إخوان ويكي
بحث
 
 
صفحة  نقاش  اعرض المصدر  تاريخ 
           
مرحبا بكم في الموسوعة  ادخل / أنشئ حسابا 

التيار الإسلامي في الخليج العربي

من Ikhwan Wiki

اذهب إلى: تصفح, البحث
التيار الإسلامي في الخليج العربي
التيار الاسلامي في الخليج.jpg


بقلم / هاشم عبد الرازق صالح الطائي

محتويات

المقدمة: أقف عندهم.. وأشكرهم

أرى من الواجب والوفاء أن أقدم شكري وثنائي وامتناني إلى كل من أسهم وساعد على إنجاز هذا الجهد المتواضع. وفي مقدمتهم أستاذي المشرف الدكتور غانم محمد الحفو. لما بذله من جهود مخلصة وإرشادات سديدة في تفحص محتويات الأطروحة ، وتصويباته العلمية الدقيقة. كما أشكر أساتذتي في السنة التحضيرية الذين تعلمت منهم الشيء الكثير. وهم كل من الدكتور إبراهيم خليل أحمد والدكتور خليل علي مراد والدكتور محمد علي داهش والدكتور عصمت برهان الدين والدكتور عدنان سامي نذير ، والدكتور زهير علي النحاس. فلهم مني جميعاً عرفاني الي بدأ ولن ينتهي.

كما أتقدم بخالص الشكر وجميل الثناء إلى الدكتور مفيد الزيدي الذي لم يبخل علي بملاحظاته والحوارات العلمية التي أجريتها معه عبر الانترنيت. فضلاً عن تزويدي بالمصادر المتنوعة التي أغنت الدراسة بالكثير من المعلومات.

كما أشيد بالجهود الطيبة والمساعدة الصادقة التي قدمها السادة الأفاضل سواء بالمشورة العلمية والحوار ، أو من خلال مد يد العون لتسهيل انجاز الدراسة. وأخص منهم الدكتور إبراهيم خليل أحمد والدكتور عصمت برهان الدين والدكتور موفق نوري سالم والدكتور ناصر الملا جاسم والدكتور فوزي يونان والست نسيبة عبد العزيز ، في جامعة الموصل. والدكتور إبراهيم خلف العبيدي في جامعة بغداد ، والباحث على المؤمن ، والأستاذ حسن أبو هنية في عمان. والأستاذ حسن آل حمادة ، رئيس تحرير (مجلة القرآن نور) في البحرين. والأستاذ ميسر عبد الله الدليمي ، والشيخ شفاء النعمة. فلهم مني فائق التقدير والاحترام.

كما لا يفوتني أن أتوجه بالشكر والتقدير إلى الذين كانوا سندا لي طوال فترة الدراسة. إخوتي وأخواتي ، وعائلة الدكتور خزعل علي أمين ، وزوجتي العزيزة التي كانت خير سند لي في تحمل مشاق هذه الدراسة.

وأود أن أقدم بالغ امتناني وتقديري للمؤسسات والمراكز العلمية والعاملين فيها التي زودتنا بالمصادر والخدمات المكتبية. وهي : المكتبة المركزية في جامعة الموصل ، ومكتبة كلية الآداب ، والمكتبة العامة في الموصل ومكتبة جامعة بغداد ، ومكتبة الأسد في القطر السوري الشقيق ، ومكتبة الجامعة الأردنية ، ومؤسسة عبد الحميد شومان في المملكة الأردنية الهاشمية.

وختاما ألتمس العذر من جميع الذين قدموا لي بعض المساعدات ولم يرد ذكرهم هنا.

ومن الله التوفيق...

الباحث


إطار البحث ونظرة في المصادر

امتازت الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى ، وحتى ما بعد الحرب العالمية الثانية ، بحدوث تطورات سياسية وفكرية كان لها انعكاساتها الواضحة على مجمل الحياة السياسية والفكرية والاجتماعية لأقطار الوطن العربي. فبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى (1914- 1918) ، أقدمت الدولة التركية ، التي تشكلت على أنقاض الدولة العثمانية ، على إلغاء الخلافة الإسلامية. واتخذت إجراءات بالغة الحدة لتصفية كل أثر للإسلام كنظام للحياة. رافق ذلك تصاعد الهجمة الاستعمارية على العالم الإسلامي لتجزئته والسيطرة عليه. في الوقت نفسه شجع الاستعمار الغربي على تكوين الدولة القطرية الحديثة ودعمها ، وتشجيع التيارات القومية والعلمانية المتأثرة بالأنموذج الأوروبي ، والتي تسعى إلى فصل الدين عن شئون المجتمع وتغيير هويته الإسلامية.

وردا على هذه التحديات ، أخذ المفكرون الإسلاميون ينادون بالعودة إلى التمسك بالإسلام ومبادئه الأصلية ، ومواجهة تطورات العصر بروح إسلامية جديدة. فنشأت تنظيمات وأحزاب إسلامية ، شكلت بمجملها تيارا إسلاميا جاء ليؤكد على شمولية الإسلام وتفاعله مع احتياجات الفرد والمجتمع وفي شئون الحياة كافة. فالتيار الإسلامي بهذا المعنى هو تيار تجديدي ، يضم أولئك الذين ينطلقون من مبادئ الإسلام وتعاليمه في أفكارهم وسلوكهم ومنهجهم في الحياة. سواء أكانوا أفراداً أم جماعات ، مستهدفين إقامة المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية ، وعودة الإسلام إلى قلب الصراع السياسي والاجتماعي. وكان هذا جوهر نشاط التيار الإسلامي في العالم الإسلامي عموماً ، وبضمنها منطقة الخليج العربي.

لذلك أصبحت التيارات الإسلامية الحديثة ، من المواضيع المهمة والمثيرة ، على امتداد الساحة العربية والعالمية. ومحط اهتمام ودراسة وتحليل وجدل الكثير من المؤسسات والمراكز البحثية ، نظراً لما تشكله هذه القوى من تهديد للأنظمة السياسية القائمة ، وتأثير واسع في المجتمع ، ولا سيما أن القوى الإسلامية قد تبدو -في فترات كثيرة- هي القوة الفاعلة والمؤثرة على أرض الواقع.

وتأسيسا على ذلك ، تأتي هذه الدراسة (التيار الإسلامي في الخليج العربي 1945- 1991) ، جهدا أكاديميا متواضعاً ، لتعالج نشأة التيار الإسلامية وتطوره في منطقة عربية لها مكانة وأهمية متميزة إقليميا ودوليا ، هي منطقة الخليج العربي ، من خلال التنظيمات والأحزاب الإسلامية التي ظهرت وأثرت في ساحة الخليج العربي السياسية ، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية 1945 ، إلى حرب الخليج الثانية 1991 ، وموقفها من تطورات الأحداث السياسية والاجتماعية على الساحة الخليجية ، الداخلية والخارجية.

إن دراسة من هذا النوع تعد ذات قيمة كبيرة بالنسبة إلى دارسي الفكر الإسلامي الحديث. فضلاً عن أهميتها إلى دارسي تاريخ الوطن العربي الحديث والمعاصر بوجه عام ، والتاريخ الفكري الاجتماعي للخليج العربي بوجه خاص ، وتأتي أهمية هذا الموضوع من ندرة الدراسات الأكاديمية ، ولا سيما التاريخية منها التي تتناول دراستنا هذه. ثم اقتصار أغلب هذه الدراسات على حقل العلوم السياسية والاقتصادية على نحو خاص. وتناولها جوانب محددة من الموضوع. لذلك جاءت هذه الدراسة لتعالج الموضوع من وجهة نظر تاريخية قدر الإمكان.

تركز هذه الدراسة على مدة زمنية محددة ، امتدت بين عامي 1945 و1991 ، بوصف العالم 1945 يمثل انتهاء الحرب العالمية الثانية ودخول منطقة الخليج العربي مرحلة تاريخية جديدة ، تميزت بحدوث تحولات وتغيرات في مختلف نواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، وتأثير ذلك في الواقع الفكري للمنطقة ، مما ساعد على ظهور حركات وتنظيمات إسلامية على مستوى المنطقة. في حين يمثل عام 1991 ، اندلاع حرب الخليج الثانية ، على أثر الاجتياح العراقي للكويت في 2 آب 1990 ، حيث شكلت هذه الحرب وتداعياتها منعطفا هاما في تاريخ التيار الإسلامي الخليجي ، وأعادت تشكيل مواقف ذلك التيار من مختلف القضايا. وقد تفاوتت مواقف التنظيمات والأحزاب الإسلامية ، التي تمثل التيار الإسلامي الخليجي ، من هذه الحرب ، سواء في مواقفها من الاحتلال العراقي للكويت ، أو من استقدام القوات الأجنبية تحت غطاء تحرير الكويت ، بين مؤيد ورافض لها.

وتجدر الإشارة هنا ، أن الأقطار الخليجية التي تهتم بها هذه الدراسة بالدرجة الأولى هي : المملكة العربية السعودية والكويت والبحرين وذلك لاعتبارات عديدة تتعلق بمقدار التطور الفكري والثقافي الذي حصل في هذه الأقطار قبل غيرها من الأقطار الخليجية الأخرى ، مما ساعد على نشوء حركات وتنظيمات إسلامية متعددة فيها لذلك لم نتطرق إلى بقية الأقطار الخليجية ، مثل الإمارات العربية المتحدة ، وقطر وعمان ، لعدم وجود حركات وتنظيمات إسلامية بارزة فيها. أما العراق ، وهو أيضاً من أقطار الخليج العربي ، فهناك عدة دراسات أكاديمية تناولت جوانب من الحركات الإسلامية فيه. فلم نتطرق كثيرًا إلى هذه الأقطار إلا بما يخدم هذه الدراسة في تتبع نشوء التيار الإسلامي وانتشاره... وكذلك لم تركز هذه الدراسة كثيرًا على المؤسسات والمراكز الإسلامية ، الرسمية والمدنية (الخيرية) ، في أقطار الخليج العربي... وأيضاً لم تتناول الدراسة الحركة الصوفية في منطقة الخليج العربي ، لضعف تأثيرها في المجتمع ، والتزام أغلبها خط الأنظمة السياسية الحاكمة ، وعدم الاعتراض على سياساتها أو انتقادها.

تضمنت الدراسة مقدمة وأربعة فصول وخاتمة فضلاً عن ملاحق عديدة. حاول الباحث في الفصل الأول أن يستعرض نشأة التيار الإسلامي الحديث من خلال ثلاثة محاور رئيسية. تتبع المحور الأول تطور حركة الإصلاح والتجديد في الفكر الإسلامي الحديث ، التي استهدفت إخراج العالم الإسلامي من واقع الضعف والانحطاط الذي أصابه ، منذ سقوط الخلافة العباسية على أيدي المغول. وذلك من خلال التمسك بأصول الإسلام الرئيسة. أما المحور الثاني فقد ركز على دور رواد الإصلاح الإسلامي الحديث في إصلاح وترميم وتجديد الفكر الإسلامي ، لمواجهة واقع التخلف والانحطاط الذي لحق بالمسلمين في فترات تاريخية مختلفة.

فيما استعرض المحور الثالث نشأة الحركات الإسلامية الحديثة التي كان لها وجود فعلي على الساحة الإسلامية عموماً وامتداداتها وتأثيرها في الساحة الخليجية بشكل خاص. وتأتي أهمية هذا الفصل بوصفه الأساس والقاعدة الفكرية والعقدية التي انطلق منها التيار الإسلامي لممارسة نشاطه في منطقة الخليج العربي.

ولكون الحياة الفكرية تمثل نتاج التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يمر بها المجتمع ، بشكل مباشر أو غير مباشر ، ولأنه لا يمكن دراسة فكر ما ، وفي أي مجتمع ، إلا من خلال التعرف على طبيعة الأنظمة السياسية والأنظمة الاقتصادية ، والقوى الاجتماعية لذلك المجتمع ، فقد جاء الفصل الثاني ليسلط الضوء على تلك المتغيرات التي كان لها تأثير واضح في بروز التيارات الفكرية في الخليج العربي ، ومنها التيار الإسلامي. وليبرهن على أن للتيار الإسلامي جذورا عميقة تمتد داخل مكونات المجتمع الخليجي. تكونت عبر تطورات الحياة الفكرية والاجتماعية التي شهدتها منطقة الخليج العربي منذ مطلع القرن العشرين.

أما الفصل الثالث فقد اختص بتوثيق نشأة الأحزاب والتنظيمات الإسلامية (السنية والشيعية) ، المعاصرة في الخليج العربي. وأبرز أنشطتها الدعوية والاجتماعية والسياسية على الساحة الخليجية. ومتابعة أهم المحطات التاريخية التي شكلت مراحل فاصلة في تاريخ التيار الإسلامي الخليجي ، ابتداء من مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ، مرورا بهزيمة الأنظمة العربية في حرب حزيران 1967 مع الكيان الصهيوني. ثم قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 ، وانتهاء بحرب الخليج الثانية عام 1991.

وأخيراً ، كشف الفصل الرابع عن المواقف التي اتخذها التيار الإسلامي في الخليج العربي ، ضمن نشاطات تنظيماته ورموزه ، من أبرز القضايا التي واجهت المجتمع الخليجي والعالم الإسلامي ، والتي عكست اهتمام التيار الإسلامي بتطورات الأحداث الداخلية والخارجية ، وسعيه للمشاركة المباشرة وغير المباشرة ، في صياغة تلك المواقف بما يتلاءم مع الثوابت العقدية والشرعية للإسلام.

ولابد من الإشارة هنا إلى أن الصعوبات التي تواجه الباحث الآن لا تتمثل بندرة المصادر أو قلتها ، وبشكل خاص الوثائق ، فحسب. ولكنها تتمثل أيضاً بصعوبة الحصول عليها. وذلك لاعتبارات سياسية وأسباب أخرى تتعلق بسرية عمل التنظيمات الإسلامية في بعض أقطار الخليج العربي. وكذلك وجود شح في المعلومات حول نشأة التنظيمات والأحزاب الإسلامية وتطورها ، لعدم وجود برنامج ملموس ، وتاريخ قابل للتوثيق عن العديد من تلك التنظيمات.

وقد تسنى للباحث السفر إلى أقطار عربية مجاورة (سوريا والأردن) للإطلاع على المصادر التي تعاني المكتبات العراقية من عدم توافرها. وعلى الرغم من وجود تحفظات على بعض المصادر ، إلا أن الباحث تمكن من الإطلاع على غالبية المصادر التي أفادت الدراسة في جوانبها المختلفة.

لقد كان من الممكن أن نشكل فكرة أكثر وضوحا عن الموضوع فيما لو استطعنا قراءة الوثائق المتعلقة بالتنظيمات الإسلامية في الخليج العربي. وعلى الرغم من المراسلات والاتصالات الشخصية ببعض رموز وتنظيمات التيار الإسلامي في الخليج ، وعلى مدى عامين ، للحصول على معلومات عن بعض القضايا ، فقد أخفق الباحث في مسعاه هذا بسبب تحفظ تلك الجهات ، وعدم إجابتها عن الاستفسارات الموجهة إليها.

اعتمدنا في إعداد هذه الدراسة على مصادر ومراجع عديدة ومتنوعة ، تمثل الكتب العربية والمعربة ، والبحوث الوثائقية ، مكانة متميزة بين مصادر الدراسة. فقد اعتمد الباحث على معلوماتها المتوافرة في جميع فصول الدراسة ، على الرغم من وجود مصادر لم تتناول صلب الموضوع ودواخله. مما جعل المهمة أكثر صعوبة ، ومع ذلك فقد كان هناك مصادر استعان بها الباحث في إنجاز هذه الدراسة. فبخصوص نشأة التيار الإسلامي الحديث ، جاء كتاب (علماء نجد في ستة قرون) للشيخ عبد الله البسام ، وهو يمثل وجهة نظر مؤيدة تماماً للحركة السلفية (الوهابية). ويصف الشيخ محمد بن عبد الوهاب بأنه « شيخ الإسلام ». هناك أيضاً مصادر مناوئة للحركة (الوهابية). وقد استطعنا الحصول على دراسة بعنوان (كشف الارتياب في أتباع محمد بن عبد الوهاب) لمؤلفه محسن الأمين. وهو يمثل وجهة نظر معارضة للوهابيين. فضلاً عن أن هناك مجموعة من الدراسات التاريخية والأكاديمية العربية وهي متنوعة. هناك مثلاً ترجمة الشيخ أمين عبد الوهاب ، وعدد من رواد الإصلاح الإسلامي ، التي أوردها أحمد أمين في كتابه (زعماء الإصلاح). ولكنه لم يشر إلى المصادر التي أستقى منها معلوماته. وأود هنا أن أبين أهمية الدراسة التي حررها وقدمها عبد الله فهد النفيسي ، بمشاركة باحثين متخصصين في الحركات الإسلامية بعنوان (الحركة الإسلامية رؤية مستقبلية) فهي تقدم نقداً ذاتيا للحركة الإسلامية وتسلط الضوء على مكامن الخلل في مسيرة الحركة سواء على صعيد القيادة أو المناهج أو الفكر. فضلاً عن ذلك هناك العرض الموسع والمفيد للحركة الإسلامية في العراق وامتداداتها الذي قدمه لنا على المؤمن في كتابه (سنوات الجمر. مسيرة الحركة الإسلامية في العراق). وهو يستعرض التنظيمات الإسلامية التي ظهرت في مرحلة حرجة من تاريخ العراق المعاصر (1957- 1986) وأثرها في التنظيمات الإسلامية خارج العراق.

أما بصدد المعلومات عن الأوضاع الاجتماعية والفكرية والاقتصادية في الخليج العربي ، فتشكل كتابات المؤرخ البحريني مبارك الخاطر مادة أصلية عن الحركة الفكرية في الخليج عموماً ، وفي البحرين بشكل خاص. وهي تتميز بطابعها الإخباري الوثائقي الرصين منها (الكتابات الأولى لمثقفي البحرين) ، وكتاب (المنتدى الإسلامي : حياته وآثاره). وهناك أيضاً الباحث الكويتي محمد غانم الرميحي الذي تناول في عدة مؤلفات قضايا تخص الجانب الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لمنطقة الخليج العربي ، وانعاكسات ذلك على الواقع الفكري للمنطقة. ومن هذه المؤلفات (الخليج ليس نفطا) و(الجزء الاجتماعي للديمقراطية في مجتمعات الخليج العربي) ، وغيرهما. ولا بد من الإشارة إلى أهمية الدراسات التي قدمها الباحث الكويتي عبد المالك خلف التميمي ، مثل (الاستيطان الأجنبي في الوطن العربي) و(التبشير في منطقة الخليج العربي) وغيرها.

إن أهمية هذه الدراسات لا تكمن فقط في المعلومات الموسعة التي قدمها لنا الباحث عن الإرساليات التبشيرية في منطقة لاخليج العربي ، وأثرها في تطورات الأوضاع الاقتصادية والفكرية للمنطقة فحسب. بل فيما قدمه أيضاً من ثبت مطول بمصادر عربية وأجنبية.. كما لا يمكن أن نتجاهل ما كتبه من المؤرخ الكويتي عبد العزيز الرشيد (تاريخ الكويت) ، والشيخ يوسف بن عيسى القناعي (صفحات من ماضي الكويت) ، اللذين تناولا بالتفصيل تطور الحركة الفكرية في منطقة الخليج العربي في النصف الأول من القرن العشرين.

كما أفادت الدراسة كذلك ، فيما يتعلق بالتنظيمات والأحزاب الإسلامية في الخليج العربي ، من مجموعة متنوعة من الدراسات ، تأتي في مقدمتها كتابات الباحث الكويتي الدكتور فلاح عبد الله المديرس. منها بحثه المرسوم (جماعة الإخوان المسلمين في الكويت) ، و(الجماعة السلفية في الكويت) و(الشيعة في المجتمع البحريني) ، وغيرها. فقد اعتمدت الدراسة عليها في الحصول على معلومات غزيرة تتعلق بالأحزاب والتنظيمات الإسلامية التي نشأت في الخليج العربي ، أو خارجه وكان لها امتداد تنظيمي وتأثير داخل المجتمع الخليجي. وبذلك تمثل تلك الدراسات مادة أصلية لدراسة التيار الإسلامي في الخليج العربي ، لاعتمادها على مصادر ومراجع متنوعة. فضلاً عن المقابلات الشخصية التي أجراها الباحث المذكور مع رموز التيار الإسلامي في الخليج. كما أود أن أشير هنا إلى الدراسة الأكاديمية القيمة التي أنجزها الباحث العراقي الدكتور مفيد الزيدي ، والتي نال فيها شهادة الدكتوراه ، ثم تولى مركز دراسات الوحدة العربية نشرها تحت عنوان (التيارات الفكرية في الخليج العربي) ، حيث خصص فصلا مستقلاً عن التيار الإسلامي الخليجي ، تناول فيه بتركيز نشأة الحركات والجمعيات الإسلامية التي ظهرت في منطقة الخليج العربي حتى عام 1971. وهناك أيضاً دراسة متميزة وضعها فيصل دراج وجمال باروت ، بعنوان (الأحزاب والحركات والجماعات الإسلامية) ، في جزءين استعرضا فيهما ظروف تأسيس الأحزاب والتنظيمات الإسلامية في العالم الإسلامي. وركزا في الجزء الثاني على منطقة الخليج العربي.

أما فيما يخص موقف التيار الإسلامي من أبرز القضايا الداخلية والخارجية فقد اعتمدت الدراسة بالدرجة والأساس على كتابات بعض رموز التيار الإسلامي أنفسهم لتوضيح موقف التنظيمات الإسلامية من تلك القضايا. مثل كتابات الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق (مشروعية الدخول إلى المجالس التشريعية) و(الشورى في ظل نظام الحكم الإسلامي). وأيضاً كتابات السيد محمد الشيرازي ، والشيخ سفر الحوالي ، والشيخ سلمان فهد العودة. حيث تمثل كتابات هؤلاء مادة مهمة وأساسية. لكون أصحابها شهود عيان أولاً. وهم في الوقت نفسه يمثلون رموزا قيادية داخل التيار الإسلامي الخليجي. وأيضاً كان لمؤلفات الباحث حيدر إبراهيم علي ، والباحث يوسف الحسن ، أهميتها في وفد الدراسة ببعض المعلومات المتعلقة بموقف التيار الإسلامي من قضايا المجتمع في الخليج العربي.

كذلك استعان الباحث بعدد من الرسائل الجامعية ، غير المنشورة ، التي تطرقت إلى بعض جوانب الموضوع ، سواء الرسائل التي كتبت باللغة العربية ، أو باللغة الإنكليزية للإفادة منها في موضوع البحث ومن أبرزها : أطروحة دكتوراه بعنوان (التطورات الداخلية في المملكة العربية السعودية 1953- 1964) للباحث جمعة خليفة كنج علي وأطروحة دكتوراه للباحثة :

Huwaidah Metaireek AL- tuhany, The History of Najd prior to The wahhabis ورسالة ماجستير للباحثة طيبة خلف عبد الله بعنوان (التطور التاريخي للمجالس التشريعية في الكويت 1921- 1976) ، ورسالة ماجستير بعنوان (الحركة الفكرية في البحرين) للباحث إبراهيم صيهود الأنصاري.

طالما شكل (التيار الإسلامي) عنوانا لدراسات كثيرة ، اضطلع بها باحثون غربيون سلطوا الضوء من خلالها على تنامي ظاهرة الإحياء الإسلامي وبروزها حسب ما يتوافق مع منطلقاتهم ونزعاتهم. فأغلب ما يكتب في الغرب عن الإسلام والإسلاميين لم ينطق من باب البحث العلمي النزيه. وإنما هو عمل مخطط توجهه وتدعمه الحكومات والشركات والمؤسسات الغربية طبقا لمصالحها. وعلى هذا الأساس فقد توخينا الحذر في الاعتماد على المصادر الأجنبية والمعربة ، المتعلقة بموضوع الدراسة. ومن هذه الكتب دراسة للباحث ريتشارد هرير دكمجيان ، بعنوان (الأصولية في العالم العربي) ، وهي من الكتب المعربة التي تناولت التيارات الإسلامية في الوطن العربي. وقد ركزت على الحركات الإسلامية الأصولية (السنية والشيعية) في المملكة العربية السعودية ودول اللخليج العربي الأخرى. لكن المؤلف ، شأنه شأن معظم المؤلفين الغربيين ، ينظر إلى المسلمين والداعين إلى تطبيق مبادئ الإسلام وأصوله ، على أنهم « غلاة ومتطرفون ». وأنهم يعادون كل تطور وتجدد. كما أفادت الدراسة من كتاب مردخاي أبير (M. Abir) ، بعنوان (Saudi Arabia in The oil Era) ، للحصول على معلومات عن حركات المعارضة الداخلية ، والقوى السياسية في السعودية. وأيضاً كتاب للباحث (F.Lawson) ، بعنوان (opposition movements) ، الذي سلط الضوء على القوى السياسية المؤثرة في المجتمع الخليجي.

كما شكلت المجلات والصحف مصدراً أساسا في هذه الدراسة. لأنها بلا شك مصدر خصب للمعلومات. وبشكل خاص مجلة (المجتمع) ، التي تصدر عن جمعية الإصلاح الاجتماعي في الكويت ، إحدى واجهات |تنظيم الإخوان المسلمين في الكويت ، ولا سيما في نشرها العديد من المقالات التي كتبها أبرز المفكرين الإسلاميين ، أمثال : محمد الغزالي ، و يوسف القرضاوي ، و حسن الترابي وغيرهم. وكذلك اعتمدت الدراسة على الصحف بمختلف اتجاهاتها الفكرية فهي تعد شواهد حية على موقف التيار الإسلامي الخليجي من تطورات الأحداث الداخلية والخارجية.

وأخيراً لا يمكن أن نغفل أهمية شبكة المعلومات الدولية (الأنترنيت) ، في الحصول على العديد من الكتب والبحوث والمقالات التي أعانت الدراسة على تجاوز النقص في الوثائق والمصادر التي لم تكن متاحة في المكتبات داخل القطر وخارجه. فضلاً عن اعتماد الدراسة على مجموعة من الموسوعات والأدلة والمصادر المتنوعة ، التي سيجد القارئ الكريم تفاصيلها في ثبت الدراسة.

حاول الباحث في دراسته هذه ، التزام الجانب الموضوعي بطريقة عرض الأحداث والوقائع بأسلوب علمي أكاديمي. فضلاً عن استنباط الحقائق منها وتحليلها قدر الإمكان. آملا أن يكون قد استوفى الحد الأدنى من شروط البحث التاريخي ، في عمله المتواضع هذا.

ومن الله التوفيق...


الفصل الأول: نشأة التيار الإسلامية الحديث

أولاً : حركة الإصلاح والتجديد في الفكر الإسلامي

ثانيًا : رواد حركة الإصلاح الإسلامي الحديث

ثالثًا : الحركات والتنظيمات الإسلامية الحديثة


أولاً: حركة الإصلاح والتجديد في الفكر الإسلامي

يعد مصطلح الفكر الإسلامي من المصطلحات الحديثة. وهو يعني كل ما أنتجه فكر المسلمين منذ بدء الدعوة الإسلامية إلى اليوم. وفي جميع حقول المعارف العامة المتعلقة بالخالق تعالى والكون والإنسان والذي يعكس اجتهادات العقل البشري لتفسير تلك المعارف وتحليلها ضمن إطار المبادئ الإسلامية عقيدة وشريعة سلوكا .

وعلى ذلك فإن الفكر الإسلامي قابل لأن يخضع ، بين فترة وأخرى ، لعمليات إصلاح وتجديد ، لتصفية وإزالة ما علق به من شوائب وبدع وانحرافات خطيرة. بعكس أصول الإسلام وعقائده فهي ثابتة لا تتغير. ولا يمكن أن تتعرض إلى النقد والتأويل ، لقطيعة الأدلة عليها في القرآن والسنة وإجماع الأمة. كالإيمان بالله وبوحدانيته ، والإيمان بالأنبياء واليوم الآخر. فهذه العقائد القول بتجديدها أمر مرفوض مطلقاً .

ومهمة الفكر الإسلامي تبرز في شرح النصوص القرآنية التي تمتاز بالإجمالية والتعميم ، وهو يفتح باب الاجتهاد على مصراعيه ليؤكد مرونة الفكر الإسلامي وقابليته الدائمة للتطور والتجديد. فهو « فكر مستمر لا يقف عند حقبة معينة من الزمن ، ولا عند مفكرين معينين في جيل من الأجيال » .

والإصلاح (Reformation) في المعنى اللغوي ضد الفساد ونقيضه. وهو مأخوذ من الفعل أصلح يصلح إصلاحا ، وصلح الشيء أي انضبط وقام . أما الإصلاح في المفهوم الشرعي ، فهو تحول المجتمع من مجتمع فاسد منحل ، إلى مجتمع صالح تقوم أنظمته الرئيسة والفرعية وفق أحكام الشريعة الإسلامية ، وقد وردت في القرآن الكريم عدة معان للإصلاح .

ويمكن القول أيضاً إن الإصلاح هو العودة إلى الأصل. ومن هنا فإن خطاب الإصلاح والنهضة والتيار السلفي يقوم على مبدأ الرجوع إلى الماضي ، وهو عصر الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة. لأنه : «.. لا يمكن لأي إصلاح عقائدي أن يتم إلا بالرجوع إلى الأصل » .

أما التجديد (Modernisation) فهو الاستجابة من جانب الفكر لمتطلبات الواقع ولتحدياته. وقد تتطلب هذه الاستجابة المزيد من الضبط والتطبيق والالتزام . وهو أيضاً محاولة إيجاد الحلول العملية لما يطرحه الواقع من قضايا لم تكن معروفة في الماضي. وهذه الحلول يجب أن تكون مستندة إلى قواعد إسلامية. وفي الوقت ذاته لها قابلية التطور والتقدم .

والتجديد بالنسبة إلى الرؤية الإسلامية جزء من الحياة نفسها. بدليل الحديث النبوي الشهير : « إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها » . وهو بذلك يعني « المعايشة للعصر. المواكبة للتطور. والتحرر من آثار الجمود والتقليد » .

جذور إصلاح الفكر الإسلامي وتجديده

أ- الفكر السني

منذ أواخر العصر الأموي ، وعلى امتداد العصر العباسي ، برزت مجموعة من الفرق الإسلامية كالجبرية ، والمرجئة ، والباطنية ، وغيرها من الفرق الكلامية التي شكلت خطورة كبيرة على العقيدة الإسلامية . فضلاً عن ذلك تعرض الفكر الإسلامي إلى غزو بعض العقائد والفلسفات القديمة كالزرادشتية ، والمانوية ، والهندوكية ، والأفلاطونية وغيرها .

وجد هذا التحدي استجابة من بعض علماء المسلمين ، الذين تصدوا للأفكار المنحرفة التي انتشرت آنذاك. منهم (الحسن البصري 110هـ) ، (والأشعري 324هـ) ، (الباقلاني 303) ، و(الغزالي). فضلاً عن الإمام (أحمد بن حنبل) ، الذي كان يملك فكرا عقائديا متميزا ، بلورته ظروف عصره من تعدد الفرق الدينية وانتشار الجدل العقائدي. فكان فكره ردا على تلك الدعوات. ودعوة للعودة والتمسك بالأصول. فقاد معارضة شعبية ضد المعتقد المعتزلي (*) الرسمي الذي تبناه الخليفة العباسي المأمون ليدافع عن دين الله ويقيم الدليل على صفاء التوحيد والعقيدة ، ويزيل آثار ورواسب الفكر الوافد. لذلك يعد الإمام (ابن حنبل) أول مجدد إسلامي دافع عن العقيدة الإسلامية الأصلية .

وخلال فترات الضعف والانحطاط التي أصابت العالم الإسلامي بعد سقوط الخلافة العباسية على أيي المغول (656هـ/ 1258م) ، والتخريب الشامل ، والفوضى السياسية التي أحدثها المغول ، نشأ فراغ سياسي وأزمة روحية تطلبا ظهور مصلح يعيد إلى الفكر الإسلامي أصالته. ويتصدى للبدع والانحرافات التي أصابت العقيدة الإسلامية. فبرز في تلك الفترة شيخ الإسلام الإمام المجدد أحمد بن تيمية (*).

ظهر الإمام (ابن تيمية) في وقت كان العالم الإسلامي يتعرض لتحديات خارجية ، وضغوطات داخلية من انقسام المسلمين وتناحرهم ، وطغيان الأفكار المادية والعقائد الفاسدة ، وجمود الحركة العلمية. حتى أوشك الإسلام ، في مطلع القرن الثالث عشر ، أن « ينهار بين ضغط المغول في الشرق وغارات الصليبيين في الغرب » .

أراد الشيخ (ابن تيمية) إعادة تأصيل الإسلام السلفي ، والسني . من خلال التمسك بأصول الإسلام الرئيسة : كتاب الله (القرآن) ، والسنة النبوية ، وإجماعة الأمة. وركز في فكره على عقيدة التوحيد ، ومحاربة البدع والخرافات داعياً إلى الاجتهاد واستمراره على وفق أصول مذهب السلف الصالح مرورا بسلفية الإمام ابن حنبل. في الوقت اذته عمل على إصلاح الإدارة والحكم. لأنه اعتبر أن العلة في تدهور المجتمع الإسلامي هي فقدان العدل في الحكم . فشرع بوضع ضوابط وقواعد تلزم الحاكم الأخذ بها. وإلا فإنه يكون « قد خان الله ورسوله والمؤمنين » .

كما قام (ابن تيمية) بمواجهة أعداء الإسلام المتربصين به سواء بتحريضه المسلمين على قتال التتار ، الذين كانوا يحتلون بلاد المسلمين ويدمرونها ، ويدعوهم لعدم الاستسلام لهم. أو من خلال وقوفه بوجه الباطنيين والاسماعيليين وفكرهم الهدام .

ويمكن القول أن منهج الشيخ (ابن تيمية) السلفي ، وفتاواه التي كانت تدل على عمق فهم وسعة إدراك لتطورات العصر ، أراد منها « إعادة بناء المجتمع الإسلامي على أسس إسلامية لا زيف فيها ، ومن دون إضافة غريبة عن الإسلام » . لذلك عد (ابن تيمية) من أبرز المصلحين والمجددين للفكر الإسلامي. وعلى الرغم من استئناف دعوة (ابن تيمية) السلفية ، التي حمل رايتها من بعده تلامذته أمثال (ابن القيم الجوزية. ت 751هـ) ، و(ابن كثير 775هـ) ، وغيرهم : إلا أن الفكر الذي خلفه ابن تيمية في مجمل التراث السلفي السني كان له الأثر والحافز الكبير في ظهور حركات إصلاحية تجديدية في تاريخ الإسلام الحديث والمعاصر. وقدر لتعاليمه أن « تبقى حية في دوائر أتباعه المحدودة. لتستمد منها الحركة الوهابية حافزها بعد أربعمائة من السنين. ولتفيد منها بالتالي حركة التجدد الإسلامية في الجيل الحاضر » .

ب- الفكر الشيعي

الشيعة إحدى الجماعتين الكبيرتين في الإسلام. والشيعة في اللغة يراد بها الاتباع والأنصار والأعوان والخاصة و « كل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة. وكل من عاون إنساناً وتحزب له فهو شيعة له. وأصله من المشايعة. وهي المطاوعة والمتابعة ».

أما الشيعة في الاصطلاح فهو اسم علم يطلق على كل من يتولى الإمام علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) وأهل بيته. وهم الذين « نصروا عليا. واعتقدوا إمامته نصاً. وأن خلافة من سبقه كانت ظلماً له. وأن أهل البيت أحق بالخلافة » .

ويتفق معظم المؤرخين على أن المذهب الشيعي لم يكن مستقلاً عن الإسلام. وإنما التراكمات السياسية اللاحقة في الصراعات الإسلامية - الإسلامي هي التي كان لها الدور الأول في تكوين المذاهب الدينية الإسلامية. ومنها المذهب الشيعي وقد ارتبط التكوين الفكري بمضامين الخلافات السياسية التي كانت تدور حول مسألة الأمامة والخلافة.

هذا الموضوع (الإمامة والخلافة) يعد منطلقاً مهما في النظام السياسي في الإسلام. ذلك لأن إمامة أمر المسلمين وولايتهم من أعظم واجبات الدين والدنيا. وهذا ما عبر عنه الشيخ (ابن تيمية) في كتابه (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية) قائلاً : «... وابن بني آدم لأنتم مصلحتهم إلا بالإجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض ولا بد لهم عند الاجتماع من الحاجة إلى رأس».

وقد أكد علماء العقائد والأحكام على ثبوت الخلافة عقلاً ونقلا. فأكد (الجرجاني) في شرح المواقف أن « نصب الإمام من أتم مصالح المسلمين وأعظم مقاصد الدين ». وأشار النسفي في عقائده إلى أهمية منصب الإمام. ذلك لأن « المسلمون لا بد لهم من إمام يقوم بتنفيذ أحكامهم. وإقامة حدودهم. وسد ثغورهم. وتجهيز جيوشهم ، وأخذ صدقاتهم.. وإقامة الجمع والأعياد وقطع المنازعات الواقعة بين العباد » .

أصل التشيع وتطوره

تكشف ظاهرة نشأ الفرق والتيارات السياسية الإسلامية الكبرى عن طبيعة المجتمع الإسلامي في تلك المرحلة. وإن ظاهرة نشوء الفكر الشيعي لا تخرج عن الإطار العام لظهور المذاهب السياسية والفكرية وتطورها بصفة عامة .

ترك غياب الرسول صلى الله عليه وسلم فراغا سياسياً وإداريا. وكان لا بد من شخص يخلفه ويتولى إدارة شئون الدولة الإسلامية. فكان من الطبيعي أن تكون للصحابة آراء مختلفة فيمن يرونه أولى بتولي الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. لا سيما أنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم نص قاطع أو إشارة واضحة إلى تعيين من يتولى الأمر من بعده . فانقسم الصحابة إلى فريقين. طالب الأول بأحقية الإمام علي بن أبي طالب ، لأنه أقرب الناس إليه فهو ابن عمه وزوج ابنته . أما الثاني فضم الأشخاص الذين لا يمتون بصلة مباشرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويرون أن الخلافة حق لكل مسلم. وحسمت هذه المسألة في اجتماع « السقيفة ». عندما تم اختيار أبي بكر الصديق رضي الله عنه خليفة للمسلمين .

وتذهب بعض مصادر الشيعة إلى أن هذا الانقسام الذي حدث بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كان بداية ظهور التشيع. فأطلق على أتباع الإمام علي لقب « الشيعة ». فيما ترى مصادر أخرى أن مذهب التشيع ظهر في أواخر خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه. ثم نما وانتشر في عهد علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) . غير أن أغلب المصادر التاريخية المحايدة ترى أن المذهب الشيعي ولد بعد العاشر من محرم ، يوم استشهاد الإمام الحسين بن علي رضي الله عنه في واقعة كربلاء سنة 61هـ. حيث أصبح « عقد الإمامة لذرية علي سنة لها في عقائد الشيعة ما لنبوة محمد من قدر في الإسلام » .

ثمة من يشير إلى أن النتائج المحزنة ، والشدائد التي أصابت آل البيت من ذرية الإمام علي بن أبي طالب. ابتداء من مصرعه على يد أحد الخوارج ، وتخاذل الناس عن نصرة ابنه الحسن. ثم في قسوة الوالي الأموي زياد بن أبيه (الذي ألحقه معاوية بن أبي سفيان بنسبه) ، تجاه الشيعة واضطهادهم ، أثارت هذه الأمور محبة واهتمام الناس بآل البيت ودعوتهم « فاتسع نطاق المذهب الشيعي وكثر أنصاره » .

أكدت المؤلفات التراثية للشيعة الإمامية (الاثنا عشرية) (*) على منصب الإمام الذي يعين بالنص من الإمام السابق. على أساس أن الأمامة ركن الدين وقاعدة الإسلام « ويكون هذا الإمام معصوما عن الكبائر » . فهو « نائب عام عن النبي صلى الله عليه وسلم في حفظ الشرع الإسلامي والإمام موضح للمشكل من الآيات والحديث. ومفسر للمحكم والمتشابه. ومميز للناسخ والمنسوخ. وهو ليس بمشرع يوحي إليه. وإنما هو كما تقدم ، نائب عن المشرع الموحي إليه » .

ويعتمد الشيعة في عقيدتهم على أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نص في حياته على أن الإمام والخليفة من بعده هو علي بن أبي طالب ، حسب الأحاديث المتواترة والموثوقة. ومنها حديث الغدير الذي جاء فيه : «... ثم قال : يا أيها الناس. أن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم. فمن كنت مولاه فهذا مولاه -يعني عليا- اللهم وال من ولاء وعاد من عاداه » .

مهما يكن من أمر ، فإن اكتمال التكوين الفقهي الديني للشيعة يعود إلى الإمام (جعفر الصادق) أحد أحفاد النبي صلى الله عليه وسلم من سلالة الحسين بن علي رضي الله عنه ، والذي تميز بنبوغه الفقهي ، حتى أن كثيرًا من مؤسسي المذاهب الأخرى كانوا قد تتلمذوا على يديه .

أما اكتمال التكوين الفكري السياسي فيعود إلى العام (260هـ) وهو العام الذي اختفى فيه الإمام الثاني عشر (محمد المهدي) آخر أئمة الشيعة. وبغيابه انقطعت سلسلة الأئمة المعصومين . فتأسست بعد غيابه نظرية (الانتظار) عند الشيعة الاثني عشرية وهذه النظرية تقوم على أساس تحريم تولي الشيعة السلطة السياسية. ذلك لأن الإمامة عند الشيعة بمحتواها الديني والسياسي ، تكليف إلهي لتطبيق الشريعة الإسلامية. لا يجوز لأحد أن يطبقها ، إلا إذا كان معصوما عن ارتكاب الأخطاء .

ومنذ ذلك الحين وإلى فترة متأخرة آمن الشيعة الاثنا عشرية بأن عليهم أن ينتظروا عودة « الإمام الغائب » وترتب على ذلك عدم الاعتراف بشرعية أية دولة تقوم في فترة الغيبة وتحريم المشاركة في العمل السياسي. لأن ذلك يعد مخالفاً للقواعد الشرعية الشيعية.

وابتداء من أواخر القرن الثالث عشر الميلادي ظهرت في العراق وإيران مظاهر إصلاح وتجديد للفكر الأصولي الشيعي. كانت استجابة من العلماء الشيعة لتطور الأوضاع الاجتماعية والسياسية في المنطقة. كان أبرزهم العلامة (ابن المطهر الحلي) (*) الذي لعب دوراً كبيراً في تأصيل وتوثيق العقيدة الشيعية الاثني عشرية. والملا صدرا (صدر الدين الشيرازي) الذي يعد من علماء الدين الفلاسفة. وكان لفكره تأثير كبير في بعض رواد الإصلاح الإسلامي الحديث .

قفز الفكر السياسي الشيعي الاثنا عشري خطوات كبيرة باتجاه الإصلاح خلال عصر الدولة الصفوية (1501- 1722م) ، عندما أجاز فقهاؤهم شرعية تولي منصب (نائب الإمام الغائب) ، للخروج من الأزمة التي أحدثتها نظرية الانتظار. وتقاسم السلطة كل من الفقيه (الذي تولى الشئون الدينية والافتاء). والشاه الصفوي (وصلاحيته إدارة الشئون السياسية للدولة) . ثم طور الفقهاء ، فيما بعد ، نظرية « النيابة العامة » إلى نظرية « ولاية الفقيه » التي أجازوا من خلالها إقامة الدولة بدون اشتراط العصمة أو النص أو السلالة العلوية الحسينية في الإمام. وهو ما أدى إلى نهضة الشيعة في العصر الحديث ، ونجاحهم بتأسيس « الجمهورية الإسلامية » في إيران لاحقاً.

ثانيًا: رواد الإصلاح الإسلامي الحديث

شهد القرن الثالث عشر الهجري ، التاسع عشر الميلادي تطورا في الفكر الإسلامي الحديث. وجد انصاره ضرورة العمل على تطهير الإسلام من البدع والخرافات التي لحقت به بسبب الركود والانحطاط الذي أصاب الحياة الفكرية بعد غلق باب الاجتهاد . والسعي لإصلاح الإسلام وتجديده ، ثم نشره بوصفه خاتم الديانات. وله القدرة على تنظيم أمور الحياة الروحية والمادية للإنسانية جمعاء .

وقد شاع مصطلح الصحوة الإسلامية للدلالة على هذه الظاهرة الدينية ، التي يؤكد الباحثون أن جذورها تعود إلى الغزو الأجنبي للعالم الإسلامي. حيث أن أول (ردة الفعل المباشر للغزو الأجنبي كانت إسلامية الطابع) . وهذا ما أكده أيضاً الكاتب الأمريكي برنارد لويس بقوله : «.. منذ بدء التغلغل الغربي في العالم الإسلامي حتى يومنا هذا. كانت أهم الحركات الفكرية المتميزة المهمة الأصيلة التي قامت في وجههم حركات إسلامية ». مضيفا أن « أقوى الحركات الثورية التي قامت ، والتي كسبت أقوى التأييد ، وأثارت حماس أغلب الجماهير ، كانت دينية » .

لذلك يمكن تعريف الصحوة الإسلامية بأنها « حالة تجد الأمة فيها نفسها وقد وعت ذاتها ، وعرفت من حولها ، وأدركت أبعاد عصرها. فاستشعرت قدرتها على الاستجابة للتحديات التي تواجهها. وعلى التحرر من التبعية للآخرين » . ولكون هذه الصحوة تهدف إلى التمسك بمبادئ الإسلام ، والعودة إلى أصوله النقية ، كما جاء في القرآن والسنة النبوية ، بعد تخليصها من الصدأ الذي علق بها في الفكر والممارسة. فقد أطلق عليها أيضاً مصطلح (الأصولية الإسلامية) (*).

وتوضيحا لما سبق ، وإلى حد ما ، يمكن القول أن الصحوة الإسلامية ، وحركة إصلاح وتجديد الفكر الإسلامي الحديث ، التي عمت معظم مناطق العالم الإسلامي ، هي رد فعل للغزو الاستعماري الغربي لبلاد المسلمين ، الذي بدأ مع نهايات القرن الثامن عشر. واستمر على مدى القرن التاسع عشر الميلادي (*) ، والذي كان أبرز ملامحه ، حملة نابليون بونابرت على مصر (1798م) ، وسيطرة فرنسا على الجزائر (1830) ، وغزو روسيا لبلاد المسلمين في آسيا الوسطى. ثم استيلاء بريطانيا على عدن (1839) ، وإكمال فرنسا سيطرتها على تونس (1881) ، واحتلال بريطانيا لمصر والسودان (1882- 1899) على التوالي ، وصولا إلى الحرب العالمية الأولى (1914- 1918) ، واقتسام بلاد الشام والعراق بين كل من فرنسا وبريطانيا.

وفي الوقت ذاته ، كانت هذه الحركة الاصلاحية ، ردا على الضعف والتخلف والانحطاط الذي لحق بالدولة العثمانية ومؤسساتها السياسية والعسكرية والثقافية .

لمواجهة هذه الوقائع التاريخية ، برزت أمام رواد النهضة والإصلاح أسئلة تبلورت حولها عملية الإصلاح واتجاهاته. وهي : كيف نستطيع مواجهة واقع التأخر والانحطاط؟ وكيف نواجه الآخر (الغرب) وقيمه التي جاء بها؟ ، ثم كيف نحقق التقدم والتطور؟ وأخيرا السؤال الأهم هو كيف للمسلمين أن يصبحوا جزءا من العالم الحديث دون أن يتخلوا عن دينهم وهويتهم الحضارية .

وبما أن الإسلام يمتلك كبيراً وغنيا من الإصلاح والتجديد الإسلاميين ، سبق أن برز خلال عهود الضعف والانحطاط التي لحقت بالعالم الإسلامي عبر عصوره المختلفة ، وحاولوا التعبير عن رغبتهم في إصلاح الفكر الإسلامي ، ليتمكن من مواجهة الأخطار والتحديات الخارجية والداخلية التي تهدد العالم الإسلامي. منهم رفاعة الطهطاوي (1801- 1873) ، خير الدين التونسي (1810- 1879) عبد القادر الجزائري (حركته 1832- 1847) ، جمال الدين الأفغاني (1839- 1897) ، محمد عبده (1856- 1924) ، عبد الرحمن الكواكبي (1854- 1902) ، محمود شكري الألوسي (1856- 1924) ، محمد حسين النائيني (1857- 1936) ، عبد الحميد بن باديس (1889- 1940) ، محمد رشيد رضا (1865- 1935) ، شكيب أرسلان (1869- 1956) وآخرون.

وقد أيقن هؤلاء المصلحون أن أية نهضة حقيقية للدين لن تتم إلا بتجريد الفكر الإسلامي من الخرافات والتشويهات التي علقت به. فضلاً عن محاربة الاستعمار الأجنبي والعمل على تحرير العالم الإسلامي من سيطرته ، والإفادة من العلم والتقنية الحديثة في الإصلاح مع رفض محاكاة الغرب. فكان هذا هو الهدف الرئيسي الذي سعى المصلحون الإسلاميون إلى تحقيقه. وقدموا خلاصة جهدهم الفكري للوصول إليه.

وسنحاول التركيز على بعض هؤلاء ، بوصفهم أكثر تأثيراً في فكر الحركات الإسلامية المعاصرة وسلوك رموزها ، ولتشابه الأسس والمنطلقات التي اعتمد عليها كل هؤلاء في نشاطهم الدعوي والإصلاحي. وهم كل من : جمال الدين الأفغاني ، محمد رشيد رضا ، محمد حسين النائيني.


1- جمال الدين الأفغاني

هو جمال الدين بن صفتر بن علي بن مير رضي الدين محمد الحسيني المعروف بالأفغاني (*). ولد في أسعد آباد التابعة إداريا إلى كابل في أفغانستان عام 1839 (**) تلقى تعليمه الأولى في أفغانستان ثم سافر إلى العديد من المدن الإسلامية والأوربية. فقد أكمل تعليمه في النجف. ثم سافر إلى الهند ومنها رحل إلى استانبول.

توجه فيما بعد إلى مصر وألتقى فيها الشيخ محمد عبده (1849- 1905). ثم التقيا مرة أخرى في باريس ليؤسسا جمعية سرية عرفت بـ (العروة الوثقى) ، فضلا عن مجلة تنطق باسمها تحمل الاسم نفسه . ركزت في توجهها على توضيح أسباب تخلف المسلمين وكيفية إصلاح أحوالهم. وتحررهم من الاستعمار. فوصفت الجمعية ومجلتها بأنهما من « أهم مدارس الوطنية الإسلامية والبعض الحضاري الإسلامي. تربى فيها وتعلم منها واستضاء بمنهاجها دعاة اليقظة والتجديد والإصلاح والثورة على امتداد عالم الإسلام » .

وصف الأفغان بأنه من أبرز رواد اليقظة الإسلامية الحديثة وأشهر رموز الصحوة الإسلامية. ومن أهم مجددي الفكر الإسلامي الحديث . كان يتقن لغات عديدة ، كما تميز بشمولية شخصيته الإسلامية وفهمه وإدراكه العميق لتعاليم الإسلام ومبادئه ، قال عنه تلميذه وأقرب الناس إليه ، محمد عبده يوماً : « أني لو قلت إن ما أتاه الله من قوة الذهن وسعة العقل ونفوذ البصيرة هو أقصى ما قدر لغير الأنبياء ، لكنت غير مبالغ » . استقر في السنوات الخمس الأخيرة من حياته في استنابول بعد أن دعاه السلطان عبد الحميد الثاني (1876- 1909م) لزيارة عاصمة الدولة العثمانية للإفادة من أفكاره الإصلاحية حتى وفاته فيها عام 1897 .

تعد أفكار جمال الدين الأفغاني امتدادا للحركات الإصلاحية التي سبقتها (المهدية ، السنوسية) التي تهدف إلى المحافظة على العقيدة الإسلامية وصونها من التشويهات والانحرافات.. وبناء مجتمع إسلامي موحد ومتماسك. له القدرة على التعامل مع معطيات الحضارة الحديثة. من دون الإخلال بهويته الإسلامية . ويمكن القول أن منهج الأفغاني الفكري كان ثورة عبرت عن حاجة المجتمع الإسلامي للأخذ بأسباب الحضارة والمدنية. مع العودة الأصولية إلى الكتاب والسنة والشورى والمبادئ الدستورية ، ضمن شخصيته الإسلامية المستقلة.

كانت حركة الأفغاني ذات طابع فكري واجتماعي معاً. فتراه يسعى إلى إيجاد نهضة وصحوة في أفكار المسلمين وفي نظم حياتهم. ومن أجل ذلك لم يكن ليتوقف في مدينة أو دولة إلا بعد أن يطلع على كثب على واقع تلك البلاد ، ويحاول إصلاح ما يمكن إصلاحه من شئونها. حتى أنه انضم إلى صفوف الجيش ليحتك بالجند وينشر أفكاره في صفوفهم . وكان لأفكاره الإصلاحية قبول لدى الفئات ذات الخلفيات الثقافية والاجتماعية المختلفة. وقد وصفت تلك الأفكار بأنها ثورية. ولا سيما بعد دعوته إلى استخدام العنف في أحداث تغيير جذري للنظام السياسي المصري .

صرح الأفغاني بأن هناك خطرين يهددان العالم الإسلامي ، الخطر الخارجي ممثلا بالاستعمار ونزعته للسيطرة على العالم الإسلامي. والخطر الداخلي ممثلا بالجمود والتخلف واستبداد الحكام. لذلك حاول في كتاباته وخطبه أن يقنع المسلمين بأن الإسلام كعقيدة وأيديولوجية يستطعي أن ينقذ المسلمين ويحررهم. وأن ينهي الاستبداد الداخلي والاستعمار الخارجي. وركز على أن الإسلام يعطي للعقل والبرهان والاستدلال أهمية خاصة. لأن الإسلام دين العلم ودين العمل ودين الإصلاح والكفاح ضد الفساد . ولكي يثبت الأفغاني ذلك بدأ بالدفاع عن الإسلام ضد الشبهات التي طرحها المستشرقون آنذاك ، والتي تتهم الإسلام بأنه دين يؤمن بالجبر ودين القضاء والقدر ، فهو دين يقيد فكر الإنسان وحركته. مما أدى إلى انحطاط المسلمين وتأخرهم. فنشر في مجلة (العروة الوثقى) مقالا دافع فيه عن نظرية القضاء والقدر في الإسلام. وأثبت بأنهما بمحتواهما الإسلامي لا يعدان من عوامل الانحطاط بقدر ما يعدان من عوامل التقدم والتصور والرقي . في المقابل دعا الأفغاني إلى تحرير الفكر الديني من قيود التقليد ، وفتح باب الاجتهاد ، ليتخلص المجتمع الإسلامي من الجمود والتقليد الأعمى ، دون مراعاة لطبيعة العصر وملابساته. فنراه يتساءل مستنكرا : « ... ما معنى باب الاجتهاد مسدود؟ وبأي نص سد باب الاجتهاد؟ أو أي إمام قال لا يصح لمن بعدي أن يجتهد ليتفقه بالدين. ويهتدي بهدى القرآن » .

واستنادا إلى هذه الفكرة ، وهي أن الإسلام دين العلم والتطور ، انتقد الأفغاني بشدة المؤرخ الفرنسي رينان (Renan) (*) ، بعدما ألقى الأخير محاضرة عام (1883) تحت عنوان (الإسلام والعلم) ادعى فيها أن مبادئ الإسلام مناقضة للعلم ومعادية للعلماء. وأن المسلم بطبيعته غير صالح لفهم الفكر الفلسفي . فتصدى له الأفغاني ، موضحا أن الإسلام غير مسئول عن أفعال المسلمين. وهو وحدهم يتحملون أفعالهم. مشيرا إلى قيمة المساهمة الفلسفية الإسلامية في الحضارة الإنسانية. يوم وصلت حضارة الإسلام إلى أوج ازدهارها في القرون الأولى من عمر الدولة الإسلامية. مؤكداً على إمكانية تجديد الفكر الإسلامي وتطويره ، ورقي المجتمع الإسلامي ، بعد إزالة أسباب الانحطاط والجمود في ذلك المجتمع بقوله : « متى ضعف ما كان سبباً في الصعود ، يحصل الهبوط والانحطاط. ومتى زال ما كان سبباً في السقوط يحصل الصعود » .

وهو بذلك يدع لصد الغزو الفكري الذي شنه المستعمرون ودوائرهم الثقافية على الإسلام ديناً وحضارة. لتشويه صورة الإسلام لدى المسلمين ، والتشكيك بهويتهم الدينية والحضارية. وبالتالي يسهل استغلالهم والسيطرة عليهم. لذلك يرى أن على المسلمين العودة إلى جذورهم التاريخية والتمسك بدينهم والاعتزاز به لتحقيق الأهداف السامية في الدنيا والآخرة .

سعى الأفغان من خلال مجلة (العروة الوثقى) التي أسسها في باريس عام 1884 والتي كان لها تأثير وانتشار واسع في العالم الإسلامي آنذاك ، إلى حث المسلمين ودعوتهم لتحقيق الوحدة الإسلامية واستعادة أمجاد الإسلام الضائعة. وتحرير البلاد الإسلامية من الاحتلال الأجنبي الذي استغل عدم الالتزام المسلمين بدينهم وتواطؤ حكام المسلمين وخيانتهم لشعوبهم لمصلحة الأجنبي .

وعلى ما يبدو أن غضب الأفغاني واستياءه من الاستعمار البريطاني دون غيره (*) ، جعله يطرح ، بقصد أو بدونه ، فكرة تعاون روسيا وإيران وأفغانستان لتحرير الهند من الاستعمار البريطاني ، مقابل تقسيمها فيما بين هذه الدول (أي استبدال الاستعمار بالتجزئة والتقسيم) .

استأثرت فكرة الوحدة الإسلامية بتفكير الأفغاني بشكل كبير من خلال كتاباته التي دعا فيها المسلمين إلى نبذ خلافاتهم وخصوماتهم العقدية ، ليتمكنوا من صد الغزو الاستعماري على العالم الإسلاميومن أجل ذلك ، بذل الأفغاني جهودا للتقريب بين المذهبين السني والشيعي. فكان يرى أن الاختلاف بين المذهبين هو اختلاف هامشي ، كرسه الجهل وطمع الملوك. ولا ينتج عنه إلا تجزئة وانقسام العالم الإسلامي .

حذر المسلمين من الغفلة وضرورة الانتباه إلى المخاطر التي تتربص بهم ، فيما إذا بقوا على اختلافهم وانقسامهم ، قائلاً : «... ألا أيها النائمون تيقظوا ، ألا أيها الغافلون تنبهوا يا أهل الشرف والناموس ، ويا أرباب المروءة والنخوة. يا أولي الغيرة الدينية والحمية الإسلامية ارفعوا رؤوسكم تروا بلاء منصباً على أوطانكم. وما أنتم ببعيد منه ولا بمعزل عنه ».

من هنا تبلورت لدى الأفغاني فكرة الجامعة الإسلامية التي دعا إليها. وهي تيار فكري سياسي ، ظهر كرد فعل تجاه التحديات التي تواجه الفكر الإسلامي والأمة الإسلامية. سواء كانت التحديات آتية من داخل البلاد الإسلامية أم من خارجها .

وقد سعى بدعوته تلك إلى معالجة ثلاثة انقسامات رئيسة في العالم الإسلامي. وهي أولاً : ردم الهوة التي تفصل بين المسلمين سنة وشيعة. وثانيا : العمل على انسجام الجماعات المسلمة (المختلفة قوميا). مؤكداً على أن الإسلام هو الجنسية الوحيدة للمسلمين وثالثا : دعوة للتقارب بين الدول الإسلامية المستقلة ضمن كيان سياسي موحد.


2- محمد رشيد رضا

يعد رشيد رضا (*) امتدادا للأفغاني ومحمد عبده. ومن المتأثرين بأفكارهم الإصلاحية وهذا ما جعله يرحل إلى مصر سنة 1898م ، ويتصل هناك بالشيخ محمد عبده ويصبح من أبرز تلامذته وقد صرح بإعجابه الشديد بأفكار الأفغاني ومحمد عبده التي كانت تصله عن طريق مجلة (العروة الوثقى) مؤكداً أن المجلة كان لها « تأثير السحر عليه » وأنها « غيرت مجرى حياته » .

بتأييد ومساندة أستاذه محمد عبده ، أصدر رشيد في نفس العام الذي وصل فيه إلى مصر العدد الأول من مجلة (المنار) ذكر فيه أنه أنشأها لكي تخلف (العروة الوثقى) وتكمل رسالتها ، ولتكون حربا ، كما كانت العروة الوثقى ، على التقليد الأعمى. وتدعو لفتح باب الاجتهاد . وقد عرف رشيد رضا المجلة في العدد الأول منها ، بأنها « مجلة إسلامية تبحث في جميع شئون الإصلاح الديني والمدني والسياسي ، وتقوم بفريضتي الدعوة إلى الإسلام والفاع عنه ، وجمع كلمة المسلمين » .

واجه رشيد رضا ، خلال فترة تكوينه الفكري ، ظروفاً كان لها الأثر الكبير في تحديد سلوكه وتوجهاته الفكرية. فالخلافة الإسلامية بدأت تنهار تدريجيا أمام تكالب الاستعمار الغربي ، نتيجة ضعف الدولة العثمانية وانحطاطها. في الوقت نفسه بدأت الصهيونية بتنفيذ مخططاتها للسيطرة على فلسطين واغتصابها. في مقابل تخاذل حكام المسلمين تجاه تلك التطورات وعدم اكتراثهم لها. كل تلك العوامل جعلته يشعر بمسئوليته الشرعية والإنسانية للقيام بواج الإصلاح . وقد صرح عن رغبته في انهاض المسلمين حضاريا بقوله : « .. لقد كان همي محصوراً في تصحيح عقائد المسلمين ونهيهم عن المحرمات ، وحثهم على الطاعات ، وتزهيدهم في الدنيا. فتعلقت نفسي بعد ذلك بوجوب إرشاد المسلمين عامة إلى المدنية والمحافظة على ملكهم ، ومجاراة الأمم العزيرة في العلوم والفنون والصناعات وجميع مقومات الحياة » .

مرة أخرى عد رشيد رضا ، شأنه في ذلك شأن الأفغاني ومحمد عبده ، الجمود والتقليد من أشد الأخطار التي يتعرض لها المجتمع الإسلامي ، الذي هو بأشد الحاجة لقوانين شرعية جديدة يتمكن بها من مواجهة الحضارة الجديدة التي أساسها العقل ، والتي بدأت تجتاح العالم الإسلامي آنذاك. لذلك دعا إلى إجراء تعديل في الشريعة الإسلامية من خلال تأسيس مذهب إسلامي جديد يستنبط بالاعتماد على المذاهب الأربعة القائمة.. يفهمه جميع المسلمين ، ويكون أكثر ملائمة مع تطورات العصر . وهو بهذا التوجه يدعو لفتح باب الاجتهاد ، لإصلاح الفكر الإسلامي وتجديده.

بعد اصطدامه بجمعية الاتحاد والترقي التي أحيت العصبية التركية ، أيد رضا ثورة الشريف حسين في الحجاز. معتبرا أن الجزيرة العربية هي المؤهلة لخلافة العالم الإسلامي ثم ما لبث أن تخلى عن الأسرة الهاشمية لينحاز إلى عبد العزيز بن سعود والحركة الوهابية ، ذلك لأن « عقيدتهم سنية صرفة ، ودينهم دين المسلمين الأولين » على حد قوله.

يعد رشيد رضا المنظر الأول للحكومة الإسلامية بمعناها الحديث. وأبرز المصلحين الإسلاميين الذين أرسوا مبادئ ما سمي بـ ( الإسلام السياسي) (*). لذلك دعا إلى إقامة الدولة الإسلامية التي لا تفصل بين الدين والدولة. وأن إقامتها هو السبيل الوحيد لإصلاح الشريعة الإسلامية. لأن الإسلام بطبيعته دين السيادة والسياسة والحكم .

يلاحظ من خلال الأفكار التي طرحها الشيخ رشيد رضا أن دعوته دعوة إصلاحية سلفية ، تستعيد مقولات ابن تيمية ، ومحمد بن عبد الوهاب. وقد تأثر بهذا الفكر عدد من مؤسسي الحركات الإصلاحة الإسلامية كان أبرزهم الشيخ حسن البنا مؤسس تنظيم الإخوان المسلمين في مصر .


3- محمد حسين النائيني

تعد نظرية (ولاية الفقيه) أهم المسائل في الفكر الشيعي الإمامي وأخطرها. ولسد الفراغ المرجعي الذي حدث بعد غيبة الإمام المهدي المنتظر سنة (255هـ/ 869م) أصبح المجتهد (المرجع) الذي تتوافر فيه شروط الاجتهاد ، قائماً مقام الإمام المعصوم في زمن غيبته. يرجع إليه في مجال توضيح المستجدات والمسائل الدينية. فبرزت شخصيات فكرية شيعية ، حاولت التصدي للأزمات التي واجهت الفكر الإسلامي الشيعي. ومن هؤلاء المفكر العلامة محمد حسين النائيني.

ولد الشيخ محمد حسين النائيني سنة (1273هـ/ 1857م) في مدينة (نائين) التابعة إداريا إلى أطفهان الإيرانية. ومن أسرة دينية معروفة. حيث كان والده وأجداده يحملون لقب شيخ الإسلام. أكمل دراسته الدينية في بلدته ثم هاجر إلى أصفهان لإكمال تعليمه وذلك سنة 1876. توجه بعدها إلى العراق ، وكانت المرجعية يومئذ للمجدد السيد محمد حسن الشيرازي (*). واستقر أخيراً في سامراء سنة (1303هـ/ 1884م).

يؤمن النائيني أن الأمة إذا أرادت أن تسلك سبيل التقدم والازدهار ، وجب عليها الاعتراف بهزيمتها وتخلفها. وأن تطرح مشاكلها التي تعاني منها بصورة واقعية. وتشخيص أسباب انحطاطها. مؤكداً أن الغرب كان يعاني من مرحلة التخلف الثقافي والعلمي. لكنه ، على عكس المسلمين ، استطاع بعد ذلك أن يتحرر من الهزيمة النفسية ويخطط للانقلاب. وفند آراء القائلين بأن المبادئ الدستورية هي أفكار غربية بقوله : «.. أن الغرب هو الذي أخذها من شريعة المسلمين. وعندما حصلنا على شيء من التنبيه والشعور ، فإن بضاعتنا ردت إلينا » .

ضمن النائيني أفكاره الإصلاحية ، وموقفه من الحركة الدستورية في كتابه الموسوم (تنبيه الأمة وتنزيه الملة) الذي صدر في النجف باللغة الفارسية بين عامي 1908- 1909 وطبع أول مرة في بغداد عام 1909 مسلطا الضوء على مفاهيم عديدة تمحورت حول السلطة السياسية ، والاستبداد ، والدولة. وهو يرى أن كل أنظمة الحكم غير شرعية في عهد الغيبة غير أن الشكل الدستوري يعد أكثر قبولاً من الحكم المستبد. انطلاقا من قناعة النائيني بأن الاستبداد هو علة العلل في انحطاط المسلمين وتخلفهم عن ركب الحضارة . وبهذا الصدد يجد ضرورة « أن تحدد سلطات الملك بقانون » ثم يقسم الاستبداد إلى شعبتين : شعبة الاستبداد السياسي ، وشعبة الاستبداد الديني. يمثل الأولى الحكام. ، فيما يمثل الثانية العلماء المؤيدون لهم .

يمكن إيجاز الرؤية السياسية الفقهية التي تعكس مبادئ الحركة الدستورية التي دعا إليها النائيني بما يأتي :

1- الاعتماد في استخراج كل أصول الدستور على كتاب الله وسنة الرسول والأئمة وتدوينه مع التركيز على حفظ حقوق المجتمع في الحرية والمساواة. وتأسيس مجلس شورى يقوم بمهمة مراقبة المسئولين ومحاسبتهم.

2- تتحمل الدولة مسئولية حفظ الأنظمة الداخلية والفاع عن مصالح الشعب.

3- تثبيت حقوق الفقهاء في ممارسة دورهم التوجيهي والدعوي.

كما تضمن كتاب النائيني آراء جريئة تركزت حول حرية الصحافة والرأي ، وتعليم المرأة ، وحقوق الإنسان. وثمة من يؤكد تأثر النائيني بأفكار بعض المصلحين كالأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي وكتابه (طبائع الاستبداد) .

لم تقتصر اسهامات النائيني السياسة على هذا لكتاب. بل كان له الدور البارز في تكوين وقيادة حركة الجهاد ضد الاحتلال البريطاني للعراق خلال الحرب العالمية الأولى. كما وقف ضد ترشيح الملك فيصل بن الحسين لعرش العراق. ودعا إلى عدم الاعتراف بشرعية أي حكومة تقوم في ظل الانتداب الأجنبي ، مما أدى إلى نفيه خارج العراق ، واشتراط عودته بالتخلي عن مواقفه السياسية. فابتعد عن الخوض في شئون السياسة ، واكتفى بالنصح والإرشاد حتى وفاته في تموز 1936 في مدينة النجف . وقد وصفه أحد المفكرين الإسلاميين بأنه « من أعظم علماء الشيعة ومن أبرز مراجع التقليد ذوي الرأي والنظر في القرون الأخيرة » .

لذلك يمكن القول أن العلامة محمد حسين النائيني يعد واحداً من رواد الإصلاح وتجديد الفكر الساسي الإسلامي ، الذي نادى بالوقوف ضد الاستبداد ومحاربته وإصلاح نظام الحكم ، والتصدي للاستعمار الأجنبي لبلاد المسلمين.

مهما يكن من أمر ، فإن المجددين والإصلاحيين الإسلاميين (سنة وشيعة) كانوا يجاهدون في الوصول لتحقيق أهداف معينة أبرزها إصلاح الفكر الإسلامي وترميمه وتقويمه ، ونبذ كل دخيل على العقيدة الإسلامية ، مستهدفين من ذلك إقامة المجتمع المسلم والدولة الإسلامية على أسس سليمة ، بغض النظر عن المذهب والاعتقاد. وهذا ما عبر عنه أحد رموز التيار الإسلامي المعاصر ، عندما سئل عن طبيعة نظام الحكم الذي يسعى إليه. وهل هو سني أم شيعي. فأجاب قائلاً : «.. أننا نريد أن نحكم بالإسلام كما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم لا فرق بين السنة والشيعة. لأن المذاهب لم تكن موجودة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم » .

ثالثًا: الحركات الإسلامية الإصلاحية الحديثة والمعاصرة

1- التنظيمات الإسلامية الحديثة

شهد العالم الإسلامي منذ منتصف القرن الثامن عشر ، وعلى امتداد القرن التاسع عشر ، حركات تجديدية إصلاحية ذات طابع إسلامي. ظهرت كرد فعل على الانحطاط والشلل الذي أصاب العالم الإسلامي وقيمه الاجتماعية والعقدية ، وانتشار الأفكار الجبرية والتواكلية والصوفية. والتي يعزوها البعض إلى إهمال العثمانيين للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. وإقدامهم على غلق باب الاجتهاد . وكذلك ظهرت كرد فعل ضد الاستعمار الغربي الذي بدأ يتوغل في العالم الإسلامي اقتصادياً وعسكريا. يصف الكاتب الأمريكي « لوثروب ستودار » ذلك الانحطاط الذي أصاب العالم الإسلامي في تلك الحقيقة قائلاً «... في القرن الثامن عشر كان العالم الإسلامي قد بلغ من التضعضع والانحطاط أعظم مبلغ ومن التدني والانحطاط أعمق درك. فأربد جوه وطبعت الظلمة كل صقع من أصقاعه وانتشر فيه فساد الأخلاق والآداب » ويضيف مصورا الحالة الدينية بقوله : «.. وأما الدين فقد غشيته سوداء. فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة الناس سجفا من الخرافات. وغابت من الناس فضائل القرآن.. وانتشرت الرذائل » .

ولمقاومة هذا التردي ، برزت حركات إصلاحية ، كانت تعبيرا دينياً لرفض واقع المجتمع الإسلامي الفكري ، والسعي لتعديله. ومن أبرز تلك الحركات : الحركة الوهابية في الجزيرة العربية (**) والحركة السنوسية في ليبيا والحركة المهدية في السودان و « الديوبندية » (**) وحركة « أحمد بريلوي 1786- 1831 في شبه القارة الهندية ، و « الفولاني 1754- 1817 » في نيجيريا ، و « الفارايداية » المنسوبة للحاج شريعة الله (1764- 1840) في البنغال. وغيرها من الحركات الإسلامية التي انتشرت على امتداد العالم الإسلامي .


أ- الحركة السلفية (الوهابية)

من المناسب أن يكون واضحاً من البداية أن مصطلح « الوهابية » أطلق على جماعة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من لدن خصومهم. أما هم فيطلقون على أنفسهم اسم « الموحدون » أو « السلفيون » وقد استعمل مصطلح « الوهابية » من لدن الباحثين الأوروبيين أيضاً .

لابد أن يسبق الحديث عن الحركة الوهابية حديث عن الحياة الفكرية للجزيرة العربية قبل انطلاق هذه الحركة الإصلاحية. ثم التطرق إلى مؤسسها ، والخطوط العامة لعلمه وفكره ، فهما القاعدة التي ارتكزت عليها الحركة الوهابية.

مجتمع شبه الجزيرة العربية قبيل ظهور الحركة الوهابية:

تعد نجد من أكبر مناطق شبه الجزيرة العربية مساحة. وتقع في وسطها. فمن الناحية الاجتماعية كانت نجد مجتمع قبليا يعتمد على القوة والنفوذ للسيطرة على السلطة والثروة والجاه ، والمجتمع النجدي ، بصورة عامة ، منقسم إلى قسمين : الحضر والبدو. وكانت الحياة الاقتصادية تعتمد الزراة والتجارة. فضلاً عن وجود الثروة الحيوانية . أما من الناحية السياسية ، فقد قسمت نجد إلى إمارات صغيرة من أهمها إمارة الرياض ، وإمارة الدرعية ، وإمارة العيينة ، وإمارة الخرج. وكانت تلك الإمارات تتميز باستقلالها الذاتي ، وتطبق قوانينها ضمن حدودها الخاصة في حين كانت الناحية الثقافية تشهد تدهورا حاداً في ظل انعدام الأمن ، وانتشار عمليات السرقة وقطع الطرق .

ويجب أن نوضح هنا أيضاً أن بلاد نجد لم تشهد نفوذا مباشرا للسلطة العثمانية. وذلك نتيجة الصراعات بين القوى المحلية بعضها مع بعض من جهة ، ولعدم اهتمام العثمانيين أنفسهم بالمناطق الداخلية البعيدة عن المراكز الحضرية من جهة أخرى .

أما من الناحية الدينية ، فقد أورد المؤرخون أسوأ التعابير في وصف الحالة الدينية والاجتماعية التي كانت عليها الجزيرة العربية آنذاك. والتي كان أبرز مظاهرها خروج المجتمع عن قواعد الدين الإسلامي الحنيف وتعاليمه وارتكابهم المحرمات والموبقات بشكل صريح ، إذ انتشر الجهل والشرك في نفوس الناس. مما جعلهم يتمسكون بالأضرحة والمزارات للتخلص من مشاكلهم الاجتماعية. فكانوا مثلاً يؤمون قبر الصحابي « زيد بن الخطاب » في منطقة الجبيلة ، ويرجون أن تتحسن أحوالهم ويستجاب لطلبهم . وقد وصف أحد المؤرخين هذا الوضع قائلاً : «.. فهؤلاء الأولياء يجمع إليهم وتقدم لهم النذور. ويعتقد أنهم قادرون على النفع والضر ويتمسحون بها ويتذللون لها ويطلبون منها جلب الخير لهم. ودفع الشر عنهم وفي كل ضريح أو أضرحة تشرك مع الله تعالى في تصريف الأمور ». وقدم الشيخ « عبد الله البسام » مختصراً مفيداً عن وضعية نجد الدينية في تلك الفترة. ومن الضروري أن ننقله نصاً ، لأهميته التاريخية. فيقول : «... يوجد في بلدان نجد فقهاء وعلماء في ذلك الزمن وقبله بقرون متطاولة إلا أن جل اهتمامهم بالفقه والمسائل الفرعية. فهم مقتصرون على بحث مسائل الفقه وتحريرها وتحقيقها ، وحفظ متونها واستيعاب شروحها وحواشيها. أما العلوم الشرعية الأخرى فنصيبهم منها قليل. فليس هناك عناية بالتوحيد وتحقيقه. ولا بالتفسير ولا بالحديث وشروحه. بل حتى العلوم العربية لا يهتمون بها. إلا بما يقيم اللسان. وهم لذلك لا ينكرون على العامة ما هم واقعون فيه من تعظيم القبور واللغو في الصالحين والنذر لغير الله والحلف بغير الله والاعتقاد في بعض المسميات. ويرى هؤلاء العلماء جواز التوسل بذوات الصالحين كما يجيزون شد الرحال إلى القبور » .

كما يؤكد أحد المفكرين المعاصرين هذا الوصف قائلاً : «... وظهرت في هذه المرحلة دراسات وكتابات مليئة بالجمود والتخلف سيطرت على مجال الحياة الفكرية ، وحجبت ما قبلها من أبحاث متجددة ، واجتهادات مستنيرة. وقد ظلت هذه الكتابات تسيطر على الحياة الفكرية مرحلة طويلة ». دفع هذا الانحطاط المنطقة إلى الانغلاق والانطواء على الذات. وبالتالي تكريس حالة التردي والتدهور الفكري.

ولم يقتصر الأمر على التعلق بالقبور والأموات ، بل تعداه إلى الاعتقاد بالجمادات. فكانت هناك شجرة تدعى فحل النخل في بلدة منفوحة. يذهب إليها الرجال والنساء ، لتوسع رزقهم أو لتشفي مرضاهم.

وتأتي إليها العوانس وتتوسلن إليها علهن يعثرن على زوج في وقت قريب مرددين : « يا فحل الفحول أريد زوجا قبل الحول » . ويقال أنه كان رجل في منطقة الخرج يدعى (تاج) تقدم له النذور والقرابين في انتظار نفعه واتقاء ضره. كما فشت ظاهرة تعليق القلائد في أعناق الأغنام لكي لا تصاب بأذى. والتاجر يبخر دكانه أو منزله بظفر الحيوان ووبره اتقاء الحسد. وشاع تقديس الفلوات والأماكن الخالية وتقديم القرابين للجن حتى ترضى عنهم وتشفي مرضاهم .

تبع هذا الانحراف العقدي والفكري انحراف في السلوك والأخلاق وارتكاب المعاصي. حيث أصبح شرب الخمر والأفيون وارتكاب المحرمات والاختلاط بين الرجال والنساء في المناسبات ظواهر شبه معتادة في ذلك المجتمع .

في مثل تلك الأجواء كان هناك حاجة ملحة لظهور دعوة إصلاحية تجديدية لتشخيص الخلل الذي أصاب عقائد ذلك المجتمع وتصحيحه. فظهر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ليدعو إلى الإصلاح وتنقية العقيدة من الشوائب. والعودة إلى منابع الإسلام الأصلية والتمسك بها.

الشيخ محمد بن عبد الوهاب : ولادته ونشأته: هو محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن حمد بن أحمد بن راشد بن مشرف ابن عمر بن معضاد بن ريس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب. ينتسب إلى سنان ، وهم من تميم . ولد في قرية « العيينة » في منطقة نجد في شبه الجزيرة العربية سنة 1702 أو 1703 . وثمة من يرجع تاريخ ولادته إلى سنة 1696. ولكن من المرجح أن ولادته كانت سنة 1703م وذلك باتفاق أغلب الباحثين .

ومما يجلب الانتباه أنه ولد وسط عائلة دينية. فجده سليمان كان قاضيا في العيينة ، زمن عبد الله بن معمر. وكذلك والده ، الذي كان من القضاة الحنابلة. حيث كان المذهب الحنبلي هو السائد في منطقة نجد آنذاك . وعلى ما يبدو كان لهذه البيئة تأثير في فكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب وسلوكه. وتذكر بعض المصادر ، بأنه كان في صغره كثير المطالعة في كتب التفسير والحديث. حيث قرأ على أبيه في الفقه بعد أن حفظ القرآن وهو في العاشرة من عمره. وعلى وفق العادة القديمة قصد عواصم ومدن الشرق الإسلامي طلباً للعلم. فانتقل إلى المدينة المنورة حيث درس على أشهر شيوخها . ثم أقام مدة في البصرة وبغداد كما أنه رحل إلى اصفهان ودرس هناك فلسفة الإشراق والتصوف. ومنها رحل إلى قم.

استغرقت تلك الرحلات التي قام بها الشيخ محمد عدة سنوات. استطاع فيها أن يطلع على الأوضاع الدينية والسياسية والاجتماعية. وكان لبعض هذه الرحلات تأثير كبير في تكوينه الفكر والثقافي. كما حصل في زيارته لمدينة الموصل ، وإقامته فيها فترة من الزمن ومعاصرته للحركة السلفية السائدة فيها آنذاك. كما سنرى لاحقاً. وعاد أخيراً إلى بلده ، واعتزل الناس ثمانية أشهر. عكف فيها على دراسة رسائل وكتب الشيخين (ابن تيمية ، وابن قيم الجوزية). مما كان له الأثر الكبير في تكوين شخصيته وفكره .

لقد رأى محمد بن عبد الوهاب خلال رحلاته أن الإسلام قد اكتنفه الضلال. فتسربت إليه ، عبر القرون ، مبتدعات ليس لها أساس في القرآن ولا في السنة. فانتشرت البدع والخرافات. وكثر مدعو الولاية الذين أفسدوا عقائد الناس ممن يطلبون منهم الدعاء والبركة ، مقابل الهدايا والأعطيات وأصبح لمراقد الأنبياء والأولياء والأئمة مكانة خاصة يزورونهم طلباً للشفاء من مرض أو عاهة. كل ذلك أثار الشيخ محمد عبد الوهاب وجعله يرى بأن الإسلام أصبح وكأنه لا يفترق عن الوثنية في شيء. ولاسيما بعد أن أهمل الناس مبدأ التوحيد ، وأقفل باب الاجتهاد.

بدء الدعوة:

بعد عودةة « الحريملاء » سعى أولاً إلى أن يعيد للعقيدة والحياة الإسلاميتين صفاءهما الأصلي. لكنه امتثل إلى طلب والده الذي نصحه بعدم التمادي في دعوة الناس إلى تغيير معتقداتهم وأفكارهم المنحرفة التي نشأوا عليها ، خوفاً عليه من أذاهم .

وبعد وفاة والده ، انطلق الشيخ يدعو لعقيدته. مما أثار تذمر بعض السكان. فتعرض على أثرها إلى محاولة اغتيال جعلته يترك حريملاء ويتجه إلى العيينة. وهناك أعلن دعوته وبرزت شخصيته الإصلاحية. خاصة بعد أن لقي دعم أمير العيينة « عثمان بن محمد بن معمر ومساندته » .

شرع الشيخ محمد في تطبيق مبادئه وإجراءاته الإصلاحية بشكل اتسم بالجرأة والحزم وكان أبرز تلك الإجراءات.

- هدم قبور الصحابة وبعض الأولياء التي كان يتم الاستغاثة والمناجاة بأصحابها. كقبر الصحابي « زيد بن الخطاب ».

- إقامة الحدود وتطبيق العقوبات الشرعية على المتجاوزين. وقد طبق هذا الباب فعلياً عندما أمر برجم امرأة اعترفت أمامه بالزنا.

- فتح مجالس التدريس وتعليم المجتمع أصول العقيدة الإسلامية .

كان لتلك الإجراءات وقع كبير على المجتمع النجدي. مما دفع برئيس الإحساء والقطيف آنذاك « سليمان بن محمد الحميدي » إلى أن يبعث برسالة إلى أمير العيينة يأمره بإخراج الشيخ منها أو قتله .

الأمر الذي جعل الشيخ يغادر إلى الدرعية سنة 1744 ، فوجد لدى أميرها محمد بن سعود النصرة والدعم والإسناد. ومثل الاتفاق الذي حدث بين الشيخ والأمير مرحلة فاصلة في حياة الدعوة. وتحولها إلى حركة دينية سياسية. وكان النواة الأولى في بناء الدولة السعودية الأولى وعلو شأن آل سعود.

وأخيراً توفي الشيخ محمد عبد الوهاب في الدرعية سنة 1792 . وقد ترك عدة كتب ورسائل ضمنها آراءه في الإصلاح الديني ، وأهمها :

1- كتاب التوحيد وهو من أهم مؤلفاته. ذكر فيه حقيقة التوحيد وحدوده ، والشرك ومفاسده.

2- مختصر السيرة النبوية.

3- مختصر زاد المعاد.

4- مختصر الإنصاف والشرح الكبير.

5- أصول الإيمان وفضائل الإسلام.

6- أحاديث الفتن.

7- مسائل الجاهلية.

8- الكبائر.

9- أصول الإيمان.

10- كتب أدب المشي إلى الصلاة.

11- كشف الشبهات.


أصول الحركة الوهابية ومرتكزاتها:

إن القضية الأساسية التي يجب أن نعالجها الآن تتمثل بالسؤال الآتي : من أين استقى محمد بن عبد الوهاب أفكاره الإصلاحية ؟ يتفق معظم الباحثين على أن لأفكار « ابن تيمية الأثر الكبير في الدعوة الوهابية . يقول المستشرق الإنكليزي (نيكلسون Nicholson) :

« ... لقد حاول ابن تيمية في القرن الثالث عشر للميلاد اجتثاث المساوئ التي أحاطت العقيدة الإسلامية البسيطة بالغموض فأخفق. غير أن آخرين استأنفوا عمله فتوج هذا العمل بعد فترة طويلة بحركة الإصلاح الوهابية » . وترى « مديحة أحمد درويش » بأن الحركة الوهابية هي استمرار لدعوة ابن تيمية. يشهد بذلك التشابه بالمبادئ. فكلا الرجلين دعا إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة وآثار السلف. وهي الأفكار نفسها التي دعا إليها من قبل أحمد بن حنبل . ويعتقد المستشرق الألماني « بروكلمان » بأن النتيجة التي توصل إليها محمد بن عبد الوهاب بعد دراسته لتعاليم أحمد بن حنبل وابن تيمية أن الإسلام في شكله السائد مشرب بالمساوئ ومن أجل ذلك حاول أن يعيد إلى العقيدة الإسلامية والحياة الإسلامية صفاءهما الأصلي في محيطه الضيق .

ويشير أحمد أمين إلى أن محمد بن عبد الوهاب عرف ابن تيمية من خلال دراسته الحنبلية ، وأنه أعجب به وعكف على دراسة رسائله وكتبه. حتى أنه يوجد في المتحف البريطاني بعض رسائل لابن تيمية مكتوبة بخط ابن عبد الوهاب . ويرى حسين مؤنس بأن ابن عبد الوهاب حول مبادئ ابن تيمية إلى برنامج سياسي وذلك من خلال تحالفه مع محمد بن سعود الذي سهل له نشر مبادئه .

إن زيارة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لدمشق ، التي كانت يوماً ما مركزاً لنشاط ابن تيمية قد ساعدته على التعمق في قراءة مؤلفات هذا العالم ، والنهل منها. وكان لذلك أثره الكبير في تشكيل الأفكار الإصلاحية لابن عبد الوهاب .

هناك مسألة أخرى مهمة تتعلق بأثر الحركة السلفية في الموصل على دعوة الشيخ ابن عبد الوهاب. يعتقد قسم من الباحثين ، بأن زيارة محمد بن عبد الوهاب للموصل واتصاله بالشيخ أحمد الجميلي (ت : 1656 م) ، وهو من العلماء الذين دعوا إلى رفض الملا أحمد بن الكولة. كل ذلك قد أثر في أفكار الشيخ محمد . فقد كانت هناك في الموصل حركة اصلاحية تدعو إلى الرجوع إلى القرآن والسنة ونبذ الأولياء. ولا يستبعد أن يكون لتلك الحركة أثرها الكبير في الدعوة الوهابية . وعلى الرغم من ذلك تبقى تعاليم ابن تيمية هي الباعث الأول والمهم لحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية .

أما أهم أسس الحركة الوهابية ومرتكزاتها فيمن إجمالها : بالتوحيد والعودة إلى الأصول ، فدعوة الشيخ محمد كانت حربا على كل المبتدعات من زيارة القبور والخروج وراء الجنائر وحفلات الذكر. فكل هذا مخالف للإسلام ولابد من إزالته. كما أكد الوهابيون على فتح باب الاجتهاد من أجل إيجاد الحلول المناسبة لمشاكل المجتمع كافة . وركز الشيخ على « مبدأ التكفير والقتال ». والوقوف ضد مخالفي تعاليمه للحفاظ على طهارة الإسلام . والملاحظ الشيخ واتباعه لا يعتمدون الناحية النظرية في هذا المبدأ فقط ، وإنما يعملون على تطبيقه عمليا. فالوهابية « لم تقتصر على الدعوة المجردة بل عمدت إلى حمل السيف لمحاربة المخالفين لهم باعتبار أنهم يحاربون البدع. وهي منكر يجب محاربته » .

أما « مبدأ الإمامة » فيؤكد الوهابيون على ضرورة وجود الإمام الذي ينفذ أحكام الشريعة ، ويوحد المسلمين ويقودهم ضد الأعداء. ويرى الشيخ نفسه بأن طاعة الحاكم واجبة ، « وإن كان جائرا أو فاسقاً » وإن أمره يجب أن يطاع ما دام لم يأمر بمعصية . إن اتباع الشيخ يؤكدون على هذه القضية وينصحون بالصبر على جور الحكام. كما يذمون أية ثورة مسلحة ضدهم .

مما سبق يمكن القول أن الهدف العام للحركة الوهابية هو استبعاد البدع التي ظهرت منذ القرن الثالث من تاريخ الإسلام . وقد حارب الوهابيون فكرة تقديس ما سوى الله (الأنبياء ، والأولياء) وهم يؤكدون على ضرورة الالتزام بصلاة الجمعة. كما حرموا شرب التبوغ وعاقبوا على ذلك. وأكدوا على ضرورة دفع الزكاة سراً. وهم يعتقدن بأن مجرد اللفظ أو التفوة بالإسلام لا يكفي لجعل الإنسان مؤمناً. والملاحظ أن الوهابيين يعدون أنفسهم متبعين لا مبتدعين (*). وهم يؤكدون كثيرًا على ضرورة الرجوع والسنة.

لقد نظر الوهابيون باحترام كبير إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم . لكنهم أصروا على فكرة أنه « فان » وأنه لا يمكن أن يعظم إلى حد العبادة. ومن هنا قاموا بتخريب القباب والأضرحة المزخرفة لأكثر الأولياء قدسية دون أن يستثنوا ضريح النبي صلى الله عليه وسلم نفسه. وهم لم يفعلوا كل ذلك في زعمهم إلا مصلحين .

استطاع الشيخ محمد بن عبد الوهاب بحركته ودعوته الإصلاحية أن ينشر حقائق التوحيد في أرجاء الجزيرة العربية ، وينشئ مدرسة إسلامية تجديدة كان لها الأثر الكبير في بروز العديد من الحركات الدينية التي تشهدها الساحة الإسلامية في الوقت الحاضر .

لذلك يمكننا القول بأن التيار الإسلامي في الخليج العربي ، وفي جزء كير منه اعتمد على الدعوة الوهابية وأفكارها ومبادئها كقاعدة ينطق منها في عمله الإسلامي ونشاطه السياسي. كما سترى لاحقاً.

2- التنظيمات الإسلامية المعاصرة

مع تزايد الضعف الشامل للعالم العربي والإسلامي الذي سيطر على الفكر والسياسة والاقتصاد ، أصبحت المنطقة العربية موضع طمع القوى الغربية وصراعاتها السياسية. وقد تجسد ذلك التوجه الاستعماري الأوروبي بشكل واضح خلال الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918) التي أفرزت نتائج خطيرة كان أبرزها تقسيم العالم العربي والإسلامي إلى مناطق نفوذ تابعة للدول المنتصرة في الحرب. تنفيذا لاتفاقية سايكس بيكو (*).

استعان الاستعمار الغربي ، لتعزيز سيطرته العسكرية والسياسية على العالم الإسلامي بغزو ثقافي فكري مكثف ، بهدف سلخ الأمة عن هويتها الحضارية ، وجعلها تتخلى عن انتمائها لدينه. ولا سيما أن الغرب كان قد أدرك تماماً أن الإسلام بمثل مصدر القوة لدى الشعوب الإسلامية . وأن الوعي الإسلامي هو الخطر الرئيس الذي يهدد الوجود الاستعماري ، ويتصدى له . وقد عبر عن تلك الأهداف بوضوح رموز الفكر الاستعماري الغربي وقادته. فوقف رئيس وزراء بريطانيا « غلادستون » في مجلس الوزراء البريطانين رافعاً القرآن الكريم بيده مخاطبا زملاءه بقوله : « ... ما دام هذا الكتاب في أيدي المسلمين يتدارسونه ، ويقبلون على العناية به فلن تقوم لنا قائمة. فلا بد من العمل على انتزاع هذا الكتاب من عقولهم وقلوبهم » . وكتب « كتشنر » السفير البريطاني في أوغندا لحكومته عام 1892 ، مؤكداً على أن الخطر الحقيقي الذي يواجه الغرب في أفريقيا « كامن في نظام الإسلام » .

ولم تكد الحرب العالمية الأولى تنتهي حتى كانت الدولة العثمانية قد تم تصفيتها وحلت محلها دولة تركيا الحديثة التي ألغت الخلافة الإسلامية واتخذت إجراءات متشددة لتصفية كل أثر للإسلام كنظام للحياة تنفيذا لشروط جورج كيرزون (G0 Curzon) رئيس الوفد البريطاني في مؤتمر لوزان للصلح سنة 1923 ، وهي : قطع كل صلة لتركيا بالإسلام ، إلغاء الخلافة الإسلامية إلغاءً تاماً ، إخراج الخليفة وأنصاره من البلاد ومصادرة أموال الخليفة ، تشريع دستور مدني بدلاً من الدستور القديم المرتكز على الشريعة الإسلامية .

سارع (مصطفى كمال أتاتورك) ، مؤسس الدولة التركية الحديثة إلى إصدار مرسوم يقضي بإلغاء الخلافة ، وطرد الخليفة ، وفصل الدين عن الدولة. ثم خاطب النواب المعترضين على هذا المرسوم قائلاً : « بأي ثمن يجب صون الجمهورية المهددة وجعلها تقوم على اسس علمية متينة. والخليفة ومخالفات آل عثمان يجب أن يذهبوا. والمحاكم الدينية العتيقة وقوانينها يجب أن تستبدل بها محاكم وقوانين عصرية ومدارس رجال الدين يجب أن تخلي مكانها لمدارس حكومية غير دينية » .

وفي أذار 1924 أعلن المجلس الوطني الكبير موافقته على إلغاء الخلافة وفصل الدين عن الدولة. وتم إغلاق المساجد وضرب كل تيار ديني معارض .

كان لإلغاء الخلافة وقع الصدمة الشديدة على المسلمين في العالم أجمع ، لزوال الرمز الذي حافظ ، ولو نظريا ، على وحدة المسلمين وجمع شملهم .

وقد أدرك الاستعمار الغربي أن السيطرة العسكرية والسياسية على العالم الإسلامي لا يمكن أن تكون مستقرة وطويلة الأمد ما لم يرافقها غياب الفكر والوعي الإسلاميين. لذا استغل الاستعمار ظروف الجهل والفقر وحالة الانهزام النفسي في داخل الأمة الإسلامية ، الذي جعلها تحتقر ذاتها وتفقد الثقة بدينها. ومما زاد في تكريس هذا الشعور لدى بعض المسلمين أن الاستعمار الأوروبي أوحى لهم بأن سبب هزيمتهم وتأخرهم هو التزامهم بالغسلام. وأنهم غذا أرادوا التقدم والحضارة فإن عليهم أن يبحثوا عن منهج آخر غير دينهم. لأن الشريعة الإسلامية كما وصفها ، بروح عنصرية متطرفة ، المستشرق الفرنسي «كيمون» في كتابه «باثولوجيا الإسلام» بأنها : «جذام ذهولي يبعث الإنسان على الخمول والكسل. ولا يوقظه من الخمول والكسل إلا ليدفعه لسفك الدماء.. وما قبر محمد إلا عمود كهرباء يبعث الجنون في رؤوس المسلمين». كما عد المبشر «وليم جيفورد» أن مقدسات المسلمين تشكل العائق أمام تقدمهم وتطورهم. ليقرر أنه «متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب ، يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة بعيدا عن محمد وكتابه».

لذلك ظهرت في العالم الإسلامي نخبة مثقفة متأثرة بالفكر الغربي ترى أن الدين علاقة شخصية بين الإنسان وربه. وأن هناك حاجة لإدخال المفاهيم العلمانية في النظام السياسي. وضرورة «تغريب» الأمة فكرا وشعورا وسلوكا.

كان أبرز هؤلاء الداعين إلى تقليد الغرب السير على خطاه ، الأديب المصري طه حسين (1889 - 1973) في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» حيث رأى أن سبل التقدم «واضحة بينة مستقيمة. ليس فيها عوج ولا التواء. وهي أن نسير سيرة الأوربيين ونسلك طريقهم. لنكون لهم أندادا. ونكون لهم شركاء في الحضارة خيرها وشرها. حلوها ومرها.. وأن نشعر الأوربي بأننا نرى الأشياء كما يراها.. ونقوم الأشياء كما يقومها. ونحكم على الأشياء كما يحكم عليها » فضلا عن كتابه الثاني «في الشعر الجاهلي» الذي استخدم فيه «الشك الديكارتي» للطعن بصحة بعض قصص القرآن .

وفي عام 1925 ، نشر الشيخ علي عبد الرازق (1887 - 1966) كتاباً تحت عنوان : « الإسلام وأصول الحكم. بحث في الخلافة والحكومة في الإسلام » الذي يعد أول كتاب يكتبه مسلم يتولى منصب قاضي شرعي. ومن شيوخ الأزهر. أكد فيه على أن الإسلام دين لا دولة. واستنكر الدعوة إلى إعادة الخلافة التي يعدها بأنها ليست نظاما دينياً. وأن الدين الإسلامي بريء منها . وهو يدافع عن هذا الرأي قائلاً : « ... إن شعائر الله تعالى ومظاهر دينه الكريم لا تتوقف على ذلك النوع من الحكومة يسميه الفقهاء خلافة .. ولا على أولئك الذين يلقبهم الناس خلفاء. والواقع أيضاً أن صلاح المسلمين في دنياهم لا يتوقف على شيء من ذلك فليس بنا حاجة إلى تلك الخلافة لأمور دنيانا. ولو شئنا لقلنا أكثر من ذلك ، فإنما كانت الخلافة ، ولم تزل ، نكبة على الإسلام والمسلمين وينبوع شر وفساد » .

وثمة من يرى أن هذا الطرح الذي تبناه الشيخ علي عبد الرزاق ، إنما كان في حقيقته موقفا سياسياً أكثر منه موقفا شرعياً أو فكريا . فهو جاء ردا على دعوة ملك مصر آنذاك أحمد فؤاد الأول لتولي منصب خليفة المسلمين ، ورفضا لتلك الدعوة .

إلى جانب هؤلاء ذهب الكاتب جميل معلوف في كتابه (تركيا الجديدة) إلى أن « خلاص الشرق يتوقف على تفرنج الشرقيين بكل معنى الكلمة ». ويضيف داعياً إلى اعتناق العلمانية مبدأ للحياة « ... إن استناد الشرقيين على الدين في أحوالهم العالمية عمل عقيم. يبعدهم عن محجة التقدم. لا بل إنني أجد بلاء الشرق كله من الأديان. ومصيبة الشرقيين من الأنبياء » .

وتزامنا مع الدعوة إلى التغريب ، وفصل الدين عن شؤون المجتمع التي دعا إليها عدد من المفكرين ، العرب والمسلمين نشطت في العالم الإسلامي حركات التنصير الأوروبية والأمريكية معتمدة على تشجيع النظم العلمانية ودعمها. وتيارات الحركات الوطنية التي تبنت المنهج العلماني وبدأت تلك الحركات عملها فعلاً بعد المؤتمر الذي عقده زعماء الحركات التنصيرية في القدس عام 1924 رافعين شعار « تنصير العالم في جيل واحد » .

ازاء تلك التطورات والاستفزازات لمشاعر المسلمين. واستجابة لها (*) ، شرع المفكرون الإسلاميون ينادون بضرورة التمسك بمبادئ الإسلام الصحيح. والعمل على تجديد الفكر الإسلامي ليواكب تطورات العصر في إطار سعي هؤلاء المفكرين لمواجهة الغرب الأوروبي بروح إسلامية متطورة . جسدت هذه الدعوة مجموعة من التنظيمات الإسلامية التي سعت إلى تطبيق الشريعة الإسلامية ، وإقامة الدولة الإسلامية. كان أبرزها تنظيم الإخوان المسلمين في مصر ، وحزب التحرير الإسلامي في الأردن ، وحزب الدعوة الإسلامية في العراق. وهذه التنظيمات هي في واقعها واجهات للعمل الإسلامي (السني والشيعي) في المشرق العربي والإسلامي.

ويمكن استعراض اثنين منها بإيجاز كالآتي :

1- تنظيم الإخوان المسلمين

بعد تنظيم الإخوان المسلمين أول تنظيم إسلامي جماهيري لليقظة الإسلامية الحديثة. أسسه الشيخ حسن البنا (*) في مدينة الإسماعيلية بمصر عام 1928 . ففي آذار من ذلك العام ترأس البنا في منزله اجتماعا ضم ستة أشخاص من عمال المعسكر البريطاني في الإسماعيلية ، كانوا قد استمعوا إلى دعوة واعجبوا بها (**)... وتعاهدوا على تشكيل تنظيم إسلامي لنشر الدعوة الإسلامية والعمل على إصلاح المجتمع واتفقوا على تسمية التنظيم بـ(الإخوان المسلمين). ويتحدث البنا عن بدايات التنظيم قائلاً : « ... في ذي القعدة 1347 هـ الموافق مارس/ آذار 1928م ، إذا اسعفتني الذاكرة ، تلقيت في بيتي زيارة الإخوان الستة.. فقالوا : لقد سمعنا ووعينا ونحن لا نعرف السبيل العملي للوصول إلى عزة الإسلام وخدمة المسلمين.. لقد سئمنا حياة الذل والقيود هذه.. ولا نعرف الطريق إلى خدمة الوطن والدين كما تعرفه أنت.. وكانت البيعة » .

تأثر الشيخ حسن البنا ، في بداية تكوينه الفكري بالصوفية. ويؤكد البنا نزعته الصوفية وانضمامه للطريقة الحصافية (نسبة لمؤسس الطريقة حسنين الحصافي) قائلاً :

«... وفي المسجد رأيت الأخوان الحصافية يذكرون الله تعالى عقب صلاة العشاء من كل ليلة. وكنت مواظبا على حضور درس الشيخ زهران رحمه الله بين المغرب والعشاء.. فاجتذبتني حلقة الذكر بأصواتها المنسقة ، ونشيدها الجميل ، وروحانيتها الفياضة... ومنذ ذلك الحين أخذ اسم الشيخ الحصافي يتردد على الأذن فيكون له أجمل الوقع في أعماق القلب. وأخذ الشوق والحنين إلى رؤية الشيخ والجلوس إليه والأخذ عنه يتجدد حينا بعد حين » .

في عام 1932 انتقل البنا إلى القاهرة. فتركت الحياة العامة ومظاهر الفساد والانحلال الخلقي المنتشر فيها أثراً في نفسه. وحركت فيه نزعة التصدي لذلك الواقع . وفي مايس عام 1933 عقد الإخوان المسلمون مؤتمرهم الأول في القاهرة. وفيه أقر النظام الداخلي للتنظيم . الذي قسمه إلى وحدات تنظيمية مختلفة. ابتداء من (الأسرة) وهي أصغر وحدة تنظيمية والتي تتكون من خمسة أفراد. ثم (الشعبة) التي ترتبط بمكتب المنطقة وهذا يرتبط بدوره (بالمكتب الإداري) الذي يرتبط هو الآخر (بالمركز العام) الخاضع لسيطرة (المرشد العام) .

اهتم الإخوان بشكل ملحوظ بالتربية البدنية. فشكلوا عدة فرق رياضية لممارسة مختلف أنواع الرياضة البدنية. وعلى ما يبدو أن اهتمام الإخوان بهذه المسألة يأتي في سياق رغبتهم بعسكره حركتهم ، وبث روح الإقدام والجهاد فيها... وتأكيدا لذلك يذكر محمود عبد الحليم ، أحد قادة الإخوان أن «... الأستاذ المرشد رسم في ذهنه صورة لوسائل إبراز حقيقة الدعوة الإسلامية. فوجد أن هذه الصورة لا تكتمل إلا بوجود مظهر للقوة البدنية. بل أن المرشد كلف نجاراً بصناعة نموذج لبندقية خشبية كانت تستخدم في فناء دار الإخوان المسلمين في شارع الناصرية » .

كما ركز الإخوان على الإعلام بوصفه وسيلة من وسائل نشر الدعوة الإسلامية وفكر التنظيم ، فاصدروا عدة جرائد ، كان أبرزها «جريدة الإخوان المسلمين » عام 1933 ، و «جريدة النذير » عام 1938 ، ثم «جريدة الشهاب » عام 1947 وغيرها.

شهد تنظيم الإخوان المسلمين انعطافه فكرية ، برزت بشكل واضح خلال انعقاد المؤتمر الخامس في كانون الثاني 1939 الذي شكل انتقاله فاصلة في مسيرة التنظيم حيث بدأت مرحلة النشاط السياسي تبرز في فكر الإخوان ، فعبروا في هذا المؤتمر عن أهدافهم العامة والخاصة وتحديد فكرهم السياسي الذي التزموا به ، والذي ارتكز على ثلاث مسائل رئيسة هي :

1- شمولية الإسلام لجوانب الحياة كافة.

2- إن الإسلام نابع من مصدرين رئيسين هما القرآن والسنة.

3- إن الإسلام قابل للتطبيق في كل زمان ومكان .

كما أكد البنا على وجوب قيام الدولة الإسلامية. حيث يقول : «... هذا الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركناً من أركانه » . وهو بهذا لا يعترف بفصل الدين عن السياسة ، ذلك أن الإسلام كما يراه البنا « نظام شامل متكامل بذاته. وهو السبيل النهائي للحياة بنواحيها كافة وهو قابل للتطبيق في كل زمان ومكان » . وأن مبادئ الإسلام لها القدرة على تنظيم شئون الناس في الدنيا والآخرة. فالإسلام « عقيدة وعبادة ووطن وجنسية ودين ودولة وروحانية وعمل ، ومصحف وسيف » .

بهذا التصور يقرر البنا إحدى الثوابت الإسلامية وهي أن الإسلام لا يفصل بين الدين والسياسة. فيقول موضحا : «... قلما تجد إنساناً يتحدث عن السياسة والإسلام إلا وجدته يفصل بينهما فصلا. ويضع كل واحد من المعنيين في جانب منهما عند الناس. لا يلتقيان ولا يجتمعات فحدثوني بربكم : إذا كان الإسلام شيئاً غير السياسة وغير الاجتماع وغير الاقتصاد وغير الثقافة ، فما هو إذن؟.. أهو هذه الركعات الخالية من القلب الحاضر. أم هذه الألفاظ التي هي كما تقول رابعة العدوية (*) : استغفار يحتاج إلى استغفار... » . ثم أردف قائلاً : «... استطيع أن أجهر بصراحة بأن المسلم لا يتم إسلامه إلا إذا كان سياسياً بعيد النظر في شئون أمته مهتما بها غيور عليها » .

يمكن القول أن المرتكزات الأساسية التي يراها الإخوان واجبة لقيام الدولة الإسلامية ونجاحها تنحصر في :

1- القرآن الكريم مصدر أساس للتشريع.

2- اعتماد الشورى في إدارة الدولة.

3- احترام إرادة الأمة .

وعلى هذا الأساس أبدى الإخوان اهتماما بجميع جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والجهادية. فضلاً عن الجوانب العبادية والعقدية. ليعلن البنا أن تنظيم الإخوان ما هو إلا « دعوة سلفية وطريقة سنية. وحقيقة صوفية. وهيئة سياسية ، وجماعة رياضية ،... ». وقد جسد هذا الفهم المتكامل للإسلام الشعار الذي طالما كان يردده أعضاء التنظيم في اجتماعاتهم وأنشطتهم وهو : « الله غايتنا والرسول قدوتنا والقرآن دستورنا. والجهاد سبيلنا. والموت في سبيل الله أسمى أمانينا » .

وانطلاقا من هذا الموقف تعرض البنا للأنظمة السياسية التي لا تتخذ من الإسلام دستورا لها. ودعا إلى العمل الجاد للقضاء على تلك الأنظمة ، وإقامة الحكومة التي تعتمد الإسلام في تشريعاتها وكل معاملاتها الدينية والدنيوية. فقال : «... نحن لا نعترف بأي نظام لا يرتكز على أساس الإسلام. ولا يستمد منه وسنعمل على إحياء الحكم الإسلامي بكل مظاهره.. وتكوين الحكومة الإسلامية على أساس تتت( ). كما بعث برسالة إلى حكام العالم الإسلامي أسماها (نحو النور) نشرتها على شكل سلسلة ، (جريدة الإخوان المسلمون) ، مضمنا آراءه فيها ، وتصوراته لنهضة العالم الإسلامي والدولة الإسلامية .

وبكل وضوح وحزم صرح البنا بمعاداته لكل جهة لا تتخذ الإسلام منهجا لها. قائلاً : «... سننتقل من دعوة الكلام وحسب إلى دعوة الكلام المصحوب بالنضال العمل سنتوجه بدعوتنا إلى المسئولين وسندعوهم إلى مناهجنا ونضع بين أيديهم برنامجنا. فإن أجابوا الدعوة وسلكوا السبيل إلى الغاية آزرناهم. وإن لجأوا إلى الموارية وتستروا بالأعذار الواهية والحجج المردودة. فنحن حرب على كل زعيم أو رئيس حزب أو هيئة لا تعمل على نصرة الإسلام ولا تسير في الطريق لاستعادة كلمة الإسلام ومجد الإسلام. وسنعلنها خصومة لا سلم فيها ولا هوادة. حتى يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين » .

وبهذا أضاف البنا أسلوبا آخر للإصلاح والتغيير إلى جانب التغيير الفكري السلمي ملوحا باستخدام القوة لتحقيق التنظيم بقوله : «... القوة أضمن طريقة لإحقاق الحق وما أجمل أن تسير القوة والحق جنباً إلى جنب » ثم قسم تلك القوة إلى ثلاث درجات (قوة العقيدة ، وقوة الوحدة والارتباط ، وقوة المساعدة والسلاح). إلا أن استدرك منبها على أن سلوك طريق القوة مرهون بالظروف التي تواجه تنظيم الإخوان ، حيث يقول : «... لن نلجأ إليه إلا مكرهين. ولن نستخدمه إلا مضطرين. وسنكون حينئذ صرحاء شرفاء. ولا نحجم عن إعلان موقفنا واضحاً لا لبس فيه ولا غموض » .

ومن جهة أخرى ، انتقد البنا الأحزاب السياسية العلمانية ، واصفا إياها بأنها (سيئة هذا الوطن الكبرى. وهي أساس الفساد الاجتماعي) مضيفا أن « الحزبية قد افسدت على الناس كل مرافق حياتهم وعطلت مصالحهم واتلفت أخلاقهم ومزقت روابطهم. وكان لها في حياتهم العامة والخاصة أسوأ الأثر » . كما أكد على أنه « قد آن الأوان لترتفع الأصوات بالقضاء على نظام الحزبية في مصر ، وأن يستبدل به نظام تجتمع فيه الكلمة ، وتتوحد جهود الأمة حول منهاج قومي إسلامي صالح » . وعلى ما يبدو أن البنا لم يهاجم الأحزاب بشكل مطلق. بل حاول أن ينتقد الأحزاب التي تسعى للتفرقة وتجزئة الوطن الواحد. أو التي تفتقد برامج تربوية إصلاحية.

انتشرت دعوة الإخوان المسلمين انتشارا واسعا في مصر. حتى بلغ عدد المنتسبين إليها أكثر من نصف مليون شخص حسب تأكيد البنا نفسه . لا سيما بعد انضمام فئات وشرائح مختلفة من المجتمع المصري لها. فأصبح للتنظيم الإخواني منهج متكامل ، وقاعدة شعبية واسعة أهلته للمشاركة في تطورات الأحداث السياسية ، ليس فقط على الساحة المحلية المصرية (المشاركة في المظاهرات والانتفاضات الوطنية) ، بل على المستوى الخارجي أيضاً. ومنها مشاركته في حرب فلسطين عام 1948 ودوره البارز في تلك الحرب . وقد أكد البنا على أن مشاركة الإخوان هي من باب الاهتمام بقضايا المسلمين حيث يقول : «... أن كل أرض يقال فيها لا إله إلا الله محمد رسول الله ، وهي جزء من وطننا ، له حرمته وقداسته والإخلاص له والجهاد في سبيل خيره » .

اتسع هذا التنوع في دوائر الإصلاح والتغيير لدى تنظيم الإخوان ، ليشمل شئون السياسة والحكم ، مما شكل تهديدا للنظام السياسي الحاكم في مصر آنذاك. فأقدم رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النقراشي ، في كانون الثاني 1948 ، على إصدار قرار حل تنظيم الإخوان ، ومصادرة أموالهم واعتقال قادتهم . فكان هذا الإجراء سبباً في اغتياله على إيدي عناصر من تنظيم الإخوان. وفي 12 شباط 1949 دفع البنا حياته ثمناً لظاهرة العنف الموجه ضد الأنظمة السياسية ، التي تبنتها ، فيما بعد بعض الحركات الإسلامية ، كرد فعل لأسباب مختلفة . فكان اغتيال البنا نهاية حقبة متميزة من تاريخ تنظيم الإخوان. ابتدأت منذ تأسيسه عام 1928. لتبدأ صفحة جديدة أخرى من مسيرة التنظيم.

أصبح لتنظيم الإخوان المسلمين المسلمين فروع في مختلف بلدان العالم. مارس فيها نشاطات متعددة سياسية واجتماعية وثقافية. ومنها منطقة الخليج العربي ، كما سنرى لاحقاً.

2- حزب الدعوة الإسلامية

شهد العراق خلال تاريخه المعاصر ظهور عدد كبير من التنظيمات والحركات الإسلامية (السنية والشيعية) التي كان لعلماء الدين دور متميز في تأسيسها أو نشاطها. ففي مطلع القرن العشرين ، ولا سيما بعد احتلال القوات البريطانية للعراق ، بادر عدد من علماء الدين إلى تولي العديد من الجمعيات والأحزاب الإسلامية. فظهرت جمعية (النهضة الإسلامية) عام 1917 برئاسة السيد محمد بحر العلوم ، والشيخ محمد جواد الجزائري. وكان لهذه الجمعية دور متميز في إعلان ثورة النجف عام 1918 ، التي كانت أول مواجهة مسلحة مع القوات البريطانية بعد الحرب العالمية الأولى. وفي تموز 1918 تأسيس (الحزب النجفي السري) ضم عدداً من علماء الدين كالشيخ عبد الكريم الجزائري ، والشيخ محمد جواد الجزائري ، والشيخ جواد الجواهري. كما ضم عدداً من رؤساء العشائر والشخصيات الاجتماعية. وحظي هذا الحزب في حينه بدعم المرجع الديني السيد محمد تقي الشيرازي .

وفي أربعينيات القرن العشرين وخمسينياته ، تشكلت في العراق تنظيمات إسلامية كان معظمها امتدادا للحركاة الإسلامية التي أنشئت في بلدان إسلامية أخرى كجماعة الإخوان المسلمين ، وحزب التحرير الإسلامي . فضلاً عن ذلك شهدت الساحة الإسلامية في العراق ظهور عدة منظمات سياسية إسلامية شيعية منها (منظمة الشباب المسلم) التي أسسها الشيخ عز الدين الجزائري في النجف عام 1951 ، و(الحزب الجعفري) الذي تأسس عام 1952 من لدن مجموعة من الشباب في النجف ، و(منظمة المسلمين العقائيين) و(شباب العقيدة والإيمان) و(منتدى النثر) و(جماعة العلماء) التي أسسها عشرة من علماء النجف البارزين .

أما حزب الدعوة الإسلامية. فثمة أكثر من رأي حول تاريخ تشكيل الحزب. فيذكر (صالح الأديب) أحد الأعضاء المؤسسين للحزب ، إن أول خلية للحزب تشكلت في عام 1957 . بينما يؤكد آخرون أن تأسيس الحزب الفعلي تم بعد أشهر قليلة من قيام ثورة 14 تموز 1958.

ويمكن القول أن المرحلة التأسيسية لحزب الدعوة استمرت من 1957 إلى عام 1958 حيث شهدت تلك المدة عقدة عدة اجتماعات تحضيرية. حتى تم الاتفاق على شكل العمل وطبيعة تحركه ، فيذكر أحد الباحثين أنه على الرغم من أن تأسيس الحزب كان أواخر العهد الملكي ، إلا أنه أخذ شكله النهائي ، ومارس نشاطه التنظيمي السري بشكل واسع بعد ثورة 14 تموز 1958 ، حين فسحت حكومة عبد الكريم قاسم المجال أمام العمل الحزبي والسياسي .

مهما يكن من أمر ، ففي أحد تلك الاجتماعات الذي عقد في بيت المرجع الديني السيد (محسن الحكيم) في النجف ، وحضره عدد من العلماء والمفكرين والشخصيات الإسلامية (*)................. وضعت اللبنات الأساسية لتنظيم حزب الدعوة الإسلامية . وتشير أغلب المصادر إلى الدور الرئيس الذي لعبه السيد محمد باقر الصدر (*) ، في تأسيس الحزب واقتراح تسميته بهذا الاسم . ويشير السيد الصدر إلى مسألة تسمية الحزب ، في سياق تأكيده على العمل الحزبي بقوله : «.. أن اسم الدعوة الإسلامية هو الاسم الطبيعي لعملنا والتعبير الشرعي عن واجبنا في دعوة الناس إلى الإسلام. ولا مانع أن نعبر عن أنفسنا بالحزب والحركة والتنظيم. فنحن حزب الله وأنصار الله وأنصار الإسلام.. وعملنا دعوة إلى الإسلام » .

كان لحزب الدعوة تنظيمية ، تحاكي في أسلوبها التنظيمي الأحزاب السرية الأخرى وهذا ما أكده أحد المشاركين في تأسيس الحزب الشيخ علي كوراني بقوله : «... إن حزب الدعوة حاول في بداياته امتلاك فكر الإخوان المسلمين ، وعمل حرب التحرير الإسلامي ، وأداء الحزب الشيوعي ».

كما وصف الحزب بأنه ائتلاف ضم خطوطا إصلاحية وإسلامية مختلفة تمثلت بـ :

1- الحوزة العلمية في النجف.

2- حركة الإصلاح خارج الحوزة.

3- حزب التحرير.

4- الإخوان المسلمين.

5- منظمة الشباب المسلم.

حدد حزب الدعوة الإسلامية أهدافه في السيطرة على مقاليد الحكم وإعلام الحكومة الإسلامية ، وتغيير واقع المجتمع البشري إلى واقع إسلامي ، وإحلال الشريعة الإسلامية محل القوانين الوضعية ، وإحياء الفكر الإسلامي الأصيل من جديد ، وتنقيته من الأفكار والمفاهيم الغربية وتحرير البلاد من السيطرة الاستعمارية .

وقسم القائمون على الحزب الفترة التي يستغرقها الحزب من بدء نشاطه إلى قيام الدولة الإسلامية إلى أربع مراحل : الأولى أطلق عليها « المرحلة التغييرية » أو الفكرية التي استغرقت أكثر من عشرين عاماً من عمر الحزب. فيما سميت المرحلة الثانية بـ « المرحلة السياسية » التي بدأ الحزب ، منذ نهاية السبعينات ، يطرح في أدبياته قضية الانتقال إليها. وهناك « المرحلة الثورية » و « المرحلة الحكمية » . تشكل حزب الدعوة على أساس فكرة (الشورى) و(الانتخابات). فقد جاء في أحد الأسس الفكرية التي بني عليها الحزب أن « شكل الحكم في الإسلام في (عصر الغيبة) يقوم على قاعدة الشورى. وأن الشورى في عصر الغيبة شكل جائز من الحكم. فيصح للأمة إقامة حكومة تمارس صلاحياته في تطبيق الشرائع وعلى هذا الأساس فإن أي شكل شوري من الحكم يعد شكلا صحيحاً ما دام ضمن الحدود الشرعية » .

شهد حزب الدعوة الإسلامية انتشارا في قواعده ففتح خطوطا تنظيمية جديدة في مدن العراق المختلفة ، مثل بغداد والبصرة والناصرية وغيرها. كما امتد تنظيم الحزب إلى أقطار إسلامية غير العراق. فتشكلت بعض الفروع للحزب في لبنان ، فضلاً عن بعض أقطار الخليج العربي ، التي شهدت نشاطا سياسياً مارسه الحزب لتحقيق أهدافه التي سعى للوصول إليها ، وكما سنرى لاحقاً.

الفصل الثاني: جذور التيار الإسلامي المعاصر في الخليج العربي

أولاً : الخصائص الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية للخليج العربي

ثانيًا : العوامل المؤثرة في بروز الوعي الفكري والإسلامي وانتشاره في الخليج العربي

تعد التطورات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية التي حدثت في منطقة الخليج العربي ذات أثر بالغ في حياة مجتمع تلك المنطقة ، سواء من حيث التقاليد والأعراف أو من حيث الاتجاهات والحركات الفكرية. فإذا أردنا أن نحقق إدراكاً أوسع وأعمق لطبيعة الحركة الفكرية في الخليج العربي ، والتي تمثل التيار الإسلامي أحد أركانها الرئيسة ، لا بد لنا من التعرف على الخصائص والمرتكزات الاقتصادية والسياسيةة والفكرية لمجتمع الخليج العربي. ذلك لأن الحركات السياسية عموماً ، والإسلامية منها بشكل خاص ، انبثقت من هذا المجتمع. فلا يمكن للفكر الإسلامي في الخليج بأية حال من الأحوال ، أن ينعزل عن الأحداث والمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي يمر بها المجتمع الخليجي. وبالتالي يمكن القول أن الفكر الإسلامي في الخليج والاتجاهات الفكرية الأخرى ، ما هي إلا نتاج تلك المتغيرات. سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة.


أولاً : الخصائص الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية للخليج العربي

1- أهمية الموقع الجغرافي للخليج العربي

الخليج العربي بحر داخلي. يقع من الناحية الجغرافية بين إيران شرقاً ، وشبه الجزيرة العربية غرباً. والعراق شمالاً وخليج عمان جنوباً (*). كما يقع خطي عرض 24 و30 شمال خط الاستواء. وبين خطي طول 47 و57 شرق غرينتش . ومياه الخليج ضحلة نسبياً تمتد من شط العرب في الشمال حتى رأس مسندم في الجنوب ، فتقطع مسافة تقارب (1300) كم. أما اتساعه فيتراوح بين 47 كم في أضيق منطقة (عند مضيق هرمز).

و280 كم في أوسع نقطة فيه. أما أعمق نقطة فيه فتصل إلى 100م قرب جزيرة هرمز . وتحيط اليابسة بالخليج العربي ، ومعظمها أراض صحراوية واسعة. تتوزع فيها بعض الواحات والمياه الجوفية ، جعلها صالحة لإنتاج بعض المحاصيل الزراعية. مما عزز أهمية المنطقة سياسياً واقتصاديا .

ويعد الخليج العربي أحد أهم طرق المواصلات والتبادل التجاري بين الشرق والغرب. وهو الجسر الموصل بين قارات العالم الرئيسة . وقد كان لهذا الموقع الاستراتيجي أثره الكبير في تطوره التاريخي. مما ساعد على نمو الحضارات الإنسانية فيه وازدهارها. ونتيجة لهذا ، وقربه من مناطق الصراع السياسي القديم والحديث (آسيا وأفريقيا وأوربا) جعله محط أنظار كل دولة تهدف إلى فرض سيطرتها على تلك الأجزاء ، فأصبح الخليج في مقدمة أهداف واهتمامات الدول الاستعمارية قديماً وحديثاً. وهذا ما عبر عنه أحد صناع القرار السياسي الانكليزي (ريمون أوش) عندما وصف منطقة الخليج العربي بأنها « شريان الحياة الرئيس بالنسبة لنا وسيظل الخليج يسيطر على استراتيجيتنا الدولية سنين طويلة » .

ساعدت تلك الخصائص الجغرافية على إضفاء سمات الانفتاح والازدهار الحضاري على مجتمعات المناطق الساحلية في الخليج العربي نتيجة الاتصال والاحتكاك مع المجتمعات والحضارات الأخرى. فانعكس بشكل واضح على التقدم والنهوض الثقافي والحضاري لبعض أقطار الخليج العربي ، مثل الكويت والبحرين دون غيرهما من دول الخليج وكما سنرى لاحقاً.


2- النشاط الاقتصادي

امتازت منطقة الخليج العربي ، عبر مراحلها التاريخية المختلفة حتى ظهور النفط فيها ، بتنوع مصادرها الاقتصادية. واختلاف سبل المعيشة فيها فالعوض بحثاً عن اللؤلؤ ، والزراعة ، والتجارة ، وصيد الأسماك وصناعة السفن ، إلى جانب تربية الماشية. كانت تمثل الأنشطة الاقتصادية التقليدية السائدة فيها .

ومهنة صيد اللؤلؤ والزراعة ، كما يصفها أحد الباحثين ، بأنهما « لم يكونا يمثلان مجرد مصادر للدخل.. وإنما كانا طريقة للحياة أيضاً » . وهي بهذا تعد أحد أكبر الأنشطة الاقتصادية الرئيسة لأبناء الخليج العربي ، وتشكل القاعدة الأساسية في حياتهم الاقتصادية.

ويبدو أن هذا النشاط لم تنظمه أية قوانين مكتوبة ، بل كان خاضعا لنظام تقليدي متخلف. وأصحاب رؤوس الأموال الذين يمتلكون السفن وأدوات الغوص هم المتحكمون في اقتصاد اللؤلؤ . من خلال علاقات الإنتاج التي يطغى عليها مبدأ تراكم الديون ، أو كما تعرف في الخليج بـ (السلفة) (*). وخضوع الصياد واستعباده من لدن رب العمل .

قدر عدد الذين يعتمدون في معيشتهم على هذا النشاط من أبناء الخليج العربي بـ (70.000) ألف شخص مطلع القرن العشرين. وهؤلاء كانوا منقسمين إلى شرائح مختلفة أهمها : (النوخذه) وهي كلمة فارسية الأصل تعني ربان السفينة أو قائدها ، (المجدمي) ، وهو نائب النوخذه والمسئول عن عمال السفينة ، (الغواص) ، وهو الذي يقوم بالغوص ويجمع الصدف الذي يحتوي على اللؤلؤ من قاع البحر ، (السيب) هو المسئول عن سحب الغواص وإخراجه من البحر ، (الرضيف) ، وهو صبي يقوم بخدمة العاملين على السفينة ، (الطواشي) ، وهم التجار الذين يقومون بعملية بيع اللؤلؤ وشرائه وتصديره .

وكان لهذا النشاط الاقتصادي أوقات وأسماء معينة. فهناك (الغوص الكبير) وهو فترة الغوص الرئيسة. وتستمر من شهر حزيران حتى بداية تشرين الأول. وتتميز بكونها أفضل المواسم لأن البحر يكون هادئا وخاليا من العواصف. ومياه البحر دافئة .

تعد عملية الغوص من الأعمال الشاقة التي يكتنفها الكثير من المخاطرة والعقبات التي تواجه الغواص بشكل خاص. والذي لا يحصل من عمله الشاق هذا إلا على الفتات. إلى جانب تعرضه لأخطار الأسماك المفترسة داخل البحر. فضلاً عن إصابته ببعض الأمراض التي تصيب الرئة والقلب .

وقد شهد هذا النشاط الاقتصادي نموا وازدهارا كبيراً في الربع الأول من القرن العشرين. وعلى الرغم من أن الجانب التقليدي كان يغلب على هذا النشاط. إلا أنه ظل يشكل العمود الفقري لاقتصاد المنطقة ، وتجارتها الداخلية ، بين المدن والموانئ الخليجية ، والخارجية مع الدول المجاورة. فأصبحت تجارة اللؤلؤ بين سواحل الخليج العربي والهند وشرق أفريقيا وإيران من أبرز العوامل التي ساعدت على تعرف المنطقة على الثقافات والتيارات الفكرية السائدة في تلك الشعوب والتأثر بها .

تعرضت صناعة اللؤلؤ في عقد الثلاينيات إلى الكساد والتدهور. وبدأت تفقد مكانتها الاقتصادية لعدة أسباب كان أهمها ظهور اللؤلؤ الصناعي الياباني الرخيص الثمن ، وإغراق السوق العالمية به . والعامل الآخر الأهم هو اكتشاف النفط في الخليج ، الذي وفر فرص عمل كثيرة ومضمونة لأبناء المنطقة الذين تركوا مهنة الغوص وتحولوا إلى ممارسة الأعمال التجارية الأكثر دخلا . فانتهت بذلك مهمة الغوص بعد أن تشكلت حولها في الخليج شريحة اجتماعية كانت مؤهلة للتأثر بالأفكار الإصلاحية ذات المنطلقات الدينية ، التي برزت فيما بعد على الساحة السياسية في الخليج الغربي.

أما مهنة صيد الأسماك فتأتي في المرتبة الثانية بعد الغوص على اللؤلؤ من حيث أهميتها الاقتصادية كونها أحد الموارد الرئيسة لمعيشة السكان في الخليج لرخص الثمن وتنوع الفوائد الغذائية. فهناك حوالي (400) نوع من الأسماك تعيش في مياه الخليج. ويحصي لوريمر عدد مراكب صيد السمك العاملة في مياه الخليج بحوالي (250) مركبا.

مارس أبناء الخليج العربي إلى جانب الغوص ، وصيد السمك ، نشاطا اقتصادياً آخر تمثل بالزراعة والرعي. إلا أن ممارسة هذه المهنة كانت مقتصرة على مناطق محدودة لعدم توافر الأراضي الزراعية ، وقلة الأمطار والمياه الجوفية. فاقتصرت الزراعة على بعض الواحات والمناطق الساحلية ، مثل الإحساء والقطيف وبعض إمارات الساحل العماني حيث تنتشر مزارع النخيل والفواكه .

أما ملكية الأرض ، فغالباً ما كانت بيد شيوخ العشائر وكبار الملاكين والتجار الذين كانوا يسيطرون على أفضل الأراضي الزراعية ، وينتفعون من الفوائد التي يفرضونها على الفلاحين . لذلك ظل المردود الاقتصادي للزراعة محدودا ، نتيجة لطبيعة العلاقات الإقطاعية السائدة في المجتمع الزراعي الخليجي ، وعدم توافر الظروف المناخية الملائمة للزراعة. فضلاً عن انخفاض إنتاج الأراضي الزراعية الذي كان لا يكفي إلا الأصحاب الأرض الذين يعيشون عليه مع هامش ضئيل للبيع في السوق المحلية بسبب العوامل اعلاه . وجاء اكتشاف النفط ليزيد من تدهور مهنة الزراعة كما حدث لمهنة صيد اللؤلؤ.

ارتبطت بالزراعة بعض الصناعات البسيطة والتقليدية ، مثل صناعة السلال وكبس التمور وصناعة الفخار وأدوات الزراعة ، وتجفيف الملح. فضلاً عن صناعة المسامير والحبال وما يتعلق بصناعة السفن .

كما تكونت في بعض مدن الخليج العربي موانئ صغيرة شكلت أسواقا للتجارة وتبادل السلع. فإلى جانب تجارة اللؤلؤ التي كانت مزدهرة في الربع الأول من القرن العشرين كان هناك نوع من التجارة البدائية السائدة في مدن الخليج العربي وقراه. فضلاً عن وجود نشاط تجاري محدود بين إمارات الخليج العربي بعضها مع بعض من جهة ، ومع العالم الخارجي من جهة أخرى . وهكذا فإن معظم سكان الخليج العربي كانوا ما تجارا أو صيادين أو حرفيين. وهذا ما أكده أحد المؤرخين عند وصفه الشرائح الاقتصادية للمنطقة : «... أما سكانها الذين لا يغوصون ولا يركبون لرزقهم البحار ، فهم يزرعون الأرض. والذين لا يزرعون يتاجرون » .

وخلال العقد الثالث من القرن العشرين بدأت المحاولات الأولى للتنقيب عن النفط في كل من المملكة العربية السعودية والبحرين والكويت وقطر. فكان لاكتشاف النفط وتدفق عائداته المالية الضخمة ، تأثيره الكبير في المتغيرات التي شهدتها المنطقة ، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي ، وحتى الفكري مما أفرز قيما ونظما لم تكن سائدة في المجتمع قبل ذلك.


3- التركيبة الاجتماعية

من خلال الأنشطة الاقتصادية السائدة في مجتمع الخليج العربي ، تشكلت التركيبة الاجتماعية ، التي غلب عليها الطابع القبلي. فكانت القبيلة أساس نمط الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمنطقة ، والتي تسيطر على طبيعة العلاقات السائدة بين أفرادها ، وفق التقاليد والأعراف السائدة فيها. والقائمة على العصبية القرابية التآزرية .

ولشيخ القبيلة السلطة العليا المستمدة من مكانته الاجتماعية وانتمائه الأسري وثروته التي يمتلكها. فهو السيد المطلق الذي يفصل في شئون القبيلة. يعاونه مجلس شورى القبيلة المكون من أعيان القبيلة ووجهائها. وغالباً ما يتحرى الشيخ في مواقفه وقراراته أحكام الشريعة الإسلامية. وعلى أفراد القبيلة يقع واجب التبعية والولاء للشيخ لكي تحافظ القبيلة على هويتها الحقيقية ومكانتها في المجتمع .

كما سادت في المجتمع الخليجي فئات اجتماعية متعددة ، كان أبرزها وعلى رأسها الأسر الحاكمة ، التي تمثل قادة النظام السياسي في الخليج بتركيبتها السياسية وتحولها من مشيخات إلى إمارات ، ومن ثم تشكلت على أساسها الدول مع احتفاظها بنزعتها القبلية الطاغية على أسلوب حكمها. ودخول تلك الأسر في تحالفات وثيقة وصلات نسب مع القوى الاقتصادية السائدة آنذاك ، وشرائح اجتماعية مالكة لوسائل الإنتاج ورأس المال والتجارة ، وأصحاب الهرم الاجتماعي تمثلت بالعمال والمزارعين وأصحاب المهن التقليدية والبدو .

وبعد اكتشاف النفط ، شهدت منطقة الخليج العربي هجرة إعداد كبيرة من الوافدين إليها ومن جنسيات مختلفة للإفادة من عوائد النفط وتحسين مستوياتهم المعيشية. فكان لهؤلاء الوافدين تأثير واضح على طبيعة المنطقة اجتماعيا وسياسيا. من خلال العادات والتقاليد والتجارب السياسية والفكرية التي جلبها هؤلاء إلى المنطقة . مما أثر في ظهور الحركات الفكرية التي شهدتها الساحة السياسية في الخليج آنذاك.

يعتنق المجتمع الخليجي عموماً ، الإسلام. إلا أنه ينقسم مذهبيا إلى (سنة) و(شيعة) وتتباين نسبة هذين المذهبين من قطر خليجي إلى آخر. فالشيعة في المملكة العربية السعودية يشكلون حوالي 15% من نسبة السكان (*). وهم من الشيعة الإمامية الذين يعرفون بالأثني عشرية. ويرجع معظمهم إلى أصول عربية ، ويتركزون في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية (الإحساء والقطيف) ولهذه المنطقة أهمية استراتيجية كبيرة نظراً لكونها إحدى أهم مناطق إنتاج النفط في المملكة. ولقربها من إيران وجنوب العراق. فضلاً عن وجود القاعدة الجوية الأمريكية في الظهران .

أما الغالبية فيتبعون المذهب السني في صورته الوهابية (السلفية) ، مع وجود أقليات سنية من مذاهب أخرى. فيوجد في المنطقة الوسطى (نجد) أتباع المذهب الحنبلي. وفي المنطقة الغربية (الحجاز) يغلب عليها المذهب المالكي والشافعي. والمنطقة الجنوبية (عسير وجيزان ونجران) تشكل خليطاً من المذاهب الإسلامية . فضلاً عن وجود بعض الطرائق الصوفية ، محدودة التاثير والانتشار مثل السنوسية والإدريسية والقادرية والبكتاشية .

وفي الكويت يشكل الشيعة أقلية طائفية. وقدر المقيم السياسي البريطاني في الكويت عددهم في ثلاثنيات القرن العشرين بـ (18000) نسمة ، من مجموع سكان الكويت البالغ (65000) نسمة . وثمة من قدر نسبتهم في تسعينات القرن العشرين ما بين 15- 25% ومعظم هؤلاء من أصول عربية هاجروا إلى الكويت من السعودية والبحرين والعراق. أما الشيعة الوافدون من إيران ، فيطلق عليهم (العجم) وقد شجع الاستعمار البريطاني آنذاك هذا النوع من الهجرة لأسباب سياسية. وشيعة الكويت يتمتعون ، نوعاً ما ، بمكانة مرموقة في المجتمع الكويتي. حيث يوجد لهم ممثلون داخل مجلس الأمة الكويتي .

أما البحرين فيشكل الشيعة فيها أغلبية ، بلغت نسبتهم في تسعينات القرن العشرين 70% من إجمالي عدد السكان البالغ (503.022). فيما يشكل المسلمون السنة حوالي 30% من مجموع السكان ، كما يشير الجدول الآتي :

التعدد المذهبي وتطوره الديموغرافي في البحرين

المذهب إحصاء عام 1940(العدد بالآف) إحصاء عام 1940 (النسبة المئوية%) تقديرات عام 1955(العدد بالآف) تقديرات عام 1955 (النسبة المئوية%) تقديرات عام 1996(العدد بالآف) تقديرات عام 1996 (النسبة المئوية%)
الشيعة 46.359 52.47 68.831 57 352.115 70
السنة 41.984 47.53 52.080 43 150.907 30


ويقطن معظم شيعة البحرين في القرى والأرياف. وهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام البحارنة. وهم سكان البحرين الأصليون. والشيعة المهاجرون من الإحساء والقطيف وهؤلاء من أصول عربية يشكلون 95% من شيعة البحرين. والقسم الثالث ، الشيعة القادمون من إيران . ويبدو أن الأقلية السنية هي التي تحتكر مصادر القوة والسلطة. لذلك يشعر الشيعة في البحرين وكأنهم مهمشون ومبعدون عن المشاركة السياسية في الحكم .

أما شيعة الإمارات العربية المتحدة فتصل نسبتهم إلى 20% من مجموع السكان ويتركزون في مدينة دبي التجارية. ويمتهن أغلبهم التجارة الداخلية والخارجية وإجمالا يتمتع شيعة الإمارات بوضع اقتصادي واجتماعي مرموق . كما يشكل الشيعة في دولة قطر ، أقلية مذهبية تقدر نسبتها بـ 25% من مجموع السكان وهم أيضاً يتمتعون بأوضاع اجتماعية واقتصادية مناسبة .

وفي المقابل تمثل سلطنة عمان حالة مناقضة لدول الخليج الأخرى فالإباضية (*) فيها يعدون أغلبية مذهبية ، تصل إلى 80% وأقلية سنية تقدر بـ 20% من مجموع السكان . ويبدو أن هناك انسجاما محسوسا بين الأباضية والسنة في عمان ، أزال أي مظهر من مظاهر التوتر والصراع بين الطائفتين.

يمكن القول أن الأقلية الشيعية في الخليج العربي وجدت نفسها مبعدة عن مراكز صنع القرار السياسي. وأن حقوقها الاجتماعية مستلبة. لذا بدأت تتطلع لتحسين أوضاعها السياسية والاجتماعية والاقتصادية. كما أنها وجدت في المشاركة في الحياة السياسية وسيلة لتحقيق ذلك الهدف. لذلك يمكن الاستنتاج أن معظم الحركات السياسية المعارضة ، ومنها الحركات الإسلامية ، التي ظهرت في الخليج العربي ، نشأت وتطورات في البيئة الشيعية ، كما سنرى لاحقاً.

وتجدر الإشارة إلى تبني الطائفتين ، السنة والشيعة ، في الخليج العربي للمشاريع الإصلاحية في المجتمع الخليجي. والتي تدعو إلى ضرورة التمسك بالشريعة الإسلامية وتطبيقها ، ونبذ التفرقة الطائفية بين السكان واستلهام التراث الإسلامي والالتزام بحقوق الإنسان كما نصت عليه الشرائع السماوية ، ورفض الوجود الأجنبي وسيطرته ، ونشر التعليم ، وإصلاح المؤسسات القضائية ، ومحاربة البدع والخرافات ، واعتماد الإسلام منهجا للحياة . وقد تجسدت تلك المشاريع بوضوح في الحركات الإصلاحية التي ظهرت أولاً في الكويت والبحرين ودبي عام 1938 والتي عدت النواة الأولى للحركة الوطنية في الخليج العربي .

ثانيًا: العوامل المؤثرة في بروز الوعي الفكري والإسلامي وانتشاره في الخليج العربي

عاشت منطقة الخليج العربي ، حتى مطلع القرن العشرين ، فترة وصفت بالتأخر الفكري والثقافي. فلم يشهد الخليج آنذاك أية ملامح لبروز الوعي الفكري والثقافي كالمدارس والصحافة والأندية والجمعيات الأدبية والاجتماعية. وينقل لوريمر صورة لواقع المنطقة بقوله : «... لم يكن شيء يلفت النظر فيها. فاحجام البيوت صغيرة ، والمدن ضيقة الأزقة.. والتعليم لم يكن معروفاً والأمية منتشرة » . وحتى الصحف التي اعتمدت عليها شريحة محدودة من أبناء الخليج كانت تصل إلى المنطقة من الأقطار العربية المجاورة مثل مصر والعراق وبلاد الشام .

وثمة من يعزو ضعف الوعي الفكري والثقافي للخليج إلى الواقع الاجتماعي للمنطقة وطغيان النزعة القبلية ، واتجاه الأفراد في ولائهم نحو القبيلة دون الولاء الوطني. مما أضعف الحس السياسي لدى المجتمع الخليجي . في حين يرى البعض أن سياسة العزلة الثقافية والفكرية التي اتبعتها الدول الاستعمارية في الخليج ، وتعمدها إبقاء المنطقة في حالة من التخلف الفكري والحضاري ، لأحكام السيطرة عليها والتحكم بمقدراتها ، كان وراء عدم نمو المؤسسات الفكرية والثقافية في الخليج العربي آنذاك .

مهما يكن من أمر ، فإن ثمة عوامل رئيسة أسهمت في ازدياد الوعي الفكري عامة ، والإسلامي خاصة ، في منطقة الخليج العربي ، يمكن أن نوجزها بما يأتي :


1- الإرساليات التبشيرية

حظيت منطقة الخليج العربي ، منذ العقد الأخير من القرن التاسع عشر ، باهتمام الأرساليات التبشيرية الغربية ، والأمريكية منها بشكل خاص . ففي آب 1891 أفتتح أول مركز تبشيري في البصرة. ثم قامت الإرسالية عام 1893 بفتح فروع لها في كل من البحرين ومسقط .

وفي الكويت أنشى أول مركز تبشيري عام 1911 تحت ستار طبي ، بعد أن نجح المبشر الدكتور (آرثر كيرك) في معالجة عين أخت الشيخ مبارك الصباح. واقناعه بالسماح للإرسالية بفتح فرع لها في الكويت .

ويعد المبشر الأمريكي صموئيل زويمر (zwemer) (*) من أبرز المبشرين وانشطهم في المنطقة. كان هو وزوجته من المؤسسين للخدمة الطبية في البحرين التابعة لبعثة التبشير في الجزيرة العربية التي سميت فيما بعد بمستشفى البعثة التبشيرية الأمريكية . كما قام ، وبدعم من جمعية الكتاب المقدس البريطانية -الأمريكية ، بتوزيع عدد كبير من المطبوعات المسيحية في الخليج والجزيرة العربية ، جاء في مقدمتها الكتاب المقدس .

مارست الإرساليات التبشيرية في الخليج العربي أنشطة خدمية وتعليمية وصحية وآثارية وجغرافية. فضلاً عن مهمتها الرئيسة وهي التبشير الديني. وقد عبر عن هذا التوجه مؤتمر المبشرين الذي عقد في القدس عام 1924 حيث خرج المؤتمر بتوصيات جاء في إحداها أنه « يجب ألا يقتصر عمل المبشر على الجانب الديني فقط.. وحتى يتمكن من الاستمرار وتحقيق أهدافه عليه الانسجام مع الأوضاع في البلاد العربية » . من هذا المنطلق ركز المبشرون على التعليم التبشيري الذي يضم إلى جانب تدريس الكتاب المقدس ، مواد أخرى مثل اللغة الانكليزية ، واللغة العربية والحساب. وكان لهذا النهج التربوي أهداف خفية. أهمها محاولة تجنب رد فعل السكان على النشاط التبشيري من خلال إقناعهم بأن المبشرين جاؤوا ليهتموا بتاريخهم وحضارتهم في مقابل تكريس هذا التعليم لخدمة الفكر الغربي وإبراز التقدم الأوروبي وفضله على الشرق ثم الطعن بتاريخ العرب وحضارتهم الإسلامية.

يمكن القول إذن أن مهمة تحويل سكان الخليج والجزيرة العربية من الديانة الإسلامية إلى المسيحية. وكذلك العمل « على إقامة كبسة المسيح الكبرى هناك » ، كانت من أولويات الإرساليات التبشيرية في المنطقة. وقد أكدت على هذه الناحية واحدة من رموز المبشرين في الخليج بقولها : «... لقد أرسلنا لتحويل الناس إلى المسيحية ، والدعوة إلى قدرة الله .

وقد استغل هؤلاء المبشرون قدراتهم الطبية لتحقيق هذا الهدف. وهذا ما صرح به زويمر بقوله : «... كانت الاستشارة الطبية والدواء تعطيان فقط للذين يحضرون صلاة الصبح التي كان يبدأ بها عمل اليوم » .

على الرغم من تركز نشاط المبشرين على الجوانب الدينية والتعليمية والطبية ، إلا أن ذلك النشاط كان مقرونا بالتوجه الاستعماري في الخليج العربي وثمة من يعدهم من الرواد الأوائل للاستعمار الغربي في العالم الإسلامي . وأنهم « استعماريون يقومون بدور مزدوج في التبشير وخدمة مخططات دولهم لاستعمارية » .

لذلك واجه النشاط التبشيري في الخليج العربي معارضة قوية من لدن سكان المنطقة الذين أدركوا الأهداف الحقيقية للمبشرين. وهي حمل سكان المنطقة المسلمين على اعتناق الديانة المسيحية. مما حفز علماء الدين والمصلحين المسلمين للتصدي لما عدوه غزوا مسيحيا للمنطقة يجب مواجهته. وقد شكا أحدهم موقف الأهالي قائلاً : «.. قد حصلت موجة قوية من المعارضة ضد خدمات الأرسالية التعليمية واتهمنا المسلمون المتشددون بأننا نسعى لتنصير المجتمع وليس لتعاليم أطفالهم »

وأكد هذا الموقف زويمر بقوله : «... أن الشكاوى بدأت تتواتر من شيخ البحرين وغيره من السكان من هجوم مستر زويمر والملتفين حوله على الدين الإسلامي » .

يمكن القول هنا ، أنه على الرغم من الطبيعة الاستعمارية للتبشير ، ومناهضة للإسلام، إلا أنه استطاع أن يقدم الخدمات التعليمية والصحية التي كان يفتقدها المجتمع الخليجي آنذاك من جهة ، وأنه أصبح وسيلة استطاع سكان الخليج العربي من خلالها التعرف على مظاهر التطور الغربي في المجال الفكري والثقافي من جهة أخرى. وفي الوقت نفسه شكل هذا النشاط تحديا حقيقياً للتوجه الديني في الخليج العربي ، دافعاً رئيسا لتأسيس العديد من النوادي والجمعيات الإسلامية للرد على النشاط التبشيري في المنطقة. كما سنرى لاحقاً.

2- تأثير النهضة العربية الحديثة

عانت منطقة الخليج العربي ، حتى مطلع القرن العشرين ، من عزلتها عن مراكز الأنشطة الفكرية والثقافية للنهضة العربية الحديثة. فرضتها عليها الأوضاع الاجتماعية للمنقطة (*) ، ومحاولات الاستعمار الإبقاء على تخلف الحياة الفكرية والثقافية إلا بما يخدم مصالحه ووجوده في المنطقة. على الرغم من ذلك كانت لأبناء الخليج العربي محاولات جادة للانفتاح على العالم الخارجي والإفادة من تيار النهضة العربية الحديثة.

وقد ساهمت عوامل عديدة في تعرف أبناء الخليج على الانجازات الفكرية والثقافية للنهضة العربية الحديثة. منها : دور الصحافة العربية ، والزيارات التي كان يقوم بها عدة من المفكرين إلى المنطقة ، ثم الرحلات التي كان يقوم بها أبناء الخليج إلى بعض مراكز النهضة العربية الحديثة ، سواء لأغراض التجارة ، أو لطلب العلم.

كما نالت بعض الحركات الإسلامية التي ظهرت في الأقطار العربية اهتمام أبناء الخليج العربي ومتابعتهم. فبين عامي 1883- 1884، تأثرت شرائح من سكان الخليج بمنشورات سرية صدرت عن الحركة المهدية في السودان (*) ، مما جعل بعضهم يخرج للانضمام إلى المهدي والجهاد معه. الأمر الذي أثار مخاوف بريطانيا من تعاطف أهل الخليج مع تلك الأحداث وإمكانية انتقال روح الثورة والجهاد إلى منطقة الخليج العربي. وقد أشار لوريمر إلى هذا الموقف بقوله : «.. أن ملأ الشارقة أظهر اهتماما بدعوة المهدي وأن العطف الذي أظهره الناس تجاه الحركة المهدية كان سياسياً وليس دينياً ».

مما اضطر السلطات البريطانية إلى اتخاذ بعض الإجراءات لوضع حد لذلك التعاطف.

أما الصحافة العربية فقد كانت أحد الروافد المهمة لمصادر الثقافة في منطقة الخليج العربي.

فاعتمدت الشرائح المثقفة من أبناء الخليج في دبي والرياض والمنامة ومسقط على بعض الصحف والمجلات التي كانت تصدر في بعض الأقطار العربية ، كمصر والعراق و لبنان. وقد تأثر أبناء الخليج بالأعمال الفكرية والأدبية المتميزة للمفكرين العرب ، والتي كانت تنشر في المنار والعروة الوثقى والأهرام والمقتطف والاستقلال والزمان والنهار . وقد وجدت تلك الإصدارات طريقها إلى منطقة الخليج بعد ازدهار الطرق التجارية المارة بالمنطقة ، سواء عبر قناة السويس ، أو عن الطريق الصحراوي الذي فتح عام 1924 بين دمشق وبغداد باتجاه الخليج العربي .

ويشير أحد الباحثين إلى تأثير العراق الفكري على منطقة الخليج العربي من خلال الصحف التي انتشرت في العراق أواخر القرن التاسع عشر ، وبدايات القرن العشرين.

فضلاً عن وجود العتبات المقدسة في العراق التي كانت محط اهتمام وزيارة أعداد من سكان الخليج وإطلاعهم على تطورات الحياة الفكرية في العراق .

وجدت تلك الصحف والمجلات إقبالا لدى بعض الشرائح المثقفة من أبناء الخليج الذين أقبلوا بشغف على مطالعتها ومناقشة الأفكار التي أحتوتها. والتأثر بها وقد عبر أحد شعراء الخليج (أحمد بن بشر الرومي) عن تعلق أبناء الخليج بالصحافة العربية بقوله :

أن للصحف بقلبي

منزلاً أغلى نزوله

إنما الصحف كطير

يشتهي الحر هديله

كل من شاء قيا

صير الصحف سبيله

فيها خير حياة

وهي للعلم وسيله

ونظرا لاهتمام وتعلق الشرائح المثقفة في الخليج بمتابعة الصحف العربية ، ولتشجيع الآخرين على قراءة الصحف ، أشار الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة على السيد عبد الرحمن مقبل الذكير بفتح وكالة لاستيراد الصحف العربية إلى البحرين فبدأت المنطقة تستقبل عن طريق هذه الوكالة أبرز الصحف العربية آنذاك ، والتي أصبحت مثار جدل ونقاش بين أنصار الاتجاه الإصلاحي الحديث والتقليدي داخل المجتمع الخليجي .

أما الكويت فتعد عائلة (آل خالد) أول بيت يشترك في بعض الصحف والمجلات العربية مثل المنار والمؤيد. ولشدة تعلق بعض الشخصيات بتلك الصحف ، لقبوا بأسمائها مثل (خليل المؤيد) ، و(قاسم اللواء) نسبة إلى مجلة اللواء المصرية.

وتجدر الإشارة إلى أن بعض تلك الصحف ، كانت تشكل مصدر قلق وإزعاج للسلطات الاستعمارية في الخليج لطبيعة الأفكار العدائية التي تحملها تلك الصحف تجاه الاستعمار البريطاني . ويمكن القول أيضاً أن تلك الصحف والمجلات نجحت في بلورة وتكوين وعي ونشاط فكري وأدبي داخل المجتمع الخليجي ، جعلته يتابع باهتمام الحركات والتيارات الفكرية التي ظهرت في تلك المرحلة. ويتأثر بها ويتبنى اتجاهاتها ومواقفها.

أما العامل الآخر الذي أسهم في زيادة الوعي الفكري والثقافي في الخليج العربي فهو الرحلات التي كان يقوم بها رواد الفكر العربي الإسلامي الحديث إلى المنطقة. ومن أوائل تلك الرحلات الزيارة التي قام بها المصلح الإسلامي جمال الدين الأفغاني ، في العقد الأخير من القرن التاسع عشر إلا أن عدم معرفة السكان آنذاك بهذه الشخصية الإصلاحية ، جعلت الزيارة تنتهي من دون حدوث حوار أو اتصال بينهم وبين الأفغاني .

وفي عام 1910 وصل إلى البحرين الشيخ محمد بن عبد العزيز المانع ، أحد تلاميذ المفكر والمصلح الإسلامي محمود شكري الآلوسي ، وكانت له صلات فكرية مع الشيخ محمد رشيد رضا وقد بدأ بتدريس العلوم الإسلامية في المدرسة الدينية الملحقة بالمنتدى الإسلامي. وكان له دور في مقاومة النشاط التبشيري في البحرين ، وتخرج على يديه عدد من رواد الفكر والأدب الحديث في البحرين وقطر .

وكانت للشيخ المصلح محمد رشيد رضا اتصالات وحوارات مع أبناء المنطقة ومثقفيها منذ مطلع القرن العشرين. وبرز دور الشيخ واضحاً في توجيه الشباب الخليجي لمقاومة النشاط التبشيري في الخليج من خلال الرسائل المتبادلة بينهم على صفحات مجلة المنار. وبشكل خاص مع بعض مثقفي البحرين أمثال مقبل عبد الرحمن الذكير ، ومحمد صالح ويوسف ، وناصر الخيري ، وعلي إبراهيم كانو ، وخليل الباكر وآخرين من أصحاب المنطلقات الإسلامية في البحرين . كما كان للزيارة التي قام بها الشيخ رشيد رضا إلى الكويت تأثير كبير على الشباب الكويتي من خلال خطبه التي ركز فيها على ضرورة الإصلاح وأهمية العلوم الحديثة وانسجامها مع مبادئ الإسلام .

بعد ذلك قام الشيخ المصلح سليمان الباروني بزيارة ساحل عمان. وحث الأهالي على ضرورة طلب العلم ، ونبذ الجهل وإصلاح المجتمع والتمسك بأصول الإسلام. فلقي ترحيبا من الشرائح المثقفة في المجتمع عبر عنه الشعراء الذين ألقوا قصائد مدح خلال حفل الترحيب به. ثم جاء بعده عام 1922 الأديب أمين الريحاين الذي قام برحلة إلى شبه الجزيرة العربية والكويت والبحرين. داعياً إلى الأخذ بإنجازات المدينة الأوربية ونشر العلم والتضامن العربي. وقد ضمن أفكاره الإصلاحية في عدد من مؤلفاته التي وضعها باللغة العربية والإنكليزية .

وفي الوقت نفسه شهدت دول الخليج زيارة بعض المصلحين ورجال الفكر منهم السياسي والمصلح حافظ وهبة ، والمحدث الشيخ أحمد أمين الشنقيطي الذي ألقى في مساجد الكويت ومجالسها العديد من الخطب والدروس الدينية ، داعياً إلى التمسك بالإسلام وتلمس طريق الإصلاح على هدي الكتاب والسنة .

وأعقبهم الشيخ عبد العزيز الثعالبي (1874- 1944 ) ، الذي زار دبي عام 1923 بدعوة من أحد كبار تجارها. وحظي باستقبال وترحيب طلابها وأدبائها . ثم انتقل إلى البحرين ليحظى بالترحاب والتكريم نفسه. وقد ألقى شعراء البحرين قصائد احتفاء بالشيخ الثعالبي. ومنها قصيدة للشاعر خالد محمد فرج جاء فيها :

إن رضت في الترحيب فيك مواهبي

بك يا زعيم فذاك دون الواجب

لو يحتفي بك حيث صيتك طائر

خرس الأديب وجف حبر الكاتب

استمرت بعد ذلك الزيارات التي قام بها زعماء الإصلاح ورواد الأدب العربي للخليج. أمثال الشاعر أحمد شوقي ، وعبد الله سعيد الدملوجي ، ويوسف ياسين ، وناجي الأصيل ، ومحمد البشير الإبراهيمي ، وغيرهم .

وتجدر الإشارة هنا إلى أن المعارضة التي لقيها أصحاب الاتجاه الإصلاحي ، قد تبناها أنصار الاتجاه الإسلامي المحافظ في الخليج ، واصفين الأفكار الإصلاحية التي جاء بها هؤلاء المصلحون بأنها مخالفة للشرع وتشجع على انتشار الأفكار والعقائد الزائفة المبتدعة. وكان على رأس هؤلاء المعارضين الشيخ أحمد الفارسي ، والشيخ عبد العزيز بن صالح العلجي الذي وصل به الأمر إلى تكفير الشيخ محمد رشيد رضا ، وإهدار دمه. عندما وصفه بالضال والمرتد ، بقوله :

إلى الله نشكو من ضلال محمد

اتتنا به الجهال من كل مرتد

قلوا كتب الأسلاف واستبدلوا بها

سجلات أصحاب المنار التي تردي

فما كان من أحد المتأثرين به إلا أن انقض على الشيخ رشيد رضا ، خلال زيارته للكويت ، محاولاً قتله . مه ما يكن من أمر ، فقد كان لهؤلاء المصلحين دور كبير في نمو الاتجاه الإصلاحي وتعزيزه في الخليج العربي. كما أسهم هؤلاء المصلحون في انضاج الوعي الفكري ، وبشكل خاص الإسلامي ، لدى الشريحة المثقفة في الخليج الذي اخذوا على عاتقهم مهمة المطالبة بإصلاح المجتمع وتطويره ، من خلال استلهام المبادئ الإسلامية ، ومحاربة الجهل والتخلف ، والتقاليد البالية.

أما المصدر الآخر لبروز الوعي الفكري والثقافي في الخليج العربي ، إطلاع أبناء الخليج على مظاهر النهضة الحديثة في الخارج ونقلها إلى مجتمعاتهم. وقد أدى هذا الدور فئتان اجتماعيتان ممن تأثروا بالنهضة الحديثة في بعض الأقطار العربية. هما التجار وطلبة العلم. فقد قام بعض التجار الخليجيين يجلب عدد من الصحف والمجلات والكتب الحديثة إلى بلدانهم. كما نقل هؤلاء التجار أيضاً تجاربهم ومشاهداتهم لمظاهر النهضة الحديثة ، خلال زياراتهم لعدد من العواصم العربية ، مثل القاهرةوبغداد ودمشق وبيروت. وتحدثوا في مجتمعاتهم عن العديد من القضايا الفكرية والثقافية التي تأثروا بها خلال رحلاتهم تلك .

في الوقت نفسه جلب بعض التجار الخليجيين ، ولا سيما البحرانيون والكويتيون ، معهم من البلدان التي قاموا بزيارتها بعض المظاهر المدنية الحديثة مثل جهاز الراديو الذي اشتراه أحد التجار البحرانيين مطلع الثلاثينات. وقام التجار الكويتيون منتصف الثلاثينات ، بإدخال السينما إلى الكويت .

كما كان للمدرسين العرب العاملين في الخليج إسهام واضح في نقل الأفكار والاتجاهات الفكرية التي يحملونها من بلدانهم إلى أقطار الخليج العربي أما البعثات العلمية التي قام بها أبناء الخليج إلى بعض مراكز الفكر والثقافة العربية ، فقد كان لها أيضاً دور في تحفيز الحياة الفكرية للخليج العربي. فكانت أولى البعثات العلمية إلى مصر حصل عليها المصلح الكويتي عبد العزيز الرشيد (*) ، للدراسة في الأزهر. وقد تعرف خلال إقامته في القاهرةبادبائها ومفكريها. وتأثر بمناهج رواد الإصلاح كالأفغاني والشيخ محمد عبده ، وقاسم أمين. فضلاً عن علاقته المسبقة وإعجابه بالشيخ رشيد رضا. وشارك ، بعد عودته إلى الكويت ، مع صديقه فرحان الفهد بإنشاء مشروع خيري لإرسال طلاب العلوم الإسلامية للدراسة في المعاهد المتميزة في العالم الإسلامي . ومن جانب آخر أرسلت الحكومة الكويتية عدداً من طلاب العلم للدراسة في الكليات والمعاهد العراقية. وقد تخرج في تلك المؤسسات العلمية العراقية نخبة من المثقفين الكويتين ، كان منهم خالد سليمان العدساني ، سكرتير المجلس التشريعي عام 1938.

يمكن القول أن تلك الرحلات والبعثات العلمية والتجارية كانت النواة الأولى لظهور نخبة اجتماعية تحمل مفاهيم جديدة ، أخذت على عاتقها طرح مشاريع إصلاحية في المجتمع الخليجي ، لتحريك عملية التطور والإصلاح في المنطقة.


3- المؤسسات الثقافية في الخليج العربي

في سياق رفض المجتمع الخليجي للنشاط التبشيري الذي كان يهدف إلى تغيير انتماءات المنطقة الدينية والثقافية ، وتصديه لهذه الظاهرة الجديدة من منطلقات إسلامية بالدرجة الأولى ، والدور الذي قام به التجار الخليجيون في نقل معالم النهضة الفكرية والثقافية التي شاهدوها في بعض الدول إلى مجتمعاتهم ، ورغبة الشريحة المثقفة من أبناء الخليج في إزالة الجمود والتخلف الفكري والثقافي السائد في الخليج ، بدأت المنطقة تشهد تحولات فكرية واجتماعية ، تمثلت بتطور التعليم الحديث ، وظهور الصحافة وتأسيس الأندية والجمعيات ، وكما يأتي :

أ- المدارس والمكتبات

مر التعليم في دول الخليج العربي ، كغيرها من الدول الإسلامية الأخرى ، بمراحل متعددة ، تبعاً للظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة آنذاك. ابتدأت بالتعليم التقليدي (الكتاتيب) ، ثم ظهور التعليم الحديث مطلع القرن العشرين. حتى أخذ صورته الحالية بعد ظهور النفط ، وتشكيل الأنظمة السياسية الحالية واستقرارها في دول الخليج العربي.

انتشرت الكتاتيب في أنحاء مختلفة من الأقطار الإسلامية ، ومنها دول الخليج العربي. واعتمد هذا النظام من التعليم الديني على حفظ القرآن الكريم والسيرة النبوية ، وتعلم القراءة والكتابة والحساب . ويقوم بمهمة التعليم الملا أو المطوع الذي يعتمد على تلاميذه في الحصول على مصادر رزقه ، أموالاً أو هدايا عينية في المناسبات الدينية. ويصف أحد الباحثين مهمة المطوع قائلاً : «...المطوع في الكتاب هو السلطة المطلقة في كل شيء. فمن حقه أن يستخدم الأطفال في شئون منزله الخاصة. وله أن ينزل بمن يريد منهم ألوان العقاب ما يشاء ، وأن يرسل الأطفال إلى المنزل في الحي لكي يقرؤوا أجزاء من القرآن على مريض فيه » .

وفي كثير من الحالات كانت الكتاتيب مختلطة (فتيان وفتيات) ، وقد تقوم العوائل الثرية بجلب معلمات يعلمن الفتيات في بيوتهن ، مقابل أجرة شهرية . وبعد أن يكمل التلميذ أو التلميذة ختم القرآن ، يقيم الأهل احتفالا شعبيا يعرف بالختمة للدلالة على أن التلميذ نجح في حفظ القرآن .

يعد التعليم الديني الأساس والقاعدة التي تأسس عليها التعليم الرسمي الحديث في الخليج العربي. وقد استمر هذا النمط من التعليم حتى مطلع القرن العشرين ، عندما ظهر التعليم الحديث في عدد من دول الخليج (*).

بدأت المحاولات الأولى للتعليم الحديث في بعض دول الخليج العربي مثل الكويت ، والبحرين وإمارات ساحل عمان ، ونجد والحجاز ، منذ العقد الثاني من القرن العشرين. ويشير الباحثون إلى وجود عاملين كانا وراء ظهور التعليم الحديث هما :

1- نشاط الأرساليات التبشيرية في مجال التعليم : ولد إحساسا بالخطر على الثقافة والتراث الإسلامي ، وحفز بعض الشخصيات والجماعات لأخذ زمام المبادرة والبدء بالتعليم.

2- رغبة تجار المنطقة بالاعتماد على موظفين قادرين على ضبط حساباتهم التجارية وتنظيمها بعد أن أصبحت الوسائل التقليدية عاجزة عن الإلمام والسيطرة على تلك الحسابات .

وقد تأسست في الشارقة أول مدرسة حديثة عام 1900 سميت بـ (المدرسة التيمية) قام بتمويلها تاجر اللؤلؤ علي بن محمد بن علي المحمود. ضمت (320) طالبا وطالبة. كانت الدراسة فيها والمسكن والكتب مجانية. وتعتمد في مناهجها على الدراسات السلفية وتعاليم الشيخ محمد بن عبد الوهاب .

وفي عام 1903 أنشئت مدرسة ابن خلف وأعقبها في عام 1904 أنشأ المدرسة الأحمدية نسبة إلى مؤسسها أحمد بن دلموك. اعتمدت في بداية تأسيسها على تدريس العلوم الدينية الصرفة. ثم ابتدأت منذ عام 1952 باستخدام أسلوب الدراسة الحديثة. كما تأسست في دبي عام 1906 مدرسة الفلاح التي كان يديرها كادر تدريسي عراقي. والحقت بها أول مكتبة ضمت العديد من الكتب العلمية والأدبية .

وفي الكويت افتتحت أول مدرسة حديثة عام 1911، سميت بالمدرسة (المباركة) نسبة إلى أمير الكويت الشيخ مبارك الصباح. تولى إدارتها الشيخ يوسف بن عيسى القناعي . تلتها عام 1921 المدرسة الأحمدية تيمنا بالشيخ أحمد الجابر الصباح. تبرع لإنشائها عدد من وجهاء الكويت منهم يوسف القناعي والحاج أحمد الصقر والشيخ يوسف الحميضي وغيرهم . ثم تبعتها مدرسة السعادة عام 1924 التي أسسها الحاج شملان بن علي آل سيف لتعليم أقاربه وأيتام المسلمين .

وخلال عام 1938، تمكن عدد من وجهاء الشيعة في الكويت من تأسيس مدرسة على غرار المباركية والأحمدية. سميت بـ (الجعفرية) ، نسبة إلى المذهب الجعفري ، لتدريس الآداب والعلوم المختلفة. وعين العراقي محمد العادلي مديرا لها . وتتابع بعدها تأسيس المدارس ، وإرسال البعثات العلمية إلى أقطار العالم الإسلامي .

أما في البحرين فيرجع تأريخ التعليم النظامي فيها إلى نهاية القرن التاسع عشر ، عندما تولت زوجة المبشر الأمريكي زويمر الإشراف على مدرسة (جوزة البلوط) التي تأسست عام 1899. وفي عام 1919 بدأ التعليم الوطني في البحرين بافتتاح مدرسة (الهداية الخليفية) في المحرق بتبرعات الأهالي ، وتبعها تأسيس مدرسة (الهداية الثانية) في المنامة عام 1921. ثم أنشئت في قرية الخميس الشيعية عام 1927 مدرستان هما (المدرسة الجعفرية) و(المدرسة العلوية) . وفي العام التالي ، 1928 ، تأسست في المحرق أول مدرسة حكومية لتعليم البنات . كما افتتح في عام 1938 معهد ديني ، كان معظم تلاميذه من الشيعة. ثم أسست الأوقاف السنية عام 1943، المدرسة الدينية لتخريج علماء دين متخصصين في العلوم الإسلامية .

وبهذا شهدت البحرين نشاطا ملموساً في مجال التعليم. فأرسلت بعثات علمية إلى بعض الدول العربية. كما تم فتح مدارس دينية وصناعية وغيرها من الاختصاصات .

وتأخر ظهور التعليم الحديث في قطر حتى منتصف القرن العشرين ، وكان التعليم الأهلي هو المسيطر على واقع التعليم في البلاد. حيث كان هناك عدة مدارس أهلية على غرار الكتاتيب. يتم فيها تدريس العلوم الإسلامية. وأول مدرسة نظامية أسست في الدوحة عام 1951.

كما في بقية الدول الإسلامي ، إذ كان التعليم الديني (الكتاتيبي) هو الغالب على التعليم في الحجاز ، الذي اتخذ في الجوامع والمساجد مراكز للدراسة. ولم يظهر التعليم الحديث إلا في عام 1926، بعد أن أنشأ الملك (السلطان آنذاك) عبد العزيز بن سعود (إدارة المعارف العامة) لتنظيم التعليم في (12) مدرسة حكومية وأهلية أسست في الرياض والمناطق المجاورة لها. أستخدمت المدرسين العرب للتدريس فيها. وأدخلت مناهج متعددة ، كالجغرافية والهندسة واللغات الأجنبية. وعلى الرغم من ذلك بقيت تلك المناهج والمقررات الدراسية خاضعة لمراقبة علماء الدين في السعودية .

لم يتغير التعليم الديني التقليدي في سلطنة عمان ، حتى تأسست المدرسة (السلطانية) عام 1930 ثم تبعها إنشاء مدارس نظامية أخرى تعتمد على المناهج الحديثة والمدرسين العرب في التدريس .

ويبدو واضحاً أن التعليم في الخليج العربي ، اتسم بشكل عام بالطابع الديني في بداياته ، من خلال نظام الكتاتيب ، والمدارس الأهلية التي اعتمدت على المناهج الدينية في التعليم. وقد استمر هذا التوجه الديني في التعليم ليكون أكثر تخصصا في النصف الثاني من القرن العشرين. عندما تم إنشاء الجامعات والمعاهد الدينية في معظم دول الخليج العربي. وحدوث تطور ملموس في التعليم الحديث من ناحية التوسع في المناهج الدراسية وإزدياد إعداد المدارس ، والتقدم في تعليم البنات خاصة بعد ازدياد المردودات المالية الهائلة للنفط. واستقدام العديد من المدرسين العرب الذين نقلوا معهم تجاربهم الفكرية والسياسية إلى دول الخليج العربي .

أما المكتبات في الخليج العربي ، فقد كان دورها مكملا لدور المدارس في عملية التوعية ونشر الاتجاهات الفكرية من خلال توفيرها الكتب والمجلات والصحف. وكونها مراكز لإقامة الندوات والمحاضرات الفكرية والثقافية. وقد ظهرت أول مكتبة في البحرين عام 1913 هي « مكتبة نادي إقبال أوال الليلي » ، لتقديم الكتب والنشرات الحديثة للشباب البحريني الذين حاولت الإرسالية التبشيرية في البحرين استقطابهم من خلال إنشائها مكتبة الكتاب المقدس ذات التوجهات التبشيرية . فكان إنشاء هذه المكتبة تعبيرا عن رفض ومقاومة سكان البحرين للنشاط التبشيري. وفي الوقت نفسه للتباحث في أحوال المسلمين ، والعمل على تفعيل الإصلاحات في المجتمع ، ومنها إصلاح الفكر الإسلامي .

وفي عام 1919 تأسست مكتبة أهلية هي (المكتبة الكمالية) وتبعتها في عام 1920 (مكتبة التاجر). فكانتا مقرا يرتاده مثقفو البحرين لمناقشة القضايا الفكرية والاجتماعية ، المحلية والعربية .

وتطورت بعدها المكتبات في البحرين. وأصبح هناك مكتبة لكل مدرسة في البلاد ، ثم برزت (المكتبة العامة) لاحتوائها على مجموعة كبيرة من الكتب الحديثة والمراجع والموسوعات الضخمة .

وفي الكويت ، انتشرت المكتبات الأهلية التي يعود الفضل في تأسيسها إلى عدد من وجهاء الكويت وأعيانها. وكانت أولى تلك المكتبات (المكتبة الوطنية) التي تأسست عام 1931 ثم تلتها عام 1934 (المكتبة الأهلية) بجهود الشيخ يوسف بن عيسى القناعي ، وعبد الحميد الصانع ، وسلطان إبراهيم الكليب. وقد أصابها الإهمال فيما بعد ، حتى مطلع الخمسينات ، عندما ألحقت بإدارة المعارف ، وسميت بـ (مكتبة المعارف) .

أما الحجاز ، وتحديدا في المدينة المنورة ، فقد شهدت تطورا في عدد المكتبات الأهلية. حيث وصل عددها مطلع القرن العشرين إلى (18) مكتبة. كان أبرزها مكتبة (عارف حكمت ، والسلطان ، والحميدية ، والفازانية) وغيرها. واحتوت على العديد من المطبوعات والمخطوطات والكتب النادرة . بعدها لم تشهد البلاد أية مكتبة حتى عام 1943. عندما أسس الأمير مساعد بن عبد الرحمن ، أخو الملك عبد العزيز ، أول مكتبة عامة بالعاصمة الرياض ، غلب على كتبها الاتجاه الديني والأدبي.

ب- الصحافة والطباعة

تأثرت الصحافة الخليجية كثيرًا بالصحافة العربية التي كانت المصدر الأول والرئيس للقارئ الخليجي. وكانت تلك الصحف وما تنشره من مقالات فكرية واجتماعية؛ وبشكل خاص تلك المقالات التي تحمل أفكارا إصلاحية إسلامية ، مصدر إثارة وجدل بين تيار الإصلاح والتجديد في الخليج من جهة ، وأنصار التيار التقليدي المحافظ من جهة أخرى. ويصف أحد الباحثين تأثير بعض تلك الصحف بقوله : « والصحافة العربية كان لها دورها الكبير في التأثير على النهضة في الخليج وأنتم تعلمون عن (المنار) مجلة الشيخ رشيد رضا ، ودعوته لليقظة والأخذ بالجانب العصري في النهضة : وكانت ذات أثر كبير في سجل بلدان الخليج العربي » .

وبدأ واضحاً تأثير تلك الصحف في الشريحة المثقفة في الخليج من خلال المراسلات المتبادلة بين هؤلاء وبين رواد الإصلاح الإسلامي والاجتماعي . وأخذت النخبة الخليجية المثقفة تنشر مقالاتها ونتاجها الفكري في الصحف العربية. واعتمد هؤلاء المثقفون على مطابع مصر ولبنان والعراق في طبع المجلات والكتب التي أصدروها. وذلك لعدم توافر الطباعة في الخليج إلا في وقت متأخر ، باستثناء الحجاز الذي ظهرت الطباعة فيه أواخر القرن التاسع عشر ، عندما أنشأ الوالي العثماني عثمان نوري باشا عام 1883 مطبعة عرفت بـ (حجاز ولايتي مطبعة سي) أي (مطبعة ولاية الحجاز) تولت طبع التقويم المسمى بسالنامة ولاية الحجاز. قامت بطبع عدد من مؤلفات علماء الدين في مكة والمدينة .

وفي العام التالي جلبت السلطات العثمانية مطبعة حجرية إلى الحجاز سميت بـ (المطبعة الأميرية) وفيها طبعت جريدة الحجاز المكية. وفي عام 1919 قام الشريف حسين بن علي بتأسيس مطبعة صغيرة فيها لطبع جريدته (القبلة) ثم أصبحت تلك المطبعة ، في عصر الملك عبد العزيز بن سعود ، ومنذ عام 1927 تعرف بمطبعة (أم القرى). كما قامت الشركة العربية للطبع والنشر بإنشاء مطبعة في مكة عام 1935. بعدها بعام تأسست مطبعة أخرى في المدينة بمجهود الأخوين علي وعثمان حافظ .

أما الصحافة في الحجاز ، فبعد إعلان الدستور العثماني ظهرت مجموعة من الصحف هي : صحيفة الحجاز 1908، شمس الحقيقة 1909، والإصلاح الحجازي 1909، والرقيب ، والمدينة المنورة. وقد تميزت هذه الصحف بأسلوبها المتواضع ولغتها الضعيفة. ثم برزت بعد ذلك صحف أخرى كان أهمها صحيفة القبلة عام 1916 ، والفلاح 1919 ، وبريد الحجاز ، وأم القرى 1924، ومجلة المنهل 1927، والمدينة المنورة 1937، ومجلة النداء الإسلامي 1937، التي كان شعارها الآية الكريمة « ربنا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا » ثم مجلة الحج 1947.

وعرفت البحرين الصحافة قبل غيرها من دول الخليج العربي ، عندما أصدرت مدرسة الهداية الخليفية أول صحيفة سياسية أدبية عام 1919 ، وهي مجلة (البحرين) لصاحبها عبد الله الزايد (*) ، التي انحازت في موقفها إلى جانب الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية. وفي عام 1949 صدرت مجلة (صوت البحرين) التي كان لها مواقف دينية واجتماعية متميزة. ثم صدرت بعدها بعض الصحف أبرزها الوطن ، والشعلة ، والقافلة .

وفي الكويت ، صدرت أول مجلة في تاريخ الصحافة الخليجية ، هي (مجلة الكويت) التي صدر العدد الأول منها عام 1928. أصدرها وترأس تحريرها عبد العزيز الرشيد ، الذي كان متأثرا بفكر الشيخ محمد رشيد رضا ومجلته (المنار). وقد ركزت مجلة الكويت على تناول المواضيع التي تتعلق بالإصلاح الإسلامي ، وأصول الدين والعقائد ، والصراع بين التيارين التجديدي والمحافظ (*). فضلاً عن اهتمامها بالآداب الخليجي. كما نشرت المجلة العديد من المقالات لرموز الإصلاح السياسي آنذاك مثل الشيخ رشيد رضا ، ومحمود شكري الآلوسي ، وعبد القادر المغربي ، وعبد العزيز الثعالبي .

بعد سفر عبد العزيز الرشيد ، ضمن بعثة إسلامية ، إلى أندونيسيا عام 1930، أصدرت هناك بالتعاون مع السائح العراقي يونس بحري مجلة (الكويت والعراقي) التي كانت تعبر عن الأفكار الإصلاحية التي دعا إليها رواد الإصلاح الإسلامي في الخليج العربي. من خلال تعهد المجلة بالدفاع عن الإسلام ، وإزالة ما علق بالفكر الإسلامي من بدع وخرافات .

أما الصحافة في قطر ، وإمارات ساحل عمان ، وسلطنة عمان ، فلم تظهر إلا في النصف الثاني من القرن العشرين. على أثر التطور الذي حصل في المؤسسات الحكومية الخليجية بعد الإفادة من عائدات النفط .

يمكن القول أن حركة الصحافة والطباعة ، التي ظهرت في منطقة الخليج العربي ، أدت دوراً مهما في عملية النهوض الفكري والثقافي في المنطقة. وكان لبعض الصحف والمجلات ذات التوجه الإسلامي دور بارز في عملية التوعية الدينية ، والدعوة الإسلامية ، ومناقشة قضايا العالم الإسلامي وشئونه وقد حاولت تلك الصحف والمجلات تفسير التراث الديني بشكل يتناسب مع تطورات العصر عن طريق إبراز دور الفكر ، ورفض البدع والتصورات الخاطئة التي ألصقت بالإسلام. كما أسهمت تلك الصحف في انضاج الأفكار الداعية إلى الإصلاح الإسلامي وتحسين الأوضاع السياسية والاجتماعية في الخليج. كما يكون القول أيضاً بأنها أسهمت في ظهور الحركات الإسلامية الإصلاحية في منطقة الخليج العربي فيما بعد.

ج- الأندية والجمعيات

مع نمو نخبة واعية في المجتمع الخليجي ، كما سبقت الإشارة إليه ، وتفاعلها مع تطورات الأحداث الداخلية والخارجية ، انتشرت في منطقة الخليج العربي مجالس اجتماعية وأدبية ، أخذت تلك الفئة تطرح فيها أفكارها ومواقفها من مجمل الأحداث ومناقشة المشكلات الاجتماعية والقضايا السياسية ، والإطلاع على تطورات الأحداث الخارجية. فضلاً عن ممارسة الهوايات الشخصية .

تعد تلك المجالس البيتية ، أو كما تعرف في الخليج بـ (الديوانيات) (*) ، النواة الأولى للمجالس الاجتماعية والثقافية ، ومنها انطلقت فكرة الأندية والجمعيات الأدبية والفكرية في الخليج العربي. حيث شهدت تلك المجالس إقامة المناظرات والمناقشات حول المسائل الفكرية والأدبية وقضايا الإصلاح الاجتماعي والسياسي. إلى جانب دورها الاقتصادي ، كونها تعد مكاناً لاجتماع التجار والعاملين في مهنة الغوص للتداول في شئون المهنة.

بمرور الوقت أخذت تلك المجالس تهتم بالشئون السياسية إلى جانب اهتمامها بقضايا المجتمع ، وإيجاد الحلول لمشاكله. وتستقطب الشخصيات الإصلاحية ، وتنظم المحاضرات والخطب السياسية ، وتناقش فيها الكتب الدينية والأدبية ، فضلاً عن الصحف والمجلات ، وتداول الأفكار التي تطرحها . وهي بذلك أصبحت تمثل متنفسا للجماعات الإصلاحية لتعبر عن أفكارها ومشاريعها الإصلاحية ، ومركزا لنمو الوعي السياسي والفكري والتأثير الاجتماعي ، والتي على أساسها تشكلت الأندية والجمعيات الفكرية في الخليج العربي.

تعد (الجمعية الخيرية) أول جمعية تأسست في الخليج العربي افتتحت في الكويت عام 1913. أسسها فرحان بن فهد الخالد (*). وهي جمعية خيرية غسلامية الغرض من تأسيسها ، كما ورد في المنشور الذي أصدرته الجمعية ، هو « إرسال طلاب العلوم الدينية إلى الجامعات الإسلامية في البلاد العربية الراقية كمصر وبيروت ودمشق وغيرها من أمهات المدن العربية. وبذل ما يقتضي لهم من المصاريف في مدة تحصيلهم من صندوق الجمعية. وجلب محدث فاضل يعظ الناس ويرشدهم إلى الصراط المستقيم... وكذلك جلب طبيب وصيدلي مسلمين لمداواة الفقراء والمساكين » .

وتطبيقا لذلك ، قامت الجمعية بإرسال وجبة من الطلاب إلى الخارج ، وافتتحت مكتبة عامة لجلب الشباب الذين حاولت الإرساليات التبشيرية استقطابهم. واستقدمت محدثاً فاضلا يعظ الناس ويرشدهم ، هو الشيخ (محمد الشنقيطي) ، كما جلبت الجمعية صيدليا وطبيبا تركيا من البصرة لتقديم الخدمات الطبية للناس . ويشير أحد الباحثين إلى أن الهدف الرئيس من إنشاء الجمعية الخيرية كما لمقاومة التبشير في الكويت ، وإضعاف تأثيره في المجتمع الخليجي . وهي في الوقت نفسه استجابة للدعوة الإصلاحية التي أطلقها الشيخ رشيد رضا خلال زيارته الكويت عام 1912. والأثر الفكري الإسلامي الذي أحدثته الخطب والدروس التي ألقاها في جوامع الكويت ومجالسها . مهما يكن من أمر فقد انتهى دور الجمعية بعد أشهر من افتتاحها بوفاة مؤسسها ، ولأسباب أخرى سياسية واجتماعية .

وفي العام نفسه ، 1913، تأسس في البحرين نادي (إقبال أوال الليلي) ، الذي بدأ نشاطه أولاً على شكل مكتبة عامة تديرها مجموعة من خريجي الجامعات الإسلامية ، مثل الأزهر ، وجامعة عليكرة في الهند. لتكون بدلاً من مكتبة الإرسالية التبشيرية في المنامة ، ذات التوجهات الغربية المعادية للإسلام. ثم تحولت هذه المكتبة إلى ناد أطلق عليه (نادي إقبال أوال) .

تأثر مؤسسو النادي بالنزعة الإصلاحية الإسلامية ، التي تزعمها عدد من رواد الإصلاح الإسلامي ، مثل الأفغاني ، ورشيد رضا ، وصحف العروة الوثقى ، والمنار ، واللواء. وقد عبر أحد أعضاء النادي عن تأثرهم بتلك الدعوات بأبيات من الشعر قائلاً :

ألا في سبيل الله علم يذيعه

«رشيد» و«صدقي» في «المنار» وفي الدرس

لقد سلكا في دعوة الحق مسلكا

قويما وكانا فيه أضوأ من شمس

وقد عالجا مرضى القلوب بحكمة

وقد أوضحا في الدين ما كان من لبس

ولولا « منار » الحق يهدي إلى الهدى

بنور لكنا اليوم أضيع من أمس

كان لنادي (إقبال أوال) دعوات دينية متحررة ، ظهرت بشكل واضح خلال مراسلات أعضائه مع رواد الإصلاح والتجديد الإسلامي ، ولا سيما مع الشيخ رشيد رضا. وقد كتب رئيس النادي محمد صالح يوسف إلى الشيخ رشيد رضا في القاهرة مقترحا عليه عقد مؤتمر إسلامي لمناقشة قضايا الفكر الإسلامي ومعالجتها ، لتكون أكثر انسجاما مع تطورات العصر. في الوقت نفسه بدأ النادي بتنظيم سلسلة من المحاضرات ، والنشاطات الثقافية ذات الطابع الديني والفلسفي .

أثارت توجيهات النادي حفيظة علماء الدين المحافظين. وكانت ردة فعلهم عنيفة تجاه النادي والقائمين عليه ، وأفكارهم الدينية المتحررة. فاتهموا بالخروج على التقاليد الإسلامية وأنهم « الرهط التسعة الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون. وأنهم يأتون في ناديهم المنكر ». فأصدر أحد قضاة البحرين أمراً بإغلاق النادي ، بعد عام واحد من تأسيسه .

وفي عام 1920 أعلن تأسيس (النادي الأدبي) في مدينة المحرق في البحرين. ترأسه الشيخ محمد عبد الله الخليفة ، وضم نخبة من المثقفين في البحرين منهم أحمد الشيراوي وسعد الشملان ، وسلمان عباس التاجر ، ومحمد العمران ، وغيرهم من دعاة الإصلاح والتجديد ومقاومة الاستعمار .

شهد النادي الأدبي نشاطا فكريا وثقافيا متميزا ، وبشكل خاص بعد زيارة عدد من الشخصيات الفكرية والأدبية للنادي ، مثل الشيخ عبد العزيز الثعالبي ، ومحمد الشنقيطي ، وحافظ وهبة ، وأمين الريحاني . وطرح النادي أفكارا إصلاحية لمعالجة المشاكل التي كان يعاني منها المجتمع البحريني ، ضمن إطار الشريعة الإسلامية. وقد عبر أحد أعضاء النادي عن هذا التوجه بقصيدة جاء فيها :

الله ربي والحنيفة ديني

فيه اعتقادي راسخ ويقيني

في المهد لقنت الشهادة وهي لي

زاد ، وتكفيني بها يكفيني

لا أبتغي ديناً سواه فهديه

بالحق والبرهان والتبيين

في منتصف الثلاثينات ، أغلق النادي الأدبي بسبب تبني أعضائه الدعوة إلى الإصلاح السياسي. مما أثار حفيظة السلطة والاستعمار البريطاني في البحرين .

وفي الكويت ، تأسس ناد يحمل الاسم نفسه (النادي الأدبي) ، في نيسان 1924، وأصبح الشيخ عبد الله الجابر الصباح رئيسا له ، وعبد الرحمن خلف النقيب ، وسلمان العدساني ، ونصف يوسف النصف ، وآخرون غيرهم أعضاة . اهتم النادي بتنظيم المحاضرات ، وعقد الاجتماعات لمناقشة قضايا المجتمع والعمل على معالجتها. ودعوة رموز الإصلاح والتجديد في العالم الإسلامي لزيارة الكويت ، فضلاً عن مطالعة الكتب والصحف العربية البارزة آنذاك ، مما كان له الأثر الواضح في توجهات النادي ، وتحول اهتمامه ، فيما بعد ، نحو القضايا السياسية ، وتطورات الأحداث العربية ، وعلى أساس هذا النادي تشكلت ، بعد الحرب العالمية الثانية، رابطة الأدباء في الكويت .

ويعد (المنتدى الإسلامي) ، الذي تأسس في البحرين عام 1928 ، من أبرز الجمعيات الإسلامية التي ظهرت في الخليج العربي خلال العقد الثالث من القرن العشرين ، أسسه نخبة من الشباب البحريني المتاثرين بالفكر الإسلامي الإصلاحي. منهم أحمد بن حسن إبراهيم ، ومحمد بن عبد العزيز الوزان ، ومحمد عبد الله جمعة ، ويوسف عبد الله محمود وآخرون . وجاء في ديباجة تأسيس المنتدى : «... بالنظر إلى التطور العصري الحاصل في أنحاء العالم كافة ، وانتشار المعارف يومياً ، وزيادة الأدباء تدريجيا ، وتثقف آرائهم. وبما أنهم في معزل بعضهم عن بعض. اجتمع بعض أهل الفكر منهم وقرروا إنشاء ناديا يضمهم ، ويجمع كلمتهم لتداول الأفكار والآراء ، والسعي لإحياء ما اندثر من علومهم ، ورفع المستوى الديني والأدبي والأخلاقي بينهم. والتضامن والتعاضد لبث تلك الروح بين أفراد الأمة الإسلامية. والسير في الطريق الذي يصل به الإنسان إلى السعادة الأدبية » .

غير أن ثمة عوامل كانت وراء بروز المنتدى الإسلامي ، لم يتطرق قانونه الأساس لذكرها ، أهمها أنه جاء كرد فعل على انتشار الفكر القومي الذي ظهر ، وبتشجيع غير مباشر من الاستعمار الغربي ، كبديل عن الجامعة الإسلامية. وأيضاً نتيجة لسياسة التمييز والتفرقة الطائفية التي مارسها المستعمرون في البحرين. وكذلك ردا على النشاط التبشيري وتأثيره في المجتمع في البحرين.

تجدر الإشارة إلى أن المنتدى الإسلامي قد تأثر بمنهج الإخوان المسلمين ، مع خلال النشرات التي تصدرها جمعية الشبان المسلمين في مصر والتي كانت في متناول يد أعضاء المنتدى . وقد بدأ المنتدى بتنظيم الاجتماعات والاحتفالات في المناسبات الدينية ، مثل مولد الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبدء العام الهجري. فضلاً عن قيامه بتوجيه الدعوات للشخصيات الإسلامية البارزة ، والقاء الخطب والدروس في الشريعة والفقه والسيرة النبوية. كذلك إقامة حفلات التأبين للشخصيات الوطنية داخل البحرين وخارجها . كما حاول المنتدى الإسلامي استقطاب شرائح مختلفة من المثقفين والشخصيات الفكرية الإسلامية ، وإقامة صلات ومناقشات مع رواد الإصلاح الإسلامي مثل الشيخ رشيد رضا ، و محب الدين الخطيب ، وشكيب أرسلان وغيرهم.

وقد أضاف مجيء المصلح الكويتي عبد العزيز الرشيد إلى البحرين بعدا جديداً لنشاطات المنتدى ، وأهدافه من خلال قيامه بالقاء دروس يومية ، تناول فيها قضايا تتعلق بالفقه الإسلامي والتفسير والحديث. فضلاً عن دور مجلة الكويت، التي أصدرها الرشيد ، في التعريف بالمنتدى وإبراز نشاطاته الإسلامية .

يمكن القول أن المتدى الإسلامي سعى جاهدا إلى تشكيل تيار إسلامي يعمل على نشر الفكر والثقافة الإسلامية ، وإصلاح المجتمع ، وإبراز الهوية الإسلامية للبحرين. غير أن اهتمام المنتدى بالقضايا السياسية ، وتحوله إلى منتدى سياسي ، أثار حفيظة المستشار البريطاني تشارلز بلغريف (Sir Belgrave) (*) ، وسعى إلى إنهاء نشاطه. فضلاً عن الكساد الاقتصدي الذي أصاب البحرين آنذاك ، وانشغال أعضاء المنتدى بأعمالهم الخاصة ، أدى إلى شل نشاطه ، ثم أغلاقه بشكل نهائي عام 1936


كما شهدت منطقة الخليج العربي ، ظهور عدد من الأندية ركزت في نشاطاتها على إقامة اجتماعات واحتفالات أدبية ، وأنشطة رياضية واجتماعية ، مثل (جمعية الإسعاف الخيري) في المدينة المنورة عام 1936، و(نادي البحرين) في المحرق عام 1937، و(النادي الأهلي) في المنامة عام 1938، ونادي (العروبة) في المنامة أيضاً عام 1939. وربما كانت تلك الأنشطة الأدبية والرياضية مجرد واجهات أخفت وراءها الأندية الخليجية ، نزعتها ، وتوجهاتها نحو الإصلاح الفكري ، خوفاً من تعرضها للإغلاق ، كما حدث للأندية السابقة.

مهما يكن من أمر فإن الحياة الفكرية في الخليج العربي ، بشكل عام ، أصابها الفتور والجمود ، نتيجة ظروف الحروب العالمية الثانية ، وتأثيراتها في المنطقة من جهة ، وطغيان الحياة المادية ، التي جاءت بها عائدات النفط ، على الحياة الفكرية من جهة أخرى.

ويمكن القول أن معظم تلك الأندية والجمعيات كانت بمثابة الولادة الجديدة للوعي الإسلامي ، والإصلاح الاجتماعي في الخليج العربي ، من خلال سعيها إلى تجديد الفكر الإسلامي والعمل على تطبيق التربية الإسلامية الصحيحة في المجتمع ، ومحاربة البدع والخرافات والجهل ، والتمسك بأصول الإسلام، ومحاولة التوفيق بين تراث الإسلام وتطورات العصر. فكانت بذلك النواة للحركات والتنظيمات الإسلامية التي برزت بعد الحرب العالمية الثانية والتي شكلت بمجملها التيار الإسلامي في منطقة الخليج العربي ، كما سنرى لاحقاً.


4- دور السلطة وعلماء الدين

أ- السلطة

يمثل الإسلام حجر الزاوية في بناء المجتمع والهيكل السياسي لأقطار الخليج العربي التي تتسم عموماً بتعلقها بالقيم الإسلامية الحضارية الأصيلة. فالإسلام يمثل الأساس الذي يقوم عليه النظام الدستوري والتشريعي لتلك الأقطار ، التي تنطلق في أسلوب حكمها من الشريعة الإسلامية. وقد أكدت جميع دساتير دول الخليج العربي على مرجعيتها الإسلامية في تطبيق قوانينها. وأن الشريعة الإسلامية هي أحد المصادر الرئيسة ، وفي بعضها المصدر الرئيس ، للتشريع.

وتعد التجربة السعودية ، الأكثر وضوحا ونجاحا في التنسيق والتوازن بين الدين والسلطة ، وبين القيم الحضارية الجديدة الرامية إلى التطور والتقدم السياسي ، والاجتماعي ، وبين القيم والمفاهيم الدينية ، والالتزام بها والمحافظة عليها من خلال الموقع المتميز ، والمكانة المرموقة للمؤسسة الدينية في الهيكل السياسي للدولة السعودية ، الذي استمد شرعيته وقوته من الإسلام ، ومن تقييد العائلة المالكة بالشريعة الإسلامية. ويرجع ذلك إلى التحالف الذي تم عام 1745 بين الشيخ محمد عبد الوهاب ، والأمير محمد بن سعود ، والذي أكد على الجهاد في سبيل الله ، والعمل على تطبيق مبدأ التوحيد ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ليصبح هذا التحالف الأساس الذي قامت عليه الدولة السعودية الأولى .

وعلى أساس هذا التحالف استند الملك عبد العزيز آل سعود (*) في تأسيس الدولة السعودية لحديثة في الربع الثاني من القرن العشرين. ونجح في إنشاء إطار سياسي متميز يقوم على أساس إضفاء أسس الشريعة الإسلامية على حكم الدولة السعودية ، وتعزيز مكانتها السياسية . فقد اعتمد الملك عبد العزيز آل سعود على الدعوة الإصلاحية السلفية بوصفها الدعامة الرئيسة التي يمكن أن توحد القبائل ، وتضمن استمرارية الدولة وشرعيتها .

وانطلاقا من هذا ، تقرب الملك عبد العزيز آل سعود من جماعة الإخوان (**) ، الذين كانوا يسعون لإصلاح المجتمع ونشر تعاليم الإسلام الصحيحة. وحاول السيطرة عليهم والاستعانة بهم في تكوين دولته. فكان يتقرب إليهم ، موضحا لهم أن أهدافه هي نفسها التي يحملونها. ثم دعاهم للخضوع لسيطرته والقتال تحت رايته. واستطاع أن يقنع قادتهم عام 1915 بمشاركته في مشاريعه التوسعية التي تنطلق من منطلقات عقدية دينية بحتة . وقام الملك عبد العزيز بتوطينهم في مجمعات صغيرة تعرف باسم (الهجر) (**). وبهدف السيطرة على حركة الإخوان وتنظيمها ، أرسل الملك عبد العزيز إلى مختلف المناطق الواقعة تحت سيطرته ، علماء دين ودعاة كرسوا. جهودهم لتحويل البدو إلى قوى إسلامية. يكون ولاؤها لله أولاً. ثم لآل سعود .

بدأ الملك عبد العزيز بتطبيق مبادئ الدعوة السلفية من خلال التركيز على مبادئ الإسلام والعمل على تطبيقها ، ومحاسبة المقصرين وغير الملتزمين بها. وهو يصف منهجه وأسلوبه في العمل الدعوي قائلاً : « أنا مبشر ادعو لدين الإسلام . ولنشره بين الأقوام ».كما دافع عن الدعوة السلفية التي يسير على نهجها. حيث يقول : « يسموننا بالوهابيين ، ويسمون مذهبنا بالوهابي باعتبار أنه مذهب جديد. أو عقيدة جديدة. ولم يأت محمد عبد الوهاب بالجديد. فعقيدتنا هي عقيدة السلف الصالح التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله. وما كان عليه السلف الصالح » . وفي الوقت نفسه جدد ابن سعود تحالفه مع السلطة الدينية الممثلة بأحفاد الشيخ محمد عبد الوهاب ، فتزوج من ابنة الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف ، حفيد الشيخ بن عبد الوهاب ، التي انجبت له الأمير فيصل عام 1906. فأصبحت أسرة آل الشيخ بهذه المصاهرة تأتي بالمرتبة الثانية بعد أسرة أل سعود في الأهمية والمكانة الاجتماعية ، وتوليهم إصدار الأحكام الشرعية ، وإشرافهم على المعاهد الدينية .

وفي عام 1926، دعا الملك عبد العزيز آل سعود إلى عقد مؤتمر إسلامي يهدف الحصول على اعتراف المسلمين بصفته حامي الحرمين الشريفين ، وسيطرته على نجد والحجاز ، ولمناقشة أوضاع المسلمين والعالم الإسلامي والعمل على إصلاحها. وقد حضر المؤتمر العديد من الشخصيات الإسلامية الإصلاحية. منهم الشيخ محمد رشيد رضا ، وأمين الحسيني ، وحافظ وهبة فضلاً عن القيادات البارزة في تنظيم الإخوان الوهابيين. وقد أكد الملك عبد العزيز للمجتمعين على ضرورة التمسك بالإسلام والجهاد في سبيله ، لأن في الحفاظ على وحدة الإسلام ضمانا لحق المسلمين وكرامتهم. قائلاً : «... أقول لكم جميعاً أنه لا حياة لنا إلا بالإسلام الذي يضمن حقنا الكامل في الدفاع عن حقوقنا. فأما النصر أو الشهادة دفاعا عن ديننا وأمتنا وألزم نفسي بذلك أمام الله » .

كما اهتم الملك عبد العزيز بالتعليم الديني ، ونشر الكتب الفقهية ، وكتب السيرة وتوزيعها مجاناً ، لنشر الثقافة الإسلامية في المجتمع. وقد طبع عام (1334هـ- 1915 ) أول كتاب على نفقته الخاصة في مدينة بومباي. وهو كتاب (روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام). كما استحدث الملك عبد العزيز عام 1949، نظاما للشورى يضم علماء الدين وزعماء القبائل وذوي الخبرة ، لاستشارتهم في الشئون الدينية والدنيوية .

وانطلاقا من هذا التوجه ، سعت الدولة السعودية ، في الثلث الأول من القرن العشرين ، إلى تنظيم القضاء ، وتوحيده على أساس المذهب الحنبلي ، لمحاسبة المقصرين في التزامهم الديني .

وبعد ثلاثة عقود ، وتحديدا عام 1949، أوعز الملك بإنشاء إذاعة لبث البرامج الدينية ، وقراءة القرآن الكريم. فكانت من العوامل التي ساعدت على نشر الثقافة الدينية في المملكة العربية السعودية .

وللتأكد من تطبيق الشريعة الإسلامية في المجتمع ، أنشأ الملك عبد العزيز (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ، برئاسة الشيخ عبد العزيز بن عبد اللطيف آل الشيخ. وكان لهذه الهيئة فروع منتشرة في مختلف مدن السعودية ، يشرف على إرادتها (المطاوعة) (*). وكانت تلك الفروع مفوضة باعتقال ومحاسبة من يثبت انتهاكه لتعاليم الشريعة الإسلامية. فمنعوا الاختلاط بين الرجال والنساء في الأماكن العامة ، وحظروا إنشاء أماكن اللهو والطرب ، وحرموا شرب الخمور وارتكاب المعاصي ، وضرورة متابعة حضور الرجال لصلاة الجماعة بانتظام . سار الملك سعود بن عبد العزيز (1902- 1969 ) ، الذي تولى الحكم بعد وفاة والده عام 1953 ؛ على النهج نفسه في الحكم. وهو اعتماد الشريعة الإسلامية أساسا للحكم. فكانت المناهج التعليمية تغلب عليها الفسلفة الدينية. كما اهتم الملك سعود بالتعليم الديني فانتشرت ، وبشكل ملحوظ ، المدارس الدينية في البلاد. وقد صرح الملك سعود بهذا التوجه مؤكداً على اهتمام الدولة بالتعليم الديني إذ قال : «.. لقد انشأت وزارة المعارف للنهوض بالعمل على تعليم الشعب أمور دينية أولاً ثم ما ينفعه في دنياه ثانيًا ».

واعتماداً على التوجه الديني للملك سعود. بعث الشيخ أمجد الزهاوي (**) ، رئيس رابطة العلماء في العراق ، برسالة إلى الملك سعود اقترح فيها مجموعة من الحلول لإصلاح أحوال الأمة الإسلامية. منها تشكيل مؤتمر إسلامي لعلماء المسلمين يكون مقره في المدينة المنورة. وله فروع في جميع الدول الإسلامية. يأخذ على عاتقه مهمة التصدي للتيارات العلمانية المنتشرة في العالم الإسلامي. وأيضاً القيام باصلاحات جذرية في النظام التعليمي بما ينسجم مع مبادئ الشريعة الإسلامية .

كما أكد الأمير ، أنذاك ، عبد الله بن عبد العزيز (1923-) ، على تمسك الدولة السعودية بأصول الإسلام الرئيسة ، القرآن والسنة. وذلك ردا على انتقاد الأمير طلال (1931-) ، أحد أفراد الأسرة الحاكمة المبعدين مطلع الستينات واتهامه النظام السعودي بعدم توفير الحريات الديمقراطية في السعودية. حيث يقول : «... يحتج طلال على أن ليس هناك دستور في السعودية يحمي الحريات الديمقراطية. إلا أنه يعلم جيداً أن المملكة السعودية لديها دستور موحى من الله ، وليس من صنع الإنسان. لا أعتقد أن هناك أي عربي يؤمن بأن القرآن يحتوي على غموض أو التباس يسمح بالظلم. أن كافة القوانين والأنظمة السعودية مستوحاة من القرآن. والسعودية تفخر بهذا الدستور » .

وفي عام 1962، أقدمت الدولة السعودية على تأسيس (الرابطة الإسلامية) ، التي حددت أهدافها بـ « نشر الإسلام ودحض التهم الباطلة الموجهة إليه ، ومكافحة المخططات التي يضعها أعداء الإسلام لأبعاد المسلمين عن دينهم... ومعالجة الشئون الإسلامية على نحو يحمي مصالح المسلمين ويحقق آمالهم » .

كما أثمرت السياسة السعودية في دعم التيار الإسلامي ، بتأسيس الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة ، مطلع عام 1960، لتكون مركزاً إسلاميا ينافس جامعة الأزهر بمصر، ولتعزيز سياسة الدولة على وفق المنهج الإسلامي في الداخل والخارج . ثم سعت الحكومة السعودية لإقامة اتحاد وثيق بين الدول الإسلامية ، فطرح الملك فيصل بن عبد العزيز (1906- 1975 ) مشروع (الحلف الإسلامي) عام 1965، للوقوف بوجه ما وصفها بـ « الأفكار الالحادية والمعادية للإسلام» وأصبحت مكة المكرمة مركزاً لهذا الحلف .

وبهدف نشر الإسلام ، وتحقيق التماسك الإسلامي ، أنشأت الحكومة السعودية (منظمة الشباب الإسلامي العالمي) عام 1972 في الرياض. وقامت الحكومة بتمويل نشاطات هذه المنظمة ، كبناء المساجد والمدارس الدينية خارج السعودية ، وتنظيم زيارة الدعاة للجاليات الإسلامية في الخارج ، وطبع المنشورات الدينية ، وتوزيعها وتقوية شعور الاعتزاز بالإسلام في أوساط الشباب المسلم. ودعم منظمات الطلبة المسلمين في العالم الإسلامي .

وضمن السياق نفسه ، حرصت الحكومة السعودية على دعم الحركات والتنظيمات الإسلامية التي لها مواقف معارضة للأيديولوجيات اليسارية والقومية السائدة في العالم العربي في الخمسينات أو الستينات من القرن العشرين ، عن طريق الدعم المادي والإعلامي لتلك الحركات ، وتقديم المنح الدراسة لأعضائها ، وطبع الكتب والنشرات الخاصة بها . كما شهدت تلك الفترة (منتصف الستينات) حدثا إسلاميا متميزا في مجال حقوق الإنسان ، وهو إصدار الدولة السعودية قرارا بمنع تجارة الرقيق (العبيد) ، المنافية للشريعة الإسلامية ، والتي كانت سائدة في الجزيرة العربية آنذاك .

ومن أبرز إنجازات الحكومة السعودية ، في مجال تعزيز التوجه الديني للدولة ، في فترة السبعينات ، وحرصا من السلطة على ضبط أمور الإفتاء. وللتوفيق بين المبادئ الدينية ، والقيم الحضارية الجديدة التي بدأت تدخل البلاد ، شكلت (هيئة كبار العلماء) عام 1972، لتكون المرجعية الرسمية والشعبية ، والمشرفة على إصدار الفتاوى .

وليتحقق التعاون والتضامن بين الدول الإسلامية ، وللوقوف بوجه الأفكار الأيديولوجية المعادية للإسلام، طرح الملك فيصل ، مطلع السبعينات مشروع التضامن الإسلامي ، ونجح في إقناع عدد من الدول الإسلامية المشاركة في هذا المشروع ، تعزيزا لمكانة الإسلام ودوره في التفاعل الحضاري الإنساني . ووسيلة لإيجاد رابط يوحد صفوف المسلمين ، بدلاً من الرابطة القومية العربية .

ويبدو واضحاً أن المملكة العربية السعودية تحاول ، بإصرار ، تأكيد مسارها الإسلامي ، وإبراز الدور الذي اضطلع به الإسلام في سياسة الدولة. فضلاً عن الحياة اليومية للناس ، من خلال تبني تنظيم المؤتمرات ، وفرض سيطرة التوجه الديني في كتابة المناهج التعليمية والاستعانة بالشخصيات الإسلامية لبث البرامج والخطب الدينية الموجهة ، واختيار الرموز والشعارات الوطنية ، مثل العلم ، وهو الراية الوهابية التقليدية ، مكتوب عليه (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ، والنشيد الوطني ، والطوابع البريدية ، والعطل الوطنية وهذه كلها صممت بطريقة تدل على الاحتفاظ بالقيم الإسلامية ومعانيها.

أما السلطات السياسية في بقية أقطار الخليج العربي ، فهي الأخرى سعت أيضاً ، بشكل عام ، إلى دعم التوجه الإسلامي في مجتمعاتها ، والتعاون مع الدول الإسلامية لمناقشة أوضاع المسلمين في العالم وإيجاد الحلول لمشاكلهم. كما فسحت المجال للجماعات الإسلامية لممارسة نشاطاتها وشعائرها الدينية بحرية كاملة. شرط عدم تدخل تلك الجماعات في القضايا السياسية . بل أن بعض الحكومات الخليجية ، مثل الكويت والبحرين ، ساهمت في نشر الفكر الإسلامي داخل المجتمع ، من خلال نشر الكتب والإصدارات الإسلامية. فأوعزت حكومة الكويت بإصدار مجلتي (المسلم المعاصر) و(الوعي الإسلامي) وتبرعت بالأموال لبناء المساجد الدينية كما فعل حاكم البحرين الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة الذي أدرك أهمية التعليم الديني في نشأة جيل صالح. فأمر عام 1943 ببناء مدرسة دينية على حسابه الخاص والتي تطورت إلى معهد ديني يشرف على تعليم وتدريب طلبة العلوم الإسلامية .

ولارتباط الأسرة الحاكمة في قطر (آل ثاني) ، بصلة قربى مع أسرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، فقد سعت لتطبيق ونشر المبادئ السلفية في المجتمع القطري. لكن يستاهل أكثر من الحالة السعودية .

كما اهتمت حكومة الإمارات العربية المتحدة بتنشيط العمل الإسلامي من خلال إنشاء المؤسسات التعليمية الدينية ، التي كان أبرزها إنشاء (المعهد العالي للدعوة الإسلامية) ، ودعم الرموز والشخصيات الإسلامية واستضافتها لإلقاء المحاضرات والدروس الدينية.

وفي عمان يحكم السلطان على أساس الشريعة الإسلامية وفق المذهب الأباضي (*) الذي يعد المذهب السائد في عمان مع أقلية سنية. واستنادا إلى ذلك لم تظهر حركات إسلامية معارضة في عمان ، مقارنة بالأقطار الخليجية الأخرى. وكذلك السلطة الحاكمة في إمارات ساحل عمان التي شجعت المنابر الإسلامية ، وتأسيس الصحف والمجلات ، والجمعيات الخيرية الإسلامية. كما حاولت احتواء التيار الإسلامي المتنامي من خلال نشر التعليم والثقافة الإسلامية ، واحتضان رموز التيار الإسلامي ، والمفكرين الإسلاميين ورعايتهم .

وعلى ما يبدو أن الحكومات الخليجية ، شأنها شأن الحكومات العربية الأخرى ، قد حاولت احتواء التيار الإسلامي المعتدل وشجعته ، لتطويق تأثير القوى السياسية العلمانية وتحجيمها في المجتمعات العربية. لما يملكه هذا التيار من تأثير مباشر وواسع على تلك المجتمعات. ويمكن القول هنا أيضاً ، أنه في الوقت الذي كان للسلطات السياسية الحاكمة في دول الخليج العربي دور في نمو الوعي الإسلامي وبروزه. كان لها أيضاً دور في ظهور حركات إسلامية معارضة ، كونتها بعض الفئات المذهبية التي نظرت بعين السخط وعدم الرضا إلى ما وصفته بعمليات تهميش وعزلة وغبن لحقوقها ، مارستها السلطات الحاكمة في بعض أقطار الخليج العربي. كما سنرى لاحقاً.

ب- علماء الدين

تبرز مكانة وأهمية علماء الدين في المجتمعات الإسلامية من طبيعة المهمة التي يقومون بها ، وهي تطبيق الشريعة الإسلامية في الحياة العامة ، وتفسير تفصيل المبادئ والأحكام التي جاء بها الإسلام ، كما وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية. وهم أيضاً يحتلون مكانة متميزة في التركيبة السياسية للدولة ، كما هي الحال في المملكة العربية السعودية. فهم يتمتعون بمكانة خاصة داخل المجتمع السعودي ، ويعدون من جماعات المصالح غير الرسمية ، وجزء مهم من البناء السياسي السعودي إذ يتمتعون بقوة تاثير في قرارات وسياسات الحكومة ، من خلال المؤسسات الدينية التي يشرفون عليها (*). والأدوار الأخلاقية التي يقومون بها من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومراقبة سلوك الحكومة والمواطنين ، والتأكد من أن هذا السلوك يتجانس مع قيم الإسلام ومبادئه ، فضلاً عن المكانة الروحية التي يتمتعون بها. وتمكنهم من الاتصال المباشر بالملك .

ويعود السبب في أهمية العلماء وقوة تأثيرهم في المجتمع ، إلى أن الإسلام يحكم سلوك الإنسان وتصرفاته ، وبالتالي فإن العلماء هم الذين يحددون التصرفات الاجتماعية على وفق مبادئ الشريعة الإسلامية ، مثل شعائر العبادة الأساسية ، وشئون الزواج والطلاق ، أو المعاملات التجارية ، وشئون الإجرام وغيرها. ولما كانت الشريعة بلا منازع المنظمة المركزية الوحيدة في الإسلام . وبما أن النظام السياسي السعودي يستند ، عموماً ، إلى دعامتين أساسيتين هما الأسرة السعودية ، وعلماء الدين وعلى رأسهم آل الشيخ ، فإن العلماء يتمتعون بعلاقة قوية مع الأسرة الحاكمة ، في الوقت الذي تعد فيه الأسرة الحاكمة أن وجود العلماء مهم لتعزيز شرعيتها. فأصبحوا يمتلكون المقدرة على التأثير في التوجهات والقرارات السياسية للدولة .

وفي البحرين برز عدد من علماء الدين ممن تولوا القيادة الشرعية والشعبية ، مثل الشيخ حسين آل عصفور ، والشيخ خلق العصفور الذي تصدى للاستعمار البريطاني مطلع القرن العشرين ، والشيخ عبد الله العرب. كما كان لعلماء الدين الموقف الحازم في رفض القوانين المدنية والجنائية ، التي أشرفت السلطات البريطانية في البحرين على وضعها ، لتعارضها مع مبادئ الشريعة الإسلامية. وطالبوا حاكم البحرين آنذاك (عيسى بن علي) بتطبيق الشريعة في كل نواحي الحياة. كما تزعم عالم الدين السيد علي كمال الدين الغريض انتفاضات عام 1954- 1956 الشعبية التي انطلقت من المساجد والمأتم (الحسينيات) ، وفي المناسبات الإسلامية .

أما في الكويت ، فقد كان لعلماء الدين دور بارز في عملية الإصلاح والتحديث التي شهدتها البلاد في النصف الأول من القرن العشرين ، برز منهم الشيخ عبد الله خلف الدحيان ، والشيخ صالح عبد الرحمن الدرويش ، والشيخ أحمد بن محمد الفارسي ، والشيخ خالد بن عبد الله العدساني ، والشيخ عبد الرحمن الدوسري الذي نشطوا في إلقاء الدروس والخطب في معظم مساجد الكويت ، بينوا فيها للناس حقيقة الإسلام ، وواجبات المسلم تجاه دينه ، محذرين من ارتكاب المعاصي والمنكرات ، والانصياع وراء ما وصفوها بـ « الحركات الهدامة ». وكان لبعضهم مواقف من قضايا المسلمين في العالم الإسلامي ، مثل الشيخ الدوسري الذي هاجم نظام الحكم في مصر لإقدامه على إعدام العديد من رموز الحركة الإسلامية ، وعلى رأسهم سيد قطب، منظر تنظيم الإخوان المسلمين في مصر.

ولم تخل قطر من وجود علماء دين ، مهدوا الطريق لنمو الوعي الإسلامي في البلاد ، كان أبرزهم الشيخ عبد الله بن إبراهيم الأنصاري الذي استغل منصبه كمدير إدارة الشئون الدينية ، ليشيد المعاهد الدينية ، ومراكز تحفيظ القرآن ، والمؤسسات الإسلامية الخيرية ، ويطبع كتب التراث الإسلامي ليوزعها مجاناً على طلبة العلم. فكان له دور فاعل في نشر الدعوة الإسلامية داخل قطر وخارجها .

وتجدر الإشارة هنا إلى وجود علماء دين ومفكرين إسلاميين من جنسيات عربية وإسلامية مختلفة استقروا في أقطار الخليج العربي ، وشاركوا في الصحوة الإسلامية التي شهدها الخليج في النصف الثاني من القرن العشرين كان أبرزهم : الشيخ محمد الغزالي، والشيخ محمد قطب، والشيخ يوسف القرضاوي، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني وحسن الترابي ، وعبد رب الرسول سياف ، وعبد الفتاح أبو غدة، مسئول تنظيم الإخوان المسلمين في حلب وحماه وآخرون .

كان للعلماء حق تقييم ومعارضة وتوجهات السلطة وإصدار الأحكام بشأنها وقد عبروا عن موقفهم من خلال إصدار الفتاوى ، أو في لقاءاتهم المباشرة مع الملك كما حصل عندما دافع علماء الدين عن الشريعة الإسلامية ، وتدخلوا لدى الملك عبد العزيز عام 1927، لحمله على رفض المشروع الذي تقدمت به الحكومة الذي يهدف إلى تدوين الشريعة. خوفاً من حصول أخطاء أو تحريف في عملية التدوين .

وكان لعلماء الدين موقف من تشدد جماعة الإخوان بشأن القضايا الداخلية والخارجية ، فعلى أثر معارضة الإخوان لتوجهات الملك عبد العزيز الإصلاحية ، التي نظر إليها كبار الإخوان على أنها إخلال بالأتفاق الذي عقده الملك معهم ، وأنه تخلى عما يعتقدون أنه من الدين ، حيث وجدوا في بعض تلك الإصلاحات التحديثية ، خروجا عن الدين. إزاء موقف نو هذا ، وإعلانهم الجهاد على القبائل والبلاد المجاورة للسعودية ، استعان الملك عبد العزيز بعلماء الدين لمواجهتهم ، وكشف منهجهم المتشدد. فأصدر العلماء فتاوى أجازوا فيها الإفادة من مظاهر الحضارة الحديثة ، شرط أن لا يخرج عن حدود الشريعة الإسلامية. وعدوا إعلان الجهاد من مسئولية الإمام وحده .

وتجدر الإشارة إلى أن هؤلاء العلماء أنفسهم أبدوا معارضتهم للاتفاقية النفطية التي عقدتها الدولة مع شركة ستاندرارد أويل كاليفورنيا عام 1933 ، بوصفها اتفاقية تمهد الطريق أمام « الكفار » لدخول البلاد. وبالتالي سينشرون الرذيلة بين الناس ، ويدخلون مظاهر الفساد إلى المجتمع .

وحرصا على انسجام القوانين مع الشريعة الإسلامية ، أصدر علماء الدين في شباط 1927 فتوى عدواً فيها القوانين العثمانية المعمول بموجبها في الحجاز لاغية ، لتعارضها مع الشريعة الإسلامية ، جاء فيها : «.. أما القوانين العثمانية ، فإذا كان منها شيء في الحجاز فلسوف يلغي فوراً. ولا شيء سوى الشريعة الخالصة يجري تطبيقه » . وضمن التوجه نفسه عقد علماء الذين اجتماعا في مكة عام 1930 ، للنظر في سياسة ابن سعود التربوية. وأصدروا فتوى عارضوا فيها إدخال اللغات الأجنبية والجغرافية والرسم في المناهج التعليمية ، لأنها في اعتقادهم واسطة لنقل ثقافة « الكفار » ومعتقداتهم التي تفسد المسلمين .

مهما يكن من أمر ، فإن ارتباط علماء الدين واتصالهم بجميع طبقات المجتمع ، ولا سيما في الصلوات العامة ، وخطبة الجمعة ، وإشرافهم على التربية الدينية ، جعلهم قادرين على إثارة الجماهير ضد السلطة. ففي سلطنة عمان وجد علماء الدين في تصرفات السلطن فيصل خروجاً على أحكام الشريعة الإسلامية ، وعدم الالتزام بمبادئ الأباضية. وذلك بسماحه استيراد الخمور والتبوغ وخضوعه الواضح للاستعمار البريطاني ، فضلاً عن غياب الطابع الروحي عن نظام حكمه ، على الرغم من محاولته استمالة علماء الدين ، عندما أطلق على نفسه عام 1912 لقب (إمام المسلمين) إلى جانب لقب السلطان .

غير أن رفضه كل المحاولات الرامية إلى إصلاح نظام حكمه ، وعدم التزامه بالعمل وفق أحكام الشريعة الإسلامية ، تسبب في إثارة استياء علماء الدين في عمان ، ودفعهم إلى تحريض السكان ضده.

وقد كان للمؤرخ والمفكر الديني عبد الله بن حميد السالمي ، دور رئيس وفعال في التهيئة والإعداد للثورة العمانية عام 1913. حيث نظم هذا الشيخ حملة واسعة في أنحاء عمان طالب أهلها بالثورة ضد السلطان فيصل ، لتخليص البلاد من التدهور السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي أصابها في ظل حكم هذا السلطان .

مما سبق ، يتضح لنا أن للتيار الإسلامي جذورا عميقة داخل المجتمع الخليجي. تبرز بشكل واضح من خلال تطورات الحياة الفكرية والاجتماعية التي شهدتها منطقة الخليج العربي منذ مطلع القرن العشرين. مما جعلت ذات تأثير كبير على ظهور التيار الإسلامي ، بتنظيماته وأحزابه الإسلامية ، التي برزت بشكل منظم في النصف الثاني من القرن العشرين. كما سنرى في الفصل القادم.

الفصل الثالث: الأحزاب والتنظيمات الإسلامية المعاصرة في الخليج العربي

أولاً : الأحزاب والتنظيمات الإسلامية المعاصرة حتى (مرحلة ما بعد 1967)

ثانيًا : الأحزاب والتنظيمات الإسلامية حتى عام 1991

تميزت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، بحصول تغيرات سريعة في المجتمع الخليجي ، فدخلت أفكار ومفاهيم حديثة ، وانهارت معتقدات وقيم تقليدية تزامن ذلك مع ازدياد العائدات النفطية في المنطقة. فشهدت الساحة الخليجية بروز حركات وتنظيمات إسلامية ، مارست نشاطها خلف واجهات اجتماعية -دينية اتخذت ، أول الأمر ، طابعا اجتماعيا يهتم بأعمال النفع العام والنشاط الخيري ، والتوجيه والإرشاد الاجتماعي بأسلوب ديني منعزل عن السياسة. وربما يعود ذلك إلى لاقيود التي فرضتها السلطات الحاكمة في دول الخليج لعربي على التنظيمات الإسلامية ، ومنعها من ممارسة النشاط السياسي العلني من جهة ، وقوة التيار القومي الذي شهد اتساعاً في قاعدته الشعبية ، ولا سيما بعد ثورة 1952 في مصر، من خلال الأندية والجمعيات ذات التوجه القومي ، التي ظهرت في منطقة الخليج العربي ، والتي كانت امتدادا للحركات القومية التي نشأت في المشرق العربي آنذاك (*).

غير أن نهاية الستينات شهدت بداية التدهور للقوى القومية ، على أثر هزيمة الأنظمة العربية في حرب الخامس من حزيران 1967 مع الكيان الصهيوني ونتج عن تلك الهزيمة تراجع الطروحات القومية وتزامن ذلك التراجع مع وفاة الرئيس المصري جمال عبد الناصر، وحدوث انشقافات داخل التنظيمات القومية في الوطن العربي .

أتاح هذا التراجع القومي المجال للتنظيمات الإسلامية في الخليج العربي بأن تبرز كقوة سياسية منظمة ضاغطة. سيطرت على الساحة السياسية في الخليج ، كما سنرى ، ونظرا لطول المرحلة التاريخية التي سعينا من خلالها إلى تتبع التيار الإسلامي وتنظيماته في الخليج العربي (1945- 1991) ، فقد تم تقسيمها وفق المنظور الزمني لظهوره ، وكما يأتي :


أولاً: الأحزاب والتنظيمات الإسلامية المعاصرة حتى (مرحلة ما بعد 1967)

عرفت منطقة الخليج العربي الاتجاه الديني مع بداية القرن العشرين. وبقيت سبل المحافظة على القيم والأخلاق والمبادئ الإسلامية هي السمات العامة للمجتمع الخليجي. وقد ساهم أنصار الاتجاه الديني ، من علماء الدين والمصلحين -الذي تأثروا بزعماء الإصلاح الإسلامي المستنير مثل جمال الدين الأفغاني ، ومحمد عبده ، ورشيد رضا- في تطور المجتمع الخليجي اجتماعا وسياسيا وفكريا . فقد أسس في البحرين عام 1910 (النادي الإسلامي) الذي يعد من أوائل الجمعيات الإسلامية في الخليج العربي ، عندما وجد بعض المصلحين ضرورة التصدي للنشاط التبشيري في الخليج العربي ، من خلال إنشاء مؤسسات ثقافية إسلامية تكون قادرة على الوقوف بوجه التبشير ويشير أحد المؤرخين الخليجيين إلى دور أولئك المصلحين في التصدي للنشاط التبشيري ، ومنهم الشيخ محمد مقبل عبد الرحمن الذكير بقوله : «... أن الذكير وجد نفسه مع مجموعة من الشيوخ والمثقفين في البحرين أمام تحد كبير ، وصراع ديني وفكري ليس بالهين مع المبشرين بزعامة القس المبشر صموئيل زويمر. ومن هنا رأى الذكير أن الأساليب التي استخدمها رجال الدين المحليين والتي تحض الناس على عدم ارتياد المؤسسات التبشيرية ، ليس بالطريقة الناجحة في التصدي للتبشير. وأن أفضل الوسائل هو إنشاء مؤسسات ثقافية ، ومدارس كأسلوب حضاري لمقاومة التبشير » . وفي عام 1913، افتتحت في الكويت(الجمعية الخيرية) التي كان الهدف الرئيس من تأسيسها مواجهة الحملات التبشيرية ، وإرسال طلاب العلم إلى الجامعات الإسلامية. وفي العام ذاته أسس نخبة من المتأثرين برواد الإصلاح الإسلامي ناديا إسلاميا هو نادي (إقبال أوال الليلي).

ومضى المصلحون الإسلاميون في الخليج العربي في خطواتهم الإصلاحية فاقدمت مجموعة من الشباب البحريني المسلم عام 1928على تأسيس (المنتدى الإسلامي) متأثرين بالفكر الإصلاحي الإسلامي ل (جمعية الشبان المسلمين) في مصر . وقد استرشد مؤسسو المنتدى بالقانون الأساس لهذه الجمعية عند صياغتهم قانون المنتدى. كما قام المشرفون على المنتدى الإسلامي كان فرعا لتنظيم الإخوان المسلمين. لكن هذا لا يعني بالضرورة أن المنتدى الإسلامي كان فرعا لتنظيم الإخوان في مصر، بل يمكن وصفه بأنه مجرد رد فعل عفوي إسلامي للأحداث السياسية التي شهدها العالم آنذاك.

يمكن القول هنا ، أن تلك التنظيمات الإسلامية لم تكن ذات طابع سياسي ، وإن دورها في المجتمع لم يكن غريباً ، لكون المجتمع الخليجي مجتمعاً إسلاميا بطبعه. فكان لابد من وجود دور فعال للتوجهات الإسلامية في المجتمع ، هذا إلى جانب وجود الاستعمار البريطاني الذي هيمن على منطقة الخليج والجزيرة العربية ، والذي سعى لأن تبقى مجتمعات هذه المنطقة في حالة تخلف حضاري. ويمكن إضافة عامل آخر هو سيطرة الحركة السلفية (الوهابية) ، وتأثيرها في مجتمعات الخليج العربي . ومهما يكن من أمر فقد برزت ، خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها أحزاب وتنظيمات إسلامية ، كانت أكثر تنظيما ونشاطا في المجتمع الخليجي ، وهي :


1- الإخوان المسلمين

ارتبط مؤسس تنظيم الإخوان المسلمين الشيخ حسن البنا بصلات وثيقة مع المملكة العربية السعودية، منذ عشرينيات القرن الماضي. فخلال المؤتمر الإسلامي الذي عقده السلطان عبد العزيز بن سعود عام 1926 ، ألقى الشيخ البنا كلمة دعا فيها المسلمين إلى ضرورة التمسك بالقرآن والسنة ، والسعي لتحقيق نهضة المسلمين وإصلاح شئونهم. وهاجم الغرب لكونه السبب في تفرقة المسلمين وتباعدهم . وعلى ما يبدو فإن هذا الخطاب وجد صداه في نفوس السامعين فاقبل بعضهم إليه يسألونه عن دعوته. ويبدون رغبتهم في الانضمام إليها. وهذا ما شجع الشيخ البنا على زيارة المملكة كل عام لأداء مناسك الحج ، وتوزيع الكتب والمنشورات التي تحمل أفكار تنظيم الإخوان المسلمين على الحجاج القادمين من كل أرجاء العالم الإسلامي ، وبدعم وتشجيع من السلطة السعودية.

ويكشف البنا في مذكراته (الدعوة والداعية) عن علاقته المبكرة بالمملكة العربية السعودية فيقول : «.. إن فضيلة الشيخ حافظ وهبة مستشار جلالة الملك ابن سعود حضر إلى القاهرة وجاء لانتداب بعض المدرسين من وزراء المعارف ليقوموا بالتدريس في معاهدها الناشئة.. فاتصل بي السيد محب الدين الخطيب وحدثني في هذا الشأن فوافقت مبدئياً » .

وتجدر الإشارة هنا إلى أن علاقة البنا بالسعودية تجاوزت كونها علاقة وظيفية بحتة ، لتصل إلى علاقة ذات طبيعة خاصة سياسية ودينية. إذ كان يرى في السعودية الدولة التي عليها معقد آمال الأمة في إقامة دولة الإسلام . وتجسدت فكرته تلك بقوله : « ... وكان أهم شروط وضعته أمام فضيلة الشيخ حافظ ألا اعتبر موظفا يتلقى مجرد تعليمات لتنفيذها بل صاحب فكرة يعمل على أن تجد مجالها الصالح في دولة ناشئة هي أمل من آمال الإسلام والمسلمين. شعارها العمل بكتاب الله وسنة رسوله ، وتحري سيرة السلف الصالح » .

وربما رأى البنا أن ثمة تشابها والتقاء بين الفكر السلفي (الوهابي) الذي تبنته الدولة السعودية، وبين المبادئ والأفكار التي كان يحملها تنظيم الإخوان المسلمين. وهذا ما يفسر التغيير الذي طرأ على فكر الإمام البنا ، وتحديدا علاقته بالصوفية. بعد توثيق علاقته بالمملكة العربية السعودية، فقد كان الشيخ البنا في بداية تكوينه الفكري متأثرا بشكل كبير بالفكر الصوفي وبرز ذلك بشكل واضح بعد انتمائه إلى الطريقة الحصافية . غير أن هذا التعلق والتأثر بالفكر الصوفي سرعان ما تغير بعد توثق ارتباط البنا بالفكر السلفي (الوهابي) الذي يحرم جميع أشكال الطرائق الصوفية. فبدأ يهاجم الصوفية ويتهمهم بالخروج على الإسلام وتضليل المسلمين .

شهدت العلاقة بين تنظيم الإخوان المسلمين، و المملكة العربية السعودية تطورا إيجابياً بعدما وجه الشيخ البنا الدعوة إلى الملك عبد العزيز آل سعود عام 1938 لحضور المؤتمر الإسلامي الذي نظمه الإخوان المسلمين على أثر تطورات القضية الفلسطينية. وقد استجاب الملك عبد العزيز لهذه الدعوة ، وأرسل ابنه الأمير فيصل وبعض أفراد العائلة ، وأرسل ابنه الأمير فيصل وبعض أفراد العائلة المالكة لحضور المؤتمر نيابة عنه. كما تجدد اللقاء بين الأمير فيصل وعدد من قادة تنظيم الإخوان المسلمين في العام التالي للنظر في القضية الفلسطينية ، والعمل على إيجاد حلول لها . وخلال زيارة الملك عبد العزيز لمصر عام 1944، لقي حفاوة بالغة ، وترحيبا كبيراً من عناصر الإخوان المسلمينالذين خرجوا بأعداد كبيرة لاستقبال الملك السعودي ، سواء في القاهرة، أم في الأسكندرية، وهم يرددون الهتافات الإسلامية ، وعبارات الترحيب بالملك .

وقد زاد من توثيق العلاقة بين الإخوان المسلمين و المملكة العربية السعودية ، حرص الشيخ البنا على أداء شعائر الحج سنوياً. فخلال السنوات 1936- 1948، لم يتخلف البنا عن الحج سوى عام واحد. وقد استغل البنا موسم الحج وعده أشبه بمؤتمر عالمي ، لنشر دعوته بين وفود الدول الإسلامية التي كانت تؤدي مناسك الحج . فضلاً عن عقد اجتماعات فروع الإخوان المسلمين في العالم الإسلامي ، لمناقشة أوضاع المسلمين ومحاولة معالجتها ، ووضع الخطط لنشر دعوة الإخوان في باقي أجزاء العالم الإسلامي .

وعلى الرغم من ذلك ، لم يتمكن تنظيم الإخوان المسلمين من فتح فرع له في المملكة العربية السعودية ورفضت كل الطلبات التي قدمت من قيادات الإخوان بهذا الشأن ، لأسباب ربما تتعلق بموقف السعودية من التنظيمات السياسية ، وعدم رغبتها بانتقال نشاط الحركات السياسية إلى داخل أراضيها ، خشية ظهور حركات سياسية معارضة لنظام الحكم فيها .

لكن يمكن القول ، أن الحكومة السعودية فسحت المجال لعناصر من تنظيم الإخوان المسلمين بالاستقرار في المملكة ، ولا سيما بعد حملة الاعتقالات التي تعرضوا لها في فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر، فشغلوا مناصب في الدوائر والمؤسسات الرسمية ، ومنها الجامعات والمدارس السعودية فضلاً عن اشتراك بعضهم في تأليف المناهج التعليمية وتدريسها في السعودية. ومن أبرز هؤلاء : محمد متولي الشعراوي، يوسف القرضاوي، محمد الغزالي، و محمد قطب (مصريون) ، و عبد الفتاح أبو غدة ، معروف الدواليبي، وعلي الطنطاوي (سوريون) ، و كامل الشريف، و يوسف العظم (أردنيان) ، و عبد المجيد الزنداني (يمني) ، و حسن الترابي (سوداني) ، و عبد رب الرسول سياف (أفغاني) وغيرهم. وهؤلاء كانوا يحملون معهم فكر الإخوان المسلمين، ويعملون على نشره في المجتمعات التي ينشطون فيها . وفي الوقت ذاته شكلت دول الخليج العربي ، وفي مقدمتها السعودية، أسواقا رائجة لكتب الإخوان المسلمين وأدبياتهم وأبرزها كتب حسن البنا، و سيد قطب التي كانت تباع في الأسواق الخليجية أكثر مما بيع منها في مصر نفسها ، أو في أي مكان آخر. وذلك للقوة الشرائية الكبيرة التي يتيمز بها السوق الخليجي ، وللحرية التي أبدتها الرقابة الإعلامية في دول الخليج تجاه تلك الكتب .

وثمة من يشير إلى تلقي الإخوان المسلمين مساعدات مالية من أفراد ومؤسسات سعودية ، خصصت لبناء المساجد وتقديم خدمات الإرشاد الديني ، فضلاً عن تقديم خدمات صحية وتعليمية. وقد عبر عدد من قادة تنظيم الإخوان عن شكرهم وتقديرهم للمملكة العربية السعودية، لأنهم وجدوا فيها الملاذ والملجأ الآمن كلما تعرض أعضاء التنظيم في مصر وغيرها من الدول الإسلامية للاضطهاد والمضايقة .

أما على المستوى التنظيمي ، فقد برزت في عدد من دول الخليج العربي تنظيمات إسلامية ، كانت تابعة لتنظيم الإخوان المسلمين في مصر، وأبرز تلك الواجهات :

أ- جمعية الإصلاح في البحرين

تأسست عام 1941 في مدينة المحرق ، تحت اسم (نادي الطلبة) ، وهي الواجهة الرسمية لتنظيم الإخوان المسلمين في البحرين. ثم تحولت عام 1948إلى (نادي الإصلاح الخليفي) ، بسبب تأثير الطلاب البحرينيين الذين كانوا يدرسون القانون المدني والإسلامي في مصر والمتأثرين بفكر الإخوان المسلمين.

ويعد عبد الرحمن الجودر أول طالب بحريني يلتقي مؤسس تنظيم الإخوان المسلمين الشيخ حسن البنا في مصر، عندما كان أحد أعضاء البعثة الدراسية البحرينية عام 1946. وقد أبدى الجودر إعجابه بشخصية البنا وفهمه الدعوي. فانضم على أثر ذلك إلى تنظيم الإخوان المسلمين. ثم عاد إلى البحرين حاملا معه فكر الإخوان لنشره في المجتمع البحريني .

ومن جهة أخرى كان في البحرين عدد من المدرسين المصريين والسوريين والفلسطينيين ، المنتمين إلى تنظيم الإخوان. استطاعوا نشر فكر الإخوان ومبادئهم في أوساط الشباب البحريني ، بعد أن وجدوا تجاوبا من الأهالي لدعوتهم .

ومما ساعد على نشر فكر الإخوان المسلمين في البحرين ، انتساب عدد من أبناء الأسرة الحاكمة (من آل خليفة) ، إلى تنظيم الإخوان المسلمين، كان أبرزهم الشيخ عيسى بن محمد آل خليفة ، فضلاً عن مجموعة من المنحدرين من أصول قبلية سنية ، منهم (جاسم الفايز، و أحمد المالود، و عبد العزيز المير) وغيرهم من الذين أصبحوا أعضاء بارزين في نادي الإصلاح ، والذي وصف بأنه (ذراع الإخوان المسلمين في الساحة البحرينية) .

مارس النادي ، في مطلع الأربعينات حتى الستينات ، نشاطا متواضعاً ، حيث أعلن القائمون على النادي أن أهدافهم تنحصر في ممارسة النشاطات الاجتماعية والدينية ، دون الاهتمام بالقضايا السياسية ، وربما يرجع ذلك للعلاقات الجيدة التي تربطهم مع السلطة الحاكمة . وقد تمحورت أهداف النادي الاجتماعية والدينية حول التركيز على الإصلاح الاجتماعي من خلال التوعية والإرشاد الديني. وقد اتسم خطاب النادي بالوعظية. حيث دأب القائمون عليه على تنظيم مواسم سنوية ، تلقى فيها المحاضرات الدينية. يقوم بإلقائها علماء دين ومفكرون إسلاميون من مصر ومن الدول الإسلامية الأخرى. وغالبيتهم من ذوي الاتجاه الإخواني. فضلاً عن اهتمام النادي بالأعمال الخيرية ومساعدة الفقراء عن طريق التبرعات ، وفتح صناديق خيرية ، وتقديم المساعدة لطلاب العلم المحتاجين . ولتنظيم تلك الأعمال استحدث النادي مشاريع جديدة ، مثل مشروع (كفالة اليتيم) ، ومشروع (الصدقة الجارية) وغيرهما من المشاريع الخيرية التي تمول عن طريق مع التبرعات من المؤسسات والعوائل الغنية داخل البحرين ، أو عن طريق الجمعيات الإسلامية الخيرية المنتشرة في دول الخليج العربي .

أصبح للنادي قاعدة جماهيرية واسعة ، قدرت بالألاف ، ما بين أعضاء ومتعاطفين مع توجهات النادي. فشهد النادي صعودا في شعبيته ، ولا سيما على أثر موقفه الداعم للقضية الفلسطينية ومشاركته في المظاهرات التي انطلقت بعد إعلان قيام إسرائيل على أرض فلسطين عام 1948. وقيام النادي بتشكيل قوة رمزية من أعضائه للمشاركة في حرب فلسطين.

شهدت البحرين على امتداد الأعوام ما بين 1953- 1956 مظاهرات وصدامات بين الحركة الوطنية والسلطة السياسية الحاكمة. في الوقت التي كانت فيه الساحة السياسية في البحري تشهد صراعات فكرية وأيدلوجية بين التيارات السياسية البارزة آنذاك. فضلاً عن نشوب صدامات طائفية بين السنة والشيعة ، ابتدأت بمشادة كلامية بين عدد من أفراد الطائفتين ، تطورت إلى مواجهة طائفية بينهما. ولعب المستشار البريطاني (بلغريف) دوراً في تأجيجها ، لاسكات الشارع البحريني الذي تحرك للمطالبة بالإصلاحات السياسية .

وقد تمكن عبد الرحمن الباكر من عقد اجتماع حضره وجهاء الطائفتين الرئيستين في البحرين (السنة و الشيعة) في حسينية قرية سنابس في أكتوبر عام 1954؛ نتج عنه تشكيل ما عرف بـ (الهيئة التنفيذية العليا) ، التي ابنثقت منها لجنة تنفيذية قوامها ثمانية أعضاء يمثلون الشعب البحريني (أربعة من السنة ، وأربعة من الشيعة) . وقد استغلت الهيئة الأعياد والمناسبات الدينية للطائفتين ، لتعبئة الجماهير والمطالبة بتنفيذ الاصلاحات السياسية ، على أثر رفض الحكومة لتلك المطاليب ، دعت الهيئة الجماهير للإضراب العام في ديسمبر 1954، والذي حظي باستجابة شعبية واسعة .

من الجدير بالإشارة هنا ، أن انفصال الحركة الشعبية البحرينية في الخمسنات ، الذي تزعمته الهيئة التنفيذية العليا ، والذي شارك فيه عدد من علماء الدين المسلمين (من السنة والشيعة) ، للمطالبة بتحقيق إصلاحات سياسية واجتماعية في البلاد. كان بعيداً عن مشاركة الإخوان المسلمين في البحرين ، بل كان موقفهم سلبياً من ذلك النشاط. مما أشعل حربا كلامية بين الإخوان والهيئة العليا التي اتهمت الإخوان بمحاباة السلطة ومساندتها على حساب المطالب الشعبية. وينقل أحد قياديي جماعة الإخوان المسلمين جانبا من الاتهامات المتبادلة بين الجانبين. حيث يقول : «.. إن الحركة الشعبية كانت تتهم الإخوان بالعمالة للحكومة وللانكليز. وإن الإخوان من جانبهم -كانوا يتهمون الحركة بأنها انساقت لتصبح سلما لأغراض الشيوعية الرامية إلى السيطرة على مقدرات البلد » . وبالتالي أدى هذا التنافس والتناحر بين الاتجاهات السياسية في البحرين من جهة ، وبروز التيار القومي كقوة سياسية ضاغطة في الساحة السياسية الخليجية آنذاك ، من جهة أخرى ، إلى انتكاس وهبوط شعبية نادي الإصلاح ، ليبرز مرة أخرى في السبعينات بعد دخوله في مواجهات مع السلطة ، لتحقيق اصلاحات دينية واجتماعية واقتصادية ، كما سنرى لاحقاً.

ب- جمعية الإرشاد الإسلامية

شهدت الساحة السياسية في الكويت، منذ مطلع الخمسينات ، تنوعا في تياراتها السياسية المختلفة ، كان لحاكم الكويت الشيخ عبد الله السالم الصباح (1950- 1965) ، الذي اشتهر بسياسته الليبرالية المنفتحة ، دور في فسح المجال للتنظيمات السياسية لممارسة نشاطها بقدر من الحرية في المجتمع الكويتي. وفي ظل هذا المناخ السياسي ، بدأت الأحزاب السياسية بالتشكيل في الكويت. ويرصد أحد المؤرخين التوجهات الرئيسة لتلك الأحزاب فيقول أن هناك في الخسمينات « تيارات أربعة.. هناك تيار الفكرة الإسلامية ، وتيار القومية العربية ، وتيار المصلحة الإقليمية ، وتيار النزعة الإنسانية » . وقد استثمر الإخوان المسلمين هذه الفرصة ، وبدأوا بتشكيل أول تنظيماتهم في المجتمع الكويتي. سبق أن تعرف عبد العزيز العلي المطوع (*) ، في منتصف الأربعينيات ، على مؤسس تنظيم الإخوان الشيخ حسن البنا، وذلك خلال دراسته في القاهرة. وفي عام 1947، تمكن عبد العزيز المطوع من تأسيس أول تنظيم للإخوان المسلمين في الكويت على شكل شعبة .

ويورد الباحث الكويتي فلاح عبد الله المديرس ، جملة من العقبات التي اعترضت تنظيم الإخوان المسلمين في الكويت في بداية تأسيسه ، منها تخوف الكويتين من تسمية (الإخوان المسلمين) لما تثيره كلمة (إخوان) في نفوسهم من الذكريات المريرة التي عاصروها عند هجوم (الإخوان الوهابيين) على الكويت عام 1921، وعدم اطمئنان الكويتيين من كلمة (حزب) وتحسسهم منها. وهذا ما دفع مؤسس تنظيم الإخوان المسلمين في الكويت، عبد العزيز المطوع، أن يقترح على الشيخ حسن البنا بأن تكون التسمية (جمعية الإرشاد الإسلامية) ، لتكون واجهة اجتماعية لنشاط الإخوان المسلمين التنظيمي (*).

وفي منتصف عام 1952 تم الإعلان رسميا عن (جمعية الإرشاد الإسلامية) ، وانتخب عبد العزيز علي المطوع كأول مراقب عام للجمعية ، في حين أصبح الشيخ يوسف بن عيسى القناعي رئيسا لها ، وأبرز أعضائها محمد العدساني ، وخالد مسعود الفهيد ، وعبد الله سلطان الكليب الذي تم انعقاد الاجتماع التحضيري الأول في ديوانيته ( ). وكما هو واضح من اسمها ، هي جمعية دينية ، وصفتها الموسوعة الكويتية المختصرة بالقول : « جمعية الإرشاد الإسلامية جمعية دينية ، كان لها اتصال بحزب الإخوان المسلمين تأسست في أول رمضان 1471 الموافق 24 مايو 1952. قيل إن تأسيسها كان لغرض تنوير العقول من الجهلن وتربية النشء تربية فاضلة ، والمحافظة على القيم الروحية والإنسانية ، وعرض الإسلام عرضاً مبسطا علمياً يوافق العصر ، ومحاولة تقديم الإسلام كنظام اجتماعي ، إلى جانب كونه ديناً روحانيا » .

وكغيرها من جمعيات النفع العام ، أكدت جمعية الإرشاد الإسلامية في قانونها « أن هذه الجمعية الدينية لا تتدخل في السياسة. وهدفها الوعظ الحكيم والإرشاد الحسن » . ويؤكد أحد أبرز أعضائها ، عبد الله سلطان الكليب ، هذا التوجه للجمعية ، ملمحا إلى مشاركة عدد من أعضاء تنظيم الإخوان المسلمين في مصر في تأسيسها (*) ، ومشيرا إلى أبرز أنشطتها الاجتماعية داخل الكويت وخارجها ، قائلاً : «... لقد أسسنا جمعية الإرشاد الإسلامي في سنة 1952 كجمعية إسلامية خيرية. وبدايتها عقد اجتماع في ديواننا بحضور عدد من الإخوة منهم : محمد العدساني وعبد الرزاق العسكر ، وعلي الجسار ، وخالد العيسى وآخرون.. واذكر أن الأخ عبد العزيز العلي المطوع اصطحب معه ذلك العام وفدا من مصر. وبدأنا النقاش معه حول تأسيس هذه الجمعية بالكويت. فتم الاتفاق وأسسناها وكانت جمعية لمساعدة المحتاجين بدأنا بتعليم من فاتهم التعليم محو الأمية وأقبل الكثير على الفصول التي فتحناها في ذلك الوقت ، كما قمنا بجمع تبرعات وخيام ومود غذائية لمساعدة الفدائيين في الأراضي الأردنية والسورية آنذاك .

ولنشر فكر الجمعية وتوجهاتها ، أصدرت الجمعية مجلة (الإرشاد) في آب عام 1953 ، لتكون ناطقة باسمها ، وتولى عبد العزيز المطوعرئاسة تحريرها. ثم تولى تحريرها فيما بعد عبد الرزاق المطوع. وشاركت شخصيات إسلامية في الكتابة فيها ، مثل أبو الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية في باكستان ، وأبو الحسن الندوي ، ومحمد يوسف النجار ، وشاكر النتشة من فلسطين، و مصطفى السباعي ، المراقب العام للإخوان المسلمين في سوريا وغيرهم ، واستمرت المجلة تصدر شهريا حتى توقفت نهائياً بعد أزمة الإخوان المسلمين في مصر منتصف الخمسينات .

إذن كانت الأهداف المعلنة للجمعية ، كما أكد عليها قانون الجمعية وعدد من أعضائها ، تتمثل في نشر الثقافة الإسلامية ، وبعث روح التدين ، وعرض الإسلام على أنه عقيدة ونظام عالمي صالح لمعالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية. ويؤكد أكد الباحثين على تلك الأهداف بقوله : «... والناظر في قانون الجمعية يرى أن منهاجها وأهدافها كثيرة وواسعة. وتلك طبيعة الدعوات الإسلامية الحديثة لأن دعاة الفكرة الإسلامية الآن يؤمنون بأن الإسلام دين ودولة ، وعبادة وقيادة ، مصحف وسيف ، ومسجد ومدرسة تتت. لذلك يمكن القول أن هناك تشابها بين جمعية الإرشاد الإسلامية في الكويت، والجمعيات الدينية في مصر. وفي السياق ذاته ، أكد مؤسس تنظيم الإخوان المسلمين في العراق الشيخ محمد محمود الصواف على الصلة بين الجمعية وتنظيم الإخوان المسلمين بقوله : «.. وبعد أن توسعت الدعوة في العراق ، امتد عملنا إلى الكويت. وكان أخونا عبد العزيز العلي المطوع بارك الله فيه من خيرة وأصدق من اتصل بنا واتصلنا به وخيرة شباب الكويت كانوا من رجال الدعوة ومن شباب (الإرشاد) ، وكان المسئول عن الدعوة فيها الأخ عبد العزيز العلي المطوع. وكان على صلة كبيرة بإخوان مصر، ومع الإمام الشهيد حسن البنا» . وعليه فإن الحديث عن جمعية الإرشاد الإسلامية هو في الواقع يقصد به تنظيم الإخوان المسلمين في الكويت.

أما فيما يتعلق بالبناء التنظيم لجمعية الإرشاد الإسلامية ، فقد كان هناك أربعة أقسام رئيسة لإدارة النشاط التنظيمي للجمعية ، تنحصر في :

1- قسم الطلبة : ويتركز نشاطه على تنظيم العناصر الطلابية لجماعة الإخوان المسلمين.

2- قسم العمال : وتنحصر مسئوليته في تنظيم العمال ضمن التنظيم العمالي لجماعة الإخوان المسلمين.

3- قسم التجار : وهو من أهم الأقسام في التنظيم لما يمثله التجار من ثقل اجتماعي واقتصادي وسياسي في المجتمع.

4- قسم نشرة الدعوة »

ويعد التنظيم الطلابي من أنشط الأقسام التنظيمية للجمعية ، وكان له دور في تنظيم أعضاء جدد سواء من الطلبة الكويتين ، أو من خارج الكويت، وضمهم إلى (مدرسة الإرشاد) التي اتخذت كواجهة تعليمية لنشر أيديولوجية الإخوان المسلمين في الكويت وفكرهم السياسي. كما شكلت الجمعية عدداً من اللجان مثل لجنة الرياضة ، ولجنة الجوالة ، ولجنة المساعدات ، ولجنة البر الاجتماعية ، لتنسيق أنشطتها. كذلك سيطر الإخوان المسلمين في الكويت على بعض المؤسسات التعليمية ، مثل (المعهد الديني) و(مدرسة الشيوخ الثانوية) ، التي تحولت إلى مسرح لنشاط الإخوان المسلمين في الكويت.

أثارت الدعوة التي أقامها مؤسس الإخوان في الكويت، عبد العزيز المطوع، في نيسان 1954، احتفاء بالشيخ عمر الداعوق ، مرشد الإخوان المسلمين في لبنان التي حضرها جمع غفير من الشخصيات الإسلامية في الكويت وخارجها ، أثارت تلك الدعوة حفيظة القنصلية الأمريكية في [[الكويت] التي وجدت في تحركات الإسلاميين في الكويت نشاطها يهدد المصالح الأمريكية في الخليج ، خاصة بعد رفض الإخوان بالكويت المخططات الأمريكية الرامية إلى استقطاب الدول العربية ، وضمها إلى المعسكر الغربي الذي تتزعمه الولايات المتحدة آنذاك. وقد رفعت القنصلية الأمريكة مخاوفها من نشاط الحركة الإسلامية في الكويت إلى حكومتها ، معتبرة ذلك النشاط أمراً غير مقبول يجب وضع حد له .

على الرغم من قوة التيار القومي الذي برز في الخليج العربي بشكل واضح في الخمسينات إلا أن جمعية الإرشاد الإسلامية مارست بقوة نشاطها الدعوي والخيري. فافتتحت مكتبة الإرشاد الإسلامي بإدارة الشيخ يوسف بن عيسى القناعي ، ومركز الشباب الرياضي والثقافي. وأقامت الندوات والمحاضرات والحفلات والرحلات والمخيمات الكشفية. ونشرت الكتب والأناشيد الإسلامية ، ونظمت دورات لتحفيظ القرآن ، وقيام الليل وصيام الاثنين والخميس. كما استضافت الجمعية العديد من الشخصيات الإسلامية ، وأبرز الدعاة في العالم الإسلامي لإلقاء المحاضرات والدروس الدينية .

شهد منتصف الخمسينات تغييرات في مسار تنظيم الإخوان المسلمين في مصر فقد كانت العلاقة بين تنظيم الضباط الأحرار ، وتنظيم الإخوان في بداية ثورة تموز 1952 في مصر، علاقة حسنة. وقد ذكر جمال عبد الناصرأنه كان على اتصال دائم بالأخوان قبل إعلان الثورة. وإن مجموعات من الإخوان المسلمين شاركوا في المحافظة على الأمن في الأيام الأولى للثورة . وفي المقابل قامت حكومة الثورة بالتحقيق في اغتيال حسن البنا كما قام عبد الناصر بزيارة ضريح البنا ، كتعبير عن تلك العلاقة الحسنة. إلا أن اختلافات في وجهات النظر برزت بعد فترة قصيرة. تمحورت حول المعاهدة في بريطانيا ، ودور الإخوان في الحياة السياسية ، ومفهوم الحرية والديمقراطية. تطورت تلك الخلافات لدرجة جعلت الحكومة تصدر قرارا بحل جمعية الإخوان وفي تشرين الأول 1954، بدأ عبد الناصر، بعد محاولة فاشلة لاغتياله -حقيقية كانت أو ملفقة- في الأسكندرية يستخدم الشدة والعنف ضدهم. واستمر على هذه الحال حتى وفاته عام 1970، بين سجن وتعذيب وإعدامات لهم .

عاشت جماعة الإخوان بعدها مرحلة المحنة والضياع ما بين الأعوام 1954- 1970 وأشار أحد الكتاب الإسلاميين أنه « قد أفرزت هذه المرحلة ، وما واكبها من قمع مباشر ومتلاحق للإخوان ، مدرسة فكرية جديدة هي مدرسة سيد قطب رحمه الله ، وما تفرع عنها من مدارس تمثل رؤى وأفكارا خرجت عن فكر مؤسس الجماعة حسن البنا» . أما الذين تمكنوا من النجاة بمغادرتهم مصر، فقد عاشوا في المنفى ، واستقر أغلبهم في أقطار الخليج العربي .

وعودة إلى تنظيم الإخوان المسلمين ونشاطهم في الكويت، فقد كان لتلك الأحداث التي عصفت بتنظيم الإخوان في مصر، أثر كبير في الانقسام الداخلي الذي تعرضت له جمعية الإرشاد الإسلامية في منتصف الخمسينات ، وظهور تيارين متعارضين ، التيار المعتدل الذي قاده مؤسس الجمعية عبد العزيز المطوع، والتيا المتشدد ومثله مجموعة من التنظيم الطلابي تزعمه محمد العدساني وأحمد الدعيج وعبد الرحمن العتيقي. وقد حدث خلاف بين التيارين يعود سببه إلى طبيعة الموقف الواجب اتخاذه من مسألة اعتقال قيادات الإخوان في مصر. كان التيار المتشدد يرى ضرورة اتخاذ موقف واضح وصريح من النظام المصري. في حين كان التيار المعتدل يفضل الوقوف على الحياد. وثمة من يتهم (نجيب جويفيل) (*) ، في أنه كان له الدور الكبير في توسيع رقعة الخلاف بين التيارين .

وفي سياق هذه المسألة ، ومسائل أخرى تتعلق بالموقف من اعتقال وإعدام عدد من الإخوان المسلمين في مصر، يورد مؤلف (من أعلام الحركة الإسلامية) مناقشة جرت بعد انتهاء محاضرة القاها عبد الرحمن الدوسري ، وهو من أعلام الحركة الإسلامية في الكويت، عندما اعترض أحد المستمعين على استشهاد الشيخ الدوسري بكلام سيد قطب(**) ، لكونه حليق للحية. فرد عليه الشيخ الدوسري قائلاً : « إذا كان الشهيد سيد قطب بلا لحية ، فهو صاحب إحساس وشعور وإيمان ويقين وغيرة على الإسلام والمسلمين. قدم روحه فداء لدينه ، واستشهد في سبيل الله طلباً لمرضاته وطمعاً في جنته. وقال قولته المشهورة حين ساوموه ليرجع عن موقفه : لماذا استرحم؟ أن سجنت بحق فأنا أرضى حكم الحق. وإن سجنت بباطل فأنا أكبر من أن استرحم الباطل. أن أصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في الصلاة ليرفض أن يكتب حرفاً يقر فيه حكم الطاغية. هذا هو سيد قطب، فأين أصحاب الشعر بلا شعور من مواقف الرجال؟ » .

في نهاية الخمسينات ، وتحديدا عام 1959، فرضت السلطات الكويتية إجراءات قاسية تجاه الأندية والجمعيات الثقافية ، رافقها فرض حظر على الصحافة المحلية ، إثر حملة الانتقادات التي تعرضت لها السلطات الحاكمة من التنظيمات السياسية القومية في الكويت. وذلك خلال الاحتفالات التي أقامتها تلك التنظيمات بمناسبة الذكرى الأولى لتأسيس الجمهورية العربية المتحدة حيث ساد تلك الاحتفالات مناخ تحريضي ضد الأنظمة العربية المعارضة للوحدة ، مثل النظام العراقي ، والنظام الكويتي. فأصدرت السلطات الكويتية قرارا بغلق جميع الأندية والجمعيات الكويتية ، بما فيها جمعية الإرشاد الإسلامية. واستمر هذا الوضع حتى استقلال الكويتعام 1961.

ج- جمعية الإصلاح الاجتماعي

شهدت الكويت بعد استقلالها عام 1961، نوعاً من الانفراج السياسي الداخلي ، وقد كان وراء ذلك الانفراج أسباب معينة ، تأتي في مقدمتها مطالبة حكومة عبد الكريم قاسم بالكويت، بوصفها كانت من الناحية الإدارية والتاريخية قضاء تابعاً إلى لواء البصرة (*). فلم يكن أمام حاكم الكويتآنذاك الشيخ عبد الله السالم الصباح والذي كان من أنصار التيار الإصلاحي ، ألا أن يفسح المجال للقوى السياسية والقومية منها بشكل خاص ، التي كانت مسيطرة على الشارع الكويتي آنذاك ، بمزاولة نشاطها ، بهدف الاستعانة بها في مواجهة مطالب الحكومة العراقية ، ومن جهة أخرى لإعطاء صورة مقبولة للرأي العام العالمي ، بأن النظام الكويتي نظام ديمقراطي. وأيضاً للرد على الحملات الإعلامية التي كانت تريد أن تنقل للعالم بأن النظام الذي يحكم الكويت، نظام عشائري . فبدأت القوى السياسية التي سبق أن جمدت نشاطها قبل سنوات ، تمارس نشاطها من جديد في الساحة السياسية الكويتية. لكن خلف واجهات رمسميات جديدة.

وفي ظل هذا المناخ السياسي اجتمع ثلاثون شخصاً من المنتمين إلى تنظم الإخوان المسلمين في ديوانية الحاج فهد الحمد الخالد ، في 16 محرم 1383هـ ، الموافق 8 حزيران 1963م ، وتباحثوا حول ضرورة قيام كيان إسلامي في الكويت، يحافظ على الأخلاق والهوية الإسلامية للشعب الكويتي. واتفق الجميع على تأسيس جمعية جديدة باسم (جمعية الإصلاح الاجتماعي) ، التي أصبح واضحاً أنها كانت امتداد طبيعياً لجمعية الإرشاد الإسلامية التي تأسست عام 1952. وفي 11 حزيران 1963 عقدت الجمعية اجتماعها الأول ، وتم فيه انتخاب الهيئة الإدارية للجمعية. فأصبح يوسف النفيسي رئيسا للجمعية ثم تولى هذا المنصب فيما بعد ، يوسف الحجي (*). بعد ذلك تولى رئاسة الجمعية ، مرشد الإخوان المسلمين في الكويت، وعضو المكتب التنفيذي لتنظيم الإخوان المسلمين دوليا ، عبد الله العلي المطوع . وفي 22 تموز 1963 ، تم إشهار جمعية الإصلاح الاجتماعي ، ونشر هذا الإشهار في الصحيفة الرسمية للبلاد ، وسجلت الجمعية في سجلات وزراة الشئون الاجتماعية والعمل الرقم (14) .

انبثقت عن جمعية الإصلاح الاجتماعي ، مجموعة من اللجان ، أبرزها اللجنة الثقافية التي نشرت فكر الإخوان المسلمين في المجتمع الكويتي. ويقع ضمن مسئولية هذه اللجنة ، تنظيم أسابيع للتثقيف الديني ، مثل أسبوع رمضان ، وأسبوع الحج ، وأسبوع القرآن. فضلاً عن فتح عدد من مراكز تحفيظ القرآن الكريم ، التي بلغ عددها (47) مركزاً ، اتخذت من المساجد المنتشرة في أنحاء الكويت مقرات لها . كذلك لجنة الدعوة الإسلامية ، ولجنة العالم الإسلامي ولجنة المناصرة الخيرية لفلسطين و لبنان .

واهتمت جمعية الإصلاح الاجتماعي بطبع وتوزيع الكتيبات والمنشورات الصادرة عنها ، والتي أسهمت -كثيرًا- في نشر فكر الإخوان المسلمين في الكويت. وضمن هذا التوجه أصدرت الجمعية مجلة (المجتمع) ، وهي مجلة أسبوعية صدر العدد الأول منها في تشرين الثاني عام 1969 ، وترأس تحريرها الدكتور إسماعيل الشطي ، وأصبح عبد الله العلي المطوع رئيسا لمجلس إدارتها ، وتعد (المجتمع) من أنجح المجلات الدينية في العالم الإسلامي. فهي تعرض أخبارها على شكل (المقال الخيري) أو (الخبر المقالي) ، بمعنى أنها لا تكتفي بعرض الخبر فقط ، وإنما تصوغه على شكل مقال شارحة أبعاده ، ومغزاه من وجهة نظر إسلامية.

انعكست توجيهات أعضاء الجمعية بشكل واضح على مجلتهم ، فوضحوا من خلالها مواقفهم من المجتمع والقضايا العامة .

وقد كتب رئيس تحريرها ، بمناسبة دخول المجلة عامها العشرين على تأسيسها ، عن أسلوبها وتوجهاتها قائلاً : «... نحن جعلنا شخصية المجلة انعكاسا لشخصية (جمعية الإصلاح الاجتماعي) التي يحدد أطرها لوائحها الداخلية. وتضم بين صفوفها أعضاء من كافة الجماعات الإسلامية. وجعلنا الافتتاحية أو باختصار ما ينشر باسم أسرة التحرير رأي الجمعية أو المجلة. أما ما تضمه بقية الصفحات فهو تعبير عن ضمير الحركة الإسلامية. فالمجتمع تعالج الأحداث بمنظور شامل. وتصنع المواقف والآراء بإطار عام من الفكر الإسلامي. وتناصر كل جماعة إسلامية مضطهدة أو أقلية مظلومة » .

وهذا ما يفسر الأسلوب الهجومي ، الذي تميز به الكثير من أعدادها. فالمجلة لا تكتفي بمجرد الرفض. بل تشن هجوما إعلاميا على كل فكر أو مسألة لا توافق الشرع . أو على كل نظام سياسي يمارس الاضطهاد ضد الجماعات الإسلامية. كما حدث عندما هاجمت المجلة الرئيس المصري (حسني مبارك) لأنه صادق على إعدام الملازم (خالد الإسلامبولي) إثر اشتراكه في عملية اغتيال الرئيس السابق (أنور السادات) وهذا ما أوقع الحكومة الكويتية في مواقف محرجة مع بعض الأنظمة العربية ، التي كانت محط هجوم مجلة المجتمع. لذلك أقدمت السلطات المختصة في الكويت على مصادرة بعض أعداد المجلة ، لتفادي تلك المواقف ومنع حدوثها .

وتجدر الإشارة إلى أن المجلة نجحت في استقطاب العديد من المفكرين الإسلاميين للكتابة فيها ، أمثال يوسف القرضاوي، محمد الغزالي، محمد محمود الراشد ، حسن الترابي، الشاوي ، وغيرهم من أصحاب الفكر الإسلامي.

أصبح لجمعية الإصلاح الاجتماعي نشاطها الملموس على الصعيد الاجتماعي والسياسي والديني في الكويت، وقد نالت الجمعية استحسان شرائح واسعة من المجتمع الكويتي ، من مهندسين وأطباء وتجار وعمال وطلاب ، فضلاً عن تأييد الحكومة للجمعية. وقد بلغ عدد الأعضاء المسجلين رسميا في سجلات الجمعية حتى نهاية عقد الثمانينات (1170) عضوا .

ركز برنامج جمعية الإصلاح الاجتماعي على أهداف معينة ، تأتي في مقدمتها المحافظة على الهوية والتقاليد الإسلامية للمجتمع الكويتي ، ورفض القيم والعادات المستوردة ، التي تحمل معها أمراضا اجتماعية تصيب المجتمع بالتفسخ ، وإصلاح المناهج التعليمية والاسترشاد بالتوجه الإسلامي في معالجة مشاكل المجتمع ، والبحث على الأعمال الخيرية التي تؤلف القلوب وتجمع الأفراد على مبادئ الإسلام والعمل الصالح .

ولم يقتصر دور الجمعية الخيرية داخل الكويت فقط ، بل أمتد نشاطها إلى خارج الكويت. ففتحت لها فروع في دبي والبحرين. كما قدمت الجمعية الدعم المالي للتنظيمات الإسلامية التابعة للإخوان المسلمينفي مصر والعالم الإسلامي . ويمكن القول أن الإخوان المسلمين في الكويت لم يقدموا أنفسهم كقوة سياسية منظمة في عقد الستينات ، بل ركزوا نشاطهم على الحياة الاجتماعية ، والعمل على تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية في المجتمع الكويتي.

2- الحركة السلفية

يؤكد أحد رموز الحركة السلفية في الخليج العربي بأن الدعوة السلفية ليست دعوة إلى شعبة من شعب الإيمان ، ولا لقضية واحدة من قضايا الإسلام. كما أنها ليست دعوة إصلاحية اجتماعية ، ولا دعوة سياسية حزبية ، وإنما هي باختصار ، دعوة الإسلام بكل ما تعني هذه الكلمة من معاني السيادة والإصلاح والعدل والفلاح في الدنيا والآخرة . وبناء على ذلك ، فإن أهداف الدعوة السلفية هي نفسها أهداف دعوة الإسلام. وهي منهج ودعوة وطريق لفهم الإسلام والعمل به .

وقد تمتعت الحركة السلفية ، نوعاً ما ، بدعم بعض الأنظمة السياسية في الخليج العربي ، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية. نظراً لكونها استندت في مرجعيتها العقدية إلى مذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، وهو المذهب الرسمي فيها. فساعد على نشر المطبوعات الخاصة بالحركة السلفية ، وكتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب .

أما في الكويت، فقد برزت الحركة السلفية في ستينات القرن العشرين ، لكنها لم تتناول النشاط الاجتماعي ، والسياسي بقدر ما ركزت على الدعوة للالتزام بالقرآن الكريم والسنة النبوية ، وأتباع السلف الصالح ، ومحاربة البدع وتنقية الإسلام من الشوائب ، والاهتمام بتراث الإسلام. ومارست الحركة نشاطها الديني خلال الاجتماعات التي كانت تنظمها في المساجد والديوانيات وبيوت الأعضاء ، أو عن طريق واجهات تنظيمية ، بمسميات مختلفة ، مثل جماعة عبد الرحمن عبد الخالق (فلسطيني يحمل الجنسية المصرية) والذي يعد من أبرز رموز الحركة السلفية في الكويت. درس على يد الشيخ عبد العزيز بن باز في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة (*) ، و(جماعة الدعوة) بزعامة سالم الحقان وعلي الجبري ، والتي كان لها صلات مع (الجماعة الإسلامية) (**) في الهند و باكستان ، و(جمعية التراث الإسلامي) ، و(التجمع الإسلامي الشعبي) .

وثمة من يعزو السبب الرئيس لظهور الجماعة السلفية في الكويت، إلى طموح الجماعة بأن تكون منافسا للجامعات الدينية الموجودة في الكويت منذ عام 1947 مثل (الإخوان المسلمين، وحزب التحرير ، وجماعة التبليغ). حيث انتقدت الجماعة السلفية في الكويت هذا التنظيمات ، واتهمتها بأنها لم تكن تخدم العقيدة الصحيحة ، ولم تكن تميز منهج السلف عن غيره من المناهج ، وأن هذه الجماعات تهدف إلى غايات حزبية ضيقة. فيشير أحد مؤسسي الجماعة ، وهو الشيخ عبد الله السبت ، إلى ذلك بقوله : «.. من دواعي قيام الجماعة السلفية في الكويتأننا وجدنا أن الجماعات القائمة أنذاك ، وهي الإخوان أو جماعة التبليغ ، لم تقم بالتمييز العقائدي ، ولم تقم بإظهار العلم والدعوة إليه » ( ).


3- حزب التحرير الإسلامي

تمكن حزب التحرير الإسلامي (*) ، أن يفتح له فروعاً في عدد من الأقطار العربية ، ومنها الكويت. حيث تمكن عدد من الأردنيين والفلسطينيين المنتمين إلى حزب التحرير ، والذين وفدوا إلى الخليج العربي ، لتحسين مستواهم المعاشي. أو هربا من مطاردة السلطات لهم في بلادهم ، أن يؤسسوا فرعا للحزب في الكويت، في منتصف الخمسينات. ويعد السيد يوسف هاشم الرفاعي ، وعبد الرحمن ولايتي ، وعبد الرحمن البالول ، من أبرز أعضاء هذا الحزب وأكثرهم نشاطا . وفي أذار 1969 ، صدر عن مؤسسة البلاغ لصاحبها السيد يوسف هاشم الرفاعي ، والسيد عبد الرحمن ولايتي ، العدد الأول من مجلة (البلاغ). وهي مجلة تعبر عن أهداف وفكر حزب التحرير الإسلامي في الكويت.

أكد منهاج حزب التحرير الإسلامي على الفكر السلفي ، وضرورة العمل على إصلاح المجتمع على وفق الرؤية الإسلامية. حتى لو تطلب الأمر الاعتراض على السلطة ومواجهتها. غير أن اعتماد حزب التحرير على الطابع السري في نشاطاته ، وقلة أعداد مؤيديه ، واقتصاره على العناصر الوافدة ، وبشكل خاص الأردنيين والفلسطينيين ، حد من نشاط الحزب ، وحصر إلى حد كبير ، دوره في الساحة السياسية الخليجية .


4- جماعة التبليغ

بدأت جماعة التبليغ خطواتها الأولى في شبه القارة الهندية ، على يد الشيخ محمد الكاندهلوي . اقتصر نشاطها على الموعظة والإرشاد والحث على العمل بالكتاب والسنة ، والتحذير من البدع والخرافات. وركيزتهم الأساسية في ذلك الموعظة ، وتعرف عندهم بـ (البيان) ، وذلك عن طريق استغلال الوقت بين صلاة المغرب وصلاة العشاء ، للكلام عن أصول الدعوة ، والصفات التي يجب على المسلم أن يتحلى بها. وهي استحضار الشهادة ، والخشوع في الصلاة ، وطلب العلم مع الذكر ، وإكرام المسلمين ، وتصحيح النية ، والهجرة في سبيل الله والدعوة إليه .

أراد الشيخ محمد الياس أن ينقل دعوته من الهند إلى الجزيرة العربية ، لكونها مهبط الوحي ، ومركز العالم الإسلامي ، ومنها انطلقت دعوة الإسلام. فسافر عام 1938 إلى المملكة العربية السعودية وعرض منهاج دعوته على الملك عبد العزيز بن سعود ، طالبا منه السماح للجماعة لممارسة نشاطها الدعوي في المملكة العربية السعودية. وقد استجاب الملك عبد العزيز لهذا الطلب ، وسمح للجماعة بالعمل في المملكة. وبعد وفاة الشيخ محمد الياس في السعودية عام 1944، أعاد قادة التبليغ منهاج دعوتهم على مفتي المملكة العربية السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ، طالبين منه مساعدتهم في تسهيل مهمتهم. فوجه مفتي المملكة عام 1954 خطاباً إلى علماء الإحساء والمنطقة الشرقية يطلب منهم التعريف بجماعة التبليغ ، وتقديم المساعدة لهم لنشر الدعوة هناك. جاء فيه : « من محمد بن إبراهيم إلى من يراه من علماء الإحساء والمقاطعة الشرقية... وبعد فحامل هذا الكتاب سعيد محمد علي الباكستاني ورفقائه كانوا من جمعية التبليغ في باكستان ومهمتهم العظة في المساجد والإرشاد والحث والتحريض على التوحيد وحسن المعتقد والحث على العمل بالكتاب والسنة ، مع التحذير من البدع والخرافات كتبت عنهم بذلك طلباً لمساعدتهم من إخونهم بالتمكين لهم من ذلك. سائلاً الله تعالى أن يرزقهم حسن النية والتوفيق للنطق بالحق... » .

انتشرت جماعة التبليغ في معظم أجزاء المملكة العربية السعودية، فضلاً عن انتشارها في عدد من الأقطار العربية ، وأمريكا وأوربا وجزر المحيط الهندي . وعدت من أنشط الجماعات الإسلامية لتفاني أتباعها وإخلاصهم في نشر الدعوة. فشهدت خمسينات وستينات القرن العشرين ، تصاعدا في نشاط جماعة التبليغ في المملكة العربية السعودية، بعد انضمام أعداد كبيرة من الشباب السعودي إلى الجماعة ، وأصبح لها مراكز دينية منتشرة في عدد من مدن المملكة .

غير أن اعتراضات اثيرت من علماء الدين في السعودية على توجهات الجماعة ، واتهاما بأنها أهملت جانب التوحيد وتناقضها مع التوجه السلفي للمملكة ، وأنها تهدف إلى تحويل الانتماء الوطني للشباب السعودي ، وتوجيههم نحو الفكر الصوفي خارج المملكة . فصدر قرار رسمي عام 1963 يمنع الجماعة من مزاولة نشاطها. وتبع ذلك القرار قيام اللجنة الدائمية للإفتاء في المملكة بإصدار فتوى عام 1977 ، كشفت فيها الأخطاء التي ارتكبتها جماعة التبليغ. إلا أن الجماعة استمرت في نشاطها ولم تتوقف بشكل نهائي إلا بعد إحداث الحرم المكي عام 1979.


5- جمعية الدعوة إلى الله

ظهرت هذه الجمعية الإسلامية في الكويتعام 1952، واستقطبت وجهاء البلد من التجار والأعيان ، وكل من يتوسم فيه التقوى والصلاح. ولم تتناول الجمعية الشئون السياسية ضمن اهتماماتها. بل ركزت على نشر الثقافة الإسلامية ، وبناء المساجد ، وإنشاء المؤسسات الإسلامية وغيرها من الأعمال الخيرية في محاولة لصيغ المجتمع الكويتي بالصيغة الإسلامية والحفاظ على هويته وانتمائه الإسلامي. غير أن نشاطها ظل مقتصرا على فئات اجتماعية معينة. وبالتالي قلل من فرص انتشارها داخل المجتمع الكويتي .

6- جمعية الثقافة الاجتماعية

تمثل الطائفة الشيعية في الخليج العربي ، في واقع الأمر ، جزءا أساسياً من النسيج الاجتماعي الخليجي. ويعود وجودها في منطقة الخليج العربي إلى زمن بعيد. ونتيجة سوء الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لهذه الطائفة ، فقد شهدت الساحة السياسية في الخليج العربي ، مشاركة واسعة من لدن الطائفة الشيعية لتحسين تلك الأوضاع. إلا أن تلك المشاركة لم تتخذ طابعا تنظيميا إلا في عقد الستينات ، عندما بدأت تتشكل تنظيمات إسلامية شيعية في بعض أقطار الخليج العربي.

ففي الكويت ينقسم الشيعة ، الذين استوطنوا فيها منذ مدة طويلة ، عرقيا إلى شيعة من أصول عربية ، ويطلق عليهم الحساوية ، نسبة إلى منطقة الإحساء في الجزيرة العربية ، والشيعة البحارنة الذين هاجروا من البحرين. فضلاً عن الشيعة العرب الذين وفدوا من جنوب العراق. وهناك شيعة من أصول فارسية ، يطلق عليهم العجم ، استقروا في الكويت منذ القرن التاس عشر .

وعموما ينقسم الشيعة في الكويت إلى أربع مدارس مذهبية ، هي باختصار : (الشيخية) نسبة إلى الشيخ أحمد بن زين الدين الإحسائي.. ويطلق عليهم في الكويت(جماعة الميرزا) نسبة إلى إمامهم المجتهد الشيعي الميرزا حسن الأحقافي ، و(الإخبارية) وهم من البحارنة من مقلدي الميزا إبراهيم جمال الدين ، و(الأصولية) التي تركز على علمية الحديث والتأكد من سنده وصحته. وأخيراً (الخوئية) وهم الشيعة من أصول فارسية ، ومن مقلدي المجتهد السيد أبو الحسن الخوئي الذي عاش وتوفي في مدينة النجف في العراق .

اغتنم الشيعة والسنة في الكويت فترة الانفراج السياسي التي شهدتها البلاد مطلع الستينات ، في عهد الشيخ عبد الله السالم الصباح. وبدأوا يمارسون نشاطهم السياسي والتنظيمي في الساحة السياسية الكويتية. فكان للشيعة دور في المجلس التأسيسي الكويتي ، الذي أنشئ في 30 ديسمبر 1961. حيث مثل عنهم نائبان ، من أصل عشرين نائباً ، هما منصور موسى المزيدي ، ومحمد رفيع حسين معرفي .

وشهد عام 1963 ، ظهور أول تنظيم إسلامي شيعي في الكويت. حيث أعلن في كانون الثاني من هذا العام عن تأسيس (جمعية الثقافة الاجتماعية) ، كان من أبرز مؤسسيها ، شعبان الحاج علي غضنفري وحمزة محمد علي السلمان وعبد الصمد محمد حسن دشتي وعلي غلوم حسن الصراف وعبد الله علي دشتي ويوسف علي كمال وعبد علي عبد الله بهمن ومحمود حسين علي خاجة وقاسم علي رضا أسري وحبيب صفر محمد. وبرز من أعضائها السيد عدنان عبد الصمد ، وباقر أسد عبد الباقي.

لقد عت هذه الجمعية من الناحية الرسمية ، كمؤسسة اجتماعية خيرية. لكنها في الواقع كانت تمثل تنظيما إسلاميا له نشاطه السياسي. أما أهداف الجمعية المعلنة ، فتمثلت في نشر الوعي الإسلامي والاجتماعي ، والإرشاد والتوجيه الديني. وقد مارست الجمعية نشاطها من خلال عد من اللجان الثقافية والرياضية ، ومراكز تحفيظ القرآن ، والنادي الصيفي. كما استطاعت الجمعية أن تستقطب العديد من العناصر المثقفة من الشيعة. حيث بلغ عدد المنتسبين إلى الجمعية حتى منتصف الثمانينات ، ما يقارب (900) عضو .

واجهت هذه الجمعية ، خلال مسيرتها ، بعض الصعوبات. كان من أبرزها الضغوطات التي مارستها السلطات في الكويت ضدها. فقد رفضت تلك السلطات الطلب الذي تقدمت به الجمعية لإصدار مجلة ناطقة باسمها. كذلك لم تسمح لها بإصار نشرة داخلية خاصة بالجمعية. كما رفضت وزارة التربية والتعليم تخصيص إحدى المدارس التي تشرف عليها الوزارة ، لاتخاذها مركزاً تمارس فيه الجمعية نشاطها الدعوي. لذلك اقتصر نشاط الجمعية على المطالبة بإنشاء المزيد من المساجد والحسينيات ، من دون أن تكون لها مشاركة في أي نشاط سياسي محلي. كما لم تشارك في إبداء أي موقف تجاه الأحداث التي شهدتها الساحة السياسية ، الكويتية والعربية ، فقد اتهمت الجمعية بموالاتها للسلطة على حساب المطالب الشعبية. لكون معظم منتسبيها وأنصارها من كبار تجار الشيعة في الكويت.

فخلال حملة الاستنكار التي نظمتها القوى السياسية في الكويت، احتجاجا على تورط الحكومة بتزوير انتخابات مجلس الأمة الثاني عام 1967 ، لم تتخذ الجمعية أي موقف تجاه تلك الأحداث. ولم تشارك القوى السياسية الأخرى في التوقيع على بيان يدين عملية التزوير. بل على العكس من ذلك ، شارك المرشحون المدعومون من الجمعية من الجمعية بأعمال المجلس الذي اتهم بالتزوير .

وهي بهذا لم تنجح في أن تصبح قوة معارضة حقيقية في المجتمع الكويتي. فاتجه الكثير من أعضائها للانخراط في التنظيمات الإسلامية الشيعية الأكثر قوة وتأثيراً في المجتمع الكويتي . كما سنرى لاحقاً.

من خلال ما تقدم نستطيع القول أن التيار الإسلامي ، في هذه المرحلة ، بدأ يتشكل على هيئة حركات وجمعيات إسلامية منظمة. مارست العمل بصورة علنية. وأن علاقتها بالسلطة كانت نوعاً ما ، إيجابية. وقد ركزت تلك التنظيمات في برامجها وأهدافها على الإصلاح الاجتماعي. والنشاط الخيري ، والتوجيه والإرشاد بأسلوب ديني. مبتعدة عن ممارسة النشاط السياسي المعارض نتيجة الأوضاع السياسية التي شهدها الشارع العربي آنذاك ، وسيطرة القوى والتنظيمات القومية على الساحة السياسية العربية ، ومنها الساحة الخليجية.


ثانياً: الأحزاب والتنظيمات الإسلامية المعاصرة حتى عام 1991

بعد هزيمة الأنظمة العربية في حرب حزيران 1967 مع الكيان الصهيوني ، وما أحدثته تلك الهزيمة من صدمة شديدة في ضمير العرب والمسلمين ، شهدت المجتمعات العربية ظاهرة العودة من جديد إلى التمسك بالإسلام. وقد برز ذلك بوضوح من خلال توجه أعداد كبيرة من الشباب للتمسك بشدة بمبادئ الإسلام وأصوله ، والعمل على تطبيقها ، كحالة من النضج والوعي الفكري للرد على واقع هزيمة حزيران 1967.

وعلى ما يبدو أن هذه الظاهرة لها جذورها في التراث الإسلامي. فكلما يمر المجتمع الإسلامي بأزمات ، نتيجة ابتعاده عن الأنموذج الأول للأمة الإسلامية ، يبرز الاتجاه الأصولي ، كإطار موجه للخروج من تلك الأزمات ، من خلال دعوة المسلمين للعودة إلى أصول العقيدة الإسلامية النقية ، والتمسك بها .

وثمة من يضيف عاملاً آخر لازدياد نشاط الحركة الإسلامية في الخليج العربي آنذاك ، تمثل في بروز ظاهرة الطبقية والارستقراطية ، وعدم توخي العدالة في توزيع الثروة التي تدفقت على المنطقة من العائدات النفطية ، وما نتج عنه من تفشي مظاهر الفساد والإسراف في الاستهلاك بين فئات معينة ، وزيادة حرمان الطبقات الوسطى والدنيا في المجتمع الخليجي .

ترافق ذلك مع اهتمام الأنظمة السياسية الخليجية بالجانب الأمني. الأمر الذي اقتضى تكثيفا للوجود الأجنبي ، وبشكل خاص الأمريكي ، لتأمين هذا الجانب. وهذا ما أثار حفيظة بعض القوى السياسية ، ومنها الإسلامية ، من ازدياد الوجود الأجنبي في المنطقة

لذلك أقدمت بعض الأنظمة السياسية الحاكمة في الخليج على استغلال التنظيمات الإسلامية ، والعمل على احتوائها ، لتكون بدلاً من القوى السياسية الأخرى المتعارضة . وفي الوقت نفسه للتخفيف من حدتها ونشاطها في المجتمع وتوجيه اهتماماتها نحو القضايا الاجتماعية فحسب .

ويمكن القول ، أن تلك الظروف ساعدت على نشر أجواء الاحتجاج وعدم الرضا على الأوضاع الداخلية ، وعلى أداء الأنظمة الحاكمة. فأخذت الحركة الإسلامية في الخليج العربي ، تشهد نشاطا متزايدا آنذاك ، فتكونت التنظيمات الإسلامية ، السنية والشيعية ، وانطلقت لتعبئة الجماهير وقياداتها ، للمطالبة بتحقيق الاصلاحات ، بدلاً من القوى والتنظيمات العلمانية ، التي انحسر نشاطها في تلك المرحلة. وكما يلي :

أ- الأحزاب والتنظيمات الإسلامية الشيعية

مع نهاية عقد الستينات وبداية السبعينات ، بدأت الساحة الخليجية تشهد تزايدا في النشاط الأيديولوجي والتنظيمي والسياسي للتيار الديني الشيعي. وقد وصف أد المؤرخين ذلك التيار الديني المتنامي بقوله : «.. وهكذا برز في القوى الشيعية على الأخص في نهاية الستينات ، وبداية السبعينات تياران متعارضان ، تيار ديني ، وتيار « تقدمي ». كان التيار الديني ، وما يزال ، يدعو إلى التمسك بالتقاليد والأعراف الدينية... ونبذ البدع ووسائل التفاعل الاجتماعي. وعلى الأخص التي تستوجب الاختلاط بين الرجال والنساء كالمسرحيات والتجمعات الفكرية والتلفزيون والمدارس المختلفة وغيرها » ( ). فبدأت تظهر تنظيمات إسلامية شيعية في بعض أقطار الخليج العربي ، يمكن رصد أبرزها على النحو الآتي :

1- حزب الدعوة الإسلامية

تأسس حزب الدعوة الإسلامية ، فرع البحرين عام 1968 ، على أيدي مجموعة من الطلاب الجامعيين الذين درسوا في الجامعات العراقية ، وطلاب الحوزة العلمية في النجف.

يؤكد عدد من مؤسسي هذا الحزب أن الشيخ (سليمان المدني)كان أول بحريني انتمى إلى حزب الدعوة الإسلامية الذي تأسس في العراق عام 1958(*). وهو أول من دعا إلى تشكيل فرع لحزب الدعوة ، عندما عاد إلى البحرين في منتصف الستينات ، بعد أن أكمل دراسته في كلية الفقه وفي الحوزة العلمية في النجف. غير أن تشكيل هيئة قيادية للحزب لم يتم إلا في عام 1968 ، عندما انضم عدد من الدارسين في جامعات بغداد ومعاهدها إلى حزب الدعوة ، ثم عادوا إلى البحرين لينضموا إلى الشيخ سليمان المدني ، ويشرعوا في تأسيس أول نواة لفرع حزب الدعوة الإسلامية في البحرين عام 1968.

نشط حزب الدعوة الإسلامية بصورة مكثفة مطلع السبعينات ، مع الإعلان عن استقلال البحرين عام 1971، والشروع بكتابة دستور للبلاد ، مستغلا الأجواء الانفتاحية التي شهدتها البحرين آنذاك... وفي العام 1972 ، شارك عدد من أعضاء حزب الدعوة في النشاط الثقافي والاجتماعي المنطلق من جمعية (التوعية الإسلامية) ، التي أصبحت الواجهة الدينية لحزب الدعوة الإسلامية في البحرين . وفي عام 1973 ، أصدر أمين سر المجلس الوطني البحريني ، والعضو البارز في حزب الدعوة ، وأخو مؤسس الحزب ، الشيخ عبد الله المدني (*) ، مجلة (المواقف) الأسبوعية ، لتمثل التيار الديني الذي يقوده حزب الدعوة الإسلامية. صدر العدد الأول منها في 24 أيلول 1973. وقد تميزت بتنوع مواضيعها ، وعمق تحليلاتها. وتعد أول مجلة تصدر بعد استقلال البحرين .

بعد حل المجلس الوطني عام 1975 شنت مجلة (المواقف) حملة انتقادات واسعة ضد السلطة الحاكمة ، لإقدامها على حل المجلس الوطني. وفي العام نفسه نددت المجلة بشدة بتنفيذ حكم إعدام مجموعة من كوادر الدعوة في العراق ، كما تعرضت المجلة للإغلاق أكثر من مرة بسبب حملاتها الانتقادية التي طالت أيضاً الأحزاب القومية والماركسية. ولم تتوقف المجلة عن حملة الانتقادات إلا بعد اغتيل مؤسسها الشيخ عبد الله المدني ، بعد اختطافه ، عام 1976.

بعد إعدام قادة حزب الدعوة الإسلامية في العراق ، مطلع الثمانينات (*) ، انتقل مركز التنظيم إلى الكويت، لفترة وجيزة جداً ، ثم لاحقاً إلى إيران. غير أن حزب الدعوة أصبح أكثر قوة وتنظيما عندما انتقل مركزه إلى لندن؟ وبينما كان الحزب يناقش بعض الأفكار والطروحات التي واجهت القائمين عليه ، والتي أدت إلى اختلاف وجهات النظر وتضاربها ، كانت الأجهزة الأمنية البحرينية قد استكملت خطتها لضرب الحزب في نهاية عام 1983] ومطلع 1984 واعتقلت عدداً من قيادات فرع الحزب وهرب آخرون خارج البحرين. كما تم إغلاق جمعية التوعية الإسلامية ، التي شكلت القاعدة التي استند إليها حزب الدعوة الإسلامية في البحرين . وتشير إحدى الدراسات إلى الظروف التي انهت نشاط حزب الدعوة الإسلامية في البحرين بالقول : «... كان حزب الدعوة الإسلامية آنذاك ، يمر في عملية تقييم لأهدافه ووسائله واستراتيجيته. ولهذا جاءت الاعتقالات في فترة حوارات داخلية متضاربة ، ساهمت في تفكيك الحزب وإنهاء نشاطاته المنظمة ».

2- جمعية التوعية الإسلامية

تأسست جمعية التوعية الإسلامية في البحرين عام 1968، كحلقات ذكر في قرية الدراز. ساهم في تأسيسها عدد من علماء الدين والشباب المثقفين من الشيعة. ترأس الجمعية الشيخ (عيسى أحمد قاسم) أحد نواب (الكتلة الدينية) في المجلس الوطني.

حصلت الجمعية على ترخيص رسمي من وزارة الشئون الاجتماعية عام 1972. وبدأت باستقطاب شرائح مختلفة من المجتمع البحريني ، من قضاة ورجال أعمال ومهندسين وأطباء ، واتخذت في بداية نشاطها من مسجد طي مركزاً لنشاطها الذي امتد إلى مناطق مختلفة من البحرين .

تمثلت أبرز نشاطات الجمعية في تنظيم الدروس الدينية ، وإقامة الندوات والمحاضرات وعقد المؤتمرات الإسلامية. كما افتتحت العديد من المدارس الإسلامية (للبنين والبنات). واستغلت الجمعية الانفراج السياسي ، خلال وجود المجلس الوطني ، للقيام بدور مهم في تسييس الشارع الشيعي. حيث أصبحت الجمعية مركزاً مهما للدعاية الانتخابية التي شهدتها البلاد في المناسبات الانتخابية .

وفي هذا الصدد يذكر أحد الباحثين قائلاً : «... إن جمعية التوعية الإسلامية لم تكن جمعية محلية لقرية الدراز أو محيطها. بل كانت مركزاً للطائفة الشيعية ككل في مختلف مناطق البحرين. حيث أدى اختلاطهم مع بعضهم البعض ، والانتماء إلى مؤسسة واحدة ، والمشاركة في نشاطاتها ومسئوليتها ، إلى خلق توجه فكري قادها للتحول إلى موجه لحركة سياسية».

ارتبطت جمعية التوعية الإسلامية ، منذ تأسيسها حتى قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 ، بالجهات الرسمية في البحرين ، التي شجعت التنظيمات الإسلامية للوقوف ضد القوى السياسية المعارضة آنذاك .

جرت اتصالات بين قادة الجمعية والإمام الخميني ، أثناء إقامته في النجف وحظيت الثورة الإسلامية في إيران ، بدعم كبير من أعضاء الجمعية ، مادياً ومعنويا. وبادرت الجمعية بصورة علنية بإرسال برقية تهنئة بانتصار الثورة الإسلامية ، لكل من قائد الثورة الإمام الخميني ، ورئيس الحكومة الإسلامية المؤقتة الدكتور مهدي بازركان. كما شارك عدد من أعضاء الجمعية وقادتها ، مثل الشيخ عيسى قاسم ، والشيخ عبد الأمير الجمري ، والشيخ عباس الريس في الوفد الشعبي الذي قام بزيارة طهران لتقديم التهاني بمناسبة انتصار الثورة ، وقيام الجمهورية الإسلامية.

في الوقت نفسه ، نشطت الجمعية في إقامة الاحتفالات والتجمعات الجماهيرية المؤيدة للثورة الإيرانية. ويشير أحد المؤرخين إلى التحول الذي طرأ على مسار الجمعية وأهدافها ، بعد قيام الثورة الإيرانية ، وتأثيرها في عموم الشيعة ، بقوله : «.. وهكذا لقيت الثورة الإسلامية تأييد الشيعة ، ومباركة زعمائهم. لكن الحكم في البحرين كان مستعداً للتعايش مع ذلك ما دام التفاعل يقتصر على الجانب المذهبي الوجداني. ولكن الأمر اختلف عندما بدأ العمل على برنامج التغيير الإسلامي لأوضاع البلاد. وعندما تحولت الجمعية إلى خلية أعصاب لحركة التغيير الإسلامي الشيعي العاملة على زرع روح المقاومة والتحدي للسلطة ، والتبشير بإسقاطها».

وبدخول الجمعية مرحلة العمل السياسي ، بدأت المواجهة المباشرة مع السلطة الحاكمة ، واستمرت هذه المرحلة حتى عام 1984 ، عندما افتتحت الشرطة مقر الجمعية ، وصادرت محتوياتها. ثم أغلقت الجمعية بعد أن تم اعتقال رئيس مجلس إدارة الجمعية الشيخ إبراهيم منصور الجمري ، وعدد من قادة الجمعية ، مثل الشيخ حسن المالكي ، والحاج علي العكري ، والشيخ عبد الأمير الجمري ، وعيسى الشارقي وآخرين ، وحكم عليهم بالسجن سبع سنوات ، بعد محاكمات سرية أجرتها محكمة أمن الدولة البحرينية .

3- جمعية الإرشاد الإسلامي

تأسست هذه الجمعية عام 1969 ، وأعلنت عن نفسها في إحدى المناسبات الدينية. وهي وفاة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في مأتم العريض في المنامة (*) معلنة بدء مرحلة جديدة من العمل الإسلامي. وكانت تحمل في بداية تأسيسها اسم (جمعية شباب الإرشاد الإسلامي) . وقد ركزت الجمعية في نشاطها على الفئات الشبابية من الشيعة ، فاستقطبت العديد من الشباب الذين شاركوا في العملية السياسية التي كانت تشهدها الساحة السياسية البحرانية آنذاك. وتمكنت من تشكيل أول نواة للحركة الدينية الشيعية المنظمة في البحرين .

استغلت الجمعية المناسبات الدينية لممارسة نشاطها الدعوي والتنظيمي. كما عقدت الجمعية المجالس الدينية ، وتولت إقامة المهرجانات والاحتفالات الدينية للغرض نفسه. لكن نشاط الجمعية توقف بعد فترة قصيرة لعدم تمكنها من الحصول على ترخيص رسمي من السلطات البحرينية بمزاولة نشاطها بصورة علنية .

4- الصندوق الحسيني الاجتماعي

يعد الصندوق الحسيني (*) امتداد لجمعية الإرشاد الإسلامي. وقد ساهم علماء الدين والمثقفون الشيعة من خريجي الجامعات وطلبة العلوم الإسلامية في تأسيسه في المنامة عام 1972 باسم (الصندوق الحسيني) ، ويعد جعفر العلوي من أبرز قياداته. وقد فشلت جميع محاولات المؤسسين في الحصول على ترخيص رسمي من الجهات المسئولة ، مما اضطرهم إلى ممارسة نشاطهم من خلال مؤسسة مجازة رسميا ، هي (المكتبة العامة للثقافة الإسلامية) في المنامة ، التي انشئت نهاية الستينات ، بهدف نشر الكتاب الإسلامي في أوساط الشباب .

وبعد فترة ، فرض أعضاء الصندوق سيطرتهم على المكتبة ، وقاموا بتوزيع ونشر كتب السيد هادي المدرسي (**). مما أدى إلى حدوث خلاف بين المكتبة والصندوق. وبعد حل المجلس الوطني البحريني في آب 1975، ولإضفاء الطابع الاجتماعي على نشاط الصندوق ، جرى تغيير الاسم إلى (الصندوق الحسيني الاجتماعي) ، واتخذ من (مأتم القصاب) في العاصمة المنامة مقرا له. وأصبح للصندوق شعار يوحي بمضامين عقدية وسياسية واجتماعية ، وهو (الله -العدل- الإنسان) .

أدى الصندوق الحسيني دوراً فاعلا في نشر الوعي الإسلامي ، والتركيز على المسائل والقضايا الإنسانية والاجتماعية الثورية في الإسلام ، من خلال رفض الخنوع والاستسلام ، وكذلك الدعوة لإحياء فريضة الجهاد ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ودفع الأمة للنهوض والتطور ، وتعميق الروح العلمية لدى المجتمع ، فضلاً عن بناء كوادر شيعية مخلصة ، يتم تهيئتها للعمل السري المنظم ، والتي أصبحت ، فيما بعد ، تشكل العناصر الأساسية التي اعتمد عليها الصندوق في ترويج الخطاب السياسي ، واستقطاب أفراد أخرين للعمل السياسي والديني .

يضم الصندوق الحسيني أربع لجان رئيسة أهمها : لجنة إحياء المناسبات الدينية. حيث اتسمت نشاطات الصندوق بالحيوية والفاعلية أيام المناسبات الدينية ، التي عدتها إدارة الصندوق فترة خصبة لتوجيه الساحة السياسة وطرح الأفكار الإسلامية الثورية. ولجنة الرحلات التي تشرف على تنظيم وإقامة الرحلات الجماعية ، بهدف كسب العناصر الجديدة للعمل التنظيمي. وهناك لجنة الشئون الإعلامية التي اهتمت بطباعة الملصقات والكتب والنشرات التي تتناول قضايا التغيير ، وأهداف الإنسان المسلم وواجباته ، وتوزيع البوسترات الحسينية الثورية. وأخيراً لجنة الشئون الاجتماعية ، لمساعدة المحتاجين ، والمساهمة في تكاليف زواج بعض الشباب .

بدأ الصندوق الحسيني الاجتماعي يستقطب أعداد كبيرة من الطلاب والمثقفين ، فضلاً عن شرائح اجتماعية مختلفة من التجار والوجهاء البارزين من الطائفة الشيعية. وأقام الصندوق ، في مدن البحرين وقراها ، العديد من الندوات والمحاضرات الدينية ذات الطابع الاجتماعي والسياسي المبطن ، وقد شهدت المناطق الشيعية في البحرين نشاطا واسعا ، وحضورا كثيفاً للصندوق الحسيني. وقد برز ذلك النشاط ، بشكل واضح ، بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979.

خلال هذه المرحلة ، بدأ أنصار الصندوق الحسيني الاجتماعي يشيعون بأن السيد هادي المدرسي هو ممثل الإمام الخميني في البحرين. وتأزم الوضع مع تصاعد الأحداث بين المعارضة الشيعية والسلطة التي أقدمت على اعتقال السيد هادي المدرسي ، أواخر عام 1979 ، وأبعاده إلى دولة الإمارات العربية المتحدة. ثم انتقل إلى إيران. ومن هناك نشط المدرسي في التحريض ضد النظام السياسي في البحرين ، والدعوة إلى إسقاطه ، من خلال الخطب والأحاديث التي يتناول الأوضاع السياسية في البحرين ، والتي كان يبثها عبر الإذاعة الإيرانية في طهران . عندها أدركت السلطة بأن الصندوق الحسيني الاجتماعي ، قد أصبح قاعدة للمعارضة الدينية الشيعية ، فعمدت في منتصف عام 1980 إلى إغلاقه بالشمع الأحمر ، ومصادرة محتوياته ، واعتقال العشرات من أعضاء الصندوق بتهمة الارتباط بالجبهة الإسلامية لتحرير البحرين المحظورة .

تأثير الثورة الإسلامية الإيرانية على شيعة الخليج

شكل انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 ، وإقامة الدولة الإسلامية فيها نقطة انطلاق وصعود التيار الإسلامي الأصولي ، وعاملا محفزا في بروز مختلف القوى الدينية في العالم الإسلامي إلى سطح العلاقات السياسية. وبدأت تسود أوساط الشيعة في العالم الإسلامي روح ثورية ومعادية للأنظمة الحاكمة .

انعكس هذا الوضع ، بوضوح شديد ، على التجمعات الشيعية في الخليج العربي حيث انقسم الشيعة إلى تيارين : التيار المحافظ ، ويتمثل بالطبقة الثرية من التجار والمرتبطين بمصالح مشتركة مع الأنظمة الحاكمة. واكتفى هذا التيار بالمطالبة بتحقيق قدر من الاصلاحات الاجتماعية لتحقيق قدر من الحرية الدينية والاجتماعية للطائفة الشيعية. أما التيار الآخر فهو التيار الشيعي الثوري ، الذي بدأ يتشكل من الشباب الشيعي المنتمي إلى الطبقات الاجتماعية الوسطى والدنيا. ويهدف هذا التيار إلى الإطاحة بالأنظمة القائمة ، واستبدالها بنظام جمهوري إسلامي ، متخذا من الأنموذج الإيراني قدرة له. وتحولت الثورة الإسلامية في إيران إلى مصدر وعي وإلهام لهذا التيار ، بوصف أن ما حدث في إيران يمكن تكراره في أي مكان آخر. الأمر الذي خلق مشاكل كبيرة للأنظمة الحاكمة في المنطقة .

كان التحدي الذي فرضته الثورة الإسلامية الإيرانية ، تحديا سياسياً ، على الرغم من صفته الدينية. فالإسلام الثوري الذي طرحه الإمام الخميني كان معاديا لأنظمة الحكم الوراثية ، والمتحالفة مع الغرب ، وتحديدا الولايات المتحدة الأمريكية ، واصفا تلك الأنظمة بأنها « وكلاء للشيطان الأكبر » .

كما دعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى « إسلام عالمي مشحون بشحنة سياسية عالية » للتأثير في شيعة الخليج العربي ، وتحريضهم على الثورة ، وإسقاط الأنظمة القائمة ، بهدف الوصول إلى مستوى سياسي واجتماعي أفضل لكونها السند الذي يساعدهم على « مقاومة حالة التهميش التي يعيشونها ».

5- الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين توسع نشاط التيار الإسلامي الثوري الذي يضم الأغلبية الساحقة من شيعة البحرين ، خاصة بعد التصريحات التي أطلقها بعض زعماء الثورة الإسلامية الإيرانية ، التي تتعلق بإحياء المطالب الإيرانية في ضم البحرين إلى إيران. وقد مثلت تصريحات آية الله صديق روحاني ، أنموذجا واضحاً لذلك التوجه حيث ادعى تبعية البحرين إلى إيران. واصفا إياها بأنها : « المحافظة الرابعة عشرة ، وأن البحرين جزء من جمهورية إيران الإسلامية ». وطالب حكومة البحرين بإقامة نظام إسلامي ، على غرار النظام القائم في إيران ، بل دعا في الوقت نفسه البحرانيين إلى إسقاط النظام ، إذا رفض الخضوع « للمبادئ الإسلامية » .

وفي 23 شباط 1979 ، طافت مظاهرات حاشدة شوارع المدن في البحرين ، تزعمها علماء الدين الشيعة ، انطلقت من المساجد والمآتم ، تأييدا للثورة الإسلامية في إيران وقائدها الإمام الخميني. ورفع المتظاهرون ، في تعبير صريح عن تأثرهم بالثورة الإسلامية ، صورا للإمام الخميني ، منددين بما وصفوه بـ « الدوائر الاستعمارية والحكومات العربية المرتبطة بها ». ومطالبين بقيام الثورة الإسلامية العالمية التي يرون طليعتها في إيران .

أدى انتصار الثورة الإسلامية في إيران إلى ظهور توجهات جديدة داخل التيار الإسلامي الشيعي في البحرين. فوجه التيار الجديد ، المتأثر بالثورة الإسلامية في إيران ، انتقادات كثيرة حول أسلوب عمل التيار الديني المحافظ وطريقته ، متهما إياه بالبعد عن الواقع ، مشيرا إلى « الذين اعتكفوا على الفكر الإسلامي في صوامع العبادة بأنهم انعزلوا عن الواقع » .

وبين عامي 1979- 1980 ، تشكلت في منطقة الخليج العربي تنظيمات إسلامية شيعية ، متاثرة بالثورة الإيرانية. ففي عام 1979 برزت حركة الشيخ محمد علي العكري والشيخ علي العصفور تحركت من خلال عقد ندوة جماهيرية في إحدى مدن البحرين ، بعد مدة وجيزة من قيام الثورة الإسلامية في إيران. وبعد الندوة رفع المجتمعون عريضة مطالب ، تتعلق بتوظيف العاطلين وتقديم المساعدات المادية لبعض الشرائح الاجتماعية ، واحترام الشريعة الإسلامية. وامهلت الحكومة شهراً واحداً للاستجابة لتلك المطالب لكنها لم توفق في تحقيق أهدافها .

وفي عام 1980 تأسست (حركة الشهداء الإسلامية) بقيادة الشيخ جمال الدين العصفور. وفي العام ذاته شكل الشيخ عبد العظيم المهندي البحراني تنظيما إسلاميا أطلق عليه (حركة الوحدة الإسلامية) . فضلاً عن العديد من التنظيمات الإسلامية الصغيرة ، مثل (حركة التحرير الوطني الإسلامي في البحرين) و(الجماعة الإسلامية) و(حركة الشباب المسلم البحريني) ، وغيرها ، والتي اتخذت من أعمال الكتابة التحريضية على الجدران ، وحرق بعض سيارات ضباط المخابرات ، وتوزيع المناشير الثورية ، أسلوبا رئيسا لنشاطها غير أن تكل التنظيمات كانت تفتقد الأيديولوجية الإسلامية الناضجة. لذلك سرعان ما تلاشت ، أما بفعل الضربات التي تلقتها من السلطة ، أو لانضمامها إلى الفصائل الإسلامية الرئيسة القائمة آنذاك .

كان لبعض علماء الدين في البحرين ، مثل السيد هادي المدرسي ، والشيخ جمال العصفور ، والشيخ عباس الشاعر ، والشيخ شبر علي الكوراني ، والشيخ عبد العظيم المهتدي ، والشيخ محمد علي محفوظ ، دور أساس في توحيد التنظيمات الإسلامية الشيعية ، المؤيدة للثورة الإسلامية في إيران ، في تنظيم واسع أطلق عليه (الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين) . وبالفعل عقد السيد هادي المدرسي في 2 كانون الأول 1979 ، مؤتمرا صحفيا أعلن فيه تشكيل هذه الجبهة (*).

أكدت الجبهة في منهاجها على أنها : «..تتخذ من الله هدفا أعلى ، ومن الإسلام أداة نضالية.. فهي تسعى لإقامة حكم الله وإحقاق الحق وإبطال الباطل.. وأن الجماهير هي عمق ثورتنا ورافد نضالنا. ونرفض بشكل مطلق مبدأ النخبة » ، ورفض الصيغ الفئوية والطبقية والأطر المذهبية والعرقية « في نظم نظم الانتماء التنظيمي ». كما رفعت الجبهة مطالبها ، في أحد بياناتها الذي أصدرته في تشرين الأول 1979 ، والتي تضمنت حق تقرير المصير بعيداً عن الضغط الأمريكي والأمبريالية العالمية ، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ، والسماح للشيعة بممارسة نشاطاتهم وشعائرهم الدينية بحرية ، وإزالة القواعد الأمريكية ، وتحرير إرادة الشعب في اتخاذ القرارات لمصلحة الأمة الإسلامية ، وإبعاد المستشارين الأجانب. ثم تطورت تلك المطالب لترفع شعار إسقاط السلطة ، وإقامة الدولة الإسلامية ، و « بناء الإنسان الرسالي الواعي بالإسلام فكرا ، والمجسد لتعاليمه سلوكا ، المستعد للتضحية بنفسه من أجله ، وكذلك بناء الأمة المؤمنة ، من خلال تكوين نخبة مؤمنة قادرة على قيادة عملية التغيير السياسي والاجتماعي ثم بناء الحضارة الإسلامية عبر التفاعل بين الإنسان الرسالي وتراث الثورة وعمقها الزمني ، وأرض الثورة المحررة » .

شكلت التنظيمات والمؤسسات الشيعية التقليدية ، مثل جمعية التوعية الإسلامية ، والصندوق الحسيني ، والمدارس الإسلامية والحسينيات ، مراكز انطلاق ومعاقل للجبهة الإسلامية. وقد تبنت الجبهة عقيدة (الإسلام المجاهد) المتصادم مع السلطة. وهذه العقيدة لها جذور عميقة في التراث الشيعي. وجاءت الجبهة الإسلامية لتجددها وتعطيها مضامين حديثة مستغلة المناسبات الدينية ، لإبراز نشاطاتها ، والتعبير عن أهدافها. عن طريق تحويل تلك المناسبات إلى تظاهرات رفعت فيها شعارات إسلامية -سياسية؛ مثل شعار (لا شرقية. لا غربية. جمهورية إسلامية) و(كفاحنا حسيني/ قائدنا خميني) و(ياخميني سير سير.. هذا عهد الجماهير) . وغيرها. كما حاولت الجبهة تثقيف المجتمع الحبراني ، فكريا وسياسيا ، من خلال العديد من المطبوعات والمؤلفات والدوريات. كان أهمها مجلة (الثورة الرسالية) التي طبعت أولاً على شكل نشرة وزعت بشكل مكثف في مناطق البحرين خلال العام 1979. ثم أخذت بعد ذلك بالصدور شهريا من بيروت حتى عام 1992 ، عندما انتقلت إلى لندن. فضلاً عن عدد من النشرات التي أصدرتها مع بداية عام 1981 ، من بينها نشرة (الشعب الثائر) و(البيئة) و(العقيلة) . كما استخدمت الجبهة أشرطة الكاسيت والفيديو لنقل خطب قياداتها وتداولها ، ولا سيما من هم في الخارج ، إلى جماهيرها في الداخل وبالطبع فإن الجبهة كانت تحث أعضائها على التثقيف الديني ، بالرجوع إلى القرآن وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وكتابات الأئمة والعلماء المشهورين ، والاقتداء بهم .

شكلت الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين ، عدداً من التنظيمات الشعبية والمهنية ، كواجهات لنشاطها الحركي والتنظيمي. وفي الوقت نفسه لاختيار الكوادر الجديدة وتجنيدها. فأسست (حركة المرأة المسلمة) برئاسة صديقة الموسري ، التي أعتقلت فيما بعد لنشاطها السياسي ، ثم أبعدت إلى إيران ، كما كان للجبهة نفوذ في الوسط الطلابي من خلال (الرابطة الإسلامية لطلبة البحرين). ولم تمتلك الجبهة تنظيما عماليا ، اقتداء بإيران ، حيث يعارض النظام قيام النقابات ، انطلاقا من مقولة أن الإسلام دين لا طبقي. لكنها أصدرت بياناً بمناسبة الأول من أيار 1980 ، حثت فيه العمال على مقاومة السلطة ، وعدم المشاركة في اللجان العمالية « حلولا وسطية غير مجدية » .

تعرضت الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين ، إلى مطاردة الأجهزة الأمنية لأعضائها. خاصة بعد إتهام الجبهة بأنها وراء اغتيال أحد رجال المخابرات البحرينية. فاعتقل عدد كبير من أعضاء الجبهة ، وتعرضوا للتعذيب خلال التحقيق. مما أدى إلى وفاة أربعة منهم. فانتقلت الجبهة ، بعد تضييق الخناق عليهان من أسلوب المظاهرات إلى الثورة المسلحة لإسقاط النظام ، من خلال التركيز على التدريب العسكري وتهريب السلاح إلى داخل البحرين. ويشير أحد قادة الجبهة الإسلامية إلى الأسلوب الذي تتبعه الجبهة لإسقاط النظام في البحرين ، بقوله : «... نحن نؤمن بأن الثورة الشعبية هي الخيار الأفضل.. وهي الطريق الأصح والأسرع لإسقاط السلطة الرجعية في البحرين ».

وفي 13 كانون الأول 1981 ، أعتقلت الأجهزة الأمنية في البحرين (73) شخصاً ، ينتمون إلى الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين ، بتهمة الاشتراك في مؤامرة واسعة النطاق هدفها قلب نظام الحكم ، والحاق البحرين بإيران ، ثم نشر الثورة الإسلامية في أقطار الخليج الأخرى. عرض هؤلاء على محكمة أمن الدولة ، فأصدرت أحكاما متباينة تراوحت بين السجن المؤبد لثلاثة من قادة الجبهة ، والسجن لمدة (15) سنة ، وإلى (7) سنوات ، بقية المتهمين. وقد وصفت الجبهة الإسلامية تلك المحاكمات بأنها « محاكمات صورية أريد منها القضاء على الحركة الدينية ، وتحطيم قواعدها المسيطرة على الشارع البحريني » .

ترتب على حملة الاعتقالات والمحاكمات التي تعرضت لها الجبهة الإسلامية ، انتقال عدد كبير من كوادرها وقياداتها إلى الخارج ، وبدأت تمارس نشاطها من خلال إصدار البيانات المناوئة للسلطة في البحرين ، في كل من بيروت وطهران . وساهمت في الانتفاضة الشعبية التي حدثت في البحرين ، منتصف التسعينات إلى جانب التنظيمات الإسلامية الأخرى بعد أن غيرت اسمها إلى (الحركة الإسلامية لتحرير البحرين) ، لا سيما تنظيمية .

انتفاضة المنطقة الشرقية 1979

واجه النظام السياسي في المملكة العربية السعودية، خلال عقد السبعينات ، عدة محاولاً لزعزعة الأمن الداخلي ، شاركت فيها قوى معارضة مختلفة المنشأ والاتجاه . ألا أن التحدي الأمني الذي واجهه النظام السعودي اوداد حدة وتصاعدا بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 ، والخوف من انتقال تجربة الثورة الإيرانية إلى المملكة وثمة من يرى توافر مجموعة من الحقائق تؤكد هذا التخوف ، منها : التقارب الجغرافي بين السعودية وإيران ، ووجود أقلية شيعية تتركز في المنطقة الشرقية (*) من المملكة ، إلى جانب وجود حالات من التدمر والسخط الاجتماعي من تلك الأقلية ، ناتجة عن قلة الخدمات البلدية والصحية والتعليمية ، وعدم السماح لهم بالالتحاق بالجيش أو المؤسسات الداخلية. مما هيأ أرضية خصبة لنمو الحركات المعارضة. وهو ما حدث في إيران قبل قيام الثورة .

يرى بعض المحللين أن الحرمان الاقتصادي والاضطهاد العقدي ، كان المفجر الرئيس لانتفاضة المنطقة الشرقية. ففي رسالة بعثها وجهاء الشيعة في المنطقة الشرقية ، إلى الملك خالد بن عبد العزيز (1912- 1982) ، بعد الانتفاضة ، أثاروا فيها الغبن الذي تعرض له الشيعة مما أدى إلى استيائهم ، جاء فيها : «... أن ابن البلاد يرى بأم عينيه أن الكثير من الأراضي البيضاء تذهب هنا وهناك ، وتعطي لهذا أو ذاك. وهو محروم منها. ثم يشتريها بأغلى الأثمان من هذا الذي وهبت له. بينما ينازع أصحاب الأملاك الحقيقيون في أملاكهم. وفي كثير من الحالات.. أن بعضنا -يا صاحب الجلالة- كاد يلتحف السماء ، ويفترش الأرض. وكثير وكثير يعيش بالايجار.. وأكثر منه أن معظم بيوت المدن والقرى لا تصلح حتى للحيوان مسكنا ، فضلاً عن الإنسان الذي أكرمه الله » .

وعلى الرغم من اعتماد صناعة النفط على العمال الشيعة ، إلا انهم أظهروا استياء متزايدا من القيود المفروضة من قبل الحكومة ، أو من شركة نفط أرامكو الأمريكية ، على ممارسة شعائرهم الدينية. وقد عبر أحد شعراء الشيعية الشعبييين بمرارة عن تذمرة من رفض الشركة منحهم أجازة في يوم عاشوراء ، بينما تمنح تلك الأجازة في المناسبات المسيحية. ويتوعد باليوم الذي يعلن الشيعة رفضهم للظلم ويقتصون من الظالم ، على حد تعبيره ، حيث يقول :

العذر يا حسين بالله أسألك

ما يقدر ثورتك من يجهلك

ما يبونا يا بطل في مأتمك

لأجل أبو كبوس يبغي يدفنك

يوم عاشر نشتغل ما أرحمك

يا إله الكون عجل قائمك

في الكرسمس نمتثل ما نشتغل

من كبير القوم أو حتى الطفل

وبمحرم اشتغل مثل العجل

يا حسين الحق هل هذا عدل

بس لازم يوم أصحى من الكرى

وأنقل أخبارك لشعب ما درى

أقول لأمريكا تولي لو ترى

بأرامكو القشرى نسوي المنكرا

وضمن السياق ذاته ، وفي محاولة من وجهاء الشيعة لتسويغ المواجهات التي حدثت بين الشيعة والحكومة السعودية، أكد وجهاء الشيعة ، مرة أخرى ، في الرسالة التي بعثوها إلى الملك خالد ، على ما يتعرض له الشيعة من مضايقات في ممارسة شعائرهم المذهبية. بقولهم : «... من المعلوم أننا شيعة ، وطالما صرخنا وأعلنا بأن الشيعة طائفة إسلامية ، كأي طائفة أخرى من طوائف المذاهب الأربعة. ومهما كان الأمر -وحتى لو لم يكن ذلك وارادا في أذهان البعض- أليس لنا حق كمواطنين في التعبير عن أرائنا وشعائرنا وعقيدتنا ، بل واحترام أئمتنا.. فكيف تمنع عنا منعاً باتا مطلقاً كل كتب الشيعة ، مهما كان لونها.. وهل اقتصر الأمر على ذلك؟ كلا. وإنما تعداه إلى حد اتهامنا بأننا ضد الإسلام نظاما وعقيدة ».

وقد جاءت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، لتشكل حافزا جديداً لانبعاث حركة المعارضة ، التي اتخذت من الثورة الإيرانية أنموذجا لها. حيث تابع الشيعة في المنطقة الشرقية قيام الثورة الإسلامية باهتمام وحماس بالغين. كما توجه العديد من علماء الدين والشباب الشيعي للإطلاع على تجربة الثورة عن كتب. من خلال التحاقهم بالمدارس والمعاهد والحوزات الدينية في قم وطهران ، كما نظمت الوفود لزيارة إيران وتقديم التهنئة للإمام الخميني وغيره من القيادات السياسية والدينية الإيرانية بمناسبة انتصار الثورة .

وفي المقابل ، وجه الإمام الخميني عدة دعوات للشيعة في المنطقة الشرقية ، يدعوهم فيها إلى الثورة وإعلان الحكومة الإسلامية. لأن الحكم الوراثي ، كما صرح الخميني بذلك ، « يتعارض مع الإسلام » . كما بدأت إذاعة طهران تبثت بانتظام وباللغة العربية ، البرامج الموجهة للسعودية وكانت تلك البرامج تفتتح عادة بالآية القرآنية : ﴿ قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل : 34]. ثم نبدأ البرامج الإذاعية بمهاجمة النظام السعودي ، وانتقاد سياسته الداخلية.

شهد الانبعات الإسلامي الشيعي في المملكة العربية السعودية تصاعدا واضحاً ما لبث أن تفجر بشكل مفاجئ في الأيام الأولى من شهر محرم عام 1400 هجرية ، تشرين الثاني 1979.

وفي هذا الصدد ، وصفت إحدى الدراسات تصاعد الأحداث في المنطقة بالقول : «.. وما أن أطل اليوم الأول من شهر محرم 1400هـ/ نوفمبر 1979 ، كانت منازل الأهالي قد تحولت إلى غرف عمليات. فكنت لا تدخل بيتا ألا وترى المنشورات وعلب الأصباع التي تستعمل في كتابة الشعارات.. التي انتشتر في بقاع المنطقة مثل (والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل. ولا أفر فرار العبيد) و(... هيهات منا الذلة. يأبى الله لنا ذلك ورسوله) و(كونوا أحرار في دنياكم) و(لا تكن عبد غيرك. وقد جعلك الله حراً).. » . ويبدو واضحاً الطابع الثوري التحريضي الذي اتسمت به هذه الشعارات إلى جانب الشعارات التي تبرز الهوية الإسلامية لانتفاضة مثل شعار (لا سنية ولا شيعية... ثورة ثورة إسلامية) و(دين النبي واحد ما فيه تفرقة.. انظر إلى القرآن شوف الموعظة) و(ثورة التوحيد تمشي للإمام... ثورة الإسلام تخطو بانتظام). وجاء في أحد المناشير التي وزعت في المنطقة أنذاك : « بسم الله الرحمن الرحيم. قال الإمام الصادق عليه السلام (رحم الله من أحيا أمرنا) أيها المؤمنون الكرام ، أنتم مدعون في هذه الأيام إلى إحياء قضية الإمام الحسين. وتخليد ذكراه وتوفير أجواء الثورة في موسم الثورة العظيم. وأن أفضل وسيلة لإحياء قضية الإمام الحسين الثائر العظيم هو المواكب العزائية.. أيها المؤمنون الأبطال لا تخافوا من الأمن والشرطة. فإنهم سينهزمون حتما أمام صمودكم وإصراركم على العزاء » .

بدأت الأحداث بمسيرات علنية ، بدءاً من منتصف الأسبوع الأول من محرم. ثم تصاعدت تدريجيا ، واتسعت لتشمل العديد من المدن والقرى مثل (صفوة ، سيهات ، القطيف) وغيرها. وتطورات تلك المسيرات من حيث عدد المشاركين ، ومن حيث الشعارات. فقد ردد المتظاهرون هتافات تظهر بوضوح تأثرهم بالثورة الإسلامية الإيرانية مثل (لاشرقية. لا غربية. ثورة ثورة إسلامية) و(مبدؤنا حسيني قائدنا خميني) ، و(تسقط أمريكا الخيانة. تسقط أمريكا العمالة أقطعوا النفط عن أمريكا) .

وفي 11 محرم ، تطورات المسيرات الدينية إلى مصادمات مسلحة بين المتظاهرين والحرس الوطني السعودي الذي استخدم القوة لقمع الانتفاضة ، فسقط عدد من القتلى من الجانبين ، فضلاً عن إحراق عدد من المحلات والأسواق التجارية . جراء المصادمات التي حدثت بين الجانبين (*).

6- منطقة الثورة الإسلامية لتحرير الجزيرة العربية

نشأت هذه المنطقة في خضم أحداث محرم 1400هـ ، وتداعياتها. وقد خاضت المنطقة في مرحلة التأسيسي تجربةمقاومة السلطة. وصدر أو لمنشور يحمل توقيع المنظمة بعد انتهاء الانتفاضة في 2/ كانون الأول/ 1979 . وعلى أثر حملة الاعتقالات التي تعرض لها الشيعة ، بعد أحداث محرم ، صدر للمنظمة بيان آخر في 26 نيسان 1980، حث الجماهير على « عدم الإستكانة والرد عللى السلطة بمختلف الوسائل ، بما في ذلك العنف » .

كما اتخذت منظمة الثورة الإسلامية من الآية القرآنية : ﴿ انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [التوبة : 41] شعار لها. وقد لخص قائد المنظمة ومنظرها الشيخ (حسن موسى الصفار) ، الهدف ااستراتيجي للمنظمة ، بقوله : «.. طالما كانت شعوبنا وجماهيرنا المؤمنة تردد في كل صباح ومساء الدعاء المشهور : اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله. وتذل بها النفاق وأهله ». أما أنموذج هذه الدولة ، فيتجسد حسب نهجها في دولة جمهورية إيران الإسلامية .كما سعت المنظمة لتحقيق الأهداف التقليدية للشيعة وهي : الغاء سياسة التمييز الطائفي ، ومنح الشيعة حقوقهم المدنية والمذهبية. وكذلك المطالبة بإصلاح النظام السياسي ، وإنشاء مجلس للشورى ، وإرساء الحكم اللامركزي ، واحترام التعددية الفكرية والسياسية .

على الرغم من تأكيد المنظمة في أدبياتها على الشعارات الحماسية ، المذكورة آنفاً ، والتي رددت في الانتفاضة ، إلا أنها كانت تعد نفسها جزءا من الثورة الإسلامية التي تقودها إيران. وفي هذا الصدد يقول الشيخ حسن الصفار : «...نطلب ونتوقع من إيران أشياء كثيرة بحجم الأهداف التي رفعتها الثورة » .

شكلت حرب الخليج الثانية 1991 ، منعطفا مهما في استراتيجية منظمة الثورة الإسلامية. فخلال أجواء التوتر الذي ساد المنطقة والعالم آنذاك ، أصدرت المنظمة مجلة (الجزيرة العربية) ذات التوجه الإصلاحي. صدر العدد الأول منها في لندن ، في كانون الثاني 1991. تولى رئاسة تحريرها حمزة الحسن ، مؤلف كتاب (الشيعة في المملكة العربية السعودية-جزءان) ، ومدير تحريرها عبد الأمير موسى. وقد تبنت المجلة منهج الخطاب الإسلامي المنفتح على الأفكار السياسية والاجتماعية الأخرى ، ومعالجة قضايا المجتمع والسلطة .

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الخط الإصلاحي الذي تبنته المجلة ، كان بداية الشروع في تغيير اسم المنظمة إلى (الحركة الإصلاحية في الجزيرة العربية). ولم يقتصر التغيير على الاسم فقط ، بل جرت تحولات أساسية في أسلوب المنظمة وتوجهاتها ، من منظمة تسعى لإسقاط نظام الحكم ، وإقامة نظام إسلامي جمهوري على أنقاضه بكل الوسائل ، بما فيها الثورة المسلحة ، إلى حركة إصلاحية إسلامية تهدف إلى إصلاح النظام بالوسائل السلمية ، ونقد الذات ، والحوار مع الأخر .

7- حزب الله -الحجاز

ثمة من يؤكد أن (الحركة الإصلاحية في الجزيرة العربية) ، التي كانت قبل عام 1991 تحمل اسم (منظمة الثورة الإسلامية) ، تحمل اسماً مزدوجا ، فهي الحركة الإصلاحية في مفاوضتها مع النظام السياسي في السعودية، وهي نفسها حركة (حزب الله الحجاز) ، صاحب النهج العسكري الثوري. بعبارة أخرى يمكن القول أن هذه الحركة تتكون من جناحين : جناح سياسي تكتيكي هو (الحركة الإصلاحية) ، وجناح ثوري عسكري هو (حزب الله الحجاز). ففي الوقت الذي يسعى جناح الحركة الإصلاحية لتحقيق أهداف سياسية محلية للشيعة في السعودية. كان في المقابل حز باله الحجاز يتبنى لغة ثورية حماسية لاستقطاب الشباب الشيعي. فضلاً عن قيامه بالأعمال المسلحة ضد المصالح الأمريكية والسعودية، بهدف إسقاط النظام القائم ، وتأسيس دولة إسلامية مدعومة من إيران .

تشكل حزب الله الحجاز في النصف الثاني من الثمانينات ، من مجموعة من الطلبة الشيعة السعوديين الذين كانوا قد أكملوا دراستهم الدينية في إيران. ويعد الشيخ جعفر مبارك ، والشيخ عبد الكريم جبيل ، والسيد هاشم الشخص ، من أبرز شخصيات حزب الله .

تطور عمل حزب الله الحجاز ونشاطه الفكري ، من خلال تركيزه على الحملات الدعائية والإعلامية المتطورة ، التي شملت إصدار العديد من الكتب والدراسات والمنشورات باللغة العربية والانكليزية. لدرجة أن أصبحت التقارير التي تكتب بأيدي المعارضة الشيعية ، تقدم كخدمات معلوماتية عن السعودية، للمؤسسات والأحزاب السياسية الأوربية والأمريكية. كما أنشأ الحزب مؤسسة دولية إنسانية عرفت بـ (اللجنة الدولية لحقوق الإنسان في الخليج والجزيرة العربية) في واشنطن ، والتي نشطت في نهاية الثمانينات ومطلع التسعينات في إصدار التقارير والدراسات عن حقوق الإنسان في السعودية، بهدف حشد الرأي العام العالمي إلى جانب قضايا الشيعة في السعودية. وقد حظيت هذه المؤسسة بدعم ورعاية أمريكا ودول أخرى .

8- حركة مسجد شعبان

مع اندلاع الثورة الإسلامية في إيران ، برز في الأوساط الشيعية الكويتية تيار إسلامي ثوري ، متأثرا بالثورة الإيرانية ، واستطاع أن يؤثر في توجهات الحركة الإسلامية في الكويت. فقد دعت القيادة الدينية لهذا التيار الجماهير للمشاركة في التظاهرة التي انطلقت من منزل السيد (عباس المهري) ، الممثل الروحي للإمام الخميني في الكويت. بمناسبة قيام الثورة الإسلامية. وقد توجه المتظاهرون إلى السفارة الإيرانية في العاصمة الكويت، وهم يحملون صور الإمام الخميني. وقاموا بنزع العلم الإيراني السابق ، ورفعوا علماً آخر كتب عليه عبارة (الله أكبر). وتعد هذه التظاهرة انعطافه نوعية في توجهات الحركة الإسلامية الشيعية في الكويت. حيث نتج عن هذه التظاهرة مصادمات واشتباكات عنيفة بين المتظاهرين وقوات الأمن الكويتية التي حاولت التصدي للتظاهرة ، واعتقال القائمين عليها .

وبعد نجاح الثورة الإسلامية ، شكل السيد عباس المهري ، وفدا شيعيا لزيارة إيران ، شارك فيه عدد من أعضاء جمعية الثقافة الاجتماعية. والتقى الوفد الإمام الخميني في طهران ، وقدموا له التهاني بنجاح الثورة ، وأعلنوا استعدادهم الكامل لتأييد الثورة الإسلامية .

بعد مضي عدة أشهر على قيام الثورة الإيرانية ، دعا أحمد عباس المهري (ابن ممثل الإمام الخميني عباس المهري) أبناء الطائفة الشيعية من المثقفين والوجهاء إلى عقد اجتماعات حاشدة في مسجد شعبان في حي الشرق في العاصمة الكويت. ورفعوا مطالبهم إلى الحكومة الكويتية ، التي تمثلت بفتح مزيد من المساجد والحسينيات ومنح حريات أكبر للشيعة ، ومساواتهم مع المذاهب والطوائف الأخرى في الكويت. فالحركة بهذا تكون أشبه بالاحتجاج على تردي الأوضاع السياسية والاجتماعية في البلاد.

لم تقتصر حركة مسجد شعبان على الشيعة فقط ، بل ضمت أطرافا أخرى ، يمثلون اتجاهات سياسية مختلفة ، مثل التجمع الديمقراطي الذي شارك ممثله الدكتور أحمد الخطيب بطرح المطالب الشعبية ، بوصفها مطالب وطنية تهم جميع القوى السياسية في الكويت. وبهذا الصدد يشير السيد عباس المهري ، قائلاً : «... بعد انتصار الثورة الإسلامية اتفق بعض الشباب الثوري مع إخوانهم أهل السنة ، وبإشراف من ابني ، على عقد محاضرات في المسجد ، تبحث فيها مشاكل العامة. وقد أخبرتهم أن المسجد هو الموقع الذي تعالج فيه المشاكل. وأن من حق جميع الناس لكل طبقاتهم أن يعرضوا مطالبهم » .

أثارت طبيعة الخطب والمحاضرات التي ألقيت في مسجد شعبان ، حفيظة السلطة السياسية الحاكمة في الكويت، لأنها ركزت على مسألة المساواة في الإسلام ، والحقوق المشروعة للشيعة الكويتيين مثل توحيد الجنسية ، ومشكلة السكن ، وحرية الصحافة ، وإعادة الحياة البرلمانية في البلاد. وتكمن خطورة مثل تلك الجمعيات بأنها لم تقتصر على الطائفة الشيعية ، بل أصبحت مركز تجمع للقوى السياسية ذات التوجهات المختلفة.

وخوفا من تحول تلك الاجتماعات إلى تيار جماهيري معارض للسلطة. بادرت السلطة إلى التفاوض مع القائمين على حركة مسجد شعبان ، فعرضت عليهم تحقيق بعض المطالب المتعلقة بالشيعة. إلا أن تلك العروض رفضت من منظمي الحركة ، إذ أن أهدافها لا تنحصر في تحقيق مطالب طائفية بقدر ما تسعى لتحقيق مطالب وطنية ، تخص السنة مثلما تخص الشيعة .

إزاء رفض الحركة للعروض التي قدمتها الحكومة ، أقدمت الأجهزة الأمنية الكويتية في 9 كانون الأول 1979 ، على اعتقال أحمد عباس المهري ، منظم حركة مسجد شعبان ، بحجة مخالفته قانون التجمعات العامة ، الذي ينص على منع أي تجمع يزيد على أكثر من عشرين شخصاً. وعلى الرغم من ذلك استمرت اجتماعات الحركة بقيادة السيد (عدنان عبد الصمد) الذي وجه انتقادات إلى الصحافة الموالية للسلطة ، لكونها وصفت نشاطات الحركة بأنها (طائفية) .

استخدمت السلطات الكويتية الشدة في مواجهة النشاط المتزايد لحركة مسجد شعبان ، من خلال سلسلة من الإجراءات اتخذتها ضد الحركة ، تمثلت بسحب الجنسية الكويتية من السيد عباس المهري وجميع أفراد عائلته ، وأبعادهم إلى إيران ، وسحب جوازات ثلاثة من قادة الحركة بتهمة تنظيم نشاطات سياسية ، وإثارة الشيعة ضد السلطة في الكويت. واتخذت تلك الإجراءات على أثر بيان للإمام الخميني ، إذاعة راديو الجمهورية الإسلامية من طهران ، يكلف فيه السيد عباس المهري ، بإقامة صلاة الجمعة في الكويت-وهو أول صلاة جمعة يأمر الخميني بإقامتها خارج إيران. ودعوته الشعب الكويتي للمشاركة في هذه الصلاة .

وردا على ذلك ، واصل التيار الإسلامي الشيعي في الكويت تحديه للسلطة الحاكمة ، ففي يوم الجمعة العاشر من محرم ، ذكرى استشهاد الحسين عليه السلام ، الموافق 30 تشرين الثاني 1979 نظم التيار الشيعي مظاهرة جماهيرية حاشدة ، انطلقت من الحسينيات وتوجهت نحو السفارة الأمريكية ، رافعة شعارات مناهضة للسياسة الأمريكية تجاه إيران ، وتعلن في الوقت نفسه تضامنها مع الشعب الإيراني وتأييدها له. وقد سقط عدد من الجرحى واعتقل العديد من المتظاهرين ، عندما حاولت القوات الأمنية تفريقهم بالقوة .

9- حزب الله - الكويت

شهد عقد الثمانينات في الكويت موجات من أعمال العنف السياسي ، تمثلت في انتشار عمليات العنف المسلحة ، وتوزيع المنشورات التي تدعو إلى الإطاحة بنظام الحكم في الكويت، وإقامة جمهورية إسلامية على النمط الإيراني ، ثم تطورت تلك العمليات لتطال حاكم الكويتفي محاولة فاشلة لاغتياله عام 1988. فضلاً عن عمليات التفجيرات التي شهدتها الكويت عام 1987. وقد أشيع أنذاك أن وراء تلك العمليات مجموعة تنظيمات إسلامية مؤيدة للنظام الإيراني ، مثل (طلائع تغير النظام للجمهورية الكويتية) و (صوت الشعب الكويتي الحر) و (منظمة الجهاد الإسلامي) و (قوات المنظمة الثورية للرسول محمد في الكويت). لكن ثمة من يؤكد على أن معظم تلك الأعمال كان وراءها (حزب الله الكويت) .

تأسس حزب الله الكويت بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران ، على يد مجموعة من الشباب الشيعي الكويتي ، الذي ينتمون إلى التيار الشيعي الثوري المتأثر بالثورة الإسلامية الإيرانية. وهؤلاء تلقوا تعليمهم في الحوزة العلمية في قم. ويرتبط حزب الله الكويت باللجان الثورية لحرس الثورة في إيران. حيث كان للحرس الثوري الإيراني دور في تشكيل فروع لهذا الحزب في بعض الأقطار العربية التي تضم أقليات شيعية ، مثل لبنان (حزب الله لبنان) ، والمملكة العربية السعودية(حزب الله - الحجاز). فضلاً عن ذلك قام النظام الإيراني بتقديم تسهيلات متنوعة لحزب الله الكويت. مثل افتتاح المركز الكويتي للإعلام الإسلامي في طهران ، الذي تولى إصدار مجلة (النصر) الناطقة باسم الحزب ، والتي تطلق على نفسها (الصوت المحمدي الخالص في الكويت) .

غداً تغيير نظام الحكم في الكويت، من أولويات حزب الله -الكويت، متخذا من الثورة الإسلامية في إيران أنموذجا له. فطالب بإجراء استفتاء شعبي ، ليقرر الشعب الكويتي بنفسه نظام الحكم الذي يختاره. وأدعى الحزب أن ثمة سياسة تمييز طائفية تمارسها السلطة الحاكمة ضد الشيعة في الكويت خلال حرمانهم من إصدار الصحف والمجلات وعدم إطلاق أسماء رموز الشيعة على بعض الشوارع والمرافق العامة ، وعدم إفساح المجال لهم لممارسة شعائرهم الدينية بحرية .

إزاء هذه السياسة التي اتبعها حزب الله الكويت، أصبح في مواجهة مباشرة مع السلطة الحاكمة ، التي شنت ضده اعتقالات ونفي طالت العديد من قياداته بتهمة ارتكاب أعمال إرهابية ، والسعي لقلب نظام الحكم في الكويت. فبقي نشاط الحزب محظورا إلى انتهاء حرب الخليج الثانية 1991 ، عندما سمحت الحكومة الكويتية بعودة عدد من أعضاء الحزب إلى الكويت، وذلك تكريما لهم ، لمشاركتهم في تنظيمات المقاومة التي شكلت خلال ما أطلق عليه (عملية تحرير الكويت) .

10- حركة أحرار البحرين الإسلامية

تأسست هذه الحركة عام 1982. أثر اعتقال السلطات في البحرين عدداً كبيراً من قيادات جمعية التوعية الإسلامية وأعضائها ، وحزب الدعوة الإسلامية فجرت حوارات ومراجعات لأهداف وأساليب العمل السياسي الذي تبنته التنظيمات الإسلامية الأخرى. فظهرت وجهة النظر القائلة بضرورة « عقلنة » الأهداف والوسائل و « بحرنة » النشاط السياسي ، خاصة بعد الاتهامات التي وجهت للتيار الإسلامي في البحرين ، بأنه يدور في إطار سياسي أكبر منه خارج البحرين ، بمعنى أن النشاط الذي تمارسه بعض التنظيمات الإسلامية في البحرين هو نشاط موحى لها من الخارج ، بسبب الارتباط الوثيق بين تلك التنظيمات ومرجعياتها الخارجية . فتم التوصل إلى ضرورة تأسيس تنظيم إسلامي يتبنى مشروعًا سياسياً يختلف عما هو قائم. وأن يكون هذا التنظيم ذا طابع محلي ، وهوية إسلامية في الخارج ، يتولى التوجيه والإعلام. وعليه تمت الموافقة على أن تتحرك الكوادر في لندن ، وغالبيتهم من الطلاب الشيعة الدارسين في بريطانيا ، مثل سعيد الشهابي ، ومجيد العلوي ، ومنصور الجمري ، ليشكل هؤلاء تنظيما إسلاميا باسم (حركة أحرار البحرين الإسلامية) .

وفي كانون الثاني عام 1983 ، أصدرت الحركة في لندن ، نشرتها المركزية (صوت البحرين) ، التي اتخذت الآية القرآنية (فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار. أنه لا يفلح الظالمون) شعار لها. وأعلنت النشرة في عددها الأول أن هدفها (رفع الظلم والدفاع عن المظلومين) ، من خلال المطالبة بالحقوق الإساسية ، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ، وضرورة تطبيق الديمقراطية. مما اكسبها نفوذا واسعا بين أبناء الطائفة الشيعية في البحرين . كما نشطت الحركة إعلاميا من خلال إصدار العديد من النشرات التي كان أبرزها نشرة (خطبة الجمعة) التي تصدر بشكل سري في البحرين. وهي عبارة عن خطب الجمعة التي يقليها علماء الدين البارزون مثل الشيخ عبد الأمير الجمري ، والشيخ علي السلمان ، والشيخ إبراهيم الجفيري ، وآخرون. تناولت تلك الخطب القضايا كافة من منطلق إسلامي شيعي. إلى جانب ذلك قامت الحركة بنشر الكتب التاريخية ، ومؤلفات علماء الشيعة الكبار ، ورموز التيار الإسلامي الشيعي .

يمكن عد هذه الحركة ، من التنظيمات الإسلامية الشيعية الإصلاحية. حيث لم تنتهج الأسلوب الثوري في نشاطها ، ولم تطالب بإسقاط النظام الحاكم ، كما طالبت التنظيمات الأخرى ، بل اقتصر برنامجها السياسي ، وخطب قياداتها ، وبياناتها على تحقيق أولويات أساسية ، اشتملت على بناء الفرد المسلم ، وإقامة نظام إسلامي عادل يتكفل ببناء مجتمع إسلامي فاضل. لذلك فإنها تؤكد على ضرورة تكاتف الطائفتين الشيعية والسنية ، كما تجنبت الحركة ، قدر الإمكان ، انتقاد الدول والأطراف التي تدعم حكومة البحرين وتساندها بل سعت بكل نشاطها ، إلى طرح قضية الحقوق الدينية في البحرين أمام المحافل الدولية. مستغلة إعلامها المتخصص ، وعلاقاتها السياسية مع الأطراف الفاعلة على الساحة الدولية. وهذا ما جعل الحركة تبرز بقوة على ساحة الأحداث السياسية التي شهدتها البحرين في تسعينات القرن العشرين .


ب- التنظيمات الإسلامية السنية

1- تنظيم الإخوان المسلمين

مثلت مرحلة السبعينات ، وبداية الثمانينات ، قمة النشاط الفكري والحركي لتنظيم الإخوان المسلمين في الكويت. حيث تمكن التيار الأصولي من السيطرة على القيادة داخل تنظيم الإخوان المسلمين في الكويت، وتراجع تيار القيادة التاريخية للتنظيم بزعامة عبد الله العلي المطوع المهيمن على مجلس إدارة جمعية الإصلاح الاجتماعي.

جاء هذا التطور في فكر الإخوان وممارستهم ، نتيجة تأثر بعض العناصر القيادية من التنظيم الطلابي لجماعة الإخوان المسلمين في الكويت، الذين يشرفون على العمل التنظيمي للجماعة في القاهرة، بفكر (جماعة التكفير والهجرة) (*) ، خاصة بعد إقدام النظام في مصر على إعدام (صالح سرية) ورفاقه المتهمين بانتمائهم لمنظمة إسلامية محظورة ، وتورطهم في قضية (الفنية العسكرية) ، حيث حضر عدد من العناصر القيادية من التنظيم الطلابي لجماعة الإخوان المسلمين في الكويت محاكمة هؤلاء ، وتأثروا بالأناشيد والهتافات التي أطلقها الإخوان من داخل قفص الاتهام. ومنها « هو الحق يحشد أجناده. ويستعد للموقف الفاصل » . وقد مهدت تلك الأحداث الأرضية المناسبة لنمو فكر تنظيم (التكفير والهجرة) بين قيادات الإخوان الكويتين في مصر. فوضعوا برنامجا فكريا خاصاً ، ارتكز على كتاب سيد قطب(معالم في الطريق) ، وكتاب (المصطلحات الأربعة في القرآن) لأبي الأعلى المودودي ، وكتاب (الطريق إلى الدعوة) لفائز مطر. فضلاً عن تنظيم دروس تثقيفية يلقيها بعض الملتزمين بفكر تنظيم (التكفير والهجرة) من المصريين ، من أجل تعميق هذا الفكر بين الطلبة الكويتين المنتمين لهذا الاتجاه. مما أثار حفيظة قيادة الإخوان في الكويت، وجعلها تصدر في عام 1976 قرارا بعزل جميع من تأثروا بفكر تنظيم (التكفير والهجرة) عن بقية أعضاء التنظيم في القاهرة، ثم نجحت فيما بعد باستقطاب الفئات الشبابية من التيار الأصولي ، وتوجيههم للعمل في الجمعيات الخيرية التي يشرف عليها تنظيم الإخوان المسلمين في دولة إسلامية ، في آسيا وأفريقيا ، وعد مثل ذلك النشاط بمثابة الجهاد في سبيل الله .

جمعية التربية الإسلامية

بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 ، بادر الإخوان المسلمين المعارضون للقيادة التقليدية للإخوان في البحرين ، المتمثلة بجمعية الإصلاح البحرينية المحافظة ، بإنشاء (جمعية التربية الإسلامية). كان من أبرز مؤسسيها الدكتور عبد اللطيف المحمود ، وهو من عائلة دينية معروفة ، ويحمل شهادة دكتوراه في العلوم الإسلامية من جامعة الأزهر. تمكن من استقطاب شريحة واسعة من علماء الدين والمثقفين في البحرين للانضمام إلى الجمعية ، التي بدأ نشاطها على شكل تجمعات جماهيرية اتخذت من الديوانيات مراكزا لها ، منذ عام 1974. اهتمت بمشاكل المجتمع الدينية والاجتماعية ، وسعت لمعالجتها ، انطلاقا من وجهة نظر إسلامية .

تعبر جمعية التربية الإسلامية عن الاتجاه الإسلامي السني المستقل عن السلطة. وقد مارست الجمعية نشاطها من خلال عدة لجان ، أبرزها اللجنة الثقافية التي تتولى تنظيم المحاضران ، وإقامة الندوات الدينية بهدف نشر الوعي الإسلامي. وهناك اللجنة الاجتماعية ، التي تتولى جمع التبرعات لتوزيعها على الأسر الفقيرة. فضلاً عن وجود لجان أخرى ، مثل لجنة المساجد ولجنة الشباب والرياضة ، ولجنة التعليم وشئون الطلبة ، التي تكفلت بتمويل المنح الدراسية للطلبة الذين يعانون من مشاكل اقتصادية ، وإقامة دورات لحفظ القرآن إلى جانب ذلك ، ساهمت الجمعية في النشاط السياسي الذي شهدته الساحة البحرينية مطلع التسعينات .

الحركة الدستورية الإسلامية

غداة تحرير الكويت، طرأت بعض التغيرات على أسلوب عمل تنظيم الإخوان المسلمين في الكويت. حيث أعلن التنظيم التخلي عن التسمية القديمة ، وتبني تسمية جديدة للتنظيم باسم (الحركة الدستورية الإسلامية) ، التي أعلن عن قيامها في 30 آذار 1991. وشارك في تأسيسها مجموعة من الشباب الذين لم يتركوا البلاد خلال مدة الاحتلال ، من أبرزهم جاسم مهلهل الياسين وعيسى ماجد الشاهين والدكتور عادل صبيح والدكتور سامي الخترش والدكتور وليد الوهيب والدكتور نجيب الرفاعي. ولم تضم الهيئة التأسيسية أياً من أعضاء القيادة التقليدية للإخوان الذي غادروا الكويتأثناء الاحتلال. وبعد التحرير مباشرة نجح هؤلاء الشباب في الإعلان عن قيام ( الحركة الدستورية الإسلامية) ، وثمة من يشير إلى أن الإخوان المسلمين في الكويت اتخذوا هذه التسمية لامتصاص نقمة الشعب الكويتي تجاه التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، بسبب مواقفه المعارضة لوجود القوات الأجنبية لتحرير الكويت.

سعت الحركة الدستورية الإسلامية إلى تقديم برنامجها للمجتمع الكويتي ، بأنها حركة سياسية ، وليست جماعة دينية. فنشطت بإصدار البيانات السياسية التي أوضحت فيها مواقفها السياسية من تطورات الأحداث الداخلية والخارجية. فضلاً عن قيام أقطاب الحركة بتحرير المقالات الصحفية تناولوا فيها قضية الديمقراطية من منظور إسلامي ، وضرورة المشاركة في الحياة السياسية عن طريق الانتخابات البرلمانية ، والهيئات الدستورية في البلاد . وطالب برنامجها الذي أطلق عليه (الاستراتيجية الدستورية الإسلامية لإعادة بناء الكويت) ، باسلمة القوانين. وأكد على مبدأ التسامح والتعايش بين مختلف التيارات السياسية في الكويت.

وفي أقطار الخليج العربي ، نشط الإخوان المسلمين في العمل الدعوي ، ونجحوا في استقطاب شرائح مختلفة من المجتمع الخليجي. من خلال توغلهم في المؤسسات والجمعيات الشعبية. ففي المملكة العربية السعودية، ركز الإخوان على التعليم ، والاهتمام بطلبة العلم ، وإقامة المهرجانات والمسابقات العلمية ، وتنظيم السفرات السياحية بهدف كسب أعداد جديدة من الشباب للتنظيم. غالباً ما انحسر نشاط الإخوان في السعودية، ضمن مؤسسات المجتمع المدني ، من دون التدخل في الشئون السياسية .


2- التيار السلفي

مع نهاية الستينات ، ومطلع السبعينات ، شهدت الساحة الخليجية الصعود الجديد والمتسارع في قوة التيار الإسلامي ونفوذه ، الذي ظهر كرد فعل على الانفتاح المفاجئ الذي شهدته أقطار الخليج العربي ، جراء ازدياد العوائد النفطية ، وتأثيرها في المجتمع الخليجي الذي تعرض لمظاهر وعلل اجتماعية وافدة إليه من الخارج. فبرزت طبقة اجتماعية ، تنفق على المستوردات الأجنبية ، وتسعى لتقليد ومحاكاة الآخرين. شاركت أجهزة الإعلام في تعقيد هذا الوضع ، من خلال ما تبثه من أفكار شاذة وغريبة ، وتقاليد فاسدة ، هي أبعد ما تكون عن تقاليد المجتمع الخليجي المسلم وقيمه (*).

في ظل تلك الظروف ، انطلقت الدعوات في المملكة العربية السعودية، بضرورة العودة ، مرة أخرى ، للتمسك بمبادئ الإسلام وقيمه الأصلية. وذلك بالاعتماد على الأسس التي انطلقت منها الدعوة السلفية التي قادها المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب في النصف الأخير من القرن الثامن الميلادي كما سبق الإشارة إليه. فتم تأسيس الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة عام 1960 ، للقيام بالدعوة من جديد ، باتفاق وتنسيق بين مفتي الديار السعوديةالشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ، وبين الشيخ عبد العزيز بن باز ، وبدعم ومساندة الملك سعود بن عبد العزيز ، الذي خصص أحد قصوره ليكون مقرا للجامعة. وتم تعيين الشيخ عبد العزيز بن باز أول مدير لها .

بدأت الدعوة السلفية الجديدة بمجموعة من الأفراد نشطت ، بتوجيه من الشيخ عبد العزيز بن باز ، بإلقاء الدروس الدينية في المساجد ، وتعليم الناس مبادئ التوحيد ، من خلال الاعتماد على مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب. واستمر نشاط الجماعة ، التي أطلقت على نفسها فيما بعد اسم (جماعة الدعوة المحتسبة) ، بالتوسع تدريجيا ، حتى تحولت في السبعينات إلى تجمع إسلامي فاعل ومؤثر في المجتمع السعودي. ولتعزيز نشاطها الدعوي ، أسست الجماعة ما عرف بـ (بيوت الإخوان) ، وهي مقرات وبيوت منتشرة في مدن المملكة. يتم فيها تنظيم الدروس الدينية التي يلقيها عدد من الشيوخ وعلماء الدين المتميزين ، مثل الشيخ أبو بكر الجزائري والشيخ العمودي ، والشيخ محمد الأنصاري وغيرهم. كذلك إقامة دورات لتحفيظ القرآن الكريم وتفسيره ، ودراسة السيرة النبوية. فضلاً عن اتخاذها مراكز لاستضافة عابري السبيل وطلاب العلم ، من داخل المملكة ، أو من الأقطار العربية والإسلامية المختلفة .

انتفاضة الحرم المكي

في النصف الثاني من عقد السبعينات ، بدأ يظهر ما عرف (بالاحتجاج الديني المسسيس) الذي أخذ يمتلك قوة فعالة اجتماعياً. ويطالب بعودة لا تهاون فيها إلى الكتاب والسنة. ثم تطورت تلك المطالب باتجاه الدعوة لمقاومة السلطة الحاكمة والعمل على إسقاطها. كان جهيمان بن محمد بن سيف العتبي ، الزعيم والقوة المحركة لهذا التيار .

خدم جهيمان (18) عاماً في الحرس الوطني السعودي : ثم استقال منه عام 1974 ، ليلتحق بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة ، ويدرس على يد الشيخ عبد العزيز بن باز. ثم تولى مسؤولية قسم الرحلات في الجامعة السلفية . وقد تجمعت في شخصية جهيمان عدة عوامل ، جعلت منه ثائرا أصوليا على مستوى عال ، منها خلفيته القبلية وتاريخ أسرته ، فهو ينتمي إلى قبيلة عتيبة ، التي تعد من أبرز القبائل التي تشكل منها (الإخوان) ، والتي اعتمد عليها الملك عبد العزيز بن سعود في معاركه. ثم دخل معهم في صراع طويل انتهى بهزيمة الإخوان في معركة السبلة عام 1930. يضاف إلى ذلك ، إخلاصه الديني وخبرته العسكرية .

بدأ جهيمان يناقش المشاكل التي يعاني منها المجتمع السعودي. فتطرق إلى مسألة البنوك الربوية ، الحكومية والأهلية ، المنتشرة في البلاد. فانتقدها وعدها مخالفة لمبادئ الشريعة الإسلامية. كما انتقد سياسة الدولة التعليمية ، واهتمامها بالتعليم العلماني على حساب التعليم الدينين الذي لم يعد يتلاءم مع الشريعة الإسلامية ، من وجهة نظره ، . وأشار جهيمان في إحدى رسائله إلى ذلك بقوله : « ... إن طلب العلم الشرعي لا يدرك في مدارس اليوم وجامعات اليوم ، لما تخضع له هذه المدارس والمعاهد والجامعات من الوصاية الحكومية التي لا يتجانس خطها مع الشريعة الإسلامية. ولذلك فإنه إذا أراد الواحد منا أن يتلقى العلم الشرعي فعليه بالقراءة والبحث الذاتي والجماعي في كتب السنة الصحيحة ، وشرح الأحاديث المعتمدة والتفاسير ، دون تعصب مذهبي أو طائفي » .

بعدها شرع جهيمان في الخوض في القضايا السياسية ، والتعامل معها من منظار فقهي متشدد. فهاجم النظام الحاكم واتهمه بالفساد ، وشكك في شرعيته ، ثم أصدر فتوى حرم فيها الصور بكل أشكالها ، حتى ما كان منها على جوازات السفر ، أو البطاقات التعريفية (الهوية) .

أخذ جهيمان ، ومجموعة الشباب الذين التفوا حوله في الجامعة الإسلامية ، ومنهم عبد الله القحطاني (زوج أخت جهيمان) ، فضلاً عن بعض الأفراد من الحرس الوطني ، يثيرون المشاكل للنظام الحاكم ، ويتحدثون عن أخطاء الحكومة ، وينتقدون فساد بعض المسؤولين وإسرافهم . وهم إزاء تلك الممارسات ، يجدون تسامحاً كبيراً من المواطنين ، ومن بعض رموز المؤسسة الدينية الرسمية ، الذين ناشدوا السلطة السياسية التي اعتقلتهم عام 1978 ، لإظهار مرونة أكثر تجاه هؤلاء الذين وصفوهم بأنهم مجرد « مجموعة من الشباب المتدينين المتحمسين » .

تجمعت دعوة جهيمان في سبع رسائل ، طبعت في الكويت. ووزعت سراً في السعودية، كان أبرزها رسالة (الإمارة والبيعة والطاعة) و (الميزان في حياة الإنسان) و (دعوة الإخوان... كيف بدأت وإلى أين تسير). أكدت معظم الرسائل على دعوة الناس إلى عدم إطاعة السلطة بوصفها « ملكاً جبريا غير قائم على شرع الله ورضى عامة المسلمين » وضرورة مواجهتها وإسقاطها. ويشير جهيمان في رسالة (الإمارة والبيعة والطاعة) إلى هذا التوجه قائلاً : « ... فأنت تعلم أن الطاعة لا تجب إلا لمن يقودنا بكتاب الله. أما من يقود المسلمين بالأنظمة المختلفة والقوانين. ولا يأخذ من الدين إلا ما وافق هواه. فهذا لا سمع له ولا طاعة » . وهو في الوقت نفسه يدعو إلى إقامة دولة الإسلام ، التي يكون الحاكم فيها ممثلا حقيقياً للشعب. ومن جانب آخر انتقد الوجود الأجنبي في البلاد ، وخضوع الأمراء والمسؤولين لهم. كما هاجم المناهج الغربية التي تسود مؤسسات الدولة . كذلك اشتملت الرسائل على وجوب التمسك بالعقيدة الإسلامية المبنية على القرآن والسنة ، وتحريم بعض الوظائف الحكومية التي تقوي قبضة الحاكم الظالم (*). كما أكدت على فكرة (المهدي المنتظر) ، وظهوره ليزيل الظلم ويقيم العدل ودولة الإسلام .

أراد جهيمان العتيبي وجماعته أن يترجموا دعوتهم إلى واقع عملي. فرضعوا خططهم التي نفذوها فجر اليوم الأول من القرن الهجري الجديد ، 1 محرم 1400 هجرية / الموافق 20 تشرين الثاني 1979م ، بالاستيلاء على المسجد الحرام . فخلال فجر ذلك اليوم ، أغلقت أبواب الحرم المكي الثمانية والأربعين ، وسيطر المسلحون على مداخل المسجد ، بعد أن أسروا رجال الأمن الموجودين فيه. بعدها أعلن محمد القحطاني ، أمام المصلين المذهولين ، أنه المهدي المنتظر .

قدر عدد المهاجمين ، نحو (1000) شخص ، كان بينهم عرب من مصر واليمن والكويت والعراق ، يقودهم جهيمان العتيبي ، الذي أذاع من ميكرفون المسجد بياناً طالب فيه بإجراء تغيرات جذرية ، منها إلغاء نظام الحكم الوراثي الذي يتنافى مع الشريعة الإسلامية ، والعودة إلى أحكام الإسلام ومبادئه الخالصة ، وإعادة النظر في سياسة استخراج النفط وتسويقه. ووقف تصديره إلى أمريكا ، وطرد جميع الخبراء العسكريين الأجانب من البلاد .

استمر اعتصام الجماعة في الحركة المكي ، حتى فجر 5/ كانون الأول/ 1979 ، عندما تمكنت قوات الأمن السعودية، وبالتعاون مع قوات فرنسية وأردنية ، من قمع الانتفاضة ، بعد استحصال فتوى من هيئة كبار العلماء في السعودية، تجيز اقتحام الحرم والقضاء على المهاجمين الذين وصفتهم الفتوى بأنهم « خوارج ومرتدون » . وقتل خلال عملية الاقتحام أكثر من (1000) شخص ، من ضمنهم محمد القحطاني. وألقى القبض على الآخرين. وفي كانون الثاني 1980 ، ثم إعدام (69) شخصاً ، في مقدمتهم جهيمان العتيبي .

تجدر الإشارة إلى أنه خلال أحداث الاستيلاء على المسجد الحرام ، حدثت انتفاضة المنطقة الشرقية في 10 محرم 400 هـ ، وليس ثمة ما يدل على وجود تنسيق أو ارتباط بين الحادثين ، سوى أنهما يرمزان إلى سعة التيار الإسلامي الأصولي وقوته ، ورفضه للواقع الذي يراه بعيداً عن النهج الإسلامي ، وقيمه الأصيلة. وهذا ما جعل الحكومة تشرع في اتخاذ إجراءات تهدئة وتنكيل في آن واحد. فقد أقصى عدد من كبار الضباط في الجيش والأمن ، بسبب تهاملهم أو عدم كفاءتهم. كما طرد العديد من الأجانب المشتبه فيهم. ولاسترضاء رموز التيار الإسلامي أغلقت معاهد التجميل وصالونات حلاقة النساء والمنتديات النسائية. وصدرت تعليمات تمنع الفتيات من مواصلة الدراسة خارج البلاد.

وفي وقت لاحق أعلن ولي العهد آنذاك (الأمير فهد) عن نية الحكومة تشكيل مجلس شوري للبلاد .

وفي عقد الثمانينات ، انتشرت على نطاق واسع في منطقة الخليج العربي ، مظاهر التجديد الإسلامي ، على أثر الأحداث التي شهدتها المنطقة ، مثل الثورة الإسلامية في إيران 1979 ، وحادثة الاستيلاء على الحرم المكي ، فتبنت بعض الجماعات الإسلامية الأصولية خطاباً دينياً متشددا. في مقابل ما وصف بـ « الإسلام الرجعي » ، الذي التزم خط السلطة الحاكمة. وقد برزت تلك الجماعات بشكل خاص بين طلاب الجامعات والمعاهد في السعودية. فنظم هؤلاء أنفسهم في تكتل أطلقوا عليه (جماعة الدعوة) ، أظهروا حماسا كبيراً للالتزام بالكتاب والسنة . وتميزوا بشعرهم الطويل الذي يصل إلى أكتافهم ، مع لحى كاملة وشارب خفيف ، وثيابهم البيضاء القصيرة حتى منتصف الساقين ، وسرعة مشيتهم ، وكثرة حركتهم ، وانتقادهم العلني لمظاهر الفساد والإسراف في المجتمع . وفي الوقت نفسه أكدت الجماعة على ضرورة الاهتمام بالعلوم التقنية ، إلى جانب العلوم الإسلامية والشرعية ، وذلك لا يمانهم بأنه : « لا يمكن أن نقوي أنفسنا في ظل هذه الأنظمة الضعيفة ، بمجرد قراءة القرآن والتاريخ ، وإنما بدراسة العلم لكي نستخدم التقنية الغربية ضد الغرب » . وهذا ما يفسر التحاق الكثير منهم في الكليات العلمية ، مثل كلية الطب ، وجامعة المعادن والبترول ، والأقسام العملية الأخرى في جامعة الملك فيصل ، وجامعة الملك سعود في الرياض.

ويمكن القول ، أن الساحة الإسلامية في السعودية شهدت ظهور صحوة إسلامية بدأت تتفرع إلى عدة تيارات إسلامية سلفية ، برز منها ثلاثة تيارات رئيسة هي :

أ- تيار السلفية التقليدية

والمتمثل في هيئة كبار العلماء ، وهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد . وهو يمثل المؤسسة الدينية الرسمية.

ب- تيار السلفية الإصلاحية

ويمثلها تيار حركي ينقسم إلى جناحين رئيسيين. الأول يطلق عليه خصوم اسم (السرورية) ، وهو جناح يسعى إلى (تثوير) ، التراث السني ، والعمل على جعله أداة سياسية واجتماعية فاعلة للتغيير . وتنسب السرورية إلى داعية سوري اسمه (محمد سرور بن زين العابدين) ، كان أحد أعضاء تنظيم الإخوان المسلمين في سوريا ، قدم إلى السعودية في منتصف الستينات ، واستطاع أن ينشئ تنظيما إسلاميا يعتمد على العقيدة الإسلامية في الأساس ، ويقوم في الوقت نفسه على تسييس الدين . ويصف أحد الباحثين هذا التطور الذي أدخله محمد سرور على الدعوة السلفية قائلاً : « ... محمد سرور كان سيد قطبي وسلفيا في آن واحد. وكان يرى أن ما ينقص السلفية هو إن تكون مسيسة وثورية وفكر سيد قطب كان يتكفل بهذه المهمة ». ويعد الشيخ (سفر الحوالي) (*) ، والشيخ سلمان فهد العودة والشيخ ناصر العمر والشيخ عائض القرني ، من أبرز رواد هذ التيار.

أخذ تيار السلفية في الظهور والتبلور في عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين ، وانتقد هذا التيار ما أسماه بـ (التدين القشري) ، والانفصال عن العالم ورفض التعامل مع العلم ومتغيرات الحياة فكتب الشيخ (محمد الغزالي) (*) ، قائلاً : « رأيت أناسا يتبعون الأعنت ، والأغلظ الأغلظ من كل رأي.. فما يفتون الناس إلا بما يشق عليهم ، وينقص معاشهم ويؤخر مسيرة المؤمنين في الدنيا ويأوي بهم إلى كهوفهم المظلمة ». وفي لقاء له مع جريدة البيان ، في أيلول عام 1990 هاجم الشيخ الغزالي الذين يهتمون بشكليات التدين ، من دون الاهتمام ببناء مجتمع إسلامي ناجح ، وقادر على مواجهة تطورات العصر ، حيث يقول : « بعض الناس عندما يفكر في السنة ، أو في السلف أول ما يثبت إلى ذهنه هو الثياب. وما إذا كان الرسول أو الصحابة يلبسون عقالا أم عمامة. أو غير ذلك ، ثم يضيف قائلاً : ولم يكن الدين جلبابا قصيراً ، أو لحية طويلة ، أو فكرا محدودا. بل سيرة شريفة ، وجرأة في الحياة تجعل صاحبها ينتقل بمبادئه بين جنباتها.. وعندما تتحول الأديان إلى صورة مزوقة وألبسة وهيئات ، فقدت روحها وقدرتها على الحياة والانطلاق » .

شكلت حرب الخليج الثانية 1990- 1991 ، وما تولد عنها من تداعيات خطيرة ، كاستدعاء القوات الأجنبية ، المتعطف المفصلي الأبرز في مسيرة هذا التيار. والذي برز كاتجاه مستقل ، يمتلك رؤية منهجية ، تختلف عن تلك الرؤية التي تحكم أداء المؤسسة الدينية الرسمية التي يديرها ويتولى دقة القيادة فيها شيوخ السلفية التقليدية .

وامتدادا لهذا التيار ، برز في السعودية تيار إسلامي أطلق عليه (التيار العقلاني) أو (التنويري) ، يؤمن بالإسلام كسقف ومرجعية ، وبروح تجديدية. فضلاً عن اهتمامه بنقد التراث ، ومتابعة قضايا النهضة والحضارة ، وضرورة التنمية والانفتاح والتعددية ، والاعتراف بالآخر الفكري والسياسي والمذهبي والديني. وهو يشكل خطاباً إسلاميا أكثر اعتدالا وانفتاحا ، ويعتمد هذا التيار بشكل أساس ، على النشر ، والحضور في الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى ، لكي يتمكن من تجاوز الأزمات التي أوجدها التيار السلفي التقليدي ، الذي لم يكن مؤهلا للتعامل مع التطور المعرفي الهائل في العالم .

أما الجناح الآخر من التيار السلفي الإصلاحي ، فيعرف بـ (سلفية المدينة) أو (الجامية) ، نسبة إلى الدكتور محمد أمان الجامي ، أستاذ العقيدة بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة. له مؤلفات وبحوث ومحاضرات كثيرة ، لا تخرج عن الفكر السلفي (الوهابي) السائد في السعودية. وهو تيار ، كان ظهوره استجابة للتحدي الذي فرضته الشعبية الكبيرة لرموز التيار الإسلامي (السروري) ، واستند هذا التيار إلى النص / ومأثور السلف وأقوالهم. فاعتمدوا على فتاوى الشيخ محمد ناصر الدين الألباني والشيخ الوادعي في الحديث . ثم تزعم هذا التيار ، فيما بعد ، الدكتور ربيع هادي المدخلي ، أستاذ الحديث بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة. وقد حظي هذا التيار السلفي الجهادي ، الذي سيطر على الساحة الإسلامية في الخليج. على اعتبار أن ظروف المرحلة آنذاك ، لا تشجع على تبني مبدأ الجهاد. بل على ضرورة العمل وطلب العلم. لحين استكمال الأمة لمتطلبات الجهاد. كما وجهودا انتقادات قاسية للعديد من أعلام الحركة الإسلامية ، مثل حسن البنا وسيد قطب وأبو الأعلى المودوي ومحمد الغزالي و فهمي هويدي و محمد عمارة ويوسف القرضاوي، وغيرهم .

ج- التيار السلفي الجهادي

يصنف التيار الجهادي (*) نفسه ، بأنه حركة إسلامية لإحياء الدعوة السلفية الصحيحة ، التي أصابها الانحراف عن مقاصدها نتيجة استغلالها من قبل السلطات الحاكمة ، ولكونها أصبحت « إدارة من أدوات السياسة الخارجية الفعالة. فقد استخدمت لمكافحة الشيوعية عبر التمدد إلى بلدان عديدة... وذلك للدعوة إلى الإسلام الذي يمثل النقيض للفكر الشيوعي. كما استخدمت بفعالية في إظهار الوجه الإسلامي لنظام الحكم خارج محيطه الجغرافي. وفوق هذا ، فقد استخدمت الدعوة السلفية أيضاً لمكافحة التيارات التغيرية الثورية في العالمين العربي والإسلامي. يضاف إلى ذلك استخدام السلفية في مكافحة ما اعتبر إسلاما جهاديا أو ثوريا معاديا للولايات المتحدة الأمريكية ».

بعد احتلال الاتحاد السوفياتي لأفغانستان عام 1979 ، تمكن الآلاف من السعوديين المشاركين في الجهاد ضد الاحتلال السوفياتي من الاختلاط بالجماعات الإسلامية هناك والتأثر بها ، مثل (الجماعة الإسلامية) و (تنظيم الجهاد) ، وغيرها. ثم قام هؤلاء الذين عرفوا بـ ( الأفغان العرب) أو (الأفغان السعوديين) ، بإدخال كتب ونشرات تلك الجماعات إلى السعودية، والتي تركز على تكفير الحكام والأنظمة العربية. وعلى الرغم من مصادرة مجموعات كثيرة من هذه الكتب والنشرات ، في الجمارك والمطارات ، إلا أن كتباً عديدة تسربت إلى داخل السعودية، كان أهمها كتاب (الكواشف الجلية في تكفير الدولة السعودية) ، لمؤلفه عصام البرقاوي ، المعروف بـ (أبو محمد المقدسي) ، إلى جانب رسالة وضعها بعنوان (ملة إبراهيم ) ، يقال أنها في الأساس تحقيق لرسالة قديمة لجهيمان العتيبي تحمل الاسم نفسه .

شكل (الأفغان السعوديون) نواة التيار السلفي الجهادي ، وبعد الشيخ (أسامة بن لادن) (*) أبرز رموز هذا التيار ، حيث شارك مع الأفغان في الجهاد الإسلامي ضد الاحتلال الروسي لأفغانستان. وكان له حضور كبير في معركة (جلال أباد) ، التي أرغمت الروس على الانسحاب من أفغانستان. وكان له حضور كبير في معركة (جلال أباد) ، التي أرغمت الروس على الانسحاب من أفغانستان. وقد أسس مع مساعديه ما سموه بـ (سجل القاعدة) عام 1988. وهو عبارة عن قاعدة معلومات ، تشمل تفاصيل كاملة عن حركة المجاهدين العرب في أفغانستان قدوما وذهابا والتحاقا بالجبهات. ومن هنا أطلق على التنظيم فيما بعد بـ (تنظيم القاعدة) .

بدءاً اعتمد التيار السلفي الجهادي على نهج الشيخ عبد العزيز بن باز ، وعلماء الوهابية ، وبعض آراء واجتهادات عالم الحديث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في الفقه والحديث . ثم حدث تطور في توجهات هذا التيار جعله أكثر تشددا تجاه الأنظمة الحاكمة. واتخذ من « مبدأ التكفير » قاعدة لانطلاقه.

ويرى الكاتب السعودي منصور النقيدان ، الذي كان سلفيا متشددا ثم تحول إلى ليبرالي متفتح ، أن « التنقيب في تراث الوهابية وفتاوى علمائها فيما يخص مسائل تكفير المسلم ،وشروط تكفير المعين وموانعه ، ومسوغات الخروج على الحاكم ، أبرز الوجه الأخر. واستخرج كنوزا عانت من تراكم الغبار ، وأفكارا أصابها الضمور. تم توظيفها سلاحا فتاكا لتكفير الحكومة » .

ويضيف النقيدان ، أن الفضل في بروز هذا التيار في السعودية، يعود إلى شخصين أولهما عصام البرقاوي ، مؤلف كتاب (الكواشف الجلية) ، دعا فيه إلى تكفير الحكومة السعودية، وعلماء المؤسسة الدينية الرسمية . وهو فلسطيني الجنسية يقيم في الكويت، أبعد إلى الأردن بعد تحرير الكويتعام 1991 .

ويتحدث في كتابه هذا عن (الأفغان السعوديين) والتكفير ، فيقول : « .. ها هم أفواج الشباب بعودون مدربين على القتال والسلاح والمتفجرات من أفغانستان ، وقد استفادوا بعدما خرجوا من أسوار الجزيرة إلى السعودية بغير الوجه الذي خرجوا به أول الأمر.. فها هو فكر (تكفير وقتال الحكومة وكل من ناصرها وعاونها ووالاها) وقد انتشر بين الشباب العائد من أفغانستان ، انتشار النار في الهشيم » .

أما الآخر فيدعي أبو ربيع (وليد السناني) ، كان له حضور طاغ في مجالس المناظرة ، لكونه يتمتع بصفات نادرة مثل الشجاعة وسرعة البديهة وقوة الاستنباط ، كتب رسالة موجزة عن حكم (التحية العسكرية) ، توصل فيها إلى أن التحية العسكرية « كفر وردة عن الإسلام. لما فيها إظهار الخضوع لغير الله » .

وثمة من يضيف تأثير الشيخ (مقبل بن هادي الوادعي) على هذا التيار حيث أقدم أوائل الثمانينات على تأليف كتابه الموسوم (المخرج من الفتنة). تناول فيه أطياف الإسلاميين في السعودية والخليج العربي. ثم ألف كتاباً آخر هو « السيوف البتارة لإلحاد الشيوعية الكافرة » ، هاجم في الكتابين الحكومات العربية ، والحكومة السعودية على وجه الخصوص ، وشكك في شرعية تلك الأنظمة ، واتهمها بالخروج عن الإسلام ، وبالتالي تكفيرها .

كانت المدة ما بين عامي 1989 - 1990، تمثل ذروة انتشار هذا الفكر في المملكة العربية السعودية. وقد بدا لاقتا للأجهزة الأمنية ازدياد أعداد الأشخاص الذين تستوقفهم مراكز التفتيش الأمنية ولا يحملون (التابعية) أو البطاقة الشخصية ، لقيام هؤلاء بتمزيق بطاقاتهم ، وإتلاف الصور الملصقة عليها ، لاعتقادهم بحرمتها من جهة ، ولكون حمل هذه الهوية يعد إقراراً بالتبعية « النظام طاغوتي كافر » على حد تعبيرهم . غير أن اجتياح العراق للكويت ، في 2 آب 1990، ومجيء القوات الأمريكية والقوات الدولية المتحالفة معها إلى منطقة الخليج العربي ، شكل منعطفا هاما في تاريخ التيار السلفي ، والحركة الإسلامية الخليجية بشكل عام . كما سنرى لاحقاً.

وفي الكويت، كان المنتمون إلى الفكر السلفي يعملون ضمن إطار جمعية الإصلاح الاجتماعي ، الواجهة التي تمثل تنظيم الإخوان المسلمين في الكويت، بوصف هذه الجمعية تضم جميع الكويتيين من ذوي التوجهات الإسلامية. غير أن خلافاً حدث بين الجماعة السلفية ، والإخوان المسلمين في الكويت، تمحور حول الأساليب التي ينتهجها الإخوان المسلمون في الدعوة . ويشير جاسم عون ، أحد رموز الجماعة السلفية في الكويت، إلى هذا الخلاف قائلاً : « ... نحن نختلف مع جمعية الإصلاح في الأساليب والمناهج . فتعاليم جمعية الإصلاح تتبع من جماعة الإخوان المسلمين وحسن البنا وسيد قطب، وهذه التعاليم هي التي أخرجت التكفير والهجرة » . لذلك اقتصر نشاط الجماعة السلفية في الكويت، خلال الستينات والسبعينات ، على إلقاء الخطب ، وإقامة دورات فقهية في المساجد ، من دون أن يكون لهم مقر دائم ، أو جهة تمثلهم .

- جمعية إحياء التراث الإسلامي

تعد جمعية إحياء التراث الإسلامي ، الواجهة الرسمية للجماعة السلفية في الكويت، ففي أوائل الثمانينات نجح أعضاء الجماعة السلفية في استحصال موافقة السلطات المختصة لتأسيس مقر دائم للجماعة . فتم الإعلان عن افتتاح (جمعية إحياء التراث الإسلامي) ، في 19 / كانون الأول / 1981 ، بوصفها جمعية نفع عام ، تحت إشراف وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل. وأبرز أعضائها المؤسسين ، خالد السلطان الذي انتخب رئيسا لمجلس إدارة الجمعية ، وشريدة المعوشرجي وعبد الجليل الغربللي وجاسم العون وفريد العجيل وطارق العبس ، وعبد الله الجسار وعبد الوهاب السنين وجاسم القبندي ، وآخرون .

يؤكد برنامج (الجماعة السلفية) في الكويت، على الدعوة إلى إقامة الدولة الإسلامية على وفق السياسة الشرعية ، من خلال استخدام القنوات السليمة أو الدستورية ، نبذ أسلوب العنف ، والسعي لإصلاح الفرد ، كخطوة أولى لإقامة المجتمع الإسلامي . أما عن طبيعة الجمعية وأهدافها. فيشير إليها خالد السلطان بقوله : « الدعوة السلفية تهدف. بشكل رئيسي وأساسي ، إلى العمل للرجوع إلى كتاب الله ، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، واقتفاء السلف الصالح. وهي ليست حركة سياسية هدفها السياسة ، إلا في ما يخدم الدعوة نفسها » ، لذلك يؤكد رموز الجماعة السلفية على أن برنامجهم « أقرب إلى الاستراتيجية الدعوية منه إلى البرنامج العلمي السياسي » .

مارست الجماعة السلفية في الكويت نشاطها من خلال اللجان التي شكلتها جمعية (إحياء التراث الإسلامي) ، والمنتشرة في محافظات الكويت. ومن أهم هذه اللجان ، لجنة النشاط العلمي والثقافي ، التي تتفرع إلى لجان أخرى ، مثل اللجنة الثقافية ، ولجنة البحث العلمي ، ولجنة الدعوة والإرشاد ، ولجنة دعوة الجاليات ، واللجنة الدائمة لمراكز تحفيظ القرآن ، ولجنة أبحاث تطبيق الشريعة الإسلامية . وهناك اللجنة النسائية التي تتولى تنظيم النساء ، تحت غطاء النشاط الاجتماعي والديني ، وإقامة الندوات والمحاضرات الدينية فضلاً عن مراكز الشباب التي تسعى لاستقطاب الشباب والأطفال تحت غطاء ممارسة النشاط الرياضي ، الذي يتم من خلال الرحلات ، وإقامة المخيمات .

أدت تلك الجان دوراً هاما في نشر فكر التنظيم داخل المجتمع الكويتي ، والجاليات المقيمة في الكويت. حيث يجري من خلال نشاط تلك اللجان ، اختيار من يعتقدون بصلاحهم وسلامة معتقدهم . لاستقطابهم ثم ضمهم كأعضاء جدد في التنظيم . كما استغلت الجمعية نفوذها في بعض الهيئات والمؤسسات الحكومية ، لنشر الفكر السلفي ، مثل ( الهيئة العامة للشباب والرياضة) ، وتحويل جزء كبير من نشاط الهيئة إلى نشاط ديني ، من خلال استضافة بعض رموز الحركة السلفية مثل الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق وناظم المسباح وسلمان مندني وآخرين ، لإلقاء المحاضرات والدروس الدينية ، وتنظيم المسابقات وتقديم الجوائز القيمة في المناسبات الدينية ، لجذب أكبر عدد من المشاركين .

وفي كانون الثاني 1989 ، أصدرت الجماعة السلفية مجلة ناطقة باسمها هي (مجلة الفرقان). جاء في افتتاحية العدد الأول مننها ، بأن المجلة « لا تهدف الربح من وراء إصدارها ... ولكن هدفها قول كلمة الحق ، وتيسير سبل الوصول إليه. متمثلة بسنة محمد صلى الله عليه وسلم ، وسنة السلف الصالح » ، كما تبنت المجلة كل ما يعلنه رموز الحركة السلفية في المملكة العربية السعودية، مثل الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد العثيمين والشيخ صالح الفوزان ، من آراء وفتاوى. كما تابعت المجلة نشاط الجماعات السلفية في الدول الإسلامية ، مثل جمعيات (أهل الحديث) في الهند وباكستان وبنغلادش ، وجمعية (أنصار السنة المحمدية) في مصر والسودان. وأجرت مقابلات مع قيادات تك الجماعات ، ونشرت أقوالهم .

أما في البحرين ، فقد شكلت الجماعة السلفية فيها امتدادا للجمعيات السلفية التي ظهرت في المملكة العربية السعودية والكويت. وهي متأثرة بشكل كبير بالتيار السلفي (الوهابي) الذي كان يتزعمه مفتي السعوديةالشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد بن عثيمين. ويصف أحد الباحثين تأثر الجماعة السلفية في البحرين بالجماعة السلفية الكويتية ، قائلاً : « إن العلاقة بين سلفيي البحرين وسلفيي الكويت ظلت مثل الصوت والصدى » . وتعد (الجمعية الإسلامية) الواجهة الثقافية والاجتماعية للجماعة السلفية في البحرين. غير أن تلك الجماعة لم تشكل قوة فاعلة في الساحة السياسية البحرينية. لكونها اعتزلت الحياة السياسية ، واتجهت نحو إقامة المشاريع الخيرية في المجتمع .

من كل ما سبق ، يتضح لنا أن التيار الإسلامي برز بشكل واضح ومؤثر ، من خلال أحزابه وتنظيماته ، في الساحة السياسية لبعض ا قطار الخليج العربي ، وتحديدا في المملكة العربية السعودية، والكويت، والبحرية. أما في باقي أقطار الخليج الأخرى (قطر ، الإمارات العربية المتحدة ، سلطنة عمان ) ، فلم تظهر تيارات إسلامية سياسية معارضة. وهذا لا يدل على ضعف التوجه الإسلامي في الحياة العامة لمجتمع تلك الأقطار . لكن ربما لم تظهر تيارات إسلامية معارضة بسبب التحولات الاجتماعية الحديثة التي عرفتها المنطقة بعد اكتشاف النفط ، وظهور ما عرف بـ (ثقافة الحقبة النفطية) ، واتجاه السكان نحو الاهتمام بالمشاريع التجارية ، وما رافق ذلك من تغيرات في ديموغرافية المنطقة ، وزيادة نسبة الوافدين ، وتنوع اتجاهاتهم. أو لتأخر ظهور الوعي الفكري في هذه الأقطار ، مقارنة بالكويت والبحرين و العربية السعودية.

وعلى الرغم من ذلك ، ظهرت في تلك الأقطار ، وبشكل خاص بين الطبقة المثقفة في المجتمع ، اتجاهات إسلامية منظمة. لكنها لم تصل إلى مرحلة المعارضة السياسية. وقد عزز من تلك الاتجاهات وجود الوافدين من أعضاء تنظيم الإخوان المسلمين، المصريين والفلسطينيين ، الذين شغلوا مناصب إدارية مرموقة. ففي قطر يعود نشأة تنظيم الإخوان المسلمين إلى عام 1954. وأصبح عبد البديع صقر ، أحد أعضاء تنظيم الإخوان ، مديرا للمعارف في الدوحة . وفي سلطنة عمان ، يشكل اتباع المذهب الإباضي أغلبية سكانية ، وتتمركز الأقلية السنية في منطقة ظفار الفقيرة . غير أن إصلاحات السلطان قابوس خففت من حدة التمايز بين الطائفتين. ومع ذلك فقد كان هناك احتمالات قيام بعض حركات المعارضة ، سواء أكانت إسلامية أم علمانية ، نتيجة تبني السلطان قابوس نظام الحكم الاستبدادي ، وضعف تأييده للقضايا الإسلامية ، فضلاً عن سياسة العزلة التي اتبعها ، لإبعاد عمان عن محيطها العربي والإسلامي ، في مقابل انفتاحه المفرط نحو الغرب .

الفصل الرابع: موقف التيار الإسلامي من أبرز القضايا الداخلية والخارجية

تناول التيار الإسلامي في الخليج العربي ضمن نشاطات تنظيماته ورموزه ، عددًا من القضايا التي واجهت المجتمع الخليجي والعالم الإسلامي ، على الصعيدين الداخلي والخارجي ، يمكن استعراض أبرزها ، وكما يأتي :


أولاً: الشأن الداخلي

1- الإصلاح وتطبيق الشريعة الإسلامية

شغلت قضية إصلاح المجتمع حيزًا كبيرًا من اهتمامات الجماعات الإسلامية ومفكريها في الخليج العربي ، التي دخلت من أجل هذه القضية في جدال عنيف مع بعض التيارات الفكرية في المجتمع الخليجي.

عرفت منطقة الخليج العربي ، منذ مطلع القرن العشرين ، ظهور دعاة إصلاح إسلامي أخذوا يدعون إلى إصلاح المجتمع ، لمواجهة الجهل والتخلف والتقاليد البالية من خلال استلهام مبادئ الشريعة الإسلامية. ومن أبرز دعاة هذا الاتجاه ، محمد بن عيسى الخليفة وناصر بو حمير وعبد الرحمن المعاودة وعبد الله الزايد في البحرين. وقد أكدوا هؤلاء على أهمية التعليم والانفتاح على العقل ، ومحاربة الاستبداد والاستعمار ، وإنصاف المرأة كما أكد عليه كتاب الله وسنة نبيه .

وفي دبي ، دعا المصلح أحمد بن سلطان بن سليم إلى إنهاض المجتمع وإصلاحه من خلال نشر العلم الذي يشجع عليه الإسلام ، وإنشاء المستشفيات ، ومحاربة البدع والتخلف الفكري ، بما ينسجم مع دعوة الإسلام إلى طلب العلم ونبذ الجهل .

أما في الكويت ، فقد برز المصلح الشيخ يوسف بن عيسى القناعي ، والشيخ عبد العزيز الرشيد اللذان تبنيا الدعوات الإصلاحية لإنهاض المسلمين في المجتمع الخليجي ، وتدارك أمرهم وإصلاح ما فسد من أحوالهم عن طريق التسلح بالعلم ، ونبذ الخلافات والتعصب الديني والتمسك بأصول الإسلام وقيمه السامية. فينادي عبد العزيز الرشيد محذرًا المسلمين ، قائلاً : «... أن الخطب لجلل والمصيبة عظيمة إذا لم يتدارك علماء الإسلام الأمر قبل فواته ، والخرق قبل اتساعه. ويتركوا ما بينهم من تباغض وتشاخص وتنابز بالألقاب... يغضوا النظر في كثير مما ينكرون على أخوانهم في الدين». ثم ينبه إلى أهمية العلم في حفظ كيان المسلمين ومستقبلهم قائلاً : «كانت المدارس. ولا تزال من الطرق التي توصل إلى الإصلاح... وهي أمضى سلاح يتسلح به المصلحون بقطع دابر الفساد ، وهدم علالي الخرافات والبدع. ومن أعظم الأسباب لحماية الدين من زيغ الزائغين وتهجمات الملحدين» .

كما هاجم الرشيد بشدة دعاة التغريب في المجتمع العربي الإسلامي ، الذين يلهثون وراء الفكر الغربي والأوروبي ، أمثال طه حسين ، منتقدًا في الوقت نفسه المسلمين الذين يناصرون أمثال هؤلاء ، بعد أن شككوا في القرآن وتعاليمه. حيث يقول : «... حتى أعداء الدين ، وحتى الملحدين الذين تبجح (طه حسين) بمدحهم ، ويحرص كل الحرص على أن يحاكيهم في أقوالهم ، وأفعالهم وآرائهم. وليس العجب...... من سلك هذا الأعمى المعوج.. إنما العجب من أقوام انزلوه فوق منزله. العجب منهم وهم يدعون الإسلام كيف أخذوا يناصرونه بعد أن ضرب الحق الصراع بآرائه الشائنة في الدين والقرآن».

انطلاقًا من تلك المواقف ، تصدى المصلحون الإسلاميون لظاهرة انتشار الأفكار العلمانية، التي تسربت إلى منطقة الخليج العربي بعد الحرب العالمية الثانية. وأكدوا على التمسك بالإسلام وتعاليمه ، وضرورة استنباط القوانين من الشريعة الإسلامية ، وليس من تقاليد الغرب التي لا تنسجم من هوية الأمة الإسلامية وقيمها الأصيلة ، والعمل على محاربة تلك الأفكار وتحصين الشباب فكريًا ، لحماية المجتمعات الإسلامية من نشاطاتها الهدامة .

أثار دخول بعض مظاهر التحديث والترفيه ، على أثر التحولات الاجتماعية والثقافية التي أحدثها اكتشاف النفط في منطقة الخليج العربي ، كالإذاعة والتلفزيون والسينما والمسرح وغيرها ، ردود أفعال الجماعات الإسلامية المحافظة ، ومنها الجماعة السلفية في الكويت ، التي رفضت تلك المظاهر ، واعتبرتها وسيلة لنشر الفساد ، والتفكك الأسري ، وشذوذ الشباب في المجتمع. وانتقدوا بشدة عرض الأفلام الأجنبية والعربية التي توحي بالإغراءات الجنسية. وطالبوا السلطات بالتدخل لمنعها ، لكونها «تعرض أفلامًا لا تتلاءم مع المجتمع الإسلامي» .

وفي المملكة العربية السعودية، كان رد فعل الجماعة السلفية عنيفًا. فبعد افتتاح محطة التلفزيون في الرياض عام 1965، خرج عشرات الشبان المنتمين إلى الجماعة السلفية ، يتقدمهم (خالد بن مساعد) ، وهو أحد أفراد الأسرة السعودية الحاكمة ، في مظاهرة غاضبة طافت شوارع الرياض ، منددين بالبرامج التي يبثها التلفزيون. وحاول المتظاهرون اقتحام بناية محطة التلفزيون والسيطرة عليها بقوة السلاح ، بدعوى أن البرامج التي تقدمها الإذاعة مخالفة لتعاليم الشريعة الإسلامية ، وتهدف إلى إفساد المجتمع .

غير أن السلطة واجهت المتظاهرين بقسوة ، وألقت القبض على عدد منهم ، وأعدمت زعيمهم خالد بن مساعد .

وثمة من يشير إلى أن تمسك الجماعة السلفية بالثقافة والتقاليد الإسلامية ، والإصرار على أحيائها في المجتمع الإسلامي ، نابع في الأساس ، من الشعور بالخطر الخارجي ، والخوف من الذوبان الذي يجر معه فقدان الهوية ، فحين تشعر الجماعة بأن هوية المجتمع الإسلامية مهددة ، تبدأ عملية الإحياء الثقافي ، و «العودة إلى الأصالة والطهر والصفاء والعقيدة الصحيحة».

وسعت جمعية (الإصلاح الاجتماعي) ، التي تعد إحدى الواجهات الرئيسة للإخوان المسلمين في الكويت ، للتصدي لمظاهر الفساد والانحلال الاجتماعي التي أصابت المجتمع الكويتي ، عن طريق «دعوة الناس إلى الالتزام بالإسلام ، ونقد الأخطاء الاجتماعية ، والمساهمة في إيجاد الحلول المناسبة على وفق الطاقة ، وفي حدود الإمكان» ، كما نص عليه دستور الجمعية.

وانطلاقًا من أهداف الجمعية التي حددتها بمكافحة الرذيلة والآفات الاجتماعية شن أعضاء الجمعية هجومًا عنيفًا على وسائل الإعلام الحكومية ، وما تبثه من برامج هابطة لا تليق بالمسلمين وقيمهم الأصيلة. فكتب أحد أعضائها مقالاً انتقد فيه المسؤولين عن وسائل الإعلام لإهمالهم الجانب التوجيهي في عرض البرامج ، قائلاً : «أن الإذاعة تبث يوميًا أكثر من أغنية وقلما تجد بينها كلمة توجيهية هادفة. أننا نناشد المسؤولين أن يرجعوا إلى الله ، وأن يصلحوا أنفسهم ومواطنيهم على هدي من كتاب الله ورسوله» .

وحذر كاتب آخر من المخططات المعادية للإسلام ، التي اتخذت من البرامج التلفزيونية وسيلة لإفساد المسلمين وتفكيك المجتمع الإسلامي. داعيًا القائمين على عرض تلك البرامج إلى عدم الانسياق وراء تلك المخططات ، والحفاظ على القيم الإسلامية ونشرها في المجتمع .

وحَمْل الإسلاميون الأحزاب العلمانية في الوطن العربي مسؤولية نشر ما أسموه بـ «الأفكار الهدامة» ، لأضعاف المجتمعات الإسلامية. فنقل رئيس جمعية الإصلاح الاجتماعي في الكويت ، عبد الله العلي المطوع، في لقائه مع وزير الشؤون الاجتماعية آنذاك (سالم صباح السالم) ، مخاوف الإسلاميين في الكويت من انتشار تلك الأفكار في المجتمع الكويتي ، مطالبًا الحكومة بضرورة «دعم الاتجاه الإسلامي ومؤازرته. لأن في ذلك حفظًا للكويت وأجيالها. وحماية لها من الأفكار الهدامة ، والمبادئ المنحرفة ذات الارتباطات الخارجية» .

وبعد سقوط معظم مرشحي التنظيمات القومية واليسارية ، وفوز مرشحي التنظيمات الإسلامية في الانتخابات البرلمانية التي جرت في الكويت عام 1981، اتهم وزير الأوقاف آنذاك ، وعضو تنظيم الإخوان المسلمينفي الكويت يوسف الحجي ، ما وصفه بـ «الفكر الشاذ» الذي يحمله أعضاء تلك التنظيمات. ووصفهم بأنهم «أشخاص أرادوا أن يغيروا عقيدة هذا البلد وصبغته.. أجد وجود أولئك كان شاذًا. ولابد من إزالة الشاذ.. وقد زال ولله الحمد» .

كما انتقدت الجماعة السلفية في الكويت تلك الأحزاب ، وسعت لكشف عقائدها وأفكارها ومواقفها التي تخالف تعاليم الإسلام. وتعريف الناس بخطورتها على المجتمع الكويتي .

استمر الإخوان المسلمون في الكويت في متابعة التجاوزات التي ترتكبها وسائل الإعلام ضد الإسلام والمسلمين. فنشرت مجلة المجتمع مقالاً تحت عنوان «التلفزيون الكويتي يسيء للإسلام» ، اتهمت فيه إدارة التلفزيون بعرض مسلسلات وبرامج تسيء إلى الإسلام ، وتشوه صورة المسلمين . كما استعرضت المجلة الأسباب التي أدت إلى سقوط الخلافة الإسلامية ، من وجهة نظرها ، والتي تمتثل بالتخلي عن منهج الله ، ودور الدول الاستعمارية واليهود وغيرها. وحذرت أولي الأمر من تكرار التجربة نفسها ، إذا لم يلتزموا بشرع الله ، ويسعوا إلى إصلاح المجتمع من المفاسد والأمراض الواردة إليه من الخارج .

وتوجهت جمعية الإصلاح الاجتماعي ، إلى مجلس الأمة الكويتي بالعديد من المطالب دعت فيها المسؤولين إلى إحباط كل المحاولات الرامية إلى إفساد المجتمع ، ونشر الفوضى الأخلاقية ، مثل المجاهرة في شرب الخمرة ، والتجارة بالصور الخليعة ، وارتداء الملابس الفاحشة ، والمطالبة بالتصدي لظاهرة الاستخفاف بالدين والمظاهر الإسلامية التي تولت نشرها بعض الصحف العربية والمحلية ، تمثلت بكتابات رخيصة لبعض الأفلام المندسة التي تنال من الإسلام وتسخر من تعاليمه ، كذلك نشر صور فاضحة للفنانات والفنانين العرب والأجانب. والتزام بعض الصحف الكويتية بنشر صور فتيات شبه عاريات ، والتعرض للدعاة البارزين ، والسخرية من آرائهم .

ولخص عبد الله المطوع ، الهدف من وراء سعي الإخوان المسلمين لتطبيق الشريعة الإسلامية ، بقوله : «.. هدف الإسلاميين من المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية ينحصر في تلبية أمر الله سبحانه وتعالى ، وتطبيق الشريعة الإسلامية في مجالات الحياة كافة ، هو العمل بما أمر به الدين الحنيف والله سبحانه يقول : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران : 19] ، وقوله : «ومن يَبْتَع (*) غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين» .

جدد الإخوان المسلمون في الكويت ، من خلال جمعية الإصلاح الاجتماعي ، دعوتهم للحكومات الإسلامية بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية ، ودعوا المجتمعات الإسلامية للاحتكام إلى شرع الله في شؤون الحياة كافة ، لأن تطبيق الشريعة الإسلامية هو الحل الأمثل لجميع مشاكل المجتمعات الإسلامية ، وأن الحركات الإسلامية مؤهلة جيدًا للإسهام والتعاون مع الحكومات في تطبيق الشريعة الإسلامية .

وفي سياق إصلاح المجتمع ، تصدى رموز التيار الإسلامي (السني والشيعي) في بعض أقطار الخليج العربي لبوادر الفتنة الطائفية بين السنة والشيعة ، -التي حاولت إشعالها عناصر طائشة من الطرفين. إلا أن مجموعة من علماء الدين من كلا الطائفتين ، سعوا إلى توطيد العلاقة بينهما ، والوقوف بوجه دعاة الفتنة والصراع الطائفي من خلال العمل على تجاوز نقاط الاختلاف والبحث عن كوامن الالتقاء . فهذا الشيخ حسن الصفار ، أحد رموز التيار الإسلامي الشيعي في السعودية ، يوصي أتباعه بضرورة الانفتاح على الآخرين وفهمهم عن طريق المشاركة في الحوار المباشر. حيث يقول : «... في نفس الوقت الذي نلوم الناس لعدم معرفتهم بنا من خلال مصادرنا الذاتية مباشرة. فنحن ملامون لعدم معرفتهم بصورة مباشرة من خلال مصادرهم. لا يستطيع الواحد معرفة الشيعة من خلال قراءة كتابات من يكرهونهم. وبصورة مماثلة يجب أن لا يعتمد الشيعة على كتب منحازة ضد السنة لتكوين رأي حول السنة».

وتجدر الإشارة هنا ، إلى أن الخلاف في الاجتهادات والتفسيرات الفقهية بين المسلمين (السنة والشيعة) كان موجودًا منذ نشوء المذاهب الإسلامية. وهي ليست جديدة أو طارئة. كل ما في الأمر أن هذه الاجتهادات إذا وضعت في إطارها الفقهي والتاريخي ، بعيدًا عن التعصب ، تصبح شأنًا مألوفًا في الحياة العامة. فالمشكلة كانت على الدوام فيمن يتعصبون تحت لواء المذهبية. ولم تكن على الإطلاق في المذهب نفسه.

وقد أنشد الشاعر الإسلامي خالد العدساني (وهو سني المذهب) قصيدة ، في منتصف السبعينيات ، للتقريب بين السنة والشيعة ، ودعوة لفهم كل منهما للآخر ، جاء فيها :

قالوا أولاء تشيعوا

وتنكروا وتمنعوا

رفضوا الجماعة وادعوا

واستكبروا وترفعوا

يا قوم لا تتحيفوا

بالحكم أو تتسرعوا

أن الذين ظلمتمو

أدنى لكم أن تسمعوا

نصروا عليًا والحسين

إذاك أمرٌ يفزع؟

واستلهموا هدي النبي

وما وعيتم قد وعوا

وترسموا الأركان خمسًا

ما رعيتم قد رعوا

أن فاتنا نصر المحق

لمن أذن نتشيع؟

أن كان ضاعت زمرةٌ

منهم فمنا أضيع

أو أن تغلت قلةٌ

فيهم ففينا أفظع

جهلوكم وجهلتموهم

والجهالة مصرع

وفي البحرين، دعا التيار الإسلامي إلى التمسك بالتقاليد والأعراف الدينية ، ونبذ البدع ، والابتعاد عن وسائل التفاعل الاجتماعي التي تستوجب الاختلاط بين الرجال والنساء ، كالمسرحيات والتجمعات الثقافية ، والبرامج التلفزيونية ، والتعليم المختلط. وقد تبنت (الكتلة الدينية) في المجلس الوطني ، تلك الدعوات مطلع السبعينات ، من خلال طرحها برنامج عمل موسعًا ، طالب بتحريم بيع الخمور ، وفصل الذكور عن الإناث في التعليم العالي ، ومنع الطبيب الذكر من معالجة المرأة المريضة وغيرها من الأمور التي تتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية .

وفي عام 1979، رفع خمسة من رموز التيار الإسلامي الشيعي في البحرين، وهم كل من الشيخ علي محمد العصفور والشيخ حسن عبد الله حسين والشيخ حسين عباس العباس والشيخ حسن محمد سلمان الصائغ والشيخ علي الحاج منصور العكري ، عريضة إلى رئيس الوزراء البحريني ، طالبوا فيها بتطبيق النظام الإسلامي في البحرين، وحرية المذاهب في المناهج التعليمية ، وفصل الذكور عن الإناث في المدارس والمستشفيات ، وفرض الزي الإسلامي على النساء ، بهدف تكوين مجتمع إسلامي يؤمن بتعاليم الإسلام ويعمل على تجسيدها في الواقع .

كما أصدر تنظيم الإخوان المسلمين في البحرين، من خلال جمعية الإصلاح مسودة المشروع الوطني الذي أكد على الهوية الإسلامية للمجتمع البحريني ، وأن الإسلام بعقيدته وشريعته هو منهاج شامل للحياة ، الذي ارتضاه البحرانيون بمختلف توجهاتهم. واعتماد الشريعة الإسلامية كمرجعية عليا للدولة ، ومصدر رئيس للتشريع .

وضمن السياق نفسه ، انتقدت الجماعة السلفية في المملكة العربية السعودية بعض مظاهر الفساد المنتشرة في المجتمع السعودي. ودعت إلى محاربتها. فتساءل جهيمان العتيبي متهكمًا «ما معنى وجود هيئة الأمر بالمعروف ، والإفتاء والدعوة والإرشاد ، والشريعة وأصول الدين والدعوة؟. وما معنى وجود السينما ودور اللهو ، وإدارة الفنون وغيرها؟ وما معنى الإنفاق على هذه وتلك؟ أليس هذا مهزلة ، وإرضاء لأصحاب الشهوات وإسكات للدعاة...» .

كما أشار جهيمان في إحدى رسائله إلى تحول بعض الأجهزة ، كالتلفزيون والفيديو ، إلى أدوات لنشر الفساد في المجتمع فضلا عن عدم وجود رقابة حكومية على دور السينما المنتشرة في البلاد ، وتأثيرها في سلوك المسلم ، من خلال عرضها أفلامًا وصفها بأنها «منحطة أخلاقيًا» ، تتنافى مع مبادئ الإسلام.

وبعد انتهاء حرب الخليج الثانية 1991، نشط التيار السلفي الإصلاحي في العربية السعودية ، في طرح أفكاره وتصوراته حول إصلاح المجتمع ، مستغلا ضعف الدولة في مرحلة ما بعد أزمة الخليج ، وتعرض البلاد إلى مشاكل اقتصادية وتغيرات اجتماعية وانتشار مظاهر الفساد الإداري والاجتماعي. فألقى الشيخ سلمان فهد العودة خطابًا بعنوان «رسالة من وراء القضبان» ، دعا فيه الناس أن يبادروا إلى إصلاح ما فسد في المجتمع ، ومما جاء فيه : «... يا دعاة الأمة ، يا شباب الأمة ، يا خبراء الأمة ، يا رجال الأمة ، أين كنتم وأين كانت مستوياتكم. كلكم جميعًا مطالبون أن تكونوا دعاة إصلاح ، ودعاة تغيير نحو الأفضل ، ودعاة تصحيح لكل فاسد. ودعاة احتساب على جميع أنوع المخالفات الشرعية سواء كانت مخالفات تتعلق بعلاقة الناس مع ربهم. أو علاقة بعضهم ببعض حكامًا أو محكومين».

وخلال هذه المرحلة وتحديدًا عام 1992 قامت مجموعة من علماء الدين ورموز التيار السلفي الإصلاحي بتقديم مذكرة إلى الملك فهد ، عرفت بـ(مذكرة النصيحة) ، حملت توقيع أكثر من مائة من علماء الدين وخطباء الجوامع والدعاة ، وأساتذة الجامعات ، وقد حظيت المذكرة بتزكية ومباركة بعض شيوخ المؤسسة الدينية الرسمية ، مثل الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ بن جبرين. فضلا عن مشاركة رموز التيار السلفي الإصلاحي فيها مثل الشيخ سفر الحوالي ، والشيخ سلمان بن فهد العودة ، والشيخ عبد الله الجلالي ، والشيخ ناصر العمر ، وغيرهم.

كانت مذكرة النصيحة تهدف بالأساس إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في أجهزة الدولة ومؤسساتها الإدارية كافة.ومما ورد في هذه المذكرة :

- رفع القيود والتعليمات كافة التي تحد من حركة الدعاة والعلماء ، ونشاطهم الفكري. - عرض جميع الأنظمة والمعاهدات المراد سنها ، قبل إقرارها ، على هيئة كبار العلماء للتأكد من مطابقتها لقواعد الشريعة وأحكامها.

- أذكاء روح الجهاد وحب التضحية في أبناء هذه الأمة ، عن طريق مناهجها التعليمية والإعلامية.

- حذف ألقاب التفخيم التي ما أنزل الله بها من سلطان. وليس لها أي أساس شرعي والاكتفاء بالمخاطبة بأحب لقب وأحسنه ، وهو إخوة الإسلام. أو المسمى الوظيفي للفرد.

- وضع سياسة إعلامية جديدة ، تركز على تحقيق المقاصد الشرعية للإعلام ، في إسناد الدعوة الإسلامية ، وإصلاح الرأي العام ، وبناء الشخصية الإسلامية. ومنع المظاهر المنافية للآداب وسلوكيات المسلم ، كالتبرج وإظهار العورات في التلفاز ، وأسلوب الميوعة والخضوع بالقول في المذياع. ومحاسبة الصحف والمجلات التي تروج أفكار «الكفر والعلمنة والسفور والخلاعة والصور الفاضحة».

أما الجماعة السلفية في الكويت ، فقد أعلنت عن نفسها بعد تحرير الكويت عام 1991، باسم (التجمع الإسلامي الشعبي) ، الذي أصدر بيانه الأول تحت عنوان «حول تحكيم الشريعة الإسلامية» انتقد فيه المسؤولين الذين اتهمهم بأنهم «استغلوا المناصب من أجل أغراض شخصية ، ولم يرعوا الله في عملهم. وأن أكبر خلل أصاب السلطة هو الابتعاد عن الله ، والاستهانة بشرعه ، وعدم تطبيق أحكام كتابه ، وإعلان معصيته ، والمجاهرة بمخالفته». كما طالب البيان بإعادة النظر في جميع التشريعات التي تخالف الشريعة الإسلامية ، وتحكيم شرع الله في الكويت ، وإصلاح النظام القائم

2- الشورى والديمقراطية والمشاركة السياسية

شغلت قضية الشورى والديمقراطية المفكرين الإسلاميين في كل مكان وأخذت هذه القضية تطرح بوتيرة متصاعدة ومكثفة في الخطاب الإسلامي الحديث والمعاصر وبأنماط مختلفة من الفهم والتحليل. تكشف عن تحول في الرؤية السياسية ، وتغير في النظرية الفكرية والسياسية عند الإسلاميين .

ال مفهوم سياسي له جذور راسخة في المجتمع الإسلامي. وهو يميز نظام الحكم في الإسلام عن بقية الأنظمة غير الإسلامية. فقد خاطب الله سبحانه وتعالى رسوله الكريم بقوله : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران : 159]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : «ما رأيت أحدًا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم».

وكذلك اهتم الخلفاء الراشدون ، وعلماء المسلمين ، بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم ، بممارسة الشورى في حياتهم العامة .

فالشورى مبدأ أساس في الدولة الإسلامية ، سواء أكانت بمعنى المشاركة في الحكم ، والتوجيه والرقابة في الشؤون العامة ، أم بمعنى اختيار الحاكم وتعيينه . وثمة من عد الشورى ركنًا من أركان الإسلام ، استنادًا إلى الآية الكريم : ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الشورى : 38]. حيث وردت الشورى هنا بين الصلاة والزكاة. وهما من أركان الإسلام .

أما الديمقراطية فتعد من المفاهيم الحديثة التي ارتبطت مع نشأة المجتمع الأوروبي وتطوره التاريخي. وغالبًا ما تمارس الديمقراطية -في المفهوم الغربي- في سياق الحكم العلماني الذي يفصل الدين عن السياسة. فالأساس الذي تقوم عليه يعتمد على المبدأ القائل بأن الشعب هو صاحب السيادة ومصدر الشرعية . بينما الشورى في الإسلام لا تنفصل عن الدين. وسيادة الشعب تكون مقيدة بالالتزام بالشريعة. بعكس الديمقراطية الغريبة التي تنطوي على طلاقة الهوى والشهوات السياسية من قيود الأخلاق والدين .

تباينت مواقف المفكرين الإسلاميين والحركات الإسلامية من مفهوم الديمقراطية بين مؤيد لها ومعارض. ويمكن تقسيم موقف هؤلاء من الديمقراطية إلى مرحلتين :

المرحلة الأولى : امتدت منذ القرن التاسع عشر حتى سقوط الخلافة الإسلامية عام 1924، حيث تأثر المفكرون الإسلاميون في هذه المرحلة بفكر الديمقراطية الأوروبية وممارستها. وحاولوا إثبات وجود تشابه بين الديمقراطية والمفهوم الإسلامي للشورى. وسعوا في مواجهة أزمة الحكم الخانقة ، واستبداد الحكام في العالم الإسلامي إلى تسوير اقتباس جوانب من الأنموذج الغربي ، اعتقدوا بتوافقها مع الإسلام وقدرتها على تخليص المجتمعات الإسلامية من أزمتها السياسية. فأثار الشيخ رفاعة الطهطاوي (1801- 1973) ، حوارًا حول فكرة الديمقراطية في العالم العربي بعد عودته من فرنسا. وألف كتابه «تخليص الأبريز في وصف باريز» ليمتدح فيه النظام الديمقراطي الذي نشأ في فرنسا ، وحرص على إثبات أن الديمقراطية التي شاهدها في فرنسا تنسجم كثيرًا مع مبادئ الإسلام وتعاليمه .

وحذر المصلح خير الدين التونسي(1810- 1899) في كتابه «أقوم المسالك في تقويم الممالك» من رفض تجارب الأمم الأخرى ، انطلاقًا من الظن الخاطئ بأنه ينبغي نبذ كل اختراعات وتجارب غير المسلمين ، ومنها التجربة الديمقراطية .

أما جمال الدين الأفغاني ، فقد أكد على أن الاستبداد من أهم أسباب انحطاط المسلمين وتأخرهم السياسي والاجتماعي . وركز كثيرًا في كتاباته على التبشير بمبدأ الشورى ، والدعوة إلى اتخاذ المؤسسات النيابية سبيلاً لتطبيق روح الشريعة الإسلامية. معتبرًا أن تطبيق نظام الشورى هو العلاج الأكثر فاعلية للقضاء على ظاهرة الاستبداد .

في حين كانت دعوة الشيخ محمد عبده امتدادًا لدعوة الأفغاني ، مضيفًا إليها سعيه إلى أيجاد صلة وصل وتوفيق وتصالح بين قيم الثقافة العلمية والعقلية ، وبين محتوى الشريعة الإسلامية لذلك نراه يدعو إلى إعادة تأويل الشريعة الإسلامية وتفسيرها ، لجعلها أكثر تكيفًا مع متطلبات الحياة الحديثة. لأن الله تعالى لم يشرع ، حسب رأيه ، سوى مبادئ عامة. تاركًا للعقل البشري أمر تطبيقها على قضايا المجتمع الخاصة

وجاء بعده محمد رشيد رضا ليؤكد أن أعظم درس يمكن أن يفيده أهل الشرق من الأوروبيين هو معرفة ما يجب أن تكون عليه الحكومة. لأن الإسلام الحقيقي يقوم على أمرين : الإقرار بوحدانية الله ، والشورى في شؤون الدولة .

وكان للحركة الدستورية التي انطلقت في الدولة العثمانية والقاجارية انعكاسها المباشر على ساحة الفكر السياسي الديني في العراق والعالم الإسلامي. فانقسم العلماء إلى تيارين : تيار المستبدة المؤيد للحكم السلطاني ، وتيار المشروطة المؤيد للحكم الدستوري. فانبرى الشيخ (محمد حسين النائيني) باعتباره من أبرز أنصار المشروطة ، لتوعية المسلمين بحقيقة الديمقراطية وفوائدها. واستعان بالأدلة الشرعية للرد على خصوم الدعوة الدستورية.

ويرى النائيني أيضًا أن النظام الديمقراطي الغربي يتطابق في كثير من جوانبه وتفصيلاته مع نظرية الشورى في الإسلام. لذلك لا يجد أية موانع في اقتباسه وتطبيقه في المجتمع الإسلامي. لكن بعد إجراء بعض التعديلات لتنسجم مع مبادئ الإسلام .

أما المرحلة الثانية ، فقد بدأت بعد سقوط الخلافة الإسلامية عام 1924، وظهور دعاة العلمانية والتغريب ، الذين نادوا بصياغة دساتير وأنظمة قانونية حديثة. تحاكي التجربة الأوروبية في استبعاد الدين من شؤون الحياة العامة. ورفعوا شعار «فصل الدين عن الدولة» ، متهمين الإسلام جزافًا بأنه كان وراء تخلف العرب. في هذه الحقبة تحولت النظرة إلى الديمقراطية الغربية بوصفها خطرًا يهدد هوية الأمة الإسلامية وعقيدتها من خلال دعوات التغريب التي أطلقها المستعمرون وأعوانهم ، لطمس الثقافة الإسلامية وإزالتها .

انعكست هذه النظرة على مواقف الحركة الإسلامية المعاصرة من الديمقراطية فبالنسبة لتنظيم الإخوان المسلمين، نجد تقاوتًا واضحًا بين مواقف المؤسس حسن البنا و حسن الهضيبي من جهة ، ومواقف سيد قطبومن سار على نهجه من جهة أخرى. فقد اقترب البنا ، لأسباب تكتيكية ، من التصور الديمقراطي المعمول به في الغرب. لكنه شدد على أن الحاكم مسؤول بين يدي الله والناس. وهو أجير لهم وعامل لديهم .

غير أن هذا الموقف المرن نسبيًا من الديمقراطية ، يتناقض بوضوح مع النهج الذي تبناه سيد قطب، الذي أكد على أن «الحاكمية لله». وأن الديمقراطية من خصائص المجتمع الجاهلي. حيث يقول : «... فالحاكمية العليا في المجتمع الإسلامي لله وحده ، متمثلة في سيادة الشريعة الإلهية... وحين يصنع الناس -بعضهم لبعض- هذه الضغوط. ويخضع لها البعض الآخر منهم. لا يكون هذا المجتمع متحررًا. إنما هو مجتمع بعضه أرباب وبعضه عبيد... مجتمع متخلف أو بالمصطلح الإسلامي مجتمع جاهلي» .

ويصف أحد المتأثرين بفكر سيد قطب الديمقراطية بأنها «مؤسسة غير إسلامية... لأنها تمثل وجهة نظر الأغلبية. كيفما كانت طبيعة هذه الأغلبية. وبذلك يصبح رأي الأغلبية هو معيار إقامة الحقيقة ، وأن كان ذلك على حساب العقيدة والدين والاستقامة».

في حين يرى الشيخ يوسف القرضاوي (*) «إن الديمقراطية بجوهرها لا تنافي الإسلام. لأنها تقوم على أن يختار الناس من يحكمهم. فلا يقود الناس من يكرهون. ولا يفرض عليهم نظام لا يرضون عنه». ثم يتساءل مستنكرًا : «فهل الديمقراطية في جوهرها تنافي الإسلام؟. ومن أين تأتي هذه المنافاة؟ وأي دليل من محكمات الكتاب والسنة يدل على هذه الدعوى... الواقع أن الذي يتأمل جوهر الديمقراطية يجد أنه من صميم الإسلام»

وفي الخليج العربي ، تناول التيار الإسلامي قضايا تخص الديمقراطية والدستور والمشاركة السياسية. واحتلت تلك القضايا حيزًا بارزًا من اهتمامات رموز التيار الإسلامي في الخليج. فظهرت أول وثيقة مشتركة تتعلق بمطالب رفعها وجهاء السنة والشيعة في البحرين عام 1938. طالبوا فيها السلطات بتمثيلهم في المجالس البلدية والقضائية والتعليمية .

كان موقف رموز التيار الإسلامي في الخليج واضحًا من موضوع الشورى والمشاركة في العملية السياسية. فقد أعلن الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق ، زعيم الحركة السلفية في الكويت ، إيمانه بمبدأ الشورى ، قائلاً : «الشورى هي النظام الإسلامي الوحيد الذي يأتي عن طريقه الإمام والحاكم أو الأمير أو الخليفة لويس هناك من طريق سليم شرعي إلى هذا المنصب الخطير العظيم ، إلا طريق الشورى. وليس هناك طريق غير ذلك» .

وأشار الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق إلى أكبر انحراف سياسي حدث في تاريخ المسلمين ، أفسد أنظمة الحكم وصادر حق الأمة في الشورى ، وهو تعيين معاوية بن أبي سفيان ، ابنه يزيد خليفة من بعده. حيث يقول : «أن موضوع الشورى في الإسلام من أخطر الموضوعات وأجلها. لأنه أهم الأمور في تسيير شؤون المسلمين ، وكما قال الحسن البصري : أفسد أمر هذه الأمة اثنان : عمرو بن العاص يوم أشار على معاوية برفع المصحف. والمغيرة بن شعبة ، حين أشار على معاوية بالبيعة ليزيد. ولولا ذلك لكانت شورى إلى يوم القيامة» .

على الرغم من أن الشيخ عبد الخالق ، عد الديمقراطية نظامًا غريبًا مفروضًا على المسلمين من قبل المستعمرين ، وأنه نظام يناقض الإسلام في أخص خصوصياته ، وهي السيادة. لأنه يجعل الحكم للشعب ، ويجعل الشعب مصدر السلطات جميعًا. إلا أنه أجاز تولي المناصب التشريعية والتنفيذية في ظل الأنظمة الديمقراطية. ورفض مقاطعتها «آملا بتغير الأنظمة الفاسدة من داخلها وتبديلها. والحد من شرورها وآثامها. وإزاحة من يتقلدون المناصب ويتولون إدارة شؤون المسلمين من اللادينيين وأهل الشهوات والأهواء... وعدم تخلية الساحة لهم ليزيفوا إرادة الأمة. ويتسلقوا إلى دفة الحكم. ويستولوا على مقدرات المسلمين».

وقد أصدر كتابًا في السبعينات بعنوان : (المسلمون والعمل السياسي) ، عد فيه أن مسألة المشاركة السياسية تكون أحيانًا فرضًا واجبًا على المسلمين. واستعان ، وهو ينظر لمشروعية الدخول في الحياة الديمقراطية والمجالس التشريعية ، بفتوى للشيخ عبد العزيز بن باز ، يقول فيها : «لا حرج في الالتحاق بمجلس الشعب. إذا كان المقصود من ذلك تأييد الحق. وعدم الموافقة على الباطل. لما في ذلك من نصر الحق. والانضمام إلى الدعاة إلى الله» .

سعت الجماعة السلفية في الكويت إلى أن تكون قوة فعالة على الساحة السياسية في الكويت. لذلك حرصت الجماعة على المشاركة في جميع الأنشطة السياسية والنقابية. فعلى صعيد الساحة الطلابية ، كانت فروع الاتحاد الوطني لطلبة الكويت ، داخل الكويت وخارجها ، الهدف الأول للتنظيم الطلابي للجماعة السلفية. وكان من أبرز قياداته ، صالح النفيسي وجاسم الشريدة وعنبري العنزي. وخاضت الجماعة السلفية الانتخابات الطلابية باسم (قائمة الاتحاد الإسلامي). وتمكنت بالتعاون مع جماعة الإخوان المسلمين من السيطرة على الهيئة الإدارية للاتحاد الوطني لطلبة الكويت ، وجمعية المعلمين ، طوال سبعينات وثمانينات القرن العشرين .

كما شاركت الجماعة السلفية في انتخابات مجلس الأمة الكويتي التي جرت في شباط 1981، بمرشحين هما : جاسم العون وخالد السلطان. ويسوغ أحد قياديي الجماعة لتلك المشاركة بالقول : «... أن عملهم السياسي في البرلمان كان يهدف لتغيير المادة الثانية من الدستور ، والدعوة لإقامة حكم الله ، وتغيير البلاد مع حكم الشرع». وبناء على ذلك ، خاض مرشحو الجماعة السلفية تلك الانتخابات تحت شعار «تعديل المادة الثانية من الدستور».

وقد أكد ممثلو الجماعة السلفية ، بعد فوزهم بمقعدين في البرلمان ، على الدعوة لتغيير المادة الثانية من الدستور الكويتي. وينص التعديل المقترح على أن «دين الدولة الإسلام. ويعاقب على المساس به. والشريعة الإسلامية مصدر التشريع» ، إلا أن الحكومة الكويتية ، عارضت بشدة هذا التعديل .

على الرغم من موقف الحكومة الرافض للتعديل ، لا ترى الجماعة السلفية أن ثمة تناقضًا بين تطبيق الشريعة الإسلامية ، والحكم الوراثي. جاء ذلك على لسان أحد رموزها حيث صرح بذلك جاسم العون قائلاً : «... أن الأصل في الإسلام هو الشورى. إلا أن الحكم الوراثي جائز لأنه لم يبين أحد من السلف الصلح بأن الحكم الوراثي باطل» .

لكن الجماعة ، في الوقت نفسه ، ترى أن ثمة فارقًا بين الحاكم الظالم والحاكم الكافر. حيث يقول خالد السلطان : «... أن شرط القيام على الحاكم ليس الظلم. وإنما يكون الحاكم كافرًا واضح الكفر. فالظلم ليس معناه الكفر». ودعت الجماعة إلى انتخاب المرشح الملتزم بالإسلام عقيدة ومنهجًا. وأن مواصفات المرشح هو ما أجمع عليه فقهاء المسلمين. أي «القوي الأمين».

تجدر الإشارة هنا ، أن الجماعة السلفية في الكويت لما تشارك في التحركات الشعبية التي شهدتها الساحة السياسية في الكويت ، للمطالبة بإعادة العمل بالدستور وإرجاع مجلس الأمة الذي قام أمير الكويت بحله في آب 1968. كما وُصفت مشاركتهم بالحركة الدستورية التي شكلتها التنظيمات السياسية في الكويت بأنها رمزية. كذلك لم تشارك الجماعة في التوقيع على البيان الذي أصدرته الهيئات الشعبية وجمعيات النفع العام ، التي تدعو إلى مقاطعة انتخابات المجلس الوطني الذي دعت الحكومة إلى تشكيله. بل على العكس ساهم عدد من أعضاء الجماعة في تشكيلة ذلك المجلس ، الذي باشر أعماله قبيل حرب الخليج الثانية في 2 آب 1990.

وبعد تحرير الكويت ، شارك (التجمع الإسلامي الشعبي) ، وهو التسمية الجديدة للجماعة السلفية في الكويت ، في الانتخابات البرلمانية ، لانتخاب مجلس الأمة السابع. ومثل التجمع سبعة مرشحين. ولأول مرة تعلن الجماعة السلفية عن برنامجها الانتخابي ، الذي وصف بأنه خطوة متقدمة في مجال المشاركة السياسية. وقد أسفرت نتائج الانتخابات عن فوز ثالثة من مرشحي التجمع الإسلامي الشعبي.

أما التيار السلفي الجهادي في المملكة العربية السعودية، فقد هاجم الديمقراطية وعدها «رمزًا من رموز الشرك والوثنية» ، ودعا إلى محاربتها. فقد انتقد أبو محمد عاصم المقدسي ، أحد رموز التيار السلفي الجهادي في السعودية ، الديمقراطية في كتابه الموسوم (الديمقراطية والدين) مؤكدًا فيه «... أن الديمقراطية دين غير دين الله. وملة غير ملة التوحيد. وأن مجالسها النيابية ليست إلا صروحًا للشر ومعاقل للوثنية ، يجب اجتنابها. لتحقيق التوحيد الذي هو حق الله على العبيد. بل يجب السعي لهدمها ومعاداة أوليائها وبغضهم وجهادهم. فالديمقراطية كفر بالله ، وشرك برب السماوات والأرضين ومناقضة لملة التوحيد ودين المرسلين».

في حين أيد تنظيم الإخوان المسلمين في الكويت الديمقراطية شريطة أن تكون ضمن حدود الشريعة الإسلامية ، وليس الأنموذج الغربي. لذلك سعى للمشاركة السياسية. فساهم في أول انتخابات برلمانية عامة تشهدها الكويت لانتخاب أول مجلس تأسيسي للبلاد ، عام 1962. لوضع دستور للبلاد . إلا أن نتائج تلك الانتخابات كشفت ضعف الإخوان المسلمين في مقابل تفوق التيار القومي على الساحة البرلمانية آنذاك. وكذلك شارك ممثلوا الإخوان المسلمين، بمختلف واجهاتهم ، في انتخابات مجلس الأمة الأول عام 1963. ويؤشر الجدول الآتي بعض النتائج التي حققها ممثلو الإخوان المسلمين في الكويت في تلك الانتخابات :

جدول (2): عدد الأصوات التي حصل عليها مرشحو الإخوان المسلمين في انتخابات مجلس الأمة الأول لعام 1963 :

اسم المرشح الإتجاه السياسي الدائرة الإنتخابية عدد الأصوات مجموع أصوات الناخبين النسبة المئوية
السيد يوسف هاشم الرفاعي جمعية الإرشاد الإسلامية الأولى- الشرق 734 2477 30%
محمد العدساني جمعية الإرشاد الإسلامية الرابعة -الشامية 483 2326 21%
عبد العزيز القطيفي جمعية الإصلاح الاجتماعي الرابعة- الشامية 245 2326 11%
عبد الرحمن العمر جمعية الإصلاح الاجتماعي الخامسة- كيفان 437 1759 25%
عبد الله سلطان الكليب جمعية الإرشاد الإسلامية السادسة- القادسية 297 1467 22%
عبد الله العلي المطوع جمعية الإصلاح الاجتماعي التاسعة -السالمية 315 1633 19%
أحمد بزيع الياسين جمعية الإصلاح الاجتماعي التاسعة- السالمية 273 1633 17%


أما في انتخابات كانون الثاني 1976، فقد كان متوقعًا فوز القوى القومية ، ولاسيما بعد أن شكلت حركة القوميين العرب في الكويت تحالفًا واسعًا مع العناصر القومية المستقلة لدخول الانتخابات. غير أن نتائج الانتخابات جاءت عكس كل التوقعات. وكشفت عن فوز غير متوقع للإخوان المسلمين. وثمة من يشير إلى حدوث عمليات تزوير في نتائج تلك الانتخابات شارك فيها قادة بارزون من تنظيم الإخوان المسلمينالمصريين العاملين في الكويت كمشرفين على الانتخابات.

على أثر تعطيل الحكومة للحياة النيابية في 29 آب 1976، وتعليق عدد من مواد الدستور ، وفرض مجموعة من القوانين والإجراءات المقيدة للحريات ، شن التيار الأصولي داخل تنظيم الإخوان المسلمين، والمتأثر بأفكار سيد قطب، حملة انتقادات على موقف القيادة التاريخية للإخوان ، المؤيد لإجراءات الحكومة ، متهمًا رموزها بتفضيل مصالحهم الشخصية على مبادئ التنظيم ، خاصة بعد مشاركة رئيس جمعية الإصلاح الاجتماعي آنذاك ، الشيخ يوسف الحجي في الحكومة التي تشكلت في أعقاب حل مجلس الأمة الكويتي .

1980، دعت قيادة تنظيم الإخوان المسلمين في الكويت إلى ضرورة ممارسة النشاط السياسي ، بوصفه الطريق الأقرب لتحقيق أهداف الدعوة. فعد التيار الأصولي ذلك التوجه انحرافًا عن منهج التنظيم ، مما أدى إلى انسحاب عدد من رموز التيار الأصولي من التنظيم .

شهدت فترة نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات ، تناميًا في نفوذ الإخوان المسلمين في المجتمع الكويتي وبرز ذلك واضحًا من خلال سيطرة الإخوان على الاتحادات الطلابية ، والمؤسسات النقابية وجمعيات النفع العام. حيث بدا واضحًا أو الكويتيين ، وخاصة الطلبة ، يضعون الولاء الديني فوق كل اعتبار وولاء. وهذا يفسر رغبتهم الكبيرة في الانضمام إلى الجماعات الإسلامية المعارضة . ويوضح الجدول الآتي ، مدى النجاح الذي أحرزه تنظيم الإخوان المسلمين، والتنظيمات الإسلامية الأخرى ، في انتخابات الاتحاد الوطني لطلبة الكويت ، خلال الأعوام 1979- 1983) :


جدول (3): انتخابات الاتحاد الوطني لطلبة الكويت/ فرع جامعة الكويت :


اسم القائمة انتخابات عام 1979 انتخابات عام 1981 انتخابات عام 1982 انتخابات عام 1983
القائمة الإئتلافية (الإخوان المسلمون) 45.3% 42.1% 60.4% 42.1%
الاتحاد الإسلامي (سلفية) 8.3% 11% 48.3% 8.8%
القائمة الإسلامية الحرة (الشيعة) 26.7 11.1% 12.4% 21.6%
الوسط الديمقراطي (قوميون ، يساريون) 15.2% 14.1% 14.4% 13.2%

كما شارك الإخوان المسلمون في الانتخابات البرلمانية التي جرت عام 1981، والتي تمخضت عن فوز مرشحي التنظيمات الإسلامية. وقد دخل الإخوان المسلمونتلك الانتخابات تحت شعار (تعديل المادة الثانية من الدستور) ، واستطاعوا الفوز بمقعدين في البرلمان .

وفي انتخابات مجلس الأمة لعام 1985، استطاع الإخوان المسلمون الفوز بثلاثة مقاعد. وقد شارك ممثل الإخوان المسلمين(مبارك الدويلة) ، مع بقية أعضاء الكتل النيابية في مجلس الأمة ، في استجواب وزير العدل ، وهو أحد أفراد العائلة الحاكمة ، حول تورطه في الحصول على منفعة خاصة ، عند سن القوانين المتعلقة بأزمة سوق المناخ (*) ونجحوا في إجبار الوزير على تقديم استقالته . فسارعت السلطة إلى حل المجلس وتعليق بعض مواد الدستور ، لأنها وجدت أن المعارضة السياسية داخل المجلس قد بدأت تطرح قضايا سياسية حساسة بالنسبة للسلطة ، وأنها قد تجاوزت حدودها. فأصدر تنظيم الإخوان المسلمين بيانًا ، بالاشتراك مع الأحزاب المعارضة الأخرى ، ندد فيه بإجراءات الحل ، وعد تلك الإجراءات غير دستورية .

كان للإخوان المسلمين دور في تأسيس لجنة ال(45) ، التي تشكلت من مختلف الاتجاهات السياسية والاجتماعية في الكويت ، للمطالبة بعودة الحياة الديمقراطية ، وعودة المجلس المنحل ، والعمل بدستور عام 1962 ، والتي تطورت في عام 1989، باستثناء (الحركة الدستورية) ، كتنظيم وظني يهدف للخروج من الأزمة التي تمر بها البلاد ، نتيجة غياب السلطة التشريعية. وضمت الحركة الدستورية في صفوفها مختلف التيارات السياسية والدينية (الإخوان المسلمون والسلفيون والشيعة والقوميون واليساريون). وعرفت الحركة عن نفسها من خلال بيانها الأول ، بأنها «حركة شعبية كويتية. تضم في صفوفها جميع المواطنين المؤمنين بالشرعية الدستورية وبالدستور الكويتي باعتباره الإطار القانوني لنظام الحكم والتشريع. ومن حيث اشتماله على المقومات الأساسية للمجتمع الكويتي».

على الرغم من مساهمة الإخوان المسلمين في تأسيس الحركة الدستورية ، إلا أنهم لم يشاركوا في التجمعات الجماهيرية التي نظمت لمقاطعة المشروع الذي طرحته السلطة لإنشاء مجلس وطني ، بل أعلنوا تأييدهم لهذا المشروع. لكنهم ، في الوقت نفسه ، ناشدوا السلطة من خلال مذكرة رفعوها إلى أمير الكويت ، باختصار فترة عمر المجلس من أربع سنوات إلى عام واحد . غير أن هذا المجلس لم يعمر طويلاً ، بسبب اجتياح العراق للكويت في 2 آب 1990.

أما رموز التيار الإسلامي الشيعي في الخليج العربي ، فقد تناولوا مجموعة من المسائل الفكرية والمفاهيم الإسلامية. وتمكنوا من طرحها بشكل مفصل ، مثل الشورى والحرية والوحدة الإسلامية وغيرها. ولعل أبرز ما أثار فكرة الشورى والديمقراطية في الخليج العربي السيد محمد الشيرازي (*)، فقد انتقد السيد الشيرازي الدكتاتورية والاستبداد وعدهما الداء العضال الذي أربك تقدم العالم الإسلامي ، ومكن أعداء الإسلام من الاستحواذ على مقدرات الأمة الإسلامية. ودعا المسلمين ، من مختلف مواقعهم ، إلى محاربة الاستبداد و «إرساء معالم وحقائق الشورى والديمقراطية والحرية في كل جوانب حياة الأمة».

أجرى السيد الشيرازي مقارنة بين النجاح الذي كانت عليه الدولة الإسلامية عندما كانت تطبق مبدأ الشورى ، وبين واقع الهزيمة الذي عاشته الأمة عندما تخلت عن هذا المبدأ. فيقول : «... ولا يخفى أن من أسباب هزيمة المسلمين في هذا القرن استبداد الحكام. فإنهم يأتون إلى الحكم أما بالوراثة ، وإما بالدكتاتورية. ويقتلون المعارضين ويزجونهم في السجون... بينما ترى نجاح الإسلام سابقًا معتمدًا على الاستشارية. حتى أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- على عظمته كان يستشير. وأخذ برأي أصحابه في قصص معروفة» .

جاء تأكيد الشيرازي على مبدأ الشورى ، بوصفه الشريعة الدينية والسياسية للدولة الإسلامية.حيث يقول : «جعل الإسلام موازينه السياسية (الشورى) حين لم تكن ديمقراطية في أي بلدان العالم. حيث قال سبحانه ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى : 38] ، وبناء عليه ، كان يرى بأنه لا يكفي للعالم المسلم أن يطبق مبادئ الإسلام وقوانينه بدون قانون الشورى. لأن الناس يرون أنه لم يطبق قانون الإسلام الذي هو الشورى ، فينفضون من حوله ، ثم يثورون عليه حتى إسقاطه».

كما شجع أحد أبرز رموز التيار الإسلامي الشيعي في المملكة العربية السعودية، وهو الشيخ حسن الصفار ، أفراد الطائفة الشيعية على المشاركة في النشاط السياسي ، وبأية طريقة ممكنة ، لإيصال صوتهم إلى المسؤولين في الحكومة. واستعان الشيخ الصفار بالموروث الديني الشيعي ، ليؤكد على مبدأ المشاركة السياسية ، لتحقيق مكاسب سياسية واجتماعية للشيعة.

كان التيار الإسلامي الشيعي في البحرين والكويت ، من أنشط التيارات الإسلامية في التعامل مع قضايا الديمقراطية والمشاركة السياسية. وعلى ضوء ذلك ساهمت بعض التنظيمات الإسلامية الشيعية في البحرين في العملية السياسية التي شهدتها البلاد. فقد كانت جمعية (التوعية الإسلامية) ، وهي الواجهة الدينية لحزب الدعوة الإسلامية ، فرع البحرين، مركزًا مهما للدعاية الانتخابية ، التي تكررت في المناسبات الانتخابية للمجلس التأسيسي والمجلس الوطني .

وشاركت (الكتلة الدينية) في الانتخابات النيابية التي جرت في البحرين عام 1972، من خلال مرشحيها الستة في الدوائر الانتخابية للقرى الشيعية. وقد تضمن البرنامج الانتخابي للكتلة الدينية جملة نقاط تمس الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، من أهمها : دعم النقابات العمالية وتحريم بيع الخمور ومنع التعليم المختلط في التعليم العالي. واستطاع مرشحو الكتلة الدينية أن يحققوا انتصارًا كبيرًا. حيث تمكنوا من الفوز بتسعة مقاعد في تلك الانتخابات إلا أن افتقار أجهزة الدولة إلى الخبرة في كيفية التعاطي مع الحياة الديمقراطية الحديثة ، واعتمادهم الحل الأمني في معالجة الأزمات ، كان أحد الأسباب التي حفزت التنظيمات الإسلامية الشيعية لمطالبة الحكومة اعتماد مبادئ الديمقراطية كأساس لعودة الحياة البرلمانية والدستورية وإلغاء قانون أمن الدولة لحل الأزمة السياسية في البلاد .

وطالبت (حركة أحرار البحرينالإسلامية) ، التي تأسست عام 1982 ، بعودة الحياة الديمقراطية في البحرين. وأكدت في برنامجها على أن «الحياة النيابية ، أمر مطلوب للحد من الظلم الواقع على أبناء الشعب» .

وفي الكويت ، مثل نائبان شيعيان من أصل عشرين نائبًا ، الطائفة الشيعية في أول مجلس تأسيسي بعد استقلال الكويت عام 1961. وقد ساوى الدستور الكويتي لعام 1962 بين الكويتيين في الحقوق والواجبات. وبذلك أصبح للشيعة وجود برلماني في مختلف المجالس النيابية التي شهدتها البلاد لاحقًا .

وفي 23 كانون الثاني عام 1963 ، جرت انتخابات نيابية لانتخاب أعضاء مجلس الأمة الكويتي. وقد شارك الشيعة في تلك الانتخابات تصويتًا وترشيحًا. واستطاع خمسة من مرشحيهم الفوز بمقاعد مجلس الأمة. وارتفع هذا العدد ، في انتخابات الفصل الترشيحي الثاني عام 1967 ، ليصل إلى تسعة مقاعد. أما في انتخابات عام 1971 ، فقد فاز مرشحو الشيعة بستة مقاعد. وخلال انتخابات عام 1975 ، فاز عشرة مرشحين من الشيعة. ولأول مرة شارك وزير الطائفة الشيعية في تشكيلة الوزارة. حيث تسلم النائب عبد المطلب الكاظمي وزارة النفط .

فضلا عن ذلك ، شارك الشيعة بثمانية أعضاء في (لجنة تنقيح الدستور) ، التي أعلنت الحكومة عن تشكيلها عام 1979. غير أن التيار الشيعي الثوري استطاع سحب البساط من تحت أقدام التيار الشيعي التقليدي ، ليفوز عدد من مرشحيه في انتخابات عام 1981.

كما خاض التيار الإسلامي الشيعي الانتخابات الطلابية التي جرت خلال الأعوام (1979- 1983) ، باسم (القائمة الإسلامية الحرة). وتمكن مرشحو هذه القائمة من الحصول على نسب من الأصوات ، تباينت من سنة إلى أخرى .

وأخيرًا شاركت مجاميع من الشيعة في انتخابات المجلس الوطني لعام 1989، الذي لم يستمر سوى عدة أشهر ، نتيجة اجتياح الجيش العراقي للكويت في 2 آب 1990 .

مما سبق يمكن القول ، أن ثمة تيارات إسلامية ، جعلت الديمقراطية ، على إطلاقها ، نقيضًا للإسلام بما يصل لمرحلة التكفير ، وجعلها والإسلام نظامين متضادين يعادي أحدهما الآخر. في حين أن هناك شبه إجماع لدى الجماعات الإسلامية الأخرى ، ومنها التنظيمات الإسلامية في الخليج العربي ، على أن الإسلام بمبادئه الغزيرة قادرٌ على استيعاب الديمقراطية بمفهومها المعدل المقارب للشورى ، وليس بمفهومها الغربي المطلق ، الذي يمنع ممارسة غير محدودة لحرية الفرد ، ويمنحه حق التشريع المطلق. ذلك لأن الإسلام دين حضارة وفكر واسع ، يحوي كل القيم العادلة والمنطقية.

3- الموقف من بعض قضايا المرأة

احتلت قضية السفور والاختلاط ، ومكانة المرأة في المجتمع ، حيزًا بارزًا من اهتمامات التيار الإسلامي في الخليج العربي. فقد عانت المرأة الخليجية ، شأنها شأن المرأة العربية عمومًا ، قسوة الظروف الاجتماعية والاقتصادية ، في فترات ما قبل «الحقبة النفطية». فقد نظر المجتمع الخليجي إلى المرأة على أنها حاملة شرف العائلة. لذلك «يجب أن تعزل حتى يتم زواجها».

ارتفعت أصوات ، منذ مطلع القرن العشرين ، تدعو إلى أنصاف المرأة وإعطائها حقوقها الاجتماعية ، ويشير أحد المصلحين الخليجيين باستياء إلى الطريقة اللا إنسانية التي تعامل بها المرأة الخليجية ، بقوله : «... ليس للمرأة قيمة عند الرجال. سيما المتقدمين منهم. فهي عندهم من سقط المتاع. فإذا ذكرت في خطاب قال المتكلم لمخاطبه : أكرمك الله : عند ذكرها. وترغم الفتاة على زواج من لا تريد. سيما إذا كان الزوج ابن عم لها. وأن كان قبيح الوجه ساقط الأخلاق. والذي يبلغ من العمر 80 سنة له أن يتزوج بنتًا لها من العمر 20 سنة. ويرغمها الولي عليه إذا كان غنيًا ، وأن كرهت عشرته».

وصور أحد الشعراء الخليجيين جانبًا من ذلك الظلم الاجتماعي الذي أصاب المرأة ، بقوله :

فشكت ظلم أمها وأبيها

قاتل الله أمها وأباها

أرغماها على الزواج بشيخٍ

ذي ثراء ، من أجل ذا أرغماها

وتختلف القيود

وتختلف القيود الاجتماعية المفروضة على المرأة في الريف ، عنها في المدن. ففي حين أن المرأة في المدينة لا تخرج من منزلها إلا ملتحفة بالعباءة السوداء ، وتضع على وجهها نوعين من الأغطية ، نجد أن المرأة القروية لا تضع أي نوع من هذه الأغطية. غير أن عملها أكثر عناء وقسوة. فهو لا يقتصر على تربية الأطفال ، وأعمال المنزل. بل تعداه إلى مشاركة الرجل محيط عمله ، في الزراعة والغوص وغيرهما من المهن الشاقة .

وينقل الشاعر البحريني إبراهيم العريضي صورة للمرأة الخليجية التي تعمل وسط الحقل ، قائلاً :

بصرتها خودًا على فقرها

كأنها الريحان في الأنيه

ترفع ما تجني على رأسها

حاسرة -رأد الضحى- حافية

وسط نثار القمح تمشي به

في حقلها ضاحكة لاهيه

أخذت الدعوات إلى تحرير المرأة تتصاعد ، مركزة على التنشئة الاجتماعية ، بالاعتماد على أسلوب علمي يتماشى مع ضرورات التطور. وقد أكد خبراء الاجتماع على أن قضية المرأة بحاجة إلى عملية نقد اجتماعي للعادات والتقاليد. وضرورة حصول المرأة على قدر من المعارف العقلية والأدبية ، ومبادئ الفضائل الأخلاقية .

وظهر في بعض أقطار الخليج العربي جيل من المثقفين ، بشكل خاص بعد ازدياد العائدات النفطية ، انتقدوا المعاملة القاسية التي تتعرض لها المرأة الخليجية ، ودعوا إلى نقد تلك العادات والتقاليد. وطالبوا بضرورة تغيير نظرة المجتمع للمرأة ، ومشاركتها الرجل في الحياة العامة. وأسهمت المرأة الخليجية في عرض همومها ، وقساوة المجتمع وتقاليده ، وتطلعت إلى التعليم والعمل والسفور ومساواتها بالرجل ، وبناء شخصيتها ومكانتها في المجتمع .

كما نشرت الصحافة الخليجية أفكارًا ومطالب الداعين إلى تحرر المرأة وسفورها فنشرت إحدى المجلات الكويتية مقالاً تحت عنوان «حقوق الفتاة الكويتية» ، أكدت فيه على أن تطور البلاد ورقيها يأتي من خلال احترامها للمرأة والانتفاع بقدراتها ومواهبها لبناء المجتمع

ونقلت مجلة الرائد ، وقائع الندوة الثقافية التي عقدت حول موضوع (الحجاب والسفور في المجتمع) ، شاركت فيها مجموعة من النخب النسوية في الكويت. توصل المجتمعون إلى ضرورة مشاركة الرجل والمرأة ، والعمل معًا في عملية الإصلاح والتحديث.

وكتبت إحدى النساء السعوديات مقالاً ردت فيه على المطالبين بعزل المرأة ومنعها من التعليم والعمل. وأكدت على أن تعليم المرأة بمساعدة زوجها يجنبها الانحراف والفساد الذي قد يصيبها جراء تركها الدراسة. فتقول : «... أنا امرأة حجازية. الفت نظر الذين يهمهم أمر المرأة إلى ضرورة تعليمها... لتتمكن بعد ذلك من دراسة ما يمكنها بتوجيه وإرشادات زوجها وبهذا لا يتسرب الفساد الذي قد ينشأ من إخراج الفتاة في سن المراهقة من المدرسة»

وفي البحرين، تجرأت إحدى الفتيات على نزع حجابها وألقت عباءتها أمام حشد من المتظاهرين ضد السلطة ، وأخذت تخطب فيهم بحماسة. وهذه أول بادرة تحد للقيم الدينية والاجتماعية السائدة في الخليج العربي آنذاك.

غير أن تلك الدعوات اصطدمت بمعارضة التيار الإسلامي المحافظ ، الذي عد مكان المرأة الطبيعي هو منزلها ، وإن الحجاب يستر المرأة ويحفظ كرامتها ، والسفور والاختلاط مفسدة لأخلاقها ، وباب لانحرافها .

وإن الدعوة إلى «المساواة في الحقوق والواجبات بين الذكر والأنثى أن هي إلا كفرٌ وفجور».

وأكد التيار الإسلامي أن تلك الصيحات الداعية إلى سفور المرأة ، واختلاطها بالرجال ما هي إلا خطط وأساليب مهيئة لتدمير الأسرة المسلمة ، وإفشاء الإباحية والشذوذ الجنسي في المجتمع.

وفي ستينيات القرن العشرين ، طفا على سطح الأحداث في بعض أقطار الخليج العربي ، صراع فكري عميق. كان محوره قضايا المرأة. مثله اتجاهان فكريان. طالب الأول بالإمعان في عزلة المرأة لتحصينها من الأمراض الاجتماعية ، التي تدفقت على المجتمع مع تدفق العائدات النفطية والحفاظ على حجابها وتقاليدها الإسلامية. في حين أصر الاتجاه الثاني على إلغاء الحجاب ، ومنح المرأة حريتها ودعوتها للمشاركة في العمل السياسي وحركة المجتمع.

وتجدر الإشارة إلى أن التيار الإسلامي برز واضحا في الأدب الخليجي. فشن عدد من الأدباء الإسلاميين في الخليج العربي نقدا عنيفا على دعاة التحرر والاختلاط. ونشرت عدة مقالات وقصائد تصف الداعيات إلى السفور والتبرج بكلمات جارحة ، فوصف أحدهم ما تقوم به أولئك النساء بأنها : «دعوة حارة إلى أن يكن مشاعا بين الرجال. كما هي الحال في أنثى الحيوان».

وقد ترجم أحد الشعراء هذا الكلام شعرا ، بقوله :

وليس قيمتها إلا ملابسها

وبهرجا زخرف التمويه ألوانه

وإن تجردت الانثى تذكرنا

عصرا أطلنا مع الأجيال نسيانه

أيام كنا وكان الغاب موطننا

تقاسم الوحش سكناه وأوطانه

كما انتقد الشاعر (عبد السلام حافظ) ذاك النوع من النساء قائلا :

تتفننين وتسرفين

في عرض جسمك والفتون

بالعري في أوضاعه

في حبكة الثوب المشين

لا يا فتاة الشرق لا

هذا التبذل في القناع

هذا التبرج للملا

وخلاعة الجسد المثير

من قال : إنك لعبة الجنس الحقير؟

وفي السبعينيات تحول الصراع حول حجاب المرأة وسفورها ، إلى مواجهة مباشرة بين أنصار التيار الإسلامي المحافظ ، وأنصار التيار التجديدي في الخليج العربي. وتطور هذا الصراع بشكل واضح في جامعة الكويت. فخلال الندوة التي عقدها الاتحاد الوطني لطلبة الكويت لمناقشة موضوع الاختلاط والسفور في جامعة الكويت ، تصدت مجموعات طلابية ، وغير طلابية ، من أعضاء جمعية الإصلاح الاجتماعي ، وهي إحدى واجهات الإخوان المسلمين في الكويت ، للقائمين على الندوة بالضرب والشتم. وأعقب هذا الصدام خروج مظاهرتين سارتا باتجاه مجلس الأمة ، الأولى مؤيدة للاختلاط ، والثانية تدين الاختلاط وتعارضه.

أوضحت جمعية الإصلاح الاجتماعي ، موقفها من تطورات الأحداث في الجامعة ، من خلال المذكرة الخاصة التي رفعتها إلى كل من ولي العهد ، ورئيس مجلس الوزراء ، ومجلس الأمة الكويتي وكانت بعنوان : (حول جامعة الكويت) ، أكدت المذكرة على أن الهدف الرئيسي من إنشاء جامعة الكويت هو «صياغة أجيال تكون.. أقدر على تحمل المسؤولية من جيل الهزيمة ، وسقوط القدس.. أجيال تبني البلاد بعقلها وعلمها. وتصون البناء بأخلاقها وفضائلها... وما قام في أذهان المخلصين ولا كان من أهدافهم ما يريده البعض اليوم بالجامعة. وهو أن تتبنى خط الهدم الاجتماعي المستتر وراء الرقص والاختلاط. لم يقم هذا الفهم في تصور المخلصين لأنهم يدركون أن المجتمع الكويتي في حاجة إلى العلم لا إلى الرقص. وأن أبناء الكويت من الجنسين يمكن أن يتفوقوا في التكنولوجيا وأن يساهموا في تطوير الذرة ، وفي إنجازات عديدة... دون اختلاط الجنسين. إذ ليس هناك صلة علمية -قط- بين التقدم العلمي وبين الرقص والاختلاط».

أما الاتحاد الوطني لطلبة الكويت ، فقد أعلن عن تأييده لمسألة الاختلاط في الجامعة ، متحديًا كل الجهات المعارضة للاختلاط ، بقوله : «مع الذين يتكلمون عن الاختلاط في جامعة الكويت... أن الاختلاط آت لا محال. رضي السخفاء أم لم يرضوا. وافق مجلس الأمة أم رفض. ازدادت الإشاعات أم قلت. فتلك هي سنة التطور» .

وردًا على ذلك ، نشرت مجلة المجتمع مقالاً انتقدت فيه الداعين إلى مساواة المرأة بالرجل ، قائلة : «.. لقد كانت كذبة كبرى تلك المساواة التي قالوا عنها. ذلك لأن هناك فروقًا بين المرأة والرجل من الناحية البيولوجية والفسيولوجية والعاطفية... وهذه الخسارة نالت أول ما نالت المرأة نفسها. وظهر ذلك في فقدانها لراحتها الجسمية وراحتها النفسية».

وبين هذين التيارين ، ظهر اتجاه ثالث أكثر اعتدالاً مثله بعض علماء الدين ورموز التيار الإصلاحي ، نفي أن تكون في المجتمع الإسلامي قيم وأعراف تعزل المرأة وتمنعها من المشاركة في النشاط الاجتماعي. لأن عزل المرأة ليس له أصل في الإسلام. وإذا كان هذا العزل بهدف حماية المرأة من الفتنة ، فإنه في الوقت نفسه يحرم المجتمع من مواهب المرأة وقدراتها الذهنية ، ولكن على أن تكون هذه المشاركة على وفق ضوابط والتزامات تحددها الشريعة الإسلامية .

وانطلاقًا من هذه النظرة ، حسم الإخوان المسلمون أمرهم بشأن مشاركة المرأة في العملية السياسية. وأكدوا على حق المرأة المشروع في الانتخاب والترشيح للبرلمان. بناء على نظرة مشتركة ، توصلت إليها الحركة الإسلامية بعمومها ، تؤكد على أن المرأة يجب أن تحظى بحقوقها السياسية على قدر المساواة مع الرجال ، في مجال المشاركة في الانتخابات البرلمانية ، ناخبة ومرشحة .

في المقابل ، رفضت الحركة السلفية في الكويت ترشيح المرأة نفسها في الانتخابات ولكنهم لا يعارضون مشاركتها في التصويت ، تحت مسوغ أن للمرأة حقين ، حق الانتخاب ، وحق الترشيح والانتخاب وكالة ، وهذا جائز أما الترشيح فلا يقره الإسلام لأنه ولاية .

اتفق مع هذا الموقف ، حزب التحرير الإسلامي الذي أكد على قوامة الرجل استنادًا إلى قوله تعالى : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء : 34]. ورأى الحزب أن الإسلام قد أوضح مهمة الرجل والمرأة في هذه الحياة. فإذا «جعلنا المرأة عضوًا في مجلس الشورى. كان الأمر معكوسًا تمامًا» .

أما التيار الإسلامي الشيعي في الخليج العربي ، فلم يعترض على مشاركة المرأة في مجالس الشورى. واعتمدوا في ذلك على أدلة من الكتاب والسنة تجيز اشتراك المرأة في تلك المجالس ، ولا يرى السيد محمد الشيرازي بأسًا في عمل المرأة خارج منزلها ، إذا تقيدت بالقيود الشرعية فيقول في ذلك : «على النساء اللاتي يمتلكن الوقت الكافي أن يشتغلن في الأعمال الاجتماعية العامة التي هي عادة خارج المنزل ، ولكن مع حفظ الموازين الشرعية».

واجه التيار السلفي في المملكة العربية السعودية، الدعوات التي تطالب بالسماح للمرأة بقيادة السيارة. فخلال أزمة الخليج الثانية ، وتحديدًا في 16 تشرين الثاني 1990 ، نظمت (46) امرأة مسيرة في العاصمة الرياض ، تطالب بالسماح للسعوديات بقيادة السيارات. معلنات تذمرهن من كون العربية السعودية هي البلد الوحيد في العالم الذي يمنع المرأة من قيادة السيارة.

قامت تلك النسوة سياراتهن وهن متبرجات. وتتقدم المسيرة ثلاث نساء يهتفن «قيادة» وتردد بقية المجموعة «حرية». وفي نهاية المسيرة رفعن خطابًا إلى حاكم الرياض الأمير (سلمان بن عبد العزيز) ، احتوى على حجج ومسوغات القيادة ومنها :

- وجود الرجل الأجنبي (السائق) داخل البيت ، والخلوة الاضطرارية أحيانًا معه داخل السيارة.

- الأعباء المالية الإضافية التي تتحملها كثير من الأسر نتيجة لوجود مثل هذا السائق.

- الإيمان بأن المرأة تحل محل الرجل في الأزمات والأوقات العصيبة.

- إعطاء المرأة من الثقة بقدرتها على تحمل المسؤولية .

استنكر التيار الإسلامي السلفي هذه الحادثة ، وأخذ خطباء الجوامع يبينون أخطار هذه الدعوة وأهدافها. وقام بعض المتحمسين بتوزيع قوائم بأسماء تلك النساء ، وأسماء أزواجهن. وطبعت تلك القوائم تحت عنوان : (أسماء الساقطات الداعيات إلى الرذيلة والفساد في الأرض). كما أصدر كبار رموز التيار السلفي في المملكة ، مثل الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد بن صالح العثيمين والشيخ صالح الفوزان ، فتاوى تنص على تحريم قيادة المرأة للسيارة .

وقد اعتمدوا في تحريم قيادة المرأة للسيارة على عدد من المآخذ والمحاذير ، منها :

- إن قيادة المرأة للسيارة سبب رئيس لخروجها من بيتها. وهذا مخالف للشرع الإسلامي.

- إنه سبب مباشر لسفر المرأة بلا محرم يرعاها ويصونها.

- إنه ذريعة لإهدار حرمتها وكرامتها بتعرضها للسفهاء واللئام.

- إنه ذريعة لأن تخالط المرأة الرجال الأجانب ، وتدخل في نقاش معهم. وذلك في نقاط التفتيش ، أو عند حصول مخالفة مرورية ، أو إذا أصاب السيارة عطل ما .

ثانيًا: الشأن الخارجي

تفاعل التيار الإسلامي في الخليج العربي مع تطورات الأحداث التي شهدها العالم الإسلامي خلال القرن العشرين ، واحتك دومًا بقضايا المسلمين ، والوقوف إلى جانبهم بفاعلية ، ونصرتهم في كل مكان ، وتجاه مختلف القضايا ، التي كان على رأسها القضية الفلسطينية ، والغزو الروسي لأفغانستان ، وحربا الخليج الأولى والثانية.

وقد تبنى الخطاب الإسلامي في الخليج فكرة الولاء للعقيدة ، وتفضيله على الولاء الوطني بمفهومه الضيق. وهذا يفسر لنا أسباب تعاطف التيار الإسلامي الخليجي في قضايا المسلمين في كل مكان من العالم الإسلامي ، من دون التقيد بحدود وطنية أو قومية. وفي هذا الصدد ، يقول أحد رموز التيار الإسلامي السلفي في الخليج ، وهو الشيخ سفر الحوالي ، في محاضرة له بعنوان : (لماذا نستدعي أمريكا) : «... فلا نؤمن بمبادئ القومية ، ولا الوطنية ، بل كلها عصبية جاهلية ، وضعها النبي -صلى الله عليه وسلم- تحت قدميه» .

أما الشيخ سلمان فهد العودة ، فينظر إلى المفهوم الوطني من زاوية أخرى. حيث يؤكد على أن «... مفهوم الوطن عندنا شمل واتسع» ، واستشهد بأبيات من الشعر للدلالة على ذلك فيقول :

ولست ابغي سوى الإسلام لي وطنا

الشام فيه ووادي النيل سيان

وحيثما ذكر اسم الله في بلد

عددت أرجاءه من لب أوطاني

ثم يضيف قائلاً : «قضيتنا قضية الإسلام والمسلمين في كل مكان ، ينبغي أن تزول فكرة الحواجز والحدود والسدود والموانع التي جعلت المسلم لا ينتصر لأخيه. أو يسمع صوته. أو لا يستجيب له. أو لا ينصره ظالمًا كان أو مظلومًا ، كما أمر النبي -عليه الصلاة والسلام-» .

من هذه النظرة إلى شؤون المسلمين ، انطلق التيار الإسلامي الخليجي يدافع عن المسلمين ، خلال الأزمات التي تعرضت لها بعض الأقطار الإسلامية ، وكما يأتي :


1- الموقف من القضية الفلسطينية

أثارت القضية الفلسطينية ، وما تعرض له الشعب الفلسطيني من عمليات تهجير وقتل واستلاب للأراضي ، مشاعر أبناء الخليج العربي بشكل عام ، والتيار الإسلامي بخاصة. واستنكروا سياسة بريطانيا الاستعمارية ، ودعمها للاستيطان الصهيوني في فلسطين. وفي منتصف ثلاثينيات القرن العشرين نظمت الجمعيات والأندية الاجتماعية في الكويت حفل استقبال حافلاً لأعضاء الوفد الفلسطيني الذي زار الكويت لكسب الدعم والتأييد للقضية الفلسطينية. وعبر أبناء الكويت عن تعاطفهم ووقوفهم إلى جانب الشعب الفلسطيني المسلم ونصرته .

وفي الحجاز نظم علماء الدين إضرابًا عامًا أمام المسجد النبوي عام 1937. وألقى بعضهم كلمات أمام المحتشدين ، نددوا فيها بالسياسة الصهيونية تجاه الشعب الفلسطيني. وفي نهاية الإضراب أعلن الخطباء الجهاد، تعبيرًا عن سخطهم واحتجاجهم على العمليات القمعية ضد الشعب الفلسطيني .

وتجمع عدد من الشباب المسلم في مسجد دبي ، بعد صلاة الجمعة. والقوا خطبًا حماسية نددوا فيها بالجرائم التي يرتكبها الصهاينة بحق الفلسطينيين. ثم فتحوا باب التبرع لنصرة الفلسطينيين .

وعلى أثر صدور قرار الأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني 1947، القاضي بتقسيم فلسطين ، تحولت الجوامع والمساجد في بعض أقطار الخليج العربي إلى مراكز لجمع التبرعات لإسناد الثورة الفلسطينية ، ونقطة انطلاق المظاهرات الغاضبة التي عبرت عن استياء أبناء الخليج من السياسة الاستعمارية في فلسطين

كان لتنظيم الإخوان المسلمين في البحرين دور في تنظيم المظاهرات التي شهدتها البحريناستنكارًا لقيام ما سمي بـ «دولة إسرائيل» على أرض فلسطين عام 1948، كما بادر نادي الإصلاح الخليفي ، واجهة الإخوان المسلمين في البحرين، بتشكيل قوة رمزية للمشاركة في حرب تحرير فلسطين عام 1948، تضامنًا مع القضية الفلسطينية.

كما نشط تنظيم الإخوان المسلمين في الكويت ، من خلال جمعية الإرشاد الإسلامي ، مطلع الخمسينات ، في إقامة الندوات ، وإلقاء المحاضرات والدروس ، ونشر الكتب والأناشيد الحماسية ، التي تعبر عن اهتمام المسلمين في الكويت بنصرة الجهاد الإسلامي في فلسطين. فضلاً عن ذلك ، بادرت الجمعية إلى تنظيم حملة لجمع التبرعات والخيام والمواد الغذائية لمساعدة المجاهدين ، والنازحين في المخيمات الفلسطينية في سوريا والأردن .

وتجدر الإشارة هنا إلى أنه كان لجمعية الإرشاد الإسلامي نشاطات ومواقف سياسية من أحداث أخرى جرت في العالم الإسلامي ، وتزامنت مع القضية الفلسطينية. فقد شاركت الجمعية في الحملة الشعبية ، التي دعت إليها الحركة الوطنية في الكويت ، للوقوف إلى جانب الشعب المصري وتأييده ، أثناء تعرضه للعدوان الثلاثي عام 1956. ووزعت الجمعية العديد من المنشورات على الناس لحثهم على التبرع ونصرة إخوانهم في مصر. جاء في إحداها :

«... جاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم. ادفعوا تبرعاتكم للجنة المركزية الممثلة لجميع النوادي والهيئات» كما دعت الجمعية أهالي الكويت للتوجه إلى المراكز التي أقيمت لاستقبال المتطوعين ، للمشاركة في صد العدوان عن مصر .

فضلاً عن ذلك ، ساندت جمعية الإرشاد ، الثورة الجزائرية التي انطلقت عام 1954 لتحرير الجزائر من سيطرة الاستعمار الفرنسي ، ورفعت الجمعية مذكرة إلى الحكومة الكويتية طالبنها بفتح باب التبرعات المالية ، لمساندة ودعم الثورة. كما استخدمت الجمعية أسلوب المنشورات والخطب الدينية الحماسية ، لمخاطبة الجماهير وحثهم على الوقوف إلى جانب قضايا الشعوب الإسلامية .

وفي البحرين، تعاطف التيار الإسلامي مع تدهور الأوضاع في مصر و فلسطين ، بعد نكسة حزيران 1967 ، اقترح فيه الإخوان المسلمون إقامة حفل خيري يخصص ريعه كمساعدات تقدم لضحايا العدوان الصهيوني. وقد حظي الحفل بتجاوب الجمهوري البحريني. حيث تجاوزات عائداته (15.000) ألف دينار بحريني .

ولم يكن التيار الإسلامي الشيعي بعيدًا في اهتماماته عن القضية الفلسطينية. فقد أوعزت جمعية (التوعية الإسلامية) ، التي تأسست في البحرينعام 1968 ، إلى الأئمة والخطباء الشيعة في مناطق البحرين كافة ، باتخاذ آخر جمعة من شهر رمضان لعام 1979، «يومًا للقدس»( ). وقد القى الشيخ عيسى أحمد قاسم ، أحد رموز التيار الإسلامي الشيعي ، دعاء في مسجد (الشيخ محسن) ، هاجم فيه اليهود الصهاينة ، مشيرًا إلى جرائمهم ، ومما جاء فيه : «... اللهم أخف اليهود كما أخافوا عبادك الآمنين... اللهم أنك تعلم جرأة اليهود على دينك ، وخيانتهم لرسالتك وتحريفهم لكتابك ، وعداوتهم لشريعتك التي بعثت بها خاتم أنبيائك وآخر رسلك. وانتهاكهم لحرمة المقدسات من دينك. وتلويثهم لأولى القبلتين لدى نبيك وما اقترفته أيديهم من القتل والترويع بغير حق. ومن ترشيد الآمنين» وأضاف منتقدًا سياسة الحكام وعدم اهتمامهم بقضايا المسلمين ، قائلاً : «... أن أمة الإسلام قد ابتليت بحكام جور جاهلين. لا يهمهم من أمرها ما يهم المسلم الغيور. كيف وهم يتهجون نهج أعداء الله في الحكم. ويشاركونهم في الإسراف والشهوات» .

في حين لم تنظر (منظمة الثورة الإسلامية لتحرير الجزيرة العربية) ، التي أعلنت عن نفسها خلال أحداث المنطقة الشرقية في السعودية عام 1979، إلى القضية الفلسطينية على أنها قضية عربية وإنما عدتها قضية إسلامية. وأنها قضية صراع بين المسلمين والصهاينة على المقدسات الإسلامية. كما أدانت المنظمة عجز الأنظمة العربية وتقاعسها عنت حرير فلسطين. وأدانت المنظمة ما أسمته بـ «المشاريع الاستسلامية». وانتقدت كذلك منظمات المقاومة لعجزها عن تحقيق تقدم لمصلحة القضية الفلسطينية ، بسبب تشرذمها وتبعيتها للأنظمة العربية. وعدم تبنيها للعقيدة الإسلامية

وكان السيد محمد الشيرازي ، من أكثر رموز التيار الإسلامي الشيعي اهتمامًا بالقضية الفلسطينية ، ومتابعة تفاصيلها. وقدم مساهمات علمية وعملية تكشف مخاطر الفكر الصهيوني التوسعي في العالم الإسلامي. فأصدر كتابًا بعنوان : (هؤلاء اليهود) ، كشف فيه مخططات الصهيونية لاغتصاب فلسطين ومناطق أخرى. وبين انحرافهم العقدي وطموحاتهم الاستعمارية.

كما ألقى محاضرة على أساتذة وطلبة الحوزة العلمية في مدينة قم ، تحدث فيها عن شرعية الصلح بين المسلمين واليهود. وأكد على أن الصلح والمصالحة مع اليهود ، مسألة غير شرعية ، لأسباب عديدة ، منها عداؤهم التاريخي للإسلام والمسلمين ، وعنصريتهم ، وسعيهم لإفساد العالم. وبالتالي فالصلح معهم يعني الرضوخ لهم والتسليم بسيطرتهم على جزء مهم من أراضي المسلمين.

وقد اهتمت المجلات والصحف الإسلامية في الخليج العربي عمومًا بالقضية الفلسطينية وخصصت لها أبوابًا ثابتة ، وتابعت ما يجري للشعب الفلسطيني من انتهاكات على أيدي الصهاينة. وسلطت الضوء أيضًا على الدراسات الفلسطينية التي أعدت لشرح القضية الفلسطينية ، وكل ما يتعلق بالحركة الصهيونية وفكر زعمائها وأهدافهم العدوانية .

وعلى الرغم من ذلك ، فقد انتقد الشيخ حمود بن عقلاء الشعيبي ، وهو أحد رموز التيار السلفي الجهادي في المملكة العربية السعودية، الإعلام العربي لعدم جديته في تناول الشأن الفلسطيني ، فيقول : «... وعندما أصاب إخواننا في فلسطين من تقتيل وتشريد وهدم للمنازل والمساجد على من فيها ، على أيدي إخوان القردة والخنازير ، أيقنا بأن الإعلام في الدول العربية والإسلامية سيشمر عن ساعديه. ويترك أساليبه الهابطة التي كان يسير عليها. فإذا هو لم يعبأ بهذه الكوارث. واستمر الاهتمام بالأمور التافهة... التي ما أقيمت إلا لإفساد المسلمين وأخلاقهم». ثم أضاف مؤكدًا على أهمية الجهاد، ولا شيء غيره ، لحل هذه المسألة : «... وقد أثبتت التجارب أن الشجب والإدانة والتنديد ، وعقد المؤتمرات ، واللجوء إلى هيئة الأمم الكافرة ، ومجلس الخوف ، لا يجدي شيئًا في ردع المعتدين ، وإيقافهم عند حدهم. ولا يجدي في ذلك إلا الجهاد بأنواعه» .

وفي معرض توضيحه لما يسمى بـ : «الإرهاب» ، انتقد الشيخ الشعيبي سياسة ازدواجية المعايير التي تتبعها الدول العظمة في تعاملها مع القضايا الإسلامية ، ومنها القضية الفلسطينية ، حيث يقول : «... والصهاينة الحاقدون يسومون إخواننا الفلسطينيين سوء العذاب من قتل وتشريد وتدمير وهدم للبيوت على أهلها. ويعتبر هذا العمل في نظر أبناء القردة والخنازير وأسيادهم الصليبيين في أمريكا وأوربا دفاعًا عن النفس. وما يقوم به هؤلاء المضطهدون بالحجارة ونحوها يعتبر إرهابًا وعنفًا» .


2- الغزو الروسي لأفغانستان عام 1979

استمر التيار الإسلامي في التعبير عن مواقفه تجاه تطورات الأحداث على الساحة الإسلامية. فقد أثار الغزو الروسي لأفغانستان ، مساء يوم 26 كانون الأول 1979، استياء التيار الإسلامي عمومًا ، والخليجي بشكل خاص. ودفعه ذلك للمشاركة في دعم المجاهدين ضد نظام الحكم الشيوعي ، والاحتلال الروسي . خاصة أن الحكومات الإسلامية شجعت هذه المشاركة وقد طالبت العربية السعودية جميع الدول الإسلامية ، بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع الاتحاد السوفياتي ، وفرض عقوبات اقتصادية عليه. كما اتخذت السعودية إجراءات أخرى ، ردًا على غزوه لأفغانستان

وقد سوغ أحد الباحثين موقف الحكومة السعودية من هذه القضية وغيرها ، بقوله : «... مهم جدًا بالنسبة للسعوديين أن يظهروا تبنيهم للقضايا الإسلامية. مثل معارضتهم لسيادة إسرائيل على القدس ، والغزو السوفيتي لأفغانستان. لأن ذلك يمثل جانبًا مهمًا في مصداقية وشرعية الحكومة السعودية» .

ونشط كل من التيار السلفي ، وتنظيم الإخوان المسلمينفي تعبئة الرأي العام لدعم الجهاد في أفغانستان ضد الاحتلال الروسي. فكتبت مجلة (الدعوة) ، الناطقة باسم الإخوان المسلمين، تحت عنوان (يا حكام المسلمين أفغانستان ليست الأولى. ولن تكون الأخيرة) ، تحذر من أخطار الغزو الروسي ، ليس على أفغانستان فحسب بل على العالم الإسلامي أيضًا ، قائلة : «... الغزو العسكري السوفيتي السافر لأفغانستان المسلمة ، والذي تناقلته وكالات الأنباء أمر خطير.. ولا تقف خطورته عند إمكانية إبادة المجاهدين الأفغان ، وإحكام القبضة على الشعب الأفغاني المسلم. ولا عند الاستيلاء على أرض أفغانستان المسلمة. ولكن خطره يتهدد الأمة الإسلامية كلها ، ما لم تستيقظ شعوبها من غفلتها. وتعلن الجهادالمقدس على أعداء الإسلام مسترخصة في سبيله كل غال ورخيص».

تحولت المعركة في أفغانستان إلى حرب دينية شارك فيها المسلمون من أجل أحياء مبدأ الجهاد ونيل الشهادة. خاصة بعد الفتوى التي أصدرها الشيخ عبد العزيز بن باز ، والتي أكد فيها على أن الجهاد في أفغانستان «فرض عين على كل المسلمين» لأن المجاهدين معوزون. وقال أيضًا : «... لا ريب أن الجهاد في أفغانستان جهاد إسلامي. يجب أن يشجع ويدعم من المسلمين جمعيًا. لأنهم مسلمون يقاتلون عدوًا شرسًا خبيثًا. فالواجب على أهل الإسلام جميعًا أن يساعدوهم. وأن يعينوهم بالمال والنفس والرأي» .

على أثر ذلك ، نشطت المؤسسات الخيرية والتنظيمات الإسلامية في بعض أقطار الخليج العربي ، بفتح مراكز التبرع لدعم المجاهدين في أفغانستان.

وخلال عقد الثمانينات ، غادر حوالي (12.000) شاب سعودي لمقاتلة الروس الذين احتلوا أفغانستان. وخاضوا هناك معارك عديدة. أكسبتهم خبرة قتالية متميزة حيث أصبحت مسألة المشاركة في الجهاد «حلمًا يراود الشباب ، لصياغة ملحمة إسلامية كبرى. تحرر المسلمين من نفسية الذل والانكسار. وتغسل العار الذي لحق بالمسلمين في أماكن أخرى كثيرة ، من أهمها فلسطين» .

فانتشرت آنذاك في بعض أقطار الخليج العربي ، الأناشيد والقصائد الحماسية ، التي كانت تثير الحماس في نفوس الشباب ، وتحفزهم للجهاد. ومنها القصيدة التي كان يرددها الداعون إلى الجهاد، والمشاركة في تحرير أفغانستان ، ومطلعها :

يا عابد الحرمين لو أبصرتنا

.. لعلمت أنك بالعبادة تلعب

من كان يخضب خده بدموعه

فتحورنا بدمائنا تتخضب

اهتم التيار الإسلامي في الخليج العربي بالدعوة إلى الجهاد، وتيسير كل السبل لوصول المجاهدين العرب إلى أفغانستان. وبرز في هذه الفترة الشيخ أسامة بن لادن الذي استطاع بالتعاون مع شخصية أخرى ، هو الدكتور عزام (*)، أن يقيما مؤسسة تدعى (مكتب خدمات المجاهدين) ، هدفها تجنيد الشباب للقتال في أفغانستان ، بالاعتماد على المعونات المالية والعينية التي كانت ترد من أقطار الخليج العربي ، ودول إسلامية أخرى . فضلاً عن قيام الشيخ بن لادن بتأسيس ما سمي بـ : (بيت الأنصار) ، كمحطة دولية لاستقبال الملتحقين بالجهاد، وتدريبهم ثم إرسالهم إلى جبهات القتال إلى جانب إحدى الجماعات الأفغانية المقاتلة ، التي تترأسها شخصيات أخرى أمثال قلب الدين حكمتيار ، زعيم (تنظيم الاتحاد الإسلامي لأفغانستان). و عبد رب الرسول سياف ، زعيم (تنظيم الاتحاد الإسلامي لتحرير أفغانستان). و برهان الدين رباني ، زعيم (تنظيم الجمعية الإسلامية لأفغانستان) .

تجدر الإشارة ، إلى أن هناك من حاول في حينه التأكيد على أثر العوامل الدولية آنذاك ، وظروف الحرب الباردة ، بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها ، في دعم التيار الإسلامي وإسناده ، لاستخدامه كأداة في مواجهة المد الشيوعي وضربه .


3- الحرب العراقية -الإيرانية 1980- 1988

وصف أحد الباحثين الحرب العراقية -الإيرانية ، التي اندلعت في أيلول 1980، وانتهت في 8 آب 1988 ، بأنها نهاية منطقية للدور الصدامي التاريخي الذي أهلته الظروف السياسية في المنطقة . فجاءت هذه الحرب حصيلة متغيرات دولية وإقليمية ، وأخرى داخلية تحكمت في تفجير الصراع بين البلدين ، يمكن إيجاز أبرزها بما يأتي :

- سقوط الشاه محمد رضا بهلوي ، واختلال التوازن الإقليمي في الخليج العربي لغير صالح الولايات المتحدة الأمريكية ، التي بدأت تبحث عن وسائل تمكنها من الحفاظ على تواجدها العسكري في المنطقة وتكثيفه.

- الاحتلال الروسي لأفغانستان ، القريبة نسبيًا من الخليج العربي ، والذي يعد خطوة اتخذتها موسكو باتجاه السيطرة على منابع الثروة في العالم.

- تبني النظام الإيراني الفكرة القائمة على مبدأ (تصدير الثورة) ، والذي عبر عن سياسة توسعية الهدف منها الهيمنة على البلدان الإسلامية ، وإقامة ما سمي بـ«الجمهورية الإسلامية الكبرى» .

- مشاكل الحدود بين العراق وإيران ، والتي كان للدوائر الاستعمارية يد في استخدامها كورقة ضاغطة لتحقيق مصالح معينة .

مهما يكن من أمر ، فقد كان لتلك الحرب أصداء واسعة في دول الخليج العربي. حيث كان الموقف الرسمي ، عمومًا ، مؤيدًا للعراق في حربه مع إيران. وتميزت مواقف السعودية والكويت بكونهما أكثر الدول الخليجية دعمًا للعراق. وقد عكس وزير الداخلية السعودي الأمير نايف بن عبد العزيز ، مخاوف وشكوك دول الخليج العربي من السياسة الإيرانية ، بقوله : «... إن الصراع مع إيران ليس مجرد حرب قائمة بين العراق وإيران. وإنما هي أطماع إيرانية هدفها السيطرة على الجانب العربي المقابل للشاطئ الإيراني. بدءًا بالبحرين وانتهاءً بكل دول المنطقة. وذلك باتجاه خلق نظم موالية لها».

بناء على ذلك فتحت السعودية موانئها على البحر الأحمر أمام شحنات الأسلحة المرسلة إلى العراق من الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية . كما وصلت المساعدات المالية التي قدمتها السعودية للعراق ، خلال السنة الأولى فقط من الحرب ، إلى (6) مليارات دولار.

أما الكويت ، فقدمت للعراق مساعدات مالية وإعلامية وعسكرية. حيث بلغ مجموع المساعدات المالية التي حصل عليها العراق خلال الأعوام 1980- 1988 ما يقارب (15) مليار دولار. كما سمحت الحكومة الكويتية للعراق باستخدام ميناءي الأحمدي والشعيبة ، لنقل المواد الغذائية ، والتجهيزات العسكرية. وتحولت أجهزة الإعلام الرسمية في الكويت ، إلى وسائل دعائية للعراق في حربه مع إيران .

وفيما يخص التيار الإسلامي في الخليج العربي ، فقد كانت له مواقف يمكن وصفها بأنها متباينة من الحرب العراقية -الإيرانية. فتبنت تنظيمات الإخوان المسلمين في أقطار الخليج العربي ، الموقف نفسه الذي تبناه التنظيم الدولي للإخوان من هذه الحرب. عندما أدان التنظيم الدولي للإخوان النظام العراقي في حينه وحمله مسؤولية اندلاع الحرب بهدف القضاء على الثورة الإسلامية الإيرانية ، على حد ظنه. فيشير أحد أعضاء التنظيم إلى ذلك بقوله : «... أن الوقت الذي اندلعت فيه الحرب هو عينه الوقت الذي فشلت فيه كل الخطط الأمريكية التآمرية على ثورة الشعب الإيراني المسلم» ويواصل تحليله لأسباب الحرب قائلاً : «وبسقوط النظام الثوري الإيراني يزول الخطر الذي يتهدد هذا النوع من الطواغيت الذين يرتجفون من تصورهم احتمال ثورة شعوبهم ضدهم وإسقاطهم ، مثلما فعل الشعب الإيراني المسلم ضد الشاه العميل».

مع استمرار الحرب ، وحدوث متغيرات جديدة في مادين القتال ، ودعوات العراق المتكررة لوقف إطلاق النار ، وإعلانه عن استعداده للانسحاب من الأراضي الإيرانية ، في مقابل رفض إيراني متكرر ، تخلى الإخوان عن موقفهم السابق ، وبدأوا يطالبون بوقف القتال الذي أشعلته على حد رأيهم «الأصابع الإسرائيلية ، التي ترى في استمرار هذه الحرب إجهاضًا للقوتين الإيرانية والعراقية ، حتى تمكن إسرائيل من إدخال المنطقة كلها فيما تريده من حلول وهي آمنة».

ثم ألقى الإخوان المسلمون مسؤولية استمرار الحرب على الجانب الإيراني ، مؤكدين أن «العراق إذا كان يتحمل مسؤولية بدايتها ، فإن مسؤولية إيران باستمرارها لا تقل خطورة نظرًا إلى ما تسببه من إزهاق النفوس وتخريب للمدن وتبديد لثروات المسلمين».

وفي الكويت ، أوضح إسماعيل الشطي ، مرشد الإخوان المسلمين في الكويت ، موقف التنظيم من الحرب قائلاً : «كنا في الأساس نعارض الحرب. ونعتقد أن استمرار الحرب يبدد الثروات ، ويهدر دماء الكثير من المسلمين. وكنا نرى النظام الحاكم في العراق نظامًا كافرًا. إلا أننا كنا في الوقت نفسه نعارض احتلال إيران للعراق. وهذا موقفنا طوال الحرب بين العراق وإيران».

وفي البحرين كان ثمة توافق في موقف (جمعية الإصلاح) ، وهي الواجهة الرسمية لتنظيم الإخوان المسلمين في البحرين، مع الموقف الرسمي للحكومة ، المساند للعراق في حربه مع إيران. حيث نشطت الجمعية في تعبئة الشارع السني ، لتأييد العراق ودعمه ، طوال سنوات الحرب. وهذا ما جعل أحد الباحثين يصف الجمعية بقوله : «أن جمعية الإصلاح ليس مجرد نادي ثقافي ديني اجتماعي ، فهو مؤسسة ضخمة تحظى بدعم السلطة».

أما حزب التحرير الإسلامي فقد دعا إلى وقف القتال بين الشعبين العراقي والإيراني واصفًا الحرب العراقية الإيرانية بـ «المؤامرة التي حاكت خيوطها كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا ، ونفذها الحكام في العراق وإيران».

في حين أيد حزب الدعوة الإسلامية إيران في حربها مع العراق ، وأقام معسكرات تدريبية لأعضائه في كردستان العراق ، بهدف الإطاحة بنظام الحكم في العراق ، وإعلان الجمهورية الإسلامية وأكد الحزب في بيان أصدره عام 1982 ، أن «حربه ضد نظام بغداد ستتواصل حتى لو وافقت جمهورية إيران الإسلامية على وقف إطلاق النار». ويبدو أن هذا الموقف جاء مكملاً لموقف مؤسس الحزب السيد محمد باقر الصدر ، الذي أعدمته الحكومة العراقية في نيسان عام 1980، لموقفه من نظام الحكم آنذاك ، وتأييده المطلق للثورة الإيرانية .

لم يكن موقف حزب الدعوة الإسلامية من الحرب العراقية - الإيرانية منعزلاً عن موقف التنظيمات الإسلامية الشيعية في الخليج العربي من هذه الحرب. فقد ارتبطت (الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين) بعلاقات وثيقة مع إيران التي كانت المصدر التي تحصل منه الجبهة على الدعم السياسي والإعلامي والمعنوي. وبالمقابل عدت الجبهة أن معركة إيران مع العراق ، هي معركتها. لذلك أرسلت بمجموعات من المتطوعين من أعضائها ، للقتال إلى جانب القوات الإيرانية ضد العراق . وردًا على موقف الحكومة البحرينية المؤيد للعراق ، قامت الجبهة في كانون الأول 1981، وبدعم من إيران ، بمحاولة فاشلة لقلب نظام الحكم في البحرين. وقد ترتب على ذلك اعتقال العديد من أعضاء الجبهة ، ونفي آخرين خارج البلاد .

كما تطابق موقف (منظمة الثورة الإسلامية لتحرير الجزيرة العربية) في السعودية ، مع الموقف الإيراني الرسمي من الحرب ، بوصفها «حربًا بين الإسلام والكفر» على حد تعبيرهم.

لذلك نددت المنظمة بالمساعدات التي قدمتها الحكومة السعودية للعراق ، ومنها مشروع مد أنابيب النفط العراقي ، عبر الأراضي السعودية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. وليس ثمة معلومات عن وجود متطوعين من أعضاء المنظمة في جبهات القتال. لكن المنظمة ، بشكل عام ، ساندت النظام الإيراني ، والمنظمات الإسلامية المرتبطة به.

وفي الكويت ، أثار الموقف الرسمي للحكومة من الحرب العراقية -الإيرانية ، سخط التنظيمات الإسلامية الشيعية ، التي كانت تنظر إلى تلك الحرب بأنها «حرب بين الباطل والحق ، وحرب بين الكفر والإيمان». وتوجهت تلك التنظيمات بمشاعرها نحو إيران ، بوصفها المدافعة عن حقوقهم الاجتماعية والعقدية. وقد استغل النظام الإيراني هذا التعاطف والتأييد من لدن الشيعة ، ليس في الكويت فحسب بل في عموم الأقطار الخليجية ، لتكوين قاعدة شعبية في الخليج مؤيدة لسياسته الخارجية في المنطقة. وكذلك سعي النظام الإيراني تحت شعار «تصدير الثورة» إلى تجنيد إعداد من الشيعة في «تنظيمات إرهابية» بهدف تهديد الاستقرار السياسي في الكويت ، ردًا على المساعدات التي قدمتها الكويت للعراق خلال الحرب . وقد انعكس هذا التوجه على ازدياد العمليات التخريبية داخل الكويت ، وانتشار الخطب الدينية والمنشورات التي تنتقد النظام السياسي في الكويت فضلاً عن اشتراك أعداد من الشيعة الكويتيين كمتطوعين للقتال ضد العراق .


4- حرب الخليج الثانية1990- 1991

بعد انتهاء الحرب العراقية- الإيرانية مباشرة ، أثارت الحكومة الكويتية مشكلة الحدود مع العراق. وحولت تلك المسألة إلى قضية مصيرية. وألحت على ألزام العراق بعقد معاهدة ، لإنهاء أزمة الحدود في تلك الفترة تحديدًا. وقد وجدت الحكومة الكويتية في ضعف الاقتصاد العراقي ، بعد حرب دامت ثماني سنوات ، فرصة مناسبة للضغط على العراق لكي يستجيب لطلبها.

أدان النظام العراقي آنذاك المطالب الكويتية ، ووصفها بأنها «جزء من مخطط عام لأضعاف العراق أو تطويقه وحرمانه من المكاسب السياسية لانتصاره العسكري على إيران... وأن قضية الحدود ليست سوى الجزء المرئي من مؤامرة غربية لأضعاف العراق اقتصاديًا ، وعدم تمكينه من القيام بدوره القومي».

ازدادت شكوك العراق بتصرفات الحكومة الكويتية ، بعد رفض الأخير -غير المسوغ- طلب العراق والعربية السعودية ، رفع سعر برميل النفط إلى (25) دولارًا ، لتعويض خسارة العراق التي بلغت (7) مليارات دولار ، نتيجة انخفاض أسعار النفط عام 1989. ثم تطور الخلاف بين البلدين ليتحول من خلاف حول أسعار النفط وموضوع ديون الكويت على العراق إلى طرح العراق ما وصفه بـ «حقوقه التاريخية في الكويت».

سعت بعض الدول العربية ، مثل الأردن ومصر والعربية السعودية ، إلى تطويق الأزمة بين الدولتين. وفي 31 تموز 1990 عقد في جدة اجتماع بين عزة إبراهيم (نائب الرئيس العراقي الأسبق) وسعد العبد الله الصباح (ولي العهد الكويتي) ، من دون الوصول إلى اتفاق بسبب تمسك كل طرف بموقفه .

بعد ثماني ساعات من فشل المباحثات بين الوفدين العراقي والكويتي وفي تمام الساعة الثانية من فجر يوم 2 آب 1990 ، اجتاح حوالي (100.000) جندي من الحرس الجمهوري العراقي ، تدعمهم (350) دبابة ، الحدود الكويتية وبعد ساعات قليلة أصبحت الكويت بالكامل تحت سيطرة الجيش العراقي ، بعد مغادرة أفراد العائلة المالكة والحكومة الكويتية إلى العربية السعودية . وبعد حوالي (24) ساعة وصلت القوات العراقية إلى الحدود السعودية ، وأصبحت على مقربة من حقول نفط المنطقة الشرقية. مما أثار شكوك الحكومة السعودية ومخاوفها ، وجعله تظن أن العراق يخطط لشن هجوم عسكري ، لاحتلال الحقول والمنشآت النفطية السعودية ، وبالتالي دفعها ذلك الظن إلى اتخاذ قرار استدعاء القوات الأجنبية للدفاع عنها ، وتحرير الكويت.

شكلت حرب الخليج الثانية وتداعياتها ، منعطفًا كبيرًا في تاريخ التيار الإسلامي عمومًا ، والخليجي بشكل خاص. وتفاوتت مواقف التنظيمات الإسلامية من حرب الخليج ، سواء مواقفها من الاحتلال العراقي للكويت ، أو من وجود القوات الأجنبية في المنطقة. فقد أصدر (محمد حامد أبو النصر) ، المرشد العام لتنظيم الإخوان المسلمين، بيانًا في 6 آب 1990 ، أدان فيه الاحتلال. وأوضح انعكاساته السلبية على المنطقة. ومما جاء فيه : «... في الآونة التي بدأ أن الخلاف بين الكويت والعراق اتخذ طريقًا سلميًا للحل والتفاهم ، فوجئنا بالغزو العسكري للكويت. فكان عملاً مروعًا ومثيرًا للدهشة ومخيبًا للآمال. ولا يغيب عن الذهن أن هذا الحدث الضخم يفتح أبواب شر خطيرة وكبيرة. ويؤثر في مجريات كفاح الشعوب الإسلامية خاصة في فلسطين المحتلة» .

وحول ممارسات بعض أفراد الجيش العراقي في الكويت ، أشار البيان بالقول : «إن كل ما تنقله الأخبار من تصرفات لجنود الغزو مع أبناء الكويت الشقيق ، مثل النهب والإيذاء وغير ذلك ، هي من الأمور التي لا يقرها الإسلام... وأنه ليس ثمة ذنب للشعب الكويتي بكل فئاته لكي يتعرضوا لما تعرضوا له من مآسي» .

وفي السياق نفسه أيضًا ، صرح (مأمون الهضيبي) الناطق الرسمي لتنظيم الإخوان قائلاً : «... أن الاجتياح العراقي للكويت أمر غير مشروع وعدوان ظالم على كل المستويات... وقلنا أن الاجتياح العراقي للكويت سيفتح باب التدخلات الأجنبية التي تتربص بالمنطقة ، لإعادة عهد الاستعمار... وناشدنا الرئيس العراقي سحب قواته من الكويت» غير أنه بعد الانتشار الكثيف للقوات الأجنبية في الخليج العربي ، واستمرار الحرب ، انضم الإخوان إلى الجماعات المعارضة للحرب. ودعوا إلى الجهاد ضد من سموهم بـ «الصليبيين الجدد. دفاعًا عن العراق والعالم الإسلامي».

وعلى عكس هذا الموقف ، رفض تنظيم الإخوان المسلمين في الأردن إدانة العراق. بل عد أن «هذه المعركة ليست بين العراق وأمريكا ، لكن بين الإسلام والصليبيين. وليست بين صدام وبوش ، ولكن بين قادة الكفرة وبين رسول الإسلام».

أما حزب التحرير الإسلامي ، فقد أدان التدخل الأجنبي في الأزمة. وعد هذا كما وصف الحزب حرب الخليج بأنها صراع دولي بين الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا للسيطرة على العالم. رغم ذلك ، نظر الحزب إلى احتلال الكويت على أنه خطوة باتجاه تحقيق وحدة المسلمين. على الرغم من عدم اعترافه بشرعية النظام العراقي. وعده «نظام غير إسلامي».

في حين استغل حزب الدعوة الإسلامية أزمة الخليج في حربه مع النظام العراقي فأصدر في 27 كانون الأول 1990 بيانًا طالب فيه بإلغاء ما وصفها بـ «التشريعات غير الإنسانية وغير العادلة التي فرضها النظام على شعبه». كما دعا «إلى الإطاحة بالنظام العراقي وتشكيل حكومة ائتلافية مكونة من التنظيمات السياسية المعارضة لهذا النظام».

بعد اتخاذ الحكومة السعودية قرارًا بالاستعانة بالقوات الأجنبية ، لدرء خطر الهجوم العراقي المحتمل على السعودية. كان ثمة مسعى حثيث من لدن الحكومة السعودية لإيجاد المسوغ الشرعي لهذا القرار. فأصدر عدد من كبار علماء الدين في المملكة مجموعة فتاوى تجيز الاستعانة بقوات غير إسلامية ، واستقدامها إلى الأراضي السعودية. كان أبرزها الفتوى التي أصدرها المفتي العام للمملكة الشيخ عبد العزيز بن باز ، ومما جاء فيها : «... وأما ما حصل من الحكومة السعودية لأسباب الحوادث المترتبة على الظلم الصادر من رئيس دولة العراق لدولة الكويت. ومن استعانتها بجملة من الجيوش التي حصلت من أناس متعددة من المسلمين وغيرهم لصد العدوان والدفاع عن البلاد. فذلك جائز بل تحكمه الضرورة. فهي معذورة في ذلك ومشكورة على مبادرتها».

ولتوضيح موقفه ، ألقى الشيخ ابن باز محاضرة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أكد فيها ، مرة أخرى ، بأنه «يجوز الاستعانة بغير المسلمين للضرورة. إذا دعت إلى ذلك برد العدو الغاشم. والقضاء عليه وحماية البلاد من شره. فإذا كانت القوة المسلحة لا تكفي لردعه ، جاز الاستعانة بمن يظن فيهم أنهم يعينون ويساعدون على كف شره وردع عدوانه ، سواء كان المستعان به يهوديًا أو نصرانيًا أو وثنيًا أو غير ذلك. إذا رأت الدولة الإسلامية أن عنده نجدة. وأن عنده مساعدة لصد العدوان المشترك».

وبعد صدور قرار مجلس الأمن المرقم (678) ، في 29 تشرين الثاني 1990 ، الذي يخول استعمال «كل الوسائل الضرورية» لإجبار العراق على الانسحاب من الكويت إذا لم ينسحب بحلول منتصف كانون الثاني 1991.

شهدت المملكة العربية السعودية، وبعض الأقطار الخليجية انتشارًا كثيفًا للقوات الأجنبية الأخرى المجهزة بأحدث الوسائل القتالية. وفي كانون الثاني 1991، استعرض الملك فهد أكثر من خمسة آلاف فرقة من قوات الائتلاف الدولية التي تجمعت قرب الحدود مع الكويت. وانضم إلى الملك في الاستعراض ، وزير الدفاع السعودي ، الأمير سلطان بن عبد العزيز ، والجنرال الأمريكي نورمان سوارتزكوف ، قائد القوات الائتلافية المناهضة للعراق .

أثارت مواقف الحكومة السعودية ، وفتاوى المؤسسة الدينية السمية سخط التيار السلفي الإصلاحي في السعودية ، الذي استنكر بشدة «الحضور العسكري الأجنبي.. وموالاة الكفر.. وتدنيس الأراضي المقدسة».

فانتشرت آنذاك ما يعرف بالخطب الاحتجاجية وأشرطة الكاسيت التي تدعو إلى «الجهاد ضد الكفار» ، وتنتقد سياسة الحكومة الخارجية. ومن الذين برزوا آنذاك في التنديد بسياسة الحكومة وتوجهاتها ، الشيخ سلمان فهد العودة ، والشيخ سفر الحوالي ، والشيخ ناصر العمر ، والشيخ عايض القرني ، وآخرون .

ففي محاضرة للشيخ سلمان العودة ، بعنوان (أسباب سقوط الدول) ، أكد فيها أن «... اليهود والنصارى أعداء مشركون. ومن المؤسف أن يتحول هؤلاء للمسلم أصدقاء وأعوانًا» ثم أضاف «.. إن ثقتنا في هؤلاء اليهود والأمريكان والبريطانيين... ليست في محلها. وأن كانوا في الظاهر يحموننا. ولكنهم يجرون إلينا خطرًا كبيرًا.. فكيف نثق بهم وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه العداوة التي بين المسلمين وبينهم». وركز في هذه المحاضرة أيضًا على أن من أهم أسباب سقوط الدول هي استعانتها بغير المسلمين. ملمحًا إلى خطورة السياسة الخارجية للحكومة السعودية.

أما الشيخ سفر الحوالي ، فقد استنكر ، في محاضرة له بعنوان «فستذكرون ما أقول لكم» موقف الحكومة السعودية من الغرب ، متسائلاً بتهكم «وهل نثق بأن الكفار يدافعون عنا... أن أمريكا هي عدو المسلمين». كما انتقد الشيخ الحوالي وجود ثلاثين ألف امرأة مجندة ، لحماية أبناء البلدة. بينما «نحن لا نقوم بدفع الشر عن أنفسنا... وإذا كان صدام قد أذل الأمة ، فالغرب أيضًا قد أذل الأمة» ثم أشار إلى الأهداف الأمريكية في المنطقة ، وحددها بـ : إذلال الأمة الإسلامية ، وضربها ، واستنزاف خيرات المنطقة» .

وفي معرض جوابه عن أحد الأسئلة حول اعتماد الدولة على أدلة شرعية تجيز الاستعانة بالقوات الأجنبية ، أكد الشيخ الحوالي على أنه «لا يصح أن نستدل بدليل ضعيف من أجل قضية غير صحيحة». واعتمد على حديث للرسول -صلى الله عليه وسلم ، يقول فيه : «أنا لا نستعين بمشرك» ، كقاعدة شرعية تنفي شرعية الاستعانة بالمشركين .

تصاعدت حدة الخطاب الإسلامي المعارض للدولة ، والمشكك في سياستها. وقد ركز الخطاب على ثلاثة جوانب أساسية وهي : انتقاد سياسة النظام ، وتعزيز القاعدة الشرعية ، وتحقيق العدالة الاجتماعية.

ومن نماذج الخطب والمحاضرات ذات الطابع الاحتجاجي المتصاعد ، يمكن أن نستعين بخطبة للشيخ (عادل الكباني) ، أحد رموز التيار السلفي الإصلاحي ، أمام حشد من المصلين في جامع الملك خالد بالرياض. قال فيها متذمرًا من سياسة الحكومة : «... أن الحكومة تريدنا أن نعيش مثل آلات التسجيل. تضع الشريط وتضغط الزر ليخرج كلام من نوع ما. وتبدل الشريط وتضغط الزر ليخرج كلام آخر هو نقيض الأول». في إشارة منه إلى تبدل موقف الحكومة السعودية من النظام العراقي.

كما ندد الشيخ (عايض القرني) ، في محاضرة ألقاها في كلية الشريعة بابها ، بعنوان «سهام في عين العاصفة» ، بوجود القوات الأمريكية في السعودية ، ودعا إلى الجهاد ضد الغرب الذي «يستهدف الأماكن المقدسة».

وفي النسق نفسه المعادي للوجود الأمريكي في المنطقة ، كان للشيخ (ناصر الدين الألباني) ، أحد أبرز رموز التيار السلفي التقليدي ، موقف متشدد من الوجود الأجنبي في العربية السعودية. كما استنكر القصف الجوي الذي يتعرض له المسلمون في العراق من قتل وتدمير للبيوت والمساجد. ودعا إلى «الجهاد لتحرير الأراضي المقدسة في الحجاز من سيطرة القوات الأمريكية والأوروبية».

وتأكد لدى الجميع ، من خلال حشود القوات الأجنبية ، وتحول عملية «درع الصحراء» إلى عملية «عاصفة الصحراء» ، بأن «الدفاع عن السعودية وتحرير الكويت ، ليس مجرد حرب ضد صدام حسين ، بل محاولة شاملة لتدمير العراق سياسيًا وعسكريًا.. وأن المستفيد الأكبر ستكون أمريكا وحليفتها إسرائيل».

ومن جانب آخر ، ساهمت حرب الخليج الثانية في تجسيد الوحدة الوطنية للشيعة والسنة في دول الخليج العربي ، وبشكل خاص في الكويت ، من خلال المواقف التي اتخذوها خلال فترة احتلال الكويت. حيث شارك عدد كبير من شيعة الكويت بفاعلية في حركة المقاومة الكويتية التي تشكلت بعد الاحتلال. ونشط الشيعة والسنة ، على حد سواء ، بتكوين لجان شعبية تتولى مهمة حماية المناطق والأحياء السكنية. والعمل على إفشال المحاولات التي جرت لتجنيد الشباب الكويتي ، في ما سمي بـ (تنظيمات الجيش الشعبي) .

كما نشط الشيعة خارج الكويت ، من خلال تأسيسهم عددًا من اللجان والتنظيمات السياسية ، مثل (الرابطة الإسلامية الكويتية) ومقرها لندن ، والتي أصدرت مجلة (منبر الحرية) ، لتكون ناطقة باسمها ومعبرة عن أفكار وأهدافها. وفي إيران ، قام عدد من رموز التيار الإسلامي الشيعي ، مثل السيد (محمد باقر المهري) ، بتأسيس (التجمع الإسلامي الكويتي) ، لعرض قضية احتلال الكويت في المحافل الدولية ، ودعم المقاومة الكويتية . ولأول مرة منذ الثورة الإيرانية عام 1979، رحبت الحكومة السعودية بالمتطوعين الشيعة ، الذين ابدوا استعدادهم للانخراط في القوات العسكرية ، للدفاع عن العربية السعودية ، وتحرير الكويت .

وفي البحرين، أصدر السيد هادي المدرسي ، مؤسس الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين، كتابًا تحت عنوان : «أضواء على أزمة الخليج» ، أورد فيه البيانات والنداءات التي أصدرها خلال الأزمة ، والتي انتقد في مجملها نظام الحكم في العراق. وحمله مسؤولية الدمار والخراب الذي لحق بالعراق والكويت على حد سواء .

أما مواقف الجماعة السلفية في الكويت ، فقد ساهمت أيضًا بتشكيل (اللجان الشعبية) خلال فترة الاحتلال ، والتي توزعت في مناطق مختلفة من الكويت ، مثل : كيفان ، والفيحاء ، والقادسية ، والجهراء. وقد شاركت تلك اللجان في تنظيم المقاومة والتصدي للاحتلال ، من خارج الكويت وتوزيعه على أفراد المقاومة. فضلاً عن قيامها بتوزيع المنشورات الإعلامية التحريضية. وتوزيعها على المواطنين .

اتخذ الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات موقفًا مؤيدًا للعراق في احتلاله للكويت. وانسحب هذا الموقف على الفلسطينيين المقيمين في الكويت ، مما عرضهم لعمليات انتقامية من بعض الكويتيين ، بعد تحرير الكويت ، وطرد ما يقارب من (400.000) فلسطيني جراء ذلك الموقف.

وكان للجماعة السلفية موقف من هذه القضية. فقد أوضحت أن موقف هؤلاء من الاحتلال قد انقسم إلى أربع فئات : الفئة الأولى كانت مؤيدة ومشاركة في العمليات التي قام بها الجيش العراقي في الكويت. والفئة الثانية : التي تشكل الغالبية العظمة من الفلسطينيين ، كانوا شامتين بالشعب الكويتي ، وكانوا متجاوبين مع القرارات والإجراءات التي أصدرتها القوات العراقية داخل الكويت. أما الفئة الثالثة : فقد اتخذت موقفًا سلبيًا ، ليس مؤيدًا للاحتلال ولا معارضًا له. وهناك فئة رابعة ، تشكل أعدادًا قليلة من الفلسطينيين ، انضموا إلى صفوف المقاومة الكويتية. لذلك طالبت الجماعة أن تكون النظرة إلى الفلسطينيين نظرة عادلة ، حسب مواقف كل فئة من هذه الفئات.

أما تنظيم الإخوان المسلمين في الكويت ، فقد انسجم موقفهم من حرب الخليج الثانية مع مواقف التنظيم الدولي للإخوان. حيث أدانوا الاحتلال العراقي للكويت. لكنهم أيضًا عارضوا وجود القوات الأجنبية في المنطقة ، وقرار الحرب على العراق. وقد شكل الإخوان في الكويت وفدًا ضم عددًا من قيادييهم ، خلال فترة الاحتلال ، زار الولايات المتحدة الأمريكية ، والتقى عددًا من السياسيين في واشنطن. وعبروا عن رأيهم في معارضة قرار الحرب من أجل تحرير الكويت بشكل قاطع ، الأمر الذي دفع سفير الكويت في واشنطن (سعود الناصر) ، أن يطلب منهم مغادرة أمريكا فورًا ، خوفًا من نجاحهم في ترويج فكرتهم.

ونشرت بعض الصحف تصريحات لعدد من قياديي التنظيم بهذا الخصوص. فكان عنوان أحدها (الفتاوى المؤيدة للحرب مشبوهة. وإجماع إسلامي عربي على رفضها) . مما يعطي انطباعًا واضحًا عن موقف التنظيم من الحرب.

أوقع هذا الموقف تنظيم الإخوان في الكويت في حرج كبير مع التنظيمات السياسية الأخرى. مما اضطر بعض أعضاء التنظيم الذين لم يغادروا الكويت خلال فترة الاحتلال ، أن يتخذوا قرارًا بتعليق ارتباطهم بالتنظيم الدولي للإخوان. ويتحدث السيد (إسماعيل الشطي) أحد رموز الإخوان في الكويت ، عن التطور الذي حصل في مسيرة التنظيم قائلاً : «... لقد بقيت في البلاد خلال الاحتلال. وقد أعطينا تنظيم الإخوان المسلمين اسمًا جديدًا (المرابطون). وكان لهم جناح عسكري لمحاربة الجيش العراقي. لكن الخلافات ظهرت مع وصول القوات الأمريكية. إذ إن أعضاء مهمين من التنظيم الدولي ذهبوا إلى بغداد. ومن هناك دانوا الوجود الأمريكي في عبارات بدت وكأنها دعم لصدام. عندها علقنا ارتباطنا بالحركة الدولية».

مهما يكن من أمر ، فقد كان لـ (حركة المرابطون) التي شكلها الإخوان المسلمون في الكويت خلال فترة الاحتلال ، جناحان : أحدهما مدني ، كان مسؤولا عن تشكيل لجان التكافل الاجتماعي ، التي انبثق منها عدة لجان فرعية ، مثل لجنة التموين والإعاشة ، انحصر نشاطها في جمع المواد الغذائية ، وتوزيعها على الأهالي ، ولجنة التوعية والإعلام ، ولجنة الصحة العامة ، ولجنة الصدقات والزكاة ، وغيرها. أما الجناح الآخر فهو عسكري ، قام ببعض عمليات المقاومة المسلحة ضد الجيش العراقي. كانت في مجملها عمليات متواضعة ومحدودة (.

وتجدر الإشارة هنا ، أن حركة المقاومة التي قادتها التنظيمات الإسلامية في الكويت خلال فترة الاحتلال ، عرفت لاحقًا باسم (حركة حماك). أي حركة المقاومة الإسلامية الكويتية. قامت هذه الحركة بعدة عمليات صغيرة لضرب القوات العراقية في الكويت وثمة حادثة ارتكبتها (حركة حماك) بحق عدد من الجنود العراقيين ، تدل على انعدام الثقة واضطراب المقاومة الكويتية وارتباكها. حيث يروي أحد شهود العيان أن مجموعة من الجنود العراقيين في الكويت دخلوا في مفاوضات سرية مع حركة حماك لتسليم أسلحتهم ، على اعتبار أن احتلال الكويت ، من وجهة نظرهم ، مسألة غير شرعية. وأنهم لا يرغبون بحمل السلاح بوجه إخوانهم المسلمين من أبناء الكويت. وفعلا سلم هؤلاء الجنود أسلحتهم لأعضاء الحركة الذين خصصوا أحد (الكراجات) لإيوائهم. غير أن قيام القوات العراقية بتمشيط المنطقة بحثًا عن أفراد المقاومة جعل القائمين على الحركة يقدمون على إعدام هؤلاء الجنود ، خوفًا من انكشاف تنظيمات المقاومة أمام القوات العراقية ، عن طريق هؤلاء الجنود. في حين كان بأمكانهم نقل هؤلاء الجنود إلى مكان آمن غير ذلك المكان. لكنهم لم يفعلوا. وكان اعتمادهم في تسويغ فعلهم ، على قاعدة فقهية للشيخ ابن تيمية ، تقول : «إذا تترس العدو بأسى المسلمين ، يقتل الأسرى ويبعثون على نياتهم».

وهي في حقيقتها أبعد ما تكون عن تصرفهم الذي يدل على ضعف تلك المقاومة ، وعدم استيعابها لتطورات الأحداث بشكل سليم.

أما الحركة الدستورية الإسلامية ، وهي التسمية الجديدة لتنظيم الإخوان المسلمين في الكويت بعد تحريرها ، فقد وجهت نداء إلى قادة مجلس التعاون الخليجي ، الذي عقد مؤتمر قمة بعد تحرير الكويت ، أكدت في النداء أن «كارثة احتلال الكويت أثبتت أن وحدة دول المنطقة أمر حتمي ، من أجل استتباب أمنها واستقرارها ، وأن صيغة مجلس التعاون الخليجي قد تجاوزها الزمن» ودعا النداء كذلك ، قادة دول مجلس التعاون إلى تغيير هذه الصيغة إلى «صيغة وحدة شاملة. تقوم على أساس تأكيد الإطار الإسلامي العربي للوحدة الخليجية. وأن تكون رابطة العقيدة الإسلامية هي الأساس لهذه الوحدة».

مما تقدم يتضح لنا أن التيار الإسلامي في الخليج العربي ، وبكل تنظيماته وأحزابه ، اهتم بالكثير من القضايا الداخلية والخارجية التي تتناول مواضيع تخص واقع المسلمين الديني والاجتماعي والسياسي. إلا أن المواقف التي اتخذها التيار الإسلامي من تلك القضايا تباينت من تنظيم إسلامي إلى آخر. اعتمادًا على الفكر والمنهج الذي تبناه كل تنظيم في نشاطه الدعوي والسياسي ، ورؤيته لتطورات الأحداث الداخلية والخارجية .

الخاتمة

أن العودة بالإسلام إلى نقائه الأصيل ، وتجديد الدعوة الإسلامية ، ومحاربة الجهل والتخلف والجمود الفكري ، كانت من أبرز الأهداف التي سعى المصلحون الإسلاميون والحركات الإسلامية الحديثة للوصول إليها. ولاسيما بعد أن أصبح العالم الإسلامي مستهدفًا من الغرب الأوروبي ، لإضعاف الإسلام في نفوس المسلمين ، وتشكيكهم بعقيدتهم ثم إحكام السيطرة على اقتصاده ، واستخدامه سوقًا لمنتجاته من خلال الهجوم الصريح على أقطاره ، الذي ابتدأ بالاحتلال الفرسين للجزائر عام 1830 ، إلى السيطرة البريطانية -الفرنسية الكاملة على الوطن العربي ، خلال الحرب العالمية الأولى وبعدها ، إلى إلغاء الخلافة عام 1924. وفي المقابل فإن عجز الأنظمة السياسية العربية الإسلامية عن إنجاز التنمية المطلوبة أو صيانة الاستقلال الوطني ، أو تحقيق العدالة الاجتماعية فضلاً عن قيام تلك الأنظمة بتوظيف الدين الإسلامي لشرعته ومباركة حالات الاستبداد والتخلف والتبعية والتجزئة بما يشوه المضامين الأصيلة للإسلام. هذه العوامل وغيرها كانت الدافع والضاغط لظهور إرهاصات الفكر الحركي الإسلامي ، والتي شكلت تيارًا إسلاميًا نشطًا على امتداد الساحة العربية والإسلامية ، ومنها منطقة الخليج العربي.

يمثل الإسلام حجر الزاوية في بناء المجتمع والهيكل السياسي لأقطار الخليج العربي ، التي تتميز عمومًا بتعلقها بالقيم الدينية والحضارية الإسلامية الأصيلة. والإسلام في الوقت نفسه يمثل الإطار النظري الأيديولوجي للتنظيمات الإسلامية التي ظهرت في منطقة الخليج العربي في بدايات القرن العشرين. فقد شهد المجتمع الخليجي مظاهر النمو في الوعي الإسلامي ، نتيجة تفاعل عوامل عديدة محلية وعربية ، منها الزيارات التي قام بها مفكرون ومصلحون إسلاميون إلى منطقة الخليج العربي ، والرحلات التي كان يقوم بها أبناء الخليج إلى بعض مراكز النهضة الفكرية العربية ، سواء بقصد التجارة أو لطلب العلم ، ثم دور الصحافة العربية والإسلامية على وجه الخصوص ، وأثرها في إيقاظ الشعور الديني في نفوس أبناء الخليج العربي. كما أسهمت المدارس والجمعيات التي ظهرت في المنطقة في تعزيز الوعي الإسلامي والإصلاح الاجتماعي. فأثمرت تلك العوامل في إنضاج الوعي الفكري عمومًا ، والإسلامي بشكل خاص ، وتشجيع المصلحين على المطالبة بالإصلاح ، وتجديد الفكر الإسلامي والتمسك بأصول الإسلام. وقد تكتل هؤلاء المصلحون في تنظيمات إسلامية محلية ، شكلت النواة والقاعدة للحركات والأحزاب الإسلامية التي شهدتها منطقة الخليج العربي بعد الحرب العالمية الثانية.

ويمكن القول أن التيار الإسلامي في الخليج العربي ، الذي برز بشكل واضح في النصف الثاني من القرن العشرين ، لم يكن طارئًا على المجتمع الخليجي ، بل كانت له امتدادات وجذور عميقة داخل ذلك المجتمع تكونت من خلال المتغيرات الفكرية والاجتماعية التي برزت على الساحة الخليجية منذ مطلع القرن العشرين. وعلى الرغم من تلك الخصوصية ، فقد تأثر التيار الإسلامي الخليجي بشكل كبير بتنظيمات إسلامية رئيسة ، وفدت إلى المنطقة من دول إسلامية أخرى ، في سنوات الأربعينات وما تلاها ، منها تنظيم الإخوان المسلمين الذي تأسس في مصر ، وحزب التحرير الإسلامي في الأردن ، وجماعة التبليغ في شبه القارة الهندية ، وحزب الدعوة الإسلامية في العراق ، والتي ساهمت ، إلى جانب التنظيمات الإسلامية المحلية (السنية والشيعية) في تكوين التيار الإسلامي الخليجي ، وبلورة نشاطه ومواقعه من تطورات الأحداث السياسية والاجتماعية ، داخل منطقة الخليج العربي وخارجها.

يمكن أن نميز مرحلتين في تاريخ التيار الإسلامي في الخليج العربي ، موضوع البحث ، امتدت الأولى من بعد الحرب العالمية الثانية ، إلى حرب حزيران 1967 مع الكيان الصهيوني. إذ شهدت الساحة الخليجية في هذه المدة تطورات ومتغيرات سياسية واجتماعية وفكرية ، تزامنت مع ازدياد العائدات النفطية في المنطقة ، وبروز التيار القومي وانتشاره بعد ثورة تموز/ يوليو 1952 في مصر. في هذه المدة تدثرت التنظيمات الإسلامية في الخليج العربي بدثار النشاط الاجتماعي الديني. واقتصر نشاطها على التوجيه والإرشاد الاجتماعي بأسلوب ديني ، بعيدًا عن السياسة. أما المدة الزمنية الثانية فجاءت على أثر هزيمة المشروع القومي العربي في حرب حزيران 1967. وما أعقب تلك الهزيمة من فراغ سياسي وفكري كبير كان مقدرًا أن تملأه التيارات السياسية الإسلامية باندفاع منقطع النظير. فشهد عقد السبعينيات انتشارًا واسعًا لمظاهر الانبعاث الإسلامي والاحتجاج الديني المسيس ، في العالم الإسلامي عمومًا ، ومنطقة الخليج العربي بشكل خاص. تزامن ذلك مع قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 ، والغزو الروسي لأفغانستان في العام نفسه. وكانت بعض مظاهر ذلك الانبعاث ، أقدام مجموعة سلفية متشددة على اقتحام الحرم المكي والسيطرة عليه كخطوة أولى للسيطرة على الحكم في المملكة العربية السعودية وظهور تنظيمات إسلامية أصولية متأثرة بالثورة الإيرانية. أعلنت عن أهدافها في إقامة مجتمع إسلامي ودولة إسلامية ، متخذة من الثورة الإيرانية أنموذجًا لها. بلغت ذروة نشاطها خلال انتفاضة المنطقة الشرقية في المملكة ، في تشرين الثاني 1979. فقد شجع انتصار الثورة الإسلامية في إيران تلك التنظيمات التي وجدت في ما حصل في إيران أنموذجًا يمكن تحقيقه بوساطة الثورة التي تستند إلى الإسلام. فشهدت بعض أقطار الخليج العربي ، مثل الكويت والبحرين ، محاولات لاغتيال مسؤولين في الدولة ، وعمليات تخريبية ، ومواجهات مع القوى الأمنية ، في إطار محاولات ، كتب لها الفشل ، لإقامة الدولة الإسلامية.

واستنادًا إلى ذلك ، اتهمت التنظيمات الإسلامية (الشيعية) المتأثرة كثيرًا بإيران ، بضعف ولائها الوطني. لكن يمكن القول أنه على الرغم من محاولات التنظيمات الدينية الإيرانية إقامة امتدادات لها في منطقة الخليج العربي ، أو على الأقل التأثير في توجهات شيعة المنطقة ، إلا أن التيار الإسلامي الشيعي حاول الحفاظ على الهوية الوطنية الخليجية في معظم مواقفه.

وإبان (السبعينيات والثمانينيات) ، تبلور التيار الإسلامي السياسي في الخليج العربي. وبرزت على الساحة الخليجية تنظيمات إسلامية مسلحة بنظرة شمولية للأحداث ، وعمل سياسي -اجتماعي منظم من خلال السيطرة على المؤسسات النقابية ، وجمعيات النفع العام ، التي كانت حكرًا على القوميين والليبراليين. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الأنظمة الحاكمة في الخليج العربي حاولت استيعاب بعض التنظيمات الإسلامية ، لإبقائها قوة في مواجهة التيار الديمقراطي والليبرالي الذي يسود التوتر علاقته بالإسلاميين ، والذي وصل أقصى مداه فيما سمي بـ (معركة الاختلاط) في الكويت مطلع السبعينات. مع ذلك ظلت العلاقة بين التيار الإسلامي والأنظمة السياسية في الخليج العربي بين مد وجز في أغلب الأحيان.

تفاعل التيار الإسلامي في الخليج العربي ، مع الكثير من القضايا الداخلية والخارجية ، التي عبر من خلالها عن موقفه ونظرته من تطورات الأحداث ، وتأكيده على التمسك بالإسلام وتعاليمه في معالجة تلك القضايا ، مثل موقفه من إصلاح المجتمع ومسألة الشورى والديمقراطية ، وبعض قضايا المرأة. كما احتلت بعض قضايا العالم الإسلامي حيزًا بارزًا من اهتمامات التيار الإسلامي ورموزه في الخليج العربي ، كالقضية الفلسطينية ، والغزو الروسي لأفغانستان عام 1979 ، والحرب العراقية -الإيرانية 1980- 1988. وأخيرًا حرب الخليج الثانية 1990- 1991.

شكلت حرب الخليج الثانية ، الناتجة عن ضم العراق للكويت في 2 آب 1990 ، محطة أساسية أمام جميع القوى السياسية في منطقة الخليج العربي ، بما فيها التيار الإسلامي. فمع انتهاء الحرب ضد الشيوعيين في أفغانستان ، التي عدت أحد ميادين الانتعاش الديني للتيار الإسلامي السلفي في الخليج ، برزت حالة من الفراغ الجهادي ، أعقبها أحداث حرب الخليج الثانية ، وانقسام التيار الإسلامي في الخليج العربي ، وبشكل خاص في المملكة العربية السعودية ، إلى تيار فقهي رسمي تمثله المؤسسة الدينية الرسمية وتيار إصلاحي دعوي طالب بالعودة إلى جذور المذهب السلفي ، في مقابل ما عداه انحرافًا في مسيرة المؤسسة الدينية الرسمية عن الخط الذي رسمه الإمام محمد بن عبد الوهاب. ولاسيما بعد الموافقة الرسمية التي منحتها المؤسسة الدينية للقرار الحكومي بالاستعانة بقوات أجنبية في مواجهة النظام العراقي آنذاك. وقد خرج هذا التيار ممن عرفوا بمشايخ الصحوة ، أو الصحويين ، وهو يتسم بقدر كبير من الحركة والتأثير الاجتماعي. ويمتلك الجرأة في طرح أفكاره ومواقفه من الواقع السياسي والاجتماعي والديني. تمثل ذلك في انتشار ظاهرة أشرطة الكاسيت والمناظرات والمحاضرات التي تنتقد سياسة الدولة الداخلية والخارجية. ثم في تقديمه ما سمي بـ (مذكرة النصيحة) للملك فهد بن عبد العزيز ، بعد انتهاء حرب الخليج الثانية التي عدها البعض مشروعًا لإصلاح الدولة السعودية على أسس دينية. وهذا ما حاولت الدراسة الكشف عنه وتوضيح أبعاده ، اعتمادًا على الوقائع التاريخية التي تبين دور التيار الإسلامي ، بتنظيماته ورموزه كافة ، في منطقة الخليج العربي ، وتأثيره في المجتمع ، بوصفه من أكبر التيارات الفكرية وأقواها في الساحة الخليجية.

الملاحق

الأئمة الاثنا عشر

1- علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) (ت : 40هـ) ، يلقب بالمرتضى.

2- الحسن بن علي رضي الله عنهما (ت : 50هـ) ، يلقب بالمجتبي.

3- الحسين بن علي رضي الله عنهما (ت61هـ) ، يلقب بالشهيد.

4- علي زين العابدين بن الحسين (ت : 95هـ) ، يلقب بالسجاد.

5- محمد الباقر بن علي زين العابدين (ت : 114هـ) ، يلقب بالباقر.

6- جعفر الصادق بن محمد الباقر (ت : 148هـ) ، يلقب بالصادق.

7- موسى الكاظم بن جعفر الصادق (ت : 183هـ) ، يلقب بالكاظم.

8- علي الرضا بن موسى الكاظم (ت : 203هـ) ، يلقب بالرضى.

9- محمد الجواد بن علي الرضا (ت : 220هـ) ، يلقب بالتقي.

10- علي الهادي بن محمد الجواد (ت : 254هـ) ، يلقب بالنقي.

11- الحسن العسكري بن علي الهادي (ت : 260هـ) ، يلقب بالزكي.

12- محمد المهدي بن الحسن العسكري ، يلقب الحجة القائم المنتظر.


فتوى علماء السعودية في حادثة الحرم المكي 1979

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبيه محمد وعلى آله وصحبه وبعد : ففي يوم الثلاثاء اليوم الأول من شهر المحرم عام أربعمائة وألف من الهجرة ، دعانا نحن الموقعين أدناه جلالة الملك خالد بن عبد العزيز السعود ، فاجتمعنا لدى جلالته في مكتبه بالمعذر ، وأخبرنا أن جماعة في فجر هذا اليوم بعد صلاة الفجر مباشرة دخلوا في المسجد الحرام ، وأغلقوا أبواب الحرم ، وجعلوا عليها حراسا مسلحين منهم ، وأعلنوا طلب البيعة لمن سموه بالمهدي ، وبدأو بمبايعته ومنعوا الناس من الخروج من الحرم ، وقاتلوا من مانعهم وأطلقوا النار على أناس داخل المسجد ، وأصابوا غيرهم وأنهم لا يزالون يطلقون النار على الناس خارج المسجد ، واستفتانا في شأنهم وما يعمل معهم ، فأتيناه بأن الواجب دعوتهم إلى الاستسلام ووضع السلاح فإن فعلوا قبل منهم وسجنوا حتى ينظر في أمرهم شرعًا.. فإن امتنعوا ، وجب اتخاذ كافة الوسائل للقبض عليهم ، ولو أدى إلى قتالهم وتقل من لم يحصل القبض عليه منهم ويستسلم إلا بذلك ، لقول الله تعالى : ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة : 191].. ولقول النبي -صلى الله عليه وسلم- «من أتاكم وأمركم جميع يريد أن يفرق جماعتكم ويشق عصاكم فأضربوا عنقه» رواه أبو مسلم.. والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة ونسأل الله أن يعلي كلمته ، وينصر دينه ، وأن يخذل من أراد الإسلام والمسلمين بسوء. وأن يشغله بنفسه ، إنه سميع مجيب ، وصلى وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

نص الفتوى الأخرى والمرفقة بالأولى

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد وآله وصحبه.

ونسأل الله أن ينصر دينه يعلي كلمته ويخذل من أراد الإسلام والمسلمين بسوء وأن يعيذنا من الفتن ، ما ظهر منها وما بطن ، وأن يكبت من أراد الفساد والإلحاد في حرم الله ، وانتهاك حرمته وسفك دماء المسلمين ، وبعد ، فإن هذا العمل الشنيع الذي قامت به هذه الطائفة الظالمة ، التي انتهكت حرمة الله وأقدس بقعة في أرضه. وسفكت فيه الدم الحرام في الشهر الحرام في البلد الحرام ، وفي رحاب الكعبة المشرفة وروعت المسلمين الآمنين في أمن الله وحرمه.. عمل مخالف لكتاب الله وسنة رسول -صلى الله عليه وسلم- وإجماع الأئمة ، ويعتبر منكرًا عظيمًا ، وإجرامًا شنيعًا وإلحادا في حرم الله الذي قال فيه : ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج : 25] وقال سبحانه : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة : 114] وصح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال : «إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض ، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، وأنها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار.. وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، فليبلغ الشاهد الغائب». متفق عليه.. وهذا الطائفة تجرأت على مخالفة أمر الله وأمر رسوله -صلى الله عليه وسلم- وإجماع الأئمة ، ولذلك سأل ولاة الأمر عن الحكم لمكافحة شر هؤلاء ، فصدرت الفتوى الشرعية بأن علي ولي الأمر أن يقضي على فتنتهم باتخاذ كافة الوسائل ، ولو أدى ذلك إلى مقاتلتهم إن لم يندفع شرهم إلا بذلك.. لقوله تعالى : ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾. وهذه الآية وإن كانت نازلة في الكفار ، فإن حكمها شامل لهم ولغيرهم ممن فعل فعلتهم ، فاستحل القتال في الحرم بإجماع العلماء ، ولقول سول الله -صلى الله عليه وسلم- : «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد ، يريد أن يشق عصاكم فأضربوا عنقه كائنا من كان». وهذا حكم من يدعي أنه المهدي وغيره وهذه الطائفة أرادت شق عصا المسلمين ، وتفريق كلمتهم ، والخروج على إمامهم ، فدخلت في عموم هذا الحديث وغيره من النصوص الشرعية الدالة على معناه ، وولاة الأمر وفقهم الله لكل خير ، مشكورون على ما قاموا به من جهد لإخماد هذه الفتنة والقضاء عليها. فنسأل الله أن يعز بهم الإسلام والمسلمين وأن يوفقهم لما فيه صلاح العباد والبلاد ، إنه سميع مجيب وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

الموقعون

الشيخ عبد الله بن حميد- الشيخ عبد العزيز بن باز- الشيخ عبد العزيز ناصر بن رشيد- الشيخ راشد بن صالح بن خنين- الشيخ راشد بن عبد العزيز بن مترك- الشيخ عبد العزيز بن عبد الرحمن الربيعة- الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن فارس- الشيخ ناصر بن حمد الراشد- الشيخ سليمان بن عبد العزيز بن سليمان- الشيخ محمد بن عبد الله الأمير- الشيخ عبد العزيز بن محمد بن زاحم- الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن راشد- الشيخ محمد سلميان البدر- الشيخ محمد بن إبراهيم بن جبير- الشيخ صالح بن علي بن غصون- الشيخ غنيم بن مبارك الغنيم- الشيخ ناصر بن عبد العزيز الشتري- الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع- الشيخ عبد العزيز العيسى- الشيخ إبراهيم بن محمد الالشيخ- الشيخ محمد علوي مالكي- الشيخ صالح بن محمد بن لحيدان- الشيخ محمد بن سبيل الشيخ سليمان بن عيد - الشيخ عبد الرحمن حمزة المرزوقي - الشيخ محمد بن إبراهيم البشر- الشيخ محمد إبراهيم العيسى.

فتوى الاستعانة بغير المسلمين في أزمة الخليج 1990- 1991

كان اجتياح العراق للكويت حدقًا مفزعًا على المستوى العالمي بعامة. والمستوى الإسلامي والعربي منه بخاصة والذين تابعوا الأحداث أصابهم الذهول من هول الجريمة ، وبشاعة أثارها التي لا يعرف لها مثيل في التاريخ إلا ما حكم عن نيرون وهولاكو خان ، وهتلر. ولم يستجب حاكم العراق لشفاعة أحد في المصالحة ، ولم تستطيع القوى العربية والإسلامية أن تصنع شيئا يرده ، واستهان بالإجماع العالمي ، وبموقف العقلاء من حكام العرب.

وأكدت التقارير أن أطماعه تمتد إلى السعودية وسائر دول الخليج وهي التي شدت أزره في حربه مع إيران ، ولم تدخر وسعًا في مساعدته ، واستحوذ على الرجل شيطان غروره ، وشطط كبريائه.

ما كادت السعودية والدول الخليجية توافق على اليأس من قدرة العرب والمسلمين على كبح جماح هذا الصائل الشموس حتى تمسح بالإسلام ، وهو من ألد أعدائه معتقدًا وواقعًا ، ودعا المسلمين إلى تطهير الحرمين من الغزو الأجنبي -وهما على بعد ألف وخمسمائة كيلو متر- ليستثير العواطف الإسلامية الساذجة ، وهي شنشنة يعرفها من أحزم ، فطالما استغل الجبارون الإسلام ورفعوا شعار الإيمان في ساعة العسرة ، يقول تعالى في فرعون : ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ﴾.

والذي يحز في النفس أن بعض العاملين في الحقل الإسلام استخفهم هذا الشعار ، وربما صادف هوى في نفوسهم فأغفلوا أصل الداء ، واستمسكوا بآثاره وغاب عنهم أن هذا يشغلهم عن القضية الأم ، فنددوا بالوجود العسكري للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها على أرض وفي مياه إسلامية ، وقالوا : إن هذا يتنافى مع أحكام الفقه الإسلامي إذ لا يجوز الاستعانة بغير مسلمين ، وهو يؤدي إلى ضياع الخليج كما ضاعت الأندلس عندما استعان ملوك الطوائف بالفرنجة ، وأحب أن أوضح ما يأتي :

1- أن ظلم ذوي القربى من رؤوس الشر المتحكمين أشد من ظلم المحلين ، والتاريخ خير شاهد على هذا ، في الواقع المرير الذي يعيشه عالما العربي اليوم إذا قيس بعهود الاحتلال.

2- أن بغضنا للاحتلال الأجنبي لا ينبغي أن يحجب عنا الرؤية الصحيحة والعدالة في الحكم ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة : 8] ، وما كان لهذا الوجد الأجنبي أن يفد ألينا لولا الغزو العراقي للكويت الذي قضى على الأخضر واليابس في ساعات.

3- أن الاحتلال العسكري الأجنبي لم يعد مقبولاً في العصر الحاضر وهو يهيج مشاعر الشعوب لمقاومته حتى يزول شبحه ، ولكن تسلط أبطال القومية من أبناء جلدتنا ، الذين يبسطون نفوذهم ، ويسحقون شعوبهم ، ويلبسون ثياب القادة المغاوير الأشاوس الذي خلصوا بلادهم من براثن الاستعمار -لكن هذا أشد بأسا ، وأنكى إيلاما ، وأبشع خطرًا ، إذ لا تستطيع أن تقول في هؤلاء المسلطين : أنهم الأعداء الألداء ، والمغتصبون المستعمرون.

4- أن لجوء السعودية ودول الخليج إلى القوى الأجنبية كان بعد اليأس الكامل من وجود قوة عربية وإسلامية ضاربة تقف في وجه هذا الخطر الداهم ، وترده إلى أعقابه خاسرًا ، وقد فشلت جميع الجهود الدبلوماسية في الوصول إلى حل للأزمة ، وشتان بين هذه الحالة وما كان في الأندلس من حروب بين ملوك الطوائف الذين استولى كل واحد منهم على ناحية في البلاد بعد اضمحلال الخلافة الأموية الأندلسية والتجأ بعضهم إلى ملوك الفرنجة.

5- أن استغلال هذا باسم الإسلام لصرف الأنظار عن فداحة الخطب في العدوان العراقي الذي التهم الكويت الجارة العربية له وفعل فيها الأفاعيل.. هو تجارة رخيصة للتلاعب بعواطف المسلمين ، ومن المحزن ما سمعناه عن انسياق التيار الإسلامي المتحمس وراء هذا الخدع الذي يدغدغ الأحلام ، دون وعي فقهي وبصيرة نيرة لأبعاد ذلك الاتجاه ، فهو كلمة حق يراد بها باطل.

6- أن الاستعانة بغير المسلمين لدرء الشر ، وتخفيف وطأته ، والكسر من حدته ، أمر جائز شرعا عند الضرورة ، والضرورة تقدر بقدرها ، والحاجة تنزل الضرورة والقوات الأجنبية ستعود أدراجها بعد انتهاء الحاجة التي دعت إليها.

7- أن مثل الاستعانة الجائزة شرعا في حالة الضعف شيء ، والموالاة المنهي عنها شيء آخر ، فالموالاة المنهي عنا في مثل قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة : 1] وقوله : ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران : 28] هي التقارب والتواد والمحبة والتناصر ، كما يشعرون بهذا قوله تعالى في الآية الأولى : ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِم بالْمَوَدَّةِ﴾ أما الاستعانة فهي طلب العون في الضائقة المدافعة الظالمين الباغين دون مودة قلبية وفي الآية الثانية إشارة ينبغي إدراكها فقوله تعالى : ﴿مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في موضع الحال ، أي متجاوزين المؤمنين جانبا ، أما إذا كان الود للمؤمنين والولاية لهم ، ولكنهم عجزوا عن النصرة ، وإدلهم الخطب ، فحكم النهي لا يصدق على هذه الحالة وهي الحالة التي حاولت مع بعض القادة العرب الوصول إلى ذلك ، وبذلك جهودها دون جدوى ، وصدرت قرارات منظمة المؤتمر الإسلامي ، والجامعة العربية ومجلس الأمن فضرب بها حاكم العراق عرض الحائط.

8- أن شواهد السيرة النبوية تدل على جواز الاستعانة بغير المسلمين عند الحاجة :

أ- اشتد إيذاء المشركين لصحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، ونزل بهم من البلاء ما لا يقدر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على دفعه عنهم فقال لهم : لو خرجتم إلى أرض الحبشة ، فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد ، وهي أرض صدق ، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه. فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى أرض الحبشة مخالفة الفتن- وهي أول هجرة كانت في الإسلام-ولم يكن النجاشي مسلما ، وإنما كان نصرانيا ، فأوى المسلمين وحماهم ، وأبى يسلهم إلى المشركين.

ب- واستجار بعض الصحابة بأفراد من المشركين لهم سلطنة وشأن ، فدخل منهم من دخل في جوارهم ليمنعوهم من أذى قومهم ، ودخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جوار المطعم بن عدي فدخول المسلم في جوار المشرك لحمايته يجوز عند الضرورة في حالة الضعف والعجز عن دفع الظلم ورد العدوان.

ج- ولما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الأذى ما لم تكن تنال منه في حياة عمه الذي يحميه ، واشتد إيذاؤها لصحابته ، وهم الأهل والعشيرة فخرج -صلى الله عليه وسلم- إلى الطائف يلتمس النصرة.

هـ- وعاهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اليهود بالمدينة بعد هجرته وكتب بذلك الصحيفة المشهورة التي تسمى صحيفة المدينة ، وتضمنت فيما تضمنته التعاهد بحماية المدينة ، وصيانة حرمة أهل هذه الصحيفة من المهاجرين والأنصار واليهود ، وأن يقاتل اليهود مع المؤمنين ويتفقوا معهم في الحرب ، ولولا أن اليهود نقضوا العهد ما قاتلهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهذا تشريع يعمل به في حالة الضعف.

و- وما جاء في الحديث الذي رواه أحمد ومسلم عن عائشة من رده -صلى الله عليه وسلم- الرجل المشرك الذي عرض نفسه للقتال معه حتى يسلم وقوله له : «فأرجع فلن أستعين بمشرك» فأسلم ، وقبله ، قوله في الحديث الآخر عند أحمد لرجلين آخرين ردهما حتى يسلما : «إنا لا نستعين بالمشركين على المشركين» فأسلما وقبلهما- ما جاء في هذين الحديثين معارض بما رواه أحمد عن ذي مخبر قال : سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول : «ستصالحون الروم صلحا تغزون أنتم عدوا من ورائكم» وبما رواه أبو داود عن الزهري مرسلاً : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- استعان بناس من اليهود في خيبر في حربه فأسهم له ، من ثقيف والمعنى بهم من قومه ، وعمد إلى نفر من سادتهم وأشرافهم ، وطلب منهم نصرته- وهذه استعانة بغير المسلمين ، وإن كانوا قد ردوه ردا سيئا وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم ، فتوجه إلى ربه بالشكوى : «اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربي ، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني ، أم إلى عدو ملكته أمري؟ أن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ، ولكن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، أن تنزل بي غضبك أو يحل على سخط ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك).

د- وحين هاجر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى المدينة ومعه صاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، استأجرا عبد الله بن أرقط -وكان مشركا- يدلهما على الطريق ، ودفعا إليه راحلتيهما ، وتواعدا أن يأتيها بعد ثلاث إلى غار ثور ، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما ، ووافاهما في الموعد ، وركب كل منهما بعيره ودلهما على الطريق مع أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد أخفى هجرته وواجهته ، ولم يكن يعلم بخروجه حين خرج ألا علي بن أبي طالب ، وأبو بكر الصديق ، وال أبو بكر. وباستعانته -صلى الله عليه وسلم- بصفوان بن أمية يوم حنين ، وبما ثبت عند أهل السير أن قزمان خرج مع أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم أحد وهو مشرك فقتل ثلاث من بني عبد الدار حملة لواء المشركين ، حتى قال -صلى الله عليه وسلم- «إن الله ليأزر هذا الدين بالرجل الفاجر» ولهذا ذهب أبو حنيفة إلى جواز الاستعانة بالمشركين مطلقا ، وقال الشافعي وآخرون بالجواز إذا دعت الحاجة وكان الكفر حسن الرأي في المسلمين. وجميع الشافعي بين هذا التعارض فقال : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تفرس الرغبة في الذين ردهم ، فردهم رجاء أن يسلموا ، فصدق الله ظنه ، وقال غيره : إن المنع كان أول الأمر ثم رخص فيه. وحيث يختلف العلماء في حكم فإن ولي الأمر له أن يختار ما يراه محققا للمصلحة ، وقد اختار ولاة الأمر في السعودية ودول الخليج القول بجواز الاستعانة للنفس والمال والعرض.

ز- ومن قواعد الفقه الإسلامي ما يدل على هذا :

«إذا تعارضت مصلحة ومفسدة قدم الأرجح منهما» ومصلحة الحفاظ على أمن الخليج ، على الصعيد العالمي ، وعلى الصعيد المحلي ، أرجح من الوجود العسكري الأجنبي المؤقت لما في ذلك من حماية النفس والعرض والمال.

«إذا تعارضت مفسدتان ، ارتكب الأخف منهما «ومفسدة الاستعانة العسكرية بالولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين إلى حين أخف من مفسدة اجتياح البلاد ، وتشريد أهلها ، ونهب ثرواتها ، وبسط النفوذ بقوة السلاح ، كما حدث في الكويت.

وبعد :

فتلك شواهد على جواز الاستعانة بغير المسلمين شرعا عند الحاجة ، والمملكة العربية السعودية ودول الخليج التي استعانت بالقوى الأجنبية عندما اشتد البأس ، وكان اليأس ، لن تدخر وسعًا في أن تطلب منها مغادرة بلادها ، إذا عاد الأمن ، وذهب هذا الشبح المخيف ، وزال خطره ، واطمأنت النفوس واستقرت أوضاع المنطقة ، وهو أمر متفق عليه- فهل يعي المسلمون- الذين فزعوا الوجود الأجنبي على أرض إسلامية ، وتناسوا أسبابه التي دعت إليه ، واندفعوا في ذلك بحماس إسلامي- هل يعي هؤلاء الفقه الشرعي في ذلك؟ حتى تكون مواقفهم على بصيرة من أمر نبيهم. نسأل الله الرشد والسداد ، وأن يكشف عنا الغمة ، ويرافقنا لما يحب ويرضى.

الشيخ مناع القطان

حكم قيادة المرأة للسيارة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد :

فقد كثر حديث الناس في صحيفة الجزيرة عن قيادة المرأة للسيارة.

ومعلوم أنها تؤدي إلى مفاسد لا تخفى على الداعين إليها. منها الخلوة المحرمة بالمرأة. ومنها السفور. ومنها الاختلاط بالرجال بدون حذر ، ومنها ارتكاب المحظور الذي من أجله حرمت هذه الأمور والشرع المطهر منع الوسائل المؤدية إلى المحرم واعتبرها محرمة ، وقد أمر الله جل وعلا نساء النبي ونساء المؤمنين بالاستقرار في البيوت. والحجاب ، وتجنب إظهار الزينة لغير محارمين لما يؤدي إليه ذلك من الإباحية التي تقضي على المجتمع قال تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ولَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب : 33] وقال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب : 59] وقال تعالى : ﴿ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ولَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ولَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ولَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور : 31] وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : «ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهم» فالشرع المطهر منع جميع الأسباب المؤدية إلى الرذيلة بما في ذلك رمي المحصنات الغافلات بالفاحشة وجعل عقوبته من أشد العقوبات صيانة للمجتمع من نشر أسباب الرذيلة. وقيادة المرأة من الأسباب المؤدية إلى ذلك وهذا يخفي ولكن الجهل بالأحكام الشرعية وبالعواقب السيئة التي يفضي إليها التساهل بالوسائل المفضية إلى المنكرات مع ما يبتلي به الكثير من مرضى القلب ومحبي الإباحية والتمتع بالنظر إلى الأجنبيات كل هذا يسبب الخوض في هذا الأمر وأشباهه بغير علم وبغير مبالاة بما وراء ذلك من الأخطار وقال الله تعالى : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف : 33].

وقال سبحانه : ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة : 168- 169] وقال -صلى الله عليه وسلم- : «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء» وعن حذيفة ابن اليماني رضي الله عنه قال : «وكان الناس يسألون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت : يا رسول الله أنا كنا في جاهلية وشر فجاء الله بهذا الخير فهل بعده من شر قال : نعم ، قلت : وهل بعد ذلك الشر من خير قال : نعم وفيه دخن قلت وما دخنه؟ قال قوم يهدون بغير هدي تعرف منهم وتنكر قلت : فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال : نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم أليها قذفوه فيها. قلت يا رسول الله صفهم لنا. قال : هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. قلت : فما تأمرني إن أدركني ذلك قال تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت : فإن لم يكن لهم إمام ولا جماعة؟ قال : فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدرك الموت وأنت على ذلك» متفق عليه.

وإنني أدعو كل مسلم أن يتقي الله في قوله وفي عمله وأن يحذر الفتن والداعين إليها وأن يتبعد عن كل ما يسخط الله جل وعلا أو يفضي إلى ذلك وأن يحذر كل الحذر من هؤلاء الدعاة الذين أخبر عنهم النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث الشريف. وقانا الله شر الفتن وأهلها وحفظ لهذه الأمة دينها وكفاها شر دعاة السوء ووفق كتاب صحفنا وسائر المسلمين لما فيه رضاه وصلاح أمر المسلمين ونجاتهم في الدنيا والآخرة إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين


مطالب إصلاحية

مطالب إصلاحية قدمها رموز التيار الإسلامي في المملكة العربية السعودية إلى الملك فهد بن عبد العزيز خلال أزمة حرب الخليج الثانية 1990- 1991.

خادم الحرمين الشريفين وفقه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد

فقد تميزت هذه الدولة بإعلانها تبني الشريعة الإسلامية. وما زال العلماء وأهل النصح يسدون لولاتهم ما فرضه الله عليهم من النصيحة. وإننا في هذه الفترة العصيبة التي أدرك فيها الجميع الحاجة إلى التغيير ، نجد أن أوجب ما تتوجه إليه العزائم هو إصلاح ما نحن فيه مما جلب علينا هذه المحن. ومن أجل ذلك فإننا نطالب ولي الأمر بتدارك الأوضاع التي تحتاج إلى الإصلاح في النواحي التالية :

- إنشاء مجلس للشورى للبت في الشؤون الداخلية والخارجية يكون أعضاؤه من أهل الاختصاصات المتنوعة المشهود لهم بالاستقامة والإخلاص. مع الاستقلال التام من دون أي ضغط يؤثر في مسؤولية المجلس الفعلية.

- عرض وصياغة كل اللوائح والأنظمة السياسية والاقتصادية والإدارية وغيرها على أحكام الشريعة الإسلامية. ومن ثم إلغاء كل ما يتعارض معها.

- إن تتوافر في مسؤولي الدولة وممثليها في الداخل والخارج استقامة السلوك مع الخبرة والتخصص والإخلاص والنزاهة.

- تحقيق العدالة والمساواة بين جميع أفراد المجتمع في أخذ الحقوق وأداء الواجبات كاملة من دون محاباة للشريف أو منة على الضعيف. وأن استغلال النفوذ أيا كان مصدره في التملص من الواجبات أو الاعتداء على حقوق الآخرين سبب لتمزيق المجتمع والهلاك الذي أنذر به النبي -صلى الله عليه وسلم-. - الجدية في متابعة كل المسؤولين ومحاسبتهم بلا استثناء. لا سيما أصحاب المناصب الفعالة. وتطهير أجهزة الدولة من كل من تثبت أدانته بفساد أو تقصير بصرف النظر عن أي اعتبار.

- إقامة العدل في توزيع المال العام بين جميع طبقات المجتمع وفئاته. وإلغاء الضرائب وتخفيف الرسوم التي أثقلت كواهل الناس وحفظ موارد الدولة من التضييع والاستغلال. ورفع الحظر عن البنوك الإسلامية وتطهير المؤسسات المصرفية العامة والخاصة من الربا الذي هو محاربة لله ورسوله وسبب لمحق البركة.

- بناء جيش قوي متكامل مزود بأنواع الأسلحة من مصادر شتى. مع الاهتمام بصناعة السلاح وتطويره. على أن يكون هدف الجيش حماية البلد ومقدساته.

- إعادة بناء الإعلام بكافة وسائله وفق السياسة الإعلامية المعتمدة للمملكة ليخدم الإسلام ويعبر عن أخلاقيات المجتمع ويرفع من ثقافته وتنقيته من كل ما يتعارض مع هذه الأهداف.

- بناء السياسة الخارجية لحفظ مصالح الأمة بعيدًا عن التحالفات المخالفة للشرع. وتبني قضايا المسلمين مع تصحيح وضع السفارات لتنقل الصبغة الإسلامية لهذا البلد.

- تطوير المؤسسات الدينية والدعوية في البلاد. ودعمها بكل الإمكانيات المادية والبشرية وإزالة جميع العقليات التي تحول دون قيامها بمقاصدها على الوجه الأكمل.

- توحيد المؤسسات القضائية ومنحها الاستقلال الفعلي التام. وبسط سلطة القضاء على الجميع.

- كفالة حقوق الفرد والمجتمع وإزالة كل أثر من آثار التضييق على إرادات الناس وحقوقهم بما يضمن الكرامة الإنسانية حسب الضوابط الشرعية المعتبرة.

الموقعون :

الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ محمد بن صالح بن العثيمين ، الشيخ حمود بن عبد الله التويجري ، الشيخ عبد الله بن جبرين ، الشيخ عبد المحسن العبيكان ، الشيخ سفر الحوالي ، الشيخ سعيد القحطاني ، الشيخ سلمان العودة ، الشيخ عبد الله الجلالي ، الشيخ محمود الشيهاه ، الشيخ سعيد بن زعير ، الدكتور أحمد التويجري ، الدكتور توفيق القصير.

المصدر : جوزيف أ. كيشيان ، الخلافة في العربية السعودية ، ترجمة غادة حيدر ، ط2 ، دار الساقي ، (بيروت ، 2003) ، ص304- 306.

أبرز الصحف والمجلات الإسلامية في الخليج العربي حتى مطلع التسعينات

  • جريدة القبلة.. 1916
  • مجلة المنهل.. 1934
  • مجلة النداء الإسلامي
  • مجلة الحج.. 1946
  • مجلة الإرشاد.. 1953
  • مجلة راية الإسلام.. 1961
  • مجلة الحق الطلابية.. 1963
  • مجلة الوعي الإسلامي.. 1965
  • مجلة الإصلاح.. 1966
  • كلمة الحق.. 1967
  • مجلة الجامعة الإسلامية.. 1968
  • البلاغ.. 1968
  • مجلة المجتمع.. 1970
  • العقيدة.. 1971
  • مجلة المواقف.. 1973
  • منار الإسلام.. 1975
  • رسالة المسجد.. 1977
  • مجلة الإصلاح.. 1978
  • مجلة الثورة الرسالية.. 1979
  • مجلة النصر.. 1980
  • نشرة الشعب الثائر 1981
  • مجلة النور .. 1982
  • نشرة صوت البحرين 1983
  • نشرة (خطبة الجمعة).. 1983
  • مجلة الفرقان.. 1989
  • مجلة منبر الحرية.. 1990
  • مجلة الجزيرة العربية .. 1991

المصادر : محمد علي شاهين : صحافة الصحوة الإسلامية في البلاد العربية ، المكتبة الوطنية (عُمان ، 2003) ، ص740 91؛ عزة علي عزت ، الصحافة في دول الخليج العربي ، مركز التوثيق الإعلامي لدول الخليج العربي (بغداد ، 1983) ، ص200 وما بعدها.

أبرز الأندية والجمعيات والتنظيمات الإسلامية

أبرز الأندية والجمعيات والتنظيمات الإسلامية في الخليج العربي حتى مطلع التسعينات


اسم التنظيم البلد سنة التأسيس أبرز المؤسسين
النادي الإسلامي البحرين 1910 محمد مقبل الذكير
نادي أقبال البحرين 1913 محمد صالح يوسف وناصر الخيري وعلي التاجر
الجمعية الخيرية الكويت 1913 فرحان بن فهد الخالد
المنتدى الإسلامي البحرين 1928 أحمد بن حسن إبراهيم ومحمد ابن عبد العزيز الوزان وآخرون
جماعة التبليغ السعودية 1938 محمد الياس الكاندهلوي ومحمد احتشام
جمعية الإصلاح البحرينية (إخوان مسلمون) البحرين 1941 عبد الرحمن الجودر وجاسم الفائز وآخرون
جمعية الدعوة إلى الله الكويت 1952 تجار وأعيان
جمعية الإرشاد الإسلامية (إخوان مسلمون) الكويت 1952 عبد العزيز علي المطوع ومحمد العدساني وآخرون
حزب التحرير الإسلامي الكويت منتصف الخمسينات يوسف الرفاعي وعبد الرحمن ولايتي وآخرون
جمعية الإصلاح الاجتماعية (إخوان مسلمون) الكويت 1963 يوسف النفيسي ويوسف الحجي وآخرون
جمعية الثقافة الاجتماعية (شيعة) الكويت 1963 شعبان غضنفري وعدنان عبد الصمد وآخرون
حزب الدعوة الإسلامية البحرين 1968 سليمان المدني وعبد الله المدني وآخرون
جمعية التوعية الإسلامية (شيعة) البحرين 1968 عيسى قاسم وعبد الأمير الجمري وآخرون
جمعية الإرشاد الإسلامي (شيعة) البحرين 1969 مجموعة من الشباب الشيعي
الدعوة السلفية السعودية فترة الستينات خالد بن مساعد وآخرون
الحركة السلفية الكويت فترة الستينات عبد الرحمن عبد الخالق وسالم الحقان وآخرون
الصندوق الحسني الاجتماعي (شيعة) البحرين 1972 علماء دين وطلاب جامعات
جماعة الدعوة المحتسبة (سلفية) السعودية مطلع السبعينات الشيخ محمد إبراهيم آل الشيخ والشيخ عبد العزيز بن باز
الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين (شيعة) البحرين 1979 السيد هادي المدرسي ومحمد علي محفوظ
منظمة الثورة الإسلامية لتحرير الجزيرة العربية (شيعة) السعودية 1979 حسن موسى الصفار
حركة مسجد شعبان (شيعة) الكويت 1979 أحمد عباس المهري
جمعية التربية الإسلامية (إخوان مسلمون) البحرين 1979 عبد اللطيف المحمود
حزب الله -الكويت (شيعة) الكويت 1980 طلاب الحوزة العلمية
حركة الشهداء الإسلامية (شيعة) البحرين 1980 جمال الدين العصفور
حركة الوحدة الإسلامية (شيعة) البحرين 1980 عبد العظيم المهتدي
جمعية أحياء التراث الإسلامي (سلفية) الكويت 1981 خالد السلطان وجاسم العون وآخرون
حركة أحرار البحرين الإسلامية (شيعة) البحرين 1982 سعيد الشهابي ومنصور الجمري
الجمعية الإسلامية (سلفية) الكويت فترة الثمانينات علماء وطلاب
حزب الله - الحجاز (شيعة) السعودية النصف الثاني من الثمانينات جعفر مبارك وهاشم الشخص
الرابطة الإسلامية الكويتية (شيعة) الكويت 1990 مثقفون وطلاب
التجمع الإسلامي الكويتي (شيعة) الكويت 1990 محمد باقر المهدي
الحركة الدستورية الإسلامية (أخوان مسلمون) الكويت 1991 جاسم مهلهل وعيسى الشاهين وآخرون

المصدر : الملحق من إعداد الباحث


قائمة المصادر

القرآن الكريم

أولا : الوثائق غير المنشورة

1- رسالة من الشيخ أمجد الزهاوي إلى الملك سعود بن عبد العزيز ، بدون تاريخ.

2- رسالة من الشيخ محمد الألوسي إلى الشيخ محمد محمود الصواف، حول نشاط الإخوان المسلمين في الكويت.

3- كتاب رسمي (الرقم والتاريخ غير واضحين) ، موجه من الإذاعة السعودية إلى الشيخ محمد محمود الصواف، لإلقاء حديث ديني عبر الإذاعة.

(هذه الوثائق بحوزة عائلة الشيخ محمد محمود الصواف).

ثانيا : الوثائق المنشورة

1- وثيقة أمريكية عن نشاطات الإسلاميين في الكويت.

2- رسالة من الشيخ محمد الكاندهلوي ، مؤسس جماعة التبليغ ، إلى الملك عبد العزيز بن سعود يعرض فيها مبادئ الجماعة ، والسماح لهم بنشرها في المملكة العربية السعودية.

3- كتاب من مفتي المملكة العربية السعودية ، الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ إلى علماء المملكة يوصيهم بتسهيل عمل جماعة التبليغ.

4- سلسلة وثائق وكر الجاسوسية ، 39-40 ، تدخلات أمريكا في البلدان الإسلامية ، الكويت (1- 2) ، منشورات الوكالة العالمية (بيروت ، 1990).

5- دستور حزب التحرير ، منشورات حزب التحرير ، ولاية العراق، 2005.

ثالثا : الكتب

أ- الكتب العربية

- إبراهيم ، سعد الدين وآخرون ، الملل والنحل والأعراف ، هموم الأقليات في الوطن العربي ، مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية ، (القاهرة، 1994).

- المجتمع والدولة في الوطن العربي ، مركز دراسات الوحدة العربية ، (بيروت ، 1996).

- ابن الجوزي ، جمال الدين أبي الفرج ، نزهة العين النواظر في علم الوجوه والنظائر ، تحقيق : محمد عبد الكريم الراضي ، مؤسسة الرسالة ، (بيروت ، 1985).

- أبو الإسعاد ، محمد ، السعودية والإخوان المسلمون، مركز الدراسات والمعلومات القانونية لحقوق الإنسان ، (القاهرة، 1996).

- أبو ذر ، ثورة في رحاب مكة ، دار صوت الطليعة ، (بيروت ، 1980).

- أبو زهرة ، محمد أحمد ، المذاهب الإسلامية ، المطبعة النموذجية ، (القاهرة،).

- أبو زيد ، صلاح ، الدولة السعودية والحركات الإسلامية وغير الإسلامية ، د. ت (د.م ، 1991).

- أبو عزة ، عبد الله ، مع الحركة الإسلامية في الدول العربية ، دار القلم للنشر والتوزيع ، (الكويت ، 1986).

- أبو علية ، عبد الفتاح ، تاريخ الدولة السعودية الأولى ، دار المريخ ، (الرياض ، 1993).

- أبو غزالة ، حسن عقيل ، الحركات الأصولية والإرهاب في الشرق الأوسط ، ودار الفكر للطباعة والنشر ، (عمان ، 2002).

- أحمد ، إبراهيم خليل ، تطور التعليم السنوي في أقطار الخليج العربي ، في : دراسات عن تاريخ الخليج العربية الجزيرة العربية ، مجموعة مؤلفين ، مركز دراسات الخليج العربي ، (جامعة البصرة ، 1985).

- تاريخ الوطن العربية في العهد العثماني 1516- 1916 ، مطبعة جامعة الموصل ، (الموصل ، 1986).

- أحمد ، رفعت سيد ، دماء في الكعبة ، ط3 ، دار الصفا ، (لندن ، 1987).

- رسائل جهيمان العتيبي ، مكتبة مدبولي ، (القاهرة، 1988).

- الدين والدولة والثورة ، الدار الشرقية ، (القاهرة، 1989).

- إدريس ، محمد السعيد ، النظام الإقليمي للخليج العربي ، مركز دراسات الوحدة العربية ، (بيروت ، 2000).

- أسرى ، عبد الرضا ، النظام السياسي في الكويت : مبادئ وممارسات ، مطابع الوطن ، (الكويت ، 1994).

- الأفغاني ، جمال الدين ، الأعمال الكاملة ، تقديم تحقيق : محمد عمارة ، ج1 ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، (بيروت ، 1979).

- آل حمادة ، حسن ، هكذا ريانا الإمام الشيرازي ، منشورات ديوانية ، الإمام الشيرازي ، ط2 ، (الكويت ، 2004).

- آل ياسين ، محمد مفيد ، الحياة الفكرية في العراق في القرن السابع الهجري ، الدار العربية ، (بغداد ، 1979).

- الألوسي ، محمد شكري ، تاريخ نجد ، المطبعة السلفية ، (القاهرة، 1347هـ).

- أمين ، أحمد ، زعماء الإصلاح في العصر الحديث ، ط4ن مكتبة النهضة المصرية (القاهرة، 1979). - ظهر الإسلام ، ج4 ، ط3 ، دار الكتاب العربية ، (بيروت ، د.ت).

- أمين ، بكري الشيخ ، الحركة الأدبية في المملكة العربية السعودية ، دار صادر (بيروت ، 1972).

- الأمين ، محسن ، كشف الارتياب في أتباع محمد بن عبد الوهاب ، حققه وأخرجه : حسن الأمين ، ط2 ، (قم ، 1952).

- الأميني ، عبد الحسين ، شهداء الفضيلة ، ط2 ، مؤسسة الوفاء ، (بيروت ، 1983).

- الأنصاري ، محمد جابر ، لمحات في الخليج العربي ، الشركة العربية للوكالات والتوزيع ، (البحرين ، 1970).

-أدب الإصلاح الاجتماعي في الخليج 1920-1950 في ملامح الحركة الأدبية في الخليج العربية والجزيرة العربية ، مركز دراسات الخليج العربي ، جامعة البصرة ، 1980.

- وآخرون ، النزاعات الأهلية العربية ، العوامل الداخلية والخارجية ، مركز دراسات الوحدة العربية ، (بيروت ، 1997).

- أيبش ، يوسف رحلات رشيد رضا ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، (بيروت ، 1971).

-باقر ، أحمد ، دراسة حول المادة الثانية من دستور دولة الكويت ، وهل يؤدي تعديلها إلى فوضى تشريعية؟ ، مطبعة الفيصل ، (الكويت ، 1994).

- الباكر ، عبد الرحمن ، من البحرين إلى المنفى «سانت هيلانة» ، دار مكتبة الحياة ، (بيروت ،).

- البحارنة ، تقي محمد ، نادي العروبة وخمسون عاما 1939-1989 ، وزارة الإعلام ، (المنامة ، 1990).

- البحر ، خليل وحنا الفاخوري ، تاريخ الفلسفة العربية ، مجلد 2 ، ط2 ، دار الجيل ، (بيروت ، 1982).

- بدر ، أحمد وآخرون ، الصحافة الكويتية ، دراسة توثيقية تحليلية تاريخية أرشيفية ، مؤسسة الصباح ، (الكويت ، د.ت).

- بركات ، حليم ، المجتمع العربي في القرن العشرين بحث في تغير الأحوال والعلاقات ، مركز دراسات الوحدة العربية ، (بيروت ، 2004).

- المجتمع العربي المعاصر ، ط7 ، مركز دراسات الوحدة العربية ، (بيروت ، 2001).

- البسام ، خالد ، تلك الأيام حكايات وصور من بدايات البحرين ، بانوراما الخليج ، (المنامة ، 1986).

- البسام ، عبد الله بن عبد الرحمن ، علماء نجد خلال سنة قرون ، مطبعة النهضة الحديثة ، (مكة ، 1398هـ).

- البشري ، طارق ، الحركة السياسية في مصر 1945-1952 ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، (القاهرة، 1972).

- خريجة الفكر الإسلامي المعاصر في : نحو وعي إسلامي بالتحديات المعاصرة ، محاضرات جامعة الخليج العربية ، (المنامة ، 1988).

- بشمي ، إبراهيم ، الكويت الواقع والرؤي ، فرز الأوراق الديمقراطية ، مطابع دار الخليج ، (الشارقة ، 1982).

- البغدادي ، عبد القاهر بن طاهر ، الفرق بين الفرقة وبيان الفرقة الناجية فهم ، دار الأفاق الجديدة ، (بيروت ، 1973).

- بطرس ، سمعان ، العلاقات السياسية الدولية في القرن العشرين ، ط2 ، مكتبة الانجلو المصرية (القاهرة، 1980).

- بكري ، على حاج ، العقلية العربية بين الحربين 1948-1939 ، دار الرواد ، (دمشق ، 1952).

- بن بشر ، عثمان ، عنوان المجد في تاريخ نجد ، ج1 ، ط4 ، (الرياض ، 1983).

- بن صنيتان ، محمد ، النخب السعودية. دراسة في التحولات والخفاقات ، مركز دراسات الوحدة العربية ، (بيروت ، 2004).

- بن غنام ، تاريخ نجد ، تلخيص : الدكتور ناصر الدين الأسد ، مطبعة المدني ، (القاهرة، 1961).

- البنا ، حسن ، مذكرات الدعوة والداعية ، ط4 ، المكتب الإسلامي ، (بيروت ، 1979).

- بني المرجة ، موفق ، صحوة الرجل المريض أو السلطان عبد الحميد الثاني والخلافة الإسلامية ، مؤسسة صقر للطباعة والنشر ، (الكويت ، 1984).

- بهلول ، رجا ، حكم الله - حكم الشعب ، حول العلاقة بين الديمقراطية والعلمانية ، دار الشروق ، (عمان ، 2000).

- البهي ، محمد ، الفكر الإسلامي والحديث وصلته بالاستعمار ، دار الفكر ، (القاهرة، 1971).

- البوطي ، محمد سعيد رمضان ، السلفية مرحلة زمنية بماركة لا مذهب إسلامي ، دار الفكر ، (دمشق ، 1998).

- بيومي ، زكريا سليمان ، الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية في الحياة السياسية المصرية ، (القاهرة، 1979).

- الإخوان المسلمين بين عبد الناصر والسادات من المنشية إلى المنصة ، 1952- 1981 ، مكتبة وهبة ، (القاهرة، 1987).

- التل ، سهير سلطي ، حركة القوميين العرب وانطلاقاتها الفكرية ، ط2 ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 2002).

- التلمساني ، عمر ، ذكريات لا مذكرات ، دار التوزيع والنشر الإسلامية ، (القاهرة، د.ت).

- التميمي ، عبد المالك خلف ، التبشير في منطقة الخليج العربي ، دراسة في التاريخ الاجتماعي والسياسي ، شركة كاظمة للترجمة والنشر ، (الكويت ، 1982).

- الاستيطان الأجنبي في الوطن العربي ، مؤسسة الشراع العربي ، (الكويت ، 1989).

- الخليج العربي والمغرب العربي. دراسات في التاريخ السياسي والاجتماعي والاقتصادي ، دار الشباب (بيروت ، 1986).

- التوبة ، غازي ، الفكر الإسلامي المعاصر ، مؤسسة الرسالة ، (بيروت ، 1969).

- الجابري ، على حسين ، الفكر السلفي عند الشيعة الاثنا عشرية ، منشورات عويدات ، (بيروت ، 1977).

- الجابري ، محمد عابد ، الخطاب العربية المعاصر دراسة تحليلية نقدية ، دار الطليعة ، (بيروت ، 1982).

- وجهة نظر حول إعادة بناء قضايا الفكر العربية المعاصر ، مركز دراسات الوحدة العربية ، ط2 ، (بيروت ، 1994).

- وآخرون ، الإسلام والحداثة والاجتماع السياسي (حوارات فكرية) ، مركز دراسات الوحدة العربية (بيروت ، 1992).

- جبارة ، عبد المنعم ، سليم ، الإخوان المسلمون وأزمة الخليج ، دار التوزيع الإسلامية ، (القاهرة، 1992).

- ال