إخوان ويكي
بحث
 
 
صفحة  نقاش  اعرض المصدر  تاريخ 
مرحبا بكم في الموسوعة  ادخل / أنشئ حسابا 

الإيجابية في حياة الداعية

من Ikhwan Wiki

اذهب إلى: تصفح, البحث
الإيجــــــــابية في حيـــــــاة الداعيـــــــة

<toc>

مقدمة

  • الداعية الإيجابي....مسلم ذو قبضة حديدية.... يقول: ينبغي أن يكون هذا...

بعزم!.. وحزم!... وإرادة لامعة .. .

فيكون بإذن الله.

  • إذا قال:... فَعَل ….

وإذا نوى:... اقتحم...

  • وله ميراث من يحيى عليه السلام لما قيل له: "يا يحيى خذ الكتاب بقوة،،
  • وهو كتاب الإيمان عنده..

وسطر الحضارة..

وحرف التمدن..

بغلاف العلم...

  • فيأخذ صعدا في طريق الإبداع .. ..

ويبتكر .. .. و يبادر

  • ولكون إبداعه كثير التنوع، لا يحده إطار، و إنما هو واسع.... سعة الزمان والمكان...
  • وبضيف الطارف الجديد.. إلى الشامخ التليد...

الإيجابية في حياة الداعية

لقد قادت المناهج التربوية في بعض المجموعات الدعوية ومن خلال الممارسة المستمرة، وحسن الأداء، والمراقبة، إلى تثبيت وترسيخ بعض المفاهيم التربوية بشكل جيد ، ولعل أحد اكثر هذه المفاهيم شيوعاً واستقراراً و تفهماً مفهوم الطاعة في المنشط و المكره، وأدى ترسخ هذا المعنى إلى وحدة الصف، ودفع بعض آثار الفتن، وتفويت الفرص أمام الحركات الضرارية ، كما أدى الالتزام به إلى إتقان تنفيذ متطلبات الحركة، وضمان استمرار حركتها، رغم أن الحاجة لا تزال مستمرة لتوضيح هذا المعنى، والتأكيد عليه من خلال الكتابات الدعوية ، و من خلال المراجعة الدائمة لما كتب فيه.

ولكن لابد في الوقت نفسه، من مناقشة مسألة قد تترافق مع هذا المفهوم الجيد والواضح، إذ أن بعض الممارسات الخاطئة والمبالغة في فهم الطاعة بمفهومها الضيق، دون أن تترافق بمفهوم ( السمع ) الذي يعني التفهم والإدراك والوعي، والذي غالباً ما يرد في النصوص الشرعية مع الطاعة، قد أدى إلى ظهور سلبية كبيرة ألا وهي اعتماد الدعاة في عملهم و تنفيذاتهم اعتماداً كلياً على الخطط، وأن تكون جميع أعمالهم مرهونة بما يصدر إليهم من توجيه، دون الاعتماد على أنفسهم في إيجاد منافذ العمل، أو اتخاذ زمام المبادرة إلى الحركة والعطاء، وإنما اتخاذ الموقف الإنسحابي وانتظار تنفيذ الأوامر فحسب.

إن هذه السلبية في الدعاة تحتاج إلى مناقشة ودراسة، لأنها أصبحت تشكل عائقاً في طريق العمل، وأحد أسباب الفتور الواضحة. ولا يمكن أن يقتصر تعليلها على رواسب التربية الخاطئة بمفهوم الطاعة المجردة، رغم أن من المؤكد أن بعض الممارسات التربوية لها أثر في حصول هذه السلبية، إضافة إلى تأثير مجموعة أخرى من العوامل، لعل منها ضعف القابليات الفطرية، والمناهج التربوية المدرسية القاصرة في مدارس العالم الإسلامي، التي لا تساعد على تفجير الطاقات الإبداعية مع عدم توفر الدوافع النفسية والمادية، وجنوح الفرد في المجتمعات الشرقية إلى الانزواء والكسل، وغير ذلك من العوامل التي تشكل بمجموعها أثرا نفسيا بالغا في تكون النفس السلبية.

خاطئـــــــ مفاهيم ــــــــة

ولا يخفى كذلك عامل إدراك المربين لمفهوم (التقوى) بطريقة خاطئة، ليست على منهج السلف، فالإيماء الذي تتركه بعض كتب التصوف، وارتباط فكرة الخمول والإنسحابية بالتقوى، أو تصور ارتباط الورع بمقدار الابتعاد عن مظاهر الشهرة، أو التأثر ببدعة الإرجاء، قد انعكس بعض ذلك على بعض الدعاة بشكل بيّن في سلوكهم، حتى جاء مفهوم الطاعة ليركز هذا المعنى، فيؤدي إلى اعتماد الدعاة اعتماداً كليا على مربيهم في تنفيذ الواجبات الدعوية ، أو في قضايا التخطيط، وبالتالي تقلصت الجهود الفردية إلى أقصى حد، أو كادت تتلاشى القدرات الإبداعية في الدعاة، فصار لزامآ بحث هذا الأمر كظاهرة دعوية، وإيجاد الحلول لها، وقد يزداد نمو الظاهرة، كما تزداد خطورة المسألة مع مرور الزمن، و خصوصاً عند غياب العناصر القديمة، وتوسع العمل، والحاجة إلى أنماط جديدة من النشاط تحتاج إلى مزيد من العناصر الحية المبدعة. وكذلك فإن توسع قاعدة الجماعة، وتغير ظروف العمل، وامتداد الصحوة الإسلامية، وتباين أنماط التحرك، كلها تقود _ بالضرورة ـ إلى أهمية الاعتناء بتربية الجانب الإيماني في نفس الداعية، وتنمية روح الإبداع الخاص، واستلهام زمام المبادرة إلى الأعمال المثمرة دون انتظار الأوامر والركون إلى الدعة اعتماداً على الخطط وحدها .

فردية التكليف

إن أول دوافع الإيجابية التي يجب أن يتذكرها الداعية هو أن مناط التكليف فردي، وأن كل فرد سيحاسب يوم القيامة فرداً ، وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وإن كان المرء يحاسب عن عمله في الجماعة، وبعض التكاليف لا تتم إلا بجماعة، أو من خلال تجمع جماعي، ولكن الحساب بالثواب والعقاب لا يكون إلا فردياً، ومن الإيمان بهذا المنطلق يجب أن ينحصر تفكير الداعية فيما يجلب له الأجر، ويقربه إلى الطاعة، دون أن يكون تبعا، وأن يمتلك زمام المبادرة إلى الطاعات دون الالتفات إلى عمل فلان أو قول فلان، ولا يجب أن تقعده نشوة الطاعة، ولا تثبطه أثقال المعصية، ولا ينتظر الإذن بالعمل من شخص ما، إلا ما كان جزءا من خطة، بل يفكر الداعية بنفسه أنه سيحاسب يوم القيامة عن أعماله، وعما قدم، ولا يسأل عن الآخرين، كما أن عليه أن لا يرنو ببصره إلى غيره، فقد يكون لهم من الأعذار ما يمنعهم عن شيء ما، أو ليس لهم من الهمة والطاقة ما يمكنهم من أداء عمل ما، و يستطيع هو أداءه، فلا يثبطه الشيطان، أو تقعد به ثقلة الحياة الدنيا، والداعية _ بنفس الوقت _ عليه أن ينصب رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ قدوة عملية أمام عينيه، ولا يجعل الأشخاص الآخرين- أياً كانوا مثالاً له، فقد يفتح الله عليه من الهمة أكثر من الآخرين، أو يوفقه الله _ تعالى _إلى عمل يتفرد به، أو إلى فضل يؤثره فيه، فلله في خلفه شؤون، وهو المتفضل على عباده، وقد يختص برحمته من يشاء وكيفما يشاء.

لا تكلف إلا نفسك

لقد توارد معنى الإيجابية، وتكرر في القرآن الكريم بصور شتى وأساليب متنوعة، ليتركز مفهوم فردية التكليف، و بالتالي ذاتية العمل، وما ينعكس عن ذلك من تثبيت مفهوم إيجابية الداعية في العمل والمثابرة، ومنها أوضح آية في كتاب الله_ تعالى _ تحدد معنى الإيجابية، ألا وهي قوله تعالى:

"فقاتل في سبيل الله، لا تكلف إلا نفسك، وحرض المؤمنين... ". والمعنى واضح في أمر الله تعالى لنبيه في عدم تكليف أحد إلا نفسه ، وأن لا ينتظر إعانة من أحد، رغم أن المعلوم من الشريعة أن الأمة كلها مكلفة بالجهاد، ولكن المعنى أن يفترض كل مسلم من الأمة_ والقدوة في ذلك نبيها_ صلى الله عليه وسلم _أنه وحده المكلف بالأداء، وأن الله قادر على نصره، وينحصر واجبه في تحريض المؤمنين.

(كأن هذا المعنى: لا تدع جهاد العدو، والإستنصار عليهم للمستضعفين من المؤمنين، ولو وحدك، لأنه وعده بالنصر..

قال الزجاج : أمر الله تعالى رسوله _ صلى الله عليه وسلم _ بالجهاد، وإن قاتل وحده، لأنه قد ضمن له النصرة.

وقال ابن عطية: هذا ظاهر اللفظ، إلا أنه لم يجئ في خبر قط، أن القتال فرض عليه دون الأمة مدة ما، فالمعنى_والله أعلم _ أنه خطاب له في اللفظ، وهو مثال ما يقال لكل واحد في خاصة نفسه، أي أنت يا محمد وكل واحد من أمتك القول له: (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك) ، ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يجاهد ولو وحده، ومن ذلك قول النبي _صلى الله عليه وسلم : " والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي "، وقول أبي بكر _ وقت الردة-: ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي )

فلينظر _ بتأمل _لاستنباط القرطبي (رحمه الله) أن يجاهد المسلم- ولو وحده- إقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم-، وما أدركه أبو بكر - رضي الله عنه - للإيجابية من خلال النصوص.

موقف من هدهد

ولعل كذلك إحدى الصور البليغة التي يستشهد بها من القرآن الكريم قصة الهدهد مع نبي الله سليمان- عليه السلام-، إذ يبرز مفهوم الإيجابية واضحا.. إذ كيف سار الهدهد بمفرده دون تكليف مسبق، أو تنفيذ لأمر صادر، و جلب خبرا للقيادة المؤمنة أدى إلى دخول أمة كاملة في الإسلام، وبالطبع فإن تقفد الأمير للأتباع، وأخذه الأمر بالحزم، ثم المحاسبة، وتبين العذر.. كل ذلك من أسس الإدارة، وقواعد التخطيط، ومناهج التربية، وقد وصف القرآن الكريم عمل هذا الهدهد بقوله: "فمكث غير بعيد، قال أحطت بما لم تحط به، وجئتك من سبأ بنبأ يقين. إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم "

وبالطبع، فلا يعني الاستدلال: الحرص على التسيب، وإنما المقصود الأخذ بمعنى الإيجابية الهادفة بضوابطها، دون الخروج على أهداف الجماعة ووسائلها، أو مبادئها العامة، أو أن تكون على حساب الأوامر والأعمال الراجحة، وما إلى ذلك مما هو معلوم، بل وإن نفس القصة لتدل على ذلك حيث سمة اليقظة والدقة في العمل، وتفقد الأفراد والحرص عليهم، وضرورة الطاعة والمحاسبة عليها، ثم الحزم القيادي وعدم التسيب في معالجة الأمور، ثم الإصغاء للأتباع ومعالجة المواقف، وغير ذلك مما هو ليس مجال الاستدلال له، ولكن الاستدلال لطبيعة الهدهد صاحب الذكاء والوعي والإدراك والإيمان، حيث استغل فرصة ما ليبلغ خبراً مهما، حرصاً منه على تبليغ الرسالة، وطمعاً في نشر التوحيد، مع براعة في حسن الأداء، وجودة العرض، وشجاعة الاعتذار.

وما اختيار القصة إلا للاستدلال بها،كي يؤخذ من ثناياها ثلاثة أمور يستنبط بالأدنى منها على الأعلى

  • فالداعية أولى من الهدهد بالعمل الإيجابي، والسعي وراء المصالح، والبحث عن الخير، فما من أفضلية خاصة لهذا الطائر الاعتيادي، إذا تجاوزنا الإسرائيليات أو المبالغات التي لا تسندها النصوص، والمؤمن الداعية أدعى أن يقوم بالعمل المثمر، دون انتظار أوامر أو تعليمات من الأمير.
  • والنظر إلى قيادات العمل الإسلامي في عدم توقعها القيام بكل الخطط، وتوجيه جميع الأوامر أولى، فهذا نبي الله المؤيد بالوحي من جهة، وسخرت له الجن والطير، لم يكن قادراً على الإحاطة بجميع الأمور، ولم يمكن ملماً بجميع المعلومات، فاحتاج إلى معلومة صغيرة، من طائر صغير، فكانت إيجابية التابع عوناً لعمل الأمير.
  • وكذلك يستدل بالعمل الصغير _ كنبأ ومشاهدة قوم يعبدون الشمس من دون الله _ للاهتمام بما هو أكبر من ذلك، وقد تقوم إيجابية الداعية بجلب منافع أكبر من الأخبار، وأهم من الشواهد.

وهكذا يستدل على التابع والمتبوع ونوع العمل من قصة الهدهد لاستلهام ما ينبغي أن يكون عليه الواقع الدعوي ، من إيجابية الدعاة، وعدم الاعتماد _ في كل أمر _ على الأمراء، مع تنوع الأعمال، وعدم استصغار ما دقَّ منها.

القاعــــــ المغبون ـــــــــد

وعلى المسلم الكسول أن يتذكر دوما أنه مغبون ما دام في صحة وعافية وعنده رزقه، وأن لا يفوت شيئاً من أوقاته، أو يضيع عمره سدى، لأن كلأ من صحته وفراغه رأس ماله في الحياة الدنيا، وعليه أن ينفقهما_ في سبيل الله _ طلبا لربح الآخرة، وإلا فاته الوقت، وأدركه المرض المانع، أو الهم القاطع، وترك الإيجابية في العلم، أو زمام المبادرة، وهو منتهى الكسل، وتمام الفتور، والسلبية- في أحسن حالاتها- اكتفاء برأس المال فقط.. وفي أول كتاب الرقائق من صحيح البخاري عن ابن عباس قوله. صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) دليل على أن احتفاظ الداعية والمؤمن عمومآ بصحة وفراغ دون عمل غبن كبير، وسلبية مفرطة..

(قال ابن بطال: معنى الحديث أن المرء لا يكون فارغاً حتى يكون مكفياً صحيح البدن، فمن حصل له ذلك فليحرص على أن لا يغبن بأن يترك شكر الله على ما أنعم به عليه، ومن شكره امتثال أوامره، و اجتناب نواهيه ، فمن فرط في ذلك فهو المغبون، وأشار بقوله: (كثير من الناس) إلى أن الذي يوفق لذلك قليل...


وقال ابن الجوزي: قد يكون الإنسان صحيحا ، ولا يكون متفرغاً لشغله بالمعاش ، وقد يكون مستغنياً ولا يكون صحيحاً ، فإذا اجتمعا فغلب عليه الكسل عن الطاعة فهو المغبون، وتمام ذلك أن الدنيا مزرعة الآخرة، وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة، فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله فهو المغبون ، ومن استعملها في معصية الله فهو المغبون، لأن الفراغ يعقبه الشغل والصحة يعقبها السقم، ولو لم يعقبهن إلا الهرم...

وقال الطيبي: ضرب النبي _ صلى الله عليه وسلم _ للمكلف مثلاً بالتاجر الذي له رأس مالا فهو يبتغي الريح مع سلامة رأس المال، فطريقه في ذلك أن يتحرى فيمن يعامله، ويلزم الصدق والحذق لئلا يغبن، ومجاهدة النفس وعدو الدين، ليريح خيري الدنيا والآخرة، وقريب منه قول الله تعالى: " هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم " الآيات، وعليه أن يجتنب مطاوعة النفس، ومعاملة الشيطان، لئلا يضيع رأس ماله مع الريح "

إيجابية الجيل الرباني

ومن خلال تربية المصطفى_ صلى الله عليه وسلم _ الصحابة، صار كل صحابي أمة لوحده، وما من صحابي إلا وله سمة معينة، وموقف خاص، وإبداع متميز، فمنهم من أشار واقترح، ومنهم من أوضح وشرح، ومنهم من أضاف واستدرك، فيما يخدم الدعوة وحركة الإيمان، فسلمان الفارسي يستفيد من خلفيته الحضارية ويقترح حفر الخندق، وحباب بن المنذر يقترح الوقوف في بدر على الماء، وآخر ينصب المجانيق في غزوة الطائف، وأبو بصير يخطط لحرب عصابات بعيدا عن بنود صلح الحديبية، وعمر بن الخطاب يقرب سيفه في نفس الهدنة من أبي جندل طمعا في أن يستله ويقتل أباه دون مؤاخذة على نقض المعاهدة، و يستلم خالد بن الوليد الراية يوم مؤتة بلاتأمير، رضي الله عنهم أجمعين.

والمتتبع لمعارك القادسية واليرموك، والجسر والبويب، يجد لكل صحابي فيها موقفا مشهودا. وللصحابة والتابعين بطولات وجولات، نستل منها فقط قصة ذلك المجهول في القادسية صاحب الإبداع عند ملاقاة الفرس حيث نفرت خيل المسلمين من الفيلة..

(فعمد رجل منهم فصنع فيلا من طين، وأنس به فرسه، حتى ألفه، فلما أصبح: لم ينفر فرسه من الفيل، فحمل على الفيل الذي كان يقدمها، فقيل له: إنه قاتلك، قال: لا ضير أن أقتل، ويفتح للمسلمين)

ولو ترك الجانب العسكري، لرأينا في الجانب الاقتصادي ذلك الصحابي الذي تؤرقه كثرة أبناء المهاجرين والأنصار فينقل زراعة القمح للحجاز، وعبد الرحمن بن عوف يختبر السوق، فيصفق لنفسه حتى لا يكون عيالاً على غيره، وكل ذلك كان يتم دون أوامر، بل بمبادرات من الصحابة أنفسهم، رغم الإيمان التام بكفاية القائد المؤيد بالوحي، ورغم الاستعداد التام للطاعة المطلقة، وذلك لإيمانهم الجازم بضرورة العمل الإيجابي.

وكذلك في إطار الفكر والتربية يسارع عبد الله بن عمرو لتدوين الحديث، وزيد ابن ثابت لجمع القرآن، إضافة إلى مسارعته لتعلم العبرانية والسريانية إذ قال عن نفسه: (... قال لي رسول الله: أتحسن السريانية؟ قلت: لا، قال: فتعلمها، فتعلمتها في سبعة عشري وما)

وابن عباس يجد بغيته الدعوية في الخروج للأسواق والسلام على الناس، وصحابية تطالب الرسول- صلى الله عليه وسلم- بحق النساء فتجمعهن للسماع، وتنقل أسماء بنت عميس بعض تجارب أهل الحبشة في كفن المرأة.. وغير ذلك. وفي الإطار الإجتماعي، يسابق بعضهم بعضاً في التزاور والضيافة، ويتحاور أبو الدرداء مع سلمان ليبت الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ في أمر المناقشة حول حقوق العيال وقيام الليل.

وللجدد .. .. مواقف

وفي تاريخ من أسلم من النصارى عبر التاريخ، قصص وعبر، ومبادرات إيجابية، وقصص الأندلس طافحة بهذه الأمثلة، وقبلها ما حصل عند الروم، وبينها مبادرات في إفريقية، أو في فتوحات العثمانيين في أوروبا، كقصة البطل الألماني _ صانع المدافع _ الذي استشهد في معارك جزيرة رودس، وكل هؤلاء الأبطال لهم سلف في عمل النجاشي _ رحمه الله _ الذي أسلم، وظل في قومه.

ويكتفى هنا بقصة الأمير القاضي أبو محمد عبيد الله بن صليعه، الذي قرر مع رعيته النصارى، أن يخدع الفرنج ويظهر أمامهم بمظهر الخائن، ووعدهم أن يعينهم إن هم تسللوا إلى برج سماه لهم، فكان من قائد الفرنج أن انتدب من شجعانهم ثلاثمائة، فطالعهم النصارى في حبال، وكلما طلع واحد، قتله ابن صليعه، حتى أباد الثلاثمائة... ثم حاصروه، ودكوا برجه، فأصبح وقد بناه في الليل)

فانظر إلى العزيمة في الأداء، والإيجابية في العمل، دون النظر لما يقول الآخرون، أو حباً لشهرة يراها المسلمون، وللقصة تفصيل- لا مجال له هنا- كما أنها غيض من فيض، ولكن يكتفى بالقليل اعتباراً بها، ودفعا للدعاة للبحث والنظر.

سر الحضارة الإنسانية

والمتتبع للحضارة الإنسانية، يجد الإبداع الفردي، والإيجابية الذاتية هما منبع الأفكار المتميزة، وبداية الآفاق الحضارية، فمنذ فجر التاريخ كانت الاختراعات والابتكارات فردية، ابتداء من صناعة العجلة، وحتى الطباعة، والتلغراف، والمصباح، وأشباه ذلك، حتى أدى هذا الانعكاس إلى ظهور الفلسفات التي تؤكد على الذاتية، وليس هذا المبحث بصدد تقييم هذه الفلسفات ومدى بعدها أو قربها من النظرة الإسلامية، وإنما للاستدلال على ما ساد في الحضارة الإنسانية من رصد صحيح للإبداع والإبتكار، وحتى عند تحول الأعمال إلى منطلقات جماعية كما يحصل في البحوث السياسية والإدارية والاقتصادية، بل حتى في بحوث العلوم الطبيعية الحالية، من نزعة جماعية، فيظل للفرد دوره المميز في ومضة الإبداع، وفي إيجابية الأداء والفكر الإسلامي له نظرة متوازنة بين العمل الفردي والعمل الجماعي، ويرفض التفرد والأنانية، كما يرفض الغرور والشخصانية، إلا أن تنفيذ الأعمال، ومبدأ التكليف فردي بحت.

والناظر المستقرئ لمدنية اليوم، يظن أنها نتاج حكومات ومؤسسات، لا أن المتتبع لها، ولبداياتها يعلم أنه ابتدأت بمحاولات فردية، فكثير مما نشاهده من شركات أو مؤسسات بدأت بزمام مبادرات فردية، تطورت_ مع الأيام _ إلى جماعية، وكثير من متاحف العلوم والجيولوجيا ومعاهد البحوث، كان إنشاؤها فردياً حتى أثبتت وجودها ودعمت من قبل الحكومات، بل حتى المعارض والحدائق العامة، كانت ملكاً لأفراد صبوا جهود حياتهم فيها، حتى وصلت إلى مرحلة استحقت أن يشارك المجتمع فيها.

وما تنعم المجتمعات الحديثة فيه الآن من طائرات وسيارات، وأجهزة، بل ومن علوم إنسانية وأفكار مدينة إلى جهود رواد الحضارة، وبناة المدنية من أشخاص ملكوا قدرة الإبداع _ بفضل الله وحكمته_ وزمام المبادرة، وتحملوا العوائق حتى وصلوا إلى الإبداع الذي قاد إلى أعمار هذه الأرض.

لذا.. صار من الضروري إدراك مثل هذا الاستقراء، كي يكون دافعاً للداعية، إلى التفكير المستمر، والعمل الدائب، للمشاركة الإيجابية، حتى يشارك في مسيرة البناء، أما في المجتمعات الإسلامية المعاصرة، فيضمر هذا المعنى مع الأسف كثيراً..

وعلى الطريق رجال ..

ويالرغم فن وجود ملامح معنى هذه السلبية عند معظم الدعاة اليوم، إلا أنه تبرز أمثلة في الإيجابية يقتدى بها..

  • ولعل أولها تجربة الأستاذ الشهيد عبد الله عزام- رحمه الله- وما أداه في بلاد الأفغان، ونقل الكثير من التجارب، والفقه التربوي، وصار قدوة للمئات من الشباب، وأذكى روح الجهاد، وهي تجربة ابتدأت فردية، ثم اتخذت الطابع الجماعي من خلال التجربة والحوار.
  • وذلك الداعية الإيجابي الذي آلمته المجاعة في إفريقية، فترك مهنة الطب، والعيش الفاره ، وبدأ عمل الإغاثة بمجهود فردي، وصب كل أفكاره فيها، حتى تحول _ بإذن الله تعالى ثم بمؤازة مجاميع العمل الإسلامي _ عمل الإغاثة من جهود فردية إلى منظمة كبيرة تخدم الكثير من الأمور في إفريقية، وتحولت إلى سمة بارزة في العمل الإسنادي ، وصار مثالاً يحتذى به في خدمة القضايا الإسلامية.
  • وقس على ذلك.. المحاولات الرائدة في محاولة تجميع الزكاة وتوزيعها، التي بدأت بإيجابية بعض الدعاة، حتى تطورت مع الأيام إلى أعمال جماعية، تخدم قضايا الأمة الإسلامية، وتربطها مع جماهير الأمة أخذا وعطاءا.
  • وإن الكثير من الجمعيات الإسلامية، ودور الرعاية والاتحادات الطلابية، في الغرب، لم يخطط لها الشرق _حسب علمنا _ بل كانت جميعها بجهود إيجابية لداعية التف حوله بضع دعاة في بادئ الأمر، ثم تطورت مع الأيام، فأصبحت فيما بعد مؤسسات جماعية، تؤدي أعمالاً كبيرة لها أثرها.
  • وهناك المجهولون من الأوائل الذين جمعوا الأناشيد الإسلامية، أو قاموا بتسجيلها، أو كانت لهم محاولات التصوير والنشر، أو الذين قاموا بتسجيل الأناشيد وأغاني الأطفال حتى تحولت هذه الوسائل الإعلامية إلى ظاهرة كبيرة لا يخفى إسنادها للعمل الدعوي، وانتشار الوعي الإسلامي.
  • وتأتي مثل هذه المحاولات فردية. في أمور كثيرة+ لا يمكن حصرها، كلها تبرهن أن الأعمال الكبيرة تبدأ فردية بعمل إيجابي يتطور مع الأيام، أو أن الأعمال الكبيرة ذاتها قد تكون مجموعة من أعمال صغيرة، وأدوار صغيرة تتراكم مع الزمن، ويطرح الله+ تعالى+ فيها البركة والنماء.

الإيجابية .. .. إعذار إلى الله

وقد تؤدي الإيجابية إلى الكثير من العمل الإسلامي بذاتها، كما أن لها نتائج باهرة، فمنها وما يتفرع عنها من علم وعمل، ومعذرة واعتذار، فالمعذرة إلى الله_ عز وجل _ من التقصير حيث أداء الواجب جهد الإمكان والاستطاعة، وبالتالي شعور المؤمن بالأداء وحسن النية، إذ أنه يؤدي ما عليه، وليس عليه النتائج، وهذا المعنى هو المطلوب من التكليف،ولقد عذب الله أقواماً تركوا الدعوة للخلق، بحجة أن الموعظة لا تؤثر في قومٍ: الله مهلكهم أو معذبهم، بينما امتدح الله آخرين اعتذروا إلى ربهم، وقاموا بأداء الواجب المعين عليهم، فالمعذرة إلى الله واجب عيني على المؤمن أن يؤديه بإيجابية، دون انتظار لما يعمله الآخرون.

وكذلك الاعتذار للقائد في أداء الواجب، ولو أخذنا قصة الهدهد كمثال على العمل الإيجابي لرأينا فيها من المعذرة والاعتذار الشيء اللطيف، حيث كان علمه نافعاً للقائد معتذراً به إليه، بل كان في العلم، حيث النبأ اليقين، نوع سلطان قوي، ولا يتنافى هذا مع النية، فإن طاعة القائد واجبة، والإيجابية مظهر غير مباشر للطاعة.

(إن سليمان لما توعد الهدهد بأن يعذبه عذابآ شديدآ، أو يذبحه، إنما نجا منه بالعلم، وأقدم عليه في خطابه له بقوله: "أحطت بما لم تحط به " خبرآ، وهذا الخطاب إنما جرأه عليه العلم، وإلا فالهدهد مع ضعفة لا يتمكن من خطابه لسليمان مع قوته، بمثل هذا الخطاب، لولا سلطان العلم)

إذ لولا إيجابية الهدهد، لما قبل القائد اعتذاره، لأن عموم الارتباط بجماعة المؤمنين يقتضي أداء عمل، ضمن الأهداف المعلومة، وليست بالضرورة أن يكون التابع منفذاً لأوامر فقط، وكذا الدعاة يجب أن لا يقفوا عن حد الواجبات، أو عتبة الأوامر، فالسكون تقصير، والوقوف ضعف، ولكن العمل الإيجابي يدرأ عتب أو ملامة الأمير.

(وفي قوله أصدقت أم كنت من الكاذبين، دليل على أن الإمام يجب عليه أن يقبل عذر رعيته، ويدرأ العقوبة عنهم في ظاهر أحوالهم بباطن أعذارهم، لأن سليمان لم يعاقب الهدهد حين اعتذر إليه، وإنما صار صدق الهدهد عذراً لأنه أخبر بما يقتضي الجهاد، وكان سليمان- عليه السلام- حبب إليه الجهاد، وفي الصحيح: ليست أحد أحبُّ إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك أنزل الكتاب، وأرسل الرسل. )

ثقة وهمم عالية

وفي الإيجابية احترام للنفس، وثقة بها، حتى لا يستهين المؤمن بنفسه، ويغرر به الشيطان أنه لا يصلح لأمر ما فيقعده عن العمل، أو يزهده عن الأداء، إذ قد يأتي الشيطان عن طريق إشعار الداعية بأنه لا أهمية له، أو يحدثه بأن العمل ضرب من الرياء، وأن الحديث فيه مظاهر الغرور، فيحبب له العزلة، ويزين له الانكماش، ويصور له العزلة ورعاً، والانكماش تعففا، وعدم الحديث تواضعاً، فيفوت عليه المصالح، ويسد عليه طرق الخير، وتذهب عنه الأوقات، وتهدر فيها الطاقات، وإذا ما عجز الشيطان عن ذلك، فإنه يريك الأولويات على الداعية، ويقوده لترك الأفضل وإتيان المفضول ، تحت نفس التبريرات، ووفق نفس الحجج، ولهذا كان من الضروري تفهم الداعية العلم الشرعي الذي يسد به منافذ الشيطان، ويغلق به أبواب إبليس، ومن أول العلم الثقة بالنفس، وتأييد الله تعالى.


ومن الثقة بالنفس معرفتها، والتوجه إلى المعالي دائمآ، والرنو نحو القمم السامقة ، أما رأيت لذلك الرجل الذي قيل له: عندي لك حويجة، فقال له: أطلب لها رجيلاً، فإنه يبحث عن القضايا التي يطلب لها الرجال، وهكذا يفعل أصحاب العزائم، حتى ولو كانوا من طلبة الدنيا، ولعل من هؤلاء يزيد بن المهلب الذي هرب من الحبس، فقيل في قصته أنه مر برهط من أهل البرية رعاة، فقال لغلامه: استسقنا منهم لبناً، فسقوه، فقال: أعطهم آلفاً، قال: إن هؤلاء لا يعرفونك، قال: لكني أعرف نفسي

فانظر إلى مقدار معرفته بنفسه، وما أراد لها أن تنزل عن مقدارها، فكيف بهمم أهل الدين التي يجب أن تكون أعلى وأسمى، وهكذا كانت مطالب الصحابة _ رضوان الله عليهم _ فكل منهم كان في الموضع الأعلى من الرغبة في المعالي، فهذا ربيعة بن كعب الأسلمي أقصى أمانيه عندما سأله الرسول- صلى الله عليه وسلم-: (أسألك مرافقتك في الجنة)، والإمام علي- رضي الله عنه_ يحدد غاية ما يشتاق إلى فعله (الضرب بالسيف، والصوم بالصيف، وإكرام الضيف)، وسيف الله المسلول الذي لا يريد أن تقر عيون الجبناء يقول: (ما من ليلة يهدى إلي فيها عروس، أنا لها محب، أحب إلي من ليلة شديدة البرد، كثيرة الجليد، في سرية، أصبّح فيها العدو.)

لا تبخل بالقليل

ومن خصائص الإيجابية عدم استصغار الأمر، وعدم استكثار الكثير، فربَّ صغير عظمته النية، وربَّ عظيم صغرته النية، وقد تؤتي الكلمة الطيبة ثمارها_بإذن الله تعالى _، ولقد سئل أحد العلماء (إلى متى تظل تكتب العلم؟ فقال: لعل الكلمة التي فيها نجاتي لم تكتب بعد)، وما يدري الإنسان متى يقول الكلمة فيهدي الله بها خلقا كثيرا..

وقد أورد الرسول_ صلى الله عليه وسلم _ أن من البر أن يُفرغ أحدكم في دلو أخيه، أو أن يتبسم الإنسان في وجه أخيه، أو حتى أن يلقاه بوجه طلق.."

فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " (.... قال ابن مسعود: هذه أحكم آية في القرآن، وصدق، وقد اتفق العلماء على عموم هذه الآية، القائلون بالعموم، ومن لم يقل به..... وأن الرسول- صلى الله عليه وسلم- لما سئل عما في أجر الحمر، قال: (وإن في الحمير مثاقيل ذر كثيرة)...

وأن أم المؤمنين قالت عن صدقة حبة العنب: كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرة... وعن سعد بن أبي وقاص عندما دفع لسائل تمرتين: ويقبل الله منا مثاقيل الذر، وفي التمرتين مثاقيل ذر كثيرة. 00)

وفي استلهام الداعية لمثل هذه النصوص دافع كبير إلى عدم استصغار الأعمال الصغيرة، أو الأقوال العارضة في دعوته، فلا يبخس في الحديث للأهل، أو الكلام لطفل، أو التربيت على كتف غلام، أو التبسم لجار في طريق، أو النصح لمرافق في العمل، أو الاستماع لكلمة أو مقالة، أو التنصت للقرآن الكريم أثناء سياقة السيارة، وشبه ذلك مما يكسب الأجر الكبير، والمثوبة العظيمة، والله يضاعف لمن يشاء.

إن من يعتدي ويكسب إثما

وزن مثقــــــال ذرة سيراه

وئجازى بفعله الشر شـــرا

وبفعل الجمــيل أيضآ جزاه

هكذا في قوله تبـــارك رلي

في (إذا زلزلت) وجل ثناه

وعدم الزهد في القليل أولى من القعود، والسكوت والقعود أولى من الحديث بالباطل، فإن النفوس مجبولة على العمل وحب الحديث، فإذا لم تجتمع على الحق، فرقتها أحاديث الباطل، والشيطان لا يدع الإنسان في عزلة من أمره، فما أن يترك الإنسان العمل الصائب حتى يشغله الشيطان بترهات الباطل، وكم هي التجارب الناطقة من محيط الدعاة، فإن أحاديث الغيبة، وعبارات التهكم والسخرية، وأقوال النقد والتثبيط، لا تتم إلا من القاعدين والكسالى، ولا تنمو إلا في أجواء الراحة والفتور، وخصوصاً عند الشباب، وفي هذا يقول أبو العتاهية في حكمته التي تتردد عبر الأجيال:

إنما الفراغ والشباب والجده

مفسدة للمرء أي مفسده

و إياك والفراغ

وقبله كره ابن مسعود الفراغ للمرء مهما كان، فقال: (إني لأكره أن أرى الرجل فارغاً ليس في عمل آخرة، ولا دنيا...) وما أكثر ما نطق الشعراء والحكماء بهذا المعنى، حيث إدراكهم لمعنى الحياة، وضرورة استثمارها...

دقات قلب المرء قائلة له

إن الحياة دقائق وثواني

وإذا كان الأقدمون يستشعرون هذا المعنى من دقات القلب، فما أحرى بداعية اليوم استشعارها من دقات الساعات في كل مكان، ومن إشاراتها الرقمية في كل معصم، وهي تسجل مرور الثواني والدقائق التي لن تعود، ناهيك عن الأيام والليالي، وأن يكون مع الإمام الشهيد في حكمته الخالدة حيث يقول: (الوقت هو الحياة)، وكان يكرر أيضا: (الوقت كالسيف، إن لم تقطعه قطعك).

ولكن الرجوع إلى تتبع دقات القلب أجزل معنى وأوضح تذكيراً، فإنه ثمَّ في القلب الفهم والوعي والإدراك والإيمان.

فلولا تفقد داعية قلبه، ثم رجع فتفقد.. ثم رجع، لعله يقرب من الإبداع والإيجابية خطوات..

إياك والهوى

وهناك مجموعة من الأسباب والعوامل تؤثر في إيجاد الإيجابية الدعوية، أو تقويتها، أو المنع من فتورها، لابد من أخذها بنظر الاعتبار والتنبيه المستمر عليها من خلال الوعظ الدعوي، والمناهج التربوية، أو جداول المحاسبة الذاتية، ولعل أهمها ومبتدأها: تقوية الإيمان. والإيمان بداية الأمر، وأس العمل، ولاشك، ولكن المقصود هنا الالتزام بعوامل تقوية الإيمان، وأنشطة زيادته بالطاعات التي من شأنها أن تزداد إيجابية المؤمن بها، وتتقوى ذاتيته بمقتضاها.. والعوامل هذه كثيرة- لا يمكن الاستطراد بها في هذا المبحث- ولكن يشار إليها فحسب إذ أن من أهمها، الذكر وتلاوة ا لقرآن، وتذكر الآخرة، وحضور ا لجنائز، وزيارة ا لمقابر، وكثرة ا لسنن، وقيام الليل، وصيام التطوع، والزيادة من كل بر، والأخذ بكل معروف.

كما أن الإيمان مرتبط بصحة النية، وسلامة القصد، وعدم حصول الهوى،أو غلبة الشبهة، لأن اتباع الهوى يضل عن السبيل، ويقعد عن العمل الصائب، وشعور المؤمن بأن عمله لله- تعالى- يدفعه للمعالي، ويفجر مكنوناته، و يستسهل الصعب فيه، و يتجاوز العقبات له، وتتكون العزيمة التي تدفع كل حواسه، وتظهر كل طاقاته على شكل عمل مثمر وبناء، وكما أن صحة النية مهمة، فإن الانشغال بالعمل الصالح، وترك الشهوة، هو الآخر يقود إلى تفتح البصيرة، وترك الباطل، والتمتع بلذة الطاعة، وينمي القوة في طاعة الله، ويقوي الإبصار في الحق، وكل من صحة النية وصواب العمل، وإن كانا مما يقوي إيجابية المؤمن، فهما بنفس الوقت بحاجة إلى إيجابية، ولكنها سنة الحياة، فالعمل يدفع إلى العمل، والحسنة تقود إلى الحسنة، والحركة تولد الحركة، والطاعة تجلب الطاعات، وهذا من فضله تعالى على العباد.

وعليك بحفظ الهمة

ويبقى العامل المهم في حياة الدعاة، وهو الإحتفاظ بالهمة، وكان الجنيد البغدادي- رحمه الله- يوصي الداعية بذلك.. فيقول:

(عليك بحفظ الهمّة، فإن الهمّة مقدمة الأشياء).

والاحتفاظ بالهمة مسارعة للخير، فاغتنام الصحة قبل المرض، والنشاط قبل الفتور، والحياة قبل الموت، والغنى قبل الفقر، مراحل حاسمة في تاريخ الإنسان، وبينهما مراحل أقل، ومفاوز أصغر، يعظنا المصطفى- صلىْ الله عليه وسلم- بالأكبر، ليستدل بها على الأقل، ولذلك يقول الشاعر:

إذا هبت رياحك فاغتنمها

فإن لكل خافقة سكونا

( إذا فتح أحدكم باب خير، فليسرع إليه، فإنه لا يدري متى يغلق عنه )

أودية بقدرها

ومما يحقق الإيجابية عند الداعية: العلم، والعلم الصائب، دافع للعمل الصائب.. (إن العلم إمام العمل، وقائد له، والعمل تابع له و مؤتم به، فكل عمل لا يكون خلف العلم مقتدياً به فهو غير نافع لصاحبه، بل مضرة عليه، كما قال بعض السلف: من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح، والأعمال تتفاوت في القبول والرد بحسب موافقتها للعمل ومخالفتها له، فالعمل الموافق للعلم هو المقبول والمخالف له هو المردود، فالعلم هو الميزان، وهو المحك...)

فالعلم الفاسد قد يقود إلى العمل الفاسد، والعلم الصالح يذكر الداعية باستمرار، بماهية الحياة وطبيعة التكليف، وعاقبة الإنسان، كما أنه يذكره بالآخرة، وما أعد الله لعباده من الثواب والعقاب، ويحرك مشاعره الخيّرة نحو السمو، ويزيد همته نحو الفضيلة، ويكون له من زاد العلم ما ينبهه من عاقبة الكسل ومغبة الفتور، فيدفعه إلى العمل المثمر، والعلم يذكر بمصارع الأقوام، ومهلك الظالمين، والعاقبة التي كانت للمصلحين، فيستزيد من الخير، ويندفعا نحو العمل، وبالعلم تصفو النفوس، ويذهب كدر المعاصي، كما شبهه الله تعالى بالأودية التي تذهب بالزبد، وتجعله جفاء، وتشبيه القرآن الكريم للعلم النافع بالماء الجاري دليل على روعة العلم المتحرك وأثره في الحياة والنفوس، كأثر الماء المتحرك في إزالة العوائق، واكتساح الشوائب

لذا... فلابد للعلم من أن يكون متحركاً في قلب الداعية، يدفعه للعمل حتى تصفو القلوب، ويذهب الكدر، كما وصفه تعالى:

"فسالت أودية بقدرها، فاحتمل السيل زبداً رابياً "

(وهذا مثل ضربه الله تعالى للعلم حين تخالط بشاشته القلوب، فإنه يستخرج منها زبد الشبهات الباطلة فيطفو على وجه القلب، كما يستخرج السيل من الوادي زبداً يعلو فوق الماء، وأخبر سبحانه وتعالى أنه رابِ يطفو ويعلو على الماء لا يستقر في أرض الوادي زبداً، كذلك الشبهات الباطلة إذا أخرجها العلم ربت فوق القلوب، وطفت، فلا تستقر فيه، بل تجفى وترمى فيستقر في الوادي الماء الصافي، ويذهب الزبد جفاء، وما يعقل عن الله أمثاله إلا العالمون )

صناعة الحياة

ويأتي بعد ذلك كله، عامل مهم يكتسب أهمية بالغة في الزمن المعاصر، لتشعب مطالب الحياة، ولتأثير بعضها ببعض، بل وأصبح التأثير حاداً بسبب سهولة الاتصال، وكثرة السفر، وسهولة المواصلات، ذلك العامل هو الإبداع الذاتي، بالاستفادة من التخصص المهني، والأخذ منه كبعد دعوي، أو استحداث الداعية تخصصاً حياتياً لنفسه، يجتهد فيه حسب استعداداته، وكفاياته ومقدرته، فإن إيجاد مثل هذا التخصص، أو تحويل مجرى التخصص إلى ما ينفع الدعوة، يفجر الإبداع عند الداعية، ويدفعه إلى المزيد من العمل الإيجابي، ويصعد عنده الهمة، فيجعل وقته مثمراً، وحياته دافقة.

ولو عدنا إلى ما استدل به من إيجابية الهدهد، لشوهد أنه يمكن أن يؤخذ من القصة، تميزه بشيء من الإبداع، إذ كانت له معرفة بالماء تحت الأرض، فكان بعض المفاهيم الدعوية بما يدركه فنوّه بقدرته تعالى بإخراج الخبء في السموات والأرض، ولذا كان لابد لكل داعية، أن ينظر بنور الله تعالى، حتى يظهر الفن والعلم والإبداع في منطقه وروائه، ويكون في خدمة الدعوة، وثمرته تصب في مجال الحركة، بل إن القدرة العلمية والفنية تنعكس في الأداء الدعوي، ففي المجال الأول، استنبط الزمخشري نفس المعنى من قصة الهدهد، فقال:

(... وفي إخراج الخبء أمارة على أنه من كلام الهدهد، لهندسته، ومعرفته الماء تحت الأرض، وذلك بالهام من يخرج الخبء في السماوات والأرض- جلت قدرته، ولطف علمه- ولا يكاد يخفى على ذي الفراسة الناظر بنور الله مخايل كل شخص بصناعة أو فن من العلم، في روائه ومنطقه وشمائله،فما عمل آدمي عملاً إلا ألقى الله عليه رداء عمله...)

وفي المعنى الثاني، قال ابن القيم _ رحمه الله _ شارحاً للآية الكريمة:

(... والنبأ هو الخبر الذي له شأن، والنفوس متطلعة إلى معرفته، ثم وصفه بأنه نبأ يقين، لاشك فيه ولا ريب، فهذه مقدمة بين يدي إخباره لنبي الله بذلك النبأ، إستفرغت قلب المخبر، لتلقي الخبر، وأوجبت له التشوف التام إلى سماعه، ومعرفته، وهذا نوع من براعة الاستهلال، وخطاب التهييج، ثم الكشف عن حقيقة الخبر كشفاً مؤكداً بأدلة التوكيد...)

والله سبحانه وتعالى قص أحسن القصص للاعتبار، وللقياس عليها، وفي هذه القصة نعم العبرة، وأفضل الاستدلال للدعاة، كي يضعوا فن التخصص، وموهبة العلم، في خدمة الدعوة، وصلاح النفوس، ولقد تكفل كتاب الراشد (صناعة الحياة) بتوضيح المعنى للدعاة.

ضرورة الاستيعاب

ومن الضروري بمكان معرفة الداعية، إن ما قد يعرفه، أو يتقنه، قد لا تتقنه قيادات، ولا يكاد يمر على ذهن الأمراء، فكل أمر قد استأثر الله به بعض الخلق، ألا يلاحظ الداعية، أن الله استأثر بعض مخلوقاته بما يعجز عنه الإنسان، حتى يستدل به على عظمة الخالق من جهة، وضعف المخلوق من جهة أخرى، وأن كل مخلوق محتاج إلى غيره من جهة ثالثة، ورابعة أخرى أن كل فضل من الله، وإليه، وفي كل أمر عبادة، وإدراكها عبادة، والسعي بمقتضاها عبادة، وفضل الله أوسع بعد ذلك كله.

ولعل هذا المعنى_ يعود لنا _ مرة أخرى من قصة الهدهد، فهذا النبي الذي أوتي من كل شيء تقريباً، وسخر له الجن والإنس، ظهر ضعفه أمام الهدهد، ورد عليه، وتصاغرت عنده نفسه، وهو يشعر باحتياجه للطير الضعيف، بل ودافع الهدهد عن نفسه، ونافح عن تغيبه بحجة بليغة..

(ألهم الله الهدهد فكافح سليمان بهذا الكلام على ما أوتي من فضل النبوة والحكمة، والعلوم الجمّة، والإحاطة بالمعلومات الكثيرة، ابتلاء له في علمه، وتنبيهاً على أدنى خلقه وأضعفه من أحاط علماً بما لم يحط به، لتتحاقر إليه نفسه، ويتصاغر إليه علمه، ولكون لطفاً له في ترك الإعجاب الذي هو فتنة العلماء، وأعظم بها فتنة، والإحاطة بالشيء علماً أن يعلم من جميع جهاته، لا يخفى منه معلوم...)

وبالمناسبة، يشار هنا إلى معنى ملازم، وهو ضرورة استيعاب المربين لهذا المعنى، واحترام ما يصل إليهم من إبداع الأفراد، وأفكار الأتباع، وإيجابيات الدعاة، ويدعموا ذلك بالإعانة، ويتمنوا لهم التوفيق، ويباركوا ذلك بالتشجيع، ما دام ضمن مسيرة العمل الصالح، اقتداءً بالأنبياء والمرسلين، وعدم الوقوع بفتنة العجب، أو الإعتزاز بالرأي، أو الحرص على رأي معين، فالحكمة ضالة المؤمن، وهو أولى بها، أنَى وجدها...

اقتراحات على الطريق

ولا يمكن _ أخيراً _ في هذه العجالة تسجيل الخطط والأعمال، التي يمكن أن يقوم بها الداعية، وإنما هو التذكير وحسب، بما ينبغي له من حصر ذهنه، والبحث عن مجالات الأداء، ولكن يمكن ذكر ما يمكن أن يقيس عليه، مما يغنيه عن انتظار الخطط، أو توقع الأوامر:

  • ففي مجال تقوية الإيمان، عمل كل ما يؤدى إليه، من زيارة القبور، وحضور المساجد، أو الإعتكاف فيها، وقبل ذلك تلاوة القرآن وحفظه، بل وفي الدرجات الدنيا، التفكر في خلق الله، والتأمل في مصالح الدعوة،

ولقد روي عن أبي الدرداء _ رصْي الله عنه _ أنه كان يقول: (تفكر ساعة، خير من قيام ليلة)

علم وتعلم

  • وفي مجال العلم بجانبيه: التعليم والتعلم، ما ضر الداعية بدلاً من صرف الوقت بما لا ينفع، تناول كتاب لقراءته وتلخيصه، أو الاستماع إلى محاضرة إسلامية، أو حضارية نافعة، أو المطالعة في كتب الصحابة وآثارهم، والعيش مع أنفاسهم..

(قيل لعبد الله بن المبارك: إذا أنت صليت، لم لا تجلس معنا ؟ قال: أجلس مع الصحابة والتابعين، أنظر في كتبهم وآثارهما فما أصنع معكم؟ إنكم تغتابون الناس)

وعلى الداعية أن لا يتكبر أن يسمع غيره، فلا يدري الكلمة التي ينتفع منها، وما من خطيب أو واعظ إلا و تستفيد منه فكرة، أو خبراً، أو تذكيراً بعلم قديم قد نسي، أو ربطاً بحادثة واقعية، أو على الأقل لا يخلو الواعظ من عرض جديد لمعلومة معروفة، أو نبرة تبلغ إلى أعماق القلب، ولقد كان الرسول _ صلى الله عليه وسلم- يستمع إلى قراءة أبُي بن كعب، وأبي بكر- رضي الله عنهما- للقرآن، وعليه اُنزل، كما أن الداعية قد يسمع الكلمة من شخص آخر، فيبني عليها من المعاني، وتزدحم عليه الأفكار فيصل إلى مجموعة من الحقائق، ويربط بين مجموعة من القضايا لم تكن في ذهن المتحدث، ومما قيل في ذلك ما قاله التابعي الجليل عكرمة تلميذ ابن عباس: (إني لأخرج إلى السوق، فأسمع الرجل يتكلم بالكلمة، فيفتح لي خمسون باباً من العلم...)

أما المتخصص في مسألة ما، أو فن معين فله المجال الأرحب، كتصنيف كتاب، أو كتابة مقالة، أو تحقيق مخطوط، وما أسهل ما يمكن للداعية من إتعاب نفسه، بتجميع المعلومات، وشحذ الذهن لكتابة مقال لأحد المجلات الإسلامية، أو تحضير درس لإلقائه في مسجد، وليس- في مجال العلم- بأقل من السؤال والاستفادة، وإلا فهو الإفلاس المحض، والخسارة القاتلة، فقد قال أبو مسلمة سعيد بن زيد:

(سمعت عكرمة يقول: ما لكم لا تسألوني، أ أفلستم..)

زيارات و دروس

وما أكثر الأعمال الممكنة!ي الإطار الاجتماعي، كزيارة تكسب فيها صديقاً، أو أمراً بالمعروف، أو تجلب فيه خبراً لجماعة المؤمنين، أو تتعرف فيها على تاجر أو متبرع يعين الأنشطة بماله، أو على شيخ ووجيه يؤثر في أتباعه ومحبيه، ولا يقتصر العمل الإسلامي على المجتمع، فالبيت أحوج إلى الداعية، فعليه تجاوز الفتور وقصور الهمة، وأن يقوم بدرس للزوجة وإرشادها، وللأطفال والأقرباء، حتى ولو بالتلاوة من كتاب.

تحليل ونقد

وفي إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بالشكل الإيجابي، مجال واسع، وآفاق ممتدة، حيث الملاحظة اليومية لأمور المنكر التي ينبغي إزالتها من المجتمع، فيسهم بكتابة موضوع نقدي في الصحافة، أو يقوم بإرسال رسالة ترد على موضوع، أو تؤيد موقف، أو تستنكر مقالة، أو أن يقوم بإرسال برقية إلى جهة، أو يرفع سماعة الهاتف مستنكراً برنامجاً سيئاً، أو مؤيداً لمحاضرة موفقة، أو أن يقوم بالكتابة إلى وزير أو مسؤول يدعم رأيه اليد في موقف، ويستنكر منه الموقف السيئ .. وهكذا يحاول أن يكون الداعية، ولو عمل كل الدعاة بهذا المنهج، وأدى كل واحد واجبه.. لأدى هدْا الأمر- إلى الكثير من الخير، إذ سوف يستلم الصحفي والإعلامي، والمدير والوزير، مئات بل ربما الآلاف من الردود أو المعارضة لموقف الشر، فيقود إلى الإمتناع؟، أو على الأقل للتوقف عن المزيد ولا يستغرب هذا الموقف، فحتى الفاسق من الناس – مهما كان سيئاً – فهو بشر، إذا لم تمنعه الاعتراضات خشية من الله، فإنه سيمتنع خوفاً على مركزه، أو حرصاً على سمعته… أما سكوت الجميع عن الشر، فسيقود إلى شر أكبر، وعدم تشجيع المعروف، يقود إلى الزهد في إتيانه.

أشواق إلى الآهات

  • وفي إطار الجهاد والأداء الحضاري، قد تذكر هنا عبارة الإمام الجنيد:

(هب أنك لا تخاف، ويحك.. ألا تشتاق..)

ونستعير اللفظ للمعنى الذي يراد، فيقال للداعية: هب أنك لا تريد العمل، ويحك ألا تشتاق، فأين أشواق المؤمن للجهاد، أفلا تكتفي منه بشيء من المرابطة، وحضور الساحات الساخنة، أي آهات المؤمن على آلام المسلمين، أفلا يكتفي بمشاهدة بعضها، أين التشبه بما حكاه الله لنا عن الهدهد؟ ألا يقود ذلك إلى نقل خبر، أو ترجمة مقال، بل أين الحرص على تحديث النفس بالغزو ؟، ألا يقتضي تعلم فن من الفنون كالجودو أو السباحة؟، وأخيراً أين اللهو المباح الذي يستجم به حتى تقوى النفس على الحق، أليس منها تعلم رياضة، أو إتيان هواية...، وفي عالم الكمبيوتر اليوم الشيء الكثير.

إبداع وتجميع

ثم أليس- فوق ذلك كله يمكن للداعية أن يجمع ما يقرأ فقط، ويتخصص في موضوع ما، في عالم السياسة أو التاريخ، أو الإدارة والجغرافية، أو حتى في الرحلات والمغامرة، فيجمع أرشيفاً ويكون مختصاً دعوياً في أحد أبواب المعرفة، بل أليس من السهل أن يجمع الإنسان خواطره في إطار معين لتكون تجربة دعوية ، كما فعل الأستاذ عباس السيسي- جزاه الله خيراً- بتجميع قصصه الدعوية الجميلة، فأنتج ثروة جميلة في معاني الاتصال الفردي، والتجميع، كانت مثالاً ينسج عليه.

فإذا فرغت فانصب

ثم ليحذر الداعية من الفتور، ويجب عليه أن يلحق العمل بالعمل، والتعب بالنصب، والجهد بالمشقة، فتيار الحياة صغير، وفرصة العيش محدودة، وإياك وضياع الوقت، وذهاب الفرصة، فهذا النبي _ صلى الله عليه وسلم _ وقد غُفر ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يخاطبه ربه بضرورة النصب بعد الفراغ، بل:

(لما عد نعمه السالفة ووعوده الآنفة، يحثه على الشكر والاجتهاد في العبادة والنصب فيها، وأن يواصل بين بعضها وبعض، ويتابع ويحرص على أن لا يخلي وقتاً من أوقاته منها، فإذا فرغ من عبادة ذنبها بأخرى.

وعن ابن عباس: فإذا فرغت من صلاتك فاجتهد في الدعاء..

وعن الحسن: فإذا فرغت من الغزو فاجتهد في العبادة..

وعن مجاهد: فإذا فرغت من دنياك فانصب في صلاتك .. )

ولابد من التذكرة دوماً بضرورة المداومة، فكم من داعية تحمس لعمل، ثم فتر عنه، وإنما البركة في المداومة بعد حسن القصد، وصدق النية، بل إن المداومة على العمل أحد مظاهر صدق النية، وسلامة القصد، والتذكر أن النجاة إنما تتم بذلك، وليس بكثرة العمل الذي لا نية معه، أو لا فائدة منه.. فعن عائشة أم المؤمنين، قالت: إن رسول الله_ صلى الله عليه وسلم _ قال: (سددوا وقاربوا، و اعلموا أنه لن يدخل أحدكم عمله الجنة، وإن أحب الأعمال أدومها إلى الله، وإن قل .. )

(... قوله: (سددوا) وفي رواية... عن مسلم (ولكن سددوا):....

ومعناه: اقصدوا السداد، أي الصواب، ومعنى هذا الاستدراك أنه قد يفهم من النفي المذكور نفي فائدة العمل، فكأنه قيل بل له فائدة، وهو أن العمل علامة على وجود الرحمة التي تدخل العامل الجنة، فاعملوا واقصدوا بعملكم الصواب، أي اتباع السنة، من الإخلاص وغيره، ليقبل عملكم، فينزل عليكم الرحمة، قوله (وقاربوا) أي لا تفرطوا فتجهدوا أنفسكم في العبادة، لئلا يفضي بكم ذلك إلى الملال ا فتتركوا العمل فتفرطوا .. .. )

الكلمـــــــ المعطاءة ــــــــة

الكلمة الطيبة كحبة القمح المفردة، قد تُهمل وتذهب أدراج الحياة، وقد تكون مباركة فتنبت وتثمر، بل وقد تكون الثمرة خصبة تتضاعف وتتضاعف، وتنتشر هنا، أو تنتقل إلى هناك، فتناسب أرضاً صالحة، ومورداً عدْباً، فتتضاعف إلى سبع مائة ضعف، بل إلى ما شاء الله وتؤتي أكلها بإذن ربها، والكلمة الطيبة في أول مبتدأها (صدقة) كما أخبر عن وصفها الصادق المصدوق ، والصدقة تتضاعف بالنيّة لا وتتضاعف بالأثر منها، فكذلك البهلمة قد تحتفظ بذاتها، وقد تنمو وتنمو حتى تكون كالشجرة الباسقة، ويتحقق في ذلك قوله تعالى: (ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون)

وللبحث عن خصائص هذه الكلمة المعطاء لابد من البحث عن صفات الشجرة التي شُبهت بها، والتي تظهر من الاَية أنها أربعة خصائص:

(... فالصفة الأولى لتلك الشجرة كونها طيبة، وذلك يحتمل أموراً:

أحدها: كونها طيبة المنظر والصورة والشكل.

وثانيها: كونها طيبة الرائحة.

وثالثها: كونها طيبة الثمرة......

ورابعها: كونها طيبة بحسب المنفعة.....

والصفة الثانية قوله: (أصلها ثابت) أي: راسخ باق آمن الإنقلاع و الزوال و الفناء....

والصفة الثالثة قوله: (وفرعها في السماء) وهذا الوصف يدل على كمال "حال تلك الشجرة من وجهين:

الأول: أن ارتفاع الأغصان وقوتها في التصاعد يدل على ثبات الأصل.

والثاني: أنها متى كانت متصاعدة مرتفعة كانت بعيدة عن عفونات ا لأرض...

والصفة الرابعة قوله (تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها)..... وهي أن ثمراتها لابد أن تكون حاضرة دائمة في كل الأوقات.. ومن المعلوم بالضرورة أن الرغبة في تحصيل مثل هذه الشجرة يجب أن تكون عظيم )

وهذا يقود إلى بعض ملامح الكلمة الطيبة إذ أنها جميلة رقيقة لا تؤذي المشاعر، ولا تخدش النفوس، جميلة في اللفظ والمعنى، يشتاق إليها السامع ويطرب لها القلب، كما أنها طيبة الثمر، نتائجها مفيدة، وغايتها بنَاءة، ومنفعتها واضحة، وفوق ذلك فإن أصلها ثابت مستمدة من المنبع الصافي كتاب الله وسنة نبيه- صلى الله عليه وسلم- وتمتد إلى السماء بفرعها لأنها نقية صادرة عن نية صادقة، وتؤتي أكلها باستمرار، يسمع السامع فينتفع بها، وينقلها لغيره فينتفع، حتى لينتفع بها الخلق الكثير، بل و يستمر الانتفاع بها إلى ما شاء الله. وليس ألصق بهذه الخصائص وأكثر قرباً من كلمات الدعاة المؤدية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والداعية إلى العمل الإسلامي، وبناء مقوماته، والهادية الناس إلى الخير و مستلزماته، والتي تعلم الداعة البناء وطرقه، وتهديهم إلى الجهاد ومعرفة قواعده الشرعية، وما قد يقود ذلك إلى تخطيط لدولة الإسلام، أو من مناهج لنشر الحق بين الأنام.

وتشبيه الكلمة الطيبة بالشجرة، لأن الشجرة تثمر الثمر النافع، كالكلمة التي تؤدي إلى العمل الصالح، وقد قال بعض السلف: إن الشجرة الطيبة هي النخلة لحديث عبد الله بن عمر في الصحيح، ولا فرق بين خصوص النخلة أو عموم الشجر الطيب، ففي كليهما يتأدى المعنى، والأصل التشبيه بالشجرة والمشبه بها شجرة الإيمان ليحصل التطابق.

(فعروقها العلم والمعرفة واليقين، وساقها الإخلاص، وفروعها الأعمال، وثمرتها ما توجبه الأعمال الصالحة من الآثار الحميدة، والصفات الممدوحة، والأخلاق الزكية، والسمت الصالح، والهدى والدل المرضي، فيستدل على غرس هذه الشجرة في القلب وثبوتها فيه بهذه الأمور .. )

وقد قال بعض السلف عن الكلمة الطيبة أنها كلمة التوحيد، وعموم اللفظ أنها كل كلمة طيبة، ولا منافاة بين القولين، فإن الكلمة لا تطيب إلا أن تكون مبنية على أصل التوحيد، وكلمة التوحيد لا تثمر إلا الكلمات الطيبة، والأصل في الكلام الطيب المثمر ما كان مبنياً على أسس الشريعة، وقواعد العقيدة، ولهذا فإنّ أصلها ثابت.

الكلمة الطيبة هي شهادة أن لا إله إلا الله فإنها تثمر جميع الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنةِ، فكل عمل صالح مرضي لله ثمرة هذه الكلمة... فلا ريب أن هذه الكلمة من هذا القلب على هذا اللسان لا تزال تؤتي ثمرتها من العمل الصالح الصاعد الى الرب تعالى، وهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذاِ العمل الصالح الى الرب تعالى، وهذه الكلمة الطيبة تثمر كلماً كثيراً طيباً يقارنه عمل صالح فيرفع العمل الصالح الكلم الطيب، كما قال تعالى: "إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه"، فأخبر سبحانه وتعالى أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب "، وأخبر أن الكلمة الطيبة تثمر لقائلها عملاً صالحاً كل وقت..)

وهكذا تثمر الكلمة الطيبة- بحسن نية قائلها - أو بحسنها ذاتها، أو لمحض رحمة الله عز وجل بما جعله من بركة العلم مما قد يكون أضعافاً مضاعفة عن أجر العمل ذاته، وما قد تؤديه لصلاح الخلق، وما أخصب تاريخنا الإسلامي بكثرة الخلق الذي انتفعوا بالمواعظ، ثم صاروا من قادة الأمة، وكتب الله لقائل الكلمة مثل أجور أعمالهم من غير أن ينقص منها شيئاً.

  • فهذا التابعي أبو محمد حبيب يقبل على الاجلة، وينتقل عن العاجلة بسبب موعظة البصري حيث وقعت موعظته في قلبه، وأقبل على العلم والعمل بعد الموعظة.
  • وهذا التابعي الكوفي الثقة أبو عبد الله زاذان الكندي الذي كان يضرب ويغني بالدف، وكان له صوت حسن فمر عليه عبد الله بن مسعود فقال: (ما أحسن هذا الصوت لو كان بقراءة كتاب الله) فتاب من ضرب العود وكسره، ولازم ابن مسعود حتى صار إماماً في العلم.
  • وانظر ما حصل لسري السقطي وبشر الحافي.. وأمثالهما.

والكلمة الطيبة، قد ينتفع بها سامعها المباشر، وقد ينتفع بها- فيما بعد- بل قد يكون نفعه أشد وأكبر، وقد تلاقي الكلمة قلباً صافياً، ونية صادقة، فتتمكن من القلب، وتثمر الكلمة بالنية، كما تصادف البذرة الماء الصالح، والتربية الصالحة، فتؤتي الشجرة أكلها بإذن ربها، وهكذا (فرب مبلغ أوعى من سامع)، وأجر الكلمة المعطاء، وما يكتبه الله عز وجل ا للسامع وللمبلغ، بل ولسلسلة المبلغين، فلقائل الكلمة كفل منها من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، وهذا من فضل الله على عَباده، ومما فضل به المتكلمين بالعلم عن غيره، إذا تبقى ثمرتهم منتجة، وعملهم مستمراً، وفضلهم دائماً إلى ما يشاء الله، والناس في استقبال الكلمة أنواع فمنهم من يسمعها ويعمل بها، ومنهم من لا ينتفع بها إطلاقاً، ومنم من يقوم بنقلها للغير، وما ضر المتحدث أن يتحدث بما يعلم، ويبلغ الرسالة للناس، وينقل الكلمة الطيبة، فسوف يظل الناس على هذه النماذج، ويجب أن لا يقف الصنف الثالث مانعاً من تبليغ العلم، ولا حاجزاً في بث الكلمة الطيبة، وقد شبه الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ هذه الأصناف الثلاثة في استقبال الكلمة الطيبة بأنواع من الأرض فقال صلى الله عليه وسلم (مثل ما بعثني الله من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكان منها ثغبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماءً، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعمل، ومثلَ من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به). حديث متفق عليه...

(فالنبي- صلى الله عليه وسلم- جعل العالم كمثل المطر، ومثل قلوب الناس فيه، كمثل الأرض في قبَول الماء، فشبه من تحمل العلم والحديث وتفقه فيه بالأرض الطيبة، أصابها المطر فتنبت وانتفع بها الناس، وشبه من تحمله ولم يتفقه بالأرض الصلبة التي لا تنبت، ولكنها تمسك الماء فيأخذه الناس، وينتفعون به، وشبه من لا يفهم، ولم يحمل بالقيعان التي لا تنبت ولا تمسك الماء، فهو الذي لا خير فيه...)

وهكذا، ما على الداعية سوى أن يقول كلمته المعطاء الطيبة ولا يهتم بكثرة الخاسرين الذين هم كالقيعان، فهنالك من الناس من هم كالأرض الصلبة سينقلون الكلمة الطيبة وتنتفع بها خلائق ويشر كثير، وقد تثمر في مكان آخر، أو تؤتي أكلها في زمن آخر، وقد يستمع للكلمة أناس كالأرض الطيبة لا تلبث أن تسمع مع صدى الكلمة تكبيرات مدوية، ولا تمكث حتى ترى لنور الكلمة بريقاً يأخذ بالأنظار، فتحيا بالتكبير نفوس، و بالبروق تبصر عيون، والأجر من بعد ذلك مكتوب لصاحب الكلمة.

وأخيراً.. فلعل هذه الكلمة الطيبة هي من أنواع ما عناه سيد الخلق صلى الله عليه و سلم بقوله فيما رواه البخاري:

(إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يُلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم).

وقد ركز العلماء السابقون على الشطر الثاني من الحديث لكثرة المتحدثين في المجتمع الإسلامي، ولم يُتحدث عن شطره الأول إلا القليل، ومما قيل:

(والكلمة التي ترفع بها الدرجات، ويكتب بها الرضوان هي التي يدفع بها عن المسلم مظملة أو يفرج عنه كربة، أو ينصر بها مظلوماً.)

فكيف بالكلمة التي تدفع عن مجموع المسلمين المظالم، وتدفع عنهم الكرب بدعوتهم لإقامة شرع الله؟ وكيف بالكلمة التي تقلع الظلم من جذوره بتطبيق حكم الله؟ وكيف بعبارات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ وإذا كانت الدرجات ترفع بما يحقق المصالح الدنيوية فكيف بما يحقق المصالح الأخروية؟، وعلى ا لأدنى يقاس الأعلى.

إن الأجر عظيم، والثواب جزيل- إذا صحت النية- في الكلمات التي تقيم خيراً، وتدفع باطلاً، وتحيي سنة، وتميت بدعة، بل ويزداد الأجر، ويرتفع الثواب فيما يدفع العمل الإسلامي وينميه، ويدعو جمهور المسلمين لتبنيه، أو يدفع عنه السوء وما قد يعتريه، فكيف إذن بما ينشئ العمل ابتداءً ويغذيه؟ ويعلم الدعاة النظام وفنونه، وقواعد العمل و أصوله؟ مما يؤدي إلى هداية الخلق الكثير، وانضمامهم لركب الدعوة وإتمام المسير، ومع هذا يقال أيضاً: ما هو فضل الكلمات التي تقود- فوق ذلك كله إلى قيام مجتمع إسلامي، أو بناء حكومة إسلامية؟ وكيف بما يخرج الناس من الظلمات إلى النور؟ أو تحويل المجتمع من الجاهلية إلى الإسلام؟ وإقامة شرع الله بدلا عن شرع الطاغوت؟

ومن هنا ينبغي للداعية أن لا يزهد أبداً بما عنده من العلم، أو يبتعد - بحجة الزهد- عن تبليغ الأمانة، فما يدري أين يكون الخير؟ ومتى تؤتي كلمته عطاءها، بل ومتى تثمر؟

فالكلمة الواحدة قد تنشئ دعوة، وقد تبني مؤسسة؟ وقد ينقذ الله تعالى بها قلوباً، أو يعمر بها نفوساً، بل وقد يحيي الله بها أقواماً من السبات، أو يخرج بها الله عز وجل أمما من عالم الأموات، وما على الداعية إلا تبليغ الرسالة، ونقل الأمانة، والله تعالى يختار الأرض الصالحة لها ولو بعد حين، وينبتها نباتاً حسناً ولو بعد سنين، وقد تؤتي الكلمة ثمارها في الكان البعيد حتى يكتب الأجر للداعية دون أن يشعر ولعل الله تعالى يكتب له حجر النية، ويبعده- بحكمته- عن سيئة الرياء...

وما على الداعية إلا التبليغ ولا يترك الفرصة تفوت من يديه لعل الله تعالى يكتب له أجر الكلمة المعطاء التي لا يلقي لها بالاً وترضعه الدرجات، فلا يفوت "ممل!يه فرصة رفيق السفر في القطار أو الطائرة، ولا فرصة اللقاء العابر على وليمة أو مناسبة، ولا جلسة الاستراحة في ناد أو مقهى ا ولا جلسة المرافقة في الدائرة أو الدراسة، ولا يفوت مجال الارتباط في تجارة أو معاملة، ولا يزهد في الكلمة الطيبة الصغيرة في السوق وعند الشراء، أو في الحدائق عند الاسترخاء، أو في المسجد بعد الصلوات، أو عند التعارف مع الغير في السفرات والخلوات، وأشباه ذلك مما قد ييسره الله، والموفق السعيد من وفقه الله لكلمة الخير التي تنتشر في الآفاق فيكتب الله له أجرها وأجر من يعمل بها إلى ما يشاء الله، والله على كل شيء قدير. إن قول الكلمة بهذه النيات ظاهرة من ظواهر الإيجابية في حياة الداعية. كنز العجز وثروة الافتقار إلى الله

ويظل شعور المؤمن بالعجز وافتقاره إلى توفيق الله تعالى وعونه وتسديده هو العامل المحرك والمولد لكل أسباب هذه الإيجابية، وبمقدار تذلله لريه تعالى واستمداده منه "تكون إلهامات تنويع العمل لدية والمبادرة والإبتكار، حتى ليسن سُنناً في الخير لم يسبقه إليها أحد، ثم يصبر على لأواء مرافقة وطول طريق، فيكون النصر. إن عجزًا لداعية عن وصوله إلى هدفه- أياً كان ذلك الهدف- بعد أن يستفرغ وسعه، ويبذل جهده، ويفني طاقته، هو الكنز الحقيقي الموصل إلى الله، لأنه قد وصل بهذا العجز إلى مرحلة الافتقار إلى الله، واستشعر أن لا ملجأ إلا إليه، فقطع العلائق مع الأسباب، وترك بعد ذلك الإختيار، واسترسل في مجاري الأقدار، فزاد يقينه بقدر الله، وعلم قلبه بكفاية الله، ورضي بالمقدور، وصحَ منه التوكل، وقد يدرك المؤمن التوكل بعمومة، ولكن معنى (العجز) أدق وأخص، وفيه لا يبقى اضطراب من تشويش الأسباب، ولا سكون إليها، بل اللجوء لله الواحد القهار.

فاسمع- أيها الداعية. صرخة النورسي رحمه الله في (المثنوي العربي): "كنزي عجزي "

ومن هذا المنطلق فإن النصر معلق بالله عز وجل، حتى تبذل النفوس كل طاقاتها، وما معنى الجهاد اللفظي إلا استفراغ الوسع كله، فإذا فرغت النفوس من حظ النفوس، انطبقت عليها القاعدة (إن تنصروا الله ينصركم)، وما عمل الداعية إلا ستاراً للقدرة، فما عليه إلا أن يعمل حتى يصل إلى الكنز المخبوء تحت ظلال العجز.

(نحن في هذه الحياة الدنيا نتحرك، تحركنا أشواق وهواتف، ومطامع ومطامع، وآلام وآمال، وإن هي إلا الأسباب الظاهرة للغاية المضمرة، والستار الذي تراه العيون للي!د التي لا تراها الأنظار، ولا تدركها الأبصار، يد المدبر المهيمن القهار.)

ولعل من أسرار ذلك، ومما أراده الله أن نعلمه، أن العمل قد لا يؤدي إلى النجاح وإن كان الداعية يتقن عمله ليصل إليه، إذ أن النجاح خير يسوقه الله لعبادها والنصر موهبة من الله تعالى على العمل لا نتيجة له، لأن الله تعالى وهو خالق النفوس، عرف محبتها للنصر، فوعدها به. (وأخرى تحبونها، نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين) وإلا فهنالك من الأنبياء، والقدرة تحوطهم، ومع هذا قد يأتي أحدهم- يوم القيامة- وليس معه أحد، وفي هذا عزاء أيما عزاء لكل العاملين الذي يستبطئون النصر.

(عن ابن عباس قال: خرج علينا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوماً، فقال: عُرضت عليّ الأمم، فجعل يمر النبي معه الرجل، والنبيُ معه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد

وإدراك (التوكل) ليس بالأمر السهل لأنه من مقتضيات الإيمان، والإيمان يزيد وينقص، وكذلك شُعَبهُ تزيد بالطاعات وتنقص بالمعاصي، فالمؤمن يدرك القدر وسريانه، والقضاء وجريانه بحدهما الأدنى، ولكن التوكل بمعناه الأعلى وإدراك (كنز العجز) مرحلة من التوفيئ لا يوصل لها إلا بالطاعات، وترك الهوى، واجتناب الشهوات،

وقد قال الفضيل بن عياض: (من استحوذ عليه الهوى واتباع الشهوات انقطعت عنه موارد التوفيق) وكان الأنبياء السابقون على هذا المنهج تنال منهم (البأساء) بالشدة والفقر والمسكنة، وتضييق جهات ا لخير، (والضراء) بالآلام والأوجاع وضروب ا لخوف، وانفتاح جهاز ا لشر، وينال منهم (ا لزلزال) بأنواع ا لبلايا والرزايا، تم مع هذا ينتظرون النصر، ويتساءلون عنه- دون شك أو ارتياب- لأنهم بذلوا من الجهد أقصاه، ومن العمل نهايته، فيأتيهم النصر إذ وصلوا إلى مرحلة العجز إلا من فضل الله وقوته.

(أم حسبتم أن تدخلوا الجنة و ألا يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معها متى نصر الله؟ ألا إن نصر الله قريب)

(فبينّ سبحانه وتعالى: أنه أرسل رسله، والناس رجلان: رجل يقول أنا مؤمن به مطيعة ، فهذا لابد أن يمتحن حتى يعلم صدقه من كذبه...)

ثم يقول شيخ الإسلام لجماعته عن اللذة التي يحصل عليها المرء عند معرفته الله بعد الإمتحان والبلاء، واكتشافه الكنز الذي سماه اللذة والسرور، فيقول متحدثاً عن سجنه:

(.... فأنا أحب لهم أن ينالوا من اللذة والسرور والنعيم ما تقر به أعينهم، وأن يفتح لهم من معرفة الله وطاعته، والجهاد في سبيله ما يصلون به إلى أعلى الدرجات، واُعَرف أكثر الناس قَدْرَ ذلك، فإنه لا يُعْرَف إلا بالذوق والوجد، لكن ما من مؤمن إلا له نصيب من ذلك، و يستدل منه بالقليل على الكثير، وإن كان لا يُقدر قدرُه الكبير.. )

وقال الإمام الرازي في تفسير الآية السابقة بما يشهد لنفس المعنى من وصول الرسل لمرحلة العجز:

الآن الرسل عليهم السلام يكونون في غاية الثبات والصبر وضبط النفس عند نزول البلاء، فإذا لم يبق صبر حتى ضجوا، كان ذلك هو الغاية القصوى في الشدة، فلما بلغت بهم الشدة إلى هذه الدرجة العظيمة قيل لهم: (ألا إن نصر الله قريب)..... وأنتم يا معشر المسلمين كونوا على ذلك وتحملوا الأذى والمشقة في طلب الحق، فإن نصر الله قريب، لأنه آت، وكل ما هو آتً قريب....)

ومن هذا كله ونظائره لابد من استنفاد الجهد، واستفراغ الطاقة حتى مرحلة العجز، وحصاد الكنز. وعلى مستوى الجماعة، وطلب النصر الدعوي، فليعلم _ الداعية _ أن نصر الله قريب إذا وصل الغاية.

( إنه مدخر لمن يستحقونه، ولن يستحقه إلا الذين يثبتون حتى النهاية، الذين يثبتون على البأساء والضراء، الذين يصمدون للزلزلة، الذين لا يحنون رؤوسهم للعاصفة، الذين يستيقنون أن لا نصر إلا نصر الله، وعندما يشاء الله، وحتى حين تبلغ المحنة ذروتها ، فهم يتطلعون فحسب إلى (نصر الله)، لا إلى أي حل أخرا ولا إلى أي نصر لا يجيء من عند الله، ولا نصر إلا من عندا لله .. )

وليس ( كنز العجز ) على مستوى الجماعة فقط، بل ولك _ أيها الداعية _، وفي كل إطار عمل أنت فيه.. ففي الخطط المرحلية، وفي طلبك للنجاح دون النصر النهائي، إذا ما ادلهمت عليك الخطوب، وسدت عليك المنافذ فاركن إلى الكنز الذي لا يضيع ولا ينفذ، واستمع إلى قول أحد الزهاد في دعائه:

(اللهم أغنني بالافتقار إليك، ولا تفقرني بالاستغناء عنك)

(وإذا عظم المطلوب، وأعوزك الرفيق الصالح، فارحل بهمتك بين الأموات، وعليك بمعلم إبراهيم... ومن الله سبحانه الإستماد، وعليه التوكل، وإليه الإستناد، فإنه لا يخيب من توكل عليه، ولا يضيع من لاذ به، وفوض أمره إليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل)

انتهى بحمد الله