التطور الديمقراطي في مصر

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
التطور الديمقراطي في مصر

البرلمان والأحزاب والمجتمع المدني في الميزان

غلاف الكتاب

محتويات

مقدمة: لا ديمقراطية بدون ديمقراطي

مع ظهور هذا الكتاب يكون التطور الديمقراطي في مصر قد تجاوز ربع قرن واقترب من عامة السابع والعشرين إذا أخذنا قرار الرئيس الراحل أنور السادات بتحويل التنظيمات السياسية التي نشأت في إطار التنظيم الواحد أو الاتحاد الاشتراكي العربي إلى أحزاب منطلقا لهذه التجربة .

جاء إعلان السادات في نوفمبر 1976 خلال خطابه يوم افتتاح أعمال مجلس الشعب الذي انتخب في يونيو من العام نفسه وكان هذه أول انتخابات تعددية في مصر منذ يناير 1950 إذ أجريت عقب حوار وطني بدأ في أكتوبر 1974 حول تطوير التنظيم الواحد الذي عاشت مصر في ظله منذ يناير 1953 .

وأسفر ذلك الحوار كما يتضح من الوثائق التي يجد القارئ نبذة عنها في ملاحق هذا الكتاب عن حل وسط بين دعاة إلغاء هذا التنظيم وفتح الباب أمام تعدد الأحزاب والمطالبين بالإبقاء عليه من أجل ضمان الوحدة والوطنية .

كان الحل الوسط هو إقامة منابر ثابتة داخل التنظيم الواحد الذي تم اختصاره في اللجنة المركزية مع اختزال المنابر إلى ثلاثة فقط تعبر عن الوسط " منبر مصر العربي الاشتراكي " واليمين (حزب الأحرار) واليسار (حزب التجمع)

ولكن كان واضحا أن القيادة السياسية راغبة في تجاوز هذه الصيغة بأسرع وقت في اتجاه نظام تعدد الأحزاب ولذلك سرعان ما استبدل اسم التنظيمات السياسية بالمنابر ليعطي معني أكثر دلالة على الاستقلال وما إن أجريت الانتخابات النيابية الأولي على أساس هذا التعدد " الثلاثي " حتى أعلن رئيس الجمهورية أن التنظيمات التي بدأت عملها باعتبارها جزءا من إطار عام يمثله " الاتحاد الاشتراكي العربي " صارت أحزابا مستقلة .

وكانت هذه هي إشارة الميلاد الرسمي لعملية التطور الديمقراطي التي ولدت قبل أكثر من عامين على هذه الإشارة عندما طرح رئيس الدولة " ورقة تطوير الاتحاد الاشتراكي" التي عرفت إعلاميا باسم " ورقة أكتوبر " في إشارة إلى الشهر الذي طرحت فيه ,

بل يجوز القول إن العامين اللذين سبق الميلاد الرسمي للأحزاب كانا أكثر حيوية وثراء وديناميكية من حيث الممارسة السياسية مقارنة بأى فترة لاحقة ربما باستثناء السنوات الأولي في عهد الرئيس حسني مبارك وخصوصا من أواخر 1981 إلي قرب نهاية ثمانينيات القرن العشرين حين بدأ الإرهاب يتصاعد ويلقي بظلاله القاتمة على النخبة السياسية وعندما ظهر ضعف أداء معظم النخبة السياسية المعارضة والمستقلة.

لقد روجت هذه النخب طويلا أسطورة مفادها أن ضعف التطور الديمقراطي في مصر يعود فقط إلى القيود المفروضة عليه منذ البداية وهذه القيود حقيقة واقعة لا ينكرها أحد ويجد القارئ تحليلا لإطارها القانوني في الفصل الأول ومناقشة لها – في ارتباطها بالانتقال من نمط تسلطي مغلق إلى آخر مفتوح – في الفصل الثالث من هذا الكتاب .

وقد أثرت هذه القيود سلبا بالضرورة على مسار التطور الديمقراطي مفوقته حينا وابطأته حينا آخر وأربكته في كل الأحيان .

ولكن إذا كانت هذه حقيقة واقعة ففيم إذن الحديث عن أسطورة روج لها كثير من عناصر النخبة السياسية والثقافية المعارضة والمستقلة إذن ؟

الأسطورة هي في تحميل القيود على الحياة السياسية وحدها المسئولية عن ضعف التطور الديمقراطي واعتبارها السبب الوحيد الذي أدي إلى ركود الساحة السياسية وانفصال الأحزاب عن المجتمع .

فلم تكن القيود إلا وجها واحدا في أزمة التطور الديمقراطي في مصر كما في غيرها من البلاد العربية التي تبعتها في هذا التطور بدءا بتونس اعتبارا من 1978 أما الوجه الآخر فهو ضعف تكوين وسوء أداء النخبة السياسية سواء التي عملت في إطار الأحزاب أو انضمت إليها ثم خرجت منها أو بقيت مستقلة من البداية .

وإذا كان خطاب هذه النخبة يقول إن القيود هي أساس مشكلة التطور الديمقراطي ففي أمكن غيرهم أن يذهب إلى أن القيود لم تفعل فعلها المؤثر عن هذا النحو إلا بسبب ضعف تكوين وسوء أداء هذه النخبة و عجزها عن إدراك مقتضيات دعم ذلك التطور ودفعه إلى الأمام .

وفي غياب دراسة تسعي إلى تحديد وزن كل من العاملين (القيود وسوء الأداء) وهي مهمة بالغة الصعوبة نطمع في القيام بها مستقبلا يظل كل من الاتجاهين في تفسير أزمة التطور الديمقراطي نوعا من الاجتهاد ..

والأكيد ن ضعف هذا التطور نتج عن العاملين معا وعن تفاعلهما فما كان لأي قيد أن يؤدي إلى ما آل إليه التطور الديمقراطي لو كانت النخبة المعارضة والمستقلة أفضل أداء وأكثر تماسكا وما كان لضعف تكوين وسوء أداء هذه النخبة أن يحدث كل هذا التأثير لو أن القيود كانت أقل .

إن نخبة أفضل حالا كان في إمكانها أن تطور منهجا أكثر فاعلية في التعامل مع القيود عبر التركيز على نشر ثقافة سياسية ديمقراطية في المجتمع خلال المرحلة الأولي للتطور الديمقراطي أكثر من الاهتمام بالتصعيد الذي لم تمتلك مقوماته لإرغام نظام الحكم على إزالة هذه القيود أو تخفيضها .

وقد عدت مؤخرا إلى بدايات الصحف الحزبية (الأحرار والأهالي ثم الوفد) لمعرفة مدي وجود اهتمام بنشر ثقافة ديمقراطية ولم يفاجئني غياب هذا الاهتمام بشكل كامل والتركيز , في المقابل على انتقاد نظام الحكم ومهاجمة سياساته والميل إلى تصعيد لا تقدم عليه أحزاب ما زالت في المهد صغيرة ..

وهكذا وضع التطور الديمقراطي بين مطرقة القيود المفروضة عليه ونفاذ صبر الرئيس الراحل أنور السادات بسرعة شديدة وسندان افتقاد النخبة السياسية والثقافية والمعارضة إلى فهم مقتضيات دورها في هذا التطور فساهمت في تعويقه عبر التصعيد الذي يصعب إدراك منطقة والانصراف عن نشر ثقافة الحرية والتسامح والتعدد واحترام الآخر والحوار والحل السلمي للخلافات .

وإذا رجعنا بسرعة إلى النظرية الديمقراطية نجد عدة اقترابات في مجال التطور الديمقراطي وتحديد مقومات تقدمه أو تخلفه وأهم هذه الاقترابات اثنان ينطلق أحدهما من منظور ثقافي ويقوم الآخر على نظرة نخبوية دون أن يغفل الأول حيوية دور النخبة أو يتجاهل الثاني أهمية تأثير الثقافة .

الاقتراب الأول لا يري إمكانية لتطور ديمقراطي مطرد ومستقر ما لم تنتشر الثقافة الديمقراطية وقيمها الأساسية مثل التعدد وقبول الآخر والتسامح والحوار والتنافس السلمي وهذا الاقتراب يري الثقافة السياسية أهم من المؤسسات والهياكل والأبنية , بل يجعلها القاعدة أو البنية الأساسية التي يقوم عليها أى بناء ديمقراطي وتعمل في ظلالها الأحزاب والمجتمع المدني وتجري في رحابها الانتخابات دون حاجة إلى إجراءات أو قواعد إضافية لضمان حريتها ونزاهتها .

أما الاقتراب الثاني فهو يقوم على أن التطور الديمقراطي يتوقف على طبيعة الجماعة أو النخبة السياسة أى قيادات الاتجاهات والقوي السياسية المختلفة في الحكم والمعارضة ومدي قدرتها على الوصول إلى تفاهم أو تراضي عام حول هذا التطور والأسس التي يقوم عليها ونجاحها في تجنب الانقسامات الحادة التي تنجم عن الخلافات بينها وهي الانقسامات التي تهدد إذا تجاوزت مستوي معينا استقرار النظام الديمقراطي وتخلق مخاوف من إمكان استئثار حزب أو آخر بالسلطة إذا وصل إليها عبر الانتخابات فلا يغادرها

فالأساس الذي ينطلق منه هذا الاقتراب هو أن النخبة السياسية التي تستحق الديمقراطية وتستطيع تلمس الطريق إليها والمضي فيه قدما هي التي تتمكن من إيجاد تفاهم عام على معالم هذا الطريق بما يحقق ثقة متبادلة بين أطرافها ويرسي تقاليد التكيف والتعاون والمساومة وصولا إلى وضع تزيد فيه مساحة التوافق على مساحة الصراع وتتحول النزاعات الأيدلوجية والعقائدية الجامدة بطبيعتها إلى خلافات على برامج وسياسات محددة في إطار قواعد اللعبة مقبولة من الجميع وموضع احترامهم.

وعلى هذا النحو تبدو الثقافة الديمقراطية قاسما مشتركا جزئيا بين الاقترابين مع اختلاف في نطاق هذه الثقافة أو المقدار اللازم توفه منها فالاقتراب الأول يتطلب شيوعها في المجتمع بينما يشترط الثاني توفرها لدي النخبة السياسية .

وفي حالة مصر ونظيراتها في بلاد عربية أخري يوجد اتفاق واسع على ضعف الثقافة الديمقراطية في المجتمع الخارج لتوه من تجربة حادية , ويجد القارئ في مختلف فصول هذا الكتاب إشارات إلى الأثر السلبي لضعف الثقافة الديمقراطية على التطور الديمقراطي .

ولا غرو في ذلك إذ عرف المجتمع على مدي تاريخه المديد أنظمة قيم لا ديمقراطية تنالت عليه حتى منتصف القرن التاسع عشر حين بدأت إرهاصات أول تجربة نيابية ذات طابع ديمقراطي ولكن الاحتلال البريطاني حال دون استمرار هذه التجربة وقبل أن تكمل التجربة التالية التي بدأت بإصدار دستور 1923 عقدها الثالث أنهتها ثورة 1952 التي جاءت بمفاهيم أخي للحياة السياسية .

وحال انقطاع التجربتين على هذا النحو دون انتشار الثقافة الديمقراطية في المجتمع كما أدي إلى ضعف تكوين النخبة السياسية التي كانت موجودة حين بدأت التجربة الثالثة التي ما برحت مستمرة بمعدلات بطيئة نجد سببها الأول في ضعف الثقافة الديمقراطية وهشاشة تكوين النخبة السياسية بما فيها بالطبع النخبة الحزبية المعارضة ونخبة المجتمع المدني

فقد ظلت الثقافة السائدة مزيجا من القيم التقليدية والأبوية والتقاليد التسلطية والنزعات الشمولية بدءا من الأسرة وحتى النظام السياسي كما بقت النخبة السياسية هشة ومشوهة في بعض الأحيان وهذا أمر مفهوم تاريخيا فلم تكد نخبة منتصف القرن التاسع عشر تعرف طريقها للضغط من أجل محاصرة الحكم المطلق وتنتزع أول مجلس نيابي حقيقي وأول وثيقة دستورية ديمقراطية حتي جاء الاستعمار البريطاني ليقوض هذه النهضة في مهدها وأدي وجود الاستعمار إلى تصاعد أهمية المسألة الوطنية على حساب الديمقراطية .

فأصبح الموقف من الاستعمار , ثم من الغرب الآن يتصدر جدول أعمال النخبة السياسية وتراجع الاهتمام بمواجهة الاستبداد الذي بات مقبولا بل موضع تأييد ما دام يواجه الغرب أو حتى يرفع شعارات زائفة ضده .

فما أن تحدث أزمة مع الغرب حتى تتواري المسألة الديمقراطية بل تختفي عن الأنظار وازداد هذا الميل إلى تعظيم المسألة الوطنية وإهدار قضية الديمقراطية بدلا من أن يقل مع الوقت ولأن هذا يحدث بفعل ممارسات قوي واتجاهات معارضة بالأساس فهو دليل آخر على أن المسئولية الأولي عن ضعف التطور الديمقراطي في بلادنا لا تعود إلى القيود المفروضة عليه ..

ولنأخذ في مقارنة سريعة ما حد إبان أزمة وحرب الخليج الثانية 90 – 1991 وأزمة وحرب الخليج الثالثة 2002 -2003 فقد ازداد الجموح إلى حد رفض الاتجاه الغالب في النخبة السياسية المعارضة أى إشارة إلى تغيير داخل في العراق حتى في حدود مصالحة ديمقراطية بين نظم الحكم – الذي حظي بتأييد من غالبية هذه النخبة والقوي الوطنية العراقية المعارضة ..

وهكذا يبدو التطور الديمقراطي في مصر وفي بلاد عربية أخري أسير ضعف الثقافة الديمقراطية وهشاشة النخبة السياسية خصوصا المعارضة أكثر مما هو ضحية القيود على هذا التطور وليس استمرار التركيز على هذه القيود التي لا نغفل أثرها إلا نتاج خطاب شعاراتي يدعي أصحابه الكمال والنقاء اللذين هم أبعد ما يكونون عنهما فهو خطاب يؤدي وظيفة التغطية على الاختلالات البنائية العميقة في مختلف الأحزاب والقوي السياسية ومنظمات المجتمع المدني من نقابات وجمعيات

وليس أدل على الميل إلى هذه التغطية من تحول دعوة الإصلاح الحزبي التي ظهرت عقب الانتخابات النيابية الأخيرة عام 2000 إلى صرخة في واد فلم تجد طريقها إلا إلى الحزب الوطني الديمقراطي نتيجة وجود جناح إصلاحي في داخله تعامل بجدية بدرجة أو بآخري مع المشكلات العميقة التي أظهرتها تلك الانتخابات في أدائه .

إن حال القطاع الأكبر من النخبة السياسية والثقافية في أحزاب المعارضة والنقابات والجمعيات والاتحادات لا يدفع إلى التفاؤل بمستقبل التطور الديمقراطي وإذا أريد لهذا التطور أن يمضي قدما إلى الأمام فلابد من مراجعة جادة ومسئولة ومثل ذلك صريحة وأمينة تنطوي على نقد ذاتي صار نادرا في حياتنا التي يسودها اليوم الميل إلى توجيه الاتهامات والتشهير والتجريح وصولا إلى السب والقذف.

وبدون ذلك سيظل التطور الديمقراطي ضعيفا على النحو الذي يتبدي في هم المؤسسات ذات الصلة الأساسية به والتي يتناولها هذا الكتاب فبعد نظرة فاحصة على الإطار القانوني الذي ينظم عملية التطور الديمقراطي عكفت عليها الزميلة هناء عبيد؛

يقدم الزميل د. جمال عبد الجواد رؤية مهمة لأثر الثقافة السياسية على التطور الديمقراطي ونبدأ بعد ذلك في تحليل أداء المؤسسات السياسية الرئيسية فيقدم الزميل أحمد منيسي في الفصل الثاني معالجة متميزة لدور البرلمان ممثلا في مجلسيه (الشعب والشوري)

ثم يقدم محرر الكتاب في الفصل الثالث تحليلا لواقع الأحزاب السياسية ومصادر أزمتها واقتراحات لتجاوز هذه الأزمة وما دام دور المجتمع المدني يتعاظم في كثير من تجارب التطور الديمقراطي في العالم وخصوصا في شرق ووسط أوروبا وفي أمريكا اللاتينية بحث الزميل أيمن عبد الوهاب في موقع هذا المجتمع من عملية التطور الديمقراطي في مصر

وقدم دراسة في العمق وإذ يصعب إغفال الرأي العام صاحب المصلحة الأولي في التطور الديمقراطي فقد قدم الزميلان أحمد ناجي قمحة وصبحي عسيلة في الفصل الخامس دراسة بالغة الأهمية عن الرأي العام والمشاركة السياسية معتمدين في الجانب التطبيقي لها على نتائج بعض الاستطلاعات التي أعدتها وحدة بحوث الرأي العم في المركز.

وفي كل هذه الفصول يجد القارئ مقارنات بين التطور الديمقراطي في مصر ومثله في بلاد عربية أخري تمر في مرحلة ما من مراحل هذا التطور مثل الأردن واليمن وتونس والجزائر والمغرب واستهدفت هذه المقارنة أما الوقوف على مستوي التطور الديمقراطي في جانب أو أخر من جوانبه أو معرفة مدي هذه العقبة أو تلك من العقبات التي تواجهه أو البحث عن حل لمشكلة من المشكلات التي تمثل قاسما مشتركا بين بلدين أو أكثر .

ولذلك تمثل المقارنة هنا وسيلة معرفية وليس منهجا في البحث إذ يظل الكتاب دراسة حالة بالأساس لا دراسة مقارنة وفق الخطة التي أعدت له .

وأما وقد أظهرت هذه الدراسة مدي عمق مشكلتي الثقافة السياسية وتكوين النخبة السياسية وأثرهما الجوهري على تطور مؤسسات النظام الديمقراطي يصبح البحث في هاتين المشكلتين وكيفية حلهما وتجاوز الأوضاع التي ترقبت عليهما أكثر من ضرورة بميلها التطلع إلى دفع التطور الديمقراطي قدما إلى الأمام

د. وحيد عبد المجيد

الفصل الأول: الإطار القانوني للتطور الديمقراطي في مصر

هناء عبيد

يعتبر الإطار القانوني للتحول السياسي أحد المحددات الأساسية للتطور الديمقراطي والتي لا تحظي عادة بالاهتمام الكافي في المعالجات السياسية والإطار القانوني لا ينصرف إلى النصوص فحسب ولكنه إفراز الواقع سياسي معين كما أنه ينعكس مباشرة على تطور ذلك الواقع السياسي .

وعلى هذا الأساس نتناول الإطار القانوني للتطور الديمقراطي و المشاركة السياسية من خلال قانوني مباشرة الحقوق السياسية وقانون الأحزاب السياسية تناولا تحليليا نقديا وتنبع أهمية هذين القانونيين من تنظيمهما لأكثر عمليات الممارسة الديمقراطية محورية في النظم السياسية الحديثة وهي عملية تداول السلطة بضلعيها وهما الانتخابات والمنافسة الحزبية.

وتهدف الدراسة إلى رصد التغييرات التي طرأت على هذه القوانين في العقدين الأخيرين وانعكاساتها السياسية مع تقديم خاتمة تقويمية لهذه الأطر القانونية ودورها في تطوي أو تعويق الممارسة الديمقراطية .

وتتناول الدراسة عددا من الأسئلة البحثية الأساسية.

أولا : ما هي الملامح الأساسية للنظام القانوني لمباشرة الحقوق السياسية وقانون الأحزاب السياسية في مصر ؟
ثانيا : ما هي التغيرات الأساسية التي لحقت بالإطار القانوني لكل من الانتخابات والأحزاب في العقدين الأخيرين ؟ وما هي اتجاهات هذا التغيير ؟
ثالثا : ما هي القوي السياسية الأساسية التي لعبت دورا في دفع وتوجيه هذه التطورات ؟
رابعا : ما هي الانعكاسات السياسية الأساسية لمثل هذه العملية المستمرة على مدي أكثر من عقدين ؟

أولا : قانون مباشرة الحقوق السياسية

(إجراءات العملية الانتخابية)

إن مسار الديمقراطية كنظم الحكم يقوم في الوقع على عدد من الإجراءات والآليات تقع على رأسها الانتخابات التي تمثل الركيزة التي تقوم عليها عملية تداول السلطة والترجمة المباشرة لسيادة الشعب في العملية السياسية وتقوم الانتخابات بعدد من الأدوار الحيوية بالنسبة للممارسة الديمقراطية أهمها :

  1. تنظيم عملية التداول السلمي للسلطة السياسية.
  2. تجديد مؤسسات النظام السياسي.
  3. بناء ودعم المشاركة السياسية وتأكيد الرقابة الشعبية
  4. بناء الشرعية السياسية .

وقد نظم الدستور المصري الأمور الأساسية المتعلقة بالانتخابات بينما تولت القوانين الأمور التفصيلية ومن أبرز هذه القوانين القانون رقم 73 لسنة 1956 وتعديلاته بشأن تنظيم مباشرة الحقوق السياسية وقانون مجلس الشعب رقم 38 لسنة 1972 وتعديلاته بينما تنظم القرارات الوزارية العملية الإجرائية للانتخابات بداية من قيد أسماء المواطنين في الكشوف الانتخابية وانتهاء بقرار وزير الداخلية بإعلان النتيجة النهائية للانتخاب وتركز الورقة على انتخابات مجلس الشعب بشكل أساسي .

وقد لحق بقانون مباشرة الحقوق السياسية عددا من التعديلات كان آخرها القرار بقانون رقم 167 لسنة 2000 والذي أوجب تعيين كافة رؤساء اللجان العامة و الفرعية من القضاة للإشراف على الانتخابات .

وينعكس الإطار القانوني لتنظيم الانتخابات ممثلا في القانون رقم لسنة 1956 بشأن تنظيم الحقوق السياسية بشكل أساسي والقوانين المنظمة لانتخابات مجلس الشعب على الممارسة الانتخابية من زاويتين أساسيتين هما تنظيم إجراءات وشروط الممارسة الانتخابية وتحديد طبيعة النظام الانتخابي وبطبيعة الحال يتداخل كلا العاملين على أرض الواقع بحيث يعتبر الفصل بينهما من قبيل الفصل التحليلي .

فقد تضمن القانون 73 لسنة 1956 ستة وخمسين مادة لتنظيم العملية الانتخابية وتؤثر تلك الأحكام التي تضمنها القانون على العملية الانتخابية من الناحية الإجرائية من حيث :

  1. تحديد أطر وشروط الممارسة الانتخابية
  2. تيسير أو تعويق المشركة الجماهيرية في الانتخاب كوسيلة أساسية لتحقيق الطابع النيابي التمثيلي للديمقراطية .
  3. رسم وتوصيف حدود التدخل الإداري في العملية الانتخابية .
  4. تحديد العقوبات الخاصة بالتلاعب بالنظام الانتخابي سواء من قبل الحكومة أو المواطنين .

وفيما يلي خلفية موجزة عن مواد قانون تنظيم مباشرة الحقوق السياسية وانعكاساتها على عملية المشاركة السياسية للمواطنين وتنظيم عمليتي الاستفتاء و الانتخاب والقيد بالجداول الانتخابية والعقوبات الخاصة بارتكاب الجرائم التي من شأنها عرقلة سير العملية الانتخابية .

يحدد القانون في المادة الأولي منه السن القانوني لمباشرة الحقوق السياسية عند بلوغ 18 سنة للذكور والإناث وقد جعل القانون القيد في الجداول الانتخابية إجباريا بالنسبة للرجال والنساء على السواء وهو ما نتج عن تعديله بالقانون رقم 41 لسنة 1979 لنص المادة 4 من القانون السالف ذكره والتي كانت تجعل القيد إجباريا بالنسبة للرجال فقط واختياريا للإناث فجاء هذا التعديل ليلزم الإدارة بأن تقوم من تلقاء نفسها كل عام بحصر وقيد المواطنين من الذكور والإناث .

وتنص المادة الرابعة من القانون على التزم جهة الإدارة وزارة الداخلية بالمبادرة إلى قيد كل من له الحق في مباشرة هذه الحقوق بينما تنص المادة الخامسة على أنه " تنشأ جداول انتخابية تقيد فيها أسماء الأشخاص الذين يتوافر فيهم شروط الناخب في أول ديسمبر من كل سنة ولم يلحق بهم أى مانع من موانع مباشرة الحقوق السياسية وتعرض هذه الجداول في كل سنة من أول يناير إلى اليوم الحادي والثلاثين من نفس الشهر "

بعبارة أخري فإن المشرع قد جعل القيد بالجداول الانتخابية مقصورا على فترة زمنية تبدأ بنص القانون في أول ديسمبر من كل سنة وتعرض الجداول في مدة لا تتجاوز شهرين وحددت مدة الاعتراضات وطلبات التصحيح بفترة قصيرة لا تتجاوز شهر وفي هذا السياق يري كثير من المحللين ضرورة رفع القيد الزمني على القيد بجداول الانتخاب, أو جعل القيد تلقائيا بربطه بالرقم القومي أو الرقم التأميني وذلك لتيسير عملية القيد بالجداول الانتخابية ومدها إلى أوسع قطاعات ممكنة من الناخبين .

وطبقا للائحة التنفيذية لهذا القانون يتم تحرير وإعداد الجداول الانتخابية في المدن بواسطة لجنة يغلب عليها الطابع الإداري مما قد يفتح الباب للتلاعب ولهذا يقترح البعض ضرورة وجود هيئة محايدة تخضع لإشراف السلطة القضائية وتتمتع باستقلالية كاملة في مواجهة السلطة التنفيذية فالجداول الانتخابية هي السبب الرئيسي في القضاء ببطلان الانتخاب والطعون الانتخابية لأنها لا تعبر في أغلب الأحوال عن الصورة الحقيقية لأعداد الناخبين .

ما بشأن تحديد الموطن الانتخابي للناخب فالمادة 11 من القانون تنص على أن الموطن الانتخابي هو الجهة التي يقيم فيها الشخص عادة ومع ذلك يجوز له أن يختار لقيد اسمه الجهة التي بها محل عمله الرئيسي أو التي له بها

" مصلحة جدية أو مقر عائلته ولو لم يكن مقيما فيها " ونلاحظ في سياق هذه المادة أن العبارات غير محددة بشأن مبررات اختيار الناخب لموطنه الانتخابي وخصوصا في جملة

" مصلحة جدية " أو حتى صلاحية اختيار مقر العائلة كموطن انتخابي خاصة إذا كان الناخب غير مقيم به بصفة دائمة وهو ما قد يهدد مسار العملية الانتخابية .

وفيما يخص إثبات شخص النخب في اللجنة الانتخابية جاءت المادة 31 من القانون لتشير إلى ضرورة تحقق رئيس اللجنة الانتخابية من شخصية الناخب إلا أن القرار رقم 167 لعام 2000 أثار الجدل حول إمكانية التعرف على الناخب من خلال مندوبي المرشحين وهو مما حدا بالكثيرين بالتشكيك في اثر ذلك على سلامة الانتخاب لأنه قد يدفع ببعض الأفراد بالإدلاء بأصواتهم لأكثر من مرة في أكثر من لجنة ويعوق ضبط وتنظيم الناخبين فهذا التساهل في التحقق من شخصية الناخب وإن كان يسهل العملية الانتخابية من ناحية إلا أنه يفتح باب التلاعب من ناحية ثانية .

وقد أعفي القانون رقم 73 لسنة 1956 بشأن تنظيم مباشرة الحقوق السياسية بعض الفئات من مباشرة الحقوق السياسية وهم ضباط أو أفراد القوات المسلحة الرئيسية و الفرعية والإضافية وضباط وأفراد هيئة الشرطة طوال مدة خدمتهم بالقوات المسلحة أو الشرطة

ولكن وبموجب المادة 2 التي عدلت بالقانون رقم 23 لسنة 1972 توسع المشرع في إضافة حالات الحرمان من مباشرة الحقوق السياسية إلى جانب ما كان منصوصا عليه منذ البداية فأضاف من فرضت الحراسة على أمواله بحكم قضائي وذلك طوال مدة فرضها وفي حالة يكون الحرمان لمدة 5 سنوات من تاريخ هذا الحكم

والمحكوم عليه بعقوبة الحبس في جريمة من الجرائم المنصوص عليها في قوانين الإصلاح الزراعي أو في قوانين التموين أو التسعيرة أو في جريمة من جرائم اقتضاء مبالغ خارج نطاق عقد إيجار الأماكن أو في جريمة من جرائم التهرب الجمركي ما لم يكن المحكوم عليه قد رد إليه اعتباره وأضاف القانون إلى فئة المحرومين كذلك من سبق فصله بالقطاع العام أو الحكومة لأسباب مخلة بالشرف ما لم تنقضي 5 سنوات من تاريخ الفصل .

وهذه الجرائم الاقتصادية والاجتماعية المنصوص عليها لا تستوجب جميعها الحرمان من مباشرة الحقوق السياسية وهو ما يعني أن القانون قد بالغ نسبيا في وضع القيود الموضوعة على ممارسة الحقوق السياسية خاصة وأن بعض الأسباب التي دفعت بوضع هذه القيود قد فرضها اعتبارات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية معينة لم يعد الكثير منها قائما الآن كما أنها صيغت في عبارات عامة وغامضة قد تتيح الفرصة لإساءة استخدامها .

وفيما يلي نعرض عدة قضايا إجرائية توضح تأثير الإطار القانوني على مسار وفعالية العملية الانتخابية .

(1) الطعون الانتخابية

برزت ظاهرة الطعون الانتخابية والتي أصبحت سمة من سمات الانتخابات في مصر مما يدل على تعثر العملية الديمقراطية عامة والانتخابات البرلمانية بوجه خاص وتختلف صور هذه الطعون فقد تكون موجهة إلى صحة ترشيح بعض المرشحين الذين خاضوا الانتخابات ونجحوا في الحصول على مقاعد في المجلس بالفعل بسبب ازدواج الجنسية أو عدم القيد في الجداول الانتخابية أو عدم أداء الخدمة العسكرية أو ما يتعلق من مشكلات تخص الصفة الانتخابية التي رشح بها
أو قد تكون هذه الطعون ضد إجراء الانتخابات في بعض الدوائر مثلما حدث في دائرة الرمل بالإسكندرية في انتخابات مجلس الشعب لعام 2000 وترتبط هذه القضية مباشرة بتنظيم الإدارة للكشوف الانتخابية وفقا للأئحة التنفيذية لقانون مباشرة الحقوق السياسية كما سلفت الإشارة فضلا عن بعض مخالفات العملية الانتخابية ذاتها .
ويترتب على تلك المشكلة الشعب وصحة أخري تتعلق بتضارب الاختصاص القانوني في النظر في عضوية مجلس الشعب وصحة الطعون فالمعارضة عادة ما تستند إلى أحكام محكمة النقض التي قد تقرر صحة الطعن في عضوية أعضاء مجلس الشعب في حين أن الدستور يعطي المجلس حق الفصل في صحة أعضائه مما يهدر هذه الأحكام ؟
ويشكل مساسا بمكنة محكمة النقض والتي يقتصر دورها فقط في التحقيق في صحة العضوية دون إعطائها حق إصدار الحكم.
وينشأ هذا الخلاف القانوني بالأساس بين محاكم القضاء الإداري ومحكمة النقض من ناحية ومجلس الشعب من ناحية ثانية بشأن الفصل في صحة عضوية نواب المجلس ويعود إلى أن المادة 93 من الدستور تنص على أن " المجلس يختص بالفصل في صحة عضوية أعضائه , وتختص محكمة النقض بالتحقيق في صحة الطعون المقدمة خلال 15 يوم من تاريخ علم المجلس به ويجب الانتهاء من التحقيق خلال تسعين يوم ن تاريخ إحالته إلى محكمة النقض وتعرض نتيجة التحقيق والرأي الذي انتهت إليه المحكمة على المجلس للفصل في صحة الطعن خلال ستين يوما ولا تعتبر العضوية باطلة إلا بقرار يصدر بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس .
وبالتالي تعكس عملية الطعون الانتخابية مشكلة تضارب القوانين وما يمكن أن تؤدي إليه من خلل في الممارسة الديمقراطية فالدستور ذاته في المادة 182 ينص على أن مجلس الدولة هيئة قضائية مستقلة تختص بالفصل في كافة النزاعات الإدارية لكن جعل المجلس هو صاحب الكلمة الأخيرة في الفصل في صحة عضوية أعضائه قد يفتح الباب أما التغاضي عن كثير من هذه الطعون خاصة إذا كانت في غير مصلحة الأغلبية المسيطرة على المجلس ..

(2) التدخل الإداري

رغم الدور البارز الذي قام به رجال القضاء في الإشراف على انتخابات مجلس الشعب لعام 2000 ومحاولة القضاء على ما يسمي بظاهرة تسويد البطاقات التي كانت شائعة في الانتخابات السابقة
إلا أن هناك كثير من المشكلات ارتبطت بموقف الإدارة ومدي حيادها سواء في مرحلة إعداد الكشوف الانتخابية والتي يسندها القانون لوزارة الداخلية كما سبقت الإشارة أو تجاوزات الأجهزة الأمنية خارج اللجان الانتخابية .
ومشكلة الجداول الانتخابية وضرورة تنقيتها ليست بالجديدة ففي انتخابات 1995 ظهرت العديد من الثغرات والمخالفات في كشوف الناخبين مما أدي إلى الدعوة إلى ضرورة استكمال مشروع الرقم القومي للمواطنين للتغلب على تلك المشكلات إلا أن هذه القضية تكررت في الانتخابات الأخيرة لمجلس الشعب وهو ما أعاق الكثير من الناخبين عن أداء واجبهم .

(3) تأثير المال وتنظيم عملية الدعاية الانتخابية

تنص المادة 11 من القانون رقم 38 لسنة 1972 بشأن مجلس الشعب على التزام المرشحين لعضوية المجلس بالوسائل والأساليب المنظمة للدعاية الانتخابية وبالحد الأقصي للمبالغ التي يجوز إنفاقها عليها طبقا للقواعد التي يصدر بها قرار من وزير الداخلية وتعتبر مخالفة ذلك من الجرائم الانتخابية وتسري عليها أحكام المادة الثانية من قانون مباشرة الحقوق السياسية رقم 73 لسنة 1956 فيما يتعلق بالحرمان من مباشرة الحقوق السياسية .
فوزير الداخلية طبقا لما سبق يحدد القيود المنظمة للدعاية الانتخابية عبر قرار يصدره قبيل الانتخابات ففي انتخابات 2000 أصدر وزير الداخلية قرارا في سبتمبر منافس العام اشتمل على مجموعة من الالتزامات بشن الدعاية الانتخابية فجعل الحد الأقصي للنفقات عشرة آلاف جنيه لكل مرشح ولكن هذا القيد القانوني غير فاعل حيث يتجاوز المرشحون بشكل عام نسبة الإنفاق المحددة فقد تردد أن جملة ما أنفق في انتخابات 2000 وصل 3 مليارات جنيه .

(4) عقوبات الجرائم الانتخابية

في الجزء الخاص بالجرائم الانتخابية لم يضع المشروع عقوبات رادعة لم يرتكب مثل هذه الجرائم والتي تعد جيمة في حق المجتمع لا تسقط بالتقادم فعلي سبيل المثال تنص المادة 40 من قانون مباشرة الحقوق السياسية على أنه " يعاقب بالحبس وبغرامة خمسمائة جنيه و بإحدى هاتين العقوبتين كل من تعمد قيد أو عدم قيد اسمه أو اسم غيره أو تتوافر فيه أو في ذلك الغير شروط الناخب وهو يعلم ذلك وكذلك من توصل على الوجه المتقدم على حذف اسم آخر ".
وفي المادة 41 يضيف القانون إلى هذه الجرائم كل من " استعمل القوة أو التهديد لمنع شخص من إبداء الرأي في الانتخاب أو لإكراهه على إبداء الرأي على وجه خاص أو الامتناع عنه أو حتى من طلب فائدة من هذا القبيل لنفسه أو لغيره , وعلى هذا المنوال أتت العقوبات غير حاسمة لمنع وقوع مثل هذه الجرائم التي تهدد المسار الديمقراطي في أى مجتمع من المجتمعات .
كما حدد لقانون مدة قصيرة لسقوط الدعاوي الجنائية في جرائم الانتخاب وهي ستة أشهر. فمن الأولي حدوث تعديل لهذا الشق وجعل مدي سقوط هذه الدعاوي على الأقل مساوية لمدة الفصل التشريعي .

ثانيا : الإطار القانوني والنظام الانتخابي

يمكن تعريف النظم الانتخابي " بمجموعة المبادئ والقواعد والمؤسسات التي تنظم عملية لانتخاب وتؤثر فيها ومجموعة الإجراءات التي تتم بواسطتها ترجمة أصوت الناخبين إلى مقاعد في الهيئات التشريعية "

فالنظام الانتخابي لا يقتصر فقط على إيجاد آلية لتوزيع مقاعد البرلمان بل يمتد ليشمل مجمل مراحل العملية الانتخابية بدءا من إعداد الجداول وقيد الناخبين مرورا بتنظيم لدعاية الانتخابية حتى إعلان النتائج وفي هذا الإطار فالنظام الانتخابي الأمثل هو ذلك الذي تمارس بمقتضاه و في ظله عملية التنافس السياسي بحرية تامة دون تحكم ولا احتكار يمكن أن يقضي على كفة إمكانات وفرص الاختيار الحر لدي المواطنين فضلا عن بناء وتراكم خبرة المشاركة السياسية والتعلم الديمقراطي لجمهور الناخبين .

وتتباين النظم الانتخابية في العالم طبقا لاختلافه في التعامل مع الناخبين و المرشحين وصولا لطرق توزيع المقاعد على الفائزين .

ففي النظام الفردي يتم تقسيم البلاد إلى دوائر صغيرة نسبيا ويخصص المقعد الانتخابي للمرشح الحاصل على أكبر عدد من الأصوات في دائرة انتخابية بعينها , ومن أهم مزايا الانتخاب الفردي سهولته وبساطته حيث يختار الناخب نائبا واحدا بينما يحتاج الناخب إلى المفاضلة بين عدد كبير من النواب في دائرة انتخابية وسع في نظام الانتخاب بالقائمة يرتبط بذلك أن صغر حجم الدائرة الانتخابية في نظام الانتخاب الفردي يجعل الناخب أكثر دراية بكفاءة المرشحين وتاريخهم في العمل العام في نفس الوقت يؤدي صغر الدائرة الانتخابية إلى تزايد معرفة النائب بظروف واحتياجات دائرته

وبالتالي يكون أكثر تعبيرا عن مصالح ناخبيه وأخيرا فإن ذلك النظام يزيد من فرص حصول أقليات بعينها على تمثيل معقول بسبب صغر حجم الدوائر الانتخابية بعكس الانتخاب بنظام القائمة إذ يختفي أثر الأقليات باتساع الدائرة الانتخابية نظرا لطغيان الأغلبية العددية .

أما في نظام الانتخاب بالقائمة تقسم البلاد إلى دوائر كبيرة نسبيا يقل عددها عن مثيلتها في النظام الفردي , وتنتخب كل دائرة عددا معينا من النواب يتناسب مع عدد السكان بها بحيث يكون التنافس بين عدة قوائم تضم هؤلاء المرشحين ويقوم الناخب باختيار قائمة تضم أكثر من مرشح من بين القوائم المتنافسة في الدائرة وقد تكون القائمة مغلقة أى يقبلها النخب كما هي دون تعديل أو معدلة (مفتوحة) ويتاح هنا للناخب حذف بعض الأسماء الواردة في القائمة أو إعادة ترتيبها وفقا لتفصيلاته .

ويتميز نظام الانتخاب بالقائمة بأنه يقلل من التأثير المباشر للدائرة الصغيرة والمصالح الضيقة للناخبين ويزيد من دور البرامج والأفكار الحزبية كمعيار لاختيار قائمة دون الأخرى وأخيرا يزيد هذا النظام على الأقل نظريا إن اهتمام الناخب ودوره في العملية الانتخابية , حيث يشارك في اختيار عدة نواب بدلا من نائب واحد كما هو الحال في الانتخاب الفردي .

وتأخذ بعض الدول بنظم انتخابية مختلطة تجمع بين أكثر من نظام انتخابي ففي ألمانيا على سبيل المثال يقوم النظام الانتخابي على اختيار نصف النواب بالانتخاب الفردي بالأغلبية البسيطة والنصف الثاني بالقائمة مع التمثيل النسبي على مستوي الدوائر .

وفي مصر ومنذ بداية التجربة النيابية بدءا من عام 1966 كان النظام الانتخابي السائد هو النظام الفردي بالأغلبية المطلقة ومنذ أوائل الثمانينات شهد الإطار القانوني للنظام الانتخابي عدة تغييرات سواء بمبادرات حكومية أو بسبب الطعم في عدم دستورية بعض مواده من قبل أحزاب المعارضة

ومازال تعديل النظام الانتخابي قيد البحث حتى الآن فبصدور القانون 113 لسنة 1983 لتعديل بعض مواد القانون رقم 38 لسنة 1972 الخاص بمجلس الشعب أصبح النظام الانتخابي المعمول به في انتخابات مجلس الشعب هو نظام القوائم الحزبية على أساس التمثيل النسبي وقد استصدرت الحكومة هذا التعديل لتجنب مقاطعة أحزاب المعارضة للانتخابات التشريعية في العام التالي 1984 وهي الانتخابات التشريعية الأولي التي أجريت في عهد الرئيس مبارك

فقد تقدمت الحكومة بمشروع القانون المذكور وأقره مجلس الشعب في 20 يوليو 1983 ومع ذلك ظل القانون الجديد ينص على بعض البنود التي تعطي ميزة للحزب القومي ومنها عدم تمثيل أى حزب لم يحصل على نسبة 8% من الأصوات على المستوي علاوة على ذلك فإن القانون المذكور كان يصادر حق المستقلين في الترشيح لعضوية مجلس الشعب ويجعلها قاصرة على أعضاء الأحزاب السياسية .

تلا ذلك بحوالي عامين التعديل بالقانون رقم 188 لسنة 1986 بعد تقديم الحكومة اقتراح بتعديل القانون رقم 38 لسنة 1972 بشأن انتخابات مجلس الشعب بحيث يسمح التعديل الجديد بالأخذ بنظم مختلط يجمع بين انتخاب المستقلين إلى جانب القوائم الحزبية وقد صدر القانون بعد مناقشته في مجلس الشعب في 13 / 12 / 1986

إلا أن الطعن بعدم دستورية هذين القانونين وتأييد حكم لمحكمة الدستورية العليا للطعن بعدم دستورية القانون رقم 113 لسنة 1983 والقانون رقم 188 لسنة 1986 قد أدي إلى الإطاحة بهما والعودة إلى نظام الانتخاب الفردي بالأغلبية المطلقة بموجب التعديل بقانون رقم 201 لسنة 1990 والذي أجريت بموجبه انتخابات مجلس الشعب في نوفمبر وديسمبر عام 1990 وظل هذا النظام معمولا به حتى انتخابات 2000.

أما مجلس الشوري منذ تأسيسه عام 1980 شهد تجربة الانتخابات بالقائمة ولكن بالأغلبية المطلقة حتى عام 1989 وهو ما طبق أيضا في انتخابات المجالس المحلية عام 1981 وهو ما ترتب عليه استبعاد تمثيل مختلف الأحزاب السياسية وقد طبق النظام المختلط في انتخابات المجالس المحلية بمقتضي القانون رقم 145 لسنة 1988 ثم أعيد الأخذ بالنظام الفردي ثانية في كلا من انتخابات مجلس الشوري والمجالس المحلية ..

ومنذ انتخابات مجلس الشعب الأخيرة أثير الجدل ما بين مؤيدي نظام الانتخاب الفردي من ناحية ومؤيدي نظام الانتخاب بالقائمة النسبية من ناحية أخري .

ويبني المؤيدون لنظام القائمة النسبية موقفهم على العديد من المبررات من أهمها :

  1. إن نظام الانتخاب بالقائمة مع التمثيل النسبي قد أصبح من أفضل النظم الانتخابية السائدة لما يحققه من عدالة في التمثيل الكامل لإرادة الناخبين في المجلس النيابي والتعبير عن كافة الاتجاهات الموجودة في الشارع السياسي.
  2. إن المفاضلة في الانتخاب ستكون على أساس البرامج الحزبية وليست قاصرة على صلات القرابة أو العصبيات العائلية أو مدي ما ينفقه الرشح في حملة الدعاية الانتخابية أو حتى حجم الخدمات في الدائرة وبالتالي يزيد هذا النظام من اهتمام الناخب بالمسائل القومية ويقلل من معدلات العزوف عن المشاركة السياسية كما يعيد الاعتبار للأحزاب السياسية كقناة رئيسية للمشاركة السياسية.
  3. إن النظام الفردي يزيد من دور المال ليتيح لبعض الأفراد دخول حلبة المنافسة الانتخابية وانتزع الفرصة ممن هم أقدر على العمل البرلماني ولكن لا يملكون سطوة المال وقدرته على جذب أصوات الناخبين .

علاوة على أن الانتخاب بالأغلبية المطلقة يهدر أصوات كثير من الناخبين ولا يحقق طموحات تمثيلهم في البرلمان .

بيد أن المشرع المصري ندما أخذ بنظام القائمة النسبية في الثمانينيات لم يستطع تحقيق العدالة التي يتمتع بها نظام التمثيل النسبي وأدي إلى نتائج مشابهة للنظام الفردي من حيث محدودية تمثيل المعارضة .

وبالتالي فإن أية محاولة لإعادة نظام القائمة النسبية ينبغي أن تعالج هذه المثالب السابقة ليتحقق الهدف منها بإتاحة القدر المعقول لتمثيل الأحزاب السياسية مع عدم إقصاء المستقلين أما عن طريق الاستفادة من التجربة الألمانية في هذا الصدد أو من خلال السماح للمستقلين بأن يكون لهم قوائم كاملة كأى حزب مع إمكانية ترتيب أسمائهم من قبل الناخب وتوزيع المقاعد حسب عدد الأصوات التي حصل عليها كل مرشح منهم .

على الجانب الآخر يتحفظ البعض على إعادة تطبيق نظام القوائم الحزبية في السياق المصري على أساس أن النظام الفردي استقر في أذهان الناخبين بآلياته ووسائله إضافة إلى ضعف الوعي السياسي وانتشار الأمية في نفس الوقت فإن الأحزاب

ليست بالقوة التي تمكنها من طرح برامج مميزة تستطيع أن تجذب إليها الناخبين كما أن نظام القائمة قد يزيد من هيمنة الصفوف العليا للأحزاب في اختيار المرشحين بالقائمة على عكس النظام الفردي الذي يحرر المرشح من سيطرة الحزب وقياداته ..

ومن الضروري في هذا السياق ضمان انسجام أى قانون جديد للانتخاب مع الدستور حتى لا يتعرض إلى الطعن بعدم دستوريته من جديد مما يقودنا إلى الحديث عن الدور الأساسي للمحاكمة الدستورية العليا في تعديل الإطار القانوني فيما يتعلق بالنظام الانتخابي مرتين متتاليين في الثمانينات.

دور القضاء في تعديل قانون الانتخاب ومباشرة الحقوق السياسية .

فبعد صدور القانون 114 لسنة 1983 لتعديل بعض مواد القانون رقم 38 لسنة 1972 الخاص بمجلس الشعب أصبح الانتخاب بالقوائم الحزبية وقد طعن أحد المحامين بعدم دستورية قانون الانتخابات المذكور فحكمت المحكمة الدستورية العليا في16 مايو 1987 بعدم دستورية المادة الخامسة مكرر والسادسة فقرة 1 والسابقة عشر فقرة 1 من القانون رقم 38 لسنة 1972 في شأن مجلس الشعب المعدل بالقانون رقم 114 لسنة 1983

والذي كانت الانتخابات التشريعية قد أجريت على أساسه عام 1984 حيث رأت المحكمة في حيثيات الحكم أن مواد القانون المذكورة إذ تقصر حق الترشيح لعضوية مجلس الشعب على المنتمين إلى الأحزاب السياسية فإنها تحرم طائفة من المواطنين وهم غير المنتمين إلى الأحزاب من حق كفله لهم الدستور في المادة 62 وأن ذلك إخلال بمبدأ تكافؤ الفرص والمساواة المنصوص عليهما في المادتين رقم 8,40 من الدستور ..

ولكن قبل صدور هذا الحكم كانت الحكومة قد استشعرت ما بالقانون 114 من شوائب دستورية عقب تقرير هيئة المفوضين مما دفعها لاستصدار القانون رقم 188 لسنة 1986 والذي جعل نظام الانتخاب في مجلس الشعب نظاما مختلطا يجمع بين قائمة حزبية ومرشح مستقل ينتخب عن طريق الانتخاب الفردي عن كل دائرة كما سبقت الإشارة .

ومرة أخري طعن في دستورية القانون الجديد والذي أجريت على أساسه انتخابات مجلس الشعب عام 1987 وحكمت المحكمة الدستورية العليا في 19 مايو 1990 في القضية رقم 37 السنة القضائية 9 بعدم دستورية المادة الخامسة مكرر من القانون رقم 38 لسنة 1972 في شأن مجلس الشعب المعدل بالقانون رقم 188 لسنة 1986 تركزت أيضا حيثيات المحكمة على الإخلال بمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين مرشحي القوائم الحزبية والمستقلين الغير منتمين إلى أحزاب سياسية

حيث إن القانون حدد مقعدا واحدا في كل دائرة وخص مرشحي القوائم الحزبية بباقي المقاعد النيابية المخصصة للدائرة بما يعنيه ذلك من أن فرص الفوز بجميع مقاعد مجلس الشعب بالنسبة للمرشحين المستقلين لا تتجاوز 10% تقريبا من عدد المقاعد النيابية وهو ما يتعارض أيضا مع أحكام الدستور المبينة في المواد 8 , 40 , 62 والتي تشير إلى حق الأفراد في المشاركة في الحياة السياسية و تؤكد على مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص . وبذلك تم العودة لنظام الانتخاب الفردي في الانتخابات التي أجريت أعوم 90,95 , 2000

من ناحية ثانية فقد لعبت المحكمة الدستورية العليا دورا أساسيا في تعديل بعض الجوانب الإجرائية في قانون مباشرة الحقوق السياسية مما كان له أبلغ الأثر في زيادة مصداقية العملية الانتخابية في مصر من خلال مبدأ الإشراف القضائي على الانتخابات

فطبقا للمادة 24 من قانون مباشرة الحقوق السياسية رقم 73 لسنة 1956 كما يمكن تعيين رؤساء اللجان الفرعية من بين موظفي الدولة أو القطاع العام وتعيين رؤساء اللجان العامة من بين أعضاء الهيئات القضائية في جميع الأحوال وكانت الحكومة قد أصدرت أيضا القانون رقم 13 لسنة 2000 والذي بقي على عناصر غير قضائية في هيئة الإشراف على الانتخابات أثناء الإعداد لانتخاب مجلس الشعب لعام 2000.

وجاء حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في 8 يوليو 2000 قاضيا بعدم دستورية نص الفقرة الثانية من المادة 24 من القانون رقم 73 لسنة 1956 بشان تنظيم مباشرة الحقوق السياسية قبل تعديله بالقانون رقم 13 لسنة 2000 لمخالفته للمادة 88 من الدستور

والتي تنص على أن الاقتراع يتم تحت إشراف أعضاء من هيئة قضائية وأشار الحكم في حيثياته إلى أن نص المادة 88 من الدستور نص غير مسبوق ولم تعرفه الدساتير المصرية من قبل فالمشرع واحتفاء منه بعملية الاقتراع بحسبانها جوهر حق الانتخاب أراد أن يخضعها لإشراف أعضاء من هيئات قضائية ضمانا لصدقيتها ..

وقد استجاب رئيس الجمهورية لحكم المحكمة بإصداره القرار رقم 167 لسنة 2000 والذي تضمن تعديلات في ثلاث مجالات أولها نظام الإشراف القضائي على الانتخابات وثانيها تعديل المواعيد المنظمة للعملية الانتخابية وثالثها إلغاء لجنة الإشراف القضائي التي استحدثها القانون رقم 13 لسنة 2000 في القانون 73 لسنة 1956 كما تقر نقل الصناديق وأوراق الانتخاب من اللجان الفرعية إلى لجان الفرز وفق لهذا القرار أن يتم بواسطة القضاة .

ووفقا لذلك عدل قانون مجلس الشعب 38 لسنة 1972 والقانون رقم 120 لسنة 1980 بشأن مجلس الشوري إلا أن الإشراف القضائي لم يعتمد كذلك إلى الانتخابات المحلية وهو ما ينادي به الكثيرة في الوقت الحاضر لكي تكون الرقابة القضائية شاملة على جميع الانتخابات والاستفتاءات التي تشهدها الدولة.

ثالثا : قانون الأحزاب والممارسة الديمقراطية في مصر

لقد شهدت السنوات الأخيرة في مصر تراجعا ملموسا لفاعلية الأحزاب السياسي من حيث ترجع عضويتها وحجم تواجدها في المنظمات الجماهيرية فضلا عن تمثيلها في مجلسي الشعب والشورى والمجالس الشعبية المحلية وانتشارها الجغرافي في أنحاء الجمهورية..

وقد أظهرت انتخابات 2000 بوضوح أزمة الأحزاب السياسية مع غلبة العناصر المستقلة على الترشيح وحصول هذه العناصر على العدد الأكبر من المقاعد في مقابل الضعف الشديد لأحزاب المعارضة والتي لم تزد مقاعدها جميعا عن خمسة عشر مقعد فقد وصل عدد المرشحين مشتقين عن الحزب الوطني من إجمالي 3957 مرشحا في مقابل 1923 مرشح حزبي بما في ذلك مرشحي الحزب الوطني الحاكم

وقد أسفرت الانتخابات عن حصول الحزب الوطني على 388 مقعدا من بينها 172 مقعدا حصل عليها المرشحون على قائمة الحزب وعاد 181 منشق إلى الحزب بعد نجاحه كما انضم 35 مستقل ومن ثم تصبح هذه المرة الأولي التي لم يحصل فيها الحزب الوطني على الأغلبية عن طريق المرشحين على قائمته الانتخابية منذ تأسيسه عام 1978 منذرا بامتداد أزمة الأحزاب السياسية لتشمل الحزب الحاكم علاوة على ذلك تميزت تلك الانتخابات الأخيرة بضعف المشاركة السياسية من قبل الناخبين واقتصار موضوعات المعركة على الأمور والمصالح المحلية التي تخص أبناء كل دائرة مما استحضر بقوة أزمة الأحزاب السياسية في مصر والتي تنعكس سلب على التطور الديمقراطي .

البعد القانوني لأزمة الأحزاب السياسية

صدر القانون رقم 40 لسنة 1977 الخاص بنظام الأحزاب السياسية في يونيو عام 1977 وما يزال هذا القانون بتعديلاته السبعة هو الإطار المنظم لعمل الأحزاب السياسية رغم ما شابه من عيوب ارتبطت بفترة ميلاد الأحزاب السياسية في عهد الرئيس السادات فالظروف التي صدر فيها القانون جعلت منه في رأي معارضيه قانونا مقيدا لتجربة التعددية الحزبية أكثر منه منظم لها فقد صدر القانون المذكور في نفس عام مظاهرات 18 , 19 يناير التي اتهمت الحكومة حزب العمل بإشعالها كما صدر في الشهر التالي للمظاهرات وقبل صدور قانون الأحزاب القانون الذي عرف باسم " قانون حماية الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي " وجاء قانون الأحزاب في صورته الأولي معبرا عن هذه الأجواء .

وقد وضع القانون 40 لسنة 1977 الخاص بنظام الأحزاب السياسية عددا من الضوابط المقيدة لظهور الأحزاب السياسية وممارستها لدور فعال في النظام السياسي فعلي سبيل المثال اشترط القانون ضرورة وجود عشرين نائبا للحزب في البرلمان حتى يصدر قرار بإنشاء الحزب ,

في الوقت الذي كانت الانتخابات البرلمانية قد انتهت مما يعني أن بعض القوي السياسية قد حرمت ابتداء من تكوين أحزاب معبرة عنها كما نص القانون على ارتهان تأسيس الأحزاب بموافقة لجنة إدارية مكونة من أمين اللجنة المركزية للإتحاد الاشتراكي ووزير الداخلية ووزير العدل والوزير المختص بالتنظيمات الشعبية وثلاثة من بين رؤساء الهيئات القضائية أو نوابهم وبالتالي جعل القانون المذكور نشأة الأحزاب السياسية واستمرارها أو حلها بيد أمين اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي .

وقد دخلت عدة تعديلات على القانون بنظام الأحزاب السياسية وصلت إلى سبعة تعديلات منها ما أضاف قيودا جديدة على القانون ومنها ما خفف من بعض تلك القيود على العمل الحزبي فعلي سبيل المثال تم تعديل القانون بنظام الأحزاب بعد عامين من صدوره بموجب القانون رقم 36 لعام 1979 والذي تضمنت مادته الرابعة قيودا كبيرة على تأسيس أحزاب جديدة أو حتى استمرار بعض الأحزاب القائمة

فقد حظر القانون إعادة تكوين الأحزاب التي كانت موجودة قبل ثورة 23 يوليو 1952 باستثناء الحزب الوطني والحزب الاشتراكي كما حظر القانون أن يكون من بين مؤسسي من تقوم أدلة جادة على قيامه بالدعوة إلى أو الترويج لمبادئ مخالفة لثورة يوليو 1952 , وثورة مايو 1971 و تتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية أو الوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعي أو النظام الاشتراكي الديمقراطي أو معاهدة السلام مع إسرائيل .

وتتناول فيما يلي القانون رقم 40/1977 وتعديلاته حتى الآن مع الإشارة إلى تطبيقات القانون في الواقع من قبل لجنة شئون الأحزاب السياسية بقدر ما تعكس هذه الممارسات علاقة الواقع بالقانون .

(1) القيود على حرية تأسيس الأحزاب في ضوء القانون .

لقد نص القانون رقم 40 لسنة 77 الخاص الأحزاب السياسية على عدد من القيود بشأن حرية تكوين الأحزاب لسياسية سبقت الإشارة إليها وقد صبت العديد من التعديلات التالية للقانون في التخفيف من بعض القيود الموجودة في القانون بصورته الأصلية ومع ذلك ظل القانون مقيدا لتأسيس الأحزاب بشكل كبير حيث تنص المادة 4 من القانون الخاص بنظام الأحزاب السياسية على شروط تأسيس واستمرار أى حزب سياسي كالتالي .

(أ‌) عدم تعارض مقومات الحزب أو مبادئه أو أهدافه أو أساليبه في ممارسة نشاطه مع:

  1. مبادئ الشريعة الإسلامية باعتبارها المصدر الرئيسي للتشريع
  2. مبادئ ثورتي 23 يوليو 1952, و15 مايو 1971.
  3. الحفاظ على الوحدة الوطنية والسلام والاجتماعي والنظام الاشتراكي الديمقراطي والمكاسب الإشتراكية ..

(ب‌) تميز برامج الحزب وسياساته أو أساليبه في تحقيق هذا البرنامج تميزا ظاهرا عن الأحزاب الأخرى .

(ت) عدم قيام الحزب في مبادئه أو برامجه أو في مباشرة نشاطه أو اختيار قياداته أو أعضائه على أساس يتعارض مع أحكام القانون رقم 33 لسنة 1978 بشأن حماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي أو على أساس طبقي أو طائفي أو فئوي أو جغرافي أو على أساس التفرقة بسبب الجنس أو الأصل أو الدين أو العقيدة . (ث‌) عدم انطواء وسائل الحزب على إقامة أى تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية

(ج)عدم قيام الحزب كفرع لحزب أو تنظيم سياسي في الخارج , وعدم ارتباط الحزب أو تعاونه مع أية أحزاب أو تنظيمات أو جماعات أو قوي سياسية تقوم على معاداة أو مناهضة المبادئ أو القواعد أو الأحكام المنصوص عليها في البند التالي .

(ح‌) عدم انتماء أى من مؤسسي أو قيادات الحزب أو ارتباطه أو تعاونه مع أحزب أو تنظيمات أو جماعات معادية أو مناهضة للمبادئ عليها في البند (أولا) من هذه المادة أو في المادة(3) من هذا القانون أو في المادة الأولي من القانون رقم 33 لسنة 1978 المشار إليه أو للمبادئ التي وافق عليها الشعب في الاستفتاء على معاهدة السلام وإعادة تنظيم الدولة بتاريخ 20 أبريل سنة 1979 .

(خ‌) ألا يكون من بين مؤسسي الحزب أو قياداته من تقوم أدلة جدية على قيامه بالدعوة أو المشاركة في الدعوة أو التحبيذ أو الترويج بأية طريقة من طرق العلانية لمبادئ واتجاهات أو أعمال تتعارض مع المبادئ المنصوص عليها في البند السابق . (د‌) ألا يترتب على قيم الحزب إعادة تكوين أى حزب من الأحزاب التي خضعت للمرسوم بقانون رقم 27 لسنة 1953 بشأن حل الأحزاب السياسية .

(ذ‌) علانية مبادئ وأهداف وبرامج ونظام وتنظيمات وسياسات ووسائل وأساليب مباشرة نشاط الحزب وعلانية تشكيلاته وقياداته وعضويته ووسائل ومصادر تمويله .

(2) لجنة شئون الأحزاب

أنشأ القانون رقم 40 لسنة 1977 الخاص بنظام الأحزاب السياسية لجنة إدارية هي لجنة شئون الأحزاب تملك حق الترخيص بإنشاء الأحزاب والحكم بتجميدها وحلها وبالتالي فموافقة اللجنة هي البوابة الوحيدة لدخول الحزب إلى الحياة السياسية وتتكون اللجنة وفقا لما استقر عليه القانون بعد عدة تعديلات من سبعة أشخاص أربعة منهم ينتمون مباشرة للحزب الحاكم (رئيس مجلس الشوري ووزراء الداخلية والعدل وشؤون مجلسي الشعب والشورى) بالإضافة إلى ثلاثة قضاه سابقين غير منتمين إلى أحزاب .

فالملاحظ أن نهج لجنة شئون الأحزاب السياسية وهي الجهة الإدارية المنوط بها تفسير شروط تأسيس الأحزاب الواردة في المادة 4 من القانون كان نهجا متشددا حيث كان الاتجاه العام للجنة على مدي ربع القرن الماضي هو رفض تأسيس أحزاب سياسية جديدة حيث رفضت معظم طلبات تأسيس الأحزاب التي قدمت إليها كما يتضح في ملاحق الكتاب المثبتة في نهايته ومن بينها ملحق خاص يتضمن طلبات تأسيس الأحزاب التي زادت عن 60 حزبا ومصير كل منها .

(3) حل الأحزاب

إلى جانب ذلك أعطي القانون لجنة شئون الأحزاب الحق في حل الأحزاب السياسية أو تجميدها .

فقد نصت المادة 16 من قانون الأحزاب السياسية على أن لجنة شئون الأحزاب تصدر قرارا بما يصدره الحزب بشأن تغيير رئيسه أو حل الحزب و اندماجه وبالتالي فإن اختصاص اللجنة يقع في إصدار قرارها بما يصدره الحزب ويخطر به اللجنة ولا يتجاوز أن تتدخل اللجنة وتحسم خلافا داخليا بالحزب لصالح طرف دون الآخر وقد كانت تلك المادة هي التي استند إليها الحكم القضائي في قضية حزب مصر الفتاة حيث أبطلت المحكمة قرار لجنة شئون الأحزاب بالاعتراف برئاسة دون أخري للحزب واعتبرت ذلك شأنا داخليا لا يجب التدخل فيه .

أما المادة 17 من القانون المذكور فإنها تعطي لجنة شئون الأحزاب صلاحيات أكبر في حل الأحزاب حيث تنص على أنه يجوز لرئيس لجنة شئون الأحزاب السياسية بعد موافقتها أن تطلب من المحكمة الإدارية العليا بتشكيلها النصوص عليه في المادة الحكم بصفة مستعجلة بحل الحزب وتصفية مواله وتحديد الجهة التي تؤول إليها هذه الأموال وذلك إذا ثبت من تقرير المدعي الاشتراكي بعد التحقيق الذي يجريه تخلف أو زوال أى شرط من الشروط المنصوص عليها في المادة 4 من هذا القانون والخاصة بشروط تأسيس الحزب السياسي .

وكذلك يجوز للجنة شئون الأحزاب السياسية " لمقتضيات المصلحة القومية " وقف إصدار صحف الحزب أو نشاطه أو أى قرر أو تصرف مخالف اتخذه الحزب في أى حزب سياسي أو بعض قياداته أو أعضائه على المبادئ المنصوص عليها في المادة 3 و 4 من القانون وفقا لتقرير المدعي الاشتراكي .

وتشير الخبرة العملية إلى أن لجنة شئون الأحزاب لم تستخدم حقها في حل الأحزاب السياسية بمبادرة منها كما تخول لها الماد 17 من القانون المذكور إلا أنها لجأت وبشكل متكرر إلى التدخل في النزاعات الحزبية التي تنشأ في حزب ما بتجميد الحزب إلى حين حل النزاع " قضاة أو رضاء " كما اصطلح في معظم قرارات اللجنة بشأن المنازعات الحزبية حتى دخل سبعة من إجمالي سبعة عشر حزب سياسي إلى حيز التجميد وأصبحت عودة هذه الأحزاب إلى الوجود متوقفة على قرار لجنة شئون الأحزاب .

من ناحية ثانية فإنه وإن كانت لجنة شئون الأحزاب لا تبادر بالتدخل في شئون الحزب حتى يحدث انشقاق داخلي ومن ثم تتدخل بناء على إخطار أو طلب للتدخل من قبل بعض الأطراف أو نتيجة لوصول الانشقاقات الداخلية إلى مستويات تستدعي التدخل بسبب أحداث الشغب في مقار الأحزاب إلا أن ذلك لا يعني أن مشكلة الانشقاقات الحزبية تقع بالكامل على عاتق تلك الأحزاب بينما يقع دور اللجنة في إطار رد الفعل حيث إن نهج اللجنة في الرفض المستمر لقيام أحزاب جديدة من شأنه أن يؤدي ولو بشكل غير مباشر إلى احتدام الانشقاقات الداخلية حيث يتمسك كل طرف بتمثيله الحزب القائم لأن الباب مغلق في وجه قيام حزب جديد .

وبالتالي ساهمت ولاية لجنة شئون الأحزاب على الحياة الحزبية مع الانشقاقات الداخلية التي ميزت الحياة الحزبية في مصر خلال عقد التسعينيات في تفجير العديد من الأحزاب من الداخل وساعد على ذلك وجود مخالفات في بعض الأحزاب فعلي سبيل المثال جاء في حيثيات قرار لجنة شئون الأحزاب بتجميد حزب الوفاق القومي الذي يعتبرون الاستثناءات القليلة التي وافقت فيها لجنة شئون الأحزاب على تأسيس حزب سياسي وعادت لتحكم بتجميده بعد نشأته بفترة قصيرة الأسباب التالية :

  1. إصدار جريدة الحزب دون اعتماد ميزانيتها مخلفة للمادة 58 من النظام الأساسي .
  2. تعيين شخص من خارج الحزب نائبا للرئيس هو منصب غير منصوص عليه في النظام الأساسي للحزب.
  3. عدم اجتماع الأمانة للحزب سوي مرتين في السنة رغم نص اللائحة التنفيذية على اجتماعها مرة على الأقل شهريا .
  4. عدم إبلاغ قيادة الحزب لأمانة العامة بالموارد المالية .
  5. إصدار جريدة الحزب بدون قرار الأمانة العامة وعدم وضع سياسة عامة للجريدة التي جاءت مخافة لمبادئ الحزب وأهدافه .

(4) القيود القانونية على ممارسة الأحزاب لنشاطها

تنص المادة الثانية من قانون الأحزاب السياسية وكذلك المواد الثالثة والتاسعة والعاشرة على حق الأحزاب في العمل بالوسائل السياسية الديمقراطية لتحقيق برامج محددة تتعلق بالشئون السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة وتعمل على تحقيق التقدم السياسي والاجتماعي والاقتصادي .

وبالتالي فالأصل في القنون هو الإباحة وحرية العمل الحزبي فلا يوجد في نصوص القانون ما يقيد حق الحزب في الاجتماع أو عقد الندوات أو المؤتمرات أو الاتصال بالجماهير إلا أن القيود الأساسية على الممارسة الحزبية ترد في المجالات التالية .

(أ‌) القيود القانونية على الموارد المالية للأحزاب السياسية

يحظر القانون على الأحزاب السياسية ممارسة أنشطة اقتصادية أو تجارية إلا في مجال النشر والطباعة رغم محدودية العائد المالي لهذه الأنشطة خاصة في ضوء ارتفاع تكلفة الطباعة والنشر وضعف معدلات التوزيع للصحف الحزبية في نفس الوقت فقد تم خفض الدعم المالي الذي تقدمه الدولة لتلك الأحزاب من 250 ألف جنيه سنويا إلى خمسين ألف فقط يؤثر سلبا على قدرة الأحزاب على ممارسة نشاطها وتوسيع قاعدتها الجماهيرية علاوة على ذلك فإن القانون يشترط أن يقوم الحزب بنشر قيمة أى تبرعات يحصل عليها بمبالغ تزيد عن خمسمائة جنيه في صحيفتين يوميتين علما بأن تكلفة الوفاء بهذا الشرط قد تزيد في بعض الحيان عن قيمة التبرع الذي حصل عليه الحزب .

(ب‌) حرية الاجتماع والتعبير

ينص القانون على حرية الحزب في ممارسة نشاطه وفقا للأسس الديمقراطية كما سبقت الإشارة بما يعنيه ذلك من حرية الاجتماع وإبداء الرأي وبالإضافة إلى بعض القيود الواقعية والأمنية التي ترد على الممارسة الكاملة لتلك الحرية فإنه في مرحلة الدعاية الانتخابية فالمرشحين ملزمين بضرورة أخطار الجهات الأمنية المختصة قبل تنظيم الاجتماعات الانتخابية في السرادقات أو مقار الأحزاب مما يزيد من سلطاتها في التدخل في مسار حملة الدعاية الانتخابية كأن ترفض الموافقة على إقامة مؤتمر انتخابي بسبب اعتبارات أمنية , مما يجعل جهة الإدارة متحكمة نسبيا في ممارسة هذا الحق .

(ج) القيود على الاتصال بالأحزاب الأجنبية

فقد نصت المادة 21 من القانون الخاص بنظام الأحزاب السياسية على أن لجنة شئون الأحزاب السياسية تضع القواعد المنظمة لاتصال الحزب بأى حزب أو تنظيم سياسي أجنبي وذلك بناء على ما يقترحه رئيس اللجنة ولا يجوز لأي حزب التعاون أو التحالف مع أى حزب أو تنظيم سياسي جنبي إلا طبقا للقواعد المشار إليها في هذا القانون.

دور القضاء في تعديل قانون الأحزاب

لقد لعب القضاء دورا هاما في تقليص العديد من المثالب والقيود القانونية التي اعترت القانون رقم 40 لسنة 77 الخاص بتنظيم الأحزاب السياسية وبعض القوانين المرتبطة به فقد كان لحق الأحزاب ابتداء في اللجوء إلى القضاء الإداري سواء في مواجهة لجنة شئون الأحزاب السياسية أو في مواجهة جهة الإدارة (الحكومة) أثر هام في توسيع الولاية القضائية لتعادل من هيمنة السلطة التنفيذية والولاية الإدارية كحكم في منازعات العمل الحزبي من ناحية ثانية فقد توسع نطق مراقبة المحكمة الدستورية العليا في مراقبة النظام القانوني والإداري للعمل الحزبي مما انعكس في الحكم ببطلان العديد من المواد القانونية المقيدة للعمل الحزبي .

ففي القضية رقم 56 للسنة القضائية السادسة حكمت المحكمة الدستورية العليا في 21 يونيو عام 1986 بعدم دستورية المادة الرابعة من القانون رقم 33 لسنة 1978 الخاص بحماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي الذي سبقت الإشارة إليه وكان للقانون المذكور انعكاسات سلبية على قانون الأحزاب السياسية

حيث يمنع من ممارسة الأنشطة السياسية ومن الانضمام إلى عضوية الأحزاب السياسية كل من قام بإفساد الحياة السياسية " قبل ثورة 23 يوليو وقد رفع المتضررون الأمر إلى المحكمة الدستورية العليا فدفعت الحكومة بعدم اختصاص المحكمة في نظر تلك القضية لأن القانون تم إقراره عن طريق استفتاء شعبي

وبالتالي فهو مسألة سياسية خاضعة لإرادة الشعب وبالتالي فالقانون يخرج عن نطاق مبدأ المراجعة القضائية وقد رفضت المحكمة دفع الحكومة بعدم الاختصاص على أساس أن الحقوق السياسية مسألة دستورية وليست سياسية وحكمت المحكمة بمخالفة المادة الرابعة من القانون المذكور للمادة الخامسة من الدستور والتي تقر مبدأ التعدد الحزبي فضلا عن مخالفتها للمادة 162 من الدستور والتي تنص على الحق في المشاركة في الحياة العامة بعد حكم المحكمة بست سنوات صدر القانون رقم 221 لسنة 1994 بإلغاء القانون رقم 33 لسنة 1978 بشأن حماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي وإلغاء كل إحالة إليه وردت في القانون رقم 40 لسنة 1977 الخاص بنظام الأحزاب السياسية أو في أى قانون آخر مما رفع قيدا قانونيا هاما كان مكبلا لعضوية الأحزاب السياسية بقيود سياسية تخضع للأحكام التقديرية .

من ناحية ثانية فقد طعنت المعارضة في المادة الرابعة من القانون 40 لسنة 1977 الخاص بنظم الأحزاب السياسية والتي تضع قيود مبالغ فيها في شروط تأسيس الأحزاب السياسية وفي القضية رقم 44 للسنة القضائية السابعة حكمت المحكمة الدستورية العليا في السبع من مايو عام 1988 بعدم دستورية المادة (4/ سابعا) من القانون رقم 40 لسنة 1977 المعدل بالقانون رقم 36 لسنة 1979 والقانون رقم 144 لسنة 1980 والقانون رقم 30 لسنة 1981 والتي كانت تخول لجنة شئون الأحزاب السياسية رفض تأسيس أى حزب سياسي إذا ثبت أن أى من مؤسسيه أو أعضائه قد حرضوا على معارضة مبادئ أو سلوكيات مناهضة لمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية

وقد قام برفع الدعوي أمام المحكمة الدستورية العليا مؤسسو الحزب الناصري بعد رفض لجنة شئون الأحزاب تأسيس الحزب الناصري على أساس توقيعه على وثيقة مناهضة لمعاهدة السلام وقد حكمت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية المادة ( 4/ سابعا) من قانون تنظيم الأحزاب السياسية لمخالفتها للمادة الخامسة من الدستور الخاصة بالتعدد الحزبي والمادة الأولي من الدستور الخاصة بالنظام الديمقراطي ولمخالفتها لمبدأ حرية التعبير الذي يعتبر حجر الأساس لأي نظام ديمقراطي والمنصوص عليه في المادة (47) من الدستور

كما قضت المحكمة في حيثيات حكمها بأن معاهدة السلام وإن كانت التزام تعاقدي للدولة إلا أنه لا تسوغ خرق المبادئ الدستورية وهي تظل شأنا عاما يمكن إبداء الرأي فيه ونقده دون التعرض لفقدان الحقوق السياسية وجدير بالذكر أنه في نفس القضية السابقة قضت المحكمة الدستورية العليا بدستورية المادة (4) الفقرة ثانيا من نفس القانون

والتي تنص على ضرورة تميز الحزب وسياساته أو أساليبه تميزا ظاهرا عن الأحزاب الأخرى كشرط لتأسيس الحزب ومن المعروف أن هذا الشرط يعتبر من أكثر الشروط إثارة للجدل والخلاف في القانون المذكور

حيث دأبت لجنة شئون الأحزاب إلى الإشارة إليه لتبرير رفض طلبات تأسيس أحزاب سياسية جديدة على اعتبار أن برامجها غير مميزة عن بعض الأحزاب القائمة وفي هذا السياق فسرت المحكمة الدستورية العليا شرط التميز بشكل أكثر مرونة بحيث يقتصر التميز على برنامج الحزب وسياساته وأساليبه التي يسعي بها لتحقيق مبدئه وأهدافه

وعدم اشتراط التميز الظاهر في مبادئ وأهداف الحزب كشرط لتأسيسه أو استمراره بحيث يكون وجود الحزب إضافة للعمل السياسي قد سلكت النهج نفسه في تفسير شرط التميز بحيث يعني عدم التطابق في برامج الأحزاب ..

وفي 1995 قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية أحد المواد التي كانت تشكل قيدا قانونيا على حرية التعبير بالأحزاب السياسية بسبب النصوص المنصوص عليها في عقوبات النشر والتي تطال رئيس الحزب إلى جانب رئيس تحرير صحيفة الحزب فقد قضت المحكمة في القضية رقم 25 لسنة 16 قضائية في يوليو 1995 بعدم دستورية نص الفقرة الثانية من المادة 15 من قانون الأحزاب السياسية رقم 40 لسنة 1977 المعدلة بالقانون رقم 36 لسنة 1979

وكانت تلك المادة تنص على أن يكون رئيس الحزب السياسي مسئولا مع رئيس تحرير صحيفة الحزب عما ينشر فهيا مما يعرضهما للمادة 195 من قانون العقوبات الخاصة بجرائم النشر وقد جاء في حيثيات حكم المحكمة بعدم دستورية هذه المادة من قانون الأحزاب السياسية بأنها مخالفة للمواد 40 , 41 , 47, 66, 67, 206, 207, 211 من الدستور .

الخاتمة

لقد لحق بالإطار القانوني لتنظيم عمليتي الانتخابات والممارسة الحزبية عددا من التعديلات الهامة على مدي ربع القرن الماضي لم تكن معبرة بشكل دقيق عن خط بياني متصاعد للتطور؛

إلا أن الكثير من تلك التعديلات خاصة منذ منتصف الثمانينيات قد لعب دورا هاما في تخفيف بعض القيود القانونية الواردة على الممارسة الانتخابية والحزبية وفقا للقوانين محل الدراسة وبعض تعديلاتها التي صدرت في نهاية عهد الرئيس السادات على وجه الخصوص

وقد كان المحرك الرئيسي لمعظم التغييرات الإيجابية في الأطر القانونية هو القضاء بوجه عام والمحكمة الدستورية العليا التي لعبت دورا محوريا في الحكم بعدم دستورية القوانين والمواد المقيدة للحريات في إطار القانونين السابقين وتم تعديل المواد المحكوم بعدم دستوريتها بعد استجابة السلطة التنفيذية لأحكام المحكمة التي لعبت في هذا الإطار دور الحكم بين السلطات..

ورغم هذا الدور " التصحيحي" الهام الذي مارسه القضاء المصري والذي فتح بابا للمزيد من الحريات تظل هناك مثالب هامة في الإطارين القانونيين للانتخابات وتنظيم الأحزاب السياسية مما ينعكس سلبا على التطور الديمقراطي في مصر كما سلفت الإشارة.

كما أن عمليات التغيير والتعديل المتتالية في الإطار القانوني لنظام الانتخابات قد أجهضت بشكل مستمر أحد أهم مقومات التطور الديمقراطي وهو التثقيف السياسي الجماهيري ففي ضوء المعطيات الثقافية والاجتماعية المصرية يعتبر التغيير المتكرر للنظام الانتخابي عبئا على الموطن العادي الذي ما يلبث أن يعتاد استخدام نظاما انتخابيا حتى يتم تغييره

الفصل الثاني أثر الثقافة السياسية على التطور الديمقراطي

د. جمال عبد الجواد

الثقافة السياسية هي مجموعة الاتجاهات والمشاعر والقيم السائدة بين أفراد شعب معين تجاه السياسة وتتكون الثقافة السياسة لشعب ما بناء على الخبرة التاريخية الخاصة بهذا الشعب وقد يكون بعض هذه الخبرة قديما بالغ القدم يتوارثه الشعب جيل بعد آخر كما أنه قد يكون حديثا جدا يرجع أساسا إلى الأحداث المعاصرة ولكن في كل الأحول فإن الثقافة السياسية مثلها في ذلك مثل الثقافة بشكل عام تمر بعملية من التغير المستمر .

وقد يحدث هذا التغير عن طريق إدماج عناصر جديدة في الثقافة أو يحدث عن طريق إعادة التفسير وإعطاء معان جديدة لخبرات قديمة فالثقافة السياسية لشعب ما تمتع بقدر من الاستقرار يتيح لها التأثير في السلوك والعمليات السياسية لشعب ما تتمتع بقدر من الاستقرار يتيح لها التأثير في السلوك والعمليات السياسية بطريقة نمطية لفترة ممتدة نسبيا من الوقت وفي نفس الوقت فإن الثقافة السياسية لأي شعب تتعرض لعملية تغير مستمرة وإن غالبا بشكل بطئ وتدريجي لكن يمكن الكشف عنه من خلال الدراسات المسحية التي يمكن إجرائها بشكل دور وكل ذلك جون استبعاد إمكانية حدوث تغيرات فجائية في بنية الثقافة السياسية بسبب أحداث وصدمات كبري مفاجئة.

وربما يكون هناك قدر من الخطأ عن الحديث عن الثقافة السياسية المصرية بما يحمله ذلك القول من إشارة إلى وجود ثقافة سياسية موحدة بين جميع فئات الشعب المصري فلا الشعب المصري ولا غيره من الشعوب يمتلك مثل هذه الثقافة السياسة الموحدة فداخل كل شعب يوجد عدد من الثقافات وبالتالي عدد من الثقافات السياسية فالثقافة بشكل عام هي نتاج خبرات عميقة ولأن الفئات المختلفة المكونة للمجتمع تتعرض لخبرات مختلفة فإنه من المتوقع أن يكون لكل منها ثقافته السياسية المتميزة.

ويمكن التمييز في الثقافة السياسة المصرية بين ثلاثة مستويات و ثلاث ثقافات فرعية ثقافة نخبة وثقافة المشاركين سياسيا والثقافة الشعبية وقد تبدو هذه الفئات الثلاث غريبة إلى حد بعيد بالنسبة لما اعتاد عليه المتخصصون في مجال دراسة الثقافة السياسية إذ عادة ما يجري التمييز بين الثقافة السياسية لفئات تختلف عن الفئات المقترحة هنا

كأن يجري التمييز بين الثقافة السياسية للطبقات الاجتماعية المختلفة أو بين الثقافة السياسية لسكان الريف وسكان الحضر أو الثقافة السياسية للمتعلمين وغير المتعلمين وهكذا ولا يعني القول بالتصنيف المقترح هنا غياب مثل هذه التمييزات في حالة الثقافة السياسية المصرية ولكنه يعني أنه من حيث الأهمية التحليلية والقدرة التفسيرية فإن التمييز المقترح هنا له قدرة تفسيرية أكبر أى أنه يمكن فهم الثقافة السياسية في مصر وبالتالي التفاعلات والعمليات السياسية الجارية فيها بدرجة أفضل عند أخذنا بهذه المفهوم .

ويلاحظ على التقسيم المقترح في هذه الفصل أنه يعطي أهمية أقل للسمات الاجتماعية والاقتصادية كعامل محدد للثقافة السياسية وأنه يركز بالمقابل على الموقع من جهاز ومسئولية الحكم باعتباره العامل الحكم في تكوين الثقافة السياسية ويرجع ذلك التركيز إلى فهم الثقافة السياسية المشار إليه سابقا أى على أنها الاتجاهات والمشاعر والقيم التي يبديها الأفراد تجاه السياسة

فكون هذه المشاعر والقيم والاتجاهات تجاه السياسة يجعل من الأرجح القول أيضا أنها تتكون من خلال علاقة الأفراد بالمجال السياسي . وفي البلاد التي تكون فيها علاقة الأفراد من الفئات الاجتماعية المختلفة بالمجال السياسي والتأثير فيه بدرجة متساوية أو على الأقل عندما تكون قواعد الدخول إلى المجال السياسي والتأثير فيه محددة ومحترمة وغير مانعة أى غير مصممة لاستبعاد أفراد أو فئات اجتماعية بعينها فإن الموقع من المجال السياسي وبالتالي تحديد ثقافتهم السياسية الأمر الذي يسمح بظهور أثر الانتماءات الاجتماعية الأخرى مثل الطبقة الاجتماعية ومستوي التعليم والموقع الجغرافي في تكوين الثقافة السياسية للأفراد من الفئات الاجتماعية المختلفة .

أما في حالة النظم السياسية السلطوية المغلقة فإن الدخول إلى المجال السياسي والتأثير عليه تحكمه ضوابط وقيود صارمة وبالرغم من أن بعض الفئات الاجتماعية لديها فرصة أفضل من غيرها للنفاذ إلى المجال السياسي فإن الطبيعة السلطوية للنظام السياسي لا تتيح سوي فرقا كميا بين الأفراد من الفئات الاجتماعية المختلفة في النفاذ إلى النظام السياسي فالمشكلة في النفاذ إلى المجال السياسي في النظم السلطوية سياسية وليست اقتصادية واجتماعية وبالتالي فإنه من المتوقع والحال هكذا أن تتأثر الثقافة السياسية للأفراد بموقعهم من المجال السياسي .

أولا: الثقافة السياسية لنخبة الحكم

تمثل نخبة الحكم تكوينا اجتماعيا له ملامح متميزة بما في ذلك ثقافته السياسية الخاصة هذه سمة عامة مميزة لكل المجتمعات إلا أن درجة انفتاح النظام السياسي تمثل عاملا نوعيا مؤثرا في اتجاهات النخبة وثقافتها السياسية فنخبة الحكم في النظم السياسية المفتوحة تكون أكثر اتساعا

كما أنها تكون منتشرة وموزعة بين قطاعات ومجالات متنوعة للنشاط في المجتمع بحيث أنها تكون مقصورة فقط على نخبة صنع القرار داخل جهاز الدولة لأن النظم السياسية المفتوحة تتيح فرصة لعدد كبير من الأفراد في مواقع متعددة للتأثير على صنع القرار بل والمشاركة فيه في نفس الوقت

فإن النظم السياسية المفتوحة وما تتيحه من معدلات سريعة لدوران النخبة تؤدي إلى استماع نخبة الحكم كما تؤدي إلى السهولة النسبية للدخول وغير أعضائها بالمرونة ما يمنع تحول نخبة الحكم إلى كيان مغلق وبالتالي يجعل ثقافتها وقيمها السياسية متشابهة إلى حد بعيد مع الثقافة والقيم السياسية لفئات واسعة من النخبة بالمعني الواسع للكلمة .

ويختلف الحال عن ذلك في النظم السياسية المغلقة حيث يؤدي انغلاق النظام السياسي إلى عدم إتاحة الفرصة سوي لعدد محدود جدا من الأفراد للتأثير في عملية صنع القرار وغالبا ما يقتضي الاقتراب من الدائرة الضيقة لصنع القرار اللجوء لأساليب وطرق ملتوية ومعقدة تتضمن الكثير من الأساليب والأدوات غير الرسمية

والتي تعتمد على شبكات عقدة من المصالح والأفراد تعوزها الشفافية وتحرص نخبة الحكم على الحفاظ على عزلتها هذه لتعظيم قيمة الحكم كقيمة نادرة يصعب الحصول عليها أو الوصول لها الأمر الذي يجعل من القوة السياسية المرتبطة بالحكم عملة وموردا نادرا الأمر الذي يعزز من مكانة وقيمة أصحابه .

غير أن أكثر العوامل تأثيرا في تكوين نمط القيم والاتجاهات المميز لنخبة الحكم في النظم المغلقة هو بقاؤها في الحكم لفترات طويلة والمعدلات المنخفضة لدوران النخبة أو لرفدها بدماء جديدة ويرجع ذلك إلى طول فترة بقاء أفراد النخبة في مواقعهم وضعف آليات التجنيد والإحلال للنخبة الأمر الذي يجعل ممارسة السلطة والتمتع بالقوة السياسية التي يتيحها المنصب الرسمي نوعا من السمة الملازمة واللصيقة بمجموعة معينة من الأفراد يمثلون معا نخبة الحكم .

وبالنسبة للكثيرين في نخبة الحكم فإن ممارسة الحكم تصبح بمرور الوقت مهنة واحتراف بعد أن يقضوا فيها القسم الأكبر من حياتهم المهنية والوظيفية وكأى جماعة مهنية تطور لنفسها ثقافة فرعية فإن نفس الشئ يحدث مع أهل الحكم فيطورون الثقافة السياسية الخاصة بهم وبقدر الاختلاف النوعي بين مهنة الحكم وغيرها من المهن فإن تميز وتفرد الثقافة السياسية لنخبة الحكم تختلف عن الثقافة السياسية للفئات الأخرى وبقدر انغلاق نخبة الحكم بقدر ما تكون ثقافتها السياسية متميزة عن الثقافة السياسية للفئات الأخرى في المجتمع بما في ذلك النخبة الاجتماعية بمعناها الواسع .

وبالطبع فغن الحديث عن نخبة الحكم بهذه الطريقة قد يوحي بأن هذه النخبة هي كل مصمت وموحد لا يعرف التنوع وهو تصور غير صحيح لكن بسبب طبيعة موضوع هذه الدراسة فإنه يمكن تجاهل التمايزات التي تنطوي عليها نخبة الحكم نظرا لتأثيرها المحدود على التحليل الذي تسعي هذه الدراسة لتقديمه .

ترجع جذور نخبة الحكم في مصر إلى النظام الذي أنشأته ثورة 23 يوليو وليس المقصود بذلك هو أن هذه النخبة ترجع بأصولها إلى المجموعة التي وصلت إلى الحكم في ليلة الثالث والعشرين من يوليو ولكن المقصود أن الترتيبات السياسية التي جرت إقامتها في مصر منذ ذلك التاريخ تمثل البيئة المؤسسية والقيمية والإيديولوجية التي جري من خلالها تجنيد نخبة الحكم الحالية لصفوف النخبة وتنشئتها لتصبح مؤهلة للقيام بوظائف الحكم

وقد غيرت نخبة الحكم من توجهاتها واختياراتها السياسية والإيديولوجية عدة مرات طوال هذه الحقبة الطويلة وذلك في إطار عملية التكيف المستمرة مع المتغيرات الدولية والإقليمية وكذلك الظروف الاقتصادية والاجتماعية الداخلية إلا أن هذه التغيرات لم تمس الثقافة السياسية لنخبة الحكم أى أنها لم تمس بقيمها واتجاهاتها ومشاعرها تجاه السياسة .

وتتسم الترتيبات السياسية التي تم إنشاؤها منذ يوليو 1952 بالمركزية ومحورية دول الدولة والشك في الحركة الحرة للمجتمع المدني وبالتالي العمل على الإبقاء على التطورات الجارية في المجتمع تحت سيطرة جهاز الدولة وهي الحالة التي اعتبرها باحثون مرموقون نموذجا مثاليا للنظام السياسي البيروقراطي وتتميز هذه الاتجاهات تجاه الدولة والمجتمع والعلاقة بينهما بدرجة عالية من القوة والتماسك بحيث يمكن القول أنها ترقي إلى مستوي الإيديولوجية التي يمكن تسميتها بالإيديولوجيات الدولية .

ومنذ ثورة 23 يوليو مرت هذه الإيديولوجيات الدولتية أى التي تعطي الأولوية للدولة بعدة مراحل ففي مرحلة أولي فرضت نخبة الحكم الجديدة سيطرتها على المجال السياسي عبر سلسلة من الإجراءات مثل إلغاء دستور 1923 وحل الأحزاب السياسية وفرض التنظيم السياسي الواحد وإقرار دساتير متتالية تؤكد على المكانة المركزية للدولة وخاصة لمؤسسة الرئاسة على المجتمع فمنذ أزمة مارس 1954 انتصر أنصار " النظام الرشيد" على أنصار " النظام الدستوري " أو انتصر أنصار " التنظيم الفني " على أنصار " المجتمع السياسي"

ومنذ هذا التاريخ أصبحت السياسة مقتصرة على قضايا الإدارة والتطبيق وكان هذا هو الأساس الإيديولوجي الذي قامت عليه هيمنة البيروقراطية على النظام السياسي منذ ذلك الحين والذي جري استخدامه لنزع السياسة من المجتمع المصري وتحويله إلى مجتمع " لا سياسي" وقد انعكس ذلك في نمط تجنيد نخبة الحكم والتي يأتي قوامها الرئيسي من السلك الجامعي والجهاز البيروقراطي للدولة" وهي مصادر غنية بالخبرات الفنية ولكنها لا تعبر عن أى قوة اجتماعية أو سياسية كما أنها بحكم تدريبها تكون أكثر استعدادا لتنفيذ السياسات الموضوعة وأقل قدرة بكثير على صياغة رؤية وسياسات جديدة.

وفي مرحلة تالية توسعت سيطرة الدولة إلى المجال الاقتصادي بدءا بقيام الدولة بدور أكبر في عملية الإنتاج ثم بالاستيلاء على المؤسسات الاقتصادية التي كانت مملوكة سابقة لملاك أجانب وأخيرا عبر التأمينات الكبرى التي جرت في مطلع الستينات فيما سمي بقرارات يوليو الإشتراكية ..

أما في المرحلة الثالثة فقد بدأت الدولة في التراجع عن السيطرة المباشرة على وسائل الإنتاج بعد أن تبين لها الأثر السلبي لذلك على الاقتصاد الوطني وبعد أن تبينت لها الحاجة لإطلاق طاقات المجتمع ممثلا في القطاع الاقتصادي الخاص وتمكينه من المساهمة في تحقيق النمو الاقتصادي

وقد وصلت هذه المرحلة إلى ذروتها في تطبيق سياسات الخصخصة في عقد التسعينيات من القرن العشرين وإن كان تنفيذ هذه السياسية يسير ببطء نسبي تفاعل عوامل تتعلق بطبيعة الظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد ومقاومة بعض الفئات الاجتماعية التي تري تعارضا بين هذه السياسة ومصالحها وبسبب سؤ الإدارة الاقتصادية وأيضا بسبب مقاومة نخبة الحكم للتخلي عن الموارد الاقتصادية الموجودة تحت سيطرتها ..

وهكذا فقد دارت نخبة الحكم دورة كاملة وعادت إلى النقطة التي بدأت منها أى إلى تركيزها على السيطرة على المجال السياسي باعتباره المجال الأهم الجدير بالسيطرة من جانب الدولة فلا مجال للصراع السياسي في عملية اتخاذ القرار إلا في أعلي قمة هرم السلطة أما في غير هذا المستوي فقد سادت نظرة تري أن السياسة ما هي في جوهرها إلا مجموعة من المشكلات الإدارية وأن الخلاف يمكن أن يدور حول حل هذه المشكلات وحو رفع مستوي الأداء ولكن دون أن يتطرق إلى الاختيارات والأولويات نفسها وهكذا تبني النظام مفهوما " اندماجيا " وليس مفهوما " تنافسيا" للمجتمع السياسي .

وتنبع الثقافة السياسية لنخبة الحكم من عدة مصادر فمن ناحية هناك الإيديولوجية الدولتية التي أتي بها نظم يوليو والتي ما زال يمثل هذا الجانب منها الإيديولوجي المسيطرة في مؤسسات الدولة وفي عملية التنشئة التي تجري داخل هذه المؤسسات وتقوم هذه الإيديولوجيات على تعميم الخبرة التي خرج بها القوام الرئيسي من جماعة الضباط الأحرار من خلال معايشتهم للحياة السياسية المصرية في الفترة 1945 -1952 والتي تقوم على عجز المجتمع والقوي السياسية المدنية عن تحقيق الأهداف الوطنية الأمر الذي يحتم قيام الدولة بالدور الأساسي في هذا المجال أكثر من هذا ,

فإن خبرة هذه المرحلة لم تصل بالضباط الأحرار ضمن تيار أعرض من الحركة الوطنية المصرية فقط إلى عجز المجتمع والقوي السياسية المدنية عن تحقيق الأهداف الوطنية إنما أيضا إلى ن قوي المجتمع المدني الاجتماعية والسياسية كفيلة إذا ما تركت لحالها بتدمير المجتمع وإشاعة الفوضي فيه الأمر الذي يجعل دور الدولة ضروريا ليس فقط لتحقيق الأهداف الوطنية فيه الأمر الذي يجعل دور الدولة ضروريا ليس فقط لتحقيق الأهداف الوطنية

وإنما أيضا للحفظ على بقاء المجتمع وحمايته من الفوضي وقد كان هذا النوع من القيم هو الأساس الذي قامت عليه عملية تأميم الحياة السياسية والمبادرة الخاصة للمجتمع المدني بأشكال مختلفة التي شهدتها مصر منذ عام 1952 .

المصدر الثاني لهذه الإيديولوجية الدولتية هو الخبرة السياسية التي مرت بها مصر خلال الخمسين عاما الماضية فتحول الحكم إلى مهنة يقضي فيها أفراد نخبة الحكم القسم الأكبر من حياتهم الوظيفية قد أدي إلى حرمن كل من هو خرج نخبة الحكم من تكوين الخبرة والمهارات اللازمة للمشاركة في ممارسة الحكم ولأن القيود المفروضة على عملية الالتحاق بنخبة الحكم على الممارسة الحرة للمجتمع المدني في المجالات

وخاصة معارضة لها فإن الفئات النشطة في المجال السياسي اكتسبت من المهارات السياسية الكثير إلا مهارة الحكم وإدارة الدولة والمجتمع , التي تعد المهارة الأهم في تكوين رجل السياسة وبحيث أصبح التكوين المهاري للنشطاء السياسيين من خارج النخبة الحاكمة يتسم بعدم التوازن بين مهارات التحريض التي أتقنوها بدرجة عالية من البراعة ومهارات الإدارة السياسية والحكم التي لم يمتلكوا منها إلا ما لا يكاد يذكر

وبالتالي أصبح هناك نوعين من السياسة سياسة تمارسها نخبة الحكم وهي السياسة التي تركز على الاستقرار والبقاء وتحقيق مصالح الدولة والمجتمع وسياسة أخري تمارسها المجموعات السياسية النشطة خارج نطاق الدولة والتي تركز على ما يجب القيام به وعلى الأحلام الكبيرة والتي تتميز بافتقاد ى إدراك جدي للمسئولية المترتبة على إدارة المجتمع والدولة ومن هذا التمييز القائم أساس على حالة استثنائية نشأت التمييز بين ضرورات الدولة ووظيفة المثقف الذي عادة ما يكون هو نفسه النشط السياسي المعارض ,

ويؤدي غياب مهارات الحكم , بل وتميز النشطاء السياسيين خارج الحكم بدرجة من روح المغامرة والميل للمخاطرة الناتجة عن ضعف الخبرة السياسية خاصة جانبها المتعلق بممارسة الحكم تؤدي هذه السمات إلى عدم توافر مهارات الحكم إلا بين أعضاء نخبة الحكم الأمر الذي يبرر لهذه النخبة استمرار نفس النظرة المتعالية للمجتمع باعتباره غير قادر على إدارة شئونه وأن تخفيف قبضة الدولة على المجال السياسي قد يؤدي بالمجتمع إلى حالة من الفوضي .

أما المصدر الثالث لهذه الإيديولوجية الدولتية فيتأتي من فقدان الدولة المصرية ونخبة الحكم منذ عام 1952 لأي قاعدة حزبية يمكن الاعتماد عليها فطوال سنوات ازدهار الثورة في عقدي الخمسينيات والستينيات كان التنظيم السياسي الواحد الذي اعتمدت عليه الثورة يعاني دائما من ضعف الدور والتكوين حتى أن الدولة في تجربة فريدة من نوعها لجأت إلى تكوين حزبا أو تنظيما سياسيا سريا التنظيم الطليعي

ليكون حزب الثورة فيما يمكن اعتباره اعترافا غير صريح بفشل التنظيم السياسي الواحد في أن يكون قاعدة تأييد الثورة وأداة تنظيم جماهير مؤيديها وبينما أمكن لنظام يوليو التعامل مع هذه المشكلة من خلال الزعامة غير المسبوقة لجمال عبد الناصر الذي كان قادرا على قيادة الجماهير وحشد تأييدها وراء الدولة بقدرة ونجاح تفوق قدرة أى تنظيم سياسي فإنه منذ هزيمة عام 1967 وخاصة منذ وفاة جمال عبد الناصر عام 1970 تزايدت حدة مشكلة غياب التنظيم السياسي الذي تعتمد عليه الدولة بشكل غير مسبوق .

وقد أدي غياب التنظيم السياسي للدولة إلى اعتمادها على أجهزة الخدمة الخاصة في القيام بهذا الدور وربما يكون من قبيل الأمر ذي الدلالة هنا ما قاله الرئيس عبد الناصر للمجموعة المحدودة التي تولت تأسيس جهاز المخابرات المصري عام 1953 من أنه يعتمد عليهم في تأسيس حزب الثورة

وقد كانت مثل هذه الأجهزة في أغلب الأوقات فاعلا رئيسا في السياسة المصرية وبقدر ما كانت مشكلة التنظيم السياسي تتفاقم بقدر ما كان الاعتماد يزيد على أجهزة الخدمة الخاصة وبحكم تكوين هذه الأجهزة وطبيعة عملها المحاطة بالسرية والمعنية بحكم وظيفتها بتحقيق الاستقرار والأمن

فإن هذه الأهداف والاعتبارات احتلت مكانة متزايدة في العوامل الحاكمة للحياة السياسية المصرية ويؤدي زيادة الاهتمام باعتبارات الاستقرار والأمن إلى أهمية التحكم في تطورات الأحداث مخافة انفلاتها ووصولها إلى مستوي يهدد الأمن والاستقرار وبالتالي إلى التخوف من المبادرات السياسية المستقلة باعتبارها نقيضا للتحكم .

وباستخدام المفاهيم التي طورتها نظرية تحليل النظم فإن أى نظام سياسي له نوعين رئيسيين من الأهداف الحفاظ على النظام وتكيف النظم من ثم فإن زيادة التركيز على اعتبارات الأمن والاستقرار يؤدي إلى إعلاء شأن وظيفة الحفاظ على النظام على حساب وظيفة تطوير النظام وزيادة قدرته على التكيف مع المتغيرات الحادثة حوله الأمر الذي يؤدي إلى إضعاف قدرة النظام على التكيف مع المتغيرات بالرغم من نجاحه في البقاء والاستمرار ولكن بتكلفة أعلي وبمستوي أداء أقل .

إن جوهر عملية تكيف النظام السياسي مع المتغيرات الجارية في البيئة هو جوهر سياسي فعلي عكس الأمن والاستقرار الذي هو عملية يغلب عليها الطابع الفني لا تستلزم سوي الحرص على الحفاظ على الوضع القائم ومن ثم فإن جوهر توجهها هو نحو الحاضر وربما الماضي فإن التكيف هو عملية تتجه نحو المستقبل لأنها تتضمن تصورا للمستقبل وفقا للإستراتيجيات والاختيارات المختلفة التي يمكن القيام بها للتعامل مع المتغيرات في الواقع

وهذا هو جوهر السياسة فالسياسة في أحد أبعادها هي منافسة بين رؤى مختلفة حول تقديم رؤية وبرنامج لمستقبل أفضل وهي الوظيفة التي يصعب في حالة الانشغال الحصري بالحفاظ على الوضع القائم القيام بها

وبالتالي فإن الإفراط في الانشغال باعتبارات الاستقرار يخلق لدي نخبة الحكم ثقافة سياسية محافظة تنشغل بالحفاظ على الحاضر القائم وأقل قدرة على تخيل المستقبل باعتبار الخيال نوع من المغامرة غير المحسوبة المتعارضة مع اعتبارات الاستقرار.

ثانيا : القيم السياسية للنشطاء السياسيين

يتميز المجتمع المصري الراهن بالمحدودية الشديدة في الاهتمام بالشؤون العامة وفي القلب منها السياسة وينعكس ذلك بشكل واضح في المعدلات شديدة الانخفاض للمشاركة السياسية .

وتبين هذه الظاهرة أن فئة النشطاء السياسيين في المجتمع المصري هي فئة ضيقة الأمر الذي يجعلها فئة متميزة عن السواد الأعظم من المواطنين الأمر الذي يجعل من الصعب القول أن الاتجاهات السائدة بينها تعكس الاتجاهات والقيم السائدة بين سواد المواطنين وإن كان التأكد من صحة هذه الفرضية لن يتأتي قبل الوصول إلى القسم الأخير من هذه الدراسة حيث يتم التعرف على القيم السائدة في أوساط عموم المصريين .

وقد لفتت ظاهرة انخفاض نسب المشاركة السياسية والاهتمام بالسياسة في مصر نظر الكثيرين وأصبح من الشائع طرح السؤال المتعلق بالأسباب التي من أجلها يمتنع أغلب المصريين عن الاهتمام بالحياة السياسية حتى أن توسيع نطاق المشاركة السياسية أصبح مطلبا لكل القوي السياسية بما فيها الحزب الحاكم وأطراف في داخل نخبة الحكم نفسها

غير أن ظاهرة ضيق فئة المهتمين سياسيا وما هو مرجح من وجود قيم واتجاهات خاصة بهذه الفئة يجعل من الضروري والمفيد البحث في طبيعة تكوين فئة المهتمين بالسياسة وفي الاتجاهات والقيم السياسية السائدة في أوساط هذه الفئة وربما طرح السؤال عن العوامل التي تجعل فئة صغيرة من المواطنين تذهب لتمييز نفسها عن التيار العام برغم ما تتحمله في سبيل ذلك من تكلفة عالية قد تكون غير محتملة لأغلب المواطنين في بعض الأحيان

وبالطبع فإنه يصعب الإجابة على بعض هذه الأسئلة في حدود هذه الدراسة إلا أن طرحها على بساط البحث ومحولة الإجابة عليها يظل أمرا مهما في كافة الأحوال أما ما سوف يتم التركيز عليه في هذه الدراسة فهو السمات المميزة للنشطاء السياسيين فيما يتعلق بأنماط القيم السائدة بينهم تجاه السياسة والسلطة والأداء العام .

ويلاحظ من متابعة النشاط والحركية السياسية في المجتمع المصري وجود فئتين متمايزتين من النشطاء السياسيين أولي هذه الفئات هي تلك التي نجدها في المؤسسات الرسمية للمشاركة السياسية مثل الأحزاب السياسية والجمعيات الأهلية والنقابات والمصوتين في الانتخابات أما الفئة الأخرى فهي فئة النشطاء السياسيين الموجودين خارج المؤسسات الرسمية للمشاركة السياسية وإن كانوا قد يتوجهون إليها أحيانا في بعض المناسبات الخاصة وخاصة في الانتخابات العامة.

وللمجموعة الأولي من النشطاء السياسيين أى هؤلاء الذين يشاركون من خلال المؤسسات الرسمية للمشاركة السياسية سمات مميزة فيما يتعلق بالاتجاهات والقيم السائدة بين أفرادها .

غير أنه من المهم الإشارة إلى أن دور هذه الفئة في صنع المناخ السياسي العام هو دور محدود بالرغم من وجودها البارز في داخل المؤسسات الرسمية للمشاركة السياسية ويكمن تفسير هذه المفارقة في طبيعة المؤسسات الرسمية للمشاركة السياسية ذاتها ,

فهذه المؤسسات تتمتع بصفة سياسية طبقا للنصوص الدستورية والقانونية ولكنها من الناحية الواقعية لا تمتلك من النفوذ السياسي سوي القليل كما أنها تعاني من درجة عالية من التبعية للسلطة التنفيذية الأمر الذي يقلص دورها إلى إضفاء الشرعية القانونية على الإجراءات التي تتخذها الأخيرة

حتى أنه يمكن القول أن الوظيفة الرئيسة للمؤسسات الرسمية للمشاركة السياسية هي الحد من تسييس المجتمع بمعني أنه ليس مطلوبا منها المشاركة في صنع القرار ولا في تقرير الاختيارات السياسية الواجبة فالمطلوب من مؤسسات المشاركة الرسمية هو توفير التأييد السياسي لقرارات يتم اتخاذها بمعرفة جهات في السلطة التنفيذية

وذلك في مقابل تمكين المشاركين عبر مؤسسات المشاركة الرسمية من الحصول على بعض المنافع حتى أنه يمكن القول أن مؤسسات المشاركة الرسمية تعمل كشبكات للمصالح المرتبطة مع والتي تديرها نخبة الحكم وبحكم طبيعة هذه العلاقة بين المؤسسات الرسمية للمشاركة السياسية والسلطة التنفيذية فإنه من المفهوم أن تكون الاتجاهات والقيم السائدة في أوساط هؤلاء تعكس اتجاهات إيجابية تزيد في معدلاتها عن المتوسط العام السائد في أوساط عموم المواطنين .

وبالطبع فإن هذا التحليل السابق ينصرف في الأساس إلى مؤسسات المشاركة الرسمية التي يمكن اعتبارها جزءا من الدولة مثل مجلسي الشعب والشورى , وأيضا إلى مؤسسات المشاركة المرتبطة بنخبة الحكم مثل الحزب الحاكم أما مؤسسات المشاركة الرسمية الأقل ارتباطا بنخبة الحكم ,

مثل الأحزاب السياسية خلاف الحزب الحاكم, فإن الآليات التي تقوم بمقتضاها بالمشاركة في تحقيق وظيفة الحد من التسييس تختلف عن الآليات السابق شرحها بدرجة مهمة فهذه التنظيمات السياسية الرسمية تقوم بتوفير إطار لتجميع المواطنين الراغبين في المشاركة السياسية والذين لهم رؤي ومواقف سياسية يريدون التعبير عنها وطرحها على الرأي العام والذين لديهم الرغبة والطاقة لبذل الجهد في هذا الاتجاه

أى في اتجاه نشاط سياسي يساهم في تقرير مسار المجتمع وتستخدم هذه التنظيمات للاستجابة لرغبات وطموح هذا الجزء من الرأي العام حتى لا يجد نفسه مضطرا للجوء لأساليب أخري للعمل السياسي يسهل احتوائها من ناحية أخري

فإن العلاقات التي تنسجها نخبة الحكم مع قادة هذه المنظمات لها فعالية عالية في إقناع الأخيرين بالحرص على الحد من مستوي النشاطية السياسية لمنظماتهم لتظل في إطار الحدود التي تراها نخبة الحكم ملائمة

وربما كانت هذه الطريقة في الحد من التسيسس من أهم المؤشرات الدالة على طبيعة عملية الحد من التسييس المميزة للترتيبات السياسية في مصر فبدلا من أن تدخل نخبة الحكم مع أحزاب المعارضة في مساومات حول محتوي السياسات التي يجب على الدولة الالتزام بها الأمر الذي يمثل جوهر النشاط السياسي التعددي فإن المساومات بين نخبة الحكم والمعارضة تنصرف إلى مستوي الكفاحية السياسية المسموح به بغض النظر عن محتوي هذه الكفاحية السياسية

وبينما يؤدي الأسلوب الأول للتفاوض والمساومة السياسية إلى تحقيق توافق أعلي حول السياسات العامة بما يؤدي في النهاية إلى تدعيم قوة وشرعية النظام السياسي وتماسكه فإن الأسلوب الثاني أى ذلك الذي يركز على المساومة على أساليب العمل السياسي والكفاحية السياسية يؤدي إلى الحد من التسييس بسبب ما يؤدي إليه من

أولا : تحويل السياسة إلى نشاط عديم المعني كان لا يؤثر على محتوي السياسات العامة وثانيا إلى رفع تكلفة العمل السياسي وكلا الأمرين يؤديان إلى صرف الناس عن المشاركة السياسية سواء عبر نقل الإحساس بلا جدوى لهم أو عبر تخويفهم من مغبة المشاركة السياسية ومن ثم فإن مؤسسات المشاركة السياسية غير الرسمية الأقل ارتباطا بنخبة الحكم تكون قادرة فقط على جذب العناصر الأقل كفاحية بين صفوف النشطين سياسيا الأمر يضعف من مصداقية وشرعية هذه المؤسسات .

غير أن هذه الطبيعة الخاصة بالمشاركين في المؤسسات الرسمية للمشاركة السياسية لا يجب أن تجعلنا نستنتج عنهم استنتاجات غير صحيحة تتعلق بقيمهم واتجاهاتهم السياسية فهناك من المؤشرات على أن القيم الديمقراطية أكثر انتشارا في أوساط هؤلاء منها بين غير المرتبطين بالمؤسسات الرسمية للمشاركة السياسية

فعندما سألنا عينة قومية من المصريين حول أفضل نظام للبلاد تبين لنا أن الاتجاهات الديمقراطية أكثر انتشارا بين أعضاء الأحزاب السياسية أكثر منها بين غير أعضاء الأحزاب وهو نفس الاتجاه الذي وجدناه بين المشاركين بالتصويت في انتخابات مجلس الشعب التي أجريت عام 1995 وغير المصوتين في تلك الانتخابات .

أما الفئة الثانية من المشاركين فإننا فلا نجدها في المؤسسات الرسمية للمشاركة السياسية وإنما نجدها منتشرة في فضاء يتكون من العشرات من المؤسسات التي تتفاوت طبيعتها حيث يغلب على بعضها الطابع الإعلامي بينما يغلب على بعضها الآخر طابع الجمعيات الأهلية والكيانات ذات الطبيعة الدينية بالإضافة إلى العديد من التجمعات غير الرسمية التي تتجمع حول بعض الشخصيات العامة من المثقفين أو حتى في بعض المحلات العامة التي توفر لمرتاديها مناخا ملائما للحوار الثقافي و السياسي مما يجعلها قوة مؤثرة في صنع المناخ السياسي العام.

وبينما قامت مؤسسة الدولة بدور مهم في توفير بعض هذه المنابر مثل الصحافة وغيرها فإن عددا آخر من هذه المنابر قد صنعته عناصر ومجموعات من هذه الفئة بنفسها وبينما تتميز المنابر التي ساهمت الدولة في تأسيسها بدرجة أعلي من الصفة الرسمية مما يتيح للدولة درجة أعلي من التأثير عليها فإن المنابر التي تولت فئة النشطاء السياسيين صنعها بنفسها لا تتمتع سوي بقدر محدود من الصفة الرسمية ومن ثم لا تتمتع الدولة سوي بقدرة محدودة من القدرة على التأثير عليها .

وتتمتع هذه المنابر وشاغليها بقدرة عالية نسبيا على التأثير في المجال السياسي العام وخاصة بسبب قدرتهم على تحديد أجندة الحوار السياسي العام وعلى تحديد ما هو مقبول وما هو غير مقبول من المواقف والاختيارات السياسية وتنبع هذه القدرة على التأثير في المجال السياسي العام من القدرة العالية على الوصول إلى منابر للتأثير الفكري والإعلامي

وبسبب تركز منابر التأثير الفكري والإعلامي في المدن وخاصة العاصمة فإن ظاهرة الكفاحية السياسية خارج مؤسسات المشاركة السياسية الرسمية هي ظاهرة حضرية في المقام الأول وتتنوع الاتجاهات الإيديولوجية لهذه الفئة من المشاركين السياسيين ويمثل مؤيدو جماعات الإسلام السياسي النسبة الأكبر بين هؤلاء وهم يمثلون تيار سياسي عريض وذو نفوذ واسع ويعتمد في وجوده على الشبكة المنتشرة من دو العبادة بالإضافة إلى عدد كبير من الجمعيات الأهلية والتجماعات التي ليس لها صفة قانونية واضحة وبخلاف ذلك توجد تيارات علمانية يسارية وقومية يتركز نفوذها في مؤسسات ذات صفة ثقافية وسياسية متنوعة .

ولسوء الحظ فإن دراسة مسحية تستهدف التعرف الدقيق على آراء فئة النشطاء السياسيين خارج المؤسسات الرسمية للمشاركة السياسية لم يتم إجرائها بعد غير أن ذلك لا يجعل تحليل الاتجاهات المميزة لهؤلاء أمرا مستحيلا تماما فهؤلاء هم القوام الرئيسي لفئة منتجي ومستهلكي الثقافة في مصر ومن ثم فإن تحليل السمات المميزة للحياة الثقافية المصرية وخاصة في مكونها المتعلق بالسياسة يمكن أن تساعد في التعرف على التجاهات السائدة لدي أفراد هذه الفئة وقد يكون التعرف على الاتجاهات السائدة في أوساط الإعلاميين والأكاديميين طريقا غير مباشر في التعرف على اتجاهات هذه الفئة بالنظر لما يعتقد من دور كبير تلعبه هاتان الفئتان في تكوين جماعات المشاركة من خارج مؤسسات المشاركة السياسية الرسمية .

ومن هم ما يميز الحياة الثقافية المصرية سيادة نزعات إيديولوجية قوية يتعامل أصحابها مع السياسة ليس كنشاط إنساني يستهدف إدارة النزاعات وأسباب التنافس بين مكونات المجتمع بحيث يصبح وضع كل المجتمع نتيجة للعملية السياسية أفضل مما كان عليه قبلها ولكن السياسة لدي التيارات الإيديولوجية هي نشاط يهدف إلى تحقيق غايات كبري لعمليات تاريخية طويلة الأمد..

وبرغم قدرة هذه الفئة العالية على تحديد أجندة الحوار العام حتى أن هناك اتجاه عام لاعتبار الاتجاهات السائدة في أوساط هذه الفئة تجاه القضايا المختلفة تعبيرا عن الرأي العام إلا أن الحقيقة تختلف عن ذلك إلى حد ليس بقليل ففي دراسة أجريت بمعرفة مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية في الفترة 2000 -2001 ألقيت مجموعة من الأسئلة على عينتين ممثلتين للشعب المصري وأربع عينات نوعية من الأكاديميين والعاملين في مجالات الصحافة والإعلام ورجال الأعمال وكبار موظفي الدولة في القطاعين الحكومي والعام تبين وجود فجوة كبيرة بين اتجاهات المجموعات المختلفة وكانت الفجوة الأكبر في أغلب الحالات هي تلك القائمة بين الجمهور الواسع من ناحية والإعلاميين والأكاديميين من ناحية أخري.

وتبين البيانات السابقة أن الاتجاهات السائدة في أوساط فئة المشاركين من خارج المؤسسات السياسية الرسمية للمشاركة يغلب عليها ميول سلبية وتشاؤمية تميل للتركيز على المخاطر والتهديدات أكثر منها على الفرص والمكاسب المحتملة فالخطاب السائد في الحياة الثقافية المصرية هو ذلك الخطاب الذي يقوم بدور النذير أكثر من قيامه بدو البشير ويمكن ملاحظة ذلك في الدرجة العالية للاختلاف بين انتشار الاتجاهات الإيجابية والسلبية في أوساط الجمهور الواسع من ناحية وبعض المجموعات التي تشغل الساحة الثقافية.

ويترتب على هذا النوع من الثقافة السياسية تصور محدد لدي هؤلاء للوظيفة السياسية التي يتعين عليهم القيام بها , وهي وظيفة الاحتجاج من أجل منع المزيد من التدهور وليس وظيفة المبادرة للتغيير نحو عالم أفضل ومن ثم فإنه بينما يتمتع هؤلاء بقدرة لا يمكن التقليل من شأنها لممارسة حق النقض ضد سياسات معينة لا يرونها مناسبة فإن قدرتهم على اقتراح سياسات بديلة والترويج لها ليست بنفس القدر من الأهمية ولعل ذلك مبررا بالنسبة لأمة تعرضت أحلامها السياسية والتنموية الكبرى لإحباطات متتالية خلال العقود الماضية غير أن ذلك يوضح المدى الذي وصلت إليه الحالة الثقافية العامة في الإخفاق في تجاوز أثر الخبرة الماضية نحو الآفاق الرحبة لمستقبل أفضل .

بالإضافة إلى ذلك , فإن الثقافية المصرية تتسم بدرجة عالية من التركيز على الهموم والتحديات الخارجية أكثر منها على أوجه الإخفاق والمشكلات الداخلية حتى أن تعريف السياسة لدي الكثير من الفاعلين في المجال السياسي غير الرسمي كاد ينحصر في السياسة الخارجية وقضاياها وهو أمر يمكن ملاحظته في حجم صفحات الجرائد وغيرها من المطبوعات المكرسة لقضايا السياسة الخارجية فالتشاؤم والإحساس بالخطر والتهديد خاصة الخارجي هي من أهم ملام الثقافة السياسية لفئة النشطاء خارج مؤسسات المشاركة الرسمية الأم الذي لا يجعل من هذه الفئة قادرة على التحول إلى قطب جاذب قادر على إخراج الأغلبية من المصريين من حالة اللامبالاة العميقة تجاه المجال العام.

ثالثا: الثقافة السياسية للجمهور الواسع

النظام الفرعي الثالث للثقافة السياسية الذي يجري تناوله في هذا الفصل هو الثقافة السياسية للقطاع الأوسع من الجمهور ولعل التدين هو أهم ما يميز نمط القيم السائد في أوساط عموم المصريين وهو الأمر الذي اتفق عليه أغلب المؤرخين والمتابعين للشؤون المصرية وقد أكدت الدراسات الميدانية صحة هذه الملاحظة ففي دراسة أجريت في مطلع التسعينيات تبين حرص المصريين العالي على أداء الفرائض الدينية 88% للصوم 84,2% للصلاة 61,6% للزكاة كما أكد 47,4% من أفراد العينة التي اعتمدت عليها هذه الدراسة أنهم يلجئون لاستشارة رجال الدين في كل صغيرة وكبيرة من شؤون حياتهم وهو السلوك الذي رفضه 23 % فقط من أفاد العينة.

عير أن تدين المصريين هو ظاهرة تنتمي إلى المجال الخاص لا تنقل تلقائيا إلى المجال العام فعند سؤال نفس العينة السابقة عن أهم الصفات الشخصية التي يفضلون أن يجدوها في أصدقائهم جاء التدين والأخلاق في المرتبة الأولي بنسبة 66,2% وهو ما يشير إلى المصريين يميلون في مجال الحياة الخاصة للمطابقة بين التدين والأخلاق

وأن الأخلاق الدينية هي الشكل الأهم من الأخلاق لديهم عير أن درجة عالية من التمييز بين التدين والأخلاق عندما يتحرك المصريون بعيدا عن المجال الخاص في اتجاه المجال العام فعند سؤال أفراد نفس العينة عن المعايير التي يعتمدون عليها في تقييم الآخرين جاءت الأخلاق في المرتبة الأولي بنسبة 56 بينما جاء التدين في المرتبة الثالثة بنسبة 9,8% فقط.

أيضا فإن عموم المصريين لا يميلون إلى نقل تدينهم بشكل تلقائي إلى المجال السياسي العام فعندما وجه السؤال لعينة ممثلة من المصريين حول التيار الإيديولوجي الأكثر تعبيرا عنهم جاء التيار المطالب بالمزيد من الاعتماد على الدين في الحياة العامة في المرتبة الثانية بنسبة 34 , 1 % من أفراد العينة كما يبين الجدول التالي .

مستويات تأييد الاتجاهات الإيديولوجية المختلفة
جدول-كتاب.jpg
تم إجراء هذه الدراسة في مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية عام 2000

ومن بين السمات الأكثر تمييزا للجمهور الواسع في مصر هي ضعف الاهتمام بالسياسة الأمر الذي سبق إيضاحه فيما قبل وتظهر الدرجة المحدودة لتسيسس الجمهور الواسع من المصريين بالإضافة إلى ذلك في مؤشرات كثيرة مثل المعايير التي يستخدمها هؤلاء في الاختيار بين المرشحين المختلفين في الانتخابات والموضحة في الجداول التالي والذي يتبين منه أن قدرة المرشح على تقدم الخدمات للناخبين هي المعيار الأساسي للاختيار بين المرشحين بنسبة 64,2% أما الاختيار على أساس سياسية سواء كان على أساس برنامج المرشح أو انتمائه لحزب الحكومة أو حزب معارض فإن نسبة الآخذين بمثل هذه المعايير السياسية لتزد عن 9,3% من إجمالي المواطنين .

معايير التصويت للمرشحين الأفراد
معيار الاختيار نسبة التأييد (%)
مرشح له سمعة طيبة 21,8
مرشح له برنامج جيد 5,8
أحد الأقارب أو المعارف 2,8
مرشح قادر على تقديم الخدمات 64,2
مرشح الحكومة 4,8
مرشح المعارضة 3, 0
مرشح مستقل 4, 0
أجريت هذه الدراسة في مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية عام 2000

غير أنه لا تجب المبالغة كثيرا في مغزي ضعف اهتمام الجمهور المصري بالحياة السياسية فمن بين الاستنتاجات القليلة التي يجمع عليها علماء السياسة المعاصرين يقف ضعف الاهتمام السياسي للجمهور في مكانة بارزة وبالتالي فإن المواطن المصري ليس بدعة غريبة في هذا الشأن وتبين دراسات الثقافة السياسية في المجتمعات الأخرى أيضا أن القطاع الواسع من الجمهور يمكن له أن يظهر قدرا عاليا من الحماسة والاهتمام بالسياسة في ظروف الصعوبات الاقتصادية أو التحديات الخارجية وهو نفس النمط الذي يلاحظه أغلب المراقبون للرأي العام المصري حتى بالرغم من عدم القيام بدراسات استطلاعية تؤكده .

وربما تكمن المشكلة في تكوين الثقافة السياسية للجمهور الواسع من المصريين ليس في فقدان الاهتمام بالسياسة بالذات وإنما في فقدان الاهتمام بالمجال العام كلية سواء كان ذلك في مكونه السياسي أم في مكوناته الأخرى ففي المجتمعات الصحية ينصرف الناس عن السياسية ولكنهم لا ينصرفون عن المجال العام باعتباره ساحة الوجود والعيش المشترك وفي مجتمعات أخري

فإن الانصراف عن السياسية يكون نتيجة للثقة في أن آخرين يشغلون ساحاتها بدرجة من الكفاءة تكفي لأداء الغرض الأمر الذي يتيح للآخرين الاهتمام بمجالات أخري تقع ضمن المجال العام الأمر الذي ينعكس في ارتفاع معدلات المشاركة في أنشطة تطوعية متنوعة أما في المجتمع المصري فإن الانصراف عن السياسة يرتبط بالانصراف عن مجالات العمل العام المختلفة

وهو ما يوضحه الجدول التالي الذي يبين نسب العضوية في منظمات غير سياسية مختلفة وربما يكون الرقم الدال في هذا الجدول هو نسبة المنتسبين إلى جمعيات أهلية والتي لا تزيد عن 1,8% أما نسبة أعضاء النقابات المهنية والعمالية العالية نسبيا فإنها تعكس الوضع القانوني الذي يجعل عضوية هذه المنظمات إجباريا لفئات معينة أكثر من كونها نتيجة لاهتمام أصيل بالعمل النقابي كما أنها قد تكون نتيجة لتحول النقابات المصرية إلى أدوات للمنافع المباشرة من الإسكان إلى التأمين الطبي والسياحة الدينية

المنتسبين لتنظيمات عامة غير سياسية في مصر
النسبة جمعية أهلية نقابة مهنية أو عمالية اتحاد تخصصي
نعم 1,80% 12,50% 0,90%
لا 98,20% 87,50% 99,10%
أجريت هذه الدراسة بمعرفة مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية عام 2002

وتبين هذه المعدلات المنخفضة من الاهتمام بالمجال العام أن هناك نوع من مشكلة الثقة بين المواطن المصري والمجال العام الذي يعيش فيه وأن مشكلة ضعف مستويات المشاركة السياسية هي أعمق بكثير من مجرد انخفاض مستويات العضوية في الأحزاب السياسية أو التصويت في الانتخابات التي يكثر الحديث عنها هذه الأيام

فانخفاض مستويات الاهتمام بالمجال العام هي امتداد لظاهرة عميقة الجذور في المجتمع المصري وهو الظاهرة المتعلقة بضعف مستويات الثقة المتبادلة بين المصريين فعندما وجه السؤال لعينة من الأفراد عما إذا كان لهم أن يطمئنوا إلى كل الناس أجاب 58% منهم بأنه على المرء ألا يطمئن لكل الناس بل أن 32 % منهم أجابوا بأنهم لا يطمئنون إلى أى فرد كان وقد لاحظت هذه الدراسة أن درجة ثقة المصريين بالآخرين تقل كلما انتقلوا من المجال الخاص الضيق إلى المجالات الأبعد عن الفرد ومحيطه العائلي الضيق فبينما بلغت نسبة الاطمئنان إلى الأقارب 61’1% فإن نسبة الاطمئنان إلى زملاء العمل لم تتجاوز 1,3% وهو ما يوضحه الجدول التالي .

الثقة المتبادلة بين الأفراد
الأقارب الأصدقاء أهل البلدة الزملاء
61,1% 27,1% 5,8% 1,3%

أحمد زيد بعض خصائص القومية المصرية بين الافتراضات النظرية والواقع الإمبريقي في لويس كامل مليكة (محرر) الكتاب السنوي لعلم النفس الاجتماعي المجلد السادس (القاهرة : الهيئة المصرية العام للكتاب , 1994) ص 191.

وتبدو القيم السياسية للجمهور الواسع من المصريين واقعة تحت وطأة الظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد والتي تجعل للقيم المرتبطة بالبقاء المادي واستمرار الحياة أولوية عالية لدي القسم الأغلب من المصريين ويمكن ملاحظة ذلك في الجدول التالي والذي يتضح منها ميل المصريين الشديد للتركيز على المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والأولوية المحدودة التي يعطونها للمشكلات المتعلقة بالمجال السياسي مثل مشكلات الإدارة الحكومة والفساد والإصلاح السياسي وقد يكون الانشغال الشديد بتوفير متطلبات الحياة اليومية وخاصة عند اقترانه بضعف الاهتمام بالمجال العام وانخفاض الثقة المتبادلة بين أفراد المجتمع سببا للانصراف عن السياسة والمجال العام كلية .

وبرغم الانصراف عن المجال العام فإن المواطن المصري لديه ميول ديمقراطية يمكن اعتبارها عالية الأمر الذي يمكن ملاحظته في تفضيله لنظام الحكم الديمقراطي كما تم عرضه سابقا الأمر الذي يمكن منه أن نستنتج استعداد المواطن المصري للتفاعل بإيجابية مع عملية إصلاح سياسي تتيح الفرصة لتفعيل مؤسسات المشاركة والتمثيل السياسي غير أن الإصلاح السياسي وحده يصعب أن يكون كافيا لرفع مستويات المشاركة السياسية للمستوي الذي يتمناه الكثيرون منا فمن المهم أيضا وربما كان الأكثر أهمية التعامل مع مشكلة انخفاض مستويات الثقة المتبادلة في المجتمع والتي تمثل عائقا أمام الاهتمام بالمجال العام كما تمثل عائقا أمام تطوير مستويات الأداء العام بصفة عامة

الفصل الثالث دور البرلمان في عملية التطور الديمقراطي

أحمد منيسي

تعد السلطة التشريعية سواء أطلق عليها برلمان , أو مجلس الشعب , أو الجمعية الوطنية .. الخ احدي السلطات العامة الثلاث في أى دولة إضافة إلى السلطتين التنفيذية والقضائية وهذه السلطات هي جزء من النظام السياسي للدولة الذي يشمل بالإضافة إلى هذه المؤسسات الرسمية مؤسسات غير رسمية

مثل الأحزاب وجماعات المصالح وكل نظام سياسيا يعمل في إطار بيئة معينة تشكل السياق المجتمعي له بمفرداته السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية وفي الوقت الذي تمنح فيه هذه البيئة فرصا لتطويل آليات عمل هذا النظام فإنها قد تفرض عليه قيودا تحول دون حدوث هذا التطوير .

وقد استقر في الأدب السياسي مبدأ ضرورة الفصل بين هذه السلطات الثلاث كي يتمكن النظام السياسي من العمل بالتوازن المطلوب على النحو الذي يكفل له أداء المهام المنوطة به بشكل صحيح يضمن نموه وارتقاءه إلى مرتب أعلي وتعود الأصول النظرية لهذا المبدأ إلى المفكر مونتسيكيو من خلال كتابه الشهير " روح القوانين" الذي نشر عام 1748 وإن كان قد سبقه في هذا الإطار جون لوك ,

ولكن مونتسكيو قد بلور العناصر التي عرض لها لوك وأبرزها في شكل فقهي جون لوك, ولكن مونتسكيو قد بلور العناصر التي عرض لها لوك وأبرزها في شكل فقهي كامل التكوين أما من الناحية العملية فيعود تطبيق هذا المبدأ إلى القرن السابع عشر في انجلترا من خلال دستور كرومويل .

ويختلف نمط تشكيل السلطة التشريعية من دول إلى أخي حيث أن هناك دول تتشكل فيها هذه السلطة من مجلسين كما هو الحال على سبيل المثال في الولايات المتحدة (مجلس النواب ومجلس الشيوخ) وفي بريطانيا (مجلس العموم ومجلس اللوردات) وثمة مجموعة من الدول العربية تعمل وفقا لنظام المجلسين مثل مصر والمملكة المغربية والأردن والبحرين وفي دول أخري تتكون السلطة التشريعية من مجلس واحد

كما هو الحال في فرنسا وكما هو الحال في تونس على المستوي العربي والحالة الأولي لتشكيل السلطة التشريعية يطلق عليها في الفقه القانوني حالة الازدواج البرلماني وقد ظهرت فكرة المجلسين أساس في انجلترا ومنها انتقلت إلى العديد من دول العالم وثمة أسباب تبرر العمل بنظام المجلسين منها .

  1. أن هذا النظام ضروري للدول الفيدرالية لأنه لابد أن يكون هناك مجلسان مجلس أعلي يمثل الولايات ويعكس النزعة الاستقلالية لها ومجلس أدني يمثل شعب الاتحاد في مجموعه.
  2. كما أن نظام المجلسين يمنع تعسف واستبداد السلطة التشريعية إذا اقتصرت عملية سن القوانين وإصدارها على مجلس واحد بالإضافة إلى أنه يساعد على رفع كفاءة المجالس النيابية حيث يتيح الفرصة لإدخال عناصر ذات كفاءة عالية قد تكون عزفت عن دخول الانتخابات أو خاضت المعركة الانتخابية ولن تنجح .
  3. وأخيرا فإن نظام المجلسين يساهم في تخفيف حدة الخلاف بين السلطتين التشريعية والتنفيذية , بحيث إذا حدث خلاف بين الحكومة وأحد المجلسين فإن المجلس الثاني يمكنه القيام بالتوفيق بينهما ومنع تفاقم الأزمة.

أما عن فكرة الازدواج البرلماني في الدول البسيطة فإن هناك اتجاهين في هذا الإطار الأول يعارض هذه الفكرة على اعتبار أن هذا النوع من الدول يقوم على مبدأ وحدة السلطة التشريعية باعتبار ذلك نتيجة منطقية لمبدأ وحدة سيادة الشعب والذي لا يقبل التجزئة ويستنكر أنصار هذا الاتجاه أن يجزأ الشعب إلى مجلسين في التعبير عن رأيه الواحد وإرادته الموحدة أما الاتجاه الثاني فيؤيد العمل بنظام المجلسين لأنه يؤدي إلى رفع كفاءة العملية التشريعية ويتوافق أكثر مع المبادئ الديمقراطية.

والآلية المعهودة في تشكيل السلطة التشريعية المكونة من نظام المجلسين هي أن يكون المجلس الأعلى بالكامل عن طريق التعيين أو يجمع بين التعيين والانتخاب أما المجلس الأدنى فيكون عن طريق الانتخاب ولذلك يكون الأكثر تعبيرا عن الشعب وعادة ما تكون له الغلبة في العملية التشريعية .

وتختلف درجة ثقل السلطة التشريعية في النظام السياسي من دولة إلى أخري وذلك تبعا لشكل الحكومة القائمة في هذه الدولة أو تلك ودرجة الثقل مقصود بها قوة السلطة التشريعية قياسا إلى السلطة التنفيذية ففي النظام الرئاسي الذي يقوم على مبدأ الفصل الجامد بين السلطات يكون لكل من السلطتين نفس القدر من القوة

أما في النظام البرلماني القائم على الفصل المرن بين السلطتين فتكون الغلبة للسلطة التشريعية التي تشكل في هذه الحالة مركز الثقل في النظام السياسي وفي نظام الجمعية الوطنية الذي تتداخل فيه السلطتان تكون الهيمنة للسلطة التشريعية لكن في جميع الأحوال فإن السلطة التشريعية تلعب دورا كبيرا في عملية التحول الديمقراطي وذلك بالنظر إلى الدور الذي تقوم به في إطار النظام السياسي حيث تضطلع بالإضافة إلى دورها التقليدي المتمثل في عمليتي التشريع والرقابة بالعديد من الأدوار التي تثري هذه العملية ومن هذه الأدوار .

  1. تلعب السلطة التشريعية دورا كبيرا في عملية التنشئة السياسية وتعلم كيفية ممارسة الديمقراطية من خلال المناقشات الحرة التي تجري بداخلها ويطلع عليها المواطنون عبر وسائل الإعلام المسموعة أو المرئية أو المقروءة .
  2. المساهمة في تعزيز القدرة المؤسسية للأحزاب السياسية التي تتنافس فيما بينها للحصول على أكبر تمثيل نيابي لها الأمر الذي يحتم عليها تطوير أدائها على النحو الذي يمكنها من تحقيق هذا الهدف ومن ناحية أخري فإن تقاليد الممارسة البرلمانية تكرس فكرة الحزب كمؤسسة سياسية.
  3. بالإضافة إلى ذلك فإنه ومن خلال وظيفة التشريع التي تقوم بها السلطة التشريعية فإنها تستطيع تدعيم وإثراء عملية التحول الديمقراطي وذلك من خلال إقرار القوانين التي تدعم عملية الانفتاح السياسي وإلغاء تلك التي تعرقل تحقيق هذا الهدف.
  4. على صعيد أخر فإنه ومن خلال الوظيفة الرقابية التي تمارسها السلطة التشريعية على الحكومة فإنها تمنع تسلط هذه الأخيرة على النحو الذي يكرس مناخ التعددية ويرسي مبدأ سيادة القانون .
  5. من ناحية ثانية فإن السلطة التشريعية تلعب دورا كبيرا في إمداد الدوائر الانتخابية بالخدمات من خلال خدمة النواب لأهالي الدائرة التي قامت بانتخابهم ومن خلال هذه المهمة تقوم السلطة التشريعية بمعالجة القصور القائم في الأحزاب السياسية وجماعات المصالح والتي تعتبر قنوات التواصل بين الدولة والمجتمع .
  6. وأخيرا , فإن السلطة التشريعية تقوم بوظيفة حيوية وهي ضبط وإدارة الصراع في المجتمع من خلال ما توفره من آليات سلمية لهذا الغرض .

بيد أن هذه المهام لا يمكن أن تقوم بها السلطة التشريعية إلا في ظل نظام ديمقراطي ويؤثر نمط التطور الديمقراطي الذي تتبعه الدولة على حدود الذي يمكن أن تقوم به السلطة التشريعية في دعم هذه العملية وبعبارة أكثر تفصيلا فإنه ليس بمقدور أى سلطة تشريعية تدعيم عملية التطور الديمقراطي أو إثرائها حيث تظل هذه القدرة مرهونة بمدي وصول تلك العملية إلى مرحلة بعينها تؤكد على تعزيز دور المؤسسات السياسية بمختلف أشكالها وأنواعها

وفي هذا الإطار يري البعض أن هناك أربع مراحل لعملية التطور الديمقراطي .

المرحلة الأولي : تبدأ عندما تعلن النخبة الحاكمة قواعد وأسسا جديدة للعبة السياسية ويدفع النخبة إلى ذلك التزايد الواضح للسخط المدني على أداء النظام بسبب انعدام أو محدودية المشاركة السياسية ويطلق على هذه المرحلة مرحلة الميثاق .
المرحلة الثانية : ويطلق عليها مرحلة الحوار القومي وفيها تتبني الحكومات مبدأ الحوارات القومية للحصول على التأييد لسياسات غير مقبولة شعبيا والعامل الحيوي هن هو الحاجة إلى توسيع التأييد الجماهيري لبرامج وسياسات لها أضرار معنية أو لإجراءات أمنية طارئة وتحاول المعارضة المعتدلة من جانبها مقايضة تأييدها لمثل هذه السياسات بإجراء إصلاح سياسي , كذلك يمكن للحوارات أن تبدأ كنتيجة محتملة لمجابهة تغيرات جوهرية وشاملة حدثت في المجتمع .
المرحلة الثالثة : وفيها يتم التأكيد على سلطة المجلس التشريعي بما يمكنها من أداء وظائفها بفعالية أكبر وفي هذه المرحلة فإن المؤسسات المنتخبة تحاول التأثير في السلطة التنفيذية .
المرحلة الرابعة : وهي مرحلة الديمقراطية المستدامة ولم تصل أى دولة عربية إليها وتتميز هذه المرحلة بعدة سمات منها الاتفاق الواسع بين كافة المشاركين في العملية السياسية النظام السياسي والتوافق على الإجراءات الملائمة للحل السلمي للقضايا محل الخلاف وتوفر كافة الضمانات اللازمة لتوسيع ونزاهة دخول المجلس التشريعي وجميع الأجهزة التمثيلية الأخرى .

وبالتخصيص على الحالة المصرية فإن السلطة التشريعية يتولاها مجلس الشعب وفق لما قرره الدستور الدائم الصادر عام 1971 الذي تم تعديله عدة مرات كان منها التعديل الذي نص على إنشاء مجلس الشوري عام 1979 والذي وكل إليه الدستور بعض المهام ذات الصفة التشريعية التي قد تجعل منه مجلسا ثانيا كما هو الحال في الدول التي تتشكل فيها السلطة التشريعية من مجلسين.

أما فيما يخص قضية التطور الديمقراطي في مصر فقد بدأت مصر هذا التحول منذ منتصف السبعينيات حين أعلن عن بدء العمل بنظام التعددية السياسية وصد قانون الأحزاب السياسية في العام 1977 ولكن وبعد مرور حوالي ربع قرن على انطلاق هذه العملية فإنها ما تزال تعاني عقبات كثيرة تحول دون تطورها إلى مراحل أكثر تقدما .

ووفقا للتقسيم السابق لمراحل عملية التطور الديمقراطي فإن مصر تقبع حاليا في المرحلة الثانية وهي مرحلة الحوار القومي , فقد قايضت المعارضة المعتدلة تأييدها للإجراءات الأمنية التي رأتها الحكومة ضرورية لاحتواء خطر الحركات المتطرفة مقابل إجراء إصلاح سياسي وهو الأمر الذي لم يتحقق حتى الآن بشكل كامل .

وبالنظر إلى ما قد يمثله وجود البرلمان من اقتران ذلك بوجود الديمقراطية من ناحية وما يمكن أن يقوم به ذلك البرلمان من تدعيم عملية التحول الديمقراطي من ناحية أخري فإن التساؤل حول دور السلطة التشريعية في عملية التحول الديمقراطي في مصر يصير جوهريا خاصة في ضوء العقبات الكثيرة التي تواجه هذه العملية والتي تفرض ضرورة البحث والاجتهاد في سبل تذليلها أو حتى الوقوف أولا على أسبابها وماهيتها

وهنا يبرز الحديث عن دور مجلسي الشعب والشورى وذلك على ثلاثة مستويات :

  1. ما هو الدور الذي قام به المجلسان في عملية التحول الديمقراطي : سلبا أو إيجابا ؟
  2. ما هي المعوقات التي حالت دون تفعيل دورهما في هذا الإطار؟
  3. كيف يمكن تفعيل هذا الدور ؟

والواقع أنه لا يمكن وضع كل من مجلسي الشعب والشورى في سلة واحدة عند الحديث عن الدور الذي قام به كل منهما في عملية التحول الديمقراطي أو عند الحديث عن المعوقات التي حالت دون تفعيل دورهما في هذا الإطار أو عند الحديث كذلك عن كيفية تفعيل دورهما في هذه العملية وذلك بالنظر ليس فقط إلى اختلاف آلية تشكيلهما أو اختصاصاتهما أو طبيعة الدور المنوط بكليهما بشكل عام وإنما بالنظر أساسا إلى الفلسفة ذاتها التي أنشئ بمقتضاها مجلس الشوري عل النحو الذي سيلي بيانه ولذلك فسوف نتناول كلا منهما في جزء منفصل لكن ذلك لا يعني .

عدم وجود قيود مشتركة يعاني منها المجلسان معا وتفرض تقليص دورهما وتنبع هذه القيود من طبيعة البيئية التي يعمل فيها النظام السياسي بما تشمله من أبعاد سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية وهو ما سوف نتناوله حالا على أن يتم تناول كل مجلس على حدة لاحقا .

أولا : محددات دور السلطة التشريعية في مصر

القيود المنبثقة عن بيئة النظام السياسي

لا يعمل النظام السياسي في فراغ وإنما في إطار بيئة معينة يؤثر فيها ويتأثر بها وكذلك فإن كل نظام سياسي يحكمه إطار قانوني معين يمارس تأثيره على آليات عمل النظام وتشمل هذه البيئة أربعة عناصر أساسية هي:

الواقع الجغرافي والميراث التاريخي والتركيب الاقتصادي الاجتماعي والثقافة السياسية وثمة تأثير متبادل بين هذه العناصر فالواقع الاقتصادي والاجتماعي المتخلف يؤدي غالبا إلى خلق ثقافة سياسية تقليدية .

وقد تقع هذه البيئة النظام السياسي في اتجاه الديمقراطية وقد تعرقله وعلى سبيل المثال فيما يتعلق بعنصر الثقافة السياسية فإن أى نظام سياسي بحاجة إلى ثقافة سياسية تغذيه وتحافظ عليه فالحكم الفردي توائمه ثقافة سياسية تتمحور عناصرها في الخوف من السلطة والإذعان لها وضعف الميل للمشاركة وفتور الإيمان بكرامة الإنسان وذاتيته وعدم السماح بالمعارضة وبالمقابل يتطلب الحكم الديمقراطي أخلاقا ديمقراطية فلا يمكن للديمقراطية أن تنمو دون إيمان الإنسان بطلاامته وحقوقه كذلك لابد للديمقراطية من شعور متبادل بالثقة بين الفاعلين السياسيين فالنظام الديمقراطي لا يمكن أن يستقر إذا اعتقد أحد الطرفين (الحكومة أو المعارضة)

بأن الطرف الآخر يسعي للقضاء عليه ويتأثر تجنيد القيادات السياسية بالثقافة السياسية السائدة ففي بعض الدول تكاد تكون القيادة السياسية حكرا على عائلة معينة أو مجموعة صغيرة ذات وضعية خاصة مذهبية أو دينية أو عرقية أو تعليمية وحيث يقدر المجتمع كبر السن ويعلي من شأن الذكور على الإناث يغلب أن يجئ القادة من صفوف المسنين الذكور وتؤثر الثقافة السياسية كذلك على علاقة الفرد بالعملية السياسية فبعض المجتمعات تتميز بقوة الشعور بأهمية المشاركة وهنا يتوقع أن يشارك الفرد بفعالية في الحياة العامة وفي دول أخري يتسم الأفراد باللامبالاة وفي بعض الأحيان قد يشك الفرد في العملية السياسية برمتها ويراها أداة لتحقيق مصالح القائمين عليها فقط أو قد يري النظام السياسي كنظام أبوي يتعهده من المهد إلى اللحد.

وفي مثل هذه الأحوال لا ينتظر من الفرد أن يقدم على المشاركة في الحياة العامة وبالإضافة إلى كل ذلك فإن استقرار النظام السياسي يعتمد جزئيا على الثقافة السياسية السائدة فالتجانس الثقافي والتوافق بين ثقافة النخبة والجماهير يساعدان على الاستقرار أما التشرذم الثقافي والاختلاف بين عقلية النخبة وعقلية الجماهير فيمثلان مصدر تهديد لاستقرار النظام السياسي

وفي هذا الإطار يقال بأن أهم عوامل سقوط نظام فيمار الديمقراطي في ألمانيا وإقامة نظام هتلر الشمولي كان يكمن في التباين بين ثقافة الشعب وبين المؤسسات والمفاهيم التي طرحها ذلك النظام فالثقافة كانت غير ديمقراطية بفعل تسلط عوامل التنشئة السياسية والاجتماعية بينما كان الحكم ديمقراطيا بالمعني الفكري والمؤسسي .

أما فيما يتعلق بتأثير عنصر التركيب الاقتصادي والاجتماعي فإن بنية وطبيعة النظام السياسي تتأثر بأوضاع المجتمع السياسية والاقتصادية فالنخب السياسية هي نتاج لهذه الأوضاع وبالتالي فإنها تشارك المجتمع أو على الأقل الفئات التي تنحدر منها ما يسود لديها من أفكار ومصالح ويعتمد قيام واستمرار النظم التسلطية على تأييد ومساندة القوي الفاعلة والمؤثرة

ومن ناحية خري يمكن أن ينشأ حكم تسلطي بسبب تفاقم الصراع الاجتماعي فالصراعات الطبقية غذت النظم التسلطية في أمريكا اللاتينية أما الحكم الديمقراطي فيحتاج إلى وضعية اقتصادية اجتماعية مواتية تتمثل أهم عناصرها في وجود قدر يعتد به من الانجاز الاقتصادي ومرونة البناء الطبقي مع وجود ناحية ثانية فإن احتمال الاستقرار السياسي يزداد في المجتمع الأكثر تجانسا حيث أن التجزئة قد تكون مدعاة للفوضي والعنف الأهلي .

والواقع أن البيئة التي تعمل فيها السلطة التشريعية في مصر تفرض عليها قيودا معقدة تحول دون تفعيل دورها فالسياق المجتمعي للنظام السياسي "البيئة" تعج بالعديد من المعوقات وعلى سبيل المثال فإن الثقافة السياسية السائدة حاليا في مصر تتسم بأخلاقيات وقيم لا تحث على التطور الديمقراطي ولا سيما قيم السمع والطاعة وضعف الشعور بالفعالية السياسية والامبالاة والتعصب والتطرف وغياب روح المبادرة وقيم الاغتراب ,

وضعف أو غياب الشعور بالمواطنة المسئولة وأسبقية " الأنا" على " النحن" والمصلحة الذاتية على المصلحة العامة وقيم المحاباة والمحسوبية والتمييز التعسفي بين المواطنين وقيم الإتباع والعاطفة والتفكير الغيبي والنزوع نحو الماضي مع الاعتقاد بأن السلف خير من الخلف وتدعم المؤسسات المؤثرة على تكوين نسق القيم مثل الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام ودور العبادة هذه القيم ومن ثم لا تساعد على التحول الديمقراطي فالطفل يخضع في الأسرة المصرية لسيطرة الأب ولا يتاح له سوي مجال ضيق لتحقيق ذاته ويتميز التعليم والذي يعد أهم وسائل عملية التنشئة السياسية

كما يجري في إطار العائلة وخارجها بخاصتين أسايتين تعرقلان نمو الوعي الديمقراطي وهما : التقليل من أهمية الإقناع والحافز من ناحية وزيادة أهمية التلقين والعقاب الجسدي من ناحية أخري ويلاحظ أن هناك تركيزا شديدا في مناهج التعليم على دور الأفراد في صنع الأحداث والتاريخ ولم تؤد زيادة عدد المتعلمين في مصر إلى مزيد من التطور الديمقراطي بل أدت في معظم الأحيان إلى زيادة عدد الأعيان الجدد المستعدين لتقديم خدماتهم لأصحاب السلطة والذين يتنافسون فيما بينهما على إرضائهم ويضغطون للحصول على مكاسب خاصة وليس التغيير للأفضل.

ويحمل الإطار القانوني للنظام السياسي هو الآخر العديد من القيود التي تمارس تأثيرا سلبيا كبيرا على تفعيل الدور الذي يمكن أن تقوم به السلطة التشريعية والتي تحول دون خلق المناخ الملائم لعملية التحول الديمقراطي ويمكن تقسيم الآثار الناجمة عن هذه القيود إلى نوعين :

(1) إشكالية التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية تنبع هذه الإشكالية من الارتباك الحادث في هوية النظام السياسي حيث يبدو هذا النظام غير محدد المعالم فهو بعيد عن روح الأنظمة البرلمانية لأن السلطة التشريعية فيه في موقع أضعف في مواجهة السلطة التنفيذية كما أن هذا النظام ليس نظاما رئاسيا بالمعني الدقيق بسبب ضعف البرلمان إزاء سلطات الرئيس ووجود مجلس وزراء يمثل ولو من الناحية النظرية حزب الأغلبية وفي هذا الإطار يذهب البعض إلى القول بأن النظام المصري أقرب إلى أن يكون نظاما أبويا يحتل فيها الرئيس موقع رب العائلة .

والواقع أن الدستور المصري قد اختار نظاما سياسيا خاصا به يعطي لرئيس الدولة كامل السلطات التي يمنحها له النظام الرئاسي ويقيد سلطة البرلمان في كثير من المسائل التشريعية ويجعل للسلطة التنفيذية وخاصة لرئيس الدولة حق المشاركة في التشريع بشكل واسع وصريح حيث له حق اقتراح القوانين وفقا لما نصت عليه المادة 109 وله حق إصدارها أو الاعتراض عليها بالرغم من أن المادة 86 تنص على أن يتولي مجلس الشعب السلطة التشريعية بل وأيضا للرئيس حق تعيين بعض أعضاء المجلس وفقا لما نصت عليه المادة 87 .

وتتعد النصوص الدستورية التي تجعل من رئيس الدولة محور النظام برمته فالمادة 73 تنص على أن رئيس الدولة هو رئيس الجمهورية ويسه على تأكيد سيادة الشعوب أو على احترام الدستور والوحدة الوطنية والمكاسب الإشتراكية ويرعي الحدود بين السلطات وقد تضمن الدستور ما يكشف عن مدي التوسع في سلطة الرئيس كحكم بين السلطات حيث جعل له الرأي النهائي في تقدير قرار مجلس الشعب بسحب الثقة من الحكومة وهي الحالة التي أوردتها المادة 127

وجاء في نصها أن لمجلس الشعب أن يقرر بناء على طلب عشرة من أعضائه مسئولية رئيس مجلس الوزراء أو يصدر القرار بأغلبية أعضاء المجلس لكن ذلك القرار لا يصدر إلا بعد استجواب موجه إلى الحكومة وبعد ثلاثة أيام من توجيه الطلب يعد المجلس تقريرا يرفعه إلى رئيس الجمهورية والذي له حق رفضه أو قبوله أما المادة 138 فتعطي الرئيس حق إعلان حالة الطوارئ وتنص المادة 152 على أنه يستفتي الشعب في المسائل الهامة وبهذا يكون تقدير الأهمية متروك لتقديره وتتكامل مركزية دور الرئيس بالنظر إلى نص المادة 74 التي تمكن الرئيس من الانفراد بالسلطة التشريعية تمام إذا كان هناك خطر يهدد الوطن دون أن تحدد المادة ماهية هذا الخطر .

(2) حدود حرية الرأي والتعبير يحفل النظم القانوني المصري بالعديد من القيود التي تصادر قسما كبيرا من حرية الرأي والتعبير وما يهمنا في هذا الإطار التعرض لتلك الطائفة ذات التأثيرات المباشرة على تفعيل دور السلطة التشريعية وأول ما يصادفنا هنا هو قانون الطوارئ الذي تم العمل به منذ اغتيال الرئيس السادات وتم تجديده بقرار مؤقت رقم 560 لعام 1981 لمدة سنة وتكرر تجديده حتى عام 2003 .

(3) ويمنح هذا القانون السلطة التنفيذية سلطات واسعة منها سلطة وضع القيود علي حرية الأشخاص وحقوقهم الدستورية في الاجتماع والتنقل والإقامة والقبض على المشتبه فيهم أو الخطرين على الأمن واعتقالهم وتفتيش الأماكن والأشخاص دون التقيد بأحكام قانون الإجراءات الجنائية والواقع أن هذه السلطات تصب دائما في اتجاه تضييق الخناق على المعارضة ومرشحيها في الانتخابات

وبالإضافة إلى قانون الطوارئ هناك ترسانة من القوانين الأخرى منها قانون التجمهر رقم 10 لعام 1914 والذي صدر بسبب ظروف الحب العالمية الأولي ونص على تجريم اجتماع كثر من خمسة أفاد لو كان بغير غرض ارتكاب جريمة ووضع قيودا مشددة على الحرية في التنقل وشدد على عقوبة التجمهر إذا كان الغرض منها التأثير على السلطات و تعطيل تنفيذ القوانين والقانون 2 لعام 1977 ونص على تشديد عقوبة التجمهر والإضراب عن العمل أو الاعتصام إلى الأشغال الشاقة المؤبدة وقانون الاجتماعات والمظاهرات رقم 14 لعام 1923 والذي ينص على ضرورة إخطار رجال الأمن قبل عقد أى اجتماع بثلاثة أيام على الأقل و أربع وعشرون ساعة إذا كان الاجتماع خاصا بالانتخابات كما يحق أيضا بمقتضي القانون منع الاجتماعات والمظاهرات والمواكب التي تنظم لغرض سياسي .

وفضلا عن هذه القوانين هناك هيمنة الدولة على وسائل الإعلام المرئي والمسموع بجانب القيود التي تفرضها على الصحف الأمر الذي لا يتيح فرصة كافية للمرشحين غير المنتمين إلى الحزب الحاكم للتواصل مع ناخبيهم عبر هذه الوسائل

ثانيا: مجلس الشعب

تأسس مجلس الشعب بعد حل مجلس الأمة عام 1971 وهو العام الذي صدر فيه الدستور الدائم والذي حددت وفقا له مهام المجلس ويتشكل المجلس من 454 عضوا منهم عشرة أعضاء يتم تعيينهم من قبل رئيس الجمهورية والمدة القانونية للفصل التشريعي هي خمس سنوات وخلال الفترة منذ تأسيسه وحتى عام 2000 عقد المجلس سبعة فصول تشريعية منها ثلاثة لم يتم استكمالها بسب حل المجلس وهي : الفصل التشريعي الثاني 1976- 1979 " والفصل التشريعي الثالث " 1979 -1984 " والفصل التشريعي الرابع 1984 -1987 "

واختصاص المجلس وفقا لنص الدستور لا يقتصر فقط علي سن القوانين وإنما يمتد إلى إقرار السياسة العامة وخطة التنمية والموازنة العامة للدولة والرقابة على الحكومة أى أن للمجلس ثلاثة أنواع من الوظائف هي كالتالي :

الوظيفة التشريعية : وفقا لنص المادة 109 من الدستور فإن مجلس الشعب يقوم بمهمة سن القوانين ولكن المجلس لا يحتكر عملية التشريع حيث أن لرئيس الدولة حق إصدار قرارات بقوانين كما أن مجلس الوزراء له الحق في إعداد مشروعات القوانين ويدخل في نطاق هذه الوظيفة ما يقوم به المجلس من الموافقة على الخطة العامة للدولة التي ينظمها القانون رقم 7 لعام 1973 والموازنة العامة التي ينظمها القانون رقم 53 لعام 1973 والحساب الختامي والموفقة على الضرائب والقروض كما يدخل في نطاقها أيضا موافقة المجلس على الاتفاقيات والمعاهدات الدولية .
الوظيفة الرقابية: وهي تعد من أبرز المهام التي يقوم بها أى مجلس تشريعي وقد كفل الدستور المصري لمجلس الشعب حق الرقابة على السلطة التنفيذية ويمارس المجلس هذه الرقابة من خلال عدة وسائل منها ما هو منصوص عليه في الدستور ومنها ما هو موجود في اللائحة الداخلية لمجلس الشعب وتتمثل أهم وسائل الرقابة المنصوص عليها في الدستور فيما يلي :
  1. السؤال:حيث يجوز لكل عضو من أعضاء مجلس الشعب توجيه أسئلة لرئيس الوزراء أو نوابه وللوزير أو نوابه وآلية السؤال ذات طابع استفساري حول موضوع معين ولكنها لا تنتهي إلى طرح مسألة الثقة بالحكومة وقد نصت عليه المادة 124.
  2. الاستجواب ويعد من خطر الأدوات الرقابية لأنه قد ينتهي إلى طرح مسألة الثقة بالحكومة وقد نصت عليه المادة 125.
  3. سحب الثقة: قررت المادة 126, 127, 128 أن لمجلس الشعب أن يسحب الثقة من أحد نواب رئيس الوزراء أو أحد الوزراء أو أحد نوابه ولا يجوز عرض سحب الثقة إلا بعد استجواب وبناء على اقتراح عشر أعضاء ويصدر القرار.
  4. طلب المناقشة العامة ويتقدم به عدد من الأعضاء لا يقل عن 20 عضوا لمناقشة موضوع ما, وذلك وفقا لما نصت عليه الماد 129 .
  5. لجان تقصي الحقائق : وقد يشكلها المجلس لدراسة موضوع ما ثم ترفع اللجنة تقاريرها إلى المجلس وقد تم النص على هذه الأداة في المادة 131 .
  6. إبداء رغبات عامة في موضوعات عامة إلى رئيس الوزراء أو احد نوابه أو أحد الوزراء وقد نص على هذه الأداة في المادة 130.

أما هم الأدوات الرقابية التي نصت عليها اللائحة فهي كالتالي:

طلب الإحاطة , البيانات العاجلة لجان الاستطلاع والمواجهة الزيارات الميدانية , العرائض والشكاوي , تقصي آثار تطبيق القوانين , متابعة تنفيذ الوزراء لما يدلون به من بيانات , متابعة الزيارات الخارجية التي تقوم بها الوزراء والاجتماعات الدولية التي شاركوا فيها بالإضافة إلى المناقشات الهامة التي تدور داخل اللجان المختصة في موضوعات مختلفة .
الوظيفة السياسية : وأبرز جوانب هذه الوظيفة ما يقوم به المجلس من مهام تجاه بيان الحكومة سواء ذلك الذي يلقي عند افتتاح كل دور تشريعي أو الذي يعرض على المجلس عقب تشكيل حكومة جديدة ويرتبط هذا البيان ارتباطا وثيقا بالبيان الذي يلقيه رئيس الجمهورية في الاجتماع المشترك لمجلس الشعب والشورى عند افتتاح كل دور انعقاد جديد وتتحدد السياسات العامة التي يتضمنها في ضوء خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية والموازنة العامة للدولة .

كما يدخل في نطاق هذه الوظيفة أيضا مناقشة المجلس حالتي الطوارئ وإعلان الحب والإجراءات الخاصة بمنصب رئيس الجمهورية التي تشمل الترشيح والنظر في الاستقالة واتهام رئيس الجمهورية وإعلان خلو منصبه .

والسؤال المطروح هنا مفاده: هل أسهم مجلس الشعب في عملية التحول الديمقراطي انطلاقا من خلال هذه الوظائف المنوطة به ؟

الواقع أن المجلس لم يقم بالدور المطلوب في هذا الإطار , حيث أقر العديد من القوانين التي صبت في اتجاه إضافة المزيد من المعوقات في وجه هذا التحول وفي السياق نفسه كان من الطبيعي أن يبقي المجلس على تلك المجموعة من القوانين التي تكرس العديد من العراقيل أمام ذلك التحول .

ولسنا هنا في صدد عرض كل القوانين التي أقرها المجلس ومثلت عقبات في طريق عملية التحول الديمقراطي ولكن هناك قوانين بارزة في هذا السياق .

  1. قانون النقابات العمالية رقم 35 لعام 1976 وقد فرض هذا القانون التنظيم النقابي الواحد على الحركة العمالية وأخضعها للوصايا والإشراف من جانب الدولة ممثلة في وزير القوي العاملة حيث منح القانون للجهة الإدارية حق الاعتراض على تكوين المنظمات النقابية وحظر على أعضاء هذه المنظمات إنشاء جمعيات أو روابط كما منح القانون للوزير الحق في تحديد تمثيل اللجان النقابية في الجمعية للإتحاد العام لنقابات العمال ومنحه حق إصدار اللائحة المالية للمنظمات النقابية كما منح القانون للجهة الإدارية المختصة الإشراف على إجراءات الترشيح والانتخاب ويضاف إلى ذلك كله حق الوزير والجهة الإدارية في وقف عضو مجلس المنظمة النقابية وطلب حل مجلس إدارتها من المحكمة الابتدائية .
  2. قانون الأحزاب السياسية رقم 40 لعام 1977 وسوف يلي بيان القيود التي انطوي عليها في جزء لاحق .
  3. قانون الإذاعة والتليفزيون رقم 13 لعام 1979 وقد أدي هذا القانون وتعديلاته إلى احتكار الدولة للإذاعة والتليفزيون ومنحه الحق في إنشاء وتملك محطات البث الإذاعي المسموع والمرئي ويتولي وزير الإعلام الإشراف على هذا الاتحاد وتفرض الدورة هيمنتها على الاتحاد بواسطة مجلس الأمناء الذي يصدر قرار تعيين رئيسه بقرار من رئيس الجمهورية ويعين أعضاء المجلس بقرار من مجلس الوزراء , ويتولي مجلس الأمناء الإشراف الكامل على كافة شئون الاتحاد وطبقا لما يسمي بخدمة الأهداف القومية والواقع أن هذا القانون يشكل انتهاكا للدستور حيث يخل بمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بقصره حق التملك والإنشاء على الحكومة فقط بهدف حجب الاتجاهات الأخرى عن التعبير عن أفكارها بواسطة الإذاعة والتليفزيون وهما من أهم وسائل التعبير انتشارا في ظل ارتفاع الأمية .
  4. قانون تنظيم الصحافة رقم 96 لعام 1996: وقد ألغي هذا القانون سلطة الصحافة رقم 48 لعام 1980 وصدر بعد رفض جموع الصحفيين القانون 93 لعام 1995 والذي شهد معارك عنيفة قادتها نقابة الصحفيين ضده نظرا لما تضمنه من عقوبات جنائية مشددة كان أهمها جواز حبس الصحفي وبعد تراجع الحكومة عنه صدر هذا القانون الجديد والذي تضمن أيضا مصادرة حق الأفراد في إصدار الصحف وقصر ذلك على الأشخاص الاعتبارية والأحزاب السياسية واشترط في حالة الأشخاص الاعتبارية الخاصة ألا يقل رأس مال الشركة المالكة للصحيفة اليومية عن مليون جنيها والأسبوعية عن 150 ألف والشهرية عن 100 ألف واستلزم القانون الحصول على ترخيص من المجلس الأعلى للصحافة قبل إصدار الجريدة وتم منح المجلس سلطات واسعة منها الرقابة على كافة المطبوعات وطلب حق حل نقابة الصحفيين وابقي القانون على جواز الجبس الاحتياطي للصحفي في جريمة إهانة رئيس الدولة ولم يتضمن نصا بعدم جواز إحالة الصحفيين للتحقيق والمحاكمة أما القضاء العسكري وسمح في حالة الطوارئ أو زمن الحرب فرض الرقابة على الصحف فيما يتعلق بالسلامة العامة أو أغراض الأمن القومي .
  5. قانونا الجمعيات الأهلية رقمي 153 لعام 1999 والقانون رقم 84 لعام 2002 يحظي التنظيم القانوني للجمعيات الأهلية بأهمية كبيرة حيث تشكل الجمعيات احدي القطاعات الرئيسية في المجتمع المدني وكلما كان هذا التنظيم أكثر ديمقراطية كلما انتعش دور الجمعيات بما يساهم في المقام في دعم دور هذا المجتمع الذي شكل دعامة أساسية في عملية التحول الديمقراطي وفي هذا الإطار فإن مجلس الشعب بعد تأسيه قد أبقي على القانون رقم 32 لعام 1964 لمدة تزيد على الثلاثة عقود برغم مما احتواه هذا القانون من قيود شديدة على نشاط الجمعيات الأهلية بالنظر إلى أن هذا القانون قد صدر في ظل عهد التنظيم الواحد وفي وقت كانت قبضة الدولة على المجتمع الأهلي بشكل عام شديدة القسوة وعندما اتجه المجلس لتغيير هذا القانون واستبداله بالقانون 153 لعام 1999 لم يكن هذا الأخير أفضل من سابقه حيث يتضمن أبقي على العديد من القيود على نشاط الجمعيات الأهلية ومنها على سبيل المثال النص على حق الجهة الإدارية في عدم شهر الجمعية الأهلية ومنها على سبيل المثال النص على حق الجهة الإدارية في عدم شهر الجمعية استنادا إلى أسباب هلامية منها التعارض مع دواعي الأمن القومي او عدم صلاحي المقر أو وجود جمعيات مشابهة وقد انتهي القانون الجديد إلى الحكم بعدم دستوريته في يونيو 2002 فجاء القانون 84 لعام 2002 ليشكل مناسبة جديدة لإبقاء تلك القيود المفروضة على الجمعيات الأهلية وليحمل تراجعا عن بعض الذي كان قد أقره القانون حيث منح القانون الجديد على سبيل المثال الجهة الإدارية حث حل الجمعيات بدلا من ترك هذا الأمر للقضاء على غرار ما كان ينص عليه القانون السابق وعلى غرار ما هو معمول به في دول عربية أخري بعضها ذو تجربة أحدث في مجال التحول الديمقراطي في مصر مثل اليمن والأردن والمملكة المغربية .

وبالإضافة إلى هذه القوانين فقد اقر المجلس مجموعة أخري صبت في اتجاه تقييد المناخ الديمقراطي ومنها القانون رقم 34 لعام 1972 المعروف بقانون حماية الجبهة الوطنية والقانون رقم 95 لعام 1980 المعروف بقانون حماية القيم من العيب وقانون تعيين العمد والمشايخ في القرى بعد أن يتم انتخابهم وقانون تعيين عمداء الكليات بعد أن يتم انتخابهم من قبل أعضاء هيئة التدريس .

وفي المقابل فإن المجلس قد أبقي على مجموعة كبيرة من القوانين التي صدرت قبل تأسيسه وتحمل قيودا كثيرة على عملية التحول الديمقراطي ومن هذه القوانين قانون العقوبات وما يحتويه من قيود مغلظة ومنها أيضا قانون التجمهر رقم 10 لعام 1914 وقانون الاجتماعات والمظاهرات رقم 14 لعام 1923 وقانون المطبوعات رقم 20 لعام 1936 وقانون تنظيم مباشرة الحقوق السياسية رقم 73 لعام 1956 وقانون الطوارئ رقم 62 لعام 1958 وقانون المحاكم العسكرية رقم 25 لعام 1966 .

والواقع أن ثمة مجموعة من القيود المفروضة على المجلس والتي حالت دون قيامه بالدور المطلوب في عملية التحول الديمقراطي ويمكن تقسيم هذه القيود إلى نوعين هما : القيود المنبثقة عن السياق المجتمعي للنظام السياسي بشكل عام والقيود المنبثقة عن الإطار القانوني الناظم لعمل مجلس الشعب .

القيود المنبثقة عن السياق المجتمعي

يشمل السياق المجتمعي , أو البيئة كما سلف القول أربعة عناصر أساسية هي الواقع الجغرافي والميراث التاريخي والإطار الاقتصادي والاجتماعي والثقافة السياسية ومثلما تؤثر هذه البيئة على عمل النظام السياسي ككل ,

فإنها تمارس تأثيرها على مكونات هذا النظام وعند تناول تأثيرات هذه البيئة على أداء السلطة التشريعية وهي تأثيرات في مجموعها ذات طابع سلبي يبرز لدينا بشكل أكثر وضوحا تلك التأثيرات المنبثقة عن الميراث التاريخي والذي يشمل العناصر الفرعية التالية: المؤسسات السياسية والمشاكل السياسية والاجتماعية والقيم والأفكار والرموز السياسية وتتمثل أهم العقبات المنبثقة عن الميراث التاريخي :

(أ‌) عدم حدوث تراكم في الحياة البرلمانية المصرية

على الرغم من قدم الحياة البرلمانية في مصر والتي تعود إرهاصاتها إلى الربع الأول من القرن التاسع عشر حين أسس محمد على مجلس المشورة عام 1822,
إلا أنه لم يحدث تراكم في التقاليد البرلمانية على النحو الذي يضمن حدوث تطور ونمو طبيعي في دور البرلمان في النظام السياسي ويرجع ذلك إلى حدوث عدة انقطاعات في مسيرة هذا النظام الأمر الذي جعل هناك أكثر من نقطة بداية للحياة البرلمانية منفصلة عن تلك التي سبقتها ولتبيان هذه المسيرة المتقطعة يمكن القول أن الحياة البرلمانية المصرية قد مرت بأربع مراحل أساسية :
المرحلة الأولي وتبدأ منذ تأسيس مجلس شوري النواب الذي يعد البداية الحقيقية للحياة البرلمانية في مصر عام 1866 وتستمر حتى الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882 أما المرحلة الثانية فتشمل عهد الاحتلال وتمتد في الفترة بين عامي 1882 , 1922 وقد تشكل البرلمان خلال هذه الفترة من مجلسين هما : الجمعية العمومية ومجلس شوري القوانين وفي فترة لاحقة وتحديدا في عام 1913 تم استبدالهما بالجمعية التشريعية التي لم تستمر سوي لبضعة أشهر بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولي وتمتد المرحلة الثالثة بين عام 1922 و1952 أى خلال قيام ثورة 23 يوليو وأم المرحلة الرابعة فتمتد منذ الثورة مرورا بتجربة مجلس الأمة في عصر التنظيم الواحد ثم تجربة الشعب في عهد التعددية

(ب‌) السياسية والدستور الدائم

وقد شهدت هذه المراحل الأربع مظاهر للتقدم والتراجع في تقاليد الحياة البرلمانية فيما يتعلق بالعلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية وفيما يتعلق بالعمل البرلماني من زاوية الدور التشريعي والرقابي .
ففي سياق تجربة مجلس شوري النواب يمن التمييز بين مرحلتين فرعيتين الأولي كان الخديوي إسماعيل هو المهيمن الفعلي فيها على المجلس وكان المجلس ذي سلطة استشارية حيث لا يناقش سوي ما تعرضه عليه الحكومة أما في المرحلة الثانية التي نجمت بسبب عوامل الشد والجذب بين الحكومة والمجلس فقد تميزت بدور أقوي للمجلس
وذلك بعد أن صدرت لائحة جديدة له أعطته بعض الحقوق حيث أصبحت الوزارة مسئولة أمام المجلس الذي أصبح له أيضا حق إقرار الميزانية والقوانين لكنها في المقابل أعطت الخديوي حق حل المجلس حال إذا رفضت الوزارة الاستقالة بسبب خلافها مع المجلس بيد أن هذا التطور قد انتكس مع عزل إسماعيل وتولي الخديوي توفيق حيث قام هذا الأخير بتعطيل الحياة البرلمانية إلى أن اضطر تحت ضغط الثورة العرابية إلى استئناف هذه الحياة من جديد فعاد مجلس شوري النواب من جديد وعادت معه السلطات المطلقة للخديوي
وظل الوضع على ما هو عليه حتى صدور لائحة جديدة للمجلس عام 1882 أعطته بعض الحقوق الضئيلة ثم انهارت هذه التجربة بعد وقوع البلاد فريسة للاحتلال حيث خضع البرلمان مجددا في هذه الحقبة للسلطة المطلقة للخديوي حيث كانت الجمعية العمومية ومجلس شوري القوانين بمثابة هيئة استشارية للحكومة باستثناء إعطاء الجمعية حق تقري الرسوم والضرائب ولم يختلف حال الجمعية التشريعية عن هاذ الوضع فقد كان لها أيضا حق إقرار الرسوم والضرائب وأضيف إليه فقط حق توجيه الأسئلة للحكومة وفقا لضوابط معقدة .
وبعد صدور دستور 1923 حدثت طفرة في العمل البرلماني حيث أعيد تشكيل البرلمان من جديد ليشمل مجلسين هما مجلس النواب ومجلس الشيوخ وكان الملك له حق حل الأول دون الثاني ,
وكان لمجلس النواب حق التشريع والاقتراع على الثقة بالحكومة التي أصبحت مسئولة عن أعمالها وأعمال الملك أمامه أما مجلس الشيوخ فكان له حق التشريع والرقابة دون حق سحب الثقة من الحكومة لكن هذا التطور أصيب بنكسة مع دستور 1930 الذي أعطي الملك سلطات واسعة منها حق تعيين مجلس الشيوخ وسلب سلطة مجلس النواب في مجال تعديل بدستور 1923 ولتشهد الحياة البرلمانية حوالي عقدين من النمو لكن في 23 يوليو 1952 قامت الثورة ليتم وأد هذه التجربة التي تعد أرقي عهود الحياة البرلمانية في مصر وفي ظل عهد الثورة كانت تجربة مجلس الأمة الضعيفة التي استمرت حتى صدور الدستور الدائم عام 1971 وتأسيس مجلس الشعب .
واستنادا إلى خبرة المجلس السلبية في النظام السياسي فقد تشكلت تجاهه رؤية جماهيرية سلبية فالاتجاهات العامة لهذه الرؤية لا تري أن المجلس يقوم بدور حقيقي كمجلس نيابي سواء على الصعيد الرقابي أو التشريعي وتذهب وبحق إلى ن فكرة الحكومة هي محور النظام السياسي برمته وفي سياق هذه الرؤية تكرست فكرة نائب الخدمات وهو نائب يتمركز دوره تحت القبة في خدمة أهالي الدائرة الذين انتخبوه حتى يعيدوا اختياره في الدورات القادمة وقد ترسخت هذه الفكرة بشكل قوي في ظل حالة الضعف الشديد التي تعاني منها المحليات وعجزها عن القيام بالدور المنوط بها وهو الدور الذي أصبح يقوم به عضو مجلس الشعب .

(ت‌) ضعف النظام الحزبي

تقوم الأحزاب السياسية بدور كبير في تنظيم وتدعيم عملية المشاركة السياسية وهي في الوقت نفسه أداة لفرز التوجهات المختلفة التي يموج بها المجتمع وتلعب دورا كبيرا في أى برلمان باعتبارها آلية لتجميع المصالح والتعبير عنها وتشكيل الكتل البرلمانية المتمايزة على النحو الذي تبدو معه الأحزاب لأزمة للبرلمان القوي خاصة في مجتمع يعاني غياب أو ضعف جماعات المصالح التي قد تكون بديلا للأحزاب في البرلمان ولكن لكي تقوم الأحزاب بهذا الدور – فضلا عن أدوارها الأخرى في مجال التنشئة السياسية وخلافه لابد ن تكون أحزابا قوية ولا يتسني لها أن تكون كذلك إلا إذا كانت منبثقة عن نظم حزبي تعددي بالمفهوم الديمقراطي وليس مجرد تعددية شكلية فضلا عن ضرورة توافر البيئة السياسية الملائمة لكي تمارس هذه لأحزاب نشاطها بحرية كاملة وهذا كله غير متوافر بالنسبة للأحزاب في مصر .
فمن ناحية نجد أن قانون الأحزاب السياسية رقم 40 لعام 1977 قد جاء مليئا بالقيود على النحو الذي أهدر معه في الواقع نص المادة الخامسة من الدستور والتي تشير إلى ن نظامنا السياسي يقوم على أساس تعدد الأحزاب ومن هذه القيود على سبيل المثال :
النص على عدم تعارض مبادئ الحزب وأهدافه مع مبادئ ثورتي 23 يوليو و15 مايو وأن يلتزم الحزب بالحفاظ على النظام الاشتراكي والمكاسب الإشتراكية فضلا عن ضرورة تميز برنامج الحزب الجديد عن برامج الأحزاب القائمة بالفعل وهذا شرط غاية في الغرابة فليست العبرة بالقدرة النظرية على صياغة برنامج متميز وإنما المحك الحقيقي ينبغي أن يتمثل في قدرة الحزب على تنفيذ برنامجه من عدمه وقد اشترط القانون ضرورة موافقة لجنة شئون الأحزاب على الحزب الجديد وهي لجنة تشكيلها يغلب عليه الطابع حكومي حيث تتكون من رئيس مجلس الشوري وعضوية كل من وزراء العدل والداخلية والدولة لشئون مجلس الشعب وثلاثة من بين رؤساء الهيئات القضائية السابقين وعلى ذلك فإن تأسيس الحزب الجديد لابد أن يحظي برضاء الحكومة حتى يحصل على المشروعية القانونية .
ومن ناحية ثانية نجد ن البيئة السياسية التي تعمل فيها الأحزاب تعج بالعديد من القيود التي تكبل عملها وفي مقدمة هذه القيود قانون الطوارئ الذي مازال ساري منذ أكثر من عشرين عاما .
وقد أدت هذه القيود التي فرضها القانون 40 لعام 1977 والبيئة غير المواتية تعمل من خلالها الأحزاب إلى نشأة أحزاب ضعيفة لا تقوم بدور حقيقي في النظام السياسي وذلك على الرغم أن الساحة السياسية تشمل حاليا 16 حزبا ولم تكن هذه القيود في الحقيقة السبب الوحيد لضعف النظام الحزبي في مصر حيث تعاني هذه الأحزاب من مشاكل داخلية لا تقل خطورة

وتكشف نسب وعدد المقاعد التي حصلت عليها أحزاب المعارضة عن حقيقة أنها لا يمكن لها أن تلعب دورا حقيقيا في مجلس الشعب ففي انتخابات 1984 حصلت على ما نسبته 138 بالمائة فقط من إجمالي عدد مقاعد المجلس وفي انتخابات 1987 ارتفعت هذه النسبة قليلا لتصل إلى 38 بالمائة لتعود للتدهور من جديد في انتخابات 1990 التي قاطعتها أحزاب المعارضة الرئيسية احتجاجا على عدم توافر ضمانات لنزاهة العملية الانتخابية عدا حزب التجمع الذي حصل على 6 مقاعد فقط وفي انتخابات 1995 التي عادت المعارضة للمشاركة فيها من جديد لم تحصل سوي على 14 مقعدا من إجمالي 454 منهم 10 أعضاء بالتعيين أى ما لا يزيد عما نسبته 4 بالمائة

وفي الانتخابات الأخيرة لعام 2000 حصلت المعارضة على 16 مقعدا فقط وقد كشفت هذه الانتخابات عن تصاعد مذهل في نفوذ المستقلين ما يعني من ناحية أخري حالة الضعف الشديدة للأحزاب حيث حصل المستقلون على232 مقعدا متفوقين أيضا على الحزب الوطني , وذلك قبل أن يعود معظمهم للانضمام مرة أخري لهذا الحزب وكان المستقلون قد حصلوا في انتخابات 1995 على 113 مقعدا .

(ث‌) أثر نظام الحزب المهيمن على أداء المجلس منذ تأسيس مجلس الشعب لم يحدث تغير في نمط الحزب المهيمن سواء في حزب مصر العربي الاشتراكي خليفته الحزب الوطني الديمقراطي .

وتؤدي هذا النمط هو تحكم حزب واحد في سير العملية التشريعية والرقابية للمجلس وهنا لم يكن من المتصور أن يقر المجلس تشريعات جديدة لا تتوافق مع توجهات هذا الحزب أو أن يعدل المجلس من قوانين قائمة إلا برضاء هذا الحزب أو أن يقوم المجلس الذي يهيمن عليه الحزب الحاكم بدو حقيقي في عملية الرقابة على الحكومة ونتيجة ذلك بطبيعة الحال كانت أن تجربة التعددية السياسية التي بدأتها لبلاد منذ أكثر من ربع قرن من الزمان قد أديرت بعقلية الحزب الأوحد وهو الحزب الحاكم .
وقد استمرت هيمنة الحزب الوطني الحاكم على مجلس الشعب حتى بعد بوادر الانفراج التي شهدها النظام السياسي مع بداية حكم الرئيس مبارك في العام 1981 بعد أن كان هذا النظام قد مر بمرحلة اختناق حقيقية في العامين الأخيرين من حكم الرئيس نور السادات وإن كانت الفترة حتى عام 1987 أى خلال انتخابات عامي 1984 , 1987 قد سجلت تمثيلا أكبر للقوي السياسية في المجلس بالمقارنة مع انتخابات التي أجريت في أعوام 1990, 1995 و2000
وتشير الاحصاءت في هذا السياق إلى حصول الحزب الوطني الحاكم على ما نسبته 87 بالمائة في انتخابات 1984 وعلى 78 بالمائة في انتخابات 1987 وعلى 81 بالمائة في انتخابات 1990 وعلى 94 بالمائة في انتخابات 1995 .
وفي الانتخابات الأخيرة للمجلس حصل الحزب الوطني على 388 مقعدا من إجمال عدد المقاعد البالغ عددها 454 كان منهم 172 فقط ترشحوا على قوائم الحزب وحصلت المعارضة على 16 مقعدا فيما حصل الإخوان المسلمون على 17 مقعدا فيما تقلص عدد المقاعد للمستقلين إلى 20 مقعدا فقط بعد انضمام معظمهم للحزب الوطني .
وفي واقع الأمر فإن استمرار هيمنة الحزب الوطني الحاكم على مجلس الشعب وبخاصة خلال الفترة منذ عام 1990 تعطي مؤشرا سلبيا على مدي قدرة المجلس على تمثيل الاتجاهات السياسية المختلفة ومن ثم تجربة التحول الديمقراطي بشكل عام خلال الفترة المذكورة وهي من ناحية أخري تعكس تخلفا واضح عن تلك التجربة بالمقارنة مع تجارب دول عربية خري بالرغم من حداثة هذه الأخيرة
وسوف نسوق فيما يلي عددا من الأمثلة لتجارب دول عربية أخري ذات دلالة فيما يتعلق بمدي هيمنة الحزب الحاكم فيها على البرلمان ومدي قدرة البرلمان في هذه الدول على تمثيل اتجاهات سياسية خري غير الحزب الحاكم
وذلك على سبيل إجراء نوع من المقارنة بين هذه التجارب والتجربة المصرية والتي يجمع بينها وبين هذه التجارب العديد من القواسم المشتركة التي تبرر إجراء مثل هذه المقارنة لعل أهمها عنصر الحداثة الزمنية في تدشين عملية التحول الديمقراطي وما يحمله السياق المجتمعي من عناصر متشابهة أو متطابقة:
ففي المملكة المغربية وفي أول انتخابات تشهدها البلاد خلال عقد التسعينات المطروح هنا كمدي زمني لعملية المقارنة تلك والتي أجريت عام 1993 أظهرت النتائج وجود كتل برلمانية مختلفة متوازنة فيما بينها في عدد المقاعد التي حصلت عليها فمن بين 222 مقعد حصل الاتحاد الاشتراكي على 48 مقعدا بما نسبته نحو 21 ,6 بالمائة من إجمالي المقاعد وحل حزب الاستقلال ثانيا بـ 43 مقعد بنسبة 19, 36 بالمائة
وجاء في المرتبة الثالثة حزب الحركة الشعبية وحصل على 33 مقعدا بما بنسبه 14, 68 بالمائة وحصل التجمع الوطني للأحرار على 28 مقعدا والاتحاد الدستوري على 27 مقعدا, بما نسبته 12,6 بالمائة و12,2 بالمائة على الترتيب
وفي انتخابات عام 1997 أفرزت النتائج ثلاث كتل متوازنة هي " الكتلة الديمقراطية المعارضة التي كانت تضم كل من حزب الاتحاد الاشتراكي للقوي الشعبية وحزب الاستقلال وحزب التقدم والإشتراكية وحزب منظمة العمل الديمقراطي وقد حصلت على 102 مقعدا من إجمالي 333 مقعدا وكتلة الوفاق اليمينية التي حصلت على 100 مقعد بأحزابها الاتحاد الدستوري والحركة الشعبية والحزب الوطني الديمقراطي وكتلة أحزاب الوسط التي حصلت على 56 مقعدا ذهب معظمها للتجمع الوطني للأحرار
وفي الانتخابات الأخيرة التي أجريت في سبتمبر عام 2002 للتنافس على 325 مقعدا أفرزت النتائج أربع كتل أساسية هي : الاتحاد الاشتراكي للقوي للقوات الشعبية الذي يقوده عبد الرحمن اليوسفي الذي تولي منصب رئاسة الوزراء بعد ظهور فكرة التناوب في عام 1998 وقد حصل على 49 مقعد وحزب الاستقلال وقد حصل على 42 مقعدا وقد كان هو الحزب الأوحد حتى الخمسينات وكان يضم تحت رايته كافة المناضلين وحزب العدالة والتنمية وأعضائه ينتمون إلى حركة التوحيد والإصلاح
وقد تم الترخيص له في العام 1993 وقد استفاد الحزب كثيرا من مقاطعة جماعة العدل والإحسان للانتخابات فحصل على 42 مقعدا مضاعفا عدد المقاعد التي حصل عليها في عام 1997 ثلاثة مرات وحزب التجمع الوطني للأحرار وقد حصل على 41 مقعدا .
أما في التجربة اليمينة فقد أظهرت نتائج الانتخابات التي أجريت عامي 1993 و1997 عددا من التيارات وإن ظل حزب المؤتمر الشعبي العام هو مركز الثقل وخاصة في انتخابات 1997 التي قاطعتها بعض القوي كان في مقدمتها الحزب الاشتراكي الذي كان قد حصل في انتخابات عام 1993 على 56 مقعدا حيث حصل حزب المؤتمر في انتخابات عام 1993 على 123 وفاز حزب التجمع اليمني للإصلاح ذو التوجه الإسلامي على 62 مقعدا وحصل المستقلون على المقاعد المتبقية وعددها 47 مقعدا وفي انتخابات عام 1997 حصل حزب المؤتمر على 187 مقعدا من بين 301 مقعدا فيما فاز التجمع اليمني للإصلاح بـ 54 مقعدا وحصل المستقلون على 53 مقعدا .
أما في التجربة الجزائرية وبعد إلغاء انتخابات 1991 التي سجلت نصرا كاسحا للجبهة الإسلامية للإنقاذ جاءت الانتخابات التالية في 1997 لتبرز وجود كتل لها وزنها في البرلمان فعلي الرغم من فوز حزب الحكومة بـ 156 مقعدا من إجمالي 380 مقعدا فازت جبهة التحرير التي كانت الحزب الأوحد قبل العمل بنظام التعددية الحزبية عام 1989 بـ 63 مقعدا وحصل حزب حركة مجتمع السلم على 69 مقعدا وحزب حركة النهضة 34 مقعدا وكلاهما ذو توجه إسلامي
وحصلت جبهة القوي الاجتماعية على 20 مقعدا فيما فاز حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية على 19 مقعدا ولكن الانتخابات الأخيرة التي أجريت في مايو 2000 خلت بهذا التوازن حيث حصدت جبهة التحرير 199 من 389 مقعدا وتدهورت مكانة حزب الحكومة بحصوله على 48 مقعدا فقط وإن كان ذلك في المقابل يشي بحركية لافتة في توزيع مقدرات القوي بين القوي السياسية المختلفة .
وفي الأردن ومنذ إقرار التعددية الحزبية عام 1989 شهد مجلس النواب الذي يشكل مع مجلس الأعيان البرلمان وجود كتل برلمانية متوازنة ففي انتخابات عام 1989 حصل التيار الإسلامي على 32 مقعدا فيما حصل التيار التقليدي القبلي على المقاعد المتبقية وعددها 35 وفي انتخابات عام 1993 كان التوازن بين التيارات في المجلس أقل من نظيره في عام 1989
حيث حصلت المعارضة على 29 مقعدا فقط منها 16 لحزب جبهة العمل الإسلامي الإخواني التوجه و6 مقاعد للإسلاميين المستقلين و7 مقاعد للتيار اليساري وقد زاد هذا الخلل في التوازن في انتخابات 1997 بسبب مقاطعة حزب جبهة العمل الإسلامي للانتخابات حيث أسفرت النتائج عن فور التحالف المكون من أحزاب الوسط الموالية للحكومة والمستقلين على 60 مقعدا فيما حصلت المعارضة على المقاعد العشرين المتبقية وكان ثمانية منها لصالح إسلاميين مستقلين .
وربما تبدو تونس هي الوحيدة الأقرب إلى التجربة المصرية فيما يتعلق بسيطرة الحزب الحاكم في كل منهما على البرلمان وذلك على الرغم من أن التجربة المصرية قد قطعت شوطا أكبر في ميدان التحول الديمقراطي ففي الانتخابات التي شهدتها تونس في عام 1994 أسفت النتائج عن حصول حزب التجمع الديمقراطي الدستوري الحاكم على 144 مقعدا من إجمالي 163 أى بما يشكل نحو 97,7 بالمائة وحصلت المعارضة على الـ19 مقعدا الباقية فقط ولم يختلف الوضع كثيرا في الانتخابات التالية التي أجريت عام 1999 حيث ظل التوازن مفقودا بين الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة التي حصلت هذه المرة على 34 مقعدا وحصد حزب الحكومة باقي المقاعد.

القيود المنبثقة عن الإطار القانوني

يمكن تقسيم القيود المنبثقة عن الإطار القانوني الناظم لأداء مجلس الشعب إلى نوعين أولهما يتعلق بآلية تشكيل المجلس , والقيود الخاصة بالجوانب المختلفة لهذا الأداء بأبعاده : البعد التشريعي والبعد الرقابي والبعد السياسي وفيما يلي نتناول هذه القيود بأنماطها المختلفة .

(أ) القيود الخاصة بآلية تشكيل المجلس.

(ب‌) يمكن الإشارة فيما يتعلق بالقيود النابعة من آلية تشكيل المجلس إلى نوعين أساسيين من هذه القيود :

القيود المتعلقة بقانون الانتخاب : عرفت مصر خلال الفترة منذ صدور الدستور الدائم في عام 1971 ثلاثة أنظمة مختلفة لانتخاب مجلس الشعب حيث أجريت الانتخابات الثلاثة الأولي في أعوام 1971 ,1976, 1979 بالنظام الفردي فيما أجريت الانتخابات الرابعة في العام 1984 بنظام القائمة الحزبية وأجريت الانتخابات الخامسة في العام 1987 بالنظام المختلط وبداية من العام 1990 تمت العودة مرة أخري للنظام الفردي ومنذ نحو العامين هناك جدل حول العودة إلى نظام القائمة الحزبية مرة أخري .

هذا التبدل أدي إلى شيوع حالة من عدم الاستقرار والثقة في النظام الانتخابي ومن ثم عدم تكريس نظام يتعود عليه فيه الناخبون لاختيار أعضاء مجلس الشعب وتطور كافة القوي السياسية أدائها في ظله .

والواقع أن النظام الفردي الذي تم تطبيقه خلال الانتخابات الثلاثة الأخيرة قد صاحبه تدهور في نسبة تمثيل المعارضة بالمجلس عكس ما كان عليه الوضع في ظل العمل بنظام القائمة الحزبية أو النظام المختلط على النحو الذي أضاف المزيد من الضعف للأحزاب

وتجد الحكومة صعوبات قانونية في العودة إلى العمل بهذين النظامين لأنه تم الحكم بعدم دستوريتهما وكذا تجد صعوبات سياسية في العمل بنظام القائمة المفتوحة لتفادي مشكلة تصاعد ظاهرة المستقلين في الحياة السياسية حيث ن هذا النظام وعلى الرغم من سلامته قانونيا إلا أنه يتيح الفرصة لكافة القوي السياسية أن تشكل القوائم الخاصة بها وهذا من شأنه أن يعطي الفرصة لقوي بعينها لا تريدها الحكومة لدخول الانتخابات .

ويدخل في نطاق القيود المتعلقة بقانون الانتخاب مشكلة الطعون الانتخابية حيث تثير هذه المشكلة جدلا كبيرا حول صحة عضوية الأعضاء وهو الأمر الذي يصب في اتجاه اهتزاز صورة المجلس لدي الرأي العام وتنبثق هذه المشكلة من نص المادة 93 من الدستور التي تقرر لمجلس الشعب اختصاص الفصل في صحة أعضائه وتقرر لمحكمة النقض التحقيق في صحة الطعون الانتخابية بعد إحالتها إليه من قبل رئيس المجلس وعادة ما تقرر المحكمة بطلان العضوية ولكن المجلس عادة ما يقر صحتها وهذا نص غريب والمطلوب تعديله على غرار ما أورده دستور 1930 والذي جعل الفصل في صحة الأعضاء من مهام جهة قضائية مستقلة .

شرط الخمسين في المائة للعمال والفلاحين يمثل هذا الشرط أحد المعوقات أمام عملية تفعيل دور المجلس ولقد تسلل هذا الشرط لأول مرة إلى الميثاق الوطني الصادر عام 1962 لأسباب تعلقت بطبيعة هذه المرحلة وتم النص عليه في دستور 1964 ومنه انتقل على الدستور الدائم لعام 1971 ويمارس هذا الشرط تأثيره على مستويين لأول خاص بقدرة هذا النوع من الأعضاء على التعامل مع تقنيات العمل البرلماني

وإذا كان البعض يرد على هذا الجانب بالقول بأن الوعي بالقضايا السياسية ليس مرتبطا بالضرورة بمستوي التعليم فإن المستوي الثاني لهذا التأثير يظل مشكلة حقيقية وهو الذي ينصرف إلى تناقض هذا الشرط مع عدالة تمثيل المجلس للمجتمع وهذه قضية جوهرية في ى مجلس نيابي الأصل فيه أنه يضمن التمثيل العادل لكافة فئات المجتمع .

والمشكلة الأكبر أن تعريف العامل والفلاح الوارد في القانون غير معبر عن العمال والفلاحين لأنه أباح الكثير من غير العمال والفلاحين أن يتسللوا إلى الأماكن المخصصة لهاتين الفئتين وحتى في الستينات وفي ذروة المد الاشتراكي في العهد الناصري لم يصل إلى مجلس أو إلى المناصب العليا في الاتحاد الاشتراكي في العهد الناصري لم يصل إلى مجلس الأمة أو إلى المناصب العليا في الاتحاد الاشتراكي عمال أو فلاحون حقيقيون

وفي هذا الإطار نجد أن الكثيرين من رؤساء مجالس الشركات الكبرى يعاملن معاملة العمال لأنهم بدأوا حياتهم عمالا أما بالنسبة للفلاحين فقد حدد القانون تعريف الفلاح بأنه من يقيم بالريف إقامة دائمة وتكون الزراعة مصدر رزقه الرئيسي وبشرط ألا يملك أكثر من عشرة أفدنة ومرة أخري استفاد أثرياء الريف من هذه المزية في الترشيح كفلاحين على الرغم من أنهم يشكلون أعيان القرى وقد أقدم بعضهم على التخلي عن بعض ملكيته الزراعية لكي يتمكن من تحقيق شرط العشرة أفدنة والتي تساوي في المتوسط أكثر منم نصف مليون جنيها وعادة من يملك العشرة أفدنة لا يعمل حقيقة في الزراعة ,

ومن ثم فهو لا يمثل الفلاحين ولذلك فإنه ليس من الغريب أن يقر المجلس وعلى الرغم من هذه النسبة الكبيرة من الفلاحين في المجلس والتي فاقت في بعض الفصول التشريعية الخمسين بالمائة عدد من القوانين يفترض أن تتعارض مع مصالح هاتين الفئتين مثل قانوني الإصلاح الزراعي وشركات قطاع الأعمال العام في 1991 و1992 وبأغلبية كبيرة .

وبالإضافة إلى هذا كله فإن نظام الحصص غير دستوري ويجب أن يتم تغييره على نحو ما تم بالنسبة للمرأة حيث كان قد خصص لها بعض المقاعد بالمجلس وتم العدول عن ذلك بعد الحكم بعدم دستوريته .

(ت‌) القيود الخاصة بالأداء:

تشمل هذه القيود كما سبقت الإشارة القيود المتعلقة بالجانب التشريعي وتلك الخاصة بالجانب الرقابي والقيود على الوظيفة السياسية للمجلس ونعرض فيما يلي لهذه القيود .

القيود الخاصة بالجانب التشريعي:

بالرغم من ن المادة 86 من الدستور تجعل السلطة التشريعية لمجلس الشعب , إلا أن المجلس لا يحتكر هذه الوظيفة حيث يعطي الدستور لرئيس الدولة محور النظام السياسي سلطات واسعة ولعل أخطر هذه السلطات المخولة لرئيس الدولة في وقت الضرورة وفي حالات الطوارئ والتي تتمثل بناء على تفويض من مجلس الشعب وحق الرئيس في إعلان حالة الطوارئ أما النوع الثاني فهو يتعلق بحق الرئيس في حل المجلس عند الضرورة وبعد استفتاء الشعب وقد تمكن استخدم هذا الحق ثلاث مرات في عام 1979 وعام 1984 , وعام 1987 .

ومن ناحية ثانية فإن اللائحة الداخلية لمجلس الشعب تفرض العديد من القيود على ممارسة المجلس لدوره التشريعي , فالمادة 140 تجعل إحالة مشروعات القوانين الواردة من الحكومة مباشرة إلى اللجنة المختصة بينما تنص المادة 163 على إحالة الاقتراحات بمشروعات القوانين للجنة الاقتراحات والشكاوي قبل عرضها على اللجنة المختصة وهو الأمر الذي يعطي ميزة لمشروعات القوانين على الاقتراحات بمشروعات القوانين وتؤكد خبرة أداء المجلس على أن معظم هذه الاقتراحات عادة ما يتم حفظها في لجنة الاقتراحات والشكاوي ولا تعرض على اللجنة المختصة .

وفيما يتعلق بموضوع الخطة والموازنة فإنه وفقا لنص المادة 115 من الدستور فإن المجلس " لا يجوز له أن يعدل مشروع الموازة أو الخطة إلا بموافقة الحكومة "

وبذلك فإن المجلس ليس له إزاء الخطة والموازنة إلا اعتمادها كما هي أو رفضها بحالتها وتضيف اللائحة الداخلية للمجلس المزيد من القيود على مهمة المجلس إزاء هذا الموضوع حيث تنص المادة 115 على عرض مشروع الموازنة قبل شهرين من بدء السنة المالية وهي مدة غير كافية للمناقشة وإعداد التقارير أما المادة 118 فتؤكد على عدم جواز تعديل المجلس للموازنة إلا بموافقة الحكومة .

القيود الخاصة بالجانب الرقابي: تتعدد القيود المفروضة على ممارسة أعضاء مجلس الشعب لدورهم الرقابي , ومن هذه القيود:

أن الأعضاء ووفقا لنص اللائحة في المادة 111 يمتنع عليهم ممارسة مهامهم الرقابية في تقديم الأسئلة والاستجوابات وطلبات الإحاطة قبل أن يقدم رئيس الوزراء بيان الحكومة وقد يتأخر هذا الإجراء على غرار ما حدث في دور الانعقاد الثاني من الفصل التشريع السابع حيث تأخر رئيس الوزراء في تقديم بيانه 46 يوما وهذا يعني تعطيل الدور الرقابي للمجلس ,

وقد أكدت المادة 189 من اللائحة الداخلية للمجلس على هذا الأمر حين قررت عدم جواز إدراج الأسئلة وطلبات الإحاطة والاستجوابات قبل عرض برنامج الحكومة ما لم تكن في موضوع له أهمية خاصة وعاجلة بعد موافقة رئيس المجلس وعلى الرغم من أن المادة 197 من اللائحة لا تمنع صراحة حق الأعضاء في استخدام طلبات الإحاطة العاجلة عن الأمور العامة والخطيرة حتى قبل تقديم برنامج الحكومة إلى المجلس

فإن السوابق البرلمانية لا تكرس هذا التقليد القانوني حيث حدث في دور الانعقاد الثاني من الفصل التشريع الماضي وفي الجلسة المعقودة بتاريخ 22 نوفمبر 1997 أن وافق رئيس المجلس على تخصيص الجلسة بالكامل لإلقاء بيانات عاجلة عن حادث الأقصر الإرهابي

ولم تكن الحكومة قد قدمت برنامجها بعد لكن وفي جلسة عقدت بعد ذلك بيومين أى في 24 نوفمبر رفض رئيس المجلس طلبا قدم من العضو محمود النجار بتقديم بيان عاجل حول السيول التي اجتاحت بعض المناطق في محافظة قنا وذلك تحت زعم أن البيان العاجل طبقا للائحة ليس إلا طلب إحاطة عاجل ولا يجوز تقديم طلبات المناقشة أو الأسئلة أو طلبات الإحاطة إلا بعد أن تقدم الحكومة برنامجها .

وهكذا يبين أن هذه الوسيلة الوحيد المتاحة للمجلس قبل أن تقدم الحكومة برنامجها يتم تسيسها بحيث تخض للتقدير الخاص لرئيس المجلس .

وتفرض اللائحة قيودا كبيرة على أداة الاستجواب التي تعد أهم الأدوات الرقابية للمجلس حيث أنه بالإضافة إلى نص المادتين 111 و185 تنص المادة 201 على أنه لا يدرج الاستجواب على جدول الأعمال إلا بعد سماع أقوال الحكومة فالحكومة هي التي تحدد موعد توجيه الاتهام وتهدر المادة 204 الاستجواب من خلال إعطاء الأولوية للانتقال إلى جدول الأعمال بما يمثل مصادرة على الاقتراحات الأخرى .

وإذا كنت المادة 126 من الدستور قد أكدت على أن الوزراء مسئولون أمام المجلس عن السياسة العامة الأمر قد ينتهي إلى طرح الثقة بهم فإن المادة 127 قد قيدت هذا الحق حيث جعلت لرئيس الدولة في حالة إقرار المجلس مسئولية الحكومة الحق في رد تقرير المسئولية إلى المجلس مرة أخري

فإذا أصر المجلس على موقفه جاز لرئيس الدولة أن يعرض موضوع النزاع على الاستفتاء الشعبي وإذا جاءت نتيجة الاستفتاء مؤيدة للحكومة اعتبر المجلس منحلا وإلا قبل الرئيس استقالة الحكومة وهكذا فإن المادة المذكورة تضع قيدا صارما على الإرادة المستقلة للمجلس يتمثل في فما ضرورة موافقة الرئيس على تقرير مجلس بمسئولية الحكومة أو ضرورة الاستفتاء حيث أن المادة نفسها تجعل عرض الأمر على الاستفتاء الشعبي من الحقوق الخاصة للرئيس , حيث يمكنه استخدام نص المادة 136 بعرض حل المجلس على الاستفتاء وهكذا فإن أقدام المجلس على ممارسة دوره الرقابي قد تنتهي به إلى الحل .

وبالإضافة إلى ذلك كله تكشف خبرة أداة المجلس عن محاولات الحكومة المستمرة لإفراغ الاستجوابات من مضمونها عن مناقشتها داخل المجلس حيث عادة ما توغر الحكومة لنوابها في المجلس بالتقدم بعدد كبير من الأسئلة وطلبات الإحاطة في نفس موضوع الاستجواب في الجلسة التي سوف يناقش فيها الاستجواب بحيث يتقاسم الجميع الوقت فيتقلص الوقت المخصص للاستجواب ويقوم هؤلاء النواب بما يسمي بـ " تبريد الجلسة " من خلال توجيه الشكر المبالغ فيه للوزير والإشادة بكفاءته على النحو الذي يتيح له تفادي اللوم الموجود في الاستجواب .

كما تقيد اللائحة حق استخدام أداة الاقتراح برغبة من خلال نص المادة 213 على عدم جواز تقديم اقتراح برغبة لأكثر من عشرة أعضاء وهذا لا يتفق مع شرط ارتباط الاقتراح برغبة بمصلحة عامة .

تضع اللائحة وفقا لنص المواد 185 , 194 , 195 سقفا لعدد طلبات الرقابة التي يقدمها الأعضاء حيث تنص على أنه لا يجوز أن يدرج العضو الواحد أكثر من ثلاثة أسئلة أو طلبات إحاطة أو استجوابات في الشهر الواحد.

وأخيرا فإن هناك أدوات معطلة مثل آلية الاستطلاع والمواجهة وقد أدت هذه القيود المفروضة على الدور الرقابي للمجلس إلى ضعف أدائه على هذا الصعيد كما هو الحال على الصعيد التشريعي وتؤكد الإحصاءات المتاحة في هذا الإطار هذا الضعف الذي يكتنف الوظيفة الرقابية للمجلس .

القيود الخاصة بالوظيفة السياسية : تناولت اللائحة الداخلية للمجلس ما أسمته " إجراءات سياسية وبرلمانية " ولم تنصرف إلى ممارسة وظيفة سياسية بالمعني المباشرون حيث يقتصر دور المجلس على الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية والاستمتاع إلى بيان الرئيس في الجلسة الافتتاحية لكل دور انعقاد وقد درجت الممارسة البرلمانية على اعتبار الوظيفة السياسية للمجلس متمثلة في مناقشة البرنامج السنوي للحكومة ومشروعي الخطة والموازنة.

ولكن لم تستخدم هذه الوظيفة كأداة للتأثير في التوجهات الرئيسية للسلطة التنفيذية أو وضع قيود على سياساتها العامة بل تكشف الممارسة العملية عن تطويع تلك الأدوات لتصبح بمثابة وسائل لإثارة النقاش وإعطاء الحكومة فرصا إضافية للترويج عنها , دون التعرض لقيود حقيقية من قبل المجلس.

وربما يكمن تفسير ذلك في غياب التوازن بين حزب الحكومة وسائر الأحزاب الأخرى فلا يتوقع أن يقوم الحزب الحاكم برفض سياسة حكومته وخلع الشرعية عنها وكذلك إلى طبيعة الثقافة السياسية السائدة في المجتمع وبين النخبة السياسية وأعضاء مؤسسة الحكم خصوصا وهي ثقافة تكرس علو السلطة التنفيذية وتخلق قيودا وضوابط داخل الفرد بألا يتجاوز تلك الحدود ومن هنا تنحصر الوظيفة السياسية في " الرد على البيان" ومناقشات الخطة والموازنة.

وفيما يتعلق بدور المجلس في شأن الرد على بيان الحكومة فإنه وفقا لنص المادة 133 من الدستور فإن رئيس الوزراء عليه أن يقدم إلى مجلس الشعب بعد تأليف الوزارة وعند افتتاح دور الانعقاد العادي للمجلس برنامج الوزارة " ويناقش " المجلس هذا البرنامج , وبذلك فإن المجلس لا يستطيع إزاء بيان الحكومة إلا المناقشة مما يجعل من مناقشات بيانات الحكومة فرصة إضافية للحكومة للإعلام عن سياساتها والدفاع عنها دون التعرض لقيود المجلس .

وهكذا فإنه على الرغم من أن مناقشة بيان الحكومة تتضمن تقييما سياسيا لأدائها ما يفترض من الناحية النظرية إمكانية قبوله أو رفضه فإن هذه المناقشة لا تعد وسيلة لتقدير مسئولية رئيس مجلس الوزراء أو سحب الثقة من الوزارة

حيث تقرر المادتان 126 , 127 من الدستور والمادتان 240 , 243 من اللائحة الداخلية لمجلس الشعب عدو جواز طلب سحب الثقة أو تقرير مسئولية رئيس مجلس الوزراء إلا بعد الاستجواب ويترتب على ذلك أن ممارسة أعضاء مجلس الشعب لحقهم الدستوري في الرد على برنامج الحكومة يكون مكفولا فقط في إطار حرية الرأي وتوجيه النقد دون أن تتطرق المناقشة إلى توجيه الاتهام والمساءلة السياسية للوزراء أو طلب سحب الثقة من الحكومة إذ أن ذلك لا يكون إلا باستجواب بعبارة أخري فإن الدستور لم يربط بين عدم موافقة المجلس على بيان الحكومة وضرورة استقالتها .

والمثير أن اللائحة الداخلية المؤقتة لمجلس الأمة الصادرة في عام 1964 عصر التنظيم السياسي الواحد قد حققت هذا الربط حيث نصت المادة 155 على أنه إذا عرض رئيس الوزراء لواثقة بالحكومة بمناسبة عرض برنامجه أو بمناسبة عرض أى بيان للحكومة عن السياسة العامة للدولة اعتبر قرار المجلس بعدم الموافقة على البرنامج أو البيان قرارا بعدم الثقة بالحكومة .

وفي ضوء هذه المعوقات المختلفة التي واجهت مجلس الشعب فإن المجلس لم يستطيع القيام بالدور المفترض أن يقوم به على المستويين التشريعي والرقابي في آن وكان ذلك الأمر تداعياته السلبية الكبيرة التي أضرت بإمكانات تفعيل عملية التحول الديمقراطي بل والمثير أن المجلس قد عرقل هذه العملية في كثير من الأحيان ومن ثم فإن تفعيل دور المجلسين لكي يقوم بدوره النيابي على الوجه الأفضل : تشريعها ورقابيا يظل مطلب حيويا من أجل تفعيل تلك العملية المتعثرة .

وعلى الرغم من أن مطلب تفعيل دور مجلس الشعب هو مطلب قديم فإن ثمة أسبابا إضافية قد طرحت هذه القضية بشكل ملح خلال الأعوام الأخيرة ويتمثل أبرز على القوانين .

تعثر مسايرة العمل البرلماني لمناخ العولمة وما يفرضه من شفافية في صنع لقرار وما يقترضه من حرية في الوصول إلى المعلومات فعلي سبيل المثال لا يستطيع سوي التليفزيون الرسمي نقل بعض الجلسات .

التطلع إلى أحداث تغيير هيكلي في الحياة السياسية يمس أول ما يمسه الأحزاب والبرلمان . وذلك في ضوء ما يقال من حين إلى آخر عن الاتجاه نحو حدوث تغيير ما .درجة عالية من السيولة حول مدي تمثيل المؤسسات السياسية للقوي والتوازنات الاجتماعية في المؤسسة التشريعية .

التأكل المستمر في الرصيد المعنوي والأدبي لأعضاء مجلس الشعب (فضائح بعض النواب) اهتزاز صورة المجلس على المستوي الإعلامي (ظاهرة غياب الأعضاء)

وفي سياق تصاعد الحديث عن أولوية حدوث إصلاح برلماني في مصر , أفرز الجدل الذي أثير في هذا الإطار اتجاهين أو سيناريوهين لعملية تفعيل دور مجلس الشعب سيناريو الحد الأقصى الذي يذهب إلى التأكيد على أن هذا التفعيل لابد أن ينطلق من القيام بعملية إصلاح هيكلي للنظام السياسي من خلال إجراء تعديل للدستور نفسه ويذهب أنصار هذا التوجه إلى أن المطلوب هو تفعيل السياق المجتمعي المحيط بالمجلس وبخاصة فيما يتعلق بالبعد القانوني المؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على أداء المجلس والقضايا المطروحة على أجندة هذه التوجه تنصرف إلى الأبعاد أو الإشكاليات الكبري لعمل المجلس من قبيل ترسيم دور البرلمان في النظام السياسي وتحقيق التوازن بينه وبين تغول السلطة التنفيذية.

سيناريو الحد الأدني ويركز أصحاب هذا الاتجاه على قضايا التطوير المؤسسي أو الفني الإجرائي لعمل المجلس مثل الاهتمام بتكنولوجيا المعلومات ومن ثم فهم يطرحون موضوع الإصلاح الجزئي لتفعيل دور المجلسين وهم يرون أنه بالإمكان تفعيل دور المجلس بعيدا عن المطالبة بالإصلاح الشمل وفيما يلي عرض لكلا الاتجاهين .

يذهب أنصار سيناريو الحد الأقصى إلى أن مرحلة الحلول المؤقتة لم تعد قادرة على انتشال النظام السياسي من أزمته أو حتى مساعدته على إدارة هذه الأزمة بحكمة ووعي ويؤكدون على أن المنطلق الذي يري أنه هناك إمكانية لتحسين أداء المجلس من خلال التركيز على نزاهة العملية الانتخابية وتصحيح الجداول الانتخابية وإعطاء سلطات أوسع للقضاء في إدارة هذه العملية أو حتى تغيير النظم الانتخابي نفسه من النظام الفردي إلى نظم القائمة هو منطق غير سديد حيث ن تفعيل دور المجلس يرتبط بالإطار الأوسع لبيئة النظام السياسي ويقترح أنصار هذا السيناريو حزمة من السياسات يتعين الأخذ بها بشكل متدرج ووفقا لجدول زمني ينتهي إلى تعديل الدستور تعديلا حقيقيا , وذلك على النحو التالي .

- إلغاء حالة الطوارئ فورا وتصفية الآثار التي ترتبت عليها .

- البدء في تشكيل لجنة من ممثلي الأحزاب والنقابات المهنية لبحث إجراء تعديل دستوري محدود يتضمن زيادة قدرة مجلس الشعب على رقابة الحكومة وضمان مسئولية الحكومة أمام المجلس وعدم حل المجلس بسبب خلافه معها أو عرض الحل على الاستفتاء وحق المجلس في تعديل الميزانية وإلغاء مواد الدستور التي تتيح للسلطة التنفيذية الهيمنة على السلطة القضائية بما يهدر استقلال هذه الأخيرة .

- ضمان الاستقلال المالي والإداري للسلطة القضائية ووضع قانون جديد لمحاكمة الوزراء .

- إلغاء قانون الأحزاب السياسية وجعل تكوين الأحزاب عن طريق الإخطار

- إطلاق حرية إصدار الصحف وتملك وسائل الإعلام المرئية والمسموعة.

- وهذه التعديلات يجب أن تكون مقدمة لتعديل الدستور لأن هذا التعديل لابد أن يأتي كنقطة نهاية لعملية تعديل قانونية شاملة وهو التعديل الذي يجب أن ينطلق من تحديد مبدئي لشكل النظام على النحو الذي يعيد ترسيم خطوط العلاقة بين السلطات .

- أما أنصار سيناريو الحد الأدنى فيذهبون أنصار هذا السيناريو إلى ن تفعيل دور مجلس الشعب لا يتطلب عملية إصلاح هيكلي وإنما تعديل بعض القوانين المتعلقة بالمجلس من حيث تشكيله وأدائه بالإضافة إلى تعديل لائحة المجلس ويؤكد هؤلاء أن العودة إلى الدستور توضح أنه لا حاجة ملحة للتعديل فيما يتعلق باختصاصات مجلس الشعب حيث يحتكر المجلس وظيفة التشريع خلا بعض الاستثناءات وله الحق المطلق في سحب الثقة من الوزراء ونواب رئيس الوزراء وتوجد بعض القيود على سحب الثقة من رئيس الوزراء مع إمكانية حدوث ذلك في حالة إصرار المجلس على موقفه ومن بين مجموعة القوانين المطلوب تعديلها .

- نسبة الـ 50 في المائة للعمال والفلاحين لأن نظام الحصص غير ديمقراطي أصلا فضلا عن أن تعريف العامل والفلاح الوارد في القانون غير معبر بالفعل عن هذه الطائفة على نحو ما أسلفنا .

- القانون الخاص بتفرغ مجلس الشعب فقد نص قانون المجلس على تفرغ الأعضاء لعضوية المجلس إذا كان العضو عند انتخابه من العاملين في الدولة أو القطاع العام ولكنه أجاز الاستثناء لبعض الفئات وقد أدي التوسع في هذا الاستثناء إلى إحداث ضرر كبير بالدور الرقابي للمجلس حيث وجد العضو المستثني نفسه يراقب رئيسه في العمل والمقترح في هذا الساق أن يتم إلغاء هذه الاستثناءات أو حصرها في أضيق نطاق لأن الأصل في الاستثناء إلا يتم التوسع فيه .

- القانون الخاص بتقسيم الدوائر الانتخابية حيث هناك دوائر يقطنها عدد كبير من السكان مقارنة بدوائر أخري مما ينجم عنه عدم عدالة في تمثيل الدوائر المختلفة والمقترح في هذا السياق أن يتم الالتزام برقم محدد من الناخبين يمثلهم نائب واحد.

- قانون الإدارة المحلية والمقترح هنا تعديل هذا القانون بما يضمن تنشيط دور المجالس المحلية على النحو الذي يخف من الأعباء الملقاة على عاتق أعضاء مجلس الشعب بسبب انشغالهم بالقضايا المحلية لكي يتفرغوا لمهامهم القومية .

- وفيما يتعلق بالإشكاليات النابعة من اللائحة الداخلية لمجلس الشعب فإن هذه اللائحة تحوي عدة إشكاليات كبيرة مطلوب علاجها عن طريق تعديلها وتتمثل تلك الإشكاليات فيما يلي .

- إشكالية التعامل مع اللائحة حيث أن اللائحة في شكلها الحالي معقدة ولا تيسر للنائب التعامل معها ومن ثم فإنها تعيقه عن ممارسة دوره .

- إشكالية التوازن بين المجلس والحكومة فللائحة تعطي مزايا نسبية واضحة للحكومة في مواجهة المجلس وبالتالي تتعارض مع فكرة الرقابة والتوازن بين السلطات وكمثال على ذلك نشير إلى نص المادة 201 الخاصة بوجوب سماع الحكومة لإدراج الاستجواب في جدول عمال المجلس .

- إشكالية التوازن بين الأحزاب والأعضاء : حيث نجد أن اللائحة بها قدر كبير من عدم التوازن في تمثيل الاتجاهات الحزبية في أجهزة المجلس كما هو الحال في اللجنة العامة ولجنة القيم واللجنة الخاصة للرد على بيان الحكومة .

- إشكالية تعسير الأعمال وتيسير الإبطال : تميل اللائحة إلى التيسير على الأعضاء في حالة التنازل عن مهامهم وتتشدد في حالة مباشرتهم لهذه المهام وعلى سبيل المثال فإن تقديم الاستجواب يتطلب إجراءات معقدة وفي المقابل يسهل التنازل عنه

- إشكالية جمود اللائحة : حيث نجد أن إجراءات تعديلها بمقتضي المادة 416 تتطلب إجراءات خاصة .

- وهناك أخيرا إشكالية السلطات الواسعة لرئيس المجلس : فقد منحت اللائحة لرئيس المجلس سلطات كبيرة يجب مراجعتها حتى يكون المجلس في مجموعة حكما على تطبيق اللائحة .

- وإذا كان أنصار هذا السيناريو يركزون في ناحية على تعديل بعض القوانين وتعديل اللائحة فإنهم يركزون من ناحية ثانية على أبعاد أخري خاصة بالجانب الإجرائي والتقني في أداء المجلس نفسه وفي هذا السياق فإن هناك حزمة من السياسيات المطلوب تنفيذها للارتقاء بهذا الأداء ومنها :

- تطوير نظام اللجان النوعية بالمجلس من خلال إعطائها الوقت الكافي لدراسة القوانين وجوانبها الدستورية لتلافي إشكاليات الرقابة على دستورية القوانين مع الاهتمام بتطوير تقارير اللجان خاصة فيم يتعلق بالاستعانة بالخبرات العلمية للإدلاء بدلوها في إعداد هذه التقارير حول القضايا الهامة.

- إعمال أحكام اللائحة في دراسة بيان رئيس الجمهورية الذي يلقيه في بداية كل دورة برلمانية وأن يتم تشكيل لجنة للرد على البيان نظرا لأهميته كخطة لقضايا العمل الوطني داخليا وخارجيا..

- الاهتمام بالمعلوماتية بالانفتاح على مراكز البحوث وبيوت الخبرة والمجتمع المدني والتدريب المستمر للعاملين بالمجلس لا سيما في قطاع البحوث والمعلومات .

- التزام رئاسة المجلس بمواعيد بدء الجلسات في مواعيدها وتطبيق أحكام اللائحة بالنسبة للمتغيبين من الأعضاء .

- وفي واقع الأمر فإن بعضا مما يطالب به أنصار سيناريو الحد الأدنى ينتهي إلى طرح أهمية عملية الإصلاح الشامل ما يعني أن حلول أنصار هذا التوجه ما هي إلا حلول مؤقتة لحين البدء في عملية إصلاح حقيقي للنظام السياسي.

ثالثا : مجلس الشوري

ظهرت فكرة تأسيس مجلس الشوري في منتصف العام 1979 , حين تقدم أكثر من ثلث أعضاء مجلس الشعب بثلاثة طلبات لتعديل بعض مواد الدستور وإضافة فصل جديد يحمل إسم مجلس الشوري, وقد شكل مجلس الشعب لجنة خاصة برئاسة الدكتور صوفي أبو طلب رئيس المجلس حينئذ للنظر في التعديل المقترح ووافق المجلس على التعديل في 19 يوليو ثم طرح التعديل على الشعب الذي وافق عليه في استفتاء عام في أكتوبر 1979 .

وقد أجريت الانتخابات الأولي للمجلس في 25 سبتمبر 1980 وعقد المجلس أولي جلساته في 8 نوفمبر من العام نفسه .

وتحددت اختصاصات المجلس في ضوء أحكام المادتين 194, 195 من الدستور وتنص المادة 194 على أن يختص مجلس الشوري بدراسة واقتراح ما يراه كفيلا بالحفاظ على مبادئ ثورتي 23 يوليو و15 مايو 1971 ودعم الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي والمكاسب الإشتراكية والمقومات الأساسية للمجتمع وقيمه العليا والحقوق والحريات العامة وتعميق النظم الاشتراكي الديمقراطي وتوسيع مجالاته وتنص المادة 195 على أن يؤخذ رأي المجلس فيما يلي .

- الاقتراحات الخاصة بتعديل مادة أو أكثر من الدستور

- مشروعات القوانين المكملة للدستور .

- مشروعات الخطة العامة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية .

- معاهدات الصلح والتحالف وجميع المعاهدات التي يترتب عليه تعديل في أراضي الدولة أو التي تتعلق بحقوق السيادة .

- مشروعات القوانين التي يحيلها إليه رئيس الجمهورية .

- ما يحيله رئيس الجمهورية إلى المجلس من موضوعات تتصل بالسياسة العامة للدولة أو سياساتها في لشئون العربية أو الخارجية.

- وفي الواقع فإن مجلس الشوري على غرار مجلس الشعب لم يقم كمجلس نيابي – الدور المطلوب منه في دعم عملية التحول الديمقراطي وذلك بسبب طبيعة نشأة المجلس الذي لم يقصد منها أن يكون مجلس نيابي حقيقي وعلى غرار ما تقوم به المجالس الثانية في النظم السياسية التي تعمل وفقا لقاعدة الازدواج البرلماني وهو الأمر الذي أدي إلى وجود نوع من الضبابية وعدم التحديد في المهام المنوطة به في النظام السياسي وتتمثل أهم القيود المفروضة على مجلس الشوري فيما يلي .

- (1) القيود الخاصة بظروف النشأة:

جاءت نشأة مجلس الشوري في سياق ظروف خاصة بدأ يواجهها المجتمع المصري منذ منتصف السبعينات تمثلت أهمها فيما يلي :

تصاعد حركات الرفض الإسلامي بظهور العديد من الجماعات المتطرفة التي حملت فكرا شديد الخطورة على وحدة وتماسك المجتمع .

- أحداث 18,19 يناير واصطدام الحكومة مع القوي الشيوعية .

- توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل في مارس 1979 وما نجم عنها من رفض عارم للتطبيع وسياسات التقارب مع إسرائيل .

- ظهور بوادر الفتنة الطائفية والتي بلغت ذروتها في أحداث سبتمبر 1981 .

وقد كان تأسيس المجلس محاولة لتحقيق هدفين : أولهما , توفير الكفاءات اللازمة لدراسة المشاكل المنبثقة عن هذه المتغيرات ومحاولة إيجاد الحلول وثانيهما تحقيق تمثيل كاف لكافة الفئات الاجتماعية على النحو الذي يجعل من المجلس كما قيل مجلسا للعائلة المصرية ولهذا فقد نص الدستور على أن يقوم الرئيس بتعيين ثلث أعضاء المجلس لتحقيق هذا التمثيل الذي قد لا يأتي عن طريق الانتخاب .

والواقع أن الرؤية إلى انبثقت عنها فكرة المجلس لم تكن بهدف إلى دعم الحياة البرلمانية بقدر ما كانت محاولة للم الشمل بعد الهزة التي شهدها المجتمع حينئذ وفي هذا الصدد تم إسناد ملكية الصحف للمجلس باعتبارها ملكا للشعب وقد اتضحت هذه الرؤية من خلال الطريقة التي تشكل بها المجلس , وهي الطريقة التي حرصت على ضم كل رموز المجتمع وممثلين عن قواه الأساسية فعقب الإعلان عن تأجيل الانتخابات الأولي للمجلس في عام 1980 أعلن الرئيس السابق السادات أن أول من سيعين بالمجلس هو شيخ الجامع الأزهر الشريف وقداسة الباب شنودة .

الثالث وقد أجريت الانتخابات في 25 سبتمبر وكان من بين المعينين 9 من الأقباط و4 سيدات .

(2) القيود المنبثقة عن عدم وضوح الاختصاصات

يفترض أن يقوم أى مجلس نيابي – سواء كان المجلس الأول أو الثاني في الدول التي تعمل بنظام المجلسين – بمهام تشريعية ورقابية ولكن في حالة مجلس الشوري فقد جاءت هذه المهام فقيرة وغير محددة المعالم في معظمها بشكل لا يتسق مع فرضية أن يكون المجلس نيابيا بمعني الكلمة.

ففيما يتعلق بالاختصاصات التشريعية للمجلس , فقد جاءت هذه الاختصاصات فقيرة وغير محددة المعالم حيث أن ما جاء في نص المادة 194 من مهام للمجلس غير محدد ونص المادة 195 هو الآخر غير واضح ثم إن ما أورده هذا النص من مهام للمجلس قد تم حصرها في مجرد الاستشارة حيث أن منطوق هذه المادة يقول " يؤخذ " رأي المجلس وليس هناك ما يضمن مراعاة هذا الرأي .

أما فيم يتعلق بالمهام الرقابية التي وكلت للمجلس فقد جاءت واضحة لكنها في المقابل جاءت محدودة حيث تنص المادة 201 من الدستور على أن الحكومة غير مسئولة أمام مجلس الشوري .

ووفقا لنص المادتين 129 , 130 من الدستور فإن لمجلس الشوري وسيلتين فقط للرقابة على الحكومة فصلتهما المادتين 102 , 111 ومن اللائحة الداخلية للمجلس أما الوسيلة الأولي فهي طلب المناقشة العامة التي نصت عليها المادة 129 من الدستور حين قررت أنه يجوز لعشرين عضو من مجلس الشعب وبالمثل أعضاء مجلس الشوري طرح موضوع عام للمناقشة لاسيتضاح سياسة الوزارة بشأنه وتبادل الرأي فيه ,

وتنص المادة 102 من لائحة مجلس الشوري على ذلك , وطبق للمادة لنص المادة 103 من هذه اللائحة فإن مكتب المجلس يدرج الطلب في أول جلسة تالية لتقديمه ويجوز بناء على طلب الحكومة مناقشته في الجلسة التي قدم فيها وتتمثل الوسيلة الثانية في الاقتراح برغبة وفقا لنص المادة 130 من الدستور والتي تنص على أنه يجوز لأعضاء مجلس الشعب وبالمثل لأعضاء مجلس الشوري إبداء رغبات في موضوعات عامة إلى رئيس مجلس الوزراء أو أحد نوابه أو الوزراء وقد نظمت المادتان 107 و111 من لائحة المجلس هذه الوسيلة.

(4) القيود الخاصة بآلية تشكيل المجلس:

وتتمثل هذه القيود في عدة جوانب هي : نظام انتخاب أعضاء المجلس الذي تتمتع بحالة من عدم الاستقرار في ضوء التقلب الذي عرفته الحياة السياسية بين أكثر من نظام انتخابي وكان السبب في الحكم بعدم دستورية انتخابات مجلس الشعب مرتين في عام 1984 و1987 بسبب العمل في الانتخابات الأولي بنظام القائمة الحزبية الذي لم يتح الفرصة للمستقلين لدخول العملية الانتخابية وبسبب عدم تكافؤ الفرص بين المرشحين المستقلين والمرشحين الحزبين في ظل ما أطلق عليه النظام المختلف في انتخابات عام 1987 حيث تم تخصيص مقعد واحد للمستقلين في كل دائرة وذهبت المقاعد الأخرى لصالح المرشحين الحزبيين .

وهناك المشكلة الخاصة بأسلوب تقسيم الدوائر الانتخابية حيث تتميز الدوائر الانتخابية لأعضاء مجلس الشوري المنتخبين ونسبتهم الثلثين من إجمال المجلس , بالاتساع الشديد بما يساوي حجم دائرتين أو أكثر من الدوائر الانتخابية لمجلس الشعب ما يخلق مشكلة أمام المرشحين ثم من ينتخب لاحقا في التواصل مع أبناء الدائرة وقد شهد هذا الموضوع جدلا كبيرا في أوقات مختلفة وطرحت أراء كثيرة حول ضرورة وشكل التقسيم الجديد المقترح للدوائر الانتخابية لمجلس الشوري ولكن انتهي الأمر إلى إبقاء الحال على ما هو عليه.

وأخيرا هناك المشكلة الخاصة بنظام تعيين ثلث أعضاء المجلس صحيح أن المجلس الثاني في الدول التي تعمل وفقا لنظام المجلسين عادة ما يكون به نسبة تتفاوت من حالة إلى أخي من المعينين وفي أحيان أخري يكون أعضاء المجلس الثاني كلهم بالتعيين إلا أن تنامي دور مجلس الشوري كما حدث خلال الفترة منذ تأسيسه وخاصة خلال الفترة منذ عام 1989 وحتي الآن وما هو مطروح حاليا من إعطاء المجلس دورا أكبر في الحياة السياسية يتطلب إعادة النظر في هذه النسبة.

وفي الواقع فإنه وبسبب هذه القيود المفروضة على المجلس فإن دوره في النظام السياسي كان ضعيفا وقد تجلي هذا الضعف في مؤشرين هامين أولهما ,عزوف الناخبين عن المشاركة في انتخابات المجلس وعزوف الأحزاب السياسية عن هذه المشاركة أيضا ففي انتخابات المجلس الأولي عام 1980 وانتخابات التجديد النصفي له في عام 1983 لم تتعد نسبة مشاركة الناخبين 50 بالمائة وفقا للتقديرات الرسمية التي عادة ما تغالي في تقدير مثل هذه النسب .

وقد ساهم في إذكاء سلبية الموطنين تجاه المجلس مقاطعة أحزاب المعارضة انتخاباته وهي المقاطعة التي استمرت حتى عام 1989 .

وفي الحقيقة فإن مجرد وجود المجلس نفسه قد ظل إبان العقد الأول لتأسيسه غير ملموس ولكنه خلال الفترة منذ 1989 , 1992 تفاعل من خلال النقاش الذي تم تركزي الأضواء مع بعض القضايا التي شغلت المجتمع حينئذ وبخاصة قضية الإرهاب وبفعل ذلك بدأ يكتسب المجلس بعض مبررات الوجود بعد أن كانت الأسئلة حول جدوى وجوده لا تنقطع وبدأت تطرح مسألة ضرورة إعطاء المجلس اختصاصات أكبر وقد كان هذا المطلب محل نقاش كبير من قبل الحوار الوطني الذي عقد في صيف 1994 واستمر هذا المطلب في دائرة الاهتمام حتى أعلن الرئيس مبارك في الجلسة الافتتاحية لدور انعقاد المجلس السادس عشر في 24 يونيو 1995 أنه لا تفكير إلا في منح المجلس مهام تشريعية .

والمثير حقا أن مجلس الشوري الذي أراده السادات مجلسا للعائلة المصرية ما يعني شموله ممثلين عن التيارات السياسية المختلفة قد ووجه بإعراض من قبل أحزاب المعارضة كما سبق القول ففي انتخابات 1980 قاطعت كل هذه الأحزاب العملية الانتخابية ولم يشذ عن هذه القاعدة سوي حزب الأحرار الذي خاض الانتخابات في 12 دائرة بـ 122 مرشحا لم يفز أيا منهم وفي انتخابات 1983 استمرت أحزاب المعارضة على موقعها بل ونجحت في إقناع حزب الأحرار الذي رفض طلبه بمنح المجلس صلاحيات تشريعية بمقاطعة الانتخابات .

وقد تمثلت أسباب مقاطعة المعارضة لانتخابات المجلس في سببين أساسيين هما ضآلة الصلاحيات المعطاة للمجلس والنظام الانتخابي للمجلس الذي قام على أساس القائمة الحزبية المطلقة التي قضت المحكمة الدستورية العليا ببطلانه لأنه يحرم المستقلين من خوض الانتخابات وفي 23 أبريل 1989 صدر قرار جمهوري بحل المجلس وتم تعديل النظام الانتخابي إلى النظام الفردي وهو ما كان دافعا لأحزاب المعارضة لخوض الانتخابات التالية التي جرت في يونيو 1989

وتجعل هذه المحدوية في دور مجلس الشوري في النظام السياسي من قضية تفعيله قضية جوهرية , والواقع أنه هناك وجهتي نظر حول وجود المجلس أصلا باختصاصاته الراهنة وجدوى هذا الوجود.

وجهة النظر المعارضة للمجلس يري أنصار هذا الاتجاه أن المجلس ليس له سلطات حقيقية وأن دوره تقوم به أجهزة أخري قائمة بالفعل وهي المجالس المتخصصة وأن وجوده فيه يهدر نفقات مالية باهظة وأن تكوينه ليس ديمقراطيا مائة بالمائة حيث يتم تعيين ثلث أعضائه وهؤلاء يطالبون بإلغاء المجلس .

- وجهة النظر المؤيدة للمجلس وأنصار هذا التوجه يؤكدون أهمية وجود المجلس وحجبهم أ، :

- المجالس القومية المتخصصة لا تتشابه مع المجلس في الوظيفة أو التكوين أو الدور السياسي ولكنهما يكملان بعضها البعض ووجود هذه المجالس تفرضه الاعتبارات الفنية لتطوير دور الدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية التي ربما لا تتوافر لدي رجال السياسة .

- مجلس الشوري سلطة دستورية لها دور في النظام السياسي مهما كان حجمه على خلاف المجالس القومية المتخصصة التي تعد جزء من السلطة التنفيذية

- وجود مجلس الشوري في النظام السياسي يوسع قاعدة المشاركة السياسية ويفيد في تنشيط الحياة السياسية من خلال ما يقوم به من دور مكمل لمجلس الشعب في العملية البرلمانية ويضم المجلس كفاءات يمكن الاستعانة بها لتطوير هذه العملية .

- ولعل الرأي الثالث في هذا الجدل هو الأكثر منطقية وهو الذي ينادي بتدعيم دور المجلس فأنصار هذا الرأي ليسوا مع إلغاء المجلس أو بقائه باختصاصاته الحالية وهم يطالبون بعدة اقتراحات أبرزها :

- تعديل المادة 86 من الدستور التي تقصر سلطة التشريع على مجلس الشعب وحده .

- وضع نصوص الدستور المتعلقة بمجلس الشوري في الفصل الثاني الذي تناول السلطة التشريعية بدلا من تخصيص الفصل السابع للحديث عن المجلس كما هو الوضع الحالي .

خاتمة

لم يستطع أى من مجلس الشعب أو الشورى المساهمة في دفع عملية التحول الديمقراطي المتعثرة في مصر عن طريق الدور المفترض أن يقوم به كل منهما وبخاصة مجلس الشعب في هذا الإطار سواء كان هذا الدور

مباشرا أى عن طريق إعادة صياغة الإطار القانوني بما يفتح الباب أما هذا التحول أو غير مباشر أى عن طريق تدعيم عملية التنشئة السياسية أو ضبط الصراعات بين التيارات السياسية المختلفة وقبل كل هذا وذاك لم يستطع أيا منهما التعبير بأمانة عن عنصر الإرادة العامة التي هي في الأصل أساس فكرة تشكيل المجالس النيابية .

وقد كن هذا الفشل بسبب القيود الشديدة المفروضة على المجلسين سواء كانت هذه القيود نابعة من السياق المجتمعي للنظام السياسي نفسه بشكل عام أو من النظام الحاكم لعمل المجلسين بشكل خاص .

ويبدو من المثير حقا أن كلا المجلسين لم يفشلا فقط في دفع عملية التحول الديمقراطي بل إنهما قد ساهما في بعض الأحيان في عرقلة هذا التحول من خلال سن قوانين تضييق من أفق حريات الرأي والتعبير والتنظيم وأبقيا على قوانين أخري موروثة من العهود السابق بما تحمله ن معوقات شديدة في سبيل التحول الديمقراطي .

وبالنظر إلى أهمية الدور الذي يمكن أن يقوم به كلا المجلسين وبالذات مجلس الشعب فإن البحث عن آليا تفعيل دورهما يبدو أمرا ملحا .

وفي واقع الأمر فإن التفعيل المطلوب لمجلس الشعب والشورى في عملية التحول الديمقراطي لا يمكن أن يتم إلا على مستويين متوازيين المستوي الأول خاص بإصلاح النظام السياسي ككل حيث أنه لا معني بل ولا إمكانية لتفعيل جزئي لدور المجلسين بشكل منفصل عن باقي هياكل وأجهزة النظام السياسي

والمستوي الثاني خص بإصلاح نظام عمل كلا المجلسين وهذا المستوي يظل بديهيا مرتبط في كثير من أبعاده بحدوث الإصلاح على المستوي الأول وإن كان في الإمكان القيام بعملية تفعيل جزئي لأداء كلا المجلسين بشكل يرتقي إلى حد ما بالعمل البرلماني في انتظار عملية إصلاح هيكلي لا تنهض فقط بدور البرلمان وإنما بكافة مؤسسات النظام السياسي وذلك على النحو الذي يمكن من دفع عملية التحول الديمقراطي إلى الأفاق المرجوة

الفصل الرابع: موقع الأحزاب السياسية في التطور الديمقراطي: الأزمة وإمكانات تجاوزها

د. وحيد عبد المجيد

لا يحتاج إثبات أزمة الأحزاب السياسية في مصر كما في مختلف البلاد العربية التي تشهد تطورا ديمقراطيا إلى برهان فمظاهرها أكثر وضوحا من أن تحتاج البحث عنها كما أن قياداتها أصبحت أكثر استعدادا للاعتراف بوجودها بعد أن كانت تميل إلى التقليل منها وإن ظلت تنزع إلى تحميل القيود المفروضة عليها بموجب الإطار القانوني الذي ينظم الحية السياسية .

وبالرغم من أن هذه القيود لعبت دورا " تأسيسيا" في إرباك الأحزاب السياسية وبالتالي خلق الأزمة التي تفاقمت مع الوقت يظل من الصعب تصور إمكان وصول هذه الأزمة إلى ما وصلت إليه بعد ربع قرن على التحول من الواحدية السياسية إلى التعدد الحزبي في مصر بدون اختلافات جوهرية في بناء الأحزاب وطريقة تسييرها .

فما هي أهم مصادر الأزمة التي نجد في معظم فصول هذا الكتاب إشارات إلى مظاهرها وهل يمكن الخروج منها وكيف هذا هو ما نحاول مناقشته دون أن نقف طويلا أمام مظاهر الأزمة التي ترد إشارات عديدة إليها في فصول أخري من الكتاب .

أولا : مصادر أزمة الأحزاب

تنبع الأزمة التي تكبل حركة الأحزاب السياسية في مصر كما في غيرها من البلاد العربية التي تعرف نظما تعددية مقيدة من مصدرين رئيسيين أحدهما موضوعي يتعلق بطابع النظام السياسي والبيئة التي تعمل فيها هذه الأحزاب والآخر ذاتي يتصل بالاختلالات الداخلية فيها بناء وتسييرا وأداء .

(1) بيئة الأحزاب كمصدر لأزمتها:

تختلف أوضاع الأحزاب السياسية في الدول الديمقراطية عنها في البلاد التي تمر في رحلة تطور ديمقراطي أى انتقال من الحزب أو التنظيم السياسي الواحد في إطار نظم تسلطي إلى النظام الديمقراطي ففي مرحلة التطور الديمقراطي يظل التعدد الحزبي محكوما من أعلي بدرجة أو بآخري في إطار انفتاح سياسي يفترض أن يزداد معه الوقت ولكن ازدياد هذا الانفتاح لا يتوقف على السياسة التي يتبعها نظام الحكم فقط وإنما على أداء الأحزاب السياسية بدورها .

فيتسم نظام الحكم في هذه المرحلة باستعداد للانفتاح ولكن هذا الاستعداد يبقي محدودا ما لم يحدث تفاعل إيجابي بينه وبين الأحزاب السياسية المعارضة فإذا افتقدت التجربة هذا النوع من التفاعل يميل نظام الحكم إلى إطالة مرحلة الانتقال التي يتحول فيها من النمط التسلطي المعلق إلى نمط تسلطي مفتوح ومن نظام أحادي مغلق إلى نظام تعددي مقيد.

ويقتضي الأمر هنا وقفة منهجية سريعة مع النمط التسلطي في النظم السياسية وأهم سماته كي نفهم كيف بدأت عملية التطور الديمقراطي في بلاد عربية عدة من بينها مصر .

فلم يعرف العالم العربي النمط الشمولي الذي شهدته الدول الشيوعية إلا في حالة واحدة هي اليمن الجنوبية السابقة ولكن كان هذا العالم مصنعا للنمط التسلطي .

وبالرغم من أن معظم علماء السياسة ودراسيها يعتبرون النمط الشمولي أكثر قسوة وأشد جذرية في إهداره لمقومات الحرية لأنه لا يترك أى مساحة خارجة عن إطاره أو أى حيز خاص يتنفس فيه الناس فقد ثبت أن النمط التسلطي يترك أثرا أخطر وأفدح في المجتمع .

فالنمط الشمولي الذي يميز تمييزا صارما بين " رجاله " الذين ينضوون تحت لواء حزبه الواحد أو المهيمن وغيرهم يشترط في من يلتحق به التزاما كاملا ويمتلك آليات منظمة للتجنيد السياسي أى يضع قواعد النظام الشمولي غير ديمقراطية فهي أفضل من غياب القواعد بما يؤدي إليه من عشوائية وافتقاد للإتجاه كما أن وجود قواعد أيا يكن نوعها يقلل مستوي الفساد السياسي الذي ثبت أنه يصل إلى ذروته في النمط التسلطي ليطفح على المجتمع برمته ويشمل الكثير من المثقفين ويمتد إلى السياسيين الذين لا يلتحقون بالنظام إما لأنهم يرفضونه أو لكونه يستبعدهم .

وهذا يفسر لماذا يكون معارضو النظام الشمولي أقل عرضة للإفساد مقارنة بنظرائهم في النظام التسلطي وأكثر قدر على تشكيل معارضة تتسم بالمصداقية بالرغم من أن القمع يكون في النظام الشمولي أشد منه في النظام السلطوي غالبا .

وأهم ما يميز النظام التسلطي هو قدرته على التجدد وإعادة إنتاج نفسه في الوقت الذي لا يمتلك النظام الشمولي القدر نفسه من المرونة وسجل النظام التسلطي في العالم العربي نجاحا قياسيا في هذا المجال منذ منتصف سبعينات القرن العشرين حين بدأت تحولات متفاوتة ومتنوعة في اتجاه الانفتاح السياسي الذي أتاح له الصمود أمام رياح الديمقراطية التي هبت على العالم في العقد الأخير في ذلك القرن عكس النظام الشمولي الذي عصفت به هذه الرياح وانهار في بلاد كثيرة.

ويعني ذلك أن الاتجاه الذي غلب في فترة سابقة على حقل النظم المقارنة واعتبر النظام التسلطي بمثابة نمط انتقالي بين الشمولية والديمقراطية لم يكن صائبا وهو اتجاه تبناه عدد لا بأس به من علماء السياسة الغربيين مثل ايوجين ميهان في دراسته عن ديناميات الحكومة الحديثة وكولمان في دراسته عن النظم السياسية في المناطق النامية ضمن الكتاب الذي شارك في تحريره مع ألموند وأوروسيكين في مقدمته لعلم السياسة .

فقد ثبت أن النظم التسلطي يمكن أن يستوعب عوامل التغيير التي تدفع في اتجاه الدمقرطة عبر انفتاح سياسي جزئي يجعله نمط قائما بذاته لفترة غير قصية وليس نمطا انتقاليا عندما يحدث الانفتاح السياسي يبدأ التطوير الديمقراطي الذي يستغرق في العادة وقتا طويلا .

ويوضح الجدول رقم ( 1) مقارنة سريعة بين النمط التسلطي المغلق والمفتوح
أوجه المقارنة النمط التسلطي المغلق النمط التسلطي المفتوح
النظام الحزبي نظام حزب واحد أو نظام لا حزبي حظر إنشاء أحزاب سياسية أو السماح ببعضها وإدماجها في كيان يهيمن عليه الحزب الحاكم. تعدد حزبي محكوم من أعلي قيود على تأسيس لأحزاب وعلى أنشطتها .
الانتخابات غير تنافسية تجري بين مرشحي الحزب الواحد أو من يجيز هذا الحزب ترشيحهم من المستقلين أو بين مرشحين مقبولين من نظام الحكم في حال عدم اعتماده على قاعدة حزبية .لا تتوفر حرية التصويت وتكون النتائج معروفة سلفا شبه تنافسية ويتوقف مدي التنفس على الضمانات الانتخابية التي لا تتوفر غالبا . تجري بين مرشحين لأحزاب متعددة ومستقلين في معظم الأحيان تتأثر حرية التصويت بالقيود والضغوط وأعمال التزوير فوز الأحزاب الحاكم محسوم سلفا .
المشاركة السياسية محدودة تتحكم فيها آليات التعبئة متأثرة بعدم ثقة الناخبين في جدواها تزداد جزئيا في البداية ثم تتراجع وتظل خاضعة لمؤثرات الترهيب والترغيب وافتقاد الثقة
النظام الإعلامي سيطرة كاملة عليه استثناء الصحافة من السيطرة وتمتعها بقدر واسع من الحرية
الهيئة التشريعية أداة شكلية للموافقة الآلية تظل أداة شكلية للموافقة لكنها تصبح ساحة للتفاعل وتتردد فيها بعض أصداء الجدل العام عندما يوجد تمثيل للمعارضة فيها .
النظام القضائي يفتقد للاستقلال بدرجات متفاوتة تصل في ذروتها إلى الإلحاق التام . ضعف التكوين وهشاشة البناء

(أ) ضعف التكوين وهشاشة البناء

لا تعتبر مصر من البلاد حديثة العهد الظاهرة الحزبية فقد عرفت هذه الظاهرة بمعناها الحديث منذ ما يقرب من قرن كامل من الزمن بل شهدت مقدمات لها منذ سبعينات القرن التاسع عشر .

غير أن التعددية الحزبية لم يقدر لها أن تحقق التراكم الضروري كي تنضج وتترسخ وكان الانقطاع الذي حدث في هذه التعددية بعد ثورة 1952 مؤثرا بعمق عليها وظهر هذا الأثر واضحا عندما بدأ التحول إلى التعددية مجددا في منتصف سبعينات القرن العشرين فلم يكن ما حدث بعد الثورة مجرد انقطاع بل تدمير منظم لمقومات التعددية في المجتمع الذي أعيد تشكيله على أساس أحادي ليس فقط في السياسة

ولكن أيضا في الثقافة والفكر فضلا عن طريقة التفكير فقد تم تفريغ مفهوم الشعب من مضمونه الحقيقي باعتباره أفرادا في مجتمع يتفاعلون تفاعلا حرا ينتج عنه خلاف بين اتجاهات وتيارات وفئات متباينة وتحويله إلى معني مجرد يتسم بالشمول ويجري باسمه فرض اتجاه واحد محدد على المجتمع .

كما تم استخدام حاجة المجتمع إلى التنمية والعدالة ذريعة للإجهاد على التعددية السياسية والفكرية ورسم أبشع صورة لها إذ جري تصويرها كما كانت هي بالضرورة الإطار الذي يحدث فيه الاستغلال وينتشر عبرة الفقر وحفل الميثاق الوطني الصادر عام 1962 بتعبيرات من نوع الواجهات الدستورية الخادعة وديمقراطية الرجعية , وديمقراطية القلة المستغلة , ومهزلة الديمقراطية وفقدان حق التصويت لقيمته ..

وطح الميثاق مفهوم تحالف قوي الشعب العامل , وأعطاه معني شموليا مناقضا للتعددية وعبر عن هذا المعني بوضوح عندما قال أن ( الوحدة الوطنية التي يصنعها تحالف القوي المكونة للشعب العامل هي التي تستطيع أن تقيم الاتحاد الاشتراكي العربي ليكون السلطة الممثلة للشعب والدافعة لإمكانيات الثورة والحارسة على قيم الديمقراطي السلمية)

وهكذا تم فرض تنظيم سياسي وحد على مجتمع كان شديد الحيوية بتعدديته التي كانت مبشرة في أواخر أربعينات القرن العشرين بتطور يضع مصر في مصاف الدول الديمقراطية ولكن هذا التطور تعرض إلى إجهاض الحق ضررا فادحا بالتعددية ليس فقط لأنه حال دون استمرار تطورها ولكن لأنه دمر المقومات الأساسية اللازمة لوجودها أصلا وقد حدث ذلك في بلاد عربية أخري عرفت تعددية سياسية بدورها مثل سوريا والعراق.

وبالرغم ن أن عملية تدمير مقومات التعددية في مصر اشتملت على تغيب مفهوم الحزب السياسي عبر الاستغناء عن حزب حاكم وإقامة تنظيم فضفاض هو الاتحاد الاشتراكي بخلاف ما حدث في سوريا والعاق تظل المحصلة واحدة تقريبا صحيح أننا لا نعرف بعد ما إذا كان المجتمع السوري والعراقي قادرين في المستقبل على إعادة إنتاج التعدد الحزبي الفاعل الذي عجز المجتمع المصري عنه ولكن الأرجح أنهما سيواجهان المشكلة نفسها وربما أكثر منها وخصوصا في حالة العراق التي وصل فيها القمع إلى مستوي أعلي نوعيا وليس فقط كميا .

فلدينا حالة أخري لم يتم فيها تغييب مفهوم الحزب وهي تجربة تونس التي حكمها في المرحلة الأحادية الحزب الاشتراكي الدستوري ولكن ما زال المجتمع التونسي عاجزا عن إنتاج تعدد حزبي حقيقي بعد ما يقرب من ربع قرن على الانتقال إلى هذا التعدد .

ولعل أهم ما ترتب على تدمير مقومات التعددية في مصر وبلاد عربية أخري هو ضعف تكوين النخبة السياسية والثقافية فما أن بدأ الانتقال نحو التعددية المقيدة حتى تبين أن هذه النخب أضعف من أن تحمل على كاهلها أعباء بناء نظام تعددي قادر على النمو والتطور بدت هذه النخب عاجزة عن المبادرة والفعل المؤثر وأسيرة ردود فعل غلب عليها الطابع الانفعالي والعشوائي الأمر الذي أدخل التعددية الوليدة في أزمات مبكرة

كما ظهر أن هذه النخب تعاني من محدودية المعرفة العامة في عصر لم يعد العمل الحزبي فيه خطبا عصماء وشعارات منمقة لم تكن هذه النخب مؤهلة لبناء أحزاب قادرة على تقديم برامج وطرح سياسات محددة بديلة قابلة للتطبيق وتكوين كوادر على مستوي مرتفع من المعرفة ولم تكن مدركة أن الأحزاب الفاعلة في البلاد الديمقراطية تعتمد على قواعد معلومات واسعة ومراكز أبحاث متطورة ومتابعة دقيقة لما يحدث حولها في مجتمعها وفي العالم .

وبطبيعة الحال كن هناك المؤهلون لذلك والقادرون عليه في مختلف الأحزاب السياسية المصرية ولكنهم كانوا إما أقل عددا أو أضعف نفوذا واستسلموا سريعا فاستقال معظمهم واحتفظ من لم يستقيلوا بآرائهم لأنفسهم وكلما حاول " قادمون جدد" إلى الأحزاب إصلاح ما يمكن إصلاحه فيها وجدوا الطريق مغلقا وأدركوا أن محاولة فتحة تحتاج إلى نضال طويل غير مضمونة نتائجه وقد يؤدي إلى صدام يعرض الحزب إلى خطر حله أو تجميد نشاطه فقعدوا عن المحاولة .

وليس فقط التكوين المعرفي للنخب الحزبية هو الذي يعاني ضعفا شديدا فكذلك الحال بالنسبة إلى التكوين الأخلاقي الذي يظهر ضعفه ليس فقط في الفساد الذي ضرب قطاعات من هذه النخب ولكن أيضا في ميل أعداد متزايدة من هذه النخب إلى نفاق رؤساء الحزب الحلقة المحيطة بهم ممن فيهم الموظفين الإداريين في " السكرتاريات " الخاصة لهؤلاء الرؤساء وكم يبدو المشهد عبثيا عندما ينضم شخص ذو حثيثة ما إلى حزب معارض لينافق رئيسه طمعا في "منصب " حزبي بدلا من أن يسعي إلى الإصلاح ما وسعه الجهد فما دام مستعدا للنفاق " فلماذا ولم ينضم إلى الحزب الحاكم على الأقل ليحصل على ثمن النفاق ؟

(ب‌) غياب أو ضعف الديمقراطية داخل الأحزاب:

ويقودنا ذلك إلى العنصر الرئيسي الثاني للإختلالات الداخلية في الأحزاب وهو الطابع الدكتاتوري الذي تتسم به ويبدو هذا الطابع عاما في الأحزاب السياسية في البلاد العربية التي تسير على طريق التطور الديمقراطي فعلي سبيل المثال لاحظ العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني , وعندما روي ذكرياته المفارقة بين أهمية دور الأحزاب تمثل الأدوات اللازمة للديمقراطية ولكن دكتاتورية التسيير فيها لا تضاهيها دكتاتورية)

وبالرغم من أن مستوي الديمقراطية المفترض وجوده في داخل الحزب السياسي يعتبر أقل من ذلك الذي ينبغي أن يتوفر في النظام السياسي بسبب حاجة الحزب إلى التماسك لخوض التنافس المستمر مع غيره من الأحزاب يظل حد أدني من الديمقراطية شرطا لا غني عنه لضمان هذا التماسك وحل الخلافات الداخلية بطريقة مرضية .

والملاحظ أ، النظرية التعددية لا تفرد مبحثا مستقلا للديمقراطية داخل الأحزاب السياسية بشكل منفصل عن ديمقراطية المنظمات غير الحكومية بوجه عام ولكن إسهامات بارزة في هذه النظرية تصل إلى أن إمكانات توفر الديمقراطية داخل الأحزاب السياسية وجماعات الضغط السياسية تعتبر أعلي من غيرها في المنظمات الأخرى .

وقد خلصت الدراسة الوحيدة التي أجريت لمحاولة قياس مستوي الديمقراطية داخل الأحزاب السياسية المصرية في الفترة من 1976 إلى 1992 إلى أن هذا المستوي أقل من أن يسمح بضمان تطور ديمقراطي مستقر ومطرد ومؤدي إلى مقرطة كاملة للنظام السياسي وتوصلت الدراسة إلى هذه النتيجة عبر بناء نموذج لقياس مستوي الممارسة الديمقراطية داخل الحزب الوطني وحزب الوفد وحزب العمل وحزب التجمع وحزب الأحرار , وذلك من خلال ثلاثة مؤشرات رئيسية يضم كل منها مؤشرين فرعيين كالتالي :

- مؤشر خاص بنمط توزيع السلطة والاختصاص في الأحزاب ويشمل طبيعة البناء التنظيمي لهذه الأحزاب وعملية صنع القرار الحزبي .

- مؤشر يتعلق بطبيعة العلاقات بين النخبة والأعضاء في الأحزاب ويشمل طبيعة البناء التنظيمي لهذه الأحزاب وعملية صنع القرار الحزبي .

- مؤشر يتعلق بطبيعة العلاقات بين النخبة والأعضاء في الأحزاب ويشمل الأطر المؤسسية لمشاركة الأعضاء في تسيير شئون الأحزاب والفرص المتاحة لهم خاصة في هذا المجال إلى جانب عملية التجنيد للمناصب القيادية في الأحزاب ومدي انفتاحها وارتباطها بالنشاط الفعلي وإلى أى حد توفر فرصا لدوران النخبة الحزبية وبالتالي عدم احتفاظ عناصر هذه النخبة بمناصبهم الحزبية طول الوقت أو لفترة طويلة ..

- مؤشر يرتبط بأنماط التفاعلات داخل النخب الحزبية منظورا إليه من زاويتي إدارة الصراع على النفوذ بين عناصر هذه النخب والكيفية التي يتم بها والتعامل مع الخلافات السياسية والفكرية فضلا عن مدي التوازن أو الاختلال بين صراعات النفوذ والصراعات على مواقف وأفكار إذ كلما زادت الأولي ونقصت الثانية كان هذا دليلا على اختلال في أنماط التفاعلات داخل النخب الحزبية.

وإذا صح القول إن الأحزاب السياسية عموما لا تعرف الكثير من الديمقراطية في دخلها لأنه تحتاج إلا التماسك الداخلي كما سبقت الإشارة فلا ينبغي أن يقودنا ذلك إلى الوقوع في شرك النظرية بحتمية هيمنة قلة أو " اليجاركية" معينة على أى حزب سياسي فهذه النظرية التي صاعها عالم الاجتماع الإيطالي المشهور روبرتو ميتشلز في بداية القرن العشرين لاقت رواجا لبعض الوقت قبل أن تقترحها دراسات تجريبية ونظرية أظهرت ما تنطوي عليه من تبسيط نجم عن تعميم لا سند له وقصور منهجي ارتبط بعدم تطوير معايير ومؤشرات محددة للقياس .

أما ظل الحقيقة الذي لا تخلو منه هذه " النظرية " فهو أن ثمة حدودا للتسيير الديمقراطي للأحزاب وهذه الحدود ضيقة كما سبقت الإشارة بالمقارنة مع ما هو متاح في النظام السياسي في الدول التي تعرف ديمقراطية كاملة ولذلك نجد أن زعيم أى حزب في أى من هذه الدول لا يتعرض داخل حزبه إلا لقدر يسير للغاية من الانتقادات والمساءلات التي يواجهها عند توليه الحكم كرئيس دولة أو رئيس حكومة لكننا كثيرا م نتجاهل هذا الواقع عندما نطالب الأحزاب السياسية في بلادنا بأن تمارس الديمقراطية داخلها أولا قبل أن تتطلع إليها على مستوي نظام الحكم .

وهناك فروق متفاوتة بالطبع بين الأحزاب في مصر وبلاد عربية أخري وأحزاب الدول الديمقراطية المتقدمة في مجالات عدة لكن أقلها في مجال التسيير الداخلي ففي هذا المجال بالذات تقل الفروقات بين الأحزاب السياسية في العالم لكن غالبا ما تكون إمكانية وجود أساليب ديمقراطية نسبيا للتسيير في الأحزاب التي تعمل في ظل أنظمة حكم برلمانية أعلي منها في ظل رئاسية كما تزداد هذه الإمكانية كلما كان النظام الانتخابي يقوم على الأسلوب الفردي لا أسلوب القائمة الحزبية الذي يتيح لقيادة الحزب فرصا إضافية للهيمنة .

ومع ذلك يظل التباين في مستوي التسيير الديمقراطي للأحزاب محدودا بشكل عام وحتى الأحزاب البريطانية التي يتوفر اتفاق عام على أنها الأعلى مستوي في هذا المجال تتجمع السلطة العليا داخلها بين يدي الرئيس في النهاية لسبب موضوعي هو الحاجة للانضباط الحزبي في مجلس العموم وخاصة عند التصويت على المشروعات المهمة وفي هذا السياق يستطيع رئيس الحزب أن يتجاهل قرارات المؤتمر العام بل إن هذا التجاهل كان احدي أهم سمات فترة رئاسة ويلسون لحزب العمال مثلا وفي معظم الأحوال تكون المؤتمرات ساحة لإظهار وحدة الحزب ذا رسالة يستطيع ن يضرب عرض الحائط بكل الأعراف الديمقراطية وليس أكثر من نموذج " المرأة الحديدية" في حزب المحافظين دليلا على ذلك.

وحتى الحزبان الكبيران في أمريكا اللذان يتميزان بالتحرر من نمط التنظيم الهرمي التقليدي يوجد خلاف واسع حول مدي توفر أساليب للتسيير الديمقراطي فيهما ويري البعض مثل بنيامين باربر أن في تاريخهما الكثير مما يؤكد نظرية الأوليجاركية" بسبب طغيان نفوذ بعض السياسيين المحترفين وخاصة كبار أعضاء الكونجرس عليهما .

لكن على الجانب الآخر توجد قواعد محددة جيدا لتسيير الكثير من الأحزاب الغربية فلا يمكن أن يبقي رئيسي الحزب في موقعه ما لم يحافظ على ثقة الأجنحة الرئيسية فيه وما لم يمكن أداؤه مرضيا وخاصة في مجال دعم قدرة الحزب التنافسية وكانت نهاية تاتشر مثلا دليلا على أنه لا يمكن الاستمرار في التسلط إلى مالا نهاية ومن هنا ضرورة عدم إغفال أهمية التباين في مستوي الديمقراطية المتاح داخل كثير من الأحزاب الغربية بالمقارنة مع غيرها مهما كان هذا التباين محدودا ويرجع هذا التباين في جانب مهم منه لكون الحزب ابن بيئته

فكما أن هذه البيئة تسهم في تشكيل طموحات الأحزاب بما يفرق بين أحزاب تستطيع التنافس على السلطة وأخري محرومة منه فهي أيضا تؤثر على بنية الأحزاب وأساليب تسييرها فعلي سبيل المثال يمكن ملاحظة أن ركود البيئات السياسية العربية ينعكس على الأحزاب حيث معظم قادتها هم أنفسهم رجال المرحلة السابقة على التعددية كما أن البيئة السياسية التي تعرف تقاليد الحوار والمساومة والحل السلمي للخلافات تنعكس بكل معطياتها هذه على إدارة العلاقات داخل الأحزاب .

وليس المقصود بذلك تبرئة أحزابنا أو نفي مسئوليتها الذاتية عن تدهور بنياتها وما يتعرض له بعضها من انفجارات داخلية متكررة وإنما محاولة تحديد حجم هذه المسئولية وربما يكون القدر المتقين منها متعلقا بعدم رشادة إدارة الخلافات في أوساط نخبة الحزب ونشطائه

فالمشكلة الجوهرية لأحزابنا في معظمها تتصل بكيفية تسيير المستوي العلوي أو القيادي فيها أكثر مما ترتبط بتسيير الحزب بشكل عام فغياب أو ضعف الآليات الديمقراطية في إدارة العلاقة بين المستويات التنظيمية للحزب أمر مألوف في الظاهرة الحزبية إجمالا لكن مساوئه لا تقارن بعجز المستوي القيادي (نخبة الحزب) عن تنظيم العلاقة بين عناصره فآفة الكثير من الأحزاب العربية تتعلق بضعف أو غياب القدرة على حل الخلافات بين عناصر قيادية الحزب قبل ان تنفجر

فمن النادر أن يواجه حزب في مصر أو غيرها من البلاد العربية أزمة حادة في العلاقة بين قيادته وقواعده وهذا النوع من الخلاف قليل في الأحزاب بشكل عام فالتنافس بين الأحزاب يخلق بطبيعته تعبئة تتضاءل معها إمكانية تصاعد أى توترات قد تظهر على المستوي الرأسي وتقل هذه الإمكانية أكثر في الأحزاب العربية بسبب ضعف الميل العام للمشاركة بما في ذلك مشركة المستويات القاعدية لهذه الأحزاب .

ولذلك تتركز أزمة كثير من الأحزاب في مستوياتها القيادية حيث العجز عن إدارة الخلافات والنزوع " للشخصنة" والشللية" وهذا هو النقد المنصف الذي يمكن توجيهه لهذه الأحزاب بدرجات متفاوتة بطبيعة الحال فإذا كانت أساليب التسيير اللاديمقراطي تسود الأحزاب عموما إلا أنه من الصعب أن نساوي بين أحزاب تنفجر أو معرضة للانفجار من داخلها وأخري تستطيع تجنب ذلك عبر أساليب متحضرة حديثة وليس بالضرورة ديمقراطية لإدارة الخلافات بين قيادييها .

ولا ينبغي التقليل من أهمية هاذ الفارق طالما ن وجود ودور الأحزاب أمر ضروري لتقدم عملية التحول الديمقراطي فالأحزاب التي تتعرض لانفجارات داخلية تصبح عبثا على هذه العملية فإن لم تحطمها شظايا الانفجار فهي تضعفها وتشوه صورة العمل الحزبي بل وربما صورة الديمقراطية نفسها في عيون الناس .

ثانيا : سبل تجاوز أزمة الأحزاب : الحاجة إلى التحديث

لا توجد وصفة جاهزة لتحديث الأحزاب في كل مكان وزمان فالمقومات اللازمة لهذا التحديث تختلف من بلد إلى آخر ومن فترة إلى آخري بل أحيانا من حزب إلى حزب في بعض الحالات .

والحديث عن تحديث التجربة الحزبية هنا يشي إلى معني عام وليس إلى المعني الحرفي للتحديث الذي هو الانتقال من التقليدية إلى الحداثة.

فالأحزاب الأساسية في مصر لا تعتبر في مرحلة ما قبل الحداثة بالمعني الغربي أو بالمعني الذي نستخدمه عند الحديث عن تحديث المجتمع التقليدي فالمقصود بتحديث الأحزاب هو حل ما تواجهه من مشاكل وتحسين أدائها وتدعيم فعاليتها في النظام السياسي .

وقد أقرت معظم الأحزاب المصرية للمرة الأولي بعد انتخابات 2000 بوجود مشكلة في أدائها بدرجة أو بآخري الحزب الوطني شكل لجنة للتقييم وأحزاب المعارضة تخلت جزئيا وبدرجات مختلفة عن التبرير الذي لجأت إليه دائما وهو الشكوى من القيود المفروضة عليها وتحميلها المسئولية كاملة عن ضعف الأداء الحزبي

فالقيود لا يمكن أن تفسر المشكلة لأن أداء أحزاب المعارضة كان أفضل في الثمانينات ثم تدهور رغم أن القيود لم تزد وإنما قلت في مجري التطور الديمقراطي في مصر فلو كانت القيود هي السبب الوحيد فالمنطقي أن يتحسن أداء الأحزاب ويصبح في السبعينات أفضل منه في الثمانينات أو على الأقل يظل كما هو عند نفس المستوي .

وهذا التحديث تحتاجه الأحزاب المصرية اليوم قبل الغد مثلها في ذلك مثل نظائرها في البلاد العربية حتى تمر في مرحلة تطو ديمقراطي فلم تعد هذه الأحزاب قادرة على إخفاء أزمتها المتفاقمة في البلاد العربية التي تعرف درجات مختلفة من التعددية السياسية يتساوي في ذلك البلاد التي وصل عمر تجربتها التعددية الراهنة إلى ربع قرن مثل مصر وتلك التي لم تتجاوز عقدا واحدا إلا بقليل مثل لأردن .

وحتى التجربة الأكثر تقدما في المغرب التي حافظت على استمرارها من دون إلغاء تام للأحزاب منذ الاستقلال تواجه الحياة السياسية فيها مشكلات كبري دفعت الأمين العام لحزب الحركة الشعبية محمد العنصر للدعوة في كانون الثاني (يناير) الماضي إلى سن قوانين تساعد على تقليص عدد الأحزاب معتقدا أن التفتت الحزبي يعرقل التطور الديمقراطي .

والملاحظ أن هذا الميل إلى معالجة أزمة الأحزاب عبر تقليل ينتشر الآن في بعض البلاد العربية وسبق أن سمعنا مثل هذه الدعوة في الأردن عام 2000 كما طرحت في مصر عندما تبنها أحد قادة الحزب الوطني الحاكم (فكري مكرم عبيد) معبرا بطريقته عن جزع ظهر عقب الانتخابات النيابية الأخيرة (أكتوبر نوفمبر 2000) التي كشفت ضعف الأحزاب أكثر من أى وقت مضي بما فيها الحزب الحاكم الذي لم يستطيع مرشحوه الحصول على أكثر من 38,5 في المائة من مقاعد البرلمان ولولا انضمام أعضائه الذين خاضوا الانتخابات مستقلين وفازوا لما حافظ على غالبيته الواسعة.

حدثت في ذلك الوقت مناقشات شهدت دعوة متكررة إلى إلغاء الأحزاب الصغيرة التي لم تقدم مرشحين إلى الانتخابات الأخيرة وقطع المعونة الحكومية عن الأحزاب التي لم تحصل على أى مقعد . وهذه دعوة تثير دهشة بلغة لا لأن الأحزاب الصغيرة تستحق الوجود ولكن لأن إلغاءه لا يحل الأزمة الحزبية فهذه أحزب تكاد أن تكون غير موجودة فعلا إلا على الورق .

ولو كانت الأزمة محصورة فيها لما شعر بها أحد ولكن الأزمة تمسك بخناق الأحزاب الأساسية بما في ذلك أحزاب الحكم في بلاد مثل مصر واليمن والمغرب فهذه ومعها الأحزاب التي تمثل المعارضة الأساسية لها هي المأزومة من داخلها في المقام الأول ولذلك فهي تحتاج إلى مدخل نوعي في معالجتها وليس إلى منهج كمي مثل ذلك الذي ينظر إلى عدد الأحزاب .

وينطلق ذلك الخلل من أن أداء أى حزب هو محصلة التفاعل بين ظرف موضوعي (بيئة النظام السياسي) (المناخ العام – الثقافة السياسية السائدة) وعامل ذاتي يتعلق بالحزب نفسه من حيث طبيعة تنظيمه ونمط قيادته ومدي مشركة أعضائه في إدارة شؤونه وحجم التعاون والصراع في داخله وحدود معرفته بنفسه وبالأوضاع التي تحيطه وقدرته على تقويم ممارساته وإصلاح ما يعتريه من اختلالات ومن دون إغفال أثر الظرف الموضوعي يظل العامل الذاتي هو المحدد الأول لأداء الحزب ولذلك يتوقف خروج الأحزاب العربية من أزمتها على إدراكها أهمية الإصلاح الداخلي بالتركيز على ثلاثة جوانب تمثل في مجموعها المفتاح الذي تفتقده هذه الأحزاب الآن:

(1) إصلاح وظيفي يتعلق بوظائف الحزب فأداء أى حزب يرتبط بكيفية تحديد وظائفه صحيح أن وظائف الأحزاب معروفة في أدبيات السياسة المقارنة وهي تجمع المصالح والتعبير عنها والتنشئة السياسية والسعي للوصول إلى السلطة .

ولكن هذه وظائف الأحزاب في الدول الأكثر ديمقراطية والتي يطلق عليها البعض الكاملة وهذا وصف غير دقيق لأن كل بلد يطور ممارسته الديمقراطية طوال الوقت ولكن هناك دول أكثر ديمقراطية من غيرها لأنها قطعت شوطا أطول .

ولذلك ففي البلاد التي قطعت شوطا أقل وتواصل عملية التطور الديمقراطي لابد من أن يعاد ترتيب وظائف الحزب السياسي كالتالي : تأخير وظيفة التنافس على السلطة إلى المرتبة الأخيرة وتقديم وظيفة التنشئة السياسية إلى المرتبة الأولي

فالملاحظ ن الأحزاب تركز على الشكوى من أنها لا تتاح لها فرصة التنافس على السلطة وتنفق الجزء الأكبر من وقتها وجهدها من أجل محاولة تغيير الأوضاع التي تحول دون ممارستها لهذه الوظيفة وجاء ذلك على حساب الوظائف الأخرى وخصوصا الوظيفة الأهم الخاصة بالتنشئة السياسية

وهنا لا بد من توضيح أن هذه الوظيفة تأخذ طابعا مختلفا في البلاد التي قطعت شوطا أقل على طريق الديمقراطي ليس فقط لأنها يجب أن تكون الوظيفة الأول والأم لفترة معينة ولكن أيضا من زاوية توسع نطاق هذه الوظيفة فالحزب في الدول الأكثر ديمقراطية يمارس تنشئة سياسية لأعضائه بالأساس

ثم في الأوساط التي يسعي إلى تجنيد أعضاء جدد منها وهي تنشئة على أساس مبادئ ومواقف الحزب ولكن في البلاد التي قطعت شوطا أقل لابد من أن يمارس الحزب تنشئة ديمقراطية عامة لجموع المواطنين وليس فقط لأعضائه والمستهدفين لعضويته تنشئة تهدف إلى توسيع نطاق المشاركة السياسية عموما وليس فقط المشاركة من خلال الحزب لماذا ؟

لأن الحزب لا يستطيع أن يمارس وظيفة تجميع المصالح مثلا إلا إذا اكتسح نطاق المشاركة وبالتالي يمكن الوصول إلى وضع يتيح التمييز بين مصالح مختلفة وبلورة هذه المصالح.

وإذ افترضنا أن الأحزاب المصرية أعطت هذه الوظيفة حقها منذ بداية التجربة الحزبية الراهنة لكنا وصلنا لآن إلى وضع مختلف كثيرا من حيث الأداء الحزبي وهذا هو ما فعلته الأحزاب المغربية التي تعتبر أكثر نضجا لأن تجربتها لم تنقطع كما سبقت الإشارة بعد الاستقلال .

تحديث تنظيمي : سبقت الإشارة إلى غياب التنظيم الحزبي الديمقراطي في هذا المجال .لكن من المهم لفت الانتباه إلى جانب تنظيمي آخر لا يقل أهمية ويتعلق بالبناء الأفقي للحزب فنحن نركز دائما على البناء الراسي بين قيادة الحزب وقاعدته ولكن مهم جد أن نلاحظ أن احدي هم مشكلات الأحزاب في مصر هو المركزية الشديدة إلى الحد الذي يجعل الحزب يبدو في كثير من الأحيان كما لو كان حزبا قاهريا (نسبة إلى العاصمة) وهذا أحد أسباب ضعف البناء التنظيمي للأحزاب وهذا السبب سيكون له أثر أكبر وأخطر مستقبلا لأن انتخابات 2000 البرلمانية أظهرت مدي قوة الاعتبارات المحلية .

صحيح أنها كانت قوية دائما ولكنها أصبحت أكثر قوة وكل من درس الانتخابات الأخيرة جيدا لابد أن يتوقع زيادة قوتها ويعني ذلك أن الأجيال الجديدة في المحافظات لن ترضي بالانتماء إلى حزب يدار من القاهرة فالعصبية المحلية وصلت إلى مستوي غير مسبوق وهذا راجع في أحد أسبابه إلى ضعف وجود الأحزاب في المحافظات.

وربما يكون مناسبا أن تفكر الأحزاب في بناء تنظيمات لا مركزية بأوسع معني ممكن أى أن يكون للحزب كيان متكامل في كل محافظة يستطيع أن يتحرك منه فالمفترض أن تكون للحزب فروع في المحافظات ولكن ما حدث حتى الآن هو بناء مقرات للحزب وليس فروعا بالمعني الدقيق .

فالفرع في الحياة الحزبية يكون له قدر كبير من الاستقلال رئيس للحزب في المحافظة وهيئة قيادية ومؤتمر عام أو جمعية عمومية وصلاحيات كاملة في كل ما يتعلق بسياسات الحزب في المحافظة ومن السهل ان تزعم قيادة أى حزب في مصر الآن أنها تفعل ذلك ولكن هذا موجود على الورق فقط وبالنسبة إلى بعض الأحزاب وليس كلها .

ومن الضروري أن يتحقق ذلك الواقع وإلى مدي أبعد عما هو معروف في أبنية الأحزاب ذات الطابع اللامركزي في أوروبا مثلا فيجب أن تكون هناك فترة لا تقل عن عشر سنوات تعطي خلالها الأحزاب لفروعها صلاحيات استقلال شبه كامل وليس هناك خطر من ذلك على تكامل التنظيم الحزبي لأنه لا معني على الإطلاق لا ينفصل فرع في محافظة ما عن الحزب بل على العكس سيؤدي ذلك إلى مزيد من الانتماء إلى الحزب عبر الإحساس بالمشاركة الفاعلة والدور الحقيقي الذي ما زال مفتقدا .

(2) تحديث مصر في ما يتعلق بمعرفة الأحزاب لنفسها وللواقع حولها لقد أصبحت الأحزاب الآن في الدول الأكثر ديمقراطية مؤسسات تعتمد على أجهزة معلوماتية وبحثية فلم يعد عصر ثورة المعلومات كما كان في بداية القرن العشرين ومهما قال قاعدة الأحزاب المصرية مثلا في هذا المجال فالحقيقة الثابتة أنه لا يوجد حزب يملك قاعدة معلوماتية معقولة ولا أقول كاملة وتحتاج هذه الأحزاب إلى تحديث حقيقي لأنها ما زالت تعتمد على أرشيفات تقليدية محدودة بل إن بعضها لا يمتلك حتى مثل هذه الأرشيفات وتبين حجم المشكلة في انتخابات رئاسة حزب الوفد في عام 2000 عندما ظهرت خلافات على عضوية الجمعية العمومية التي تبين أنها موجودة في كشوف عليها تعديلات بخط اليد وبطريقة غير منظمة بل تفتقد إلى أى تنظيم وهذا عن جمعية تضم ما لا يزيد على ألف عضو بكثير فكيف تتعامل الأحزاب مع سجلات العضوية القاعدية وما يطرأ عليها من تغير بالخروج والدخول ناهيك عن حركة هذه العضوية .

هذا أبسط انب في المشكلة لكنه يدل على أن الأحزاب لا تعرف نفسها أما معرفة ما يحيط بها من تطورات فحدث ولا حرج.ويمكن لأى مراقب أن يجد العجب إذا عني بمتابعة الطريقة التي تعد بها الأحزاب المصرية مثلا ردودها على بيان الحكومة فهي تجمع كلمة من هنا وأخري من هناك وتبحث عن معلومات أولية لدي هذا المعهد أو ذاك المركز.

وما لم تدرك الأحزاب أهمية بناء قاعدتها المعلوماتية على أسس حديثة لن تكون في إمكانها الخروج من أزمتها الراهنة لأن جانبا أساسيا من الإصلاح الوظيفي والتنظيمي يعتمد على بنية معرفية متطورة .

ثالثا : إصلاح الأحزاب قبل فوات الأوان

بالرغم من تزامن مرور ربع قرن على تجربة التعدد الحزبي الحالية في مصر مع إجراء انتخابات 2000 التي جسدت معني ضعف وهشاشة الأحزاب السياسية لم يقترن الاهتمام الذي أبدته هذه الأحزاب باستخلاص دروس تلك الانتخابات يعمل جاد مستمر للإصلاح والتحديث من أجل تجاوز أزمتها .

كان الحزب الوطني الديمقراطي أكثرها اهتمام وجدية ربما لأن صدمة فقدان الأغلبية هزته من الأعماق وربما لوجود جناح إصلاحي يتبلور في داخله على نحو ما زالت أحزاب المعارضة تفتقده حتى الآن ومع ذلك جاء التغير الذي حدث في القرن العام الثامن للحزب الوطني في سبتمبر 2002 أقل مما يقتضيه الإصلاح والتحديث الأزمان .

ويبدو تباطؤ بعض الأحزاب في إجراء هذا الإصلاح وتجاهل بعضها الآخر الأمر برمته نذير خطر بالنسبة إلى مستقبل الظاهرة الحزبية وموقعها في التطور الديمقراطي كما إلى مصير هذا التطور نفسه .

ولذلك ينبغي هنا أن نطرح سؤالا لا مفر منه عن إمكان استمرار عملية التطور الديمقراطي إذا بقيت الأحزاب على حالها فإذا كان اطراد هذا التطور ممكنا في مثل هذه الظروف فمن الضروري التساؤل عما إذا كانت الأحزاب شرطا لا غني عنه للديمقراطية فإذا لم تكن الأحزاب شرطا ربما لا يكون ثمة ضرورة لمحاولة تقويتها بشكل مصطنع عبر العودة إلى أسلوب الانتخابات بالقائمة في صيغة جديدة .

والإجابة التي يقدمها التاريخ هي أن الديمقراطية النيابية الحديثة بدأت تظهر في القرن السادس عشر قبل أن يعرف الإنسان الأحزاب السياسية التي جاءت في سياق التطور الديمقراطي ولولا هذا التطور ما أمكن للأحزاب أن تظهر سواء في نشأتها البرلمانية عندما أدي وجود البرلمان ومناقشاته إلى تكوين كتل برلمانية أنشأت لها مجانا انتخابية مهدت لظهور أحزاب أو في نشأتها الخارجية عبر نقابات وجمعيات ومنظمات ما كان لها أن تستقل وتمارس دورها إلا في أجواء الديمقراطية .

ويقول لنا التاريخ إن الأحزاب ليس فقط كواقع ولكن أيضا كأفكار ونظريات كانت من صنع الديمقراطية بعكس ما يقوله كثيرون منا وهو ن تطورنا الديمقراطي لابد أن تصنعه الأحزاب فحتي قرب منتصف القرن التاسع عشر لم تكن هناك أحزاب سياسية في أى من الديمقراطيات الغربية باستثناء الولايات المتحدة التي نشأ الحزبان الرئيسيان فيها بعد تأسيس نظامها الديمقراطي أيضا وصيغة دستورها الذي خلا من آية إشارة إلى الأحزاب ولكن الخلاف على صلاحيات السلطة الاتحادية " الفيدرالية " وسلطات الولايات أظهر اتجاهين تبلورا ابتداء من انتخابات عام 1800 ليشكلا حزبين تغيرت اتجاهاتهما بل أسماؤهما أكثر من مرة إلى أن استقرا على ما نعرفه عنهما في الوقت الراهن.

كما أن الأفكار والنظريات الديمقراطية لم تتطرق إلى الأحزاب إلا في وقت متأخر خذ مثلا نظريات العقد الاجتماعي والأفكار الدستورية التي خلت من أى دور للأحزاب حتى قرب نهاية القرن الثامن عشر بل إن بعض المبادئ الديمقراطية اتخذت موقفا سلبيا تجاه الأحزاب مثل مبدأ سيادة الأمة الذي نظر إلى الأمة باعتبارها وحدة مجردة ترمز إلى جميع الأفراد ولا يمكن تجزئتها قبل أن يبرز مفهوم سيادة الشعب الذي جعل السيادة شركة بين الأفراد لكل منهم جزء فيها بما يعنيه ذلك من قابليتها لأن تتجزأ بين المواطنين عبر أحزاب متعددة ولهذا لم يكن غريبا أن يفخر رجال الثورة الفرنسية عام 1789 بأنهم لا ينتسبون إلى أى جمعة أو حزب وإنما كان تحركهم نابعا من كونهم أفرادا.

ويعني ذلك أن الأحزاب لم تكن لازمة لبدء التطور الديمقراطي والأكيد أنها لعبت دورا بالغ الأهمية في هذا التطور بعد ظهورها ولكن ليس هناك ما يؤكد أن هذا الدور كان حتميا أو أن غيابه كان يمكن أن يؤثر سلبا على مسار الديمقراطية والأرجح أن اختلافا ما في الممارسة الديمقراطية كان محتملا أن يحدث إذا لم تظهر الأحزاب .

ولذلك لا ينبغي أن يستبد بنا الجزع إذ عجزنا عن إيجاد حل سريع لأزمة الأحزاب أو حتى إذا تبين لنا أن الصيغة الحزبية سواء المتعددة أو الواحدة ربما لا تلائم حالة المجتمع المصري والتكوين النفسي للمصريين في المرحلة الراهنة علما بأن هذا التكوين وتلك الحالة يتغيران ن وقت إلى آخر .

فهذه مشكلة تعاني منها دول أخري في منطقتنا وخارجها ويمكن أن تشير على سبيل المثال إلى الدراسة التي أجراها مركز الدراسات الإستراتيجية بالجامعة الأردنية ونشت نتائجها في مايو 2002 موضحة عزوف الأردنيين عن الأحزاب السياسية إلى حد أن 92,6% من أصل عينة تضم 1371 شخصا استبعدوا الانضمام إلى أى حزب في الوقت الذي كانت نسبة المنضمين فعلا أقل من نصف في المائة .

ولم نكن في حاجة إلى استطلاع رأي عام لمعرفة هذه النتائج التي تعبر عن واقع نعرفه ونجد مثله في بلاد خري ولكن أهم ما ينبغي ألا يغيب عنا هو أن الناس الذين لا يبدون اهتماما بالأحزاب يريدون مزيدا من التطور الديمقراطي ويهتم قطاع يعتد به منهم بالسياسة بأشكال ودجات مختلفة.

فهم لا يربطون الديمقراطية بالأحزاب لأن الثقافة السائدة التي تكونت في مرحلة إلغاء الحياة الحزبية جعلتهم مهيئين عقليا ونفسيا للانصراف عن الأحزاب عندما ظهر تعاني أدائها ولذلك فالأرجح إن إصلاح الأحزاب من داخلها والحد من القيود التي تعاني منها يمكن أن يساهما تدريجيا في عبور الهوة الواسعة بين المواطنين والأحزاب

ولا يقل أهمية عن ذلك أن تحاول الأحزاب التي تريد أن تصل إلى الناس البحث عن رسالة تتسم بالوضوح ويستطيع كل من الأحزاب الرئيسية في مصر استخلاص هذه الرسالة من بين توجهاته ومبادئه فالرسالة الحزبية تختلف عن البرنامج وعن الشعار وهذا هو ما تفتقده الأحزاب الحالية مثلها مثل أحزاب ما قبل 1952 باستثناء حزب الوفد ا الذي بلور رسالة الاستقلال والتحرر الوطني .

والمفارقة في تاريخ الحياة الحزبية في مصر أن هذا هو الحزب الوحيد الذي وصل إلى الناس برغم أنه لم ينشأ في الأصل كحزب سياسي وإنما كقيادة لحركة الوطنية كانت في حاجة إلى من ينوب عنها في طلب الاستقلال عن طريق التوكيل الشعبي فلم ينشأ الوفد كحزب ولكنه تحول إلى حزب بشكل طبيعي عندما ظهرت خلافات داخله وخرج منه جناح أسس حزب الأحرار الدستوريين عام 1922.

وحتى عندما تحول الوفد إلى حزب عام 1924 برغم معارضة بعض قادته لم يكن له تنظيم حزبي بالمعني الدقيق فقد اعتمد على أنصار كثر في كل مكان وليس على عضوية بالمعني المعروف في التنظيمات الحزبية ولذلك كان للوفد القديم هيكل قيادي أكثر مما كان له بنيان تنظيمي على المستوي القاعدي وفي ذلك الهيكل القيادي كان للهيئة البرلمانية دور محوري ليس معتادا في بناء الأحزاب السياسية

فلم يكن دورها مقصورا على أعمال البرلمان وإنما كانت أهم عناصر التنظيم الحزبي الفضفاض, وقامت بدور حلقة الاتصال بين هيئة الوفد المصري (المستوي القيادي الأعلى) واللجان المحلية التي اتسمت بطابع هلامي في معظم الأحوال إن لم يكن في كلها .

ومن المهم ونحن نفكر في مستقبل الأحزاب أن نتأمل تجربة القرن المنصرم الذي شهد ثلاث مراحل للتعدد الحزبي ومرحلة أحادية ولم يثبت نجاحا حقيقيا في كل هذه المراحل إلا الحزب الي لم ينشأ أصلا كحزب فالأحزاب الناجحة لا تنشأ في غرف مغلقة ,

وإنما يأتي تأسيسها في مثل هذه الغرف نتاجا لفعل في قلب المجتمع والأحزاب الفاعلة لا تظهر تعبيرا عن رغبة مجموعات ضيقة وإنما تقوم تتويجا لعمل تقوم به مثل هذه المجموعات في الواقع المعاش .

وإذا صح ذلك لا يصح بالتالي أن نفكر في مستقبل الأحزاب بمنأي عن أجال الشباب الجديد وهي الأكثر انصرافا عن العمل الحزبي والأقل ثقة به .

ولا يقل أهمية عن ذلك إدراك أن وجود أحزاب ناجحة وفاعلة في مصر يحتاج إلى وقت وإلى جهد بعيدا عن الحلول السهلة من نوع اللجوء إلى أسلوب الانتخاب بالقائمة فهذا حل سهل بالفعل ولكنه يجعل الموقف أكثر صعوبة بعد فترة لأنه يخفي هشاشة الوضع الحزبي لبعض الوقت

وإذا كان الوصول إلى وضع حزبي قوي يحتاج إلي وقت قد يطول فلا مبرر للانزعاج مادام أن التطور الديمقراطي سيستمر لأن هذا التطور في حد ذاته ضرورة لنظام حزبي يقف على قدمين ثابتتين وهذا هو ما يعلمه لنا تاريخ الديمقراطية التي أنتجت الأحزاب وليس العكس .

وإذا تركنا التاريخ إلى الحاضر ونظرنا حولنا وجدنا أن التطور الديمقراطي في الأردن مثلا لم يعتمد على الأحزاب التي ظهرت هشاشتها واضحة منذ بدء التجربة التعددية عام 1989 وتأكدت منذ انتخابات نوفمبر 1993 التي خاضتها تسعة فقط من بي 21 مرخصا في ذلك الوقت .

فلم يكن الأداء الحزبي مقنعا لنظام الحكم الأردني كي يعتمد على الأحزاب القريبة منه والتي تعرف بأحزاب الوسط بديلا عن الركائز التقليدية له والتي تنطوي على رافدين أساسيين أحدهما عشائري والآخر عسكري أمني فقد استمر النظام الأردني معتمدا على هذه الركائز وليس على الأحزاب السياسية التي ظهر له صعوبة الاستناد عليها لأنها هي نفسها في حاجة إلى من يسندها وهكذا أثبت التطور الديمقراطي في الأردن إمكان الاستغناء عن الأحزاب خصوصا أن الحزب الفاعل الوحيد وهو حزب جبهة العمل الإسلامي يعتبر امتدادا لجماعة الإخوان المسلمين التي كانت قائمة كجمعية اجتماعية ثقافية قبل بدء تجربة التعدد الحزبي عام 1989.

وإذا كان هناك شك في صلاحية هذه التجربة كمقياس لإمكان الاستغناء عن الأحزاب السياسية في التطور الديمقراطي فلدينا التجربة المغربية الأكثر تقدما على الصعيد العربي فهي التجربة الوحيدة على هذا الصعيد؛

التي حدث فيها تداول للسلطة ومع ذلك ظل ضعف الأداء الحزبي مستمرا إلى الحد الذي سمح بإسناد رئاسة الحكومة إلى شخصية تكنوقراطية عقب انتخابات 2002 وليس هذه هي المرة الأولي التي يتمثل فيها التكنوقراط بديلا عن الأحزاب السياسية فقد سبق أن استغني العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني عن الأحزاب عند تشكيل الحكومة عقب انتخابات 1993 عندما رفضت أحزاب المعارضة عرضه المشاركة في الحكم عبر تكوين حكومة تعتمد عليها بالكامل فيما عدا رئيسها ووزراء الخارجية والداخلية والعدل فقرر الملك حينئذ تشكيل حكومة تكنوقراطية لا حزبية وبذلك تسببت تلك الأحزاب في إبطاء عملية التطور الديمقراطي أربع سنوات كاملة إلى أن عدلت عن موقفها عقب انتخابات 1997 .

ولكن إذا كان هذا هو ما حدث في المغرب فالأرجح أن الأحزاب السياسية المصرية تحتاج إلى عمل الكثير كي تجد لها مكان على الساحة وعليها أن تدرك ذلك وتسعي إليه بأكبر قدر ممكن من السرعة كسي مسير التطور الديمقراطي إذا شهد تقدما في السنوات القليلة المقبلة بدونها وبالتالي يمكن أن يفرز أدوات بديلة يستغني بها الناس عن هذه الأحزاب

الفصل الخامس المجتمع المدني : حدود الجمعيات الأهلية والنقابات في التطور الديمقراطي

أيمن السيد عبد الوهاب

تشكل دراسة المنظمات عبر الحكومية أحد المداخل الرئيسية لدراسة العلاقة بين الدولة والمجتمع وهي العلاقة التي تنطوي على آثار بالغة الأهمية في دفع عملية التحول الديمقراطي وإضفاء الطابع الديمقراطي على مؤسسات المجتمع وخاصة مع تزايد موجة المطالبة بإعادة النظر في دوري الدولة والمجتمع بما يعطي الأخير مساحات أكبر

وهو ما استتبعه تغير النظرة للمنظمات غير الحكومية من قبل الحكومات والمنظمات الدولية ومؤسسات التمويل العالمية وبروز نظرة جديدة للمنظمات غير الحكومي ولأهمية القطاع الأهلي ودوره كتنظيمات وسيطة بين الدولة والمجتمع الأمر الذي انعكس بدوره على أدوار وآليات هذه المنظمات

والتي يمكن أن نرصد بعضها في التالي:

اتساع أجندة العمل الأهلي لتتجوز المرحلة القاصرة على مجالات البر والأعمال الخيرية ومجالات تحسين سبل المعيشة بشكل عام في مجالات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية إلى مرحلة المشاركة في صياغة أولويات القضايا الدولية وتعميق مجالات عملها تجاه قضايا السلام والديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين والفقر والبيئة والتنمية الاجتماعية والاقتصادية الأمر الذي أصبحت معه المنظمات غير الحكومية فاعلا دولي في كافة المؤتمرات العالمية التي عقدتها الأمم المتحدة في السنوات الأخيرة .
أصبحت المنظمات غير الحكومية تطرح كقطاع ثالث بين الدولة والقطاع الخاص باعتبارها أحد المحفزات لمدخل تنموي جديد يستند إلى المبادرة الفردية والاعتماد على الذات ويركز على الاندماج وتشغيل البنية الاجتماعية ولاقتصادية للقواعد الشعبية التحتية .. ساعد تطور وسائل الاتصال والتكنولوجيا الحديثة في بلورة دور المنظمات غير الحكومية وربطها معا سواء من خلال شبكات دولية كما هو الحال بالنسبة لمنظمة سيفكوس " التحالف العالمي لمشاركة المواطنين" حيث تضم المنظمات المانحة والمتلقية أو من خلال إيجاد ما يمكن تسميته " بإعلام المنظمات غير الحكومية "
بعبارة أخي أن ملامح التغيير التي اكتنفت المنظمات غير الحكومية كبيرة وهي مرشحة لمزيد من التغيير لا سيما في البلدان النامية باتجاه تعاظم دور هذه المنظمات في تحديد ورسم السياسات العامة في دولها إن كان من الضروري هنا التأكيد على مجموعة من التحديات والقيود التي يمكن أن تواجه تلك المنظمات باعتبارها محددات لإمكانيات انطلاق من عدمه في البلدان النامية

ومنها بطبيعة الحال البلدان العربية مثل:

مستوي التنمية الاقتصادية المتحقق في الدولة باعتباره محددا لشكل ومسار المنظمات غير الحكومية كما أن توافر الطبقة الوسطي يعد محددا إضافيا لا يمكن تجاهله حيث أن وجود هذه الطبقة إلى جنب توفر مستوي معقول من التنمية يعظم من فرص مساهمة تلك المنظمات في التنمية .
إن تفاعل المنظمات التطوعية التقليدية القائمة على المساعدة الاجتماعية والبر المعروفة والقائمة في بلدان العالم والمنظمات غير الحكومية الحديثة لا شك أنه يضيف أبعادا أخري أكثر ديناميكية يمكن معها تحقيق حركة انتقال أعمق وأقوي في مجالات التنمية وفي العلاقات التضامنية بين أفراد المجتمع وخاصة في الدول الأقل نموا .
إن الخصوصية المجتمعية مواجهة بنظام عالمي يفرض نفسه بكل قوة السوق ووسائل الإعلام والاتصال التي تخترق البشرية في أرجاء العالم
ولذلك تبدو المواجهة في غير صالح تلك المجتمعات النامية وبالتالي فالمطلوب هو مواكبة هذه التطورات والعمل من داخل هذا النظام بنفس أسلوبه حتى يمكن الاستفادة مما يتيحه من فرص وإمكانيات لن تتحقق في حالة مواجهته والوقوف ضده.
وفي هذا الإطار يمكن فهو مغزي مفهوم المجتمع المدني وتردده على نطاق واسع داخل أوساط المثقفين والنخب العربية خلال العقد الأخير من القرن الماضي بل وانتقاله لمكان الصدارة كأحد مفردات الخطاب السياسي للعديد من القوي السياسية العربية وقد سعي مؤيدو هذا المفهوم إلى ربطه بمجموعة المتغيرات الدولية والإقليمية والمتعلقة
وقد سعي مؤيدوا هذا المفهوم إلى ربطه بمجموعة المتغيرات الدولية والإقليمية والمتعلقة منها على وجه الخصوص بالتحرر الاقتصادي والمشروع الفردي والابتعاد عن التخطيط المركزي إلى جانب تلك السياسات المتعلقة بالتحول الديمقراطي وتراجع الإنفاق العام للحكومات وهو الاتجاه الذي برز منذ أوائل الثمانينيات ليحل محل النموذج التنموي الذي كان سائدا في معظم البلدان النامية وقام على طبيعة تداخلية من قبل الدولة وارتبط بنظام سياسي سلطوي يعتقد في أن عملية التنمية تحتاج إلى سلطة مركزية قوية .
واتساقا مع هذه الرؤية وانطلاقا من أن المنظمات الأهلية (أو التطوعية أو غير الحكومية) في مصر هي جزء من تلك العلاقة الرابطة بين القطاع الأهلي على المستوي الإقليمي (المستوي المحلي) والمستوي العالمي يمكن فهم ذلك الاتجاه الحكومي الساعي لتحقيق مناخ أكثر ملاءمة لتنشيط آليات ومبادرات تلك المنظمات في بعض الأنشطة في نفس الوقت الذي يقدم تفسير تلك الممارسات الحكومية التي تتسم بالتردد رغم اعترافها بأهمية مشاركة القطاع الأهلي والمشاركة الشعبية
الأمر الذي يقودنا إلى مجموعة من التساؤلات التي سعت هذه الدراسة إلى طرحها باعتبارها إشكاليات وتحديات كبيرة تواجه القوي المدنية العربية ومؤسساتها ليس في مصر فقط ولن في كافة البلدان العربية وخاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن المؤسسات المدنية أو ما يعرف بالمجتمع المدني هو القاطرة التي تنطلق بالديمقراطيات الغربية
وبالتالي يبقي التساؤل هل وجود مجتمع مدني عربي كفيل بدفع عملية التطور الديمقراطية في البلدان العربية ومن ثم يصبح من الضروري والمنطقي التساؤل عن دور الجمعيات والنقابات كمؤسسات كمدنية في تدعيم العملية الديمقراطية وأيضا محاولة تحديد مسئولية الجمعيات الأهلية والنقابات عن ضعف الأحزاب وتحديد المشكلات الأساسية التي تعوق فاعليتها وسبل حلها .
ورغم الإقرار المسبق بصعوبة تقديم إجابات حاسمة أو على الأقل تحديد حيز المساهمة في عملية التحول الديمقراطي أو تحديد هامشها إلا أنه يمكن التأكيد على مجموعة من السمات الضرورية للوقوف على حدود الرهان على المجتمع المدني العربي:
إن الوقوف على أداء المؤسسات المدنية أو الأهلية وقدرتها على القيام بالمهام المنوط القيام بها مثل التدريب على التنافس والمشاركة تظل محددا رئيسيا للمقارنة بين تباين مستويات التجارب الديمقراطية
غلبة المكون الديني على ما عداه من عوامل دافعة للعمل الأهلي وانتشاره بالإضافة لضعف الدور التنموي وانقطاع الدور الثقافي أو غيابه ساهم في تقييد دور التنظيمات الأهلية وفلسفتها عند حدود التكافل الاجتماعي وتقديم الأعمال الخيرية .
صعوبة قياس حدود مساهمتها في الحد من النزاعات السلطوية في الحكم أو حجم مساهمتها في مقرطة مؤسسات المجتمع وإشاعة القيم الديمقراطية ومن ثم دعم عملية التطور الديمقراطي وربما تزداد هذه الصعوبة مع تناول دور الجمعيات الأهلية الدينية لا سيما وأن هذا النوع من الجمعيات يتسم بالعديد من المقومات المؤسسية والخبرة والنشاط والمهارة التنظيمية التي يفتقد إليها معظم الجمعيات الأهلية في مصر فضلا عن أنها تمثل نسبة لا يستهان بها من أعداد الجمعيات الأهلي نحو 43 % (وفقا لتقديرات عام 1991)
من هنا فسوف تركز هذه الدراسة في بحث إمكانية تفعيل المجتمع الأهلي في مصر مع التركيز على النقابات والجمعيات الأهلية وبحث سبل إعادة تنظيمهما باعتبارها مؤسسات مارست عملية التنشئة السياسية وسهمت في بلورة الثقافة السياسية والمناخ العام الذي ساد مصر منذ القرن التاسع عشر بالإضافة لكونهما احدي المقومات الرئيسية لتنشيط العملية الديمقراطية وزيادة هامشها مع تقديم بعض الإشارات عن الوضع في البلدان العربية من هذا المنطلق سوف تنقسم الدراسة إلى خمسة محاور رئيسية هي المحددات العامة متطلبات التغيير وتحدياته مظاهر الخلل آليات التفعيل الحالة المصرية مقارنة بالحال العربية .

أولا : المحددات العامة

في البداية قد يكون من الضروري التأكيد على خصوصية المجتمع المصري بشكل خاص والدول النامية بشكل عام عند بحث العلاقة بين الدولة والمجتمع ولا سيما أن غالبية مؤسسات المجتمع المدني في الدول النامية لم تتجوز مرحلة النشأة والتبلور رغم عمرها الطويل نسبيا وبالتالي فهي تفتقد لإنتاج ذاتها ماديا واجتماعيا ومن ثم يجب الحذر عند عقد المقارنات بين المجتمعات النامية والمجتمعات المتقدمة وعند تناول الأدب النظري المعاصر بخصوص الدولة والمجتمع المدني .

فلابد أن يؤخذ في الاعتبار أن المجتمع المدني العربي يمثل استثناء من الطابع العالمي لعدم قدرته على التطور المستقل وأيضا عدم قدرته على قيادة عملية التحول الديمقراطية في البلدان العربية لأسباب تتعلق بالهيكل الاجتماعية والثقافة السياسية وطبيعة النظم الحاكمة.

في البداية يمكن تحديد خريطة المنظمات غير الحكومية الموجودة في مصر وتفهم تلك النزعة العارمة التي تهدف إلى تنشيط آليات ومبادرات تلك المنظمات لا سيما في ظل إعادة رسم الحدود بين الدولة ومؤسساتها ووظائفها وبين المنظمات الوسيطة أو التي تعرف بمؤسسات المجتمع المدني فتشير التقديرات إلى وجود ما يزيد عن 25 ألف تنظيم غير حكومي يأتي في مقدمتها الجمعيات الأهلية والبالغ عددها 16 آلف جمعية أى بنسبة 64% من إجمالي المنظمات والتنظيمات غير الحكومية يليها الأندية ومراكز الشباب التي يحكمها القانون 268 لعام 1978 والتعاونيات الإنتاجية والزراعية والإسكانية والنقابات المهنية ( 24 نقابة) والاتحاد العام لنقابات عمال مصر والشركات المدنية التي لا تهدف للربح والتي تقدر بحوالي 200 وهي أحدث أشكال العمل الأهلي في مصر.

الخريطة السابقة تبدو أنها مرشحة للتغيير وخاصة على صعيد عدد الجمعيات الأهلية إذ تشير الأرقام إلى تزايدها حيث 16505 جمعيات (وفقا لآخر تقدير في أبريل 2002) كما أن القانون الجديد للجمعيات (84 لعام 2002) قد ألغي أشكال العمل الأهلي التي ظهرت في أواخر الثمانينيات كمحاولة للهروب والالتفاف حول القانون 32 لعام 1964 الخاص بالجمعيات الأهلية وهو ما ألغاه القانون الجديد 84 لعام 2002 .

وفي هذا السياق يمكن تبين عدد من الملامح المحددة لطبيعة العلاقة بين النظام الحاكم والمجتمع المدني والمشكلات الكبرى التي تعترض زيادة حيز مشاركة مؤسسات المجتمع المدني بشكل عام في مصر نذكر منها :

أزمة الثقة بين الدولة والمجتمع تأتي في مقدمة العوامل التي تقدم لتفسير القيود التي تعاني منها مؤسسات المجتمع المدني في مصر وفي اتقادي أنه توصيف غير دقيق لطبيعة العلاقة بين الطرفين ( الحكومة والجمعيات) إذ يمكن القول أن أزمة الثقة تقتصر إلى حد ما على نظرة الجمعيات الأهلية الإدارية وليس العكس بينما تتسم نظرة الحكومة إلى الجمعيات الأهلية بالتردد..

فمنذ اضطلاع الدولة بالإشراف على الجمعيات ورقابتها وهي تشهد درجة عالية من الشد والجذب المستند على حدود التوافق على هذه الأولويات في مرحلة معينة واختلافها في مرحلة أخري فالإطار الوظيفي الذي سعت الحكومة لوضعه كمحدد لعلاقتها مع الجمعيات الأهلية يمثل السمة الغالبة على هذه العلاقة وإن تباين الخطاب السياسي في هذا الشأن ما بين فترتي الخمسينيات والستينيات من جانب والثمانينيات والتسعينيات من جانب آخر فقد ظل الترحيب الحكومي بالدور الخدمي والتنموي للجمعيات الأهلية مقدما على ما عداه من أدوار خاصة السياسية منها سواء كان ذلك من خلال الجمعيات الدينية الإسلامية أو بعض المؤسسات المدنية الدفاعية لا سيما العاملة في محال حقوق الإنسان .

وإن كان ذلك لا يلغي ما أضفاه صعود التيار الإسلامي خلال الثمانينيات من تغيير في شكل العلاقة الحاكمة للدولة بالمجتمع بعدما أثبت هذا التيار قدرته على النفاذ إلى العديد من التنظيمات الوسيطة وفي مقدمتها الجمعيات الأهلية والنقابات كما يلغي إمكانية التفرقة بين مرحلتين أساسيتين مرت بهما تلك العلاقة المرحلة الأولي وتلك تجسدها فترة ما قبل عام 1952 حيث اكتسبت منظمات المجتمع حيزا كبيرا من الحركة مكنها من الاستناد إلى مبادراتها وتنشيط آلياتها ودورها في المجتمع رغم التدخل الإشرافي والرقابي من قبل الدولة وبما يتفق وتوجهاتها الإشتراكية في المرحلة الأولي واتجاهها منذ السبعينات نحو التعددية السياسية والانفتاح الاقتصادي .

وإن الزيادة التي شهدتها أعداد الجمعيات خلال حقبة التسعينات من القرن العشرين لم تعكس تغييرا أو نقله في النشاط النوعي لهذه الجمعيات بقدر ما تعكس امتداد للتغيير الذي شهدته حقبة الثمانينيات وإن كان من الملاحظ أن حالة الناشط التي اكتنفت القطاع الأهلي وانتقاله إلى بؤرة الضوء خلال العشر سنوات الأخيرة قد ارتبط بزيادة الوعي بأهمية ودور هذا القطاع في التأثير على السياسات العامة للدولة إلى جانب الاتجاه نحو أنشطة جديدة تركز معظمها في المنظمات الدفاعية وتلك الخاصة بحماية البيئة وتنمية الدخل حيث لا تزال أنشطة الجمعيات الأهلية العاملة في مجال الصحة والرعاية الاجتماعية تمثل العمود الفقري للقطاع الأهلي .

إن القانون 84 لعام 2002 هو أول قانون يعني بالإصلاح التشريعي لحالة الجمعيات الأهلية في مصر بعد أن صدر الحكم بعدم دستورية القانون 153 لعام 1999 ( في يونيو 2000) وبعيدا عن الجدل الذي ثار حول القانون الجديد ومجموعة التحفظات المرتبطة ببعض مواده وقدرتها على إحداث تغيير حقيقي في فلسفة العمل الأهلي فإن صدوره يشي إلى نتيجتين أساسيتين :

أولاهما: أنه ينهي حالة الجمود التي فرضت نفسها على القوانين المنظمة للعمل الاجتماعي الأهلي منذ الستينات.

وثانيتهما: أنه يخطو بسياسات الإصلاح الاجتماعي المتمثلة في تحرير العمل الأهلي وتطوير فلسفته خطوات موازية لتلك الخطوات التي شهدتها سياسات الإصلاح السياسي التي بدأت عام 1976 من خلال تجربة المنابر وما تليها من تعددية حزبي مقيدة وسياسات الانفتاح والإصلاح الاقتصادي منذ عام 1974 إذ ظلت القوانين المنظمة للنشاط الاجتماعي بلا تغيير منذ الستينات الأمر الذي دفع بعض الباحثين الاجتماعيين للربط بين تفشي العديد من الظواهر الاجتماعية السلبية وانتشارها مثل الإدمان والبطالة وانتشار المناطق العشوائية وازدياد مظاهر العنف وبين قصور الإصلاح الاجتماعي .

في المقابل نجد أن القانون 91 لعام 1959 ما يزال الحاكم لهيكل التنظيم النقابي المستند إلى الواحدية التنظيمية والهرمية والمركزية رغم تغير الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت قد فرضت هذه الصيغة بل يلاحظ أن هناك حرص على استمرارها وهو ما توضحه سلسلة القوانين المتعاقبة المنظمة للعمل النقابي وهي 62 لعام 1964 و35 لعام 1976و 1 لعام 1981 وأخير 12 لعام 1995.

إن فاعلية تلك المؤسسات تتباين بتباين نوع الجماعة التي تشارك فيها وكيفية تكوينها ونوعية قياداتها فهناك جمعيات رجال الأعمال على سبيل المثال نجد أنها رغم قلة عدد أعضائها إلا أن وأنها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي يزيد من ثقلها ووزنها داخل النظام أو عند مقارنة نقابة المعلمين بنقابة المحامين فنجد أن الأخيرة أكثر تأثيرا ونشاطا في الحياة العامة من الأولي رغم قلة أعضائها .

إن العلاقة بين الدولة أو المنظمات المدنية تتداخل فيها عوامل أخري كثيرة فرغم أن القانون هو الإدارة الأساسية لسيطرة الدولة على تلك المنظمات إلا أن الحكومة والأفراد يتعاملون مع القانون بطريقة وظيفية بحيث تتمسك الحكومة بحرفيته أو تتغاض عن بعض أحكامه حسب الظروف ويلجأ الأفراد لتحقيق أهدافهم إلى الثغرات الموجودة في القانون أو إلي التحايل عبر أشكال قانونية أخري

من هنا فقد تعدد التفسيرات بالإضافة للعلاقات الارتباطية بين الديمقراطية الثقافة السياسية وفي هذا الإطار يمكن الحديث عن رؤي متعددة ومتكاملة لدور الجمعيات الأهلية والنقابات موضوع هذا البحث تتراوح ما بين كونها آلية لتنشيط المجتمع المدني وبين طرحها للصيغة الجديدة للنظرية الليبرالية وفقا لمبدأ الديمقراطية والعدالة الاجتماعية

بالإضافة للقدرة على إحداث حراك اجتماعي يساعد على مشاركة وفعالية الطبقات الدنيا إلى جانب التوافق مع الاتجاه العالمي لتنظيم دور المنظمات غير الحكومية والداعي لتقريب السياسات العامة من المواطنين العاديين وتجزئة هذه السياسات إلى مجموعة من القضايا النوعية بشكل يجعلها أقرب للتناول من جانب المواطنين

ثانيا : متطلبات التغيير وتحدياته

ارتبط النشاط الأهلي في مجال الرعاية الاجتماعية قديما وحديثا بنشأة المجتمع المصري بمعني أنه سبق التشريعات والقوانين المنظمة له التي جاءت في مرحلة تالية لقيام الجمعيات الأهلية (بالشكل الذي نعرفه الآن) أما بالنسبة لدور النقابات

فنجد أن هناك قوانين مستقلة تنظم الجماعات المهنية والاتحادات والنقابات العمالية في إطار يختلف بدرجة كبيرة عن الإطار المنظم للجمعيات الأهلية وإن تشابها في ظروف النشأة والقدرة على التعبير عن المناخ السائد في ذلك الوقت فقد تميز العمل الأهلي سواء على مستوي الجمعيات أو مستوي الحركة العمالية بأنه لم يكن وليد صدفة أو نتاج ظروف طارئة بقدر ما كان إفرازا طبيعيا لحركة المجتمع .

النشأة والتبلور

تأسست أول جمعية أهلية في مصر عام 1821 مع قيام الجمعية الخيرية اليونانية بالإسكندرية لتبدأ حركة الجمعيات الأهلية كمؤسسات اجتماعية تقود المجتمع إلى دعم عمليتي المشاركة والتوزيع ولا سيما بعد الحرب العالمية الأولي وقيام ثورة 1919 حيث دخل العمل الأهلي مرحلة القيادة الجماعية والمؤسسية من خلال مدرستي الخدمة الاجتماعية بالإسكندرية والقاهرة (عامي 1936 و 1937 على التولي) وقد شهدت تلك الفترة قفزة في أعداد الجمعيات من 65 إلى 300

في المقابل سعت الدولة لإيجاد إطار عام يحكم علاقتها مع المجتمع فبدأت مرحلة الإشراف والتوجيه عبر مجموعة من الخطوات التي تواكبت مع تنامي الحركة الاجتماعية عام 930 بإنشاء المجلس الأعلي للإصلاح الاجتماعي عام 1936 وقيام وزارة الشئون الاجتماعية عام 1939 ليدخل العمل الأهلي مرحلة جديدة من الإشراف والتفتيش الحكومي

بالإضافة لتبني بعض مشروعات الجهود التطوعية ولتتوالي بعد ذلك الرقابة الإدارية للدولة عبر سلسلة من القوانين المنظمة لعمل الجمعيات لأهلية (قانون رقم 49 لسنة 1945 , رقم 66 لسنة 1951 رقم 384 لسنة 1956 وأخيرا لسنة 1964) بشكل جعلها أقرب لأطر منظمة لعلاقة الدولة بالجمعيات وليس علاقة الجمعيات بالمجتمع

كما يجب أن تكون فقد سعت الدولة عبر إستراتيجيتنا الدمج الوظيفي والدمج التنظيمي للتعامل مع الجمعيات الأهلية كإحدى أدوات تنفيذ السياسة العامة للدولة ورؤيتها لأولويات كل مرحلة كما وضحت مبكرا علاقة الارتباط التي جمعت بين التطور التشريعي وحركة العمل الاجتماعي لأهلي

حيث نجد أن الملاحظة الأكثر بروزا قد تمثلت في امتلاك الجمعيات الأهلية فرصة المبادرة في إطار دور تنظيمي للدولة عبر فترة امتدت من مطلع القرن الماضي وحتى أوائل القرن الحالي في حين أخذت تلك الجمعيات في افتقاد المبادرة تدريجيا مع دخول مرحلة التخطيط المركزي للعمل الاجتماعي في الستينيات .

فقد امتلكت الجمعيات الأهلية زمام المبادرة في توفير الخدمات الاجتماعية لفترة طويلة من الزمن فكانت السباقة في بدء مشروعات الإصلاح الاجتماعي في الريف حيث أنشئت الجمعية المصرية للدراسات الاجتماعية كما قمت بتجربة إصلاح القرية (في قري المنايل وشطانوف) التي اقتبستها الحكومة عقب إنشاء وزارة الشئون الاجتماعية بالإسكندرية الفضل في إنشاء مدرستي الخدمة الاجتماعية في القاهرة والإسكندرية لإعداد الأخصائيين الاجتماعيين ومواجهة مشكلات المجتمع الاجتماعية في وقت لم تظهر الجهود الحكومية في هذا المجال إلا في عام 1946 (أى بعد عشر سنوات)

وكذلك كان لتحرك الجمعية المصرية للدراسات الاجتماعية أثره في تعديل قانون الأحداث المنحرفين والمناداة بإدخال الخدمة الاجتماعية في محاكم الأحداث والدافع لظهور قانون الضمان الاجتماعي عام 1950 بعد توقيع مصر على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وهو ما يعني أن نشأة الجمعيات الأهلية جاءت قوية وأكثر توفيقا من الجهود الحكومية وخاصة في الريف إلى جانب إثارتها لمسألة ضبط لعمل الاجتماعي من خلال تشريعات خاصة بدورها .

وقد أرجعت بعض الدراسات ضعف الأداء الحكومي مقارنة بأداء الجمعيات الأهلية في هذه الفترة إلى طبيعة وظروف نشأة وزارة الشئون الاجتماعية عام 1939 التي وجدت نفسها مواجهة بالعديد من الصعوبات والمشكلات سواء المتعلقة بطبيعة العمل الاجتماعي أو بتداخل الانتظار لمدة ست سنوات حتى يخرج أول تشريع خاص بالجمعيات (49 سنة 1945)

ومن المعروف أن وزارة الشئون الاجتماعية قد قامت على برنامج إصلاحي كان أبرز سماته ما جاء في الفقرة الخامسة منه والخاصة بتحديد موارد الإحسان وتوجيهها الوجهة النافعة وتنظيم الجمعيات والمؤسسات الخيرية ومن اجل تحقيق هذا الهدف أنشئت إدارتان الأولي سميت إدارة الجمعيات الخيرية والأخرى باسم إدارة الملاجي والمؤسسات لتمثل هذه الخطوة بداية منهاج حكومي يقوم على إستراتيجية الدمج الوظيفي إلى جانب دورها الإشرافي والرقابي الذي بدأ مع صدور أول تشريع خاص بالجمعيات

وفي هذا الإطار يمكن تحديد دور الدولة بمرحلتين الأولي تتعلق بدور المنظم الذي يجسده القانون المدني الصادر في 1875 والمعدل له عامي 1883, 1948 حيث أعطي حق تكوين الجمعيات مع توفير قدر من الرقابة أما المرحلة الثانية فتختص بالدمج الوظيفي والتنظيمي للجمعيات في إطار السياسة العامة للدولة عبر مراحل متدرجة

وهو ما توضحه سلسلة القوانين والتشريعات التي شهدتها هذه الفترة بدءا بالقانون 49 ومواده العشرين وانتهاء بسلسلة القوانين المنظمة لعلاقة الدولة بالجمعيات والروابط التطوعية فكان القانون رقم 152 لسنة 1949 الخاص بالأندية والقانون رقم 156 لسنة 1950 الخاص بصناديق الادخار والإعانات المتبادلة والقانون رقم رقم 66 لسنة 1951 المتعلق بتنظيم الجمعيات الدينية والعلمية والثقافية والقانون رقم 4 لسنة 1952 الخاص بإشهار الجمعيات والمؤسسات الخاصة

وبالنظر إلى تلك القوانين نجد ا،ها قد اتفقت في سمة واحدة خاصة بزيادة الجرعة الرقابية والإشرافية وإن كان بشكل متدرج على الجمعيات الأهلية وخاصة مع تنوع وتزايد أعداد هذه الجمعيات سواء في الحضر أو الريف.

وفي هذا الإطار يمكن تحديد مجموعة من السمات العامة التي رسمتها مرحلة ما قبل ثورة يوليو فنجد أنها قد اتسمت بازدهار عمل الجمعيات الأهلية ومحدودية الدور التداخلي للدولة فلم تحظر أنشطة الجمعيات ولم تقيدها (باستثناء تلك التي تميل لاستخدام العنف وتعمل لخدمة حزب أو مذهب سياسي معين)

وأن نمو الجمعيات وتنوعها كان انعكاسا للمناخ الثقافي والسياسي السائد (الاتجاه الليبرالي , الإسلامي المحافظ , اليسار القومي العربي) إذ بلغ عدد الجمعيات 1301 جمعية (وفقا لإحصاءات وزارة الشئون الاجتماعية) وأن وزن الجمعيات الدينية (الإسلامية والقبطية) قد تزايد كتعبير عن وزن المكون الديني في الثقافة السياسية المصرية كما اقتصرت سلطة الحل على القضاء وارتبطت المخالفات بالأشخاص لا بالجمعيات

والجدير بالذكر هنا أن عمل هذه الجمعيات بالسياسية واختلاط النشاط العلماني بالنشاط الديني هو ملمح له صفة الاستمرارية في الثقافة السياسية المصرية حتى يومنا هذا بالإضافة لحرص الجمعيات الأهلية على تأكيد مفهوم المواطنة والتسامح الديني والتنوع المذهبي وإعلاء قيمة الولاء الوطني باعتبارها جزءا من مناخ سياسي وثقافي ساد في ذلك الوقت لمواجهة الارساليات التبشيرية والغزو الأجنبي ومحاولة الاحتماء بالذات والثقافة الوطنية

وهو ما يتجلي بوضوح في مشاركة عدد من الشخصيات الإسلامية مثل محمد عبده وعبد الله النديم وآخرين في تأسيس جمعية المساعي الخيرية القبطية مع كبار القيادات القبطية عام 1881 وبالتالي فقد انتفت سمة الصراع أو لتنافس بين هذه الجمعيات وهي السمة التي تركز عليها بعض الدراسات التي تناولت ظاهرة الجمعيات الدينية لتفسير الزيادة المعددية لها في فترات الستينات والسبعينيات .

وأما بالنسبة لدور النقابات فيرتبط بنشأة النقابات العمالية ونموها وتطلعها لإيجاد حلول اقتصادية وسياسية لمشاكل الطبقة العاملة وغن سبقها نظام الطوائف (طوائف الحرف) الذي كان ترجمة للنظام الاجتماعي القائم ويؤرخ لبداية العمل الجماعي للعمال بعام 1899 وهو العام الذي شهد أول إضراب للعمال للمطالبة بتحسين شروط العمل مثل :

زيادة الأجور وخفض ساعات العمل وأجر أيام الراحات والمساواة بالعمال الأجانب في فترة الاحتلال البريطاني والمطالبة بنوع من التأمينات والنضال لعقد اتفاقيات بين العمال والإدارات الرأسمالية لضمان حقوق العمال وإذا كان الطابع الاقتصادي هو السمة السائدة لمطالب العمال منذ تحركاتها الأولي إلا أنها ارتبطت كذلك بقضية التحرر والنضال الوطني الأمر الذي أكسبها قوة وصلابة وهو ما نعكس في زيادة الوعي العام بالحركة العمالية وأوضاعها وتنظيمها النقابي .

وإن كان من الملاحظ أن مطالب الحركة العمالية التي بدأت جزئية ومتواضعة قادتها نقابة الصنائع اليدوية في الإسكندرية التي أخذت على عاتقها مهمة صياغة المطالب الشاملة للطبقة العاملة وأسفرت جهودهم عن ميلاد وثيقة تاريخية هامة وهي مشروع قانون لحماية العمال " 2 مارس 1919 والتي اشتملت على عدد من المطالب التي تفرضها ظروف العمل مثل الخدمات الطبية والعلاج والتعويض عن الإصابات وتحسين الأجور وربطها بتكاليف المعيشة ومكافأة نهاية الخدمة وتحديد ساعات العمل كذلك الاعتراف القانوني بالنقابات والمفاوضة الجماعية والتحكيم في منازعات العمل وحق الإضراب .

وكان لاشتراك العمال في ثورة 1919 أثره الواضح في زيادة الوعي السياسي بالإضافة لتعميق العلاقة بين العمل النقابي وقضايا الوطن واتسعت تنظيماتهم النقابية بصورة كبيرة حتى وصل عدد النقابات غلى ما يقرب من 71 نقابة لتدخل بذلك الحركة العمالية مرحلة جديدة أكثر تحديدا وبلورة لمطالب العمال وحقوقهم وبالتحديد بالمطالبة بزيادة الأجور والاعتراف القانوني بالنقابات العمالية وسحب الجنود الإنجليز من الشوارع والمطالبة بالاستقلال ووحدة مصر والسودان والإفراج عن سعد باشا والزعماء الوفدين وفي عام 1921 تكون أول اتحاد عام بمدينة الإسكندرية وضم 38 نقابة ونادي بتحدي ساعات العمل ووضع حد أدني للأجور وتوفير الظروف الصحية والوقائية للعمال .

في المقابل بدأت الحكومة عبر سلسلة من الإجراءات محاولة تحجيم دور الحركة النقابية وذلك من خلال القانون رقم 2 لسنة 1921 الذي حرم تنازل العمال عن أجورهم للنقابات لتعلن بذلك عن عدم رضائها عن النقابات والتشكيك في شرعية تكوينها وإن اكتسبت النقابات العمالية في هذه الفترة حق التفاوض باسم العمال في المنازعات العمالية وكذلك حق العمال في تشكيل النقابات استنادا لصدور عدد من الأحكام القضائية التي اعتمدت على نص المادة 21 من دستور 1923 في حق المصريين في تكوين جمعيات وذلك وفقا لما يقرره القانون ولكن مع استمرار حركة الإضرابات والاعتصامات في المصانع صد القانون رقم 37 لسنة 1923 الذي حرم الإضراب على الموظفين العموميين.

وبصفة عامة يمكن القول أن تاريخ الحركة العمالية خلال فترة بين الحربين العالميتين قد شهد متغيرات حادة فمع نمو التنظيم النقابي ووجود قيادات نقابية ناضلت طويلا من أجل الحفاظ على استقلالية الحركة العمالية بقي التنظيم أسير صراعات الأحزاب والقوي السياسية كذلك فقد عانت هذه النقابات من قهر شديد وخضع النشاط النقابي لرقابة صارمة من جانب الدولة وأصبح على النقابات أن تدخل في معركة مزدوجة الجبهات مع الأحزاب التي تتصارع لكسب أصواتهم وقوتهم السياسية ومع الرأسمالية الصاعدة التي تريد استغلال قوة عملها .

ومع وصول الوفد إلى الحكم صدر القانون رقم 85 لسنة 1942 والذي اعترف بالوجود النقابي للنقابات وإن كان قد حرم العمال الزراعيين من حق تكوين نقابات وحرم على النقابات تكوين اتحاد عام لها وحرم الاشتغال بالسياسة وعدم مباشرة أعمالها إلا بعد التسجيل بوزارة الشئون الاجتماعية وأجاز لوزير الشئون الاجتماعية وفق أسس حددها القانون حل النقابة مع إعطاء النقابة الحق في استئناف قرار الحل أمام الجهات القضائية .

ورغم ما شاب القانون من عيوب فقد ازداد عدد النقابات زيادة كبيرة حتى وصل إلى 388 نقابة عام 1946 واضطلعت الحركة العمالية بدور سياسي فعال عقب الحرب العالمية الثانية تمثل في اشتراكها في اللجنة الوطنية للعمال والطلبة المكونة في فبراير 1946 للكفاح من أجل الاستقلال إلا أن هذه اللجان تعرضت لضربات متتالية من حكومة صدقي واستمر النشاط السياسي العمالي متمثلا في اللجان الوطنية التي تكونت في المصانع والأحياء الشعبية عام 1951 عقب إلغاء معاهدة 1936

ونظم للعمال رغم الإغراءات البريطانية كما تحرك العمال على الساحة الدولية من خلال المؤتمر التأسيس للإتحاد العالمي لنقابات العمال ومكتب العمل الدولي ولأمم المتحدة للتنديد بالاستعمار البريطاني وأعوانه في مصر ومكتب العمل وتحميله مسئولية جرائم التسخير والاختطاف ضد العمال المصريين وبذلك نجح في كسب الرأي العام العالي وكسب التأييد والاهتمام بالقضية المصرية .وعلى هذا النحو يمكن رصد عدد من السمات التي اتسمت بها هذه الفترة.

- إن الطبقة العمالية المصرية منذ نشأتها الأولي مارست تحركات جماعية تتميز بدرجة عالية من الوعي والتنظيم وإن كانت قد افتقدت لفترات طويلة وجود قيادة قومية لنضالها الجماعي نتيجة لظروف الاحتلال والرقابة الحكومية ورغم سيادة المطابع الاقتصادي على النضال العمالي في فترات كثيرة إلا أنه لم ينفصل أبدأ عن النضال الوطني للمجتمع فتشير الأرقام إلى أن الفترة من 1900 حتى 1951 قد شهدت 106 إضرابا عمالية وقعت أغلبها في الأعوام التي شهدت نهوضا للحركة الوطنية المصرية في مواجهة الاحتلال البريطاني فوقع 22 إضرابا عام 1919 , 10 إضرابات عام 1946 و8 إضرابات عام 1948 .

- إن موقف الحكومات إزاء إصدار تشريعات عمالية تحمي العمال وتدافع عن مصالحهم كان مقصورا على إصدار قوانين متناثرة وجزئية تحت ضغط الإضرابات العمالية متبعة نظرية التدرج التشريعي حيث رفضت الحكومات المتوالية الاعتراف بالوجود القانوني للنقابات حتى القانون رقم 85 لسنة 1942 وكانت تعتمد على تقديم تنازلات محدودة مثل تنظيم تشغيل النساء وتحديد ساعات العمل , والتعويض عن إصابات العمل لبعض الصناعات الخطيرة وحتى مع اعترافها بالوجود القانوني للنقابات تم تكبيلها بقيود صارمة تحد من فاعليتها كما سبقت الإشارة وكذلك تم استخدام أسلوب القمع والاستبعاد السياسي لهذه النقابات باعتبارها أدوات للصراع الطبقي في المجتمع خاصة مع لجوئها لأساليب الإضرابات والتظاهر والشكاوي الجماعية .

الاندماج الوظيفي

مع قيام ثورة يوليو 1952 تغيرت الفلسفة الحاكمة النظام السياسي لتنتقل من مرحلة الإشراف والتنظيم إلى مرحلة الاندماج الوظيفي لتلك التنظيمات الإلية واعتبارها أحد أدوات النظام والمعبرة عن سياساته وفي هذا السياق أعيد تنظيم وضع الجمعيات الأهلية بشكل كامل من خلال القانون رقم 384 لسنة 1956 الذي تسم بمحاولة التوفيق بين مبدأ إشراف الدولة على النشاط الأهلي وإعطاء مساحة أكبر لحركة الجمعيات

وذلك باستحداث عدد من الأحكام الجديدة خصت بها الجمعيات ذات النفع العام منها عدم جواز الحجز على أموالها وجواز قيام الدولة بنزع الملكية لصالح الجمعية ونفعها العام كذلك سعي القانون إلى معالجة المشكلات النابعة من تعدد القوانين وانتشار الجمعيات على مستوي الجمهورية فنص صراحة على إنشاء اتحادات تقوم بمهمة التنسيق

كما قصر حق جمع التبرعات من الجمهور على الجمعيات والاتحادات وفقا لشروط خاصة مع استثناء دور العبادة بالإضافة لوضعه شروطا معينة لعضوية مجالس إدارة الجمعيات وإلغاء المواد من " 54 – 80 " التي تضمنها القانون المدني بشأن الجمعيات الأهلية وحظر اشتراك الأشخاص المحرومين من مباشرة حقوقهم السياسية في تأسيس أو عضوية أية جمعية كما أخضع المخالفات لقانون العقوبات لأول مرة وشدد من عقوبات الحبس لأعضائها .

وعلى مدار ثماني سنوات (هي عمر الفترة الممتدة ما بين عامي 1956 1964) شهدت مصر مجموعة من التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ألقت بظلالها على السياسة العامة للدولة بتحولاتها الإشتراكية

وفي مقدمتها قرارات يوليو 1961 وميثاق العمل الوطني 1952 وبدء الخطة الخمسية الأولي للتنمية الاقتصادية وبالتالي كان صدور القانون رقم 32 لسنة امتداد طبيعيا لهذه التحولات التي تكتنف المجتمع فعمل على زيادة طرق الرقابة الإدارية على الجمعيات وزيادة أساليب التدخل الحكومي وإن كان من الملاحظ أن هذا القانون لم ينشئ أساليب جديدة للرقابة بقدر ما زاد من تعميقها وأضفي قدرا أعلي من البيروقراطية على أداء الجمعيات الأهلية .

بعبارة أخري أن النظرة المزدوجة التي تحكم رؤية الدولة ما بين السعي لتحرير القطاع الأهلي وتوفير إمكانيات إسهامه ومشاركته في قضايا المجتمع ومشكلاته من جانب والحفاظ على قبضتها الحاكمة على الجمعيات من جانب آخر تتجسد في القانون 32 لسنة 1964 الذي يعكس عددا من الأبعاد الخاصة بطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع مثل زيادة جرعة الرقابة على الجمعيات وترسيخ علاقة الوصاية على أفراد المجتمع ,

وإن كانت الجمعيات الأهلية أو العمل التطوعي لا تمل استثناء في هذا الشأن حيث يعاني المجتمع ككل منها وبالتالي فتفسير تزايد أعداد الجمعيات وضعف فاعليتها يتوافر في القانون ككل منها وبالتالي فتفسير تزايد أعداد الجمعيات وضعف فاعليتها يتوافر في القانون 32 لسنة 1964 الذي يسمح بالزيادة العددية في إطار سياسة الاندماج التنظيمي والوظيفي مع مؤسسات الدولة وأجهزتها في وقت تتجه التفسيرات الرسمية لتبرير استمرارا العمل بهذا القانون لمدة تقترب من الثماني والثلاثين عاما إلى حرص النظام على قصر دور تلك الجمعيات على الجانب الاجتماعي والثقافي وعدم تجاوز ذلك إلى الدور السياسي وخاصة من جانب الجمعيات الدينية (الإسلامية) بالإضافة إلى محاولة تخطيط النشاط الاجتماعي بشكل مركزي .

وإذا كانت هذه المبررات لا تكفي لتفسير أسبب زيادة الرقابة على الجمعيات فمن الوضح أن السبب الرئيسي يتمحور حول نموذج سيطرة الدولة على مجالات الحياة كسبيل لطبيعة علاقتها بالمجتمع وليس إلى تنقضات النظام السياسي الراهن فالرقابة والإشراف على الجمعيات ترجع إلى إصدار القانون المدني في القرن الماضي رغم التباين في التوجهات العامة وآليات الإشراف الحكومي .

وبنفس النظرة الحكومية التي تناولت عملية الاندماج الوظيفي للجمعيات الأهلية كانت النظرة بالنسبة للنقابات وإن بدت أكثر صعوبة في وضع تصور واحد لعملية الاندماج ومع قيام ثورة يوليو برزت ثلاثة تيارات الأول يخشي من قوة العمال باعتبارهم أكثر القوي امتلاكا لمنظمات شعبية قادرة على التصرف رغم القيود التشريعية المفروضة عليها

أما التيار الثاني فقد استند إلى أهمية الثقة في هذه النقابات لتكون سند الثورة في الشارع المصري في حين أن التيار الثالث شكل صيغة وسط فكان يري إمكانية الاستفادة من النقابات لكن بقيود وبشروط وفي مظلة بيروقراطية وسط هذا المناخ صدرت ثلاثة قوانين عمالية هامة اعترفت للعمال بالكثير من حقوقهم ومنحتهم امتيازات عديدة وهي :

القانون رقم 317 لسنة 1952 بشأن عقد العمل الفردي والقانون رقم 319 لسنة 1952 بشأن نقابات العمال الذي أعطي االنقابات حق تشكيل اتحاد عام لها والاعتراف بمبدأ الحرية النقابية وحق العمال الزراعيين في تكوين النقابات إلا أنه وجهت لهذا القانون عدة انتقادات منها أنه يسمح بتعدد النقابات سواء بالنسبة لنفس المهنة أو المنشأة كما أنه حظر على النقابات الاشتغال بالمسائل السياسية وحرمانه لفئات معينة من حق التنظيم النقابي بصفة خاصة موظفي الحكومة .
وكانت نقطة التحول لموقف النظام تجاه العمال هو تأييد العمال لمجلس قيادة الثورة في قراراته إزاء أحداث كفر الدوار (أغسطس 1952) كذلك دور بعض نقابات العمال إزاء أزمة مارس 1954 حيث وقفت بعض النقابات بجانب اتجاهات عدم السماح بقيام الأحزاب السياسية واستمرار مجلس قيادة الثورة وعدم الدخول في معارك انتخابية ورغم أن هذا لم يكن موقفا عاما للحركة العمالية إلا أن جمال عبد الناصر عبر عن تقديره لهذا الدور عندما أعلن قرارات 29 مارس 1954 والذي أعلن فيها أن ثورة 23 يوليو قد انتهت وقامت ثورة العامل والفلاح.
وفي يناير سنة 1956 أعلن دستور الجمهورية المصرية ونصت المادة منه على أن (إنشاء النقابات حق مكفول وأن للنقابات الشخصية الاعتبارية وذلك على الوجه المبين بالقانون)
لذلك وبتاريخ 30 يناير 1957 تكون الاتحاد العام لنقابات عمال مصر الذي يعتبره البعض الاتحاد الخامس لعمال مصر (اتحاد العمال 1920, اتحاد العمال 1924 , اتحاد العمال بزعامة عباس حليم في 1930 , اللجنة التأسيسية لاتحاد عمال المملكة المصرية 15 -1952) وقد لعب هذا الاتحاد دورا كبيرا في تعديل قوانين العمل
كما فاز أربعة من مرشحيه في انتخابات مجلس الأمة وبتاريخ 7 أبريل 1959 صدر قانون العمل الموحد رقم 91 لسنة 1959 وقد جرم القانون كثر من نقابة عامة وأجاز للنقابات العامة أن تشكل نقابات فرعية في المحافظات كذلك أن لها أن تشكل لجانا نقابية في المؤسسات المشتغلة بنفس المهنة وأجاز للنقابات العامة أن تشكل اتحادا في كل إقليم واتحادا واحد على مستوي الجمهورية العربية المتحدة وكان القانون رقم 62 لسنة 1964 هو آخر سلسلة القوانين الهامة في الفترة الناصرية
حيث عدل بعض أحكام القانون رقم 91 لسنة 1995 حيث سمح بإعادة التصنيف الانقابي بما يسمح لكل صناعة أو مجموعة صناعات متماثلة بتكوين نقابة عامة كما منح القانون للجنة النقابية الشخصية الاعتبارية كذلك سمح القانون لموظفي الحكومة والقطاع بالتنظيم النقابي ونص القانوني على أن للإتحاد العام لنقابات العمال أن يشكل في المحافظات اتحادات محلية للعمال ولم يحظر هذا القانون على العمال الاشتغال بالمسائل السياسية والدينية .

وهكذا يتضح أن حكومة الثورة لم يكن لديها رؤية محددة للتعامل مع الحركة العمالية إلا أنها ابتداء من القانون رقم 91 لعام 1959 بدأ يتضح الاتجاه العام للسيطرة السياسية تجاه الحكة العمالية حيث وضع هذا القانون أول لبنات الصياغة الادماجية التي تتبناها السلطوية والتأكيد على أحادية وهيراركية التنظيم النقابي والاتجاه لدمج النقابات في أقل عدد ممكن

الأمر الذي وفر إمكانية استيعاب الحركة العمالية وتنظيماتها في ظل أيديولوجيتها الشعبوية التي أممت الصراع الطبقي وكافة أشكال التناقضات الطبقية وأصبح التنظيم النقابي وتنظيماته جهازا بيروقراطيا سلطويا ومنعزلا إلى حد ما عن القاعدة العمالية الحقيقية وهي السمة التي استمرت طوال الستينات والسبعينيات وأوائل الثمانينيات بالجمع بينى منصبي رئيس الاتحاد العالم لنقابات عمال مصر ووزير العمل الأمر الذي خلص معه البعض لتوصيف العلاقة بين النظام والحركة النقابية في المقولة التالية " وافق النظام على تلبية العديد من المطالب الاقتصادية للحركة النقابية ووافق القادة النقابيون على قبول وصاية النظام ..

ومع الأخذ بالتعددية الحزبية في السبعينيات فقد صدر القانون رقم 35 لسنة 1976 وتضمن القانون عدة أمور منها سريان القانون على العاملين المدنيين في الحكومة والهيئات العامة أو القطاع الخاص والتعاوني وحدد القانون أهداف المنظمت النقابية وحدد مدة الدورة النقابية بثلاث سنوات وإنشاء رقابة ثلاثية قضائية وإدارية ورقابة الاتحاد العام

"على تكوين النقابات العمالية وأجاز للنقابة العامة أن تشكل نقابات فرعية للمحافظات وأعطي للوزير المختص الحق في طلب حل مجلس إدارة النقابة في حالة ارتكابه مخالفة للقانون وعدم إزالته هذه المخلفة خلال 15 يوما أما القانون الذي صدر عام 1981 فقد أدخل تعديلات عديدة على القانون السابق ليضع مزيدا من القيود على الحركة النقابية فقد خول النقابة العامة سلطة تحديد فرغ المنشأة الذي تتوافر فيه مقومات تشكيل اللجنة النقابية وركز معظم السلطات والاختصاصات في أيدي المستويات النقابية العليا .

ومع بداية سياسات الإصلاح الاقتصاد والتحول نحو اقتصاد السوق يمكن القول أن التنظيم النقابي العمالي تبني منذ البداية مواقف ايجابية ومؤيدة لسياسات وبرامج الاصلاح الاقتصادي باعتبارها ضرورة حتمية وذلك من أجل تحرير الاقتصاد المصري من القيود والمعوقات وزيادة الانتاج وفرص الاستثمار

إلا أن هذا لا يمنع أن الاتحاد العام وضع تحفظا أساسيا وهو ضرورة إلا تؤثر هذه السياسات على الحقوق المكتسبة للعمال وخلال السبعينيات والثمانينيات وعندما سعت السلطة إلى الانفتاح الاقتصادي سعيا وراء حل الأزمة الاقتصادية كان طبيعيا أن يواجه العمال ذلك بزيادة تحركاتهم النضالية المتمثلة في الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات فقد شهدت هذه المرحلة عدة إضربات أهمها إضراب عمال النقل العام بالقاهرة (سبتمبر 1976)

وإضراب عمال المحلة (مارس 1975) واستمرت في الثمانينا والتي بدأت بانتفاضة كفر الدوار 1984 اضراب عمال السكك الحديدية 1986 وإضراب عمال الحديد والصلب في حلوان عام 1989.

وإجمالا لم يشهد عامي 1982 , 1983 أى أحداث عنف وفي عام 1984 كان أبرز أحداث العنف هو إضراب عمال شركة شبرا للصناعة الهندسية وشهد عام 1986 ثمانية إضربات عمالية محدودة وشهد عام 1987 أربعة أضربات وعام 1988 إضراب واحد أما عام 1989 فقد شهد سبعة إضرابات .

أما فترة التسعينيات فقد شهدت هي الأخري أحداث عنف من جانب العمال خاصة مع سياسات الخصخصة والتحول الجاد نحو آليات السوق بلغت ذرتها عام 1994 حيث شهد هذا العام إضرابات واعتصاما ومظاهرات ويمكن القول أن منحني الاحتجاجات العمالية في تصاعد وإن اختلف في درجة العنف)

فقد شهدت السنوات الثلاث السابقة تزايدا في عمليات الاحتجاج فبلغت 100 احتجاج عام 1998 و80 احتجاجا عام 1999 أما في عام 2000 فقد بلغت 69 احتجاجا في حين بلغت أعلي درجاتها عام 2001 إذ بلغت نحو 115 احتجاجا موزعة على القطاعات الثلاثة عام وخاص وحكومة (42, 52 , 21 على التوالي) الواقع أن ثمة ملاحظات هامة عن دور العمال في أحداث العنف السياسي في الثمانينيات والتسعينيات وهي :

إن انخراط العمال في أعمال العنف6 المضادة للنظام يعتبر محدودا مقارنة بدور الطلبة او الجماعاتة الإسلامية إلا ن تأثيرها أكبر من الناحية الاقتصادية هذا فضلا عن كونها أحداث متفرقة ومحدودة وارتبطت بمصالح فئوية .

إن أغلب أحداث العنف التي قام بها العمال جاءت متجاوزة للتنظيمات النقابية المسئولة وخارج إطارها الأمر الذي يعكس ضعف هذه التنظيمات وعدم قدرتها على التعبير عن مصالح العمال وتوصيلها ومن ثمة تدني ثقتهم في فاعليتها ويرتبط بذلك عدم استقلالية هذه التنظيمات وخضوعها للسلطة التنفيذية .

إنه يمكن فهم دور العمال في أحداث العنف انطلاقا من ظروف الأزمة الاقتصادية والاجتماعية بأبعادها المختلفة وما ترتب عليها من مساس خطير بمستويات معيشة قطاعات واسعة من الطبقة العاملة فالملاحظ أن مطالب العمال قد اقتصرت على المطالبة بحقوقها المتأخرة والمتراكمة في الغالب ومواجهة مماطلات أصحاب الأعمال أو الادارة .

وعلى نفس المستوي جاء أداء النقابات المهنية مرتبطا إلى حد كبير بالمناخ السياسي والثقافي الوطني السائد في ذلك الوقت وكونها جماعات مصالح في المجتمع المصري وأن تباينت في أدائها فقد شهدت فترة ما قبل الثوة قيام عشر نقابات هي نقابة المحامين (عام 1912) ونقابة المحامين الشرعيين (عام 1916) نقابة الأطباء (عام 1940) نقابة الصحفيين (عام 1941) نقابة أرباب المهن الهندسية (عام 1946) نقابة طب الأسنان والصيدلة والطب البيطري (عام 1949)

وكانت نقابة المحامين في مقدمة النقابات التي لعبت دور نشطا على الساحة السياسية المصرية حيث مثل لامحامون خلال الحقبة الليبرالية الصفوة الفكرية للنظام السياسي واحتلوا العديد من المناصب السياسية الهامة في المجتمع وتشير الخبرة التاريخية إلى تعدد أساليب تدخل الدولة في العمل النقابي لتتراوح ما بين حل مجالس الادارات وبين التقييد القانوني لنشاط النقابات والتدخل في الانتخابات وهي سمة ممتدة حتى الآن وإن اقتصرت إلى حد كبير – على التقييد القانوني .

ومن المواقف البارزة هنا ما توضحه الأزمة التي انتهت بحل مجلس النقابة تعطيل قانون المحاماة الخاص بالانتخابات عام 1934 أثر احتجاج المحامين على شرعية الانتخابات التي جت عام 1933 كما لجأت الحكومة لاستخدم العنف لمنع انعقاد الجمعية العمومية للمحامين في عام 1930 (في اجتمع غير عادي لاتخاذ قرارات احتجاجية ضد الغاء دستور 1923) وهو ما انعكس في سلسلة القوانين التالية لقانون إنشاء النقابة (رقم 26 لسنة 1912)

إذ حظرت جميع القوانين اللاحقة ممارسة أى نشاط سياسي أو الاشتغال بالأمور الدينية وبطبيعة الحال لم تشكل نقابة المحامين استثناء في هذا الشأن حيث تضمنت كافة القوانين المنشأة لنقابات مواد محجمة لأى نشاط سياسي سواء بنص مبشر او غير مباشر .

ومع قيام الثورة تم ألغاء احدي النقابات وهي نقابة المحامين الشرعيين عام 1955 نتيجة الغاء المحاكم الشرعية بينما أنشئت خمس نقابات جديدة وهي نقابات المهن التمثيلية والمهن السينمائية والمهن الموسيقية وأنشئت جميعها في مارس 1955 ونقابة المحاسبين والمراجعين (أغسطس 1955) ونقابة المهن العلمية 1964

وتجدر الإشارة إلى أنه جرت محاولات عديدة منذ عام 1953 حتى الآن لإقامة اتحاد عام للنقابات المهنية لكنها باءت بالفشل (باستثناء مجلس اتحاد المهنيين خلال عام 64 -65) والذي انتهي بنهاية عام 1965

وإن كانت هناك اتحادات جزئية ثلاثة وهي اتحاد النقابات الطبية (1949) واتحاد نقابات المهن التمثيلية والسينمائية والموسيقية (1958) واتحاد نقابة المهندسين والنقابات الفنية (1974) وقد شمل الاتحاد الأخير نقابة المهندسين ونقابة المهن الفنية التطبيقية وشهدت هذه الفترة اتجاها نحو زيادة عدد النقابات المهنية واتجاها عاما نحو توسيع قاعدة العضوية وزيادة فترة تولي منصب النقيب .

كما شهدت فترة السبعينات إنشاء خمس نقابات مهنية جديدة هي نقابة المهن الاجتماعية ونقابة المهن الفنية التطبيقية (1974) ونقابة الفنانين التشكيليين (1976) ونقابة مصممي الفنون التطبيقية (1976) نقابة مهنة التمريض (1976) وفي الثمانينيات تأسست نقابتان هما نقابة المرشدين السياحيين (عام 1983) ونقابة الرياضيين (عام 1993) ونقابة العلاج الطبيعي (عام 1994) ليصبح إجمالي عدد النقابات المهنية (23 نقابة)

وقد حملت هذه المرحلة عدد من السمات الممتدة من مرحلة ما قبل 1952 كما سبقت الإشارة ولكن الجديد تمثل في حرص النظام الحاكم على دمج النقابات وظيفيا حيث اشترط القانون رقم 8 لسنة 1958 الحصول على العضوية العاملة في الاتحاد القومي

ومن بعد الاتحاد الاشتراكي فيمن يرشح لعضوية مجالس النقابات بصفة عامة وهو ما استمر معمولا به حتى عام 1977 كما اقتصر اللجوء للعنف من قبل الحكومة في الحدود الضيقة كما تعكسه محاولة منع اتمام عقد بعض الندوات حول القوانين المقيدة للحريات في الثمانينات وإن كان من الملاحظ أن فترة الثمانينات قد شهدت دفعة هائلة لنشاط النقابات المهنية خاصة بعد نجاح التيار الإسلامي في انتخابات العديد من هذه النقابات, خاصة النقابات المهنية الكبري كما هو الحال في نقابة المحامين , والمهندسين , الأطباء وغيرها وكان هذا التحرك النقابي على مستويين :

مستوي قومي والذي تمثل في دعم قضاياا الحريات والديمقراطية ورفض مد قانون الطوارئ ودعم الحريات النقابية كذلك إعلان التضامن مع الشعب الفلسطيني وإدانة تطبيع العلاقات مع إسرائيل ومستوي فئوي وتركز حول الاهتمام بالخدمات النقابية والحريات النقابية ومستحقات الأعضاء وزيادة الميزانيات وشهدت هذه المرحلة كذلك نشاطا سياسيا واسعا سواء على مستوي كل نقابة على حدة أو على مستوي النقابات مجتمعة كذلك المشاركة السياسية مع الأحزاب السياسية ونودي اعضاء هيئة التدريس وغيرها .

وهكذا يمكننا فهم طبيعة العلاقة بين الدولة والنقابات المهنية في هذه الفترة حيث لجأت الدولة إلى مجموعة من القوانين كان أبرزها القانون رقم 100 لسنة 1993 ثم القانون رقم 93 لسنة 1995 اللذين أثارا أزمات عديدة وواجها معارضة شديدة من النقابات المهنية المختلفة.

فكان إصدار القانون رقم 100 لسنة 1993 والذي عرف بقانون النقابات المهنية الموحد في منتصف فبراير عام 1993 من أهم التطورات السياسية التي شهدها المجتمع المصري في السنوات القليلة الماضية نظرا لأثر هذا القانون على التنظيمات النقابية المهنية والتي اكتسبت منذ بدء مرحلة التعددية السياسية عام 1976 أهمية كبيرة

وقد نص القانون على اشتراط تصويت نصف أعضاء الجمعية العمومية لضمان صحة انتخاب النقيب وأعضاء مجلس النقابة وفي حالة عدم انتخاب النقيب وأعضاء المجلس وفق النسبة السابقة تتولي اختصاص مجلس النقابة العامة لجنة مؤقتة برئاسة قضائية محددة وفقا للقاتنون وقد وجهت انتقادات عديد لهذا القانون خاصة نسبة المشاركة التي رآها البعض مرتفعة للغاية ولا يأخذ بها حتى في انتخابات مجلس الشعب

وكذلك حول تعيين المجلس المؤقت والذي رآه البعض محاولة للتحايل وفرض هذه المجالس باعتبارها مجالس دائمة بالإضافة إلى مخالفة هذا القانون للدستور والاتفاقيات الدولية وكان هذا القانون أساسا لموجهة ترجيح كفة تيار الإسلام السياسي في العمل النقابي خاصة مع ما أظهرته الممارسات السياسية لهذا التيار من قدرة فئقة على التنظيم والحشد من حيث عقد الندوات وإصدار البيانات.

وكان لإصدار القانون رقم 100 لسنة 1993 صداه الهائل في التحول الدراماتيكي في علاقة هذه النقابات بالدولة فقد تأثرت العملية الانتخابية في عديد من النقابات ففي نقابة الأطباء نشب النزاع بين اللجنة القضائية المشرفة على الانتخابات ومجلس النقابة حول اختصاص كل منهما وانتهي بتأجيل الانتخابات لأجل غير مسمي وفي نقابة التجاريين تعذر إجراؤها نظرا للتعقيدات التي جاء بها القانون بينما تمثل نقابة المهندسين حالة بارزة لما تمثله من تشابك بين آثار القنون من ناحية والصراعات الداخلية في النقابة من ناحية خري حيث تم تأجيل الانتخابات ثلاث مرات خاصة مع الصراع المتصاعد بين المجلس الأعلي لنقابة المهندسين واللجنة القضائية المشرفة على الانتخابات كما ينص القانون الجديد كذلك الصراع بين المجلس الأعلي لنقابة المهندسين ومعارضيه داخل النقابة.

كما تصاعدت الصراعات السياسية بين التيارات المختلفة داخل النقابة بين التيار الإسلامي والمعارض له حول اتهامات بالفساد وإهدار الأموال كما حدث في نقابة المحامين خلال عام 1993 كذلك تصاعدت المواجهة بين النقابات ووزارة الداخلية كما حدث مع نقابة المحامين عام 1994 عقب وفاة أحد المحامين المتهمين بالانتماء إلى الجماعات الإسلامية واعتقال44 محاميا دون سند قانوني وعقب الصراعات الداخلية التي شهدتها نقابة المهندسين والتي امتدت إلى ساحات القضاء بين المجلس الأعلي للنقابة ذي الأغلبية الإخوانية ومعارضيه

وانتهي الأمر إلى فرض الحراسة القضائية على نقابتي المحامين والمهندسين أما نقابة الأطباء فقد شهدت مواجهة حادة بين النظام وجماعة الإخوان داخل النقابة اتخذت شكلا صريحا عقب إعلان أجهزة الأمن كشف مخطط إرهابي أعده خمسة من قادة الإخوان " العاملين في لجنة الإغاثة " ووجهت اليهم تهم السعي لقلب نظام الحكم أما نقابة الصحفيين فقد تميزت بأنها أول نقابة تجري فيها الانتخابات وفقا لنصوص القانون السابق وتعديلاته التي أدخلت عليه في فبراير 1995 وجري انتخاب النقيب وأعضاء مجلس النقابة الاثني عشر عام 1995 .

أما بالنسبة للقانون رقم 93 لسنة 1995 والذي أثار أزمة شديدة مع نقابة الصحفيين وجدلا سياسيا واسعا فقد تضمن ادخال أفعال غير مؤثمة إلى دائرة التجريم مثل نشر البيانات أو الشائعات المغرضة أو الدعايات المثيرة إذا كان من شأن ذلك إثارة الفزع بين الناس أو الحاق الضرر بالمصلحة العامة أو الإضرار بالاقتصاد القومي للبلاد وتم تشديد العقوبات خاصة عقوبة الحبس والغرامة

كذلك أباح القانون للنيابة العامة الحبس الاحتياطي للصحفي في قضايا النشر بواسطة الصحافة وفور صدور القنون من مجلس الشعب تفجر جدل سياسي هائل بين الحكومة والصحفيين حيث انتقد الصحفيون القانون باعتباره مخلفا للدستور نصا وروحا خاصة وأن المواد 47, 48, 26, 27 تنص على كفالة حرية الرأي والتعبير وأن القانون يقيد من حية تدفق المعلومات وفيه تغليب للنظرة العقابية وفرض قيود على حق النقد وفرض عقوبات على التفسيرات والتأويلات ورغم انتهاء لأزمة بصدور القانون 96 لعام 1996 لتنظيم الصحافة إلا أ، الجدل حول دور الصحافة لم ينقطع .

ثالثا : مظاهر الخلل

قد يبدو للوهلة الأولي أ، هناك قدرا من التناقض حكم العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني يتطلب معه إعادة النظر في تلك العلاقة وذلك استنادا للتراث الطويل الخاص بالمنظمات غير الحكومية وما تواكب معه من تاريخ موازي لمركزية السلطة السياسية غير أنه بمزيد من التأمل يتضح ان الدولة في مصر كانت أقوي من تلك المنظمات فباستثناء الفترات الأولي للنشأة والتبلور نجد أن الدول هي التي سمحت بقوة هذه المنظمات في لحظة تاريخية معينة وضيقت من هامش الحرية والفاعلية في لحظة تاريخية أخري ,

في المقابل سعت تلك المنظمات للمحافظة على وجودها تحت كل الظروف السياسية ومتحدية الرقابة الادارية التي ظلت تضيق على نحو مستمر عبر مجموعة من القوانين حيث تظهر المراحل العديدة التي مرت بها القوانين المقيدة لهذه المنظمات قوتها مثابرتها حتى اليوم

ولذلك لم يكن غريبا أن تبلور الدولة من الأطر المتباينة لهداف والوسائل للتعامل مع تلك الجمعيات تراوحت في مجملها بين أطر شبه ديمقراطية وأخري سلطوية وهذا يعني أن هامش الحركة الممنوح لهذه الجمعيات ظل محكوما بوجود دولة مركزية قوية ومتداخلة وإن تباينت أساليب استخدام هذه الأطر كنتيجة لوجود عاملين أساسيين هما :

  1. طبيعة المناخ الثقافي والإيديولوجي السائد في المجتمع
  2. مدي قدرة تلك الجمعيات على بلورة جانب قوي للمجتمع المدني وطرح صيغ أساسية تتوافق وخصوصية التشكيلات الاجتماعية في الدولة .

ومن اللافت للنظر أن العديد من المشكلات الفكرية والثقافية التي واجهها العديد من المفكرين والباحثين المصريين منذ بدايات القرن الماضي وحتى الآن حول دور المجتمع ما يزال لها حضور قوي ,

بل وربما تزايدت في ظل التطورات الهائلة في البيئة الدولية وما تطرحه من تهديدات قويا للثقافات الوطنية والمحلية وهو ما يثير بدوره قضية تعلق بأسلوب التعامل مع المتغيرات الدولية والنظام العالمي الذي يفرض نفسه بكل قوة على السوق ووسائل الإعلام والاتصال التي تخترق لحياة البشرية في كل مكان الأمر الذي تبدو معه أساليب التحصن و المواجهة عبر أساليب من خارجه مسألة غير مجدية ولذلك يكون من الضروري العمل على تفعيل المجتمع بكل مؤسساته وتوسيع نطاق مشاركته.

وإذا ما كان البعض يطرح أسلوب الصدام مع الدولة كمنهاج وحيد للخروج من حالة الإخفاق التي تعاني منها عملية بناء المؤسسات الأهلية فإنهم يتجاهلون نتائج هذا الصدام الذي يفرغ مبدأ العمل المدني من مضمونه فضلا عما يثيره هذا الطرح من فكرة ما يسمي بحرق المراحل " فالمفروض أن تقوم الجمعيات الأهلية على رفض احتكار السلطة والقوة إلى جانب أن سياساتها تقتصر على قطاع معين على خلاف السياسات الحكومية التي تسعي لتحقيق أعلي مستوي من الرضاء القومي

إذ تظل نقطة التحول الحقيقية بالنسبة لدور هذه الجمعيات في قدرتها على طرح قضايا التغيير الاجتماعي وبالتالي تصبح في مواجهة مباشرة مع الدولة بحكم مطالبتها بمزيد من التغيير الاجتماعي والسياسي ومن ثم تتعدد هذه المواجهات وأشكالها بحجم السلطات الممنوحة لبناء سياسات اجتماعية وسياسية تحول دون الصدام الشامل بالدولة وهكذا يصبح خيار الإصلاح المتدرج الخيار الأكثر قبولا وخاصة ان تجربة العمل الأهلي عبر تطورها الزمني قد عانت دائما من مركزية الدولة .

إن الحديث عن زيادة فاعلية مؤسسات المجتمع المدني في مصر وإمكانية نفاذها إلى داخل النظام السياسي والتأثير عليه مر يصعب تصوره في المدي القريب لما تتطلبه هذه الزيادة من توفر مجموعة من العوامل مثل الخصائص الذاتية للجماعة درجة الاستقلال الاطار السياسي نوع السياسات العامة الثقافة السياسية ومع إعمال هذه العوامل على واقع النقابات الجمعيات الأهلية الحالي نجد أننا أمام وقع رسخه العديد من الاعتبارات التاريخية كما سبقت الإشارة والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية .

فبالنسبة للجماعات الأهلية تشير بعض الدراسات المحلسة المستندة للتحليل الاحصائي لبينت وزارة الشئون الاجتماعية إلى ضآلة حجم المنتفعين من أنشطة الجمعيات وافتقار هذه الجمعيات للتمويل الكافي في ضوء القدرة المالية المتعاظمة نسبيا للجمعيات الدينية (في الثمانينيات) كما أن التزام أعضاء الجمعيات بتسديد قيمة اشتراكاتهم لا يتحقق سوي بنسبة 60% تقريبا في أحسن الأحوال

فضلا عن محدودية الجمعيات التي تمتلك حسابات منتظمة هذا إلى جانب افتقارها للموظفين المتفرغين أو المتطوعين المؤهلين مما يعوق عملها ويجعلها غير قادرة على تنمية مواردها أو تحقيق التعاون الفعال مع مجتمعاتها المحلية أو مع المؤسسات الحكومية وتشير خريطة توزيع هذه الجمعيات على مستوي الجمهورية إلى مجموعة من الدلائل والمؤشرات الخاصة نذكر منها:

إن الزيادة التي شهدتها أعداد الجمعيات خلال حقبتي التسعينيات والثمانينيات كانت تعبيرا عن زيادة وعي المواطنين والحاجة لسد الفراغ الناتج عن تراجع دور الدولة في بعض المجالات المنوط القيام بها وتهيئة الفرصة فقامة نظام ديمقراطي تعددي وبروز قوي اقتصادية واجتماعية جديدة وهي أسباب تخالف تلك الأسباب التي كانت وراء قفزة مماثلة شهدها العمل الأهلي في الفترة ما بين الستينات والسبعينيات إذ ترجع الأسباب إلى تفاعل النشاط التطوعي مع التغيير الثوري مما اثر في تنمية الوعي الاجتماعي في الأقاليم .

إن المناطق الحضرية تستأثر بالجزء الأكبر من نشاط الجمعيات إذ تشير الاحصائيات وفقا لعام 1998 إلى أن 65,9% في المائة من الجمعيات توجد في المدن والحضر ونحو 29,6% في المائة في الريف و2,7% تعمل في المجتمعات الصحراوية و1,8 % تعمل في المناطق الجديدة

وأن محافظة القاهرة تستأثر وفقا لأرقام 1998 بالنصيب الأكبر من الجمعيات في حين تأتي محافظة جنوب سيناء في ذيل القائمة (3735 جمعية – 41 جمعية) بمعني وجود قدرا من الخلل بين الكثافة السكانية والتوزيع الجغرافي للجمعيات في بعض محافظات الجمهورية حيث لا يتحقق هذا التوازن إلا في محافظات القاهرة والإسكندرية والجيزة بينما لا يتوافر في محافظات أخري كالقليوبية وبورسعيد.

- إن تفاوت التوزيع الجغرافي للجمعيات يوازيه تفاوت آخر بين ميادين العمل الاجتماعي بشكل يمكن معه القول أن هناك تركزا عبر الزمن للجمعيات في ميادين ثلاثة هي تنمية المجتمع الخدمات الثقافية والعلمية والدينية والمساعدات الاجتماعية الأمر الذي يطرح أهمية إعادة النظر في تقسيم ميادين العمل الاجتماعي حتى تتواكب مع متغيرات المجتمع ومعطياته الجدية .

- إن فلسفة العمل التطوعي لا تزال غائبة عن الواقع المجتمعي في مصر ويتجلي ذلك في الوضع المعاكس بين قيام الجمعيات واحتياجات المحافظات فتشير مسألة تفاوت مستويات الفقر بين المحافظات (كما يشير تقرير التنمية البشرية لعام 1994) إلى من المؤشرات الدفعة لقيام الجمعيات ولا سيما في المنطق الريفية

- ففي محافظة المنيا وأسيوط (تمثلان أفقر محافظات الجمهورية من حيث نصيب الفرد من الدخل) نجد أن جمعيات المساعدات الاجتماعية وخاصة الإسلامية منها تحتل المرتبة الأولي في أن الحاجة تتطلب قيام جمعيات تنمية حيث أن الطبيعة الزراعية للمحافظتين تعطي أهمية أكبر لجمعيات التنمية كما يلاحظ غياب الرابطة الجامعة بين نصيب الفرد من الدخل والتنمية البشرية في المحافظات من ناحية وقدرتها على توجيه العمل الاجتماعي لأهلي نحو رؤية أوسع من تقديم المساعدات المباشرة أو غير المباشرة (في صوت خدمات)

- من ناحية أخري مثل محافظة الشرقية التي نجد أن ترتيبها يقل وفقا لدليل التنمية البشرية وتتساوي مع محافظات (الصعيد والقليوبية وكفر الشيخ والبحيرة والمنوفية) عن المتوسط العام على مستوي الدولة في وقت تزيد عن محافظة القاهرة في إعداد جمعيات تنمية المجتمع المشهرة عام 1996 .

- وتقودنا هذه الصورة إلى نموذجين من حالات الاندماج الوظيفي التنظيمي للجمعيات التطوعية في إطر الدولة النموذج الأول يتعلق بجمعيات الأسر المنتجة وكونها أحد صور الاندماج الوظيفي الذي كان لنجحها ارتباطا بنجاح السياسة العامة للدولة فبعد أن كانت الجمعيات في الستينات مندمجة في إطار سياسات توزيع الدخل أصبحت في الثمانينيات جزء من سياسات الاصلاح الاقتصادي

- من حيث الاتجاه نحو دفع القدرة التصديرية للمنتجات وتنمية المصادر الذاتية لدخل الأسر الفقيرة ويبدو أن نجاح هذه المشروعات كان الدافع وراء التأكيد المستمر من قبل وزارة الشئون الاجتماعية على زيادة أعداد الأسر المشاركة فتشير تقديرات عام 1998 إلى أن مجموع الأسر المستفيدة من هذا المشروع بلغت 397048 أسرة من بينها 193962 أسرة (ى 48,8%) استقلت انتاجيا وتسويقيا .

أما النموذج الثاني فتوضحه نوادي أعضاء هيئة التدريس بالجامعات كنموذج لحالات الاندماج التنظيمي للجمعيات التطوعية وتشير هذه الحالة إلى واقع عام هو أن الجمعيات المندمجة وظيفيا في الدولة تعتبر أكثر استقرارا في سياق السياسات العامة من الجمعيات المندمجة فقط تنظيميا حيث أن الاندماج التنظيمي يسمح للجمعيات بالتأثير في التغيرات المجتمعية بصفة عامة بعكس الجمعيات الخاضعة للإندماج الوظيفي وقد ظهر هذا التأثير من جانب نوادي أعضاء هيئة التدريس في عام 1989 بأسلوب أكثر وضوحا من الجمعيات الأخري وربما شارك نادي القضاة في هذه السمة نوادي هيئات التدريس .

فالاندماج التنظيمي لم يمنع النوادي وعلى الأخص نادي أعضاء هيئة تدريس جامعة القاهرة من الاحتجاج على بعض الاتجاهات السياسية للنظام الأمر الذي تراجع معه دور وزارة الشئون الاجتماعية في التأثير على نشاط النوادي رغم امتلاكها للآليات وفقا لقانون 32 لسنة 1964 بعبارة أخري فإن نشاط النوادي في هذا العام أدي إلى بروز أدوار لوزارت أخري مثل التعليم والداخلية ورئيس الوزراء .

بهذا المعني يمكن القول أن تدخل الدولة سواء بالحل أو الدمج أو التجميد للجمعيات المندمجة وظيفيا والتي يصعب تسييسها تظل الشكل الأكثر شيوعا في الخبرة التاريخية للعمل الأهلي فنموذج جمعية الهداية الإسلامية والجمعية الشرعية للعاملين بالكتاب والسنة المحمدية وجمعية الشبان المسلمين أكبر دليل على ذلك في وقت تشكل نوادي هيئات التدريس وضعا خاصا نسبيا .

وتنقلنا هذه الصورة إلى القيد السياسي الذي يشكل محددا رئيسيا لآلية إعمال القانون وتوقيت الاستخدام وإن كان من المبكر الحكم على تجربة القانون 84 لعام 2002 إلا أن خبرة تعامل الجمعيات الأهلية مع القانون 32 لسنة 1964 تظل محددا لمفارقة الربط الملاءمة السياسية ودرجة الاحتقان السياسي من جانب وتوافر الأليات الرقابية التي يمكن استخدامها في أى وقت من جانب آخر

فعلي سبيل المثال نجد أن السلطة السياسية لم تسع لإغلاق المنظمة المصرية لحقوق الإنسان رغم ممارستها العمل دون موافقة الجهة الإدارية على قيامها فهي تعمل تحت التأسيس منذ عام 1985 في الوقت الذي لجأت فيه إلى حل جمعية نادي أصدقاء الإعلان العربي سنة 1988 لممارستها العمل السياسي من خلال جريدة صوت العرب المعبرة عن التيار الناصري ( في ذلك الوقت قبل قيام الحزب العربي الناصري)

على الرغم من استمرار صدور الجريدة لمدة سنتين الأمر الذي يمكن معه تفهم مسألة تعدد الأساليب والآليات التي تحكم علاقة الدولة بالمجتمع سواء من خلال مفهوم السيطرة او الاحتواء بهدف توسيع آليات تسييس دور الجمعيات كقوي سياسية في إطار التطور الديمقراطي الذي تشهده مصر أو بالشكل الذي تبدو معه الجمعيات الأهلية كمؤشر إيجابي أو سلبي على عملية التحول الديمقراطي .

أما بالنسبة للدور النقابي فيمكن رصد عدد من الصعوبات والقيود المحجمة لزيادة تأثير هذا الدور يأتي في مقدمتها نجاح السلطة التنفيذية في استيعاب القيادات العمالية سواء بالترغيب أو بالترهيب الأمر الذي أدي لضعف الدور النقابي ومحدودية تأثيره في السياسة العامة للدولة وبما لا يتوافق وكبر أعدادها وصخامة عضويتها

لذا يقتصر تحركها على المظاهر الاحتجاجية أما على صعيد النقابات المهنية فمن الملاحظ أن طبيعة المهنة تلعب دورا كبيرا في تحديد درجة القرب والبعد عن الحكومة مثال ذلك حالة نقابة المعلمين التي تعد (أكبر النقابات المهنية عضوية 750 ألف عضو) مقارنة بنقابة المحامين فنقابة المعلمين بحكم أن أعضاءها تقريبا مدرسون في مدارس الدولة فإنها تمتلك العديد من الوسائل المحجمة لدورها .

كما يبرز عامل التقييد النقابي أيضا باعتباره عنصرا هاما من عناصر ضعف هذه النقابات سواء داخل هذه النقابات أو على صعيد علاقة هذه النقابات مع بعضها البعض.. وفي هذا السياق يمكن رصد بعض أوجه هذا القصور الذي تعكسه اللوائح والقوانين المنظمة للعمل النقابي .

  1. مشكلات العضوية حيث تتصف العضوية في كثير من النقابات المهنية بشئ من التعقيد لا نجده عادة في النقابات العمالية وهو ما يمكن ارجاعه لاقتراب النقابة المهنية من نظام الطائفة القديمة ويدخل في مشكلات العضوية أيضا عدم وضوح الخطوط التي تميز بين مهنة وأخري , كما يشير انخفاض نسبة العضوية في النقابات والتي لا تتجاوز 28% من حجم الطبقة العاملة المصرية إلى قصور تنظيمي وإداري ووجود فجوة كبيرة بين التنظيم النقابي الرسمي والطبقة العاملة وخاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أيضا ضالة عضوية عمال القطاع الخاص في التنظيم النقابي والتي لا تتجاوز 0,2% من حجم العضويه خلال الفترة الممتدة من 19911996 وهو ما انعكس بالتبعية على نشاط الحركة العمالية وفاعليتها وعبر في نفس الوقت عن تحول ميزان القوي في المجتمع المصري لغير صالح قوة العمل المنظمة.
  2. إن بعض النقابات العمالية والمهنية قد اقتصرت في مفهومها للعمل النقابي على الادارة البيروقراطية للجماعة بمعني اقتصارها على تضييق نشاطها في اطار الحد الأدني من الخدمات النقابية ومحدودية مشاركتها في القضايا ذات السمة القومية وكذلك السياسة العامة التي ترتبط بها .
  3. إن معظم النقابات الفرعية التي تنتشر في معظم محافظات مصر على خريطة العمل النقابي تعاني من الضعف وانخفاض المشاركة ومن المهم التأكيد على أن ارتفاع مشاركة النقابات الفرعية ومظاهر حيويتها هو المحك الرئيسي الذي يعكس عمق الوعي النقابي وعمق الاهتمام فصنديق الانتخابات ليست هي المظهر الوحيد وإنما طبيعة الالتحام بين هذه النقابات الفرعية والبيئة القومية والمحلية ولا يمكن تجاوزها .
  4. أزمة العلاقة بين التنظيم النقابي الرسمي وقواعده فالملاحظ أن هناك فجوة بين التنظيم الرسمي وقواعده ويظهر هذا واضحا في النقابات العمالية وتشير عدد من الدراسات إلى أن 85% من التحركات العملية التي تمت منذ عام 1988 تمت بمعزل عن التنظيم النقابي بل إن التنظيم النقابي أدان كثيرا من هذه التحركات العمالية كما حدث في اعتصامات الحديد والصلب عام 1989 والقومية للأسمنت بحلوان
  5. غلبة المصالح الفئوية . وليس عيبا أن تسعي أى نقابة أو جمعية إلى حماية مصالحها لكن ألا يكون ذلك في غياب رؤية شاملة للمصلحة العامة وعدم وجود تنسيق بين النقابات المهنية إلا عند حدوث خطر يهدد المصالح المشتركة لهذه النقابات مجتمعة كما حدث عام 1990 في مطالبة رئيس الجمهورية بدعم الحريات والديمقراطي وفي عام 1991 الذي شهد انعقاد المؤتم العام الأول للنقابات المهنية والذي استمر يعقد سنويا بعد ذلك وكان لتصاعد التيار الإسلامي وسيطرته على النقابات المهنية الكبري دوره في محاولة التنسيق وبلورة مواقف مشتركة معتمدة على المؤتمرات والندوات ووسائل الإعلام بدلا من محاولات الاعتصام والاضراب لتجنب الصدام مع السلطة وتوالت المؤتمرات بعد ذلك سيلي تفصيلها والتي ركزت بصورة أساسية على الحريات العامة والنقابية والشخصية والوفاق الوطني .
  6. الضعف المؤسسي والوظيفي للنقابات والذي يعود إلى عوامل عدة تتلخص في عدد الانقسامات وتشابكها داخل مجالس النقابات وقد برز ذلك بصورة واضحة منذ منتصف الثمانينيات مع سيطرة التيار الإسلامي على العديد من مجالس النقابات المهنية حيث شهدت نقابات المهندسين والمحامين والأطباء التي يسيطر عليها التيار الإسلامي تبادل اتهامات داخل المجالس بين تكتل الإسلاميين والتكتلات المعارضة ووصل الأمر داخل نقابة المحامين على سبيل المقال إلى تقديم شكاوي للنائب العام بوجود مخالفات جسيمة وفساد وكان التكتل المعارض هو الذي قدم هذه الشكاوي الأمر الذي يطرح مسألة غياب أليات منهجية للحل السلمي للصراعات والمنافسة الداخلية التي تنخرط فيها شخصيات مؤثرة أو قيادية في حياة المنظمات إلى ضعف قيمة المشاركة والتعايش ومن الأمثلة البارزة هنا ما تشهده نقابة المحامين طوال فترة الثمانينيات من عدم استقرار وصراع وصل إلى حد استخدام العنف وتجميد نشاط واحد من أبرز النقابات التي قادت المجتمع المدني في فترة شديدة الصعوبة في تاريخ البلاد وقد امتدت هذه الممارسات في التسعينيات إلى عدد من النقابات حيث ساهم القانون رقم 100 لعام 1993 في تجميد نشاط ثماني نقابات مهنية نتيجة امتناع اللجنة القضائية التي أوكل إليها القانون مهمة إجراء الانتخابات – عن تحديد مواعيد لإجراء الانتخابات في هذه النقابات وهي : الأطباء , والأسنان,البيطرية, المعلمين , الرياضيين كذلك تبرز مشكلة الشخصنة " إذ تلعب شخصية النقيب دوا حيويا في تحديد فاعلية النقابات .
  7. كذلك تبرز مشكلة الحاك داخل االنقابات إذ لا يصل التغيير إلى المستويات العليا سواء داخل النقابات العامة أو الاتحاد العام إلا في حدود ضيقة فهناك قيادات نقابية تحتفظ بمناصبها لمدة تزيد عن 15 سنة فالتغيير يقتصر على مستوي اللجان العليا فقط كما أن التنظيم النقابي العمالي لا توجد له قوة أو منظمات منافسة تجعله يحرص على الحصول على رضا العمال بل وضح توجه الاتحاد نحو السلطة وقد أوضحت آليات الانتخابات العمالية غياب الدور الحقيقي للنظيم النقابي وفعليته كمنظمة نقابية منوط بها الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وتحسين ظروف العمل كما شهد الاتحاد العام لنقابات عمال مصر أزمة شديدة في أبريل 1995 " عقب صدور قرار المحكمة الدستورية بإسقاط المادة 38 من القانون 35 لسنة 1976 والخاصة بعدم جواز الجمع بين عضوية مجلس إدارة المنظمة النقابية والعضوية العاملة في نقابة مهنية بما لا يزيد عن 20 % وهو ما يعني بطلان الاتحاد العام لعمال مصر لأمر الذي دفع الحكومة لوضع مشروع قانون معدل للنقابات العمالية يعالج أوجه القصور في القانون السابق وبماا يتواءم مع المتغيرات والأوضاع الجديدة .
  8. وعلى صعيد العلاقة مع النظام السياسي : يبدو النظام السياسي أكثر حرصا على عدم السماح للقوي والمؤسسات المختلفة بالتأثير المؤسسي الفعال على المدخلات الرئيسية له ولا يلغي ذلك وجود قدر من التفاوض وعلاقات التأثير والتأثر بين النظام ومؤسسات المجتمع في حدود ضيقة فقد شهد العهد الناصري رقابة ووصاية إدارية شديدة على التنظيم النقابي وخاصة العمالي ولم يحدث تلاحم بين التنظيم السياسي والنقابي ومورست علاقة وصاية على الحركة النقابية ولم يسمح لها حتى بالتأثير على مخرجات النظام وشهد عهد الرئيس السادات استمرار لدور الوصاية وإن كان بدرجة أقل لتتوافق والاتجاه نحو الانفتاح السياسي والاقتصادي أما في عهد مبارك فقد شهدت النقابات المهنية قدرا أوسع من التحرر من وصاية الدولة وتمكينها من التجاوب مع الاتجاهات السياسية للبلاد وإن كان هذا الاتجاه قد تعرض لضربة قوية بصدور القانون رقم 100 لسنة 1993 مما ألقي بظلال حول مصداقية هذا الاتجاه بمعني أن آليات الرقابة والقيود من جانب الدولة والمتمثلة في قيود قانونية وتنظيمية ومالية ترتكز إلى عدد من العوامل منها تداخل العلاقات الشخصية والمصلحية والسيسية والاجتماعية الموجودة داخل النقابات ومؤسسات المجتمع من خلال هامش حركة يسمح بانتقاد بعض السلوكيات والسياسات العامة للدولة ولا يلغي ذلك وجود قوي معارضة لسياسة الدولة داخل هذه التنظيمات النقابية

وساعدت مجموعة التطورات السياسية والاقتصادية التي شهدها المجتمع في فترتي الثمانينيات والتسعينيات على إبرازها وانعكاسها على العلاقة بين النقابات والنظام السياسي مثل :

- التغييرات الاقتصادية والاجتماعية الحادة في المجتمع خاصة مع سياسات الإصلاح الاقتصادي وآليت السوق وقد أدت هذه السياسات إلى تزايد ملموس في تكاليف المعيشة خاصة مع عجز الزيادة في الأجور عن ملاحقة الزيادة في الأسعار كما أدت سياسات الخصخصة إلى تزايد ملموس في جيش العاطلين مما شكل عبئا إضافيا على جميع السر محدودة الدخل في مصر لذلك كان طبيعيا أن تتحرك النقابات عمالية ومهنية لمواجهة تأثيرات هذه السياسات على مستويات المعيشة.

- ارتفاع درجة التسييس بين النقابات المهنية بشأن قضايا الحريات والديمقراطية وخاصة مع عدم وجود فاصل بين العمل النقابي المهني والعمل السياسي في هذه النقابات بالإضافة لنجح التيار الإسلامي في النفاذ للنقابات واتخاذها كوسيلة لإجراء مفاوضات بين النقابة كمؤسسة وبعض أجهزة الدولة إلى جانب محاولات التنسيق بين النقابات المهنية خاصة التي يسيطر عليها التيار الإسلامي إزاء موقف معينة.

- ضعف التأثير النقابي العمالي في وضع السياسة العامة اللدولة أو التأثير فيها والذي يقف عند مجرد إبداء الرأي وهو ما يتضح في قضية بيع القطاع العام ومشروع قانون العمل الموحد

فبالنسبة للقضية الأولي نجد أن رفض الاتحاد العام للعمال فكرة الشركات القابضة لم تحل دون تطور حالة الرفض إلى حالة التكيف مع الأمر الواقع لتقليل الآثار المترتبة على عملية الخصخصة مثل إنشاء صندوق إضافي للتأمين ضد البطالة وإنشاء اتحادات ملاك للعمال والمصانع والشركات المعروضة للبيع

كذلك الحالة بالنسبة للموقف من مشروع قانون العمل الموحد حيث انتقل موقف التنظيم النقابي وخاصة في مستوياته العليا من الرفض إلى التأييد المبرر لتلاؤم المشروع مع الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها الدولة

وفي هذا السياق يمكن رصد مجموعة من العوامل التي أضعفت التنظيم وحولته إلى ما يشبه منظمة شبة رسمية منها وربما في مقدمتها الصياغة الاندماجية التي ربطت التنظيم النقابي بالدولة منذ عام 1959 وحتى الآن عجز التنظيم النقابي على القيام بدوه كجماعة مصالح وضغط وهو ما يتجلي عند مقارنته بتأثر ونفوذ جمعية رجال الأعمال على سبيل المثال .

رابعا : آليات التفعيل

الصورة السابقة تشير إلى مستويين من المشاركة الشعبية الأول مستوي جزئي صغير وتمثيله الجمعيات الأهلية والثاني مستوي وسيط يأخذ شكل التنظيمات النقابية سواء عمالية أو مهنية وفي هذا السياق يمكن الحديث عن أهمية إعادة تنظيم مؤسسات المجتمع المدني التي سوف نقصرها هنا الجمعيات الأهلية والنقابات دون أن يعني ذلك عدم انطباقها على باقي مؤسسات المجتمع المدني وتنظيماته

والبداية تكون عبر تلافي الأسباب المعوقة والمؤدية إلى هشاشته حتى الآن لا سيما وأن الآمر لا يخلو من بعض النجاحات وفي مقدمتها تضامن مؤسسات المجتمع المدني معا وتصديها للقانون 93 لعام 1995 الذي سعي لتقييد حرية الصحافة فكان تضامن المنظمات غير الحكومية مع نقابة الصحفيين أحد ملامح الوظيفة الإعلامية الثقافية القيام بها .

ومع نجاح هذه التجربة نجحت أيضا المساعي الضاغطة لتغيير القانون 32 لسنة 1964 والتي أسفرت عن صدور القانون رقم 153 لعام 1999 (الذي حكم بعدم دستوريته) ليليه صدور القانون 84 لعام 2002 وإن كان من الملاحظ أن الفترة الفاصلة بين صدور القانونين والتي تقترب من ثلاث سنوات قد شهدت حالة من النقاش العام الذي تجاوز حدود البحثلا عن أهداف وأبعاد القانون الجديد وانعكاسه على العمل الأهلي ليمتد إلى تناوله مسألة الإصلاح السياسي المطلوب وقدرته على زيادة الهامش الديمقراطي ولذا فقد تعددت الواقف ما بين تأييد القانون ورفضه أو الدعوة إلى البناء عليه واتخاذه كخطوة على طريق تنشيط المجتمع المدني .

في المقابل بدت الحكومة أكثر حسما في تغليب خيار تغيير القانون وعدم الاكتفاء بتعديله وأكثر رغبة في دمج القطاع الأهلي ضمن سياستها العامة وأقل تردد في سياستها الاصلاحية تجاه هذا القطاع

وإن بقت ملامح هذه التردد مرتبطة بقضيتين شائكتين ما التمويل والدور السياسي للجمعيات فرغم التجاوز الحكومي لمنهاج الحلول الجزئية للتوافق مع المتغيرات والمستجدات التي شهدها المجتمع إلا أن ملامح لتردد ظلت قائمة في تجربتي إعداد القانون 153 لعام 1999 والقانون 84 لعام 2002 فنجد أنه لرغم الإقرار الحكومي بأهمية دور القطاع الأهلي وأهمية إيجاد لقانون جديد

إلا أن الأمر احتاج إلى حوالي خمسة وثلاثين عاما تقريبا قبل ن تشرع الحكومة في تقديم القانون 153 لعام 1999 الذي حكم بعدم دستوريته كما أن السرعة التي اكتنفت عملية تمرير القانون في مجلس الشعب والرغبة في تجنب المزيد من النقاش والجدل لم تسفر فقط عن الوقوع في خطأ إجرائي أدي لعدم دستورية القانون ولكنه في الحقيقة يعكس أيضا أن الممارسات الفعلية للدولة قد غلب عليها سمة التردد وهو ما يفسر إلى حد كبير تمسك الدولة لفترة طويلة بالقانون 32 لسنة 1964 الذي كان إفرازا لسياق اقتصادي واجتماعي مختلف عن السياق الحالي .

ولذا جاء القانون 84 متوافقا مع سياسة الخطوة خطوة أو الإصلاح المتدرج التي تسعي الحكومة لتطبيقها والتي تتجاوز نطاق العمل الأهلي إلى كونها فلسفة عامة تحكم النظام السياسي بشكل عام وبالتالي فقد حمل القانون الجديد في جنباته العديد مع الإجراءات أو الأدوات التي من شأنها أن تحفظ للجهة الإدارية قدرها على الإشراف التدخل في تحديد هامش الحركة الممنوح للجمعيات الأهلية

وهو ما تجلي في تباين وجهتي نظر الجهة الإدارية ونظر الرافضين للقانون حول المادة رقم 42 الخاصة بإعطاء حق حل الجمعيات إلى الجهة الإدارية والمادة رقم 2 التي تنص على اختصاص القضاء الإداري في نظر منازعات الجمعيات والمؤسسات الأهلية الأمر الذي يمكن معه القول ان تجاوز النمط الحكومي المستند لمحدودية التغيير لم يقابله تخفيف لقبضة الجهة الإدارية وإن القانون الجديد يسير لمحدودية التغيير لم يقابله تخفيف لقبضة الجهة الادارية

وإن القانون الجديد يسير في مسار الاصلاحات الهيكيلية التي عكستها على سبيل المثال مجموعة التعديلات التشريعية والتنفيذية التي اتخذتها الحكومة خلال عام 1994 حيث اقتصر التعديل على قمة الهيكل التنظيمي للعمل الاجتماعي الأهلي الممثل في الاتحاد العام للجمعيات والمؤسسات الخاصة فوفقا للقرارين الجمهوريين رقما 298 و314 تم أعادة تشكيل الاتحاد لأول مرة منذ تأسيسه عام 1964 بالقرار رقم 1301 لسنة 1969 ليشكل هذا التعديل خطوة إيجابية ممثلة في دفع دماء جديدة لقمة الهيكل التنظيمي للجمعيات الأهلية فضلا عن تخفيض عدد أعضائه من 41 عضوا إلى 32 .

وبهذا المنطق جاء القانون رقم لسنة 1994 مكملا للقرارين السابقين من حيث النص على إلغاء عبارة الاتحاد الاشتراكي العربي وإلغء النص الداعي إلى رئاسة وزير الشئون الاجتماعية للإتحاد وجعله مفتوح أمام الشخصيات القيادية فيالعمل الاجتماعي " وكذلك استحدث القانون مادة جديدة ( 50 مكرر) التي نصت على عدم جواز الجمع بين عضوية هذه الجمعيات وعضوية المجالس الشعبية وعدم جواز الجمع بين عضوية الجمعيات والعمل في الجهات الإدارية المنوطة بالإشراف على هذه الجمعيات وأعطي فرصة لهذه الجمعيات مدة ستة أشهر لتوفيق أوضاعها .

والحقيقة أن هذه التعديلات رغم إيجابيتها فيما يتعلق بتفرع الجهات الرقابية لأعمل الرقابة واستبعاد وزير الشئون الاجتماعية من رئاسة الاتحاد نجدها في المقابل قد احتفظت بحق رئيس الجمهورية في تشكيل مجلس إداة الاتحاد وفق المادة 85 فضلا عن إثارتها لامكانيات التغيير الشامل للقانون 32 لسنة 1964

باعتباره أحد معوقات العمل الاجتماعي في مصر الأمر الذي دفع وزيع الشئون الاجتماعية في ذلك الوقت للإعلان عن عدم مسئولية القانون وإيجابيته في إيجاد كثر من 14 ألف جمعية وأكثر من مليوني مواطن ومواطنة يشاركون في مجال التطوع وبالتالي فإن محدودية التغيير تعكس عددا من الدلائل والمؤشرات الخاصة بنظرتها لمفهوم العمل الاجتماعي التطوعي في مصر:

- إن القانون يعيد جدلية العلاقة بين الدولة ومؤسسا المجتمع المدني وحدود حيز التفاعل بينهما وخاصة مع استعادة الجهة الادارية حق حل الجمعيات الذي سبق وأن أعطاه القنون 153 لعام 1999 للقضاء الأمر الذي زاد من موجة التحفظ على القانون الجديد ورفضه

وفي هذا السياق يمكن رصد من الملاحظات الأولي :

أن مقارنة القانون الجديد بالقانون رقم 153 تكشف عن وجود تطابق شبه كامل بينهما وان التغيير الأساسي الذي تضمنه القانون رقم 84 يتركز في زيادة قبضة الجهة الإدارية والثانية تتعلق بتعدد أساليب الاحتجاج التي لجأ إليها المعارضون للقانون بدءا من مناشدة رئيس الجمهورية بعدم التصديق على القانون ومرورا بعقد العديد من اللقاءات والمؤتمرا التنسيقية بين ممثلين للمنظمات غير الحكومية والأحزاب السياسية وانتهاء بتقديم مذكرة (وقع عليها أربعة أحزاب سياسية وست عشرة من مؤسسات المجتمع المدني) تتضمن أوجه الاعتراض على مشروع القانون والمطالبة بإعادة طرحه للنقاش العام وإرجاء التصويت عليه في مجلس الشعب

والثالثة أن الخلاف بين الجهة الإدارية والجمعيات الأهلية ينصب حول حق الجهة الإدارية في التراخيص وحل الجمعيات وحظر النشاط السياسي والنقابي على الجمعيات واشتراط موافقة الجهة الإدارية للحصول على التمويل بالإضافة لاشتراط القانون الجديد قيم المنظمات الحقوقية بإعادة توفيق أوضاعها والخضوع له بعد أن كانت تعمل تحت مسميات قانونية أخري .

- في المقابل , سعت الجهة الإدارية لتأكيد دورها المساند لعمل الجمعيات من خلال الإعلان عن عدد العاملين المنتدبين من وزارة التأمينات والشئون الاجتماعية للعمل بالجمعيات والذي بلغ عددهم نحو 17 ألف موظف وأن الدعم الحكومي بلغ 65 مليون جنيه كمعونة سنوية لأكثر من خمسة آلاف جمعية وموافقتها على حصول 81 جمعية أهلية على منح ودعم من الهيئات الدولية بما قيمته مائة مليون جنيه

بالإضافة إلى تعدد مزايا القانون الجديد والتأكيد على حرية تكوين وتسجيل الجمعيات وكون موقفها اتسم دائما بالمرونة مع الاستناد إلى نمو عدد الجمعيات كدليل على صحة موقفها وتشير آخر البيانات إلى أنه منذ الفترة التي أعيد فيها العمل بالقنون 23 لعام 1964 (في الفترة الممتدة من 3/6/2000 وحتى 3/6/2002) وحتى صدور القانون الجديد قم تم إشهار 1358 جمعية يضاف إليها 373 جمعية أشهرت خلال فترة العمل بالقانون 153 والممتدة من تاريخ صدوره في 27 مايو 1999 وحتى الحكم بعدم دستوريته في يونيو 2000.

- وما بين وجهتي النظر تلك يمكن التأكيد على أن زيادة عدد الجمعيات بحوالي 1731 جمعية خلال فترة الثلاث سنوات الماضية يعبر عن استمرار معدل نمو الجمعيات بدرجة كبيرة مقارنة بفترات زمنية أخري كما يشير أيضا إلى الاهتمام بالمفهوم التنموي الواسع لعمل الجمعيات الذي لا يقتصر فقط على جمعيات تنمية المجتمع بل يمتد إلى جمعيات التنمية البشرية الدفاعية بأشكالها المتنوعة وإن كان من الملاحظ أن هناك خللا مستمرا في توزيع الجمعيات على مستوي المحفظات فنجد أن محافظات القاهرة والجيزة والإسكندرية تستحوذ على النصيب الأكبر من نسبة الجمعيات المشهرة إذ تصل إلى 29,4% في حين ما تزال تلك النسبة منخفضة جدا في محفظات جنوب سيناء وشمال سيناء والأقصر ومرسي مطروح .

- إن مواد القانون تعبر عن استمرار استراتيجية الدمج الوظيفي التي انتهجتها الدولة منذ أواخر الخمسينيات على الرغم من تطو دور الدولة من مرحلة الإشراف والتوجيه إلى مرحلة الرقابة والإشراف وهو ما يعبر عن رؤية الحكومة لموقع الجمعيات الأهلية في السياسة العامة للدولة ودوها في سد الاحتياجات المجتمعية فالقانون الجديد يشجع ويعطي اعفاءات إلى ما يزيد عن 99% من أعداد الجمعيات البالغ عددها 16505 جمعيات (وهي الجمعيات العاملة في مجال المساعدات الاجتمعية والتنممية المحلية)

أما العدد الباقي من الجمعيات فيتعلق بالجمعيات الدفاعية الاعتقاد بصعوبة الفصل بين الأداء التنموي من جانب والممارسة الديمقراطية والأداء السياسي من جانب آخر إلا أن التباين بين أولويات الحكومة ومؤسسات المجتمع المدني ككل وليس الجمعيات الأهلية فقط قد فرض العديد من القيود والصعوبات على نشاط بعض أنواع الجمعيات الأمر الذي يمكن تللمسه في غلبة الطابع الخدمي والخيري على دور الجمعيات الأهلية حتى الآن .

- ورغم الإقرار بأهمية هذا الدور في ظل الظروف المعيشية لغالبية المواطنين إلا أنه يمكن رصد ثلاث سمات رئيسية فرضها ضعف التأثير الدفاعي في السياسات العامة وحتى في موازنة علاقاتها مع الدولة فمن ناحية يبدو أن الدور التنفيذي والخدمي الذي تقوم به غالبية الجمعيات الأهلية يخرجها من دور الشراكة في صنع التنمية وسياساتها إلى كونها طرفا مشاركا ومن كونها طرفا ذا أنشطة دعاوية ودفاعية إلى كونها مجرد طرف مقدم للخدمات

ومن ناحية ثانية بدا أن غلبة الطابع الخدمي قد فرضت المزيد من الأعباء على عاتق منظمات ومراكز حقوق الإنسان وجعلتها الطرف المباشر في مواجهة الدولة في القضايا الدفاعية وخاصة أن باقي الميادين الدفاعية مثل قضايا البيئة وعمل الأطفال وحقوق المرأة تساير الاتجاه وأولويات العمل الحكومي ومن ناحية ثالثة تشير الخبرة التاريخية إلى توافر خبرات ميدانيةوساعة تسمح للجمعيات الأهلية بالمشاركة في عملية صنع السياسات وخاصة في مجالات رعاية الأسة والصحة والأمومة والطفولة .

- فدراسة واقع الحركة النقابية وأولوياتها في المرحلة السبقة وتحليل الاطار السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يحكم نشاط الحركة النقابية حاليا ورصد القضايا موضع الاهتمام للحركة وعلاقة هذه الحركة بالنظام السياسي كل ذلك لابد أن يساهم في تحديد مقومات الانطلاق للحركة النقابية المصرية ولطرح مقومات الانطلاق لابد وأن نطرح للنقاش بعض القضايا الأساسية حول مستقبل الحركة النقابية المصرية .

(1) أننا ما إطار اقتصادي واجتماعي يختلف كلية عن ذلك الذي نشأ في ظله التنظيم النقابي الحالي وكان ذلك نتاجا لسياسة متكاملة تعيد صياغة أسس الاقتصاد الوطني من خلال إنهاء كافة القيود التي تحول دون نمو النشاط الرأسمالي وسيادة علاقات الانتاج الرأسمالية وآليات السوق وتحرير التجارة الخارجية وانعكاست ذلك على الطبقة العاملة والمهنية والحركة النقابية في مصر بصفة عامة

فقد ترتب على ذلك تدهور في مستويات المعيشة وتفاقم ظاهرة البطالة والفجوة الواسعة بين الأجور والأسعار هو ما قد يؤدي إلى مزيد من التوتر الاجتماعي واحتمالات تفجر الحركة العفوية الجماهيرية واستمرار تصاعد العنف في المجتمع مما يلقي على عاتق الحركة النقابية مسئولية مضاعفة في المستقبل بالنسبة لتطوير وحماية هذه التحركات وتوجيهها نحو أهداف واضحة وفي إطار مهام محددة تساعدها على التأثير في مجمل أوضاع المجتمع..

(2) ن تاريخ الحركة النقابية يعتبر عاملا أساسيا بالنسبة لقدرتها على مواجهة مسئولياتها القادمة ومواجهة التطورات الجديدة بفاعلية " أن استعراض تاريخ هذه الحركة يثبت نها مسلحة بخبرة نضالية واسعة وقادرة على تهيئة الحركة النقابية للقيام بدورها الجديد بل وطرح مبادرات تضع هذا الدور الجديد موضع التطبيق "

(3) مع حسم غالبية النقابات لخيار العمل من داخل النظام واللجوء إلى وسائل أدوات من شأنها دعم هذا الخيار تبقي أهمية توفير توافق عام على أسلوب التعامل مع المستجدات الجديدة التي يواجهها المجتمع في المقابل يجب على الدولة التحرك في إطار مبادرة جديدة تتجاوز بها سلبيات الفترة الماضية التي استندت إلى حملة إعلامية حكومية تعبر عن المخاوف من سيطرة الإسلاميين على النقابات وتوظيف الاتهامات بالفساد والاحتكار السياسي لضمان الرأي العام مع إجراءت لفرض الحراسة على عدد من النقابات المهنية الخاضعة لنفوذ الحركات الإسلامية في مصر .

خامسا: الحالة المصرية مقارنة بالحالة العربية

رغم الإقرار بصعوبة المقارنة بين واقع الجمعيات في الدول النامية وغيرها من الدول المتقدمة إلا أن المقارنة في الحالة المصرية تبدو منطقية خاصة أن الخبرة التاريخية للعمل الأهلي في مصر تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر كما تبدو المقارنة أكثر أهمية مع المحيط العربي الذي تبدو تجربته أقصر عمرا أخذا في الاعتبار مجموعة الشروط المقيدة للعمل العام وطبيعة النظام وآلياته وفي هذا السياق يمكن رصد عدد من الحالات والنماذج التي توضح موقع التشريع الأخير للجمعيات المدني في بعض دول العالم .

  1. مبدأ اللجوء إلى قضايا يعتبر مبدأ اللجوء للقضاء للنظر في المنازعات التي تنشأ بين الجمعيات والجهات الادارية هو المبدأ المعمول به في كل بلاد العالم تفاديا لتعسف السلطة الإدارية في التضييق على حرية تأسيس الجمعيات وممارستها نشاكها وقد أخذت بهذا المبدأ دول عربية كثيرة مثل الأردن والمغرب واليمن كما تبرز الحلة الفرنسية كحالة مثلي فالقانون الفرنسي المنظم لعمل الجمعيات الأهلية والمعروف بالقانون 1901 قد طلق مسألة تأسيس الجمعيات بدون أية قيود حتى أن عدد الجمعيات بلغ مليوني تتعلق بالمساءلة والشفافية وتغليظ العقوبات فيما يتعلق بإساءة استغلال أموال الجمعية حيث نص القانون على تحمل مجلس الإدارة المسئولية لمدة أربعين عاما .
  2. لأنماط التي يخاطبها القانون : على خلاف الشائع في أغلب قوانين العالم والتي تعتمد على عدة أنماط قد تصل إلى خمسة في روسيا أو أربعة في حالة المجر أو ثلاث في حالة الولايات المتحدة يغلب على المستوي العربي التصنيف الثنائي كما هو الحال بالنسبة للقانون المصري الذي يصنفها إلى الجمعيات الأهلية والمؤسسات وكذلك الحال في سوريا وفي الأردن وإن اختلفت التسميات للوضع في فلسطين كذلك تعتمد بعض الدول في قوانينها على تصنيف واحد مثل الحالة التونسية والجزائرية واللبنانية وإن كان من الملاحظ في القوانين أن هناك تداخلا بين القوانين المنظمة للجمعيات الأحزاب السياسية كما هو الحال في لبنان وتونس والمغرب .
  3. تحديد مجالات النشاط تحرص البلدان التي يوجد بها مجتمع مدني قوي على فتح مجالات النشاط وعدم التقيد بأغراض تحددها الدولة وعادة ما تكون الضوابط مقصورة على ما يهدد النظم العام أو الأمن الوطني ولذا فقد أحسن القانون المصري إطلاقه لمجالات النشاط والعمل خاصة أن القانون رقم 32 لعام 1964 كان مقيدا لمجالات النشاط وقد نص القانون الأردني على سبيل المثال على قصر النشاط على تقديم الخدمة الاجتمعية بكل ما تعنيه من تحسين لأحوال المواطنين ثقافيا أو تربويا أو صحيا أو روحيا أو اجتماعيا أو فنيا وهو نفس الحال بالنسبة للوضع في الجزائر كذلك أطلق القانون السوري مجالات العمل وإن ربطها بمجموعة من الاستثناءات التي سماها " بالأهداف المحرمة قانونا ومنها على سبيل المثال تهديد من البلاد , أوتشكيل كيان عسكري بالإضافة إلى التأكيد على أهمية تحديد أهداف الجمعية بشكل واضح وهو ما ينطبق على الحالة اللبنانية أيضا.بصورة عامة يمكن الإشارة إلى أن مجموعة القوانين المنظمة لعمل الجمعيات في البلدان العربية تشغل حيزا ليس بالقليل من القيود المفروضة على مجالات العمل حيث أن الصيغ المطاطة التي تصاغ بها القوانين في معظم البلدان العربية تشكل عائقا يمكن استخدامه من جانب الجهة الإدارية أو تجاوزه حيثما يتراءي لها.
  4. متطلبات التسجيل يعد هذا المحدد من الأهمية بحيث أنه يوضح درجة تشجيع الحكومات للعمل الأهلي فكلما كانت إجراءات التسجيل سهلة وبسيطة كلما كان ذلك يعني توافر رغبة في إيجاد مجتمع مدني قوي ورغم هذه الحقيقة فالملاحظ أن هناك تباينا في التفاصيل بين الدول العربية سواء فيما يتعلق بالحد الأدني المطلوب من المؤسسين الذي يتراوح بين 10 في حالة مصر و15 في حالة الجزائر وعدم تحديد العدد المطلوب في حالة اليمن أو فيما يتعلق بالجهة الإدارية المنوط بها الإشراف عليها إذ تتعدد هذه الجهات وفقا لأنماط الجمعيات وفي هذا السياق تبرز الحالة اللبنانية باكتفائها بالإخطار بعد التأسيس كخطوة متقدمة عن باقي الحالات العربية وإن اقتصر هذا التميز على جمعيات بعينها مع استثناء الجمعيات الأجنبية (قرار من مجلس الوزراء) وجميعات الشباب والرياضة (قرار من مديرية الشباب والرياضة) الجمعيات التعاونية (وزير الإسكان والتعاونيات) والجدير بالذكر هنا أن الجهة الإدارية في الحالة اللبنانية هي وزارة الدخلية .
  5. حل الجمعيات : يشكل قصر هذا الحق على سلطة القضاء أو المحكم أحد الدلائل على تطور التشريعات الخاصة بالمنظمات غير الحكومية في العالم ولذا فقد شكل القنون اليمني والتونسي والجزائري والمغربي في هذا الشأن خطوة متقدمة , إذ أعطي سلطة الحل للقضاء. في المقابل نجد أن بعض البلدان العربية ما تزال تحرص على إحكام قبضتها على الجمعيات الأهلية من خلال زيدة هامش تدخل الجهة الإدارية وهو ما تعكسه حالة فلسطين وهناك دول أخري تشهد حالة من التردد كما هو الحال بالنسبة لمصر التي تراجع فيها القانون 84 عن الخطوة المتقدمة التي كان قد خطاها القنون 153 لعام 1999 حيث تراجع القانون عن مبدأ الحل القضائي لصالح الحل الاداري ليمثل استمرار للحالة التي أفرزها القانون 32 لعام 1964 .يضاف إلى ذلك اتساع أسباب حل الجمعيات بشكل يثير معه التساؤل حول حقيقة مردود اختصاص القضاي بالحل ففي الحالة التونسية نجد أن المحكمة لا تنظر في نشاط الجمعية وطبيعته ولكنها تكتفي بإصدار قرار الحل حيث تختص وزارة الداخلية بلنظر في تحديد تجاوز الاختصاصات كما أن القانون المصري يعطي سلطة تحويل النزاعات أو الخلافات التي تنشب بين الجمعيات والجهة والإدارية إلى ما يسمي بـ " لجنة فض المنازعات " وهي لجنة تميل في تكوينها إلى الجهة الإدارية كذلك فقد جعل القنون على الجمعيات كطرف متضرر أن تلجأ إلى القضاء .
  6. قيود لانشاط السياسي : الاتجاه العام هو حظر النشاط السياسي بالمعني الحزبي أو حتى النقابي كما تمتد صور الحظر للمؤسسين والمحرومين من ممارسة الحقوق السياسية في الانضمام للجمعيات وتتشابه في ذلك قوانين سوريا والجزائر واليمن ومصر .
  7. النشاط الاقتصادي يشير الاتجاه الغالب عالميا إلى إمكانية قيام الجمعيات الأهلية غير الربحية بأنشطة هادفة إلى الربح لتوفير موارد ذاتية كما تمنح إعفاءات ضريبية وبعض المميزات الأخري على النشاط الاقتصادي المرتبط بأهداف الجمعيات ولكن في الوقت نفسه غالبا ما توضع بعض الضوابط على ممارسة النشاط الاقتصادي ويتضح ذلك في القانون لعام 2002 إذ يعطي الجمعيات الحق في إقامة مشروعات خدمية وإنتاجية ليتجاوز بذلك القيد فرضه القانون لعام 1964 بشأن ممارسة نشاط اقتصادي من قبل الجمعيات الأهلية.

ولكن من الواضح أن غالبية القوانين العربية المنظمة لعمل الجمعيات لا تزال تقيد إقدام الجمعيات غير الهادفة للربح على إقامة مشروعات خدمية وإنتاجية بحيث تستند معظم الجمعيات غير الهادفة للربح على إقامة التقليدية الخاصة برسوم اشتراكات الأعضء والتبرعات مع وضع بعض الضوابط والهبات والوصايا بالإضافة إلى الإعانات كذلك يلاحظ أ، هذه القوانين نصت على تمتع هذه المنظمات بعدة إعفاءات ضريبية تتشابه في ذلك قوانين المغرب والجزائر وسوريا وتونس .

إلى جانب المعايير السابقة يمكن إضافة عدد من المعايير الأخري لقياس حدود هامش الحرية الممنوح لعمل الجمعيات في البلدان العربية فهناك على سبيل المثال القيود المفروضة على مسألة التمويل حيث يلاحظ أن جميع القوانين تتضمن قواعد للرقابة على التمويل يتمثل أغلبها في الحصول على إذن مسبق وهناك ايضا مسألة إدارة العمل حيث تحدد أغلبها القوانين القواعد المنظمة للعمل وأجهزة الجمعية تفصيلا ويتساوي في ذلك قوانين مصر والأردن , والجزائر مع ترك القليل للنظام الأساسي فضلا عن لذك هناك قضية تحديد مسألة المنفعة الشخصية وتضارب المصالح ومسألة الالتزام إزاء الجمهور .

هذه المعايير في مجملها تعكس وجود قدر من التباين بين التشريعات العربية فيما يتعلق بنطاق الحركة المسموح به للجمعيات غير الحكومية كما أنها تعكس بدرجة أو بأخري عددا من الإشكاليات والمعوقات التي تواجه عمل الجمعيات الأهلية العربية وتحول دون حدوث نقلة نوعية لها على مستوي النشاط والفاعلية ومن هذه القيود ضعف الهامش الديمقراطي واستمرار البعد الأمني كمحدد للأداء الحكومي وعلاقته بالمجتمع

والذي ينعكس بدوره في عدة قوانين استثنائية على رأسها قانون الطوارئ واتساع دائرة الفقر والبطالة والتفكك الاجتماعي وارتفاع نسبة الأمية وتخلف لأنظمة التعليمية وإن كان من اللافت للنظر أن هناك تصاعدا في حجم المنظمات الأهلية بمعدلات كبيرة في بعض الأقطار العربية ومنها اليمن وتونس والجزائر والمغرب

وقد سجلت الإحصاءات أعلي نسب نمو لها في التسعينيات في كافة الأقطار العربية وإن كانت نسبة النمو في مصر أقل منها في بعض البلدان العربية حيث وصلت 16 ألف جمعية مقابل 30 ألفا في المغرب , و32 ألفا في الجزائر و7560 في تونس ويقدر إجمالي عدد المنظمات الأهلية العربية في عام 2001 بحوالي 220 ألف منظمة.

والحقيقة أن الاهتمام بسياسة الكم من جنب العديد من الحكومات العربية على حساب الكيف مثل مصر والأردن والمغرب ولا يلغي الفاعلية التي تحققت في العديد من مجالات العمل الأهلي وخاصة فيما يتعلق بالمنظمات الدفاعية إلى جانب الدور الرئيس الخاص " بالتمكين " للفقراء من مكافحة الفقر والبطالة والمساعدة على العمل من خلال مشروعات التدريب والتأهيل وإقامة المشروعات الصغيرة ولكن تبقي قضية التشريعات وما تفرضه من حالة عدم استقرار من ناحية والحاجة إلى تقوية الإطار المؤسسي للتنظيمات الأهلية من ناحية ثانية محددين هامين في مستقبل العمل الأهلي العربي.

وما تطرحه الصورة السابقة المقارنة الوضعية الجمعيات الأهلية العربية يمكن ملاحظته ورصده بدرجة أعمق في حالة النقابات العربية وعلاقاتها سواء بحكومات دولها أو بالقوي السياسية والتي تطرح بدورها قضية التوازن بين الدور المهني والدور السياسي في أداء النقابات كما تثير قضية التطويع من خلال أسلوبين أولهما يتعلق بلجوء بعض الأنظمة لاستخدام هذه النقابات كأداة للتعبئة ولدعم مشاريع تتسم بالطابع الفوقي وتفرض من أعلي ,

ما ثاني هذه الأساليب فيتعلق بما يمكن تسميته " التنمية القاعدية" إذ تلجا النقابات كمؤسسات مدنية إلى ملء الفراغ الناتج عن انسحاب الدولة من ميدان الخدمات الاجتماعية الأمر الذي جعل من النقابات في غالبي الدول ذات الأنظمة التعددية المقيدة ساحة للصراع السياسي وفي هذا السياق يمكن الحديث عن ثلاث مستويات من التطور النقابي المهن المرتبط بالتطور السياسي فيالدول العربية رغم التفاوت داخل كل مستوي بالنسبة للمستوي الأول نجد أنه يشمل الدول التي تتصف بوجود حركة نقابية عميقة وتجربة ممتدة بالإضافة لتمتعها بدرجة من درجات الاستقلال النقابي

كما هو الحال في مصر والأردن وتونس والجزائر والمغرب ولبنان والسودان أما المستوي الثاني فيحتوي على الدول التي يوجد بها وجود نقابي مرتبط بالدولة بشكل كامل وتعد أحد أشكال وأدوات النظام لسياسي وهو ما يتجلي في سوريا والعراق من خلال هيمنة حزب البعث واللجان الشعبية في الجماهيرية الليبية

وإن كان من الملاحظ أن نغمة التفاؤل التي تعالت في سوريا بإمكانية تفعيل مؤسسات المجتمع المدني قد تراجعت فمع المرحلة الراهنة تشهد حالة من عدم الحسم للموقف من صيغة التعددية السياسة الأمر الذي يحد من إمكانية الحديث عن نقلة نوعية متوقعة في الأجل القريب أو تغير في العلاقة السائدة بين النظام الحاكم والتنظيمات الأهلية القائمة أما في ليبيا فالملاحظ أنه رغم كبر عدد الروابط المهنية والبالغ عددها 30 رابطة إلا أنها تتبع اللجان الشعبية بشكل كامل وبالتالي فمن الصعب الحديث عن دور نقابي مستقل وهو ما ينطبق بالتبعية على العراق .

وأما المستوي الثالث بتلك الدول التي تشهد حالات جنينية للعمل النقابي من خلال تنظيمات أهلية هي أقرب للروابط المهنية وقد أتاح هذا الشكل القدرة على تنظيم واستيعاب هذه التجمعات ونخبتها من قبل الحكومات وتتجسد هذه الصورة في دول مثل الكويت والبحرين والإمارات ورغم محدودية دورها ,

إلا أن هناك تباينا واضحا فتشهد الكويت وجودا قديما للتنظيمات المهنية كذلك سمحت البحرين مؤخرا بإقامة روابط مهنية وإن اتخذت شكل الجمعيات لأهلية ومن المعروف أن الدستور الكويتي يسمح بحرية تكوين الجمعيات والنقابات وهو ما ينطبق على البحرين حيث يكفل ميثاق العمل الوطني حرية تكوين الجمعيات الأهلية والعلمية والثقافية والمهنية والنقابات على أسس وطنية ولأهداف مشروعة,

وفي الإمارات يوجد المهنيين داخل جمعيات أهلية لا تعبر عن مهنتهم مثل جمعية الحقوقيين في حين تم فض إشهار جمعية للمحاميين وفي السعودية هناك ميل نحو إيجاد تنظيمات أهلية فقد تم السماح بتأسيس جمعية الكيمائيين والصيادلة والصحافيين بالإضافة إلى لجان عمالية في الشركات التي تضم أكثر من مائة عامل كما أق تقنون المحاماة لينظم عملية مزاولة المهنة وإن احتفظت السلطة التنفيذية مثله في وزارة العدل بالعديد من الصلاحيات التي تمكنها من السيطرة على لجنة القيد والقبول.

المستويات السابقة تعكس حالة التفاوت التي تشهدها تجارب العمل النقابي العربي وموقعها من عملية التطور الديمقراطي ورغم التشابه في أساليب التطويع من جانب الحكومات للعمل النقابي وحركته واستغلاله من قبل حركات أصولية معتدلة وبدرجة أقل من القوي الليبرالية الضعيفة واليسارية التي تتجه نحو مواقع ديمقراطية

إلا أنه يمكن الوقوف على عدد من القواسم المشتركة الموضحة لمأزق الحركة النقابية وموقعها من متطلبات تطور المجتمع المدني ومؤسساته ولذا فسوف نقصر تناولنا هنا على دول المستوي الأول مع إعطاء مساحة أكبر لحالتي اليمن والأردن كنموذجين لحالات التفاعل التي تشهدها ساحة العمل النقابي وخاصة المهنية منها والصعوبات التي تحول دون وجود مجتمع مدني مستقل في البلاد العربية .

هناك تشابه بين الحالة المصرية والحالة في كل من المغرب والجزائر في السعي الحكومي نحو تقييد تغليظ العقوبات على الصحفيين ونقابتهم وإن كانت نقابة الصحفيين المصريين قد نجحت في تجاوز محنتها فنجد أن حالة الرفض التي سعت إليها نقابتا الجزائر والمغرب لم تسفر عن نجاح مماثل ففي الجزائر تم تشديد قانون العقوبات

والتي وصلت إلى حد تطبيق عقوبة االسجن لمن يتعرض بالقذف لرئيس الجمهورية و للمؤسسات الحكومية والمسئولين عنها كما سعت الحكومة الجزائرية لاتخاذ نفس المنهاج مع نقابة المحامين من خلال تعديل قانون مزاولة المهنة بحيث يعطي للنائب العام صلاحيات واسعة تجاه المحامين ولم تفلح الاعتراضات في منع هذه التعديلات أما في حالة المغرب فلم تفلح الجهود التي قادتها نقابة الصحفيين والمحامين لتعديل الدستور باتجاه اكتساب المزيد من الحركة والفعلية .

- تعدد أساليب احتواء المعارضة داخل النقابات وهو ما يوضحه مسار الأحداث داخل النقابات التونسية ممثلة في حالة الشد والجذب التي تعتصر هذه النقابات وتحد من فاعليتها ودورها كجماعات ضغط ومصالح فعبر مؤيدي الحكومة في النقابات يمارس النظام السياسي ضغوطه على هذه التنظيمات الأهلية فعلي سبيل المال تمت إحالة نقيب المحامين إلى محكمة الاستئناف بعد إضراب عام نفذته النقابة .

- غلبة الطابع السياسي على أداء النقابات وخاصة تجاه القضايا القومية أو القضايا ذات الأبعاد الإقليمية والدولية مثل قضية الصراع العربي الإسرائيلي وقضية مساندة الشعب العراقي وإن كان من الملاحظ أن هذه القضايا تطغي على القضايا المحلية وخاصة تلك المتعلقة بالديمقراطية والحريات العامة وتطور الأداء المهني بحيث يكون للنقابات اليد العليا في تنظيم شئونها .

- عدم الاستقلال المالي يعد من أكبر التحديات التي تواجه النقابات المهنية العربية وتحد من استقلالها التنظيمي الأمر الذي يحول دون ن تقوم هذه التنظيمات المدنية بدورها بل إنها تفقد الكثير من أهميتها كمساحة للعمل المدني وبالتالي يصبح الرهان عليها لاستشراف فرص عملية التطور الديمقراطي في البلدان العربية رهانا خاسرا وخاصة أنها تؤمن في بعض البلدان العربية الهيمنة الأيديولوجية للطبقة الحاكمة فضلا عن استخدامها كأداة سياسية لمواجهة النمط السلطوي في بعض البلاد العربية ومن ثم يتراجع الرهان عليها في تحقيق التوازن مع سلطة الدولة .

- وتتجلي هذه الصورة بوضوح في حالتي اليمن والأردن فبالنسبة لحالة الأردن نجد أن القنون قد منح النقابات سلطات وامتيازت وسعة إلى جنب تمتعها بقدر من الاستقلالية عن الحكومة وإن كان من الملاحظ أن الدستور لم يتضمن هذه المزايا بالقدر الذي منحه إلى الجمعيات والأحزاب السياسية إذ اكتفي بلنص على " الحق في تنظيم قنوني حر ضمن حدود القانون"

والحقيقة أن ساحة العمل النقابي وما تشهده من تجاذب مع السلطة السياسية والقوي الحزبية يرجع إلى ما تتمتع به النقابات المهنية من نفوذ في الحياة السياسية الأردنية سواء كان ذلك بسبب كبر عدد أعضائها أو لتعدد وكبر مواردها المالية خاصة في نقابتي المهندسين والأطباء

أو لدور مجلس النقباء ومجمع النقابات المهني ودورهما فيالتنسيق وتويحد الموقف وهو ما يتضح على سبيل المثال في دور النقابات في مواجهة فرض الأحكم العرفية في فترة السبعينيات ويجيز النظام الداخلي للمجمع إنشاء أى لجنة تقرر الهيئة المشرفة على المجمع تشكيلها

وقد مثل هذا النص مدخلا لأزمة كبيرة بين الحكومة الأردنية والنقابات المهنية بسبب دور لجنة مقاومة التطبيع في رفض معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية والجدير بالذكر هنا أن المجمع الذي أنشئ عام 1965 يضم 6 نقابات (هي : الأطباء وأطباء الأسنان والصيادلة والمحامون والمهندسون والمهندسون الزراعيون)

- ولذا تبدو قضية الدور السياسي في مقدمة القضايا التي تثيرها علاقة التفاعل بين النظم الحاكم والنقابات ويلعب فيها مجلس النقباء الذي تأسس عام 1967 دورا مؤثرا خاصة أنه يضم في عضويته جميع نقباء النقابات المهنية فضلا عن غلبة الطابع السياسي على القضايا التي يناقشها .

- ويبمكن الحديث عن شقين للدور السياسي أولهما يتعلق بقضية مناهضة التطبيع مع إسرائيل وهو في مقدمة النقاط الخلافية بل والصدامية بين النقابات المهنية والحكومة وربما يرجع ذلك لطبيعة نشأة النقابات وظروفها حيث شكلت هجرة أعداد كبيرة من المهنيين الفلسطينيين للأردن في عام 1948 دافعا لظهور الجيل الأول من النقابات .

- فتاريخ العمل النقابي في الأردن يعود إلى عام 1950 عندما تأسست نقابة المحامين ليصل عددها الأن إلى 14 نقابة مهنية تضم نحو 120 ألف عضو ومن المفارقات أن هناك بعض المهن لم يعط لها حق التنظيم المهني المستقل مثل المعلمين والمهن المساعدة .

- أما الشق الثاني فيرتبط بقضية الصراع الحزبي وانعكاساتها كمحدد آخر لمأزق العمل النقابي الأردني وخاصة أن النقابات كانت تمثل ساحة العمل السياسي منذ قيامها وحتي عام 1991 وهي الفترة التي تعطل فيها العمل بالدستور وغابت فيه الأحزاب السياسية والحقيقية أن الأردن لا تختص بهذه الظاهرة ولا تمثل استثناء فغالبية القوي والأحزاب العربية تسعي للوجود في النقابات والجمعيات الأهلية وهو أمر يمكن تفهمه في ظل أزمة الأحزاب العربية

- ولكن المشكلة تبقي في تحول النقابة بكل موادرها وإمكانياتها للعمل لحساب قوي أو حزب سياسي بما يعني بالتبعية استبعاد لباقي القوي والتيارات السياسية وتسير بعض الدراسات إلى أن الاتجاهات السياسية لقيادة النقابات المهنية قد توزعت ما بين أغلبية إسلامية في الفترة 85 – 1995 خاصة في نقابتي الأطباء المهندسين (بنسبة % و38,1% على التوالي) بينما يوجد نصار التيار القومي في نقابة المحامين (بنسبة 44,8% ) الأمر الذي يمكن معه القول أن هناك سيطرة ووجود للتيارين القومي والإسلامي على ما عداهما من تيارات سياسية .

- وفي هذا السياق لجأت الحكومة إلى ممارسة المزيد من الضغوط السياسية والادارية والأمنية على رؤساء النقابات إلى الحد الذي هددت معه بحل النقابة فعلي سبيل المثال : لجأت الحكومة إلى منهاج الاستبعاد وخاصة لتلك النقابات التي يسيطر عليها التيار الإسلامي من الهيئة التي شكلت لترسيخ الشعار الذي أطلقه الملك عبد اللله الأردن أولا كما تم الإيحاء بإمكانية اطلاق سراح تاشطي لجنة مقاومة التطبيع وعدم إحالتهم إلى محكمة أمن الدولة في مقابل حل اللجنة وبالإضافة إلى إصدار حكم من محكمة العدل العليا بحل مجلس نقابة المهندسين بسبب اعتراض بعض أعضاء النقابة على انتخاباتهم التي جرت في أبريل 2002 وبالتالي فقد تم لحل لجنة مقاومة التطبيع التابعة للنقابة واطلاق سراح النشطاء الثلاث .

- كذلك لجأت السلطات الأردنية إلى استصدار فتوي استثنائية تقضي بعدم قانونية لجنة مقاومة التطبيع بل إن الفتوى امتدت إلي مجلس النقباء والجدير بالذكر هنا أن هذه الفتوى تتعارض مع حكم سابق من محكمة التمييز (أعلي مرجع قضائي) في عام 1995 بقانونية وضع اللجان المنبثقة عن النقابات المهنية.

وإن كان من الملاحظ أن هناك تباينا واضحا في تأثير ونفوذ النقابات يضاف إليه درجة تماسك النقابة وتنطبق هذه الحالة أيضا على الوضع في اليمن وإن كان بدرجة أقل حدة من حالة الأردن فحالة الصراع السياسي بين السلطة السياسية والأحزاب السياسية تفرض نفسها بقوة على نشاط النقابات الأمر الذي تحرص معه كافة القوي السياسية على وجود أنصار لها داخل مجالس إدارات النقابات كما يزيد من حدة هذا التنفس الطابع القبلي للمجتمع اليمني وحداثة التجربة الديمقراطية وطبيعة العلاقة التنافسية بين الأحزاب الكبري الثلاثة (المؤتمر الشعبي العام, التجمع اليمني للإصلاح , الحزب الإشتراكي)

في المقابل تتحمل النقابات جزءا من المسئولية فمع غياب التقاليد والمعايير المؤسسية داخل النقابات ممثلة في غياب معايير العضوية وعدم وضوح اللوائح التنفيذية المسيرة للمهنة والخلافات بين النقابات المركزية والفروع إلى غير ذلك من الأسباب الدافعة إلى الانقسام وتغليب العمل والانتماء الحزبي على العمل والانتماء المهني .

وقد اتخذت هذه الظاهرة ابعادا أكثر حدة مع تزايد حالة التنافس السياسي إلى الحد الذي دعا العديد من المؤسسات المدنية وفي مقدمتها بعض النقابات إلى تبني بعض المطالب منها رفض تدخل الأحزاب في نشاط النقابات التأكيد على استقلالية النقابات ونشاطها التنسيق مع كافة منظمات المجتمع المدني الاستناد إلى القضاء لحسم أى خلافات اقتصار دور الجهات الرسمية على الجانب الاداري .

الخاتمة

النتيجة المستخلصة توضح أن تأثير التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كان الدافع وراء النقلة التي شهدتها مؤسسات المجتمع المدني خلال العقدين الماضيين بقدر أكبر من المتغير السياسي وإن كان ذلك لا يلغي تأثير العامل الخارجي الدولي على البيئة الداخلية المحيطة بالعمل الأهلي مقارنة بلأبعاد والضغوط الداخلية .

وبالتالي فالمطلوب حتى يمكن أن يزيد التأثير وحيز المشاركة في السياسات العامة من جانب المؤسسات المدنية ككل ومنها الجمعيت الأهلية أن يستمر تصاعد الاتجاه الداعي لتغليب الدور التنموي على الدور الخدمي والخيري بالإضافة إلى الاستمرار في بناء القدرات المؤسسية وتعظيم فرص التعاون والتفاعل فيما بين التنظيمات الأهليةحتى يمكن التأثير في مسار السياسات العامة.

وتقودنا هذه الصورة للحديث عن الفرصة التي أتاحها القانون 84 لعام 2002 وخاصة أننا نتحدث عن مطلب واحد ضروري مفاده المراجعة الشاملة لاستراتيجية عمل هذا القطاع الأهلي ووضع تصور متكامل يوفر له القدرة على المشاركة في عملية التنمية وبالتالي يصبح من الضروري أن ترتبط الفلسفة القادمة والحاكمة للقانون الجديد بثلاثة أهداف رئيسية هي :

  1. السعي نحو مواكبة التغيرات الاقتصادية التي اكتنفت المجتمع في ظل سياسات السوق .
  2. مراعاة المتطلبات الاجتماعية
  3. تخفيف قبضة الجهة الإدارية.

- كما يبقي التساؤل الرئيسي هنا مرتبط بالقدرة على ترجمة هذه الأهداف إلى واضع عملي مع الأخذ في الاعتبار أن المحك الرئيسي للحكم على أى قانون مدني بشكل عام مستندا إلى مجموعة من المحاور الرئيسية

المحور الأول يتعلق بمساحة الحرية التي يتيحها القانون لإنشاء الجمعيات الأهلية التطوعية أو إنشاء الاتحادات النوعية ومدي التوافق مع الحريات التي يكفلها الدستور

والمحور الثاني خاص بحدود دور الجهة الادارية ومساحة تدخلها على حساب دور المؤسسات الأهلية وحريتها

أما المحور الثالث فيرتبط بدرجة التوافق بين العقوبات المنصوص عليها والمخالفات أوالتجاوزات التي قد تحدث من قبل أعضاء في مجالس إدارات الجمعيات وأخيرا المحور الرابع يستند إلى دور القضاء في حل النزاعات التي قد تنشأ بين الجمعية والجهة الإدارية خاصة مع وجود ما يمكن تسميته بلجان التوفيق أو فض المنازعات التي تعني بإحالة النزاع إلى القضاء .

- وبصفة عامة يمكن القول أن هناك عددا من المكتسبات التي أفرزها القانون 153 لعام 1999 وترسخت مع القانون 84 لعام 2002 نذكر منها :

- عدم تحديد مجالات النشاط أخذا بقاعدة أن الأصل في الأشياء هو الإباحة وأن القيد هو الاستثناء وهو ما ينسحب أيضا على إمكانية تكوين أكثر من اتحاد نوعي ( من خلال اتفاق عشر جمعيات في تكوين اتحاد) في المحافظة الواحدة)

- تحديد حدود المنفعة الشخصية لأعضاء مجلس الإدارة .

- تنظيم عملية الرقابة وتوحيدها وذلك من خلال تحديد الأشخاص المتمتعين بصفة الضبطية القضائية بقرار من وزير الشئون الاجتماعية

- الاهتمام بالدور الاقتصادي للجمعيات وذلك بتشجيعها على إقامة المشروعات الخدمية والإنتاجية والحفلات والأسواق الخيرية والمعارض إلى غير ذلك من السبل التي توفر موارد مالية تشجع على استخدام أساليب الإدارة الاقتصادية لتقدم سلعا وخدمات للفقراء مع تغطية تكلفتها وتحقيق هامش ربح يسمح لها بالاستمرار في تقديم هذه السلع والخدمات بجودة عالية وكفاءة اقتصادية .

- واتساقا مع هذه المتطلبات ربما يكون من الضروري التأكيد أيضا على مجموعة من التوصيات التي يجب مراعاتها لدافع العمل الاجتماعي الأهلي ككل , نذكر منها :

- العمل على تعميق مفهوم التطوع لدي المواطن من خلال زيادة جرعات التوعية والمساحة الإعلامية .

-أن تتوسع وزارة الشئون الاجتماعية في عمليات التدريب والاتصال والتوجيه لأعضاء الجمعيات الأهلية إلى جانب دورها في حث الجمعيات على الاستفادة من أحكام القانون رقم 8 لسنة 1972 الخاص بندب الموظفين والمتخصصين .

- العمل على زيادة موارد الجمعيات سواء من خلال الدعم المباشر من جانب الحكومة أو غير المباشر بتخفيض الإعفاءات الجمركية فضلا عن ربط قيام أى جمعية أهلية بوجود سياسة مالية خاصة بها .

- التأكيد على ثقافة بناء المؤسسات غير الحكومية وذلك عبر دعم وترسيخ عدد من العناصر المحددة لهذه الثقافة يأتي في مقدمتها العمل على توسيع النزوع نحو العمل الطوعي أعمال قواعد المحاسبية والشفافية كقيم أساسية في الممارسة الديمقراطية إعلاء شأن الحل السلمي للصراعات والخلافات الداخلية .

- أعطاء مساحات أكبر للثقافة المدنية عبر وسائل الإعلام وذلك بالتأكيد على قيم المجتمع المدني وفي مقدمتها فبول الأخر وإعلاء قيم الحوار وتوفير ضمانات الحية العامة فضلا عن تعزيز الإعلام النقدي وتوسيع المساحات الإعلامية الخاصة بتغطية نشاطات المنظمات غير الحكومية وهكذا يجب الإقرار مسبقا بوجود العديد من المشاكل المعقدة التي لا تقف على القيد القانوني الذي يسهل تغييره إذا ما توافرت الإرادة لدي السلطة السياسية

- وبالتالي يصبح الحديث عن أى دور حيوي لهذه الجمعيات الأهلية في عملية التطور الديمقراطي أو بناء مجتمع مدني مرهونا بالقدرة والرغبة في طرح الحلول لمجمكوعة القيود والضوابط التي تشكل أطر العمل الاجتماعي سواء كانت ممثلة في القوانين والتشريعات التي تحد من دور الجمعيات الأهلية أو في ضعف العلاقة التعاونية فيما بين الجمعيات بعضها البعض أو في الاهتمام بسياسة الكم على حساب الكيف من قبل الدولة أو في غياب نخبة سياسية وثقافية مؤمنة وملتزمة بالعمل الأهلي .

- وعلى نفس النحو تبدو التوصيات السابقة إطارا عاما صالحا لكافة مؤسسات المجتمع المدني شريطة توافر الظروف القانونية والسياسية والاقتصادية بذلك ومع تعزر توافر هذا الإطار الآن يجب تكثيف الضغوط نحو ترسيخ وتطوير ثقافة بناء المؤسسات إلى جانب تنمية تقاليد الأداء ومعاييره في حقل العمل التطوعي غير الحكومي وخاصة في المجالات الشائكة مثل حقوق الإنسان والمواطنة ومواجهة التطرف والبيئة .

- كذلك تبرز أهمية وضع مواثيق أخلاقية يكفل لها الاحترام والاتفاق من جانب جماعات المجتمع المدني ككل ومن هذه الجماعات بالطبع تبرز النقابات بما لديها من حجم في المشاركة الشعبية يصعب تجاوزه وهو ما يتطلب بدوره طرح تصور متكامل للنهوض بالحركة النقابية المصرية إزاء المرحلة القادمة حتى تتوافق والمستجدات التي خذت سبيلها إلى الطبقة العاملة المصرية فإلي جانب غياب التجانس على المستوي وارتفاع دوران العمال بين مهن مختلفة وضعف دوران وتجديد النخبة .

- اطلاق للطاقات الخلاقة والقياداات الجديدة وهذا يتطلب ممارسة حقيقة للديمقراطية النقابية فالتنظيم النقابي حركة جماهيرية وعضوية اختيارية لذلك يجب أن يمارس ديمقراطية واسعة داخل التنظيم تمكن الأعضاء من أن يحشدوا طاقاتهم وعدم تحكم قلة في العمل النقبي وعدم تحقق هذه الديمقواطية الواسعة داخل التنظيم النقابي تعني فقدان الثقة فيها الأمر الذي يؤدي للجمود وعدم الفاعلية .

- تعميق الانتماء للنقابات وآليات العمل الجماعي وتنشيط النقابات الفرعية وطبيعة العلاقة بينها وبين النقابات العامة ثم تدعيم الدور الذي يمكن أن تلعبه النقابات الفرعية في حل مشكلات المجتمع المحلي . كذلك التأكيد على مبدأ استقلالية النقابات واحترام قرارات الجمعية العمومية وهنا تثور همية مراجعة مسئوليات واختصاصات كل مستوي من مستويات النقابة العامة وإجراء مراجعة شاملة للتصنيف النقابي بم جعله اكثر تخصصا ومواءمة مع أنشطة القطاع الخاص ومواجهة المستثمرين الجدد فالنشاط السياحي على سبيل المثال يتطلب نقابة عامة متخصصة له.

- تعديل هيكل التنيظم النقابي القائم والذي أصبح غير قادر على التلاؤم مع إدارة شئون علاقات العمل وهذا يستلزم خلق المؤسسات والديناميات والموادر وجهاز المعلومات القادر على إمداد المفاوضين النقابيين بالمادة الرئيسية اللازمة لإدارة مفاوضة ناجحة تستند إلى وعي خاص بالظروف الموضوعية الت يتم في مسارها المفاوضة الجماعية .

- بالرغم من أهمية الربط بين النصال النقابي والنضال السياسي إلا أنه يتعين عدم الخلط بينهما وألا يحل العمل السياسي المباشر محل النضال النقابي في حركة النقابات وألا يحدث انحراف نححو استبدال الحزب السياسي بالنقابة واعتبار النقابة التنظيم القادر على طرح مهام سياسية وتحمل مسئولياتها لأن النقابات نشأت أصلا كجهاز لتعبئة المهنيين من أجل تحسين شروط العمل والدفاع عن المصالح المهنية وإن كان ذلك لا يمنع أن تشارك في النضال الوطني الديمقراطي العام باعتبارها مجالات هامة لهذا النضال وليست قيادته وأنه ينبغي الاستفادة من تجبة التيار الإسلامي في النقابات وعملية تسييس النقابات من ضرورة وضع ضوابط بين المطالب المهنية والمطالب السياسية .

- ضرورة الانطلاق من سعي النقابات اللتنسيق فيما بينها ودعم أنشطتها في إطار نقابي لتتطور مع تطور هذا النشاط بحيث يكون العمل النقابي أحد أهم مجالات هذا التنسيق لضمان وحدته وفاعليته والاستفادة منه في إخراج هذه التنظيمات من عزلتها على مستوي قاعدة النقابات .

- أهمية تنفيذ الأحكام القضائية ووضع ضوابط وجداول زمنية لعمل اللجان القضائية المشرفة على النقابات حتى يمكن إجراء الانتخابات في موعدها وإعادة نشاط النقابة لوضعها الطبيعي .

- ضرورة إعادة النظر في الإطار التشريعي للتنظيم النقابي بما يضمن له حرية الحركة والنشاط وقوة التأثير وقيام هذه الجماعات بدورها كمؤسسات للمجتمع المدني لزيادة مساحة الديمقراطية والدفاع عن القضايا القومية وبالتالي فإن تطور العلاقة بين هذه النقابات والدولة هو مؤشر رئيسي على تطور طبيعة النظام السياسي فهو يعكس بصدق طبيعة العلاقة بين المجتمع والدولة سواء بما تطرحه من أنماط الصراعات والصدامات أو أنماط التعاون والتفاهم المهم في إطار النظام السياسي المصري تطوير قنوات الاتصال والتفاهم بين الجماعات والسلطة وإزالة مظاهر الصدام بين الطرفين وهو مطلب رئيسي سوف يرتبط بمستقبل الديمقراطية.

- من هنا فالمطلوب من مؤسسات المجتمع المدني في هذه المرحلة العمل على تطوير آليات الحركة اوالاتجاه نحو تخليق صيغة جديدة توفر المشاركة في صنع السياسات العامة والاختيارات الاستراتيجية للدولة وتستند لخدمة المجتمع من خلال خدمة مصالحها فضلا عن القدرة على النقد الذاتي لتجاوز تلك المعوقات التي تحد من انطلاق المجتمع المدني وفي مقدمتها الاتفاق على آليات للصراع والخلاف الداخلي لتجنب تلك الصراعات الدورية التي تحفل بها النوادي الرياضية أو المنظمات الأهلية التطوعية والتي تحول دون التفاعل الحي والمباشر بين تلك المؤسسات وبعضها البعض أو بينها وبين الجماهير وأخيرا يمكن القول أنه رغم سلبيات الصورة الراهنة لغالبية مؤسسات المجتمع المدني إلا أ،ها تظل المدخل الأكثر ملاءمة لتدريب المواطن العادي على الممارسة الديمقراطية وإحداث الحراك الاجتماعي المطلوب لدعم استقلال المجتمع بكل تناقضاته الاجتماعية .

الفصل السادس :الرأي العام والمشاركة السياسية في إطار التطور الديمقراطي

أحمد ناجي قمحة صبحي عسيلة

ربما لا يكون من قبيل المبالغة القول أن قضية المشاركة الشعبية هي واحدة من أهم القضايا إن لم تكن أهمها على الإطلاق لأى نظام سياسي بصفة عامة وللنظم السياسية التي تمر بمرحلة تحول ديمقراطي بصفة خاصة ومن ثم فإن المشاركة تمثل " ملفا" مفتوحا دائما ومطروحا للنقاش على المفكرين المصريين منذ عام 1976 لا سيما فيما يتعلق بمحاولات الإجابة على السؤال المحوري كيف يمكن تفعيل المشاركة السياسية في مصر ؟

وعلى الرغم من أن الدارسين للنظام السياسي المصري ومسيرته نحو التحول الديمقراطي في الربع قرن الأخير قد شاركوا بإسهامات مميزة في توصيف واقع المشاركة والأسباب الكامنة وراء الضعف المستمر في مستويات هذه المشاركة في مصر إلا أن الاهتمام بالرأي العام وعلاقته باحتمالات تفعيل المشاركة لم يكن له حظ وافر من إسهامات هؤلاء الدارسين .

ومن ناحية ثانية فقد أصبح مصطلح الرأي العام أحد المصطلحات شائعة الاستخدام بين الجمهور والكتاب والساسة فقد غدا الرأي العام قوة لا يستهان بها ومن ثم فليس غريبا أن تحرص الأنظمة السياسية على مختلف بناها وهياكلها على التعرف على الرأى العام في مختلف القضايا والموضوعات بغية مراعاة توجهاته بقدر ما في القرارات الصادرة عنها

إضافة إلى ذلك فقد بات استخدم استطلاعات الرأي العام أحد المؤشرات الهامة لتحديد الدرجة التي يبلغها أى مجتمع من المجتمعات على مقايس التطور الديمقراطي ويرجع ذلك الأمر بطبيعة الحال إلى التطور العلمي والتقني الذي حدث في طرق وآليات قياس الرأي العام خلال الخمسين عاما الأخيرة بصورة دقيقة وسريعة في المجتمعات التي أحدثت تراكما معرفيا ومنهجيا وعمليا في هذا المجال.

وهي بطبيعة الحال المجتمعات الأكثر تقدما على مقياس التطور الديمقراطي ففي النظم الديمقراطية حيث تسود الحريات في الفكر والرأي والاعتقاد وتتعدد قنوات الاتصال ويكون المواطن على درجة عالية من الوعي السياسي ومهتما بالمشاكل العامة والمشاركة السياسية نجد ن الرأي العام يتسم بالعمق والاستنارة والعقلانية والثبات النسبي وما سبق يساعد على الاستقرار السياسي واستتباب الأمن والنظام في المجتمع ويجعل السلطة الحاكمة معبرة عن إرادة الشعب .

أما في المجتمعات الأقل تقدما على مقياس التطور الديمقراطي فإن استطلاعات الرأي العام يمكن أن تلعب دورا في نقل تصورات المواطنين تجاه القضايا المطروحة للإستطلاع إلى السلطة الحاكمة وهذه القضايا هي التي تسمح الدولة غالبا بتناولها بالبحث في حدود معينة وذلك بغرض أن تتجنب بقدر الإمكان احتمالات التصادم بالبحث في حدود معينة وذلك بغرض أن تتجنب بقدر الإمكان احتمالات التصادم مع المجهول والكامن في عقول المواطنين

ومن ثم فإن استطلاعات الرأي العام تلعب دورا هاما في كشف توجهات المواطنين في المجتمع بصورة معقولة وذلك بدلا من حالة الضبابية الكاملة السائدة لدي المثقف وصانع القرار تجاه ما يشعر به المواطنون وفي ظل عدم انتظام إجراء استطلاعات الرأي العام يظهر الرأي العام في هذه المجتمعات في صورة شائعات ونكت وأمثال كذا فإن الرأي العام في هذه الأنظمة غالبا ما يتسم بالكمون والضبابية والتذبذب الشديد.

وعلى الرغم من المشاكل التي يعاني منها الرأي العام في العالم الثالث بصفة عامة سواء على صعيد عدم قدرته على التعبير عن نفسه أو على صعيد عدم الاعتراف بأهميته وجداوه او على مستوي المشاكل المتعلقة بالقياس الدقيق لمعرفة توجهات الرأي العام إلا أن ذلك لم يمنع بعض مراكز الأبحاث من القيام بدراسة الرأي العام لديها تجاه بعض القضايا الهامة وإن كان قد غلب على معالجتها الجانب التطبيقي المتعلق بتوجهات الرأي العام إزاء قضية بعينها دون الاهتمام كثيرا بالجوانب النظرية الخاصة بمشكلات الرأي العام وكيفية تفعيله ودوره في الحياة السياسية .

وقد بدأت دراسات الرأي العام في التزايد في الدول النامية على خلفية الاهتمام العالمي المتنامي بأثر الرأي العام وضرورة أخذ توجهات في الحسبان رغم كل ما يعترض تلك الدراسات والقائمين عليها من مشكلات سواء تلك التي تتعلق بالاعتبارات المنهجية والعلمية التي تنبع بالأساس من عدم تعود هذه الشعوب على الإدلاء برأيها أو تلك التي تتعلق بالمشكلات الأمنية إذ عادة ما ينظر إلى هذا النوع من البحوث على أنه يضر بأمن تلك النظم في هذه الدول علاوة على تشكيك فئات كثيرة في المجتمعات النامية في نتائج تلك الدراسات خاصة في حالة إذا ما تعارضت النتائج مع توجهات تلك الفئات .

أما في الحالة المصرية فإنه يمكن القول أن استخدام استطلاعات الرأي العام يمكن أن يساهم بقوة في تفويت الفرصة على من يدعون التحدث باسم الرأي العام والتعبير عن توجهاته وتستخدم ذلك في أحيان كثيرة في المزايدة على الحكومة ومن ثم قد تكون استطلاعات الرأي العام أحد الآليات العلمية الهامة لإخراج الرأي العام المصري من صومعته المغلقة والتعبير عنه بصورة أكثر شفافية ووضوحا لدحض الكثير من الأساطير المنسوجة حوله كمرحلة أولية

ثم في مرحلة تالية تأسيس السياسات العامة للدولة علي قاعدة من المعرفة العلمية لميول واهتمامات وتفضيلات المواطنين وصولا إلى المرحلة التي يمكننا فيها إجراء استطلاعات الرأي العام السريعة والمعمقة وفقا للمقاييس العلمية المستخدمة في البلدان الأكثر تقدما على مقياس التطور الديمقراطي علاوة على ذلك فإن استطلاعات الرأي العام في مصر يمكن أن تساهم كأحد الوسائل الهامة لإزالة الحاجز النفسي الذي يفصل بين المصريين وبين المشاركة السياسية بما يدعم في النهاية قيمة المشاركة السياسية في المجتمع المصري كما أن هذه الاستطلاعات يمكن أن تكون أحد الآليات اللازمة لتعويد المواطنين على التعبير عن آرائهم .

في هذا الإطار يحاول هذا البحث تناول قضية العلاقة بين الرأي العام والمشاركة السياسي في مصر خلال الربع قرن الأخير أو بتعبير أخر إلى أى مدي يمكن أن يمثل تفعيل الرأي العام إطارا مناسبا للدفع بعملية التطور الديمقراطي في مصر وذلك على النحو التالي .

  1. الرأي العام وأهميته السياسية.
  2. حالة الرأي العام في مصر من خلال قضية المشاركة
  3. العلاقة بين الرأي العام والمشاركة السياسية
  4. توجهات الرأي العام المصري إزاء المشاركة السياسية .

أولا: الرأي العام وأهميته السياسية

أقدم العديد من المناضلين السياسيين والاجتماعيين على وضع مجموعة من التعريفات التي حاولوا من خلالها تقريب مصطلح الرأي العام من الأذهان وجعله ملموسا بقدر أو بآخر فمن المتعارف عليه أنه كثيرا ما يتم استخدام هذا المصطلح وكثيرا ما تظهر إيماءات بفهم مدلولاته ولكن إذا طلب من الذين أبدوا إيماءات فهم هذا المصطلح أن يعرفوه فإننا نجد لبسا وقصورا واضحا في فهم ما يعنيه .

ومنذ الفلسفات القديمة يمكن للباحث أن يجد بعض التوصيفات الأولية التي حاولت تلمس جانب و أكثر في تعريف الرأي العام وفي هذا الإطار يشير العديد من الباحثين إلى تعدد المدارس الفكرية التي حاولت أن تعرف الرأي العام ما بين المدرسة الفرنسية والألمانية والإنجليزية غير أن أهم المدارس التي أثرت هذا الحقل العلمي هي المدرسة الأمريكية بتراثها وخبرتها والاستفادة من التطور التكنولوجي في دعم التطوير المستمر لبحوث الرأي العام .

ويرجع السبب في تعدد تعريفات الرأي العام وصعوبة حصره في تعريف جامع مانع إلى أن هذا المصطلح يرتبط بالنواحي المعنوية والإنسانية وهو الأمر الذي يفرض قيودا وصعوبة في وضع تفسيرات ثابتة ومحددة تصدق على هذا المصطلح وتنفي ما سواه فهذه التفسيرات والتعريفات الثابتة والمحددة تصدق في حالة العلوم المادية الطبيعية ولكنها لا تصدق في حالة العلوم الإنسانية

ومن ثم فإن مجموعة التعريفات التي سنوردها فيما يلي إنما هي محاولات مفهوماتية لتقريب المصطلح من التصور الذهني والعقلي وإن كانت معظمها قابلة للنقد والمراجعة وسنحاول أن نميز التعريفات الأجنية للرأي العام والتعريفات العربية كذا سنعرض لأهم التمايزات بين تعريف الرأي والعديد من التعريفات التي تتداخل معه وفي النهاية نعرض لأهم وظائف الرأي العام .

(1) التعريفات الأجنبية للرأي العام

  • ( كلايدج كنج)
يعرف كلايد ج كنج الرأي العام على أنه هو الحكم الذي تصل إليه الجماعة في مسألة ذات اعتبار هام بعد مناقشات علنية وافية .
  • (أولبورت)
يري فلويد أولبورت أأن الرأي العام هو تعبير جمع كبير من الأفراد عن آرائهم في موقف معين إما من تلقاء أنفسهم أو بناء على دعوة توجه إليهم وذلك تعبيرا عن تأييدهم أو معارضتهم لمسألة معينة أو شخص معين بحيث تكون نسبتهم في العدد مع الكثرة والاستمرار كافية للتأثير على أفعالهم بطريق مباشر أو غير مباشر تجاه الموضوع الذين هم بصدده .
والتعريفان السابقان أكثر اقترابا من الحكم أو النتيجة أو الاستفتاء عن الرأي العام كما أنهما يغفلان عنصر الزمن المحدد الذي يعتبر أحد العناصر الحاكمة في تعريف الرأي العام .
  • (ويليام ألبيج)
يقدم ويليام ألبيج عددا من التعريفات للرأي العام ومنها :
  1. الرأي العام هو العملية الناتجة عن تفاعل الأشخاص في أى شكل من أشكال الجماعة نحو موضوع محدد ويكون محل جدل في جماعة ما .
  2. الرأي العام هو مجموعة الاتجاهات التي تسيطر على الجماعة إزاء مشكلة ما وتعبر عن رأي الأغلبية .
  3. الرأي العام هو تعبير الأغلبية من فئات الجماهير عن الموضوعات لمختلف عليها فيما بينهم.
  4. والملاحظ هنا أن البيج قد قام بمراجعة تعريفاته للرأي العام في محاولة منه للوصول إلى التعريف الأدق للرأي العام غير أنه دائما ما كان يغفل عنصر الزمن المحدد.
  • (جميس برايس)
يري جميس برايس ان الرأي العام هو اصطلاح يستخدم للتعبير عن مجموعة من الآراء التي يدين بها الناس إزاء المسائل التي تؤثر في مصالحهم العامة والخاصة وهو عبارة عن مجموعة من المعلومات المتناقضة والمعتقدات والأوهام والأفكار المبتسرة والتطلعات أن الرأي العام حائر ومفكك يعوزه التبلور من يوم إلى يوم ومن أسبوع إلى أسبوع .
ويعيب هذا التعريف بعض التوصيفات التي ألصقها " برايس " بالرأي العام " على الرغم من أنه اقترب في البداية بصورة صحيحة من توصيف الرأي العام وعلى الرغم من ذلك فإن هذا التعريف يمكن أن يصلح لوصف الرأي العام لدي مواطني الأنظمة السلطوية والشمولية .
  • (دوب)
يري دوب أن الرأي العام هو عبارة عن ميول الناس نحو قضية ما إا كان هؤلاء الناس من فئة اجتماعية واحدة.
  • (شيفلي)
أما شيفلي فيري أن الرأي العام هو التعبير عن أراء وأحكام ورغبات واتجاهات عامة الشعب أو جزء منه ويري أنه توجد مجموعات كثيرة لكل منها رأيها العام ويختلف عدد هذه المجموعات باختلاف أنواعها واتجاهاتها .
والتعريفان السابقان مع إغفالهما لعنصر الزمن بماله من دور هام في تطوين واستمرارية الرأي العام فإنهما كذلك يميلان إلى تجزية وفئوية الرأي العام بما يتنافي مع طبيعة الرأي العام .

(2) التعريفات العربية للرأي العام

يري الدكتور محمد عبد القادر حاتم أن الرأي العام هو الحكم الذي تصل إليه الجماعة في قضية ما ويشترط لتحقيق الرأي العام السليم شروط من أهمها :
(أ) أن تكون هناك مناقشات وافية حول القضية المطروحة .
(ب) أن تكون القضية مثارة بكل حقائقها عن طريق القادة أو أجهز الإعلام والدعاية أو عن طريق الجماعات والهيئات العامة .
(ت) أن يكون الاتجاه الذي تتخذه الجماعة في هذه القضية متفقا تماما مع المعتقدات العامة للناس مثل العقيدة الدينية أو الوطنية أو القومية أو غيرها من العقائد التي يعتنقها الشعب .
ويعيب هذا التعريف أيضا إغفال عنصر الزمن فيه كذلك ربط تحقق سلامة الرأي العام بحتمية توافقه مع المعتقدات العامة للناس وهو الأمر الذي من الممكن أن يحدث عكسه كثيرا ومع ذلك يكون هناك رأي عام بغض النظر عما إذا كان متوقفا أم لا مع المعتقدات العامة.
يذهب الدكتور عبد الفتاح رشاد إلى أن الرأي العام هو التعبير عن وجهات نظر الجماهير نتيجة التقاء كلمتها وتكامل مفاهيمها بشأن مسألة تثير اهتمامها وتتمشي مع مصالحها وهو ليس مجموعا حسابيا للآراء الفردية وإنما هو محصلة تفاعل اكتملت حلقاته ومراحله بين أعضاء الجماعة وارتضته كأحد البدائل المتاحة لكنه اكثر أهمية وملائمة من وجهة نظر الجماعة ككل .
  • (د. محمود إسماعيل ود. جلال عبد الله معوض)
أما الدكتور محمود إسماعيل والدكتور جلال معوض فالرأي العام عندهما هووجهة نظر معلنة للجماعة أو المجتمع أساسها هو تكامل آراء الناس وليس تجميعها حسابيا تجاه مسألة عامة مثارة طابعها الجدل والمناقشة واختلاف وتعداد الآراء .
على الرغم من اقتراب التعريفين السابقين من تعريف الرأي العام إلا أنهما يغفلان عنصر الزمن .
  • (د . درية شفيق بسيوني)
وتشير الدكتور " درية شفيق بسيوني " إلى أن الرأي العام هو الرأي السائد بين أغلبية الشعب الواعية في فترة معينة بالنسبة لقضية أو أكثر يحتدم فيها الجدل والنقاس وتمس مصالح هذه الأغلبية أو قيمها الإنسانية .
  • (د. مختار التهامي)
فيما يري الدكتور مختار التهامي أن الرأي العام هو الرأي السائد بين أغلبية الشعب الواعية في فترة معينة نحو قضية معينة أو أكثر يحتدم حولها النقاش والجدل وتمس مصالح هذه الأغلبية أو قيمها الإنسانية مسا مباشرا .

والتعريفان الأخيران تتوافر بهما العناصر الأساسية للرأي العام وهي كالأتي:

أغلبية الشعب: أى أن الرأي العام الذي ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار رأي الأغلبية ولن يقلل من أهمية هذا الرأي وجود آراء مخالفة لبعض الفئات ذات المصالح المغايرة لمصالح الأغلبية .
الوعي: أى إبراز رأي الأغلبية التي تتوافر لديها معلومات عن القضية أو المشكلة المثارة لأن من لا علم له لا رأي صحيح له وهنا يبرز دور وسائل الإعلام والتنظيمات الشعبية والأهلية والسياسية الرسمية وغير الرسمية في عملية التغذية والتغذية المتبادلة لتوفير المعلومات عن المشكلة المثارة لأكبر قطاع ممكن من المجتمع .

في فترة معينة أو في زمن محدد فلكل موضوع أو مشكلة مثارة ظروفها المحددة بزمن وقوعها سواء كانت ظروفا سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية وقد يحدث لها تغيير بتغير الوقت .وتمس مصالح الأغلبية أى أن تتضمن القضية المثارة أبرز المصالح المادية المشتركة التي تهتم بها الجماهير .

أو قيمها الإنسانية بمعني أن القضية المثارة قد تكون غير مادية وتلمس جوانب معنوية وإنسانية تحظي باهتمام الرأي العام.

التفرقة بين الرأي والمفاهيم الأخري التي تتقاطع معه

بعد استعراض الكثير من التعريفات لمصطلح الرأي العام في محاولة لبيان أقربها إلى تعريفه بصورة محددة يجدر التطرق لمحاولة التمييز بين الرأي وعدد من التعريفات التي تتداخل معه بغية استكمال هذا التصور .

(أ‌) الرأي والاتجاه

الاتجاه يبني الاستعداد المسبق لدي الفرد نتيجة خبراته وتجاربه الذاتية السابقة للتصرف بشكل معين إزاء مشكلة أو موقف لم يتحدد بعد أى أن الاتجاه يعني احتمال استجابة الفرد بطريقة معينة في حالة وجوده في موقف معين لم يتحدد ولم يتبلور بعد ولهذا يختلف الاتجاه عن الرأي في أنه لا يتطلب وجود مشكلة قائمة كما أنه استعداد نفسي لا يتطلب الإفصاح عنه على عكس الرأي الذي يتطلب هذين العنصرين معا (وجود المشكلة والتعبير العلني عن وجهة النظر) والاتجاه أكثر استقرار أو ثباتا من الرأي حيث أن الرأي يتصف بالتقلب وسرعة التغيير .
ولا ينفي الكلام السابق وجود علاقة بين الرأي والاتجاه حيث يمكن الاعتماد بدرجة ما علي الرأي في قياس الاتجاه وخاصة أن الرأي يعكس بشكل عام استعداد معين للسلوك أى انه يساعد على تقديم مؤشر لوجود اتجه معين لدي الفرد وعلى أية حال فإن ذلك لا يعني حتمية وجود تطابق دائم بين الاتجاه والرأي حيث أثبتت الأبحاث الميدانية أن نسبة الانتقال من السلوك القولي (الرأي) إلى السلوك الفعلي نتيجة (الاتجاه) تقل عن 50% ولكن من خلال تحليل علمي رصين ودقيق لقياس الاتجاه يمكن أن يشكل الرأي العام علامة على وجود الاتجاه .

(ب‌) الرأي والسلوك

السلوك هو لتصف الذي ينتج كرد فعل وكاستجابة للمنبه أو للموقف الخارجي المحيط بالفرد والجماعة والرأي يعكس بصفة عامة استعداد للسلوك ويتقاطع الرأي مع السلوك في أن الرأي هو السلوك اللفظي ولكن عندما يأتي لآمر إلى الفعل أو السلوك الحركي فقد يختلف عن السلوك للفظي .
في هذا الاطار يري برنارد هينسي أن التناقش بين الرأي والسلوك هو حقيقية عامة حيث أننا قد يكون لنا رأي سلبي في بعض الأمور أحيانا ولكننا على الرغم من ذلك قد نتصرف عكس هذا الرأي .
في هذا الإطار يري برنارد هينسي أن التناقض بين الرأي والسلوك هو حقيقة عامة حيث أننا قد يكون لنا رأي سلبي في بعض المور أحيانا ولكننا على الرغم من ذلك قد نتصرف عكس هذا الرأي .

(ج) الرأي والحكم

يختلف الرأي عن الحكم وإن كان ذلك لا ينفي وجود علاقة بينهما ويتضح الاختلاف في نقطتين:
يتعلق الرأي غالبا بوجهة نظر لا تفترض عمقا وتحليلا لكافة أوجه المشكلة ووجهات النظر الكثيرة المطروحة حوزلها على العكس من ذلك يفترض أن يأتي الحكم نتيجة لتحليل دقيق وعميق ومناقشة لمختلف جوانب المشكلة وتقييم وجهات النظر المعارضة والمؤيدة قبل إعلان الحكم ويعني ذلك أن الحكم يعتمد في بنائه على أكثر من رأي واحد وأ،ه يتحول بدوره لو أعلن إلى رأي .
يعتبر الرأي وجهة نظر معلنة ويعني ذلك أنه يتم الإعلان عنه بألفاظ ورموز لنقلها من حيز الباطن إلى العالم الخارجي ولا يفترض في الحكم وجود عنصر الإعلان سواء تعلق الأمر بحكم الفرد على مسألة عامة أو خصة ومن الجائز أن يكون لدي الشخص حكما معينا على موقف و شخص ما وقد يعلن رأيا مخالفا لهذا الحكم (ظاهرة النفاق والرياء مثلا)

(د) الرأي والمعتقدات

إذا كان الرأي العام يعبر عن وجهة نظر معلنة فإن المعتقدات هي كل ما يتم النظر إليه من فئات المجتمع على أنها حقائق ثابتة وراسخة ومن ثم فهم يقبلونها بطريقة إرادية سواء كان مصدرها دينيا أو غير ديني بالرغم من أن الجوانب الدينية من هذه المعتقدات ربما كانت في أزمنة سابقة بعيدة محل جدال ونقاش ثم انتهت إلى الصورة التي جعلتها من ضمن المعتقدات الرسمية الراسخة عبر العصور في أذهان البشر .

(هـ) الرأي والتصويت في الانتخابات

إذا كان الرأي هو رد الفعل الكامن أو المعلن لعلاقة المواطن بالسلطة من حيث سلوكها أو موقفها من مشاكل معينةتحدث في مكان وزمان محدد فإن التصويت يعد الممارسة العملية من جانب المواطنين للتعبير عن وجهة نظرهم في أداء الجهاز الحكومي البيروقراطي لأية دولة .
وفي حقيقة الأمر فإن التصويت في الانتخابات والرأي مرتبطان ببعضهما البعض حيث أن التصويت هو الأداة النظامية التي يمكن من خلالها أن يقوم المواطن بتحقيق الوظيفة الديمقراطية للرأي العام ولكن مع ملاحظة أن الرأي قد يوجد دون أن يعبر عن نفسه من خلال عملية التصويت في الانتخابات .

(و) الرأي والمعرفة الثابتة

إذا كان الرأي المعلن يختص بالتعبير عن القضايا الخلافية والتي تتميز بتعدد وجهات النظر فإن المعرفة الثابتة تعبر عن حقائق ومن ثم فإن الرأي يهتم بالتناقض والخلاف بينما المعرفة الثابتة تعني الاتفاق العام فمساحة المثلث هي نصف القاعدة في الارتفاع كما أن تفاعل مركب كيميائي مع آخر في ظروف معينة ينتج مركب كيميائي محدد أم قضايا مثل الانفتاح الاقتصادي والإشتراكية والرأسمالية فإنها لا زالت محل خلاف حتى لآن بين مفكري السياسة .

(ر‌) الرأي والثقافة السياسية

تعد الثقافة السياسية بمثابة نسق من المعارف والقيم والاتجاهات إزاء السياسات الخاصة بأى نظام سياسي وهذا النسق يمكن الكشف عنه عبر الرموز التعبيرية لفظية أو حركية أى أن الراي يتشكل عبر تفاعل هذه المعارف والقيم والاتجاهات الت تشكل الثقافة السياسية غير أنه متي تم التعبير فإنها تتحول إلى رأي .
ومن جهة أخري فإن الرأي قد يتبلور إزاء قضايا غير سياسية بينما الثقافة السياسية تركز على القضايا السياسية بالأساس كذلك يرتبط وجود الرأي وتبلوره ومن ثم إمكانية قياسه ورصده بحجم التطور الديمقراطي في المجتمع وبحجم الحريات المتاح للرأي والرأي الاخر وكذلك بمدي وعي المواطنين واهتمامهم بالقضية محل استطلاع الرأي أم الثقافة السياسية فهي موجودة لدي المواطنين سواء كان النظام ديمقراطيا أو سلطويا أم شموليا غير أن الكشف عنها ورصدها وقياسها لتحويلها إلى رأي يكون أكثر صعوبة في المجتمعات غير الديمقراطية .

(3) أهم وظائف الرأي العام السياسية

ينقسم أى مجتمع في الحقيقة إلى أقلية ضئيلة تهمين على القوة السياسية ومن م تكون هي السيطرة على عملية اتخاذ القرارات (النخبة) وكثرة عددية (المواطنين) تمارس قدر أو آخر من الرقابة المباشرة على ما تفعله النخبة ويختلف حجم الرقابة الذي يمارسه الموطنون تبعا لطبيعة النظام السياسي القائم.

ومن جهة أخري لا يمكن لأى نظام سياسي مهما كانت طبيعته أن يتجاهل تماما توجهات الرأي العام لدي مواطنيه من هنا فهناك سعي دائم من مختلف الأنظمة السياسية لاستكشاف توجهات الرأي العام السئدة لديها سواء في الأنظمة الديمقراطية لكي تتكيف وتتواءم مع معطيات هذه التوجهات أو في الأنظمة السلطوية والشمولية بغية تطويع معطيات هذه التوجهات لكي تتكيف مع التوجهات الخاصة بهذه الأنظمة .

ومن هنا تختلف وظائف الرأي العام من نظام إلى نظام وفقا لطبيعة النظام نفسه طبيعة الجمهور المستهدف طبيعة القضية المثارة طبيعة هدف النظام من التعرف على الرأي العام لمواطنيه طبيعة المناخ والوقت الذي تتم خلاله محاولة التعرف على الرأي العام وأخيرا طبيعة نسق القيم والمعتقدات السائد في المجتمع وفيما يلي سنعرض لأهم الوظائف السياسية التي يمكن أن يلعبها الرأي العام .

(أ) الرأي العام والانتخابات

لعل الانتخابات أحد أوجه المشاركة السياسية الهامة التي يتم فيها اختبار الرأي العام خاصة في الأنظمة الديمقراطية وذلك بإمكانية قياس مدي التأثير والتطابق بين توجهات الناخبين التي تظهر في نتائج الاستطلاعات التي تسبق الانتخابات نحو تفضيل أى من التيارات السياسية أو المرشحين دون غيرهم وبين النتائج النهائية للانتخابات ولعل ذلك ما يدفع قادة الأحزاب في هذه الأنظمة إلى أن يكونوا أكثر حرصا على انتقاء البرامج والمرشحين الأكثر تقاربا مع توجهات الرأي العام السائد لديهم وذلك بما يضمن لهم أن يأتي نتائج الانتخابات في صالحهم.

(ت‌) الرأي العام والسياسة الخارجية

لعب الرأي العام مؤخرا دورا هاما في دعم توجهات السياسة الخارجية لأي نظام سياسي بغض النظر عن طبيعته , حيث بات ملحوظا ن الكثير من القادة العالميين والإقليميين باتوا حريصين على أن تتضمن بياناتهم التي يعلنون فيها تصوراتهم لسياسة بلادهم إشارات واضحة إلى أن هذه السياسات إنما تأتي بالتوافق وبالاستجابة لتفضيلات شعوبهم .
وليس ذلك فقط هو دور العام في السياسة الخارجية فمن المعروف ان الدبلوماسيين يهتمون بالرأي العام داخل بلادهم لا لأنهم يرغبون في مراعاة توجهات هذا الرأي فيما يقدمون عليه من تصرفات وسياسات فقط ولكن أيضا لأنهم يريدون استخدام توجهات هذا الرأي كسلاح فعال أمام نظرائهم وهنا تأتي أهمية الرأي العام فإذا استطاع كل من القادة والدبلوماسيين لبلد ما تقدم الدليل والبرهان على أن السياسات التي يتبعونها تعب تعبيرا حقيقيا عن توجهات الرأي العام السائد لدي شعوبهم فإن قراراتهم ستكتسب وزنا وثقلا أكبر.

(جـ) الرأي العام ودعم السياسات العامة للدولة

يعتبر نجح قادة الدولة في خلق رأي عام داعم لسياساتهم وخططهم العامة والاستراتيجية أحد الضمانات الرئيسية لنجاح هذه السياسات والخطط ويتضمن هذا الأمر أن تقوم الدولة ببناء جهاز إعلامي قوي وناجح يستطيع توصيل رسالة الدولة إلى مواطنيها كما تريد ويعد هذا الأمر أحد الضمانات لنجاح تشكيل الرأي العام وفقا للتوجهات التي ترغبها الدولة ولنا في تجربة الثورة المصرية 1952 ونجاح سياستها الإعلامية الدليل الكامل على ذلك.
غير أن نجاح الجهاز الإعلامي في توصيل رسالة الدولة لا يكون هو الضامن الوحيد لاستمرار تأييد الرأي العام لسياسات قادة الدولة حيث أنه ولابد على قادة الدولة مراعاة التغيرات في توجهات الرأي العام ومحاولة تطوير سياساتها الإعلامية ومن ثم سياساتها العامة وفقا لتفضيلات الراي العام أو أن تصر على تنفيذ سياساتها العامة ولكن مع إجراء بعض الإصلاحات والإضافات على سياساتها الإعلامية كي تحقق الغرض منها .
والحقيقة أنه متي كان الرأي العام في دولة ما داعما لنظامها السياسي دعما إيجابيا بدرجة كبية فإن قادة هذه الدولة يعتبرون أن يدهم مطلقة في اتخاذ ما يرونه من قرارات حتى لو كانت في أقصي درجات التشدد.
رغبة منهم في كسب المزيد من التأييد لهم ولسياساتهم مع أقرانهم تتأرجح بين دعم أى من الكفتين بناء على السياسة التي يتبعونها والتي تحقق المصلحة القوميةللدولة (حالة شارون في إسرائيل) أو أن شعبيتهم قد ارتكزت بالأساس على سياساتهم المتشددة في لحظة تاريخية معينة ومن ثم فمزيد من التشدد والقوة سيمنحهم المزيد من التأييد من الرأي العام (حالة الإدارة الأمريكية الحالية) كذا
فإن إدراك القادة في دولة ما لتوجهات الرأي العام لديهم يدفهم حيانا لاتخاذ قرارات وسياسات لا تتوافق مع هذا الرأي رغبة منهم في استثارة الرأي العام ودفعه إلى تأييد السياسات والقرارات الأخري وهي السياسات التي تنسجم مع التوجهات الحقيقية لهؤلاء القادة ولكنهم لا يستطعيون مواجهة مواطنيهم بها.

مما سبق يمكنا القول بأنه كثيرا ما ينظر إلى استطلاعات الرأي العام على أنها تجري بنجاح كبير في الدول المتقدمة وذلك بسبب زيادة درجة الوعي لدي أفراد المجتمع نتيجة ارتفاع المستوي الثقافي والتعليمي فضلا عن وجود نظام ديمقراطي حقيقي يتيح إمكانية التعبير عن الرأي بحرية كاملة ومن ثم فإن تلك النظم الديمقراطية سرعان ما ترضخ للرأي العام

بالإضافة إلى ذلك فإن الدول المتقدمة تتوافر لديها مراكز وأجهزة رأي عام تمتلك كافة الإمكانيات المادية والتكنولوجية التي تساهم في كفاءة عملها ولكن في حقيقة الأمر فإن نجح بحوث الرأي العام يرتبط بشكل كبير بالإجراءات المنهجية لعملية القياس وبالطريقة التي يتم بها تجميع المعلومات التي يتم الاعتماد عليها في الدراسة وذلك في المرحلة القبلية وهذا أمر سواء بالنسبة للدولة المتقدمة أو الدول النامية وبصفة عامة وعند تقييم الفائدة من دراسات قياس الرأي فإننا نجد أن هناك ثلاثة تيارات رئيسية , وهي :

التيار الول : وهو يبالغ كثيرا في أهمية ودور قياسات الرأي العام في دعم الديمقراطية ويرفض تدخل السلطة السياسية في وضع قيود لتلك الدراسات.
التيار الثاني : وهو يتخذ موقفا عدائيا من استطلاعات الرأي العام ويتمثل ذلك القطاع غالبا المشتغلين في المؤسسات السياسية والتشريعية والأمنية والصحفية .
التيار الثالث : ويمثله الأكاديميون ويرون أن استطلاعات الرأي العام يمكن استخدامها لدعم الديمقراطية وأيضا يمكن استخدامها لتهديدها لذا فهم يحاولون وضع مواثيق أخلاقية يلتزم بها العاملون في حقل دراسات الرأي العام فضلا ن تنمية الأساليب المنهجية المستخدمة .

غير أنه يمكننا القول أنه بالنسبة لدراسات الرأي العام في الدول النامية فإنها تواجه عددا كبيرا من الصعوبات لعل أبرزها كالأتي :

  1. نقص المعلومات المتاحة سواء من ناحية الكم أو الكيف وقصرها واحتكارها على جهات معينة وذلك على الرغم من أهمية تلك المعلومات في تكوين الرأي العام .
  2. يرتبط بالنقطة السابقة احتمال النقص في وسائل الإعلام التي يمكن أن تستخدم لتوصيل المعلومات عن الموضوعات المختلفة إلى كافة المواطنين فضلا عن وجود صعوبات تمنع من إمكانية الانتشار الوسع والحر لوسائل الإعلام على مستوي المجتمع ومن ثم فهي تعوق توافر المعلومات بالقدر اللازم لتكوين الرأي العام .
  3. التخلف التكنولوجي وخاصة في المجالات التي ترتبط ارتباطا وثيقا بعملية تكوين الرأي العام ومن ثم بلورته وحشده بعد ذلك وإمكانية قياسه مما يؤدي في النهاية إلى عدم القدرة على إجراء استطلاعات رأي عام معبرة عن الواقع وبلا شك فإن استخدام الحاسب الآلي والإنترنت أصبح الآن ضرورة ملحة لا يمكن الاستغناء عنها وذلك في ظل الثورة الإتصالية والمعلوماتية الحالية .
  4. النقص الشديد في الإمكانات المادية لمعظم الدول النامية وهو الأمر الذي يجعل الاعتماد الأساسي في توفير التمويل الضخم الذي يتطلبه إجراء مثل هذه البحوث يعتمد على الجهات المانحة من الخارج وهو الأمر الذي ما زال ينظر إليه بكثير من الشك من جانب بعض الجهات في هذه الدول والتي تطرح تساؤلات حول الأغراض الحقيقية للجهات المناحة من توفير هذا التمويل .
  5. عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في عدد كبير من الدول النامية بما يؤدي في أغلب الأحيان إلى تراجع إمكانية قياس الرأي العام بصورة دورية منتظمة .
  6. وهذا فضلا عن وجود مجموعة من المشكلات المنهجية الناجمة عن تردي الأوضاع التعليمية والاجتماعية وقلة درجة الوعي بأهمية مثل هذا النوع من البحوث والتي تحول دون القيام بقياس الرأي العام والوصول إلى نتائج ذات دلالة بشأ،ه .
  7. على أية حال فإذا كانت المشاكل السابقة هي التي تواجه الرأي العام في الدول النامية فإن دراسات الرأي العام في المنطقة العربية تواجه بمشاكل تعكس بقدر أو بآخر خصوصية إشكالية التطور الديمقراطي والاجتماعي في المنطقة العربية وهي كما يلي :
  8. محدودية هامش الحرية المتاح لقادة الرأي أو للمواطنين كي يقولوا كلمتهم في القضايا المحلية أو الإقليمية أو الدولية التي تلقي بظلالها على المنطقة العربية وتنعكس بدورها على الفهم الصحيح لما يدور حولهم من أحداث .
  9. عدم قدرة أجهزة الإعلام على التعبير الموضوعي عن هموم الجماهير وتطلعاتها وكذلك عدم قدرتها على مواجهةالمنافسة الحادة من القنوات الفضائية لمختلف دول العالم وهو الأمر الذي بات يشكل خطرا من احتمالات تشكل الرأي العام العربي بناء على معطيات خارجية يعتمد عليها وذلك في ظل الرقابة الشديدة التي ما زالت مفروضة بقدر أو بآخر على أجهزته الإعلامية .
  10. النقص الواضح أو انعدام وجود مراكز لبحوث الرأي العام في معظم البلاد العربية وهذا يسهم بلا شك في خلق حالة من عدم الثقة وسوء التقدير والتخطيط في اتخاذ معظم القرارات .
  11. عدم توفر معلومات دقيقة عن الخريطة السكانية في معظم البلدان العربية وهو الأمر الذي يفرض العديد من الإشكاليات على الباحثين عند قيامهم بسحب العينات التي سيطبقون عليها دراساتهم هذا بالإضافة إلى التداخل والتضارب في البيانات السكانية لدي الجهات الرسمية التي تقوم بتوفي مثل هذه البيانات بما يعرقل العمل الميداني ويجعل هناك صعوبات شديدة في التوصل إلى مفردات العينة محل الدراسة .
  12. إضافة إلى ما سبق فما زالت الأجهزة الرقابية تفرض قيودا شديدا على دراسات الرأي العام بداية من التساؤلات حول مصادر التمويل والهدف منه والتساؤلات حول طبيعة البحث والغرض منه إلى التدخل بالحذف أو الإضافة في استمارة الاستقصاء .

ثانيا : حالة الرأي العام في مصر من خلال قضية المشاركة

تعاني مصر منذ بدء تجربة التحول نحو التعددية السياسية والحزبية في نوفمبر عام 1976 من مشكلة الضعف الشديد في نسبة المشاركين في العملية الانتخابية بل والمهتمين بها اصلا حيث بدأ الأمر وكأن الأحزاب السياسية لا تخص إلا القائمين عليها بل بدت اللعبة السياسية كلها وكأنها تدور بين أقليات ومن ناحية ثانية فإن ضعف معدلات المشاركة السياسية بمفهومها الواسع كانت أحد الأسباب التي عرقلت التطور الديمقراطي في مصر ومن ثم يمكن اعتبار تفعيل المشاركة السياسية هو " مفتاح" استكمال التجربة الديمقراطية بنجاح في مصر .

جدول يوضح نسبة المشاركة بالتصويت في انتخابات مجلس الشعب خلال الفترة من 1976 -2000
السنة نسبة التصويت
1976 40%
1984 43,7%
1987 50,42%
1990 40%
1995 50%
2000 25%

المصدر : د. عمرو هاشم ربيع المشاكة السياسية مؤشرات كيفية وكمية في د. هالة مصطفي (محرر) انتخابات مجلس الشعب 2000 ص 208.

ويعود ضعف مستوي المشاركة في مصر إلى عدة أسباب , فهناك أولا الأسباب الاقتصادية والتي تتمحور في حقيقة أ،ه كلما كانت هناك ضغوط اقتصادية كلما كان تفكير المواطنين في التغلب على هذه الضغوط أكبر بكثير من تفكيرهم في اللجوء إلى صناديق الانتخاب على هذا الأساس يبرز أحد أسباب السلبية السياسية في مصر فانخفاض مستوي المعيشة الذي يعبر عنه قلة متوسط دخل الفرد وزياد معدلات البطالة نتيجة لظروف اقتصادية عديدة صرفت قطاعات كبيرة من المواطنين عن أداء واجبهم الانتخابي

بل وغدت ببعضهم في تيارات سياسية مسلحة نتيجة الشعور بالاغتراب والانعزال إضافة إلى أن ارتفاع نفقات الدعاية الانتخابية يؤدي إلى خشية المواطنين من الترشيح في تلك الانتخابات .

وهناك ثانيا الأسباب أو العوامل الاجتماعية حيث تؤثر الأمية التعليمية (نحو 55 % تقريبا من عدد السكان) وكذلك الأمية الثقافية والسياسية سلبا على المشاركة في مصر ترشيحا وانتخابا فالمواطن لأمي ليس لديه بداية حق الترشيح في الانتخابات أما بالنسبة إلى ممارسة حق الانتخاب فالأرجح أن يعزف الأميون عن ممارسة حقهم في الانتخاب أو أنهم يساقون إلى صناديق الانتخاب بتعبير أخر فإن درجة المشاركة ترتبط بالوضع الاجتماعي ومستوي الدخل ومستوي التعليم

كما ترتبط بطبيعة العلاقات الاجتماعية الموجودة داخل المجتمع وأثرها على تزايد أو تناقص نسبة المشاركة وهناك من يري التفاوت الاجتماعي الاقتصادي الحاد وعدم ضمان الحد الأدني للكفاف الاقتصادي لفئات كبيرة في المجتمع تعتبر من العوامل الأساسية لضعف المشاركة السياسية .

وثالثا هناك القضايا السياسية الساخنة ومدي إثارتها على الساحة حيث إن وجود هذه القضايا يرفع من احتمالات المشاركة وخاصة إذا ما تم التركيز عليها بالشكل الملائم من خلال وسائل الإعلام الجماهيري والحملات الانتخابية والاجتماعات العامة.

وهناك رابعا مدي وجود إطار سياسي ديمقراطي يقنع الناخب بجدوي المشاركة فيساهم في رفه معدلاتها وداخل الإطار السياسي هناك عناصر تؤثر إيجابيا على نسبة المشاركة مثل وجود مجالس تشريعية قوية ووجود أحزاب ونقابات فعالة وحدوث تطور في مؤسسات المجتمع المدني .

ومن العوامل المؤثرة أيضا على المشاركة السياسية طبيعة النظام الانتخابي المتبع في الانتخابات فالنظام الفردي يتيح لكافة المواطنين المشاركة في الترشيح ومن ثم التشجيع على ممارسة حق الانتخاب لأي عدد من المواطنين ومهما كانت انتماءاتهم السياسية طالما لم يكونوا من المحرومين أو الموقوفين عن مباشرة حق الانتخاب وفق قانون مباشرة الحقوق السياسية وهذا الأمر بالطبع يتناقض مع نظام القوائم الذي قصر حق الترشيح على من ترشحهم الأحزاب السياسية ومن ناحية أخري فإن ثقة المواطنين في النظام السياسي تؤثر على المشاركة .

يختلف دور الرأي العام باختلاف وسيلة الانتخاب فنجد الرأي العام أقوي مع الانتخابات المباشرة عنه مع الانتخابات غير المباشرة ففي الانتخابات المباشرة يقوم الشعب باختيار ممثليه وحكامه مباشرة ودون أى وساطة ويقوي الرأي العام أيضا مع نظام التمثيل النسبي عنه في نظم الانتخاب بالأغلبية فنظام الانتخاب بالأغلبية في صورتيه (نظام الأغلبية البسيطة ونظام الأغلبية المطلقة) يؤدي إلى ظلم الأقلية أما نظام التمثيل النسبي فهو يؤدي إلى ازدياد قوة الرأي العام حيث يسمح بتكوين معارضة قوية في البرلمان بما يتيح الفرصة للأحزاب الصغيرة للحصول على بعض المقاعد النيابية كما يضمن نظام التمثيل النسبي لجميع القوي في الجماعة تمثيلا عادلا في البرلمان .

وفي دراسة بعنوان " مصر في مطالع القرن الحادي والعشرين مجتمع في مفترق طرق " توصل الدكتور ندر فرجاني إلى تحديد ثلاثة مكونات للعزوف عن السياسة في مصر ,

الأول أسماه الاستقالة التامة من السياسة والمكون الثاني أسماه الاستقالة من التشكيلة السياسية القائمة في مصر أحزابا وتيارات غير مهيكلة في أحزاب أما المكون الثالث فكان العزوف عن العضوية في أحد الأحزاب القائمة وقد أوضح الدكتور فرجاني أنه بالنسبة للمستوي الأول :

فإن قرابة نصف الناخبين (46%) يستقل من السياسة ابتداء فليس لهم من رأي بغالبية كبيرة (62%) مقارنة بأقل من ثلث الرجال11 (27%) ويظهر للتقدم في العمر تأثير واضح على زيادة هذا المستوي من الاستقالة خاصة بين النساء كذلك ينطوي ارتفاع التحصيل التعليمي كما يتوقع على انخفاض مطرد في المستوي الأول للإستقالة من السياسة أشد وضوحا في حالة النساء .

أما بالنسبة للمستوي الثاني : فإنه بإضافة الاستقالة من التركيبة السياسية القائمة حاليا إلى الاستقالة التامة من السياسة نصل إلى استقالة تراكمية لما يناهز ثلاث أرباع الناخبين (72 %) من السياسة في مصر وتزداد الاستقالة بين النساء بالمقارنة بالرجال كما تزداد الاستقالة من السياسة بين النساء بالكبر في السن وخاصة بعد بلوغ الثلاثين عاما من العمر وربما تعبيرا عن تزايد المسئوليات الحياتية للنساء خاصة في نطاق الأسرة وعندهن نلحظ أعلى قيم العزوف عن السياسة على هذا المستوي بين متوسطات العمر اللاتي لا يتعدي حظهن من التعليم المرحلة الابتدائية.

أما بين الرجال فتوجد أعلي مستويات الاستقالة بين كبار السن (50 عاما فأكبر) يليهم شباب الناخبين (18 -29سنة) بينما شوهدت اقل مستويات الاستقالة من السياسية بين فئة العمر الوسيطة (30 – 49 سنة) وهنا نجد مؤشرا على انتشار أوسع للعزوف عن السياسة بين شباب الناخبين يعود في الأساس إلى مكون الاستقالة من تركيبة الأحزاب والتيارات السياسية القائمة .

أما بالنسبة للمستوي الثالث : فإنه من خلال إضافة نسبة المجيبين الذين يعبر عنهم في رأيهم حزب أو تيار سياسي ولكنهم ليسوا أعضاء في أى حزب إلى المستوي الثاني من الاستقالة من السياسة يصبح عزوف المصريين عن السياسة على الأقل العلنية شبه مطلق إذ يطول 94% من الناخبين والقلة الضئيلة الباقية هي التي انضمت لعضوية الأحزاب ويطول هذا المستوي من العزوف عن السياسة جميع النساء تقريبا

بحيث يصبح الحديث عن الفوارق في العزوف داخل مجتمع الناخبات تزيدا المشاركة السياسية في مصر مقاسة بعضوية الأحزاب إذ هي حكر رجلي تقريبا ولكن بين الرجال نجد أعلي معدلات العزوف عن السياسة على المستوي الثالث مرة أخري بين الشباب والكبار .

ثالثا : العلاقة بين الرأي العام والمشاركة السياسية

أضحي الرأي العام قوة كبيرة في الفترة الراهنة إلى الحد الذي يمكن القول بأن الراي العام أصبح يمثل الضمان الأساسي للقيم السياسية والدستورية بحيث إذا انعدم و ضعف أصبحت هذه القيم عرضة لامتهان الحاكمين لقد أثبت التاريخ السياسي للشعوب أن ما تقرره نصوص الدستور من حريات وضمانات لا قيمة لها ما لم تؤمن به جماهير الشعب وتدافع عنه بكل ما تملك

ومن منطلق تلك الأهمية للرأي العام نجد الحاكمين يهرعون دائما إلى الرأي العام بقصد التأثير فيه على احترام الحرية بحسب طبيعة لنظام السياسي القائم ففي ظل السياسة القائمة على احترام الحرية السياسية بكل ضماناتها والتي يتمتع الأفراد في ظلها بوعي سياسي مزدهر " يقوم الرأي العام بوظيفة الحكم وهذا الحكم يأتي عن طريق مناقشة الرأي والوصول به إلى راي أخير ملزم فعال .

وقد نقل الدكتور فتحي الوحيدي عن وصفه للرأي العام بأنه يمثل القوة المطلقة النهائية في كافة الأمم وخلال كل العصور فالرأي العام في الولايات المتحدة مثلا يقف شامخا متعاليا فوق هامات رؤساء الجمهورية وحكام الولايات , وفوق المؤتمرات والجهاز الوسع إنه يقف باعتباره المصدر الأعظم للسلطة والسيد الذي يرتجف الخدم أمامه رعبا وهلعا كما نقل ذات الباحث عن خطيب الثورة الفرنسية قوله إن الرأي العام هو سيد المشرعين والمستبد الذي لا يدانيه في السلطة المطلقة مستبد أخر .

والمشاركة السياسية تعني تلك الأنشطة الإرادية التي يزاولها أعضاء المجتمع بهدف اختيار حكمهم وممثليهم والمساهمة في صنع السياسات والقرارات على نحو مباشر و غير مباشر كما أنها قد تعني العملية التي يلعب الفرد من خلالها دورا في الحياة السياسية لمجتمعه وتكون لديه الفرصة لأن يسهم في مناقشة الأهداف العامة لذلك المجتمع وتحديد أفضل الوسائل لإنجازها وتكتسب المشاركة السياسية بهذا المعني أهميتها من كونها تمثل ضمانه أساسية للمسيرة الديمقراطية في أى مجتمع

ومن ثم يمكن القول أن الرأي العام والمشاركة السياسية هما أهم المظاهر للتعبير عن الديمقراطية في المجتمعات المختلفة كما نهم مترابطان ومتلازمان دائما فالمجتمع الذي تشيع قيمة المشاركة السياسية تنمو فيه ظاهرة الرأي العام وتكتسب فعالية في التأثير على عملية صنع القرار كمما تنتشر فيه استطلاعات الرأي العام بصورة دورية ولعل خير مثال على تلك الحالة هو الولايات المتحدة الأمريكية .

بختصار فإنه يمكن القول أن ظاهرة الراي العام هي الوجه الآخر للمشاركة السياسية أو أن الرأي العام هو أحد مظاهر المشاركة السياسية وعدم وجودهما معا يعني أن المجتمع يعاني خللا ما فلا توجد أى من الظاهرتين منفردة إلا بشكل يعبر عن وجود مشكلة ومن ثم تعاني الدول النامية ومنها مصر من عدم تنسب وجود ظاهرة الرأي العام مع معدلات المشاركة السياسية ومن المعروف أن تلك الدول تعاني من المشاركة السياسية لديها مومسية ولا تعبر عن مشاركة حقيقية لأنها تعتمد على التعبئة الجماهيرية في اثناء الانتخابات فقط.

(1) المشاركة السياسية والانتخابات : تصورات خاطئة.

يتم النظر إلى المشاركة في الانتخابات على أنها مقياس لدرجة المشاركة السياسية في أى مجتمع أو أنها المظهر الوحيد للمشاركة السياسية ومع عدم إغفال أهمية المشاركة في الانتخابات إلا أنه لا يمكن اعتبار ذلك المؤشر الوحيد للمشاركة السياسية في المجتمع

وفي الحقيقة فإن ذلك التصور لم يكن تصور الجماهير فقط بل ساد انطباع خاطئ ردحا من الزمن حتى بين علماء السياسة بأن الصورة الأساسية للمشاركة السياسية هي عن طريق الانتخابات لأنها هي الصورة التي تمارسها الأغلبية الساحقة من المواطنين وعلى قدم المساواة ومع ذلك فإنه يمكن القول أن المشاركة في الانتخابات بالتصويت تعتبر المظهر الأكثر وضوحا وتعبيرا عن المشاركة السياسية بيد أن المشاركة السياسية أسرع بكثير من مجرد التصويت في الانتخابات وذلك نظرا للإعتبارات لتالية .

إن الانتخابات في كل حالاتها قد لا تمارس إلا كل سنتين وربما كل أربع أو خمس سنوات بحسب نوعية المجالس و المناصب المنتخبة في كل نظام سياسي وبالتالي فإن كل ما تقدمه النظم السياسية الليبرالية الموصوفة بالديمقراطية لمواطنيها من فرص للتأثير على صنع السياسة العامة تتمثل في مناسبة الانتخابات ..

إن المشاركة في الانتخابات لا تشير في حالات كثيرة إلى ارتفاع درجة المشاركة السياسية ورقي الوعي السياسي لا سيما في المجتمعات النامية حيث يتم حضد الجماهير وتعبئتها وربما دفعها للتصويت في الانتخابات بعوامل كثيرة منها لأموال مثلا فالناخب في كثير من لأحوال في تلك البلدان لا يذهب إلى الانتخابات

إلا إذا كان المرشح من عائلته مثلا أو صديقه أو ينتظر من وراء ذهابه إلى الانتخابت مصلحة اقتصادية معينة ولعل هذا الاعتبار الأخير هو الذي دفع المهتمين بدراسات المشاركة السياسية إلى عدم الاقتصار على دراسة التصويت باعتباره الصورة الأساسية للمشاركة السياسية وإنما تدرس إلى جانبه صور أخري قانونية مثل عضوية الأحزاب السياسية والنقابت المهنية والعمالية والجمعيات الفكرية وجماعات المصالح بصفة عامة بالإضافة إلى صورة غير قانونية مثل استخدام المال في العمل السياسي عندما تتجاوز حدودا معينة تفوق ما يسمح به القانون .

وفي هذا الاطار خضع مفهوم المشاركة السياسية للتطور من خلال استخدام علماء لاجتماعي السياسي له في واقع المجتمعات الغربية التي تبنت الفكر أو الأيديولوجية الليبرالية الديمقراطية داخل النظم السياسية التعددية ثم في الولايات المتحدة الأمريكية بحيث تعددت مستوياتها أو درجاتها كم تعددت الوسائل التي يعتمد عليها في تطوير نماذجها واتساعها وتنظيم عملياتها

إذ يشير " صموئيل هانتنجتون " إلى أن هناك ثلاث مستويات ف يالممارسة أولها المستوي الأكثر انخفاضا حيث تقتصر المشاركة على نخبة صغيرة من الارستقراطيين التقليديين أو البيروقراطيين وثانيها هو المستوي المتوسط حيث تكون الطبقة المتوسطة قد دخلت معترك السياسة وثالثها المستوي المرتفع من المشاركة ويوجد حيث تشترك النخبة والطبقة المتوسط والجماهير بصورة عامة في النشاط السياسي .

ومن ناحية ثانية فقد قدم علماء الاجتماع السياسي شكلا هرميا يغطي كل أشكال المشاركة السياسية ويكون قابلا في نفس الوقت للتطبيق في كل النظم السياسية بهدف الوقوف على درجاتها في ارتباطها بنماذج المشاركة السياسية المتعددة التي يضمها الهرم وتمثل الوجه الإيجابي للمشاركة السياسية بوجه عام ثم انتهوا إلى أن تقلد المنصب السياسي أو الاداري يقع علي رأس الهرم ويمثل أقصي درجات المشاركة ثم تأخذ درجاتها في الهبوط والتناقض إلى أسفل القاعدة وهو التصويت باعتباره دني مستوي من مستويات أشكال التعبير عن المشاركة السياسية على النحو التالي :

  1. تلقد منصب سياسي أو إداري
  2. السعي نحو منصب سياسي أو إداري
  3. العضوية النشطة في التنظيم السياسي (الحزب مثلا)
  4. العضوية العادية في التنظيم السياسي
  5. العضوية النشطة في التنظيم شبه السياسي
  6. العضوية العادية في التنظيم شبه الشياسي
  7. المشاركة في الاجتماعات السياسية العامة
  8. المشاركة في المناقشات السياسية غير الرسمية
  9. الاهتما العام بالسياسة
  10. التصويت

وهكذا يمكن القول ن المشاركة السياسية إلى جانب أنها تعني تلك الأنشطة الإرادية التي يقوم بها المواطنون بهدف التأثير بشكل مباشر أو غير مباشر في عملية اختيار الحكام أو التأثير في القرارات أو السياسات التي يتخذونها فإنها تعني أيضا العملية التي يلعب الفرد من خلالها دوراا في الحياة السياسية لمجتمعه

وتكون لديه الفرصة لأن يسهم في مناقشة الأهداف العامة لذلك المجتمع وتحديد أفضل الوسائل لإنجازها وقد تتم هذه المشاركة من خلال أنشطة سياسية مباشرة أو غير مباشرة وفي إطار هذا التعريف فإن الرأي العام وشيوع التعبير عن الرأي وإمكانية قياسه يعتبر البديل الأكثر استمرار للتعبير عن شيوع نمط المشاركة السياسية في مجتمع ما

فعندما تشيع ثقافة المشاركة السياسية في مجتمع ما فإن الأفراد في هذه المجتمع لا يمكنهم الانتظار لموسم الانتخابت للتعبير عن مختلف آرائهم في القضايا التي تهمهم كما أنه دائما ما تتلازم ظاهرتا المشاركة في الانتخابات والإقبال على التعبير عن الرأي من خلال استطلاعات الرأي العام

كما أنه غالبا ما تنتشر ظاهرة استطلاعات الرأي العام في تلك المجتمعات التي ترتفع فيها معدلات المشاركة السياسية معبرا عنها بالأساس بالمشاركة في الانتخابات إضافة إلى ذلك فإن المجتمعات التي قطعت شوطا في عملية التحول الديمقراطي غالبا ما يترافق ذلك مع سماحها للرأي العام بالتعبير عن نفسه ومن ثم بدأت استطلاعات الرأي العام تعرف طريقها إلى دول العام الثالث بصفة عامة ومصر بصفة خاصة.

(2) الرأي العام وتجربة التعدد الحزبي في مصر:

يعتبر التعدد الحزبي واحدا من المكونات الهامة للبيئة الصالحة لنمو الرأي العام وفاعليته حيث أنه يمكن القول أنه كلما وجد التعدد الحزبي في مجتمع ما كان ذلك أدعي لوجود رأي عم فاعل .

وبالنسبة لتجربة التعدد الحزبي في مصر فقد نص الدستور المصري (دستور 1971) في مادته الخامسة بعد تعديلها في 22 مايو 1980 على قيام النظام السياسي المصري على أساس نظام تعدد الأحزاب السياسية في إطار المقومات والمبادئ الأساسية للمجتمع المصري المنصوص عليها في ذات الدستور ولكن القوانين المنظمة للحياة السياسية تضمنت قيود أضعفت التجربة الحزبية المصرية (راجع الإطار القانوني للتطور الديمقراطي في هذا الكتاب).

فلم يسمح ذلك الوضع للأحزاب بأن نؤدي الدور المنوط بها لا سيما فيما يتعلق بالتثقيف السياسي تفعيل المشاركة بين المواطنين من خلال تفعيل عضوية الحزب وتفعيل المشاركة في أ،شطة الحزب وهو الأمر الذي انعكس فيما بعد على ضعف مشاركة الأحزاب المختلفة ذاتها في الحياة السياسية المصرية

فالزيادة في عدد الأحزاب لم يرافقها زيادة ممثلة في حيوية الحزبية أو ازدياد دور الأحزاب في الحياة السياسية وما زال حضور هذه الأحزاب لدي الرأي العام وجمهرة المواطنين محدودا إلى حد كبير وفي عدد من استقصاءات الرأي العام تبين أن غالبية المواطنين ليسوا على معرفة بأسماء أغلب هذه الأحزاب ناهيك عن معرفة برامجها وقياداتها .

وقد انعكس هذا الأداء السياسي للتجربة الحزبية على الرأي العام في مصر حيث لم يعد قادرا وربما غير راغب في إبداء رأيه في أية قضية وأصبح طابعه المميز إزاء أية قضية كانته تهمة مباشرة أم لا هو العزوف التام عن المشاركة وإبداء الرأي

ومن ناحية أخري لم تسع الحكومة هي الأخري لتفعيل الرأي العام ومحاولة معرفة توجهاته حيث عمدت الحكومات المتتالية إما إلى تجاهل رغبات الرأي العام كلية أو السعي عبر وسائل الإعلام إلى تعبئة الرأي العام في الاتجاه الذي تريده وأصبح الرأي العام في مصر مجرد وسيلة تلجأ إليها الحكومات المختلفة عندما يكون توجهه في صالحها وعادة ما يكن ذلك متعلقا بالقضايا الخارجية بينما تتجاهله أيضا في القضايا التي لا يتوافق رأيه فيها مع سياساتها .

فالراي العام المصري وإن كان يتسم دائما بالسلبية التي تعود إلى عوامل كثيرة منها نمط الثقافة السياسية السائد والموروث التاريخي فإن الأحزاب والحكومات المختلفة المتعاقبة تتحمل جزءا من المسئولية عن لذك الوضع فالرأي العام مثله مثل المشاركة السياسية يعتبر شكلا من أشكال التعليم حيث يتعلم المواطنون من خلالها حقوقهم وواجباتهم وهذا يؤدي بدوره إلى معرفة تامة وإدراك كبير لهذه الحقوق والواجبات وإلى مزيد من الواقعية والمرونة في مطالب هؤلاء المواطنين

فالمشاركة السياسية ومن ثم الرأي العام ترتبط بالمسئولية الاجتماعية التي تقوم على أساس الموازنة بين الحقوق والواجبات لذلك فهي سمة من سمات النظم الديمقراطية حيث يتوقف نمو وتطور الديمقراطية على مدي اتسع نطاق المشاركة وجعلها حقوق يتمتع بها كل إنسان في المجتمع .

وعلى الرغم من أنه من الثابت أن قوة الرأي العام تزداد في ظل إقرار حق الاقتراع العام للمواطنين حيث يبدأ الوعي السياسي ينمو وينشط لانصهار الرأي العام في بوتقة العمل السياسي والمشاركة الفعالة في إدارة شئونها وتصبح الأحزاب السياسية وغيرها من التنظيمات السياسية الشعبية تعني كل العناية بنظام الانتخاب وضمان حيدة السلطات الحاكمة أثناء العملية الانتخابية

وذلك لضمان أن تأتي نتيجة الانتخابات مطابقة لاتجاهات الرأي العام الحقيقية وعلى الرغم من تاريخ مصر في التجربة الحزبية وعلى الرغم من وجود 17 حزب على الساحة السياسية في مصر حاليا إلا أن تلك العراقة في التجربة الديمقراطية والحزبية لم يصاحبها تطور يعتد به في قوة الرأي العام المصري .

ولكن هل يعني ما سبق أن وجود الأحزاب وتعددها في مجتمع يعد علامة صحية من وجهة نظر الرأي العام وهل تعبر الأحزاب تعبيرا صحيحا عن الرأي العام بمعني هل تعد الأحزاب مرآة صادقة للرأي العام في الحقيقة هناك من يري أن افتراض نظري ويري الفقهاء أنه لكي يكون هناك رأي عام يجب أن تكون هناك حكومة منظمة وألا يوجد بين أهل البلاد انقسامات وفوارق كبيرة من حيث الجنس والدين أو النزعة السياسية إضافة إلى ذلك يري الفقهاء أن الإدعاء بأن مبادئ (أو آراء الحزب) أو آراء مناصريه أو مؤيديه في الانتخابات أنها مبادئ أو آراء الرأي العام هو ادعاء غير صحيح علاوة على ذلك فهناك من يري أن الأحزاب تعمل على تزييف الرأي العام

فقد يحدث انقسم داخل الحزب حول برنامج معين ويحاول أعضاء الحزب تسوية الخلاف حتي يبدو الحزب أمام الرأى العام كما لو كانت تسوده الوحدة والانسجام وغالبا م تخفي الخلافات الحزبية وراءها خلافات في الشهوات والآراء وتتمكن الأحزاب من خلال التأثر في الجماهير من فرض ري معين وهي تستعمل في ذلك التأكيد والتكرار والقدوة وعلو المكانة وقد تنشر الصحف أكاذيب وتكررها حتى ينتهي الرأي العام إلى تصديقها وقد تنحو الدعاية نحو الكذب والخداع وتملق الجماهير والرشوة.

ولكن على الجانب الأخري ورغم التسليم بوجاهة الحجج السابقة فإنه لا يمكن التسليم بأ، وجود لأحزاب غير مفيد بالنسبة للرأي العام أو أنها لا تعبر عنه تعبير صحيحا فالمجتمع الذي يزخر بالأحزاب يمثل بيئة أكثر ملائمة " لنمو " الرأي العام مقارنة بمجتمع لا توجد به تعددية حزبية فالأحزاب وإن تعبئ الرأي العام في الاتجه الذي تريد بطرق مختلفة إلا أ،ها تظل في النهاية مخفزا لوجود رأي عام فاعل .

(3) الرأي العام والنظام الديمقراطي :

تعتبر الديمقراطية أفضل الأنظمة السياسية لنمو وازدهار الرأي العام لأنها توفر الحقوق والحريات لأفراد الشعب وهذه الحقوق والحريات تعتبر لأزمة لتكوين الرأي العام الحقيقي وكان من نتائج انتشار نظام الحكم الديمقراطي في النظم السياسية المعاصرة واتساع حق الاقتراع العام تزايد الاهتمام بالرأي العام ومن ثم فقد اهتمت الحكومات الديمقراطية بدراسات وقياسات الرأي العام وعملت على إنشاء هيئات متخصصة في قياس الرأي العام وكان مبعث هذا الاهتمام الرغبة في أن تكون القرارات السياسية بقدر المستطاع مع آمال الجماهير واتجاهات الرأي العام السائدة وأصبحت الحكومات الديمقراطية في العصر الحديث تستمد قوتها من تأييد الشعب .

والحقيقية أن قضية التعبير عن أو التحدث باسم الرأي العام تعتبر من القضايا الشائكة لا سيما في مجتمعات الدول النامية وبالطبع فإن هذا الأمر ينطبق على تلك القضية في مصر فكثيرون يدعون أنهم يمثلون الرأي العام وكثيرون من النخبة يدعو أن الرأي العام يتسم بالغوغائية ومن ثم قلا يجب أن يؤخذ برأيهم وبالتالي فلا داعي من الأساس للقيام باستطلاعات الرأي العام

بل إنهم عادة ما يشككون في أية استطلاعت للرأي العام خاصة في تلك الحالات التي تأتي النتائج مخلفة لما يعتقدون أنه الصحيح حيث يدعي الكثير من النخبة في النظم غير الديمقراطية أ،ه لا يمكن الاعتماد على نتائج استطلاعات الرأي العام ف يظل الأمية الثقافية والسياسية المنتشرة في مصر ولا يعني ذلك أن الدول الديمقراطية لا تعاني من مشاكل في حسم تلك القضية

ففي نهاية كتابه "الرأي العام والديمقراطية الأمريكية" يصل الكاتب ف . و. كي إلى استنتاج مؤداه أن نظامنا الديمقراطي – يقصد النظام الأمريكي ينجح أو يفشل حسب قوة العلاقة بين الجمهور العام وبين مجتمع النخبة في أمريكا فعندما يتحقق التوازن الملائم بين الجمهور وبين صفوة الأمة فإن ديمقراطيتنا تعمل بكفاءة ولكن عندما يختل هاذ التوازن كما يحدث في عصرنا هذا فإن النظام يختل أداؤه أيضا .

ويلعب الرأي العام دورا حيوي في النظم الديمقراطية بل إن دوره يتعاظم في ظل هذه النظم حيث أن الحكومات في هذه النظم تستمد قوتها وفعاليتها من قوة وتأييد الرأي العام لها إضافة إلى ذلك فإن دور الراي العام في المجتمعات الديمقراطية الحديثة هو القيام بدور الرقابة الشعبية على أعمال السلطة الحاكمة وتأييدها إذا ما سارت في طريق تحقيق آمال الجماهير وإقصائها إذا ما انحرفت عن طريق الصالح العام للشعب

وفي النظم الديمقراطية تحدد طبيعة النظام السائد الدور الذي يلعبه الرأي العام ففي الديمقراطية المباشرة يكون دور الرأي العام أكبر منه في الديمقراطية النيابية ففعالية الرأي العام وحيويته والقدرة على قيام باستطلاع توجهات الرأي العام تجاه أية قضية في أى وقت دونما عقبات تذكر هي في النهاية مؤشر قوي على الديمقراطية والثقافة السياسية السائدة في مجتمع ما وتجدر الإشارة هنا إلى أن الدول عريقة الديمقراطية مثل الولايات المتحدة وبريطانيا هي أكثر الدول احتراما للرأي العام وأكثر الدول التي تنتشر بها استطلاعات الرأي العام

ومن م فإنها تلك الدول هي الأكثر اهتماما بقضية التنشئة السياسية لمواطنيها وفي هذا الإطار يذكر كل من روبرت لان ودافيد سيزر في كتابهما عن الرأي العام أن الولايات المتحدة تهتم اهتمام بالغا بتنشئة المواطنين تنشئة سياسية سليمة منذ الصغر حيث تبدأ هذه العملية بالاهتمام بالتثقيف السياسي للطفل الأمريكي منذ الصغر وفي مراحل التعليم المختلفة ثم في مرحلة النضوج والرجولة وعن طريق هذه التنشئة السياسية للمواطن تضمن الحكومة الأمريكية أن تكسب ولاء الرأي العام لسياساتها الديمقراطية .

ومن الثابت أن الوعي السياسي للمواطنين يعتمد بالأساس على درجة الثقافة والتعليم التي وصل إليه أفراد الشعب فالثقافة والتعليم تؤهلان الشعب للمشاركة الإيجابية الفعالة ف العمل السياسي عن طريق التعبير عن آرائهم بكافة طرق التعبير المختلفة سواء عن طريق الانتخابات أو التعبير عن وجهات نظرهم من خلال وسائل الاتصال الجماهيري المختلفة

أو حتي من خلال استطلاعات الراي العام ومن ناحية خري فثمة من يري أن اعتبارات الدخل والتعليم ونوع المهنة ليست ذات قيمة كبري كمحددات أساسية في حد ذاتها للمشاركة السياسية وإنما تتوقف مستويات المشاركة السياسية للمواطن على جماعته المرجعية أى تلك الجماعة التي ينتمي إليها ويسترشد بها في سلوكه السياسي

فإذا كانت تلك الجماعة تملك الثقة بنفسها وتحث على المشاركة حتى ولو كانت مستويات الدخل فيها منخفضة وكان أفرادها ممن يزالون حرفا يدوية فمن المحتمل رغم ذلك أن تكون مستويات المشاركة السياسية فيها مرتفعة ويعود ذلك إلى دور الفاعل الجماعي الذي يعكس وجودها سواء كان نقابات عمالية أو حزبا سياسيا

أما إذا كانت العقلية السائدة بين أفراد طبقة أو جماعة ما توحي بعدم قدرتها على تغيير الأوضاع المحيطة بها وعدم مصداقية المشاركة السياسية فإن ذلك سيقترن بانخفاض مستوي المشاركة السياسية بين أفراد هذه الطبقة حتى ولو ان أفراد هذه الطبقة يتسمون بمستويات أعلي تسبيا من التعليم والدخل ويزاولون مهنا غير يدوية .

إن أهمية المشاركة سواء كانت عن طريق التصويت في الانتخاب أو الإدلاء بالرأي في استطلاعات الرأي العام تأتي من أنها عملية لنقل وإبلاغ حاجات المواطنين إلى الحكومة إضافة أنها تهدف إلى التأثير على سلوك الحكام وذلك بتوصيل معلوما عن الأولويات التي تفضلها الجماهير وأيضا من خلال الضغط على هؤلاء الحكام ليعملوا وفق هذه الأولويات

وتجدر الإشارة إلى أحد أ÷م العوامل لضعف مستويات المشاركة بصفة عامة هي عدم ثقة المواطنين وعدم إيمانهم بأن مشاركتهم سوف تكون لها نتيجة سواء بالتاثير في نتيجة الانتخابات أو في تعديل و ترشيد بعض القرارات من خلال استطلاعات الرأي العام التي يمكن أن تجري بشأن تلك القرارات فما زال المواطن يشعر أن رأيه لا يحترم ولا يؤخذ به ومن ثم يصل إلى استنتاج أنه لا فئدة من المشاركة أيا كان نوعها.

رابعا : توجهات الرأي العام المصري إزاء المشاركة السياسية

بدأت مصر في التعرف على أولي محاولات قياس الرأي العام بها في النصف الأول من عقد الخمسينيات من القرن الماضي وهي بذلك لم تكن متخلفة كثيرا عن التطورات التي بدأت لحق بهذا العلم في مدرسته الأمريكية والتي كانت تعبر آنذاك المرحلة الثانية من مراحل تطور دراسات الرأي العام بها

وهي كما صنفتها د. راجية قنديل في رصدها لمراحل تطور دراسات الرأي العام في المجتمع الأمريكي مرحلة الإمكانات التي بدأت في أوائل الثلاثينات وحتى منتصف السبعينيات وكانت مرحلة الاعتراف الشرعي بأهمية قياس الرأي العام وتم الاعتراف بالدور المؤثر والفاعل لقياسات الرأي العام في العملية السياسية وصناعة القرار السياسي وترتيب أولويات الجمهور ووسائل الإعلام والسلوك الانتخابي ونتيجة الانتخابات .

(1) مرحلة الإمكانات في قياسات لرأي العام المصري :

هذه الحقائق لم تكن غائبة عن صانعي القرار السياسي ولا القائمين على هذا العلم في المجتمع المصري غير أنه بالنظر إلى طبيعة النظام السياسي القائم آنذاك فقد تم ربط وتوجيه قياسات الرأي العام التي تم إجراؤها بالتوجهات الصادرة منه بحيث كانت قياسات الرأي العام تتم تجاه بعض القضايا المطروحة من قبل القيادة السياسية فقط عن طريق بعض الجهات المؤسسية الرسمية التي أنشئت لتحقيق هذا الغرض .

وهنا يمكننا القول أن هذه المرحلة من مراحل قياس الرأي العام التي بدأت في المجتمع المصري شبيهة جدات بالمرحلة الأولي التي بدأت في المجتمع الأمريكي في أوائل الثلاثينيات وهي مرحلة الإمكانات حيث تم تأسيس مراكز متخصصة وبدأت أجيال من الباحثين تراكم خبراتها في هذا المجال وتأسست سمات خاصة بكل مدرسة من مدارس قياس الرأي العام ويمكننا القول أيضا أن هذه المرحلة امتدت منذ منتصف الخمسينيات وحتى النصف الثاني من عقد الثمانينيات وقد تمثلت أهم المراكز والهيئات التي سعت إلى قياس الرأي العام المصري منذ منتصف القرن العشرين فيما يلي:

(أ‌) إدارة الرأي العام بمصلحة الاستعلامات (الهيئة العامة للإستعلامات فيما بعد) وقد تأسست هذه الإدارة عام 1955 , أى بعد سنة وحدة فقط من إنشاء توجهات الرأي العام إزاء التغيرات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة التي كانت تحدث في ذلك الوقت وقد استخدمت المصلحة والهيئة أساليب المقابلة الملاحظة لإجراء قياسات الرأي العام وكانت النتائج التي تتوصل إليها لا تنشر وترفع للمسئولين الكبار في الدولة مباشرة .

(ب‌) وحدة بحوث الرأي العام والإعلام بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية وتركز عملها على ثلاث مجالات هي القائمون بالاتصال والوسيلة الإعلامية وتأثير الوسيلة الإعلامية علاوة على بحوث الرأي العام .

وقد قامت وحدة بحوث الرأي العام والإعلام بإجراء عدد من الأبحاث منها بحث عن تقويم وسائل الإعلام في الريف عام 1967 وبحث آخر عام 1968 عن آراء الجمهور في السينما وعلى الرغم من أن هذه البحوث قد تمزيت بالدقة المنهجية إلا أنها كانت أقرب لبحوث تقوم بتحديد آراء الجمهور منها إلى استطلاعات لقياس توجهات الرأي العام هذا من جهة ومن جهة أخري فقد فرضت القضايا الاجتماعية والجنائية الرأي العام هذا من جهة ومن جهة أخري فقد فرضت القضايا الاجتماعية والجنائية نفسها على أجندة الإشكاليات البحثية والافتراضات التي تقوم هذه الوحدة بدراستها .

وفي نوفمبر عام 1976 صدر قرار بإعادة تشكيل البناء والهيكل الخاص بهذه الوحدة بحيث أصبح اسمها جهاز قياس الرأي العام إلا أن طبيعة القضايا البحثية التي تمت مناقشتها لم تخرج عن الإطار السابق الإشارة إليه إلا فيما ندر وكانت أهم الإسهامات في البحوث ذات الطبيعة السياسية والاقتصادية تتمثل في بحثين الأول خاص باستطلاع رأي المواطن تجاه الأحزاب والممارسة الحزبية (التقرير الأول 1991 التقرير الثاني 1993 والثاني خاص باستطلاع رأي عينة من النخبة حول الحوار الوطني (1995) .

(جـ) جهاز البحوث في اتحاد الإذاعة والتلفزيون وقد تغيرت مسميات هذا الجهاز وكذا الإدارات التي يتبعها وحالبا تقوم الإدارة العامة لمتابعة وبحوث المستمعين والإدارة العامة لمتابعة وبحوث المشاهدين بتخطيط وتنفيذ البحوث التي تجري باسم اتحاد الإذاعة والتلفزيون وذلك بهدف تطوير الأداء وتقييم ما تم بثه والتعرف على أ÷م البرامج التي تتم متابعتها وأوقات الذروة للمتابعة.

(خ‌) مركز بحوث الرأي العام بكلية الإعلام جامعة القاهرة تم إنشاؤ هذا المركز في 21 يونيه 1982 بعد موافقة مجلس جامعة القاهرة ويعد المركز من أهم مراكز بحوث الرأي العام لوجود كفاءات علمية متنوعة بين أعضاء هيئة التدريس بكلية الإعلام.

(د‌) وتتمثل أهداف المركز في الأتي

  1. تنظيم الندوات والمؤتمرات المتعلقة بالرأي العام
  2. القيام بالبحوث والدراسات المرتبطة بالرأي العام
  3. تنظيم الدورات التدريبية لعدد من المتهمين بالرأي العام .
  4. القيم بالأبحاث المشتركة مع العديد من الجهات والمؤسسات العلمية المهتمة بقضايا الرأي العام.
  5. ترجمة ونشر عدد كبير من الدراسات والموضوعات المتعلقة بالرأي العام وخاصة الموضوعات ذات الصلة بالرأي العام العربي بشكل عام والرأي العام المصري بشكل أخص .

(2) مرحلة المصداقية في قياسات الرأي العام المصري :

علي الرغم من أن عقدي السبعينيات والثمانينيات شهدتا مؤشرات أولية على رغبة نظام الحكم في التحول الديمقراطي التدريجي الذي يمكن من خلاله التحكم في الأمور بحيث لا تحدث أية انفلاتات غير مستحبة وذلك عبر العودة التدريجية لإحياء فكرة التعددية الحزبية وترسيخها في ذهن الأجيال الجديدة وهو الأمر الذي تزامن مع التخلي عن فكرة الدولة والنظام المسيطر على مقدرات الأمور السياسية والاقتصادية

ومن ثم اتباع آليات السوق الحر إلا أن الأمر لم يكن بهذه السهولة لإدخال المزيد من التطور على قياسات الرأي العام حيث كانت وما زالت هناك بعض المعارضة لهذا التحول والتي ترفض التخلي عن أفكارها في احتكار المعلومات والبيانات والأرقام .

غير أن الحقبة من 1985 وحتى 1995 قد شهدت تزايد اهمية دور المؤسسات والجهات العلمية التي تقوم بإجراء مثل هذه القياسات والتي بدأت تتضح من الاسترشاد بنتائج هذه الدراسات في وضع سياسات جديدة خاصة في مجال الصحة والسكان والمرأة والطفولة لذا بدأت الدولة تنظر بعين من الاعتبار لنتائج هذه البحوث ولعل ذلك ما شجع العديد من أساتذة الجامعات المتخصصين في دراسات الرأي العام والإحصاء على تأسيس مراكز خاصة قامت بالعديد من الأبحاث لصالح جهات مختلفة في الدولة ومن أهم هذه المراكز , مركز الزناتي وشركاه للدراسات والبحوث والاستشارات ومركز الاستشارين الدوليين للدراسات الاقتصادية .

وما بدأ يميز هذه الفترة أيضا أن الدولة لم تعد تحتكر نتائج هذه البحوث ولم تعد تتماشي مع أهواءئهم ورغباتهم حيث بدا هناك انفراج واضح في عرض نتائج هذه البحوث وإخضاعها لمناقشات مستفيضة من قبل الخبراء والمتخصصين بغية تحقيق أقصي قدر ممكن من الاستفادة من التائج في رسم خريطة السياسات المستقبلية وهذه المرحلة التي تمر بها دراسات قياس الرأي العام المصري ممتدة منذ هذا الوقت وحتى الآن وذلك تمهيدا للإنتقال إلى مرحلة الاعتراف الشرعي بحيث يصبح لدراسات قياس الرأي العام المصري دور مؤثر وفاعل في العملية السياسية وصناعة القرار السياسي وترتيب أولويات الجمهور ووسائل الإعلام والسلوك الانتخابي وتوقع نتيجة اللانتخابات .

من هنا فقد شجعت هذه التطورات الهيئة العلمية بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بمؤسسة الأهرام على إنشاء برنامج لدراسات الرأي العام في المركز في عام 1998 ومن المزمع تحويله إلى وحدة متخصصة في دراسات قياس الرأي العام.

ويهدف البرنامج إلى معرفة توجهات المواطنين السياسية والاقتصادية بغية الإسهام في كشف الغموض المحيط بهذه التوجهات وكسر احتكار اتجاهات معينة في الحديث باسم المواطنين أو الأمة وفضح زيف ادعاءاتهم في هذا الشأن ,وتأسيس السياسات المستقبلية في الأمور السياسية والاقتصادية من قبل الدولة على بينة ودراية كاملتين بتوجهات المواطنين وقد قام البرنامج منذ إنشائه بتنفيذ الدراسات التالية:

  • توجهات المواطنين إزاء المشاركة السياسية يوليو 1998 وهي دراسة هدفت إلى التعرف على واقع المشاركة السياسية للمواطنين والعوامل الداخلية والخارجية المؤثرة في ذلك.
  • توجهات المواطنين إزاء التكامل الاقتصادي بين دول المشرق العربي يناير 2000 حتى مايو 2002 -: وهو مشروع بحثي تم إجراؤه على مدي عامين ونصف تقريبا بالتعاون مع أربعة مراكز بحثية في دول المشرق العربي التالية (الأردن, لبنان , سوريا , وفلسطين) وتم فيه القيام بثلاثة دراسات لقياس الرأي العام على مستوي العينة القومية وثمان دراسات لقياس الرأي العام على مستوي عينات قطاعية ممثلة للقطاعات التالية , وثمان دراسات لقياس الرأي العام على مستوي عينات قطاعية ممثلة للقطاعات التالية القطاع , القطاع الخاص , أساتذة الجامعات والإعلاميون , ومن داخل القطاع الخاص تم سحب عينات مماثلة للقطاعات التالية : الصناعة , الزراعة , السياحة تكنولوجيا الاتصالات .
  • توجهات المواطنين إزاء الانتخابات سبتمبر 2000 ولعلها أولي الدراسات من نوعها التي تمت في مصر بصورة علمية منضبطة ولمحاولة التعرف على السلوك التصويتي للمواطنين تفضيلاتهم الحزبية وعوامل مشاركتهم والأسباب التي تدفعهم للعزوف عن المشاركة وذلك قبل إجراء الانتخابات بأيام قليلة .
  • توجهات المواطنين إزاء أهم القضايا والمشكلات العالمية فبراير 2002: وقد تمت هذه الدراسة بالتعاون مع جامعة الأمم المتحدة وتم تطبيقه في 65 دولة أخري على مستوي العالم وحظي برنامج دراسات الرأي العام بشرف أن يكون المنسق للدراسة في منطقة الشرق الأوسط.
  • توجهات المواطنين إزاء أهم المشكلات والقضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي توجه مصريونيو 2002 وهدفت هذه الدراسة إلى رسم خريطة لتصورات المواطنين عن أهم القضايا التي تواجههم على كافة الأصعدة وذلك بغية مساعدة صانعي القرار في التعرف على أهم المشكلات التي تواجه المواطن المصري بصورة شفافة وواضحة.
  • وبصفة عامة يلاحظ على الدراسات والاستقصاءات التي قام بها المركز غلبة الطبيعة السياسية والاقتصادية عليها وذلك إدراكا من القائمين على هذه الدراسات لحقيقة يدركها كل مهتم بالحياة العامة في مصر وهي غياب أى دراسات دقيقة لاتجاهات الموطنين إزاء قضايا مجتمعهم وهو الأم الذي يضع المثقف والسياسي وصانع القرار في حالة من انعدام لمعرفة والضبابية تجاه ما يشعر به الناس إزاء السياسات المختلفة وتجاه الأوضاع العامة في البلاد وهذه الحالة من غيب المعرفة تتيح الفرصة لكل أطراف المجتمع السياسي لادعاء ما يشاءون حول شعبية أو عدم شعبية سياسات معينة الأمر الذي لا يؤدي في النهاية سوي إلى تفويت فرصة ترقية مستوي الحوار العام على قاعدة من المعرفة الصحيحة بعيدا عن الانطباعات والمزايدات .

كذا , فإن قضيتي الديمقراطية وتطورات الأوضاع الاقتصادية للمواطنين كانتا بمثابة الشريك الدائم لكافة البحوث التي قمنا بها , وذلك بالنظر إلى الترابط الوثيق بينهما فالديمقراطية,

وفي القلب منها المشاركة السياسية أصبحت تمثل اتجاها عاما للتطور العالي كما أصبحت مقياسا لتقدم الأمم وعاملا مهما لتدعيم مكانتها في العالم لذا فقد كان هناك حرص واضح على التعرف على الواقع الراهن لسلوك المصريين السياسي وكذلك على معتقداتهم واتجاهاتهم تجاه مؤسسات النظام السياسي وعملياته وتجاه القيم والمبادئ العامة ذات الصلة بقضية التطور الديمقراطي, ومن ناحية التعرف على أيى عوامل مؤثرة في ذلك.

وفيم يلي عرض لأهم التوجهات التي توفرت بناء على نتائج الدراسات التي تمت في الفترة من 1998 -2002 حيث سنعرض لتوجهات المواطنين إزاء تقييم أوضاعهم الاقتصادية وتوجهات الموطنين إزاء المشاركة السياسية وفي النهاية توجهات المواطنين إزاء بعض قيم الديمقراطية والمشاركة وكذا تقييم المؤسسات السياسية القائمة.

(أ‌) تقييم المصريين لأوضاعهم الاقتصادية

حرصت الدراسات التي قام بها المركز على التعرف على أوضاع المواطنين الاقتصادية ودرجة اطمئنانهم لمستقبلهم الاقتصادي فمن الثابت أنه كلما زادت درجة الرضا عن الأوضاع الاقتصادية وكلما زاد الشعور بالاطمئنان تجاه المستقبل الاقتصادية فإن ذلك يوفر أسبابا قوية لاستقرار النظام السياسي وقوته والذي يمثل قاعدة قوية يمكن الاستناد إليها لتدعيم الاستقرار في مراحل التحول الاقتصادي والسياسي.

لذا فقد حرصنا على قياس ذلك على عدة مستويات , المستوي الأول وفيه قسنا توجهات الموطنين إزاء تقييم الوضع الاقتصادي في مصر بصفة عامة وقت القيام بالاستطلاعات والمستوي الثاني قسنا فيه توجهات الموطنين إزاء تقييم أوضاعهم الاقتصادية الشخصية وقت القيام بالاستطلاعات والمستوي الثالث وفيه قسنا توجهات المواطنين إزاء الأوضاع الاقتصادية المستقبلية .

(1) الرضا عن الوضع الاقتصادي في مصر بصفة عامة

أفادت نتائج الاستطلاعات التي قمنا بها توفر توجه إيجابي لدي المصريين عند تقييم للوضع الاقتصادي في مصر في أوقات مختلفة وقد بلغ هذا التوجه الإيجابي مداه في أغسطس عام 2000 حيث بلغت نسبة المصريين من شملتهم العينة والذين قيموا الوضع الاقتصادي تقييما إيجابيا (73,9%) فيما قيم (26%) منهم الوضع الاقتصادي تقييما سلبيا أما أقل معدل لهذا التوجه الإيجابي فقد ورد في يونيو عام 2002 حيث بلغت نسبة المصريين ممن شملتهم العينة وقيموا الوضع الاقتصادي تقييما إيجابيا (58,8%) كذا فقد شهد هذا الاستطلاع أعلي معدلات التقييم السلبي.

حيث قيم ( 41,2%) منهم الوضع الاقتصادي تقييما سلبيا ويكمن تفسير ذلك في الأزمة الاقتصادية العالمية عقب أحداث 11 سبتمبر 2001 والتي كانت لها انعكاساتها المباشرة على دول العالم ومنها مصر وذلك في صورة ارتفاع الأسعار وارتفاع سعر صرف العملة وانخفاض قيمة العملة المحلية والجدير بالذكر هنا أنه على الرغم من تزايد الجدل بين النخبة المصرية حول انهيار الاقتصاد المصري طوال عان 2002 فإن نسبة كبيرة من المصريين ممن شملتهم العينة ما زالوا يقيمون الوضع الاقتصادي تقييما إيجابيا .

(2) الرضا عن الوضع الاقتصادي الخاص للمواطنين

يتأثر السلوك السياسي للمواطنين الذي يعكس نفسه في عدد من الأشكال بدءا من اتخاذ القرار بالذهاب أو عدم الذهاب إلى الانتخابات , أو بالتصويت لهذا المرشح أو هذا الحزب أو بالتظاهر والإضراب تعبيرا عن المعارضة بعدد كبير من العوامل ويعد شعور المواطنين بالرضا عن أوضاعهم الاقتصادية أحد العوامل الرئيسية في تحديد سلوكهم السياسي

وتبين النتائج التي توصلنا إليها استمرار التوجه الإيجابي السائد لدي المواطنين عند تقييمهم للوضع الاقتصادي في البلاد بصفة عامة وذلك عند تقييمهم لأوضاعهم الاقتصادية الشخصية مقارنة بفترات زمنية سابقة بحيث يمكننا القول أن الغالبية من المواطنين يشعرون بقدر مناسب من الرضا عن أوضاعهم الاقتصادية .

فعندما سألنا المواطنين في عينة دراسة 1998 عن تقييمهم لأوضاعهم الاقتصادية الحالية مقارنة بثلاث سنوات سابقة أفاد (48,9%) منهم بأنه أحسن فيما رأي (31,5%) منهم بأنها ظلت كم هي وكانت أقلية منهم (19,6%) قد رأت أن أوضاعها قد أصبحت أسوأ وفي عينة دراسة 2000 وعندما سألنا المواطنين عن تقييمهم لأوضاعهم الاقتصادية الحالية مقارنة بعام مضي أفاد (39,5%) منهم بأنها أحسن فيما رأي (39%) منهم بأنها أصبحت أسوأ فيما رأت أقلية منهم (21, 5 %) أن أوضاعها قد ظلت كما هي ,

وهنا نجد أن تراجعا واضحا قد حدث في نسبة القائلين بثبات أو تحسين أوضاعهم الاقتصادية لمصلحة القائلين بتدهورها وذلك عند مقارنة نتائج دراسة 2000 بنتائج دراسة 1998 , أما عينة دراسة 2002 فقد أعادت التأكيد على تحسن الأوضاع الاقتصادية لعدد كبير من المصريين أو ثباتها على مستواها وعدم تراجعها فعندما طلبنا من المواطنين الذين شملتهم العينة في يونيو 2002 مقارنة أوضاعهم الاقتصادية الحالية بأوضاعهم من خمسة سنوات أفاد (32,6%) منهم بتحسن أوضاعهم فيما (52,9%) منهم أن أوضاعهم قد تدهورت

أما الأغلبية (41,5%) فقد أفادت ببقاء أوضاعها كما هي أى أن درجات الرضا المتحققة عن الوضع الاقتصادي العام والخاص لدي المواطنين تشجعهم إلى درجة كبيرة للمشاركة السياسية الفعالة ولكن هذا الأمر لم يتحقق

كما سنري لاحقا غير أن المؤكد أن هذه الدرجات من الرضا هي التي تفسر لماذا لم يغضب المصريون أو لماذا لم ينفجر المصريون والتساؤلات السابقة هي التي حاولت من خلالها بعض الأقلام أن تدفع المصريون لدرجة متطرفة من السلوك السياسي وهي نفسها الأقلام التي كانت تتعجب من صمت الشارع فالثابت طبقا للنتائج السابقة أن المصريين راضيين عن أوضاعهم وواثقين في قدرة حكومتهم على تجاوز هذه الأزمة .

(3) اطمئنان المواطنين لأوضاعهم الاقتصادية المستقبلية

ما من شك في أن درجات الرضا عن الأوضاع الاقتصادية الخاصة والعامة ولم تكن وحدها لتؤكد على ثقة المواطنين في حكومتهم وقدرتها على مواجهة مشاكلهم الاقتصادية لو لم نسألهم عن درة اطمئنانهم لمستقبلهم الاقتصادي والتي يبينها فهنا أيضا نجد أن الغالبية من المواطنين قد أظهرت درجة اطمئنان عالية عند مقارنتها لأوضاعها الاقتصادية وقد القيام بالاستطلاع بأوضاعها في المستقبل ففي عينة دراسة 1998 وعند سؤال المواطنين عن درجة اطمئنانهم لمستقبل وضعهم الاقتصادي خلال ثلاثة سنوات مقارنة بوضعهم الحالي فقد أفاد (59,35) منهم بأن أوضاعهم ستتحسن فيما رأي (29,5%) منهم أوضاعهم ستسوء وكانت الأقلية منهم (11,2%) هي التي أكدت أن أوضاعهم ستظل كما هي

وعندما كررنا السؤال مرة أخري على عينة دراسة 2000 مع تقليل الفترة الزمنية للمقارنة بحيث تصبح سنة واحدة بدلا من ثلاثة سنوات فقد حصلنا تقريبا على نفس النتائج وإن كان قد حدث تراجع في نسية من يقولون بتحسن أوضاعهم في المستقبل (54,95) إلا أن هذا التراجع قد صب في مصلحة القائلين باستمرارها كما هي (15,8%) وذلك مع بقاء نسبة القائلين باحتمالات أن تسوء أوضاعهم الاقتصادية كما هي تقريبا (93,3%) وهذا الأمر يعني تفاؤلا كبيرا وثقة عالية من المصريين في المستقبل وفي قدرة حكومتهم على تحسين أوضاعهم كما يعني إدراكا واضحا بأن المستقبل سيحمل انفراجا للكثير من مشاكلهم التي يتحملونها وهم راضين ثقة في أن هذه الأزمات سرعان ما ستزول .

ولعل هذه الدرجات من الرضا عن الأوضاع الاقتصادية والاطمئنان والثقة في المستقبل تساعد الدولة على المضي قدما في برامجها وخططها للتنمية دون الالتفات لأصوات اعتادت على تعطيل مسيرة الإصلاح السياسي والاقتصادي والتي تتعارض كلية مع مرجعيتها الفكرية والحياتية .

(ب) المشاركة السياسية للمصريين

(ت‌) كما سبق القول فإن درجات الرضا عن أوضاع المواطنين الاقتصادية وثقتهم العالية في حكومتهم كان لابد لها من أن تنعكس في صورة درجات عالية من المشاركة السياسي للمصريين وهي المشاركة التي كان يجب أن تظهر في أعداد المصريين الأعضاء في الأحزاب السياسية أو الجمعيات الأهلية غير أن النتائج التي أفرزتها الدراسات التي قمنا بها قد أكدت الانطباع السائد عن المواطن المصري بأنه لا يهتم كثيرا بالمشاركة السياسية سواء في الأحزاب السياسية أو الجمعيات الأهلية .

(ث‌) فعندما سألنا من قابلناهم من المواطنين في عينة دراسة 1998 عن عضويتهم في الأحزاب السياسية وجدنا أن نسبة أعضاء الأحزاب السياسية بينهم لا تزيد عن (8,6%) وكانت نسبة غير الأعضاء (91,4%) وهو الاتجاه نفسه الذي تكرر في عينة دراسة 2000 مع تناقص عدد الأعضاء حيث كانت نسبة الأعضاء (4,8%) ونسبة غير الأعضاء (95,2%) وهو الاتجاه الذي تكرر أيضا في دراسة 2002 حيث كانت نسب الأعضاء (5,2%) ونسبة غير الأعضاء (94,8%) .

وهذه النتائج تدل على أن الأحزاب السياسية ونظامنا الحزبي بشكل عام يعاني من أوجه قصور حقيقية في علاقته بالرأي العام حيث بات واضحا بدرجة ما تراجع عدد الأعضاء هذا من جهة ومن جهة أخري يثير هذا التوجه السلبي لأغلب المصريين تجاه الأحزاب السياسية تساؤلين الأول ما إذا كان المواطنون المصريون يؤمنون بأهمية التعددية الحزبية كمبدأ وطريقة لتنظيم المجتمع السياسي والثاني ما إذا كانت الأحزاب الموجودة في مصر تقوم بدور مهم في الحياة السياسية وهي التساؤلات التي سنجيب عليها لاحقا .

وبالرغم من أنه قد يبدو للبعض تزايد حيوية المجتمع المدني في مصر فإن البيانات التي تجمعت لدينا لا تؤيد هذا الانطباع فعندما سألنا المواطنين في عينة دراسة 1998 عن عضويتهم في الجمعيات الأهلية أفاد (6,5%) منهم بأنهم أعضاء فيما افاد (93,5%) منهم بأنهم غير أعضاء وفي عينة دراسة 2000 أفاد (3,1%) من المواطنين بعضويتهم في الجمعيات الأهلية فيما أفاد (96,6%) بأنهم غير أعضاء أما عينة دراسة 2002 فقد بينت أن (1,8%) من المواطنين أعضاء في الجمعيات الأهلية في حين أن (98,2%) منهم غير أعضاء فيها وهو ما يبين أن عضوية الجمعيات الأهلية أيضا تتجه نحو الانخفاض تماما مثلها مثل العضوية في الأحزاب السياسية .

وتبقي مشاركة الموطنين في انتخابات مجلس الشعب هي أكثر أشكال المشاركة السياسية للمصريين ففي العينة الخاصة بدراسة 1998 أفاد (41,2%) منهم بمشاركتهم في انتخابات مجلس الشعب السابقة – انتخابات مجلس الشعب 1995

فيما أوضح (85,8%) أنهم لم يشاركوا فيها أما عينة دراسة 2000 والتي كانت تسأل عن نفس الانتخابات السابقة فقد أفاد (47%) منهم بمشاركتهم فيها فيما أوضح (53%) منهم أ،هم لم يشاركوا أما دراسة عام 2002 فقد بينت أنه على الرغم من توفر الإشراف القضائي على انتخابات مجلس الشعب 2000

فإن ذلك لم يؤد إلى زيادة أعداد المشاركين بين مفردات العينة بل على العكس فقد حدث ترجع وضح في نسبة من شاركوا (33,1%) منهم في مقابل زيادة أعداد الذين لم يشاركوا (66,9) منهم .

والاستنتاج الذي يمكن الخروج به من كل هذا هو أن اتجاه المصريين لعدم لاهتمام بالسياسة والعمل العام ليس فقط ما زال مستمرا بل إنه يزداد حدة أو على الأقل فإنه يمكن القول أن الإطار القانوني والمؤسسي القائم يخرج لنا أحزابا وجمعيات أهلية لها خصائص معينة لا تمكنها من جذب هتما المواطنين بل وتدفعهم دفعا نحو العزوف عن المشاركة وهي ظاهرة خطيرة تستحق كل الاهتمام والدراسة والمتابعة .

(جـ) المصريون وقيم المشاركة والديمقراطية وتقييمهم للمؤسسات السياسية القائمة .

بداية أفادت النتائج التي توصلنا إليها أن النسبة من المصريين التي تري أن الأحزاب المصرية تقوم بدو مهم في الحياة السياسية لا تتناسب على الإطلاق مع نسبة أعضاء الأحزاب السياسية بين المواطنين فالثابت طبقا للنتائج التي توفرت لدينا حدوث تزايد واضح في نسبة المصريين الذين يعتقدون في أهمية الأحزاب ويؤمنون بالتعددية الحزبية وذلك في ظل ما سبق وأشرنا إليه من العضوية المحدودة للمصريين في الأحزاب السياسية بل والتراجع الحادث في هذه النسبة .

فعندما سألنا المواطنين في دارسة 1998 عن أهمية الأحزاب أفاد (29,7%) ممن شملتهم العينة بأنها هامة فيما أشار (70,3%) منهم إلى أ،ها غير هامة وفي دراسة 2000 بدأ يحدث نوع من التحول في الاعتقاد بأهمية الأحزاب حيث أفاد (56,6%) من مفردات العينة إلى أهمية الأحزاب فيما حدث تراجع لدي القائمين بعدم أهميتها حيث بلغت نسبتهم (43,8%) أما دراسة 2002 فقد أكدت على التوجه السابق وعلى ترسخه في أذهان المواطنين وهو التوجه نحو الاعتقاد بأهمية لأحزاب حيث أفاد (76,7%) من مفردات العينة باعتقادهم في أهمية الأحزاب فيما استمر التراجع في نسب القائلين بعد أهميتها وبلغت نسبتهم (23و3%)

ولعل هذا التزايد الواضح في نسبة القائلين بأهمية الأحزاب يكمن في تزايد الجدل والحوار داخل المجتمع المصري حول هذه القضية وهو الجدل الذي بدأ ينتشر علي نطاق جماهيري واسع وليس على مستوي النخبة عقب انتخابات مجلس الشعب 2000 كذلك يمكننا أن نفسر ذلك بتزايد مساحة الحوار والحرية في الوسائل الإعلامية المختلفة حول هذه القضية والبرامج والمقالات العديدة التي بدأت تتحدث بحرية غير مسبوقة عند طرح هذه القضية للنقاش

وأيضا ما من شك في الدور الحيوي الذي لعبه التطور الحادث في مجال تكنولوجيا الاتصالات وانتشار أجهزة استقبال القنوات الفضائية في تزايد وعي المواطنين بأهمية التعددية الحزبية حيث بات المواطنون على تواصل دائم مع ما يجري حولهم في العالم من أحزاب تقدم وأخري تتراجع ومرشح يفوز وآخر يسقط.

غير أن المفارقة ما زالت قائمة وهي لماذا لا ترتفع نسبة المصريين الأعضاء في الأحزاب السياسية وذلك إذا كانت قد ترسخت لديهم القناعة بأهمية الأحزاب ودورها في الحياة السياسية وقد بينت لنا النتائج التي توفرت لدينا جانبا هاما في ذلك وهي انعدام ثقة المواطنين الواضحة في الأحزاب القائمة وذلك باستثناء الحزب الوطني الديمقراطي وبعده بمراحل يأتي حزب الوفد ثم حزب العمل وهنا أيضا مفارقة أخري وهي اختيار المواطنين لحزب العمل على الرغم من تجميد نشاط الحزب منذ عدة سنوات نتيجة للخلافات على رئاسة الحزب .

عندما سألنا المواطنين عن الحزب الذي يثقون فيه وفي دوره سواء في دراسة عام 2000 أو في دراسة عام 2002 كان الحزب الوطني الديمقراطي مكتسحا لقائمة الأحزاب القائمة وذلك بنسبة (60,1%) و(88%) على التوالي من بين مفردات العينتين ويدل على ذلك أن الحزب الذي يليه وهو حزب الوفد الجديد قد حاز على ثقة ( 6%) ثم (6,1%) من بين مفردات العينتين على التوالي

وهي نسبة لا ترقي بأى حال لما حازه الوطني أما النسب التي حازتها باقي الأحزاب فتدل على شعبيتها الحقيقية بين المواطنين وتؤكد على الفراغ السياسي الذي لم تتمكن هذه الأحزاب من أن تملئوه على الرغم من مرور ربع قرن على عودة التعددية السياسية مرة أخري في مصر ويبقي التساؤل إذا كانت هذه هي درجة الثقة التي يتمتع بها الحزب الوطني بين المواطنين فلماذا تظل هذه النسبة العالية من المواطنين غير أعضاء به ؟

لعل إجابة هذا التساؤل قد وردت في المؤتمر العام الثامن للحزب الوطني والذي انعقد في سبتمبر الماضي تحت عنوان " فكر جديد" والذي شهد إعادة هيكله وتشكيل كافة أمانات الحزب بكل أنواعها كما شهد ولأول مرة منذ ظهر الحزب الوطني على الساحة وجود وثيقة للحزب تضم مبادئه الأساسية وبرامجه بحيث يمكن مناقشتها والحقوق من قيامه بتنفيذ ما ورد بها كذلك ورغبة في مسايرة تكنولوجيا الاتصالات الحديثة

فقد تم إطلاق موضع للحزب على شبكة العالمية للمعلومات وهو موقع متميز ويتم تحديثه بصفة مستمرة لكل ذلك رغبة في أن يتمكن الحزب في الفترة القادمة من ضم القطاع الأعظم في المجتمع المصري , وهم الشباب ودفعهم من أجل المشاركة السياسة الفعالة وذلك لكي يحقق الحزب مقولة أنه " حزب كل المصريين "

ولم يكتف الحزب الوطني بذلك بل وجه الحزب رسالة لكل الأحزاب لكي تنشط مثله وتفعل دورها في جذب الشباب للمشاركة السياسية لصالح مستقبل الدولة المصرية ومن أجل أن تكون هناك تعددية سياسية حقيقية بدلا من تلك التعددية الفارغة القائمة حاليا وهو الأمر الذي يمكن تحقيقه في ظل القناعة الواضحة لدي المصريين بأهمية الأحزاب وأهمية والتعددية الحزبية .

أما عندما سألنا المواطنين عن تقييمهم لأداء مجلس الشعب كمؤسسة من مؤسسات النظام السياسي القائمة على صنع السياسات العامة للدولة فقد حصلنا على إجابات تميل بدرجة مناسبة ناحية التقييم الإيجابي وذلك من مفردات عينة دراسة 1998 .

حيث أفاد (25,8%) منهم أنه مهم إلى درجة كبيرة و(26,1%) منهم أفادوا أنه مهم إلى درجة متوسطة فيما رأي (48,1%) قلة درجة أهميته ولعل البث المباشر لجلسات مجلس الشعب قد ساهم بدرجة كبيرة في تحول تقييم مفردات عينة 2000 لدور المجلس وهو التقييم الذي جاء إيجابيا إلى حد كبير

حيث أفاد (59,8%) منهم بأنه مهم إلى درجة كبيرة (18,9%) منهم أفادوا بأنه مهم إلى درجة متوسطة فيما تراجعت نسبة القائلين بقلة درجة أهميته لتبلغ (21,3%) وتبين المقارنة بين النتيجتين إن إدراك أهمية مؤسسة مجلس الشعب يزيد بشكل ملحوظ وهو الأمر الذي يؤكد على إدراك المواطنين لأهمية مجلس الشعب كمؤسسة سياسية رئيسية في نظامنا السياسي بما يعكس وعيا سياسيا وديمقراطيا أكثر تقدما مما قد يبدو على السطح .

ورغبة منا في قياس مدي قدرة المواطنين على نقد أداء الحكومة باعتبار ذلك أمرا مشروعا كفله لهم الدستور ويعكس من جهة أخري تصورات المواطنين لهامش الحرية المتاح لهم من قبل الدولة فقد أفادت النتائج عن وجود اتجاه واضح لدي المواطنين .

يشير إلى تزايد قدرتهم على نقد أداء الحكومة وهو الأمر الذي يقف خلفه مجموعة من العوامل السابق الإشارة إليها والتي دعمت تزايد التوجه نحو الاعتقاد في أهمية الأحزاب وهنا نضيف عاملا آخر وهو درجة اطمئنان المواطنين للنظام وللآليات التي يتم التعامل بها من قبل النظام مع الحريات الأساسية للمواطنين فالمواطن البسيط بات متأكدا من أن النظام لا يحجر على رأي

بل إن النظام السياسي حريص ل الحرص على تعدد الآراء وعلى تقبل النقد البناء وهو الأمر الذي تحرص رؤوس النظم على التأكيد عليه في كل مناسبة وذلك بشرط ألا يتعارض ذلك مع المساس بأمن الوطن وبحريات الآخرين ولعل ذلك ما رفع من درجة القائلين بقدرتهم على نقد أداء الحكومة بين مفردات عينة 2002 لتبلغ نسبتهم (70,7%) بعد أن كانت نسبتهم (45,7%) بين مفردات عينة 1998 وهو الأمر الذي أدي بالتالي إلى انخفاض نسبة القائلين بعدم قدرتهم على نقد أداء الحكومة لتصبح (29,3%) في عينة 2002 وذلك القائلين بعدم قدرتهم على نقد أداء الحكومة لتصبح (29,3%) وذلك بعد أن كانت (54,3%) في عينة عام 1998.

وتبقي نتيجة تبين إلى درجة كبيرة درجة الوعي التي بلغها تفكير المواطن المصري عند التعامل مع اختيار مرشحيه في الانتخابات وتعكس من جهة أخري مدي تقدير المواطن لدور المرأة في المجتمع وهو الأمر الذي توج مؤخرا بتنصيب أول امرأة في منصب القاضي , فقد حرصنا على أن نسأل المواطنين إذ كان يمكن لهم أن يصوتوا لصالح مرشحة امرأة وجاءت النتائج إيجابية تماما بما يعكس ما سبق وأشرنا إليه من درجات الوعي والانفتاح التي بلغها تفكير المصريين .

وتضح أن القبول بالتصويت لصالح مرشحة امرأة هو اتجاه أخذ في التزايد بين المصريين فبعد أن كان القبول بذلك قد بلغت نسبته في عينة 1998 (81,1%) نجد أن هذه النسبة قد ارتفعت نوعا ما لتبلغ (83,1%) في عينة عام 2000 وهو ارتفاع ولو كان طفيف إلا أنه يعكس ثبات الاتجاه لدي المصريين بقبول المرأة كعنصر وشريك رئيسي في إدارة مقدرات البلاد وأن عوامل التفتح والعقلانية التي تتواجد في عقول المصريين لم تتأثر بأية دعاوي انغلاقية .

مما سبق يمكننا القول أن ما لدي المواطنين المصريين من تأصل وقيم المشاركة ومن إدراك الأهمية الأحزاب وللتعددية الحزبية ومن درجة اطمئنان لأوضاعهم وأوضاع البلاد ومستقبلهم الاقتصادي ومن ثقة في حكومتهم يعد بمثابة ذخيرة للدولة يجب أن ترتكز عليها وتعمل على تنميتها من خلال برامج جادة للتنشئة السياسية ترتكز على أسس علمية منذ مراحل الطفولة المبكرة بهدف تفعيل المشاركة السياسية للمصريين وتفويت الفرصة على أية مزايدات أو ادعاءات زائفة

والدولة المصرية وهي تتحرك في هذا الإطار يجب أن تكون مطمئنة تماما للثقة التي يوليها إياها المواطنين والتي أوضح من نتائج الدراسات أنها ستبقي الدرع الواقي في تأمين العلاقة بين الدولة والمواطنين في ظل هذه المرحلة الدقيقة التي يمر بها المجتمع المصري وما تشهده من تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية .

والدولة المصرية في هذا مطالبة بان تدعم وتفعل كافة السبل والآليات المتاحة بغية تطوير أسس التنشئة السياسية ومن ثم دعم المشاركة السياسية وتأتي قياسات الرأي العام على رأس هذه السبل وذلك بالنظر لما تقوم به هذه القياسات من دعم وتعويد المواطنين على إبداء آرائهم .

الملاحق

شارك في إعدادها

  • كرم سعيد
  • عماد سيد أحمد

الملحق رقم (1)

وثائق التطور الديمقراطي في مصر : المرحلة التأسيسية

  1. ورقة تطوير الاتحاد الاشتراكي 9 أغسطس 1974.
  2. وثيقة أعلنها رئيس الجمهورية محمد أنور السادات بتاريخ 9 أغسطس 1974, تتضمن نظرته إلى التنظيم السياسي في مصر وكانت هذه الوثيقة بداية مناقشات سياسية واسعة النطاق حول دور الاتحاد الاشتراكي ووظيفته استمرت حتى انعقاد المؤتمر القومي العام الثالث للإتحاد الاشتراكي ( 22 -25 يوليو 1975) الذي كانت من بين لجانه " لجنة المنابر" التي انتهت إلى عدد من التوصيات تركزت أساسا حول الضمانات المطلوبة لقيام منابر في الاتحاد الاشتراكي وكانت بداية التطور السياسي الذي أدي إلى قيام الأحزاب ومن هم ما تضمنته الورقة.

- أن نفر فكرة الحزب الواحد لا يتأكد إلا بالتسليم بتعدد الاتجاهات داخل الاتحاد الاشتراكي والأمر لا يقتصر على مجرد حرية الآراء الفردية التي تضيع في خضم المناقشات وإنما يجب أن يتولد لدي كل من قوي التحالف الإحساس الصادق بأن صوتها مسموع داخله .

- أن الهدف من التطوير أن يكون الاتحاد الاشتراكي بوتقة حوار تنصهر فيها لأفكار المتعارضة وتتبلور فيها الاتجاهات التي تعبر بحق عما تريده القاعدة الشعبية العريضة.

- أن طبيعة الأشياء أن يختلف الناس حول القضايا السياسية والاجتماعية وعلينا ألا نخشي الكلمات كما يجب ألا نحولها إلى قوالب جامدة يصب فيها الناس على نحو من الوحدة الوطنية .

- هناك فريق يغلب عليه طابع المحافظة يخاف الجديد أو يستنكره ويفضل السعي الوئيد وفريق آخر تحركه الرغبة في التغيير والتجديد بخطي واسعة وبين الفريقين أغلبية تريد التقدم ولكنها تخشي القفز إلى الأمام .

- تلك سنة الحياة الاجتماعية ولا يمكن أن يخرج عليها مجتمعنا ولذلك فليس غريبا أن تبرز مثل هذه الاتجاهات بصدد كل قضية نطرحها للنقاش .

- أن المواثيق والممارسة العملية لم تستوعب كل شئ حتى نقفل باب الاجتهاد ونحكم على أنفسنا بالجمود.

- أن الاتحاد الاشتراكي الذي يمثل تحالف قوي الشعب العامل أول به أن يأخذ بأسلوب تمثيل الاتجاهات المختلفة في قيادته حتي لا يشعر اتجاه له تأييد بين القواعد انه مبعد تماما عن المشاركة في قيادة التنظيم فيفقد شعوره بالانتماء إليه "

- تقرير لجنة تجميع اتجاهات الحوا حول الاتحاد الاشتراكي العربي:

تكونت " لجنة تجميع اتجاهات الحوار حول تطوير الاتحاد الاشتراكي العربي في أعقاب الحوار القومي الذي تم حول ورقة التطوير التي طرحها رئيس الجمهورية محمد أنور السادات 9 أغسطس 1974 وكان مقرر اللجنة هو د. رفعت المحجوب .

وقد تضمن التقرير عدة موضوعات مثل أسباب التطوير وكيفيته والتوصيات ويلاحظ على هذه الوثيقة أنها عند رفض صيغة الأحزاب عبرت عن ذلك بمعني استبعاد الأحزاب مرحليا وليس الرفض القاطع لقيامها في المستقبل وذهب التقرير إلى أن جماهير شعبنا أكدت في حوارها أن الغرض من التطوير هو تدعيم الاتحاد الاشتراكي العربي نحو المزيد من الحرية والديمقراطية والفاعلية ليصبح هذا الاتحاد أكثر قدرة على مواجهة المرحلة الجديدة وأكثر تعبيرا عن قوي الشعب العاملة وأكثر دعما للوحدة الوطنية ويستلزم هذا الهدف العمل على تخليص الاتحاد الاشتراكي مما درج عليه في الماضي وهو تأييد السلطة وتبرير تصرفاتها دون أن يمارس مهمة توجيه السلطة ومراقبة تصرفاتها .

وكان الاتجاه العام للتقرير هو أن الأغلبية تؤيد الإبقاء على الاتحاد الاشتراكي مع ضرورة تدعيم هذا الاتحاد في ضوء طبيعة النظام السياسي باعتباره وعاء كل السلطات ومسئولا عن متابعة العمل الوطني في مختلف مجالاته وعن دفعه إلى أهدافه كما سجل التقرير ما اعتبره رأي أقلية ذهبت إلى أن صيغة الاتحاد الاشتراكي قد فشلت وأنها لم تعد ملائمة لمواجهة مهام المستقبل وهو ما يستلزم البحث عن صيغة بديلة , وهن في رأي هذا الفريق " صيغة الأحزاب "

وقد وضح هذا الاتجاه , على وجه الخصوص بين المثقفين ورجال الفكر من أساتذة الجامعات والصحفيين وأعضاء النقابات المهنية المختلفة ولكن التقرير أغلق الطريق أمام هذا الاتجاه عندما ذهب إلى أن أى تحول يستلزم الظروف الموضوعية التي تبرره وتمهد له وأن الظروف الموضوعية التي كانت تحيط بعمل الأحزاب في الماضي تفرض عدم إعادة الأحزاب التي كانت قائمة قبل الثورة

وأن الظروف الموضوعية التي تحيط الآن بالعمل الوطني تستلزم استمرار صيغة التحالف في المرحلة الحالية كما نسب التقرير إلى الاتجاه الذي طالب بالأحزاب أن غاية رأيه هو إعداد الظروف الموضوعية التي تسمح بقيام الأحزاب في المستقبل بعد مرحلة انتقالية معينة حددها البعض بتحرير الأراضي المصرية المحتلة وأن غاية مطلب هذا الفريق في المرحلة الحالية أن تعطي الفرصة للرأي الآخر المعارض لأن الصورة الديمقراطية لا تكتمل إلا به.

وخلص التقرير بناء على ذلك إلى أن الشعب ارتضي نظام التحالف في المرحلة الحالية إطارا لحياته السياسية وإطارا صحيحا للوحدة الوطنية تعبر من داخله كل قوي التحالف عن مصالحها المشروعة وعن آرائها بحيث تتضح الاتجاهات التي تحظي بتأييد الأغلبية لتجد سبيلها نحو التنفيذ وحتى يمكن للتحالف أن يبلغ هدفه لابد أن تعرف قوي التحالف بأن هناك مصالح وطنية مشتركة تتقدم غيرها من المصالح الفئوية

مما يحتم على هذه القوي أن تحل تناقضاتها بالطرق السليمة الديمقراطية وطرح التقرير في النهاية ما اعتبره أهم الأسئلة التي طرحت نفسها على الحوار الوطني الواسع وهي الصورة التي ستكون عليها المنابر وهل ستكون منابر متحركة أم ثابتة وأجاب بأن الأغلبية تستبعد فكرة المنابر المتحركة التي تنشأ بمناسبة موضوع معين وتؤيد فكرة المنابر الثابتة التي تعكس اتجاها فكريا مستقرا ولا شك في أن هذه المنابر المتعددة التي ستنشأ في الاتجاه الاشتراكي العربي تختلف عن الأحزاب في أنها تلتزم – حيث لا تلتزم الأحزاب – بفلسفة واحدة هي فلسفة التحالف .

(3) قرار المؤتمر القومي العام للإتحاد الاشتراكي بشأن المنابر (25 يوليو 1975):

صدر هذا القرار عن " المؤتمر القومي العام " الذي كان أعلي سلطة سياسية في الاتحاد الاشتراكي العربي في نهاية دورته المنعقدة من 22 – 25 يوليو 1975 وجاء فيه : " أن حرية الرأي داخل التحالف هي البديل الوحيد لإبداء الرأي خارجه, وهي الأسلوب الرشيد للاجتهاد والبحث عن الحلول الكفيلة بتحقيق المصالح المشتركة والمواجهة الصحيحة للمصالح المتعارضة .

لقد أثبت تقرير لجنة تجميع اتجاهات الحوار حول تطوير الاتحاد الاشتراكي أن أغلبية الجماهير قد استبعدت فكر الأحزاب كما استبعدت فكرة الحزب الواحد . إلا أنها جمعت على ضرورة تمكين الاتجاهات المختلفة من التعبير عن رأيها والدعوة إليه فكانت صيغة تعدد المنابر هي الصيغة المناسبة .

وفي هذا يجب أن نسترعي النظر إلى الضوابط الآتية :

  1. أن المنابر داخل التحالف لا خارجه.
  2. أن هذه المنابر ليست منابر تتنوع حسب القوي الممثلة في التحالف بل أنها منابر للرأي .
  3. أنها ليست منابر فكرية خالصة لأن هناك درجة من الالتزام يجب أن تلتقي حولها كافة المنابر وهي الالتزام بمواثيق الثورة الأساسية .
  4. أن هذه المنابر وسيلة للتعبير عن آراء القوي المختلفة ومن ثم فإن عليها أن تقيم بينها حوار ديمقراطية يسوده الوقار والاحترام المتبادل .
  5. أن هذه المنابر لا تنشأ بقرار إداري ولا مفتعل ولكنها يجب أن تكون ثمرة للممارسة والمواقف السياسية حول القضايا المطروحة ولا يري المؤتمر تقييد حركتها الطبيعية بأن تكون منابر متحركة أم ثابتة بل أن الممارسة وحدها هي التي ستحدد لها مسارها .

(4) تقرير لجنة مستقبل العمل السياسي – يناير 1976:

تشكلت لجنة " مستقبل العمل السياسي بقرار من رئيس الاتحاد الاشتراكي العربي محمد أنور السادات لدراسة موضوع المنابر وتكونت من خمسين عضوا من أعضاء اللجنة المركزية وخمسين آخرين من أعضاء الهيئة البرلمانية للإتحاد الاشتراكي العربي لصفتهم من العمال والفلاحين ثم انضم إليها عدد آخر من أصحاب الرأي والخبرة ليصل عددها إلى 168 عضوا برئاسة المهندس سيد مرعي ووصفت مهمتها بأنها " لجنة استماع وتحديد اتجاهات لمعرفة آراء قطاعات الشعب المختلفة كما أنها لا تملك إصدار القرار التي تلزم القيادة السياسية بتنفيذها "وعقدت اجتماعا فيما بين 1 فبراير و6 مارس 1976 .

ثم عقدت الهيئة البرلمانية للإتحاد الاشتراكي اجتماعا يوم 15 مارس 1976 بقاعة مجلس الشعب برئاسة المهندس سيد مرعي لمناقشة وضع المنابر وطريقة تشكيله وعرض في بداية الجلسة المهندس سيد مرعي مختلف الاتجاهات التي انتهت إليها لجنة " مستقبل العمل السياسي " كانت هذه الاتجاهات هي :

الاتجاه الأول هو تطوير الاتحاد الاشتراكي وإقامة منابر ثابتة داخله هذا الاتجاه هو الغالب ويؤيده 97 عضوا هذا الاتجاه الدكتور جمال العطيفي ,

وعرض تقرير ينقسم إلى أربعة أقسام

أولا : تعدد لاتجاهات في إطار التحالف

أن المعادلة الرئيسية التي يهدف هذا لاتجاه إلى تحقيقي هي التوفيق بين التمسك بالوحدة الوطنية وما تقتضيه من المحافظة على مبدأ تحلف قوي الشعب العامل وبين تقرير حرية الرأي والمعارضة داخل التحالف باعتبارها البديل الوحيد لإبداء الرأي خارجه.

ثانيا : تحليل برامج المنابر المقدمة

تبين من اطلاع اللجنة على هذه البرامج المختلفة ومن الإيضاحات التي سمعت من مقدميها ا، هذه البرامج تعبر عن اتجاهين رئيسيين على جانبي الاتجاه الغالب .

ثالثا : الضوابط اللازمة لإقامة المنابر وممارستها للعمل السياسي

تري اللجنة أن هناك حقائق أساسية أثبتتها المناقشات التي جرت في اللجنة وهذا يؤدي إلى استخلاص أفضل السبل والضوابط لقيام المنابر ودورها في دعم الديمقراطية في المرحلة الراهنة .

رابعا : تطوير الاتحاد الاشتراكي العربي .

تري اللجنة أن الأخذ بنظام المنابر الثابتة داخل الاتحاد الاشتراكي سيدعو إلى إدخال تعديلات على النظام الأساسي للإتحاد الاشتراكي وأسلوب ممارسة المنابر لنشاطها وأن ما يدعو إليه اتجاه هذه اللجنة هو دعم الفاعلية السياسية للإتحاد الاشتراكي وتعميق ديمقراطية تنظيمه مع الحفاظ على نسبة الـ 50 في المائة على الأقل للعمال والفلاحين .

الاتجاه الثاني : الإبقاء على الاتحاد الاشتراكي بصورته الحالية مع إعطائه الفاعلية وإقامة منابر متحركة داخله ويؤيد هذا الاتجاه 33 عضوا .

ومقرر هذا الاتجاه السيد محمد ضومان وعر ض تقريرا من ثلاثة أقسام

أولا : أن مناقشة فكرة المنابر لا تبدأ من فراغ بل يتعين مناقشتها في ضوء فلسفة ثورة يوليو وثورة التصحيح ولقد كان " تحالف قوي الشعب العامل من ابرز ما يميز فلسفة ثورة يوليو وما يزال الركيزة الأساسية لها وأهم إضافة استحدثتها الثورة لهذا التحالف هي نسبة الـ 50 في المائة على الأقل للعمال والفلاحين ومن ثم فإن كل تطوير النظام السياسي يجب أن يضع في اعتباره كل الأفكار السابقة .
ثانيا : التصوير في ضوء الأفكار الأساسية السابقة
  1. رفض قيام الأحزاب في هذه المرحلة لأن الأسباب التي حدث بالثورة إلى رفض الأحزاب لا تزال قائمة وأهمها حاجة مصر إلى الوحدة الوطنية .
  2. المنابر في إطار الاتحاد الاشتراكي .
ثالثا : كيفية إقامة المنابر في ضوء الأفكار السابقة.

تنشأ المنابر في داخل الاتحاد الاشتراكي ويضع الاتحاد الاشتراكي نظاما أساسيا للمنابر المتحركة عند طرح القضايا ويشكل الاتحاد الاشتراكي لجنة لفحص طلبات إنشاء المنابر المتحركة تيسر للمنابر كل متطلبات العمل السياسي .

وتلتزم المنابر بالمواثيق من الميثاق حتى وثيقة أكتوبر وتعد المنابر بمثابة أجنحة للإتحاد الاشتراكي .

الاتجاه الثالث : ينادي بقيام الأحزاب السياسية ويؤيد 8 أعضاء مقررة الدكتور محمود القاضي وعرض تقريرا تضمن .

الدول التي تأخذ بالديمقراطية الحقة لابد أن تنتهج أسلوب تعدد التنظيمات السياسية أى الأحزاب ضمانا لممارسة الحرية السياسية وقيام المعارضة القوية في مواجهة الحكومة .

لا يمنع دستور 1971 قيام الأحزاب وورقة أكتوبر تشير إلى أن الأحزاب تفتت الوحدة الوطنية بطريقة مصطنعة ولكن هذا لا يمنع قيم الأحزاب إذا أراد الشعب قيامها .

يكمن الخطر في قيام منابر ثابتة داخل الاتحاد الاشتراكي في حرمان ملايين من المواطنين الذين ليسوا أعضاء فيه من ممارسة حقهم في التجمع بصورة منظم وقانونية في تنظيمات سياسية .

الاتجاه الرابع : يطالب بقيام منابر داخل وخرج الاتحاد الاشتراكي على أن تكون هذه المنابر نواة لقيام الأحزاب مستقيلا إذا أراد الشعب ذلك ويؤيد هذا الاتجاه عضوان ومقرره الدكتور عبد المنعم خربك وعرض تقريرا جاء فيه:

نحن مطالبون ببحث وجه العمل السياسي بمفهومه الواسع وشموله كافة جماهير الشعب داخل وخارج الاتحاد الاشتراكي إذ لا يتصور قيام عمل سياسي متكامل نشاط فئات كبيرة من الجماهير خارج الاتحاد الاشتراكي تشكل الآن غالبية كبيرة من أبناء الوطن ونجمل اقتراحاتنا في:

  1. حق المواطنين الحر في الانضمام إلى منابر سياسية ثابتة خارج نطاق الاتحاد الاشتراكي ملتزمة بالدستور ومبادئ 15 مايو مع استمرار الاتحاد الاشتراكي وتطوير نفسه بإبراز الاتجاهات المختلفة داخله .
  2. شرط الإعلام عن منبر ثابت خارج الاتحاد الاشتراكي أن يكون له ثقل جماهيري وجغرافي .
  3. لكل منبر ن ينشر مبادئه وأفكاره التي لا تتعارض مع الدستور ولا ثورة 15 مايو وأن يدافع عنه بالطرق المشروعة ومنها إصدار صحيفة تعبر عنه .

جري التصويت على هذه الاتجاهات في جلسة مارس 1976 ففاز الاتجاه الخاص بتشكيل منابر ثابتة داخل الاتحاد الاشتراكي بأغلبية الأصوات بينما لم يفز الاتجاه الخاص بتشكيل أحزاب إلا بأربعة أصوات فقط من بين 360 عضوا , هم مجموع الهيئة البرلمانية وقتها .

وقد أسفرت المناقشات عن:

  1. الموافقة على ما جاء في تقرير لجنة مستقبل العمل السياسي بالنسبة للمنابر الثابتة وتطوير الاتحاد الاشتراكي .
  2. الاتفاق على أن الاتجاهات الرأي العام في المجتمع المصري تؤدي إلى إقامة ثلاثة منابر (يمين وسط ويسار)
  3. أن كل منبر يجب أن يكون ممثلا بعدد من أعضاء مجلس الشعب واللجنة المركزية مهم كان عددهم وأعلن سيد مرعي أنه رأي عدم التمسك بالشرط الخاص بضرورة تأييد عشر أعضاء اللجنة المركزية والهيئة البرلمانية معا (56 عضوا) للموافقة على قيام المنبر وذلك لإتاحة الفرصة لقيام منبر يساري وأن رئيس الجمهورية محمد أنور السادات ورئيس مجلس الشعب لأن ينضم إلى المنابر والاتحاد الاشتراكي هو الوعاء الذي يضم هذا المنابر ويرأسه السادات .

تقرر البدء فورا في تشكيل المنابر الثابتة حتى يكون لديها الفرصة للاستعداد لانتخابات مجلس الشعب في أكتوبر ( 1976 ) وقد انتهت الهيئة البرلمانية في اجتماعها الثاني 17 مارس 1976 إلي عقدته لمناقشة موضوع المنابر إلى إقرار المبادئ التالية:

  1. يكون الطب المقدم لتشكيل المنبر موقعا عليه من عشرة أعضاء على الأقل من مجلس الشعب واللجنة المركزية.
  2. إرجاء النظر في التطوير المطلوب إدخاله على قانون الاتحاد الاشتراكي إلى أن يتم بحث برامج المنابر في اجتماع مشترك للهيئة البرلمانية واللجنة المركزية .
  3. يكون تمويل المنابر تمويلا ذاتيا (من المنابر نفسها) عن طريق اشتراكات العضوية ومنع التبرعات على أن يدعم الاتحاد الاشتراكي ميزانية المنابر التي تحتاج إلى دعم طبقا لما تقرره اللجنة التنفيذية العليا للإتحاد الاشتراكي وعلى كل منبر أن ينشر ميزانيته السنوية.

وتشير الدلائل إلى أن الأسماء المقترحة مؤقتا للاتجاهات الثلاثة هي:

  1. منبر مصر العربي الاشتراكي ويتحدث بإسمه مؤقتا محمود أبو وافية .
  2. منبر الأحرار الاشتراكيين : ويتحدث باسمه مؤقتا مصطفي كامل مرد
  3. المنبر لوطني التقديمي ويتحدث بإسمه مؤقتا خالد محي الدين .
(4) عقدت اللجنة اجتماعا خاصا يوم 6 مارس 1976 وتم وضع التقرير النهائي لعرضه على الرئيس السادات بعد أن استمعت اللجنة لجميع الأعضاء ( 168 عضوا ) على مدار 16 اجتماعا وقد قدم المهندس سيد مرعي التقرير النهائي إلى رئيس الجمهورية محمد أنور السادات .
(5) قرار رئيس الجمهورية " محمد أنور السادات " بتحويل المنابر إلى أحزاب:

في أول اجتماع للفصل التشريعي الثاني لمجلس الشعب بتاريخ 11 نوفمبر 1976 ألقي رئيس الجمهورية محمد أنور السادات خطابا يفتتح به الدورة ورد فيه :

" بناء على نجاح تجربة الانتخابات واستئنافا للمسيرة فقد اتخذت قرار شكلته وأملته معركتكم الانتخابية وما أبرزه فيها الشعب من إرادة.. هذا القرار هو أن تتحول التنظيمات السياسية ابتداء من اليوم إلى أحزاب ..
ولكن هناك نتائج لابد أن تترتب منطقيا على هذا القرار أن يد الاتحاد الاشتراكي بالضرورة سوف ترتفع عن الأحزاب وسوف يصبح كل حزب حرا تماما في إدارة نشاطه في حدود القوانين والدستور ومن هنا لابد من مراجعة النظام الأساسي للإتحاد الاشتراكي حتى يكون منظما للأحزاب في إطار القانون الجديد وقد لا يبقي للإتحاد الاشتراكي في المرحلة المقبلة إلا ثلاثة أمور:
أولا : المنظمات الجماهيرية المساعدة كتنظيم المرأة والشباب من مرحلة الطلائع إلى مرحلة الاستعداد للانضمام للأحزاب .
ثانيا : المشاركة في ملكية الصحف حتى لا تعود تلك الأجهزة بلغة الأهمية لأفراد مع ضمان الكفاية للتعبير عن الأحزاب الثلاثة .
ثالثا : لجنة مركزية موسعة تصبح بمثابة المؤتمر العام للإتحاد الاشتراكي مهمتها الأساسية هي المحافظة على صيغة تحالف الشعب التي ما زلنا نتمسك بها .

ينضم إلى هذه اللجنة المركزية كل أعضاء مجلس الشعب من أعضاء الأحزاب الثلاثة ومن المستقلين وهيئات مكاتب المنظمات الجماهيرية كالنقابات المهنية والعمالية والتعاونيات الزراعية والغرف التجارية .

على أن ينظم النظام الأساسي للإتحاد الاشتراكي أنشطة الأحزاب ولابد أن ينص على أسلوب للرقابة على مواردها المالية ولابد أن تكون لها برامج ومهما اختلفت فهي ملتزمة بالأسس الثلاثة التي لا خلاف عليها .

  1. الوحدة الوطنية فلا تقوم أحزاب على أسس دينية أو عنصرية .
  2. حتمية الحل الاشتراكي فلا رجعة إلى حكم الرأسمالية والإقطاع ولا نكوص عن مكسب العمال والفلاحين.
  3. السلام الاجتماعي فلا حقد ولا انتقام ولا بث للكراهية بين الفئات .

الملاحق رقم (4)

القوانين الأساسية المنظمة للحياة السياسية

(1) قانون الأحزاب السياسية رقم 40 لسنة 1977:

بعد مناقشة طويلة وافق مجلس الشعب على القانون بتاريخ 20 يونيو 1977 وأصدره رئيس الجمهورية في 29 يونيو من العالم نفسه.

مادة 1: للمصريين حق تكوين الأحزاب السياسية ولكل مصري الحق في الانتماء لأي حزب سياسي وذلك طبقا لأحكام هذا القانون .
مادة2: يقصد بالحزب السياسي كل جماعة أو منظمة تؤسس طبقا لأحكام هذا القانون وتقوم على مبادئ وأهداف مشتركة وتعمل بالوسائل السياسية الديمقراطية لتحقيق برامج محددة تتعلق بالشئون السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة وذلك عن طريق المشاركة في مسئوليات الحكم.
مادة 3 : تسهم الأحزاب السياسية التي تؤسس طبقا لأحكم هذا القانون في تحقيق التقدم السياسي والاجتماعي والاشتراكي الديمقراطي والحفاظ على قوي الشعب العاملة والسلام الاجتماعي ومكاسب العمال والفلاحين وذلك على الوجه المبين بالدستور .وتعمل هذه الأحزاب باعتبارها تنظيمات وطنية وشعبية وديمقراطية على تجميع المواطنين وتمثيلهم سياسيا .
مادة 4 عدم تعارض مبادئ الحزب وأهدافه وبرامجه مع :
(أ‌) مبادئ الشريعة باعتبارها رئيسيا للتشريع .
(ب‌)الحفاظ على الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي والنظام الاشتراكي الديمقراطي والمكاسب الإشتراكية .
ثانيا : تميز برامج الحزب عن برامج الأحزاب القائمة وقت الإخطار عن تأسيسه في السياسات التي يعتمد عليها في تحقيق أهدافه في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية .
ثالثا : عدم قيام الحزب على أسس طبقية أو طائفية أو فئوية أو جغرافية أو على أساس التفرقة بسبب الجنس أو الأصل أو الدين أو العقيدة.
رابعا : عدم انطواء وسائل الحزب على إقامة أية تشكيلات عسكرية و شبه عسكرية .
خامسا : عدم قيام الحزب كفرع لحزب في الخارج .
سادسا : علانية مبادئ وأهداف وسائل الحزب وتشكيلاته وقياداته .
مادة 5: يجب أن يشمل النظام الداخلي للحزب القواعد التي تنظم كل شئونه السياسية والتنظيمية والمالية والإدارية بما يتفق وأحكام هذا القانون ويجب ن يتضمن هذا النظام بصفة خاصة ما يلي :
أولا : اسم الحزب ويجب ألا يكون مماثلا أو مشابها لاسم حزب قائم .
ثانيا : بيان المقر الرئيسي للحزب ومقاره الفرعية إن وجدت ويجب أن تكون جميع مقار الحزب داخل جمهورية مصر العربية وفي غير الأماكن الإنتاجية أو الخدمية أو التعليمية .
ثالثا : المبادئ و الأهداف التي يقوم عليها الحزب والبرامج والوسائل التي يدعو إليها لتحقيق هذه الأهداف .
رابعا : شروط العضوية في الحزب وقواعد وإجراءات الانضمام إليه والفصل من عضويته والانسحاب منه .ولا يجوز أن توضع شروط للعضوية على أساس التفرقة بسبب العقيدة الدينية أو العنصر أو الجنس أو المركز الاجتماعي .
خامسا : طريقة وإجراءات تكوين تشكيلات الحزب واختيار قيادته وأجهزته القيادية ومباشرته لنشاطه وتنظيم علاقته بأعضائه على أساس ديمقراطي وتحديد الاختصاصات السياسية والتنظيمية والمالية والإدارية لأي من هذه القيادات والتشكيلات مع كفالة أوسع مدي للمناقشة الديمقراطية وداخل هذه التشكيلات .
سادسا: النظام ا المالي للحزب شاملا تحديد مختلف موارده والمصرف الذي تودع فيه مواله والقواعد والإجراءات المنظمة للصرف من هذه الأموال وقواعد وإجراءات إمساك حسابات الحزب ومراجعتها وإقرارها وإعداد موازنته السنوية واعتمادها .
سابعا : قواعد وإجراءات الحل والاندماج الاختياري للحزب وتنظيم تصفية مواله والجهة التي تؤول إليها هذه الأموال .
مادة 6 : يشترط فيمن يقبل انضمامه إلى عضوية أى حزب سياسي ما يلي
(1) أن يكون مصريا فإذا كان متجنسا وجب أن يكون قد مضي على تجنسه خمس سنوات على الأقل ومع ذلك يشترط فيمن يشترك في تأسيس الحزب أن يكون من أب مصري .
(2) أن يكون متمتعا بحقوقه السياسية كاملة
(3) ألا يكون من أعضاء الهيئات القضائية أو من ضباط أو أفراد القوات المسلحة أو الشرطة أو من أعضاء الرقابة الإدارية أو المخابرات العامة أو من أعضاء السلك السياسي أو القنصلي .
مادة 7: يجب تقديم إخطار كتابي إلى أمين اللجنة المركزية المنصوص عليها في (المادة 20) عن تأسيس الحزب موقع عليه من خمسين عضوا من أعضائه المؤسسين ومصدق رسميا على توقيعاتهم على أن يكون نصفهم على الأقل من العمال والفلاحين وترفق بهذا الإخطار جميع المستندات المتعلقة به وبصفة خاصة النظام الداخلي للحزب وأسماء أعضائه المؤسسين وبيان أموال الحزب ومصادرها والمصرف المودعة فيه واسم من ينوب عن الحزب في إجراءات تأسيسه .
ويعرض الأخطار عن تأسيس الحزب على اللجنة المنصوص عليها في المادة التالية خلال خمسة عشر يوما من تاريخ تقديم هذا الإخطار .
مادة 8 : تشكل اللجنة المركزية للأحزاب على النحو التالي:
  1. رئيس مجلس الشوري رئيسا .
  2. وزير العدل
  3. وزير الدولة لشئون مجلس الشعب .
  4. وزير الداخلية .
  5. ثلاثة من غير المنتمين إلى أى حزب سياسي من بين رؤساء الهيئات القضائية السابقين أو نوابهم ويصدر باختيارهم قرار من رئيس اللجنة المركزية .
وتختص هذه اللجنة بفحص الإخطارات المقدمة عن تأسيس الأحزاب للتحقق من توفير الشروط المقررة في هذا القانون وذلك بالإضافة إلى اختصاصات اللجنة الأخرى التي نصت عليها أحكامه , وللجنة خلال ثلاثين يوما من تاريخ عرض الإخطار بتأسيس الحزب الاعتراض على سبب تأسيسه .
يخطر رئيس اللجنة طالبي التأسيس بقرار الاعتراض وأسبابه بكتاب موصي عليه بعلم الوصول خلال ثلاثة أيام على الأكثر من تاريخ صدوره ويجوز لطالبي التأسيس الطعن في هذا القرار أمام محكمة القضاء الإداري خلال الثلاثين يوما التالية لإخطارهم به وتفصل المحكمة في الطعن خلال أربعة أشهر على الأكثر من تاريخ إيداع عريضته .
مادة 9: يتمتع الحزب بالشخصية الاعتبارية ويمارس نشاطه السياسي وذلك اعتبارا من اليوم التالي لانقضاء المدة المحددة بالفقرة الثالثة من المادة السابقة وذلك ما لم تكن قد اعترضت على تأسيسه اللجنة المنصوص عليها في المادة المذكورة أو من تاريخ الحكم برفض تنفيذ قرارها بالاعتراض على هذا التأسيس أو بإلغاء هذا القرار.
ولا يجوز لمؤسس الحزب ممارسة أى نشاط حزبي أو إجراء أى تصرف باسم الحزب إلا في الحدود اللازمة لتأسيسه وذلك قبل التاريخ المحدد لتمتعه بالشخصية الاعتبارية طبقا لأحكام الفقرة السابقة .
مادة 10: رئيس الحزب هو الذي يمثله في كل ما يتعلق بشئونه أمام القضاء أو أمام أية جهة أخري أو في مواجهة الغير.ويجوز لرئيس الحزب أن ينيب عنه أحد أو أكثر من قيادات الحزب مباشرة بعض اختصاصات رئيسه وذلك طبقا لنظامه الداخلي .
مادة 11: تتكون موارد الحزب من اشتراكات وتبرعات أعضائه وحصيلة عائد استثمارات أمواله في الأوجه غير التجارية التي يحددها نظامه الداخلي ولا يعتبر من الأوجه التجارية في حكم هذه المادة استثمار أموال الحزب أن يعلن عن اسم المتبرع له وقيمة ما تبرع في احدي الصحف اليومية على الأقل وذلك إذا ازدادت قيمة التبرع على خمسمائة جنيه في المادة الواحدة أو على ألف جنيه في العام الواحد.

ولا تخصم قيمة التبرعات التي تقدم للأحزاب من وعاء أية ضريبة نوعية أو من وعاء الضريبة العامة على الإيراد .

مادة 12 : لا يجوز صرف أموال الحزب إلا على أغراضه وأهدافه طبقا للقواعد والإجراءات التي يتضمنها نظامه الداخلي ويجب على الحزب أن يودع أمواله في احد المصارف المصرية وان يمسك دفاتر منظمة للحسابات تتضمن إيرادات الحزب ومصروفاته طبقا للقواعد التي يحددها نظمه الداخلي .

ويتولي الجهاز المركزي للمحاسبات بصفة دورية مراجعة دفاتر ومستندات حسابات إيرادات ومصروفات الحزب وغير ذلك من شئونه المالية وذلك للتحقيق من سلامة موارد الحزب ومشروعه أوجه صرف أمواله وعلى الحزب أن يمكن الجهاز من ذلك.
وعلى الجهاز المذكور إعداد تقرير سنوي عن كافة الأوضاع والشئون المالية للحزب وإخطار أمين اللجنة المركزية والوزير المختص بالتنظيمات الشعبية السياسية بهذه التقارير.
مادة 13: تعفي المقار والمنشآت المملوكة للحزب وأمواله من جميع الضرائب والرسوم العامة والمحلية .
مادة 14: تعتبر أموال الحزب في حكم الأموال العامة في تطبيق أحكام قانون العقوبات كما يعتبر القائمون على شئون الحزب والعاملون به في حكم الموظفين العموميين في تطبيق أحكام القانون المذكور وتسري عليهم أحكام قانون الكسب غير المشروع .ولا يجوز في غير حالة التلبس بجناية أو جنحة تفتيش أى مقر من مقار الحزب إلا بحضور أحد رؤساء النيابة العامة وإلا اعتبر التفتيش باطلا ويجب على النيابة العامة أمين اللجنة المركزية بما اتخذ بما من إجراء بمقار الحزب خلال ثمان وأربعين ساعة من اتخاذه .
مادة 15 : لكل حزب حق إصدار صحيفة أو أكثر للتعبير عن آرائه وذلك دون التقيد بالحصول على الرخيص المشار إليه في المادتين 1, 2 من القانون رقم 156 لسنة 1960 بشأن تنظيم الصحافة .
مادة 16 : يخطر أمين اللجنة المركزية والوزير المختص بالتنظيمات الشعبية والسياسية بكتاب موصي عليه بعلم الوصول بأى قرار يصدره الحزب بتغيير رئيسه أو بحل حزب أو اندماجه أو بأى تعديل في نظامه الداخلي وذلك خلال عشرة أيام من تاريخ صدور القرار .
مادة 17 : يجوز لأمين اللجنة المركزية بعد موافقة اللجنة المنصوص عليها في المادة 8 أن يطلب من محكمة القضاء الإداري حل الحزب وتصفيه أمواله وتحديد الجهة التي تؤول إليها هذه الأموال وذلك لأحد الأسباب التالية:
أولا : فقد شرط من شروط التأسيس المنصوص عليها في المادة 4.
ثانيا: صدور حكم نهائي بإدانة قيادات الحزب كلها أو بعضها في جريمة من الجرائم المخلة بالوحدة الوطنية أو تحالف قوي الشعب العاملة أو السلام الاجتماعي أو بالنظام الاشتراكي الديمقراطي وذلك إذا كانت الجريمة قد وقعت بسبب أو بمناسبة مباشرة هذه القيادات لنشاط الحزب أو تصرفاته كما يجوز لأمين اللجنة المركزية بعد موافقة اللجنة المركزية أن يطلب من تلك المحكمة بصفة مستعجلة وقف نشاط الحزب أو أى قرار من قراراته لأحد الأسباب المشار إليها وذلك إلى حين الفصل في طلب حل الحزب .
وتعلن عريضة الطلب في أى من الحالات السابقة شاملة الأسباب التي تستند عليها إلى رئيس الحزب خلال أربع وعشرين ساعة من تاريخ إبداعها سكرتارية المحكمة ويجب على المحكمة أن تفصل خلال خمسة عشر يوما في طلب وقف نشاط الحزب أو احد قراراته وعلى المحكمة أن تفصل في طلب حل الحزب على وجه السرعة .
مادة 18 : لا يتمتع الحزب الذي لا يحصل على عشرة مقاعد على الأقل في مجلس الشعب في أية انتخابات عامة لاحقة لتأسيسه بالمزايا المنصوص عليها في المادة 13 من هذا القانون .
مادة 19 : يستهدف الاتحاد الاشتراكي العربي برئاسة رئيس الدولة الحفاظ على مبادئ ثورتي 23 يوليو سنة 1952 و15 مايو سنة 1971 ودعم الوحدة الوطنية وتحالف قوي الشعب العاملة والمكاسب الإشتراكية وتوطيد السلام الاجتماعي وتعميق النظام الاشتراكي الديمقراطي وتوسيع مجالاته وتتولي هذه الاختصاصات اللجنة المركزية للإتحاد الاشتراكي العربي .
مادة 20: تشكل اللجنة المركزية للإتحاد الاشتراكي العربي برئاسة رئيس الدولة وعضوية:
  1. كافة أعضاء مجلس الشعب .
  2. رؤساء وممثلو النقابات المهنية والاتحاد العام للعمال والنقابات العمالية العامة والاتحادات التعاونية واتحادات الغرف التجارية والصناعية .
  3. رؤساء اتحادات الكتاب والطلاب والمجلس الأعلى للصحافة ويصدر بتحديد أسماء أعضاء اللجنة المشار إليها في البندين 2,3 قرار من رئيسها .
  4. ويجوز بقرار من رئيس اللجنة أن يضم إلى عضويتها عدد من ذوي الرأي والخبرة والشخصيات العامة .

ولا يجوز في جميع الأحوال أن يزيد عدد أعضاء اللجنة من غير أعضاء مجلسي الشعب على مائة وعشرين عضوا كما لا يجوز أن يقل أعضاء اللجنة من العمال والفلاحين عن نصف عدد أعضائها مع مراعاة أن تكون المرأة ممثلة في هذه اللجنة .وينتخب أمين عام للإتحاد الاشتراكي العربي وأمينان مساعدان أحدهما من العمال أو الفلاحين بالطريق السري المباشر بين أعضاء اللجنة وعليهم وقف نشاطهم الحزبي فوز انتخابهم إذ ا كانوا من المنتمين لأحد الأحزاب السياسية .ويكون الأمين العام للإتحاد الاشتراكي العربي أمينا للجنة المركزية ويعاونه في ذلك الأمينان المساعدان.وتضع اللجنة لائحة لتنظيم أسلوب العمل فيها وكيفية ممارستها لاختصاصاته ولا يؤاخذ أعضاء اللجنة عما يبدونه من آراء وأفكار في أداء عملهم بها أو باللجان المتفرعة عنها .وتصدر قرارات اللجنة نافذة وملزمة في حدود الاختصاصات المخولة لها طبقا لحكام هذا القانون .

مادة 21 : تضع اللجنة المركزية القواعد المنظمة لاتصال الحزب بأى حزب أو تنظيم سياسي أجنبي وذلك بناء على ما يقترحه أمين اللجنة ولا يجوز لأي حزب التعاون أو التحالف مع أى حزب أو تنظيم سياسي أجنبي إلا طبقا للقواعد المشار إليها في الفقرة السابقة .

الباب الثاني العقوبات:

مادة 22 : يعاقب بالسجن كل من أنشأ أو أسس أو نظم أو أدار على خلاف أحكم هذا القانون تنظيما حزبيا غير مشروع ولو كان مستترا في وصف جمعية أو هيئة أو منظمة أو جماعة أيا كانت التسمية أو الوصف الذي يطلق عليه .
وتكون العقوبة بالأشغال المؤبدة أو المؤقتة إذا كان التنظيم الحزبي غير المشروع معاديا لنظام المجتمع أو ذا طابع عسكري أو إذا ارتكبت الجريمة بناء على تخابر مع دولة أجنبية ..
وتكون العقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة إذا ارتكبت بناء على تخابر مع دولة معادية .
وتقضي المحكمة في جميع الأحوال عند الحكم بالإدانة بحل التنظيمات المذكورة وإغلاق أمكنتها ومصادر الأموال والأمتعة والأدوات والأوراق الخاصة بها أو المعدة لاستعمالها .
مادة 23: يعاقب بالحبس كل من انضم إلى تنظيم حزبي غير مشروع ولو كان مستترا في وصف جمعية أو هيئة و منظمة أو جماعة أيا كانت التسمية أو الوصف الذي يطلق على هذا التنظيم .
وتكون العقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة إذا كان التنظيم المذكور قد نشأ بالتخابر مع دولة معادية وكان الجاني يعلم بذلك.
مادة 24 : يعفي من العقوبة كل من بادر بإبلاغ السلطات المختصة عن وجود أى من التنظيمات المشار إليها في المادتين السابقتين وذلك إذا تم الإبلاغ قبل بدء التحقيق .ويجوز للمحكمة الإعفاء من العقوبة إذا تم الإبلاغ بعد بدء التحقيق ويساعد في الكشف عن مرتكبي الجريمة لآخرين .
مادة 25 : يعاقب بالحبس كل مسئول في حزب سياسي أو أى من أعضائه أو من العاملين به قبل أو تسلم مباشرة أو بالواسطة مالا و حصل على ميزة أو منفعة بغير وجه حق من شخص اعتباري مصري لممارسة أى نشاط يتعلق بالحزب .
وتكون العقوبة السجن إذا كان المال والميزة أو المنفعة من أجنبي أو من أية جهة أجنبية .وتقضي المحكمة في جميع الأحوال بمصادرة كل مال متحصلا من الجريمة .
مادة26 : يعاقب بالحبس وبغرامة لا تجاوز خمسمائة جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من خالف أحكام المادة 4 والفقرة الثانية من المادة 9 أو الفقرة الأولي و الثانية من المادة 21 من هذا القانون .
مادة 27: لا تخل أحكام هذا القانون بأية عقوبة أشد ينص عليها قانون العقوبات أو أى قانون آخر .

الباب الثالث : أحكام ختامية ووقتية

مادة 28 : استثناء من أحكام المادة 7 يشترط لتأسيس أى حزب سياسي من تاريخ العمل بهذا القانون وحتى بداية الدور الخير من الفصل التشريعي الحالي لمجلس الشعب أن يكون من بين مؤسسيه عشرون عضوا على الأقل من أعضاء هذا المجلس .
مادة29: فيما عدا ما يصدر بتحديده وتنظيمه قرار من اللجنة المركزية للإتحاد الاشتراكي العربي خلال ثلاثين يوما من تاريخ العمل بهذا القانون تلغي أمانات وتنظيمات ولجان ومؤتمرات الاتحاد المذكور .
مادة 30 : تستمر قائمة التنظيمات السياسية الحالية وهي:
  1. حزب مصر العربي الاشتراكي.
  2. حزب الأحرار الاشتراكيين.
  3. حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي .
وتتمتع بالشخصية الاعتبارية وتمارس نشاطها السياسي في الأحزاب طبقا لأحكام هذا القانون وعليها أن تخطر أمين اللجنة المركزية والوزير المختص بالتنظيمات الشعبية والسياسية وبالأوراق والمستندات المتعلقة بتأسيسها خلال ثلاثين يوما من تاريخ العمل بهذا القانون .
مادة 31 : يحدد بقرار من أمين اللجنة المركزية طبقا للقواعد التي تضعها اللجنة ما يؤول إلى الأحزاب المشكلة طبقا لأحكام هذا القانون من أموال هذا الاتحاد خلال ستين يوما من تاريخ العمل به .
ويجوز بقرار من أمين اللجنة المركزية التنازل عن حق إيجار الأماكن التي يشغلها الاتحاد المذكور إلى أى من الأحزاب المشار إليها أو إلى احدي وحدات الجهاز الإداري للدولة أو احدي الهيئات العمة أو إلى غيرها من الأشخاص الاعتبارية العامة وطبقا للقواعد التي تضعها اللجنة المركزية .
وتحل الجهة التي يصدر القرار بالتنازل إليها طبقا لأحكام الفقرة السابقة بقوة القانون محل الاتحاد المذكور .
مادة 32 : تلغي المادتان 2,6 من المرسوم بقانون رقم 37 لسنة 1952 في شأن حل الأحزاب السياسية ولا يجوز استنادا إلى أحكام هذا القانون إعادة تكوين الأحزاب التي خضعت للمرسوم بالقانون المشار إليه أو الأحزاب التي تتعارض مقوماتها مع مبادئ ثورتي 23 يوليو 1952 و15 مايو سنة 1971
وتلغي المواد الثانية والثالثة والتاسعة من القانون رقم 34 لسنة 1972 بشأن حماية الوحدة الوطنية والمادة 2 من قرار رقم 2 لسنة 1977 بشأن حماية حرية الوطن والمواطن كما يلغي كل حكم يخالف حكام هذا القانون .

تعديلات في قانون الأحزاب :

كان التعديل الأول عام 1979 حيث نص على ضرورة موافقة القوي والأحزاب السياسية على اتفاقية السلام المصري الإسرائيلي كما تضمنت تلك التعديلات شروطا على تكوين الأحزاب فيما يتعلق بهذه المسألة

حيث نصت المادة 4 سادسا منه على " عدم انتماء أى من مؤسسي أو قيادات الحزب أو ارتباطه أو تعاونه مع أى أحزاب أو تنظيمات و جماعات معادية أو مناهضة للمبادئ التي وافق عليها الشعب في الاستفتاء على معاهدة السلام وإعادة تنظيم الدولة بتاريخ 20 أبريل 1979 وكذلك للمبادئ المنصوص عليها في البند أولا وهي:

  1. مبادئ الشريعة الإسلامية .
  2. مبادئ ثورتي 23 يوليو 1952 و15 مايو 1971 .
  3. مبادئ الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي والنظام الاشتراكي الديمقراطي والمكاسب الإشتراكية.

كما حظرت إعادة تكوين الأحزاب التي كانت موجودة قبل ثورة يوليو 1952 . فيما عدا الحزب الوطني والحزب الاشتراكي ( حزب مصر الفتاة) كتأكيد للمادة 4 من القانون رقم 33 لسنة 1978 بشأن حماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي

وأيضا نصت المادة 4 – سابعا على " ألا يكون من بين مؤسسي الحزب و قياداته من تقوم أدلة جديدة على قيامه بالدعوة أو المشاركة في الدعوة أو التجنيد أو الترويج بأية طريقة من طرق العلانية لمبادئ أو اتجاهات أو أعمال تتعارض مع المبادئ المنصوص في البند السابق .

وحدث تعديل آخر في مارس 1981 وقضي بأن تصدر لجنة شئون الأحزاب قرارها بالبت في تأسيس الحزب خلال أربعة أشهر بدلا من ثلاثة شهر وذلك حتى يتاح الوقت الكافي للجنة شئون الأحزاب لدراسة ما يكون قد قام إليها من اعتراضات ومستندات ويعتبر فوات مدة الشهور الأربعة دون صدور قرار من لجنة شئون الأحزاب بالموفقة بمثابة اعتراض على قيامه كما نص على أن يخطر رئيس لجنة شئون الأحزاب رئيس مجلس الشعب ورئيس مجلس الشوري والمدعي العام الاشتراكي بأسماء المؤسسين لأي حزب جديد حتى يقف الشعب ممثلا في نوابه على أسماء مؤسسي الحزب الجديد وميولهم السياسية .

ويقضي التعديل بضرورة إعلان هذه الأسماء في أماكن ظاهرة في كل من مجلس الشعب ومجلس الشوري لمدة شهر كما ألزم المدعي العام الاشتراكي ينشر أسماء مؤسسي الحزب في ثلاث صحف قومية صباحية ثلاث مرات بواقع مرة كل أسبوع حتى يتاح للشعب فرصة الاعتراض على أى من تلك الأسماء وذلك خلال شهر من تاريخ أول إعلان كما يقضي التعديل بأن تبت لجنة الأحزاب في طلب إنشاء الحزب الجديد خلال أربعة شهور فإذا انقضت هذه المدة دون صور قرار بالموافقة اعتبر ذلك بمثابة الاعتراض على قيم الحزب.

أما التعديل الذي حدث في ديسمبر 1992 فقد ركز على حظر ممارسة أى نشاط حزبي قبل اكتسابه الشخصية الاعتبارية من خلال لجنة الأحزاب ويعاقب بالحبس الذي لا تقل مدته عن سنة ولا تزيد عن خمس سنوات كل من يخالف هذا الحكم فضلا عن تشيد العقوبة على مخالفة المادة 4 من القانون الأصلي الذي يحظر قيام أى حزب على أساس ديني أما النقطة الثانية فيحظر بمقتضاها قيام أى حزب شرعي بالاتصال بأى حزب أجنبي دون إخطار لجنة الأحزاب مسبقا ثم عرض نتيجة الاتصالات على اللجنة خلال خمسة عشر يوما من إجرائها .

كما قضت المحكمة الدستورية العليا برئاسة المستشار الدكتور عوض المر في يونيو 1995 بعدم دستورية نص الفقرة 21 من المادة 15 من قانون الأحزاب السياسية التي تقتضي بأن يكون رئيس الحزب مسئولا مع رئيس تحرير صحيفة الحزب عما ينشر فيها وأسست المحكمة في شأن دستورية النصوص العقابية وذلك بالنظر إلى القيود الخطيرة التي تفرضها على الحرية الشخصية

وأن المسئولية الجنائية بطريقة القياس فقد ألحق المشروع مسئولية رئيس الحزب بمسئولية رئيس التحرير وربطها بها وجعلها من جنسها وأضافها إليها لتتبعها ثبوتا ونفيا وليحيلها إلى مسئولية مفترضة في كل مكوناتها وعناصرها فلا تقوم الجريمة بها بناء على أمنحال محددة .

(1) القانون رقم 73 لسنة 1956.بتنظيم مباشرة الحقوق السياسية

باسم الأمة: مجلس الوزراء

بعد الاطلاع على الإعلان الدستوري الصادر في 10 من فبراير سنة 1953

وعلى القرار الصادر في 17 من نوفمبر سنة 1954 بتحويل مجلس الوزراء سلطات رئيس الجمهورية

وعلى المرسوم بقانون رقم 148 لسنة 1935 الخاص بالانتخاب والقوانين المعدلة له

وعلى ما ارتآه مجلس الدولة : وبناء على ما عرضه وزير الداخلية

أصدر القانون الآتي :

الباب الأول: في الحقوق السياسية مباشرتها

مادة 1: على كل مصري ومصرية بلغ ثماني عشرة سنة ميلادية أن يباشر بنفسه الحقوق السياسية الآتية
أولا : إبداء الرأي فيما يأتي:
  1. الاستفتاء الذي يجري لرئاسة الجمهورية
  2. كل استفتاء آخر ينص عليه الدستور .
ثانيا : انتخاب أعضاء كل من :
  1. مجلس الشعب .
  2. مجلس الشوري .
  3. المجالس الشعبية المحلية .

ويعفي من أداء هذا الواجب ضباط وأفراد القوات المسلحة الرئيسية والفرعية والإضافية وضباط أفراد هيئة الشرطة طوال مدة خدمتهم بالقوات المسلحة أو الشرطة وتكون مباشرة الحقوق سالفة الذكر على النحو وبالشروط المبينة في هذا القانون .

مادة 2 : يحرم من مباشرة الحقوق السياسية
  1. المحكوم عليه في جناية ما لم يكن قد رد إليه اعتباره
  2. من فرضت الحراسة على أمواله بحكم من محكمة القيم وذلك طوال مدة فرضها وفي حالة صدور حكم محكمة القيم بالمصادرة يكون الحرمان لمدة خمس سنوات .
  3. ملغاة بالقانون 220/1994.
  4. المحكومة عليه بعقوبة الحبس في سرقة أو إخفاء أشياء مشروقة أو نصب أو إعطاء شيك لا يقابله رصيد أو خيانة أمانة و غدر أو رشوة أو تفالس بالتدليس أو تزوير أو استعمال أوراق مزورة أو شهادة أو إغراء شهود أو هتك عرض أو إفساد أخلاق الشباب أو انتهاك حرمة الآداب أو تشرد أو في جريمة ارتكبت للتخلص من الخدمة العسكرية والوطنية كذلك المحكوم عليه لشروع منصوص عليه لإحدى الجرائم المذكورة وذلك ما لم يكن الحكم موقوفا تنفيذه أو كان المحكوم عليه قد رد إليه اعتباره .
  5. المحكوم عليه بالحبس في احدي الجرائم الانتخابية المنصوص عليها في المواد 40, 41, 42, 44, 45, 46, 47, 48, 49 من هذا القانون وذلك ما لم يكن الحكم موقوف تنفيذه أو كان المحكوم عليه قد رد إليه اعتباره .
  6. من سبق فصله من العاملين في الدولة أو القطاع العام لأسباب مخلة بالشرف ما لم تنقض خمس سنوات من تاريخ الفصل إلا إذا كان قد صدر لصالحه حكم نهائي بإلغاء قرار الفصل أو التعويض عنه.
  7. ملغاة بالقانون 220 لسنة 1994 .
مادة 3: تقف مباشرة الحقوق السياسية بالنسبة للأشخاص الآتي ذكرهم.
  1. المحجور عليهم مدة الحجر.
  2. المصابون بأمراض عقلية المحجوزين مدة حجزهم.
  3. الذين شهر إفلاسهم مدة خمس سنوات من تاريخ شهر إفلاسهم ما لم يرد إليهم اعتبارهم قبل ذلك.

الباب الثاني: في جداول الانتخاب

مادة 4 : يجب أن يقيد في جداول الانتخاب كل من له مباشرة الحقوق السياسية من الذكور والإناث ومع ذلك لا يقيد من اكتسب الجنسية المصرية بطريق التجنس إلا إذا كانت قد مضت خمس سنوات على الأقل على اكتسابه إياها .
مادة 5: تنشأ جداول انتخاب تقيد فيها أسماء الأشخاص الذين تتوافر فيهم شروط الناخب في أول نوفمبر من كل سنة وحتى الحادي والثلاثين من يناير من السنة التالية ولم يلحق بهم أى مانع من موانع مباشرة الحقوق السياسية وتعرض هذه الجداول في الأول من شهر فبراير إلى اليوم الأخير منه وذلك في المكان وبالكيفية التي تبينها اللائحة التنفيذية لهذا القانون .
مدة 6 : تبين اللائحة الجهات التي يعد لكل منها جداول انتخاب خاص .كما تتضمن اللائحة بيان كيفية إعداد جداول الانتخاب ومحتوياتها وطريقة مراجعتها وتعديل وعرضها والجهات التي تحفظ فيها وتشكيل اللجان التي تقوم بالقيد وغيره مما هو منصوص عليه في هذا القانون .
مادة 7 : تقوم النيابة العامة بإبلاغ وزارة الداخلية بالأحكام النهائية التي يترتب عليها الحرمان من مباشرة الحقوق السياسية أو وقفها .
وفي حالة فصل العاملين في الدولة أو القطاع العام لأسباب مخلة بالشرف تقوم الجهة التي كان يتبعها العامل بهذا الإبلاغ.
ويجب أن يتم الإبلاغ في جميع الحالات خلال خمسة عشر يوما من التاريخ الذي يصبح فيه الحكم أو القرار نهائيا .
مادة 8 : للجنة القيد أن تطلب ممن قيد اسمه أو ممن يراد قيد اسمه أن يثبت شخصيته وسنه وجنسيته .
مادة 9 : لا يجوز أن يقد الناخب في أكثر من جدول انتخاب واحد.
مادة 10 : لا يجوز إدخال أى تعديل على جداول الانتخاب بعد دعوة الناخبين إلى الانتخاب أو الاستفتاء على أن يبدأ المواعيد المنصوص عليها في المادة الخامسة وما بعدها كاملة من جديد من اليوم التالي لإعلان وزير الداخلية نتيجة الانتخاب أو الاستفتاء .
مادة 11: الموطن الانتخابي هو الجهة التي يقيم فيها الشخص عادة ومع ذلك يجوز له أن يختار لقيد اسمه الجهة التي بها محل عمله الرئيسي أو التي له بها مصلحة جدية أو مقر عائلته ولو لم يكن مقيما فيها .
وتبين اللائحة التنفيذية الطريقة التي يتم بها هذا الاختيار وموعده وعلى الناخب إذا غير موطنه الانتخابي أن يعلن هذا التغيير بالطريقة التي تعين وفقا للفقرة السابقة .
مادة 12 : يعتبر الموطن الانتخابي للمصريين المقيمين في الخارج المقيدين في القنصليات المصرية في آخر جهة كانوا يقيمون فيها عادة في مصر قبل سفرهم , أما المصريون الذين يعملون على السفن المصرية فيكون موطنهم الانتخابي في الميناء المقيدة به السفينة التي يعملون عليها .
مادة 13 : (ألغيت هذه المادة بالقانون رقم 76 لسنة 1976)
مادة 14: يجب عرض جداول الانتخاب .وتبين اللائحة التنفيذية طريقة هذا العرض وكيفيته .
مادة 15: لكل من أهمل قيد اسمه في جداول الانتخاب بغير حق أو حد خطأ في البيانات الخاصة بقيده أو توافرت فيه شروط الناخب و زالت عنه الموانع بعد تحرير الجداول أن يطلب قيد اسمه أو تصحيح البيانات الخاصة بالقيد .
ولكل ناخب مقيد اسمه في جداول الانتخاب أن يطلب قيد اسم من أهمل بغير حق و حذف اسم من قيد من غير حق , أو تصحيح البيانات الخاصة بالقيد .
ويجب تقديم هذه الطلبات لغاية اليوم الخامس عشر من شهر مارس من كل سنة وتقدم كتابة لمدير من المحافظة وتقيد بحسب تاريخ ورودها في سجل خاص وتعطي إيصالات لمقدميها.
مادة 16 : تفصل في الطلبات المشار إليها في المادة السابقة لجنة مؤلفة من رئيس المحكمة الابتدائية للمحافظة رئيسا وعضوية مدير الأمن بها ورئيس نيابة يختاره النائب العام وذلك خلال أسبوع من تاريخ تقديمها وتبلغ قراراتها إلى ذوي الشأن خلال ثلاثة أيام من تاريخ صدورها .
مادة 17 : لكل من رفض طلبه و تقرر حذف اسمه الطعن بغير رسوم في قرار اللجنة المشار إليها في المادة السابقة أمام محكمة القضاء الإداري المختصة وعلى قلم كتاب هذه المحكمة قيد تلك الطلبات بحسب ورودها في سجل خاص وإخطار مقدم الطلب ورئيس لجنة القيد ورئيس اللجنة المنصوص عليها في المادة السابقة وذوي الشأن بكتاب موصي عليه بعلم وصول بتاريخ الجلسة المحددة لنظر الطعن على أن يتم الإخطار قبل ذلك بخمسة أيام على الأقل .
مادة 18 : يجوز لكل ناخب مقيد اسمه في أحد جداول الانتخاب أن يدخل خصما أمام المحكمة في أى نزاع بشأن قيد أى اسم أو حذفه .
مادة 19 : تفصل محكمة القضاء الإداري في الطعون على وجه السرعة وتكون الأحكام الصادرة في هذه الشأن غير قابلة للطعن فيها بأي طريق من طرق الطعن.ويجوز للمحكمة أن تحكم على من يرفض طعنه بغرامة لا تجاوز مائة جنيه .
مادة 20: على قلم كتاب المحكمة إخطار مدير أمن المحافظة ولجان القيد بالأحكام الصادرة بتعديل الجداول وذلك الخمسة أيام التالية لصدورها .
مادة 21 : يسلم رئيس لجنة القيد لكل من قيد اسمه في جداول الانتخاب شهادة بذلك يعين شكلها ومحتوياتها وطريقة تسليمها لذوي الشأن في اللائحة التنفيذية .

الباب الثالث: في تنظيم عمليتي الاستفتاء والانتخاب .

مادة 22: يعين ميعاد الانتخابات العامة بقرار من رئيس الجمهورية والتكميلية بقرار من وزير الداخلية ويكون إصدار قبل الميعاد المحدد لإجراء الانتخابات بثلاثين يوم (استبدلت بالقانون 167/ 2000) على الأقل .
أما في أحوال الاستفتاء فيجب أن يتضمن القرار موضوع الاستفتاء والتاريخ المعين له وذلك بمراعاة المواعيد المنصوص عليه في حالات الاستفتاء المقررة في الدستور .
مادة 23: يعلن القرار الصادر بدعوة الناخبين إلى الانتخاب أو الاستفتاء بنشره في الجريدة الرسمية .
مادة 24 : يحدد وزير الداخلية عدد اللجان العامة والفرعية التي تجري فيها الاستفتاء والانتخاب ويعين مقارها وتشكل كل من هذه اللجان من رئيس وعدد من الأعضاء لا يقل عن اثنين ويعين أمين لكل لجنة .
مادة 24 (فقرة ثانية): ويعين رؤساء اللجان العامة واللجان الفرعية من أعضاء الهيئات القضائية ويختار أمناء اللجان من العاملين في الدولة و قطاع الأعمال العام أو القطاع العام حكم بعدم دستورية هذه الفقرة ثم عدلت بالقانون 13 / 2000 ثم استبدلت بالقانون 167 / 2000
مادة 24 (فقرة ثالثة): وتتولي كل هيئة قضائية تحديد أعضائها الذين توافق على اختيارهم للإشراف على عملية الاقتراع وترسل بيانا بأسمائهم إلى وزير العدل لينسق بينهم في رئاسة اللجان أما من عداهم فيكون اختيارهم بعد موافقة الجهات التي يتبعونها.
ويصدر بتشكيل اللجان العامة والفرعية وأمنائها قرار من وزير الداخلية وفي جميع الأحوال يحدد القرار الصادر بتشكيل هذه اللجان من يحل محل الرئيس عند غيابه أو وجود عذر يمنعه من العمل وفي حالة الاستفتاء يختا رئيس اللجنة أعضاء اللجان من بين الناخبين الذين يعرفون القراءة والكتابة والمقيدة أسماؤهم في جدول الانتخاب الخاص بالجهة التي يوجد بها مقر اللجنة.
وفي حالة الانتخاب لعضوية مجلسي الشعب والشورى يكون لكل مرشح أن يندب عضوا من بين الناخبين في نطاق اللجنة العامة لتمثيله في ذات اللجنة العامة وعضوا من الناخبين المقيدة أسماؤهم في جداول انتخاب اللجنة الفرعية لتمثيله في ذات اللجنة الفرعية وأن يبلغ رئيس اللجنة بذلك كتابة في اليوم السبق على يوم الانتخاب فإذا مضت نصف ساعة على الميعاد المحدد للبدء في عملية الناخبين الحاضرين الذين يعرفون القراءة والكتابة المقيدة أسماؤهم في نطاق اللجنة على الوجه السابق فإذا ذاد عدد على المندوبين على ستة وتعذر اتفاق المرشحين عليهم عينهم رئيس اللجنة بالقرعة من بين المندوبين.
وكذلك يكون لكل مرشح أن يوكل عنه أحد الناخبين من المقيد من في ذات الدائرة الانتخابية ليمثله أمام كل لجنة انتخابية عامة أو فرعية ويكون لهذا الوكيل حق الدخول في جمعية الانتخابات أثناء مباشرة عملية الانتخابات وأن يطلب إلى رئيس اللجنة إثبات ما يعن له من ملاحظات لمحضر الجلسة ولا يجوز له دخول قاعة الانتخابات في غير هذه الحالة ويكفي ن يصدق على هذا التوكيل من احدي جهات الإدارة ويكون التصديق بغير رسم ولو كان أمام احدي الجهات المختصة بالتصديق على التوقيعات ولا يجوز أن يكون المندوب و الوكيل عمدة و شيخا ولو كان موقوفا .
مادة 24 مكرر : أضيفت بالقانون 13 / 2000 ثم ألغيت بالقانون 168/2000
مادة 25 : إذا غاب مؤقتا أحد أعضاء اللجنة أو سكرتيرها عين الرئيس من يحل محله من بين الناخبين الذين يعرفون القراءة والكتابة .
مادة 26 : حفظ النظام في جمعية الانتخاب منوط برئيس اللجنة وله في ذلك طلب رجال البوليس أو القوة العسكرية عند الضرورة على أنه لا يجوز ن يدخل البوليس أو القوة العسكرية قاعة الانتخابات إلا بناء على طلب رئيس اللجنة .
وجمعية الانتخاب هو المبني الذي توجد به قاعات الانتخابات والفضاء الذي حوله ويتولي رئيس اللجنة تحديد هذا الفضاء قبل بدء العملية .
مادة 27 : لا يحضر جمعية الانتخاب غير الناخبين ويحظر حضورهم حاملين سلاحا ويجوز للمرشحين دائما الدخول في قاعة الانتخاب .
مادة 28 : تستمر عملية الانتخاب أو الاستفتاء من الساعة الثامنة صباحا إلى الساعة الخامسة مساء ومع ذلك إذا وجد في جمعية الانتخاب إلى الساعة السابعة مساء (مستبدلة بالقانون 167 / 2000) ناخبون ولم يبدوا آراءهم تحرر اللجنة كشفا بأسمائهم وتستمر عملية الانتخاب أو الاستفتاء إلى ما بعد إبداء آرائهم .
مادة 29 : يكون الإدلاء بالصوت في الانتخاب وإبداء الرأي في الاستفتاء بالتأشير على البطاقة المعدة لذلك.
وعلى رئيس اللجنة أن يسلم لكل ناخب بطاقة مفتوحة وضع في ظهرها ختم اللجنة وتاريخ الانتخاب أو الاستفتاء وينتحي الناخب جانبا من النواحي المخصصة لإبداء الرأي في قاعة الانتخاب نفسها وبعد أن يثبت رأيه على البطاقة يعيدها مطوية إلى الرئيس الذي يضعها في الصندوق الخاص ببطاقات الانتخاب وفي الوقت عينه يضع أمين اللجنة في كشف الناخبين إشارة أمام اسم الناخب الذي أبدي رأيه .
وضمانا لسرية الانتخاب أو الاستيفاء تعد البطاقات بحيث يقترن اسم كل مرشح للانتخاب أو كل موضوع مطروح للاستفتاء بلون أو رمز على وجه الذي يحدد بقرار من وزير الداخلية .
كما تبين اللائحة التنفيذية شكل البطاقة ومحتوياتها وطريق التأشير عليها ولا يجوز استعمال القلم الرصاص .
ومع ذلك فإنه يجوز للمكفوفين وغيرهم من ذوي العاهات الذين لا يستطيعون بأنفسهم ن يثبتوا أرائهم على بطاقات الانتخاب أو الاستفتاء أن يبدوها شفاهة بحيث يسمعهم أعضاء الجنة وحدهم ويثبت أمين اللجنة أي الناخب في كشف الناخبين بما يفيد أنه أبدي رأيه على ذلك الوجه .
ويجوز أيضا لهؤلاء الناخبين أن يعهدوا إلى من يحضر أمام اللجنة تدوين الرأي الذي يبدونه على بطاقة انتخاب أو استفتاء يتناولها من الرئيس وتثبت هذه الإنابة في المحضر .
مادة 30 : لا يجوز للناخب أن يدلي برأيه أكثر من مرة في الانتخاب أو الاستفتاء الواحد.
مادة 31 : على كل ناخب أن يقدم للجنة عند إبداء رأيه شهادة قيد اسمه بجدول الانتخاب وأن يثبت شخصيته بأية وسيلة بما في ذلك تعرف مندوبي المرشحين باللجنة على شخصيته ويقبل رأي من فقدت شهادة قيد اسمه بجدول الانتخاب , متى كان مقيدا بجدول الناخبين بها باللجنة مستبدلة بالقانون 167 / 2000
مادة 32: على رئيس لجنة الانتخاب أو الاستفتاء أن يوقع على الشهادة الانتخابية بما يفيد أن الناخب قد أعطي صوته وعلى أمين اللجنة أن يوقع في كشف الناخبين أمام اسم الناخب الذي أبدي رأيه بما يفيد ذلك.
على أنه في حالات الاستفتاء يجوز للناخب الذي يوجد في مدينة أو قرية غير المدينة أو القرية المقيد فيها اسمه فيها أن يبدي رأيه أمام لجنة الاستفتاء المختصة بالجهة التي يوجد فيها بشرط أن يقدم لهذه الجهة شهادته الانتخابية .
وفي هذه الحالة يثبت السكرتير من واقع البيانات الواردة بالشهادة اسم الناخب ولقبه وموطنه الانتخابي والمركز أو القسم أو البندر ورقم القيد في جدول الانتخاب وذلك في كشف مستقل يحر من نسختين يوقع عليه رئيس اللجنة أو أعضاؤها وسكرتيرها .
وعلى الرئيس تسليم نسخة من هذا الكشف إلى مأمور المركز أو القسم أو النبدر الذي يقع في دائرته مقر اللجنة .
مادة 33 : تعتبر باطلة جميع الآراء المعلقة على شروط أو التي تعطي لأكثر أو أقل من العدد المطلوب انتخابه أو إذا أثبت الناخب رأيه على بطاقة غير التي سلمها إليه رئيس اللجنة أو على ورقة عليها توقيع الناخب أو أى إشارة أو علامة أخي تدل عليه .
مادة 34: يعلن رئيس اللجنة الفرعية ختام عملية الاقتراع متى حان الوقت المعين لذلك وتختم صناديق أوراق الانتخاب أو الاستفتاء ويقوم رئيس اللجنة بتسليمها إلى رئيس لجنة الفرز.
مادة 34 (فقرة ثانية): وتتكون لجنة الفرز برئاسة رئيس اللجنة العامة وعضوية اثنين من رؤساء اللجان يختارهما رئيس اللجنة العامة ويتولي أمانة لجنة الفرز أمين اللجنة العامة وذلك بحضور رئيس لكل لجنة فرعية أثناء أوراق الانتخاب أو الاستفتاء الخاصة بلجنته وللجنة الفرز أن تعهد إليه بإجراء هذا الفرز تحت إشرافها .
ولكل مرشح أن يوكل عنه من يحضر لجنة الفرز وذلك في الدائرة التي رشح فيها ويجب على لجنة الفرز أن تتم عملها في اليوم التالي على الأكثر .
وتحرر لجنة الفرز محضرا بإجراءات فرز صندوق كل لجنة فرعية يوقع عليه من رئيس لجنة الفرز وأمينها ورئيس اللجنة الفرعية ( مستبدلة بالقانون 13/2000 ثم استبدلت بالقانون 167 / 2000).
مادة 35: تفصل لجنة الفرز في جميع المسائل المتعلقة بعملية الانتخاب أو الاستفتاء وفي صحة أو بطلان إبداء كل ناخب لرأيه .
وتكون المداولات سرية ولا يحضرها سوي رئيس اللجنة وأعضاؤها وتصدر القرارات بالأغلبية المطلقة وفي حالة تساوي الأصوات يرجح رأي الجانب الذي منه الرئيس .
وتدون القرارات في محضر اللجنة وتكون مسببة ويوقع عليها من رئيس اللجنة وأعضائها ويتلوها الرئيس علنا .
مادة 36: يعلن رئيس اللجنة العامة نتيجة الانتخاب أو الاستفتاء وعدد ما حصل عليه كل مرشح من أصوات في دائرته ويوقع هو وأمين اللجنة العامة في الجلسة علي نسختين من محضرها وترسل إحداهم مع أوراق الانتخاب أو الاستفتاء كلها إلى وزير الداخلية مباشرة وتحفظ النسخة الثانية بمقر مديرية الأمن ( مستبدلة القانون 13/ لسنة 2000) ثم استبدلت بالقانون 167/2000.
مادة 37: تعلن النتيجة العامة للانتخاب أو الاستفتاء بقرار من وزير الداخلية خلال الثلاثة الأيام التالية لوصول محاضر لجن الانتخاب أو الاستفتاء إليه.
مادة 38 : يرسل وزير الداخلية عقب إعلان نتيجة الانتخاب إلى كل من المرشحين المنتخبين شهادة بانتخابه .

الباب الرابع: في جرائم الانتخاب

مادة 39: يعاقب بغرامة لا تجاوز عشرين جنيها من كان اسمه مقيدا بجداول الانتخاب وتخلف لغير عذر عن الإدلاء بصوته في الانتخاب أو الاستفتاء .
مادة 40 : يعاقب بالحبس وبغرامة لا تجاوز خمسمائة جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين .
أولا : كل من تعمد قيد أو عدم قيد اسمه أو اسم غيره في جداول الانتخاب أو حذفه منها على خلافه حكام هذا القانون .
ثانيا : كل من توصل إلى قيد اسمه أو اسم غيره دون ن تتوافر فيه أو في ذلك الغير شروط الناخب وهو يعلم ذلك وكذلك من توصل على الوجه المتقدم إلى حذف اسم آخر .
مادة 41 : يعاقب بالعقوبات المنصوص عليها بالمادة السابقة .
أولا : كل من استعمل القوة أو التهديد لمنع شخص من إبداء الرأي في الانتخاب أو الاستفتاء أو لإكراهه على إبداء الرأي على وجه خاص .
ثانيا: كل من أعطي أخر أو عرض أو التزم بأن يعطيه فائدة لنفسه أو لغيره كي يحمله على إبداء الرأي على وجه خاص أو الامتناع عنه .
ثالثا : كل من قبل أو طلب فائدة من هذا القبيل لنفسه أو لغيره .
مادة 42 : مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بغرامة لا تقل مائتي جنيه ولا تجاوز خمسمائة جنيه كل من نشر أذاع أقوالا كاذبة عن موضوع الاستفتاء و الانتخاب وكل من أذاع بذلك القصد أخبارا كاذبة .
فإذا أذيعت تلك الأقوال أو الأخبار في وقت لا يستطيع فيه الناخبون أو يتبينوا الحقيقة ضوعفت العقوبة .
مادة43 : يعاقب بغرامة لا تجاوز مائتي جنيه .
أولا: من دخل قاعة الانتخاب وقت الانتخاب أو الاستفتاء حاملا سلاحا من أى نوع .
ثانيا : من دخل قاعة الانتخاب وقت الانتخاب أو الاستفتاء بلا حق ولم يخرج عند أمر الرئيس له بذلك.
مادة 44: يعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن مائتي جنيه ولا تجاوز خمسمائة جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين.
أولا: كل من أبدي رأيه في انتخاب أو استفتاء وهو يعلم أن اسمه قيد في الجدول بغي حق .
ثانيا: كل من أبدي رأيه منتحلا أسم غيره.
ثالثا: كل من اشترك في الانتخاب أو الاستفتاء الواحد أكثر من مرة .
مادة 45 : يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر كل من اختلس أو أخفي أو أعدم أو أفسد أحد جداول الانتخاب أو بطاقة الانتخاب أو الاستفتاء أو أية ورقة أخري تتعلق بعملية الانتخاب أو الاستفتاء و غير نتيجة العملية بأية وسيلة أخري وذلك بقصد تغيير الحقيقة في نتيجة الانتخاب أو الاستفتاء أو بقصد ما يستوجب إعادة الانتخاب أو الاستفتاء .
مادة 46 : يعاقب بالعقوبات المبينة في المادة السابقة كل من أخل بحرية الانتخاب أو الاستفتاء أو بنظام إجراءاته باستعمال القوة أو التهديد .
مادة 47 : يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة كل موظف له اتصال بعملية الانتخاب أو الاستفتاء ارتكب جريمة من الجرائم المنصوص عليها في المادتين (45) و(46) .
مادة 48 : يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر كل من خطف الصندوق المحتوي على بطاقات الانتخاب أو الاستفتاء أو أتلفه أو غيره أو عبث بأوراقه .
مادة 49 : يعاقب على الشروع في الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون بالعقوبات المنصوص عليها للجريمة التامة.
مادة 50: تسقط الدعوي العمومية والمدنية في الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون بمضي ستة أشهر من يوم إعلان نتيجة الانتخاب أو الاستفتاء أو من تاريخ أخر عمل متعلق بالتحقيق .
مادة 51 : يكون لرئيس لجنة الانتخاب أو الاستفتاء السلطة المخولة لمأموري الضبط القضائي فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب في قاعة اللجنة أو يشرع في ارتكابها في هذا المكان .

الباب الخامس: أحكام عامة وأخري وقتية

مادة 53 : تكون الدعوي لإجراء الاستفتاء بقرار من رئيس الجمهورية.
مادة 53 : يجوز بقرار من وزير الداخلية تعديل المواعيد المنصوص عليها في هذا القانون أو تقسميها إلى فترات وذلك عند إعداد جداول الانتخاب لأول مرة .
مادة 54 : إذ كان انتقال الناخب من محل إقامته إلى مكان الانتخاب بطريق السكك الحديدية الحكومية فيعطي عند تقديم شهادة قيد اسمه بجدول الانتخاب تذكرتين بلا مقابل للسفر ذهابا وإيابا على النحو الموضح في اللائحة التنفيذية .
مادة 55 : يلغي المرسوم بالقانون رقم 148 لسنة 1935 وكل نص يخالف أحكام هذا القانون .
مادة 56 : على الوزراء كل فيما يخصه تنفيذ هذا القانون ولوزير الداخلية إصدار اللائحة التنفيذية له ويعمل به من تاريخ نشره في الجيدة الرسمية صدر بديوان الرياسة في 20 رجب 1375 (3 مارس 1956) .

(2) القانون رقم 38 لسنة 1972 في شأن مجلس الشعب

باسم الشعب – رئيس الجمهورية .

قرر مجلس الشعب القانون الآتي نصه وقد أصدرناه:

الباب الأول: في تكوين مجلس الشعب

المادة الأولي : يتألف مجلس الشعب من أربعمائة وأربعة وأربعين عضوا يختارون بطريق الانتخاب المباشر السري العام على أن يكون نصفهم على الأقل من العمال والفلاحين ,.ويجوز لرئيس الجمهورية أن يعين عشرة أعضاء على الأكثر في مجلس الشعب .
المادة الثانية : في تطبيق أحكام هذا القانون يقصد بالفلاح من تكون الزراعة عمله الوحيد ومصدر رزقه الرئيسي ويكون مقيما في الريف وبشرط ألا يحوز هو وزوجته وأولاه القصر ملكا أو إيجارا أكثر من عشر أفدنة.
ويعتبر عاملا من يعمل عملا يدويا أو ذهنيا في الزراعة أو الصناعة أو الخدمات ويعتمد بصفة رئيسية على دخله الناتج من هذا العمل ولا يكون منضما لنقابة مهنية أو مقيد في السجل التجاري أو من حملة المؤهلات العليا وكذلك من بدأ حياته عاملا وحصل على مؤهل عال وفي الحالتين يجب لاعتبار الشخص عاملا أن يبقي مقيدا في نقابته العمالية 13 /