يخفي أن هذه القوانين المكرسة للإقليمية السياسية والجغرافية أضفت الشعور بالزهو والتكبر لشعبها بما ولدت فيه من تزكية والله تعالي يقول ( فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقي ) ( النجم : 32 ) ويقول ( ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون قتيلا ) ( النساء : 49 ) ويقول الرسول صلي الله عليه وسلم فيما أخرجه مسلم عن عياض بن حمار " إن الله تعالي أوحي إلى أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ، ولا يفخر أحد على أحد"وقد حمل هذا التكريس القانوني للتجزئة الجغرافية بعض المسلمين على الشماتة ببعض إخوانهم المسلمين وحملهم على الطعن في الأنساب والغش والخداع والاحتقار وسوء الظن والحسد والتباغض والتقاطع والإيذاء والسب وغير ذلك من البلايا مما هو محرم ومنهي عنه إن هذه الكوارث قد لا تظهر مجتمعة في بلد واحد وقد تجتمع إذ أن ذلك مناط بحال البلد وعدد " جنسيات المسلمين " الذين فيه .

3- إطلاق حرية الإلحاد :

لقد نصت دساتير الأنظمة الديمقراطية في بلاد المسلمين على أن حرية الاعتقاد مكفولة وقد طور هذا المعني ببلورته في أحزاب سياسية تعلن صراحة محادتها لله ورسوله ،سبيل المؤمنين وتقول : إن لذلك كله رجعية وتقهقر وإن سبيلها هي وحدها سبيل التقدم والازدهار والله تعالي يقول ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدي ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولي ونصله جهنم وساءت مصيرا ) ( النساء : 115)
إن وجود هذه الأحزاب هو من صلب اللعبة الديمقراطية ولا ديمقراطية بدون وجود هذه الأحزاب سواء كانت هذه الأحزاب معلنة ومعترف بها رسميا أو كانت ذات كيان اعتباري من جهة الدولة تنظيمي من جهة الواقع ففي كل الأحوال تشكل هذه الأحزاب القوائم التي ترسو فوقها كراسي المجالس النيابية هذا يكمن بيت القصيد !! إذ إن بعض الأحزاب الإسلامية التي منهجها التغيير من خلال المجالس النيابية جعلت من برنامجها الانتخابي إعطاء حرية تكوين الأحزاب السياسية ولأجل إضفاء معني محددا على مقصودها بالأحزاب السياسية فإنها عقدت تحالفا مع تلك الأحزاب ( ومنها حزب البعث العربي الاشتراكي معهم تحالفا تعهدت فيه بما ذكرت من إطلاق حرية الأحزاب فأى بلد هذا وأى نظام هذا ينتسب إلى الإسلام ثم يجعل حرية الإلحاد والدعوة إليه والعمل بموجبه مكفولا بالقانون !! إن هذا لأمر عجاب حقا .
إن الشأن بين المسلمين وبين هذه الأحزاب الإلحادية إنما هو العداوة والبغضاء حتى يؤمنوا بالله وحده كما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومن آمن معه لقومهم : ( إنا برءوا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده ) ( الممتحنة :4)
ولقد أمر الله تعالي رسوله محمدا صلي الله عليه وسلم بالمفاصلة الكاملة والشاملة مع الكفار قال تعالي : ( قل يأيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد * ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين ) ( الكافرون ).
وأمره الله تعالي أن يعلن موقفه من الكافرين فقال له : ( قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين * قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفصلين ) ( الأنعام 56 – 57) وفي الوقت الذي يمد الإسلاميون فيه أيديهم إلى أولئك القوم ليشيدوا بينهم جسورا فإن أولئك القوم الممثلين في أحزاب سياسية علمانية لا يعاملونهم بالمثل بل تمتلئ قلوبهم على المسلمين حقدا وكراهية قال الله تعالي : ( وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور ) ( أل عمران : 119 )وفي بيان حقيقة ما تنطوي عليه نفوسهم وما يضطرم في صدورهم قال الله تعالي ( ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي أذانهم وقرا وإن يروا كل أية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجدلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين * وهم ينهون عنه وينئون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون ) ( الأنعام : 25- 26)فهذا هو حالهم فكيف يوافق الإسلاميون المجلسيون على منح حرية التعبير للأحزاب السياسية المناوئة لله ورسوله أو بعبارة أدق : منح حرية إعلان الإلحاد ؟!

الفصل الثالث مناقشة عدم معارضة المصالح المتوخاة للقياس وهو الضابط الثالث

وفيه المبحثان التاليان

المبحث الأول : القياس:

وفيه المطالب التالية :

المطلب الأول : تعريف القياس

المطلب الثاني : القياس الصحيح والقياس الفاسد

المطلب الثالث : أركان القياس والمسألة المعروضة.

المطلب الرابع : قياس صحيح أم فاسد .

المبحث الثاني : وقفات مع استدلالهم بالقياس .

المبحث الأول القياس

ذكرت أن أحد ضوابط تحقيق المصلحة ( الضابط الثالث ) هو عدم معارضة هذه المصلحة للقياس .

ومحل البحث هنا هو : هل المشاركة في المجالس النيابية لتحقيق المصالح التي يتوخاها الإسلاميون المجلسيون معارضة للقياس أم موافقة له وهاهنا مطالب :

المطلب الأول تعريف القياس

قال الإمام الشوكاني في " إرشاد الفحول " في تعريفه للقياس :" هو في اللغة تقدير الشئ على مثال شئ آخر وتسويته به . وفي الاصطلاح : حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من حكم أو صفة "

وقال العلامة الشنقيطي في " مذكرة أصول الفقه " :" القياس في اللغة التقدير وهو في الشرع حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما "

وأوضح منه ما قاله الأستاذ خلاف في " علم أصول الفقه ": " القياس في اصطلاح الأصوليين هو إلحاق واقعة لا نص على حكمها بواقعة ورد نص بحكمها في الحكم ورد به النص لتساوي الواقعتين في علة الحكم .

وقريب من هذا التعريف الذي ذكره الشيخ أبو زهرة في " أصول الفقه"أما حجية القياس فلست بصدد مناقشتها إذ هي حجة عند الجمهور وخالفهم الظاهرية .

المطلب الثاني القياس الصحيح والقياس الفاسد

نظرا لأن مدار القياس على علة الحكم فإن احتمال تطرق الفساد في إعمال القياس وارد.

لذلك فالقياس قسمان : صحيح وفاسد.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية / في كتاب :" القياس في الشرع الإسلامي " ما نصه :" أصل هذا أن نعلم أن لفظ القياس لفظ مجمل يدخل فيه القياس الصحيح والقياس الفاسد فالقياس الصحيح هو الذي وردت به الشريعة وهو الجمع بين المتماثلين والفرق بين المختلفين الأول : قياس الطرد ، والثاني : قياس العكس وهو من العدل الذي بعث الله به رسوله .

فالقياس الصحيح مثل أن تكون العلة التي علق بها الحكم في الأصل موجودة في الفرغ من غير معارض في الفرع يمنع حكمها ومثل هذا القياس لا تأتي الشريعة بخلافه قط وكذلك القياس بإلغاء الفارق وهو أن لا يكون بين الصورتين فرق مؤثر في الشرع فمثل هذا القياس لا تأتي الشريعة بخلافه وحيث جاءت الشريعة باختصاص بعض الأنواع بحكم يفارق به نظائره فلابد أن يختص ذلك النوع بوصف يوجب اختصاصه بالحكم ويمنع مساواته لغيره لكن الوصف الذي اختص به قد يظهر لبعض الناس وقد لا يظهر وليس من شرط القياس الصحيح المعتدل أن يعلم صحته كل أحد فمن رأي شيئا من الشريعة مخالفا فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه ليس مخالفا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر وحيث علمنا أن النص جاء بخلاف القياس علمنا قطعا أنه قياس فاسد بمعني أن صورة النص امتازت عن تلك الصور التي يظن أنها مثلها بوصف أوجب تخصيص الشارع لها بذلك الحكم فليس في الشريعة ما يخالف قياسا صحيحا لكن فيها ما يخالف القياس الفاسد وإن كان من الناس من لا يعلم فساده.،إن مدار ما نقلته عن شيخ الإسلام منعقد حول قوله : ( فالقياس الصحيح هو الذي وردت به الشريعة وهو الجمع بين المتماثلين والفرق بين المختلفين وقوله " وحيث علمنا أن النص جاء بخلاف القياس علمنا قطعا أنه قياس فاسد "ولنا عودة حول تحرير ما ذكره شيخ الإسلام أعلاه فيما يخص موضوعنا وهو المجالس النيابية وذلك بعد أن أتكلم عن أركان القياس وقد قدمت كلام ابن تيمية على أركان القياس لتعلق تفصيل الكلام في الأركان بما ذكره شيخ الإسلام .

المطلب الثالث أركان القياس والمسألة المعروضة

لأجل إجراء القياس لابد أن نذك أركانه أولا .

قال الأستاذ عبد الوهاب خلاف / تعالي في " علم أصول الفقه " :" كل قياس يتكون من أركان أربعة :

( الأصل ) : وهو ما ورد بحكمه نص ويسمي المقيس عليه والمحمول عليه ، والمشبه به .
و( الفرع ) : وهو ما لم يرد بحكمه نص ويراد تسويته بالأصل في حكمه ويسمي المقياس والمحمول ، والمشبه .
و( حكم الأصل ) وهو الحكم الشرعي الذي ورد به النص في الأصل ويراد أن يكون حكما للفرع .
و( العلة): وهي الوصف الذي بني عليه حكم الأصل وبناء على وجوده في الفرع يسوي بالأصل في حكمه "

وبناء على ما سلف ذكره فإن المبتغي التحقق منه هو معرفة صحة القياس في المسألة المعروضة وهل هو قياس صحيح أم فاسد .

لنتكلم أولا عن الأركان فيما يتعلق بالمشاركة في المجالس النيابية :

الركن الأول : الأصل : حلف الفضول ، ومحالفة خزاعة وهي مشركة .
الركن الثاني : الفرع : المشاركة في المجالس النيابية بصفتها الحالية .
الركن الثالث : حكم الأصل : صح أن رسول الله صلي الله عليه وسلم حضر مع عمومته حلف الفضول وصح أنه حالف خزاعة .
الركن الرابع : حكم الفرع : ومداره على العلة .

قال الإسلاميون المجلسيون : العلة في قول الرسول صلي الله عليه وسلم عن حلف الفضول " لو دعيت به في الإسلام لأجبت " ( سبق تخريجه) وفي موافقته على دخول خزاعة في حلفه وهي مشركة ( حسب ادعائهم ) هي " نصرة الإسلام وإعزازه " وإن دخولنا للمجالس النيابية هي أيضا لنصرة الإسلام وإعزازه فالعلة واحدة فاستقامت لنا أركان القياس فهو قياس صحيح .

أقول : لم تستقم لكم أركان القياس !! وكلامنا هنا سيكون منصبا على الركنين الثالث والرابع .

فأما الركن الثالث وهو : حكم الأصل فقد صح قول النبي صلي الله عليه وسلم بشأن حلف الفضول لكن لم يصح أنه حالف خزاعة وهي مشركة بل كان الحال أن خزاعة عندما طلبت النصرة من الرسول صلي الله عليه وسلم كانت مسلمة على بينته فبقي لكم من الركن الأول ما صح بشأن حلف الفضول وليس لكم ما قلتموه بشأن حلف خزاعة .

وأما الركن الرابع فهو العلة ولست بصدد بحث العلة في حلف خزاعة لأنني أثبت أن نصرة الرابع ، فهو العلة ولست بصدد بحث العلة في حلف خزاعة لأنني أثبت أن نصرة الرسول صلي الله عليه وسلم لخزاعة كانت حين إسلامها لكنني بصدد بحث العلة في قضية " حلف الفضول " وإن كانت العلتان في القضيتين ( حلف الفضول ومناصرة خزاعة ) واحدة وهي نصرة الإسلام وإعزازه لكنني أقصر الحديث على العلة في حلف الفضول لأنها المتعلق الوحيد الباقي للإسلاميين المجلسيين .

إن الحديث حول شروط العلة يدور في أربعة أمور :

الأول : أن تكون العلة معتبرة شرعا في الأصل وهذا الشرط متحقق فلا نشط أن نصرة الإسلام وإعزازه متحققة في قول الرسول صلي الله عليه وسلم عن حلف الفضول " لو دعيت به الإسلام لأجبت "

الثاني : أن تكون العلة معتبرة شرعا في الأصل هي نفسها متحققة في الفرع والإسلاميون المجلسيون يقولون : إن مشاركتنا في المجالس النيابية لتحقيق المصالح المنوه عنها سابقا علته نصرة الإسلام وإعزازه وهي علة متحققة في الفرع لكن الواقع أنها علة غير متحققة في الفرع كما بينت ذلك سابقا بشكل مسهب فهذا الشرط في العلة لا يستقيم لهم وهو يقولون إنه يستقيم لهم لكن لنا عودة حول هذا الموضوع في الشرط الرابع .

الثالث : إن اعتبار العلة في الفرع لا يبطل حكم الأصل وهذا متحقق فالقول عند الإسلاميين المجلسيين إن دخولهم المجلس إنما هو لنصرة الإسلام وإعزازه .

أقول : هذه العلة وهي " نصرة الإسلام وإعزازه " لا تبطل حكم الأصل وهو قول الرسول صلي الله عليه وسلم " لو دعيت به في الإسلام لأجبت "

الرابع : أن تكون العلة وصفا ظاهرا منضبطا مناسبا .

وتحقيق الكلام هو في هذا الشرط:

أ‌- وصفا ظاهرا : أى أن يدرك بحاسة من الحواس الظاهرة وينبغي أن ينسحب هذا على الأصل والفرع فأما الأصل فقد علم بالحواس الظاهرة أن الرسول صلي الله عليه وسلم قد نصر دين الله تعالي ملتزما منهاجه الذي بينه له فقوله عليه الصلاة والسلام :" لو دعيت به في الإسلام لأجبت " محمول على هذا الالتزام فلو دعي له في الإسلام لأجاب طالما لا يتعارض ذلك مع أنزل إليه وما بينه للناس وما جاهد في سبيله ولقد رأي الصحابة عن الرسول صلي الله عليه وسلم وسمعوه وصاحبوه وعاشوا معه بأجسادهم وأحاسيسهم ومشاعرهم حال كونه داعيا إلى الله تعالي مستجيبا لأمره فالعلة في قوله " لو دعيت به في الإسلام لأجبت " واضحة متحققة مرئية ومسموعة ومشهود لها وهي نصرة الإسلام وإعزازه وقد حصل ذلك ووقع وتم هذا في " الأصل أما في " الفرع" فإن دخول المجالس النيابية فقد أثبت الواقع المرئي والمسموع والمشهود أنه قد حصلت من خلاله مخالفات شرعية كثيرة أفضت في الكلام عنها سابقا فهي لم تحقق ولن تحقق نصرة الإسلام وإعزازه بالمفهوم الشرعي لهذه الكلمة ، وبالتالي نقول : إن علة " نصرة الإسلام وإعزازه " وهي وصف ظاهر في " الأصل " وليست وصفا ظاهرا في " الفرع " فسقط هذا الشرط في اعتبار تصحيح العلة .
ب‌- وصفا منضبطا : قال خلاف في " علم أصول الفقه " :" ومعني انضباطه أن تكون له حقيقة معينة محدودة يمكن التحقق من وجودها في الفرع بحدها أو بتفاوت يسير لأن أساس القياس تساوي الفرع والأصل في علة حكم الأصل "
ت‌- أقول : إن علة " نصرة الإسلام وإعزازه" متحققة في كل ما قاله رسول الله صلي الله عليه وسلم أو فعله أو أقره مما أقره الله تعالي عليه وهذه الأقوال والأفعال والإقرارات كثيرة جدا ولكل منها علة خاصة بها وإن كانت العلة المشتركة بين الجميع هي نصرة الإسلام وإعزازه فلكي تكون العلة منضبطة فلابد من تحديدها في عين حكم الأصل بخصوصيتها فيه وإن كانت بعموميتها هي لأجل نصرة الإسلام وإعزازه .
ث‌- ولما كانت قد استبعدت الكلام عن حلف خزاعة لكوني أثبت أن نصرة رسول الله صلي الله عليه وسلم لها كانت في حال كونها مسلمة وليست مشركة فسقط اعتبار هذه الحجة في حكم الأصل فلم يبق إلا الكلام عن حلف الفضول أو المطيبين .
ج‌- إن العلة في قوله عليه الصلاة والسلام عن حلف الفضول :" لو دعيت به في