الإسلام بين القوة الذاتية والنصرة المادية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإسلام بين القوة الذاتية والنصرة المادية

رسالة من الأستاذ محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين سيدنا محمد- صلى الله عليه وسلم- وعلى آله وصحبه الغرِّ الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد..

فإن للإسلام قوةً ذاتيةً (تنبع من ذاته هو) يُظهرها ويَفرضها في أشدِّ الظروف قسوةً وحلكةً، مهما قلَّ تابِعوه، أو تخلَّى ناصِرُوه، أو طغى مناوئوه..

هل رأيتم بدايةَ أمرِ الإسلام في مكة، والمسلمون قلةٌ مستضعَفةٌ، يسومهم أعداؤهم العذابَ ألوانًا- بل أهوالاً- للقضاء عليهم وعلى عقيدتهم، فكانت النتيجة أن خرجَ من هذه المحنة القاسية جيلٌ صُلْبٌ فذٌّ فريدٌ، حمل على كاهله أعباءَ الدعوةِ وتكاليفَ الجهاد، وقامت به الدولةُ الربانيةُ الأولى، ثم أخضَعَ الجبابرةَ بعد ذلك، وفتحَ الممالكَ في المشارق والمغارب..!!

وهل رأيتم بعد ذلك حملاتِ الحقدِ والإبادةِ من أعداء هذا الدين على اختلاف مللهم ونِحَلهم.. من مغول.. وتتار.. وصليبيين، وما ارتكبوه من فظائع ومجازر..!! فهل حققت أغراضها؟! لا والله.

لقد خرج الإسلام وأمته من تلك الحملات أقوى شكيمةً وأصلبَ عودًا، بل حدث أعجب من ذلك؛ إذ دخل الغازي الغالب في دينِ المغزو المغلوب، ولم تتكرر هذه الأعجوبةُ أبدًا في تاريخ الصراعات والحروب إلا مع هذا الدين العظيم، حين رأيناها حديثًا في حرب الخليج الثانية، وفي أوروبا وأمريكا وغيرها من البلدان بعد الحادي عشر من سبتمبر؛ حيث تزايدت أعداد الداخلين في هذا الدين، رغم حملات التشكيك والتشويه الظالمة الموجَّهة إليه.

ثم انظروا إلى حملات التنصير وما يُبذل فيها من أموالٍ طائلةٍ وجهودٍ جبارةٍ متواصلةٍ فبم رجعت؟ إنها لم ترجع بغير الخيبة والحسرة؛ لأنها تجد الإسلام قد سبقها إلى القلوب التي استهدفها وتمكَّن منها من غير إعداد خططٍ ولا بذل جهودٍ تُذكَر ولا تَفرُّغ دعاة.. إنها قوة الإسلام الذاتية التي تنبع من عوامل عديدة، منها:

- أنه الدين الحق الموافق لمراد الله من الخلق: اسمعوا إلى قوله تعالى: ﴿وبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وبِالْحَقِّ نَزَلَ ومَا أَرْسَلْنَاكَ إلا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ (الإسراء 105) وإلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ البَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ (الحج: 62) ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إلا الضَّلالُ﴾ (يونس: 32).

- وأنه دين الفطرة: فقد فطر اللهُ الناسَ على هيئةٍ مستعدةٍ لتلقِّي هذا المنهجَ الحقَّ ولقبوله والانفعال به، فهو بمثابة مَوجات إرسال ربانية بترددٍ خاص، وقد صُممت قلوب البشر على استقبالها والتناغم معها دون سواها، تدبروا قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: 30).

وقوله- صلى الله عليه وسلم-: "كل مولود يولد على فطرة الإسلام، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه"، فليوجِّه أصحابُ الأفكار والدعوات الأخرى ما يشاءون من أفكارهم ودعواتهم لتغلب على عقول الناس وتتعلق بها قلوبهم ولو إلى حين، فإذا تسللت أشعة هذا الحق إليهم من بين تلك الظلمات المحيطة بهم انقشَع الضبابُ، وانجلى الصدأُ، واستنارت البصيرةُ، وهتف الناس باسم ربهم من فورهم: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾ (الرعد: 17).

- وأنه الدين المرضي عند الله دون سواه: لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا﴾ (المائدة: 3) ولقوله تعالى: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: 85).

- وأنه الدين الموعود بالنصر: لقوله تعالى: ﴿إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ويَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ (غافر: 51)، ولقوله تعالى: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ* إنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُونَ* وإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ﴾ (الصافات: 172-173).

فإذا تآمر أعداء هذا الدين لتعكير صفائه أو إطفاء ضيائه أبي الله ذلك، فلا يكون أبدًا ما يأباه.. ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ ويَأْبَى اللَّهُ إلا أَن يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ* هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: 32-33).

النصرة المادية

مع هذه القوة الذاتية للإسلام التي تجعله يستعلي على الأحداث، ويتجاوز المحن، ويستعصي على الإبادة.. إلا أن مشيئة الله تعالى قضت أن يكون نصر هذا الدين أيضًا بجُهد رجاله وجهادهم، لا بكلمة المشيئة الماضية (كن فيكون) لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ ولَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ﴾ (محمد: 4) ولقوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40).

فهذه سنة التدافع التي سنَّها الله تعالى ليختبرَ إيمان الناس وغِيرتَهم على دينهم واستعدادَهم للتضحية في سبيل نصرته ورفعته، وهذه السنة تقتضي أن تأخذ الأمةُ بكل الأسباب المادية المطلوبة لتلك النصرة امتثالاً لأمر الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ومِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال: 60)، فهذا حثٌّ على إعداد كل ما يمتُّ لمعنى القوة بصلة، ومنها:

- قوة الإيمان والعقيدة: هذه القوة الهائلة التي تفجِّر الطاقات، وتأتي بالمعجزات، ويستنزل بها ما يصبوا إليه المجاهدون في سبيل الله من عَونٍ وتوفيقٍ ونصرٍ وتثبيتٍ، فكل ذلك محفوظ في خزائن فضله، ولا سبيلَ إلى شيءٍ منه إلا بحسن الصلة به إيمانًا وطاعةً واستقامةً وعبادةً وضراعةً.

أول القوة قوة الإيمان

- وقوة الوحدة والترابط: لتكون الأمة كما أرادها الله تعالى بقوله: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ (الصف: 4) وكما أرادها حبيبه ومصطفاه- صلى الله عليه وسلم- بقوله: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" ثم شبك بين أصابعه، وبقوله: "مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى".. فأين الأمة الآن من هذه الصورة الرائعة التي رسمها لها دينُها وقد تنافَرت وتناثَرت وتناحَرت، فضعُفت شوكتُها وذهب ريحُها وأذلَّها أعداؤها وصدَق فيها قول ربها: ﴿ولا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: 46)، فلتعلم الأمة حكامًا ومحكومين أن الأخوَّةَ أختُ الإيمان ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10)، وأن التفرق أخو الكفر ﴿ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران: 105).

- قوة الساعد والسلاح: فلتحرص الأمةُ وحكامُها على صحةِ أبدان أبنائِها، بتوفيرِ أسباب هذه الصحة، وإزالة أسباب العلة، فإن البدن المنهَك العليل لا يقوَى على حمل سلاح ولا مقاومة عدوٍّ، ولتحرصْ الأمة وحكامُها كذلك على إعداد قوة السلاح، والدخول في هذا الميدان شراءً وتصنيعًا؛ حتى تحقق الأمة الحماية والأمان من غدر الغادرين، فأين واقع الأمة الآن من هذا الأفق السامق الذي يريد دينُها أن يرفعها إليه..؟!

لقد امتلك أعداء الأمة القوةَ ففعلوا بها الأفاعيل.. من كسْر الإرادة، واحتلال البلاد، وهتك الأعراض، ونهب الخيرات، وتدنيس المقدسات، ولا سبيلَ للخلاص من هذا كلِّه إلا بسعي الدول الإسلامية لامتلاكِ القوة وما يستلزمه ذلك من صور القوة الأخرى، وخاصةً:

القوة العلمية أهم متطلبات علو الأمة

- القوة العلمية: لقد تضمنت أولى كلمات الوحي أهم وسائل التعلم (القراءة والكتابة) في قوله تعالى: ﴿اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الإنسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ ورَبُّكَ الأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: 1-5)، وقد خرَّج الإسلام أعلامًا وروَّادًا في كل مجالات العلم والمعرفة، وذلك حين أحسنت الأمةُ الصلةَ به فهمًا والتزامًا، وهذه النهضة العلمية المنشودة لا يمكن أن تكون إلا في الأجواء التي تُكفَل فيها الحريات وتُصان فيها الحقوق والكرامات، فتنطلق حينئذ المواهب وملكات الإبداع.

- والقوة الاقتصادية: فمَن أولى بها منا يا أمةَ الإسلام وقد سمعنا قدوتَنا- صلى الله عليه وسلم- يقول: "نعم المال الصالح للعبد الصالح"، ويقول- صلى الله عليه وسلم-: "من أمسى كالاًّ من عمل يده أمسى مغفورًا له"؟! وماذا ينقصنا من مقوِّمات هذه القوة مع كثرة العدد، وذكاء العقول، وخصوبة الأرض، ووفرة الموارد المالية والمائية والمعدنية، وغيرها وغيرها.

أيها الإخوان

إذا أوجب الإسلام على الأمة الأخذ بالأسباب المادية لنصرته- رغم قوته الذاتية- فأنتم أيها الأحباب رضيتم أن تكونوا طلائع الإصلاح وكتائب الخلاص والإنقاذ، فاشحذوا العزائم، وشمِّروا السواعد، وخذوا ما أُوتيتم بقوة، وكونوا قدوةً لغيركم في العمل على نصرة دينكم ونصرة أمتكم، وأنتم لها وأنتم رجالها، ولا يُزكَّى على الله أحدٌ.

وأنتم أيها الغائبون الحاضرون

الغائبون في السجون، الحاضرون- دائمًا- في القلوب.. لقد أعددتم أنفسَكم للاضطلاع بواجب نصرة دينكم، فتذكروا سنةَ الله في دعوات الحق التي عَلِمْتموها من قبل وعلَّمتموها غيرَكم: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ* ولَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت: 2-3).

ولعل الله انتدبكم- أيها الأحباب- ليحقق بكم سنةَ التدافع، فتكونوا في طليعة المواجهة مع أهل الباطل الظالمين، لما علم أنكم من خيارنا عزمًا وصبرًا وثباتًا، فاحرصوا أن تكونوا كالظن بكم- دائمًا- وكونوا مع الله ليكون معكم، وعندها لا يكون عليكم أحدٌ أبدًا مهما كان، وأبشِروا ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا* إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: 5،6) ولن يغلب عسرٌ يسرَيْن.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين

والله أكبر ولله الحمد