إخوان ويكي
بحث
 
 
صفحة  نقاش  اعرض المصدر  تاريخ 
           
مرحبا بكم في الموسوعة  ادخل / أنشئ حسابا 

التربية السياسية عند الإمام حسن البنا

من Ikhwan Wiki

اذهب إلى: تصفح, البحث
التربية السياسية عند الإمام حسن البنا



بقلم / الدكتور يوسف القرضاوي

محتويات

مقدمة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.

كنت قد كتبت رسالة عن (التربية الإسلامية عند مدرسة حسن البنا) بمناسبة مرور ثلاثين عامًا على استشهاده، وخمسين عامًا على تأسيس جماعة الإخوان، تحدثت فيها عن معالم هذه التربية وخصائصها وجوانبها المختلفة، وكان منها الجانب السياسي.

فسطَّرت هذه الصحائف التي أكتبها اليوم تكملةً لتلك الرسالة، بتعميق الحديث وتأصيله وتفصيله عن الجانب السياسي في تربية الإمام البنا، ومنهجي في هذه الدراسة يقوم على جملة عناصر:

1- التعرف على أقوال الإمام الشهيد من مجموعة رسائله، وهي منشورة مجتمعة، والحمد لله، وإن كان فيها كثير من الأخطاء المطبعية من قديم، وهي سجلٌّ حافل لآراء الإمام، لأنها نشرت مرارًا وتكرارًا في حياته، وأراد بها تبليغ دعوته، وتوصيل فكرته للناس عمومًا وللإخوان خصوصًا، كما أنها انتشرت بين الإخوان، وكاد يحفظها الكثير منهم، ولا غروَ أن يكون لها أثرها في توجيه فكرهم وسلوكهم.

كما استفدنا مما كتبه الإمام الشهيد خارج هذه الرسائل، مما نشر في المجلات والصحف الإخوانية وغير الإخوانية، وقد حاول بعض الإخوان المهتمين أن يجمعه من مظانه وينشره، كما فعل الأستاذ جمعة أمين بالإسكندرية. وإن كان الأساس هو الرسائل.

2. المقارنة بين أقوال الإمام بعضها ببعض، ما بين رسالة وأخرى، لمعرفة ما إذا كان بين بعضها وبعض: شيء من التعارض، أو التباين، في النظر والاجتهاد، نتيجة تغيُّر الظروف أو تغيُّر الفكر، وتجدُّد المعلومات أو غير ذلك. وكذلك المقارنة بين آراء الأستاذ وآراء غيره من المجددين والمصلحين إذا اقتضى الأمر.

3. النقد العلمي الموضوعي الهادئ، لما أراه يحتاج إلى نقد من آراء الأستاذ، فليس في العلم كبير، وقد علمنا الإمام البنا نفسه في أصوله العشرين: أن كل أحد يؤخذ من كلامه ويرد عليه، إلا المعصوم- صلى الله عليه وسلم- (انظر: رسالة التعاليم، صـ357 من مجموعة رسائل الإمام الشهيد، طبعة المؤسسة الإسلامية. بيروت) ورغم حبي الكبير وتقديري العظيم للأستاذ، لا أرى عيبًا أن يُنقد، فهو ابن زمنه وبيئته، يتأثر ويؤثر، وحسبه أنه تحرَّى واجتهد، فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، و"الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (رواه البخاري في بدء الوحي (1)، ومسلم في الإمارة (1907)، وأحمد في المسند (168)، وأبو داود في الطلاق (2201)، والترمذي في الجهاد (1647)، والنسائي في الطهارة (75)، وابن ماجة في الزهد (4227) عن عمر).

أرجو أن يجد القارئ الكريم في هذه الرسالة: ما يضيء العقل بالمعرفة، وينير القلب بالإيمان، ويوضح المفاهيم الملتبسة على كثيرين من الناس، ويدفع بالعزائم إلى مزيد من العمل الصالح، والعطاء البناء، لخير الفرد والجماعة والأمة.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

الفقير إلى عفو ربه / يوسف القرضاوي


التربية السياسية عند الإمام حسن البنا

كان حسن البنا- رحمة الله عليه- رجلاً متعدد المواهب والقدرات، فهو عالمٌ وداعيةٌ، ومصلحٌ، ومجدِّدٌ، وقائدٌ وزعيمٌ، وهو كذلك مُرَبٍّ من الطراز الأول.

كان مربيًا بحكم الموهبة، وبحكم الدراسة، وبحكم الممارسة، وكانت لديه كل الأدوات التي يفتقر إليها المربِّي الناجح، من البصيرة النَّيِّرة، والقلب الكبير، والعقل المنفتح، واللسان الفصيح، والوجه البشوش، والفِراسة النادرة، إلى جوار العلم الواسع، والخبرة الفنية والاجتماعية.

فلا غرو أن نراه يؤثر بسرعة في كل من صحبه وعايشه، بل في كل من لقِيَه لقاءً عابرًا، فتراه يذكر له كلمةً معبرةً، أو موقفًا مؤثرًا، أو حكايةً لها دلالة، أو نحو ذلك مما يعرفه الكثيرون عنه.

وقد صدق قول الشيخ رحمه الله: "علامة الرجل الصالح أن يترك في كل مكان يحلَّ فيه أثرًا صالحًا"، وهكذا كان.

وكانت التربية في نظر الإمام البنا تتسم بخِصِّيَّتَيْن أساسيَّتَين:

أولاهما: التكامل

وثانيتهما: التوازن

ومعنى "التكامل" أنها تربية شاملة لا تقتصر على جانب دون جانب، فهي تتناول الروح والجسم، والعقل والعاطفة، والضمير والوجدان، وتعمل على تكوين الشخصية المسلمة تكوينًا متكاملاً.. روحيًّا بالعبادة، وبدنيًّا بالرياضة، وعقليًّا بالثقافة، وخُلقيًّا بالفضيلة، واجتماعيًّا بالمشاركة في خدمة المجتمع، وسياسيًّا بالتوعية بقضايا الوطن والأمة.. وهكذا لا تقتصر التربية على جانب دون آخر.

ومعنى "التوازن" أنها تعطي كل جانب من الجوانب حقَّه بلا طغيان ولا إخسار؛ بحيث لا يطغى على غيره من الجوانب، ولا يحرمه حقَّه لحساب غيره، بل يقول لكل من تجاوز حدَّه: قفْ عند حدِّك، والزَم صراطك المستقيم (من أراد التوسع حول هذين الأمرين: (التكامل والتوازن) فليرجع إلى كتابنا (الخصائص العامة في الإسلام) خصيصتي الشمول والوسطية صـ95، 115).

ولا غرو أن كان من أهمِّ أنواع التربية التي عُني بها الأستاذ البنا: التربية السياسية، التي كانت مُغيَّبةً عند كثير من المتدينين، والجمعيات الدينية العاملة في مصر في ذلك الوقت.


الجانب السياسي

أجل.. كان من الجوانب المهمَّة التي عُني بها الإمام الشهيد حسن البنا الجانب السياسي، ونعني بهذا الجانب ما يتصل بشئون الحكم، ونظام الدولة، والعلاقة بين الحكومة والشعب، والعلاقة بين الدولة وغيرها من الدول.. إسلاميةً وغيرَ إسلامية، والعلاقة بالمستعمر الغاصب، والموقف من الأحزاب والحزبية، ومن الدستور والقانون والشورى والديمقراطية، وغير ذلك من القضايا المتعددة المتنوعة.

وقد كان هذا الجانب قبل دعوة حسن البنا وقيام مدرسته بعيدًا عن اهتمام الجماعات الإسلامية- وبتعبير أصح الجماعات الدينية في مصر- وخارج نطاق نشاطها وتفكيرها، فقد أصبح مفهوم السياسة مقابلاً لمفهوم الدِّين، كما يقابل الأسود الأبيض، فلا يُتصوَّر اجتماعُهما في شخص أو في جماعة، والناس رجلان: إما رجل دين، وإما رجل سياسة، والجماعات نوعان: إما جماعة دينية، وإما جماعة سياسية، وحرام على رجل الدِّين أن يشتغل بالسياسة، كما يَحْرُم على رجل السياسة أن يشتغل بالدِّين، ومثل ذلك تَدَخُّل الجماعة الدينية في الشؤون السياسية، أو رجال السياسة في شؤون الدِّين، وقد يتجاوز ويتسامح في تدخل رجل السياسة أو الجماعة السياسية في الدِّين، أما الذنب الذي لا يُغتفَر ولا يُتسامَحُ فيه عند الناس يومئذ فهو أن يتدخَّل رجلُ الدِّين أو الجماعة الدِّينية في القضايا السياسية!!

وعلى هذا الأساس قامت في مصر- كما في غيرها- جماعاتٌ دينيةُ الطابع، كالطُرق الصوفية، والجمعيات الدِّينية المختلفة، التي تنصُّ في صُلب لوائحها وأنظمتها الأساسية على أنها لا صلة لها بالسياسة.

وتقابلها تجمعاتٌ أخرى لا شأن لها بالدِّين، وهي التي أُطْلق عليها اسم (الأحزاب) مثل الحزب الوطني، أو حزب الأمة، أو حزب الوفد، وما انشقَّ عنه، وحزب الدُّستور وغيرها، فهذه الأحزاب تشترك كلها في طابعها (المدني) أو (العلماني)، ففكرها النظري وسلوكها التطبيقي قائمان على أساس عَزْلِ الدِّين عن الدولة، وفصْلِ الدولة عن الدِّين، وإن كان بعضها أقرب إلى الاعتدال من بعض، بحسب رؤى زعمائها، فالحزب الوطني كانت له نزعةٌ إسلاميةٌ تمثلت في مؤسسة مصطفى كامل وخلفائه.

كما تؤمن هذه الأحزاب كلها بالوطنية الإقليمية الضيِّقة، التي رأينا كثيرًا منها قامت تُحيِي نزعاتٍ جاهليةً قديمةً، كالفرعونية في [[مصر]ي، والفينيقية في سوريا، والآشورية في العراق، ومَن لم يؤمن منها بالنزعة الوطنية آمَن بالنزعة القومية مثل: القومية الطورانية في تركيا، والقومية العربية في بلاد العرب، والقومية السورية في سوريا الكبرى.

كان على "حسن البنا" أن يخوض معركةً حاميةَ الوطيس، لمطاردة المفاهيم الخاطئة عن العلاقة بين الدِّين والسياسة.. تلك المفاهيم التي غرسها الجهل والهوى، وتعهَّدها الاستعمارُ الثقافي بالسقي والرعاية، حتى تغلغلت جذورُها وامتدت فروعُها.

وكان لا بد من حرب الفكرة الخاطئة بالفكرة الصحيحة، وهي شمول الإسلام لكل جوانب الحياة، ومنها السياسة، كما دلَّ على ذلك القرآنُ والحديثُ وهَدْيُ الرسول وسيرةُ الصحابة، وعَمَلُ الأمة كلها طوال ثلاثة عشر قرنًا أو تزيد، وحسبنا هنا أن القرآن يحذِّر من إهمال بعض ما أنزل الله تعالى فيقول: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (المائدة: من الآية 49)، كما قرَّع القرآن بني إسرائيل على تجزئتهم لكتابهم، وأخْذِ بعضِه دون بعض، فقال سبحانه: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ (البقرة: من الآية 85).

وللإمام الشهيد في ذلك كلماتٌ تكاد تكون محفوظةً لدى جمهور الإخوان، من ذلك قوله في إحدى رسائله: "إذا قيل لكم: إلام تدعون؟ فقولوا: نحن ندعو إلى الإسلام الذي جاء به محمد- صلى الله عليه وسلم- والحكومةُ جزءٌ منه، والحريةُ فريضةٌ من فرائضه، فإن قيل لكم: هذه سياسة، فقولوا: هذا هو الإسلام، نحن لا نعرف هذه الأقسام!!" (من رسالة (بين الأمس واليوم) من مجموع رسائل الإمام الشهيد حسن البنا صـ160 طبعة المؤسسة الإسلامية للطباعة والنشر بيروت).

وقال رحمه الله يرد على من يقول إن الإخوان المسلمين قوم سياسيون، ودعوتهم دعوة سياسية: "يا قومنا.. إننا نناديكم والقرآن في يميننا، والسنة في شمالنا، وعمل السلف الصالحين من أبناء هذه الأمة قدوتنا، وندعوكم إلى الإسلام وتعاليم الإسلام وأحكام الإسلام، فإن كان هذا من السياسة عندكم فهذه سياستنا، وإن كان من يدعوكم إلى هذه المبادئ سياسيًّا فنحن أعرق الناس- والحمد لله- في السياسة، وإن شئتم أن تسمُّوا ذلك سياسة فقولوا ما شئتم، فلن تضرَّنا الأسماء متى وضحت المسميات وانكشفت الغايات" (من رسالة (دعوتنا) من مجموع الرسائل صـ37).


دعائم التربية السياسية لدى حسن البنا

وتقوم التربية السياسية لدى مدرسة "حسن البنا" على جملة دعائم أو معالم، نذكر هنا أهمها:

1- الربط بين الإسلام والسياسة.

2- إيقاظ الوعي بوجوب تحرير الوطن الإسلامي.

3- إيقاظ الوعي بوجوب إقامة الحكم الإسلامي.

4- إقامة الأمة المسلمة.

5- إيقاظ الوعي بوجوب الوحدة الإسلامية.

6- الترحيب بالنظام الدستوري.

7- التنديد بالأحزاب والحزبية.

8- حماية الأقليات والأجانب.


(1)الربط بين الإسلام والسياسة (أو الدين والدولة)

جاهد الأستاذ حسن البنا جهادًا كبيرًا ليعلِّم المسلمين فكرة (شمول الإسلام)، وبعبارة أخرى: ليُعيد إليهم ما كان مقررًا وثابتًا طوال ثلاثة عشر قرنًا، أي قبل دخول الاستعمار، والغزو الفكري إلى ديارهم، وهو: أن الإسلام يشمل الحياة كلها بتشريعه وتوجيهه.. رأسيًّا منذ يولد الإنسان حتى يتوفاه الله، بل من قبل أن يولد وبعد أن يموت؛ حيث هناك أحكام شرعية تتعلق بالجنين، وأحكام تتعلق بالإنسان بعد موته.. وأفقيا حيث يوجِّه الإسلام المسلم في حياته الفردية والأسرية والاجتماعية والسياسية، من أدب الاستنجاء إلى إمامة الحكم، وعلاقات السلم والحرب.

وكانت نتيجة هذا الجهاد واضحةً، وهي وجود قاعدة ضخمة تؤمن بهذا الشمول وتنادي بالإسلام عقيدةً وشريعةً، ودينًا ودولةً، في كل أقطار الإسلام، وتراجُعُ كثيرين من ضحايا الغزو الفكري عما آمنوا به في ظلِّ وطأة الاستعمار الثقافي، وبروزُ الصحوة الإسلامية على الساحة الفكرية والسياسية بصورة قلبت موازين القُوى؛ مما جعل الجهات الأجنبية الراصدة من الغرب والشرق تَعقد الكثيرَ من الحلقات والندوات والمؤتمرات لدراسة هذه الظاهرة الإسلامية الخطيرة، وتُنفق في ذلك الأموال والجهود، حتى بلغ عدد هذه المنتديات- فيما ذكر الأستاذ فهمي هويدي- مائةً وعشرين.

وهذا ما جعل عملاء الغرب وعبيد أفكارهم يحاولون إيقاف الفجر أن يطلع أو الشمس أن تبزغ، وأن يُعيدوا عجلة التاريخ إلى الوراء، إلى عهد الاستعمار ليتصايَحوا من جديد: لا سياسةَ في الدِّين، ولا دينَ في السياسة!! يريدون أن يعيدوها جَذَعَةً وقد فرغنا منها منذ أكثر من نصف قرن، حتى سمى بعض هؤلاء العبيد المساكين الإسلام الذي لم يعرف المسلمون غيره طوال عصوره-قبل عصر الاستعمار- الإسلام كما عرفه الفقهاء والأصوليون والمفسرون والمحدِّثون والمتكلمون من كل المذاهب، والذي شرحوه وفصَّلوه من كتاب الطهارة إلى كتاب الجهاد... إسلام العقيدة والشريعة، إسلام القرآن والسنَّة، سماه: "الإسلام السياسي" (انظر الرد على هذا التهجم في الجزء الثاني من كتابنا (فتاوى معاصرة) تحت عنوان (الإسلام السياسي) (2/623- 635))!! يريد أن يُكرِّه الناس في هذا الإسلام بهذا العنوان؛ نظرًا لكراهية الناس للسياسة في أوطاننا، وما جرَّت عليهم من كوارث، وما ذاقوا على يديها من ويلات!!

ولكنْ ما حيلتنا إذا كان الإسلام- كما شرعه الله- لا بد أن يكون سياسيًّا؟! ما حيلتنا إذا كان الإسلام الذي جاء به محمد- صلى الله عليه وسلم- لا يقبل أن تُقَسَّم الحياةُ والإنسانُ بين الله تعالى وقيصر؟! بل يُصِرُّ على أن يكون قيصر وكسرى وفرعون وكل ملوك الأرض عبَّادًّا لله وحده!!

يريدنا هذا البعض من المساكين أن نتخلَّى عن كتاب ربنا وسُنَّة نبينا وإجماع أمتنا وهدْي تراثنا، لنتبنَّى إسلامًا حديثًا، يُرْضي عنَّا السادةَ الكبار فيما وراء البحار!!

إنه يريد "الإسلام الروحي" أو "الإسلام الكهنوتي" الذي يكتفي بتلاوة القرآن على الأموات لا على الأحياء، ويُتبرَّك بتزيين الجدران بآياته، أو افتتاح الحفلات بقراءة ما تيسَّر منه، ثم يَدَع قيصر يحكم بما يشاء، ويفعل ما يريد!!

إن الإسلام الذي جاء به القرآن والسنَّة وعرَفته الأمة سَلَفًا وخَلَفًا هو إسلام متكامل، لا يقبل التجزئة. إنه الإسلام الروحي، والإسلام الأخلاقي، والإسلام الفكري، والإسلام التربوي، والإسلام الجهادي، والإسلام الاجتماعي، والإسلام الاقتصادي، والإسلام السياسي.. إنه ذلك كله؛ لأن له في كل هذه المجالات أهدافًا وغاياتٍ، كما أن له فيها كلها أحكامًا وتوجيهاتٍ.. يقول الإمام البنا في علاقة الدين بالسياسة:

"قلَّما تجد إنسانًا يتحدث إليك عن السياسة والإسلام إلا وجدته يفصل بينهما فصلاً، ويضع كل واحد من المعنيين في جانب، فهما عند الناس لا يلتقيان ولا يجتمعان، ومن هنا سمِّيت هذه جمعية إسلامية لا سياسية، وذلك اجتماع ديني لا سياسة فيه، ورأيتَ في صدر قوانين الجمعيات الإسلامية ومناهجها: "لا تتعرض الجمعية للشئون السياسية!!".

وقبل أن أعرض إلى هذه النظرة بتزكية أو تخطئة، أحبُّ أن ألفت النظر إلى أمرين مهمين:

أولهما: أن الفارق بعيد بين الحزبية والسياسة، وقد يجتمعان وقد يفترقان، فقد يكون الرجل سياسيًّا بكل ما في الكلمة من معانٍ وهو لا يتصل بحزب ولا يمتُّ إليه، وقد يكون حزبيًّا ولا يدري من أمر السياسة شيئًا، وقد يجمع بينهما فيكون سياسيًّا حزبيًّا أو حزبيًّا سياسيًّا على حدٍّ سواء، وأنا حين أتكلم عن السياسة في هذه الكلمة فإنما أريد السياسة المطلقة، وهي النظر في شئون الأمة الداخلية والخارجية غير مقيَّدة بالحزبية بحال.. هذا أمر.

وثانيهما: أن غير المسلمين حينما جهِلوا هذا الإسلام، وحينما أعياهم أمرُه وثباتُه في نفوس أتباعه، ورسوخُه في قلوب المؤمنين به، واستعدادُ كل مسلم لتفديته بالنفس والمال.. لم يحاولوا أن يجرحوا في نفوس المسلمين اسم الإسلام ولا مظاهره ولا شكلياته، ولكنهم حاولوا أن يحصروا معناه في دائرة ضيقة تذهب بكل ما فيه من نواحٍ قويةٍ عمليةٍ، وإن تُرِكت للمسلمين بعد ذلك قشورٌ من الألقاب والأشكال والمظهريات لا تُسمنُ ولا تُغني من جوع، فأفهموا المسلمين أن الإسلامَ شيءٌ والاجتماعَ شيءٌ آخر، وأن الإسلام شيء والقانون شيء غيره، وأن الإسلام شيء ومسائل الاقتصاد لا تتصل به، وأن الإسلام شيء والثقافة العامة سواه، وأن الإسلام شيء يجب أن يكون بعيدًا عن السياسة!!

فحدِّثوني بربكم أيها الإخوان.. إذا كان الإسلام شيئًا غير السياسة، وغير الاجتماع، وغير الاقتصاد، وغير الثقافة، فما هو إذن؟.. أهو هذه الركعات الخالية من القلب الحاضر؟ أم هذه الألفاظ التي هي كما تقول رابعة العدوية: استغفار يحتاج إلى استغفار؟! ألهذا أيها الإخوان نزل القرآن نظامًا كاملاً محكمًا مفصَّلاً: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: من الآية 89)؟!

هذا المعنى المتضائل لفكرة الإسلام، وهذه الحدود الضيِّقة التي حُدِّد بها معنى الإسلام هي التي حاول خصوم الإسلام أن يحصروا فيها المسلمين، وأن يضحكوا عليهم بأن يقولوا لهم: لقد تركنا لكم حرية الدِّين، وأن الدستور ينص على دين الدولة الرسمي هو الإسلام.

أنا أعلن أيها الإخوان من فوق هذا المنبر بكل صراحة ووضوح وقوة أن الإسلام شيء غير هذا المعنى الذي أراد خصومه والأعداء من أبنائه (هكذا في الأصل، ولعل الصواب: والأدعياء من أبنائه) أن يحصروه فيه ويقيِّدوه به.. إن الإسلام عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية، وسماحة وقوة، وخُلُق ومادة، وثقافة وقانون، وإن المسلم مطالَب بحكم إسلامه أن يُعْنَى بكل شئون أمته، ومَن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.

وأعتقد أن أسلافنا- رضوان الله عليهم- ما فهموا للإسلام معنًى غير هذا، فبه كانوا يحكمون، وله كانوا يجاهدون، وعلى قواعده كانوا يتعاملون، وفي حدوده كانوا يسيرون في كل شأن من شئون الحياة الدنيا العملية قبل شئون الآخرة الروحية، ورحم الله الخليفة الأول إذ يقول: "لو ضاع مني عقال بعير لوجدته في كتاب الله" (ذكره السيوطي في الإتقان (2/233)) أهـ.. (من رسالة مؤتمر طلبة الإخوان المسلمين صـ158، 159).

بهذا الشمول الواضح أو الوضوح الشامل عن الإسلام كان يتحدث حسن البنا؛ ليزيل من العقول ما رسب فيها من انحصار الإسلام في طقوس معينة، ويربِّيهم على هذا الأفق الواسع، الذي تقوم عليه الشخصية الإسلامية المنشودة.


(2)إيقاظ الوعي بوجوب تحرير الوطن الإسلامي

الدعامة الثانية من دعائم التربية السياسية عند الإمام البنا، هي:

تقوية الوعي، والشعور بوجوب تحرير الأرض الإسلامية أو أرض الوطن الإسلامي، من كل سلطان أجنبي، وإجلاء المستعمر الغاصب عن ديار الإسلام كلها بكل وسيلة مشروعة، ابتداءً بالوطن الصغير، وادي النيل شماله وجنوبه- مصر والسودان- فالوطن العربي الكبير من المحيط إلى الخليج، وأشهد أن هذا التحديد للوطن العربي كان أول ما سمعته من الإمام البنا رضي الله عنه.. فالوطن الإسلامي الأكبر من المحيط إلى المحيط، من الهادي إلى الأطلسي، من أندونيسيا وما جاورها شرقًا إلى مُرَّاكُش غربًا.

وبهذا الفهم اتسع أفق (الأخ المسلم) ليسع الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، فضلاً عن الأمة العربية، فلم يحبس نفسه في قُمْقُم الوطنية الضيقة أو القومية المتعصبة، شأن الأحزاب السياسية السائدة في تلك الأيام.

ومن هنا اهتمَّ الإخوان في مصر بقضية بلدهم الذي يعيشون فيه ومطالبه الوطنية، التي تمثلت في جلاء الإنجليز عن مصره وسودانه، ووحدة وادي النيل، وعقد الإخوان لذلك مؤتمرات كبرى في كافة محافظات مصر ومدنها الكبيرة لتوعية أبناء الشعب بمطالبه، وأُعْلِنُ هنا أني لم أفهم هذه المطالب حقَّ الفهم إلا من لسان حسن البنا، حين وقف في مؤتمر طنطا يشرحها ويردُّها إلى أصولها.

وكان الإمام الشهيد في هذه المؤتمرات يوضح الأهداف، ويوضح معها الوسائل الواجب اتخاذها، من المطالبة لدى الهيئات الدولية، وكسب الرأي العام العالمي، إلى المقاطعة الاقتصادية لسلع المستعمر، ومنتجاته، إلى التعبئة وإعلان الجهاد المقدس، فإما أن نعيش سعداء أحرارًا، وإما أن نموت شهداء أبرارًا.

ولا زلت أذكر المرشد الشهيد وهو يتحدث في هذا المؤتمر عن سلاح المقاطعة وأثره الفعال، وقدرة الشعب المصري على استخدام هذا السلاح، وأنه شعب قنوع صبور، قادر في ساعة الجِد أن يقنع بالقليل، ويرضى باليسير، ذاكرًا في ذلك من الأمثال الشعبية ما يؤيد هذه الوجهة، ومستشهدًا ببعض الوقائع التاريخية القريبة لدى بعض الشعوب الإسلامية.

ومما قاله يومئذ: "سنُخرج للشعب فتاوى ابن حزم المخبوءة في بطون الكتب من أن العدو المشرك نجس كله، لا يجوز مسُّه ولا التعامل معه: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (التوبة: من الآية 28)".

وزاد حسن البنا على ذلك فطالب الإخوان خاصةً والمسلمين عامة في وادي النيل بأن يقنتوا في الركعة الأخيرة من كل صلاة، وخاصةً الصلوات الجهريَّة، وبعد القيام من الركوع (قنوت النوازل) بأن يدعوا الله عندما تشتدُّ الأزمات عليهم أن يفرِّج الله عنهم الكُربة، ويكشف الغُمَّة؛ اقتداءً بالنبي- صلى الله عليه وسلم- حينما كان يدعو في صلواته على المشركين المعتدين، وللمسلمين المستضعفين.. كتب ذلك حسن البنا في جريدة (الإخوان المسلمون) اليومية تحت عنوان (قنوت) واستشهد بالأحاديث التي صحَّت عن رسول الله أنه كان يقنت في صلواته، داعيًا للمستضعفين من المؤمنين؛ ردًّا على المشركين الذين اعتدوا على المسلمين، ومن هذه الأحاديث استدلَّ جمهور الفقهاء والمحدِّثين على مشروعية القنوت في الكوارث أو النوازل التي تنزل بالأمة.

ثم قال: "وإذا كان ذلك كذلك فقد أصبح مطلوبًا من أئمة المسلمين وعامتهم في شعب وادي النيل: أن يلجأوا إلى الله ليرفع عنهم هذا البلاء، وأن يقنتوا في كل الصلوات بعد الركوع في الركعة الأخيرة، ويلحُّوا على الله في الدعاء بهذا القنوت أو نحوه:

اللهم رب العالمين، وأمان الخائفين، ومذلَّ المتكبرين، وقاصم الجبارين، تقبل دعاءنا، وأجب نداءنا، وأنلنا حقنا، وردَّ علينا حريتنا واستقلالنا، اللهم إن هؤلاء الغاصبين من البريطانيين قد احتلوا أرضنا، وجحدوا حقنا، وطغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، اللهم فردَّ عنا كيدهم، وفلَّ حدَّهم، وفرِّق جمعهم، وخذهم ومَن ناصرهم أو أعانهم، أو هادنهم أو وادَّهم أخْذَ عزيز مقتدر، اللهم واجعل الدائرة عليهم، وسُقِ الوبال إليهم، وأذلَّ دولتهم، وأذهب عن أرضك سلطانهم، ولا تَدَع لهم سبيلاً على أحد من المؤمنين آمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا) (جريدة الإخوان اليومية العدد (135) بتاريخ 15 من ذي القعدة 1365هـ الموافق 10 أكتوبر 1946م نقلا عن الكتاب الخامس من سلسلة (من تراث الإمام البنا) عظات وأحاديث منبرية صـ 288- 290 للأستاذ جمعة أمين. نشر دار الدعوة بالإسكندرية).

وليس هناك أزمة أشدَّ من فَقْد الحرية والاستقلال، وتَحَكُّم الكافر في رقبة المسلم، مع أن الله تعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: 8) ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ (النساء: 141).

وبهذا لم تعد القضية الوطنية شيئًا في حاشية شعور الأخ المسلم، أو على هامش حياته، بل إنها حاضرة في وعيه وحسه، تصاحبه في بيته ومسجده، وخلوته وجلوته، وتحيا في أعماق كيانه واضحةً حيةً ملتهبةً. ولهذا لم يكن الإنجليز يخافون شيئًا كما يخافون من هؤلاء (المتعصبين) لدينهم، ويخشون أن يتحوَّل الشعور الوطني إلى شعور إسلامي متأجِّج لا يعبأ بشيء في سبيل غايته، ولا يبالي: أوَقَعَ على الموت أم وَقَعَ الموت عليه.

ولا ريب أن تكون هذه المواقف العقائدية الإيجابية للحركة الإسلامية ومؤسسها وراء مؤامرات الكيد لها من القوى الأجنبية المعادية والمتربصة والراصدة للإسلام وحركة شعوبه، وأن يكون لهذا الكيد أثره عند الحكومات الوطنية العلمانية والمستخذية، كما أثبت ذلك اجتماع سفراء إنجلترا وأمريكا وفرنسا في قاعدة (فايد) العسكرية بمنطقة (القناة) سنة 1948م، الذي طالبَ حكومة النقراشي باشا رئيس الحزب السعدي المصري ورئيس الوزراء بحلِّ جماعة الإخوان المسلمين، وسَوْق أعضائها إلى السجون والمعتقلات، وكان ما كان.

كانت هذه بعض ملامح من تربية الإخوان فيما يتعلق بوطنهم الصغير وادي النيل، ولم يشغلهم ذلك عن الاهتمام بقضايا وطنهم العربي الكبير، ووطنهم الإسلامي الأكبر، وأولى هذه القضايا بغير شك كانت قضية أرض النبوات، ومهد الرسالات، أرض أولى القبلتين، وثالث المسجدين الشريفين: قضية فلسطين، عُنِيَ بها الإخوان في وقت مبكر، ونوَّهوا بشأنها ونبَّهوا على خطرها، وأصدروا من أجلها بيانات ونشرات وأعدادًا خاصة من مجلتهم، وعقدوا الندوات والمؤتمرات في سبيلها، وطالما انتهزوا فرصة ذكرى (وعد بلفور) في الثاني من نوفمبر من كل عام، لإخراج المسيرات، وتسيير المظاهرات؛ توعيةً للرأي العام، وإيقاظًا للشعور بأهمية القضية.، ومَنْ قرأ مجلات الإخوان القديمة (في الثلاثينيات) رأى من ذلك العَجب العُجاب.

كما كانت ذكرى الإسراء والمعراج في كل عام فرصة للتذكير بقضية المسجد الأقصى منتهى الإسراء، ومبتدأ المعراج، وهكذا يجد حسن البنا المناسبات دائمًا لإحياء الوعي بقضية فلسطين، ومن هنا كانت الرؤية واضحة لدى كل أخ مسلم بقضية فلسطين، وكان إحساسه بها حيًّا دافقًا، في الوقت الذي كان جمهور الناس في مصر لا يشعرون بأهمية هذه القضية، ولا بخطر اليهودية الطامعة المتوثِّبة بجوارهم، حتى قال رئيس حكومة مصرية يومًا وقد سُئِل عن رأيه في ذلك: أنا رئيس وزراء مصر لا رئيس وزراء فلسطين (هو مصطفى النحاس باشا رئيس وزراء مصر سنة 1936م)!!

وكانت خطب الإمام الشهيد ومحاضراته عن فلسطين، ومقالاته النارية في مجلات الإخوان وصحيفتهم اليومية مثل: صناعة الموت.. وفن الموت.. وهُبِّي يا رياح الجنة.. وأحاديثه المؤثرة في لقاءاته الخاصة مع إخوانه وتلاميذه.. كلها تُهيئ الأنفس ليوم آتٍ لا ريب فيه، فلما جاء هذا اليوم ونادى المنادي أن حي على الجهاد آتت هذه التربية والتوعية أُكُلَها، وتجلَّت آثارها في إقبال الألوف من شباب الإخوان- بل من شيوخهم أحيانًا- على مكاتب التطوُّع للجهاد في سبيل الأرض المقدسة، وكانت معارك الجهاد والبطولة والاستشهاد في سبيل الله، مما يعرفه اليهود أنفسهم أكثر من غيرهم.

ولم ينسَ الإخوان قضايا سوريا ولبنان في المشرق العربي.. ولا قضايا الشمال الإفريقي أو المغرب العربي: تونس والجزائر ومُرَّاكُش، وقد كان المركز العام للإخوان بمثابة (دار العائلة) لزعماء هذه البلاد وقادة التحرير فيها.

وقُلْ مثل ذلك بالنسبة لقضايا التحرير في البلاد الإسلامية كلها، مثل أندونيسيا وغيرها، فقد كان الإخوان يعتبرونها قضاياهم، ويَحْيَون فيها فكرًا وشعورًا وعملاً، وإن بَعدت عن أبدانهم الدار، وشَطَّ المزار.


(3)إيقاظ الوعي بوجوب إقامة الحُكم الإسلامي

(الدولة الإسلامية)

الدعامة الثالثة: إيقاظ الوعي والشعور بفرضية إقامة (الحُكم الإسلامي)؛ إذ هو الغاية من تحرير الوطن، ذلك أن طرد المستعمر، وتحرير الوطن من نِيره واستعباده ليس هدفًا في ذاته، إنما هو وسيلة لتحقيق هدف كبير، هو أن تحقق الأمة ذاتها، وتعيش بعقيدتها ولعقيدتها، وتدبِّر أمر وطنها وِفْق عقائدها وقِيَمها وفلسفتها الخاصة.

وبلادنا الإسلامية لا تحقق ذاتها، بل لا تتحرَّر حقَّ التحرُّر، إلا إذا تخلصت من كل آثار الاستعمار الثقافي والتشريعي والتعليمي والسياسي وغيرها.

ومن هنا كانت إقامة الحكم الإسلامي في ذلك الوقت فريضة وضرورة، فهو فريضة شرعية، وضرورة قومية وإنسانية.

أما إنه فريضة فقد أوجب الله على الحكام والمحكومين أن يرجعوا إلى حكمه وحكم رسوله في كل شئونهم، ولم يجعل لهم في ذلك خيارًا بموجب عقد الإيمان في صدورهم.

فأما الحكَّام فحسبنا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: 44).. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (المائدة: 45).. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (المائدة: 47). وأما المحكومون فحسبنا قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65).

وحسب الجميع قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب:36)، ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور:51).

وأما إنه ضرورة قومية وإنسانية فلأن أمتنا خاصة والبشرية عامة جَرَّبت الفلسفات البشرية، والأنظمة الوضعية، فلم تَجْنِ من ورائها السعادة التي ترجوها، والحياة الطيبة التي تنشدها، بل فقدت كل معنى جميل تسعى إليه وتحرص عليه، فقد الفرد سكينة نفسه، وفقدت الأسرة استقرارها وترابطها، وفقد المجتمع تماسكه وتوازنه، وفقد العالم كله أمنه وسلامه،ولا بد للبشرية من طب جديد يعالج أدواءها، دون أن يجلب عليها أمراضًا جديدة.

إذا استشفيتَ من داءٍ بداءٍ

فأقتل ما أعلَّكَ ما شفاكَ!!

وليس هذا الطب الجديد إلا الإسلام الذي جمع الله فيه بين مصالح الدنيا والآخرة.. بين مطالب الجسم وتطلعات الروح.. بين حظ النفس وحق الله تعالى.. بين حرية الفرد ومصلحة الجماعة. ولا غرو فهو عدل الله لعباده، وشرعة الخالق لإصلاح خلقه: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك: 14).

وقد أكدَّ حسن البنا هذا المعنى الأساسي في كل رسائله ومقالاته ومحاضراته: المطالبة بحكم القرآن وإقامة دولة الإسلام، محاربًا بذلك الفكرة (العلمانية) الخبيثة الدخيلة، التي تنادي بفصل الدِّين عن الدولة في الحكم والتشريع والقضاء والتعليم والإعلام والثقافة وغيرها، فلئن جاز هذا في عُرْف النصرانية التي يقول إنجيلها: "دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله"!! لا يجوز ذلك أبدًا في عُرف الإسلام الذي لا يقبل قسمة الحياة، ولا قسمة الإنسان بحال من الأحوال، بل يعتبر قيصرًا وما لقيصر، والحياة كلها، والإنسان كله لله الواحد القهار.

يقول الإمام الشهيد في رسالته (إلى الشباب): "نريد (الحكومة المسلمة) التي تقود الشعب إلى المسجد، وتحمل به الناس على هدي الإسلام من بعد، كما حملتهم على ذلك بأصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: أبي بكر وعمر من قبل، ونحن لهذا لا نعترف بأي نظام حكومة لا يرتكز على أساس الإسلام، ولا يُستمد منه، ولا نعترف بهذه الأحزاب السياسية، ولا بهذه الأشكال التقليدية التي أرغمَنا أهلُ الكفر وأعداء الإسلام على الحكم بها والعمل عليها، وسنعمل على إحياء نظام الحُكم الإسلامي بكل مظاهره، وتكوين الحكومة الإسلامية على أساس هذا النظام" (من رسالة إلى الشباب صـ 177 من مجموعة الرسائل).

وفي (رسالة المؤتمر الخامس) يعرض لهذه النقطة بمزيد من الإيضاح والبيان، فيجيب عن تساؤلات الناس عن (موقف الإخوان من الحكم) فيقول:
الامام-البنا-يخطب-فى-الناس.jpg
"ويتساءل فريق آخر من الناس: هل في منهاج الإخوان المسلمين أن يُكَوِّنوا حكومة وأن يطالبوا بالحكم؟ وما وسيلتهم في ذلك؟ ولا أَدَع هؤلاء المتسائلين أيضًا في حَيْرَة، ولا نبخل عليهم بالجواب، فالإخوان المسلمون يسيرون في جميع خطواتهم وآمالهم وأعمالهم على هدي الإسلام الحنيف كما فهموه، وكما أبانوا عن فهمهم هذا في أول هذه الكلمة، وهذا الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنًا من أركانه، ويعتمد على التنفيذ كما يعتمد على الإرشاد، وقديمًا قال الخليفة الثالث رضي الله عنه: إن الله ليَزَع بالسلطان ما لا يَزَع بالقرآن (البداية والنهاية (2/10))، وقد جعل النبي- صلى الله عليه وسلم- الحكم عروة من عرى الإسلام (إشارة إلى حديث: "لتنقضن عُرَى الإسلام عُروة عُروة، فأولها نقضا: الحُكم، وآخرها نقضًا الصلاة"، وقد رواه أحمد في المسند (22160) وقال محققوه: إسناده جيد، وابن حبان في صحيحه كتاب التاريخ (15/111)، وقال الأرناؤوط: إسناده قوي، والطبراني في الكبير (8/98)، والحاكم في المستدرك كتاب الأحكام (4/104)، وقال: والإسناد كله صحيح و لم يخرجاه، والبيهقي في الشعب (4/326) عن أبي أمامة).

والحُكْم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول، لا من الفقهيات والفروع، فالإسلام حُكْم وتنفيذ، كما هو تشريع وتعليم، كما هو قانون وقضاء، لا ينفك واحد منها عن الآخر، والمصلح الإسلامي إن رضي لنفسه أن يكون فقيهًا مرشدًا يقرِّر الأحكام، ويرتِّل التعاليم، ويسرد الفروع والأصول، وترك أهل التنفيذ يشرِّعون للأمة ما لم يأذن به الله، ويحملونها بقوة التنفيذ على مخالفة أوامره.. فإن النتيجة الطبيعية أن صوت هذا المصلح سيكون صرخة في واد، ونفخة في رماد، كما يقولون.

قد يكون مفهومًا أن يقنع المصلحون الإسلاميون برتبة الوعظ والإرشاد إذا وجدوا من أهل التنفيذ إصغاءً لأوامر الله، وتنفيذًا لأحكامه، وإيصالاً لآياته وأحاديث نبيه- صلى الله عليه وسلم- أما والحال كما نرى: التشريع الإسلامي في واد، والتشريع الفعلي والتنفيذي في واد آخر، فإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يُكَفِّرها إلا النهوض، واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف، هذا كلام واضح لم نأت به من عند أنفسنا، ولكننا نقرِّر به أحكام الإسلام الحنيف، وعلى هذا فالإخوان المسلمون لا يطلبون الحكم لأنفسهم، فإن وجدوا من الأمة مَنْ يستعد لحمل هذا العبء وأداء هذه الأمانة والحكم بمنهاج إسلامي قرآني فهم جنوده وأنصاره وأعوانه، وإن لم يجدوا فالحُكم من منهاجهم، وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله.

وعلى هذا فالإخوان أعقل وأحزم من أن يتقدموا لمهمة الحكم ونفوس الأمة على هذا الحال، فلا بد من فترة تُنشر فيها مبادئ الإخوان وتسود، ويتعلم فيها الشعب كيف يُؤْثِر المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.

وكلمة لا بد أن نقولها في هذا الموقف، هي: أن الإخوان المسلمون لم يروا في حكومة من الحكومات التي عاصروها- لا الحكومة القائمة ولا الحكومة السابقة ولا غيرهما من الحكومات الحزبية- مَنْ ينهض بهذا العبء، أو من يبدي الاستعداد الصحيح لمناصرة الفكرة الإسلامية، فلتعلم الأمة ذلك، ولتطالب حُكَّامها بحقوقها الإسلامية، وليعمل الإخوان المسلمون.

وكلمة ثانية: إنه ليس أعمق في الخطأ من ظنِّ بعض الناس أن الإخوان المسلمين كانوا في أي عهد من عهود دعوتهم مطيَّةً لحكومة من الحكومات، أو منفذين لغاية غير غايتهم، أو عاملين على منهاج غير منهاجهم، فليعلم ذلك مَنْ لم يكن يعلمه من الإخوان ومن غير الإخوان) (مجموعة الرسائل، رسالة المؤتمر الخامس صـ 136، 137).

وفي رسالة التعاليم: شرح مجالات (العمل) الذي هو أحد أركان الدعوة أو (البيعة) فذكر أن المجال الخامس هو:

(إصلاح الحكومة حتى تكون إسلاميةً بحق، وبذلك تؤدي مهمتها كخادم للأمة وأجير عندها، وعامل على مصلحتها، والحكومة إسلامية ما كان أعضاؤها مسلمين مؤدين لفرائض الإسلام غير متجاهرين بعصيان، وكانت منفذةً لأحكام الإسلام وتعاليمه.

ولا بأس أن نستعين بغير المسلمين عند الضرورة في غير مناصب الولاية العامة، ولا عبرة بالشكل الذي تتخذه ولا بالنوع، ما دام موافقًا للقواعد العامة في نظام الحكم الإسلامي. ومن صفاتها: الشعور بالتَّبِعة، والشفقة على الرعية، والعدالة بين الناس، والعفَّة عن المال العام، والاقتصاد فيه.

ومن واجباتها: صيانة الأمن، وإنفاذ القانون، ونشر التعليم، وإعداد القوة، وحفظ الصحة، ورعاية المنافع العامة، وتنمية الثروة، وحراسة المال، وتقوية الأخلاق، ونشر الدعوة.

ومن حقها- متى أدت واجبها-: الولاء والطاعة، والمساعدة بالنفس والأموال.

فإذا قصرت: فالنصح والإرشاد، ثم الخلع والإبعاد، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) (من رسالة (التعاليم) من مجموعة الرسائل صـ 360،361).


موقف الإخوان من استخدام القوة:

ولا ينسى حسن البنا- رحمه الله- في رسالته هذه الجامعة إلى المؤتمر الخامس للإخوان: أن يبيِّن بصراحة موقف الحركة من استخدام القوة العسكرية، أو اللجوء إلى الثورة الشعبية العامة، فيقول: (ويتساءل كثير من الناس: هل في عزم الإخوان المسلمين أن يستخدموا القوة في تحقيق أغراضهم والوصول إلى غايتهم؟ وهل يفكر الإخوان المسلمون في إعداد ثورة عامة على النظام السياسي أو النظام الاجتماعي في مصر؟ ولا أريد أن أَدَع هؤلاء المتسائلين في حَيْرَة، بل إني أنتهز هذه الفرصة فأكشف اللِّثام عن الجواب السافر لهذا في وضوح وفي جلاء، فليسمع مَنْ يشاء:

أما القوة فشعار الإسلام في كل نُظمه وتشريعاته، فالقرآن الكريم ينادي في وضوح وجلاء: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال:6)، والنبي- صلى الله عليه وسلم- يقول: "المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف" (رواه مسلم في القدر (2664)، وأحمد في المسند (8791)، وابن ماجه في المقدمة (79)، والنسائي في الكبرى كتاب عمل اليوم والليلة (10386) عن أبي هريرة).

بل إن القوة شعار الإسلام حتى في الدعاء وهو مظهر الخشوع والمسكنة، واسمع ما كان يدعو به النبي- صلى الله عليه وسلم- في خاصة نفسه ويعلِّمه أصحابه ويناجي ربه:"اللَّهم إني أعوذ بك من الهمِّ والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجُبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدَّيْن وقهر الرجال" (رواه البخاري في الدعوات (6369)، ومسلم في الذكر والدعاء (2706)، وأحمد في المسند (12616)، وأبو داود في الصلاة (1541)، والترمذي في الدعوات (3484)، والنسائي في الاستعاذة (5452) عن أنس).

ألا ترى في هذه الأدعية أنه قد استعاذ بالله من كل مظهر من مظاهر الضعف- ضعف الإرادة بالهمِّ والحزن، وضعف الإنتاج بالعجز والكسل، وضعف الجيب والمال بالجبن والبخل، وضعف العزة والكرامة بالدَّيْن والقهر- فماذا تريد من إنسان يتبع هذا الدِّين إلا أن يكون قويًّا في كل شيء، شعاره القوة في كل شيء؟ فالإخوان المسلمون لا بد أن يكونوا أقوياء، ولا بد أن يعملوا في قوة.

ولكن الإخوان المسلمين أعمق فكرًا وأبعد نظرًا أن تستهويهم سطحية الأعمال والفكر، فلا يغوصون إلى أعماقها، ولا يَزِنوا نتائجها وما يُقصد منها وما يراد بها، فهم يعلمون أن أول درجة من درجات القوة قوة العقيدة والإيمان، ويلي ذلك قوة الوَحدة والارتباط، ثم بعد ذلك قوة الساعد والسلاح- ولا يصح أن توصف جماعة بالقوة حتى تتوفر لها هذه المعاني جميعا، وأنها إذا استخدمت قوة الساعد والسلاح وهي مفككة الأوصال مضطربة النظام، أو ضعيفة العقيدة خامدة الإيمان، فسيكون مصيرها الفناء والهلاك- هذه نظرة.

ونظرة أخرى: هل أوصى الإسلام-والقوة شعاره- باستخدام القوة في كل الظروف والأحوال؟ أم حدَّد لذلك حدودًا واشترط شروطًا ووجَّه القوة توجيهًا محـدودًا؟

ونظرة ثالثة: هل تكون القوة أول علاج أم إنَّ آخر الدواء الكي؟ وهل من الواجب أن يوازن الإنسان بين نتائج استخدام القوة النافعة ونتائجها الضارة، وما يحيط بهذا الاستخدام من ظروف؟ أم من واجبه أن يستخدم القوة وليكن بعد ذلك ما يكون؟

هذه نظرات يلقيها الإخوان المسلمون على أسلوب استخدام القوة قبل أن يقدموا عليه، والثورة أعنف مظاهر القوة، فنظر الإخوان المسلمين إليها أدق وأعمق، وبخاصة في وطن كمصر، جرَّب حظه في الثورات، فلم يجنِ من ورائها إلا ما تعلمون، وبعد كل هذه النظرات والتقديرات أقول لهؤلاء المتسائلين: إن الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة العملية حيث لا يُجدي غيرها، وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عُدَّة الإيمان والوَحدة، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء، سَيُنْذِرون أولاً، وينتظرون بعد ذلك، ثم يُقْدِمون في كرامة وعزة، ويحتملون كل نتائج موقفهم هذا بكل رضاء وارتياح.

أما الثورة فلا يفكر الإخوان المسلمون فيها، ولا يعتمدون عليها، ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها، وإن كانوا يصارحون كل حكومة في مصر بأن الحال إذا دامت على هذا المنوال ولم يفكر أُلو الأمر في إصلاح عاجل، وعلاج سريع لهذه المشاكل، فسيؤدي ذلك حتمًا إلى ثورة ليست من عمل الإخوان المسلمين ولا من دعوتهم، ولكن من ضغط الظروف ومقتضيات الأحوال، وإهمال مرافق الإصلاح، وليست هذه المشاكل التي تتعقد بمرور الزمن ويستفحل أمرها بمضي الأيام إلا نذيرًا من هذه النُّذُر، فليسرع المنقذون بالأعمال) (انظر: (رسالة المؤتمر الخامس) صـ 134 – 136).


(4)إقامة الأمة المسلمة

الدعامة الرابعة من دعائم التربية السياسية عند حسن البنا: هي إقامة الأمة المسلمة، التي تنتظم شعوب الإسلام في الوطن الإسلامي أو العالم الإسلامي في رابطة واحدة، تحت راية الإسلام، الذي يجمع ولا يفرق، ويُوَحِّد أبناء القبيلة وراء زعامة محمد عليه الصلاة والسلام.

وقد أشار إليها الإمام البنا في الأصل الأول من (الأصول العشرين)- بجانب الدولة والوطن- هو ما يتعلق بالأمة، فالإسلام دولة ووطن أو حكومة وأمة، فكما يُعْنى الإسلام بالسُّلطة الحاكمة: يُعْنى كذلك- بل قبل ذلك- بالأمة التي تختار السلطة، وتنبثق عنها الدولة.

وقد وُلِدَ الإسلام في جزيرة العرب، وهي قائمة على القَبِيلة والعصبية لها، فالقبيلة هي أساس الولاء، ومصدر الاعتزاز والانتماء، فلا مكان لابن القبيلة إلا بها، بل لا وجود له إلا بها، فهي النَّسب والحَسب، وهي السلطة والقوة، وهي الاقتصاد والسياسة، يرضى برضاها، ويغضب بغضبها، أو بغضب شيخها، ويتعصب لابن القبيلة محقًّا كان أو مبطلاً، شعار كل واحد فيها: (انصر أخاك- أي ابن القبيلة- ظالمًا أو مظلومًا) بالمعنى الظاهري للعبارة، وكل قبيلة تحاول أن تستعلي على القبيلة الأخرى، وتنقص من أطرافها، ولهذا كثرت الغارات من بعضهم على بعض، حتى قال قائلهم:

وأحيانًا على بكر أخينا

إذا ما لم نجد إلا أخانا!

فلما جاء الإسلام نقلهم نقلة كبيرة في عالَم الفكر، وعالَم الشعور، وعالَم الواقع، نقلهم من سجن القَبَلية الضيقة، إلى باحة الأمة الواسعة، وحذَّر أشدَّ التحذير من الدعوة إلى العصبية بكل ألوانها، وخصوصا العصبية للقبيلة، وفي الحديث: "ليس منا مَن دعا إلى عصبية، أو قاتل على عصبية، أو مات على عصبية" (رواه أبو داود في الأدب (5121) عن جبير بن مطعم. والحديث فيه ضعف، ولكن يشهد له حديث مسلم الآتي بعده)، "ومن قاتل تحت راية عُمَّية، يغضب لعَصَبة، أو يدعو إلى عَصبة، أوينصر عَصبة، فقُتِل، فقتلة جاهلية" (رواه مسلم في الإمارة (1848)، وأحمد في المسند (7944)، والنسائي في تحريم الدم (4114)، وابن ماجه في الفتن (3948) عن أبي هريرة، وعُمَّية: الأمر لا يستبين وجهه).

وسُئل- صلى الله عليه وسلم- عن (العصبية) فقال: "أن تعين قومك على الظلم" (رواه أبو داود في الأدب (5119)، وابن ماجة في الفتن (3949)، والطبراني في الكبير (22/78)، والبيهقي في الكبرى كتاب الشهادات (10/234) عن واثلة بن الأسقع، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (1093))، ففسَّرها بأثرها في واقع المجتمع القبلي، فصاحب العصبية مع جماعته وإن جاروا وظلموا. على خلاف ما جاء به الإسلام من القيام بالقسط: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (النساء:135)، ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا﴾ (المائدة:8).

وفي لحظة من لحظات الضعف البشري أطلَّت النزعة القَبَلية عند بعض الصحابة، فتنادوا بأسماء قبائلهم: يا بني فلان. ويا بني عِلاَّن. فغضب النبي- صلى الله عليه وسلم- أشد الغضب، وقال: "أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟!" (ذكره ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا...) (آل عمران:103) (1/389))، وقال عن دعوة العصبية كلمته المعبرة: "دعوهـا فإنها منتنة" (رواه البخاري في التفسير (4905)، ومسلم في البر والصلة والآداب (2584)، وأحمد في المسند (14632) والترمذي في التفسير (3315) عن جابر بن عبد الله).

لقد أراد الإسلام أن يبني (أمة) على أساس العقيدة والفكرة، وليس على أساس مادي أو أرضي أو عِرقي مما يبني عليه البشر أُممهم، من عنصر أو لون أو لغة أو أرض، مما ليس للإنسان فيه إرادة أو اختيار، بل هو قدر مفروض عليه، فلم يختر الإنسان جنسه ولا لونه ولا لغته ولا أرضه التي وُلِد فيها، إنما ورث هذا كله دون أن يكون له رأي فيه.

أما العقيدة.. فالأصل فيها أنها من اختيار الإنسان: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة:256)، وإيمان المقلِّد مشكوك في قبوله، بل مرفوض عند المحقِّقين من علماء المسلمين.

أراد الإسلام للمسلمين أن يكونوا أمةً تنتسب إلى الحق، لا إلى زيد أو عمرو من البشر، فهي لا تقوم على رابطة عِرقية ولا لونية ولا إقليمية ولا طبقية، بل هي أمة عقيدة ورسالة قبل كل شيء.

هي أمة محمد، لأنه داعيها إلى الله، وهاديها إلى الصراط المستقيم، ومُخرجها من الظلمات إلى النور بإذن الله، وهي أمة القرآن، لأنه كتاب ربها الذي أنزل إليها، ليهديها للَّتي أقوم، ويعلمها من جهالة، ويهديها من ضلالة، ويضع في أيديها موازين الحق، ومفاتيح الخير، وبصائر الهُدَى، ومعالم الرشد. هي أمة الإسلام، أو أمة المسلمين كما قال تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (الحج:78).

وهي أمة الإيمان أو أمة المؤمنين، ولهذا تُنادَى في القرآن بـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وهذه الأمة أمة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي لم تُفضَّل على غيرها إلا بما تحمل من رسالة الخير والهداية للإنسانية، كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران:110)، وقوله عز وجل ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران:104).

وهي الأمة (الوسط) كما وصفها الله تعالى في كتابه، وبَوَّأها مكانة الشهادة على البشرية، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة:143).

هذه الأمة أمة دعوة ورسالة عالمية؛ لأنها مبعوثة بما بُعث به رسولها إلى الناس كافة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:107)، ولهذا خاطبها رسولها قائلاً: "إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين" (رواه البخاري في الوضوء (220)، وأحمد في المسند (7255)، وأبو داود في الطهارة (380)، والترمذي في الطهارة (147)، والنسائي في الطهارة(56))، وقال أحد أبناء هذه الأمة- رِبعِي بن عامر- أمام قائد الفرس: إن الله ابتعثنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سَعَتها، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإسلام!

هكذا كان يشعر الصحابة ومن اتبعهم بإحسان: أنهم مبعوثون من الله لهداية الخلق، والأخذ بأيديهم إلى طريق النور، وإنقاذهم من براثن الطواغيت الذين أضلُّوهم عن سواء السبيل.

ولقد أقام الإسلام أمةً كبرى، جمعت بينها العقيدة الواحدة، والشريعة الواحدة، والقِبلة الواحدة، والقِيَم الواحدة، والآداب الواحدة، والمفاهيم الواحدة، والمشاعر الواحدة.، وحسب وحدتها أمام العالم أمور ثلاثة:

1- وحدة المرجعية، فكلها تحتكم إلى الشريعة الإسلامية المُستمدَّة من القرآن والسنة، على اختلاف المذاهب، وتعدُّد المدارس والمشارب.

2- وحدة (دار الإسلام) التي يعبَّر عنها اليوم بـ(الوطن الإسلامي) فرغم تعدُّد الأقطار، وتباعد الديار، يعبِّر فقهاء الإسلام جميعا عنها بكلمة (دار الإسلام)، فهي دار واحدة وليست ديارًا.

3- وحدة (القيادة السياسية) التي يمثِّلها الخليفة أو الإمام الأعظم، الذي يختاره أهل الحل والعقد في الأمة اختيارًا حرًّا، وتبايعه الأمة بكل فئاتها بيعة عامة.

وقد ظلَّت هذه الخلافة أو القيادة الإسلامية العامة ثلاثة عشر قرنًا أو تزيد، والأمة المسلمة منضوية تحت لوائها، على ما كان في بعضها من مآخذ وعيوب، ولكنها جميعها كانت تؤمن بمرجعية الإسلام، ووحدة أمته، ووحدة داره، إلى أن سعى الساعون، وكاد الكائدون، لهدم هذه القلعة التاريخية، وهتك هذه المظلة الإسلامية، فألغيت الخلافة الإسلامية على يد (أتاتورك) سنة1924م، وانتهى آخر تجمُّع للمسلمين تحت لواء العقيدة الإسلامية، ولم يأذن الله بعد بعودة هذه القيادة من جديد.

ولا زالت هناك جماعاتٌ تسعى لإعادة الخلافة من جديد، وإحياء الأمة الإسلامية، الموجودة عند كثيرين في الفكر والشعور، وإن لم تكن موجودة في الواقع (انظر: كتابنا (الأمة الإسلامية حقيقة لا وهم) صـ31 - 32 طبعة مكتبة وهبة في مصر، ومؤسسة الرسالة في بيروت).

ومن أقوال الأستاذ البنا في ذلك: ما ذكره في رسالة التعاليم، وهو يشرح (ركن العمل) وقد ذكر فيه: إصلاح الفرد والبيت والمجتمع، وتحرير الوطن، وإصلاح الحكومة ثم قال:

"وإعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية، بتحرير أوطانها، وإحياء مجدها، وتقريب ثقافتها، وجمع كلمتها، حتى يؤدي ذلك كله إلى إعادة الخلافة المفقودة، والوَحدة المنشودة" (انظر: (رسالة التعاليم) من مجموع الرسائل صـ361).

وبهذا ينظر الأستاذ إلى إعادة الخلافة نظرة واقعية، فليست الخلافة بالأمر الهَيِّن، الذي ينشأ بمجرد الإعلان عنه، أو مبايعة حاكم على تسميته بذلك، بل لا بد من خطوات فكرية وثقافية وعملية ممهِّدة، ولا سيما بعد ما مزَّق الاستعمار وخلفاؤه نسيج الأمة، وباعدوا بين أقطارها وأجناسها.


وقد عاد الإمام البنا لأمر الخلافة، وتحدث عنها في (رسالة المؤتمر الخامس) فقال:

(ولعل من تمام هذا البحث أن أعرض لموقف الإخوان المسلمين من الخلافة وما يتصل بها، وبيان ذلك: أن الإخوان يعتقدون أن الخلافة رمز الوَحدة الإسلامية، ومظهر الارتباط بين أمم الإسلام، وأنها شعيرة إسلامية يجب على المسلمين التفكير في أمرها، والاهتمام بشأنها، والخليفة مناط كثير من الأحكام في دين الله، ولهذا قدَّم الصحابة رضوان الله عليهم النظر في شأنها على النظر في تجهيز النبي- صلى الله عليه وسلم- ودفنه، حتى فرغوا من تلك المهمة، واطمأنوا إلى إنجازها.

والأحاديث التي وردت في وجوب نَصْب الإمام، وبيان أحكام الإمامة وتفصيل ما يتعلق بها لا تدع مجالا للشك في أنَّ واجب المسلمين أن يهتموا بالتفكير في أمر خلافتهم منذ حُوِّرت عن مناهجها ثم أُلغيت بتاتًا إلى الآن.

والإخوان المسلمون لهذا يجعلون فكرة الخلافة والعمل لإعادتها في رأس مناهجهم، وهم مع هذا يعتقدون أن ذلك يحتاج إلى كثير من التمهيدات التي لا بد منها، وأن الخطوة المباشرة لإعادة الخلافة لا بد أن تسبقها خطوات) (انظر: (رسالة المؤتمر الخامس) صـ 141 – 144).


(5)إيقاظ الوعي بوجوب الوحدة الإسلامية

الدعامة الخامسة، وهي تتمة للدعامة الرابعة: إيقاظ الوعي والشعور بوجوب الوَحدة الإسلامية وضرورتها. فهي أيضا فريضة دينية، وضرورة دنيوية.

أما فرضيتها، فلأنَّ الله جعل المسلمين (أمة واحدة) يسعى بذمتهم أدناهم وهم يَدٌ على مَنْ سواهم: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (المؤمنون:52)

كما أوجب الإسلام أن يكون للمسلمين-حيثما كانوا- ومهما اتسعت أقطارهم (إمام) واحد، هو رأس دولتهم، ورمز وحدتهم، حتى إن مَنْ مات وليس في عنقه بيعة لإمام مات ميتة جاهلية (رواه مسلم في الإمارة (1851)، والبيهقي في الكبرى كتاب قتال أهل البغي (8/156) عن ابن عمر).

وأما ضرورية هذه الوَحدة، فلما هو معلوم من أن الاتحاد قوة، والتفرق ضعف، فاللَّبنة الواحدة بمفردها ضعيفة، ولكن اللَّبنة إذا ضُمت إلى أخواتها: تُكوِّن بنيانًا متينًا يشدُّ بعضه بعضًا، يصعب هدمه أو النيْل منه، وإذا كانت الوَحدة مطلوبة في كل زمن، فهي في زمننا أشد ما تكون طلبا، فعصرنا عصر التكتلات، والكيانات الصغيرة لا بقاء لها.

ولهذا رأينا الإمام الشهيد ينادي بالوَحدة الإسلامية، ويدعو إلى التفكير بجِد لإعادة الخلافة، وينتهز كل فرصة لتأكيد هذه المعاني وتثبيتها في عقول الإخوان وقلوبهم، حتى يشبَّ عليها الصغير، ويَهْرَم عليها الكبير.

لا تنافي بين الوحدة الإسلامية والوطنية المعروفة:

وهو لا يرى تنافيًا بين الدعوة إلى الوَحدة الإسلامية، والدعوة إلى الوَحدة الوطنية، أو الوَحدة العربية، إذا فُهِم كل منها الفهم السليم، ووُضِعَت في موضعها الصحيح.

استمع إليه في (رسالة المؤتمر الخامس) وهو يبيِّن موقف الإسلام- وبالتالي موقف الإخوان- من هذه الألوان أو المراتب من الوَحدة (الوطنية والعربية والإسلامية) فيقول:

(إن الإسلام قد فرضها فريضة لازمة لا مناص منها: أن يعمل كل إنسان لخير بلده وأن يتفانى في خدمته، وأن يقدم أكبر ما يستطيع من الخير للأمة التي يعيش فيها، وأن يقدِّم في ذلك الأقرب فالأقرب رحمًا وجوارًا، حتى إنه لم يُجِز أن تُنقل الزكوات أبعد من مسافة القصر إلا لضرورة، إيثارًا للأقربين بالمعروف، فكل مسلم مفروض عليه أن يسدَّ الثغرة التي هو عليها، وأن يخدم الوطن الذي نشأ فيه، ومن هنا كان المسلم أعمق الناس وطنية, وأعظمهم نفعًا لمواطنيه، لأن ذلك مفروض عليه من رب العالمين، وكان الإخوان المسلمون أشدَّ الناس حرصًا على وطنهم، وتفانيًا في خدمة قومهم، وهم يتمنون لهذه البلاد العزيزة المجيدة كل عزة ومجد وكل تقدم ورقي، وكل فلاح ونجاح، وقد انتهت إليها رياسة الأمم الإسلامية بحكم ظروف كثيرة تضافرت على هذا الوضع الكريم.

ثم إن هذا الإسلام الحنيف نشأ عربيًّا ووصل إلى الأمم عن طريق العرب، وجاء كتابه الكريم بلسان عربي مبين، وتوحدت الأمم باسمه على هذا اللسان يوم كان المسلمون مسلمين، وقد جاء في الأثر: "إذا ذلَّت العرب ذلَّ الإسلام" (رواه أبو يعلى في المسند (3/402) عن جابر بن عبد الله، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أبو يعلى وفيه محمد بن الخطاب البصري ضعفه الأزدي وغيره، ووثَّقه ابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح (10/26)، وقال المناوي في فيض القدير: قال العراقي في الغريب: صحيح ... ورمز المصنف لضعفه باطل (1/348))، وقد تحقَّق هذا المعنى حين دال سلطان العرب السياسي، وانتقل الأمر من أيديهم إلى غيرهم من الأعاجم والدَيْلَم ومَنْ إليهم، فالعرب هم عُصبة الإسلام وحُرَّاسه.

وأحب هنا أن ننبِّه إلى أن الإخوان المسلمين يعتبرون العروبة كما عرَّفها النبي- صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه ابن كثير عن معاذ بن جبل رضي الله عنه: "ألا إن العربية اللسان، ألا إن العربية اللسان" (رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (21/407) عن معاذ بن جبل، وقال شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم: هذا الحديث ضعيف وكأنه مركب على مالك، لكن معناه ليس ببعيد بل هو صحيح من بعض الوجوه صـ169).

ومن هنا كانت وحدة العرب أمرًا لا بد منه لإعادة مجد الإسلام وإقامة دولته وإعزاز سلطانه، ومن هنا يجب على كل مسلم أن يعمل لإحياء الوَحدة العربية وتأييدها ومناصرتها، وهذا هو موقف الإخوان المسلمين من الوَحدة العربية.

بقي علينا أن نحدد موقفنا من الوَحدة الإسلامية، والحقُّ أن الإسلام كما هو عقيدة وعبادة، هو وطن وجنسية، وأنه قد قضى على الفوارق النسبية بين الناس، فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات:10)، والنبي- صلى الله عليه وسلم- يقول: "المسلم أخو المسلم" (رواه البخاري في المظالم (2442)، ومسلم في البر والصلة والآداب (2580)، وأحمد في المسند (5646)، وأبو داود في الأدب (4893)، والترمذي في الحدود (1426)، والنسائي في الرجم (7251) عن ابن عمر) "المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على مَنْ سواهم" (رواه أحمد في المسند (6692) وقال محققوه: صحيح وهذا إسناد حسن، وأبو داود في الجهاد (2751)، وابن أبي شيبة في المصنف كتاب الديات (5/495) عن عبد الله بن عمرو).

فالإسلام والحالة هذه لا يعترف بالحدود الجغرافية، ولا يعتبر الفوارق الجنسية الدموية، ويعتبر المسلمين جميعًا أمةً واحدةً، ويعتبر الوطن الإسلامي وطنًا واحدًا، مهما تباعدت أقطاره وتناءت حدوده، وكذلك الإخوان المسلمون يقدِّسون هذه الوَحدة، ويؤمنون بهذه الجامعة، ويعملون لجمع كلمة المسلمين وإعزاز أخوة الإسلام، ينادون بأن وطنهم هو كل شِبر أرض فيه مسلم يقول: لا إله إلى الله محمد رسول الله) (انظر: (رسالة المؤتمر الخامس) من مجموعة رسائل الإمام البنا صـ141،142).

ويرد الإمام البنا على اليائسين والموئسين من توحيد كلمة المسلمين، الذين يقولون: إن هذا غير ممكن، والعمل له عبث لا طائل تحته، ومجهود لا فائدة منه، وخيرٌ للذين يعملون لهذه الجامعة أن يعملوا لأقوامهم ويخدموا أوطانهم الخاصة بجهودهم: (بأن هذه لغة الضعف والاستكانة.

فقد كانت هذه الأمم مفرّقة من قبل متخالفة في كل شيء: في الدين واللغة، والمشاعر والآمال، فوحَّدها الإسلام وجمع قلوبها على كلمة سواء، وما زال الإسلام كما هو بحدوده وبرسومه، فإذا وُجِِدَ من أبنائه مَنْ ينهض بعبء الدعوة إليه وتجديده في نفوس المسلمين، فإنه يجمع هذه الأمم جميعا من جديد كما جمعها من قديم، والإعادة أهون من الابتداء، والتجربة أصدق دليل على الإمكان.

وضح إذن أن الإخوان المسلمين يحترمون قوميتهم الخاصة؛ باعتبارها الأساس الأول للنهوض المنشود، ولا يرون بأسًا بأن يعمل كل إنسان لوطنه، وأن يُقدِّم الوطن على سواه، ثم هم بعد ذلك يؤيدون الوَحدة العربية باعتبارها الحلقة الثانية في النهوض، ثم هم يعملون للجامعة الإسلامية؛ باعتبارها السياج الكامل للوطن الإسلامي العام، ولي أن أقول بعد هذا: إن الإخوان يريدون الخير للعالَم كله، فهم ينادون بالوَحدة العالمية، لأن هذا هو مرمى الإسلام وهدفه، ومعنى قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:107).

وأنا في غِنَى بعد هذا البيان عن أن أقول: إنه لا تعارض بين هذه الوحدات بهذا الاعتبار، وبأنَّ كُلاً منها تشدُّ أزر الأخرى، وتحقق الغاية منها، فإذا أراد أقوام أن يتخذوا من المناداة بالقومية الخاصة سلاحًا يُميت الشعور بما عداها، فالإخوان المسلمون ليسوا معهم، ولعل هذا هو الفارق بيننا وبين كثير من الناس) (انظر: (رسالة المؤتمر الخامس) من مجموعة رسائل الإمام البنا صـ 143، 144).

الفكرة الوحدوية لا تنافي الفكرة الوطنية أو القومية:

ومن المعلوم أن الذين يدعون إلى الوَحدة الإسلامية، أو حتى الوَحدة العربية، يصطلحون عادةً مع دعاة الفكرة الوطنية الضيقة، التي تريد الانغلاق على نفسها، وتحبس نفسها في قفصها الإقليمي، بمعزل عن سائر قومها من العرب، إذا وقفنا عند المنظور القومي، أو المسلمين إذا وسَّعنا أفقَنا إلى المنظور الإسلامي.

ولكن حسن البنا كان حريصًا أبدًا أن يزيل وهم التعارض بين الوَحدة الوطنية، والوَحدة العربية، والوَحدة الإسلامية، كما نقلنا عنه فيما سبق، ولكنه يركِّز على هذا المعنى في أكثر من رسالة من رسائله الموجَّهة لأبناء جماعته.

فقد رأيناه يتحدث في الأصل الأول من (أصوله العشرين) التي جعلها أساس فهم الإخوان لأسس دعوتهم، فكان في هذا الأصل: أن الأصل أن الإسلام دولة ووطن، أو حكومة وأمة، والواقع أنه لا دولة بدون وطن، فمن مقوِّمات الدولة أن يكون لها أرض مستقلَّة محدَّدة الأبعاد تسود فيها وتحكم. وهذه هي الوطن. اتِّهام الإخوان في وطنيتهم وردِّ حسن البنا:

وبعض دعاة الوطنية اتَّهم دعاة الإسلام عامةًَ والإخوان خاصةً بأنهم لا يتحمسون للوطن والوطنية، وهذا ليس صحيحًا؛ فإن أوطانهم جزء من أرض الإسلام، أو (دار الإسلام) التي يدافعون عنها بالأنفس والأموال، ويفدونها بالمُهَج والأرواح.

إنما الذي ينكرونه هو (العصبية الإقليمية) الضيقة، والمبالغة في الوطنية بحيث تصبح بديلاً عن الدِّين، ويغدو الوطن (وثنًا) يُعبد مع الله أو من دون الله!! وتمسي العاطفة الوطنية بديلاً عن العاطفة الدِّينية، وبعبارة أدق: العاطفة الإسلامية، ويصبح الولاء للوطن لا لله، والقسم بالوطن لا بالله، والبداية باسم الوطن لا باسم الله، والعمل لوجه الوطن لا لوجه الله.

هذا هو الذي يُنكر من الوطنية وليس حب الوطن ولا الذَوْد عنه، ولا العمل على تحريره وتقدمه وازدهاره، وفي هذا يقول الأستاذ البنا في رسالة (إلى الشباب):
الإمام البنا في حديث الثلاثاء
"يخطئ من يظن أن الإخوان المسلمين يتبرمون بالوطن والوطنية، فالإخوان المسلمون أشدُّ الناس إخلاصًا لأوطانهم وتفانيًا في خدمة هذه الأوطان، واحترامًا لكل مَن يعمل لها مخلصًا، وها قد علمت إلى أي حدٍّ يذهبون في وطنيتهم، وإلى أي عزة يبغون بأمتهم، ولكن الفارق بين الإخوان وبين غيرهم من دعاة الوطنية المجردة: أن أساس وطنية الإخوان العقيدة الإسلامية، فهم يعملون لوطن مثل مصر، ويجاهدون في سبيله، ويفنون في هذا الجهاد؛ لأن مصر من أرض الإسلام، وزعيمة أممه، كما أنهم لا يقفون بهذا الشعور عند حدودها، بل يُشركون معها فيه كل أرض إسلامية وكل وطن إسلامي، على حين يقف كل وطني مجرد عند حدود أمته، ولا يشعر بفريضة العمل للوطن إلا عن طريق التقليد أو الظهور أو المباهاة أو المنافع، لا عن طريق الفريضة المنزَّلة من الله على عباده، وحسبك من وطنية الإخوان المسلمين أنهم يعتقدون عقيدةً جازمةً لازمةً أن التفريط في أي شبر أرض يقطنه مسلم جريمة لا تُغتفر، حتى يعيدوه أو يهلكوا دون إعادته، ولا نجاة لهم من الله إلا بهذا) (من رسالة (إلى الشباب) صـ 180، من مجموعة رسائل الإمام الشهيد) أ. هـ.

الوطنية المقبولة والوطنية المردودة:

وفي رسالة أخرى- دعوتنا- يفصِّل الإمام البنا القول في الوطنية تفصيلاً، فقد كان الرجل حريصًا على تحديد المفاهيم الغامضة، أو المحتملة لاختلاف الأفهام، وعلى تفصيل المعاني والمصطلحات المجملة، وضبط الكلمات الهُلامية التي يفسِّرها كل فريق بما يمليه عليه هواه، أو تبعيته لفكرة معيّنة. بيَّن في هذه الرسالة الموقف من الدعوات المختلفة التي طغت في هذا العصر، ففرَّقت القلوب وبلبلت الأفكار، ومنها: الوطنية.

قال رحمه الله:

"افتتن الناس بدعوة الوطنية تارةً والقومية تارةً أخرى، وبخاصة في الشرق، حيث تشعر الشعوب الشرقية بإساءة الغرب إليها إساءةً نالت من عزتها وكرامتها واستقلالها، وأخذت من مالها ومن دمها، وحيث تتألم هذه الشعوب من هذا النِّير الغربي الذي فُرِضَ عليها فرضًا، فهي تحاول الخلاص منه بكل ما في وسعها من قوة ومَنَعَة وجهاد وجلاد، فانطلقت ألسن الزعماء، وسالت أنهار الصحف، وكتب الكاتبون، وخطب الخطباء، وهتف الهاتفون باسم الوطنية وجلال القومية.

حسن ذلك وجميل، ولكن غير الحسن وغير الجميل أنك حين تحاول إفهام الشعوب الشرقية-وهي مسلمة- أن ذلك في الإسلام بأوفى وأزكى وأسمى وأنبل مما هو في أفواه الغربيين، وكتابات الأوروبيين: أَبَوا ذلك عليك، ولجُّوا في تقليدهم يعمهون، وزعموا لك أن الإسلام في ناحية، وهذه الفكرة في ناحية أخرى، وظنَّ بعضهم أن ذلك مما يفرِّق وحدة الأمة، ويُضعف رابطة الشباب".

هذا الوهم الخاطئ كان خطرًا على الشعوب الشرقية من كل الوجهات، ولهذا الوهم أحببتُ أن أعرض هنا إلى موقف الإخوان المسلمين ودعوتهم من فكرة الوطنية، ذلك الموقف الذي ارتضوه لأنفسهم، والذي يريدون ويحاولون أن يرضاه الناس معهم.

وطنية العاطفة والخير:

إن كان دعاة الوطنية يريدون بها: حب هذه الأرض وألفتها والحنين إليها والانعطاف نحوها، فذلك أمر مركوز في فِطَر النفوس من جهة، مأمور به في الإسلام من جهة أخرى، وإن بلالاً الذي ضحَّى بكل شيء في سبيل عقيدته ودينه، هو بلال الذي كان يهتف في دار الهجرة بالحنين إلى مكة، في أبيات تسيل رقة وتقطر حلاوة (الحديث رواه البخاري في التمني (7231)، ومسلم في الحج (1376)، وأحمد في المسند (24360) عن عائشة، والشعر عند البخاري فقط).

ألا ليت شعري هل أبيتَنَّ ليلـةً

بوادٍ وحولي إذْخِرٌ وجليـلُ؟!

وهل أردَنْ يومًا مياه مجنةٍ

وهل يبدُوَنْ لي شامةٌ وطَفِيلُ؟!

ولقد سمع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وصف مكة من (أُصَيل) فجرى دمعه حنينًا إليها وقال: "يا أُصَيل دع القلوب تَقَر" (رواه أبو الشيخ في العظمة (4/1266) ونصه: "يا أُصيل لا تحزنا"، والخطابي في غريب الحديث (1/278) وفيه: "حسبك يا أُصيل").

وطنية الحرية:

وإن كانوا يريدون: أنَّ من الواجب العمل بكل جهد في تحرير البلد من الغاصبين وتوفير استقلاله له، وغرس مبادئ العزة في نفوس أبنائه، فنحن معهم في ذلك أيضًا، وقد شدَّد الإسلام في ذلك أبلغ التشديد فقال تبارك وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون:8)، ويقول: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ (النساء: 141).

وطنية المجتمع:

وإن كانوا يريدون بالوطنية: تقوية الرابطة بين أفراد القُطر الواحد، وإرشادهم إلى طريق استخدام هذه التقوية في مصالحهم، فذلك نوافقهم فيه أيضًا، ويراه الإسلام فريضةً لازمةً، فيقول نبيه- صلى الله عليه وسلم-: "وكونوا عباد الله إخوانا" (رواه البخاري في الأدب (6064)، ومسلم في البر والصلة والآداب (2559)، وأحمد في المسند (12691)، وأبو داود في الأدب (4910) عن أنس) ويقول القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (آل عمران:118). وإن كانوا يريدون بالوطنية: فتح البلاد، وسيادة الأرض، فقد فرض ذلك الإسلام ووجَّه الفاتحين إلى أفضل استعمار وأبرك فتح، فذلك قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (البقرة:193).

وطنية الحزبية والانقسام:

وإن كانوا يريدون بالوطنية: تقسيم الأمة إلى طوائف تتناحر وتتضاغن وتتراشق بالسباب وتترامى بالتُّهم، ويكيد بعضها لبعض، وتتشيع لمناهج وضعية أملَتها الأهواء وشكَّلتها الغايات والأغراض، وفسَّرتها الأفهام وفق المصالح الشخصية، والعدو يستغل كل ذلك لمصلحته، ويزيد وقود هذه النار اشتعالاً، ويُفرِّقهم في الحق، ويجمعهم على الباطل، ويُحرِّم عليهم اتصال بعضهم ببعض وتعاون بعضهم مع بعض، ويحل لهم هذه الصلة به والالتفاف حوله، فلا يقصدون إلا داره، ولا يجتمعون إلا زواره، فتلك وطنية زائفة لا خير فيها لدعاتها ولا للناس، فها أنت ذا قد رأيتَ أننا مع دعاة الوطنية، بل مع غلاتهم في كل معانيها الصالحة التي تعود بالخير على البلاد والعباد، وقد رأيتَ مع هذا أن تلك الدعوى الوطنية الطويلة العريضة لم تخرج عن أنها جزء من تعاليم الإسلام.

حدود الوطنية عند الإمام البنا:

أما وجه الخلاف بيننا وبينهم، فهو أننا نعتبر حدود الوطنية بالعقيدة وهم يعتبرونها بالتُّخوم الأرضية والحدود الجغرافية، فكل بقعة فيها مسلم يقول: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وطن عندنا له حُرمته وقداسته وحبه والإخلاص له، والجهاد في سبيل خيره، وكل المسلمين في هذه الأقطار الجغرافية أهلنا وإخواننا، نهتم لهم ونشعر بشعورهم ونحس بإحساسهم، ودعاة الوطنية فقط ليسوا كذلك، فلا يعنيهم إلا أمر تلك البقعة المحدودة الضيقة من رقعة الأرض، ويظهر ذلك الفارق العملي فيما إذا أرادت أمة من الأمم أن تقوِّي نفسها على حساب غيرها، فنحن لا نرضى ذلك على حساب أي قُطر إسلامي، وإنما نطلب القوة لنا جميعًا، ودعاة الوطنية المجرَّدة لا يرون في ذلك بأسًا، ومن هنا تتفكك الروابط، وتضعف القوى، ويضرب العدو بعضهم ببعض..

غاية الوطنية عند البنا:

هذه هي واحدة، والثانية أن الوطنيين فقط، جلُّ ما يقصدون إليه، تخليص بلادهم، فإذا ما عملوا لتقويتها بعد ذلك، اهتموا بالنواحي المادية كما تفعل أوروبا الآن، أما نحن فنعتقد أن المسلم في عنقه أمانة، عليه أن يبذل نفسه ودمه وماله في سبيل أدائها، تلك هي هداية البَشر بنور الإسلام، ورفع عَلمه خفَّاقًا على كل ربوع الأرض، لا يبغي بذلك مالاً ولا جاهًا ولا سلطانًا على أحد ولا استعبادًا لشعب، وإنما يبغي وجه الله وحده وإسعاد العالم بدينه وإعلاء كلمته، وذلك ما حدا بالسَلَف الصالحين- رضوان الله عليهم- إلى هذه الفتوح القدسية التي أدهشت الدنيا، وأربت على كل ما عرف التاريخ من سرعة وعدل ونبل وفضل.

الوحدة الوطنية واختلاف الدين:

وأحب أن أنبهك إلى سقوط ذلك الزعم القائل إن الجري على هذا المبدأ يمزِّق وحدة الأمة التي تتألف من عناصر دينية مختلفة، فإن الإسلام وهو دين الوَحدة والمساواة كفل هذه الروابط بين الجميع ما داموا متعاونين على الخير: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة:8). فمن أين يأتي التفريق إذن؟! (انظر: كتابنا (غير المسلمين في المجتمع الإسلامي)، وفصل (الحل الإسلامي والأقليات الدينية) من كتابنا (بينات الحل الإسلامي وشبهات العلمانيين والمتغربين)).

أفرأيتَ بعد هذا كيف أننا متفقون مع أشد الناس غلوًّا في الوطنية في حبِّ الخير للبلاد، والجهاد في سبيل تخليصها وخيرها وارتقائها، ونعمل ونؤيد كل مَن يسعى في ذلك بإخلاص، بل أحب أن تعلم أن مهمتهم إن كانت تنتهي بتحرير الوطن واسترداد مجده، فإن ذلك عند الإخوان المسلمين بعض الطريق فقط أو مرحلة منه واحدة، ويبقى بعد ذلك أن يعملوا لتُرفع راية الوطن الإسلامي على كل بقاع الأرض، ويخفق لواء (المصحف) في كل مكان) (من رسالة (دعوتنا) صـ 19 - 22 من مجموع رسائل الإمام الشهيد).

مصر في نظر حسن البنا:

ويعود الأستاذ إلى فكرة (الوطنية) أو (المصرية) بمعنى الانتماء إلى مصر وحبِّها، والعمل على تحريرها والنهوض بها، فيخصها بحديث جدير بمكانتها فيقول:

(فالمصرية أو القومية (يلاحظ أن الأستاذ جعل المصرية مرادفة للقومية، فلم تكن هذه الألفاظ قد تحدَّد معناها وتمايزها تماما وإن كان في رسالة (دعوتنا) قد فرق بينهما بوضوح، وسنذكر ذلك بعد) لها في دعوتنا مكانها ومنزلتها وحقها في الكفاح والنضال.

إننا مصريون بهذه البقعة الكريمة من الأرض التي نبتنا فيها ونشأنا عليها، ومصر بلد مؤمن تلقَّى الإسلام تلقيًا كريمًا، وذاد عنه، وردَّ عنه العدوان في كثير من أدوار التاريخ، وأخلص في اعتناقه، وطوى عليه أعطف المشاعر وأنبل العواطف، وهو لا يصلح إلا بالإسلام، ولا يُدَاوى إلا بعقاقيره، ولا يطب له إلا بعلاجه، وقد انتهت إليه بحكم الظروف الكثيرة حضانة الفكرة الإسلامية، والقيام عليها، فكيف لا نعمل لمصر ولخير مصر؟ وكيف لا ندافع عن مصر بكل ما نستطيع؟ وكيف يقال: إنَّ الإيمان بالمصرية لا يتفق مع ما يجب أن يدعو إليه رجل ينادي بالإسلام ويهتف بالإسلام!! إننا نعتزُّ بأنَّنا مخلصون لهذا الوطن الحبيب، عاملون له، مجاهدون في سبيل خيره، وسنظلُّ كذلك ما حيينا، معتقدين أن هذه هي الحَلْقة الأولى في سلسلة النهضة المنشودة، وأنها جزء من الوطن العربي العام، وأنَّنا حين نعمل لمصر نعمل للعروبة والشرق والإسلام.

وليس يضيرنا في هذا كله أن نُعْنى بتاريخ مصر القديم، وبما سبق إليه قدماء المصريين الناسَ من المعارف والعلوم، فنحن نرحِّب بمصر القديمة كتاريخ فيه مجد وفيه علم ومعرفة، ونحارب هذه النظرية بكل قوانا كمنهاج عملي، يراد صبغ مصر به ودعوتها إليه، بعد أن هداها الله بتعاليم الإسلام، وشرح له صدرها، وأنار به بصيرتها، وزادها به شرفًا ومجدًا فوق مجدها، وخلَّصها بذلك مما لاحق هذا التاريخ من أوضار الوثنية، وأدران الشِرك، وعادات الجاهلية) (من رسالة (دعوتنا في طور جديد) صـ229، 230 من مجموعة الرسائل).

المؤتمرات الوطنية العامة:

ولم يكتف حسن البنا بما ذكره في رسائله عن الوطن والوطنية، فكثيرًا ما شرح ذلك في لقاءاته الخاصة، ومؤتمراته العامة.

وأشهد لقد حضرتُ أحد المؤتمرات العامة التي كان يعقدها الإخوان لشرح المطالب الوطنية في عواصم الأقاليم المصرية، ويتحدث فيها الإمام الشهيد وصحبه، وذلك بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في سنة 1945م، وهبوب الشعوب للمطالبة بحريتها واستقلالها.

كان ذلك المؤتمر في مدينة طنطا التي أَدرُس فيها، وقد تحدَّث الأستاذ عن الوطن، فقسَّمه إلى ثلاثة أقسام، أو إلى ثلاثة مراتب:

الوطن الصغير، والوطن الكبير، والوطن الأكبر.

فأما الوطن الصغير فهو: (وادي النيل) شماله وجنوبه. شماله: مصر، وجنوبه: السودان، وكان الأستاذ البنا يقول: مصر هي السودان الشمالي، والسودان هو مصر الجنوبية. نحن من السودان، والسودان منا، وقد تحددت المطالب هنا في أمرين: جلاء الإنجليز، ووحدة الوادي.

وأما الوطن الكبير، فهو: (الوطن العربي)، ولأول مرة أسمع تحديده من الشيخ رحمه الله: من المحيط الأطلسي إلى الخليج (الفارسي)- اتباعًا للمصطلح السائد في ذلك الوقت- ولم تكن شاعت كلمة (الخليج العربي) هو فارسي من جهة، وعربي من جهة أخرى، ولهذا اقترح بعضهم تسميته (الخليج الإسلامي).

وهنا تحدَّث عن قضية فلسطين، وأطماع الصهيونية فيها، ولفت الأنظار إلى خطورتها، وكان دائم التنبيه على أهمية هذه القضية وما تحمله اليهودية من خطر على العرب والمسلمين في الحاضر والمستقبل.

وأما الوطن الأكبر، فهو: (الوطن الإسلامي) من المحيط إلى المحيط، أي من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي، من الدار البيضاء إلى جاكرتا.

ومما أذكره عن هذا المؤتمر ما قاله الأستاذ عن الوطن الخاص أوالصغير (وادي النيل) وعن (الاحتلال الإنجليزي) وكيف نقاومه؟ وما وسيلتنا في ذلك، وذكر هنا عدة وسائل :

1- المفاوضة، دون أي تفريط في أي حق من حقوق الوطن شماله وجنوبه.

2- المقاطعة إذا لم تجد المفاوضة، لما هو معروف من تعنُّت الإنجليز وصلفهم، وهنا وضَّح الأستاذ أننا نحن أبناء مصر والسودان قادرون على أن نعيش على الكفاف، ونستغني عن بضائع الإنجليز، وذكر هنا المثل العامي الذي يقول: "اللِّي عنده العيش ويِبلُّه عنده الفرح كلُّه". وقال: سنخرج فتاوى ابن حزم من أن بدن العدو الكافر وعَرَقه ولعابه نجس.. إلخ.

3- الجهاد، قال: فإن لم تُجْدِ المقاطعة، فليس أمامنا إلا الجهاد وسيقوم هذا الشعب عن بَكرة أبيه للدفاع عن حريته وكرامته، منتظرًا إحدى الحسنيين: النصر أو الجنة.

وهنا قال: فإنَّ من الأدعية التي حفظتُها في الصغر وكنتُ أرددها: اللَّهم ارزقني الحياة الحسنة، والموتة الحسنة، وما معنى الموتة الحسنة؟ هل هي أن يموت الإنسان على فراشه كما يموت العَيْر (العَيْر: أي الحمار)؟ إني لا أجد لها معنى إلى أن يفصل هذا عن هذا في سبيل الله!- وأشار إلى رأسه وجسده رضي الله عنه- وهنا ضجَّ المؤتمر كله بالتهليل والتكبير.

هذا التوجُّه، وهذه التربية، قد آتت أُكُلَها في عقول الإخوان ونفوسهم، فكانوا هم السبَّاقين إلى الدفاع عن الوطن، معتبرين ذلك جزءًا من الإسلام، وتعبيرًا عن الإيمان، يستوي في ذلك الوطن الصغير والوطن الكبير.

ففي فلسطين كانت لهم مواقفهم وبطولاتهم وشهداؤهم الذين رووا ثرى الأرض المقدَّسة بدمائهم، وسجَّل بعض ذلك الأخ الفاضل الأستاذ كامل الشريف في كتابه: (الإخوان المسلمون في حرب فلسطين)، وكان جزاؤهم عن ذلك (حل الجماعة) في 8 ديسمبر 1948م.

بل إن ما أصاب الإخوان من محن قاسية، وضربات وحشية متتابعة، كان له ارتباط بقضية فلسطين، حل الإخوان سنة 1948م كان بناءً على طلب سفراء أمريكا وبريطانيا وفرنسا- بعد اجتماعهم في معسكر (فايد)- واستجابة النقراشي وحكومته لهم، كما أثبتت ذلك الوثائق المؤكدة، ومحنة 1965م كان تمهيدًا لنكبة 1967م.

وموقف الإخوان في معركة قناة السويس، والتل الكبير مشهور غير منكور، وشهداؤهم-خصوصًا من طلاب الجامعة- معروفون (عمر شاهين، والمنيسي، وغانم).

وقد شاركنا نحن أبناء الأزهر في هذه المسيرة، وأقمنا معسكرنا بجامعة الأزهر بالدرَّاسة، وسافرت كتيبتنا إلى (الشرقية) وودعناها في احتفال مهيب بقاعة الإمام محمد عبده.

وقد سافرت أنا وعدد من طلاب الإخوان، لننضم إلى الكتائب التي تعد للهجوم على الانجليز في مقراتهم، أذكر من هذه المجموعة الإخوة: أحمد العسال، محمد الطنطاوي، محمد عبد العزيز خالد، علي عبد الحليم، عبد اللطيف زايد، وقد ظللنا عدة أسابيع نستكمل تدريبنا في (تل بسطة) بالغرب من الزقازيق، ويختار منا من الحين والحين من يقوم بعملية لضرب الانجليز.

وقد سجَّل بعض ذلك الأستاذ كامل الشريف أيضًا في كتابه عن (المقاومة السرية في قناة السويس)، والأستاذ حسن دوح في كتابه عن (كفاح الشباب الجامعي في قناة السويس).

أما ما أدَّاه الإخوان من خدمات لوطنهم في المجالات الأخرى، فشيء يجلُّ عن الحصر، وكل مدينة أو قرية في مصر تشهد بآثارهم التربوية والثقافية والاجتماعية، ومن الكتب الموثقة في الجانب الاجتماعي: كتاب الأستاذ محمد شوقي زكي (الإخوان والمجتمع المصري).

وهذا الذي حدث في مصر حدث مثله أو ما يقاربه في الأقطار العربية الأخرى التي انتشرت فيها دعوة الإخوان المسلمين.

وبهذا ثبت بالقول والعمل، وبالنظر والتطبيق: أن الإخوان المسلمين هم أصدق الناس في حب أوطانهم، والاستماتة في خدمتها، والذود عن حياضها بالمُهَج والأرواح، لأنهم يفعلون ذلك بدافع الإيمان، وموجب حكم الإسلام.

بيان الموقف من القومية وأنواعها:

وكما حدَّد الأستاذ البنا موقفه من الوطنية: حدَّد أيضًا موقفه من (القومية) وإن كانت النزعة الوطنية هي الغالبة على مصر، في ذلك الوقت، ولم تبرز الفكرة القومية- وخصوصًا: القومية العربية- إلا بعد ذلك، في الخمسينيات من القرن العشرين، وبعد قيام ثورة 23 يوليو 1952م. ومع هذا تحدَّث عنها البنا، من الوجهة النظرية، وقسَّمها إلى أنواع وألوان، منها ما يُقبل، ومنها ما يُرفض.

قومية المجد:

فأما ما يُقبل فهو ما سمَّاه (قومية المجد) أي الدعوة إلى استعادة أمجاد الأسلاف ومفاخرهم. قال: (إن كان الذين يعتزون بمبدأ القومية، يقصدون به أن الأخلاف يجب أن ينهجوا نهج الأسلاف، في مراقي المجد والعظمة، ومدارك النبوغ والهمَّة، وأن تكون لهم بهم في ذلك قدوة حسنة، وأن عظمة الأب مما يعتزُّ به الابن، ويجد لها الحماس والأريحية بدافع الصلة والوراثة، فهو مقصد حسن جميل، نشجعه ونأخذ به، وهل عُدَّتنا في إيقاظ همَّة الحاضرين إلا أن نحدوهم بأمجاد الماضين؟ ولعل الإشارة إلى هذا في قول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "الناس معادن؛ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" (رواه البخاري في المناقب (3493)، ومسلم في فضائل الصحابة (2526)، وأحمد في المسند (7496) عن أبي هريرة) فها أنت ذا ترى أن الإسلام لا يمنع من القومية بهذا المعنى الفاضل النبيل.

قومية الأمة:

وإذا قصد بالقومية: أن عشيرة الرجل وأمته أولى الناس بخيره وبره، وأحقهم بإحسانه وجهاده، فهو حق كذلك، ومن ذا الذي لا يرى أولى الناس بجهوده قومه الذين نشأ فيهم، ونما بينهم؟

لعمري لرهط المرء خير بقية

عليه وإن عالوا به كل مركب

قومية العمل والبذل:

وإذا قصد بالقومية: أنَّنا جميعًا مبتلون، مطالبون بالعمل والجهاد، فعلى كل جماعة أن تحقق الغاية من جهتها، حتى نلتقي- إن شاء الله- في ساحة النصر، فنِعْم التقسيم هذا، ومَن لنا بمن يحدو الأمم الشرقية كتائب كتائب، كل في ميدانها، حتى نلتقي جميعًا في بحبوحة الحرية والخلاص؟! كل هذا وأشباهه في معنى القومية جميل معجب، لا يأباه الإسلام، وهو مقياسنا، بل ينفسح صدرنا له، ونحض عليه).

قومية الجاهلية:

وأما القومية المرفوضة عند الإمام البنا، فهي ما سمَّاه (قومية الجاهلية) التي قال عنها:

(أما أن يراد بالقومية: إحياء عادات جاهلية دَرَسَتْ، وإقامة ذكريات بائدة خلت، وتعفية حضارة نافعة استقرت، والتحلُّل من عقدة الإسلام ورباطه بدعوى القومية والاعتزاز بالجنس، كما فعلت بعض الدول في المغالاة بتحطيم مظاهر الإسلام والعروبة (يعني بذلك: جمهورية أتاتورك العلمانية، وما صنعته بتركيا دولة الخلافة الإسلامية)، حتى الأسماء وحروف الكتابة وألفاظ اللغة، وإحياء ما اندرس من عادات جاهلية، فذلك في القومية معنى ذميم، وخيم العاقبة وسيئ المَغَبَّة، يؤدي بالشرق إلى خسارة فادحة، يضيع معها تراثه، وتنحط بها منزلته (قالت الباحثة التركية خالدة أديب: كنا أول دولة في الشرق، فصرنا آخر دولة في الغرب!)، ويفقد أخص مميزاته وأقدس مظاهر شرفه ونبله، ولا يضر ذلك دين الله شيئًا: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد: 38)).

قومية العدوان:

وكما رفض البنا قومية الجاهلية: رفض كذلك قومية الاستعلاء والعدوان على الآخرين، فقال:

(وأما أن يراد بالقومية: الاعتزاز بالجنس إلى درجة تؤدي إلى انتقاص الأجناس الأخرى والعدوان عليها والتضحية بها في سبيل عزة أمة وبقائها، كما تنادي بذلك ألمانيا وإيطاليا مثلاً، بل كما تدعي كل أمة تنادي بأنها فوق الجميع: فهذا معنى ذميم كذلك، ليس من الإنسانية في شيء، ومعناه: أن يتناحر الجنس البشري في سبيل وهم من الأوهام، لا حقيقة له ولا خير فيه.

دعامتان لخير الإنسانية:

الإخوان المسلمون لا يؤمنون بالقومية بهذه المعاني، ولا بأشباهها، ولا يقولون: فرعونية وعربية وفينيقية وسورية، ولا شيئًا من هذه الألقاب والأسماء التي يتنابز بها الناس؛ ولكنهم يؤمنون بما قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الإنسان الكامل، بل أكمل مُعلِّم عَلَّم الإنسان الخير: "إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظُّمها بالآباء، الناس لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى" (رواه أحمد في المسند (8736) وقال محققوه: إسناده حسن، ونصه: "إن الله عز وجل قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقي وفاجر شقي والناس بنو آدم وآدم من تراب، لينتهين أقوام فخرهم برجال أو ليكونن أهون عند الله من عدتهم من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن" ورواه وأبو داود في الأدب (5116) والترمذي في المناقب (3956) عن أبي هريرة) ما أروع هذا وأجمله وأعدله! الناس لآدم، فهم في ذلك أَكْفَاء.. والناس يتفاضلون بالأعمال، فواجبهم التنافس في الخير.

دعامتان قويمتان، لو بنيت عليهما الإنسانية، لارتفعت بالبشر إلى علياء السموات! الناس لآدم، فهم إخوان، فعليهم أن يتعاونوا، وأن يسالم بعضهم بعضًا، ويرحم بعضهم بعضًا، ويدل بعضهم بعضًا على الخير... والتفاضل بالأعمال، فعليهم أن يجتهدوا كل من ناحيته حتى ترقى الإنسانية، فهل رأيت سموًّا بالإنسانية أعلى من هذا السمو، أو تربية أفضل من هذه التربية؟).

خواص العروبة:

ثم قال حسن البنا: (ولسنا مع هذا ننكر خواص الأمم ومميزاتها الخلقية، فنحن نعلم أن لكل شعب مميزاته وقسطه من الفضيلة والخلق، ونعلم أن الشعوب في هذا تتفاوت وتتفاضل، ونعتقد أن العروبة لها من ذلك النصيب الأوفى والأوفر؛ ولكن ليس معنى هذا أن تتخذ الشعوب هذه المزايا ذريعة إلى العدوان؛ بل عليها أن تتخذ ذلك وسيلةً إلى تحقيق المهمة السابقة التي كلفها كل شعب، تلك هي النهوض بالإنسانية، ولعلك لست واجدًا في التاريخ من أدرك هذا المعنى من شعوب الأرض، كما أدركته تلك الكتيبة العربية من صحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم) (من رسالة (دعوتنا) صـ 22 – 24 من مجموع رسائل الإمام الشهيد).


(6)الترحيب بالنظام الدستوري والنيابي

والدعامة السادسة من الدعائم أو المعالم التي قامت عليها التربية السياسية عند حسن البنا: هي توعية الإخوان بتحديد الموقف من النظام الدستوري أو النيابي بصفة عامة، ومن الدستور المصري بصفة خاصة.

فقد يقع في وهم بعض الناس، وبعض الإخوان: أنهم- حين يعلنون ويهتفون: القرآن دستورنا- يرفضون أي دستور وضعي أو بشري، يضعه الناس لأنفسهم ويتفقون عليه.

ولكن الواقع أن المقصود المفهوم من شعار (القرآن دستورنا): أنه هو المرجع الأعلى، الذي نردُّ إليه كل أمورنا، فلا يُقبل أي شيء منها إذا عارض القرآن، فهو الذي يعلو ولا يُعلى عليه، ويَحكم ولا يُحكم عليه.

أما أن يضع المسلمون لأنفسهم نظامًا أو دستورًا ينظم العلاقات الأساسية بين الأمة والدولة، أو بين الحاكم والمحكوم، ويبين الحقوق، ويفصِّل الحريات، ويحدِّد الواجبات، ويوزِّع السلطات، ويضع النقاط على الحروف بالنسبة لنظام الحكم وعلاقاته الداخلية والخارجية، فلا يمنع الإسلام من ذلك، بشرط واحد، وهو: ألا يتعارض مع عقائد الإسلام البيِّنة، وشرائعه المُحكمة، وقِيَمه الموجِّهَة، وأن يسير في ضوء تعاليمه، ولا مانع أن يقتبس من الأمم الأخرى في إطار هذا التوجُّه، فـ"الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها" (رواه الترمذي في العلم (2687) وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وابن ماجه في الزهد (4169) عن أبي هريرة، وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي (506). ولكن معناه صحيح بالإجماع).

ولهذا لم يعترض علماء الإسلام في أي بلد مسلم على فكرة الدستور في حدِّ ذاتها، ولكن قد يعترضون على بعض ما يشتمل عليه الدستور من مواد مخالفة للنصوص والقواعد الإسلامية الثابتة، أو لقصوره أو تقصيره عن النص على أشياء لا بد منها، مثل أن يكون الإسلام هو مصدر التشريع أو المصدر الأساسي للتشريع.

أو غموض بعض المواد في الدستور، بحيث يفسرها كل فريق بما يخدم أغراضه، ويتفق مع هواه. كل ما يعترض عليه الأستاذ والإخوان: أن يعتبر بعض الناس الدستور- وهو عمل بشري أولاً وأخيرًا- نصًّا مقدسًا لا يقبل التغيير ولا التعديل، حتى إن بعض المتعصبين للدستور- ردًّا على مقولة الإخوان: القرآن دستورنا- قال: بل الدستور قرآننا!!

ولا ينبغي الوصول بنصٍّ بشري مهما بلغت قيمته ودقته إلى هذه الرتبة من التقديس، كما لا يجوز العبث بالدساتير المحترمة، وتغييرها بسهولة؛ اتباعًا للأهواء، أو تحقيقًا لغرض معين، مثل: تغيير سِنِّ رئيس الدولة، أو مُدد رئاسة الجمهورية، ونحو ذلك، وبهذا يصبح الدستور مَلْعَبةً للحكام المستبدين، وليس ضابطًا لهم.

حسن البنا يؤيد النظام الدستوري وينوِّه بالدستور المصري:

ولكن المهم هنا: أن الإمام البنا رحمه الله، كان يؤيد النظام الدستوري والنيابي بصراحة، ويرحِّب به، ويراه أقرب الأنظمة إلى الإسلام، ومن المعلوم أن النظام النيابي الدستوري يأخذ برأي الأغلبية، ويتحدث عن الدستور حديث الأنصار لا الخصوم، قال ذلك في رسالة (المؤتمر الخامس) سنة 1936م، وفي رسالة (مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي) سنة 1948م.

ففي رسالة (المؤتمر الخامس) التي حدَّد فيها بجلاء موقف جماعة الإخوان من كثير من القضايا الحساسة، الفكرية والسياسية وغيرها، حدَّد موقف الإخوان من (الدستور) ومن (القانون)، مفرقًا بينهما بوضوح، وهو أن (الدستور): هو نظام الحكم العام الذي ينظم حدود السلطات، وواجبات الحاكمين، ومدى صلتهم بالمحكومين، أما (القانون) فهو الذي ينظم صلة الأفراد بعضهم ببعض، ويحمي حقوقهم الأدبية والمادية، ويحاسبهم على ما يأتون من أعمال.

ثم بيَّن الموقف من كل منهما قائلاً:

(الواقع أيها الإخوان: أن الباحث حين ينظر إلى مبادئ الحكم الدستوري التي تتلخَّص في المحافظة على الحرية الشخصية بكل أنواعها، وعلى الشورى واستمداد السلطة من الأمة، وعلى مسئولية الحكام أمام الشعب ومحاسبتهم على ما يعملون من أعمال، وبيان حدود كل سلطة من السلطات، هذه الأصول كلها يتجلى للباحث أنها تنطبق كل الانطباق على تعاليم الإسلام ونظمه وقواعده في شكل الحكم.

ولهذا يعتقد الإخوان المسلمون: أن نظام الحكم الدستوري هو أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام، وهم لا يعدلون به نظامًا آخر.

بقي بعد ذلك أمران:

أولهما: النصوص التي تصاغ في قالبها هذه المبادئ.

وثانيهما: طريقة التطبيق التي تفسر بها عمليًا هذه النصوص، إن المبدأ السليم القويم قد يوضع في نص مبهم غامض، فيَدَع مجالاً للعبث بسلامة المبدأ في ذاته، وإن النص الظاهر الواضح للمبدأ السليم القويم، قد يطبق وينفذ بطريقة يمليها الهوى، وتوحيها الشهوات، فيذهب هذا التطبيق بكل ما يرجى من فائدة.

وإذا تقرَّر هذا فإن من نصوص الدستور المصري ما يراه الإخوان المسلمون غامضًا مبهمًا، يَدَع مجالاً واسعًا للتأويل والتفسير الذي تمليه الغايات والأهواء، فهي في حاجة إلى وضوح وإلى تحديد وبيان. هذه واحدة، والثانية: هي أن طريقة التنفيذ التي يطبق بها الدستور، ويتوصل بها إلى جَنْي ثمرات الحكم الدستوري في مصر، طريقة أثبتت التجارب فشلها، وجنت الأمة منها الأضرار لا المنافع، فهي في حاجة شديدة إلى تحوير وإلى تعديل يحقق المقصود ويفي بالغاية...)، وضرب مثلاً لذلك بـ(قانون الانتخاب) وما فيه من ثغرات يجب سدُّها، وما يعتريه من سوء التطبيق.

ثم قال: (لهذا يعمل الإخوان المسلمون جهدهم حتى تحدد النصوص المُبهمة في الدستور المصري، وتُعدل الطريقة التي ينفذ بها هذا الدستور في البلاد، وأظن أن موقف الإخوان قد وضح بهذا البيان، ورُدت الأمور إلى نصابها الصحيح).

حسن البنا يبين موقف الإخوان من القانون:

ثم قال حسن البنا: (قدمت أن الدستور شيء والقانون شيء آخر، وقد أَبَنْتُ موقف الإخوان من الدستور، وأبين لحضراتكم الآن موقفهم من القانون.

إن الإسلام لم يجئ خلوًا من القوانين، بل هو قد أوضح كثيرًا من أصول التشريع وجزئيات الأحكام، سواء أكانت ماديةً أم جنائيةً، تجاريةً أم دوليةً، والقرآن والأحاديث فيَّاضة بهذه المعاني، وكتب الفقهاء غنية كل الغنى بكل هذه النواحي، وقد اعترف الأجانب أنفسهم بهذه الحقيقة، وأقرها مؤتمر لاهاي الدولي أمام ممثلي الأمم من رجال القانون في العالم كله.

فمن غير المفهوم ولا المعقول أن يكون القانون في أمة إسلامية متناقضًا مع تعاليم دينها وأحكام قرآنها وسنة نبيها، مصطدمًا كل الاصطدام بما جاء عن الله ورسوله، وقد حذَّر الله نبيه- صلى الله عليه وسلم- من ذلك من قبل، فقال تبارك وتعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة:49،50)، ذلك بعد قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾... ﴿الظَّالِمُونَ﴾... ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ (المائدة:44،45،47)، فكيف يكون موقف المسلم الذي يؤمن بالله وكلماته إذا سمع هذه الآيات البينات وغيرها من الأحاديث والأحكام، ثم رأى نفسه محكومًا بقانون يصطدم معها؟ فإذا طالب بالتعديل قيل له: إن الأجانب لا يرضون بهذا، ولا يوافقون عليه، ثم يقال بعد هذا الحَجْر والتضييق: إن المصريين مستقلون، وهم لم يملكوا بعد أن يتمتعوا بحرية الدِّين، وهي أقدس الحريات!!

على أن هذه القوانين الوضعية كما تصطدم بالدِّين ونصوصه تصطدم بالدستور الوضعي نفسه، الذي يقرر: أن دين الدولة هو الإسلام، فكيف نوفِّق بين هذين يا أولي الألباب؟

وإذا كان الله ورسوله قد حرم الزنى، وحَظَر الربا، ومنع الخمور، وحارب الميسر، وجاء القانون يحمي الزانية والزاني، ويلزم بالربا، ويبيح الخمر، وينظم القمار، فكيف يكون موقف المسلم بينهما؟ أيطيع الله ورسوله ويعصي الحكومة وقانونها، والله خير وأبقى؟ أم يعصي الله ورسوله ويطيع الحكومة، فيشقى في الآخرة والأولى؟ نريد الجواب على هذا من رفعة رئيس الحكومة ومعالي وزير العدل ومن علمائنا الفضلاء الأجلاء.

أما الإخوان المسلمون فهم لا يوافقون على هذا القانون أبدًا، ولا يرضونه بحال، وسيعملون بكل سبيل على أن يحلَّ مكانه التشريع الإسلامي العادل الفاضل في نواحي القانون) (من رسالة (المؤتمر الخامس) صـ 138 – 140 من مجموع رسائل الإمام الشهيد).

تأكيد ما قاله في سنة 1936م بما قاله سنة 1948م:

ثم عاد الإمام البنا رحمه الله إلى الموضوع مرةً أخرى حين كتب سلسلة من المقالات في جريدة الإخوان اليومية، وجَّهها إلى رئيس الحكومة باعتباره المسئول الأول، وإلى أعضاء الهيئات النيابية- على اختلافها- باعتبارهم الرعاة الرسميين لنظام الإسلام... وإلى رؤساء الهيئات الشعبية: السياسية والوطنية والاجتماعية، باعتبارهم قادة الفكر، وموجِّهي الجماهير... وإلى رجال الأزهر الشريف، وإلى كل محب لخير العالم، وسيادة بني الإنسان، وقد جمعت هذه المقالات بعد ذلك ونشرت تحت عنوان (مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي).

وهنا تحدث البنا عن (موقف الإسلام من النظام النيابي والدستور المصري) في إطار حديثه عن (نظام الحكم في الإسلام) فكان مما قاله هنا:

(يقول علماء الفقه الدستوري: إن النظام النيابي يقوم على مسئولية الحاكم، وسلطة الأمة، واحترام إرادتها، وإنه لا مانع فيه يمنع من وحدة الأمة واجتماع كلمتها، وليست الفُرقة والخلاف شرطًا فيه، وإن كان بعضهم يقول: إن من دعائم النظام النيابي البرلماني: الحزبية, ولكن هذا إذا كان عرفًا فليس أصلاً في قيام هذا النظام، لأنه يمكن تطبيقه بدون هذه الحزبية، وبدون إخلال بقواعده الأصلية. وعلى هذا، فليس في قواعد هذا النظام النيابي ما يتنافى مع القواعد التي وضعها الإسلام لنظام الحكم، وهو بهذا الاعتبار ليس بعيدًا عن النظام الإسلامي ولا غريبًا عنه.

وبهذا الاعتبار يمكن أيضًا أن نقول في اطمئنان: إن القواعد الأساسية التي قام عليها الدستور المصري لا تتنافى مع قواعد الإسلام، وليست بعيدة من النظام الإسلامي ولا غريبة عنه، بل إن واضعي الدستور المصري- رغم أنهم وضعوه على أحدث المبادئ والآراء الدستورية وأرقاها- فقد توخوا فيه ألا يصطدم أي نص من نصوصه بالقواعد الإسلامية، فهي إما متمشية معها صراحة، كالنص الذي يقول: (دين الدولة الإسلام) أو قابلة للتفسير الذي يجعلها لا تتنافى معها كالنص الذي يقول: (حرية الاعتقاد مكفولة).

وأكدَّ ما ذكره من قبل:

(إن النظام النيابي والدستور المصري في قواعدهما الأساسية لا يتنافيان مع ما وضعه الإسلام في نظام الحكم، ولكنه صرَّح بأن هناك قصورًا في عبارات الدستور، وسوءًا في التطبيق، وتقصيرًا في حماية القواعد الأساسية التي جاء بها الإسلام وقام عليها الدستور، أدَّت جميعًا إلى ما نشكو منه، وما وقعنا فيه من اضطراب في كل هذه الحياة النيابية) (انظر: رسالة (مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي) صـ 321 وما بعدها، من مجموع رسائل الإمام الشهيد).

وقد فصَّل بعض التفصيل في بيان ذلك وعلاجه، بما لا حاجة لنا إليه في هذا المقام (بيَّن الأستاذ هنا مدى مسؤولية رئيس الدولة ومسؤولية الحكومة أو الوزارة، على ما عُرف في النظام البرلماني، أو الملكي الدستوري الذي يجعل المسئول الأول هو الحكومة، ولا يحاسب الملك أو الرئيس على شيء مما يجري في السلطة، أو النظام الرئاسي الذي يكون الرئيس هو المسئول الأول عن سياسة الحكم، والوزراء إنما هم معاونون له (كما هو المعمول به في الولايات المتحدة). وأشار الأستاذ إلى أن الفقه الإسلامي قد تضمن ذلك فيما ذكره الماوردي في (الأحكام السلطانية) من وزارة التفويض، ووزارة التنفيذ. إلخ)، إنما نريد بيان موقفه من النظام الدستوري والنيابي، وهما من مقومات الديمقراطية، وإن لم يذكر الديمقراطية بصراحة في حديثه.

التباس موضوع الديمقراطية على بعض الإخوان:

ومع وضوح موقف الإمام البنا من الدستور والنظام النيابي المنبثق عن الديمقراطية: ظلَّ موضوع الديمقراطية مُلتبسًا على كثير من الإخوان؛ لأنَّ الأستاذ لم يذكر الديمقراطية صراحةً ولكنه نوَّه بأمور هي من لوازمها، بل من مكوناتها، مثل (الدستور) و(النظام النيابي).

بل نقلوا عنه: أنه كان يرى أن الشورى مُعلِمة، وليست مُلزِمة، وهذا ضد الديمقراطية: فعلى الحاكم أن يستشير أهل الحل والعقد، ولكن ليس عليه أن يلتزم برأيهم، أو برأي أكثريتهم.

وقد قال في الأصل الخامس من الأصول العشرين: (ورأي الإمام- أو نائبه- فيما لا نص فيه، وفيما يحتمل وجوهًا عدة، وفي المصالح المرسلة: معمول به ما لم يصطدم بقاعدة شرعية، وقد يتغير بحسب الظروف والعرف والعادات، والأصل في العبادات التعبد دون الالتفات إلى المعاني، وفي العاديات الالتفات إلى الأسرار والحكم والمقاصد) (رسالة (التعاليم) صـ357 من مجموعة رسائل الإمام).

وقد شرحت هذا الأصل بتفصيل وتوسع في الجزء الرابع من سلسلة (نحو وحدة فكرية للعاملين للإسلام) (انظر: كتابنا (السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها) نشر مكتبة وهبة بالقاهرة، ومؤسسة الرسالة بيروت).

وكلام الأستاذ البنا هنا يوحي بأن الأصل العمل برأي الإمام أو الحاكم، وإن كان مخالفًا لرأي أهل الشورى أو أهل الحلِّ والعقد، وإن لم يصرِّح الأستاذ بذلك، وإنما هو مستنبط من كلامه.

وهذا- للأسف- رأي كثير من كبار الدعاة مثل: الإمام أبي الأعلى المودودي في باكستان، والإمام محمد متولي الشعراوي في مصر.

وقد رددنا على هذا الرأي في كثير من كتبنا (مثل كتابنا (الحل الإسلامي فريضة وضرورة) صـ196- 198، وكتابنا (الإسلام والعلمانية) صـ120 - 123 وكتابنا (من فقه الدولة في الإسلام) صـ146).


(7)التنديد بالأحزاب والحزبية

والدعامة السابعة من دعائم التربية السياسية عند حسن البنا: تنبيهه وتأكيده على معارضته للأحزاب المصرية القائمة في ذلك الوقت، وما جرَّته على البلاد؛ بسبب تفرقها واختلافها وتنافرها، وذلك ثمرة للنظام الحزبي البغيض عنده، هذا مع أنه يُقِرُّ النظام الدستوري والنيابي ويراه متفقًا مع الإسلام، كما وضحنا ذلك من قبل.

ولهذا كان من عناصر الفكر السياسي الأساسية عند الإمام البنا: تنديده بتعدد الأحزاب المصرية واختلافها، وتهافتها على كرسي الحكم، واستماتتها في الوصول إليه، ولو بالتقرب إلى المستعمر، الذي يحتل البلاد، ويُذل العباد.

وكان الأستاذ البنا يرى أن الإسلام لا يُقرُّ الحزبية، لسبب واضح عنده، وهو: أنها تؤدي إلى تفرقة الأمة- كما هو الواقع المشاهد- وهو يدعو إلى الاتحاد والائتلاف، كما تدل على ذلك آيات القرآن وأحاديث الرسول الكريم.

وبخاصة أن الأحزاب في مصر قد بلغ بها الاختلاف والتدابر والتخاصم حدًّا أمسى يُنذر بخطر على الوطن، ولا يستفيد منه إلا المستعمر المتربص، وفي هذا أنشأ شوقي قصيدته المعروفة يقول فيها:

إلام الخلف بينكمو إلام؟

وهذي الضجة الكبرى علام؟!

وفيم يكيد بعضكم لبعض

وتبدون العداوة والخصاما؟!

كما كان الأستاذ يرى أن النظام الدستوري أو البرلماني- الذي يؤيده ويراه متفقًا مع الإسلام- لا يحتاج بالضرورة إلى النظام الحزبي.

ويرى أن الأحزاب في مصر خاصةً لم تختلف على مناهج وبرامج للإصلاح والتغيير، وإنما الخلاف فيما بينها لأسباب شخصية، وأنها نشأت لأهداف وظروف معينة لم تعد قائمة، ومن هنا يرى ضرورة اختفاء هذه الأحزاب من الساحة، أو تتوحد جميعًا في حزب أو تكتل واحد، يضم الجميع في رحابه، ويعمل من أجل مصلحة الوطن، حتى إنه طلب من الملك في فترة من الفترات حلَّ هذه الأحزاب جميعًا، وتخليص البلاد من أوزارها.

وقد كرَّر الأستاذ البنا هذه المعاني في عدد من رسائله، بعضها قديم، مثل رسالة المؤتمر الخامس سنة 1936م، ورسالته إلى طلبة الإخوان في محرم سنة 1357هـ، وبعضها جديد، أي في أواخر حياته، كما في كتابه (مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي) التي كانت مقالات في صحيفة الإخوان اليومية ثم جُمعت. ونرى قوله في بعض الأحيان أقرب إلى اللين، وأحيانًا أقرب إلى الشدة، فمن مواقف اللين قوله في رسالة المؤتمر السادس:

(وأما موقفنا من الأحزاب السياسية، فلسنا نفاضل بينها، ولا ننحاز إلى واحد منها، ولكن نعتقد أنها تتفق جميعا في عدة أمور:

تتفق في أن كثيرًا من رجالها قد عملوا على خدمة القضية السياسية المصرية، واشتركوا فعلاً في الجهاد في سبيلها، وفي الوصول إلى ما وصلت إليه مصر من ثمرات هذا الجهاد الضئيلة أو الجليلة، فنحن في هذه الناحية لا نبخس هؤلاء الرجال حقهم.

وتتفق كذلك في أن حزبًا منها لم يحدد بعدُ منهاجًا دقيقًا لما يريد من ضروب الإصلاح، ولم يضع هدفًا يرمي إليه، وهي لهذا لا تتفاوت في المناهج والأغراض والغايات.

وتتفق كذلك في أنها جميعًا لم تقتنع بعدُ بوجوب المناداة بالإصلاح الاجتماعي على قواعد الإسلام وتعاليم الإسلام، ولا زال أقطابها جميعًا يفهمون الإسلام على أنه ضروب من العبادات والروحانيات لا صلة لها بحياة الأمم والشعوب الاجتماعية والدنيوية.

وتتفق بعد ذلك في أنها تعاقبت على حكم هذا البلد فلم تأتِ بجديد، ولم يجد الناس في ظلِّ حكمها ما كانوا يأملون من تقدم ماديٍّ أو أدبيٍّ, ولقد كان لهذا أثره العملي, فقامت في مصر الحكومات غير الحزبية في أحرج الظروف وأدق المواقف، ومنها الحكومة الحالية.

وإذًا فلا خلاف بين الأحزاب المصرية إلا في مظاهر شكلية، وشئون شخصية، لا يهتم لها الإخوان المسلمون، ولهذا فهم ينظرون إلى هذه الأحزاب جميعًا نظرةً واحدةً، ويرفعون دعوتهم- وهي ميراث رسول الله- فوق هذا المستوى الحزبي كله.

ونحن لا نهاجمهم لأننا في حاجة إلى الجهد الذي يبذل في الخصومة والكفاح السلبي؛ لننفقه في عمل نافع وكفاح إيجابي، ونَدَع حسابهم للزمن، معتقدين أن البقاء للأصلح ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (الرعد:17)) (رسالة (المؤتمر السادس) صـ 214، 215 من مجموع الرسائل).

ومن مواقف الشدة: ما قاله رحمه الله، في رسالة المؤتمر الخامس:

الإخوان المسلمون يعتقدون أن الأحزاب المصرية جميعًا قد وُجدت في ظروف خاصة، ولدواعٍ أكثرها شخصي لا مصلحي، وشرح ذلك تعلمونه حضراتكم جميعًا.

ويعتقدون كذلك أن هذه الأحزاب لم تحدد برامجها ومناهجها إلى الآن، فكل منها يدعي أنه يعمل لمصلحة الأمة في كل نواحي الإصلاح، ولكن ما تفاصيل هذه الأعمال، وما وسائل تحقيقها؟ وما الذي أعد من هذه الوسائل؟ وما العقبات التي ينتظر أن تقف في سبيل التنفيذ؟ وما أعد لتذليلها؟ كل ذلك لا جواب له عند رؤساء الأحزاب وإدارات الأحزاب، فهم قد اتفقوا في هذا الفراغ، كما اتفقوا في أمر آخر هو التهالك على الحكم، وتسخير كل دعاية حزبية وكل وسيلة شريفة وغير شريفة في سبيل الوصول إليه، وتجريح كل من يحول من الخصوم الحزبيين دون الوصول عليه.

ويعتقد الإخوان كذلك أن هذه الحزبية قد أفسدت على الناس كل مرافق حياتهم، وعطَّلت مصالحهم، وأتلفت أخلاقهم، ومَزَّقت روابطهم، وكان لها في حياتهم العامة والخاصة أسوأ الأثر، ويعتقدون كذلك أن النظام النيابي، بل حتى البرلماني، في غنى عن نظام الأحزاب بصورتها الحاضرة في مصر وإلا لما قامت الحكومات الإئتلافية في البلاد الديمقراطية، فالحجة القائلة بأن النظام البرلماني لا يتصور إلا بوجود الأحزاب حجة واهية، وكثير من البلاد الدستورية البرلمانية تسير على نظام الحزب الواحد، وذلك في الإمكان.

كما يعتقد الإخوان أن هناك فارقًا بين حرية الرأي والتفكير والإبانة والإفصاح والشورى والنصيحة- وهو ما يوجبه الإسلام- وبين التعصب للرأي والخروج على الجماعة، والعمل الدائب على توسيع هُوة الانقسام في الأمة، وزعزعة سلطان الحكام، وهو ما تستلزمه الحزبية، ويأباه الإسلام، ويُحرِّمه أشدَّ التحريم، والإسلام في كل تشريعاته إنما يدعو إلى الوَحدة والتعاون.

هذا مجمل نظرات الإخوان إلى قضية الحزبية والأحزاب في مصر، وهم لهذا قد طلبوا إلى رؤساء الأحزاب منذ عام تقريبًا أن يطرحوا هذه الخصومة جانبًا، وينضم بعضهم إلى بعض، كما اقترحوا التوسط في هذه القضية على صاحب السمو الأمير محمد علي وصاحب السمو الأمير عمر طوسون، كما طلبوا من جلالة الملك: حلِّ تلك هذه الأحزاب القائمة، حتى تندمج جميعا في هيئة شعبية واحدة تعمل لصالح الأمة على قواعد الإسلام) (رسالة (المؤتمر الخامس) صـ 146، 147 من مجموع الرسائل).

وكان الأستاذ البنا يفرِّق جيدًا بين السياسة والحزبية، ويقول: أما إننا سياسيون، فنعم، ولا نتحرج من ذلك. وأما إننا حزبيون، فلا.

وفي (مؤتمر طلبة الإخوان) بيَّن الأستاذ البنا رأيه في مسألة الأحزاب والحزبية، بصراحة ووضوح، ذاكرًا أن هذا رأي خاص له، قال رحمه الله:

(وإن لي في الحزبية السياسية آراءً هي لي خاصة ولا أحب أن أفرضها على الناس، فإن ذلك ليس لي ولا لأحد، ولكني كذلك لا أحب أن أكتمها عنهم، وأرى أن واجب النصيحة للأمة-وخصوصًا في مثل هذه الظروف- يدعوني إلى المجاهرة بها وعرضها على الناس في وضوح وجلاء، وأحب كذلك أن يُفهم جيدًا أني حينما أتحدث عن الحزبية السياسية، فليس معنى هذا أني أعرض لحزب دون حزب، أو أرجِّح أحد الأحزاب على غيره، أو أن أنتقص أحدها وأزكِّي الآخر، ليس ذلك من مهماتي، ولكني سأتناول المبدأ من حيث هو، وسأعرض للنتائج والآثار المترتبة عليه، وأَدَع الحكم على الأحزاب للتاريخ وللرأي العام والجزاء الحق لله وحده ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ (آل عمران:30).

أعتقد أيها السادة، أن الحزبية السياسية إن جازت في بعض الظروف في بعض البلدان، فهي لا تجوز في كلها، وهي لا تجوز في مصر أبدًا، وخاصةً في هذا الوقت الذي نستفتح فيه عهدًا جديدًا، ونريد أن نبني أمتنا بناءً قويًّا يستلزم تعاون الجهود وتوافر القوى، والانتفاع بكل المواهب، والاستقرار الكامل والتفرغ التام لنواحي الإصلاح).

ثم بيَّن الأستاذ خطرًا آخر للتَّحزُّب، وهو:

(أن التدخل الأجنبي في شئون الأمة: ليس له من باب إلا التدابر والخلاف, وهذا النظام الحزبي البغيض: وأنه مهما انتصر أحد الفريقين فإن الخصوم بالمرصاد: يلوِّحون له بخصمه الآخر).

ثم قال بعد ذلك:

(وإذا جاز لبعض الأمم التي استكملت استقلالها وفرغت من تكوين نفسها أن تختلف وتتحزب في فرعيات الأمور: فإن ذلك لا يجوز في الأمم الناشئة أبدًا).

ثم أعاد ما ذكره في أكثر من رسالة، وهو:

(أن هذه الأحزاب المصرية الحالية أحزاب مصنوعة أكثر منها حقيقية: وأن العامل في وجودها شخصي أكثر منه وطني: وأن المهمة والحوادث التي كوَّنت هذه الأحزاب قد انتهت، ويجب أن ينتهي هذا النظام بانتهائها).

ومع إعلان الإمام البنا: أن موقفه من الحزبية رأي خاص له لا يفرضه على أحد، فالواقع أن هذا هو الرأي الذي ساد بين الإخوان، وجرى عليه فقههم وتربيتهم.

حسن البنا يرى أن الإسلام لا يقر الحزبية:

ثم قال الإمام: (وبعد هذا كله أعتقد أيها السادة: أن الإسلام وهو دين الوَحدة في كل شيء، وهو دين سلامة الصدور، ونقاء القلوب، والإخاء الصحيح، والتعاون الصادق بين بني الإنسان جميعًا فضلاً عن الأمة الواحدة والشعب الواحد: لا يُقرُّ نظام الحزبية ولا يرضاه ولا يوافق عليه، والقرآن الكريم يقول: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا) (آل عمران:103)، ويقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "هل أدلكم على أفضل من درجة الصلاة والصوم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: إصلاح ذات البَيْن، فإن فساد ذات البَيْن هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر؛ ولكن تحلق الدين" (رواه أحمد في المسند (27508) وقال محققوه: إسناده صحيح، وأبو داود في الأدب (4919)، والترمذي في صفة القيامة والرقائق والورع (2509)، وقال: حسن صحيح، وابن حبان في صحيحه كتاب الصلح (11/489) عن أبي الدرداء).

وكل ما يستتبعه هذا النظام الحزبي: من تنابز وتقاطع، وتدابر وبغضاء، يمقته الإسلام أشد المقت، ويحذر منه في كثير من الأحاديث والآيات، وتفصيل ذلك يطول وكل حضراتكم به عليم) (من رسالة (مؤتمر طلبة الإخوان) صـ 165 – 168 من مجموع الرسائل. طبعة بيروت).

طلب حل الأحزاب المصرية:

وقد عاد إلى موضوع الأحزاب، في كتاباته في جريدة (الإخوان المسلمون) اليومية، عندما تحدَّث عن مشكلات النظام الإسلامي السياسية والاقتصادية، وعن الدستور والقانون والأحزاب، ثم قال:

(ولا أدري إذا كان الأمر كذلك، فلا ندري ما الذي يفرض على هذا الشعب الطيب المجاهد المناضل الكريم: هذه الشِيَع والطوائف من الناس التي تسمي نفسها الأحزاب السياسية؟

إن الأمر جَدُّ خطير، ولقد حاول المصلحون أن يصلوا إلى وحدة ولو مؤقتة لمواجهة هذه الظروف العصيبة التي تجتازها البلاد، فيئسوا وأخفقوا، ولم يعد الأمر يحتمل أنصاف الحلول، ولا مناص بعد الآن من أن تُحلَّ هذه الأحزاب جميعًا، وتُجمع قوى الأمة في حزب واحد يعمل لاستكمال استقلالها وحريتها، ويضع أصول الإصلاح الداخلي العام، ثم ترسم الحوادث بعد ذلك للناس طرائق في التنظيم في ظل الوَحدة التي يفرضها الإسلام) (من رسالة (نظام الحكم) صـ 327 من مجموع الرسائل) أ. هـ.

وقفة نقد وتحليل:

كان هذا هو رأي الإمام البنا وخلاصة فكره في قضية الأحزاب والحزبية، فهو لا يرى التعددية الحزبية، بل يرى النظام الحزبي في أساسه يتعارض مع التعاليم الإسلامية، لأنه يقوم على التفرق والاختلاف، والإسلام يدعو إلى التوحد والائتلاف، ولم يكن عنده مانع من قبول نظام الحزب الواحد!!

وأكدَّ ذلك لديه: حِدَّة الخلاف والتفرق والخصومة، التي كانت سائدةً بين الأحزاب المصرية في ذلك الوقت، وأنها لم تكن خلافًا على مبادئ وأفكار، بل على مغانم وأشخاص.

ولهذا دعا بصراحة إلى حلِّ الأحزاب القائمة كلها، والاستعاضة عنها بتكتل أواتحاد يضم الجميع، ويعمل لصالح الوطن.

ولو أن نقد الأستاذ رحمه الله، اقتصر على الأحزاب وزعمائها، ووجوب تبديلها بما هو خير منها، مع الإبقاء على التعدد الحزبي، باعتباره مبدأً لا يُستغنى عنه، ما خالفناه فيما ذهب إليه، ولكن الخطر فيما قاله، في دعوته إلى إلغاء النظام الحزبي في ذاته، وإنكاره لتعدُّد الأحزاب، وأنه ضد الإسلام. وأعتقد أن ما قاله في رسائله كان له تأثيره في رجال ثورة 23 يوليو، وفي جمال عبد الناصر خاصة، الذين ألغوا الأحزاب، والنظام الحزبي في مصر، وجمعوا الشعب كله- فيما زعموا- تحت راية (الاتحاد القومي) ثم (الاتحاد الاشتراكي) فيما بعد، وهو الذي انتهى بمصر إلى ديكتاتورية طاغية، حكمت البلد بالحديد والنار، وأخرست صوت كل معارض، وقادت كل من قال: لا، إلى السجون والمعتقلات، بل ربما إلى المشانق والمقاصل.

ولم يكن الأستاذ البنا- قطعًا- يقصد إلى هذا، ولكن هذه نتيجة إلغاء التعددية، وانفراد الرأي الواحد أو الحزب الواحد بالحكم والتوجيه والتأثير، وهو اجتهاد منه رضي الله عنه يؤجر عليه، ولكن الأيام أثبتت خطأه، وأن الخير كل الخير في التعددية، وهو الموافق للنظام الكوني كله، فهو يقوم على التعددية في كل شيء: تعدُّد الأجناس:(وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) (الحجرات:13)، وتعدُّد الألسنة، وتعدُّد الألوان: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِلْعَالِمِينَ) (الروم:22)، وتعدُّد الأديان: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس:99)، (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) (هود:118)، أي للاختلاف خلقهم، ولا غرو أن خالفت أستاذي وإمامي حسن البنا- كما خالف تلاميذ أئمتنا الكبار (أبو يوسف، ومحمد، وزفر) إمامهم الأعظم- وانتهيت إلى أن التعدُّد مشروع.

وكان من أبرز الأدلة التي سقتها من قديم على شرعية التعدُّد أن سيدنا عليًّا رضي الله عنه، أقرَّ وجود جماعة (الخوارج) وهم حزب معارض، له تجمعه، وله قيادته، وأفكاره المعروفة المخالفة لرأي أمير المؤمنين علي وفكره، وقد قاتلوه قبل ذلك، وزعموا أنه حَكَّم الرجال في دين الله، ولا حُكْم إلا لله!! وحينما جابهوه بقولهم: لا حكم إلا لله، قال كلمته التاريخية البليغة: كلمة حق يراد بها باطل! ثم قال لهم: لكم علينا ثلاث: ألا نمنعكم مساجد الله تصلون فيها معنا، وأن يكون لكم حقكم في الفيء إذا كانت أيديكم في أيدينا وسيوفكم مع سيوفنا، وألا نبدأكم بقتال (رواه ابن أبي شيبة في المصنف كتاب الجَمَل (7/562) والطبراني في الأوسط (7/376)، والبيهقي في الكبرى كتاب قتال أهل البغي (8/184) عن علي، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الأوسط وفيه محمد بن كثير الكوفي وهو ضعيف (6/364)، وضعفه الألباني في مختصر إرواء الغليل (2467)).

وقد ناديت منذ سنين طويلة بمشروعية تعدُّد الأحزاب في الدولة الإسلامية، وكتبت في ذلك فتوى (انظر: كتابنا (فتاوى معاصرة) فتوى (تعدد الأحزاب في ظل الدولة الإسلامية) جـ2 صـ652، وأيضا: كتابنا (من فقه الدولة في الإسلام) فصل (تعدد الأحزاب في الدولة الإسلامية) صـ147- 160 طبعة دار الشروق. القاهرة.)، حين سئلت عن الموضوع، وقلت كلمةً تناقلها الدعاة والإعلاميون، وهي: أن تعدُّد الأحزاب في السياسة أشبه بتعدُّد المذاهب في الفقه، فالأحزاب إنما هي مذاهب في السياسة، والمذاهب إنما هي أحزاب في الفقه!!

وكانت هذه الأفكار في المجتمع الإخواني- إلا قليلاً منهم- في أول الأمر مرفوضة، لما رسخ في أذهانهم من قبل، من جرَّاء التربية السياسية التي توارثوها عن إمامهم البنا رضي الله عنه.

ولكن بمزيد من اللقاءات والحوارات، كتابة ومشافهة، وبحكم الواقع وتأثيراته، وما خَبِره الإخوان أنفسهم من جناية تحكم الحزب الواحد على حياتهم وحريتهم ودعوتهم: استجاب جمهورهم إلى فكرة التعدُّد، بل اقتنعت القيادة بالفكرة، وأصدر مكتب الإرشاد قرارًا تاريخيًّا في ذلك (في مارس 1994م) يدل على حيوية الجماعة، وتحررها من الجمود والتقليد، وأن الحقَّ أحقُّ أن يتبع، وإن خالف رأي مؤسس الجماعة رحمه الله.


(8)حماية الأقليات والأجانب

والدعامة الثامنة من دعائم التربية السياسية عند حسن البنا: التركيز على حسن الصلة بغير المسلمين عموما، ما داموا مسالمين للمسلمين، وعلى المواطنين منهم خصوصًا ممَّن يعيشون في دار الإسلام.

وقد لاحظنا أن حسن البنا تحدث عن الوَحدة الوطنية في مصر، وعن الوَحدة القومية بين بلاد العرب بعضها وبعض، وتحدث عن الوَحدة الإسلامية بين أوطان المسلمين في المشرق والمغرب، لتكون منها (كتلة إسلامية) تردُّ كيد العدو، وتشدُّ أزر الصديق.

وحين كان يتحدث عن الوَحدة الوطنية، كان تركيزه الأكبر على أسباب الخلاف التي تفرِّق الأمة، وتجعلها فِرَقا وشِيَعا، يخاصم بعضها بعضًا، وتكيد بعضها لبعض، وذلك يتمثل في الأحزاب السياسية المتناحرة المتنافرة، المتهافتة على كراسي الحكم، وسلطان الوزارة أو المجلس النيابي، أو مجلس الشيوخ. وقد يتعرض إلى الجمعيات الدينية وما بينها من خلاف على بعض الأمور التي تتعلق بفرعيات العقيدة، أو جزئيات الشريعة، أو تفصيلات السلوك، وكثيرًا ما بيَّن أن الاختلاف في الفروع مطلوب، ولا مَفَرَّ منه، وأن الإجماع على الأمور الفرعية متعذِّر، متكئًا على قاعدة المنار الذهبية: (نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه).

ولكني لم أجد البنا رحمه الله، في خلال حديثه عن الوَحدة: يتحدث عن الوَحدة بين المسلمين والأقباط المسيحين، إذ كانت العلاقة بين الطرفين فيما يبدو طيبة، ولم تَثُر هذه الفتنة الملعونة-فتنة الطائفية- في ذلك الوقت، بل كانت الوَحدة هي النغمة السائدة، وكانت الصلات الحسنة تجمع بين المسلمين والمسيحين بصفة عامة.. وكان الأستاذ البنا على علاقة طيبة بكثير من الأقباط في مصر، وكثيرًا ما زار كنائسهم.

وكان في اللجنة السياسية العليا في المركز العام للإخوان- وخصوصًا إِبَّان احتدام القضية الوطنية- اثنان من زعماء الأقباط المرموقين، وهما: وهب دوس، ولويس فانوس.

وأذكر أن الأستاذ البنا عندما كان يحضر في المؤتمرات الوطنية الكبرى التي كانت تعقد في عواصم المديريات (المحافظات) في مصر، لشرح المطالب الوطنية، التي تحدَّدت في جلاء الإنجليز، ووحدة وادي النيل: كان حريصًا على أن يصطحب أحد إخواننا الأقباط المتخصصين في قضية (قناة السويس)، فكان اسمه- كما أذكر- نصيف ميخائيل.

وحينما حضر إلى مؤتمر طنطا كان معه، وقدَّمه ليحدثنا عن هذه القضية المهمة، التي لم يكن الناس يتحدثون فيها، وعن حق مصر فيها، وعن تضحياتها التاريخية في حفرها وإنشائها، وعن تلاعب فرنسا وإنجلترا بها.. إلى آخره.

ولم يكن حرص الأستاذ البنا على اصطحاب هذا الأخ القبطي (نصيف ميخائيل) إلا ليكون رمزًا على الوَحدة الوطنية، ودليلاً على التسامح الإسلامي، وسدًّا لثغرة يتسلل منها الاستعمار عادةً إلى التفرقة بين أبناء البلد الواحد (فَرِّق تَسُد).

وأذكر من مقالات مجلة (الإخوان المسلمون) الأسبوعية مقالة بقلم حسان حتحوت، بعنوان: (أخي جرجس) تفيض حبًّا وعطفًا على الإخوة الأقباط، وينقل عن حسن البنا: أنه كان أكثر الناس دعوة إلى الحب ونبذ الكراهية والبغضاء، ومما نقله عنه قوله: سنقاتل الناس بالحب!!

ولم يتهم الإخوان يومًا- وخصوصًا في عهد حسن البنا- بأنهم دعاة عصبية طائفية، أو محرضون على فتنة.. وهذا سر ما لمستُه من عدم كتابة حسن البنا حول موضوع الأقلية القبطية في زمنه. كل الذي وجدته: ما كتبه عن حماية الإسلام للأقليات عمومًا، وذلك في رسالة (نحو النور). وهي في الأصل خطاب بعث به إلى الملك فاروق ملك مصر والسودان، وإلى رفعة الرئيس مصطفى النحاس (باشا) رئيس الحكومة المصرية حينذاك، وإلى عدد من ملوك وأمراء وحُكَّام بلدان العالم الإسلامي، كما بعث به إلى عدد من الشخصيات الهامة والمرموقة في الأقطار العربية والإسلامية.

فكان مما جاء في هذه الرسالة تحت عنوان: (الإسلام يحمي الأقليات، ويصون الأجانب):

(يا صاحبى...يظن الناس أن التمسك بالإسلام وجعله أساسًا لنظام الحياة، ينافي وجود أقليات غير مسلمة في الأمة المسلمة، وينافي الوَحدة بين عناصر الأمة، وهي دعامة قوية من دعائم النهوض في هذا العصر، ولكن الحق غير ذلك تمامًا، فإن الإسلام- الذي وضعه الحكيم الخبير الذي يعلم ماضي الأمم وحاضرها ومستقبلها- قد احتاط لتلك العقبة وذلَّلها من قبل، فلم يصدر دستوره المقدس الحكيم إلا وقد اشتمل على النص الصريح الذي لا يحتمل لبسًا ولا غموضًا في حماية الأقليات، وهل يريد الناس أصرح من هذا النص: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة:8).. فهذا نصٌّ لم يشتمل على الحماية فقط، بل أوصى بالبر والإحسان إليهم.

وأن الإسلام الذي قدَّس الوَحدة الإنسانية العامة في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) (الحجرات:13).

ثم قدَّس الوَحدة الدينية العامة كذلك فقضى على التعصُّب، وفرض على أبنائه الإيمان بالرسالات السماوية جميعا، في قوله: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً) (البقرة:136-138).

ثم قدَّس بعد ذلك الوَحدة الدِّينية الخاصة في غير صلف ولا عدوان فقال تبارك وتعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجرات:10).

هذا الإسلام الذي بُني على هذا المزاج المعتدل، والإنصاف البالغ: لا يمكن أن يكون أتباعه سببًا في تمزيق وحدة متصلة , بل بالعكس، إنه أكسب هذه الوَحدة صفة القداسة الدِّينية بعد أن كانت تستمد قوتها من نص مدني فقط.

وقد حدَّد الإسلام تحديدًا دقيقًا من يحق لنا أن نناوئهم ونقاطعهم ولا نتصل بهم فقال تعالى بعد الآية السابقة: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الممتحنة: 9).

وليس في الدنيا منصف واحد يُكرِه أمةً من الأمم على أن ترضى بهذا الصنف دخيلاً فيها، وفسادًا كبيرًا بين أبنائها ونقضًا لنظام شئونها.

ذلك موقف الإسلام من الأقليات غير المسلمة , واضح لا غموض فيه ولا ظلم معه.

وموقفه من الأجانب موقف سِلْم ورفق ما استقاموا وأخلصوا, فإن فسدت ضمائرهم وكثرت جرائمهم، فقد حدَّد القرآن موقفنا منهم بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ) (آل عمران:118-119).

وبذلك يكون الإسلام قد عالج هذه النواحي جميعًا أدق العلاج وأنجحه وأصفاه).

موقف الإسلام من العلاقة مع الغرب

كما تعرَّض الأستاذ البنا إلى علاقة الإسلام بالغرب، وبالدول الغربية، فقال في نفس السياق: (وقد يظن الناس كذلك أن نظم الإسلام في حياتنا الجديدة تباعد بيننا وبين الدول الغربية، وتعكِّر صفو العلائق السياسية بيننا وبينها بعد أن كادت تستقر، وهو أيضًا ظنٌّ عريق في الوهم، فإن هذه الدول إن كانت تسيء بنا الظنون فهي لا ترضى عنا، سواء تبعنا الإسلام أم غيره، وإن كانت صادقتنا بإخلاص وتبودلت الثقة بينها وبيننا فقد صرح خطباؤها وساستها بأن كل دولة حرة في النظام الذي تسلكه في داخل أرضها، ما دام لا يمس حقوق الآخرين، فعلى ساسة هذه الدول جميعًا: أن يفهموا أن شرف الإسلام الدولي هو أقدس شرف عرفه التاريخ، وأن القواعد التي وضعها الإسلام الدولي لصيانة هذا الشرف وحفظه أرسخ القواعد وأثبتها.

فالإسلام الذي يقول في المحافظة على التعهدات وأداء الالتزامات: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئولاً) (الإسراء:34)، ويقول: (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شيئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (التوبة:4), ويقول: (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ) (التوبة:7)، ويقول في إكرام اللاجئين وحسن جوار المستجير: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) (التوبة:6)، وهذا بالمشركين فكيف بالكتابيين؟

فالإسلام الذي يضع هذه القواعد ويسلك بأتباعه هذه الأساليب: يجب أن يعتبره الغربيون ضمانةً أخرى، تضمن لهم حقوقهم.. نقول إنه من خير أوروبا نفسها أن تسودها النظريات السديدة في معاملات دولها بعضها لبعض، فذلك خير لهم وأبقى) (من رسالة (نحو النور) صـ 285، 286 من مجموع رسائل الإمام الشهيد).


خاتمة البحث

هذه معالم التربية السياسية عند الإمام البنا، إنها تربية جديدة تخالف التربية التي كانت تقوم عليها الأحزاب والمنظمات السياسية، إن صَحَّ أن كان لديها تربية من نوع ما، كما تخالف التربية التي كانت سائدةً عند الجمعيات الدينية والطرق الصوفية في ذلك الوقت؛ حيث كان الاتجاه العام فيها: تحريم الاشتغال بالسياسة.

كانت تربية حسن البنا للإخوان تربيةً إسلاميةً خالصةً؛ لأنها تستمد مقوِّماتها ومفاهيمها من الإسلام وحده، ومعنى إسلامية التربية عند الإمام حسن البنا- رحمه الله-: أنها إسلامية المصدر، وإسلامية الغاية، وهذا ما لا خلاف عليه، وإن كنا قد نخالفه في بعض الجزئيات التي يرى فيها رأيًا، ونرى رأيًا آخر، كما في قضية الحزبية، ووقوفه ضدها، وقضية التجنُّس بجنسية غير إسلامية، وتشديدة في تحريمها. لكي نكون منصفين:

ولا بد لكي نقوِّم آراء الأستاذ البنا تقويمًا عادلاً: أن نضعها في إطار زمنها وبيئتها وظروفها، فقد يتشدَّد الأستاذ في أمور، نحن نتساهل فيها اليوم بمقتضى التطور العالمي، واقتراب الناس بعضهم من بعض، وحاجة العالم بعضه إلى بعض، وتغيُّر صفة بعض الدول من دول استعمارية ظالمة للمسلمين، إلى دول حليفة أو شريكة للمسلمين، كما أن الأستاذ في بعض ما كتبه كان في عنفوان الشباب، بما فيه من حماس للحق، وثورة على الباطل، واندفاع في المواجهة.

مثال ذلك: رأي الأستاذ في التجنُّس بجنسية أجنبية، فهو يراه مُحرَّما من المحرَّمات القطعية، بل كبيرة من الكبائر الدينية، بل قد يؤدي بمرتكبه إلى الكفر الصريح، والرِّدة عن الإسلام. هكذا أجاب حين سأله سائل عن نية الحكومة البريطانية إصدار قانون للجنسية لبعض مَن يقيمون في أرضها من الأجناس الأخرى، وبطبيعة الحال مَن يحمل جنسية أي بلد من البلدان، لا بد أن يكون مواليًا لها، وأن يحترم نظامها، ويطيع أوامرها، وقد يحارب في جيشها مَن يحاربها أو تحاربه.

يقول الأستاذ في هذه الإجابة أو هذه الفتوى:

(مجرد تجنُّس المسلم بأية جنسية أخرى لدولة غير إسلامية: كبيرة من الكبائر، توجب مَقْت الله وشديد عقابه، والدليل على ذلك ما رواه أبو داود عن أنس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ادعي لغير أبيه أو انتمى لغير مواليه؛ فعليه لعنة الله المتتابعة إلى يوم القيامة" (رواه أبو داود في الأدب (5115) عن أنس، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5987))، والآية الكريمة تشير إلى هذا المعنى، وهي قول الله تبارك وتعالى: (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران:28)؛ فكيف إذا صحبه بعد ذلك واجبات وحقوق تبطل الولاء بين المسلمين، وتمزق روابطهم، وتؤدي إلى أن يكون المؤمن، في صفِّ الكافر أمام أخيه المؤمن، وإن خيرًا للمسلم أن يَدَع هذه الديار وأمثالها إن تعذرت عليه الإقامة فيها إلا بمثل هذه الوسيلة وأرض الله واسعة: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً) (النساء:100)، والله أعلم) (مجلة الإخوان المسلمين. السنة الرابعة. العدد (4). صـ11 بتاريخ 14 صفر 1355هـ الموافق 5 مايو 1936م، نقلا عن سلسلة (من تراث الإمام البنا) الكتاب الرابع. الفقه والفتوى صـ229، 230.).

وقد كتب الأستاذ مثل هذه الفتوى بعد ثلاث سنوات، في سياق آخر، حين أرادت إيطاليا التي كانت تحتل برقة وطرابلس الغرب وغيرهما من البلاد التي عرفت باسم (ليبيا)، وكانت تريد أن تُجنِّس الطرابلسيين وإخوانهم من أهل ليبيا بالجنسية الإيطالية، رغم أنوفهم، تريد أن تسلبهم جنسيتهم الأصلية، وتمنحهم جنسية المستعمر الغاشم.

ومن الواضح أن السؤال في هذه الصورة، غير السؤال في الصورة السابقة، ولكن الإمام رحمه الله أجاب إجابةً عامةً بتحريم التجنس بأي جنسية أجنبية، فهو يقول بعد الحمد والصلاة على رسول الله:

(فالذي نعلمه من دين الله تبارك وتعالى: أن التجنس بجنسية غير إسلامية لا يجوز في دين الله تبارك وتعالى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ادعي لغير أبيه أو انتمى لغير مواليه؛ فعليه لعنة الله لا يقبل منه صرفًا ولا عدلاً" (رواه البخاري في فضائل المدينة (1870) ، ومسلم في في الحج (1370)، وأحمد في المسند (615)، وأبو داود في المناسك (2034)، والترمذي في الولاء (2127) عن علي، ولفظه: "... ومن ادعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا"، قال النووي: (قوله صلى الله عليه وسلم: "من ادعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" قال النووي: (هذا صريح في غلظ تحريم انتماء الإنسان إلى غير أبيه، أو انتماء العتيق إلى غير مواليه؛ لما فيه من كفر النعمة، وتضييع حقوق الإرث، والولاء والعقل وغير ذلك، مع ما فيه من قطيعة الرحم والعقوق). انظر: صحيح مسلم شرح النووي 4/3615. وشرح الإمام النووي هنا أبعد الحديث عن تأويل الأستاذ البنا له)، والتجنس بجنسية غير إسلامية يدخل تحت الشطر الثاني من الحديث الشريف؛ فإن رضي المتجنس بالدخول في جنس الكفار ورأى ذلك أفضل من قوميته الإسلامية... فهو كفر صُراح وخروج عن الدين، وإن لم يرض بذلك، ولكنه قَبِله- وهو يستطيع الخلاص منه- فهي كبيرة من أفظع الكبائر) ( - الفتوى منشورة في مجلة (النذير). السنة الثانية. العدد (8). صـ19. بتاريخ 20 صفر 1358هـ الموافق 16 إبريل 1939م، انظر: المرجع السابق.).

وفتوى الأستاذ هنا في تحريم التجنُّس في الحالة المسؤول عنها: صحيحة بلا ريب، ولكن التعميم في التحريم هو الذي نتوقف فيه، ولا نوافق عليه.

وقد بني ذلك على أساس قد لا نسلِّم له، وهو تأويل حديث: "أو انتمى إلى غير مواليه"، حيث اعتبر التجنُّس انتماء إلى غير مواليه. والمراد به في الحديث: انتماء المعتق إلى غير مَن أعتقه، وهذا يترتب عليه حقوق في الميراث وغيره.

وقد علق الأستاذ جمعة أمين جامع هذه السلسلة من تراث البنا بقوله في حاشية فتوى التجنُّس بالجنسية الإنجليزية: (يجب على القارئ أن يستحضر الظروف التاريخية والسياسية التي زامنت صدور هذه الفتوى، وإلا فالفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والشخص والحال، كما قرر المحققِّون من علماء الأمة. وفي تلك الفترة كانت إنجلترا والدول الأجنبية تحتل معظم العالم الإسلامي، وكانت تجنِّد من يتجنَّس بجنسيتها في جيوشها، وتستخدمهم في إحكام قبضتها على تلك الدول، ومحاربة المسلمين فيها وإخضاعهم لسلطانها) (سلسلة من تراث الإمام البنا. الكتاب الرابع (الفقه والفتوى) صـ229 طبعة دار الدعوة. الأسكندرية).

وفي نهاية فتوى الطرابلسيين قال الأستاذ:

(ولقد عرض علينا مثل هذا السؤال بالنسبة لتجنس بعض التونسيين بالجنسية الفرنسية فذكرنا نحوا من هذا، وقد أفتى بنحوه علماء الإسلام، والكفر مِلَة واحدة، مَنَّ الله على المسلمين بالحرية وقرَّب يوم الإنقاذ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم).

وهنا علق جامع هذه السلسلة بقوله:

يوضح الشيخ القرضاوي ملابسات هذا الاتجاه في الفتوى فيقول:

(أخذ الجنسية من بلد غير إسلامي يعتبر أحيانًا خيانةً لله ورسوله وللمؤمنين، وذلك في حالة الحرب بين المسلمين وغيرهم ممَّن يحاربون الإسلام؛ ولذا أفتى علماء تونس وقت الاحتلال الفرنسي أن أخذ الجنسية الفرنسية يُعدُّ خروجا ورِدَة عن الإسلام؛ لأن هذا سبيل من سبل المقاومة والاحتلال، وسلاح من أسلحة الجهاد، ولكن في الأوقات العادية فالمسلم الذي يحتاج للسفر إلى بلاد غير إسلامية تعطيه الجنسية قوة ومَنعة؛ فلا يحق للسلطات طرده، ويكون له حق الانتخاب، مما يعطي قوة للمسلمين في هذه البلاد؛ حيث يخطب المرشحون ودَّهم، ولذا فحمل الجنسية ليس في ذاته شرًا ولا خيرًا، وإنما تأخذ الحكم حسب ما يترتب على أخذ هذه الجنسية من النفع للمسلمين أو الإضرار بهم، مثل أخذ الفلسطينيين خاصة الجنسية الإسرائيلية؛ فإن هذا يعد اعترافا ضمنيا بدولة إسرائيل، ولكن أخذ الجنسية في دولة من دول الغرب بغرض تقوية شوكة المسلمين هناك فلا حرمة في هذا) (سلسلة من تراث الإمام البنا. الكتاب الرابع (الفقه والفتوى) صـ229) أ. هـ.


الخلاصة

أن التربية السياسية للأستاذ البنا: كانت تربيةً إسلاميةً متوازنةً ومتكاملةً، وكانت تربيةً إيجابيةً واعيةً، تقوم على الفهم لا التهريج، وعلى العمل لا الكلام، وعلى البناء لا الهدم، وعلى الحق لا الهوى، وعلى التضحية وإنكار الذات، لا على المغانم وإتباع الشهوات، وكان لهذه التربية الإيجابية ثمارها وفوائدها في الأنفس والحياة.

كان من ثمرات هذه التربية ما رآيناه من نتائج وآثار نفسية وفكرية وأخلاقية وعملية، تجلت في عالم الواقع، وعالم الأفكار والمشاعر؛ ومن ذلك:

أ‌- مطاردة عوامل اليأس والإحباط في الأمة، نظرًا للمحن والشدائد التي نزلت بها طوال القرون الماضية، حتى عهد الاستعمار، وما خَلَّفه من حكومات وطنية لم تحقق آمال شعوبها في الاستقلال الكامل، وتحقيق التنمية المطلوبة، والتقدم المنشود للأمة، وإقامة العدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، وخروجها من التبعية الفكرية والثقافية والاقتصادية والتشريعية للأجنبي، وغرس الأمل في قلوبها، بأن الغد لها، وأن النصر آت لا ريب فيه بمقتضى سنن الله تعالى.

ب‌- الطموح إلى الآفاق العالية التي تجلَّت في أنفس المؤمنين، والإيمان بأهداف كبرى في الحياة، لا يطمح إليها، ولا يفكر فيها إلا أصحاب الهمم الكبيرة، بمثل قول الإمام الشهيد في تحديد مراتب العمل أمام الأخ المسلم:

1- إرشاد المجتمع، بنشر دعوة الخير فيه، ومحاربة الرذائل والمنكرات، وتشجيع الفضائل، والأمر بالمعروف، والمبادرة إلى فعل الخير، وكسب الرأي العام إلى جانب الفكرة الإسلامية، وصبغ مظاهر الحياة العامة بها دائمًا، وذلك واجب كل أخ على حدته، وواجب الجماعة كهيئة عاملة.

2 -وتحرير الوطن بتخليصه من كل سلطان أجنبي غير إسلامي سياسي أو اقتصادي أو روحي.

3- وإصلاح الحكومة حتى تكون إسلامية بحق، وبذلك تؤدي مهمتها كخادم للأمة وأجير عندها وعامل على مصلحتها، والحكومة إسلامية ما كان أعضاؤها مسلمين مؤدين لفرائض الإسلام غير متجاهرين بعصيان، وكانت منفذة لأحكام الإسلام وتعاليمه.

4- إعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية، بتحرير أوطانها وإحياء مجدها وتقريب ثقافتها وجمع كلمتها، حتى يؤدى ذلك كله إلى إعادة الخلافة المفقودة والوَحدة المنشودة.

5- وأستاذية العالم بنشر دعوة الإسلام في ربوعه: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ) (الأنفال:39)،﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (التوبة:32).

ج‌- احتشاد الطاقات النفسية والعملية للأمة، وتفجير مكنوناتها المذخورة، لتحقيق تلك الأهداف العظيمة، من خلال الإيمان برسالة سامية، رسالة ربانية أخلاقية إنسانية عالمية، قدمت من قبل للبشرية حضارة ربطت الأرض بالسماء، ووصلت المخلوق بالخالق، ومزجت المادة بالروح، وجمعت بين الدين والدنيا.

د- وجود الكتلة إسلامية ضخمة، تمتد من المحيط إلى المحيط، تعمل بالإسلام، وتعمل للإسلام، وتجاهد في سبيل الإسلام، فعبرت عن ذاتها، وعاشت لخير غيرها، رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولاً، وبالقرآن منهاجًا. تآخت في الله على اختلاف أوطانها، واختلاف ألوانها، واختلاف ألسنتها، ولكن جمع بينها الإيمان، وربط بينها القرآن، فأمست قُرَّة أعين المؤمنين، وغُصَّةً في حلوق أعداء الحق، وأنصار الإثم والعدوان.


للمزيد

ملفات متعلقة للإمام البنا

كتب هامة متعلقة بالإمام البنا

كلمات خالدة للإمام حسن البنا

متعلقات أخرى للإمام البنا

مقالات متعلقة عن الإمام حسن البنا

تابع مقالات متعلقة

مقالات متعلقة بالإمام البنا

تابع المقالات المتعلقة

.

وصلات فيديو للامام حسن البنا

.