إخوان ويكي
بحث
 
 
صفحة  نقاش  اعرض المصدر  تاريخ 
           
مرحبا بكم في الموسوعة  ادخل / أنشئ حسابا 

التربية السياسية عند الإخوان المسلمين

من Ikhwan Wiki

اذهب إلى: تصفح, البحث
التربية السياسية عند الإخوان المسلمين
في الفترة من 1928 إلى 1954م في مصر
المدرس المساعد بكلية التربية جامعة طنطا

نال صاحب هذه الرسالة درجة (الماجستير) بتقدير (ممتاز) من كلية التربية – جامعة طنطا

حيث نوقشت يوم الخميس 27 شوال 1409 ه. (1 يونية 1989م) من اللجنة المشكلة من:

محتويات

كلمة الناشر

الطبعة الأولى

هذه الرسالة:

تقدمها للقارئ الكريم دار التوزيع والنشر الإسلامية وقد وجدت فيها بحثا قيما بذل فيه كاتبه السيد عثمان عبد المعز رسلان المدرس المساعد بكلية التربية جامعة طنطا جهدا ملموسا أثرى فيه الفكر التربوي للحركة الإسلامية موضوع البحث الإخوان المسلمون في جنب هام منه وهو التربية السياسية بما يوضح أصولها وأبعادها وأهدافها ووسائلها وعلاقتها بجوانب التربية الأخرى وما توصل إليه من نتائج بناء على تحليلات صائبة وتقويم موضوعي وما انتهى إليه من توصيات خاصة بالتربية السياسية في المجمع والمؤسسات التعليمية وذلك مما استظهره من وثائق وأسانيد وسط آلاف الصفحات القديمة والحديثة من صحافة وكتب جماعة الإخوان المسلمين ومن كتب عنها من غيرهم.

وإنا إذ نبارك مثل هذه البحوث الجادة المخلصة التي تبتغي إظهار الحقائق والإفادة من جهود العاملين في الحقل الإسلامي ونعمل على تشجيع أصحابها ومساعدتهم بما يتوفر لدينا من معلومات أو مراجع قد تفيد بحوثهم فإنه يسعدنا أيضا نشر بحوثهم التي بذلوا فيها جهودا طيبة وتعميما للفائدة لمن يمكنهم الاستفادة من نتائج بحوثهم.

والرسالة التي بين يدي القارئ تقدمها كاملة كما أجيزت عملا بحرية النشر جادة في مجملها وفد نختلف مع الباحث في بعض الاستنتاجات التي توصل إليها من خلال الأوراق التي أطلع عليها بعد عشرات السنين من حدوثها فليس من قرأ عن الحديث كمن عايشه وما نراه اليوم مستحسنا حسب مقاييس الزمان والمعلومات المتاحة قد يراه غيرنا عكس ذلك بعد أن تتغير الظروف وتتكشف الخبايا والمعلومات ويبقى للمجتهد المخلص أجره في كل حال.

والله نسأل أن يوفق صاحب الرسالة لمزيد من الأبحاث القيمة التي تثري الفكر الإسلامي وتوضح ملامحه ومقاصده.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان﴾

صدق الله العظيم.

شكر وتقدير

الحمد لله وحده .. (وبعد) أن يسر الله سبحانه إتمام هذا البحث فإنني مدين بالفضل والعرفان والتقدير والوجدان الصادق لكل من عاونني فيه فأتقدم بوافر شكري وتقديري لأستاذي الدكتور حسن إبراهيم عبد العال أستاذ أصول التربية المساعد بالكلية الذي تحمل عبء الإشراف على هذا البحث وكان سخيا في توجيهاته لي منهجيا ومعرفيا ثم أشكره ثانيا على قراءته ومراجعته لهذا البحث ثلاث مرات حتى خرج في هذه الصورة فله من تلميذه وافر الشكر وعظيم التقدير.

وأشكر أستاذي الأستاذ الدكتور إبراهيم عصمت مطاوع أستاذ أصول التربية المتفرغ والمشرف على قسم أصول التربية بالكلية وعميد الكلية الأسبق على رحابة صدره وحسن تودده وقبوله أن يناقش هذه الرسالة فرفع من قدرها فله مني وافر الشكر وعظيم التقدير.

وأشكر الأستاذ الدكتور محمد عمارة هذا المفكر الشامخ على قبوله أن يناقش هذه الرسالة فمنحها بذلك شرفا عظيما وشرف صاحبها أيما تشريف فله مني وافر الشكر وعظيم الامتنان.

وأتقدم بالشكر للأستاذ محمد فتحي علي شعير الذي أعرني ثمانية عشر شريط ميكروفيلم مسجل عليها كل صحف ومجلات الإخوان في فترة البحث فكان ذلك أكبر تسهيل لمهمة الباحث فجزاه الله خيرا على كرمه وثقته في الباحث وأشكر الأستاذ علي لبن الموجه ب[[الأزهر الشريف]] الذي كان مثالا في المسارعة إلى الخير العلمي من أجل أن أحصل على وثائق الإخوان المكتوبة فتحصلت على قدر كبير منها وأشكر موظفي حجرة الميكروفيلم بالكلية الذين فتحوا صدورهم لي كي أقرأ على أجهزتها طوال عشرة أشهر ثمانية عشر شريط ميكروفيلم كاملة، وأشكر موظفي دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة وطنطا الذين ساعدوني في استخراج قدر جيد من وثائق جماعة الإخوان من الصحف والمجلات والكتب وكذلك أشكر موظفي مكتبة المجالس القومية المتخصصة برئاسة الجمهورية على مساعدتهم لي في الاطلاع على التقارير الخاصة بالتربية السياسية والائتمان الوطني.

ولوالدتي مني وافر التقدير وأعظم الشكر وأسأل الله أن يستجيب دعاءها من أجلي أما زوجي السيدة ماجة السجاعي فكانت وراء كل صفحة في هذا الدراسة فلها الشكر والتقدير ولابنتي (أسماء) هذه الدفقة من الحب الغامر الذي غذاني ورواني طول شهور من المشقات قبلات قلبي وذوب عواطفي.

وأشكر كل من أسهم في تقدير خدمة للباحث في عمله وخاصة من قاموا بطبع هذا البحث ومراجعته فجزاهم الله عني جميعا خير الجزاء والله الموفق.

الباحث.

تمهيد البحث

مقدمة البحث ومبرراته:

إذا كانت التربية تعني تنمية جوانب الشخصية الإنسانية تنمية متوازنة ومتكاملة فإن التربية السياسية تعتبر بعدا سياسية من أبعادها باعتبار أن الإنسان كائن سياسي وكما أن التربية وظائف فكرية وخلقية واقتصادية فإن لها أيضا سياسة تقوم بتحقيقها المؤسسات التعليمية.

والتربية السياسية هي التي تعد المواطنين لممارسة الشئون العامة في ميدان الحياة عن طرق الوعي والمشاركة وعن طريق إعدادهم لتحمل المسئولية وتمكينهم من القيام بواجباتهم والاستمساك بحقوقهم، ويتطلب ذلك تربية المواطنين لممارسة الشئون العامة في ميدان الحياة عن طريق الوعي والمشاركة سياسيا حتى يتفهموا الأيدلوجية السياسية التي ينتمون إليها ليدافعوا عنها ويحققوا عن طريقها ما ينشدونه لأنفسهم ولأمتهم وهي التي تقوم بعملية نقل للقيم والمعتقدات السياسية من جيل آخر وتبدأ في مرحلة مبكرة من العمر، وتستمر خلال سنوات الحياة.

وهذه التربية ضرورية للمجتمع المصري الذي ظهرت فيه لعوامل عديدة ومتداخلة مشكلات عدم الانتماء واللامبالاة بالآخرين والإحجام عن المشاركة السياسية والإدمان وغيرها إذ أن التربية السياسية هي التي تكون شعور العضوية في الجماعة والإحساس بالآخرين وهي العنصر التربوي الأساسي الذي يشعر الفرد بقيمة المواطنة الحقة ثم يبث فيه صفاتها ويركزها حتى تتحول إلى الوطنية الصادقة، وهي التي تنمي الشعور بالانتماء، والمسئولية والاعتزاز بالشخصية الوطنية للفرد والجماعة على حد سواء وهذه مطالب ماسة وأكثر إلحاحا في مجتمعنا إذ أن تنمية ذلك الشعور يجعل المواطن حريصا على إدراك حقوقه وواجباته وتفهم مشكلات مجتمعه.

وهي أيضا ضرورية لإنماء الوعي السياسي والاجتماعي والضروري لعملية التنمية الذي لا يوجد ولا يتنامى إلا إذا تهيأ لأهم عناصره وهو عنصر التربية السياسية جو ملائم لنموه.

ومنذ عصر إسماعيل وحتى عام 1954 ظهرت عدت تيارات للتربية السياسية في مصر غير جماعة الإخوان المسلمين تمثلت في التيار الإصلاحي الديني والتيار الليبرالي المتأثر بالغرب والثورة الفرنسية خاصة وتزعمه لطفي السيد وسعد زغلول والتيار الاشتراكي الذي بدأ يقوى في الأربعينات حتى هيمت في الستينات.

وقد قامت هذه التيارات بدور في التربية السياسية في مصر غير أنها لم تخل من خلل وأوجه قصور كما أنها كانت جزئية بمعنى أنها لم يكن لها منهاج للنهضة ينتظم شئون الحياة كلها في الفترة محل هذه الدراسة كما أنها ما عدا التيار الإصلاحي انطلقت من منطلقات غير إسلامية أفقدها فاعليتها في مجتمع من خصائصه الأساسية: العبادة والتدين .

وقد قامت جماعة الإخوان المسلمين لعوامل عديدة من أجل تحقيق مجموعة من الأهداف السياسية والاجتماعية والخلقية مستندة إلى الإسلام واعتمدوا التربية والإصلاح السياسي سبيلين أساسيين لتحقيق تلك الأهداف.

ويقول المرشد الأول لجماعة الإخوان يجب أن تكون دعامة النهضة التربية فتربي الأمة أولا وتفهم حقوقها تماما وتتعلم الوسائل التي تنال بها هذه الحقوق وتربي على الإيمان بها ويبث في نفسها هذا الإيمان بقوة أو بعبارة أخرى: تدرس منهاج نهضتها درسا نظريا وعلميا ومن أجل هذا يجب أن تعد البلاد التي تود النهضة مدرسة: طلبتها كل المواطنين وأساتذتها الزعماء وأعانهم وعلومها الحقوق والواجبات العامة ومن أجل ذلك أيضا يجب أن ينظم أمران مهمان هما المنهج والزعامة على هذه القواعد بني مصطفى كامل وفريد ومن قبلهما جمال الدين والشيخ محمد عبده نهضة مصر ولإفهام الناس هذه الحقيقة قامت جمعية الإخوان المسلمين والدلالة البارزة في هذا النص هي أن وسيلة النهوض المصري عند الإخوان هي التربية السياسية للمواطنين جميعا وأن الإخوان قامت لهذا الغرض واستمرت تقوم بهذا العمل رسميا في مصر من عام 1928 م حتى 1948 ومن عام 1950 حتى 1954م وتذكر إحدى الدراسات المبكرة عن جماعة الإخوان قبل عام 1954 أن شعبهم كانت مدارس للوطنية وأنهم قاموا بعدة خدمات سياسية قومية منها:

1- محو الأمية السياسية من الأوساط الشعبية في المدن والقرى.
2- حث الأوساط الشعبية على المشاركة في الأعمال الوطنية وربط تلك الأوساط بالحياة الاجتماعية.
3- تنوير الأذهان بحقيقة ما يدور في الموقف السياسي
4- إحياء روح الكفاح بين الشعب وتربية جيل مستعد للتضحية في سبيل الدفاع عن الوطن.

وهذا مبرر أول لدراسة التربية السياسية عند هذه الجماعة وثمة مبررات أخرى مهمة لهذه الدراسة وهي:

1- أن جماعة الإخوان كانت في الفترة من 1928- إلى 1954) أكبر جماعة دينية سياسية في مصر على مستوى الأهداف والتنظيم وجوانب الحركة.
2- أنها كانت تيارا سياسيا جماهيريا فاقت شعبيته الكثيرين غيره وصل تعداده إلى نصف مليون مصري عام 1948 من الأعضاء النشطين وإلى حوالي مليون مصري عام 1953 وأنهم شكلوا جزء لا يتجرأ من الحركة الوطنية وإنها كانت ذات دور سياسي مؤثر وحاسم في تاريخ مصر تعدي ما كان لمعظم الأحزاب السياسية الرمية في مصر فترة البحث.
3- أنها لم تمارس نشاطها في مرحلة تاريخية ماضية فقط بل بدأت ممارسة بعض نشاطها منذ عام 1976م بإعادة إصدار مجلسة الدعوة والمطالبة بعودة جماعتهم رسميا وتناول القضايا السياسية المصرية والخارجية ودخول الانتخابات البرلمانية عام 1984 مع حزب الوفد الجديد وانتخابات عام 1987 مع حزب العمل الاشتراكي وحزب الأحرار وأصبح لهم ستة وثلاثون نائبا في البرلمان المصري مما يدل على أن لهم تأثيرا شعبيا ما ويسعون منذ عام 1986 لتأسيس حزب سياسي لممارسة نشاطهم السياسي وتربية المجتمع.

مشكلة البحث وتحديدها:

وبرغم المبررات العديدة السابقة من ضرورة التربية السياسية للمجتمع المصري ومن كون جماعة الإخوان منظمة تربوية سياسية ذات صفة شعبية وسعيها منذ عام 1986 لتكوين حزب سياسي يقوم بدور تربوي فإن دراسة لأصول التربية السياسية وأهدافها وأساليبها ووسائلها وعلاقتها بجوانب التربية الأخرى عند هذه الجماعة لم تتم حتى الآن (1987- 1988) مع حاجة المجتمع إلى الدراسة العلمية لتيارات التربية السياسية المؤثرة في شباب هذا المجتمع وعلى هذا فإن مشكلة البحث الحالي تتحد في السؤال الرئيسي التالي:

ما أبعاد التربية السياسية عند جماعة الإخوان المسلمين في مصر في الفترة من عام 1928 إلى عام 1954 ؟

وتقضي الإجابة عن السؤال الإجابة عن الأسئلة الفرعية الآتية:


1- ما حقيقة التربية السياسية؟ وما أهدافها؟ وما وسائلها بصفة عامة.
2- وما تيارات التربية السياسية في مصر قبل ظهور جماعة الإخوان عام 1928
3- ما القوى والعوامل التي أثرت في نشأت وتطور جماعة الإخوان؟ وما موقع كل من التربية والعمل السياسي في حركة هذه الجماعة.
4- وما أصول التربية السياسية عندهم؟
5- وما وسائل ونظم التربية السياسية عندهم؟
6- وما علاقة التربية السياسية بجوانب تربية الشخصية عند جماعة الإخوان المسلمين

أهداف البحث:

يحاول البحث الحالي أن يصل على الأهداف التالية:

1- بناء إطار عام للتربية السياسية (المفهوم والماهية- الأهداف والوسائل) يمكن تطبيقه على أية جماعة أو حزب أو مؤسسة تربوية.
2- التعرف على الأصول التي تستند إليها التربية السياسية عند جماعة الإخوان
3- التعرف على قيم وأهداف هذه التربية عندهم.
4- معرفة الأساليب والوسائل التي استخدموها في التربية السياسية
5- دراسة العلاقة بين التربية السياسية وجوانب التربية الأخرى عندهم.

أهمية البحث:

إذا توصل البحث الحالي إلى الأهداف السابقة فيمكن أن يستفيد به:

1- المشتغلون بالفكر التربوي عامة والإسلامي خاصة وفي الجامعات المصرية وخاصة فيما يتعلق بالإطار العام للتربية السياسية ومدى تحققه عند جماعة الإخوان المسلمين
2- مؤسسات التربية والتوجيه في المجتمع المصري وخاصة فيما يتعلق بأهداف التربية السياسية وأساليبها ووسائلها عندهم.
3- الجامعات والأحزاب السياسية القائمة في المجتمع المصري إذا سيتجلى أمامهم أوصل وأهداف ووسائل التربية السياسية عند جماعة بذات صفة شعبية فيمكن لهم تحديد علاقاتهم بها عن بصيرة علمية ويمكن بناء على ذلك إجراء حوار فكري بينهم وبينها.

حدود البحث:

يقتصر البحث زمنيا على فترة الوجود الرسمي لجماعة الإخوان من عام 1928 حتى عام 1954 ومكانيا في مصر فحسب.

مصادر البحث ومراجعة:

وهي أولية ومصادر غير أولية:

أ‌- المصادر الأولية وتشتمل على:
1- جمع المجلات والجرائد والرسائل والنشرات التي أصدرها الإخوان عن مركزهم العام وأقسامه وشعبه ولجانه المختلفة مثل جريدة الإخوان المسلمون الأسبوعية واليومية والنذير وغيرها.
2- جميع مؤلفات أعضاء الإخوان حتى عام 1954 مثل مؤلفات عبد القادر عودة ومحمد الغزالي وسيد قطب والبهي الخولي وغيرهم.
3- جميع المذكرات السياسية التي أصدرها إخوان مسلمون عن هذه الفترة
ب‌- المصادر غير الأولية: وهي نوعان:
1- الدراسات الجامعية لنيل درجات علمية وستأتي في الدراسات السابقة.
2- والكتب والدراسات التي ألفها كتاب ومفكرون من غير الإخوان وتناولت هذه الجماعة.

منهج البحث:

وللتعامل العلمي مع المصادر والمراجع السابقة استخدم الباحث:

المنهج التاريخي:

وهو الذي يستخدمه الباحثون عن حقائق الأحوال والأحداث التي جرت في الماضي، سواء كانت المشكلة تتعلق بتاريخ منظمة تربوية أو حياة المربين أو غير ذلك وهو المنهج الذي يتلاءم مع موضوع ومصادر هذه الدراسة التي تتمثل أساسا ي وثائق تاريخية تستلزم هذا المنهج لإثبات صحتها ونقدها وتحليلها استنباط الحقائق والمفهومات منها.

وللتعامل السليم مع مصادر مكتوبة باللغة العربية أي وثائق جماعة الإخوان استخدم الباحث قواعد فهم وتفسير النصوص التي تبلورت في علم أصول الفقه عند المسلمين وذلك لاستنباط المفهومات منها بطريقة مأمونة علميا.

وكذلك حاولت جهدي أن أضع القاعدة الأولى والأخيرة من قواعد المنهج كما قررها ديكارت موضع التطبيق في هذا البحث وهما:

1- ألا أقبل شيئا ما على أنه حق ما لم أعرف يقينا أنه كذلك، بمعنى أن أتجنب بعناية التهور، والسبق إلى الحكم قبل النظر وألا أدخل في أحكامي إلا ما يتمثل أمام عقلي ي جلاء وتميز بحيث لا يكون لدي أي مجال لوضعه موضع الشك.
2- أن أعمل في كل الأحوال من الإحصائيات الكاملة والمراجعات الشاملة ما يجعلني على ثقة من أنني لم أغفل شيئا.

وسوف يستخدم الباحث أيضا أسلوب التحليل الكيفي للمحتوى مع الاعتماد على اقتباس النصوص .

مصطلحات البحث:

(أ‌) التربية السياسية عند الإخوان:

هي الجهود التي قاموا بها لتكوين وتنمية المعتقدات والقيم والاتجاهات التي تؤدي إلى قبول مبادئ وأهداف الإسلام ومحو آثار الاستعمار بأشكاله والتي تساعد أعضاءها على التفكير المستند إلى الإسلام حول الحكم والسلطة وتعني التوعية بالإسلام وبالقضايا السياسية المحلية والقومية والعالمية وبحقيقة ما يدور في الموقف السياسي كما تعني التوعية العقدية بضرورة الجهاد في سبيل الإسلام بحيث يكون المسلم سلاحا للدفاع عن الإسلام والتصدي لأعدائه وبحيث يدافع عن حقوقه كمواطن ويلتزم بأداء واجباته ويكون فعالا في العمل الاجتماعي بأنواعه ومشاركا في الحياة السياسية بكفاءة.

(ب‌) الوعي السياسي:

ويقصد به في البحث الرؤية الشاملة بما تتضمنه من معارف سياسية بمستوياتها والتي تمكن الإنسان من إدراك القضايا السياسية في مجتمعه وتحليلها وتحديد موقفه منها والتي تدفعه للتحرك من أجل تغييرها أو تطويرها.

(ج) المشاركة السياسية:

ويقصد به في البحث حرص الفرد على أن يكون له دور في الحياة السياسية من خلال المزاولة الإرادية لحق التصويت والترشيح للهيئات المختلفة ومناقشة القضايا السياسية مع الآخرين والاشتراك في المظاهرات وحركات الاحتجاج والانضمام للأحزاب أو المنظمات الوسيطة أو الاشتراك في حملات التوعية وخدمة البيئة بالجهود الذاتية وغير ذلك.

(د) الذات السياسية:

ويقصد بها في البحث مجموعة التوجيهات السياسية التي يكتسبها الفرد من خلال عملية النشئة السياسية وتتضمن أبعادا ثلاثة هي:

1- القيم والمعتقدات الأساسية ذات المدلول السياسي.
2- الاتجاهات والعواطف والولاءات ذات المنحى السياسي
3- المعارف والمعلومات والمدركات السياسية.

(ه) الهوية:

هناك تعاريف عديدة للهوية فيعرفها مجمع اللغة العربية بالقاهرة بأنها حقيقة الشيء أو الشخص التي تميزه عن غيره ويرى د. محمد عمارة أنها أخلاقيات الأمة وخصائصها الفكرية والأيديولوجية وسماتها الأساسية المميزة تاريخيا لها فهي عنده القسمات الثابتة من العناصر التراثية وهي تستعصى على التغيير أي أنها الثوابت وهي في الموروث الحضاري يحلل د. نادر فرحاني مفهوم الهوية فيرى أنها تتكون كمتغير في التاريخ من عنصر فار هو الرافد الأساسي أو النواة وآخر متغير يتباين من فترة زمنية معينة والهوية فيكون استجابة للظروف الموضوعية التي تحيط بالبشر في فترة زمنية معينة والهوية عند طارق البشري تثير التساؤل عمن نحن وهذه التعريفات جميعا تتقارب ولكن أدقها وأقربها إلى طبيعة وأزمة المجتمع المصري فترة البحث هو تعريف د. عمارة مجمع اللغة العربية وهما اللذان يجيبان عن سؤال من نحن؟

(و) الكارزما والكارزمي: CHARAS MA AND CHARISMATIC الآسر – الآسرة:

(الكارزما) كلمة من أصل يوناني بمعنى الموهبة والاسم ( (CHRISMA يعني في المصطلح الإنجليزي قدرة خارقة على اجتراح المعجزات سحر في شخصية القائد يدفع الجماهير إلى تقديسه جاذبية فتنة أما الصفة فتعني (فاتن، ساحر للجماهير) وقد نقل ماكس فبير ((max weber مفهوم الكارزما من المجال المسيحي حيث كان يستخدم الدلالة على المواهب التي يختص بها الله سبحانه أفاردا معينين إلى مجال علم الاجتماع لتدل على قوة بعض الأشخاص أو موهبتهم أو مقدرتهم غير العادية التي تؤهل أصحابها لأن يكونوا أمثلة لغيرهم من الأفراد يترسمونها وهذه القدرة هي التي تجعل الأفراد ينظرون إلى أصحابها على أنها مقدسون ويمتازون على البشر ومن ثم فهم أقل القادة الذين يتمتعون بخصائص نادرة أساسها انجذاب الجماهير نحوهم وتسليمهم لهم فالكارزما هي مجموعة من الصفات والمواهب غير العادية التي يمنحها الله لبعض الأفراد فيصبحون أهلا للقيادة والزعامة وحظهم من الكارزما متفاوت فمنهم الخطباء والثوار ودعاة الإصلاح وقادة الأحزاب ويؤكد فيبر أو الكارزما تشير إلى صفات غير عادية لشخص ما بغض النظر عن هذه الصفات حقيقة أم مزعومة أم مفترضة.

ويمكن ترجمة charismatic للعربية فيقال زعيم آسر، وزعامة أسرة فالزعيم الآسر أو الكارزمي هو الزعيم الذي يبدو في نظر أتباعه شخصا حائز المجموعة من الصفات غير العادية التي تميزه عن غيره والتي بها يأسر هؤلاء فيتمثلون لأرائه ويخلصون للمبادئ التي يعبر عنها ومن ثم فهي شرط لكي يؤدي البيانات السياسية أثرها في التوعية السياسية والتأثير العاطفي.

الدراسات السابقة:

1- دراسة خلق الله : الفكر التربوي وتطبيقاته لدى جماعة الإخوان المسلمين.

وقد هدفت هذه الدراسة إلى استجلاء الفكر التربوي عند جماعة الإخوان المسلمين وتطبيقاته عندهم وخلال تمهيد وخمسة فصول عرض في الفصل الأول للمجتمع المصري في فترة وجود تنظيم الإخوان المسلمين (1928- 1954) وفي الثاني لنشأة وتطور جماعة الإخوان وفي الثالث تحدث عن الأطر الفكرية لمنهاج الجماعة التربوية وفي الرابع عرض للفكر التربوي لديها وفي الخامس تحدث عن تطبيقات الفكر التربوي عند الإخوان.

ثم خاتمة أثبت فيها نتائج دراسته ومنها أن الفكر التربوي لدى الإخوان إسلامي في صميمه ص (204) وأن التربية السياسية والعسكرية من أهم جوانب التربية عندهم ص (203)

وتختلف الدراسة الحالية عن دراسة (خلق الله) في أن دراسته تناولت الفكر التربوي عامة عند الإخوان وأشارت إلى التربية السياسية على أنها أحد أهداف التربية عندهم في صفحتين (في 139، 141) أما البحث الحالي فهو مخصص لدراسة أصول التربية السياسية وأهدافها ونظمها (وسائلها ) وعلاقتها بجوانب التربية الأخرى عند الإخوان في الفترة من 1928إلى 1954م.

2- دراسة ميتشل (الإخوان المسلمون)

وهي دارسة لتاريخ جماعة الإخوان حتى 1954 ولنظامها وأفكارها والوسائل التي تحقق نظاما إسلاميا صحيحا (ص8- 9) وذلك من خلال أربعة أبواب عرض في الباب الأول لتاريخ الجمعية منذ تأسيسها عام 1928 حتى حلها عام 1954 في خمسة فصول (ص67-295) وذلك من خلال أربعة أبواب عرض في الباب الأول لتاريخ الجمعية منذ تأسيسها عام 1928 حتى حلها عام 1954 في خمسة فصول (ص67- 295) وفي الباب الثاني عرض لتنظيم الجماعة في فصلين (ص299- 352) وفي الباب الثالث عرض للمثالية عندهم في ثلاث فصول عن المشكلة والحل عند الإخوان (ص355- 458) وفي الباب الرابع قدم تقويما من وجهة نظره لجمعية الإخوان المسلمين (في 461- 505).

توصلت هذه الدراسة في ثنايا العرض إلى عدة نتائج منها: أن جمعية الإخوان منذ بدء الحرب العالمية الثانية قد تطورت حتى أصبحت قوة لها إرادة وقدرة على القيام بدور حاسم في تاريخ مصر وأن تاريخا مقترن منذ هذه الفترة بتاريخ مصر اقترنا لا انفصام له وأنه تشكل في قالب تاريخها (ص92-93) وأن العنف السياسي الذي وجد لدى الإخوان كان في كثير من أوجهه نتيجة للأوضاع في مصر كما كان شبيها في معظم بما كان لدى غيرهم من المصريين والفارق بينهما هو زعمه الإخوان من منحى إسلامي اختصوا به أنفسهم (ص491).

ويختلف البحث الحالي عن دراسة (ميتشل) في أن دراسته تناولت التاريخ لجماعة الإخوان واستعرضت هيكلهم التنظيمي وأفكارهم عن تحقيق النظام الإسلامي ولم يتعرض للتربية السياسية بأبعادها المختلفة عند الإخوان وهو موضوع البحث الحالي.

3- دراسة زكريا سليمان بيومي: دور الجماعات الإسلامية في مصر في الحياة السياسية (1928- 1948م)

وموضوعها توضيح الحقائق التاريخية عن دور الإخوان المسلمين وجماعة شباب محمد في الحياة السياسية المصرية من عام 1928 إلى عام 1948م بهدف إعادة النظر في النتائج التي توصل إليها الباحثون والمؤرخون في أبحاثهم ودراساتهم التي تناولت الجماعات الدينية ودورها السياسي(ص3) وذلك من خلال تمهيد وستة فصول وخاتمة عرض في التمهيد لتطور الفكر الإسلامي من القرن التاسع عشر حتى نهاية الحرب العالمية الأولى (ص31- 64) وفي الثاني لنشأة الجماعات الإسلامية وتطورها (ص65- 137) وفي الثالث لموقف الجماعات الإسلامية من التيارات الفكرية مثل التيار الليبرالي والنازي إلخ.. (ص139- 197) وفي الفصل الرابع عرض لموقف الإخوان من القوى السياسية والأحزاب المصرية والتجمعات غير البرلمانية (ص199- 251) وفي الفصل الخامس عرض لعلاقة الإخوان وشباب محمد بالهيئات الإسلامية مثل الأزهر والطرق الصوفية (ص253- 286) وفي الفصل السادس عرض لموقف الإخوان من قضايا وفئات المجتمع المصري (287- 318) وف الخاتمة عرض لنتائج دارسته ومنها: أن جماعة الإخوان قد لعبت دورا هاما في الحياة الفكرية والسياسية في مصر في الفترة موضع الدارسة (ص319) وأنها اهتمت بفئات المجتمع المصري بالدفاع عن حقوق هذه الفئات والمشاركة في خدمات متعددة لصالحها (ص322)

ويختلف البحث الحالي عن دراسة (زكريا بيومي) في أن دراسته تاريخية تعتمد سرد الحقائق التاريخية والظواهر التاريخية في الفترة محل دراسته ودون تطرق لموضوع التربية السياسية وأصولها وأهدافها ووسائلها وعلاقتها بجوانب التربية الأخرى عند جماعة الإخوان وهذا هو موضوع البحث الحالي كما أن الفترة الزمنية مختلفة بين دراسته والبحث الحالي.

4- دراسة الخطيب : الدور السياسي لحركة الإخوان المسلمين في المجتمع المصري (1936- 1952م)

تهدف هذه الدراسة إلى تحديد الدور السياسي لحركة الإخوان كأحد متغيرات الحياة السياسية المصرية من عام 1936- إلى عام 1952ودراسة مواقف الجماعة تجاه القضايا السياسية التي كانت تواجه المجتمع المصري آنذاك ومدى اتفاق هذه المواقف مع مسار الحركة الوطنية المصرية وتجاه القضايا الاجتماعية التي برزت في المجتمع المصري في الأربعينيات من هذا القرن (ص أن د) وذلك من خلال أربعة أبواب: الباب الأول: الإطار الفكري التنظيمي لحركة الإخوان المسلمين وعرض فيه لتاريخ وفكر وتنظيم الجماعة في فصلين: درس في الأول التطور التاريخي لقضية الاستقلال وإسهامات مختلف القوى السياسية من أجله مع بيان مفهوم النضال الوطني لدى الإخوان ودورهم في قضية الاستقلال وفي الفصل الثاني تناول الإخوان من القضية القومية (ص105- 192) وفي الباب الثالث عرض لموقف الإخوان من القضية الديمقراطية من خلال تناول تاريخي لموقفهم من نظام الحكم القائم ومن خلال عرض لتصورهم عن نظام الحكم الذي ينشدونه ودراسة مواقف الإخوان من الأحزاب والقوى السياسية في مصر فترة البحث ينشدونه ودراسة مواقف الإخوان من الأحزاب والقوى السياسية في مصر فترة البحث وموقفهم من العنف (ص193- 277) وفي الباب الرابع تناولت موقف الإخوان من القضايا الاجتماعية في فضلين تناول الأول موقف القوى السياسية المختلفة من القضايا الاجتماعية وفي الثاني عرض لموقف الإخوان من المشاكل الاجتماعية (ص278- 337).

وقد توصلت دراسته إلى عدة نتائج منها: أن منهاج الجماعة السياسي كان من حيث السياسة الخارجية رد فعل للاحتلال الأجنبي أما من حيث السياسة الداخلية فقد نجحت الجماعة في استغلال الفراغ الذي نتج عن الضعف الذي ألم بالأحزاب السياسية وكذا تعثر النظام الديمقراطي ومن ثم كان منهاجها الداخلي رد فعل للصراع الحزبي من جهة وخلو البرامج من المناهج الإصلاحية من جانب آخر (ص340- 341).

ويختلف البحث الحالي عن الدراسة السابقة في أن دراسته تناولت تاريخ وفكر وتنظيم جماعة الإخوان ومواقفها من القضية القومية والأحزاب المصرية والمشكلات الاجتماعية عن طريق استعراض تاريخي غالبا وتحليل فكري أحيانا ولم يتناول بحال موضوع التربية السياسية وأصولها وأهدافها ونظمها وسائلها وعلاقتها بجوانب التربية الأخرى عند جماعة الإخوان المسلمين وهو موضوع البحث الحالي.

تعقيب على الدراسات السابقة:

من عرض الدراسات السابقة يتبين أنها لم تتناول مشكلة البحث الحالي وإن كانت تفيد الباحث في بعض جزئيات بحثه الحالي وخاصة في الفصل التاريخي.

وثمة دراسات لا تتعلق بمشكلة البحث الحالي وإن كانت تفيد الباحث أيضا ومنها:

- دراسة محمد شوقي زكي: الإخوان المسلمون والمجتمع المصري.

- دراسة محمد فتحي علي شعير: وسائل الإعلام المطبوعة في دعوة الإخوان المسلمين.

- دراسة د.اسحق موسى الحسيني الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية الحديثة.

فصول الدراسة:

ولكي نجيب عن الأسئلة المتفرعة عن مشكلة البحث فإننا تناولناها في سبعة فصول وخاتمة:

الفصل الأول: ماهية التربية السياسية واتجاهاتها في مصر حتى ظهور جماعة الإخوان المسلمين عام 1928.

وعرضت فيه أولا لماهية وطبيعة التربية السياسية وأهدافها ومؤسساتها ومن خلال تحليل لمفهوم السياسة والتنشئة السياسية وأساليبها وعلاقة التنشئة السياسية بمفهوم الثقافة السياسية ثم من خلال عرض تحليل لمفاهيم التربية السياسية في الغرب والدول الإشتراكية والعالم العربي وانتهيت إلى تحديد طبيعة التربية السياسية ثم عرضت لأهداف التربية السياسية التي قسمتها إلى ثلاثة هي الذات السياسية والوعي السياسي والمشاركة السياسية وقد تناولت كل هدف بالتحليل من حيث مفهومه والعوامل التي تؤثر فيه خاصة ثم عرضت لمؤسسات التربية السياسية كما تتمثل في الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام والأحزاب السياسية وخلصت من ذلك إلى تحديد موجز لأبعاد التربية السياسية والتي تمثلت في بعد الأصول وبعد الأهداف وبعد المؤسسات.

وبعد هذا التحديد الضروري تناولت بإيجاز اتجاهات التربية السياسية في مصر منذ عصر إسماعيل حتى عام 1928 فعرضت للعوامل التي أثرت في التربية السياسية في هذه الفترة مثل ظهور عدد من الزعماء السياسيين القادرين على التوجيه إلخ ثم تناولت الاتجاه الإصلاحي الديني من حيث عناصر الذات السياسية عنده وصور المشاركة السياسية لديه ووسائل التربية السياسية وكذلك فعلت في تناولي للتيار الليبرالي ثم قمت بتقويم لهذين الاتجاهين في التربية السياسية في مصر وانتهيت إلى أنهما قاما بدور غير منكور في بذلك إلا أن كلا منهما لم يخل من عيوب خطيرة وإلى أن هذا الوضع كان سببا في نشأة جماعة الإخوان المسلمين.

الفصل الثاني: نشأة جماعة الإخوان المسلمين وتطورها التربوي والسياسي.

وعرضت فيه القوى والعوامل التي أثرت في نشأة وتطور جماعة الإخوان وقسمتها إلى قوى وعوامل سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية وتعليمية وانتهت إلى أن هذه القوى والعوامل قد أثرت في نشأة أو تطور جماعة الإخوان إلا أنها لم تكن السبب المباشر في نشأتها وتطورهأن ثم تناولت شخصية الشيخ حسن البنا (1906- 1949) ومدى توفر خصائص الزعامة الآسرة فيه والعوامل التي أثرت في تربية ونشأته ودوره في تأسيس جماعة الإخوان وانتهيت إلى أن شخصية البنا وقدراته كانت العامل الأول والأساسي في نشأة الجماعة وتطورها ثم تتبعت بعد ذلك نشاط الإخوان تربويا وسياسيا في خطين متوازيين في عام 1932 في مراحل تطور الجماعة وتاريخيا وانتهيت إلى أنها كانت منظمة تربوية سياسية منذ نشأتها وحتى حلها رسميا عام 1954.

الفصل الثالث: الأصول العقدية والاجتماعية والاقتصادية للتربية السياسية عند جماعة الإخوان المسلمين.

وبينت في مقدمة هذا الفصل أن التربية هي الوسيلة الأساسية عند الإخوان وخاصة التربية السياسية وأن أصول هذه التربية تتمثل في فكرهم الذي استمدوه من النص الإسلامي واجتهدوا في إنزاله على الواقع المصري آنذاك ثم تناولت الأصول العقدية وعرضت فيها لمبحث الوجود الذي اشتمل على عرض تحليل لحقيقة الألوهية والتوحيد والإنسان والكون والحياة عند الإخوان ثم لمبحث المعرفة ومبحث القيم عندهم وبينت المضمون التربوي لهذه المباحث عندهم وكذا بينت علاقتها بالتربية السياسية ثم تناولت الأصول الاجتماعية للتربية السياسية عندهم فعرضت لموقفهم من عوامل التغيير الاجتماعي ولتصورهم عن المجتمع المسلم وخصائصه وأسسه ودور التربية في نشأته ثم تناولت ثلاث مشكلات اجتماعية وهي مشكلة المرأة والصراع الطبقي وتخلف الريفي المصري وعرضت الموقف الفكري للإخوان من كل منها فترة البحث مبيننا المضمون التربوي في كل عنصر منها وعلاقة ذلك بالتربية السياسية.

ثم تناولت الأصول الاقتصادية للتربية عند الإخوان فعرضت لموقفهم من سياسة المال ولنظرية العدالة الاجتماعية ثم موقفهم من الاستقلال والنهوض الاقتصادي في مصر فترة البحث وبينت علاقة كل بالتربية السياسية خاصة.

وانتهيت إلى أن عند الإخوان أصول عقدية واجتماعية واقتصادية للتربية السياسية استمدوها من الوحي وتفاعلوا بها مع الواقع المصري وأن هذه الأصول تمثل مجموعة معتقدات سياسية غير مباشرة أو مباشرة تؤثر في العواطف والاتجاهات السياسية لدى المؤمن بها أي أنها تمثل جزءا من الذات السياسية لدى عضو الإخوان.

الفصل الرابع: الأصول الأساسية للتربية السياسية عند الإخوان المسلمين.

وبينت فيه أولا معنى الأصول السياسية ثم مكوناتها عند الإخوان ثم عرضت لفكر الإخوان السياسي عن الحكومة وطبيعتها وشكلها ومصدر السلطات وسلطات الدولة، ووظائفها وموقفهم من النظام النيابي والدستوري المصري في تلك الفترة وبينت صلة ذلك بالتربية ثم عرضت لأسس النظام السياسي عندهم فتحدثت عن الشعور والحرية والمساواة وأوضحت المضمون التربوي لكل أساس وصلته بالتربية السياسية عندهم ثم عرضت لرؤيتهم في التغيير السياسي وموقفهم من الأسلوب الثوري وأنهم لم يقبلوا به وانتهيت إلى أن أسلوب التغير السياسي عندهم هو التربية السياسية والإصلاح والتوجيه السياسي.

ثم عرضت للجامعة السياسية عندهم فتحدثت عن موقفهم من الوطنية والوطنية المصرية والموقف من الأقليات الدينية، ثم لموقفهم من القومية والعروبة والوحدة والجامعة العربية ثم لمفهوم الوحدة الإسلامية أو الكتلة الثالثة ومبرراتها ومقوماتها عندهم.

وقد بينت المضمون التربوي لذلك وعلاقته بالتربية السياسية عند الإخوان وبعد ذلك عرضت لرؤيتهم للاستعمار وجوانبه ولمفهوم الجهاد والاستقلال ووسائله ودور التربية السياسية في ذلك.

وقد انتهيت إلى أن الأصول السياسية للتربية السياسية عند الإخوان ذات محاور ثلاث هي الحكومة والجامعة السياسية والموقف من الاستعمار والجهاد والاستقلال وأن هذه الأصول تمثل قيمها ومعتقدات سياسية أساسية وأنها بذلك تكن العنصر الأول في الذات السياسية كما تؤثر في الاتجاهات والعواطف السياسية لدى أعضاء الإخوان وأنها أيضا جزء من الوعي بالإسلام.

الفصل الخامس: أهداف التربية السياسية ومضامينها عند جماعة الإخوان المسلمين.

وعرضت فيه لعناصر الذات السياسية أولا فبينت المعتقدات السياسية ذات المدلول السياسي غير المباشر وذات المدلول السياسي المباشر، وأنهما مستنبطان من أصول التربية السياسية التي عرضت لها في الفصلين السابقين ثم بينت الاتجاهات والعواطف السياسية التي تنشأ في النفس نتيجة التربية على المعتقدات السابقة ثم عرضت للوعي السياسي عند الإخوان فبينت أولا العوامل التي أثرت فيه مثل المعتقدات السابقة وطبيعة القضايا التي كانت في البيئة السياسية آنذاك وطبيعة حركة الإخوان وبينت أساليب الوعي السياسي لديهم وأنها تجمع بين البيانات السياسية والحوار والنقاش السياسي ثم عرضت لعناصر الوعي السياسي عندهم وهي الوعي بالإسلام والوعي الحركي والوعي بالقضايا السياسية آنذاك وهي قضية الحكم بالإسلام وقضية الاستقلال والتحرر السياسي وقضية تحرير فلسطين وقضية الحريات السياسية وقضية استقلال سياسة التعليم وقضية العدالة الاجتماعي وقضية الوحدة وعرضت مضمون كل عنصر من خلال وثائق الإخوان ثم عرضت لعنصر الوعي بالموقف السياسي ووسائل ذلك وانتهت إلى أن الوعي السياسي قد شمل كل القضايا السياسية في العالم السياسي المصري وأنه كان صادقا بالنسبة إلى الواقع فيما عدا العنصر المتعلق بموقفهم من فاروق فقد كان وعيا مناقضا للواقع.

ثم عرضت للمشاركة السياسية عند الإخوان فبينت العوامل المؤثرة فيها ثم عرضت للمشاركة السياسية داخل تنظيمات جماعة الإخوان فتناولت المشاركة في الشعبة والأسرة والجوالة ثم تناولت صور المشاركة السياسية عند الإخوان في المجتمع المصري وقسمتها إلى المشاركة عن طريق الحملات السياسية وحملات خدمة البيئة بالجهود الذاتية والمشاركة عن طريق المظاهرات والاضطرابات والمشاركة التي ابتدعها أو طورها الإخوان المسلمون مثل القنوت السياسي وقد تناولت هذه الصور بالتحليل المبني على وثائقهم متتبعا جوانب كل صورة منها وانتهيت إلى أن المشاركة السياسية عند الإخوان في فترة البحث قد شملت كل الصور الممكنة لها ما عدا الاشتراك في السلطة وإلا أن مشاركة المرأة سياسيا عند الإخوان كانت محدودة جدا بالنسبة إلى الرجال وأن ذلك يتناقض مع ما قرروه من حقوق سياسية لها.

وقد انتهيت من هذا الفصل إلى أن التربية السياسية عند الإخوان تهدف إلى تكوين ذات سياسية حسب معتقداتهم وتكوين اتجاهات وعواطف سياسية بناء عليها وإلى تكوين الوعي السياسي لدى العضو وإلى أن يكون العضو مشاركا بفعالية في الحياة السياسية بكل صور المشاركة الممكنة.

الفصل السادس: جوانب تربية الشخصية وعلاقتها بالتربية السياسية عند الإخوان المسلمين

وبينت في مقدمته دور التربية عند الإخوان في تكوين الشخصية الإسلامية وجوانب هذه التربية ثم تناولت التربية العقدية والروحية والخلقية والاجتماعية والجسمية والعقلية المعرفية وعرضت في كل جانب لأهداف التربية فيه ووسائل تحقق ذلك وعلاقة كل جانب بالتربية السياسية عند الإخوان وانتهيت إلى أن هذه الجوانب جميعا تمثل تربية للذات السياسية ولقدرات المشاركة السياسية ولبعض عناصر الوعي السياسي عندهم وأن كل جانب منها يسهم بقدر في هدف أو أكثر من أهداف التربية السياسية عندهم وأنهم بلك تعاملوا مع الإنسان ككل فتجاوزوا الخلل الذي كان موجودا في اتجاهي التربية السياسي قبلهم.

الفصل السابع: وسائل التربية السياسية عند الإخوان المسلمين.

وعرضت فيه لنظام الكتائب والأسر والنظام الخاص ونظام الدورات التثقيفية والصحف والمؤتمرات ونظام الجوالة بما يشمل عليه من رحلات ومعسكرات وأنشطة الخدمة والتنظيم وقد تناولت كل نظام من حيث هيكله وطبيعته العضوية فيه وأهدافه التربوية وبرامجه التربوية، ودوره في التربية السياسية في جماعة الإخوان.

وانتهيت إلى أنه كان عند الإخوان كل الوسائل الممكنة للتربية السياسية وأنهم كانوا محددين في بعضها ومطورين لبعضها الآخر وأنها الوسائل عملت على تربية كوادر سياسية متجاوزة الخطابية والديماجوجية وواحدية التوجيه الأمر الذي تجاوزوا به الخلل الذي كان موجودا في اتجاهي التربية السياسية من قبل.

الخاتمة:

وقد عرضت فيها أولا لنتائج البحث بطريقة تقويمية مركزة، ثم عرضت لمجموعة من التوصيات مستندا في ذلك إلى مجموعة من المبادئ التي أكدتها الدراسة ثم أثبت مجموعة من الموضوعات البحثية المقترحة التي أثارتها هذه الدراسة في عقل الباحث.

الفصل الأول: ماهية التربية السياسية واتجاهاتها في مصر حتى عام 1928م

العلاقة بين التربية والسياسة:

من أجمع التعريفات لمفهوم التربية أنها تنمية الشخصية الإنسانية المتكاملة وإن من جوانب الشخصية الإنسانية الجانب السياسي والاجتماعي ومن جهة أخرى فإن التربية هي العملية الواعية الموجهة توجيها قائما على بصر من أجل إحداث تغيرات مرغوب فيها في سلوك الفرد وبالتالي في سلوك الجماعة التي ينتمي إليها أي أنها قد خرجت من كونها عملا فرديا أو أهليا إلى أن تكون نظاما إنسانيا وبناء قوميا له وظائف سياسية وفكرية وخلقية واقتصادية وثقافية فالتربية السياسية وظيفة أساسية للمؤسسات التعليمية.

والتربية عملية تخضع للتوجيه من جانب جماعة بشرية معينة حيث أن هذه الجماعة إنما تربي أبناءها لكي يصبحوا مواطنين عاملين فيها ولا يمكن أن يتأتي هذا إذا لم تسر العملية التربوية وفقا لأهداف الجماعة وفلسفتها وإذا قلنا أهداف الجماعة وفلسفتها فقد قلنا بالتالي سياستها.

وهي في مفهومها العميق عملية سياسية كما أن السياسة هي في جوهرها عملية تربوية ولذلك فإن عملية عزلهما وتعطيل تأثيرهما المتبادل تنطوي على تناقض ضمني يعود بالضرر على كليهما معا وهذا بالضبط ما يحدث في مراحل التردي وظروف التخلف وعندما تهبط السياسية عن مستوى الرسالة وتفقد عنصرها التربوي المميز لها وكذلك عندما تصبح التربية هامشية ووظيفة نمطية تحافظ على القيم والأفكار التي تجاوزها التطور العام دون أن يكون لها دورا استشرافي في حياة المجتمع وصيرورته الحضارية.

ومن المقرر أن التربية تقوم ضمن وظائفها بنقل ثقافة المجتمع من جيل إلى جيل وتطورها والثقافة السياسية هي الجانب السياسي من ثقافية المجتمع ويطلب من التربية ويتوقع منها أن تقوم بنقلها وتطويرها وتشكيل الناشئة طبقا لها ومن ثم تصبح العلاقة بين التربية والسياسة علاقة تفاعلية وثيقة الارتباط.

وتبدو هذه العلاقة أكثر ارتباطا وتفاعلا إذا نظر إليها من الجوانب الآتية:

أ‌- علاقة التربية والتعليم بالنظام السياسي
ب- موضوع التربية والإنسان
ج‌- الوظائف السياسية للتربية
د‌- دور التربية في العالم الثالث (المتخلف)


أ‌- فالارتباط قوي بينهما إذا نظرنا إلى علاقة التربية والتعليم بالنظام السياسي في كل مجتمع فالنظام التعليمي هو أحد أنظمة المجتمع ككل ويرتبط عضويا بأيديولوجية المجتمع وأهدافه وأنظمته الأخرى ويتأثر في بنيته ووظائفه ومحتواه ووسائله بما في المجتمع من أوضاع وأنظمة سياسية واقتصادية وغيرها أي أن النظام التعليمي يتأثر بصورة مباشرة بالنظام السياسي في كل مجتمع فالتعليم في المجتمع الديمقراطي المؤمن بالحرية والفردية والمنافسة يختلف في سياسته وسماته عن التعليم في المجتمع الشمولي المؤمن بديكتاتورية الحزب أو الطبقة.

ذلك على المستوى التنفيذي أما على المستوى الفكري فقد استحدث مبحث في أصول التربية هو الأصول السياسية للتربية نتيجة لدراسات كثيرة من المفكرين الاجتماعيين المهتمين بالعلاقة بين السياسة والتربية حيث طرحت أفكار سياسية في مجال التعليم مثل المساواة والعدالة والحق فيما عرف باسم مبدأ تكافؤ الفرص التعليمية الذي طور إلى مبدأ ديمقراطية التعليمي والدعوة إلى إزالة العوائق أمام تطبيقه وتحدد الأصول السياسية لفلسفة التربية هويتها وانتماؤها هل تكون مع ديمقراطية التعليم وشعبيته أو مع طبقيته ؟إلخ...

ب‌- يبدو الارتباط وثيقا بين التربية والسياسة حين ننظر إلى أن موضوع التربية هو الإنسان وقد برهن فلاسفة وعلماء اجتماع سياسي على أن السياسي هي خاصية الإنسان دون سواه فقد قرر أفلاطون وأرسطو أن الإنسان كائن حي أو حيوان سياسي ذلك الذي لا يستطيع أن يعيش في الجماعات وليس له مع استقلاله حاجات فذلك لا يستطيع البتة أن يكون عضوا في الدولة إنما هو بهيمة أو آله فصفة السياسي وليس الاجتماعي هي خاصية النوع الإنساني لأنه في هذه الحالة يكون السياسيون فقط هم البشر أما سواد الناس الذي لا يعملون بالسياسة أو يفكرون فيها فليسوا بشرا.

وقد ثبت أن السياسة جوهر في الإنسان بالفعل وأن عالم السياسة بشتى ظواهره ومظاهره هو تعبر عن هذا جوهر الكامن في الإنسان ذاته أي هو طبع فيه بمعنى أنه من مقوماته الذاتية لا يتصور بغيره إلا أن يصبح الإنسان كائنا آخر وبناء على ذلك فإن السياسة مسألة تخص كل مواطن.

وإذا ثبت هذا فإن التربية السياسية للإنسان بهدف إكسابه المعارف والاتجاهات والقدرات التي تمكنه من ممارسة نشاطه السياسي في المجتمعي تصبح قضية ضرورية لإنسانية الإنسان، فالتعليم له وظيفة سياسية عن طريقها يمكن تحويل الإنسان من مواطن بالقوة إلى مواطن بالفعل ومعنى ذلك أن التربية السياسي هي السبيل إلى تصحيح وضع العملية التربوية وتقويمها حتى تصبح كاملة وملائمة للإنسان.

ج_ ونتيجة للمقدمتين السابقتين: ثبوت العلاقة بين التربية والنظام السياسي وبين التربية والسياسة والإنسان فإن ثمة وظائف سياسية يفرض على التربية أن تقوم بها وهنا وجهات نظر لعدد من الدارسين والمفكرين فبعضهم رأى أن النظام التعليمي يمكن أن يقوم بدور مساعد في تحقيق أهداف النظام السياسي والتمكين الفعلي لها وذلك من خلال التمكين لوظائف النظام السياسي في نفوس وعقول الناس وهي:

1- الوظيفة العقادية: فالسلطة السياسية قد تحدد العقيدة التي يجب أن يسير المجتمع وقفا لها حتى تكون له هويته غير أن هذه العقيدة تحتاج إلى التمكين لها في عقول ونفوس الناس ولا يتأتي ذلك بمجرد إصدار القوانين ومن هنا تبدو أهمية النظام التربوي نفسه الذي يقوم بتربية النسا عموما والناشئة خصوصا على هذه العقيدة.
2-الوظيفة التطويرية: فقد يحدث نتيجة للتطور أن تدخل تطورات سياسية دستورية وقانونية وسوف تحدث فجوة بين التشريع والواقع إذا لم يواكب التطور التشريعي تغيرات في مفاهيم ووعي الناس واتجاهاتهم والتربية هي العامل الحاسم في ذلك.
3- الوظيفة التوزيعية: وذلك عن طريق تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص التعليمية كما أنه على النظام السياسي أن يوفر للمواطن قدرا من الفرص المتكافئة اجتماعيا واقتصاديا.
4- الوظيفة الجزائية: فإذا كانت السلطة تعاقب على الخروج عن قوانينها بصور مادية فإن التربية لها أساليبها في الثواب والعقاب كما أن الدولة تعاقب المخطئ والمنحرف ولا تكافئ المحسن عادة والتربية لا أسلوبها في المكافأة لمن يحسن كما أن العمل التربوي السليم يقلل إلى حد كبير من فر الانحراف والخروج على القانون.

وهذه الوظائف فيما يتبين للباحث تضع التربية والتعليم موضع التابع والخادم للنظام السياسي أيا كان نوعه وقد رأى الدارسين أن الوظيفة السياسية للتربية من حيث كونها نسقا تابعا وخادما لغيره من الأنساق الاجتماعية تهدف إلى :

1- إكساب الفرد المعارف المختلفة حول الأنظمة السياسية المختلفة ومفهوم الدولة وحدودها ومفهوم القوة الفيزيقية ودروها في الحفاظ على كيان الدولة وحقوقها.
2- إكساب الفرد المهارات العقلية والحركية التي تمكنهم من الوصول إلى درجة من المواطنة المسئولة.
3- إكساب الفرد الاتجاهات الإيجابية نحو قيم النسق السياسي من مواطنة وديمقراطية وانتماء سياسي ونقد ونقد ذاتي... إلخ..
4- إكساب الفرد الميول التي تدفعه نحو الممارسة السياسية والدفاع عن وجهة نظر يتبناها وثمة وظائف أخرى عند بعض الباحثين تقوم بها التربية مثل غرس القيم السياسية المطلوبة وإعداد القادة السياسية والتوعية السياسية إلخ..

ويرى الباحث أن الوظيفة السياسية للتربية تتحدد في إكساب الإنسان المعارف والاتجاهات والقدرات والمهارات الضرورية ليكون بها واعيا سياسيا وقادرا على المشاركة السياسية في مجتمعه بفعالية وبصيرة سواء من موقع التأييد للسلطة السياسية أو من موقع المعارضة لها والمقصد أنه بالنظر إلى الوظائف السياسية للتربية يتبين الارتباط الوثيق بين التربية والسياسة.

د- وهذا الارتباط يكون أكثر وثاقة وإلحاحا في مجتمعات متخلفة أو آخذة في النمو وكنتيجة لازدياد حركة التحرير الوطني في بلدان العالم الثالث ضد الاستعمار لفت الانتباه للتربية كطريق مأمون لبناء القدرة الذاتية التي تحمي الاستقلال الوطني.

وهناك تلازم كامل بين الإصلاح التربوي مع التغييرات السياسية الأساسية في حياة المجتمعات النامية إذ أن مهمة التربية في هذا الجزء المتخلف من العالم مهمة استثنائية فهي مطالبة بإعادة تكوين الشخصية الإنسانية التي مزقتها ظروف الاحتلال والتخلف وهذه المهمة لا تنفصل عن المشروع السياسي الذي يهدف إلى بناء المجتمع الجديد في البلدان التي تسير على طريق النمو والتطور واستكمال شخصيتها القومية والوطن العربي يتميز من بين جميع الوحدات القومية في العالم الثالث بأن المهمة الأساسية التي تحدد جميع اتجاهات التطور فيه هي مهمة النهضة الشاملة والانبعاث الحضاري العميق لذلك فإن التدخل والتشابك بين السياسة والتربية يشكل ظاهرة بارزة جدا.

إذن الارتباط قوي وبارز بين التربية والسياسة ويدرس هذا الفصل أحد جوانب هذا الارتباط وهو ما يتعلق بالتربية السياسية وذلك حسب التسلسل الآتي:

1- ماهية وأبعاد ومؤسسات التربية السياسية- بصفة عامة- باعتبار ذلك إطار ضروريا لدراسة التربية السياسية عند جماعة الإخوان المسلمين وذلك من خلال تحليل كيفي لمحتوى مجموعة من كتب علم الاجتماعي السياسي وعلم السياسي وأصول التربية ذات الصلة.
2- اتجاهات التربية السياسية في مصر منذ عهد إسماعيل (1863- 1879) وحتى ظهور جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928م، بهدف تأسيس خلفية يمكن على ضوئها فهم مدى تطور التربية السياسية في مصر على يد جماعة الإخوان ومدى اختلافها عندهم عن تلك الاتجاهات.

المبحث الأول: ماهية التربية السياسية وأبعادها ومؤسساتها

أولا: ماهية التربية السياسية.

يرتبط المفهوم بمصطلحين آخرين في الأدب التربوي والسياسي وهما: السياسية والتنشئة السياسية ويتناول الباحث هذه المصطلحات بالتحليل فيما يلي:


(أ‌) مفهوم السياسية: politics

1- ثمة منظورات ثلاثة لهذا المفهوم:

فالسياسية عند فلاسفة اليونان، وأرسطو خاصة: هي كل ما من شأنه أن يحقق الحياة الخيرة في المجتمع فهي تستوعب كافية الشئون السائدة في المجتمع وهذا التحديد يعتبر السياسية فرعا عن الأخلاق ولعل المعنى اللغوي عند العرب لهذا المصطلح يتشابه مع التحديد الأرسطي له من حيث الاتصال بالأخلاق ومن حيث الشمول فأصل كلمة (سياسة) جاء من السوس، وهي تعني الرئاسة وعندما نقول: ساس الأمر، نعني أنه قام به وشرط السياسية أن تقوم بالأمر بما يصلحه أي أمر الجماعة أو مجموع الناس.
والمنظور الثاني يرى أن السياسة هي الأنشطة التي يتحدد انتماؤها أساسا على الدولة
أما المنظور الثالث فيربط السياسية بمفهوم القوة، وهو مفهوم مفرغ من أي محتوى خلقي.

2- ومصطلح السياسة من أكثر المصطلحات تداولا بين الناس ويقصدون بها عادة الأمور التي تختص بها الأحزاب السياسية والمسائل المطروحة أمام رجال السياسة وكل ما يتعلق بالسلوك الانتخابي والتصويت إلخ.. والواقع أن هذه أنشطة سياسية تدخل ضمن ما يعنيه مصطلح السياسة وقد تعددت تحديدات هذا المصطلح طبقا لطبيعة كل مفكر ومجتمعه ومعظم التعريفات السائدة منقولة عن الفكر الغربي الذي يلائم أوضاع تلك المجتمعات المستقرة سياسيا فيعرفها بأنها فمن حكم الدول، ويطلق اسم سياسة على علاقة الدول بعضها ببعض وأيضا على الحقوق السياسية التي يشترك عن طريقها المواطن في حكومة الدولة ويشير نفس المصطلح عند آخين إلى أنشطة الجماعات المختلفة داخل نطاق المجتمع كالأحزاب السياسية وإلى نشاط السلطة السياسية ذاتهأن ومن حيث كونها وظيفة رجال السلطة فهي: الحيطة أي مراعاة الممكنات إلحالية واعتبارها بالنسبة للمستقبل إنها الممكن أو فمن الممكن كما تعرف بأنها فن إدارة شئون الجماعة الإنسانية ورعاية مصالحها والعمل لخيرها.. إلخ..

3- ورغم أهمية هذه التعريفات وغيرها مما ترجم عن الفكر السياسي الغربي إلا أن الباحث يرى أن هذه التعريفات التي تجعل السياسية نشاطا متعلقا بالسلطة السياسية والقوى لا تصلح وحدها لأن تغطي المهمة الأساسية التي تفرضها طبيعة المرحلة التاريخية في مصر إذ أن المهمة الراهنة تتطلب نظرية أكثر عمقا لمفهوم السياسة أو أكثر جدية والتزاما فالسياسة في ظرف قومي كالذي تمر به مصر إنما تعني حركة الأمة ونضال الجماهير الذي تمر به مصر إنما تعني حركة الأمة ونضال الجماهير الذي يصنع وحدتها ويقضي على أسباب تخلفها ويدفع بها في طريق التقدم والنهضة.

وطبقا لهذه الفكرة فإن الباحث يستعرض تحليلات لبعض المفكرين الذين عايشوا المشكلات المصرية بدءا من عصر النهضة المصرية وحتى الآن:

فيعرف رفاعة الطهطاوي السياسة وهو بصدد بيان دواعي تعليمها للصبيان لتحقيق المصلحة العمومية بأنها: فن الإدارة أو تدبير المملكة ونحو ذلك ثم قال: والبحث في هذا العلم ودوران الألسن فيه، والتحدث به والمنادمة عليه في المجالس والمحافل والخوض فيه كان ذلك يسمى بولتيقة أي سياسة وينسب إليه فيقال: بوليتيق أي سياسي فالبوليتيقية هي كل ما يتعلق بالدولة وأحكامها وعلائقها وروابطها وأهم ما في هذا التعرف هو جعله دوران الألسن والتحدث به والخوض فيه سياسة وهذه نقطة مهمة.
وقد اتخذ مفهوم السياسية شكلا أكثر تحديدا وارتباطا بقضايا الأمة في تناول مالك بن نبي له: حيث يرتبط عنده بأداء الواجبات وبأيديولوجية وثقافة المجتمع والجماعات المتفق مع أيديولوجية جمهورها لتحقيق التجانس والتعاون بين الدولة والفرد على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والثقافية لتكون السياسة مؤثرة حقيقية في واقع الوطن والذي يؤدي إلى تغيير الإطار الثقافي في اتجاه ينمي تنمية متناغمة عبقرية أمة، أي أن السياسية، في النهاية هي صناعة الثقافة فتشيد حديقة في مدينة القاهرة يعني أننا نقوم بعمل سياسي.
ويتفق مع التحليل السابق للسياسة من حيث كونها تهدف إلى التغيير والتنمية تحليل الدكتور زكي نجيب محمود لها: فهو لا يجد لهذه اللفظة معنى أكثر من المعنى الذي نريده حين نتحدث عن الصالح المشترك بين الناس في مجتمع معين وأن هذا الصالح المشترك لهو حاصل جمع المنافع التي تنتفع بها مجموعة الأفراد كل في مجاله إن السياسة عندئذ لا تزيد عن أن يعني كل فرد أو كل هيئة بما يحقق له أو لها أكبر قدر ممكن من المحصول وإذا كان في كل مجال للعمل لجنة سياسة فإن السياسة هي محصلة ما تنشط به اللجان المختلفة إذا ما تفرغت كل لجنة للعمل على أن تجعل من مجالها الخاص مجالا أفضل.

فالسياسة هي أن نرى كيف تتغير الظروف التي نعيشها أي أن علم السياسة هو نفسه علم تغيير الواقع الاجتماعي وإن هذا الواقع هو أنت وهم وهن ولكي يتغير الواقع الاجتماعي فلابد أن يتغير هؤلاء والسياسة هي أن نصنع لهم هذا التغيير وأن نجعلهم يصنعونه لأنفسهم فالسياسة عند هذا المفكر هي القيام بالأعمال والأنشطة التي تغير الواقع الاجتماعي إلى ما هو أفضل، وأصلح فهي ترتبط بالأخلاق فإن السياسة هي في صميمها فرع من الأخلاق لأنها لا تريد شيئا أكثر من أن يتحقق الخير للدولة في مجموعها وإن هذا الخير العام لا يمكن فهمه فهما واضحا إلا أن يكون حاصل جمع الخير الذي يصيبه الأفراد.

ولعل هذا التحديد يتفق في جوانب منه مع تحليل بن نبي إلا أنه لا يوضح علاقة السياسية بالسلطة السياسية إلا أن كليهما ملائمان لواقعنا المصري.

4- مفهوم السياسة عند الإخوان المسلمين:

عرض حسن البنا المرشد الأول لجماعة الإخوان لمفهوم السياسة عند حديثه عن علاقة الإسلام بالسياسة وموقف المسلم منها فرأى أن السياسة هي النظر في شئون الأمة الداخلية والخارجية وأن لها جانبين: الداخلي وتعني السياسة عندئذ تنظيم أمر الحكومة وبيان مهماتها وتفصيل واجباتها وحقوقها ومراقبة الحاكمين والإشراف عليهم ليطاعوا إذا أساءوا والجانب الخارجي وتعني السياسة حينئذ المحافظ على استقلال الأمة وحريتها والسير بها إلى الأهداف التي تحتل بها مكانتها بين الأمم وتخليصها من استبداد غيرها بها وتدخله في شئونها إلخ ويربط البنا بوضوح بين العقيدة والعمل السياسي بقوله: إن المسلم لن يتم إسلامه إلا إذا كان سياسيا: بعيد النظر في شئون أمته مهتما بها فالمسلم مطالب بحكم إسلامه أن يعني بكل شئون أمته ويقولن: إننا سياسيون بمعنى أننا نهتم بشئون أمتنا وأننا نعمل لاستكمال الحرية إلخ..

فالسياسة عند الإخوان هي التفكير في شئون الأمة الداخلية والخارجية والاهتمام بها والعمل على إصلاح كافة جوانبها وهي ترتبط بالعقيدة والأخلاق وتهدف إلى التغيير وهذا التحديد يتلاءم مع الواقع المصري وخاصة في فترة الاحتلال الأجنبي ويعطي الفرد دافعا داخليا للعمل السياسي تفكيرا واهتماما وعملا مغيرا لأوضاع الأمة ويجعل السياسة مسألة تخص كل مسلم.

والمقابلة بين تعريف ابن نبي وتعريف زكي نجيب محمود وتعريف الإخوان تظهر تقاربا بينها جميعا فهي عند لأول العمل المغير للإطار الثقافي وعند الثاني العمل المغير للأوضاع الاجتماعية نحو الأفضل والخير وعند الإخوان التفكير والاهتمام بالعمل المصلح لشئون الأمة كلها داخلها وخارجيا والإصلاح تغيير بالضرورة والتعاريف الثلاثة العريفات التي تقصر السياسة على عمل السلطة أو الأحزاب السياسية في مجتمع ما لتجعلها عمل السلطة والأحزاب وكل مواطن في نفس الوقت.


(ب‌) التنشئة السياسية: POLITIcal socializationz

الاهتمام بالتنشئة السياسية هو في جوهره اهتمام بصنع المواطن الحق الذي يستطيع أن يتفاعل بإيجابية مع الحياة السياسية وهذا يمثل اهتماما تاريخيا منذ أفلاطون وأرسطو اللذين أكدا أهمية التربية السياسية حيث منح كل منهما التدريب على الأنشطة السياسية أهمية خاصة ومرورا بالفلاسفة الليبراليين خلال القرن التاسع عشر الذين اهتموا بالعملية التي عبر عنها لوي r. loweبقوله: الحاجة إلى تربية الرؤساء وفي الأدب الاجتماعي السياسي والتربوي السياسي يلحظ الباحث التعبير بمصطلح التنشئة السياسية عن التربية السياسية political education أو العكس ولذا فإنه يتناول أولا مفهوم وطبيعة عملية التنشئة السياسية لتحديد معالمها كما يلي:


1- مفهوم التنشئة السياسية:

التنشئة السياسية جزء من التنشئة الاجتماعية بوجه عام وهي تلك العمليات التي يكتسب الناس من خلالها الخبرات والمعارف والقيم والاتجهات والاستعدادات التي تمكنهم من المشاركة بدرجات متفاوتة من الفاعلية كأعضاء في جماعة أو مجتمع.

وثمة تعريفات كثيرة لمفهوم التنشئة السياسية تدور حول كونها عملية تلقين وغرس وتعليم أو أنها عملية اكتساب.

فمن تعريفات النوع الأول تعريف فريد جرينشتين بأنها التلقين الرسمي وغير الرسمي المخطط وغير المخطط للمعارف والقيم والسلوكيات السياسية وخصائص الشخصية ذات الدلالة السياسية وذلك في كل مرحلة من مراحل الحياة عن طريق المؤسسات السياسية والاجتماعية الموجودة داخل المجتمع.

وذهب ألموند وباول almond and powell إلى أنها تعني تلك العملية التي يتم من خلالها غرس القيم والاتجاهات السياسية منذ الطفولة حتى النضج وإلى أن يصبح الناضجون في موقف يؤهلهم لأداء دورهم.

ويرى أريك روم eric rome أنها العملية التي تنتقل من خلالها القيم والمعتقدات والعواطف المكونة للثقافة السياسية بنجاح من جيل إلى جبل آخر وتبدأ في مرحلة مبكرة من العمر وتستمر خلال سنوات الحياة وتعد الأسرة والمدرسة والكنيسة وجماعات العمل والأحزاب السياسية وكالات لحدوث هذه العملية.

ويستبعد أحد الدارسين التعريفات التي تستخدم مصطلحات مثل التلقين – غرس .. إلخ.. مؤكدا أن التنشئة السياسية هي العملية التي يكتسب الفرد من خلالها توجيهاته السياسية الخاصة أي: معارفه ومشاعره وقيمه وتقويماته للعالم السياسي فهي عنده- عملية تفاعلية بين الفرد خلال مراحل نموه وبين السياسة والمنظمات الاجتماعية التي تسهم في إحداث هذه التنشئة.

والواقع أن التعريف الأخير يراعي جانب الفرد الذي تنصب عليه عملية التنشئة السياسية، أما التعريفات الأخرى المشار إليها فنظر إلى من يقوم بعملية التنشئة ووكالاتها وطريقة ذلك..

ويمكن للباحث أن يعرف التنشئة السياسية بأنها عملية تلقين وغرس من جهة واكتساب من جهة أخرى لتوجهات سياسية معارف قيم عواطف وتقويمات في كافة مراحل حياة الإنسان عن طريق المؤسسات التي يحتضنها المجتمع.


2- هدف التنشئة السياسية:

إن تنمية ذات سياسية politicalslf في اتجاه معين هو منطلق عملية التنشئة السياسية بمعنى أنها تهدف إلى أن يطور الفردي ذاتا سياسية أو شخصية سياسية أي: مجموعة التوجيهات التي تتكون لدى الفرد نحو العالم السياسي بما في ذلك وجهات نظره حول دوره السياسي الخاص وسوف يتناول الباحث مفهوم ومحتوى الذات السياسية فيما بعد بشيء من التوسع باعتبارها بعدا من أبعاد التربية السياسية.


3- مؤسساتها وأساليبها:

تكسب عناصر الذات السياسية عن طريق مجموعة متنوعة من المؤسسات التي تختلف أهميتها من نظام سياسي إلى آخر مثل الأسرة والمدرسة وعضوية المنظمات والأحزاب السياسية وجماعات الرفاق ومواقف العمل ووسائل الإعلام وغيرها وثمة سؤال ضروري هو: ما أساليب التنشئة السياسية التي يمكن أن تستخدمها كل مؤسسة مما سبق؟

بصفة عامة هناك اتجاهات أساسيان لأساليب التنشئة السياسية هما:

  • الأساليب غير المباشرة للتعلم السياسي indirect political learning
  • الأساليب المباشرة للتعليم السياسي direct political learning


الأساليب غير المباشرة للتعليم السياسي:

وهي تمثل عملية اكتساب الاستعدادات ولاتجاهات بصفة عامة، والتي ليس من الضروري أن تكون في ذاتها سياسة لكنها تؤثر بعد ذلك في تطور التوجيهات السياسية لدى الفرد، أي أن الفرد يكتسب أولا توجهات غير سياسية ثم تتحول نحو موضوعات سياسية فتصبح توجيهات سياسية بعد تحول تدريجي لها ويستند هذا الاتجاه في التنشئة السياسية إلى قاعدتين مهمتين هما:

  • الأساليب غير المباشرة ليست مقصورة على مرحلة الطفولة المبكرة وإنما تستمر خلال مراحل الحياة المختلفة.
  • التعليم السياسي غير المباشرة يتضمن اكتساب عادات ومهارات وممارسات ملائمة للنشاط السياسي.

ومن أهم أساليب التعلم السياسي غير المباشر:

أ‌- أسلوب التلمذة: apprantices hip

ويعني هذا انتقال الخبرات والمهارات التي يكتسبها الفرد خلال ممارسته للأنشطة في مجالات غير سياسية إلى النطاق السياسي في مرحلة لاحقة مثل مشاركة الطلاب في الاتحادات الطلابية حيث يكتسبون منها مهارات وخبرات واستبصارات غير سياسية يستخدمونها بعد ذلك في تعاملهم مع النظام السياسي، فالفترة التي يشترك فيها التلاميذ والطلاب الجامعيون في الاتحادات الطلابية والمنظمات الاجتماعية المختلفة تمثل بالنسبة إليه فترة (التلمذة) التي تمكنهم بعد ذلك من الاندماج والمشاركة في الحياة السياسية للمجتمع ويقرر قبريا وألموند verba and almond أن الدور الذي يلعبه الفرد في الأسرة أو المدرسة أو العمل قد يعد تدريبا له على أداء الأدوار السياسية مثل ذلك مهارة التعبير عن الذات والقدرة على إدارة الحوار السياسي الفعال.

ب‌- التعميم: generalization

بمعنى أن يمتد شمول القيم الاجتماعي إلى المجالات السياسية ويمكن القول أن نسق الاعتقاد الذي يوجد لدى الفرد يجسد شخصيته السياسية ويقول فيزيا verba في ذلك إن إنماط القيم والمعقدات الثقافية أي تلك القيم العامة التي لا تتصل بالموضوعات السياسية دائما ما تعلب دورا أساسيا في بناء الثقافة السياسية إن الأبعاد الاعتقادية الأساسية مثل علاقة الإنسان بالطبيعة والتصور الزمني والنظرة للطبيعة البشرية واتجاه الإنسان نهو رفاقه وكذلك التوجهات نحو النشاط العمل والإيجابية تبدو مرتبطة ارتباطا وثيقا بالاتجاهات السياسية.

وبناء على هذا التقرير فإن التربية العقدية والخلقية والاجتماعية هي بأسلوب غير مباشر تربية سياسية.


الأساليب المباشرة للتعليم السياسي:

وتشير إلى العمليات التي يتم من خلالها نقل محتوى سياسي محدد للأفراد بهدف تكوين توجيهاتهم السياسية ومنها:

أ‌- التعليم السياسي: political learining أي العمليات المقصودة الهادفة إلى نقل التوجيهات السياسية للآخرين من خلال قنوات رسمية وغير رسمية.
ب‌- التقليد imitatin فتقليد الزعامة وقادة الراي مصدر مهم للقيم والاتجاهات السياسية.
ت‌- الخبرات السياسية: المكتسبة من خلال المشاركة السياسية.

وتعتبر الأساليب المباشرة ذات أهمية خاصة عند بعض المفكرين في تكوين الشخصية السياسية للشباب خصوصا إلا أن الواقع أن كلا الأسلوبين يسهم في تكويني الذات السياسية.


5- علاقة التنشئة السياسية بالثقافة السياسية:

أ‌- تعددت تعريفات الثقافة السياسية political caiture فيعرفها Lucian بأنها مجموع أو مجمل الاتجاهات والمعتقدات والمشاعر التي تعطي نظاما ومعنى للعملية السياسية وتقدم قواعد مستقرة تحكم تصرفات الأفراد داخل النظام السياسي.

ويعرفها بعض الباحثين بأنها التوجيهات نحو الموضوعات السياسية وأنها تشمل:

  • جانبا معرفيا يدور حول دقة أو عدم دقة معرفة الفرد عن النظام السياسي وتشتمل على عناصر مثل الوعي بالأنساق السياسية.
  • جانب تقويميا ويضم التقديرات والآراء حول الأشياء السياسية والحكم على النسق السياسي السلطات الثلاث – الجامعات الضاغطة- الأحزاب السياسية.

فالثقافة السياسية تشتمل على عناصر معنوية المعارف والمفاهيم والقيم والاتجاهات السياسية كما أنها تؤثر في توجيه السلوك السياسي للأفراد حكاما ومحكومين.

ب‌- والعلاقة بين التنشئة السياسية والثقافة السياسية وثيقة الارتباط إذا إن التنشئة السياسية تعبر في أوسع مضامينها عن كيفية نقل المجتمع لثقافته السياسية من جيل إلى جيل فمن خلال عمليات التنشئة السياسية يتم اكتساب القيم والاتجاهات والعواطف والمعارف السياسية المختلفة أي أن التنشئة السياسية هي عملية اكتساب لثقافة سياسية معينة.
والذي يفسر الفرق بين الشعوب والجماعات في المشاعر والأفكار والاتجاهات نحو المسائل السياسية هو تباين التنشئة السياسية والجماعات في المشاعر والأفكار والاتجاهات نحو المسائل السياسية هو تباين التنشئة السياسية للجماعات والأفراد فعملياتها هي التي تشكل الثقافة السياسية من خلالها في المجتمع وتكتسب طابعها المتميز.
ث‌- فثمة تلازم بين الثقافة السياسية بمحتوياتها والتنشئة السياسية وفي هذا الصدد يشار إلى أن عوامل كثيرة تؤثر على الثقافة السياسية وبالتالي على عملية التنشئة السياسية حيث تسهم في تشكيل قيم الثقافة السياسية عوامل منها خيرات التنشئة الاجتماعية والسياسية والمعتقدات الدينية وغيرها كما أن قيم الثقافة السياسية أي ما يعتقده أو يؤمن به الأفراد فيما يتصل بعلاقاتهم بالنظم السياسي تمثل دوافع لسلوكهم واتجاهاتهم ومشاعرهم نحو النظام السياسي.

إذن التنشئة السياسية تعمل على تكوين ثقافة سياسية في الفرد هذه الثقافة السياسية هي دوافع لسلوك واتجاه نحو العالم السياسي.


6- طبيعة عملية التنشئة السياسية: (خلاصة)

من العرض التحليلي بين أن عملية التنشئة السياسة ذات طبيعة تتصف بما يلي :

  • إنها عملية تهدف إلى تكوين ذات سياسية بمعنى اكتساب الفرد لتوجيهات سياسية ذات عناصر ثلاثة القيم والمعتقدات الأساسية والمعارف والمعلومات ووجهات النظر السياسية المشاعر والعواطف والاتجاهات السياسية ومن ثم فهي عملية يتم من خلالها النظر السياسية المشاعر والعواطف والاتجاهات السياسية ومن ثم فهي عملية يتم من خلالها تحويل ثقافة سياسية معينة إلى اتجاهات وممارسات سياسية أي أنها لا توجد بدون ثقافة سياسية.
  • إنها عملية دينامية مستمرة يتعرض لها الإنسان طيلة حياته بدرجات متفاوتة لا تخص بمرحلة عمرية معينة إنها عملية تم من خلال مؤسسات عديدة مثل الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام والأحزاب وجماعات الرفاق والجيش إلخ.
  • كما أن أساليبها لا تقتصر على تلقين مقومات ثقافية سياسية معينة بل تتم من خلال أساليب غير مباشرة مثل التلمذة والتعميم بجانب أساليب التعليم السياسي المباشرة مما يؤكد الصلة القوية المتبادلة بين التربية العقدية والخلقية والعقلية المعرفية والاجتماعية والتنشئة السياسية

وتمثل التنشئة السياسية الصحيحة شرطا ضروريا لإيجابية المواطن في مجال العمل السياسي داخل مجتمعه فخبرات التنشئة السياسية المكتسبة تحدد تصرفات واتجاهات الفرد في مجال العمل السياسي وتحدد مدى مشاركته السياسية.

ويتبين من التحليل السابق أن هذه العملية هي نفسها عملية التربية السياسية غير أن هناك تحليلات عديدة لمفهوم وطبيعة التربية السياسية ذات اتجاهات مختلفة يتناولها الباحث بإيجاز فيما يلي:

مفاهيم التربية السياسية وطبيعتها:

1- التربية السياسية في الفكر الغربي:

يورد يد جار فور وزملاؤه تعريفا للتربية السياسية بأنها إعداد الناشئة للتفكير الحر حول ماهية السلطة ومقوماتها وحول العوامل المؤثرة في المؤسسات أو المؤثرة ف المجتمع عن طريق المؤسسات ويرى أنها تهدف إلى تنمية الوعي السياسي وتهذيب خصال الإنسان المتشبع بالروح الديمقراطية وأنها ليست تلقينا لبعض المفاهيم السياسية بل هي إعداد الناشئة لفهم بنيات العالم الذي سوف يعيشون فيه ولأداء المسئوليات الحقيقية في الحياة لكيلا تبقى أعينهم مغمضة ولكيلا يستغلق عليهم فهم ألغاز هذا العالم ويرى أن من المهم في التربية السياسية ربط العمل التربوي بممارسة السلطة ممارسة عادلة ومفيدة وديمقراطية.

وهذا التعريف برغم أهميته يقصر التربية السياسية على مرحلة عمرية بعينها وعلى مؤسسة رسمية هي المدرسة وعلى متعلق واحد هو السلطة وما يتصل بها وعلى أسلوب واحد هو الممارسة الديمقراطية للسلطة.

أما جود GOOD فيرى أن التربية السياسية هي تنمية وعي الناشئين بمشكلات الحكم والقدرة على المشاركة في الحياة السياسية وتنمية ذلك بالوسائل المختلفة كالمناقشات غير الرسمية والمحاضرات والاطلاع أو المشاركة في النشاط السياسي.

وهذا التعريف يبرز بعدين للتربية السياسية وهما: الوعي والمشاركة غير أنه يقصرها على الحكم وما يتعلق به وهذان التعريفات يمثلان التربية السياسية في دول ديمقراطية مستقرة


2- التربية السياسية في الدول الإشتراكية.

للتربية السياسية في هذه الدول ذات الأيديولوجية الشيوعية التي تمثل إطارا مرجعيا وأساسيا يتم في ضوئه ممارسة النشاطات السياسية أهمية خاصة ومن ثم فإنها لا تترك بدون تنظيم حيث يعمل المسئولون فيها على ألا تنمو أفكار وقيم واتجاهات متعارضة مع أيديولوجية الدولة ويمثل نظام التعليم فيها أداة أساسية للتربية السياسية بالإضافة إلى أجهزة الإعلام ونشطة الحزب الشيوعي ..إلخ..

وتتضمن التربية السياسية هناك العمل على محو آثار الرأسمالية من نفوس الشباب كما تعني القبول الإيجابي والمتحمس لمبادئ الشيوعية وقبول مبادئ المادية الجدلية والمادية التاريخية قبولا مطلقا فهي ليست مجرد تدريب للشباب على المواطنة في النظام الشيوعي بل هي بالإضافة إلى ما سبق تعني بتكوين مجموعة من الاتجاهات وأنماط السلوك والولاء في الشباب.

وتحدد بايكوفا للتربية السياسية وأهدافها في المجتمع السوفيتي بأنها العملية الأيديولوجية التي تهدف إلى تمكين أعضاء التنظيم الحزبي من الدعاية والدفاع بوعي وإدراك لقضيتهم عن أيديولوجية وسياسية الحزب الشيوعي ليستطيعوا أن ينقلوا باقتدار إلى الجماهير عناصر عقيدتهم الفكرية وخبرتهم السياسية ويكشفوا عن عظمة المستقبل الاشتراكي وأن يعبثوا الجماهير لتحقيق الأهداف المطرحة وذلك عن طريق توضيح سياسة الحزب وتسليح كافة أعضائه بالنظرية الماركسية وتوسيع مداركهم السياسية وتعليمهم تفهم الأحداث الجارية في حياة بلادهم وفي الخارج بحيث يمكن أن يقوموا بأعمال التوعية السياسية بين الجماهير وأن يصبحوا قنوات توصيل واعية ونشيطة لسياسة الحزب الشيوعي.

ومن البين أنها عملية تلقين عقائدية وهي تتم عن طريق المدارس والمنظمات الشبابية ووسائل الإعلام والأندية والمتاحف الشعبية ومحال بيع الكتب ومكاتب التثقيف السياسي في لجان الحزب الشيوعي على مستوى الحي والمدينة وفي المؤسسات الزراعية والتعاونية وأندية الريفي والدورات السياسية ومدارس التثقيف السياسي لإعداد الكوادر الشيوعية وبالإضافة إلى إصدار الكتب والمجلات السياسية التي يعول عليها في تكوين العقيدة الماركسية وتوصيلها إلى الجماهير عن طريق المكتبات العامة وقاعات المطالعة.

ويتبين من مفهوم التربية السياسية في الدول الإشتراكية أمران:

- اهتمامها المقصود بتكوين ذات سياسية عن طريق التلقين.
- شمول وسائل التربية السياسية فلا تقتصر على المدارس فحسب.


3- التربية السياسية في الفكر التربوي العربي:

ليس هناك تعريف محدد للتربية السياسية في الفكر التربوي بل هناك تعريفات متعددة ففي تقرير للمجلس القومية المتخصصة عرض لهذا المصطلح على أنه محصلة النظام التربوي في اتصاله بتنمية الشعور الوطني بالانتماء إلى الوطن ترابه وتراثه وبالمسئولية الوطنية والقومية حيال الواجب المقدس في مجال العمل والاعتزاز بالشخصية الوطنية والقومية حيال الواجب المقدس في مجال العمل والاعتزاز بالشخصية الوطنية والقومية للفرد والجماعة على حد سواء ويرى التقرير أن التربية السياسية تنعكس في حب الوطن والانتماء والمسئولية وذلك باشتراك الشباب فعليا في تشكيل المستقبل بإتاحة الفرصة أمامهم لممارسة ألوان معينة من الحياة السياسية ممارسة فعلية.

وهذا بالتحديد يقصر التربية السياسية على تنمية جانب واحد إلا أنه مهم وهو الشعور بالانتماء الوطني والإحساس بالمسئولية تجاه الوطن والعمل في خدمته أي أن التربية السياسية تأخذ معنى التربية الوطنية وهذا تضييق للمفهوم غير أن هذا المفهوم أكدا أمرا ضروريا وهو الممارسة الحرة للشباب.

ويعرفها أحد الدارسين بأنها العملية التي تهتم بالأفراد لممارسة العمل السياسي وتفهم المجتمع الذي يعيشون فيه وإعطاء الحد الأدنى من المواطنة والتعرف على مقومات المواطن الصالح وبذلك يتكون لديهم الوعي السياسي وفي الوقت نفسه تهتم بإعداد القادة القادرين على تحمل المسئولية في جميع مجالاته وهذا بالتعريف يتصف بالعمومية وعدم التحديد فهل الوعي السياسي هو فحس التعرف على مقومات المواطن الصالح كما أنه يخلط بين التربية السياسية والتربية الوطنية أو القومية.

ويعرفها بعض الكتاب بأنها إعداد المواطنين لممارسة الشئون العامة في ميدان الحياة عن طريق الوعي والمشاركة وعن طريق إعدادهم لتحمل المسئولية وتمكينهم من القيام بواجباتهم والاستمساك بحقوقهم وهنا التعريف يجعل ميدان التربية السياسية هو كل المواطنين غير أنه يتصف أيضا بعدم التحديد فما معنى ممارسة الشئون العامة وهل يمكن أن يوجد وعي مشاركة وتحمل مسئولية بدون قيم ومعتقدات واتجاهات تؤدي إلى ذلك وهو ما تغفله التعريفات السابقة.

وعند بعض المفكرين نجد أن التربية السياسية لا تعني تلقينا instruction أو تثقيفا سياسيا بمعناه الشائع إذا أنها لا تنمو إلا بالممارسة الحرة في ظل الحوار المفتوح والنقد البناء كما لا تعني مجرد توعية بالأحداث والوقائع السياسة حسب العرفي المتداول بل هي العملية التي تجعل كل مواطن يفكر مع أقرانه فيما ينبغي عمله حتى يكون على مستوى أفضل أنها تعني علم تغيير الواقع الاجتماعي إلى ما هو أفضل والحق أن هذا ليس تعريفا للتربية السياسية بل يمثل في رأي الباحث غاية مهمة من غاياتها وهو يأخذ تعريف زكي نجيب محمود للسياسة ليجعله هو تعريف التربية السياسية دون أن يحدد بدقة المقصود بهدف العملية

ويعرف الخميسي في رسالته للماجستير التربية السياسية بأنها الجهود الرسمية وغير الرسمية المبذولة لمساعدة الناشئين والشباب على التفكير الحر حول الحكم والسلطة وتوعيتهم بالقضايا المحلية والقومية والعالمية المعاصرة بهدف تكوين وتنمية المعارف والقيم والاتجاهات المؤدية لرفع مستوى المشاركة السياسية غير أنه لم يوضح هل هذا التكوين والتنمية يأتي نتيجة للجهود المبذولة أو نتيجة للتوعية أو لكليهما معا؟

والذي يراه الباحث هو أن تحديد مفهوم التربية السياسية يجب أن يراعى في مفهوم السياسة وتعلقه بكل مواطن ومفهوم التنشئة السياسية وارتباطها بمكونات الثقافة السياسية ويراعى أيضا الأمور الإيجابية في تعريفات التربية السياسية السابقة وخاصة في الدول الإشتراكية وتعريف الخميسي.

وتأسيسا على ذلك فإنه يمكن صياغة تعريف للتربية السياسية كما يلي: هي (الجهود المبذولة من قبل مؤسسات ووكالات التربية الرسمية وغير الرسمية التي تعمل على تكوين وتنمية شخصية سياسية تتطابق مع الثقافة السياسية للقائمين على هذه المؤسسات لدى كل مواطن وتكوين وتنمية وعي سياسي بمسوياته بحيث يكون المواطن واعيا وقادرا على تحصيل الوعي بنفسه وتكوين وتنمية قدرات المشاركة السياسية بحيث يكون قادرا على وراغبا في المشاركة السياسية بفعالية في قضايا مجمعة العامة بكل صور المشاركة المتاحة والتي تؤدي إلى التغيير نحو الأفضل. وعناصر هذا التعريف هي:

1- شخصية سياسية.
2- وعي سياسي.
3- مشاركة سياسية
4- مؤسسات تربية
5- ثقافة سياسية.
6- إنسان أو مواطن.

وقد تناول الباحث مفهوم الثقافة السياسية كما أشار إلي خاصية الإنسان فيما سبق وسوف يتبين العناصر الأخرى للتعريف في التحليلات التالية.

ويلاحظ في هذا التعريف أنه يزاوج بين مفهوم التنشئة السياسية ومفهومات التربية السياسية التي سبق بيانها ولا يغفل مفهوم السياسة الذي يعني العمل للتغير كما أن تكوين الشخصية السياسية والوعي السياسي يؤدي ضرورة إلى التفكير الحر حول الحكم والسلطة بل وفي كل القضايا السياسية المثارة في المجتمع.


5- التربية السياسية عند الإخوان المسلمين:

وباستقراء فكر جماعة الإخوان المسلمين في الفترة محل الدراسة واستنادا إلى مفهومهم عن السياسية وأخذا بتعريفنا السابق لمفهوم التربية السياسية في الاعتبار فإنه يمكن صياغة تعريف للتربية السياسية عند هذه الجماعة يتلاءم مع ما قالت به في الواقع.

فالتربية السياسية عند الإخوان المسلمين هي الجهود التي قاموا بها من أجل تكوين وتنمية المعتقدات والمعارف والاتجاهات التي تؤدي إلى القبول الإيجابي لمبادئ الإسلامي وأهدافه قبولا واعيا والالتزام به ومحو آثار الاستعمار بأشكاله من داخل النفس لدى المواطنين الذي خاطبتهم هذه الجماعة والتي تؤدي إلى التفكير الاستقلالي المستند إلى أسس الإسلام في الحكم وشئون الأمة الداخلية والخارجية وتوعيتهم بالقضايا المحلية والقومية والعالمية الراهنة وبحقيقة ما يدور في الموقف السياسي كما تعني التوعية العقدية بضرورة الجهاد في سبيل الإسلام بحيث يكون الفرد المخاطب سلاحا للدفاع عن قضايا الإسلام والتصدي لأعدائه وبحيث يكون قادرا على الدفاع عن حقوقه كمواطن والالتزام بأداء واجباته وفعالا في العمل الاجتماعي بأنواعه مشارك في الحياة السياسية بكفاءة.


6- طبيعة التربية السياسية:

والآن بعد بيان مفهوم السياسة والتنشئة السياسية وتحليل وعرض عدة مفهومات للتربي السياسية فما طبيعة التربية السياسية سوف تتبين طبيعة هذه العملية من خلال تحديد خصائصها من التحليلات السابقة يتبين أن التربية السياسية ذات طبيعة تتصف بما يلي:

  • إنها عملية لا تهدف إلى تكوين وتنمية معارف سياسية معينة عند الإنسان بل تهدف إلى تكوين وتنمية توجيهات سياسية تشتمل على قيم ومعقدات واتجاهات وعواطف سياسية بما يؤدي إلى أن يكون الفرد واعيا بالمواقف السياسية والقضايا القومية والعالمية والمحلية وبما يجعله قادرا على المشاركة بوعي وفعالية في حياة مجتمعه السياسية خاصة والاجتماعية عامة.
  • كما أنها لا تهدف إلى أن يكون عند الفرد ولاء للنظام الحاكم مبررا لتصرفاته بل هي عملية تهدف إلى تكوين عقلية ناقدة وقادرة على الحوار البناء وعلى العمل المؤدي إلى التغيير نحو الأفضل.
  • وبالتالي فهي لا تتحقق كما ينبغي في بيئة تنعدم فيها حرية الرأي والنقد والحوار، وتكون الحكومة دائما هي الوصية على الأفكار.
  • إنها عملية مستمرة مدى الحياة فلا تقتصر على مرحلة عمرية محددة أو مرحلة دراسية معينة ما دام الإنسان كائنا سياسيا يعيش في مجتمع كما أنها لا تنبغي أن تقتصر على فئة من المواطنين دون أخرى إذ أن السياسة مسألة تخص كل مواطن وهي خاصية الإنسان.
  • إن وسائل هذه العملية لا تقتصر على المدارسة أو الأسرة بل تشمل مؤسسات رسمية وغير رسمية مقصودة وغير مقصودة مثل الأحزاب والصحافة إلخ... كما أن أساليبها لا تقتصر على التلقين المباشر بل تشمل أساليب غير مباشرة مثل التلمذة والتعميم بالإضافة إلى التقليد والتعليم السياسي المباشر وتهيئة المواقف العملية والممارسات السياسية الفعلية التي يكتسب الإنسان عن طريقها الخبرات السياسية ويطور قدراته.
  • إن للتربية السياسية أصولا عقدية واجتماعية بالإضافة إلى الأصول السياسية وهي التي تشكل الثقافة السياسية بمحتوياتها أي تشكل القيم والمعتقدات الأساسية التي تصاغ من خلالها عواطف واتجاهات الفرد السياسية والتي تتحكم في نوع ودرجة مشاركة السياسية.

وينتج مما سبق أن للتربية السياسية ثلاثة أبعاد أساسية هي:

أ‌- بعد الأصول المشكلة للثقافة المباشرة وغير المباشرة.
ب‌- بعد الأهداف التي تؤدي إليه التربية السياسية وهي الذات السياسية والوعي السياسي والمشاركة السياسية.
ت‌- بعد المؤسسات والأساليب التي تعمل لتحقيقي تلك الأهداف.

وفيما بل سيتناول الباحث بشكل عام بعد الأهداف ثم بعد المؤسسات تمهيدا لدراسة هذه الأبعاد جميعا عند جماعة الإخوان المسلمين بالتفصيل.


ثانيا: أهداف التربية السياسية:

تبين أن التربية السياسية تهدف إلى تكوين وتنمية ذات سياسية ووعي سياسي كما تهدف إلى تكوين قدرات المشاركة السياسية لدى الفرد وإلى أن يكون هذا الفرد مشاركا سياسيا بشكل إيجابي وفي التحليلات التالية إجابة عن أسئلة تتحصل بشكل منطقي: ما الذات السياسية وما العوامل المؤثرة فيها؟ وما الوعي السياسي، وما أساليب تكوينه وما العوامل المؤثرة فيه وما المشاركة السياسية وما صورها؟

أ‌- الذات السياسية politcalself

الذات السياسية هي الهدف الأول والأساسي لعملية التربية السياسية، فلا يوجد وعي سياسي بدون محتوياتها كما أن نوع ودرجة المشاركة السياسية يتأثر بنوع الثقافة السياسية التي تكون محتوى الذات السياسية كما سيتبين فيما بعد.

معنى ومحتوى الذات السياسية:

ثمة تعريفات للذات السياسية فهي عند بعض الدارسين مجموعة الاستجابات الديناميكية المنظمة والدائمة والمنارة عادة بمنبه سياسي ومن ثم فهي تتضمن دوافع يمكن تحليلها إلى تجميعه من القيم والحاجات إدراكات وصيغ مضادة للتعليم وميول سلوكية.

وهناك تعريف أكثر وضوحا ودقة هو أن الذات أو الشخصية السياسية هي: مجموعة التوجيهات التي تتكون لدى الفرد نحو العالم السياسية وأنماط الولاء والتوجيهات الأيديولوجية والتقويمات نحو المسائل السائل السياسية وموقف الفرد من العالم السياسي وهذه الجوانب يكتسبها الفرد من خلال عملية التنشئة السياسية ويمكن أن تصاغ كما يلي:

العواطف السياسية الرئيسية:

حيث إن جوهر الذات السياسية هو مجموعة الانتماءات والولاءات السياسية التي يكونها الأفراد وهذه العواطف أو المشاعر السياسية قد تكون موجهة جامعة وطنية مثل القول: إنني مصري أو عربي أو إسلامي وقد تتضمن الارتباط ببعض الرموز السياسية مثل القول إنني ناصري أو اشتراكي أو إخواني.

وترتبط هذه العواطف السياسية بصورة عضوية بالمعتقدات والآراء الدينية.

المعارف والتقويمات: التي يطورها الفرد عن البناء السياسي وعملياته و تقيم الأدوار السياسية المختلفة وتقدير إنجازات الأحزاب السياسية المختلفة وتقدير إنجازات الأحزاب السياسية وفهم الحقوق والواجبات إلخ..

التوجيهات نحو مسائل سياسية متغيرة وتتخذ شكل استجابات للأحداث السياسية أي مواقف الأفراد ودارسة محتوى هذه الذات ومحتوى ثقافة سياسية ما بين أن عناصر الذات السياسية هي أساسا عناصر الثقافة السياسية تحولت عن طريق عمليات التنشئة السياسية من عناصر يحملها آخرون خارج الذات إلى عناصر داخل ذات الإنسان بحيث يتكيف عقلا ومشاعر واتجاهات حسب محتوى هذه الثقافة فالذات السياسية هي مجموعة ثلاثة عناصر هي:

- القيم والمعتقدات الأساسية ذات المدلول السياسي المباشر وغير المباشر.
- والعواطف والاتجاهات والميول السلوكية ذات المنحى السياسي.
- المعارف والمدركات والتقويمات السياسية.

وليس من الضروري أن تكتسب تلك العناصر وفقا لنظام محدد كما أنه لا تنطوي جميعا على أهمية واحدة فقد تكون المعرفة أسبق من تكوين القيم أو الاتجاهات وقد يحدث العكس حين تستخدم المعرفة في تدعيم قيمة أو اتجاه قائم بالفعل وفي الوقت ذاته فإن المعرفة تتأثر بكل من القيم والاتجاهات كما أن الاتجاهات وثيقة الصلة بالقيم أو المعتقد السياسي فقد يلعب هذا المعتقد لدى الفرد دورا حاسما في تحديد استجاباته للمثيراث السياسية وفي تكوين اتجاهاته الخاصة وآرائه أي أن هناك تغذية عكسية بين العناصر الثلاثة التي يمكن أن نفرق بينها إلا أن بينها جميعا علاقة وثيقة مترابطة .

وتتكون الذات السياسية عن طريق أساليب التنشئة أو التربية السياسية ذاتها التي سبق ذكرها كما أن هناك ثلاث عوامل رئيسية أخرى تسهم في تطوير الذات السياسية وهي :

  • النظام السياسي من حيث الشكل والوظائف حيث يقوم بدور هام في تحديد التوجيهات السياسية لدى الفرد .
  • أنماط الخبرات والعلاقات التي يكونها الفرد مع الأفراد والجماعات الأخرى.
  • القدرات والمهارات الخاصة.

فالذات السياسية تتطور نتيجة للتفاعل بين العوامل الثلاثة السابقة.


(ت‌) معنى الوعي السياسي:

1- معنى الوعي السياسي:

هناك تعريفات كثيرة للوعي السياسي فيعرفه petter بأنه تلك الأنماط من المعارف والاتجاهات والقيم التي تشكل الثقافة السياسية للأفراد من حيث ارتباطها بالسلطة السياسية وهذا التعريف يساوي بين الوعي والثقافة ويقصد به آخرون ما لدى الأفراد من معارف سياسية على المستوى المحلي أو العالي نتيجة الثقافة السياسية التي حصل عليها المواطنون داخل المجتمع والتي تعد مؤشرا جيدا على التخلف أو التقدم السياسي من حيث إدراك المواطنين لدورهم في صنع القرارات ومدى ظهور فكرة المواطنة المسئولة responsible citizenship ولا شك أن الوعي هنا هو نوع من المعرفة أو المعلومات وهو ما نجده في تعريف الخميسي حيث يحدد الوعي السياسي بأنه ما يوجد لدى الفرد من معارف سياسية بالقضايا والمؤسسات والقيادات السياسية على المستوى المحلي والقومي والدولي.

ولكن هل الوعي السياسي هو معرفة أو معلومات سياسية فقط بدون ارتباط بسلوك الفرد ودون هدف؟

يرى الدكتور شريعتي أن الوعي يتجلى في صورة إيماني وأيديولوجية وسلوك لطالب المبادئ يجاهد في أن يدفع الإنسان الفرد والمجتمع مما هو موجود عليه إلى ما ينبغي أن يكون وهدفه المباشر ليس الراحة أو السيطرة على الطبيعة بل هدفه المباشر الحركة والكمال والقوة الروحية للإنسان حتى يصير خالقا لنفسه ومجتمعه وتاريخه وعالمه.

والإنسان الواعي عند شريعتي هو الذي يمتلك رؤية أيديولوجية ناقدة وإحساس بالارتباط بمجتمع ما ومعرفة وضع الجماعة والإحساس بالمسئولية الفردية في مواجهة قضاياها والتميز بضمير اجتماعي والاشتراك في مسيرة مجتمعه وكدحه إنه الإنسان الذي يدري أين هو؟ وهو على معرفة واضحة بوعيه وقادر على إدراك أوضاع العصر والمجتمع الذي يعيش فيه وتحليلها منطقيا وهذا تعريف سديد للوعي السياسي حيث يراعى مفهوم السياسة كاهتمام بشئون الأمة كلها وباعتبارها عملا مغيرا نحو الأفضل كما أنه يتلاءم مع مجتمع يدرك تخلفه ويريد النهوض.

ويقترب من هذا التعريف تحليل باولوفرايري فهو يرى أن الوعي هو الإدراك الناقد والرؤية الحقيقية للواقع وفهم العالم الذي يعيش فيه الإنسان وتسميته والعمل لتغييره فالوعي أداة نقدية يكتشف بها المقهورون حقيقة أنفسهم وحقيقة قاهرهم ومتى أدرك هؤلاء حقيقة الاضطهاد وعرفوا أنه مجرد عقبة يمكن تجاوزها كان ذلك بداية عملهم في التحرر فالإدراك وحده لا يكفي لتحقيق الحرية فلابد أن يصبح قوة فعلية تحرك عملية النضال.

فالوعي السياسي حسب التعريفين السابقين يشتمل على:

- رؤية شاملة.
- إدراك ناقد.
- إحساس بالمسئولية.
- رغبة في التغيير

لتحقيق التحرر أو لمواجهة قضايا المجتمع.

ويمكن صياغة تعريف للوعي السياسي يشتمل على هذه العناصر هكذا: هو الرؤية الشاملة بما تتضمنه من معارف سياسية وقيم واتجاهات سياسية التي تتيح للإنسان أن يدرك أوضاع مجتمعه ومشكلاته ويحللها ويحكم عليها ويحدد موقفه منها والتي تدفعه للتحرك من أجل تغييرها أو تطويرها.

ويأخذ هذا التعريف في الاعتبار مفهوم السياسة عند الإخوان المسلمين.


2- كيف يتحصل الوعي السياسي؟

يمكن أن يتحقق الوعي السياسي بطريقة أو أكثر مما يلي:

- التوجيه السياسي المباشر من خلال قنوات رسمية وغير رسمية عن طريق بيانات سياسية وعمليات وجيه وتلقين سياسي مباشر يقوم بها المفكرون والقادة السياسيون.
- الخبرة السياسية المكتسبة من خلال المشاركة السياسية
- الوعي الناتج عن التعليم الذاتي كقراءة الصحف والكتب السياسية ومتابعة الأحداث والتطورات السياسية.
- الوعي الناتج عن الحوار الانتقادي الذي أكده فرايري حيث رأى أنه أسلوب المواجهة الأساسية بين الرجال وعالمهم وأوضاعهم الذي يغيرون به عالمهم.
- بالإضافة إلى الوعي السياسي المتحصل نتيجة لأسلوبي التلمذة والتعميم فجميع هذه الطرق تؤدي إلى أن يحصل الإنسان الوعي السياسي غير أن أيديولوجية الفرد أو الجماعة تفضل أحدها على الآخر.


3- العوامل التي تؤثر في الوعي السياسي:

هناك عوامل عديدة تؤثر في الوعي السياسي ولعل من أهمها:

- نوع الثقافة السياسية التي ينشأ عليها الفرد أو بمعنى آخر طبيعة الذات السياسية التي تتكون لديه وحسب تصنيف فيرباverb وزميله هناك ثلاث أنماط للثقافة السياسية تؤثر في نوعية الوعي السياسي وهي النمط المشارك والنمط التابع والنمط المحدود.
- فالثقافة السياسية المشاركة تؤدي إلى أن تكون اتجاهات المواطنين نحو الموضوعات السياسية إيجابية ويوصف الوعي السياسي المتأثر بها بأنه مشارك.
- والثقافة السياسية التابعة تؤدي إلى أن يكون المواطنون متأثرين فقط بالنسق السياسي دون تأثير ويوصف الوعي السياسي الناتج عنها بأنه تابع أو سلبي.
- والثقافة السياسية المحدودة تؤدي إلى وعي سياسي محدود إذا لم يجد الفرد أية علاقة بينه وبين العالم السياسي وليست عنده معلومات كافية عنه.

وعلى هذا فإن عوامل التنشئة السياسية في المجتمعات هي المسئولة عن تحقق أي نوع من الأنواع السابقة.

الثورات والتغيرات الثقافية التي تنتج عنها في مجتمعها فالثورة توجد مجموعة من القيم والتصورات والمدركات الجديدة التي تؤثر في الوعي السياسي لدى أفراد مجتمعها مثل الثورة البلشفية في روسيا 1917 والثورة الثقافية في الصين والثورة الإسلامية في إيران 1979 وأيضا فإن أحداثا كبرى مثل هزيمة عسكرية أو احتلال عسكري تؤدي إلى تغيرات سياسية في نظم المجتمع وتغيرات ثقافية مما يؤدي إلى تغيير في الوعي السياسي للمواطن.

القدرات والمهارات الخاصة التي تتمتع بها الفرد وكذلك مستوى تعليمه فالفرد الأكثر تعليما يكون أكثر إلماما بالمعلومات السياسية المكونة للوعي السياسي بل هناك فرق في درجة الوعي السياسي بين خريجي المدارس الثانوية والإعدادية وخريجي الثانوية والجامعات لصالح المرحلة الأعلى .

وجود زعيم سياسي أو عدد من الزعماء السياسيين النابغين في فترة أزمة تاريخية قادرين على التوجيه السياسي لجمهور الناس.


ث‌- المشاركة السياسية: political partiecipation

1- مفهوم وطبيعة المشاركة السياسية:

- تمثل المشاركة السياسية موضوعا للبحث في عدة علوم فهي تدرس في العلوم السياسية وفي علم الاجتماع السياسي كما أنها هدف من أهداف التربية السياسية ومن ثم تعددت تعريفاتها ففي العالم السياسية تعرف بأنها اشتراك المواطنين بصورة منظمة في صنع القرارات السياسية اشتراكا اختياريا وفعليا قائما على الشعور بالمسئولية تجاه الأهداف الاجتماعية العامة وفي إطار من الشعور بحرية الفكر وحرية العمل وحرية التعبير عن الرأي.

ومن ذلك تعريف مايرون وينر mayronweiner بأنها نشاط اختياري يستهدف التأثير في اختيار السياسية العامة أو اختيار القادة السياسيين على المستوى المحلي والقومي سواء كان هذا النشاط ناجحا أو غير ناجح منظما أو غير منظم مستمرا أو مؤقتا.

وفي الأدب الاجتماعي السياسي ثمة تعريفات متعددة فتعرف بأنها إسهام أو انشغال المواطن بالمسائل السياسية داخل نطاق مجتمعه بالتأييد أو بالرفض بالتظاهر أو بالمقاومة وما إلى ذلك ويعرفها. د. كمال المنوفي بأنها حرص الفرد على أن يكون له دور إيجابي في الحياة السياسية من خلال المزاولة الإدارية لحق التصويت أو الترشيح للهيئات المنتخبة أو مناقشة القضايا السياسية مع الآخرين أو بالانضمام إلى المنظمات الوسيطة. ويضيف في تعريف إجرائي أخر بأنها تعني مشاركة المواطن في تقرير أمور المجتمع الذي ينتمي إليه عن طريق بجانب ما سبق العمل على مواجهة المشاكل التي تهم الأهالي ككل والمساهمة في مشاريع الجهود الذاتية.

وثمة تعريف جامع للمشاركة السياسية فهي: العملية التي تؤدي من خلالها دورا في الحياة السياسية لمجتمعه وتكون لديه الفرصة بأن يسهم في وضع الأهداف العامة لذلك المجتمع وتحديد أفضل الوسائل لإنجازها وذلك من خلال نشاطات سياسية مباشرة: كأن يقوم بترشيح نفسه للانتخابات أو مناقشة القضايا العامة أو الاشتراك في الحملات السياسية أو من خلال نشاطات سياسية غير مباشرة كأن يقتصر الفرد على مجرد قراءة الصحف السياسية والمعرفة ليقف على المسائل العامة أو الانتساب عضوا في بعض الهيئات التطوعية.

وقد توصل الخميسي من خلال تحليله لبعض تعريفات المشاركة السياسية إلى أنها تعني:

1- حرص الفرد على أن يكون له دور سياسي نشط ولهذا الدور أوجه عديدة.
2- يتميز هذا الدور بالإرادية.
3- وقد يأخذ شكلا رسميا مثل الانتماء إلى حزب سياسي وقد يأخذ شكلا تغيريا غير رسمي مثل المظاهرات الجماعية.
4- وقد يقتصر هذا الدور على المستوى المحلي الضيق وقد يمتد للمستوى القومي وقد يشمل المستويين معا.

ويضيف الباحث أن هذا الدور يهدف إلى التأثير على القرارات السياسية في الدولة أو يهدف إلى مواجهة المشكلات الاجتماعية العامة.

ويرى الباحث أن تعريف المنوفي وجلبي والخميسي يمثلون معا تعريف أمثل وأحق بالاعتماد.


2- أهمية المشاركة السياسية:

تبدو أهمية المشاركة السياسية إذ نظرنا إلى الاعتبارات التالية:

- إن النمو الديمقراطي بصورته الصحيحة يتوقف بدرجة كبيرة على مدى اشتراك أفراد المجتمع بفاعلية في تحديد وتحقيق الأهداف السياسية أي على إتاحة فرصة المشاركة أمامهم وجعلها حقوقا يتمتع بها كل مواطن دون تفرقه.
- كما أنها تؤدي إلى تكوين معارضة قوية تقف ضد الانفراد بالسلطة.
- المشاركة السياسية وسيلة أساسية لتعميق الشعور بالمسئولية لدى الحاكم والمحكوم ووسيلة لدعم الحكم الجماعي.

وهي وسيلة لإحساس المشاركين بالكرامة وقيمهم الخاصة.

وهي تنبه المشاركين إلى حقوقهم وواجباتهم وتوسع من نطاق الوعي السياسي عن طريق الخبرات والاستبصارات السياسية الناتجة عنها أي أن المشاركة السياسية هي في ذاتها وسيلة للتربية السياسية أيضا.


3- العوامل المؤثرة في المشاركة السياسية:

تختلف صورة ودرجات المشاركة السياسية كما سيأتي طبقا لعوامل كثيرة إذ أنها تحتاج من الفرد أن يتخذ ثلاثة قرارات:

1- هل أعمل بالسياسة أم لا؟
2- في أي الاتجاهات أعمل؟
3- وما درجة الاشتراك في العمل السياسي وقتيا – دائما- معتدلا- ثوريا؟

والإجابة عن هذه الأسئلة تحددها عدة عوامل تؤثر في عملية المشاركة السياسية وهي :

العقيدة الدينية التي يؤمن بها الفرد وكمثال فإن الإسلام يدفع المؤمن به إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونقد ومراقبة الحكام وإلخ. وهذا داخلي للمشاركة السياسية كما أن نوع الفرد ذكر أو أنثى يؤثر بدرجة كبيرة على المشاركة السياسية في بعض المجتمعات وأيضا مستوى التعليم وذلك فيما اصطلح عليه بالعوامل الاجتماعية.
نمط الثقافة السياسية السائد: أو نمط القيم والمعتقدات السائدة عن النشاط السياسي فقد تكن الثقافة السياسية من النمط المشارك مما يدفع صاحبها إلى المشاركة الإيجابية وقد تكون ثقافية سياسية تؤدي بصاحبها إلى التبلد السياسي مثل الثقافة التي تمثلها كثير من الأمثال الشعبية في القرية المصرية مثل إذا كان رئيسك طور حش وارميله، وأبعد عن الشر وعني له (نأكل القوت وننتظر الموت) وغيرها.
طبيعة البيئة السياسية: ففي مجتمع يتصف بسيادة القانون والحريات السياسية ويقوم نظامه السياسي على أساس تعدد الأحزاب ويعترف بحق الجماهير في النقد والمشاركة إلخ.. تتاح الفرص الكثيرة للأفراد ليمارسوا حقهم في المشاركة كما أن وجود الأحزاب وتنوعها يضمن وجود معارضة منظمة ذات مؤسسات يتم من خلالها ممارسة المشاركة السياسية واتخاذ القرارات أي أن أيديولوجية المجتمع السياسي ونظامه السياسي يؤثر بدرجة كبيرة على مشاركة المواطنين.


العوامل الذاتية:

أ‌- يتوقف المدى الذي يشترك به المواطن في العمل السياسي على اهتماماته بالدرجة الأولى أي على ما لديه من دوافع للمشاركة السياسية وقد تتحصل الدوافع الإيجابية التي تؤدي على الفعالية السياسية عن طريق:

- وسائل الاتصال السياسي كقراءة الصحف والمناقشات غير الرسمية.
- الدعاية السياسية ومحاولات تغيير الاتجاهات قد تدفع الناس إلى الانغماس في المشاركة.
- شعور الفرد بأن المشاركة السياسية واجب وبالتالي تكون ميلا للسياسة مما يؤدي عادة إلى تنمية الفرد لمعارفه السياسية والإسهام في المفاضلات السياسية التي قد تدفعه إلى الانضمام لحزب أو جماعة سياسية أو ترشح نفسه في الانتخابات.

ب‌- كما تتوقف المشاركة السياسية على ما لدى الفرد من مهارات وقدرات لازمة لهذه العملية مثل القدرة على تحمل المسئولية واتخاذ القرارات والقدرة على الاختيار والوعي السياسي الناقد والاتجاه نحو خدمة البيئة والرغبة في حل مشكلاتها

ت‌- وثقة الفرد في قدرته على التأثير في القرارات الحكومية يمثل دافعا نفسيا للمشاركة.

وبدراسات العوامل المؤثرة في المشاركة السياسية يتبين أنها باستثناء رقم 3 يتحكم في توجيهها وجهة معينة عملية التربية والتنشئة السياسية في المجتمع ومن ثم يتضح أهمية التربية السياسية في دفع الأفراد للمشاركة الإيجابية في الحياة السياسية بتمنية الاتجاهات والقدرات اللازمة لرفع مستوى المشاركة بين المواطنين ليقوموا بدورهم في الحياة السياسية:

  • التصويت أو الترشيح في الانتخابات وإنما قد تتخذ أيضا صورا منها.
  • على القضايا السياسية العامة عن طريق متابعة الأخبار السياسية الداخلية والخارجية من وسائل الإعلام والندوات والمؤتمرات وأحاديث الناس.
  • الاشتراك في الحملات السياسية مثل حملات توعية الأهالي بنواحي سياسية كحثهم على الاهتمام بالانتخابات أو الدعوة لاتجاه سياسي بعينه.
  • الاشتراك في إضرابات أو مظاهرات سياسية بهدف التأثير على القرار السياسي.
  • الاشتراك في مناقشات سياسية مع آخرين.
  • الإسهام بدور فعال في مشروعات تحسين البيئة وخدمة المجتمع بالجهود الذاتية.
  • الانضمام لحزب سياسي أو جماعة ضغط سياسية بصورة نشطة أو عادية.

وهذه الصورة تدل على الرغبة في الاتصاف بالقوة التي عن طريقها يمكن التأثير على السياسية العامة.


درجات المشاركة السياسية:

قد تكون مشاركة الفرد منخفضة مثل أن يطيع الفرد القوانين أيا كانت دون معارضة وقد تكون مرتفعة مثل أن يشترك في حملات سياسية أو مظاهرات عامة ويصنف بعض الدارسين الناس حسب درجة مشاركتهم السياسية إلى:

مجموعة المصوتين: وهم أصحاب النشاط السياسي الذين ينشغلون بصورة أو أكثر من صور المشاركة الفعالة.
مجموعة المفكرين: المهتمين بالبحث عن المعلومات السياسية ويتقدمون بالأصوات.
مجموعة غير المكترثين: الذين لا يشاركون أبدا في أي نشاط سياسي.

ولعل أدق تصنيف لدرجات المشاركة هو الذي يقسم الناس من حيث المشاركة السياسية أو عدمها إلى:

  • المشاركون أو أصحاب الفعالية السياسية وهذا هو الجانب الإيجابي للمشاركة ويتمثل في ممارسة صورة أو أكثر من الصور السابقة.
  • غير المشاركين سياسيا وهو الجانب السلبي وليسوا على درجة واحد بل يمكن التمييز بين مجموعتين:
المجموعة الأولى: الذين لا يسعون إلى المشاركة كالذين اعتادوا على عدم ممارسة حقهم في التصويت مثلا ويزداد عدم السعي هذا عند بعض رجال الدين ذوي الفهم الضيق وبين هؤلاء الذين يعتبون السلبية السياسية قيمة مثل النساء في بعض المجتمعات.
المجموعة الثانية: الذين يحتقرون السياسة، وقد يتخذ احتقار السياسة صورة من ثلاث:
1- اللامبالاة السياسية: أي عدم الاهتمام بكل ما يحدث في المجتمع عمومأن أو في بعض قطاعات ويترتب عليها الامتثال لكل ما يأتي من قبل السلطة وقد تحدث نتيجة لعدم قدرة الفرد على تحمل المسئولية أو نتيجة للشعور بالخوف وعدم الأمن.
2- الشك السياسي: أي عدم الثقة في أحوال وأقوال السياسيين والشعور بأن العمل السياسي عمل رديء
3- الاغتراب السياسي: أي شعور الفرد بالغربة عن حكومته ونظام مجتمعه السياسي القائم والاعتقاد بأن الحكومة وسياستها يسيرها آخرون لصالح آخرين طبقا لقواعد غير عادلة وشعوره بأن السلطة لا يعنيها أمره ولا قيمة له فيفقد أهدافه وحماسه ودافعيته على المشاركة.

وهذه الدرجات جميعا تتأثر بعوامل التنشئة والتربية السياسية التي تمثل عاملا فعالا في نقل الأفراد من حالات السلبية إلى حالة المشاركة الفعالة بما تقدمه من عناصر ثقافية سياسية مشاركة وهذا هو الدور الكبير لعملية التربية السياسية التي يمكن أن تحرر كثيرين لكي يشاركوا بنشاط مما يؤدي إلى حيوية وتطور المجتمع.

ثالثا: مؤسسات التربية السياسية:

تشتمل مؤسسات التربية السياسية على ما هو رسمي ومقصود وما هو غير رسمي وتعتبر الأسرة والمدرسة والأحزاب السياسية ووسائل الإعلام بأنواعها أهم وسائل التربية السياسية ويعرض هذا المطلب بإيجاز للدور الذي تؤديه هذه المؤسسات في التربية السياسية فيما يلي:

أ‌- الأسرة:

وتعتبر الأسرة أولى هيئات التنشئة السياسية وأهمها خلال مرحلة الطفولة، حيث تقوم بدور أساسي فيها وأبرز أثر لها يتضح في تكوين انتماءات وولاءات الأبناء السياسية الأساسية وفي تحديد معالم الشخصية الأساسية على نحو يسهم بعد ذلك في تنمية توجيهات الأبناء السياسية وتطوير وعيهم وتفكيرهم السياسي.

وتقوم الأسرة أيضا بإنماء بعض المفاهيم السياسية مثل مفهم السلطة الذي يقوم بعد ذلك بدور في تشكيل الوعي السياسي للمواطن بل إن خبرات الفرد من تعامله مع السلطة الأبوية تحدد جزئيا أسلوب تعامله مع السلطة الحكومية فيما بعد وبعض النظم السياسية تعتبر الأسرة أداة أساسية لنقل القيم السياسية من جيل إلى جيل بينما يعتبرها نظم أخرى عقبة في سبيل التغيير الثقافي فيعمد إلى حصر دورها التربوي في أضيق الحدود.

وفي البلدان العربية يثبت بعض الدراسات أن الأسرة تؤدي دورا غير مباشر في عملية التنشئة السياسية إذ بتأثير أساليبها التربوية ومعايرها في الثواب والعقاب ونمط السلطة فيها وأسلوبها في اتخاذ القرار تتكون لدى الفرد مجموعة من الاستعدادات والتصورات تحدد مع عوامل أخرى اتجاهاته وسلوكياته السياسية وتثبت نفس الدراسة أن نمط التنشئة في الأسرة العربية أبعد ما يكون عن تكريس نسق القيم الدافعة إلى المشاركة والحرية والمواطنة المسئولة إلخ ويركز ليونارد بايندر على الأهمية الفائقة للأسرة في المجتمع المصري بوصفها الأداة الأولية للتنشئة السياسية وتثبت نفس الدراسة أن نمط التنشئة يرى أن مفتاح فهم الاتجاهات السياسية السائدة لدى المصريين يكمن في تباين أدوار الأب والأم داخل الأسرة.. إلخ.


ب‌- المدرسة:

للمدرسة تأثير كبير في التربية السياسية للناشئة وهي تقوم بهذا الدور عن طرق:

أولا: التثقيف السياسي: وذلك من خلال مقررات معينة كالتربية الوطنية والتاريخ والقراءة والمحفوظات في مصر مثل وفي روسيا تستخدم مناهج التاريخ من أجل التلقين السياسي أو تعليم أيديولوجية سياسية ودعمها بجانب مواد مثل أسس المعرفة السياسية و الاقتصادية السياسية.
ثانيا: طبيعة النظام المدرسي: حيث يلعب الجو العام في المدرسة بنظامها دورا كبيرا في تشكيل إحساس التلاميذ بالفاعلية الشخصية وتحديد نظرتهم تجاه البناء السياسي القائم وذلك بتأثير كل من :
1- نوعية المدرس: فكلما كان ضالعا ف مادته قريبا إلى أفئدة طلابه ومؤمنا بالأيديولوجية السائدة ملتزما بها في تصرفاته كان أكثر مقدرة على غرسها في عقول تلامذته.
2- علاقة المعلم بالتلاميذ: قد تكون هذه العلاقة من طبيعة تسلطية بحيث لا يجرؤ التلميذ على مناقشة المدرس أو مخالفته في الرأي وهذا من شأنه أن يعوق نمو الاستعداد للحوار وسماع الرأي الآخر عند التلميذ ويمكن أن يحدث العكس في حالة ديمقراطية العلاقة بين المدرس وتلامذته:
3- التنظيمات المدرسية: مثل الاتحادات والأسر الطلابية والجمعيات ويتوقف نمو إحساس التلاميذ بالاقتدار الذاتي والانتماء الجماعي على مدى توافر مثل هذه التنظيمات الطلابية ودرجة مساهمة الطلاب فيها.

وتعترف كافة الأنظمة السياسية بأهمية دور المدرسة في التربية السياسية ففي روسيا تعتبر أداة أساسية للتربية السياسية وصوغ النظام التعليمي هناك بما يحقق هدف الأيديولوجية الشيوعية.

كما تقوم المدرسة في المجتمع الرأسمالي بدور في التربية السياسية بطريقة مباشرة كدراسة المواد القومية إجباريا في كل المدارس الحكومية في أمريكا أو بطرق غير مباشرة.

وفي مصر يرى د. سليمان نسيم أن المدرسة تعتبر وسطا للتربية السياسية إلا أنها لم تحقق لتلاميذها تربية سياسية صحيحة عن طريق الممارسة الديمقراطية الحقة


ث‌- الأحزاب والجماعات السياسية الضاغطة:

تقوم الأحزاب السياسية وخصوصا في الدول النامية بدور كبير في خلق وتغيير الثقافة السياسية فالحزب يصبح أكبر من أداة انتخابية أو تجميع يعبر عن موقف سياسي لطائفة من الناس إذ يقوم بدور هائل في التربية السياسية فقيام الأحزاب في مجتمع هو مجال التربية السياسية الحقة.

وتقوم الأحزاب السياسية والجماعات السياسية الضاغطة إلى حد ما بدورها في التربية السياسية عن طريق:

أولا: التثقيف السياسي السليم: وذلك عن طريق عقد الاجتماعات والمؤتمرات والحفلات وتنظيم برامج للتدريب السياسي وتعليم التاريخ القومي ونشر البرامج والآراء السياسية في صحفه ومنشوراته فالأحزاب تعتبر مؤسسات تعليمية تقدم للشعب معلومات سياسية واقتصادية واجتماعية متنوعة وبطريقة مبسطة توقظ فيه الوعي السياسي كما أنها تعمل على تعبئة الشعب خلف آراء سياسية وأهداف وبرامج معينة عن طريق التوعية السياسية فالحزب أداة لإحداث التغيير في الاتجاهات السياسية والسلوكيات داخل المجتمع.

ثانيا: إتاحة الفرصة للمشاركة السياسية المنظمة وبصورة أكثر دواما يقرر هنتنجتون أن الوسيلة المؤسسية الرئيسية لتنظيم اتساع المشاركة السياسية هي الأحزاب السياسية فهي تقدم الإطار الأكثر أهمية وملائمة لتحقيق المشاركة السياسية وتؤدي هذه المشاركة إما إلى تعزيز القيم السائدة وإما إلى غرس قيم جديدة ويمكن أن ينمي ظهور الأحزاب لدى الأفراد الرغبة في ممارسة السياسة والمشاركة فيها إذا توفر لديهم التوقع أو الطموح بأن تلك المشاركة سوف تكون منوط بقدراتهم ومهاراتهم.

ثالثا: تعتبر الحياة الحزبية مجالا لإعداد وتدريب الأفراد على اتخاذ القرارات والتفكير المستقل في المسائل العامة، والقدرة على النقد والاختيار وهي قدرات أساسية للمشاركة الناضجة ويقرر شفيق غربال أن تنمية ملكة الحكم والاختيار في المواطن تتم عن طريق تنظيم الجماعات السياسة وغير السياسة كالنقابات وبانتماء الفرد إليها وبنشاطها المحدد المعين يتدرب على العمل السياسي ويقوي نفوذه ويقل أثر التحكم فيه ويتكون رجال السياسية التكوين الفعال.

غير أن هذه القدرات لا تتحقق بدون حرية سياسية في المجتمع عامة وفي داخل الأحزاب نفسها فليس من الممكن أن تتوفر التربية السياسية بالمعنى المطلوب وحرية القول غير مكفولة فلا يمكن أن تتوفر هذه التربية في داخل الأحزاب إذا تحول العمل السياسي فيها إلى عمل ديماجوجي على مستوى الانفعال والعلاقات الشخصية من ناحية وتأكيد السيطرة الديكتاتورية من ناحية أخرى.


د. وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري:

الإعلام هو نشر للأخبار والحقائق والأفكار والآراء يتم التعبير عنها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في إطار موضوعي بعيد عن الهوى والغرض ومن خلال أدوات ووسائل محايدة بهدف إتاحة الفرصة للإنسان للوقوف على الأخبار والحقائق والأفكار والآراء ليكون قادرا على تكوين فكرة الخاص به الذي يمكنه من اتخاذ الموقف الذي يراه ملائما ووسائل الإعلام المؤثرة بقوة هي الإذاعة والتليفزيون والصحافة والسينما والمسرح والكتاب ومنابر المساجد والمؤسسات العلمية والثقافية والتعليمية والنوادي الأدبية وغير ذلك.

وقد أثبتت عدة دراسات أن دراسات أن وسائل الإعلام خاصة الراديو – الصحافة- التلفاز) تسهم بدور كبير في التنشئة التربية السياسية فقد سهل استخدام الوسائل الإعلامية إذاعة الأفكار والمبادئ والمعارف مما يجعل لها تأثيرا على اتجاهات الناس وأفكارهم وتزويدهم بالخيرات السياسية التي من خلالها يتشكل الرأي العام في المجتمع كما يؤدي إلى خلق إحساس لدى المتلقين بالمشاركة المباشرة في العملية السياسية وأيضا تسهم في تكوين قيمهم السياسية.

وتقوم وسائل الإعلام بوظيفتها السياسية في المجتمع عن طريق:

1- مراقبة البيئة الخارجية: ونقل الأخبار والمعلومات عن الأحداث الجارية ووضعها في بؤرة الاهتمام وهذه وظيفة سياسية إذ تحدد أي الأحداث سيتم تغطيتها إخباريا وأيها سيتم تجاهلها ومن هنا فإن وسائل الإعلام تؤثر في مجال تحديد ما الذي ستتاح له فرصة جيدة ليصير موضوعا للمناقشات السياسية وللعقل السياسي.
2- تفسير معنى الأحداث ووضعها في سياقها العام وتوقع نتائجها وهذا يؤثر على توجيه السلوك السياسي كرد فعل لهذه الأحداث
3- التنشئة السياسية ويقصد بها هنا عملية تشكيل الثقافة السياسية أو دعمها أو تغييرها وتعتبر وسائل الإعلام وكالات دولية للتنشئة السياسية من خلال ما تقدمه من حقائق وقيم ونماذج للسلوك ومعلومات عن طبيعة العالم السياسي إلخ ليس فقط عن طريق محتوى سياسي مباشر وإنما أيضا عن طريق محتوى إعلامي غير سياسي له وظيفة سياسية كامنة

والوظائف السابقة تؤديها كل وسائل الإعلام الجماهيرية إلا أن للصحافة اليومية والدورية خاصة دورا سياسيا خطيرا في الوسط المتعلم فهي تصل الرأي العام المتعلم بمشاكل البلد وتلقى الأضواء بالكلمة والصور والكاريكاتير والقصة وتصدر الملاحق الخاصة أحيانا وتعرض لمشكلات المجتمع وتحلل أسبابها وتضع وسائل العلاج مما يجعلها مدارس فكرية سياسية حتى قال بعض المفكرين ( إن تربية الرأي العام تحولت إلى الصحافة)

خلاصة عامة:

يخلص الباحث من التحليل السابق إلى تقرير الحقائق التالية:

1- إن للتربية السياسية في أي مجتمع أصولا عقدية واجتماعية وسياسية تحدد عناصر الثقافة السياسية فيه مباشرة أو بشكل غير مباشر.
2- وإن لها أهدفا ثلاث هي: الذات السياسية والوعي السياسي، والمشاركة السياسية وكل بعد منها يتأثر بالأصول السابقة.
3- وإن لها أساليب غير مباشرة مثل التعميم والتلمذة وأساليب مباشرة مثل التقليد والتعلم السياسي.
4- وإن لها مؤسسات تقوم بها منها الأسرة والمدرسة والأحزاب السياسية، والجماعات الضاغطة ووسائل الإعلام المختلفة.

المبحث الثاني: اتجاهات التربية السياسية في مصر منذ عصر إسماعيل (1863م- 879) حتى ظهور جماعة الإخوان المسلمين عام 1928م.

أولا:العوامل التي أثرت في الوعي السياسي والمشاركة السياسية في هذه الفترة:

هناك عوامل عديدة أثرت سلبا أو إيجابيا في التربية السياسية في مصر في هذه الفترة ويجمل الباحث أهمها فيما يلي:

1- ظهور مجموعة من الزعماء السياسيين:

وكانوا يمتلكون خصائص الزعامة القادرة على التوجيه والتأثير في الآخرين ويؤكد التاريخ السياسي للمجتمعات عموما أنه لا يمكن إحداث التغيير بدون زعامة قادرة وموهوبة فالزعامة ضرورة من ضرورات التغيير أو الثورة والزعيم السياسي هو من يمتلك رؤية أيديولوجية خاصة ونزعة قيادية تقود الجماهير في لحظة أزمة سواء مستعمر أجنبي أو حاكم ذي نزعة تسلطية أو هما معا وقد تخلقت في مصر هذه الفترة زعامات سياسية قادت حركة الجماهير فقد كان لجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والندم وعبد العزيز جاويش ومصطفى كامل والكواكبي من جهة وللطهطاوي ولطفي السيد وسعد زغلول من جهة أخرى من الفكر والوعي والمقدرة على التوجيه وتحريك الجماهير وامتلاكهم لمواهب في الخطابة والحديث والكتابة إلخ مما أدى إلى تطوير الوعي السياسي لدى الجماهيري وامتلاكهم لمواهب في الخطابة والحديث والكتابة إلخ مما أدى إلى تطوير الوعي السياسي لدى جمهرة من المصريين وما أدى إلى دفع كثيرين للمشاركة السياسية.


2- حركة صحفية قوية وحرة:

فحتى نهاية عصر إسماعيل (1879م) مثلا ظهرت في مصر أكثر من خمس عشرة صحيفة من أهمها الأهرام وروضة الأخبار والوطن والتجارة اللتان أنشئتا بتوجيه الأفغاني ثم صدرت العروة الوثيقة وأنشأ النديم على مراحل ثلاث صحف وأنشأ مصطفى كامل وحزبه صحيفة المدرسة واللواء ثم العلم والهداية ومعظم هذه الصحف كان يحمل توجها إسلاميا وطنيا ثم ظهر المؤيد وصحف موالية للغرب وأيديولوجيته مثل المقطم والمقتطف والجريدة ثم ظهر البلاغ والسياسة اليومية والسياسة الأسبوعية وصحف الوفد وتحمل هذه الصحف رؤية أيديولوجية ليبرالية.

وقامت هذه الصحف بدور سياسي مهم في جو من تناقض الاتجاهات والأحزاب مما يوفر حوارا سياسيا فعالا وقد ساعد ذلك على نمو الرأي العام المصري حيث كان من نتائج هذه الحركة الصحفية تنوير العقل المصري وإشعال الوجدان المصري نحو عمل سياسي تحرري وبصفة خاصة قامت صحافة الاتجاه الإصلاحي الديني الأفغاني- مصطفى كامل بغرس أصول الوعي السياسي في صميم المجتمع المصري وأخذ الروح الوطنية يختمر وينمو بين المثقفين. وينتقل إلى غيرهم في إطار الفكرة الإسلامية.


3- تشكل تنظيمات وأحزاب سياسية متعددة الاتجاهات:

فقد كان فيما بين عامي 1881، 1919 في مصر على فترات ثلاثة عشر حزبا سياسيا تعمل بحرية كبيرة نسبيا ويمتلك معظمها جريدة أو أكثر تعبر عن أيديولوجية وتناقش الأحداث من وجهة نظر الحزب وتدعو الشعب إلى أفكارها وتعمل على تغيير اتجاهاته السياسية فكانت وسيلة لتكن فكر سياسي لدى قرائها.

كما تشكلت جمعيات وتنظيمات سياسية ثورية أو إصلاحية مثل تنظيم العروة الوثقى برئاسة الأفغاني ونيابة محمد عبده والحزب الوطني الحر، وستأتي فكرة عن دور هذه التنظيمات في التربية السياسية فيما بعد.


4- الأحداث وما ارتبط بها من جهاد سياسي:

تشتمل هذه الفترة على ثورتين سياسيتين كبيرتين وعلى أحداث ذات مدلول سياسي وكل ذلك يعد مجالا حيويا لتربية الأمة المصرية سياسيا ولزيادة نضجها السياسي ويشير الباحث فقط إلى اثنين منها:

أ‌- إن الثورة العرابية بتطوراتها وبما قام به زعماؤها من عمليات تنظيم وتثقيف النديم خاصة وبما أسهم به تنظيمها الحزب الوطني الحر وما طبع من منشورات تهدف إلى التوعية السياسية كانت تحولا في الوعي السياسي المصري فقد كثر الحديث والخطب عن الحياة النيابية والحد من سلطان الحاكم ومراقبة تصرفاته وعن حقوق المصريين كما أدت إلى ثقة المصريين في أنفسهم وجهر زعماؤها بآراء جريئة في ميادين عامة.
ب‌- قامة ثورة 1919 بدور مهم في التربية للشعب المصري كما يلي بإيجاز :
1- أتاحت فرصا عديدة للمشاركة السياسية لجميع طوائف واتجاهات الشعب عن طريق الإضرابات والمظاهرات المنظمة وطبع وتوزيع المنشورات وتكوين لجان أهلية لحفظ النظام في المظاهرات ولحراسة القرى من الإنجليز وحملات جمع التوقيعات وحضور الاجتماعية السياسية في المساجد الكبرى لتتبع ومناقشة الأحداث والخطابة الموقظة للشعور السياسي الوطني وغير ذلك.
2- أتاحت فرصا لتطوير الوعي السياسي وانتشاره على مستوى شعبي ففي أثناء المظاهرات كانت تنشد الأناشيد الوطنية ذات المغزى السياسي بطريقة مؤثرة في المشاعر وقام سيد درويش وبيرم التونسي في غمار الثورة بتناول الموضوعات المعبرة عن واقع الناس في ألحانهما وأشعارهما.

كما أن الخطب السياسية وتدارس الأحداث في الاجتماعات وخطب العلماء والقساوسة ومقالات الصحف والمنشورات أثرت في الوعي السياسي وركزت عدة مفهومات سياسية غاية في الأهمية مثل الاستقلال هو الغاية – حب الوطن- الإحساس الشعبي بالمسئولية وأن الكفاح واجب ومفهوم الوحدة الوطنية.


5- الاحتلال الإنجليزي.

كان هذا الاحتلال عاملا مؤثرا في التربية السياسية للإنسان المصري فقد تكونت بفعل القهر الاستعماري للإنسان المصري روح وطنية وشعور سياسي عدائي للإنجليز يقول النديم: إن قلعة جيش الاحتلال بمصر ربى المصريين ونبههم على ما كانوا عنه غافلين فانبعثت فيهم روح الوطنية على اختلاف أديانهم وأجناسهم.

وقام الإنجليز بتكميم صحافة الثوار الوطنيين وتعطيل الحريات ومنع دخول جريدة العروة الوثقى إلى مصر 1884 إلخ وفي نفس الوقت شجعوا الصحف الموالية لهم مثل المقطم التي اعتبرت الإنجليز أكبر نعمة على مصر، واستخدمه الإنجليز وسيلة لإفساد الرأي العام وشجعوا التيار السياسي المتبنى لأيديولوجيتهم ودعموا جريدته حزب الأمة.

كل هذه العوامل أثرت على الوعي الإسلامي المصري والمشاعر السياسية للإنسان المصري في هذه الفترة ويمكن التميز بين اتجاهين في التربية السياسية في هذه الفترة وهما:

1- التيار الإصلاحي الديني وهو يمثل خط الأفغاني محمد عبده عبد الله النديم، الكواكبي مصطفى كامل، عبد العزيز جاويش، ورشيد رضا، ويمكن إدخال آخرين ضمن هذا التيار مثل محمد فريد وجدي والشيخ مصطفى صبري منذ إقامته في مصر.
2- التيار الليبرالي المتغرب الذي تعمق على يد أحمد لطفي السيد ومدرسة الجريدة وحزب الأمة، ثم حزب الوفد وما نشأ من أحزاب.

وسوف أتناول بإيجاز شديد أبعاد التربية السياسية عند هذين الاتجاهين.


ثانيا: التربية السياسية عند التيار الإصلاحي الديني:

كانت التربية بشكل عام والتربية السياسية خاصة هي الأساس لإحداث التغيير عند هذا التيار وسوف نتلمس فيما يلي عناصر التربية السياسية ووسائلها من بين كم كبير من آثار هذا التيار الفكرية.

محتوى الذات السياسية:

وهي تشتمل على عناصر الثقافة ذات المدلول التي عمل رواد هذا التيار على تكوينها وتنميها لدى الجمهور ويمكن إيجازها فيما يلي:


أ‌- القيم والمعتقدات الأساسية وهي:

1- الدين ضرورة وشرط لنهضة المجتمع

فقد رأوا أن الإسلام خاصة هو قوام اليقظة وبه فلاح الأمة وأن علة تأخير المسلمين هي الابتعاد عن أصول دينهم وأن هذا هو سبب جمودهم فلابد – يقول الأفغاني – من بعث القرآن وبث تعاليمه الصحيحة بين الجمهور وشرحها لهم وجهها الثابت من حيث يأخذ بهم إلى ما فيه سعادتهم دنيا وأخرى.

وقد رأوا أن المدينة الفاضلة لا تختلط بالعالم الإنساني إلا بالدين الإسلامي وبرهنوا على ذلك ببراهين عقلية ونقلية مثل أن الإسلام قد كفل الأركان التي تتم بها سعادة الأمم وهي:

  • صفاء العقول من كدر الخرافات مما يدفع العقل إلى الحركة الصحيحة.
  • المساواة بين الكل وأن لكل إنسان الحق في أية فضيلة والوصول إلى أية مرتبة ورفض التمييز إلا على أساس الكمال العقلي والنفسي لا غير.
  • أن تكون عقائد الأمة مبنية على البراهين القويمة والتحامي عن الظنون والأوهام والتقليد .
  • نشر التعليم وتنوير العقول.
  • الأمر بالمعروف ... إلخ..

وغير ذلك من البراهين التي قدمها الأفغاني ومحمد عبده وجاويش ورشيد رضا.


2- التحرر العقلي من قيود الجمود ووراثة التخلف:

فهم هذا التيار الديني – الإسلام- على أنه ليس عقيدة دينية فقط بل هو قانون اجتماعي وأنه هداية روحية، ورابطة اجتماعية سياسية. وقد فهموا الإسلام بعيدا عن الجمود السائد آنذاك فهم يرون أن الإسلام يقوم على التوحيد المبنى على الدليل والنظر العقلي وتقرير المسئولية الفردية والاجتهاد وتأكيد حرية العقل واستقلاله ورفض التقليد والجمود بل دعوة العقل للبحث والنظر والتأكيد على دراسة العلوم الكونية والسنن الاجتماعية وتأكيد أن الدين والعلم متآخيان وتقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض وفهم الدين على طريقة السلف قبل ظهور الخلاف والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعه الأولى وقد عمل هذا التيار على تصحيح كثير من المفهومات الدينية مثل القضاء والقدر والتوكل، بما يؤدي إلى القضاء على اليأس والجبرية والسكون.

وبدارسة هذا الأصل السابق يتبين أن دعوة هذا التيار تقوم على أساس ديني وأن الدين عنده صالح لإقامة المدنية وأنه يمثل سلفية تجديدية ترفض الجمود والتخلف والذوبان في الغرب.


3- الشورية والأمة مصدر السلطات ورفض الاستبداد:

ويمثل هذا الأصل في الفترة التي أعلن فيها مبدأ سياسيا ثوريا وهو يرتكز إلى الدين أيضا فيقرر الشيخ محمد عبده أنه ليس لأحد بعد الله ورسوله سلطان على عقيدة أحد ولا على إيمانه وليس لمسلم مهما كان على آخر مهما كان إلا حق الإرشاد وأن الخليفة ليس معصوما وأن الأمة هي التي تنصبه وهي صاحبة الحق في السيطرة عليه وخلعه متى رأت ذلك من مصلحتها ويتلخص هذا الأصل الذي كان محور حركة الأفغاني والنديم وجاويش والكواكبي الذين حاربوا الاستبداد بضراوة في:

- الأمة هي التي تختار الحاكم وهي مسئولة عن مراقبته وأن لها الحق في عزله
- الشورى واجبة
- ضرورة السعي للتخلص من الاستبداد وتحقيق الحرية والشورى وضرورة إقامة نظام نيابي دستوري.


4- الجامعة الإسلامية والوطنية معا:

يعني هذا الأصل عندهم أن تكون رابطة التجميع بين الشعوب العربية والإسلامية هي رابط الدين وأن تتوحد هذه الدول تحت راية واحدة إسلامية وليست عرقية أو عنصرية لمواجهة مطامع الدول الغربية وذلك بأن تقام في كل قطر من أقطار الأمة الإسلامية حكومة وإمامها القرآن وأساسها العدل والشورى واختيار خير الناس لتولي الأمور وأن ترتبط أجزاؤها بروابط محكمة ويكون لها مقصد واحد وكل ذي ملك على ملكه يسعى بجهده لحفظ الآخرين ما استطاع فإن حياته بحياتهم وبقاءه ببقائهم.

فهذا التيار يسلم بتعدد الحكومات الإسلامية في الأقطار الإسلامية ويستبعد قيام حكومة واحدة لجميع الأقطار العربية والإسلامية.

وقد رفض هذا التيار التخلف العثماني ودعا الكواكبي خاصة إلى إقامة خلافة إسلامية عربية كما دعا رشيد رضا إلى أن يكون مقر الخلافة منطقة وسطى بين العرب أصل الإسلام وبين الترك في الموصل مثلا إلا أنهم جميعا لم يعادوا الدول العثمانية.

وأكد رموز التيار خصوصية العرب كما أكد الشيخ محمد عبده ومصطفى كامل أن حب الوطن المصري والعمل لمصلحته وأداء الواجب نحوه إلخ، مفهوم يسير في إطار الجامعة الإسلامية دون تعارض ويقول مصطفى كامل ولكن أرى الدين والوطنية توأمان متلازمان وأن الرجل الذي يتمكن من الدين فؤاده يحب وطنه حبا صادقا ويفديه بروحه وما تملك يداه.


5- التحرر السياسي والاستقلال التام:

كان رواد هذا التيار حربا على الاستعمار بكل ألوانه مثل الامتيازات الأجنبية التي رأى فيها الأفغاني مصدر الشقاء ومنبع البلاد في الشرق وممالكه ويقرر هذا التيار أن أوربا عدو مناهض للشرق عامة والإسلام خاصة وعلى العالم الإسلامي أن يتحد ويذود عن كيانه ومن ثم كان من أهدافه تخليص البلاد من نفوذ أوروبا وخصوصا من نفوذ انجلترا وقد استند هذا عملوا لإخراج الإنجليز منها بطريق التنوير وبطريق التربية وتكوين رأي عام.

هذه هي المعتقدات الأساسية ذات المدلول السياسي التي تكون العنصر الأساسي في الذات السياسية لدى هذا الاتجاه والتي عملوا لتكونها وتنميتها في الجمهور المخاطب بهدف تشكيل عقولهم وعواطفهم وولاءاتهم السياسية لكي يسلكوا طبقا لها في المجتمع المصري.


ب‌- العواطف والولاءات السياسية:

نتج عن الإيمان بالمعتقدات السابقة مجموعة من العواطف والولاءات إذ من المقرر أن كل قيمة واعتقاد وفكرة في النفس تبعث على شعور واتجاه عاطفي وتمثل العواطف السياسية والاتجاهات التالية العنصر الثاني للذات السياسية عند هذا التيار:

1- الولاء للدين والرغبة في الحكم الإسلامي ورفض التبعية للغرب
2- الرغبة في – والاتجاه الإيجابي نحو الحكم الشوري النيابي وكراهية الاستبداد
3- التعاطف مع فكرة الجامعة الإسلامية والاتجاه إلى الوحدة على أساس الدين مع مشاعر حب الوطن والرغبة في رفعته.
4- الاتجاه الإيجابي نحو التحرر العقلي وكراهية الجمود والتخلف.
5- الكراهية الشديدة للاحتلال الأجنبي والرغبة في الاستقلال السياسي والاقتصادي.


ج‌- المعرفة السياسية والوعي السياسي:

قام رموز هذا التيار بعمليات توعية متنوعة عن طريق الكتب والصحف والخطب والدروس إلخ مضمنين ذلك معارف سياسية متنوعة تهد إلى تكوين وتنمية العنصرين السابقين وقد أدى ذلك إلى تكوين وعي سياسي يدور حول :

1- الوعي بحقائق الدين وأصوله وبشبهات أعدائه والتنبيه على الخرافات التي ليست منه.
2- الوعي ببعض مشكلات المجتمع المصري الفكري والسياسي والاجتماعي
3- الوعي بأساليب الاستعمار وتاريخه ووظائفه.
4- الوعي بتاريخ الإسلام وخاصة عصر الراشدين وبأسباب التخلف وبعوامل النهوض.
5- الوعي بقضية الحريات والشورى..إلخ..


د. المشاركة السياسية:

تنبه رواد هذا التيار إلى خطورة السلبية والتواكل والسكون أي عدم المشاركة السياسية ورأوا أنه لابد من تحريك عموم الناس بتحريك العقول وتحميس النفوس وفهم الإسلام بصورة صحيحة أي تربية رأي عام واع ومشارك وقد عملوا لذلك فعلا بوسائل التربية عندهم كما سيأتي وتنوعت صور المشاركة لديهم كما يلي:

1- إصدار وقراءة الصحف.
2- إلقاء الخطب السياسية والاستماع إليها.
3- عقد وحضور الاجتماعات السياسية.
4- العضوية في تنظيمات سياسية سرية وعلنية، وتكون الأحزاب والاشتراك في عضويتها.
5- الاشتراك في الإضرابات والمظاهرات وفي حملات تطوعية لمحو الأمية.
6- حملات جمع التوقيعات والتفويضات لتوكيل الزعماء ليتحدثوا نيابة عن الأمة ضد الحاكم المتسلط أو ضد الاحتلال.

هذه هي أهم صور المشاركة السياسية لدى هذا التيار وهي في ذاتها تتح لمن يمارسها أن يتحصل على خبرة سياسية واقعية وتمثل الهدف الثالث للتربية السياسية عنده.


وسائل التربية السياسية عند التيار الإصلاحي الديني:

يقول الشيخ محمد عبده ووسيلة تنبيه الرأي العام التعليم وخاصة التعليم الاجتماعي والصحافة النزيهة وتربية القادة في مجلس الشورى وأمثاله فيدرسون المسائل درسا وافيأن ويبدون الرأي في إخلاص وأمانة فيكون هذا كله درسا يقلد عند طبقات الشعب وقد اعتمد هذا التيار وسائل للتربية السياسية بعضها يقوم على التلقين السياسي المباشر وبعضها يقوم على الاشتراك في عمل تنظيمي ويعرض لها الباحث في إيجاز كما يلي:

1- كان الأفغاني يلقى في منزله دروسا في المنطق والفلسفة والوحيد يهدف منها إلى التنوير وتعليم الحرية في البحث وتحريك العقل للتفكير والتخلص من الجمود السائد وإيجاد شخصيات تبحث وتنقد وتحكم كما كانت له دروس وأحاديث عامة حيث تجمعات الناس في المناسبات وفي قهوة البوستة يبين فيها حقوق الأمة وواجباتها ويشرح فيها حالتها.
2- وكانت الخطابة السياسية من أهم وسائل التوعية السياسية الفعالة وقد استطاع النديم عن طريقها أن ينقل موضوعات الشورى والحرية والدستورية ومسئولية الحاكم إلى العامة ومما أيقظ شعورا سياسيا عام في الشعب وعرفه بحقوقه وكان يخطب في المدن والأقاليم والأزهر والجنود وحفلات الزواج .... إلخ..
3- واستطاع النديم أن يكون من تلاميذه المدرسة التي أنشأها وكان يعلم فيها الخطابة والإنشاء ويدربهم على الخطابة مجموعة منهم وكان يقدمهم في المحافل ليتحدثوا عن حقوق الإنسان فخرج بذلك نخبة يعرفون حقوقهم ويحسنون القول.
4- واعتمد عليها مصطفى كامل اعتمادا رئيسيا في توعية الرأي العام سياسيا ودفعه إلى المشاركة في الأعمال الوطنية.


أ‌- التلقين السياسي عن طريق الصحافة

إن هذا التيار قد أدرك مبكرا أهمية الصحافة في تنبيه و تبصير الرأي العام بما يدور حوله فأولوها اهتماما تاما كوسيلة للكفاح السياسي :

1- فوجه جمال الدين بعض تلامذته إلى إنشاء صحف مثل الوطني التجارة تختار الموضوعات التي تمس حياة الأمة في صميمها ثم أصدر تنظيم العروة الوثقى جريدته (العروة الوثقى) بهدف (تنبيه الضعفاء إلى ما يريده الأقوياء بهم وشرح الأسباب التي أدت إلى ضعف الضعفاء وقوة الأقوياء تنبيها للغافل وتذكيرا للذاهل فهي تهد إلى التوعية السياسية ويرى أحمد أمين أنها نجحت في إيقاظ كثيرين وتبصيرهم بخطورة الاحتلال وضرورة الاستقلال ..إلخ.
2- وأنشأ النديم (التنكيت والتبكيت) (اللطائف) ثم (الأستاذ) واستخدم فيها أسلوبا سهلا واستطاع بذلك أن يساعد في نمو رأي عام مصري مؤمن بالحكم الشوري ويتطلع إلى الإصلاح في الأمور الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
3- وقد استخدم مصطفى كامل وحزبه الصحافة وسيلة للتوعية السياسية للشعب المصري، فأصدر مصطفى كامل المدرسة ثم اللواء الأسبوعية واللواء اليومية ثم القلم وأصدر جاويش الهداية وكان هدفهم هو حسب تعبير جاويش الإرشاد العام وخدمة الأمة المصرية وقد حملوا الناس على كراهية الإنجليز.


ب- التربية السياسية عن طريق الجمعيات والأحزاب.

هذه الوسيلة ذات أهمية في عملية التربية السياسية إذ أنها تقوم على المشاركة والحوار وليس على التلقين كما في الوسيلتين السابقتين وقد كان هذه وسيلة أساسية للتربية السياسية عند هذا التيار.

فجمال الدين ومحمد عبده يكونان جمعيتين أو تنظيمين يعملان بالسياسة وأخطرهما هو تنظيم العروة الوثقى: وهو تنظيم سياسي يهدف إلى إنهاض الدول الإسلامية من ضعفها وتنبيهها للقيام على شئونها ومن قسم التنظيم ولائحة العقد الرابع به ندرك ما يلي:

1- أن الهدف التربوي هو إعداد شخصيات تلتزم بالدين لأحكمن كتاب الله تعالى في أعمالي وأخلاقي وتعمل لنصرته بالأخوة الإسلامية وتعمل على إحيائها لأبذلن ما في وسعي لإحياء الأخوة الإسلامية ولأعرفنها كذلك كل من ارتبط برابطة العروة الوثقى وأنتظم في عقد من عقودها وتعمل لتقوية الإسلام والمسلمين عقلا وقدرة.
2- يتمثل المنهاج التربوي لإعداد تلك الشخصية في المذكرة في آيات الله النظر في حالة الإسلام عند بدئه وعصر الراشدين البحث في السبب الذي امتدت به صولة الإسلام وكيف انقلب الحال ومدارسة أحكام الجهاد وحقوق المسلم والمعاملات والنظر في حال المسلمين لهذا الوقت ودراسة أقوالهم وأعمالهم لمعرفة الداء وعلاجه وذلك في اجتماع لكل عقد مرتين في الأسبوع مع تدوين كل فكر مفصلا.

يتكون كل عقد من ثلاثة يجتمع مرتين للمذكرة في الأسبوع وكل واحد منهم مكلف بالعمل وهو العمل في الدواء بالقول وفيه الكتابة والتأليف وبذل المال في مساعدة من يقوم بنصر الدين وحمل السلاح للمقاتلة بين يديه عند المكنة ودعوة الناس إلى عقده وإرسال الرسل إلى المناطق لنفس الغرض مع الالتزام في كل ذلك بالسرية والكتمان. وفي التنظيم ولائحته ووثائقه خبرات تنظيمية وواجبات الأعضاء وغير ذلك ومن الواضح من دراسة وثائق هذا التنظيم أنه يهدف إلى تربية كوادر إسلامية تعمل في السياسة على وعي والتزام.

3- وكان النديم مدركا لدور الجمعيات في التوعية السياسية فهو يرى أن تنبيه الرأي العام وإيقاظ الأفكار الخامدة والاتجاه إلى الحرية يكون بوسيلة إنشاء الجمعيات والمحافل الخطابية بالقطر كله وقد أنشأ الجمعية الخيرية الإسلامية وكان من أهدافها التعاون على فتح مدارس للفقراء بالمجان ودعوة الناس إلى الاجتماع على هيئة ندوات أسبوعية ليتباحثوا في العلوم الدينية والمعارف وليتزودوا بما يبعث الغيرة الوطنية في قلوبهم ويحببهم في جنسيتهم المصرية فمن أهدافها المباشرة التربية الاجتماعية والوطنية.
4- وأسس بعض أعضاء الحزب الوطني جمعيات مثل التضامن الأخوي) كان من أعضاها عبد العزيز جاويش ومن أساليب التربية فيها تتبع الأحداث الجارية بيقظة واهتمام كما أنشأ عبد العزيز علي عضو الجمعية السابقة مجموعة أخرى بقصد التوعية السياسية وكان برنامجها النظري يتضمن محاضرات ثقافية وندوات سياسية ويلتقي الأعضاء ثلاث مرا في الأسبوع ويختار كل منهم موضوعا يدرسه ثم يحاضر الباقين فيه فيؤدي ذلك على التثقيف الوطني والسياسي والديني وكان من برنامجها العملي: القيام برحلات للرياضة والاجتماع لمناقشة موضوع الساعة وتبادل الرأي فيه والحكم عليه وذلك في أثناء الحرب العالمية الأولى.


5- وأسس مصطفى كامل الحزب الوطني عام 1907 وكانت عملية التربية السياسية عن طريق الحزب تتم من خلال:
- الاجتماعات السياسية والحفلات والندوات السياسية في المناسبات في نادي الحزب.
- منشورات الحزب مثل الكتب والرسائل وخطب مصطفى كامل.
- نادي المدارس العليا ليجمع بين طلبة المدارس العليا وخريجيها وكانت تلقى فيه المحاضرات وكان حسب رأي الرافعي معهدا قوميا لنشر المبادئ الوطنية الصادقة وبثها في نفوس الجيل.
- بالإضافة إلى الصحافة والخطب.

كما أتاح الحزب الوطني الفرصة لأعضائه للمشاركة السياسية مثل الاشتراك في حملات محو الأمية وتعليم الكبار بإنشاء مداس الشعب والأقسام الليلية وكان أعضاء الحزب المثقفون يتطوعون فيها للعمل ومن ألوان المشاركة التي أتاحها الحزب عمليات الانتخاب داخل لجان الحزب.

ومن وسائل التربية السياسية التي ابتدعها النديم: التمثيل المسرحي فكان يكتب مسرحيات نقدية ويدرب تلامذته في مدرسته على أدائها أمام الجماهير والأعيان بهدف تدريب التلامذة على أساليب الخطابة والجدل وبث روح الغير والنخوة في أفكارهم أو غرس التمرد في النفوس وكان من هذه المسرحيات الوطن

خاتمة:

عرضت لمكونات الذات السياسية عند التيار الإصلاحي بأكبر قدر من الموضوعية ولبعدي الوعي والمشاركة ولوسائل التربية السياسية عندهم وللباحث ملاحظات يجملها فيما يلي:

انطلق هذا التيار من الإسلام في مواجهة الواقع المتخلف والغزو الغربي، غير أنه أعطى العقل درجة عالية من الإعلاء حتى أنهم كانوا خاصة محمد عبده وجاويش يقدمون العقل على ظاهر الشرع فيما ظنوه تعارضا وقد وقف الإخوان موقفا آخر من هذه القضية فيما بعد.

ربما يقال إن هذا التيار كان ممثلا للإسلام كحركة سياسية وهذا صحيح غير أنه لم يكن حركة مستمرة وجماهيرية إذ كان يظهر فترة ثم يختفي مثلا بعد الثورة العرابية 1882 لم يكن له وجود حقيقي حتى 1892م حين عاد النديم وأصدر الأستاذ وبعد وفاة مصطفى كامل ورحيل جاويس انتهى وجوده السياسية حيث ساد التيار الليبرالي بتشجيع الإنجليز وهيمن تماما توجيهيا وتنفيذيا مما شكل عاملا من عوامل ظهور جماعة الإخوان المسلمين حيث لم يعد ممثلا هذا التيار إلا في جمعيات خيرية لا علاقة لها بالسياسة.

برغم التوجه المبكر من هذا التيار لإعداد كوادر سياسية عن طريق العروة الوثقى وهو من أهم الأولويات في التربية السياسية إلا أن ذلك فيا يبدو للباحث كان فورة ورد فعل لاحتلال الإنجليز مصر ولم يكن عملا مخططا ولذلك لم يكن له أثر بعد انفصال محمد عبده عن الأفغاني بل إن محمد عبده نفسه ترك العمل السياسي برمته وما أنشأه هذا التيار من جمعيات إنما كان عملا فرديا ينتهي بانتهاء صاحبه فلم يفلح هذا التيار في أن يتحول إلى حركة سياسية جماهيرية منظمة تتغلغل في الشعب عن طريق كوادر سياسية مدربة وهذا ما أنتبه إليه الإخوان المسلمون فيما بعد.

وفيما سوى ذلك سنرى أن الإخوان المسلمين قد حملوا نفس المبادئ وعملوا لتربية الرأي العام عليها وجمعوا بين أسلوب الأفغاني والنديم وأسلوب محمد عبده في التربية.

والجدير بالملاحظة هو ما استخدمه هذا التيار من وسائل وقد استخدمها كلها الإخوان وزادوا عليها ومن ثم فإنه يمكن القول إن التربية السياسية عند الإخوان كانت امتدادا لهذا التيار من جهة واستجابة لغيابه المنظم عن الواقع المصري في فترة ظهورهم 1928 من جهة أخرى.


ثالثا: التربية السياسية عند الاتجاه الليبرالي في مصر حتى عام 1928م:

بدأت بواكير هذا الاتجاه عند رفاعة الطهطاوي الذي يعتبر أول مروج لليبرالية الغربية ولفكرة الوطنية المصرية في مصر.

فقد تحدث عن الفصل بين السلطات في الدولة والتمييز بنيها وتقييدها جميعا بالقوانين وعن تجديد التشريع القضائي بالنقل عن أوربا وعن الحريات الطبيعية والدينية والسياسية والمدنية والاقتصادية وعن التسوية بين أفراد المجتمع في جميع الحقوق البلدية الحرية المدنية والسياسية ويعتبر أول من تحدث عن الرابطة الوطنية وميزها عن الرابطة الدينية وأفاض في الحديث عن الوطنية وحب الوطن وحقوق المواطن وواجباته غير أنه صاغ ذلك كله في إطار ديني.

ثم جاء أحمد لطفي السيد ودا صراحة إلى الفكر العلماني الغربي والإقليمية المحدودة وأسس للك الجريدة وحزب الأمة لتكوين رأي عام يؤمن بأفكاره.

ويتناول الباحث التربية السياسية عند هذا التيار من خلال فكر حزب الأمة خاصة فيما يلي:

عناصر الذات السياسية عند التيار الليبرالي:

أ‌- العلمانية والليبرالية السياسية والاقتصادية:

1- كان اتجاه هذا التيار هو عدم الاقتناع بقيام الدولة على أساس ديني وأن القومية لا تقوم على أساس الدين ودعوا إلى فكرة العلمانية التي ينفصل فيها الدين عن السياسة والدنيا عن الدين.
2- والمذهب الذي اختاروه هو مذهب الحريين أي الليبرالية السياسية كما هي في الغرب تماما ويقوم عند لطفي السيد كما أذاعه في جريدته ولقاءاته على اساس تقييد سلطة الحكومة فلا يون لها ولاية على البوليس والقضاء والدفاع عن الوطن وما سوى ذلك فالولاية فيه للأفراد والجماعات الحرة الأحزاب قيام الاجتماع الإنساني على أساس المنفعة المتبادلة لا على أساس الدين تأكيد الحرية الشخصية بمعناها العام: الفكر الاعتقاد- الكلام- الكتابة – التعليم- وليس للشارع أن يضع تشريعا يقيد به هذه الحريات لفرد أو طائفة أو كل الأمة الفصل بين السلطات ووجوب استقلال القضاء حرية الصحافة والخطابة والكتابة - والاجتماع – حق الأمة أن تحكم نفسها بالطريقة التي تراها.
3- الاقتصاد الحر ورفض تدخل الدولة في الشئون الاقتصادية ومحاربة المذهب الاشتراكي.

وقد عرض لطفي السيد وزملاؤه هذه الأفكار في صحيفة وفي كتبهم وفي محاضراتهم مما أدى إلى انتشارها وتأثيرها في عدد كبير من الشباب المتعلم.


ب‌- الجامعة المصرية- مقابل الجامعة الإسلامية:

1- تطبيقا لنظرية الليبرالية عن الدين والمنفعة وفكر حزب الأمة عن الدولة القومية وعملوا على نشر هذا المفهوم الذي ملخصه أن يقصر المصريون اهتمامهم على مصالح المقيمين في مصر ويحصروا تفكيرهم فيما يعود عليهم بالنفع وأن الوطنية هي المصلحة المشتركة التي تجمع بين المواطنين ولا ينبغي أن تقام على الأوهام أو العواطف التي لا تتحقق مثل التعلق بالجامعة الإسلامية وأن الأحرى بالمصري أن يفكر في مصلحته أولا وهي التي يتفق فيها سائر المصريين على اختلاف نحلهم ومذاهبهم ولا يشاركهم فيها غيرهم من المسلمين فالجامعة التي تجمع هي المصلحة وليس الدين بل الجامعة الدينية (سذاجة).
2- وتطبيقا لهذه الأفكار دعوا إلى دولة مصرية بمصر فيها كل شيء اللغة والقانون والتعليم والأدب وأن يرى في الأمة معنى القومية المصرية والغيرة عليها ويضيف د. محمد محمد حين أنهم دعوا إلى دولة مصرية موالية للإنجليز.


ج‌- المحاسنة:

بمعنى قبول صداقة الإنجليز والانتفاع بهم موقنين أن الاحتلال مسألة قوة لا مسألة حق فكانت عقيدتهم هي الرضا والتعاون مع الأوربيين في كل ميادين الحياة الثقافية والاقتصادية والسياسية.


العواطف والاتجاهات السياسية والمشاركة السياسية:

أ‌- القيم السابقة ينعكس منها اتجاهات نفسية محددة تشكل عواطف ومشاعر أفراد هذا التيار السياسي وتتمثل الولاءات السياسية الناتجة عن الإيمان بتلك القيم فيما يلي:

1- الاتجاه الإيجابي نحو العلمانية والليبرالية والنفور من الحكم الإسلامي.
2- الاتجاه الإيجابي نحو الدستور الوضعي والنظام النيابي على النمط الأوربي.
3- الولاء والانتماء لمصر فقط والنفور من الرابطة الدينية.
4- الولاء الإنجليزي وحبهم.


ب‌- وتتمثل مظاهر المشاركة السياسية عند هذا التيار في:

1- إصدار وقراءة الصحف ونشر وترجمة الكتب السياسية والاقتصادية
2- حضور مجالس السمر السياسي.
3- الخطابة والمحاضرات السياسية.
4- الانضمام لعضوية حزب الأمة.


وسائل التربية السياسية عند التيار الليبرالي:

وقد تمثلت فيما يلي:

1- صحيفة الجريدة: وكانت تهدف إلى رأي عام صحيح في مصر بإرشاد الأمة المصرية إلى أسباب الرقي الصحيح والحض على الأخذ بها وذلك بأن يوضع أمام الجمهور يوما بيوم حساب لكافة الأمور التي في صالحه وبحث القرارات الإدارية وأعمال الحكومة بتعقل وتقديم الانتقادات والاقتراحات وشرحها للناس وإقامة جهاز لنشر تقارير كاملة عن القضايا ذات الطبيعة الجذابة.
2- السمر السياسي: ويل الجريدة من حيث الأهمية وكان يعقد في نادي حزب الأمة بهدف تقرير مبادئ حزب الأمة وكانت تلقى فيه محاضرات سياسية ومحاضرات في القانون المدني وكانت تستخدم الخطابة أيضا فهي أدنى إلى تقريب المذاهب المتباعدة وكان السمر كل أسبوع أو كل خمسة عشر يوما.
3- الخطب السياسية: التي كان يلقيها لطفي السيد في المنتديات العامة والمناسبات.
4- حزب الأمة وكان يهدف إلى إعداد الأمة بالكفاءات العلمية والاقتصادية ومشاركة الحكومة في بعض اختصاصاتها ووسائله هي الكتابة المشافهة إيفاد وفود وتفهيم وتفاهم وإقناع.


خاتمة:

تلك هي عناصر الذات السياسية لدى هذا التيار ومقدار المشاركة السياسية لديه ووساله في تلك ويلاحظ ما يأتي:

1- تناقض أيديولوجية هذا الاتجاه وأهدافه مناقضة تامة أيديولوجية وأهداف الاتجاه الإصلاحي الديني كما أن ولاء كل منها مناقض للآخر.
2- لم يكن لهذا الاتجاه أية شعبية ولا أية قواعد جماهيرية ولم يكن له أي اهتمام بتربية كوادر سياسية ولهذين الأمرين فشل حزب الأمة في أن يستهوي الجماهير إليه وانتهى حزب الأمة في هدوء لم يحس به أحد.
3- ويرجع هذا الفشل جماهيريا إلى أيديولوجيته المناقضة لوجهة الشعب المصري وعقيدته ولمودته مع الإنجليز ولأنه حزب مصلحة وأعيان وأبناء أعيان مثقفين.
4- برغم فشل الاتجاه جماهيريا قبل ثورة 1919 إلا أن أيديولوجيته قد فرضت على مستوى الحكومة بمقتضى تصريح 22 فبراير 1922 ودستور 1923 وعلى مستوى الأحزاب حيث خلف حزب الوفد ثم الأحرار الدستوريين حزب الأمة في أيديولوجيته ومن ثم فإن هذا الاتجاه هو الذي ساد بعد ثورة 1919 وقد تقدم ما وصل إليه الاتجاه الإصلاحي بعد وفاة مصطفى كامل.
5- فالظروف إذن كانت مهيأة لظهور اتجاه آخر يستبطن تيار الإصلاح الديني.


رابعا: تقويم عام للتربية السياسية في مصر قبل ظهور جماعة الإخوان المسلمين:

أ‌- تبين مما سبق أن كلا الاتجاهين قد قام بدور ما في التربية السياسية للشعب المصري وخاصة الاتجاه الإصلاحي الديني الذي كان يثق في قدرة العامة ويعمل لهم:

1- فقد قام قادة كل تيار بعملية تلقين لقيم ومعتقدات سياسية لطائفة من الشعب
2- وقاموا بنشر وعي سياسي ومعارف سياسية، حسب رؤية كل منهما سواء للعمة أو للمثقفين.
3- كما أتاحوا فرصا للمشاركة السياسية لعدد من الأفراد الشعب خاصة الاتجاه الإصلاحي.

وقد أدى ذلك بالإضافة إلى عوامل أخرى إلى تربية رأي عام مصري واع سياسيأن وحريص على الأهداف الوطنية وهذا يخص بالدرجة الأولى جهود الاتجاه الإصلاحي وقد ظهرت ثمرة هذه التربية في ثورة 1919 التي لم تكن إلا نتيجة لتراكمات الوعي والمعرفة السياسية منذ جمال الدين الأفغاني والنديم ونتيجة لتكوين اتجاهات سياسية دفعت الشعب للمشاركة السياسية بقدر من الفعالية كما أنها هي نفسها كانت وسيلة سياسية للشعب المصري.

ب‌- وكان من أحسن ما قام به هذان الاتجاهان هو إتاحة الفرصة لنمو حركة صحفية مما كان عاملا مساعدا في تربية وتقوية الوعي السياسي والمعارف السياسية مما دفع بالحركة الوطنية قدما حيث كانت قوي جديدة للرأي العام أسهمت في تدعيم فكرة السياسة والاجتماعي والعام إزاء قضايا مجتمعة.

ت‌- إلا أن ثمة ملاحظات نقدية على جهود كلا الاتجاهين في التربية السياسية في هذه الفترة تتمثل فيما يلي:


1- قلة الاهتمام بتربية الكوادر السياسية:

إن مدى نجاح أي تيار سياسي إنما يتمثل في إيمان أكبر عدد من الشعب بقيمة واتجاهاته وهذا لا يتأتي بدون توفر عدد كبير من الكوادر السياسية التي تحمل فكر وقيم واتجاهات التيار إلى أفراد الشعب كله فالعمود الفقري لكل خط مستقيم إلى النضال السياسي يستند إلى تربية كوادر سياسية عقائدية تحمي الاتجاه وتدافع عن مبادئه وتسعى لتحقيق أيديولوجيته ونشرها بين الجماهير وتربيتهم عليها فهي الجسور لعبور الفكر إلى التطبيق من القيادة إلى عموم الناس.

وقد رأينا تنبها مبكرا وواعيا من الاتجاه الإصلاحي في بداية إلى هذه النقطة عن طريق تنظيم العروة الوثقى إلا أنه لم يكن ممثلا لخطة مستمرة حيث انتهت هذه الجمعية لمجرد افتراق محمد عبده عن جمال الدين وظل وضع التربية السياسية مقصورا على خطابة وصحافة حتى إنشاء الحزب الوطني (1907) وأنشأ نادي المدارس العليا وقام بعض اتباعه بتأسيس مجموعات إلا أن ذلك كان جهدا فرديا ومحدود الأثر ولم يكن يهدف إلى تربية وبناء كوادر سياسية وأما الاتجاه الليبرالي فلم يكن لديه إطلاقا أي عمل من هذا القبيل انطلاقا من طبقيته وبالتالي فإن كلا الاتجاهين عموما كان عاجزا عن بناء كوادر سياسية ذات فكر واتجاه وقدرة على العمل السياسي الواعي والمنظم.

وقد أدى ذلك إلى أن يصبح مفهوم التربية السياسية مقصورا على الخطابة والمقالات على الأغلب مما أدى إلى سد الطريق أمام كثير من المواطنين القادرين على المساهمة السياسية في البناء.


2- واحدية القيادة والتوجيه:

وهذه نتيجة للملاحظة السابقة فكل تيار كان يتمثل أساسا في مفكر أو زعيم أو قائد فإذا ما ابتعد عن الساحة السياسية لأمر ما انتكس العمل السياسي عنده، حدث ذلك بعد رحيل الأفغاني ومحمد عبده واختفاء النديم وموت مصطفى كامل واعتزال لطفي السيد برغم أن القيادات في كل تيار كانت على مستوى عال من الوعي السياسي والنضج الثقافي مع اختلاف الرؤى إلا أنها تحركت دون أن تلقي بالا إلى بناء كوادر سياسية ذات خصائص قيادته تعمل لتربية الجماهير سياسيأن ولا يعني هذا أن كلا الاتجاهين كان على مستوى واحد من عدم الاهتمام بالجماهير كعمل منظم فقد كان اتجاه الأفغاني النديم كامل يثق في قدرة الجماهير إلا أن هذه الثقة لم توضع موضع التطبيق السليم المنظم لبناء كادرات سياسية جماهيرية.

فإذا كان قد توفر نوع من التوعية والتثقيف السياسي والمشاركة السياسية لدى كل تيار إلا أن العمل السياسي في رأي الباحث يتمثل نجاحه في قدرته على بناء الإنسان عقليا وخلقيا وروحيا وجسميا بالإضافة إلى النضال السياسي وقدراته المختلفة وهذا ما كان مفتقدا إلى حد غير قليل عند التيار الإصلاحي ومنعدما تماما عند التيار الليبرالي.

لقد كان العمل السياسي التربوي في حاجة إلى برامج موضوعية ومواجهة جادة لبناء عقل وروح وخلق الإنسان المصري الذي عاش حالة من اللامبالاة والاغتراب السياسي بعد فشل الثورة العرابية واحتلال الإنجليز لمصر ومحاولاتهم تدمير الكيان الإنساني المصري عقليا وخلقيا ونفسيا فقضية الإنسان المصري لم تجد مكانها الصحيح بين برامج هذين الاتجاهين وما تفرع عنهما من أحزاب وجمعيات.

كما أن التربية السياسية ذاتها كانت تعاني من خلل واضح فقد كانت قائمة على التلقين من قادة إلى بعض الناس ولم تقم على الحوار والاشتراك المتضامن بين كوادر واعية سياسيا وجماهير مشاركة كما أنها تتم من خلال أعمال واقعية ذات أثر ملموس في المجتمع باستثناء العمل المحدود الذي قام به النديم في إنشاء مدرسة الجمعية الخيرية وحركة الحزب الوطني للتعليم الشعبي والجامعة الأهلية وفتح بعض النقابات والجمعيات الزراعية هذا من جانب الاتجاه الإصلاحي أما الاتجاه الليبرالي فلم يكن عنده إلا التلقين.


3- الديماجوجية والتخزب الشخصي.

تتعلق هذه الملاحظة بالأحزاب التي نشأت في أثناء وبعد ثورة 1919حتى عام 1928 م، وهي امتداد لحزب الأمة فقد كان من الفروض أن يكون قيام الأحزاب مجالا للتربية السياسية الحقة التي تعد الشخصية الناقدة المتفتحة التي تشارك في العمل السياسي عن وعي وبصيرة إلا أن الحياة الحزبية بالعكس كما يقرر د. نسيم كانت سببا في تزييف الحياة السياسية وتعطيل الممارسة السياسية الناضجة مما حال بينهم وبين تفريغ القيادات السياسية المستنيرة إذ ن المنافسة السياسية لم تكن على أساس الرأي الناضج والفكر السياسي المدروس وإنما قامت على أساس التشهير.

وإن كانت التربية السياسية تأتي نتيجة للحوار الحر والممارسة الديمقراطية الحقة فإن لم يكن من الممكن أن تتوفر التربية السياسية المطلوبة داخل الأحزاب حيث تحول العمل السياسي إلى عمل ديماجوجي على مستوى الانفعال العلاقات الشخصية من ناحية وتأكيد للسيطرة الديكتاتورية من ناحية أخرى ويقول شاهد لهذه الفترة: إن أهم طابع للديمقراطية هو حرية الرأي لكن جميع أحزابنا تطبق في داخلها بكل أسف قواعد النازية والعضو المخلص يوصف بأنه جندي الحزب وهو الذي يطيع طاعة عمياء فإذا عن له أن يعارض أتهم بالخيانة ومن هنا فلابد من إعادة تربية الشباب تربية حرة.

ومن ثم فإن هناك مبررات لظهور اتجاه جديد للتربية السياسية، وقد تمثل في جماعة الإخوان المسلمين وفي الفصل التالي يدرس الباحث عوامل نشأتها وتطورها التربوي والسياسي.

الفصل الثاني: نشأة جماعة الإخوان المسلمين وتطورها التربوي والسياسي.

المبحث الأول: واقع المجتمع المصري في الفترة من 1922م إلى 1952م

تمثل جماعة الإخوان المسلمين جزءا من المجتمع المصري، تأثر بقواه وأوضاعه وأثرت فيه، ويتناول الباحث هذه القوى من خلال دراسة واقع المجتمع المصري في الفترة من 1922م إلى 1952م لأنها الفترة التي نشأت وتطورت فيها هذه الجماعة حتى أصبحت قوة سياسية فعالة، وذلك كما يلي:


أولا: القوى والعوامل السياسية:

كانت القوى السياسية ذات الفاعلية والتأثير في المجتمع المصري أربعا هي: الإنجليز والملك والأحزاب وقوة الجماهير:


أ- الإنجليز

1- منذ أن احتل الإنجليز مصر في 14/ 9/ 1882م عملوا على الهيمنة على كل نظم المجتمع ومكنوا لأنفسهم عن طريق التواجد العسكري والاحتلال الاقتصادي والسياسي والثقافي والتعليمي وقامت ثورة 1919م للحصول على الاستقلال السياسي الكامل وترتب عليها نتائج إيجابية محدودة مثل إعلان إنهاء الحماية البريطانية على مصر وأن تكون مصر دولة مستقلة ذات سيادة بمقتضى تصريح 28 فبراير 1922م غير أن الإنجليز احتفظوا فيه لأنفسهم بتولي أربعة أمور بصورة مطلقة وهي التحفظات التي بررت لهم التدخل في شئون مصر الداخلية وإبقاء جيشهم فيها مما جعل هذا الاستقلال أمرا شكليا ففضلا وعلى سيطرة قواتهم على الجيش والبوليس المصري وسيطرتهم الاقتصادية على قناة السويس والبنك الأهلي كان الإنجليز يتدخلون باستمرار في شئون مصر الداخلية مثل إنذار لويد المندوب السامي البريطاني لوزارة النحاس عام 1928 م لإكراهها على قبول معاهدة معهم مما أدى في النهاية إلى إقالة وزارته وتدخل الإنجليز السافر في عهد وزارة سري 1933 م وتصريح هور بأن دولته تعارض عودة دستور 1923م بدعوة أنه غير صالح للتطبيق وغير ذلك وقد أكد بريطانيا قانونية احتلالها مصر بعقد معاهدة 1936من النحاس والتي بمقتضاها وضعت كل مواني مصر في الحرب العالمية الثانية تحت السيطرة البريطانية وبلغت ذرة هذا التدخل في فبراير 1932 حيث حاصر الإنجليز قصر فاروق بالدبابات لإرغامه على تشكيل وزارة برئاسة النحاس.

ودلالة هذه الوقائع التاريخية تبين أن مصر لم تكن دولة مستقلة ذات سيادة بل كانت السلطة الحقيقية بيد المندوب البريطاني فما أثر هذا الاحتلال على نشأة وتطور جماعة الإخوان المسلمين.

2- كان الاستعمار الإنجليزي وما ترتب عليه من أوضاع عاملا مباشرا في نشأة جماعتهم وتكييفها إذ كان وجوده كافيا لإثارة المشاعر الدينية لدى المصريين وحفزهم لمقاومة كل ما يصدر عنه.

ويذكر الشيخ البنا أن وجود المعسكر الإنجليزي في الإسماعيلية حيث نشأت جماعة الإخوان كان يبعث في نفس كل وطني غيور الأسى ويدفعه إلى مراجعة الاحتلال وأن أوضاع هذا الاحتلال وأفعاله عملت عملها في نفسه وأوحت له بكثير من المعاني التي كان لها أثر كبير في تكييف الدعوة والداعية كما يذكر أن شعور ستة من عمال الإسماعيلية بأن العرب والمسلمين في هذا البلد لا يعدون مرتبة الأجراء التابعين للأجانب دفعهم إلى مفاتحته في تكوين جمعية الإخوان التي رأوا فيها حياة الوطن وعزة الأمة.

كما أثر الاستعمار الإنجليزي في أهدافهم، إذ رأوا أنه من المستحيل إقامة حكم صالح ما دام الاستعمار موجودا يخنق الحكومات المصرية فأدخلوا في برنامجهم العمل على مقاومة الاستعمار وتحرير أرض الوطن من موبقات لكي تظفر الأمة والحكومة بحريتها وأثر في أساليبهم وخاصة في إنشاء النظام الخاص للجهاد ضد الإنجليز وأثر في فكرهم فقد كانت أوضاعه في مصر عاملا مباشرا في تناول الإخوان فكريا لمفهوم الاستعمار ومفهوم الاستقلال ووسائله إلخ..


ب- الملك

1- برغم دخول مصر عهد ممارسة برلمانية استنادا إلى دستور 1923 إلا أن الملك فؤاد ثم فاروق قد مارسا استبدادا شبه مطلق في مصر، مستندين إلى عاملين:
العامل الأول: دستور 23 الذي أعطى الملك حق حل مجلس النواب مطلقا وتأجيل انعقاده وحتى تعيين رئيس الوزراء ومنع تعيين الوزير الذي لا يوافق عليه وله أن يحول دون صدور القوانين التي يمتنع عن التوقيع عليها وله أن يعين خمس أعضاء مجلس الشيوخ إلخ..
والعامل الثاني: أحزاب الأقلية التي اعتمدت كاملا على الملك للوصول إلى السلطة فاستعان بها لضرب الحياة النيابية وتعطيل الدستور.

فالملك بهذا كان مصدر السلطة الفعلية في مصر قبل عام 1952 فما مدى تأثير هذا الوضع على نشأة أو تطور جماعة الإخوان المسلمين.

2- من خلال التتبع الكامل لأسباب وعوامل نشأة الإخوان يتبين أن الملك لم يكن سببا مباشرا أو غير مباشر فيها إذ قد نشأت بجهود البنا نفسه غير أن تمتع الملك بتلك السلطات قد أثر فكريا وعمليا في الحركة السياسية لجماعة الإخوان فقد اعتمدوا منذ البدء وحتى نهاية الملكية سياسية الملاينة لفاروق بالذات ليأخذوه إلى صف الاتجاه الإسلامي معتقدين أنه إذا حدث ذلك وبيده كل تلك السلطات فإن جانبا من أهدافهم يتحقق من أقصر طريق ومن ثم فلم يعارضوه شخصيا بل أعلنوا الولاء له، ومدحوه وبرغم استقلالية جماعية الإخوان إلا أن هذا الموقف الملاين جدا لفاروق قد أثر على موقفهم سلبيا من قضية الحريات في مصر فترة البحث فأنتج وعيا مناقضا للواقع بخوص هذه القضية.


ث‌- الأحزاب:

1- كانت سياسية الإنجليز تهدف كما يذكر كرومر إلى ربط مصر بهم وصبغها بالصبغة التي ترضي فيها بعد أن تكون البلاد جزءا لا يتجزأ من الدولة البريطانية دون عنف ودون اتخاذ إجراءات قاسية ولكن بهدوء وصبر وطول أناة وتتحصل هذه السياسة في أن السيطرة البريطانية على مصر لا تعتمد على الحماية أو التبعية المباشرة ولكنها تعتمد على تنظيم بريطانيا لأوضاع الحكم والإدارة المصرية تنظيما يكفل لها السيطرة من خلال نظام يشغله المصريون أساسا وطبقا لذلك صدر تصريح فبراير 1922 ودستور 1923 وأصبح من المقرر أن العملية التي تحل بها القضايا السياسية الداخلية تركز في البرلمان وأن العلاقات مع بريطانيا بشأن التحفظات الأربعة تحصر في المفاوضات السلمية وطبقا لذلك كله وضعت الديمقراطية الليبرالية موضع التطبيق وبدأت ممارسات الأحزاب التي شكلت فترة البحث اتجاهات ثلاثة من حيث الحجم والاستناد حزب الأغلبية الشعبية الوفد والأحزاب المنشقة عنه، والمسماة بأحزاب الأقلية وأحزاب القصر (الاتحاد، الشعب) بجانب الحزب الوطني.
2- وكانت هذه الأحزاب ما عدا الوطني تتسم بما يلي:
أ‌- سيطرة كبار الملاك ورجال المال عليها وهذا واضح في أحزاب الأقلية وفي حزب الوفد بعد عام 1936 حيث دخلته العائلات الإقطاعية وبدأ هدفه ينحرف إلى مجرد الوصول إلى الحكم.
ب‌- انشغالها بلعبة السلطة والانتخابات مما أدى إلى استهلاك طاقات المصريين في غير موضعها بدلا من توحيد الجهود لتحقيق الاستقلال.
ت‌- احتواء الاحتلال لهذه الأحزاب جميعا ما عدا الوطني من حيث قبولها أن تكون خادمة للقانون الوضعي والنظام الليبرالي القائم على الإعجاب بالمثل الغربي العلماني وأسلوبه في العيش بحيث يمكن القول إنها جميعا كانت تمثل تيار الفكر الوافد وهو فكر المحتل الأجنبي.
ث‌- قبلت جميعها المفاوضات مع المحتل محولين الصراع معه من ثورة شعب ضد معتمد غاضب إلى مفاوضات سياسيين مع قوة محتلة لا تناقض بينهما أيديولوجيا
ج‌- ولم يكن لأحزاب الأقلية أي مبرر لقيامها سوى السعي للحكم فلم يكن بينها أي تخالف جوهري يدعو إلى تعددها ولم يكن لها برامج عملية تعمل لتطبيقها ونتيجة لذلك عملت على تزييف الحياة النيابية بالتزوير في الانتخابات وغير ذلك وعلى إفساد الحياة السياسية المصرية، إذ استعان بها الملك لعمل انقلابات دستورية وضرب الحريات

ونتيجة لتصارع الأحزاب على الحكم اتسمت الفترة من 1922: 1952م بكم كبير من الوزارات بلغ إحدى وأربعين وزارة وتولي وزارة المعارف تسعة وخمسون وزيرا في نفس الفترة مما يؤكد عدم الاستقرار في الحكم.

3- هذه هي وضعية الأحزاب في تلك الفترة فما أثرها في نشأة وتطور جماعة الإخوان المسلمين؟ :
أ‌- من البين أن هذه الأحزاب لم تكن تنطلق من الفكر الموروث للشعب بل تبنت الليبرالية الغربية فكر المستعمر ومن ثم كان هناك تحد لأنصار التيار الديني الذي ضعف كثيرا في بداية هذه الفترة فلم يستطيع مقاومة أحزاب الفكر الوافد وكانت نشأة جماعة الإخوان استجابة لتحديات منها ذلك لاحتواء المشار إليه.
ب‌- ويذكر البنا أن أوضاع الحكومات وطرائق حكمها قد صدمت جماعته فأدخلت في برنامجها العمل لإصلاح الحكم إلخ ونتيجة لهذه الأوضاع الحزبية ومنحاها التغريبي جعل الإخوان من أهدافهم قبل 1952العمل لحل جميع الأحزاب وتوحيد قوى الأمة في اتجاه واحد ذي برنامج إسلامي وكان لهم موقف فكري منها وتصادموا معها مرارا.
ت‌- ويذكر البشري أن فشل هذه الأحزاب في تحقيق الأمل المرجو في التحرير من الاستعمار والإطاحة بالاستبداد والرخاء الاقتصادي قد أسهم في دعم التيار السياسي الإسلامي وأثار العواطف الإسلامية بصورة فعالة وخاصة في الثلاثينيات مما أدى إلى توسيع القاعدة الشعبية لهذا التيار.


ث‌- قوة الجماهير:

وكان قوامها الطلاب والعمال والموظفين وبرزت قوتها في ثورة 1919 وما بعدها وكانت على وعي بحقوقها وحريصة على المطالبة بها في شكل مظاهرات وإضرابات ولكن لم تكن ممتلكة للتنظيم السياسي الشعبي ذي البرنامج المتفق مع هويتها وأيديولوجيتها وجاءت الأحزاب فجعلت الكلمة للزعماء السياسيين وليس للشعب ولم يكن لأحزاب الأقلية أي توجه شعبي كما أن الجماهير قد بدأت تنصرفي عن حزب الوفد بعد اتفاقية 1936 مع الاستعمار وبدأت تتطلع إلى قيادة جديدة وتنظيمات سياسية غير الوفد وكانت الإخوان قد طرحت نفسها في العالم السياسي المصري على أنها تحمل التوجه الشعبي الأصيل وإنجازات إلى العمال والمطالب الوطنية والقومية فانجذب إليها العمال والطلاب والمثقفون الساخطون على سياسية الوفد وأحزاب الأقلية معا مما أدى إلى توسيع قاعدتها الجماهيرية لهذه الأسباب جميعا

وبتحليل هذه القوى يستخلص الباحث هذه الحقائق:

1- تأثرت جماعة الإخوان بالقوى السياسية الفاعلة في مصر سواء يكونها سببا مباشرا في نشأتها مثل الوجود الإنجليزي والأحزاب أو بكونها مؤثرا في تطورها من حيث الأهداف والفكر والحجم.
2- ويدل العرض السابق بوضوح على أن نظام الحكم الإسلامي وأسسه كان منعدما وإذا أضيف إلى ذلك إلغاء الخلافة الإسلامية نهائيا عام 1924 والذي كان له وقع شديد الأثر في مصر فإن ينتج أن الدولة الإسلام ذات الاستقلال والحكومة الإسلامية كانتا في حاجة إلى من يعمل لإعادتهما وهذا الوضع كان يمثل سببا رئيسيا في نشأة وتطور جماعة الإخوان المسلمين.
3- ويتبين من ذلك أنه هناك ثلاث قضايا سياسية بارزة هي قضية التحرر من الاستعمار وقضية الحكم الإسلامي وقضية الحريات تمثل قضايا على التربية السياسية في هذه الفترة أن تقوم بالتوعية السياسية إزاءها بهدف الرغبة في المشاركة السياسية لمواجهتها فما دور التربية السياسية عند الإخوان تجاهلها؟


ثانيا: القوى والعوامل الاجتماعية والاقتصادية:

أ‌- القوى الاجتماعية:

1- كان المجتمع المصري في هذه الفترة يتكون من فئات ثلاث هي:

فئة كبار الملاك الزراعيين وأصحاب العقارات في المدن، ففي الفترة من 1919 حتى 1952 كان ½٪و 35,2٪ و33,9٪ من الأراضي الزراعية عملوا فيها على زيادة ثروتهم بشتى الطرق وكانت هذه الملكيات الكبيرة أساس سلطتهم السياسية وكان كل القادة الحزبيين والسياسيين عموما ينتمون إلى هذه الفئة التي تتمتع بأشياء كثيرة سواد الشعب: من الفلاحين والعمال الزراعيين وعمال الورش وما إليها وفي عام1954 كان سكان الريف والمشتغلون بالزراعة يقارب أثنى عشر مليونا منهم 70٪ لا يملكون إلا 13٪ من الأرض الزراعية ومتوسط ما يملكه الفرد مهم خمسة قراريط ومنهم مليون عامل زراعي متجول لا يملك شيئا وفي عام 1946 بلغ عدد المشتغلين بالزراعة وسكان الريف خمسة عشر مليونا ويخص الفرد في المتوسط نحو (خمس) فدان وكانت نسبة عمال المدن تزداد حتى وصل عددهم مليون عام 1948.

وكان هذا السواد الضخم يعاني من البؤس والأمراض وعدم التعليم والاستغلال مما يدل على فساد النظام الاجتماعي الذي كان قائما وبروز الطبقية وانعدام العدالة الاجتماعية. والمثقفون من المهنيين والموظفين والطلاب.

فما تأثير هذا الوضع على نشأة أو تطور جماعة الإخوان المسلمين؟

2- نشأت الإخوان كما سيأتي بين عمال الإسماعيلية وكان لشعورهم بالظلم والبؤس دور دافع لستة من العمال للتوجه إلى الشيخ البنا لمفاتحته في تكوين جماعة تعمل للتخلص من ذلك الوضع.

وقد كان لهذه الأوضاع الاجتماعية تأثيرا مباشرة في أهداف وفكر وحركة جماعة الإخوان فجعلوا من أهدافهم تحقيق العدالة والتأمين الاجتماعي لكل مواطن ومكافحة الجهل والمرض والفقر إلخ وتناول الإخوان قضية العدالة الاجتماعية الصراع الطبقي بالتنظير الفكري والتوعية كما اهتموا عمليا بقضايا العمال والفلاحين فأنشأوا قسم العمال والفلاحين بالمركز العام لهم... إلخ.


ب‌- الأوضاع الاجتماعية:

نتيجة لعوامل عديدة برزت ثلاث أوضاع اجتماعية وخلقية كانت أسبابا مباشرة في نشأة جماعة الإخوان هي:

1- نشاط حركة التبشير مستندة إلى الوجود الاستعماري ومستغلة المستوى المتردي لمعيشة غالبية المصريين وقد تصاعدت هجماتهم قبيل نشأة الإخوان حتى ألهبت صميم الوجدان المصري الديني وقد أثرت في البنا فأسس جمعية لمقاومة الإرساليات ثم خلقتها جماعة الإخوان في ذلك.
2- سفور المرأة واختلاطها بالرجال.
3- بروز موجة من الانحلال الخلقي والاجتماعي بانتشار دور البغاء العلني والمراقص ومحاربة التقاليد المستمدة من الدين والثورة عليه إلخ.. وانتشار الدعوة إلى أن تصبح كل ظواهر المجتمع المصري كأوربا والدعوة إلى الإباحية ومذهب العري إلخ وقد استفزت هذه الظواهر الرأي العام الإسلامي وأثرت في البناء إلى درجة أن قال لا يجد النوم إلى جفني سبيلا من شدة القلق والتفكير في هذه الحالة فاعتزمت أمرا إيجابيا.

وقد أثرت هذه الأوضاع كذلك في تكييف وتطور جماعة الإخوان فتناولوا قضية المرأة فكريا وأنشأوا قسم الأخوات المسلمات للاهتمام بقضية المرأة وأثرت في مطالبهم التربوية وعملوا على مقاومة التبشير بوسائل عديدة وأنشأوا أقسام البر والخدمات لرعاية الفقراء وإقامة الملاجئ واهتموا بالتربية الخلقية..إلخ.

المقصد أن الأوضاع الاجتماعية والخلقية كانت أسبابا مباشرة في نشأتهم وفي تطورهم.


ح‌- الأوضاع الاقتصادية:

برغم تطور الصناعة في مصر منذ ثورة 1919 إلا أنها انحصرت في قطاعات استهلاكية لم تكن تشكل تهديا للرأسمالية الأجنبي وعموما فإن الأوضاع الاقتصادية كانت تتسم بما يلي:

1- استمرار سيطرة الشركات الاحتكارية الأجنبية فيذكر الشيخ البنا أنه كان في مصر عام 1938 – 320 شركة أجنبية تستغل جميع مرافق الحياة في مصر مقابل 11 شركة مصرية فقط.
2- ارتباط الاقتصاد المصري بالاقتصاد البريطاني فالنقد المصري كان يعتمد على أذونات الخزانة البريطانية ودار الضرب البريطانية والبنك الأهلي اسما الأجنبي فعلا.
3- اعتماد الاقتصاد المصري على الزراعة والاعتماد على محصول رئيسي واحد هو القطن في الوقت الذي اتجه الوضع في الريف إلى تركيز الملكيات الزراعية في يد فئة قليلة لم تعبأ باستخدام الأساليب الفنية في الزراعة.
4- وقد أدت هذه الأوضاع إلى الاستعمار الاقتصادي وتخلف الاقتصاد المصري وانخفاض مستوى المعيشة إلى درجة عميقة وتعرض العمال الدائم للتعطل.

وقد كان لهذه الأوضاع تأثير مباشر في نشأة وتطور جماعة الإخوان:

1- فسيطرة شركة قناة السويس وما فيها من إنجليز وأجانب في الإسماعيلية ومهانة العمال المصرية فيها تأثير شديد في نفس البنا وفي دعوته كان عاملا مساعدا في إنشاء جماعة الإخوان.
2- ويذكر ميتشل أن هذه الأوضاع كانت سببا قويا لاقتحام جماعة الإخوان للميدان الاقتصادي والمشاركة في النهوض بالاقتصاد المصري.
3- وقد تناول مفكروهم قضية الاستقلال والنهوض الاقتصادي لمواجهة تلك الأوضاع وكان من أهدافهم إقامة نظام اقتصادي استقلالي.

ويخلص الباحث في ذلك إلى الحقائق التالية:

1- كانت القوى والعوامل الاجتماعية والاقتصادية السائدة في مصر فترة البحث سببا مباشرا في نشأة جماعة الإخوان وبتفاعل الإخوان معها تطورت من حيث استجابتهم لتحديات هذه الأوضاع باجتهادات فكرية وعلمية استندوا فيها إلى الإسلام.
2- وتبين من تحليل هذه الأوضاع أن النظام الاجتماعي والاقتصادي الإسلامي كان منعدما في مصر آنذاك ومن ثم برزت قضية العدالة الاجتماعية وبناء نظام اقتصادي مستقل على أسس إسلامية أمام جماعة الإخوان فما موقف التربية السياسية عندهم منها؟


ثالثا: القوى والعوامل الثقافية والتعليمية:

القوة الثقافية:

وجدت في الفترة التي نشأت وتطورت فيها جماعة الإخوان تيارات ثقافية أثرت على نشأة الإخوان وعلى فكرها وحركتها وهي تيار الإصلاح الديني الذي يمثل الفكر الموروث وتيار التغريب الليبرالي الاشتراكي والتيار الإقليمي والتيار القومي العربي.


أ‌- تيار الإصلاح الديني:

1- تعبر دعوة الموحدين الدعوة الوهابية أول محاولة تجديدية في العصر الحديث للعودة بالإسلام إلى ما كان عليه السلف متأثرة خطى ابن تيمية وقد اعتقدت أن السبب الأوحد لسقوط المسلمين هو فساد العقيدة وأنه لابد من العودة إلى التوحيد الصحيح وهدم البدع والخرافات ومن ثم فقد اهتموا بتقوية العقيدة وبالناحية الخلقية كما حددها الدين غير أنهم لم ينظروا إلى مشاركة المدنية الحاضرة ومطالبها ولم يعملوا على ترقية الحياة العقلية إلا ي دائرة العلوم الدينية.
2- ووجدت هذه الدعوة منذ سقوط الدولة الوهابية الأولى ضمير جمال الدين الأفغاني الذي عكسها لدى العالم الإسلامي الحديث وقد جاء السيد جمال الدين في مجتمع انتهى أمره إلى الانحلال بينما أخذ الاستعمار يستقر على أرضه وكانت أهدافه أولا: تقويض دعائم نظم الحكم الموجودة آنذاك كيما يعيد بناء التنظيم السياسي في العلام الإسلامي على أساس الأخوة الإسلامية التي بددتها النظم الاستعمارية ثانيا مكافحة المذهب المادي الذي كان يعتقد أنه راجع إلى الـتأثير الخفي لأفكار الغرب ثالثا: مقاومة النفوذ الأجنبي وبعث تعاليم القرآن بين الجمهور وبناء روح الكرامة بين المسلمين وإشعارهم بحقهم في الحرية.
3- ثم جاء تلميذه محمد عبده الذي واجه مشكلة الإصلاح بحسبانها مشكلة بدلا من تناولها من الزاوية السياسية معتقدا أنه لكي يتحقق الإصلاح يبج أن يبدأ خطواته الأولى من الفرد ومن ثم فقد نقل حركة العودة إلى الإسلام من عمل سياسي إلى عمل تربوي ثقافي باعتبار أن التربية هي أساس كل حركة إصلاحية وأن بناء الأجيال الجديدة هو الذي يحقق النهضة
4- وبرغم أن حركة محمد عبده نجحت في إزالة الركود العقلي إلا أن بعث النهضة الإسلامية ظل لا يكترث بالفاعلية الاجتماعية بل لم يستطع تغيير النفس الإسلامية ولا أن تترجم إلى لغة الواقع فكرة الوظيفة الاجتماعية للدين.
5- وقبل الحرب العالمية الأولى وفيما بين الحربيين قبل نشأة الإخوان تبلور هذا التيار في تلامذة محمد عبده رشيد رضا – جاويش وغيرها) وظل يعمل في الوسط المصري إلا أن الاستعمار الإنجليزي كان يتدخل لصالح تيار التغريب وبانقضاء الحرب العالمية الأولى 1918 كانت للتيارات التغريبي الليبرالي الغلبة في السياسة والفكر في مصر معززا بالنفوذ الاستعماري.
6- وقد نشأ البناء في الوقت الذي ضعف فيه هذا التيار ثم درسه وتأثر به واستفاد من أسلوب جمال الدين في العمل السياسي ومن أسلوب محمد عبده: الاهتمام بالتربية وحملت جماعة الإخوان جل أفكار التيار الإصلاحي ونفس غايته وهم يعتبرون أنفسهم امتدادا له وقد دفع البنا إلى تأسيس جماعته ما رآه من ضعف الممثلين لهذا التيار وعجزهم عن القيام بعمل جدي وقد حاول ذلك مع بعض علماء الأزهر وغيرهم في نفس الوقت الذي سيطر فيه تيار التغريب.

والحق أن جماعة الإخوان هي امتداد لتيار الفكر الموروث.


ب‌- تيار التغريب الليبرالي:

يعني التغريب عند أصحابه ضرورة جعل الغرب الحضاري هو المنبع الرئيس الذي يجب أن تعب منه الثقافة العربية المعاصرة لا نبع سواه.

وقد تسرب هذا التيار عبر منافذ عديدة إلى مصر ثم جاء الاستعمار الإنجليزي فدعمه وشجع بعض المفكرين الذين يحتذون أساليب الحياة الغربية.

وقبل نشأة الإخوان وبعدها كانت قنوات الفكر التغريب في مصر تتمثل في:

1- الجامعة المصرية ويذكر البنا أن البحث العلمي والحياة الجامعية بعد عام 1952 وقد اتخذ عند كثيرين صورة مضمونها أن الجامعة لن تكون علمانية إلا إذا ثارت على الدين وحاربت التقاليد المستمدة منه واندفعت وراء التفكير المادي المنقول عن الغرب بحذافيره.
2- مدار الإرساليات الأجنبية التي سارت وفق نظام التعليم الغربية وعلمت على نشر الثقافة الغربية وبناء جيل من الأمة له ولاء وتبعية لهذه الثقافة.
3- بعض المفكرين والكتاب وأبرزهم ثلاثة:
الأول: سلامة موسى في كتاب اليوم والغد صدر عام 1927 ويحدد أهدافه في حرية المرأة كما يفهمها الأوربي أن يكون الأدب 99٪ أوربا وأن يعاقب كل من يحاول أن يجعلها دينية إبطال شريعة الإسلام في الزواج والطلاق واقتلاع كل طابع شرقي وبكلمة تأكيد الذوبان في الغرب.
الثاني: هو علي عبد الرازق في كتابه الإسلام وأصول الحكم (صدر عام 1952) وأنكر فيه أن تكون الخلافة أو القضاء أو وظائف الحكم والدولة جميعا من الدين في شيء وقد روج هذا الكتاب للفكر العلماني وعبد له الطريق.
الثالث: هو طه حسين في كتابه مستقبل الثقافة في مصر صدر عام 1938 ويدعو إلى عدة أصول منها:
1- حمل مصر على الحضارة الغربية وطبعها به.
2- إقامة الوطنية وشئون الحكم على أساس مدني لا ديني.
3- حزب الوفد حيث تبنى النموذج الغربي في الفكر والنظم ومعايير الاحتكار والشرعية وكل الأحزاب التي انشقت عنه الأحرار الدستوريين .. إلخ.. وجرائدها

أي أن السيادة الفكرية والسياسية كانت لتيار التغريب قبيل نشأة جماعة الإخوان.

وقد أدت قوة وغلبة هذا التيار إلى استفزاز الشعور الإسلامي وأثر في البنا وبعض أصدقاءه فيقول: ليس يعلم أحد إلا الله كم من الليالي كنا نقضيها نستعرض حال الأمة وما وصلت إليه في مختلف مظاهر حياتها ونحلل العلل والأدواء ونفكر في العلاج ويفيض بنا التأثر لما وصلنا إليه إلى حد البكاء وكانت هذه الأحوال سببا مباشرا دافعا إلى تكوين جماعة الإخوان بحيث يمكن القول باطمئنان على قيام الإخوان كان استجابة لتحدي التيار التغريبي العلماني وتجسيداته الحية في الإدارات السياسية ومناخاتها الفكرية ويذكر بايندر أن الإخوان قامت كاعتراض على أنظمة الحكم غربية الطراز وأن كثافة الوجود الغربي وانتصار التغريب في مصر فرض عليهم أن يحددوا موقفهم من الغرب وحضارته.

ويذكر البنا أن مهمة جماعته أن تقف في وجه الموجة الطاغية من مدنية المادة إلخ...

بإيجاز فإن سيادة التغريب في مصر في هذه الفترة أثرت في نشأة وتطور جماعة الإخوان المسلمين.


ج‌- التيار الإقليمي: (الدعوة إلى المصرية):

1- كان دعاة هذا التيار هم دعاة التيار التغريبي وخاصة لطفي السيد وطح حسين وسلامة موسى وأفكاره هي نفس أفكاره مع الدعوة إلى الفرعونية واعتبار المصرية هي الجامعة بيننا وقد حصر هذا التيار الثقافة المصرية في الحدود الإقليمية الضيقة.
2- وقد تصدت جماعة الإخوان لهذا التيار مؤكدة الانتماء العربي الإسلامي لمصر وأخذ مفهوم الوطنية المصرية عندهم بعدا متميزا.


د. التيار القومي العربي:

1- يذكر الجندي أن ظهور القوميات في العالم الإسلامي لم يفصلها عن قاعدتها الأساسية المستمدة من الإسلام وأنها في ذاتها تحد للغرب وأن الكواكب دعا على مفهم العروبة على أساس الفكر الإسلامي.

وقد بدأت فكرة القومية العربية واضحة في مصر في عام 1933 مختلطة في كثير من الأحوال بالفكرة الإسلامية.

2- وقد انتشرت فكرة القومية العربية في مصر نتيجة لعدة عوامل منها:
- وجود التحدي الاستعماري وبروز قضية فلسطين والتحدي الصهيوني
- تكوين بعض الجمعيات التي دعت للفكرة العربية وعملت من أجل التقارب العربي.
- تبني أنصار التيار الديني لمفهوم العروبة مواجهة لدعوة المصرية الفرعونية.
- دخول مصر رسميا إلى حقل العمل العربي في أثناء الحرب العالمية الثانية وإنشاء جامعة الدول العربية وجعل مقرها القاهرة.
- وقد وجد التيار صدى بارزا عند جماعة الإخوان فاعتبروا أن وحدة العرب لابد منها ويجب مناصرتها والعمل من أجلها وتناولوا مفهوم العروبة والواحدة العربية ووقفوا موقفا عمليا مناصرا للجامعة العربية والقضايا العربية.


ه- تيار التغريب الشيوعي:

1- بدأت تتكون في مصر حلقات ماركسية من الأجانب واليهود الروس وبعض المصريين بعد الثورة الإشتراكية في روسيا عام 1971 وتكون الحزب الاشتراكي المصري عام 1921 الذي حمل برنامجه معالم الماركسية وكانت تسيطر عليه العناصر اليهودية وبعد عدة انقسامات تحول إلى حزب شيوعي تبني خط العمل المباشر مما أدى إلى تصادم مع حكومة سعد عام 1924 الذي وجه ضربة لهذا الحزب بدأ الفكر الشيوعي بعدها في الاختفاء.
2- وكانت قيادة الحركة الشيوعية في مصر ساقطة تماما في اليهود قبل عام 1948 وبعد الحرب العالمية الثانية تكونت عدة جماعات شيوعية مارست أنشطتها من خلال مجموعة من الأندية والروابط الثقافية.
3- وفي الأربعينيات كون هنري كوربيل الحركة المصرية للتحرر الوطني التي جعلت الفكر الاشتراكي مطروحا ومتاحا في مصر عن طريق كتبها ونشراتها وكون (هليل شوارتز )تنظيم الشرارة (ايسكرا ) الذي أسهم بدور كبير في تكوين اللجنة الوطنية للطلبة والعمال عام 1946 واتحد التنظيمات عام 1947 باسم الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني وفي عام 1951 قاد الشيوعيون المصريون الخركة بعد التخلص من شوارتز و كوربيل
4- ويتبين من ذلك أنه قد برزت حركة شيوعية تبنت الأصول الماركسية ويرى البشري أن تكون المنظمات الشيوعية كان أثرا مبالغا فيه من آثار حركة التغريب.
5- وقد بدأ الشيوعيون منذ عام 1945 يهاجمون الإخوان المسلمين عاملين على إبعادهم عن القضية الوطنية ومتهمين إياها بالفاشية والنفاق السياسي وكان الإخوان أعداء لدد للشيوعيين وتصدت جماعتهم لهم فكريا بتأكيد الدعوة للعدالة الاجتماعية وبعض الدراسات التي ترفض الشيوعية وعمليا بالاقتراب أكثر من العمال.

وكان البنا يهب بالمجموعات الشيوعية أن تتفهم الإسلام الذي يتضمن من الأسس الإصلاحية ما يسمو على المذهب الشيوعي بكثير كما يقرر أبو رقيق.

وبتحليل هذه التيارات من حيث موقف الإخوان منها يخلص الباحث بإثبات الحقائق الآتية:

أ‌- في الفترة من 1922 إلى 1952 تمت عدة إصلاحات في التعليم من أهمها مشروع التعليم الإلزامي عام 1952 ومشروع إصلاح التعليم الإلزامي عام 1941 وإلغاء مصروفات التعليم الابتدائي عام 1944 وقانون توحيد التعليم في المرحلة الأولى عام 1951 كما تم تحويل الجامعة الأهلية إلى جامعة حكومية عام 1952 وإنشاء جامعة فاروق الإسكندرية عام 1942 وقانون إنشاء جامعة عين شمس عام 1950.

وبرغم أهمية الإصلاحات إلا أن الإخوان رأوا أن معظمها لم يمس جوهر التعليم المصري من حيث غايته وبرامجه ومن ثم نادوا بسياسة استقلاليه قومية في التعليم المصري.

ب‌- ونتيجة لنمو الوعي القومي وتحديا لسياسة التعليم الإنجليزية في مصر ظهر فكر تربوي تعليمي كان من أبرز قادته إسماعيل القباني وطه حسين اللذان كانا لفكرهما التربوي صدى عند جماعة الإخوان المسلمين حيث نادوا ببعض أفكارهما وعارضوا بعضها.
ج- فمن أفكار القباني الأساسية العمل بأسرع ما يستطاع على توفير التعليم المثمر لجميع أنباء وبنات الشعب إلى المستوى الذي يعتبر حدا أدنى لإعداد الطفل للحياة في مجتمع راق أي تعميم تعليم أولي صالح ورفض التمييز بين تعليم الكافة وتعليم الخاصة في مصر لأنه مناف للعدالة الاجتماعية والتأكيد على مبدأ تكافؤ الفرص في التعليم بتوحيد تعليم المرحلة الأولى وإلغاء المصروفات منه وأن تغيرا لنظرة إلى وظيفة المدرس وخاصة مدرسة المرحلة الأولى و إلغاء المصروفات منه وأن تغير النظرة إلى وظيفة المدرسة وخاصة مدرسة المرحة الأولى من كونها مجرد أداة لمحو الأمية أو تلقين بعض مبادئ العلوم إلى تكون أداة لرفع مستوى حياة الشعب ثقافياي واجتماعيات وصحيا واقتصاديا.

وكان لهذه الأفكار تأثيرها في مطالب الإخوان المتعلقة بإصلاح بعض جوانب التعليم في مصر وخاصة ما يتعلق بتوحيد التعليم في المرحلة الأولى وتعميمها وتطوير الغاية من التعليم.

د- وكان لتقرير طه حسين أن سبيل التحضر في مصر هو الأخذ بالحضارة الغربية خيرها وشرها تأثير في فكره التربوي حيث قرر عدة أمور:

ما دامت الدولة لم تذهب مذهب الذين يؤثرون التعليم المدني الخالص فيكون تعليم الدين مادة من المواد القومية التي تدرس في المدارس وإن رأت الدولة إقامة التعليم على الفكرة المدنية الخالصة تركت أمر الدين إلى الأسرة فلا يكون جزءا من أجزاء المنهج والفكر الأخيرة هي ما يتسق مع منطقه الآخذ بالحضارة الغربية.

الدعوة إلى تطوير الأزهر ليصل إلى الملائمة بين تفكيره وبين التفكير الحديث وأن تدرس الوطنية والقومية بمعناهما الأوربي الحديث في التعليم الأول والثانوي في الأزهر .

الدعوة إلى ما أسماه إصلاح اللغة العربية وتطوير لغة الكتاب والأدب في العربية.

وقد تضمن كتاب طه حسين مستقبل الثقافة في مصر هذه الأفكار وغيرها وقد عارضها الإخوان ونشروا مذكرة تتعلق بمستقبل الثقافة في مصر موجهة إلى د. طه حسين كما نشروا عدة مقالات للرد على هذه الأفكار.

أهم سمات التعليم المصري في الفترة من 1922- 1952

تأثرت أوضاع التعليم المصري بالاستعمار وتصارع الأحزاب وسيادة التغريب ويمكن تركيز أهم سمات التعليم المصري في هذه الفترة والتي كان لها تأثير في فكر وحركة جماعة الإخوان كما يلي:


1- ضعف الزراعة القومية في التعليم المصري:

وكان ذلك واضحا في أمرين:

الأول: دارسة التاريخ حيث ظل التاريخ الأوربي غالبا على المنهج وأهمل التاريخ العربي والإسلامي وإهمالا تاما إلى آخر الفترة ولم يخصص لتاريخ مصر الحديث إلا نصف مقرر في السنة الخامسة أدبي فكان طلاب القسم العلمي يتخرجون في المدارس الثانوية دون أن يعرفوا عن وطنهم شيئا.

ويذكر د. أبو الفتوح رضوان أن مناهج هذه الفترة كانت تمثل تناقضا خطيرا فقد كانت ترمي إلى تربية الوطنية بمقررات في التاريخ غير وطنية كما كانت ترمي إلى دعم القومية في التلاميذ بمقررات في التاريخ غير قومية وكان الحال كذلك في مقرر الجغرافيا.

الثاني: ضعف الاهتمام باللغة العربية ففي عام 1935 كانت حصص اللغات في المدارس الثانية 19 حصة 9 منها للإنجليزية وأربعة للفرنسية وست للعربية وكانت الإنجليزية أساس في المناهج التعليمية في المدارس الابتدائية مما أدى إلى ضعف التلاميذ في لغتهم الوطنية ضعفا مخجلا.


2- عدم وجود سياسة قومية ثابتة للتعليم:

ويرجع غياب هذه السياسة حتى 1952 إلى استمرار السياسة التي وضعها الاحتلال الإنجليزي من قبل والمتمثلة في العمل على الإقلال من نشر التعليم وجعل هدفه هو إعداد طبقة متعلمة تفي بمطالب الخدمة الحكومية ومحاربة اللغة العربية والدين إلخ كما يرجع إلى التغيير المستمر في وزارة المعارف فقد تولى وزارة المعارف من 1922: 1952(95) وزيرا وإلى أن التطورات التي حدثت في التعليم لم تمس جوهر هذه السياسية وقد ترتب على ذلك أنه لم يكن للتعليم المصري أهداف تخدم القضية الوطنية وتبث في الشباب روح الاستقلال أي أن التعليم كان بعيدا عن البناء السليم لشخصية الإنسان المصري.


3- ازدواج التعليم في المرحلة الأولى:

فقد كان هناك المدرسة الابتدائية المفتوحة للتعليم الثانوي والعالي من جهة وكانت سائدة في الحضر ومن جهة أخرى المدارس الإلزامية والأولية التي لا تسمح بالترقي التعليمي وكان سائدة في الريف وكان هذا الوضع انعكاسا للفروق الطبقية بين غير القادرين وبين الأغنياء عموما.


4- عدم تكافؤ الفرص في التعليم:

وقد برز هذا القصور من جهتين:

الأولى: نتيجة للازدواجية السابقة.
والثانية: مصروفات التعليم التي كانت من الكثرة بحيث أعجزت كثيرين عن أن يلحقوا أولادهم بالتعليم المفتوح.


5- الثنائية:

أ‌- بين التعليم الديني والتعليم في المدارس والجامعات المدنية:
فقد كانت هناك سلسلتان للتعليم:
الأولى: التعليم الديني المتمثل في الأزهر وفروعه الابتدائي والثانوي والكليات.
والثانية: التعليم المدني حيث التعليم الإلزامي والابتدائي والثانوي والخصوصي والجامعي وكان كل نوع منهما يهيمن على عقول الملتحقين به ويوجهها بصورة بعيدة عن توجيه النوع الآخر مما شكل خطورة على وحدة الثقافة في الأمة.
ب‌- بين التعليم الوطني والتعليم الأجنبي:

واتسمت هذه الفترة بأن حركة نشر التعليم الأجنبي كانت قائمة وقوية ففي عام 1945 كان لإرسالية راهبات الرسول الفرنسية وحدها (23) مدرسة ويوضح الجدال التالي عدد مدارس بعض الدول الأجنبية في مصر عام 33/ 1934م

الجنسية عدد المدارس عدد المعلمين عدد الطلاب مدارس مصرية 8052 34789 781529 مدارس أمريكية 37 454 6329 مدارس إنجليزية 39 294 4454 مدارس فرنسية 157 1865 32485

وتتمثل خطورة هذه المدارس في أن معظمها كانت تخدم أغراضا دينية ثقافية مما أدى إلى عدد من الأخطار منها:

1- إغفال اللغة العربية.
2- حرمان الطلاب من التاريخ القومي والعربي والإسلامي والتركيز على تاريخ أوربا
3- خلوها من تعليم دين وأخلاق أبناء البلاد.
4- عدم تعميم تعليم ابتدائي صالح:

واستمر هذا القصور حتى 1952 وكان في مصر في هذه السنة 3 مليون طفل سن التعليم الابتدائي لم يدخل التعليم منهم إلا مليون وكان فيها 15 مليون جاهل من سكان مصر.


أثر السمات السابقة على فكر الإخوان التربوي:

هذه أهم السمات للتعليم في مصر في الفترة التي سبقت وتلت نشأة جماعة الإخوان ويمكن تلخيصها في أنها كانت عاجزة عن تكوين الإنسان المصري تكوينا سليما ومتكاملا فضلا على عجزها الواضح عن تكوين الشخصية الإسلامية في المواطن المصري وقد أثرت هذه السمات على الإخوان كما يلي:

1- جعل الإخوان هدفهم الرئيسي هدفا تربويا وهو تكوين جيل مسلم وطوروا عدة وسائل وبرامج لتكوين الوحدة الأساسية لهذا الجيل وهي بناء الشخصية المسلمة
2- تقدم مفكرو وكتاب الإخوان وقادتهم بمذكرات ومقالات تربوية لمواجهة كل مظاهر القصور السابقة تكون فكرا تربويا وخاصا بهم.
3- وقد عمل الإخوان على تلافي مظاهرا لقصور السابق عمليا بإنشاء مدارس الجيل الجديد والمدارس الابتدائية والثانوية ومدارس محو الأمية ومشاريع محو الأمية التي نفذوها وغيرها ذلك .

وكان يشرف على هذه الأعمال لجنة التربية ومحو الأمية بالمركز العام للإخوان المسلمين وفرع المعلمين التابع لقسم المهن.

4- كانت أوضاع التربية والتعليم في هذه الفترة بعيدة تماما عن صوغ الشخصية الإسلامية للمواطن المصري وكان هذا الوضع عاملا مهيئا لنشأة جماعة الإخوان وأن تجعل هدفها ووسيلتها أيضا تكوين جيل مسلم كما أن الإخوان قد تناولوا تلك الأوضاع بالنقد والتقويم ومحاولة الإصلاح مما أثر ف فكرهم التربوي بشكل واضح .
5- ودراسة أوضاع التعليم في ظل الاحتلال تنبئ أنه كانت هناك قضية ملحة أمام الجماعات الوطنية هي قضية سياسية ومن ثم فهي إحدى قضايا التربية السياسية في هذه الفترة فالتوعية بجوانبها جزء من الوعي السياسي.


خلاصة المبحث الأول:

1- كانت القوى والعوامل الفاعلة في المجتمع المصري السياسي والاجتماعية والثقافة والتعليمية ذات أثر بين نشأة وتطور جماعة الإخوان المسلمين بحيث يمكن تقرير أن هذه القوى والعوامل كانت روافد لإشكالية المجتمع المصري أو أزمته المتمثلة في سيادة التغريب والمحتل الأجنبي وفقدان الهوية المستقلة وتحلل المجتمع المصري وتفكك الشخصية المصرية وبكلمة غياب النظام الإسلامي في كافة نواحي المجتمع في نفس الوقت الذي ضعف فيه التيار الديني وقد شكل هذا الوضع تحديا كانت نشأة الإخوان اسجابة له كما أن تطورها كان نتيجة لتفاعلها مع هذه القوى والأوضاع فكريا وعمليا.

2- وكانت القضايا الأساسية في المجتمع المصي هي: قضية الحكومة الإسلامية وقضية الهوية قضية الاستقلال قضية العدالة الاجتماعية قضية الحريات والدستور قضية سياسة التعليم وتكوين شخصية المواطن المصري.

3- وبالرغم من أنه كانت هناك أسباب موضوعية لنشأة الإخوان إلا أنها ذاتها لم تنشئ الإخوان وإنما هي عوامل وأوضاع كونت مشكلة تنتظر من يواجهها على أن يكون على مستوى هذه الأوضاع المعقدة فكريا وتنظيميا بحيث يستوعب هذه الأوضاع ويأخذ من مواجهتها بكفاءة.

ويرى الباحث أن وجود البنا في هذه المرحلة يمثل العامل الأساسي في إنشاء وتطوير جماعة الإخوان المسلمين ومن ثم فمن الضروري التعرف على شخصيته والعوامل المؤثرة في تربيته وتكوينه ودوره في تأسيس جماعة الإخوان المسلمين.

المبحث الثاني: شخصية حسن البنا وجهوده في تأسيس جماعة الإخوان المسلمين.

يتناول الباحث هنا ثلاث نقاط:

أولا: شخصية البنا كزعيم آسر.
ثانيا: العوامل التي أثرت في تربيته وتكوينه
ثالثا: جهوده في تأسيس جماعة الإخوان المسلمين.


أولا: شخصية حسن البنا (الآسرة):

الزعامة أو القيادة الصالحة شرط من شروط التغيير أو النهضة وأسرها ضرورة لكي تكون بياناتها وتوجيهياتها ذات تأثير في فكر الجمهور وعواطفه وقد سبق في المباحث الأولى أن المجتمع المصري بمختلف القوى والعوامل المشكلة له كان يتطلب التغيير وهذا يعني أنه من الضروري اجتماعيا وجود زعيم يبدأ حركة التغيير وهنا نسأل هل كان حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين عام 1928 زعيما آسرا وما خصائص زعامته الآسرة؟ أو ما الصفات التي جعلته كذلك وما صورة البنا عند أتباعه خاصة إن هذه الأسئلة تجيب عن سؤال آخر هو إلى أي مدى تنطبق صفات الكارزما على شخصية البنا؟

أ‌- اتفق الدراسون لشخصية البنا مع اتباعه على أنه كان زعيما آسرا وشخصية أخاذه فروبير جاكسون الذي التقى بالبنا عام 1946 يقول: وكنت أتوقع أن يجيء اليوم الذي يسيطر فيه هذا الرجل على الزعامة الشعبية لا في مصر وحدها بل في الشرق كله ويقول أعتقد أن حسن البنا كان أهلا للمكان المرموق والزعامة الحقة التي وصل إليها أما دكمجيان أستاذ العلوم السياسية بجامعة نيويرك فقد قرر أن حسن البنا قائد ذو قوة آسرة وأن تأسيس الإخوان يمثل التقاء التيارات الاجتماعية القوية مع شخصية البنا الآسرة وقال وظهور البنا مثال يجسد الشخصية الآسرة التي تظهر أوقات الأزمات لتقوم بمهمة الخلاص الاجتماعي الروحي كما حددها ويبر هذا نموذج للدارسين له.
ويقرر طنطاوي جوهر أن حسن البنا في نظري أعظم من الأفغاني ومحمد عبده وأنه مزاج عيب من التقوى والدهاء السياسي إنه قلب على وعقل معاوية ويقول رأيت فيه صفات القائد الذي يفتقده العالم الإسلامي.
وعموما فإن رؤية الإخوان له أنه كان زعيما ملهما لا ضريب له في هذا العصر وأنه اجتمع له من المزايا النفسية ما لم يجتمع لغيره من رجال السياسة وعماء العصر من سمو الروح وجاذبية الحديث وقوة الأسر.
ب‌- فالبنا إذن زعيم آسر أما الخصائص التي جعلت شخصيته آسرة فقد رصدها وحللها دارسوه وتلامذته ويجعل الباحث أهمها فيما يلي، كما حللها جاسكون خاصة:
1- القراءة الواسعة والاطلاع الضخم وسعة الأفق ولم تكن هناك دعوة ولا نزعة ولا رسالة مما عرف العالم في الشرق أو في الغرب في القديم أو في الحديث لم يبحثها أو يقرأها أو يدرس أبطالها وحظوظهم من النجاح أو الفشل يعرف لغات الأزهريين والجامعيين والأطباء والمهندسين والصوفية وأهل السنة ويعرف لهجات الأقاليم في الدلتا وفي الصحراء وفي مصر الوسطى والعليا وتقاليدها بل إنه يعرف لهجات الجزارين والفتوات بل كان يعرف لغة اللصوص وقاطعي الطريق والقتلة.
2- القدرة الفائقة على التحمل والصبر وعلى العمل الدائم والرحلات المستمرة في أنحاء مصر كلها مما أعطاه قدرة على استكناه الضمير الشعبي المصري على صورة قل أن أتيحت لزعيم من قبل.
3- القوة الروحية الجارفة: كان نفاذ البصيرة نقادها يرى ما وراء الأشباح فيه من ذلك السر الإلهي قبس لقد منحه الإسلام حلة متألقة قوية الأثر في النفوس لم تتح لزعماء السياسة ولا لرجال الدين.
4- القدرة الفائقة على ضبط أعصابه والذكاء الشديد في مواجهة مختلف الظروف والصلابة في الحق والعطف على الآخرين والإحساس بالآمهم والاعتدال في الزهد
5- فهم دعوته والإيمان بها بعمق مع الإخلاص واستفاد الجهد من أجلها.
6- ويجمل جاكسون عوامل زعامته فيقول كان له من صفات الزعماء صوته الذي تتمثل فيه القوة والعاطفة وبيانه الذي يصل إلى نفوس الجماهير ولا تنبو عنه أذواق المثقفين وتلك اللباقة والحنكة والطهارة في إدارة الحديث والإقناع كان فيه من الساسة دماؤهم ومن القادة قوتهم ومن العلماء حججهم ومن الصوفية إيمانهم ومن الرياضيين حماسهم ومن الفلاسفة مقايسهم، ومن الخطابء لباقتهم ومن الكتاب رسالتهم وكان كل جانب من هذه الجوانب يبرز كطابع خاص في الوقت المناسب وكان أبلغ مواهبه القدرة على الإقناع وكسب الفرد بعد الفرد فيربطه برباط لا ينفصم.
ج‌- أما نظرة الإخوان أنفسهم له فتكشفي عن مدى تأثير شخصية البنا الآسرة فالبنا بالنسبة إليهم إمام اختاره الله باعث النهضة الإسلامية في العصر الحديث المرشد الملهم- الملهم الموهوب - أستاذ الجيل - عبقري البنا- القائد المربي- الزعيم شخصية عجيب فذة الداعية العبقري رجل غير عادي شخصية لا نظير لها عقلية جبارة الأخ المحبوب رجل الساعة الرجل الذي أشعل الثورة .

وهذه التعبيرات وغيرها تبين عن مدى أسر شخصية البنا لهم وهذا يفسر علاقة الحب والتأثر والطاعة التي كانت منهم إزاء شخصية الشيخ البنا فهي علاقة قائمة على مبررات نفسية ومنطقية.

وإثبات هذه العلاقة يبين أيضا أن بيانات البنا وتوجيهاته الفكرية والسياسية كانت ذات فاعلية في أتباعه جميعا ولجمهور المتلقين لها أي أنها ذات دور أساسي في تكوين وعي سياسي وعواطف سياسية عند هؤلاء.

د‌- والذي يقرره الباحث أن شخصية النبا كانت آسرة وأن عوامل زعامته تلك تسند إلى مجموعة من الصفات والخصائص العقلية والنفسية والروحية والجسمية والفسيولوجية التي نظر إليها من قبل اتباعه على أنها هبات من الله تعالى والتي كان بسببها زعيما مؤثرا ومحبوبا وجديرا بالقيادة حسب رؤية أتباعه والدارسين له على سواء غير أن للباحث ملاحظتين:
1- الاستقراء التام لجميع كتابات الإخوان عن البنا يؤكد أن أحدا منهم لم ير أن البنا شخص مقدس.
2- أن حسن البنا كان مطاعا من أعضاء جماعة الإخوان غير أن سلطته لم تكن سلطة روحية كارزمية حسب ما قرره فيبر، بل كانت سلطة تجمع بين نوعين هما: السلطة الآسرة التي تعتمد على حب الاتباع وطاعتهم الاختيارية والسلطة الراشدة التي تستند إلى اللواج والقوانيين التي يسلم بها الزعيم والأتباع معا.

ومن ثم فإن البنا زعامة آسرة حسب الثقافات الإسلامية ذاتها كما أن عوامل تربيته وتكوينه أسهمت بدور أساسي في تكوين أسس زعامته السابقة بالإضافة إلى ما وهبه الله له من قدرات .


ثانيا: العوامل التي أثرت في تربية وتكوين حسن البنا:

أثرت عدة عوامل في تكوين البنا عقليا وخلقيا وروحيا وسياسيا وإداريا يحللها الباحث فيما يلي:

أ‌- تأثير والده:

1- كان والده أحمد عبد الرحمن خطيبا لمسجد المحمودية وكان حافظا للقرآن وعالما بالحديث الشريف وله فيه مؤلفات كبيرة وقد تولى تربية ابنه حسن وأثر فيه من أربع نواحي:
أ‌- حرصة على أن يحفظ ابنه القرآن كله حتى إنه لم يوافق على أن يلتحق بالمدرسة الإعدادية إلا بعد تعهد حسن له بأن يتم حفظ القرآن من المنزل.
ب‌- تشجيعه على القرأءة ففتح له مكتبته وكان يهديه كتبا أثرت في نفسه مما ولد عنده شغفا بالمطالبعة فكون مكتبة خاصة وكان يستعير الكتب من أحد الباعة وكان لهذا التشجيع أثر كبير في تحصيله العلم خارج حدود المقررات الدراسية.
ج- توجيهه لحفظ المتون مما كان له أثر كبير فيه حيث حفظ وهو في المرحلة الإعدادية كثيرا من المتون في فنون متعددة.
د- تعليمه حرفة إصلاح الساعات حيث تعلم البنا منها الدقة والصبر أي أن تأثير والده كان فكريا بشكل بارز.


ب- تأثير أستاتذته وشيوخه:

كان في المدارس التي تعلم فيها البنا عدد من الأساتذة أثروا في تكوينه وكان بينه وبينهم صله روحية وجد فيها كثيرا من التشجيع.

ومن أهم أساتذته الذين أثروا فيه:

1- أستاذه الشيخ محمد زهران مدرس الرشاد الدينية: حيث استفاد منه حب الاطلاع وكثرة القراءة عن طريق اصطحابه إلى مكتبته ليراجع له النبا ويقرأ عليه وقد كان كفيفا ما يحتاج إليه من مسائل وكثيرا ما كان معه بعض جلسائه من أهل العلم فيتناولون الموضوع بالبحث والنقاش وهو يسمع

كما كان هذا الشيخي يكلف تلامذته بحفظ حديث نبوي كل يوم خميس فتكونت له ثروة علمية كانت سببا في أن يتقدم زملاءه فيما بعد.

2- أستاذه عبد الفتاح أبو علام مدرس المعلمين كان يشجعه على طاعة الله ويوصيه بالدراسة العميقة وإطالة النظر في أسرار التشريع الإسلامي وتاريخه وتاريخ المذاهب والفرق والطوائف.
3- أستاذه فرحات سليم مدرس المعلمين وكان له تأثير مهم في البنا: حيث إن البنا قد تغلبت عليه فلسفة الانعزال بتأثير حياة التصوف التي مر بها فىآثر ألا يتقدم للدراسة بدار العلوم واستطاع هذا الأستاذ أن يدفعه إلى المذاكرة بجد.
وغير ذلك من الأساتذة كثير.
ولم يقتصر تأثير أساتذته على تعميق حب العلم في نفسه وتشجيعه على طاعة الله فقط بل أعطوه القدرة على احترام الراي الآخر والالتزام الوطني كما أعطوه مثالا عمليا حسنا للمعلم الجيد الذي يعرف كيف يتعامل مع طلابه ويكون معهم علاقات طيبة تدفعهم إلى مزيد من التعليم.
ويلحق بذلك لقاءاته بعلماء ومفكرين في عصره فالتقى وجالس محب الدين الخطيب في مكتبته السلفية ومحمد الخضر حسين وأحمد تيمور ولاشيخ الغمراوي وكان يحضر مجالس رشيد رضا فيسمع منه ومن جلسائه وكان يعشق منزل محمد فريد وجدي كثيرا للاستفادة وكان من عشاق دائرة معارفه كل ذلك وهو طالب في كلية العلوم.
ووظائفها وكان البنا يحضر دروس أحد شيوخه في الطريقة حسن خزبك الذي كان يدرس إحياء علوم الدين قبل صلاة الفجر وقد أثر فيه الإحياء حيث عمق فيه كما يقرر البعد عن المظاهر وقد رسه كله وهو كان يرى أن الإحياء موسوعة إسلامية ولقد بدأ فيما بعد في شرحه للإخوان ولكنه لم يستمر.
4- وعن طريق الحصافية ألتقى البنا بأحمد السكري الذي اسس معه جمعية الحصافية الخيرية وكانت صلتهما عميقة كما ألتقى بعبد الوهاب الحصافي الذي كان يوجهه ومن معه نحو البعد عن الجدل فيما لا ينفع.
5- تأثر البنا بأسلوب الحصافية في التربية الروحية ففضلا عن الأذكار والأوراد ودراسات الأحياء والصلوات الجماعية وصيام الاثنين والخميس والزيارات الأخوية كان أحد المربين في الطريقة يأخذهم عشرة أو نحو ذلك ويذهبون إلى المقبرة فيزورون المقابر ويقرءون الوظيفة ويحكي لهم عن أحوال الصالحين بطريقة تؤثر في القلق ثم يعرض عليهم القبور المفتوحة ويذكرهم بمصيرهم إلهيا وقد يأمر أحدهم بدخول قبر مفتوح وقد استفاد البنا من ذلك فقد عمق فيه هذا الأسلوب الزهد وصفي روحه.
6- ظل البنا في الطريقة الحصافية من 5إلى 13 حتى سن 21 حينما أسس جمعية الإخوان المسلمين أي سبع سنوات ونصف من تلك التربية.

ومن ثم فقد كان لها تأثيرا كبير في شخصيته الروحية وفي دعوته حيث جعل من جوانبها الأساسية أنها حقيقة صوفية كما هي طريقة سنية ودعوة سلفية وهيئة سياسية .

كما تأثر البنا بأسلوب التربية في الطريقة فاهتم بتهذيب نفوس الإخوان كما وضع لهم الأوراد والوظائف.


د- جماعات الأصداق وما اشترك فيه من جمعيات:

1- كان أصدقاء البنا ورفقاؤه مجموعات من الشباب المتدين، تعرف عليهم في حلقات الإخوان الحصافية ومدرسة الرشاد الدينية ومدرسة المعلمين بدمنهور، ومدرسة دار العلوم بالقاهرة وغير ذلك وكانوا حريصين على الالتزام الإسلامي ومقاومة ما يرونه منكرا مما وفر له بيئة مناسبة لنموه الإسلامي وخصوصا في المدن دمنهور والقاهرة وقد كان البنا مبادرا إلى تكوين جمعيات مع رفقائه هؤلاء منذ طفولته وأحيانا بتوجيه من بعض أساتذته وحتى تخرجه في دار العلوم.
2- ومن هذه الجمعيات:
  • جميعة الأخلاق الأدبية وكونها بتوجيه من أحد أساتذته وهو في المدرسة الإعدادية وقد وضع الأستاذ لائحتها واختير البنا رئيس لمجلس إدارتها وقد كان لها تأثيرا في التكوين الخلقي للتلاميذ ودفعتهم إلى مقاومة المنكرات.
  • جمعية منع المحرمات: وكونها من بعض زملاءه ومهمتها إرسال خطابات إلى من يعلم عنه أن يرتكب محرما وكانت أعمالها موزعة على أعضائها واستمرت ستة اشهر.
  • جمعية الحصافية الخيرية: أسسها مع أحمد السكري وكان البنا سكرتيرا لها وزاولت عملها في ميدانين الأول: نشر الدعوة إلى الأخلاق الفاضلة ومقاومة المنكرات الفاشية والثاني: مقاومة الإرساليات التبشيرية في المحمودية.

وكرد فعل لمظاهر التحلل وجهل العامة في القاهرة كون فئة من طلاب الأزهر ودار العلوم للتدريب على الوعظ والإرشاد في المساجد ثم في القهاوي والمجتمعات العامة ثم كون منهم جماعة تنشر في الريفي والمدن المهمة لنشر الدعوة الإسلامية وكون للمجموعة مكتبة خاصة بهم وقد استفاد من فكرة الدعوة في القهاوي في الإسماعيلية قبيل تأسيس جماعة الإخوان.

3- ويرجح الباحث أن كل تلك التجارب قد كان لها أثر في تكوين عقلية البنا الإدارية والتنظيمية كما أنها أعطته خبرة عملية في الإدارة وتشكيل الجماعات على مستويات مختلفة وخبرة مباشرة في التعامل مع الآخرين واكتشاف قدراتهم مما ساعده فيما بعد على تكوين جماعة الإخوان المسلمين وتنظيمها بصورة هرمية دقيقة وبطريقة تستوعب كل أعضائها.


ه- الأحوال السياسية:

ويتناول الباحث منها ما كان له أثر مباشر على حسن البنا:

1- وقد كان لثورة 1919 الشعبية بعض الأثر فيه فشارك فيها بشعر ومظاهرات وإضرابات وإصغاء إلى أحاديث الناس حول قضية الوطن وتطوراتها وقد كان لذلك أثر بلا شك على تكوين البنا السياسي وهو في فترة مبكرة من حياته سن الثالثة عشرة وقد أخذ الوعي السياسي في التكوين عند البنا حتى أنه عندما قاطع الشعب لجنة ملنر ينفعل ويقول شعرا:

يا ملنر أرجع ثم سل

وفدا باريس أقام

وأرجع لقومك قل لهم

لا تخدعوهم يا لئام.

ولقد نما هذا الوعي إلى درجة أن يعتبر البنا تلك المشاركة وهو في فترة اشتغاله بالتصوف جهادا مفروضا لا مناص منه.

2- وفي أثناء دراسته في دار العلوم حدث الانقسام بين الوفد والأحرار الدستوريين وما تلاه وكان ذلك موضع أحاديث الطلاب والأساتذة وتعليقهم وكان الأساتذة يبينون آرائهم واضحة مما كان له أثر في التثقيف السياسي للبنا.
3- ولما ذهب إلى الإسماعيلية تجسد الاحتلال الإنجليزي ببشاعة أمامه هناك لا توجد فقط معسكرات الجيش البريطاني بل هناك كان أيضا شركة قناة السويس التي يسيطرون عليها ويعاني فيها العمال من استعباد مرير، وكانت تسيطر سيطرة كاملة على الخدمات العامة والشئون الاقتصادية للإسماعيلية ولقد أثر هذا الوضع في البنا إلى درجة أنه يقول لقد أوحت الإسماعيلية بالكثير من المعاني التي كان لها أثر كبير في تكييف الدعوة والداعية .

تلك هي العوامل التي أثرت في تكوين شخصية البنا وتفاعلت مع قدراته الخاصة مثل الذكاء والقدرة التنظيمية وقوة الذاكرة وشدة التحمل والرغبة الدائمة في الاطلاع والسفر.

وكان للبنا دور الأول والأساسي في إنشاء وتطوير جماعة الإخوان المسلمين في نفس الوقت الذي تهيأ فيه الأوضاع الاجتماعية والسياسية لهذه النشاة.

ثالثا: جهود النبا في تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في الإسماعيلية من عام 1927، 1932:

أ‌- قضي النبا نصف عام دراسي منذ وصوله الإسماعيلية حتى أوائل عام 1928 يدرس أوضاع الناس ويتعرف على عوامل التاثير في مجتمعهم واستطاع أن يتعامل مع العلماء وشيوخ الطرق والأعيان ةوالأندية ويكسب ودهم وينفذ من خلالهم إلى عامة النسا ليجذب انباههم إلى دعوته.

ب‌- وتنيجة لدراسة تلك ابتكر أسلوبا لدعوة وتربية هؤلاء الناس يتلخص فيما يلي:

1- ترك المساجد لما فيها من اختلافات وتوجه إلى القهاوي واختار ثلاثا من أكثرها روادا ورتب في كل منها درسين في الأسبوع
2- تحري البنا الموضوعات المؤثرة في النفوس كهدف مثل التذكير باليوم الآخر واختار أسلوبا سهلا ممزوجا بالعامية أحيانا مع أمثال وحكايات وخطابية مؤثرة دون إطالة من عشر دقائق إلى ربع ساعة وكان يعرض في هذه المدة معنى يتركه واضحا في نفس الناس.
3- بعد ما طلب الناس منه أن يبين لهم كيف يتعلمون أحكام الإسلام اتخذ مكانا خاصة رتب فيه دروسا ذات أسلوب عملي في تعليم العبادة معت تكوين العقيدة الصحيحة في أثناء ذل وتقويتها بالآيات والأحاديث والتذكير بالآخرة والابتعاد عن القضايا الفلسفية وعن هدم عقيدة فاسدة إلا بعد بناء عقيدة صحيحة.
4- حرص النبا على البعد عن كل الخلافات مع صرف السائلين عنها بأساليب رفيقة وتجيههم للعمل
5- في نفس الوقت مع دروس القهاوي والزوايا كان محاضراته في الأندية مستمرة واتصالاته بالعلماء ورجال الطرق والأعيان تسير في اتجاه كسبهم جميعا لصفه.

وبهذه الأساليب التربوية تمكن البنا من الانتقال بالناس إلى حالة من الاهتمام بالدين والحرص على أحكامه وكان الوجود الإنجليزي وترف الأجانب وبؤس العمال عاملا قويا على انتشار دعوته في الإسماعيلية.

ح‌- وقد نجح الأسلوب السابق في الـتأثير على مستمعيه فزاره في منزله في مارس 1928 سنة أشخاص نجار وحلاق ومكوجي، وسائق ، وجنايني، وعجلاتي) وتحدثوا معه في :

1- حياة الاستعباد للأجانب.
2- عدم إدراكهم لطريق العزة كما يدرك وعدم معرفتهم بالسبيل إلى خدمة الدين والأمة والوطن كما يعرف وقدموا أنفسهم ليكون مسئولا عنهم كجماعة تعاهد الله على أن تحيا لدينه وتموت في سبيله فأجابهم البنا فلنبايع الله على أن تكون لدعوة الإسلام جندا وفيها حياة الوطن وعزة الأمة وبعد بيعتهم تشاوروا في اسم جماعتهم واتفقوا على الإخوان المسلمون.

وقد أسفير هذا الاجتماع أيضا على استئجار حجرة لاجتماعاتهم الخاصة تسمى مدرسة التهذيب للإخوان المسلمين وقد وضعوا لها منهاجا نظريا وعمليا وفي نهاية عام 1927- 1928 الدراسي بلغت هذه الجماعة أكثر من سبعين فردا وبهذا تكونت جمعية الإخوان وصار لها نظام أساسي ومجلس إدارة وجمعية عمومية بصورة رسمية قانونية.

ذ‌- وقبل أن ينتقل البنا من الإسماعيلية إلى القاهرة عام 1932 كان الإخوان قد أسسوا مسجدا ومدرسة للبنين معهد حراء الإسلامي ومدرسة للنبات معهد أمهات المؤمنين ونادياي رياضيا وفريقا للرحلات وأنشئوا عدة شعب خارج الإسماعيلية في شبراخيت والسويس وجباسات البلاح وغيرها ويذكر البنا أن قائد شعبة البلاح محمد فرغلي قد أثار روح العزة في العمال فارتفع مستواهم الفكري والنفساني والاجتماعي.

ويخلص الباحث من التحليلي السابق بما يلي:

1- كانت جهود البنا عاملا أساسيا وأوليا لإنشاء جماعة الإخوان كما سبق وبهذا فإن شخصية البنا تعد القوة الأولى المؤثرة في نشأة هذه الجماعة.
2- إنه كان هناك عوامل متداخلة أثرت في تكوين البنا وأهلته ليقوم بهذا الدور منها عوامل موضوعية وأخرى ذاتية تتصل بصفاته العقلية والنفسية.


رابعا: خصائص نشأة الإخوان في مرحلة التأسيس:

ولم تكن شخصية البنا ذات الدور الأساسي في تكوين جماعة الإخوان فحسب بل كان لها تأثيرا أولي في أن يأخذ نشاطها في بدايته سمات محددة هي:

أ: الشمول:

1- فقد حرص البنا على ألا تكون دعوته محصورة في نفير من المسلمين ولا في ناحية من نواحي الإصلاح بل حاول أن تكون دعوة عامة قوامها العلم والتربية والجهاد وهي أركان الدعوة الإسلامية الجامعة فمن أول الطريق تجتمع التربية والجهاد وكان يذكر رجال الطرق بغفلتهم عما يهددهم في كيانهم الدنيوي بغلبة الأجانب على خيرات بلادهم
2- وبتحليل أنشطتهم في الإسماعيلية نجدها ذات شعب متعددة هي:
أ- المجال التعليمي التربوي والثقافي مدرسة التهذيب - المدارس والمعاهد- الدروس - الخطب - توزيع مجلة الفتح.
ب- المجال الاجتماعي تأسيس الأندية وفرق الرحلات الكشافة فيما بعد والملاجئ في شعبة تقريبا.
ج- المجال الاقتصادي بإنشاء بعض المصانع والمشاغل.
د- المجال السياسي ومن صوره في هذه المرحلة التنفير من سيطرة الأجانب بث روح العزة في العمال مقاومة التبشير مهاجمة سياسة أتاتورك لفصله الدولة عن الدين وإعلان البنا أن الدعوة واجبة على الحكومة والبرلمان وأن عليها أن تهتم بالتعليم الديني وتمنع المجلات الهازلة وتغلق أماكن اللهو


3- ولعل هذا الشمول في صورته الأولية هذه من جماعة في بدء تكونها يرجع لعاملين:
الأول: طبيعة الإسلام الشاملة التي ما فتئ البنا نفسه بذكر بها في رسائل ومحاضراته فيما بعد.
الثاني: الأوضاع السائدة آنذاك بجوانبها وما تتطلبه من عمل مكافئ لمواجهة كل منها.


ب- الانتشار:

1- لم تمتد دعوة الإخوان بجهود البنا غالبا خارج الإسماعيلية فحسب بل توسعت عدديا ففي عام 1932 عقد البنا اجتماعا لاختيار نائب عنه حضره أكثر من 500 من أخوان الإسماعيلية.
2- ويفسر البشري انتشار دعوة الإخوان بإرجاعه إلى غموض فكرها وسيطرة المرشد الشخصية وهذا ليس تفسيرا بقد ما هو اتهام ولعل السبب في هذا الانتشار يرجع إلى :
أ- النموذج التطبيقي للإسلام الذي قدمه الإخوان من البداية ولم يستطيع الأزهر أو الجمعيات الإسلامية الموجودة آنذاك تقديمه في الوقت الذي تعثر فيه النظام الليبرالي في مصر لاقى هذا التطبيق تأييدا سريعا من جمهور الإسماعيلية مما يثبت أن الشعب المصري قد أكد استمرار تمسكه بالإسلام لا من حيث هو عقيدة فحسب وإنما لكونه فكرة سياسية أيضا.
ب- الأسلوب التربوي الاجتماعي الذي اتبعه البنا في دعوته وتربيته.
ج- الأجواء المثيرة للعواطف الإسلامية والآتية من سيطرة الأجانب إلخ..


ج_ سورية العلاقة بين المرشد والأعضاء:

1- ثمة مظاهر كثيرة لهذه السمة فبعد بيعة العمل الستة له تشاوروا في اسم الجماعة كما تشاورا في مكان الاجتماع وكان إنشاء دار الإخوان باقتراح من أحد الإخوان
2- واقترح بعض الإخوان فكرة ترشيح نائب عن البنا عندما أراد الانتقال إلى القاهرة فعقد البنا اجتماعا شاملا عرض فيه فكرة الترشيح فوافقوا بالإجماع ثم عرض عليهم من رشحه فوافقوا مجتمعين واعترض أربعة لم يكونوا حاضرين على هذا الترشيح فدعا البنا لاجتماع حضرة أكثر من 500 وافقوا جميعا إلا هؤلاء الجماعة إذ قالوا فيما بعد بأن الجماعة تيسر على غير نظام الشورى فرد البنا فإذا كانت الجمعية العمومية تستشار ومجلس الإدارة يستشار باعترافهم فأين فقدان الشورى.

د- ونتيجة للانتشار المشار إليه قدمت بلاغات وشكاوي كبداية ضد البنا تتهمه بأنه: شيوعي متصل بموسكو وفدي يعمل ضد صدقي، جمهوري يعمل ضد فؤاد ومجرم يجمع الأموال لغير أغراض قانونية وقد حقق في هذه التهم وغيرها وثبت بطلانها جميعا.

ودلالة التهم الثلاث الأولى تكمن في مضمون الصفات السياسية التي اتهم بها البنا إذ تعكس عملا سياسيا كان يقوم به وإن كان قد فهمت خطأ من خصومه.

ويخلص الباحث من ذلك إلى أن نشاط الإخوان كان ذا منحى تربوي وسياسي واجتماعي منذ البداية إلا أن هذه الأبعاد قد تطورت مع تطور الجماعة في مراحلها التالية.

المبحث الثالث: تطور النشاط التربوي والسياسي والاجتماعي في مرحلة التكوين والانتشار من 1932- 1939

يتناول الباحث نشاط الإخوان في جوانب ثلاثة: التربوي والسياسي والاجتماعي في هذه الفترة كما يلي:

أولا: النشاط التربوي والتبليغي:

أ- تطور النشاط التربوي والتبليغي بعد انتقال المركز العام إلى القاهرة عام 1932- تطورا كبيرا واتخذ هذه المظاهر:

1- إلقاء الدروس والمحاضرات في شعب الإخوان والمساجد ثم أسسوا عام 1939 حديث الثلاثاء ونظموا درسا أسبوعيا مساء الخميس من كل أسبوع خاصا بطلبة الجامعات.
2- إصدار الإخوان رسالة المرشد العام صدر عددان ثم أصدروا جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية في الفترة من 22 صفر 1352 (1933) حتى 12 رمضان 1357 نوفمبر 1938 ثم أصدروا مجلة النذير سياسية أسبوعية في 30 ربيع الأول 1357 (1938) كما أصدروا عددا من الرسائل
3- أنشئوا قسم الطلاب وركزوا الدعوة في المدارس والجامعات وكونوا لجنة الطلبة
4- أكثروا من إنشاء الشعب في القاهرة والأقاليم حتى بلغت عام 1938 أكثر من 300شعبة وتتضمن كل واحدة مدرسة ومكتبة وناديا رياضيا.
5- طوروا فرق الرحلات إلى تشكيلات كشفية وجوالة بهدف إدخال التربية النظامية الصحيحة في نفوس شباب الإخوان وترويض النفس على تأليف حياة الخشونة التقشف.
6- عقب المؤتمر الخامس يناير 1939 أصدر مكتب الإرشاد المنشور الدوري الأول يتضمن برنامج عمل تربوي لكل شعبة يشتمل على :
أ- وجوب الاهتمام بنشر الدعوة في المناطق المحيطة بكل شعبة.
ب- عدم التباطؤ في تكوين فرقة الجوالة وتكوين الكتيبة بكل شعبة.
ج- الاهتمام بصور النشاط الشهري بحيث يتضمن كل شهر يوما للنصيحة ويوما للآخرة ويوما لعيادة المرضى ويوما للتعارف والاهتمام بالنشاط الأسبوعي وهو ليلة الدرس وليلة الكتيبة ويوم المعسكر.
7- اهتموا بالرحلات والمعسكرات وفرق الإرشاد والتوعية في صيف كل عام وأقاموا معسكرا تربويا كبيرا في الدخيلة بالإسكندرية عام 1938.
8- عقد الإخوان خمسة مؤتمرات دورية وعدة مؤتمرات إقليمية ورأوا ضرورة ربط الإخوان بالمؤتمرات لتبادل الآراء وتوحيد الكلمة وكان من قرارات المؤتمر الثاني العناية بمناهج التعليم العام والخاص بمدارس الجمعية الليلية والنهارية.
9- اهتم الإخوان بقضية التعليم فكتبوا خمس مقالات عن مناهج التعليم ونشروا ثلاث مذكرات عن تدريب الدين في المدارس وإصلاح الأزهر وتوحيد الثقافة والتعليم في مصر.
10- في عام 1932 تكونت أول فرقة للأخوات المسلمات في الإسماعيلية وأخرى في القاهرة وكانت ذات دور تربوي بين النساء وصدرت اللائحة الأولى لها عام 1933.


ب- وتحليل هذه المظهر بين أن العمل التربوي قد تطور كثيرا وتنوعت أنشطته في هذه المرحلة وأنها سارت في ثلاثة محاور هي:

(1) تربية عضو الإخوان وأنشئ لذلك نظام الدروس والكتائب والجوالة والمعسكرات والمؤتمرات.
(2) تقديم فكر تربوي من خلال رسائلهم ومقالاتهم عن التعليم المصري في صحفهم.
(3) التوجيه الفكري للرأي العام في مصر عن طريق الصحف والرسائل والدروس العامة.


ثانيا: النشاط السياسي والاجتماعي:

اشترك الإخوان في العمل السياسي بشكل بارز في هذه الفترة:

أ- فقد تبنوا قضية فلسطين منذ تفجرها عام 1936 بثورة أهلها ضد الإنجليز واليهود وشاركوا فكريا وعمليا في مناصرتها بنشر كل ما يتعلق بها في صحفهم وعقد المؤتمرات والمسيرات وتأليف لجان جمع التبرعات إلخ..
ب- هاجم الإخوان الحكومات التي رأوها مقصرة وعارضوا معاهدة 1936 التي عقدها النحاس وعندما صرح النحاس بأنه معجب بلا تحفظ بأتاتورك رد عليه البنا بخطاب انتقد فيه أتاتورك ودعا النحاس إلى أن يسلك بالأمة مسلكا يعيد إليها ما فقدته من استقلالها السياسي وتشريعها الإسلامي وخلقها الاجتماعي.
ج- وأرسلوا إلى فاروق والنحاس ومحمد محمود ووزير العدل وشيخ الأزهر رسائل تضمن نقاطا محددة في الإصلاح السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي.
د- واعتبر الإخوان أن الاستعمار والشركات الأجنبية والتقليد الغربي والقوانين الوضعية من الموبقات العشر التي أوجبوا محاربتها على كل عضو فيهم.
ه- أقام الإخوان مؤتمرا سياسيا لطلابهم في محرم 1357 بدار الشبان وألقى البنا فيه خطابا عن موقف الإسلام من السياسية والأحزاب وقرر المؤتمرون المطالبة بحل جميع الأحزاب السياسية واستبدالها بهيئة موحدة لها منهاج إسلامي يتناول كل شئون النهضة.
و- عقد الإخوان المؤتمر الخامس عام 1939 الذي اعتبره البنا أول فرصة يواجه فيها المجتمع المصري والدولي بدعوته.
وقد تناول خطاب المؤتمر موقف الإخوان من الحكم والقوة والوطنية والقومية العربية والوحدة الإسلامية وموقفهم من الدول الاستعمارية ومن قضية فلسطين ومؤتمر المائدة المستديرة ومكر انجلترا مما يدل على أنه كان بيانا سياسيا عن الإخوان.
وكان من قراراته تشكيل لجنة دستورية لدارسة نصوص الدستور المصري والموازنة بنيها وبين القواعد الأساسية في نظام الحكم الإسلامي ولجنة خاصة لدراسة قضية طرابلس

وعقب المؤتمر أصدر الإخوان منشورا أكدوا فيه الدعوة لمناصرة فلسطين والدعاية القومية لجمع قرش فلسطين.

ويتبين من ذلك أن المؤتمر الخامس كان مؤتمرا سياسيا خالصا.
ز- وقد أسهم الإخوان في حركة مقاومة التبشير بإنشاء الملاجئ والمشاغل للأيتام والفقراء وتناولوا قضية إصلاح الريف وترقية الفلاح اجتماعيا وثقافيا.
ج- ودخلوا الميدان الاقتصادي فأنشئوا شركة مطبعة الإخوان عام 1934 وشركة المعاملات الإسلامية وشركة الإخوان للغزل والنسيج بشبرا الخيمة وكلها شركات مساهمة.
ط- وتحليل هذه الأنشطة يدل على أن الإخوان تطوروا في ميدان المشاركة السياسية والاجتماعية في هذه الفترة وأن هذه الأنشطة اتجهت إلى القضايا السياسية الأساسية آنذاك وهي قضية فلسطين والاستعمار والوحدة وإصلاح الحكومة والاستقلال الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.
وبهذا فإن جماعة الإخوان وخاصة من عام 1936 كانت حركة تربوية سياسية بشكل واضح وليست كما قرر البشري ذات لون سياسي مستتر نوعا ما

ويخلص الباحث مما سبق إلى أن النشاط التربوي السياسي والاجتماعي للإخوان فيما بين 1932- 1939 قد تطور كثيرا عن مرحلة التأسيس وأن موقع العمل التربوي والسياسي كان بارزا ومتوازيا.

المبحث الرابع :تطور النشاط التربوي والسياسي لجماعة الإخوان في مرحلة التكوين والعمل السياسي(1939- 1952)

يتناول الباحث هذا التطور في هذه المرحلة في النقاط الآتية:

تطور النشاط التربوي والسياسي للإخوان في أثناء الحرب العالمية الثانية:

أولا: النشاط التربوي والإداري.

أ- استغل الإخوان قيام الحرب العالمية الثانية وانشغال الحكومات والمستعمر بها لتكثيف الجهود من أجل استكمال عناصر القوة المتمثلة في إيصال دعوة الإخوان إلى كل فرد في مصر وتكوين شعبة الإخوان في كل قرية ومدينة وربط المنتمين إلى الدعوة برباط متين أي اهتمام بالتربية والتكوين وترتب على هذه السياسة ما يأتي:

1- وضع نظام بنائي جديد لجماعتهم يتمثل في إنشاء الهيئة التأسيسية ومكتب الإرشاد العام ولجنة العضوية وتكوين المكاتب الإدارية ومجالس إدارات الشعب.
2- أصدر الإخوان عام 1940 اللائحة العامة للمنهاج الثقافي للإخوان لتوجيههم ثقافيا وإكمال نقصهم العلمي وتقوية مواهبهم واستعداداتهم في نواحي الإنتاج اللازمة للنهوض بالدعوة كما سجلت جوالة الإخوان رسميا بجمعية الكشافة وأقاموا عدة معسكرات تربوية علميا وعمليا في عام 1942، 1943، 1944 وكان بعضها خاصا بالطلاب.
3- أصدروا مجلة التعارف ثم مجلة الإخوان المسلمون في عام 1942 التي استمرت حتى عام 1948

وقد تناولت قضايا التعليم المصري وخاصة سياسية التعليم وأهدافه والتربية الدينية والخلقية في المدارس المصرية ورسائل المدرسة الإلزامية وتربية الأطفال ومحو الأمية إلخ في هذه الفترة

4- أنشئوا نظام الأسرة للتربية والتكوين العقدي والاجتماعي عام 1943.
5- كما أنشئوا النظام الخاص للتربية السياسية والعسكرية الإسلامية عام 1940.
6- تكونت أول لجنة تنفيذية لقسم الأخوات في إبريل 1944.

ب- ويدل تحليل هذه الأعمال على استمرار التطور الذي بدأ في المرحلة السابقة ولكن في تركيز على محورين:

المحور الأول: تربية عضو الإخوان وأنشئ لذلك نظام الأسر ولائحة المنهاج الثقافي والنظام الخاص وغير ذلك..
المحور الثاني: هو بناء فكر تربوي عن التعليم في مصر وكلاهما امتداد للعمل التربوي في المرحلة السابقة.


ثانيا: النشاط السياسي:

ويتمثل في المرحلة فيما يلي:

أ- موقف الإخوان من الحكومات المصرية.

1- وافق الإخوان على وزارة علي ماهر (1939- 1940) وتجاوروا معها مبررين ذلك بوطنيتها وكفاءتها وأرسلوا مذكرات لعلي ماهر يطلبون فيها أن يعني باختيار معاونيه ويعني بالشئون الاقتصادية ومعاونة الفقراء وأن يتشدد في الحقوق القومية ويهتم بقضية فلسطين.
2- وفي وزارة سري (1940- 1942) تم نقل البنا إلى قنا بإيعاز من الإنجليز ثم اعتقل بعد إعادته إلى القاهرة هو السكري وعابدين وأفرج عنهم وصادرت الحكومة مجلات ومنعت طبع رسائلهم واجتماعاتهم.


ب- وعقد الإخوان عدة مؤتمرا سياسية كان من أهمها.

المؤتمر السادس ( 9/ 1/ 1941) وقد تناول خطابه شئون مصر السياسية والاجتماعية والاقتصادية تناولا إحصائيا وكشف عن نشاط الشركات الاحتكارية إحصائيا وتحدث عن أحوال الفلاح والأمراض المتوطنة.

ج- دخول الانتخابات دخول الإخوان الانتخابات البرلمانية مرتين في هذه الفترة:

المرة الأولى: عام 1942 في عهد وزارة النحاس حيث رشح البنا نفسه تم تنازل بعد أن طلب منه النحاس ذلك.
والمرة الثانية: في وزارة أحمد ماهر حيث رشحوا خمسة منهم ثم زورت الانتخابات لصالح خصومهم.

ويتبين من هذه الأنشطة أن العمل السياسي عند الإخوان قد تطور متمسكا بالسبل القانونية السليمة في مرحلة الحرب العالمية الثانية.

ويخلص الباحث من العرض السابق بأن العمل التربوي والسياسي قد تطور أكثر من المرحلة السابقة عليها إلا أن العمل التربوي كان أكثر تطورا واتساعا من السياسي في هذه الفترة (1939- 1945).

النشاط التربوي والسياسي من (1945- 1948).

أولا العمل التربوي:

أ- استمر العمل بالأنظمة التربوية التي أعتمدها الإخوان جميعها واستمر نشاط الدعوة واستيعاب المدعوين تربويا حتى امتد نطاق جماعتهم إلى نصف مليون عضو عامل تقريبا استوعبتهم ألفا شعبة للإخوان في القطر المصري حيث تشتمل كل شعبة على كل النظام التربوي السابقة وذلك بين عامي 1945و 1948 واستطاع الإخوان بذلك أن يكونوا القوة الأساسية في مصر في هذه الفترة.
ب- وعقدت الهيئة التأسيسية للإخوان عام 1945 اجتماعا وافقت فيه على قانون النظام السياسي للإخوان وقد نص في المادة 3 على أن من وسائل الإخوان لتحقيق أهدافهم الدعوة والتربية والتوجيه.
ج- وقد شكل الإخوان لجنة للتربية بالمركز العام رأسها عبد الحميد مطر وكان من مهمتها إنشاء مدارس من رياض الأطفال حتى الثانوية بهدف تنشئة جيل جديد يحرص على دينه وينفذ تعاليم ربه وينهض بالأمة النهضة المرجوة.
د- وكان بكل شعبة لهم مدارس ليلة لمكافحة الأمية ومنتدى أدبي للثقافة والتربية وعندما وضعت وزارة المعارف في 21/ 6/ 1946 برنامجا لمكافحة الأمية أرسل وزيرها إلى المركز العام للإخوان يطلب منهم التعاون لتنفيذه بأن يعمد كل مركز من مراكز الجماعة في القرى والحواضر فيهيئ نفسه ليكون مركزا من مراكز المكافحة ومدرسة شعبية لمقاومة الأمية ونشر الثقافة الشعبية واستجاب الإخوان لذلك فكونوا لجنة لمكافحة الأمية منبثقة من جماعات أقسام البر والخدمة الاجتماعية وقد بدأت اللجنة أعمالها فعلا.

وأصدروا في عام 1946 جريدة الإخوان اليومية بجانب مجلتهم الأسبوعية وفي عام 1948 أصدر البنا أيضا مجلة الشهاب وكلها ذات هدف تربوي تبليغي.

ويتحصل من ذلك أن جماعة الإخوان قد استمر تطورها التربوي في مجال تربية عضو الإخوان حيث استكملت كل وسائل التربية الممكنة ثم نشطت في مجالين تربويين هما مجال مكافحة الأمية ومجال المداس الخاصة.


ثانيا: العمل السياسي:

طفت المسألة الوطنية على سطح الحياة السياسية في أكتوبر 1945 وكانت أعمال الإخوان السياسية متعددة المحاور بين عامي 1954، 1948 كما يلي:

أ- عقد الإخوان في عام 1954 سبعة مؤتمرات شعبية في القاهرة والإسكندرية وعواصم الأقاليم بهدف شرح الحقوق القومية شرحا وافيا والعمل على محو الأمية الوطنية وإرشاد المواطنين إلى الحقوق والواجبات وعقدوا اجتماعين في عام 1945 و1946 لرؤساء المناطق ومراكز الجهاد والشعب للنظر في الموقف الراهن على ضوء الحوادث السياسية وكانت المؤتمرات والاجتماعات تأخذ قرارات تدور حول ما يأتي:

1- مطالبة الحكومة المصرية بإعلان قطع المفاوضات فورا مع الحكومة البريطاني وبطلان معاهدة 1936 بطلانا أصليا وأن تطلب من الحكومة البريطانية سحب قواتها من وادي النيل بلا قيد ولا شرط.
2- إن الدخول في مفاوضات مع بريطانيا قبل البدء في الجلاء فورا وتحديد موعد نهايته عمل غير مجد.
3- دعوة الشعب لأن يهيئ نفه لتحمل أعباء الجهاد.
4- وأن كل حكومة لا تحقق هذه المطالب هي أداة استعمارية لا تمثل البلاد وتسقط طاعتها عن المحكومين.

ب- وعقدت الهيئة التأسيسية للإخوان اجتماعيا غير عادي لمناقشة انتزاع حقوق البلاد وأصدروا بيانا في 5/ 2/ 1946 لحكومة لا النقراشي والشعب يؤكدون المطالب السابقة وخاصة الجلاء التام عن وادي النيل كله ووحدته وقد قام الطلاب بمسيرة على إثره إلى قصر عابدين للمطالبة بنفس الحقوق وحدثت مذبحة كوبي عباس في 29 /2/ 1946

ج- ولم يقبل إسماعيل صدقي رئاسة الوزارة إلا بعد موافقة الإخوان على التفاهم معه على أسس يرتضونها وقد وافقوا بشرط أن يكون الحد الأدنى في الحقوق الوطنية هو الجلاء ووحدة وادي النيل وإلا فإنهم سيسحبون تأييدهم له وتحرك الإخوان في أثناء وزارة صدقي كما يلي:

1- خرجوا في مظاهرات دورية لتذكر صدقي بتعهداته للأمة كما كانوا يعقدون اجتماعات دورية لمدارسة الموقف السياسي كما انتهت مرحلة من مراحل محادثات صدقي بيفن.
2- نظموا إضرابين عامين لتأكيد المطالب السابقة في 10 مايو 1946 ، 8 يونيو 1946 بدعوة من اللجنة السياسية لهم.

كما أصدروا عدة بيانات إلى الشعب المصري تدعوه إلى رفض كل حل لا يحقق وحدة الوادي وأية معاهدة تحت سلطة الاحتلال وأي ثمن مادي أو أدبي للجلاء وأي اتفاق اقتصادي ينقص حقوق مصر ويقيد حريتها ويضيع عليها دينها الثابت المقتطع من دم الفلاحين وعرق العامل.

وطلبوا من الشعب أن يقاطع الإنجليز مقاطعة كاملة اقتصاديا بالإضراب عن شراء كل ما هو إنجليزي أو البيع لأية جهة إنجليزية أو التعاون مع أية شركة أو محل إنجليزي وثقافيا بمقاطعة الصحف والكتب الإنجليزية وعدم التحدث أو الاستماع للغة الإنجليزية واجتماعيا بقطع الصداقات الشخصية والعائلية والانسحاب من عضوية الأندية والهيئات التي تضم العناصر البريطانية بهدف إعلان حرب السخط في وادي النيل.

3- وفي 28/ 8/ 1946 عقدوا مؤتمرا حضره 4000 أكدوا فيه نفس المطالب الوطنية ولما رأوا أن صدقي يتساهل في الحقوق الوطنية قرروا في عريضة قدموها له وللملك أنه قد تضامن مع الغاصبين في اعتداء على استقلال الوطن وحريته وأن حكومته لا تمثل رأي البلاد في شيء وأن كل إجراء تتخذه باطل أساسا وطلبوا منه أن يترك الحكم لمن هو أقدر منه سلوك المنهج القويم وبعد نشر ذلك صودرت بعض أعداد جريدتهم وأجلت الدراسة في الجامعات والمعاهد حتى 9/ 11/ 1946
4- ثم قام الإخوان في كل الأقاليم بجمع الكتب والمجلات والصحف الإنجليزية ووضعوها في وسط الميادين الكبيرة وأشعلوا فيها النيران استنكارا لسياسة بريطانيا الاستعمارية والاستبدادية كما قادوا مظاهرات شعبية في القاهرة وعواصم الأقاليم واستمرت حتى استقال صدقي في 19/ 11/ 1946

د- وفي وزارة النقراشي الثانية أتخذ العمل السياسي المجالات الآتية:

1- تقدموا بعدة خطابات له يؤكدون فيها حقوق البلاد وإذا لم يحققها المفاوضات فليتقدم إلى مجلس الأمن وأن يطلق الحريات العامة.
2- قامت جوالة الإخوان باستعراضات لبعث روح الكفاح في الشعب كما دعا مكتب الإرشاد الشعب المصري إلى اعتبار يوم 21 فبراير 1947يوما وطنيا للجلاء وعقد طلاب الإخوان مؤتمرا تناولت قضية الاستقلال والحرية.
3- ولما سافر النقراشي إلى مجلس الأمن دعا البنا جميع فئات الشعب يوم 5/ 8/ 1947 أن يتوجهوا للمساجد في صلاة الظهر للدعاء من أجل قضية وادي النيل ثم قاد البنا مظاهرة كبيرة من الأزهر تهتف بمطالب البلاد.
4- وعندما أجلت قضية مصر أبرق البنا للنقراشي أن يعلن بطلان معاهدة 1936 ووجهوا نداء للشعب أن يستعدوا للجهاد بخطة موحدة وقاموا بمظاهرات مؤكدة لمطالب الشعب.

ه_ ولما صدر قرار تقسيم فلسطين عام 1947 عقد الإخوان مؤتمرا أعلن فيه البنا استعداد جماعته للتبرع بدماء عشرة آلاف متطوع للاستشهاد في سبيل فلسطين ثم خرجوا بمظاهرة غلى ميدان عابدين اشترك فيها بعض رجال الدين الأقباط ثم عقدوا عدة مؤتمرات ومظاهرات في الأقاليم من أجل فلسطين.

وأسسوا لجنة وادي النيل لجمع السلاح للمتطوعين ( مع صالح حرب ومحمد علوية ثم دخلوا فلسطين فعلا في 14/ 4/ 1948 بعدة كتائب مسلحة ومدربة وقاموا بمعارك ضد اليهود فيها.

و- ويتبين من دراسة الأعمال والمشكلات السياسية في هذه المرحلة ما يلي:

1- أن الإخوان قد شكلوا جماعية ضغط سياسية قوية على حكومات هذه الفترة وكانوا يقفون معها من أجل قضية الوطن ويعلنون براءتهم منها حين يرون تخليها عن هذه الحقوق كاملة وأن نفوذهم السياسية كان واسعا ويدل على ذلك سقوط حكومتين متتاليتين بسبب تخلي الإخوان عنهما.
2- كان العمل السياسي في هذه الفترة يتعلق بقضية الاستقلال والوحدة وقضية فلسطين وأنهم اتخذوا وسائل متعددة للعمل من أجلهما.
3- وتحليل هذه الأعمال تربويا يبين أنها أدت دورا تربويا سياسيا فقد فتحت عقول الناس على الموقف في تلك الفترة وزادت من وعيهم بحقوقهم وبوسائل نيلها كما شكلت اتجاههم نحو الإنجليز ونحو الحكومات ولا شك أن الجريدة اليومية واجتماعات المدارسة السياسية والمؤتمرات العامة قامت بدور في التثقيف عندهم.

وبهذا يتبين أن العمل السياسي ذا النتيجة التربوية قد وصل درجة متقدمة جدا في هذه المرحلة ويخلص الباحث من التحليل السابق بأن العمل التربوي عند الإخوان من 1945 حتى 1948 قد تطور واستكمل كل الإمكانيات اللازمة لتربية شخصية مسلمة كما أن العمل السياسي قد تقدم كثيرا إلا أنه كان أكثر من العمل التربوي وذلك لأن الأوضاع السياسية كانت تتطلب ذلك.

وأن هذا التطور في كلا جانبيه إنما هو نتيجة لمراحل تطور العمل التربوي والسياسي السابقة عند الإخوان .

وتبرهن هذه الحقائق على أن جماعة الإخوان كانت تمثل في الواقع منظمة تربوية سياسية في آن واحد منذ نشأتها وحتى الحل الأول من حكومة النقراشي عام 1948 الذي أدى إلى عرقلة العمل التربوي والسياسي للإخوان إلى حد كبير حتى عام 190 بسبب مصادرة كل ممتلكاتها ومؤسساتها واعتقال عدد كبير من أعضائها ثم قتل مرشدها في 12/ 2/ 1949.

النشاط التربوي والسياسي من 1949- 1952:

أولا النشاط التربوي:

أ- بدأ خروج الإخوان من المعتقلات في عام 1950 وعادوا قوة من جديد ويرجع ذلك كما يرى ميتشل إلى استمرار العمل الإخواني داخل السجون واستمرار نشر الدعوة في الخارج مما أعطى المعتقلين دفعة حماس وفي أثناء ذلك استأجرت مجموعة القيادة مجلة المباحث القضائية لتعبر عنهم وقد نشرت مجموعة من الدراسات التربوية عن سياسة التعليم وأهدافه في مصر ثم أصدر صالح عشماوي مجلة الدعوة في 30 يناير 1951 لتعبر عن جماعة الإخوان وأصدر سعيد رمضان مجلة المسلمون في 30/ 11/ 1951
ب- وقد اجتمعت الهيئة التأسيسية لهم في 12/ 1950 ووافقت على اختيار المستشار حسن الهضيبي بالإجماع مرشدا عاما لجماعة الإخوان المسلمين وفي 2نوفمبر 1951 اجتمع مكتب الإرشاد وأقر لائحة داخلية عامة لجماعتهم أنشئ بمقتضاها عشرة أقسام تابعة له هي قسم نشر الدعوة قسم العمال قسم الفلاحين قسم الأسر قسم الطلبة قسم الاتصال بالعالم الإسلامي قسم التربية البدنية قسم الصحافة والترجمة قسم المهن قسم الأخوات المسلمات كما ألف ست لجان من أهمها اللجنة السياسية واللجنة القضائية ولجنة الإحصاء.

وكانن كل قسم من الأقسام إما متخصصا في التربية مثل نشر الدعوة والتربية البدنية والأسر وإماله دور تربوي أساسي بين الفئات التي يمثلها أو العمل المختص به مثل قسم العمال

ج- وقد بدأت جميع الأنظمة التربوية داخل الجماعة في العمل طبقا للنظم التي أقرتها للائحة مثل الكتائب والأسرة والجوالة والنظام الخاص وبغشراف مختصين في كل جانب

ويبدو من هذا الغرض الموجز أن الإخوان بعد خروجهم من المعتقلات واسترداد شعبهم بدءوا في العمل التربوي بشكل منظم على نفس المحورين المعروفين قبل 1948 وهما: تربية عضو الإخوان وتناول قضايا التعليم والتربية في مصر: بجانب أعمال الدعوة وتعريف الآخرين بأفكارهم..


ثانيا: النشاط السياسي:

أ- أيد الإخوان حكومة النحاس في إلغاء معاهدة 1936 وأعلنوا تعاونهم معها في كل عمل إيجابي يؤدي إلى الاستقلال والتخلص من كل آثار الاستعمار ووحدة الوادي ودخل الإخوان عن طريق رجال النظام الخاص وقسم الوحدات وطلاب الإخوان معارك في منطقة القناة ضد الإنجليز ويؤكد حسن دوح قائد معسكر الجامعة أن الإخوان كانوا أصحاب أكبر دور في معارك القناة وقد استمرت حتى حريق القاهرة في 26 يناير 1952.
ب- ويتبين من ذلك أن الإخوان أصبحوا قوة سياسية عسكرية مرة ثانية وأن القضية الوطنية هي محور نشاطهم السياسي في هذه الفترة .

ويخلص الباحث إلى أن العمل التربوي والسياسي قد بدأ نموهما وتطورهما بعد خروجهم من المعتقلات وحتى يناير 1952 حتى وصل إلى درجة قوية دعت الضباط الأحرار إلى أن يتجهوا إلى هذه الجماعة للإعداد لحركة 23 يوليو 1952.

المبحث الخامس: النشاط التربوي والسياسي لجماعة الإخوان في مرحلة الثورة (من 23يوليو 1952- إلى أكتوبر 1954)

أولا النشاط التربوي:

تعددت أوجه العمل التربوي للإخوان في هذه الفترة ويوجزها الباحث فيما يلي:

أ- تطور نشاط قسم الأسرة في تربية أعضاء الإخوان وأصدر مجموعة من الرسائل لتنظيم أسهم وافتتح مدرسة للإعداد التربوي والعملي لنقاء الأسر كما للأخوات أسر وإعداد لنقيباتهن أيضا.
ب- تطورت الجوالة مرة أخرى وأنشئ قسم خاص بها في المركز العام وفي عام 1953 كان عددهم 7000جوال وقد أقاموا في صيفي 1952 معسكرين تربويين استوعبا 1160 فردا وتطورت التربية الرياضية وأصبح لهم 19 فرقة رياضيه لكل لعبة عام 1953 وفتحوا معهدا لإعداد المدربين.
ج- توسع الإخوان في إنشاء مدارس الجمعة (10 مارس في القاهرة وبندر الجيزة عام 1952ورياض الأطفال والمدارس والمعاهد الليلية لمحو الأمية وافتتح قسم العمال مدرسة للتوجيه النقابي والشئون العمالية.
د - نشط قسم نشر الدعوة في طبع رسائل الإخوان والمحاضرات وخاصة بعد أن أصبح سيد قطب رئيسا له عام 1953 ونظم قسم المهن محاضرات علمية متخصصة مساء كل خميس بالمركز العام منها دور المدرسة في بناء الشباب لسيد قطب (20/ 11/ 1952) وتنظيم التعليم الشعبي للدكتور إبراهيم سلامة (11/ 12/ 1952) وسياستنا التعليمية لعبد الحميد مطر (2/ 4/ 1953).

وقام فرع المعلمين بإصدار تقرير علمي عن السياسة العامة للتربية والتعليم وتحليل هذه الأعمال يدل على التطور في العمل التربوي عند الإخوان في نفس المحاور التربوية السابقة وهي محور تربية عضو الإخوان ومحور تقديم فكر تربوي عن التعليم في مصر ومحور التعريف بأفكارهم.


ثانيا: النشاط السياسي في هذه الفترة:

تمثل هذه الفترة مرحلة مهمة لنشاط الإخوان السياسي لما ترتب عليه من نتائج كما أنها تمثل صعوبة للباحثين من حيث تعدد الآراء وتضاربها كثيرا عن أنشطة الإخوان إزاء حركة ثورة 23 يوليو 1952 ويعتمد الباحث على ما ظهر من وثائق تتعلق بهذه الفترة عن نشاط الإخوان السياسي ويتناولها الباحث بحذر كما يلي:

أ- مقدمة عن بداية العلاقة بين الإخوان والضباط الأحرار قبل 23 يوليو 1952:

1- يقول محمد نجيب: إنني أعرف أن الإخوان كانوا أول من ساعدوا عبد الناصر في تنظيم الضباط الأحرار وكان بين عبد الناصر وبينهم تاريخ طويل قبل الثورة وكان اسمه الحركي عندهم زغلول عبد القادر.
2- ويذكر عبد المنعم عبد الرؤوف وحسين حمودة عضوا الضباط الأحرار من الإخوان أنه في آخر مايو 1942 طلب عبد المنعم من البنا تكون مجموعة من الضباط تعتنق مبادئ جماعة الإخوان لتكوين نواة تنبت منها خلايا تعم وحدات الجيش وأن البنا وافق على أن يكون محمود لبيب مشرفا على تكوين المجموعة الأولى وفي الفترة من 1942 إلى 1944 كون عبد المنعم المجموعة الأولى من جمال عبد الناصر وحسين حمودة وكمال الدين حسين وسعد توفيق وصلاح خليفة وخالد محيي الدين وانتظموا في لقاءات أسبوعية مستمرة حتى 15 مايو 1948 في بيوت أعضائها بالتناوب مكونين تنظيم الضباط الإخوان وأن كل المجموعة انضمت في عام 1946 إلى النظام الخاص وبايعوا بيعته وكان من أعمالهم تدريب شباب الإخوان على التكتيك وحرب العصابات وأن الخلاف قد بدأ بين عبد الناصر وعبد المنعم على أساس نوعية المنضمين إلى التنظيم واقترح محمود لبيب عام 1949 اسم تنظيم الضباط الأحرار وفي عام 1950 أعاد عبد الناصر تنظيم الضباط على أساس مستقل تماما عن الإخوان مع بقاء صلة الصداقة والتعاون مع الإخوان وبقاء ضباطهم في التنظيم.
3- وتؤيد شهادات الضباط الأحرار من أعضاء مجلس قيادة الثورة كثيرا من الحقائق السابقة فيذكر جمال عبد الناصر أنه كان على علاقة قوية وصداقة ومعرفة بحسن البنا إلا أنه لم يكن عضوا بالإخوان المسلمين وأن عبد المنعم عبد الرؤوف كان عضوا في اللجان التأسيسية للضباط الأحرار.

ويذكر كمال الدين حسين أن جماعة الضباط الأحرار قبل حرب فلسطين بعامين أو ثلاثة أقسمت على المصحف والمسدس (اقسمنا أن نعمل على إقامة شرع الله في البلاد) وهي البيعة التي أكدها أنور السادات أيضا.

ويذكر عبد اللطيف البغدادي كنا نحضر حديث الثلاثاء كل أسبوع واتبعنا نظام الأسر كل أسرة من خمسة ولم نكن جميعا مجموعة الطيران في أسرة واحدة وكان عبد الناصر وخالد محيي الدين وعبد المنعم عبد الرؤوف وكمال الدين حسين يشكلون أسرة واحدة ولكن تقرر هذه المجموعة أنهم آثروا التعاون لا الانضمام.

4- والمقارنة العلمية بين كل الشهادات السابقة تظهر بيقين أنه إن لم يكن الضباط الأحرار أعضاء في جماعة الإخوان كتنظيم عسكري لهم داخل الجيش فإنهم كانوا على صلة حركية وتعاون منظم منذ البداية وأن عددا من الضباط الإخوان كانوا أعضاء قياديين ومؤسسين في تنظيم الضباط الأحرار.


ب- دور الإخوان في الإعداد لحركة 23 يوليو 1952:

يقول جمال عبد الناصر إن جماعة الإخوان المسلمين كانت من أكبر أعوان الحركة قبل قيامها وقد تكثف الاتصال بين تنظيم الضباط وبين جماعة الإخوان من أجل الإعداد للحركة واستمرت اجتماعاتهم منذ 26 يناير 1952 حتى ليلة قيام الثورة وقد وافق الإخوان على أهداف حركة الجيش التي ذكرها عبد الناصر وهي إصلاح نظام الحكم السياسي بإرساء قواعده على أساس حكم نيابي سليم تطهير الجيش وأجهزة الدولة من عناصر الفساد وعملاء الملك إصلاح اجتماعي واقتصادي شامل بشرط أن تكون مبادئ الإسلام هي الأساس الوحيد لحكم مصر وأن يتشاوروا مع الإخوان في المهمات الكبرى كما اتفقوا على أن يساند ضباط وجنود الإخوان وأفرادهم الحركة وعلى قيام مجموعة من متطوعي الإخوان المسلمين بحماية طريق السويس لاحتمال تحرك القوات البريطانية لضرب الثورة.


ج- موقف الإخوان في أيام الحركة الأولى:

1- كان الإخوان أول وأهم من أيدوا حركة الضباط يوم 23 يوليو وطبقا للاتفاقات السابقة قاموا بحراسة المنشآت ووضعوا فرقا مسلحة منهم على طريق السويس لصد أي هجوم إنجليزي محتمل كما قاموا بمظاهرات تأييد للحركة.
2- وكانوا أول من طالب بإخراج فاروق وقاد عبد المنعم عبد الرؤوف الفرقة 17 مشاة، وحاصر قصر رأس التين يوم 26 يوليو وأرغم فاروق على التنازل عن العرش ومغادرة البلاد وكان أبو المكارم عبد الحي أحد ضباط الإخوان قائد القوة المحاصرة لقصر عابدين لإحباط أية محاولة يقوم بها الحرس الملكي.
3- وأصدر الهضيبي بيانا في 28 يوليو دعا فيه الإخوان إلى شد أزر الحركة كما أصدرت الهيئة التأسيسية لهم بيانا لقادة الحركة يوضحون فيه رأي الإخوان في الإصلاح المطلوب.


د- الخلاف بين الإخوان وحركة الضباط الأحرار:

بدأت الخلافات بين الجانبين في أغسطس 1952 وكانت كلها حول قضايا سياسية واجتماعية أهمها:

1- رفض الاشتراك في وزارة نجيب العسكرية 7/ 8/ 1952 فبعد عرض مجلس قيادة الثورة عليهم ترشيح ثلاث منهم للوزارة قرر مكتب الإرشاد عدم الدخول فيها ولما عين الباقوري وزيرا قدم استقالته من الجماعة وقبلها المكتب ويذكر نجيب أن هذا يمثل الأزمة الأولى بينهم وبين الثورة.

ويبرز الإخوان موقفهم بأن تشكيل وزارة عسكرية سوف يكون مقدمة لحكم البلاد حكما عسكريا فرأوا الابتعاد إلى أن يقوم حكم دستوري.

2- موقف الإخوان من قضايا الحرية والحياة النيابية:

يذكر محمد نجيب أن مجلس قيادة الثورة اعتنق مبدأ استيلاء الجيش على السلطة وكانت تجنح إلى الديكتاتورية يوما بعد يوم وأن الإخوان كانوا قوة منظمة وظهرت معارضتهم سافرة وتؤكد وثائق الإخوان ذلك حيث يتبين منها إصرارهم على ضرورة إعادة الحريات والحياة النيابية وقد أرسل الهضيبي عدة رسائل إلى محمد نجيب وجمال عبد الناصر أكد فيها ذلك مع ضرورة إلغاء الإجراءات الاستثنائية والأحكام العرفية.

3- وقد رفض الإخوان الدخول في هيئة التحرير.

وكان هذا الرفض نقطة خلاف رئيسية بين عبد الناصر والإخوان وقد صرحوا له بأنه مثل هذا التكوين يعتمد على الحكم وليس على العقيدة والفكر وأنه يجذب إليه أصحاب المصالح من الناس وقد قصد عبد النصار منها أن تكون قاعدة شعبية يحكم البلاد بموجب تأييدها له بجوار الجيش.

4- موقف الإخوان من مباحثات ومعاهدات الجلاء عام 1954:
أ- اتصلت السفارة الإنجليزية بالهضيبي بقصد سبر رايه في المفاوضات مع الإنجليز أخذ الهضيبي موافقة صريحة من عبد الناصر وزملائه بذلك وتمت الاتصالات وكانت ترسل تقارير مفصلة بالمباحثات من الإخوان إلى عبد الناصر ثم أعلن عبد الناصر أن الهضيبي والإخوان يتصلون بالإنجليز من وراء ظهر الحكومة ويقرر ميتشل أن جميع الشواهد تدل على أن عبد الناصر كان على علم بما يدور سواء قبل مقابلة إيفانز أو بعدها وهذا ما قرره الهضيبي في رسالته إليه.
ب- وعندما أعلنت اتفاقية الجلاء مع إنجلترا (27 يوليو 1954) صرح الهضيبي أنه لا يجوز أن يتم الاتفاق دون عرضه على برلمان منتخب انتخابا حرا يمثل الأمة أكمل تمثيل.

وانتقد الإخوان بنود الاتفاقية في مذكرة أو دعوها رئاسة مجلس الوزراء في 2/ 8/ 1954. وكانت معارضة الإخوان للاتفاقية سببا فاصلا للعداء بين الإخوان وجمال عبد الناصر تلك هي نقاط الخلاف الأساسية بين الإخوان والضباط أعضاء مجلس الثورة في الفترة من 1952- 1954 من وجهة نظر الإخوان المسلمين خاصة.

ودلالة هذه الخلافات هنا أن النشاط السياسي للإخوان في عهد الثوار حتى 1954 قد وقف موقف التأييد فترة وموقف المعارضة المنظمة لبعض أعمال وقرارات مجلس قيادة الثورة فترة تالية وقد انتهى الخلاف بحل مجلس قيادة الثورة لجماعة الإخوان في 15 يناير 1954 واعتقال كثير منهم إلا أنه أفرج عنهم جميعا واستمر الإخوان في أنشطتهم حتى حادث المنشية في 26 أكتوبر.

خاتمة المبحث الخامس

ويتبين مما سبق في المبحث أن النشاط التربوي للإخوان في عهد الثورة ضد تطور بشكل منظم وأن النشاط السياسي قد أخذ محور العلاقة مع حركة 23 يوليو 1952 حيث كان لهم دور بارز في الإعداد لها وفي تأييدها في الأيام الأولى لقيامها ثم اتخذ العمل السياسي عندهم شكل المعارضة المنظمة لموقف الحركة من الحريات والحياة النيابية واتفاقية الجلاء بشكل أساسي وقد انتهت بهم المعارضة إلى حلهم ثم عودتهم ثم اعتقالهم وإعدام 6 منهم بعد حادث المنشية

خلاصة الفصل الثاني:

حاول هذا الفصل الإجابة عن سؤالين من أسئلة الدارسة هما: ما القوى والعوامل المؤثرة في نشأة أو تطور جماعة الإخوان المسلمين وما موقع التربية العمل السياسي في نشاط هذه الجماعة من خلال تطورها بين عامي 1928- 1954 واستخدم الباحث المنهج التاريخي في الإجابة عن كلا السؤالين التي يمكن بلورتها في :

أ- كانت القوى والعوامل المؤثرة في نشأة أو تطور جماعة الإخوان هي نفس القوى المشكلة للواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والتعليمي في مصر في الفترة من 1933- 1952 وأن هذه القوى مثلت روافد متداخلة لإشكالية المجتمع المصري التي تمثلت في فقدان السيادة السياسية وسيادة التغريب في ظل الاحتلال وفقدان الهوية المستقلة وتحلل المجتمع المصري ولفقدان العدالة الاجتماعية وتفكك الشخصية المصري في نفس الوقت الذي ضعف فيه التيار الديني مما شكل تحديا كانت جماعة الإخوان هي الاستجابة له حيث حملت الإسلام ودخلت في تفاعلات مع كل القوة السابقة مما أدى إلى تطورها نظريا وعمليا
ب- وأن نشأة الإخوان إنما هي امتداد منظم لتيار الفكر الموروث وإحياء للإصلاح الديني ضد تيارات التغريب وأن هذه النشأة اتسمت بالشمول والامتداد السريع.
ج- وأن وجود حسن البنا بتربيته وشخصيته الآسرة وقدرته التنظيمية كان عاملا أساسيا وأوليا في نشأة وامتداد وتطور جماعة الإخوان فكريا وعمليا.
د- وتثبت الدارسة التاريخية السابقة لتطور العمل التربوي والسياسي عند الإخوان أن هذه الجماعة منظمة تربوية وسياسية تستند إلى الإسلام وأن العمل السياسي كان يتطور بتطور العمل التربوي ومن ثم بزيادة الامتداد الأفقي والتنظيمي للجماعة وأن المحورين يتوازيان معا في النمو وإن كان أحدهما يفوق الآخر في بض الفترات فيما عدا الفترة من 1949- إلى 1950 حيث حلت الجماعة وصودرت ممتلكاتها واعتقل كثيرون منها فتوقف كلا العملين معا.
ه- إن العمل السياسي عند الإخوان وخاصة منذ عام 1954 كان ذا هدف تربوي سياسي أي أنهم اتخذوا الممارسة السياسية عن طريق المقاطعات والمؤتمرات إلخ وسيلة لتكوين وعي سياسي واتجاهات سياسية معينة مستندين إلى مجموعة من الأصول العقدية والاجتماعي والاقتصادية والسياسية.

الفصل الثالث: الأصول العقدية والاجتماعية والاقتصادية للتربية السياسيةعند جماعة الإخوان المسلمين.

تمهيد:

أ- تقرر في الفصل الأول أن للتربية السياسية أصولا عقدية واجتماعية وسياسية تمثل المعتقدات والقيم والأساسية التي تصوغ الفرد عواطفه وانتماءاته السياسية بناء عليها والتي تتحكم في نوع ودرجة مشاركته السياسية.

وقد قرر فيربا: أن المعتقدات والقيم الثقافية دائما تلعب دورا أسياسيا في بناء الثقافة السياسية وأن الأبعاد الاعتقادية الأساسية مثل علاقة الإنسان بالطبيعة والتصور الزمني والنظرة للطبيعة البشرية واتجاه الإنسان نحو رفاقه ونحو العمل الإيجابية تبدو مرتبطة ارتباطا وثيقا بالاتجاهات السياسية.

ب- وتقرر في الفصل الثاني أن جماعة الإخوان المسلمين تمثل منظمة تربوية سياسية تستند إلى الإسلام نشأت استجابة لإشكالية المجتمع المصري آنذاك وكانت التربية وسيلة أساسية عندها لمواجهتها وهذا ما قرره الإخوان فقد ذكر البنا أن لب دعوة الإخوان فكرة وعقيدة يقذفون بها في نفوس الناس ليترب عليها الرأي العام وأنه يجب أن تكون دعامة النهضة التربية فتربي الأمة أولا وتفهم حقوقها تماما وتتعلم الوسائل التي تنال بها هذه الحقوق وتربي على الإيمان بها وذلك يستدعي وقتا طويلا لأنه منهج دراسة يدرس لأمة .. ولإفهام الناس هذه الحقيقة قامت جمعية الإخوان المسلمين.

ومن البين أن المضمون الذي ذكره البنا مضمون تربوي سياسي أي أن الوسيلة أو دعامة النهضة عندهم هي التربية السياسية.

ج- وإذا تقرر هذا فما أصول هذه التربية عندهم ومن أين تشتق؟

تبين من الفصل الثاني أن جماعة الإخوان واجهت الواقع فكريا وحركيا وأن فكرها وحركتها بتطور تفاعلها مع الواقع بأطرافه فكان فكرها نتاج تفاعلها مع القوى والعوامل السياسية والثقافية والاجتماعية تفاعلا ينطلق من الإسلام ذاته والرغبة في بناء الواقع المصري على أسسه.

وقد قدموا هذا الفكر المستند إلى الوحي لأنصارهم وللرأي العام لكي يؤمنوا به ويجتمعوا عليه ويتربوا طبقا لذلك ومن ثم فإن أصول التربية السياسية عندهم إنما تتمثل في القواعد الأساسية في هذا الفكر المستند إلى الوحي

د- وتأسيسها على ذلك فإن الباحث يتناول بالدراسة الأصول العقدية والاجتماعية والسياسية للتربية عند الإوان متشقا ذلك من خلال تحليل كيفي لرسائلهم وكتبهم ودورياتهم وفي هذا الفصل يعرض الباحث للأصول العقدية والاجتماعية والاقتصادية للتربية السياسية عندهم في ثلاث مباحث كما يلي:


المبحث الأول: الأصول العقدية للتربية عند الإخوان

يتناول هذا المبحث بالدراسة مجموعة الأفكار المكونة للأصول العقدية عند جماعة الإخوان وهذا يستدعي أولا تحديد المباحث المكونة للأصول الفلسفية في أي فكر تربوي والمصطلحات المعبر بها عن هذه الجوانب في فكر الإخوان ثم يتناول المباحث المكونة للأصول العقدية عندهم.


مقدمة في المباحث المكونة للأصول الفلسفية للتربية:

أ- طبقا للاتجاه المعياري أو الإرشادي في الفلسفة فإن هذه المباحث تنقسم إلى ثلاث مجالات:

المجال الميتافيزيقي: ويبحث في طبيعة الحقيقة وموضوعات هذا المجال هي: الخالق وصفاته وطبيعة الإنسان وغاية وجوده وطبيعة الكون والحياة.
المجال القيمي: ويبحث في نظرية القيم من حيث طبيعتها ومصدرها ومصدر الإلزام الخلقي وغير ذلك.
المجال المعرفي: ويبحث في نظرية المعرفة وهل يمكن كسبها وهل هي ذاتية أم موضوعية وما مصادرها وما أدوات تحصيلها؟ إلخ..

ومجموع الإجابات عن تساؤلا هذه المجالات التي يتبناها فيلسوف أو مفكر تسمى فلسفة.

ب- وفلسفة التربية- طبقا لهذا الاتجاه تعتبر إرشادية تعمل على صياغة نظريات عن طبيعة الإنسان والمجتمع والمعرفة والقيم والخلقية التي يمكن أن يستضاء بها في الممارسات التربوية وتحقيق الغايات التي يجب على التربية أن تستهدفها ووسائل ذلك.

ج- المصطلحات المعبر بها عن مجموع هذه المباحث عند الإخوان وأهميتها:

تبنى الإخوان المسلمون الإجابات القرآنية عن أسئلة تلك المباحث ويجد الدارس لفكرهم مصطلحين يعبر بهما الإخوان عن مضامين تلك الإجابات وهما:

1- مصطلح العقيدة: أي الأمور التي يجب أن يصدق بها قلب الإنسان وتصل عنده إلى درجة اليقين.
2- مصطلح التصور الإسلامي: أي مجموعة الحقائق الأساسية التي تنشئ في عقل المسلم وقبله تصورا خاصا للوجود وما وراء من قدرة وإرادة مدبرة وما يقوم بين هذا الوجود وهذه الإرادة من صلات وارتباطات.

ويقرر الإخوان أن العقيدة أساس العمل وأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بغير عقيدة فهي حاجة حياته الأولى، وما ينشأ في عقله وقلبه من تصور ناتج لها هو الذي يحدد له طريقة تعامله مع الوجود كله ويحدد له طريقة اتجاهه لنعلم أي علم ولطلب أية معرفة.

ويتبين من هذا أن العقيدة تمثل الأصل الأول لتربية الإنسان عندهم وقد جعل البنا من الصفات الأساسية للفرد المسلم أن يكون سليم العقيدة .

ويتناول الباحث هذا الأصل في المطالب الآتية:


مبحث الوجود عند الإخوان:

يتناول مبحث الوجود عندهم أربع حقائق الألوهية والتوحيد وحقيقة الكون وحقيقة الحياة وحقيقة الإنسان والطبيعة الإنسانية كما يلي:

أولا: حقيقة الألوهية والتوحيد في الخطاب الإخواني:

أ‌- حقيقة الألوهية:

يؤمن الإخوان بوجود الذات الألهية وأن حقيقتها أكبر من أن يحيط بها العقل البشري وتصور الإخوان عن الألوهية هو استمداد مباشر من النص القرآني عنها وقد رأوا أن العرض القرآني للحقيقة الإلهية ليس منصبا على إثبات الوجود الإلهي بل ينصب على وصف هذا الوجود بصفته الحقيقية وتعريفه بحقيقته للناس ومنصبا على التوحيد.

ويمكن بلورة تصورهم المستمد مباشرة من الإسلام ومن خلال خطابهم هم فيما يلي:

1- يعتقدون أن الله تعالى واجب الوجود وهو خالق ومالك كل شيء ومحيط ومهيمن على كل شيء وموصوف بكل صفات الكمال منفي عنه كل صفات النقص والمشابهة بخلقه وأنه الباقي وكل شيء سواه يهلك وأن له السلطان على الوجود كله في الدنيا والآخرة.
2- يؤمنون أن الله ليس كمثله شيء مما خلق على الإطلاق وأن الخيال البشري لا يملك مهما اجتهد أن يعثر على شبيه له في صورة أو حال وأن الإدراك البشري ليس مهيأ كلام الله ويرون أن مذهبهم في هذه الصفات هو مذهب السلف وهو تفويض علم ذلك إلى الله دون تشبيه أو تكييف أو تمثيل وأن هذا المذهب أسلم وأحكم وأعلم ولكن في القدرة الإلهية في الأنفس والآفاق ولكن الله لم يكلهم إلى ذلك بل أرسل لتقوم بهم الحجة.
3- ويرون أن الإيمان بالألوهية له آثار تربوية في المؤمن بها من حيث:
أ‌- تقويم العقل البشري بإنقاذه من تخبطات الفلسفة وبتصحيح منهج الفكر أي كيف يفكر الإنسان تفكيرا صحيحا فيعتمد على عقله فيما هو من شئون العقل ويستصحب دليل الوحي فيما وراء ذلك ليهتدي العقل بدليل الوحي القطعي ولا يعتمد على الظن في القضايا الكبرى.
ب‌- إنماء الطمأنينة في النفس والوضوح في الاتجاه وتجميع الطاقة كلها في اتجاه واحد محدد.
ت‌- إعطاء القيم الخلقية التي ترتكز بجملتها في الإسلام إلى ما يحبه الله ويرضاه إلزامها وفاعليتها فلابد عندهم من العقيدة الصحيحة لقيام الالتزام الخلقي

ومن ثم يقررون أنه على المؤمن بالله وصفاته وأفعاله أن يعملوا بآثار ومقتضيات هذه العناصر العقدية.


ب‌- حقيقة التوحيد:

أ‌- يقرر الإخوان أن التوحيد لم يكن تطورا بل أرسل به الرسل منذ فجر البشرية وأنه قاعدة دين الله في الرسالات كلها وقاعدة الحياة البشرية في مجال الاعتقاد والشعور والعبادة وفي مجال النشاط السياسي والاقتصادي والعلمي والفني.
ب‌- ويقرر الإخوان وخاصة سيد قطب أربع حقائق فيما يتعلق بحقيقة التوحيد:
1- أن الله هو المتفرد بالسلطان والحكم والدينونة له بالخضوع والتحاكم إلى شريعته.
2- أن العبادات والشعائر لا تكون إلا لله وحده وإلا فهو شرك.
3- أن حق التشريع ابتداء هو لله وحده وأن السلطة العليا التي يرجع إليها الناس في حياتهم ونظام مجتمعهم وحكمهم هي لله وحده بلا شريك.
4- أن هذه المدلولات مجتمعة هي معنى شهادة ألا إله إلا الله محمد رسول الله وأن هذا أصل عام معلوم من الدين بالضرورة.
ج- فالحكم بشريعة الله والتحاكم إليها وحدها قضية عقيدة وليست قضية فرعية عند الإخوان غير أن الهضيبي فيما بعد نبه إلى نقطتين تتعلقان بذلك وهما :
أ- أن سن القوانين ووضع النظم والتشريعات في كثير من الأمور الدنيوية التي تركتها الشريعة للمسلمين ينظمونها حسبما تهديهم عقولهم في إطار مقاصد عامة وغايات حددها الله تعالى وبشرط ألا يحلوا حراما أو يحرموا حلالا هو من الباحات الشرعية وهذا ما يسميه الباحث التشريع ابتناء.
ب- أن من اعتقد بعد أن بلغة الحق وقامت عليه الحجة أن شخصا ما أو هيئة ما أو جماعة ما أو كائنا من كان له الحق أن يحل ما حرمه الله أو يحرم ما أحله الله أو يحد حدا لم يكن واجبا حين موت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن متأولا لنص فهو كافر.

ويبدو البعد التربوي للتوحيد واضحا من حيث إنه:

أ- هو الذي يحدد للفرد اتجاهاته وميوله السياسية والاجتماعية والاقتصادية إذ أن الحب والبغض أو الولاء يتحدد بناء على التوحيد بمدلوله السابق أي أن التوحيد ذو تأثير حاسم ومباشر في صياغة العواطف السياسية وفي تحديد خط المشاركة السياسية وصورتها عند المؤمن بذلك.
ب- هو الذي يحدد للفرد نوع ونطاق نشاطه العلمي والفني.
ج- وينتج عن التوحيد بمدلوه السابق تطهير العقل من تقاليد وخرافات كثيرة مثل الاعتقاد في الأموات وهذه قيمة تربوية ضرورية لسلامة التفكير.

فمن التوحيد تبدأ خطوات المنهج الإسلامي في تربية النفوس وإقامة المجتمع.


ثانيا:حقيقة الكون:

يمكن بلورة هذه الحقيقة كما جاءت في الخطاب القطبي والبنا خاصة فيما يلي:

1- الكون هو هذا الخلق ذو الوجود الخارجي الذي يدركه الإنسان فهو وجود واقعي ممثل في إجرام مثل السماء والأرض والنجوم وهي ظواهر كونية مثل الليل والنهار والمطر والظل والحر إلخ فهو ليس فكرة مجردة ولا هيولي ولا صورة أو مثال في العقل المطلق.
2- وهذا الكون مخلوق حادث ليس بالقديم الأزلي ولم ينشأ من ذات نفسه بل خلقه الله وحده بعد أن لم يكن.
3- وهو كون مخلوق لأجل مسمى فإذا انتهى أجله بمقدم يوم القيام فني وقبل ذلك سيحدث تغيير وتبدل في نظام الذي يحكمه وفي مادته وصوته مما يقطع بأن هذا الكون لا يمضي وفق حتميات آلية وفق سنن تجري بمشيئة الله.
4- وهو كون كل شيء مخلوق بمقدار وبحكمه ولغاية لكي يؤدي وظيفة وكل حركة فيه موزونة وموجهة بقدر من الله لحكمة خاصة مما ينفي خرافة التلقائية والمصادفة والحتمية الآلية ولا ينفي هذا خرافة التلقائية والمصادفة والحتمية الآلية ولا ينفي هذا أن تكون الظواهر الكونية ناشئة عن طبيعة تركيب الكون وطبيعة حركته فهي مع ذلك موجهة بمشيئة الله وقدره.
5- وهو كون جميل والجمال مقصود في بنائه وظواهره والحياة المبثوثة فيه قصدا وتوجيه النظر إلى هذا الجمال في الكون مقصود في القرآن لإيقاظ حاسة الجمال والبشر.
6- وهو كون مسخر للإنسان وصديق للأحياء أعده خالقه لاستقبال الحياة وكفالتها
7- وهو كون مسلم لله مؤمن بربوبيته وحده ولا يخرج عن السنن التي أودعها الله إياه وهو مسير في كل هذا.
8- والكون الذي يدركه البشر هو عالم الشهادة وهناك كون مغيب يسمى عالم الغيب الملائكي – الجن- العرش- الدجنة – النار.
9- وللإيمان بهذه الحقائق طبقا للخطاب الإخواني آثار تربوية في الإنسان فهي تعمل على :
أ‌- إيقاظ حاسة الجمال في الإنسان بالتوجيه إلى مجاليه في الكون والأحياء.
ب‌- تأكيد شعور السلام الروحي مع الكون والأحياء مما يجعل الإنسان يعمل على كشف سننه وبروح من يتعرف لا بروح الصراع.
ت‌- تصحيح انحراف الفكر البشري وهو يتعامل مع هذه القضية دون استصحاب الوحي حيث أن الفكر حينئذ يتجاوز نطاق التجربة وهو نطاق العلم إلى مجال التخمين والظن.
ث‌- إعطاء العقل البشري حرية واسعة في البحث والتأمل ليدرك مكونات الكون بحسب تدرجه في القوى والاكتمال ومن ثم لم يتعرض القرآن للكون من الناحية الفنية.


ثالثا: حقيقة الحياة:

ويمكن إيجازها كما هي في الخطاب الإخواني كم يلي:

1- الحياة خليقة أنشأها الله مقدرة بقدره فليس إلها ولا قوة مدبرة في ذاتها تنشأ وتنشئ وفق إرادتها المستقلة وليست مصادفة ولا تلقائية ولا تمضي خبط عشواء
2- والطبيعة كذلك ليست خالقة بل خلقها الله وجعلها مناسبة لظهور الحياة وهيأ الأرض لنوع من الحياة الذي نشأ فيها.
3- الحياة نشأت من أصل واحد هو الماء بإرادة الله وقدره ولكن كيفية تسلسل الحياة وهل تطورت أم نشأت أنواعا هكذا فهذا لم يتعرض له القرآن ومجال الدراسة فيه مفتوح غير أن افتراضات العالم ذاته توحي بأنها لم تكن على النحو الذي يجزم به دارون.
4- وأقوات هذه الحياة مقدرة في بنية الأرض ونظام الكون مما يكذب ادعاءات مالتوس .
5- وأن كل ما على الأرض من أحياء أمم ذات تنظيمات والخالق هو الذي أعطاها ضوابطها وسخرها للإنسان الذي هو أكرم منها جميعا بشرط اتصال روحه بمصدر امتيازه.
6- وتقوم الحياة كلها على قاعدة الزوجية وهذا ضمان للتجدد والتكاثر ودليل على القصد والتدبير.
7- وهناك عوامل أخرى من الأحياء لا نراها ليس لنا مصدر للعلم بها إلا ما أخبر الله عنها هي الملائكة والجن بما فيهم الشياطين والإنسان يتأثر بهذين الخلقين في الدنيا والآخرة.
8- وأن هناك حياة أخرى باقية بعد فناء هذه الحياة الدنيا يجزي فيها كل إنسان بعمله.


رابعا: حقيقة الإنسان وغاية وجوده وطبيعته:

أ‌- حقيقة الإنسان :

1- يقرر الإخوان أن الإنسان مخلوق ذو كيان متميز بازدواج عناصر تكوينه من الطين والروح وهو مستخلف في الأرض مزود بخصائص الخلافة بالاستعداد للمعرفة النامية القابلة للتجدد ومجهز لاستقبال المؤثرات الكونية والانفعال بها والاستجابة لها ومن مجموع انفعالاته واستجاباته يتألف نشاطه الحركي لتعمير الأرض والنهوض بوظيفة الخلافة
2- وهو كائن مكرم باستعداده للمعرفة الصاعدة واستعداده لحمل أمانة الاهتداء بالرغم من طبيعته من استعداد للضعف والخطأ فهو أكرم من كل شيء مادي.
3- وهو ذو فاعلية إيجابية في مصيره كله في إطار المشيئة الإلهية ودوره في الأرض هو الدور الأول وليست وسائل الإنتاج ولا توزيع الإنتاج.
4- والإنسان مصمم على قاعدة الزوجية والتكامل لا التماثل بين الزوجية كما أنه مصمم على أساس التناسق مع الكون في الماهية المادية مع تفرده بالعنصر الروحي فثمة توافق بين طبيعة الكون ونشأة الكائن الإنساني.
5- وهو مجهز من قبل الله بالروح والعقل والحواس ليهيئه للتعامل مع عوالم شتى:

الله الكون وما فيه- والملائكة والجن، والنفس وما فيها من استعدادات متنوعة ومع سائر الأحياء.


ب‌- غاية الوجود الإنساني:

1- يقرر الإخوان أن غاية الوجود الإنساني محدودة من قبل الله تعالى الذي خلق الإنسان بنية حية متحركة لأداء وظيفة هي عبادة الله تعالى التي تتمثل في الخلافة عنه في هذه الأرض بهدى الله فهي خلافة مقيدة ومشروطة بأن يستقيم على هدى الله ولا يدعي شيئا من خصائص الألوهية وأن يجعل سعيه كله لمستخلفه وأن يحكم منهجه في حياته وإلا تعرضت للفساد وأعماله للبطلان.
2- وأن الفردوس الأخروي هو الجزاء الإلهي عن إصلاح الحياة الأرضية والإحسان في القيام بالخلافة وإصلاح الحياة الأرضية يبدأ من إصلاح النفس وينتهي بإصلاح المجتمع كله بقيامه على أمر الله وإحسان القيام بالخلافة يبدأ من كشف النواميس والمدخرات التي أودعها الله في الأرض وتسخير ذلك في تنمية الحياة وتوزيعه بالعدل الذي قرره الله من ثم فإن الضمان الأول والحافز للترقي المادي هو الترقي في الوجدان الديني فتصبح تنمية الحياة وترقيتها هي العبادة.


ج‌- الطبيعة الإنسانية بين الخير والشر:

1- يقرر الإخوان أن النفس الإنسانية ذات استعداد للخير والشر معا وعمل الإنسان الفردي والجماعي هو الذي يرجح أحد الاستعدادين وبناء على ذلك من الضروري إقامة الوسط الخير الذي يساعد على تنمية الفضائل وكبح الرذائل حتى ترجح استعدادت الخير.
2- والإنسان حسب هذا التكوين مستعد لأن يرقي إلى أفق الملائكة إذا بذلك جهدا في تزكية نفسه كما أنه يمكن أن ينحط إلى درك البهيمة بحسب ما يبذل من جهد في الخسة.
3- وأن الإنسان لم يرث أية خطيئة إلا أن فيه نقطة ضعف من حيث شهواته وأهوائه غير أن الله يتوب على الإنسان ويغفر له إذا تاب إليه وأنه لا يتحمل إلا وزره الشخصي.


خ‌- الطبيعة الإنسانية بين الإيمان وعدمه:

وعندهم أن الإيمان بالله حاجة فطرية وعقلية لا يستغنى عنها الإنسان وتكمن في فطرته الحاجة إلى معرفة الله وتوحيده والالتجاء إليه وأن بين مقومات العقيدة الإسلامية وبين فطرة الإنسان علاقات كثيرة:

أ‌- فالعبودية لله تلبي حاجة الفطرة إلى الله.
ب‌- والغيب يلبي حاجتها إلى الخروج من قيد الحس.
ت‌- والداري الآخرة تلبي حاجتها إلى العدل المطلق والبقاء الطويل سواء.
ث‌- كما أن عقيدة الإسلام اعترفت بطهارة الطاقات البشرية في ذاتها وأعطتها المجال الذي تتحرك فيه دون كبت طاقة واحدة.
ج‌- الطبيعة الإنسانية بين الفردية والجماعية.
ح‌- يرون أن نوازع التجمع في الإنسان فطرة كنوزاع الفردية ونوازع التجمع تتبدى في مستويات التقاء الجنسين والتوافق أو التدافع في المجتمع البشري وهذا مخالف للمدرسة الفرنسية التي تقول: إن العقل الجمعي مخالف في أصله للعقل الفردي ولكن الذات الفردية هي التي تتلقى التبعية والجزاء وهي ممتدة بعد الموت إلى دار البقاء وتتهيأ بحسب عملها في هذه الحياة لاستقبال حياة الجنة أو حياة النار.
خ‌- وأن أفراد الجنس البشري تساوون ابتداء في عبوديته الله وأن الذي يجمع أو يفرق هو العقيدة التي هي آصرة التجمع إلا أن الإسلام يستبقي في حس المسلم شعوره بالأخوة الإنسانية فليما يتعلق بالمشاعر والمعاملة الشخصية والعدل بين بني آدم جميعا لكنه يمنع قيام الولاء والتناصر بين المسلم وغير المسلم.
د‌- ويقررون أن الإسلام يسمح إلى أقصى حد بنمو النماذج والأنماط المتعددة في إطاره كما يسمح إلى أقصى حد بالتوافق بين هذه الأنماط والنماذج بحيث تعيش كلها داخل إطاره وتتكامل بأقل قدر ممكن من الاحتكار والتناقض.
ذ‌- وهذه نظرة دقيقة في مراعاة الفروق الفردية في نفس الوقت الذي يجب الحرص فيه على مراعاة التكامل والانسجام بين الأفراد.


خلاصة:

يتبين من العرض السابق لمبحث الوجود عند الإخوان ما يلي:

أ- أن الخطاب الإخواني فيما يتعلق بقضايا مبحث الوجود قد شكل إجابة كاملة للأسئلة التي تثيرها الفلسفة حول الوجود الإلهي والكوني والحيوي والإنساني وأن هذه الإجابة لم يبتدعها الإخوان بتأمل عقلي مجرد بل استقوها مباشرة من النص القرآني.
ب- وكما أن الإجابات الفلسفيات المختلفة عن أسئلة مبحث الوجود انعكاسات تربوية فإن الإجابة السابقة عند الإخوان ذات تأثير تربوي وانعكاس مباشر على هدف التربية وجوانبها ومحتواها عندهم.

فمن حيث هدف التربية رأوا أنه تنمية الإنسان تنمية متكاملة طبقا للمذهبية السابقة، ومن ثم فإن للتربية جوانب العقدي والروحي والخلقي والجسمي والعقلي والاجتماعي والجمالي حسب مفهومهم للإنسان كما سبق وتنمية هذه الجوانب تتطلب محتوى وطرقا ملائمة لكل جانب.

كما أن تلك الإجابات تحكمت في موقفهم من سياسية التعليم وغايته في مصر في الفترة محل البحث فطالبوا بسياسية وغاية للتعليم تتفق مع روح الإسلام وعقيدته كما طالبوا بتعديل المقررات حسب ذلك.

وأما صلة هذه الإجابات بالتربية السياسية عند الإخوان فكما يلي:

أ‌- تمثل هذه الإجابات جزءا من المعتقدات الأساسية التي تكون العنصر الأول من الذات السياسي عند عضو الإخوان وهو عنصر القيم والمعتقدات الأساسية: فتربية هذه المفهومات السابقة عن طريق التربية العقدية هو في ذات الوقت تربية للذات السياسية حيث تعكس تلك الإجابات معتقدات سياسية بشكل مباشر مثل مفهوم الحكم ابتداء لله ومفهوم الولاء والتناصر ومفهوم المساواة ومفهوم الجماعة والفردية ومفهوم عمارة الأرض كما تعكس معتقدات سياسية بشكل غير مباشر مثل مفهوم الحياة ومفهوم الاستخلاف ومفهوم العبادة...إلخ.
ب‌- والإيمان بهذه الاعتقادات الأساسية ذات المدلول السياسي المباشر وغير المباشر إذا استبطنته المشاعر فإن يكون العنصر الثاني للذات السياسية عند نفس العضو وهو عنصر والولاءات والعواطف السياسية أو الاتجاهات السياسية فتربية نفس المفهومات السابقة يؤدي في نفس الوقت إلى تكوين أو تربية ولاء الفرد وموقفه العاطفي السياسي مثل:
ت‌- شعور الولاء للشريعة.
ث‌- شعور الحب للمسلم.
ج‌- شعور التساوي بالغير والإحساس بالكرامة.
ح‌- شعور الاحترام والتقدير للغير وهو وسابقه يمثلان الأساس النفسي للشورية أو الديمقراطية.
خ‌- شعور الأخوة الإنسانية وهي أساس المواطنة في مجتمع متعدد الملل مثل مصر .
د‌- شعور التقدير للعمل المادي وهو أساس الإنجاز الحضاري والفاعلية الاجتماعية.
ذ‌- وتأسيسا على هذا فإن تربية المفهومات العقيدية السابقة عن طريق تربية عقدية مناسبة هي في ذاتها تربية سياسية من حيث تأثيرها في عثر المعتقدات والاتجاهات السياسية من الذات السياسية عند عضو الإخوان.
ر‌- وإذا كان بناء تلك المفهومات يمثل أيضا جزءا من الوعي عند عضو الإخوان فإنه في نفس الوقت يحدد درجة المشاركة السياسية عنده فهو المؤمن بتلك المعتقدات حريص على مشاركة إيجابية تؤدي أولا إلى حكم الشريعة وثانيا إلى تعمير الأرض في وطنه.


والخلاصة: إن مبحث الوجود ذو تأثير مباشر في التربية السياسية عند عضو الإخوان المسلمين


مبحث القيم عند الإخوان المسلمين:

يمكن إيجاز الخطاب الإخواني عن القيم النقاط الآتية:

1- الأخلاق في خطابهم ضوابط وموجهات للنشاط الإنساني في كل جوانب الحياة وهي نظام شامل للحياة البشرية تدخل فيه عمارة الأرض والعلاقات السياسية والاقتصادية كما يدخل فيه تنظيم الحياة النفسية والعقلية والجسدية فالأخلاق موجهات وضوابط لعلاقة الفرد بربة وبنفسه وبأهله وبالمجتمع الذي يعش فيه وهي موجهات وضوابط لعلاقة الشعب بالدولة والدولة بالشعب وعلاقة الأمة كلها بغيرها من الأمم وعلاقة الجنس البشري بغيره من الأحياء وبالكون كله وهي ليست مجرد ضوابط عن الشر والتعويق لنمو الحياة فحسب بل هي أيضا دوافع إيجابية إلى الخير والنماء في واقع الحياة.
2- ومصدر القيم عندهم هو الوحي وبالتالي فالقيم ثابتة لأنها ترتكن إلى ميزان ثابت ومضبوط وتمثل إرادة لا تتغير ولا تتأثر

من حيث ارتكابها إلى ما يحبه الله ويرضاه وتهدف إلى تثبيت قيم بعينها في الحياة البشرية فلا ترتكن إلى مجرد اختيار العقل البشري واستحسانه كما يرى أرسطو والمعتزلة ولا إلى ما يتواضع عليه المجتمع فيفرض على الأفراد كما ترى نظرية العقل الجمعي ولا ترتكن إلى مجرد المنفعة كما يرى بنتام ولا إلى مجرد اللذة كما يقول الرواقيون كما لا ترتكن إلى مصلحة الطبقة كما تقول الماركسية ومن ثم فإن القيم عندهم ثابتة لا تتغير حينما تتغير ظواهر الحياة الواقعية أشكال الأوضاع العملية فهذا التغير في الأشكال والظواهر يظل محكوما بهذه القيم الثابته.

3- وعندهم أن (الالتزام الخلقي) ينبع من التزام ضمير المسلم بما يحبه الله ويرضاه وهذا الالتزام ينبع بدوره من اعتقاد المسلم بحقيقة الألوهية والمعرفة الصحيحة لهأن فالالتزام لا ينبع من إيكاله إلى قوانين وضعية أو إلى المصلحة إلخ بل لابد من العقيدة الدينية الصحيحة لقيام الالتزام الخلقي على أساسه الوحيد الثابت، فالتربية العقدية أساسه الوحيد الثابت، فالتربية العقدية أساس التربية الخلقية تأسيسا على الارتباط الوثيق بين العقيدة والقيم في الإسلام كما قرر الإخوان.
4- ويرون أن الحاسة الخلقية فطرية في الإنسان وأن وظيفة الدين تنظيمها وتوجيهها وأن إصلاح الأخلاق أساس النفس وبالتالي صلاح المجتمع وتأسسا على ذلك يقررون أهمية الخلقية ودورها في إنشاء المجتمع السليم، وضرورة توفير وسط خير يتربى فيه النشء
5- ويتمثل المضمون التربوي لمبحث القيم عند الإخوان فيما يلي:
أ‌- ضرورة الهدف الخلقي للتربية والذي تحققه التربية الخلقية وقد وضع الإخوان ذلك موضع التطبيق من حيث التربية الخلقية لأعضاء جماعتهم ومن حيث موقفهم من التربية الخلقية في الدارس المصرية فترة البحث.
ب‌- يمثل المضمون الخلقي السابق جزءا من المعتقدات الأساسية في الذات السياسية عند عضو الإخوان والذي يمكن بلورته في هذه العبارة: وجوب الالتزام بالخلق الإسلامي على الحاكم والمحكوم في كل جوانب التعامل الإنساني وأن السياسة لا تنفصل عن الأخلاق.
ت‌- ويحدد نفس المضمون الخلقي خاصية أساسية للمشاركة السياسية عند جماعة الإخوان فهم لا يفصلون بين السياسة والأخلاق ومن ثم فهم يلتزمون بالآداب الخلقية في صور مشاركتهم السياسية فالصوت الانتخابي مثلا عندهم شهادة يسال عنها الفرد فواجب عليه أن يحكم ضميره وعقله وعليه أن يبتعد عن السباب والشتائم والنميمة في عمليات الانتخابات وألا تغلبه المجاملات وأن يحرص على الوحدة والتساند فالتصويت في الانتخابات وهو صورة للمشاركة السياسية تحول إلى عمل خلقي عبادي بمقتضى المفهوم السابق، وكمبدأ عم يقرر البنا (لا خير في سياسة لا فقه فيها ولا تورع معها)

وبهذا فإن مبحث القيم ذو صلة مباشرة بالتربية الخلقية والذات السياسية والمشاركة السياسية عند الإخوان.


مبحث المعرفة عند جماعة الإخوان المسلمين:

وللإخوان نظرتهم للمعرفة استقوها أساسا من القرآن الكريم ويوجزها الباحث من خلال خطابهم فيما يلي:

1- استنادا إلى القرآن فإنهم يرون أن المعرفة أيا كانت مكتسبة من خارج الذات كما قرر الله تعالى: والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا .
2- وأما أدوات المعرفة فتتكون عندهم من:
أ‌- الحواس بما فيها من أسماع وأبصار.
ب‌- العقل أو الفؤاد أي مجموع مدارك الإنسان الواعية التي تشمل ما اصطلح على أنه العقل.
ت‌- القلب وما يشتمل عليه من قوى الإلهام الكامنة المجهولة الكنة والعمل.

يرون أن هذه الأدوات خلقت للبشر ليزاولوا بها التعامل مع الكون وليقوموا بالخلافة في الأرض وليتلقوا عن الله هديه

3- وموقفهم من مصادر المعرفة كما يلي:

أ‌- يقررون أن التصورات في أوربة قد تقلب بين اتخاذ النص أو الوحي وحده مصدر للمعرفة واتخاذ العقل وحده مصدرا واتخاذ الطبيعة وحدها مصدرا كذلك أما الإسلام فأعطى كل مصدر اعتباره ووضعه فلي مكانه الذي يستحقه ومن ثم فإن مصادر المعرفة عندهم هي:
الوحي: وهو المصدر الأساسي والأعلى والصادق للمعرفة إذ لا يخضع للهوى ولا يتأثر به.
الحياة وأوضاعها: بما يها الاقتصاد وأنواع الأحياء.
والعقل: هو أداة الإنسان في تدبير حقائق الوحي وحقائق الكون وحقائق الحياة.
ب‌- وعندهم أن الإسلام يجمع بين تلك المصادر في غير تصادم ولا تأليه ولا تحقير وأنها تتوازن في إمداد الإنسان بالمعرفة ولا يقتضي قيام الوحي كمصدر أساسي للمعرفة إلغاء الإدراك البشري ولا يقتضي وجود الكون إلغاءا لوحي.

4- وكان موقف الإخوان من قضية العلاقة بين العقل والوحي فيما يتعلق بمصادر المعرفة كما يلي:

أ‌- لا يستقل العقل في حركته إلا فيما يتعلق بعالم الشهادة أي هذا الكون فالعقل مستقل في كل ما يحتاج إليه الإنسان للقيام بالخلافة في الأرض أي مجال التجريب والبحث في الأشياء المادة وهو مدى واسع أمام العقل وحواس الإنسان ليعرف طبيعة الكون وطاقاته وسننه وطبيعة الأحياء والكائنات والانتفاع بم سخر الله في الكون لترقية الحياة.

فأمر الخلافة في الأرض كله في حدود العقيدة الربانية- متروك للعقل البشري وللعلم البشري وموقف الإسلام أنه يكفل للعقل البشري وهو في حركته المستقلة هذه الضمانات التي تقيه عيون تركيبه الذاتي ويقيم له الأسس والقواعد التي تكفل استقامته في انطلاقه للعمل والتجربة ثم يدفعه إلى الحركة والنشاط دفعا.

ب‌- ولكن هذا العقل البشري لا يمكن أن يستقل في أمر يتعلق بالنقاط الآتية:
1- كل ما يتصل بالعقيدة ويدخل في تكوين التصور عن الحياة والكون والإنسان ...إلخ.
2- كل ما يختص بالعبادة.
3- كل ما يتعلق بالأخلاق والآداب والتقاليد التي تسود مجتمع الإنسان وتحدد ملامحه.
4- كل ما يختص بأصول النظام السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي.

في كل ذلك يستقل العقل البشري بعيدا عن الوحي وإلا تعرض للانحراف وسوء الرؤية والضلال ومنطق الإسلام أن الإنسان لا يتلقى في ذلك إلا عن الوحي.

ج- ويبرز الإخوان الموقف السابق بأن العقل أداة قاصرة بذاتها عن الوصل إلى الهدى وعن رسم منهج للحياة الإنسانية وأن الوحي قد تكفل بهذا ووفر على العقل قدراته التي لها مجالها في عالم الكون والأشياء.

ويقررون أن قصور العقل البشري ترجع إلى عاملين:

العامل الأول: طبيعة تركيبه التي ترى الأشياء أجزاء لا كلا واحدا تجربة بعد تجربة حيث يتعذر على العقل أن يرى الوجود جملة ليقيم على أساس هذه الرؤية الكاملة أحكاما يضع على أساسها نظاما ملحوظا فيه الشمول والتوازن.
العامل الثاني: مركب في الكيان البشري من شهوات وأهواء لابد لها من ضابط يرجع إليه العقل بكل تجربة وكل حكم وهو الوحي.
د- تطبيق ما تلقاه في واقع الحياة وتحكيم وتطبيق النصوص فيما حوله من قيم وأوضاع وعلى الحالات المتجددة.
ه- وعندما يتأمل الباحث هذه النظرة التي قررها الإخوان فهو لا يملك أن يقرر أن الإخوان قد أتاحوا للعقل أمداء واسعة في عالمي الغيب والشهادة دون تناقض فالمجال واسع أمام العقل ليجرب ويلاحظ ويبحث في كل ما يدخل تحت التجربة والملاحظة وهي أمور الخلافة دون قيد إلا بأن ينضبط العقل بضوابط البحث العلمي ذاته ثم في علاقته بالوحي أمام مجال واسع غير مستقل لقصوره ليتلقى ويدرك ويطبق النصوص على الحالات المتجددة وهذا الأمر يسميه الإخوان العقلية الغيبية العلمية فالعقلية الإسلامية تسلم للوحي في مجالاته وتؤمن بالعمل البشري والتجريب في مجالاته.

5- والتطبيق التربوي لمبحث المعرفة عندهم يبدو في:

أ- التربية العقلية التي تتحقق فيها المفهومات السابقة داخل جماعة الإخوان والتأكيد على الهدف العقلي للتربية داخل المدارس المصرية.
ب- تمثل المفهومات المعرفية السابقة جزءا من المعتقدات الأساسية في الذات السياسية عند عضو الإخوان وخاصة دور العقل في تحصيل المعرفة وعلاقته بالوحي والكون والأحياء ومن الواضح أن هذا المعتقد الأساسي يختلف في بعض جوانبه مع نفس المعتقد عن التيار الإصلاحي وخاصة عند محمد عبده وجاويش.
ج- ويترتب على تلك المعتقدات مجموعة من العواطف والاتجاهات التي تدخل في تكوين الذات السياسية عند الإخوان مثل شعور التقدير لكل مصادر المعرفة وشعور التقدير للبحث العلمي والتجريب ورأي الخبراء.
د- ويمثل المضمون المعرفي السابق أساس التربية العقلية التي تمثل أساس التحصيل المعرفي بجوانبه عندهم وبهذا فإنها ذات صلة بالوعي السياسي في جماعة الإخوان كما أنها تؤدي إلى المشاركة السياسية المستندة إلى أسس معرفية ثابتة وإلى وعي وبصيرة.

والمقصد أن مبحث المعرفة ذو تأثير تربوي مباشر عند الإخوان من حيث التربية العقلية وبناء الذات السياسية والوعي السياسي.


خلاصة:

1- يتبين من العرض التحليلي السابقة أن الإخوان المسلمين عندهم أصول عقدية للتربية استمدوها مباشرة من النص القرآني وهي تشكل إجابات كاملة عن أسئلة مباحث الفلسفة الثلاثة (مبحث الوجود- مبحث القيم- مبحث المعرفة) ولعل رجوعهم المباشر إلى القرآن أو الإسلام يعود إلى نفس عقيدتهم في أن تجاوز إشكالية المجتمع المصري آنذاك إنما يكون بالعودة إلى الإسلام كما أنهم قدموا هذه الأصول باعتبارها أيديولوجيه تشخص هوية الأمة تماما ومن ثم تعطيها إمكانية التصدي العقدي لتيارات التغريب التي سادت نظريا وعلميا في الفترة محل البحث.
2- وقد وضع الإخوان هذه الأصول جميعا موضع التطبيق التربوي على مستوى تربية أعضاء جماعتهم عقديا وخلقيا وروحيا وجسميا واجتماعيا وعقليا وعلى مستوى موقفهم من قضايا التعليم المصري فترة البحث حيث نادوا بسياسة تعليمية وأهداف ومحتوى تعليمي يتفق مع هوية الأمة المرتكزة على المضمونات السابقة حسب وجهة نظرهم.
3- وتمثل نفس المضمونات جزءا من المعتقدات الأساسية في الذات السياسية عندهم والتي تؤثر في عواطف واتجاهاتها السياسية كما تؤثر في الوعي السياسي وأحيانا المشاركة السياسية عندهم ومن هنا فإنها أيضا أصول للتربية السياسية في جماعة الإخوان المسلمين.

المبحث الثاني: الأصول الاجتماعية للتربية عند جماعة الإخوان المسلمين

مقدمة:

علاقة التربية بالمجتمع قضية مسلم بها من المشتغلين في الميدان التربوي وتبدو هذه العلاقة أكثر وضوحا من حيث:

1- إن التربية تتم ليس فقط عن طريق المدارس وإنما تتم كذلك عن طريق البيئة الاجتماعية ومؤثراتها المختلفة التي تشكل من الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه الإنسان والأشياء التي يتعامل بها مع غيره من الأفراد وما بينهم من علاقات كما أن شخصية الفرد تتحدد بالثقافة التي ينشأ فيها والتربية وهي تنمي شخصيته تعتمد على ثقافة المجتمع الذي توجد فيه.
2- إن التربية تشتق أهدافها وفلسفتها من أهداف وفلسفة المجتمع.
3- وإن هلا دورا رئيسيا في علاج مشكلات أي مجتمع إذ أن حل أية مشكلة تتطلب أولا تغيير اتجاهات الناس إزاءها وهذا التغيير يرتبط بوعي الأفراد بموضوع المشكلة ومن ثم تبدو أهمية التربية وما تقدمه من وعي يرتكز على الحقائق يتيح للأفراد الإحساس بالمشكلة وتحديدها ليقوموا بعد ذلك باتباع سياسة نحو حل المشكلة ولكن التغيير في النهاية يتطلب رأيا عاما واعيا قادرا على التوجيه وتحمل المسئولية والتربية هي أداة ذلك أي أن التربية ذات دور حاسم في التغيير الاجتماعي
4- وهذا المبحث يتناول بالعرض التحليل الأصول الاجتماعية للتربية عند الإخوان المسلمين من زوايا ثلاث أساسية هي: التغيير الاجتماعي عندهم ودور التربية فيه وتصورهم للمجتمع المسلم ودور التربية في إيجاده ثم يتناول ثلاث مشكلات اجتماعية تعرضوا لها وهي:

المرأة ودورها في المجتمع والصراع الطبقي وتخلف الريف المصري مشيرا إلى دور التربية عندهم في كل مشكلة من الثلاث.


عوامل التغيير الاجتماعي عند جماعة الإخوان المسلمين.

يقصد بالتغيير الاجتماعي هنا التحول الكلي الذي يحدث في المجتمع كشبكة علاقات ونظم اجتماعية من حالة حضارية إلى حالة حضارية مغايرة بسبب عوامل يرجعها بعض الاجتماعيين إلى التغيير في وسائل الإنتاج وغلى حتميات اقتصادية ويرجعها آخرون إلى عوامل التحدي المناسب والاستجابة أي إلى حتميات جغرافية طبيعية ويرجعها بعض الكتاب إلى شروط نفسية ثقافية معا بينما يقبل بعض علماء الاجتماع ما أطلقوا عليه النموذج العريض للتغير الاجتماعي أي تعدد العوامل التي نتج التغيير في المجتمع.

ويعرض الباحث هنا لتفسير الإخوان للتغير الذي يحدث في المجتمع:

أ‌- يرى الإخوان أن تخلف المجتمع أو نهوضه له أسباب ترجع إلى نفوس أفراده فكل أمة أو مجتمع بين طورين اثنين: طور القوة وطور الضعف وأن الأمة تقوى أو تنهض إذا توفرت الشروط النفسية عند أفرادها وهي إيمان مشترك بالغاية والمثل الأعلى وإرادة جماعية للنهوض ومنهاج محدد للوصول إلى الغاية وتصميم على تنفيذ المنهاج مهما كلفها من تضحيات وتأخذ الأمة في الضعف الاجتماعي إذا نسيت غايتها ومثلها الأعلى وإذا ضعفت إرادتها وأثرت المنفعة على الجهاد والتضحية وإذا تحلت أخلاقها وأغرقت في الترف وإذا ضلت منهاجها أي إذا فقدت الشروط النفسية السابقة.

وهذه هي فكرة الدورة الحضارية فالمدنية حلقات تبدأ دورة النهوض أو الحضارة حين تدخل التاريخ فكرة دينية تغير النفس وتمنحها الشعور الإرادة وهذه الفكرة وما توفره من إيمان ديني تؤلف بين العوامل الثلاثة للحضارة (الإنسان- التراب- الوقت) لتركب منها كتلة تسمى حضارة وهذه الدورة تنتهي حينما تفقد الروح نهائيا هيمنتها التي كان لها على الغرائز المكبوحة الجماح.

ب- وبناء على ذلك فإن عوامل التحلل في المجتمع تبدأ من داخل نفوس الأفراد حينما يفقد الإيمان سيطرته عليها فينعكس ذلك في الواقع الاجتماعي تخليا تدريجيا عن المنهاج الذي أدى النهوض والقوة ومن ثم فهم يرجعون التخلف الذي أصاب الأمة الإسلامية في القرون الأخيرة إلى أسباب وتحولات في نفوس الأفراد المحكومين والحاكمين سواء وأهمها:
1- الانغماس في الترف والإقبال على الشهوات.
2- الجمود الفكري والتعصب للآراء وإهمال الكتاب والسنة.
3- إهمال العلوم العملية والمعارف الكونية.
4- غرور الحكام واستبدادهم وإهمالهم النظر في التطور الاجتماعي للأمم.
5- التنازع على الرياسة والخلافات السياسية.
6- الاندفاع في تقليد الخصوم فيما يضر ولا ينفع.
ث‌- وتأسيسا على ذلك فإن أركان النهوض بالأمة والمجتمع عندهم هي:
أولا الركن المعنوي: أي الجانب الروحي المستند إلى الإيمان والخلق وهو الدعامة التي تقوم عليها القوى المادية فإذا قويت روح الأمة وأخلاقها تبع ذلك التفكير في وسائل القوة المادية وأساس القوى المعنوية الإيمان بالمثل الأعلى والتفاني في سبيل الوصول إليه وتحمل التضحيات.
ثانيا: الركن المادي أو القوة المادية وتتمثل كما يرى البنا في :
1- العلم الممد للأمة بما تحتاج إليه من مخترعات ومكتشفات.
2- روح الجندية والقوة البدنية والاستعداد.
3- الاعتزاز القومي والخلقي القوي
4- القوة الاقتصادية.
ثالثا: منهاج للنهضة تسير عليه الأمة: ويشترطون فيه ما يلي:
1- الوضوح.
2- تحديد الغايات.
3- أن يكون عمليا لا يعتمد على الخيال.
4- أن يكون شاملا لكل مطالب الأمة وآمالها.
5- أن يكون معينا على جمع كلمتها ومساعدا على ضم صفوفها.
6- أن يكون محوطا بصفة القداسة التي تدفع إلى المحافظة عليه والتضحية في سبيله .

ويرون أن هذه الشروط تتوفر تماما في المنهج القرآني:

والقاسم المشترك بين هذه الأركان جميعا كما يتضح هو التربية العقدية والروحية في الركن الأول والعقلية والخلقية والقومية في الركن الثاني والعقدية أيضا في الركن الثالث.

خ‌- يتضح دور التربية عندهم كما يلي:

يرون أنه من المحال أن تحدث النهضة على تلك الأركان بدون تحقيق الشروط النفسية السابقة ومن ثم بدون تغيير في النفوس والمشاعر لإحداث يقظة فيها وهذا أساس التغيير الذي يعمل عمله في الفرد ذكرا أو أنثى فيصبح له:

1- وجدان شاعر يتذوق الجمال والقبح (تربية نفسيه خلقية)
2- إدراك صحيح يتصور الصواب والخطأ (تربية عقلية)
3- إرادة حازمة لا تضعف (تربية نفسيه)
4- جسم سليم يقوم بأعباء الواجبات الإنسانية (تربية جسمية).

ويصبح الفرد بذلك كله أداة صالحة لتحقيق الإرادة الصالحة ومن ثم فإن هذا التغيير في الفرد هو السبيل لتغيير الأمة.

ه- وعلى مستوى الأمة أو الشعب يقرر الإخوان أيضا أن التربية هي الطريق:
1- لصياغة نفوس الأمة على نسق يضمن لها مناعة خلقية قوية ومبادئ ثابتة تدفع إلى الأعمال.
2- ولتعريف الأمة بحقوقها ومنهاج نهوضها وتربيتها على الإيمان بذلك بقوة أي الطريق للتغير الاجتماعي يتمثل في التربية العقدية والروحية والخلقية والعقلية والسياسية والجسمية لأفراد الأمة.

وبعبارة : تكوين الشخصية الإسلامية.

و- ويرون أن الذين يقومون بهذه التربية هم المربون أو الطليعة ولكن عند البنا لابد من الزعيم الذي يختط سبيل الإصلاح الاجتماعي والسياسي ويحدث في أمته وبها ثورة فكرية عملية.

فالمربون والزعماء الذين تربوا أيضا ليكونوا كذلك يقومون بعملية التغيير النفسي للأمة بالتربية كما سبق وهذا التغيير يتبعه التحول أو التغير الاجتماعي عن طريق الأمة أو الناس أنفسهم فعامل التغيير ليس فلقط هم المربون والزعماء ولكن الناس المكونون للأمة أنفسهم فالزعيم لن يحدث الثورة الفكرية العملية في الأمة وحدة بل بها وتتفق هذه الفكرة مع ما استنتجه أحد علماء الاجتماع من أن الإسلام هو أول مدرسة اجتماعية تعتبره عامة الناس المصدر الحقيقي والعامل الأساسي والمسئول المباشر في تغيير المجتمع والتاريخ.


خلاصة:

يتبين من التحليل السابق أن التغيير الاجتماعي له شروط نفسية وأن الطريق إليه يتمثل في التربية بجوابها ووجود الزعماء والمرين وتحرك الناس أنفسهم لأحداث التغيير فالتربية السياسية بأبعادها الثلاثة تكون ذات سياسية والوعي السياسي والمشاركة السياسية أساس وطريق للتغيير عندهم بجانب الجوانب الأخرى.

وهكذا فإن جماعة الإخوان قد تميزت بالتركيز على التربية الفردية والتربية السياسية ضمن عمل حركي يسعى نحو إحداث التغيير الجذري في المجتمع.

ويمثل المفهوم السابق جزءا من الذات السياسية عند عضو الإخوان يوجه عواطفه السياسية مثل الرغبة في النهوض الاجتماعي والسياسي ويحدد وجهة مشاركته السياسية ودرجتها.


تصور المجتمع المسلم ودور التربية في إيجاده:

يمثل هذا المطلب تركيزا لأفكار سيد قطب في الظلال والتي بلورها فيما بعد في معالم في الطريق بالإضافة إلى أفكار البنا عن أسس المجتمع المسلم كما يلي:

أ‌- طبيعة المجتمع المسلم وخصائصه:

1- يرى قطب خاصة ولم يخالف أحد الإخوان في ذلك أن الخاصية المميزة لطبيعة المجتمع المسلم هي أنه يقوم على أساس العقيدة التي تتمثل في العبودية لله وحده في معتقدات أفراده وفي شعائرهم وعبادتهم وفي نظامهم وتشريعاتهم فقاعدة العقيدة هي البنية التحية التي أحلها الإسلام محل القواعد الأخرى كالطبقة أو المصالح الاقتصادية أو غير ذلك، وهذه الخصائص التي تفرق بين المجتمع المسلم وغيره.
2- وتأسيسا على هذه الخصائص الأساسية فإن للمجتمع المسلم خصائص أخرى عندهم هي:
أ‌- أنه مجتمع يحقق إنسانية الإنسان لأن قاعدة التجمع فيه تمثل أعلى خصائص الإنسان وهي العنصر الروحي والعقل والاختيار والإرادة.
ب- أنه مجتمع مفتوح يمكن أن يأتي إليه أفراد من كل الأجناس واللغات باختيارهم وتصب في هذا المجتمع كل الطاقات والخواص البشرية لتنشئ حضارة إنسانية.
ت‌- إنه مجتمع متحرر من كل الوثنيات فضلا عن المساواة التي يتمع بها الناس في ظل عقيدة الدينونة لله وحده دون العباد مما يوفر الجهود لعمارة الأرض والنهوض بتكاليف الخلافة.
ث‌- أنه مجتمع أخلاقي أي أن العلاقات فيه تقوم على مجموعة الأخلاق المنبثقة من عقيدته.
ج‌- وتمثل الأسرة قاعدته الأساسية.
ح‌- إنه هو المجتمع المتحضر بناء على الخصائص السابقة ولأن الإنسان يكون فيه كامل الحضارة لأنه يقوم بالخلافة الصحيحة عن الله بجانبها المادي والمعنوي فهو يلتزم بقيم الشريعة الربانية ويحتكم إليها وفي نفس الوقت يتعرف على النواميس الكونية ويقيم الصناعات مستخدما كل الخبرات الفنية والعلمية التي حصل عليها الإنسان في تاريخه كله.
خ‌- إنه مجتمع يتحقق بالجهد البشري في أية بيئة وتتخذ حضارته أشكالا متنوعة في تركيبها المادي والتشكيلي بشرط قيامها على الخصائص السابقة.
د- وبناء على ما سبق فإن مجتمع متميز في طبيعة تكوينة وما يترتب على ذلك من نظم وإجراءات تنفيذية فله ملامح مستقلة لا تعالج بمفهومات اجتماعية أجنبية عنها ولا تدرس وفق منهج غريب عن طبيعتها.


ب- أسس المجتمع المسلم:

حدد البنا الأسس التي يقوم عليها المجتمع المسلم معتبرا إياها أصولا للإصلاح الاجتماعي الكامل وهي:
1- مراعاة الأخلاق وحماية المجتمع من الجرائم والمنكرات.
2- الاهتمام بالأسرة وتحديد مركز المرأة بدقة.
3- الـتأكيد على التكافل والتضامن بأنواعه في المجتمع والوحدة.
4- مسئولية الدولة عن الإسلام ودعوته.
5- تحميل الفرد مسئولية إصلاح المجتمع.
ويذكر أن ثمة شعائر عملية لتثبت تلك الأسس هي:
1- العبادات وما يحلق بها مثل الذكر والإنفاق والتحذير من الترف.
2- الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
3- فرض العمل والأمر بحفظ سلامة البدن والحواس.
4- التزود بالعلم في فنون الحياة المختلفة للرجل والمرأة كل فيما يليق به.
5- التضامن الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم بالرعاية والطاعة معا.

ومن الوضاح أن هذه الأسس ووسائلها تثبتها إنما هي في نفس الوقت امتداد لخصائص وطبيعة المجتمع المسلم كما أنها تهدف إلى بناء دعائم النهوض الاجتماعي السابقة.


  • وإذا كانت هذه خصائص وأسس المجتمع عن الإخوان فكيف ينشأ وما دور التربية في ذلك؟

ج‌- دور التربية في نشأة المجتمع المسلم:

1- طبقا للخاصية المحددة لطبيعة المجتمع المسلم فإن نشأته تتحدد تلقائيا وذلك بأن توجد جماعة من الناس تتلقى العقيدة الإسلامية وتقرر أنها لا تدين بالعبودية لغير الله في الاعتقاد وفي العبادات والشعائر وفي النظم والشرائع وتأخذ بالفعل في تنظيم حياتها كلها على هذا الأساس عندئذ يتم ميلاد أو نشأة مجتمع جديد.
فالعناصر الأساسية لذلك هي:
أ‌- جماعة من الناس
ب- تتربي على عقيدة.
ت‌- تنظيم حياتها على أساس تلك العقيدة مجتمعة.

وبهذا فإن شرط المجتمع المسلم هو العقيدة التي تتمثل في نظم وعلاقات فإذا تغيرت عقيدة التوحيد فإن النظم الإسلامية يصيبها الانحراف والتغيير بقد ما أصاب العقيدة ومن الصعب قيام نظم إسلامية بدون قيام عقيدة التوحيد فليس مجديا محاولة إقامة هذه النظم في واقع حياة المجتمع دون إقامة أساسها في نفوس الأفراد.

2- تأسيسا على هذا فإن طريق إنشاء مجتمع مسلم وهو هدف عملية التغيير الاجتماعي إنما يكون في تغيير أفكار واتجاهات وأخلاق الأفراد لبناء اعتقادات محددة واتجاهات نحو النظم الإسلامية وذلك لا يتم بدون التربية وهذا ما قرره الإخوان المسلمون اتساقا مع نظريتهم في التغير الاجتماعي وذلك أولا بتربية الفرد المسلم عقديا وروحيا وخلقيا واجتماعيا وعقليا وجسميا وسياسيا وفي نفس الوقت يعمل في عدة نواح: تكوين أسرة مسلمة ويسهم في تغير العرف في وسط ويعمل مع الجماعة لإقامة المجتمع المسلم من خلال حركة جماعية.

والخلاصة أن التربية هي الطريق الأساسي لإنشاء المجتمع المسلم.


خلاصة:

1- يتبين مما سبق أن المجتمع المسلم عند الإخوان وقطب خاصة يقوم على أساس العقيدة وأن هل خصائص وأسسا محددة وأن الطريق لإيجاده هو تربية الشخصية الإسلامية في الأفراد أولا وتناول الإخوان لهذه الجانب إنما هو امتداد لرؤيتهم في التغيير الاجتماعي ولهدفهم منه وهو يعكس استجابة الإخوان لتحدي التغريب الذي هيمن في فترة البحث ولمدة طويلة استنادا إلى أصولهم العقدية وفكرهم المستمد من النص الموحي به.
2- ويمثل المضمون السابق جزءا من المعتقدات الأساسية في الذات السياسية عند عضو الإخوان حيث يؤثر في اتجاهاته وعواطفه السياسية الاتجاه نحو النظم الإسلامية مثلا كما يؤثر في صورة ودرجة مشاركة السياسية (مثلا – رفض أسلوب الانقلابات- رفض العنف- الاهتمام بالتوعية السياسية)..

كما أن نفس المضمون يمثل جزءا من الوعي بالإسلام ونظمه وهو العنصر الأول من عناصر الوعي السياسي عند الإخوان.

وبهذا فإن المضمون السابق عن المجتمع المسلم ذو علاقة قوية بالتربية السياسية عندهم.


مشكلات اجتماعية في فكر الإخوان المسلمين:

يتناول الباحث في هذا المطلب موقف جماعة الإخوان من المرأة ودروها في المجتمع وقضية الصراع الطبقي وتخلف الريف المصري وكانت جميعها نتاجا للأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية السائدة في مصر قبل 1952 م وبعدها بقليل.

أولا: المرأة ودروها في المجتمع:

أ‌- أصبحت للمرأة صوت وحركة في الواقع السياسي المصري وخصوصا منذ ثورة 1919 ومنذ ذلك الوقت ولأسباب عديدة تمثلت القضايا المطروحة في مجال دور المرأة وحقوقها في:
1- رفع الحجاب
2- تعليم المرأة
3- تقييد حق الرجل في الطلاق.
4- تحريم تعدد الزوجات إلا للضرورة.
5- ضمان حق المرأة في العمل عند الحاجة إليه.
6- ضرورة أن تمارس المرأة حقوقها السياسية.

ويتناول الباحث موقف الإخوان من ذلك فيما يلي:

ب- يستند الإخوان في تصورهم وعلاجهم لقضية المرأة إلى النصوص الشرعية الإسلامية ويمكن إجمال موقفهم فيما يلي:
1- يهتم الإخوان بالمرأة لأنها العامل الأول في صياغة الناشئة ومن ثم فهي المؤثر الأول في اتجاه الأمة ولأنها أساس الأسرة التي هي عندهم قاعدة المجتمع.
2- والإسلام جعل المرأة شريكة الرجل في الحقوق والواجبات إذ هي كفء الرجل في إنسانيته ومساوية له في القدر وأنه اعتراف لها بحقوقها الشخصية كاملة وبحقوقها المدنية كاملة كذلك وبحقوقها السياسية كاملة أيضا وعاملها على أنها إنسان كامل الإنسانية له حق وعليه واجب فالحقوق السياسية للمرأة كما يرون لا يجحدها أحد فللمرأة أن تصل جهدها بشئون الحياة العامة وتتابع سير المجتمع ليمكن لها أن تنتقد وتأمر بالمعروف وتهتم بإصلاح إدارة الحكم بالنقد والوجيه واقتراح سن القوانين فلها أن تشتغل بالسياسة ولي في الإسلام كما يرون ما يمنع المرأة من ممارسة هذا الحق ولها أن ترى ما تشاء من الآراء السياسية وأن تعارض أو تؤيد ما تشاء من سياسة الحاكم بل لها الاعتراض على اختيار شخصه إذا رأت فيه ما يوجب ذلك ولها أن تباشر هذا الحق بالترشيح للبرلمان والانتخاب والحق أن هذه رؤية متقدمة من الإخوان غير أنهم يرون أن مزاولة هذه الحقوق السياسية من المرأة يتطلب عدة شروط أن تلتزم المرأة بالأخلاق الإسلامية وأن يتهيأ المجتمع بارتفاع مستوى الخلق والوعي فيه.

ويذكر البنا أن حقوق المرأة السياسية لا يجحدها أحد ولكن الوقت لم يحن بعد لاستخدامها.

3- ويرون أن التفريق بين الرجل والمرأة إنما هو للفوارق الطبيعة بينهما ولاختلاف المهمة الأساسية التي تقوم بها كل منهما في الأسرة والمجتمع ويرون أن الأسرة تقوم على أساس التخصص بين الزوجين في العمل.
4- وأن المرأة والرجل تجاذبا فطريا قويا هو الأساس الأول للعلاقة بينهما وأن غايته التعاون على حفظ النوع واحتمال متاعب الحياة وقد نظم الإسلام ذلك الزواج بالتربية والتشريع وحدد العلاقة بين الزوجين في البيت مثل التشاور والمعاملة بالمعروف وقوامة الرجل.
5- ويرون أن نظام المجتمع المسلم يقوم على منع الاختلاط وعلى فرض الحجاب الشرعي على المرأة وتحريم التبرج وخلوتها بالأجنبي عنها حرصا على سلامة المجتمع من شيوع الفاحشة ويستندون في تقرير ذلك إلى النصوص الشرعية وإلى النوازع الفطرية في النفس وإلى ما وصل إليه وضع المرأة خلقيا في الغرب.
6- وبالنسبة إلى عمل المرأة فهم يرون أنه أساسا في البيت مع زوجها وأولادها وإذا دعتها ضرورة لغير ذلك فعليها أن تلتزم بشرائط الخروج ويرون أن لها أن تذهب إلى المساجد والمدارس ما تضطر إليه من أعمال.
7- ويرون تأسيسا على ذلك أن تربية المرأة وتعليمها ضرورة في حدود:
أ‌- الاهتمام بتهذيب الخلق.
ب- تعليمها ما لا غنى عنه لها مثل الدين والقراءة والكتابة والتاريخ الإسلامي – الحساب – تدبير المنزل- التربية وسياسة الأطفال..)
ت‌- منع الاختلاط في مراحل التعليم المختلفة.

وعلى هذا فإن تناول الإخوان لقضية المرأة ذو مضمون تربوي واضح ويبدو هذا المضمون في محورين:

أولا: تعليم البنت في المدارس والجامعات المصرية: فبجانب ما سبق طالبوا المسئولين في الحكومات المصرية المتتابعة بإعادة النظر في مناهج تعليم البنات ووجوب التفريق بينها وبين مناهج تعليم الذكور في كثير من مراحل التعليم وبمنع الاختلاط بين الطلبة والطالبات وبمقاومة التبرج بين الدراسات والطالبات ولا شك أن هذه المطالب تستند إلى رؤيتهم السابقة.
ثانيا: تربية المرأة في داخل جماعة الإخوان المسلمين: بناء على اهتمامهم بالمرأة اهتمامهم بالرجل واتساقا مع نظرتهم لها فقد اهتموا بها تربويا كما يلي:
1- أنشئوا فرقة الأخوات المسلمات عام 1932 بالإسماعيلية وأخرى بالقاهرة وتكونت أول لجنة تنفيذية لها في 14 إبريل 1944 وانتشرت فكرة الأخوات المسلمات بالقطر المصري حتى كان لقسم الأخوات 50 لجنة في مصر وصرت لائحة الأخوات الأولى عام 1932 وفي عام 1948 صدرت اللائحة الداخلية للنظام الأساسي للأخوات المسلمات.
2- وينص النظام الأساسي لهن على أن الغاية من قسم الأخوات تكوني شخصيات من النساء مهذبة تستطيع الاضطلاع بما يناط بها من أعمال وواجبات وتعريفها بحقوقها وواجباتها وإرشاد النساء إلى طريق التربية الإسلامية الصحيحة التي تتضمن لأبنائها النمو الجسمي والعقلي ونشر الثقافة العامة والمعارف التي تنير عقولهن وتوسع أفقهن ومحاربة الخرافات والأفكار الخاطئة بينهن والإسهام في المشروعات النافعة مثل إنشاء دور الطفولة ورعاية اليتامى وأندية الصبيان والمدارس والعاونة في حدود جهود الأخوات في تحقيق البرنامج الإصلاحي الأساسي لهيئة الإخوان المسلمين العامة وتحليل هذه الغايات يبرز أن القسم ذو غرض تربوي في الأساس.
3- كما أن وسائل القسم إنشاء المؤسسات الاجتماعية مثل المدارس والدروس الثقافية والمحاضرات وإصدار الرسائل إلخ..
4- وتبدو الوسيلة الأساسية لتحقيق الغرض التربوي للقسم في إنشاء أسر الأخوات، وإعداد دورات لتدري نقيباتها.
5- وقد أصدر القسم عام 1952 رسالة واجبات الأخت المسلمة متضمنة برنامجا تربويا للمرأة يشتمل على ستة أقسام من الواجبات:
أ‌- لدينا تربية روحية.
ب- لعقلها: بأن تزود عقلها بأصح الحقائق معتمدة على القرآن وأن تدرس تاريخ الإسلام وأن تثقف نفسها بما تستطيع من معارف العصر في الاجتماع ومبادئ العلوم وما يضطرب فيه الناس سياسيا واجتماعيا وأن تقرأ الصحف اليومية والمجلات العلمية والأدبية
ت‌- لبيتها.
ث‌- لمجتمعها: بأن تساهم في بناء المجتمع على التقاليد الصحيحة ببث الأفكار الناضجة في أذهان من تغشاهن من مثقفات وغير مثقفات وبمقاطعة ما في المجتمع من مساوئ...إلخ..
ج‌- لأولادها بأن تكون قدوة لهم وأن تعمل على إيجاد بيت مثالي.
ح‌- للدعوة: بأن تدعو كل من تستطيع إلى الحقائق التي تدعو إليها الإخوان المسلمون وأن تبشر بما جاء به الإسلام من أسس العدالة والحرية والتكافل الاجتماعي والتشريعي الصالح ..إلخ.
ثالثا: ويتبين من هذا أن رؤية الإخوان للمرأة ذات بعد تربوي أساسا وقد انعكس ذلك في مطالبهم التربوية لعليم الفتاة في مصر وفي تربية المرأة داخل جماعة الإخوان وهذه التربية لها جانب سياسي من جهتين الأولى: ما تضمنه التحليل السابق من وعي سياسي والثانية ما أتاحه الإخوان للمرأة من مشاركة سياسية كما يبدو مما سبق.


ثانيا: مشكلة الصراع الطبقي وتحقيق السلام الاجتماعي

كانت هذه المشكلة ناتجة عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في مصر فترة البحث قبل 1952 وموقف الإخوان منها كما يلي:

أ‌- يرون أن الصراع الطبقي سمة للمجتمعات التي لا تطبق الإسلام وأن عله ذلك تكمن في ظهور الطبقات المترفة والبائسة ومن ثم ظهور الترف والبؤس مما يولد الطبقية ونشوء النظام الاجتماعي والسياسي وقد رأوا أن الاحتلال الإنجليزي عمل على إيجاد طبقة مترفة مسيطرة على الأوضاع الاقتصادية في مصر في عهد مما أدى إلى حدة الافتراق بين أوضاع المترفين والبائسين ورأوا استمرار تلك الأوضاع وما يحوط بها سيؤدي حتما إلى ثورة.
ب- ويرى قطب أنه حين يحكم الإسلام بنظامه الاجتماعي والقانوني فإن حتمية صارع الطبقات والجبرية المادية تصبح مسألة تحكمية لا تستند إلى واقع ولا منطق في هذا المجتمع.
ت‌- وثمة طريقان لابد منهما معا لعلاج هذه المشكلة عندهم هما تحقيق العدالة الاجتماعية وتحقيق السلام الاجتماعي ولتحقيق كل طريق منهما في الواقع لابد من :
أولا: أسلوب التربية والتوجيه
وثانيا: أسلوب التشريع والتنفيذ
ويتناول الباحث هنا كيفية تحقيق السلام الاجتماعي عندهم عن طريق التربية والتشريع.
د- التربية يتمثل أسلوب التربية والتوجيه لتحقق السلام الاجتماعي فيما يلي:
1- بناء وجدان الحب والرحمة في ضمائر الأفراد.
2- تربية أفراد المسلمين على عادات نفسية واجتماعية تعين على بناء الوجدان السابق وتمنع ثوران البغضاء وفي ذات الوقت يحرم ما يثير الأحقاد مثل القمار مما يساعد في بناء السلام في عالم الشعور وعالم الواقع.
3- تربية شعور التعاون والتضامن بين الأفراد في المجتمع بتربية الأفراد على أن لهم أهدافا مشتركة يتعاونون لبلوغها وعلى أن الجماعة مسئولة عن رعاية الضعاف ولتأكيد هذا الشعور في النفوس حرم الإسلام الربا والاحتكار والغش...إلخ..
4- تربية الأفراد على أن لهم أهدافا عليا مع الأهداف القريبة مثل حماية المستضعفين في الأرض والحفاظ على العدل السياسي في المجتمع والمسئولية عن تبليغ الهداية الربانية للناس جميعا إلخ مما من شأنه أن يشغل الأفراد عن العداوات الصغيرة في المجتمع.
5- تربية الأفراد على الأخشيشان والنفور من الترف باعتباره جريمة وعاملا خطيرا في هدم المجتمعات وتأكيد ذلك في نفوسهم.
ه- ويتبين من ذلك أن أسلوب التربية والتوجيه يتطلب تربية نفسية واجتماعية لبناء وتنمية هذه المبادئ الخمسة في عقول ومشاعر واتجاهات الأفراد، وقد عمل الإخوان على تحقيق ذلك في أعضاء جماعتهم من خلال نظمهم التربوية كما طلبوا مسئولي التعليم في مصر بأن يعملوا على تربية الطلاب في المدارس على الشعور التضامني الاجتماعي.
و- التشريع يرى الإخوان أن طريق التربية وحده لا يحقق السلام الاجتماعي بل لابد من تشريع يوضع موضع التنفيذ لضمان:
1- الأمن العام والسلامة لجميع الأفراد بتشريع القصاص لحفظ الحياة وعقوبة السرقة لحفظ المال وعقوبة الزنا لحفظ العرض وتحريم التجسس لحفظ الحرية الشخصية وتشريع حد الحرابة لضمان الأمن العام والحرص على كل ذلك على سلامة الإجراءات وصحة الأدلة عند الاتهام.
2- كفاية الحياة المعيشية لكل فرد في الأمة على العمل أو عاجز عهنه.
3- تحقيق التوازن الاجتماعي عن طرق تنفيذ مبادئ العدالة الاجتماعية ومبادئ سياسة المال كما حددها الإسلام.
ز- ويتبين مما سبق أن قضية الصراع الطبق ذات بعد تربوي واضح فالأسلوب الأول يتطلب تربية نفسية واجتماعية أما تنفيذ التشريعات المتعلقة بالسلام الاجتماعي فتتطلب تغييرا في سياسة الحكم الذي لا يتأتي بدون تربية الرأى العام والتأثير على أفكاره واتجاهاته ليعمل على هذا التنفيذ بالمطالبة عن طريق صور المشاركة السياسية المتاحة، أو بالانضمام إلى الإخوان الذين عملوا لذلك من خلال التوعية والمشاركة السياسية عندهم.
ج- ويمثل المضمون السابق جزءا أساسيا من قيم ومعتقدات الذات السياسية عند عضو الإخوان التي تصوغ عواطفه واتجاهاته السياسية مثل شعور الولاء لقضايا الفقراء والمستضعفين عموما.

ومن ثم فإن هذه المشكلة ذات صلة مباشرة بالتربية عموما والتربية السياسية خاصة.


ثالثا: تخلف الريف المصري:

تناول الإخوان مشكلات الريف المصري فترة البحث بصورة تقرب من العلمية وكان تناولهم انعكاسات تربوية:

أ‌- أوضاع الريف رآها الإخوان المسلمون:

1- الفقر وانحطاط مستوى المعيشة: وقد لاحظوا ذلك بأسلوبين: الأول: من خلال الإحصاءات الرسمية عن الفلاحين ففي عام 1941 ذكروا في المؤتمر السادس أن أربعة ملايين فلاح لا يملكون وأن مليونين لا تزيد ملكيتهم عن نصف فدان ومعظم الباقي من الفلاحين لا تزيد ملكيتهم عن 5 أفدنة وأن متوسط ما يخص الفرد في العام جنيهان وأن أربعة ملايين فلاح يعيشون آنذاك أقل من معيشة الحيوان والأسلوب الثاني كان من خلال زيارات قادتهم للريف ونشر ملاحظاتهم عن التناقض بين حياة الفلاحين البؤساء وحياة العمد والأعيان في الريف.
2- الجهل والأمية: فقد ذكروا أن عدد الذين يعرفون القراءة في مصر كلها 20٪ عام 1938 من بينهم تلاميذ المدارس الإلزامية في القرى، الذين لا يحسنون شيئا وأشاروا إلى انتشار العادات السيئة والخرافات في الريف وإلى أن الريفي لا يعرف حق أمته، ولا يعلم عن الشئون العامة لبلاده شيئا وإلى استغلال الزعماء لهؤلاء الناس الذين لا يعلمون إلا أسماءهم.
3- انتشار أمراض سوء التغذية والبلهارسيا: مع قلة المشافي وسوء المعاملة في الموجود منها كما ذكرنا
4- التفاوت الاجتماعي: بين قلة غنية طاغية، وكثرة فقيرة مما ينذر بالخطر واعتبروا أن المسئول عن الأوضاع السابقة هم الحكومات الوزراء.

ب- الانعكاس التربوي لهذه الأوضاع:

1- بناء على اعتبارهم أن المسئولين عن تلك الأوضاع هم الحكومات فقد طالبوا بالمطالب التربوية الآتية:
أ‌- العمل على محو الأمية محوا تاما..
ب- ضرورة تعميمي التعليم الابتدائي الذي يدخله أبناء الأمة جميعا بلا استثناء أو تمييز وما يتطلبه ذلك من توحيد أنواع التعليم.
ت‌- وفي أثناء وجود المدارس الإلزامية التي كانت أصلا في الريف طالبوا بضرورة إصلاحها لتؤدي المدرسة الإلزامية واجبها في محو الأمية ونشر الثقافة الضرورية وتربية الوطنية لتكون بذلك أساسا لكل إصلاح قروي، كما طالبوا بالقضاء على ما فيها من قصور وعيوب.
2- قاموا بثلاثة أعمال تربوية بالإضافة إلى ما سبق من مطالبات لمواجهة التخلف في الريف:
أ‌- جردوا عدة حملات لمحو الأمية وأسسوا لجنة لمكافحتها في المركز العام عام 1946 لتنظيم التعاون مع وزارة المعارف المصرية في ذلك بناء على طلبها.
ب- ومن أجل توعية الرأي العام المصري بتلك المشكلة نظموا خمس محاضرات في المركز العام للتوعية بمشكلات القرية عام 1952 1953 بجانب النشر في مجلاتهم.
ت‌- نشروا نظام الجوالة في الريف فكان في كل شعبة رهط للجوالة وكان لها أثر واضح في المجتمع الريفي ففي عام 1943 كمثال واحد بدأت الجوالة مشروعا اجتماعيا في محيط القرية كان يتضمن خدمات تربوية كما يلي:
- عقد اجتماعات لشباب القرية للتعارف.
- بث روح السمر الموجه للرجولة والوطنية في صورة تمثيلية تربوية.
- تشجيع شباب القرية للتفكير في خدمة مجتمعهم.
وبرغم أهمية العمل التربوي السابق إلا أنهم رأوا أن إصلاح القرية يتطلب إصلاحات أساسية أخرى هي:
1- تحديد العلاقة بين المالك الزراعي الكبيرة بوضع حد أعلى للملكية الزراعية تراوح عندهم بين مائة ومائتين وثلاثمائة فدان ويوزع الزائد على المعدمين وصغار الملاك بأسعار معقولة تؤدي على آجال طويلة والدولة مسئولة عن ذلك لإعادة التوازن ومسئولة أيضا عن توزيع جميع الأطيان المستصلحة والتي تستصلح على صغار الملاك والمعدمين خاصة وأن توزع أملاك الدولة فورا عليهم.
2- تحديد العلاقة بين المالك الزراعي والمستأجر بما يحقق العدل بين الطرفين واقترحوا نظام المزارعة لذلك، وطالبوا باستكمال التشريعات العمالية لتشمل العامل الزراعيين ولتكفل للعامل الزراعي وأسرته التأمينات ضد البطالة والعجز والوفاة.
3- تشجيع الإرشاد الزراعي وعمل نقابات للعمال الزراعيين.
4- العناية بشأن القرية من حيث تنقية مياهها ونظافتها الزراعيين.
5- العناية بشأن القرية من حيث تنقية مياهها ونظافتها ووسائل الثقافة والتهذيب فيها والإكثار من المستشفيات فيها وأن يكون للفلاح حق التأمين الصحي.
ذ‌- ويتبين مما سبق أن الإخوان تناولوا قضايا الريف المصري وكان لهذا التناول انعكاس تربوي نظريا وعمليا وخاصة دعوتهم لتعميم التعليم الابتدائي دون تمييز وحملاتهم لمكافحة الأمية.
كما أن للمضمون السابق صلة مباشرة بالتربية السياسية فهو يمثل جزءا من الذات السياسية عند عضو الإخوان يؤثر في عواطفه السياسية مثل (تشجيعي تحديد الملكية – الولاء لقضية الفلاح..إلخ) كما أن نفس المضمون جزء من الوعي السياسي بقضية العدالة الاجتماعية عند الإخوان وقد أتاح مجهودهم الإصلاحي في الريفي صورا للمشاركة السياسية مثل الاشتراك في حملات محو الأمية وخدمة البيئة الريفية بالجهد الذاتي.

وعلى هذا فإن موقف الإخوان من الريف المصري ذو تأثير في التربية السياسية عندهم.


خلاصة المبحث السابق:

1- أن عند الإخوان أصولا اجتماعية للتربية استمدوها من النصوص الشرعية ومن اجتهاداتهم لعلاج قضايا المجتمع المصري وتتمثل هذه الأصول عندهم في التغيير الاجتماعي ودور التربية فيه لتحقيق المجتمع المسلم وفي موقفهم من دور المرأة والصراع الطبقي وتخلف الريف المصري.

2- وأن لمضمون كل أصل منها تطبيقات تربوية نظرية وعملية كما أشار الباحث في كل واحد منها.

3- وأنها ذات تأثير في التربية السياسية عند جماعة الإخوان المسلمين.


المبحث الثالث: الأصول الاقتصادية للتربية عند جماعة الإخوان.

يمثل مضمون النقطة الأولى والثانية في هذا المبحث جزءا من الأصول الاجتماعية للتربية عند الإخوان إذ أنهما يمثلان المبادئ التشريعية الاقتصادية لتحقيق العدالة الاجتماعية والسلام الاجتماعي أي حل مشكلة الصراع الطبقي كما رأى الإخوان وقد جعلهما الباحث تحت الأصول الاقتصادية نظرا لأن هذه المبادئ هي مالية اقتصادية في الأساس.

والأصول الاقتصادية التي نتناولها هنا هي استجابة لفكر الإخوان لعدة عوامل هي:

1- العقيدة الإسلامية وما تفرضه من التزام بالشريعة وقد وردت فيها عدة مبادئ اقتصادية رأوا وجوب وضعها موضع التنفيذ.

2- محاولة إيجاد حل لمشكلات المصريين كالفقر والتخلف الاقتصادي والصراع الطبقي.

3- مواجهة سيطرة الاستعمار الأجنبي على الاقتصاد المصري مؤكدين أن الاستقلال الاقتصادي هو أساس للاستقلال السياسي.

وتتمثل الأصول الاقتصادية عندهم فيما طرحوه من قواعد لسياسة المال، وفي نظرية العدالة الاقتصادية وهو أساس للاستقلال السياسي.

وتتمثل الأصول الاقتصادية عندهم فيما طرحوه من قواعد لسياسة المال وفي نظرية العدالة الاجتماعية وفي موقفهم من الاستقلال والنهوض الاقتصادي ويتناول الباحث هذه الجوانب مبينا علاقتها بالتربية عندهم فيما يلي:

1- مبادئ سياسة المال:

أ‌- يرى الإخوان أن سياسة المال كما حددها الإسلام تسير حسب عقيدته في تحقيق العبودية لله وحده بأن يخضع تداول المال لشرع الله الذي يحقق مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة دون ضرر لكليهما وأن الإسلام يتبع في تحقيق تلك السياسية وسيلتين:
الوسيلة الأولى: تربية وتوجيه المسلمين تربية تؤدي إلى التسامي على الضرورات في نفس الوقت الذي تؤدي فيه إلى قبول مبادئه والرغبة في تنفيذها.
الوسيلة الثانية: التشريع الملزم للمسلمين.
ب- والمبادئ الاقتصادية التي يجب تربية المسلمين على قبولها والرغبة في العمل بها وفي نفس الوقت التي يجب وضعها موضع التنفيذ بقوة الدولة هي:
1- المال في الأصل مال الله والبشر مستخلفون فيه ويملكون حق الانتفاع به في الحدود التي رسمها الله وليست هذه قاعدة اعتقاديه يربي عليها الأفراد فحسب بل يترتب على ذلك أنه يجوز للحكام وأهل الشورى الجماعة أن ينظموا طريقة الانتفاع بالمال وأن يرفعوا يد مالك المنفعة عن المال إذا اقتضت ذلك مصلحة عامة بشرط التعويض المناسب وأن يحددوا ما يملكه الشخص من مال معين إذا اقتضت ذلك مصلحة عامة كتحديد الملكية الزراعية بقدر معين.
2- وبما أن البشر لهم حق الانتفاع بمال الله فإن لهم حق الملكية الفردية وهي قاعدة النظام الاقتصادية الإسلامية المراعية للفطرة الإنسانية إلا أنه حق مقيد بشروط فهو حق التصرف والانتفاع بمال الله الذي هو حق الجماعة.

ويترتب على ذلك ألا يتملك الإنسان مالا إلا من وسال تملكه المشروعة والعمل بمختلف ألوانه المباحة هو الوسيلة الوحيدة للتملك ويترتب كذلك على ما سبق أن يسير التملك في تنمية ماله في الحدود المشروعة وأن يلتزم الطريق المشروعة للإنفاق وقد قرر الإسلام عدة مبادئ لتحقيق ذلك مثل مبدأ تحريم الربا ومبدأ تحريم الاحتكار ومبدأ تحريك الكنز ومبدأ من أين لك هذا.

3- ومع الاحتفاظ بمبدأ الملكية الفردية فإن الإسلام قد قرر أن التكافل هو قاعدة الحياة في الأمة المسلمة وقد فرض الإسلام تكاليف على الملكية الفردية لتحقيقها وهي الزكاة وما يلحق بها باعتبارها حق الفقراء كما قرر مبدأ ألا يكون المال متداولا في أيدي الأغنياء دون الفقراء
4- ويقرر الإخوان أيضا أن الإسلام أكد مبدأ شيوع الموارد العامة ومبدأ التأميم قياسا على شيوع الماء والكلأ والنار ومن ذلك البترول والمناجم دون تحطيم لقاعدة الملكية الفردية
5- ويقررون أن الإسلام قد اكتفى في هذا الجانب برسم الدوائر العامة وترك للفكر الإنساني والجهد المتجدد أن يبتكر ما يلزم لتحقيق المصالح في حدود تلك التشريع العام .
ث‌- وهذه هي القواعد الاقتصادية المكونة لسياسة المال كما رآها الإخوان المسلمون وبتحليلها يتبين أنها ذات صلة بالعقيدة والأخلاق ولا يمكن تطبيقها بدون التربية من جهة والتشريع التنفيذي من جهة أخرى والتربية المحققة لذلك تتمثل في التربية العقدية والخلقية للأفراد:
أولا: ليؤمنوا بها.
ثانيا: ليتجهوا إليها بالرغبة
ثالثا: ليلتزموا بها سلوكيا.

وهذه المبادئ تمثل جزءا من المحتوي المعرفي والوعي الذي يربون عليه المنتمين إليهم، وهذا وجه صلة التربية بالجانب التنفيذي فهم يقررون ضرورة تطبيق النظام الإسلامي كلية بما في ذلك الجانب الاقتصادي وأن وسيلتهم لذلك تغيير العرف العام في المجتمع أي تغيير أفكار واتجاهات وسلوكيات الناس ليقبلوا ذلك وهو عمل تربوي وبناء جيل مسلم يفهم الإسلام فهما شاملا ويعمل على تنفيذه على كل جوانب الحياة وعلى هذا فإن الجانب الاقتصادي السابقة والتربية العقدية والخلقية والمعرفية علاقة وثيقة الارتباط.


2- العدالة الاجتماعية عند الإخوان:

أ‌- تمثل نظرية العدالة الاجتماعية الأساس الثاني للنظام الاقتصادي كما يرى الإخوان وترتكز عندهم على العقيدة والخلق إذ أن لها ثلاث قواعد هي: قاعدة التوحيد وشمول العدالة لكافة جوانب الحياة الإنسانية وقاعدة التكافل العام بين الأفراد والجماعات وقاعدة مراعاة طاقات الفطرية الإنسانية.
ب- وأسس العدالة الاجتماعية عندهم ذات اتصال مباشر بالتربية إذ لا يمكن تحقيقها إلا بها وهي:
الأساس الأول: التحرر الوجداني المطلق: أي أن تستند العدالة إلى شعور نفسي باستحقاق الفرد لها وبحاجة الجماعة إليها وطريق ذلك هو تربية الفرد تربية عقدية ونفسية تؤدي إلى:
1- تحرير الوجدان من عبادة أحد غير الله.
2- مقاومة الشعور بالخوف على الحياة والرزق والمكانة.
3- إعلاء القيم المعنوية على القيم المادية في نفسية الفرد.
4- تحرر وجانه من الاستذلال لغرائز النفس.

فالعدالة الاجتماعي في الواقع ترتكز على هذا الأساسي النفسي العقدي الذي يبني بطريق واحد هو التربية.

الأساس الثاني: المساواة الإنسانية بتربية الأفراد على مجموعة من القيم والمعتقدات وحدة الجنس البشري في المنشأ والمصير تساوي الجميع في الحقوق والواجبات: أمام الله والقانون وفي الدنيا والآخرة كرامة الجنس البشري كله، ولا فضل إلا (للعمل الصالح)
ويتكون هذا الأساسي في النفس والعقل نتيجة للأساس الأول إذا تربي عليه الإنسان ويؤدي تكوين الأساس الثاني عن طريق التربية العقدية والمعرفية إلى شعور الفرد بحقه في والمساواة فيجاهد لطلبه.
الأساس الثالث: التكافل الاجتماعية: بين الفرد وأسرته، وبين الفرد والجماعة والعكس ويتأنى ذلك عن طريق تربية؟ اجتماعية الوجهة تنمية في نفوس الأفراد حتى يشعروا به ويعملوا لتنفيذه.

وتأسيسا على هذا فإن أسس العدالة الاجتماعية لا يتأتي وجودها في نفوس وعقول الأفراد بدون التربة العقدية والنفسية والاجتماعية والمعرفية أي أن التربية هي الوسيلة الأولى لتحقيق العدالة الاجتماعية إذ تؤدي في النهاية إلى تهذيب النفس واستشارة الضمير البشري من أجلها وبذلك يقف الضمير حارسا للعدالة.

ج‌- والوسيلة الثانية لتحقيق العدالة في الواقع عندهم، هي التشريع الذي يكفل تحقيقها بتنفيذ التشريعات الخاصة بالمال والعدالة الاجتماعية كجزء من سياسية الحكم المنوط بها ذلك وبجانب ما تقدم في مطلب سياسة المال من مبادئ فإن الإخوان يؤكدون على المبادئ التالية التي تكمل تشريع العدالة الاجتماعية في رؤيتهم:
1- مبدأ أن الفقراء أولى من أولى السابقة في الإسلام بالمال العام.
2- إباحة الإسلام لولي الأمر حرية التصرف في المال العام لتحقيق التوازن في المجتمع.
3- مبدأ الرجل وحاجته بجنب الرجل وبلاؤه.
4- مبدأ الضريبة المتفاوتة حسب المقدرة والعجز.
5- مبدأ عدم الحجز على الضروريات وفاء للضريبة وعدم استيفائها بالقوة
6- مبدأ الضمان الاجتماعي العام لكل عاجز ولكل محتاج.
7- مبدأ التكافل العام الذي يجعل كل أهل بلد مسئولين مسئولية جنائية مباشرة عمن يتلفه الجوع والعطشان أن يقاتل من في يده الطعام والماء حين يخشى على نفسه التلف.
8- مبدأ الأنظار عند العسرة للمدين.

وتمثل هذه المبادئ جزءا من المضمون المعرفي الذي يتربى عليه الأفراد أيضا.

د- وبتحليل موقف الإخوان من العدالة الاجتماعية يتبين ما يأتي:
1- أن الإخوان واجهوا قضية الصراع الطبقي بالدعوة إلى العدالة الاجتماعية واستندوا في ذلك إلى النص الشرعي وتجربة التاريخ الإسلامي الأول، واجتهادهم العقلي في ضوء ذلك.
2- وأن العدالة الاجتماعية أساسا عقدية وخلقية ونفسية يتم بناؤها في الإنسان عن طريق التربية التي تعتبر الوسيلة الأولى لتحقيقها أما الوسيلة الثانية فهي وضع التشريعات الكفيلة بتحقيقها موضع التنفيذ وتستند على عدة مبادئ عقدية واقتصادية تمثل جزءا من المحتوى المعرفي في التربية العقلية عندهم.
3- وتمثل مبادئ سياسية المال ومبادئ العدالة الاجتماعية جزءا من المعتقدات الأساسية في الذات السياسية عند عضو الإخوان وهذه المعتقدات تؤثر في مشاعر وولاءات الفرد السياسية التي تتلخص في الرغبة في تحقيق تلك المبادئ في الواقع شعور العطف على المحتاجين إلخ وعلى هذا فهي توجه مشاركة الفرد سياسيا وتحدد غايتها.

والخلاصة: أن السابق عن المال والعدالة ذو بعد تربوي يتمثل في التربية العقدية والنفسية والاجتماعية والعقلية المعرفية وفي التربية السياسية وخاصة بعد الذات السياسية وبعد المشاركة.


3- الاستقلال والنهوض الاقتصادي الوطني:

أ‌- رأى الإخوان فترة البحث أن ربط الاقتصاد المصري بالإنجليزي وتخلفه يمثل هوانا للمصريين واستعبادا لهم ويحول دون الحرية الكاملة والاستقلال السياسي الذي لا يتحقق عندهم بدون الاستقلال الاقتصادي.
ب- ويمكن تناول هذه الفكرة عندهم كما يلي:
أولا: الدعوة إلى الاستقلال الاقتصادي عن السياسة الإنجليزية والسيطرة الأجنبية: حيث طالبوا الحكومات آنذاك بما يلي:
1- استقلال النقدي المصري واعتماده على رصيد ثابت من الموارد والذهب المصري وتأميم البنك الأهلي.
2- تمصير الشركات وإحلال رءوس الأموال الوطنية محل الأجنبية ما أمكن
3- تخليص كل المرافق العامة من أيدي الشركات الأجنبية وتأميمها واسترداد كل الأملاك التي أخذها الأجانب وتحريم تملك الأرض المصرية على الأجانب مؤبدا.
4- التحريم القاطع للربا.
ثانيا: الدعوة إلى النهوض بالاقتصاد الوطني: وقد نادوا في فترة البحث بعدة مطالب رأوا أنها تحقق ذلك وهي :
1-استغلال منابع الثروة الطبيعة بصورة منتجة.
2- تشجيع الصناعات اليدوية لبث الروح الصناعية في الأمة والوقاية من البؤس.
3- التحول إلى الصناعة فورا بجانب الزراعة.
4- إرشاد الشعب إلى التقليل من الكماليات والاكتفاء بالضروريات.
5- العناية بالمشروعات الوطنية المهملة آنذاك مثل مشروع خزان أسوان
6- إعادة النظر في نظام الملكيات في مصر.
ثالثا: جهود الإخوان العملية:
تجاوز الإخوان الدعوة النظرية إلى النهوض الاقتصادي والاستقلال الاقتصادي إلى إسهامات عملية في هذا الجانب كما يلي:
أ‌- تربية أعضاء جماعتهم على الالتزام بعدة أخلاق وسلوكيات اقتصادية حيث ألزمت كل عضو فيها بما يلي:
1- أن يزاول عملا اقتصاديا مهما كان غنيا وأن يقدم على العمل الحر مهما كان ضئيلا.
2- أن يخدم العضو الثروة الإسلامية بتشجيع المصنوعات الوطنية فلا يقع قرشه في يد غير إسلامية ولا يلبس ولا يأكل إلا من صنع وطنه.
3- أن يدخر جزءا من دخله مهما قل ولا يورط في الكماليات أبدا.
4- ومنذ عام 1945 دعوا إلى مقاطعة البضائع المحليات والشركات الإنجليزية تماما.
ب- تأسيس عدة شركات اقتصادية مساهمة لنفس الهدف ومن أهمها :
1- شركة المعاملات الإسلامية أنشأت مصنعا للنحاس وآخر للبلاط والأسمنت.
2- الشركة العربية للمناجم والمحاجر لإنتاج الأسمنت والبلاط وأجهزة الطبخ الغازية.
3- شركة الإعلانات العربية.
4- شركة الإخوان المسلمين للغزل والنسيج بشبرا الخيمة.
5- شركة التجارة وأشغال الهندسة لإنتاج مواد البناء وتدريب العمال في حرف السباكة والكهرباء والنجارة.
6- شركة التوكيلات التجارية بالسويس.
7- شركة التجارة بالمحل لإنتاج المنسوجات والأدوات المنزلية وأدوات المكاتب والأدوات المدرسية والكهربائية.
وبجنب الهدف الاقتصادي من هذه الشركات فإنها كانت تحقق هدفين تربويين هما:
1- رفع المستوى الفني للعمال المصريين.
2- بث الروح التعاونية في المساهمين.
ج-الانحياز إلى العمال:
1- فقد أنشئوا قسم العمال بالمركز العام الذي كان له دور بارز فكريا وعمليا في الوقوف بجانب العمال المصريين وكان من أهدافه تفهيم العمال حقوقهم والطرق المشروعة التي تكفل لهم تحقيقها وتنظيم النشاط النقابي والدعوة إلى أن ينضم العمال إلى نقاباتهم ومحاربة الأمية، وتبصير العمال بالمعلومات العامة اجتماعية وسياسية ووطنية وصحية إلخ ودراسة الأفكار الصناعية وأساليب الإنتاج الحديثة وتعريفها للعمال حتى لا يقل العامل المسلم عن مثيله صناعيا في أية من الأمم بجانب أهدافه التربوية العقدية والروحية والاقتصادية.
وقد أنشأ القسم مدرسة للتوجيه النقابي العمالي.
ويدل ذلك على أن قسم العمال كان قسما تربويا للعمال بالدرجة الأولى.
2- تبني الإخوان مطالب العمال والدعوة إلى حقوقهم في مجالاتهم وكتبهم مثل ربط أجورا لعمال بأرباح المؤسسات الاقتصادية التي يعملون فيها بحيث يكون لهم أسهم مع أصحابها في الأرباح إلخ..

ويمكن تعليل اهتمام الإخوان بالعمال بأن دعوتهم إلى النهوض والاستقلال الاقتصادي تعتمد بجانب المطالب السابقة على عامل واع وقادر على الإنتاج بكفاءة ومستقل نفسيا وتحرر من الحاجة فاتجهوا إلى أمرين التربية العقدية والروحية والفكرية للعمال مع محو أمية الأميين منهم وتوعيتهم بحقوقهم وواجباتهم وتزوديهم بقدر من الثقافة السياسية والاجتماعية ليدركوا واقع أمتهم وحاجتها إلى جهودهم.

ويمكن تعليل هذا الاهتمام أيضا بخشيتهم من انتشار الفكر الشيوعي بينهم.
والخلاصة:

أن انحياز الإخوان للعمال أخذ بعدا تربويا وسياسيا في الفترة محل البحث.

رابعا: المضمون التربوي:

- تمثل دعوة الإخوان للاستقلال الاقتصادي والنهوض بالاقتصاد الوطني ووسائل ذلك جزءا من التوعية السياسية بقضية الاستقلال عامة وجزءا من المعتقدات الأساسية في الذات السياسية لعضو الإخوان لن نستقل سياسيا حتى نستقل اقتصادياي وهذه المعتقدات ذات تأثير في المشاعر والاتجاهات السياسية للمؤمن بها مثل النفور من المنتج الأجنبي والإنجليزي خاصة حب الإنتاج الوطني وتشجيعه... إلخ.

- وبهذا فإن دعوتهم تلك هي في ذات الوقت جزء من الذات السياسية، والتوعية السياسية عندهم.

- والمطالب السابقة في حاجة إلى أن تتحول مضموناتها إلى سلوكيات عملية في أعضاء جماعة الإخوان ومن هنا فإنهم ربوا أعضائهم على مجموعة من الأخلاق المحققة لبعض المضمونات الخاصة بالاستقلال الاقتصادي ويمثل إشراك العمال في المساهمة في شركاتهم تثبيتا لهذه الأخلاق عمليا وبدء لروح التعاون في المجتمع.

- ويبدو اهتمام الإخوان بالعمال ذا بعد تربوي مباشر من حيث مكافحة الأمية بينهم تربيتهم عقديا وخلقيا وفكريا توعيتهم بحقوقهم وأوضاع مجتمعهم سياسيا واقتصاديا تثقيفهم مهنيا ونقابيا.


خلاصة المبحث الثالث:

من التحليل السابق يتبين أن الجانب الاقتصادي عند الإخوان ذو مضمون تربوي من حيث دور التربية العقدية والنفسية والاجتماعية والعقلية والمعرفية في وضع مبادئهم موضع التطبيق سواء في سياسة المال أو العدالة الاجتماعية أو الاستقلال والنهوض وتتصل نفس المضمونات اتصالا واضحا بالتربية السياسية عند الإخوان من حيث إسهامها في تكوين الذات السياسية لهم اعتقادات واتجاهات ومن حيث كونها جزءا من الوعي السياسي بقضايا سياسة اقتصادية في المجتمع آنذاك.


خلاصة الفصل الثالث:

ويتبين من مضمون هذا الفضل ما يأتي:

1- أن لدى الإخوان أصولا عقدية واجتماعية واقتصادية للتربية استمدوها من النصوص الشرعية غالبا ومن الاجتهاد العقلي كاستجابة لمشاكل المجتمع المصري ذات العلاقة في إطار الشريعة.

2- وكان لهذه الأصول مضمون تربوي يتمثل في:

أ‌- تربية عضو الإخوان عقدينا وروحيا وخلقيا واجتماعيا وجسميا وعقليا معرفيا أي تكوين الشخصية المسلمة التي تقوم بعملية التغيير.
ب- انعكاس هذه الأصول على رؤيتهم التربوية الفكرية وموقفهم العلي من قضايا التعليم المصري آنذاك وخاصة سياسة التعليم وأهدافه ومكافحة الأمية والمحتوى المعرفي للمقررات وغيرها.
ت‌- تكوين العنصر الأول للذات السياسية عندهم وهو المعتقدات الأساسية التي تؤثر بالتالي على العواطف والاتجاهات السياسية عند المؤمن بها وعلى وجهة ودرجة وصور المشاركة السياسية عنده وهي في نفس الوقت جزء من الوعي السياسي عند عضو الإخوان حيث يتصل مضمون هذه الأصول بقضايا سياسية ملحقة في مصر فترة البحث مثل هوية الأمة والحكم بالإسلام العدالة الاجتماعية ..إلخ.

فهذه الأصول السابقة تتضمن مفهوم ومعتقدات سياسية غير مباشرة وأحيانا مباشرة وفي الفصل التالي يتناول الباحث بالدراسة الأصول السياسية المباشرة عندهم.

الفصل الرابع: الأصول السياسية للتربية السياسية عند الإخوان

تمهيد:

أ‌- تمثل التربية ملتقى الروافد العلوم المتعددة في المجتمع مكونة دلتا يمكن للمجتمع أن يزرع تقاليده وقيمه وفلسفته فتتحول بذلك إلى دلتا اجتماعية تقوم التربية فيها بتغذية ما غرس ونقله إلى الأفراد ليتحولوا من أفراد إلى مواطنين ومن علاقة السياسية بالتربية ترسب في هذه الدلتا أصل من أصول التربية هو الأصل السياسية.

وتعد الدراسات الخاصة بتطوير مبدأ تكافؤ الفرص التعليمية إلى ديمقراطية التعليم، والدراسات الداعية إلى إزالة العوائق أمام تطبيقه وفي الغرب كتابات باولو فرايري التي ربط فيها التعليم بالتحرر من أهم الكتابات التي لمست الأصول السياسية للتربية.

وترى أحدى الدراسات أن الأصول السياسية للتربية هي تلك العلاقة التفاعلية بين كل من السياسية والتربية على المستوى الفكري وتجعل التربية عملية اجتماعية تهدف لبناء المواطنة وخلق الرغبة في المشاركة السياسية الصحيحة للمواطنين وترى ونفس الدارسة أن الأصول السياسية للتربية تحدد هوية وانتماء فلسفة التربية وكمثال هل تكون مع ديمقراطية التعليم وشعبيته أو مع طبقيته وهل يكون التعليم عملية اجتماعية بقضايا المجتمع ومشكلاته أم هو لمجرد التقنية.

ب- فالعلاقة الأكثر وضوحا بين السياسية والتربية والتي تختص بدراستها مبحث الأصول السياسية للتربية عموما تبدو في جانبين:

الأول: أثر الفكر أو النظام السياسي على التربية والتعليم أي انعكاس السياسة على التربية.

الثاني: التربية السياسية التي تحول الأفكار السياسية إلى مشاعر وعقائد وأفكار وسلوكيات سياسية أي انعكاس التربية على السياسية.

ث‌- ويختص هذا الفصل بدراسة الأصول السياسية للتربية عند الإخوان وهو يحاول إبراز أثر كل أصل منها في كلا الجانبين السابقين أثر الفكرة السياسية على التعليم المصري خاصة من جهة كما تبدو في خطابهم وأثر الفكرة السياسة المعنية على التربية السياسية عند الإخوان أنفسهم أي أن هذا الفصل يستجلي ثلاثة جوانب:

1- المضمون السياسي ذاته.

2- أثره على التعليم.

3- أثره على التربية السياسية.

د- وتحدد الأصول السياسية عند الإخوان المسلمين من خلال تحديدهم لمعنى ومضمون السياسة وقد تقدم في الفصل الأول تحديدهم لها وهو ذو جوانب ثلاثة فالسياسة هي اهتمام المسلم بشئون أمته الداخلية والخارجية والسياسية هي النظر في الشئون الداخلية والحكم ووظائف وعلاقته بالشعب إلخ وهي أيضا النظر في شئونها الخارجية من حيث علاقتها الدولية بالدول الأخرى والحفاظ على استقلالها إلخ..

ومن خلال الاستقراء تبين للباحث أن الأصول السياسية في الخطاب الإخواني تنقسم إلى ثلاث أقسام.

الأول: عن الحكم وقضاياه.

والثاني: عن الجامعة السياسية أو الانتماء السياسي للدولة والفرد.

والثالث: عن استقلال الدولة والموقف من الاستعمار.

ه- وعلى ذلك فإن الباحث يقسم هذا الفصل إلى ثلاثة مباحث.

المبحث الأول: الحكومة نوعها وسلطات الدولة ووظائفها .

المبحث الثاني: الجامعة السياسية.

المبحث الثالث: الاستعمار الجهاد الاستقلال.

وسوف يحاول الباحث أن يبرز علاقة مضمون كل مبحث بالتربية في الجانبيين المشار إليهما.

المبحث الأول الحكومة ونوعها وسلطات الدولة ووظائفها

يرتبط مفهوم السياسية عند الإخوان داخليا بالحكومة من حيث تنظيم أمرها وبيان مهماتها وتفصيل حقوقها وواجباتها ومراقبة الحاكمين والإشراف عليهم وهذا المبحث بتناول الفكر السياسي المتعلق بالحكومة ووظائفها ونوعها إلخ والأسس التي يقوم عليها النظام السياسي حسبما يرى الإخوان المسلمون

1- الحكومة

ارتبط الموقف الفكري للإخوان من الحكومة بفهمهم للإسلام وعقيدته فالإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنا من أركانه ويعتمد على التنفيذ كما يعتمد على الإرشاد وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الحكم عروة من عرى الإسلام والحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول لا من الفقهيات والفروع فالإسلام حكم وتنفيذ كما هو تشريع وتعليم كما هو قانون وقضاء ولا ينفك واحد منها عن الآخر.

فمنذ البداية يرفض الإخوان فكرة فصل الدين عن الدولة أو السياسة وقد عرض كل مفكريهم لهذه الفكرة التي يبدو أنها من البدهيات أو المعلوم من الدين بالضرورة عندهم وتتلخص هذه الفكرة في أن الإسلام عقيدة ونظام ودين ودولة وأن تأسيس الحكومة الإسلامية عقيدة من عقائده أو فريضة من فرائضه.

ويستند الإخوان ف تقريرهم السابق إلى عدة مستندات:

الآيات القرآنية والأحاديث التي فهموا منها أن الحكم يجب أن يكون بما أنزل الله وأن الله أمر أن يتحاكم الناس إلى ما أنزله على رسوله ويحكموا به وأنه حذر من اتباع الأهواء والحكم بها وأمر أن يكون الحكم كله مطابقا لما أوحي كما حذر الحاكم أن يترك بعض ما أنزل الله وأنه جعل من لم يحكم بما أنزل كافرا وظالما وفاسقا مما يثبت أن الله ألزم جميع الناس أن يتحاكموا إلى ما جاء من عند الله ويحكموا به وحده دون غيره وليس لذلك معنى إلا أن الحكم هو الأصل الجامع في الإسلام والإخوان باستدلالهم بالنصوص التي تبدو صحيحة في هذه المسألة ينفون عنهم أنهم أتوا بفكر جديد.

ورأوا أن الحكم من طبيعة الإسلام لأنه عقيدة ونظام فهو كما يقرر عبد القادر عودة ليس عقيدة فقط بل ونظاما ينظم شئون الأفراد والجماعات الدنيوية والأخروية وليس ثمة تصرف يتصوره العقل أو حال يكون عليه الإنسان إلا وجهة الإسلام الوجهة التي يريدها والالتزام بالعقيدة دون النظام هو إيمان ببعض الكتاب وكفر ببعض الآخر ومن ثم فإن طبيعة الإسلام تقتضيه أن يكون حكما ذلك أن قيام العقيدة يقتضي قيام النظام الذي أعد لخدمتها ولا يمكن أن يقوم النظام الإسلامي إلا في ظل حكم إسلامي يماشي ويؤازر النظام الإسلامي.

وقيام حكومة إسلامية واجب كما يرون لأن الإسلام دين ودولة بمعنى أن الإسلام جاء بنصوص تنظم صلات الأفراد بالحكومات وصلة الحكومات بالأفراد وتنظم التصرفات والمعاملات والإدارة والاقتصاد وتحكم الفتن الداخلية والمنازعات الدولية والسلم والحرب والصلح والمعاهدات وتحكم كل شأن من شئون الأفراد والجماعات وتقيم الجماعة على أساس من المساواة والتعاون والتضامن الاجتماعي وهذه النصوص كما يرى عودة في مجموعها تكون دستورا للحكم وتكون شريعة تحكم كل التصرفات وكل هذه أمور لا يقوم عليها ولا يمكن أن يضطلع بها إلا الحكومات والدولة فإذا جاء بها الإسلام وأوجبها فقد جاء بالحكومة وأوجب قيام الدولة.

واستند الإخوان كذلك إلى ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة إلى المدينة حيث أقام دولة بالمعنى الفني الكامل لهذا المصطلح وأنه كان رئيس هذه الدولة.

فيرى عودة أن أركان الدولة طبقا للفقه الدستوري والإداري لا تزيد على أربعة هي:

1- وجود شعب: ولا شك في وجود الشعب في الدولة الإسلامية من يوم تجمع المسلمون في المدينة.

2- الاستقلال السياسي: ويتوفر إذا لم تخضع الجماعة لغيرها وقد تمتع المسلمون بهذا الاستقلال من يوم أن تجمعوا بالمدينة فلم يخضعوا في أمورهم الداخلية والخارجية لأي جماعة أخرى أو لغير توجيه الإسلام.

3- وجود إقليم تعيش عليه الجماعة بصفة مستمرة: وكانت المدينة هي إقليم الدولة الإسلامية عاش فيها المسلمون بصفة مستمرة ثم أخذ يتسع هذا الإقليم حتى شمل جزيرة العرب قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.

4- السلطان أو السادة: وتكون إذا وجدت سلطة عامة يخضع لها جميع الأفراد ولها وجهان داخلي بحيث يكون للقائمين على السلطان حق إصدار الأوامر لجميع أفراد الجماعة وخارجي بحيث يكون للقائمين على السلطان حق تمثيل الجماعة أو الأمة والتصرف باسمها وقد كان هذا السلطان بوجهيه قائما في الدولة الإسلامية من يوم تجمع المسلمين في المدينة.

ويرى الإخوان أن إقامة حكومة إسلامية تطبق النظام الإسلامي هو ضرورة لابد منها أولا لتحقيق الاستقلال الاجتماعي والحيوي بجانب الاستقلال السياسي إذا أننا بذلك نبني حياتنا على قواعدنا وأصولنا ولا نأخذ عن غيرنا فالمستند هنا ليس نصا شرعيا وإنما هو الحفاظ على هوية أو شخصية الأمة مستقلة وقد أكد الإخوان على هذه النقطة فلابد أولا من معرفة طبيعة الشعب وخصائصه وعقيدته لكي يوضع له دستور وقانون منسجم مع طبيعته ويحافظ على هويته فقانون الأمة قطعة منها ويتأثر بعاداتها وتقاليدها ويساير حالتها الاجتماعي والسياسية والعقدية وهذا ما يجعل له الشرعية في ضمائر الأفراد وقد ناقش سيد قطب هذه النقطة في مقال له بعنوان فلنعرف من نحن أوضح فيه أن هنالك واقعا ثابتا في حياة هذا البلد مصر ليس من الحكمة تجاهله وإلا اصطدمنا بطبائع الأشياء هذا الواقع هو أن لهذا الشعب طابعا معينا وتاريخا معينا وعقائد معينة فلا يجوز تجاهل ذلك ولا محاولة فرض فلسفة أجنبية على هذا الشعب إذ أن مهمة واضع الدستور أو واضح السياسة الاقتصادية ليست هي فرض عقائد واتجاهات شخصية على مجموعة الشعب إنما تنحصر مهمته في أمر واحد هو تحقيق شخصية الشعب الأصيلة وتصوره الخاص للحياة في دستوره ويبين أن تجاهل هذه الحقيقة سيفسر قوى الشعب على العمل ضد طبيعتها كما أن الشعب سيقابل ذلك بالنفور أو بالعزلة بين الضمير الشعبي القائمين على التوجيه والتنفيذ فإقامة حكومة إسلامية تطبق النظام الاجتماعي الإسلامي ضرورة للانسجام مع شخصية الشعب وللحفاظ على الهوية المستقلة له.

كما يرون أن الحكم الإسلامي ضرورة لابد منها للخلاص من المشكلات الاجتماعية جميعا فهم باستنادهم إلى ما سبق قرروا أن إقامة الحكومة الإسلامية عقيدة إسلامية وضرورة وواجب فهل معنى هذا أن الإخوان يرون أن الحكومة هي حكومة دينية بالمفهوم الغربي؟ وهل يعني هذا أن مصدر السلطات ليس هو الأمة إنما هو مصدر غيبي وما موقفهم من النظام النيابي والدستوري وهل يعني التحليل السابق أن الحكومة ستلتزم فقط بالتشريعات المنصوص عليها دون أي جهد بشري في إصدار تشريعات أخرى.

وبسؤال واحد: ما طبيعة ونوع ووظائف الحكومة كما يراها الإخوان المسلمون؟

ويرى الباحث أنه لكي تتضح أفكار الإخوان في هذه القضية فإنه يجب تناولها فيما يلي:

أولا طبيعة الحكومة وخصائصها كما يرى الإخوان.

طبقا لاستقراء كامل لكتاباتهم ف هذه الجزئية يمكن بلورة أفكارهم فيها كما يلي:

1- التفرقة بين التشريع ابتداء والتشيع ابتناء:

فهم يفرقون بين نوعين من التشريع ابتداء وهذا حق الله وحده وهو الممثل فيما أحله الله وما حرمه في كتابه وسنة رسوله وقد ألح سيد قطب والهضيبي على هذه الفكرة فيرون أن الله وحده صاحب الأمر والنهي دون سواه وهو الذي يجعل الحلال حلالا والحرام حراما وأن هذا الحق يعني أن السلطة العليا التي يرجع إليها الناس في حياتهم الدنيا ونظام مجتمعهم وشكل حكمهم هي لله وحده أو كما يقول الهضيبي أن التشريع بالتحليل والتحريم في كل شأن هو ما اختص الله تعالى به نفسه.

أما التشريع الذي سمى ابتناء: فهو متروك للبشر، يجتهدون فيه وقرر الهضيبي هذه الفكرة بتفصيل فالله ترك لنا كثيرا من أمور دنيانا ننظمها حسبما تهدينا إليه عقولنا في إطار مقاصد عامة وغايات حددها لنا وأمرنا بتحقيقها بشرط ألا نحل حراما أو نحرم حلالا ومن هذا القبيل قوانين تنظيم الشورى والمرور والوقاية الصحية ومقاومة الآفات الزراعية وتنظر استعمال مياه الري والتعليم وتنظيم المهن المختلفة وقوانين تنظيم الإدارات والمصالح وتحديد سلطات واختصاصات كل منها وتنظيم الجيش وبناء المساكن وشروط بناء المصانع وتنظر والعقيدة وهذا ما يجعل له الشرعية في ضمائر الأفراد وقد ناقش سيد قطب هذه النقطة في مقال له بعنوان فلنعرف من نحن أوضح فيه أن هناك واقعا ثابتا في حياة هذا البلد مصر ليس من الحكمة تجاهله وإلا اصطدمنا بطبائع الأشياء هذا الواقع هو أن لهذا الشعب طابعا معينا وتاريخا معينا وعقائد معينة فلا يجوز تجاهل ذلك لا محاولة فرض فلسفة أجنبية على هذا الشعب إذ أن مهمة واضع الدستور أو واضع السياسة الاقتصادية ليست هي فرض عقائد واتجاهات شخصية على مجموعة الشعب إنما تنحصر مهمته في أمر واحد وهو تحقيق شخصية الشعب الأصيلة وتصوره الخاص للحياة في دستوره و ويتبين أن تجاهل هذه الحقيقة سيقصر قوى الشعب على العمل ضد طبيعتها كما أن الشعب سيقابل ذلك بالنفور أو بالعزلة بين الضمير العشبي والقائمين على التوجيه والتنفيذ فإقامة حكومة إسلامية تطبق النظام الاجتماعي الإسلامي ضرورة للانسجام مع شخصية الشعب وللحفاظ على الهوية المستقلة له.

كما يرون أن الحكم الإسلامي ضرورة لابد منها للخلاص من المشكلات الاجتماعية جميعا.

فهم باستنادهم إلى ما سق قرروا أن إقامة الحكومة الإسلامية عقيدة إسلامية وضرورة وواجب.

فهل معنى هذا أن الإخوان يرون أن الحكومة هي حكومة دينية بالمفهوم الغربي؟ وهل يعني هذا أن مصدر السلطات ليس هو الأمة إنما هو مصدر غيبي، وما موقفهم من النظام النيابي والدستوري وهل يعني التحليلي السابق أن الحكومة ستلتزم فقط التشريعات المنصوص عليها دون أي جهد بشري في إصدار تشريعات أخرى؟ وبسؤال واحد ما طبيعة ونوع ووظائف الحكومة كما يراها الإخوان المسلمون؟

ويرى الباحث أنه لكي تتضح أفكار الإخوان في هذه القضية فإنه يجب تناولها فيما يلي.

أولا طبيعة الحكومة وخصائصها كما يرى الإخوان.

طبقا لاستقراء كامل لكتاباتهم في هذه الجزئية يمكن بلورة أفكارهم فيها كما يلي:

أ‌- يعرف الإخوان الحكومة الإسلامية بما يلي: هي الحكومة التي يكون أعضاءها مسلمين مؤيدين لفرائض الإسلام وغير متجاهرين بمعصية ويكون دستورها وقوانينها التشريعية مستمدة من القرآن والسنة أي منفذة لتعاليم الشريعة الإسلامية

ب- ويردون على تساؤل مضمونه: إن التشريعات الإسلامية محدودة بينما الوقائع والأحداث تتجدد فما الموقف من ذلك؟ ويبدو أن هذا السؤال قد كان له وقع عندهم فهو مرتبط بقضية التطور من جهة وبحق التشريع لمن يكون وهي مسألة يبدو أنها عسيرة وقد تناول الهضيب والبنا وقطب وغيرهم هذه القضية كما يلي:

1- التفرقة بين التشريع ابتداء والتشريع ابتناء:

فهم يفرقون بين نوعين من التشريع ابتداء وهذا حق الله وحده، وهو الممثل فيما أحله الله وما حرمه في كتابه وسنة ورسوله وقد ألح سيد قطب والهضيبي على هذه الفكرة فيرون أن الله حده صاحب الأمر والنهي دون سواه وهو الذي يجعل الحلال حلالا والحرام حراما وأن هذا الحقي يعني أن السلطة العليا التي يرجع إليها الناس في حياتهم الدنيا ونظام مجتمعه وشكل حكمهم هي لله وحده أو كما يقول الهضيبي أن التشريع بالتحليل والتحريم في كل شأن هو ما اختص الله تعالى به نفسه.

أما التشريع الذي يسمى ابتناء فهو متروك للبشر يجتهدون فيه وقرر الهضبي هذه الفكرة بتفصيل: فالله ترك لنا كثيرا من أمور دنيانا ننظمها حسبما تهدينا إليه عقولنا في إطار مقاصد عامة وغايات حددها لنا وأمرنا بتحققها بشرط ألا نحل حراما أو نحرم حلالا ومن هذا القبيل قوانيني تنظيم الشورى والمرور والوقاية الصحية ومقاومة الآفات الزراعية وتنظر استعمال مياه الري والتعليم وتنظيم المهن المختلفة وقوانيني الإدارات والمصالح وتحديد سلطات واختصاصات كل منها وتنظيم الجيش وبناء المساكن وشروط بناء المصانع وتنظر المحال العامة.. إلخ ما ماثل ذلك فمن حق المسلمين أن يسنوا تشريعات وقوانين تكفل تحقيق المصالح العامة هذا من تشريع البشر الذي أمر به الله على الشرط المذكور في أول الفكرة فهذه تشريعات مبنية على مقاصد عامة يغياها الشارع

فهناك إذن مجالات واسعة جدا أمام الحكومة والمجلس التشريعي في الدولة للتشريع بما يحقق المصلحة في إطار مقاصد الشريعة وما لا يخالف نصا.

2- تقرير مبدأ الاجتهاد:

والبنا وقطب والغزالي خاصة قد أكدوا هذا المبدأ ففي إطار الجدل حول أحقية الإسلام بالحكم يقرر البنا أن الإسلام كدين عام انتظم كل شئون الحياة في كل الشعوب والأمم لكل الأعصار جاء أكمل وأسمى من أن يعرض لجزئيات هذه الحياة وخصوصا في الأمور الدنيوية البحتة فهو إنما يضع القواعد الكلية في كل شأن من هذه الشئون ويرشد الناس إلى الطريقة العلمية للتطبيق عليها والسير في حدودها.

وفي نص آخر يذكر أن الفقهاء فرقوا في النظرة التشريعية بين ما هو من العبادات وما هو من قواعد أحكام المعاملات وشئون الحياة الاجتماعية فأفسح للنظر والاجتهاد في الثانية ما ليس في الأولى حتى لا يكون على الناس في ذلك حرج فطبيعة الإسلام أنه حدد الأهداف وتناول المسائل الكلية وترك للحوادث الاجتماعية والتطورات الحيوية أن تفعل فعلها فهي أي الشريعة تتسع لها جميعا ولا تصطدم بشيء منها.

وقد ذكر النبا أن اجتهاد المجتهد مثل الإمام أو نائبة قد يتغير بحسب الظروف والعرف والعادات وهو معمول به مالم يصطدم بقاعدة شرعية ولعل قطب قد اهتم بهذه النقطة حيث قرر أنه لما كان هناك أقضية فرعية تتجدد بتجدد الحياة ونموها حجما وشكلا وظروفا وأوضاعا وكانت الأحكام الفرعية في هذه الأقضية المتجددة الحياة ونموها حجما وشكلا وظروفا وأوضاعا وكانت الأحكام الفرعية في هذه القضية المتجددة التي تجد ما يقع فيه الاختلاف وتختلف في تقديره العقول والآراء فإن الإسلام شرع الاجتهاد وشرع المنهج الذي يجب أن يسلك في الاجتهاد نفسه بقول الله تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول).

(النساء: 58) أي إلى النصوص التي تنطلق عليه ضمنا أو إلى المبادئ الكلية العامة في منهج الله وشريعته وهي مبادئ تغطي كل جوانب الحياة الأساسية.

وخلاصة هذه الفكرة أنهم يرون أن الحكومة يجب أن تلتزم بالتشريع الإسلامي إما ابتداء أو ابتناء أو التشريع الناتج عن اجتهاد أهل الرأي في الأمة في حدود مقاصد الشريعة ومصالح الأمة فهي حكومة قانونية دستورية ذات وجهة تشريعية خاصة.

ت‌- بالإضافة إلى الفكرة المحورية السابقة يرى الإخوان أن الحكومة الإسلامية لها قواعد تتمثل فيها عرض له البنا وهو يتناول مشكلة الحكم في مصر وكيفية علاجها من خصائص الحكومة الإسلامية أو دعائمها فيرى أنها ثلاثة.

1- مسئولية الحاكم: بمعنى أنه مسئول أمام الله والناس وهو كما يقول أخبر لهم فالحكم ما هو إلا تعاقد بين الأمة والحاكم على رعاية المصالح العامة فإن أحسن فله أجره وإن أساء فعليه عقابه.

2- وحدة الأمة أي أن لها نظام واحدا هو الإسلام وبمعنى أن تقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتقديم النصح.

3- احترام إرادة الأمة بمعنى أنه من حق الأمة أن تراقب الحكام أدق مراقبة وأن تشير عليهم بما يرى فيه الخير وعليه أن يشاورها وأن يحترم إرادتها وينزل على مشورتها

4- وهذا يعني أن الحكومة الإسلامية حكومة شورى وأن هذا يقتضي أن تختار الأمة رئس الدولة وأن تعزل إذا وجد ما يستلزم عزله أي أن الحكومة لا تستمد سلطانها من الله وإنما تستمد من الجماعة وهي لا تصل إلى الحكم ولا تنزل عنه إلا برأي الجماعة.

وقد تناول عودة هذه الصفات فيما أسماه بنظرية تقيد سلطة الحاكم وذكر أنها تقوم على ثلاث مبادئ أساسية.

أولها: وضع حدود لسلطة الحاكم ليس له أن يتعداها وإلا وصف عمله بالبطلان فلسلطته مقيدة بالتزامات محددة وواجبات مقررة فهو مقيد بأن يتبع الشريعة التي لم تبح للحاكم إلا ما أباحته لكل فرد وحرمت عليه ما حرمته على كل فرد.

المبدأ الثاني: مسئولية الحاكم عن عدوانه وأخطائه فهو مسئول عن كل عمل يتجاوز به سلطاته سواء تعمده أو وقع نتيجة إهمال فمن الأصول أن يسأل الحاكم.

المبدأ الثالث: تحويل الأمة حق عزل الحاكم فالحكومة تقوم على عقد يختار فيه الشعب الحاكم ويلتزم له بالطاعة في مقابل التزام الحاكم بالإشراف على شئون الأمة فإذا قام بشرط العقد فله الطاعة وإذا لم يقم بالتزاماته أو خرج على حدود العقد فعلية أن يتنحى أو ينحي الشعب ومن ثم فإن الإسلام قد قرر سلطان الأمة على الحكام وهي نفس القواعد التي بينها البنا.

وقد أجمع كل مفكري الإخوان على أن مصدر السلطة واحد وهو إرادة المحكومين ورضاهم واختيارهم بحرية وعن طواعية أي أن الإخوان يؤمنون بأن الأمة هي مصدر السلطات والواقع أن هذا يمثل نتيجة للقواعد الثلاث السابقة وهذه نقطة ذات أهمية في الفكر السياسي عموما وقد فصلها اثنان آخران من الإخوان الأول هو حسن العشماوي والثاني: هو مشروع الدستور الذي أقرته الهيئة التأسيسية للإخوان في 16 سبتمبر 1952 ففي دراسة عن الفرد العربي ومشكلة الحكم يرى العشماوي أن نظام الحكم يقوم على ركيزتين متكاملتين:

التسليم بالوجد الإلهي والإيمان بالحرية الفردية التي عليها أن تثبت وجودها أمام تحديات الغيب والحاضر معا والتي ترعى بمقدار ما ترعى ذات غيرها وإلا اصدمت بالوجود الإلهي.

ومن ثم فهو يرى أن أفيون الشعب هو الحكومة الدينية سواء استندت إلى دين موسى أو دين عيسى أو دين محمد أو حتى دين ماركس أو لينين أو ماو أو غيرهم إن تخدير الشعوب إنما يأتي نتيجة الوساطة بين السماء وحكم الأرض أو بين الشعب وحكم الشعب إنه نتيجة السيطرة الناجمة عن الوصاية المفترضة باسم غيب إلها كان هذا الغيب أو شعبا أو مصلحة عليا.

وعلى هذا فإن التسليم بالوجود الإلهي قيد على الحاكم يمنعهم من الطغيان وعلى المحكوم أن يدفعها إلى الخير دون رقيب من الناس وتأسيا على هذا يرى العشماوي أن هناك سبيلا أخر غير ذلك يتمثل في الرجعية الدينية الجامدة وذلك الذي يتمثل في الرجعية الإلحادية القاسية هو نظام الحكم الذي يكون فيه الحاكم فردا يخشى الله ويحاسبه الناس.

ومن ثم فإن السيادة وما يرتبط بها من سلطة تكن للأمة وإذا كانت الأمة مصدر السلطة وصاحبة السيادة فإن هذا يوجب أن يكون لدى أفرادها مقومات السيادة وأن يكون لهم تجاه السلطة وسيلة ممارسة السيادة ومقومات السيادة عنده تتمثل في الحرية والقوة وتتحقق الحرية كركن من السيادة حين تضمن الدولة للفرد حرية الحركة وهي تشمل حق الهجرة وحرية الرأي وحرية الملكية وهذه الحريات لا يحددها إلا قيد الإضرار بالغير ولضمان هذه الحريات الأصيلة كانت سيادة الشريعة وكان القانون النابع عنها وتتحقق القوة كركن من مقومات السيادة حين تضمن الدولة للفرد العلم والصحة والاستكفاء وتحقق الحرية والقوة وليس فقط تحققا لمقومات السيادة بل إنه ضروري لإمكان ممارسة السيادة وتمارس الأمة سيادتها تجاه السلطة بالاختيار والمحاسبة وحق الاختيار يعني حق الأمة في اختيار حاكمها ومجلسها التشريعي ويعني ذلك حقها في نزع الحاكمين عنهما أو عن أحدهما إذا أرادت أما حق المحاسبة فينقسم إلى محاسبة مباشرة يقوم بها كل فرد بذاته ومحاسبة بالنيابة يقوم بها ممثلوا الأمة في مجالسها التشريعة ويعني ذلك حقها في نزع الحاكمية عنهما أو عن أحدهما إذا أرادت أما حق المحاسبة فينقسم إلى محاسبة مباشرة يقوم بها كل فرد بذاته ومحاسبة بالنيابة، يقوم بها ممثلوا الأمة في مجلسها التشريعي وإذا كان الأصل هو المحاسبة المباشرة التي تقوم بها كل فرد بذاته وحده أو في جمع ممن يرون رأيه ويوجهها خطابا ومناقشة مباشرة مع الحاكم إلا أن المحاسبة بالنيابة هي اليوم وقديما سبيل المحاسبة والرقابة المستمرة على أعمال الحاكم ومعاونيه.

ومن ذلك يبدو أن الموقف الواضح للإخوان والذي فسره العشماوي هو أن الأمة مصدر السلطات وأن الحكومة الإسلامية ليست من نوع الحكومة الدينية كما طبقتها أوربا العصور الوسطى.

أي يمكن القول أنها في هذه الوجهة حكومة مدنية وقد صاغ مشروع الدستور الذي صوتت عليه الهيئة التأسيسية للإخوان الأفكار السابقة في مواد دستورية في الباب الأول، حيث تنص المادة (1) على أن مصر دولة إسلامية حكومتها نيابية والمادة (2) تنص على أنه تباشر الأمة سلطاتها عن طريق هيئة تنوب عنها.

ث‌- يمكن تأكيد الأفكار السابقة عن طبيعة الحكومة وخصائصها كما يراها الإخوان بتبين موقف الإخوان من النظام النيابي والدستوري عموما والدستور المصري 1923 خصوصا.

فالبنا يحدد موقف الإخوان من النظام النيابي والحكم الدستوري بقوله: إن الباحث حين ينظر إلى مبادئ الحكم الدستوري التي تتلخص في المحافظة على الحرية الشخصية بكل أنواعها وعلى الشورى واستمداد السلطة من الأمة، وعلى مسئولية الحكام أمام الشعب ومحاسبتهم على ما يعملون من أعمال وبيان حدود كل سلطة من السلطات.

وهذه الأصول كلها يتجلى للباحث أنها تنطبق كل الانطباق على تعاليم الإسلام ونظمه وقواعده في شكل الحكم ولهذا يعتقد الإخوان أن نظام الحكم الدستوري هو أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام وهم لا يعدلون به نظاما آخر وهذا ليس موقفا خاصا بالبنا فقد أيده الغزالي الذي رأى أنه لا مانع من الإفادة من الدساتير الغربية.

وقد نشرت مجلة النذير حديثا مع صديق للإخوان بعنوان: الطريق النيابي من أقوم طرق الإصلاح قرر فيه عبد الوهاب خلاف أن مصدر السلطات العام هو الأمة والمعبر عن الأمة هم أولو الحل والعقد الذين يختارون المنفذين لإرادة الأمة الحكام ثم قرر أن النظام النيابي واجب في الإسلام بناء على الأصول ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

أما بالنسبة إلى الدستور المصري فيفرق البنا بين الدستور والقانون فالدستور هو نظام الحكم العام الذي ينظم حدود السلطات وواجبات الحاكمين ومدى صلتهم بالمحكومين أما القانون فينظم صلة الأفراد بعضهم ببعض ويحمي حقوقهم الأدبية والمادية ويحاسبهم على ما يأتون من أعمال ثم يقول: إن القواعد الأساسية التي قام عليها الدستور المصري 1923 لا تتنافى مع قواعد الإسلام وليست بعيدة عن النظام الإسلامي إلا أن البنا و الهضيبي ومشروع الدستور المقترح منهم للدولة المصرية قد انتقدوا كثيرا من نصوص هذا الدستور ففيما يرى البنا أن هناك قصورا في عبارات الدستور وسوءا في التطبيق وتقصيرا في حماية القواعد الأساسية التي جاء بها الإسلام وقد انتقد ما جاء في الدستور من أن ذلك الملك مصونة لا تمس مقررا أن رئس الدولة كائنا من كان مسئول عليه أن يقدم حساب تصرفه للأمة فإن أحس أعانته وإن أساء قومته كما انتقد غموض بعض عباراته.

أما المستشار الهضيبي فبعد سبعة أيام من حركة 23 يوليو 1952 انتقد بحسم هذا الدستور باعتباره قد صدر في عهد الاستعمار الإنجليزي أولا والطغيان السياسي ثانيا وباعتبار ما فيه من ثغرات أدت إلى تجاوز حدود المبادئ الدستورية من قبل الملك والإنجليز كما رأى أن أخطر شيء في هذا الدستور هو أنه جاء منحة من الملك لا نابعا من إرادة الأمة ولا يستمد مبادئه من مبادئ الإسلام في كافة شئون الحياة.

ومن ثم فقد رفض دستور 1932 واعتبره لا وجد له مما يقضي المسارعة إلى عقد جمعية دستورية لوضع دستور جديدي على أساس أنه تعبير عن عقيدة الأمة وإرادتها ورغبتها وسياج لحماية مصالحها ويستمد مبادئه من مبادئ الإسلام في كافة شئون الحياة مما يؤدي إلى اختفاء أسطورة الحكام الذي هم فوق القانون أو فوق المسئولية الجنائية فالمسئولية بمقدار السلطة والكل سواء أمام القانون.

وقد طلب العشماوي من جمال وزملائه في اجتماع تحضيري مشترك لحركة الجيش وضع دستور جديد يضمن للناس حرية وكرامة وعدالة اقتصادية كما طلب ذلك المستشار الهضيبي باعتباره المرشد للإخوان.

أي أن الإخوان يرون أن النظام النيابي الدستوري هو المتفق مع الإسلام أما الدستور المصري فقد انتقده البنا ورفضه الإخوان بعد 23 يوليو 1952 وطلبوا وضع دستور جديد كما سبقت الإشارة وقد بادروا فأصدروا مشروع دستور للدولة المصرية يحسم فكرهم السياسي سابق الإشارة إليه وكما سيأتي بيان ذلك.

ذ‌- شكل الحكومة أو نوعها:

لكي يتضح الموقف الفكري للإخوان من طبيعة الحكومة وخصائصها فإن من الضروري معرفة نوع الحكومة كما يرونها والواقع أنه قبل 23 يوليو 1952 كانت صياغة البنا عامة وقريب مها صياغة عودة أما قبيل وبعد 23 يوليو 1952 فقد تحدد اجتهاد الإخوان المسلمين في تصور محدد. فالبنا يرى أن النظم الإسلامي لا يعنيه الأشكال أو الأسماء متى تحققت القواعد الأساسية التي لا يكون الحكم صالحا بدونها ومتى طبقت تطبيقا يحفظ التوازن بينها ولا يجعل بعضها يطغى على بعض أما المتخصصون في الدراسات القانونية في لجماعة فلهم وجهة أخرى فالقاضي عودة يرى أن الحكومة الإسلامية ليست ملكية ولا ديكتاتورية ولا ثيوقراطية ولا جمهورية كما هو في الغرب ولا ديمقراطية كما هو في الغرب وإن وجدت مشابهات كثيرة أو قليلة بين الحكومة الإسلامية وبين بعض هذه الأنواع فنظام الحكم الإسلامي نظام فريد من نوعه.

وفي الاجتماع المشترك المشار إليه قال العشماوي لابد أولا من إعلان الجمهورية وكرر إعلان الجمهورية واجب لابد من الإقدام عليه وعقب أحد زملائه من الإخوان إنه يريد الجمهورية لأنه يراها صورة الحكم في الإسلام وفي رسالة (ملكية أو جمهورية) ذكر فيها أن نظام الحكم الإسلامي نظام مستقل مفرد من التاريخ ويرى د. محمد طه بدوي عضو الشعبة القانوني للإخوان أن نظام الحكم جمهورية من نوع خاص برئت من عيوب الجمهورية الحديثة وتخلصت من مساوئ النظام الملكي. وقد استقر اجتهاد الإخوان في مشروع الدستور المقترح على أن نظام الحكم الذي ارتضوه هو الجمهورية النيابية فكيان الحكومة في المشروع يتخلص في وجود هيئة حاكمة تتكون من مجلس الأمة ورئيس الدولة ومجلس الأمة الذي يؤلف من أعضاء منتخبين هو الذي يباشر سلطات الأمة بالنيابة عنها فينفرد بالتشريع ويفوض رئيس الدولة في التنفيذ إلخ..

خلاصة: أن الإخوان يرون أن الحكم بالإسلام عقيدة وواجب وضرورة إعمالا لقاعدة أن الإسلام دبين ودولة وأن الحكومة الإسلامية يفترض عليها الالتزام بالتشريع الإسلامي ابتداء أو ابتناء أو اجتهادا عن طريق أهل الرأي أو المجلس التشريعي في حدود مقاصد الشريعة.

هذا من حيث التشريع والحكم أما من حيث طبيعة الحكومة وشكلها فهم يرون أن الحكمة لها قواعد محددة ينتهي منها إلى أن الأمة هي مصدر السلطات وأنها تمارس سلطاتها عن طريق هيئة منتخبة تستقل بالتشريع وتفوض رئس الدولة في التنفيذي أي أنهم يرون أن السلطة ذات طبيعة مدنية من هذه الجهة وقد قبلوا النظام النيابي والدستوري وطلبوا وضع دستور جديد يتفق مع عقائد الأمة ويكون معبرا عن إرادتها كما رأوا أن الحكومة الإسلامية جمهورية نيابية.

ومن ثم فإن الإخوان لهم اجتهاد متطور فيما يتعلق بالسلطة ونوعها قبيل وعد 23 يوليو 1952 وتبدو العلاقة بين هذه المضمونات المتعلقة بالسلطة وبين التربية السياسية عند جماعة الإخوان المسلمين يما يلي.

أ‌- تمثل هذه المضمونات ركيزة أساسية فلي القيم والمعتقدات السياسية التي تكون العنصر الأول للذات السياسية عند الإخوان والتي تحدد طبيعة تفكير عضو الإخوان حول الحكم والسلطة وتمنحه هوية دينية متميزة كما تؤثر في حكمه على الحكومات القائمة آنذاك تقويمه لرجالها ومواقفها هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن هذه المضمونات تصوغ مشاعر الولاء أو الغداء أي العواطف والاتجاهات السياسية تجاه الأحزاب والحكومات المختلفة عند عضو الإخوان المؤمن بها أي أنها تؤثر في تكوين العنصر الثاني للذات السياسية عندهم.

وقد حرصت هذه الجماعة على أن يتربى أعضاءها على الإيمان بتلك المضمونات وأن تتكيف اتجاهاتهم حسبما فيرى البنا أن النصوص وحدها لا تنهض بأمة بل لا بد من الوجدان الحي والشعور الحقيقي بقدسية هذه التعاليم وقد عبروا عن ذلك بإصطلاح النضج السياسية الذي يرتكز عندهم على اعتقاد صلاحية النظام والشعور بفائدة المحافظة عليه.

ب- والمضمون السابقة وجه أساسا ليكون جزءا من الوعي الإسلامي وهو العنصر الأول من الوعي الإسلامي عندهم وهو أيضا جزء من المحتوى المعرفي للتربية العقلية لديهم.

ج‌- وتبدو صلة نفس المضمون بالتربية السياسية عند الإخوان أيضا من حيثي موقفهم من أسلوب إقامة الحكومة التي تطبق هذه الأفكار في الواقع السياسية المصري هل اعتمدوا الأسلوب الثوري ومن ثم فإن المشاركة السياسية عندهم تتصف بالعنف أم اعتمدوا طرائق العمل السياسي السلمية والقانونية مثل المشاركات الانتخابية وتربية الرأي العام؟؟؟

ح‌- فموقف الإخوان من أسلوب التغيير لإقامة الحكومة الإسلامية حسب فهمهم هو الذي يحدد طبيعة وصورة المشاركة السياسية عندهم.

وتأسيسا على هذا فإن المضمونات المتعلقة بالسلطة والحكومة ذات اتصال وثيق ومباشر بالتربية السياسية بأبعادها الثلاثة عند الإخوان المسلمين.

ثانيا: سلطات الدولة كما يرى الإخوان:

يرى عودة أن سلطات الدولة الإسلامية خمس: هي التنفيذية والتشريعية والقضائية وسلطة المراقبة والتقويم والسلطة المالية وقد عدها المشروع الدستوري وظائف للدولة وقد قرر الإخوان أنه بناء على أن النظام الدستوري هو المتفق مع نظام الحكم الإسلامي فإنه من الضروري الفصل بين السلطات وتحديد وظيفة كل سلطة وسوف يتناول الباحث السلطات الأربع الأولى أما السلطات المالية فيرجع إليها فيما يشار إليه من مراجعة وذلك في الفقرات الآتية:

أ‌- السلطة التنفيذية كما يرى الإخوان.

ويتولاها رئيس الجمهورية الذي يساعده في أداء وظيفته وزراء يتولون الوزارات المختلفة وقد يسمى الرئيس حاكما أو إماما أو خليفة حسبما يرى عودة ويمكن تركيز الفكر السياسي في هذه النقطة عنهم كما يلي:

1- إقامة رئيس للدولة فرض على الكفاية ويتعين على المسلمين أن يختاروا رئيس كلما خلا هذا المنصب ويشترط لمن يكون كذلك عدة شروط اتفق على بعضها وهي الإسلام والذكورة والتكليف والعدل وبعضها فيه خلاف مثل العمل وبلوغ رتبة الاجتهاد والقدرة الجسمانية والقرشية أما مشروع الدستور وهو المعتمد من قبل الهيئة التأسيسية للإخوان فقد نص على أنه يشترط فيمن يختار رئيسا للدولة ما يشترط في عضو مجلس الأمة مادة 25 والذي اشترطوه في عضو مجلس الأمة هو أن يكون سنة 40 سنة على الأقل ويكون على درجة من الأهلية الثقافية ويكون حسن السمعة مادة4.

2- أكد الإخوان أن الطريق الوحيد لتولي منصب الرئيس هو اختيار أهل الحلول والعقد مجلس الأمة المنتخب من الأمة وقبول الرئيس لذلك فالرئاسة عقد بين مجلي الأمة والرئيس ولا ينعقد هذا العقد إلا باختيار حر من أهل الشورى والتشريع وبقبول من الرئيس فالبيعة الاختيارية حسبما يرى الإخوان هي الطريق الوحيد لتلقى الحكم ومعنى هذا أنهم يرفضون فيما انتهوا غليه الحكم الوراثي أو الناتج عن انقلابات عسكرية.

وقد أكد مشروع الدستور وعودة والهضيبي أن الحاكم يختار من الأمة عن طريق مجلسها لمدة محددة أو لمدى الحياة وبذلك يكون ممثلا ونائبا عنها.

3- قرر الإخوان أن رئيس الدولة مسئول لدى مجلس الأمة عن تصرفاته في شئون الدولة سياسيا وجنائيا وأنه يسأل مدنيا وجنائيا أمام جهات القضاء العادي في حالة ما إذا وقع منه جرائم بمناسبة أداء وظيفته فيحاكم أمام مجلس الأمة وشأنه في ذلك شأن كل مواطن ولأي مواطن أن يرفع عليه الدعوى بذلك أمام المحاكم العادية غير أنه لا يجوز القبض عليه إلا بإذن من مجلس الأمة.

وقد نص الإخوان على أن رئيس الدولة وكيل فإذا أخل بشروط الوكالة كان أهلا لأن ينفي عن المنصب وقد أوضحت المادة 27، 30، 31، من مشروع دستورهم طريقة ذلك.

5- للحكام أو الرئيس ومن يعاونه على الأمة حق السمع والطاعة ما دام ملتزما بشروط الوكالة أي يقوم بالعدل ويلتزم الشورى إلخ.. فلهم أي للحكام حق الأمر على الأفراد وعلى الأفراد واجب الطاعة وكلاهما مقيد فأمر الحاكم مقيد فأمر الحاكم مقيد بعدم مخالفة الشريعة وليس للأفراد أن يطيعوا فيما يخالفها.

فالطاعة للحاكم كما يقرر قطب إنما تكون لإذعانه للشريعة وحكمه بالعدل فإذا انحرف سقطت طاعته ولم يجب لأمره نفاذ.

6- تتمثل سلطات رئيس الدولة عندهم في إصدار القوانين ووضع اللوائح التنفيذية لها وتعيين وعزل الموظفين والقيادة العليا للجيش وتولية وعزل الضباط وإعلان الحرب الدفاعية الهجومية بعد مشورة مجلس الأمة وإبرام المعاهدات وتعيين الممثلين السياسيين وإقالتهم ومباشرة حق العفو وتخفيض العقوبة كل ذلك في حدود الدستور وعلى الوجه المبين في القوانين كما أن لرئيس الدولة أن يباشر هذه السلطات بنفسه أو عن طريق وزراء يختارهم ويكونون مسئولين سياسيا أمامه وجنائيا أمام مجلس الأمة، ويسأل رئيس الدولة سياسيا أمام مجلس الأمة عن تصرفات وزرائه ويبدو أن هناك اسنجاما بين أفكار الإخوان عن السلطة التنفيذية وبين أفكارهم عن طبية الحكومة ونوع السلطة وينبه هنا إلى أنهم كانوا يواجهون بهذا الواقع الموجود في الفترة من 19481954 بصفة خاصة وفيما يرى الباحث أن هذا تطور نوعي في الفكر السياسي الإسلامي والمصري خاصة.

ب- السلطة التشريعية كما يرى الإخوان المسلمون:

يتولى هذه السلطة كما يرون مجلس الأمة ورئيس الدولة، في حدود تعاليم الإسلام فلكل عضو ولرئيس الدولة حق اقتراح القوانين بما لا يجافي الإسلام ويصدر القانون بإقرار المجلس له بأغلبية أعضائه.. إلخ.

وحق مجلس الأمة في التشريع مقصور على نوعين:

1- تشريعات تنفيذية تضمن تنفيذ نصوص الشريعة.

2- تشريعات تنظيمية لسد حاجة الجماعة على أساس المقاصد العامة للشريعة.

فإذا ما أقر تشريع ما أصدره رئيس الدولة لأنه القائم على السلطة التنفيذية وقد سود مشروع الدستور المقترح أحكام الإسلام وتعاليمه فيخضع لها ولأحكام الدستور جميع التشريعات التي تصدر عن الهيئة الحاكمة وقد كانت هذه القضية محور نقد عنيف من الإخوان تجاه القوانين المصرية المنقولة عن القوانين الأجنبية والتي رأوها مناقضة للقانون الإسلامي ومحققة لأهداف الاستعمار وقد رأوا أن هذه القوانين الوضعية المناقضة للإسلام باطلة بحكم الإسلام وباطلة بنفسها.

وقد حدد مشروع الدستور المقترح طبيعة الهيئة التشريعية مجلس الأمة فمن مواده أنه: يؤلف مجلس الأمة من 200 عضو منتخبين بالاقتراع المقيد بشرط الأهلية الثقافية لمدة خمس سنوات وينوب عضو الأمة عن الأمة كلها ومجلس الأمة هو الذي يباشر سلطات الأمة بالنيابة عنها فهو الذي يتولى التشريع في حدود تعاليم الإسلام ويفوض رئيس الدولة في التنفيذ وهو مجلس دائم ينعقد من تلقاء نفسه بدعوة من رئيسه أو وكيله ويدوم انعقاده لمدة 10 شهور ورئيس المجلس هو الذي يفض الدورة وجلساته علنية إلا لضرورة قصوى ولا يجوز مؤاخذة الأعضاء عما يبدو من الأفكار والآراء في المجلس ..إلخ.

ومن البين أن موقفهم من السلطة التشريعية ينسجم مع الخاصية الأولى للحكومة عندهم وهي أنها ملتزمة بالتشريع الإسلامي على ما تقدم بيانه في الفرع الأول.

ج‌- السلطة القضائية كما يرى الإخوان.

هي سلطة مستقلة عن السلطة التنفيذية مصدرها الأمة برغم أن رئيس الدولة هو الذي يولي القضاء إلا أنه يوليهم بصفته نائبا عن الأمة فالقضاة ومن إليهم نواب عن الأمة ولذلك لا يعزلون عن عملهم بموت رئيس الدولة أو عزله وهذه السلطة تتولاها المحاكم وتصدر الأحكام كما يرون باسم الله وحده.

وأكد الإخوان وقرروا نظرية دستورية القوانين فيرى عودة و مشروع الدستور أن للقضاة أن يمتنعوا من تلقاء أنفسهم عن تطبيق أي قانون مخالف للشريعة ولأحكام الدستور المقترح نصا وروحا وللمتقاضين أن يطالبوا إلى القاضي ذلك في أثناء النظر في النزاع وقد نص مشروع الدستور على أنه لكل مواطن الحق في رفع دعوى يطالب فيها بإبطال قانون مخالف لأحكام الإسلام أو الدستور أو مجاف لها أمام محكمة خاصة ينظمها القانون مادة 63 أي أن السيادة هي للشريعة الإسلامية والدستور المتفق معها.

خ‌- سلطة المراقبة والتقويم:

يرى عودة أن هذه السلطة تباشرها الأمة جميعا وينوب عنها في القيام بها أهل الشورى والعلم وهي سلطة مقررة للأمة من وجهين:

الأول: أن الأمة يجب عليها مراقبة وتقويم الحكام بما أوجب عليها الله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الثاني: بما أن الأمة هي مصدر السلطات فإن الحكام نواب عنها فلها أن تراقبهم في كل أعمالهم وأن تردهم إلى الصواب إذا أخطأوا وقد تقدم أن العشماوي يرى أن الأمة تمارس السيادة تجاه السلطة بالاختيار والمحاسبة وهذه المحاسبة نوعان مباشرة يقوم بها كل فرد بذاته أو في مجموعة ممن يرون رأيه خطابا مباشرا ومناقشة مع الحاكم ومحاسبة بالنيابة ويقوم بها ممثلو الأمة في المجلس التشريعي وهي محاسبة ورقابة مستمرة على أعمال الحاكم ومعاونيه. وواضح أن الإخوان يرون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسيلة لتحقيق سلطة الأمة جميعا في المراقبة والمحاسبة نوعان مباشرة يقوم بها كل فرد بذاته أو في مجموعة ممن يرون رأيه خطابا مباشرا ومناقشة مع الحاكم ومحاسبة بالنيابة يقوم بها ممثلو الأمة في المجلس التشريعي وهي محاسبة ورقابة مستمرة على أعمال الحاكم ومعاونيه.

وواضح أن الإخوان يرون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسيلة لتحقيق سلطة الأمة جميعا في المراقبة والمحاسبة وقد وضع مشروع دستورهم هذه الفكرة موضع القاعدة الدستورية فنص في المادة (91) على أن مقاومة جور الحكام تعتبر بالنسبة لكل مواطن ولجميع المواطنين أقدس الحقوق وألزم الواجبات وفي المادة (93) للمواطنين حق تقديم العرائض إلى الهيئات الحاكمة.

ويرى محمد طه بدوي عضو الشعبة القانونية للإخوان أن المشروع بذلك يخالف الدساتير الديمقراطية المعاصرة (1952) قاطبة فهي ترى في مباشرة هذا الحق الطبيعي جريمة تهدد سلامة الجماعة وأمنها.

وقد تناول بدوي حق مقاومة الحكومات الجائرة في مؤلف كامل انتهى فيه إلى أن مقاومة الجور حق يزاوله الفرد نتيجة لحقه الطبيعي في الدفاع عن النفس وتزاوله الجماعة نتيجة لحقها في رقابة من ولتهم أمرها وكركن ركين من أركان النظام نفسه وسواء في ذلك أقره القانون الوضعي أم أنكره.

خلاصة:

ومن التحليل السابق نتبين الصلة القوية بين هذا المضمون السياسي وبين التربية السياسية كما يلي: أنه جزء من المعتقدات السياسية في الذات السياسية عند عضو الإخوان.

أنه جزء من المحتوى المعرفي السياسي والوعي بالإسلام أحد عناصر الوعي السياسي عندهم.

وفضلا عن ذلك فإن أساس اعتقاديا دافعا للمشاركة السياسية فمن ألزم الواجبات على الفرد حسب المضمون السابق أن يكون على وعي بالموقف السياسي للحكومة وسلطات الدولة التنفيذية والتشريعية خاصة وهنا تبدوا أهمية ما قرره الإخوان من ضرورة علنية جلسات المجلس التشريعي وحرية كل عضو وعدم مؤاخذته على أنه رأي يبديه بما يؤدي إلى إتاحة بواجب المراقبة فإنه يجب عليه أن يعمل إذا جارت سياسة الحكومة لمقاومة هذا الجور ما دام مواطنا في الدولة.

ويمثل مضمون سلطة المراقبة خاصة تحريضا على المشاركة السياسية لعضو جماعة الإخوان المسلمين.

ثالثا: واجبات ووظائف الحكومة كما يرى الإخوان:

كان الإخوان يسعون لإقامة حكومة إسلامية في مصر وكانوا يكتبون رسائل ومذكرات إلى رؤساء وزراء مصر في الفترة موضع البحث يوضحون فيها المطالب والواجبات التي يجب أن تقوم بها الحكومة لتكون إسلامية بحق وقد كتب البنا كثيرا من هذه الرسائل إلى الملك فاروق، ومصطفى النحاس ومحمد محمود وعلي ماهر كما كتب الهضيبي عدة رسائل إلى مجلس قيادة ثورة 23 يوليو، وتتضمن هذه الرسالة والمذكرات فيما يرى الباحث وكما يتضح منها برنامجا إصلاحيا كاملا يكشف عن وجهة نظر الإخوان فيما يتعلق بالحكومة ووظائفها وذلك بجانب مشروع الدستور الذي أصدرته الشعبة القانونية للإخوان المسلمين في سبتمبر 1952 وسوف يعتمد الباحث أساس على المطالب الخمسون التي تضمنتها رسالة البنا إلى فاروق والنحاس وغيرهما والتي سمت نحو النور وعلى البيان الذي أصدره الهضيبي إلى مجلس قيادة الثورة يوضح رأي الإخوان في الإصلاح المطلوب وعلى مشروع الدستور المقترح لبيان واجبات الحكومة كمرحلة من مراحل الإصلاح في مصر.

أ‌- في الناحية الدستورية والسياسية والقضائية والإدارية.

المسارعة إلى عقد جمعية تأسيسية لوضع دستور جديد على أساس أنه تعبير عن عقيدة الأمة وإرادتها وسياج لحماية مصالحها يستمد مبادئه من مبادئ الإسلام في كافة شئون الحياة وعلى أساس أن المسئولية بمقدار السلطة وأن لكل سواء أمام القانون.

إعادة بناء الحياة النيابية والقوانين الانتخابية على أصول سليمة لتؤدي رسالتها على الوجه المنشود. إصلاح القانون حتى يتفق مع التشريع الإسلامي في كل فروعه.

القضاء على الحزبية وتوجيه قوى الأمة السياسية في صف واحد وجهة واحدة.

تقوية الجيش والإكثار من فرق الشباب وتربيتهم على أسس الجهاد الإسلامي ومراعاة الآداب والشعائر الدينية في الجيش وأن تقوم العلاقات بين أفراده على أساس الأخوة.

توسيع نطاق التجنيد بحيث لا يبقى في الأمة بعد فترة محدودة من يستطيع حمل السلاح دون أن يجند ليصبح الشعب كله جيشا كامل الأهبة والعتاد.

مضاعفة العناية بالتدريب العسكري في المدارس والجامعات وأن يتسم بالجد والإنتاج فيقرر إجباريا في مناهج التعليم ويشمل فنون الحرب وأساليب القتال الصحيح.

أن تبادر الحكومة إلى نشاء مصانع الأسلحة والذخيرة لإمداد الجيش بحاجته منهأن ليستطيع تحقيق غايتة في العدد والعدة ومستوى التدريب.

إنشاء جيش إقليمي يتكون من كل من فاته الانتظام في الجيش العامل.

تقوية الروابط بين الأقطار الإسلامية جميعا وبخاصة العربية منها.

بث الروح الإسلامي في دواوين الحكومة بحيث يشعر الموظفون جميعا بأنهم مطالبون تعاليم الإسلام.

مراقبة سلوك الموظفين الشخصي وعدم الفصل بين الناحية الشخصية والناحية العملية

تقدم مواعيد العمل في الدواوين صيفا وشتاء للإعانة على أداء الفرض والقضاء على السهر الكثير.

القضاء على الرشوة والمحسوبية والاعتماد على الكفاية والمسوغات القانونية فقط.

أن توزن كل أعمال الحكومة بميزان التعاليم الإسلامية في الحفلات والاجتماعات الرسمية السجون المستشفيات.. استخدم الأزهرين في الوظائف العسكرية والإدارية وتدريبهم.

يكون الانتساب للنقابات إجباريا وإباحة تكوين الاتحادات النقابية وتجديد أجور العمل على أسس اقتصادية سليمة مع ضمان حصول العمال على نصيبهم من غلة الإنتاج وإلغاء مكافآت أعضاء مجالس إدارة الشركات وأن يكون تقرير هذه الحقوق وحمايتها بنصوص قانونية صريحة.

إصلاح نظم التوظيف بتقريب الفوارق بين الحد الأعلى والأدنى للمرتبات والأجور مع تحسين حال الموظفين الصغار يرفع مرتباتهم واستبقاء علاواتهم ومكافئاتهم وكفالة الضمانات القانونية والمالية في الخدمة والمعاش وتأمين المرءوسين صد أهواء الرؤساء واستبدادهم وتحديد المسئوليات وإلغاء المركزية.

العناية بشون العمال فنيا واجتماعيا وبشون الصحة العامة بنشر الدعاية الصحية والإكثار من المستشفيات والأطباء والعيادات المتنقلة... إلخ.. العناية بشأن القرية نظام ونظافة وتنقية مياهها ووسائل الثقافة والتهذيب فيها...إلخ.. وتشجيع الإرشاد الزراعي والصناعي والاهتمام بترقية الفلاح والصانع من الناحية الإنتاجية تحريم الربا وتنظيم المصارف تنظيما يؤدي إلى هذه الغاية وتكون الحكومة قدوة في ذلك بالتنازل عن الفوائد في مشروعاتها الخاصة.

استكمال إصلاح الأراضي البور والعناية باستغلال الصحاري المصرية زراعيا ومعدنيا .

تصنيع البلاد مع العناية بالصناعات المعتمدة على المواد الأولية المحلية والصناعات الحربية تمصير البنك الأهلي.

تشجيع المشروعات الاقتصادية الوطنية وتشغيل العاملين من المواطنين فيها واستخلاص ما في أيدي الأجانب منها للناحية الوطنية البحتة وحماية الجمهور من عسف الشركات المحتكرة.. إلخ وتقديم المشروعات الضرورية على الكماليات في الإنشاء والتنفيذ.

وقد طالبوا الحكومات باتباع نظام اقتصادي تنموي استقلالي بهدف إلى تنمية الثروة القومية وحمايتها ويعمل على رفع مستوى المعيشة والتقريب بين الطبقات وتوفير العدالة الاجتماعية والتأمين الكامل للمواطنين جميعا.

ح‌- في الشخصية الاجتماعية للأمة، والناحية التربوية والتعليمية:

تعويد الشعب احترام الآداب العامة وتشديد العقوبات على الجرائم الأدبية.

علاج قضية المرأة بما يجمع بين رقيها والمحافظة عليهأن وفق تعاليم الإسلام.

القضاء على البغاء السري والعلني واعتبار الزنا مهما كانت ظروفه جريمة يجلد فاعلها والقضاء على البغاء السري والعلني واعتبار الزنا مهما كانت ظروفه جريمة يجلد فاعلها والقضاء على القمار بأنواعه ومحارة الخمر كما تحارب المخدرات وتجريمها وتخليص الأمة من شرها. مقاومة التبرج وإرشاد السيدات إلى ما يجب عليهن والتشديد في ذلك خاصة على المدرسات والتلميذات والطبيات.

إعادة النظم في مناهج تعليم البنات ووجوب التفريق بينها وبين مناهج تعليم الصبيان في كثير من مراحل التعليم ومنع الاختلاط بين الطلبة والطالبات.

تشجيع الزواج والنسل ووضع تشريع يحمي الأسرة ويحل مشكلة الزواج.

إغلاق الصالات والمراقص الخليعة وتحريم الرقص وما إلى ذلك ومراقبة دور التمثيل وأفلام السينما والتشديد في اختيار الروايات والأشرطة وتهذيب الأغاني واختيارها وحسن اختيار ما يذاع على الأمة من المحاضرات والأغاني والأفكار واستخدام محطة الإذاعة في تربية وطنية خلقية فاضلة.

مصادرة الروايات المثيرة والكتب المشككة والصحف المشيعة للفجور وتوجيه الصحافة توجيها صالحا وتشجيع المؤلفين والكتاب على طرق الموضوعات الإسلامية والشرقية.

تنظيم المصايف بما يقض على الإباحية والفوضى.

تحديد مواعيد افتتاح المقاهي العامة وإغلاقها ومراقبة ما يشتغل به روادها وإرشادهم إلى ما ينفعهم وعدم السماح بالوقت الطويل فيها واستخدام هذه المقاهي في تعليم الأميين القراءة والكتابة.

مقاومة العادات الضارة اقتصاديا وخلقيا وتحويل تيار الجماهير عنها إلى غيرها من العادات النافعة أو تهذيب نفسها تهذيبا يتفق مع المصلحة مثل عادات الأفراح والمآتم والموالد .. إلخ.. وتكون الحكومة قدوة في ذلك.

التفكير في الوسائل المناسبة لتوحيد الأزياء في الأمة تدريجيا القضاء على الروح الأجنبية في البيوت من حيث اللغة والعادات والأزياء إلخ وتصحيح ذلك كله.

تقرير التعليم الديني مادة أساسية في كل المدارس كل بحسبه وفي الجامعة أيضا مع تشجيع تحفيظ القرآن في المكاتب الحرة، وجعل حفظه شرطا في نيل الإجازات العلمية المتصلة بالناحية الدينية واللغوية.

وضع سياسة ثابتة للتعليم ترفع مستواه وتوحد أنواعه المتحدة المقاصد وتقرب بين الثقافات وتجعل المرحلة الأولى خاصة بتربية الروح الوطنية والخلق الكريم والعناية بالتاريخ الإسلامي والتاريخ الوطني والتربية الوطنية وتاريخ حضارة الإسلام وباللغة العربية في كل مراحل التعليم وأفرادها في المراحل الأولى من غيرها من اللغات الأجنبية.

توفير التعليم للمواطنين جميعا ولا يكون ذلك على حساب مستواه، وتدعيم معاهد العلم والجامعات بما تحتاج إليه من مكتبات ومعامل وأدوات بحث..إلخ..

هذه هي مهام الحكومة في النواحي الداخلية وهي فيما يظهر اجتهاد من الإخوان لإصلاح المجتمع وتكشف عن أنهم يرون أهمية الحكومة فكل المطالب والمهام السابقة منوط بالحكومة تحقيقها في الفترة موضع البحث وهذه المهام تكشف عن الفكر السياسي للإخوان فهو يتسم بالشمول كما يبدو الاتفاق مع الإسلام وتحقيق المصلحة للشعب والعلاج الواقعي للمشكلات كما أنها تبين حرص الإخوان على النظام النيابي والدستوري وعلى الجندية في الأمة وعلى الحفاظ على الهوية المستقلة للشعب ومقاومة التبعية.

والواقع أن هذه المهام الداخلية للحكومة تكشف عن أن لدى الإخوان في فترة البحث برنامجا كاملا وهذه النتيجة تخالف ما قرره بعض الكاتبين من أنه لم يتبلور برنامج اجتماعي واضح للحركة الإخوان باستثناء بعض الشعارات العامة والحق أن هذا القول يتجاهل الحقائق السابقة تماما.

أما المهام التي على الحكومة فيما يتعلق بالاستقلال والسياسة الخارجية فسترد في المبحثين الثاني والثالث من هذا الفصل.

خلاصة: برغم أن هذه البرامج السابقة قدمت لتكوين وعي سياسي بوظائف الحكومة لدى أعضاء الإخوان بجانب مطالبة المسئولين بها إلا أن وظائف وواجبات الحكومة المتعلقة بشخصية الأمة وبعض قضايا التربية والتعليم تبرهن على أن جماعة الإخوان كانت ترى أن وضع سياسة تعليمية ثابتة هو وظيفة خاصة بالحكومة وأنها يجب أن توفر التعليم لجميع المواطنين إلخ ويفهم من ذلك أن جهة الإشراف على التعليم فيما يرون تتحدد في الحكومة وحدها ومن ثم فقد طالبوا برقابة حكومية على المدارس الأجنبية في تلك الفترة ويفهم منها كذلك أن الحكومة هي المسئولة عن تكوين الشخصية الوطنية والحفاظ على مقوماتها الإسلامية.

رابعا: موقف الإخوان من الحكومات المتتابعة في مصر وأسلوب التغيير:

أ‌- تبين مما سبق أن تشكيل حكومة إسلامية على الوصف السابق ولتأدية المهام السابقة هو عقيدة إسلامية كما فهم ذلك الإخوان وقد كان من مراتب العمل الملزم بها كل عضو فيهم أن يعمل لإصلاح الحكومة حتى تكون إسلامية بحق وقد طالبوا بأن يكون الأمر كذلك في كل الأقطار العربية الإسلامية ويرد البنا في المؤتمر الخامس على سؤال: ما موقف الإخوان من الحكم فصرح: الإخوان المسلمون لا يطلبون الحكم لأنفسهم فإن وجدوا من الأمة من يستعيد لحمل هذا العبء وأداء هذه الأمانة والحكم بمنهاج إسلامي وقرآني فهم جنود وأنصاره وإن لم يجدوا فالحكم من منهاجهم وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله.

ب- والتتبع التاريخي لمواقفهم من الحكومات يكشف عن سعي الإخوان المتواصل لتحقيق هذا الهدف فقد تقدموا برسائل عديدة وبرامج في مذكرات للملك فاروق ورؤساء الحكومات في مصر ثم لوزارة محمد نجيب وعبد الناصر بعد 1952 من أجل نفس المطلب وقد عبر البنا عن ذلك بقوله: إن الإخوان لم يروا في حكومة من الحكومات التي عاصروها لا الحكومة القائمة ولا الحكومة السابقة ولا غيرها من الحكومات الحزبية من ينهض بهذا العبء أو من يبدي الاستعداد الصحيح لمناصرة الفكرة الإسلامية فلتعلم الأمة ذلك ولتطالب حكامها بحقوقها الإسلامية.

ويعلل البنا عدم استجابة تلك الحكومات لمطلبهم بأن الحكام فقدوا الإسلام في أنفسهم وبيوتهم وشئونهم الخاصة والعامة فهم لذلك أعجز من أن يفيضوه على غيرهم ليست هذه مهمتهم فقد أثبتت التجارب عجزهم المطلق عن أدائها.

وفي خطاب عام 1945 يقرر أن هذه الحكومات جعلت من نفسها أداة طيعة إن لم تكن مسرعة في يد الأجنبي يتحكم بها في رقاب الناس كما يشاء وينفذ بها مطالبه وخططه كما يريد سافرا أو مستترا هذان هما السببان اللذان أكد عليهما مفكروهم: فالحكومات عملية للاستعمار والاستعمار نفسه محارب لهذا المطلب ومن ثم فإقامة حكومة إسلامية يتطلب بالضرورة تحرير الوطن من كل احتلال وسلطات أجنبي سياسي أو اقتصادي أو فكري وروحي.

ث‌- ولكن ما الأسلوب العملي الذي اتخذه الإخوان في موقفهم من الحكومات المصرية والحالة هذه هل اعتمدوا الثورة أو الإصلاح وقد ناقش البنا هذه القضية موضحا موقف الإخوان من الثورة واستعمال القوة وهو يجيب عن سؤالين: هل في عزم الإخوان أن يستخدموا القوة في تحقيق أغراضهم هل يفكرون في إعداد ثورة عامة على النظام السياسي أو النظام الاجتماعي في مصر.

وقد بين البنا فيما يتعلق بالشق الأول من القوة شعار الإسلام وأنها درجات قوة الإيمان وقوة الوحدة والارتباط وقوة الساعد والسلاح ولا توصف جماعة بالقوة حتى يتوفر فيها ذلك كله وأن القوة لا تستخدم في كل الأحوال بل لها شروط محددة فلا تستخدم حتى تستنفذ كل الوسائل الممكنة وبعد الموازنة بين منافع استخدام القوة ومضارها وحيث يثقون أنهم قد استكملو عدة الإيمان والوحدة وأنهم حين يستخدمونها سينذرون أولا ويقدمون محتملين كل نتائج موقفهم بارتياح.

وقد وضع الإخوان هذه الأفكار موضع التطبيق فأنشأوا النظام الخاص ودخلوا في معارك عسكرية بلغت ذروتها في معارك القناة عام 1951، 1952 ضد الإنجليز وبرغم قول البنا أن الثورة أعنف مظاهر القوة إلا أنه قرر فيما يتعلق بالشق الثاني أن الإخوان لا يفكرون في الثورة ولا يعتمدون عليها ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها.

إذن: ما أسلوب العمل لإقامة الحكومة الإسلامية في مصر كما رأى الإخوان ومارسوا.

خ‌- بتحليل كتابات ومواقف الإخوان يتبين أن أسلوب التغيير وإقامة الحكومة الإسلامية ينقسم إلى محورين الأول: التربية أي تربية الشخصية الإسلامية وتكوينها سياسيا والمحور الثاني هو الإصلاح.

فأما المحور الأول (أي التربية) فقد قرر البنا وغيره أنه لابد من فترة تنشر فيها مبادئ الإخوان وتسود ويتعلم فيها الشعب كيف يؤثر المصلحة العامة على المصلحة الخاصة ويقرر مرة أخرى أن سبيل النهضة هو التربية ويطالب أعضاء الإخوان بأن يجدوا في تكوين النشء الجديد وأن يعلموه استقلال النفس والقلب واستقلال الفكر والعقل واستقلال الجهاد والعمل وأن يجندوه تحت راية محمد صلى الله عليه وسلم وفي رسالة أخرى يرى أن تربية الرأي العام هي الطريق بجانب تربية جيل جديد يحقق الأهداف السابقة فهذا الأسلوب يتجه إلى الجماهير ويثق فيهم وفي قدراتهم.

وفي الفصل السادس سيتبين كيف ربى الإخوان هذه الشخصية الإسلامية:

أما المحور الثاني فهو الإصلاح وذلك بطريقين الطريق الأول ما أسموه بالتوجيه ويعني عندهم وضع المناهج الصالحة في كل شئون المجتمع والتقدم بها إلى الجهات المختصة والوصول بها إلى الهيئات النيابية والتشريعية والتنفيذية لتخريج من دور التفكير النظري إلى دور التفكير العملي وهذا الأسلوب يتجه إلى الصفوة السياسية ويدل على إدراكهم لأهميتها في المجتمع المصري آنذاك.

أما الطريق الثاني للإصلاح فهو العمل السياسي المباشر ومن أمثلة ذلك: دخول الانتخابات والترشيح للهيئات النيابية ويقول البنا في بعض جوانب هذا الطريق: سنعمل بالحق فنذيع النشرات والبيانات ونوضح للناس ما خفي عنهم من حقوقهم ونكشف لهم ما استتر من ألا عيب المخادعين والمغررين بهم في الداخل والخارج وسنجمع كلمة الناس على هذا في مؤتمرات جامعة وسنبعث بإخواننا في كل مكان..إلخ.

وكلا الطريقين الإصلاحيين هما أيضا تربية سياسية للرأي العام فالعمل السياسي يتيح الفرص لنمو الوعي السياسي وللمشاركة السياسية ولاكتساب قدراتها وأما التوجيه فقد كانت كل رسائله ومذكراته تنشر في صحفهم وفي رسائل عامة لا يتيح وعيا سياسيا بالمطالب والحقوق أمام الرأي العام.

خلاصة:

من التحليل السابق يتضح أن موقف الإخوان من السلطة أو الحكومة يتبلور فيما يلي:

- إقامة حكومة إسلامية عقيدة وفريضة تلتزم بالتشريع الإسلامي وتحقق مصالح الشعب.

- مصدر السلطة أو الحكومة هو الأمة والحكومة نيابية تقوم على أساس الفصل بين السلطات فهي ليست دينية بالمفهوم الثيوقراطي والنظام النيابي الدستوري هو النظام المتفق مع الإسلام فلا بديل له.

- النظام السياسي الإسلامي نظام جمهوري نيابي وسلطات الدولة خمسة التنفيذية والتشريعية والقضائية والرقابية والتقويم والسلطة المالية.

- الدستور والحياة النيابية المصرية مقبولة من حيث الأصل وكنهم انتقدوا الدستور كما سبق وفي مرحلة قبيل وبعد 23 يوليو 1952 رفضوا الدستور المصري 1932 وطالبوا سق وفي مرحلة وقبيل أولى حلها جميعا وتوحيد الوجهة في صف واحد بمنهاج إسلامي وفي مرحلة الهضيبي رأوا أنه لا مانع من تعدد الأحزاب بل للشيوعيين أن يقيموا حزبا لهم.

لم تكن ثمة حكومة تقبل بأفكار وبرامج الإخوان التي اتصفت بالشمول والواقعية في تحديدها لمهام الحكومة في مصر والتي هدفت إلى الإصلاح المتكامل وعلاج المشكلات الحيوية من وجهة نظرهم.

لم يقبل الإخوان بأسلوب الثورة ضد النظام المصري بل كان أسلوبهم يتبلور في التربية المتكاملة والسياسية خاصة وفي العمل السياسي والتوجيه أي التغيير الديمقراطية الذي اتخذ طريقين: الأول يتجه إلى الجماهيري والثاني يتجه إلى الصفوة أي أنهم جمعوا بين أسلوب جمال الدين والنديم ومصطفى كامل وأسلوب محمد عبده مع تنظيم وشمول وتكامل.

وقد تبين صلة المضمون السابق بالتربية السياسية عند الإخوان في نهاية كل فرع.

3- أسس النظام السياسي عند الإخوان.

من خلال التحليل السابقة في المطلب الأول يبدو واضحا أن الإخوان يرون أن النظام السياسي أو الحكومة تعمل طبقا ل وفي إطار أسس محددة هي الشورى الحرية المساواة العدل الطاعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد اهتم الإخوان وعالجوا بتفصيل الأسس الخمسة هذه .

وقد أشرت إلى أساس الطاعة وأساس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما يوضح وجهتهم فيهما وفي هذا المطلب يتناول الباحث الأسس الثلاثة الأخرى في الفروع الآتية:

أولا: الشورى.

يرى قطب أن مهمة الشورى هي تقليب أوجه الرأي واختيار اتجاه من الاتجاهات المعروضة ثم يجي دور التنفيذ ويرى أنها مبدأ أساسي للنظام الإسلامي كما أنها طابع أساسي للجماعة المسلمة كلها يقوم عليه أمرها كجماعة ثم يتسرب من الجماعة إلى الدولة بوصفها إفرازا طبيعيا للجماعة ويرى عودة أنها فريضة واجبة على الحاكمين والمحكومين سواء وأن النظام الحكم في المجتمع يرد إليها وقد عالج الإخوان هذا الأساس في كتابات عديدة لهم ويمكن تناولها كما يلي.

أ‌- من المستشير؟

يبدو أن الإخوان خرجوا من الإطار التقليدي الذي قصر الشورى على واحد هو الخلفية فعودة يرى أنها واجبة على الحاكمين أي ليست على الحاكم الرئيسي فقط بل على كل من يمثل السلطة التنفيذية ويرى قطب أن الشورى من ألزم صفات القادة فكل من له وصف القيادة أو الحكم واجب عليه أن يستشير كما يرى قطب كما سبق أنها تمثل طابع الجماعة ككل ومعنى هذا كما يرى د . أبو المجد أن الشورى ليست واجبة على الحاكم الرئيسي فقط بل قد تكون على رئيس الدولة أو رئيس الوزراء أو وزير من الوزراء ..إلخ..

ب- موضوع الشورى أو نطاقها:

يرى عودة والغزالي أن نطاق الشورى يشمل خطين:

الأول: ما جاء فيه نص وتكون الشورى بغرض إقامته وتنفيذه.

الثاني: ما لم يأت فيه نص وكله محل للشورى موضعا وتنفيذا وهو كثير مثل أمور الحكم والإدارة وما يتعلق بالمصلحة العامة إلخ وتكون الشورى هناك بما لا يخرج عن روح الإسلام ومقاصده فالعقل له مجال للعمل كبير بحسب هذا التحديد

أهل الشورى:

1- يرى البنا أن أهل الشورى وصف ينطبق على ثلاث فئات:

الفقهاء المجتهدون الذين يعتمدون على أقوالهم في الفتيا واستنباط الأحكام.

- أهل الخبرة في الشئون العامة.

- كل من لهم نوع رئاسة من الناس كرؤساء المجموعات وزعماء الأسر..إلخ وهؤلاء يسمون أهل الحل والعقد.

ويضيف عودة أن أهل الشورى هم ذوو الرأي في الأمة الإسلامية وأنه ليس هناك ما يمنع أن يقوم اختيار أهل الشورى على التخصص بشرط ألا يكون لغير الملمين بالشريعة رأي فيما يتعلق بها كما أنه يرى أنه ليس هناك عدد معين لأهل الشورى ولا طريقة معينة لاختيارهم بل ذلك متروك للمصلحة العامة.

2- وقد اشترط عودة لمن يكون من أهل الشورى العدالة والعلم وجودة الرأي لأن أساس الشورى هو الرأي الصحيح الحكيم ويرى أنهم بمجرد انتخابهم ممثلو الأمة ونوابها وأصحاب السلطان فيها اختيروا ليمثلوها وليبدو رأيها في أمورها التي جعلها الله شورى بين المسلمين جميعا وأن الأمة تباشر سلطاتها عن طريق هؤلاء النواب وهذا هو الرأي الذي أخذ به مشروع الدستور الذي أصدرته الشعبية القانونية للإخوان في المادة 1، 2.

مدى وجوبها ومدى إلزامها للمستشير:

1- يذكر عودة أن الشورى أصل من أصول الشريعة وأن من ترك الشورى من الحكام فعزله واجب دون خلاف بين الفقهاء فهي فريضة وليس ندبا في كل أمر من أمور الأمة.

2- ويقرر عودة أن نتيجة الشورى ملزمة للمستشير، ويؤيد الغزالي هذا الرأي ويقول إنه أخطأ من المفسرين من وهم أن الشورى غير ملزمة ويتساءل: فما جدواها إذن؟

ويفصل عودة هذه الفكرة بقوله، ليس من الضروري أن يجمع أهل الرأي على رأي واحد وأن الرأي ما اتفقت عليه أكثرية المشيرين بعد تقليب وجوه الرأي ومناقشة المسألة المعروضة من كل وجوهها ويقرر عودة أن المفروض شرعا أن رأي الأكثرية هو الصواب ما دام كلهم يبدي رأيه مجردا لله وما دامت الأراء جميعا تناقش دون تعصب لها أو لأصحابها والواقع أن الشورى لا معنى لها إذا لم يؤخذ برأي الأكثرية ووجوب الشورى على الأمة الإسلامية يقتضي التزام رأي الأكثرية.

والحق أن هذا مبدأ مهم من مبادئ الشورى يعطيها مضمونها الصحيح وهو يعني أمرين:

أولا: نفي الاستبداد تماما عن الحكومة الإسلامية فالشورى واجبة ورأي الأكثرية ملزمة.

ثانيا: أن هذا الرأي يترتب مسئوليات على التربية من حيث اهتمامها بتربية العقل العلمي الناقد الموضوعي الملتزم بأخلاقيات الحوار.

ه- المبادئ التي تحكم عملية الشورى.

وقد فصل عودة هذه المبادئ

1- الشورى فريضة، وحق للمحكومين وللحاكمين وليس أحد الطرفين بأحق به من الآخر فعلى الحاكم أن يستشير في كل أمور الحكم وما يتعلق بمصلحة الأفراد أو المصلحة العامة وعلى المحكومين أن يشيروا على الحكام بما يرونه في هذه المسائل كلها سواء استشارهم الحاكم أولا.

وباعتبار أن الشورى واجب على القادة فإن للأمة إذا لم يقوموا به أن تطلب منهم أن يعرضوا عليها كل أمر لم يعرضوه.

2- الشورى تقوم على الإخلاص وليس على المنافع الذاتية أو العصبيات.

3- الرأي الصواب هو ما تتفق عليه أكثرية المشيرين بعد المناقشة الموضوعية الكاملة من جميع الوجوه وهو ملزم للحاكمين والمحكومين وللأقلية التي لم يؤخذ برأيها.

4- الأقلية التي لم يؤخذ برأيها تكون ممن ينفذون رأي الأغلبية باعتباره الرأي الواجب الاتباع وأن تدافع عنه كما تدافع عنه الأغلبية وليس للأقلية أن تشكك في رأي وضع موضع التنفيذ أو اجتياز دور المناقشة والنقد سبيل للإصلاح وقت المناقشة أو لم تناقش القضية بعد أما النقد الذي يكون بعد اجتياز القضية دور المناقشة ووضعت موضع التنفيذ فذلك فساد ويتناقض مع أساس الشورى وهو أن يحكم الشعب طبقا لرأي الأغلبية ومعنى ذلك أن أغلبية الشعب إذا أجمعت على رأي كان رأيها قانونا وحكما له الطاعة والاحترام بما بقضي على الشك في الأمة.

وبناء على هذا المبدأ الأخير فإن نظام الشورى يختلف عن النظام الديمقراطي كما يتخلف بالطبع عن الديكتاتورية.

و- وطريق الشورى أو كيفيتها:

'1-' اتفق مفكرو الإخوان على أن الإسلام قرر مبدأ الشورى أمام الشكل الذي تتم به فليس مصبوبا في قالب حديدي فهو متروك للصورة الملائمة لكل بيئة وزمان فالوسيلة أو الشكل الذي تتم به هي أمور قابلة للتطوير والتحرير وفق أوضاع الأمة وملابسات حياتها ويرى قطب أن كل شكل وكل وسيلة تتم بها حقيقة الشورى لا مظهرها فهي من الإسلام.
'2-' ويرى البنا أن النظام النيابي الحديث قد رتب طريق الوصول إلى أهل الحل والعقد بما وضع الفقهاء الدستوريون من نظم الانتخاب وطرائقه المختلفة والإسلام لا يأبى هذا التنظيم ما دام يؤدي إلى اختيار أهل الحل والعقد.

وقد اعتمد مشروع الدستور الذي أصدرته الشعبية القانونية للإخوان عام 1952 هذا الرأي مع تعديل.

ر‌- الأهمية التربوية للشورى:

يرى قطب أن الشورى هي خير وسيلة لتربية الأمة وإعدادها للقيادة الرشيدة وتدريبها على تحمل المسئولية ونتائج رأيها وتصرفها فهي لا تتعلم الصواب إلا إذا زاولت الخطأ كما يرى أن الشورى تدريب على الحياة الواقعية المدركة لتبعات الرأي والعمل والواعية لنتائج الرأي والعمل.

ويرى عودة أن إيجاب الشورى على الأمة يحملها على التفكير في المسائل العامة والاهتمام بها والتفكير في مستقبل الأمة تفكيرا جديا كما أنها توجيه للأم إلى مراقبة الحكام ومحاسبتهم والحد من سلطانهم وأيضا هي وسيلة للاشتراك في الحكم بطريق غير مباشر.

والحق أن الشورى كما عالجها الإخوان تمثل بذاتها تربية سياسية لأفراد المجتمع فهي من جهة تدريب على تحمل المسئولية وعلى الحكم السليم على الآراء وعلى المناقشة الموضعية ومن جهة هي مجال للمشاركة السياسية لجميع أفراد الأمة حيث هي واجب عليهم أيضا وطريقة إبداء الآراء في ذاتها تربية سياسية فمناقشة الرأي يتم من جميع وجوهه وللمناقش الحرية الكاملة ولا يجوز أن يؤخذ أحد النواب برأي يبدية والجلسات علنية كلها إلا لضرورة قصوى.

كل ذلك يتيح للرأي العام الفرص للاطلاع على الآراء المتعددة مما ينمي وعيهم السياسي والشوري بهذه الكيفية التي عالجها مفكرو الإخوان تدفع للمشاركة بإيجابية مما قد يكون علاجا للسلبية السياسية عند بعض المواطنين.

والشورى بهذا المضمون ترتب على مؤسسات التربية واجبات منها تربية العقلية الناقدة والقدرة على الحوار والرغبة في المشاركة والقدرة على تحمل المسئولية وذلك يكون بإعمال مبدأ الشورى في المدرسة والمعهد والجامعة سواء على مستوى العلاقة بين المدرس والتلميذ أو بين مستويات الإدارة المختلفة أو في أنشطة الطلاب أنفسهم إلخ وأيضا من خلال طريقة التدريس التي تربي القدرات السابقة قدرات كما أن الشورى بهذا المعنى توجب على التربية ووسائلها المختلفة أن تربي في الفرد الإيمان بأن الشورى واجب عليه وأنها أيضا حق للأمة وأن عدمها يعني الاستبداد.

ومن المطلوبات في التربية أن تربي في الطلاب والناشئة الاتجاه الإيجابي نحو ممارسة الشورى في كل أمورهم سواء في المنزل أو مع الأصدقاء أو في الأعمال المختلفة.

وأيضا فإن من القيم التي يجب على التربية تنميتها في الناشئة قيمة الاستقلال في التفكير وقيمة احترام الآخرين فلا يمكن أن تتم الشورى بالمضمون السابقة بدون هاتين القيمتين

ثانيا: الحرية:

أ‌- تقدم أن الحرية هي الركيزة الثانية لنظام الحكم بعد التسليم بالوجود الإلهي وأنه إذا كانت الأمة لها السيادة وهي مصدر السلطات فإن هذا يوجب أن يكون لدى أفرادها مقومات السيادة وأن تكون لهم تجاه السلطة وسيلة ممارسة السيادة وقد رأينا أن المقوم الأول للسيادة هو الحرية التي يجب أن تضمنها الدولة كما أن الحرية مع القوة شرط وضرورة لإمكان ممارسة السيادة

وقد اعتر البنا الحرية فريضة من فرائض الإسلام ومن هنا اهتم الإخوان ببيان الحريات باعتبارها حقوقا وضرورات في وقت واحد.

ب- فقد قرر عودة أن الحريات بأوسع معانيها قد جعلها الإسلام أساسا لحياة الأمة المسلمة وقد أشار إلى حرية الاعتقاد وحرية التفكير وحرية القول والعلم والتملك ويرى عودة أن الإسلام لم يكتف بتقرير حرية العقيدة بل اتخذ لحمايتها طريقين أولاهما إلزام الناس أن يحترموا حق الغير في اعتقاد ما يشاء وفي تركه يعمل طبقا لعقيدته ولا يكره أحد أحدا على اعتناق عقيدة ما أو ترك أخرى ثانيهما: إلزام صاحب العقيدة نفسه أن يعمل على حماية عقيدته وألا يقف موقفا سلبيا وأن الشريعة قد قررت حرية العقيدة للناس عامة مسلمين وغير مسلمين وتكفلت بحمايتها لغير المسلمين.

ولعل هذا هو ما دفع المستشار الهضيبي أن يطلب أن ينص في الدستور الذي كان يراد وضعه في عام 1952- 1953 على احترام الأديان الأخرى وحرية أهلها في عقائدهم.

وفيما يتعلق بحرية القول يرى عودة أنها مكفولة فلكل إنسان أن يقول ما يشاء دون عدوان على الآخرين فلا يكون قاذفا ولا عيابا إلخ.. فالقاعدة هي حرية القول إيا كان موضوعها بشرط الحفاظ على الأخلاق والنظام وقد أضاف الغزالي أن من الحريات التي قررها الإسلام التحرر من العوز ومن الخوف وحرية الرأي ومقاومة الظلم.

ث‌- ومما يتبين اهتمام الإخوان بهذا الأساس وإدراكهم ضرورته أن مشروع الدستور الذي أصدرته هيئتهم التأسيسية عام 1952وقد خصص بابا كاملا لحقوق الأفراد نصت مواده على ما يلي:

مادة 77 يولد الناس أحرارا مادة 78لكل فرد الحق في الحرية.. (مادة 79) لكل فرد الحق في العمل والحرية في اختياره بشروط عادلة مجزية (مادة 80) لكل فرد الحق في أن يكون مع غيره نقابات وفي أن ينضم إلى نقابات للدفاع عن مصالحه (مادة 85) لا يجوز القبض على أحد أو حبسه أو نفيه إجراء تحكمي ولا يجوز أن يتعرض أحد لتدخل تحكمي في حياته الخاصة أو في أسرته أو في منزله أو مراسلاته (مادة 86) لكل فرد الحق في التنقل بحرية داخل الدولة (مادة 78) لكل فرد الحق في الملكة بصفة فردية أو جماعية ولا يجوز حرمان أحد من ملكه بإجراء تحكمي (مادة 88) لكل فرد الحق في حرية التفكير والاعتقاد والتدين (مادة 89) لكل فرد الحق في حرية الرأي والتعبير (مادة 90) لكل فرد الحق في حرية الاجتماع وتكوين الجمعيات السلمية (مادة 94) لا يخضع الفرد عند مزاولة حقوقه والتمتع بحرياته السابقة إلا للقيود التي ينص عليها القانون لضمان الاعتراف بحقوق الغير وحرياتهم واحترامها ولحماية مقتضيات الأخلاق والنظام العام في مجتمع إسلامي ولا يجوز في أية حالة مزاولة هذه الحقوق والحريات على نحو يتعارض مع الإسلام نصا أو روحا (مادة 90) لا يجوز تعطيل هذه الحريات إلا بقانون ويكون ذلك لمدة معينة ولظروف تقتضيها سلامة الدولة (مادة 101) الأحكام الخاصة بحقوق الأفراد وبمبادئ الحرية في هذا الدستور لا يجوز تنقيحها.

د- ولا شك أن هذه الحريات شاملة كما أنها تمثل حقوقا للأفراد يحميها الدستور وكل فرد له نفس هذه الحريات في المجتمع ولكن الإخوان لم يفصلوا الحريات عن الركن الثاني لممارسة السيادة: وهو القوة فلابد من الاثنين معا فهما ضرورة فهذه الحريات تكفلها الدولة كما عليها أن تكفل تضمن كل الضمانات الاجتماعية التي تحمي الفرد من العوز والجهل والخوف ليستطيع أن يمارس سيادته فالهضيبي يرى أنه يجب أن ينص في الدستور على حق الفقراء جميعا من المسلمين وغير المسلمين في العمل وفي المسكن والملبس والمأكل بمعنى تكفل الدولة لكل إنسان العلاج المجاني إذا لم يقدر عليه وأنه يجب أن يستوفي حقه من الحاجات الضرورية وهي بيت يسكنه وطعام يحفظ نفسه ويقدره على العمل وملبس للصيق والشتاء وقد نصت المادة (82) من مشروع الدستور على ذلك كما نصت على تكفل الدولة للفرد الضمان في حلة البطالة والمرض والعجز عن العمل والترمل والشيخوخة وفي الحالات الأخرى التي يفقد فيها وسائل كسب قوته نتيجة لظروف لا دخل لإرادته فيها أما المادة (83) فقد نصت على أن لكل فرد الحق في التعليم وتكفل له الدولة التعليم في مختلف مراحله) فالحرية عندهم ليست ذات بعد فردي وسياسي فحسب بل ذات بعد اجتماعي واضح أي أنها حرية سياسية واجتماعية في آن.

ذ‌- بين الحرية والتربية: أكد مفكرو الإخوان على ضرورة أن يتربى الفرد على الإيمان بهذه الحريات وعلى أن يستحقها وتربية على الرغبة في ممارستها والتحقق بها وقد أكد قطب بالذات على أهمية التحرر الداخلي الوجداني واعتبره أساسا من أسس العدالة الاجتماعية والواقع أن الفرد ما لم يتحرر داخليا ويؤمن بضرورة تلك الحريات والحقوق له ولغيره فإن سيفرط فيها ومن ثم فإن الإخوان قد لمسوا أمرا تربويا مهما بتأكيدهم على هذه الفكرة التي لا تتأتى بدون مؤسسات التربية التي تعمل على ذلك.

وقد ذكر البنا أن سبيل النهوض هو التربية ومن معانيها عنده أن تتربى الأمة وتفهم حقوقها تماما وتربي على الإيمان بها بقوة وتتعلم الوسائل التي تنال بها هذه الحقوق ومنها الحريات وأن تعد البلاد التي تريد النهضة مدرسة طلبتها كل المواطنين وأساتذتها الزعماء وأعوانهم وعلومها الحقوق والواجبات العامة وهذه تربية سياسية كما يبدو.

ولكن ما دور التربية تجاه الحرية بدارسة مضمون الحرية السابقة عند الإخوان يرى الباحث أن على التربية في المدارس والمعاهد والجامعات مسئوليات لوضع الحرية موضع الممارسة وهي استخلاصات يراها الباحث كما يلي:

تتضح ضرورة الحرية أكثر في طريقة التدريس فطريقة الإلقاء والبيانات من طرف واحد أمر معرقل لنمو الحرية ومن ثم تبدو ضرورة استخدام طريقة الحوار والمناقشة في التدريس حيث تتيح الفرصة للطلاب للمناقشات وإبداء الآراء مما يشجع الناشئة على إبداء آرائهم بحرية ويؤدي ذلك إلى تنمية حرية التفكير إن الحوار طريق مؤد إلى الحرية.

- كما تتضح أيضا في الأنشطة الطلابية فلابد من إتاحة الفرصة للطلاب ليمارسوا حريتهم من خلال أنشطة اتحاد الطلاب في اختيار ممثليهم وأنواع أنشطتهم وفي تأسيس الجمعيات والأسر المدرسية وفي الرحلات وفي الرياضة إلخ فلا يتدخل الأساتذة أو الإدارات في المدارس والمعاهد والجامعات في حرية الطلاب في كل ذلك إذ أن هذه الأنشطة هي وسيلة مناسبة لتربية الطلاب على الحرية بصورة عملية ومن ثم فإن أي تدخل يمثل قيدا على حرية الطلاب.

- يرى الباحث أن ثمة وسائل أخرى لتربية الطلاب على الحرية خاصة حرية التفكير والرأي والنقد ولتعبير وذلك بأن يدربوا على نقدي الواقع المدرسي إما بأخذ آرائهم مباشرة أو باستفتاءات عن موضوع مدرسي أو جامعي مثل المكتبة أو طريقة تدريس معينة أو ساعات المناقشة إلخ وأن تتاح لهم فرصة التعبير الحر عن طريق صحف الحائط وكلمات الصباح في المدارس أو عقد اجتماعات طلابية إلخ ويمكن أن تكون وسيلة تكليف الطلاب بعمل أبحاث مفيدة في هذا إذا أتيح لهم حرية اختيار الموضوع وإبداء آرائهم فيه.

- تتطلب ممارسة الحرية أولا: الإيمان بها وباستحقاقها ثانيا التحرر الداخلي من قيود التفكير ومن قيود الإرادة مثل الخوف ثالثا الالتزام بآداب وأخلاقيات مثل عدم الاعتداء على حرية الآخرين وتقدير آرائهم وحقهم في إبدائها فمن الضروري أن تعمل مؤسسات التربية على تكوين هذه الجوانب وتربيتها في وجدان وعقول الطلاب وذلك من خلال الممارسة والقدرة فالمدرس الذي يحترم رأي تلميذه المخالف له ويقدره ويتيح له الفرصة في التعبير عنه سيدعم هذه القيم في نفوس طلابه من خلال هذا الموقف التربوي ومن خلال إتاحة فرصة للنقاش وإبداء الآراء كمناظرات مصغرة مثلا بين التلاميذ بإشراف وتوجيه من الأساتذة من أجل دعم القيم السابقة وأيضا من خلال التلقين عن طريق محاضرات أو جزء من مقرر دراسي أو نشاط تمثيلي لتأكيد تلك القيم.

- يمكن أن تكون هناك فرص للاختيار في بعض المواد الدراسية وفي بعض الحصص أمام الطلاب.

- لابد من تربية اتجاهات إيجابية لممارسة الحرية وليكون الفرد محافظا على حرية الآخرين فالطالب يحرص على حرية زميله وإذا تخرج وتزوج يحرص على حرية أولاده، فلا يكون ديكتاتورا ..إلخ.

- أن المدرسة والجامعة بما سبق ستكون مؤسسة للتربية السياسية الناضجة حيث لا يمكن أن تتأتى تربية سياسية سليمة بدون حرية وشخصيات مستقلة وعقليات ناقدة.

- ويرى الباحث أن علاقة الناظر والوكيل والمدرس في المدارس يجب أن تتجه نحو الشورية وقبول الآراء المتعددة إن الحرية سوف تفقد جزءا غير قليلي من مضمونها إذا كان الناظر مستبدا لا يسمع لطلابه أو لمدرسية وسيكون خبرة تربوية غير حسنة لهم.

- ثالثا: المساواة عند الإخوان المسلمين.

يعتبر دعوة و مشروع الدستور المساواة حقا من حقوق الأفراد في الدولة أما قطب فقد اعتبرها أساسا للعدالة الاجتماعية وينبع تقرير الإخوان لهذا الحق من الإسلام ذاته الذي يرون أنه أقرها بصورة مطلقة كما ترجع إلى مذهبيتهم في الإنسان فإذا كان البشر أبناء رجل واحد وامرأة واحدة فإن وحدة أصلهم ترشحهم إلى المساواة في حقوقهم وواجباتهم ومسئولياتهم وقد زاد تأكيدهم على هذا الحق في مواجهة ظروف التفرقة والأوضاع الاجتماعية السيئة مثل سوء توزيعه الملكيات والثورات والتي رآها قطب تحيل تكافؤ الفرص خرافة.

ويمكن تناول هذا الأساس عندهم فيما يلي:

أ‌- المساواة بصفة عامة:

طبقا للإخوان فإن الشريعة قررت المساواة التامة بين الأفراد والجماعات وبين الأجناس وبين الحاكمين والمحكومين فالناس جميع متساوون في الحقوق والواجبات والمسئوليات لا يفضل أحد على أحد بشيء أما التقوى فهي نصاب التفاضل عند الله غير أنها لا تعطي للنفس حقا عند الناس يزيد على ما لغيره من الحقوق فليس ثمة قيود أو استثناءات من أي نوع.

وفيما يتعلق بالحقوق السياسية والواجبات فإن مشروع الدستور نص في المادة (77) على أنه يولد الناس أحرارا متساوين في الكرامة والحقوق والحريات بدون أي تمييز بحسب الأصل أو اللغة أو الدين أو اللون وعليهم أن يعامل بعضهم بعضا بروح الأخوة أي أن لكل فرد في الدولة كافة الحقوق والحريات والواجبات التي لغيره بدون أي تميز وبرغم أن المادة لم تنص صراحة على الحقوق السياسية مثل حق الانتخاب والترشيح وتولي الوظائف العامة في الدولة أو الحقوق التي يساهم الفرد بواسطتها في إدارة شئون الدولة أو في حكمها باعتباره عضوا في هيئة سياسية إلا أن هذه الحقوق تدخل بالمفهوم في معنى الحقوق العامة وبالتالي تدخل في نص المادة السابقة وقد فصلت مواد الباب الرابع من مشروع الدستور هذه الحقوق وثمة سؤال هو: هل يرى الإخوان أن المرأة لها هذه الحقوق السابقة على قدم المساواة مع الرجل.

فقد تقدم في مبحث الأصول الاجتماعية أن الإخوان يرون أن المرأة تساوي الرجل في الحقوق والواجبات فلها مثل ما له وعليها مثل ما عليه إلخ أما القوامة فهي أعمال لمبدأ السلطة بالمسئولية أماما سوى ذلك فليس للرجل أن يتدخل في أعمالها وحقوقها التي تتصرف فيها ولكن هذا فيما يتعلق بعلاقة الرجل والمرأة فما الموقف من الحقوق والواجبات في المجتمع، إن عدم وجود كلمة أو الجنس في المادة السابقة لا يفهم منها ذلك فالمرأة من الناس وبالتالي لها حق المساواة كما أن أنواع التمييز السابقة هي تعداد للبعض وليس للحصر وأيضا إذا كان الإخوان لا يميزون بسبب اللون ولا بسبب اختلاف الدين فهل يميزون بحسب النوع مع أن كلا من المرأة والرجل من دين واحد هذا مستبعد لأنه يخالف ما ذهب إليه الإمام حسن البنا ومفكرو الجماعة أيضا.

ب- المساواة أمام القانون.

نصت المادة (78) من مشروع دستورهم على أن لكل فرد الحق في الحياة وفي الحريات وفي المساواة أمام القانون.

وقد فصل عودة هذا الحق وانتهى إلى أن رئيس الدولة وعامة الشعب متساوون في سريان القانون فرئيس الدولة شخص لا قداسة له ولا يمتاز على غيره وإذا ارتكب جريمة عوقب عليها كما يعاقب أي فرد وأنه يحاكم الرؤساء أمام القضاء العادي وبالطريق العادي ويسري نفس الحكم على رؤساء الدولة الأجنبية ورجال السلك الدبلوماسي في الدولة فلا ميزة لهم وكذلك المساواة بين أعضاء الهيئة التشريعية وأي فرد وبين الأغنياء والفقراء والظاهرين في الجماعة وغيرهم كلهم سواء أمام القانون والقضاء وأنه لا تعترف الشريعة بأن نظام يقوم على غير المساواة.

ج‌- تكافؤ الفرص أو المساواة في الحقوق الاجتماعية.

يقرر قطب أن الإسلام يقر مبدأ التفاوت في الطاقة والقدرة ولكن الجميع يجب أن تتاح لهم فرصة متكافئة فإذا سبق أحد بموهبته وحدها لا بأي اعتبار آخر فهذا السبق وحده هو الذي يقره الإسلام وأن الإسلام عادي بشدة فكرة الطبقات والتفاوت بسبب اللون أو الجنس أو المولد أو الثراء .. إلخ.

ولذا فإن من حق كل وليد في الأمة أن يولد صحيحا خاليا من الأمراض كالآخرين فضمانات الحياة التي تتهيأ لأي أبوين في المجتمع يجب أن تتهيأ لكل أبوين آخرين لأن فرصة الصحة يجب أن توفر للوليد قبل أن يجيء وإلا فليس هناك تكافؤ حقيقي في الفرصة بمنحه أبوين صحيحين على قدر المستطاع ومن حق كل وليد أن يجد من الكفاية الغذائية والرعاية التربوية ما يجد كل وليد آخر في الدولة فإذا حدث أن كان دخل أبوي أو ظروفهما المعيشية لا تمكنهما من توفير هذه الفرصة له فإن على الدولة أن توفر لهما هذه الظروف ومن حق كل طفل بعد ذلك أن يجد العلم وأن يجد الصحة وأن يجد الفرصة للعمل بحسب طاقته وموهبته.

ويضيف قطب أن الأوضاع الاجتماعية السائدة في مصر عام 1951 تجعل هذه المساواة خرافة.

وهكذا تحقيق تكافؤ الفرص ومن ثم فإن الإخوان يعتبرون من أول من نادى بالديمقراطية الاجتماعية في مصر وقد وضع مشروع الدستور هذه الأفكار موضع التشريع الدستوري الملزم في ثلاث مواد إذا أنها الركن الثاني لممارسة السيادة في الدولة.

د- المساواة- وغير المسلمين.

ثمة إشكال يتعلق بموقف الإخوان من حيث مبدأ المساواة من غير المسلمين في الدولة فهل الحقوق السابقة ليس للأقليات منها شيء.

الحق أن المادة (77) من مشرع الدستور المقترح نصت على أن الناس جميعهم يولدون متساويين في الكرامة والحقوق والحريات بدون أي تميز بسبب الأصل أو اللغة أو الدين أو اللون والمادة (78) تنص على أن لكل فرد الحق في الحياة وفي الحرية وفي المساواة أمام القانون وفي أن يعيش آمنا مطمئنأن كما أن المواد التالية في نفس الباب أتت بصيغة كل فرد وهي تفيد عموم الناس ويفهم ذلك في ضوء المادة (77) أي أن لكل فرد الحق في كل هذه الحقوق والحريات والضمانات الاجتماعية وتكافؤ الفرص بدون تمييز بسبب الدين أو..إلخ.

ويستنتج من هذا أن الإخوان يرون أن لغير المسلمين في الدولة أن يباشروا حقوقهم السياسية على قدم المساواة مع المسلمين ولهم كافة الفرص التي لهم إلا مناصب الولاية العامة فقط.

وقد عرض (عودة ) بتفصيل لمسألة مساواة (أهل الذمة) وانتهى إلى أن الإسلام يسوي بين المسلمين والذميين في كل ما كانوا فيه متساويين ولا يختلف الذميون عن المسلمين إلا فيما يتصل بالعقيدة ولذلك كان كل ما يتصل بالعقيدة لا مساومة فيه لأن معنى المساواة هو حمل المسلمين على ما يتفق مع عقيدتهم حمل الذميين على ما يتفق مع عقيدتهم والقاعدة في الإسلام أن لهم ما لنا وعليهم ما علينا مع تركهم وما يدينون وفي كتاب ثان يقول عودة إذا كانت المساواة بين المتساوين عدل خالص فإن المساواة بين المتخالفين ظلم واضح ولا يمكن أن يعتبر هذا استثناء من قاعدة المساواة بل هو تأكيد للمساواة.

ه- المضمون التربوي للمساواة.

للمساواة بالمضمون السابق علاقة وثيقة بالتعليم والتربية وتبدو هذه العلاقة في:

1- التعميم: أو تكافؤ الفرص التعليمية فلكل فرد الحق في التعليم والدولة تتضمن هذا الحق في جميع مراحله كما قرر الإخوان المسلمون فالبنت لها نفس الحق الذي للذكر ولغير المسلم نفس هذا الحق فلا تمييز بسبب الجنس أو الدين.

وقد طالب الإخوان الحكومات ووزارة المعارف في الفترة موضع ابحث بتعميم التعليم في كافة المناطق ولكافة المواطنين الذين هم في سن التعليم وطالبوا أيضا بأن يكون التعليم في المرحلة الأولى إجباريا للذكور والإناث.

2- المجانية: وقد طالب الإخوان بأن يكون التعليم مجانيا في كافة مراحله كما سبق في نص المادة (83) فالدولة تضمن حق التعليم.

3- إزالة العوائق التي تحول دون تكافؤ الفرص في التعليم.

فبرغم أن الإخوان يقرون مبدأ التعميم والمجانية إلا أن الأوضاع الاجتماعية والتفاوت في الثروات إلخ كما قرر قطب تجعل مبدأ تكافؤ الفرص خرافة ومن ثم فقد ألزموا الدولة بأن توفر كافة الضمانات الاجتماعية التي تجعل هذا المبدأ حقيقة واقعة وقد سبق بيان ذلك.

4- وللمساواة تطبيقات تربوية في داخل المدرسة سواء بإتاحة كافة الفرص للطلاب في كافة مدارس الجمهورية للممارسة الأنشطة على قدم المساواة أو من حيث العلاقة بين المدرس وطلابه فلا يفرق في المعاملة بين طالب وآخر، مما يجعل المساواة حقيقية واقعة في الجو المدرسي وبتجهيز كافة مدارس الجمهورية من ذات النوع الواحد بنفس التجهيزات دون تمييز بين قرية ومدينة وتساوي أعداد الفصول في مدارس الجمهورية إلخ .. خلاصة.

يتضح من التحليل السابق أن الشورى والحرية والمساواة هي أسس النظام السياسي كما يرى الإخوان المسلمون وأن لكل منها انعكاسا تربويا وهي في ذات الوقت جزء من الذات السياسية عندهم إذ تمثل كل منها قيمة سياسية يعتقدها الفرد وتؤثر في موقفه وعواطفه السياسية تجاه النظم المختلفة وأيضا فإنها جزء من المحتوى المعرفي السياسي والوعي بالإسلام عندهم.

المبحث الثاني الجامعة السياسية

يرتبط هذا المبحث بصورة مباشرة بمفهوم الولاء الذي يأخذ بعدا عقديا عند مفكري هذه الجماعة وخصوصا سيد قطب فالولاء والانتماء يتطلب إجابة عن سؤال هل يتبع الولاء الوطني أو القوم والجنس أو الدين؟ بمعنى: هل تكون المحبة والمناصرة وربط المصير بالمصير للآخرين على أساس اشتراكهم في الوطن أو الجنسية وإن اختلفوا في العقائد أم يكون ذلك كله للآخرين على أساس الاشتراك في العقيدة ولو لم يكن ثمة اشتراك في الوطن أو الجنسية؟ فهي من هذا الجانب قضية عقدية إلا أن الفكر والموقف الذي يترتب عليها هو فكر سياسي إذ بناء على الإجابة عن نفس السؤال السابق يتحدد الموقف من الوطنية والقومية ومختلف الانتماءات الأخرى. وقد تعرض لبعض جوانب هذا المبحث بعض الدارسين والكتاب فميتشل يرى أن وجهة نظر الجماعة حول هذا الموضوع كانت واضحة على الأقل من الجهة الفكرية أما بيومي وخلق الله فيريان أن الإمام البنا فيما يتعلق بالقومية قد وقف موقفا متحيرا بين فلسفة الإسلام العالمية وبين القومية لذلك فإنه استخدم تعبير القومية الإسلامية في غير موضعه وكذلك الأسلوب الذي استخدمه في الدفاع عن هذه القومية لم يكن من السهل فهمه وهو أقرب للدعوة الدينية منه للفكر السياسي.

ويضيف خلف الله أن الكلمات المستخدمة فيما يتعلق بالقومية والوطنية في فكر الجماعة لم تكن ثابتة إلخ.. أما الدكتور عمارة فيرى أن البنا قد نهج في معالجة قضية الإسلام والوطنية والقومية نهجا حكيما تألق فيه فكره الأمر الذي يجعلنا ندرك مدى الحاجة إلى إعادة قراءته والتعمق في فهمه وإدارة أوسع حوار حوله بين الإسلاميين وغير الإسلاميين.

ويقترب من التقويم الأخير ما توصل إليه البشري حيث قرر أن تتبع أقوال الشيخ الإمام البنا يكشف عن أقران وثيقة لدية للعروبة بالإسلام.

وهذه الأحكام سيتضح مدى صدقيتها من خلال هذا المبحث الذي يعتمد أساسا على استقراء كامل لكتابات مفكري الإخوان في الفترة من 1928- 1954 في قضية الجامعة السياسية وسوف يتطلب ذلك إيراد عدد كبير من النصوص لبيان حقيقة موقف الإخوان في ذلك للوصول إلى حكم صادق وعلمي وسيعرض الباحث لذلك في ثلاثة مطالب.

المطلب الأول: موقف الإخوان من الوطنية.

المطلب الثاني: موقفهم من العروبة والجامعة العربية.

المطلب الثالث: موقفهم من الجامعة الإسلامية ومشروع الكتلة الإسلامية.

1- موقف الإخوان من الوطنية المصرية.

أ‌- يرجع الإمام البنا الاهتمام بالوطنية كانتماء سياسي إلى شعور الشعوب الشرقية بإساءة الغرب غليها إساءة نالت من عزتها واستقلالها وإلى تألمها من الاحتلال الغربي يفرض عليها فرضا فانتشرت فكرة الوطنية والقومية كدافع ورد فعل بهدف التخلص من الغير الغربي ويرى أن هذا حسن وجميل.

ويضيف الغزالي أنه عندما فسد الحكم في ظل خلافة مريضة جاهلة، وامتداد مخالب أوربا إلى جسم الوطن الإسلامي تنهشه قامت دعوات شتى تنزع إلى إصلاح ما فسد مثل دعوة الأفغاني ثم خلا الجو لدعوات قومية مفرغة من الدين.

فالإخوان ينظرون إلى الوطنية عامة في مصر والبلدان المستعمرة على أنها سلاح مقاومة ضد الغزو والتخلف الذي كان قائما.

ب- إلا أن الوطنية لها مفهومها ومضمونها الخاص عند الإخوان فالبنا قد انتقد رأيا لبعض المؤمنين بالوطنية كما هي عند الغربيين يزعم أن الإسلام في ناحية وهذه الفكرة في ناحية أخرى ويزعم أن إدخال الإسلام في هذا الأمر إضعاف وتفرقة للوحدة الوطنية ومن ثم ناقش الإمام البنا هذا المفهوم محددا موقف الإخوان منه وقد بين الإمام البنا منهج تناوله بأنه يزنها بميزان دعوته الإسلام فما وافقها فمرحبا به وما خالفها تبرأ منه فالعبر كما يرى بالمضمون وليس بالأسماء.

ويتناول الباحث موقفهم في الفقرات التالية:

أولا معنى الوطنية:

أ‌- يحلل مرشد الإخوان الأول الوطنية إلى عدة معان ويبين موقفهم من كل معنى

1- فإن كان دعاة الوطنية يريدون بها حب مصر والحنين إليها والانعطاف نحوها فهذا أمر قطري من جهة ومأمور به في الإسلام من جهة أخرى أي أن رابطة الوطنية بهذا المعنى فطرة يقرها الإسلام.

2- وإن كان يراد بها وجوب العمل بكل جهد لتحرير البلد من الغاصبين وتوفير استقلاله له وغرس مبادئ العزة والحرية في نفوس أبنائه فنحن معهم في ذلك أيضا والإسلام يشدد في ذلك أبلغ التشديد.

3- وإن أريد بالوطنية تقوية الرابطة بين أفراد القطر الواحد، وإرشادهم إلى طريق استخدام هذه التقوية في مصالحهم فيوافق البنا على ذلك ويقول بأن الإسلام يراه فريضة لازمة:

فالإخوان إذن يرون أن الوطنية بمعنى حب البلد والحنين إليه والعمل لتحريره وتقويته وتقوية الرابطة بين أفراده بما يعود بالخير عليهم فكرة صائبة يقرها الإسلام ومن ثم فهم يؤمنون بها ويعملون لها.

ومن شأن هذا الفهم أن يربي فيمن يقبله كما يرى الباحث شعور الانتماء الوطني الصحيح والإحساس بالمسئولية تجاه الوطن والرغبة القوية في العمل والتحرر من المحتل.

فالعلاقة بين الوطنية والإسلام بهذه المعنى السابق لا تناقض بينها.

4- ولكن البنا يرفض الوطنية إذا أريد بها تقسيم الأمة إلى طوائف متناحرة متشيعة لمناهج وضعية تفسر وفق مصالح شخصية تستغل من قبل العدو لمنع اتصال بعضهم ببعض وتعاونهم ويرى أن هذه وطنية لا خير فيها وزائفة أي أن الإخوان يرفضون الوطنية المجزئة وذات المضمون المنافي للإسلام والتي بالتالي تعمل لصالح المستعمر.

ب- والذي يميز فهم الإخوان للوطنية هو بيانهم لعلاقة الوطنية بالعقيدة ولحدود الوطن بناء على تلك العلاقة.

1- فالبنا يذكر أن الإخوان المسلمين أشد الناس إخلاصا لأوطانهم تفانيا في خدمتها واحتراما لكل من يعمل لها مخلصا إلا أنه هناك فروقا بين الوطنية كما يفهمونها وبين دعاة الوطنية المجردة.

أولا: إن أساس وطنية المسلمين العقيدة الإسلامية والإسلام قد جعل الشعور الوطني بالعقيدة لا بالعصبية الجنسية وقد حدد هدفه بالعمل للخير من أجل البشر فالاعتبار هنا للعقيدة بينما هي عند غيرهم ترتبط بالحدود الجغرافية فوطن المسلم هو كل أرض فيها مسلمون.

ثانيا: وتأسيسا على هذا الفرق فإن حدود الوطن التي تلزم التضحية في سبيل حريته وخيره لا تقتصر على حدود قطعة الأرض التي يولد عليها المرء بل إن الوطن يشمل

- القطر الخاص أولا.

- ثم يمتد الأقطار الإسلامية الأخرى والأقطار التي فتحها المسلمون الأولون ثم أخضعت لغير المسلمين.

2- ثم يمتد وطن المسلم ليشمل جميعا ومن ثم يوفق الإسلام كما يري البنا بين شعور الوطنية الخاصة وشعور الوطنية العامة.

ويبين البنا خطورة ذلك فيما إذا أرادت أمة أن تقوى نفسها على حساب غيرها فيقرر أنهم لا يرفضون ذلك على حساب أي قطر إسلامي وإنما نطلب القوة لنا جميعا أما دعاة الوطنية المجردة فلا يرون بذلك باسا مما يؤدي إلى تفكك الروابط

ثانيا: الوطنية المصرية والموقف منها:

أ‌- في رسالة نحو النور يذكر الإمام البنا أن الأمة في حالة نهوضها وهذا شأن مصر كما قرر تحتاج إلى الاعتزاز بقوميتها وطبع ذلك في نفوس الأبناء ليعطوا لخير الوطن وإعزازه، وأن هذا الشعور قد كفله الإسلام الذي جعل الشعور الوطني مرتبطا بالعقيدة وفي رسالة إلى الشباب ذكر أنهم يعملون لوطن مثل مصر ويجاهدون في سبيله ويفنون في هذا الجهاد لأن مصر من أرض الإسلامي ويذكر أنه بلغ من وطنية الإخوان اعتقادهم أن التفريط في أي شبر أرض يقطنه مسلم جريمة لا تغتفر حتى يعيدوه أو يهلكونا دون إعادته ولا نجاة لهم من الله إلا بها وفي رسالة دعوتنا في طور جديد يذكر أن الوطنية المصرية لها مكانتها ومنزلتها وحقها في النضال في دعوتهم ويقول إننا مصريون لأننا نشأنا في هذه البقعة المباركة ومصر بلد مؤمن تلقى الإسلام تلقيا كريما وقد انتهت إليه حضانة الفكرة الإسلامية فكيف لا نعمل لمصر وخيرها وكيف لا ندفع عن مصر بكل ما نستطيع وكيف يقال إن الإيمان بالمصرية لا يتفق مع ما يجب أن يدعو إليه رجل ينادي بالإسلام إننا نعتز بأننا مخلصون لهذا الوطن الحبيب عاملون له مجاهدون في سبيل خيره معتقدون أن هذه هي الحلقة الأولى من سلسلة النهضة المنشودة وأنها جزء من الوطن العربي العام وأننا حين نعمل لمصر نعمل للعروبة وللشرق وللإسلام.

ب- والبين مما سبق أن الدافع العقدي كان وراء هذه الوطنية وهو ما قرره المؤتمر الخامس حيث رد على من غمز الإخوان في وطنيتهم لتمسكهم بالفكرة الإسلامية فيذكر الإمام البنا أن الإسلام فرض أن يعمل كل إنسان لخير بلده وأن يتفاني في خدمته وأن تقدم أكثر ما يستطيع من الخير للأمة التي يعيش فيها فكل مسلم مفروض عليه أن يخدم الوطن الذي نشأ فيه، فهو أعمق الناس وطنية وأعظمهم نفعا لمواطنيه لأن ذلك فرض إلهي فالإخوان أشد الناس حرصا على خير وطنهم وتفانيا في خدمة قومهم فالإخوان يحبون وطنهم ويحرصون على وحدته القومية بهذا الاعتبار ولا يجدون غضاضة على أي إنسان أن يخلص لبلده وأن يفنى سبيل قومه وأن يتمنى لوطنه كل مجد وكل عز وفخار الإخوان المسلمون يحترمون قوميتهم الخاصة باعتبارها الأساس الأول للنهوض المنشود ولا يرون بأسا بأن يعمل كل إنسان لوطنه وأن يقدمه في الوطن على سواه.

ت‌- وبهذا يتبين أن الإخوان يقبلون الوطنية المصرية على أنها ذات مضمون إسلامي وعلى أنها حلقة في سلسلة النهضة التي ينشدونها كما سيتبين فيما بعد ويرفضون الوطنية على أنها إحياء للفرعونية وصبغ الأمة بها أو على أنها محدودة بحدود الوطن المصري.

وهذا الموقف الاعتقادي عند الإخوان يربي في الفرد شعور الانتماء إلى مصر والإحساس بالمسئولية تجاهها ويبعث على العمل لتحررها وترقيها وفي نفس الوقت يوسع أفق الوطن باعتبار أن مصر حلقة أولى لحلقات النهضة ومن ثم فلا تناقض بين ها الموقف والعروبة كما سيأتي

ثالثا: الموقف من الوحدة الوطنية (الأقليات)

تقدم أن الوطنية عند الإخوان تنطلق من العقيدة الإسلامية وذات مضمون إسلامي مما قد يؤدي إلى تساؤل عن الموقف من غير المسلمين في الوطن المصري فهل لهم حقوق المواطن وواجباته كاملة أم أن القول بالمضمون الإسلامي للوطنية يؤدي إلى انحسار بعض تلك الحقوق عن غير المسلمين ويذكر البشري أن هذه النقطة العملية هي أدق ما يواجه فريقي الجامعتين الدينية والقومية ولعله فيها تكمن بذرة الخلاف الأساسي بينهما.

ويتضح من خلال استقراء لأفكار الإخوان في هذه النقطة أنها كانت تأخذ حيزا غير قليل من بياناتهم وتوعيتهم مما يشير إلى أنها كانت تمثل اهتماما لهم بحيث إنه ما من مفكر من مفكريهم في الفترة محل البحث إلا عالجها والمنهج السائد في تناولهم جميعا هو بيان موقف الإسلام عقديا وتاريخيا من غير المسلمين في المجتمع المسلم.

أ‌- ففي أكثر من رسالة وخطاب يتناول الإمام البنا الموقف من الأقلية وخاصة الأقباط فيرد على من يقول إن فهم الوطنية بهذا المعنى السابق يمزق وحدة الأمة لأنها تأتلف من عناصر دينية مختلفة بأن الإسلام دين الوحدة ودين المساواة وأنه كفل هذه الروابط بين الجميع ما داموا متعاونين على الخير (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) (الممتحنة الآية: 8) فمين أين يأتي التفريق إذن.

وفي نحو النور يذكر أن الإسلام يحمي الأقليات عن طريق أنه قدس الوحدة الإنسانية العامة وقدس الوحدة الدينية العامة بأن فرض على المؤمنين به الإيمان بكل الرسالات السابقة ثم قدس الوحدة الدينية الخاصة في غير تعد ولا كبر ويرى أن هذا مزاج الإسلام المعتدل لا يكون سببا في تمزيق وحدة متصلة بل يكسب هذه الوحدة صفة القداسة الدينية بعد أن كانت تستمد قوتها من نص مدني فقط ويذكر أن الإسلام حدد بدقة من يحق للمسلمين مقاطعتهم وعدم الاتصال بهم وهم الذين يقاتلونهم في الدين ويخرجونهم من ديارهم ويظاهرون على إخراجهم.

ويؤكد البنا نفس هذه الفكرة في رسالته إلى الشباب فيحظى من يظن أن الإخوان دعاة تفريق عنصري بين طبقات الأمة ويستدل بأن الإسلام عني أدق العناية باحترام الرابطة وبإنصاف الذميين وحسن معاملتهم لهم ما لنا وعليهم ما علينا فلا ندعو إلى فرقة عنصرية ولا عصبية طائفي ثم يؤكد الإمام البنا المعنى السابق للوطنية فيقرر ولكننا إلى جانب هذا لا نشتري هذه الوحدة بإيماننا ولا نساوم في سبيلها على عقيدتنا ونهدر من أجلها مصالح المسلمين وإنما نشتريها بالحق والعدالة والإنصاف وكفى.

وفي رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي يبين الإمام البنا موقف الأقلية غير المسلمة ذاتها من الإسلام وبالتالي من دعوة الإخوان فالأقلية كما يذكر الإمام البنا من أبناء هذا الوطن تعلم تمام العلم كيف تجد الطمأنينة والعدالة والمساواة التامة في كل تعاليم الإسلام وأحكامه وهذا التاريخ الطويل للصلة الطيبة بين أبناء هذا الوطن جميعا ملمين وغير مسلمين يكفينا مؤنة الإفاضة فإن من الجميل حقا أن نسجل لهؤلاء المواطنين الكرام أنهم يقدرون هذه المعاني في كل المناسبات ويعتبرون الإسلام معنى من معاني قوميتهم وإن لم تكن أحكامه وتعاليمه من عقيدتهم.

ت‌- ويعتبر الهضيبي المرشد الثاني للإخوان أن من يثير هذه القضية الموقف من الأقلية لا يجد لها وضعا ويثيرها توهم من الأوهام ويذكر أن موقف الإسلام كما يلي:

1- أباح حرية العقيدة وحماها فلا يكره أحدا على اعتناق الإسلام.

2- أباح حرية العبادة فلغير المسلمين أن يقيموا معابدهم كما شاءوا ويعبدوا الله من غير حرج عليهم فيها ولا يملك المسلمون أن يمنعوهم من ذلك.

3- بالنسبة للأحوال الشخصية فالأقليات تطبيق قواعد دينها وتحكم في ذلك محاكمهم وقد أمر المسلمون أن يتركوهم وما يدينون ولا يعترض لهم أحد وأن على المسلمين أن يهيئوا لهم محكمهم وطرق السير في قضاياهم إذا هم طلبوا ذلك ..إلخ.

4- وبالنسبة إلى المعاملات فإن المسيحية ليست فيها نصوص تتضمنها وقد نظمها الإسلام فالمسلمون يلتزمون بها على أنها دين ويستوي عند المسيحيين أن يكون قانون المعاملات بحيث يعتقده المسلمون دينا ويحترمون تنفيذه في حق أنفسهم وحق غيرهم وأن يكون قانونا لغير المسلمين.

وقد أكد سيد قطب هذه المعاني ذاتها.

ث‌- ويبلور محمد الغزالي موقف الإخوان من غير المسلمين من كتابين له فهو يرى أن الإسلام بإقراره وحده الدين يجعل المسلم يؤمن بالدين اليهودي والمسيحي ومن ثم تتجه عواطف المسلم إلى اليهود والنصارى على أن الكل إخوة وبناء عليه فهو يقبل بقيام اتحاد بين الهلال والصليب على أساس التعاون لا على أساس الذوبان.

وفي كتاب كامل يعالج الغزالي هذه القضية فقهيا وتاريخيا بتوجيه من المرشد الهضيبي فيسوق القاعدة التي يقوم عليها التعامل بين المسلمين وغيرهم في الدولة الإسلامية وهي لهم ما لنا وعليهم ما علينا ويقول إنه بلغ من مرونة النظام الإسلامية أن اعتبر أهل الذمة جزءا من الرعية الإسلامية مع احتفاظهم بعقيدتهم ومن ثم عقد المعاهدات الخارجية ممثلا فيها المسلمين والذميين معا كأمة متحدة، وذكر أن استمتاع الذميين بحريته الدينية وضمانهم لمصالحهم العامة كان ملحوظا في المعاهدات التي أبرمت بينهم وبين المسلمين إبان الفتوحات الكبرى ويستدل بمعاهدات من التاريخ ثم يقرر والواقع أن الإسلام ينظر إلى من عاهدهم من اليهود والنصارى على أنهم قد أصبحوا من الناحية السياسية أو الجنسية مسلمين فيما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات وأن بقوا من الناحية الشخصية على عقائدهم وعباداتهم وأحوالهم الخاصة ومن ثم فهو يقيم نظمه الاجتماعية على أساس الاختلاط والمشاركة ولا يرى حرجا من أن يشتغل مسلم عند أهل الكتاب أو يشتغل أهل الكتاب عند مسلم.

وهكذا فإن عامة مفكري الإخوان الفترة موضع البحث يقرون أن لغير المسلمين في الدولة المصرية كل حقوق المواطنة وعليهم كل واجباتها يتساوون بذلك مع المسلمين ولا يفترقون إلا فيما يتعلق بالعقيدة وملتزماتها وهذا من وجهة أخرى تأكيد للمساواة كما سبقت الإشارة.

ذ‌- ومن ثم يمكن بلورة الأسس التي يقوم عليها التعامل بين المسلمين والأقباط عند الإخوان كما يلي.

1- الوحدة الإنسانية والوحدة الدينية العامة مما ينشئ شعور التعاطف بين المسلمين والمسيحي واليهود.

2- المعاملة القائمة على العدل والبر والإنصاف مع أهل الكتاب من غير المحاربين أو المعتدين.

3- حرية العقيدة والعبادة والأحوال الشخصية وإعمال مبدأ تركهم وما يدينون في كل ذلك.

4- المساواة في الحقوق والواجبات السياسية والمدنية على أساس مبدأ لهم ما لنا وعليهم ما علينا.

5- قيام النظام الاجتماعي على أساس الاختلاط والمشاركة بين المسلمين وغيرهم.

6- سيادة الشريعة الإسلامية فيما سوى العقيدة والعبادة والأحوال الشخصية على كل المواطنين مسلمين وغير مسلمين.

ومن ثم يمكن القول إن الإخون بلورت جامعة وطنية تنطلق من الإسلام ذاته تحقق الوحدة والتعاون وتجعل لغير المسلمين كل حقوق المواطن وواجباته.

رابعا: المضمون التربوي للوطنية كما هو فكر الإخوان المسلمين:

كان لهذه الأفكار المتعلقة بالوطنية انعكاس على فكر الإخوان التربوي ويمكن إيجاز المضمون التربوي لها عندهم في النقاط الآتية:

1- تأثيرها في هدف التعليم:

في تحليل للإمام البنا لغاية يرى أنها تشتق من وضع مصر فهي أمة شرقية تسير نحو النهوض وقد آذاها الاحتلال الأجنبي سياسيا واقتصاديا وتحاول بكل قواها التحرر من قيوده وهذه اعتبارات ترسم الغاية التي يجب أن تكون هدفا ترمي إليه المناهج الدراسية ولن تكون هذه الغاية إلا تخريج رجال أقوياء النفوس يعتزون بدينهم وقوميتهم ويعملون على إحياء حضارة الشرق وتحريره من القيود الأجنبية الاقتصادية والسياسية.

وقد ذكر البنا أن مما تحتاج إليه الأمة الناهضة أن تعتز بقوميتها وأن تنطبع صورة الأمة في نفوس الأبناء ليفدوا مجدها بأرواحهم ويعملوا لخير وطنهم وإعزازه وهذا يعني أن يكون من أهداف التعليم تربية الشعور الوطني الصحيح والإحساس بالمسئولية تجاه الوطن وتكوين الاتجاه الإيجابي أو الرغبة في العمل لتقويته وتحرره كما سبقت الإشارة.

وفي مقال آخر يؤكد الإمام البنا أن تعميم التعليم له أثر عميق في توجيه نهضة الوطن وأنه على تعليم الشعب يتوقف مصير الوطن ويضيف أن هذا التعليم من الضروري أن يبنى على ثلاثة أسس منها تركيز الشعور الإنساني العام في المتعلمين مع التأكيد على ذاتيتنا وشخصيتنا بخصائصها ومشخصاتها لتحفظ الأمة كيانها إن لكل أمة صفاتها وخصائصها وعليها أن تحتفظ بهذه الخصائص والمشخصات حتى تحفظ بذلك كيانها ولا تفنى في سواها. ويذكر أن الأمم الناشئة لا حصن لها ولا سياج إلا أن تعتز بوجودها وتستمسك بخصائصها ثم يقول: نريد أن يتجه تفكير المصلحين المعنيين بشئون التعليم للوصول بالمدارس والنشء الجديد والجيل الجديد إلى هذه الأهداف الثلاثة:

تعليم عالمي فالعلم لا وطن له وثقافة قومية فلا حياة لأمة تعتز بوجودها ولا تعرف حق أمجادها وتربية إسلامية ..إلخ..

ت‌- في محتوى التعليم.

رأى الإخوان أن الهدف السابق لا يتحقق بدون عدة تغييرات جوهرية في الفترة محل الدارسة:

1- لابد من العناية بالتاريخ الوطني في المدارس في جميع مراحل التعليم وصبغة بالصبغة التي تجعل الطالب يعتز بأسلافه الأمجاد وتتجلى أمامه مفاخرهم ومظاهر بطولتهم وكذلك التربية الوطنية.

وقد أيدوا اهتمام د. هيكل وزير المعارف عام 1939 بتعديل مناهج التاريخ في المدارس المصرية بحيث تؤدي إلى خلق الذاتية القومية في نفس التلاميذ وبوضع تاريخ مصري جديد يتناسب مع مقتضيات العزة القومية وأساليب التربية الوطنية في البلاد الحرة كما طلبوا أن يكون المنفذون لهذا المنهج وطنيين مخلصين.

2- وقد طالب الإخوان أن تكون المرحلة الأولى من التعليم إلزامية وعمومية وتهدف أساسا إلى التربية والوطنية السليمة بجانب أهداف أخرى لتكون النواة لمجتمعنا المصري وطالبوا كذلك بالاهتمام بالأناشيد الوطنية إلخ وكان من أهداف المدارس التي أنشأوها تربية حب الوطن والجهاد في سبيله وتخليصه من الأعداء مع الشعور بالعزة والكرامة من خلال قصص مصري تاريخي ....إلخ.

والذي يفهم من كلمة التربية الوطنية السليمة هو ما ارتضاه الإخوان مضمون وطني سبقت الإشارة إليه. ث‌- من حيث التعميم.

والمضمون الوطني المتعلق بالموقف من الأقلية له انعكاس على التعليم فالإخوان يرون أن الدولة تكفل التعليم لكل المواطنين الذين يتساوون في هذا الحق بدون تميز بسبب اللون أو الدين أو وذلك في كافة مراحل التعليم وقد قرر الهضيبي أنه يجب على الحكومة أن تدخل التعليم الديني بصورة جديدة في المدارس حتى الثانوي للمسلمين والمسيحيين على السواء.

د- من حيث التربية السياسية عند الإخوان:

1- المضمون الوطني السابق وجه أساسا لتربية أعضاء جماعة الإخوان المسلمين فهو بذاته يمثل توجيها تربويا لبناء مفاهيم وطنية وقيم سياسية مثل الانتماء والشعور بالمسئولية وكذلك لبناء اتجاهات سياسية مثل الرغبة في تحرير مصر وتقويتها ومقاومة المحتلين

فالوطنية بالمضمون السابق هي هدف من أهداف التربية السياسية لدى الإخوان المسلمين.

2- وكانت أساليب تربية الإخوان تربية وطنية تتم عن طريق المقالات والرسائل والمؤتمرات والاشتراك الفعلي في المطالبة بالحقوق الوطنية وكذلك عن طريق الأناشيد الوطنية في الجوالة والمعسكرات وكذا في طريق الدعاية لاستهلاك الإنتاج الوطني إلخ مما سيرد تفصيل له في فصل مستقل.

خلاصة:

1- يقبل الإخوان الوطنية كانتماء له وظيفة تحريرية ذات مضمون يرتبط بالعقيدة الإسلامية أساسا ومن ثم فهي لا تحد بجغرافية ميلاد الإنسان بل تتسع المشاعر الوطنية لتشمل كل أرض فيها مسلمون.

2- يشيد الإخوان بالوطنية المصرية على أنها ذات مضمون إسلامي أيضا وعلى أنها حلقة في سلسلة النهضة ومن ثم يرفضون الوطنية المصرية على أنها إحياء فرعوني أو ذات مضمون تجزئي تغريبي ولم يروا بأسا بأن يقدم كل إنسان وطنه على ماسواه.

3- اهتم الإخوان بقضية المواطنة وحدود الأسس التي يقوم عليها التعامل بين المسلمين والأقباط بما يؤدي إلى الوحدة والتعاون على أساس أن المصلحة الوطنية هي الرباط وقد تبين أن الأقباط في فكر الإخوان السياسي مواطنون لهم كافة الحقوق السياسية والمدنية بدون تفرقة إلا فيها يتعلق بالعقيدة وملتزماتها.

3- موقف الإخوان من العروبة والوحدة العربية:

يعالج الباحث موقف الإخوان من القومية والعروبة والوحدة العربية في الفروع الآتية:

أولا موقفهم من القومية العربية:

أ‌- في رسالة وحدتنا في ضوء التوجيه الإسلامي يذكر الإمام البنا أن الدسيسة الكبرى التي اقتحمت على المسلمين عقولهم وقلوبهم أولا ثم أرضهم وبلادهم ثانيا هي تأثرهم بالعنصرية والشعوبية واعتداد كل أمة منهم بجنسها وتناسي ما جاء به الإسلام من القضاء على عصبية الجاهلية والتفاخر بالأجناس والألوان والأنساب فالموقف إذن سلبي ورافض للقومية القائمة على أساس العنصر والجنس وهو ما رفضه كل مفكري الإخوان جميعا فالإمام البنا يذكر أنه إذا أريد بالقومية إحياء حضارة جاهلية والتحلل من رباط الإسلام بدعوة الاعتزاز بالجنس كما فعلت تركيا فإن هذا معنى وخيم العاقبة وإن أريد بها الاعتزاز بالجنس إلى درجة انتقاض الأجناس الأخرى والعدوان عليها مثل ما فعلت إيطاليا وألمانيا فهذا أيضا معنى لا إنساني يؤدي إلى تناحر الجنس البشري فالقومية ناقص الإسلام مرفوضة والقومية بمعنى الاعتزاز بالجنس والعنصر المؤدية للعدوان مرفوضة.

وقد التزم الغزالي نفس الرؤية حيث رفض القومية المفرغة من الإسلام المرتكزة فقط على العصبية الجنسية والوثنية الوطنية اعتبرها تخبطا وأنها تتم على حساب العقيدة ذاتها وضرب مثلا بتركيا وبحركة حسين العربية التي حاربت تركيا لإقامة ملك عربي خالص وذكر أيضا أنه إذا كان الحكم القومي لا يبالي باتجاهات الإسلام الاقتصادية والخلقية والاجتماعية ولا يلتفت لتشريعات المدنية والجنائية فهذا حكم مبتوت الصلة بالدين ومطالبة الإسلام أن يعيش هادئا في كنفه يشبه مطالبه المستعمرات أن تحيا ذليلة تحت سيطرة الدولة التي اغتالت حقوقها وسرقت مرافقها.

وينظر حسن العشماوي لهذه الفكرة فينظر إلى القومية العربية على أنها رابطة أوجدتها وحدة المشاعر والمشاكل والآمال والمصالح بين أهل هذه المنطقة الذين يتكلمون لغة واحدة ويؤمنون إيمانا واحدا ويذكر أن من الطبيعي أن تدعو القومية العربية إلى الوحدة العربية ولكن هذه الوحدة ليست غاية إنما هي إطار لفكرة وتراث إنها وعاء يمكن أن يحتوي تقليدا للرجل الأبيض أو استقلالا فكريا يستند إلى طبيعة أبناء المنطقة وتراثهم إن الوحدة العربية دون مضمون من واقع أبناء المنطقة وفكرهم وتراثهم ليست إلا وحدة الحيرة والضياع أمام تحديات الماضي والحاضر والمستقبل.

فالعشماوي يرفض القومية العربية إذا لم تكن ذات مضمون إسلامي وقد بلغ الموقف السلبي ذروة الرفض العقدي للقومية بالمعنى السابق عند سيد قطب فالرابطة كما يراها وهو نفس موقف الإخوان جميعا كما سيأتي ليست هي الأرض ولا الجنس ولا النسب ولا الصهر ولا القبيلة ولا العشيرة بل هي العقيدة التي تحدد جنسية المؤمن بها ويرى أن الذي يعدلون عن المنهج الرباني ورابطة العقيدة إلى منهج آخر يقوم على قاعدة الجنس أو الأمراض أو الطبقة إلى آخره هم أعداء الإنسان حقا.

فقطب إذن يرى أن الرابطة المقبولة بين الناس هي العقيدة وهو يرفض تماما القومية العربية بمضمونها المفرغ بمضمونها من الإسلام والذي يعلى الجنس أو الأرض.

والنتيجة أن القومية ذات المضمون غير الإسلامي مرفوضة من جميع مفكري الإخوان

ب- وفي مقال عن قومية الإسلام حدد فيه البنا موقفه من مبدأ القومية:

1- القومية بمعنى عصبية الدم وعنصرية الجنس لا يقرها الإسلام لأنها تذكي الحقد بين الناس.

2- قومية الحدود الجغرافية ورقعة الأرض لا تفيد الناس شيئا.

ثم قرر أن للإسلام قومية ووحدة ورابطة حول العقيدة والمبدأ فهناك إذن قومية يقبلها الإخوان المسلمون فيذكر البنا أنه إن كان يراد بالقومية أن ننهج نهج أسلافنا ونعتز بهم فهذا مقصد حسن يشجعه الإخوان وإن أريد بها أن الأمة الرجل أولى بخيره وجهاده فهو حق وإن قصد بها أن كل جماعة مطالبة بالعمل لتحقيق الغاية من جهتها ثم نلتقي مع الأمم الأخرى فهذا أيضا كما يرى تقسيم حسن يأخذ به.

ويرى البنا أن القومية التي يؤمن بها الإخوان تقوم أسسها على ما يلي:

أولا: أساس القومية هو رباط العقيدة وليس رابطة الدم أو الأرض فالناس قسمان قسم يؤمن بالإسلام فهؤلاء قومنا كما يذكر الذين تربطنا معهم بعد بهذا الرباط فهؤلاء نسالمهم ما سالمونا ونحب لهم الخير ما كفوا عنا عدوانهم

ثانيا: ارتكازها على أن الناس أكفاء متساوون وأنهم يتفاضلون بالعمل مع عدم إنكار خواص العروبة التي لها نصيب أوفر من الفضائل بشرط ألا تتخذ هذه المزايا ذريعة إلى العدوان بل للنهوض بالإنسانية. فالإخوان إذن يقبلون القومية العربية على أساس العقيدة الإسلامية ومبدأ المساواة مع عدم إنكار الخصوصية العروبية.

ثانيا: الموقف من العروبة:

أ‌- في مقال لأحد الإخوان ذكر أن الإسلام والعربة لزيمان لا يفترقان ولا بقاء للإسلام إلا بالعروبة ويقرر البشري والحق أن تتبع أقوال الشيخ البنا يكشف عن اقتران وثيق للعروبة بالإسلام.

ب- ويذكر البنا أن العروبة لها في دعوة الإخوان مكان بارز فالعروة هم أمة الإسلام الأولى وإذا ذل العرب ذل الإسلام الذي نشأ عربيا ووصل إلى الأمم عن طريق العرب وجاء كتابة الكريم بلسان عربي مبين وتوحيد الأمم باسمه على هذا اللسان وحين دال سلطان العرب السياسي وانتقل إلى الأعاجم والديلم ومن إليهم ذل الإسلام فالعرب هم عصبة الإسلام واعتبر البنا أن من أسباب تحلل الدولة الإسلامية انتقال السلطة والرياسة إلى غير العرب ويرتب الإخوان موقفا سياسيا على هذا الفكر وهو وجوب العمل لإحياء الوحدة العربية ومناصرتها.

ت‌- ولكن ما مضمون العروبة في تعليق للبنا على حديث لشيخ الأزهر عن القبعة في الجيش يرى أن العمامة شعار العروبة والعروبة صفة لكل مسلم ينطلق اللسان العربي بالعروبة فالعروبة اللسان والإسلام وليست تجنسا جغرافيا فالأمة العربية لا تعرف بالحدود الجغرافية إنما إسلاميا تعرف بالعقائد والدين واللغة.

فالعروبة ليست مضمونا منفصلا عن الإسلام ولغته وقد عقب سيد قطب على كلام الحصري العروبة شيء منفصل عن الإسلام غير مرتبط به بقوله إنه يكسف عن جهل عميق سواء عن الإسلام أو عن العروبة.

ذ‌- وقد دافع الإخوان في حماس عن عروبة مصر فكتب الإمام البنا مقالا يرد فيه على طه حسين وسلامه موسى اللذين رأيا العرب غزوا مصر إلخ وأن العقلية المصرية غربية تتصل بحوض المتوسط فكتب البنا مصر عربية فليتق الله المفرقون للكلمة نفي فيه تلك الفكرة وأكد عروبة مصر وحذر من سلخ مصر عن العروبة مبينا خطأ الفكرة الأخرى تاريخيا لأن التاريخ يحدثنا الدماء واللغات بين سكان جزيرة العرب وسكان وادي النيل في القديم والحديث وبين خطأها اجتماعيا لأن الأمة تتكون قوميتها من لغتها ودينها وعادتها وثقافاتها وكل ذلك يثبت أن مصر عربية وكذا خطأها من ناحية القومية المصرية إذ أن التمسك بالعربة والقومية العربية يجعل مصر أمة تمتد جذورها من الخليج الفارسي إلى المحيط الأطلسي وأنه لا يكره مصر أن تشاطره الشعوب العربية شعوره وآماله وأفراحه.

ه- يبدو أن الإخوان يعطون العروبة مضمونها الأول فهم قرروا أن الأمة العربية لم تكن شيئا مذكورا حتى وحدها الإسلام فأصبحت أمة أخرجت للناس ولما فقدت هذه الوحدة فقدت قواها وتفتحت فيها الثغرات من كل جانب فالإسلام تاريخيا هو صانه الأمة العربية وهو أيضا الذي صاغ شخصيتها ويذكر أبو رقيق أن شخصية الأمة تتكون من صفات قومية تطلب الحماية من التقليد وإذا ما حول العرب تكوين أمتهم من جديد عليهم أن يصنعوا قواعد التكوين على الأسس الأولى التي قامت عليها الأمة العربية الأولى وبرزت بها شخصية تلك الأمة ويحذروا التقليد خوف تلاشى شخصية أمتهم ذات التراث الخالد.

هذا الموقف من العروبة قد ألزم الإخوان واجبا: هو وجوب العمل لإحياء الوحدة العربية ومناصرتها.

ثالثا: الوحدة العربية (الجامعة العربية)

ب- أوضح البنا أو وحدة العرب أم لابد منه لإعادة دولة الإسلام ومجده وأنه وجب على كل مسلم أن يعمل لإحياء الوحدة العربية وتأييده ومناصرتها وأن هذا هو موقف الإخوان ويذكر أيضا أنه بدون اجتماع كلمة الشعوب العربية ونهضتها لن ينهض الإسلام ويذكر أنهم يعتقدون أنهم حيث يعملون للعروبة يعملون للإسلام.

ت‌- ويذكر البنا عام 1946 أن الإخوان منذ تأسيسهم رأوا أن الدنيا ستصير إلى التكتل وأن عصر الوحدات الصغيرة والدويلات المتناثرة قد زال أو أوشك وأنهم رأوا أنه ليست هناك جامعة أقوى ولا أقرب من الجامعة التي تجمع العرب بالعربية حيث هناك عوامل تؤدي إلى الوحدة الكاملة.

ث‌- وقد ذكر البنا وغيره من كتاب الإخوان أن العوامل التي تؤدي إلى الوحدة الكاملة للأمة العربية تتمثل فيما يلي.

ج‌- الوحدة الجغرافية: فالأرض واحدة تمتد من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب في اتصال والتحام لأتقسمها الفواصل الكونية أو التضاريس مع تميزها بثرواتها الطبيعية واستغنائها بخيراتها.

ح‌- الوحدة الروحية: فالمسلمون يقدسون الإسلام عقيدة وغيرهم يعتزون به شريعة قومية عادلة ونظاما اجتماعيا ترعرع في أوطانهم.

خ‌- الوحدة اللغوية فاللغة واحدة للمسلمين وغير المسلمين من العرب الذين يحوطونها بمشاعرهم.

د- الوحدة الفكرية الثقافية والاجتماعية بتشابه العادات والتقاليد في شعوبه.

ذ‌- وحدة الآمال والآلام التي يمثلها تاريخ ضخم مشترك في القديم والجديد

ر‌- وحدة المصالح العملية المشتركة

هذه الروابط جميعا تربط العرب ومن ثم فإن الوحدة أو الجامعة العربية هي الطريق الطبيعي لنهضة العرب وهذا يمثل أحد أهداف الإخوان الذين أيدوا الجامعة العربية ورأوها عدة الحاضر وأمل المستقبل.

د- وكانت مناصرة الإخوان للجامعة العربية ممارسة واقعية لانتمائهم العروبي وعملا لإحياء الوحدة العربية إلا أنهم كانوا يرون تخليصها من كل ما يحيط بها من عامل الضعف والتخلخل.

فالبنا في حديثه للإخوان الجامعيين يعرفهم فيه بأهدافهم ويذكر الوحدة ضمن الأهداف ثم يقول:

والجامعة العربية في وضعها الصحيح الذي يجعلها جامعة حقيقية تضم كل عربي على وجه الأرض في المشرق والمغرب وتستطيع أن تقول كلمتها فيحترم هذه الكلمة العرب وغير العرب هذه الجامعة العربية من واجبنا أن نعمل على تقويتها وتدعيمها ومن حقنا أن يعترف الناس بها وأن يقدروها قدرها وأن يؤمنوا بأنها حين تقوم وتعتز ستكون من أقوى دعائم السلام العالمي فالإخوان إذن قبلوا مشروع الجامعة العربية ولو أنه كان من وضع الإنجليز إذ رأوا فيه وسيلة تيسر الاتصال بشعوب الجامعة وأنه يمكن أن يعود بالخير على البلاد العربية والإسلامية.

ه- وقد رأى الإخوان أنه لكي تنجح الجامعة العربية في تحقيق الوحدة العربية وآمال العرب فمن الضروري التزام هذه الأسس بجانب ما سبق

'1-' ستظل الوحدة بطيئة الجنى مادامت مقصورة على ناحيتها الرسمية بين الحكومات فيجب الإسراع في توحيد الثقافات حتى تتقارب الأفهام ويفتح الباب للاندماج الكامل وهذا يستدعي تغيير في مناهج وسياسة التعليم في المعاهد والمدارس العربية وتوجيه الثقافات وجهة واحدة تخدم أهداف الوحدة ومعنى هذا وضع المعاهدة الثقافية بين الدولة العربية موضع التطبيق.
'2-' العمل لتحقيق الوحدة السياسية برفع الحدود والوحدة الاقتصادية.
'3-' الجامعة العربة أداة لجمع كلمة العرب وتوجيههم قوة واحدة لتحقيق رسالتهم في الحياة نشر المثل العليا أي الإسلام.
'4-' أجزاء الوطن العربي تنتظر من الجامعة النجدة لتحقيق حريته أو إتمامها فيجب أن تؤمن الجامعة العربية بحقها في حماية العرب وصيانة استقلالهم فلا تكون آلة في يد غيرهم ومن الضروري بث ذلك في نفوس الشعب حتى يحتشد وراء هذا الميثاق.

و- وقد رأى الإخوان في التجمع العربي أنه يمثل حلقة من حلقات الانتماء السياسي والنهضة المطلوبة حلقة وسيطة بين الوطنية والكتلة أو الجامعة