الإسلام السياسي في مصر من حركة الإصلاح إلى جماعات العنف

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإسلام السياسي في مصر من حركة الإصلاح إلى جماعات العنف

هالة مصطفى

مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية

محتويات

تقديم

لقيت ظاهرة "الإسلام السياسي" في مصر ، والعالم العربي والإسلامى، اهتماما كبيرا بها من مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام ، خاصة مع البدء في إصدار التقرير الاستراتيجي العربي منذ عام 1985.

ومع أن تعبير " الإسلام السياسي" هو في الأصل تعبير أجنبي ، كما أن استخدامنا له ربما تجاوز بعض المقاصد التي وصلت من أجلها، فضلا عما ينطوي عليه من إيحاءات مضمونيه محددة، فإننا نعتبر أنه صالح للاستعمال .

إننا نشير به- على صعيد التحليل السياسي للقوى السياسية على الساحة المصرية أو العربيةـ إلى صعيد التحليل السياسي للقوى السياسية على الساحة المصرية والعربية – إلى تلك القوى التي تجعل من الإسلام أيديولوجية سياسية، تتضمن تحديدا للمجتمع السياسي الأمثل المنشود، ونقدا للمجتمع السياسي الراهن، وتعريفا بوائل وأدوات الانتقال من المجتمع الراهن إلى المجتمع الأمثل، سواء تضمنت تلك الوسائل العنف أو غيره من الوسائل.

بهذا الفهم فإن الأستاذة / هالة مصطفى – الخبيرة في المركز ، والتي تعد رسالتها للدكتوراه حول نفس الموضوع، واستنادا إلى خبرتها الطويلة في معالجة الموضوع في التقرير الاستراتيجي العربي، وفى عدد من البحوث والمقالات في الصحف والدوريات المصرية والعربية والأجنبية، تسعى إلى تقديم معالجة مركزة لقوى الإسلام السياسي في مصر وفق منهج لا يخطئ المرء مراعاته لاعتبارات ثلاثة:

أولا: التسلسل التاريخي لتطور الظاهرة ، أخذا في الاعتبار جوهر فكرة الإسلام السياسي لدى أصحابها.
ثانيا: السياق الاجتماعي- الاقتصادي- السياسي الذي تجرى فيه الظاهرة في ظل مرحلة من تطورها، هو السياق الذي يلخص تطور الأوضاع في مصر على امتداد القرن الحالي.
ثالثا: التركيز على ما هو جوهري ويخدم فكرة البحث وترك عديد من الظواهر الثانوية أو الإضافية التي تتصل بصلب فكرته.

وتعالج المؤلفة موضوعها في فصول ثلاثة متوالية: الاحتكاك بالحضارة الغربية وظهور الفكر الاصلاحى .

والثاني: الإخوان المسلمون ، والثالث: الجماعات الراديكالية والعنف السياسي .

وفى حين اجتهدت المؤلفة في استخلاص أهم الأحكام والدلالات من التاريخ المكتوب للقوى موضوع التحليل في الفصلين الأول والثاني، فإنها اعتمدت بشكل يكاد يكون كاملا على المصادر الميدانية المباشرة في كتابة الفصل الثالث. وهو الأمر الذي سهله له عملها في المركز.

أما في مقدمة الكتاب- فإن الأستاذة/ هالة مصطفي استطاعت في براعة أن تستعين بآراء كبار المفكرين والباحثين فئ التاريخ المصري الحديث لتفسر للقارئ ما سوف يطالعه بعد ذلك في الكتاب أي : لماذا تتخذ في الغالب حركات الاحتجاج الاجتماعي في مصر طابعا دينيا رغم أسبابها السياسية والاجتماعية، ولماذا لا تتحول جماعات العنف الإسلامية من جماعات محدودة إلى حركة جماهيرية واسعة؟

تلك نص الأسئلة التي اجتهدت الأستاذة هالة مصطفى في الإجابة عنها، في إطار الجهد العام لمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية في دراسة وتحليل القوى السياسية في المجتمع المصري المعاصر.

د. أسامة الغزالي حرب

مدير المركز بالإنابة

مقدمة

يكتسب كل شعب على مر العصور خصائص وسمات تميزه عن غيره من الشعوب، وتحفظها ذاكرته التاريخية والسياسية .

هذه الخصال هي التي ترسم ملامح شخصيته الوطنية، بحيث يصعب على أي باحث في تناوله لأي ظاهرة سياسية إغفال هذا الجانب.

وغالبا ما تساهم الشخصية الوطنية بطبيعتها وخصائصها ليس فقط في تشكيل الظواهر السياسية والاجتماعية والثقافية ،وإنما في تحديد ردود فعل الشعب إزاءها وسبل تعامله معها.

والشعب المصر- على وجه التحديد – بفعل تاريخه وبفعل حضارته القديمة، شخصيته المتميزة التي عاشت معه عبر عهوده السياسية المختلفة الفرعونية، والمسيحية، والإسلامية، والحديثة.

ويؤكد كثير من المؤرخين والمفكرين العظام الذين عرفتهم مصر على استمرارية الشخصية الوطنية المصرية، فيذكر ه حسين " أن العقل المصري القديم لم يتأثر بالشرق الأقصى ولا بالشرق البعيد قريبا ولا كثيرا، وإنما نشأ مصريا ثم أثر حوله وتأثر به" وطه حسين من أشد القائلين في كتابه الشهير" مستقبل الثقافة في مصر" الذي صدر عام 1938 ، بخصوصية الشخصية المصرية التي رآها نتاجا لحضارة مصر الفرعونية وتفاعلها مع الحضارة الإغريقية والرومانية.

ومن هنا كان حرصه الشديد على إبراز هوية مصر الثقافية وامتدادها في ثقافة حوض البحر المتوسط حيث الانتماء الحضاري الطبيعي من وجهة نظره استنادا إلى عوامل الجغرافيا. رغم اعترافه بالروابط التي ربطتها بالثقافة العربية الإسلامية.

وفى " سندباد على الغرب" الذي صدر عام 1949 ينطلق حسين فوزي من نفس نظرة طه حسين حول خصوصيته الحضارة المصرية التي يراها من خلال التسلسل التاريخي للحضارات، مشاركا " أصيلا" في صنع الحضارة الحديثة فيقول ص (292) " ونحن المصريين أحق الناس بدراسة الحضارات ، لأننا أثبتهم حقا في تراث الإنسانية العظيم الذي تواضع الناس على تسميته الحضارة الغربية، لا لأنها حضارة اختص بها الغرب أو ورثها عن أبيه، بل لأنها في التسلسل التاريخي للحضارات نمت وترعرعت أخيرا في غرب أوربا بعد أن تشربت وتمثلت تيارات الحضارة من طيبه وممفيس وصور وصيدا وأثينا والإسكندرية وروما وبيزنطة وبغداد ودمشق والقاهرة" ، وهذه الخصوصية لدى حسين فوزي تجد أيضا انتماءها الطبيعي في ثقافة حوض البحر المتوسط، وهذه الاستمرارية التاريخية للشخصية المصرية منذ حضارتها الفرعونية، جسدها توفيق الحكيم في روايته " عودة الروح" التي كتبها عام 1928 ونشرها في 1933 ، حيث رأى بعث الروح الفرعونية من خلال " أوزوريس " الرمز شرطا لميلاد مصر الحديثة، وفى " ذكرياتي في السياسة المصرية" يؤكد محمد حسين هيكل على فرعونية مصر التي تكسبها تميزا وخصوصية على مر التاريخ، بل أنه طالب في مقدمة كتابه " تراجم مصرية وغربية" بدراسة تاريخ مصر كتاريخ مستقل لأمة مستقلة.

ويكاد يتفق أغلب من تناول" الشخصية المصرية" بالتحليل – على اختلاف توجهاتهم – على عمق تراثها الحضاري الذي حفظ لها طبيعتها وخصائصها.

فيقول جمال حمدان صاحب العمل الضخم، " شخصية مصر" بعد اعترافه بدور العصر العربي الإسلامى في تغيير بعض عناصر المركب الحضاري المادي وغير المادي وفق تعبيره ( أن دور العرب عموما في مصر وفى غيرها لابد أن يدعو إلى التفكير، فهم لم يأتوا معهم بحضارة ذات بال مع ذلك بعثت الحضارة على أيديهم حيث دخلوا ، لقد تتلمذ العرب الفاتحون في مدرسة مصر لمفتوحة وعلى يدها تحضروا، والواقع أن دور العرب كان دور الشرارة التي ألهبت الوقود الحضاري الخامل في مصر دون أن تجيئنا بجسم الوقود نفسه).

ولا يعنى الحديث عن تراث مصر الفرعوني واستمراريته في تحديد ملامح الشخصية الوطنية المصرية إغفال المقومات الأخرى التي قامت عليها هذه الشخصية وأضافت إليها من خصائصها- فكما يشير د. لويس عوض، وهو من اشد المؤيدين لأصالة مصر الفرعونية- ( إن النظرية القائلة بأن الهوية المصرية فرعونية خالصة هي مبالغة في التبسيط ولم يقبل بها أحد اى أعداء " القومية المصرية" ليسخروا من هذا المبدأ بالمبالغة الكاريكاتورية ، فالواضح من تاريخ مصر بعد العصر الفرعوني أن الحضارة المصرية مكونة من جملة طبقات : اليونانية والرومانية والبيزنطية ، والعربية، والمملوكية والتركية والأوربية الحديثة.

وهذه الطبقات ليست بالضرورة متراكمة ترتاح فيها طبقة فوق طبقة وترتاح كلها في البنية التحتية الفرعونية ولكن تكونت منها سبيكة أو مزيج من عناصر مختلفة أهما هو ماضي مصر الفرعوني).

هذا المزيج الذي تحدث عنه لويس عوض والذي أكده من المفكرين والمؤرخين- كما سبقت الإشارة- هو الذي أعطى خصوصية للشخصية الوطنية المصرية وأكسبها تميزا وسمات خاصة تكرست عبر التاريخ.

ولأن التعرض لمصر الحديثة لا يمكن أن يتم بمعزل عن ماضيها، فإن قراءة مقومات الشخصية المصرية قد يقدم مدخلا هاما لتحليل الظواهر السياسية الحديثة كتلك المتعلقة بموضوع البحث وهى" الإسلام السياسي في مصر".

لقد لعب الدين دورا محوريا في تشكيل الشخصية المصرية على مر العصور، بل ويرى كثير من المفكرين والمؤرخين أن الدين- بغض النظر عن نوع الديانة- ظل يحتل نفس الموقع في حياة المصريين منذ العهد الفرعوني القديم وحتى عهدنا الراهن، وفى معرض تحليله لجماعات الإسلام السياسي المعاصر يثير حسن حنفي هذا البعد حين يقول ( إن الدين لعب منذ الفراعنة الدور المحوري في حياة الشعب، خاصة وأن حياة المصريين تقوم على الزراعة وهو ما يجعل الدين متجذرا في حياتهم الاجتماعية والسياسية بسبب نمط الحياة الفلاحية).

وطوال تاريخ مصر بقى العنصر الديني عاملا فعالا في صياغة القوانين الحاكمة في المجتمع، وفى تحديد شكل العلاقات الاجتماعية والسياسية خاصة العلاقة بين الحكام والمحكومين، فقد كان الرمز الديني منذ عهد الفراعنة هو وسيلة الحكم في إخضاع الشعب ولم يختلف الأمر في العهود التالية القبطية والإسلامية بدولها ومذاهبها المختلفة.

كما كان في المقابل هو محرك للثورات التي اكتسبت طابعا دينيا بل كل في أكثر من حالة عامل تجميع قومي ضد العدو الخارجي ( كما في عهد الدولة الأيوبية حين لعب الدين دورا أساسيا في النضال ضد الحروب الصليبية9 ولم تستطع الثورات الوطنية أن تغفل عمق هذا الميراث، فالثورة العرابية (1879-1882) التي مثلت نقطة تحول في تاريخ العمل الوطني المصري لم يكن بمقدورها تجاوز فكرة الخلافة، ويعلق لويس عوض عليها بقوله( إن العرابيين لم يكونوا يعرفون ماذا يريدون أو على الأصح أنهم كانوا يريدون مصر للمصريين أي يريدون الدولة القومية، ولكنهم من جهة أخرى كانوا يقبلون التبعية للثيوقراطية العثمانية).

وإذا لم يكن هناك خلاف كبير حول الدور البارز الذي لعبه الدين في تاريخ الشعب المصري وفى تاريخ ثوراته وتمرده ، والذي ظل يشكل مقوما من مقومات شخصية الوطنية، إلا أنه – في المقابل- كان للمقومات الأخرى في هذه الشخصية أثر في تحديد طبيعة هذا الدور، وفى صبغ سمات معينة على طبيعة التدين عند المصريين .

إذ كان هذا التدين أقرب على التدين الفردي الملتصق بالعبادات منه إلى التدين السياسي ذي الصفة الجماعية، كما أنه اتسم إلى حد كبير بطابع عملي نزع عنه سمة التشدد والعنف الجماهيري.

وفى ذلك يقول طه حسين( إن التاريخ يحدثنا بأن رضى مصر عن السلطان العربي بعد الفتح لم يبرأ من السخط ولم يخلص من المقاومة والثورة، وبأنها لم تهدأ ولم تطمئن إلا حين استردت مصر شخصيتها المستقلة في ظل ابن طولون وفى ظل الدول المختلفة التي قامت بعده، فالمسلمون – إذن – فطنوا منذ عهد بعيد إلى أصل من أصول الحياة الحديثة وهو أن السياسة شيء والدين شيء آخر وإن نظام الحكم وتكوين الدول إنما يقومان على المنافع العملية قبل أن يقوما على أبى شيء آخر).

وفى معالجة عقلانية لموقف الإنسان المصري من الدين يشير عباس محمود العقاد إلى أن الذهن المصري ذهن عملي واقعي، ويفسر ذلك بقوله( إن الأرض والنيل والفيضان والغلة أي المحصول كلها بالنسبة للذهن المصري وقائع محسوسة مطردة في قياس العق لا تتصل بعالم الغيب إلا اتصالا بسيط لا يحوج المرء على خيال جامع وإنما يحوجه على التدين والإيمان) .

ومن هنا يرى العقاد أن هذا هو سبب هدوء العقيدة الدينية عند المصري وخلوها من التعصب وخلو تاريخ مصر الديني من المذابح الطائفية.

وتصل عفاف لطفا السيد إلى نفس الرأي من خلال تحليلها لطبيعة الشخصية المصرية فتقول( هكذا كانت عقلية الفلاح مليئة بمزيج من فهم بسيط للإسلام وكثير من العقائد الشعبية ذات الصبغة الدينية منبثق من الاعتقاد في مذهب الروحيين أو : عباد الطبيعة باعتبار أنه عود إلى القديم، إلى تراثه الفرعوني، وكثير من احتفالاته الرسمية التي لها علاقة بالميلاد والموت والأرض كانت بلا شك فرعونية بحته في أصلها غشاها طلاء رقيق من الإسلام والمسيحية).

وحول هذه الاستمرارية أكد لويس عوض على وجود صلات حميمة بين بع المعتقدات والعادات والتقاليد في مصر الفرعونية وفى مصر اليوم: مثال ذلك الطقوس الجنائزية ، وطقوس الولادة والسحر ضد الحسد والمرض، وطقوس الإخصاب).

وانطلاقا من نفس المنظور رأى كثير من الباحثين أن اعتناق المصريين للإسلام لم يشكل انقطاعا في المكونات الأساسية للشخصية الوطنية المصرية ولموقفها من الدين، بل انعدم وجود مؤسسة دينية دنيوية في الاستلام كان يتلاءم تماما مع طبيعة الفلاح المصري ونزوعه الدائم للاستقلال بإيمانه على أي جهة وسيط بينه وبين إلهه الذي يعبده، خاصة وأن هذه النزعة الاستقلالية تولدت منذ عهود قهره واستغلاله من قل الفرعون والمؤسسة الدينية التابعة له مما أعطى له مبررا للتمرد عليها.

كذلك فإن هذه الاستقلالية والفردية في التدين هي في- نظر البعض – التي سمحت للمصري أيضا أن ينقل معه إلى الإسلام كل ما ورثه من عادات وطقوس عن ديانته القديمة كانت قد عاشت بالمثل خلال المسيحية ).

وتأكيدا على هذه النزعة الاستقلالية والعملية في نفس الوقت يفسر كثير من الباحثين سر قبول المصريين بتغيير ديانتهم أكثر من مرة حين تركوا ديانتهم الفرعونية واعتنقوا المسيحية ثم تركوا الأخيرة ليعتنقوا الإسلام.

وأخيرا تحولهم داخل نفس الديانة من مذهب إلى آخر فتبنوا المذهب الشيعي حين استعانوا بالفاطميين ضد الدولة الإخشيدية السنية، ثم عادوا وثاروا على الفاطميين وقبلوا العودة إلى المذهب السني مع الدولة الأيوبية.

هذه اللمحة السريعة عن طبيعة الشخصية الوطنية المصرية تكشف عن جانبين هامين من جوانبها قد يبدو أن متناقضين رغم تلاصقهما وهما عمق البعد الديني ومحوريته في هذه الشخصية من ناحية، ثم اتخاذه طابعا فرديا وعمليا من ناحية أخرى، وأهمية هذين البعدين تكمن فيما قد يقدماه من تفسير لبعض التساؤلات السياسية التي يثيرها موضوع هذا الكتاب أي " الإسلام السياسي" وبالتحديد تساؤلين جوهريين الأول هو لماذا تتخذ في الغالب حركات الاحتجاج الاجتماعي فئ مصر طابعا دينيا رغم أسبابها السياسية والاجتماعية؟ والآخر، لماذا لا تتحول جماعات العنف الإسلامية من جماعات العنف الإسلامية من جماعات محدودة إلى حركة جماهيرية واسعة؟ وإذا كان البعد الأول الخاص بعمق النزعة الدينية عند المصريين هو الذي يساعد على الإجابة عن التساؤل الأول، فإن الطابع الفردي والعملي للتدين المصري هو الذي يمثل عائقا حقيقيا أمام انتشار الإسلام السياسي الراديكالي في مصر وهو ما يقدم إجابة عن التساؤل الآخر.

فئ هذا السياق ، يعالج تطور " الإسلام السياسي" فئ مصر من خلال مناهج مقارنة ويتتبع الموجات الثلاث الكبرى في ذلك التطور وهى حركة الإصلاح الديني التي تمت بالذات على ايدى الطهطاوي والأفغاني ومحمد عبده، ثم جماعة الإخوان المسلمين التي مثلت نقطة تحول أساسية عن المسار الأول لحركة الإصلاح، ثم جماعات العنف السياسي الإسلامى المعاصرة التي خرجت في جوهرها عن عباءة الإخوان.

وفى إطار هذه الرؤية المقارنة ، تهتم الدراسة بوضع كل حركة في سياقها التاريخي، وتوضح بإيجاز شديد أهم أبعادها السياسية والاجتماعية.

ويدو من خلال هذا التسلسل الذي بدأ بالدعوة الإصلاحية وانتهى بجماعات العنف، أن جماعة الإخوان المسلمين قد أحدثت انقطاعا عن التوجه الأول الذي أرساه رجال حركة الإصلاح كما أن جماعات العنف المعاصرة شكلت امتدادا لجوهر الخط الذي أرساه الإخوان المسلمون. رغم الفروقات والتمايزات بينهما.

وفى ختام هذه المقدمة أود أن أوجه شكري على كل من عاوني في تحرير الفصل الثالث من الكتاب- على وجه التحديد- والذي يختص بمعالجة جماعات الإسلام السياسي المعاصرة.

وأخص بالشكر مساعدي لأول في البحث خالد صلاح وأشكر له جهده الهام الذي بذله في استكمال تجميع الوثائق الخاصة بهذا الجزء وفى إعداد عدد من أوراق العمل المتعلقة ببعض هذه الجماعات، وعقد لقاءات مع قياداتها على جانب قيامه بإعداد الجدول الخاص بنشاط العنف الملحق بنهاية الفصل الثالث.

كما أشكر مساعد البحث الثاني خليفة أدهم على إسهامه في إتمام العمل الميداني وإعداد ورقة العمل الخاصة بالخريطة التنظيمية للجماعات الإسلامية المعاصرة.

وأخيرا أشكر كل من تعاون معي من داخل الجماعات ممن لم ترد أسماءهم سواء من خلال إتاحة الفرصة للقاء والتعرف على أفكارهم أو من خلال توفير البيانات والمصادر الأولية فبدون هذا التعاون ما كان يمكن استكمال الجزء الثالث من الكتاب الذي اعترضته الكثير من الصعوبات بسبب قلة المراجع من ناحية وطابع السرية والغموض الذي يحيط بأفكار هذه الجماعات وأنشطتها من ناحية أخرى.

فإليهم جميعا امتناني الشديد

الفصل الأول : الاحتكاك بالحضارة الغربية وظهور الفكر الاصلاحى

المبحث الأول : السياق التاريخي لنشأة الفكر الاصلاحى

1- ضعف الإمبراطورية العثمانية ونمو التيار الاصلاحى

مع مطلع القرن السابع عشر بدأت تظهر عوامل الأزمة داخل الإمبراطورية العثمانية، فقد شهد عام 1623 ثورة الانكشارية التي كشفت عن مدى ضعف السلطة المركزية ممثلة في السلطان والتي أدت على مقتل السلطان عثمان الثاني وتدخل الانكشارية في تعيين السلطان الجديد وعزله إلى جانب تدخلهم في تنصيب وخلع الوزراء.

وفى المقابل سرى الضعف في باقي كيان الإمبراطورية حيث ارتبط ضعف القيادة المركزية بقيام ثورات الولاه والأمراء المحليين وتوقف الفتوحات وتراجع الجيش العثماني الذي قلت موارده وأصبح هو نفسه مصدرا للقلق وتحريك الثورة داخل الإمبراطورية.

وكان من الطبيعي في ظل هذه الأحوال أن يستشرى الفساد وسوء الإدارة، والذي زاد منه اشتداد الأزمة الاقتصادية وعجز السلطنة العثمانية على تأمين الولاء اللازم للحفاظ على سلطتها في الولايات.

أما المؤسسة الدينية في ظل هذه الأوضاع فقد أصبحت جزءا من مراكز القوى التي تتحيز إلى القوة الغالبة سواء تمثلت في السلطان أو القوى الانكشارية.

في هذا الإطار بدأ يظهر تيارا يدعو على إصلاح مؤسسات الدولة وكشف أسباب الانحطاط التي حلت بالإمبراطورية. وبدأت الدعوة إلى الإصلاح تتوجه بشكل أساسي إلى القطاع العسكري والادارى والمالي في الدولة.

وشهد القرن الثامن عشر صيحات مماثلة للإصلاح، لم تكن فقط بتأثير عوامل التفكك والانحلال الداخلي الذي أصاب الإمبراطورية العثمانية، وإنما أيضا بتأثير التحدي الذي أخذت تجسده الدول الأوربية، والذي بدا أثره واضحا في أواخر القرن، أي في فترة حك السلطان سليم الثالث( 1789-1808) فقد شهد حكم سليم عددا من السياسات الإصلاحية، فبادر باستحداث نظام جديد يقوم على موازاة النظام القديم الذي تمثل بشكل أساسي في الانكشارية ونظام التعليم الديني، إلى جانب اتخاذ بعض التدابير المالية التي تتضمن أحاكما للتنظيم المالي للدولة.

وقد تمت الإصلاحات في عهد السلطان سليم الثالث على مستويين، أولهما المستوى العسكري حيث شكلت قوات نظامية خارج إطار الانكشارية، والثاني مستوى التعليم، حيث اهتم بتطويره وفتح مداس جديدة لتدريس العلوم الوضعية مثل الهندسة، والرياضيات وغيرها من العلوم التي استبعدت من التعليم الديني التقليدي.

ويشير ادوارد مورتيمور على أن التيار الاصلاحى داخل الإمبراطورية العثمانية نما وبدأ يظهر منذ أواسط القرن الثامن عشر، إذ حاولت الحكومة العثمانية خلق جيش جديد على النمط الأوربي وبناء مدرسة عسكرية وأخرى للهندسة وبعد ذلك للرياضيات، وما أن جاء السلطان سليم الثالث إلى الحكم عام 1789 حتى بدأ في إصلاح الجيش وفتح مدرس ومعهد تدريبية جديدة، وإدخال تعليم اللغات الأجنبية مثل الفرنسية والايطالية.

ولقد نظر إلى هذه الإصلاحات من زاويتين: الأولى، محاولة تقوية الأمة في مجموعها والأخرى، تقوية مؤسسة السلطنة من خلال جلب الأجانب والاستعانة بأفكارهم في مواجهة النخب التقليدية خاصة من العسكريين والعلماء الذين كانت لهما السيطرة والتأثير على باقي المجتمع العثماني حتى أنه كان بمقدورهم تحريك الشعب والحصول على دعم واسع لمعارضة الإصلاحات التي أدخلها السلطان سليم الثالث، مستفيدين في ذلك من مشاعر عدم الرضا التي سادت في أنحاء الإمبراطورية من جراء الأزمة الاقتصادية، لدرجة أنهم تمكنوا في النهاية من الإطاحة بالسلطان سليم وإيقاف حركة الإصلاح بمساعدة قوات الانكشارية عام 1807.

وما يهمنا في هذا الصدد هو أن الإصلاحات التي تمت في عهد السلطان سليم الثالث كانت تهدف في الأساس إلى إيجاد بدائل تدريجية للمؤسستين القديمتين العسكرية والدينية، وإضعافهما دون إلغاءهما.

صحيح أنبعض العلماء أيدوا محاولات سلمي الإصلاحية، إلا أن المؤسسة الدينية في مجموعها كانت ضد هذه الإصلاحات ، إذ اعتبرتها نوعا من " البدعة والكفر" .

وهكذا برز اتجاهان متوازيان من خلال حركة الإصلاح الأولى هو الاتجاه الاصلاحى الذي تبلور مع محاولات السلطان سليم الثالث، والذي تأثر بالتجربة الغربية في بناء الدولة والمؤسسات، والآخر تمثل في الاتجاه المحافظ الذي عبرت عنه نخبة العلماء التي كان لها مركز قوى ترسخ في البنية المؤسسية للدولة العثمانية إلى جانب هيمنتها المعنوية وقدرتها على إصدار الفتاوى أي امتلاكها لقوة الإجازة والتحريم في عملية التغيير التي تتطلبها أي سياسة إصلاحية، وقد قاوم هذا الاتجاه حركة الإصلاح التي قام بها السلطان سليم الثالث وكانت هذه الثنائية هي أحد أبرز جوانب أزمة السياسة الإصلاحية العثمانية طوال القرن التاسع عشر وكطلع القرن العشرين.

فأصحاب هذه السياسة كانوا يلجأون إلى تبرير الإصلاح من خلال الفتوى أي مطابقة القوانين بالأحكام الشرعية وكانت القوى المقاومة للإصلاح تلجأ بدورها إلى تكفير هذا الاتجاه واعتباره بدعة.

والواقع أن هذه لم تكن أزمة الإصلاح الوحيدة داخل الإمبراطورية العثمانية ولكن التوجه العدائي للقوى الاستعمارية الغربية، ومشاريعها لاقتسام الدولة العثمانية، شكلت جانبا آخر هاما من جوانب هذه الأزمة، بسبب ما ترسب في الوعي الإسلامى من الخلط بين الإصلاح والسياسة الغربية.

غير أن حجم الإصلاحات التي شهدها القرن التاسع عشر حملت تحديثيا غربيا لا يمكن إغفالها ، ففي عام 1826 استطاع السلطان محمود الثاني تحطيم مؤسسة استمرت لمدة خمسة قرون.

وبعد حوالي نصف قرن شهدت الإمبراطورية حركة إصلاح أخرى عرفت باسم سياسة التنظيمات، وتم تشكيل جيش جديد لا يرتبط ضباطه بمنهج العلماء إلى جانب إنشاء مدرسة للطب لتدريس العلوم الطبية الغربية الحديثة الفرنسية، وإن لاقت معارضة دينية من العلاء الذين وقفوا أمام تدريس علم التشريح.

وشهد عهد خلفه السلطان عبد الحميد مزيدا من الإصلاحات، وتم السماح بتدريس علم جسم الإنسان.

وقد أثرت هذه المحاولات الإصلاحية على موقع الدين في الإمبراطورية العثمانية، رغم أن ذلك لم يكن هو الهدف من هذه السياسات في البداية.

وبدأ العلماء يشكلون المعارضة التقليدية لمحاولات الإصلاح، واعتبروا أنفسهم المدافعين الفعليين عن الإسلام وهو ما جعلهم يضعونه معهم في موقف دفاعي، وكان هناك مظهر آخر يعبر عن رد الفعل المباشر عند العلماء إزاء مظاهر التحديث في المجتمع العثماني وهو رفضهم لنمط الملابس الغربي، فقد أراد العلماء الاحتفاظ بملابسهم التقليدية حتى يؤكدوا على التفرقة والتمييز بينهم وبين الجماعات الاجتماعية الأخرى مثل الضباط وموظفي الدولة والمتعلمين تعليما مدنيا، ومن هنا أخذوا مظهر رجال الدين .

واتخذت حركة الإصلاح من خلال سياسة التنظيمات شكلا أكثر تكاملا تحت حكم السلطان محمود – خلف- عبد الحميد وخلال العشرين أو الثلاثين عاما التي تلت ذلك، اتخذت المزيد من الخطوات العملية للإصلاح أهما إعادة تنظيم الحكومة المركزية والمحلية وإعادة تنظيم القوانين المدنية والجنائية والتجارية.

وتجدر الإشارة إلى ملاحظتين في هذا المجال، الأولى: أن الهدف من عملية الإصلاح لم يكن هدم الشريعة الإسلامية والدستور الذي وضع عام 1839 تحت حكم محمود حمل هذا المعنى صراحة.

والأخرى: أنه رغم الحماس الشديد الذي أظهرته حركة الإصلاح للأفكار والمؤسسات الأوربية ، لم تكن السلطة في التنظيمات المؤسسية تمارس بشكل ديمقراطي، وإنما اتخذت طابعا تسلطيا، وكانت المطالبة بإصلاح السلطة السياسية ، وبالدستور تأتى في أغلب الأحيان من خصوم حركة الإصلاح.

وفى المقابل أثارت هذه الحركة معارضة مستمرة- اتخذت شكلا منظما- حيث تشكل في 1859 تنظيم سياسي سرى للمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية، وطالبت بتشكيل مجلس تمثيلي أو نيابي للشعب يمثل مباشرة الأمة، وعرف هذا التيار بعد ذلك بحركة الشباب العثمانيين.

وقد استغل السلطان عبد الحميد الثاني الذي كان مثالا للحاكم المستبد ( حكم في الفترة من 1876- 1909) هذا التيار اى الشباب العثمانيين واستخدمه بمساعدة المؤسسة الدينية ضد الإصلاح والحركة الدستورية والأفكار التجديدية في الإسلام، ولكن على الرغم من موقفه الدفاعي عن الإسلام، إلا أنه لم يرفض بشكل قاطع كل أشكال التغريب، إذ أخذ يقلد بعض التنظيمات المستوحاة من الغرب، الذي رأى فيها إمكانية لزيادة فعالية الدولة وتسلطها على رعاياها، ولكنه في المقابل كان يشجع العودة إلى التقاليد أي إلى التفسير التقليدي للقرآن ، كما شجع بعض المذاهب والطرق الصوفية.

بهذا المعنى أخذ السلطان عبد الحميد الثاني بعض الأفكار الإصلاحية التي سادت في أوائل القرن رغم نزعته الاستبدادية بل أن جوهر سياسته لم يكن يخالف كثيرا جوهر سياسة السلطان سليم الثالث ومحمد على في مصر، فهو مثلهم كان يحاول أن يستورد وسائل التقنية الغربية الحديثة والسلع المادية ، ولكن دون التفريط في القيم الإسلامية.

ويشير ادوارد موتيمور على أن حتى العلماء في عهده كانوا مدافعين عن النجاح المادي للحضارة الغربية دون قيمها.

ويمكن القول إجمالا، أن حركة الإصلاح التي شهدها القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين داخل الإمبراطورية العثمانية جاءت كرد فعل للمجتمع الإسلامى على الاحتكاك بالغرب.

كما أن هذه الحركة كان لها اتجاهان، الأول هو الاتجاه السياسي الذي تمثل في جهاز الدولة واستتبعه بناء جهاز إداري واستصدار العديد من القوانين المنظمة لقطاعات واسعة من الحياة الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، والأخرى اتجاه فكرى عبرت عنه الحركة الفكرية والأدبية لكتاب عثمانيين مجددين، وكذلك الحركة السياسية الليبرالية الدستورية التي نشأت كمعارض لسياسة السلطان عبد الحميد الثاني، ومثلتها تنظيمات تركيا الفتاة ثم جمعية الاتحاد الاصلاحى خارج المؤسسة الدينية العثمانية التي وقفت في خط متواز معه.

في هذا السياق التاريخي، وفى إطار الحديث عن التيار الاصلاحى يجدر الوقوف عند نقطتين فاصلتين ساهمتا في تشكيل الفكر السياسي والاجتماعي والثقافي في مصر( أحد ولايات الإمبراطورية العثمانية في ذلك الوقت) ، وفى ميلاد الحركة الفكرية الإصلاحية التي بدأها رفاعة الطهطاوي رائد الفكر الحديث وهما الحملة الفرنسية على مصر ( 1798-1801) ، حيث تأثير كل منهما، الذي نتج عن الاحتكاك المباشر بالثقافة الغربية.

فحملة نابليون بونابرت جاءت لمصر حاملة معها الفكر السياسي الاجتماعي الأوربي الحديث، وحاولت أن تقيم مؤسسات وتسن قوانين تستند إلى هذا الفكر ، وأحضرت معها بعثة من العلماء والباحثين المتخصصين، كما أدخلت المطبعة العربية إلى مصر، بما كان لها من أثر كبير في إنعاش الجيش، وإقامة صناعات تعتمد على التكنولوجيا الحديثة، وتشجيع إرسال البعثات المصرية إلى أوربا، وخاصة لتحصيل المعارف الإنسانية والتقنية الحديثة.

ومن هنا يمكن اعتبار كلا من الحملة الفرنسية وتجربة محمد على مثلتا أول جسر بين مصر والفكر الأوربي الحديث. وعلى الرغم من اختلاف التقييمات بين كثير من مؤرخي التاريخ الاجتماعي الحديث لمصر، واختلافهم حول أثر هذين العاملين في إحداث تغيير جوهري للتنظيم الاجتماعي الذي كان سائدا وللمحتوى الثقافي الذي قام عليه، إلا أن أهميتها التاريخية ستبقى فيما أسفرت عنه الحملة الأولى والتجربة الثانية من انفتاح على الحضارة الغربية وعلومها الحديثة، وبداية الجدل حول التقليدية والحداثة في المجتمع. وهو ما ساهم في النهاية في ميلاد حركة الإصلاح الفكري الديني التي بدأها رفاعة الطهطاوي واستمرت بعد ذلك من خلال أعمال الأفغاني وعبده ورضا.

2- الحملة الفرنسية على مصر

استيقظت مصر من سباتها على طرقات نابليون لتجد نفسها أمام عالم آخر تماما كما لو كان من كوكب آخر ، لقد تحول مصنع الحضارة القديم ومتجرها السابق إلى متحف للحضارة على أحسن تقدير بهذه العبارة يصور جمال حمدان حال مصر وقت مجيء الحملة الفرنسية إليها بعد فترة طويلة من العزلة فرضت عليها أيام الخلافة العثمانية.

تعد حملة نابليون بونابرت على مصر في 1798 وما تلاها من اتصال بين مصر وأوربا نقطة فاصلة في تشكيل الفكر السياسي والاجتماعي بمضمونه الحديث في مصر وفى العالم العربي.

فهذا الاتصال كان له الدور الأكبر في ميلاد العديد من التيارات ت الفكرية الحديثة المصرية والعربية والتي عبرت عن عملية اللقاء بالحضارة الغربية والصراع معها والتي أدت إلى مراجعة الكثير من المعتقدات السياسية والاجتماعية والثقافية وإعادة صياغة شكل العلاقة بين العلم والدين أو بمعنى آخر مواجهة الفكر الديني لمقومات الحضارة الغربية الحديثة.

كذلك فقد لعبت الحملة- من خلال إدخال الأفكار الليبرالية التي كرستها الثورة الفرنسية على المجتمع الإمبراطورية الإسلامية- دورا هاما ليس في خلق الفكرة القومية المصرية وإنما في استثارتها وبلورتها حتى أضحت واقعا ملموسا وكانت أحد المظاهر الهامة لميلاد مصر الحديثة.

وقد ساعد على ذلك ازدياد السخط في مصر على حكم الأتراك والمماليك في السنوات السابقة على الحملة الفرنسية الذي يصفه الجبرتي بأنه وصل على درجة تهدد بالانفجار خاصة في زمن حكم مراد بك وإبراهيم بك.

وكانت أهم حركة قام بها المصريون في مكافحة الاستبداد التركي المملوكي هي تلك الحركة التي قامت عام 1795، ووقفت بالبلاد على شفا ثورة شعبية وأمكن للمصريين فيها الحركة استخلاص حجة من الوالي العثماني ومن زعيمي المماليك اللذين تقاسما حكم مصر يومئذ- وهما إبراهيم بك وكانت أول وثيقة بين الحاكم والمحكوم في تاريخ مصر الحديث.

ويشير د. لويس عوض على أن ذلك يعنى أن بونابرت لم يكن هو الذي ابتكر فكرة البعث القومي في البلاد العربية، صحيح أن المخطط الأوربي يهدف على تصفية الإمبراطورية العثمانية والاستيلاء على تركتها، ولم يكن هناك سلاح أقوى من تغذية الفكرة القومية في الأقطار التي كانت تحتلها تركيا وتقوية روح الانفصال فيها، ولكن في المقابل كان هناك شعور قوما يتجمع تلقائيا في مصر وغيرها من أنصار الإمبراطورية بسبب وحشية الحكم التركي المملوكي الذي قام قرونا على نهب خيرات مصر وإذلال أهلها وقد انتفع بونابرت من هذا الشعور وغذاه وعمل على بلورته وتحويله إلى سلاح سياسي في معركته مع المماليك أولا ومع الترك ثانيا.

وتجدر الإشارة إلى أن نابليون بونابرت عندما استغل هذا الشعور القوم لدى المصريين لم يشأ في البداية أن يستفز الشعور الديني فظاهر في البداية بأنه صديق الباب العالي لأن السلطان العثماني كان خليفة المسلمين، وقد بدا ذلك من خلال البيان الذي وجه إلى الشعب المصري في اليوم الثاني لاحتلاله الإسكندرية والذي افتتحه بالدعاء الإسلامى التقليدي، شارحا فيه أسباب الحملة والزى ترجمه إلى العربية جماعة من المستشرقين والمترجمين المرافقين له وطبعه على المطبعة العربية التي جاء بها إلى مصر على ظهر بارجته.( وفقا لما ورد في الجبرتي).

وفى إطار نفس السياسة – وهو نزع السلطة من المماليك- عمد نابليون إلى إرضاء النخبة الدينية من العلماء لما كان لهم من مكانة اجتماعية وتأثير معنوي على الشعب، علاوة على أنهم كانوا يمثلون العنصر الوطني في مواجهة الأجانب من عثمانيين ومماليك وفرنسيين.

ويؤكد ألبرت حوراني هذا المعنى بقوله أن المنشور الذي طبعه بونابرت وزعه على الشعب والذي أظهر فيه تعاطفا واضحا مع الإسلام لم يكن لمجرد الدعاية ولكنه كان يدخل ضمن السياسة التي كان ينوى اتباعها وهى نقل السلطة المحلية من أمراء المماليك على العلماء زعماء مصر الشعبين والطبقة الحاكمة الوحيدة التي يمكن استبدالها بالمماليك.

ولكن نشير إلى أنه كان من المستبعد – حتى لو استمرت إقامته في مصر مدة أطول- أن ينجح في الحكم بالمشاركة مع العلماء، لأنهم كانوا يعتقدون أن أي نفع يمكن جلبه لمصر لا يوازى كونه غير مسلم يحكم بلدا مسلما، بدون إرادة السلطان.

وحتى الجبرتي الذي لم يتردد في الاعتراف بفضل الفرنسيين في نشر المعارف والعلوم والتقنية الحديثة إلا أنه كان يثير دوما مسألة الخطر على الدين والأخلاق والتقاليد.

نخلص من ذلك على أن الحملة الفرنسية رغم أثرها البالغ في نشر الأفكار الليبرالية التي حملتها الثورة الفرنسية ورغم الدور التنويري الذي لعبته والتقدم العلمي الذي استقدمته معها، إلا أنها في المقابل أظهرت قوى التجاذب والتنافر التي كانت تتنازع ضمنا مصر الحديثة في علاقتها بأوربا وبمجمل الحضارة الغربية. وبقى الخط الديني التقليدي في مواجهة قوى التغيير الجديدة التي تأثرت بالأفكار الحديثة من خلال احتكاكها المباشر بالغرب.

كذلك فإن السياسات الإصلاحية التي حاولت حملة بونابرت تطبيقها في مصر سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي- الاجتماعي( طبقا لبيان " مينو" الذي أباح حق الملكية الفردية لإنهاء احتكار الدولة لملكية الأراضي الزراعية) ظلت محدودة لأنها كانت تمثل عاملا خارجيا ولم تكن وليدة التطور الداخلي في المجتمع وبالتالي نظر إليها دائما على أنها لا تعبر إلا عن قوى خارجية تماما كما ينظر إلى الأفكار الليبرالية في أغلب الأحيان على أنها مرادفة للتغريب.

ولكن مهما كانت التقييمات والعوامل السلبية التي صاحبت الحملة الفرنسية على مصر إلا أن أثرها ظل باقيا فيما أتاحته من احتكاك مباشر بالحضارة الغربية ونشر الأفكار الحديثة والتي ظهرت جلية من خلال قضيتين أساسيتين الأولى هي القومية حيث غذت حملة نابليون الروح القومية المصرية وشجعت على الثورة على المماليك والانفصال عن الباب العالي، كما دعت في المقابل إلى إقامة حكومة مصرية تتولى مسئولية الحكم في البلاد بعد أن كان المصريون يعيشون في عزلة سياسية تحت الحكم التركي- المملوكي.

والأخرى هي قضية الديمقراطية حيث جاء نابليون حاملا معه أفكار الثورة الفرنسية ومبادئها التي تقوم على الحرية والإخاء والمساواة فكانت الدعوة إلى المساواة أمام الله وأمام القانون، والعمل على إقامة حكم برلماني وإلغاء الامتيازات الطبقية واتخاذ الخطوات العملية لتحقيق ذلك. وبذلك مهدت الحملة الفرنسية الأرض لميلاد فكر جديد وروح جديدة.

3- تجربة محمد على (1805-1848)

لم تمض سنوات على رحيل الحملة الفرنسية حتى بدأ نجم أحد الضباط الألبانيين يسطع في سماء مصر وهو محمد على ، الذي اصدر الباب العالي فرمانا في 9 يوليو 1805 بتعيينه واليا على مصر خضوعا لإرادة المصريين الذين رأوا فيه قوة جديدة تحميهم من الأتراك والمماليك معا.

وبهذا آل حكم مصر إلى محمد على ليقيم فيها أهم تجربة لبناء دولة حديثة، وليستثمر الأفكار التي غرستها حملة نابليون في التربة المصرية، ويستكمل الإصلاحات التي بدأها السلطان سليم الثالث ومحمود لتحويل مصر على دولة عصرية ولتحقيق ذلك عليه أن يزيل العقبة الرئيسية أمام سلطته وأمام سياسته الإصلاحية التي كان ينوى اتباعها، ولم يكن ليتأتى له ذلك، إلا بتصفية نفوذ المماليك الذين كان الباب العالي يستخدمهم للحد من سلطة محمد على واستطاع بالفعل إبادتهم والاستيلاء على أراضيهم، وما أن حل عام 1815 حتى كان محمد على قد استتب له الأمر نهائيا في مصر ، ودخل في مرحلة بناء عظيم جعلت منه ندا للسلطان العثماني.

وكان جوهر الإصلاحات التي أرادها محمد على يتجه على إقامة دولة على طراز حديث عالي وكانت أهم خطواته في هذا السبيل بناء جيش وبحرية حديثة، ونظام مركزي للإدارة وجهاز بيروقراطي عصري ليكون عماد هذه الدولة واستكمالا لهذه الإصلاحات قام محمد على بإجراء خطوة وهى إلغاء النظام التقليدي للأوقاف والتقليل من أهمية التعليم الديني وتقويض نفوذ العلماء ليس فقط من الناحية الدينية و السياسية وإنما أيضا من الناحية الاجتماعية.

واستطاع محمد على أن يوجه أكبر ضربة للعلماء رغم الدور الذي لعبوه بقيادة الشيخ عمر مكرم في إسقاط العثماني وانتزاع السلطة منه وتسليمها إلى محمد على، وقد بدأ باعتقال شيخ الأزهر (أكتوبر 1808) ، وبعدها بعام واحد أصدر محمد على أمرا بنفي السيد عمر مكرم إلى دمياط وذلك في أعقاب اجتماع للعلماء دعا إليه عمر مكرم، واتخذ فيه قرار ، بمقاومة سلطة محمد على ، بعد أن بدأ بفرض ضرائب على الشعب وقال عمر مكرم قولته المعروفة" نخلعه كما سبق أن وليناه" واعتبرت نهاية عمر مكرم في الواقع نهاية لنفوذ العلماء كقيادة سياسية محلية وفى هذا يقول الجبرتي( أنه بعد رحيل عمر مكرم الذي كان سندا وحاميا للعلماء بدأ نفوذهم في الاضمحلال) وأتبع محمد على هذه الضربة السياسية لجبهة العلماء بضربة أخرى وجهها إلى مكانتهم الاجتماعية فنزع ثرواتهم الكبيرة في الأرض، وحرمانهم من مواقعهم كملتزمين ، ومن الأوقاف التي كانوا نظارا عليها، ولم يترك لهم إلا حيازات ضئيلة ومعاشات محدودة.

وهكذا نجح محمد على في القضاء على نفوذ العلماء وفى إنهاء الدور الذي اعتادا أن يلعبوه أيام المماليك، والمستمد من قدرتهم على عزل الولاه وفرض شروطهم على أمراء المماليك وهو الدور الذي تصوروا أنهم قادرون على مواصلة القيام به مع محمد على.

وقد ساعدته هذه الخطوة الجريئة على المضي قدما في الإصلاحات وفى تحقيق استقلالية مصر عن الخلافة العثمانية، لأن موقف العلماء الديني من الخلافة العثمانية لم يكن ليؤدى إلى محاولتهم الانسلاخ عنها ولكنه كان فقط يسمح باتخاذ موقف متميز إزاءها يعبر في النهاية عن قوتهم الاجتماعية والمعنوية المحلية، وبالتالي كان من الممكن لهم أن يقبلوا واليا مسلما من قبل الباب العالي استنادا إلى قوتهم المادية ونفوذهم الشعبي يمكن أن تكون بمثابة سلطة فوق السلطة التي يمثلها الوالي.

ورغم أن الخطوات التي اتخذها محمد على على طريق الدولة وتدعيم سلطته قد أفضت بكثير من المؤرخين على اعتبار تاريخ توليه الحكم هو نقطة البدء في تاريخ مصر الحديثة، إلا أن تقييم تجربة محمد على من حيث أثرها الفعلي على تحديث المجتمع من الناحية السياسية والاجتماعية والثقافية قد يختلف.

فألبرت حورانا يشير على أن إصلاحات محمد على لم تكن منبثقة من عقيدة ما شأنها في ذلك شأن إصلاحات السلطان سليم ومحمود ، فقد قام بها قبل كل شيء لتدعيم مركزه الخاص تجاه مولاه ورعاياه والدول الأوربية.

ويبرر ذلك بأن محمد على الذي لم يتلق أي دراسة ولم يتعلم القراءة إلا في الأربعين من عمره كان أقل استجابة من سلاطين زمانه للأفكار السياسية المنطلقة من أوربا الحديثة.

وحتى اهتمامه بترجمة الكتب لم يكن إلا بقدر ما تنفعه في إتقان فن الحكم،ويؤكد ذلك بأن محمد على لم يصدر أنى بيان في الحقوق ولم يقم بأية محاولة لإصلاح مؤسسات البلد السياسية بل كان يحكم حسب النمط التقليدي.

ويتفق إدوارد موتيمور مع هذا الرأي حيث يشير إلى أن محمد على مثله مثل السلطان سليم لم يكن يبحث عن تقليد المؤسسات السياسية لأوربا الغربية، ولا تبنى المبادئ الفلسفية أو القيم الاجتماعية التي يقوم عليها الفكر الأوربي ، وكان دور المصري المتعلم في الخارج هو جلب وسائل التقنية من الخارج دون القيم الغربية.

أي دون العمل جديا على تغيير نمط التقليدية رغم توجيه ضربة لنفوذ العلماء لتحجيم دورهم السياسي. ومن هنا يحكم على تجربة محمد على بأنها لم تكن سوى محاولة لجلب النتاج المادي للحضارة الغربية دون قيمها.

ولا يختلف تقييم د. عفاف لطفي السيد كثيرا لنفس التجربة حيث ترى أن محمد على كان يريد ملكا مستقلا ، ولذا كان في حاجة إلى جيش عصري وبيروقراطية عصرية، وأنه إذا كانت قد تولدت حركة فكرية كنتيجة ثانوية لمثل هذه السياسة، فقد كانت حركة لم يعرها اهتماما كبيرا بل واستنكرها باعتبارها غير موائمة لمصالحه.

ولكن أيا كانت التقييمات الخاصة بتجربة حكم محمد على في مصر فإن ما لا يمكن إغفاله هو الجهود الهائلة التي قام بها في سبيل تأسيس دولة على النمط الحديث في مصر.

ويقول د. لويس عوض ( إن تاريخ محمد على بعد 1821 يعد سلسلة متصلة الحلقات من الأمجاد العسكرية والأمجاد العمرانية التي بهرت عيون الناس في الشرق والغرب ووضعت أسس الدولة الحديثة في مصر، ولا يعيبها إلا أنها اهتمت بالتنمية المادية والتكنولوجية ولا سيما لخدمة الأغراض العسكرية الإمبراطورية ، ولم تلتفت على بناء الإنسان من حيث هو إنسان..).

وإذا لم نكن في معرض تقييم تجربة محمد على فما يهمنا استخلاصه على وجه التحديد هو الأثر الذي تركته هذه التجربة ليس فقط على شكل الدولة وإنما على الحياة الفكرية بها. فيظل أهم ما ترتب على سياسات محمد على هو إتاحة الفرصة للاحتكاك الواسع بالثقافة الغربية سواء من خلال البعثات التي كان يرسلها إلى أوربا أو تشجيعه لحركة الترجمة، ففي سبيل تطبيق سياسته العسكرية عمل محمد على على إنشاء المدارس المهنية، وإيفاد الطلاب إلى أوربا وحملهم على ترجمة المؤلفات التقنية كما أسس مطبعة لطبع الترجمات، واصدر جريدة رسمية لنشر نصوص المراسيم والقرارات .

صحيح أنه عمل على ألا تتعدى هذه السياسات حدود احتياجات الجيش وأن لا يتجاوز اهتمام الطلاب في أوربا حدود الاختصاصات الدقيقة المطلوبة منهم، إلا أنه كان من الطبيعي أن تؤدى عملية الاحتكاك بأوربا في حد ذاتها إلى ميلاد حركة فكرية جديدة.

وإلى نفاذ الأفكار الليبرالية عن الوطن. واتساع حركة الترجمة، وأسلوب الحكم، والتي ساهمت في خلق طبقة من المثقفين المحدثين في مصر- خاصة بعد ما زاد الاهتمام بالعنصر المصري في هذه البعثات كبديل عن الأتراك والمشارقة- وكان هذا العنصر هو الذي تألفت منه الطبقة الأولى في مصر والتي أخذت منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر تلعب دورا في شئون البلاد وخاصة من خلال حركة الترجمات الواسعة وكان من بين صفوفها أو المفكرين السياسيين العظام في مصر الحديثة وهو رفاعة الطهطاى.

هكذا أسهمت تجربة حكم محمد على ومن قبلها الحملة الفرنسية في ميلاد الحركة الفكرية الإصلاحية بسبب المقابلة التي أفرزتها عملية الاحتكاك بأوربا بين الفكر التقليدي للمجتمع العثماني الإسلامى، وبين الأفكار الغربية الحديثة للمجتمعات الأوربية، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أسهمت تجربة محمد على مثلما حدث مع الحملة الفرنسية في دفع الفكرة القومية في مصر في مواجهة الخلافة العثمانية، من خلال الدور السياسي والعسكري الذي لعبه محمد على باسم مصر على جانب إدخاله اللغة العربية لتحل محل اللغة التركية كلغة للمعاملات الرسمية، وهوما كان إضافة أخرى لاستعادة مصر ملامحها الوطنية، وأخيرا عندما أفل نجم محمد على بعد هزيمته العسكرية والبحرية أمام الدول الأوربية المتحالفة مع تركيا، طلب أن يترك له حكم الدولة التي بناها وأن يبقى حكم مص وراثيا في أسرته وأجيب لذلك في معاهدة لندن 1840.

المبحث الثاني: رفاعة الطهطاوي رائد الفكر الاصلاحى ( 1801-1873)

يعد رفاعة الطهطاوي أحد القمم الفكرية التي شهدها النصف الأول من القرن التاسع عشر، والذي يمثل بدوره مرحلة هامة من تطور الفكر السياسي والاجتماعي المصري الحديث. فخلال هذه السنوات بدأ التعرف على واقع وتراث النهضة الأوربية والسعي للاستفادة منها، وكان الانفتاح على الثقافة الجديدة حافزا لبعث النهضة القديمة التي عاشتها مصر في هذه الفترة من تاريخها والتي كان للطهطاوي الدور الريادي فيها.

ويصف د. لويس عوض الطهطاوي بأنه " أبو الفكر المصري الحديث ومؤسس نهضة مصر الثقافية بكل ما في هذه الكلمة من معنى " فهو الذي استطاع أن يرى الأساس الذي بني عليه الفكر المصري الحديث ونهضت عليه الثقافة المصرية الحديثة، وهو الذي اثر في مجرى التفكير المصري والثقافة المصرية تأثيرا عميقا مفصلا جعل من الصعب على أصحاب الفكر السلفي والثقافة المصرية تأثيرا عميقا مفصلا جعل من الصعب على أصحاب الفكر السلفي والثقافة السلفية أن يعودوا بمصر إلى ظلام العصور الوسطى.

فرفاعة الطهطاوي إذن أبو الفكر الحديث في كل مجالات الثقافة والفكر السياسي والاجتماعي وفى التربية والتعليم وفى علوم الدين والدنيا، ولا عجب أن خرج تحت عباءة هذا المفكر العظيم أعلام الفكر المصري الحديث من محمد عبده، وقاسم أمين لطفي السيد وطه حسين وعلى عبد الرازق.

فهو الذي غرس بذور الديمقراطية في أول كتاب له وهو "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" 1834 ، وهو الذي بث الفكرة القومية المصرية في مواجهة الوجود التركي، وهو الذي دعا على القراءة العقلانية للتراث في ضوء قراءاته وخبرته المستقاة من احتكاكه المباشر بالحضارة الغربية وعلومها الحديثة ومن هنا ريادته الفكرية في أكثر من مجال.

ولد رفاعة الطهطاوي عام 1801، عام جلاء الحملة الفرنسية عن مصر، في مدينة طهطا، انتقل إلى القاهرة عام 1817 ليدرس في الأزهر حيث تلقى علوم الدين واللغة والأدب وتتلمذ على يد رجل من رواد النهضة والإصلاح وكان له أكبر الأثر في حياته وهو الشيخ حسن العطار الذي كان إلى جانب إلمامه بعلوم الدين شديد الاهتمام بالعلوم العصرية فكان من أولئك العلماء الذين تفتحوا للعلوم والفنون الحديثة أيام الحملة الفرنسية على مصر. ودفع الشيخ العطار تلميذه الطهطاوي في طريق العلوم العصرية.

ولم تمض بضع سنوات حتى صار رفاعة من علماء الأزهر وتولى التدريس فيه ما يقرب من عامين حتى عينه محمد على والى مصر عام 1824 إماما في فرقة من فرق جيشه الجديد، ثم اختاره في 1826 ليكون إماما لأول بعثة يرسلها محمد على إلى باريس لتلقى العلوم الحديثة فيها.

وقد أتاح له هذا الاختيار فرصة الاحتكاك بإحدى المؤسسات الرئيسية في بناء الدولة الحديثة والتعرف مباشرة على مشاكلها التي تطلبت انفتاحا على العلوم العصرية وهو ما وفرته البعثة إلى فرنسا التي بدأ بها الطهطاوي فصلا جديدا من حياته.

لم تكن لرفاعة الطهطاوي في باريس بحكم منصبه سوى وظيفته الدينية، ولم يمنعه هذا من أن يكون أكثر من سافر في البعثة إقبالا على دراسة العلو والاستفادة منها، فعكف على دراسة الآداب والفنون وما يسمى عامة بالعلوم الإنسانية وبدأ بإتقان اللغة الفرنسية ليستعين بها في قراءة التاريخ والجغرافيا والأدب.

ودفع هذا محمد على إلى استغلال درايته باللغات فجعل منه مترجما ينقل إلى العربية ما تحتاج إليه العسكرية المصرية، ولكن رفاعة الطهطاوي لم يكتف بهذا القدر من العلم بل راح يدرس إلى جانب هذه العلوم الفلسفة، وعلم الاجتماع والعلوم السياسية. وقد أهلته هذه المعرفة الموسوعية لوضع أسس الثقافة المصرية الحديثة بعد ذلك ، خاصة وأنه قرأ مؤلفات فولتير وروسو ومونتسكيو وراسين وكان لها أثر هام في تشكيل حياته الفكرية.

عاد رفاعة الطهطاوي إلى مصر عام 1831 بعد أن قضى حوالي ست سنوات في باريس كانت أهم سنوات عمره التي حددت مسار حياته بعد ذلك.

وكان منذ عودته موضع تقدير من محمد على وابنه إبراهيم باشا ، وتقلد عدة مناصب فاشتغل في مجال الترجمة وتدريس اللغة الفرنسية فئ مدرسة الطب بأبي زعبل، ثم انتقل إلى مدرسة المدفعية.

وبعدها اقترح إنشاء مدرسة للترجمة عام 1836. وكانت في أول عهدها تسمى بمدرسة الترجمة ثم سميت بعد ذلك بمدرسة الألسن وعين رفاعة الطهطاوي ناظرا لها بعد عام من إنشاءها وكان يقوم بنفسه بتدريس اللغات والإدارة والشريعة والقانون الفرنسي وعهد إليه في هذه الفترة أيضا الإشراف على تحرير مجلة الوقائع المصرية.

ولكن بانقضاء عصر محمد على عام 1840 ومجيء عصر عباس الأول الذي اتسم بالجمود، انتهت الحظوة التي كان يتمتع بها الطهطاوي وأغلق عباس الأول مدرسة الألسن عام 1849 بعد ما عاشت قرابة خمسة عشر عاما، فقد كان يضيق بالعلوم والفنون والآداب جميعا ولم يكتف عباس الأول بإغلاق مدرسة الألسن بل قام بتشتيت أساتذتها وفى مقدمتهم رفاعة الطهطاوي الذي نقله على السودان وإن لم يشغله ذلك عن عمله ورسالته في التنوير فقام في السودان بترجمة كتاب تلماك بعنوان( مواقع الأفلاك في أخبار تلماك) ويرى " أن إبعاد رفاعة تم لما في كتابه " تلخيص الإبريز" من آراء لا تتفق مع الحاكم المستبد، ويشير حسين فوزي النجار في كتابه عن رفاعة الطهطاوي إن الإبعاد كان بسبب سوء ظن عباس ( بالنابهين) خاصة وأن عباس الأول اتجه وجهة مضادة لما سار عليه محمد على.

ولما مات عباس الأول عام 1858 وخلفه سعيد باشا عاد رفاعة الطهطاوي إلى مصر، وتولى مناصب عديدة أهمها نظارة المدرسة الحربية، وقلم الترجمة ، ولكن كل هذه الأقسام والإدارات التي كان يشرف عليها رفاعة الطهطاوي ألغيت عام 1860 حتى جاء عهد الخديوي إسماعيل الذي أعاد إدارة الترجمة مرة أخرى في 1863 ، وعين الطهطاوي مديرا لها، كما عهد إليه بتعريب القوانين الفرنسية وتولى رئاسة تحرير مجلة " روضة المدارس" التي أنشأها على مبارك في 1870 وظل رئيسا لتحرير هذه المجلة ثلاث سنوات حتى مات 1973 .

هذه نبذة سريعة عن سيرة المفكر الرائد رفاعة الطهطاوي .

فما هي أهم إسهاماته الفكرية؟

لا شك أن فترة حكم محمد على التي عايشها رفاعة الطهطاوي بما حققته من انفتاح على الحضارة الأوربية، والأخذ بأسبابها المادية لتحديث الدولة، وفرت المناخ الملائم للطهطاوي لتأمل الجوانب الفكرية والإنسانية لهذه الحضارة، وجعلته يتصدى لمهمة تجديد الحياة الفكرية المصرية والأخذ بالفلسفات الحديثة بعد أن تعرف عن قرب على المجتمع الفرنسي الذي أقام فيه على مدى ست سنوات .
في هذا الإطار عبرت كتابات الطهطاوي عن فهم مستنير للحضارة الأوربية، فيقول في " منهج الألباب" أن ( مخالطة الأغراب لا سيما إذا كانوا من أولى الألباب تجلب للأوطان من المنافع العمومية العجاب) .
ولكن دعوته هذه لم تكن تعنى التخلي عن القيم أو الثوابت في الثقافة التقليدية ، وإنما هدفت في المقام الأول إلى التفاعل مع الحضارة الغربية والأخذ منها ما لا يتعارض مع القيم الإسلامية، ومن هنا محاولته لإيجاد صيغة وسط توائم بين المطلبين.وهدفه من ذلك كما يشير في " تخليص الإبريز" ( أن يوقظ سائر بلاد الإسلام.. كي يبحثوا عن العلوم البرانية والفنون والصنائع وهى التي كان لها ببلاد الإفرنج ثابت شائع والحق أحق أن يتبع) أما الذين يرفضون اقتباس العلوم الأجنبية عن أوربا فهو يصفهم في مناهج الألباب بأنهم( واهمون ، لأن الحضارة دورات وأطوار وهذه العلوم قد كانت إسلامية عندما كنا نعيش نهضتنا فأختها عنا أوربا وطورتها) ومن هنا اعتمد الطهطاوي على المنهج العقلي في قراءة التراث وتحديد علاقته بالمدنية الحديثة والفكر الغربي.
غير أن الطهطاوي في هذه القراءة لم يكن يتجه نحو نبذ الثقافة القديمة، أو وضع أسس ثقافة جديدة تماما لا تنهل إلا من النبع الأوربي، ولكنه حرص على التأكد على نقطة أساسية في هذا المجال وهى أسبقية الإسلام في صنع حضارة إنسانية قبل أوربا، وبالتالي فقد كان الطهطاوي أول من قال بفكرة أن العلوم الأوربية كانت علوما إسلامية في الأساس ، ويبدوا أنه اعتمد في ذلك على ما شاهده في فرنسا حيث ظلت بعض الكتب العربية تدرس في الجامعات الأوربية مثل بعض مؤلفات ابن سينا والرازي في الطب، كما أن العديد من المؤلفات اليونانية كان قد أعيد ترجمتها من العربية إلى اللغات الأوربية إبان عصر النهضة في أوربا، وبقى الأوربيون حافظون لجميل العرب في حفظ تراث اليونان، وقد ساعد ذلك الطهطاوي على الدعوة لفكرة أن العلوم الأوربية الحديثة هي نتاج العلوم الإسلامية، ومن هنا لم يجد غضاضة في إيجاد جذور إسلامية للنظم والقوانين الغربية، فيشير إلى أن ما نسيمه علم " مبادئ التشريع" يسمونه في الغرب " القوانين الطبيعية" وما نسميه " فروع الفقه" يسمونه " قوانين الحضارة " وما نسميه " عدل وإنصاف" يسمونه هم " حرية ومساواة" أما حب العقيدة التي ارتبط بها المسلمون فيسمونها " حب الوطن" ولعل الطهطاوي قد استند على هذه الفكرة في معرض محاولته إقناع المصريين بأهمية العلوم الأوربية وطمأنتهم حيال نتائجها على الإسلام والمسلمين.
ونفس الشيء يسرى على المنجزات التقدمية " للديمقراطية الليبرالية الأوربية" فقد سعى إلى التأكيد على أنها ليست جديدة على تراثنا، وإنما هي قيمة أصيلة فيها عميقة الجذور، وكان يبرر سبق الأوربيين في تطبيقها بالتخلف الحضاري ، والاستبداد التركي المملوكي اللذان باعدا بين المجتمع الإسلامى وبين القيم الليبرالية الديمقراطية.
ولا يعدو ذلك غريبا رغم أن الطهطاوي من الفكريين المجددين، فبحكم النشأة والثقافة كان لابد من العودة إلى المنابع الإسلامية لتمرير أي عملية تجديد فكرى وثقافي.
كما يبدوا أن الطهطاوي في انطلاقه من التراث إنما كان يتحرك في اتجاهين : الأول، هو محاولة إقناع المصريين والمسلمين بأن علوم أوربا ليست خطرا على العقيدة ومن هنا استخدامه لأسانيد سلفية في الترويج للأفكار الحديثة. والأخر، كان التوجه إلى أوربا لتحسين صورة الإسلام والمسلمين.
فلا شك أن الطهطاوي كان على دراية بالصورة السلبية للإسلام التي رسمتها أوربا المسيحية لشعوبها، خاصة في القرن الحادي عشر، حتى بدايات القرن الخامس عشر، وحيث نمت لدى أوربا فكرة مسئولية الإسلام عن تخلف شعوبه.
ولهذا السبب يمكن القول أن الطهطاوي عندما حاول رد مفاهيم" العدل والحرية والمساواة" إلى الشريعة الإسلامية بإيجاد مترادفات لها، وكذلك اعتباره العلوم الأوربية علوما إسلامية المنشأ، إنما كان يعول على تغيير الصورة السلبية عن الإسلام لدى أوربا بتذويب التناقضات القائمة بينه وبين الحضارة الغربية الأوربية ، والمزاوجة بينهما.
والملاحظ أن هذه الصورة نفسها هي التي أدت إلى صرف جزء هائل من جهود العديد من المفكرين المصلحين لتحسينها كما سنرى بعد ذلك عند الأفغاني ومحمد عبده.
يبقى القول أن المنهج العقلي الذي اتبعه الطهطاوي سواء في قراءته للتراث الإسلامى، أو في تأملاته الفكرية عن الحضارة الأوربية، قد أدى به إلى المطالبة بإعادة تفسير الشريعة الإسلامية في اتجاه التطابق مع احتياجات العصر، ويعتبر الطهطاوي بذلك أول من فتح باب الاجتهاد بعد أنظل مغلقا فترة طويلة، وأول من جدد في نظرته للعلماء الذين طالب بألا يقتص دورهم على مجرد حراسة تراث ثابت ، وإنما عليهم دور أهم وأخطر وهو إعادة تفسير الشريعة في ضوء الاحتياجات الحديثة ودراسة العلوم التي أتى بها العقل الانسانى.
بهذا المنهج قدم رفاعة الطهطاوي إسهاماته الفكرية في المجالات السياسية والاجتماعية المختلفة، في هذا المجال يمكن التعرض لقضيتين أساسيتين ، واعتبرنا من أهم قضايا التجديد الفكري في ظل وجود الخلافة العثمانية وهما قضيتي " الديمقراطية" و" الوطنية".

1- الطهطاوي مبشرا بالديمقراطية الليبرالية

لم تكن المساهمة العظيمة التي قدمها الطهطاوي للفكر السياسي والاجتماعي الحديث في مصر تقتصر على ما نقله إلى العربية من رسائل فلسفية ونصوص دستورية فحسب، وإنما تمتد على منهجه في تحليل مقومات الحضارة الأوربية، وخاصة في وجهها السياسي والاجتماعي، وللفلسفة التي تقوم عليها.

مما كان له أكبر الأثر في توجيه الترجمة الأولى وبروز تيار فكرى مهد له الطهطاوي منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر.

وتعد الفترة التي قضاها رفاعة في فرنسا هي الفترة الحاسمة في تشكيل لوعيه السياسي والاجتماعي، حيث اطلع على أهم المنجزات الفكرية الأوربية سواء في الميدان السياسي أو الاجتماعي وغيرها، كما تأثر بآراء أهم مفكري عصر التنوير الفرنسي من فولتير ، وروسو ، ومونتسكيو .

وقد رفاعة في كتابه الأول " تلخيص الإبريز" تحليله لمبادئ دستور 1818 الفرنسي والتعديلات التي جرت عليه بعد ثورة 1830، التي عاصرها في باريس وطرد الملك شارل العاشر، كما أبدى حماسه الشديد للمبادئ الأساسية التي يقوم عليها الدستور.

وما يهمنا في هذا الصدد ليس فقط تحليل الطهطاوي للدستور ونظام الحكم الفرنسي، وإنما دعوته من خلال هذا التحليل للمصريين من خلال المبدأ القائل بأن جميع المواطنين متساوين أمام القانون.

كما أن تذكير رفاعة الطهطاوي أبناء وطنه بهذه المساواة أمام القانون أو أمام الشرعة، وإعلانه أن هذه المساواة متحققة في بلاد أخرى أكثر تقدما كان تأكيدا لمعنى المساواة عند المصريين الذي فقدوه في ظل الحكم التركي المملوكي.

هذا فضلا عن أن شرح رفاعة لأسباب ثورة 1830 لم يكن فقد لأسباب السرد التاريخي، وإنما كان تحليلا جديدا للمبادئ التي تحكم النظم السياسية الحديثة.

وقد انصبت جهود الطهطاوي التي بذلها في حقل الفكر السياسي على التبشير بالمفاهيم الديمقراطية الليبرالية فيما يتعلق بالسياسة المملوكية، "أي السياسة العليا للدولة والمجتمع ".

ومن الإسهامات البارزة التي قدمها الطهطاوي في هذا المجال حديثه عن " الفصل بين السلطات" في الدولة والتمييز بين السلطة التشريعية والسلطة القضائية والسلطة التنفيذية، وهو تمييز لم يعرفه إلا الفكر السياسي الحديث، ولم يكن مطروحا في ظل نظام الخلافة الإسلامية الذي يعد الخليفة أو الوالي حاكما أعلى يجمع بين كل السلطات في يده.

وفى "مناهج الألباب " يتحدث الطهطاوي عن وجود قوتين في المجتمع: القوة المحكومة، أي الشعب أو الرعية وعنده أن هذه القوة لابد أن تكون ( محرزة لكمال الحرية، متمتعة بالمنافع العمومية فيما يحتاج إليه الإنسان ووجوه كسبه وتحصيل سعادته..).

والقوة الحاكمة، وهى التي تسعى أيضا بالحكومة وبالملكية وهذه القوى تنقسم على سلطات ثلاثة وهى :

1- قوة تقنين القوانين وتنظيمها.
2- قوة القضاء وفصل الحكم.
3- قوة التنفيذ للأحكام.

وهذه القوى الثلاثة ترجع- عند الطهطاوي- إلى قوة واحدة هي القوة المملوكية، وتكون مشروطة بالقوانين. كما هو الحال في النظم الديمقراطية الحديثة.

ويتطرق الطهطاوي في الفصل الثاني من" مناهج الألباب" إلى ضرورة تجديد التراث التشريعي والاستفادة من الخبرة الأوربية في هذا الميدان فيقول ( إن الحالة الراهنة اقتضت أن تكون الأقضية والأحكام على وفق تعاملات العصر بما حدث فيها من المتفرعات الكثيرة المتنوعة بتنوع الأخذ والعطاء من أمم الأنام..) وإن كان يجب مراعاة أن الطهطاوي عندما دعا إلى تجديد الفكر التشريعي التقليدي لم تكن دعوة مطلقة وإنما استند أساسا على وجود علاقة وثيقة بين ميراث أوربا التشريعي وبين الأصول والأحكام الخاصة بالشريعة الإسلامية، ومن هنا أكد أن جميع الاستنتاجات العقلية التي وصلت إليها أوربا الحديثة لها أساس في الإسلام ولا غبار إذن من استعادتها في إطار التجديد التشريعي.

واستكمالا لهذا الجهد دعا الطهطاوي على تعليم مبادئ السياسة لكل أبناء العشب، وألا تكون حكرا عل طبقة أو فئة من الناس دون أبناء الشعب كما يشير في " مناهج الألباب".وبهذا خطا الطهطاوي الخطوات الأولى نحو الديمقراطية الليبرالية.

وفيما يتعلق بنظم الحكم، قسمها الطهطاوي على ثلاثة نظم هي: الملكية المطلقة، والملكية المقيدة، والجمهورية.

ويرى د. لويس عوض أن رفاعة الطهطاوي يحبذ النظام الجمهوري ضمنا عندما يقول أن أتباعه هم الفلاسفة والحكماء وأغلب الرعية، كما أنه يحبذه ضمنا حين يقول ( أن الشريعة الإسلامية التي ارتضاها الناس في زمنه أساسا انظم الحكم، تتسع للنظم الثلاثة، ، " وشريعة الإسلام التي عليها مدار الحكومة الإسلامية مشوبة بالأنواع الثلاثة المذكورة ، لمن تأملها وعرف مصادرها ومواردها" أي أنه لم ينظر على هذه النظم على أنها كفر أو خروج على أحكام الشريعة.

وتجدر الإشارة إلى أن رفاعة الطهطاوي كان يكتب ذلك في الحكم الأوتوقراطي الذي كان يعبر عنه حكم محمد على، وفى ظل الخلافة العثمانية التي كانت تبسط حماية الدين على الحكم السلطاني المطلق، ولعل هذا العامل نفسه كان وراء اختلاف التعميمات وتباينها بصدد اجتهاد الطهطاوي في هذا المجال.

وفى هذا الإطار يرى البعض أن الطهطاوي ظل أسيرا لنظام الخلافة رغم إعجابه وترجمته للدستور الفرنسي ولأعمال مونتسكيو واطلاعه على أفكار فولتير، ومن هنا جاءت أفكاره عن النظم الديمقراطية ناقصة، إذ ظل يرى الحاكم غير مسئول عن أعماله أمام احد من الرعية، وأنه مسئول فقط أمام الله، فيكون الطهطاوي بذلك قد أعطى للحاكم سلطات تنفيذية وتشريعية مطلقة بينما حدد واجب الرعية في الطاعة التامة. ويرجع نفس الكاتب ذلك أن الطهطاوي إنما كان ينطلق من المفهوم " الثيولوجى" للدولة والحكم.

أما ألبرت حوراني فيفسر ذلك الموقف الذي يبدو مزدوجا بأنه رغم معايشته لوقائع ثورة 1830 في فرنسا.

وإعجابه بها إلا أنه كان يرى فكرة الحكم للشعب ومن الشعب كانت ما تزال لا تتلاءم مع الواقع السياسي والاجتماعي الذي كانت تعيشه مصر في ظل الحكم الأوتوقراطي لمحمد على، وفضلا عن أن الشعب لم يكن على درجة من الوعي والتنظيم والثقافة التي تؤهله للاستفادة المباشرة من النظم الديمقراطية الليبرالية.

ولذلك يرى أن تفريق الطهطاوي بين النظم الثلاثة كان بغرض الإفصاح عن مبدأ الحد من ممارسة السلطة بشكل مطلق، إلا أنه استمد البرهان عليها0 ليس من المنطلق الديمقراطي الصحيح- وإنما من الفكرة التقليدية القائلة بانقسام المجتمع إلى مراتب وطبقات لكان منها وظيفة معينة ووضع حقوقي خاص.. فو ( أي الطهطاوي) يميز وفقا لمبدأ ثابت منذ القدم بين أربع طبقات، الحاكم ، رجال الدين، والجنود وأهل الإنتاج أو الرعية.

ويختلف د. لويس عوض مع هذه الآراء حيث يشير على أن الطهطاوي كان ابن عصره.. ذلك العصر الذي شهد كبار المفكرين والثوار الذين بنيت أفكارهم وتمحورت أهدافهم حول ضرورة زلزلة الملكية المستبدة القائمة على الحق الالهى والنظام الإقطاعي، وأنه تأثر بهم وإذا كان لم يعبر عن ذلك في مواجهة محمد على فلأنه لم يكن يرى الخطر فيه على مصر وأن حديث الطهطاوي كان يرمى إلى السلطة الأولى الممثلة في الخليفة العثماني، ومن هنا يصل لويس عوض إلى القول بأن الطهطاوي كان يحفز المصريين ضمنا لشق عصا الطاعة على حكم الخليفة العثماني دون أن يعنى ذلك الانتقاص من إسلامهم.. وإن كان بذلك يرد على الاتجاه المحافظ في عصره الذي وجد غضاضة في الثورة على الخليفة العثماني.

أما د. محمد عمارة فيعتقد أن تصور الطهطاوي للحاكم هو مزيج من التصور الإسلامى السني المحافظ والتصور الذي شاع في الممالك الدستورية عن هذا الحاكم والذي تلخصه النظرية الشهيرة عن أن "الملك يملك ولا يحكم" بمعنى أنه غير مسئول أما الغير عن النتائج التي تفضي إليها م مارسته للسلطات العليا التي يتمتع بها.

ويستشهد د. عمارة بالنصوص التي تركها الطهطاوي والتي تعطى هذا المعنى من ذلك قول الطهطاوي ( أن ولى الأمر هو رئيس أمته، وصاحب النفوذ الأول في دولته، أنه خليفة الله في أرضه، وأن حسابه على ربه ، فليس عليه في فعله مسئولية لأحد من رعاياه) ويفسر د. عمارة هذا القول بأن الطهطاوي لا يعنى أن إرادة الحاكم مطلقة من أية ضوابط أو قيود ذلك لأن تصوره له كان تصور "الملكيات الدستورية المقيدة بالقانون" للملك الذي يتوج عليها.

ولكن أيا كانت الآراء التي اختلفت بصدد تقييم الإسهام الفكري للطهطاوي في مجال الديمقراطية إي أنه لا يجب أن يغيب عن البال أن الطهطاوي في الحقيقة كان دائم المقارنة بين الأوضاع السياسية والاجتماعية في فرنسا ومثيلتها في مصر، وأنه كان صادق الرغبة في أن تتخطى مصر الهوة الحضارية التي تفصلها عن أوربا . وكان يحث المسلمين على ضرورة الاستفادة والتعليم من الحضارة الحديثة، وأنه في إسهاماته الأولى- مهما كانت محدودة- قفز قفزة هائلة في الفكر السياسي والاجتماعي المصري، فتحت باب الاجتهاد لكل من تلاه من المفكرين والمصلحين.

كذلك لا ينبغي أن ننسى في تقيمنا لموقف رفاعة الطهطاوي من محمد على إننا إزاء تجربة خاصة لرجل لعب دورا حضاريا في نهضة مصر الحديثة، وان الطهطاوي نفسه أشاد بهذا الدور في "تخليص الإبريز " وبالتالي لم يكن غريبا أن تكون هناك خصوصية في حكم الطهطاوي على التجربة برمتها.

وعن كان هذا لا يعنى بالضرورة أنه مجرد مؤيد للحكم الأتوقراطى بالمعنى المطلق. وبهذا لم تقف السلطة السياسية التي خلفت محمد على نفس الموقف الذي وقفه محمد على منه.

2- الطهطاوي رائد الوطنية المصرية

كان الطهطاوي أول من نوه بتاريخ مصر الفرعوني بعد أن كان مفعلا لفترة طويلة من الزمان من قبل المؤرخين العرب، فجاء كتابه" أنوار توفيق الجليل في أخبار مصر وتوثيق بني إسرائيل" معبرا عن هذا الاهتمام بتاريخ مصر وحضارتها الخاصة.

وكان لهذه اللمحة في كتاباته دلالتها الخاصة في تاريخ التطور السياسي لمصر الحديثة، إذ عكست بداية تبلور الإحساس الخاص بالوطنية المصرية ، وارتبط اهتمام الطهطاوي بتاريخ مصر قبل الحكم العربي الإسلامى بتفسير أكبر لمفهوم" الوطنية المصرية" في ظل الخلافة العثمانية الإسلامية. كما بدا في كتابه " مناهج الألباب" وفى كتابه عن التعليم.

وفى كلتا الحالتين استخدم الطهطاوي عبارة الوطن وحب الوطن وهو ما كان يعد جديدا على الأدبيات الموجودة.

وقد عبر رفاعة الطهطاوي من خلال هذه العبارات عن معنيين الأول الحقوق والواجبات المفروضة على أعضاء أي مجتمع كان.

والآخر ن يحمل معنى إيجابيا لا يركز فيه على الجانب السلبي للرعية في الخضوع للسلطة الحاكمة وإنما على الدور الفعال للمواطن في بناء مجتمع متحضر لا يقتصر فقط على الواجبات والحقوق المتبادلة لأعضاء " الأمة الإسلامية" ولكنه يحتوى أيضا على تلك الحقوق لأولئك الذين يعيشون في بلد واحد.

لذا يكتسب حب الوطن على هذا النحو المعنى الخاص للوطنية بالمفهوم الحديث فيقول في "مناهج الألباب" بعد أن يتحدث عن الإخوة في الدين- عن الإخوة في الوطن(.. فجميع ما يجب على المؤمن لأخيه المؤمن منها، يجب على أعضاء الوطن في حقوق بعضهم على بعض لما بينهم من الإخوة الوطنية، فضلا عن الإخوة الدينية فيجب أدبا يجمعهم وطن واحد، التعاون على تحسين الوطن وتكميل نظامه وتكميل نظامه فيما يخص شرف الوطن وإعظامه وغناه وثروته).

فالطهطاوي يرى أنه يجب على أبناء الوطن الواحد أن يتحدوا بسبب انتمائهم لأسرة واحدة ولغة واحدة، وأن يخضعوا لقانون واحد وتنظيم سياسي واحد، فأبناء الوطن الواحد سواء كانوا مولودين به أو مهاجرين إليه واستوطنوه هم الوطنيون، فكلمة وطني هنا تكتسب المعنى الحديث لها.

بمعنى أن يتمتع المواطن بحقوقه كاملة داخل البلد الواحد طالما كان مطبقا لقوانينه ومساعدا على تطبيقها. ويعتبر ذلك من سمات الأمم المتحضرة التي تكفل لمواطنيها القنوات التي من خلالها يمكن أن ي مارسوا حقوقهم في مواجهة حكامهم مثلما نطلب منهم أداء واجباتهم إزاء الوطن.

هكذا أدخل رفاعة الطهطاوي مفهوم " الإخوة في الوطن" التي كانت جديدة على الفكر السياسي والاجتماعي السائد في مصر إبان القرن التاسع عشر، والذي كان يعلى من فكرة ( القومية الإسلامية) تحت الخلافة العثمانية.

فالطهطاوي عندما تكلم عن " الوطنية" إنما قصد بها ليس مجرد المتحدثين باللغة العربية أو المسلمين فحسب وإنما ذلك الشعور الذي يشترك فيه جميع الذين يعيشون في مصر.

ومن هنا أكد على خصوصية المصريين وتاريخهم المتميز في مواجهة الخصوصية التركية المعبرة عن الحكم العثماني.

ولكن تبقى ملاحظة هامة حول إسهام الطهطاوي في مجال الوطنية وهو حرصه على طرحها في إطار الرابطة الإسلامية، فقد كانت صياغته لمفهوم " الوطنية المصرية" مشوبا دائما بدرجة من الولاء للخلافة العثمانية ولعل هذا ما دعا ألبرت حوراني إلى القول ( أن وطنية الطهطاوي كانت في الحقيقة شعورا شخصيا دافئا وليست مجرد استنتاج من مبادئ الفلسفة السياسية) كما يشير أيضا إلى أنه ربما كانت وطنية رفاعة مقترنة بالإحساس برسالة عامة لمصر الأخذ بأسباب الحضارة والعلوم الحديثة في المجتمعات الشرقية فتغير بذلك حياتها وتدخلها عصرا جديدا .

ولكن هذا الرأي لا يقلل من أهمية الإسهام الذي قدمه رفاعة الطهطاوي والذي مهد به لظهور فكرة الوطنية المصرية الحديثة والتي تبلورت بعد ذلك على يد المفكرين الليبراليين أمثال أحمد لطفي السيد وطه حسين وغيرهم.

لا شك أن رفاعة الطهطاوي قدم إسهاما فكريا رائدا، وطرح أفكارا جديدة وجريئة على فكر القرن التاسع عشر وإذا كانت إسهاماته حول الديمقراطية والوطنية وهما المفهومين اللذين شكلا نوع من الثورة الفكرية في ظل الخلافة العثمانية، قد شابهما نوعا من الازدواجية.

– أو للدقة نوعا من الوسطية- فلأن ذلك كان المنطق الذي يقوم عليه فكر الطهطاوي نفسه وهو المواءمة بين القديم والحديث، إذ لم يكن الطهطاوي يوما مجددا يدير ظهره للثقافة الإسلامية التي تربى عليها ولم يكن أيضا ملتصقا بها إلى الحد الذي يمنعه من أن يفتح عقله وفكره للحضارة التي عايشها وبهرته إنجازاتها وتمنى لبلاده أن تنهل منها.

وبذلك يكون رفاعة الطهطاوي قد وضع الأساس لمنهج العلاقة بين التراث والمعاصرة له أسبقية الإعلاء من قيمة العقل في قراءة أنفسنا وفى قراءة الغير.

ويضاف على الرصيد الفكري للطهطاوي دوره التنويري الذي لعبه من خلال الصحافة لبلورة رأى عام وطني مثقف ن خاصة بعد توليه الإشراف على تحرير مجلة " الوقائع المصرية" التي أصدرها محمد على بعد حوالي ربع قرن على صدور أول صحيفة في مصر على يد نابليون بونابرت في أغسطس 1798 .

وعندما رأس مجلة " روضة المدارس " نصف الشهرية التي أنشأها الخديوي إسماعيل 1870 لنشر الثقافة العامة بين أبناء الوطن، اهتم الطهطاوي بطرح موضوعات جديدة وجريئة من ضمنها " قضية المرأة".

هكذا مهد رفاعة الطهطاوي الأرض للمفكرين الإصلاحيين الذين أتوا بعده وسجل سبقا باقتحامه لموضوعات وقضايا لم يكن من السهل طرحها ومناقشتها في ظل الخلافة العثمانية رغم أنه لم يقف منها موقف العداء.

المبحث الثالث: جمال الدين الأفغاني والمشروع السياسي الإسلامى في مواجهة الاستعمار الغربي

إذا كانت الإسهامات الفكرية التي قدمها رفاعة الطهطاوي في النصف الأول من القرن التاسع عشر قد عكست أول محاولة للرد على التحدي الحضاري الآتي من الغرب، ودعت لنهوض الأمة الإسلامية والمصرية على وجه الخصوص ، والأخذ بأسباب الحضارة الحديثة وعلومها التي شكلت مفتاح التقدم عند الطهطاوي ، فإن مدرسة جمال الدين الأفغاني قدمت- في نفس السياق- المحاولة العربية الإسلامية الثانية للرد على نفس التحدي في النصف الثاني من القرن.

وإذا كان الطهطاوي بفكره ودوره التنويري قد جسد هموم المرحلة التاريخية التي عاشها والتحم بها، فإن الأفغاني يدروه عبر عن اللحظة التاريخية التي ولد ونشأ فيها، واستمرت حتى مماته.

فقد عاش الأفغاني مرحلة التحول في الدولة العثمانية التي انتهت إلى انهيارها واقتسامها على يد الدول الأوربية، وأصبح التحدي الغربي تحديا حضاريا واستعماريا في آن احد.

ولم تعد أوربا هي الشعاع الفكري لعصر النهضة الأوربية كما كانت لدى الطهطاوي وحسب، وإنما أصبحت هي أيضا المحتل العسكري والسياسي والاقتصادي. وأما هذا الحدث التاريخي وقف الأفغاني بين وجهي أوربا الجميل والقبيح معا. ولعل هذا ما أضفى خصوصية على تجربته الفكرية والسياسية. فلم يكن مجرد مصلح ديني، ولم يكن أيضا مجرد مناضل وزعيم سياسي ، وإنما جمع الاثنين في شخصية واحدة، فكان جمال الدين الأفغاني تيارا فكريا وحركة سياسية في آن واحد عكست طبيعة المهمة الأساسية التي اضطلع بها، وهى الرد على عاصفة الاستعمار الغربي التي اجتاحت المنطقة في ذلك التاريخ من خلال تقديم نموذج إسلامي حضاري يقي البلدان الإسلامية مخاطر التدهور والانسحاق أمام المحتل الأوربي المتقدم عليها.

1- جمال الدين الأفغاني ( 1839-1896)

ولد جمال الدين الأفغاني في قرية أسد أباد في أفغانستان عام 1839، وتلقى تعليمه في مدينة كابول حيث تعلم اللغة العربية والعلوم الدينية من تفسير وحديث وفقه وعلم الكلام وتصوف ، والعلوم العقلية من منطق ورياضيات وتاريخ قبل أن ينتقل إلى الهند حيث تعلم الانجليزية، فجمع بذلك بين الثقافتين التقليدية والحديثة.

وعندما عاد إلى أفغانستان تولى منصب الوزير الأول في عهد الأمير محمد الأعظم، إلا أنه عزل من منصبه أقر انقلاب سياسي فذهب إلى الهند ثم على مصر فئ 1870 حيث اتصل ببعض أساتذة الأزهر وطلابه ثم انتقل إلى الآستانة بدعوة من السلطان عبد العزيز قبل أن يعود على مصر مرة أخرى في العام التالي فئ عهد الخديوي إسماعيل.وفى أثناء إقامته بها توطدت صلاته بالشيخ محمد عبده.

ولكن بانقضاء عهد إسماعيل وتولى الخديوي توفيق الحكم تعرض الأفغاني للنفي من مصر عام 1879 فغادرها على الهند حيث أقام فيها ثلاث سنوات عكف خلالها على الدراسة والتأليف، حيث كان لهذه السنوات أثر هام في تشكيله الفكري والسياسي.

ويعتقد البعض أن تجربة الأفغاني في الهند كانت العامل المباشر في انفتاحه على الفكر الأوربي والثقافة الغربية بمخالطته للمثقفين من الهنود المسلمين وربما غير المسلمين وللمثقفين الإيرانيين الذين كانوا متمركزين بغزارة في بومباي وكانوا دعاة تحرر وعصرية أكثر من غيرهم من مسلمي الهند.

وهناك في الهند تعلم ما لم يمكنه أن يتعلمه في أسد أباد أو في قزوين أو في النجف وغيرها من مراكز الشيعة، فقد تعلم عن الدار ونية والمادية والمثالية والعقلانية والطبيعة وما شاكل ذلك من علوم الغرب.

وقد ظهرت اثر هذه العلوم في كتاباته فيما بعد. ثم ذهب الأفغاني إلى باريس ودعا الشيخ محمد عبده إليه في 1884 حيث أنشأ معا " جمعية العروة الوثقى" واصدرا مجلة تحمل نفس الاسم.

التي كان لها دور تنويري حيث دعت المسلمين للنهوض ببلادهم والثورة على المستعمر والتحرر من الاستبداد والاضطهاد السياسي الداخلي.

وبقى الأفغاني في أوربا إلى أن عاد إلى إيران عام 1886 ، ثم ما لبث أن غادرها بسبب آرائه السياسية إلى روسيا ثم فرنسا مرة أخرى حتى عاد على إيران ونفى على العراق.

ومنها انتقل إلى انجلترا. ثم استدعاه السلطان عبد الحميد الثاني عام 1892 إلى الآستانة وظل هناك حتى وفاته عام 1896.

وتجدر الإشارة على أن الأفغاني استطاع أثناء إقامته في طهران أن يستقطب جماعات إيرانية كثيرة وإصدار منشورات ضد الشاه، ولهذا السبب أخرج من إيران إلى البصرة ومر ببغداد حتى تمكن من التسلل على انجلترا الذي كان قد زارها من قبل عام 1884.

وعندما طرد من إيران لآخر مرة عام 1891 ذهب أيضا على لندن وكان وثيق الصلة بالوزير المفوض الايرانى الذي كان الشاه قد خلعه بسبب عضويته في الماسونية وقد كتب الأفغاني في تلك الفترة في صحيفة عربية تدعى" ضياء الخافقين" وقد اتخذ الأفغاني منها موقفا متشددا ومحرضا ضد شاه إيران، فحرض " الملالى" على الثورة كما حرض الشيرازي وهو المرجع الشيعي الأعلى في ذلك الوقت على إصدار فتوى بتحريم الشاه وتحريم الامتيازات الأجنبية.

وقد قيل أنه كان على صلة بقال الشاه الذي قتله عام 1896 بعد أن قابل الأفغاني في الآستانة ، وأباح له ذلك أن هذا الشاب عندما أطل الرصاص على شاه إيران، صرخ فيه قائلا" خذها من يد جمال الدين" . واتهم الأفغاني بالتحريض على القتل، ولكنه ما لبث أن توفى في نفس العام .

هذه اللمحة السريعة عن سيرة الأفغاني وحياته التي عاشها متنقلا في أسفاره بين البلدان الإسلامية والأوربية تكشف عن جانبين هامين في شخصية الأفغاني.

الأول، هو مدى تأثره بالثقافتين الإسلامية والغربية اللتين ألقتا بظلالهما في إسهاماته الفكرية وآرائه حول التجديد الديني والإصلاح السياسي والاجتماعي، والآخر، هو أثر تجربته السياسية المباشرة ليس فقط على آرائه.

وإنما أيضا على الدور السياسي الذي لعبه طوال حياته، والذي كان أحد أسباب إثارة جدل كبير حوله، كانت أحد عواصفها مسألة دخوله المحفل الماسونى أثناء إقامته في مصر.

2- الأفغاني كمصلح ديني

لم يخف الأفغاني إعجابه بالحضارة الأوربية أي-حضارة المحتل- التي تعلى من قيمة العلم والفلسفة ، وقد تعرض بسبب ذلك للطرد من استانبول عام 1871 ن اثر إلقاءه محاضرة دفاعا عن الفلسفة التي رآها من أهم العلوم التي تقدمت بها أوربا، وانتقد عد تدريسها في مدارس الدولة العثمانية مما أثار حفيظة شيوخ الإسلام ضده واستدعى هجومهم عليه.

وقد ذهب الأفغاني على تفسير قوة الأوربيين بامتلاكهم للعم- الذي رآه الطهطاوي أيضا مفتاح التقدم- فالعلم في نظر الأفغاني هو المسئول عن تقدم أو تخلف مجتمع ما، وقوة أو ضعف شعب ما .

كذلك الفلسفة هي القادرة على توظيف العلوم في مكانها الصحيح وهى القادرة على إنهاض الحياة الإنسانية وإثرائها، كما أنها القادرة على تعميق الاستفادة من العلم الحديث.

ومن هنا وصل الأفغاني على القول أنه لو كانت روح الفلسفة موجودة في مدارس الدولة لاستطاع المسلمون بأنفسهم- غير معتمدين على الدول الأوربية- أن ينهضوا ويناضلوا وأن يبنوا دولهم دون الحاجة على إرسال البعثات إلى أوربا أو إحضار معلمين منها.

وقد دعا ذلك الطهطاوي إلى انتقاد أوضاع المسلمين التي عكست عد فهمهم لدول العلم والحارة في إصلاح العالم، إلى جانب نظرتهم الضيقة إلى قوانين الشريعة الإسلامية التي لا تتح لهم فرصة التجديد والإصلاح.

وفى إطار هذه الرؤية جاءت آراء الأفغاني حول الإصلاح الديني، فقد آمن أن المدخل على قوة المسلمين هو العلم وفى ذلك يشير إلى أن الدول الأوربية لم تكن بالفطرة أقوى من الدول الإسلامية وأن الفكرة السائدة عن تفوق انتجلترا على غيرها لم كن سوى وهو وخطر، ويفسر بأنه إذا كانت انتصارات المسلمين قليلة وانهزاماتهم هي القاعدة فذلك عائد على انقسام المسلمين وجهلهم وافتقارهم على الفضائل العامة.

غير أن ذلك لم يعن أن الأفغاني تحمس لمجرد النقل عن أوربا حيث رأى أن نقل أسباب الحضارة الغربية من علوم وفنون وفلسفة لا يتم بمجرد التعليم إذ أن وراءها نظرة فكرية أعمق وأشمل بل نظاما للأخلاق الاجتماعية، ومن هنا رأى أن البلدان الإسلامية ضعيفة لأن المجتمع الإسلامى فاسد.

وما يهنا إثارته في هذا المجال هو أن الأفغاني لم يهتم بقشور الحضارة الغربية ولم يدع لمجرد النقل عنها ولكن رؤيته وفهمه لها تعدى الحدود لينفذ إلى الأسباب العميقة للحضارة وإلى الرؤية الفلسفية الشاملة التي تحكمها هذا ناحية ، ومن ناحية أخرى فإن تحديد الأفغاني لمشكلة العالم الإسلامى والدعوة لنهضته لم تأت بمعزل عن رؤيته للخطر الأوربي لمباشر، والمصلحين الاجتماعيين المحدثين.

فصحيح أن الأفغاني قد أبدى إعجابه صراحة بالحضارة الأوربية وصحيح أيضا أنه رأى مواجهتها بالنهضة والأخذ بأسباب العلم الحديث، ولكنه في كل ذلك ما كان ينطلق إلا من الأرضية الأصولية والأخذ بأسباب العلم الحديث.

ولكنه في كل ذلك ما كان ينطلق إلا من الأرضية الأصولية للإسلام. فالسبب الأول في تدهور الحضارة الإسلامية ليس الدين كما يشير الأفغاني، ولكن هو ( .. إهمال ما كان سببا في النهوض والمجد وعزة الملك، وهو ترك حكمة الدين والعمل بها، وهى التي جمعت الأهواء المختلفة والكلمة المتفرقة وكانت للملك أقوى من عصبية الجنس وقوته..) ، ويرى د. محمد البهي أن كثرة أسفار الأفغاني في العالم الغربي قد نبهته إلى أهمية الوصول على الحياة الحديثة مع التمسك بالإسلام، ولذلك فهو يرى أن عيوب المجتمعات الإسلامية كانت بسبب إهمال الإسلام وما تراكم عليه من غبار .

فيقول الأفغاني ( من يعجب من قولي أن الأصول الدينية الحقة، المبرأة من محدثات البدع تنشى للأمم قوة الاتحاد وائتلاف الشمل. وتبعثها على اقتناء الفضائل وتوسيع دائرة المعارف وتنتهي بها أقصى الغاية في المدنية.

ولكن لا يفهم من ذلك أن النزعة السلفية عن الأفغاني كانت مطابقة لمثيلتها عند حركة محمد عبد الوهاب، فقد كانت أفكار الأفغاني تسيسا ولم تقف فقط عند حد الدفاع عن الدين في مواجهة البدع والخرافات وإنما الدفاع عنه وتنقيته من أجل الكفاح السياسي ضد الاستعمار الغربي.

في هذا الإطار دعا جمال الدين إلى الإصلاح الديني من خلال منهج العقل وتحرير الفكر الديني من قيود التقليد وفتح باب الاجتهاد، إذ رأى الأفغاني أن الشريعة ليست ثابتة بل متطورة ، وأن الجمود والوقوف عند أقوال أناس هم أنفسهم لم يقفوا عند أقوال من سبقهم خطأ كبير.

وقد وجه نقدا شديدا إلى إغلاق باب الاجتهاد بعد الأئمة الأربعة، ومن يقول في هذا الصدد ( ما معنى باب الاجتهاد مسدود؟ وأي إمام قال لا ينبغي لأحد من المسلمين بعدى أن يجتهد ليتفقه بالدين ؟ أو أن يهتدي بهدى القرآن وصحيح الحديث أو أن يجد ويجتهد لتوسيع مفهومه منها والاستنتاج بالقياس على ما ينطبق على العلوم العصرية، وحاجات الزمان وأحكامه؟ ولا يتأنى جوهر النص ، وأولئك الفحول من الأئمة ورجال الأمة اجتهدوا وأحسنوا ولكن لا يصح أن نعتقد أنهم أحاطوا بكل أسرار القرآن..) واتساقا مع هذه الرؤية دعا الأفغاني للتوفيق بين العلم والدين، والتدقيق في النصوص واستخلاص الصحيح منها. وهى تقريبا نفس النظرة الوسطية عند الطهطاوي.

ومن هنا رأى الأفغاني أن الطريق إلى التمدن الحقيقي لابد أن يمر عبر الإصلاح الديني فيقول( .. لابد من حركة دينية لأننا إذا نظرنا في سبب انقلاب حالة أوربا من الخشونة إلى المدنية تراه الحركة الدينية منذ عصر لوثير رئيس الطائفة البروتستانتية .. وحركتنا الدينية هي اهتمامنا بقلع ما رسخ في عقول العوام والخواص من فهم بعض العقائد الدينية والنصوص الشرعية على غير وجهها الحقيقي..) ويعد هذا جوهر مفهوم الأفغاني عن الإصلاح الديني، فمطالبته للمسلمين بالاطلاع على الفكر الحديث كان رهنا بقبول ما يتفق منها والشريعة الإسلامية، ورفض ما يتعارض والعقيدة بالحجج والبراهين العقيمة.

وتأكيدا لهذا المعنى ألف الأفغاني كتابا بالفارسية في الرد على ما أسماهم الطبيعيين وإتباع داروين وبعض علماء الاجتماع والاشتراكيين، ونشر في الهند عام 1880 وقام الشيخ محمد عبده بنقله إلى العربية بعنوان" الرد على الدهريين" أكد فيه أن الدين أساس للمدنية والالتحاد فساد للعمران .

وتجدر الإشارة هنا إلى أن آراء ألأفغاني لم تكن في أي لحظة بعيدة عن هدفه السياسي، وحتى كان موقفه من الدين أو من الإسلام على وجه الخصوص كان يحمل هذا المعنى تأكيدا للذاتية العربية الإسلامية في مواجهة الذاتية الأوربية، وقد دفعه ذلك إلى الدفاع عن " الإسلام في حد ذاته" ورد الاتهامات الموجهة إليه من قبل الأوربيين والمستشرقين على أساس أنه سبب تخلف الشعوب الإسلامية.

وقد وصل الأمر بالافغانى إلى انتقاد المسيحية- رغم دعوته للتسامح مع الديانات الأخرى- ورأى في المقابل أن الإسلام هو الحل للعالم العلماني لتخليصه من الفوضى الثورية وليس أي دين آخر، وحاول من هذا المنطلق أن يثبت أن جوهر الإسلام إنما هو جوهر العقلانية الحديثة.

وأدى ذلك إلى اتهام بعض عاصريه له بأنه كان مستعدا للتضحية بحقيقة الإسلام في سبيل رفاهية المسلمين الوهمية.

والواقع أن رغبة جمال الدين في الربط بين الدين والسياسة كانت توقعه أحيانا في تناقض مع بعض آرائه، مثلما فعل مع المسيحية التي حدد موقفه منها في النهاية من منطلقاته السياسية خاصة عندما أثار المستشرق " رينان" مسألة الإسلام وعلاقته بالتخلف وإشارته إلى أنه دين يقتل الإرادة ويقيد العقل.

مما اضطر الأفغاني للرد عليه بأن الإسلام أفتى من المسيحية، وكما جاء " لوثر" إلى المسيحية ليجددها فإن الاستلام ينتظر مجدده أيضا، ومن هنا قال أن الإسلام بعد إصلاحه سوف تزدهر فيه العلوم العقلية كما ازدهرت من قبل.

3- الأفغاني وأفكاره السياسية

لم يكن غريبا أن يتأثر جمال الدين الأفغاني بالمبادئ السياسية التي تحكم الشعوب الأوربية وهو الذي أعجب بالحضارة الغربية وبعلومها ومدنيتها، وإن كانت إسهاماته في هذا المجال ظلت محكومة بمنهجه الوسطى وبطبيعة رؤية السياسة.

فقد تعامل الأفغاني مع المستجدات الآتية من أوربا وأفكارها حول الدستور والديمقراطية والوطنية وغيرها من منطلق إسلاما، مصرا على أنها لا تتعارض مع الإسلام أو أن أوربا أخذتها عن الإسلام، وهو نفس الموقف الدفاعي الذي اتخذه الطهطاوي حتى يمهد الأرض لإمكانية المزج بين الثقافتين الإسلامية والغربية.

وتشير القراءة السياسية للأفغاني إلى أنه كان مهموما بقضايا الحريات والدستور والديمقراطية والوطنية. وإن كانت إسهاماته في هذه المجالات بقيت محل جدل.

فقد انتقد الأفغاني الحكام المسلمين المستنيرين وهاجم خديوي مصر وشاه إيران وسلطان الآستانة لأنهم لا يمنحون الشعب حريته وحقه في المشورة ولم يصدروا دستورا لتحدي العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

ولكن مطلب الأفغاني في الدستور والحريات كان محكوما بالقاعدة الإسلامي وليس فقط بالحرية كقيمة فلسفية عليا.

ولذلك رآه حوراني أنه لم يكن دستوريا على أساس مبدئي ويشير على أن المثل الأعلى للحكم عند الأفغاني مثله مثل جميع العقائديين المسلمين هو حكم ملك عادل يعترف بسيادة الشريعة، بل يذهب حوراني إلى القول بأن الأفغاني كان بطبيعته " أوتوقراطيا" وفى نفس الإطار يرى طاهر عبد الحكيم أن الأفغاني ركز دعوته عل طلب دستور من السلطان العثماني تحكم بمقتضاه الدولة الإسلامية لأن الإسلام في اعتقاده هو أول حكم دستوري .

ولذلك لم تكن آراؤه حول الديمقراطية- التي تناولها الطهطاوي واستخرج أصولها من الإسلام- واضحة كما يشير حوراني الذي يرى في الوقت نفسه أن رأى الأفغاني كان ضمنا مع عدم إدخال العامة في مسألة الحكم ورأى في المقابل أن يكون الأمر منوطا بطبقة العلماء لأنهم يملكون الخطوة الأولى في الإصلاح الحقيقي للإسلام والحكم .

وربما رأى الأفغاني في أفكار روسو وفولتير التي أشعلت نار الثورة الفرنسية ما يؤيد هذا القول ، حيث رأى جمال الدين أن هذه الأفكار كانت سببا في إفساد أخلاق الناس، كما أنها كانت سببا في الترويج للمبادئ الاشتراكية التي لم ينفع- على حد قول الأفغاني- لهدمها إعادة نابليون الاعتبار للمسيحية، وقد وصف الأفغاني الاشتراكية بأن في انتشارها هلاك للبشرية وانقراض للنوع البشرى.

ولم تكن أفكار الأفغاني حول الوطنية بعيدة هي ألأخرى عن هذا الجدل، فبينما يراه طاهر عبد الحكيم في حديثه عن الوطنية متخلصا من العصبية الدينية والقومية .

يعتقد حوراني أنه كان على العكس مدافعا عن العصبية الدينية حيث رفض الاعتقاد الشائع في أوربا بأن التعصب القومي خير بحد ذاته ويؤدى إلى التقدم وأن التعصب الديني هو أبدا تعصب أعمى يحول دون التقدم، وقد قارن في ذلك بين المسيحية والإسلام حيث رأى أن ذلك إذا صح على المسيحية إلا أنه لا يصح على الإسلام حيث التعصب الديني الأعمى نادر والتعصب الديني الحق ضرورة جوهرية للتقدم.

ولعل موقف الأفغاني السياسي من الاحتلال الغربي العسكري للبلدان الإسلامية ودعوته على فكرة الجامعة الإسلامية لدفع هذا الخط قد دفعته وراء عدم وضوح فكرة الوطنية لديه.

فالمعروف أن الأفغاني هو الذي روج لتيار الجامعة الإسلامية الذي ظهر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر نتيجة لعجز الدول الإسلامية منفردة عن دفع الغزو العسكري لها والذي هدف إلى إيجاد صيغة للعمل السياسي المنظم الشامل من خلال الدعوة إلى الوحدة بين الأقطار الإسلامية.

فالوحدة الإسلامية عند الأفغاني كانت هي الطريق الوحيد لمقاومة الغزو الغربي، فيقول الأفغاني(.. إن العالم الإسلامى يجب أن يتحد اتحادا دفاعيا عاما مستمسك الأطراف، وتثبيت العرى، ليستطيع بذلك الزياد عن كيانه ووقية نفسه من العناء المقبل.

وللصول إلى هذه الغاية الكبرى، إنما يجب عليه اقتفاء أسباب تقدم الغرب والوقف على تفوقه وقدرته..).

لا شك أن استعراض أفكار الأفغاني حول العديد من القضايا التي طرحها العصر الذي عاشه، والذي شهد طغيان القوة الأوربية، يكشف أن المعارك الفكرية لم تكن هي المعارك الرئيسية له.

فقد صرف حياته منبها لخطورة العسكرية الأوربية على البلدان الإسلامية حتى أنه آمن في سبيل معركته السياسية بالتحالف مع أي قوة من شأنها المساعدة على درء خطورة الاستعمار الأوربي، ومن ذلك دخوله المحفل الماسونى في سبعينات القرن التاسع عشر أثناء وجوده بمصر، والذي كانت ترفع في ذلك الوقت شعارات الثورة الفرنسية عن الحرية والإخاء والمساواة.

وكان لنشأة المحافل الماسونية في العصور الوسطى صفة تحررية لأنها كانت تتصدى للبابوية في الغرب، ويشير د. محمد عمارة على أن المحافل الماسونية في ذلك الوقت، كان منها ما هو تابع للمحفل الفرنسي ومنها ما هو تابع للمحفل الانجليزي وأن الأفغاني في البداية دخل المحفل الانجليزي معتقدا أنهم يمكن أن يكونوا دعاة للحرية وأن يتصدروا للاستبداد والنفوذ الأجنبي الذي كان يزحف على مصر في ذلك التاريخ، فلما تقاعس المحفل الماسونى الانجليزي عن أداء هذه المهمة خرج منه وأقام محفلا سماه المحفل الشرقي، كان له ارتباط بالمحفل الفرنسي وأنه أراد بذلك أن يستفيد من التناقضات بين الانجليز والفرنسيين في ذلك الوقت.

والمثير أن هذه المزاوجة بين الفكر والسياسة عرضت تراث الأفغاني لكثير من التشكيك سواء في تراثه النضالي ضد الاستعمار أو في تراثه الفكري دعواته الإصلاحية.

واختلف كثير من المؤرخين والباحثين حول تقييم الأفغاني، فرأى د. لويس عوض أن تناقض الأفغاني في آرائه، وتحركاته وتحالفاته السياسية تعكس شخصيته الماسونية فهو من وجهة نظره لم يوفق إلى حل ذلك الصراع الرهيب داخل نفسه بين شخصية المصلح الديني الذي يسعى لتجددي الإسلام بالفكر الحديث، وبين شخصية الزعيم السياسي الذي يسعى لإنقاذ المسلمين من براثن الاستعمار الأوربي.

أما حوراني فيرى أن سر جاذبية الأفغاني لدى المسلمين في عصره أنه حاول أن يقدم لهم إسلاما يحمل في طياته مرة أخرى رسالة عالمية.

أما د. محمد البهي فيشير على أن الأفغاني كان امتدادا لكفاح الجماعة الإسلامية عبر التاريخ والذي بدأ في أواخر عصر الأمويين لمكافحة الزندقة الآتية من مخلفات العقائد السابقة، وأن حركته سياسية مناهضة للاستعمار وأن مطالبته بالإصلاح الديني كان من أجل هذا الهدف عن طريق الدعوة للعودة إلى الإسلام .

بينما رآه المستشرقون بعيون مختلفة ومن ضمنهم إيلى خضورى الأستاذ بجامعة لندن وهو يهودي من أصل عراقي والذي اصدر كتابا عن الأفغاني ومحمد عبده عام 1966 قال فيه إنهما لم يكونا مسلمين أصوليين وإنما كانا مسلمين متحررى من الناحية الدينية وأن الإسلام لم يكن سوى وسيلة دفاعية لحماية التراث العربية في مواجهة الغرب بحضارتهم المتفوقة.

باختصار كانت تناقضات الأفغاني السياسية سببا في قلة الاستشهاد به كمصلح ديني، إذ أن دوره في معاداة الاستعمار الأوربي قربه من شخصية السياسي والمناضل لدى الكثير من دارسيه وحتى في الوجدان الشعبي أكثر منه مفكرا ، ومصلحا دينيا.

وإن كان الرأي أن كل ذلك لا يقلل من أهمية الأفغاني في إطار تطور الحركة الإصلاحية حتى وانعكس الإشكالية المزمنة التي ولدت في ظلها كل دعوات الإصلاح، والتي تمحورت حول حب وكراهية الحضارة الغربية في آن واحد لأنها الحضارة التي حملت كل سمات التقدم الانسانى وحملت في الوقت نفسه كل صور الاستعمار للشعوب غير الأوربية.

المبحث الرابع :محمد عبده والدعوة للتوفيق بين العلم والدين

ولد الشيخ محمد عبده عام 1849 في قرية " محلة نصر" بمركز شبراخيت في محافظة البحيرة، وتلقى تعليمه الأولى للقراءة والكتابة وحفظ القرآن بالقرية، وفى 1862 انتقل إلى طنطا حيث التحق " بالمسجد الأحمدي" بهدف إتقان تجويد القرآن.

والتقى هناك بالشيخ" درويش خضر" وهو صوفي كان على اتصال بالزاوية السنوسية، وقد لعب الشيخ دورا هاما في حياة محمد عبده في تلك الفترة، حيث تأثر بالصوفية .

وفى فبراير 1866 غادر طنطا على القاهرة حيث ذهب على الأزهر الذي تخرج فيه عام 1877 .

واتصل عبده بالأفغاني أثناء زيارته الثانية لمصر عام 1871 وكتب مقدمة ( رسالة الواردات) الفلسفية التي أملاها الأفغاني في العام التالي( 1872) وكانت أولى الآثار الفكرية التي حفظت من تراثه ولم تنشر إلا بعد وفاته.

وفى هذه الفترة بدأ الكتابة في جريدة الأهرام في أول سنة من صدورها عام 1876 وبعدها بعام حصل على الشهادة العالمية من الأزهر بعد دراسة استمرت اثنتي عشرة عاما وعين مدرسا للتاريخ في دار العلوم في 1878 ومدرسا للعلوم العربية في مدرستي الألسن والإدارة.

وقد انشغل محمد عبده في هذه الفترة بعد التخرج بدراسة وتدريس كتب المنطق والفلسفة وكان حتى قبل تخرجه يعيد على طلبة الأزهر إلقاء دروس الأفغاني ، والكتب التي يشرحها ويعلق عليها. وقد اشترك الأفغاني في التنظيمات السرية التي أنشأها الأفغاني في مصر.

فدخل الماسونية ودخل أيضا مع الأفغاني " الحزب الوطني الحر" الذي كان شعاره" مصر للمصريين" . وكانت أبرز أعماله الفكرية في هذه المرحلة بعد دروسه وتدريسه، مقالاته في الصحف .

كما صاغ في هذه المرحلة العديد من آثار أستاذه الأفغاني مثل حاشيته على شرح الدورانى للعقائد العضوية، وفلسفة التربية، وفلسفة الصناعة، ورسالة الواردات ، كما صاغ أيضا الرسالة التي ترجمها على باشا مبارك ونشرها بالأهرام بعنوان ( المدبر الانسانى، والمدبر العقلي الروحاني).

في 1879 نفى الأفغاني من مصر، وعزل محمد عبده من مناصب التدريس في مدرستي دار العلوم والألسن وحددت إقامته بقرية" محلة نصر" .

وفى العام التالي 1880 استصدر رياض باشا ، ناظر النظار عفوا من الخديوي توفيق عن الإمام محمد عبده واستدعاه من قريته وعينه محررا في ( الوقائع المصرية) التي تولى رئاسة تحريرها في نفس العام.

وفى 1881 أنشئ المجلس ألأعلى للمعارف العمومية وعين الإمام عضوا فيه. وفى هذه الفترة أبعد عن الاشتغال عن الأفغاني وعمل بالصحافة والسياسة، ويشير د. محمد عمارة على أن ذلك ما ابرز اختلافه عن الأفغاني خاصة في رؤيته ووسيلته للنهضة بالشرق والشرقيين فيقول( فهو عندما يدرس لا يختلف عن الأفغاني على في درجة الميل على الفلسفة، ولكن عندما يعمل بالسياسة العليا والمباشرة يبدو الفرق بينهما واضحا.. فرق المصلح من الثوري).

انضم الحزب الوطني الحر إلى العرابيين واشترك في الثورة العرابية، وبعد هزيمتها سجن ثلاثة أشهر، نفى ثلاث سنوات قضى منها عاما في بيروت وانتقل على باريس بدعوى من أستاذه جمال الدين الأفغاني ، وهناك أصدر معه مجلة " العروة الوثقى" ثم عاد على بيروت مرة أخرى ودرس هناك وكتب في مجلة " ثمرات الفنون" البيروتية. وعاد على مصر بعد ست سنوات من المنفى في عام 1888 .

غير أن الوضع في مصر كان قد تغير بعد الاحتلال الانجليزي لها، وهو ما صرفه على محاولات التجديد الديني وإصلاح المؤسسات الدينية كالأزهر والأوقاف والمحاكم الشرعية.

وبعد وفاة الخديوي توفيق عام 1892 ومجيء الخديوي عباس عين الإمام محمد عبده في مجلس إدارة الأزهر وأوكل إليه تقديم تقرير عن الإصلاح المرجو من الأزهر.

وفى عام 1899 تولى منصب المفتى في مصر اختير عضوا في مجلس شورى القوانين، ومجلس الأوقاف والجمعية الخيرية الإسلامية حتى توفى عام 1905.

ويمكن قراءة فكر محمد عبده من خلال مرحلتين متباينتين ميزتا حياته، مرحلة النضال ضد الاستعمار الأوربي مشاركا الأفغاني دعوته للوحدة الإسلامية في مواجهة الخطر الأوربي، ومرحلة الدعوة لإصلاح المجتمع عن طريق تحسين التعليم وإصلاح التربية والثقافة الإسلامية.

- محمد عبده بين الحضارة الأوربية والنضال ضد الاستعمار الغربي

التقى محمد عبده بالأفغاني عام 1871 في القاهرة، وكان قد مضى على وجوده في الأزهر كطالب عامين وأعجبه تفسير الأفغاني للقرآن، وتأثر بشكل خاص بشروحه في الفلسفة وخاصة فلسفة ابن سينا، وعندما أنشئت دار العلوم عمل كمحاضر فيها واهتم بشكل خاص بإلقاء دروس مترجمة عن " جيزو" حول تاريخ المدنية الأوربية ومقدمة ابن خلدون التي نشرها الطهطاوي عام 1857 .

ويرى حوراني أن عبده مثل الطهطاوي والأفغاني، اهتم – كما هو واضح من اختياراته للكتب وللدروس التي يلقيها- بقضية نشوء المدنيات وانحطاطها.

عندما نظر محمد عبده إلى أوربا في تلك الفترة، كان خطرها الذي شعر به على يد الأفغاني وإلحاحه على تلك القضية، قد جعله يفكر فيما يبدو في أوربا الممتدة منذ الغزوات الصليبية ، وأوربا العقائد التي تغلغلت في جسد التشريع الإسلامى على يد الشيعة فهو حين يتحدث عنها نجد ذلك الاتساع في الرؤية الزمنية.

فيقول" لقد قام الغرب بهجوم مستمر على الشرق شاملا كل الناس والملوك وبالقوة العسكرية اتجهوا نحو قلب أراضى المسلمين مشتغلين بالحمية الدينية، ولكنهم بعد ذلك اتجهوا إلى تحكيم العقل وتقليص رجال الدين، واكتشفوا أن حرية الفكر واتساع المعرفة هي أسباب للإيمان وليس للعداء، وبإرادة الله اكتسبوا خبرة في هذه الثقافة الرقيقة وعادوا إلى ديارهم ممتلئين بما كسبوا منها".

نجد هنا الإشارة واضحة لمرحلة الحروب الصليبية، غير أن قول عبده بعودة هؤلاء إلى ديارهم ممتلئين بما كسب منها، تدعو للتوقف لحظة،فربما كان محمد عبده يقصد تنبيه الأوربيين على أن ما هم فيه الآن من تقدم في العلوم والصنائع والأخلاق هو نتاج ما تعلموه من المسلمين في مرحلة سابقة، ويؤكد ذلك المنحى قوله" أتى المنادون بحرية الفكر في أوربا بمذاهب ونظريات قريبة من مذهب الإسلام مع اختلاف واحد، وهو الإيمان برسالة محمد، لقد كانت هي نفس الديانة ولكن بدون اسم " محمد" فهي تختلف فقط في شكل العبادة وليس في معناها أو أي شيء آخر".

وهو هنا يوضح أن عقيدة التقدم عند أوربا والتي أوصلتها على طريق الازدهار هي نفس عقيدة الإسلام التي أخذتها أوربا دون مسماها الأصلي، وبذلك فإن القضية التي لم تضح عند الطهطاوي، وهى قضية صورة الإسلام في أوربا المسيحية، بدأت في البروز عند محمد عبده والأفغاني، ونرى هنا أن محمد عبده قد تحدث عن الغرب منذ الحروب الصليبية وذهب على ما ذهب إليه الطهطاوي حول فضل العرب على أوربا مع اختلاف تجربة كل منهما " الطهطاوي في باريس" ومحمد عبده وقراءته للتاريخ، فتلك الحجة تساق لسببين الأول لتحسين صورة الإسلام لدى أوربا المسيحية ، والثانية للفت نظر المسلمين على أهمية التقدم العلمي في أوربا حتى يأخذوا به، وكما ذهب الطهطاوي من قبل على تشبيه المفاهيم الأوربية عن الحرية والمساواة بما يماثلها في الثقافة الإسلامية، نحا محمد عبده نفس المنحى، فماثل بين بعض المفاهيم التقليدية في الفكر الإسلامية وبين الفكر الأوربي الحديث: ( إن المصلحة توازى المنفعة والشورى هي الديمقراطية البرلمانية ، ثم الإجماع هو الرأي العام).

ورغم ذلك كان محمد عبده يخشى تأثير أوربا القرن التاسع عشر والتي شنت هجوما شديدا على العقلية الميتافيزيقية ، ورأى أن نشر أفكار فلاسفة هذا العصر مثل " كونت" أشد خطرا من عدم نشرها على الإطلاق. ويقول حوراني أنه أدرك خطورة تقليد الشرقيين للأوربيين بدون فهم.

هكذا نجد محمد عبده يتخذ موقفا ممتدا لما بدأه الطهطاوي والأفغاني هذا الموقف المزدوج: الإعجاب بأوربا وأحيانا ببعض الفلسفات، ورفض بعضها الآخر، والتنفير منها في نفس الوقت، ولا ينسى محمد عبده تذكير الأوربيين بعالمية الإسلام " لقد أدرك الغزاة إذن طبيعة الإسلام وروحه أصبحت معروفة لكل طالب علم وعرفوا أن الإسلام صالح لكل مكان وزمان".

- النزعة السلفية عند محمد عبده

من أجل ذلك سار محمد عبده على نفس نهج الطهطاوي ومتفقا مع الأفغاني حول تغيير الشريعة بتغيير الزمن.. وكان ذلك مأزق آخر ميز توفيقية عبده رغم سلفيته التي صرح بها عندما حدد أهداف حركته في تحرير الفكر من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف.

واعتبار الدين ضمن موازين العقل البشرى فالمسلم الحقيقي في نظره هو من يستعمل عقله في شئون العالم والدين والمجتمع الأمثل وهو الذي يذعن لأوامر الله ويؤولها تأويلا عقليا في ضوء المصلحة العامة.

غير أن محمد عبده كان يرى خطورة تطبيق شرائع تخالف حال الأمة، فزعم إعجابه الشديد بأوربا، رأى أن القوانين المزروعة في غير أرضها لا تؤتى الثمر نفسه لا بل قد تفسد، كما كان حاصلا بالفعل آنذاك( يقصد القوانين التي أدخلها إسماعيل مع مجمل الإصلاحات التي عرفها عصره.

كان محمد عبده إذن يؤمن بتغيير الشريعة ولكن ليس إلى الحد الذي يضيعها أو يؤدى إلى أن تتحول الأمة على شرائع أمم غيرها. إن تلك الفكرة تدعو للتأمل فيما وراءها.

هل كان محمد عبده يتحدث عن الثقافة الإسلامية النقية أم الثقافة التي حمل عليها ورفضها رغم أنها ثقافة المسلمين؟.

واضح أن محمد عبده كان يفرق بين ما هو سائد وبين ما هو مفروض أن يكون، فهو يعرف الإسلام الواجب اتباعه بأنه إسلام سلف الأمة قبل ظهور الخلاف، وهو يستخدم لفظ السلفية هنا كما لاحظ " حوراني" بمعنى أعم للدلالة على التراث الرئيسي للإسلام السني في عهود ازدهاره.

فكبار علماء الكلام في القرنين الثالث والرباعي الهجري كالأشعري والبقلانى والبارودي هو أيضا من السلف الصالح.

أما محمد عمارة فيرى( أن الرجل كان صاحب نظرة " سلفية عقلية" تميز بها عن مواقف " السلفيين" الذين اكتفوا بالموقف " السلفي" أو عن " العقلانيين " الذين انطلقوا من منطلق العقل فقط لا غير).

ورغم إعلاء محمد عبده من قيمة العقل في تفسيره للشريعة، إلا أن رؤيته لشكل الحاكم لم تخرج عن رؤية مفكري العصور الوسطى ، فالحكومة المثالية عند محمد عبده هي تلك التي تحمكم بمقتضى القانون والشورى مع قيادة الشعب، وكان يماثل ذلك بالملكية الدستورية، ولكن كان يعتقد أن مصر ليست مؤهلة بعد لذلك، كما دعا لأن يكون هناك خليفة تحترمه الأمة، دون أن يحكمها ويكون له سلطة دينية وليست زمنية.

ويرى محمد البهي أن محمد عبده اقترب في تفسيره للقرآن والسنة من المعتزلة ولكن في نفس الوقت يراه غير مبتعدا عن الدين، وليست آراؤه في هذا الصدد تعنى إنشاء عقيدة مغايرة.

ويفسر محمد عمارة موقف الإمام محمد عبده من السلطة السياسية من خلال رؤيته لطبيعة الحاكم.

فيشير إلى أن الإمام يرى أن الحاكم " هو حاكم مدني من جميع الوجوه" وأن اختياره وعزله إنما هما أمران خاضعان لرأى البشر لا لحق الهي يتمتع به هذا الحاكم بحكم الإيمان، وهو يرى أن ( تقرير " مدنية" السلطة السياسية في المجتمع لاتتنافى بحال من الأحوال مع وجود " الشرع" إلى جانب " الدين" في الإسلام .

وانه من هذا المنطلق لا يجوز الخلط بين الخليفة عند المسلمين وبين الحاكم" الثيوقراطى" عند الغرب أي السلطان الالهى لأن ذلك عندهم يعنى أن ينفرد بتلقي الشريعة عند الله وله حق الأثرة بالتشريع وله فئ رقاب الناس حق الطاعة لا بالبيعة وما تقتضيه من العدل وحماية الحوزة، بل بمقتضى الإيمان) ويصل عمارة إلى أن محمد عبده لا ينفى وجود السلطان الديني والسلطة الدينية عن القيادة السياسية العليا للمجتمع فحسب، بل وينفى اعتراف الإسلام بها وإقراره لها بالنسبة لأية مؤسسة من المؤسسات التي تتولى " القضاء والإفتاء" أو قيادة " علماء الدين" ويستند على ما يقوله محمد عبده في هذا الصدد ( أن الإسلام لم يجعل لهؤلاء أدنى سلطة على العقائد وتقرير الأحكام وكل سلطة تناولها واحد من هؤلاء هي سلطة مدنية قدرها الشرع الإسلامى ولا يسوغ لواحد منهم أن يدعى حق السيطرة على إيمان أحد، أو عبادته لربه، أو ينازعه في طريقة نظره).

ويشير ادوارد موتيمور إلى أن محمد عبده رأى ضرورة وجود الخليفة ولكنه رأى أن تكو سلطته دينية وليست زمنية، أما عن الحكومة المثالية عند محمد عبده فهي تلك التي قال بها فقهاء القرون الوسطى والتي تدور حول الحاكم العادل الذي يحكم بمقتضى القانون والشورى مع قادة الشعب، وكان يماثل ذلك بالملكية الدستورية.

وإن كان قد اعتقد أن مصر لم تكن ممهدة لذلك بعد وإنها كانت في حاجة إلى فترة من الزمن لبث ونشر التعلم القومي. وهنا يشير إلى أنه قد يقبل ( في هذه المرحلة الانتقالية) بوجود حاكم " أتوقراطى" أو حتى اجنبى إذا ما كان يساعد في إتمام هذه العملية، وأن فكرته هنا كانت تتناقض تماما مع الأفغاني.

كان محمد عبده واثقا- فيما يبدو – أنه لا خوف من تجديد الشريعة، لأن التقدم الذي عرفته كان يشبه إلى حد كبير تفسير الشريعة الإسلامية تفسيرا عقليا فقد آمن أن العقل مصدر هدية والوحي مصدر هداية. وبلا شك كان محمد عبده مناصرا لنقل العلوم الأوربية المادية من طب وهندسة وغيرها.

حيث أنتلك القضية كانت قد حسمت بعد الإصلاحات التي ادخلها محمد على وإسماعيل ونشرهما للمدارس واهتمامهم بإرسال البعثات للتعليم في الخارج ولذلك نجد أنه قلما تحدث عن تلك القضية على اعتبار أنها محسومة، وإن كانت في سياق حديثه عن التجديد بشكل عام من منظور الدين، وهو يرى " أنه ليس مسموحا أن تجعل من الدين حاجزا يفصل بين روح الإنسان من معطيات الله في المعرفة والبحث في العالم المحيط طالما نعيش فيه، ومن يرى غير ذلك فإن الدين بريء منه".

ويرى حوراني أن محمد عبده لم يقصد( بتأكيده أن الإسلام صالح لأن يكون الأساس الخلقي لمجتمع حديث وتقدمي) القول بأن الإسلام يحبذ كل ما كان يعمل باسم التقدم، وبأن غاية العلماء الجدد ستكون مجرد إضفاء الشرعية على الأمر الواقع ولكنه قصد أن من شأن الإسلام أن يكون المسلمين من التمييز بين الصالح والطالح.

هكذا نجد محمد عبده سائر على خط رفيع يفصل بين هوتين، إما الجمود الكامل، وإما التحرر الكامل من سلطان الشريعة والدين، ويتساءل حوراني: هل فتح محمد عبده بدون قصد منه الباب لإغراق العقيدة ، والشريعة الإسلاميتين في لجة المبتكرات الحديثة.

لقد نوى إقامة جدار ضد العلمانية، فإذا به في الحقيقة يبنى جسرا تعبر العلمانية عليه لتحتل الموقع واحدا بعد الآخر، وليس من المصادقة أن يستخدم معتقداته فريق من أتباعه في سبيل إقامة علمانية كاملة.

كان محمد عبده أثناء انشغاله بمعالجة القضايا آنفة الذكر. منتبها تماما إلى خطورة الزحف الأوربي ضد تلك المخاطر، وانخرط مع الجناح المدني لحركة الضباط المصريين بقيادة عرابي مشكلين حركة مقاومة شعبية ضد التدخل الأجنبي في الشئون المصرية.

وقد كتب محمد عبده العديد من المقالات فى جريدة الأهرام عكست أفكار الأفغاني السياسية.

غير أن فشل حركة عرابي والقبض على محمد عبده وسجنه لبعض الوقت ثم نفيه من مصر، قد أدى إلى انكسار تماما، وعندما عاد عام 1888 بعد التوسط لدى الخديوي عين قاضيا فى المحاكم الأهلية التي أنشئت عام 1883 بموجب القوانين الوضعية الجديدة.

ويهمنا هنا أن نوضح أن محمد عبده- وكما أشرنا سابقا- كان يرى أوربا كتاريخ واحد ممتد ، فأطماعها فى الدول الإسلامية غير خافية منذ الغزوات الصليبية ، لذلك حاول أن ينفى تفوق الاستعمار على الدول الإسلامية( وهى الحجة التي غزت بها انجلترا مصر وفرضت عليها الاحتلال لتنظيم أمورها المالية والأمنية كما زعمت) .

ومن ثم فقد اشتبك مع المسيحية فى أكثر من موضع، ويمكن النظر على محمد عبده فى مقاومته للاستعمار القادم م، أوربا المسيحية.

فقد رأى محمد عبده أن العالم المسلم لا يمكنه خدمة الإسلام من كل وجه يقتضيه حال هذا العصر، إلا إذا كان متقنا للغة من لغات العلم الأوربية تمكنه من الاطلاع على ما كتب أهلها وأهله من مدح وذم.

معنى ذلك أن محمد عبده كانت تساوره الشكوك حول أهداف أوربا، فهي لا تخفى أطماعها فى العالم الإسلامى بدوافع حقد دفين بين الإسلام والمسيحية ، لذلك يرجو علماء المسلمين أن يطالعوا ما يكتب عن الإسلام مدحا وذما.

وقد زار عبده أوربا وعاش فى باريس لبعض الوقت وربما حضر تلك المجادلات حول مسئولية الإسلام عن تخلف شعوبه مما ترك أثر زاد من شكوكه حول أهداف انجلترا وأوربا من غزواتها تطابقت فى ذهنه مع الغزوات الصليبية، فهو مثلا عندما تحاور مع " فرح أنطون" حول الأفكار التي جاءت فى كتاب الأخير عن ابن رشد ناقش عبده على وجه الخصوص الفكرة التي جاءت فى كتاب انطون والقائلة بأن الإسلام قضى على الروح الفلسفية، ويقول حوراني أن عبده فهم قصد فرح من ذلك : أن المسيحية لم تفعل ذلك بالمقابل وجاء رده كالتالي:

" أن المسيحية غير متساهلة بطبيعتها وهى عدو التفسير العقلي والبحث الحر، وبأن المدنية الغربية الحديثة لا علاقة لها بالمسيحية، إذ أن هذه المدنية لم تقم إلا بعد أن رفض مفكروا أوربا وعلماؤها تعاليم المسيحية وأخذوا بمبدأ المادية بديلا، أما الإسلام فهو دين عقلي يسمح للمسلمين بأن يقتبسوا علوم العالم الحديث بدون اعتناق المذهب المادي أو الخروج على دينهم.

هكذا نرى محمد عبده رغم استنارته وإيمانه بوجوب قيام علاقات طيبة بين أبناء الأديان المختلفة، لم يستطيع أن ينسى ما كتبته أوربا عن الإسلام وما أشاعته عنه خاصة فى كتابات المستشرقين.

ورد ذلك إلى تلك الأحقاد القديمة التي قات منذ وقت طويل. والسبب الذي يدعونا للإلحاح على هذه النقطة أنها ما زالت مثارة عند كثير من الدعاة الدينيين المعاصرين.

- محمد عبده ومرحلة الدعوة للإصلاح ما بعد 1882

رأينا أن محمد عبده خاض فى المرحلة السابقة معركتين متوازيتين ضد الاستعمار العسكري الأوربي المتمثل فى انجلترا وفرنسا، ومعركة أخرى مع ما وفد من أوربا من أفكار وفلسفات ، إلا أن هزيمة العرابيين عام 1882 تركت فى نفس محمد عبده أثرا بالغ السوء عبر عنها محاميه الذي أرسله بلنت للدفاع عن قيادة حركة 1882 قائلا:

" أن عظمة محمد عبده الفكرية قد حجبتها لفترة ما، غيوم الضعف المعنوي والجسدي. فقد بدأ عقله وجسده وكأنه ردة الفعل المتولدة عن الآمال الخائبة ونزاع اليأس قد حطمتها تحطيما لم يبق معه أي أمل فى الشفاء.

خرج محمد عبده من السجن إلى المنفى فى بيروت، وفى مارس 1883 أرسل إلى الأفغاني رسالة فى باريس يوضح له موقفه من الثورة العرابية وينفى تراجعه عن مبادئ الأفغاني.

وقد التقى محمد عبده والأفغاني فى باريس أواخر عام 1883، واصدرا سويا جريدة العروة الوثقى" التي ظلت تهاجم الاحتلال الانجليزي لمصر وتعيد التنبيه على خطورة أوربا على العالم الإسلامى.

غير أنها توقفت عن الصدور فى أكتوبر 1884، وسافر بعدها محمد عبده بالاتفاق مع الأفغاني إلى تونس لمحاولة الحصول على تمويل لإعادة إصدارها.

غير أن مساعيه قد فشلت فغادرها على بيروت ومكث بها حتى عام 188 عندما وافق الخديوي على عودته من المنفى ليبدأ كفاحه فى حركة الإصلاح الديني .

ومنذ عودته على مصر ركز عبده على الإصلاح فى شتى صوره خاصة إصلاح التعليم فهاجم الازدواجية فى نظام التعليم على أساس انقسامه إلى المدارس الدينية وعلى رئسها الأزهر والمدارس العصرية على الطراز الأوربي التي أنشأتها الإرساليات والحكومة وكان كلا من النظامين يقدم مضمونا للتعليم منفصل عن الآخر. فالأولى ، يسودها الجمود والتقليدية الشديدة التي تبتعد عن روح العصر. والأخرى، تفتقد على الجانب الديني.

وفى هذا الإطار دعي إلى تطوير التعليم الأزهري حتى يخلق أرضية وسط تجمع بين النوعين.

ويعلق حوراني على ذلك بقوله أن هذه الازدواجية أدت إلى خلق طبقتين من المثقفين فى مصر لكل منهما عقليتهما الخاصة: العقلية الإسلامية التقليدية المقاومة لكل تغيير ، وعقلية الأجيال الصاعدة المرحبة بكل جديد وكل وافد من أوربا الحديثة.

وفى عام 1899 عين محمد عبده مفتيا لمصر ، واستغل منصبه الرسمي فى تمرير إصلاحات ذات طابع جذري ، ففي عام 1903 أصدر فتوى بإباحة فوائد البنوك، وحق المسلمين فى تقاضى أرباح عن ودائعهم.

كذلك أصدر فتوى على صورة مقولة شهيرة فى مواجهة التيارات المتشددة .. علمت أن ليس فى الإسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير والتنفير من الشر.

وبصدد مواصلة مسيرته الإصلاحية ساعد عبده فى تأسيس جمعية خيرية إسلامية كان هدفها إنشاء المدارس الخاصة، وفى عام 1895 اقتنع الخديوي بإنشاء مجلس إداري للأزهر. وبقى لمدة عشر سنوات أبرز عضو في وحقق بواسطته بعض الإصلاحات فى النظام التعليمي بالأزهر.

وبهذا يمكن القول أن الاهتمام الأساسي لمحمد عبده انصب على التعليم والتشريع وهو ما جعله أقرب إلى شخصية المصلح من الثوري الذي جسدها الأفغاني.

وقد عكس نشاطه العملي بعد عودته على مصر هذا الاتجاه حيث استغل المناصب التي تقلدها فى نشر أفكاره الإصلاحية. خاصة من خلال القانون حيث عمل على إيجاد نوع من التواؤم والتنسيق بين القوانين الغربية الحديثة وبين الشريعة الإسلامية .

وقد سمح له منصبه كقاضي فى المحاكم الشرعية ثم مفتيا، الاقتراب من تحقيق هدفه وهو الاقتراب من الشريعة اقترابا تحديثيا لخلق نظام حديث وموحد للقانون الإسلامى.

فى هذا الإطار عمل على توسيع مفهوم " المصلحة" حتى يسمح للقاضي الاجتهاد فى الأمور التي لم توجد مباشرة فى القرآن والسنة، وان يختار ما يراه ملائما مع مصلحة الإنسان.

وقد أصبح هذا المبدأ عند محمد عبده قانونا لاستخراج قوانين خاصة من المبادئ العامة للأخلاق الاجتماعية، ونفس الشيء يسرى على موقفه من المذاهب الشرعية الأربعة حيث اعتمد على مبدأ " التوفيق " بحيث يسمح للقضاة باختيار التفسير الملائم بين التفسيرات التي تقدمها مدارس القانون الأخرى وفق الحالة المعروضة.

ووسع من هذا المبدأ عن طريق عمل مقارنه منهجية للمذاهب التقليدية الأربعة. واستطاع محمد عبده بالفعل أن يمضى فى خطوات متقدمة فى هذا المجال أثناء حياته وأن يكون لمدرسته التشريعية أثر هام سواء فى مصر أو العالم العربي.

والملاحظ أن محمد عبده قد تراجع تماما عن كثير من أفكاره التي قال بها فى الفترة السابقة على احتلال مصر عام 1882 فانتقد عرابي قاطع الأفغاني ، حتى أنه لم يكتب كلمة رثاء واحدة فيه عندما مات عام 1897 ، كما حنق على "محمد على" وتجربته التحديثية، ورأى أنها أضرت بمصر أكثر ما نفعتها.

ويذكر حوراني، أن محمد عبده أعرب عن رأيه فى عرابي قائلا" أنه لم يخطر بباله أن يطلب إصلاح حكومة أو تعيين رئيسها، ولكن كان حانقا على الضباط الشراكسة الذين كانوا يسدون الطريق على تقدم الضباط المصريين. نعم لقد تكونت لديه فكرة دعوة البرلمان للحد من سلطة الحاكم المطلقة إلا أن هذه الفكرة لم تكن سوى فكرة غامضة استقاها من الصحف والترجمات الأوربية.

فأفكاره فى مجال السياسة كانت سريعة التقلب خاصة فى لحظات الأزمة، ففي عام 1881 كان محمد عبده يدافع عن وزارة رياض باشا وبلغ من حماسه أنه صور رياض باشا على أنه منقذ مصر ورأى فيه صورة المستبد العادل فى الشرق والتي يمكن لحكومته أن تعلم الأمة فى خمسة عشر عاما ما لا يمك أن تتعلمه فى خمسة عشر قرنا. فيدرب الشعب على الحكم المحلى ليدعوه للحياة النيابية.

هكذا نرى عبده قبل ثورة عرابي بعام مع المستبد العادل ومفضلا تأجيل الحكم البرلماني حتى يأخذ الشعب قسطا من الوعي يمكنه من حكم نفسه بنفسه، ونراه بعد عام واحد مع العرابيين فى المطالب الدستورية.. ثم منقلبا عليهم فى أخريات حياته.

أما عن تجربة محمد على فيذكر حوراني " أن محمد عبده كتب مقالا بمناسبة الذكرى المئوية لاعتلاء محمد على عرش مصر فقال( أنه لم يستطيع أن يحيى ولكنه استطاع أن يميت.

فهاجم سياسة مصادرات الأرض التي انتهجها محمد على لأنه سحق رؤساء البيوت الرقيقة والكرام ورفع الأسافل فى البلاد والقرى) وهاجم منحة الامتيازات للأجانب ورآه مسلما بالاسم فقط ولم يقم بأي عمل من أجل الدين".

4- تقييم دور الأفغاني ومحمد عبده

رغم وصف الباحثين محاولة الأفغاني وعبده للرد على التحدي الحضاري الغربي بأنها أكثر الردود راديكالية . إلا أن هذه الراديكالية تظل محدودة بضراوة المحافظة على الثقافة الإسلامية التقليدية إذ أن جمال الدين الأفغاني رغم إيمانه بأهمية إجراء بعث حضارة جديدة( وهو ما يحسب على الوقف الراديكالي) إلا أنه لم يكن مستعدا للذهاب فى راديكاليته إلى درجة تجعله يأخذ بالفكر العلمي الحديث برمته، وهذا ما يمكن ملاحظته فى كتابه الشهير " ا لرد على الدهريين " حيث يحارب الأفغاني الفكر المادي العلمي العقلاني.

وبالتالي يمكن تقييم جهود الأفغاني بأنها كانت محاولة للوصول إلى حل وسط بين الثقافة التقليدية وبين الثقافة العلمية الحديثة. ويسرى نفس التقييم على محمد عبده أيضا.

ويؤكد بسام طيبي نفس المعنى بقوله أنه ( يمكن تسمية محاولة الاثنين بمحاولة إيجاد تركيب حضاري يحتوى على لحظات من الثقافة القديمة وينفتح على الثقافة العلمية الحديثة).

بهذا المعنى كان جمال الدين الأفغاني تقدميا إذا قورنت حركته بالاتجاهات المحافظة الأخرى مثل الحركة الوهابية. فيقول د. البهي ( إن الأفغاني يضع أمام سامعيه منظروا من الحياة يريد أن يصل إليه المسلمون.

ولكن عن طريق التمسك بإسلامهم. بينما كان المثل الذي ينشده محمد بن عبد الوهاب يعيش فى تاريخ الماضي أي حال المسلمين الأوائل..".

ففي كتابه " الخاطرات" كتب الأفغاني يقول " باستطاعتنا نحن المسلمين أن نبنى نهضتنا وحضارتنا فقط بالاعتماد على ديننا وقرآننا، هذا هو الطريق الوحيد لقهر تخلفنا ، أما فى حالتنا الحاضرة، فحتى الأشياء الجديدة( اى التكيف مع الحضارة الحديثة) ليست إلا برهانا على دونيتنا وتآكلنا ، إننا نصبح متحضرين بتقليدنا للأوربيين.. وبعملنا هذا يفقد الإسلام سمته الجوهرية التي هي السيطرة والتفوق".

وبهذا يتضح أن الفرق بين " الوهابيين" الراغبين فى العودة إلى الإسلام الأول، وبين الأفغاني يكمن فى أن الأوائل يحتقرون كل انجازات الحضارة ويعتبرونها بدعة ويشجعون القيم القبلية، بينما يعتب الأفغاني أن الإصلاح هو الطريق إلى الإسلام الصحيح، والملفت للنظر أن الافغانى اعتبر إصلاح مارتن لوثر نموذجا للتجديد الديني. وهو ما أكده ألبرت حوراني عندما أشار إلى أن الأفغاني اعتقد بأن " الإسلام بحاجة إلى لوثر.. وربما رأى نفسه فى هذا الدور".

وبالتالي فإن مجرد حديث الأفغاني عن إصلاح الثقافة التقليدية كان لابد وأن يعد موقفا تقدميا فى ذلك الوقت بالقياس على الحركات المحافظة المتشبثة كليا بالثقافة التقليدية والرافضة لأي فكرة لإصلاحها، لدرجة جعلت هذه الحركات تتهم الأفغاني بالإلحاد والماسونية وغير ذلك من التهم التي قد بها تحطيم فكرة التجديد.

ويتفق مع هذا الرأي د. قدري قلعجى الذي يعتبر أن الافغانى ( بدعوته إلى تأويل الدين وتفسيره بما يطابق ضرورات العصر الحاضر وروح المدنية الحديثة إنما يدعو إلى الاجتهاد البصير وينفر من التقليد الأعمى أو التمسك الحرفي بكل ما قاله المفسرون).

ولكن رغم هذه الراديكالية فهناك لحظات تبدو محافظة جدا فى فكر الأفغاني وتبدو متعارضة مع إرادته التجديدية ورغبته فى فتح مستقبل جديد للشرق عن طريق التجديد الثقافي، فالأفغاني بقدر ما يطالب بالأخذ بالعلم الحديث فو يرفض تعليم الفلسفة المادية العقلانية ويرفض فكر فولتير وروسو.

( أما محمد عبده فقد كان تشابه فكره مع الأفغاني كبير، إلا أنه كان أكثر انفتاحا على الفكر العقلاني، فقد درس نظرية ابن خلدون.

ويشير د. عثمان أمين إلى تأثر محمد عبده بها وكذلك بالفلسفة الإسلامية العقلانية خاصة لابن سينا).

فى النهاية تظل الفكرة الرئيسية عند محمد عبده هي ربط الثقافة التقليدية بالعلم عن طريق خلق صيغة توفيقية بين العلم والدين دون تجاوز حدود الفكر التقليدي من أجل التجديد الثقافي، ولعل ذلك ما جعل البعض يحكم عليها بالمحدودية.

المبحث الخامس:محمد رشيد رضا والتمسك بالخلافة

ولد بقرية القلمون فى طرابلس فى الشام عام 1865، دخل "المدرسة الوطنية الإسلامية" فى طرابلس ، حيث درس بالإضافة إلى العلوم الحديثة من منطق ورياضيات وطبيعة، وتتلمذ على يد عدد من العلماء والأدباء من ضمنهم الشيخ حسين الجسر. وال رشيد رضا إلى الصوفية ، فدرس مؤلفات كبار المتصوفة فى الإسلام كالحلاج وبن عربي، وأصبح لفترة قصيرة من أتباع الطريقة النقشبندية ، ثم ما لبث أن انقلب على الطرق الصوفية.

وقد التقى بالشيخ محمد عبده فى طرابلس عام 1894 ثم جاء على مصر عام 1897 واتصل بمحمد عبده من جديد، واصدر فى العام التالي مجلة "المنار" التي حلت محل "العروة الوثقى" فى الدعوة إلى التجديد الديني وإلى الجامعة الإسلامية . وظلت المنار تصدر حتى وفاته عام 1935.

وإلى جانب إصدار المنار ألف محمد رشيد رضا مجموعة من الكتب تبرز اتجاهاته فى الإصلاح الديني والسياسي والاجتماعي وهى : تفسير القرآن الكريم المشهور بتفسير المنار ، التفسير المختصر المفيد، تاريخ الأستاذ الإمام محمد عبده وهو ثلاثة أجزاء، نداء للجنس اللطيف، الوحي المحمدي، المنار والأزهر، ترجمة القرآن وما فيها من المفاسد، ذكرى المولد النوى ، الوحدة الإسلامية، يسر الإسلام وأصول التشريع العام، الخلافة أو الإمامة العظمى، الوهابيون والحجاز، مناسك الحج وأحكامه وحكمه، المسلمون والقبط، رسالة فى الصلب والفداء.

وكان رشيد رضا قد عاصر فى شبابه المبكر هزيمة العرابيين فى مصر، وانتكاس حركة الأفغاني وعبده، وكان معجبا- وظل كذلك حتى آخر حياته- بنهج محمد عبده فى إحياء السلفية وإن اختلفت عنده عنها عند محمد عبده، فقد قصرها على العهد الأول،عهد خلفاء الرسول الأربعة حسب إقرار المذهب السني وأن الإجماع الوحيد المقبول هو إجماع هذا الجيل.

وتكاد آراء رضا تتطابق مع محمد عبده، فهو يرجع ضعف وتأخر المسلمين إلى ابتعادهم عن دينهم، كما أنهم سمحوا كذلك للغرب باستخدام مبادئ هي من صميم الدين الإسلامى ( الاجتهاد) فتقدموا وعلى المسلمين أن يرجعوا إلى الإسلام الحقيقي الذي كان عليه النبي والأسلاف.

وفى موضع آخر نراه يقول أن الأوربيين تمكنوا من اكتساح العالم بفضل حيويتهم التي استعاضوا بها عن دينهم اللادنيوى ، وركزوا على مبدأ الوطنية. أما المسلمين فبوسعهم أن يجدوا مبدأ الوحدة والولاء هذا فى دينهم نفسه .

وعلى نهج عبده رأى أن هناك فكرة خاطئة. تقول بأن الإسلام بطبعه لا يمكن أن يواجه التعقيدات المتزايدة للحياة الجديدة، ولهذا يضطر المسلمون إلى اللجوء للقوانين الأجنبية.

وفى المقابل سعى رضا لكشف الإمكانيات التطورية الكامنة فى الدين الإسلامى وكان ذلك هو الجانب الوحيد الذي بدا فيه مستنيرا يسير فيه على غرار عبده فى بعضه وليس كله. فقد أباح تقاضى فوائد عن الإيداعات فى البنوك، متابعا نهج عبده، وابن القيم الجوزية .

أما النواحي الأكثر حيوية مثل آرائه فى الحكومة والمجتمع الجديد، فقد تحدث عنها بلهجة مغايرة، فهو يرى أن الحكومة المدنية لا يمكن لها أن تؤدى وظيفتها أو أن تستقر دون تقنين ( تشريع) ويقصد بذلك استنباط الأحكام من الشريعة وهو لا يفتأ أن يؤكد أنروح هذه الأحكام من الشريعة وجوهرها هي قابليتها للتطبيق طبقا لاحتياجات كل زمان ومكان، والخصائص الدينية والسياسية لكل أمة، والمعيار النهائي الذي يجب أن يوزن به هذا النوع من القوانين فى كل حال هو الشريعة.

وقد خالف رضا الشيخ على عبد الرازق بعد صدور كتابه الإسلام وأصول الحكم فيما يتعلق بالفكر العلماني، فقد دعا رضا دائما إلى حكومة إسلامية وحديثة فى نفس الوقت( فالعلماء الأكفاء يجب أن يتعاونوا مع الخليفة ولكن ليس واضحا إذا كان رضا يعتب أن الخليفة له سلطة زمنية، ولكنه أكد على سلطته العليا فى الاجتهاد بمشورة العلماء.

وربما لأن القضية الأساسية لدى رضا كانت قضية زوال الخلافة الإسلامية بعد إعلان علمنة تركيا على يد أتاتورك عام 1926 فقد ركز جهوده على محتوى الحكومة الإسلامية والموقف من الشريعة.

ويرى عنايت أن رشيد رضا صب اهتمامه على بيان شرعية الخلافة ووجوبها وشرح كيفية خلقها والحفاظ عليها، أما علاقته كمجدد بالفكر الغربي سلبا أو إيجابا فلم تتضح إلا فى بعض الآراء والاستشهادات القليلة للتخديم على أفكاره الرئيسية حول فتح باب الاجتهاد والبيان الشرعي للخلافة.

وقد صرف رشيد رضا أخيرات أيامه حتى وفاته عام 1935 فى استكمال شرح القرآن بمنهج محمد عبده وحضر المؤتمرين الإسلاميين المنعقدين: الأول فى مكة 1926 والثاني فى القدس عام 1931 حول مسألة الخلافة. فكان اشد منتقدي على عبد الرازق وطه حسين كما هاجم محمد على وتجربته كما فعل محمد عبده فى أيامه الأخيرة.

إن ذلك العرض الموجز يوحى أن ظروف العصر الذي شهد أوج نشاط رشيد رضا كانت مختلفة بعض الشيء عن محمد عبده والأفغاني، فقد عاصر فى صدر شبابه هزيمة المسلمين على يد انجلترا واحتلال مصر وتوسيع الدول الأوربية وإعلانها الحماية على معظم أرجاء الإمبراطورية العثمانية، ثم انهيار الخلافة رسميا عام 1924 .

وربما تبرر تلك الخلفية تشدد رضا وتحفظه فقد بدأت فى مصر حقبة جديدة بعد إعلان استقلال مصر الرسمي عام 1923 هي الحقبة الليبرالية وتراجعت مكانة الأزهر بعض الشيء ومعها مكانة العلماء المحافظين، وبدا لرشيد رضا أن ما كان يخشاه عبده والأفغاني قد حدث بالفعل، وأن الخطر قد حاق بالعقيدة الإسلامية بعد أن ظهر تيار العلمانية قويا، وقاد حركة الكفاح الوطني وأدخل معها مفاهيم أوربا العلمانية التي تبدت فى فكر لطفي السيد وسعد زغلول وطه حسين وعلى عبد الرازق، لقد شهد رضا لأول مرة الهجوم على الأزهر حتى من داخل أروقته على يد أبنائه.. لذلك كان حرصه على التمسك بالشريعة الإسلامية وتشدده فى تعريف السلف، بداية مرحلة جديدة انتقل فيها الصراع بين القديم والحديث من صورته القديمة إلى صورة جديدة لخصت فى صراع أبناء الأمة الواحدة حول فكر أوربا كما تنبأ محمد عبده من قبل.

فانقسمت الصفوة بين مؤيدين للعلمانية وبين رافضي لها، وأفرزت تلك المرحلة معارك فكرية كبيرة، وإن تمخضت فى النهاية عن هزيمة التيار الليبرالي والتمهيد لظهور تيار آخر هو تيار الإخوان المسلمين الذي عبر عن نوع جديد من الصراع عاشته مصر حتى عام 1952 وما بعدها.

خاتمة

الإصلاح الديني والليبرالية

عكست الحركة الإصلاحية التي قادها رفاعة الطهطاوي ومن بعده الأفغاني ومحمد عبده وبدرجة ما رشيد رضا، المحاولة العربية الإسلامية الأولى لمواجهة التحدي الغربي بشقيه الحضاري والسياسي .

وقد تجاوزت هذه الحركة البداية التي مثلها الطهطاوي وقطعت خطوة أكثر تقدما فى المفاهيم التي طرحتها وعالجتها، كما وضعت – فى حدود معينة- الأسس التي يمكن أن يصاغ عليها مشروع سياسي يحقق نهضة المجتمع الإسلامى، وربما رجع ذلك إلى طبيعة الظروف التاريخية التي مرت بها، فقد عكست فى البداية الانهيار بالغرب، وهذه النظرة التي فرضتها عملية الاحتكاك المباشر بالحضارة الغربية فى ظل وضع متدهور للخلافة العثمانية التي كانت تشكل بدورها تحديا أكبر أمام النهضة الإسلامية.

ومن هنا قدم الطهطاوي إسهاما متميزا فى مجال الحديث عن " الديمقراطية الليبرالية" وفى مجال التحديث الفكري.

أما جمال الدين الأفغاني فقد بدأ يدخل أبعادا ثورية على الحركة الإصلاحية فى مواجهة واقع الاستعمار الغربي للشعوب العربية والإسلامية والذي لعب الدور الأول فى تشكيل وعيه السياسي.

وكان من الطبيعي أن تختلف معه النظرة إلى الغرب فتختلط فيها بشكل يكاد يكون متساو مشاعر الحب والكراهية إزاء حضارة متفوقة تظهر تحديها ليس فقط حضاريا وإنما أيضا عسكريا.

وبدأ الوعي بالذاتية الإسلامية يزداد مع الأفغاني كنوع من الرد الدفاعي على الغزو الاستعماري الغربي. وشهدت الحركة الإصلاحية منعطفا جدديا اختلطت فيه السياسة بالدين وأضحى الإسلام عنصرا هاما بل وأساسيا فى مقاومة الاستعمار الأوربي ويشكل فى ذاته نوعا من أنواع الحماية للذات العربية والإسلامية.

ومع محمد عبده الذي عاش واقع الاحتلال الانجليزي لمصر ازداد المنحى الأصولي فى الحركة الإصلاحية مع زيادة حجم التحدي الغربي وزيادة خطره المباشر على المجتمع الإسلامى، وظهر ذلك من خلال النزعة السلفية عند الشيخ محمد عبده والرغبة فى العودة إلى المنابع الأولى للإسلام فى محاولة لبعث الصورة النقية له، ولمحو ما استقر فى الذاكرة الغربية من أفكار سلبية عن الدين الإسلامى.

وهى المهمة التي بدأها الأفغاني بالدفاع عن الإسلام والحضارة الإسلامية فى مواجهة آراء المستشرقين ، وقد دخل لهذا السبب فى جدل مع أرنست رينان- وكان أستاذا فى جامعة السوريون- بعد إلقائه محاضرة عام 1833 بعنوان " الإسلام والعلم" يلقى فيها باللوم على الدين الإسلامى باعتباره أحد أسباب تخلف المسلمين ،والتي تقف وراء انغلاقهم الفكري، ومن ثم جمود المجتمعات الإسلامية.

هذا التوجه الدفاعي أخذ صورة أكثر سلفية عند محمد عبده حيث زاد اهتمامه بضرورة تطهير الإسلام مما أصابه من بدع وشوائب لم تكن فيه. وفى هذا الإطار نادي محمد عبده بالإصلاح وليس الثورة وأعطى الأولوية الأولى للتعليم وليس للتغيير السياسي والاجتماعي.

أي رأى البدء بالفرد وليس المجتمع. وبالداخل قبل الخارج ، أي إصلاح اللغة ، والمؤسسات، والسلطة السياسية.

ومثلت مرحلة رشيد رضا الذي عاصر إلغاء الخلافة العثمانية على يد أتاتورك فى تركيا، بداية تراجع الحركة الإصلاحية التحديثية لصالح الفكر السلفي، فقد تركزت جهود رضا الأساسية حول، إعادة تفسير القرآن وتطهير الدين من البدع والعودة إلى الأصول ، أي الدفاع عن الإسلام ضد كل منتقديه ورفض كل أنواع الإصلاح ذات التوجه العلماني كما ظهر منذ تيار التنظيمات التركي.

هذا النزعة السلفية هي التي صبغت الحركة الإسلامية بعد ذلك خاصة بعد تحولها من مجال العمل الفكري إلى مجال العمل السياسي المباشر على يد جماعة الإخوان المسلمين التي أسسها حسن البنا فى لعشرينات من القرن، والذي كان تلميذا لرشيد رضا متأثرا به.

وما يهمنا إبرازه أن التحدي الذي واجهته الحركة الإصلاحية فى بدايتها، لم يعد قاصرا على مواجهة الحضارة الغربية، وإنما أصبح الخطر على الإسلام بعد زوال الخلافة الإسلامية يشكل تحديا أكبر أمام رموز الحركة، وساهم فى توجيه مسارها توجها آخر.

هذا الخلاصة توضح التمايزات والتحولات التي مرت بها الحركة الإصلاحية من خلال رموزها المختلفة والتي ارتبطت إلى حد كبير بالسياق التاريخي والسياسي الذي حدد كل مرحلة على حدة.

والملاحظ أن هذه الحركة قد أخذت منحة ناحية التحديث فى بدايتها ثم أخذ هذا المنحى المباشر للمجتمعات الإسلامية عن طريق الاستعمار، فضلا عن إلغاء الخلافة العثمانية.

1- أثر الحركة الإصلاحية فى نمو المدرسة الليبرالية فى مصر

وضعت حركة الإصلاح الفكري الأساس الذي قام عليه المدرسة الليبرالية فى بداية لقرن الحالي والتي تعتبر امتدادا لخط الطهطاوي ومحمد عبده، إذ حاولت هذه المدرسة تطوير المفاهيم الليبرالية الحديثة وتبنيها دون مساس بجوهر العقيدة أو الدين. أو كما تشير عفاف لطفي السيد( أن هذه المدرسة حاولت تطوير العقيدة فى صياغات أكثر عصرية، ورأت ضرورة المواءمة بين الأساليب العصرية والمتطلبات المحلية، وكان ذلك يعنى تبنى الدعوة من أجل حكومة علمانية تعمل فى إطار إسلام عصري).

وقد جسد الفكر الليبرالي ومفكروا فترة العشرينات ممن تأثروا بمحمد عبده والأفكار الغربية عن التنوير والليبرالية ، وكان أحمد لطفي السيد أبرز رموز هذه المدرسة وهو مؤسس حزب الأمة ( أول حزب رسمي فى مصر منذ عام 1882) وصاحب الجريدة التي صدر عددها الأول فى 1907.

لقد كان خط أحمد لطفي السيد – كما تشير عفاف لطفي- يمزج بين المبادئ الإسلامية والفلسفة الإغريقية وأفكار التنوير الفرنسية والليبرالية والبريطانية.

هذا التوليفة الفكرية جعلت أحمد لطفي السيد " يرتكز فى الأساس على مجموعة من الأسس والمبادئ التي جسدت الخط الفكري الذي يمثله والذي كان يجسد فى مجمله الليبرالية المصرية فى العقود الأولى من القرن العشرين.

هذه الأسس هي إقامة حكومة ذات طابع علماني تعتمد على مبادئ المنفعة، تفسير القرآن فى إطار العلاقة بين الإنسان وربه وتحديد ملامح السلوك الفردي، وأخيرا ترسيخ فكرة القومية المصرية.

وتجدر الإشارة إلى أنه عندما تم تشكيل حزب الأمة لم يكن المقصود بالتسمية الأمة بالمفهوم الإسلامى وإنما الأمة المصرية المكونة من المسيحيين واليهود والمسلمين الذين يجمعهم سويا ليس القانون وإنما الرابطة الطبيعية الناشئة عن العيش فى مكان مشترك، وبالتالي كما يشير أحمد لطفي السيد فإن الإسلام ليس هو أساس القومية.

هذه المزاوجة بين القيم الإسلامية والغربية عبر عنها أحمد لطفي السيد فى الجريدة فى عددها 23/9/1908 بقوله".. إن المبادئ الجوهرية الجديدة يجب أن تدخل فلسفتنا الشرقية لأنه إذا كان صحيحا أن المعرفة ليس لها وطن فإن تزاوج علوم الشرق والغرب مع ذلك هو الوسيلة لاكتسابنا الحضارة بينما فى الوقت نفسه نحافظ بلا مساس على طابعنا السلوكي الخاص بنا.."

وعلى مستوى الزعامة السياسية شهدت نفس الفترة أهم زعيم سياسي مصري ربيب لنفس المدرسة ومن تلامذة محمد عبده هو سعد زغلول الذي حاول تطبيق أفكاره عن المنفعة فى محاولة لإضفاء طابع علماني على الحكم وتأسيس مدرسة فى القانون تفسر أحكام الشريعة تفسيرا حديثا.

كما أعطى اهت؅اما كبيرا لترجمة الأفكار القومية وتحويلها إلى واقع ملموس. وتمثلت هذه الجهود فى النهاية فى تأسيس حزب الوفد الذي قام على الأفكار الليبرالية العلمانية.

وقد أفرزت الحقبة الليبرالية جهودا أخرى لعلماء دين مجددين طوروا أفكار الأفغاني وعبده فعبرت عن مرحلة الانتقال من الخلافة إلى القومية المصرية العلمانية ، كان على رأسهم على عبد الرازق ( 1888-1966) وعمله الشهير الإسلام وأصول الحكم.

2- على عبد الرازق ( 1888-1966)

فقد امتد الخط العلماني فى التفكير عند الجيل اللاحق من أتباع محمد عبده عن طريق الشيخ " على عبد الرازق" الذي اصدر كتابه "الإسلام وأصول الحكم" فى 1925 بعد إلغاء الخلافة على يد أتاتورك فى تركيا عام 1924.

إذ حاول أن يثبت ( أن الإسلام لم يتورط فى وضع أي نظام خاص للمبادئ السياسية) ومن هذا المنطلق ناقش قضية الخلافة ليثبت أن مفهوم الخلافة قد أسيء فهمه، فالنبي لم يكن له خليفة على أساس أن السلطة المستمدة من الله التي كان يتمتع بها النبي قد انتهت بوفاته، وأن جميع الخلفاء الآخرين كانوا حكاما سياسيين وليسوا حكاما روحانيين أو دينيين ( .. فالإسلام بريء من مؤسسة الخلافة كما فهمها عامة المسلمين) وأن الدين لا علاقة له بالشكل الذي تتخذه حكومة وأخرى وليس هناك ما يمنع المسلمين من إلغاء نظامهم السياسي القديم وبناء جديد على قواعد وأسس أفضل تنبع من تجربة الأمم.

فى هذا الإطار ناقش الشيخ على عبد الرازق مسألة ولاية الرسول ليؤكد على أن هذه الولاية لم تكن ولاية دنيوية – وفقا لما جاء بالقرآن والسنة- وإنما كانت ولاية دينية لأنها عبرت عن ولاية الرسول على أتباعه والمؤمنين برسالته ولم يكن لها علاقة بوجه عام بالملك أو الولاية الدنيوية، ومن هنا خلت حياة الرسول كما يشير الشيخ عبد الرازق من مظاهر الحكومة السياسية، واتساقا مع هذا الرأي وصف الوحدة الإسلامية التي تحققت فى عهد الرسول والتي شكلت الأمة الإسلامية بأنها كانت وحدة روحية من المسلمين الذين لبوا نداء الإسلام واحتشدوا تحت رايته رغم انتمائهم إلى شعوب وقبائل مختلفة وخضوعهم بالتالي لأنظمة سياسية متباينة .

ويصل عبد الرازق من ذلك إلى أن الوحدة التي نشأت فى زمن الرسول لم تكن بأي حال وحدة سياسية لأنها اعتمدت على وحدة الإيمان والعقيدة.

واستند الشيخ عبد الرازق فى إثبات رأيه على عدة حجج منها سيرة الرسل ذاتها التي لم ير فيها أي محاولة للتدخل من أجل تغيير الاتجاهات السياسية للأمم المختلفة أو لطريقة حكومتها أو لطبيعة العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية القائمة بين شعوب أمة واحدة أو بينها وبين الأمم الأخرى، ويورد الشيخ عبد الرازق أمثلة على ذلك بقوله أن الرسول لم يجرد حاكم من منصبه، ولم يعين قاضيا ، كما لم ينشىء نظام للبوليس، أو أي نظم أخرى تنظم الاقتصاد أو الزراعة أو الصناعة أو الزراعة للأمم والشعوب التي دخلت الإسلام.

ولم ينكر الشيخ عبد الرازق أهمية السنن والفرائض والقوانين التي أتى بها الرسول للعرب وغير العرب من المسلمين، والتي كان لها تأثير فى علاقة مباشرة بطرق الحكومة السياسية أو بطرق تكوين الولاية، فكلها مجتمعة لا تمثل حتى ولو جزء صغير من قواعد السياسة أو سن الشرائع الضرورية لحكومة حضارية، فجوهر ما جاء به الإسلام ينصب على العلاقات الشرعية والخراج والزكاة والحدود التي تنتمي فى النهاية إلى العقدية نفسها.

ويخلص الشيخ على عبد الرازق من مجمل ما طرحه فى كتابه إلى أن هناك خلط بين ولاية الرسول وبين حكم الخليفة، فالأولى كانت ولاية دينية انتهت بوفاة الرسول ولم تعط لأحد الحق فى أن يخلفه فى هذه الرئاسة النبوية، وبالتالي فإن كل ما احتل مكنا رئاسيا بعد الرسول اعتبر شيئا جديدا ومركزا يختلف كل الاختلاف عما عرف فى حياة الرسول.

بمعنى آخر عرف المسلمون بعد الرسول أنهم يقيمون حكومة دنيوية لذلك سمحوا لأنفسهم تجربة الثورة على هذه الحكومة ومعارضتها وكانوا يعلمون جيدا عدم توافقهم مع الحكومة ينصب على مسائل تتعلق بالأوامر الدنيوية ، وأن عدم رضاءه عنها يتعلق بمسائل وأسباب سياسية لا تمس الدين ولا الإيمان، ومن هنا يرى أن الجزء الأكبر مما سمى بحرب الردة فى أول عهد خلافة أبو بكر لم يكن ديني وإنما سياسي ، فرغم أن الاعتقاد الشائع عند المسلمين يقول بأنها نضال عقائدي وديني إلا أنها فى الحقيقة كانت لها أهداف أخرى ولم تكن دينية خالصة.

ويعلل خطأ هذا الاعتقاد بأن لقب خليفة رسول الله الذي أطلق على أبى بكر كان أحد الأسباب التي أرست الاعتقاد بأن إنشاء الخلافة كان شرف ديني.

ولهذا اهتم الحكام المسلمين بالاحتفاظ بهذا الخطأ حتى يستخدموا الدين لأغراض تتعلق بحماية ملكهم بل ورسخوا فى وجدان الناس ضرورة طاعة الإمام لأنها من طاعة الله ، وأن الثورة عليه هي ثورة على الله. حتى أصبحت نظرية الخلافة جزء من العقيدة ، على مر التاريخ الإسلامى.

وكانت النتيجة النهائية لذلك هو موت روح البحث العلمي والنشاط العقلي بين المسلمين حتى أصيبوا بالشلل فى مجال الأفكار السياسية واصبحو غير قادرين على مناقشة أي شيء له علاقة بنشأة الخلافة.

ومن هنا يخلص على القول بأن الدين الإسلامى بريء من فكرة الخلافة وبريء أيضا من كل ما أحاط بها من مظاهر الخوف وعظمة القوة إذ أن إنشاء الخلافة لم يكن له علاقة بالوظائف الدينية ولم تكن أكثر من سلطة قضائية وشرعية لاستخدام القوة والولاية، والخيرة تعبر بالضرورة عن وظائف سياسية بحتة وليس لها أي دخل بالدين والدين لا يقرها ولا ينفيها أيضا فهو لم يأمر بها ولم ينهى عنها لأنه ببساطة ترك للمسلمين حرية الاختيار .

ويرى الشيخ على عبد الرازق أن حرية الاختيار يجب أن يحكمها العقل فيتأسس شكل الحكم على تجارب الأمم الأخرى والأحكام والقوانين السياسية والاجتماعية وبالتالي فالمسلمين أحرار فى هدم مناقشة الأمم الأخرى فى مجال العلوم السياسية والاجتماعية وبالتالي فالمسلمين أحرار فى هدم النظام الخلافي وفى تأسيس قواعد ملكهم وتكون ولايتهم طبقا لقواعد الحكم المستمدة من خبرات الأمم.

ويشير حميد عنايت فى كتابه" الفكر السياسي الإسلامى الحديث" أن على عبد الرازق اتخذ من إلغاء الخلافة العثمانية سببا لشن حملة قوية على المدرسة التقليدية فى الفكر السياسي الإسلامى أنه فى ذلك لم يكن ليصطدم بآراء العلماء التقليديين فحسب بل أيضا بآراء بعض المجددين فى هذا المجال من أمثال رشيد رضا.

وهو بهذا يعتبر من المفكرين المحدثين وقد ساعده على ذلك أنه جمع بين التعليم الأزهري والحديث، وأنه كان ملما بعلوم الفقه إلى جانب الفلسفة والفكر الغربي الحديث.

فى هذا الإطار فإن العمل الذي قدمه على عبد الرازق يعتبر عملا متميزا حاول من خلاله الوصول إلى إجماع سني جديد بشأن العلاقة بين الإسلام والحكم.

وبناء جسر بين الحكم السياسي الإسلامى وأصول الحكم الحديث. فكما يقول على عبد الرازق ".. لا شيء فى الدين يمنع المسلمين أن يسابقوا الأمم الأخرى فى علوم السياسة والاجتماع كلها وأن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلوا له واستكانوا إليه وأن يبنوا قواعد ملكهم ونظام حكومتهم على أحدث ما أنتجت العقول البشرية وأمتن ما دلت عليه تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم".

ومن هنا يتفق كثير من الباحثين على أن أفكار على عبد الرازق فى النهاية لها منحى علماني.

وترى عفاف لطفي السيد أن على عبد الرازق " عبر عن اعتقاد شائع، وكان شائعا عند كثير من المفكرين وصار أكثر تقبلا بعد أن أنهى مصطفى كما أتاتورك الخلافة فى ترميا، وهكذا أمكن التعبير عن الهوة بين الدين والحكومة وصارت العلمانية فى الحكومة بمضي الوقت مبدأ قائما.

وكانت تعنى ليس إلحادا أو كفرا وإنما تعنى أن الإسلام لا يحتاج أن يكون طرفا آخر فى حكومته وأن الحكومة لا دخل لها بالدين. كان الناس يدينون بالولاء لحكومة ولوطن ولا يدينون بالولاء لخليفة . وبالتالي فإن أي حاكم مؤقت ولم تكن سلطاته مستمد من الدين".

ولكن جهود على عبد الرازق كمصلح ديني اصطدمت بالتيار التقليدي وكانت محل رفض المؤسسات الدينية التقليدية وعلى رأسها الأزهر الذي صادر الكتاب ومنع تداوله.

واتهم صاحبه اتهامات مختلفة من ضمنها( أن أفكاره تحمل دلالات شيوعية) معتمدين فى ذلك على بعض الإشارات التي جاءت بالكتاب حول البلشفية.

وأصدر علماء الأزهر فتوى بعدم صلاحية الشيخ على عبد الرازق لتولى أي منصب رسمي لاتهامه بإفراغ الإسلام من مضمونه الاجتماعي والسياسي حيث فرق بين النبوة والحكم السياسي.

أو بين مملكة الله ومملكة العالم، وهى تفرقة لا تجوز كما أشار العلماء فى المسيحية وليس فى الإسلام .

وفى 12 أغسطس 1925 استصدر شيخ الجامع الأزهر حكما على الشيخ على عبد الرازق بإخراجه من زمرة العلماء .

وكان الاتهام الأكبر الذي وجه محمد بخيت لعلى عبد الرازق هو تعريفه للحكومة الإسلامية بالرجوع إلى المؤسسات الأوربية الحديثة.

فقال مصدر قوة الخليفة هو الأمة التي تنبع سلطاته منها وأن الحكومة الإسلامية هي تلك التي يرأسها الخليفة أو الإمام العالمي وهى حكومة ديمقراطية حرة، وحكومة الشورى ودستورها كتاب الله وسنة رسوله) .

ومن هنا أكد العلماء مرة أخرى النظرة التقليدية بأن الخليفة يجب أن تكون له قوة روحية وزمنية فى وقت واحد.

3- طه حسين

والواقع أن موقف علماء الأزهر من على عبد الرازق لم يكن هو الموقف الوحيد من أية محاولات تحديثية للإسلام، فقد كان لهم موقف مشد مع أبرز مفكري ورموز الليبرالية فى مصر وهو طه حسين وهو أيضا من خريجي الأزهر.

ففي عمله الشهير" الشعر الجاهلي" حاول طه حسين تطبيق المنهج الديكارتي على النقد الأدبي. وهو فى هذه الحالة طبقه على الشعر الجاهلي.

وقد أراد طه حسين بذلك أن يدخل الروح العلمية الحرة فى تفسير الدين على أسس عقلانية، فالمنطق وليس الروابط العاطفية هي التي يجب أن تصبح القاعدة فى البحث العلمي و فى مناهج البحث. ومن هنا طالب طه حسين بحرية البحث وفقا لقواعد المنطق.

وقد تعرض من جراء ذلك لهجوم ضاري من قبل علماء الأزهر واتهم بالإلحاد مما أضطره إلى الدفاع عن نفسه (كمسلم) وتغيير وحذف كثير من فقرات الكتاب لإعادة نشره تحت عنوان آخر بعد أن تمت مصادرة الكتاب على يد الأزهر.

وتغيرت توجهاته تحت هذه الضغوط فى الثلاثينات ، فأصدر كتبا تتناول موضوعات دينية أضخمها( على هامش السيرة فى ثلاثة أجزاء 1937- 1943).

4- محمد حسين هيكل

ولم يفلت محمد حسين هيكل الذي اتبع خطا فكريا شبيها بخط طه حسين فى العشرينات من نفس الهجوم حيث نشر فى تلك الفترة سلسلة من المقالات دافع فيها عن طه حسين وعلى عبد الرازق وهاجم فيها العلماء على أنهم معوقين لكل جهود تحديثية.

لكنه اضطر بعد ذلك للتراجع فأصدر فى الثلاثينات سلسلة من الكتب الدينية ( حياة محمد 1935، وفى منزل الوحي 1937) وأعقب ذلك سلسلة أخرى تناولت سير الخلفاء.

وقد وصف بعض المؤرخين هذا التحول بأنه عكس أزمة فى التوجه، بينما وصفه البعض الآخر بأنه محاولة من جانب هيكل لتحقيق أيديولوجية وطنية تركزت على الإسلام ولم يكن ذلك إنكارا لحياة الغرب العقلانية لصالح حياة الشرق الروحية، بل تطويرا للقيم كلها لأن هيكل أراد تحقيق أعظم قدر من الحرية فى ضوء كل من التاريخ الغربي والإسلامى.

ومن مجمل ما سبق يمكن القول أن محاولات الإصلاح الفكري التي بدأت تتشكل منذ القرن التاسع عشر والتي امتدت من خلال الأفغاني ومحمد عبده قد ساهمت فى وضع أسس للمدرسة الليبرالية فى مصر والتي كانت لها محاولات تحديثية هامة لا يمكن التقليل من أهميتها التاريخية فى ضوء الطور الفكري المصري.

بل إن حركة الإصلاح الديني كانت هي المنبع الذي خرجت أغلب التيارات الفكرية الحديثة فى مصر منذ القرن الماضي، فتيار " القومية المصرية " خرج من تحت عباءة رموز هذه الحركة، فالأفغاني هو مؤسس الحزب الوطني المصري وهو نفسه الذي غذى شعار " مصر للمصريين" وتلميذه محمد عبده هو الذي كتب أول وثيقة خاصة بالحزب الوطني بل إن ثورة عرابي نفسها كانت نتاجا لتعاليم الأفغاني فى مصر.

كذلك فإن رموز الحركة الوطنية المصرية الذين رفعوا شعارات " القومية المصرية" من أمثال مصطفى كامل ، محمد فريد، سعد زغلول كانوا من تلامذة محمد عبده، حتى قاسم أمين الذي نادي بتحرير المرأة، وعلى عبد الرازق الذي نادى بفصل الدين عن الدولة كلهم كانوا من تلامذة محمد عبده أيضا.

وبالمثل فإن التيار الليبرالي وجد جذوره أيضا فيما طرحه رفاعة الطهطاوي واستمر من خلال أحمد لطفي السيد وطه حسين وحسين هيكل والعقاد.

هذه التيارات والرموز الفكرية والسياسية الهامة هي التي صاغت التجربة الليبرالية فى مصر فى النصف الأول من القرن العشرين.

والتي بلغت أوج ازدهارها فى العقدين الأولين منه، ولكنها تعرضت لانتكاسة خطيرة وتراجع منذ الثلاثينيات لعوامل عديدة، ليس هنا مجال تحليلها ولكن يمكن إيجازها سريعا فى ثلاثة:

1- الدور الرقابي الخطير الذي لعبه الأزهر وعلماء الأزهر التقليديين ضد محاولات الإصلاح الديني، ورمى كل هذه المحاولات بالإلحاد والكفر.
2- المناخ السياسي والاقتصادي الذي ساد هذه الفترة والذي أدى إلى دخول رموز هذا التيار الفكري الاصلاحى فى معارك سياسية عديدة وعرضها للعزل والاضطهاد وبالتالي خنق التيار الذي عبرت عنه.
ولا شك أن هزيمة هذا التيار ارتبطت أيضا بهزيمة الليبرالي المصرية وتراجعها فى الثلاثينات والأربعينات بسبب عوامل الأزمة الاقتصادية وضعف التجربة السياسية وتحللها بين القصر وقوى الاحتلال البريطاني.
3- سرعة ظهور جماعة الإخوان المسلمين على الساحة المصرية، كأول حركة سياسية إسلامية وتقديمها مفهوما للإسلام مغاير للاتجاه الذي حاولت المدرسة الإصلاحية ترسيخه على مدى العقود التي سبقت ظهورها. ولم يعد المكان الأول للفكر وإنما للعمل الإسلامى السياسي، وبدأ الجسر الذي أقامته المدرسة الأولى بين الإسلام والتحديث يتهدم على يد حركة الإخوان المسلمين .

الفصل الثاني: الإخوان المسلمون

المبحث الأول:السياق التاريخي لظهور حركة الإخوان المسلمين

نشأت جماعة الإخوان المسلمين بمدينة الإسماعيلية عام 1927 كجمعية دينية تحض على " الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر" وبدأت نشاطها بالوعظ الديني والدعوة لإقامة المساجد وبناء المدارس لمحاربة مظاهر " التحلل الخلقي" .

وما لبثت الدعوة – بفضل مؤسسها حسن البنا- أن انتشرت خارج الإسماعيلية فى كل مدن منطقة القناة قبل أن تنتقل على القاهرة عام 1932 وتصبح مقرا رئيسا لنشاط الإخوان.

وعلى مدى أكثر من عشر سنوات عقدت الجماعة سبع مؤتمرات طورت فيها الأسس النظرية والأيديولوجية للإخوان كما شهدت نفس الفترة إنشاء جهازها السري الذي لعب دورا خطيرا فى الحياة السياسية المصرية.

وفى المؤتمر الثالث الذي انعقد فى أوائل عام 1935. وضع منهاج الجماعة وطريقة التكوين العملي لأعضائها وموقفها من التيارات الفكرية والسياسية الأخرى.

وتضمن قرارات المؤتمر مبدأين أساسيين:

الأول، أنه على كل مسلم أن يعتقد أن هذا المنهج ( أي منهج الإخوان المسلمين) من الإسلام وأن كل نقص فيه نقص من الفكرة الإسلامية الصحيحة.
والآخر، يتعلق بعلاقة العضو بالهيئات الأخرى فيشير إلى أن كل هيئة تحقق بعملها ناحية من نواحي منهاج الإخوان المسلمين يؤيدها( الأخ المسلم) فى هذه الناحية، وفى المقابل فإن عليه أن يتخلى عن صلته بأي هيئة أو جماعة لا يكون الاتصال بها فى مصلحة الدعوة وبخاصة إذا أمر بذلك.

ويعلق طارق البشري على وجه الخطورة فى هذين المبدأين بأن الجماعة من خلال المبدأ الأول الخطورة فى هذين المبدأين بأن الجماعة من خلال المبدأ الأول تصادر على الدين لمصلحتها وبهذا لا تصبح مجرد جمعية تطبق الدين كما تحول أن تفعل وإنما تؤكد أن منهجها وحده هو الإسلام وبهذا يكون تنظيم الجماعة هو تجسيد للإسلام ومؤسسة مهيمنة عليه فيكون من لم يواليها خارجا على الإسلام ذاته.

أما المبدأ الثاني فيعنى أن يكون لعضو الجماعة ولاءا وحيدا لها دون غيرها من الهيئات وأن تأييده الهيئات الأخرى يكون من الناحية العملية التي تراها الجماعة فقط حرصا على الاستقلال والذاتية.

وإذا كان المبدأ الأول يسعى للسيطرة على الإسلام، لا مجرد الاتصاف به- كما يشير البشرى- فإن الثاني يؤكد على معنى التنظيم السيساى لجماعة الإخوان لأن عضوية أي جماعة اجتماعية أو رياضية أو دينية لا يحتم الولاء الكامل لها. فهذا الولاء لا يتحقق على هذه الصورة إلا فى المؤسسات السياسية.

ومن هنا يرى طارق البشري فيما يتعلق بالهدف من إنشاء جماعة الإخوان المسلمين أن الفكرة الأساسية لدى الشيخ البنا لم تكن قاصرة على إنشاء جماعة خيرية أو جمعية تقوم بالخدمات الاجتماعية، إنما كانت فكرة أبعد وأشمل تتصل بالمجتمع ككل، أو تحاول أن تحيط بظواهره المختلفة وتردها إلى سبب واحد وتقترح لعلاجها منهجا احد وتحاول أن ترسم للمستقبل صورة سلفية مستمدة من التاريخ، وقد لعبت شخصية حسن البنا دورا محوري فى توجيه مسار الجماعة وتحديد توجهاتها الأيديولوجية والسياسية.

كما ساعد على تماسكها وانتشارها بسبب التركيز الشديد للسلطة الذي اتسم به من ناحية، وغموض فكره الذي أتاح له وللجماعة هامش واسع للحركة السياسية من ناحية أخرى.

فكما يقول طارق البشرى " إن غموض الفكر لازم لانطلاق السلطة الشخصية إذ تعتمد على حرية العمل والتصرف وإذ يقتضى ذلك انتقاء المحاسبة وإمكانياتها، وغموض الأهداف والمناهج بفقد الآخرين القدرة على المحاسبة، ويحيل صاحبا الدعوة من عامل ملتزم بتحقيق فكرة ما إلى صاحب لهذه الفكرة يدور بها حيث شاء ويسير فى خفائها حركته وبواعثها ولا يكون للآخرين إزاءه إلا الطاعة أو الخروج عليها" .

ويؤكد هذا الرأي ما ذكره الشيخ حسن البنا فى مذكرات الدعة والداعية من خروج بعض الأعضاء على الجماعة وهى لا تزال ب الإسماعيلية لافتقاد حرية الرأي فيها، ولأنها تسير على غير نظام الشورى وهو ما دعي المؤتمر الثالث للإخوان الذي عقد بالقاهرة لأن يوضح مستويات العمل للعضو إلى جانب هيئات الجماعة.

ولكن ما تجدر الإشارة إليه هي العبارة التي أوردها المؤتمر فى قراراته والتي تقول " ترك المجتمعون لفضيلة المرشد العام تحديد مهمة كل هيئة من هذه الهيئات ووضع البيان الذي يوضح ذلك التحديد".

ويعلق طارق البشرى على هذه العبارة بأنها تمنح المرشد كل سلطة التنظيم كما تمنحه الهيمنة الكاملة على أجهزة التنظيم ومستوياته المختلفة خاصة أنه هو الذي يحدد وظائف الأجهزة المختلفة وطريقة تشكيلها. وهذا يعنى أن يصبح المرشد هو مانح السلطة والموجه الفعلي لأي جهاز فى الجماعة.

وقد أتاحت هذه السلطة للبنا أن ينشىء علاقات عديدة مع المتعاطفين مع الجماعة من بعض رجال الدولة والشخصيات البارزة ويضمهم إليه بغير علم أجهزة الجماعة، كما استطاع خلال الحرب أن يجمع السلاح ويخزنه بغير أن يطلع أقرب الناس من كبار الإخوان على ذلك مستعينا بشبان صغار من الجماعة.

وكلها عوامل تؤكد الدور البارز الذىلعبه حسن البنا ليس فقط لتوجيه مسار الجماعة وإنما لترسيخ أقدامها فى المجتمع المصري وفى حياته السياسية .

وقد انتشرت جماعة الإخوان المسلمين كتنظيم سياسي- منذ نهاية الثلاثينات وخلال الأربعينات خاصة فى خلال فترة الحرب العالمية الثانية وبعدها مباشرة- انتشارا واسعا، وضم التنظيم عددا كبيرا من الأعضاء وأعد فرقا للجوالة، وجمع السلاح وإنشاء جهازا خاصا مسلحا،حتى قدر عدد أعضاء الجماعة فى الأربعينات- أي بعد ما يقرب من عشرين عاما على إنشاءها- بحوالي 2 مليون عضو وألفين فرع منتشرة فى جميع أنحاء الجمهورية.

وقد بدأ تغلغل الجماعة فى المجتمع المصري منذ بداياتها الأولى حيث وجهت جزءا كبيرا من نشاطها إلى المجال الاجتماعي والتربوي والخدمي بحيث أصبح لها وجودا تنظيميا على عدة مستويات من ذلك عن المساجد الأهلية التي أقامتها ، والمؤسسات التعليمية الصغيرة لتعليم الدين ومحو الأمية.

فضلا عن المستشفيات وبعش المشاريع الصناعية والتجارية، وبعد الحرب الثانية اتسع دور الجماعة فى النشر وطباعة الكتب وإصدار المجلات.

ويعلق طارق البشرى على بداية اتساع الجماعة وانتشارها من خلال المساجد بأنها لم تكن تستهدف من بناء المساجد إنشاء دور للعبادة فقط ولكن إقامة دور للتعليم، كما كان المسجد بالنسبة للجماعة هو مكان الالتقاء بالجماهير وتحريكهم واختيار العناصر منهم لعضوية الجماعة، وعندما انتقل مركز الثقل فى الدعوة إلى العاصمة كان أهم تطور فى نشاط الجماعة أنها ركزت نشاطها على محيط الجماعة والمدارس والأزهر وأنشأت قسما للطلاب بداخلها.

وأنها بدأت بتنظيم تشكيلات ذات طابع عسكري ترتبط بها والتطور الهام الذي صادفته أيضا،أنها بدأت تتصدى للمسائل السياسية باتخاذ مواقف من الحكومة ومن الأحزاب، وكان هذا التطوران يزيد كل منهما الآخر.

وقد استطاعت الحركة أن تجذب إليها أعدادا كبيرة من فئات المجتمع المختلفة، فيشير ريتشارد ميتشل على أن الحركة رغم الطابع المحافظ لطرحها العام وشروط عضويتها استطاعت أن تجذب إليها عددا كبيرا من أهل الريف والحضر كأعضاء متحمسين والذين كان أغلبهم قد تقبلوا بالعقل لكن بدرجات متفاوتة أسس النظرة المعاصرة.

ولما كان العديد من هؤلاء الأعضاء لا يجدون مكانا مواتيا لهم فى مجتمع متزايد " الدنيوية"ولا سيطرة لهم عليه، لذا جنحوا إلى التطرف والتمرد الذي ميز حركة الإخوان.

وبذلك استطاعت الجماعة أن تجذب قطاعا واسعا من الطبقة الوسطى المتعلمة التي وجدت فى أفكار الإخوان فى تلك الفترة ما يتفق مع طموحها السياسي والاجتماعي، كذلك فإن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي سادت مصر فى الثلاثينات والأربعينات قد لعبت دورا آخر فى توسيع القاعدة الجماهيرية للإخوان خاصة فى ظل ظروف الهيمنة الأجنبية على الحياة الاقتصادية ومحاولة الجماعة اجتذاب قطاعات عريضة من العمال ومن الطبقات الوسطى الدنيا الذين عانوا من فترة الكساد ومن ظلم الإدارة الأجنبية للمشروعات .

الواقع أن هذه اللمحة السريعة عن تطور جماعة الإخوان المسلمين تقودنا إلى الحديث عن السياق السياسي التاريخي الذي أتاح لها فرض التواجد والنمو فى الحياة السياسية المصرية.

يوجز طارق البشرى الأسباب التي أدت على الالتفاف حول الجماعة وإلى بروزها السياسي منذ الثلاثينات بأنها كانت نوعا من رد الفعل لمشاكل المجتمع المصري خلال عشرات السنين السابقة، إذ طرأ على المجتمع المصري خلال المرحلة السابقة تغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية وحضارية عميقة ومتنوعة بعضها يحمل علامات استنارة وتحرر وبعضها يحمل علامات استعمار وظلم وإفقار، ومس ذلك كيان المجتمع فى عمومه وأثر فى كافة العلاقات الاجتماعية والطبقة والأنماط الفكرية وعادات المعيشة بالخير والشر معا وبما استشعر به الكثيرون الرضا والسخط مجتمعين.

ولا شك أن هذه العبارة تبرز حجم التناقضات التي اعتملت فى التربة المصرية فى ذلك الوقت والتي كانت فى أغلبها حول قضيتي القديم والحديث أو الموروث والوافد فى الحياة الفكرية والسياسية المصرية.

وقد نجح الإخوان فى العزف على أوتار هذا التناقض وتعمدوا تشويه كل حديث بل والنظر إليه نظرة ريبة وشك ووصم كل فكرة جديدة بالإلحاد ، واستندت الجماعة فى ذلك إلى القداسة التي حاولت أن تصبغها على نفسها بدعوى تمثيلها الصحيح للدين بما كان يعطى لها موقفا متميزا بل مترفعا على باقي القوى السياسية والتيارات الفكرية الموجودة، وكان حسن البنا يردد دائما شعاره العام بأن " إيديولوجيتنا تسترشد بكتاب الله وحياة الرسول " وتعلق عفاف لطفي السيد على هذا القول بأنه يبدو عظيما جدا ولكنه ليس واقعيا تماما ومع ذلك فقد خدمت البنا تماما فى أن يكون له تأثيره فى دخول الشعب حظيرة الدين حتى صار الدين مجال الإخوان شبه المطلق كما صار تحليلا لكل سياساتهم مهما كانت ، لأن البنا كان يقول " فينا كل الخير" وفى طيات هذا المعنى أنه ليس منا فلا خير فيه.

وقد استغل الإخوان هذا الموقع ليشنوا هجوما عنيفا على الحياة الفكرية والثقافية المصرية لنشر دعوتهم، ويفسر طارق البشرى هذا السلوك بقولها بأنه ساعد على قبول الدعوة ما أطلق عليه السلفيون وقتها" الموجة الإلحادية" خاصة بعد إلغاء الخلافة فى تركيا عام 1924.

ومن نفس الموقع وقفوا أمام كل محاولة لنشر الفكر العقلاني والمنهج العلمي فى البحث والتفكر وقد شهدت هذه السنوات معارك فكرية طاحنة بعد ظهور كتاب " الشعر الجاهلي" لطه حسين الذي دعا فيه إلى تبنى المنهج العلمي فى بحث التاريخ العربي والإسلامى، وكتاب الشيخ على عبد الرازق " الإسلام وأصول الحكم" الذي حاول فيه أن يثبت انفصال فكرة الخلافة عن الدين الإسلامى.

واستغلت الجماعة نشاط البعثات التبشيرية الأوربية التي برزت فى تلك الفترة لتنال من الاتجاهات الفكرية العقلانية والمستنيرة برمتها ومن التعليم العلماني ولتساوى بينها وبين النشاط التبشيري التابع للغرب.

وفى ذلك تقول عفاف لطفي السيد" إن الموقف الذي اتخذه الإخوان ضد التعليم العلماني كان ظاهريا موجها ضد الغرب ولكنه كان يساعد على إثارة عداء الطائفة المسيحية فى مصر ليخلق الشقاق، واستخدم الإخوان النشاطات التبشيرية للتشكيك فى الآراء الغربية الأصل عن طريق مساواة الدعوة التبشيرية بالدعوة إلى الأخذ بالفكر الغربي".

ويؤكد البشرى نفس المعنى بقوله" وضعت دعوة الإخوان حركة الاستنارة الفكرية بجانب النشاط التبشيري ودعت على النظر إليهما باعتبارهما هجوما واحدا على الإسلام".

وبهذا استطاعت الجماعة أن تستفيد من المناخ الفكري السائد فى هذه الفترة لخدمة أهدافها ونشر الدعوة التي اعتمدت فى جزء كبير منها على التشويه والنيل من كل الاتجاهات والتيارات الفكرية الأخرى.

وإذا كان السياق الفكري الذي ولدت فيه جماعة الإخوان قد ساعدها على سرعة التوسع والانتشار فهناك مجموعة أخرى من العوامل سادت فى نفس الفترة، ويرجعها كثير من المحللين إلى قضية التحديث فى المجتمع وما اقتضته من سرعة تغيير وتحول أولد العديد من المشكلات التي نفذت منها الجماعة إلى المجتمع.

وقد برزت هذه المشكلات على مستويين:

الأول ، اجتماعي واقترن بعلميات التغيير الاجتماعي التي نشأت عن الاحتكاك بالغرب وما أدى من تغيير فى العادات المعيشية لدى قطاعات واسعة من سكان المدن وهو تغيير اقتضته فى النهاية عملية التوسع فى إنشاء المدن الكبيرة وانتشار التعليم، وتعليم المرأة الذي أدى إلى خروجها للعمل والحياة العامة.
وترتب على هذا التغيير - كذلك – وسرعته فى المدينة ظهور فجوة من نمط الحياة العامة.
وترتب على هذا التغيير البطء الشديد فى التغيير فيها، وزادت حدة المشكلة مع زيادة معدل الهجرة من القرية إلى المدينة وأزمة التلاؤم التي أصابت الكثير من الريفيين الذين دفعتهم الظروف للعيش بالمدينة.
وقد استغل الإخوان هذا الواقع الجديد والأزمة بين الحضر والريف لجذب أعدادا كبيرة من أبناء الريف أو حديثي سكان الحضر الذي واجهتهم مشكلات عدم التكيف الاجتماعي والثقافي.
واستغل الإخوان هذه التغييرات بشن حملة على كل مظاهر التحديث فى المجتمع، ففي رسالة " الإخوان المسلمون تحت راية القرآن" يقول البنا" أن العلم والفن والفكر قد تقدموا وأن المال قد زاد وأخذت الأرض زخرفها ولكن هل اطمأنت الجنوب فى المضاجع وهل جفت الجفون فى المدامع" .
ويعلق طارق البشرى على ذلك بقوله( وبهذا المنطق ينكر الإمام البنا جدوى التقدم فى هذه المجالات ثم يركز على أن الدعوة على ما فى المجتمع من فساد وسوء أخلاق وانحلال، وعلى أن الدعوة هي المنقذ من ذلك كله.
أما المستوى الثاني فهو قانوني ومؤسسي، ويحلل طارق البشرى أسباب أزمة التحديث عند هذا المستوى الثاني فهو مجموعات القوانين الحديثة التي نقلت عن التقنيات الفرنسية وطبقت منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر كانت تؤدى إلى تطور حقيقي فى بناء المؤسسات الاجتماعية والقضائية وفى ترشيد العلاقات الاقتصادية.
ولكنها جاءت فى مصر فى ظل ظروف تاريخية خاصة أي مع المحاكم المختلطة المتحيزة للمصالح الأجنبية فنفر منها الكثيرون.
ويستنتج البشرى من ذلك بأن حال المحكومين قبل العمل بهذه القوانين الوضعية لم يكن بأحسن حالا مما كان بعده بسبب الاضطراب الذي كان قائما فى مؤسسات الدولة وأحكام القضاء خلال العصور الوسطى وفى ظل نظام الالتزام وفى عهد محمد على.
ولكن المساوئ التي وجدت مع العمل بالتنظيمات الحديثة تجسدت وبدت هي أساس الظلم الاجتماعي. واعتمدت دعوة الإخوان على استغلال رد الفعل التلقائي الناشئ عن هذا الإخفاق للمطالبة بإلغاء القوانين الوضعية كمطلب علم دون الخوض فى كثير من التفصيلات ووضعت تطبيق الشريعة الحل المقابل له.
وإذا كانت مجموعة هذه العوامل التي صاحبت نشوء الجماعة قد ساهمت فى سرعة انتشارها وتغلغلها فى المجتمع المصري فإن السياق السياسي الذي وجدت فيه والمنهج الذي تبنته الجماعة فى الحياة السياسية المصرية قد ساهم بدوره فى إبراز دور الجماعة فىتلك المرحلة من تطور الحياة السياسية المصرية.

ويمكن النظر على هذا السياق السياسي من زاويتين:

الأولى، هي الطبيعة البرجماتية التي اتسمت بها الجماعة فى منهجها السياسي، والأخرى، تتعلق بالصراعات السياسية العنيفة التي خاضتها القوى السياسية الأخرى والتي كفلت للجماعة فرص الاستفادة من التناقضات القائمة بينهما.
وتلخص عفاف لطفي السيد المنهج السياسي الذي تبنته جماعة الإخوان لدخول الحياة السياسية بقولها " يبدو لبعض المؤرخين أن حسن البنا كان شديد التمسك بالمظاهر الدينية للجماعة إذا ما تولت الحكم حكومة قوية يرأسها رئيس وزراء قوى، وكان يهتم بالآمال السياسية إذا ما وليت الحكم وزارة ضعيفة والحقيقة هي أن حسن البنا غير أساليبه لتوائم الجو السياسي فى عصره وليحقق أهدافه التي كانت تنادى بفرض زعامة مطلقة على البلاد وإحلال جماعته محل كافة الأحزاب السياسية ، وكان هدفه المباشر هو التصدي للوفد والإحلال مله" ولذلك فإن النحاس الذي كان يطلق عليه اتباع" زعيم الأمة" استطاع البنا أن يزعزع الثقة فيه بأسلوب ماكر وأحبط مزاعمه عندما اختار الإخوان شعارا لهم" الرسول زعيمنا والقرآن دستورنا" وهو قول لا يمكن لأي مسلم أن يغالط فيه، فضلا عن أنه وضع النحاس فى موقف لا يحسد عليه فى المطالبة بلقب زعيم.

وقد انعكس هذا الموقف العملي للجماعة فى علاقاتها بالقصر والحكومات المتعاقبة فى ذلك الوقت والأحزاب السياسية، وقد أتاح لها هذا الموقف الاستفادة من القوتين معا الحكومية والحزبية.

ويحلل طارق البشرى موقف السلطة من الجماعة بقوله" أن السلطات المحلية قد نظرت لدعوة الشيخ ب الإسماعيلية بحذر وشك فلما ظهر أنه ليس للجماعة أهداف معلنة ولا موقف سياسي عملي يعادى الحكومة القائمة وقتها، ولما تأكدت أن صاحب الدعوة ليس وفديا ولا شيوعيا ولا يهاجم حكومة صدقي ولا الملك بل يحشد العمال لاستقباله ، ومن ثم غضت الطرف عنها بل زكتها دوائر البوليس باعتبار ما تؤدى إليه من إقرار للأمن كما أن شركة القنال لم تر فيه تجمعا يهددها ، والمعروف أن الشركة قدمت تبرعات للجماعة فى بداية تأسيسها كانت سبب فى إثارة جدل داخلي بها.

ويشير كثير من المؤرخين إلى أن المنهج العملي الذي اتخذته الجماعة منطقا لعملها السياسي اتفق مع التوقيت الذي اختارته لظهورها السياسي السافر فى عام 1938.

ومنطق هذا الرأي يرجع إلى أن هذا التاريخ جاء لإبرام معاهدة 1936 التي شارك فى إبرامها حزب الوفد أكبر القوى السياسية وأكثرها جماهيرية وهو الأمر الذي هز شعبيتها.

وكان الصراع وقتها محتدما بين الوفد من ناحية والملك وأحزاب الأقلية من ناحية أخرى، وقد أرادت القوى الأخيرة استغلال المعاهدة المذكورة لسحب البساط من تحت أقدام الوفد وتغيير صورته فى الحياة السياسية. خاصة وأنه قد ظهر للسراي من تجربتي حزبي" الاتحاد" فى 125، و" الشعب" فى 1931 .

فشل محاولاتها فى إنشاء حزب قوى موالى لها، ومن هنا أصبح عليها أن تعتمد فى صراعها مع الوفد – المنافس الشعبي الخطير لها- على قوى أخرى مثل حزب السعديين الذي انشق على الوفد ببعض قياداته الشعبية القديمة كما رأت السراي ضرورة الاقتراب من أي تنظيم جماهيري قائم تستخدمه فى لعبة الصراع السياسي وهو الأمر الذي خلق الأرضية الملائمة لتدعيمها للإخوان لقاء الاعتماد عليهم فى ضرب شعبية " الوفد".

ويؤكد ريتشارد ميتشل على هذه العلاقة التي ربطت بين الجماعة والقصر بقوله فى صفحة 49 من كتاب الإخوان المسلمون" كان البنا قد أوضح أن من بين الفضائل الأساسية للجماعة تجنب التورط مع الأكابر والإعلام والأحزاب والجماعات إلا أن علاقته الودية مع على ماهر الذي ساد اعتقاد راسخ بأنها تضمنت تقديم " مساعدات من نوع ما إلى الجماعة ، وهى التهمة التي لم يقر بها البنا وإن لم ينكرها بحزم".

وقد ساعد على إنجاح هذه السياسة وجود عامل خارجي قوى ثمثل فى ثورة فلسطين التي نشبت عام 1936 ، والدور الذي لعبته جماعة الإخوان فيها وهو الأمر الذي زاد من شعبيتها وساهم فى إبراز دورها السيساى فى أواخر الثلاثينات ويعلق طارق البشرى على هذا العامل بقوله" كان لثورة فلسطين التي نشبت فى 1936 وقع جماهيري شديد فى مصر لم يستطع الوفد " بالمصرية التقليدية" أن يستوعبه، وكان أمل السراي أن تستثمر هذا الجانب من وجدان الشعب المصري لمصلحتها وكان على ماهر رئيس الديوان الملكي وقتها وصاحب النفوذ الأكبر على الملك هم مصمم هذه السياسة ومحركها لمصلحة السراي كمؤسسة سياسية ولمصلحة طموحه الشخصي.

ويؤكد ريتشارد ميتشل على أهمية هذا السياق التاريخي الذي برزت فيه جماعة الإخوان وأتاح لها لعب دور مؤثر فى الحياة السياسية فى تلك الفترة بقوله" نحن نرى أن القوى المتصارعة أثناء الحرب العالمية الثانية- قد لعبت دورا هاما فى ظهور الجماعة فى فترة ما بعد الحرب- فى مركز الحلبة السياسية المصرية ولقد كشفت تلك الفترة عن التناقض الأساسي بين الحزبين الجماهيريين فى مصر الإخوان المسلمون والوفد فى محاولة كل منهما احتلال موقع الصدارة فى الحياة السياسية كذلك كشفت تلك الفترة عن تن اسق داخلي من حيث الهدف(وهو هنا مناوأة الوفد" بين الجماعة والقصر.

ولم يختلف التحليل الذي قدمته عفاف السيد حول هذه النقطة حيث تشير إلى أن جماعة الإخوان المسلمين قد برزت فى أعز وقت حكومة صدقي عندما كان الوفد فى اضطراب وفى الوقت الذي صارت فيه الثورات والاضطرابات أمرا عاديا، وفى هذا المناخ وجدت جماعات الأقلية السياسية فى الإخوان حليفا يمكن استخدامه ضد الوفد حزب الأغلبية، إذ كان من الوفد والإخوان منظمتين شعبيتين لهما جمهرة كبيرة يمكن استخدامها ضد بعضهما البعض مثلما حاول على ماهر أن يفعل عام 1939 عندما طلب معونة الإخوان وحصل عليها، إلا أن الوفد قد حظي بتأييد بريطانيا فى النهاية وكان ذلك أقوى كما تضيف بأن هدف البنا كان فرض زعامة مطلقة على البلاد وكان هدفه المباشر هو التصدي للوفد والإحلال محله.

ولعل ما ساعد على تغذية هذا الهدف هو الظروف التي سادات الحياة السياسية المصرية فى أواخر العشرينات والثلاثينات والتي اتسمت بالانقلابات الدستورية والصراعات التي كانت تدور فى دائرة شبه مغلقة بين الوفد وأعدائه، ويعزى طارق البشرى ذلك إلى الانتكاسة التي أصابت الحياة السياسية والدستورية التي بلورت أسسها ثورة 1919 ودعمها حزب الوفد يول " بدا للبعض أن المؤسسات السياسية التي نجمت عن ثورة 1919 لا يظهر فى الأفق أنها قادرة على تفريج أزمة المجتمع وثار الشك حول قدرة الوفد إحداث التغييرات المطلوبة وانتكس تفاؤل العشرينات فى نظر الكثيرين على تشاؤم وحيرة وخوف أن يسير المستقبل على نفس المنوال، هنا وجدت الدعوة السلفية أرضيتها، وإذا كانت الحصيلة التي نتجت عن هذا الجديد الوافد إلى المجتمع لم تسفر عن خير الشعب، وإذا كان لم يمكن استخلاص النواحي الايجابية وحدها من هذا التجديد فليذهب الجديد كله بشره الحاصل وبما يدعى فيه من خير لم يتحقق كاملا.

كانت الحزبية من ثمار الحياة الجديدة وكانت زعامة الوفد تمثل هذا الجديد فى السياسة وتدعو إليه فى تكوين مؤسسات السلطة.

فأتت حركة الإخوان تطلب إلغاء الحزبية وترفع شعار " الرسول زعيمنا" رفضا للزعامات الموجودة وجذب ذلك عناصر المشككين رغم أن الجماعة كانت حزبا وأن قيادتها هي الزعامة التي تريد التحدث باسم الرسول".

وإذا كان هذا السياق التاريخي الذي وجدت فيه الجماعة قد ساهم فى نمو وتطور دورها السياسي فى تلك الفترة فإن المنهج العملي الذي التزمت به الجماعة، والذي انعكس فى موقفها من قضايا عديدة من القضية الوطنية إلى القضايا السياسية والاجتماعية الداخلية، قد أتاح هامشا واسعا من الحركة السياسية مكنها من الاستفادة من التناقضات القائمة والتعامل مع مختلف القوى السياسية الموجودة فى ذلك الوقت،وساعدها فى ذلك غموض مواقفها تجاه القضايا السياسية الجوهرية.

فحول موقفها من القضية الوطنية – وقد كانت بالطبع تتصدر الحياة السياسية- يشير البشرى إلى أن الجماعة رغم ما كان يصدر من قادتها من تعريض بالاستعمار أحيانا أو هجوم عليه كانت أقل التنظيمات السياسية المصرية تعريضا للمسألة الوطنية وتحديدا للموقف إزاءها.

ويفسر هذا الموقف بأن مطلب " الخلافة الإسلامية" كان مقدما عند الجماعة على أي هدف قومي آخر، وأن هذا المطلب لم يكن فى ذاته ليثير عداء الاستعمار ما لم يتضمن موقفا صريحا معاديا للاستعمار وعلى العكس كان هذا المطلب يثير حذر كل الحركة الوطنية الديمقراطية فى مصر بكافة أجنحتها خاصة فى ظل الحرص التقليدي للقصر الملكي وقتئذ على أن يضخم هذا المفهوم ليسبغ على عرشه قدسية الدين وهو ما حاوله الملك فؤاد بعد إلغاء الخلافة فى تركيا 1924 دعما لنفوذه الاستبدادي ومن بعده الملك فاروق.

وقد اعتبر كثير من عناصر الحركة الوطنية المطالبة بإحياء الخلافة هي تحويل الاهتمام عن القضية الوطنية بوحي من البريطانيين.

وعزز من هذا الرأي عدم مهاجمة الإخوان للوجود البريطاني فى مصر حتى منتصف الأربعينات، وتشير عفاف لطفي السيد إلى أنه فى الوقت الذي عددت فيه الجماعة خمسين مطلبا لها فى واحدة م رسائلها التي تضمنت هجوما على الاستعمار عبرت عنه فى بنود عامة، لم يد ذكر لاستقلال مصر أو لانسحاب القوات البريطانية من الأراضي المصرية.

وفى المقابل لم يكن للإخوان مواقف حادة أو حاسمة فيما يتعلق بالقضايا الداخلية سواء كانت سياسية أو اجتماعية وكانت آراؤهم تميل إلى العموميات دون التفصيلات، ويشير اسحق موسى الحسيني فى ( الإخوان المسلمون ص 61-64) إلى ان الإخوان – فيما يتعلق بالقضايا الدستورية والسياسية- قد وقفوا عند هذا التدعيم ولم يوردوا أي مثل للغموض.. وقد عارضوا القوانين المدنية كلها وطالبوا بأن تحل محلها تقنيات إسلامية مدنية وتجارية وجنائية.. الخ ولكنهم لم يتبنوا مثله للمسائل المختلفة فى هذا الشأن.

ويقول طارق البشرى نقلا عن كريستينا هاربى أن الخطوط الفاصلة بين المناهج السياسية والاجتماعية والاقتصادية كانت مبتسرة للغاية وأنه لم يحدث أبدا شرح نواياه فى وضوح.

ومن الناحية العملية ساهمت هذه المواقف فى إتاحة الفرصة للجماعة للتعامل مع القوى الحكومية والحزبية فى آن واحد لتحقيق مكاسب سياسية للجماعة.

ويروى طارق البشرى وميتشل أمثلة عن قدرة الجماعة على المراوغة السياسية، يروى البشرى( نقلا عن أحمد حسين زعيم مصر الفتاة وقتئذ) بأنه عندما قامت الحرب واعتقل العديد من القادة السياسيين ومن ضمنهم قادة الإخوان سارع الوزير " السعدي" فى ذلك الوقت فى وزارة حسين سرى فى 1941 بالاجتماع ب حسن البنا ثم ليفرج عنه بعد اللقاء بأيام ، ويفسر البشرى هذه الواقعة بأنها عكست رغبة حزب السعديين المنشق عن الوفد فى استغلال حركة الإخوان فى دعم نفوذ الحزب. وهو ما أدى إلى ازدياد نفوذ البنا وبالتالي الجماعة.

وبنفس المنهج البراجماتى تعامل الإخوان مع أكثر القوى السياسية منافسة لهم والممثلة فى حزب الوفد. فعلى أثر تولى الوفد الوزارة ودعوته لإجراء انتخابات جديدة بعد حل البرلمان .

اتخذ الإخوان فى المؤتمر السادس للجماعة الذي انعقد فى يناير 1941 قرارا بالنزول إلى الانتخابات وأعلن البنا عن ترشيح نفسه عن دائرة الإسماعيلية ولكنه بمجرد تقدمه بالترشيح أسرع النحاس الزعيم الوفدي باستدعائه وطلب منه أن ينسحب ووافق البنا مقابل تحقيق الشروط التي تطالب بها الجماعة وهى، حريتها فى استئناف أعمالها على نطاق شامل، أن تعد الحكومة باتخاذ الإجراءات اللازمة لحظر المشروبات الكحولية والدعارة، ووافق النحاس وأمر بعد فترة وجيزة بفرض قيود على بيع المشروبات الكحولية فى أوقات معينة وخلال شهر رمضان وفى الأعياد الدينية كما اتخذ بعض الإجراءات الضرورية لحظر ممارسة الدعارة، وهكذا انتهت قضية الانتخابات وأعلن البنا للحكومة وباعد بينه وبين السياسة وفى هذه الفترة حتى أقيلت حكومة الوفد وجاءت بعدها حكومة السعديين فى نهاية 1944.

التي كرر معها الإخوان نفس السياسة فأنكروا علاقتهم الطيبة بالوفد ويقول البشرى بأن حكومة السعديين لم تقبل منهم إثباتا لذلك أقل من أن يعلنوا الخصومة الشديدة للوفد ففعلوا.

وعلى صعيد آخر استطاعت الجماعة أن تحظى بالدعم المستمر للحكومة من خلال السماح لها بإنشاء مؤسساتها الخاصة التي سامهت فى توسيع الجماعة وتواجدها بشكل مكثف فى مستويات المجتمع.

ومن أمثلة ذلك استعانت الحكومة بمشرد الإخوان وتعيينه فى اللجان الحكومية العليا مثل لجنة التعليم، وسماحها للجماعة بإنشاء مؤسساتها الاجتماعية كالمستشفيات والمدارس وجمعيات البر تحت إشراف وزارة الشئون الاجتماعية بل ومنها إعانات من هذه الوزارة حتى بلغ عدد شعب جماعة الإخوان المسجلة فى الوزارة ما يزيد على خمسمائة شعبة كانت تتلقى إعانات أ فى سبيلها على ذلك. ويضاف إلى ذلك الضوء الأخضر الذي كانت تعطيه الحكومة للجماعة لعقد اجتماعاتها ومؤتمراتها.

ويشير أنورالجندى فى " الإخوان المسلمون فى الميزان" إلى أنه فى أواخر صيف 1945 عندما بدأ الشعب يتحرك مطالبا بالاستقلال والحرية منعت حكومة النقراشي كل الاجتماعات والمؤتمرات الشعبية ولكنها سمحت لجماعة الإخوان أنتعقد مؤتمرها العم لنواب الأقاليم.

وأهم من ذلك ما سمحت به الحكومة لجماعة الإخوان من إنشاءها منذ وت مبكر نظام الجوالة رغم أن القانون كان يحظر على الأحزاب والهيئات السياسية أن تتخذ تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية، وكان هذا الحظر ينطبق تماما على جوالة الإخوان التي كانت فى حقيقتها تؤلف كما يصفها البشرى> جيشا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى" وكانت اجتماعات الإخوان تعقد تحت حماية هذا الجيش المنظم.

والمعروف أن نظام الجوالة كان هو الأساس الذي قام عليه التنظيم الخاص أو الجناح العسكري للجماعة.

المبحث الثاني:حسن البنا وتأصيل فكر الإخوان

إذا كانت الحركة الإصلاحية برموزها المختلفة قد عبرت عن المنهج الليبرالي فى تعاملها مع الحياة السياسية والاجتماعية فى مصر ، فإن جماعة الإخوان المسلمين اختارت مسلكا مغايرا فى التعامل مع نفس الواقع فلم تقنع بالمجال الفكري الذي اختاره رجال الإصلاح لم ترض مثلهم بأن يكون وجودها فى الحياة السياسية من خلال العمل الفردي ومن هنا التحمت جماعة الإخوان مباشرة بالحياة السياسية وأعطت اهتمامها الأول لتغيير الواقع القائم من خلال العمل المنظم وليس الفردي، وكان شعار حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان،"أن الفلاسفة حاولوا فهم العالم أما مهمتنا فهي تغييره".

ولد حسن البنا فى أكتوبر 1906 بقرية المحمودية فى محافظة البحيرة وكان والده " أحمد عبد الرحمن البنا" إماما لمسجدها ودارسا ومؤلفا للعديد من كتب الحديث وقد تعلم وتتلمذ فى الأزهر على أيدي الشيخ الإمام محمد عبده.

وقد كان لهذا الجو الديني الذي نشأ فيه حسن البنا أثر هام على حياته فيما بعد.

وقد اشترك بشكل مبكر فى بعض الجمعيات الدينية مثل " جماعة السلوك الأخلاقي" و" جماعة النهى عن المنكر" وخلال نفس الفترة تأثر بصورة شديدة بالطرق الصوفية خاصة " إخوان الصحافية" التي انخرط فى نشاطها لمدة عشرين عاما متوالية وكان من نتيجة تأثره بالطرق الصوفية أن برزت فكرة إنشاء منظمة أخرى سميت أيضا " بالجمعية الحصافية للبر" وكانت ذات هدف مزدوج، الأول: هو النضال من أجل الحفاظ على المبادئ الأخلاقية للدين الإسلامى، والأخر: مقاومة نشاط البعثات التبشيرية المسيحية، وقد أصبح سكرتيرا للجمعية وهو فى الثالثة عشرة وكان رئيسها أحمد السكري، الذي تعرف عليه البنا فى حلقات الذكر، والذي لعب بعد ذلك دورا هاما فى تطوير فكر جماعة الإخوان المسلمين .

وقد اعتبرت هذه المجموعة هي الإرهاص الذي مهد لقيام جماعة الإخوان المسلمين .

وفى العام الأخير للبنا فى المدرسة الابتدائية اندلعت ثورة 1919 واشترك فيها كطالب فى المظاهرات .

وقد كان لذلك أثره فى تشكيل وعيه السياسي واهتمامه بالقضية الوطنية فى مواجهة قوى الاحتلال البريطاني فى ذلك الوقت.

وقبل أن يبلغ الرابعة عشر من عمرة التحق بمدرسة المعلمين الأولية بدمنهور واهتم اهتماما شديدا بكتابات شخصية لها مكانتها فى تاريخ الفكر الإسلامى وهى شخصية " أبو حامد الغزال" ( 1058-1111) وخاصة أفكاره حول التعليم التي استقاها من كتابه" إحياء علوم الدين" والتي عرضته لصراع داخلي بسبب حبه للتعليم واقتناعه بفوائده للفرد والمجتمع من ناحية ورغبته فى اتباع تعاليم الغزالي حول العلوم والمعرف والتي قال بصددها أن التعليم يجب أن يقتصر على ما هو ضروري " لتحقيق الواجبات الدينية واكتساب الرزق" وقد غزى هذا الصراع فى نفس البنا الجانب الواقعي والغيبي فى تكوينه الفكري.

ولكن لم يمض عمان حتى تغلبت نزعته لمواصلة تعليمه العالي فسافر على القاهرة وهو فى السادسة عشر ليلتحق " بدار العلوم" التي أنشأت عام 1879 والتي كانت نتاجا للخط الاصلاحى الذى ساد فى القرن التاسع عشر أى أول محاولة مصرية لتقديم تعليم " عصرى" عال إلى جانب العلوم الدينية التقليدية التي تخصصت فيها الجامعة القديمة التابعة للأزهر، وإن كان الطابع السلفي التقليدي هو الذي تغلب عليها بعد ذلك.

وما يهمنا فى هذه السيرة المبكرة هو آثارها على تكوينه الفكري واتجاهه السياسي بعد ذلك ويمكن القول أنهما تأثرا بعاملين أساسيين: الأول، هو طريقة تثقيفه التي اعتمدت على التعاليم الإسلامية التقليدية والصوفية. والأخرى، إدراكه لوضع مصر كبلد محتل.

ولا شك أن إقامته فى القاهرة أثناء الدراسة قد ساعدت على تنمية وعيه وفق هذه الاتجاهات، فقد كان كثير التردد على المكتبة السلفية التي كان يديرها وقتئذ " محيى الدين الخطيب" وعلى رشيد رضا تلميذ الإمام محمد عبده والمشرف على تحرير مجلة المنار" وقد كتب البنا وهو فى السنة النهائية بدار العلوم ما يعبر عن المنحى الذي ينوى اتخاذه فى حياته العملية حيث قال" إنني اعتقد أن شعبي قد ابتعد عن أهداف إيمانه نتيجة للمراحل السياسية التي مر بها والتأثيرات الاجتماعية التي تعرض لها وتحت تأثير الحضارة الغربية.. والفلسفة المادية والتقاليد الإفرنجية.

ومن هنا آمن البنا بضرورة التغيير الذي اعتبره هو مهمته الأساسية خاصة مع الشباب الذين اعتقد أن إيمانهم قد تشوه تحت تأثير المؤثرات السابقة ولذلك فقد اهتم فى هذه الفترة بعقد الكثير من اللقاءات والاجتماعات لهذا الغرض سواء فى المدرسة فى هذه الفترة بعقد الكثير من اللقاءات والاجتماعات لهذا الغرض سواء فى المدرسة أو الجامع أو المقهى.

وتخرج البنا فى دار العلوم عام 1927 " ظهر تطورا هامان فى نفس العام وهما: تأسيس جمعية الشبان المسلمين على غرار جمعية الشبان المسيحيين، وإصدار " مجلة الفتح" التي كان مخطط لها أن تكون " صوت الإسلام" وقد قبل فور تخرجه التعيين فى أحد المدارس التابعة للحكومة، فجاء تعيينه مدرسا للغة العربية بإحدى المدارس الابتدائية بمدينة الإسماعيلية.

وغادر القاهرة فى سبتمبر 1927 إلى مقر عمله الجديد الذي يعمل فيه حتى استقالته عام 1946.

ومنذ بداية رحلته إلى الإسماعيلية بدأ يساهم بدور فعال فى حياة هذا المجتمع من خلال المسجد والمدرسة والمقهى( كما كان يفعل فى القاهرة) وتجدر الإشارة إلى الدور المحوري الذي لعبته مدينة الإسماعيلية فى تنمية وعيه السياسي وتوجيهه الفكري وتشكيل حركته بعد ذلك بسبب السيطرة الأجنبية عليها أيام الاحتلال البريطاني فيقول فى مذكراته".. وكان للإسماعيلية وحى عجيب، فهذا المعسكر الانجليزي فى غربها ببأسه وسلطانه وهيلمانه يبعث فى نفس كل وطني غيور الأسى والأسف ويدفعه على مراجعة هذا الاحتلال البغيض.. ويقارن بين حياة البريطانيين والمصريين فيه" .. وهذه المنازل الفخمة المنتشرة فى حي الإفرنج بأكمله ويسكنها موظفو الشركة الأجانب.

وقابلها مساكن العمال العرب فى ضآلتها وصغر شأنها والشوارع الأنيقة فى حي الغرب كلها لوحات لم تكتب إلا بلغة الاحتلال" وبذلك نقلت مدينة الإسماعيلية معاني كثيرة كان لها أكبر الأثر فى تكييف الدعوة التي رفع رايتها حسن البنا و الجماعة التي أسسها فى مارس 1928 أي بعد حوالي عام من إقامة جمعية الشبان المسلمين فى القاهرة والتي تستحق الوقوف عندها قليلا لما لها من دلالات هامة تكشف عن طبيعة الحركة من ناحية ونوع القيادة التي تحكمها من ناحية أخرى.

يقول البنا فى مذكراته " .. فى ذي القعدة 1347 هـ ، مارس 1928 زارني بالمنزل ستة من الإخوة من الذين تأثروا بالدروس والمحاضرات التي كنت ألقيتها.. وقالوا" لقد سمعنا ووعينا، وتأثرنا ولا ندرى ما الطريقة لعملية إلى عزة الإسلام وخير المسلمين ، ولقد سئمنا هذه الحياة، حياة الذلة والقيود وها أنت ترى أن العرب والمسلمين فى هذا البلد لا حظ لهم من منزلة أو كرامة وأنهم لا يعدون مرتبة الأجراء التابعين لهؤلاء الجانب.

ونحن لا نملك إلا هذه الدماء تجرى حارة بالعزة فى عروقنا، وهذه الأرواح تسرى مشرقة بالإيمان والكرامة مع أنفسنا ن وهذه الدراهم القليلة ، من قوت أبنائنا ولا نستطيع أن ندرك الطريق إلى العمل كما تدرك أونتعرف السبيل إلى خدمة الوطن والدين والأمة كما تعرف، وكل ما نريده الآن أن نقدم لك ما نملك لنبرأ من التبعة بين يدي الله وتكون أنت مسئول بين يديه عنها وعما يجب أن نعمل، وأن جماعة تعاهد الله مخلصة على أن تحيى لدينه وتموت فى سبيله ولا تبغي بذلك إلا وجهه، لجديرة أن تنتصر وإن قل عددها وضعفت عددها.." .

وكانت هذه البيعة ل حسن البنا الذي اختار بنفسه اسم الجماعة حين قال فى هذا الاجتماع " .. نحن فى خدمة الإسلام، فنحن إذن الإخوان المسلمون".

وبذلك أرسى هذا الاجتماع أول تشكيل للإخوان المسلمين على هذا النحو كما رسخ نموذجا قياديا مثلته شخصية البنا التي تمتعت بالطاعة الشديدة وهو النموذج الذي التزمت به الجماعة طوال تاريخها بعد ذلك.

وقد ظل البنا يلعب دورا محوريا بارزا فى حياتها سواء الفكرية أو السياسية حتى أصبحت من اكبر التنظيمات السياسية فى مصر خاصة بعد إنشاء التنظيم الخاص أو الفرع المسلح للجماعة والذي اضطلع بالعديد من الاغتيالات السياسية والتي كان أبرزها اغتيال النقراشي باشا رئيس وزراء مصر عام 1948 وهو الأمر الذي أدى فى النهاية إلى اغتيال حسن البنا فى 1949 كرد على أعمال العنف التي قامت به الجماعة.

1- الفكر السياسي ل حسن البنا

عندما بدأت حركة البنا فى العشرينات كانت هناك اتجاهات للتفكير السياسي الديني هي : الاتجاه التقليدي أو المحافظ والذي يمثله الأزهر أو المؤسسة الدينية الرسمية والذي رفض من الناحية النظرية أي محاولة للتوفيق بين الفكر الديني والفكر الحديث وبالتالي رفض الاتجاهات العلمانية فى الدولة ولكنه من الناحية العملية قبل التعامل مع الملكية المصرية والسلطات القضائية، و الاتجاه الثاني تمثل فى المدرسة الإصلاحية التحديثية التي رفع لواءها تلامذة الإمام محمد عبده والتي حاولت التوفيق بين الإسلام والأفكار الغربية الحديثة ووضعت الأساس " لعلمنة" المجتمع الإسلامى.

وأخيرا كان الاتجاه الثالث يعبر عن الإصلاحيين المحافظين من أتباع رشيد رضا الذي خرج من المدرسة الثانية أي المدرسة الإصلاحية ولكنه نحى منحى أكثر سلفية حيث ابتعد عما نادت به مدرسة محمد عبده من ضرورة التجديد والاجتهاد والتوفيق مع القيم الغربية والتصق بشق واحد من أفكار الإمام وهو ذلك الخاص بالعودة إلى الأصول وتطهير الإسلام من البدع التي أبعدت المسلمين عن الإسلام الحقيقي.

وطالب فى المقابل بضرورة الرجوع إلى أفكار وم مارسات الجيل الأول من الحكام الإسلاميين أي عهد الخلفاء .

وقد انجذب حسن البنا لهذا الاتجاه الأخير ولأفكار رشيد رضا بالتحديد وقد انعكس ذلك جليا فى النزعة السلفية التي اتسعت بها دعوة الإخوان المسلمون التي يصفها البنا بأنها دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة اجتماعية.

ويعتبره البنا تضم كل المعاني الإصلاحية وتتمثل فيها كل عناصر الفكر الاصلاحى فيقول" .. هكذا ترى إن شمول الإسلام قد أكسب فكرتنا شمولا لكل مناحي الإصلاح".

وهناك من يرى بأن حسن البنا كان توليفة من محمد عبده الاصلاحى ورشيد رضا السلفي، والأفغاني السياسي. أما عفاف لطفي السيد فتى أن حسن البنا ربما اتفق مع الأفغاني فى تحديد أسباب تخلف المسلمين وتدهور الشرق، والتي تعود فى رأيهما إلى تخلى المسلمين عن دينهم ولكن هذا لا يمنع التمييز بين رد فعلهما ورؤيتهما لشكل " الخلاص" الذي يجب على المسلمين أن ينشدونه.

فالأفغاني نادى بالعودة إلى المبادئ الحقيقية للإسلام ولكنه دافع أيضا عن الأخذ بالأساليب الغربية وتكنولوجيا الغرب لتتيح للشرق أن يواجه التحدي الغربي على قدم المساواة أما حسن البنا فقد كان أكثر سلفية متمسكا بالدعوة إلى العودة إلى عصر الخلفاء الراشدين والالتزام بحرفية هذه الدعوة ومعنى هذا- كما تشير- أنه أراد أن يخلق وراء ظهره ثلاثة عشرة قرنا من التفسيرات والممارسات الدينية حتى نعود إلى الأصول .

ولم يكن هذا هو الجانب الوحيد فى دعوته السلفية وإنما ارتبط بها أيضا رفض أخذ أي شيء عن الغرب.

والواقع أن شخصية البنا قد تتجاوز هذا التقييمات البنا قد تتجاوز هذه التقييمات إذا ما نظر إليها من منظور شامل وليس فقط من خلال جانب من جوانبها والذي قد يبعدها أو يقربها من بعض الرموز الفكرية الأخرى.

ولعل أهم ما يميز هذه الشخصية ويجعلها تخالف جميع رموز الحركة الإصلاحية هو انتقالها من حيز الفكر إلى الحركة السياسية المنظمة ومن مجال العمل الفردي إلى العمل العام مباشرة.

بحيث يمكن القول أنها لعبت دورا هاما فى إحداث انقطاع مع الفكر الاصلاحى الذي ساد من قبل . فالنزول إلى مجال العمل السياسي والحركي ارتبط ارتباطا وثيقا بالتقليل من أهمية العمل الفكري والتجديد الديني الذي أولته الحركة الإصلاحية برموزها المختلفة أهمية كبيرة.

كذلك لم يواصل البنا المحاولات التحديثية التي أرست دعائمها الحركة الأولى. وربما يعود ذلك إلى موقف الخصومة الذي اتخذه من الفكر الحديث وبالتحديد من الحضارة الغربية بكل ما تحمله من قيم وأفكار.

إذا اعتبرالإسلام هو الإطار المرجعي الوحيد الذي يمكن الانطلاق منه استنادا على عدة أسس أهمها: أن الاستلام هو نظام جامع ومتكامل فى حد ذاته وهو المرحلة الأخيرة لسيرة الحياة فى كل جوانبها ، إنه نابع من مصدرين أساسيين خالدين هما القرآن والسنة.وأن الإسلام صالح للتطبيق فى كل مكان و زمان .

وبالتالي لم يقم البنا وزنا كبيرا للفكر الحديث الذي اعتبره وافد غربي بعكس النظرة التي نظرت بها الحركة الإصلاحية إلى نفس الفكر وحاولت الموائمة بينه وبين الفكر الإسلامى.

ويمكن استقراء الفكر السياسي للبنا من خلال محاور ثلاثة هي: موقفه من الحضارة الغربية، نظرته إلى شكل الحكم، وأخيرا دعوته " للجهاد" الذي اعتبره مبدأ لصيقا لحركته السياسية.

2- الموقف من الحضارة الغربية

كان للحضارة الغربية النصيب الأكبر من هجوم البنا إذ اتهمها بالانحلال والتردي وتنبأ بزوالها فيقول".. أن مدينة الغرب التي زهت بجمالها العلمي حينا من الدهر، وأخضعت العالم كله بنتائج هذا العلم لدوله وأممه هي الآن تفلس وتندحر وتندك أصولها وتتهدم نظمها وقواعدها فهذه أصولها السياسية تقوضها الدكتاتورية وأصولها الاقتصادية تجتاحها الأزمات، ويشهد ضدها ملايين البائسين من العاطلين والجائعين، وأصولها الاجتماعية تقضى عليها المبادئ الشاذة والثورات المندلعة فى كل مكان، وقد حار القوم فى علاج شأنها وضلوا السبيل".

ولا شك أن هذه النظرة المبدئية للحضارة الغربية قد حددت إلى حد كبير الموقف الفكري الحاد الذي اتخذه البنا منها وجعلته يقف منها موقف الخصومة، ويرى طريق الخلاص الوحيد فى العودة إلى الاسم فيقول" .. الإنسانية كلها معذبة شقية قلقة مضطربة وقد اكتوت بنيران المطامع والمادة فهي فى أشد الحاجة إلى عذب من سؤر الإسلام الحنيف يغسل عنها أوضار الشقاء ويأخذ بها إلى السعادة" ومن هنا رأى البنا أن أحد الأسباب الرئيسية للعودة إلى الإسلام ومنابعه الأولى تكمن فى فشل أو سقوط الحضارة الغربية، وسقوط قيمهم وطريقتهم فى الحياة المرتبطة بتأثير التكنولوجية والاختراعات العلمية التي أفضت من وجهة نظره إلى النظم الغربية " المادية" البحتة والتي لم تمنح الناس الراحة والهدؤ.

وفى نفس السياق نجد أن البنا قد تجاوز الطهطاوي وعبده والأفغاني الذين رأوا فى نظم أوربا الاجتماعية ما يتماثل مع الإسلام ولا يتعارض معه بل أن الإسلام يحض عليها ويقف معها على قدم المساواة طالما أن العقل يتطابق مع الوحي ويصلان على نفس النتيجة على عكس النتيجة التي توصل إليها البنا من أن الإسلام ونظمه الوحيدة الأكثر نقاءا وكمالا من أي نظم أو نظريات اجتماعية قائمة .

وفى ذلك يقول البنا".. وأنت إذا أمعنت النظر فى تعاليم الإسلام وجدته قد وضع أصح القواعد وأنسب النظم وأدق القوانين لحياة الفرد رجلا أو امرأة ، وحياة الأسرة فى تكوينها وانحلالها وحياة الأمم فى نشوئها وقوتها وضعفها وحلل الفكر التي أمامها المصلحون وقتادة الأمم .

فالعالمية والقومية والاشتراكية والرأسمالية والبلشفية والحرب وتوزيع الثروة ، والصلة بين المنتج والمستهلك وما يمت بصلة قريبة أو بعيدة على هذه البحوث التي تشغل بال ساسة الأمم وفلاسفة الاجتماع، كل هذه تعتقد أنالإسلام خاض فى لبها، ووضع للعالم النظم التي تكفل له الانتفاع بما فيها من محاسن وتجنب ما يستتبعه من خطر وويلات.

وتجدر الإشارة هنا إلى ملاحظة هامة حول أفكار حسن البنا وموقفه من الغرب الذي يبدو فى بعض الأحيان متناقضا.

غذ رغم أنه اجتهد فى هدم كل ما أتت به الحضارة الغربية من نظم وأفكار لتنظيم شئون الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ،ورفض الغرب فى عدة قضايا كان الطهطاوي والأفغاني وعبده قد قبلوا مناقشتها بل وحاولوا الموائمة بينها وبين الإسلام اعتمادا على الاجتهاد ، حيث سلم بأن هناك نقاط يستحيل التلاقي فيها مع الحضارة الغربية وكان يعنى بها النظم الحياتية ذات الصلة الوثيقة بالعقائد الدينية كالنظام الاقتصادي والمالي الذي يعتمد على الربا كأساس فى معاملاته وللنظام الديمقراطي الذي يعتمد على سلطة الشعب المطلقة فى التشريع ،ومبدأ الحرية الشخصية دون تقنيتها دينيا، وكذلك النظام الاجتماعي والتعليمي وبرامجه التي تعتمد على فكرة العلمانية أساسا.

إلا أنه- اى البنا- عاد فى المقابل ليؤكد ليس فقط تفوق الإسلام على الحضارة الغربية وإنما وهذا هو الأهم اشتماله على كل ما أولدته هذه الحضارة من نظم.

ويشير على أن نظام الصلاة وحده يكفى لإثبات اشتمال الإسلام على كل المعاني والقيم المرتبطة بالنظم الغربية فيقول إنه إذا كانت الفائدة العظمى للنظام الشيوعي هي الإعلاء من قيمة المساواة وإلغاء الفوارق الطبقية، فإن الإسلام يتفوق فى ذلك بأنه جعل الناس متساوين أمام الله.

ويتجسد ذلك من خلال الصلاة بوقوف الناس متساويين خلف الإمام. ثم يعود للإشارة على حق من يخلف الإمام فى أن ينبهه إلى أي خطأ يقع فيه ليؤكد على معنى الديمقراطية فى الإسلام.

وبالتالي فليس فى نظره ما يجعل هذه النظم تتفوق على الإسلام الذي يجمع بين أحمل وأعظم ما فى النظم الغربية.

ورغم ما فى هذا التشبيه من تبسيط شديد للأمور إلا أنه يعبر فى الوقت نفسه عن نوع من التناقض فى أفكار حسن البنا إزاء الغرب إذ رغم هذا " الازدراء الشديد" الذي تحمله كتاباته عنه إلا أن محاولاته إثبات اشتمال الإسلام على كل ما أتت به النظم الغربية يحمل فى طياته أن لم يكن أعجابا فعلى الأقل اعترافا بفضائل بعض القيم الغربية، التي سبق ورفضها جملة وتفصيلا.

وهو موقف يحمل- فى نظرنا- موقفا دفاعيا إزاء الحضارة الغربية بنظمها وتشريعاتها وهو نفس الموقف الذي اتخذه أصحاب الخط الاصلاحى من قبل، وإن كان الفارق هنا يكمن فى أن الموقف الاصلاحى قاد إلى محاولات التوفيق بين النظامين الإسلامى والغربي بعكس موقف البنا الذي أوحى إلى عملية القطع وخلق نوع من الخصومة بينهما.

ولعل ذلك قد يرجع على الحكم النهائي الذي أصدره على الحضارة الغربية والتي اعتبرها " حضارة مادية" بقيمها وأفكارها ومبادئها التي تتناقض مع القيم الروحية والأخلاقية للإسلام.

ولكن هذا الموقف من الحضارة الغربية لا يمنع من أن يكون للمسلمين موقفا نفعيا منها، فوفقا لما يراه البنا أن الإسلام يرفض اقتباس المنافع، فيقول فى " دعوتنا فى طور جديد" ".. فليس هناك ما يمنع من أن ننقل عن حضارة الغرب كل ما هو نافع مفيد عنها أو غيرها من لحضارات ونطبقه وفق قواعد ديننا ونظام حياتنا وحاجات أمتنا ولكن دون أن نتشبه بمن ليسوا من دين الله وأن نطرح فى المقابل عقائد الإسلام وحدوده وأحكامه ونواهيه..".

وطبقا لهذه النظرة المجتزأة للحضارة حدد البنا الفروع والمجالات التي يمكن فقط الإفادة من الحضارة الحديثة فيها ومنها.

- فن الإدارة النظري والعملي فى المجالات العملية المتقدمة.
- العلوم التطبيقية .
- فن الإعلام ووسائله وإمكاناته المتطورة وإدارته.
- فن تخطيط المدن وحركة المرور وحل أزمة الإسكان.
- شبكات الخدمات.
- الاستخدامات النووية المدنية.
- مشكلة الطاقة وتنوع مصادرها.
- المستشفيات والصيادلة.
- التأمين الاجتماعي.
- الصناعات الخفيفة والثقيلة، الإنتاج الحيواني والزراعي، محاربة التلوث.

هذه الأمثلة توضح الرغبة فى الاستفادة من النتاج المادي للحضارة الغربية دون قيمها وفلسفتها باعتبارها منافية للإسلام ولا شك أن هذه الرؤية تبسيط لمفهوم الحضارة ومكوناتها وأسبابها وإبداعاتها ، غذ أن هذه النظرة لا تزيد فى جوهرها عن فكرة الاستعارة أو استعارة المظاهر المادية للحضارة الغربية دون النظر إلى الأفكار والقيم التي تقف وراء هذه المظاهر. كذلك يلاحظ تشديد البنا على بعض المجالات التي قد تخدم الحركة نفسها فى المستوى السياسي خاصة ما يتعلق بفن التنظيم والإعلام.

وفى المقابل شدد البنا على استحالة التفاعل مع الحضارة الغربية فيما يخص النظم والشئون الحياتية التي يعتقد أنها وثيقة الصلة بالعقيدة الدينية.

3- شكل الحكم والخلافة الإسلامية

لا شك أن هجوم البنا على الغرب بنظمه ومؤسساته السياسية والاقتصادية والاجتماعية قد ارتبط فى المقابل بالمطالبة بإقامة نظام إسلامي وهو الهدف الذي احتل الاهتمام الأول من البنا رغم أنه لا يعكس رؤية متكاملة عن شكل هذا النظام ومؤسساته بقدر ما عكس مجموعة من المبادئ العامة المستمدة من القرآن والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين.

فيقول حسن البنا فى رسالته بعنوان دعوتنا ".. دعوتنا دعوة أجمع ما توصف به أنها إسلامية ولهذه الكلمة معنى واسع غير ذلك المعنى الضيق الذي يفهمه الناس، فإننا نعتقد أن الإسلام معنى شامل ينظم شئون الحياة جميعا ويفتى فى كل شأن منها ويضع له نظاما محكما ولا يقف مكتوفا أمام المشاكل الحيوية والنظم التي لابد منها لإصلاح الناس، ففهم بعض الناس خطأ أن الإسلام قاصر على ضروب من العبادات ،وأوضاع من الروحانيات، وحصروا أنفسهم وإفهامهم فى هذه الدوائر الضيقة من دوائر الفهم المحصور.

ولكننا نفهم الإسلام على غير هذا الوجه فهما فسيحا واسعا ينظم شئون الدنيا والآخرة، ولسنا ندعى هذا ادعاء أو نتوسع فيه من أنفسنا وإنما هو ما فهمناه من كتاب الله وسنة رسوله ومسيرة المسلمين الأولين..".

وحول النظام الاقتصادي يكرر البنا نفس المعنى إذ يشير إلى أن " الأمة الناهضة أحوج إلى تنظيم شئونها الاقتصادية ، وهى أهم الشئون فى هذه العصور ولم يغفل الإسلام هذه الناحية بل وضع كلياتها .

وفى إطار العموميات وتجنب الخوض فى تفاصيل الشكل التنظيمي والمؤسس للحكم فى الإسلام يؤد البنا مرة أخرى على أن " نظم الإسلام فيما يتعلق بالفرد أو الأسرة أو الأمة حكومتها وشعبها وصلة الأمم بعضها ببعض .

نظم الإسلام فى ذلك كله د جمعت بين الاستيعاب والدقة وإيثار المصلحة وإيضاحها، وإنها أكمل وأنفع ما عرف الناس من النظم حديثا أو قديما، هذا الحكم يؤيد التاريخ ويثبته البحث الدقيق فى كل مظاهر حياة الأمة".

وارتبطت هذه الرؤية بالمطالبة بعودة الخلافة باعتبارها رمزا للوحدة الإسلامية، ومظهر الارتباط بين أمم الإسلام، كما أن الخليفة هو مناط كثير من الأحكام فى دين الله، فيقول البنا ".. والخليفة مناط كثير من الأحكام فى دين الله ولهذا أقدم الصحابة رضوان الله عليهم النظر فى شأنها على النظر فى تجهيز النبي صلى الله عليه وسلم، ودفنه حتى فرغوا من تلك المهمة واطمأنوا إلى إنجازها.." ولهذا يروى أن الخلافة ركن اساسى من أركان الحكم فى الإسلام، فيؤكد على أن ".. والأحاديث التي وردت فى وجوب نصب الإمام وبيان أحكام الامامه وتفصيل ما يتعلق بها لا تدع مجالا للشك فى أن من واجب المسلمين أن يهتموا بالتفكير فى أمر خلافتهم منذ حورت عن مناهجها ولذلك فإن – الإخوان المسلمون يجعلون فكرة الخلافة والعمل لإعادتها فى رأس مناهجهم.." ويعود التأكيد على مكنة الحليفة الذي يأخذ عنده شكلا مثاليا، وهو ما يجعله يتجنب الدخول فى تفاصيل حول الممارسات الواقعية للخلفاء على مر التاريخ الإسلامى، يجعل فكرته حول الخليفة تقترب من الأفكار الأسطورية حول فكرة المخلص الذي لم يأت بعد فيقول".. أن الخطوة المباشرة لإعادة الخلافة لابد أن تسبقها خطوات.. حتى إذا استوثق ذلك للمسلمين كان عنه الاجتماع على الإمام الذي هو واسطة العقد، ومجتمع الشمل، ومهوى الأفئدة، وظل الله فى الأرض ".

ولا شك أن إيمان البنا الشديد بنظام الخلافة ومنصب الخليفة فى ذاتهما كانا وراء دعوته " العالمية" الحركة تتوحد فى ظل خلافة إسلامية ، أن كل شبر من الأرض لنا فيه أخ يدين القرآن الكريم فإنها هو قطعة من الأرض الإسلامية العامة التي يفرض الإسلام العامة التي يفرض الإسلام على كل أبنائها أن يعملوا لحمايتها وإسعادها .." كما حددتا مواقفه إزاء مفهوم " الوطنية والقومية" فيعرف وطنية الإخوان بقوله" .. إننا نعتبر حدود الوطنية بالعقيدة وليس بالتخوم الأرضية والحدود الجغرافية فكل بقعة فيها مسلم، وطن عندنا له حرمته وقداسته وحبه والإخلاص له و الجهاد فى سبيل خيره.." وهو نفس المنطق الذي يتحدث به عن " القومية" فيقول " الإخوان المسلمون لا يؤمنون بالقومية..ولا بأشباهها ولا يقولون فرعونية وعربية وفينيقية وسورية ولا شيئا من هذه الألقاب والأسماء التي يتنابز بها الناس .. ".

وفى المقابل يعرف مفهوم القومية منظور تنظيمي( نوعية التنظيم) فيشير " .. إذا قصد بالقومية أننا جميعا مبتلون مطالبون بالعمل و الجهاد، فعلى كل جماعة أن تحقق الغاية من جهتها حتى نلتقي جميعا إن شاء الله فى ساحة النصر فنعم التقسيم هذا .." وهذا يعنى أن مفهوم القومية اكتسب صفة مرحلية عند البنا وارتبط فقط بمهمة محددة وهى العمل بشكل منظم داخل كل قطر على حدة حتى تتحقق الوحدة الإسلامية وهو تعريف يكتسب طابعا وليس مفهوما خدمة للدعوة. " ف الإخوان المسلمين لا يخصون بهذه الدعوة قطرا من الأقطار الإسلامية.

ولكنهم يرسلونها صيحة يرجون المسلمين لا يخصون بهذه الدعوة قطرا من الأقطار الإسلامية. ولكنهم يرسلونها صيحة يرجون أن تصل إلى آذان القادة والزعماء فى كل قطر يدين أبناؤه بدين الإسلام" ويؤكد على نفس المعنى فى رسالة المؤتمر الخاص حيث يشير إلى أن " العالم تجرفه موجة القوميات الجنسية" ويتساءل " فكيف تقفون أمام هذا التيار وكيف تخرجون على ما اتفق عليه الناس؟ ويرى فى الإجابة عن هذا السؤال " أن الناس مخطئون وان نتائج خطأهم فى ذلك ظاهرة وملموسة فى إقلاق راحة الأمم وتعذيب ضمائر الشعوب مما لا يحتاج إلى رهان.."

وتقودنا أفكار البنا حول " الخلافة" كشكل للحكم آراءه فى الوطنية والقومية إلى موقفه الرافض للحكومات القائمة والمؤسسات السياسية التي تستحدثها من هيئات وأحزاب سياسية.. فيقول البنا فى شكل الحكم.."إن الإسلام حكم وتنفيذ، كما هو تشريع وتعليم، كما هو قانون وقضاء، لا ينفك واحد منها عن الآخر.. وكما نرى فالتشريع الإسلامى فى واد والتشريع الفعلي والتنفيذي فى واد آخر، وإن تعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من ايدى الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف.. وعلى هذا ف الإخوان المسلمون لا يطلبون الحكم لأنفسهم، فإن وجودوا من الأمة من يستعد لحمل هذا العبء وأداء هذه الأمانة والحكم بمنهاج إسلامي قرآني فهم جنوده أنصاره وأعوانه وإن لم يجدوا فالحكم من مناهجهم وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله".

وفى هذا الإطار رأى البنا ضرورة البعد عن الأحزاب والهيئات لما فيها من تنافر وتناحر- كما يرى- لا تتفق مع أخوة الإسلام ودعوته فيقول "..

نحن الآن وقد اشتد ساعد الدعوة وصلب عودها وأصبحت تستطيع أن توجه ولا توجه إن تؤثر ولا تتأثر بالكبراء والأعيان والهيئات والأحزاب وأن ينضموا إلينا ، وأن يسلكوا سبيلنا وأن يعملوا معنا وأن يتركوا هذه المظاهر الفارغة التي لا غناء فيها، ويتوحدوا تحت لواء القرآن العظيم ويستظلوا براية النبي الكريم ومنهاج الإسلام القويم.." وهو ما يعكس رفضا صريحا للتعددية السياسية والحزبية ، فيشير بوضوح" .. و الإخوان المسلمون يعتقدون أن الأحزاب السياسية المصرية جميعا قد وجدت فى ظروف خاصة ولدواع أكثرها شخصي لا مصلحي.. كما يعتقد الإخوان أن هناك فارقا بين حرية الرأي والتفكير والديانة والإفصاح والشورى والنصيحة وهو ما يوجبه الإسلام دين التعصب للرأي والخروج على الجماعة والعمل الدائب على توسيع هوة الانقسام فى الأمة وزعزعة سلطان الحكام وهو ما تسلتزمه الحزبية ويأباه الإسلام ويحرمه أشد التحريم والإسلام فى كل تشريعاته إنما يدعو إلى الوحدة والتعاون..".

ورغم أن هذه الآراء شديدة الوضوح عن موقف البنا من التعددية الحزبية أي من النمط الديمقراطي فى الحكم إلا أن ذلك لم يمنع من أن يكون له موقفا عمليا أو مرحليا فى التعامل معها فيقول".. إن الإخوان أعقل وأحزم من أن يتقدموا لمهمة الحكم ونفوس الأمة على هذا الحال، فلابد من فترة تنشر فيها مبادئ الإخوان وتسود ويتعلم فيها الشعب كيف يؤثر المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.. إنه ليس أعمق فى الخطأ من ظن بعض الناس، إن الإخوان المسلمون كانوا فى عهد من عهود دعوتهم مطية لحكومة من الحكومات، أو منفذين لغاية غير غايتهم أو عاملين على منهاج غير مناهجهم ، فليعلم ذلك من لم يكن يعلمه من الإخوان ومن غير الإخوان.." ويضيف " .. إن اليوم الذي يستخدم فيه الإخوان لغير فكرتهم الإسلامية البحتة لم يجيء بعد ولن يجيء أبدا.. وبهذه المناسبة أقول إن الإخوان المسلمون يعتقدون عقم فكرة الائتلاف بين الأحزاب ويعتقدون أنها مسكن لا علاج وسرعان ما ينقض المؤلفون بعضهم على بعض فتعود الحرب بينهم جذعة أشد ما كانت عليه قبل الائتلاف، والعلاج الحاسم الناجح، إن نزول هذه الأحزاب مشكورة فقد أدت مهمتها وانتهت الظروف التي واجدتها ولكل زمان دوله ورجال كما يقولون..".

4- " الجهاد" عند حسن البنا

" الإسلام عبادة وقيادة، ودين ودولة، وروحانية وعمل، وصلاة وجهاد وطاعة وحكم، ومصحف وسيف لا ينفك من هذين عن الآخرين.." بهذه الكلمات يلخص حسن البنا حركة الإخوان المسلمين التي تعتبر الجهاد ركنا أساسيا وأصيلا فيها.فالحركة في النهاية تعبر عن العمل والنضال وليست مجرد رسالة فلسفية أو فكرية.

وهذا هو واحد عناصر تميزها الرئيسية عن الحركة الإصلاحية. ويقول البنا".. تحتاج الأمم الناهضة إلى القوة وطبع أبنائها بطابع الجندية ولا سيما في هذه العصور التي لا يضمن فيها المسلم إلا بالاستعداد للحرب والتي صار شعار أبنائها جميعا القوة أضمن طريق لإحقاق الحق.. والإسلام لم يغفل هذه الناحية بل جعلها فريضة محكمة من فرائضه ولم يفرق بين الصلاة والصوم في شيء وليس في الدنيا كلها نظام عنى بهذه الناحية لا في القديم ولا في الحديث كما عنى بذلك الإسلام في القرآن بقوله" واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم" والمعروف أن شعار الجماعة الذي يحمل كلمة أعدوا وخلفها صورة المصحف والسيف لهو أكبر دليل على التزام الجماعة " ب الجهاد" وإعطاءه أولوية كبيرة في مجال دعوتهم.

وإن كان تلك ذلك لم يمنع البنا أن يرجئ الجهاد على مرحلة ثانية من حركته بعد أن اطمئن من ترسيخ دعوته من خلال التربية التي اعتبرها هي الخطوة الأولى لتربية النفس وبث مبادئ الدعوة والتمهيد لفكرة الجهاد.

فيقول في مذكرات الدعوة والداعية تحت عنوان " ما خطوتكم الثانية" ." .. كان موقفكم أيها الإخوان سلبيا هكذا فيما مضى، أما اليوم وأما في هذه الخطوة الجديدة فلن يكون كذلك، ستخاصمون هؤلاء جميعا( يتحدث عن رجال الحكم والأحزاب) في الحكم وفى خارجه خصومة شديدة لديدة إن لم يستجيبوا لكم ويتخذوا تعاليم الإسلام منهاجا يسيرون عليه ويعملون له سيكون هؤلاء جميعا منضمين لكم في وحدة قوية وكتلة متراصة متساندة إن أجابوا داعي الله وعملوا معه.. وهذا موقف إيجابي واضح لا يعرف التردد ولا يتوسط بين الحب والبغض. فإما ولاء وإما عداء ولسنا في ذلك نخالف خطتنا أو ننحرف عن طريقتنا أو نغير مسلكنا بالتدخل في السياسة كما يقول الذين لا يعملون .

ولكننا بذلك ننتقل خطوة ثانية في طريقتنا الإسلامية وخطتنا المحمدية ومنهاجنا القرآني ولا ذنب لنا إن تكون السياسة جزءا من الدين وأن يشمل الإسلام الحاكمين والمحكومين.

ويختتم قوله بالدعوة صريحة إلى الجهاد فيقول " أيها الإخوان أعلن لكم هذه الخطوة على صفحات جريدتكم هذه لأول عدد منها وأدعوكم إلى الجهاد العملي بعد الدعوة القولية".

ومن هنا اعتبر البنا الجهاد فريضة دينية لا تقل أهمية عن الفرائض الأخرى بل هو منهاج أساسي من مناهج الدعوة لتحقيق أهدافها التي تمتد إلى جميع مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

5- البنا ورؤيته للتغيير الاجتماعي

تبقى ركيزة هامة في أفكار حسن البنا التي أقام عليها حركة الإخوان المسلمين وهى تلك المتعلقة بضرورة التغيير الاجتماعي بما يتفق ومبادئ الحركة وأهدافها سواء على المستوى القانوني أو السلوكي الخاص بالأفراد.

فتحت عنوان أصلحوا القانون يقول البنا " إن لكل أمة قانونا يتحاكم إليه أبناؤها وهذا القانون يجب أن يكون مستمدا من أحكام الشريعة الإسلامية مأخوذا عن القرآن الكريم، متفقا مع أصول الفقه الإسلامى" ولم يرتبط مطلب البنا في تغيير القوانين الوضعية بالشريعة الإسلامية باجتهاد فكرى أو دعوة للتجديد – وهو الأمر الذي لم يكن ليوليه البنا اهتمامه الأول- وإنما كان أقرب إلى المبادئ العامة رأى البنا أن هذا المطلب في ذاته كفيل بإصلاح المجتمع وتحويله إلى مجتمع إسلامي دون حاجة إلى أى محاولة للموائمة بينه وبين القوانين الحديثة التي تتمشى مع روح العصر، واكتفى بالقول بعدم تناقض الشريعة مع أصول التشريع الحديث، وركز في المقابل على مسألة تطبيق " الحدود" باعتبارها المدخل الأساسي لسيادة الشريعة الإسلامية وتغيير المجتمع فيقول" .. إن حدود الله لو نفذت لزاجرا يردع المجرم وإن اعتاد الإجرام ويكف العادي وإن تأصل في نفسه العدوان ويريح الحكومات من عناء التجارب الفاشلة والتجربة تثبت ذلك وتؤيده وأصول التشريع الحديث تنادى به وتدعمه..".

ولم تغن هذه الدعوة حسن البنا عن المطالبة بتغيير مظاهر الحياة الاجتماعية على المستوى السلوكي فيقول تحت عنوان " حاربوا الإباحية" ".. وإن هذه الإباحية المغربة والمتعة الفاتنة واللهو العابث في الشوارع والمجامع والمصايف والمرابع يناقض ما أوصى الإسلام باتباعه من عفة وشهامة وإباء وانصراف على الجد وابتعاد عن الإسفاف، فكل هذه المظاهر وأشباهها على الأمم الإسلامية إن تبذل في محاربتها ومناهضتها كل ما في وسع سلطاتها وقوانينها من طاقة ومجهود ولا تنى في ذلك ولا تتواكل".

ويمكن تلخيص الأفكار الأساسية التي قامت عليها إستراتيجية البنا في عدة نقاط:

1- تجنب العمل على أرضية الفكر الديني ونقل الصراع حول الإسلام إلى الساحة السياسية.
2- التمسك بالفكر السفلى.
3- المطالبة بإحياء الخلافة واعتبار الخليفة رمزا للوحدة الإسلامية.
4- رفض التنظيمات السياسية " الانقسامية" كما يصفها البنا أى رفض التعددية الحزبية بمفهومها الحديث.
5- الإيمان ب الجهاد لتحقيق أهداف الحركة بما فيها القوى المسلحة مع القبول بالمرحلية في تحقيق هذه الهداف.
6- رفض الحضارة الغربية بكل ما تقوم عليه من قيم ومبادئ مع القبول بالاستفادة من منجزاتها المادية والتكنولوجية.
7- معاملة أى نظام- غير إسلامي- باعتباره طاغية يجب مقاومته بكل الطرق.
8- الدعوة لتغيير السلوكيات الاجتماعية باسم " محاربة المنكر".

( يلاحظ إن هذه المرتكزات هي نفسها المرتكزات التي قامت عليها أفكار الجماعات الإسلامية المعاصرة- كما سنرى- رغم وجود بعض الخلافات حول سبل تحقيق بعض هذه الأفكار).

ولا شك أن فكر حسن البنا قد لعب الدور الأول في توجيه مسار جماعة الإخوان المسلمين فكريا وحركيا، ولعب عبد القادر عودة الشخصية الثانية دورا هاما في التنظير والتأصيل لأفكار البنا، وبالتالي ترسيخها في وجدان الجماعة، وتجدر الإشارة على أن أعمال عبد القادر عودة قد دارت في نفس الإطار الفكري الذي أرساه البنا دون تجاوزه رغم جهوده التنظيرية والتفسيرية التي قام بها خاصة فيما يتعلق بقضية الشريعة الإسلامية حيث أصل لها وقام بعملية مقارنة بينها التشريعات الوضعية ولكن من غيرأن يغنى ذلك التوفيق بينهما بسبب التزامه بمصدر التشريع، وهو ما اعتبره مناقض في الحالتين لأن مصدر التشريع في الشريعة الإسلامية هو الله.

بعكس الشرائع الوضعية التي يضعها الإنسان . والذي يترتب عليه نتائج وأحكام عديدة.

المبحث الثالث:سيد قطب والتحول الراديكالي

لعبت هذه الشخصية المحورية دورا خطيرا في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين فكرة وحرك. كما كان لها التأثير الأول على نمو الجماعات الإسلامية المعاصرة بتياراتها المختلفة.

والتي ولدت أغلبها في السجون في حقبة الستينات. وفى ذلك يقول فريد عبد الخالق " .. كان للتعذيب الوحشي في عهد عبد الناصر أثرة ورد فعله الفكري على سجناء الإخوان المسلمين الذين دخلوا السجون أثر محاكمات 1954 خاصة لدى الشباب وزاد منها الاضطهاد الذي لاحقه الإخوان في أكثر البلاد العربية.

وقادهم ذلك على تكفير الحكام والمحكومين الذين عاونوهم على ظلمهم وراحوا يبحثون مسألة جاهلية المجتمع وقضية الجماعة والبيعة.. وشهد سجن القناطر هذا الصراع الفكري حول هذه الأفكار حتى انتهت مدة عقوبة هؤلاء الشباب وهى عشر سنوات فخرجوا من السجون خلال سنتي 1963- 1965 وهم على هذا الحال.. ومما يجدر ذكره أنه كان لوجود الشهيد " سيد قطب" بين سائر الإخوان في السجون قرابة ثمانية أعوام فيما بين عامي 19551962 دور كبير بالنسبة له شخصيا حيث احتك من قريب بالإخوان لا سيما الشباب منهم.." ويضيف ".. نشأ فكر التكفير من شباب بعض الإخوان في سجن القناطر في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات وقد تأثروا بفكر الشهيد سيد قطب.."

ولهذا تحتل شخصية سيد قطب أهمية خاصة بسبب النقلة الهامة التي أحدثها في مسار الحركة الإسلامية ولتأثيرها الكبير على تاريخها الحديث والذي ما زالت ظلاله باقية على الآن.

هذا الدور المتميز يجعلنا نقف عند أفكار سيد قطب والتطوير الذي أحدثه في منهاجية الفكر الاخوانى الذي عبر عنه حسن البنا والذي مهد به للمنهج الحركي الذي تبنته الجماعات الإسلامية بعد ذلك.

لا يمكن إغفال أثر المسيرة الذاتية ل سيد قطب على تشكيل أفكاره وتوجيهها. فقد ولد في صعيد مصر في مدينة أسيوط عام 1906 في ظل أسرة متدينة حيث تلقى تعليمه الأولى، قبل أن ينتقل وعائلته إلى حلوان، وواصل تعليمه في دار العلوم. التحق بجامعة القاهرة عام 1929 حيث حصل على دبلوم الفنون والآداب في 1933 .

وعمل فترة وجيزة مفتشا في وزارة التعليم، ثم ترك الوظيفة ليتفرغ للكتابة التي اتجهت وجهة دينية تماما منذ 1939 . سافر إلى أمريكا وأمضى فيها حوالي عامين ( 1949- 1951) كان لهما أثر في توجيه فكره المعادى للغرب والمدنية الغربية.

بعد عودته انضم على جماعة الإخوان المسلمين وأسندت إليه الجماعة مهمة " الدعوة" ثم أصبح رئيس تحرير مجلة الدعوة في 1956، وهو ما عرضه للمواجهة مع النظام بسبب كتاباته ومواقفه السياسية خاصة بعد معارضته للمعاهدة المصرية الانجليزية في يوليو 1954، مما دعي النظام إلى حظر صدور المجلة في سبتمبر 1954 والحكم على سيد قطب بالسجن خمسة عشرة عاما في يوليو 1955.

وقد استكمل عمله الضخم الشهير " في ظلال القرآن" داخل السجن الذي قضى فيه بقية حياته باستثناء الفترة التي أطلق صراحه فيها عام 1964 والتي تقل عن العام، بعدها عاد إلى السجن مرة أخرى حيث شهد نهايته بعد الحكم عليه بالإعدام وتنفيذه في 29 أغسطس 1966 بعدها أثار كتابه الأخير " معالم في الطريق" ضجة كبيرة واعتبره النظام محرضا ضد الحكم.

ولا شك أن المدة التي قضاها في السجن لعبت دورا هاما في توجيه أفكاره التي اتخذت متشددة فيها، خاصة ما يتعلق منها بأفكار حول " الجهاد".

ويشير د. محمد أحمد خلف الله أن هناك نوعين من المؤثرات- سياسية وثقافية- ساهمتا – في بلورة النزعة الثورية في أفكار قطب.

فالأولى، حددتها الظروف التاريخية التي عاشها والواقع السياسي الذي شهده ومجموعة من قادة الإخوان وما تعرضوا له من سجن وتعذيب، وهو ما دفعه لاتخاذ موقفا متشددا من الحكم وبالتالي زاد من توجهه الفوري.
أما الثانية، فملخصها المؤثرات الثقافية التي تأثر بها سيد قطب وكان لها اتجاهين الأول، هو الفكر الإسلامى الناشئ في الهند وباكستان والذي تمثل في أعمال مفكران إسلاميان هما أبو الأعلى المودودى ، أبو الحسن الندوى وقد قام قطب بنقل كتاب الندوى" ماذا خسر العالم بتخلف المسلمين" إلى العربية والذي تأثر به في كتاباته بعد ذلك ومن أشهرها " المستقبل لهذا الدين"، و" معالم في الطريق" .

أما الآخر، فيتمثل في الفكر التاريخي الغربي الذي عبر عنه عند قطب المفكر الغربي " الكسيى كاريك" مؤلف كتاب" الإنسان ذلك المجهول" وكان لهذا الكتاب ومؤلفه أثر واضح فيما كتبه سيد قطب تحت عنوان " الإسلام ومشكلات الحضارة".

ولكن تجدر الإشارة هنا إلى تأثير كل من هذين الاتجاهين على قطب كان مختلفا. فبينما تعامل مع الفكر الأول بإعجاب وتسلم بكثير من ألأفكار التي أتى بها إلا أنه اختلف مع الاتجاه الثاني فقد سلم قطب بفكرة " جاهلية " المجتمعات الغربية والحكم عليها بأنها غير مسلمة وأن هذه الجاهلية هي سبب تخلف المسلمين وعجزهم عن قيادة البشرية وهى الفكرة التي قال بها الندوى الذي تحدث أيضا عن مفهوم" حاكمية الله" مع ملاحظة أن الندوى كان يعيش في بلاد الهند حيث أكثريتها من غير المسلمين كما أن حكوماتها غير إسلامية ولم يراع قطب هذا الاختلاف في حال المجتمعين الهندي والعربي عندما أخذ ينشر أفكار الندوى بعد ترجمة كتابه وفى المقابل اختلف قطب مع " كاريل " في الأفكار التي طرحها حول الحضارة والعلم وعلاقة الإنسان بهما.

فقد أعلن قطب عدم معارضته الغربية القائمة على أساس من العلم التجريبي ولكن لأسباب تختلف عن الأسباب التي أشار لها كاريل وتتلخص أسببا قطب في الأساس الديني الذي يراه لهذه الحضارة وهو أنها من نتاج الحضارة الإسلامية التي أخذ الغرب حضارته عنها في كل من صقلية وبلاد الأندلس.

ورفض أفكار كاريل حول نهوض الإنسان من خلال التمسك بالمنهج الرباني وحده وهو جوهر الفكرة التي صاغ حولها كتابه الهام" معالم في الطريق".

1- أفكار سيد قطب

من الصعب اعتبار فكر سيد قطب – رغم نزعته الثورية- فكرا جديدا تماما على الفكر الاخوانى التقليدي الذي أرساه حسن البنا أو متناقضا معه.

فالمرتكزات الأساسية التي بني عليها قطب فكره هي في جوهرها نفس المرتكزات التي استند عليها البنا فيما يتعلق بالقضايا الأساسية والرؤية العامة لحركته السياسية وإن كانت النزعة الراديكالية التي اتسم بها سيد قطب .

جعلته يختلف مع المنهج الحركي لفكر البنا ربما ليس في المضمون- وإنما في الدرجة.

وبالتالي فقد يكون من الأفضل اعتبار فكر سيد قطب تطويرا من داخل نفس المدرسة أى مدرسة حسن البنا.

(أ‌) أولوية العمل الحركي عند قطب:

مثل حسن البنا آمن سيد قطب بأولوية العمل الحركي على أى عمل آخر واعتبر الحركة هي مجال العمل الأساسي لإحداث تغيير جذري في المجتمع من أجل إقامة الحكم الإسلامى فيقول في " معالم في الطريق" ".. إن العقيدة الإسلامية يجب أن تتمثل في نفوس حية، وفى تنظيم واقعي وفى تجمع عضوي، وفى حركة تتفاعل ع الجاهلية من حولها.." إن التصور الإسلامى للإلوهية وللوجود الكوني وللحياة وللإنسان تصور شامل كامل ولكنه كذلك تصور واقعي إيجابي وهى يكره بطبيعته أن يتمثل في مجرد تصور ذهني معرفي لأن هذا يخالف طبيعته وغايته ويجب أن يتمثل في الناس وفى تنظيم حي وفى حركة واقعية..".

(ب‌) موقفه من " القومية":

لم يختلف موقف سيد قطب من مفهوم القومية عن موقف حسن البنا حيث ساوى الاثنان بين القومية والعقيدة بمعنى أن تكون العقيدة هي رابطة التجمع الأساسية وموازية للجنسية يقول قطب ".. إن المجتمع الإسلامى وحده هو المجتمع الذي تمثل فيه العقيدة رابطة التجمع الأساسية والذي تعتبر فيه العقيدة هي الجنسية بين الأسود والأبيض والأحمر والأصفر والعربي والرومي والفارسي والحبشي وسائر الأرض في أمة واحدة ربها الله.."، ويقول عن الحضارة الإسلامية".. لم تكن هذه الحضارة الإسلامية الضخمة يوما ما عربية إنما كانت دائما إسلامية ، ولم تكن يوما قومية إنما كانت دائما عقيدية " ولا شك أن هذا هو جوهر فكرة القومية التي قال بها حسن البنا والتي تتفق مع الهدف الأعلى لهما وهو إقامة الخلافة الإسلامية التي لا تعترف بالحدود القومية ولا بالدولة القومية بمعناها الحديث وبالتالي لا تقر القواعد التي تقوم عليها مفهوم المواطنة أو القومية الحديثة.
وفى المقابل فإن تعريفات كل من حسن البنا وقطب عن القومية إنما تصب في النهاية عند مفهوم الأممية الذي يتفق والدعوة للخلافة الإسلامية.

(ج) موقف قطب من الحضارة الغربية:

انتقل قطب من موقف الإعجاب الشديد بالحضارة الغربية إلى المعاداة التامة لها وللعالم الغربي المعبر عنها.
وقد يعكس ذلك النظرة الحدية عند قطب التي تجعله يقف دائما بين طرفي نقيض ويأبى الموقف التوافقي والنظرة التصالحية التي سادت المدرسة الإصلاحية .
ويفسر قطب هذا التحول الحاد الذي طرأ على موقفه من هذه الحضارة بقوله".. لم أكن قد تخلصت بعد من ضغط الرواسب الثقافية في تكويني العقلي والنفسي وهى رواسب آتية من مصادر أجنبية ، غربية على حسي الإسلامي، وعلى الرغم من اتجاهي الإسلامى الواضح في ذلك الحين، إلا أن هذه الرواسب كانت تغبن تصوري وتطمسه.. ثم انجلت الصورة.. المجتمع المسلم هي المجتمع المتحضر..".
لم يبعد موقف سيد قطب عن الموقف الذي اتخذه البنا من الحضارة الغربية والذي فصل فيه بين علومها الإنسانية وفكرها وفلسفتها وبين النتاج المادي لها وفى حين تم رفض التفاعل مع الجانب الأول منها، فقد قبل التعامل مع الجانب الآخر الناتج عن التقدم العلمي والتكنولوجي.
ويشير سيد قطب " إن حكاية أن الثقافة تراث إنساني لا وطن له ولا جنس ولا دين هي حكاية صحيحة عندما تتعلق بالعلوم البحتة وتطبيقاتها العلمية دون أن تجاوز هذه المنطقة إلى التفسيرات الفلسفية الميتافيزيقية لنتائج هذه العلوم ولا إلى التفسيرات الفلسفية لنفس الإنسان ونشاطه وتاريخه ولا في الفن والأدب والتعبيرات الشعورية جميعا.ز" ، وتأكيدا على قبول الجانب المادي فقط من هذه الحضارة يقول " ..إن الإسلام يتسامح في أن يتلقى المسلم من غير المسلم ومن غير التقى من المسلمين في علم الكيمياء أو الطبيعة أو الفلك وأيضا في الصناعة والزراعة والأعمال الإدارية والكتابية وأمثالها وذلك في الحالات التي لا يجد فيها مسلما تقيا يأخذ عنه في هذا كله.." ويبرر هذا الموقف بقوله" إن المجتمع المتحضر الإسلامى لا يحتقر المادة لا في صورة النظرية.. ولا في صورة الإنتاج المادي فالإنتاج المادي من مقومات الخلافة في الأرض عن الله.." .
هذه الرؤية العدوانية لكل ما آتت به الحضارة الغربية من فكر وقيم وعلوم إنسانية ، وهذا الفصل المخل بين جانبها الفلسفي وجانبها المادي الذي يبرره الموقف النفعي من هذه الحضارة، كلها تتمثل نفس الأفكار التي أرساها حسن البنا عن الحضارة الغربية والتقطتها سيد قطب لتأصيلها وتفصيلها، وبالتالي فإن مجمل الرؤى والأفكار السابقة التي قدمها قطب لا تمثل انقطاعا مع أفكار حسن البنا وإنما استمرارا طبيعيا لها.

2- النزعة الثورية لدى سيد قطب

هناك من يعتبر أن سيد قطب قد أدخل قضايا جديدة على فكر الإخوان لم ترد في فكرهم من قبل ولم يكن لها وجود في مدرسة حسن البنا .

ولعل ذلك يعود في جزء كبير منه إلى التجربة السياسية الخاصة التي عاشها قطب في السجن والتي أبرزت النزعة الثورية في أفكاره ودعوته الملحة للجهاد كجزء أساسي بل ورئيسي للحركة الإسلامية، وقبل الخوض في هذا الجانب من أفكار قطب، ينبغي الوقوف عند بعض المفاهيم الأساسية التي قال بها والتي لعبت الدور الأول في بلورة أفكاره الثورية.

(أ‌) جاهلية المجتمع:

يتمركز الفكر الثوري ل سيد قطب حول فكرة جاهلية المجتمع وهو الوصف الذي كان يطلق على عرب ومجتمعات ما قبل الإسلام في شبه الجزيرة العربية.
والذي أعاد قطب استخدامه لإسقاطه على النظم السياسية والاجتماعية الحديثة والتي لا تلتزم من وجهة نظره بتعاليم الإسلام والتي تنال من ا لحق الالهى المطلق في تحديد القيم والأهداف الإنسانية من خلال قيامها بتشريع القوانين ومن النظم الحياتية وإرساء القيم الأخلاقية التي يضع قواعدها وأصولها البشر، وهو ما يشكل في فكر سيد قطب تمردا على سلطة الله ، فيقول قطب " هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله وعلى أخص خصائص الأولوهية وهى الحاكمية ، إنها تسند الحاكمية للبشر في صورة إعطائهم حتى وضع التصورات والقيم والشرائع والقوانين والأنظمة والأوضاع بمعزل عن منهج الله للحياة..".
وترتيبا على ذلك يقول ط نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام"، وبنفس النظرة الحديثة التي قيم بها قطب الحضارة الغربية وحدد موقفه منها، يرى أن جميع المجتمعات القائمة في الأرض هي مجتمعات جاهلية يجب رفضها وتغييرها، فيشير بشكل قاطع إلى أن "المجتمع الجاهلي هو كل مجتمع غير مسلم، وإذا أردنا التصور الاعتقادى .
وفى الشعائر وفى الشرائع القانونية.. وبهذا التعريف الموضوعي تدخل في إطار المجتمع الجاهلي القائمة اليوم في الأرض فعلا" ووفق هذا التعريف يصنف قطب المجتمعات الوثنية.. وتدخل فيه المجتمعات اليهودية والنصرانية.. وأخيرا تدخل في إطار المجتمع الجاهلة تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها مسلمة".
وحجة سيد قطب في تصنيف المجتمعات الأخيرة بأنها في حالة جاهلية لا ترجع إلى أن هذه المجتمعات تعتقد بإلوهية أحد غير الله ولكن لا تدين- عن وجهة نظره- بالعبودية لله وحده في نظام حياتها.
هذا الحكم القاطع الذي يصدره سيد قطب على جميع المجتمعات القائمة أيا كان توجهها هو الذي غذى نظرته الثورية في أسلوب تغيير هذه المجتمعات الذي يعطى له أولوية على أى عمل آخر." إن مهمتنا الأولى هي تغيير واقع هذا المجتمع.
مهمتنا هي تغيير هذا الواقع الجاهلي من أساساه.. هذا الواقع الذي يصطدم اصطداما أساسيا بالمنهج الإسلامى والتصور الإسلامى" .
ويؤكد مرة أخرى على أهمية الحركة على العمل الفكري لإحداث التغيير فيقول".. من أجل أن الجاهلية لاتتمثل في نظرية مجردة ولكن تتمثل في تجمع حركي، فإن محاولة إلغاء هذه الجاهلية ورد الناس إلى الله مرة أخرى لا يجوز ولا يجدي إن تتمثل في نظرية مجردة فإنها حينئذ لا تكون مكافئة للجاهلية فعلا والمتمثلة في تجمع حركي عضوي فضلا على أن تكون متفرقة عليها كما هو المطلوب.. لابد لهذه المحاولة الجديدة أن تتمثل في تجمع عضوي حركي أقوى في قواعده النظري والتنظيمية وفى روابطه وعلاقاته ووشائجه من ذلك المجتمع الجاهلي القائم فعلا.." .

(ب‌) مفهم الحاكمية:

".. إن الإسلام ليس نظرية تتعامل مع الفروض، إنه منهج التعامل مع الواقع فلابد أولا أن يقوم المجتمع المسلم الذي يقر عقيدة أن لا إله إلا الله وأن الحاكمية ليست إلا لله".
فهذه العبارة القصيرة يعبر سيد قطب عن رؤيته للمجتمع المسلم من خلال مفهوم الحاكمية.
ومفهوم الحاكمية عند قطب يأتي مكملا لمفهومه عن جاهلية المجتمع القائم ، وهو الوجه المقابل الذي يجب أن يسود المجتمع المسلم.
فالمجتمع الأخير لم يتحقق وفق ما يراه قطب من خلال التطبيق الضيق للشريعة الإسلامية، وإنما بإعلاء مفهوم الحاكمية أى الحكم بما أنزل الله في جميع جوانب الحياة الفردية والمجتمعية.
وفى هذا الإطار فإن الالتزام بالشريعة لا يصبح فريضة دينية بل ضرورة عملية يجب أن تشمل الأساس الأخلاقي الذي يقوم عليه المجتمع.
ويعرف قطب الحاكمية بقوله".. إن مدلول الحاكمية في التصور الإسلامى لا ينحصر في تلقى الشرائع القانونية من الله وحده والتحاكم إليه وحدها.. إن مدلول الشرعية في الإسلام لا ينحصر في التشريعات القانونية ولا حتى في أصول الحكم ونظامه وأوضاعه، إن هذا المدلول الضيق لا يمثل الشريعة والتصور الإسلامى".
ووفق هذا التعريف يضع قطب تصوره من الشريعة في ضوء مفهوم الحاكمية فيقول " إن شريعة الله تعنى كل ما شرعه الله لتنظيم الحياة البشرية، وهذا يتمثل في أصول الاعتقاد وأصول الحكم وأصول الأخلاق وأصول السلوك وأصول المعرفة أيضا.. وفى أصول النشاط الفكري والفني جملة.. فالحاكمية باختصار تعنى عند قطب ، إقرار وحدة الله بالإلوهية والحكم بمنهاجه لتنظيم الحياة البشرية.
ويترتب على هذا المفهوم موقف قطب من النظام السيساى ومن المجتمع فهو يرفض أى نظام لا يطبق الحاكمية كما يدعو لتغيير كل مجتمع جذريا حتى يكون الحاكمية كما يدعو لتغيير كل مجتمع تغييرا جذريا حتى يكون الحاكمية فيه لله " فيقول " .. فليس لأحد أن يقول لشرع يشرعه هذا شرع الله ، إلا أن تكون الحاكمية العليا لله معلنة وأن يكون مصدر السلطات هو الله سبحانه لا للشعب ولا الحزب ولا أى من البشر".
ولا شك أن في هذا رفض صريح لكل أشكال النظم الديمقراطية بمضمونها الحديث. وفى المقابل فإن شكل النظام الذي يطلب به قطب مفهومه عن الحاكمية يظل غامضا حيث يفترض في هذا النظام " أن يرجع إلى كتاب الله وسنة رسوله لمعرفة ما يردده الله ولا يكون هذا الكل من يريد أن يدعى سلطانا باسم الله كالذي عرفته أوربا ذات يوم باسم " الثيوقراطية" أو الحكم المقدس فليس شيء من هذا في الإسلام، وما يملك أحد أن ينطق باسم الله إلا رسوله- وإنما هناك نصوص معينة هي التي تحدد شرع الله " وبهذا يضع قطب أحكاما ومبادئ عامي لإقامة النظام الإسلامى الذي يطبق الحاكمية دون الخوض في أساليب وكيفية قيام هذا النظام وفق معايير أو قواعد مؤسسية واضحة كما أنه طالب بان يحكم هذا النظام بما أنزل الله ووافق الشريعة الإلهية ولكن دون أن يكون ثيوقراطيا وهى معادلة صعبة التحقيق ولا تبدو مفهومة.

وحول ضرورة تغيير المجتمع وفق مفهوم الحاكمية يرى قطب أن يتم ذلك من خلال الجماعة الإسلامية أو مجموعة صغيرة من المؤمنين تدين بالحاكمية لله ومن ثم يكون لها شرعية تغيير المجتمع برمته، ( وهى نفس الفكرة التي تأخذ بها الجماعات الإسلامية المعاصرة) فتكن طليعة التغيير .

ويقول سيد قطب في ذلك" وإذن قبل التفكير في إقامة نظام اجتماعي اسلامى وإقامة مجتمع مسلم على أساس هذا النظام ينبغي أن يتجه الاهتمام أولا إلى تخليص ضمائر الأفراد من العبودية لغير الله، وأن يتجمع الأفراد جماعة مسلمة هي التي ينشأ فيها المجتمع المسلم، وهكذا كانت نشأة الجماعة المسلمة التي أقامت المجتمع المسلم الأول، وهكذا تكون نشأة كل جماعة مسلمة وهكذا يقوم كل مجتمع مسلم.."

ويضع قطب مسألة " العبودية الكاملة لله معيارا وحيدا لقياد مجتمع مسلم وهو شرط لا يخل من نظرة مثالية لا يمكن التحقق منها عمليا فيكتفي بالقول " إن المجتمع لا يقوم حتى تنشأ جماعة من الناس تقرر إن عبوديتها الكاملة لله وحده وأنها لا تدين بالعبودية لغير الله في الاعتماد والتصور .. في العبادات والشعائر.. ثم تأخذ في تنظيم حياتها كلها على أساس هذه العبودية الخالصة..".

رد الهضيبى على قطب:

وقد استدعى هذا الغلو من جانب سيد قطب في الحكم على جاهلية المجتمعات القائمة وعلى مفهومه عن الحاكمية على قيام حسن الهضيبي المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين إلى الرد عليه في عمله الشهير دعاة لا قضاة وبالطبع لم يكن الهدف من هذا الرد هو المجادلة في شريعة مضمونة الحاكمية، بمعنى "أن السيادة أو الربوبية لله تعالى دون غيره" وإن كان هناك اعتراض على المصطلح على أساس أنه لم يرد له معنى من الكتاب أو السنة من ناحية، وعلى ما يترتب عليه من الحكم على جاهلية المجتمع وتكفير الأفراد من ناحية أخرى.

3- الجهاد عند سيد قطب

تكتمل النزعة الثورية عند سيد قطب بحديثه عن أولوية الجهاد في العمل الإسلامى، ولا يعنى ذلك أن قطب أدخل بذلك مفهوما جديدا على الأدبيات الإسلامية أو الفكر السياسي الإسلامى بشكل عام، وإنما ما تميز به قطب هي الأولوية التي أعطاها لهذا المفهوم لهدم المجتمع الجاهلي كما أطلق عليه وبناء المجتمع الإسلامى.

وقد تحدث حسن البنا من قبل عن الجهاد وإبراز دوره المحوري في حركته . ومن ثم فليس هناك ثمة خلاف جوهري بين المفكرين حتى وإن اختلفت التفاصيل حول مرحلية العمل الجهادي، وإن كان ذلك لا يصادر على قبول قطب نفسه لهذا المبدأ مما يقلل من مساحة الخلاف الحقيقي أو يجعلها تتلاشى عند نقاط معينة. خاصة وأن إيمان سيد قطب الشديد بأهمية الجهاد المسلح ضد الأنظمة القائمة لم تمنعه من الاهتمام الشديد بالدعوة وتربية النفس وهى سمة أصيلة من الفكر التقليدي للإخوان.

ويعبر سيد قطب عن هذا الرأي بقوله".. الذي يدرك حتمية الانطلاق الحركي للإسلام في صورة الجهاد بالسيف إلى جانب الجهاد بالبيان".

ويصل قطب من ذلك إلى تصنيف الجهاد إلى مستويين، المستوى الفردي والمستوى الجماعي، فالأول يجب أن يبدأ بالتطهير من قيم المجتمع الجاهلي الآخر يستمر من خلال النضال ضد الجاهلية الذي تقوده الحركة الإسلامية ويعطى قطب أهمية لجهاد الروح أو النفس مثلما يعطى أهمية للجهاد ضد النظم القائمة فيقول" إن المسلم قبل أن ينطلق للجهاد في المعركة يكون قد خاض معركة الجهاد الأكبر في نفسه مع الشيطان.. مع هواه وشهواته.. مع مطامعه ورغباته مع مصالحه ومصالح عشيرته وقومه مع كل شارة غير شارة الإسلام..".

ويضع قطب مراحل للجهاد لا تسير بالضرورة بشكل متتالي وإنما يمكن الجمع بين بعضها بشكل متوازن.

فيقول " إن مراحل الجهاد تكشف عن السمات الأصيلة في المنهج الحركي لهذا الدين. السمة الأولى هي الواقعية في منهج هذا الدين فهو حركة تواجه واقعا بشريا.

وتواجهه بالدعوة والبيان وتصحيح المعتقدات والتصورات وتواجهه بالقوة و الجهاد لإزالة الأنظمة والسلطات القائمة عليها.." والسمة الثانية. في منهج هذا الدين هي الواقعية الحركية فهي حركة ذات مراحل كل مرحلة لها وسائل مكافئة لمقتضياتها وحاجاتها الواقعية وكل مرحلة تسلم إلى المرحلة التي تليها.." ويبرز من هذا الوصف عاملين أساسيين يرتكز عليها مفهوم الجهاد" عند قطب وهى الجمع بين منهج الدعوة والحركة ، والمرحلية في تحقيق الأهداف وفق الحاجة المتغيرة.

وهكذا يحدد قطب مضمون الجهاد ويؤكد على حقيقة كونه فريضة تلزم كل مسلم حق حتى يقوم المجتمع الإسلامى، وهو بهذا لا يحصره في نطاق جغرافي أو قومي محدد وإنما يمتد لكل بقاع العالم التي لا تقيم شريعة الله وفق رأى سيد قطب.

ف الجهاد عنده هو نضال لفرض حاكمية الله وتطبيقها على العالم كله وعلى الفرد والمجتمع وعلى مستوى الحياة اليومية. وبسبب هذه المهمة العالمية لمفهوم الجهاد عند سيد قطب فإنه يكتسب معنا هجوميا وليس دفاعيا حتى يزيل الأنظمة القائمة فيقول " الجهاد لم يكن حركة دفاعية بالمعنى الضيق الذي نفهمه اليوم من إصلاح الحرب الدفاعية كما يريد المهزومون.. " وإذا لم يكن بد أن تسمى حركة الإسلام الجهادية فلابد أن نغير مفهوم كلمة دفاع ونعتبره "دفاعا عن الإنسان ذاته" ضد جميع العوامل التي تقيد حريته.. وتتمثل في المعتقدات والتصورات كما تتمثل في الأنظمة السياسية القائمة على الحواجز الاقتصادية والطبقية والعنصرية.." ف الجهاد هو إعلان عام لتحرير الإنسان من العبودية للعباد.." ويتفق الرأي الأخير مع ما يقرره قطب من الربط بين الجهاد في سبيل الله كفرض وبين حرية الاعتقاد ، فوفق اعتقاد قطب فإن العامل الأول هو الذي يوفر سبيل الشروط الملائمة لحرية الاعتقاد الفردية لأن أعداء هذه الحرية ليسوا الأفراد- كما يشير قطب- ولكن التقاليد والنظم التي تحول دون حرية الإيمان. ( وهذه نفس أفكار أبو الأعلى المودودى خاصة ما يتعلق ب الجهاد الإسلامى العالمي الذي يغاير مفهوم الحروب الدفاعية ذات الطابع القومي الخاصة بحماية الدولة) .

ويشير أوليفيه كاريه في معرض تحليله لأفكار سيد قطب حول الجهاد إلى أن هذا المفهوم كان مطروحا أيضا من رموز الحركة الإصلاحية من الأفغاني وعبده ورضا حيث يتفق الجميع على التأكيد على الجهاد الإسلامى( بمعنى الحرب الهجومية وليس الدفاعية) كما جاء في عمله الضخم " في ظلال القرآن" في :

1- الجهاد في سبيل الله كفرض فردى داخل الجماعة المسلمة.
2- التركيز على الجهاد ضد المسلمين عن غير إسلام حقيقي من داخل الأمة الإسلامية قبل الجهاد ضد غير المسلمين من خارج الأمة.

ويعلق كاريه على هاتين الإضافيتين عند قطب بأنهما كانت أقرب إلى النص القرآني الخالص أى أن قرمدة سيد قطب عن الجهاد في الإسلام كانت تحمل معنا أصوليا واضحا وهو المعنى الذي بدأ يتغلب على الفكر الإسلامى منذ رشيد رضا الذي اتفق معه قطب حول أولوية الجهاد المعنوي أو الثورة الروحية كخطوة أولى نحو تطبيق النص القرآني الذي يمكن على أساسه إقامة حكم إسلامي صحيح يتجاوز الحدود القومية لتحقيق الأهداف العالمية للإسلام.

وإن كان أوليفية كاريه يرى أن قطب قد استخلص من نفس المنطق نتائج أكثر تشددا وصلابة من تلك التي قال بها رضا. خاصة في تعريفه بدار الحرب الإسلام " إذ يتبنى قطب منهجا أكثر هجومية من رضا.

فالأخير لم ير ضرورة الدخول في حرب مع أولئك الذين لم يستجيبوا لنداء الإسلام الحق في حين اعتبر قطب على العكس من ذلك أم مقاتلة المرتدين أو من لم يصح إسلامهم هو حق وواجب. وفى هذا الرأي يعتبر قطب قريبا من أفكار ابن تيمية وليس رشيد رضا.

وبالتالي فقد كان العدو الرئيسي بالنسبة ل سيد قطب كما هو الحال بالنسبة لابن تيمية هو العدو الداخلي أو كل جماعة ترفض أن تطبق قواعد الإسلام الصحيحة التي وضعتها الأمة الإسلامية بإجماع العلماء. ومن هنا وجب محاربتها حتى " يطبق الدين كله".

وتبقى نقطة هامة في تناول أفكار سيد قطب وهى تلك الخاصة بموقفه من الدراسات الفقهية التقليدية. ففي وصفه للجاهلية يقول".. أن الجاهلية التي حولنا- كما أنها تضغط على أعصاب بعض المخلصين من أصحاب الدعوة الإسلامية فتجعلهم يتعللون خطوات المنهج الإسلامى هي كذلك تعتمد أحيانا أن تحرجهم فتسألهم أين تفصيلات نظامكم الذي تدعون إليه؟ وماذا أعددتم تنفيذه من بحوث ومن دراسات ومن فقه متقن على الأصول الحديثة؟ كأن الذي ينقص الناس في هذا الزمان لإقامة شريعة الإسلام في الأرض هو مجرد الأحكام الفقهية والبحوث الإسلامية".

وفى قراءته لخطاب سيد قطب يشير أوليفة كاربة إلى أن الفقه عند قطب اكتسب معنا حركيا ديناميكيا.. ومفهوم الحركية والديناميكية يعنى أن التفسير الفقهي يمكن إتمامه على يد المجاهدين أصحاب الحركة وليس من خلال الكتب أو النصوص الجامدة التي لا تعمل إلا على تكرار الماضي.

وبذلك يجد التفسير الفقهي الخاص بكل مرحلة في الإسلام جذوره في التجربة الروحية التي يعبر عنه، فالفقه عند قطب لا يأتي أولا كما لا يحدده فقط الوضع المادي والاجتماعي، وإنما التجربة الروحية للمجتمع الإسلامى كله.

ويعلق أوليفيه على ذلك بقوله إنه إذا كان رضا قال بأن الإجماع الفقهي الخاص بجيل قد لا يصلح إلا له، إلا أن قطب ذهب على أبعد من ذلك حيث اعتبر الاجتهاد مفتوح، انطلاقا من الأصول اى الكتاب والسنة، وفى هذا الإطار يصبح إعادة تفسير الفقه .. مسألة حركية ي مارسها المجاهدين أنفسهم ولا تقتصر على العلماء، ويمكن بمقتضاها تبرير اللجوء إلى العنف المسلح إذا ما رأوه ضروريا.

المبحث الرابع: الإخوان والعنف النظام الخاص

يعتبر إنشاء النظام الخاص- أو الجناح العسكري لجماعة الإخوان المسلمين من أهم التحولات السياسية التي طرأت عليها.

فقد كان هذا النظام هو الترجمة العملية لمبدأ الجهاد في فكر الإخوان. ووسيلة أساسية من وسائل تحقيق أهدافها السياسية، فلم يخف البنا أن الحكم كان مطلبا رئيسيا للجماعة منذ قررت النزول إلى ميدان السياسة علنا، لقد اعتبر قعود الإخوان عن طلب الحكم جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ، ولكن المسألة في رأيه كانت تتطلب عدة مراحل تقطعها الدعوة قبل أن تنضج للحكم.

وقد تشكلت البدايات الأولى للنظام الخاص من فرق الرحلات والكشافة التي كانت تنظمها الجماعة، وقد ذكر البنا في مذكراته أن الفكرة في تأسيس فرق الرحلات هو التأثر بفكرة الجهاد وتحقيقا لنيته وتنفيذا لأمر الإسلام، وتحرجا مما جاء في الحديث الشريف( من مات ولم يغزو ولم ينو الغزو، مات ميتة جاهلية) ويعلق عبد العظيم رمضان على نشأة النظام الخاص بقوله إن البنا كان يعمل على تحويل جماعة الإخوان المسلمين من جماعة مدنية إلى جماعة شبه عسكرية، والانتقال من مرحلة الاعتماد على وسيلة الحب والإخاء والتعارف في نشر الدعوة إلى مرحلة الاستعداد لتنفيذ أهدافها بالقوة فأخذ في بناء جيش كبير تحت اسم بريء هو فرق الرحلات.

لعب حسن البنا الدور المحوري في إنشاء وتشكيل النظام الخاص كما تشير أغلب الروايات .

فيحكى محمود عبد الحليم " أن الأستاذ حسن البنا هو صاحب فكرة إنشاء النظام وأنه بدأن بصالح عشماوي وحسين كمال الدين وحامد شريت وعبد العزيز أحمد، محمود عبد الحليم ولكنه- أى محمود عبد الحليم- رأى نفسه يعمل وحده حتى تم تعيينه في دمنهور فرشح عبد الرحمن السندى ووافق الأستاذ المرشد.

وفى تاريخه السري يشير عبد الحليم رمضان إلى أن التنظيم السري كان يتبع المرشد العام مباشرة وإن كان ذلك لا يعنى أنه كان يدير شئونه بنفسه وإنما كان يديره بواسطة جهاز خاص وكان أول رئيس لهذا الجهاز عبد الرحمن السندى وكان يعاونه مجموعة من الإخوان عرف منهم زكى، وأحمد عادل، ومحمود الصباغ ويلي هؤلاء رؤساء المنطق وهم غير رؤساء مناطق الشعب هكذا..

وقد لعبت العوامل الداخلية والخارجية خاصة في ظل ظروف الحرب العالمية الثانية، دورا في دفع النظام وإبرازه على مسرح الأحداث.

فقد بدأت الملامح الأولى للنظام تتشكل في أواخر الثلاثينات حين قرر البنا إعادة تدريب فريق الرحلات عام 1938 وهو نفس العام الذي شهد تحولا سياسيا في نشاط الجماعة.

وعمل البنا على استثارة حماس الإخوان للانضمام إلى هذه الفرق فأصدر توجيهاته من خلال مكتب الإرشاد في العام التالي على شكل منشور دوري إلى جميع الشعب تتضمن تخصيص يوم في الأسبوع يسمى يوم المعسكر يكون الهدف منه تدريب الإخوان المسلمين على العمل المسلح.

وهو الأمر الذي عبر عنه حسن البنا بشكل مباشر بقوله" الجندية والتدريب والاستعداد للجهاد المقدس وهو ما يعنى به الإخوان المسلمون كل العناية ، فيه يتكون الجيش الإسلامى وبه يستطيع أن يحقق الأمل ويرفع اللواء عاليا".

وساعد نشوب الحرب العالمية الثانية في سبتمبر 1939 على نقل التنظيم العسكري للإخوان المسلمين إلى طور جديد، ففي العام التالي 1940 ، وحتى يتغلب البنا على العقبات التي قد تقف في وجه فرق الرحلات في ظروف الحرب، قرر الانضواء رسميا تحت تشكيل النظام العام لجمعية الكشافة حتى يستفيد الإخوان من التسهيلات والمزايا التي تستفيد بها الفرق المختلفة من تسجيلها رسميا بالجمعية، وقد تكون مجلس أعلى للجوالة من سبعة أعضاء على رأسهم حسن البنا، وعين الصاغ محمود لبيب مفتشا عاما وهو ضابط بالجيش، وقد أخذ المجلس في التوسع منذ إنشاءه ، فلم يلبث أن افتتح مدرسة لتخريج المدربين ثم كون مجموعات من هذه الفرق في محيط القاهرة لينتقل بعدها على الإسكندرية ومنها إلى الريف .

ووافق بعض التقديرات فقد بلغ تعداد الجوالة تحت هذا المشروع عند نهاية الحرب 45,000 جوال.

ولم يكن تطور التنظيم السري وتقويته بعيدا عن مجمل الظروف السياسية التي مرت بها الجماعة، إذ أن أحد النتائج الهامة للمحنة الأولى تعرض لها الإخوان بعد أول صدام لهم مع السلطة في عهد حكومة حسين سرى باشا في أوائل الأربعينات تمثلت في خطة البنا في توسيع بناء التنظيم السري.

ويحكى عبد العظيم رمضان عن نشأة التنظيم السري من هذه الزاوية فيشير ، أن إنشاءه كان أحد نتائج اصطدام السلطة بالشيخ حسن البنا والذي حدد له محمد خميس حميدة نائب المرشد العام عام 1942 كتاريخ لنشأته.

1- الهيكل التنظيمي للنظام الدولي

كانت فرق الجوالة هي نواة تشكيل النظام الخاص، وكان نظام الجوالة في البداية نظاما اختياريا بالنسبة للعضو العامل ولكن صدرت تعليمات بعد ذلك تنص على أن يعتبر كل أخ عامل جوالا يجب أن يدرب تدريبات الجوالة.

وقد وضع البنا نظاما- يعرف باسم نظام الأسر- يعتبر المجال الحيوي للتربية الروحية في الجماعة. وكان هذا النظام في أول الأمر يسمى نظام الكتائب .

وكانت كل أسرة تتكون من عدد يتراوح ما بين خمسة وعشرة أعضاء وتقوم على أساس طبقي أو فئوي فكانت تتكون إما من طلبة أو موظفين أو عمال.

ولم يلبث نظام الأسر أن تحول إلى نظام لتخريج الإخوة المجاهدين وهم خاصة الإخوان وأرقى مراتب العضوية فيهم. وقد أصبحت هذه الأسر هي المدخل للنظام الخاص.

ووضع قانون التكوين الملامح التنظيمية للنظام الخاص ، فنص على تشكيله على نظام خلايا تتكون من هيئة قيادة وأركان حرب وجنود، كما نص على أن يكون لكل خلية أمير مهمته تعريف العضو- بعد قبول ترشيحه- بنوع العمل وإقناعه بشريعته ، كما أوجب القانون على الأعضاء الطاعة لأميرهم بعد البيعة ، ونظم وسائل مراقبة هذه الطاعة عن طريق تشكيل مجالس تحقيق تتكون – وفق الظروف المختلفة- من أمير الجماعة، ومندوب الأقاليم، ومندوب القاهرة في الأقاليم، ومدير فرع الجماعة في القاهرة، وكانت العقوبة في هذه الأحوال تصل إلى الإعدام ، وقد تقتصر على إسقاط العضوية.

وكان الإعداد يشمل أعمال الفدائيين، وحرب العصابات، والتدريب على استخدام القنابل ( المولوتوف) واستخدام المفرقعات والألغام والأسلحة النارية وسبل تخريب المواصلات والسكك الحديدية وغيرها من أعمال العنف.

وكان للجهاز ميزانية مستقلة عن الميزانية العامة للجماعة، وكانتا تتفق على التسليح ومتطلبات نشاط الجهاز السري.

كما كان له أجهزته التابعة له وأهمها جهاز للمخابرات مهمته تجميع المعلومات حول الأحزاب والهيئات السياسية والأخرى لخدمة أغراض الجماعة.

وساعدت هذه العوامل على ازدياد حجم الجهاز السري وفاعليته، وتشير بعض التقديرات إلى أنه بلغ درجة عالية من الاكتمال قبل حرب فلسطين، وفى عام 1942 كان تعداده قد وصل إلى حوالي 2000 جوال وزاد إلى 15000 جوال في العام التالي حيث بدا في التوسيع والانتشار في الريف حتى بلغ عام 1945 حوالي 45,000 جوال .

وقبل قرار حل الجماعة كان التعداد قد بلغ 75,000 جوال.

2- النظام الخاص وأعمال العنف

- التحالف مع السلطة وتطور النظام الخاص:

" كان الباعث الأساسي وراء قرار حل جماعة الإخوان المسلمين في 1948 الاعتقاد بأن الجماعة كانت تخطط سرا للقيام بثورة على أن صدور القرار كان مترتبا بصورة أكثر مباشرة على تيار أحداث العنف المتتابع الذي هز مصر منذ عام 1945 تصاعدا حيث كان دور الإخوان – وإن لم يكن الوحيد- هو الأكثر درامية والأكثر انطواء على الخطورة من وجهة نظر الحكومة".
بهذه العبارة يلخص ريتشارد ميتشل محورية دور العنف في إستراتيجية عمل جماعة الإخوان المسلمين خاصة في النصف الثاني من الأربعينات وإن كان هذا العنف اعتبر- من وجهة نظر كثير من المحللين السياسيين- جزءا من العنف الذي شهدته أكثر حدة لدى الإخوان لأسباب قد تبررها العوامل السياسية والاجتماعية كما يبررها فكر الجماعة.
يرجع ميتشل أسباب هذا العنف السياسي إلى انهيار الحياة البرلمانية قبل 1952 إذ سار جو من الاضطراب والتوتر والتخريب والعنف عملت على إذكائه كل الجماعات التي تملك حدا أدنى من الفاعلية والقوة الرسمية وغير الرسمية ومن هنا كان العنف هو النتيجة الطبيعية- من وجهة نظره- لهذا الانهيار.
ويضاف إلى ذلك الدور الذي لعبه القصر سواء في تغذية هذا المناخ السياسي أو في تقديم العديد من التسهيلات السياسية للإخوان لضرب القوى السياسية الأخرى وخاصة القوة السياسية لحزب الوفد الذي كانت تتمتع بجماهيرية عريضة قبل 1952 وساعدت السياسية التي اتبعتها الجماعة، القصر على لعب هذا الدور حيث رأى الإخوان في الالتقاء مع القصر ما يخدم سياسات الجماعة ويتيح لها فرصة بناء ذاتها وتدعيم وجودها السياسي.
ويبدو أن وجهة نظر الإخوان كانت تنطلق من وجود العديد من نقاط الالتقاء التي كان من الممكن أن تجمعهم مع القصر أكثر من أى قوى سياسية أخرى كالوفد أو القوة الشيوعية .
ويفسر عبد العظيم رمضان ذلك بقوله( .. إن الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية كانت تدفع بالشيخ البنا إلى أحضان معسكر القصر، فلم يكن يجمعه الوفد والشيوعيين من نقاط الالتقاء سوى المطالب الوطنية في الوقت الذي كان يجمعه بمعسكر القصر العداء الشديد للشيوعيين وكراهية الدستور والحياة النيابية.. فضلا عن ذلك فإن الدخول مع الوفديين والشيوعيين ضد الإنجليز والقصر يعرض الحركة للحل والتصفية، أما التحالف مع القصر فيمكن أن يضمن للحركة الوقت الكافي والفرصة المطلوبة لبلوغها درجة القوة التي تعتمد فيها على نفسها وتحقق غاياتها..).
وقد وفرت هذه الأرضية المشتركة مع القصر للإخوان الحصول على العديد من التسهيلات الرسمية مثل إصدار جريدتهم " الإخوان المسلمون" الذي صدر أو لعدد منها في مايو 1946 ، وامتيازات أخرى فضلا عن المعونات المالية وفى ذلك يشير عبد الحليم رمضان إلى ( أن علاقات التحالف بين جماعة الإخوان وعهد الانقلابات قد هيأت لهم المناخ الملائم لإتمام تدريبهم واستعدادهم فضلا عن تطور الجهاز السري.
وفيما يتصل بالسلاح فإن الحكومات منحت الإخوان فرصة عالية للتسلح من خلال قضية فلسطين.
إذ كان الرأي قد استقر في البداية على ألا تتدخل الحكومات العربية تدخلا سافرا وأن تتولى ذلك جامعة الدول العربية كهيئة مستقلة تعتمد على الهيئات والجماعات الشعبية واتخذت الهيئة العربية العليا مصر مقرا لها.
ونظم الأمر بين الهيئة والإخوان تحت إشراف الحكومة وموافقتها على أن يتولى الإخوان جمع السلاح لحرب فلسطين وأعطى مندوبو الإخوان التصريحات اللازمة لجمع السلاح بل وفتح الإخوان ورشا للسلاح للقيام بهذا العمل وكان تحت سمع الحكومة وبصرها .
ويضيف نقلا عن أحمد حسين قوله( ى تستطيع أن ننكر على شباب الإخوان المسلمين حماسهم وإخلاصهم لقضية فلسطين ولكن لا نستطيع في الوقت نفسه إنكار أن التدريب على السلاح وإعداد شباب " النظام الخاص" كان سابقا على ظهور مشكلة فلسطين .
أما بالنسبة للحكومة فمن المحقق أنها اتخذت من قضية فلسطين شعارا تخفى تحته تغاضيها عن استعدادات الإخوان لاستخدامهم في محاربة الوفد.
وفى شهادته في قضية مقتل النقراشي باشا يشير عبد ارحمن عمار بك. ( إن جماعة الإخوان كانوا على أثر كل حادث يتمسحون بقضية فلسطين، وكنت موقنا أن هذا التمسح باطل ولا أساس له لأنهم لو كانوا يقصدون حقا خدمة فلسطين لتوجهوا على مكان التدريب الذي أعدته الحكومة في " هاكستيب" ظاهرين لا متخفين، لا أن يذهبوا على جبل المقطم فلا نعرف شخصياتهم..).
ولا شك أن الدور الذي لعبته السلطة لم يساهم فقط في تطور التنظيم الخاص وإنما أيضا أعطى الإخوان الفرصة للعب دور سياسي هام بشكل غير مباشر من خلال الأعمال التي قام بها هذا النظام في مواجهة القوى السياسية الأخرى قبل أن يتحول إلى رموز السلطة أنفسهم.
ويعلق عبد العظيم رمضان على ذلك بقوله( أنه في الفترة التالية كان منحى الإخوان في العمل السياسي هو الوقوف في وجه الشيوعيين والوفديين ومعارضة المجتمعات الطلابية التي تنتمي إلى هذين الفريقين، وهو منحى يحدد بشكل مباشر هدف القصر في تمزيق القوى الوطنية) وشهد عام 1946 أعنف الاشتباكات بين جماعة الإخوان والوفديين، مالت فيها الحكومة إلى جانب الإخوان.
ويؤكد عبد العظيم رمضان هذا المعنى بقوله ( إن اكتمال التنظيم السري إنما سمحت به علاقة التحالف القائمة بين الإخوان والسلطة.
واعتقاد هذه السلطة أن نشاط الإخوان إنما هو لخدمة الأهداف المشتركة وهى حزب الوفد) أما أحمد حسين ( زعيم مصر الفتاة) فيتهم في مذكراته السلطة بأنها كانت تشجع الإخوان المسلمين على المزيد من ارتكاب الجرائم فيقول ( .. أنهم – اى الإخوان- عقب كل حادثة من هذه الحوادث كانوا يلقون تشجيعا وتأييدا لأنها كانت تظهر ما توصلوا إليه من قوة وأنهم صالحون كل الصلاحيات للمهمة التي يراد منهم القيام بها وهى القضاء على حزب يراد القضاء عليه بأي ثمن من الأثمان أى الوفد ولو على حساب القانون ولو على حساب الأمن والسلام).

- مظاهر العنف:

شهدت الفترة من 145 – 1948 أكثر حوادث العنف السياسي من جانب الإخوان وتنظيمهم السري توجه بعضها ضد الوفد وتركز معظمها ضد المصالح والجهات الأجنبية في مصر في ذلك الوقت قبل أن تتحول ضد رموز الحكم، وتصل إلى رئيس الوزراء نفسه.
ففي خلال أسبوع واحد من يوليو 1946، ارتكبت أربعة حوادث ضد الجنود البريطانيين باستخدام القنابل والمسدسات والبنادق أسفرت عن إصابة والى 128 شخصا .
وقد جرت محاكمة مرتكبي هذه الحوادث أمام محكمة رأسها القاضي أحمد الخازندار، وبعد ثمانية أشهر من تاريخ إصداره حكما عليهم، وكان في يوم 22 مارس 1948 قتل أحمد الخازندار بواسطة اثنين من شباب الإخوان المسلمين انتقاما للحكم الذي أصدره في هذه القضية.
وفى عامي 1947- 1948 وقعت العديد من حوادث العنف المتتالية وتركزت ضد الممتلكات اليهودية, ففي نوفمبر 1948 وقع انفجاران في حارة اليهود، وبعدها بحوالي شهر حدث انفجار لغم في الممر الواقع بين محلات " آركو" و" شكوريل" أما سينما متروبل ، ولم يمض الشهر حتى وقع انفجار آخر بمحل داود عدس بشارع عماد الدين وبعد أيام حدث نفس الشيء بمحلات بنزايون بشارع قصر النيل ،ووقع انفجار مماثل بمحلات جاتينيو بشارع محمد فريد، وبعد أيام انفجرت عبوة شديدة بمبنى شركة أراضى الدلتا المصرية بالمعادى .
وفى 22 سبتمبر حدث انفجار آخر بحارة اليهود ثم انفجار ثاني بعدها بأيام بمخزن محلات شيكوريل بحلمية الزيتون. ولم يمض شهرين حتى وقع انفجارا شديدا بشركة الإعلانات الشرقية.
بعد هذه الحوادث من العنف المتتالي، أعلنت الحكومة عن اكتشافها لمخبأ للأسلحة والمعدات في الإسماعيلية في عزبة الشيخ محمد فرغلي قائد كتائب الإخوان في فلسطين، وكان قبلها قد اكتشفت وجود حوالي 165 قنبلة ومجموعة من الأسلحة في بقعة منعزلة عند تلال المقطم.
وهو ما جعل الحكومة تركز الانتباه حول جماعة الإخوان وتستشعر خطورة شديدة منها خاصة بعد وقوع حادث السيارة الجيب الشهير في 15 نوفمبر 1948 والذي تم بطريق الصدفة، فأتاح للسلطة الكشف عن أهم قيادات الجهاز السري( حوالي 32) على رأسهم عبد الرحمن السندي رئيس الجهاز.
فمن خلال مجموعة الأوراق والوثائق والسجلات الشخصية التي عثر عليها في السيارة الجيب تبينت بوضوح ولأول مرة معالم التنظيم السري، وبدأت خطورته تظهر جلية أمام السلطة.
وهو ما جعلها تغير موقفها من الجماعة برمتها، والذي كان قد أتاح لها فيما سبق النمو والتغلغل في الحياة السياسية والاجتماعية المصرية فقامت بتقويض شبكة الاتصالات الخاصة بالتنظيم السري وتوجيه ضربة قاصمة له.
وقد بلغ من خطورة وثائق قضية السيارة الجيب أن حاول الإخوان التخلص من أدلة الاتهام ضدهم التي عثر عليها في السيارة ، فقامت مجموعة منهم بوضع شحنة ناسفة في محكمة الاستئناف العلى في 13 يناير 1949 حيث كانت تنظر في القضية، إلا أنه تم ضبطها وإبعادها وفجرت خارج المحكمة.
ولم تقف حوادث العنف عند هذا الحد فلم يمض أقل من شهر حتى وقعت اضطرابات واسعة في الجامعة بسبب المحادثات التي جرت في ذلك الوقت بشأن إعلان الهدنة في حرب فلسطين الأمر الذي أدى إلى حدوث اشتباكات مع قوات البوليس وعلى رأسها حكمدار القاهرة سليم زكى الذي قتل الذي أدى على حدوث الاشتباكات واتهموا الإخوان بقتله.
وهو ما أوجد المبرر لحكومة النقراشي لاتخاذ إجراءات عنيفة ضد الجماعة بدأت بإصدار أمر بإغلاق صحيفتها" الإخوان المسلمون" وانتهت بصدور قرار حل الجماعة في 8 ديسمبر 1948 . وكان هذا القرار هو نهاية التحالف الذي نشأ بين الإخوان والقصر.
ولكن على الرغم من المصرية التي وجهتها السلطة للجماعة وللتنظيم السري على وجه التحديد وإلا انه تمكن من الانتقال من رئيس وزراء مصر محمود فهمي النقراشي باشا فدفع حياته ثمنا لقرار الحل الذي اصدره ضد الجماعة، وقد تم اغتياله يوم 28 ديسمبر 1948 أى بعد حوالي عشرين يوما على القرار السابق .
وقد ردت السلطات على ذلك باغتيال حسن البنا مرشد عام الجماعة الشيخ حسن البنا في 12 فبراير 1949 أى بعد ما يقرب من شهر ونصف على اغتيال النقراشي باشا .
وقامت الجماعة بدورها بالرد على هذا الحادث العنيف بمحاولة قتل إبراهيم عبد الهادي باشا الذي تولى رئاسة الوزارة بعد النقراشي، وفى مايو 1949 أى بعد ثلاثة أشهر من مقتل البنا ولكنه نجا من الحادث.
اعتبرت حوادث العنف المتبادلة بين الجماعة والسلطة- في جزء منها- حصادا لمجمل السياسة التي اتبعها القصر مع الإخوان طوال سنوات الأربعينات ، فوفق تعبير عبد العظيم رمضان " كان الإخوان المسلمون في أواخر عام 1948 قد أصبحوا أشبه بدولة داخل دولة بأسلحتها وجيشها ومصانعها وشركاتها ومستشفياتها ولم يبق سوى القفز على السلطة".
والواقع أن السباب التي اعتمدت عليها الحكومة في إصدار قرار الحل قد تؤيد هذا القرار حيث ركزت في هذه الأسباب على ثلاثة أولها، أن الجماعة كانت تهدف إلى قلب النظام السياسي متخذه من ذلك طرقا إرهابية بواسطة فريق من أعضائها دربوا تدريبا عسكريا وأطلق عليهم فرق الجوالة، وثانيها الاشتباكات التي جرت بين الجماعة وخصومها وأعمال العنف المختلفة، وأخيرا ، وقائع تدريب الجماعة على السلاح وصنع القنابل والمفرقعات فضلا عن تخزينها، وه ما كشفت عنه واقعة ضبط السلاح بعزبة محمد فرغلي في 22 أكتوبر 1948.
هذه الأسباب، رغم استنادها إلى حوادث ووقائع محددة إلا أنها قد تعطى مؤشرا على الخوف المتنامي الذي بدأت تستشعره السلطة من نمو الجناح العسكري للجماعة ممثلا في النظام الخاص.
ويرى عبد العظيم رمضان أن السبب الحقيقي هو خوف القصر وحكومة النقراشي باشا من تزايد قوة الإخوان المسلمين في الحياة السياسية .
ففي ذلك الحين كان القصر قد بدأ يحس بأن قوة الإخوان المسلمين قد تزايدت إلى الحد الذي لم يعد يمكن السيطرة عليها وأن سماحه لها بالنمو إلى ما لا نهاية سوف يجعله في النهاية أول ضحاياها.
بل لقد شعر بأن في رغبته في ضرب الوفد قد ساعد على تنمية قوة هي أخطر بكثير من الوفد.

- تجاوز النظام الخاص:

كان من الطبيعي في ظل وجو د جهاز سرى مسلح أن تظهر العديد من التجاوزات والتناقضات مع القيادة العليا للجماعة وصلت في بعض مراحلها إلى حد التناقض والصراع على قيادة الجماعة نفسها وإلى ظهور العديد من المجموعات أو التنظيمات الصغيرة التي تنتهج العنف والتي تظهر درجة عالية من التمرد سواء على القيادة الموحدة للنظام الخاص أو على قيادة الإخوان.
وقد أدى هذا الأمر ب المرشد العام إلى إظهار تحفظه حول بعض الأعمال العنيفة التي قام بها أعضاء من الجهاز السري، بل والتنصل من المسئولية عن بعضها الآخر حفاظا على المركز السياسي للجماعة- وهناك أمثلة عديدة لذلك- يروى أحمد عادل كمال، وكان عضو بارز في الجهاز السري، أن مصطفى مؤمن في تزعمه للحركات الطلابية كثيرا ما كان يطلب دعم النظام الخاص، ولكنه لم يكن يجاب في أغلب الأحيان إلى طلبه بسبب عدم موافقة أو تحفظ المرشد، وهو ما دعي مصطفى مؤمن على تشكيل مجموعتين تابعتين له الأمر الذي اعتبره الشيخ البنا تحديا سافرا لمنصبه مما دعاه لحل المجموعتين وإلزام مصطفى مؤمن بعدم الخروج على الخط العام للجماعة.
ولم يكن ها الحادث مجرد حادث فردى – كما يشير أحمد عادل كمال- وإنما نشأ عدد من التنظيمات الصغيرة، كان النظام الخاص نفسه يبادر بتصفيتها حتى لا يبقى سوى تنظيم خاص واحد للجماعة.
وحتى لا تفق سيطرتها عليه خاصة وأن هذه التنظيمات كان يغلب عليها النزعة الحماسية بسبب صغر سن أعضاءها من ناحية وبسبب قدرتهم على حمل السلاح من ناحية أخرى.
ولم تكن تجاوزات النظام الخاص قاصرة على محاولات إنشاء تنظيمات جديدة أو التجاوز القيادي لبعض قياداتها.
وإنما امتد الأمر إلى الخلاف حول بعض العمليات الهامة التي نفذها النظام. وحول مدى مشروعيتها وفائدتها العامة للجماعة.
فحول مقتل أحمد الخازندار ، بين أحد أعضاء النظام الخاص، يقول أحمد عادل أن هذا الحادث كان ما أغضب المرشد العام حسن البنا ودعاه لمناقشة عبد الرحمن السندي رئيس النظام فيه.
وأن اعتراضه لم يكن مقصورا على تخطيط العملية وإنما انصب في المقام الأول على شرعيتها . إذ كان من رأيه أن من حق القاضي أن يخطئ وأن اغتياله غير جائز شرعا.
ومرة أخرى حاول المرشد التنصل من أعمال العنف التي يقوم بها النظام الخاص وجاءت بعد اغتيال رئيس الوزراء النقراشي باشا، إذ أراد الشيخ البنا بعدها أن يهدئ الموقف مع حكومة إبراهيم عبد الهادي التي خلفت حكومة النقراشي وعرض من جانبه معاونة الحكومة على استعادة النظام والأمن في مقابل عودة الجماعة إلى الشرعية والإفراج عن ممتلكاتها المصادرة وإطلاق سراح أعضاءها المعتقلين.
وهو ما دعاه إلى استنكار قيام عضو بالجهاز السري بعد اغتيال النقراشي بمحاولة نسف محكمة الاستئناف العالي، في خطاب رسمي لوزارة الداخلية ولأعضاء الجماعة وتضمن الخطاب عبارة شهيرة حول مخططي أحداث العنف قال فيها أنهم " ليسوا مسلمين".
وكانت هذه الواقعة هي ذروة التعبير عن غضب القيادة العليا ممثلة في المرشد العام من تجاوزات النظام الخاص، وإن كان يمكن النظر غليها من زاويتين: الأولى هي طبيعة العلاقات الداخلية بين الجماعة والنظام الخاص والتي تثير العديد من القضايا حول مسألة القيادة وقدرتها على السيطرة على أنشطة النظام.
والأخرى تتعلق بالتوازنات السياسية للجماعة والتي كانت تدفع المرشد للاختلاف مع قادة النظام الخاص حول بعض أعمال العنف التي يقوم بها، أو على الأقل للإعلان عن وجود مثل هذه الخلافات حتى يجنب الجماعة مخاطر الثمن السياسي لعنف الجهاز السري.

3- الصراع على القيادة بعد حسن البنا ودور النظام الخاص

يذكر إسحاق موسى في كتابه" الإخوان المسلمون" أن محاكمات الإخوان المسلمين عام 1954 أوضحت ما كانت تعانيه الجماعة من عيوب تركزت في ثلاثة: الانقسام الداخلي، وتركز السلطات في يد المرشد العام، والجهاز السري وسعيه لفرض رأيه بالقوة.

وعدم نضج المفاهيم الدينية لدى الجماعة فيما يتعلق بالحكومة أي بفكرة الحكم والسلطة.

وكان من الطبيعي في ضوء هذا الرأي أنتشهد الجماعة صراعات على القيادة بعد اختفاء الشيخ حسن البنا مرشدهم العام وصاحب السلطة العليا شبه المطلقة في الجماعة، وأن ت ظهر الخلافات بين أعضاءها وقاداتها في ظل تنامي النظام الخاص لها.

والذي تطلع إلى موقع القيادة وكان على رأس مرشحينه لمنصب المرشد العام حسن عشماوي، وكان يمثل التيار المتطرف في الجماعة، ونافسه عبد الرحمن البنا أخو حسن البنا صاحب الاتجاه المحافظ، وأخيرا برزت أسماء تمثل تيار الوسط أو التيار المعتدل، وفى مقدمتهم الشيخ احمد حسن الباقورى .

وهكذا ظهر تنافسا شديدا بين ممثلي التيارات المختلفة داخل الجماعة على القيادة. ويذكر الحسيني أن الجماعة اختارت حسن عشماوي في عام 1950 للإشراف على الجماعة باعتباره نائبا للمرشد العام.

بشكل مؤقت وساعده الباقورى ( وكان عضوا بمكتب الإرشاد) على ذلك إذا كان مقدرا له أن يتولى منصب الإرشاد ولكنه رغب في التخلي عنه.

وفى الفترة نفسها ظهر التنافس على الزعامة بين قيادات الجماعة خاصة بين حسن عشماوي وعبد الرحمن البنا، وعبد الحكيم عابدين ومحمد محمد فرغلى، أما مصطفى مؤمن فقد خرج من حلبة التنافس بعد طرده من الجماعة في نفس العام. وكانت أغلب رموز الصراع تنتمي إلى النظام الخاص.

ويعلق طارق البشرى على هذه الصراعات الداخلية التي شهدتها جماعة الإخوان بعد اغتيال حسن البنا والوهن الذي أصابها وبروز النظام الخاص، بقوله( كان الجهاز السري قد كونه البنا عام 1942 ليكون كتيبة عسكرية سرية مسلحة يختار أعضاؤها من الشباب المتحمس ويدربون على حمل السلاح والبنادق والمسدسات وإلقاء القنابل ، وهو الجهاز الذي قام بأعمال الإرهاب في السنوات السابقة، وكان يقود هذا الجهاز حسين كمال الدين، وصالح عشماوي ـ وإبراهيم الطيب ، وعبد الرحمن السندى ولكنه كان خاضعا للسيطرة الشخصية للشيخ البنا، فلما توفى أصبح الجهاز مركز قوة خطيرة داخل الجماعة وأصبح يتجه في صراعه مع الكتل الأخرى إلى فرض رأيه واتجاهه بالقوة المادية وأساليب القمع) وهو ما أوصل جماعة الإخوان المسلمين إلى أزمة حقيقية تمثلت عناصرها في ثلاثة: الوهن الداخلي بسبب الخلافات الشخصية على القيادة، وافتقادها للدعم الخارجي من القوى السياسية الأخرى وعلى رأسها الوفد.

وإنهاء التحالف التاريخي بينها وبين القصر الذي بلغ ذروته في 1948 بقرار حل الجماعة واغتيال النقراشي ثم الشيخ حسن البنا، وكان العنصر الأخير هو نقطة تحدى أساسية بالنسبة لها.

ولم يكن هناك خيار أمام الجماعة وسط هذه الأزمة سوى القبول بنوع من الحل الوسط يهدئ حدة صراعاتها الداخلية ويعيد صياغة علاقاتها السياسية مع القصر والقوى السياسية الحاكمة، ويراعى الظروف السياسية القائمة، وتمثل هذا الحل الوسط في اختيار حسن إسماعيل الهضيبى مرشدا عاما للجماعة بعد حسن البنا، والذي لم يكن عضوا بمكتب الإرشاد ولا بالجمعية التأسيسية ولم يتولى عملا تنظيميا ولا شعبيا في الجماعة، بل كان مستشارا عمل بالقضاء لفترة تزيد عن العشرين عاما.

ولذلك اعتبر هذا الاختيار سياسيا في المقام الأول خاصة وأن الهضيبى كان يمثل وجها مقبولا من الناحية السياسية بعيدا عن العنف الذي أرادت الجماعة أن تنحيه لفترة لتتمكن فيه من إعادة بناء نفسها.

ويشير ريتشارد ميتشل في معرض حديثه عن أسباب اختيار الهضيبى، أن تهدئة الأمور مع القصر كانت من ضمن هذه الأسباب وربما غذاها ما كان هناك من صلة نسب بينه وبين رئيس الياروران الملكي في ذلك الوقت .

أما طارق البشرى فيعلق على هذا الاختيار بقله( أنه إذا كانت الجماعة رغم الصراعات الفردية والتيارات الموجودة بها، كانت زمن البنا تلتقي عن الرجل القوى.

فإنه بعد وفاته لم يعد ثمة من يستطيع الهيمنة مثله على الجماعة كلها، ولا كانت الخلافات السياسية متبلورة على النحو الذي يمكن حسمها، ولم يعد هناك رجل قوى قادر على أن يفرض نفسه عليهم، ولهذا لم يبق أمامه إلا أن يلتقوا عند الرجل الضعيف تأجيلا للأزمة وأملا في السيطرة على الجماعة من خلاله).

4- القيادة الجديدة والموقف من العنف

لم تنته الخلافات الداخلية في الجماعة باختيار مرشدها الجديد إذ كان هذا الاختيار في ذاته وسيلة لتأجيل الخلافات وليس لحسمها.

وتمركزت هذه الخلافات في المقام الأول حول دور النظام الخاص في توجيه مسار الجماعة وتحديد منهاجها السياسي.

وقد رأى الهضيبى ضرورة وضع سياسة جديدة للجماعة بعد أن أدت التجربة الأولى في العنف إلى قرار الحل.

وكان من الطبيعي أن يدخل في مواجهة مع رموز النظام الخاص الذين أيدوا السياسات السابقة ورأوا فيها ضرورة لقوة الجماعة.

ويروى ريتشارد ميتشل أن الهضيبى بعد تعيينه بقرابة الشهر طلب أن يعاد النظر في قبوله هذا المنصب وكان ذلك تاليا لاكتشافه أن الجهاز السري ما زال قائما وبادر بالإعراب عن نفوره من العنف الذي ميز السنوات ( 1946- 1949) وعن إصراره على عدم المشاركة بأي دور في كفالة استمرار هذا النشاط وقال حول التنظيم السري " لا سرية في خدمة الله.. لا سرية في الرسالة ولا إرهاب في الدين" ويعلق ميتشل بأن هذا الموقف حمل تحديا لبعض المفاهيم الأساسية والتقليدية في عمل الجماعة حول كل الوسائل والغايات وهو فضلا عن ذلك يبلور قضية كانت في فترة البنا لا زالت في مرحلتها الأولية هي التحدي الذي يطرحه على القيادة العلنية وجود " القيادة التحتية" أي قيادات وأعضاء الجهاز السري.

ويشير على أن ذلك ما أوضحه عبد القادر فيما بعد حيث اعتبر أن الجهاز السري خطأ من الوجهة التنفيذية إذ كان سببا في وجود قيادة مزدوجة بل ومتناقضة في أغلب الأحوال.

ويؤكد عبد العظيم رمضان نفس المعنى بقوله( أنه كان من الطبيعي أن تدفع السياسة التي يقودها الهضيبى إلى مواجهة بينه وبين الجهاز السري ويستشهد بما ذكره الهضيبى حين تولى قيادة الإخوان في أكتوبر 1951 بأنه لم يكن يعلم بأن التنظيم ما يزال قائما).

ولعل هذه السياسة المعتدلة التي اتبعها الهضيبى والتي أملت عليه موقفه من " النظام الخاص" إنما دفعت إليها طبيعة المرحلة التي مرت بها الجماعة بعد قرار الحل، كما فرضتها الظروف السياسية التي سادت في نفس الفترة ورغبة الجماعة الملحة في العودة إلى الحياة السياسية.

فقد شكل الوفد في يناير 1950 حكومة جديدة- وهو الخصم التقليدي للإخوان- وجرت المفاوضات بين الحزب و الجماعة حول إعادة الإخوان إلى الشرعية ، وكان مصطفى مؤمن ممثل الإخوان في هذه المفاوضات وفؤاد سراج الدين ممثلا عن الوفد.

على أن الصيغة الفقهية التي تم التوصل إليها لم تلق تأييدا من الجماعة خاصة من التيار المتشدد الذي تزعمه صالح عشماوي وهو ما دعاه إلى استصدار قرار من مكتب الإرشاد في نهاية عام 1951 بفصل مصطفى مؤمن من الجماعة على أساس أنه انحرف عن مبادئ الإخوان.

ويعلف عبد العظيم رمضان على ذلك بقوله( أن رفض المصالحة مع الوفد من جانب الجماعة في ذلك الحين استمرار لموقفها من الصراع الدائر بين الوفد والعرش الذي كانت تجد نفسها فيه في معسكر واحد مع القصر ، فلم يكن يجمعها بالوفد من أوجه الالتقاء غير الأهداف الوطنية .

أما القصر فكان يجمعها به العداء الشديد للشيوعية والديمقراطية الليبرالية، فضلا عن أن حكم القصر طويل، أما حكم الوفد فعلى العكس القصير، يضاف إلى ذلك أن التحالف مع الوفد كان يعنى استمرار القيادة للوفد.

هذه المبررات شكلت الأرضية المناسبة التي بنت عليها القيادة الجديدة سياساتها خاصة تجاه القصر، يعلق ميتشل على التقارب القصير الذي حدث بين الجماعة والوفد بأنه جاء انعكاسا للمصلحة والحاجة المتبادلة والتي أدت إلى طمس العداوة الكامنة بين الجانبين، فمن ناحية الوفد كان الدافع هو تصوره التقليدي للجماعة بوصفها متراسا في مواجهة اليسار، كما ساعد على ذلك محاولة فؤاد سراج الدين تقوية جناحه اليمينية ضد الجناح اليساري داخل الحزب، وفى المقابل فقد طغى الدافع المتعلق بعودة الجماعة إلى الشرعية على كل اعتبار آخر. وإن كان الأمر لم يستمر طويلا.

وكانت هذه مناسبة أخرى للقصر لكي يستقطب الإخوان مرة أخرى في مواجهة الوفد، فيروى طارق البشرى) إن وصول الوفد إلى الحكم كان مثيرا لخوف الملك أن يستبد حزب الأغلبية البرلمانية بالسلطة من دونه، فوجد من صالحه أن يمحو الخلافات القائمة بينه وبين جماعة الإخوان إحياءا لهذه القوى ورغبة في الاستفادة منها) وعن دور القصر في اختيار المرشد الجديد يقول( لقد علمت السراي على أن تشتغل التنافس داخل الجماعة بين المرشحين للزعامة ليستطيع أن يفرض عليها مرشدا يضمن وجوده تحسين العلاقات مع السراي ثم انصياع الجماعة لها في تنفيذ أهدافها.

وكان حسن الهضيبى هو الرجل الذي أيد الملك توليه منصب الإرشاد لأنه فضلا عن الصفات السابقة متزوجا من شقيقة ناظر الخاصة الملكية وكان على علاقات عائلية وشخصية وثيقة ببعض العائلات المقربة من الملك.. ويقال أن الملك طلب إليه تطهير الجماعة من العناصر الثورية واتخاذ خطة المهادنة والسلام مع الانجليز، كما ذكره بوعد حسن البنا للقصر في 1948 من أن تتخذ خطة خط المعاداة للشيوعية إذا ألغى الملك قرار حلها..).

وفى المقابل يشير عبد العظيم رمضان ( يبدو أن مجال التنازل من جانب الإخوان إلى الشرعية تمثل في تعيين مرشد جديد يحظى برضاء الملك وتأييده).

على هذا النحو دخلت الجماعة عهد جديدا بتولي الهضيبى منصب المرشد العام لها. وبدأت الخلافات مع التنظيم السري بالتحديد.

وقد عمل المرشد الجديد على إبعاد الكثير من الأعضاء القدامى ذوى الاتجاهات المعارضة له داخل الجماعة واختار أعوانه من أصحاب المناصب القانونية والقضائية في الجماعة من ذوى الميول المعتدلة.

وأجريت تعديلات في قيادة الجهاز السري أبعد فيها صالح عشماوي والمرتبطون به ويشير طارق البشرى ( تحت السطح أخذت الخلافات تنمو بين الاتجاه الذي يؤيد سياسة الهضيبى ويدافع عنها وبين من كانوا يعتبروا أنفسهم أحق بالزعامة) ولم يكن الهضيبى طرفا وحيدا في هذا الصراع، كما يشير عبد العظيم رمضان، أما في مواجهة التنظيم السري، بل كانت تؤيده غالبية قيادات الهيئة التأسيسية الذين ألقوا على عاتق التنظيم السري مسئولية النكبات التي لحقت ب الجماعة وبالتالي فإن سياسة الهضيبى تجاه القصر والنضال الوطني والعنف لم تكن سياسته بل تشترك فيها هذه القيادات معه.

وكان من الطبيعي أن يترتب على هذا العداء من الهضيبى وقيادات التنظيم الخاص وعلى رأسها السندى أن يفقد الهضيبى سيطرته على التنظيم السري، وأن يدخل في مواجهة معه غير معلنة وهناك بعض الأمثلة البارزة.

التي حاول فيها المرشد العام التنصل من أعمال العنف التي يقوم بها هنا الجهاز . ويروى طارق البشرى أنه عندما عين الملك حافظ عفيفي باشا رئيسا للديوان الملكي- كجزء من سياسته لإجهاض الحركة الشعبية بعد إلغاء المعاهدة- اندلعت المظاهرات تهتف ضد الملك وحافظ عفيفي.

وهاجمت صحيفة الدعوة ( والتي كانت تعبر عن آراء القاعدة الجماهيرية من الشباب الإخوان المتحمس) رئيس الديوان الجديد، فما كان من سكرتير عام الجماعة عبد الحكيم عابدين إلا أن أذاع بيان نصه " يقرر المركز العام للإخوان المسلمين أن مجلة الدعوة لا تصدر عنه ولا تنطق بلسانه ولا تمثل سياسته وأنها صحيفة شخصية تعبر عن آراء صاحبها، ولا تتقيد دعوة الإخوان المسلمين بما نشر فيها. ويشير أغلب المؤرخين على أن موقف الهضيبى من العنف ومن النضال الوطني تحدد في إطار علاقته مع الملك وتوازناته السياسية الجديدة.

وفى نفس السياق أعلن الهضيبى لمجلة " الجمهور المصري" يوم 15 أكتوبر 1951 أي بعد أسبوع واحد من إلغاء معاهدة 1936، أن أعمال العنف لا تخرج الانجليز من البلاد.

وأوضح معنى القوة التي ينادى بها الإخوان بأنها القوة الروحية وليست القوى المادية التي قال أنها من اختصاص الحكومة ، كما صرح تعليقا على احتجاجات شباب الإخوان وقراراتهم الخاصة بالكفاح العملي والذي رأوا أنه قد يأخذ صورا غير مقاطعة الإنجليز، أن قرارا ت الشباب هذه لا تلزم الجماعة ولا قيمة لقرارات تصدر من غير المركز العام للإخوان المسلمين .

ومن نفس المنطلق صرح رئيس شعبة الإخوان بالسويس خلال معركة القنال " بأنه ليس للإخوان أي نشاط في حركة المقاومة" وأن الإنجليز يستطيعون استبدال العداء التقليدي القائم بصداقة إنسانية مع مصر .

ويشير طارق البشرى على أن الهضيبى أوضح بعد ذلك لصحيفة " المصري" موقفه من المسالة الوطنية بما يعنى أن الإخوان وإن لم يقبلوا المفاوضة مع الإنجليز في مبدأ الجلاء فهم يقبلونه بالنسبة إلى طريقة تنفيذ الجلاء وتحديد مدته.

وفى ذات الوقت أبدى موافقته على اشتراك مصر في نظام دفاعي أو إقليمي مع بريطانيا بعد تحقيق الجلاء.

ولكن رغم هذه المواقف المناهضة للعنف من جانب المرشد العام إلا أن التنظيم السري بقى قائما، ويعلق عبد العظيم رمضان على ذلك بأن تعذر حل التنظيم السري يرجع إلى ارتباطه بفكرة الجهاد ولطبيعته الخاصة التي تجعله مما يخشى بأسه من جهة أخرى.

ويفصل في هذا الرأي بأن الهضيبى كون لجنة للتوصل إلى حل وسط بشأن النظام الخاص لإزالة الثنائية بينه وبين النظام العام للجماعة وذلك عن طريق إدماج الأسر التي تنتمي إلى التنظيمين في قسم واحد باسم " قسم الأسر" ولكن رغم ذلك بقيت مسألة الأسلحة الموجودة لدى الجهاز الخاص كما هي ولم يكن في وسع اللجنة التي شكلها الهضيبى أن تعمل شيء بصددها .

ويصل عبد العظيم رمضان من ذلك إلى قوله بأن التعديلات التي أد\خلتها اللجنة على النظام الخاص لم تكن بذات قيمة كبيرة، إذ بقى التنظيم كامل سليم وبقى السندى فيه بل عاد على قيادته بعد فترة، كما زاد عدده تحت فكرة أن زيادة العدد تزيل السرية، وإن زادت حدة الثنائية بسبب الخلافات التي استمرت بين الهضيبى وعبد الرحمن السندى .

كما يروى أحمد عادل كمال أن الفترة التي تلت محنة 1948 ، قد شهدت محاولات جادة لإعادة تشكيل النظام الخاص وكان هو أحد قادتها مع أحمد زكي وعبد الرحمن السندى، ويؤكد على مشروعية وجود هذا النظام كجناح عسكري للجماعة بقوله( أن نصوص الإسلام صريحة في أن الجهاد في سبيل الله فريضة ماضية إلى يوم القيامة و الجهاد فرض عين إذا ديس شبر من ارض الإسلام، فكيف ونحن لا نجد شبرا حرا من ارض الإسلام؟" وقد استمرت هذه المحاولات رغم تصاعد الخلافات الداخلية، ويشير أحمد عادل كمال أنه بعد قيام الثورة وفى بداية عهدها بدأ الإخوان في عملية إنشاء نظام خاص جديد أطلقوا عليه " التنظيم السري" أسندت قيادته إلى يوسف طلعت وكان من أعضاء النظام الخاص، وأن اختياره جاء بسبب اختلاف أسلوبه في القيادة عن عبد الرحمن السندى الذي كان يجعل نفسه دائما ندا للقيادة العليا.

5- النظام الخاص:تقييم

إن استعراض تاريخ نشأة وتطور النظام الخاص( في جماعة الإخوان المسلمين) إنما يثير العديد من الملاحظات التي قد تعطى مؤشرات هامة لفهم وتفسير ظهور التنظيمات والجماعات الإسلامية خارج نطاق الجماعة منذ السبعينات .

ويمكن إيجاز هذه الملاحظات في الآتي:

أولا: أن نشأة " النظام الخاص" في ظل جماعة الإخوان المسلمين إنما يقدم دلالة قاطعة على محورية مبدأ " الجهاد الإسلامى" لدى أى حركة إسلامية بغض النظر عن توجهاتها السياسية العامة أي سواء دخلت هذه التوجهات في إطار الاعتدال أو التشدد. ومن هنا يصبح العنف السياسي أحد أدواتها المشروعة لتحقيق مطالبها ولمواجهة أى نظام حاكم.
ثانيا: أن جماعة الإخوان المسلمين ,رغم الواقعية السياسية التي تنتجها في مراحل مختلفة ومواضع مختلفة , لم تكن بعيدة من تكريس مبدأ العنف السياسي في إطار الحركة الإسلامية المعاصرة . بل وإعطاؤه شكلا تنظيميا أو مؤسسيا من خلال النظام الخاص .
ثالثا : أن طبيعة هذا النظام من حيث الشكل والمضمون فضلا عن طبيعة المهام التي اضطلع بها وطابع السرية الذي أحاط به كلها عوامل أصبغت سمات معينة على نمط العضوية .
فكان اغلب الأعضاء من الشباب القادر على حمل السلاح والاضطلاع لعمليات العنف وهو ما جعل النزعة الحماسية هي السائدة على توجهات النظام وعلى أعضاءه .
وقد أدى في النهاية إلى ظهور عاملين كان لهما اكبر الأثر على مسار الحركة الإسلامية من الداخل : الأول , ازدواجية القيادة وعدم قدرة القيادة العليا على السيطرة الكاملة على هذا الجهاز ، والأخر، هو كثرة الانشقاقات وظهور جماعات صغيرة متمردة لكل منها نوجهها الخاص، ولكن يجمعهما نفس الطابع الحماسي والاقتناع بالعنف كوسيلة أساسية للتغيير.
رابعا: أن الضربات المتتالية التي تعرض لها النظام الخاص، بسبب عمليات العنف التي قام بها من قبل السلطة السياسية في مراحل تاريخية مختلفة قد عرضت جماعة الإخوان المسلمين إلى كثير من المحن والأزمات مما دعي قياداتها العليا إلى محاولات كثيرة للتنصل من مسئولياتها عن أ‘مال هذا النظام بل والعمل ليس فقط على تحجيمه ، وإنما على توارى دوره حتى يفسح المجال لنمو الدور السيساى الذي أرادت الجماعة أن يكون له الأسبقية في المراحل اللاحقة.
وربما يكون في اختباء دور النظام الخاص بعض التفسير لظاهرة بروز جماعات العنف السياسي التي شهدتها الحركة الإسلامية في العقود الأخيرة.

الفصل الثالث:الجماعات الراديكالية والعنف السياسي

مقدمة

إذا كانت أي ظاهرة سياسية يمكن تفسيرها من خلال المحيط السياسي والاجتماعي والثقافي الذي تولد فيه، والذي تحدده اللحظة التاريخية، التي يمر بها المجتمع.

فإن ظهور جماعات العنف السياسي ذات الطابع الديني الإسلامى ارتبط إلى حد كبير بالمرحلة السياسية والاجتماعية التي مرت بها مصر خلال السبعينات، وهو العقد الذي شهد ميلاد أبرز جماعة إسلامية منظمة خارج نطاق الإخوان ممثلة فئ جماعة شباب محمد أو ما عرفت باسم الفنية العسكرية وبعدها بسنوات في 1977 ظهرت جماعة المسلمون أو التكفير والهجرة، وشهد نفس العام بداية تشكيل تنظيم إسلامي راديكالى هو تنظيم الجهاد الذي أعيد بناؤه مرة أخرى في 1979 وكان مسئولا عن أخطر عملية عنف سياسي شهدها تاريخ مصر السياسي الحديث وهو اغتيال الرئيس محمد أنور السادات في أكتوبر 1981.

ولعل ما زاد من وزن هذه الجماعات في تلك الفترة فقط اضطلاعها بأعمال عنف سياسي واجتماعي، وإنما ارتباطها بنمو تيار سياسي إسلامي لا يرتبط بالإخوان، وكان له تواجد مكثف بين جيل الشباب خاصة في الأوساط الطلابية، وهو ما أبرزته انتخابات اتحادات طلاب الجماعات منذ أواسط السبعينات( 1975-1979).

وقد تمثل التحدي الأكبر الذي عبرت عنه جماعات العنف السياسي الإسلامى في عدم اعترافها بالنظام السياسي والاجتماعي القائم، وسعيها للانقلاب عليه من خلال العنف من ناحية، وفى الخلفية الاجتماعية لغالبية أعضائها والتي جاءت معظمها من أبناء الطبقات الوسطى خاصة من الشباب المتعلم تعليما مدنيا حديثا، وليس أزهريا مما يعنى ازدياد مظاهر السخط السياسي والاجتماع لدى جيل جديد، من ناحية أخرى.

في هذا الإطار قدمت اسهامات عديدة لتفسير ظاهرة الرفض والعنف لدى الجماعات الإسلامية المعاصرة وتحليل أسبابها من خلال السياق السياسي والاجتماعي والتاريخي الذي وجدت فيه، فعلى الصعيد الخارجي يبرز التحدي الذي تجد الحضارة الغربية للمجتمعات الأقل تقدما، وهو بعد قديم جديد لتحليل الظاهرة، ويضاف إليه التداعيات التي شهدتها المجتمعات العربية بعد هزيمة 1967 والتحدي الذي يشكله الصراع العربي الاسرائيلى على شعوب المنطقة.

وعلى الصعيد الداخلي ركزت معظم التفسيرات على قضية التحديث بكل أبعادها الاجتماعية والسياسية والثقافية، التي تسود هذه المجتمعات، والتي عرضت النظم السياسية إلى أزمات عديدة مثل أزمات الشرعية والهوية فضلا عن تعثر التنمية الاقتصادية.

- التحدي الخارجي

ينظر كثير من المحللين إلى ظاهرة العنف لدى الجماعات الإسلامية المعاصرة على إنها جزء من العملية التاريخية التي بدأت منذ أواخر القرن الثامن عشر مع الاحتكاك المباشر بالحضارة الغربية والذي حدث مع مجيء الحملة الفرنسية على مصر عام 1798.


هذه ا لعملية التي يصفها جمال حمدان في عمله الضخم شخصية مصر بأنها عملية حضارية تاريخية مركبة ومستمرة ، فيرى أن عملية الاحتكاك مع الغرب مرت بثلاث مراحل واضحة، الأولى، هي مرحلة الانبهار الحضاري والانهيار النفسي، فوفق تعبيره " فوجئنا بأننا أقزام أمام عمالقة" وكان رد الفعل مركب نقص حضاريا شديدا أفقدنا كل ثقة في تاريخنا وتراثنا وكياننا، ويقيم هذه المرحلة الأولى- بأنها كانت مرحلة التقليد المتهافت في مراحل عملية الاحتكاك الحضاري مع الغرب.

ولكنه يشير على أن المرحلة الثانية جاءت في صورة رد فعل عكسي فيقول" فبعد أن خبرنا ومارسنا دخائل الحضارة الجديدة- زال الانبهار وعادت إلينا بعض الثقة في أنفسنا وأدركنا فضلنا غير المباشر فئ أوصل هذه الحضارة" – ويقف جمال حمدان عند هذه المرحلة التي شهدت صورة أكثر تطرفا من الثقة بالذات لتتحول إلى نوع من أنواع الانغلاق على الذات، ويعبر عن ذلك بقوله" فقد انقلب مركب النقص الحضاري إلى مركب عظمة هو في الحقيقة مركب نقص مقلوب".

ويطرح جمال حمدان رؤيته حول هذه العملية أي الاحتكاك بالغرب من خلال وصفه للمرحلة الثالثة التي تجتازها والتي يقول فيها" أن المرحلة الثالثة بدأت بسرعة وربما كنا نعيشها اليوم وهى مرحلة" الاتزان " فأدركنا أننا لابد أن نستعير ، ولكن استعارة رشيدة ، استعارة هضم وتمثيل لا إغراق وذوبان واستعارة تمالك لاتهالك.

ومن نفس المنظور يشير " بسكاتورى" إلى أن هذه العملية مثلت رد الفعل الإسلامى على التحدي للعالم الغربي والذي مر بمراحل مختلفة بدأت بالإصلاح وانتهت بالعنف ويرى أن المرحلة الأولى كانت مرحلة الدفاع عن الذات من خلال التأكيد على إمكانية التوفيق بين الإسلام وقيم الحضارة الغربية أي إمكانية الوقوف على قدم المساواة.

بينما اتسمت المرحلة الأخيرة بالرفض والعنف في مواجهة هذا التحدي بسبب الإخفاق المتتالي في إيجاد صيغة للتعامل معه.

ويشير بسكاتورى إلى أنه وفق هذا المنظور لعب الإسلام دورا محوريا بل قاسما مشتركا في جميع حركات التحرر الوطني التي شهدتها المنطقة العربية في نضالها ضد الاستعمار الغربي، ولعل أقوى مثال على ذلك في حركة بن بيلا لقيادة الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي.

ويؤكد " دكمجيان" عل نفس المعنى في تحليله لأسباب انتشار الجماعات الإسلامية الراديكالية التي يرى أنها استمرار للمحاولات الإسلامية التي شهدها القرن الماضي كرد فعل مباشر على التحدي الغربي، والتي كانت أبرزها محاولات جمال الدين الأفغاني على وجه التحديد، ويضيف إليها الإخفاقات التي شهدتها الحقبة الليبرالية في مصر خاصة في ترسيخ قيم العلمانية .

ويربط دكمجيان بين هذا العامل وهزيمة 1967 التي زادت من قسوة هذا التحدي. ولقد أدت هذه الهزيمة من وجهة نظر دكمجيان إلى أزمة شرعية واجهتها أغلب النظم السياسية في المنطقة كما أبرزت إخفاق الأيديولوجيات السياسية التي تبنتها النخب الحاكم مثل الناصرية والبعثية وهو ما ساعد الجماعات الإسلامية المعاصرة على تقديم الإسلام كبديل عقائدي لهذه الأيديولوجيات.

وفى دراسته عن " الإحياء السياسي الإسلامى ، دراسة حالة لمصر" أكد نزيه الأيوبي عن نفس المعنى حيث رأى أن الحركة الإسلامية المعاصرة وهى رد فعل ثقافي على الأيديولوجيات المنقولة من الغرب مثل الماركسية والاشتراكي وغيرها لأن الإسلام ظل محددا أساسيا في ثقافة الشعب، كما يرطب بدوره بين ازدياد عنف الرد الإسلامى على التحدا الغربي وبين الأثر النفسي الذي تولد عن هزيمة 1967 وهو أثر يرى أن حرب 1973رغم ما حققته من بعض الانجازات السياسية لم تستطع أن تمحوه، ويرجع ذلك على عاملين، الأول، هو عدم إحساس الجماهير بالانتصار الشامل في 1973 .

والآخر يتمثل في التناقضات السياسية العديدة التي خلفتها الحرب الأخيرة والتي كان أبرزها المعارك التي خاضها النظام مع قوى اليسار بمختلف فصائلها والتي شجعت بدورها على نمو التيار الديني.

وتتفق هذه التحليلات للبعد الخارجي في تفسير ظاهرة العنف التي احتاجت الحركة الإسلامية المعاصرة مع ما أشار إليه د. سعد الدين إبراهيم في دراساته الهامة عن الجماعات الإسلامية الراديكالية ، إذ رأى التحديات الخارجية وأبرزها هزيمة 1967 والإخفاقات المتتالية للنظم السياسية في اكتساب الولاء الجماهيري إلى جانب الفراغ الأيديولوجي الناتج عن قدرة الأيديولوجيات اليسارية والليبرالية على ترسيخ قيمها في الثقافة للمجتمع قد أتاحت لجماعات الإسلام السياسي الفرصة لسحب البساط من تحت أقدام جميع القوى السياسية الموجودة.

- التحدي الداخلي

بالرغم من طرح مداخل عديدة لتحليل ظاهرة العنف لدى الجماعات الإسلامية المعاصرة من زاوية التحدي الداخلي الذي تواجهه أغلب المجتمعات التي في سبيلها للتقدم ، فسوف للتقدم، فسوف نركز هنا على المدخل الخاص بالتحديث فعليه التحديث في معظم بلدان المنطقة ولدت متعثرة وتعرضت لكثير من الأزمات، وأحدثت صراعات داخلية حادة كما نتجت عنها- بسبب الإخفاقات المتتالية التي منيت بها- أزمات عديدة بعضها سياسي عانت منه النظم السياسية الحاكمة، مثل أزمة الشرعية، وأزمة الهزيمة، وغيرها وبعضها خاص بالمجال الاجتماعي الاقتصادي، فشهدت نفس المجتمعات أزمات عددية في مجال التنمية.

ويرجع كثير من الباحثين السياسيين ظهور جماعات العنف الإسلامى إلى فشل النظم السياسية فى قيادة عملية التحديث ، ومن ثم ينظر إلى هذه الظاهرة على أنها صورة من صور الرفض لهذا الإخفاق.

يرى مايكل هادسون في دراسته عن"الإسلام والتنمية : الدين والتغبير الاجتماعي السياسي" أن ظاهرة الإحياء الديني على لمستوى السياسي هي نوع من الارتداد على التحديث أو كما يشير إليه الموند وباول بالتنمية السلبية إذ أنه وفقا للمعايير الغربية تعتبر العلمانية معيارا أساسيا وجوهريا في عملية التنمية السياسية وبالتالي فإن الإخفاق في التحول نحو هذا الاتجاه يعد نوعا من أنواع الارتداد على مجمل عملية التنمية من المنظور التحديثي".

وقدمت إسهامات عديدة من كثير من علماء السياسة لتحليل الإشكالية الخاصة بالعلاقة بين "الإسلام " كنظام أساسي للقيم في المجتمعات العربية و الإسلامية وبين "العلمانية" كمفهوم خلال التغير التدريجي في الاتجاه المعرفي السائد أي ال"poradign"ومن ذلك ما قدمه "دونالد سميث " " donalde smith"عن "الإسلام" كدراسة حالة لإمكانية التغير ألقيمي بما يتوافق واحتياجات المجتمعات العلمانية الحديثة .

وفي دراسته الهامة التي قدمها عام 1963 تحت عنوان "سياسيات التغيير الاجتماعي في الشرق الأوسط وشمال افرقيا "يشير " مانفريد هالبرن " إلي الأثر المزدوج الذي يمكن أن تحدثه عملية التحديث ,فمن ناحية قد يتم إدماج الدين و القيم التقليدية تحت تأثير التحولات الهائلة لعملية التحديث وتحت ضغط متطلبات الطبقة الوسطي "الجديدة " كما يسميها "هالبرن ",والتي يفترض فيها أن تقود عملية التحديث .ولكنه في قبل يشير إلي أن هناك احتمال آخر بأن تؤدي نفس العملية إلي رد فعل عكسي يفسح المجال لظهور الحركات الاجتماعية الشمولية , التي تعتبر عن وجهه نظره عن نوع من الإحباط الاجتماعي والنفسي في مواجهة التغيرات التي تستلزمها عملية التحديث .ومن هذا المنظور يري "هالبرن " إن الحركات الدينية "الشعوبية "كما يصفها هي رد فعل سلفي علي عملية التحديث , وأنها من الزاوية الاجتماعية تعبر عن أزمة الطبعة الوسطي .

وأرجع جيمس بسكاتورى أسباب الإحياء الإسلامى إلى أزمة التنمية التي تشهدها معظم المجتمعات العربية والإسلامية والتي سببت من وجهة نظره ضغطا على نمط الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية إلى الارتداد إلى الرموز التقليدية في المجتمع وأهمها الرموز الدينية ، ويركز بسكاتورى على عملية التحضر وما أدت إليه من تناقضات حادة بين الريف والمدينة، فيشير إلى أن هذه العملية اتسمت بسرعة التحضر بشكل يكاد يكون عشوائيا، وهو ما ظهر من خلال ارتفاع نسبة الهجرة من الريف على المدن مم يشكل ضغطا كثيفا على الأخيرة.

وقد أدى ازدياد معدل السكان الحضريين على معاناة المدن العربية – والإسلامية من مشكلات اجتماعية بسبب ارتفاع نسبة التضخم خاصة مع تحول معظم المهاجرين الزراعيين من الريف إلى سكان حضريين فقراء يعيشون على هامش هذه المدن فضلا عن الارتباك الذي ظهر على مستوى القيم الحاكمة للمجتمع بسبب التناقض بين القيم الريفية والمدنية،وتخلف الريف عن المدينة.

هذه الظروف مجتمعة والتي تثيرها أزمة التنمية أدت على ازدياد طموحها الاجتماعي والسياسي من جراء حياتها في المدن، أو بالنسبة للطبقة الوسطى المدينية التي شكلت الهجرة الريفية ضغطا عليها. ويسترشد بسكاتورى بما ذهب إليه د. سعد الدين إبراهيم من أن الغالبية العظمى من المنتمين إلى الجماعات الإسلامية تنتمي اجتماعيا إلى أصول ريفية أو تشكل الجيل الأول من مها جرى الريف الذين ولدوا بالمدن.

ويقول حامد أنصارى في دراسته الميدانية بعنوان الجهاد الإسلامى في السياسات المصرية( أن جماعات الجهاد الإسلامى كان لها قبول عند الشباب من ذوى الأصول الريفية ، والمهاجرين على المدن الذين وجدوا أنفسهم في وضع متدني في المجتمع الحضري).

ويثير " هيردكميجان" القضية من زاوية أزمة الشرعية التي تعرضت لها معظم النظم السياسية في المنطقة العربية والإسلامية، فيشير على أن عملية بناء الشرعية تعتبر واحدة من أهم العوامل في بناء الدولة القومية الحديثة ووفق هذه النظرة اعتبر دكمجيان انتشار الجماعات الإسلامية المعاصرة بمثابة نوع من رد الفعل على إخفاق النخبة السياسية في بناء نظام عام يحظى بالشرعية ويعزو " بسكاتورى" في معرض تحليله لأزمة الشرعية الأسباب إلى الضعف المؤسسي لأغلب هذه النظم والمسئول عن تدنى مستوى أدائها وجعلها تعتمد على مصادر للشرعية تخرج عن إطار العقلانية وتميل على المصادر التقليدية وأهمها الدين، وهو ما جعل الإسلام في كثير من الأحيان مصدرا أساسيا للشرعية في المجتمع سواء كان لإضفاء الشرعية السياسية على النظام أو للتعبير عن المعارضة مثلما ظهر في حركات الاحتجاج الاجتماعي ذات الطابع الديني.

ويضيف " بسكاتورى" أزمة الهوية أو الانتماء الذي يسميها " دانيل بيل" ( بالشكل الجديد للتوحد الذي يربط حاضر الفرد ب الجماعة والتاريخ) وتنتهي هذه التحليلات إلى القول بأن الجماعات الإسلامية المعاصرة تعبر في أحد جوانبها عن البحث عن الانتماء بالرجوع إلى الماضي والتاريخ.

هذه هي بعض المداخل النظرية التي اهتمت بتقديم تفسيرات مختلفة لظاهرة انتشار الجماعات الإسلامية العنيفة على مدى العقدين الأخيرين.

وقد ركزت هذه المداخل على العوامل الموضوعية سواء الخارجية أو الداخلية التي ترى أنه ساهمت في تغذية هذه الظاهرة. كما اهتمت بوضعها في إطار سياقها التاريخي والسياسي والاجتماعي والثقافي.

ولكن تبقى على جانب هذه المداخل والتفسيرات مساحة للعوامل الدينية الخاصة بالحركة الإسلامية نفسها وبعناصرها المختلفة والتي تشكلت عبر مراحل تطورها التاريخي. وكان لهذه العوامل الذاتية بدورها أثر ليس فقط في ظهور الجماعات الراديكالية ولكن في اتسامها بطابع العنف والرفض.

وإذا عدنا هنا إلى سياق تطور الظاهرة في مصر المعاصرة، يمكن القول- امتدادا لما سبق- أن مؤلفات سيد قطب ، خاصة كتابيه " في ظلال القرآن ، ومعالم في الطريق " كان لها دور كبير في التحولات الفكرية والتنظيمية التي طرأت على الحركة الإسلامية والتي أدت بشكل عام إلى تغيير شكل الخريطة الحركية لها وبروز جماعات وتنظيمات جديدة تركز حركتها حول مبدأ الجهاد الإسلامى الذي احتل مكانا محوريا من كتابات قطب وقد ترجم ذلك في شكل عنف سياسي من قبل الجماعات الجديدة بحيث شكلت ظاهرة من أهم الظواهر السياسية والاجتماعية التي شهدها المجتمع المصري في حقبة السبعينات واستمرت حتى وقتنا الراهن.

ومن ناحية أخرى، أدى القمع الذي شهدته جماعة الإخوان المسلمين في فترة الستينات إلى إبراز أكثر العناصر ثورية وميلا للعنف ورفضا للتصالح مع النظام. وهى العناصر التي شكلت الخريطة التنظيمية الجديدة للحركة الإسلامية.

وقد كانت الستينات هي الحقبة التي شهدت التشكيل الجنيني للجماعات الإسلامية الراديكالية . غير أنه بالرغم من نمو هذه الجماعات خارج نطاق جماعة الإخوان المسلمين ، أي أنها ظلت هي الجماعة ألأم التي خرجت من تحت عباءتها الجماعات الراديكالية ، فأغلب تيارات الجماعات الجديدة كانوا أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين وأمضى الكثيرون منهم فترات طويلة في السجون بسبب هذا الانتماء ،فضلا عن أن كتابات سيد قطب المنظر الاخوانى ظلت في مقدمة المراجع الفكرية التي تأثرت بها الجماعات الجديدة.

وفى ذلك يشير صالح الوردانى في تأريخه لواقع الحركة الإسلامية في السبعينات والذي يقدم فيه رؤيته من داخل الحركة الإسلامية أنه ( عندما احتوت المعتقلات العناصر الإسلامية مرة أخرى في منتصف الستينات.

وصدر قرار باعتقال كل ما سبق اعتقاله بدأت تبرز بين الإسلاميين تيارات جديدة وبدأت مؤشرات الصراع تطفو على السطح بين الجيل القديم والجيل الجديد ، الجيل المتمثل في شيوخ الإخوان وكوادرهم الذين يتمسكون بالخط التقليدي للجماعة الذي وضع أسسه ومعالمه حسن البنا والجيل المتمثل في الشباب الذين تأثروا بأطروحات سيد قطب وأفكاره التي طرحها في كتاب معالم في الطريق ولقد كانت تلك هي بداية عملية التفريخ في الواقع الإسلامى بمصر والتي فرضت نفسها نتيجة للمتغيرات السياسية والاجتماعية التي وقف أمامها الإخوان جامدين رافضين التخلي عن خطهم التقليدي).

المبحث الأول : نشأة الجماعات الراديكالية وتطورها

شهدت سنوات السبعينات ظهور عدد من التنظيمات والجماعات التي تحمل رؤيتها ومنهجها الخاص في التعامل مع الواقع السياسي والاجتماعي، خلافا لما تتبعه جماعة الإخوان المسلمين.

ورغم تعدد التنظيمات والجماعات إلا أننا سوف نركز هنا على أهمية وهى جماعة شباب محمد – أو الفنية العسكرية التي كشف وجودها عام 1974 وجماعة المسلمون أو التكفير والهجرة عام 1977، وتنظيم الجهاد عام 1979 والذي كان مسئولا عن اغتيال الرئيس السادات في 1981 ، ثم أخيرا الجماعة الإسلامية.

1- جماعة الفنية العسكرية

هي جماعة شباب محمد ولكنها عرفت إعلاميا باسم الفنية العسكرية بسبب قيامها في 1974 بالهجوم على كلية الفنية العسكرية،مما تسبب في مقتل 11 فردا وجرح ما يقرب من 27 شخصا، في أثناء اجتماع بعض القيادات السياسية المصرية للاستماع إلى خطبة يلقيها رئيس الجمهورية وقتئذ.

وتعد جماعة الفنية العسكرية أول محاولة جماعية منظمة لتشكيل تنظيم يعتنق أفراده فكرة الجهاد وتهدف إلى قلب نظام الحكم.

كما كانت هي أول جماعة تصطدم بالسلطة في عهد الرئيس السادات. ويشير د. سعد الدين إبراهيم على أن ( الجهاد هو المحدد الأساسي لأيديولوجية الجماعة من أجل إقامة الدولة الإسلامية) ويعنى هذا على المستوى الفكري أن الجماعة تختلف مع العقيدة التي تحكم معظم النظم السياسية العربية القائمة بما فيها مصر، أما على المستوى السياسي، فإن أيديولوجية الجهاد تتحول إلى تنظيم يقود بالضرورة على الصدام مع السلطة والنخبة الحاكمة لتغيير شكل النظام القائم.

وقبل تقديم قراءة لأفكار الجماعة يجدر الإشارة إلى عدد من الملاحظات الهامة: - إن قيادة الجماعة التي تمثلت في الدكتور صالح سرية الفلسطيني الأصل لعبت دورا محوريا في تشكيل أفكار جماعة الفنية العسكرية وبلورة حركتها السياسية من خلال مؤلفه رسالة الإيمان وهو كتيب يقع في حوالي 60 صفحة ويعتبر الوثيقة الفكرية الأساسية للجماعة.

- إن جماعة الفنية العسكرية التي تشكلت في بداية السبعينات ليست هي الجماعة الأولى التي ترجمت فكرة الجهاد الإسلامى إلى رؤية سياسية وإستراتيجية حركية فحسب وإنما ظلت هي الأساس الذي تولد عنه تنظيم الجهاد بتفريعاته المختلفة الذي ظهر في النصف الثاني من السبعينات رغم التحولات الهيكلية التي طرأت عليه بفعل الواقع السياسي والأمني.
- إن تحليل أفكار [[الجماعة سواء من خلال رسالة الإيمان أو كما جاء على لسان أعضاؤها من واقع محاضر التحقيق التي أجريت معهم أو من خلال الدراسات الاجتماعية التي تناولت الجماعة، تكشف عن وجود نقاط جوهرية حاسمة هي التي صاغت المحددات الفكرية للجماعة، وحددت خطابها السياسي بل وظلت هي نفس النقاط التي حكمت أفكار جميع مجموعات تنظيم الجهاد رغم الاختلافات حول بعض التفصيلات أو الجزئيات.
- أن تحليل أفكار الجماعة سواء من خلال رسالة الإيمان أو كما جاء على لسان أعضاؤها من واقع محاضر التحقيق التي أجريت معهم أو من خلال الدراسات الاجتماعية التي تناولت الجماعة، تكشف عن وجود نقاط جوهرية حاسمة هي التي صاغت المحددات الفكرية للجماعة، وحددت خطابها السياسي بل وظلت هي نفس النقاط التي حكمت أفكار جميع مجموعات تنظيم الجهاد رغم الاختلافات حول بعض التفصيلات أو الجزئيات. وهذه النقاط يمكن تلخيصها في الآتي:
• العداء للغرب حضاريا وسياسيا والوقوف موقف الخصومة منه.
• تكفير النظم السياسية القائمة وربطها بشكل مباشر بالتبعية للغرب.
• رفض الفلسفتين الرأسمالية والاشتراكية وما يتولد عنهما من نظم سياسية واقتصادية، وطرح الإسلام بديلا عنهما.
• اعتبار الصراع العربي الاسرائيلى الذي يكتسب بعدا دينيا باعتباره صراعا بين المسلمين واليهود- من وجهة نظر الجماعة- أحد المحاور الأساسية التي يدور على أرضيتها الصراع مع النظم الحاكمة.
وربما ليس مصادفة أن يكون قائد أول جماعة إسلامية راديكالية في مصر فلسطيني الأصل بل وأحد الأعضاء المؤسسين لحركة فتح وأحد مسئوليها العسكريين وبالتالي لعبت شخصية قائد الجماعة صالح سرية دورا في التوجيه السياسي لحركتها.

- صالح سرية ورسالة الإيمان:

صالح سرية هو مؤسس الجماعة، حاصل على دكتوراه العلوم، وولد في يافا وهاجر مع أسرته عام 1948 إلى العراق ،ودرس بالقاهرة ثم التحق بالكلية الحربية بالعراق انتمى إلى جماعة الإخوان المسلمين قبل أن يرتبط بحزب التحرير الإسلامى تمردا على النهج التقليدي للجماعة في العمل السيساى. وأثناء إقامته بالعراق رفض الاشتراك في حرب ضد الأكراد.
وكان على علاقة شخصية بالأكراد نتج عنها اتفاق سرى بينهم مؤداه أن ينضم الأكراد على جماعة الإخوان المسلمين في حالة نجاح حركة الإخوان في العراق.

وكان صالح سرية قد انضم إلى تشكيلات الإخوان بالعراق حين بلغ من العمر الخامسة عشرة، وكان أحد قيادات الإخوان المسلمين المعلنة في العراق بعد توجيه الضربة للإخوان المسلمين في مصر عام 1965، وحرض على محاولة لقلب نظام الحكم في العراق ولكنها فشلت، فهرب منها إلى سوريا حيث أقام فيها ما يقرب من العام ثم انتقل بعد ذلك إلى مصر واتصل بقيادات الإخوان المسلمين.. وهو يحمل نفس المنهاج الذي فشل فيه العراق وهو منهاج يعتمد على العمليات العسكرية السرية للوصول إلى السلطة ، وقربة ذلك في النهاية من الخط السياسي لحزب التحرير الإسلامى.

وقد عرض سرية على بعض كوادر الإخوان الذين خرجوا من السجن إستراتيجية حزب التحرير واستطاع صالح سرية أن يحول " طلال النصارى" الذي كان قد بدأ في تشكيل جماعة سرية وأصبح بعد ذلك من أهم قيادات جماعة الفنية العسكرية- إلى أفكاره .
وقد نجح صالح سرية في تشكيل خلايا سرية في القاهرة والإسكندرية عرفت باسم الأسر وكان أغلب أعضائها من طلاب الجماعات.
وتجرد الإشارة إلى أن صالح سرية كان أحد أعضاء الإخوان المسلمين في الأردن ، ثم انضم لحزب التحرير الإسلامى، وبعد هزيمة 1967 التحق بتنظيمات فلسطينية متعددة كان لها ارتباط ببضع النظم العربية التي أطلق عليها صفة الثورية في هذه المرحلة مثل النظامين العراقي والليبي.
ولا شك أن التجربة السياسية لصالح سرية لعبت دورا كبيرا في تشكيل أفكاره وتوجيهها سياسيا خاصة في ظل واقع الاحتلال الاسرائيلى الذي عانى منه بشكل مباشر بصفته فلسطيني.
كما أن الانتماء السابق لجماعة الإخوان جعل كثير من الباحثين يؤكدون على الصلة بين جماعة الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية الراديكالية، ومن ذلك يشير د. سعد الدين إبراهيم تعليقه على جماعة الفنية العسكرية ( أن هذه الجماعة تأتى ضمن الجماعات المتعددة التي بدأت تنمو تحت أسماء عديدة منذ الستينات وكثير من هذه الجماعات ومن ضمنها هذه الجماعة لها صلة مباشرة أو غير مباشرة بجماعة الإخوان المسلمين) ويضيف ( أن قطب إلى جانب اثنين آخرين كان لهما تأثير بارز على تشكيل أفكارهم أحداهما باكستاني هو أبو الأعلى المودودي والثاني إيراني هو على شريعاتى).

- أيديولوجية الجماعة:

تعتبر أيديولوجية الجماعة إلى حد كبير انعكاسا لأفكار مؤسسها، وقد بلور صالح سرية أفكاره حول عدة محاور أساسية يحدد من خلالها موقف الجماعة من نظم الحكم القائمة وأسلوب مواجهتها، كما يطرح في المقابل رؤيته حول الدولة الإسلامية.
تصف " رسالة الإيمان" نظام الحكم القائم بقولها( إن الحكم القائم في جميع بلاد الإسلام هو حكم كافر، فلا شك في ذلك) ويستند في ذلك إلى قاعدة " غلبة الأحكام" التي يصل من خلالها إلى تكفير الدولة فيقول ( دار الإسلام عند الفقهاء هي الدار التي تكون فيها كلمة الكفر هي العليا ولا يحكم فيها بما أنزل الله ولو كان كل سكانها من المسلمين).
ومن هنا فإن السبيل لتغيير الحكم الكافر عند سرية هو الجهاد ( فالجماعة لتغيير هذه الحكومات وإقامة الدولة الإسلامية فرض عين على كل مسلم ومسلمة لأن الجهاد ماض إلى يوم القيامة) و الجهاد( هو الطريق لإقامة الدولة الإسلامية لأنه لا يجوز موالاة الكفار والأنظمة الكافرة).
وقد ترتب على ذلك تحديد موقف الجماعة من قضيتين أساسيتين تتعلقان بشكل الحكم وهى قضيتا الديمقراطية والحزبية اللتين تتخذ رسالة الإيمان منهما موقفا رافضا، فعن الديمقراطية يقول سرية في رسالته ( أن الديمقراطية منهاج للحياة مخالف لمنهاج الإسلام، ففي الديمقراطية أن الشعب هو صاحب السلطة في التشريع يحلل ويحرم ما يشاء في حين أن الشعب في الإسلام لا صلاحية له على تحليل الحرام وتحريم الحلال ، ولو أجمع الشعب كله على ذلك.. وقل مثل ذلك على كل المناهج الأرضية الأخرى) وبنفس المنطق يحدد موقفه من التعدد الحزبي فيشير على أن ( كل من اشترك في حزب عقائدي فهو كافر لا شك في كفره، فهذه الأحزاب لها عقائد ومناهج مخالفة لعقائد الإسلام، فمن آمن بها دل على أنه يفضلها على عقائد ومناهج الإسلام وهذا كفر) فهذه الأحزاب لها عقائد ومناهج مخالفة لعقائد الإسلام ، فمن آمن بها دل على أنه يفضلها على عقائد ومناهج الإسلام وهذا كفر) ويقوده ذلك إلى التفرقة بين ما يسميه بحزب الله وحزب الشيطان فيقول ( أصبح واضحا الآن أن هناك حكومات وأحزاب وجماعات كافرة ، وفى مقابلها جماعات تعمل لإقامة الدولة الإسلامية هناك إذن حزب الشيطان وحزب الله) .
ويبقي في مجال الحديث عن الدولة و شكل الحكم , الموقف من مؤسساتها و أجهزتها المختلفة في مختلف المجالات .
وهذه لا يرفض سرية التعامل معها بشكل مطلق , وإنما يضع حدودا وشروطا علي كيفية التعامل معها واستخدمها لتحقيق الهدف الاعلي للجماعة وهو إقامة الدولة الإسلامية .

ويلخص سرية هذه الشروط في ثلاثة , فوفق تعبيره (يجوز للمسلم أن يكون موظفا أو ضابطا أو وزيرا أو حطي رئيسا للدولة في هذه الدولة الكافرة ومع ذلك يكون مؤمنا كامل الإيمان إذا كان واحد من ثلاث :

1- إذا كان واضحا في عقيدته مصرحا بأنه يعمل لإقامة الدولة الإسلامية.. ففي الدولة التي تسير على النظام الديمقراطي ، إذا تكونت جماعة إسلامية أو حزب إسلامي له المساهمة صراحة بالانتخابات ودخول البرلمان والمشاركة في الوزارات إذا كان صريحا بأن يسعى عن هذا الطريق للوصول إلى السلطة وتحويل الدولة إلى دولة إسلامية.
2- إذا كان العلن غير ممكن يجوز للشخص أن يدخل مختلف اختصاصات الدولة بأمر من الجماعة الإسلامية ويستغل منصبه لمساعدة هذه الجماعة للحصول على السلطة أو التخفيف عنها في حالة المحن ولا مانع أن يصبح وزيرا حتى مع حكم طاغية.
3- إذا لم يكن في جماعة إسلامية، وقد وطد العزم على أن ينضم إلى الجماعة الإسلامية الحقة حين يجدها ويستغل منصبه في إفادة الإسلام والمسلمين.
والواقع أن هذا الموقف من مؤسسات الدولة لا يخلو من البراجماتية السياسية رغم مضمونه العقائدي نقطة تميز أفكار سرية عن باقي الجماعات الأخرى- كما سيأتي بعد ذلك- والتي ترفض البقاء مع مؤسسات الدولة تحت أية شروط.
وربما يعود هذا الموقف المرن إلى حد ما الذي يتخذه إلى الطابع الأكثر عصرية لحزب التحرير الإسلامى الذي انتمى إليه.
وإذا كان هذا هو موقف جماعة الفنية العسكرية من الدولة ونظام الحكم – كما بدى من أفكار سرية- فما هو موقفها من باقي أفراد المجتمع؟ بداية تحكم الجماعة على المجتمعات القائمة بشكل عام بأنها في مرحلة جاهلية ( أن المجتمعات كلها مجتمعات جاهلية) ، ولكنها تقف أمام الأفراد لتضع معايير للحكم على كفر الفرد. فيساءل سرية في رسالة الإيمان ( إذا ثبت أن هذه الحكومات كافرة وأن هذه المجتمعات جاهلية، فهل كل كان فرد فيها كافر؟) ، فيقرر أن معيار الحكم على فرد هو عدم موالاته للحكومة الكافرة.
ولكن الملاحظ أن هذا المعيار فضفاض ويتسم بالعمومية الشديدة بحيث يترك مساحة واسعة للبلبلة وإصدار أحكاما عامة بالكفر على الأفراد، ويتضح ذلك من ألأمثلة التي أوردها حول تكفير الأفراد( كل من ينفذ أوامر الحكومة طواعية دون إنكار فهو كافر سواء كان مخبرا أو شرطيا أو ضابطا أو محققا أو قاضيا أو صحفيا.. كل فرد من أفراد الشعب رضي بقوانين الدولة لم ينكرها ووقف موقف اللامبالاة فيها فهو كافر، لأن كل هؤلاء قد فضلوا شريعة البشر على شريعة الله، وهذا كفر لأنهم اتخذوا آلهة من دون الله وحكموا بغير ما أنزل .. كل من اعترض على حكم من أحكام الله ولم يرض عنه فهو كافر، وعلى هذا كل من كتب ضد الحدود الشرعية فهو كافر صريح مبيح دم صاحبه وتطلق منه زوجته ور يصلى عليه ولا يقبر في مقابر المسلمين ولا يرث ولا يورث.. وينطبق نفس القول على من اتهم الدين بالتخلف والرجعية أو اتهم المتدينين بنفس الأوصاف لأنهم متمسكون بالدين، وأمثال هؤلاء كفار وينطبق ذلك على من يعترض على المظاهر الإسلامية الثابتة كالكتاب والسنة، والذين يعترضون على ملابس السيدات المسلمات المحتشمة وكذلك من يعترضون على تربية اللحية..).
ويمكن إبداء ملاحظتين حول هذا التصنيف الذي قدمه سرية في رسالة الإيمان .الأول، أن هذا التصنيف قد يطول كل فرد من أفراد المجتمع لا ينضم إلى جماعة إسلامية أو يعمل على إقامة دولة إسلامية، وبهذا المنطق يصبح غالبية الأفراد كفارا طالما عملوا في أجهزة الدولة دون هذا الالتزام الذي وضعه سرية.
والأخرى، أن الحكم بالكفر على الأفراد لا يفرق بين الشكل والمضمون ، فإنكار الكتاب والسنة يتساوى مع انتقاد الملابس المحتشمة والاعتراض على اللحية في الحكم على كفر الفرد وإباحة دمه. ومن هنا فإن خطورة الأفكارالتى طرحها سرية واعتنقتها جماعة الفنية العسكرية تكمن في تعرضها لمسألة تكفير الأفراد التي حكمت سلوك بعض الجماعات الأخرى. مثل جماعة المسلمون فالمضمون قد يتقارب في النهاية رغم اختلاف التفاصيل واختلاف الإستراتيجية الحركية.

- البديل الإسلامى عند سرية:

"يقف سرية موقف الرفض من جميع المذاهب السياسية إلى تخرج عن الإطار الإسلامى بكل ما يتولد من نظم سياسية واقتصادية واجتماعية، ويقول سرية عن الاشتراكية في رسالة الإيمان ( الاشتراكية مثل آخر، فالإسلام ينص على أن المال مال الله والناس مستخلفون فيه فليس لهم التصرف فيه إلا وفق أمر الله لأنه هو مال الله بينما ترى الاشتراكية أن المال مال المجتمع والدولة.. في حين ترى الرأسمالية أن المال ملك الأفراد يتصرفون فيه وفق ما يشاءون ولا حق لأحد حتى الدولة أن تتدخل في هذه الحرية.. فكل من الاشتراكية والرأسمالية إذن تناقض الإسلام في أصلها وليست القضية متوقفة على اقتصاد، إذ أن لكل منهما مبدأ شاملا بجميع أمور الحياة.
وفى المقابل لا يطرح سرية تصورا كاملا عن شكل الحكم في الدولة الإسلامية وإنما يكتفي بوضع مبادئ عامة دون تحديد لطبيعة النظام السياسي والاقتصادي وشكله المؤسس. وفى ذلك يقول سرية( ليس في الإسلام كما توهم كثيرا من الدعاة مكان لنظم جامدة مفصلة لكل العصور ، إنما هناك المبادئ التي وردت في الكتاب والسنة فلا يوجد شيء اسمه النظام السياسية الإسلامى والنظام الاقتصادي الإسلامى أو نظام التعليم الإسلامى لأنه لو وجد مثل هذا النظام لأصبح ملزما لكل العصور، ور يجوز الخروج عليه، وهذا ما لا يقول به مسلم، إنما هناك مبادئ السياسة ومبادئ الاقتصاد .. أي نظام يطبقها فهو نظام إسلامي..).
ويتعرض سرية لنقطتين هامتين فيما يتعلق بشكل الحكم، خاصة بطبيعة السلطة، والأخرى ، تتعلق بمبدأ الشورى .
فحول النقطة الأولى يقول ( في السياسة مثلا ، لم يضع الإسلام نطاقا محددا لا يجوز الخروج عليه بحيث تحدد شكل الحكومة وسلطاتها وكيفية العلاقة بين هذه السلطات ، هل هي مركزية أو لا مركزية ، بل أن رئيس الدولة نفسه لم ينص الإسلام على طريقة معينة لاختياره) أما عن الشورى التي تعتبر أساس الحكم الإسلامى، فلا يضع لها سرية نظاما محددا، وإنما يكتفي بالإشارة إلى أن ( الإسلام قرر مبدأ الشورى ولكنه لم يحدد إطلاقا أسلوب الشورى فأي نظام يحقق الشورى فهو نظام إسلامي، ومن يدعى أن هناك مجلسا دائما للشورى كان موجودا في زمن الخلفاء فهو قليل العلم لا يؤيد به).

- إستراتيجية الجماعة:

قامت إستراتيجية الجماعة على أسلوب المواجهة العنيف مع السلطة، ويفسر أحد أفراد الجماعة هذه الإستراتيجية بقوله ( كان مفهوم الجهاد في ذلك الوقت يعنى به عملية عسكرية ضد السلطة قبل أن تصطدم ب الجماعة ويصبح مصيرها مثل مصير جماعة الإخوان المسلمين.. هذا إلى جانب بحث الجماعة عن أسلوب سريع يخلصهم من الأوضاع التي يعيش فيها المجتمع وإلى حماسهم في سبيل الله..).
ورغم اتفاق الجماعة على ضرورة المواجهة مع السلطة، إلا أنه ظهرت لها عدة اتجاهات حول شكل المواجهة وأسلوبها، وأهمها اتجاه يرى اتباع الأسلوب التقليدي للانقلاب العسكري من خلال الجيش للوصول على السلطة التي ستضمن- وفق رؤية الجماعة- تطبيق الإسلام، وإقامة الدولة الإسلامية.
واتجاه آخر رفض هذا الاتجاه الأول ويرى في المقابل اللجوء على أسلوب حرب العصابات ضد مؤسسات الدولة ورموزها.
وقد جاء حادث التصادم مع السلطة الذي قامت به الجماعة في 1974 ترجيحا للأسلوب الأول رغم تحفظ قائدها صالح سرية على هذا الاتجاه، إذ رأى ضرورة تدعيم فكرة تغلغل الجماعة في الجيش وتأجيل الصدام مع السلطة لحين اكتمال قوة الجماعة ولكن أعضاءها اختلفوا معه حيث كانوا أكثر حماسة للإسراع بالصدام واستخدام الأسلوب العنيف، ووفقا لرواية أحد أمراءها فقد قررت الجماعة انتهاز أول فرصة يجتمع فيها الرئيس السادات مع بعض القيادات السياسية والتنفيذية لبدء الصدام ونجح " كارم الأناضولي" وهو أمير مجموعة الفنية العسكرية في إقناع صالح سرية بأن تكون كلية الفنية العسكرية هي الموقع العسكري الذي تتخذه الجماعة كمنطلق للعمل.
وبالفعل حددت الجماعة وقت الهجوم، باجتماع السادات الخاص بمناقشة ورقة أكتوبر في مبنى اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي يوم 19 ابريل 1974 .
وشكلت مجموعة لاقتحام مبنى كلية الفنية العسكرية من ثمانية عشر أخا بقيادة طلال الأنصاري. وقد كشفت التحقيقات في هذا الحادث عن وجود جناحين للجماعة أحدهما داخل كلية الفنية العسكرية والآخر في الجيش منفصل عن الكلية.

- الهيكل التنظيمي للجماعة:

كان تنظيم الفنية العسكرية يتكون من ثلاث مجموعات كبيرة، لكل مجموعة أمير تكون مهمته الاتصال مع الأمير العام للجماعة وتوصيل الأوامر والتعليمات إلى أمراء الخلايا.
هذه المجموعات الثلاث هي مجموعة الإسكندرية فأميرها " طلال الأنصاري" ومجموعة القاهرة وأميرها " حسين الهلاوى" ومجموعة الكلية الفنية العسكرية وأميرها " كارم الأناضولي" أما الأمير العام للجماعة فكان هو الدكتور صالح سرية.
وكان التنظيم بعد هذه المجموعات الثلاث يتكون من العديد من الخلايا السرية كل خلية تتكون من حوالي ستة أفراد ولكل خلية أمير يبايعه الأعضاء على السمع والطاعة.
ويتسم التنظيم بقدر كبير من السرية، حيث لا يعرف العضو من أعضاء التنظيم أكثر من أعضاء الخلية التي ينتمي إليها.
وكان لكل عضو في التنظيم اسم حركي ويتم الاتصال بين كل خلية وأخرى عبر قادة الخلايا المنقسمين أيضا على خلايا لا يعرف كل عضو بها إلا الأعضاء الذين يتصل بهم.
أما طريقة التجنيد فكانت تعتمد على وسيلتين أساسيتين ، وهما دور العبادة والصداقة وبالتالي فهي تعتبر إلى حد ما مفتوحة العضوية.
وتتفق أغلب الدراسات الاجتماعية التي تناولت هذه الجماعة على أن النسبة الغالبة في عضويتها كانت تأتى من الشباب وخاصة طلاب الجامعات الحديثة وليست الأزهرية.
كما أن غالبيتهم يأتون من الطبقة الوسطى، أو بالتحديد الشريحة الدنيا من الطبقة الوسطى والذين ينتموا في الغالب إلى أوصول ريفية أو يشكلوا الجيل الأول من مهاجرى الريف الذين استوطنوا المدن.

- التشابك التنظيمي:

يصعب الحكم بشكل قاطع على مدى الارتباط العضوي الذي يربط بين الجماعات الإسلامية المختلفة وبينها وبين جماعة الإخوان المسلمين ولكن ما يمكن التأكيد عليه هو وجود نوع من التداخل الشديد بينها.
ويظهر ذلك بشكل خاص فيما يتعلق بالعضوية حيث تشهد هذه الجماعات تنقلات عديدة بين أفرادها من جماعة إلى أخرى. ويقول أحد أعضاء جماعة الفنية العسكرية( في أحد الحوارات التي نشرت في ندوة مركز البحوث الاجتماعية) إن جماعة الفنية لا تنتمي على أية جماعة إسلامية على المستوى التاريخي، لأن لكل جماعة فكرها وأسلوبها الخاص بها، والجماعات الإسلامية التي ظهرت في الفترة الأخيرة ما هي إلا امتداد لجماعة الفنية العسكرية ،وأن جماعة الإخوان المسلمين هي بداية وأساس هذه الحركات، وأن هدف هذه الجماعات واحد وهو إقامة المجتمع الإسلامى).
وتبدو الترجمة العملية لهذا لرأى في انتقال بعض أعضاء الفنية العسكرية بعد اعتقالهم إلى جماعة المسلمون التي ظهرت بعد الجماعة الأولى بسنوات قليلة أو إلى تنظيم الجهاد اللاحق لهما.
ومن ضمن هذه التحولات المراجعة النقدية الذاتية التي أجراها طلال الأنصاري في السجن وترتب عليها انتقال بعض الكوادر أو الأمراء على جماعة المسلمون" التكفير والهجرة".

2- جماعة المسلمون

ترتبط نشأة وتطور الجماعة بشخصية مؤسسها وأميرها العام شكري مصطفي . الذي كان عضوا بجماعة الإخوان المسلمين حتى اعتقل في 1965 ولم يفرج عنه إلا في 1971 حيث بدأ تشكيل جماعته الجديدة.

ويشير البعض إلى أن الأثر الذي تركته سنوا ت الاعتقال على أفكار شكري مصطفي كان واضحا ليس فقط من خلال تشدده في أفكاره وفى أسلوب العمل السياسي ، وإنما أيضا في تمرده على منهج الإخوان المسلمين والذي دعاه إلى تكوين جماعة خاصة باسم جماعة المسلمون فور خروجه، والتي بدأ الإعداد لها وتجنيد أعضاؤها منذ وجوده داخل السجون.

تتسم أفكار الجماعة بالسلفية الشديدة، مثل أغلب جماعات الاستلام السياسي المعاصرة، من حيث الاعتماد على القرآن والسنة وليس المذاهب الفقهية المختلفة.

وبالتالي فالإسلام الحقيقي وفق هذه النزعة يكمن في هذين المصدرين.

ويشير سعد الدين إبراهيم ، إلى أن الجذور الفكرية لهذه الجماعة تشابهت مع جماعة الفنية العسكرية من حيث التأثر بأعمال سيد قطب وأبو الأعلى المودودى وعلى شريعاتى وإن كان شكري مصطفى قد تأثر بالإضافة إلى هؤلاء بفكر الخوارج ، وابن تيمية ( 1263- 1328) ومحمد بن عبد الوهاب( أواخر القرن الثامن عشر) وجمال الدين الأفغاني.

وتتفق أفكار جماعة المسلمون أو التكفير والهجرة كما عرفت إعلاميا بعد قيامها في 1977 باختطاف وزير الأوقاف في ذلك الوقت الشيخ حسين الذهب واغتياله مع أفكار جماعة الفنية العسكرية خاصة فيما يتعلق بتكفير النظام السياسي وإن كانت تزيد على ذلك تكفيرها لبقى المجتمع.

حيث لا ترى الجماعة وفق رؤية أميرها شكري مصطفى فرقا بين النظام السياسي والمجتمع في مجموعه، فهما يتساويان في نظره، لأن المجتمع الفاسد يقود إلى نظام فاسد وهو ما يسميه بالجاهلية الجديدة. وتدور الأفكار الرئيسية للجماعة حول تكفير المجتمع الذي يحكمه الطاغوت، أي كل من لم يحكم بما أنزل الله حسب تعريف قائدها .

ويترتب على تكفير المجتمع والدعوة إلى اعتزاله أسوة بما فعله الرسول حين هاجر من مكة على المدينة لتكوين أنصار له.

ثم العودة إليه مرة أخرى بعد تشكيل قوة تستطيع إقامة المجتمع المسلم وفى ذلك يقول شكري مصطفي (.. إن الحركة الإسلامي حين نشأت تكون قطرة ليس إلا في بحر الكفر العالمي قوة وخطة، وأن قصارى هذه القطرة أن تستغل قوة هذا البحر وتياره وترقب عن كثب المتناقضات التي فيه لتجمع نفسها المتفرقة وقوتها المتناهية ثم تقفز القفزة الأولى والأخيرة..).

ولأن الجماعة لا تفرق بين الدولة والمجتمع، فقد انعكس ذلك على علاقتها بالمؤسسات القائمة. فقد حكمت عليها جميعا بالكفر وطالبت باعتزال الأجهزة الحكومية ومؤسساتها والامتناع عن أداء الخدمة العسكرية أو قبول الوظائف التابعة للدولة.ومقاطعة الصلاة في المساجد العامة التي تنتشر فيها البدع كما تقول الجماعة.

بمعنى آخر كانت أفكار شكري مصطفي تميل إلى تكفير كل ما يخرج عن جماعته أو جماعة المسلمون وعلى إستراتيجيتها في الحركة.

فإذا كانت جماعة شباب محمد أو الفنية العسكرية قد اختارت أسلوب المواجهة العنيفة مع النظام لقلبه وإقامة نظام إسلامي بدلا منه، فإن جماعة المسلمون على العكس كان لها إستراتيجية مغامرة تتسم بالنسف الطويل لأن الحكم بالكفر لم يكن قاصرا على النظام كما تشير الجماعة الأولى، وإنما على المجتمع أيضا وبالتالي فإن الإستراتيجية الخاصة بالانقلاب العسكري السريع لم تكن هي الملائمة لأفكار شكري مصطفى.

وتقوم إستراتيجية الجماعة على تحقيق أهدافها من خلال المراحل المختلفة التي تبدأ بتشكيل خلية للجماعة أو مجتمع صغير من المؤمنين يكون هو ا لخطوة الأولى في سبيل تنفيذ إستراتيجية الجماعة التي تجعلها الجماعة على ثلاث مراحل الأولى هي التبليغ التي يتبعها التنظيم حتى تستطيع نشر أفكارها ودعوتها، وتليها الهجرة وهى مرحلة ثانية، وفى هذه المرحلة تنشغل الجماعة ببناء المجتمع المسلم والتدريب على استخدام السلاح( الذي تصر الجماعة على استخدام لفظ ركوب الخيل واستخدام السيوف أسوة بما كان أيام الرسول وتأكيدا على نزعتها السلفية) وقد مارست الجماعة المرحلتين معا حيث هاجر جزء منها للإقامة ب المنيا منذ 1973 في عزلة عن المجتمع، وتأتى المرحلة الأخيرة حين تخرج الجماعة من عزلتها لتفتح الأراضي الكافرة وفق تعبير أعضاءها ، وتقيم المجتمع الإسلامى.

ولعل هذه المرحلية في إستراتيجية جماعة المسلمون هي التي جعلت منهجها في العنف يختلف عن منهج جماعة الفنية العسكرية ولذلك فقد قرر أغلب أعضاءها في محاضر التحقيق أن عنف السلطة مع الجماعة هو الذي دفعها للصدام مع النظام في 1977.

- الهيكل التنظيمي للجماعة:

لا يختلف الشكل التنظيمي لجماعة المسلمون عن مثيله في الفنية العسكرية – باستثناء نمط اتخاذ القرارات الذي كان يخضع لهيراركية أشد ، فتأخذ جماعة المسلمون بنمط التنظيم الهرمي، وتنقسم إلى مجموعات تتكون كل من 5 إلى 6 أفراد على رأس كل جماعة أمير، أي أنها تأخذ بنظام الخلايا وهو نفس النظام الذي أخذت به جماعة الفنية بحكم كونها من التنظيمات السرية التي تعتبر هذا الشكل التنظيمي هو أنسب الأشكال لتلاقى الضربات الأمنية، مع سهولة الانتشار الجغرافي.
وكان هناك أمير لكل مجموعة وأمراء لكي حي أو محافظة وكلهم يتبعون الأمير العام شكري مصطفى. ووفقا لأقوال أعضاء الجماعة فقد كان نفوذ الأمير وسلطاته يتزايد إلى الدرجة التي يصعب معهم شاركته في اتخاذ القرار، ويرجع البعض منهم ذلك إلى الطبيعة الفكرية للتنظيم والتي تعتمد على اجتهادات الأمير، فيشير أحد الأمراء في حوار معه( أن فكره مستمد من القرآن والسنة والتأمل مع النفس والحوار مع شكري مصطفى).
ويوجد خلاف في أسلوب التجنيد بين الجماعة الأولى وجماعة المسلمون حيث يعتمد في الحالة الأخيرة في الغالب على القرابة والعلاقات الشخصية والقرب من الأمير العام، وكما يشير د. سعد الدين إبراهيم فقد اعتمدت الجماعة بصورة أساسية على علاقات القرابة وهو ما يعنى أن العضوية كانت أكثر انغلاقا من جماعة الفنية العسكرية.
وقد بدأ شكري مصطفى هذه المهمة من داخل السجن وبعد إطلاق سراحه في 1971 بدأ يوسع من دائرة التنظيم، وانتقل إلى أسيوط ثم القاهرة التي كانت مركز التوزيع الجغرافي للجماعة.
ولعل أحد تفسيرات هذا التمركز ترجع على طبيعة الأعضاء وأصولهم الاجتماعية حيث كان أغلبهم- وفق ما جاء بأغلب الدراسات الميدانية عليهم- من الشباب خريجي الجامعات الحديثة وينتمون على الطبقة الوسطى أو الشريحة الدنيا من الطبقة الوسطى وأغلبهم من أصول ريفية أي نازحين جدد إلى المدن. وهذه نتيجة مطابقة للنتائج التي توصلت لها الدراسات التي أجريت على جماعة الفنية العسكرية.

3- تنظيم الجهاد

تعود جذور هذا التنظيم إلى جماعة الفنية العسكرية التي تم الكشف عنها في 1974 . ويمكن اعتباره أحد حلقات تطورها التي مرت بمرحلتين، الأولى عام 1977 ، والأخرى عام 1979 ز وقد تشكل التنظيم الأول على يد اثنين من أعضاء جماعة الفنية هما سالم الرحال وكان طالبا بجامعة الأزهر، وأردني الجنسية، وحسن حلوى بعد أن تمكنا من الهرب أثناء اعتقال أعضاء الجماعة في 1974 بتشكيل تنظيم إسلامي جديد باسم الجهاد في الإسكندرية . وقد تم الكشف عن هذا التنظيم في أغسطس 1977 وتوجيه ضربة أمنية له.

وقد انتقلت قيادة هذا التنظيم بعد الرحال إلى كمال السعيد حبيب الذي كان قد تخرج في جامعة القاهرة وكان يبلغ من العمر 24 عاما.

أما الآخر فقد شكله محمد عبد السلام فرج( وكان يبلغ وقتها 27 عاما ويشغل وظيفة مهندس كهرباء بإدارة جامعة القاهرة) وقد انضم فرج في أوائل عام 1978 إلي تنظيم الجهاد بالإسكندرية قبل أن ينشىء تنظيم في القاهرة في العام التالي أي 1979 تحت نفس الاسم.

واعتبر عبد السلام فرج مؤسس التنظيم ومنظره حيث كتب كتيب باسم الفريضة الغائبة اعتبر الوثيقة الفكرية الرئيسية للجماعة.

وقد انضمت المجموعة الأولى لتنظيم 1977 التي يرأسها كمال السعيد حبيب إلى مجموعة عبد السلام فرج، وبذلك توحد تنظيم الجهاد في 1979 من خلال تنظيم فرج وانضم إليه وفى العام التالي عبود عبد اللطيف الزمر ( الذي كان في الثلاثين من عمره وكان ضابطا برتبة رائد في المخابرات الحربية أحد أفرع القوات المسلحة) وقد لعبت هذه الشخصية دورا هاما على صعيد العمل الحركي للتنظيم حيث اعتبر عبود هو المخطط الاستراتيجي الذي وضع أهم خطة في حياة تنظيم الجهاد وهى خطة الإطاحة بالنظام وتأسيس الخلافة الإسلامية والتي أسفرت في النهاية عن اغتيال الرئيس أنور السادات في 6 أكتوبر 1981.

ومن المهم الإشارة على أن هذا التنظيم خلال السنوات القليلة منذ نهاية السبعينات وحتى أوائل الثمانينات أي حتى قيامه بعملية اغتيال الرئيس ، استطاع أن يستقطب قيادات التيار الإسلامى في صعيد مصر والتي كانت ت مارس نشاطها من خلال ما عرف ب الجماعة الإسلامية التي اضطلعت بالعمل داخل الجامعات خاصة في محافظات الصعيد، وهو ما جعل بعض الباحثين يشير على امتداد تنظيم الجهاد الذي أسسه عبد السلام فرج إلى فرع بالصعيد تزعمه كرم محمد زهري( وكان طالبا بمعهد الدراسات التعاونية بأسيوط، ويبلغ من العمر 27 سنة وكان في ذلك الوقت أحد قادة الجماعة الإسلامية ومسئولا عن التدريب والتجنيد في صعيد مصر. ) وقد بدى هذا التنسيق واضحا من خلال مجلس الشورى الذي شكله تنظيم الجهاد عام 1980 وأصبح هذا المجلس هو الهيئة الرئيسية في التنظيم وكانت له مهام تشريعية وتنفيذية فضلا عن ثلاث لجان فرعية ، هي لجنة الإعداد والدعوة والاقتصادية.

وقد وافقت قيادات التنظيم أو أمراءه كما يطلق عليهم على اختيار الشيخ عمر عبد الرحمن ( وهو أستاذ ضرر يدرس العلوم الدينية في فرع جامعة الأزهر بأسيوط وكان يبلغ من العمر 43 عاما) وتكمن أهمية هذا الاختيار في الرمز الذي مثله الشيخ عمر عبد الرحمن والذي أراد التنظيم من خلاله أن يسبغ شرعية دينية على عمليات العنف التي يقوم بها وخاصة حادث الاغتيال من خلال الفتاوى التي كان يصدرها الشيخ والتي كان موقفه يخول له حق إصدارها. ولذلك فقد اعتبر الشيخ عمر عبد الرحمن بمثابة أب روحي للتنظيم حيث افتقدت قيادته التنفيذية والفعلية للمؤهلات الشرعية الدينية التي تبيح له الاجتهاد وإصدار الفتاوى.

- الهيكل التنظيمي والتجنيد:

لعل الهيكل التنظيمي وأسلوب التجنيد يعطى لمحة هامة على طابع تنظيم الجهاد وطريقة العمل فيه. فقد كان هيكله التنظيمي يقوم على تشكيل مجموعات صغيرة موزعة جغرافيا على مختلف أنحاء المحافظات، هو في ذلك لا يختلف عن أغلب التنظيمات السرية وإن كانت طبيعة العلاقة بين هذه المجموعات وعلاقتها بالقيادة العليا للتنظيم قد سمحت ببعض المرونة في الحركة بخلاف جماعات أخرى، إذ كان لكل مجموعة من هذه المجموعات الموزعة جغرافيا أمير يدير شئونها ويتخذ القرارات فيها رغم مسئوليته أمام رئيس التنظيم ككل، وقد كان أمير الهيكل التنظيمي يسمح على خلاف الهيكل التنظيمي لجماعة التكفير والهجرة بسماحة أوسع في الحركة واتخذا القرار والاستقلالية في القيادة وهو شكل يقترب من جماعة الفنية العسكرية ونفس الشيء ينطبق على عملية التجنيد للأعضاء، فقد اعتبر تنظيم الجهاد اقل انغلاقا من جماعة التكفير والهجرة إذ اعتمد التنظيم في بناء قاعدة عضويته على أساليب ثلاثة هي القرابة، والصداقة ، ودور العبادة ( أي اللقاءات داخل دور العبادة ) واستخدامها بشكل متساو ولم يكن هناك تقسيم صارم لتوزيع مسئولية التجنيد حيث كان متاحا لأي عضو مسئول في التنظيم بهذه العملية، ويعلق أحد أعضاء تنظيم الجهاد على الأسلوب التجنيد في تنظيم الجهاد أن التكفير والهجرة أكثر انتقاء من الجهاد في عملية اختيار الأعضاء، إذ وضع تنظيم التكفير والهجرة شروطا صارمة لعضويته، بينما فتح الجهاد الباب واسعا لدخول أعضاء جدد) .
ويجيب عبد السلام فرج خلال التحقيقات التي أجريت معه على سؤال خاص بشروط العضوية بقوله( إنه لم تكن هناك أي شروط إلا أن يكون أخا مسلما صالحا ملزما ولم يكن مهما أن يكون عضوا في جماعة إسلامية أخرى).
ولا شك أن هذا الأسلوب في تجنيد ألأعضاء لتنظيم الجهاد يثير قضية التداخل بين الجماعات والتنظيمات الإسلامية المختلفة، إذ أن عضوية الفرد في التنظيم لمتكن تمنعه من الاتصال بجماعة أخرى.
وهو ما ساعد على سهولة انتشار أفكار الجهاد بل وسهولة استقطاب الأعضاء بعكس جماعة التكفير والهجرة وإذا تم تنحية عوامل الصداقة والقرابة التي لعبت دورا محوريا في تأسيس التنظيم فسنجد أن العامل الثالث وهو العبادة هو الذي ساهم بشكل حاسم في توسيع قاعدة العضوية وسرعة الانتشار.
ويعزى حامد الأنصاري هذا العامل إلى الزيادة الملحوظة في عدد المساجد وخاصة المساجد الأهلية التي انتشرت بصورة غير مسبوقة منذ سنوات السبعينات، ووفقا للإحصاءات التي أوردها أنصارى في دراسته ، فقد تضاعفت عدد المساجد الأهلية في الفترة الممتدة من 1970 إلى 1981 .
وقد أدى ذلك إلى أمرين أساسيين الأول، فقدان وزارة الأوقاف رقابتها على هذه المساجد .
والآخر ، هو نقصان عدد الأئمة من خريجي الأزهر والذين كانوا تقليديا يقوموا بوظيفة الإمام في المساجد التابعة للوزارة، ومن هنا بدأ يظهر على العقدين الأخيرين أئمة مستقلين لعبوا دورا هاما على الصعيد الخطابي في جذب أنصار للجماعات الراديكالية منها تنظيم الجهاد وفى هذا الإطار فقد اعتبرت هذه المساجد هي أكثر الأماكن ملائمة للتعارف واللقاء والتجنيد بين أعضاء التنظيم( على سبيل المثال تم التعارف بين عبد السلام فرج منظر تنظيم الجهاد وخالد الإسلامبولى منفذ عملية اغتيال السادات في أحد المساجد الأهلية ببولاق الدكرور).
وتحاول الدراسات الاجتماعية التي أجريت على تنظيم الجهاد تقديم تفسير لظاهرة العنف التي اتسم بها ولقدرته على جذب الأعضاء من قطاع الشباب المتعلم تعليما حديثا على وجه التحديد وذلك من خلال البحث في أصوله الاجتماعية ودراسة التوزيعات المهنية والجغرافية لأعضاء التنظيم.
وتحاول الدراسات الاجتماعية التي أجريت على تنظيم الجهاد تقديم تفسير لظاهرة العنف التي اتسم بها ولقدرته على جذب الأعضاء من قطاع الشباب المتعلم تعليما حديثا على وجه التحديد وذلك من خلال البحث في أصولهم الاجتماعية ودراسة التوزيعات المهنية والجغرافية لأعضاء التنظيم.
فكما يشير د. سعد الدين إبراهيم وحامد الأنصاري ، فإن الغالبية العظمى لأعضاء التنظيم لم تأت من النخبة الريفية التقليدية التي كانت تمثل القاعدة الرئيسية المؤيدة للنظام في مصر، كما لن تأت من الطبقات العليا أو المتوسطة، وإنما انتمى معظمهم إلى شريحة خاصة من المجتمع وهى التي تمثل الشريحة الدنيا من الطبقة الوسطى ذات الوظائف محدودة الدخل والتي تتسم بطابع التذبذب السياسي والقلق.
يضيف د سعد الدين إبراهيم فيما يتعلق بالأصول الريفية أو هم يمثلون الجيل الأول من مهاجرى الريف إلى المدينة وبالتالي فهم حديثي الاستيطان في المدن، ويثير هذا التحليل قضية الصراع القيم الذي عانى منه هذا الجيل الوافد بين القيم الريفية التقليدية والقيم المدينية الحديثة.
وتأتى الدراسات الخاصة بالتوزيع المهني والجغرافي لأعضاء التنظيم لتؤكد على المعنى السابق ، فالتوزيع الأول يشير على أن أكبر نسبة كانت من الطلبة وأدناها من الفلاحين ، ومن هنا اعتبرت أغلب الدراسات الاجتماعية أن التنظيم ينتمي على الحركات الاجتماعية الحضرية وتفسر الدراسات الخاصة بالتوزيع الجغرافي هذه الظاهرة حيث تشير إلى التركز الجغرافي للتنظيم كانت أكثر كثافة في صعيد مصر وبالتحديد في العواصم الريفية، ويرجع ذلك إلى درجة التطور المتأخرة نسبيا في الصعيد وسيادة الثقافة التقليدية وتأثير العادات والتقاليد فضلا عن السياسة المركزية للحكومة التي لا تساعد على تغيير وتطوير هذه المناطق، يضاف على ذلك الاتساع الملموس الذي شهدته العقود الأخيرة في العواصم الريفية مثل أسيوط و المنيا، وفتح جامعات جديدة بها وهو ما جعلها أكثر عرضة لعوامل عدم الاستقرار الاجتماعي بسبب عوامل التمديد والتحضر السريع.
وتشير نفس الدراسات الميدانية إلى أن أعلى نسبة لتركيز الأعضاء بالنسبة للمدن الكبرى، كانت في المناطق التي يمكن أن يطلق عليها هوامش المدن، وهى ظاهرة ملحوظة في القاهرة والجيزة حيث التواجد المكثف يقع في مناطق مثل المطرية، والزيتون وروض الفرج أي في الحزام الشمالي الذي يعد من أكثر الأماكن لتجمع معظم المهاجرين وفى الجيزة كان التركز في مناطق مشابهة مثل بولاق الدكرور ومنطقة الهرم حيث شهدت هذه المناطق نوع من التوسع العمراني العشوائي، فضلا عن تزايد نسبة الهجرة من الريف، وهو ما أدى على التكدس السكاني بها وتدنى مستويات المعيشة فيها على جانب ما يسميه بعض الباحثين بالتصادم القيمى بين قيم الريف والمدينة الذي جسدته هذه المناطق الحضرية شبه العشوائية.

- أيديولوجية تنظيم الجهاد:

يعتبر محمد عبد السلام فرج هو المنظر الأول لتنظيم الجهاد . وقد لخص فرج أفكاره حول قيام الدولة الإسلامية وعودة الخلافة في وثيقة بعنوان الفريضة الغائبة اعتبرت مرجعا فكريا للتنظيم.
يعتبر الجهاد هو القضية المحورية التي صاغ عبد السلام فرج أفكاره حولها وحدد من خلالها إستراتيجية التنظيم السياسية، ويبدأ فرج مقدمة الفريضة الغائبة بالتنويه إلى خطورة إغفال الجهاد فيقول ( إن الجهاد في سبيل الله بالرغم من أهميته القصوى وخطورته على مستقبل هذا الدين فقد أهمله علماء مصر وتجاهلوه بالرغم من علمهم بأنه السبيل الوحيد لعودة ورفع صرح الإسلام من جديد.. والذي لا شك فيه هو أن طواغيت هذه الأرض لن تزول إلا بقوة السيف.
ويبدأ فرج صياغة أفكاره بتحديد موقفه من الواقع أو ما يسميه بالدار التي نعيش فيها أي هل هي دار إسلام أو دار حرب، ويشير فرج إلى فتوى الإمام محمد والإمام أبو يوسف صاحبها أبى حنيفة بأن حكم الدار تابع للأحكام التي تعلوها ، فإن كانت الأحكام التي تعلوها هي أحكام الإسلام ( فهي دار إسلام) وإن كانت الأحكام التي تعلوها هي أحكام كفر( فهي دار كفر) ثم يظهر مدى تأثر فرج بما كتبه ابن تيمية في كتابه الفتاوى الجزء الرابع كتاب الجهاد عندما سئل عن بلد تسمى ماردين كانت تحكم بحكم الإسلام ثم تولى أمرها أناس أقاموا فيها حكم الكفر هل هي دار حرب أو سلم؟ فأجاب أن هذه مركب فيها المعنيان، فهي ليست بمنزلة دار السلم التي يجرى عليها أحكام الإسلام ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار بل هي قسم ثالث يعامل المسلم فيها بما يستحق ويعامل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحق.
ويطبق فرج ذلك على الواقع المعاش فيقول( الأحكام التي تعلو المسلمين اليوم هي أحكام الكفر بل هي قوانين وضعها كفار وسيروا عليها المسلمين.. فبعد ذهاب الخلافة نهائيا في عام 1924 واقتلاع إحكام الإسلام كلها واستبدالها بأحكام وضعها كفار أصبحت حالتهم هي نفس حالة التتار).
وبذلك بعقد فرج مقارنة بين التتار وحكام العصر ويسقط هذا الحكم على النظم القائمة ليبرر تكفيرها والخروج عليها فيقول في موضع آخر( فحكام هذا العصر في ردة عن الإسلام تربوا على موائد الاستعمار سواء الصليبية أو الشيوعية أو الصهيونية.. وإذا كانت الردة عن أصل الدين أعظم من الكفر بأصل الدين فالردة عن شرائعه أعظم من الكفر بأصل الدين، فالردة عن شرائعه أعظم من خروج الخارج الأصلي عن شرائعه، ويصل فرج بذلك إلى ضرورة الخروج على الحاكم استرشادا بفتوى لابن تيمية في الفتاوى الكبرى باب الجهاد ص 281 ( بأن كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين وإن كانت تكلمت بالشهادتين).
هذه الأفكار حول تكفير الحكم والخروج على الحاكم هي التي ترسم إستراتيجية فرج في الحركة السياسية والتي تقوم على العنف لقتال الحاكم وتغيير شكل الحكم القائم والتي يصيغها تحت دعوة الجهاد واستراتيجيه الجهاد. عند فرج تتحدد وفقا لمعيارين .
الأول، هو تحديد العدو القريب والعدو البعيد .
والأخر ، هو القتال كفرض على كل مسلك . فبالنسبة للمعيار الأول يقول فرج( هناك من يقول بأن ميدان الجهاد اليوم هو تحرير القدس كأرض مقدسة والحقيقة أن تحرير الأراضي المقدسة أمر شرعي واجب على كل مسلم ولكن يجب توضيح أن قتلا العدو القريب أولى من قتال العدو البعيد.. أن دماء المسلمين التي ستنزف حتى وإن تحقق النصر فالسؤال الآن هو هل هذا النصر لصالح الدولة الإسلامية القائمة أم أن هذا النصر هو لصالح الحكم الكافر القائم وهو تثبيت لأركان الدولة الخارجية عن شرع الله.. ويضيف .. إن أساس وجود الاستعمار في بلاد الإسلام هو هؤلاء الحكام، فالبدء بالقضاء على الاستعمار هو عمل غير مجد وغير مفيد، وما هو أي مضيعة للوقت).
ثم يتحدث عن المعيار الثاني بوجوب القتال فيقول .. إن القتال فرض على كل مسلم و الجهاد ضد الحكام هو فرض عين ( وبالنسبة للأقطار الإسلامية فإن العدو يقيم في ديارهم بل أصبح العدو يمتلك زمام الأمور وذلك العدو هم هؤلاء الحكام الذين انتزعوا قيادة المسلمين ومن هنا فجهادهم فرض عين).
ومن هنا يسبغ فرج شرعية دينية على استراتيجيه في العنف المسلح لمواجهة النظام القائم والحاكم. وتتضح إستراتيجية فرج السياسية أكثر من خلال تحديد مواقفه من مؤسسات الدولة وأجهز النظام إلى جانب موقفه من الاستراتيجيات المتبعة من قبل الجماعات الإسلامية الأخرى.

- موقف فرج من مؤسسات الدولة:

يتولى فرج في الفريضة الغائبة موقفا رافضا للتعامل مع كافة مؤسسات وأجهزة الدولة وهو موقف يعتبر أكثر تتشددا من الموقف الذي اتخذه صالح سرية منظم جماعة الفنية العسكرية والى قبل التعامل مع بعض هذه المؤسسات ولكن وفق شروط معينة حددها في رسالة الإيمان ولعل هذا ما جعل إستراتيجية تنظيم الجهاد تتخذ طابعا أكثر عنفا حيث الجهاد أو القتال بالمعنى المباشر ، يعتبر هو الوسيلة الأساسية لتحقيق الأهداف وقد ساعد على ذلك النزعة السلفية الشديدة التي اتسمت بها آراء فرج.
فحول إمكانية قيام حزب إسلامي رد عبد السلام فرج على ذلك بقوله ( هناك من يقول أن علينا أن نقيم حزبا إسلاميا في قائمة الأحزاب الموجودة , وفي الحقيقة أن هذا يزيد الجمعيات الخيرية لكونه حزبا يتكلم في السياسة بالإضافة إلى ذلك فإن الهدف الذي قام من اجله وهو تحطيم دولة الكفر سوف يكون العمل عن طريق الحزب هو عكسه وهو بناء دولة الكفر , فهم يشاركونهم في الآراء .. ويشتركون في عضوية المجالس التشريعية التي تشرع من دون الله ) .
وحول العمل في مؤسسات الدولة والقبول بالمناصب العامة يقول فرج ( هناك من يقول أن على المسلمين الاجتهاد من أجل الحصول على المناصب فتملأ المراكز بالطبيب المسلم والمهندس المسلم وبذلك النظام الكافر وحده وبدون مجهود ويتكون الحاكم المسلم ..وهذا الكلام بالرغم من أنه لا دليل له من الكتاب والسنة فإن الواقع حائل دون تحقيقه , فمهما وصل الأمر إلى تكوين أطباء مسلمين ومهندسين مسلمين فهم أيضا من بناة الدولة ولن يصل الأمر إلى توصيل أي شخصية مسلمة إلى منصب وزاري إلا إذا كانت موالية للنظام موالاة كاملة ) .
وحول أسلوب "الدعوة " كإستراتيجية للعمل من أجل إقامة الدولة الإسلامية يقول فرج ( منهم من يقول أن الطريق لإقامة الدولة الإسلامية هو الدعوة فقط وإقامة قاعدة عريضة وهذا يحقق قيام الدولة الإسلامية بالرغم من أن البعض جعل هذه أساس تراجعه عن الجهاد ) .
وأخيرا , يحدد فرج موقفه من مبدأ الهجرة واعتزال المجتمع بقوله ( .. وهناك من يقول : أن الطريق لإقامة الدولة الإسلامية ه الهجرة إلى بلد آخر وإقامة الدولة هناك ثم العودة مرة أخرى فاتحين ) وبعد أن يورد فرج أنواع الهجرة الواردة في السنة فإنه يصل إلى نتيجة يقول فيها ( ..أن كل هذه الشطحات , ما نتجت إلا من جراء ترك الأسلوب الصحيح والشر الوحيد لإقامة الدولة الإسلامية .
إذن , فما هو الأسلوب الصحيح ؟ يقول الله تعالى ( كتب عليكم القتال وهو كر لكم عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ) .
يقول سبحانه ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويون الدين كله لله ) ..ويؤكد نفس المعنى بقوله ( ..هناك من يعي إننا نعيش في مجتمع مكي مجتهدا في ذلك على رخصة ترك الجهاد في سبيل الله , فإن لن يضع نفسه في مجتمع مكي لكي يترك فريضة الجهاد فعليه أن يترك الصوم والصلاة , وأن نأكل الربا لأن الربا لم يحرم إلا في المدينة .. وحن لسنا في مجتمع مكي ولسنا أيضا في مجتمع مديني ..) .
وهذه الآراء تثير ملاحظتين حول استرايجية فرج السياسية , الأولى , هي رفض فرج لجميع الاستراتيجيات المتبعة من قبل الجماعات الإسلامية الأخرى بدءا بجماعة الإخوان ( التي قبلت في السنوات الأخيرة التعامل م مؤسسات الدولة من خلال القنوات السياسية والتشريعي المتاحة فضلا عن تركيزها على فكرة الدعوة والتربة الدينية كأحد المرتكزات الأساسية في استراتيجييها ) وانتهاء بجماعة " المسلمون " أو التكفير والهجرة " ( والتي رأى زعيمها شكري مصطفى ضرورة الهجرة واعتزال المجمع حتى يتم غزوه على أيدي الجماعة " المؤمنة " ) , أما لأخرى , فتؤكد على النظرة الأحادية لفكرة " الجهاد " التي لا يعتبر فرض ديني فحسب , إنما يعتبر هو الوسيلة الأساسية بل تكاد تكون الوحيدة للتغيير عند فرج وهذه النظرة تقر استراتيجيه فرج من استراتيجيه جماعة " الفنية العسكري " التي كانت ترى ضرورة البدء من تغيير قمة النظام والاستيلاء على السلطة وإعطاء الأولوية للعنف المسلح , وفي مقابل تبعد هذه النظرة استراتيجيه فرج عن استراتيجيه شكري مصطفى رغم أن مضمون الأفكار يتقارب , ويعلق حام أنصاري على ذلك بقوله ( أن معظم الأفكار التي عرضت في الفريضة الغائبة تحمل نفس الشكل والمضمون للأفكار التي عرضها شكري مصطفى زعيم التكفير والهجرة مع فرق وهو أن فرج كان يطلب من أتباعه أن يبادروا بالقتال ى يتبع إستراتيجية هجومية في حين رأى الآخر تأجيل المواجهة لحين الاستعداد للغزو.
يبقى في مجال قراءة أفكار فرج التعرض لموقفه من باقي فئات المجتمع إذ على الرغم مما يبدو في الموقف العام من اختلاف في الرؤى بين أفكار عبد السلام فرج وأفكار شكري مصطفى زعيم جماعة المسلمون حيث يفرق الأول بشكل أساسي بين الدولة والمجتمع في حين تختفي هذه الفرقة عند الثاني ( فالدولة والمجتمع في المجتمع في مرتبة واحدة من الكفر توجب اعتزالها) إلا أنه يصعب وضع حدودا فاصلة بين الرؤيتين حيث أن تفرقة فرج بين الدولة والمجتمع لم تمنعه من تكفير بعض فئات هذا الأخير والقول بوجوب قتالها، فحول حكم من والى الحكام يقول فرج نقلا عن ابن تيمية في باب الجهاد ص 291 .. ( وكل من نفر من أمراء العسكر وغير الأمراء ، فحكمهم وفيه من الردة عن شرائع الإسلام بقدر ما ارتد عنه من شرائع الإسلام) وفى موضع آخر يشير على حكم من يجب مقاتلته من الجنود – اعتمادا- أيضا على فتوى لابن تيمية ، فيقول( .. هناك من يخشى الدخول في هذا النوع من القتال محتجا بأن الذين يواجهونه فيهم المسلم وفيهم الكافر.. فكيف نقاتل المسلمين؟ ويسترشد فرج على الفور بأحد فتاوى ابن تيمية ( في الفتاوى الكبرى ص 517) التي تبيح مقاتلة جنود جيش الأعداء حتى ولو كان فيهم مسلمون، فيروى فرج عن ابن تيميه قوله ( فمن شك في قتالهم فهو أجهل الناس بدين الإسلام وحيث وجب قتالهم، قوتلوا وان كان فيهم المكره..) ويضيف ( .. وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترسوا أي احتموا بمن عندهم من أسرى ألمسلمي وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا فإنهم يقاتلون وان أفضى ذلك على قتل المسلمين الذين تترسوا بهم ..).
والواقع أن كتاب الفريضة الغائبة يكتسب ليس فقط لارتباطه المباشر بحادث اغتيال الرئيس السابق محمد أنور السادات في أكتوبر 1981 ، وإنما لأنه اعتبر وثيقة أساسية للتبرير الفقهي التي اعتمد عليها تنظيم الجهاد في إباحة دم، واستحلال المال العام، ومحاولة قلب نظام الحكم.
وتجدر الإشارة على أن الفريضة الغائبة ظلت منذ وضعها فرج وحتى الآن هي المنبع الرئيسي للأفكار تيار الجهاد في مصر رغم التغييرات التنظيمية التي طرأت على التنظيم.
إذ ظلت الوثائق والبيانات المتفرقة التي أصدرها الجهاد بعد ذلك تأخذ عن الفريضة الغائبة لعبد السلام فرج.
وتعتبرها المصدر الفكري الرئيسي لها، ومن قبلها رسالة الإيمان لصالح سرية حيث سبقت أطروحاته الفكرية عن الجهاد ومقاومة الحكومات القائمة عمل عبد السلام فرج، وقد اعتبر المضمون واحد رغم الفروقات التفصيلية خاصة فيما يتعلق بمجال إستراتيجية الحركة، فالأفكار المرنة التي طرحها سرية من خلال رسالته، كجواز العمل الحزبي الإسلام ودخول الانتخابات والمشاركة في الوزارات والعمل في مختلف اختصاصات الدولة بغرض خدمة الحركة الإسلامية ودعمها، رفضها عبد السلام فرج اختصاصات الدولة بغرض خدمة الحركة الإسلامية ودعمها، رفضها عبد السلام فرج الذي اتخذ موقفا أكثر تشددا ، وقد تأثر تيار الجهاد بمجموعاته المختلفة بآراء عبد السلام فرج في العمل السياسي وفى المقابل تأثرا بأفكار الاثنين حول القضايا المشتركة وأهمها:
- اعتبار الجهاد هو الطريق لإقامة الدولة الإسلامية، أي اعتماد القوة والعنف كوسيلة لتغيير نظم الحكم.
- الحكم بتكفير الحكام وبجاهلية المجتمع واعتباره دار حرب.
- رفض القوانين القائمة باعتبارها قوانين كفر.

4- الجماعة الإسلامية

عبرت الجماعة الإسلامية في نشأتها الأولى عن التيار الإسلامى داخل الجامعة المصرية في بداية السبعينات. وكانت قبل أن تعرف بهذا الاسم تعمل تحت شعار اللجنة الدينية وانحصر نشاطها في الدوائر التقليدية مثل الأنشطة الاجتماعية والثقافية والرياضية وإقامة الندوات والمعسكرات والرحلات ، وفى هذه الفترة سيطر الطابع السلفي التقليدي على نشاط الجماعة الإسلامية وتوجهاتها الفكرية، واستمرت الجماعة على هذا الحال حتى منتصف السبعينات، وخلال هذه المرحلة الأولى تمركزت منشورات الجماعة الإسلامية حول قضايا الأخلاق والآداب والسلوكيات العامة وكان محور اهتمامها هو قضية الاختلاط بين الجنسين داخل الجامعة.

ووفق روايات أحد أعضاءها أن المناخ السياسي الذي ساد في النصف الثاني من السبعينات قد هيا للجماعة الفرصة للسيطرة على الاتحادات الطلابية في الجامعات واستغلالها في نشر الثقافة الإسلامية ، وهو ما أدخلها مرحلة جديدة فئ التشكيل.

وتعتبر هذه المرحلة الوسيطة في عمر الجماعة الإسلامية من أهم المراحل التي مرت بها حيث تعتبر البداية الحقيقية لتبلور خط متميز لها. فطبقا لما يرويه الوردانى، فقد كانت هناك محاولات دائمة من جانب جماعة الإخوان المسلمين لاحتواء الجماعة الإسلامية حتى أن البيانات والمنشورات التي كانت تصدرها تصطبغ بالصبغة الاخوانية ومن هنا يدلل على أن الإخوان نجحوا محليا في احتواء الجماعات الإسلامية في هذه الفترة أي فترة السبعينات.

إلا أنه في نهاية السبعينات وبالتحديد منذ عام 1979 بدأ يبرز الخط المتميز للجماعة الإسلامية، وبدا ذلك من خلال المنشورات والبيانات التي أصدرتها، فضلا عن تيار داخل الجماعة مناهض لسياسة الإخوان وأميل على خط الجهاد خاصة في جامعات الصعيد. وهو ما أدى في النهاية إلى صدام الجماعة مع الإخوان والسلطة معا.

ويعلق الوردانى على ذلك بأن الجماعة الإسلامية ورفضت في البداية محاولات الإخوان لاحتوائها ، إلا أن الإخوان استطاعوا عن طريق الإغراءات المادية احتواء بعض العناصر القيادية للجماعة، وكان لهذه الإغراءات دور كبير في استمرار أحد أجنحة الجماعة على ولاءه لهم.

ولم يقتصر نشاط الجماعة الإسلامية في جامعات الصعيد على وجه التحديد على الأنشطة الاجتماعية والثقافية السابقة بل اتخذ هذا النشاط الطابع الصدامى حيث قامت بعمليات اعتداء متكررة على الحفلات التي كانت تقام بالجامعة وسعت عن طريق العنف لتغيير أشكال السلوك الاجتماعي التي كانت تراها منافية لأفكارها عن الإسلام إضافية إلى اصطدامها بالطلبة المسيحيين وأخذت منشوراتها طابعا عدائيا شديدا للمسيحية والكنيسة المصرية.

وبالتالي فقد برزت في بداية الثمانينات عدة تيارات داخل الجماعة الإسلامية تيار أخذ خط موال للإخوان تركز في جامعتي القاهرة والإسكندرية وتيار اقترب من خط الجهاد في جامعات الصعيد إلى جانب تيار سلفي محدود انحصر في جامعة الإسكندرية.

ويروى أحد أعضاء الجماعة الإسلامية أن هذه الفترة شهدت انتقادات عنيفة من الجماعة لموقف الإخوان من النظام الذي وصفته بالمهادنة وتزعم أمراء أسيوط وسوهاج وقنا وأسوان وبعض قيادات المنيا، هذه الحملة ضد الإخوان وكان على رأسهم كرم زهدي ، وناجح إبراهيم ،وعصام دربالة ، وعاصم عبد الماجد، وعلى الشريف وهذه القيادات هي التي تيار الجماعة بالصعيد، وهى التي فتحت المجال للتعاون مع تنظيم الجهاد خاصة وأنها اتخذت منحى صدامي ورفضت مبدأ العمل السياسي من خلال القنوات القانونية والحزبية.

ولم يكن الموقف من الأحزاب والحياة السياسية في مصر هو السبب الوحيد الذي قاد الجماعة الإسلامية للصدام مع النظام، وإنما يمكن تحديد بعض المواقف الأخرى التي قادت إلى تفاقم هذا الصدام، ومن ذلك موقف الجماعة من إسرائيل ومن معاهدة السلام الموقعة بينها وبين مصر أو عمليات التطبيع، وقد أصدرت الجماعة الإسلامية عدة بيانات ونظمت عدة مؤتمرات لاستنكار عملية السلام والمداراة والتطبيع وهو ما قادها إلى تكرار حوادث الصدام مع النظام.

كذلك فقد كان لموقف الجماعة المؤيد للثورة الإيرانية في ازدياد حدة التوتر مع النظام خاصة بعد استضافة مصر لشاه إيران في ذلك الوقت وهى السياسة التي عارضتها الجماعة بشدة وقامت بسببها بمظاهرة ضخمة في أسيوط.

وإلى جانب هذه القضايا الهامة التي شهدتها نهاية السبعينات والتي أدت إلى صدام الجماعة بالسلطة، فقد كانت هناك قضايا داخلية ملحة بالنسبة للجماعة الإسلامية، قادتها إلى تصعيد عملية التوتر مع النظام وعلى رأس هذه القضايا قضية تطبيق الشريعة الإسلامية وقضية تغيير المنكر بالإضافة إلى تلك القضيتين الكبيرتين في نظر الجماعة] كانت هناك عدة قضايا داخلية أخرى وقفت بها موقفا مناهضا للنظام، ومن ذلك عقدها للمؤتمرات الشعبية ضد بعض الإجراءات والقوانين التي صدرت في ذك الوقت ومنذ ذلك قانون العيب وقانون الوحدة الوطنية وتغيير اللائحة الطلابية في صيف 1979.

وقد أدى الأمر في النهاية إلى صدور قرارا ت سبتمبر التي تضمنت قرارا باعتقال والتحفظ على قيادات الجماعة الإسلامية وأبرز أعضاءها.

ووفق روايات بعض قيادات الجماعة فإن الشرطة لم تتمكن من القبض على أحد قيادات الجماعة الإسلامية في صعيد مصر وفى هذه الفترة حدث اللقاء بين هذه القيادات وعبد السلام فرج الأمر الذي قاد إلى سرعة الاندماج بين الجماعة الإسلامية ( تيار الصعيد) وتنظيم الجهاد الذي يتزعمه فرج وتشكل مجلس شورى من 11 عضو وقد عرض على د. عمر عبد الرحمن إمارة المجلس فرفض أولا ثم قبل تحت إلحاح- كما يشير أحد أعضاء الجماعة.

ومن واقع الحقيقية التي جرت بعد حادث اغتيال الرئيس السادات كشفت أجهزة الأمن أن تيار الجماعةالإسلامية بالصعيد قد تحالف مع تنظيم الجهاد الذي يتزعمه عبد السلام فرج والذي كان يضم من بين أفراده عبود الزمر وأن الإعداد لعملية الاغتيال قد تم بالتنسيق بين التيارين.

ويعلق صالح الوردانى على ذلك بقول( أنه منذ انشقاق جناح الصعيد على الإخوان وهو يسعى إلى تطوير نفسه على شكل تنظيمي أكثر فعالية وبدأ يوسع من نشاطه ليتجاوز حدود الجامعة ويستقطب الكثير من الشباب كما بدأ يطرح قضية الصدام مع الحكم وإعلان الجهاد كطريق لإقامة الدولة الإسلامية).

ومنذ 1981 أي منذ واقعة الاغتيال توارى تيار الجماعة الإسلامية الموالى للإخوان ليبرز على الساحة الجهاد في الجماعة والذي ارتبط بحدثين تاريخيين أولها، حادث اغتيال الرئيس الذي تم بالتنسيق مع تنظيم الجهاد.

والثاني، هو حادث أسيوط الذي وقع في نفس عام الاغتيال ، واعتبر رد فعلى مباشر على الحادث الأول.

وربما تكمن أهمية الحادث الأخير في كون أن الجماعة الإسلامية كانت هي التي لعبت الدور الأول فيه وكان ذلك إيذانا ببلورة خط مستقل لها رغم فترة التنسيق والتعاون التي تمت بينها وبين تنظيم الجهاد في لحظة اغتيال الرئيس.

ويقول الوردانى ( أنه طوال فترة الاعتقال على ذمة قضية الاغتيال وقضية الجهاد استطاع قادة الجماعة الإسلامية بلورة اتجاهها وتقنينه وفق الأصول السلفية التي يعتقدونها وذلك تحت إشراف الدكتور عمر عبد الرحمن الذي يعد ألب الروحي للجماعة.

- بلورة فكر الجماعة الإسلامية:1981

استمرت محاكمة قيادات الجماعة الإسلامية ثلاث سنوات كاملة ثم صدرت الأحكام بالأشغال الشاقة المؤبدة لمعظم القيادات البارزة ( كرم زهدي- عاصم عبد الماجد- ناجح إبراهيم – عصام دربالة – على الشريف ..) وقد استغلت هذه الفتة في عمل أبحاث تلخص فكر الجماعة الإسلامية وتحدد معالمه حيث لم تتح لهم هذه الفرصة بالخارج. فلم يكن هناك كتاب أو بحث يحدد فكر الجماعة الإسلامية قبل أحداث 1981 وكان يغلب على فكر الجماعة الطابع السلفي لا سيما كتب ابن تيمية وابن القيم.
وتقدمت الجماعة الإسلامية بعدة أبحاث باسم الجماعة الإسلامية تحدد فيه معالم فكرها:

الأول: ميثاق العمل الإسلامى.

الثاني: كتاب " أصناف الحكم وأحكامهم".
الثالث: بحث " حكم قتال الطائفة عن شرائع الإسلام " و" حتمية المواجهة" .
الرابع: مرافعة د. عمر عبد الرحمن والتي نشرت فيما بعد فئ كتاب بعنوان "كلمة حق" نشره دار الاعتصام.
- ويتناول الكتاب الأول تسع نقاط.. الغاية .. والهدف والطريق والعقيدة ، والفهم والزاد والعداء والولاء والاجتماع وهو يلخص أهداف الجماعة وأسلوب حركتها ويعطى صورة عن ملامح فكرها.
- ويناقش الكتاب الثاني والرابع قضية " الحاكمية" ويخرج برأي مفاده تكفير الحاكم المبدل لشرع الله وخروجه عن ملة الإسلام .. واثبات كفر السادات.

- ويناقش الكتاب الثالث حكم الجهاد ويوجب قتال أي طائفة تمتنع بالقوة عن منع شريعة واحدة كالصلاة والزكاة والحدود مثلا من شرائع الإسلام وهو مبحث مبنى على ما قاله ابن تيمية بإجماع العلماء على جواز ذلك.. وقدم هذا البحث ليؤصل شريعة إعلان الجهاد ضد نظام السادات وتؤكد حتمية المواجهة وهى رسالة صغيرة أصدرتها الجماعة نفس الحكم وبعد المحاكمة أعد قادة الجماعة أبحاث في قضايا مختلفة حيوية مثل:

1- الحركة الإسلامية والعمل الحزبي وهو يحرم سلوك الحركة الإسلامية طريق الأحزاب والبرلمان يستعرض البحث تجربة الأحزاب المصرية وسمات الوضع السياسي المصري ودراسة الحركة الإسلامية مع التجارب البرلمانية في تركيا وأند ونسيا والكويت ثم ينتهي إلى الحكم الشرعي وهو التحريم مؤسسا على أمرين:
(أ‌) أن المشاركة في المجالس التشريعية نوع من الشرك لأن حق التشريع لله وحده " أم لهم شركاء شرعوا..".
(ب‌) أد دخول هذه القنوات فيع إهدار لمفاهيم إسلامية عظيمة ( الحاكمية- الموالاة – الجهاد) وفيه إضفاء صبغة إسلامية على وضع غير شرعي.
2- بحث العذر بالجهل والموالاة وفيهما رد على جماعة التكفير والهجرة، حيث منع البحث الأول تكفير المسلم بارتكابه الكفر لاحتمال أن يكون جاهلا .
ومن ثم لا يحكم بكفره إلا بعد قيام الحجة التي يكفر جاحدها وتمثل هذه القاعدة، قيدا كبير على عملية التكفير للكفار.
وقسم المبحث الثاني الموالاة للكفار إلى ظاهرة ولا يخرج صاحبها من الإسلام ،وباطنه ويخرج صاحبها من الإسلام.. وهذا التقسيم يمنع إطلاق الكفر على الموالين للكفار بمجرد عمل ظاهري يعد من قبيل الموالاة، إذ لابد من إثبات الجانب القبلي وهو عسير..فالرجل الذي يتجسس على المسلمين للكفار وهو يبغض الكفار- لا يكفر- لأنها موالاة ظاهرية، أما الذي يتجسس على المسلمين لصالح الكفار وهو يحب كفرهم – فهذا كافر بالموالاة . مع ملاحظة أنه يقتل الأول حدا ويقتل الثاني كفرا أيضا.
واصدر عبد الآخر حماد وهو أحد القيادات التي برزت بصورة واضحة منذ 1984 وهو خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية والدراسات الإسلامية وطالب بكلية الحقوق ، له دراية واسعة بالعلوم الشرعية .
وقد كان إماما لمسجد السلام قبل 1981 وشارك في إعطاء محاضرات في هذه الفترة، وقد اعتقل لمدة عامين، ثم زوال نشاطه بعد الخروج من السجن.. أصدر كتاب " الأدلة الشرعية في جواز تغيير المنكر باليد لآحاد الرعية، وهذه القضية هي أحد الأعمدة الفكرية الهامة للجماعة الإسلامية.
ويلخص هذا البحث الفلسفة الشرعية لم مارسات الجماعة الإسلامية المتعلقة بقضية تغيير المنكر، وقد نقل المؤلف آراء الأئمة الأربعة وإجماع العلماء على جواز تغيير المنكر باليد لآحاد الرعية وفق الضوابط الشرعية، حيث لا يلجأ للتغيير بالقوة إلا بثلاثة شروط، أن يكون المنكر موجودا في الحال بحيث لو زال لا يجوز له معاقبة صاحب المنكر وأن يقتصر في استخدام القوة على قدر الحاجة وألا يترتب على تغيير المنكر منكرا أكبر منه.

- بحث وجوب العمل الجماعي:1981

ناقشت فيه الجماعة وجوب السمع والطاعة للأمير ما لم يأمر بمعصية الله، ويتأسس هذا الموقف على قاعدة " ما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب" ومن هنا الدعوة واجبة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واجب و الجهاد في سبيل الله واجبة وإقامة الخلافة واجب ولكن هذه الواجبات أو أحداها لا يتحقق إلا من خلال جماعة تستوعب الطاقات وتضافر الجهود، ومن ثم فإن العمل الجماعي واجب، والتخلف عنه إثم وذنب، لكن الوجوب لا يتعين على جماعة معينة، فعلى الفرد أن يتحرى أقرب الجماعات إلى الحق وينم إليها ويسمع ويطيع لقادتها في غير معصية ويمكن أن نلخص الأعمدة الفكرية للجماعة الإسلامية:
1- تكفير الحاكم المبدل لشرع الله
2- وجوب قتال الطائفة الممتنعة عن الشريعة.
3- جواز تغيير المنكر باليد لآحاد الرعية.
4- تحريم دخول البرلمان والأحزاب السياسية.
5- وجوب العمل الجماعي.
والقضية الرابعة محل اتفاق بين جميع الفصائل الإسلامية ما عدا الإخوان الذين لا يبيحونها بإطلاق بل يعتبرونها من قبيل الضرورات التي تبيح المحظورات ومن ثم فلا يجدون في إثباتها عناء لا سيما أن موقف الإخوان كان رافضا للحزبية في البداية.
أما القضية الخامسة، فهي محل اتفاق بين الإخوان و الجماعة الإسلامية و الجهاد بخلاف الاتجاه السلفي ومن ثم فإن تقريرها لا يحتاج إلى كبير جهد.
وترفض الجماعة الإسلامية – احتياطيا في تميزها- انضمام أحد إليها أو الاجتماع مع أحد لا تتوافر فيه شروط ثلاثة سجلتها النقطة التاسعة في الميثاق " اجتماعنا : لغاية واحدة وعقيدة واحدة وتحت راية وحدة فكرية واحدة" ثم يرفضون الاجتماع مع أناس يختلفون عنهم في الغاية أي غاية كغير رضي الله ولا يجتمعون مع المخالف في العقيدة أي جماعات التكفير والتوقف والذين لا يعذرون بالجهل، ولا يقبلون الاجتماع مع من يخالفهم في القضايا الفكرية التي استلفناها وأسلوب الحركة، لكنهم يفرقون بين الاجتماع والتعاون فهم قد يتعاونون مع من يخالفهم في هذه الشروط لتحقيق هدف معين لكن لا يلتزمون معه في جماعة واحدة.
و الجماعة الإسلامية ذات طابع سلفي ومن ثم فهي تعتبر كل كتب السلف وتراثهم الضخم هم المعين الواسع التي ينهل منه أفرادها في شتى فروع العلم، ولا يقرأ أفرادها كتب قادة الإخوان ولا يلتفون إليها.
وتساهم مجلة كلمة حق في توضيح بعض القضايا الهامة شرعية أو فكرية أو سياسية كقضية التدرج في تطبيق الشريعة، وموقف أمريكا من الحركة الإسلامية.. والقوة في مواجهة الباطل ،والوحدة الوطنية وغيرها.
وتتميز الجماعة الإسلامية بأن لها تنظيمها الهيدراركى المحدد ولها لوائحها الداخلية ونظامها في الإمارة وتعيين القيادات وتربية الكوادر والأعضاء وتتمثل القيادة العامة للجماعة في كل من :
- كرم زهدي .. ليمان طرة مؤبد.
- د. ناجح إبراهيم .. ليمان طرة مؤبد.
- عاصم دربالة.. ليمان قطرة مؤبد.
- على الشريف .. ليمان قطرة مؤبد.
( وقد شارك جميعهم في أحداث أسيوط 1981).
في خارج السجن:
ـ د . عمر عبد الرحمن الأمير العام ومفتي الجماعة.
ـ د . أحمد عبده سليم الأمير العلني لأسيوط حيث يتركز أكبر تكتل للجماعة وأكثر المناطق سخونة في مصر .
ـ علي الديناري .. المنيا .
ـ حسني محمود .. سوهاج .
ـ احمد عبد الرحمن .. عين شمس .
والقرار في هذه الجماعة تحركه أولا إرشادات قادة الجماعة داخل السجن ثم تكيفه على الواقع القيادات في الخارج ويعرض في النهاية على الدكتور عمر لبيان موقفه من الشرع والسماح بتنفيذه .
ومن الجدير بالذكر أن منهج الجماعة صارم وحاد وقراراتها يجب أن تؤخذ بأغلبية مجلس شورى الجماعة إذا كان القرار على مستوى الجمهورية وبمجلس المحافظة أو المنطقة إذا كان قرارا محليا ولا يمكن اتخاذ قرار يتعلق بفتوى شرعية قبل استئذان الدكتور عمر .
وتؤمن الجماعة إيمانا شديدا بالتخصص وتقسيم الأعمال وتوزيع المهام كما تؤمن بوجوب الإمارة والتسلسل القيادي ويمكن توضيح الشكل الهيكلي للجماعة على النحو التالي :
توضيح الشكل الهيكلي للجماعة

وتمثل قضية السمع والطاعة قضية كبيرة داخل الجماعة فمن أهم التزامات العضو هو السمع والطاعة لقادته ( فيما لا يخالف الشرع ) ويسمح للأعضاء بإبداء آرائهم ومناقشة الأوامر بشكل فردي بين الأمير والعضو ويلتزم الأفراد التزاما فرديا بأوامر أمراء الجماعة .

وتتميز الجماعة أيضا بوحدة الرأي وانعدام الاختلاف نسبيا فما يقوله الأمراء يلقى قبولا واسعا بين القاعدة ويصبح هو الرأي الصائب والأوحد تقريبا .

وتعتبر الجماعة الإسلامية هي أكثر الجماعات " الجهادية " تماسكا على الساحة وأشدها ارتباطا بقياداتها .

وربما يواجه كيان الجماعة الإسلامية نقدا شديدا من تيارات جهادية أخرى بسبب هذا التشكيل السابق ويأخذون عليها علنيتها التي تعرضها لمخاطر أمنية كما يعيبون عليها منهجها في تربية أعضاءها والذي يصفه بعض قيادات حركة الجهاد بأنه جامد ولا يخلق عضوا متفردا .

وربما قد وضعت الجماعة الإسلامية نصب عينها نموذج لكيان قوي على غرار كيان جماعة الإخوان المسلمون بتنظيمها وكوادرها وأعضائها ومنهجها في الإدارة والحركة وتوظيف هذا الكيان في العمل بواجب الجهاد .

ويركز المنهج التربوي للجماعة الإسلامية كما يروي أحد أعضائها على التربية " الإيمانية " فيتضمن برنامج الأعضاء اليومي ورد القرآن والمحافظة على أداء جميع النوافل وقيام الليل بصورة جماعية وفردية ويعتبرون أن المنهج الإيماني هو اللازم للارتقاء بنفس الفرد المسلم لأن الانتصار على الأعداء إنما يأتي بالإيمان أولا والقرب من الله .

كما تقيم الجماعة لأفرادها ندوات للتثقيف السياسي وذلك من خلال لقاءات الجماعة التي تتم بصورة دورية على مدار الأسبوع في جميع محافظات الجمهورية .

ومن أبرز نشاطات الجماعة : الندوات , المؤتمرات , المعسكرات , قوافل الدعوة , الأمر بالمعروف ,والنهي عن المنكر , والمظاهرات , والمنشورات وهي تسعى نحو النموذج الإيراني في الثورة الشعبية الشاملة .

والمراقب لنشاط الجماعة منذ بداية الثمانينيات يرى أنها ارتبطت بمعظم الأحداث التي وقعت بداية من أحداث أسيوط عام 1981 حتى حادث اغتيال د. رفعت المحجوب ومن قبله محاولة اغتيال زكي بدر وزير الداخلية الأسبق أسفل كوبري الفردوس في عام 1990 , ويلاحظ أن 90 % من كم المنشورات التي صدرت ضد الحكومة في تلك الفترة هي من إصدارها .

وحول نشاطها بشكل عام يقول أحد الأعضاء أن جهود الجماعة الإسلامية وطاقتها موزعة على أكثر جبهة .

فهي تعمل ضد الحكومة والمسيحيين , الإخوان , الصوفية بالإضافة إلى قضيتها الكبرى وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يستدرجها إلى مصادمات مع جماهير الشعب نفسها .

والمحرك الأساسي للجماعة على كل هذه المحاور هي الأطر السلفية البحتة التي تؤمن بها الجماعة , ومجموعة الفتاوى السلفية التي تبني مواقفها وممارساتها ) .

المبحث الثاني :قراءة الفكر السياسي للجماعات الراديكالية دراسة مقارنة للجهاد والجماعات الإسلامية

تعاني معظم الدراسات عن الحركة الإسلامية الراديكالية ـ خاصة فيما يتعلق بأفكارها السياسية ـ من ضعف الاعتماد على أدبيات تلك الحركات , مما أدى إلى الخلط بين الجماعات والتيارات المختلفة .

غير أننا سوف نعتمد في هذا المبحث بشكل أساسي ومباشر على الوثائق الأساسية لتلك الجماعات , واستخلاص مواقفها من القضايا السائدة , وتوضيح أهم الأطر السياسية والفكرية والفقهية التي تعمل من خلالها .

وسوف يقتصر التحليل هنا على أبرز جماعتين داخل ساحة العمل السياسي الإسلامي الراديكالي في الوقت الراهن وهما " الجهاد الإسلامي " و " الجماعة الإسلامية " , اللتين فرضتا نفسيهما وتضاعفت خطورتهما بعد قيامهما سويا بأحداث اغتيال السادات وحوادث العنف عام 1981 في بعض محافظات مصر , كما كان لهما دورهما البارز في أحداث العنف التي جرت في مصر في الفترة من 1974 وحتى الآن .

ويلاحظ ـ ابتداء ـ وجود اتفاق تام بين هاتين الجماعتين في رؤيتهما وموقفهما من الواقع فيما عدا بعض القضايا " الحركية " التي أدت إلى انفصال الجماعتين بعد اندماجهما عام 1981 , كما أن هناك قضايا فقهية واحدة يدور عليها الخلاف أيضا وهي " إمارة الضرير " , ففي حين ترى جماعة الجهاد عدم جواز قبول أمير ضرير لحركة الجهاد ترى الجماعة الإسلامية جواز ذلك وتتخذ الدكتور عمر عبد الرحمن أميرا لها .

ومن الجدير بالذكر انه من الصعوبة فصل وتصنيف القضايا المختلفة وموقف هاتين الجماعتين منها إلى قضايا سياسية وأخرى فقهية .. إلخ .. ذلك أن الأمور ليست مصنفة هذا التصنيف لديهم نظرا للطرح السفلي الذي يطرحون من خلاله قضاياهم , فقضية " الخلافة " مثلا والتي قد ينظر إليها المحللون على أنها مسألة سياسية , تطرح من جانب هذه الجماعات لها طرحا فقهيا بحتا , وبشكل عام , فسوف يتم التحليل وفقا للمتغيرات الآتية :

أولا:الموقف من النظام السياسي

1ـ الإطار الفكري للنظام :العلمانية

تعتبر " الجماعة الإسلامية " أن موقفها من العلمانية واضح وصريح , فالعلمانية هي "الدين الجديد الذي اريد له أن يحل محل الإسلام " .

ويقول مؤلفوا " ميثاق العمل الإسلامي " ـ وهو وثيقة من إصدارات الجماعة الإسلامية ـ " أن العلمانية البغيضة دست علينا و غرست قسرا في تربتنا فانبتت هذه الأنظمة الجاهلية الكافرة التي تستبدل شرع الله بشرعة الشيطان " .

وتري الجماعة إن الصراع بين الإسلام كفكرة وكنظام وبين العلمانية صراع مصيري لا ينتهي إلا بانتهاء احدهما و بالتالي فهو يستدعي مفاضلة كاملة فكرا وسلوكا ونظاما .

وتؤكد جماعة الجهاد أيضا موقفها الرافض للعلمانية كفكرة وكنظام للحكم وتعتبر العلمانية فكرة جاهلية تمخضت عن خبرة المجتمع الأوربي في العصور الوسطى، وتحكم الجماع بالكفر على النظام السياسي المصري لأنه اتخذ من العلمانية منهجا، ونبذ حكم الإسلام وراء ظهره.

2- الحاكم والمحكوم والنخبة

تتفق الجماعتين على الحكم بكفر رئيس الجمهورية كفر عين فهو خارج من ملة الإسلام وتصفان لنظام السياسي بأكمله بالكفر والجاهلية.

فترى جماعة الجهاد أن النظام الحاكم في مصر نظام جاهلي كافر ككل الأنظمة التي اتخذت من العلمانية منهجا ونبذت حكم الإسلام وراء ظهرها وتركز معظم الوثائق على قضية الحاكمية باعتبارها هي القضية الجوهرية وهى المبرر الأول لوجود تيار اسلامى معارض للنظام تحت شعار حاكمية الله وبطلان كافة القوانين الوضعية فهؤلاء الحكام في نظرهم قد جعلوا أربابا من دون الله فأحلوا وحرموا من دون الله واتخذوا صفة من صفات الألوهية وهى حق التشريع المطلق الذي لا يكون إلا لله تعالى والإنسان ما هو إلا مجتهد في فهم حكم الله.

والأسباب التي دعت الجماعة إلى إطلاق هذا الحكم على الحكومة هي:

1- عدم الحكم بشريعة الله واستبدالها بقوانين مختلطة ملفقة.
2- الاستهزاء بالشريعة بتأخيرها وتقديم غيرها عليها.
3- الحكم بالديمقراطية رغم أنها شرك بالله.
4- استحلال المحرمات وتحريم الحلال كما في المادة 66 من الدستور.

وتؤكد الجماعة أن مجرد احتكامهم- أي الحكام- إلى القوانين الوضعية وتركهم الحكم بما أنزل الله هو كفر واضح حيث يجعلوا السيادة لقانون من صنع البشر. كما أنه لا توجد أي أعذار لهؤلاء الحكام في الامتناع عن الحكم بشعر الله بعد أن جربوا الحكم بالقوانين الوضعية واستبدلوا بها حكما آخر.. وقد أجمع علماء المسلمين على كفر من استبدل شريعة الرحمن بقانون ما أنزل الله به من سلطان.

ويتفق موقف الجماعة الإسلامية تماما مع هذه الأطروحات وتؤكد أن القوانين الوضعية كفر بواح لا خفاء فيه ولا مداورة، وأن الحاكم الذي يحكم بها كافر مرتد، وتقول الجماعة أن هذا هو حكم الإسلام على هذه الأنظمة والحكومات، وترى أنه حكم واضح وصريح فهي كافرة وجاهلية وساقطة الشرعية ولا يجوز لها أن توجد فضلا عن أن تستقر وتستمر.

النخبة: " الطائفة الممتنعة عن شريعة أو عن بعض شرائع الإسلام ويطلقون عليها" الطائفة الممتنعة" وتتفق الجماعتين أنها فئة مرتدة وأنه يجب قتالها حيث أن " كل طائفة خرجت عن شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين وإن تكلمت بالشهادتين".

وترى جماعة الجهاد أنه طائفة مرتدة كالحكام لأنهم يوالون الحاكم ويناصرونه فيأخذون حكمه، وترى الجماعة أيضا أن هذه الطائفة تقاتل المرتدين وقد قامت عليهم الحجة مرارا فقتلوا من أقامها واحدا تلو الآخر ولم يبالي.

وترى الجماعة الإسلامية أيضا وجوب قتال هذه الطائفة الممتنعة عن شرائع الإسلام ويستندون على موقف أبو بكر في حروب الردة بعد وفاة النبي ويقول مؤلف كتاب حتمية المواجهة "أن امتناع الطوائف الحاكمة في بلاد المسلمين عن شرائع الإسلام أظهر من أن يذكر ويسهب فيه.

وشتان بين ما يفرضه الإسلام وبين واقع الحكم في بلادنا" ويقول طارق الزمر " أن قتال هؤلاء الحكام وهذه الحكومات إنما هو واجب على جميع المسلمين كل بحسب قدرته ولا يسقط عنهم إثم تركه هذا الواجب إلا أن يهبوا ويخلعوا هذه الحكومات الجاهلية العميلة ويستبدلوا بها حكم الإسلام ، حتى إذا كان هناك اختلاف على كفر الحكام الذين يحكمون بالشريعة فلا خوف في الخروج عليها أيضا.

ويقول د. عمر عبد الرحمن أمير الجماعة الإسلامية " وقد أجمع المفسرون والمحدثون على عدم طاعة أولى الأمر في المعصية، كما اجمعوا على وجوب الخروج عليهم لكفرهم" وأخيرا يقول د. عمر عبد الرحمن أيضا " وبعد ، فإن الحكم بما وضعه الأفراد من قوانين مستوردة من دول الكفر لتطبق في البلاد الإسلامية ولا سميا في المواد التي ها صريحة في مخالفة الكتاب والسنة كفر بلا ريب وضلال لا يرقى غليه الشك" وترى الجماعتين أن بلاد المسلمين اليوم هي دار مركبة يختلط فيها الكفر بالإيمان وهى دار يعامل فيها المسلم بما يستحقه ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه.

3-الديمقراطية والعمل الحزبي

ترفض الجماعتين الفكرة الديمقراطية رفضا تاما وتجعلانها مناقضة للتوحيد: فتقول جماعة الجهاد أن الديمقراطية هي حاكمية الجماهير وتأليه الإنسان والديمقراطية هي شرك بالله وأن الفاصل بين الديمقراطية والتوحيد هو أن التوحيد يجعل التشريع لله والديمقراطية هي حكم الشعب لصالح الشعب، والمشرع في الديمقراطية هو الشعب، أما المشرع في التوحيد هو الله سبحانه، فالديمقراطية هي شرك بالله لأنها نزعت حق التشريع من المولى عز وجل وأعطته للشعب، وتقول الجماعة أن هذه الديمقراطية ليست فقط ضلال على المستوى النظري الشرعي بل هي ضلال على المستوى العملي أيضا " فواضح تحكم أصحاب المال والمتحكمين في الإعلام في اتجاهات الناخبين لتحقيق مصالحهم الخاصة، فالناخبين مجرد أدوات لتحقيق مصالح الرأسماليين. وترفض الجماعة المشاركة في السلطة السياسية الباطلة القائمة في البلاد كما ترى عدم مشروعية الانضمام إلى الأحزاب السياسية أو تكوين حزب ديني يطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية سرعان ما تضع مطالبه مع تصفيق الأغلبية الجاهلة في مجلس الشعب.

ويقول طارق الزمر " فجماعة الجهاد الإسلامى مثلا لا ترى مشروعية إقامة الدولة الإسلامية من خلال الانضمام إلى الأحزاب المعارضة الراهنة أو المشاركة في السلطة القائمة بغية التغيير من خلال مجلس الشعب الحالي. وترى الجماعة الإسلامية أيضا أن الديمقراطية وحرية تكوين الأحزاب يناقض الشريعة في :

1- التزام هذه الطريقة يقتضى السماح والرضا لغير المسلمين وأصحاب العقائد الباطلة أن يأخذوا حزبا كحزب المسلمين.
2- أن التزام هذا العقد الديمقراطي يتضمن التسلم وعدم التصدي أو حتى الاعتراض لو وصلت أي من هذه الفرق إلى الحكم.
3- يتضمن هذا العقد " قانون الأحزاب" إيقافا للوسائل الشرعية الأخرى عن الاستعمال في التصدي للحاكم المستبدل للشرائع أو في التصدي للمنكرات مثل الجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وهى فرائض عينية يطالب بها المسلمون ويمنعها الالتزام بالأسلوب الديمقراطي.

وترى الجماعة أيضا أنه لا يوجد في المجتمع المسلم إلا حزبان ، حزب الله المأمور بقيامه وحزب الشيطان وقيامه ممنوع ، وان الديمقراطية ليست من الإسلام وأنه لا علاقة مطلقا بين الديمقراطية والشورى، فالديمقراطية تعطى البشر الحق المطلق في التشريع ابتداء، فمجرد سلطة تشريعية بشرية تشرع ما لم يأذن به الله وفق هواها عن طريق برلمان أو غيره، فهذه هي جاهلية إذ أن حق التشريع غير ممنوح لأحد من الخلق لأنه حق خالص لله تعالى.

وتشير الجماعة إلى أن اختيار البديل الديمقراطي يمنع قضايا الموالاة، فيدعو إلى مناصرة النظام الديمقراطي ومن يدعون إليه سواء كانوا ليبراليين أو يساريين أو نصارى أو يهود في الوقت الذي يفرض على قيمها الإنكار والمحاربة لكل من يرفضون هذا المنهج من المسلمين"المخلصين" الذين يناهضون النظام الخارج عن الإسلام ويجاهدونه ويسعون لإسقاطه ،كما ترى أن دخول اللعبة الحزبية يعود بالحركة فهما وفكرا ومنهجا سنينا طويلة إلى الوراء تحتاج من العاملين للإسلام إلى جهد كبير لإزالة سلبيتها.

ثانيا : رؤية التغيير

وترتيبا على هذه الرؤية للواقع السياسي في مصر وانطلاقا من مبدأ أن الحكمية لله وأن كل من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر فإن الجماعتين تتفقان على المنهج العنيف لتغيير هذا الواقع.

فيقول عبود الزمر- أمير جماعة الجهاد " ومن هنا فنحن قد عقدنا العزم وكلنا أمل في نصر الله على إزاحة الباطل ودولته في مصر واستئصالها جذريا وإحلال البديل الإسلامى أمل المسلمين المنشود" ويضيف أن " المنهج الانقلابي هو الطابع الذي يصيغ حركة الجماعة نحو تحقيق غايتها وذلك بالثورة الإسلامية على النظم الجاهلية في البلاد رافضين بذلك كل الحلول الجزئية الرامية للتدرج في التطبيق أو تطبيق الحدود فقط" ويحدد عبود الزمر آليات التغيير داخل الواقع في الدعوة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر و الجهاد فيقول " فإن كنا قد ارتضينا إطلاق لفظ الجهاد على جماعتنا باعتبار أن الجهاد قضية محورية لحركتنا تعرف علينا الناس بها لا يعنى اقتصاد حركتنا على الجهاد فحسب، وإنما لنا منهجنا في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر".

وتتبنى الجماعة الإسلامية هذه الآليات الثلاثة أيضا فتحدد طريقها في الدعوة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر و الجهاد في سبيل الله وتضيف أن طرح الإسلام لهذه الآليات للتعامل مع الواقع وكأساليب لتغييره يعنى بداهة أننا ترفض ما سوى ذلك من أساليب ما أنزل الله بها من سلطان.

1- الدعوة

يقول عبود الزمر أحد القيادات البارزة للجهاد أن الدعوة إلى الله واجبا متعين عليها – أي على الجماعة – منوط بالقدرة يسقطه اختصاص طائفة منها بذلك ويرى أن الأصل في الدعوة هو العلانية وقد يلجأ الدعاة إلى الإسرار بها إلى من يغلب على ظنهم الاستجابة لها أخذا بالحيطة والحذر من أعداء الله المتربصين بالإسلام وأهله.

وترى الجماعة الإسلامية أن هذه الفريضة لم يقم بها الكفاية في زماننا هذا وان الإثم يلحق كل قادر على تبليغ ولو آية أن لم يفعل.

2- الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر

وهو الآلية الثانية من آليات التعامل مع الواقع وتعتبره جماعة الجهاد واجب شرعا مرتبط بالقدرة كما أنه وسلة فعالة في تخليص الأمة من أمراضها وإعادتها إلى فعاليتها ، كما ترى أن بغض المنكر واجب ولا رخصة لترك تغييره إلا للعاملين في مواقع بعينها ا, إذا ترتب على الإنكار مفسدة أكبر كانكشاف الأمر أو إهدار العمل التنظيمي الذي ينتمون إليه.

كما ترى الجماعة جواز التغيير باليد وأنه لا علاقة بين التغيير لأحد الرعية وبين التفويض من الحاكم " يجوز التغيير باليد مع العصاة بغيرة مفسدة أكبر وبدون تفويض من الحكام".

ويقول قادة الجماعة الإسلامية:

" نحن في حاجة إلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وإلا تزاحمت علينا المنكرات وأفسدت علينا سعينا وأخذت بخناق دعوتنا وأذهبت كل آثارها أدراج الرياح ويضيفوا أنه لا مبرر للاعتذار عن هذا الواجب الشرعي الأمر والنهى أو الجهاد بحجة أننا في حالة استضعاف فهذه جريمة عظيمة في حق هذا الدين" وقد أجاب د. عمر عبد الرحمن عن سؤال حول : هل يجوز استخدام القوة في تغيير المنكر للأفراد كتحطيم سيارة عمدا أو كسر آلة موسيقية أو الاعتداء على مخمور مثلا؟ فأجاب نعم يجوز ذلك : أولا لقوله "ص" من رأى منكم فليغيره بيده و" من " تفيد العموم فيجوز بل يجب على أحاد الرعية وأفرادها أن يغيروا المنكر بأيديهم ولا يتوقف ذلك على إذن أصحاب السلطة.
وترد الجماعة على من يتهموا هذا العمل بالفوضى " أن الفوضى الحقيقية في ترك المنكر يتفشى ويزداد دون محاربة من القائمين على تغييره بدعوى الخوف من الفوضى والفساد".

3- الجهاد

يقول طارق الزمر من قيادات الجهاد " ما أحوجنا اليوم إلى رفع السلاح لنزود به عن أمتنا وعن عرضنا وعن ديننا" ويضيف أنه إذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله.

ويقول عبود الزمر: أن الجهاد ماض إلى يوم الساعة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم لا تزال عصابة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يقاتل آخرهم الدجال" وأنه فرضا على الكفاية إن قام به البعض سقط عن الآخرين وهو في حق الجميع متعين حتى تقوم به طائفة وإلا أثموا كل بحسب قدرته، وأن الخروج على الحكام الكفرة وقتالهم وخلعهم وتنصيب إمام مسلم واجب بإجماع علماء المسلمين على كل مكلف منوط بالقدرة ولا يخرج أحد منهم من دائرة الإثم إلا أن يقدم نفسه أو ماله للقيام بهذا الواجب حتى تتحقق الكفاية.

وترى الجماعة الإسلامية أيضا أن القتال يكون لإزالة الفتنة وسحق الشرك وإعلاء شرع الله " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله" ويؤكد قادة الجماعة أن الجهاد مفروض لخلع الكفار وردع الطوائف التي تساندهم وتنصيب خليفة مسلم واسترداد الديار السليبة وتخليص أسرى المسلمين " ثم تعود جيوشنا تجوب الأرض تدعو الممالك والإمبراطوريات بالمصحف والسيف إلى الإسلام".

وأخيرا يقول قادة الجماعة " لقد أضحى الجهاد هو الإجابة على التحدي الذي يفرض نفسه اليوم نكون أو لا نكون".

4- الخلافة

مصطلح الخلافة ليس له تحديد معين لديهم وكل ما يعرفونه به أنها خلافة على نهج الخلفاء الراشدين .

وترى الجماعة أتن إقامة الخلافة واجب وأن علماء المسلمين قد أجمعوا على ذلك واتفقت في ذلك كل الفرق الإسلامية وشيعة وخوارج. ويقول عبود الزمر " أن البديل الإسلامى المنشود المتمثل في الخلافة الإسلامية على نهج النبوة أصبح ضروه لإنقاذ العالم من جاهليته وأمسى عبئا على عاتق الجماعات الإسلامية.

ويقول قادة الجماعة الإسلامية" نحن لا نرضى إلا بخلافة على نهج النبوة ترث خلافتنا الأولى" ويضيفون أن هذه الخلافة هي الحل الأوحد والأمثل أيضا لكل ما تعانيه البشرية اليوم من صور رهيبة للظلم والفقر.

ولكن هل يشترط دار منفصلة لقتال هؤلاء الحكام الكفار والطائفة التي تساندهم وإقامة الخلافة كبديل إسلامي؟ ترى جماعة الجهاد أنه لا يوجد أي دليل شرعي لذلك وهو شرط باطل وأنه من الناحية الشرعية لا يشترط لوجوب الخروج على الحاكم إلا القدرة من عدد وعدة ، والقول بضرورة تميز الدارين قول فاسد يعطل الجهاد.

وترى الجماعة الإسلامية أن المسلمون مأمورون بقتال هذه الطائفة وإن لم يكن – أي المسلمين – إمام ممكن يقاتلون تحت رأيه بل هم مأمورون بقتالهم وإن كان حكام بلادهم رؤساء هذه الطائفة الممتنعة.

ثالثا: الموقف من الجماعات الأخرى داخل ساحة العمل الإسلامى: ( الإخوان- التكفير والهجرة- السلفيون)

1- الإخوان المسلمون

للحديث عن الإخوان مكان خاص عند كلا الجماعتين ، فهم لا يتركون فرصة للقول أو الكتابة إلا وتحدثوا عن إدانتهم لجماعة الإخوان وصراعهم معها، وترى جماعة الجهاد الإسلامى أن الإخوان يلعبون فئ صالح الحكومة والنظام المصري لأنهم يعطون شرعية للسلطة وأن هذا التطبيق التوقيعي للإسلام- يقصدون التطبيق الذي يريده الإخوان- ما هو إلا خدعة ماكرة يقف من ورائها الغرب بهدف محاولة إظهار فشل الإسلام كنظام للحكم وفى حل مشاكل المجتمع وكذلك احتواء وتطويق الحركات الإسلامية وإطالة عمر الأنظمة الموالية للغرب.

ويقول أسامة حميد- أحد الكوادر الفكرية للجهاد" وسواء كان الإسلام الاصلاحى ضعيفا أو قويا فإن النظام يريد استخدامه لإضفاء الشرعية على نفسه" كما تصفهم أدبيات الجماعة بالتخاذل والمهادنة والنفاق والطعن في علم الله ويقول مؤلف كتيب " تحقيق التوحيد بقتال الطواغيت" أثناء وصفه للشباب المسلم الحائر- المقصود شباب جماعته- يقول معرضا بالإخوان" أما أن يقعد وينكص ويهادن ويناور ويساوم ويناقص ويبيع دينه جزءا جزءا والذين يدخلون الانتخابات ليحققوا الشرعية عن طريق الديمقراطية الكافرة".

وأصل الخلاف أن جماعة الإخوان المسلمين –في نظرهم- لا تكفر الحاكم الذي لا يحكم بالشريعة وترضى بالدخول تحت عباءة حكمه وتنتهج النهج الديمقراطي الاصلاحى عن طريق المجالس البرلمانية في حين ترى جماعة الجهاد أن هذا الطريق هو الضلال، وأن الأمر الواجب هو قتال هؤلاء الطواغيت.

وتقول أحد أدبياتهم" إياك أن يخدعوك باسم مصلحة الدعوة فالديمقراطية كفر صريح ولا اجتهاد مع النص، أى مصلحة في الاعتراف بشرعية الكفر وأنظمته؟هذا غاية ما يطمع فيه الكافرون، أي مصلحة في برلمان يملك الطاغوت " المقصود الحاكم" حله وقتنا شاء، إن المستفيد الوحيد من إدخال الإسلاميين في البرلمانات هم الطواغيت فقط. وتعتبر الجماعة أنكل ما يقوله الإخوان هو شبهات على الإسلام وأن كشفها واجب مثل الحرب مع الكافرين" نحن كما نجاهد الكافرين بالسيف والحديد نكشف شبهات هؤلاء بالكتاب والسنة".

وترى الجماعة الإسلامية أن الإخوان يقتاتون بما يلقيه إليهم الحاكم أي حاكم كافرا كان أو فاجرا، فيعملون من خلال " قنوات الشرعية ويلتزمون بأمره وحكمه" وتقول الجماعة أن العلماء قد أجمعوا على وجوب خلع الحاكم الكافر المبدل للشرائع الإسلامية لئلا يكون هناك سلطة تشرع من دون الله وتحمل الناس على شرعيتها الكافرة " ، ومن ثم ينسحب هذا الحكم على كل هيئة أو مؤسسة تكون لها نفس الصفات وبالطبع مجلس الشعب أو من ينسحب عليه هذا الحكم" وترى أن مجلس الشعب تمثيلية حقيرة وسخيفة ولا يخدع بها سوى البلهاء والسذج".

ويقول مؤلف " حتمية المواجهة" " فلقد باءت كل المحاولات الجادة النادرة المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية بالفشل الذريع من خلال ذك المجلس الحكومي الضال وما زالت قوانين الكفار التي تبح الزنا والخمر والربا تعطل الحدود وقضاء الله في حكمه وشرعه هي القوانين الحاكمة المسيطرة على عباد الله المستضعفين في مصر" وترفض الجماعة منطق الإخوان لأنها ترى أن شريعة الله ستنزل إلى سوق الاختيار وستتحكم في قبولها أو عدمه أغلبية أو غيرها بما يمثله ذلك من تحكم البشر في منهج الله وترى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مستضعفا ومطاردا وكان المعروض عليه الملك كاملا وليس مجرد مقاعد في برلمان هزيل، ممكن للحاكم أن يلغيه بجرة قلم.

فتسويغ ما يحدث في مجلس الشعب وما قام عليه من تقديس لرأى الأغلبية والأخذ به كتشريع ملزم للأمة سواء وافق الشرع أم خالفه " ضلال وكفر وأي كفر" والداخل معترف به ومعضد له بدليل أنه يسعى لتحقيق تلك الأغلبية وهذا اعتراف منه بحق هذه الأغلبية في التشريع.

ويقول قادة الجماعة الإسلامية عن الإخوان أنهم: " ضعفاء ومقصورون وأنهم يفترون على الإسلام لجعله ضعيفا ناقصا مبتورا ليوافق ما جبلوا عليه هم وذلك ما لا يسكت عليه" كما تنتقد الجماعة موقف الإخوان من إشادتهم بسياسات مبارك والسادات حتى يسمح لهم بدخول مجلس الشعب وتنتقد تحالفهم مع حزب الوفد بأنه تحالف مع الشيطان.

كما تدين الجماعة الإسلامية جماعة الإخوان لموقفها من النصارى وتعتبر أي علاقة المودة بين الإخوان والنصارى هي علاقة موالاة منهي عنها وترى أنه فئ هذه الحالة فإن المواقف لا تتباين بل تتصادم.

الحوار: هذه القضية هي أحد القضايا العملية التحى يقع عليها خلاف بين الجماعتين ففي حين ترى جماعة الجهاد أن رفع راية الحوار مع الجماعات الإسلامية ما هي أي خدعة على نفس النسق- أي دخول مجلس الشعب- وترفض ذلك تماما.

ترى الجماعة الإسلامية أهمية الحوار وترحب به " أن الجماعة الإسلامية كانت ولا تزال ترحب بالحوار مع من شاء من العلماء" ولكنها تفرض عدة شروط لإجراء هذا الحوار:

1- التزام الدولة بنتائجه كاملا.
2- أن يجرى الحوار مع قيادات الجماعة.
3- أن ترفع الدولة كافة الضغوط والقيود التي تحول دون إجراء حوار متكافئ.

ورغم هذه الشروط إلا أن الجماعة الإسلامية أجرت العديد من الحوارات والمناظرات مع القيادات الدينية والسياسية في البلاد دون التزامها بهذه الشروط وهذا هو واقع الخلاف بينها وبين جماعة الجهاد الإسلامى.

2- جماعة التكفير والهجرة وجماعة التوقف والتبين

ترى الجماعة الإسلامية أن هذه الجماعات تحمل عقائد فاسدة ضالة والإسلام بريء منها تماما وأن علماء الإسلام قد كشفوا منذ قرون عن خللها وزيفها ومروقها من الدين وترى جماعة الجهاد أيضا ذلك فيقول أسامه حميد أثناء حديثه عن شكري مصطفى "إلا أنه في الحقيقة قد حطم الحيوية لدى شباب الجماعة بعزلهم ليس فقط عن المجتمع ولكن أيضا عن تاريخ الإسلام".

3- السلفيون والتبليغ والدعوة

تقول وثائق الجماعة الإسلامية معرضة بها التيار وجماعات أخرى حسبت الإسلام شعائر ونسك لا يزيد عنها فلا يخرج الدين من المحراب، ولا علاقة له بنظم الحياة، ومع هؤلاء من ظن أن خدمة الدين قراءة الكتب ومذكراته والغوص من فروع المسائل الخلافية وليس وراء هذه الدراسة نفع للمسلمين .

ثم تلقى الجماعة بحكم شامل على كل الجماعات الإسلامية في الساحة بأنها ابتعدت عن الحق الذي أمرنا فضلت السبيل وحادت عن الجادة. ويقول أسامة حميد " جماعة الجهاد" " ولكن العامل الأخطر في تعويق الإسلام الثوري هو اختراقه بوساطة السلفيين المدرسين".

رابعا: القضايا الفقهية

1- العذر بالجهل

هذه القضية هي من أهم القضايا التي يدور حولها الخلاف بين فصائل الحركة الإسلامية الجهادية وتأخذ جماعتا الجهاد و الجماعة الإسلامية موقفا واحدا من هذه القضية أيضا فكل من يجهل أمرا أو حكما من تعاليم الإسلام فإنه يعذر لجهله بهذا الحكم إذا خالفه ولا يكفر المسلم بمعصية ارتكبها كما تقول جماعة التكفير والهجرة.

فيقول قادة الجماعة الإسلامية في كتال الميثاق" فالمعاصي تنقص الإيمان ولا تذهب بأصله، أما الكفر الأكبر فإنه ينقض الإيمان ولا نحكم على مسلم أتى فعل كفر بأنه كافر إلا بعد إقامة الحجة البينة عليه شريطة أن تكون هذه الحجة قاطعة لكل شبهة وأن يقيمها من هو أهل لذلك، فإن تبين إقامتها أنه قام بفعل ما وهو عالم غير جاهل ولا متأول، قاصد غير مخطئ مختار غير مكره حكمنا بكفره أما قبل ذلك فلا".

ويقول أسامة قاسم " جماعة الجهاد " " .. ولهذا لا يكفر العلماء من استحل شيئا من المحرمات لقرب عهده بالإسلام أو لنشأته ببداية بعيدة، أن حكم الكفر لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة، وكثير من هؤلاء قد لا يكونوا بلغتهم النصوص المخالفة لما يراه ولا يعلم أن الرسول بعثنا بذلك.

خامسا: أهم قضايا الواقع

1- الغرب والحضارة الغربية

تتبنى الجماعتان موقفا معاديا للغرب والحضارة الغربية لأنها ترى أنها منحرفة عن منهج الله فترى جماعة الجهاد أن أي تصور لمعركة اليوم بين الإسلام والجاهلية يغفل التحدي الغربي المفروض هو تصور هامشي لا نجاح مهما حقق من نتائج" فالصراع الإسلامى الغربي له أولوية خاصة ضمن خطة الإسلام والجاهلية، ولهذا فهو صراع مدرج في تخطيط التغيير لإقامة الدولة النواة ومدرج أيضا في خطة التمكين الكامل للإسلام حيث لا يتم إلى على أنقاض تسلط الجاهلية الغربية" يصفون هذه الحضارة الغربية بالجاهلية والكفر والمادية الجامحة والأيديولوجية الآثمة، كما تصف المبادئ التي تحملها هذه الحضارة بأنها شعارات مزيفة كمسمى حقوق الإنسان العالمي والحرية والإخاء والمساواة،وهذه الشعارات إنما تهدف إلى تزيين الجاهلية المسيطرة وترسيخ أقدامها وخداع الشعوب.

وتؤكد هذه الحضارة رغم كل المحاولات التي تقام لإضفاء هالة مزعومة عليها إلا أنه غدا من البديهيات أنه أصبحت كالمريض في النزع الأخير، كما تصف هيئة الأمم المتحدة بأنها إفراز الجاهلية الحديثة وما هي إلا جسد متهالك من حيث الدور ولا تستطيع إلا خدمة مصالح القوى الجاهلية المتحكمة.

وتحذر الجماعة من هذا الاهتمام الغربي بالشرق الأوسط الإسلامى وتصف الغرب بأنهم يطأون أرض المسلمين بأقدامهم النجسة وتغزو قلوبهم بأقلامهم المسمومة.

وتحمل الجماعة على نفسها عبء التصدي لهذا الغزو وما يتعرض إليه الشعب من غسيل مخ وإعادة تشكيل قيمه من خلال الهيمنة الأمريكية التي تستهدف صميم وجود المسلمين. ويؤكد طارق الزمر أن هناك دورا كبيرا للعالم الغربي وراء النظام المصري في سعيه لتصفية الاتجاه الإسلامى في مصر.

ولكن على الرغم من هذا الموقف من الحضارة الغربية ترى الجماعة أنه لا مانع من تبنى نتاجها المادي فيقول كمال السعيد حبيب" لا نحكم بالإعدام على الحضارة المادية المعاصرة كما قال الشيخ سيد قطب رحمه الله ذلك أننا صانعي جزء منها بل لولا نحن ما كانت هذه الحضارة أصلا ولكننا نريد إخضاع هذه الحضارة المادية للمنهج الإلهي الذي يحمى المادة هذه بالأخلاق الإلهية التي لا صالح للعالم إلا بالعودة إليها". وتصف الجماعة الالاسمية كل القيم الغربية بالجاهلية وتعترف بنجاحها في صياغة شعارات وثقافات ومثل عليا ونجحت في استخدام كل هذا في تحقيق سيطرتها وإحكام قبضتها على المجتمعات القائمة اليوم. وترى أن هذه الحضارة هي الزيف والنتن، والخلافة هي البديل لكل نتخلص من التبعية الذليلة لهم.

- الصراع العربي الاسرائيلى

أن قضية الصراع مع إسرائيل من أهم القضايا التي تتبناها الحركة الراديكالية وتركز عليها في تعبئة الجماهير والطعن في شرعية الحكومة.

فتقول الجماعة الإسلامية:أن مصطلح الصراع العربي الاسرائيلى قد اثبت فشله في استعادة الأرض وحفظ المقدسات طوال أربعين سنة وأن النصر على اليهود لن يتحقق إلا بعد أن يتغير مفهوم الصراع، فنتعامل معه ونعد له العدة على أساس أنه صراع اسلامى- يهودي ، وتؤكد الجماعة أن أحد الأسباب التي دعت تنظيم الجهاد لاغتيال السادات عام 1981 هو تحالفه مع اليهود وتوقيع معاهدة كامب ديفيد في حين أن الصراع مع اليهود صراع مصيري لا حل له سوى الجهاد.

وتقول وثائق جماعة الجهاد:

" ما قولكم في معاهدة كامب ديفيد التي أعلنت إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل أو كما قال أنور السادات الهالك هي – أي المعاهدة- في قانونهم صحيحة وشرعية وتم الاستفتاء عليها، الاستفتاء الذي يعدونه أقوى وسائل التشريع ، أقوى من موافقة مجلس الشعب نفسه، أما في شرع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فهي باطلة لأنها:
1- أسقطت فريضة الجهاد.
2- لأنها اعترفت بشرعية دولة إسرائيل .
3- لأنها معاهدة مؤبدة والمعاهدات في الشريعة مؤقتة وألا تزيد عن 10 سنين.

ويقول كمال السعيد حبيب : أن السياسة الأمريكية والإسرائيلية قد نجحت تماما في بث الفرقة داخل المعسكر الإسلامى خاصة العربي وذلك بتحييد مصر من خلال اتفاق كامب ديفيد .

ويقول طارق الزمر: " على أن هذه القضية لن تبقى معلقة حتى وصول الجماعة إلى الحكم ولن يؤجل الصراع مع اليهود لا بل سيصبح بفعل معطيات الواقع عنصرا أساسيا في المعركة الأولى.

ويقصد بذلك اللعب بهذه الورقة في المعركة الأولى مع النظام المصري. ويضيف طارق الزمر ، أن مصر إذا حكمت بإسلام فإن موقف اليهود من الإسلام معلوم وما يتبعه من إبطال التعاهد وإعلان الحرب لا هوادة فيها حرب يقتل فيها اليهود تقتيلا وهم لا قبل لهم بذلك.

وإذا كان هناك موقف مبدئي من اليهود فإن ممارسة الجهاد ضدهم ترتبط في النهاية بوجود الدولة الإسلامية،فبحكم الطابع السلفي والنظرة الذاتية لا يمكن إجازة الجهاد ضد اليهود إلا تحت راية دولة تطبق الشريعة الإسلامية.

وتتفق كل من الجماعتين الجهاد و الجماعة الإسلامية على أن ممارسة الجهاد ضد اليهود في الوقت الحاضر أمر غير وارد حتى تعلن الدولة الإسلامية أو تعلنه دولة تطبيق الشرائع.. وفى المقابل ترفض كل من الجماعتين كل صور الممارسة التي جرى على الساحة العربية والتي تهدف إلى تسوية القضية الفلسطينية وكان في مقدمتها اتفاقيات كامب ديفيد كما سبقت الإشارة.

4- الثورة الإيرانية

إن نموذج الثورة الإيرانية يعتبر نموذجا مبهرا أو مثلا أعلى للعمل الثوري للجماعتين ، وهم يؤكدون على مؤازرتهم لهذه الثورة وتمجيدها ولن مع التأكيد دائما على اختلافهم مع مذهب الثورة واعتقاداتها الشيعية.

فيقول طارق الزمر: نموذج الثورة الإيرانية لا يستطيع أحد أن ينكر أنه نموذج ناجح استطاع أن يستوعب معطيات الواقع وأن يتفاعل معه بصورة كفلت له الانتصار كما أن هذا لا يعنى بحال أننا نرى رؤية الشيعة الاعتقادية أو أننا نصحح مذهبهم فهذا أمر وذاك أمر.

وفى حديث الجماعة الإسلامية عن الثورة يظهر جليا إعجابهم الشديد بهذه الثورة وبحركة الجماهير التي كانت مطالبها الإسلام كاملا دون تأخير ورفض التبعية لأمريكا وتحاول الجماعة الإسلامية أن تستفيد أقصى استفادة من نموذج هذه الثورة وتصف الواقع المصري بأنه يشبه على حد كبير الوضع في إيران قبل الثورة.

وقد قامت الجماعة الإسلامية بالعديد من المظاهرات التأييدية للثورة عقب قيامها، كما اندلعت المظاهرات بعد استقبال الشاه في مصر ولكن تؤكد الجماعة أيضا على اختلافها الاعتقادى مع الثورة بل تؤكد خوفها من تلقى معونات من إيران خشية أن تفرض عليها أي شروط تتعلق بالاعتقاد.

المبحث الثالث :ظاهرة الانشقاقات ومستقبل الجماعات الراديكالية

لعل أهم ما يميز الجماعات الإسلامية الراديكالية في الثمانينات هو ظاهرة الانشقاقات التي أخذت تبرز بين وقت وآخر عن الفصائل الرئيسية في هذه الجماعات، وأضحت الساحة تموج بالجماعات صغيرة الحجم التي تتلاشى بسرعة كل مواجهة مع السلطات الأمنية. وقد تضمنت خريطة الجماعات الإسلامية الراديكالية خلال عقد الثمانيات ما يلي:

- الجماعة الإسلامية بقيادة د. عمر عبد الرحمن وتتمركز فى الصعيد.
- جماعة الجهاد ويتزعمها عبود الزمر من المعتقل، أما القيادة المباشرة فتتولاها قيادات الصف الثاني خارج المعتقل وليس لها تنظيم مركزي، فقد انتهى بها الوضع إلى أشلاء متناثرة.
- جماعة طه السماوي الشهير بعبد الله السماوي وقد انشقت عن التكفير والهجرة وحاول أمير الجماعة تجميع أشلاء تنظيم الجهاد في بعض المناطق بالقاهرة والجيزة، ولكن باءت محاولاته بالفشل ، وقد قامت الجماعة بإحراق محلات الفيديو ومحلات الخمور، وقد اندثرت بعد هذا الحادث وتقدم أعضائها للمحاكمة.
- جماعة الناجون من النار وهى جماعة منبثقة عما عرف بتيار التوقف والتبين داخل الحركة الإسلامية. وهو تيار يضم العديد من الفرق والجماعات ومن ضمنها هذه الجماعة.
ويقترب تيار التوقف من تيار التكفير. من حيث إصداره حكما بالكفر على الواقع- فوفقا لتعبير أحد المنتمية لهذا التيار يقول " نحن ننظر إلى الواقع على انه كفر وأن ألأصل في الناس هو الكفر ولكي نحكم على إسلام أي فرد يجب أن نتوقف فيه لننظر ماذا يحمل من الإسلام.. وبعد التبين يمكن أن نحكم عليه بالإسلام أو لا نحكم" ومن هنا تسمية التيار بالتوقف والتبين،ولكن رغم اقترابه من تيار التكفير إلا أن هناك فروقات بينهما تمنعهما من التماثل.. كذلك فإن جماعة المسلمون أو التكفير والهجرة التي انبثقت عن هذا التيار كانت جماعة منظمة لها قيادتها المركزية وقاعدتها التي تدين بالولاء لأمير واحد كان شكري مصطفى .
أما تيار التوقف فلم يتولد عنه تنظيما على هذا النحو وإنما ظهرت مجموعات متفرقة لا تندرج تحت إمارة واحدة وإنما كل ما يجمع بينها هو الفكرة فقط.
في هذا الإطار ظهرت جماعة الناجون من النار التي تزعمها كل من مجى الصفتى ومحمد كاظم ويسرى عبد المنعم كتعبير عن تيار التوقف والتبين، وإن كان لها وضعا أكثر خصوصية حيث خرجت عن خط العزلة الذي يؤمن به هذا التيار وانتهجت العنف في مواجهة الواقع فقامت عام 1987 بمحاولات اغتيال كل من وزيري الداخلية السابقين حسن أبو باشا والنبوي إسماعيل ، فضلا عن الكاتب الصحفي مكرم محمد أحمد رئيس تحرير مجلة المصور القاهرية.
ولعل ها المنهج كان أحد أسباب الخلط بينها وبين تنظيم الجهاد وربما زاد من هذا الخلط ما كشفت عنه التحقيقات وجود أعضاء من تنظيم الجهاد ضمن المتهمين في قضية الناجون من النار بتهمة الإيواء والتمويل. ويثير هذا النوع من الجماعات مسألتين هامتين .
الأولى، هي كثرة الخلافات داخل الحركة الإسلامية على المستوى الفقهي والتي تؤدى إلى ظهور العديد من الجماعات التي تكثر عوامل التداخل بينها.
والأخرى تتعلق بإمكانية التعاون بين بعض ههذالجماعات عند مستويات معينة خاصة بعمليات العنف وهو ما يفسر وجود بعض الأعضاء المنتمين إلى الجهاد في قضية جماعة الناجون من النار.
- جماعة أحمد يوسف ببني سويف وتضم بجانب أحمد يوسف أمير هذه الجماعة مجدي كمال وهو يمثل القيادة التالية بعد أحمد يوسف وقد انشقت هذه الجماعة عن التنظيم الأم " الجماعة الإسلامية" بزعامة عمر عبد الرحمن وأضحت تحمل أفكار هي أقرب إلى أفكار تنظيم الجهاد الذي يتزعمه عبود لزمر خاصة فيما يتعلق بعدم العذر بالجهل وقد سادت هذه الجماعة بعد انشقاقها موجة انشقاقات بعد خلاف بين زعيم الجماعة وإحدى قيادات الصف الثاني حسام البطوجى غير أنه ما يزال لهذه الجماعة وجود ببني سويف وإن اتسم بالمحدودية ، وتتقارب أفكارها الآن مع تنظيم الجماعة الإسلامية متخذة مكانا وسيطا بين الجماعتين تنظيم الجهاد والجماعة الإسلامية.
- جماعة الشوقيين نسبة على زعيم هذه الجماعة شوقي الشيخ ب الفيوم وقد ذهب الشيخ في تطرفه أبعد من جماعة احمد يوسف ففي حين أنه اعتنق نفس أفكار جماعة التكفير والهجرة، إلا أنه رفض الهجرة أو العزلة واستبدلها بضرورة الجهاد المسلح لنشر الدعوة الإسلامية من جديد في هذا المجتمع الكافر.
غير أن هذه الجماعة أكثر ما يميزها أيضا هو استحلالها لممتلكات المسيحيين والمسلمين من خارج جماعته لأنهم جميعا كفرة لتوفير الأموال اللازمة لنشر الدعوة الإسلامية في المجتمع. وقد انشقت هذه الجماعة عن الجماعة الإسلامية . ولاقت هجوما كبيرا من قبل كافة التيارات الإسلامية الراديكالية واستنكار لاستحلالها ممتلكات الغير.
- بالإضافة على ما سبق هناك مجموعات أخرى لكل منها أميرها وأن غالب على معظمها هامشيتها من حيث الحجم وحملها لأفكار غاية في التطرف. وتظل نقطة الخلاف والانشقاق بين هذه الجماعات هي عدم العذر بالجهل وتكفير الحاكم من عدمه وهو ما يترتب عليه الجهاد المسلح لخلع الحاكم وعودة المجتمع للإسلام من جديد.
وتموج الحركة الإسلامية بهذه الجماعات الهامشية في حجمها وإمكاناتها وتشابه أغلبها من حيث عوامل وظروف النشأة وهو انشقاق أميرها عن إحدى الجماعات الإسلامية ليسعى إلى تكوين جماعة خاصة به تعتنق أفكاره ، ومثل تنظيم أحمد الخولى الذي يأخذ بعدم العذر بالجهل وتنظيم شوقي الشيخ وطه السماوي وأحمد السني.
بداية يمكن القول أن ظاهرة الانشقاقات بين تنظيمات وجماعات الإسلام السياسي الراديكالية ليسن بالظاهرة الجديدة على الإطلاق في الثمانينات، وإنما ترجع جذورها إلى بداية ظهور جماعات الإسلام السياسي مع بداية تشكيل جماعة الإخوان المسلمين التي لم تكتف بالعمل العلني ولكن لجأت بشكل مبكر إلى العمل السري من خلال ما سمى بالنظام الخاص.

وقد حدثت عوامل تململ كثيرة بين قيادات التنظيم الخاص ، و المرشد العام للإخوان المسلمين حسن الهضيبي- كما سبق التوضيح- ووصلت إلى حد المواجهة والصراع على القيادة العليا للجماعة، كما أن بداية تأسيس جماعة الجهاد الإسلامى في عام 1968 على يد إسماعيل طنطاوي، وأيمن الظواهري / كانت في الأغلب تحت إشراف من احد قيادات النظام الخاص للإخوان، الذي انشق عن الجماعة، ثم أن جماعة التكفير والهجرة كان أميرها ومؤسسها عضوا في جماعة الإخوان قبل انشقاقه عن الجماعة في المعتقل واعتناقه هذه الأفكار وكذا كان انشقاق محمد عبد السلام فرج في أواخر السبعينات وسعيه إلى تكوين تنظيم الجهاد الإسلامى يجمع كافة الفعاليات الإسلامية الراديكالية على الساحة المصرية والتي تتوحد في الهدف.

في هذا السياق يمكن القول أن ظاهرة الانشقاقات بين الجماعات والتنظيمات الإسلامية لها جذورها التي تعود إلى بداية تواجد هذه الجماعات وممارستها على الساحة السياسية، غير أنها أخذت تبرز بوضوح وتصاعدت حدتها في الثمانينات، ومن ثم أصبحت ظاهرة عامة تحتاج إلى تحليل ومحاولة للتفسير، وهنا يثور التساؤل ، هل تعتبر هذه الظاهرة بمثابة أسلوب تكتيكي ضمن الاستراتيجية العامة تجاوبا مع المعطيات المستجدة في الواقع لتتلاءم مع الاستراتيجية الأمنية للنظام أم أن الأمر غير ذلك، وماهى آثارها على مستقبل هذه الجماعات؟

الواقع أن ظاهرة الانشقاقات بدأت تدب في صفوف فصائل الحركة الإسلامية الراديكالية بعد أحداث 1981 وخلال محاكمات قيادات تنظيم الجهاد الإسلامى والذي نتج عنه الانشقاق الأكبر والأساسي والذي على أثره انشقت جماعات الوجه القبلي عن تنظيم الجهاد وأخذ اسمها يرتبط باسم الجماعة الإسلامية.

وقد أعقب ذلك عدة انشقاقات أخرى على مدى عقد الثمانينات، في حين ظهرت جماعات أخرى ليست هناك معلومات متاحة عن مدى علاقتها بتنظيم الجهاد مثل الناجون من النار إلا أن السمة الغالبة على تنظيم الجهاد هي التفتت لا الانشقاق بمعنى عزوف العديد من قيادات الصف الثاني عن العمل من خلال التنظيم المركزي للجماعة. وهو ما يصعب معه الفصل في علاقات بعض الجماعات بهذا التنظيم.

ويمكن أن نخلص إلى هذه الانشقاقات بين صفوف الجماعات الإسلامية الراديكالية بعيدة عن الخضوع لإستراتيجية عامة، وأن هناك أسبابا عديدة تفسر الظاهرة مثل:

• أسباب قيادية: حيث كانت هذه السباب وراء الانشقاق الرئيسي بين هذه الجماعات الذي أدى إلى انشقاقا الجماعة الإسلامية في الصعيد عن تنظيم الجهاد، ففي حين رأت قيادات الصعيد تولية الدكتور عمر عبد الرحمن أميرا عاما للتنظيم رفضت قيادات القاهرة والجيزة والإسكندرية ذلك، ورأوا أنه لا يصح شرعا تولية الضرير أميرا وأن عبود الزمر هو الأحق بالإمارة لدرايته بفقه الواقع الذي من المفترض أن يحتل الأولوية في المرحلة المقبلة كما أن فقه الشرع يمكن توفيره خلال قيادات أخرى.
كما أن هذا السبب وراء انشقاق العديد من الجماعات الأخرى، بل أنه وراء تفكك تنظيم الحاد لتمسك قيادات الصف الثاني بعد الإفراج عنها بحقها في الإمارة الفرعية دون القيادات الجديدة، كما كان هذا السبب وراء الصدام والمواجهة بين قيادات تنظيم أحمد يوسف ببني سويف ، حيث رأى حسام البطوجى أنه أحق بالإمارة.
• أسباب فقهية شرعية: وأهم هذه الأسباب قضية العذر بالجهل من عدمه ويبدو أن هذه القضية كانت وراء أغلب الانشقاقات التي جرت في صفوف الجماعات الإسلامية الراديكالية، وقد كانت أحد الأسباب وراء انفصال الجماعة الإسلامية عن تنظيم الجهاد حيث اختلفا حول تطبيق هذا المبدأ على أجهزة الدولة وبخاصة الجهاز الأمني.
ولهذا السبب تعزى جميع الانشقاقات خاصة في صفوف الجماعة الإسلامية، فقد كانت السبب الأساسي وراء انشقاق جماعة أحمد يوسف ومجدي كمال ببني سويف اللذان رأوا عدم العذر بالجهل وكذلك الشرقيين نسبة على شوقي الشيخ حيث رأى عدم العذر بالجهل وتكفير الحاكم والمجتمع ما عدا اتباعه.
  • أسباب حركية تكتيكية: وكانت هذه الأسباب وراء الانشقاق الرئيسي بين الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد ، فعلى حين رأت الجماعة الإسلامية أن المناخ والظروف العامة غير مؤهلة لاستئناف عمليا التدريبات العسكرية و الجهاد المسلح رأى عبود الزمر وجماعته ضرورة استئناف العمل المسلح دون تمهل لأن مسيرة الجهاد لا تتوقف : النصر أو الشهادة وفق تعبيره.
وفى حين رأت الجماعة الإسلامية أن العمل العلني هو الأفضل والأكثر ملائمة للمرحلة المقبلة بعد أحداث 1981 لجذب عناصر جديد والقدرة على التجنيد، فقد رأت جماعة عبود الزمر- تنظيم الجهاد- أن السرية هي أساس العمل والحركة المنظمة للجهاد المسلح، وأن العمل المنظم يمكن أن تنجم عنه النتائج والأهداف الاستراتيجية، وأن أهم ديناميات التنظيم العمل السري.

ويمكن أيضا إضافة أسباب أخرى تعود إليها ظاهرة الانشقاقات بين صفوف الجماعات الإسلامية الراديكالية مثل:

- أساليب التعامل بين أعضاء كل جماعة وأميرها والتي تقوم في الأغلب على مبدأي السمع والطاعة العمياء في المنشط والمكره وفى العسر واليسر دونما أية مناقشة، فضلا عن طابع العنف والمواجهة مع السلطات الأمنية والمجتمع- الطابع الثوري الراديكالي – الذي يتضمن كوامن للانشقاق خاصة في طابع السرية الغالب على كافة نشاطات هذه الجماعات .
- تعدد الخلافات في النواحي الشرعية بين الجماعات الإسلامية الراديكالية.
- السياسات الأمنية من جوانب النظام الحاكم التي يغلب عليها طابع واستراتيجة المواجهة مع هذه الجماعات، والتصفية الجسدية في بعض الأحيان وهو ما يدفع ببعض العناصر فيها على الذهاب لمزيد من التطرف الفكري والحركي.
- الخلافات الشخصية بين قيادات الصف الثاني بعضها البعض وبأمر الجماعة في أحيان أخرى بسبب التطلع للزعامة والقيادة.
- وأخيرا يمكن القول أن ظاهرة الانشقاقات بين صفوف الحركة الإسلامية الراديكالية في مصر أفرزت معطيات عديدة منها ما هو خاص بديناميات العمل والحركة والتنظيم لهذه الجماعات وكذا التكوين العمري العضوي لها .
بالإضافة على عوامل أخرى عديدة، ومن هنا فإن استمرار هذه الظاهرة سيتوقف على تطور هذه العوامل جميعها، وإن كان أغلب التطورات تغذى احتمال استمرارية هذه الظاهرة بل وازدياد حجمها، ولعل أهم هذه التطورات هو حجم الخلاف بين الجماعات الإسلامية الراديكالية وبعضها البعض بالإضافة على السياسة الأمنية للنظام القائمة على المواجهة مع هذه الجماعات.
ويتبقى أن لهذه الظاهرة ولا شك آثارها السلبية العديدة على مصداقية هذه الجماعات لدى المجتمع، بالإضافة إلى خلق عوامل للصراعات الجانبية بين هذه الجماعات وبعضها مما يؤدى إلى انحرافها عن الخط العام الذي حددته لنفسها.
- حول مستقبل الجماعات الإسلامية الراديكالية في مصر:

في سياقهما سبق فإن عدة أسئلة تدور حول مستقبل الجماعات الإسلامية الراديكالية في مصر ، ومن بين هذه الأسئلة وربما كانت أهمها: هل تملك هذه الجماعات القدرة على جذب وتجنيد عناصر جديدة فاعلة؟ وما هي قدرات هذه الجماعات على استثمار وتمويل أنشطتها المتشبعة؟ وهل تمتلك هذه الجماعات موارد مالية ومادية كافية لتمويل أنشطتها؟ وما هي مصادرها؟

ليس بإمكان أحد الادعاء بأن لديه إجابات كاملة على تلك الأسئلة، ولذلك فسوف نركز في الجزء التالي على بعض الجوانب التي قد تفيد في تحديد تلك الإجابات بشأن اهمم جماعتين على الساحة حاليا: أي الجماعة الإسلامية و الجهاد.

ويمكن القول أنه رغم أن الجماعة الإسلامية اقتصرت في بداية نشاطها على الصعيد إلا أنها استطاعت الامتداد فإلى القاهرة ومحافظة الجيزة من خلال المساجد الخاصة بالجماعة ، ونجحت في تجنيد عناصر جديدة لها في هاتين المحافظتين خاصة من خلال النشاط الطلابي في الجامعة حيث كان تركيز هذه الجماعة منذ البداية على المسجد والجامعة والمدرسة في تجنيد وجذب عناصر جديدة تعتنق فكر الجماعة.

وإذا كان ظهور الجماعة وصعودها في الصعيد له ما يبرره حيث العادات والتقاليد الصعيدية التي تميل وتجنح للعنف والسمع والطاعة فإن ما يثير التساؤل هو امتداد وصعود رصيد هذه الجماعة في القاهرة ومحافظة الجيزة- مراكز الثقل والتأثير- وكذلك بعض المحافظات وجه بحري خاصة البحيرة. قد يفسر ذلك تناثر تنظيم الجهاد وتفككه بحيث أصبحت الجماعة الإسلامية شبه محتكرة لساحة العمل الراديكالي الإسلامى خاصة في العمق إلى جانب حرصها على مد نشاطها في وجه بحري من خلال المساجد الخاصة بها والجامعات.

وقد يفسر جملة التنامي في رصيد الجماعة الإسلامية موجات المواجهة والصدام مع أجهزة ألأمن وإثارة الفتنة الطائفية من قبل هذه الجماعة التي تضع الأقباط كهدف مباشر لها، تاليا للنظام، بما في ذلك من خلال تغيير المنكر باليد حيث يسود الجماعة اعتقاد بأن المواجهة مع النظام تؤدى على التعاطف الشعبي معها، كما يؤدى دورا إيجابيا في تنقية الجماعة، بمعنى انفصال بعض العناصر الضعيفة وغير الفاعلة في الجماعة ، ومنطق هذه الجماعة في هذا الصدد "أنت بالجماعة والجماعة بك أو بغيرك" .

كما أنه لا يمكن إغفال ما لإثارة الفتنة الطائفية من قبل هذه الجماعة والتعدي على ممتلكات المسيحيين. من أثر في جذب بعض الفئات الاجتماعية إليها وبصفة خاصة في صعيد مصر.

هذا بالإضافة على المعارض والأنشطة الخدمية الاجتماعية التي توليها الجماعة أهمية خاصة في أولويتها وبصفة خاصة في المناطق التي تعانى من الفقر ( أبو الهلال ب المنيا، والواليدية بأسيوط، وعين شمس وإمبابة والطالبية بالقاهرة والجيزة.. الخ) فلا شك أن لمثل هذه الأعمال الخدمية مردودها الايجابي من تعاطف المجتمع مع هذه الجماعة ومن ثم تسهيل عمليات التجنيد من خلال سماح هذه الجماهير لشبابها بالاتصال المباشر بأفراد هذه الجماعة مما يسهل عملية تجنيد الأعضاء الجدد سواء بالمساجد الخاصة بهذه الجماعة أو بالجامعات والمدارس .

وثمة شواهد عديدة على أن قضية التمويل لاتمثل حجر عثرة في طريق أنشطة الجماعة الإسلامية، بل أن هناك دلائل على أن دولا عربية وإسلامية تساهم في تمويل هذه الجماعة بطرق مباشرة مثل السودان، وباكستان ، هذا بالإضافة على دور المراكز الإسلامية بأوربا والولايات المتحدة ، والتي يشرف على البعض منها أعضاء لهذه الجماعة ، كما أن هذه المراكز لا يقتصر دورها على الدعم المالي فحسب بل إتاحة الفرصة لسفر أعضاء هذه الجماعة لتلقى العلم والتخصص في المجالات التي تحتاجها الجماعة.

كما توجد دلائل أخرى على أن أشخاصا أثرياء من البلدان العربية تساند ماليا هذه الجماعة سواء بطرق مباشرة أو غير مباشرة عن طريق إتاحة فرص العمل لأعضائها في بلدان الخليج.

ومن بين الدلائل الأخرى على تلقى الجماعة للدعم المالي من الخارج سفر الدكتور عمر عبد الرحمن إلى السودان لتسهيل إجراءات سفره إلى الولايات المتحدة حيث زار عدة مراكز إسلامية هناك، وكذلك سفره بعدها إلى باكستان حيث يقيم هناك منذ عدة شهور مع بعض القيادات الأخرى من الجماعة ( محمد شوقي الإسلامبولى) وأخيرا تجدر الإشارة على أن لهذه الجماعة مجلة شهرية خاصة بها تصدر من باكستان باسم "المرابطون " ويجرى توزيعها في العديد من البلدان العربية الأوربية وأمريكا.

وتبقى الإشارة على أن للجماعة الإسلامية ، العديد من المشروعات الاقتصادي المتنوعة والمنتشرة في كافة المحافظات( دمياط ، الفيوم، المنيا، وأسيوط، وسوهاج) وتتنوع هذه المشروعات ما بين محلات الصاغة والأراضي الزراعية، ومصانع منتجات الألبان ومصانع الحلوى، وعلى سبيل المثال هناك للصاغة ومشروعات زراعية وحيوانية ب الفيوم وتخضع لإشراف مسئول عن المشروعات الاقتصادية.

أما بالنسبة لتنظيم الجهاد ، فيمكن القول أنه شهد موجات تفكك كبيرة بعد أحداث 1981 وانشقاق جماعات الصعيد عنه، وقد وضعت استراتيجية عامة مع بداية محاولات استنهاض هذا التنظيم في عام 1984 وبالتحديد في سبتمبر من هذا العام بعد الإفراج عن بعض قياداته، وأهم ملامحها هي ، أن تبقى الإمارة العامة للتنظيم لعبود الزمر رمزيا ع إتاحة الفرصة للقيادات المفرج عنها لتولى القيادات الفعلية لهذا التنظيم. هذا عن القيادة.

أما عن استراتيجية التنظيم فقد اتفق على الإبقاء على الخلايا العنقودية الفرعية مع تولى إمارة ومسئولية كل خلية لإحدى القيادات المفرج عنها وعدم الالتزام بإطار عام أو تنظيم مركزي لهذا التنظيم خلال المرحلة المقبلة، وبرر ذلك هل أنه تجوب مع معطيات هذه المرحلة وللتمويه على أجهزة الأمن.

وقد أتيح أكبر قدر ممكن من حرية الاجتهاد الفكري والحركي والتنظيمي للقيادات المباشرة والفعلية لكل خلية عنقودية مع عدم الالتزام بخط عام موحد إلا جوهر فكرة الجهاد المسلح ضد أهداف النظام لإضعافه وهز صورته وبالقدر الذي يتيح تغذية وتجنيد عناصر ودماء جديدة للتنظيم.

كذلك هناك حرص شديد على المحافظة على سرية العمل الجهادي والتنظيمي مع عدم إغفال الشق الاعلامى والاعلانى الذي يدفع إلى استمرارية فكر الجهاد المسلح لدى المجتمع ويعكس استمرارية التنظيم مع الفصل التام بين الشقين وتوازيهما .

بمعنى ألا يعلم العضو العامل في الشق الاعلامى شيئا على الإطلاق عن الشق العسكري، وكذلك التمويه التام لعدم الانكشاف أما أجهزة الأمن وهو ما يتم من خلال الخلايا العنقودية التي لا تعلم شيئا عن بعضها البعض، كما أن لكل خلية الحق في أن تحمل ما تراه من مسميات حتى تبرهن على اندثار تنظيم الجهاد وزاوله، وأيضا بأن يبقى دور القيادات المفرج عنها وذات الصلة السابقة بتنظيم الجهاد والمعروفة لدى أجهزة الأمن دورا استشاريا إلزاميا بما يبعد عيون أجهزة ألأمن عن هذه الخلايا ويحفظ سريتها.

ولكن هذه الملامح العامة للإستراتيجية التي وضعها أمير عام تنظيم الجهاد- عبود الزمر- والقيادات التي أفرج عنها في المعتقل للالتزام بها في المرحلة المقبلة قد واجهتها العديد من عناصر الضعف وعقبات الواقع التي أودت بها، وهذه العوامل يمكن إيجازها فيما يلي:

1- أن اللامركزية التي اتفق عليها والتي اتسمت بها استراتيجية العمل للتنظيم في المرحلة الراهنة أضحت قاعدة ثابتة وترسخت بمرور الزمن بل أن الأوضاع تطورت إلى حد أن بعض القيادات المباشرة رأت أن أفضل تكتيك في المرحلة الراهنة هو اللاوجود.
2- تهرب القيادات المباشرة للخلايا العنقودية للتنظيم واستمرارها في ذلك وتبريرها لذلك بأنه تمويه وخداع لأجهزة الأمن، ورأى البعض أن أفضل تكتيك في المرحلة الحالية هو اللاعمل.
3- الجمود الفكري والتنظيمي للجماعة حيث لم تطرح معظم القيادات الفرعية المباشرة أية أطروحات للتجاوب مع معطيات المرحلة ولجذب عناصر جديدة إلى الحد الذي يصف معه أحد قيادات هذا التنظيم بأنه فشل حتى في الدفاع عن مواقفه ووجوده إزاء الهجمات المتلاحقة ضده.
4- واجهت التنظيم والقيادات المباشرة لخلاياه مشكلة التمويل على أنشطة التنظيم مما جعلها تتجه إلى العمل لسد هذه الفجوة وهو ما أبعدها بمرور الوقت عن متابعة التنظيم وإهماله.

وهكذا يمكن القول أنه مع مرور الوقت تحولت اللامركزية من تكتيك مرحلا للتنظيم على واقع ترسخ بمرور الوقت بل وأدى إلى آثار سلبية مثل تفكك التنظيم وتفتته إلا أشلاء.

وقد دفع هذا الواقع القيادة العليا في المعتقل إلى محاولة استنهاض عناصر القوة وتجميع الشتات وذلك من خلال طرح فكرى جديد مركز على الجانب الإعلامي ولا يغفله وكذا الجانب الدعائي ولكن يضع كل الآمال على القدرة على صياغة الشق العسكري من جديد حيث يمكنه حمل عبء التطور الطبيعي وتحمل مسئولية وفكرة الجهاد وإذا كان الأول من شأنه إيقاظ فكرة الجهاد لدى المجتمع بما يدفع بدماء جديدة للتنظيم فإن الشق الثاني هو أساس الفكرة ومضمونها ولابد أن يحاط بالسرية التامة.

وعلى حين لاقت هذه المبادرة التي طرحتها القيادة المعتقلة استنكارا من جانب بعض قيادات الجهاد المباشرة التي رأت فيها خروجا عن الاستراتيجية المتفق عليها في المرحلة الراهنة، رأت بعض القيادات الأخرى أنها تحمل الأمل في إمكانية انبعاث التنظيم وإحيائه من جديد.

وقد بدأت تبرز في الفترة الأخيرة بعض الشواهد التي تدل على أن ثمة تحولا في اتجاه هذا التنظيم بما يوحى بإعادة ترتيب التنظيم من جديد وتطور بنائه وهيكله التنظيمي منذ وقت قريب ، ومن أهم هذه الشواهد:

• ما كشفت عنه أجهزة الأمن من وجود تنظيم بين ضباط الجيش يتبع تنظيم الجهاد. وهى القضية رقم 413 لسنة 1986.
• ما كشفت عنه أجهزة ألمن من محاولة إعادة تشكيل تنظيم الجهاد في عام 1987.
• هذا بالإضافة على الإصدارات الجديدة التي تحمل اسم جماعة الجهاد الإسلامى أو المجاهدون في مصر. وتأخذ شعارا شكليا " الله أكبر والخلافة قادمة" وهو ما يعكس أن الاستراتيجية التي أعاد طرحها عبود الزمر مؤخرا من خلال شقين- شقا إعلاميا ودعائيا، وآخر سرى للغاية وهو العسكري- قد أخذت طريقها إلى التنفيذ.

أما بالنسبة للجماعات الإسلامية الراديكالية الأخرى، فإن السمة الغالبة لها هي المحدودية الشديدة أو ما يمكن أننطلق عليه الشخصانية- إن جاز التعبير- مثل جماعة أحمد يوسف ببني سويف، وأحمد الخولى ب الفيوم، وهى جماعات ترتبط كثيرا بوجود أميرها وتستمد استمراريتها من ذلك حين يتضاءل حجمها وإمكانياتها وليست هناك دلائل على قدرتها على جذب وتجنيد عناصر جديدة، وهو ما ينجح بها إلى استحلال أموال وأملاك الغير، أو الاندثار مع أول مواجهة مع أجهزة الأمن. كما أن هناك جماعات أخرى تحمل أفكار واتجاهات راديكالية وإن غلب عليها سمة الاتجاه الفكري لا التنظيمي مثل التوقف والتبين والعزلة والشعورية، والتكفير والهجرة والقطبيون..الخ.

وجملة القول أن مستقبل هذه الجماعات الراديكالية يعمل لصالح الجماعة الإسلامية التي أضحت تملك كثيرا من آليات الاستمرارية والفعالية على الساحة بما تجمعه من أفكار وم مارسات ما بين الإخوان المسلمين ( التثقيف والتربية، والشق الاعلامى الدعائي/ الجانب الخدمي الاجتماعي / الأنشطة الاقتصادية/ التنسيق مع الحركات المشابهة في الخارج/ التركز على الجامعة والمسجد، عدم إغفال دور المرأة في الجماعة/ .." كما أنها تأخذ خطا راديكاليا مميزا لها عن تنظيم الجهاد فكريا- وحركيا من خلال النهى عن المنكر باليد ( سواء حفلات أو محلات خمور..) إلا أن المستجد على هذه الجماعة هو سعيها إلى تكوين جناح عسكري خاص بها للقصاص فقط من النظام في حالة اتباع إستراتيجية التصفية الجسدية لأعصاها. أما مستقبل تنظيم الجهاد رغم مؤشرات الاستنهاض ومحاولات إعادة تشكيله، فربما ما يزال بعيدا عن إمكانيات الفعالية نظرا لعوامل عديدة منها ما هو خاص بهذا التنظيم وماهو خاص بطبيعة ومعطيات المرحلة الراهنة، هذا بالإضافة إلى طابع السرية الشديدة التي يلتزم بها .

وتطرح جماعة الجهاد الإسلامى أو المجاهدون في مصر عدة أطر لتحركها على الساحة وأهمها المحاولة الجادة لتجميع فصائل الحركة الإسلامية الراديكالية في الساحة المصرية والتي تتفق مع جماعة الجهاد في خلع الحاكم والإطاحة بنظام الحكم لإعلان الدولة الإسلامية، كما ترى ضرورة التنسيق مع جماعات الجهاد في الدول العربية والإسلامية، وإيجاد صيغ للتنسيق والتعاون مع المراكز الإسلامية في الدول الأجنبية وإيجاد صيغ ملائمة للتغلب على مشكلة التمويل بما يضمن إعادة تشكيل ونشاط الجماعة "المجاهدون".

ملحق

جدول أهم أحداث العنف التي قامت بها الجماعات الإسلامية الراديكالية منذ حادث الاغتيال في [[ أكتوبر]] 1981 .

الشهر الحادثة الجماعة المسئولة عنه ملاحظات
أكتوبر 1981 اغتيال أنور السادات رئيس الجمهورية أثناء العرض العسكري على يد أربعة من أعضاء تنظيم الجهاد.


أحداث أسيوط حيث قام أعضاء الجماعة الإسلامية بالصعيد بضرب معسكرات الأمن واقتحام مبنى مديرية الأمن وقتل عشرات الضباط والجنود ولقد كان هذا الحادث الرئيسي في قضية الجهاد

تحالف جماعتي الجهاد و الجماعة الإسلامية تحت اسم تنظيم الجهاد بقيادة عبود الزمر ومحمد عبد السلام فرج.


أعضاء الجماعة الإسلامية في إطار تحالفهم مع أعضاء الجهاد

سبتمبر 1982 القبض على تنظيم خطط لعملية اقتحام سجن القلعة لإطلاق سراح المتهمين باغتيال السادات وكان ضمن خطط التنظيم خطف طائرة ركاب مدنية والمساومة بها لتحقيق مطالبهم إذا فشلت عملية الاقتحام وقد تزعم هذا التنظيم محمد عبد الموجود الزمر شقيق طارق الزمر.

القبض على أحد أعضاء جماعة الجهاد حاول اختطاف أتوبيس سياحي واحتجاز ركابه كرهائن للإفراج عن المتهمين في قضية الجهاد.

الجهاد
أكتوبر 1983 أعلن وزير الداخلية القبض على مجموعة من التنظيمات الإسلامية، ذكر من بينهم تنظيم أفكار حزب التحرير الإسلامى بقيادة طالب بكلية الهندسة اسمه علاء الدين عبد الوهاب.
نوفمبر 1983 ضبط تنظيم للتكفير والهجرة يضم 35 متهم.
ابريل 1984 محاولة إشعال فتنة طائفية بمدينة الفيوم حيث أقام أعضاء في جماعة التوقف والتبين بحرق سيارتين ومكتبة لمواطنين مسيحيين. جماعة التوقف والتبين
يونيه 1985 أحداث مسجد النور بالعباسية المسيرة الخضراء التي كان ينوى تنظيمها الشيخ حافظ سلامة من مسجد النور إلى منزل مبارك للمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية واعترضتها أجهزة الأمن وحدثت عدة مصادمات بين الجماعات الإسلامية وأجهزة الأمن وذلك في يوم 14 يونيه يوم الجمعة. شارك فيها أعضاء من جماعات مختلفة.
يوليو 1985 القبض على مجموعتين بالإسكندرية والفيوم ، اعتدوا على المصلين ضربا بالحجارة في مسجدين واستولوا على محتوياتهما احتجاجا على ضم المسجد للأوقاف. الجماعة الإسلامية.
فبراير 1986 القبض على 15 طالب بتهمة توزيع منشورات وعمل لافتات حائط ب المنيا. الجماعة الإسلامية
ابريل 1986 مظاهرة أمام قسم شرطة ملوي على اعتقال بعض قيادات الجماعة الإسلامية.

مظاهرات ضخمة ب المنيا وأسيوط بعد مقتل شعبان عبد الرحمن أحد أعضاء الجماعة الإسلامية على يد شرطي سرى أثناء قيامه بلصق لافتات للجماعة.

مظاهرات بكلية طب القاهرة بسبب تعدى عميد الكلية على إحدى المنتقبات ونزع من على وجهها النقاب، كما منع دخول المنتقبات إلى الكلية.

االجماعة الإسلامية

الجماعة الإسلامية

الإخوان و الجماعة الإسلامية.

مايو 1986 اشتباكات بين قوات الأمن و الجماعة الإسلامية في أسوان للنزاع على ضم أحد المساجد للأوقاف ، أسفرت الاشتباكات عن إصابة 11 شرطي وثلاثة مدنيين واعتقال 60 شخص. الجماعة الإسلامية
يونيه 1986 محاولة جماعة الجهاد لإقامة مؤتمر صحفي في منزل عائلة المقدم عبود الزمر بقرية ناهيا بعد الإشاعات التي ترددت حول اختفائه من السجن وقد حاصرت قوات الأمن القرية بأكملها ومنعت دخول الصحفيين ولم يتم المؤتمر ولم يحدث أي اشتباكات.

القبض على بعض أعضاء الجماعة الإسلامية هجموا على حفل زفاف وأصابوا 15 مواطنا بدعوى تغيير المنكر باليد

الجهاد

الجماعة الإسلامية

يوليو 1986 حرق أربع نوادي فيديو بشبرا السماوي جريدة الشعب 1/7/1986
أغسطس 1986 القبض على تنظيم العسكريين بقيادة رجل مدني اسمه أحمد سمن

في هذا الشهر قام تنظيم مستقل أيضا بحرق نادي فيديو بمنطقة امبابة.

جهل مستقل

تنظيم امبابة ، أسامة محمد أحمد عبده محمد عبد الله، عاطف الوردانى ، ياسر نور الدين.

جريدة الأحرار 4/8/1986
أكتوبر 1986 تظاهر عدة آلاف من طلاب جامعة أسيوط بسبب اعتقال الأمن لقيادات الجماعة الإسلامية.

القبض على مجموعة حاولت تخريب إذاعة إسكندرية.

الجماعة الإسلامية

الجهاد

نوفمبر 1986 اشتباكات بين الأمن والجامعة الإسلامية بأسيوط بمسجد الجمعية الشرعية بالمدينة

بسبب محاولة الأمن عرقلة نشاط الجماعة ومنعهم من عرض لقائهم الدائم.

في هذا الشهر تم حرق العديد من الأضرحة والبارات

الجماعة الإسلامية

الجماعة الإسلامية وجماعة بنى سويف

جريدة الأهرام 3/ 11/ 1986
ديسمبر 1986 تجدد الاشتباكات في مسجد الجمعية الشرعية بأسيوط بين الأمن و الجماعة الإسلامية. الجماعة الإسلامية
مارس 1987 أحداث شغب وفتنة طائفية في سوهاج بعد أن اتهم أعضاء الجماعة الإسلامية المواطنين المسيحيين بحرق مسجد القطب بمدينة سوهاج، وحرضوا المواطنين على حرق كنيسة السيدة العذراء الملاصقة للمسجد. الجماعة الإسلامية
مايو 1987 محاولة اغتيال حسن أبو باشا وزير الداخلية الأسبق بجوار منزله بشارع المراغى بالعجوزة. التوقف والتبيم جريدة الأهرام 6/5/1987
يونيه 1987 قام عدد من أعضاء الجماعة الإسلامية بهدم ضريح الشيخ النجار بقرية سامبو التابعة لمركز ديروط. الجماعة الإسلامية
أغسطس 1987 محاولة اغتيال اللواء النبوي إسماعيل يوم 14 أغسطس وبعدها محاولة يوم 14 أغسطس وبعدها محاولة اغتيال الصحفي مكرم محمد أحمد رئيس تحرير مجلة المصور.

حادثة الحرقانية حيث قامت قوات الشرطة بمهاجمة الوكر الذي تحصن به المتهمون في حوادث الاغتيالات السابقة بقرية الحرقانية بمركز القناطر وأسفر الحادث عن مقتل امن شرطة وإصابة ثلاث ضباط . وتمكن المتهمين من الفرار ( محمد كاظم- يسرى عبد المنعم – مجدي الصفتى) وتم ضبط كميات كبيرة من الأسلحة.

حادثة قرية سنتريتن محافظة المنوفية مهاجمة الوكر الذي تحصن به محمد كاظم أحد المتهمين بحوادث الاغتيال وأسفر عن مقتل المتهم وإصابة بعض الجنود.

التوقف والتبين

التوقف والتبين

جماعة التوقف والتبين

جريدة الأهرام 15/8/1987
سبتمبر 1987 اشتباكات عنيفة بمدينة أسيوط بسبب الهجوم على سيارة تحمل صناديق بيرة وتحطيمها. وتبتعها اشتباكات بمدينة المنيا بسبب الهجوم على حفلة موسيقية أقامها أحد الأثرياء.

حرق محل لبيع الخمور بمدينة أسيوط- واشتباكات مع قوات الأمن بسبب الاستيلاء على مسجد بمدينة منفلوط.

الجماعة الإسلامية

الجماعة الإسلامية

الوفد 15/9/1987
ديسمبر 1987 اشتباكات بين الجماعة الإسلامية والطلاب بجامعة الإسكندرية لمنع حفلة تعارف أقامها اتحاد الطلاب. الجماعة الإسلامية
يناير 1988 محاولة ثلاثة أشخاص حرق ملهى ألف ليلة وليلة بالجيزة. تنظيم مستقل
فبراير 1988 مظاهرة في مسجد الجلاء برمسيس لمساندة الانتفاضة. الجماعة الإسلامية الجمهورية 12/2/88
مارس 1988 الاعتداء على حفل موسيقى بجامعة أسيوط باستخدام الأسلحة البيضاء الثلاثاء 8 مارس .

الاعتداء على حفلة موسيقية بمدينة ديروط بمحافظة أسيوط واشتباكات مع قوات الأمن أسفرت عن مصرع محمد قطب أحد أعضاء الجماعة الإسلامية.

الجماعة الإسلامية

الجماعة الإسلامية

أبريل 11988 الاعتداء على حفلة تخرج بكلية جامعة القاهرة . الجماعة الإسلامية
مايو 1988 اقتحام الأمن مسجد الإخلاص بإمبابة مظاهرات بالساحل احتجاجا على اقتحام المساجد.

مظاهرات ضخمة من الأزهر احتجاجا على اقتحام المساجد وقنون الطوارىء

الجماعة الإسلامية
يونيه 1988 مصادمات عنيفة بين قوات الأمن و الجماعة الإسلامية في محافظات القاهرة والجيزة، و المنيا بعد أن حاولت قوات الأمن منع المظاهرات أن تخرج من هذه المناطق، عين شمس ، مسجد آدم ، امبابة وبه مسجد المنى الصحابة وبدر، المناي وبها مسجد الرحمن. الجماعة الإسلامية الوفد 26/6/88
يوليو 1988 مظاهرات من ميدان رمسيس استمرت نصف ساعة احتجاجا على سياسة العنف ضد الجماعات الإسلامية واقتحام المساجد.

حادثة هروب ثلاثة من المتهمين باغتيال السادات ( عصام القمري – خميس مسلم- محمد الأسواني.

حادثة الشرابية واقتحام الوكر الذي تحصن به عصام القمري وأسفرت الاشتباكات عن مقتل المتهم وإصابة بعض الجنود والضباط.

الشعب 5/7/88