الإغتيالات السياسية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
أشهر قضايا الاغتيالات السياسية

وثائق أشهر قضايا مصر

من سنة 1906 إلى سنة 1982

بقلم:محمود كامل العروسي

محتويات

توطئة

بسم الله الرحمن الرحيم
(ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين)
بسم الله الرحمن الرحيم

(واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وذاكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون* ولتكن منكم أمة تدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون *ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) (صدق الله العظيم سورة آل عمران – الآيات: 103- 104- 105).

على سبيل الإهداء

إلى شباب الوطن العربي الإسلامي الكبير ووطننا في أشد الحاجة إلى جهادنا وجهودنا أقدم ملفات قضايا مصرية تحمل في ثناياها ألوانا شتى من المشاكل المتراكمة التي نعاني منها نتيجة الاحتلال والخونة وفساد بعض الحكام ومناهضة الإسلام لنعمل بكل ما نملك من الوسائل المتاحة كما عمل القدوة من شباب مصر الذين رغبوا الموت ليكونوا في الأحياء بعد مماتهم على التحرر من التبعية الأجنبية ودحر الاستبداد والظلم والطغيان قبل أن يفوت الأوان.

والله أكبر والعزة للإسلام

تمهيد

في صفحات هذا الكتاب قضايا وقعت أحداثها المترابطة في مصر.وتصدى للحكم فيها نخبة من كرام المجاهدين المصريين سندهم فيه شرع الله وضميرهم الوطني.

ونحن نذكر منهم:

محمد درويش زهران (وقضية دنشواي) الشيخ عبد العزيز جاويش وقضية (مقال ذكرى دنشواي) إبراهيم ناصف الورداني و (قضية مقتل بطرس غالي) شفيق منصور ورفاقه و (قضية مقتل السير لي ستاك) محمد فهمي على و(قضية الاغتيالات السياسية) محمد علي الفلال و (قضية الشروع في قتل إسماعيل صدقي) عبد المجيد حسن و (قضية مقتل محمود فهمي النقراشي) خالد الإسلامبولي وأصحابه و (قضية مقتل محمد أنور السادات) الذين أيقنوا وبعد سماع المرافعات وإعمال الفكر والإمعان في المداولات أن الرصاصة هي الحكم الوحيد للخلاص من الاحتلال وأعوانه واستبداد الحكام وبطانة السوء ومناهضي الأديان.

هذه هي القضايا التي نعيش معها على صفحات هذا الكتاب الذي سطره قدوة شباب مصر الذين رغبوا الشهادة ابتغاء مرضاة الله والآن نرفعها إلى أسمى محكمة على أرض الواقع المصري ألا وهي محكمة مصر (بدائرتها الوطنية) بعد أن أتممنا إجراءات جميع الاستدلالات في القضايا المذكورة وتمحيصها وتحقيقها المشكلة من الشعب المصري رئيس المحكمة والمختص بتنفيذ أحكامها.

وعضوية ماضي الأمة وحاضرها (مستشارين) وشرع الله (ممثل الادعاء) والضمير الوطني (ممثل الدفاع) من أجل التوفيق بين أحداث هذه القضايا وشرعية تصدي الشعب للحكم فيها آملين من أجل مصر أن نستوعب أحداثها وظروفها كي نتعرف في فهم عميق وإدراك واع إلى المشكلة القومية التي نعيشها الآن فنعمل بكل جهد مخلص على حلها لنعيش على أرضنا آمنين.

وعلى هذا النحو تنقسم مادة هذا الكتاب إلى قسمين:

القسم الأول: مرحلة جمع الاستدلالات والتحقيقات.

القسم الثاني: حكم المحكمة.

المؤلف

القسم الأول: مرحلة جمع الاستدلالات والتحقيقات

بسم الله الرحمن الرحيم

محكمة مصر الدائرة الأولى (وطنية)

المشكلة من الشعب المصري رئس المحكمة والمختص بتنفيذ الأحكام وعضوية ماضي الأمة وحاضرها مستشارين وكتاب الله (ممثل الادعاء) والضمير الوطني (ممثل الدفاع)

تنعقد المحكمة لنظر القضايا المرفوعة من مصر ضد:

  1. الاستعمار وأعوانه
  2. استبداد الحكام وبطانة السوء
  3. مناهضي الأديان السماوية

والواردة بالجدول العمومي للمحكمة تحت الأرقام التالية:

  1. لسنة 1906 دنشواي
  2. لسنة 1909 مقال ذكرى دنشواي
  3. لسنة 1910 مقتل بطرس غالي
  4. لسنة 1924 مقتل السير لي ستاك
  5. لسنة 1926 الاغتيالات السياسية
  6. لسنة 1933 الشروع في قتل إسماعيل صدقي
  7. لسنة 1948 مقتل محمود فهمي النقراشي
  8. لسنة 1981 مقتل أنور السادات
رئيس المحكمة

القضية الأولى:حادثة دنشواي

الواردة بالجدول العمومي للمحكمة تحت رقم 1/ 1906 والمنعقدة في قرية دنشواي بمحافظة المنوفية بتاريخ 13 يونيو 1906.

•إنجليزي اقتحم البيت يضرب ويسرق ويزهق الأرواح ثم يرفع الدعوى العمومية على صاحب البيت.

•زهران المدافع عن عرضه ونفسه وحرية بلاده زهران القاضي الذي أيقن أن الرصاص هي الحكم الوحيد للخلاص من الاحتلال وأعوانه

•قميص ملطح بدم كذب!

•محكمة مخصوصة أو مصيدة مصنوعة بيد إنجليزي محتل غاشم أثيم محكمة جبناء يدعون الشجاعة محكمة لصوص يدعون الشرف محكمة إرهاب وإخماد للحركة الوطنية ابتداء بحادثة صدي السمان بمنطقة الأهرام في الجيزة وانتهاء بحادثة صدي الحمام بدنشواي في المنوفية مرورا بحادثة حي باب سدرة في الإسكندرية وحادثة صبية أهالي قليوب في القليوبية.

•مدع عمومي تغلبت عليه حرفة المحاماة وهيئة دفاع مغلوبة على أمرها انخفض الوعي القانوني لديها وسبقه انخفاض الشعور الوطني أو غيابه.

•لست محاكمة بل تمثيلية هزلية أرادوا من ورائها التنكيل بالمصريين وظنوا بعرضها إمكان إرهابهم وتخويفهم فما كان لهم ما يظنون.

في سنة 1882 وبعد صراع جان بين الدول الأجنبية الاستعمارية على احتلال مصر كنانة الله في أرضه وحصن الإسلام المكين تم لإنجلترا احتلال مصر كي تضرب الإسلام في حصنه وتبث دسائس التفرقة بين المسلمين وتقضي على الخلافة الإسلامية وتضعها تحت النفوذ البريطاني.

وقد أرسلت إنجلترا دعائم احتلالها إبان فشل الثورة العرابية فامتدت المعسكرات البريطانية في جميع المناطق المصرية وخرج جنودها يعيثون في الأرض فسادا يشاغبون ويتشاجرون مع الأهالي ويسرقون أرزاقهم ويعتدون على أعراضهم.

ولكن ...

لم يهتز الشعب المصري أمام الاحتلال وما أراد أن يفرضه من ألوان العسف والقهر بل قرر أن السلاح هو الوسيلة الوحيدة لمواجهته ودحره فكانت أول مواجهة:

عندما ذهب ضابطان لاصطياد السمان من إحدى قرى الجيزة بمنطقة الأهرام وأثناء الصيد أصيب بعض الأهالي فحضر أقاربه واعتدوا على الضابطين فأطلق احدهما رصاص بندقيته فأصاب عدة أشخاص فما كان من الأهالي إلا أن انتقضوا بالضرب عليهما حتى حضر البوليس.

وبالرغم من أن الاعتداء وقع مع المصريين فإن عميد الإنجليز يارنج اعتبر ذلك إهانة لحقت بجيش الإمبراطورية وترك ما قام به الضابطان جانبا من اختراق حرمة القانون وطالب بشدة العقاب واجتمع المسئولون المصريون من رئيس النظار نوبار باشا الأمني إلى مدير الجيزة للعمل على إرضاء الإنجليز وإلقاء اللوم والتبعة على المصريين ورأت نظارة الحقانية تشكيل لجنة قضائية للبحث والتحقيق في هذه القضية

وكانت مسألة هذه اللجنة القصد منها إرهاب المصريين الذين يشاغبون سلطات الاحتلال وأن يلقى في قلوبهم الرعب حتى لا تتكر حوادث مماثلة في الوقت الذي تعطي فيه الهيبة والجبروت للجيش البريطاني ثم إنه إذا اتخذت القضية مجراها الطبيعي أمام المحاكم الأهلية فربما لا ينجح الضغط عليها ليأتي بالنتيجة المرجوة،

خاصة وهو يعلم جيدا أن المصريين لا ذنب لهم، وتكونت اللجنة برئاسة مدير الجيزة وتراوحت عقوبة الأهالي ومشايخهم ما بين السجن والجد والغرامة وتم التنفيذ بحضور الأهالي وفصيلتين من فرقة الضابطين كي يكون هذا الأمر عبرة ملن تسول له نفسه أن يحتك بجنود الاحتلال ولتثبت انجلترا قوتها فما نال ذلك من المصريين بل زادهم قوة وغضبا ونفورا وأشعل في صدورهم نارا انطلق لهيبها في وجه الاستعمار وأعوانه.

ففي 8 فبراير 1895 وقعت في الإسكندرية مشاجرة بحي باب سدرة بين بعض أهالي هذا الحي منهم الفران والفرارجي والعربجي وثلاث من البحارة الإنجليز وقع الضرب في أثناءها على اثنين منهم استوجب علاج الأول عشرة أيام الثاني يومين

ووصل الخبر في الحال إلى القنصل البريطاني بالإسكندرية فأبلغ المحافظة وعلى الفور كان هارفي باشا في مكان الحادث مع قوة من البوليس وقبض على 60 شخصا وأرسل تقريرا إلى اللورد كرومر الذي اشتاط غضبا واتصل بحكومته

واتهم المصريين بالتعصب الإسلامي واجتمع مع سكوت واستقر رأيهما على ضرورة إنشاء محكمة مخصوصة لقمع الحركة الوطنية التي تشتد وتقوى بعد أن تعددت تياراتها فهناك من ناحية الأهالي بكل طوائفها تتربص بعسكر إنجلترا ومن ناحية ثانية النديم ومريدوه و مصطفى كامل من ناحية ثالثة.

وجرت محاكمة السكندريين بالمحكمة الابتدائية في 12 فبراير 1995 وذلك على اعتبار أنهم مدانون وانتقل المسئولون القانونيون الإنجليز من القاهرة إلى الإسكندرية وعلى رأسهم المستشارين القضائي والنائب العمومي حيث أشرفا على التحقيق وسير إجراءات المحاكمة

وأحاط رجال البوليس بالمحكمة تشاركهم قوات الجيش والبحرية من الإنجليز وتم التأثير في الهيئة القضائية وصدر الحكم بحبس ثلاثة منهم سنتين واثنين ستة أشهر وإلزامهم بالمصاريف.

واستمر المصريون في مواجهة وقتال المستمر فأمر اللورد كرومر في 25 فبراير 1895 بإنشاء محكمة مخصوصة للحكم فيها يفع من الأهالي من الجنايات والجنح على عسكر وضباط جيش الاحتلال أو على بحرية المراكب البحرية الإنجليزية الراسية في أحد المواني المصرية متى كانوا لابسين ملابسهم الرسمية ومشتغلين بأداء وظائفهم العسكرية والبحرية

وأن تعقد هذه المحكمة جلساتها في المنطقة التي وقعت فيها الجناية أو الجنحة وتشكل من ناظر الحقانية رئيسا والمستشاري القضائي وقاض إنجليزي من محكمة الاستئناف الأهلية يختاره ناظر الحقانية ومن يكون قائما بأعمال المحاماة والقضاء في جيش الاحتلال بالقاهرة أو الإسكندرية

ومن يختاره ناظر الحقانية من رئيسي محكمتي مصر و الإسكندرية الابتدائيين أعضاء ويكون ضبط المتهمين بناء على أمر حكمدار مصر أو حكمدار الإسكندرية أو مندوبيهما وإجراء التحقيق بمعرفتهما وترفع الدعوى لجلسة علنية حال إجراء التحقيق والمرافعة الشفهية

ويختار البوليس محاميا لإثبات التهمة ويجز للمتهمين أن يستعينوا بمن يدافع عنهم ويبدأ بسماع شهود النفي وتراعى المحكمة الأحوال المقررة في قانون الجنايات المتبع في المحاكم الأهلية متى كانت الأصول لا تعوق سرعة الدعوى

وتصدر الأحكام في نفس الجلسة التي رفعت إليها الدعوى ولا يقبل الطعن فيها بأي وجه كان وتكون واجبة التنفيذ في الحال ولا تكون المحكمة مقيدة بقانون العقوبات الأهلي، بل تحكم بمجازاة مرتكبي الجنايات والجنح بالعقوبات التي ترى لزوم الحكم بها بما فيها عقوبة الإعدام

وكان أمر هذه المحكمة عجبا لا من حيث شرعية إنشاء هذه المحكمة أو عدم شرعيتها ولا من حيث تعارضها أو عدم تعارضها والأصول النظامية للقضاء على مصر بل من حيث نزع سلطة التحقيق من القضاء المصري ومنحها لنظارة الداخلية التي يقبض على زمامها ضباط إنجلترا إضافة إلى إلغاء الاستئناف ووجوب سرعة الفصل في القضايا المطروحة الأمر الذي يتأكد معه أن هذه المحكمة بلا أدنى شك مصيدة أرادت بها انجلترا أن تقضي على أي حركة وطنية تشب على أرض مصر مصيدة صبغوها بوصف المحكمة

وللأسف الشديد كان الاعتراض الوحيد من رجال الحكومة المصرية على هذه المحكمة هو أن يكون رئيسها وزير الحقانية وليس المستشار القضائي الإنجليزي متغافلين احتلال مصر وأن إنشاء هذه المحكمة مما يزيد الطين بلة فضلا عما تحمله من الأخطار التي تهدد الناس في أعراضهم وأموالهم.

ومن هنا ننبه إلى أنه في مصر الآن يجب أن نرجع إلى نظام قاضي التحقيق الذي ألغته حركة الضباط المصريين بالمرسوم بقانون رقم 353 لسنة 1952، ونزع سلطة التحقيق من النيابة العامة، لأنه لا يعقل أن تجتمع النيابة بين سلطتي الاتهام

والتحقيق في يد واحدة فهي خصم المتهم الأمر الذي يترتب عليه أن تكون خصما ومحققا في آن واحد وهو أمر غير سليم لأن الخصم لا يمكنه أن يكون محققا عادلا وأخيرا يجب إلغاء الإشراف الإداري على أعضاء النيابة من وزير العدل حتى لا تتأثر نزاهة التحقيق وتكون عرضة للأهواء السياسية.

وبدأت المحكمة المخصوصة في ممارسة قضائها وإصدار أحكامها في قليوب لما اتهم بعض الأهالي بالاعتداء على بعض من جنود فرقة إنجليزية أثناء عودتهم من التدريبات بالقناطر الخيرية بالقول والإشارة وإلقاء الطوب عليهم من الشبان والصبيان وذلك على أثر انتزاع أحد الجنود جرة ماء من فوق راس فتاة فنتج عن هذا الأمر جرح بعض الجنود وقبض عليهم

وبلغ عددهم عشرين وقدموا للمحاكمة وفي اليوم التالي للحادث حاصرت جنود الاحتلال بناء على قرار مجلسهم الحربي قليوب، وانتقل حكمدار القاهرة إلى مكان الحادث فأجرى التحقق علنا وتتابعت الإجراءات سريعا وتقرر تشكيل المحكمة المخصوصة ورأسها إبراهيم فؤاد ناظر الحقانية وبحضور كميرون مستشار محكمة الاستئناف الأهلية نائبا عن المستشار القضائي وويلموز مستشار محكمة الاستئناف الأهلية والمأجور سمسون ومن آلا لانكشر الإنجليز القائم بأعمال المحاماة والقضاء في جيش الاحتلال و أحمد فتحي زغلول رئيس محكمة مصر الابتدائية و عثمان مرتضى بصفته سكرتيرا للجلسة.

وانعقدت المحكمة والكل يوقن بالبراءة على أساس أن الواقع لا تمثل جنحة ولا جناية ولا حتى مخالفة ولكن المحكمة أصدرت حكمها النهائي على اثنين منهم بالشغل في أعمال الحملة السودانية لمدة ثمانية أشهر وثلاثة بنفس العقاب لمدة ستة أشهر والباقي أنذرته إنذارا شديدا.

وظل الإنجليز على عسفهم وتنكيلهم واستهانتهم بحقوق الشعب المصري وظل المصريون في مواجهتهم وقتالهم الرغم من التضحيات المتوالية بالأرواح والأموال.

حتى جاءت دنشواي....دنشواي وكفى فقد اعتاد بعض جنود الإنجليز الاصطياد في قرية دنشواي بمحافظة المنوفية كما هي عادتهم في أي قرية من قرى مصر وجاء اليوم الموعود يوم أن ذهبت مجموعة من عساكر الإنجليز إلى تلك القرية في الساعة الواحدة بعد ظهر يوم الأربعاء الموافق 13 يونيو 1906 لاصطياد الحمام ونتيجة للأعيرة النارية المنطلقة وسط المنازل وسكانها

ووسط أجران قمح الأهالي اشتعلت النيران في أحد الأجران لفلاح يدعى محمد عبد النبي مؤذن القرية وأصيبت امرأته بجراح وما إن رأى ذلك أهالي القرية حتى قاموا يتقدمهم محمد درويش زهران بضربهم والاعتداء عليهم جميعا وطاردوهم خارج القرية مطاردة دموية عنيفة نتج عنها فرار الكابتن بول إلى معسكره قاطعا نحو ثمانية كيلو مترات في الحر الشديد في ذلك اليوم حتى سقط من الإعياء ومات متأثرا من ضربة الشمس.

وهاج اللورد كومر وأمر بالقبض على أهالي دنشواي لمعاقبة المعتدين على جنده، ووصل عدد من قبض عليهم 0 شخصا منهم: محمد درويش زهرانيوسف حسين سليم- السيد عيسى سالم- حسن علي محفوظ- محمد عبد النبيأحمد عبد العال محفظأحمد السيسي- على محمد علي سمك- عبده البقليعلي شعلانمحمد مصطفى محفوظرسلان السيد علي- العيسوي محمد محفوظ- رسلان السيد عليالعيسوي محمد محفوظعلي حسن إسماعيل السيسي- إبراهيم حسانين- محمد السيد علي وغيرهم وقدموا للمحكمة المخصوصة أو المصيدة التي ظن كرومر بعد صنعها أنه سيتخلص من مجموعة المجاهدين المصريين).

وانعقدت المحكمة برياسة سادة بطرس غالي باشا ناظر الحقانية في صباح يوم الأحد 24 يونيو 1906 في دنشواي بالإعدام شنقا على أربعة هم: محمد درويش زهران وحسن علي محفوظ ويوسف حسين سليم والسيد عيسى سالم ويكون تنفيذ الإعدام بدنشواي والأشغال الشاقة المؤبدة علي محمد عبد النبي و أحمد عبد العال محفوظ

وبالأشغال الشاقة لمدة 15 سنة على: علي أحمد السيسي والأشغال الشاقة لمدة 7 سنين على علي محمد علي سمك وعبده البقلي وعلي شعلان ومحمد مصطفى محفوظ ورسلان السيد علي والعيسوي محمد محفوظ وحبس محمد السيد على لمدة سنة واحدة مع جلد كل واحد منهم خمسين جلدة وأن ينفذ الجلد بقرية دنشواي أولا وجلد علي السيد الفولي و غريب عمر محفوظ و السيد سليمان خير الله و عبد الهادي حسن شعلان و محمد أحمد السيسي خمسين جلدة بقرية دنشواي أيضا.

والذي يثير الدهشة، ليس فقط الأحكام الهستيرية بل الشكل التنفيذي الذي أرادات إنجلترا أن تصطنع في ظله القوة والشجاعة فيرتجف المصريون خوفا فما كان لهم ولن يكون لهم ما يظنون.

إجراءات المحاكمة

أولا: بلاغ وزارة الداخلية

يوم الأربعاء في 13 يونيو سنة 1906 الساعة الأولى بعد الظهر ذهب ضباط البيادة الراكبة ما عدا الليوتاننت الملازم أول هارجريفس الذي بقى نوبتجيا في معسكرهم الكائن على الضفة اليمنى لترعة الباجورية على الخيل والعربات التي أرسلها لهم حضرة عبد المجيد بك سلطان من أعيان منوف قاصدين دنشواي وهي تبعد عن المعسكر ستة أميال بقصد صيد الحمام

ولدى مرورهم بمنوف علم عبد المجيد بك سلطان بأنهم ينوون صيد الحمام بتلك البلدة حيث كان الماجور الرائد بين كوفين قد اصطاد فيها السنة الماضية من غير أي معارضة وقد وعدهم حضرة عبد المجيد بك سلطان أن يمل لهم كل التسهيلات ولذلك لما رأوا العربات منتظرة قرب سرسنا أفتكروا أن كل شيء قد أعد لهم وأنهم سيقابلون بالترحاب

وكان الضباط جميعهم بالملابس العسكرية وكان يرافقهم أحد أونباشية البوليس ودليل ترجمان ولما وصلوا البلد ذهب الماجوريين كوفين والكابتن النقيب بول والليوتاننت سميث ويك إلى مجرى السكة الزراعية واستعدوا هناك للصيد على مسافة نصف ميل من البلد وذهب الكابتن بوستك والليوتانتت يورثر إلى قبلي السكة الزراعية وكانت المسافة 150 مترا من البلد وكانت المسافة بين الليوتاننت بورثر وأقرب جرن نحو مائة متر وكذلك المسافة بين الجرن والكابتن بوستك وذهب أونباش البوليس إلى غرب البلد لإخبار العمدة بوصول الضباط:

غير أنه اتفق أن العمدة كان غائبا في شبين الكوم وفي غضون ذلك ابتدأ الضباط بالصيد ورأى الكابتن بوستك والليوتاننت بورثر أن أهالي الناحية ابتدأوا يجتمعون قريبا منهم ويحيطون بهم وأن تصرفهم يشم منه رائحة التهديد واجتمع الأهالي حول الكابتن بوستك من كل ناحية وأخذوا يتعرضون له فلما رأى الليوتاننت بورثر ذلك ذهب إلى زميله ولكنه لم يقطع مسافة قصيرة حتى أحاط به الأهالي وشرعوا في نزع سلاحه منه

ورأى الماجور بين كوفين والكابتن بول الأهالي متجمهرين حول رفيقيهما في المكان الذي كان يصطادان فيه فأتيا إليهما وأشار الدليل الترجمان إلى الليوتاننت سميث ويك بالعودة وقد قرر الليوتاننت بورثر أنه لما لم يتمكن من إخراج الخرطوش من بندقيته أوقف حركة الزناد بالآلة المعدة لذلك منعا لخروج الطلق.

وبعد ذلك نزع الأهالي البندقية منه بعنف فسمع في الحال صوت طلق عميق وانطلق العيار من البندقية وقرر الليوتاننت سميث ويك أنه سمع صوت الطلق العميق ورأى الجمهور متفرقا ثم شاهد الليوتاننت بورثر المكان الذي كانوا متجمهرين فيه بعد تفرقهم وبندقيته في يد رجل على مسافة ثلاثة أمتار منه واتضح بعد ذلك أن خروج العيار من بندقية الليوتاننت بورثر كان قضاء وقدرا بعد نزعها منه وأنه نشأ عن هذه الطلقة إصابة ثلاثة رجال وامرأة.

وقبل أن يتعرض الأهالي للكابتن بوستك شبت نار خفيفة في الجرن على مسافة مائة متر إلى الشمال الشرقي من المحل الذي كان واقفا فيه وانطفأت في الحال ولكن يظهر أن اشتعالها زاد هياج الأهالي كثيرا لأنهم ادعوا أن الصيادين كانوا السبب في إشعالها غير أنه ثبت من معاينة محل اشتعالها أن دعواهم ضرب من المحال وأن الأقرب إلى العقل أنهم أشعلوها عمدا إشارة للابتداء بالهجوم العمومي.

ولما رأى المأجور بين كوفين شدة هياج الأهالي أعطاهم بندقيته وطلب إلى بقية الضباط أن يفعلوا كذلك ثم سار الضباط إلى جهة السكة الزراعية وتبعهم الأهالي وهم يحثون التراب عليهم ويضربونهم بالنبابيت والعصي وكان الضباط بعد أن تركوا أسلحتهم كما تقدم منعا للمشاكل قد صاروا عزلا من أدوات الدفاع ولم يعد بإمكانهم المدافعة عن أنفسهم ضد الضربات التي كانت تصب عليهم وخصوصا من خلفهم ثم ركبوا عرباتهم غير أن سائقيها لم يتمكنوا من السير ولم يشاءوا أن يسيروا.

وبعد أن رماهم الأهالي بالتراب وبغيره أنزلوهم من عرباتهم وجعلوا يضربونهم فعزم الضباط على الإسراع إلى المعسكر على مسافة ستة أميال وكان الماجور بين كوفين متأخرا عن البقية فمسكه الأهالي ورموه إلى الأرض ولما رأى ذلك الليوتاننت سميث ويك عاد إليه لمساعدته.

وكان الكابتن بوستك والكابتن بوستك الساعة الرابعة ونصف مساء وأبلغ الخبر فقامت حالا دورية من البيادة الراكبة ورأت الكابتن بول ملقى على الأرض وفاقدا الشعور على بعد أربعين ياردة من سوق سرسنا بحري الطريق على بعد ميل ونصف من المعسكر فحملوه إلى داخل السوق ثم نقلوه من عربته إلى المعسكر حيث توفي فيه الساعة السابعة مساء.

أما الماجور بين كوفين والضابطان الآخران فبعد أن أوسعهم الأهالي ضربا أرجعوهم إلى بلدة دنشواي إلى المحل الذي كانت فيه المرأة المصابة وفي هذه الأثناء تمكن الشيخ وبعض الخفراء والأهالي من عمل كردون حول الضباط لمنع الناس من الاقتراب منهم ثم أخذوهم إلى محل يبعد مسافة قصيرة عن هذا الموقع وأجلسوهم وأحضروا لهم ماء وفي هذا الوقت وصل ضباط البوليس مع دورية البيادة الراكبة فأمروها بالعودة.

وقد أحضر الجاويش الذي كان يقود إحدى دوريات البيادة الراكبة أربعة رجال مقبوضا عليهم من سوق سرسنا قائلا بأنهم اتحدوا مع خمسة آخرين وأطلقوا عيارين ناريين على الدورية فأجابتهم الدورية بعيارين مثلهما ولكن لم يصب أحد من الفريقين وقرر هذا الجاويش أيضا أنه وجد جثة رجل في نقرة في إحدى زوايا السوق.

وقد قرر الكابتن يوستك وطبيب المركز اللذان عاينا الجثة بعد هذه الحادثة بعشرين ساعة أن الوفاة ناشئة من ضرب القتيل بآلة حادة وسيصير تحقيق هذه المسألة بعد ظهر اليوم ثم وجد شخص آخر من الأهالي أصيب بعيار ناري في ساقه ويقال إن الإصابة من رصاصة أكبر من رصاص البنادق انفليد وهذه النقطة جار تحقيقها اليوم ويقول المصاب إن الذي أحدث به هذه الإصابة ليس أحدا من العساكر بل أحد أعدائه.

وقد اتهم حتى الآن 45 شخصا ضبط مهم 35 وأرسلوا إلى سجن شبين الكوم بمديرية المنوفية حيث تصير محاكمتهم في أواخر هذا الأسبوع على الأكثر.

والتحقيق جار بتهمة عظيمة وينتظر ضبط متهمين آخرين وتقديمهم للمحاكمة والشهادات هي طبعا أقوال الضباط أنفسهم الذين دلوا على بعض ضاربيهم وقد تعرف الخفراء إلى الكثيرين من هؤلاء الضاربين وكذلك الدليل وسائقو المركبات والماجور بين كوفيني يعالج في مستشفى طنطا الأميري وحالته هو وبقية الجرحى من الضباط آخذه في التحسن أما إصابتهم فقد كانت جسيمة وقد كسرت ذراع الماجور بين كوفين وأصيب بعدة ضربات شديدة في رأسه وجسمه.

ولما رماه الضاربون على الأرض داسه بأرجلهم ورفسوه وقد أصيب الكابتن بوستك والليوتاننت سميث والليوتاننت هور سر بضربات شديدة من النبابيت والأشياء التي رماهم الأهالي بها أما الكابتن بول الذي توفي في مساء يوم الحادثة كما تقدم فقد أصيب بضربتين قويتين على الرأس وقد سلب من جميع الضباط كل ما كان في جيوبهم من النقود وغيرها.

ثانيا: قرار الاتهام

بعد الإطلاع على الأمر العالي الصادر في 25 نوفمبر سنة 1895 الخاص بإنشاء المحكمة المخصوصة وعلى محضر التحقيق حيث أنه في الساعة الواحدة بعد ظهر يوم الأربعاء قام خمسة من الضباط الإنجليز من معسكرهم بأراضي كمشيش وركبوا الدواب قاصدين دنشواي على بعد 7 كيلو مترات لصيد الحمام الداجن.

ولما قربوا من سوق سرسنا نزل أربعة منهم وركبوا مركبتين من قبل عائلة عبد الحميد بك سلطان وبقي الخامس راكبا دابته وساروا إلى دنشواي فوجدوا بعض الأهالي بانتظارهم فظنوهم قادمين لاستقبالهم فترجلوا وتوجه ثلاثة منهم إلى الشمال واثنين إلى الجنوب وشرعوا في الصيد فلم يطلقوا غير طلقات قليلة حتى اجتمع عليهم رجال كثيرون من البلد وحاولوا أخذ سلاحهم بالقوة وتجمهروا وضربوهم بالنبابيت ورجموهم بالطوب.

وفي أثناء جذب الأهالي لبندقية واحد منهم خرج طلق منها فأصاب شيخ الخفر وبعض الموجودين وظهرت حينئذ نار في جرن أحد الأهالي وأطفئت في برهة قصيرة وعند ذلك سلم القومندان بندقيته للأهالي وأمر رفاقه بتسليم سلاحهم أيضا حسما للمشاكل فامتثلوا وسلموا سلاحهم وعادوا إلى العربات عزلا من السلاح فأنزلهم المتجمهرون بالقوة وضربوهم بالكيفية السابقة ذكرها في بلاغ الداخلية فأصيب أحدهم الكابتن بول إصابات أدت بحياته.

بعد بضع ساعات وأصيب الماجور ببين كوفين قومندان الأورطة بكسر في ذراعه وبإصابات أخرى والكابتن بوستك والملازمان سمويك وبورثر بإصابات واضحة فيا لتقارير الطبيبة وحيث إن التحقيقات دلت على اتهام الموجودين وعددهم 51 نفسا حاضرين و 8 غائبين فلذلك تقرر إحالتهم على المحكمة المخصوصة التي تعقد في يوم الأحد 24 يونيو 1906 بسراي المديرية الساعة الثامنة صباحا لمعاقبتهم أشد عقوبة تناسب هذا الجرم الذي صدر منهم طبقا للأمر العالي الصادرفي 25 فبراير سنة 1895.

ثالثا: تقرير الطب الشرعي عن جثة القتيل (الكابتن بول)

نحن هارولد نولن وبروتوماس هاملتون قد فحصنا الجروح المذكورة في التقرير الطبي السابق وقد رأينا أنها تسببت من ملامسة قوية من بعض شيء غير حاد وأن من محلها وحجمها لم تكن هي مباشرة السبب في الوفاة مما يعني معه أن الوفاة ناتجة عن الإصابة بحرارة الشمس الشديدة (ضربة الشمس).

رابعا: شهادات الشهود

شهادة الماجور بين كوفين

في يوم 13 يونيو توجهت مع الضباط إلى الصيد وقطعنا مسافة حتى وجدنا عربات فركبناها إلى دنشواي ولما وصلنا قرب هذه الجهة نزلنا وتوجه بعضنا إلى السكة الزراعية وقابلنا واحدا ومعه بعض الأهالي فظننت أنهم من قبل العمدة وكان الضباط جميعا لا بسين الملابس العسكرية فسألت المحكمة الشاهد عن الرجل الذي قابله

فقال إنه كان لابسا جلابية زرقاء ثم بحث عنه حتى وجده ضمن المتهمين وهو حسن علي محفوظ ثم قال وكان مع الشخص الذي قابلناه ثلاثة أو أربعة من الفلاحين وكنت أرسلت الأونباشي المصري إلى العمدة ليسأله عما إذا كان يجوز لنا الصيد أم لا كعادتي إذا توجهت إلى جهة للصيد وبينما نحن وقوف سألت عبد العال صقر الذي كان مترجما عما إذا كان يجوز لنا الصيد أم لا

فقال يجوز ولكن يلزم أن تبعدوا عن هذه النقطة فقلت له: هل يجوز لنا أن نصيد عند الشجرة التي رأيناها

فقال يجوز فذهبت أنا واثنين منا إليها فأطلقنا بعض الطلقات على الحمام ووجدت الكابتن بول يرفع بندقيته ليطلق أول طلقة والفلاحون حوله يريدون أخذ بندقيته وهو لا يقدر أن يعرف هذا الشخص الذي كان فيه تهيج شديد ورأيت في هذا الوقت دخانا لا يعرف مصدره

ولما قال عبد العال صقر المترجم إنه يرى تهييجا شديدا من الأهالي أرسلناه إلى الضابطين الآخرين ليرشدهما عن المحل الذي يصيدان فيه ولكن زاد تهيج الأهالي بعد ذلك ولما وصل إلى محل اجتماع الأهالي أخبرني المستر بورثر أن الأهالي كانوا يريدون أخذ البندقية منه فانطلقت خطأ وأصابت امرأة فظننت أنها ماتت

ولما رأيت الأهالي متهيجين ومحيطين بالضابطين قلت لبقية الضباط دعوا بنادقكم وكنت أنا أول من سلم البندقية حتى يسكن تهيج الأهالي الذي حدث بسبب موت المرأة وكان ظني أن الأهالي عندما يروننا أعطيناهم سلاحنا يسكن هياجهم وقلت للمستر بورثر إني سأتظاهر باعتبارك سجينا وأمسك ذراعك وأردت أخذه على العربات حتى ينجو من الأهالي ثم رايت الكابتن بول والليوتاننت سمويك خلفي ومعهما عدد من الأهالي يريدون أخذ بنادقهم ثم توجهنا إلى جهة العربات وتبعنا الأهالي من كل جهة

ثم عرض عليه المتهمون فعرف محمد درويش زهران و محمود علي طه و علي منتصر وعلي العمروسي ثم قال إن محمد درويش زهران هو رئيس العصابة ولم يتذكر إن كان معه عصا أم لا ولم يكن يعرف كلامه ولكن فهم من الإشارات التي كان يبديها له أنه كان يحرض الأهالي على ضرب الضباط وكان بقية الذين عرفهم موجودين ولكن لم يعرف إن كانوا يضربون أم لا؟

شهادت الليوتاننت سمث ويك

قال إنه ذهب إلى جهة الشجر في ناحية دنشواي وأطلق النبدقية مرتين ولم يعتد عليه أحد ولكنه رأى المترجم الذي كان معهم قادما إليه في حالة تهيج وهو يشير إليه بالحضور فقصده ووجد الماجور بين كوفين مع الضابط في جهة أخرى.

ثم رأى الأهالي مجتمعين حول المستر بورثر ورأى عدة أشخاص ماسكين ببندقية على بعد ستين ياردة منه وسمع الطلق خرج من البندقية ولم ير المجروحين ونظرا لكون الأشخاص كانت ظهورهم جهته لم يقدر أن يعرق أحدا منهم.

ثم رأى الماجور بين كوفين قابضا على ذراع المستر بورثر فقال له هذا أمسك يدي الأخرى فلم يفهم قصده وأخيرا علف أن الماجور يريد القبض عليه وأخذه على العربات وقال له الماجور سلم النبادق للأهالي وبينما كان عازما على تسليمها خطفها واحد من الأهالي وأستطيع أن أعرفه فنادت المحكمة على محمد درويش زهران فوقف فقال الشاهد أنه هو الذي خطف منه البندقية.

وأنه كان يحرض الأهالي بالاعتداء على الضابط ويظهر أنه كان من رؤساء العصابة ثم قال إن أربعة من الضباط ذهبوا إلى جهة العربات وهو ذهب إلى الحصان تعلقه ليركبه فساعده الشخص الذي كان قابضا عليه على الركوب ثم التفت ورائي فوجدت الأهالي مجتمعين حول العربات فرجعت للماجور لأسأله عما أفعل فمسكني الأهالي وضربوني ونودي على أحمد عبد العال محفوظ.

فوقف فقال الشاهد أنه هو الذي أوقع الماجور بين كوفين على الأرض لأنه لما تقدم على بقية الضباط رأى الماجور بين كوفين وقع فذهب إليه وطرد الرجل المذكور عنه ولكنه لم يلاحظ أن كان معه عصا أم لا ثم تنبه الشاهد بعد ذلك

وقال إنه كان معه نبوت لم يفارقه طول الوقت ثم قال إنه لما ذهب إلى الماجور بين كوفيني التفت فرأى الكابتن بول متقدما ولكنه ضرب في وجهه بطوبة أسالت دمه بكمية عظيمة وأصيب أيضا في حلقه فناداه فوجده مثل الدايخ ولما رجع جهة الماجور بين كوفين أصيب بضربة في الأنف كسرته ثم قال إن واحدا من الأهالي تسبني وترفسني بأرجلها

ولما نودي على عبد المنعم محفوظ وقف ونظر غليه الشاهد فقال إنه حال رجوعهم رأى المتهم يضرب الماجور بين كوفين بنبوته على ذارعه الشمال فظنه كسر ثم رأى واحدا آخر ضربه على الذراع اليمين ولم يعرفه ولما نودي على يوسف حسين سليم قال الشاهد إنه رأى هذا الشخص ضمن الضاربين وكانت بيده عصا ولما نودي على عزب عمر محفوظ قال الشاهد إنه يعرف وجهه ولكنه لا يقدر أن يحلف اليمين أنه رأه مع الضاربين.

شهادة عبد العال صقر (دليل الضابط)

إننا خرجنا مع الضابط يوم 13 يونيو الجاري الساعة الواحدة بعد الظهر فساروا مسافة حتى وصلنا إلى العربات الآتية من ناحية الواط وركبناها وسرنا حتى وصلنا دنشواي الساعة الثانية بعد الظهر فوجدنا الرجل الشايب يقصد حسن على محفوظ.

فقال صيدوا بعيدا عن البلد ولا تصيدوا هنا فقلت له نحن أرسلنا الأونباشي على العمدة والخفر يعملوا المحافظة على الضباط حسب العادة ثم ذهبنا إلى جهة الشجر ولم يقل الشايب شيئا غير ذلك وأنا ذهبت إلى هذه الجهة حيث كان القومندان والضابط المتوفى والاثنان الآخران ذهبوا على جهة أخرى ثم رأيت الأهالي يشدون بندقية المستر بورثر.

فقال المستر بوند عضو المحكمة للشاهد أنت تفشط حال الحادثة فقال كلا بل كنت موجودا ورأيتهم يشدون البندقية من المستر بورثر وبعد أن أخذوها انطلقت من أيديهم فجاء القومندان وقال للضابطين اتركا السلاح للأهالي منعا للهيجان ورجعنا إلى جهة العربات فساروا وراءنا بالضرب وأعادونا إلى محل الواقعة.

فسأله بطرس غالي رئيس المحكمة: هل تعرف الأشخاص الذين كانوا يشدون البندقية فقال كانت تشدها المرأة وشيخ الخفر وآخرون فقال له المستر بوند ألا تعرف أن هذه المحكمة تعاقب الشهود الزور قال نعم: ثم قال: من أين أنت قال من الكوم الأخضر

فقال: أنا أعرف المصريين أمثالك كيف تكون شهادتهم ثم قال إنه كان يضرب ثم أشار إلى عبد الله أحمد وقال إنه كان يضرب والحرمة وشيخ الخفر كانا يشدان البندقية وحولهم ناس آخرون ولكن هما اللذان كان يشدان البندقية وبقية الأهالي كانوا ماسكين الضابط الآخرين.

وأثناء شهادة عبد العال صقر استدعت المحكمة المستر بورثر وسألته عمن كن يشد منه البندقية فقال إن الذين كانوا يشدون البندقية أكثر من اثنين وكانت امرأة هناك ولكنه يفتكر أنها كانت تشد البندقية.

شهادة إبراهيم موسى السايس

لما ذهبنا بالعربات من الواط إلى الشهداء ركب الضباط حتى وصلوا دنشواي فقال الترجمان الدليل للعسكري رح هات العمدة فطلع رجل شايب فقال لا تصطادوا فقال الترجمان نحن أرسلنا نحضر العمدة وشيخه الخفر فإن قال لا تصطادا فنحن نذهب وإن قالوا لنا اصطادوا سوف نصطاد وسألته المحكمة عما قاله في التحقيق من أن الرجل الشايب.

قال إنكم لم تصطادوا أبدا لأنكم صدتم في العام الماضي والذي قبله فهيجتم علينا البلد وإن صدتم الآن تعرفوا شغلتكم ونادت المحكمة على حسن محفوظ فقال الشاهدان هذا هو الرجل الشايب فسألته المحكمة عما قاله السايس فقال: إنه لم يكن هناك فقال له بطرس غالي رئيس المحكمة إن الإنكار لا يفيدك فإذا كانوا كلهم عرفوك فهل كلهم كاذبون وأنت الصادق فقال: يا سيدي أني لم أكن موجودا.

شهادة أحمد حبيب عمدة الناعورة

إن محمد باشا شكري مدير المنوفية دعاني لدنشواي يوم 16 يونيو للبحث عن الأشياء الفاقد فذهبت إلى البلدة ورأيت العمدة والأهالي فقال لهم إن العمل الذي عملتموه عمل غير حسن والأحسن أن تأتوا بالأشياء التي أخذتموها لأوصلها للتحقيق.

ثم قال ذهبت إلى بلدي فجاءني شخص وأخبرني أن الأسلحة عند زهران فأنا لم أصدق فاستحضرت شخصا من البلد وسألته للبحث فأخبره أن الأسلحة هناك وراح الخبر للمدير وجاء الحكمدار والمفتش ودخلوا المفتش ودخلوا المنزل وطلع هو والمفتش إلى فوق

ثم قال الحكمدار إنه مشتبه في نقطة كانت عليها إمراة نائمة فأقاموها ثم أحضرت فأسا وحفرو تحت المرأة فناداه المفتش فطلع وبعد ذلك ناداه الحكمدار وقال ها هو السلاح الذي سرق فاستخرجوه ثم إن بعض الأهالي أخبروه أن هناك سابقة إصرار من الأهالي على الاعتداء على الضباط لأن حسن محفوظ.

قال لعمر زايد إن الأهالي مستاءون من العام الماضي لصيد الحمام ثم أخذ الشاهد يشرح إجراءاته في هذه المسألة وفي هذا الوقت قال محمد درويش زهران يا سعادة الباشا أريد كلمة فقال سعادة بطرس غالي رئيس المحكمة قل: فقال إن السلاح الذي وجدوه كان في الشارع ومنزلي له ثلاثة أبواب ولا يكون معقولا أن تبقى الناس خارج الشارع كما يقول الشاهد ولكن الذي حمله على ذلك هو الضغائن التي بيني وبينه بسبب التبن الذي اشتريته منه في العام الماضي.

ثم حجزه مني عندما ارتفع ثمن التبني فقال أحد أعضاء المحكمة أبق كل ما عندك حتى وقت الدفاع وبعد ذلك عاد الشاهد لإتمام شهادته فقال إنه ذهب مع ملاحظ البوليس إلى منزل سلاح الذي أخبر بعضهم بوجود الأشياء فيه فرأى هناك علبة داخلها خرطوش وقد عرضتها عليه المحكمة فقال هي التي ضبطناها ثم أشار إلى عبد الرازق حسن محفوظ.

وقال إنه هو الذي أبلغه أن السلاح في منزل زهران لأنه قابله فقال له ألا تعرفني؟ قال: أعرف أنك أحمد بك حبيب فقال كن مطمئنا لأنه بلغني من الرجل الذي كنت مزارعا عنده أنك رجل طيب فقل لي الحق ولا تخف فأرشده عن السلاح ثم قال إنه عرف بعد أن كلفه سعادة المدير بالبحث أن هناك سبق إصرار من أهالي دنشواي على الاعتداء على الضباط.

والذي أخبره بذلك هو عمدة دنشواي ومحمد عمر زايد وأن الذي كان أكثرهم حقدا على الإنجليز هو محفوظ وأن العصابة هم حسن محفوظ و [[محمد درويش وزهران وعبد الرازق و محمد عبد الغني المؤذن وهناك انهال المتهمون على الشاهد لوما وتجريا فقال سعادة بطرس باشا غالي أبقوا ذلك للدفاع فقال واحد من المتهمين وهو الرجل الشائب في نظر الاحتلال وأعوانه حسن محفظ أنا أمري إلى الله وهو حسبي ونعم الوكيل

ثم قال الشاهد: إنه في يوم الخميس الماضي ذهب إلى دنشواي الساعة 4 بعد الظهر وكان هناك ناس مجتمعون فقلت لهم إن الحكومة لا تسكت عن الأشياء التي ضاعت من ضباط الجيش فالأحسن أن تسلموا الأشياء التي عندكم وإذا كنتم تخافون فهنا ساقيتان خربتان بحري البلد فالقوا فيهما الأشياء الفاقدة وبعد غد سآتيكم وآخذ ما فيهما ففي اليوم المذكور السبت حضرت الساعة 6 صباحا ومعه الخفر من بلدتي وغطاس ووكيل شيخ الخفر وأنزلنا الغطاس فبحث في الساقية الأولى، فلم يجد شيئا فنزل في الساقية الثانية فوجد فيها البندقية التي ضبطت أول أمس.

شهادة محمد الشاذلي عمدة دنشواي

كنت في مديرية المنوفية للجمعية وعدت الساعة اثنين ليلا إلى البلدة فسمعت أن الضباط الإنجليز حضروا إلى البلدة لصيد الحمام فواحد منهم ضرب عيارا فاشتعل جرن محمد عبد النبي فمسك البندقية هو والأشخاص الذين كتبت أسماؤهم ثم أخذ يبحث فبلغه محمد عمر زايد ومحمد الحفني ومحمد السيد زايد أن عبد الرازق محفوظ ومحمد عبد النبي ومحمد درويش زهران ضربوا الإنجليز.

وأن محمد عبد النبي هو الذي كان ماسكا البندقية فسألته المحكمة عن الوقت الذي خرج للمديرية فيه فقال الساعة اثنين صباحا ولم يكن عندهم علم بعزم الضباط على الصيد يوم الحادثة ولكنهم يعلمون أن العساكر قاموا من مصر فسألته المحكمة عما إذا كانوا زعلانين من صيد الحمام فقال إنهم كانوا زعلانين وهم: محمد عبد النبي و عبد الرزاق حسن محفوظ ومحمد درويش زهران وحسن محفوظ.

شهادة عمر زايد وكيل عمدة دنشواي

قال إنه نزل على النار فأطفأها فقام محمد عبد النبي ومسك بندقية الضابط الإنجليزي هو وأناس آخرون ولم يقبل تركها فطلع العيار وأصاب شيخ الخفر وبعض الأهالي وفجري الضباط الإنجليز وجرى وراءهم محمد عبد النبي و شحاته عبد النبي و علي الرازق محفوظ ومحمد درويش زهران و أحمد عبد الغني وغيرهم وكان كل هؤلاء يضربون الضباط بالعصي والطوب وقد أصابوا ثلاثة من الضباط واحدا مهم على ذارعه والآخر على عينه ورأى واد وقع على الأرض وكان أحمد عبد العال محفوظ معه عصا ويوسف سليم كان يرمي بالقلقيل على الضابط الواقع في الأرض.

وكان المتهمون يجرون وراء الضباط من محل الحادثة إلى السكة الزراعية وموضع الحادثة واقع شرق البلدة وقد سألت هذا الشاهد هل إذا رأيت الضباط الإنجليز الذين ضربهم المتهمون تعرفهم قال إنه لا يعرفهم لأنم كانوا مثل بعضهم وسألته المحكمة هل كان في يد محمد درويش زهران بندقيتان؟ فقال: إنه لم بر البندقيتين ولكن رأى في يده مسوقة وهو يجري وراء الضباط وسأله هلباوي بك المدعي العمومي ما هي المدة من ساعة اشتعال النار إلى وقت إطفائها فقال ربع ساعة وكان هناك نورج والنار ماسكة فيه فأطفئوها.

خامسا: مرافعة المدعى العمومي والترافع بالحق المدني (إبراهيم الهلباوي)

حضراتكم أطلعتم تمام الإطلاع على أوراق القضية وشغلتهم يومين من أوقاتكم الثمينة وواجباتي الدفاع تقف عند إظهار الظروف التي وقعت فيها الحادثة وتحديد المسئولية ومعرفة جريمة العصابة التي حدثت منها الحادثة وطلب العقوبة.

إني لأجزم لكم أن شعورنا نحو هذه الحادثة يملؤه الحزن ولا يوجد مصري لا يشاركني في هذا الشعور ولذلك أطلب الحكم على المتهمين بأشد عقوبة في هذه القضية وإن طلبي هذا ليس فقطي في مصلحة الأرواح التي أزهقت في هذه الحادثة ولا في مصلحة النظام العام بل في مصلحة المصريين أنفسهم

وإني لا أفتكر في روح السمتر بول التي ذهبت ضحية هذه الحادثة ولا أفتكر في الآلام التي أصيب بها الجرحى من المصريين الذين في المستشفى بل افترك فيها آلم المصريين أنفسهم أفتكر في الروح البريئة التي زهقت بسسب هذه الحادثة في سرسنا فإذا تقدمت وطلبت رفع كل رحمة من نفوسكم لمعاقبة هؤلاء المتهمين وخصوصا رؤساء العصابة لأ أكون مغاليا.

منذ سنتين اختمرت عند أرباب السلطة العالية فكرة عدم الاحتجاج إلى قوة جيش الاحتلال وأنه لا يبقى منه إلا ما يشبه الرمز على وجوده فقط بدل هذه القوى العسكرية وفي العام الماضي ابتدأ تنفيذ هذه الفكرة فأنقص الجيش الإنجليزي نفقصا كبيرا للاعتقاد العام بأنه لم يبق في نفوس المصريين شيء يحتاج القوى

وغاية ما هناك ضعف الاعتيادات الدولية النظامية لكن حادثة فظيعة مثل هذه الحادثة التي ارتكبها أهالي دنشواي تفضي إلى سوء الظن العظيم بالمصريين وتوسع ما بين الهيئتين من الاختلاف تجر على مصر وعلى النظام العام البلاء بل وتضر المصريين أكثر مما تضر الإنجليز.

اطلعت حضراتكم على تقرير اللورد كرمر عن سنة 1905 ورأيتم كيف أنه ظهر أن مديرية المنوفية هي أحسن مديرية في استتباب الأمن العام لأن الحوادث فيها نقصت في السنوات الأخيرة نقصا كبيرا إذ على راس هذه المديرية رجل تفتخر به مصر ساهم على استتباب الأمن في المديرية وقطع دابر الفاسدين.

إن هذه الحادثة لم يصورها أحد بشكلها حتى ولا الذين طاشت أحلامهم، وإن الصحافيين كلهم والكتاب أجمعهم ورواة الأخبار والمراسلين لم يستطيعوا أن يصوروها بشكلها الحالي بل قالوا إنها ربما وقعت والضباط غير لابسين الملابس العسكرية.

وقد كتبت جريدة اللواء وغيرها في هذا الشأن أنه لا يتصور إنسان أنه يعتدي على ضباط جيش الاحتلال مثل هذا الاعتداء ولكن من الأسف أن هذه الحادثة حصلت من أهالي دنشواي والضباط بالملابس العسكرية فكأن هؤلاء المتهمين خالفوا ما يتصوره كل إنسان بما ارتكبوه من فعلهم هذا.

إنه منذ أوجد سنة 1895 نظام خاص لمعاقبة الذين يعتدون على الجنود الإنجليزية البرية والبحرية وكان يظن بل هو اللازم أن وجود هذا النظام الخاص وحده كاف لمنع حصول الاعتداء بغير أن يحتاج الحال إلى تنفيذه وفعلا كان كافيا لأنه لم يحدث في مدة الإحدى عشرة سنة الماضية شيء مثل ذلك وغاية ما هناك أنه حدثت في سنة 1897 حادثة بسيطة في قليوب.

وهي اعتداء بعض غلمان صغار على الجنود الإنجليز بالقول والإشارة فنفذ النظام المشار إليه ومن عهدها إلى الآن لم تحدث حادثة على رجال جيش الاحتلال لأننا كنا نعتقد أنه لا فرق بين الجيشين الإنجليزي والمصري فإذا حصل اعتداء بسيط على أحد من أفراده تكون المحاكم الجنائية هي المختصة بذلك.

ولقد اعتادت العساكر الإنجليزية السفر من العاصمة إلى الإسكندرية وقد مضى عليهم زمن وهم يذهبون في طول البلد وعرضه ولم يعتد أحد عليم ولم يعتدوا على أحد وإني رأيت في أوربا أن الجيوش تذهب إلى البلاد فحاكم البلد يفرق الضباط والصف ضباط على الأهالي فيكرمونهم غاية الإكرام.

وفي مصر قد ساوى العدو والصديق في الاعتراف بنزاهة جيش الاحتلال لأن جوده وضباطه لم تطلب من الأهالي شيئا وعلى حسب عادة الضباط من الإنجليز أرادوا أن يقضوا بعض أوقاتهم في التمرينات الرياضية ومصر أفقر البلاد بالنسبة للصيد مع غناها فلما قام الجنود من مصر إلى الإسكندرية افتكر الماجور بين جوفين أن يمضي نصف ساعة في الرياضة التي اعتادها أمثاله ولم يكن طمعا في لحم أو دجاج أو غيره إنه لو فعل الجيش الإنجليزي شيئا من ذلك لكنت خجلا أن أقف هذا الموقف.

ولكن الضباط سلكوا في عملهم طريق الأدب واللياقة فإنهم أخبروا بإراداتهم الحكام وهؤلاء بلغوا الأهالي لهم بعض الأعيان الركائب وأعلنت منشورات من يوم 10 إلى يوم 13 الجاري بسفر الضباط ولم يبق أحد إلا عرف حركة فصيلة مؤلفة من 150 عسكريا وبالتالي تكون الأهالي عندها علم بوصول الجنود الإنجليز إلى المنطقة التي عسكروا فيها على ترعه الباجورية بقرب أكبر طريق يقطع مديرية المنوفية من الشرق إلى الغرب.

وبناء على ذلك فلا حاجة إلى التحقيق والشهود لأن ما جرى كان لمعرفة الحقيقة فالضباط لم يقترفوا جريمة حتى يقابلوا بهذه المقابلة التي كانوا يعتقدون أنهم سيلاقون إكراما ولكن الأهالي تحككوا في الضباط ووجدوا سببين مكذوبين وهما حرق جرن محمد عبد النبي وإصابة إمراته

وقد ذهبت إلى البلدة الأول أمس فرأيت الحمام ليس ملكا للأهالي بل إنهم لا يملكون إلا الأبراج ولا يقدمون له غذاء بل هو حمام يأتي برج هذا اليوم ويذهب إلى برج ذلك غدا وأنه لا حق لأحد في ادعاء ملكيته إلا من كان ببرجه

وأن حرق الجرن من تدابير الأهالي لا من بندقية المستر بورثر، لأن أقرب نقطة كانت بين وقوفه والجرن المحروق 12 قصبة فأحضرنا خرطوشا مثل خرطوش الصد وأعطيناه للحكمدار وأحضرنا تبنا فأخذ يضرب حتى صارت المسافة عشرة أمتار ولم يحصل اشتعال حتى مع اختلاف الموضوع الهوائي وضرب الحكمدار في التبن من كل جهة.

وإننا لا يمكن أن ندعي أن الضباط هم الذين أشعلوا النيران وغاية ما يمكن أن يقال إنها اشتعلت قضاء وقدرا ولكن ذلك غير معقول فإنه عندما اشتعلت النار مسك واحد من الأهالي بالجهة البحرية بالكابتن بول وقال تعالى أنتم حرقتم البلد وأنا أستغرب كيف جاء هذا الشخص على بعد 600 متر حال التهاب النار في الحال.

ولكن الحقيقة أن هذه المسألة مدبرة ملفقة والقرينة القاطعة على ذلك الشهادات التي سمعتموها حضراتكم التي تدل على أن المدة التي اشتعلت فيها النيران هي على الأكثر عشر دقائق فكيف قطع هذه المسافة؟ وأيضا ظهر من المعاينة أن الرمية التي في الجرن المحروق لم يحترق منها إلا خمسها وأطفئت في الحال فكأنه كان حولها مائة رجل وأطفئوها حال ما أشعلوها وهذا النورج ينادي بأن النيران التي أشتعلت كانت بفعل فاعل، لأن أثر الحروق من الأعلى ولم تصل النار إلى الأدنى وهذا ما يؤكد تدبير المكيدة.

وإني أعجب بالمستر بورثر كيف وصلت إليه فكرة وقاية خصمه المجنون من الخطر ولما لم يتمكن ومن أخذ العيار خوف خروجه على الأهالي نقل الآلة لإبطال عمله ولما جاء الماجور بين كوفين الذي لبث بالترنسفال 30 شهرا ظافرا منصورا وتقلد نياشين الشرف ورتب المجد انهزم أمام العصابة الشريرة ولم يكن انهزامه خوفا منه بل باختياره.

وقد سلم سلاحه المعادل لروحه وأمر الضباط الذين تحت أمره بتسليم السلاح حسما للنزاع وظنا منه أنه أمام قوم عندهم شعور بالعصي والشماريخ وصاحوا على النساء يرمينهم بالطوب والطين ثم يجيء سي على سمك ويقول إن الضباط أعطاني ساعة بقشيشا لأني أسقيته.

وقدمت له الماء لا تظن يا علي سمك أن ذلك يبرئك ولو صادقك عليه الضباط بل هو يزيد من مسئوليتك لأنه لما رآك طامعا فيه أنت وغيرك سلمك أسلابه قبل أن تأخذوها غصبا كاسلمكم سلاحه المعادل لروحه ولم يكن كل هذا مخففا من شركم ولا ملطفا من وحشيتكم فزدتم في طغيانكم وتماديتم في قظائعكم.

حضراتكم إن الحادثة حصلت عمدا وكان القصد منها القتل وأن حسن محفوظ الشائب هو زعيم العصابة في هذه المرحلة لأنها حصلت على باب داره وإن إصرار المتهمين على ارتكاب الجريمة يتطابق وتفسير دلوز الفقيه القانوني وإنه بالنسبة للكشف الطبي فإن القانوني يعتبر القتل ولو بعد الضرب سببا منسوبا إلى الضارب وإن الوالد إذا ترك ولده في بستان وضربه طائر فأماته يعتبر والده قاتلا.

إن حسن محفوظ ومحمد درويش زهران ويوسف حسن سليم والسيد عيسى سالم ومحمد عبد النبي و أحمد السيسي وأحمد عبد العال محفوظ هم السبعة الزعماء للفتنة ونطلب تطهير الهيئة الاجتماعية من الأول لأنه بلغ السبعين عاما ولكن هذه المدة لم تطهر أخلاقه أو تهذبها فعكر صفو الأمة كلها وأساء ظن المحتلين بالمصريين بعد أن مضى عليهم خمسة وعشرون عاما ونحن معهم في إخلاص واستقامة وأمانة.

إننا لا نعرف إن كانت الجريمة وقعت بسب الحمام أو بغيره أو لكون الضباط إنجليزا إننا لا نعرف أن نجيب عن ذلك فالطبيعة الشريرة تقبل كل جريمة لأي سبب كان وكل يوم نسمع أن الولد يقتل أباه أو الأب يقتل ابنه وأمامنا الآن جريمة فظيعة تستحق أشد عقاب

ومهما كان سبب إصابة الأربعة الجرحى فإن أتجاسر وأقول إنه غير صحيح لأن الضباط لم يطلقوا أسلحة وأن الأونباشي الذي قال إن أحد الضباط لا ينفضح البوليس المصري فضيحة علنية فيسمع الجمهور أن في البوليس المصري خونة جبناء أدنياء مثل هذا الأونباشي هذا الأونباشي الذي تغذى عند محمد درويش زهران أحمد زعماء المتهمين وترك الضباط وشأنهم حتى وقعت الواقعة.

ولما بلغه خبرها من الأهالي أبلغ في التليفون النقطة بأمر لم يدعه الدفاع ولا المتهمون وهو أن الضباط أطلقوا العيارات النارية على الأهالي والأهالي أطلقوا العيارات على الضباط وإضافة فهناك دليل مادي على تلفيق أسباب ارتكاب الجريمة هو قولهم إن الحرمة أم محمد أصيبت بعيار ناري من الضباط ولكن البندقية لم تطلق إلا وهي في يدي الأهالي حال أخذها من الضباط والكشف الطبي يثبت أن عامر عدس شيخ الخفر أصيب وهو على بعد 50 سنتمترا وعلى بعد متر واحد أصيبت المرأة لأنهم كلهم كانوا متجمهرين.

وكل الإصابات التي حصلت للأربعة المتهمين تدل على أنها كانت في اتجاه واحد وهي في الركبة والساق حيث كان القابض عليها واقفا والبندقية في يده وإن حرق الجرن والادعاء بالإصابة هما دعويان كاذبتان لأن المتهمين كانوا لا يريدون فقط الانتقام لصيد الحمام أو لحرق الجرن أو لإصابة الجرحى بل الغرض الحقيقي هو رغبتهم في إعدام الضباط وإنكم ترون في التحقيق وفي شهادة الضباط أن الضرب كان على الرأس وأن إصابة الماجور بين كوفين على الذراع لم تكن قصدا بل كانت حال دفاعه عن رأسه بذراعه وكل الإصابات لم تكن في غير الرأس والعنف والأكتاف.

لأنهم كانوا يريدون الإجهاز عليهم وقتلهم وقد أغمى على الماجور بين كوفين ثلاث مرات فلم يكف المتهمين ذلك بل إنهم قصدوا العربات وأنزلوهم منها وضربوا السائقين وكسروا المركبات فأراد الضباط النجاة ركضا فأمسكوهم وأخذوهم حتى لا يصلوا إلى الحكومة ويخبروا بما أصابهم لأنهم لم يكتفوا بالقتيل بل أرادوا أن يسلكوا معهم بما يناسب مقامهم فحاولوا أن يفعلوا معهم ما كانت تفعل محكمة التفتيش في أسبانيا مع المذنبين فأخذوا يصفون حولهم لإحراقهم ويشيرون لهم بأنهم يرغبون في ذبحهم.

ما بالكم أيها القوم نار صدوركم تشتعل وتزيد اشتعالا ولا تنطفئ وإن ناركم خجلا من الكذب لم تلبث غلا خمس دقائق مشتعله في الجرن وإني أفسر لكم حضرات القضاة غير ما تقدم من الأدلة المادية على أعمال هؤلاء المتهمين التي تجردت عن الرحمة والرأفة والدين لأن الدين الإسلامي يبرأ من هؤلاء المتوحشين أين الكابتن بول وأني الكابتن بوسنك؟

أنهما انطلقا كالنبل خوفا من شر المتهمين فقطعوا نحو خمسة كيلو مترات وهما يظنان أن العدو الغشوم وراءهما وجدنا الكابتن بول صريعا قرب سوق سرسنا أما الكابتن بوسنك فإنه انطلق خائفا ولم ينتظر المركب حتى يعبر القنال بل عبر عائما من شدة الفزع لتوهمه أن العدو وراءه خطوة بخطوة.

وبعد فقد قلنا أن الضباط لم يكن يحصل منهم اعتداء وأن المتهمين كانوا يريدون قتلهم لكن في أي وقتي جاءت المتهمين فكرة القتل؟ هل كانت عرضية أم كانت بنية سابقة مصمم عليها بالطبع إنها كانت سابقة لأن حضور الضباط كان معلوما والتصميم على القتال في القانون يكفي أن يقول القاتل إنه إذا باتا بل إصرارا معلقا مشروطا، وأن حسن محفوظ له الزعامة في هذه الحادثة فالمعركة كانت على باب بيته الواقع قرب السكة الزراعية وأنه كان أول من استقبل الضباط من كبيرين من عائلته لإنذارهم بالشر وأن وجوده في الساعة الثانية بعد ظهر الحادثة والحرارة 42دليل قاطع على زعامته للمتهمين.

إنني عرضت للمحكمة أن المتهمين ارتكبوا ما ارتكبوا عن إصرار وإني أشرح لعدالة المحكمة الإصرار قانونا حسب تفسير دالوز في تعليقاته على المادة 297 وخلاصته أن سبق الإصرار في الغالب مستفاد من استحضار الأسلحة أو التهديد أو البغضاء التي أظهرها الجناة للمجني عليهم ثم إن أفعال المتهمين عند مقابلة الضباط كانت هي التهديد الذي أشار إليه دالوز ولكن يصعب أن نقول إن نية الإصرار تتوافر عند ال52 متهما بل يمكن القول إنها توجد عند الزعماء.

أثبتنا لعدالة المحكمة أن نية القتل موجودة عند الزعماء وأن البقية المشاركين لهم متفقون معهم في ذلك الإصرار وأن القتل حصل بموت المستر بول وأن بقية الضباط شرع في قتلهم فالقتل حصل قانونا بالرغم من التلغرافات التي أرسلت للقائد العام لجيش الاحتلال إن عندنا كشفين طبيين أحدهما من المستر بوسنك

وفيه أن الموت حصل بارتجاج في المخ وضربة الشمس والكشف الطبي الثاني وفيه أنه بعد أن أخرجت الجثة من القبر قرر المستر نولن وشركاه أن ما قرره المستر بوستك مقبول طبيا وهو أن الموت حصل بارتجاج في المخ وضربة الشمس فإذا كان ذلك فهل الضارب قاتل أم لا؟

في تفسير جاروه أن الضرب الذي لا يؤدي إلى الموت لا يشترط إلا أن تكون علاقته السببية غير منقطعة وأن الموت إذا نتج بسبب ما بعد الضربة الأولى فالضارب قاتل لأن الضربة حدها تنتج الموت ولقد صدر حكم من محكمة النقض يقضي بأنه إذا حصل موت بعد الضرب بالكستة القلبية يكون الضارب قاتلا.

إذن يكون موت الكابتن بول وانفصاله وضربة الشمس هي كلها من أفعال الجناة وفي مجموعة أحكام محكمة النقض أن الوالد إذا ترك ولده في بستان وجاء طائر وقتل فيكون الوالد قاتلا وأن السارق إذا طلع قطارا فخاف منه الركاب وقذفوا أنفسهم من القطار فماتوا يعتبر اللص قاتلا فموت الكابتن بول يجعله في عرف القانون والعدالة مقتولا من المتهمين وإن التهمة تامة ضدهم وإلى هنا انتهت المسألة القانونية وبقي أن نبين من هم المتهمون ومن هم الزعماء.

حسن محفوظ هو أو الزعماء فدل عليه الضباط وعبد العال صقر وكل الشهود قالوا إنه كان في وسط الحادثة حسن محفظ كلما كنت أنظر إلى شيخوخته أتأثر ولكن تلاحظون حضراتكم أنه رجل وصل إلى سن السبعين وكون من ظهره عائلة كبيرة.

ولم تهذبه هذه السن يجب أن تطهر البشرية منه إنه لم يكدر قرية بل كدر أمة بأسرها وصار أعيان البلاد والمنوفية خجلين من هذه الحادثة وجاءا كلهم يثبتون لحضراتكم أهم أبرياء من هذه التهمة إن حسن محفظ أقام الفتنة النائمة فكدر جو أمة بأسرها بعد أن مضي علينا 25 عاما ونحن مع المحتلين في إخلاص واستقامة وأمانة وأساء إلينا وإلى كل مصري فاعتبروا صوتي صوت كل مصري حكيم عاقل يعرف مستقبل أمته وبلاده.

ويوسف حسين سليم هو الذي قتل المستر بول سرق ما كان مع المستر بورثر وإن محمد عبد النبي مؤذن القرية من أرباب السوابق وسبق الحكم عليه بالحسب سنتين في سرقة ,

أول من دلنا عليه قبل الضباط هو محمد علي سمك زميله في الجريمة والسيسي وأحمد عبد العال محفوظ كلاهما اعتدى على الضباط وضربهم إن السيد عيسى سالم هو الذي أخذ الضباط وكان حاملا فأسا وأشار مهددا بقتلهم.

أما محمد درويش زهران فهو من أرباب السوابق لأنه محكوم عليه في قتل بحبس سنة ومعروف لأهالي المديرية بأنه من أهل الشر وقد فاتني أن أخبر حضراتكم أن أحمد بك حبيب لما توجه مع الحكمدار وجد في منزله بقية جاموسة مذبحة وهي مسرقة وقفيز حديد يفتح الكوالين والأشياء التي يستعملها اللصوص في تنبيه بعضهم بعضا وأبورا مسروقا.

ومن ذكائه أنه كان أول من أخبر بالحادثة مع الأونباشي وقدم نفسه للمحققين لإرشادهم عن الجانين وهذا المتهم يستحق أن يكون في مقدمة المتهمين ويظهر أنه تلقى الدهاء من الأم لأن الست وردة والدته أكثر منه دهاء لأنها لما توجه الحكمدار وأحمد بك حبيب إلى المنزل وجدوها جالسة على كيس في الأرض ولما كلفوها بالقيام وجدوا سلاح الضباط تحتها مخبئا في الأرض وقد قال هذا الزعيم إن الذي أحضر هذا السلاح هو عبد الرازق محفوظ لأنه من أعدائه إن هؤلاء السبعة زعماء المعركة.

وأخيرا فإنه لا خلاف عل مكارم أخلاق الضباط وسلوكهم المشكورين عليه بالرغم من أن القانون الألماني يعتبر الضباط مخالفا لواجباته إن ترك غيره يعتدي عليه ويتسلم سلاحه، ولكن الضباط الإنجليز لم يقبلوا أن يدافعوا عن حياتهم وكان في إمكانهم ذلك ولكن كان لابد من أن يقضي علي حياة الكثيرين ولكنهم نسوا أنفسهم ونسوا واجباتهم.

وعرفوا أن واجب الفضيلة أسمى وأعلى وقد أرسل قائد جيش الاحتلال خمس نوتات تتضمن تاريخ حياة الضباط حيث قضي بعضهم سنوات في حرب الترنسفال وانتصرا وحازوا الميداليات ونياشين الشرف وإن الماجور بين كوفين يقول إنه قد قضى ثلاث سنوات وهو لم يجد إلا الاحترام من أهل البلد فإذا كانت هذه أخلاق الأمة وهؤلاء المتهمون قد خالفوا تلك الأخلاق بارتكابهم هذه التهمة الفظيعة فإنهم يستحقون عليها أكبر وأشد عقوبة تناسبها حفظا للنظام.

إننا الآن أمام قضية ذات ظروف مخصوصة وقد لاحظ المشروع حصول مثل هذه الجريمة فأنشأ هذه المحكمة وأعطى سلطة واسعة بلا حد وتركها موكولة بين يدي القضاء للوجدان والشعور والإحساس فللمحكمة الآن أن تحكم بما تشاء.

ولكني لا أطلب أن تحكم بالهوى بل بالقوانين فالقانون الفرنساوي يعاقب على جريمة المتهمين بالإعدام والقانون الإنجليزي يعاقب بالإعدام ولا يشترط الإصرار وإنني أقول لحضراتكم أن هذه هي نصوص القوانين ولكم أن تحكموا بما تشاءون لأنكم غير مقيدين بقانون فاسمحوا أن أقول إننا في بلد إسلامي ولنا أن نطلب معاقبة المتهمين طبقا للشريعة الإسلامية ففي تبيين الحقائق في شرح الزيلعي أن القتل العمد يعاقب عليه بالقتل عملا بنص القرآن الشريف.

(كتب عليكم القصاص في القتلى) حتى ولو كان القتل بقشرة قصب فكل القوانين والشرائع تقضي بعقوبة الإعدام وأنا قررت أنه إذا لم يتوافر الإصرار فلكم أن تطبقوا القانون الإنجليزي الذي لا يشترط الإصرار ولكم أن تنظروا في مصلحة الأمن العام التي تركها المشروع أمانة بين أيديكم.

سادسا: مرافعات الدفاع

مرافعة محمد يوسف بك المحامي

لاشك في أن هذه الجريمة هي من الجنايات التي تؤلم الأمة بأسرها وإني من جهة المحاماة ومن جهة هذه المديرية بأسرها أبدى أسفي وأسف العموم على هذه الحادثة.

فالناس جميعا بالنسبة للحالة الحاضرة في اطمئنان وليس هناك ما يدعو إلى الانتقاد على جيش الاحتلال أو جنوده وإن الحادثة التي وقعت لم تكن إلا من أناس جهلاء حمقى ولا دخل للأمة فيها إلا أننا نلاحظ على جهة الاتهام إحاطة القضية بظروف تنقلها من موضعها إلى موضع يكبرها في النتائج مع أنه لم يقع على جيش الاحتلال كل هذه المدة إلا اعتداء من صبية من أهالي قليوب كانوا يلقون الحجارة بغير سبب والمرة الثانية وقعت هذه الحادثة في قرية صغيرة حقيرة .

وإن المتهمين فيها قوم طائشون جهلاء لا يدركون مسئولية عملهم الهائل وبناء على ذلك فإننا نخالف المدعي العمومي هلباوي بك في أن هذه الحادثة تجر على القطر أخطارا جسيمة لأنه إذا قدرت قدرها ولوحظت ظروفها لا تحصل تلك الأخطار الجسام مع ماهو معروف عن المصريين من لهدوء والسكون.

إننا نشكر عدالة المحكمة على منحها الدفاع حريته أمام المحكمة المخصوصة إذ أنه بهذه الحرية يستطيع أن يناقش أدلة الاتهام وينفي تهمة الإصرار في هذه الجريمة ويؤكد لحضراتكم أنه لم تكن هناك فكرة سيئة ضد الجيش لأنه لم يصدر عنه ما يضرنا كما أشار المدعي العمومي وأنا أوافقه عليه فكل يوم يمشي الجيش في أرجاء البلاد ولا يعتدي عليه أحد وهذا من الأدلة على أنه ليس هناك سوء نية.

فهمت من حضرة الماجور بين كوفين أن هذه المرة الثالثة للصيد ومن الأهالي أنها المرة الخامسة فعلى كل حال فهمت أنه سبق للضباط الذهاب إلى دنشواي ولم يجدوا إلا كل إكرام فحصول الحادثة لا يدل على السوء لأنهم كانوا يقابلون الضباط بالترحاب ولكهم يتشرف بمقابلة أي حاكم ينزل عندهم فكيف بضباط الاحتلال وكل الأعيان آسفون على حصول هذه الحادثة ضدهم.

وقد كان هو ماذا جرى وصوله إلى المعسكر حتى نعده من حسن النية؟ إنه ترتب عليه قيام عشرة جنود وجاويش من الإنجليز ليأخذوا بالثأر فضاع في ذلك دم تلك الروح التي أشار إليها الادعاء العمومي وأثبت أنها ضربت بالسونكي في الراس حتى قتل ومما يلاحظ أيضا ونوجه إليه عدالة المحكمة هو أنكم تلاحظون أن الجنود الإنجليزية يسكتون عن كثير من الحقائق.

فمثلا قد ثبت أن قتيل الكابتن قتل بالسونكي ولكن لم يقل أحد منهم أنهم كانوا يعتقدون أنه هو الذي قتل الكابتن بول وبعد أن أظهر حقيقة هذه المسألة حتى كادت تلمس باليد أنتقل إلى الكلام عن الأدلة القانونية وإن كان سيتكلم عنها زميلي الأستاذ أحمد لطفي السيد بك

ولكن أقول إن المادة 39 من القانون المصري لا تنطبق على الصورة التي يريد المدعي العمومي تصويرها في هذه القضية لأنه يلزم أن يبنوا لنا أن السبعة الزعماء هل كانوا شركاء في نية القتل وكيف هذا الاشتراك وهل تعرف الضباط على المتهمين إنني مع احترام صدق الضباط أقول إن ذلك التعرف لا ينطبق على طبيعته لأنه يستحيل أن يعرف أناس من بلد لأول مرة وهم كلهم لابسون جلاليب سوداء متشابهون وإني أترك تقدير هذه الشهادات للمحكمة.

وأخيرا إن اتهام حسن علي محفوظ واستغراب المدعي العمومي من وجوده عند وصول الضباط الساعة الثانية بعد الزهر لشدة الحرارة يومئذ فأقول إن ذلك ينطبق على سيدة باريسية تكون في دنشواي لا على حسن علي محفوظ الذي خلق في الشرق ونشأ في الحرارة فهو لم يعمل شيئا مخالفا للطبيعة.

مرافعة أحمد لطفي السيد بك المحامي

بعد ما سمعت المحكمة مرافعة زميلي يكون مركزي حرجا ومجالي ضيقا وإني لا أخشى أن أقول الحق وأحضر دفاعي في ثلاث كلمات فالكلمة الأولى عن سبب الجريمة والثانية عن تطبيق القانون والثالثة في العقوبة والطلبات وتقدير المسئولية.

إما عن سبب هذه الجريمة بل الجرائم المتسلسلة نقول إن القدر ساقها ولم يكن للمتهمين فيها شيء سوى الانفعال الوقتي فسبب هذه الجريمة هو إحراق الجرن من الصيد أو من القضاء والقدر وإنه من البديهيات إحراق الجرن لأنه الأمر البديهيات إحراق الجرن لأنه الأمر البديهي فنحن قد عرفنا بالتجربة أن الجرن إذا أطلق عليه عيار ناري سواء كان من بعيد أو من قريب لا يحترق ومحمد عبد النبي

لم يكن عنده من البداهة ولا التجربة ما عندنا حتى تعتقد أن البندقية لا تحرق الجرن ونحن نرى أن الجرن احترق كما احترق شبين الكوم يومئذ ولكن كل ذلك من ظروف سيئة جرت على دنشواي بالقضاء والقدر كل هذه الجرائم.

فمن الظروف السيئة أن يكون الدليل هو عبد العال صقر الذي اختفى وقت الحادثة ولم يظهر إلا بعدها ومن الظروف السيئة أن يكون المحافظ على الضباط هو الأونباشي الذي ترك واجبه وذهب إلى منزل محمد درويش زهران ليتناول الطعام ومن الظروف السيئة أن تتأخر الإشارة التليفونية ولم تصل دنشواي حتى وصلها الضباط وكانت المعركة ومن الظروف السيئة أن كيون يوم الحادثة يوما صائفا شديد الحرارة فتنج من شدتها احتراق الجرن وصياح نساء البلدة وإصابة الكابتن بول بضربة الشمس.

وأما عن تطبيق القانون فلأجل أن تحكم المحكمة المخصوصة يجب أن تكون الجريمة منصوصة في قوانين المحاكم المصرية جناية كانت أو جنحة فهذه الأعمال المنسوب صدورها للمتهمين ينظر فيه الأجل أن يمكن اعتبارها جناية أو جنحة والمتهمة هنا دائرة بين ثلاثة فروض الأول هو القتل عمدا يحيط به بعض الجرائم والثاني القتل العمد الذي تتقدمه السرقة بالإكراه.

والثالث الضرب الذي أفضى إلى موت أما سبق الإصرار فقد انتفى كونه معلقا أو غير معلق فلا أهمية له لأن الحادثة وقعت بسبب سوء الظن بإحراق الجرن وإن سبق الإصرار الذي قال عنه دالوز وتمسك به الدفاع لا يكون إذا لم يعرف سبب الجريمة ولكن هنا قد عرف السبب يقينا لا يزول بالشك فمتى انتفى الترتيب السابق انتفى سبق الإصرار.

وبقين الجناية الأخرى وهي السرقة من الضباط وبالنسبة للضرب الذي أفضى إلى الموت وهذا ينطبق على المادتين 217و 205 وما بعدهما فهنا حقيقة الخلاف أو المقارنة بيننا وبني المدعي العمومي فالضرب أو الجرح الذي يعتبر أن يكون جرحا أو ضربا أفضى إلى الموت يجب أن يكون مباشرة للموت وإن الكشوفات الطبية تقول إن الضربات لا تكفي وحدها لتسبب الوفاة ولكنها تجعل استعداد الإصابة بضربات الشمس.

وأما عن العقوبة فإن العقوبة مسلمة لرأي المحكمة الخصوصة من غير قانون ما وطلب لسان الادعاء بتطبيق الشريعة الإسلامية أو القانون الإنجليزي ولكن نقول إن المحكمة أولى أن تتصرف بعدلها في تطبيق ما تراه، الشريعة الإسلامية لا تحكم بالقتل على الصرب الذي أفضى إلى موت إلا إذا كان آلة مفرقة للأجسام وقشرة قصب ولكن لو كان القتل من حجر أو نحوه لا عقوبة بالقتل.

وأخيرا إن القانون عبارة عن قواعد عامة وإن منتهى ما تصل إليه قوة البشر الوضعية هي أن يترك تطبيق العقوبة على مقدار الجريمة ونحن راضون بأن نوكل أمرنا للمحكمة المخصوصة ولمها أن تطبق ما تشاء من العقوبات.

مرافعة إسماعيل عاصم بك المحامي

هذه هي المرة الثانية لا نعقاد المحكمة المخصوصة وقد كانت الأولى في سنة 1897 في حادثة قليوب وكنت محاميا فيها وكان الاعتداء على أورطة وهي سائرة بهيئتها العسكرية وكان الاعتداء من صغار لا يدركون وحكم فيها بالرأفة والرحمة فكان الحكم مما ارتاحت له الأمة والهيئة الحاكمة.

والمرة الثانية وهي هذه الحادثة لم يكن فيها طابور عسكري ولا رجال الجيش بصفة عسكرية وإنما كان المعتدي عليهم أفراد سائرين إما للنزهة أو للصيد ولم يعرف الأهالي أنهم من جيش الاحتلال حتى حصل ما حصل وأسفاه لم يصل الأهالي خبر ولم يتيسر لهم علم كما قال لسان الادعاء ولم يكن هناك إصرار ولا سبق إصرار بل إن الخبر وصل والمعركة دائرة والحاصل حاصل وسوء الطالع واقع.

الحكم باسم الجناب الخديوي المعظم عباس حلمي خديوي مصر

المحكمة المخصوصة

بجلستها العلنية المنعقدة بمدينة شبين الكوم بسراي المديرية في يوم الأربعاء 27 يونيو سنة 1906م الموافق 5 جمادي الأول سنة 1924 هـ الساعة الثامنة والنصف صباحا تحت رئاسة صاحب العطوفة بطرس غالي باشا ناظر الحقانية بالنيابة.

وبحضور حضرات المستر ويليم جودنفا هيتر المستشار القضائي بالنيابة والمستر بوند وكيل محكمة الاستئناف الأهلية والكولونيل لادلو القائم بأعمال المحاماة والقضاء في جيش الاحتلال وأحمد فتحي زغلول بك رئيس محكمة مصر الأهلية أعضاء وعثمان مرتضى بك سكرتيرا.

(صدر الحكم الآتي)

في قضية التعدي الذي وقع من بعض أهالي دنشواي بمركز شين الكوم بمديرية المنوفية في يوم 13 يونيه سنة 1906 بالناحية المذكورة على خمسة ضباط من جيش الاحتلال الذي نشأ عنه قتل أحدهم وكسر ذراع آخر وإصابة الباقين.

بعد سماع أقوال الاتهام وشهادة الشهود وأقوال المتهمين والمدافعين عنهم وبعد الإطلاع على أوراق الدعوى وبعد المداولة فيها.

حيث إن فرقة من جيش الاحتلال تركت مدينة القاهرة يوم الاثنين 11يونيه سنة 1906 قاصدة ثغر الإسكندرية من طريق البر وبعد مسيرة يومين وصلت إلى ناحية كمشيش بمركز تلا منوفية في صبيحة يوم الأربعاء 13 من الشهر المذكور.

وحيث إن الماجوريين كوفين قومندان هذه الفرقة كان قد رغب في صيد الحمام من ناحية دنشواي بمركز شبين لسبق تعوده ذلك منذ سنتين مضيتا فقصدها ومعه أربعة من ضباطه وهم اليوزباشي ول والملازمان بورثر وسميث ويك

والدكتور بوستك حيث الساعة الثانية بعد ظهر اليوم المذكور في عربتي نقل في كل واحدة اثنان منهم وكان الخامس راكبا جواده وكلهم بملابسهم العسكرية وإشارات رتبهم يرافقهم أحد أونباشية البوليس المصري وعبد العال صقر المترجم.

وحيث أنهم وجدوا عند وصولهم عددا من الأهالي تلك الناحية يختلف بين الخمسة والستة أشخاص كأنهم في انتظارهم وأرسلوا الأونباشي ليخبر العمدة بحضورهم كي يلاقيهم بالخفراء حسب عادتهم وكان المترجم قد شرع بالكلام مع أولئك الأهالي المنتظرين وبعد برهة قال لهم أنه لا مانع من الصيد بشرط الابتعاد عن البلد.

وحيث أنهم بناء على ذلك افترقوا فرقتين ووقف القومندان بين كوفين واليوزباشي بول والملازم سميث ويك في الجهة البحرية على بعد 500 متر من مساكن البلد وكل واحد منهم على بعد 70 مترا تقريبا من رفيقه وتوجه الملازمان بورثر والدكتور بوستك إلى جهة الجنوب ووقفا متباعدين على مسافة مائة متر تقريبا من الأجران.

وحيث أن الملازم بورثر بدأ بالصيد فأطلق نحو تسعه عيارات على الحمام الطائر إثر بعضها وإذا بنا بنار قد اشتعلت في جرن محمد عبد النبي المؤذن ولم يكن إلا خمس دقائق حتى أطفئت إلا أن صاحب الجرن قصد الملازم وأمسك بسلاحه وعلى أثره اجتمع نحو 30 شخصا بعضهم أمسك معه والتف الباقون بالضباط المشار إليه وجعلوا يتجاذبون سلاحه حتى انتزعوه منه فخرجت طلقات منه أصابت محمد عبد النبي المؤذن المذكور كما أصيب أيضا عامر عيد شيخ الخفراء وعلي الدبشة ومحمد داود.

وحيث إنه بينما كان هذا يجري جهة الجنوب وقع في جهة الشمال إنه بينما كان اليوزباشي بول يصوب سلاحه على حمامة طائرة أمسك أحد أولئك المنتظرين بيده السلاح ومنعه عن إطلاق فرآه الماجوريين كوفين وقصده ليعلم الخبر فلاح له دخان النار المشتعلة في جرن محمد عبد النبي ورأى ذلك الذي أمسك بسلاح زميله ليشير إليهما على ذلك الدخان كما شاهد نحو تسعة أشخاص مقبلين نحوهما مسرعين وخلفهم المترجم يصيح بالإنجليز الأهالي أحتاطوا بضباط الجنوب.

وحيث إن الماجرويين كوفين قصد هو ورفيقه زميلهما فرأيا جمعا يتكاثر حولهما والملازم لا يرضى أن يترك سلاحه لمن أخذه ولحظ علائم الشر بادية على وجوده المتجمهرين ولم يكتنف بذلك بل أخرج ساعة من جيبه وأعطاها إياه.

وأشار إلى رفاقة ففعلوا مثله بسلاحهم وتقدم إلى الجمع وانتشل منهم الملازم بورثر وأمسكة زملائه على هيئة مذنب واتجهوا جميعا إلى النقطة التي تركوا بها عرباتهم وجوادهم وحيث إن المتجمهرين وقد ازدادوا شرا فتبعهم وانهالوا عليهم ضربا بالعصي ورميا بالطوب والقلقيل وقد سقط الماجوريين كوفين على الأرض بضربة على رأسه ثم قام فأقعدت ثانية وما زالوا.

وحيث إن الماجوريين كوفين رأى أن الأهالي لا ينفكون عنهم فأشار على اليوزباشي بول بتسليم السلاح فأطاع إلا أن الأهالي أصابوه بضربة شديدة في رأسه فخرق يعدو كان الحر محرقا حتى سقط وسط الطريق فاقد الرشد إذ أصابته الشمس أيضا وقد نقل إلى المعسكر فمات في الساعة السابعة من مساء اليوم المذكور.

وحيث أن المتجمهرين منعوا القومندان ورفافه من الذهاب إلى النقطة التي تركوا بها عرباتهم وجوادهم وقادوهم والضرب فوقه والطوب والقلقيل ينهال عليهم حتى أوصلوهم إلى حيث المرأة المصابة أجلسوهم وجعل بعضهم يشير إلى المرأة تارة ويجر بيده تارة أخرى ليفهمهم أنه يريد قتلهم كما قتلوها وهي لم تقبل ثم سحبوهم إلى مكان الحريق بالضرب وبعد ذلك نقلوهم إلى شجرة وكان الخفراء بدءوا يتوافدون فأخذ الجمع يتفرق وجاء أحد ضباط البوليس من نقطة قريبة لمكان الواقعة حيث أخطروه بالتليفون وحملوهم إلى معسكرهم.

وحيث أن ذراع الميجربيين كوفين اليسرى كسرة في ضربة نبوت وكسر أنفس الملازم سميث ويك برمية وجر وأصيب هما والآخرون بإصابات متعددة في أجزاء مختلفة من أجسامهم فصلتها الكشوف الطبية.

وحيث أن الكشف الطبي الأول الذي وقع على اليوزباشي بول قبل وفاته أثبت أنها مسببة عن ارتجاج في المخ ناشئ عن الضربة التي أصابته في رأسه وعن أصابة الشمس التي نزلت به وهو يقصد المعسكر وأثبت التشريح الذي أجراه حضرة طبيب المحاكم الشرعي أن تلك الضربة أحلت الارتجاج حقيقة وأنها وإن لم تكن كافية وحدها إلى إحداث الوفاة إلا أنها أضعفت المصاب وأعدته لسرعة التأثر بإصابة الشمس وسهلت موته.

وحيث إن المتجمهرين سلبوا من الضباط أشياءهم كساعة وسلسلة ومفاتيح وصفارة وغير ذلك كما أخذوا سلاحهم.وحيث أن المحققين عثروا في منازل بعض المتهمين على بعض الأسلحة ووحدا عند بعضهم قسما من الملبوسات.

وحيث إن الضرب كان عمدا وكان مصوبا إلى المقاتل وقد أدى إلى وفاة أحد المصابين فالواقع قتل سبقه أو اقترن به أو تلاه جريمة معاقب عليها بنص قانون العقوبات المصري.

وحيث إن هذه الجريمة وقعت على ضباط جردوا أنفسهم من السلاح وأصبحوا لا حول لهم إلا النجاة وهم لا ينالونها مع ما بذلوه من المجهود ولم يبد منهم عداء ولم يقع منهم قول أو تصدر منهم إشارة توجب خنق المتعدين حتى ينكلوا بهم هذا التنكيل.

وحيث أن هذه الجريمة كانت عن عمد وسبق إصرار ظاهر من اقتران الحريق يتكاثر المعتدين فجأة على الضابطين اللذين كانا في الجهة القبلية وإمساك الضابط بول في الجهة البحرية مع الإشارة إلى ذلك الدخان وعدم من يشفق على ضيف لم يفعل أمرا يوجب التعنيف فضلا عن التغالي في الاعتداء إلى درجة إزهاق الروح مع وجود القادرين على منع ذلك بين المتجمهرين بل إن أولئك القادرين كانوا أشد هولا على الضباط ولا رحمة ولا حنان.

وحيث إنه مما يزيد في شناعة هذه الجريمة أنها وقعت على ضباط عرفوا بالسبالة وجابوا مواقع الحروب وكان في إمكانهم صيد المتعدين بدلا من صيد حمامهم ولكنهم ظنوا جميلا فسلموا عدتهم ليسلموا فكان العطب فيما فعلوه. وحيث إن ثلاثة أيام تسمع فيها هذه الدعوى وشهادة الشهود وأقوال الاتهام والدفاع عن المتهمين وقد ثبت أن المجرمين في هذه الحادثة هم:

حسن علي محفوظ ويوسف حسين سليم والسيد عيسى سالم ومحمد درويش زهران ومحمد عبد النبي المؤذن وأحمد عبد العال محفوظ وأحمد محمد السيسي ومحمد علي أبو سمك وعبده البقلي وعلى علي شعلان ومحمد مصطفى محفوظ و رسلان السيد سلامة والعيسوي محمد محفوظ وحسن إسماعيل السيسي وإبراهيم حسانين السيسي و محمد الغباشي و السيد العوفي وعزب عمر محفوظ والسيد سليمان خير الله وعبد الهادي حسن شاهين ومحمد أحمد السيسي.

وحيث إن هؤلاء المتهمين لم يتركوا بعملهم الفظيع هذا محلا للشفقة فما كانوا من المشفقين.وحيث أن رؤساء هذه الواقعة هم الأربعة الأولون، فهم أهاجوا الأهالي وأولهم كان للضباط في نفر من المتربصين.

حكم المحكمة

فبناء على هذه الأسباب

وبعد الإطلاع على المواد الرابعة والخامسة والسادسة من الأمر العالي الرقم 25 فبراير سنة 1905.

حكمت المحكمة حضوريا حكما لا يقبل الطعن بمعاقبة:

أولا: على حسن محفوظ ويوسف حسين سليم والسيد عيسى سالم ومحمد درويش زهران بالإعدام شنقا في قرية دنشواي.
ثانيا: على محمد عبد النبي وأحمد عبد العال محفوظ بالأشغال الشاقة المؤبدة.
ثالثا: على أحمد السيسي بالأشغال الشاقة 15 سنة.
رابعا: على محمد على أبو سمك وعبده البقلي وعلى علي شعلان ومحمد مصطفى محفوظ ورسلان السيد علي و العيسوى محمد محفوظ بالأشغال الشاقة سبع سنين.
خامسا: على حسن إسماعيل السيسي و إبراهيم حسانين و محمد السيد بالحبس مع الشغل سنة واحدة وبجلد كل واحد منهم خمسين جلدة وأن ينفذ الجلد أولا بدنشواي.
سادسا: على السيد الغولي وغريب عمر محفوظ والسيد سليمان خير الله وعبد الهادي حسن شاهين ومحمد أحمد السيسي بجلد كل واحد منهم خمسين جلدة بقرية دنشواي أيضا.
سابعا: براءة باقي المتهمين والإفراج عنهم فورا إن لم يكونوا محبوسين بسبب آخر وعلى مديري المنوفية تنفيذ هذا الحكم.

هذه دنشواي ولن نضيف جديدا دنشواي وكفى دنشواي ونارها المحبوسة التي انطلقت بأيدي ثوراها وأبطالها دنشواي وظلم الإنجليز وفجرهم وغطرستهم المصطنعة دنشواي والخونة والانتهازيون والوصوليون دنشواي وكبوة هلباوي بك المدعي العمومي دنشواي وتقصير المحامين وهذه هي المصيبة الكبرى وانخفاض الوعي القانوني لديهم دنشواي.

وانخفاض الشعور الوطني في نفوس المحامين أو غيابه دنشواي وافتتاحيات مرافعتهم وانخفاض الشعور الوطني في نفوس المحامين أو غيابه دنشواي وافتتاحيات مرافعته والشعوذة التي طرحها أحمد لطفي السيد على هيئة المحكمة الموقرة قضاء وقدر دنشواي وقيادة صاحب السعادة بطرس غالي باشا للمصيدة بمعاونة رفيقه أحمد زغلول بك.

ولكن الجديد الذي يستوقفنا هنا هو أنه لماذا الهلباوي موقف المدعي العمومي في هذه القضية وهل كان يجب على هيئة الدفاع أن تلبي طلب انتدابها للترافع في مثل هذه القضية خصوصا أنهم يعلمون بأمر المحكمة المخصوصة أو بمعنى أدق مصيدة انجلترا الملعونة.

يقول هلباوي بك إنني لم أكن إلا محاميا طلب إليه أن يترافع في قضية فترافعت فيها شأني في ذلك كشأن أي قضية أقف فيها إلى جانب المدعي بالحق المدني وليس من حقي لأي اعتبار من الاعتبارات أن أقصر فيه وإنه بالرغم من أن دفاعي كان في هذه القضية قد قسا على المتهمين فإن موقفي كان يقتضي هذه القسوة بغية نجاة مصر من آثار لم يكن يعلمها إلا الله.

ويرد عليه حجته محمد حسين هيكل باشا فيقول له: إنك في هذه القضية لم تكن أمام قضية عادية تدافع فيها عن موقفك بأنك قد أديت واجب المحامي بل كانت قضية بين مصر والإنجليز وقد وقفت مع الإنجليز فمن الخير لك أن تترك الزمن يسدل على هذا الموقف ستار النسيان وسجلك الحافل في خدمة وطنك قبل هذه القضية

وبعدها خير ما يعاون على تكثيف هذه الستار وإضافة إلى رد هيكل باشا نرى أن وقوف هلباوي بك موقف المدعي العمومي في دنشواي قد غلبت عليه حرفة المهنة على الوطنية تلك الشيمة التي يجب أن يتحلى بها كل محام في الدفاع عن قضايا وطنه هذا بالنسبة لحجته الأولى أما بالنسبة لحجته الثانية فنحن نعلم جميعا أنه لا مهادنة ولا مساومة مع الاحتلال مهما كان المصير ومهما كانت التضحيات بالأرواح والأموال التي أراد أن يحافظ عليها هلباوي بك بمرافعته في دنشواي.

وأما بالنسبة لهيئة الدفاع أحمد لطفي السيدومحمد يوسف وإسماعيل عاصم الذين جيء بهم للترافع في التمثيلية الهزلية المعروضة في دنشواي فكان عليهم أن يرفضوا هذا الانتداب ويعلنوا تضامنهم مع أهالي دنشواي في التصدي للاعتداءات المتكررة التي يتعرض لها الشعب المصري بأسره هذا على المستوى الوطني

أما على المستوى القانوني فكان عليهم رفض هذا الانتداب خصوصا وهم يعلمون بعدم شرعية هذه المحكمة فلا تحقيق ولا استئناف ولا حتى اتفاق مع الأصول النظامية للقضاء في مصر وأن الغرض من إنشائها هو تثبيت أقدام الاحتلال في مصر مما يعني معه أن الإنجليز أرادوا أن يحتلونا ويضربونا ويحاكمونا بالرغم من أن البيت بيت أبونا.

وبعد فبالرغم من أن دنشواي كانت على مثل هذه الصورة البشعة، من احتلال وخيانة متمثلة في صاحب العطوفة بطرس غالي وسعادة أحمد فتحي زغلول إضافة إلى خيانة الهلباوي التي لم يغفرها له الشعب المصري إلى الآن وتقصير هيئة الدفاع المغلوبين على أمرهم فإن ذلك كله لم يكن شرا على مصر بل خير لها كان خيرا تمثل في ثورة مصرية التف لنصرتها وتكاتف جميع المصريين في مقدمتهم مصطفى كامل وساسة أفكارها من لماء الأزهر الشريف والأدباء والشعراء.

فها هو مصطفى كامل يقول أيها السادة لا يجعل أحد منكم أن الحركة الوطنية أزعجت الاحتلال ومحبي الإنجليز فحاربوها بدنشواي فخابوا وبزيادة جيش الاحتلال فأخفقوا وبتهمة التعصب الإسلامي ففشلوا وهاهم الآن يحاربونها بالخونة والمنافقين وإنهم لمخفقون أيضا في سياستهم الجديدة.

وها هو الموال الشعبي يؤكد أن لهب الشعب لن يخمد وأن قلوب المصريين لن تذرف دمعا بل القتال الدائم لطرد الاحتلال والخلاص من أعوانه:

شوفوا الإنجليز
جم بحري بدنشواي عدموه

يما أصعبه يوم

نهار زهران ووقفاته

ياما حزنت أمه وعياله وأخواته

وكان له أخ في الجهادي

نهار شنقاته ما فاته

ربنا خلق لنا مصطفى كامل

والرب كامل يشهد ما بين الإنجليز

وما بين رب العباد كامل

وخلق لنا حسين باشا البرنس

يقول غير الحقيقة

وكلام الحق ما تقلش

ولما جه السبع ما استناش

سافر بلاد الإنجليز

لم خل ولا بقاش

أهم زهقوه مات يا خسارة يامصطفى

طلب مكافأة لصاحب الدم

دفعوا له الطبل والمزايك والغم

أحمد بك اللئيم بده يجاربنه

وشهد معاهم لأجل

القرش والمال

يا رب تخرب بيوت العدا بحق

دعوة نبينا محمد مصطفى الرسل

وها هو حافظ إبراهيم يخرج على الملأ قائلا:

أيها القائمون بالأمر فينا هل
نسيتم ولاءنا الودادا

خفضوا جيشكم وناموا هنيئا

وابتغوا صيدكم وجوبوا البلادا

وإذا أعوزتكم ذات طوق بين تلك

الربا فصيدوا العبادا

إنما نحن والحمام سواء

لم تغادر أطواقنا الأجيادا

لا تظنوا بنا العقول ولكن

أرشدونا إذا ضللنا الرشادا

لا تصيدوا من أمة قتيلا

صادت الشمس حين صادا

جاء جهالنا بأمر وجئتم

ضعف ضعفية قوة واشتدادا

أحسنوا القتل إن ضننتم بعفو

أنفوسا أصبتم أم جمادا؟

أيها المدعي العمومي مهلا

بعض هذا فقد بلغت المرادا

قد ضمنا لك القضاء بمصر

وضمنا لنجلك الإسعادا

فإذا ما جلست للحكم فاذكر

عهد مصر فقد شفيت الفؤادا

لا جرى النيل في نواحيك يا مصر

ولا جاءك الحيا حيث جادا

أنت أنبت ذلك النبت

أضحى عليك شوكا قتادا

أنت أنبت ناعقا قام بالأمس

فأدمى القلوب والأكبادا

أيه يا مدره القضاء ويا من

ساد في غفلة الزمان وشادا

أنت جلادنا فلا تنس أنا

قد لبسنا على يديك الحدادا

وهل هو شوقي يدعي إلى الاحتفال الخاص بترقية أحمد فتحي زغلول إلى درجة وكيل لوزارة الحقانية نتيجة مجهوداته في دنشواي والذي أقيم في شبرد، فيرفض الدعوة ويرسل هذه الأبيات.

إذا ما جمعتم أمركم وهممتموا
بتقديم شيء للوكيل ثمين

خذوا حبل مشنوق بغير جريرة

وسروال مجلود وقيد سجين

ولا تعرضوا شعري عليه فحسبه

من الشعر حكم خطه بيمين

ولا تقرءوه في شبرد بل إقرءوه

على ملأ في دنشواي جزين.

وهذا هو الشيخ الصحفي السياسي الأديب عبد العزيز جاويش وبعد أن تفاعلت الأفكار القانونية والسياسية في ذهنه يكتب مقالا في جريدة اللواء بعنوان ذكرى دنشواي بمثابة استئناف مرفوع إلى الشعب المصري شرح فيه وقائع الحادثة وأبان مدى خسة الإنجليز وخيانة رئيس المحكمة المصيدة وأعضائها واعترض فيه على موقف المحامين ودفاعهم السلبي الخالي من أي دفع قانوني

أو حتى أي شعور وطني وطلب فيه تكليف الأمة بالكفاح المستمر للقصاص والخلاص من الاحتلال وأعوانه وأن تعلن للعالم أنه إذا كان قد تم لانجلترا احتلال أرض مصر والبعض من مواطنيها وأنه إذا كانت قد منحت نفسها محكمة مخصوصة لمعاقبة من يعتدي على جندها فإن لمصر محكمتها الشرعية المشكلة برئاسة شعبها والمختص بتنفيذ أحكامها ولن تكون الأحكام إلا الإعدام رميا بالرصاص في الاحتلال وأعوانه يقول جاويش.

(سلام على أولئك الذين كانوا في ديارهم آمنين مطمئنين فنزل بهم جيش الشؤم والعدوان فأزعج نفوسهم وأحرق حصادهم فلما هموا بصيانة أرزاقهم التي أعملوا في سبيلها أجسامهم ودابتهم وأرضهم وقاموا عليها يتعهدونها بالسقي والخفارة ويرقبونها في البكرة والعشي قيل إنهم مجرمون فسيقوا في السلاسل والأغلال وصلبوا على مرأى ومسمع من زوجاتهم وأمهاتهم وبناتههم وعيالهم وأصدقائهم وجيرانهم.

سلام على تلك الأرواح البريئة التي انتزعها بطرس غالي باشا رئيس المحكمة المخصوصة بقضائه من مكانها في أجسامها كما تنتزع سلوك الحرير من خلال الشوك قبضها بيده فقدمها قربانا إلى ذلك الجبار الظالم الغاصب القاهر القائم في بلادنا بنفقاتنا وضعه مقاصدنا المستبد بالأمر فينا بسبب تفرقنا ويرغبون في المال والرقي ولو شقيت في سبيل ذلك بلادهم واستبيحت حرماتهم.

سلام على أولئك الذين وقف هلباوي بك فثار فيهم ثوران الجبارين ثم انثنى علي رقابهم فقضمها وعلى أجسامهم فمزقها وعلى دمائهم فأرسلها تجري في الأرض تلعن الظالمين وتتوعد الآثمين نعم قام هلباوي بك مقامه المشهود وطلب من قضاة المحكمة الظالمة بذلك القلب المضطرب واللسان املتلجلج أن يحشر أهل دنشواي فيقدموا قرابين إلى هيكل الاحتلال الذي هو معبد الخائنين وقرة أعين المارقين فما لبث رئيس المحكمة بطرس باشا غالي.

وزميله قاضي دنشواي أحمد فتحي زغلول باشا أن استهوتهما الأموال واستغوتهما المناصب واسترهبتهما عظمة الاحتلال فأنطقهما بذلك الحكم الجائر لرغب في الألقاب والمناصب وعوز النفس إلى الشعور بالواجب.

أين كان لطفي بك السيد وبيانه؟ أين كانت حجته وبرهانه؟ أين كان قلمه ولسانه؟ أين كانت غيرته ووجدانه؟ أين كان قلبه وإيمانه ماذا عقد لسانه عن الدفاع؟ لم يكن موظفا فيعزل ولا معدل فيقتل أين كان محمد يوسف بك؟

الذي أجاب بعض سائليه عن تلك الجناية الكبرى التي ارتكبها بإهماله في الدفاع إذ قال ماذا جرى؟ فئة من خشاش الفلاحين اعتدوا على سادة البلاد وأصحابها فعوقبوا بما استحقوا.

وهل كان مقام القضاة في ذلك الأمر الكارث أشق على النفس من مقام من تقدموا للدفاع عن أولئك الأبرياء. مختارين جازمين ببراءتهم من التهم الباطلة والدعاوي المموهة التي أجرا هلباوي بك على الجهر بها تنسيقها وقدرت يده على تسطيرها وقوى لسانه على التحرك بها وهو يعلم أن حظها من الصحة كحظه من الوطنية وقربها من الحق كقربه في موقفه من العواطف الإنسانية

هل قال كلمته هذه لتروي عنه الإنجليز فيكرموا وفادته إذا وفد عليهم ويجيبوا مطالبه إذا هو أدلىبها إليهم ويأخذوا بيده إذا ما رغب إليهم في بعض وظائف الإدارة أو الاستثارة وإن يكن إنما رمي إلى تلك الغاية فهل جهل أن الإنجليز يكرهون الخائنين ويحبون خيانتهم ولا يقربون المفسدين إلا بمقدار ما ينتفعون منهم تضحك سنهم للمنافق وقلوبهم تلعنه ويرحبون بالمارق وصدورهم تضيق عنه إذ يكون مثله في ذلك مثل هلباوي في تلك الكارثة أن أقام صروح آماله على القضاء وتوقع عناية الإنجليز مثل ما أقر عيون رئس المحكمة وقاضيها وقد فاته أن للإنجليز غايات يعرفون كيف يلتمسونها ومقاصد لا يجهلون أسبابها ووسطاءها.

أوعز اللورد كرومر ما أوعز فعنت له الوجوه ونسيت الذمم وأعوزت القلوب الرحمة فنبضت الجفون وأزهقت الأرواح وترملت النساء ويتم الأطفال فما جني أولئك الذين طمسوا معالم العدل وأقاموا منار الجور لقد أصبحوا يشق وجودهم على الأرض ورؤيتهم على الأبصار وصورتهم على المسامع وذكرهم على الألسن وذكراهم على الصدور وهل هذا إلا قصاص عجله الله لهم في الدنيا ليرى الناس عاقبة العدوان ومحاربة الأوطان في سيل الشيطان.

وأما أولئك الذين بكتهم الأرض والسماء وروع لظلمهم العالم وانخلع لمصابهم قلب الإنسان في كل مكان فهم شهداء عند ربهم يرزقون وشهود ستنطق أيديهم وأرجلهم ورقابهم ودماؤهم بما ظلمهم قضاة المحكمة المخصوصة وقصر في الدفاع عن حياتهم المحامون يوم يؤتى بهؤلاء فلا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون وما ربك بغافل عما يعمل الظالمون.فلتذكر الأمة اليوم الذي أيقظها من سباتها وملأ قلوبها بالعظة والعبرة.

ونفوسها بالحمية والغيرة هذا اليوم الذي كشف أسرار المنافقين وفضح كيد الخائنين وأظهر حقائق المارقين الذين أشباحهم مع الأمة وقلوبهم مع المحتلين هذا اليوم الذي أنبأ العالم بما يفعل الاحتلال في هذه البلاد من المفاسد والمظالم واستبدل إلينا بذلك قلوب عشاق الحرية وحياة الحقوق الإنسانية في كل بقعة من الأرض هذا اليوم الذي كشف ما في الأمة من حزازات وأحقاد الصدور وآلام النفوس هذا اليوم الذي أرى المحتلين أنه ليس معهم إلا نفر باعوا بلاهم وذممهم وخسروا دنياهم وآخرتهم وأنه لا يرضي الأمة إلا أن تخلص من احتلالهم وتسلم من عدوانهم واغتيالهم.

ألا فلتذكر الأمة الثامن والعشرين من شهر يونيو ولتذكر أن للاحتلال أعوانا من بينهم يجب محاربتهم بالبغض ومعاملتهم بالحذر وسوء الظن وألئك الذين روي في أمثالهم علي أمير المؤمنين وإمام المتقين عن النبي عليه الصلاة والسلام الحديث الشريف إني لا أخاف على أمتي مؤمنا ولا مشركا أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه وأما المشرك فيقمعه الله بشركه ولكني أخاف كل منافق الجبان عالم اللسان يقول ما تعرفون ويفعل ما تنكرون.

وقد نشر مقال أو إستئناف جاويش في جريدة اللواء في الثامن والعشرين من شهر يونيو سنة 1909 فعدته السلطات الحاكمة قذفا في حق صاحب العطوفة بطرس باشا غالي رئيس الحكومة والرئيس السابقة للمحكمة المخصوصة وأحمد زغلول باشا وكيل وزارة الحقانية والعضو السابق للمحكمة المذكورة ومحمد يوسف بك المحامي وعضو هيئة الدفاع عن أبرياء دنشواي وقدموه للمحاكمة أمام محكمة عابدين.

االقضية الثانية: مقال ذكرى دنشواي

• استئناف يكتبه مصري يؤمن بالله.

• استئناف يكتبه عاشق للحرية وحارس عليها وساهر على حمايتها.

• استئناف يكتبه صحفي مصري حر استطاع أن يقوم بقلمه هجوما عنيفا على الاحتلال وأعوانه وانطلق يعلن على الملأ أن الموت مصير حتمي لما يقوم به الاحتلال وأعوانه من ظلم وعدوان وإزهاق للأرواح.

• استئناف يحاكم لأنه قرر أن الرصاص هي الحكم الوحيد للخلاص من جيوش الاحتلال بعد أن ظنت أنها لن تبيد أبدا.

• استئناف حاول الإنجليز الحكم عليه بالإعدام للقضاء على حرية الصحافة المصرية وإرهاب الحركة الوطنية.

كانت دنشواي فكان مقال ذكرى دنشواي الذي كتبه الأستاذ الشيخ عبد العزيز جاويش في الثامن والعشرين من شهر يونيو سنة 1909 ذلك المقال الذي فضح جميع أعضاء هيئة المحكمة المخصوصة وأبان خستهم ونذالتهم وأعلن على الملأ من مواطني مصر تقصير هيئة الدفاع عن منكوبي دنشواي وناشد جميع المصريين ببذل ما في وسعهم من جهد للخلاص من الاحتلال وكل خائن ومنافق ووصولي وانتهازي.

كانت دنشواي فكان مقال جاويش الذي اعتبرته الحكومة المصرية ومن ورائها الإنجليز إهانة وطعنا في كل من صاحب العطوفة بطرس غالي رئيس النظار وصاحب السعادة أحمد فتحي زغلول رئيس نظارة الحقانية ومحمد يوسف بك المحامي فقدمته إلى المحاكمة أمام محكمة جنح عابدين الجزئية برياسة القاضي محمود علي سرور وحضر عبد الحميد بدوي ممثل الاتهام وتولي الدفاع إسماعيل شيمي و أحمد لطفي السيد و محمود بسيوني.

وبعد سماع المرافعات التي كانت أول طلبات الدفاع فيها هي ضم كل أوراق محاكمة دنشواي والإطلاع على أوراق القضية وبعد المداولة صدر الحكم في 5 أغسطس بمعاقبة الشيخ جاويش بغرامة قدرها ثلاثون جنيها لهجومه على موظفين عموميين بسبب أمور تتعلق بوظائفهم وسعدت مصر بهذا الحكم وخرجت الصحف تمدح القاضي الذي لم يتأثر بمركز خصم جاويش صاحب العطوفة غالي باشا والإنجليز.

ولكن على الجانب الآخر اندهش الإنجليز لهذا الحكم وعللوه بأن هناك عوامل مختلفة شخصية ودينية وسياسية أثرت في القاضي محمود علي سرور في هذا الحكم ورأت أنه لابد من استئناف الحكم ووجوب إصدار حكم قاس على جاويش وأخبرت النيابة على استئناف الحكم فعلا

ولكن لم يأبه جاويش بما تكيد به انجلترا للصحافة المصرية وصحبة الأقلام الوطنية ابتداء من إعادة قانون المطبوعات على يد غالي باشا في 25 مارس 1909 وإصدار قانون العقوبات وما حمل من تعسف في محاربة الصحافة على ما تكتب وتنشر واستمر في هجومه العنيف على الاحتلال فكتب في خلال الأيام العشرين بين صدور الحكم عليه بالغرامة وبين الجلسة التي تقررت لنظر الاستئناف في 25 أغسطس عدة مقالات عندما عزمت انجلترا على تنفيذ حكم الإعدام في دنجرا الشاب الهندي الذي اغتال السير كرزون.

ويلي كان أعظمها المقال الذي صدر في نفس اليوم المقرر لتنفيذ الحكم على هذا الشاب جاء فيه اليوم تتقد نار الحق على إنجلترا في صدور الهنود اليوم يزداد سعيرها ويشتد لهيبها اليوم يضاعف هؤلاء القوم جهادهم في سبيل استقلالهم اليوم تتصدع دولة الاستعمار فسلام عليك يا دنجرا سلام ف ظلمات القبور.سلام عليكم كلما ذكرك الذاكرون سلام عليك حيا وميتا.

ونتيجة المقالات التي حررها جاويش عن دنجرا والتي كانت في نظر الاحتلال تحريضا على ارتكاب الجرائم مما يترتب عليه الإخلال بأمن والنظام العام وفي نفس اليوم المحدد للحكم الاستئنافي أنذرت السلطات البريطانية ومعها الحكومة المصرية جريدة اللواء عملا بقانون المطبوعات بحجة أنها نشرت مقالة عن شاب هندي يدعى دنجرا تحرض على ارتكاب الجرائم فكان أول إنذار للصحف تنفيذا لقانون المطبوعات وهذا نصه.

بعد الإطلاع على المادة 13 من قانون المطبوعات الصادر في 26نوفمبر سنة 1881 وعلى القرار الصادر من مجلس النظار بتاريخ 24 أغسطس سنة 1909 بالتطبيق للقرارين الصادرين من هذا المجلس بتاريخ 25 أغسطس 1909.

حيث أن جريدة اللواء قد نشرت بعدده الصادر في 17 أغسطس سنة على الطالب الهندي الذي اتهم بقتل السير كرزون ويلي وحيث إن هذه المقالة التي نشرت في يوم التنفيذ وكتبت بلهجة حماسية تعتبر إطراء حقيقا للمحكوم عليه وحيث إن هذا التصويب لعلم جان وامتداحه مع تكرره في عدة مقالا نشرتها هذه الجريدة وخصوصنا بأعدادها الصادرة في 10 و 11و 20 يوليو وفي 7 و 19 أغسطس سنة 1909 من شأنه التحريض والتشجيع على ارتكاب الجرائم الأمر الذي ترتب عليه الإخلال بالنظام والأمن العام قرر ما يأتي:

المادة الأولى: إنذار جريدة اللواء.
المادة الثانية: على مدير الجيزة نشر هذا الإنظار في صدر العدد الآتي منها.
المادة الثالثة: على محافظة القاهرة تنفيذ هذا القرار.
القاهرة في 25 أغسطس 1909

وصدر حكم محكمة الجنح المستأنفة في 25 أغسطس أيضا المشكلة برياسة بوغوص بك أغوبيان وكيل محكمة عابدين وعضوية المستر كلابكوت وإبراهيم بك يونس المستشارين وتولى الدفاع محامي جاويش أمام المحكمة الجزئية وبعد سماع المرافعات والإطلاع على الأوراق والمداولة بتعديل الحكم الابتدائي من الغرامة إلى الحبس ثلاثة أشهر فقوبيل هذا الحكم بالاستياء الشديد من المصريين والفرحة الشديدة من الإنجليز ظنا منهم أن الحكم على جاويش وإنذار اللواء في يوم واحد يقضي على حرية الصحافة ويعمل على إرهاب نضال المصريين فما كان لهم ما يظنون ولن يكون.

إجراءات المحاكمة

محكمة جنح عابدين

أولا: مرافعة ممثل الاتهام عبد الحميد بدوي وكيل نيابة عابدين نشر المتهم مقالا مذيلا يإمضائه ف يوم 28 يونيو تحت عنوان ذكرى دنشواي وهذا المقال خرج من حكم المعقول إلى أبعد حدود الإهانة، ويظهر أن الدفاع يريد تغيير أركان الجريمة ليدخلها في جريمة أخرى المادة 109 التي تعاقب ستة شهور أو غرامة 100 جنيه هذه المادة موجودة في القانون القديم.

ولكنها كانت غير صحيحة حتى غير القانون في سنة 1940 فزاد عليها مجلس الشورى كلمات ضمنت حرية الأفراد في الإثبات ضد الموظفين فإذا قذف أحد الموظفين في أمر كان له أن يثبت ذلك متى كان يحسن نية ولندخل في الدفاع في باب تهمة القذف وهل هي منطبقة تمام الانطباق مع هذه التهم أم لا القذف لا يثبت من ظروف خاصة.

ومقالة الشيخ عبد العزيز جاويش كما سمعتها المحكمة اليوم محتوية على إهانة وطعن في حكم نهائي صدر من محكمة مخصوصة وللمحكمة إذا قررتها أن تنظر في قضية دنشواي من جديد وتصدر فيها حكمها وترى نهائي صدر من محكمة مخصوصة الوقائع جميعها لا يمكن أن تأتي إلا إذا جئنا بقضية دنشواي وهذا شيء خارق للقواعد النظامية التي تحترم الأحكام النهائية التي صدرت من سلطة عليا والإثبات في هذه المسالة غير جائز قانونا.

لأنها خاصة بحكم نهائي ونسلم بعد ذلك جدلا أن الألفاظ التي وردت في المقالة يمكن إثباتها وقد أثبت الشراح الفرنسيون أن الانتقاد لا يصدر إلا عن ذوق سليم وقد خرجت هذه المقالة عن الانتقاد إلى الشيء غير المعقول ولا ننسى حسن النية التي أراد القانون إثباتها وأقل وصف وتعريف لها أن يكون غرضه المصلحة العامة لا ضرر الأشخاص والتشهير بهم والذي كتبه المتهم لا يقع تحت حسن النية ولا يقع تحت حكم الانتقاد والنيابة لاحظت الوصف الذي لا مغمز فيه.

شرح جريمة الإهانة

وقبل الخوض في الموضوع نقول: إنه لا يمكن للدفاعي إثبات التهمة لأنها تكون إهانة جديدة وليس هذا عندنا فقط بل في جميع الشرائع والقوانين من الأمور الأساسية أن الحكومة تقدر الأشياء حق قدرها فمثلا لو قال المحامي لوكيل النيابة أنت متحيز فهذا يعد إهانة

وقد أثبتت محكمة النقض أن الإهانة هي التي تحقر الموظف أمام أهل وطنه وإنني ألحظ في كلامي هذا سير المحاكم ونظامها وكيف تتكون الجريمة فما بال المحكمة بالألفاظ التي وردت في المقالة طمسوا معالم العدل وأقاموا منار الجور فهذه الألفاظ أولى بكثير من تهم أخرى تعتبر إهانة كان في ذلك الوقت عطوفة بطرس باشا غالي ناظر الحقانية بالنيابة فعين حسب القانون رئيسا للمحكمة المخصوصة

وعين بقية الأعضاء لتأدية الوظيفة التي قضي بها القانون أما القصد الجنائي فهو في هذه المقالة متوافر لأنه كتبت بعد ثلاث سنوات وبالطبع كتبها بعيدا عن المؤثرات حيث مضى على الحكم ثلاثة سنوات وكان له أن يذكر ويكتب خصوصا وقد سمي اثنين من الأعضاء وعبر عن أحدهما بقاضي دنشواي مع أن المحكمة مشكلة من خمسة أعضاء فالقصد حينئذ هو إهانة العضوين التحقيق تضمن شيئا غريبا.

فلما سئل الشيخ عبد العزيز قال: إنني ما قصدت في المقالة أحدا والدفاع اليوم يقول إننا نريد إثبات القذف على أن المقالة كلها لا تشتمل على لفظة من ألفاظ القذف نسب إلى الهلباوي بكل أنه أهمل في الدفاع ليقر عين رئيس المحكمة وهذا يدل على أن هناك اتفاقا وذكر محمد بك يوسف المحامي من أنه قصر في الدفاع وهذا أمر يعاقب عليه المحامي ويخل بشرفه لا بشرف المهنة أما الألفاظ الأخرى فهي بيع الذمة والخيانة والمروق من الوطنية.

وإنا نطلب منك اليوم يا حضرة القاضي أن تصدر حكما يبلغ من الشدة ما بلغت الألفاظ من الإهانة ولا نطلب العقاب عن إهانة وجهت إلى شخص يمثل الجانب العالي حال غيابه، بل نطلب منك يا حضرة القاضي أن يكون حكمك قاسيا هم يقضون على كل عمل بالتهور والطيش الأمة يا حضرة القاضي لا تحمل جناية فرد يجنى عليها نطلب منك أن يكون الحكم عادلا حتى يكون عبرة لهؤلاء.

مرافعة المدعي بالحق المدني اسكندر بك عمون المحامي عن المدعي المدني محمد يوسف المحامي:

كفاني حضرة النائب عن الحكومة شرح التهمة والألفاظ وأنا أقول إن الدفاع يريد تغير التهمة وقد قال المتهم في التحقيق إن الألفاظ التي قلتها تصح على قضاة المحكمة المخصوصة إن كان ما عملوه صحيحا وهنا التفسير السخيف الذي يصدر من حضرة الشيخ عبد العزيز وهو الرجل الذي يعرف توجيه الكلام ومراميه هذا الرجل يكتب ما يكتب حتى إذا جاء أمام القضاة يخاف وينكر رمي المتهم محمد بك يوسف وهو الرجل الفاضل المشهور بوطنيته بألفاظ هي غاية في السخافة والإهانة يأتي الدفاع اليوم ويقول إننا نريد إثبات التهمة بأن محمد بك يوسف قد ضحى بذمته لأغراض ينالها ومحمد يوسف ليس من الموظفين.

حضرة القاضي إن الشيخ عبد العزيز جاويش إذا حكم عليه لجريمة القذف تسر له العامة والشبان ويقولون إنه حكم عليه فداء لوطنه كلا فإنما يعاقب بجريمة قذف ارتكبها في حق محمد بك يوسف وأريد أن أحدد مركز موكلي أمام الشيخ جاويش فلا يوجد أحد يقول إن الشيخ جاويش يتأثر من حادثة دنشواي ومحمد بك يوسف لا يتأثر مع أن محمد بك يوسف أشد الناس استياء من حكم دنشواي.

حضرة القاضي إن حق الانتقاد لا يجوز للشخص أن يطعن في النقد بالإهانة وحينئذ كان يجوز للشيخ جاويش أن يقول غير هذا القول في ذكرى دنشواي مع أن المحكمة المخصوصة ليس لها قانون يرجع إليه المتهمون محرومون من حرية الدفاع الجائز أمام المحكمة النظامية فلا يصح أن نقول إن المحكمة أخطأت في الحكم ولا المحامي أن يقال له بعت ذمتك ونحن لا نصدق أن المتهم أصد وطنية من موكلي الذي ساقته وطنية للدفاع عن متهمي دنشواي تطوعا وأنا أقول شخصيا إن الحكم ظروفه شديدة وجائر والعيب ليس في القضاة بل في النظام.وأخيرا نطلب عشرة آلاف جنيه بصفة تعويض.

مرافعات الدفاع

مرافعة محمود بسيوني المحامي

أطلب أولا براءة موكلي الشيخ عبد العزيز جاويش ورفض الدعوى المدنية قبله استنادا إلى أن نسبة التقصير إلى المحامي المقصر في دفاعه لا تعد قذفا.

وبعد فلا بد من أن نفرق بين الإسناد والإخبار الرواية فالإسناد هو الخبر الذي يسنده الإنسان من عند نفسه أما الرواية فيدخل تحتها الإثبات كما يظهر من الشيء المنسوب إلى حضرة محمد بك يوسف في المقالة التي جئنا أمام المحكمة بسببها حيث حادث إخوانه في باريس بعد أن سألوه لماذا أهملت في الدفاع.

فقال: ماذا جرى فئة خشاش الفلاحين اعتدوا على سادة البلاد وأشرافها فعوقبوا بما يستحقون وهذه بلا شك قالها عند أصدقاؤه وليس الشيخ عبد العزيز جاويش بالمحاي المدقق الذي يفرق بين الإسناد والإخبار مع أنه نسب إلى بطرس باشا غالي وفتحي باشا زغلول ولكنه قالها رواية عن أصدقاء محمد بك يوسف الذي لا يصح له أن يقول ذلك القول في بلاد أوربية

فالشيخ عبد العزيز لم يقل هذا القول عبثا بل قال كيف يحل لمحمد بك يوسف أن يقول ذلك القول مع أننا من الفلاحين والفلاحون منا وكيف بذلك الرجل وهو من الأهمية بمكان عظيم مارس المحاماة زمنا وبلغ شأوا بعيدا كيف يحجب عنه الحقيقة إن الإنجليز لا يحبون النفاق هذا هو قول الشيخ عبد العزيز والشخص الذي يقول فئة من خشاش الفلاحين إلخ، يحكم عليه كل منا أنه خائن. ويدخل القذف في باب الافتراض الذي لا عقاب عليه كما تقول لإنسان أنت عديم الشرف إنما فعلت كذا فكأنني لم أنسب إليه عدم الشرف الآن.

ودفاع المحامي لا يتوقف عليه إزهاق الأرواح وتيتيم الأطفال إنما الذي يفعل ذلك الحاكم لا المحامي.المحامي الذي جاء أمام المحكمة وأهمل الدفاع في نقطة قانونية لم يتسوفها يمكن حينئذ للقاضي أن يطلب من رئيس النيابة إحالة هذا المحامي إلى مجلس تأديب.

أما محكمة دنشواي فلا قانون لها يرجع إليه المحامي أمام تلك المحكمة التي أبيح لها الحكم بما ترى له لزوما والألفاظ دالة على المعاني بمحمد بك يوسف الذي ضغط عليه أمام محكمة دنشواي ليس محمد بك يوسف الذي يأتي ويرفع علينا الدعوى ويطالبنا بتعويض ولا يعيب المحامي إلا أن يكون في مقدرته الدفاع عن المتهم ولا يدافع ولكن محمد بك يوسف أغلق عليه الكلام لأنه رأى الجنود محيطة بمحكمة دنشواي وهم شاهرو السلاح.

حضرة القاضي إنه قد جاء في حكم صدر من محكمة النقض والإبرام في فرنسا أن للقاذف حق إثبات حسن نيته وهنا يحق لنا أن نرجع للظروف التي أحاطت بالمتهم وقت كتابته هذه المقالة وبالطبع أن الكاتب إذا أراد أن يكتب في ذكرى دنشواي فأول خاطر يخطر له بأنها محكمة شاذة لا تتفق مع امتداد الثورة من الشمال إلى الجنوب هذه المحكمة المخصوصة التي أنشئت في بلاد كتب عن أهلها بأنهم في غاية البساطة وصفاء السريرة والأخلاق الحسنة.

حضرة القاضي إن الكاتب يتذكر أن أربعة حكم عليهم بالإعدام وبعضهم بالجلد والسجن فيتذكر أن يوم 28 يونيو كان شره يعمى صاحب الشعور الرقيق إذا رأى المشنوق الأول والثاني والثالث والرابع فكتب ما كتب وهو الذي تربى التربية الدينية في أزهر مصر وأتمها في أهم جامعات إنجلترا كتب ما كتب وهو لا يقصد بمحمد بك يوسف أي ضرر المبلغ الذي يطلبه محمد بك يوسف لأي شيء هل لضرر لحق به بمعنى أن هذه المقالة أثرت في شهرته التي ذاعت وشاعت وغضبت عليه الأمة في حين أن غضب الأمة لحق به وبكل محام قصر في الدفاع عن متهمي دنشواي من يوم الحكم للآن، فالضرر لم يلحق به من المقالة بل من قبلها.

مرافعة أحمد لطفي السيد المحامي

في مثل هذا الشهر من العام الماضي حوكمنا في مثل هذه المحكمة عن مقالة عنوانها دنشواي أخرى بناء على طلب حكومة السودان عن حادثة تسمى حادثة الكاملين وخلاصتها أنه قد وقعت في بلدة الكاملين بالسودان ثورة برئاسة زعيم يدعى الشيخ عبد القادر فجردت عليها الحكومة قوة من الجيش نكلت بالثائرين وقتلت عددا كبيرا منهم وقبضت على زعيم الثورة وكثير من أتباعه وقدمتهم للمحاكمة أمام المحكمة المدنية منعقدة من يوم 19 مايو سنة 1908 إلى 23 منه وفي نفس اليوم أصدرت حكما على 12 شخصا منهم الزعيم عبد القادر بالإعدام وعلى ثمانية بالسجن المؤبد ومصادرة أملاكهم.

ولما عرض الحكم على حاكم السودان العام استبدل بحكم الإعدام السجن المؤبد مع مصادرة أملاك المحكوم عليهم وترامت أنباء الحادثة والمحاكمة إلى مصر وتضاربت فيها الروايات وأمسكت الحكومة بدئ الأمر عن نشر أبنائها فنشر اللواء في عدد 28 مايو سنة 1908 النبأ الذي ورد عنها تحت عنوان دنشواي أخرى في السودان – 70 مشنوقا و13 سجينا وذكر النبأ أنه حكم بالإعدام على سبعين رجلا وبالسجن على ثلاثة عشر وأنه أعدم من المحكوم عليهم أربعون شخصا وقد صححت وزارة الحربية تفاصيل النبأ عنوان (الحكم على أتباع الزعيم عبد القادر) أظهر فيها الشك في بلاغ وزارة الحربية.

وقال إن عدد المحكوم عليهم بالإعدام يزيد على اثنى عشر شخصا فعدت الحكومة هذه المقالة إهانة لوزارة الحربية وعدت النبأ إذاعة لإخبار كاذبة يترتب عليها تكدير السلم العام وأقامت النيابة الدعوى العمومية على الشيخ جاويش لمحاكمته عن التهمتين ونظرت القضية في شهر يوليو سنة 1908 أمام محكمة عابدين الجزئية أيضا برئاسة المرحوم محمد بك السبكي قاضي المحكمة وجلس في كرسي النيابة عطية بك حسني رئيس نيابة مصر.

وتوليت الدفاع أنا وزملائي من المحامين إسماعيل بك شيمي ومحمود بك فهمي وبعد أن سمعت المحكمة مرافعة النيابة ودفاع المحامين أجلت إصدار الحكم أسبوعا ليوم 4 أغسطس سنة 1908 وفيه قضت ببراءة الشيخ جاويش من تهمة نشر الخبر الكاذب ومعاقبته بغرامة عشرين جنيها عن تهمة إهانة وزارة الحربية

واستؤنف الحكم واستأنفته النيابة لقلة العقوبة ونظرت القضية يوم 30 أغسطس أمام محكمة الجنح المستأنفة وكانت مؤلفة برياسة محمود رشاد بك رئيس محكمة مصر وعضوية محمد بك عبد اللطيف وزكريا أو السعود مشتارين فقضت ببراءة الشيخ جاويش من التهمتين.

وبعد فلندخل في شرح التهمة الموجهة إلينا من النيابة العامة عن مقالة نشرناها في 28 يونيو الماضي بأننا نسبنا إلى بطرس غالي باشا وفتحي زغلول باشا أمورا مهينة بأن نبسنا إلى الأول انتزاعه الأرواح البريئة والثاني بأنه نطق بالحكم طمعا في المناصب العالية هذه المقالة نشرناها بنية حسنة تنطبق عليها أحكام الفقرة الثانية من المادة (261) ع.

إن الأصل في التشريع أن كل شارع حرم على الفرد جرح عواطف وشعور الشخص الآخر ولما كان جرح الإحساس والشعور يختلف بنسبة الأشخاص وفيما يتعلق بالوظائف قسم الشارع الفرنسي الإهانة التي تحلق بالأشخاص إلى جملة أقام وما يلحق بالموظف ولكنه عاد بعد ذلك فعدل في شرحه وعقبه بقانون الصحافة

وسمح لأي فرد من الأفراد أن يطعن على الموظفين إذا أراد الإثبات لقد قلت إن سنة 1881 لم يصدر فيها قانون الإهانة لكنه ألغى وجاء بعده قانون الصحافة ثم جاءت سنة 1838 ووضع فيها القانون المصري ونص على الأفعال التي تقع من الأفراد على الموظفين بالسبب أو الافتراء أو الشتم بسبب أعمال الوظيفة يدخل تحت أحكام المادة 124 من قانون العقوبات القديم والخلاصة أن هذا القانون لا يعاقب على الإهانة.

وذهب هذا القانون وجاء قانون 1904 بتعديلات مهمة وقرر مبدأ وحقا طبيعيا وهو حق الطعن على الموظفين متى كان الطعن يمكن إثباته ووضع الشارع المصري والقانون الجديد لفظة إهانة بدل لفظة الشتم في القانون القديم حيث قررهما وساواهما في مستقر واحد كما وضع في القانون سب وافتراء وأباح للأفراد توجيهها إلى الموظف متى ارتبطت بأمور معلومة،

وبعض الشراح عرف من كلمة إهانة بأنها كلمة مبهمة تشتمل القذف والسب لكن القانون جرد هذه الألفاظ وسماها بأسماء مخصوصة فقبيل القذف والسب من الأفراد في حق الموظفين وبقية كلمة الشتم وهي التي قامت مقامها الإهانة إذ تقرر ذلك يجب أن نبين للقضاء الشروط التي تشترطها المادة 159:

الإهانة في أثناء تأدية الوظيفة فإذا قلت لأحد الموظفين يا ضرير الأبعد فأكون أهنته بسبب تأدية الوظيفة ولكن الإهانة التي تلحق بالموظف في أثناء تأدية وظيفته أهم وأدق من الشيء الذي تقدم فإذا قلت لقاض وكيف يجب لمثلك أن ترفع الدعوى على يا كلب ويا خنزير أكون أهنته بسبب من الأسباب العامة.

النيابة تناقض نفسها بنفسها

وقد ضحكت كثيرا عند الاطلاعي على ورقة اتهامنا في أننا نسبنا إلى عطوفة الباشا وزميله الإهانة وق حققتها النيابة وهي تعترف أن التهمة قذف لكنها أرادت ألا يخرج المتهم بريئا وهو أمر لا توده الحكومة بل تود أن يخرس ولا يتكلم أترفعه قذفا وهي تعلم ما وراء هذه التهمة والأغرب من ذلك أن النيابة كانت توجه الأسئلة إلى المتهم وتقول أنت طعنت في ذمتهما ونسبت لهما أمورا فإذا كانت النيابة لا تريد أن تتمسك فالمحكمة كذلك يجب ألا تتمسك بالتحقيق.

حضرة القاضي إن موكلي لم يقل ما قال إلا للظروف والمناسبات والوقائع التي حدثت في زمان ومكان معين فبطرس غالي باشا وقف أمام الاحتلال وقفة العبد أمام إله وقدم له القربان بأن نطق بالحكم على شهداء دنشواي.

حضرة القاضي نعم إن من أسند إلى بطرس باشا واقعة معينة وهي حكمه على أربعة من الأبرياء في دنشواي لم تكن عبارته مبهمة إضافة إلى أن قوله تقديم القربنا لا يعد إهانة وإن ما وجه إلى فتحي باشا لا يعد إهانة أيضا فهو قد خاف من سلطة الاحتلال ومن رهبته فنطقا بما نطقا وكل عبارة من المقالة لا تعد إهانة دائما إذ يؤخذ من مجموعها ما يحط بكرامة الموظف وهل حب المناصب والرتب يعد عيبا.

وهل عبارة نقص الشعور بالواجب إذا قيلت في الظروف السابقة تعد أمرا مهينا وهل تدخل تحت أحكام القذف والطعن. حضرة القاضي إن النيابة تتهرب من الإثبات فأتت بأمور غريبة وأتت لنا بالإهانة التي لا يمكن إثباتها

وقالت لنا إن الحكم صار نهائيا ولا يمكن إعادة النظر فيه وهذه سفسطة لا يعبأ بها ألا ترى الشرائح الفرنسيين ينتقدون الأحكام التي تصدر من محاكمهم النظامية ولهم حق أن يطالبوا هؤلاء القضاة بتعويضات نحن لا نطلب منهم تعويضات إنما نطلب أن نبرأ ونثبت أن الأعمال التي أتاها بطرس غالي وفتحي باشا عن حقيقة وأن ما كتب عنهم هو الحق فهل الشيخ من المحكوم عليهم في دنشواي هل هو أحد الأربعة الذين حكم عليهم بالإعدام وهم أبرياء يمكن للمحكمة أن تعلم أن الحكم جائر من الدكريتو الصادر بتشكيلها

ومن العقوبات التي تحكم بها المحكمة وأنه لا يوجد لها مثيل في قانون العقوبات وإذا أثبتنا الأقوال التي قلناها عن بطرس غالي فتكون نيتنا حسنة وعبارة المقالة تدل على أن الشيخ جاويش كتبها وهو متأثر بالشعور الشريف بعد أن كتب عنها أهل أوروبا في جرائدهم بما فيها الإنجليز نعم كتبها وهو ملم بالمسألة كلها.

وليس بين بطرس باشا وبين الرجل المعمم عداوة مطلقا وقد كتب مقالا فهذا الرجل الذي مدح بطرس باشا لا يمكنه أن يذمه مطلقا فموكلي لا يعرف الأشخاص وإنما يعرف الأعمال وهذه الحادثة كلنا نتذكرها لأنها صحيفة من صحف التاريخ حادثة شنق فيها الآباء أمام الأبناء فلا يمكن للمصري أن ينساها يوما من الأيام فكيف بالرجل الذي يبكي من كلامي الآن ألا يبكي من ذكرى هذه الحادثة.

وفي النهاية نطلب من المحكمة أن تضم أوراق دنشواي إلى هذه القضية وتحليلها على التحقيق لتثبت للملأ سلامة نيتنا. وتحكم في هذه القضية بأنها من قبيل الطعن والقذف لا من باب الإهانة يا حضرة القاضي إننا أمام القاضي العادل الذي سيصدر حكمه بما يدله عليه ضميره وحسن نواياه.

نحن أمام محكمة لا تتأثر من أقوال الخصوم الذين يتحدثون في المجالس الخصوصية بالحكم علينا فذا حكمت بالبراءة كان حكمك حقا وعدلا إذا حكمت بالإدانة كان الرأي رأيك

• حكم محكمة جنح عابدين الجزئية:

حكمت المحكمة حضوريا بتغريم الشيخ جاويش وبإلزام أن يدفع ثلاثين جنيها على سبيل التعويض للمدعي بالحق المدني.

المرافعات أمام محكمة الاستئناف: المشكلة برياسة بوغوص بك إغوبيان وعضوية إبراهيم بك يونس والمستر كلابكوت.

مرافعة النيابة العامة عبد الحميد بدوي

نشر الشيخ عبد العزيز جاويش في 28 يونيه سنة 1909 مقالة بقلمه وإمضائه تحت عنوان ذكرى دنشواي وهي تتلخص في أنه نسب إلى عطوفة بطرس باشا أنه انتزع بقضائه أرواحا وقبضها بيده وقدمها قربانا إلى الجبار الظالم الغاصب القاهر وإليه وإلى سعادة فتحي باشا إنهما استهوتهما الآمال واستغوتهما المناصب واسترهبتهما عظمة الاحتلال.

فانطقهما بذلك الحكم الجائر لرغب في الألقاب والمناصب وعوز النفس إلى الشعور بالواجب وإلى حضرة محمد بك يوسف أنه أجاب بعض سائليه عن تلك الجناية الكبرى التي ارتكبها بالإهمال في الدفاع إذ قال ماذا جرى فئة من خشاش الفلاحين اعتدوا على سادة البلاد وأصحابها فعوقبوا بما استحقوا إلخ..

وأن اللورد أوعز ما أوعز فعنت الوجوه ونسيت الذمم وأعوزت القلوب الرحمة ثم قال عنهم جميعا إنهم أصبحوا يشق وجودهم على الأرض وأصواتهم على المسامع وذكرهم على الألسن وذكراهم على الصدور وما هم بعد ذلك بالخيانة والنفاق والفساد وبيع الأسرار والذمم وخسران الدنيا والآخر ودعا الناس في آخر المقالة إلى محاربتهم بالبغض ومعاملتهم بالحذر وسوء الظن.

هذه هي الإهانات القبيحة التي كالها ذلك الكاتب جزافا ونثرها نثرا في مقالته فخرج فيا عن موضوعها وهو ذكرى دنشواي وإن أعراض الموظفين وشرفهم ينبغي ألا تكون هدفا للإهانات ومرمى للمطاعن الفاحشة وأن تكون منزلة بني الاحترام والانتقاد.

أمام هذه الأقوال ثم رفع الدعوى العمومية ورأت النيابة أنه وإن اشتملت المقالة على إسناد بعض أمور معينة إلا أنها جاءت على شكل مبهم نوعا وسلك الكاتب فيها مسلك التعميم ورأت أن نسيج المقالة هو الإهانة لكثرة ما ورد فيها من عبارات التحقير فلما سئل الشيخ عبد العزيز جاويش في التحقيق ليبين عن قصده نفي أنه يقصد إسناد وقائع معينة وحصر مقاصد المقالة وعباراتها في معنى واحد.

هو أن الاثنين معا كان يصح لهما أن ينظما في سلك محكمة سياسية هي مظنة التنظيم فلم نجد بدا إلقاء تعميم الأمور التي وردت بالمقالة واتهامها وانتشار معنى الإهانة في أجزاء المقالة وتأكيد الكاتب أنه لا يقصد الطعن أو نسبة أمور معينة نقول لم نجد بدا إلقاء هذه العوامل من وصف التهمة بأنها إهانة بدلا من القذف.

وما كان غرضنا مطلقا أن نتهرب من وصف التهمة بأنها قذف ولا يمكن أن نقصد ذلك بعد أن صرحنا في أقوالنا أمام محكمة أول درجة بأن العمل معاقب عليه سواء اعتبر قذفا أو سبا أو إهانة ومن يلم بشروط القذف المباح فينبغي وجودها في هذه المقالة فلم لا يقصد ذلك من يعلم بأن المحكمة لها حق في تصحيح الوصف إذا رأت أن الوصف الذي أعطى للمتهم لا ينطبق عليه بل ينطبق على وصف آخر.

بينما الدفاع طلب اعتباره قذفا وقرر توافر شروط القذف وانطباقها عليها ومحكمة أول درجة وافقت على هذا الرأي فنحن لا نعارض في اعتبار الواقعة قذفا وسنتكلم اليوم عن التهمة باعتبارها قذفا فإن كانت هذه المحكمة ترى بعد ذلك أن الواقعة إهانة فشروط الإهانة متوافرة كما شرحناها في المرافعة أمام محكمة أول درجة.

يعترف الدفاع بتوافر الموضوع جميع شروط القذف في عبارات المقالة الموجهة إلى عطوفة بطرس باشا وسعادة فتحي باشا ويقتصر على البحث في سلامة نية الكاتب ومن أن المقالة لم تكتب بروح غير روح الانتقاد للإفاضة في توافر شروط القذف العامة ما دام الدفاع نفسه يعترف بتوافرها في غير موضع.

عاقب القانون المصري على القذف على وجه العموم ثم أفراد حكما لقذف الموظفين فيما يتعلق بوظائفهم فإذا انتقد كاتب بعض أعمالهم فتضمن ذلك الانتقاد قذفا أو سبا جاز له أن يثبت صحته وحسن نيته في إيراده فييرأ من العقاب أراد.

القانون أن يكون على الموظفين رقباء في أعمالهم حتى إذا اعوجوا ساعدوا على كشف حقائقهم وإبلاغها إلى رؤسائهم ولكنه أوجب أن يكون ذلك بقصد المنفعة العامة وأن يكون النشر بحيث يقنع بصحة ما جاء فيه من وقائع القذف وحرم على الكاتب أن يسرعوا إلى نشر وقائع القذف من غير تقدير ولا تثبت واشتراط لبراءة المتهم من القذف أن يقع القذف أو السب في انتقاد وأن يثبت الكاتب صحة مارمي به الموظف.

عبر القانون في النسخة العربية من قانون العقوبات عن الشرط الأول بالطعن في الأعمال وهي مترجمة عن الكلمة الفرنسية critique تحريف عن أنه استعمل كلمة الانتقاد في التعليقات عند شرح هذه المادة وهي الترجمة الصحيحة كما يعلم ذلك كل من يفهم مدلول الكلمتين في اللغتين

ولا نزاع في أن القانون بوضعه هذه العبارة يريد أن يجعلها شرطا قائما بذاته للبراءة من القذف ولا يمكن أن يكون قد قصد بها التعبير عن القذف لاختلاف مدلوليهما اختلافا كليا كما أنه لم يضعها عبثا ولو أن الانتقاد شرط يتعلق بصياغته الكتابية وحسن النية شرط لتلك الظواهر النفسية

وتلازم الانتقاد وحسن النية متعلقة بمقدار توفيق الكاتب بين قلمه وفكره على أنه يمكن تصور الانتقاد منفصلا عن حسن النية أي أن يكون الانتقاد لسوء نية ولكن لا يمكن تصور حسن النية في المادة (261) منفصلة عن الانتقاد.

عرف الانتقاد لغة بأنه البحث يقصد مدح العمل الصالح وذم غيره لاروس وعرفه الشراح الفرنسيون كارنتيه بأنه البحث المؤسس على أسباب أو المناقشة لعمل من الأعمال ذلك البحث الذي يستهدف بالأسباب والمبادئ لتقدير الواقع أو العمل المعين وهو الذي يفرض أن يحمل في طيه حسن النية هذا التعريف يتعلق بنوع من الانتقاد دون نوع آخر أي أنه في كل موضع على حدته بل الانتقاد صورة واحدة ينتج تطبيقها على المواضيع المختلفة بنتائج متنوعة ولكن صفته العامة لا تتغير بتغير المواضيع التي يتسعمله فيها.

التعريف الذي سبق لنا إيراده يختص بالانتقاد الذي لا يتضمن قذفا وهو الانتقاد المباح طبعا وشرعا والذي ليس فيه ما يستوجب المحاكمة بشكل من الأشكال هذا هو الانتقاد الذي أباحه القانون المصري وأباح معه أن يتضمن وقائع قذف إذا اقتضى الحال ذكرها إيضاحا وتقديرا للانتقاد

وبشرط إثبات صحتها وحسن النية فيها فلا محل لاعتراض حضرة المحامي بأن الانتقاد قد يشمل وقائع فإننا لا ننكر عليه ذلك وإنما الذي ننكره أن يتضمن الانتقاد وهو طريقة البحث المؤدبة الرزينة المبنية على أسبا ننكر أن يتضمن ما يفيد التحقير والغلو في الذم والخفة في الحكم ننكر أن يكون الانتقاد خاليا من بيان الأسباب التي كونت اعتقاد الكاتب أو الإشارة إليها ننكر أن الانتقاد يخلو من هذه الصفات جميعها وهي طبائعه الأولى.

وإن اشتمل الانتقاد على وقائع قذف لا يبيح مطلقا أن يخرج عم موضعه ويصبح سلاحا تحمي به الكتابات السفيهة الخالية مما يكون الاقناع إذ غاية ما في القذف إسناد وقائع معينة لو صحت لأوجبت العقاب قانونا أو الاحتكار عند أهل الوطن وليس فيه غير ذلك فإذا أجيز القذف بشرط وقوعه في انتقاد تحتم أن ينشر مع وقائع القذف ما يسهل الاقتناع بما فيها والتصديق له وقد اشترط القانون حسن النية وجعل من ضمن شروطها أن يعتقد القاذف في ضميره صحة الأمور التي أسندها إلى الموظف.

وأن يكون قد قدرها تقديرا كافيا أفلا يكون من الواجب أن يظهر ذلك في النشر حتى يكون سببا إلى اقتناع الناس وسببا بعد ذلك على إقناع بحسن نية القاذف أي أنهيج عليه أن يعرض على الناس أسباب اقتناعه وذلك عين الانتقاد الذي تقدم لنا شرحه.

ثم إذا كان نفي وقائع القذف جائزا للموظفين أمام المحكمة أفلا يكون نتيجة عن هذا انه كما كان للقاذف أن يلصق الأمور التي تكون القذف بطريق النشر يكون للمقذوف في حقه أن يبرئ نفسه من تلك الأمور بذلك الطريق عينه وأن له ذلك إذا كانت الأمور المنسوبة إليه ليست مؤسسة على أسباب ولا هي موضوعة بشكل يحتمل المناقشة إلا أن ينكر كل ما قذف به إنكارا جافا وليس في ذلك كبير نفي.

ربما قام في سبيل تسليم حضرات المحامين بالشرح المتقدم تأثرهم بشروح القانون الفرنساوي في هذا الموضوع حيث لا يجدون أثرا لهذه القيود وحيث يجدون قذف الموظفين مباحا كائنا ما كان بشرط إثبات صحة الوقائع فقط ولكن ذلك الشك يوشك أن يزول إذا علموا وهم يعلمون أن القانون المصري قد أقام بينه وبين القانون الفرنساوي في هذا الموضوع حاجزا كثيفا باشتراط الانتقاد وحسن النية للبراءة من القذف.

يتضح من مراجعة التعريفات وشرحها ومن نص المادة 261 التي تشترط الانتقاد صراحة وتشترط حسن النية أيضا وهو شرط ينتج فيه حتما اشتراط الانتقاد ولو لم يكن مصرحا بوجوبه لأن حسن النية في المادة (261) لا يمكن أن تتخذ لنفسها مظهرا غير الانتقاد ومن مراجعة التعليقات التي تعرف الانتقاد بأنه إظهار رأي يتضح من ذلك كله أن الذي يسمح بإثباته هو القذف الذي يكون نتيجة طبيعية للانتقاد وأنه إذا انتفى شروط الانتقاد امتنع الحكم بالبراءة في تهمة القذف.

أما حسن النية التي يشترط ثبوتها في القذف الجارح حتى تصح براءة المتهم منه فنكتفي في شرحها بما ورد في التعليقات وشرط حسن النية هو مسألة من المسائل المتعلقة بالوقائع يمكن أن تقرر لها قاعدة ثابتة لكن يلزم على الناقد أن يكون موجه الانتقاد ويعتقد في ضميره صحته حتى يمكن أن يعد صادرا عن سلامة نية

وأن يكون قدر الأمور التي نسبها إلى الموظف تقديرا كافيا وأن يكون انتقاده للمصلحة العامة إذا تقرر ذلك وتقرر أن يفرض في جريمة القذف على وجه العموم توافر سوء النية فلنراجع المقال لنرى هل ما ورد بها انتقاد بحس نية أم شيء آخر.

وصف ما وقع من الكاتب بأنه انتقاد بحسن نية جاء متأخرا وفي المرافعة فقط وإلا فإن الذي ينكر قصده الصريح في عبارة استهوتهما الآمال إلخ ولا يزال يتلمس الأسباب والأدلة من المقالة على غير طائل ليثبت بها أنه لم يقصد الطعن مطلقا

إذ يقول في التحقيق إن عبارة اقر عيون رئيس المحكمة وقاضيها الواردة في محل آخر من المقالة يدل على أنها لم يكونا يريدان شيئا وإذ ينكر أنه يقصد أحدا بقوله أوعز اللورد كرومر ما أوعز فنسيت الذمم إلخ وإذ ينكر في الجلسة التهمة الموجهة إليه المبنية على أقواله الصريحة نقول إن الذي يكون هذا شأنه في بيان مقاصده لا يمكن أن يفهم أنه منتقد من الصنف الذي إذا انتقد كان مستعدا للإثبات هذا الاستعداد للإثبات الذي سمعنها من الدفاع كثيرا أو الذي لم نر وراءه شيئا آخر لا يؤثر في كيفية تكون جريمة القذف فقد وقعت الجريمة وقت كتابته المقالة.

وانتفى فرض أنها انتقاد يستعد الكاتب لإثباته بطبيعة الكتابة وبمجرد سؤاله الكاتب عن قصده من كتابها فهو أحسن رجل يمكن أن يعرف إن كانت الوقائع التي تضمنتها المقالة يمكن إثباتها أم لا بل هو الوحيد المطالب بذلك وكل ما يجئ على لسان الدفاع تحصيل حاصر ورأى مختمر وتناقض غريب.

وإذا كانت الجريمة حصلت بحالة وظروف معينة فلا يمكن أن ظروفا تعرض بعد ذلك أن يكون لها شأن في تغيير كيان الجريمة ومقوماتها لا يقول فقط أنه ليس لدفاع المحامين بإثبات صحة الوقائع قيمة قانونية بل إن المقارنة بين أقوال الكاتب في التحقيق وأقوال الدفاع في الجلسة تستدعيا العجب فبمقدار ما كان الشيخ عبد العزيز جاويش يفر من صراحة نسبة الإهانات التي وجهها إلى المجني عليه جميعا كان المحامون يستقبلون هذه الأقوال بصدر رحب وجنان برئ ووجد فيهم دفعة واحدة الاستعداد لإثبات كل ما جاء بالمقالة.

الذي يريد الانتقاد ويحسن النية لا يرسل نسب الخيانة والنفاق والمروق إلخ جزافا من غير أن يشير بشكل صريح أو أن يثبت بتحديد العمل الذي استحقوا عليه الأوصاف جزاء وفاقا بل ماذا في المقال جميعها كان مبنيا على أسبابا أو كان على شكل يحتمل المناقشة.

أين الانتقاد وحسن النية من الذي يدعو إلى محاربة المجني عليهم بالبغض ومعاملتهم بالحذر وسوء الظن؟ وماذا يكون قيمة الاستناد إلى مدح الكاتب لعطفة رئيس النظار في حادثة الأزهر إذا كان هذا رأيه فيه وهذه دعوته للناس عن حادثة حصلت وانتهت قبل أن توجد حادثة الأزهر بزمن طويل وماذا في هذه الأوصاف والنسب قدره الكاتب تقديرا كافيا أو اعتقد في ضميره صحته وهو قد زلزل يقينه أمام التحقق وعاد منكرا كل طعن؟

ثم كيف تكون المقالة انتقادا أو يكون الكاتب سليم النية فيها وهي قد ضمنت من عبارات الإهانات شيئا كثيرا فينما يعبر عن فتحي باشا بأنه قاضي دنشواي إذ يقول عن الجميع أنهم أصبحوا يشق وجودهم على الأرض وذكرهم على المسامع إلخ..

ويعب عن عطوفة بطرس باشا في غير التذكير بحادثة دنشواي رئيس محكمة دنشواي وهي ليست وظيفة أو عملا فهل المقالة التي حشوها كل هذه العبارات تكون انتقادا بسلامة نية لا يمكن أن يكون الأمر كذلك وموضع المقالة التذكر والتشنيع كما يدل عليها عنوانها لا يكون ما في المقالة انتقادا بسلامة نية والكاتب ينشر بعد الحكم بيومين فقط رسالة من الإسكندرية يعبر فيها عن بطرس باشا برئيس محكمة دنشواي وينشر بعدها مقالة عنوانها الجرائد الحرة والموظفون بقلم المتهم وإمضائه ملؤها التهكم والاستهتار.

ثم من أين أتى للكاتب أن الاثنين اللذين ذكر اسميهما في المقالة كان لهما رأي مخصوص في الحكم مع أن سر المداولة لا يبيح له أن يعلم أن يحدس رأي أحد القضاة والأسباب التي بني عليها رأيه وعلى الخصوص في قضية كهذه صدر الحكم فيها من محكمة أخرى فإن سر المداولة يمنع القضاة أن يبوحوا بها فلا يمكن استعمال حقهم في إثبات العكس من أين أين أتى له ذكره وهو نفسه يقول في التحقيق لا يمكن أن يعرف إن كان الحكم باتحاد الآراء أو لا؟

نحن لا نمنع الكاتب التذكير بحادثة دشنواي كما أن الدعوى العمومية لم ترفع عن هذا التذكير وليس في وسعنا ذلك إذا أردناه فمن العنت إفراغ الجهد في إثبات أن الحادثة لا يمكن أن تنسى ومن العيب الادعاء على النيابة أنها تريد أن تجعل الحادثة نسيا ومنسيا فإنها لم ترد ذلك ولا قالت شيئا يستفاد منه ذلك المعنى بل قالت على عكس ذلك قالت إنه كان للكاتب مندوحة عن الطعن والتشهير بالرجال إلى التذكير بالحادثة بطريقة آخرى مشروعة كما فعل ويفعل غيره فالشيء الذي رفعت عنه الدعوى العمومية كما يظهر من هذه الأقوال

ومن المقالة ليس هو التذكير بحادثة نشواي وإنما هو الطعن والتشهير بالرجال وإذا كانت المقالة قد كتبت بعد الحادثة بثلاث سنيني فمن المحتم أن الكاتب كتبها بعيدا عن تأثير الانفعالات الوقتية فكان يجب عليه أن يزن الكلام ويتدبر مراميه ويستشعر أي مسئولية يجرها على نفسه بإرسال هذه الأقوال جزافا فإذا كان ذلك شيئا لم يأخذ نفسه به ولم يمرنها عليه فذلك ليس ذنب الدعوى العمومية.

وهل إذا كانت حادثة دنشواي من الهول والشناعة على ما وصف المحامون أيكون ذلك مبيحا للكاتب أن ينتهك أعراض المجني عليهم الثلاثة ويستحل حرماتهم بدون ذنب وإلى هذه الدرجة فترى المحكمة مما تقدم لنا شرحه أن المتهم لم يكتب انتقادا لخلو المقالة جميعها من بيان الأدلة على صحة وقائع القذف بل لخلوها مما يمكن أن يكون الاقتناع بشكل من الأشكال وأنه لم يكن حسن النية ومن المعلوم أنه إذا لم يتوافر حسن النية فلا يترتب على إمكان إقامة الدليل على صحة الأفعال المنسوبة إلى الموظفين بعقوبة.

وبناء على ذلك يكون ما وقع من المتهم معاقبا عليه بالفقرة الأولى من المادة 161 والفقرة الثانية من المادة 261 والفقرة الثانية من المادة 262 عن الوقائع المعنية المنسوبة إلى الموظفين وإلى محمد بك يوسف وبالمادة (159) من الألفاظ الإهانة وعبارتها التي تتكررت في المقالة وأشررنا إليها وبالمادة (32) عن جميع هذه الجرائم لوقوعها في مقالة واحدة لغرض واحد.

أما عن قذف حضرة محمد بك يوسف فإنني أعضد مذكرة حضرة الأستاذ اسكندر بك عمون وأؤيد كل ما جاء سوى كلامه في التعويض فليس للنيابة شأن فيه وأترك لحضرته الكلام في تلك التهم.

أما عن الحكم الابتدائي فقد اشتمل على خطأين في التطبيق الأول أنه حكم بعقوبتين عن جريمتين وقعتا لغرض واحد وهما مرتبطتان ببعضهما بحيث لا يقبلان التجزئة والصحيح في ذلك اعتبارهما جريمة واحدة والحكم بالعقوبة المقررة لأشد هاتين الجريمتين كما هو نص الفقرة الثانية من المادة (32) وفيها فقرتان تشتملان على عقوبتين مختلفتين ولم يبين أي فقرة طبق والصحيح أنها الفقرة الثانية وهي التي نطلب اليوم تطبيقها.

أما قول حضرة الأستاذ الشيمي بك إنه لم تحصل مرافعة في القذف فربما قال ذلك لأنه لم يطلع أو لم يسمع مرافعة زميله الأستاذ لطفي بك وطلباته ولا على مرافعة الأستاذ بسيوني فإن الأول منهما تكلم عن أركان القذف المباح وأثبت ذكرها وطلب اعتبار المقالة من قبيل القذف المباح واحتياطيا الإحالة على التحقيق والثاني تكلم عن حسن النية في عموم المقالة وإن الذي يقرأ الحكم ويطلع على أسبابه ويرى كيف ثبت لحضرة القاضي إدانة المتهم

وكيف أخذ بالظروف المشددة التي في المقالة يعجب من منطوق الحكم ويرى ألا تلاؤم بين الأسباب والمنطق ومن شدة المقالة وخفة الحكم بل إن الحكم يفقده ذلك التوازن كان واهن التأثير ضعيف قوة التأديب قد نشر المتهم بعده بيومين رسالة من الإسكندرية.

ونشر بعدها مقالة أشرنا إلى مضمون ما جاء فيها كلتا هما تدل على أن الحكم وإن كان قد قضى بالإدانة إلا أنه لم يبلغ من نفس الكاتب مكان التأثر والاستفادة مع العلم بأن الحكم بالغرام نفذ مباشرة فلا فرق من وجهة التأثر بينه وبين الحكم الاستئنافي الذي يؤيده وقبل أن نختتم المرافعة نقول كلمة عن دوسيه قضية دنشواي.

رمي الدفاع النيابة بأنها تتهرب من الموافقة على ضم قضية دنشواي لغرض مخصوص وحاول التشويش على القضية بذلك وكنا نود ألا يصل الدفاع عن التجاهل بقواعد القانون ونظاماته إلى ما وصل إليه ومع ذلك لا نرى بأسا من عرض أسباب معارضتنا على المحكمة لعل الدفاع يكف عن تجاهله هذه المرة أعرب الدفاع عن استعداده للإثبات ورغبته فيه.

وأن طريقه إلى ذلك هو دوسيه قضية دنشواي لم يكن أمام الكاتب وقت كتابته المقالة ولا قبلها فإن الكاتب نفسه لم يتعرض للإثبات ف التحقيق وخرج المقالة تخريجا يجعلها غير قابلة للإثبات والنفي على أننا نتجاوز ونجاريه في الكلام عن الإثبات.

من يراجع المقالة يشهد بأنها على إمتلائها بالمطاعن مبهمة على وجه العموم وكل ما فيها من الوقائع التي يمكن اعتبارها محددة نوعا عبارتان الأولى مقالة أوعز اللورد فأنطقهما ذلك الحكم الجائر لرغب في الألقاب والمناصب وعوز النفس إلى الشعور بالواجب والثانية قوله أوعز اللورد كرومر ما أوعز فنسيت الذمم إلخ والعبارة الأولى مسألة نفسية لا يتغلغل إليها الإثبات ولا ينتقد فيها التحقيق

وأما الثانية وهي أكثر ما في المقالة تحديدا ونظن أنها أساس كل المطاعن والإهانات الأخرى فإننا ننظر في علاقة إثباتها بدوسية قضية دنشواي من تحقيق وحكم وعفو ننظر في هل يمكن الانتفاع به في إثبات هذه الواقعة أم لا؟

لا نزاع في أن من قواعد النظام العام اعتبار الأحكام النهائية ناطقة بالحقيقة وقد راعى الشارع في ذلك أنه وإن كانت بعض الأحكام تنطوي على خطأ محض أو ظلم بين فإنه يجب إعطاء الأحكام النهائية على وجه العموم قوة تماسك وإنزالها من الثقة والتسليم منزلة تمنع من ابتذال النظام القضائي بمراجعة الأحكام أكثر من الدرجات المحددة قانونا وينتج عن هذا أن الأحكام النهائية بمأمن من الرجوع فيها أو مراجعتها أمام المحاكم بأي شكل من الأشكال وأن القضاة في حل من الخطأ إلى أن يبلغ فساد الذمم والغش.

لهذا اعتبروا أن الطعن في الحكم بالظلم فقد إهانة للقضاء لا قذف فيهم فلا يصح عند رفع الدعوى العمومية على من نسب للقضاء الظلم أن يسمح له بإثبات صحة وصفة للقاضي وإلا كان ذلك مدرجة إلى امتهان كرامة القضاة وابتذال مكان القضاء يعرض الحكم مرارا عديدة لمناقشته واستباحة الطن فيه وما دام للقاضي حق تقدير الخصومات المرفوعة إليه وكان التقدير يختلف باختلاف الأشخاص وكان القاضي في حل من الخطأ إذا بدر منه.

وكان لا يمكن تغليب تقدير عليه فيصبح من العبث إثبات ظلم الحكم في كل مرة طعن فيه بذلك فإذا طعن أحدهم في القاضي بتعمد الظلم بناء على إطاعته إيعاز أو رجاء أو توصية كان ذلك قذفا في القاضي جائز الإثبات ولكن الإثبات فيه لا يقوم بالاستنتاج من الحكم مطلقا بل لابد لإثباته من الرجوع إلى وقائع محسوسة منفصلة عن الحكم ورأي القاضي وتقديره يرجع إلى عقل القاضي ووجدانه فإن كل تقدير حكم مخصوص سب غير الاقتناع به كالإيعاز أو الرجاء أو التوصية.

فذلك يصح أن يعرض للإثبات والمناقشة إذا كانت هناك وقائع تساعد على إثباتها ولا دخل للأحكام في إثباتها ذلك لأنه لا يوجد فيها شيء يدل على سبب التقدير وقد ورد في كاربنتيه تحت شرح المادة (183) إنه لما كان الحكم ظالما فإنه لا يمكن إثبات أن القاضي ظالم لغرض إلا الوقائع الخارجية عن الحكم على أن القول بإمكان إثبات الإيعاذ اللورد كرومر على فرض أن يبطل الإثبات لا يمكن إثباته بطريق الاستنتاج من الحكم كما سبق لنا شرحه.

مرافعات الدفاع

مرافعة الأستاذ إسماعيل شيمي المحامي

نلتمس من المحكمة قبولا الاستئناف المقدم من المتهم شكلا فيها يتعلق بالحكمين المطعون فيهما.

  1. وموضوعا إلغاء الحكمين المذكورين فيما ينافي الطلبات التي قدمها المتهم أمام محكمة أول درجة.
  2. ونلتمس أن تصرح وتقرر بأن الأفعال المسندة إلى الطالب بناء على ما تضمنته ورقة الاتهام الأولى وفي إعلان الحضور أمام دائرة الاستئناف تقع تحت طائلة المادة 216 من قانون العقوبات بمجموعها وذلك فيما يختص بتهمة الإهانة الموجهة ضد بطرس باشا غالي وفتحي باشا زغلول
  3. وتقرر أن قاضي أول درجة خالف صراحة روح القانون ونصوصه بإحداثه نوعا جديدا من القذف لا يمكن فيه إثبات الأمور المقذوف بها إذا كانت عبارة الكاتب التي انتقد بها أعمال الموظف لم يراع فيها الذوق الجميل والمراتب العالية واضعا بذلك مبدأ جديدا دستوريا يترتب عليه جعل كرامة الموظف فوق الصالح العام مهما كان ذلك الموظف مجرما وأن شدة الانتقاد تمحو عن الموظف غلطاته.
  4. تقرر أن فوز هذه المبادئ في تطبق القانون يجر إلى تحقير سلطة الحكومة والحط من هيبتها وهما الشيئان اللذان لا يجوز ارتكازهما إلا على استقامة رجال الحكومة وذمتهم الطاهرة.
  5. وتقرر أن قاضي أول درجة خرق القانون باستنتاجه بمجرد نظره الشخصي قرينة على سوء نية المتهم تخالف القرائن التي نص عليها القانون وخول دحضها بأدلة النفي فحاول باستنتاج هذا بين المتهم وبين برائته إلى الأبد لأنها تحرم عليه كل وسيلة للتخلص من المسئولية التي ترتب على هذه القرينة الحكمية.
  6. وتقرر بناء على ذلك أن قاضي أول درجة إذ يرفض إجابة المتهم إلى ما طلب من الأساس للسبب المتقدم ذكره قد خرق القانون بصفة صريحة وذلك أصبح حكمه واجب التعديل.
  7. وتقرر أيضا أن الحكم المطعون فيه يجب تعديله في كل أجزائه التي قضي بها القاضي في أشياء لم تطلب منه.
  8. وأن تقرر بأن قاضي أول درجة الذي لم يطلب منه سوى الحكم ببيان ضفة التهمة الموجهة إلى المتهم قد تعدى هذا الطلب وتناول موضع التهمة بعد تحديد صفتها مع أنه لم يسمع دفاع المحاماة في الموضوع ولا مرافعة النيابة العمومية في نفس التهمة التي قرر صفتها ولا شك في أنه بذلك قد تعدى حد مهمته القانونية وعلى ذلك فيتعين إلغاء حكمه المعيب لأنه تصمن البت فيما لا يطلب من المحكمة.
  9. وأن تقرر هذه المحكمة أن سكوت محكمة عابدين عن الرد على الدفع الفرعي المتعلق بالمادة السابعة من قانون العقوبات ذلك الدفع الذي يجعل المادة (261) وهمية لا مفعول لها تقريبا إذا إنه بناء على أحكام الشريعة الغراء يمكن لكل شخص أن يقيم الدليل على صحة الوقائع التي ينسبها للغير ولا شك في أن سكوت محكمة عابدين عن إبداء رأيها في هذا الدفع الفرعي الذي يؤثر كثيرا في جوهر التهمة يقضي الحكم المطعون فيه في هذه النقط.
  10. أن تقرر هذه المحكمة أنه من الحقوق الشخصية المقررة في الشريعة الغراء أن يقيم المتهم الطعن بالأدلة على صحة ما نسبه للغير وأنه ليس للقاضي أن يمس هذا الحق في حكم سواء كان الطعن موجها إلى موظفين عموميين أو إلى أفراد الناس.
  11. أن تقرر هذه المحكمة أن المادة (261) عقوبات بعد تعديلها تطبيقا للمبادئ السابقة الذكر تبقى بلا تأثير وأنه يجب الحكم ببراءة المتهم إذا ثبت أن الشخص المطعون فيه قد ارتكب حقا ما انتقده عليه المتهم علنا حيث إنه بارتكابه لتلك الأمور قد عرض نفسه للانتقاد كل من شاهدوا وقوع تلك الأمور.
  12. وأن تقرر باعتبار الموضوع أن الدعوى غير صالحة للحكم الآن وأنه يجب إجراء التحقيقات التي طلبها المتهم في مرافعته أمام محكمة أول درجة وأن تحكم بإجابة ما طلبه المتم من استحضار النيابة لأوراق دنشواي وكل ما يتعلق بالعفو عن المحكوم عليهم.
  13. وأن تبح هذه المحكمة للمتهم أن يستدعي جميع شهود النفي الذين يقررون الأمور المطعون فيها وخصوصا الشخصين اللذين طعن عليهما فيالمقالة المؤاخذ عليها.
  14. وأن تقرر المحكمة زيادة على ذلك أنه إذا رفضت الحكومة تقديم الأوراق المطلوبة أن تصبر على الاستغناء عنها في المرافعة وأن تحكم المحكمة بصحة كل الأوراق المتعلقة بدنشواي التي تقدمها والتي تتضمن كل تفاصيل حادثة دشنواي بما فيها من مرافعات وحكم وتحقيقات وكذلك كل ما قيل وكتب في هذه الحادثة سواء في جرائد مصر أو جرائد البلاد الأجنبية وخصوصا ما قيل وكتب عن هذه الحادثة بواسطة أعضاء مجلس العموم الإنجليزي كما كتبه وكلاؤها السياسيون وبالجملة كل الأوراق والمستندات التي تصلح لتنوير المحكمة وإيقافها على حقيقة الأمور التي نسبناها للمطعون فيهما للتأكد المحكمة من سلامة نيتنا فيما كتبناه في هذا الصدد حتى إذا أقمنا الأدلة اللازمة وسمعت أقوال النيابة وترفعنا عن المتهم أمكن المحكمة أن تحكم على بينه من الأمر.
  15. وأن تقرر المحكمة بأنه إذا وجد في المقالة المؤاخذ عليها عبارات مهينة خلافا للأمور المطعون بها أو إسنادات سب يمكن اعتبارها موجهة إلى موظفين عموميين أن هذه العبارات أو الإسنادات هي عبارات لا تتجزأ وأن علاقتما بعضها ببعض علاقة السبب بالمسبب.
  16. تقرر المحكمة أنه لا وجه للنيابة في طلب التشدد أمام هذه المحكمة لأن استئنافها لا يمكن أن يكون موضوعه إلا التكلم في موضوع إلغاء الصفة التي قررتها محكمة أول درجة للتهمة الموجهة ضدنا.

وبعد فيجب عليها أن نقدم للمحكمة الآن شرح طلبين من تلك الطلبات التي قدمنها هنا قبل أن نخوض في شرح جميعها بالتفصيل.

(الأول) شرح المادة 7 وطلب تطبيقها على المادة 216 فنقول:

حيث إنه من مبادئ الشريعة الإسلامية العامة أنه لا يمكن لأي أمير مسلم أن يجاوز كتاب الله ولا أن يتعدى حق مقاومتها له بالقوة وعلى ذلك يتحتم عزله بموجب فتوى من رجال الدين.وحيث إنه يمثل هذه الفتوى عزل الحاكم الأخير لمصر قبل محمد علي وبها أيضا عين هذا واليا على مصر.

وحيث إنه تولى هذا الوالي ولاية مصر قد اشترطت عليه الفرمانات الشاهانية أن يحكم الأمة بما يقضي به الشرع الشريف والفرمانات التي أتت بعد ذلك لخلفه كانت كلها تأمرهم بألا يخرجوا عن حدود الشرع في إدارتهم وتوجب عليهم اتباع النصوص المدنية في الخط الشريف جلخانة سنة 1839 والنصوص المدونة أيضا في الخط الهمايوني الذي حدد بعد ذلك بخمسة عشر سنة.

وهذا البعض المدون في الخط الشريف المذكور الذي أصدره أمير المؤمنين المغفور له السلطان عبد الحميد خان في جان الجلخانة الصادر في ستة وعشرين شعبان سنة 1255هـ الموافق 3 نوفمبر سنة 1783م:

لا يخفى على جميع الناس أن دولتنا العلية كانت مبدأ ظهورها متبعة أحكام القرآن الكريم والقوانين الشرعية المنفية جميعا إلى أن قال واعتمادا على المعونة الإلهية واستنادا إلى الإمدادات الروحانية النبوية قد رئى من الآن فصاعدا أهمية لزوم وضع وتأسيس قوانين حديث تتحسن بها إدارة ممالك دولتنا العليا المحروسة.

إلى أن قال والحاصل إنه بدون تدوين هذه القوانين النظامية لا يمكن حصول القوة والعمار والراحة فإن أساس جميع ذلك هو عبارة عن المواد المشروحة ولا يجوز بعد الآن إعدام وتسميم أرباب الجنح جهرا أو خفية بدون أن تنظر دعاويهم علنا بكل دقة بمقتضى القوانين الشرعية ولايجوز مطلقا تسلط أحد على عرض وناموس آخر إلى أن قال وقد أعطيت من طرفنا الملوكي الطمأنينة التامة في الروح والعرض والناموس والمال بمقتضى الحكم الشرعي.

إلى أن قال وعلى هذا فكل من خالف هذه القوانين الشرعية من الوكلاء أو العملاء أو أي إنسان مهما كانت صفته سيجري توقيع الجزاءات اللازمة عليهم بدون رعاية ولا خاطر إلى أن قام ونسأل مالك الممالك أن يلهمنا التوفيق جميعا وأن يصب على كل من خالف هذه القوانين المؤسسة سوط عذاب النقمة وألا ينجح له أعمال مدى الدهر آمين.

وحيث إن الفرمان المعطى لسمو الخديوي الحالي يتضمن الشرط الآتي نصه:

بما أن سكان مصر هم من رعيتي ولا يمكن أن يتحولوا في أي وقت كان لأقل ضعف أو فعل استبدادي فعلى ذلك خولناكم حق تحضير وتقدير كل اللوائح اللازمة الموافقة لهذا الشرط بطريقة عادلة وحيث إنه اتباعا لهذه المبادئ الأساسية أعطى الخديويون سلطة التشريع تحت شرط أساسي وهو ألا يتعدوا مطلقا أو بأي حال بلوائحهم الشرع الشريف.

وإنه عملا بهذه المبادئ والشرائط وامتثالا لما تأمر به الديانة المحمدية قد قرر الخديوي السابق المرحوم توفيق باشا في سنة 1884 قانون العقوبات الذي أخذ يفسر حقه في هذا التشريع.

قال في المادة الأولى من هذا قانون ما نصه: من خصائص الشريعة أن تعاقب على الجرائم التي تقع على أفراد الناس بسبب ما ترتب عليها من تكدير الراحة العمومية وكذلك على الجرائم التي تحصل ضد الحكومة مباشرة وبناء على ذلك قد تعينت في هذا القانون درجات العقوبة التي لأولياء الأمر شرعا تقريرها وهذا بدون إخلال في أي حال من الأحوال بالحقوق المقررة لكل شخص بمقتضى الشريعة الغراء.

وحيث إن الخديوي الحالي لما أراد أن يغير قانون العقوبات رأى من الواجب المقدس عليه أن يقرر هذه الحدود لقدرته التشريعية فقد أتى في المادة (7) من قانونه لهذه التصريحات بعينها فبناء على ما سبق يجب إذن البحث في القرآن الحكيم وفي الأحاديث الشريفة وتصريحات الخلفاء على كل ما يكون.

أولا: الحقوق الشخصية في مواد مسئولية الإنسان عن فكره عندما يعمل به.

ثانيا: البحث في حقوق القاضي وحقوق المتهم إزاء القاضي تلك الحقوق التي لا يمكن للقاضي أن يتعدها إلا وهو آثم إثما عظيما.خلق الإنسان حرا وحريته لا يمكن أن تصل إلى حد الإضرار بنفسه أو بالناس وفي الحديث الشريف (لا ضرر ولا ضرار).

وبما أن الإنسان خلق حرا فلا يمكن أن يحد إنسان آخر من حريته في القول والعمل مالم يكن هذا القول أو العمل مغايرا لأمر الله تعالى أو منكرا أو مغيرا للمصلحة العامة قال صلى الله عليه وسلم من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه

فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان قال تعالى في كتابه العزيز (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) وقال عز وجل (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) فبقدر الإمان أمرنا بالتعاون وهو الحث وتسهيل طرق الخير وسد باب الشر بقدر وقد بين الشرع الشريف أن مراتب الحسنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لغير الحاكم أربع وهي:

  1. التعريف.
  2. الوعظ والكلام اللطيف.
  3. السب والتعنيف.
  4. المنع قهرا بطريق المباشرة.

وقال صلى الله عليه وسلم لا ينبغي لامرئ هد مقاما فيه حق إلا تكلم به فإن لن يقدم أجله ولن يحرمه رزقا هو له وقال ابن مسعود قال الرسول عليه الصلاة والسلام ما بعث الله نبيا إلا وله حواريون فيمكث النبي بين أظهرهم ما شاء تعالى فيهم بكتاب الله وبأمره حتى إذا قبض الله نبيه مكث الحواريون يعملون بكتاب الله وبأمره وسنة نبيهم فإذا انقرضوا كان بعدهم قوم يركبون رؤوس المنابر يقولون ما يعرفون ويعملون ما ينكرون فإذا رأيتم ذلك فحق على كل مؤمن جهادهم بيده فإن لم يستطع فبلسان فإن لم يستطع فبقلبه وليس وراء ذلك إسلام.

وحيث إن هذا الحديث الشريف يخول كل مخلوق الحق في أن يجاهد بقلمه والقلم أحد اللسانين وبفعله إزالة المنكر مهما استعمل إزالته من السبب والتعنيف ومما يؤيد هذا الحق قوله تعالى لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وحيث إن صاحب فتح البيان قال في تفسير هذه الآية الشريفة من ظلم في فعل أو قول فجاهروا له بالسوء من القول في معنى النهي عن فعله والتوبيخ له.

قال الله تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) فليس على الحاكم إلا أن يرجع إلى حكم الله فيما قضي فيه وقال تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) وقال تبارك وتعالى (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب) وقال عز شأنه ( فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا).

ولا يجوز للقاضي أن يمتنع عن استماع ما قدمه المدعي عليه من الدفع الشرعي الذي لو صح لترتب عليه عدم توجيه الخصومة عليه بل يجب على القاضي شرعا الاستماع لهذا الدفع وتكليف الدافع إثبات صحة ما دفع به. وطريق الإثبات ثلاث وهي:

البينة والإقرار والنكول عن الحلف ولا يجوز شرعا للقاضي أن يحم بعمله مطلقا كما ورد في الشرع الشريف.

وجوب رفض طلب النيابة للتشديد

حيث إنه يحسن بنا أن نبحث عن القيمة القانونية للاستئناف التي يرفها الخصوم وحيث إن دعوى النيابة العمومية هي دعوى الإهانة وحيث إن الدفع الفرعي للمتهم كان ينحصر في أن ترفض المحكمة هذه الدعوى وأن تصف الحوادث المعروضة أمامها بصفة القذف لا الإهانة.

وحيث إن المحكمة قد أجابت طلب المتهم ورفضت ودعوى النيابة بان التهمة إهانة ولكنها حكمت في موضوع القذف بدون أن تسمع أقوال النيابة في ذلك ولا دفاع المتهم فتعدت بذلك حد المطلوب منها البت فيه وحكمت على المتهم بالغرامة.

وحيث إنه من المبادئ القانونية المهمة أنه لا يمكن لأحد أن يرفع استئنافا في حكم مطابق لطلباته بناء عليه لا يمكن أن يكون موضع استئناف المتهم إلا تطبيق العقوبة قبل سماع دفاعه في محكمة أول درجة.

وحيث إن استئناف النيابة الذي لم تبين فيه الأسباب فلا يمكن أن يتناول من حكم أول درجة إلا نقطة وصف التهمة.

وحيث إنه لا يمكن أن يقبل من النيابة أن تشتكي من الوصف الذي قرره القاضي الابتدائي للتهمة وتطلب تعديل ذلك الوصف من جهة وأن تأتي من أخرى فتوافق على هذه الصفة فتطلب التشديد.

وذلك لأنه لا يمكن للنيابة أن تطلب التشديد إلا إذا طعنت في موضوع العقوبة نفسها وكانت تلك العقوبة نتيجة للصفة التي وصفت بها الأفعال والحوادث التي أجرى التحقيق وأقيمت الدعوى من أجلها.

وبناء عليه فإن النيابة بطعنها في موضوع العقوبة نفسها وبطلبها معاقبة المتهم بعقوبة الإهانة لا يمكنها الآن أن توافق على الصفة التي قررها القاضي وأن يصير استئنافها على طلب تشديد العقوبة فحسب.

وحيث إنه لم يرد في إعلان الاستئناف ذكر لتشديد العقوبة المحكوم بها ولكن النيابة طلبت مجرد تطبيق المادة (159).

وحيث إنه لم يرد في إعلان الاستئناف ذكر لتشديد العقوبة المحكوم بها ولكن النيابة طلبت مجرد تطبيق المادة (159)

وحيث أنه لم يرد في إعلان الاستئناف ذكر لتشديد العقوبة المحكوم بها ولكن النيابة طلبت مجرد تطبيق المادة (159).

وحيث إنه إذا رأت في المحكمة أن تؤيدي الحكم الابتدائي من حيث وصفه التهمة فإن هذا التأييد يكون رفضا ضمنيا لاستئناف النيابة فلا يبقى بين يدي المحكمة إلا استئناف المتهم وحده.

وحيث إن مما اتفقت عليه المحاكم الاستئنافية في أحكامها أنها لا يمكن أن تشدد في العقوبة ما دامت ليس بين يديها إلا استئناف المتهم وحده.

وحيث إن مما اتفقت عليه المحاكم الاستئنافية في أحكامها أنها لا يمكن أن تشدد في العقوبة ما دامت ليس بين يديها إلا استئناف المتهم وحده.

وقد صدرت أحكام عدة بأن محاكم الاستئناف لا يمكنها أن تعدل في الأحكام الابتدائية إلا فيما رفع من أجله استئناف وإن لم يطعن فيه أحد الخصوم يكتسب قوة الشيء المحكوم به (محكمة النقض والإبرام 8 سبتمبر سنة 1843 بندكت صحيفة 341 رقم 561 الجزء السابع.

وجاء تحت رقم 562 أنه إذا تركب حكم من عدة قرارات مستقل بعضها عن بعض فإنه يعتبر كعدة أحكام منفصلة وأنه ينتج من ذلك أن الخصم الذي يكسب الدعوى في بعض مقررات الحكم ويخسرها في البعض الآخر يمكن أن ينفذ ما حكم به لصالحه دون أن يسقط حقه في استئناف ما هو ضده من تلك المقررات.

وتحت رقم 563 حكم من محكمة اسئناف بوانيية مؤيد نفس هذا المبدأ وفيه أنه إذا صدر حكم محكمة الجنح بعقوبة على جنحة وكانت النيابة قد قبلت وصف الأمر المؤاخذ عليها بصفة ما ثم اقتصرت على رفع استئناف بطلب التشديد فإن وصف الجريمة يكتسب قوة الشيء المحكوم به وكذلك الاختصاص (بوانييه 12 مايو سنة 1835)

وجاء تحت رقم 572 أن إهمال بعض الشيء في إعلانات الاستئناف لا يمكن أن يقصر موضوع المرافعة على بعض الأمور المختصة بالتهمة متى كان تقرير الاستئناف في قلم الكتاب شاملا.

وتحت رقم 573 الأمر الذي لا تقيد فيه جهة الخصوص حكما ابتدائيا فعلى القاضي أن يبحث التهمة كما تنتج من المحضر الذي هو أساس الدعوى الجنائية بندكت الجزء السابع صحيفة 644.

والمرافعة التي تحددت أمام قاضي محكمة أول درجة على اتهام واحد لا يمكن أن تتعداه أمام محكمة الاستئناف بالرغم ن المتهم إلى طلب آخر حتى ولو كان ذلك الطلب الآخر مذكورا في الحكم متى كان هذا الطلب لم تحصل عليه مرافعة من النيابة ولا من الدفاع.

وحيث إنه بناء على ما تقدم لا يمكن قبول استئناف النيابة فلا محل إلا النظر في استئناف المتهم بمفرده.

مرافعة الأستاذ أحمد لطفي السيد المحامي

صدر في 25 فبراير سنة 1895 أمر عال قاضي بتأليف محكمة مخصوصة من اختصاصها النظر فيما يقع من الأهالي من المجنح والجنايات على رجال الاحتلال أو البحرية الإنجليزية الحكم بالعقبات التي تراها مباشرة لما يقع من الجرام دون أن تتقيد بقانون العقوبات وتحقيق الجنايات المصريين.

فأشرف هذا النبأ على الناس من موقع الدهش والاستياء لما استشعروا به إذ ذاك من مخالفة هذا القانون لأصول القوانين ومباينته للشريعة الإسلامية ولكنهم لم يكونوا يقدرون ما ينجم من سريانه من بليغ الضرر ووشيك الخطر

ولو كانوا يقدرون ذلك كما ينبغي لكان دهشهم أوفر واستياءهم أكبر وآثار إحساسهم بهذا أو ذاك أجلى وأظهر على أن الصحافة الوطنية قد كتبت حين وضع مشروع ذلك القانون ما استطاعت أن تكتب ولكن لم يجد نفعا.

صدر هذا القانون والناس عنه غافلون لاهون. ومن أسباب صمتهم وإغفالهم البحث في مقدرا قربه أو بعده عن الأصول النظامية ومبلغ اتفاقه أو اختلافه مع القانون إنهم لم يشاهدوا نتيجة واحدة من نتائج تأليف تلك المحكمة غير النظامية.

أو أن الحكومة الإنجليزية لم تر موجبا للتشدد في استعمال الحق الذي خولها إياه هذا القانون: أضف على ذلك أن أحد رجالها الرسميين وهو مستر رنك رود سكرتير الوكالة البريطانية قد صرح في سنة 1901 بأن هذا القانون ما وضع إلا لأحوال مخصوصة تكاد تكن نادرة الوقوع وهي الاعتداء على رجال الاحتلال متى كانوا لابسين ملابسهم الرسمية مشتغلين أداء وظائفهم العسكرية أو البحرية.

فكان امتناع وقوع نتيجة واحدة من نتائج تأليف المحكمة المخصوص وتصريح ذلك السكرتير مما دعا الناس إلى الطمأنينة لا إلى هذا القانون من حيث شكله وموضعه ولكن إلى أن موجبات تنفيذه ليست قريبة الوقوع.

بقوا على هذه الطمأنينة إلى أن وقعت حادثة دنشواي في شهر يونيه سنة 1906 على ما هو معروف إذ قصد بعض ضباط جيش الاحتلال أن يصيدوا في تلك القرية المعذبة بأفضى ذلك إلى ضرب البعض وجرح البعض وقتل أحد الأهالي مما استوجب عند حكومة بريطانيا العظمى عقد المحكمة المخصوصة

عقدت المحكمة ورأسها سعادة بطرس غالي باشا وكان من أعضاها سعادة فتحي زغلول وكان الأهالي عن بكرة أبيهم يتوقعون أن يكون حكم المحكمة المخصوصة بعد الاختصاص لأن روح الأمر العالي الواجب الاحترام يفيد أن هذه المحكمة إنما تنظر في الجنح الجنايات التي تقع من الأهلين على رجال الجيش أثناء أداء وظائفهم فهذا الشرط شرط تأدية الوظيفة حين وقوع الجريمة غير متوافر.

ولكن المحكمة حكمت باختصاصها وقضت بالشنق والجلد والسجن والتمثيل والحادث من البساطة بمكان ومما زاد الطين بلة والخرق اتساعا ذلك الشكل التنفيذي الذي أريد به إظهار الصرامة ونهاية التعسف إذ قضى أن ينفذ الحكم في تلك القرية المعذبة دنشواي على مرأى ومسمع من أهالي البائسين بكيفية لم يروا لها مثيلا في تاريخ القرون الوسطى.

نفذ الحكم بما جرى به انقضاء المسطور والقدر والمقدر وضجت الأرض شاكية إلى باسطها ظلم الإنسان للإنسان وما كان دمعها ما سأل من مآقي البائسين ولكنه ذوب بالقلوب من فظاعة الحكم وهول المشهد ولا كان زفيرا وشهيقًا في تنفس المتنفسين وما كان صياحا ذلك الذي تجاوبته نواحي المكان وإنما كان تأمينا على الأثر المصدوق: (الظلم كمين في النفس القوى تظهره والضعف يخفيه).

إذ مثل بالبؤساء الوادعين شر تمثيل وصب عليهم سوط عذاب أحمى من النار ورن صدى هذه الفاجعة يحزن كل أفق وتردد دويها في جوانب العالم المتحضر ولبست مصر ثوب الحداد العام وأخذ الكتاب الوطنيون وغير الوطنيين من المنصفين يرجعون ذلك من النشيد المحزن بأشد على النفوس قعا من سجع الحمام في دنشواي.

فأقلق بال الحكومة الإنجليزية توقيع هذا اللحن المبكي وترديد صدى ذلك الحادث الفظيع والاسترسال في تصويره على صفحات الصحف وأسلات الألسنة لذلك اضطرت صراحة وبكيفية عملية إلى استنكار ما حدث وهيهات أن نيفع الاستنكار.

طلبت الحكومة الإنجليزية إلى حكومة الجناب الخديوي أن يعفو عن البقية الباقية من المعذبين الذين عرفوا بأنهم ضحية دنشواي فعفا أطال الله حياته عنهم وخرجوا من السجن فاستقبلتهم الأمة بفرح لم يكن بأقل من حزنهم وألمهم على الذين راحوا شهداء العسف منهم وألئك الشهداء الذين لم يغير عفو الأمير في ردهم إلى الحياة فأصبحوا عظاما بالية أرواحهم تشكو إلى بارئ السموات ما نابهم.

صدر الأمر العالي بالعفوي في 7 يناير سنة 1908 وجاء في نصه أنه صدر بناء على قبول الحكومة الإنجليزية فجاءت هذه العبارات دليلا صريحا على اعتراف حكومة بريطانيا العظمى بفظاعة ما وقع في دنشواي وبقسوة الحكم الصادر بالسجن لأن العفو كان عن المسجونين فما بالك بمن حكم عليهم بالإعدام؟ أظن أن رأى الحكومة المذكورة فيما يتعلق بهم أن الحكم كان في منتهى الشدة.

هذا وقد اعترفت الحكومة المصرية ممثلة في شخص ناظر الداخلية السابق بفظاعة ما وقع وكأنها سلمت بأن أسباب تلك الحادثة المشئومة إنما هو الاعتداء على ملك الغير، فأصدرت قرارا وزاريا اعتبرت فيه المحال المعدة لصيد الحمام من المحال المقلق للراحة الضارة بالصحة والخطرة أيضا أي أنها لا يمكن أن تكن صالحة لهذا الغرض إلا برخصة من المديرية أو المحافظة التابعة لها.

وقد جاء هذا القرار الوزاري الذي يترتب علي مخالفة نصوصه الحكم بعقوبات مدونة في القانون نتيجة من نتائج استنكار ما وقع في قضية دنشواي بل وهو تسليم من جانب نظارة الداخلية بوجوب أن يكون صيد الحمام من غير الأمكنة المعدة للصيد أمرا محظورا بل جريمة من الجرائم يعاقب عليها قانونا وهو اقتناع ظاهر أيضا بأن ما وقع من الضباط في دنشواي لم يكن أمرا مشروعا.

وهذا وقد أخذت الصحافة تكتب باستمرار في تسوئة حكم المحكمة المخصوصة وفظاعة طريقة تنفيذ الحكم وتندد بالأشخاص الذين اشتركوا في إصداره أيما تنديد.وقع كل هذا والحكومة غير ملقية بالا إلا قانون المحكمة المخصوصة فهي لا تعدله ولا تلغيه غافلة عما ينجم من سريانه من الخطر الذي يتهدد الناس في أموالهم وأعراضهم وأنفسهم.

نعم إن الحكومة لم تحرك ساكنا ولم تعد عدة الاطمئنان إليها فبقيت تلك المحكمة قابلة للانعقاد في كل وقت حتى بعد اعتراف منشئها اللورد كرومر بخطر وجودها ووجوب تعديل قانونها.

فما مهمة الصحافة الوطنية في هذه الحالة بديهي أن الإنسان عليه بموجب الشرع والقانون أن يتلافى كل خطر محدق به بالوسائل الشرعية والقانونية وإلا كان سكوته والخطر قريبا من باب المجازفة بحياته وإلقائه بيده إلى التهلكة فإذا كان ذلك الخطر يتهدد بلادا بتمامها وأمة بأسرها كان واجبا الصحافة الأسمى أن ينبه الصحافيون أمتهم إلى ما هو محدق بهم وأن يدفعوه بعد ذلك بكل الذرائع الممكنة.

أجل إن واجب الصحافة في هذه الحال كواجب ربان السفينة الجارية في بحر لجى متنائي الساحلين فمتى تبين له الخطر عن بعد وجب أن ينبه الناس أولا إلى ما هو وشيك الوقوع وأن يعمل على ما ينجيهم من هذا الخطر ويجنبهم وقعه ثانيا، وإلا كان مفرطا فيما عليه وكان أول الهالكين.

لا جرم أن واجب الصحافة وذلك القانون هو هو، لم يتغير ولم يلغ وتلك المحكمة المشئومة هي هي، محتمل أن تنعقد لأدنى حادث من قبيل الاعتداء الموهوم أن يذكر الحكومة في كل آن بفظاعة القانون وبأن بقاءه إلى جانب القوانين المصرية عار نعم إن واجب الصحافة أن يرفع صوته عاليا جم الدوي مستثيرا به عواطف رجال الحكومة لامسا بقلمه موضع التأثير بين جنوبهم والحنان من قلوبهم ولا يكون ذلك بالقول القليل التأثير ولكن بتصوير ما وقع من الأعمال الوحشية المروعة في سنة 1906 تصويرا يخيل معه للقارئ أنه مع الكاتب يشهد نصب المشانق.

وإعداد المجالد ترسم على جسم كل مجلود خطوطا من الدم حتى عاد كأنه لابس حلة أرجوانية ويخيل مع هذا التصوير للقارئ أيضا أن الأطفال الرضع الذين مات عنهم أولئك المشنوقون يكادون يغلون بأنفسهم على آبائهم لولا فوهات البنادق وظفى السيوف وسنابك الخيل، وأن الشيوخ الفانين من آباء المشنوقين والمجلودين كانوا ساعة التنفيذ يميد بهم الجذع.

وأن العذارى والأرامل اللائي شنق آباؤهم وأزواجهن كن ساعة الشنق على مرأى ومسمع منهم ذاهلات في أشد حالات الذهول يلطمن والدنيا كلها في مأتم لهن وأن الرضا ببقاء هذا القانون ينذر بتكرار تمثيل تلك المأساة في أي وتفوق طوق البشرية والاطمئنان إليه مما لا تقبله الطبيعة الإنسانية.

بذلك التصوير والكتاب فيه طبقات كان يرجى من رجال الحكومة أن تتأثر قلوبهم كل التأثير وينظروا في القانون المذكور نظرة عدل وإنصاف إذ من أخص خصائص الحكومات أن تؤمن المحكومين على أموالهم وأعراضهم وحياتهم وهل يتفق الأمان مع وجود هذا القانون على ما هو عليه ينذر بالويل والثبور وعظائم الأمور؟

كان واجب الصحافة الحر أن يرسل صوته رنانا يجوب جوانب القلوب التي لا رحمة فيها فيلينها والنفوس التي تميل إلى الرفق فيميلها دون أن يخفت له صوت يراعى ما بقي القانون مسطرا واجب الاتباع.

ومن الواجب أن المفروض أو الفروض الواجب أن يسوئ الصحافي ما وقع من العضوين المصريين اللذين وجدا في تلك المحكمة كما تقضي بها أحوال تأليفها وليست هذه التسوئة أو التخطئة عقابا لهما بل يقصد منها تحذير كل موظف مصري يدعي إلى التربع بطبيعة الحال في دست تلك المحكمة من قبول هذه المهمة مهما كان الدواعي.

وتنبيه كل مصري ذي منصب في الحكومة إلى أن العار كل العار أن يصاب قلب الوطن بسهم مسموم تفوقه يد الوطني حتى إذا خلت المحكمة المخصوصة حين انعقادها ثانيا من عضو مصري وكان جميع قضاتها من الإنجليز وقضت بما تقضي به وملأنا الأفاق تشهيرا بفظاعة الحكم لم يقل لنا قائد كان الحكم إجماعيا وكان بين أعضاء المحكمة عضان مصريان.

على هذا الاعتقاد وشعورا بذلك الواجب الصحافي الإنساني كتب المتهم في عدد اللواء الصادر في 27 يونيو من هذا العام تحت عنوان ذكرى دنشواي.

وقد بينا أن هذا التذكير ضروري تفرضه الصحافة توجيه الإنسانية وأن التخلف عنه تفريط في جانب الواجب فما مفاد هذه المقالة التي قامت الحكومة وأقعدتها وهاجت من سخطها على الكاتب؟

إنها تضمنت التذكر بما وقع في قضية دنشواي قياما بالواجب الوطني وانتقاد صرامة الحكم الذي أصدرته المحكمة المذكورة والعضوين المصريين اللذين اشتركا في إصداره وكأن الحكومة كانت تترقب ظهور هذه المقالة بنافذ الصبر لذلك لم تكد تظهر في ذلك اليوم حتى أبرقت للمتهم وتحفزت للمحاكمة.

ماذا نقول وماذا نعيد؟ أفي عرف الحكومة أن انتقاد حكم أجمع الناس على استقباحه واستفظاعه يعتبر إهانة، وإذا كانت حكاية الواقع يعتبر في نظر الحكومة إهانة لها أفلا يصح أن تعتبر الأمة حدوث ذلك الحادث الفظيع المحكي إهانة لا يكفر عنها بحال؟

إذا كانت مغرمة بهذا الحد إلى أن تثأر لذاتها من كل كلمة يخيل إليها أنها إهانة فتأخذ بتلابيب قائلها إلى أبواب المحاكم فياليت شعري أين كانت هذه الحكومة حين مزقت الصحافة الإنجليزية أعراض قضاة محكمة الاستئناف الأهلية كما ممزق وطعنت فيهم أسفل طعن وقبحتهم وقبحت ما حكموا به في القضية المعروفة بقضية الفتاة الإنجليزية في بور سعيد؟

لقد كانت تلك الصحافة الإنجليزية تكتب في تمزيق أعراض القضاة بقلم فيه نار فلم تبق لفظة من ألفاظ السباب ولا كلمة من كلمات السفاهة والقحة والفحش إلا أفاضتها عليهم من كرم ونقطتهم بها عن سخاء.

كان من يطالع الجرائد الإنجليزية إذ ذاك يرى أنها تفيض بكل ألفاظ الفحش والسخرية والاستهزاء ألفاظ ومعان ألطفها وقعا وأيسرها دفعا يمزق العرض تمزيقا وأدبا منا لا نحب أن نستشهد بكلمة واحدة مما قيل.

فهل يجوز أن يحاكم المتهم على ما كتبه انتقادا على حكم دنشواي الجائر ودفاعا عن خطر حقائق باثني عشر مليونا من النفوس بعد السكوت عن تلك المطاعن القبيحة التي وجهتها الجرائد الإنجليزية إلى قضاة الاستئناف بسبب حكم صادر عن محكمة نظامية؟

اللهم إن هذا ليس بغريب من جانب حكومة لم تعمد بعد هذا كله إلى ذلك القانون فتلغيه وهو مباين لكل شرع ولكل قانون.

سيبقى المتهم إلى المحكمة ولم تراع النيابة في هذه المحاكمة أصول القانون فأرادت أن تأخذ عليه الطريق وتقفل في وجهه باب الدفاع وهو حق تقضي به طبيعة الاتهام ذاتها فإنها بدلا من أن تصف التهمة بصفة القذف وصفتها بصفة الإهانة وعلى ذلك قدمتها للمحكمة كيلا يتمكن المتهم من إثبات أنه أستعمل حقا طبيعيا ليس فيه جدال لم تقتصر النيابة على هذا التعبير في الوصف القانوني.

بل كان من تصرفاتها أمام المحكمة عدول عن خطتها الأولى التي تعودناها منها في مثل هذه القضايا وفي الواقع فإن النائب المترافع صرح أمام المحكمة بأن مصل كتابات المتهم تعتبر وصمة للأمة المصرية برمتها وطلب من القاضي تشديد العقوبة حتى تزول هذه الوصمة وحتى يعتقد الناس أن القضاء شارك في غضبهم من مثل هذه الكتابات التي وصفها بأنها تهور ونهش في الأغراض.

ورد في مذكرة حضرة النائب الكتابية التي لم يكتف بتقديمها بل طلب إلى بعض الصحف نشرها ما يأتي:

وإنا إذا طلبنا منك يا حضرة القاضي حكما يبلغ من الشدة ما بلغت ألفاظ تلك المقالة من الإهانة فليس ذلك فقط لأنها وجهت إلى رئيس الحكومة في وقت يشخص فيه أمير البلاد وحاكمها الشرعي بل لتدفع بحكمك هذا وصمة عن هذا الأمة المصرية الضعيفة فلا يقال إنها لا تعرف للاعتدال طريقا ولا تفرق بين النافع والضار في وقت حاجتها فيه شديدة إلى إقامة الدليل على توجيها سبيل الجد والرشاد وتمسكها بأهداب السكينة نعم نطلب أن يكون حكمك يا حضرة القاضي صدى صوت العقلاء في غضبهم على كل كتابة لا تقوم إلا على التهور ونهض الأعراض حتى لا تؤاخذ أمة بجريرة فرد منها ولا تحمل وزر قلم كثير الزلل متعدد الهفوات.

هذا ما قاله النيابة ونشرته الجرائد بناء على طلبها وقد تساءل كثيرا عن معنى العبارة وذهبوا في تأويلها مذاهب شتى، فقال البعض إن العبارة المذكورة تشعر بأن مقالة المتهم تجر ويلا على الأهلين وتؤدي إلى استعمال الحكومة شدة في حقهم أكثر مما فعلته الأمة إذا لم يحكم على المتهم بعقوبة شديدة، وقال آخرون ليس غير الطعن على المتهم وتقبيح عمله في نظر القضاء.

ونحن وإن كنا لا نعتقد أن للنيابة أدنى غرض من ذلك، وأن راد حضرة النائب هو سلمة النية فيما قال لا نتردد في أن نلوم حضرته على هذه التصريحات التي تجرح المتهم ولا تفيد الدعوى فائدة.

نلوم النيابة ونناقشها ونسألها متى كان الطعن على أعمال الموظفين وتقبيح المظالم التي إذا وقعت من فرد تلحق أمة برمتها؟ وفي عرف أي أمة يكون السعي وراء إلغاء قانون جائر يهدد الأمة في حياتها وحريتها ويهدد العدالة في أساسها جريرة ووزرا؟

ومن هم العقلاء يغضبهم ما يكتبه المتهم في جريد اللواء من المقالات التي تنطق بالدفاعي عن البلاد والإرشاد إلى الخير والنهي عن المنكر؟الأول للمتخاصمين أن يدافعوا في القضية بما في الأوراق وألا يضيفوا إليها من الأخبار والروايات مالا يمكن إقامة الدليل عليه إلا بتصريحاتهم لأن القضاء لا يقف أمام هذه الدعوى المجردة عن البرهان ولا يغيرها فلا يحكم إلا بما يوحى إليه ضميره ولا يقضي إلا بما يمليه قلبه الطاهر.

الوقائع

اتهمت النيابة الشيخ عبد العزيز جاويش بإهانة بطرس باشا غالي وسعادة فتحي باشا بسبب أمور تتعلق بوظائفهما وذلك:

  1. الطعن على الأول بأن نسب إليه أنه انتزع أرواحا بريئة بقضائها ليقدمها قربانا للورد كرومر.
  2. الطعن على الاثنين بأن الذي أنطقهما بهذا الحكم الجائر رغبتهما في الألقاب والمناصب ورهبتهما من عظمة الاحتلال ونقص شعورهما بالواجب ورميهما بخيانة البلاد وبيع الذمة.

وقد أجاب المتهم عن هذه التهمة أمام المحكمة الأولى بأن المقالة التي نشرها تحت عنوان دنشواي أخرى ب(السودان) لا تضمن سوى الطعن بسامة نية في أعمال موظفين عموميين أن نسب إليهما أمورا معينة لا تتعدى أعمال وظيفتهما.

وأن هذا الطعن من الحقوق المقررة قانونا بنص الفقرة الثانية من المادة (261 عقوبات) والفقرة الثانية من (المادة 265) من القانون المذكور.

وطلب من المحكمة بعد الفصل في الوصف على الصورة المتقدمة أن تأمر بالمرافعة في موضوع الدعوى وأن تصرح له بإثبات سلامة نيته وصحة الوقائع التي نسبها للمطعون عليهما.

غير أن المحكمة بحكمها الصادر بتاريخ 5 أغسطس سنة 1909قد فصلت في موضوع الوصف فقررت بأن الواقعة ليست إهانة وفصلت في دعوى القذف دون أن تسمع مرافعة في موضوعها من عندياتها أن المتهم سيئ النية فيما كتبه وقضت عليه بمبلغ ثلاثين جنيها غرامة.

رفع المتهم استئنافا عن هذا الحكم وقررت النيابة استئنافه أيضا ثم كلف المتهم بالحضور للمحكمة حددت موضوع التهمة في إعلان التكليف بالحضور إذ قالت بمحاكمته بالمادة (159)عقوبات وهي المادة الخاصة بالإهانة.

النزاع

فالغاية إذن تظلم من الحكم من حيث وصف الأفعال المنسوبة للمتهم فتقول إنها إهانة والمتهم يطلب تأييد الحكم من حيث وصف الأفعال المنسوبة إليه بأنها ليست إهانة.

ويتظلم منه في اعتبارها قذفا ويطلب اعتبارها قذفا على أعمال موظفين لا عقاب عليه فيدور إذن موضوع الكلام أمام المحكمة الاستئنافية على ما يأتي:

  1. هل الأفعال المنسوبة للمتهم تعد إهانة؟
  2. هل هذه الأفعال تعتبر طعنا على أفعال موظفين لا عقاب عليه قانونا؟

عن استئناف النيابة:

هل الأفعال المنسوبة للمتهم تعتبر إهانة وتدخل تحت أحكام المادة (159)؟حرم الشارع كل فعل من شأنه جرح العواطف ومس الشعور سواء وقع بالقول أو الإشارة أو التهديد ا, النشر بطرقه المعلومة.

غير أنه لما كان مش الشعور وجرح العواطف يختلف بساطة وشدة باختلاف العبارات المستعملة من جهة وباختلاف العبارات المستعملة من جهة وباختلاف الأشخاص الذين تقع عليهم تلك الأفعال في الشارع بوضع مسميات لهذه الأفعال وحدد لكل واحد منها عقوبة مناسبة.

بدأ الشارع الفرنسي سنة 1810 بحماية الوظائف العمومية في شخص الموظفين من مثل هذه الجرائم إذ وقف عليهم أثناء تأديتها فرتب عقوبة على كل إساءة تقع عليهم في الظروف السالفة الذكر وسمى هذا العمل إهانة:

ثم عنى بعد ذلك بأفراد الناس فقسم الأفعال السالفة الذكر بحسب جسامتها إلى قذف وسب وشتم وافتراء. فإذا نسب فرد إلى الآخر وقائع من شأنها إن كانت صادقة أن تستوجب عقابه قانونا أو تحط من كرامته يسمى الفعل قذفا وإن نسب إليه أمورا غير معينة ولكنها تشمل على عيوب معينة وتمسى بالشرف كان الفعل سبا.

وإن كانت غير ذلك تسمى شتما أو سبا بسيطا معاقبا يعليه بالعقوبات المقرر للمخالفات وإن كان الفعل المنسوب للشخص هو واقعة مكذوبة لا أصل لها سمى افتراء.

لم يفرق الشارع الفرنسي بين القذف والسب والشتم والافتراء في حق الموظفين وجعلها فعلا واحدا أسماه (إهانة) يعاقب عليها بعقوبة واحدة مهما اختلفي جسامة الفعل ولكنه فرق بينها وجعلها درجات في حق الأفراد قذف وسب وشتم وافتراء ووضع لكل فعل عقوبة مناسب لدرجة جسامته.

يستفاد من ذلك أن الشارع الفرنسي كان يعتبر القذف والسب من حق الموظفين من قبيل الإهانة فما كان يوجد في قانون العقوبات نص يختص بالقذف والسب في حق الموظف هذا وقد رأى المقنن الفرنسي أن يضع في 17 مايو سنة 1891 قانونا آخر عاقب فيه بكيفية خاصة على القذف والسب الذي يقع في حق الموظفين بطريق النشر.

ولكن الفارق أن القانون الأول كان يعاقب على ما يقع من الطعن على الموظف أثناء تأدية وظيفته أو بسبب تأديتها أما الثاني فيعاقب على القذف والسب الذي يقع في حق الموظف بسبب أمور تتعلق بوظيفته.

جاء بعد ذلك قانون الصحافة الصادر في 29 يوليو سنة 1881 فنص في المادة (31) على العقاب على القذف أو السب الذي يقع على الموظفين أو على الأفراد وأباح في المادة (35) لإثبات الوقائع التي تنسب إلى الموظفين ورتب براءة القاذف على الإثبات أو على حسن النية.

أما الشارع المصري فقد أخذ قانونه الأول الصادر 1833 عن القانون الفرنسي فنص في المادة (124) من قانون العقوبات المذكور على التعدي الذي يقع على الموظفين أثناء تأدية وظائفهم أو بسبب تأديتها وجعل العقوبة على هذا الفعل الحبس من ثمانية أيام إلى ستة أشهر.

وهذا النص يوافق ما جاء بالقانون الفرنسي الصادر في سنة 1810 بالمادة 222وما بعدها وقد جاء بالمادة (165) من القانون المذكور وهي المادة التي وردت في باب الجرائم التي تقعي بواسطة الصحف النص على جرائم أخرى تقعي في حق الموظفين وعباراتها هكذا:

ومن وقع منه بواسطة إحدى تلك الطرق سب أو شتم أو افتراء في حق أحد الموظفين المذكورين بالمادتين 124، 125 بأسباب متعلقة بوظيفته أو مأموريته يعاقب بالعقوبات المقررة في المادتين (المذكورتين) فيلاحظ هنا أن الشارع لم يعتبر في المادة السالفة بلفظ إهانة بل استعمل لفظ سب أو شتم أو افتراء.

كذلك لم ينص الشارع في هذه المادة على القذف لأنه أراد أن يسوي بين أفراد الموظفين في العقاب على القذف لأن العقاب عليه في ذلك القانون أشد من العقاب الوارد في مواد التعدي على الموظفين.

ويلاحظ فوق ما تقدم أن الشارع في القانون القديم لم يجز إثبات الأمور التي تسبب للموظفين في دعاوي القذف ولم يجعل صدق تلك الأمور سببا للبراءة.

والمستفاد مما تقدم هو:

  1. أن قانون العقوبات القديم لم يكن يعاقب على الإهانة المطلقة بطريق النشر بل كان يجب لإمكان العقاب عليها أن تأخذ شكل السب أو الشتم أو الافتراء.
  2. أن القانون المذكور ما كان يبيح الإثبات في وقائع القذف والسب في حق الموظفين.
  3. أن الموظفين والأفراد كانوا في نظره سواء فيما يتعلق بالقذف.

جاء بعد ذلك قانون العقوبات الصادر في سنة 1894 بتعديلات جوهرية في هذا الباب وقد وقع التعديل في نص المواد (165و 277و 281) من القانون القديم وهي الخاصة بالتعدي على الموظفين بواسطة النشر وبالقذف والسب في حق الأفراد فاستعيض عن هذا القانون الجديد بالمواد (159و 261و 265).

والذي حمل الشارع على تعديل هذه المواد هو أنه أراد أن يقرر حقا طبيعيا لأقوام للحكومة والأمة في حياتها العمومية بدونه وهو حق انتقاد الموظفين العموميين ولو تعدى ذلك إلى قذفهم أي إلى نسبة أمور إليهم تستوجب عقابهم أو تحط من كرامتهم.

وتقديرا لهذا الحق قد أباح للطاعن على الموظف أن يثبت حقيقة الأفعال أو العيوب المنسوبة إليه فجاء ذلك تفريقا بين حالة الموظف وغيره من الأفراد فيما يتعلق بدعاوي القذف.وقد رأى الشارع المذكور أن يشدد العقاب على التعدي الذي يقع على الموظفين بشرط أن يتعدى عقوبة القذف في حق الأفراد.

تحقيقا لهذا الغرض أضاف عقوبتين على المادتين 261 الخاصة بالقذف و 265 الخاصة بالسب قرر فيهما حق الطعن على الموظفين بسبب فظائعهم وأباح للأفراد حق إثبات ما ينسبونه إليهم.وقد اقتضى جواز الإثبات على الصورة المتقدمة تعديل عبارة المادة (165 القديمة) فجاءت عبارتها في المادة (159 الجديد) هكذا:

يعاقب بالعقوبات المذكورة كل من أهان موظفا عموميا أو أحد رجال الضبط أو أي إنسان مكلف بخدمة عمومية أو افتري عليه أو سبه بإحدى الطرق السالف بسبب أمور تتعلق بوظيفته.

ومن يقارن بعد النص القديم والنص الجديد لابد من أن يستنتج:

  1. أن المادة القديمة كانت تعاقب على السب والافتراء والشتم وأن المادة الجديدة تعاقب على الإهانة والسب والافتراء.فكأن الشارع قد استعاض عن لفظ (شتم) في المادة القديمة بلفظ إهانة وقدرهما من حيث الجسامة تقديرا واحدا.
  2. أن المادة القديمة كانت تعاقب على هذه الأفعال متى وقعت بأسباب تتعلق بالوظيفة.

وأما المادة الجديدة فلا تعاقب إلا إذا وقعت الأفعال بسبب أمور تتعلق بالوظيفة والسبب في هذا التغيير هو جواز إثبات وقائع القذف والسب المستفاد من المادتين 261و 265 إذ أن الإثبات لا يكون إلا لأمور عيوب معينة.

يستنج مما قدمناه أن الشارع بهذا لتعديل قد وضع في نفسه تعريفا للإهانة فجعلها كالشتم أو اعتبرها كل فعل جارح يتوجب لموظف من الموظفين ولا يدخل في عداد القذف أو السب أو الافتراء.

يؤيد ما قدمناه أن الشراح عرفوا الإهانة لغة بأنها كلمة معيبة لا يمكن تحديد معناه بتعريف جامع مانع وأن أقرب تعريف لها هو أنها كل طعن يكون بطبيعة جارحا أو مسيئا يقع ضد الموظفين أثناء تأدية وظائفهم أو بسببها بارييه شرح قانون الصحافة (جزء ثان صفحة 230 كارنتيه- جزء 29 صفحة 413 فقرة ثالثة).

وقد عرفا الأستاذ جارو في مطولة جزء رابع نمرة (1310) بأنها فعل غير محدود يقع بطرق مختلف ومن شأنه إساءة أو جرح إحساس من يقع عليه.غير أنه يستفاد من هذا التعريف اللغوي أن الإهانة يدخل تحتها القذف والسب والافتراء والشتم.

نعم إن لفظة إهانة تشمل ذلك كله ولكنه يؤخذ من تحديد القانون لبعض أفعال الإهانة وتسميتها بأسماء أخرى خروج تلك الأفعال في الاصطلاح القانوني عن دائرة الإهانة وتطبيق الأحكام التي وضعها الشارع لها دون التفاتي إلى النصوص الخاصة بالإهانة.

فإذا أخرجنا هذه الأفعال من دائرة الإهانة أصبحت محدودة بكل فعل لا يكون سبا ولا قذفا ولا افتراء فتقع تحت أحكام الشتم البسيط الذي يوجه لموظف بسبب أمور تتعلق بوظيفته.

ويزيد ما قدمناه تأييدا التعريف الذي وضعه الأستاذ (جريليه دا مازو) في مؤلفه على القذف جزء ثاني صفحة (44) نمرة (168) حيث قال:

الإهانة لغة هي كلمة من أنواعها القذف والسب أما تعريفها قانونا في كل ما يقع في حق موظف عمومي ومن الشتم أو السب الذي يدخل تحت أحكام السب المشتمل على عيب معين أو خدش الناموس والاعتبار ولا يدخل تحت أحكام القذف من حيث تحديد الأمور المنسوبة للموظف أو من حيث العلانية

والإهانة المنصوص عنها بالمادة (159) تشترط للعقاب على الإهانة شروطا أساسية وهي:

أولا: أن تقع الإهانة على موظف
ثانيا: أن تقع بإحدى طرق النشر
ثالثا: أن تقع على الموظف بسبب أمور تتعلق بوظيفته.

ويفهم هذا الشرط الأخير يجب أن نقارن بينه وبين الشروط الأخرى التي وردت في المادة (117) التي تعاقب على الإهانة التي تقع بغير طرق النشر فإنه ورد في المادة المذكورة أن الإهانة يعاقب عليها متى وقعت أثناء تأدية الوظيفة أو بسببها لأن هذه المقارنة توضح غرض الشارع تمام الوضوح.

وفي الواقع فإن الشارع اشترط في المادة (117) أن تقع الإهانة أثناء تأدية الوظيفة سواء تعلقت ألفاظ الإهانة بعمل من أعمال الوظيفة أم لم تتعلق لأن القانون أراد احترام الوظيفة عند تأديتها.

مثال هذه الألفاظ أن يشتم الموظف وهو يؤدي عمله كأنه يقال له مثلا يا خنزير يا كلب.وأما الإهانة التي تقع بسبب تأدية الوظيفة فلا يشترط فيها أن تقع في الوقت الذي يؤدي فيه الموظف.

فإذا قابل أحد الخصوم القاضي الذي أصدر ضده حكما وقال له إنك رجل بطال اعتبر ذلك إهانة بسبب تأدية الوظيفة فكلما كان الحامل على الإهانة هو تأدية الوظيفة كان الفعال إهانة في بسبب تأديتها ولو لم يذكر الفاعل في عبارته شيئا يتعلق بتلك التأدية أما الإهانة التي تقع على الموظف

بسبب أمور تتعلق بالوظيفة فتقتضي وجود أي فعل يرتبط ويتعلق فهي أخص من الإهانة التي تقع بسبب أمور تتعلق بالوظيفة وتدخل بلا شك تحت أحكام الإهانة المتعلقة بتأدية الوظيفة ومعنى تعلق الأمور بالوظيفة أن يكون العمل خاصا بحياة الموظف العمومية أو بحياته الخصوصية بشرط أن يترتب عليه وجود عمل من أعمال الموظف العمومية؟

عن استئناف المتهم:

هل العبارات الواردة في مقالة 28 يونيو سنة 1909تعتبر طعنا في أعمال موظفين عموميين وتدخل تحت نص العقوبتين الثابتتين من المادتين (261و 265) عقوبات.

يرجع حق الطعن في أعمال الناس إلى الشرائع القديمة فإن من مبادئ الشريعة الغراء أنه لا عقاب على القذاف إذا كانت الأمور المنسوبة إلى المقذوف فيه صادقة بل يمكن القول بأن الشرع الشريف لا يعرف جريمة القذف بل يعاقب فقط على جريمة الافتراء ولا فرق فيه بين الموظف وغير الموظف.

يؤيد ذلك ما جاء في القرآن الشريف فقد قال الله تعالى (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم).وقد فسر صاحب فتح البيان (جزء ثان صحيفة 238) بأن الجهر بالسوء هو التوبيخ والنهي عن الفعل المنكر وهو مباح إلا إذا كانت الأمور المنسوبة للشخص كاذبة.

وضعت الشريعة الإسلامية هذه القاعدة لحكمة كبرى تلك الحكمة هي أن الشارع قرر حق مراقبة الأفراد بعضهم لبعض وفرض على كل منهم واجب الانتقاد والتوبيخ وأباح رفع الدعوى من الأفراد في المسائل العامة حتى أن طريقة حصر الدعوى العمومية في يد الحاكم ليست معروفة في الشرع فالدعوى العمومية يستعملها ضد الناس ولو لم تتعلق بجريمة من الجرائم بل يكفي في استعمالها مخالفة الآداب وأوامر الله.

أما الشريعة الرومانية فإنه كان لا يوجد في نصوصها الأولى شيء يستفاد منه تقرير قاعدة الشريعة الغراء إلا أنه بعد العهد الأول كتب المقنن الشهير بولص رسالة في عهد (سبتليم سيفير) جاء فيها: إنه ليس من الصواب ولا من العدل أن يعاقب على ارتكاب القذف في حق الجاني بل من حق النافع المفيد أن يعلم الناس خطأ المذنبين.

كذلك صدر في عهد سولون بمدينة أثينا قانون يعفي من العقوبة كل قاذف أقام الدليل على صحة ما قذف به.فيستفاد مما تقدم أن الشريعة الرومانية كانت تبيح الطعن في حق الغير متى كان ذلك الطعن مبنيا على أفعال ثابتة حقيقية وذلك للمصلحة العامة ولم يكن هناك فرق بين الأفراد والموظفين في هذا الأمر.

وقدي جرى شراح القانون الروماني على القاعدة السالفة الذكر ولكنهم اختلفوا في حدود المصلحة العامة غير أن الرأي الذي كان راجحا عندهم هو أن الفارق بين القذف للمصلحة العامة والقذف الذي يرتب بعض الإساءة هو أن يكون الأمر المنسوب في الحالة الثانية عيبا من العيوب الطبيعية كالعمى أو ما شابة ذلك.

ويظهر أن الشريعة الإنجليزية قد أخذت هذه القاعدة فإن للمقذوف فيه بحسب هذه الشريعة حق الخيار بين أن يرفع شكواه للمحاكم المدنية أو إلى المحاكم الجنائية ولكن ليس له طلب التعويض إلا أمام الجهة المدنية.

فإذا اختار الطريق الجنائي فلا يجوز للقاذف إثبات الوقائع المنسوبة للمجني عليه إلا إذا كان يهم الهيئة الاجتماعية نشرها وكشف حقيقتها.

وأما إذا اختار الطريق المدني للمطالبة بالتعويض فللقاذف الحق المطلق في إثبات ما نسبه المدعي من الأمور سواء كانت تهم الهيئة الاجتماعية أو لا تهمها ويترتب على هذا الإثبات رفض الدعوى.

أخذ المقنن الفرنساوي في سنة 1810 بهذه الأصول فلم يكن يعاقب على القذف إلا إذا كانت الأمور المنسوبة إلى المقذوف نية عارية عن الصحة ولذلك لم يسم هذه الجريمة قذفا بل سماها افتراء وعرفها في المادة 367 بتعريف القذف وقرر في المادة 371 من القانون المذكور بعدم العقاب على الافتراء إذا ثبتت صحة الوقائع المنسوبة للمطعون عليه.

غير أن هذه المواد وإن كانت عامة يدخل تحتها الموظف والأفراد إلا أنه وضع القانون المذكور بجانبها مواد الإهانة للموظفين وهي 222 وما بعدها فكانت المحاكم تطبق مواد الإهانة في حالة الموظفين ومواد الافتراء في أحوال الأفراد.

لذلك عنى الشارع الفرنسي في 17 مايو سنة 1819 بوضع قانون استبدلت فيه جريمة الافتراء الواردة في المادة 367 وما بعدها من قانون نابليون بجريمة القذف ثم صدر قانون أخر في 16 مايو من السنة المذكورة قرر الشارع المذكور في المادة 20 منه قاعدة منع إثبات وقائع القذف إلا إذا كان موجها ضد موظفين عموميين لسبب أعمال تتعلق بوظائفهم.

ومن هذا الوقت بدأ تطبيق قاعدة التصريح بالإثبات في حق الموظفين وتحريمه في حق الأفراد جاء بعد ذلك قانون الصحافة الفرنسي 29 يوليو سنة 1881 فقرر هذه القاعدة بعينها في المادة 35 إذ ورد في الفقرة الأولى منها:

ويجوز إثبات واقعة القذف بجميع الطرق الاعتيادية بشرط أن يكون متعلقا بالوظيفة وصادرا عنه ضد إحدى الهيئات النظامية أو الجيوش البرية والبحرية إلخ....)

وفي الحالتين المتقدمتين يكون الحق محفوظا في إثبات نفس تلك الوقائع ومتى قام الدليل على صحة واقعة القذف يحكم ببراءة المتهم.أما الشارع المصري فإن قانونه الأول وهو الصادر في 14 يونيه سنة 1883 لم يبح إثبات وقائع القذف ولا في حق الموظفين وهذا ما حدا بالحكومة عند تعديل قانون العقوبات أن تقرر هذه القاعدة بصفة تشريعية.

وقد رأى المشرع المذكور في ذك العهد (1904) أن يقرر هذه القاعدة لفائدة لا تنكر وهي المصلحة العامة حتى تؤدي الصحافة والأفراد واجبا مقدسا هو الإشراف على أعمال الموظفين وتبليغ الحكومة بكل أمر يمس باستقامتهم في تأدية أعمال وظائفهم والتفريع على ما يمكن أن يصدر عنهم من المظالم أو الاعوجاج عن جادة الأمانة والإخلاص فيما وكل إليهم من الأرواح والأموال.

نظر الشارع المصري نظرة في القانون الفرنسي فرأى أنه لا يفي بالغرض فأراد أن يحمي الأفراد في البلد الضعيف ويجرئهم على استعمال حقوقهم في هذا الموضوع فتوسع في هذا الحق توسعا عظيما.

والذي حدا به على هذا التوسع أن الأهالي في هذا البلد قد عاشوا زمنا طويلا في خوف شديد من بطش الموظفين وضغط الحكومة فإن معظمهم يعتبر الموظف إلها ذا قوة وسطوة شديدتين.

لذلك رأى مقنن سنة 1904 أن يحيط حق الطعن في أعمال الموظفين بضمانات كبرى أوسع وأكبر من الحماية التي وضعها الشارع الفرنسي في قانون سنة 1881 وفي الواقع فإن المقارن بين المادة 35 من القانون المذكور وبين الفقرة الثانية من المادة 261 من قانون العقوبات المصري يرى أن الشارع المصري توسع في هذه الحماية أكثر من الشارع الفرنسي وذلك.

  1. لأن المادة الفرنسية قد اكتفت بإباحة الإثبات في وقائع القذف ضد الموظفين وقررت بأن ذلك الإثبات موجب للبراءة وهو أمر يغلب على الظن معه أن الشارع الفرنسي لم يعتبر قذف الموظفين حقا من حقوق الأفراد بل حرمه وجعل صحة الوقائع المنسوبة إليهم عذرا قانونيا يستوجب براءة القاذف.
  2. أن الناظر إلى المادة الفرنسية يجد أنها أضيق نطاقا من المادة المصرية وذلك لأن المادة الأولى لم تجعل لحسن أو لسوء اعتقاد المتهم صحة الوقائع أو عدم صحتها تأثيرا في الإدانة أو البراءة فإما أن الشارع الفرنسي قد يكون قد قصد حصر إثبات حسن النية في طريق واحد وهو إثبات صحة الوقائع وإما أن يكون صرف النظر بالمرة عن النية ولم يجعله في حالة قذف الموظفين سببا للبراءة.وهذه الملاحظة لها أهمية كبرى لأن إثبات حسن النية قد ينتج منه في أغلب الأحوال نفي قصد الإجرام والضرر ومن المعلوم أن جريمة القذف حتى في حق الأفراد لا تتم إلا بتوافر شروط نية الإجرام أو الضرر.فبتعليق الشارع الفرنسي الإعفاء من العقوبة على شرط إثبات وقائع القذف وسكوته عن حسن النية تطبيق على الأفراد في حق استعمال الطعن.أما الشارع المصري فإنه لعدم اتباعه هذه الخطة قد توسع في حق الطعن وأحاطه بضمانات أوسع من ضمانات القانون الفرنسي وذلك لأن تعرضه لذكر حسن النية في باب الطعن على أعمال الموظفين وإن كان ظاهره أنه قيد من القيود إلا أنه لا ينافي وجود أحوال لا تثبت فيها الأفعال المنسوبة إلى الموظف ومع ذلك يحكم فيها ببراءة القاذف لعدم توافر شروط نية الإجرام إذا انتفي توافر حسن القصد.هذا ومن جهة أخرى فلم يجعل الشارع المصري إثبات حسن القصد مقصورا ومنحصرا في طريق واحد وهو إثبات صحة الوقائع المنسوبة للموظف بل جعل إثباته مطلقا يكفي اعتقاد صحة الأفعال المسندة.
  3. أن الطعن في حق الموظفين مقصورا في القانون الفرنسي على أحوال القذف أما القانون المصري فقد جعله عاما للقذف والسب.ومعنى ذلك أنه صرح لكل فرد من الأفراد بأن ينسب إلى الموظف أمورا وعيوبا معينة لو كانت صحيحة لاستوجبت عقابه أو الحظ من كرامته أو تمس بالشرف والناموس فيجوز أن ينسب إلى الموظف كل ما يمكن نسبته إلى الأفراد من القذف والسب بغير عقاب وذلك بشرط القيود التي سيأتي ذكرها.

هذا ولكن النيابة في مرافعتها والمحكمة الأولى في حكمها قد ذهبتا إلى نظرية غريبة تناقض فكرة الشارع وغرض القانون بل تنافي الذوق السليم.

قال المحكمة: إن الفقرة الثانية من المادة (261) أضيفت بناء على طلب مجلس الشورى لإباحة الانتقاد على أعمال الموظفين وإن الانتقاد على أعمال الموظفين هو بحث أمر وإن مقالة المتهم قد تعددت الانتقاد إلى ذكر عبارات تمس صفات الشرف والاعتدال التي تلازم الموظفين.

وقالت النيابة: المسألة ليست انتقادا بل إنها جاءت في سياق إهانة.

ونحن قبل أن نناقش موضوع المقالة يجب أن نبين خطأ المحكمة والنيابة من حيث تقدير هذه المبادئ الغربية.إن القانون عبر في الفقرة الثانية من المادة 261 بلفظ طعن وعبر في النسخة الفرنسية بلفظ critique لا لفظ انتقاد وإذا كان يصح للتعبير بالانتقاد فيكون انتقادا مخصوصا من نوع الطعن الذي يدخل فيه القذف والسب.

نقول ذلك لنزيل شبهة لفظية قد أوقعت النيابة والمحكمة معا في خطأ بين وذلك لأن بونا شاسعا وفرقا عظيما بين الانتقاد والطعن أو القذف والسب.

وفي الواقع فإن الانتقاد المعروف في كتب التشريع الفرنسي لا يكون إلا على أعمال الأفراد وهو لا يدخل تحت أحكام القذف أي لا يجوز أن يشتمل على نسبة أمور معينة العقاب وتحط من الكرامة وإلا سمى قذفا توجد طبقة من الناس تعرض بنفسها إلى انتقاد الصحف مثل هؤلاء هم الكتاب والمؤلفون ومن يشتغلون بالأمور العامة كمؤلفي الشركات والتجار ومن ينشرون عن بضائعهم ويذكرون أنها من أجود الأصناف.

هؤلاء يجوز للصحف أن تكتب عنهم فإما أن تقبح أعمالهم أو تمدحها فهذا العمل من جانب الصحافة يسمى انتقادا وليس للمنتقد في هذه الأحوال أن يتألم لأنه بعمله قد وضع نفسه في موضع يجيز الانتقاد غير أن هذا الانتقاد لا يجوز أن يتعدى عمل المنتقد إلى الشخصيات ولا أن يخرج إلى دائرة القذف والسب.

قال الأستاذ فابرجيت في مؤلفه عن الصحافة جزء ثان صحيفة 223 تحت لفظ انتقاد ما مؤداه:

إنا نرى بكيفية أن يحرض الناس على انتقاده يجب أن يتحمل تبعة الانتقاد فمؤلف الرواية الذي يصفر الجمهور لسماع روايته لا يجيب الجمهور على هذا الصفير ولا يأخذ بتلابيبهم إذ إن انتقاده حق قد اشتراه الناس قبل الدخول إلى الملعب كما أنه ليس لهذا المؤلف أن يدهش من أن تنشر الصحافة عنه أنه سقط ولم ينجح فإن حرية الكتابة في هذا المقام تامة لا شبهة فيها ويذهب بعضهم إلى أن للمنتقد في مثل هذه الأحوال أن يصل بانتقاده إلى السب والقذف وهو مالا علاقة له بالانتقاد.

فيستفاد من ذلك أن الانتقاد يكون للأفراد في أعمالهم ولا يجوز أن يصل إلى السب والقذف فهو ليس إذن الطعن الذي أشار إليه القانون في الفقرة الثانية من المادة 262.

إذا زالت هذه الشبهة اللفظية يجب أن ينظر إلى أمر آخر جعل القاضي الأول يفهم أن المراد بالطعن هو الانتقاد فإنه ورد في حكمه أن الفقرة الخاصة بالطعن قد أضيفت إلى المادة (262) بناء على رغبة مجلس شورى القوانين من تقرير حق الانتقاد.

ولكن فرق بين طلب مجلس الشورى وبين القانون في ذاته فلا يمكن أن يفسر نص القانون برغبة هذا المجلس بل يجب أن يفسر بحسب نصه على أن الراجع للتعديلات يجد أن الحامل القوي على تعديل القانون في هذا الباب إنما هو ميل محكمة الاستئناف الأهلية في أحكامها إلى إباحة الإثبات في أحوال القذف في حق الموظفين

فلماذا لا تفسر لفظة الطعن التي وردت في القانون بلفظ القذف الذي ورد في التعليقات عند بيان ميل محكمة الاستئناف للعمل بالمبدأ الفرنسي؟ على أننا صرفنا عن ذلك كله ورجعنا إلى عبارة القانون بلفظ القذف في حق الموظفين

فلماذا لا تفسر لفظة الطعن التي وردت في القانون بلفظ القذف الذي ورد في التعليقات عند بيان ميل محكمة الاستئناف للعمل بالمبدأ الفرنسي؟ على أننا صرفنا عن ذلك كله ورجعنا إلى عبارة القانون بذاتها ولاحظنا المواضع التي وردت فيها

ولا يمكننا أن نشك لحظة في خطأ الحكم الأول وأن الشارع وقد وضع الفقرة التي أباحت الطعن في باي القذف والسب وجاءت عبارته بشرط إثبات حقيقة كل فعل قد أسند إلى الموظف في أن الطعن في حق الموظف يمكن أن يفهم الإنسان معنى النظرية النيابة وأسباب حكم محكمة أول درجة؟

يقول محرر الحكم المذكور إنه يجب في الطعن أو الانتقاد ألا تمس عبارات الكاتب صفات الشرف أو الاعتدال التي تلازم الموظف فهل يمكن التوفيق بين القذف والسب وعدم مس صفات الشرف والاعتدال التي تلازم الموظف هل يمكن أن أنسب إلى موظف أنه أرتشى في حادثة من الحوادث أو أنه نصب بسبب وظيفته أو أنه فسق أثناء تأديتها أو أنه حابي زيدا من الناس في حكمه أو أنه خرب الذمة أو أنه صادق أو غير ذلك من عبارات القذف والسب أصوغ هذا القذف والسب في عبارات وجمل لا تمس بصفات الشرف والاعتدال؟

أي اعتدال وأي شرف لا تهدم صروحه ويقع تحت الأقدام بعد نسبة واحدة من هذه المساوئ إلى الموظف ماذا يريد الحكم الأول هل يريد أن أقول للموظف بكل أدب واحترام سامحني يا سيدي ولا تعتقد أني أريد بشرفك سوءا إذا قلت إنك مزور كاذب منافق إني لم أجد مثلا واحدا يمكن أن أوفق بينه وبين نظرية القاضي وغرض القانون.

إن المحاكم الفرنسية قد توسعت في حق الانتقاد على الأفراد إلى درجة أنها تعتبر قذفا أمورا تحط من الكرامة والشرف متى كان الغرض منها مصلحة عامة فإنها أباحت انتقاد المرشحين للانتخاب متى كان الغرض من الطعن فيهم مصلحة الانتخاب فمن ذلك ما ورد في مجموعة أحكام دالوز سنة 1902 فهرست باب القذف نوتة 24 حكم جنائي صادر في سنة 1899 ونصه:

لا يعتبر قاذفا المنتخب بكسر الخاء الذي يعترض على سياسة المرشح التي تضر الأمة بها إلى مهلكة وتعرضها إلى أخطار الحرب الخارجية أو ينسب إليه أنه ليس محبا لبلاده مع تذكيره بالسياحة التي عملها في بلاد أجنبية ليحني رأسه لأعداء فرنسا.

فإذا كان حق الانتقاد على الأفراد قد يذهب إلى هذا الحد ولا ترى فيه المحاكم قذفا فكيف يمكن أن يقال إن الطعن في أعمال الموظفين لا يجوز أن يتعدى صفات الشرف والاعتدال التي تلازم الموظف اللهم إن الأمر أصبح ظاهرا وخطأ الحكم الأول بينا لا خفاء فيه.

يجب الآن أن نلخص المبادئ التي سبق تقريرها وتطبيقها على ظروف الدعوى الحالية فنقول: يمكننا أن نستنتج مما سردناه:

  1. أن حق الطعن هو غير الانتقاد فيدخل فيه القذف والسب في حق الموظفين أو بعبارة أوضح حق الطعن هو نسبة أمور للموظف إن كانت صحيحة استوجبت عقابه أو احتقاره أو نسبة عيوب معينة إليه أو عيوب تمس بشرفه واعتباره.
  2. أن هذا الحق مخول لكل فرد استعماله بطريق النشر ولكن يشترط لصحة استعماله شروط هي:
(أ‌) أن يكون الطعن في حق الموظف خاصا بأمور تتعلق بالوظيفة
(ب‌) أن يثبت الأفعال المنسوبة إليه.
(ت‌) أن يكون الطعن موجها بحسن نية.

فإذا أردنا أن نطبق هذه الشروط على الحالة التي بصددها مقالة المتهم من المحكمة إحالة الدعوى على التحقيق والتقرير يضم أوراق قضية دنشواي حتى يتمكن في إثبات صحة ما نسبة إلى المطعون عليهما.

نعم إذا طبقت هذه الشروط على المقالة لوجدناها تنادي بأن الواقعة المنسوبة إليه إنما هي طعن في أعمال موظفين وليست إهانة لا قذفا كما ذهب إلى ذلك حكم المحكمة الأولى.

وفي الواقع فإن ما نسبه المتهم إلى المطعون عليهما إنما هو وقائع عيوب معينة تدخل تحت أحكام المادتين 262و 265 فقرة ثانية أي هو من نوع القذف والسب المسموح به قانونا للأفراد وجميع الأمور المنسوبة قابلة للإثبات خلافا لما تزعمه النيابة وكلها خاصة بأمور تتعلق بالوظيفة فلا مندوحة عن التصريح بالإثبات.

وأما ما يتعلق بالنية فقد بينا للمحكمة أنها مفروضة في كل طعن يتوجه ضد موظف بسبب أمور تتعلق بوظيفته وأنه من واجب الاتهام إقامة الدليل على سوء النية وليس المتهم مكلفا إلا بنفي ما ثبته الاتهام.

وفي الواقع فإننا إذا نظرنا إلى المقالة لوجدنا أن غرض الكاتب منها يدور حول نقطتين أساسيتين هما:

الأولى أن الحكم الذي صدر من محكمة دنشواي حكم جائر صدر على أبرياء والثانية أن سبب نطق القاضيين بهذا الحكم هو الرهبة من الاحتلال والرغبة في الألقاب والمناصب.

هذا ما كتبه المتهم، وقد كتبه عن اعتقاد ثابت ويقين لا يشف عن شك أو ارتياب وذلك ظاهر عن عباراته الواردة في المقالة التي لم يكتبها إلا بعد أن قدرها تمام التقدير واقتنع بصحتها.

فإذا طلب منا إثبات اعتقاده فمع صرف النظر عن عبارات المقالة التي تشف عن الاعتقاد الصحيح لا يمكننا بالطبع أن ندخل إلى ضميره ونخرج صورة من هذا الاعتقاد ولكن يمكننا التدليل عليه ببيان الظروف التي أحاطت بالمتهم والأفعال التي دارت أمامه حتى جعلته يعتقد بل جعلت كل إنسان يعتقد صحة الطعن.

وفي الواقع فإن اعتقاده يكفي أن يكون في الظروف الآتية وهي:

أولا: حصول المحاكمة طبقا لنص دكريتو تشكيل المحكمة المخصوصة في حادثة لم يكن فيها ضباط الجيش الإنجليزي يؤدون خدمة عسكرية وأن حصول المحاكمة بلا مراعاة لقانون العقوبات وتحقيق الجنايات كاف بمفرده للجزم بأن عمل المحكمة عمل استبدادي محض.
ثانيا: ما كتبه المستر فندلي سكرتير الوكالة البريطانية وأقره لورد كرومر فيكتابه الأبيض الذي ظهر عن حادثة دنشواي يجعل المتهم يعتقد بل يجزم بصحة ما كتبه نعم ورد في هذا الكتاب صحيفة 13 من تقرير فندلي وترجمته أصدرت المحكمة حكمها كما ألفت في السابع والعشرين من شهر يونيو وكان إجماعيا فيما يتعلق برؤساء تلك الجريمة أي بالأربعة الذين حكم عليهم بالإعدام.
فما رأى النيابة في سر المداولة التي طنطنت بها مذكرتها الأولى وقالت إنه من المستحيل معرفة رأي القاضيين لأن سر المداولة مقرر بمقتضى القانون؟ ولكن رأيي الخاص في هذه المسألة أن قضاة المحكمة المخصوصة ليسوا مقيدين بأي قانون فليس فرضا عليهم أن يكتموا سر المداولة لأن الكتمان من خصائص المحاكم النظامية التي تحكم بمقتضى القانون.
ثالثا: ما جاء في نفس هذا الكتاب الأبيض صحيفة (24 من تفسير اللورد كرومر) وترجمته.
إنه لا يمكنني أن أقول إن الغرض الذي رميت إليه حينما تشددت في إيجاد هذه المحكمة الخصوصية إنما هو التمكن من إيجاد عقوبات صارمة عاجلة بمقتضى المادة الرابعة تنفذ الأحكام على الفور غير أني أظن أنه لابد قبل التنفيذ من أن نقرر بأن قرار تلك المحكمة هيئة قضائية أعلى.
وإنني لأود أن تعدل في المستقبل مواد الدكريتو تعديلا لا يبيح من العقوبات إلا ما يخرج عن طبقة ما نص عليه في قانون العقوبات المصرية من العقوبات.
  1. إن القاضيين الوطنيين المطعون عليهما كان رأيهما عند المداولة في القضية إعدام الأربعة الذين مثل بهم في حادثة دنشواي لأن الحكم بإجماع الآراء.
  2. إن اللورد كرومر نفسه يرى أن هذه الأحكام فظيعة إذ إن إذعانه بالقول بضرورة تعديل القانون من حيث وضع عقوبات توافق ما في القانون وعدم جعل أحكام المحكمة المخصوصة نهائية بل قابلة للاستئناف من أكبر الأدلة على اعتقاده شدة وفظاعة ما حصل في دنشواي وإن هذه الفظاعة هي التي جعلته يرى جليا أنه أخطأ بجعل إجراءات المحكمة المخصوصة على الشكل والطريقة التي صدر بها دكريتو سنة 1895.
رابعا: قيام كثيرين من كبار رجال الإنجليز ومن ضمنهم وكيل نظارة الخارجية في الوزارة السابقة وغيره من اللوردات بتقديم عريضة للحكومة يطلبون فيها العفو عن مسجوني دنشواي وما ورد في هذه العريضة من الأقوال وتعليق الجرائد الإنجليزية نفسها عليها حماية لضباطها ورجال بحريتها فلم يبق هناك شك في أن المتهم كتب ما كتب بسلام نية لاعتقاده وجزمه بصحة ما كتبه عن الموظفين المصريين هذا ولا ينازعنا أحد في أن المتهم كتب بقصد المصلحة العامة فجاء غرضه موافقا لما ورد في التعليقات القانونية من اشتراط أن يكون الغرض من الطعن للموظف مصلحة عامة.

إنه ما دام قانون المحكمة المخصوصة لا يزال باقيا بغير إلغاء بعد حدوث هذه المظالم فمن واجب الصحافي أن يكتب كل يوم وكل لحظة في خطر وجوده ولا يمكنه أن يبين هذا الخطر إلا إذا ذكر بتلك الفظائع التي وقعت بدنشواي.وإنه ما دام من أصول تشكيل تلك المحكمة وجود عضوين مصريين في دائرتها فمن الواجب على الصحافي أن يذكر الناس في كل آن بفظاعة الأحكام المروعة.

فإذا كان هذا واجب الصحافة خدمة المصلحة العامة فكيف يسوغ لقاضي أول درجة أن يقول إن المتهم لم يقل انتقاده أو طعنه للمصلحة العامة؟ فما هي إذن المصلحة العامة إذا كان الاعتراض على قانون محكمة دنشواي بأمل إلغائه ليس انتقادا للمصلحة العام؟ يجمل بنا أن نبين للمحكمة في مصل صغير الفارق بني الطعن للمصلحة العامة أو الطعن لغير هذه المصلحة.

إذا رجوت موظفا من الموظفين أن يعمل عملا مخالفا لواجب وظيفته ثم امتنع عن ذلك فانتقاما منه نشرت عنه الجرائد أنه ارتشى في حادثة من الحوادث فإن ذلك يكون طعنا على أعمال وظيفته ولكن الغرض منه هو الانتقال لغاية دنيئة تلك الغاية هي أن يخالف الموظف واجبات وظيفته ويعمل عملا من أعمال المحاباة.

هذا هو مثل الطعن لغير المصلحة العامة وهو بعيد بعد السماء عن الأرض عن الحالة التي نحن بصددها.ليس بيننا وبين حضرتي المطعون عليهما أسباب شخصية تدعونا إلا الانتقام منهما أو التشهير بهما فلا يوجد بيننا وبينهما سوى هذه المسألة العمومية.

إن أكبر دليل على صدق ما قدمناه أن المتهم لم يطعن هذا الطعن إلا خدمة للمصلحة العامة ما كتبه المتهم في هذا العام عن عطوفة ناظر النظار من جميل الثناء بسبب ما قام به العمل الجليل في حادثة الأزهر الشريف فإن عبارات المتهم التي وردت في عدد اللواء الصادر بتاريخ 20 فبراير سنة 1909 لمما يصح أن يتحلى به هذا الوزير الخطير وأن يبقى خالدا في تاريخ حياته العمومية وفي الواقع فقد جاء بعدد اللواء المذكور ما نصه:

يا رئيس النظار وقع بالأزهريين ما وقع من ضروب العسف والجور وصنوف العذاب والتنكيل فاجتمعت جموع العلماء وهم في حملة كتاب الله وحماه القبطي ليرفعوا إليك ما يفعله إخوانهم في الدين من النكال والعذاب المهين ليروا اعالم مبلغ تسامح الإسلام واستقامة مبادئه.

فلم يمنعهم تشددهم في دينهم أن يأتوا إليك مختارين ويستمعوا لقولك صاغين ويتلقوا وعدك مطمئنيين ويخرجوا من ذلك شاكرين ويروا جميل حديثك للغادين والرائحين ثم وقفت يا عطوفة الوزير الذي لو شئت لتنحيت عنهم وقفت مع أقرانك ذلك الموقف الحميد فانطلقت بشكركم ألسنة أوقفها عن شكر الوزراء قديما إنهم ليقولون وإذا قالوا لا يعملون وإذا عملوا لا يصلحون إليك إيها الوزير شكر أمة لا تكفر إحساسنا ولا تشكر مسيئا أمة لا تغفل عن الحسنة كما لا تغفل عن السيئة أمة لا تعرف التعصب إلا للحق ولا المحاربة إلا للباطل أمة لا تحملها مخالفة دين على منافرة أصحابه ولا مغايرة مشرب على منابذة أربابه.

فقر عينا بما ملكته في هذه النازلة من القلوب التي ما أحوجك إلى الحرص عليها وأولاك باستمداد القوة منها.فعلت ما فعلت من البر بيني وطنك من المسلمين وأنت زعيم الأقباط وقدوتهم فمن لنا أن يقتدي هؤلاء بك وعهدنا بهم أطوع لإشارتك فضلا عن أمرك حتى لا يكون هناك أثر للجفاء المذموم أو الانفراد الممقوت والله ولي التوفيق.

فهل بعد هذه العبارات التي تشف عن الإعجاب والاحترام والعدالة في تقدير الرجال والأ‘مال يمكن أن يقال إن بين عطوفة ناظر النظار وبين المتهم شيئا يستوجب حب الانقام.كذلك لا يوجد شيء يحمل المتهم على الطعن على سعادة فتحي باشا زغلول غير غرض المصلحة العامة.

اللهم إن ما قدمناه هومن أقطع الأدلة على فساد مزاعم النيابة من أن المتهم كان سيء القصد بما حرره في عدد 28 يونيو.إنه لمن أسخف الأدلة وأعظمها على سوء قصد المتهم ما ورد في أقوال الاتهام من أن الأدلة على سوء النية هو كتابة ما كتب بعد ثلاثة أعوام على مضي الحادثة.

نعم إن مأمورية النيابة أرقى وأسمى من أن تعتبر هذا القول دليلا على سوء النية وإن التفكير بالواجب ليس من الأمور التي يستهان بها وليس من الأمور التي يكتفي فيها التفكير مرة أو اثنتين إنه ما دمنا مهددين بوقوع مثل هذه الفظائع فلا تمر لحظة إلا ونذكرها ولا تمر آونة إلا تمثل أمامنا ذلك المنظر الفظيع أو المشهد المريع مشانق منصوبة وأرض بالدماء مخضوبة وأيد بالسلاسل مبلولة وأرجل بالأصفاد مكبولة ودموع مرسلة وقولب مندملة وأبناء يرون كيف تنزع أرواح الآباء ونسوة يخدشن الوجوه وشققن الجيوب ويزعجن عالم الملكوت بما ترفع أصواتهن إلهي من صيحات الأفواه ومناجاة القلوب.

إن مأمورية القضاء في هذه القضية سامية كبيرة وعمل الدفاع شريف ومركز النيابة حرج يحرجه الحق والقانون.فالمطلوب من حضراتكم أن تراجعوا إلى القانون ثم ترجعوا إلى ضمائركم ترجعوا إلى القانون ثم إلى العدل بعد أن تضموا آذانكم عن كل قول غير الذي تسمعونه في المرافعات فإن في ضمائركم السليمة روح العدالة والإنصاف لا تتردد لحظة في القضاء بالحق ولا تقولوا كما قال السير جراي إن العفو عن المذنبين يمس بسمعة القضاة المصريين الذين اشتركوا في الحكم لأن الحق فوق الإحساس والعدل هو الشرف فوق كل مرتخص وغالي إذ هو الغاية السامية والغرض الوحيدي الذي يجب أن يتجه إليه القضاء.

إنا واثقون بعدالتكم مطمئنون لحكمكم فابحثوا قضيتنا وإن كان بحثها يلفكم عناء واعلموا أن حكمكم سيكون موضع بحث العالم المصري والعربي وأعلموا أنكم بحكمكم العادل ستحملون لأنفسكم في التاريخ مجدا عظيما وتشيدون للحق صرحا عاليا.

الحكم الاستئنافي

باسم الجناب الخديوي المعظم عباس حلمي.

محكمة مصر الابتدائية الأهلية بجلسة الجنح الاستئنافية المنعقدة علنا بسراي المحكمة في يوم الأربعاء 35 أغسطس سنة 1909 تحت رئاسة حضرة بوغوص بك أغوبيان وكيل املحكمة وبحضور حضرتي المستر كلابكوت وإبراهيم بك يونس قاضيين وحضرة عبد الحميد أفندي بدوي عضو النيابة العمومية والسيد أفندي حلمي كانت الجلسة.

(صدر الحكم الآتي)

في قضية النيابة نمرة 2640 الواردة بجدول المحكمة سنة 1909 بنمرة 2654 وبها محمد بك مدع مدني. اتهمت النيابة العمومية المتهم بأن نشر مقالة ممضاة منه في اللواء

أولا: أهان كلا من بطرس باشا غالي رئيس الوزراء وسعادة فتحي باشا وكيل الحقانية بسبب أمور تتعلق بوظيفتهما.

ثانيا: قذف في حق محمد بك يوسف المحامي بأن نسب إليه في المقالة المذكورة أمورا لو كانت لأوجبت عقابة قانونا واحتقاره عند أهل وطنه.حيث إن الاستئنافات صحيحة شكلا فيتعين قبولها.

وحيث إن المسائل المرفوعة من المتهم باعتبارها دفوعا فرعية تنحصر في أن دفعين أولهما يختص باستئناف النيابة وتحديده على وصف التمة فقط وثانيهما أن محكمة أول درجة غيرت وصف التهمة من الإهانة إلى القذف وحكمت في الموضوع بدون أن يدافع المتهم عن نفسه في تقدير مسئوليته عن تهمة القذف.

أما باقي المسائل فإنها تتعلق بالموضوع.حيث إن الاستئناف المرفوع من النيابة رفع عن الحكم الابتدائي على علاته بدون قيد ولا سبب مخصوص كما أن استئناف المتهم كان كذلك ولم تتعين حدوده إلا أمام هذه المحكمة فلا فرق إذن بين الاستئنافين وما جاز للمتهم جاز أيضا للنيابة خصوصا إن النيابة سلمت أمام هذه المحكمة بصحة الوصف الذي اعتبرته المحكمة الابتدائية وتمسك به المتهم أيضا.

حيث إن قول الدفاع إن المحكمة لم تمكن المتهم من الدفاع عن نفسه في موضوع تهمة القذف لتقدير مسئوليته قول في غير محله لأن الدفاع أمام القاضي الجزئي تناول الدفوع الفرعية والموضوع في آن واحد كما هو ثابت في محضر الجسلة.

وحيث إن القول بأن المحكمة الجزئية لم تفصل في المسائل المرفوعة لها بصفة دفوع مع الفصل في الموضوع يخالف الواقع لأن المحكمة المذكورة ذكرت في نص الحكم رفض ما يغايره من الطلبات ومن المقرر قانونا للمحاكم الحق في الفصل في الدفوع الفرعية بطريقة إجمالية برفضها في نص الحكم

حيث إن المادة السابعة من قانون العقوبات هي خاصة بالحقوق الشخصية المحضة المقررة بالشريعة الغراء ولا تدخل تحت هذا القانون كحق تأديب الزوج للزوجة والوالد لولده وبما يماثل ذلك من الحقوق التي لا تستعمل إلا ضمن الحدود الشرعية ولا يوجد في ذلك نزاع لأن العمل بقانون العقوبات مدة أكثر من عشرين سنة لم يؤد إلى خلاف مع الشريعة الغراء وعلى ذلك لأوجه إذن لتطبيق المادة السابعة المذكورة في هذه القضية.

وحيث إن التهمتين الموجهتين إلى المتهم هما في الحقيقة وفي نفس الأمر تهمة واحدة بصدور القذف في مقالة واحدة وفي آن واحد لغرض واحد فيتعيني اعتبارهما تهمة واحدة.وحيث إن التهمة ثابتة ثبوتا كافيا على المتهم وعقابه على ذلك ينطبق على المادة 261 فقرة أولى وفقرة ثانية عقوبات.

وحيث إنه فيما يتعلق بالتعويض فالمحكمة ترى في تقدير الترضية الكافية لأن ما جاء بالقذف والتشهير بالمدعي المدني ما كان ليحق به ضررا لشهرته بالفضل والاستقامة.وحيث إنه لظروف القضية وقبح الألفاظ التي استعملت في القذف ترى المحكمة أن الحكم بالغرامة لا يكون رادعا ولا زاجرا ذلك للأسباب الواردة به

فلهذه الأسباب:

حكمت المحكمة حضوريا بقبول الاستئنافات المرفوعة من النيابة والمدعي بالحق المدني والمتهم شكلا وفي الموضوع وباعتبار التهمة تمة واحدة وتعديل الحكم المستأنف بالنسبة للعبوات وحبس المتهم ثلاثة شهور حبسا بسيطا وتأييده فيما عدا ذلك من الطلبات وألزمت المتهم بالمصاريف بنسبة مبلغ التعويض المحكوم به عليه وإلزام المدعي المدني بباقي المصاريف.

وبعد فلا شك في أن محاكمة عبد العزيز جاويش كان غرضها القضاء على حرية الصحافة المصرية والذي ابتدأ بإعادة قانون المطبوعات في 25 مارس 1909 على يد صاحبا لعطوفة بطرس باشا غالي وكان قد صدر في عهد الخديوي توفيق في 26نوفمبر 1881 وبعد وقوع الاحتلال البريطاني تغاطوا على تطبيق القانون حتى إنه بداية من سنة 1894 أصبح في حكم الميت.

ولكن باشتداد ساعد الحركة الوطينة وبكثرة الانتقادات الموجهة إلى السلطات البريطانية ورجال الحكومة المصرية وبعد وقوع حادثة دنشواي والصرخات التي تملأ الصحف بالثورة خشى الإنجليز على أنفسهم فأصدروا الأ,امر الخفية إلى الوزارة المصرية التي كان يرأسها غالي باشا بضرورة إعادة قانون المطبوعات فأصدر غالي في 25 مارس سنة 1909 قرارا بإعادة العمل بقانون المطبوعات

والذي كان سلاح ذا حدين حد قضائي لمصادر الحريات وبالذات حريات الصحفيين والزج بهم في السجون وحد إداري لمصادر الصحف بالإنذار والإغلاق حيث تنص المادة (13) من قانون المطبوعات على أنه:

يسوغ محافظة على النظام العمومي أو الدين أو الآداب تعطيل أو قفل أي جرنال أو رسالة دورية بأمر من ناظر الداخلية بعد إنذارين أو بقرار من مجلس النظار بدون إنذار ويسوغ إضافة غرامة من خمسة جنيهات إلى عشرين جنيها لكل إنذار يصدر.

وعاد قانون المطبوعات أملا في القضاء على أو الحد من حرية الصحافة وتكميم أقلام الصحفيين فانطلقت أصوات المصريين تهاجم القانون ومن أعاده وشنت حربا ضارية ضد من يحكمون باسم الاحتلال وعلى رأسهم غالي باشا الذي بلغت الحرب ضده أشدها عندما قام إبراهيم ناصف الورداني باغتياله ولم يكن قد مضى عام واحد على صدور القانون.

ولقد كان إبراهيم ناصف الورداني في طليعة المتظاهرين ضد هذا القانون في المظاهرات التي اشتعلت احتجاجا عليه وعلى من أعاده يوم 31 مارس 1909 مما أدى إلى أن تستدعيه النيابة ضمن المجموعة التي حققت معهم من زعماء هذه المظاهرة ومنهم رمزي نظيم زجال مصر الشهير و عثمان طلعت صبور و مختار طلعت صبور وقدم بعضهم إلى المحاكمة بتهمة إهانة الحكومة فقضت المحكمة بحبس أحمد حلمي ستة شهور وحبس محمود رمزي نظيم وعثمان طلعت صبور ومختار طلعت صبور وأحمد زكي بثلاثة شهور مع وقف التنفيذ وبراءة إبراهيم غانم.

وكان من الطبيعي أن تكون جريدة اللواء في طليعة قادة الهجوم على القانون ففي 26 مارس أي في اليوم التالي لصدور القانون كتب إسماعيل بك شيمي المحامي مقالا بعنوان تقييد حرية الصحافة شغل صفحة بأكملها من الجريدة وامتلأ بالهجوم على الاحتلال والحكومة التي عولت على تقييد الصحافة وتكميم الأفواه لتضرب الناس ضربة توقع بهم الرعب في قلوبهم.

وأعلنت جريد اللواء قطيعتها للخديوي عباس في قصيدة جاء مطلعها:

أعباس هذا آخر العهد بيننا
فلا تخش منا بعد ذاك عتابا.

أيرضيك فينا أن نكون أذلة

ننال إذا رمنا الحياة عقابا.

وكتب محمد فريد وجدي الأديب الإسلامي الكبير والصحفي المعروف في جريدة الدستور يقول إيها الوزراء اسمعوا وعوا لئن ماتت الحرية اليوم فستبعث غدا.

وكتب أحمد لطفي السيد يقول: إن الإنجليز يريدون الانتقام منا على مجرد طلبنا الحرية الشخصية كل ممزق يا عجبا كل العجب لماذا يحيون قانون 1881 ولا يحيون دستور 1882؟ أكل مالنا فيه غرم محبوب لديهم وكل مالنا فيه غنم هم عنه يحيدون؟

وهكذا كانت الصحافة المصرية صحافة تلم بقضايا مجتمعها وتتصدى لمعالجتها صحافة تسلك الطريق الذي ينبغي لها أن تسلكه بإرادتها هي لا بإرادة غيرها.

القضية الثالثة: مقتل بطرس غالي

إبراهيم ناصف الورداني... شاب مصري حر في الرابعة والعشرين من عمره تلقى علومه الأول في المدارس المصرية حتى نال البكالوريا، ثم ذهب إلى سويسرا يتلقى علوم الصيدلة في كلية لوزان، ثم سافر إلى انجلترا حيث مكث بها لمدة عام نال فيها شهادة في الكيمياء والتاريخ الطبيعي ثم عاد إلى مصر في أول يناير سنة 1909 ليعمل بها صيدليا ... ليس إلا...

• الورداني الذي أعاد النظر في قضية دنشواي، وقرأ بعناية مقال الشيخ جاويش عن ذكراها الأليمة، فأصدر حكمه بإعدام صاحب العطوفة بطرس غالي باشا رميا بأربع رصاصات مصرية الصنع نتيجة جنايتة على مصر مصائب أربعا هي: رياسته لمصيدة دنشواي المخصوصة وإعادته قانون المطبوعات ودوره العجيب في اتفاقية السودان، وتحريكه مشروع مد امتياز قناة السويس.

• ثورة دموية عصفت وتعصف بكل خائن لبلاده، ثورة دموية ميثاقها قول الشاعر:

كلانا على دين به هو مؤمن ولكن خذلان البلد هو الكفر.

في تمام الساعة الواحدة بعد ظهر يوم الأحد الموافق 21 فبراير 1910 أطلق إبراهيم ناصف الورداني على صاحب العطوفة بطرس غالي عدة رصاصات أودت بحياته أثناء خروجه من وزارة الحقانية يحيط به كعادته رجال الحكومة منهم: حسين باشا رشدي وأحمد باشا زغلول وعبد الخالق باشا ثروت.

وقبض عليه واعترف بأنه ملأ صدر بطرس غالي برصاصات طرحته على الأرض يتخبط في دمه نتيجة تصرفاته الخائنة لوطنه، ابتداء بتوقيع اتفاقية السودان سنة 1899 التي بمقتضاها أصبحت لإنجلترا سيطرة فعلية في السودان وأصبح المصريون غرباء عنه أو خدام الإنجليز فيه ومرورا برياسته محكمة دنشواي المخصوصة سنة 1906

والحكم بإعدام أربعة من أهالي دنشواي والتنكيل بهم شرتنكيل أهل دنشواي الذين ظلت أرواحهم تشكو لربها والمصريين ما أصابهم أهل دنشواي الذين سرت دماؤهم في الأرض تتوعد الآثمين، وإعادة قانون المطبوعات سنة 1909 الذي سلط سيفه على رقاب الصحف وحرية الكتابة بعد أن كان قد مات وعفا عليه الزمن ووصولا إلى الاتفاق على مشروع مد امتيازات قناة السويس في 10 فبراير 1910.

وإبان هذا الحادث قبض على كثير من شباب مصر ثم أفرج عن بعضهم.وأقامت النيابة الدعوى العمومية على إبراهيم ناصف الورداني وثمانية آخرين بتهمة مشاركته في الجريمة باعتبارهم جميعا أعضاء جمعية من مبادئها استعمال القوى في الوصول إلى تحقيق أغراضها وأن جريمة القتل كانت نتيجة محتملة لهذا الاتفاق وهؤلاء الثمانية هم:

المهندسون على مراد المهندس المعماري ومحمود أنيس مهندس الري وعبد العزيز رفعت مهندس التنظيم ومحمد كمال الطالب بمدرسة المهند سخانة وشفيق منصور وعبده البرقوقي الطالبان بمدرسة الحقوق وعبد الخالق عطية المحامي وحبيب حسن المدرس.

وأحيلوا جميعا إلى عطية المحامي وحبيب حسن المدرس.وأحيلوا جميعا إلى قاضي التحقيق الإحالة محمد متولي غنيم بمحكمة مصر توطئة لإحالتهم إلى محكمة الجنايات ونظرت القضية أمامه في 22 مارس 1910 وتولى الدفاع عن المتهمين أحمد لطفي السيدومحمود أبو النصر وإبراهيم الهلباوي.

ومثل الاتهام عبد الخالق ثروت النائب العام وبعد أن سمع قاضي الإحالة مرافعات النيابة والمحامين أصدر قراره بإحالة الورداني إلى محكمة الجنايات بتهمة القتل وبأن لا وجه لإقامة الدعوى ضد الثمانية المتهمين بالاشتراك لأنه لا يوجد في قانون العقوبات نصوص تعاقب على الاتفاقات الجنائية، الأمر الذي دعا المشرع بعد ذلك إلى وضع مادة تعاقب على الاتفاقات الجنائية.

وحوكم الورداني أمام محكمة جنايات مصر المشكلة برياسة المستر دلبروغلي وعضوية أمين علي وعبد الحميد رضا مستشارين وبحضور عبد الخالق ثروت النائب العام وتولى الدفاع كل من أحمد لطفي السيدومحمود أبو النصر وإبراهيم الهلباوي

وبعد أن سمعت المحكمة الشهود ومرافعات النيابة ومرافعات المحامين أصدرت حكمها في 18 مايو سنة 1910 بإعدام إبراهيم ناصف الورداني شنقا ورفع محاموه طعنا في هذا الحكم أمام محكمة النقض والإبرام فقضت في 11 يونيو برفض الطعن وتأييد حكم الإعدام.

وفي 28 يونيو 1910 نفذ حكم الإعدام في إبراهيم ناصف الورداني وهو يقول الله أكبر الذي يمنح الحرية والاستقلال وكان الشعب قد خرج في صباح ليلة التنفيذ يردد مواله.

(قولوا لعين الشمس ما تحماشي أحسن غزال البر صابح ماشي)

والعجيب أن يكون يوم إعدامه هو ذات اليوم من نفس الشهر الذي نفذ فيه حكم الإعدام شنقا في محمد درويش وثلاثة من أهله الذين قضت بإعدامهم المحكمة المخصوصة برياسة غالي باشا وهو ذات اليوم من نفس الشهر الذي خرج فيه مقال جاويش ذكرى دنشواي.

المحاكمة

محكمة الجنايات برئاسة المستر دلبروغلي وعضوية أمين بك علي وعبد الحميد بك رضا

مرافعة النيابة العمومية عبد الخالق ثروت باشا النائب العام

إن الجناية المطروحة عليكم اليوم ليست من الجنايات العادية بل هي بدعة ارتج لها القطر بأكمله ابتدعها الورداني فيه وكان إلى اليوم طاهرا منها لم يكن قصدي أن أطيل الكلام في الجريمة من حيث ثبوت ارتكابها فإن المتهم سجل على نفسه بإقراره سواء في التحقيق أو أمام قاضي الإحالة أنه قتل المرحوم بطرس باشا عمدا بعد سبق الإصرار على القتل والترصد له

ولكن الدفاع أسمعنا 33 شاهدا سمعت شهادتهم وفكرت فيها فألفيتها تحوم من بعيد حول نقط يريد الدفاع أن يدرأ بها عن المتهم مسئولية القتل من جهة خاصة أن يخفف بها مسئولية الجناية من جهة عام الأولى بخصوص العملية الجراحية التي أجريت لرئيس الوزراء المجني عليه وهل كان في الإمكان انقاذه لو لم تجر العملية بالأسلوب الذي أجريت به.

والثانية الادعاء بأن المتهم مختل القوى العقلية فأما عن المسألة الأولى فقد ندبت المحكمة لجنة برئاسة الطبيب الشرعي الإنجليزي وأستاذ الجراحة الإنجليزي بمدرسة الطب وجراح مصري لتقرر ما إذا كانت الجروح الناشئة عن الإصابة مميتة بدون إجراء العملية أو أنه كان للمصاب أن يعيش بدون إجراء العملية؟ وما إذا كانت العملية قد أجريت مع اتخاذ الاحتياطات الضرورية فنيا؟ وقد قررت هذه اللجنة أن إجراء العملية كان واجبا.

وأما عن المسَألة الثانية فالورداني يتمتع بكامل قواه العقلية ويعزز ذلك الورداني فقد أطال التفكير في انفاذ عزمه وأنه من أعضاء الجمعيات الفوضوية التي تحرض على الاغتيال.

إن الورداني بجناية قد عمد إلى خرق حرية القانون السماوية والبشرية عمدا إلى قتل النفس التي حرم الله قتلها عمد إلى إزهاق روح بريئة من غير ذنب عمد إلى حرمان إنسان من أٌدس حق له في هذه الدنيا عمد إلى حرمان عيلة من معيلها وأمة من رجلها وحكومة من رئيسها عمدا وأطاع هواه وأطلق رصاصته فماذا جرى؟

أنظروا يا حضرات القضاة كم أساء الورداني بجنايته إلى هذا البلد الأمين الأسف فماذا جنت عليه مصر ولماذا هو يضرها كل هذا الضرر لعله يدلي بخدمة الوطن إن الوطنية التي يدعي المتهم الدفاع عنها بهذا السلاح المسموم لبراءة من هذا المنكر إن الوطنية الصحيحة لا تحل في قلب ملأته مبادئ تستحل اغتيال النفس إن مثل هذه المبادئ مقوضه لكل اجتماع.

وماذا يكون حال أمة إذا كانت حياة أولى الأمر فيها رهينة حكم متهوس يبيت ليلة فيضطرب نومه وتكثر هواجسه فيصبح صباحه ويحمل سلاحه يغاشم في دار أعمالهم فيسقيهم كأس المنون.

ماذا يريد الورداني؟ أيريد ألا يكون حكما ولا حاكما؟ أيريد أن يكون الفوضى بعد النظام أيريد ضرا ودمارا عاجلين؟ هذه يا حضرات القضاة الغاية التي استحل الورداني من أجلها قتل النفوس ليصل بوطنه إليها خدمة له ومحبة فيه. وهذه هي الغاية التي ظنها شفيعا له لديكم وسببا لعطفكم عليه وشفقتكم به.

إن جناية الورداني لأشد ضررا ألف مرة من جناية كل مجرم قاتل أو سارق أو قاطع طريق فإن هؤلاء جنايتهم فردية وجناية الورداني على أمته ووطنه وهؤلاء يمن الاحتراس منهم وتوقى أضرارهم وهو يأخذ الناس في مأمنهم وعلى غرة منهم ومالهم منه من واق.

إن كان الورداني أراد بفعلته أن يخدم بلاده فلقد ساء طريقه إلى هذه الخدمة إن كان أراد أن يحييها من الجناية.فلقد صدع كيانها صدعا. وأضر بها ضررا بالغا بتلطيخه صحيفتها بالدماء وقد كان أمامه لخدمتها طريق من طرق مشروعة.

كان في وسعه أن يحارب خصمه بغير ذلك السلاح القاتل فإن كن على حق خرج من هذا النضال بطلا شريفا سائرا وبنفسه إلى خدمة الوطن لا أن يلقى إليك تلك الرصاصات ليذهب به إلى عدم يسير إيه اليوم قاتلا أثيما يئست المبادئ مبادؤه ولعنة الله عليه باسم الإنسانية التي انتهك حرمتها والحرية التي خرق سياجها والوطن الذي جنى عليه.

يا حضرات القضاة الآن بيدكم الأمر إن هي إلا كلمة تخرج من أفواهكم لا تسألون عنها إلا أمام ضمائركم وأمام الله سبحانه وتعالى وبها تبددون ظلمات أحاطت بالبلاد وبها تستأصلون جرثومة خبيثة يخشى منها على عقول النشء وأنا على يقين من أنك ستخبون صوت الحق والعدل والإنسانية تستصرخكم لما أصابها من جراء هذه الجناية الفظيعة فتحكمون بالإعدام على هذا الجاني.

مرافعات الدفاع

مرافعة أحمد لطفي السيد المحامي

بادئ ذي بدء، نطلب من المحكمة اعتبار الواقعة مجرد شروع في قتل لأن الوفاة لم تنشأ عن الإصابات التي أحدثها به المتهم والمثبتة في تقرير الطب الشرعي على هذه الصورة الآتية: رصاصتان في رقبته والثالثة في كتبفه اليسرى والرابعة في جنبه الأيمن ونستند في ذلك إلى تقرير اللجنة الطبية المنتدبة الذي لم يجزم بأن الاحتياطات الواجبة فنيا في إجراء العملية قد اتخذت فعلا ورأي الدكتور سرج فورونوف الذي أشار على أطباء مستشفى الدكتور ملتون بعدم إجراء العملية.

والذي دهش بعد تمام إجرائها لما وجد المجني عليه على مائدة العمليات وبطنة مفتوح إضافة إلى رأي الطبيب الشرعي النمسوي المنتدب هو فمان الذي قرر أنه من المؤكد أنه مثبت في علم الجراحة بوجود أحوال أصيب فيها القلب بإصابات نارية لم تحدث عنها وفاة.

وإننا نطلب إحالة الورداني إلى طبيب اختصاصي لفحصه وتقدير مسئوليته عن الجريمة التي تثبت عليه.يا حضرات القضاة انظروا إلى هذه القضية كما ينظر إلى أي قضية أخرى ولا تقيموا اعتبارا إلى أن المتهم هو إبراهيم الورداني وإلى أن المقتول هو رئيس النظار بطرس غالي.

أما أنت أيها الورداني فلقد همت بحب بلادك حتى أنساك ذلك الهيام كل شيء حولك أنساك واجبا مقدسا هو الرأفة بأختك الصغيرة وأمك الحزينة فتركتهما تبكيان هذا الشاب الغض تركتهما تتقلبان على جمر الغضا تركتهما تقلبان الطرف حلولهما فلا تجدان غير منزل مقفر غاب عنه عائله تركتهما على ألا تعود إليهما وأنت تعلم أنهما لا تطيقان صبرا على فراقك لحظة واحدة فأنت أملهما ورجاؤهما.

دفعك حب بلادك إلى نسيان هذا الواجب وحجب عنك كل شيء غير وطنك وأمتك فلم تعد تفكر في تلك الوالدة البائسة وهذه الزهرة اليانعة ولا فيما سينزل بهما من الحزن والشقاء ما أقدمت عليه.

ونسيت كل ما أملك في الحياة وقلت إن السعادة في حب الوطن وخدمة البلاد واعتقدت أن الوسيلة الوحيدة للقيام بهذه الخدمة هي تضحية حياتك، أي أعز شيء لديك ولدى أختك ووالدتك فأقدمت على ما أقدمت راضيا بالموت لا مكرها ولا حبا في الظهور أقدمت وأنت عالم أن أقل ما يصيبك هو فقدان حريتك ففي سبيل حية أمتك بعت حريتك ثمن غال.

فأعلم إذن أيها الشاب أنه إذا تشدد معك قضاتك ولا إخالهم إلا راحميك فذلك لأنهم خدمة القانون وهذا هو السلاح المسلول في يد العدالة والحرية وإذا لم ينصفوك ولا أظنهم إلا منصفيك فقد أنصفك ذلك العالم الذي يرى أنك لم ترتكب ما ارتكبته بغية الإجرام ولكن باعتقاد أنك تخدم بلادك وسواء وافق اعتقادك الحقيقة أو خالفها فتلك مسألة سيحكم التاريخ فيها

وإن هناك حقيقة عرفها قضاتك وشهد بها الناس وهي أنك لست مجرما سفاكا للدماء ولا فوضويا من مبادئه الفتك ببني جنسه ولا متعصبا دينيا خلته كراهية من يدين بغير دينه إنما أنت مغرم ببلدك هائم بوطن فليكن مصيرك أعماق السجن أو جدران المستشفى فإن صورتك في البعد والقرب مرسومة على قلوب أهلك وأصدقائك وتقبل حكم قضاتك باطمئنان واذهب إلى مقرك بأمان.

مرافعة محمود أبو النصر المحامي

لما دعينا للدفاع عن هذه القضية تذكرنا قول قاسم أمين: رأيت قلب مصر يخفق مرتين الأول يوم تنفيذ حكم دنشواي والثانية يوم جنازة مصطفى كامل ونضيف إلى ذلك أنه إذا كان قلب مصر أخفق في ذينك الحادثين فقد رأيناه يخفق في حادثين آخرين هما:

  1. إعادة قانون المطبوعات.
  2. مد امتياز قناة السويس.

حضرات القضاة، إننا نشعر بعظم المسئولية التي احتملناها أمام ضمائرنا وأمام الله والناس نعم إن المسئولية كبرى.. ما كنا نتقدم إلى احتمالها لولا ثقتنا بعد القضاء واستقلاله.

حدث ذلك الحادث فعمت الدهشة البلاد واستحكم الذهول في بعض العقول فتسرع من تسرع إلى اتخاذه مثارا لأحقاد وضغائن يشهد الله أن لا وجود لها إلا في بيداء الخيال والوهم.

نعم سمعنا والأسف ملء قلوبنا سمعنا صيغة كانت أشبه بأصوات الانتقام منها بتكييف الحالة الواقعة أوشك الجو بهذه الصيحة إن يزداد ظلاما فتشابه الأمر واستعت دائرة المسئولية الجنائية عن مركزها الحقيقي أخذ البريء بغير البريء.

ثم سيقوا جميعا إلى المحاكم فلم يلاقوا من عدل القضاء واستقلاله سوى ما تعلمون وكان من نتائج هذا التهويل في هذا الحادث والخروج به عن حد المعقول وحقيقته الثانية أن قام بيننا بالأمس ذلك الضيف الكريم الذي يدعي روز فلت يتهم الأمة بالتعصب الإسلامي بغير أن يبحث عن كنه ذلك المجني عليه ولكنه أجلس نفسه ظلما على منصة القضاء وأصدر حكمه في قضيتنا كما يشاء.

أجل يا حضرات القضاة فلا مثل هذه الصحية المنكرة ولا ما هو أشد وقعا منها واجاد سبيلا إلى نفوسكم الكبيرة وعقولكن الرزينة في تقدير مسئولية الورداني ذلك الذي اختارته الأقدار ليكون حكمكم في قضيته برهانا ساطعا على وجود تلك الضمانة الكبرى في قضائكم المتعالي عن الشبهات واختارته ليكون حكمكم في هذه الظروف إثباتا شافيا للناس عن معنى ذلك الثبات الكامل والسكينة المطلقة والتجرد عن كل شيء إلا النظر الحر في تلك الحادثة مع رعاية الظروف والأسباب فلا تهزمكم صيحة ولا تؤثر في رأيكم ضوضاء.

حضرات القضاة إن الأشخاص الذين يرتكبون جريمة وهم في حالة انفعال الحساسية وتهيج الشعور ليسوا مسئولين مسئولية تامة حتى ولو لم يعانوا من اضطراب عقلي وإننا لننفي سبق الإصرار ونرى أن وصف الجناية الصحيح هو الشروع في قتل باعتبار أن وفاة المجني عليه لم تكن بسبب ما ارتكبه المتهم بل بسبب الخطأ الطبي في إجراء العملية الجراحية.

وبعد فأتقدم إلى المحكمة بطلب الرأفة والرحمة، لا أريد بالرأفة والرحمة أن تتجاوزوا للمتهم عن شيء مما يستحقه عدلا لأني أقول إن الرحمة فوق العدل، بل أقول إن الرحمة هي أقصى وأسمى مرتبة من مراتب العدل فإذا طلبتها فإنما أطلب العدل في أرقى معانيه.

أطلب العدل المجرد من كل مؤثر ذلك العدل الذي يقضي بقصاصين مختلفين اختلافا كبيرا، على شخصين ارتكبا جريمة واحدة في ظروف متشابهة لما يتبين فيهما من اختلاف الطبائع وتغاير المقاصد وتباين الأسباب.

إني على ثقة تامة من أنكم ستقرون لهذا المتهم من زمان العقوبة ما يصلح تقديره لمثله وبديهي لديكم أن قليل العقوبة عنده يعادل كثيرها عند غيره من المجرمين العاديين.

رب ساعة في السجن تعادل شهرا أو أياما العقوبات مقدورة وأرقاها في سلم العدل ما روعيت فيه أحوال الإرادة صحة واعتلالا وقوة وضعفا وهو مالا سبيل إليه إلا باعتبار المشخصات الذاتية لكل متهم والظروف الخصوصية لكل متهم فإذا اقتضى العدل أن تعاقبوا فلتكن، العقوبة على هذا المبدأ القويم.

احكموا وسيحفظ التاريخ حكمكم في هذه القضية ليكون آية من آيات العدل، فلا تنسوا للمتهم ما قدمته من الاعتبارات وعلى الخصوص تحرر عمله من سبق الإصرار، وتغلب الأسباب على إرادته وتأثيرها في مزاجه العصبي إلى الحد الذي عرفناه.

مرافعة إبراهيم الهلباوي المحامي

ابتدأ الهلباوي مرافعته بالحديث عن الظروف التي تسببت في قيام الورداني بقتل رئيس النظار بطرس غالي ابتداء باتفاقية السودان ومرورا برياسة محكمة دنشواي وإعادة قانون المطبوعات وانتهاء بمد امتياز قناة السويس لمدة أربعين عاما أخرى مقابل أربعة ملايين من الجنيهات وقال إن الورداني قتل غالي باشا نتيجة لكل هذه الأمور.

حضرات القضاة لقد خدمت نحو 25 عاما محاميا، ولم يخطر ببالي يوما أن أسأل أو أقرأ سبب اختيار الرداء الأسود حلة رسمية للمحامي الذي يتشرف بالدفاع بين يدي القضاء ولا سبب انتخاب اللون الأخضر للوسام الذي تزان به صدور من عهد إليهم بإصدار الأحكام.

أما الآن وقد أبعدت عن قلبي هذه القضية كل راحة، وجعلتني مرآة لتلك القلوب المتفطرة كأم المتهم وشقيقته وباقي أهله وقلت إن كان مختار هذه الألوان أراد باللون الأسود رمز الحداد والمصائب للمحامي الذي يمثل القائم هو بالدفاع عنه وباللون الأخضر الذي يتحلى به صدر القاضي الرمز إلى الطاووس ذي الريش الأخضر وهو مثال ملائكة الرحمة، فنعم الاختيار.

كأننا نحن هنا في هذه القاعة أمام أولئك القضاة، بملائكة الرحمة على سطح هذه الأرض نقوم على نوع ما بمأمورية شبيهة بمأمورية أولئك الأحبار في هياكلهم الذين اتخذوا مثلنا ثياب الحداد وهم يتضرعون إلى مبدع السموات والأرض بأن يفيض على الأرواح الذاهبة إلى دار الخلود سحب رحمته وغفرانه

ونحن هنا نقول لكم إنكم تذكرون أنه ليس دائما بمقدور لهذا الإنسان الضعيف أن يحمي نفسه من الخطر والذلل وأن عيش معيشة الملائكة فتقبلوا دعاءنا في طلب الرحمة للأحياء كما يتقبلها من أقامكم حكما في عباده والذي علمنا أنه كما أن من صفاته العدل فإن من صفاته الرحمة وعلمنا فوق هذا أن الرحمة فوق العدل.

الآن لي كلمتان أوجههما إلى المتهم بين يدي القاضي:

الأولى: أني إذا كنت قاسيا عليه في نعته فلأني خاضع لقانون ليس دائما من سوء البخت- ملتئما مع أحكامه مع ما توصى به الذمة والضمير لأنه مضطر في أحوال كثيرة – رعاية لسلامة المجتمع البشري وصيانته إلى أن ينظر نظرا آخر في تعريف الحلال والحرام ونحن المحامين أحق الناس بالأدب والخضوع لهذا القانون فإذا قبل الدفاع عذرك أيها المتهم وعرضه على قاضيك فعليك أنت أيضا أن تتقبل قبولا حسنا عذر الدفاع فيما خالفك فيه من عقائدك السياسية.
الثانية: إني إذا أنزلتك منزلة المجرمين العاديين وطلبت لك الرحمة والغفران فلأن ذلك واجب أيضا يقتضيه الدفاع ولكن إذا أبت بنفسك أن تعيش بين السلاسل والأغلال وأن تعيش معاملا الأشقياء وقطاع الطرق فارفع نفسك عن هذا السبيل وأقبل نبال الموت بقلب البواسل فالموت آت لا راد له إن لم يكن اليوم فغدا إذهب إلى لقاء الله الذي لا يرتبط إلا بعدالته المجردة عن الظروف والزمان والمكان اذهب مودعا منا بالقلوب والعبرات اذهب فقد يكون في موتك بقضاء البشر عظة لأمتك أكثر من حياتك اذهب فقد يكون في موتك بقضاء البشر عظة لأمتك أكثر من حياتك اذهب فإن قلوب العباد إذا ضاقت رحمتها عليك فرحمة الله واسعة.

الحكم

قررت المحكمة بعد سماع مرافعات النيابة والدفاع والاطلاع على أوراق القضية والمداولة قانونا.

أولا: رفض ما طلبه الدفاع من إحالة المتهم على لجنة طبية لمراقبته حيث ثبت في يقين المحكمة سلامة قواه العقلية.
ثانيا: إرسال القضية لفضيلة مفتي الديار المصرية.

وبعد فالذي يثير الانتباه ويثير الدهشة هو ما أعلنته انجلترا من أن بطرس غالي لم يقتل إلا لأنه قبطي وردد وراءها ذلك روزفلت رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الذي قال إن التعصب الإسلامي هو الذي دعا المصريين إلى قتله وإن وضع الأقباط في مصر سيء ويجب حمايتهم.

والحق أن نصرانية بطرس غالي لم يكن لها أدنى أثر في تحريك الورداني إلى قتله بل كانت خيانة غالي وكان قتله الخيانة التي إن ارتكبها إنسان أيا كانت ديانته وملته أدت إلى قتله ولا محالة مهما طالت به الأيام نعم إن إيمان الورداني بقضية بلاده ووطنيته وإخلاصه في أداء واجبه نحو وطنه كان الدافع الأساسي لقتل رئيس النظار بطرس غالي،

وتاريخ مصر يشهد بأن المسلمين والأقباط يعيشون على أرضها تجمعهم الألفة والمودة والمحبة يجمعهم إيمانهم بوطنهم وعروبتهم وإلا فبماذا يفسرون ما قام به الشاب القبطي عريان يوسف سعد لما ألقى قنبلتين على دولة يوسف وهبة باشا عندما وضعه الإنجليز على رأس الوزارة المصرية في 21 نوفمبر 1919 وكانت الأمة المصرية مسلمين وقباطا قد اتفقت على الامتناع عن تولي مناصب الوزارة ومقاطعة لجنة ملنر.

وإضافة إلى ذلك كتب الأستاذ نصيف المنقبادي المحامي القبطي رسالة إلى دول العالم كتبها وقد مضى أيام على قتل غالي باشا ونشرتها جريدة اللواء في 9 مارس 1910 بعنوان رأي شاب قبطي في أخلاق الورداني جاء فيها أريد من صميم فؤادي أن أبدد التهم التي أشاعها الإنجليز في العالم ضد الورداني ليقللوا من النتيجة السياسية لعمله فقد أتهموه بأنه فتى مختل الشعور قليل الذكاء

وأنه أطاع داعي التعصب الإسلامي بقتله بطرس غالي المسيحي الذي يقولون إنه كان حرا ووطنيا، أنا أعرف الورداني شخصيا وهو فتى شديد الذكاء كثير المعارف ملأت صدره الوطنية المتحمسة بعد أن ضاق صدرنا جميعا من السياسة الإنجليزية التي كان بطرس غالي ينفذها باجتهاد وأنا بصفتي قبطيا أعني مصريا مسيحيا أصرح بأن حركتنا هي حركة وطنية مجردة ترمي إلى الترقي والحرية وما تهمة التعصب الإسلامي إلا من شائعات الإنجليز التي يصنعونها ليبرروا المظالم التي يرتكبونها في مصر.

وهذا هو أستاذنا مرقص فهمي المحامي ينفي عن المسلمين تهمة التعصب مسفها أقوال الذين يتهمون المسلمين باغتيال بطرس غالي.

ويجيبه الشاعر على الغاياتي بقصيدة شعر عنوانها إلى خطيب السلام... يقول فيها:

خطبت فلم تجنح إلى شرعة الهوى
ولم تتخذ الخلاف سبيلا

وأنصفت قوما أنت منهم وإن عدا

عليهم جهول أو أعان جهولا

فما أنت قبطي يبيع بلاده

ويرضى بدين الجاهلين بديلا

وما أمة القرآن في مصر أمة

ترى أمة الإنجيل أبغض جيلا

فأنا وأنتم أخوة في بلادنا

أقمنا على دين الإسلام طويلا

نذود عن الأوطان إن طم حادث

ونحمي حماها بكرة وأصيلا

وهذا واصف غالي ابن القتيل يكتب إلى الشاعر إسماعيل صبري يرجوه التوسط في الصلح بين المسلمين والنصارى فيقول: الآن يجب على الأمة المصرية أن تعمل لما فيه التوفيق بين جميع المسلمين.

والسلام عليك يا غزال البر حين قلت (إن لمصر ربا يحميها).السلام عليكم فمازال رفقاك مناضلين من أجل بلادهم لم ولن يرهبهم الإعدام.

القضية الرابعة:مقتل السيرلي ستاك

شفيق منصور- عبد الفتاح عنايتعبد الحميد عنايتمحمود راشد- إبراهيم موسىراغب حسن- محمود إسماعيلعلي إبراهيم.

• فتية آ منوا بربهم وحرية وطنهم...الحرية الحرية شعورهم وشعارهم.

• فتية آمنوا بقضية وطنهم .. فقدموا أرواحهم فداء حريته.

طليعة ثورية، وطاقة مولدة للحركة الوطنية، استطاعت أن تلهب الشهور الوطني وأن تقوى عزمه وأن تهون من التضحيات في سبيل طرد أقوى إمبراطوريات العالم من أرض مصر.

• حكموا بإعدام السردار رمز قوة الاستعمار معلنين ثورة دموية في وجه بريطانيا جزاء اغتيالها حقوق المصريين في الاستقلال والحرية.

• قاموا بواجبهم خير قيام ولم يرهبهم الإعدام.

في نحو الساعة الواحدة والنصف بعد ظهر يوم الأربعاء 19 نوفمبر سنة 1924 هاجم مجموعة من شباب مصر سردار الجيش المصري وحاكم السودان السيرلي ستاك وأطلقوا عليه عدة رصاصات أردته قتيلا وتخلصوا منه في القاهرة وهو في سيارته عائدا من وزارة الحربية إلى منزله بالزمالك وسط سيطرة إنجلترا على الأمن فيها.

وتولت الدهشة عجبا وفرحة وجوه المصريين كلهم بسبب هذا الحادث الذي وقع في قلب القاهرة وسط عتاد إنجلترا وجنت انجلترا حكومة وشعبا وصحافة وازداد جنونها لعدم معرفتها من قام بقتل صاحب المعالي السيرلي ستاك باشا؟.

وظل الجنون مسيطرا على انجلترا وبدلا من أن تبحث عمن قتل السردار طلبت من الحكومة المصرية أن تقام له جنازة رسمية عسكرية يسير فيها رئيس الوزارة المصرية الوزراء المصريون بملابسهم الرسمية كأنها تريد أن تقنع العالم والمصريين أن سلطان انجلترا لم يخدش وما مسألة الاغتيال إلا حادث عابر.

وشيعت الجنازة كما أرادت انجلترا ثم توجه بعد ذلك اللورد اللبني المندوب السامي البريطاني إلى مقر رياسة مجلس الوزراء بمظاهرة عسكرية قوامها 500 جندي بريطاني وقدم إلى سعد إنذارين باللغة الإنجليزية جاء في الأول إن الحاكم العام للسودان وسردار الجيش البريطاني قد قتل قتلة فظيعة وإن حكومة صاحب الجلالة تعتبر هذا القتل الذي يعرض مصر كما هي محكومة الآن.

لازدراء الأمم المتحضرة نتيجة طبيعية لحملة عدائية ضد حقوق بريطانيا العظمى والرعايا البريطانيين في مصر والسودان وتلك الحملة القائمة على نكران الجميل نكرانا مقرونا بجحود الأيادي التي أسدتها بريطانيا الظمى لم تكن تعمل حكومة دولتكم على تنشيطها بل أثارتها هيئات على اتصال وثيق بهذه الحكومة.

ولقد نبهت دولتكم صاحبة الجلالة منذ أكثر من شهر إلى العواقب التي تترتب حتما على العجز عن وقف هذه الحملة وخاصة في شأن السودان لكن الحملة لم توقف والآن لم تستطع الحكومة المصرية أن تمنع اغتيال حاكم السودان العام وأثبتت أنها عاجزة عن حماية أرواح الأجانب أو أنها قليلة الاهتمام بهذه الحماية.

فبناء عليه تطلب حكومة صاحب الجلالة من الحكومة المصرية.

  1. أن تقدم اعتذارا كافيا وافيا عن الجناية.
  2. أن تتابع بأعظم نشاط ودون مراعاة للأشخاص البحث عن الجناة وأن تنزل بهم أيا كانوا ومهما تكن سنهم أشد العقاب.
  3. أن تمنع من الآن وتقمع بشدة كل مظاهرة شعبية سياسية.
  4. أن تدفع حالا إلى حكومة الجلالة غرامة قدرها نصف مليون جنيه مصري.
  5. أن تصدر في مدى 24 ساعة الأوامر بإرجاع جميع الضباط المصريين ووحدات الجيش المصري البحتة من السودان مع ما ينشأ عن ذلك من التعديلات التي ستحدد فيما بعد.
  6. أن تبلغ المصلحة المختصة أن حكومة السودان ستزيد مساحة الأطيان التي تزرع في الجزيرة من 300 ألف فدان إلى مقدار غير محدد تبعا لما تقتضيه الحاجة.
  7. أن تعدل عن كل معارضة لرغبات حكومة صاحب الجلالة في الشئون الموضحة بعد الخاصة بحماية المصالح الأجنبية في مصر وختاما إذا لم تلب حكومة مصر هذه المطالب في الحال فإن حكومة صاحب الجلالة تتخذ فورا التدابير المناسبة لصيانة مصالحها في مصر والسودان.

وجاء في الإنذار الثاني الآتي:

  1. بعد سحب الضباط المصريين والوحدات المصرية الصميمة للجيش المصري تحول الوحدات السودانية التابعة للجيش المصري إلى قوة مسلحة سودانية خاضعة وموالية لحكومة السودان وحدها تحت القيادة العليا للحاكم العام وتصدر البراءات باسمه.
  2. يجب أن يعاد النظر في رغبات حكومة صاحبة الجلالة في القواعد والشروط الخاصة بخدمة الموظفين الأجانب الذين مازالوا في خدمة الحكومة المصرية وتأديبهم واعتزالهم الخدمة يجب أن ياد النظر فيها.
  3. ومن الآن إلى أن يتم الاتفاق بين الحكومتين بشأن حماية المصالح الأجنبية في مصر تبقى الحكومة المصرية منصبي المستشار المالي والمستشار القضائي وتحترم أيضا نظام المقسم الأوروبي في وزارة الداخلية واختصاصات الحالية كما سبق تحديدها بقرار وزاري وتنظر بعين الاعتبار الكامل إلى ما قد يبديه مديره العام من المشورة فيما يتعلق بالشئون الداخلية في اختصاصه.

وردت الحكمة المصرية في 23 فبراير أي في اليوم التالي من الإنذارين على الإنذارين البريطانيين إذ ذهب واصف بطرس غالي باشا وزير الخارجية إلى دار المندوب السامي وقدم رد الحكومة المصرية بإنكار لمسئوليتها عن حادث الاغتيال وبقبول المطالب الأربعة الواردة في الإنذار وعدم قبول المطالب الثلاثة الأخيرة.

ولكن إذا بالمندوب السامي يصدر أوامره رأسا إلى حكومة السودان بإخراج جميع وحدات الجيش المصرية من السودان مع إجراء التغييرات التي تترتب على ذلك وبحرية السودان في زيادة مساحة الأطيان التي تروى إلى مقدار غير محدد المطلب الخامس من الإنذار الأول

ثم قال عن المطالب السابعة الخاصة بحماية مصالح الأجانب في مصر إنه سيعلم رئيس الوزراء المصرية في الوقت المناسب العمل الذي ستتخذه الحكومة البريطانية تلقاء رفضه إياه ثم أضاف المندوب السامي إلى قوله: إنه ينتظر دفع نصف المليون جنيه إليه قبل ظهر 24 نوفمبر سنة 1924.

وقبل الميعاد أرسل وزير المالية المصرية تحويلا بالمبلغ على البنك الأهلي وأرفقه سعد بخطاب تاريخه 24 نوفمبر يحتج فيه على ما اتخذته الحكومة البريطانية من قرارات لا مسوغ لها تعتبر مناقضة لما لمصر من الحقوق المعترف بها وتسلم اللورد اللنبي التحويل وأصدر أمره باحتلال جمارك الإسكندرية باعتبار هذا العمل أول إجراء يتخذه.

وأمام هذه التطورات رغم أن سعدا والوزراء ساروا في جنازة السيرلي ستاك ورغم استنكاره للجريمة قدم سعد استقالته وهذا نصها.

(مولاي أتشرف بأن أرفع لجلالتكم أني لم أقبل مسئولية الوزارة إلا لخدمة البلاد تنفيذا لمقاصدكم السامية ولكن الظروف الحالية تجعلني عاجزا عن القيام بهذه المهمة الخطيرة وبهذا أرجو من مكارم جلالتكم أن تتفضلوا بقبول استعفائي مع زملائي من الوزارة وإني وإياهم مستعدون على الدوام للعمل على ما يرضيكم أدام الله علينا نعمة رعايتكم الجليلة وأدامكم مؤيدين بالعز والإقبال وموضع كل إكبار وإجلال).

شاكر نعمتكم سعد زغلول

ويا سبحان الله هكذا كان موقف سعد تجاه الإنذارين ولاء تام للملك واحترام فائق لصاحبة الجلالة حكومة بريطانيا بعد أن كان الشعار السعدي هو الاستقلال التام أو الموت الزؤام.

وقبلت الاستقالة وجيء بأحمد زيوار باشا ليجلس على كرسي رئاسة الوزارة التي كان أول مهامها البحث عن قتلة السردار فأعلنت عن مبلغ عشرة آلاف جنيه لمن يرشد عن مرتكبي الحادث، إضافة إلى اتخاذ بعض التصرفات الأخرى، مثل القبض على كثير من أعضاء مجلس النواب وأعضاء جمعة اللواء الأبيض السودانية وكثير من طلبة السودان وكثير من المحامين والمهندسين وطلبة المدارس العليا المصريين راجع المطلب الثاني من الإنذار الأول.

وكان الوعد بمبلغ ال10 آلاف جنيه وكانت الخيانة ففي تلك الأيام استطاع البوليس أن يهتدي إلى قتلة السردار بواسطة شخص يدعى نجيب الهلباوي أحد شباب الفدائيين السياسيين الذي نجح معه البوليس في أن يملأ صدره حقدا على زملائه الوطنيين ويا للخسارة أن يبيع إنسان شرفه ووطنيته وأهله نظير مبلغ من المال ولكن هكذا الحياة وقسوتها.. في آن واحد تفرز الأشراف والخونة.

وقبض عليهم في 31 يناير 1952 وقدموا للمحاكمة وهم:

  1. الدكتور شفيق منصور المحامي.
  2. عبد الفتاح عنايت الطالب بمدرسة الحقوق.
  3. عبد الحميد عنايت الطالب بمدرسة المعلمين العليا.
  4. محمود راشد مهندس التنظيم.
  5. إبراهيم موسى الخراط بالعنابر.
  6. محمود أحمد إسماعيل الموظف بوزارة الأوقاف.
  7. راغب حسن العامل بمصلحة التليفونات.
  8. علي إبراهيم سائق السيارة المستعملة في القتل.

واعترفوا لكنها اعترافات جاءت جميعها على هوى المستعمر ونظرت القضية في مايو 1952 أمام محكمة جنايات مصر برياسة المستشار أحمد عرفان وعضوية المستر كرشو ومحمد بك مظهر (مستشارين) ومثل الاتهام محمد طاهر نور بك النائب العام

وتولى الدفاع إبراهيم الهلباوي ووهيب دوس وبعد سماع المرافعات والمداولة صدر الحكم بإعدامهم في 23 أغسطس سنة 1952 ما عدا عبد الفتاح عنايت الذي استبدل حكمه بالأشغال المؤبدة نتيجة تقديمه اعترافا مكتوبا قضاها كلها في ليمان طرة وأفرج عنه في سنة 1944.

المحاكمة: محكمة الجنايات

المشكلة برياسة أحمد باشا عرفانوعضوية المستر كرشو ومحمد بك مظهر

مرافعة النيابة العمومية: محمد طاهر نور باشا النائب العام

حضرات القضاة.. قبل أن أشرح لحضراتكم وقائع هذه الحادثة المؤلمة التي لم يشهد تاريخ الحوادث الجنائية في مصر مثلها أكرر أسف الأمة على مصابها في قائد جيشها الذي قتل من أيد أثيمة وهو قائم بخدمة مصر التي لا تنسى له خدمته، كما لا تنسى جميل كل من أحسن عملا فيها.

نعم جزعت الأمة لمصابها في قائد جيشها لجناية ارتكبتها فئة من الأغرار المفتونين الذين طاشت أحلامهم وعميت بصائرهم فخرجا على إرادة أمتهم، وانتحلوا لأنفسهم سلطة القضاء في مهام لم يناطور بها جزعت لهذه الحادثة جزعا بادي الأثر، فقد أظهر مصر من أقصاها إلى أقصاها اشمئزاز ونفورا أوحت بهما عاطفة صميمة كاملة في نفوس هذا الشعب الذي يأبى أن يحقق آماله الشريفة إلا بالوسائل المشروعة.

استفظعت الأمة هذا الجرم واستنكرته، واشترك في هذا الاستنكار والاستفظاع الصغير والكبير وعلى رأس الجميع مولانا المعظم جلالة الملك حفظه الله.

إن مصر أم الحضارة والمدنية قديما، والتي لا تنكر منزلتها في عالم العلم والحضارة حديثا، مصر التي يضرب بحسن ضيافتها الأمثال وشعارها (أحرار في بلادنا كرماء لضيوفنا) مصر مثال الهدوء والطمأنينة قد تمثلت في البلاد الأخرى بسب هذه الكارثة والحوادث السابقة عليها أمة هائجة ليس لأحد فيها اطمئنان على نفس أو مال، حيث قالت عنها بعض الصحف الأجنبية: إنه من الصعب الاعتقاد بأن اي أسف أو اعتذار أو تعويض يعوض عن اعتداء من شأنه أن ينزل مقام مصر الدولي إلى منزلة أمة نصف متمدينة

فإنه ليس من المحتمل أن تنظر الأمم الأخرى ذات المصالح في مصر نظرة التساهل إلى هذا الاعتداء وألقت صحف أخرى تبعة هذه الجناية على الشعب المصري الذي تأصلت في نفسه العقيدة الدينية وهي تحرم قتل النفس أو تنهي عنه والذي يعرف حق المعرفة أن وسائل العنف والإجرام أكبر جناية على الوطن.

ما خلت بلاد من المغتالين ومن حوادث الاغتيال وقد وقع الإجرام على المصريين ذاتهم قبل أن يقع على سواهم وكنا نأمل أن أولى جراثيمه قد يأتي عليها القضاء العادل ولكنها مع الأسف الشديد قد ولدت جراثيم أخرى أشد خطرا وأعظم هولا جرت على البلاد شرورا كثيرة أضرت بسمعتها وأورثتها من المشكلات والخسائر ما يقتفي إضناء العقول وإجهاد القوي زمانا طويلا لتلافيه ودرء عواقبه.

هذه الجراثيم الخطرة التي تولدت عن الجرثومة الأولى، كان سببها إفلات بعض الجناة من يد العدالة فكانوا حربا على البلاد ومن كانوا على شاكلتهم من المتهوسين ضعيفي النفوس أمثالهم فاختاروا طريق لا يجدون في مصر من يوافقهم عليها أو يحاربهم فيها.

انحدرت هذه النفوس الضعيفة في مهاوي الجريمة والإثم بسبب تلبد الجو السياسي ورأوا أن وسائل العنف والإجرام بالخيانة والجبن تخدم البلاد وتنيلها أمنيتها وفاتهم أن العنف على مختلف صوره وأشكاله لا يمكن أن يجر على مصر وقضيتها إلا الضرر والفساد ولم نسمع في تاريخ أي أمة حالها كحالنا أي هذه الوسائل الإجرامية أنالتها أمنيتها.

فاتهم أن أشد ما ينتاب البلاد من الفوضى والاضطراب أن يصبح الأمر فيها بيد فئة من المفتونين اختلسوا لأنفسهم الحق في إقامة أنفسهم مقام الحكم والمنفذ في أمور لا يكون الحكم فيها إلا للأمة بأسرها فاتهم أن بلادا يصبح فيها الإنسان رهين حكم المتهوسين لا تقوم ولن تقوم لها قائمة حتى يترك ما لقيصر لقيصر، وما لله لله.

فات هؤلاء الأغرار أن الاستقلال لا يكفي لصوننا ورفع مقامنا بل يجب أن نعرف كيف نصون استقلالنا فبنشر التعليم وإعلاء شأن الأخلاق والفضائل وتوثيق عري الاتحاديين أنباء الأمة نتمكن من صيانة استقلالنا ونتبوأ المكان اللائق بنا بين الأمم المتمدينة.

وبعد، فوقائع الدعوى واضحة لا لبس فيها ولا غموض فالجناة هجموا على السردار وهو في سيارته عادا من وزارة الحربية إلى بيته بالزمالك وأطلقوا عليه عدة رصاصات أصابته في صدره ويده اليسرى وقدمه اليسرى كذلك أودت بحياته

وأن الكابتن كامبل أصيب بجرح من رصاصة بالجانب الأيمن للصدر وسائق السيارة فريد مارش أصيب بجرح من رصاصة في الساق اليمنى فوق الركبة مباشرة وأن العسكري محمد عبد الموجود جرح من رصاصة بالجزء الأعلى من ساقه اليمنى ولقد جاء في تقرير الطبيب الشرعي أن السردار قد توفى بسبب الصدمة العصبية والنزيف الناشئين مباشرة من إصابته.

هذا عن وقائع الدعوى.. أما عن تاريخ حياة المتهمين فلا ننسى أن شفيق منصور كان من المتهمين في اغتيال بطرس غالي سنة 1910 وقبض عليه، ولكن أفرج عنه لنقص في تشريع قانون العقوبات، وهو عدم وجود نص يعاقب على الاتفاق الجنائي ومن ثم صدر أمر قاضي الإحالة بأن لا وجه لإقامة الدعوى ضده، وقد أدى اتهامه ذلك إلى فصله من مدرسة الحقوق هو ومن معه من باقي المتهمين الذين كانوا في المدرسة وذلك حرصا على التلاميذ من أن تصل إليهم شرارة من شره ولقد أرسله أبوه إلى أوربا لإتمام دراسته

وقد درس الأفكار الثورية وأصبح قوة مؤثرة ف اجتذاب بعض الشباب والمال المتحمسينتارة باسم الوطنية وتارة باسم الدين وكان شفيق منصور عضوا في جمعية الاتحاد الإسلامي وتأكد لكم يا حضرات القضاة تاريخ شفيق منصور في الإجرام السياسي من خلال بعض الأوراق التي ضبطت في قضية اغتيال بطرس باشا غالي.. وهي كالأتي:

  1. برنامج لجمعية الاتحاد الإسلامي تاريخه 5 فبراير 1905 ومن أهم ما جاء فيه: أنه يجب على كل عضو ألا يفشى أى سر من أسرار الجمعية.
  2. قانون للجمعية مطبوع، يعمل به من أول فبراير سنة 1909ناسخ للبرنامج السابق ذكره ومن أهم ما جاء فيه أنه يجب على كل عضو أن يكتم أسرار الجمعية وجلساتها وأن يحلف اليمين على ذلك.
  3. عقد مطبوع لشركة التضامن الأخوى موقع عليه من المتهمين في تلك القضية وآخرين، وتاريخه أول مارس سنة 1909 وأهم ما جاء به، أنه يجب على كل عضو أن يكتب وصيته فيما يختص بورثته وخلافهم.
  4. قانون مكتوب بخط شفيق منصور أهم ما جاء فيه:التأثير على العامة وتأليف قلوبهم بطرق مختلفة منها دخول بعض الأعضاء في طرق الصوفية وتفهيم مشايخها عن الحالة الحاضرة وفيه تحت عنوان تكوين الجمعيات يجب على كل عضوين على الأكثر أن يكون جمعية مكونة من عشرة أشخاص بشرط عدم معرفتهم لأحد غيرها وأن تتسمى هذه الجمعيات باسم واحد وأن يكونوا من بين الطبقات المتعلمة على اختلاف أنواعها ولابد لكل جمعية من لغة مخصوصة ويجب تحليف العضو اليمين حتى يصير عاملا ولا يدخل إلا بعد اختباره اختبارا تاما وفيه أيضا من وسائل الجمعية القوة.
  5. ورقة ضبطت بمنزل أحد المتهمين مذكور فيها: وقد وجدت أن الأسلحة رخيصة ولا تلزم رخصة لها فإن أردتم إخوان الجمعية شراء أسلحة روفلفر مثلا فيلزم تعريض حالا وإرسال النقدية اللازمة لذلك.
  6. خطاب ضبط بمنزل أحد المتهمين تكلم فيه عن الورداني ومدحه وفيه عبارة مش تشوف برده إن في وجود واحد زي ده قائد للجمعية خصوصا أنه سيصير صيدليا ماهرا ويبقى يعمل لنا ديناميت عند اللزوم وأدوية سامة وغير ذلك.
  7. خطاب صادر من شفيق منصور مذكور فيه اجتمعنا يوم 28 يناير سنة 1909 وأن الورداني أفندي تلكم فيه عن اقتراحه في الجلسة الماضية وهي أن توضح طرق لنسير عليها في عملنا وتقرر تنفيذ اقتراحين مبدئيا وهما:أولا: ستوضع خطب منبرية عصرية تختص بالحالة الحاضرة ونشرها على خطباء المساجد بعد موافقة الهيئة عليها.ثانيا: أن يدخل بعض الأعضاء في الطرق الصوفية للتأثير على العامة بواسطة مشايخ الطرق وأنه نظ في تغير اللغة الأصلية فتقرر تغييرها بلغة أخرى.
  8. خطاب ضبط بمنزل أحد المتهمين من شفيق منصور وفيه أن الجمعية اجتمعت في 21 يناير سنة 1909 وتقرر في هذه الجمعية أمور ذكرها في خطابه أهمها أنه رفض اقتراح جعل الجمعية علنية بالإجماع لأن الورداني قد بين ما في ذلك من النتائج العقيمة حيث قال الورداني إن العمل ينحصر في ثلاث نقاط وأهمها النقطة الثالثة وهي أنه لا يمكن تحرير الأمة بالقول بل لابد من القوى أي تعليم السلاح واستحضاره وغير ذلك من الأمور التي تقوينا على اقناع عدونا وهذا لا يمكن إتمامه إلا سرا فأي الأشياء يمكن أن نعمله علنا إذن وأن كل الجمعيات التي قامت بتحرير الأمم كانت سرية محضة والتاريخ ينبئنا بذلك وأقرب عهد عهد الترك وفيه من اتخاذ وسائل تؤثر على العضو الجديد تأثيرا حسيا؟
  9. خطاب من شفيق منصور ضبط بمنزل أحد المتهمين وفيه: هذه السنة المباركة الحد الفاصل بين القول العمل وأن السكرتير اقتراح فروعا للجمعية بالمدارس العالية والتجهيزية بشرط عدم معرفة أعضاء هذه الفروع غلا للعضو الذي سب إنشائها فقط وفي المستقبل يكون لنا فروع في جميع أنحاء القطر وإيجاد رابطة بيننا وبين علماء الدين ومشايخ الطرق كما فعلت أنا مثلا، إذ دخلت في إحدى الطرق الصوفية حتى أفهم الشيخ عن معاملة الإنجليز واضطهادهم للدين الإسلامي وأطلب التأثير على الأميين.
  10. خطاب من شفيق منصور إلى إبراهيم ناصف الورداني مذكور فيه: (لي معك كلام طويل يختص بجمعيتنا المباركة والفرصة لا تسمح لي بالكتابة عن ذلك إذ لا يكون غلا مشافهة عند المقابلة).

قود ظل شفيق منصور سكرتيرا في هذه الجمعية من سنة 1908 حتى وقعت حادثة اغتيال السردار وقد سافر شفيق عقب الإفراج عنه في قضية اغتيال بطرس غالي سنة 1910 إلى أوروبا وعاد سنة 1912 ثم سافر مرة ثانية إلى أوربا ولم يعد إلا في سنة 1914 ولما وقع الاعتداء على السلطان حسين كامل قبض عليه مع آخرين منهم محمود عنايت شقيق عبد الفتاح وعبد الحميد عنايت ولكن لعدم كفاية الأدلة لم يحاكم من أجلها وأرسل إلى مالطة بأمر السلطة العسكرية وبقي مالطة حتى أواخر سنة 1919

وقد كتب اثنان من أصدقائه محمود أحمد إسماعيل و علي محمد راضي تاريخ حياته في كراسة وذلك لنشرها على الناخبين للتأثير عليهم كي ينتخب عضوا بمجلس النواب وعنونت هذه الكراسة بالعنوان التالي: (صحيفتي بيضاء في خدمة الوطن المفدى – تاريخ حياة الأستاذ الدكتور شفيق منصور المحامي) وجاء الإهداء على نحو التالي إلى الضحايا البارة والدماء الزكية الطاهرة التي استعذبت الموت في سبيل مصر وهدرت مطمئنة لاستخلاصها من الأسر إلى الأمة المصرية الناهضة نتقدم بإهداء هذا التاريخ المتضمن كلمات صدق وإخلاص عن رجل من رجالات مصر الأبرار وخدامها الأطهار حاملي رايتها

ومنفذي مشيئتها بالتفاني في طلب استقلالها وحريتها ذلك هو الأستاذ الكبير ذو العلم الغزير والفضل الكثير الدكتور شفيق منصور المحامي ومن ضمن ما جاء في هذه الكارسة أيضا عن حياة شفيق منصور أنه في مدة دراسته الابتدائية ظهرت تباشير البطولة والنبوغ ولاحت أمارات الغيرة والوطنية والحماسة والحمية فالف شفيق الجمعيات وأنشأ المنتديات وضم إليه إخوانه وخلانه.

وطفق ينشئ المحاضرات ويلقي الخطابات استمر شفيق مرعي الوطنية الخصب ولذلك تعهد غرسه ونبته فاستمر يتلقى العلوم الثانوية بالمدرسة الخديوية إلى أن نال شهادة البكالوريا في سنة 1906 بتقديم باهر وتفوق عظيم ومع هذا فلم ينسيه المستقبل واجباته نحو أمته ووطنه ولم يثنه الجد في الدراسة والكد على تحقيق العلوم عن مواصلة الجهاد المشروع وبث الفكرة له ونشر الدعوة إليه بل استمر يعمل ويدأب ويكتب ويخطب وقد عرف إخوانه الحقوقيون فيه صفاته ومواهبه فأعطوه ثقتهم وولوه مقاليد تمثيلهم.

إن شفيقا في سنة 1912 قد اتهم بعد عودته من أوربا بتحريض الأهالي على الثورة وكون مع بعض زملائه عصابة وطنية كانت مهمتها العمل في الخفاء على الاعتداء على حياة الإنجليز والمصريين الذين يخالفونهم في الرأي.

حضرات القضاة لقد بلغ عدد الحوادث التي ارتكبت من 21 فبراير 1916 إلى 12 فبراير سنة 1923- 36 حادثة فيها خمس حوادث استعملت فيها القنابل واستعمل في الباقي أسلحة نارية مختلفة الأنواع، هذا عدا حوادث الاعتداءات الأخرى التي وقعت على بعض الوزراء المصريين كلها يحمل مسئولية ارتكابها شفيق منصور.

وأما عن محمود إسماعيل فهو أخ لشفي منصور خلق من طينته وطبع على الشر مثله فهو يكره الإنجليز كراهية متأصلة في نفسه.إن محمود إسماعيل بمثابة أركان حرب شفيق منصور فهو الذي كان يرسم الخطط وكيفية ارتكاب الجرائم كما علم بعض أفراد الجمعية كيفية استعمال القنابل في الحوادث.

إن محمود إسماعيل حضر بعض الحوادث حيث إنه من التحقيق معه ثبتي أنه اشترك فعليا في حوادث الاعتداء على المستر كيف و براون بالجيزة والمرحومين حسين عبد الرازق باشا وإسماعيل زهدي بك وبتاريخ 30 أكتوبر سنة 1923 وصل إلى حضرة صاحب الدولي يحي إبراهيم باشا رئيس الوزارة.

إذ ذاك كتاب تهديد بالقتل مكتوب بالآلة الكاتبة موقع عليه من زعيم مصر الفتاة عصابات قتل الإنجليز والمصريين الخونة وجاء في هذا الإنذار هذا إنذار مني إليك إن لم تقلع عن وضع القوانين وتعدل قوانين الاجتماعات والصحف وحمل السلاح فالويل لكم كل الويل ذاك المثل الأعلى في براون وكيف ويبحون وسنصب عليكم جام عضبنا ولكن فيما مضى من الحوادث عبرة.

وأما عن الأخوة عبد الفتاح عنايت وعبد الحميد عنايت فأخوهما الأكبر محمود عنايت صديق شفيق منصور ومحمود إسماعيل ولقد اعتقل محمود عنايت ضمن من اعتقلوا في تهمة إلقاء القنبلة على السلطان حسين كامل واعتقل محمود عنايت بسبب القضية زمنا طويلا ومرض أثناء اعتقاله ولما أفرج عنه مات بعد الإفراج بأشهر قليلة.

ومن عجائب القدر أن محمود عنايت كان سببا في تعرف شفيق منصور ومحمود إسماعيل بالإخوة عبد الفتاح وعبد الحميد عنايت حيث إن شفيق منصور كان في مالطة وقت وفاة أخيهم محمود وحضر شفيق لتقديم واجب العزاء وتعرف بهم ثم بدأت علاقته تتوطد ومن هنا دخلوا في حركة الاغتيالات السياسية.

حضرات القضاة إن عائلة عنايت كلها تعمل بالسياسة فبجانب محمود الذي توفي يوجد أخ رابع هو عبد الخالق عنايت الذي سافر إلى أوربا في سنة 1923 بحجة تلقي دراسة الطب ولكنه على ما يظهر من التقارير السرية كان يعمل بالسياسة وأنه كثير الزيارة لسفارة حكومة السوفييت ويصله بواسطتها نقود، كما تصله أموال أخرى بواسطة شخص آخر وقيل بأن جماعة الشيوعية الدولية تنظر إليه بعين الريبة كوطني وكأحد دعاة الجامعة الإسلامية شديدي التحمس وهو على أتم وفاق مع جرو نستين ولنيسكي وهو متعلم تعليما حسنا.

إلا أنه شديد الكراهية للبريطانيين والأوربيين وأما عن محمود راشد فقد بدأ حياته السياسية منذ سنة 1920 حيث انتظم في سلك جمعية اسمتها جمعية الفدائيين وله تاريخ طويل عرف منذ تحقيق حادثة عثور البوليس على قنابل ومسدسات ومنشورات بمنزله ولكن الأخ الأصغر عبد العزيز اعترف بأن هذه الأشياء كانت موجودة عنده في المنزل بدون علم أخيه وضحى الأخ الأصغر بنفسه حتى ينجو أخوه الأكبر من العقاب.

ولكنه بعد أن حكم عليه بالأشغال الشاقة عشر سنوات لاحظ أن أخاه أهمل زيارته فأرسل إليه وهو في السجن تهديدا بأن سيبوح لذوي الشأن بأسراره وبعد ذلك قبض على محمود في تحقيق قضية المؤامرة على حياة الخديوي عباس الثاني التي كانت السلطة متولية تحققها فخشى أن يبوح عبد العزيز بأسراره.

فكتب رسالة وهو بالسجن ضبطت بملابسه كما ضبطت ورقة مؤرخة في 7 فبراير سنة 1920 معنونة باسم سكرتير عموم جمعية الفدائيين وتتضمن طلب انضمام إلى هذه الجمعية ولقد اعترف محمود راشد بأنه عضو بهذه الجمعية التي الهدف منها القتل السياسي.

وأما إبراهيم موسى فهو أحد عمال العنابر اشترك في حوادث الاعتداء على المستر كيف وبيجوت وبراون بالجيزة والمرحومين حسين عبد الرازق باشا وإسماعيل زهدي بك ولقد ظهر نشاطه كمهيج سياسي بين عمال العنابر في سنة 1914 وفي سنة 1919 كان أحد زماء العمال في الاضطراب وأنه اشترك في إضراب العمال في سنة 1921 كزعيم من زعمائه وبسبب هذا الإضراب أوقف عن العمل مدة 15 يوما وأنذر بالطرد من الخدمة.

وأخيرا راغب حسن وعلي إبراهيم محمد فهما من أعضاء جمعية الفدائيين التي هدفها اغتيال الإنجليز والخونة من المصريين.

حضرات القضاة... لقد شرحت لحضراتكم أدوار هذه القضية وفصلت وقائعها وأجهدت نفسي فيها في تتبع تاريخ المتهمين حرصا على العدل وعلى سمعة البلاد كما قدمت وقد وضعت العدالة يدها على من عاثوا في الأرض فسادا عبثوا بالقانون لعواطف شريرة غلت في صدورهم فأصمتهم عن صوت العقل، وأعمتهم عن نور الحق.

لقد اطمأن ضميري واقتنع بأن من قدمتهم للقضاء العادل لينالوا جزاء شرورهم هم الجناة السفاكون وأرجو أن ما اقتنعت به بحق سيقنع ضمائركم فتمحون هذه الأخطار الخطرة وتردون عن البلاد بؤسا وشقاء كان المتهمون مجبلة له.

نحن الآن يا حضرات المستشارين أمام خطر داهم لم نقف في سبيله سرنا إلى الهاوية فعلى قاد الفكر فيها واجب خطير شريف إن الأمة المصرية تمقت بطبيعتها الاعتداء وقتل النفس التي حرم الله قتلها حانقة أشد الحنق على هذه الفئة الضالة التي اتخذت سفك الدماء صناعة ووسيلة ونرجو أن يكون من وراء حكمكم العادل عبرة وذكرى لأمثال هؤلاء المتهمين حتى لا يعود صغار الأحلام والطائشون إلى اللغب بالنار ولكن هذا العلاج وحده لا يكفي لاستئصال المرض من أساسه.

نعم إن قصاص القضاء سيعيد إلى البلاد حظا وافرا من السكينة يمكنها من أن تسير في طريق التقدم والارتقاء ذلك الطريق الكثير العثرات فإذا ما سرنا بحكمة وأصالة رأى قطعنا الطريق في وقت قصير قضى يوانا في اجتيازه وقطعه قرونا والحكمة تقضي القضاء على هذا المرض وإن كان محصورا الآن في فئة من الأغرار ضعيفي العقول إلا أنه يخشى أن تسري عدواه إلى شبابنا الناهض الذي تفخر به البلاد ولها فيه رجاء عظيم يخشى أن تسرب إليه هذه العدوى فتلتوي هذه الغضون الرطبة على الشر وهنا الطامة الكبرى.

وها هي ذي نصيحة الملك المحبوب الساهر على سعادة بلاده، والعامل على إعلاء شأنها مسطورة في خطاب العرش يجب أن يكون منقوشة في صدر كل مصري لما فيها من العلاج الشافي.

الآن يا حضرات المستشارين قد قمت بواجبي في هذا القضية فأطلب منكم أن تستأصلوا اليوم هذا الجرثوم الفاسدة بأشد ما في القانون فليس في ذلك من قسوة إذ نحن في ظروف شديدة توجب ذلك.

مرافعات الدفاع

مرافعات إبراهيم الهلباوي المحامي

قبلنا هذه المأمورية القاسية، مأمورية أن نكون لسان حال هؤلاء التعساء، ونحن نعتقد أننا أمام محكمة تصم آذانها عن كل ما هو خارج عن موضوع الدعوى تقدر ظروف الاتهام وظروف الحادث والأدلة كما تقدرها في القضاء الأخرى هذا رجاء زاد تحققا عندما أعلن سعادة الرئيس أني هذه المحكمة لا تعنى بشيء من السياسة وأنها تقتصر نظرها على المسائل العادية كما تنظر إلى بقية القضايا زاد إيماننا بأنها تحقق العدل فتعاقب المجرم، وتبرئ من تعتقد فيهم البراءة البراءة.

نعتقد هذا ولكن يا حضرات المستشارين: الظروف التي أثرت في هذه القضية والنتائج التعسة التي لحقت البلاد، من المستحيل ونحن نؤدي هذه المأمورية ألا نتأثر بها ولكن هذا التأثر يجب أن يقف عند حد هو ما يعني القاضي عندما يقدر أسباب الجريمة وعندما يقدم النتائج التي ترتبت على الجريمة وعندم يقرر حالة المتهم وتربيته تلك هي الأركان الأربعة التي نعتقد أنها ستكون بحسب القانون أساس بحثنا فنقف عندها.

سعادة النائب العام بدأ مرافعته بأن وصف شفيق منصور أنه زعيم العصابة التي ارتكبت هذه الجريمة ونحن مع اعترافنا بحسن تقديره وبالنتائج الباهرة التي وفق إليها في تحقيق هذه القضية نستسمحه في أننا نخالفه في هذا فشفيق منصور مجرد شريك فقط في الجناية وليس فاعلا أصليا.

حضرات القضاة: إنكم الآن تعالجون مرضى أصيبوا بجنون الوطنية وأريد أن أتكلم عن مشروع هذه الجراثم وهو يدعو أحيانا إلى التشدد في العقوبة وهو يدعو أحيانا إلى التلطف فيها.

فالجريمة التي وقعت والتي أخذت بعض الجرائد الإنجليزية تندد بها علينا، والتي انتجت الإنذار البريطاني الذي يقول إنا لا نستحق من أجلها أن نكون بين الأمم المتحضرة هذه الجريمة من واردات أوربا.

وإن أوربا التي تمت علينا في كثير من الأحيان بأن ما نحن فيه من حضارة هو من ناحيتها يجب أن تقبل أيضا إلى حد ما، أن الجرم السياسي هو من ناحيتها أيضا فلم يكن الجرم السياسي هو من ناحيتها أيضا فلم يكن الجرم السياسي موطنه هذه البلاد بل لقد أتى مرض القتل السياسي من الغرب مع مرض الزهري تماما يجب أن تقبل أوربا هذا أيضا فهي ملوثة في جميع أرجائها بمثل هذه الجرائم وبأفظع منها.

أكبر صيحة نرفعها في وجه معلمتنا أوربا أن 90٪ ممن جروا في هذا السبيل هم الذين طوحت بهم المقادير في ربوعها تلك جناية خلقية لا غريبة ولا شرقية.

نريد استئصال هذه الجراثيم القاضي مهما كان لديه من الوسائل لا يستطيع القضاء على الجرائم أحسن علاج أن تعيش الأمم خاضعة للنظام إعدام غلامين أو خمسة أو ستة مصل هؤلاء السفهاء لم يعمل فينا على إصلاح الداء وإنما يرجع الداء إلى أن الأمم ينبغي أن تعيش فيما بينها محترمة لقواعد النظام.

معظم العلماء يميلون الآن أيضا في أوربا التي نتعلم عنها إلى نبذ عقوبة الإعدام، فإليكم ولو أني أمام محكمة في أمة صغيرة غير معروف للغرب أنها تعطي حكما وأمثلة للعدل ولكن ليس للعدل وطن ولا للمحكمة دار إذا استطعت أن أقدم بين يديكم أن هذه العقوبة علاج خطير تنفر منه النفس إلا في الأوقات الخطيرة فإني أستطيع أن أقول صونوا الهيئة الاجتماعية من خطر هؤلاء السفهاء.

انتفعوا من قوة هؤلاء الشبان فقدي ينفعون إذا تابوا وقد تصلح المقادير من أمرهم وخصوصا أن عقوبة الجرائم السياسية مبنية دائما على خطأ في التقدير هؤلاء البغاة يذكرون أنهم ارتكبوا الجريمة بحسن نية هم كالمجنون الذي يتوهم خوفه من البريء فيقتله في عرفهم هو قصد الخير أنا لا أطلب منكم أن تحترموا القانون القاصر من عقوبة الإعدام لأنه عرف أنه لا يقدر تمام التقدير الظروف كلها.

هم مرضى عرضوا على طبيب ينظر في أمرهم دون غل ولا حقد أنتم تعالجون مرضى الأرواح كما يعالج الطبيب مرضى الأجسام.من أجل هذا أستطيع أن أقول إن هؤلاء المجرمين يستحقون عدلكم هذه الدار تمثل رحمة الله في الأرض فأطلبها منكم لهؤلاء الأغرار.

هناك سبب أتضرع به إليكم أيضا بأن يكون سبب الرحمة هذه الجريمة كان يرمي خطرها إلى إيذاء العلاقة بين مصر وانجلترا فكان ما لابد منه أن تتدخل السياسية الإنجليزية وقد تدخلت واحتملت مصر أن تكفر عن هذه الجريمة دفعت تعويضا لا يقل عن نصف مليون جنيه فهؤلاء الأغرار الأشرار حملونا كل هذا المصاب لهم الحق أن يقولوا لكم إن سعادة النائب العام قال: (ولكن في القصاص حياة يا أولي الألباب).

لكن حكمة الله يجب ألا تنسى ولقد اتفقت كلمة الأئمة على أن دفع الدية ينفي توقيع العقوبة وقد دفعت مصر الدية فأرجو أن تدخلوا ذلك اعتباركم.

أرجو أن يعرف الإنجليز أنا أمة تعرف الجميل وتعرف الرحمة فنرجو إلا يؤاخذونا بما فعل السفهاء منا. قيل لكم أمس إن هذه هي القضية الأولى من نوعها التي تعرض على القضاء المصري وأنا أعتقد أن عودة القضاء فيها إلى نظامه العادي قد جعلتها بين أيدي قضاة ممن تشرف بهم الأمم فيما يتعلق بصيانة المصالح فأؤكد لكم أن الطمأنينة قد عادت في كثير من البلاد.

لا أقول إن الإنجليز غير عادلين، ففخر الأمة الإنجليزية عدالتها ولكن إذا اعتز المصري بعودة قضاته إلى النظر في أموره كلها فإنما هذا ترضية لشعوره وإحساسه بالعبء الذي يبقى على عاتقه.

يا حضرات المستشارين: أهل المتهمين جميعا يتقدمون لكم طالبين الرحمة مع اعترافهم بما حدث.

مرافعة وهيب دوس المحامي

يا حضرات المستشارين.. .فرض القانون فيما فرض ضمانا لحسن سياسة القضاء وإقامة العدل بين الناس ألا يتقدم متهم أمام هيكل قضائكم الجنائي دون أن يرافقه في هذه المرحلة الأليمة محام يتولى الدفاع عنه، محام يشترك معكم في شرف خدمة القانون ويرتفع عن أوساط المتهمين إلى الوسط الذي يفهم فيه معنى العدالة كما تفهمونه أنتم.

ويقدر أغراض الشارع التي وكل إليكم تحقيقها كما تقدرونها فيعرض عليكم المتهم كما يجب أن يعرض بريئا أو مذنبا ويصور لكم العواطف التي اجتاحت نفسه وعصفت بوجدانه فأفقدته أسمى ما يتحلى به الإنسان في إنسانيته وأرضى ما يطمح في السمو من فضيلة الرفق والتضحية والتسامح التي لو سادت لما اجترم مجرم جرمه ولم قامت الحاجة لنظام القضاء.

أوجب القانون هذا مع افتراض أن يكون بين هؤلاء المتهمين معترف أو متلبس بجريمته دون أن يحرم هذا الفريق من هذه المساعدة أو يقلل من أهميتها بالنسبة له فكان قضاؤكم باطلا إذا لم يسترشد بدفاع المحامين الذين أصبحوا ركنا أساسيا في القضاء الجنائي تسعى إلى تحقيق قيامه نفس السلطة التي تقيم الدعوى إذا قصر المتهم في حق نفسه فلم يسع إليه أو حتى إذا رفضه هو رفضا باتا.

لم يكن هذا الوجوب عبثا يا حضرات المستشارين لأن المهمة التي شرفنا الشارع بتقليدنا إياها مهمة الدفاع عن المتهمين أمامكم لا تقوى النفوس البشرية أن تجمع بينها وبين مهمة القضاء فنفس القاضي وهو يجلس للقضاء عرضة لتنازع العوامل المختلفة والأهواء المتباينة بحكم مركزه يتبين مصاب المجني عليه.

فيتصور حال من أصابهم الجاني بجانيته ليقدر مبلغ أثرها فيهم ليسترشد بذلك ي حكمه وعليه أيضا أن يتبين نفسية المتهم وما تفاعل في نفسه من الأغراض والشهوات ومبلغ أثرها في حسن تقديره لما أقدم عليه على القاضي أن يحيط بهذا وبذاك وهو بغير شك عرضة للخطأ في التقدير بين مختلف هذه الأهواء والشهوات.

ومن هنا وجدت الحاجة إلى من يقيم الدعوى ومن يدافع فيها ليتفرغ القاضي إلى وزن ما يعرض عليه دون إجهاد في البحث ما يجب أن يعرض.

لهذا كان شرف المحاماة عظيما بهذا المكان الأسمى الذي حلت فيه تحت هذا النظام ولهذا جئنا ندافع أمامكم عن هؤلاء المتهمين تقديرا منا لهذا الشرف رغم ما أرجف به الكثيرون من تشويه جمال هذا الموقف الذي نقفه كمحامين نرتدي هذا الرداء ونخلع فيه عن أنفسنا كل رداء آخر قد يعطل من جهودنا فيما لو أعرناه التفاتنا وجارينا هؤلاء المرجفين في إعارته اعتبارنا.

يظن العامة، يا حضرات المستشارين أن اعتراف المتهم باجتراح الجرم يخفف عبء القضاء على القاضي ويهون له سبيل الحكم في الدعوى لقد ضل العامة في زعمهم وأمامكم الفرصة سانحة لخدمة العدالة بالقضاء على هذه الضلالة إذا أنكر المتهم وأقيمت عليه البينة كان عمل القاضي هينا فهو لا يتقيد إلا بالعمل المادي وهذا أقيم عليه الدليل في ينبغي إلا توقيع العقاب فيوقعه القاضي وهو قرير العين طيب النفس للخدمة التي أدلها للمجتمع.

أما المتهم المعترف بجريمة فيتقدم لقاضيه وسريرته على كفيه يبسطها أمام مطالبا إياه بأن يحل نفسه محله ويتصورها محوطة بظروفه وأن ينزل إلى دركه في الفهم وفي مبلغ أثر الحوادث فيه يطالبه بكل هذا لأن القضاء لا يقوم إلا بتفهم هذا جميعه،

ومن أجل ذلك ترك لكم ذلك المدى الواسع بين أقصى العقوبة وأدناها.والمفروض في جميع الأحوال أن الفعل المادي واحد ولا يجيء الفرق في الحكم إلا لاختلاف ما يفهمه القاضي من جميع العناصر المختلفة والأهواء المتباينة.

لهذا كانت مأموريتكم يا حضرات المستشارين في حال المتهم المعترف أشق وأدق منها في أي ظرف آخر حتى في حالة الجريمة التي يعتذر المتهم عنها بإحدى شهوات النفس الأولية كالانتقام والغيرة والسرقة للفاقة والغضب لعدم ضبط العواطف.

فإذا كان هذا هو حالكم في تبين تلك الشهوات الأولية فكم يكون واجبكم شق إذا كانت مقدمات الجريمة تشتبك فيها العواطف تأخذ فيها الشهوات بعضها بأعناق بعض وتتناقض فيها الحالة النفسية للمتهم الواحد تناقضا لا يتفق مع النتيجة على ظاهر الحال ولا يمكن فهمه إلا بالجهد والعنت:

لهذا كان إشفاقي عظيما على نفسي وعلى حضرات زملائي الذين كلفوا بالدفاع في هذه الدعوى عن المعترفين من المتهمين وكان إشفاقي أعظم على حضراتكم وفي أعناقكم مسئولية الحكم وعليكم وحدكم تبعته وضمائركم بين ضلوعكم تستحثكم لتلمس قبس النور في هذا الظلام الحالك فلا تكادون تتبعونه حتى يختفي وبدون هذا القبس لا تملكون الحكم ولا تذوقون طعم الراحة إذا أنت حكمتم.

حضرات المستشارين: ستخلون إلى أنفسكم إذا ما فرغنا نحن من القيام بواجبنا وستعرضون أما خيالكم الجريمة بما أحاط بها من ظروف مفجعة وما ترتب عليها من نتائج بعيدة المدى قد يكون من أثرها تعطيل تقدم البلد أحقابا أو أجيالا ستعرضون أمام خيالكم المجني عليه عائدا من بلاده

بعد أن قضى فيها شعورا راحته، وتاركا وراءه إخوانا وخلانا على أمل لقائهم قريبا عائدا ونفسه مملوءة بالآمال في المستقبل وقلبه مفعم بالمشروعات التي ينوي أن يخدم بها وطنه.

وسيأتي حتما في هذا الصورة خيال زوج ذلك الشهيد وفخرها واعتزازها بهذا الذي يمثل لها الرجولة الحقة وأملها في أن يخلد لها في الذكر الطيب ما يشتريه الناس بأرواحهم كاسبين ستمثلون هذا جميعه وغيره مما يعرض للمفكر عميق التفكير

وتتصورون أن تلك الحياة النابضة وذلك الجسم والقوى وتلك المواهب والآمال تتهدم في لحظة واحدة فإذا بقائد الجيش لا قوى على الكلام وإذا بالموت يتسلل إليه برغم من أحاط به من أصدقاء وأحباب وإذا بالبرق تتجاوب أسلاكه بخبر الفاجعة وإذا بالرجل المملوء حياة ونشاطا طالما ملأ بهما ميادين القتال رهين حفرة تضيق به ويضيق بها.

يا حضرات المستشارين: إذا ما تعاقبت هذه الصور المفزعة أمامكم فثارت نفوسكم للحق وهمت بتوقيع العقاب على المتهمين فتذكروا أنكم ورثتم أولياء الدم في نظام القضاء الحديث ولكن الإرث انتقل إليكم بعد أن تجرد من عاطفة الغضب والانتقام انتقل إليكم القصاص العدل القصاص الذي فيه الحياة فتذكروا هذا ولا تنسوا أن للمساء له وجها أخر يجب استعراض صوره كذلك استعراضا دقيقا قبل أن تقولوا كلمتكم الأخيرة وبها تتعلق أرواح هؤلاء الأغرار.

حضرات المستشارين أنكم لتعلمون مدى المؤثرات التي دفعت هؤلاء المتهمين إلى ارتكاب جريمتهم فخاطروا بأنفسهم وتعرضوا للموت قتلا أو حكما في سبيل مصر بحسب معتقدهم والأعمال بالنيات وهذا دين يشغل ذمة كل مصري عليكم فيه نصيبكم فلعلكم موفونه في حكمكم بإقالتهم من عثرتهم وإنكم بإذن الله لفاعلون.

حكم المحكمة

الجلسة العلنية المنعقدة بسراي محكمة الجنايات في يوم الأحد الموافق 7يونيو سنة 1952 قضت المحكمة بإعدام جميع المتهمين عدا عبد الفتاح عنايت،

و (آه) .. (آه) .. من بطل الخيانة نجيب الهلباوي ولكن هكذا الأيام في آن واحد تفرز لنا النبلاء والخونة ولكن لن تكون الغلبة إلا للنبلاء المجاهدين دائما على طول الأيام والأزمان فها هو محمد فهمي علي يتقدم الصفوف قائدا لإحدى العمليات الفدائية ضد الاحتلال فاعتبروا يا أولي الأبصار.

الجرائم السياسية

محمد فهمي على أحد قادة العمليات الفدائية ضد الاحتلال وأعوانه.

• تلفيق بوليس بأوامر من صاحبة الجلالة حكومة انجلترا، ظنت من ورائه أنها ستقضي على زعماء الحركة الوطنية فأخلف الله ظنها.

• صبغة حزبية احتوت هيئة الدفاع فتغافلت عن دور قادة العمليات الفدائية ضد الاحتلال الإنجليزي وكفاحهم المستمر في سبيل تحقيق حرية البلاد واستقلالها.

• صبغة حزبية احتوت هيئة الدفاع فبدلا من أن تدافع عن المتهمين وتحمل السلاح في مواجهة المستعمرين ابتليت بالدفاع عن حزب الوفدين وزعمائه الوطنيين.

كان من أثر حادث مقتل السيرلي ستاك ونتيجة للتحقيق الذي قامت به النيابة العامة بالاشتراك مع البوليس السياسي، أن وجهت النيابة بناء على أوامر انجلترا التهمة بتدبير حوادث الاغتيالات السياسية والاشتراك فيها إلى مجموعة من خيرة زعماء الحركة الوطنية في مصر منهم: العمال محمد فهمي علي و محمود عثمان مصطفى والحاج أحمد جاد الله ومعهم أحمد ماهر ومحمود فهمي النقراشي و حسن كامل الشيشيني وعبد الحليم البيلي.

أهم هذه الحوادث

  1. حادث مقتل الكابتن صموائيل كوهين بالجيش البريطاني في 22 نوفمبر 1919.
  2. حادث الشروع في قتل الضابطين درنك واترجسن ف 22 ديسمبر 1919.
  3. حادث الشروع في قتل صاحب العطوفة يوسف وهبة باشا.في 15 ديسمبر 1919 على يد الشاب القبطي عريان يوسف لإزاحته عن طريق الحركة الوطنية ولتلافي حدوث فتنة طائفية إذا ما قام بالقتل أحد المسلمين.
  4. حادث الشروع في قتل دولة معالي إسماعيل باشا في 28 يناير 1920
  5. حادث الشروع في قتل معالي محمد شفيق باشا في 22 مارس 1920.
  6. حادث قتل هيدان الضابط البريطاني وإصابة زميله مينت في 6 مايو 1920
  7. حادث الشروع في قتل معالي حسين درويش باشا في 28 مايو 1920.
  8. حادث الشروع في قتل معالي محمد توفيق نسيم باشا في 12 مايو 1920.
  9. قتل العسكري البريطاني بروكول ومحاولة قتل زميله العسكري سورتمتش في 30 ديسمبر 1921.
  10. حادث مقتل المستر أرنست هاتن الموظف بمصلحة السكك الحديدية في 30 ديسمبر 1921.
  11. حادث الشروع في قتل دولة عبد الخالق ثروت باشا وحضرت اليوزباشي سليم زكي أفندي في 23 يناير 1922.
  12. حادث مقل الصول الهندي ستيل في 15 يناير 1923.
  13. حادث الشروع في قتل العسكري البريطاني كونو في 13 فبراير 1922.
  14. حادث الشروع في قتل المستر هو بنكفس في 15 فبراير 1922.
  15. حادث مقتل المستر الفريد براون الموظف بوزارة المعارف وخادمه عبد الدايم إبراهيم في 18 فبراير1922.
  16. حادث الشروع في قتل المستر إدموندبيش الموظف بالسكة الحديد في 8 مارس 1922؟
  17. حادث الشروع في قتل المستر ماكتوش الموظف بمصلحة السكة الحديدي في 11 مارس 1922.
  18. محاولة قتل العسكريين البريطانيين بيكر وتونسند في 19 أبريل 1922.
  19. حادث قتل البكباشي كيف في 24 مايو 1922.
  20. حادث الشروع في قتل الكولونيل بيجوت في 25 يوليو 1922.
  21. حادث قتل علي مسعد عوض بحديقة الأورمان بالجيزة في 12أغسطس 1922.
  22. حادث قتل حسن عبد الرازق باشا وحسين بك زهدي في 6 نوفمبر 1922.
  23. حادث قتل المستر روبسون في 27 ديسمبر 1922.
  24. حادث مقتل المستر خريستو باتر يدس في سنة 1923.

وأخيرا حادث السيرلي ستاك سردار الجيش المصري والحاكم العمومي للسودان في 19 نوفمبر 1924.

وقدم المتهمون السالف ذكرهم مقدما، إلى قاضي الإحالة في 31 يناير 1926 بعد أن استطاع البوليس السري الذي يقضي على زمامه الإنجليز أن يحصل على شهادة الزور وتزييف الحقائق وتلفيق المتهم فقضى بإحالتهم إلى محكمة الجنايات ونظرت القضية برياسة المستشار الإنجليزي مستر كرشو وعضوية كامل إبراهيم وعلي بك عزت.

ومثل الاتهام مصطفى حنفي بك وتولى الدفاع مصطفى باشا النحاس ومكرم عبيد ونجيب الغرابلي ومرقص حنا عن المتهمين أحمد ماهر ومحمود فهمي النقراشي وباقي المتهمين ترافع عنهم الأساتذة أحمد لطفي السيدووهيب دوس و زهير صبري و إبراهيم رياض وبعد سماع المرافعات والاطلاع على أوراق القضية (المحشوة بالاعترافات غير المحيطة) والمداولة قضت المحكمة بإعدام محمد فهمي علي شنقا وبراءة باقي المتهمين.

المحاكمة: محكمة جنايات مصر

المشكلة برياسة كرشو وعضوية كامل بك إبراهيم وعلي بك عزت

مرافعة النيابة العامة: مصطفى حنفي رئيس نيابة الاستئناف

حضرات القضاة:

في هذه القاعة ومن خمس عشرة سنة مضت وقف حضرة صاحب الدولة عبد الخالق ثروت باشا النائب العمومي لذلك العهد وأحد المجني عليهم في قضية اليوم ليترافع في أول اعتداء سياسي حدث في هذه البلاد يوم أن أطلق الورداني رصاصاته على صدر بطرس غالي باشا فقال يصف الإجرام السياسي: إن الورداني بجانيته قد عمد إلى خرق حرية القوانين السماوية والبشرية عمد إلى قتل النفس التي حرم الله قتلها عمد إلى إزهاق روح بريئة من غير ذنب عمد إلى حرمان عيلة من معيلها وأمة من رجلها وحكومة من رئيسها عمد وأطاع هواه وأطلق رصاصته فماذا جرى كم أساء الورداني بجانيته إلى هذا البلد الأمين الأسيف فماذا جنت عليه مصر؟ ولماذا هو يضرها كل هذا الضرر؟

لعله يدلي بخدمة الوطن إن الوطنية التي يدعي المتهم الدفاع عنها بهذا السلاح المسموم لبراء من مثل هذا المنكر إن الوطنية لا تحل في قلب ملأته مبادئ تستحل اغتيال النفس إن مثل هذه المبادئ مقوضة لكل اجتماع ماذا يكون حالة أمة إذا كانت حياة أولى الأمر فيها رهينة حكم متهوس يبيت ليلة، يضطرب نومه وتكثر هواجسه فيصبح صباحه ويحمل سلاحه يغشاهم في دار أعمالهم فيسقيهم كأس المنون.

بمثل هذه الكلمات البليغة والنصائح الغالية التي صدرت عن رجل خبر الدهر وعرك الأيام خطاب النائب قضاته وهي كلمات إن حقت في أول اعتداء سياسي فهي أحق اليوم بعد أن قضت مصر خمس عشرة سنة تئن من هذا الداء الوبيل وبعد أن تعدد ذلك النوع من الاعتداء حتى أقلق الذين يهمهم أمر هذه البلاد.

ومع أن المحكمة أجابت نداء النائب العام فقضت بإعدام المتهم فإن هذا العلاج لم يستأصل الداء تماما، فإن كان الورداني قد أعدم فقد بقي شفيق منصور ومن على شاكلته أحرارا طليقين يقتفون أثره، ويعملون عمله وينشرون مبادئه إلى أن انتهى بحادثة السردار تلك الحادثة الأليمة التي فجعت لها الأمة والتي أطلقها المتهمون على السردار إنها هي رصاصات صوبت إلى صدر مصر.

حضرات المستشارين:

نحن أمام سبعة من المتهمين الأشرار وهم: محمد فهمي علي ومحمود عثمان مصطفى وأحمد جاد الله وأحمد ماهر ومحمود فهمي النقراشي وحسن كامل الشيشيني وعبد الحليم البيلي كونوا جمعية لارتكاب الاغتيالات السياسية ابتدأت بالشروع في قتل دولة يوسف وهبة باشا في 15 ديسمبر 1919 ثم الشروع في قتل دولة معالي إسماعيل سري باشا في 28 يناير 1920

ومحمد شفيق باشا ومعالي حسين درويش باشا محمد توفيق باشا ودولة عبد الخالق ثروت باشا وقتل المستر الفريدي بروان وقتل البكباشي كيف والشروع في قتل الكولونيل بيجوت وقتل حسن باشا عبد الرازق وحسين بك زهدي في 6 نوفمبر 1922 وأخيرا الحادث الأليم حادث مقتل السيرلي ستاك في 19 فبراير 1924.

حضرات الميشارين: هذه هي وقائع الدعوى وهذا هو تاريخ الإجرام السياسي لجمعية الاغتيالات في مصر.

وبعد فالآن انتهى واجب مهنتي وبقي واجب الوطن وإن كانت هذه المهنة قد منعتني في الماضي من أن أدلي برأي في هذه المسألة التي أقلقت البال أعواما طوالا فإن هذه المهنة نفسها هي التي أوقفتني اليوم في هذا الموقف فأتاحت لي فرصة قلما تسنح مرة أخرى فمن الواجب ألا أتركها تمر دون أن أقول كلمة في سبيل بلادي وقد لا أكون في هذه الكلمة إلا معبرا عن رايي الخاص دون أن أمثل أحدا.

لقد ظل الإجرام السياسي في مصر عهدا طويلا بدأ بمقتل المرحوم بطرس غالي باشا وانتهى بمقتل المأسوف عليه السردار وبين الفقيدين ضحايا أخرون سقطوا في ميدان الشهوات السياسية.

لقد بدأ التحقيق دولة عبد الخالق ثروت باشا وانتهى به سعادة محمد طاهر نور باشا وبين النائبين العموميين نواب عموميون آخرون من ذوي العقول الراجحة والأفكار الثاقبة وقد وضعوا نصب أعينهم مصلحة بلادهم فعملوا على إبرائها من هذا الداء الوبيل فبحثوا ودققوا وبذلوا جهودا كبيرة في هذا السبيل فإن كانت المجهودات التي ظلت زمنا طويلا لم تتج إلا اتهام عشرات من الأشخاص فمن العدل أن نقرر هنا أن هؤلاء المتهمين أٌلية ضئيلة بل أقلية تافهة لا تعبر إلا عن رأيها فعليهم وحدهم أن يحملوا مسئولية أعمالهم وعليهم وحدهم أن يحملوا تبعتها.

إذا كانت هذه التحقيقات أيضا لم تثبت وجود أية صلة بين هذه الفئة القليلة وبين أية هيئة سياسية فمن الإنصاف أن نقرر هنا أن مجموع الأمة برئ من هذا الإجرام.

حضرات المستشارين: قد يكون من حسن حظنا جميعا أن يعرض الأمر برمته على هذه المحكمة هي أكبر هيئة قضائية مختصة في هذه البلاد لتقول كلمتها وقد تكون الكلمة التي تصدر منها هي أقرب الكلمات إلى صدور الأمم المتمدينة.

لقد رأيتم بأعينكم وسمعتم بآذانكم كيف كانت الأمة تتفجع عند وقوع كل حادث وكيف كان ينبري الزعماء إلى هذه الأعمال وبيان ما يحلق البلاد من جرائها فصم المتهمون آذانهم عن سماع أنيني مصر ونصائح الزعماء فكلمة منكم يا حضرات القضاة قد تخفف آلاما تحملتها الأمة بصير وتقضي على أراجيف أذيعت عن هذه البلاد بغير حق.

ستحكمون بإدانة المتهمين أو ببراءتهم حسبما تستريح إليه ضمائركم الطاهرة ولكنكم ستقضون حتما بأن مصر بريئة من الإجرام والمجرمين وستظل سائرة في طريقها المشروع نحو غايتها المنشودة رافعة راية السلم حتى تتبوأ بين الأمم مركزا يليق بتاريخها الخالد المجيد.

• جزء من مرافعات الدفاع عن أحمد ماهر ومحمود فهمي النقراشي أمام قاضي الإحالة.

  1. مرافعة مصطفى باشا النحاس المحامي.
  2. مرافعة مكرم باشا عبيد المحامي.
  3. مرافعة نجيب باشا الغرابلي المحامي.

مرافعة النحاس باشا

نظرة عامة

(1) وقعت حادثة المأسوف عليه السيرلي ستاك باشا المشئومة في وقت كانت فيه الأمة في عز سلطانها متمتعة بحقوقها الدستورية ملتفة حول حكومتها النيابية التي جاءت وليدة إرادتها فأخلصت لها في العمل داخلا وخارجا بكل ما من شأنه المحافظة على الدستور وتركيز قواعده في البلاد وصيانة سلطة الأمة المقررة فيه واحترام حقوقها المقدسة.

(2) ولقد كان من الطبيعي أن يفهم بالبداهة أن الرؤوس التي فكرت في هذا الجرم الشنيع لم تكن رءوس الذين يرغبون في بقاء السلطان للأمة بل رؤوس الذين يتمنون زواله وهذا ما قرره حضرة صاحب الدولة سعد باشا زغلول رئيس حكومة الشعب عندما بلغه الخبر إذ قال وهو مملوء غما وحزنا، إن هذا الجرم لم يكن موجها ضد الإنجليز بل ضدي.

(3) ولكن الأمر الطبيعي لم يكن ليقف في وجههم والمنطق لم يكن يتفق مع أغراضهم ونقضوا الدستور من أساسه وقضوا على الحكم النيابي في جميع فقد جمعت المصلحة بين الناقمين على حكم السعديين من الإنجليز ومن المصريين فنفذوا أغراضهم مظاهرة واستبدو بأمور البلاد ووجهوا جهودهم نحو إثبات الجرم على السعديين انتقاما منهم وتلويثا لسمعتهم ولذلك قبضوا في بادئ الأمر على بعض من رجالهم ومن بيهم الأستاذ محمود فهمي النقراشي الذي كان وكيلا لوزارة الداخلية في عهد الوزارة السعدية.

(4) غير أن اضطهاد السعديين لم يقف عند هذا الحد فقد كان العوامل الخفية توالي سعيها لاتام الأبرياء منهم حتى أمكن التأثير على شفيق منصور ليتهم الدكتور أحمد ماهر الذي كان وزيرا للمعارف في الوزارة السعدية والأستاذ النقراشي الذي سبق الإفراج عنه فقبض عليهما في 21 مايو 1925 بناء على أقوال شفيق منصور الذي كان مقدما لمحكمة الجنايات مع المتهمين في قضية السردار.

(5) بالرغم من ظهور براءتها من الاشتراك في حادثة السردار وعدم اتهامها فيها لبثا في السجن الانفرادي ثمانية أشهر من غير أن توجه إليهما تهمة محددة وبدون أن يعلما شيئا عن التحقيقات التي كان تجرى سرا وفي غير مواجهتهما ولم يسمح لهما ولا للمحامين عنهما بالاطلاع على شيء منها حتى فوجئنا بتقرير الاتهام الذي أعلن إليهما في 7 يناير 1926 وهو يقضي باتهامهما مع اثنين آخرين بالاشتراك مع الفاعلين الأصليين في أحدى عشرة تهمة سابقة مبينة به ارتكبت في تواريخ مختلفة من سنوات 1919و 1920و 1922.

(6) عجبا لهذا التصرف وازداد عجبا عندما أطلعنا في الأوراق على قرار أصدره سعادة النائب العمومي في اليوم ذاته قرر فيه صرف النظر عن اتهام تسعة أشخاص آخرين اتهمهم أيضا شفيق منصور بالاشتراك في بعض هذه الحوادث وعلل سعادته عدم السير في الإجراءات الجنائية ضدهم بكون المحكوم عليهم في تلك الحوادث أفرج عنهم فعلا في سنة 1924ضمن المجرمين السياسيين ولأنهم انقطعوا عن الاستمرار في الاشتراك مع باقي أفراد الجمعية في حوادث الاعتداء الأخرى وكان واجب المساواة يقضي بان يصرف سعادة النائب العمومي النظر أيضا عن اتهام جميع المتهمين في هذه القضية بالاشتراك فيها لأنه إن كان راي بحق أن العفو عمن حكم عليهم في هذه الحوادث لا يتقف معه محاكمة شركائهم من جديد فيها.

فإنه لا حق له في التفريق بين من نسب إليهم الاشراك فيها وبين بعضهم إذ إن كل تفريق في ذلك يكون تمييزا بلا مميز وقوله إن الاستمرار في الاشتراك مع باقي أفراد الجمعية في ارتكاب الحوادث هو المبرر قول تحكمي لا يرتكز على أي أساس من القانون ولا من العدالة.على أن هذا الاستمرار معدوم إذ إن جميع هذه الحوادث انتهت في 22 نوفمبر 1922 أي قبل بدء عهد البرلمان الأول الذي جعل حدا لانقطاع بعضهم عن العمل فيها وأول عهد البرلمان الأول هو أواخر سنة 1923 والحوادث كلها المنسوب إلى جميع المتهمين في هذه القضية الاشتراك فيها سابقة على تاريخ العفو الذي صدر في سنة 1924 عن المجرمين السياسيين بناء على اتفاق بين رئيس الحكومتين المصرية والإنجليزية في ذلك الوقت.

وقد تنفذ العفو فعلا على المحكوم عليهم فيها ونفذته النيابة في حق بعض الأشخاص بقرارها المذكور فإن كان لهذا العفو تأثير على الاتهام في نظر النيابة فما الداعي لجعله مقصورا على بعض الأشخاص دون البعض الآخر؟حضرة القاضي حوادث الاعتداء بعضها ظهر فيه الفاعلون وبعضها الآخر لم يظهر فيه فاعلون والعفو لا يرجع إلا للقضايا التي تبين فيها متهمون.

النحاس باشا يشمل العفو من باب أولى الحوادث التي لم يظهر فيها فاعلون لأن الاتفاق الذي صدر بين رئيس الحكومتين بالعفو وكان لسعد باشا الفخر في الوصول إليه إنما قصد به توطيد صلات المودة بين الأمتين وأساسه دفن تلك الجرائم الماضية وعدم العودة إليها بأي حال وقد نفذ هذا العفو فعلا في المحكوم عليهم واستردوا جميع حقوقهم السياسية والوطنية وغيرها منهم من توظف في الحكومة.

ومنهم من انتخب نائبا في مجلس النواب فتعقب غيرهم بعد ذلك سواء بخصوص الجرائم التي أعفى عن المحكوم عليهم فيها أو بخصوص الجرائم التي لم يظهر فيها فاعلون فيه إحياء لذكرى ذلك الماضي الذي أسدل الستار عليه وهذا لا يتفق مع الغرض الذي قصده رئيسا الحكومتين عند الاتفاق على هذا العفو الفعلي.

على أن الجرائم المنسوب لمتهمي اليوم الاشتراك فيها ما ظهر فيها الفاعلون وحكم عليهم ثم أفرج عنهم الاتفاق دوليا على هذا العفو كقضايا حوادث الوزراء وقد صرف سعادة النائب العمومي النظر عن اتهام بعض الأشخاص فيها فلماذا يتعقب الآخرين؟إننا لا نفهم لذلك حكمة إلا إذا كان المقصود أن يتعقب ماهر والنقراشي فيتهما فيها بالباطل ليأكل الذئب الحمل على أي حال.

(7) نقول ذلك إظهار مبلغ تصرف النيابة معنا في هذه القضية لا هروبا من الموضوع فإننا لم نجزع لهذا الاتهام بل تلقيناه بالبشر والسرور لأنه أخرجنا من الظلمات إلى النور بإخراجنا من ظلمات التحقيق السري إلى نور القضاء العلني وهنا نحن أولاء نتنفس الصعداء أمامكم ونعرض على حضراتكم ما جمعوه ضدنا في هذا الزمن الطويل من غير أن يسمحوا لنا بالاطلاع عليه حتى كنا نفنده في حينه لتروا مبلغ قسوتهم معنا ومدى تحكمهم فينا ولنظهر للملأ أن ما أرادوه بنا وما أذاعوه حول أسمنا كان ظلما مقصودا واضطهادا بينا.

(8) خذوا تقرير الاتهام وقائمة الشهود ثم انظروا نظرة عامة إلى الأدلة المقدمة في هذه القائمة ضد ماهر والنقراشي تجدوها تنحصر فيما يأتي:

أولا: أقوال شفيق منصور في التقرير المقدم منه للنيابة العمومية وفي التحقيقات.
وثانيا- شهادة محمد نجيب الهلباوي.
وثالثيا: شهادة علي حنفي ناجي.
ورابعا شهادة توحيد طاهر.

ويضاف إلى ذلك بالنسبة لماهر وحده دون النقراشي شهادة يعقوب صبري أفندي فهل هذه الأدلة بقطع النظر عما تضمنته الأوراق والتحقيقات مما ينقضها في مجموعها وفي كل جزئية من جزئياتها كما سنبينه بعد تنهض أدلة على الاتهام وتصلح لأن تعتبر دلائل كافية لإحالة المتهمين إلى محكمة الجنايات في الإحدى عشرة تهمة المعينة في تقرير الاتهام؟ كلا ثم كلا.

فأولا أقوال شفيق منصور لا قيمة لها في الاتهام قانونا ولا يمكن الأخذ بها ولذلك ذكرها سعادة النائب العمومي في قائمة الشهود تحت عنوان ملاحظات مع أنها هي أساس الاتهام وهي دون سواها التي جاء فيها ذكر لتفصيل الحوادث المنسوب إلي ماهر والنقراشي الاشتراك فيها فالتقرير المقدم من شفيق منصور والذي ذكرت يه لأول مرة هذه الحوادث تاريخ 18 يونيه سنة 1925 فهو صادر منه بعد الحكم عليه بالإعدام وفي وقت كان لا يزال فيه تحت تأثير في الحصول على أمر كريم بإبدال عقوبة الإعدام بغيرها وكان لا يرى ضيرا عليه أن يكيل الاتهام للأبرياء جزافا ما دام يعتقد أن في ذلك منجاة لرقبته من حبل المشنقة.

وكذلك الحال بالنسبة لأقواله في التحقيقات فقد نصت المادة 25 من قانون العقوبات على أن كل حكم بعقوبة جناية يستلزم حتما حرمان المحكوم عليه من الشهادة أمام المحاكم مدة العقوبة إلا على سبيل الاستدلال فما بالك بالمحكوم عليه بالإعدام وقد نفذ فيه الحكم فعلا.ه

ذا فضلا عن عدوله في 31 يولية سنة 1952 عن اتهام السعديين وتبرئتهم من تهمة مقتل السردار كما جاء في شهادة الصاغ سليم افندي زكي والملازم أول أحمد أفندي طلعت وانجرام بكل حكمدار بوليس الإسكندرية.

وفضلا عن اضطرابه في أقواله كما أثبته سعادة النائب العمومي في ملاحظته حيث جاء فيه:نذكر أن شفيق منصور كان يلح علينا في إعادة مناقشته في قضية السردار ولم يذكر لنا أسماء في كلامه الشفهي فأفهمناه بأن القضية حكم فيها وأن اضطراب أقواله لا يجعل محلا لإطالة المناقشة معه في هذا الموضوع بعد الحكم نهائيا وقد أفهمناه بذلك فأكتفى.فقد قضى بذلك سعادة النائب العمومي نفسه على قيمة أقوال شفيق منصوروحكمه هذا ينسحب بطبيعته على أقوال شفيق في الحوادث الأخرى لأنه لم يذكرها إلا للوصول لتخفيف الحكم عليه في قضية السردار.

بل إن الحكومة نفسها لم تعتبر لأقواله قيمة ما بدليل أنها أعدمته قبل تقديم المتمين إلى المحاكمة فلم تستبقيه حتى تقدم أقوال ضدهم على سبيل الاستدلال.ولم يؤخذ بأقوال شفيق لأشخاص آخرين فلماذا تجعل قيمة لأقواله ضد ماهر والنقراشي إلا إذا كان الغرض اتهامها على أي حال؟؟

كان ذلك فضلا أيضا عما سنبينه فيما بعد من طرق التأثير المختلفة التي وقعت عليه لحمله على اتهام الأبرياء ومن تناقضه المتكرر في أقواله ومن تكذيب جميع الأشخاص الذين ذكرهم والماديات له في كل ما أعاده ومتى انهدمت قيمة أقوال شفيق منصور فقد انهار الاتهام كله.

ثانيا: شهادة محمد نجيب الهلباوي على علاتها لا تصلح أيضا دليلا ضد ماهر والنقراشي لأنه لم يكن سوى شاهد سماع عن شفيق منصور الذي حكم عليه بالإعدام وأعدم فعلا.

ولأنها لا تخرج عن كونها أقوالا صادرة من شفيق منصور فلا تصلح لتعزيزها وإلا كانت النتيجة أن أقوال شفيق منصور تعززها أقوال شفيق منصور ولأن شهادته لا تعلق لها بأية حادثة بالذات من الحوادث موضوع الاتهام هذا فضلا عن كونه من ضمن المحكوم عليهم الذين أفرج عنهم في سنة 1924 ضمن المجرمين السياسيين وكان يشتغل لحساب البوليس السري وفضلا عما سيبينه حضرات زملائي تفنيدا لشهادته.

ثالثا: شهادة علي حنفي ناجي على علاتها أيضا لا تصلح دليلا ضد ماهر والنقراشي لأنه لم يكن سوى شاهد سماع عن المحروم والده وشهادة السماع لا قيمة لها قانونا لأن الأخذ بها معناه إعطاء قيمة لأقوال يدعى بأنها صدرت في غير مجلس القضاء من غير حلف يمين وبدون مناقشة مبدئية فيما ينقل عنه منها وهذا مناف لطبيعة الشهادة وإلغاء لوظيفة القضاء إذ يكون الناقل عن غيره هو القاضي في صحة ما ينقله عنه.

هذا فضلا عن كون علي حنفي ناجي هذا يشتغل لحساب البوليس السري وفضلا عن كون شهادته لا تنسحب على أية حادثة بالذات من الحوادث موضوع الاتهام

لذلك لا تكون لأقوال علي حنفي ناجي قيمة كما أنه لا قيمة لأقوال نجيب الهلباوي ولا يمكن لكلا القولين أن ينهض دليلا ضد المتهمين.

حضرة القاضي- تؤخذ على سبيل الاستدلال.النحاس باشا- هذا جميل وإني أحمد الله على أن حضرة القاضي متفق معي على هذه النتيجة وهي أن كل هذه الأقوال لا تؤخذ إلا على سبيل الاستدلال إني مسرور لذلك والواجب على قاضي الإحالة ألا يحيل متهما على محكمة الجنايات بمجرد أقوال تؤخذ على بيل الاستدلال.

رابعا أما شهادة توحيد طاهر فإنها تصلح لأن تكون شهادة نفي لماهر والنقراشي لأنها تنحصر أولا في أن النقراشي توسط لدى وكيل قسم الحشرات بناء على خطاب توصية حضر إليه به من حسن كامل الشيشيني أفندي.

وثانيا في أن شفيق منصور كلم أحمد ماهر وزير المعارف وقتئذ بخصوص إدخال سيف الدين طاهر أخيه مجانا بالمدرسة الخديوية فقبل بها.

وهذا وذاك قاطعان في أن ماهر والنقراشي لم تكن لهما علاقة بعائلة مصطفى حمدي ولم يساعدا أخويه مجانا بالمدرسة الخديوية فقبل بها.وهذا وذاك قاطعان ف أن ماهر والنقراشي لم تكن لهما علاقة بعائلة مصطفى حمدي ولم يساعدا أخويه إلا بناء على توسط آخرين لديهما.

إلى هنا انتهت الدلائل المشتركة المقدمة ضد ماهر والنقراشي وقد تبين أن لا قيمة لها على الإطلاق فلننظر في الدليل الخاص بماهر.

وخامسا أما شهادة يعقوب صبري أفندي الخاصة بماهر دون النقراشي فإنها على علاتها لا تنهض أيضا دليلا ضد ماهر.

لأنه من جهة كان متهما في بعض هذه الحوادث وهو ممن شملهم قرار سعادة النائب العمومي القاضي بصرف النظر عن اتهامهم فيها فكأنها صرف النظر عن اتهامه ليكون شاهدا ضد ماهر وكأنما أراد سعادة النائب العمومي بهذه الوسيلة أن يدخل في الإجراءات القضائية المصرية عملا بنظام شاهد الملك المقرر في النظم الإنجليزية وهذا ليس بمسموح في أنظمتنا القضائية فلا يمكن أن يكون له قيمة ما.

ومن جهة ثانية فإن اعترافه لم يجيء إلا بعد إنكار تام وبعد أن لبث في السجن الانفرادي خمسة عشر يوما وقع في أثنائها عليه من التأثير ما وقع لحمله على اتهام ماهر وقد كان أنكر من قبل معرفته به ليكون هذا الاتهام ثمنا للإفراج عنه. وبعد أن أعطى إليه الضمان على ذلك كما هو مستفاد من تقريره الذي كتبه في السجن في أول أكتوبر سنة1925 وكما هو الواقع فعلا.

وقد سمعتم حضرتكم بالأمس من عبد الحليم بك البيلي أنه عقب وصوله من الأستانة استدعاه يحي باشا إبراهيم بصفته رئيسا له كوزير للخارجية بالنيابة وبصفته رئيسا للحكومة المصرية بالنيابة وقال له إنه يريد منه أن يفضي إليه بأسرار الحوادث السياسية وهو يضمن له حريته التامة ومستقبله وفي حالة ما إذا لم يفض إليه بها

فإنه لا ينتظر أية حماية لا منه ولا من أية جهة أخرى وأنه حضر بعد ذلك انجرام بك وكوين بويد فأعاد يحيي باشا عليه هذه العبارة على مسمع منهما قال عبد الحليم بك فأجبته في الدفعتين بأنه يخطى جدا إذا ظن أن لي علاقة بهذه المسائل ويؤلمني أن أسمع منه هذا الكلام ولو أنه مدفوع إليه بضغط الأشخاص الذين يريدون ذلك.

وقال ثم أخذتي انجرام بك إلى رسل باشا حكمدار البوليس فأعاد علي هذه العبارة بشكل أفهم منه أنهم صادرة من دار المندوب السامي.وقبيل خروج نشأت من السراي استدعاني رسل باشا مرة أخرى وقال لي أتعرف أن نشأت باشا شلناه فقلت لا فقال أنه خرج وسيكون في وظيفة سفير ولكنه لا يخرج إلى الخارج وقال لي أن الناس يعتقدون أن لنشأت باشا تأثيرا في التحقيقات وقد أخرجناه ولابد من أن يكون لديك على الأقل معلومات بالجرائم والمجرمين فقلت له: ليس لي علاقة بالإجرام.

وهذا يثبت اتحاد السلطات على التأثير بطرق الوعد والوعيد على الأشخاص ليوجهوا تهما إلى الآخرين ويعدوهم بضمان حرياتهم ومستقبلهم إذا هم أجابوهم إلى طلبهم وإلا فلا حماية لهم عندهم ولا عند غيرهم وإلا فالقبض والسجن وما يتبع ذلك.

هذا مثل لما وقع بالضبط ليعقوب صبري ويزيد عليه أن التأثير بالوعد والوعيد قد حصل على القبض عليه فعلا وبعد انكاره وإيداعه السجن فأنتج الثمرة المطلوبة

ومن جهة ثالثة فإنه ليس بمعقول ولا قابل للتصور أنه مع كونه لم تسبق له معرفة بعبد الرحمن الرافعي ولا بالدكتور ماهر يقص ماهر أمامه بمجرد التعارف بين ثلاثتهم بمنزل الصوفاني بك حكاية وفاة الضابط مصطفى حمدي بواسطة شظايا قنبلة عندما كان يتمرن على إلقاء قنابل جديدة بالجبل بحلوان هذا فضلا عن تناقضه مع شفيق منصور في أقواله عمن حضر سماع هذه القضية من ماهر فكلاهما يقرر أن الأخر لم يكن موجودا.وفضلا عن كونه شهادته لا تتعلق بأية حادثة بالذات من الحوادث موضوع الاتهام.

(9) هذه النظرية العامة وحدها كافية لإظهار قيمة الدلائل المقدمة من النيابة العمومية وأنها لا تسوغ الإحالة على محكمة الجنايات فإذا لم تكن النيابة استطاعت أن تحفظ الدعوى لسبب ما فإنه قاضي الإحالة له الحق بل عليه الواجب الذي يقضي به الذمة والقانون والعدالة أن يقرر بأن لا وجه لإقامة الدعوى ضد ماهر والنقراشي

فإنه إنما وجد نظام محاكم الجنايات ليكون ضمانا للمتهمين عوضا عن الدرجة الابتدائية في النظام القديم لا آلة للاتهام والقضاء مستقل في عمله لا سلطان لأحد عليه فلا يجوز له أن يحيل متهما إلى محكمة الجنايات إلا إذا كانت الدلائل المقدمة كافية كما هو نص المادة 12 من قانون تشكيل محاكم الجنايات. مناقشة تقارير منصور.

(10) أنتقل بعد هذه النظرة العامة إلى مناقشة تقارير شفيق منصور وأقواله في التحقيقات وأترك لحضرات زملائي الكلام عن بطلان الإجراءات التي حصلت في القضية من أولها إلى خرها والتي بسببها لبث المتهمان كبيرا المقام في السجن الانفرادي يذوقان مرارته ويقاسيان آلامه هذا الزمن الطويل.

(11) أولا كلام صدر من شفيق منصور ضد ماهر والنقراشي ورد في تقريره الذي كتبه في السجن بتاريخ 13 أبريل سنة 1925 فهل هذا الاتهام الذي صدر منه ضدهما في هذا التاريخ كان طبيعيا أو أنه لم يصدر منه إلا تحت تأثيرات خاصة؟

(12) هذا الاتهام منه لم يكن طبيعيا لأنه لم يذكر عنهما شيئا في أقواله التي أبدها أمام سعادة النائب العمومي بعد القبض عليه في المرة الثانية لا في 28 مارس سنة 1925 عندما أعترف عن نفسه في حادثة السردار وفي الحوادث السابقة ولا بعد ذلك في 29 مارس سنة 1925 وفي 30 منه مع أنه ذكر في هذين المحضرين أسماء المشتركين معه في الحوادث السابقة ولا في 2 أبريل كذلك ولا في 7 أبريل كذلك لم يذكر شيئا عنهما في التقرير الذي قدمه لسعادة النائب العمومي بتاريخ 2 أبريل سنة 1952 ولا في التقرير غير المؤرخ.

فلو كان يعلم شيئا ضد ماهر والنقراشي لكان قاله عنهما عند ذكر أسماء المشتركين في الحوادث المذكورة ويكون اتهامهما في التقرير الذي كتبه في السجن في 13 أبريل إنما يكون قد صدر منه تحت تأثيرات خاصة فما هي هذه التأثيرات؟

(13) ثبت من محضر جلسة المعارضة في أمر حبسه المنعقدة في 11 أبريل سنة 1925 أنه أخبر المحامي الذي حضر معه في الجلسة حضرة الأستاذ أمين عز العرب حين اختلى به إنه تحت تأثيرات شديدة متوالية وإنه اقترح عليه في سجنه مرارا اتهام أشخاص لا علاقة لهم بهذه القضية إلا الآن.

فقرر ذلك حضرة المحامي أمام القاضي وأثبته في محضر الجلسة ثم أخبر بتفصيله سعادة النائب العمومي عقب انتهاء الجلسة.فلما سئل شفيق اعترف أمام القاضي بحصول التأثير عليه بغرض اتهام أشخاص آخرين ولكنه تحاشى تعيين الأشخاص خشية ازدياد عوامل التأثير عليه طبعا قياسا على ما تحمله في ذلك م قبل ونبين هنا ما ظهر من التأثيرات والله يعلم أن ما خفي كان أعظم.

(14) قرر شفيق منصور أمام حضرة القاضي أثناء نظر المعارضة في أمر حبسه في يوم السبت 14 مارس سنة 1925 أنه لا ينام الليل وأنه يرى في السجن حركات غير اعتيادية وأنه علم فيوم الخميس بأنه سيحصل جلد داخل السجن بدون إعلانه وأنه في يوم الجمعة طلب مدير السجن وتكلم معه بخصوص هذا الجلد فأجابه بأن هذا شيء بسيط ولا صحة له

وأن هذا وهم فأخبره بأنه رأى أشياء كثيرة وسمع بعض المساجين يتكلمون بخصوص ذلك فأجابه بأن هذا غير صحيح وأنه في هذا اليوم السبت أيقظوه مبكرا وأحضروا له حكيما وأخرجوه من الزنزانة الساعة 5 صباحا وحلقوا ذقنه وقالوا إنه يوجد اليوم مجلس عسكري وسمع من الجاويشية أم مدير السجن حضر مع وكيل النيابة وسمع الشهود وأنه صدر الحكم ضده بالجلد والأشغال الشاقة خمس سنين.حصلت هذه التأثيرات عليه فاضطربت أعصابه حتى ظن من نفي مدير السجن لهذه الأعمال أمامه أنه أصيب بنوع من التخريف.

(15) وثبت من الكشف الطبي المتوقع عليه بالسجن في 16 مارس سنة 1925 أنه لم ينم ثلاثة أيام كما قالوا في السجن ولكنه يدعي أنه نام قليلا أو لم ينم أبدا مدة أسبوع وأنه وجد في جسمه من علامات العنف خدشان على الرسغ الأيسر.وهذا يدل على أنه عدا التخويف والتهديد كان يستعمل معه العنف أيضا.

(16) وفي 28 مارس سنة 1925قرر شفيق منصور أمام النائب العمومي أنه سيعدم الليلة بواسطة ضربة على رأسه وقرر أمام حضرة القاضي الذي نظر في المعارضة في أمر حبسه في هذ اليوم بأنه يسمع في السجن بأنه سيعدم بطريقة الربط على عمود وإلقاء الأحجار عليه وأنه سمع ذلك من جاويش السجن والكونستيلات وأنهم دائما يتكلمون في هذه المسألة وأنه عند سماعه هذه الأقوال يحصل تأثير على أعصابه.

(17) وقرر أمام سعادة النائب العمومي في 7 أبريل سنة 1925 أن كل ما قرره فيما يختص بهذه القضية أخيرا غير صحيح لأنه كان تحت تأثير الخوف والفزع والتهديد بالموت من الكونستبلات والجاويشية الموجودين بالسجن.

(18) وقرر في 11 أبريل أمام حضرة القاضي الذي نظر في المعارضة في أمر حبسه أن كل ما صدر منه لم يحصل بمحض إرادته وإنما كان من تأثير رجال البوليس كانوا يلازمونه في الساعة 8 صباحا للساعة 9 فكان في حالة عصبية شديدة وكان ما يقال له بأنه موصل للنجاة وليس موصلا للنجاة.

(19) هذا ما ظهر من التأثير المختلفة التي توقعت عليه في السجن قبل يوم 13 أبريل سنة 1925 الذي كتب فيه تقريره عن الحوادث السابقة ضد ماهر والنقراشي ولم يكن قد مضى يومان على ما أخبر به محاميه في هذه التأثيرات بجلسة المعارضة في 11 أبريل سنة 1925 مما يدل على أن هذه التأثيرات قد أنتجت فعلا أثرها المطلوب.

(20) ويدل على ذلك أيضا أنه بمجرد أن حضر أمام سعادة النائب العمومي في اليوم التالي وهو يوم 14 أبريل كتب أمام سعادته تقريرا هذا نصه:

أقرر بأن كل ما ورد فيه قدمته لسعادة النائب تحت عنوان تقرير مقدم مني لا صحة له بالمرة وأنني كتبته فقط للدفاع عن نفسي أو كوسيلة توصلني إلى الخلاص من موقف صعب زججت بنفسي فيهي وأنني أقرر صراحة بأن هؤلاء الأشخاص بالأخص الآخرين لم أخبرهم عن شيء من هذه الحوادث ولا ذكرت شيئا عنها لا بعدها ولا قبلها وإنني أنا شخصيا المسئول عن ذلك وأنا الذي كنت أعمله فقط لا غيري وأما الإشارة الواردة في الدوسية عن قول بعضهم أستشير غيري فليس هناك غير مطلقا وإنما كنت أستشير نفسي.

وإني أشهد الله على ذلك وهذا إقرار واعتراف مني بذلك وأشر عليه سعادة النائب العمومي بالإشارة الآتية: تقدم من شفيق منصور اليوم حيث كتبه أمامنا.وهذا يدل على أنه انتهز فرصة وجوده أمام النائب العمومي في هذا اليوم بعيدا عن المؤثرات التي تحيطه في السجن فكتب أمامه ها التقرير إظهارا للحقيقة.

(21) وقد اقتنع بذلك سعادة النائب العمومي حيث إنه لم يعر تقرير 13 أبريل أي التفات ولم يعمل عنه تحقيقا ما وحرر في 21 أبريل سنة 1925 تقرير الاتهام في قضية السردار وقدم المتهمين فيها إلى قاضي الإحالة.

(22) على أن هذه النتيجة لم تكن لتروق الذين كانوا يعملون على إيقاع ماهر والنقراشي فعمدوا إلى التأثير على شفيق منصور من طريق آخر بعد أن أحيلت القضية إلى محكمة الجنايات وفعلا أنتج التأثير الجديد مفعوله فأدى إلى الأقوال التي أبداها شفيق منصور أمام سعادة النائب العمومي في تحقيق 10 مايو سنة 1925 وقبض بسببها على ماهر والنقراشي فما هذه المؤثرات؟

(23) لقد آن لنا أن نذكر عمل الحكومة على التخصيص في هذا الشأن كان النقراشي مقبوضا عليه ف حادثة السردار كما سبق ايضاحه وكان لابد من إيجاد أدلة ضده والأدلة معدومة وكان محمد نجيب الهلباوي يشتغل لحساب البوليس السري مع سليم أفندي زكي رئيس المكتب السياسي ابتداء من 3 أتوبر سنة 1924 لمعرفة مرتكبي الجرائم السياسية كما هو مبين في شهادة سليم أفندي زكي.

فلما وقعت حادث السردار أخبره بها سليم أفندي زكي في يوم وقوعها فأخذ يشغل في اكتشاف مرتكبيها بالاتصال مع البوليس إلى أن قبض على الفاعلين الحقيقين فقدم تقريرا بذلك في 4 فبراير سنة 1925 لم يرد فيه ذكر لماهر والنقراشي وكان بناء على اكتشافه يأمل من نيل المكافأة البالغ قدرها عشرة آلاف جنيه لمن يدل الحكومة على مرتكبي حادثة السردار.

ولكن في اليوم التالي وهو اليوم 5 فبراير سنة 1925 أفهمه معالي إسماعيل باشا صدقي وزير الداخلية إذ ذاك أنه يعلق العفو التام عنه من منحه هذه المكافأة على أن يوضح جمي ما يعمله بخصوص الجرائم السياسية التي ارتكبت في القطر المصري وبالأخص حادثة السردار بخطاب هذا نصه:

رئاسة مجلس الوزراء.ختم مكتب وزير الداخلية.حضرة محمد أفندي نجيب الهلباوي

أمرني صاحب الجلالة الملك بأن أمنحك عفوا تاما وذلك بأن:

أولا: لا تقام عليك الدعوى في جريمتك الخاصة بإلقائك قنبلة على حضرة صاحب العظمة المرحوم السلطان حسين في سنة 1915.

ثانيا: تمنح عفوا من حضرة صاحب الجلالة الملك عن الجريمة والحكم السابق وذلك إذا أوضحت جليا جميع ما تعلمه بخصوص الجرائم السياسية التي ارتكبت في القطر المصري وبالأخص اغتيال السردار وتأكدت الحكومة من إخلاصكم في المعلومات التي أعطيتموها وعلاوة على هذا العفو فإنك تمنح العشرة آلاف جنيه المكافأة بالشروط الواردة بالإعلان.

وزير الداخلية الإمضاء

ونلاحظ هنا الدعوى الخاصة بإلقاء القنبلة في سنة 1925 كانت أقيمت عليه وحكم عليه فيها ونفذ عليه الحكم في وقتها إلى أن عفى عنه في 11 فبراير سنة 1924 ضمن المجرمين السياسيين فلا يمكن أن تقام عليه من أجل هذه الحادثة الدعوى من جديد إنما كان المقصود تجسيم الأمر أمامه من جهة ومنع العشرة آلاف جنيه عنه من جهة أخرى حتى يخضع لما يريده منه البوليس من اتهام من يريد إيجاد الأدلة ضدهم.

ولذلك قدم تقريرا آخر في 5 فبراير سنة 1925 قال فيه: إنه علم من شفيق منصور بأن جميع الحوادث كانت بتدبيراته وقد صرف عليها كل إيراده وعلم منه أن النقراشي كان شريكا له في كل أعماله تقريبا وكذا أحمد أفندي ماهر والشيشيني إلخ وهذا هو بيت القصيد إن كان علم ذلك من شفيق منصور حقيقة فكيف لم يذكره في تقريره الذي قدمه عن الحادثة في اليوم السابق.

وكيف لم يتوجه بنظره إليه ولم يوجه إليه نظر سليم أفندي زكي الذي كان يشتغل معه في 3 أكتوبر سنة 1924 لمعرفة مرتكبي الجرائم السياسية حقق النائب العمومي في هذين التقريرين ابتداء من 15 فبراير سنة 1925 إلى 21 منه وكانت النتيجة أن أفرج عن النقراشي في 23 فبراير سنة 1925.

(24) فلما جاءت اعترافات شفيق منصور في التحقيق في يومي 28و 29 مارس سنة 1925 صريحة فيما ينفي التهمة عن السعديين وأنه يعتقد أنها دبرت بواسطة أشخاص يكرهون سعد باشا وتوصوا لمحمود إسماعيل.

وأنه أخبر أولاد عنايت أنه يجوز أن يكون هناك يد أخرى تعمل لحضهم على ارتكاب الجريمة وأنه لا يستبعد أن يكون محمود إسماعيل تحت تأثير أشخاص آخرين لأنه متحمس لهذه الحادثة وأنه ذات يوم بعد ارتكاب الحادثة كان متهجا ضد محمود إسماعيل بسببها وأنه اليد الفعالة فيها وأخبره أنه لابد من أن يكون لشخص كبير تأثير عليه حتى ارتكبت هذه الحادثة ضد سعد باشا لأنه يود عدم بقاء سعد باشا في الحكم.

ولما فشل السعي في تدبير الاتهام الوارد في تقرير 13 أبريل 1925 على ما سبق بيانه.ولما نظرت القضية أمام قاضي الإحالة في 6 مايو 1925 وأحيل المتهمون إلى محكمة الجنايات وتسلم المحامون نسخا من أوراق التحقيق ونشرت بعض الصحف بعض هذه الاعترافات أحدثت تأثيرا كبيرا في الأفكار.

ولما كان صدقي باشا يعمل ضد السعديين ويتوعدهم بالويل والثبور وعظائم الأمور في أحاديثه وفي خطبه وفي اجتماعاته صدر الأمر للصحف بالكف عن نشر أوراق التحقيق وصدر بلاغ رسمي بتكذيب ما قيل في وجود أي علاقة بين محمود إسماعيل وبين نشأت باشا.

واتجه صدقي باشا ومن معه إلى المحامين عن شفيق منصور للتأثير عليه بواسطتهم بطريق وعده بتخفيف العقاب عنه إذا ما اتبع نصيحتهم وهذا ما كان يتمناه شفيق منصور لإطالة حياته.

فقد شهد سليم أفندي زكي أمام النائب العمومي في 22 نوفمبر سنة 1925 بأن شفيق قال له بعد الحكم عليه: إن المحامين عنه قابله اثنان منهم أولا وأخبراه بأن يعترف بكل الحقيقة وما يعلم عن السعديين وألا يذكر أسماء الآخرين وأن الثالث قابله مرة أخرى وقال له إن نشأت باشا سيساعدك إن اعترفت بكل شيء على السعديين ومفهوم أن عبارة ما يعلم عن السعديين ومعناها أن يتهم السعديين.

وقرر وهيب بك دوس في يوم 21 ديسمبر سنة 1925 أنه قابل شفيق أثناء نظر القضية أمام قاضي الإحالة فطلب منه شفيق أن يسعى له لدى النائب العمومي ليحصل منه على وعد بالسعي لدى الجهات المختصة لاستبدال عقوبة الإعدام إذا أعطى معلومات صريحة بشأن كل قضايا الاغتيال

وأن يعترف اعترافا صريحا فذهب إلى النائب العمومي وسأله في ذلك فرفض ولما رأى أن مركز شفيق لا يمكن أن يتحسن بأي اعتراف يأتيه وكانت مأمورية الدفاع لا يدخل فيها تحقيق ضد أشخاص آخرين عدل زيارته في السجن.

وقرر هلباوي بك في 15 ديسمبر سنة 1925 أن شفيق كان قلقا وغير مستقر على راي خصوصا بعد أن بلغ النائب العمومي بعد تقرير أبريل سنة 1925 بأنه يرغب في سحبه فنصحه هو بأن يقرر الحقيقة فيما يخصه ويخص الآخرين إذا كان لديه ما يقرب إلى الظن صحة الوقائع المسندة إليهم أما الذي لا يجد من نفه قدرة على تقديم ما يؤيد أقواله ولو بطريق الشبهة فليس ذلك في مصلحته.

ونلاحظ على ذلك أن كل ما قال عنهم شفيق منصور في تقرير 13 أبريل سنة 1925 مركزهم في الاتهام سواء لأنه لم يكن له عليهم أدلة ما.

وقرر عبد الملك بك حمزة في 19 ديسمبر سنة 1925 أنه بعد أن اختلى هو ووهيب بك دوس بشفيق منصور أمام قاضي الإحالة استدعاه صدقي باشا وزير الداخلية إذ ذاك وسأله عما أفضى إليه به شفيق فأخبره به مما لم يخرج عما هو مدون بتقرير أبريل سنة 1925

فطلب منه أن ينصح لشفيق بإبلاغ ذلك إلى النائب العمومي لأنه كان قد عدل عن ذلك فقابل شفيق مرارا وسأله شفيق عن رأيه في طريق الدفاع الذي يسلطه فتردد في إعطاء الرأي لأنه كان يخشى أن يتهم شفيق الأبرياء خصوصا بعد أن ترجح لديه أن إفضاءه بالأسرار التي يعملها من شأنه أن يمنع عنه عقوبة الإعدام

وأخيرا نصحه بالاعتراف فطلب منه شفيق أن يكون واسطه في التأكد من أن هذا الاعتراف سينجيه فأخبره بأن هلباوي بك أخذ وعدا بذلك وأنه يستطيع الاعتماد على وعده لأنه لا يمكن أن يخدعه وكان شفيق كثير التردد في اعترافاته حتى في المجلس الواحد وكان يخيل لي فيبعض الأحيان أنه غير واثق في هذه الوعود.

وقرر أيضا أن شفيق سأله عن مدى اعترافاته فكان يجيبه بأنه يعترف عن الأشخاص الذي اشتركوا في جريمة السردار وتدبيرها وفي قضايا القتل السابقة لأن الوعد الذي أعطى له لا سبيل لتحقيقه إلا بهذا.

ومن هنا ظهر السر في أن هلباوي بك الذي كان قد امتنع عن قبول الدفاع عن شفيق منصور أمام قاضي الإحالة قبل بعد ذلك أن يدافع عنه أمام محكمة الجنايات وقابله في السجن في يوم 20 مايو ثم خرج من عنده إلى وزارة الداخلية فقابل إسماعيل صدقي باشا ثم طلب شفيق منصور مقابلة النائب العمومي فحضر أمامه في اليوم التالي وهو يوم 21 مايو سنة 1925 ومعه هلباوي بك

وطلب أن تسمع أقواله بحضوره فسمح سعادة النائب العمومي له بذلك وهي المرة الوحيدة في تاريخ القضايا السياسية التي سمح للمحامي بالحضور مع المتهم أمام المحقق ولم يكن موقف شفيق في هذا التحقق موقف المدافع عن نفسه بل موقف من يتهم غيره ويلح في الاتهام ويذكر وقائع يدلل بها على هذا الاتهام على نحو ما جاء ف نصيحة هلباوي له ولذلك اشترط حضوره معه أمام النائب العمومي ليكون شهيدا على ما يقوله ليحقق الوعد الذي وعد به وأكده له عبد الملك بك حمزة.

وقرر الأستاذ أحمد رشدي المحامي الذي تولى الدفاع عن محمود إسماعيل في قضية السردار أنه بعد يوم 21 مايو سنة 1925 وقبل جلسة المحاكمة قال له نشأت باشا بمناسبة الشبهة التي كانت ضده في القضية إن شفيق منصور رجع عن قوله ويخيل لي أنه قال كلمة أمبارح

وكان في ذلك الوقت وعند ذكر هذه العبارة ظاهرة عليه علامة الاطمئنان أن يكون هذا الحديث بناء على ذلك قد دار بينهما في يوم 22 مايو سنة 1925 بعد أن أبدى شفيق للنائب العمومي في 21 مايو أقواله المتفق عليها بحضور هلباوي بك.

أليس هذا كافيا لإظهار خبايا هذه المؤثرات الفاضحة وهل يكون لأقوال شفيق منصور التي تصدر منه تحت هذه المؤثرات أية فقيمة في اتهام الآخرين؟ إنا نربأ بالقضاء النزيه العادل أن ينساق وراء الأغراض.

(25) تسألون حضراتكم لماذا يتهم شفيق منصور ماهر والنقراشي بل قولوا لماذا يتهمون ماهر والنقراشي ويعملون على اتهامها والرد على ذلك أن الحوادث المراد اتهامهما فيها واقعة في سنة 1919 وسنة 1922 وقد قال ماهر بحق في أول استجواب له في 22 مايو سنة 1925 عقب القبض عليه كما قال لحضرتكم بالأمس أنه لم يكن أمامهم من السعديين الظاهرين في هذه المدة إلا ماهر والنقراشي.

والواقع أنه في سنة 1919 وسنة 1920 كان أعضاء الوفد المصري برياسة سعد باشا زغلول في أوربا وفي سنة 1922 كان أعضاء الوفد بعضهم منفى في عدن وفي سبيل سيشل وبعضهم مسجونين بحكم المحكمة العسكرية وبعضهم معتقل في قصر النيل.

فلهذا لم يجدوا أمامهم في السعديين الظاهرين الذين لهم معرفة بشفيق منصور من يصلح لاتهامه سوى ماهر والنقراشي بالنسبة للمركزين اللذين كانا يشغلانهما في الوزارة السعدية فعملوا على اتهامها بالباطل واستعملوا الوسائل السابقة بيانها للوصول إلى غايتهم.

ومع ذلك فقد قبض علي ماهر والنقراشي في ذلك اليوم وحققت الوقائع التي نسبها إليهما شفيق منصور في أقواله المذكورة فظهر كذبها جميعا فيما يختص بهما كما سنبينه بعد ولم يثبت عليهما اشتراك في حادثة السردار فلم يتهما فيها ونظرت القضية أمام محكمة الجنايات في 26 مايو والأيام التالية له ثم حكم فيها بالإعدام.

(26) بقي ماهر والنقراشي في السجن وقيل: إنهما باقيان فيه على ذمة حوادث الاغتيال الأخرى ومع عدم وجود أي دليل عليهما يسوغ بقاءهما في السجن بقيا فيه حتى القوي التي كانت تشتغل ضدهما دلائك عليهما وكان شفيق لا يزال عالقا بالحياة وكان باب الأمل في تخفيف العقاب عنه من طريق الأمر الكريم لا يزال مفتوحا أمامه

فحصل استغلال هذا الظرف ووقع التأثير عليه في السجن لتقديم تقرير مطول في تفصيل حوادث الاغتيال فكتب تقريره الرقيم 18 يونية سنة 1925 وأردفه بملحقين في 19و 20 منه حمل فيها جميعها على ماهر والنقراشي على الخصوص وأرسل هذا التقرير إلى سعادة النائب العمومي بخطاب من حكمدار بوليس مصر في 20 يونيه سنة 1925 والظروف التي تحيط بهذا التقرير أدخل في باب الغرابة.

(27) فقد قرر سليم أفندي زكي أنه كان يتردد على شفيق منصور في السجن أثناء ما كان يكتب تقريره الأخير عن الجمعيات السياسية في 20 يونيه سنة 1925 للوقوف على معلومات تفيد التحقيق. وقرر محمد نجيب الهلباوي الذي كان يشتغل لحساب البوليس السري أنه أطلع على تقرير شفيق منصور الخاص باعترافاته الأخيرة.

وقرر عبد الحميد عنايتي أمام الناب العمومي في تحقيق 27 يونيه سنة 1925 ما يأتي: لما كنا في المحكمة في قفص الاتهام قال لي شفيق بأنه سيقدم تقريرا وأطلب منك أن توافقني على كل ما سيذكر به لأنه من مصلحتنا فقلت له طيب ولكن كان في نيتي أني لا أوافقه إلا على ما أعرفه فقط.

ومن المدهش أن هذا التقرير الذي كتب في 18 يونيه سنة 1925 ولم يرسل للنائب العمومي إلا في 20 يونيه كما سبق بيانه يطلع عليه حضرة سيد بك مصطفى وكيل النيابة ويثبت في محضر حرره في 15 يونيه سنة 1925 أنه أطلع عليه بل وينقل منه حرفيا الجزء الخاص بحادثة قتل المرحومين حسن باشا عبد الرازق واسماعيل بك زهدي فكيف أطلع حضرته على هذا التقرير قبل وجوده وقبل وصوله إلى سعادة النائب العمومي.

القاضي- ربما يكون التاريخ غلطا

النحاس باشا فكرت في ذلك لأنه الأمر أدهشني كل الدهشة واستنكرت وقوعه فأردت التثبت من صحة التاريخ فوجدته مكتوبا في المحضر بالعرب وبالأفرنجي 15 يونيه سنة 1925الموافق 23 ذي القعدة سنة 1343هـ

ورجعت إلى النتيجة فوجدت التاريخ العربي مطابقا للتاريخ الأفرنجي كذلك ذكر حضرة سيد بك مصطفى هذا التقرير يجلسه المعارضة التي انعقد في 18 يونيه سنة 1925 حضرة القاضي – ألا يكون هناك تقريران؟

النحاس باشا- كلا إن الذي ورد ذكره هو تقرير واحد وهو تقرير 18 يونيه 1925 الذي لم يرسل إلى سعادة النائب العمومي إلا في 20 يونيه سنة 1925.

النيابة (حضرة سيد بك مصطفى) أنا لا أعرف شيئا بخصوص هذا التقرير. النحاس باشا إذن علام يدل ذلك؟ لا استرسل في التعليق فالأمر يفسر نفسه وإنما اقتصر على ذكر الدلالة التي لا تقبل جدلا وهي أن شفيق منصور إنما كان آلة في أيدي غيره يكتب ما يملى عليه بعد أن يرتبوه فيما بينهم ويقروا عليه.

(28) فلما يئس من تحقيق ما وعد به أفاض في يوم 31 يوليو سنة 1925 بما عنده فكن وهو في سجله ينادي محمود إسماعيل ويدعوه ليعترف ويقول الحق

وهو أن سعد والسعديين أبرياء من قتل السردار وأن نشأت باشا وغيره هم الذين دبروها لمصلحة شخصية إلخ إلخ وطلب في النهاية ضابطا إنجليزيا ليعترف له ويكشف السر فحرر سليم أفندي زكي وأحمد أفندي طلعت وانجرام بك محضرا بذلك.

ودخل إليه الضابط الإنجليزي المستر نوبل وكيل المفتش بالبوليس وأخذ أقواله وحرر بها تقريرا في التاريخ نفسه وهي تبرئ السعديين من حادثة السردار وأنهم ليسوا مسئولين عنها بل نشأت باشا وغيره الذي دبروها لإسقاط سعد والبرلمان وكان المنفذ لأغراضهم محمود إسماعيل لأنه يظن أن نشأت باشا سيسعى لدى الملك ليفرج عنه بعد أن يمضي سنتين أو ثلاثا بالسجن يخرج بعدها ويتقلد الوظيفة التي أعدها له نشأت باشا إلخ..

(29) ومن الغريب أن هذا المحضر وهذا التقرير لم يقدما إلى النائب العمومي إلا بعد نحو أربعة أشهر من تاريخ تحريرها وبعد إعدام شفيق منصور فقد أرسل سعادة الحكمدار المحضر إلى سعادة النائب العمومي بخطاب مؤرخ في 19 نوفمبر 1925 وفي أثناء اطلاعه عليه عرض عليه المستر هيوز تقرير الضباط الإنجليزي المستر نوبل المحرر في 31يوليو سنة 1925 بالأقوال التي أفضى بها إليه شفيق منصور في اليوم ذاته.

(30) ومع هذا يقولون أن ماهر والنقراشي أعضاء في جمعية الاغتيال وأنا أقول بعد هذا للنيابة أنه لم يكن لماهر والنقراشي أن اتصال بجمعية الاغتيال وإنما هناك جماعة متآمرون على اتهام ماهر والنقراشي بالباطل ولا ينقذهما إلا عدل القضاء.

(31) وهنا ألفت نظر حضرة القاضي إلى ما قرره سليم أفندي زكي أمام سعادة النائب العمومي في تحقيق 22 نوفمبر سنة 1925 إذ قال:

وأتذكر أن شفيق أخبرني بأنه كلما كان يريد أن يعترف لسعادتكم عن أثنين ذكر اسميهما وهما غير ماهر والنقراشي ما كنتم تريدون سماع أقواله.

وقد علق سعادته على ذلك بالملحوظة التي سبق ذكرها وهي: نذكر أن شفيق منصور كان يلح علينا في إعادة مناقشته في قضية السردار ولم يذكر لنا أسماء في كلامه الشفهي فأفهمناه أن القضية حكم فيها وأن اضطراب أقواله لا يجعل محلا لإطالة المناقشة معه في هذا الموضوع بعد الحكم نهائيا وقد أفهمناه بذلك فاكتفى. وهذا يدل على أقل تقدير على أن النائب العمومي لم يكن ليعول على أقوال شفيق منصور لاضطرابه فها ولذلك لم يرد أن يسمع أقواله.

وهذا رأي الحكومة ذاتها فإنها أعدمته ولم تستبقه أقواله على سبيل الاستدلال ضد المتهمين.وقد طلعت جريدة السياسة العدد 1014 الصادر بتاريخ اليوم 31 يناير سنة 1926 ببيان من إسماعيل صدقي جاء فيه

إن شفيق منصور كان كثير التردد في أقواله يعترف حينا بأمور ينقضها فيما بعد ولما آنس المدافعون عنه أنه شديد الفزع للإعدام رأوا أن يعرضوا أمره علينا لاحتمال النظر في معاملته ببعض الشفقة خصوصا أنه أبدى الرغبة في الإفضاء بأقوال جديدة فأبلغت إذ ذاك شفيق منصور أنه إذا قرر الحقيقة كلها وقام البرهان على صحة قوله وترتب على إقامة البرهان إدانة من يرشد عنهم من المجرمين والحكم عليهم فإذ ذاك يلتمس له عفو يخفف عقوبة الإعدام ولم يصرح إذ ذاك شفيق بأكثر مما قاله من قبل ولم يقم عليه دليل فكانت النتيجة تنفيذ حكم الإعدام.

إذن تعترف الحكومة بلسان من كان وزير داخليتها حين ذاك:

أولا: بأن شفيق كان كثير التردد في أقواله.

وثانيا: بأنه كان شديد الفزع للإعدام.

وثالثا: بأن الحكومة أبلغته بأن تلتمس له العفو بتخفيف عقوبة الإعدام إذا قام البرهان على صحة قوله وترتب على إقامة البرهان إدانة من يرشد عنهم من المجرمين والحكم عليهم.

ورابعا: بأنه لم يصرح بأكثر مما قاله من قبل ولم يقم عليه دليل فكانت النتيجة تنفيذ حكم الإعدام. فكيف يسوغ للنائب العمومي أن يستند على أقواله بعد ذلك؟

ويدل ذلك أيضا على أنه إذا كان شفيق منصور قد كذب على سليم أفندي زكي فيما يختص بذكر الأسماء فيكون ذلك دليلا قاطعا على كذب شفيق منصور حتى في أقواله اليت يقررها على النائب العمومي ذاته فما كان يصح لسعادته أن يستند على شيء مين أقواله أما إذا كان سليم أفندي زكي هو الذي كذب في النقل عن شفيق منصور فيما يختص بذكر الأسماء فيكون ذلك مؤيدا لما قلناه عن شهادة نجيب الهلباوي وعلي حنفي ناجي من عدم صحة الأخذ بشهادة شهود السماع.

وعلي أي حال فإن امتناع سعادة النائب العمومي في إعادة مناقشة شفيق منصور في قضية السردار مع الحاجة في ذلك كما هو واضح مما هو مدون في ملاحظة سعادته الآنفة الذكر ومما هو مثبت مع محضر تحقيق سعادته مع عما جاء في تقرير 18 يونيه سنة 1925 وهذا الامتناع مع الاستناد على أقواله قد أضر بحقوق الدفاع.

لأن شفيق منصور قد عدل في تقريره المذكور عن أقواله السابقة التي كان قررها عن ماهر والنقراشي فيما يختص بحادثة السردار وكان التحقيق معه في ذلك ضروريا لمعرفة العوامل التي دفعته إلى التناقض في أقواله حتى تنكشف الحقيقة من خلال مناقشته وهذه إحدى نتائج التحقيق السري السيئة ومع كل هذا يستند سعادته في ملاحظاته المضافة إلى قائمة الشهود على أقوال شفيق منصور الأولى عن ماهر والنقراشي في هذا الخصوص حتى بعد عدوله عنها.

(32) بينا إلى الآن العوامل المختلفة التي استعملت للتأثير على شفيق منصور فلننتقل إلى بيان حالته النفسية ونكتفي في ذلك بالوصف الذي وصف هو لنفسه في يوم 21 مايو بحضور محاميه حضرة هلباوي بك أمام سعادة النائب العمومي إذ قال: فيما يختص بحادثة السردار فإنني لا أرى ما يمنعني إذن من أن أعيد اعترافي

وأن أذكر في الوقت نفسه بكل نفس ثابتة الآن ولم يكن هذه النفس قبل الآن تقدر على أن تبوح بشيء ولقد كان ذلك هو السبب في أن التحقيقات الأولى ظهرت بشكل مدهش ما بين إنكار واعتراف وإنكار لأنني كنت بين عوامل غريبة

لأنه كلما أراد الله سبحانه وتعالى أن يسيرني في طريق الخير وأن يجعلني أتمم اعترافي صحيحا يغلب على الطبع القديم وهو التفكير الذي كان عندي وهو استحسان هذه الأعمال وعدم التوصل إلى شيء منها فأنكر ثم تعود يد الله تعمل في فأعترف ثم أعود إلى الإنكار بعد ذلك وأن هذه الحالة النفسية انتهت الآن، وإني أذكر هنا التفصيلات الخاصة بالاعتراف من أوله إلى أخره أي الوقائع.

وما ثبت نفسه إلا الوعد الذي تلقاه بالتخفيف عنه إذا ما أتهم ماهر والنقراشي فهو يدعي أنه يتهمهما بنفس هادئة ولكن هذا الهدوء لم يكن لذكر الحق بل ليستحق الوعد الذي وعد به وهو الذي يعترف على نفسه بأنه لا يرى غضاضة في أن يتهم غيره بالباطل فقد قال في هذا التحقيق ذاته أنه أثار الشبهة ضد عبد الحليم البيلي و عبد الرحمن البيلي في كلامه الأول بسبب الاختلاف الحزبي فما بالك به إذا كان المقصود نجاة حياته.

وقال لسليم أفندي زكي عندما كان يكتب تقريره الأخير عن الجمعيات السياسية في 20 يونيو سنة 1925 إني أخاف أن أكتب الآن الحقيقة بعد أن قلت قبلا أشياء ليست بالحقيقة.

ذلك هو الذي كان يقرر أمام النائب العمومي في 21 مايو سنة 1925 بحضور حضرة هلباوي بك أنه يقرر ما يقرره بنفس هادئة على اعتبار أنه يقرر الوقائع صحيحة.

الواقع أنه ما كان يشغله إلا شيء واحد هو فداء حياته وأنه يستهين بكل شيء في هذا السبيل ولذلك رجا وهيب بك دوس عندما اختلى به بجلسة الجنايات بناء على أمر رئيس الجلسة أن يتم دفاعه بطلب التخفيف عنه لأنه كان مسيرا من ماهر والنقراشي أي منفذا لأوامر آخرين

وكان رأي وهيب بك أن مثل هذا البيان من شفيق شخصيا للمحكمة سيكون حتما مضطربا فقبل أن ينقل عنه هذه الفكرة اشترط عليه أن يكتفي بما يقوله وهيب بك ولا يتكلم هو وثابت أن شفيق عدل عن ذلك سواء في تقرير 18 يونيه سنة 1925 أو في أقواله في 31 يوليو 1925.

(33) وفي هذا القدر كفاية ونتيجته الحتمية عدم إمكان التعويل على أقوال شفيق منصور التي أبداها سواء في تقاريره أو في التحقيقات وننتقل بعد هذا البيان إلى تفنيد الوقائع التي ذكرها في هذه الأقوال.

تفنيد الوقائع الواردة.

في أقوال شفيق منصور عن ماهر والنقراشي.

الواقعة الأولى

دعوى اشتراك ماهر والنقراشي في الجمعية السرية. سأقتصر هنا على ما يأتي وأترك التفصيل لحضرات زملائي.

(34) أولا- تناقض شفيق في أقواله عن هذه الجمعية تناقضا بيننا.

ففي تقريره الرقيم 13 أبريل سنة 1925 ذكر أنه لما عاد من مالطة سنة1919 في أكتوبر تقريبا وجد جماعة يعملون على إنقاذ الوطن فضموه إليهم وهم عبد اللطيف بك الصوفاني وعبد الرحمن بك الرافعي وأحمد ماهر ومصطفى أفندي حمدي.وكان أول هم لهم العمل على التخلص من الوزراء الذين يعملون ضد مصلحة البلاد.

ولما تمت هذه الحالة وصل إلى علم الجماعة أن هناك أشخاصا يشتغلون في القضاء على الأفراد الإنجليز فكلف من الجماعة بالاتصال بهم لمعرفته بأولاد عنايت الذين كانوا من ضمنهم واتصل بهم فعلا وقد انضم بعد ذلك للجماعة النقراشي ولكنه كان على بعد وصلته به وبماهر وكان عبد الحليم البيلي من المتصلين به شخصيا ثم عدل عن هذه الأقوال في 14 أبريل 1925.

وفي 21 مايو سنة 1925 قرر أن اللجنة الرئيسية الآن مؤلفة منه ومن ماهر والنقراشي وأما قبلها فكانت مؤلفة من أشخاص آخرين وانقطعوا عن الاستمرار في العمل.

وقرر أن حسن كامل الشيشيني لم يكن عضوا في الجمعية لا عضوا أصليا ولا عضوا استشاريا فلما أحرجه النائب العمومي بقوله له هل يعقل أن تتكلم مع ماهر في موضوع خطير كهذا يريد موضوع اغتيال السردار أمام شخص أجنبي عنكم قال إن الحقيقة أنه كان عضوا استشاريا.

وفي تقرير 18 يونيه سنة 1925 قرر أنه لما عاد من مالطة في أواخر سنة 1919 أي حوالي شهر نوفمبر وجد الجماعة مكونة من عبد اللطيف بك الصوفاني ومصطفى أفندي حمدي وأحمد ماهر والنقراشي ومحمد بك شرارة وعبد الرحمن الرافعي وأن هذه الجماعة كانت مكونة من قليل فانضم إليها.وكان هناك أعضاء استشاريون أمثال الشيسيني وكان البيلي له صلة بي عن بعد.

وأن عبد اللطيف بك الصوفاني وعبد الرحمن بك الرافعي انقطعا عن العمل في يوم الانتهاء من الاعتداء على الوزراء وكذلك محمد بك شرارة من يوم سفره إلى مقر وظيفته في الخارج.

والتناقض في أقواله ظاهر في الأشخاص إذ أضاف فيما بعد النقراشي وشرارة على الأعضاء الذين كان قد أدعى أولا أنهم هم الذين وجدهم مكونين للجمعية قبل الانضمام إليهم مع أنه لم يذكر شرارة أولا وقرر أن النقراشي لم ينضم إلى الجماعة إلا بعد الانهاء من حوادث الوزراء وبعد أن اتصل هو بجمعية الاعتداء على الأفراد الإنجليز.

وهنا دليل مادي يكذبه في دعواه أن النقراشي كان موجودا بالجمعية عندما حضر و من مالطة في أواخر سنة 1919 في أكتوبر تقريبا أو حوالي شهر نوفمبر على قوليه ذلك أن النقراشي كان في ذلك العهد في السويس ناظرا لمدرستها الأميرية ابتداء من أول سبتمبر سنة 1919 لغاية 10 ديسمبر سنة 1919 ولم يغادرها في هذه المدة مطلقا لا بالإجازة ولا غيرها.

يمكن الرجوع إلى بيان وزارة المعارف العمومية الثابت فيه أن النقراشي كان ناظرا لمدرسة السويس من أول سبتمبر سنة 1919 أي قبل وصول شفيق منصور من مالطة لغاية 10 ديسمبر سنة 1919 ثم نقل إلى أسيوط مديرا للتعليم بمجلس المديرية من 11 ديسمبر سنة 1919 لغاية 20 يونيه سنة 1920.

وأنه في هاتين المدتين لم يأخذ إجازة إلا ثلاثة أيام من 11 ديسمبر سنة 1919 وهي المدة الضرورية للانتقال من السويس إلى أسيوط.

القاضي من الجائز أنه يجيء في إجازات غير رسمية.

النحاس باشا: إنه كان ناظرا لمدرسة السويس ويستحيل على الناظر أن يتغيب عن المدرسة من غير أن يثبت ذلك في الجدول الخاص بالحضور والغياب.

أحمد بك لطفي: إن النقراشي نقل إلى السويسي في سنة 1919 وهي سنة اشتداد الحركة الوطنية والوزارة التي تولت الأمر عقب ذلك عملت على إبعاد جميع الموظفين الذين كان لهم اتصال بالحركة الوطنية فأبعدت النقراشي إلى السويس ثم إلى أسيوط والمعروف أن الوزارة كانت على الدوام تراقب حركات الموظفين المذكورين فلا تعطيهم أجازات وكانوا تحت المراقبة الفعلية.

النحاس باشا وكانت الوزارة في ذلك الوقت تحت تأثر السلطة العسكرية فكان القصد إبعاد النقراشي وأمثاله من القاهرة والواقع أن النقراشي كان منفيا عن مصر فما كان يستطيع أن حضر في إجازة غير رسمية ولا يمكن الاعتماد على غير ما جاء بالبيان الرسمي الصادر من وزارة المعارف.

إن هذا الدليل المادي لا يصح الاستهتار به فهو يهدم أقوال شفيق منصور ومتى ثبت كذبه في بعض دعواه بهذا الدليل المادي سقطت دعواه كلها، هذا فضلا عن أن الباقين على قيد الحياة من الأشخاص الذين ذكرهم قد كذبوه جميعا من غير استثناء.

37- ثانيا- استشهد شفيق في تحقيق 24 يونيه سنة 1925 على أن الجمعية مكونة من الأعضاء الذين ذكرهم بكل من محمود إسماعيل وعبد الحميد عنايت وعبد الفتاح عنايت ومحمد شمس الدين وعريان يوسف سعد.

فكذبوه جميعا إذ كذبه الأربعة الأولون في التحقيق الذي عمل في 25 يونيه سنة 1925 وقال له عبد الحميد عنايت في أثناء مواجهته به:

أنا قلت عنك لأنك كنت معنا وإذا كنت أعرف شخصا آخر كنت قلت عنه وكذلك أعاد عبد الفتاح عنايت تكذيب شفيق منصور في ذلك في تحقيق 12 أغسطس سنة 1925 وكذبه عريان يوسف سعد في التحقيق الذي عمل معه في 26 ديسمبر سنة 1925.

وهنا استسمح حضرة القاضي في أن أصحح واقعة جاءت في سؤال وجهة حضرته لأحمد ماهر في جلسة أول أمس أن أحمد إسماعيل ووالدته يقولان: إنه كانت لمحمود إسماعيل معرفة به وهذا لا يطابق الواقع فإن أحمد إسماعيل قرر أنه لا يعرف أن أخاه يعرف أحمد ماهر.

ووالدته زينب بنت بكرى حماد لم تذكر أحمد ماهر ضمن الذين قالت عنهم أنهم كانوا يترددون على ولدها محمود ونفس محمود إسماعيل قرر أنه لا يعرف أحمد ماهر.

القاضي- ألم تقل والدة محمود إسماعيل إن ولدها كان يقيم ولائم يحضرها حسن الشيشيني وأحمد ماهر وغيرهما؟

النحاس باشا: كلا هذا غير صحيح وليس في أوراق التحقيق شيء من هذا وهذه إجاباتها في التحقيق.

س- هل كان يتردد على ابنك محمود أحد من معارفه في المنزل؟

ج_ اللي كان يتردد عليه كثير ويبيت معه في بعض الليالي في البيت عبد الرحمن البيلي وواحد اسمه جبريل جاء بات عندنا خمسة عشر يوما باستمرار.

س- هل كان يتردد عليه أحد خلاف عبد الرحمن البيلي؟

ج_ كان يعزم إخوانه وكانوا يجوا له وأنا طبعا ما شوفهمشي.

القاضي- يمكن لها أقوال أخرى.

النحاس باشا: كلا

مرقص باشا حنا- النيابة موجودة وهي تقول لنا إن كان لوالدة محمود إسماعيل استجواب آخر أم لا.

النحاس باشا: إن هذه المسألة هامة يجب تحققها ولا نود مطلقا أن يبقى في ذهن حضرة القاضي أثر لمثل هذه المسائل التي لا وجود لها في التحقيقات وبما أن التحقيقات طويلة جدا فإني أنتظر في دفاعي حتى تبحث عنها المحكمة أو النيابة

القاضي نتركها من ذهننا مؤقتا وأنا متنازل عنها الآن.

النحاس باشا هذا موضعها فأرجو تحقيقها.

هنا حضر حضرة مصطفى بك حنفي رئيس النيابة وقال إن أحمد إسماعيل هو الذي ذكر الأشخاص الذين كانوا يترددون على العزائم التي كان يقيمها محمود إسماعيل فتراجع.

النحاس باشا: تلا أقوال أحمد إسماعيل في صحيفتي 77و 81 وليس فيها ذكر لأحمد ماهر.

مصطفى بك حنفي لأحمد إسماعيل أقوال أخرى.

القاضي- نتركها الآن وأنا أقر بأنى مخطئ

النحاس باشا أرجو من حضراتكم أن تعتبروا أن ما أطلبه لم يكن فيه إحراج لكم وما قصدت إحراجكم مطلقا وكل ما أقصده هو أن تقفوا على الحقيقة كما هي إذ ليس من شأني أن أترككم تفهمون الوقائع على غير صحتها فإن مهمتي كمحام هي مساعدة القضاء على كشف الحقيقة ليس إلا.

القاضي نترك مصطفى بك حنفي يبحثها ويقول لنا عن النتيجة.

النحاس باشا موافق.

مصطفى بك حنفي بعد البحث لم يأت في أقوال أحمد إسماعيل ذكر لأحمد ماهر.

القاضي لقد نزعتها في ذهني نهائيا.

النحاس باشا الحمد لله على ذلك.

وأنتقل إذن لنقطة أخرى وهي بيان الأسباب التي سهلت على شفيق منصور اتهام ماهر والنقراشي.

هذه الأسباب هي:

أولا: حسده لهما لتربعهما دونه في وظائف عالية في الدولة وهذا ما قرره نجيب الهلباوي وقرر أيضا أن شفيق كان يطعن على الأشخاص الملتفين حول سعد باشا بأنهم ذوو مآرب شخصية ويأخذون الوظائف لهم ولأقاربهم وأنه انتقد تعيين ماهر وزيرا والنقراشي وكيل وزارة.

وثانيا: معارضة ماهر له في تعيينه في مكتب مجلس النواب أو في بعض لجانه واعترافه بذلك.

وثالثا: اعتقاده بأن مسئوليته في حادثة السردار ترتفع بقوله إنه أخبر بها ماهر الذي كان وزرا مختصا والنقراشي الذي كان وكيل وزارة الداخلية ومختصا أيضا (شهادة وهيب بك دوس).

وبناء على ما تقدم لا يكون لدعوى اشتراك ماهر والنقراشي في جمعية سرية نصيب من الصحة.

دعوى وجود أحمد ماهر الضابط مصطفى حمدي بجيل حلوان

دعوى وجود أحمد ماهر الضابط مصطفى حمدي بجيل حلوان عندما كان يتمرن على إلقاء.القنابل فمات من شظية قنبلة

(35) هذه التهمة مكذوبة.

أولا- لأن شفيق منصور لم يذكر شيئا عن اتهام ماهر في هذه الحادثة في تقرير 13 أبريل سنة 1925 مع أنه اتهمه بوجوده في الجمعية السرية ومع كون ذكر هذه الحادثة في هذا التقرير إذ جاء فيه.

وأما مصطفى حمدي فقد قتل عندما كان يجرب قنبلة من القنابل الأولى التي كانت تعمل في مصر وجربها وهو لا يعرف قوتها فأصيب بها وقد كان يشتغل بعملها وملوها واستخرج التركيب من كتاب عنده.فلو كان ماهر مشتركا في هذه الحادثة لما تأخر عن ذكر بعد أن اتهمه بأنه عضو في الجمعية السرية.

ثانيا: لأنه لم ينسب هذه الحادثة إلى ماهر إلا في تحقيق 21 مايو سنة 1925 تنفيذا للخطة التي رسمتي في التأثير عليه الاتهام ماهر والنقراشي علي ما سبق بيانه وكان مطلوبا منه أن يؤيد اتهامها بوقائع حتى يستحق الوعد الذي وعد به على نحو ما سبق بيانه وقد كان في ذلك الوقت قط اطلع على جميع التحقيقات التي حصلت في الدعوى بعد إحالة القضية على محكمة الجنايات

وعلم بما قيل فيها من تفاصيل هذه الحادثة فكان من السهل عليه بعد ذلك أن يتهم فيها ماهر فقد ورد في التحقيقات أن الذي أخبر لأول مرة بوجود جثة مصطفى حمدي بجبل حلوان هو عبد الحميد عنايت لنجيب هلباوي عندما أراد أن يعرف منه مكان الجثة إذ كان لا يعرفه من قبل فقال له إني أريد أن أذهب لزيارة قبر مصطفى حمدي يوم الجمعة بدعوى أني أريد الصلاة في الإمام فقال لي:

إنه موجود بحلوان لا بالإمام فقلت له لقد وجب علينا زيارته فرضى بذلك وفي ثاني يوم ذهبنا إلى حلوان إلا إننا لم نتمكن من معرفة القبر وهو بالجهة الشرفية وقرر ذلك نجيب الهلباوي في تقريره الرقيم 4 فبراير سنة1925

وقرر ذلك أيضا في تحقيق 17 فبراير سنة 1925 وقال سليم أفندي زكي في التحقيق في هذا اليوم إن عبد الحميد عنايت لما ذهب إل الجبل مع الهلباوي لمعرفة مكان الجثة لم يتمكن من معرفة هذا بل كان معه عبد الخالق عنايت وشخص آخر سيجتهد في البحث عنه ومعرفة مكان القبر منه.

ولو كان يعلم أن الشخص الآخر هو أحمد ماهر لما تأخر عن إخباره به.وقد عملت نشرة إدارية في 14 أبريل سنة 1920 عن غياب مصطفى حمدي عن منزله من عشرين يوما سابقة على تاريخ 16 يناير سنة 1920 ولم يعد.

وزيادة في ذلك فإن هذه الحادثة نسبت إلى شفيق منصور نفسه أرجو أن تشعروا من هذه الوقائع بمثل ما نشعر به نحن.

فقد ورد ذكر هذه الحادثة بحضوره على لسان محاميه بجلسة المعارضة التي انعقدت في 28 فبراير سنة 1925 باعتبار أنها منسوبة إليه حيث قال: ويقال أيضا إن الاستاذ شفيق منصور يأخذ الناس إلى الجبل ليعلمهم إطلاق القنابل.

وهنا نريد على النيابة فيما ادعته من أن أقوال شفيق منصور في ذلك تأيدت بالماديات وهي وجود الجثة فإن هذا الاكتشاف لم يحصل بناء على قول شفيق منصور بل بناء على قول عبد الحميد عنايت لنجيب الهلباوي بأن الجثة في جبل حلوان وذهابه معه فعلا إلى الجبل بحلوان لزيارة قبره فلم يعثر عليه.

وثالثا: لأنه قرر في تحقق 21 مايو كأنه في يوم قتل مصطفى حمدي حضر سليمان أفندي حافظ من الإسكندرية وتصادف وجوده وقت أن كان أحمد ماهر عائدا من حلوان وسمع انفجار القنبلة في مصطفى حمدي فكذبه سليمان أفندي حافظ في ذلك وقرر أنه لا يعرف أحمد ماهر ويلاحظ أن سليمان أفندي حافظ محام ومنتم إلى الحزب الوطني كما هو مذكور في أقواله.

ويلاحظ أن شفيق بد هذا التكذيب قد تحاشى في تقرير 8 يونيه سنة 1925 أنه في اليوم الثاني ذهب لدفن الجثة كل من ماهر وعبد الرحمن بك الرافعي وشخص اسمه يعقوب أفندي صبري أظنه موظفا في إحدى المدارس كأنه لا يعرفه من قبل مع أنه قرر في تحقيق 23 يونيه سنة 1925 أنه كان من ضمن أعضاء جمعية الإسكندرية التي هي فرع من جمعية التضامن فكذبه عبد الرحمن بك الرافعي وكذبه في ذلك نفس يعقوب صبري.

وخامسا: لأنه ادعى أن ماهر أخبرهم أنه عندما أصيب مصطفى حمدي أسعفه أولا بمنديله فلم يمنع الدم فمزق بطانة البالطو الذي كن يلبسه وربط رأسه بها.

وقد أراد الله سبحانه وتعالى أن يظهر الحق بإظهار ملابس مصطفى حمدي في جبل حلوان فقد وجدت ملابسه كاملة من بدلة وملابس سفلى ثقيلة السترة وبطانة الطربوش الداخلية.

وقد أثبت الطبيب الشرعي في تقريره بتاريخ 15 يوليو سنة 1925 ما يأتي:

أولا: أن كلا المنديلين بحرف متني وإنهما من صنع واحد.

ثانيا: أنه قد عثر على أثار دم باهتة على أحدهم وعلى البطانة الداخلية لياقة السترة وبطانة الطربوش الداخلية وهذه الآثار ضئيلة للغاية ولم يمكن الحصول على تفاعل بالفحص المعملي ولذلك لا يمكن القول عما إذا كان هذا الدم آدميا أم غير ذلك.

ثالثا: إن رجل البنطلون اليمنى مقطوعة وأن جزءا من القماش منزوع من شريحة.

رابعا: إن قطعة القماش التي وجدت مقاسها 5×2 سنتيمتر وهي قماش أسود مضلع.

وهذا يدل دلالة قاطعة:

أولا: على أن المنديل لشخص واحد وهما بطبيعة الحال لنفس الشخص الذي وجد مع ملابسه لأنه لا يعقل أن يكون الشخص الذي يلبس بدلة لا يكون معه مناديل وقد قررت والدة مصطفى حمدي بأن ابنها له عادة أن يحمل مناديل بيضاء لها حرف متني.

وقرر أخوه توحيد طاهر أن أخاه يحمل مناديل تيل أبيض وحرفها بعد الأحيان عريض وبعض الأحيان رفيع أي أنها ذات حرف متني.فيكون إذن المنديلان اللذان وجداهما منديلي مصطفى حمدي ولا يمكن أن يكون أحدهما لأحمد ماهر.

ثانيا: على أنه لا يوجد آثار دم غزير على أن المنديلين حتى يصح القول بأنه لم يمنع لدم عندما استعمل في الإسعاف والمقرر طبيا أن آثار الدم تبقى عدة سنيني فالأثر الضئيل الباهت الذي لم يمكن للطبيب الشرعي أن يحكم إن كان دم إنسان أو حيوان لا يمكن أن يكون أثر الدم الغزير الذي لم يكف المنديل لمنعه كما قرر شفيق في روايته المختلفة عن ماهر.

ثالثا: إن قطعة القماش الصغيرة التي وجدت مقاسها 5×2 سنتيمتر وهي من قماش أسود مضلع فهيمن الجزء القماش المنزوع من بنطلون البدلة ولم يكن من بطانة بالطو أحمد ماهر كما أدعى شفيق وهي مع صغرها هذا لا يصلح لأن يربط بها رأس مصطفى حمدي طبعا وليس بها آثار دم.

ولم يضبط عند ماهر بالطول بطانته منزوعة منه هذه هي الدلائل المادية التي تكذب رواية شفيق وتهدمها رأسا على عقب.

الواقعة الثالثة:الادعاء بأن ماهر والنقراشي اشتركا في اكتتاب بمبلغ مائتي جنيه لعائلة مصطفى حمدي


(28) ادعى شفيق منصور في تحقيق 21مايو سنة 1925 أنهم عملوا اكتتابا لعائلة مصطفى حمدي جمعوا فيه 200 جنية دفع كل واحد جزءا من هذا المبلغ فهو دفع جزءا وأحمد ماهر دفع جزءا يبلغ ستين أو سبعين جنيها على ما يتذكر ودفع النقراشي جزءا بسيطا والشيشيني أيضا وأن كل من ساعد في هذا الاكتتاب ساعد بقصد إعانة عائلة فقيرة إلا أحمد ماهر فإنه دفع وهو يعلم بأن مصطفى حمدي قتل من انفجار قنبلة فيه وأن سليمان أفندي حافظ كلف بالسفر إلى الفيوم لإرسال المبلغ من بوسته الجهة المذكورة إلى والدة مصطفى حمدي وأنه سافر خصيصا على ما يتذكر.

وفي تقرير 18 يونيه 1924 قرر أن الذين دفعوا المبلغ هم المجتمعون وهم ماهر وعبد اللطيف بك الصوفاني وعبد الرحمن بك الرافعي وأنه أخذ من الشيشيني مبلغا على سبيل التبرع لعائلة مصطفى حمدي وكذلك النقراشي وهو أي شفيق

الرد على ذلك

أولا: أن الأحياء من جميع هؤلاء كذبوه فكذبه الشيشيني وكذبه عبد الرحمن بك الرافعي وكذبه سليمان أفندي حافظ.

ثانيا: أن شفيق قرر أن حافظة إرسال النقود من بوسته الفيوم لوالدة مصطفى حمدي لابد من أن تكون كتبت بخط سليمان أفندي حافظ.

وقد جعلت النيابة ذلك سببا لإطالة حبس المتهمين عدة أشهر لفحص خط الحافظة بمعرفة الخبير وحتى يقدم الخبير تقريره عمن كتبها وكانت تكرر ذكر هذا السبب في جلسات المعارضة في الحبس إلى أن اعترفت بجلسة 15 أكتوبر سنة 1925 أمام أودة المشورة بأن البحث في الحوالة انتهى أي أن الخبير قدم تقريره بأن الحافظة لم تكن بخط سليمان حافظ ولا أحمد ماهر.

ثالثا: إن ادعاء النيابة وجود الحوالة بإرسال المبلغ من بوسته الفيوم إلى والدة مصطفى حمدي يؤدي أٌوال شفيق منصور ادعاء منقوض لأن العثور على هذه الحوالة لم يجيء من طريق شفيق منصور بك من طريق أسرة مصطفى حمدي إذ إن ذكر إرسال هذا المبلغ من بوستة الفيوم ورد على لسان توحيد طاهر أخي مصطفى حمدي في تحقيق 17 فبراير سنة 1925 نقلا عن والدته في اليوم السابق حيث قال:

وقد علمت من والدتي البارحة فقط بأنه بعد اختفاء أخي وصلها جواب مسوكر وبه حوالة بمبلغ 200 جنيه والجواب بإمضاء واحد اسمه مصطفى علوان من الفيوم وكذلك ورد على لسان سيف الدين طاهر وكذلك قررته والدته في 19 فبراير سنة 1925.

رابعا: إن نجيب الهلباوي قرر في تحقيق 16 فبراير سنة 1925 أن شفيق منصور أخبره أن ضمن المصاريف التي يقوم بها من جيبه الخاص إعانة عائلة مصطفى حمدي.

وكذلك قرر أن شفيق منصور أخبره أن مصطفى حمدي كان يتمرن في الجبل على إلقاء القنابل فانفجرت فيه قنبلة فقتلته وأراد أن يلم الإعانة لأهله فلم يقبل أحد ...

وهكذا يكذب قول شفيق بأنه عمل اكتتابا لعائلة مصطفى حمدي بملغ 200 جنيه واشتراك فيه ماهر والنقراشي.

وخامسا: اتضح من أقوال عائلة مصطفى حمدي أن المبلغ ورد إلى والدته في شهر يناير سنة 1920 واتضح في الحافظتين اللتين أرسل بهما مبلغ المائتي جنيه من بوسته الفيوم لأنه اتضح أنه أرسل حافظتين كل بمائة جنيه فحص الخبير خطهما وأطلعنا عليهما مع تقرير الخبير فوجدنا أن تاريخهما 17 يناير سنة 1920 وفي هذا التاريخ كان النقراشي بأسيوط ابتداء من 14 ديسمبر سنة 1919 مديرا للتعليم بمجلس مديرية أسيوط واستمر بها انقطاع إلى 20 يونيه سنة 1920 كما هو نص الشهادة المعطاة من وزارة المعارف العمومية.

وهذا قاطع في أن النقراشي كان بأسيوط قبل وفاة الضابط مصطفى حمدي واستمر بها إلى ما بعد إرسال مبلغ المائتي سجنيه من بوستة الفيوم إلى والدة مصطفى حمدي ببضعة شهور.فماذا يكون الحال في دعوى شفيق منصور أن النقراشي اكتتب في هذا المبلغ؟

إنه لا شك مختلف ومؤثر عليه لهذ الاختلاف وهذا يهدم الواقعة برمتها ومثل ذلك في الاختلاف ما ادعاه شفيق في تحقيق 24 يونيه سنة 1925 مما لم يذكره قبلا وهو أنه كان يحصل من ماهر والنقراشي والشيشيني اشتراكات شهرية 2 جنيه من كل منهم ويسلمها للشيشيني وهذا يدفعها ليوسف طاهر خال مصطفى حمدي وقد كذبه في ذلك الشيشيني ويوسف طاهر وجميع أقارب مصطفى حمدي.

وأشير هنا إلى التأثيرات التي وقعت في السجن على يوسف طاهر لحمله على اتهام ماهر والنقراشي بالباطل فأبت نفسه الكريمة أن يخضع لهذه المؤثرات وآثر الموت على اتهام الأبرياء بالباطل عن الأكل ليفارق هذه الحياة التعسة ونقل من السجن إلى المستشفى وبقى به أحد عشر يوما وقد شاع هذا الأمر في حينه فأبلغته لسعادة النائب العمومي الذي كان له الفضل في إنقاذ حياته بأن أفرج عنه وأخلي سبيله.

وقد كان كلام الشيسيني في التحقيق وأمام حضرتكم عن سؤاله عن ذلك مؤثرا يشف عن الخلق الكريم والصدق التام الذي لا يأتيه الكذب من أي طريق وربما كانوا يقصدون من الشيشيني أن يكون أيضا شاهد ملك ولكنه والحمد لله لم يقبل أن يكون هذا الرجل لأن هذه هي أخلاقه فكان جزاؤه أن يؤتى به إلى قفص الاتهام لأنه لم يقبل أن يكون كيعقوب صبري شاهد ملك.

وأنا معتقد أن الأثر الذي يحصل في نفوس السامعين من هذا التفصيل لابد من أن يكون متفقا مع ما شعرت به أنا نفسي من أن الوقائع مختلفة ضد ماهر والنقراشي والشيشيني أيضا لأن نفسه أبيه فهو في نظرهم يستحق أيضا الإعدام.

هذه هي حادثة مصطفى حمدي برمتها التي لا علاقة لها على الإطلاق بالحوادث المعينة المنسوبة للمتهمين جمعيا الاشتراك فيها قد ثبتت حقيقتا بما لا يدع مجالا للشك بأن ماهر والنقراشي لا يد لهما فيها بأي حال من الأحوال.

حوادث الاغتيال

(37) هذه الحوادث ذكر تفصيلها لأول مرة في تقرير شفيق منصور الرقيم 18 يوليو سنة 1925 بعد الحكم عليه الحكم بالإعدام.

أما قبل ذلك فلم يذكر تفصيلا لهذه الحوادث أصلا بل أنه قرر في تقرير 13 أبريل ما يأتي للحقيقة ولقول الحق أقول: لا أتذكر ولا يمكنني أن أتذكر مع من كانت المناقشة الخاصة بكل حادثة من الحوادث وسترون أنه بعد الحكم عليه بالإعدام تذكر.

وفي تحقيق 21 مايو بعد ما أحيل على محكمة الجنايات قال شفيق أما الحوادث السابقة الخاصة بالوزراء فكان يشتغل فيها فروع أخرى وقد مضى عليها زمن طويل والبحث فيها لا يجدي لأن الأشخاص الذين اتهموا فيها لم يعترفوا وبق الحكم عليهم

وهؤلاء الأشخاص لو اعترفوا يمكنهم أن يقيموا الدليل على الجمعيات بوجوه كثيرة.وهذا وذاك يدل على عدم إمكانه إعطاء أي تفصيل عن هذه الحوادث وهو لم يعط هذا التفصيل إلا بعد الحكم عليه بالإعدام في تقرير 18 يونيه سنة 1925

النيابة (حضرة سيد بك مصطفى) لقد ذكرت ما يتعلق بهذا التقرير وأنا مستعد للإجابة عنه وهو أنه كان موجودا في النيابة في 15 يونيه للاطلاع عليه وظاهر من المحضر أن التقرير كان بغير تاريخ ولذلك قلنا اطلعنا على تقرير شفيق منصور الخاص بأقواله بعد صدور الحكم عليه إلخ ثم ردته النيابة لوضع التاريخ عليه وفي يوم 18 يونيه نظرت المعارضة والنيابة طلبت الإفراج لأن شفيق قدم تقريرا ثم ضم التاريخ على التقرير وأعيد للنيابة.

الغرابلي باشا: لكن التقرير وضعت عليه ثلاثة تواريخ 18، 19، 20 يونيه سنة 1925.

النيابة لا

النحاس باشا تناول التقرير من يد وكيل النيابة واطلع عليه أرجو أن يثبت حضرة القاضي أن تاريخ التقرير وصلبه مكتوبان بحبر واحد وبخط واحد مما يدل على أنهما كتبا في وقت واحد لأنه مما لا شك فيه أنه إذا كتبنا كتابة الآن ثم زدنا عليها بعد أيام عبارة أخرى فلابد أن يظهر هناك اختلاف في لون الحبر، هذا والتقرير مكون من 32 صحيفة تنتهي بإمضاء شفيق منصور وموضوع عليها التاريخ ثم ورقة أخرى عليها نمرة 33 وتنتهي أيضا بالتاريخ والإمضاء.

القاضي: إن التقرير مكون من 32 صحيفة وعليها إمضاء شفيق منصور في 18 يونيه سنة 1925 ثم مضاف عليه ورقة عنوانها جمعية الدفاع الوطني وعليها نفس التاريخ مكتوب بخط الورقة الأخيرة.

النحاس باشا: هل في الورقة الأخيرة شيء خاص بحادثة المرحومين حسن باشا عبد الرازق واسماعيل بك زهدي.

النيابة: لا ... وهذه الحادثة مدونة في صحيفتي 11و 12.

أحمد بك لطفي: خطاب الحكمدار الذي أرسل به التقرير المذكور للنائب العمومي مذكور فيه أن معه خطابا من الضابط المكلف بحراسة المسجون شفيق منصور فأين هذا الخطاب؟

النيابة الخطاب موجود وها هو ذا؟

النحاس باشا: تلا النحاس هذا الخطاب وهو محرر باللغة الإنجليزية وتاريخه 20 يونيه سنة 1925 وتلا خطاب الحكمدار وتاريخ 20 يونيه أيضا يتضح من ذلك أن التقرير المذكور لم يرسل لسعادة النائب العمومي إلا في 20 يونيه سنة 1925 والنيابة تقول إن هذا التقرير كان أرسل إليها قبل ذلك بدون تاريخ فأطلعت عليه وأثبته حضرة سيد بك مصطفى في محضرة ف 15 يونيه

ثم رده وتفسير ذلك أن النيابة اطلعت على هذا التقرير قبل أن يتم وضعه وأظن أنه ليس من المصلحة أن أفصل أكثر من ذلك.

وتعليل النيابة الذي ذكره حضرة السيد بك مصطفى اليوم غير صحيح بدليل أن كتاب الحكمدار لسعادة النائب العمومي تاريخه 20 يونيه سنة 1925 ومرفق به خطاب الضابط الإنجليزي المكلف بحراسة شفيق إلى الحكمدار وتاريخ 20 يونيه أيضا ومعنى ذلك أن هذا التقرير لم يخرج من يد شفيق رسميا إلى يد ذلك الضابط إلا في يونيه سنة 1925 فلم يرسل النائب العمومي قبل ذلك بأيام.

وإلا لكان ظهر أمام حضرتكم خطاب من الضابط الإنجليزي بإرسال هذا التقرير إلى الحكمدار ثم الخطاب من الحكمدار إلى النائب العمومي قبل يوم 15 يونيه سنة 1925 الذي أثبت فيه السيد بك في محضره أنه أطلع على هذا التقرير.

وهيب بك دوس إن عبارة الخطاب الصادر من سادة الحكمدار إلى سعادة النائب العمومي في أنه لأول مرة تحصل مخابرة بشأن هذا التقرير حيث يقول فيه ومعه تقرير من المسجون شفيق منصور مكون من 33 صحيفة حيث طلب شفيق إرساله لسعادتكم وهذا الدلالة بذاتها ظاهرة من خطاب سجان شفيق إلى الحكمدار بما يقطع في استحالة أن يكون التقرير أرسل قبل ذلك ثم أعيد لوضع التاريخ عليه.

النحاس باشا فلتفسر لنا النيابة ذلك.النيابة فسروا أنتم.

النحاس باشا تريد أن أفسر إذن أفسر وتفسيري أن هذه التقارير تطبخ بمعرفتكم جميعا أفسر أكثر من ذلك وهو أن هذه التقارير ترتب في معمل مخصوص جزءا جزءا وهذا المعمل تلطع النيابة على ما حضره جزءا جزءا وأن النيابة في يوم 15 يونيه سنة 1925 قبل أن يتم وضع جميع الأجزاء الخاصة بهذا التقرير في المعمل المخصوص وقبل أن تعطي إلى شفيق منصور لينسخها ويوقع عليها وقبل أن ترسل رسميا من الضابط الحارس إلى الحكمدار ومنه إلى النائب العمومي.

أكتبوا هذا عني وانشروه على الملأ وقولوا:

إني أتهم علنا وفي مجلس القضاء النيابة العمومية بالاشتراك مع رجال السلطات في التدبير لاغتيال ماهر والنقراشي.

والدليل ثابت مادي لا يمكن للنيابة أن تخرج منه بأي حال من الأحوال دليلي الخطاب الرسمي الصادر م الحكمدار بإرسال هذا التقرير إلى سعادة النائب العمومي بتاريخ 20 يونيه سنة 1925 ونصه حرفيا:

حضرة صاحب السعادة النائب العمومي لدى المحاكم الأهلية.نتشرف بأن نرسل لسعادتكم هذا الخطاب الوارد لنا من الملازم أول هيزرس المعين بسجن مصر للمحافظة على المحكوم عليهم في قضية مقتل المأسوف عليه السردار ومعه تقرير من المسجون شفيق منصور مكون من 33 صفحة حث طلب إرساله لسعادتكم تحريرا في 20 يونيه 1925.

والخطاب المرسل من الضباط هيزرس المذكور إلى حكمدار بوليس القاهرة باللغة الإنجليزية وترجمته ما يلي:

(سيدي) مرسل مع هذا تقرير مكون من 33 صفحة عمل بمعرفة المسجون شفيق منصور وطلب مني أن ترسل إلى سعادة النائب العمومي.تحريرا في 20 يونيه سنة 1925.

وإنه لا يوجد في الأوراق أي خطاب صادر من الحكمدار إلى سعادة النائب العمومي بإرسال هذا التقرير قبل هذا التاريخ إليه أي قبل تاريخ 20 يونيه ولا جواب من الضابط المكلف بحراسة شفيق منصور بإرسال هذا التقرير من السجن إلى حكمدار العاصمة قبل هذا التاريخ أيضا أي تاريخ 20 يونيه ولا خطاب من النيابة إلى حكمدار العاصمة برد ذلك التقرير إلى الحكمدار لوضع تاريخ عليه وأن خطاب الحكمدار ذاته المحرر في التاريخ المذكور صريحان في أن التقرير أرسل لأول مرة من الضابط الحارس إلى الحكمدار ومن الحكمدار إلى النائب العمومي.

أريد أن أضيف عبارة بسيطة على ما قلته ردا على حضرة وكيل النيابة بأن هذا التقرير كان قد ورد إلى النيابة فوجدته غير مؤرخ فردته لوضع التاريخ عليه أقول علاوة على ما قلته إن هذا التعليل غير معقول إذ إن إعطاء الأوراق تاريخا يكفي فيه أن يثبت عليه حضرة النائب تاريخ وروده إليه كما هو المتبع في جميع الأقوال وكما هو المتبع في هذه القضية أيضا فإنه يوجد في الأوراق لشفيق منصو ذاته بدون تاريخ فما كان هناك حاجة تدعو إلى تقرير 18 يونيه لمجرد وضع تاريخ عليه وإلى هناك كفاية.

أحمد بك لطفي: ألاحظ أن جواب العسكري الإنجليزي مكتوب باللغة الإنجليزية بالآلة الكاتبة وليس معروفا أن في السجن العمومي آلة كاتبة أفرنجية ولا كتبة يكتبون عليها والذي استنتجته أن هذا الخطاب كتب مع خطاب الحكمدار في المحافظة في وقت واحد ولم يسلم التقرير مباشرة من شفيق إلى سجانه والمفروض أن التقرير بعد أن كتب في جهة أخرى وتقدم للنيابة أو إلى أول الشأن أعيد إلى المحافظ ليرسل إلى النيابة بطريقة رسمية.

النحاس باشا: أرجو أن يؤشر حضرة القاضي على الخطابين ويثبت في المحضر أنه أشر عليهما.

حضرة القاضي- أجابه إلى طلبه.

النحاس باشا: أعود بعد ذلك إلى الكلام عن حوادث الاغتيال حادثة حادثة.

قلت لحضرتكم إن شفيق قرر في تقريه أنه لا يتذكر ولا يمكن أن يتذكر مع من كانت المناقشة الخاصة بكل حادثة من الحوادث وأنه في 21مايو قرر أن هذه الحوادث مضى عليها زمن طويل والبحث فيها لا يجدي لأي الأشخاص الذين اتهموا فيها لم يعترفوا.

وسبق الحكم عليهم وهؤلاء الأشخاص لو اعترفوا يمكنهم أن يقيموا الدليل على الجمعيات بوجوه كثيرة ولكنه بعد ذلك وبعد الحكم عليه بالإعدام أمكنه أن يتذكر وأن يذكر تفصيل الحوادث حادثة حادثة وذكر ذلك في تقرير 18 يونيه سنة 1925 تحت إشراف البوليس وغيره من السلطات كما سبق بيانه.

الحادثة الأولى: حادثة يوسف باشا وهبه

(38) ذكر شفيق لأول مرة تفاصيل هذه الحادثة في تقرير 18 يونيه سنة 1925 فذكر ذلك الذي قرر من قبل أنه لا يمكنه أن يتذكر شيئا من التفاصيل متى وقعت الحادثة وأين تقررت وأسماء الذين اشتركوا في تقريرها ومن ندب لتنفيذها ومن ندب لتمرين المنفذ ومن سلم القنابل إليه.

فقال: إنها وقعت في ديسمبر سنة 1919وإنها تقررت في منزل الصوفاني بك بحضور الصوفاني بك وعبد الرحمن الرافعي بك ماهر وشفيق ومصطفى حمدي وإنه أخذ رأي النقراشي بك على انفراد وانتدب مصطفى حمدي من فرع تابع إلى عبد الحي كيره الذي كان تابعا إلى ماهر وذهب مصطفى حمدي معه للقيام بالتمرين وأنه في يوم الحادثة سلمت إليه قنبلتان ومسدسان وبالطو أصفر على ما يتذكر.

ذكر هذه التفاصيل بعد الحكم عليه بالإعدام فهل لهذه الأقوال نصيب من الصحة؟ كلا فقد كذبه جميع الأحياء من الأشخاص الذين ذكرهم في كل ما اداه فكذه الرافعي بك وماهر والنقراشي وكذبه عريان يوسف سعد في تحقيق 26 ديسمبر سنة 1925 وقرر عريان يوسف هذا أن القنبلة اشتراها من طلياني وأن مصطفى حمدي لم يرافقه وأنه لا يعرفه مطلقا وأنه لم يذهب إلى منزل الصوفاني مطلقا ولم يكن عضوا في جمعية سرية لارتكاب الجرائم مطلقا.

وعريان هذا هو الذي حكم عليه في هذه الحادثة ونفذ الحكم عليه وبقي في السجن إلى أن أفرج عنه مع المجرمين السياسيين في سنة 1924.

هذه يا حضرة القاضي من الحوادث التي قلت لحضراتكم عنها إن العفو شملها ومع ذلك فرق فيها بين الأشخاص فصرف النظر عن اتهام بعضهم ويقدم فيها الآن الأشخاص المتهمون الأربعة ماهر والنقراشي والشيشيني والبيلي.

هذه الحادثة ارتكبت في 15 ديسمبر وإليكم دليل مادي يكذب شفيق منصور فهما أن النقراشي كان لغاية 10 ديسمبر سنة 1919 في السويس ناظرا للمدرسة الأميرية وانتدب مديرا للتعليم في مجلس مديرية أسيوط في 11 ديسمبر سنة 1919 ولم يأخذ أجازة إلا ثلاثة أيام من 11 ديسمبر للسفر من السويس إلى أسيوط.

فلم يكن مروره على مصر في هذا الوقت كافيا لأخذ رأيه في هذه الحادثة كما يدعي شفيق خصوصا أن شفيق هذا قرر في 13 أبريل أن النقراشي لم يدخل الجمعية إلا بعد ما تمت حوادث اغتيال الوزراء فلا يمكن أن يكون قد دخل الجمعية في ذلك التاريخ 15 ديسمبر أو قبل 15 ديسمبر ولا أخذ رأيه فيها.

هذه هي الحادثة برمتها ولا دليل عليها إلا الأقوال التي كتبها شفيق منصور وقد كذبه فيها جميع الأشخاص والماديات.

وهي لا تؤخذ إلا على سبيل الاستدلال وقد سلمتم معنا بذلك فلابد من دليل يعززها ولا يوجد هذا الدليل وإني أتحدى النيابة أن تذك لي أي شيء يعزز أقوال شفيق عن هذه الحادثة وانتظر منها الجواب.

أنها لا ترد إذن النيابة تقر بسكوتها أنه ليست لديها دلائل أخرى تعزز بها أقوال شفيق منصور فهل تأخذون يا حضرة القاضي على ضميركم بأن تحيلوا هؤلاء المتهمين في هذه الحادثة إلى محكمة الجنايات بناء على أقوال شفيق منصور تلك الجثة الهامدة وتضربون صفحا عن كل ما يناقضها إني أربأ بكم عن أن تقبلوا ذلك على أنفسكم.

الحادثة الثانية: حادثة سري باشا

(39) الحادثة الثانية هي الخاصة بإسماعيل سري، وقعت في 26 يناير سنة 1920 وأقول فيها ما قلته في سابقتا فقد قال شفيق منصور في تقرير 18 يونيه الذي ظهر بعد حكم الإعدام أن هذه الحادثة تقررت في منزل الصوفاني بحضور ماهر والصوفاني وشرارة والرافعي بك وشفيق منصور وانتدب ماهر للعمل واختير أحمد توفيق للتنفيذ وهو من فرع كيرة وجرح في ظهره من القنبلة وقد كذبه شراره والرافعي ودوسيه القضية المذكورة يكذبه كذلك.

وهناك حادثة مادية تكذبه أيضا فقد كان النقراشي بك في هذا التاريخ في أسيوط مديرا للتعليم في مجالس المديرية ابتداء من 11ديسمبر سنة 1919 إلى 20 يونيه سنة 1920 ولم يأخذ إجازة مطلقا وكان محالا عليه أن يحضر مصر بغير إجازة لأنه كان من الموظفين المبعدين عن مصر حصيصا لظهورهم في الحركة الوطنية.

فضلا عما قاله عنه شفيق منصور في 13 أبريل من أنه لم يدخل الجمعية إلا بعد أن تمت حوادث الوزراء فكيف مع ذلك يتهم في هذه الحادثة.إن هذه الواقعة المادية تكذب شفيق في كل ما ادعاه، ولا يوجد في القضية إلا أقوال شفيق تلك الجثة الهامدة فهل نصدقه ونكذب الأحياء في شرع من هذا؟

وإني أتحدى النيابة أن تذكر لي دليلا يعزز هذه الأقوال النيابة سكتت ولا جواب.إذن تقر النيابة بسكوتها أن ليس لديها في هذه الحادثة سوى أقوال شفيق منصور ولا يسمح ضمير القاضي بأن يحيل المتهمين إلى محكمة الجنايات بهذه الأقوال.

الحادثة الثالثة: حادثة شفيق باشا

(40) وقعت هذه الحادث في 22 فبراير سنة 1920 ومن المدهش أن يأتي شفيق المضطرب فيذكر في هذا التقرير نفسه الحادثة بأشخاصها فهل بهذه الأقوال التي تكذب نفسها يسمح لكم ضميركم بأن تحيلوا المتهمين إلى محكمة الجنايات؟لا أظن هذا أبدا.

وقد علمتم مما سبق من هذه السلطات المتكالبة على هذا الاتهام من الإنجليز والمصريين يقول شفيق ويغلب على ظني أن عبد القادر شحاته اختير من لدى الفرع التابعة للنقراشي وقد قرر عبد القادر شحاته حرفيا أنه أحضر القنبلة من شخص يسمى فهمي وقد سئل خصيصا هل تعرف فهمي النقراشي فقال لا أعرف النقراشي قبل السجن أبدا وقد ذهبت إليه بعد السجن ليوظفني فلم يتيسر لي مقابلته وقرر أنه لا يعرف ماهر أيضا.

وقعت الحادثة في 22 فبراير سنة 1920 وكان النقراشي في أسيوط كما تقدم بيانه فكان محالا أن يشترك في هذه الحادثة كغيرها من حوادث الوزراء كما بيناه سابقا.ليس في هذه الحادثة أيضا غير أقوال شفيق منصور وأسائل النيابة عما إذا كان لديها شيء آخر يعززها النيابة سكتت.إذن لا يوجد غير أقوال شفيق منصور فهل يسمح ضميركم يا حضرة القاضي بأن تحيلوا المتهمين بمقتضاها إلى محكمة الجنايات.

الحادثة الرابعة: حادثة حسين باشا درويش

(41) ذكر شفيق منصور أيضا أنها تقررت في شهر مايو سنة 1920 بالمنزل المذكور أي بمنزل الصوفاني بحضور السابقة ذكرهم عدا شرارة بك الذي انقطع تقريبا من ذلك ونلاحظ أنه قرر قبل ذلك أن شرارة انقطع من تاريخ تعيينه قنصلا في ليون ثم إلى باريس لم يحصل إلا في أواخر سنة 1923

مع أن الحادثة حصلت في سنة 1920 وهذا يدل على اضطرابه في أقواله التي لا يصح بأي حال الأخذ بها والحقيقة أنه لا ماهر ولا النقراشي ولا شرارة ولا الشيشيني لهم يد في تلك الحوادث وإنما هي التأثيرات الأثيمة التي وضعت تلك الأقوال في لسانه فقد كان يكتب له تقرير ويرسل إليه ليبيضه ويوقع عليه.

وقد ورد في هذا التقرير أن أحمد توفيق التابع لعبد الحي كيره هو الذ قام بالحادثة وأن ماهر سلمه القنابل عن طريق كيره ولم يذكر دليل على ذلك وقال ما يدل على الغرض الذي من أجله كتب هذا التقرير ما يأتي:

يلاحظ أن جميع هؤلاء الأشخاص كانوا يستحضرون بواسطة ماهر والنقراشي لا تصلهما بهم ومعرفتهما لهم معرفة تامة.هذه هي لازمته التي تدل على غرضه أو غرض المغرين له ذلك غرضهم إيقاع ماهر والنقراشي على أي حال.

ومع أن النقراشي كان في ذلك الوقت في أسيوط أيضا كما سبق بيانه وكان يستحيل أن يشترك في هذه الحادثة بنا على ذلك على ما جاء في تقرير شفيق نصور الرقيم 13 أبريل من أنه لم ينضم إلى الجمعية إلا بعد أن تمت حوادث الوزراء.

إذن هذه الحادثة لا دليل عليها إلا أقوال شفيق منصور فهل عند النيابة دليل آخر؟النيابة سكتت.إذن ليس عندها أي شيء آخر خلاف أقوال شفيق منصور ولا يسمح لكم ضميركم بأن تحيلوا المتهمين على محكمة الجنايات بناء على هذه الأقوال.

إني تعبت وأرجو أن يسمح بتأجيل استمرار المرافعة للغد.القاضي يمكنك أن تتم دفاعك الآن.

النحاس باشا: لا أستطيع فلا يزال لدي في الدفاع شيء يستغرق بعض الوقت أيضا لقد كان التحقيق سريا في النيابة أشبه بما كان يجري في محاكم التفتيش وقد استمر شهورا عديدة فهل لا يسمح لنا بأن نأخذ يوما بل أيام لإظهار خفاياه.

القاضي: إن لدينا أشغالا يا حضرة القاضي إنا نستخلص لك هذه الخلاصة الدقيقة من الأوراق حتى نجعل المسألة واضحة نيرة ونخرج بكم من ظلمات هذا البحر المضطرب الذي أوجدت النيابة العمومية القضية فيه إذ يظهر أنها تريد أن يبقى الأمر مضطربا بدليل أنها عندما شرعت في نسخ أوراق القضية خالفت ما كنا متفقين معها عليه بأن تبدأ نسخ الأوراق الجديدة حتى نطلع عليها في الوقت المناسب ثم تردفها بالقضايا القديمة

ولكنها عكست الموضوع فكانت تنسح أولا القضايا القديمة وتؤخر نسخ التحقيقات الجديدة ويظهر أن ذلك حصل لكي لا يكون لنا متسع من الوقت لاستخلاص الحقيقة من هذه الأوراق الكثيرة ويبقى الأمر في الاضطراب فيسهل بذلك إحالة المتهمين إلى محكمة الجنايات ولكن واجبنا أن نساعد القاضي على تنوير المسألة وتبسيطها

وقد أراد الله سبحانه وتعالى أن تصل إلى ذلك في الوقت القصير الذي كان أمامنا ونأمل في أن يقوم بأنفسكم عندما تتبينون من هذه الخلاصة الصحيحة ما قام بأنفسنا من جراء اتهام هؤلاء المتهمين بالباطل فتنقذونهم من أيدي المتآمرين عليهم فإن القضاء العادل المنزه من الأغراض عن التأثرات هو ملجؤنا وأملنا الوحيد.

الحادثة الخامسة: حادثة توفي نسيم باشا

(42) وردت في هذه الحادثة في تقرير منصور المعروف بتقرير 18 يونيه سنة 1925 وكرها فيه بتفاصيل غريبة فكتب تاريخها وقال إنها وقعت في 12 مايو سنة 1920 وأن المعتدي فيها هو حسن إبراهيم مسعود ويصحبه شخص آخر اسمه عبد العزيز علي تابع للمسكين النقراشي هنا لابد من ذكر ماهر أيضا لأنه لازمة اللوازم ويكفي لاتهامه أن يقول إنه هو الذي قدم إليه عبد العزيز علي.

ولكن تفهم يا حضرة القاضي حالة هذا الشخص ونفسيته وما يقصده جزءا لاتهام الأبرياء تصور قليلا أنه يقول ذلك في السجن وهو محكوم عليه بالإعدام في سنة 1925 أي بعد خمس سنيني من ووع هذه الحادثة فيذكرها ويذكر تاريخها واليوم الذي وقعت فيه.

وقرر أن المعتدي أخذ القنابل كالعادة.هل صادقه أحد ممن قال عنهم؟ كلا لم يصدقه أحد بل كذبوه جميعا ولا داعي لأن أكرر ذكر المراجع لأنها هي بذاتها التي ذكرتها بمناسبة الحوادث السابقة.

فقط لي ملاحظة أريد أن أبديها وهي أن الحادثة وقعت في الوقت الذي كان فيه النقراشي مبعدا عن العاصمة ومنتدبا مديرا للتعليم في أسيوط بقصد إبعاده عن القاهرة قصاصا له على اشغاله بالحركة الوطنية وكان بطبيعته مراقبا لا يغدو ولا يروح 14 ديسمبر سنة 1919 بالضبط إلى 20 يونيه سنة 1920 كما هو ثابت من شهادة وزارة المعارف التي سأقدمها لحضراتكم والنتيجة الحتمية أنه يستحل مادا على النقراشي أن يكون شريكا في هذه الحادثة وما سبقها بأي صورة كانت.

هذا فضلا عن أن حادثة نسيم باشا هذه هي خاتمة حوادث الوزراء التي قال شفيق عنها في تقرير 13 أبريل إنه بعد أن تمت هذه الحوادث وبعد أن انضمت إلى لجنة الاعتداء على الأفراد الإنجليز انضم النقراشي إلى الجمعية أي أنه إلى ذلك الوقت لم يكن النقراشي قد انضم إلى الجمعية ولم يكن له دخل في هذه الحادثة وما سبقها بأي حالة من الأحوال.

تلك الحوادث يا حضرة القاضي هي التي سلمتم بأن العفو قد شملها فعلا والتي قرر سعادة النائب العمومي صرف النظر عن اتهام بعض الأشخاص فيها ولكنه أصر بعد ذلك على اتهام البعض الآخر لغرض في نفس يعقوب ويقدمهم للمحاكمة بناء على أقوال شفيق منصور.

هل عند النيابة دليل آخر يعزز أقوال شفيق في هذه الحادثة بخصوصها أرى أن النيابة لا تحيز جوابا إذن ليس عندها شيء يعزز هذه الأقوال فهل يسمح ضميركم يا حضرة القاضي بأن تقدموا هذين المتهمين إلى محكمة الجنايات استنادا على أقوال شفيق التي بينت لكم فسادها وما يهدمها من أساسها سواء من تكذيب الأشخاص أو الماديات لكل ما ادعاه؟ لا يمكن أن أتصور ذلك.

الحادثة السادسة: دعوى الاشتراك في التآمر على اغتيال ثروت باشا

(43) لأول مرة أيضا يذكر شفيق هذه الحادثة في تقريره المشهور ويذكرها بتفصيل وهو الذي قال من قبل إني لا أتذكر مع من كانت المناقشة في كل حادثة من الحوادث ولكن الاتهام لم يشأ أن يفلت ماهر والنقراشي من هذه الحادثة أيضا فعاد شفيق منصور وذكر في هذا التقرير أو كتب لهفيه تاريخ حصولها وكيفية تقريرها.

وأنها تقررت من الأشخاص السابق ذكرهم وهم: الصوفاني وماهر والرافعي وشفيق منصور ومما يدلكم على أن التقرير مكتوب له أنه لا يذكر نفسه بكلمة (أنا) إنما يقول (شفيق) ويذكر في هذا التقرير أنه أخذ رأى النقراشي وأن القائم بترتب المؤامرة هو ماهر وانتدب لتنفيذها ماهر وهذا اختار عبد الحي كيره للغرض ذاته وأن كرة جمع الأشخاص وهم: فرغلي ومن كان معه وأخذ السلاح والقنابل من عند ماهر أو بواسطته.

فالغرض اتهام ماهر بالذات أو بالواسطة على كل حال أتعرفون حكاية الذئب والحمل هي تكرر أمامكم بذاتها.وذكر أيضا في هذا التقرير أن يوسف العبد كان متصلا بعبد الحي كيره وبأخيه عبد الرؤوف وأن البوليس هاجم منزل علي حرمي الذي كانت عنده القنابل وقبض على المتهمين ومنهم محمود حفني وعلي رحمي وآخرون.

ويلاحظ أن هذا التفصيل مأخوذ من تحقيقات قضية المؤامرة أمام السلطة العسكرية بترتيبه وتواريخه وأسماء الأشخاص المتهمين فيها فلا شك إذن في أن هذه التفصيلات مكتوبة له ومملاة عليه.

فهل ثمة شبهة تحول حول ماهر والنقراشي من جراء هذه الأقوال مع أن جميع الأشخاص الذين ذكرت أسماهم في هذا التقرير كذبوه بلا استثناء وكذبه عبد الرحمن بك الرافعي.

وفي تحقيقات الحادث وهي أربعة أجزاء وقد تصفحتها بنفسي جميعا وثقوا بأن ما أقرره أمامكم صيح وأني أمين في النقل واتحدى أي إنسان أن يناقضني فيما أقرر في هذه التحقيقات سئل فرغل وهو بطل المؤامرة والذي بلغ البوليس عنها فأقواله لها قيمتها من الصدق.. سئل عن النقراشي فقال لا أعرفه.

وشهادة جميع الشهود في الحادثة لا تثير شيئا ضد ماهر والنقراشي ومنهم من حكم عليهم في هذه التهمة فعلا.وقرر يوسف العبد وأخوه عبد الرؤوف في أثناء تحقيق مؤامرة الاغتيال أنهم لا يعرفان كيرة الذي جاء على لسان شفيق إنهما كانا على اتصال به.

بقي في هذه الحادثة أمران ذكرهما شفيق في تقريره المعروفالأمر الأول أن ماهر أخذ من مصطفى باشا النحاس عشرين جنيها في سنة 1922 وبعض مبالغ أخرى ي مواعيد مختلفة.

الأمر الثاني: ذكر أن ماهر تسلم من الوفد على ما يظن مبلغ 25 جنيها على ذمة إرساله إلى كيرة ثم قال ولكن هذا المبلغ لم يرسل على الأغلب إليه لأنه كيرة أرسل خطابا إلى يوسف العبد يشكو فيه عدم وجود مال عنده وأن حالته سيئة جدا.

وذكر في تحقيق 24 يونيه سنة 1925 أن العشرين جنيها التي أخذها من النحاس باشا كانت بقصد تهريب عبد الحي كيرة من مصر وأن ماهر أخذ الخمسة والعشرين جنيها من الوفد لإرسالها لكير بعد هروبه حيث كان من روسيا وفي ألمانيا في حاجة شديدة إلى نقود وأن شفيق علم ذلك من ماهر ومن يوسف العبد كما علم من هذا الأخير أنه وصل إليه خطاب من كيره يخبره فيه بأنه لم صله نقود للآن وقد فهم من ذلك أن ماهر لم يرسل المبلغ.

يقول بعد ذلك: إن كيرة اختفى عقب اكتشاف حادثة المؤامرة على اغتيال ثروت باشا وأن محمد حافظ قبطان هربه من مصر إلى الإسكندرية وأخفاه بمنزل محمد فريد ثم سفره إلى أوربا بواسطة شخص اسمه ملوخية وأخذ معه العشرين جنيها التي ادعى أنه أخذها من النحاس باشا.

إلى هنا عرفنا الوقائع وما ذكر فيها فلنأخذها واقعة ونرد عليها وننقضها من أساسها:

أولا: يقول إنني دفعت 20 جنيها لماهر في سنة 1922 بقصد تهريب كيرة الواقع أنني كنت منفيا في عدن وفي سيشل طول سنة 1922 ولم أعد إلى مصر ولا بإجازة غير رسمية فقد قبض علينا في يوم 23 ديسمبر 1921 عقب ردنا على اللورد اللنبي بعدم الرضوخ لأمره الظالم والكف عن الاشتغال بالسياسية الوطنية رحلنا إلى السويس.

وبقينا فيها إلى 29 ديسمبر سنة 1921 حيث نقلنا إلى عدن وبقينا هناك معتقلين في قلعة المدينة إلى أن أخذ منا سعد باشا في أول مارس سنة 1922 ورافقه مكرم إلى سيشل وفي 19 منه ولم نعد إلى مصر إلا في يونيه سنة 1923 فأني لي إذن وأنا المنفى أن أقابل أحمد ماهر وأنقده عشريني جنيها لتهريب كيرة إلى أوربا أو أني لم أرسل إليه هذا المبلغ وما كنا لنستطيع ونحن في المنفى أن نرسل شيئا وأن نتلقى أمرا بغير واسطة السلطة العسكرية.

فالواقع يا حضرة القاضي مادية لا تكذب شفيق منصور فحسب بل تهدم كل ما دبر له هدما ومع كل هذا يقدم المتهمون لحضراتكم لإحالتهم إلى محكمة الجنايات.

ثانيا: ثم اسمعوا ما يقوله شفيق في تحقيق 21 مايو سنة 1925 وأنا أقسم بكل يمين أن رجال الوفد أبرياء من هذه الحادثة أي (حادثة السردار) ومن الفلوس على الإطلاق سواء من حادثة السردار أو عن غير حادثة السردار.

إذن أقسم هو بذاته وراجع نفسه وقرر الحق بنفس هادئة كما يقول ثم يأتي بعد ذلك ويكتب له أن يتهم ماهر والنقراشي في تقرير 18 يونيه ثمنا لرقبته وفداء لحياته.

ثالثا: وشهادة يوسف العبد صريحة في تكذيبه حيث نفي مسألة تهريب كيرة وكذلك قبطان وملوخية سئلا فكذباه تكذيبا باتا وكذبه أيضا محمد فريد في كل ما ادعاه ماذا يبقى من هذه التخمة وقد تبين لحضراتكم مبلغ فسادها ومدى تلفيقها حتى يتهم فيها هؤلاء الأبرياء؟

ليس فيها غير أقوال شفيق المنقوضة فهل عند النيابة ما يعززها إني انتظر الجواب النيابة لا تجيب . إذن لا شيء يعززها فهل يستريح ضميركم لإحالة المتهمين على محكمة الجنايات بمقتضى هذه الأقوال؟

الحادثة السابعة: حادثة المستر براون بوزارة المعارف

(44) تأتي بعد ذلك حادثة بروان التي ذكرها شفيق لأول مرة كذلك في تقرير 18 يونيه المشئوم وذكرها بتفصيل دقيق فعين تاريخ وقوعها بالضبط وهو 18 فبراير سنة 1922 ولا شك في أن هذه التفاصيل قد استعيرت من التحقيقات القديمة في تلك الحادثة وكان لزوما عليه أن يتهم ماهر والنقراشي ليتسحق الوعد بتخفيف الحكم عليه فقال عرضت علينا هذه الحادثة بواسطة محمود إسماعيل فأخبرت ماهر والنقراشي فلم يريا مانعا ن ارتكابها فأفهمت محمود إسماعيل بذلك وهذا رسم الخطة لعبد الحميد وعبد الفتاح عنايت وبعد دراستها معهما ذهب إبراهيم موسى ومحمد فهمي علي وعبد الحميد عنايت كما سمعت إلى محل الحادثة وكان معهم بعض عمال آخرين لا أعرفهم.

مرقص باشا إلى النحاس باشا: لو لم تكن أنت في سيشل لا تهمك أيضا النحاس باشا نعم كما يقول حضرة زميلي النقيب لو لم أكن في سيشل لكنت الآن في السجن ولكن النفي أنقذ والحمد لله حياتي وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم.

يقول شفيق في أقواله كما سمعت فهو شاهد سماع ويذكر كذلك وفي هذه الحوادث جميعها يرجع إلى أقوال عبد الحميد وعبد الفتاح عنايت والأشخاص الموجودين في الحوادث لأني على يقين بأن محمود إسماعيل كان يقوم دائما بالترتيب وحمل الأسلحة.

هؤلاء جميعا كذبوه فيما يختص بماهر والنقراشي تكذيبا صريحا ومن بينهم من اعترف على نفسه وعلى غيره أي أن لأقوالهم قيمتها من الاعتبار ويلاحظ أن الذين تكلموا عن هذه الحوادث سواء من حكم عليهم منهم أو من لم يحكم عليهم فيها ذكروا تفصيلها ومن اشرك فيها قبل أن ترد على لسان شفيق فقد تكلم عنها عبد الحميد عنايت في تحقيق 8 مارس و 10 مارس سنة 1925 وتكلم عنها غيره في تحقيق 18 مارس وفي تحقيق 22 مارس وكذبه كذلك محمود إسماعيل وعبد الحميد وعبد الفتاح عنايت عبد الحكم عليهم.

أقوال هؤلاء جميعا ليس فيها ذكر مطلقا لماهر والنقراشي بل إن شفيق نفسه في تحقيقي 29 مارس و 30 مارس ذكر أسماء الذين كانوا يشتركون في الحوادث السابقة ولم يذكر من بينهم اسمى ماهر والنقراشي.

فكيف يعول على أقوال شفيق منصور على تناقضها وانهيارها وبعد أن تبين تلفيقها من تكذيب الأشخاص الذين استشهد بهم شفيق؟ فهل عند النيابة دليل آخر تستند عليه في تقديم المتهمين إلى محكمة الجنايات؟

إنها تواصل الصمت فلا شيء عندها تؤيد به أقوال شفيق منصور فهل مع ذلك يقدم هؤلاء إلى محكمة الجنايات؟

الحادثة الثامنة: حادثة البكباشي كيف

(45) حصلت هذه الحادثة في 24 مايو سنة 1922 وذكرت التقرير كما يأتي:

عرض علي أولاد عنايت فكرة هذا الاعتداء بواسطة محمود إسماعيل وأخذت راي ماهر والنقراشي فلم أجد مانعا منهما ورسم أولاد عنايت الخطة ونفذوا الجريمة وكان معهم إبراهيم موسى ومحمد فهمي علي وعمال آخرون لا أعرفهم

وأخبرت عبد الحميد البيلي بعد الحادثة بذلك كل هؤلاء سواء منهم من اعترف على نفسه ومن أقر على غيره كذبوه تكذيبا باتا فيما يختص بماهر والنقراشي وكذلك شفيق أيضا ناقض نفسه حيث لم يذكر ماهر ولا النقراشي في اعترافه عن نفسه في الحوادث السابقة وفي إقراره على من اشترك معه فيها من تحقيق 29و 30 مارس سنة 1925

هل عند النيابة شيء آخر؟ لا جواب.إذن فليس لديها سوى كلام شفيق الذي يراد إرسال المتهمين به إلى المشنقة ولكنا نلوذ بالله وبعدل القضاء

الحادثة التاسعة: حادثة المستر بيجوت

(46) وقعت هذه الحادثة في 15 يوليو سنة 1922 وجاءت في تقرير شفيق كما يأتي أخبرني عبد الحميد عنايت عنها وأخذت فيها رأي ماهر والنقراشي كالمعتاد فوافقا ولست متذكرا من باشرها.

سئل عبد الحميد عنايت فكذب شفيق وجميع أقواله قاطعا في عدم اشتراك ماهر والنقراشي وشفيق أيضا في هذه المرة ناقض أقواله السابقة التي قررها في 29 و 30 مارس ولم تأت فيها إشارة لماهر ولا للنقراشي.

هل للنيابة أنتعين لنا دليلا تعزز به أقوال شفيق في هذه الحادثة؟ لا جواب إذن ليس إلا أقوال شفيق منصور ومحال على ذمة القاضي أن يحيلهم على محكمة الجنايات بناء على هذه الأقوال.

الحادثة العاشرة: حادثة المستر براون بالجيزة

(47) وقعت هذه الحادثة في 12 أغسطس سنة 1922 وذكر شفيق في تقريره عنها أنه كان فيها محمود إسماعيل وعبد الحميد وعبد الفتاح عنايت وإبراهيم موسى ومحمود عثمان كما سمعت من عبد الحميد عنايت.

إذن فهو شاهد بالسماع في هذه الواقعة أيضا وهنا نقطة جميلة أستسمحكم في ذكرها لأنها بلا شك تهدم كل ما قرره شفيق جملة وتفصيلا حيث ذكر الملحوظة العامة الآتية في تقريره ويتلاحظ على العموم أني لا أعرف شيئا عن هذه الجرائم جميعها إلا ما يخبرني به محمد إسماعيل أو عبد الحميد عنايت قبل حصوله أو عبد الفتاح قبل أو بعد تمام الحادثة.

وسئل هؤلاء جميعا فكذبوه فيما يختص بعلاقة ماهر والنقراشي ولكن الملحوظة السالفة لم تجده نفعا لأن فداء حياته كان موقوفا على اتهام ماهر والنقراشي لذلك أضاف الملحوظة الآتية:

وعلى كل حال فقد كنت أخذ رأي ماهر والنقراشي في كل شيء أو حادثة أعلم بها قبل وقوعها حتى إذا ما قررها أخبرت محمود إسماعيل للقيام بها وإذا أخبرت عن حادثة قاموا بها وأخبرني محمود إسماعيل أو عبد الحميد بذلك أوصلت الخبر إليهم وكنت تحت أمرهم لا يمكننني أن أتحرك أو أبدي رأيا أو فكرا من غير الأمر الذي يصدر إلي منهما.

هذا بيت القصيد لأنه لابد من اتهام ماهر والنقراشي بالباطل لكي يستحق النجاة من الإعدام الذي كان يفزع منه وينزعج لذكره كما جاء في بيان صدقي باشا الذي تلوته في الجلسة السابقة وهذا يؤخذ أيضا من شهادة عبد الملك بك حمزة محامي شفيق منصور حيث قال: وكان سؤال شفيق إلى موجها بنوع خاص عن تأثيرا اعترافاته هذه أي عن حوادث الاغتيال السابقة على حادثة السردار في نظر الإنجليز.

وعن أهميتها لهم فكان جوابي أن اعتقادي أن كل اهتمام الإنجليز الآن موجه إلى الحوادث الأخيرة لأنهم أنفسهم توسطوا في العفو عن المحكوم عليهم في الجرائم السابقة وأحس أنا من نفسي بأن الحالة بيننا وبين الإنجليز بعد تقرير 28 فبراير أصبحت شبه مهادنة كالتي تحصل بعد الحروب بين البلاد المتحاربة وبعضها وأنهم أسدلوا ستارا على كل الأشياء القديمة ولذلك كان رأي أن التوسع في الكلام عن الجمعية السابقة التي كان فيها المرحوم عبد اللطيف بك عضوا لايهم الإنجليزي ولا يفيد شيئا في التحقيق الجاري.

إذن ظهر المخفي وبان أن شفيق منصور يريد أن يعمل ما يستطيع كلي ينقذ نفسه من الإعدام الذي أعد له ولذا تراه يسأل عن مدى تأثير اعترافاته على الغير في نظر الإنجليز حتى يستحق الوعد الذي وعد به لأنه يعرف أنه بواسطة الإنجليز يمكنه أن يحصل عليه.

تأمل يا حضرة القاضي تحت هذه التأثيرات والعوامل ذكر شفيق ما ذكر له وكتب ما كتب له ولم يكن مختارا فيما يقول شفيق المحكوم عليه بالإعدام يراد به أن يكون على غيره.هل عند النيابة شيء آخر تعزز به أقواله؟ سكوت، إذن لا شيء غير أقوال شفيق تلك الجثة الهامدة التي تستحل اقتناص أرواح الأبرياء ويقدم بها المتهمون إلى المحاكمة لا إن ضميركم لا يسمح لكم بذلك.

الحادثة الحادية عشرة: حادثة حسن باشا عبد الرازق واسماعيل بك زهدي

(48) وقعت هذه الحادثة في 16 نوفمبر سنة 1922 وجاء عنها في تقرير شفيق ما يأتي:

أذكر أن الذي اقترحها ماهر بقصد التخلص من عدلي ورشدي لأن عدلي كان قد سافر للمفاوضة ولم يفلح ثم ألفوا حزب الأحرار الدستوريين لمساعدة الإنجليز كما عرف عنهم في ذلك الوقت وأشيع فتقرر هذا في اجتماع الحزب الذي حصل بيننا وبين ماهر والنقراشي وتحدد له اليوم المخصوص لاجتماع الحزب حتى يكون مثلا وحتى يمنع الاستمرار في أعمال الحزب.

هذا ما كتب له لأنه لم يكفهم أن يؤخذ الأبرياء بل يريدون تلويث سمعتهم بين مواطنيهم ولكن ستظهر لكم اليد التي تعمل في الظلام ويهمني هنا بمناسبة هذا الكلام أن أقرر علنا أنه ليس في حسابنا ولا في أعمالنا أن نلجأ إلى الإجرام للاختلاف السياسي نحن نخاصم ولكننا شرفاء في الخصومة ونجاد الخصوم ولكن بالتي هي أحسن وسنواصل الكفاح بطرق السلم لا بالاغتيال حتى نصل إلى أمانينا المنشودة بإذن الله.

كتب شفيق منصور بعد ما تقدم فأخبرت محمود إسماعيل بالأمر فذهب إلى أولاد عنايت فدرس الطريق ورسم لهم الخطة وأخذوا معهم محمد فهمي على وإبراهيم موسى كما علمت من بعد ذلك فأخطئوا وأصابوا المرحومين حسن باشا عبد الرازق واسماعيل بك زهدي وأخبرت عبد الحليم بالحادثة بعد وقوعها.

والواقع أن عبد الحليم البيلي سافر إلى أوربا مع وفد لوزان في 2 نوفمبر سنة 1922 وبقي هناك إلى 17 مارس سنة 1923 أليس كذلك يا عبد الحليم بك؟عبد الحليم بك نعم كذلك.مع أن الحادثة ارتكبت في 16 نوفمبر سنة 1922 ومع ذلك يتهم فيها عبد الحميد البيلي.

وهنا قال لطفي بك: علمنا بهذه الحادثة في شهر نوفمبر سنة 1922 أثناء انعقاد مؤتمر لوزان حيث كنت في أوربا وبصحبتي عبد الحليم البيلي في وفد لوزان.

النحاس باشا إني أذكر كل ما يفيد المتهمين جميعا لا فرق عندي بينهم لمجرد الاختلاف الحزبي وليس من شأننا إلقاء العبء على عاتق غيرنا وليس من طريقنا الإجرام ولا شرب الدماء قال شفيق في ختام تقرير (18 يونيه) إني نسيت أن أذكر أننا في حادثة عبد الرازق وزهدي اجتمعنا أنا وماهر والنقراشي والشيشيني بقهوة مصر الجديدة قبل الحادثة ببضة أيام.جميع من ذكرهم كذبوه فيما يختص بماهر والنقراشي حتى الذين منهم اعترفوا على أنفسهم وعلى غيرهم كما سترون.

ذكر أولا: أن الذي حضر الاجتماع هو ماهر والنقراشي ثم ثانيا وفي ذيل التقرير قال إن الشيشيني حضر الاجتماع أيضا وذكر ثالثا في تقرير 19 يونيه أنه حضره معهم آخرون وهو كلام ينقض بعضه بعضا فقد سمعتم من البيلي الآن أنه كان متغيبا عن القطر قبل وقوع الحادثة وبعد وقوعها ببضعة أشهر

ومثل هذا وأبلغ منه ما أدعاه على النقراشي حيث قال: إنه حضر الاجتماعي بمصر الجديدة قبل الحادثة ببضعة أيام للاتفاق على ارتكابها ثم تلا ذلك الترتيب والتدبير والتنفيذ مع أن النقراشي كان في ذلك الحين معتقلا في قصر النيل اعتقلته السلطة العسكرية في 14 أغسطس سنة 1922.

وهاهي ذي الجريدة المنشور فيها الاعتقال جريدة اللواء الصادرة في 15 أغسطس سنة 1922 تحت عنوان اعتقال موظف وافرج عنه في يوم 15 نوفمبر سنة 1922 أي يوم وقوع الحادثة ونشر الخبر تحت عنوان الإفراج عن ثلاثة معتقلين وهم الأستاذ الغاياتي والنقراشي بك وعبد الستار الباسل بك ونقدم لحضرتكم عددي الجريدتين المذكورين.

فكيف يتصور بعد ذلك أن النقراشي اجتمع بشفيق قبل الحادثة ببضعة أيام في مصر الجديدة مع أنه كان معتقلا في قصر النيل؟ ثم اتجه النحاس باشا إلى الحاضرين وقال اسمعوا يا رجال السياسية يا رجال الأحرار الدستوريين أنهم يريدون أن يفرقوا بيننا وبينكم بالباطل ولكنهم لن يصلوا إلى غرضهم فإننا كلنا مصريون وسنظل مصريين عاملين معا للوصول إلى حقوقنا المقدسة بالطرق السلمية لا بوسائل الإجرام وسنصل إليها بإذن الله..

الآن تقدم النيابة المتهمين لا حالتهم إلى محكمة الجنايات بناء على أقوال شفيق، هذا كثيرا جدا من التلفيق على الأبرياء.فهل عند النيابة شيء جديد تعزز به أقوال شفيق؟لا جواب إذن ليس لديها دليل خلال تلك الأقوال.إلى الرجل الذي تكذبه الماديات يجب ألا يؤخذ بأقواله.

بالأمس أظهرنا فضيحة تقرير 18 يونيه فقال حضرة سيد بك مصطفى إنه سبق أن أطلع على هذا التقرير قبل يوم 18 يونيه وإنه أجرى بشأنه تحقيقا في 15 يونيه ولكنه كان بغير تاريخ فرده ليوضع عليه تاريخ.

وهذا غير صحيح فإن سيد بك أثبت في محضر أنه أطالع على تقرير عمله شفيق ونقل منه ما يتعلق بحادثة حسن باشا عبد الرازق وإسماعيل بك زهدي فهل ذكر كل ما يتعلق بها وكل ما جاء في التقرير عنها؟

كلا بل ترك أشياء هامة كانت أول ما تلفت نظر المحقق ولكن كما قلنا لحضرتكم بالأمس أن التقرير لم يكن كاملا في يد سيد بك عندما أثبت منه في محضره يوم 15 يونيه القسم الخاص بحادثة عبد الرازق باشا وزهدي بك لأنه لم يكن وصله إلا جزء فقط حضره المعمل الذي تصنع فيه هذه التقارير ولذلك لم يكن كله تحت نظر سيد بك يوم 15 يونيه وإلا لو كان كذلك واطلع عليه حقيقة لما فاته أن ينقل منه ما جاء بصحيفة 32 خاصا بتعين المكان الذي حصل فيه الاجتماع المزعوم بمصر الجديدة لتقرير هذه الجريمة والأشخاص الذين اجتمعوا فيه.

وقد ورد بالصحيفة 32 من هذا التقرير ما نصه: نسيت أن أذكر أننا في حادثة المرحومين حسن باشا عبد الرازق واسماعيل بك زهدي اجتمعت أنا وماهر والشيشيني والنقراشي بالقهوة التي يمصر الجديدة أمام اللو كاندة الكبرى قبل الحادثة ببضعة أيام.

ولما تم قرارنا على أن يحصل الاعتداء على عدلي ورشدي بمناسبة تكوين الحزب الجديد وكان ذلك حوالي سنة 1922 على ما أتذكر ولكن لسوء الحظ بعد أن صدر القرار بذلك وأبلغت إلى محمود إسماعيل ذلك وترتب كل ما يلزم للقائمين به اعتدوا على حياة المرحومين عبد الرازق باشا وزهدي بك فذهبا ضحية الخطأ.

هذا التفصيل يا حضرة القاضي الذي يمتاز عن سابقة بتعيين مكان الاجتماع وبذكر أشخاص لم ترد أسماؤهم فيما ذكره أولا في صحيفتي 19و 20و 11و 12 كما ذكر سيد بك سهوا في الجلسة السابقة له أهميته في التحقيق بدليل أن سيد بك مصطفى فتح محضرا للتحقيق في أقوال شفيق عن هذه الحادثة فلو كان هذا موجودا وقت إطلاع سيد بك على التقرير في 15 يونيه لما تردد في ذكره ولكن الحقيقي أنه لم يكن قد وصل إليه ولا أطلع عليه إنما اكتفى بإجراء التحقيق بخصوص الجزء الذي تم ترتيبه في معمل التلفيقات ولم يذكر غيره لأنه لم يكن ثم طبخة بعد..

أكثر من ذلك دليل رسمي جديد مادي آخر يثبت أن التقرير بكامل أجزائه لم يكن قد وصل النيابة بعد وإنما كان يصلها تباعا بعد تمام ترتبيه وتلفيقه.

قال حضرة سيد بك مصطفى بالأمس: إن هذا التقرير كان موجودا يوم 18 يونيه بالمحكمة واطلع عليه حضرة القاضي عند نظر المعارضة في ذلك اليوم وهذا غير صحيح لأن التقرير لم يطلع عليه القاضي بل ولم يكن موجودا في يد النيابة وأن ما ذكره سيد بك بما عنده من المعلومات الخاصة به جاء في محضر جلسة المعارضة في 18 يونيه سنة 1925 بالصحيفة 23 أن النيابة تطلب رفض المعارضة.

وأن التحقيق مستمر وأن شفيق قدم تقريرا وأن النيابة تطلب رفض المعارضة وإن التحقيق مستمر وأن شفيق قدم تقريرا وأن النيابة تجري التحقيق فيه بصفة سرية وقال سعادة مصطفى باشا النحاس إنه يجب أن يطلع المحامي عن المتهمين على هذا التقرير ليرى إن كان فيه ما يجيز حبس المتهمين ثم قال ويجب على حضرة القاضي أن يأمر بالاطلاع على التقرير لنرى ما به والقول بغير ذلك حرمان لما للمتهمين من الحق في الدفاع عن أنفسهم والمسألة الآن محددة وهي وجود هذا التقرير.

والنيابة أي سيد بك مصطفى قالت عن التقرير إنها لم تبتدئ في تحققه ولا تود أن تحصل فيه مناقشة الآن. وبعد المرافعة قررت المحكمة قبول المعارضة شكلا وموضوعا استمرار حبس المتهمين لبعد باكر حتى تطلع المحكمة على الأوراق التي لم يتيسر للنيابة تقديمها الأن وفي جلسة بعد باكر أي في يوم السبت 20 يونيه سنة 1925 وهي اليوم الذي ورد فيه التقرير بخطاب الحكمدار وخطاب الضابط الحارس قرر القاضي رفض المعارضة واستمرار الحبس.

وهذا قاطع في أن التقرير لم يكن موجودا لدى النيابة في يوم المعارضة وهو 18 يونيه وتفسير هذا أنه لغاية يوم 18 يونيه لم يكن قد تم تحضر التقرير في معلمة فلما قرر القاضي استمرار الحبس ليومين للاطلاع على التقرير اضطروا إلى اقفاله وإلا لا ستمر باب التلفيق مفتوحا إلى أن تدبر أمور أخرى تضاف إليه.هذا هو تفسيري للحادثة للشنيعة التي اشتركت النيابة في عملها والتستر عليها.

كلمة ختامية

(49) ونحن نحمد الله تعالى أن مثلنا أمامكم وظهرت الحقائق وانكشف المستور من عمل النيابة والسلطات في هذه القضية.

هذه يا حضرة القاضي هي تدبيراتهم على اغتيال هذه الأرواح الطاهرة الغالية وليس لنا ملجأ إلا عدل القضاء النزيه الذي لا تدنسه المؤثرات ولا تدفعه الشهوات ونحن على يقين بأن ضميرك يا حضرة القاضي وقد تجلت الحقيقة أمامكم بما لا يدع مجالا لأي لبس فيها لن سيمح لك ضميرك الذي لا يطلع عليه غلا الله العزيز المنتقم الجبار أن تحيلنا إلى محكمة الجنايات لنكون وقودا لنار هذه المؤثرات وأطلب إلى الله جل وعلا أن يثبتك في إيمانك وأن يبعد عنك هذه المؤثرات الأثيمة وأدعوه تعالى أن يمنعك بنعمة القناعة فتقضى بينك وبين الله بالحق الذي تراه

مرافعة مكرم عبيد باشا المحامي

أرجو حضرة الباقي أن يعذرنا إذا ما طمعنا في الكثير من وقته وسعة صدره فهذا الكثير إنما هو قليل بإزاء ما نطمع فيه من عدله وحسن تقديره ولقد شاء الله أن يبلوك فجعل حياة المتهمين وديعة بين يديك وأن يشرفك فصور العدل كلمة تخرج من بين شفتيك قاض فإنك لقضائك مطمئون.

القضية الخامسة:الإغتيالات السياسية

غير أن القضية ليست قضية المتهمين فقط بل هي من وجهتها العامة قضية خطيرة في ذاتها وفي نتائجها وليس ذلك لأنها قضية حزب من الأحزاب فإن شفيق منصور كان سخيا في توزيع التهم على أحزاب مختلفة ولكن القضية قضية الوطن المصري والنهضة المصرية من وجهتها السياسية وقضية الحرية الشخصية أو مأساتها من وجهتها الجنائية.

فمن الوجهة السياسية تنحصر القضية في نقطة واحدة وهي حدوث حقيقة أن عددا من كرام المصريين الذين اشتركوا في النهضة المصرية ووهبوها أقصى ما في نفوسهم من خير ومن جهد فقد اشتركوا في جرائم القتل السياسية فكانوا في الواقع قتلة سفاكين لدماء الأبرياء من الإنجليز وغير الإنجليز؟

أقول كلا وأنادي بملء فمي كلا ويكفى للتدليل على براءتهم أن أقول إنهم وطنيون ومخلصون في وطنيتهم لأن الوطنية وهي الفضيلة القصوى لا تتفق مع القتل وهو الرذيلة السفلى ولأنه من المحال أن يكون الشر سبيلا إلى الخير كما أنه لم يقل أحد إن الخير طريق إلى الشر ولأنه ما من حق مهما سما يتعارض مع الحق الأسمى وهو حق الحياة.

فإذا استنكرت الوطنية المصرية جرائم القتل فليس ذلك لأنها ضارة بنا أو بغيرنا فحسب بل لأنها شر في ذاتها وما نحن إلا طلاب خير، ولأنها اعتداء على حياة الغير وحريتهم وكل ما نطلبه هو أن نعيش تحت الشمس أحرار ولأنها ظلم بين وما نحن إلا طلاب عدل وحرام ألف حرام أن نضيف إلى مظالم الغير ظلما من أنفسنا لأنه إذا صح أن الظلم في يد القوى قوة فهو في يد الضعيف ضعف وسخافة.

إن اليد التي مددناها ولا زلنا نمدها إلى الإنجليز والأجانب يد شريفة طاهرة كما أنها يد حرة أبية فإن أخذوها فهي لهم وإن رضوها فالله لنا.

أما من الوجهة الجنائية فإني آسف جد الأسف لأنني كمصري اراني مضطرا للطعن على تصرفات هيئتين محترمتين من نظامنا المصري ألا وهما النيابة والبوليس ويزيد أسفي لأني كرجل من رجال القانون أرى من واجي أن أقرر أن كثيرا من تصرفات النيابة في هذه القضية كانت مخالفة تمام المخالفة للقانون في نصه وروحه والواقع أن هذه القضية هي قضية الاستثناءات ولا أظن أن هناك قضية كان الاستثناء فيها قاعدة مثل هذه القضية التعسة.

فالأصل في التحقيق مثلا أن يكون التحقيق مع المتهم أما هنا فالتحقيق يدور حوله، وإن يستجوب المتهم عند القبض عليه أما هنا فالمتهم يبقى أسابيع بل وشهوا عديدة دون أن يستجوب إلا مرة أو مرتين والأصل أن يكون التحقيق علنيا أما هنا فهو سري وأن يحضر المحامي مع المتهم في التحقيق ليدافع عنه أماهنا فالمرة الوحيدة التي سمحت فيها النيابة لمحام بأن يحضر التحقيق مع المتهم كانت عندما أراد المتهم أن يتهم الغير لا أن يدفع التمة عن نفسه والأصل أن تكون الشهادة شفهية.

أما هنا فكتابية وأن يكون الدليل هو الأصل والاستدلال هو الاستثناء أما هنا فالعكس هو الواقع والأصل أن يكون الشاهد حرا راشدا أما هنا فالشاهد الأساسي سجين محكوم عليه بالإعدام وأن يكون الشاهد على الأقل حيا يتكلم ويسمعه الناس أما هنا فالشاهد الأساسي ميت لا تسمع شهادته والشهود الآخرون سماعيون عن شاهد لا يمكن سماعه.

الأصل يا حضرة القاضي ألا يحبس المتهم حبسا احتياطيا حتى يقوم عليه الدليل أما هنا فالمتهمون حبسوا أشهرا عسى أن يقوم عليهم دليل الأصل ألا يسجن إنسان سجنا انفراديا لمدة أكثر من أسبوع بشرط ألا يكون محكوما عليه في جريمة أولا وارتكب ما يخالف لوائح السجن ثانيا أما هنا فقد حبس المتهمون حبسا انفراديا بدل الأسبوع الواحد أربعين أسبوعا تقريبا ولم يحكم عليهم في تهمة ما.

غير أن ما تقدم ليس إلا نموذجا من تصرفات النيابة العمومية قبل رفع الدعوى أما تصرفها بعد رفع الدعوى فهو أدعى إلى الدهشة والأسف لأنه إذا احتملت الاستثناءات والاعتداءات على القانون قبل رفع الدعوى فلا يمكن أن تطاق بعد رفعها ولم يسمع أحد أن دعوى قتل خطيرة ترفع بمثل هذه الأدلة أو القرائن والشبه.

وإني حقيقة أحسد النيابة على حسن ظنها في الأشياء ولا أظن أنه يوجد كثيرون من رجال القانون ينظرون إلى هذه التهمة بالمنظار الذي تنظر به النيابة ولعل السبب في ذلك أن النيابة تنظر بعين البوليس لا بعينها وهذا مؤسف له لأن البوليس شيء والنيابة شيء آخر فالبوليس أداة اتهام ومأموريته أن يكشف عن الجرائم بل وفي بعض الأحيان تبلغ به الحماسة إلى حد أن يكتشف الجريمة إذا لم يكشفها ويوجدها أما النيابة خصوصا النيابة في مصر فواجبها القانوني هو أن تجمع بين وظيفة الاتهام والتحقيق فهي تتهم مع البوليس وتحقق ضده لأن كل تحقيق مبدأه وقاعدته أن المتهم برئ إذا لم يثبت عكس ذلك.

غير أن النيابة اتهمت المتهمين وقدمتهم لقاضي الإحالة مع أن مركز القضية اليوم أحسن منه في أي زمن مضى ومع أن في يدنا الدليل الذي لا ينقض على أن النيابة لم تكن تنوي تقديم القضية إلى قاضي الإحالة بل كانت تنوي الإفراج عن المتهمين وحفظ التهمة ضدهم.

ولسنا نلقي الكلام جزافا فالأدلة على ما نقول صريحة في ذلك وهي:

(أولا) إعدام شفيق منصور.

(ثانيا) شهادة إسماعيل باشا صدقي.

(ثالثا)الإفراج عن الأستاذ الشيشيني وعدم القبض عليه.

(1) أما إعدام شفيق منصور فهو قاطع في أن النيابة لم تكن تعطي لأقواله أي قيمة نعم إن شفيقا كان محكوما عليه بالإعدام وأقواله تؤخذ على سبيل الاستدلال على أي حال ولكن النيابة تعلم جيدا أن كل شاهد يجب أن يسمع بحضور المتهم أمام المحكمة وللمتهم الحق في استجوابه واستيضاحه كما هو منصوص عليه في الماديتين 134و 135 جنايات فلو أن النيابة كانت تنوي وقتئذ رفع الدعوى على ماهر والنقراشي لما أعدمت شفيق منصور وعرضت نفسها لمخالفة القانون مخالفة ظاهرة.

(2) غير أن هناك ماهر أشد وأقطع في الدلالة على صحة ما نقول فقد نشر سعادة إسماعيل باشا صدق وزي الداخلية سابقا بيانا هاما في جريدة السياسة قال فيه (إن شفيق منصور كان كثير التردد في أقواله يعترف حينا بأمور ينقضها فيما بعد

وكان شديد الفزع للإعدام فأبلغت شفيق منصور أنه إذا قرر الحقيقة كلها وقام البرهان على صحة قوله وترتب على إقامة البرهان إدانة من يرشد عنهم من المجرمين والحكم عليهم فإذ ذاك يلتمس له عفو يخفف عقوبة الإعدام ولم يصرح إذ ذاك شفيق بأكثر مما قاله من قبل ولم يقم عليه دليل فكانت النتيجة تنفيذ حكم الإعدام.

ويلاحظ قوله هنا أنه لم يقم عليه دليل فهذا التقدير ليس طبعا من عنديات الحكومة بل جاء بناء على رأي النيابة القائمة بالتحقيق ويلاحظ أن شفيقا أعد في شهر أغسطس سنة 1925 أي أنه إلى ذلك التاريخ لم يقم دليل على صحة أقواله في اعترافاته المختلفة.

ومن المهم أن يلاحظ أيضا أن أقوال نجيب الهلباوي الواردة في تقريره المؤرخ في 5 فبراير وشهادة علي حنفي ناجي بتاريخ 17 مارس وهما الشهادتان الأساسيتان في تقرير الاتهام لم تعرهما النيابة أو الحكومة أدنى أهمية

ولم تعتبرها دليلا على أقواله شفيق بدليل أنها أعدمته بعد أن أبدى الشاهدان أقوالهما بمدة طويلة تلت حكم الإعدام وبقي فيها ماهر والنقراشي معتقلين ولم يستجد فيها أي دليل اللهم إلا شهادة يعقوب صبري بالنسبة لأحمد ماهر وهي شهادة لا قيمة لها قانونا وموضوعا كما سنبين بعد أما النقراشي فلم يستجد أي دليل بالنسبة له بعد إعدام شفيق.

والواقع أن النيابة كما هو ثابت من محاضر معارضة ماهر والنقراشي لم تعتمد على تلك الأقوال بك كانت تنتظر أن يقوم على المتهمين دليل مادي إما من طريق حادثة مصطفى حمدي أو انتظارا لأشخاص قادمين من أوربا أو لإثبات علاقة بين المتهمين وأشخاص قبض عليهم حديثا هذه هي الأسباب التي تعلل بها النيابة معارضتها للإفراج عن المتهمين

ولكن لم يثبت أي شيء مما كانت النيابة تنتظره فلذلك قلنا إن مركز القضية الآن أحسن منه في أي زمن مضى ولا ندري لماذا قدمت النيابة المتهمين للمحاكمة مع أن مركزهم الآن بعد أن صفى قد أصبح أبعد من الشبهات مما كان في وقت إعدام شفيق منصور عنما كان النائب العمومي والحكومة مع يريان أنه وإن لم يقم أي دليل على ما قاله شفيق فقد يأتي الدليل المادي من يد القدر.

ثالثا: الإفراج عن الأستاذ الشيشيني: بعد اعتراف شفيق في 21 مايو وقوله إن الشيشيني كان عضوا استشاريا ولكنه لم يوافق على جريمة السردار ولم تر النيابة لهذه الأقوال قيمة فأخرجت عنه وبقي مفرجا عنه إلى الآن لأن كل ما قيل ضده صدر من شفيق منصور الذي لم تعر النيابة أقواله أدنى أهمية ثم إن مركز الأستاذ الشيشيني هو الآن أحسن منه فيما مضى لأنه لم يقم ضده أي دليل مدي فما الذي دعا إلى رفع الدعوى عليه وطلب القبض عليه من جديد مع أن النيابة لم تر مسوغا للقبض عليه شهورا هذا عددها؟

أليس هذا الدليل مضافا إلى الدليلين السابقين صريحا في أن النيابة لم تكن تنوي رفع الدعوى ولكنها اضطرت إلى ذلك اضطرارا لأسباب لا يعلمها إلا الله ولقد نتج عن تصرفها هذا أن المتهمين فقدوا ضمانة جديدة بينما هي لم تربح شيئا.غير أننا إذا فقدنا ضمانة واحدة في النيابة فلنا في القضاء كل الضمانات.

قال حضرة القاضي في جلسة الأمس إن أقوال شفيق منصور يمكن أن تؤخذ على سبيل الاستدلال إذا تعززت بأذلة أخرى غير أني أضيف إلى قول حضرة القاضي أنه من المحال أن تؤيد أقوال شفيق بأدلة يقبلها القانون وأكرر أن هناك استحالة قانونية لأن جميع الأدلة التي تستند عليها النيابة لا يصح قانونا أن تعتبر أدلة وذلك لأنها هي أيضا لا يمكن أن تؤخذ إلا على سبيل الاستدلال ومن ثم فلا يجوز لقاضي الإحالة أن يحيل هذه القضية على محكمة الجنايات لأن المادة 12 من قانون محاكم الجنايات تحتم عليه ألا يحيل القضية إلا إذا كانت الدلائل كافية ومعنى بذلك أنها يجب أن تكون كافية قانونا وموضوعا فإذا كانت الشبه أو الدلائل لا تصلح لأن تكون أدلة بالمعنى القانوني لأنها لن تؤخذ إلا على سبيل الاستدلال فلا يمكن أن تعتبر هذه الدلائل كافية من الوجهة القانونية.

قصارى القول أنه إذا كانت جميع الدلائل التي في القضية لا يمكن أن تؤخذ إلا على سبيل الاستدلال فهي لن تصلح كأدلة قانونية ولا يصح إحالة القضية بمقتضاها لأن الإحالة تكون عبثا إذ إن محكمة الجنايات أو أي محكمة أخرى.

لا يمكنها أن تحكم بناء على شهادات استدلالية فقط، وهذا يدهى ومسلم به من جميع الشراح ويكفي أن نستشهد هنا بحكم محكمة جنايات مصر الصادر في 6 مارس سنة 1905 فقد جاء فيه ما يأتي:

لا يصح في الإدانة الارتكان على شهادة شهود دونت في محاضر التحقيق بل يجب سماع شهادتهم ومناقشتهم أمام المحكمة فإذا كانوا أجانب ولم يحضروا بعد أن اتخذت الإجراءات الإدارية لإخطارهم ولم يكن في الدعوى دليل آخر يكفي للإدانة وجبت تبرئة المتهم ثم جاء في حكم محكمة النقض الفرنسية الصادر في 28 أكتوبر سنة 1892 أن الشهادة التي تتلى من المحاضر لا يمكن أن تعتبر إلا بصفة معلومات على سبيل الاستدلال وعند عدم وجود دليل آخر لا تكفي أن تكون بمفردها أساس للحكم.

ولا نزاع في أن جميع الدلائل المقدمة من النيابة في قضيتنا هذه كلها استدلالية ولا يوجد دليل واحد في الدعوى يعزز ذلك الاستدلال فأقوال شفيق منصور هي باعتراف الجميع مجرد معلومات لا يمكن أن تؤخذ إلا على سبيل الاستدلال.

والواقع أنه قد اجتمعت فيها جميع العيوب القانونية فهي أقوال صادرة من محكوم عليه بالإعدام (المادة 25 عقوبات) وفي تحقيقات كتابية وسرية، بينما المادة 134 جنايات تحتم سماع الشهود بحضور المتهم لأنها تخوله حق استجوابهم والمادة 82 تنص صراحة على أن شهادة الشهود بغير حضور المتهم تسمع على سبيل الاستدلال.

ونجيب الهلباوي يقول إنه ناقل عن شفيق والشهود السماعيون لا تسمع أقوالهم إلا كمجرد معلومات تعطي على سبيل الاستدلال وفي انجلترا لا يصح سماع مثل هؤلاء الشهود بالمرة بل ولا يصح توجيه أسئلة سماعية إلى الشهود والحكمة في ذلك ظاهرة فالشاهد قد يكون سمع خطأ أو فهم خطأ أو نسي ما سمع أو لم يسمع بالمرة وادعى السماع كذبا وكل هذا مفترض وجائز في شهادة نجيب الهلباوي بغض النظر عن موضوع الشهادة.

وكذلك شهادة علي حنفي ناجي، فهي سماعية ولا قيمة لها قانونا إلا على سبيل الاستدلال.بقيت شهادة يعقوب صبري بالنسبة لأحمد ماهر وهذه أيضا لا يمكن أن تعتبر دليلا قانونيا بل هي أقل قيمة من الشهادة السماعية لأن يعقوب صبري لا يدعي أنه عرف أو سمع أن أحمد ماهر عضو في الجمعية بل يظن أو يستنتج ذلك فقط من حادثة مصطفى حمدي فشهادته إذن استنتاجية محضة ولا يمكن أن تؤخذ كدليل بل ولا على سبيل الاستدلال.

والرواية التي يرويها عن حادثة مصطفى حمدي إذا فرضنا صحتها وهي في الواقع ليست صحيحة فلا يمكن أن يستنتج منها أن أحمد ماهر كان عضوا ف جمعية إجرامية أو أن مصطفى حمدي نفسه لا يدعي أن أحمد ماهر بقي في هذه الجمعية وأنه اشترك في الاعتداء على الوزراء المصريين وأنه استمر أيضا في النهاية واشترك في قتل الإنجليز وليس من المعقول أن كل ذلك يثبته مجرد استنتاج يعقوب صبري أن أحمد ماهر كان عضوا في سنة 1919 كأن يستنج ذلك أيضا عن عبد الرحمن بك الرافعي وسليمان أفندي حافظ.

إذن ليس في القضية إلا دلائل سماعية أو استنتاجية فضلا عن أقوال شفيق منصور وكل هذه الدلائل لا تزيد على معلومات بسيطة تؤخذ على سبيل الاستدلال وليس هناك دليل واحد يؤيدها وبما أن قاضي الإحالة لا يمكنه أن يحيل القضية إلا إذا كانت الدلائل كافية قانونا وموضوعا وهنا الدلائل غير كافية قانونا وستبقى كذلك إلى ما شاء الله لأنها سماعية عن شخص توفى إلى رحمة الله فلا يصح إذن إحالة القضية لأن الأدلة غير كافية من الوجهة القانونية كما ثبت أنها غير كافية بل لا أساس لها مطلقا من الوجهة الموضوعية.

عجزت النيابة عن أن تقيم الدليل على كل حادثة من الحوادث المنسوبة إلى المتهمين فلم تر بدا من أت تختبئ وراء تقرير شفق منصور وقالت: إن الدليل على المتهمين هو دليل عام أي أنهم أعضاء معه في جمعية سرية رئيسية واتفقوا معه على كل حادثة من الحوادث غير أن هذا الدليل لا أساس له من الصحة كما سأثبت ذلك في البحث التالي فإذا انهار هذا الدليل وهو كل القضية انهارت القضية معه.

تكلم شفيق منصور طويلا عن نظام الجمعيات منذ أيام الورداني وتوسع في ذلك بشكل أقر إلى الروايات منه إلى الحقيقة ولما كان لابد له من أن يكتب تقريرا مطولا عن نظم الجمعيات السرية وتاريخها في مصر طمعا في الخلاص من جهة وتحقيقا لرغائب البوليس من جهة أخرى لأنه من شهادة الصاغ سليم أفندي زكي أنه اتصل بشفيق وحادثة في موضوع تقرير 20 يونيه الي كن شفيق قائما بكتابته في السجن.

وقتئذ كما اعترف شفيق أن البوليس كثيرا ما كان يلازمه من الساعة الثامنة صباحا إلى التاسعة مساء وسيأتي الكلام عن ذلك طويلا في بحثنا عن أسباب الاعترافات وظروفها نقول إنه لما كان على شفيق أن يعترف وأن يتهم عسى أن ينجو بنفسه باتهام غيره فقد أطلق العنان لخياله وأكاذيبه فكون الجمعية تلو الجمعية والفرع تلو الفرع واتهم ثم برئ ثم اتهم ولم يكن للاتهام أو للتبرئة إلا معنى واحد وحكمة واحده وهي تخليص نفسه من الإعدام.

والواقع أنه إذا فرضنا صحة أقواله عن نظام الجمعيات القديمة منذ أيام الورداني فالظاهر من نفس أقواله أن هذا النظام تفكك مع الزمن والثابت من بعض الأقوال التي جاءت على لسانه عفوا حتى في التقارير التي يتهم فيها الغير ومن أقوال المتهمين في قضية السردار ومن شهادة الشهود والمتهمين في القضايا الساقة بل ومن بعض أقوال رجال البوليس السري أن الجمعية التي اغتالت المأسوف عليه السردار التي قمت بحوادث الاغتيال الأخرى وأنه لم يكن هناك لجنة رئيسية وفروع بالمعنى وبالنظام الذي أشار إليه شفيق في تقرير 20 يونيه.

وأنه أي شفيق كان الكل في الكل في جميع حوادث الاغتيال كما جاء في أقوال بعض الشهود والادلة على ذلك عديدة بعضها ناتج من شهادة الشهود في قضية السردار وفي الحوادث القديمة وبعضها من اعترافات شفيق نفسه ومن الأقوال التي جاءت على لسانه عفوا في الوقت الذي كان فيه يتهم الغير ويدعي أن هناك لجنة رئيسية خفية مكونة من ماهر والنقراشي وغيرهما وإليك تفاصيل تلك الأدلة.

ظروف قضية السردار: ثبت في تلك القضية أن جميع المتهمين كانوا يعرفون بعضهم البعض وكانوا يجتمعون معا ويتزاورون اللهم إلا واحدا أو اثنين من العمال الذين كان يتصل بهم إبراهيم موسى وكانوا مع ذلك معروفين لشفيق ولبعض الأعضاء فلما اعترف عبد الفتاح عنايت في مبدأ الأمر اعترف على نفسه وعلى أخيه وعلى شفيق منصور ومحمود إسماعيل ومحمود راشد وكذلك علي إبراهيم موسى وراغب حسن من العمال ثم قال: وكان أخي عبد الحميد هو الرسول بين الجمعية التي يرأسها شفيق وبين أفراد الجماعة من العمال ثم قال إنه عرف بعض العمال بواسطة شفيق نفسه.

يستنتج من ذلك أنه لم يكن هناك نظام مثل الذي يدعيه شفيق في تقريره والذي يقضي بأن يكو لكل عضو في اللجنة الرئيسية فرع أو عضو آخر متصل به ولهذا الفرع فرع آخر يعرفه ولا يعرف الأصل وهكذا إلى آخر ما جاء في تقريره بل الثابت هنا على الضد من ذلك أن شفيق منصور ومحمود إسماعيل وعبد الفتاح وعبد الحميد ومحمود راشد يعرفون بعضهم وجماعة أصدقاء كانوا يجتمعون تارة في مكتب شفيق منصور

وتارة في منزل أولاد عنايت وتباحثوا في قضية السردار معا وتناقشوا فيها مرارا فهم هم الجمعية المدبرة، وكان الرسول بين الجمعية والعمال عبد الحميد عنايت كما جاء في أقوال عبد الفتاح بل ثابت أن شفيق منصور الذي يقول عنه عبد الفتاح إنه رئيس الجمعية كان يعرف العمال أيضا المنضمين إلى الجمعية الذي عرف عبد الحميد بإبراهيم موسى وقال له: أن يثق به.

فالجمعية السرية هي إذن خليط من أصدقاء يرأسهم شفيق ومن عمال يعرفهم شفيق وكلهم أو جلهم يعرفون بعضهم البعض وأحسن ما وصفت به هذه الجمعية قول محمد فهمي على إحنا شلة مع بعض فأين هذا من النظام المعقد الخفي الذي يشير إليه شفيق في تقريره.

شهادة عبد الحميد عنايت

وقيمة هذه الشهادة وشهادة عبد الفتاح عنايت ومحمود إسماعيل أن شفيق قال عنهم إنهم يعرفون علاقة ماهر والنقراشي بالجمعية وبشفيق.

س: هلا تعرف أن هناك لجنة رئيسية شفيق أحد أعضائها؟

ج_ أنا ما كنت أعرف أن هناك لجنة رئيسية إلا من التحقيق وكل ما كنت أعرفه أن اللجنة هي هي وأن شفيق رئيسها ثم قال إنه لا يعرف ماهر والنقراشي.

وأبلغ من ذلك وأقطع في الدلالة ما قاله: أريد أن أقرر أننا لما كنا في المحكمة في قفص الاتهام قال لي شفيق بأنه سيقدم تقريرا وأطلب منك أن توافقني على كل ما سيذكر به لأنه من مصلحتنا فقلت له طيب: ولكن كان في نيتي ألا أوافقه إلا على ما أعرفه فقط.

وهو يدعي أخيرا في حادثة السردار بأنه لم يكن موافقا على الحادثة مع أنه كان موافقا عليهما تماما خصوصا في الاجتماع الذي حصل بمنزلنا وقال لنا اجدعنوا بقي وخلصوا لنا الشغلة دي ولم يقل انتظروا لما استشير الغير وما سمعناهشي منه في أي حادثة أما قوله بأني أعرف ما عرفه عن أعضاء الجمعية فقد ذكرت أسماء الأشخاص الذين أعرفهم وهم أعضاء الجمعية أما الأسماء الذين ذكرهم بأنهم أعضاء الجمعية فلا أعرف أنهم أعضاء كما لا أعرف عن هؤلاء الأشخاص شيئا وجميع الحوادث التي حصلت وقعت من أعضاء جمعيتنا.

فهل هناك أبلغ من هذا التكذيب الصريح لأقوال شفيق الذي ادعى أن ماهر أو النقراشي كانا عضوين معه في لجنة رئيسية وأن عبد الحميد يعرف ذلك؟

ويلاحظ أن هذا التكذيب جاء من شخص محكوم عليه بالإعدام وكان له كل المصلحة في أن يعترف على غيره عسى أن ينجو من الموت ولكنه قال في كل صراحة أن جمعيتهم هي التي ارتكبت جميع الحوادث وأن شفيق لم يقل لهم في أي حادثة من الحوادث أنه سيستشير الغير، وأن أعضاء الجمعية هم الذين ذكرهم هو دون سواهم ولا يعرف ماهر أو النقراشي.

وبمواجهة شفيق لعبد الحميد قال عبد الحميد: أنا قلت عنك لأنك كنت موجود معنا وإذا كنت أعرف شخصا آخر كان معنا كنت قلت عنه.

ويلاحظ أيضا أن عبد الحميد عنايت صديق صدوق لشفيق حتى أنه لما اعترف عبد الفتاح عنايت على شفيق واضطر عبد الحميد لذلك أن يقر الحقيقة بكي بكاء مرا أمام النائب العمومي إذ قال: وأنا في الحقيقة الدكتور شفيق صعبان على لأني عاشرته كثيرا ومن الصعب على نفسي أن أقول عليه ثم بكى.

فهل من المعقول أن الشخص الذي يعترف على صديقه شفيق وهو يبكي يحجم عن الاعتراف ضد ماهر أو النقراشي الذين لا يعرفهما ولا صلة له بهما إذا كان كما يقول شفيق يعلم حقيقة أنهما في الجمعية؟ أظن أن هذا لا يقبله عقل.

شهادة عبد الفتاح عنايت

لم يقتصر الأمر على عبد الحميد فإن عبد الفتاح عنايت الذي كان أول المعترفين في قضية السردار والذي اعترف على أخيه نفسه لم يتهم ماهر والنقراشي لأنه لا يريد أن يتهم الناس زورا وظلما وقد سأله سعادة النائب العمومي ما يأتي:

س: شفيق منصور قرر أخيرا أنه عضو في لجنة رئيسية أنتم تعرفون أعضاءها.

جـ : لا أعرف ذلك ثم يتلو ذلك ملحوظة المحقق ذكرنا له أسماء الأشخاص الذين ذكرهم شفيق في تقريره وأقواله بأنهم أعضاء الجمعية الرئيسية فقال إني أسمع عن هؤلاء الأشخاص ولكني لا أعرفهم بصفة أنهم أعضاء في جمعية سرية ثم أعاد عليه السؤال.

س: هل ما زلت مصرا بأنك لا تعرف شيئا عما قرره شفيق فيما يختص بأعضاء الجمعية الرئيسية وذكرنا له الأسماء مرة أخرى.

جـ: أنا لا يمكن أن أتهم شخصا بدون أن أعرف حقيقته.

ويلاحظ هنا أن عبد الفتاح وعبد الحميد كانا من أقرب الأصدقاء إلى شفيق وكانا مطلعين على جميع أسرار الجمعية فكانا يعلمان بمسألة مصطفى حمدي ووفاته في حلوان

وغير ذلك من شئون الجمعية فلو أن ماهر والنقراشي كانا عضوين في الجمعية لعرف أولاد عنايت ذلك تمام المعرفة، لأن شفيق نفسه يقول إن أولاد عنايت ومحمود إسماعيل يعرفون أعضاء اللجنة الرئيسية وعلاقة شفيق بهم ولكن عند سؤال أولاد عنايت عن ذلك قرروا صراحة أنهم لا يعرفون ماهر والنقراشي كأعضاء ولا يمكنهم أن يتهموا أبرياء ولا يعرفون غير شفيق رئيسا للجمعية.

والجمعية هي هي التي اعترفوا عنها إلى آخر ما جاء في أقوالهم التي أشرنا إليها سابقا والمهم هنا لو كان ماهر والنقراشي حقيقة عضوين في الجمعية لما أحجم عن ذكر ذلك عبد الحميد عنايت الذي اعترف على صديقه شفيق وهو يبكي ولا عبد الفتاح عنايت الذي اعترف على أخيه خصوصا أن ماهر والنقراشي لا تربطهما بأولاد عنايت أي صلة صداقة أو معرفة.

ولقد وصف عبد الفتاح كيف تكونت جمعيتهم في تقرير خاص قدمه إلى النيابة بعد الحكم عليه بالإعدام وهذه مقدمته بالنص هذه العصابة قامت بأعمالها بنظام غريب واستمرت ثلاثة أعوام متوالية قائمة بأعمال القتل السياسي، لما حضر الدكتور شفيق منصور من مالطة تعرف بنا وأخذ يتردد على منزلنا وأخيرا ترددت على مكتبه فعرفني بصديق له يدعى محمود إسماعيل.

ثم عرفني بعد ذلك بإبراهيم موسى وكنا عادة نتكلم في حوادث القتل حتى عرض على أخيرا محمود إسماعيل أن أكون واسطة بينهم وبين إبراهيم موسى والعمال وأخذ محمود إسماعيل يورد لنا السلاح وتعرفنا بعد ذلك بمحمود راشد و محمد فهمي النجار وأخذت العصابة تقوم بأعمالها.

وقد ناقش سعادة النائب العمومي عبد الفتاح عنايت في كيفية تكوين الجمعية فسأله.

س: شفيق منصور يقول بأنه لما عاد من مالطة وانضم إلى اللجنة الرئيسية التي كانت مكونة في ذلك الوقت علم بأنكم كنتم ترتكبون حوادث الاعتداءات الفردية ضد الإنجليز ولذلك كلف بالانضمام لكم؟

جـ : هذا غير صحيح بالمرة وهو الذي جرنا لارتكاب الجرائم.

شهادة محمود إسماعيل

ادعى شفيق أن محمود إسماعيل يعرف تكوين اللجنة الرئيسية وأعضاءها ولما سئل محمود إسماعيل كان المنتظر طبعا أن ينكر أن علاقة له بالجمعية وفعلا أنكر ومات مصرا على إنكاره،

ولكن المهم أنه أنكر معرفة ماهر والنقراشي بالمرة بينما هو اعترف بمعرفته لبعض الأعضاء الآخرين الذين ذكرهم شفيق ضمن اللجنة الرئيسية فلو كان محمود إسماعيل يعرفهما حقا ويعرف أنهما عضوان في الجمعية كما يقول شفيق أفما كان يعترف على الأقل بمعرفتهما كما اعترف بمعرفته غيرهم ممن اتهمهم شفيق؟

ومع ذلك فهو قال إنه لا يعرف ماهر وأنه لما يشوف النقراشي من بعيد يعرف أنه هو النقراشي وبمواجهة محمود إسماعيل بشفيق منصور قال له محمود إسماعيل أنا حكم علي بالإعدام ومفيش محل إذا كان حصل شيء كنت أقوله وإذا كنت عاوز تخلص نفسك ما يكونش بالشيء ده)

أقوال شفيق منصور نفسه

نعم إن شفيق منصور هو الذي قال بوجود اللجنة الرئيسية وأن ماهر والنقراشي عضوان فيها ولكن شفيق منصور لا يكون شفيق منصور إذا لم يتناقض وأن تلمح الحقيقة خلال تناقض هذا وها نحن أولاء نورد بعض أقواله التي تكذب دعواه.

(أ‌) الاعتراف الأول: لما اعترف شفيق منصور لأول مرة باشتراكه في جريمة السردار وكان ذلك في 28 مارس سنة 1925 كان من المعقول أن يعترف على شركائه في الحوادث القديمة بعد أن اعترف على نفسه وليس أعز على الإنسان من نفسه وفعلا اعترف شفيق منصور بأسماء شركائه ولم يذكر شيئا ما عن ماهر والنقراشي فقال بالحرف الواحد.

أما عن الحوادث السابقة فكان يشترك فيها أولاد عنايت عبد الحميد وعبد الفتاح ومحمود راشد وعبد العزيز علي وإبراهيم موسى ومحمد فهمي الذي كان يشترك معهم في بعض الأحيان كان محمود إسماعيل هو الذي يساعدهم على ارتكاب الحوادث بالآراء وكانوا يخبروني عن بعض الحوادث والأفراد الذين اشتركوا فيها.

(ب‌) اعتراف 14 أبريل سنة 1925: قبل ذلك الاعتراف بيوم واحد أي في 13 أبريل قدم شفيق منصور تقريرا إلى البوليس ومنه إلى النيابة يقول فيه إلى المرحوم عبد اللطيف الصوفاني بك وأحمد بك ماهر وعبد الرحمن الرافعي بك ومصطفى أفندي وشفيق منصور

كانوا أعضاء اللجنة الرئيسية في سنة 1919 واستمروا في أعمالهم ضد الوزراء المصريين وبعدئذ انضم إليهم النقراشي بك وكان عبد الحميد البيلي بك على اتصال بشفيق مباشرة وأن بعض الأعضاء مثل المرحوم الصوفاني بك والرافعي بك انقطعوا عن العمل بعدئذ إلى آخر ما جاء بهذا التقرير.

ففي يوم 14 أبريل دعاه سعادة النائب العمومي ليحقق معه في ذلك التقرير، ولكن بعد انتهاء التحقيق طلب شفيق منصور إلى المحقق أن يثبت أن التقرير الذي قدمه بالأمس بتاريخ 13 أبريل سنة 1925 لا صحة له بالمرة وأنه كتبه للدفاع عن نفسه وللخلاص من موقف صعب، وأنه شخصيا المسئول عن جميع الحوادث ولم ينشر أحدا من الأشخاص الذين ذكرهم ولم يذكر لهم شيئا عنها لا قبلها ولا بعدها وختم تقريره بقوله وما كنت أستشير إلا نفسي وأشهد الله على ذلك وهذا إقرار واعتراف مني بذلك.

وقيمة هذا التقرير الكبرى قائمة في أنه هو التقرير الوحيد الذي لم يكن للبوليس فرصة للتدخل فيه أو التأثير عليه بل قدمه شفيق للنائب العمومي مباشرة من تلقاء نفسه وفي أثناء التحقيق وقد كانت هذه المرة الأولى التي اجترأ فيها على التهام الأبرياء زورا وظلما فلم يحتمل تبكيت الضمير ولذلك كذب نفسه حالا على أثر انتهاء التحقيق في أقواله الأولى وكان هذا الوازع النفساني أكبر دليل على كذبه أولا وصدقه أخيرا.

ثم يلاحظ وهذا من الأهمية بمكان أن شفيق منصور لما عدل عن اتهام غيره لم يبرئ نفسه بل اصر على اعترافه بالنسبة لنفسه فقا إنه هو وحده المسئول عن جميع الحوادث وأن الآخرين أبرياء منها فلم يكن له إذن أي مصلحة في إنكار التهمة بالنسبة لغيره بل بالعك

فقد نتج عن ذلك المسئولية كلها انحصرت فيه مما يدل على أنه في إقراره لم يتوخ إلا الحقيقة وأنه قال الحق دون أن يحسب حسابا لنفسه مصغيا إلى صوت ضميره الذي أجفل وكانت هذه سقطته الأولى من اتهام الأبرياء.

(ث‌) الفروع: ادعى شفيق أن لكل عضو في اللجنة الرئيسية فرعا ولما ثبت جريمة السردار عليه وعلى شركائه لم ير مناصا من الاعتراف بأن فرعه هو الذي كان يشغل في حوادث الاغتيال.

أما الحوادث السابقة الخاصة بالوزراء فكان يشتغل فيها فروع أخرى وقد مضى عليها زمن طويل والبحث فيها لا يجدي فلما سئل عن فروع ماهر والنقراشي قال: إنه لا يعرف لجنة ماهر الفرعية ولا لجنة النقراشي.

والواقع أن شفيق لم يكن يعرف لجان ماهر والنقراشي لأنه لم يكن لهما لجان ولم يشتركا مطلقا في حوادث الاغتيال فلذلك قرر في اعترافاته في 21 مايو أنه لا يعرف فروع ماهر والنقراشي وأن الحوادث السابقة الخاصة بالوزارة.

قد مضى عليها زمن طويل والبحث فيها لا يجدي ولم تكن هذه المرة الأولى التي قال فيها مثل هذا القول فإنه في تقرره السابق تقرير 13 أبريل قال إني أقرر للحقيقة ولقول الحق أني لا أذكر ولا يمكني أن أذكر مع من كانت المناقشة الخاصة بكل حادثة من الحوادث.

غير أن ذلك لم يكن ليرضى البوليس إذ أنهم أرادوا شهودا أو تفاصيل دقيقة ضد ماهر والنقراشي فأجهد شفيق المسكين خياله وكتبه بعد الحكم عليه بالإعدام تقريرا مطولا بتاريخ 20 يونيه ذكر فيها أسماء عدد من الطلبة وغيرهم الذين كانوا متهمين أو ذكرت أسماؤهم في قضاا الاعتداء على الوزراء وخص بعضهم بماهر والبعض الآخر بالنقراشي ناسيا أنه قال فيما سبق أنه لا يذكر ولا يمكنه أن يذكر تفصيل كل حادثة وأنه لا يعرف لماهر والنقراشي فروعا.

ولكن للضرورة أحكاما ولابد من ذكر تفاصيل وأسماء وإلا فمعاد التنفيذ قد اقترب غير أن سوء حظ شفيق قضى أن جميع الذين استشهد بهم كذبوه فأصبحت لجان ماهر والنقراشي مجرد حبر على ورق وقد كذبه فعلا كل من عبد الرحمن بك فهمي ومحمد أفندي شمس الدين وعبد الرحمن بك الرافعي وعريان أفندي يوسف وعبد القادر أفندي شحاته والشيخ عبد ربه مفتاح وغيرهم.

(د) الاستشارة والتنفيذ: ليس أكثر دلالة على كذب شفيق في دعواه أن ماهر والنقراشي أعضاء معه في لجنة رئيسية مما جاء في أقواله المتناقضة عن كيفية استشارة هؤلاء الأعضاء في جرائم الاغتيال خصوصا في جريمة السردار.

فقد ادعى شفيق في اعترافات 21 مايو أنه استشار أحمد بك ماهر في جريمة السردار فوافق عليهما أما النقراشي بك والأستاذ حسن كامل الشيشيني فلم يوافقا واعترضا بشدة فسأله سعادة النائب العمومي السؤال الذي يتبادر إلى الذهن مباشرة وهو هل أخبرت النقراشي بأن ماهر موافق؟ فأجاب: لم أخبره.

وإن لنا أن نتساءل هنا:

هل من المعقول أن جمعية إجرامية يقوم أفرادها بأعمال خطيرة قد تعرضهم للموت السريع ترتكب جريمة خطيرة كجريمة السردار دون أن يتفق الأعضاء الرئيسيون فيما بينهم أو دون أن يجتمعوا على الأقل ليتشاوروا أو دون أن يعرف على الأقل القليل كل عضو رأى زميله هذا بينما اللجنة الفرعية تجتمع وتتبادل الرأي بدل المرة مرات؟

غير أن الأدهى من ذلك أن شفيق منصور بعد الحكم عليه في قضية السردار لم يرى له مصلحة في اتهام ماهر وفي قضية السردار إذ الحكم صدر ولا مرد له فعاد إلى ذكر الحقيقة في تقريره الذ قدمه في 20 يونيه أي بعد الحكم وبرأ ماهر والنقراشي والشيشيني من الموفقة على قضية السردار.

فإذا سلمنا جدلا بأنه استشارهم وأنهم لم يوافقوا فكيف نفذت الجريمة كيف تجترئ لجنة فرعية على ارتكاب جريمة لم يوافق عليها أعضاء اللجنة الرئيسية جميعهم اللهم إلا شفيق الذي يدعي مع ذلك أنه كان مترددا فهل سمع أحد بلجنة رئيسية مثل هذه كلا فإن مثل هذه اللجنة لا يمكن أن توجد إلا في مخ مختبل كمخ ذلك المسكين شفيق.

وقد يكون من المفيد هنا أن نستشهد بأقوال شفيق نفسه عن سلطة اللجنة الرئيسية وأوامرها فقد قال وفي هذا النظام يجب أن أخضع لكل الأوامر التي تصدر من اللجنة الرئيسية وأني أكون كوسيط فقط أنقل الأخبار من تحت إلى فوق ومن فوق إلى تحت ولا أعطي فيها رايا باتا بل لابد من القرار وقال في تقرير 20 يونيه وعلى كل حال أخذ رأي أحمد ماهر والنقراشي في كل شيء.

وكنت تحت أمرهما لا يمكنني أن أتحرك أو أبدي رأيا أو فكرا من غير الأمر الذي يصدر لي منهما فأين هذا من تلك اللجنة الوهمية التي كونها شفيق من ماهر والنقراشي وغيرهما والتي ارتكبت جريمة السردار بالرغم منها وبدو موافقتها هل وجود مثل هذه الجنة يقبله عقل؟

(ه) النقود: في كلام شفيق عن كيفية جمع النقود أدلة لاترد على أن ماهر والنقراشي لم يكونا أعضاء في الجمعية وأنه هو كان الكل في الكل فقد شهد محمد أفندي نجيب الهلباوي وهو من البوليس السري ومن شهود الإثبات ضد ماهر والنقراشي أنه سمع من شفيق نسه أقولا لا يمكن أن تفسر إلا بأن شفيق هو الكل في الكل في الجمعية.

قال نجيب الهلباوي أخبرني شفيق أن كل الحوادث كانت بتدبيراته وأنه صرف عليها كل إيراده ثم سئل هل تظن أن شفيق منصور يقوم بالصرف على هذه الحوادث من جيبه الخاص فأجاب هو أخبرني بأنه لم يأخذ إلا ألفا ومائتي جنيه على جملة دفعات من عبد الرحمن بك فهمي والباقي يصرفه من جيبه الخاص ومن ضمن المصاريف التي يقوم بها من جيبه الخاص إعانة عائلة مصطفى حمدي وأنه أراد أن يلم إعانة لأهل مصطفى حمدي فلم يقبل أحد.

نظن أن هذه الشهادة قاطعة أنه لم تكن هناك لجنة رئيسية للصرف على الجمعية خصوصا قول شفيق إن كل الحوادث كانت بتدبيراته وأنه صرف عليها كل إيراده ويلاحظ أن نجيب أفندي الهلباوي أدى هذه الشهادة في 15 فبراير سنة 1925 أي بعد القبض على شفيق بزمن وجيز وقبل اعترافاته.

ثم اعترف شفيق بعد ذلك ودعى دعاوي باطلة من حيث النقود وغيرها ولكنه أيد شهادة الهلباوي من حيث لا يدري قال شفيق في اعترافه بتاريخ 21 مايو ما يأتي: ومرة عملنا لعائلة مصطفى حمدي حيث دفع كل منا جزءا وجمعنا لها مبلغ 200 جنيه أنا دفعت جزءا من المبلغ وماهر دفع جزءا 60 أو 70 جنيها على ما أتذكر والنقراشي دفع جزءا بسيطا والشيشيني أيضا دفع وكل من ساعد في هذا الاكتتاب ساعد بقصد إعانة عائلة فقيرة إلا أحمد ماهر فإنه دفع وهو يعلم بأن مصطفى حمدي قتل من انفجار قنبلة فيه لأن الحادثة حصلت بحضوره.

وعندنا أن في هذا القول الذي جاء على لسان شفيق عفوا دليلا على أنه لم يكن هناك لجنة رئيسية كما يدعي فهو أراد أن يتهم ماهر في مسألة مصطفى حمدي واتهمه فعلا ولكنه في كلامه عن النقراشي والشيشيني فلتت منه عبارة دلت على كذب أقواله برمتها إذ ليس من المعقول أن يكون النقراشي والشيشيني من أعضاء اللجنة الرئيسية ويدفعان ما دفعاه باعتباره إعانة لعائلة فقيرة ولا يعلمان بمسألة مصطفى حمدي.

مع أنه ثابت من التحقيق أن المسألة كانت معروفة لصغار الأعضاء مثل عبد الحميد عنايت وعبد الفتاح فضلا عن محمود إسماعيل وشفيق فلو أن النقراشي والشيشيني كانا حقيقة من أعضاء الجمعية لعرفا الأمر قبل كل إنسان بصفتهما عضوين في اللجنة الرئيسية وقصارى القول إن شفيق منصور دل على كذبه بلسانه وهدم التهمة لا بالنسبة للنقراشي والشيشيني فقط بل بالنسبة لماهر أيضا لأنه جعله عضوا معهما في لجنة واحدة وفي درجة واحدة.

(و) أعضاء اللجنة الرئيسية: أما ما قاله شفيق منصور في اعترافاته جميها عن أعضاء تلك اللجنة الموهومة فمما لا يدخل فحصر ويكاد يكون من المستحيل تتبعه في أكاذيبه التي لا تستقر على حال من القلق وكانت مرآة صافية لنفسه المضطربة المنزعجة.

ففي اعترافه الأول في 28 مارس.... عندما اعترف على نفسه لأول مرة في جريمة السردار قرر الحقيقة أيضا بالنسبة للحوادث القديمة فلم يذكر أن هناك لجنة رئيسية ولو أن هناك شيئا من ذلك لما أحجم عن الاعتراف على غيره بعد أن اعترف على نفسه بل ذكر الحقيقة كلها أن قال إن الحوادث السابقة كان يديرها محمود إسماعيل بالاشتراك مع ولاد عنايت ومحمود راشد وإبراهيم موسى ومحمد فهمي علي.

غير أن نفسيته كانت قد بدأت تنحط شيئا فشيئا وتكالبت عليه عوامل الضعف من جهة والضغط والتعذيب من جهة أخرى حتى أصب بالأرق وبنوع من تخريف وكان يمزق هدومه ويبكي ويتوهم أنهم سيعدمونه بضربة على رأسه أو بربطة في عمود ويرجم بالحجارة إلى آخر ما سنبينه في حينه وقد نتج عن ذلك أنه كان يتناقض بين اعتراف وبين تقرير وأخر بل كثيرا ما كان ينسى ما كتبه في تقريره عندما يسأل فيه فيقرر في استجوابه ما يخالف اعترافه وهكذا

ولذلك بعد أن قرر في 28 مارس أسماء شركائه الحقيقين طلب في 2 أبريل أن يقابل سعادة النائب العمومي خصيصا فلما قابله في الساعة الثامنة والنصف مساء قال: إنه لا يزال يتردد في ذكر الأسماء ثم في 17 أبريل أظهر لعبته على المكشوف.

فقال قررت هذا القول لأني لم أجد نتيجة تعود علي من ذكر أسماء الذين اشتركوا معي في الحوادث السابقة ثم في 11 أبريل أمام قاضي المعارضة أن البوليس كان يسعى للتأثير عليه ويلازمه من الساعة 8 صباحا إلى التاسعة مساء وقرر المحامي عنه إنه علم من شفيق أنه قد اقترح عليه في سجنه مرارا اتهام أشخاص لا علاقة لهم بهذه القضية.

وأخيرا بعد تردد ومساومة قدم تقريره في 13 أبريل متهما فيه عبد اللطيف بك الصوفاني وعبد الرحمن بك الرافعي وأحمد بك ماهر ومصطفى أفندي حمدي بأنهم كانوا فيما بينهم جمعية سرية غرضها الأول الاعتداء على الوزراء المصريين الذين يعملون ضد بلادهم.

وأنه لما عاد من مالطة في أواخر سنة 1919 انضم إليهم وبعد انتهاء حوادث اغتيال الوزراء أو حرفيا ولما تمت هذه الحال كلف شفيق بالاتصال بهيئة أخرى مكونة من أولاد عنايت والحاج أحمد وبعض العمال وقد كذبه أولاد عنايت وقالوا: إنه هو الذي جرهم إلى الإجرام ولا يعرفون غيره رئيسا لجمعيتهم كما ذكرنا سابقا.

ثم بعد ذلك انضم النقراشي إلى الجمعية ومعنى ذلك طبعا أن النقراشي لم يشترك في حوادث الاعتداء على الوزراء المصريين وبعد الحوادث ضد الإنجليز ولكنا سنرى أنه في تقرير لاحق سيدعى شفيق غير ذلك. ويقول شفيق: إن النقراشي انضم للجماعة ولكنه كان على بعد، وصلته به وبماهر، وكذلك عبد الحليم البيلي فقد كانت صلته بشفيق شخصيا.

استمرت الجمعية تعمل إلى أن انقطع الصوفاني بك وعبد الرحمن بك الرافعي ابتداء من أول عهد البرلمان الأول.

أما عن الحوادث السابقة فقال عن حوادث الوزراء إنه كان في كل شهر تقريبا تمر حادثة بالاعتداء على وزير بعد البحث عن الأشخاص الذين يرتكبون هذا العمل ومعنى ذلك أنه لم يكن هناك فروع منظمة بل كانوا يبحثون عن الأشخاص في كل حادثة من الحوادث.

أما حوادث اغتيال الإنجليز فهي التي كانت ترتكب بواسطة أفراد معروفين وهي الجمعية المكونة من محمود إسماعيل وأولاد عنايت والعمال والتي يقول شفيق أنه كلف بالاتصال بها وقد كذبه في مسالة الاتصال عبد الفتاح وعبد الحميد فقالا فقالوا إنه هو الذي جرهم إلى الإجرام وكون الجمعية كما سبق.

ويظهر أن البوليس طلب إلى شفيق أن يذكر كل حادثة من الحوادث السابقة ومن ارتكبها وحرض عليها فقال في تقريره وللحقيقة وللقول الحق لا أتذكر ولا يمكنني أن أتذكر مع من كانت المناقشة الخاصة بكل حادثة من الحوادث.

هذا ما جاء في تقرير 13 أبريل عن تكوين الجمعية وملخصه أن هناك جمعية رئيسية مكونة منذ سنة 1919 للاعتداء على الوزراء المصريين وأن هذه الجمعية اتصلت بواسطة شفيق بهيئة أخرى من طلبة وعمال كانت تعتدي على الإنجليز فقط.

ولكن كل هذا البنيان انهار باعتراف شفيق في اليوم التالي (14 أبريل) أمام سعدة النائب العمومي عندما كان يحقق معه في تقرير الأمس فإنه قال إن ذلك التقرير لا صحة له بالمرة وأن الأشخاص الذين اتهمهم أبرياء ولم يستشرهم في شيء بل هو وحده المسئول عن جميع الحوادث إلى آخر ما جاء في ذلك التقرير مما فصلناه قبل الآن.

وفي 21 مايو صرح له أن يبدي أقواله بحضور الهلباوي بك وهي المرة الأولى والأخيرة التي صرح فيها لمتهم بحضور محام معه في التحقيق والمحكمة من هذا الاستثناء ظهرت صراحة من شهادة الاستاذ عبد الملك حمزة من أنه أخبر شفيق.

أن الهلباوي بك حصل على وعد وأنه لا يخدعه ومن بيان إسماعيل صدقي باشا في السياسة الذي قرر فيه حقيقة ذلك الوعد وأسبابه وبناء على ذلك اعترف شفيق اعترافه المذكور بتاريخ 21 مايو والمحور الذي يدور عليه الاعتراف هو اتهام السعديين وتبرئة غير السعديين

فاللجنة الرئيسية أصبحت مكونة الآن منه ومن ماهر والنقراشي فقط والشيشيني كعضو استشاري أما عبد الحليم البيلي وعبد الرحمن البيلي فلم يشتركا فيها وأما عبد اللطيف الصوفاني وعبد الرحمن الرافعي فقد انقطعا عن العمل بعد حوادث الوزراء القديمة من عهد البرلمان الأول.

وبما أن محكمة الجنايات لم تكن قد نظرت في قضية السردار بعد فكان المهم أن تلقي مسئوليتها على السعديين وأن يكون لشفيق الدور الثاني فيها حتى يخفف مسئوليته فلذلك اتهم ماهر بأنه هو الذي اقترح الاعتداء على السردار بدلا من وكيل حكومة السودان

واقترح تأجيل الاعتداء لحين انعقاد البرلمان للاحتماء وراء الحصانة البرلمانية وعلم أيضا باليوم الذي حدد له الحادثة ولما ارتكبت الحادثة وكان شفيق معه في الوزارة سأله أحمد ماهر إذا كان السردار قد أصيب بأذى

فلما علم أنه نجا قال خسارة ولما سمع ماهر فرقعة الرصاص ابتسم ولما مر بالعربة مع شفيق ورأى فتح الله باشا في محل الحادثة ضحك وهكذا إلى آخر تلك التفاصيل الشيطانية التي تدل إن صحت على أن ماهر شيطان رجيم متعطش إلى دماء الناس

وأنه مجرم بطبعه لا قلب له ولا ضمير إنما له خيال سخي في الكذب ولست في حاجة إلى التدليل على كذب هذه التفاصيل فقد كفانا شفيق نفسه مئونة هذا التدليل باعترافه في 20 يونيه الذي كذب فيه تلك التفاصيل برمتها وقرر أن أحمد ماهر لم يوافق على جريمة السردار ولم يكن عالما بحدوثها لما وقعت.

وقد علق سعادة النائب العمومي على المتناقضات بملحوظة من عنده قال فيها إن شفيق اتهم ماهر والنقراشي وآخرين في 13 أبريل وبرأهما خصيصا في 14 أبريل ونسب الحوادث لنفسه وهذه الملحوظة القصيرة تغني عن كل تعليق وأبلغ منها ملحوظة النائب العمومي الآتية:

نذكر أن شفيق منصور كان يلح علينا في إعادة مناقشة في قضية السردار فأفهمناه أن اضطراب أقواله لا يجعل محلا لإطالة المناقشة معه في هذا الموضوع بعد الحكم نهائيا.

أما تقرير 20 يونيه الذي قدمه بعد الحكم عليه في قضية السردار فقد ذكر فيه شفيق أنه لما عاد من مالطة سنة 1919 وجد الجماعة مكونة من الصوفاني بك ومصطفى حمدي افندي وأحمد بك ماهر وعبد الرحمن بك الرافعي وأضاف إليهم محمد ك شرارة ومحمود فهمي النقراشي بك.

مع أنه ذكر في تقرير 13 أبريل أن النقراشي انضم إلى الجمعية بعد أن أنتهت حوادث اغتيال الوزراء ثم قال إن الصوفاني بك والرافعي بك انقطعا بعد حوادث الاعتداء على الوزراء وليس في عهد البرلمان الأول كما ذكر في تقرير سابق، وكذلك انقطع شراره بك من عهد تعيينه قنصلا.

وقال في تقريره إن حسن بك كامل الشيشيني لم يكن عضوا وأنه استشاره فقط مرة واحدة في حادثة السردار فلم يوافق عليها ولكنه عدل عن ذلك في اليوم التالي أمام النائب العمومي إذ قال إنه لا يوجد في الجمعية أعضاء استشاريون وأن الشيشيني عضو في الجمعية وقال عن عبد الحليم بك البيلي أنه متصل به عن بعد وأنه في بعض الأحيان يخبره عن الحوادث بعد حصولها ولكنه لا يهتم بها ولا يساعد فيها ماديا أو أدبيا.

ثم ذكر أسماء أشخاص عديدين من طلبة وغيرهم قال إنهم فروع لماهر والنقراشي والصوفاني ووصف كيفية ارتكاب كل حادثة وتفاصيلها مع أنه قال في اعترافاته السابقة أنه لا يعرف فروع ماهر والنقراشي وأنه لا يذكر ولا يمكنه أن يذكر المناقشة الخاصة بكل حادثة من الحوادث وقد كذبه مع ذلك جميع من استشهد بهم.

وفي 31 يوليو قدم شفيق آخر تقرير له ولو أنه أفسح في أجله لما كان هذا التقرير آخر تقاريره برأ فيه سعد باشا والسعديين من جريمة السردار تبرئة تامة وألقى مسئوليتها على خصوم سعد ثم قال إن البيلي كان الواسطة بين نشأت ومحمود إسماعيل وكان في جمعية ماهر والنقراشي الأول ولا نفهم معنى لهذه الصيغة الجديدة جمعية ماهر والنقراشي الأول اللهم إلا أن جمعيتهما المزعومة لم تكن على أي صلة بجمعية شفيق ومحمود إسماعيل وأنه يشير إلى الجمعية التي قال أنه وجدها مؤلفة حين عودته من مالطة وأن غرضها كان الاعتداء على الوزراء المصريين فإذا الرافعي بك وشرارة بك وكان من الواجب ألا ترفع الدعوى عليهما.

هذا إذا سلمنا جدلا بصحة أقواله ولكن من يتبع جميع أقواله بما فيها من اعترف وانكار وتبرئة واتهام لا يمكنه أن يشك في أن كل ما قاله عن وجود لجنة رئيسية قديمة أو جديدة إن هو إلا كذب للخلاص من الإعدام الذي كان المسكين فزعا منه كما جاء في بيان إسماعيل باشا صدقي:

ثبت لدينا من أقوال شفيق منصور نفسه فضلا عن أقوال المتهمين في قضية السردار أنه ليس هناك لجنة رئيسية كما ادعى شفيق وسننتقل إلى دليلنا السادس على عدم وجود اللجنة وهو أقوال المتهمين في القضايا القديمة مثل محمد أفندي شمس الدين ونجيب افندي الهلباوي ويعقوب أفندي صيري وغيرهم والكل مجمعون على إن شفيق منصور كان الروح العاملة والكل في الكل.

شهادة محمد أفندي شمس الدين

من هو محمد أفندي شمس الدين هو الذي حكم عليه مع نجيب أفندي الهلباوي في قضية الاعتداء على المرحوم السلطان حسين وشمله العفو الذي صدر تحت وزارة الشعب ولشهادته قيمة عظيمة لأنه نسيب شفيق وصديقه وكثيرا ما كان يزوره في مكتبه.

فضلا عن أن شفيق كان ممن اشتركوا مع شمس الدين أفندي في حادثة في مكتبه فضلا عن أن شفيق كان ممن اشتركوا مع شمس الدين أفندي في حادثة المرحوم السلطان حسين كما شهد بذلك شمس الدين أفندي فهو إذن من أكثر الناس اتصالا بشفيق ولشهادته الواضح فيها الصدق والصراحة معنى لا يمكن أن يفوت حضرة القاضي العادل وهذا نصر شهادته كما وردت بالحرف الواحد:

س: ألم يخبرك شفيق في يوم ما للعلاقة التي بينكما عن شيء من أعماله مدة وجودك في السجن وعن الأشخاص الذين اشتركوا معه في عمل من الأعمال؟

ج: لم يخبرني بشيء خاص ولكنه أخبرني أنه لما كان في السجن ونامت الحركة وأنه لما عاد من مالطة بدأت الحركة تحيا من جديد وهذا صحيح والحمد لله قد وصلنا لشيء طيب ولاحظت أنه يحقد جدا على الدكتور ماهر والنقراشي وسعد باشا لأن سعد باشا قدم عليه ماهر والنقراشي.

مع أنه خدم البد أكثر منهما ويشعر في نفسه أنه أكفأ منهما فضلا عن أسعد باشا ما كان قابلا أن يكون عضوا بمجلس النواب عن باب الشعرية لأنه كان أصلا في الحزب الوطني ولولا شفيق منصور أخذ التزكية بالإجماع تقريبا لما قبل الوفد ترشيحه لأن الوفد أصبح أمام واقع وأذكر أنه قرر لي ذلك بحضور نجب الهلباوي.

س: هل أخبرك بأن ماهرا والنقراشي عملا شيئا مثل ما عمله؟

جـ : هو لم يخبرنا بشيء وفقط يسخر من عملهما لأنه كان مقصورا على إضراب موظفين أو طلبة أو شيء من ذلك. ثم سئل عن النقراشي وميوله السياسية فأجاب كل ما أعرفه من شفيق أنه بتاع مظاهرات واضراب وكذلك أحمد ماهر.

شهادة نجيب أفندي الهلباوي

أيد نجيب الهلباوي شهادة شمس الدين أفندي كل التأييد ولهذا التأييد معناه فإن نجيب أفندي الهلباوي ملتحق بالبوليس السري وقدم تقريرا خاصا بالحوادث القديمة سنناقشه بالتفصيل إنما نبدأ هنا بذكر ما قاله عندما سئل عن أقوال شمس الدين أفندي، فقد جاء ما يأتي:

س: ألم تسمع شفيق يوما من الأيام ينتقد تصرفات حكومة سعد؟

ج_ أتذكر أنه انتقد تعيين ماهر وزيرا والنقراشي وكيل وزارة مع أنه هو الذي قام بجميع الأعمال أكثر من أي شخص وأنهم غشوا سعد باشا وأفهموه أنهم هم الذين قاموا بكل شيء عشان يأخذوا المركز دي وأتذكر أن هذا الكلام حصل يوم كنت أنا وهو وشمس الدين وفي هذا تأييد صريح لأقوال شمس الدين.

شهادة يعقوب صبري

ليس هناك وصف يدل على الدور الرئيسي الذي لعبه شفيق في جرائم القتل أحسن من الوصف الذي جاء على لسان يعقوب صبري فقد قال في تقريره ما يأتي:

لو لم يكن شفيق منصور موجودا على قيد الحياة بعد حادثة الورداني لما حصل ما حصل من الحوادث المريعة ولما قتل ولا شنق أحد فإنه كان ساعد الشيطان الأيمن وكان همه الوحيد أن تقع الحوادث ليفخر بها وكان له تأثير عجيب على النفوس.

ونقلت بعد ذلك للإسكندرية فلم ألبث قليلا حتى حضر شفيق منصور كالشيطان الرجيم لتنظيم أعمال الجمعية ثم سافر شفيق منصور إلى أوربا فنام العمل في مصرو نام في الإسكندرية.

ثم مضت مدة طويلة على ذلك حتى حضر شفيق منصور من أوربا فجدد عهد الأعمال السرية ثانية واشترك شفيق في حادثة السلطان حسين سنة 1910.

وفي منتصف شهر نوفمبر سنة 1919 نقلت إلى إسنا وكانت أعمالي الكثيرة بالمدرسة لا تمكني من مقابلة أحد وبعد ذلك قامت حولي حركة في مصر قام بها شفيق منصور ومصطفى حمدي بدعوى أني أرجع للاشتغال معهما في الأعمال السرية مرة ثانية فاعتذرت ثم شهد في التحقيق أن شفيق منصور كان الكل في الكل، وهكذا شهد شاهد من أهلها.

بقيت لي كلمة عن يعقوب صبري كشاهد إثبات أن النيابة أعدمت شفيقا وكانت قد أخذت أقواله وأقوال غيره من الشهود قبل إعدامه فلم يستجد شيء بعد إعدامه إلا شهادة يعقوب صبري بالنسبة إلى ماهر وحده ولكن هذه الشهادة هي شهادة استنتاجية فقد قال إنه لا يعلم أن ماهر عضو في الجمعية ولكنه استنتج من رفع التكليف بين ماهر والرافعي أنهما عضوان بها.

وقد سأل النائب العام يعقوب صبري أسئلة بريئة فقال له: هل تعرف شفيق؟ قال: نعم كان يجلس معي في القهوة وسأله هل تعرف نجي الهلباوي وفهمي النقراشي؟ فقال إني أعرفهم وزاد أنه يعرف أولاد عنايت من الصغر ولما سئل عن معرفته لماهر ورؤيته له فما هي المصلحة له في ذلك بعد أن يعترف بمعرفة شفيق والنقراشي وأولاد عنايت

ثم ينكر معرفته لماهر لا أعرف من ذلك الإنكار البريء ولكنه لما اتهم وسجن أرغم على ما قاله بخصوص ماهر وهناك نقطة أخرى هامة فإن صبري قبض عليه في 16 سبتمبر واعترف في أول أكتوبر ولكن ماهر لم يستجوب في هذا الاعتراف إلا في 28 ديسمبر فلماذا لم يحقق معه في 14 أكتوبر؟

إني باعتباري محاميا وقانونيا أقول إن التفسير الوحيد الذي هو أن النيابة لم تكن تعطي قيمة لأقوال يعقوب صبري فلذلك لم تحقق مع ماهر في هذه الأقوال.

النحاس باشا: استسمح حضرة الزميل في أن أضيف إلى ما قاله حضرته أننا قدمنا طلب إلى السيد مصطفى بك في جلسة أكتوبر سنة 1921 عندما قرر أمام غرفة المشورة أن أحد المقبوض عليهم قرر أقوالا مهم ضد أحمد والنقراشي فسألناه من هو هذا فلم يشأ أن يذكره لنا ولكننا أغتصبناه منه اغتصابا.

وكان يتعمد دائما سرية التحقيق ولكن غرفة المشورة رأت معنا أن تعرف ماهي تلك الأقوال التي يطلب بها استمرار الحبس فاستخرجنا منه أن الشخص الذي قرر هذه الأقوال هو يعقوب صبري فقدمنا أنا وزملائي إلى سعادة النائب العمومي طلبا في ضرورة استجواب ماهر في أقواله فمل يفعل سعادة النائب وكذلك النتيجة أنه لم يسأل ماهر في هذه الأقوال التي قالها يعقوب وتقرر استمرار الحس لهذا السب أيضا ولم يسأل إلا في 28 ديسمبر أي بعد أن استقر الرأي على إحالتهما على محكمة الجنايات.

مكرم بك: ومعنى هذا يا حضرة القاضي أن النيابة لم تهمل استجواب ماهر بك ب تعمدت ذلك تعمدا وأضيف أن الواقعة التي ادعاها يعقوب صبري غير معقولة وإني على ذلك من أٌواله نفسه فهو يدعي أن ماهر كان مع حمدي في الجبل.

والأمر احد من اثنين فإما أن ماهر كان هناك ليعلم أو ليتعلم معقول أن أستاذ التجارة يعلم ضابط البوليس كيف يلقي القنابل وغير معقول أيضا أن ماهر كان يتعلم لأنه طبقا لأقوال شفيق من الرؤساء وليس من المنفذين.

القاضي: أو لعله كان يتفرج.

وليم بك : هذا حسن فإنه إذا كان يتفرج فلا يكون عضوا في الجمعية غير أني أريد أن أدلل على أن يعقوب هو الذي ذهب مع حمدي بنفسه والأدلة على ذلك تنحصر فيما يأتي:

أولا: أن يعقوب صبري اعترف أنه كان يذهب مع محمود عنايت إلى هليوبوليس للمران على إطلاق الرصاص.

ثانيا: أن شفيق نفسه قال إن سبب حضور يعقوب إلى مصر كان لاستحضار قنابل وتجرب القنابل الجديدة التي كانت تعملها لجنة مصر.

ثالثا: أن عبد الحميد عنايت قال إن الذي رافق مصطفى حمدي هو أخوه عبد الخالق عنايت وشخص آخر لا يذكر اسمه وسيبحث عنه وهذا الشخص لا يمكن أن يكون أحمد ماهر طبعا لأنه معرف ولا يبحث عنه بل هو يعقوب صبري نفسه الذي سبق أن رافق عنايت الكبير في التمرن على إطلاق الرصاص والذي يقول شفيق إنه أتى إلى مص لاستحضار قنابل وتجربتها.

رابعا: أن صبري باعترافه صديق لمصطفى حمدي فمن ذلك ترى يا حضرة القاضي أن الشبكة التي أراد يعقوب أن ينصبها لغيره وقع هو فيها.

غير أن أغرب ما في هذه القضة هو طريقة التدلل فيها وكلمة التدليل إنما هي عبارة ملطفة لما أعنيه وهو التلفيق وقد كان يطلب إلى شفيق أن يقيم الدلي المادي أو الواقع المادية وقيل له صراحة إن رأسه رهن الدليل وأنه لا يكفيه أن يدعي بل يجب أن يثبت ما يدعيه

وهذا ظاهر من بيان إسماعيل باشا صدقي الذي أبلغه أنه لن يحصل على العفو أو التخفيف إلا إذا قرر الحقيقة وقام البرهان على صحة قوله وكذلك نصحه الهلباوي بك بأن يتهم الأشخاص الذين يمكنه أن يقيم الدليل عليهم كما هو وارد في شهادته.

فما الذي يعمله شفيق المسكين لإقامة الدليل والبرهان الأمر بسيط فقد سبق أن قلت إن شفيقا كان مجنونا أو ممثلا للجنون وهو في كلتا الحالتين لا يعتمد على أقواله إنما كان شفيق عاقلا جدا فيما يختص بحياته هو لأنه غزيرة البقاء كانت تملى عليه أن يسعى إلى خلق الدليل إذا لم يجده وما داموا يطلبون إليه أن يذك وقائع مادية فهو يعرف ولا ينبئك مثل خبير كثيرا من أسرار الجمعية التي هو رئيسا فما عليه إلا أن ينسب البعض منها إلى ماهر والبعض الآخر إلى النقراشي كل بحسب نصيبه فاذا لم تتحقق بالنبة لماهر أو النقراشي فيكون قد قام بشيء مما طلب منه على الأقل ولعل ذلك يكون شفيعا له عند ذوي الشفاعة.

وقد سار شفيق على هذا السبيل ولا سبيل له غره ولكن الغريب أن تسير معه النيابة أيضا في هذا الطري بعد أن ثبت أن كل واقعة ذكرها شفيق لم تثبت بالنسبة لماهر أو النقراشي فهل تريد النيابة منها أن تعتقد أنها هي أيضا سارت على هذا السبيل لأنه لا سبيل لها غيره؟

وها نحن أولاء نورد أمثلة على طريقة التدليل التي ابتكرها شفيق وتبعته فيها النيابة.

(1) مسألة الحصانة البرلمانية: سأل النائب العام شفيقا هل عندك دليل أو قرينة تؤيد اشتراك أحمد ماهر معك في حادثة السردار؟ فأجاب أنا أطلب سؤال أولاد عنايت هل قلت لهم ينتظرون حتى يفتح البرلمان للاستفادة من الحصانة أم لا

ولكن شفيق نسي أن المهم هو هل ماهر الذي أشار بذلك أم لا أما أنه قال لأولاد عنايت أو لم يقل فلا قيمة لذلك مطلقا إذ أنه لم يقل واحد من أولاد عنايت إنهم سمعوا شيئا من ذلك نقلا عن ماهر أو عن غيره. وبهذه المناسبة يسوءني جدا أن أتهم النيابة بخطأ فاضح ولا أريد أن أقول خطأ مقصودا.ط

فقد جاء في تقرير الاتهام أن أحمد ماهر أشار في حادثة الاعتداء على السردار بتأجيل التنفيذ إلى انعقاد البرلمان مع أن شفيق منصور نفسه قال في آخر تقرير له أي تقرير 18 يونيه إن أحمد ماهر قال له إن الواجب أن تمنعهم ما استطعت وأن تقول للأولاد بالانتظار إلى انعقاد البرلمان للاحتماء بالحصانة البرلمانية ويكون ذلك طريق للتسويف وتخدير أعصابهم وربما أفادت.

هذه الدعوى كلها كاذبة طبعا ولكن النيابة لم يكفها أن تتهمنا بأقوال شفيق على ما فيها من كذب بل حذفت من أقواله ما يفيدنا وأثبتت ما يضرنا، فذكرت في تقرير الاتهام أن ماهر طلب تأجيل الحدثة إلى انعقاد البرلمان ولم يكر الجزء الأخير من الجملة وهو أن لك طريقة للتسويف ولتخدير أعصاب أولاد عنايت عسى أن يمتنعوا عن ارتكاب الجريمة فكان مثلها في ذلك مثل من استشهد بالآية القرآنية الكريمة فقال: (ولا تقربوا الصلاة) ولم يضف وأنتم سكارة.

(2) كشف إبراهيم موسى: من ضمن الأدلة التي اخترعت ضد النقراشي مسألة كشف إبراهيم موسى وهي تمثل كل التمثيل طريقة التدليل التي اتبعت فإن شفيق ذكر مسألة كشف العمال الذي جاء فيه اسم إبراهيم موسى وقدمته مصلحة الأمة العام إلى النقراشي بك ليتخذ إجراءات ضد العمال المهيجين وقال شفيق إن النقراشي.

أطلعه على هذا الكشف فلما أخبره بأن إبراهيم موسى من ضمن أعضاء الجمعية شطب النقراشي بك اسمه وهذا الكشف صحيح وقد قدمته فعلا مصلحة الأمن العام إلى النقراشي بك واستشار النقراشي نية شفيق باعتباره مستشارا للعمال إنما نقصى شيء وهم المهم أعني أن اسم إبراهيم موسى لم يكن مشطوبا.

يحكى يا حضرة القاضي أن ملكا من ملوك الأروام زار مدينة من مدائن ملكه فلم تحيه القلعة بإطلاق المدافع فاستحضر قائد القلعة وسائله غاضبا ما الذي تعنيه بعد تحيتي فأنت موجود بالجيش والجيش موجود والقلعة موجودة والمدافع أيضا فلماذا لم تطلقها لتحيتي؟

فأجاب القائد إن لذلك عدة أسباب أولا أنه ليس هناك بارود فقال له الملك يكفني هذا السبب فهو يغني عن بقية عن بقية الأسباب وكذلك كل شيء في حالتنا موجود من كشف وأسماء وغير ذلك إنما ينقصنا البارود وأعني الدليل ضد النقراشي وهو شطب الاسم.

(3) تقرير خاص بالنقراشي: واستشهد بالتهمة التي اتهم بها النقراشي وهي تضليل التحقيق فقال إن هذه التهمة نسبت إليه عندما قبض عليه في المرة الأولى فلم يثبت شيء ضده ومع ذلك ذكرت هذه المسألة في التحقيق في هذه القضية أيضا إلى حد أن شفيق منصور كتب تقريرا خاصا وهو ملحق بتقرير 18 يونيه ليتهم النقراشي فيه بهذه التهمة.

فكان هذا التقرير عبارة عن ورقة اتهام ضد النقراشي إذ ذكر فيه ما ادعاه عليه من اشتراكه ف قضايا القتل ذكر في آخر التقرير من باب الاحتياط أن النقراشي تستر عليه في التحقيق وأخبره أن المستر كين بويد يشتبه فيه أي في شفيق ونسى شفيق أنه قال في تحقيق 21 مايو أمام النائب العمومي أن النقراشي نفسه لم يخبره بشيء من هذا أفليس هذا دليلا على أن التقارير كانت تصطنع اصطناعا وتملى على شفيق إملاء حتى إنه كتب ملحقا بهذه النقطة؟

وأضيف إلى ذلك أن سليم زكي أفندي يخبرنا بأنه كن يزور شفيقا في السجن أثناء كتابة هذا التقرير وشفيق نفسه يؤكد أن البوليس ما كان يتركه من الساعة الثامنة صباحا إلى الساعة الثامنة صباحا إلى الساعة التاسعة مساء.

إن السبب يا حضرة القاضي في اتهام النقراشي بهذا الأمر أن النقراشي المسكين ظن أنه موظف مستقل في بلدة مستقلة ونظر إلى وظيفته نظرة جديد فاصطدم وكذلك سعد باشا فقد قال أحد كبار الإنجليز إنه نظر إلى استقلال مصر كأنه أمر جدي.ولهذا اصطدم سعد باشا أيضا وسقطت وزارة الشعب.

والواقع أننا لا نفهم من أين أتت تهمة التضليل في التحقيق ضد النقراشي بك مع أن مسلكه في التحقيق ظاهر وطبيعي واستشهد في ذلك برسل باشا نفسه فقد جاء ما يأتي:

سأل النائب العام النقراشي لما وقعت حادثة السردار من هم الأشخاص الذين اشتبهت فيهم من أول الأمر فأجاب لما رجعت من دار المندوب السامي إلى مكان الحادثة سمعت دولة سعد باشا يسأل رسل باشا عمن يشتبه فيهم فأجاب رسل باشا بأنه مبدئيا يشتبه في جمعية اللواء الأبيض فرأيت أن هذا فرض جائز وجرى التحقيق على ذلك.

ثم إن نجيب الهلباوي نفسه قال في مقدمة تقريره الخاص بقضية السردار إنه أشتبه في جمعية اللواء الأبيض ومما يدل على التلفيق ضد النقراشي في هذا الأمر ما جاء في شهادة عبد الحميد عنايت فقد قال إن ما قاله شفيق لما كنا في سجن مصر بالاعتقال الأول بأن النقراشي سيفيدنا بمركزه فهو لم يقل لنا ذلك وده كلام جايبه من عقله والنقراشي كان سجن قبلنا هو وعبد الرحمن فهمي ووليم مكرم فهل بعد هذا تلفيق وخيل في التلفيق؟

أخيرا ألفت القاضي إلى ملاحظة عامة في هذا الموضوع وهي أني أرجوه أن يضع بدلا من أسماء ماهر والنقراشي والشيشيني والبيلي أسماء زيد وعمرو وخالد وبكر فهل ينطبق كل ما جاء في الاتهام بخصوص ماهر وإخوانه على زيد وإخوانه

أظن أنه ينطبق تمام الانطباق إذ لا يوجد دليل خاص بماهر أكثر مما يوجد دليل خاص بزيد أو عمرو أو بكر وهذا فاصل في أنه إذا صح أن يحال ماهر وإخوانه على محكمة الجنايات فيصح أن يحال ك زيد وكل عمرو وكل بكر وأحس ما قيل في هذا الموضوع هو ما قاله أحمد ماهر نفسه وهو أن شفيق منصور يعرف كل هذه الجرائم وهو يحكي عنها بتفصيلاتها وأما قوله بالسنبة له فهو كذب.

ذكرت في مرافعتي في الجلسة السابقة الأدلة التي استخلصتها من التحقيق بجميع أجزائه عن اللجنة الرئيسية وأثبت أو أحب أن اعتقد أنني أثبت أنه ليس هناك لجنة رئيسية مكونة من شفيق وماهر والنقراشي وغيرهم بل اللجنة كل اللجنة هي التي قامت بارتكاب جريمة السردار برياسة شفيق منصور وقد استندت في تلك على الأدلة التي سردتها وهي.

أولا ظروف قضية السردار: تثبت أنه لم يكن هناك نظام مثل النظام الذي ادعاه شفيق منصور فإن أعضاء الجمعية كانوا يعرفون بعضهم البعض وذكرهم عبد الفتاح عنايت بأسمائهم في اعترافه عند القبض عليه وكانوا يتزاورون ويجتمعون في مكتب شفيق منصور أو في بيوتهم لتدبير جرائم الاغتيال وكانوا في الواقع أصدقاء تربطهم ببعضهم صلة خاصة أو كما قال محمد فهمي على إحنا شلة أصدقاء.

ويلاحظ هنا أن جميع الأعضاء كانوا يعرفون شفيق منضور ويعرفون بعضهم حتى العمال منهم بدليل أن عبد الفتاح عنايت وشفيق منصور وغيرهما ذكروا أسماء إبراهيم موسى وراغب حسن.

ومعنى ذلك أنهم كانوا يعرفون بعضهم من الكبير إلى الصغير.فأين ذلك من النظام الذي ادعاه شفيق عن الأصول والفروع.. إلخ.

ثانيا شهادة المتهمين في قضية السردا: والمهم أن نلاحظ هنا أن شفيق قال عنهم أي عن محمود إسماعيل وأولاد عنايت أنهم يعرفون وجود اللجنة الرئيسية وعلاقة ماهر والنقراشي بها فلما سئلوا أنكروا ذلك بتاتا وقال أوالد عنايت إن الجمعية هي هي التي ذكروا أسماء أعضائها ورئيسها شفيق منصور وإنه لم يستشر واحدا ولم يقل لهم إنه سيشير أحدا فلا معنى لاتهام الأبرياء.

ولشهادتهم معنى خاص فإنه من غير المعقول أن عبد الفتاح عنايت الذي اعترف على نفسه وعلى شقيقه وكذلك عبد الحميد عنايت الذي اعترف على شفيق وهو يبكي غير معقول أنهما لا يعترفان على ماهر والنقراشي اللذين لا يرتبطان بهما بأي عاطفة أو مصلحة بل بالعكس فقد كان لهما كل المصلحة في الاعتراف على ماهر والنقراشي حتى ينجوا من الإعدام.

وكذلك محمود إسماعيل فإنه وإن أنكر التهمة أصلا فقد أنكر فيما يختص بماهر والنقراشي حتى مجرد معرفته بهما مع أنه اعترف بمعرفة غيرهما من المتهمين ولما ووجه بشفيق قال له تلك الكلمة المؤثرة إذا كنت عايز تخلص نفسك ما يكونش بالشيء ده.

اعترافات شفيق منصور: وقد بينا أن لشفيق منصور اعترافات كثيرة كان يكذبها هو بنفسه فكيفى غيره مؤنة تكذيبه وقلنا إن المعرفة والمعقول أن أقرب الاعترافات إلى الصدق هو الاعتراف الأول كما أن أهم التكذيبات هو التكذيب الأول وثابت من التحقيق أن أول اعتراف لشفيق لم يتهم فيه ماهر ولا النقراشي بل اعترف على نفسه وعلى محمود إسماعيل وجماعته بأنهم دبروا الحوادث السابقة

ثم في 13 أبريل اتهم ماهر والنقراشي وغيرهما بتقرير قدمه، ولكنه كذب نفسه حالا في التحقيق وقرر أن جميع من ذكرهم أبرياء وأنه هو وحده المسئول عن الحوادث السابقة وأشهد الله على ذلك وقيمة هذا الاعتراف أنه جاء مباشرة أمام النائب العام بناء على وازع نفساني من شفيق دون أن يكون للبوليس دخل فيه.إذن فالاعتراف الأول والتكذيب الأول يثبتان ألا وجود للجنته الرئيسية المزعومة.

ثم استخلصنا من أقوال شفيق منصور فيما يختص بجمع النقود ومن قوله إنه جمع إعانة من النقراشي والشيشيني لعائلة مصطفى حمدي بعد أن أوهمهما أنها لعائلة فقيرة أن معنى ذلك أنهما ليسا عضوين في الجمعية السرية وكذلك قوله عن الاستشارة والتنفيذ إذ إنه يزعم أنه استشار أعضاء تلك اللجنة فلم يوافقوا على جريمة السردار، ومع ذلك نفذة الجريمة بالرغم منم إلى أخر ما استخلصناه من أقوال التي جاءت عفوا على لسانه وكانت تكذبه في افتراءاته لأنه للمظلومين ربا يحميهم وللظالمين شيطانا يغريهم.

رابعا أقوال المتهمين في القضايا السابقة

وقد بينا من شهادة محمد أفندي شمس الدين وغيره أن شفيقا كان الكل في الكل وساعد الشيطان الأيمن في الجمعية وأنه كان يهزأ بأعمال ماهر والنقراشي لأنها خاصة بالمظاهرات والاضرابات ويعجب كيف يشملهما سعد بعطفه وبالوظائف السامية بينما هو أي شفيق منصور، أكفأ منهما وخدم البلد أكثر منهما ومع ذلك عارض الوفد في ترشيحه لمجلس النواب.

وقد استشهد شمس الدين أفندي بنجيب الهلباوي نفسه عل جميع هذه الأقوال فأيده كل التأييد في مجموعها.

شهادة نجيب الهلباوي

بقي على أن أبحث في شهادة الهلباوي بصفته شاهد إثبات ضد ماهر والنقراشي وقد ذكرنا أن شهادته سماعية لا قيمت لها قانونا ولكني أريد أن أثبت أيضا أنها باطلة وملفقة موضوعا وإليك الدليل:

يقول نجيب الهلباوي في تقريره 5 فبراير إنه علم من شفيق أن النقراشي وماهر والشيشيني كانوا شركاء في حوادث الاغتيال فما هو تاريخ هذا العلم؟ ظاهر في نفس أقواله أن تاريخ علمه المزعوم يرجع إلى أوائل سنة1924 بعد الإفراج عن المجرمين السياسيين وقد جاء ما يأتي:

س: هل وقفت على الجرائم السياسية التي ارتكبت أثناء وجودك بالسجن بعد الإفراج عنك؟

ج: لما خرجت من السجن كان مكتب شفيق محل اجتماعنا كلنا حيث سمعت عن شفيق منصور بأن جميع الحوادث التي ارتكبت كانت له يد فيها وكان معه بعض أشخاص مثل النقراشي وماهر والشيشيني وأولاد عنايت وبعض العمال.

ينتج من ذلك أنه سمع تلك الأقوال المزعومة بعد خروجه من السجن بزمن وجيز.

ثم جاء ما يأتي (سأله المحقق: قلت في التقرير المقدم منك بأنه تبادر إلى ذهنك بأن شفيق منصور يشك في إخلاصك فما الذي دعاك إلى هذا الظن؟

ج: لما قال لي روح البلد لأنه سيحصل في هذه الليلة ثورة وأظن أنها كانت في ليلة سقوط وزارة سد باشا فأنا نبهت سليم أفندي زكي بهذا الخبر ولكن في يوم لم يحصل شيء وعلمت من شمس الدين أن شفيق كلفه بأن الأحسن أن أروح البلد فظننت أنه يشك في إخلاصي وكان سألني مرتين عن الفلوس اللي باصرفها في مصر فقلت له بتجيني من البلد فظهر على وجهه الشك.

يستخلص مما تقدم أنه قبل حادثة السردار مباشرة كان شفيق يشك في الهلباوي ولا يثق به فإذا كان الهلباوي قد علم شيئا كما يدعي فيكون ذلك قبل حادثة السردار بكثير أي عند خروجه من السجن كما قال في استجوابه السابق.

أما وقد عرفنا التاريخ الذي يزعم الهلباوي أنه علم فيه من شفيق ما علم فمن السهل أن نثبت أن شهادة الهلباوي بأكملها في هذا الصدد غير حقيقية وأنه لم يسمع شيئا من شفيق مطلقا وأنه شهد تمهيدا للقبض على ماهر والنقراشي وفي يدنا الدليل الذي لا ينقض على صحة ما نقول وهذا من فضل الله الذي أراد أن يفضح تلفيقات هذه القضية بشكل مادي محسوس وهناك الأدلة على التلفيق:

(1) أولهما أو أهمها أن نجيب الهلباوي قال ما يأتي:

إني كنت أتردد على أولاد البيلي لألتحق بجريدة الاتحاد وما كنت أقصد ذلك جديا وإنما للوقوف على حركتهم فسأله المحقق: هل كان عندك شك في عبد الحليم البيلي وعبد الرحمن أخيه حتى كنت تترد على مكتبهم وتقف على حركتهم؟

ج: نعم لأني علمت من شفيق أن لهما يدا في بعض الحوادث.

حقا إن هذا لعجب إذ كيف يكون قد علم من شفيق أن للبيلي وأخيه يدا في بعض الحوادث ولم يذكر عنهما شيئا مطلقا في تقريره والذي قدمه في 5 فبراير وأكثر من هذا أنه سئل مرة عن عبد الحليم وعبد الرحمن البيلي ضمن المشبوهين عند البوليس فأوحى إلى الهلباوي أن يقول إنه سمع من شفيق عنهما ما ادعى سمعه عن غيرهما؟

التفسير بسيط جدا وما علينا إلا أن نقرب التواريخ حتى نفهم والواقع أن الهلباوي شهد هذه الشهادة ضد (أولاد البيلي) في 28 أكتوبر سنة 1925 وتاريخ القبض على عبد الحليم بك البيلي والأستاذ عبد الرحمن البيلي كان في 10 نوفمبر

أي أن الهلباوي شهد ضدهما قبل أن يقبض عليهما بإثنى عشر يوما تقريبا أو بعبارة أخرى أن الشبكة بدأت تنصب حولهما بواسطة البوليس في ذلك التاريخ وعندئذ بدأ الهجوم بواسطة الهلباوي كما كانت الحال مع ماهر والنقراشي.

أليس ذلك صريحا في التلفيق وأن الهلباوي كان يستعمل للشهادة على الغير عندما تحوم الشبهة حولهم من البوليس حتى إذا ما قبض عليهم قيل إن هناك شاهدا ضدهم وأنه قد أدى شهادته من قبل.

ثانيا: والأغرب مما تقدم هو تبادل الاطلاع على التقارير بين الهلباوي وشفيق منصور فقد جاء ما يأتي: س: هل وقفت على معلومات جديدة تفيد التحقيق؟

لا، ولكن أطلعت على تقرير شفيق منصور الخاص باعترافاته الأخيرة فلفت نظري ما ذكره عن الشيشيني ثم ذكر تفاصيل نحو صفحتين عن الشيشيني فسأله المحقق: لماذا لم تقرر في استجوابك الأول ما قررته الآن عن الشيشيني

فأجاب: إني ذكرت باختصار ما أعلم عن الشيشيني في تقريري وأبقيت التفصيل لما اسأله ولكن لم أسأل والحقيقة أنه لم يقل شيئا لأنه لم يكن قد اطلع على تقرير شفيق منصور بعد.

ولا تظن يا حضرة القاضي أن نجيب الهلباوي وحده كان يطلع على تقرير شفيق منصور كلا فواجب التبادل كان يقضي بأن شفيق منصور يطلع أيضا على تقارير نجيب الهلباوي ولست مازحا بل هي الحقيقة الراهنة إليك الدليل.

قدم شفيق منصور تقرير 18 يونيه المشهور وقد أثبت لحضرتكم زميلي مصطفى باشا النحاس أن التاريخ الحقيقي للتقرير هو 15 يونيه إلى آخر ما اتضح من تصرفات النيابة والبوليس في هذا التقرير غير أن هناك ما هو أدهى فإنه قد أضيف إلى التقرير ملحقان أحدهما بتاريخ 19 يونيه والآخر بتاريخ 20 يونيه.

أما ملحق 19 يونيه فهو الذي أشرت إليه سابقا وقلت إنه أوحى إلى شفيق بكتابته ضد النقراش وفي الواقع فهو عبارة عن ورقة اتهام النقراشي من الاشتراك في جرائم القتل ويظهر أن البوليس خشى أن تهمة القتل لا تثبت على النقراشي فأوعز إلى شفيق أن يتهمه في ذلك التقرير بتهمة أخرى وهي التضليل في التحقيق من باب الاحتياط كما يقول المحامون هذا هو الملحق الأول.

وأما الملحق الثاني وهو الذي يهمنا هنا فتاريخه 20 والمقصود منه تأييد شهادة الهلباوي بواسطة شفيق. وإذا كان هناك شك في تصرفات البوليس فالملحق الثاني لاعترافات شفيق يزيله تماما فهو الدليل الذي لا يرد على أن تقارير شفيق كانت تطبخ فيما بين البوليس وشفيق فالملحق المذكور خاص بتفاصيل عن قضية السرادر التي صدر الحكم فيها وهذه التفاصيل لا قيمكة لها فهي خاصة بطريقة القبض على محمود إسماعيل.

وعليه هو ومسألة هروب أولاد عنايت وهي مسألة فصل فيها ولم يأت شفيق بشيء جديد فيها حتى يكتبه في ملحق إضافي إنما الجديد هو أنه أراد البوليس أن يؤيد صدق نجيب الهلباوي في روايته وأبحاثه فبعد أن ذكر شفيق في ذلك التقرير مسالة هروب أولاد عنايت وأنه نصحهم بعدم الهروب قال بدون مناسبة وأتذكر بأننا ليلة عند خروجنا من منزل الشيشيني.

وكنت أسال محمود عمن قبض عليهم فقال الصيد كل الصيد في جوف الفرا وهذه العبارة وردت حرفيا في تقرير نجيب الهلباوي ولكن شفيق لم يعرف كيف يحسن السبك ففضح نفسه إذا قال مباشرة بعد ذلك وأما فيما يتعلق بالهلباوي فأتذكر تماما بأنه عندما حضر من بلده كان لا يملك نقودا كثيرة.

فما ألطف هذا الاتفاق الذي جعل شفيق يذكر عبارة تافهة جاءت في تقرير الهلباوي بالحرف الواحد ثم بعدها مباشرة يتكلم عن الهلباوي وحالته المالية ألس هذا دليلا لا ينقض على أن شفيق اطلع على تقرير الهلباوي وطلب إليه أن يطلب تقريرا إضافيا لتأييده ولكن الله أراد أن يكشف الأمر فجعله يتكلم عن الهلباوي مباشرة بعد أن نقل العبارة من تقريره وادعاه لنفسه إذن فشفيق ينقل عن الهلباوي ونجيب الهلباوي ينقل عن شفيق والمتهمون يضيعون بين الاثنين.

(ثالثا) بقي أن نعرف ما سمعه فعلا الهلباوي من شفق عن كل من المتهمين وهل سمع حقيقة أم لا؟

أقوالة عن النقراشى

(1) عن النقراشي قال الهلباوي (عرفت من شفيق منصور في أثناء حديث بأن النقراشي ومن على شاكلته أوهموا سعد باشا بأنهم هم الذين قاموا بالحركة في البلد واستغلوا هذا الظرف وأخذوا وظائف عالية وأنه لم يأخذ شيئا من هذه الوظائف مع أنهم لم يعملوا ربع ما عمله في الحوادث الجنائية.

غير أن لهذا الحديث صيغة أخرى بلسان الهلباوي فقد كرر هذا الحديث نفسه ولم يكن فيه شيء عن الحوادث الجنائية فقد جاء:

س: ألم تسمع شفيق يوما من الأيام ينتقد تصرفات حكومة سعد باشا؟

ج: أتذكر أنه انتقد تعيين ماهر وزيرا والنقراشي وكيل وزارة مع أنه مع الذي قام بجميع الأعمال أكثر من أي شخص وأنهم غشوا سعد باشا وأفهموه أنهم هم الذين قاموا بكل شيء عشان يأخذوا المراكز دي وأتذكر أن هذا الكلام حصل يوم كنت أنا وهو وشمس الدين.

إذن ما سمعه الهلباوي من شفق عن ماهر والنقراشي لم يكن فيه تعيين للحوادث الجنائية بالذات بل مجرد أقوال عامة مثل قوله أنهم أوهموا سعد باشا أنهم هم الذين قاموا بكل شيء بينما هو الذي قام بجميع الأعمال فلا ذكر مطلقا لأعمال جنائية وإنما هذه العبارة من عنديات الهلباوي قالها في استجوابه الأول ليجعل لشهادته قيمة ويبرز كبوليس سري غير أنه في استجوابه الثاني نسى وجل من لا ينسى أن يقول شيئا ما عن الحوادث الجنائية فذكر الحقيقة

وهذه الشهادة الأخيرة البريئة تؤيدها شهاد محمد أفندي شمس الدين الذي قال كان شفيق يحقد جدا على ماهر والنقراشي وسعد باشا لأن سعد باشا قدم عليه ماهر والنقراشي مع أنه خدم البلد أكثر منهما ويشعر أنه أكفأ منهما وكان شفيق يسخر من عملهما لأنه كان مقصورا على إضراب موظفين وطلبة أو شيء من ذلك وهذه بلا ريب الصيغة الحقيقية لحديث شفيق الذي سمعاه هما الاثنان

أقواله عن ماهر

سئل الهلباوي أيضا في تحقيق 16 فبراير سؤالا عاما عما يعلمه عن ماهر فلم يقل إنه سمع من شفيق شيئا وإليك كل ما قاله.

س: ما الذي علمته عن ماهر؟

ج: علمت من عبد الحميد العبد أنه كان يشتغل في الحركة السياسية السرية ولكن لا أعرف عنه شيئا إذن فهو لا يعرف شيئا خاصا عن ماهر سوى ما يدعي سماعه من عبد الحميد العبد من أقوال مبهمة أما شفيق فلا ذكر له.

النتيجة هذا هو مقدار معلومات الهلباوي التي يقول أنه نقلها عن شفيق فأقواله بخصوص النقراشي ليس فيها إجرام مطلقا كما ظهر من مقارنة أقواله

وأقوال شمس الدين وما ذكره عن ماهر ليس منقولا عن شفيق بل عن عبد الحميد العبد بخصوص الحركة السياسية وهذه عبارة واسعة قد تشمل المنشورات والمظاهرات إلخ ومع ذلك فحتى هذه الأقوال التي لا قيمة لها لم يؤيدها الأستاذ عبد الحميد الذ ادعى الهلباوي سماعها منه فما الذي يبقى بعد ذلك من هذه الشهادة السماعية؟ لا شيء.

أقواله عن الشيشيني

قال الهباوي في تقرير 24 فبراير سنة 1925 ما يأتي:

كنت أتردد على منزل حسن أفندي الشيشيني بعد أن عرفني به وبعد أن حضرت من بلدتي لأشتغل في البحث عن الجرائم السياسية وكان محمود إسماعيل يتردد هناك وكنت أحتك به لأجل أن أعرف منه شيئا عن عصابته فلذلك كنت أذهب لمنزل الشيشيني أفندي ثم قال.

كان سمرنا في بادئ الأمر لا يخرج عن حد النكت والضحك حتى إذا كان قتل السردار حولت وجهتي إلى محمود إسماعيل فكنت اذهب لمنزل الشيشيني حيث أعرف أن هناك.

يرى من ذلك أنه ليس هناك ما يشر إلى أنه كان يشك في الشيشيني مع أنه قال في تقريره أنه عضو في الجمعية مع شفيق فإذا سلمنا أنه علم بذلك عند خروجه من السجن في فبراير 1924 وهو لم ينضم للبوليس إلا في أكتوبر سنة 1925 فكأنه في أكتوبر سنة 1925 لم يكن لديه أي شك في الشيشيني نفسه بل لم يشك فيه إلى ما بعد حصول حادثة السردار كما هو ظاهر من تقريره في حادثة السردار.

فإذا كان لم يشك في الشيشيني عند حادثة السردار بل كل شكوكه اتجهت لمحمود إسماعيل وأولاد عنايت وشفيق منصور فكيف نصدق تقريره في فبراير أنه سمع من شفيق قبل حادثة السردار طبعا أن الشيشيني عضو وعضو رئيسي في الجمعية.

أقواله عن أولاد البيلي

أظهرنا فيما سبق كذب شهادته من أولها إلى آخرها بمناسبة ما قاله عن البيلي بك وأخيه فإنه ادعى أنه سمع من شفيق أنهما عضوان في الجمعية ومع ذلك لم يذكر شيئا مطلقا عنهما لا في تقرير 5 فبراير ولا في التحقيق الذي تلاه بل بأنهما فعلا من تهمة الاشتراك في الجمعية ثم تغيرت الأحوال وأراد البوليس أن يقبض عليهما فجاء الهلباوي قبل القبض عليهما بأيام قليلة وادعى في التحقيق أنه سمع من شفيق أنهما هما أيضا عضوان في الجمعية.

النتيجة: ثبت من تحليل أقوال الهلباوي عن كل من المتهمين أنه أتهمهم لأن البوليس أراد أن يتهم لا لأنه سمع شيئا من شفيق عنهم.

رابعا الدليل الرابع على أن الهلباوي لم يسمع شيئا من شفيق عن أولئك المتهمين أنه لم يقبض على ماهر أو الشييشني أو البيلي في حادثة السردار عندما كان يقبض على كل إنسان لأقل شبهة أو بدون شبهة نعم إنه قبض على النقراشي.

ولكن سبب القبض عليه كان سياسيا كما هو ظاهر من أقوال الجرائد الإنجليزية ومن مجرى التحقيق الأول في قضية السردار فقد كان بعض الدوائر الإنجليزية تتهم الوفد وظن أن النقراشي إذا بقى في وكالة الداخلية قد يضلل التحقيق فقبض عليه كما قبض على غيره من الوفديين.

أما ماهر والشيشيني والبيلي فلو أن الهلباوي سمع حقيقة من شفيق أنهم أعضاء في الجمعية وأخير سليم أفندي زكي كما جاء في شهادة سليم أفندي زكي في 17 فبراير لو أن الهلباوي والبوليس يعرفان الجمعية وأعضائها الرئيسية قبل وقوع حادث السردار فكيف لم يقبضوا على أولئك الذين يزعمون أنهم أعضاء رئيسيون بينما كانوا يقبضون يمينا وشمالا على من تحوم حوله أقل شبهة؟

أليس ذلك دليلا على أنهم لم يكونوا يعرفون شيئا من هذا القبيل وأن شهادة الهلباوي السماعية لم يسمعها أحد من قبل ولا الهلباوي نفسه.

حالة شفيق النفسية.

بقيت لي كلمة موجزة عن حالة شفيق النفسية إن البحث في الحالة النفسية لأي إنسان لا يتحقق بأكمل معانيه إلا إذا شمل البحث كل حركاته وسكناته وأول مايلزم لذلك أن يكون الشخص حيا يتحرك ويسكن أما في هذه القضية فقد قضى علينا أن نبحث الحالات النفسية كما نبحث كل شيء أخر على الورقة والأوراق صامته لا تتكلم إلا باللغة التي يريدها من حررها.

قلت في بدء مرافعتي إن النيابة قد اعتدت على كل قاعدة عامة من قواعد التحقيق والإجراءات القضائية فأفقدت المتهمين الضمانات التي كفلها لهم القانون في علانية التحقيق وشفهيته وإجراءات القبض والحبس والاستجواب إلخ

وقد يظهر غريبا لأول وهلة أن أقول إن أهم الضمانات التي فقدناها هي شفيق منصور نفسه ولكنها الحقيقة التي لا نزاع فيها فشفيق منصور المجرم قد أعدم جزءا وفاقا على إجرامه وأما شفيق منصور الشاهد فلو أن النيابة كانت تريد أن تستند إلى شهادته فقد كان من الواجب عليها ومن حق المتهم أن تستحضره أمام المحكمة لاستجوابه ومراجعة أقواله من جهة وفحص حالته النفسية والعقلية وما يبديه من قول أو إشارة أو ما يلح على أسارير وجهه من جهة أخرى.

وإني أواثق أنه لو تسنى لأي محكمة أن ترى شفيق وحالة الخبل أو الجنون التي كان فيها لما أقامت لأقواله أي وزن ولست في ذلك مستنتجا بل مقررا لحقيقة واقعة فإن سعادة النائب العمومي نفسه لاحظ في دوسيه القضية أن اضطراب شفيق لم يكن ليجعله أهلا لأن يسمع فيما كان يريد إبداءه عن قضية السردار بعد الحكم فيها ويشهد الاستاذ وهيب بك دوس في التحقيق أن شفيق طلب إليه في محكمة الجنايات أن يقول أنه كان مسيرا عن ماهر والنقراشي.

فقبل ذلك منه بشرط أن يكتفي بما يقوله عنه وهيب بك ويقول الاستاذ وهيب وقد اشترطت ذلك أنه كان رأيي أنه مثل هذا البيان من شفيق شخصيا أمام المحكمة سيكون حتما مضطربا.

وقد حرمتنا النيابة من الاستفادة من هذا الاضطراب أمام القضاء فلم يبق إلا أن نرجع إلى الأوراق الميتة للبحث عن نفسية ميتة، ولهذا البحث أهميته مهما قدرناها فإن تلك الأوراق الميتة ناطقة ببطلان اعترافات أو افتراءات شفيق منصور لا لأن الكذب ظاهر فيها فقط بل لأن حالته القريبة إلى الجنون تجعل كل أقاويله باطلة حتما، ولا يصح لقاضي الإحالة أن يستند إليها ولو على سبيل الاستدلال.

غير أن البحث في نفسية شفيق والتعمق في هذا البحث قد يحتم على الباحث أن يفعل كما فعل دانتي أي أن ينزل الجحيم فقد كان شفيق في جحيم من نفسه ومن سجنه وإذا كانت الحكومة تظن أنها قد عاقبته بإعدامه فهي مخطئة فقد مات المسكين مرات عديدة قبل أن يموت موته الأخير.

أما العوامل التي دفعت شفيق إلى اتهام غيره من الأبرياء فبعضها خارجية وبعضها داخلية نفسانية أما العوامل الخارجية فهي التعذيب والوعد والوعيد. والعوامل الداخلية أو النفسانية هي الخوف من الموت والحقد والهستيريا العصبية القريبة إلى الجنون وهذه العوامل جميعها تجمعها ثلاث حقائق مادية.

السجن والبوليس وشبح المشنقة.أما عن العوامل الخارجية أي التعذيب والوعد والوعيد فلا تظن أن هناك قضية في العصور الحديثة اجتمعت فيها عوامل التعذيب مثلما اجتمعت على شفيق منصور.

السجن الانفرادي في مقدمة وسائل التعذيب التي استعملت مع شفيق وغيره من المتهمين السجن الانفرادي وقد بينت أنه لا يجوز حبس المجرمين المحكوم عليهم حبسا انفراديا أكثر من أسبوع واحدا أما هنا فالمتهمون يحبسون شهورا عديدة في زنزانة مظلمة ضيقة ويخرجون منها إلى فناء السجن لمدة لا تزيد على ساعة بشرط ألا يكلمهم أحد وفيما عدا ذلك يبقى السجين ليلا ونهارا

والباب مغلقا عليه على الدوام ثم من الساعة الرابعة بعد الظهر يحل الظلام فلا يرى السجين نورا في صباح اليوم التالي وهكذا دواليك شورا عديدة يقضيها السجين في ذلك القبر الحي إلى أن يخرج من سجنه أو يخرج من عقله فهال من عجب إذا جن شفيق منصور؟

وقد شكا شفيق شكوى مرة في معارضاته من أن النيابة بخلاف توجيه التهمة إليه لم تحقق معه مطلقا من يوم القبض عليه أي من 28 يناير إلى 5 مارس وأضاف إلى ذلك ما يأتي في محضر معارضة 28 فبراير السجن يعاملنا معاملة سيئة حيث نحبس حبسا انفراديا في زنزانة مترين ونصف وفي النهار لا يمكنني أن أخرج من الزنزانة وبالليل كل ربع ساعة يخبطوا على الباب ويفتحوا الكهرباء ليروني ولا يسمح لنا بحلق الذقن وقد شكيت من ذلك كما أنه لا يسمح لي بقض أظافري كما لا يمكنني أن أقرأ في كتاب وليس من مصلحة التحقيق أن يعذب المتهم.

وقد ذكرت الجرائد فعلا أن شفيقا في جلسات المعارضة كان في حالة يرثى لها وشكله أقرب إلى المتوحشين منه إلى المتحضرين.الوعيد أما عن أمثلة الوعيد فهي عديدة ومخزية وهذه بعض أقوال شفيق فيها ففي 7 أبريل قال كنت تحت تأثير الخوف والفزع والتهديد بالموت من الكونستبلات والجاويشية الموجودين بالسجن ثم قال في 11 أبريل كل ما صدر منى لم يحصل بمحض إرادتي وإنما كان من تأثير رجال البوليس الذين كانوا يلازمونني من الساعة 8 صباحا للساعة 9 مساء فكنت في حالة عصبية شديدة.

ثم اسمعوا بعض ما حل به: قال في محضر 14 مارس ما يأتي ثم يوم الجمعة شفت حركات غير اعتيادية ففي يوم الخميس علمت بأن سيحصل جلد داخل السجن بدون إعلاني وفي صباح اليوم قوموني بدري في الصباح وجابوا واحد حكيم وأخرجوني من الزنزانة الساعة خمسة وحلقوا ذقني وقالوا لي فيه اليوم مجلس عسكري وسمعت أن مدير السجون مع حضرة وكيل النيابة وأنهم سمعوا شهادة الشهود ثم سمعت أنه صدر حكم ضدي وأنه فيه جلد وفيه اشغال شاقة خمس سنوات.

ثم قرر في يوم 28 مارس بأنه سمع في السجن بأنه سيعدم بطريقة الربط على عمود وإلقاء الأحجار عليه وأنهم أخذوا كلا ملابسه من السجن.فما رأى حضرة القاضي في اعتراف يصدر على أقر ذلك التعذيب .

أما عن الوعد فقد وعد شفيق بتخفيف العقوبة إذا اعترف على شركائه وثبت أن إسماعيل صدقي باشا والهلباوي بك وعبد الملك حمزة بك أبلغوه هذا الوعد ولقد كان الوعد أقسى عليه من الحمى على الجسم ولذلك كان يندفع اندفاع المحموم ويهنئ هذيانه في اتهام الأبرياء بدون حساب أو ضمير وكلما عاد إلى صوابه عاوده شبح المشنقة المخيف وهكذا كان الوعد مصدر عذاب لهذا المسكين حتى أنه حرم من راحة اليأس إحدى الراحتين.

وأما العوامل الداخلية: فقد كان خوف الموت من أشد العوامل النفسية التي كانت تدفعه إلى اتهام الغير ولسنا في حاجة إلى الدليل الخارجي لإثبات أن شفيق كان فزعا للإعدام فقد كان لا يسحي أن يساوم على حياته برءوس هؤلاء المتهمين وقال النائب العموم في 7 أبريل أني قررت هذا القول لأني لم أجد نتيجة تعود علي ذكر أسماء الأشخاص الذين اشتركوا معي في الحوادث السابقة.

وفي تقرير آخر بدون تاريخ يكشف الستار صراحة عن غرضه وهو المحافظة على حياته التي تحتاج إليها عائلته أو يحتاج هو إليها.يدل على ذلك قوله لسليم أفندي زكي في 20 يونيو إني أخاف أن أكتب الآن الحقيقة بعد أن قلت أشياء ليست بالحقيقة فأجابه سليم أفندي مادمت ستقول الحق فلا تخشى أمرا فقال شفيق ومن سيساعدني إذن؟

المسالة مسألة مساومة لا مجرد اتهام أو تبرئة ولا أدل على شغف المسكين بالحياة من قوله بعد الحكم في تقرير 18 يونيو وحكم على نجيب الهلباوي وشمس الدين بالإعدام ثم استبدل الحكم عليهما بالأشغال الشاقة وأفرج عنهما أخيرا وهما الآن يتمتعان بالحرية والمعيشة العائلية والحياة بعد أن حرما منها عشر سنوات.

أما عن الحقد الذي كان يملأ نفسه فكان خاصا بماهر والنقراشي اللذين عينا في مناصب عالية وهم من بتوع المظاهرات والاضراب وهو أكفأ منهم وكما جاء في أقواله السابقة.

وهنا حقد عام على البلد التي وصمته بالخيانة فاتهم اثنين من كبار السعديين حتى لا يختص هو بتهمة الخيانة. وأما خبله وجنونه فيكفي أن نشير إلى ما جاء في تقرير السجن من أنه كان متهيجا ويمزق هدومه وينتحب كما جاء في تقرير الطبيب الشرعي أن حالته العصبية لا تسمح باستجوابه فهل يقال بعد ذلك إن عاقلا أعترف؟

إنه كان يكتب بكل ما أوتى من خبث المجانين ولكن أحسن ما قيل في ذلك هو قول أناتول فرنس إني أخوف ما تخافه من المجنون هو عقله فإن فترة الصحو كانت تملي على شفيق اعترافاته الصحيحة فكان بجنونه يهدمها واحدا فواحدا ومع ذلك يظهر للناس كأنه يعقل ما يقول وما يكتب.

وبعد فلقد انتهيت من مأساة هذا المسكين شفيق منصور وأنه لمن المحزن ولمفجع لكل إنسان أن يرى أن الضعف البشري قد يؤدي بالإنسان إلى هذا الدرك الأسفل ولكن شفيق قد أذنب كثيرا وتعذب كثيرا وأصبح أمره بين يدي الله وحده.

أما هؤلاء المتهمون الأبرياء قد تعذبوا كثيرا ولم يذنبوا كثيرا ولا قليلا ولقد وضع الله هناءهم وشقاءهم في كفة الميزان الذي بين جنبيك فإذا خلوت إلى نفسك يا حضرة القاضي فاذكر ما عاناه ويعانيه هؤلاء المتهمون وأحمد الله أنك قاض وأن العدل من حقك بل ومن واجبك أذكر ما يعانيه هؤلاء المتهمون من ظلم وظلام.

وما هم عليه الآن من ثبات ورباطة جأش وإذا رأيتهم رجالا لا يبكون ولا يستبكون فأرحم شجاعتهم فهي شجاعة الصابين والصبر أحر من البكاء واذكر آلامهم فهي في طيات الخفاء والجبان يجزع دو أن يتألم بينما الشجاع يتألم ولا يجزع وما ذلك إلا لأن الألم متغلغل في نفسه، لا تربطه دمعة ولا تسليه أنة.

إن إحالة هؤلاء المتهمين الأبرياء ليست مسألة شكلية بل ستتخذ قرينة عليهم وتكون كأنها مسمار في نعشهم فهل يرضى هذا عدلك.إنك وحدك القادر على منع هذه المظالم واعلم أنه ليس أظلم ممن يقدر على منع الظلم ولا يمنعه فهو شريك في الظلم مع غيره وظالم لنفسه فقل كلمتك فإننا لعدلك مرتقبون.

مرافعة نجيب الغرابلي باشا المحامي.تناول زميلي النحاس باشا أقوال شفيق منصور فجعلها دكاء وصيرها أنقاضا ثم ذارها في الهواء فكانت هباء منثورا.

وهكذا تمكن زميلنا ببراعته من تمزيق الحب وإزاحة الأستار ومكن العدالة ومكن الجمهور المتلهف من السير في طرقات هذه القضية الكبرى وطاف بهما في كثير من دروبها الملتوية وأزقتها المظلمة ليطلعنا على ما في منعطفاتها من المخازي وما في مزالقها من الأخطار وليقف الناس جميعا على ما في الزوايا من غريب الخفايا.

أمكنه أن يثبت لحضرة القاضي أن تلك الأقوال ليست بأقوال شفيق وحده وإن شفيق كان كالكرة تتقاذفها يد الأهواء كان كالريشة في مهب الريح كان كما يقول هو عن نفسه في حالة ثوران مدهشة ونفسية تتقلب من شيء إلى شيء

وظهرت أقواله كما يصفها هو بشكل مدهش ما بين إنكار واعتراف واعتراف وإنكار كان شفيق إذن شخصا تعصف به الريح وتقلبه ذات اليمين وذات الشمال منذ اصطدم بالمعاملة السيئة التي عومل بها في السجن والتي شكا منها مرارا في جلسات المعارضة شكا منها قبل صدور أي اعتراف منه مما يجعل لشكواه قيمتها لأنه لا يمكن القول بأن هذه الشكوى كانت للتخلص من اعتراف سابق عليها.

لا أريد إذن أن أعرض لهذه الأقوال وسأترك للأستاذ مكرم بك وهو شاعر رقيق أن يجوس خلال هذه الخرائب ليستخرج منها من المعاني ما يراه لازما للتنوير القاضي إن كانت هناك حاجة بعد إلى التنوير لأني أعتقد أننا بعد ما قاله زميلنا النحاس باشا لسنا بحاجة إلى كلمة واحدة لتفنيد أقوال شفيق.

موضوع يعقوب صبري

أما موضوع مرافعتي الآن فهو الكلام عن يعقوب صبري.

من هو يعقوب صبري؟

أنا لا أقدم هذه الشاهد بأحسن مما قدم به الشاهد نفسه فهو يشهد على نفسه في تقريره وفي أقواله التي قررها للنيابة بأنه مجرم سياسي متوغل في الإجرام واختلط بأولاد عنايت منذ نعومة أظفاره وانخرط في جمعية التضامن الأخوي التي بصفها بأنها جمعية رية ثورية في سنة 1908.

واشترك في أعمالها بمصر وحاول كما يقول أن يحرق منزل المرحوم الشيخ علي يوسف بوسيلة من أحط الوسائل وصدرت إليه الأوامر من جمعيته تلك بأن يقف على قدم الاستعداد عندما شرع في اغتيال المأسوف عليه بطرس باشا غالي ويقول إنه اشترك في حادثة الشروع في اغتيال ساكن الجنان المغفور له السلطان حسين بك يصرح علنا بأنه اشترك في صنع القبلتين اللتين استعملتا في الجريمة.

ومتى صحت شهادة يعقوب صبري على نفسه فلا نكون إذن في الواقع أمام شهادة شاهد علينا، بل أمام أقوال مجرم أمام عقلية من تلك العقليات الشاذة أمام رأس من ذات النزوات الخطيرة أمام نفس مختبلة أمام شخص استباح لنفسه أن يقتل أخاه الإنسان لمجرد الاختلاف معه في الرأي السياسي فهل يمكن أن يصدر عن مثل هذه المخلوقات الغريبة يكون موضع ثقة من القضاء.

كلا لأن مثل هذا الشخص الذي عميت بصيرته لدرجة أن يستحل دم أخيه لمجرد الخلاف معه في الرأي السياسي هذا الرجل قد يستحل لنفسه أن يزج بالأبرياء في أتون الاتهام لأي اعتبار يقوم في نفسه لأي اعتبار يفهمه هو وإن لم يفهمه ذوو العقول الصحيحة والطبائع السليمة فلا يستبعد عليه أن يتهم أي إنسان إذا اعتقد أن نجاة رقبته من الإعدام متوقفة على هذا الاتهام لذلك يجب ألا يقام لكلامه وزن في مجلس العدالة.

وإذا قلنا إن يعقوب صبري مركزه الصحيح في القضية مركز متهم فإننا لا نأتي بذلك من عندياتنا ولا نستنتجه من كلام يعقوب صبري فقط بل إن النيابة معنا في الواقع لأنها اعتبرته شريكا وقيدت القضية ضده كمتهم ولكنها رأت ألا ترفع عليه الدعوى للأسباب التي بينتها في قرارها.

نقول ذلك لتعرف المحكمة أنه إذا استطاعت النيابة التي تحشر اسم يعقوب صبري بين أسماء شهود الإثبات فإنها لن تستطيع تفنيد الحقيقة الثابتة بخطها في الأوراق وهي أن مركزه شريك في جرائم الاغتيال وهو معترف على نفسه بهذا الاشتراك فهو شخص متهم في أقوله وليس لأقواله أية قيمة قانونية ما لم يثبت من تحقيق تجربة النيابة صحة هذه الأقوال.

ولكن النيابة تأتي بكلام يعقوب صبري المتهم لتؤيد به كلام شفيق منصور المتهم كأن الأقوال المحتاجة إلى إثبات تعتبر في نظرها دليل الصحة على أقوال محتاجة إلى إثبات.

وبعبارة أخرى فإن النيابة تريد أن تؤيد الدعوى الباطلة بدعوى باطلة مثلها كلام شفيق منصور الذي تسلم النيابة بأنه يؤخذ على سبيل الاستدلال مؤيد في نظرها بكلام يعقوب صبري الذي يجب أن يؤيد على سبيل الاستدلال أيضا فهي تريد أن تتخذ من الضعف قوة تؤيد بها موقفها في الاتهام.

كنا نأتي في المعارضة بعد ظهور يعقوب صبري في القضية فنسمع النيابة تقول إن شخصا من الذين اعترف عليهم شفيق بأنهم شركاء معه في الجمعية فاه بأقوال تؤيد كلام شفيق وأن هذه الأقوال موضوع تحقيق تجريه النيابة ولذلك تطلب امتداد الحبس ولم يخل فيها نعلم تقرير من التقارير التي قدمتها النيابة في المعارضات بعد ظهور يعقوب صبري في هذه التصريحات فالنيابة إذن تسلم معنا بأن أقوال يعقوب صبري محتاجة إلى تحقيق ولا يجوز قبولها كعنوان الحقيقة بدون أن يثبت التحقيق صحتها.

حققت النيابة أقوال يعقوب صبري فهل ثبت من التحقيق صحة هذه الأقوال كلا وبالعكس فإن التحقيق الذي أجرته النيابة في أقواله جاء آية واضحة على كذبه وعلى كل حال فإن النيابة لم تقدم لهذه اللحظة شيئا يفيد صحة أقواله.

نستخلص من ذلك أن النيابة كانت مسلمة بأن كلام يعقوب صبري محتاج إلى تحقيق والتحقيق الذي أجرته في ذلك لم يؤيده ولذلك يجب عدم التعويل عليها.

وبعد هذا العرض البسيط لمركز يعقوب صبري في القضية ننتقل إلى مناقشة أقوله في ذاتها ومن المهم أن نعرف متى ذكر اسم يعقوب صبري على لسان شفيق في التحقيق.

متى ذكر اسم يعقوب صبري في التحقيق

ذكر شفيق اسم يعقوب صبري لأول مرة في 18 يونيه سنة 1925 في ذلك التقرير المشهور الذ تكلم عنه طويلا زميلنا النحاس باشا ولهذا التاريخ أهمية كبرى في تقدير أقوال يعقوب لأنه متى ثبت أن شفيق منصور سبق أن سئل عن الوقائع المرتبطة بشهادة يعقوب تمام الارتباط فذكر تلك الوقائع بدون أن يذكر شيئا عن يعقوب صبري.

إذا ثبت أن شفيق وقف في التحقق مواقف كانت تستدعي حتما ذكر يعقوب صبري لو كان ما يرويه عنه صحيحا ولكنه لم يذكره إذا ثبت ذلك فلا شك في أن يكون دليلا على أن ما يقوله بعد ذلك عن الوقائع التي يزعم أن يعقوب حضرها غير صحيح.

ونحن ذاكرون هنا لحضرة القاضي بعض تلك المواقف التي كان يتعين على شفيق فهيا ذكر اسم يعقوب صبري لو كان صادقا ومع ذلك لم يذكره فيها.

أولا: تقرير 13 أبريل سنة 1925 لا أريد أن أرجع إلى أقوال شفيق المتعددة التي قررها قبل اعترافه لكني أستسمح حضرتكم في توجيه نظركم إلى تقرير 13 أبريل سنة 1925 المقدم من شفيق منصور ذلك التقرير الذي اعترف فيه شفيق على نفسه وسولت له نفسه أن يتهم فيه ماهر والنقراشي باشتراكهما في أعمال الجمعية الرئيسية التي يقول عنها في ذلك التقرير تناول شفيق منصور الكلام عن واقعة قتل مصطفى حمدي فقال وأما مصطفى حمدي فقد قتل عندما كان يجرب قنبلة فأصيب ها وقد كان يشتغل بعملها وملوها وقد كان عنده التركيب في كتاب استخرجه منه وأخذ يجربه.

ذكر شفيق منصور حكاية مصطفى حمدي على هذه الصورة ولم يذكر شيئا عن علاقة ماهر بهذه الحادثة مطلقا وكذلك لم يذكر شيئا على الإطلاق عن يعقوب صبري وعلاقته بها.

ثانيا: سئل شفيق منصور في النيابة يوم 21 مايو سنة 1925 واعترف اعترافه المشهور وزاد على تخيلاته الأولى بالنسبة لماهر شيئا جديدا حيث زعم أن ماهر كان مع مصطفى حمدي أثناء تمرنه على إلقاء القنبلة في الجبل فانفجرت فيه وأصابت رأسه فوقع على الأرض فأسعفه أولا بمنديله أي منديل ماهر فلم يمتنع الدم فمزق بطانة البالطو الذي كان يلبسه وربط رأسه بها فتركه وعاد إلى مصر وأخبرنا بالحادثة ولاحظت بطانة البالطو ممزقة.ذكر شفيق تلك الواقعة التي تخيلها على هذه الصورة ومع ذلك لم يذكر شيئا عن يعقوب صبري.

ثالثا: إن النيابة واجهت شفيقا بالدكتور ماهر فيما نسبه إليه فكذب ماهر بشدة ما قاله عنه شفيق ومع ذلك لم يذكر شفيق اسم يعقوب صبري لتأكيد كلامه بل إن النيابة سألت شفيق سؤالا صريحا: هل عندك ما يثبت ما قررته ضد ماهر فقال: لا.

ولو كان شفيق يعلم أن صبري له معلومات في ذلك لما كان هذا جوابه بل لا ستشهد حتما بيعقوب صبري لتأكيد كلامه مع العلم بأنه كان بحاجة إلى هذا التأييد ليتقاضى الوعد الذي وعده به وهو عتق رقبته من الإعدام.

رابعا: بل هناك أكثر من بذلك فإن شفيق قرر في 21 مايو سنة 1925 أمام النيابة أيضا أن في هذا اليوم الذي قتل فيه مصطفى حمدي حضر سليمان حافظ المحامي من الإسكندرية وتصادف وجوده وقت إن كان أحمد ماهر عائدا من حلوان وسمع بخبر انفجار القنبلة في مصطفى حمدي.

فلو أن يعقوب صبري كان حاضرا لذكره شفيق لأن المقام كان يقتضي ذكره ولكنه لم يذكره وذكر اسم حافظ المحامي ولما سئل سليمان أفند حافظ عن ذلك كذب شفيق.واجهت النيابة سليمان أفندي حافظ بشفيق فلم يزد شفيق على إصراره على كلامه ولم يذكر شيئا عن يعقوب ليؤيد به كلامه.

هذه المواقف جميعها كانت تقتضي حتما أن يذكر شفيق اسم يعقوب صبري مقترنا بواقعة مصطفى حمدي ولكنه لم يذكره مطلقا لا مقترنا ولا غير مقترن بها.مما يدل على أن ما نسبة بعد ذلك إلى يعقوب صبري في تقرير 18 يونيه سنة 1925 غير صحيح بل هو من اختراعات شفيق وملقنيه.

متى سئل يعقوب صبري؟

عرفنا إذن أن اسم يعقوب ذكر على لسان شفق لأول مرة في 18 يونيه سنة 1925 فمتى سئل؟ سئل يعقوب لأول مرة في 16 سبتمبر سنة 1925 أي بعد ثلاثة أشهر كاملة.

لماذا؟ شخص تعلق عليه النيابة الأهمية التي تعلقها الآن شخص كانت النيابة محتاجة إليه لتعزيز أقوال شفيق ضد ماهر لماذا تتركه النيابة كل هذه المدة الطويلة بدون سؤال والمتهم محبوس؟ ولماذا خالفت النيابة عادتها في سرعة استدعاء الشهود حتى أنها لما ذكر شفيق اسم الاستاذ سليمان حافظ في 21 مايو استدعته من الإسكندرية فورا.

وسألته في 22 منه كما هو الواجب بل لماذا تلكأت النيابة في سؤال يعقوب وهي التي سارعت في القبض على ماهر والنقراشي بمجرد اتهام شفيق لهما في 21 مايو وفي يدها شهادة شفيق على نفسه بالكذب.

لماذا استبدل هذا النشاط الذي بدأ من النيابة في القبض على ماهر والنقراشي بنوم عميق بالنسبة لاستدعاء يعقوب صبر؟ هل في ذلك حكمة؟

نعم هنالك حكمة توضحها لنا الإجراءات التي اتبعت في هذه القضية تلك الحكمة التي نستميلها من أوارق التحقيق هي أنه كان يراد ألا يستدعى يعقوب صبري أمام النيابة قبل أن تطبخ أقواله وتستوي جيدا لأنها كانت عسرة الهضم.

كان يراد ألا يحضر قبل الاستيثاق منه ويظهر أنه كان صعب المراس فقد مرة ثلاثة أشهر كاملة على ذ كره دون أن يسأل.لم يكن أمام النيابة مندوحة عن سؤال لأن اسمه ورد في تقرير 18 يونيه سنة ك1925 وما كان باستطاعتها أن تتركه بدون سؤال فأحضر إليها أخيرا.

ما الذى قرره يعقوب صبري

أحضر يعقوب أمام النيابة في 16 سبتمبر سنة 1925 وسئل مصطفى حمدي فقال إنه يعرف وسبقت لهما مقابلات كثيرة قبل أن يتخرج حمدي في مدرسة البوليس ولكنه بعد أن تخرج في المدرسة لم ينظره.

سئل هل تعرف أحمد ماهر؟ فأجاب لا ولم أنظره أبدا وقد سمعت اسمه في الجرائد بمناسبة اعتقاله في حادثة السردار.سئل وهل سمعت شيئا حل بمصط