إخوان ويكي
بحث
 
 
صفحة  نقاش  اعرض المصدر  تاريخ 
مرحبا بكم في الموسوعة  ادخل / أنشئ حسابا 

الجزء الثاني من أحداث صنعت التاريخ

من Ikhwan Wiki

مراجعة ٠٣:٤٢، ١٤ سبتمبر ٢٠١٠ بواسطة Rod (نقاش | مساهمات)
اذهب إلى: تصفح, البحث

محتويات

الباب الثالث : في ميدان الحلمية الجديدة (في المبني القديم)

مد جديد

خرجنا من هذه المأساة الأليمة ،وفي القلوب جراح لا تندمل علي مر الزمن ، لأنها تتصل بأخوة قلوب لا صداقة طريق ... ولم يكن مناص من استئناف المسير بعد هذا التوقف الطويل .. ودوي نداء القائد فسرعان ما استجاب الجنود ، ورأينا الدعوة تشق طريقها شقاً ما كانت تستطيعه من قبل ... وأحسست في التفاف الإخوان حول قائدهم كأنما شعروا وأيقنوا أن دعوتهم وقد عبرت المحنة .. هي دعوة الحق .. ودعوة الحق جديرة بالتفاني فيها والبذل في سبيلها ، فصار الإخوان ألصق بدعوتهم من ذي قبل ...

ورأينا الشباب ، من كل مهنة ، ومن كل حي ، يتقاطرون علي المركز العام أفواجًا يلتمسون طريق الله لإصلاح الناس ليلتزموه وليكونوا حماته والداعين إليه ... وكانت الظاهرة الجديدة أننا رأينا بابنا يطرقه طوائف من العمال والتجار وذوي المهن ، ولم يكن حتى قبيل المحنة يطرقنا إلا الطلبة وقلة من صغار الموظفين ، وهنا بدأت فكرة تكوين شعب ذات كيان حقيقي في أنحاء القاهرة ، وهو ما كان يتوق إليه الأستاذ المرشد من قديم . العجيب حقاً .. أن الدعوة خرجت من هذه المحنة كأنما نشطت من عقال فالإقبال عليها من كل فج عميق ، والدار ضاقت بروادها ، واتجه فكر الأستاذ إلي البحث للمركز العام عن مكان آخر يتسع للنشاط الجديد .

الانتقال إلي الحلمية الجديدة :

اهتدي الأستاذ المرشد إلي دار في ميدان الحلمية الجديدة ، وهي منزل كامل لا جزء من منزل كالمقرين السابقين في الناصرية والعتبة ... وميدان الحلمية الجديد يقع في قلب القاهرة القديمة لكنه أجمل وأنظف حي فيها . والمنزل يطل علي الميدان نفسه ويتكون من دورين أحدهما يقع نصفه تحت الأرض ونصفه الأخر فوقها ، والدور الآخر مما يسمونه " السلاملك " حيث تصعد إليه بصف الدرج . وفوق هذا السلاملك سطح فسيح . ويلحق بالمنزل فناء واسع تقرب مساحته من مساحة المنزل كله ، وبجانب بوابة المنزل علي يمين الداخل حجرة منفردة كأنها حجرة البواب . ولابد أن الله تعالي علم من مستقبل دعوته ما لم نكن نعلم ، فهيأ لها مكانًا ما كنا نحلم به وموقعاً وسطًا ، كما يسر للأستاذ المرشد سكنًا قريبًا من هذا المكان ، وهو ما كان الأستاذ المرشد دائمًا حريصًا عليه .

مرحلة جديدة :

كان الانتقال بالمركز العام من دار إلي أخري مرتبطاً بالانتقال بالدعوة من مرحلة إلي مرحلة جديدة ، فكانت فترة الإقامة بدار شارع الناصرية مرحلة من مراحل الدعوة لها حدودها ولها خصائصها ولما سماتها كما بينا ، ثم كانت فترة الإقامة بدار ميدان العتبة مرحلة أخري لها حدودها وسماتها الخاصة بها والمميزة لها ، ثم كان الانتقال إلي دار ميدان الحلمية إيذانًا التي صادرت شجيرة ثم غلظ عودها وأخرجت شطأها فآزرها وطال ساقها وألقت بفروعها ذات اليمين وذات الشمال .. نعم إنها بذلك قد اكتسبت ثباتاً وقوة لكن استطالتها وارتفاعها قد جعلها عرضة لمهب الرياح من كل اتجاه ، لقد كانت في مرحلتيها الأوليين وهي بادرة ثم وهي شجيرة في مأمن من أن تنال منها هبات الرياح ، أما في هذه المرحلة وقد أغلظت واستطالت وتفرعت وتشعبت فإنها صارت عاتقاً في طريق الرياح من أية ناحية هبت ، فعليها حينئذ أن توطن نفسها علي استقبال صفعات الرياح وأن ترد عليها بمثلها أو أن تحاول تحاشيها بحركة ماكرة ماهرة .

كان حسن البنا يعلم كل هذا وهو يعد العدة للانتقال بالمركز العام من العتبة إلي الحلمية الجديدة ، وستري إن شاء الله خططه التي وضعها منذ الشهور الأولي في هذه الدار ما يدلك علي أن كل هذه المعاني كانت في خاطره . لم يغب عن خاطر الأستاذ لحظة أن عدوه الطبيعي الذي يتربص به ، والذي عليه أن يواجهه في كل لحظة إنما هو الانجليز .. عدو قوي ماكر : واسع الحيلة ، حسن الاستعداد ، قادر علي المواجهة لكنه يؤثر التستر وراء صنائع له من أهل البلد الذي يريد السيطرة عليه ... لم يغب عن خاطر الأستاذ أن عليه أن يواجه كل هذه الأساليب ، ولم يغب عنه أن صنائع الانجليز في مصر كثيرون ، وقد زودهم الانجليز بمختلف وسائل السلطة ، وأن هؤلاء الصنائع بعد أن تربوا في أحضان الانجليز ، وتمرنوا في خيرات بلادهم التي سلبها الانجليز وخصوهم بها دون أصحابها .

لم يغب شيء من هذا عن خاطره ، كما لم يغب عنه لحظة أن الانجليز بوسائلهم الخاصة وبواسطة أذنابهم المصريين يراقبونه ويعدون عليه أنفاسه ، ويعدونه عدوهم الأصيل وعدوهم الوحيد ، لأنه وأن هذا المبدأ وهذه الفكرة إنما تقوم علي أساس القرآن الذي لا يجتمع والظلم في مكان واحد ، لابد أن يقضي واحد منهما علي الآخر . لقد عمل حسن البنا في المرحلة السابقة كل جهده أن يتحدي الانجليز تحديًا سافرًا لفضح فظائعهم من ناحية ، وليلفت الأنظار إلي دعوته من ناحية أخري . لأن دعوته كانت في أمس الحاجة إلي وسيلة من وسائل الإعلام ليحس بها هذا الشعب الغافل ... أما في هذه المرحلة فإنه لم يعد في حاجة إلي وسائل إعلام فقد أحس الناس بالدعوة ، وأقبلوا عليها ، حتى امتلأت السفينة لم يعد بين حافتها وبين الماء قيد شبر .. ودفعتها الرياح حتى وصلت إلي وسط البحر . وركبت أمواجه المتلاطمة ، وصارت مهمة القائد أن يحسن توجيهها ، وأن يحاول أن يتفادى ما يتدافعها من أمواج حتى تصل إلي مرفأ أمين . وعليه مهمة أخري لابد أن ينهض بها في وقت واحد مع مهمته الأولي ، تلك هي إعداد هؤلاء الركاب بحيث لا يأخذهم علي غرة لصوص البحر وقطاع الطريق وما أكثر عددهم وأشد بأسهم .

سمات هذه المرحلة وخصائصها :

أرسي الأستاذ المرشد قواعد العمل في هذه المرحلة علي الأسس الآتية :

أولاً : بدأت هذه المرحلة مع بدء اندلاع الحرب العالمية الثانية في 1939 ، وكان الأستاذ المرشد يري أن الحرب العالمية تغير وجه العالم ، وتفعل في سنواتها مالا يتم فعله من تغيير في مئات السنين ، فهي تختصر الزمن .. وعلي العقلاء الانتفاع بهذه الميزة قبل فواتها .

ثانيًا : ومن هنا فإن يري أن المرحلة التي يحتاج الإخوان في قطعها إلي عشرات السنين ، يمكنهم – بالانتفاع بهذه الميزة – أن يقطعوها في سنوات قلائل .

ثالثًا : أن مواجهة الأعداء والخصوم بهيئة ضعيفة وتكوين هزيل مجازفة غير مأمونة بل إنها قد تؤدي بالفكرة الإسلامية إلي الزوال ، فإذا أضفت إلي ذلك أن هذه المواجهة ستكون في ظروف كلها ظروف استثنائية وكل المرافق للمستعمر ، و المستعمر أعصابه علي أشدها لأنه يخوض حرب حياة أو موت ، كانت المواجهة انتحارًا لا شك فيه ولا إفلات فيه .

رابعًا : كما أنه يري أن انشغال المستعمر بالحرب ومن ورائه الحكومة المصرية ، فرصة للعمل للدعوة دون عوائق ، وعلي الإخوان في هذه الحالة أن يكشفوا من جهودهم حتى ينجزوا أكبر قدر من العمل في أصغر قدر من قبل أن تنتهي الحرب فجأة فيتفرغ هؤلاء – المستعمر والحكومة – للكيد للدعوة وبث العراقيل في طريقها قبل أن تكون قد استكملت عناصر قوتها .

خامسًا : أنه يري أن عناصر القوة التي يجب استكمالها في أقرب وقت هي عنصران : التشعيب والتكوين ، أما الأول فهو العمل علي أن تصل الفكرة الإسلامية إلي كل فرد في أنحاء مصر وأن يصل صداها إلي البلاد العربية والإسلامية وأن يكون للدعوة شعبة في كل حاضرة ومدينة وقرية وعزبة في جميع أنحاء مصر ، وأما التكوين فيكون بالعمل علي ربط المنتمين إلي الدعوة معا بروابط من الإخوة والحب والتعاون في ظل أسلوب عمل من التربية البدنية والروحية والثقافية .

سادسًا : أنه في سبيل إنجاز هذا العمل الكثير ، يجب علي الإخوان – في خلال فترة الحرب أن يغضوا الطرف عن الشئون السياسية فيتجنبوا اتخاذ مواقف سياسية محددة ما استطاعوا إلي ذلك سبيلا مكتفين بالتعرض لما سوي ذلك من الشئون التربوية والاجتماعية والاقتصادية وإذا دهمهم موقف سياسي معين فعليهم أن يتفادوه ، وأن يطوعوه لخدمة هدفهم الكبير .

سابعًا : أنه يري أنه إذا سلك الإخوان هذا المسلك فإنهم سيفاجئون العالم بعد انتهاء الحرب بأقوى هيئة قادرة علي المواجهة وقادرة علي النهوض بأثقل التبعات ، ويستحيل علي أية قوة في الأرض أن تقضي عليها ، لأنها تكون قد تركزت في النفوس ، واختلطت بالمهج ، وضربت بجذورها في الأعماق .

علي هذه الأسس السبعة سار العمل طيلة سنوات الحرب ، وشقت السفينة طريقها في بحر هادئ كالحصير ، وكلما هبت عاصفة عمل القائد الماهر علي تفاديها حتى وصلت إلي شاطئ الأمان فكانت هي السفينة الوحيدة التي وصلت في سلام بجميع ركابها الذي أقلعت بهم من أول الطريق وبأضعاف هؤلاء من ركاب السفن الأخرى التي أشرفت علي الغرق في أثناء الطريق فمدت إليهم يد الإنقاذ بها من كل جانب .



الفصل الأول : في البناء الداخلي : التركيب البنائي للدعوة في هذه المرحلة

حتى ما قبل هذه المرحلة لم يكن للدعوة تركيب بنائي بالمعني الاصطلاحي المعروف ، وإنما كان هناك المركز العام في القاهرة وفي الأقاليم شعب متناثرة ، وتتلقي هذه الشعب تعليماتها من المركز العام وكان المركز العام يخص نفسه بأساليب معينة في التربية لا يطالب الشعب بالقيام بمثلها مثل نظام الكتائب ، ونستطيع أن نجمل النظام البنائي الذي كان سائدًا بأنه كان أقرب إلي النظام المركزي ... فلما انتشرت الدعوة وعمت أنحاء البلاد وكثرت الشعب حتى لم تعد مدينة ولا حاضرة ولا قرية تخلو من شعبة كان لابد من نظام بنائي جديد يسهل معه العمل وتتوزع فيه المسئولية وتتحدد به الحقوق والواجبات وتتيسر عن طريقه الاتصالات والمتابعة .

والخطوط الرئيسية للنظام البنائي الجديد هي :

أولاً : المكاتب الإدارية :

اعتبر كل إقليم إداري في الدولة مكتبًا إداريًا ومعني هذا أنه صار للإخوان المسلمين في كل عاصمة لمحافظة مكتب إداري هو بمثابة المركز العام للإخوان في أنحاء المحافظة فكل شعب المحافظة تابعة له وهو يشرف عليها ويصدر إليها التعليمات ويتابع تنفيذها . ومنوط به نشر الدعوة في الأماكن التي لم تصل إليها الدعوة في حدود المحافظة ، كما أنه مكلف بمعالجة ما يجد من مشاكل في شعب المحافظة وعليه نقل النظم التربوية التي يضعها المركز العام إلي جميع هذه الشعب والإشراف علي الأخذ بها كما أن عليه توضيح ما تتخذه الهيئات العليا للدعوة من قرارات للشعب التابعة له مع متابعة تنفيذ هذه القرارات . ويتكون المكتب الإداري من أعضاء مجلس الإدارة لشعبة عاصمة المحافظة مضافاً إليهم نواب الشعب الرئيسية في المحافظة ، وعلي كل شعبة من شعب المحافظة المساهمة بجزء من ماليتها في تكوين رصيد للمكتب الإداري يخصص للإنفاق منه علي نشر الدعوة .

ثانيًا : مجالس إدارات الشعب :

يدبر شئون الدعوة في كل شعبة مجلس إدارة يتكون من عدد من الإخوان ينتخبهم أعضاء الشعبة فيما بينهم ويرأس كل مجلس إدارة الشعبة ، ومهمة مجلس إدارة شعبة عاصمة المركز مع شعب بلاد المركز هي نفس مهمة المكتب الإداري بالنسبة لشعب عواصم المركز ، وهكذا تتسلسل القيادة وتتدرج المسئولية .

ثالثا : المركز العام :

تعتبر القاهرة كغيرها من المحافظات مكتبًا إداريًا تتبعه شعب القاهرة ، وفي القاهرة أيضًا المركز العام للإخوان المسلمين وهو شيء آخر غير المكتب الإداري للقاهرة فهو يتعامل مع المكتب الإداري للقاهرة كتعامله مع أي مكتب إداري آخر . والمركز العام هو المقر الذي يجمع اللجان والأقسام التي تمثل أوجه النشاط التي يقوم الإخوان بمباشرتها أداء لحق الدعوة وتحقيقًا لأهدافها وهذه اللجان والأقسام هي :

لجنة الطلبة واللجنة الثقافية وقسم العمال وقسم الجوالة وقسم نشر الدعوة وقسم الكتائب والأسر وقسم الخدمة الاجتماعية وقسم الاتصال بالعالم الإسلامي وقسم الأخوات المسلمات . ولكل لجنة من هذه اللجان ولكل قسم من هذه الأقسام فرع في كل مكتب إداري تتلقي هذه الفروع تعليماتها من اللجنة الموجودة بالمركز العام وترفع إليها تقاريرها وتستعين بها في تنفيذ برامجها ... وقد لا يكون لبعض الأقسام فروع في المكاتب الإدارية لأن طبيعة مهمتها ترتبط بالقاهرة دون غيرها من البلاد مثل قسم الاتصال بالعالم الإسلامي .

قـيادة الدعـوة :

ويمثلها هيئات ثلاث هي :

أولا : الهيئة التأسيسية :

وهي الهيئة العليا للدعوة يناط بها رسم الخطوط الرئيسية لسياسة الدعوة ، ويرجع إليها في كل ما يمس هذه السياسة أو ما يجد من أمور خطيرة أو ما يستدعي تعديلا في هذه السياسة أو ما يتصل بكيان الدعوة من قوانين أو إجراءات أو تصرفات ... واجتماعها العادي مرة كل عام ولكن للمرشد العام دعوتها للاجتماع في أي وقت يري ضرورة لاجتماعها لعرض مسائل جوهرية عليها . وقد تكونت هذه الهيئة أول ما تكونت في سنة 1941 من مائة عضو اختارهم المرشد مراعيا في اختيارهم الشروط الثلاثة الآتية :

1 – أن يكونوا من السابقين الأولين في الدعوة .

2 – أن يكونوا ذوي كفاءات ممتازة أو ذوي تضحيات بارزة من أهل الرأي .

3 – أن يكونوا ممثلين لمحافظات القطر ما أمكن .

وتعتبر الهيئة التأسيسية الجمعية العمومية للإخوان المسلمين ، ومن اختصاصها أن تنتخب من بين أعضائها لجنتين تكمل بها هيئات قيادة الدعوة هما مكتب الإرشاد العام ولجنة العضوية .

ثانيًا : مكتب الإرشاد العام :

ويتكون من اثني عشر عضوًا ومهمته تنفيذ السياسة التي أقرتها الهيئة التأسيسية وحددت خطوطها العريضة ، وإصدار القرارات في مختلف شئون الدعوة مما تلتزم بتنفيذه المكاتب الإدارية وشعبها ... وهو يعتبر مجلس الإدارة للدعوة يمثلها أمام الرأي العام وأمام الجهات الرسمية .

ثالثاً : لجنة العضوية :

وتتكون من سبعة أعضاء مهمتها اختيار الأعضاء الجدد للهيئة التأسيسية ، وتحقيق ما يثار حول أعضاء هذه الهيئة وإصدار القرارات في شأنهم ... وقد رأي الأستاذ المرشد أن أكون عضوًا في هذه اللجنة لما يعلم من صلتي بالكثير من قدامي الإخوان وحديثيهم في القاهرة وغيرها من البلاد ، ولهذا فقد طلب إلي أن أكون بجانبه عند اختياره للأعضاء المائة ليكونوا أعضاء الهيئة التأسيسية حتى يكون ذلك نبراسًا لي عند اختيار أعضاء جدد عن طريق لجنة العضوية فيما بعد . علي أن أعضاء الهيئة التأسيسية لم يزد عددهم حتى منتصف الخمسينات عن مائة وخمسين عضوًا مع أنه كان من حق لجنة العضوية قانونًا اختيار عشرة أعضاء جدد كل سنة ولكن ظروفاً نشأت أعفت اللجنة من أجلها بعض الأعضاء حالت دون استيعاب هذا العدد .

ولقد كان من حكمة الأستاذ المرشد وبعد نظره أن أنشأ الهيئة التأسيسية في هذا الوقت بالذات فقد ظهر بعد ذلك من المواقف والمشكلات والأزمات والخلافات ما لو لم تكن هذه الهيئة موجودة لقضي علي الدعوة وانهار صرحها ، وسوف يري القارئ إن شاء الله الكثير من ذلك فيما بقي من هذه المذكرات . كما أن وجود هذه الهيئة قد أغني عن عقد المؤتمرات التي كانت تعقد كل سنة أو سنتين يحشد فيها أكبر عدد من مختلف بلاد القطر ليلخص أمامهم الأستاذ المرشد ما قطعته الدعوة في خطوات منذ المؤتمر السابق وليشرح لهم بعض ملامح الخطة المستقبلية وكانت هذه المؤتمرات تكلف الإخوان الكثيرين الذين يحضرون من بلادهم الكثير من الجهد والمال كما تكلف المركز العام مثل ذلك ... ومع ذلك فقد كانت طبيعة هذه المؤتمرات لا تتيح فرصة مناقشة ما يعرض من تقارير عن الماضي أو مقترحات للمستقبل .

علي أن هذه المؤتمرات لم تكن ليصلح عقدها بعهد أن كثرت الشعب وكثر عدد الإخوان في كل مكان بحيث تضييق بمندوبيهم الأمكنة في القاهرة مهما اتسع نطاقها للاجتماع والنوم .. أما وقد أنشئت الهيئة التأسيسية علي القواعد الثلاث التي أشرت إليها فإن الأستاذ المرشد كان يدعوها بأعضائها المائة فتضمهم حجرة فسيحة من حجرات المركز العام فيعرض عليهم ما يشاء ويناقشهم ويناقشونه ويقترح عليهم ويقترحون عليه ، ويتحدث كل منهم عن مشاكل محافظته ويصلون في النهاية إلي قرارات مدروسة محددة ، فيرجع هؤلاء الأعضاء إلي محافظاتهم يشرحون لإخوانهم ما تم في الاجتماع بتوضيح وتفصيل ... فيتحقق بهذا الأسلوب مالا تحققه المؤتمرات مع إعداد الدعوة وإعفاء الإخوان من كثير من الجهد والمال والمشقة . ولهذا فقد كان المؤتمر السادس الذي عقد قبيل تكوين الهيئة التأسيسية في 9 يناير سنة 1941 هو آخر المؤتمرات .

استطراد :

لست أدري هل يعد استطرادًا أن أترك هذا الحديث العام لأتحدث عن أمور تخصني ، أم أن حديثي عن هذه الأمور هو من الحديث المتصل ؟ .... إن هناك مجموعة في هذه الدعوة لم تعد حياتها الخاصة منفصلة عن الدعوة بل هي جزء منها ؛ لأنها ارتضت يوم خيرها الأستاذ في اجتماع لجنة الأربعة والعشرين في منزله أن تضع حياتها ومستقبلها رهنا بما تطلبه الدعوة . لقد كانت الدعوة في شخص مرشدها تتحكم في وقت هذه المجموعة فتوجهها التوجيه الذي تريده . فكان الأستاذ المرشد مع شدة احتياجه أن نكون بجانبه ، يمنعنا من الحضور إلي المركز العام طيلة الشهر الذي يسبق الامتحان لأنه يري في إنهائنا حياتنا الدراسية نفعًا للدعوة لا يتوفر لها إذا طالت هذه الحياة الدراسية . وكان الفرد من هذه المجموعة حين يتخرج لا يتجه إلي حياة عملية لا بعد أن يستشير الأستاذ المرشد باعتباره أبصرنا بالاتجاه الأنفع للدعوة ... أفليس الحديث في هذه الأمور إذن حديثاً في صلب الدعوة وفي صميمها ؟ ...

بعد التخرج :

يحسن قبل التطرق إلي ما كان من شأني بعد التخرج أن أبدأ بإشارة موجزة إلي الحالة الاجتماعية التي كانت سائدة في مصر فيما يتصل بالوظائف والموظفين حتى يكون القارئ علي صورة واضحة ؛ كان المتخرجون ف ي أية كلية من الكليات أو مدرسة عليا كما كان أكثرها يدعي في ذلك الوقت لا يجد أمامه عملا يلتحق به ويرتزق به ... كانت فرص العمل نادرة ندرة تصل إلي درجة العدم ، ولم يكن العمل إذ ذاك موجودًَا إلا في الوظائف الحكومية . كان المتخرج يوم يتخرج يكتب طلبات التحاق بعدد وزارات الحكومة ومصالحها ويرسلها جميعا وينتظر لعله يصادف عملا في أي منها ، ولم يكن عادة يصله رد .. ويظل هكذا عاطلا ، وبعد كل ستة أشهر يعيد كتابة الطلبات وتحفي أقدامه في ارتياد الوزارات التي يتوسم أن يجد فيها عملا أيًا كان ، فإذا كان محظوظاً وجد بعد سنتين من تخرجه عملا باليومية في إحدى الوزارات ؛ ومعني ذلك أنه لا يضمن أن يستمر في العمل طول العام فقد يستغني عنه في أي يوم من الأيام . لم يكن في نيتي العمل في وظيفة حكومية بعد تخرجي حتى ولو وجدت وظيفة مناسبة ، وإنما كانت نيتي معقودة علي القيام بعمل حر ، بل إنني حددت نوع العمل أن يكون في الألبان ، ولم نكن ندرس الألبان في كلية الزراعة إلا في السنة النهائية . كاشفت الأستاذ المرشد بعزوفي عن الالتحاق بالوظائف الحكومية ، وبعزمي علي الاشتغال الحر بالألبان ، فزكي الفكرة ، وأبدي استعداده لمؤازرتي في هذا السبيل ، ومن قبل نالت الفكرة قبولا لدي والدي وأبدي استعداده لإمدادي بالمال اللازم .

مشروع الألبان :

كانت الفكرة مختمرة في نفسي ، وعزمي علي تنفيذها علي أشده ، ولكن كيف أنفذها ، وكيف أنتقل بهذا العوم إلي واقع الحياة ؟ كانت معضلة أمام شاب ناشئ لا خبرة له بالحياة . وبعد أيام ناداني الأستاذ ، وكان لتوه راجعًا من رحلة له في الصعيد وقال لي : لقد عثرت لك علي طلبتك . ذهبت إلي مغاغة من أجلك لأني أعلم أن أخاً كريمًا فيها وزميلاً لك تخرج في كليتك منذ أربعة أعوام ، كان قد أنشأ معملا للألبان فيها ، وقد رأيت أن أقابله وأعرض عليه فكرتك ، وقد قابلته وعرضت عليه الفكرة فزكاها ، وأخبرني بأنه أغلق المعمل لأنه محتاج إلي شريك ، ورحب بك شريكًا له .. وكذلك ذلل الأستاذ المرشد عقبة كئودًا كانت في طريقي . وكان لي زميل في الدراسة تخرج معي هو عباس نجل الأخ الكريم الأستاذ محمد حلمي نور الدين ، وقد اقترح والده أن يكون شريكًا ثالثًا في المشروع فرحبنا به .. كنا في ذلك الوقت عقب امتحان البكالوريوس مباشرة أي في أواخر يونيه وأوائل يوليه سنة 1939 ولما كان موسم الألبان يبدأ مع ظهور البرسيم في الحقول فد كانت أمامنا فترة نقضيها في القاهرة قبل الذهاب إلي مغاغة حتى يجئ شهر أكتوبر علي الأقل .

مفـاجـأة :

لم يكد يمضي علينا بعد ذلك شهر واحد وإذا بوفد من إخوان مغاغة – محافظة المنيا – يطرقنا في المركز العام علي غير موعد ويعرض علينا مشكلة غريبة . تتلخص هذه المشكلة في أن في مغاغة مدرسة ابتدائية أهلية تملكها جمعية قبطية . وهي المدرسة الابتدائية الوحيدة – (المدرسة الابتدائية في ذلك الوقت تعادل في أيامنا هذه المدرسة الإعدادية) – التي يلتحق بها أبناء مغاغة وضواحيها الكثيرة ... وناظر المدرسة من قديم هو الأستاذ الشيخ حسن سيد وهو من العلماء وإمام وخطيب المسجد الكبير بمغاغة ... فلما أنشئت شعبة الإخوان المسلمين بمغاغة انضم إليها فضلاء أهالي مغاغة ومنهم الأستاذ الشيخ حسن سيد وأسندت رياستها إليه ... ولم يدر بخلد الإخوان ولا خلد الأستاذ الشيخ حسن سيد أن في هذا تعارضًا مع مصلحة المدرسة ... ولكن تبين أن هناك عقولا ضعيفة ، وصدورًا لا تنطوي إلا علي الحقد والضغينة رأت في انضمام الأستاذ الشيخ حسن إلي الإخوان خروجًا علي الطاعة وتمردًا علي العبودية ، فلم يفاتحوه في ذلك ليقنعهم بخطأ نظرتهم إلي الإخوان المسلمين ، ويشرح لهم أن هذه الدعوة إنما يريد الخير لا للمسلمين وحدهم بل لجميع سكان البلاد علي اختلاف عقائدهم ؛ ون الإخوان – حين انضم إليهم واختاروه رئيسًا لهم – لم يرو في عمله في مدرسة الأقباط ما يتعارض مع دعوتهم ....

لم يفاتحوه في ذلك بل أسروه في نفوسهم حتى انتهي العام الدراسي فلم يفاتحوه أيضًا ، وانتظروا حتى قاربت إجازة الصيف علي الانتهاء وتيقنوا أن جميع المدارس الأهلية في القطر قد استوفت العدد اللازم لها من المدرسين والنظار وأن جميع المدرسين قد تم تعاقدهم مع المدارس ، حينئذ فاجئوا الرجل الذي أفني زهرة شبابه في خدمتهم بخطاب يقولون فيه إن الجمعية قد قررت الاستغناء عنه . وينبغي أن يعلم القارئ أن المدارس الأهلية – أو كما نسمي الآن المدارس الخاصة – في ذلك الوقت لم تكن تحت إشراف حازم من وزارة المعارف لاسيما ما يتصل بحقوق العاملين في هذه المدارس من نظار ومدرسين وكتبة وعمال بل كان كل هؤلاء تحت رحمة ملاك هذه المدارس ؛ فهم الذين يتعاقدون معهم علي المدة التي يردنها علي المرتب الضئيل الذي يحددونه ، وعلي عدد الحصص التي يدرسونها في اليوم وفي الأسبوع ، وهم الذين يلغون هذه العقود في أي وقت يشاءون ودون إبداء الأسباب .

وكانت مرتبات هؤلاء المدرسين من الضآلة بحيث لا تكاد تصدق ؛ فقد لا يصل مرتب المدرس إلي ثلاثة جنيهات ... كما لا يخفي أن مرتبات موظفي الحكومة كما قدمت – وإن كانت أحسن حالا من ذلك ، إلا أن مرتبات أئمة المساجد في وزارة الأوقاف لم تكن أحسن حالا من مرتبات المدارس الأهلية فكان مرتب الإمام المتخرج في الأزهر ويحمل شهادة العالمية في حدود الجنيهات الثلاثة . وقد رأيت أن أشير إلي ذلك حتى يتضح للقارئ فداحة المصيبة التي أصابت هذا الرجل الذي خدم هذه المدرسة ثمانية عشر عامًا والذي كان يعول أسرة كبيرة ، وقد رتب معيشته ومعيشة من يعول علي أساس هذا المورد الذي يكتسبه من عمله بهذه المدرسة حيث لم يكن مرتبه من وظيفته في الأوقاف يبلغ نصف مرتبه من المدرسة ... وفي الوقت الذي انقطع عنه فيه هذا المورد أضحي عاجزًا أن يجد عملا يعوضه عنه لأن التوقيت الذي اختاره ينبأ الاستغناء عنه توقيت مدبر ، أملاه الحقد الأسود بقصد القضاء علي هذا الرجل تامًا ، وفضيحته أمام الناس حيث تظهر الفاقة عليه وعلي أولاده وذويه ، ويضطر إلي الاستدانة والاستجداء ... ولم يكن في ذلك الوقت في تلك المدارس حق للمفصول أو المستغني عنه في معاش ولا مكافأة .

وامعتصماه :

كان وقع هذه القصة حين قصها وفد إخوان مغاغة علي سمع الأستاذ المرشد كوقع كلمة " وامعتصماه " علي سمع الخليفة العباسي المعتصم بالله حين نقلت إليه عن المرأة المسلمة التي أسرت ببلاد الروم منتهزين فرصة أنها امرأة وحيدة لا نصير لها في بلادهم .. وكان رد الأستاذ المرشد تمامًا كرد الخليفة إذ قال لإخوان مغاغة وهو يبتسم " لا بأس . إذن ننشئ له مدرسة يكون هو ناظرها وصاحبها " . لم يكن لقولة الأستاذ المرشد هذه معني في عرف العقل والمنطق والقياس للأسباب الآتية :

أولاً : لم يبق علي بدء الدراسة إلا أقل من شهر واحد .

ثانيًا : أن هذا المشروع إذا أريد تنفيذه فإنه يحتاج إلي رأس مال لا يقل عن بضعة آلاف من الجنيهات في ذلك الوقت ؛ علي أن يسترق تنفيذه إذا وجد المال سنة علي الأقل .. فكيف يمكن مجرد التفكير فيه وليس لدي الشعبة ولا المركز العام شيء من هذا المبلغ .

ثالثاً : إذا افترضنا جدلا أن مدرسة كاملة المباني وافية بجميع ما يشترط من الشروط الصحية والاجتماعية نزلت لنا من السماء الآن ، فإن العقبة الكبرى التي لا يمكن تذليلها هي العثور في هذا الوقت علي مدرس واحد يتعاقد معه بعد أن ارتبط كل مدرس بمدرسته .

رابعًا : أن إعداد المقاعد والقماطر والسبورات لمدرسة كهذه يحتاج إذا وجد المكان والمال إلي عدة أشهر .

خامسًا : إذا افترضنا جدلا أن هذه المدرسة موجودة بكامل معداتها ومدرسيها فإنها باعتبارها مدرسة جديدة تحتاج إلي عام كامل – مع جميع وسائل الإعلام الميسورة – حتى يعلم الناس بوجودها .. ثم هي لا تبدأ إلا بالسنة الأولي أي بالصف الأول فقط ، لأن الناس لن يثقوا بها إلا إذا أثبتت نتائجها جدارتها لاسيما وفي المدينة مدرسة قديمة أثبتت جدارتها من قبل والجميع يثقون بها .

تلقي وفد إخوان مغاغة وتلقينا نحن الحاضرين من إخوان المركز العام قولة الأستاذ هذه بابتسامة فيها كل المعاني التي تضمنتها الخمسة أسباب السابقة ، ولكن الأستاذ المرشد مصممًا علي قولته حيث كررها أكثر من مرة تكرار الواثق المتمكن ... ومع ارتيابنا بل ما نراه من استحالة في تحقيق هذا المشروع فإن ثقتنا التي تفوق كل تصور في الأستاذ المرشد جعلتنا نتهم عقولنا ونتهم المنطق والواقع ونصدق ما يقول ..... إن هذا الرجل الذي أتاه الله تعالي من العلم والحكمة ما بهر عقول كبار العلماء فطلبوا إليه أن يؤلف كتبًا يودعها هذه المعارف فكان رده عليهم : إنني لا أؤلف كتبًا يكون مصيرها تزيين الوقوف وأحشاء المكتبات ، وإنما مهمتي أن أؤلف رجالا أقذف بالرجل منهم في بلد فيحييه ، فالرجل منهم كتاب حي ينتقل إلي الناس ، ويقتحم عليهم عقولهم وقلوبهم ، ويبثهم كل ما في قلبه وعقله ، ويؤلف منهم رجالا كما ألف هو من قبل .

إن هذا الرجل الذي ربي هذا الشباب الغض علي أسمي المعاني الإنسانية وأجلها من إيمان وإيثار وتضحية لم تكن تربيته هذه تربية عقيما يقف بها عند حدود تطهير النفس وتزكية الروح ثم يعتزل أصحابها المجتمع متفانين في العبادة ، بل كان يربيهم هذه التربية ثم يلقي بهم في خضم المجتمع باعتبار أنهم كنوز يستثمرها في إصلاح ما فسد منه وبناء ما انهار من بنيانه .. وكان الأستاذ نفسه هو أقدر الناس علي استثمار هذه الكنوز وأبرعهم في الإفادة منها ، وأبصرهم بمكامن اللآلئ والدرر فيها ، وأكثرهم تمكنا من سد كل ثغرة من ثغرات المجتمع بما يناسبها من هذه اللآلئ والدرر كما يقول المثل العربي " يضع الهناء مواضع النقب " . علي أساس من معرفته بما تحت يده من هذه الكنوز قال واثقا قولته التي قالها ... قالها وهو يعلم أنها بحكم العقل وحده والمنطق والحساب إنما هي نوع من المحال ، ولكن الذي بيده مفاتيح هذه الكنوز هو فرق العقل والمنطق والحساب " والله يرزق من يشاء بغير حساب " . إن العنصر البشري طاقة كامنة لا حدود لقوتها ولكنها مفتقرة دائمًا إلي من يستطيع تفجيرها .

إنشاء المدرسة أو تحقيق المحال :

قال الأستاذ المرشد لوفد إخوان مغاغة ، أنتم مكلفون بأمرين اثنين عليكم أن تنجزوهما :

الأول : أن تقولوا للأخ الأستاذ الشيخ حسن سيد إن الإخوان قرروا أن ينشئوا لك في مغاغة مدرسة ابتدائية تبدأ الدراسة فيها من أول هذا العام الدراسي وتكون أنت ناظرها .

الثاني : أن تجتمعوا بإخوانكم جميعًا وتدبروا مكانا يصلح أن يكون مدرسة مهما كان إيجاره والمركز العام متكفل بدفع إيجاره .

فإذا تم تدبير المكان فأخبرونا لنكمل الخطوات الأخرى إن شاء الله .

وبعد أيام وصل وفد من مغاغة يحمل إلينا نبأ إيجاد المكان المطلوب وقالوا إن الأخ المهندس الزراعي الأستاذ شلبي محمد جاد وكيل الشعبة – وهو نفسه الأخ الذي كان الأستاذ المرشد قد اتفق معه لأكون شريكاً له في معمل الألبان – قدم لنا منزلا يملكه ملحق به فناء واسع وهو مكون من ثلاثة طوابق ليكون مقرًا للمدرسة ، وتبرع بقيمة إيجاره في السنة الأولي . وأراد الأستاذ المرشد أن يقتحم علي منافسينا بصاعقة تذهلهم وتفقدهم رشدهم ، فقال لوفد مغاغة : ارجعوا إلي إخوانكم واطبعوا أكبر عدد ممكن من الإعلانات واكتبوا فيها أن المدرسة الإسلامية بمغاغة قد استقدمت جميع هيئة التدريس بها من القاهرة وكلهم من خريجي كليات الجامعة ويحملون شهادات البكالوريوس والليسانس – واكتبوا أسماءهم ومؤهل كل منهم أمام اسمه – واكتبوا في الإعلان أنهم سيحضرون إلي مغاغة يوم كذا في قطار الساعة كذا – وحدد لهم اليوم والساعة ...

وقال لهم : عليكم أن توزعوا الإعلانات في جميع أنحاء مغاغة وفي جميع قري المركز .. وعليكم أن تكونوا جميعًا في انتظارهم علي محطة السكة الحديد . ثم التفت إلي وقال : عليك أن تتأهب أنت وزميلك عباس حلمي ومحمد بسيوني (تخرج محمد بسيوني في ذلك العام في كلية الحقوق) للسفر معًا إلي مغاغة في يوم كذا وفي قطار الساعة كذا وهو اليوم والساعة اللتان حددهما لإخوان مغاغة . ودعوت زميلي وقابلنا الأستاذ فقال لنا : إنكم ستقومون بأهم دور في هذا المشروع الذي أنا أعده مشروع الساعة للدعوة والاختيار الدقيق لها ، وستحملون أنتم أكبر عبئ فيه ... إن عليكم أن تعرفوا الناس بأنفسكم وبمؤهلاتكم ، وعليكم أن تزوروا أعيان مغاغة وجميع البيوت المعروفة في قري المركز ... وستكون زياراتكم هذه لهذه البيوت مبعث ثقتهم في نجاح المشروع ، ودافعًا لهم علي التبرع له بسخاء ... ثم عليكم مع ذلك أن تتعاونوا مع إخوان مغاغة في تدبير كل ما يلزم المدرسة من مقاعد وقماطر وغيرها ... وحين تبدأ المدرسة فعليكم أن تقوموا بأنفسكم بتدريس جميع العلوم وسنضم إليكم في التدريس الأستاذ الشيخ حسن سيد الناظر ، ولا تتركوا مواقعكم في التدريس إلا بعد أن نعثر علي عدد كاف نتعاقد معه من المدرسين المحترفين . تلقينا هذه التعليمات من الأستاذ المرشد ولم يخطر ببالنا أننا مقدمون علي أشق مهمة علي الإطلاق ..

لا يعرف الشوق إلا من يكابـده

ولا الصـبابة إلا من يعـانيـها


مظاهرات من نوع جديد :

حزمنا أمتعتنا – ولم تكن أمتعة ذات بال ، فهي لا تعدو أن تكون ملء حقيبة ضمت أمتعتنا نحن الثلاثة ... وركبنا القطار الذي حدده لنا الأستاذ وتوكلنا علي الله ، حتى إذا صارت محطة مغاغة قاب قوسين أو أدني أعددنا أنفسنا أمام باب عربة القطار التي كنا فيها لنكون أول النازلين حين يقف القطار ، ولما كنا لم ننزل بمغاغة من قبل طمأننا الأستاذ أن سنجد في انتظارنا عددًا من الإخوان الذين عرفناهم في القاهرة . ووقف القطار ، ولم نكد نقدم رجلا للهبوط حتى رأينا المحطة تموج بمئات الناس الذين يبدو عليهم أنهم من علية القوم ، ورأينا الجميع يشيرون بأيديهم إلينا ، وتقدم نحونا الإخوان الذين عرفناهم في القاهرة وتناولوا حقيبتنا وخذوا بأيدينا وأحاطوا بنا ، وخرجنا من المحطة في موكب ضخم مهيب نتقدمه نحن الثلاثة وحولنا إخوان مغاغة وخلفنا هذه الجموع كأننا " عرسان " يزفون ليلة الزواج والهتاف " الله أكبر ولله الحمد " يشق عنان السماء .. وسلكوا بنا في هذا الموكب الشارع الرئيسي الذي يخترق المدينة من أولها لآخرها ، وعلي طول الطريق يرشفنا الناس علي الجانبين بنظرات ، ويوجهون نحونا إشارات كأنهم كانوا علي علم بمقدمنا وفي شوق لرؤيتنا ، حتى وصلنا إلي الدر لم تعد لتكون مقر المدرسة فدخلنا ودخل معنا كثير من الناس وأخذ الجميع يرحبون ويبدون سرورهم بمقدمنا .

كان باقيًا علي موعد بدء الدراسة في المدارس الابتدائية أقل من شهر ، ولم يكن بد من تقسيم المسئوليات علي الإخوان لينهض كل بما يوكل إليه في أسرع وقت ممكن ، وكان من مسئولية الأخ الأستاذ شلبي محمد جاد المتبرع بالدار أن يغير من شكل المبني ومحتوياته فيهدم أجزاء ويضيف أجزاء حتى يتواءم المبني مع الرسم الذي طلبته وزارة المعارف وجعلته شرطا لاعترافها بالمدرسة ، وكان علي الأخ الأستاذ محمد فؤاد سليمان ومعه مجموعة من الإخوان أن يحصلوا من مخازن الوزارة ومن المكتبات الأخرى علي الكتب اللازمة والكراريس وغيرها من الأدوات المكتبية للصفوف الأربعة . وهكذا قسم العمل وكان الموكول إلينا من المسئوليات هو أن نشترك في النهار مع اللجان المختلفة في مسئولياتها حتى إذا انتصف النهار وتناولنا طعام الغداء ، أعددنا أنفسنا لرحلة يومية يشترك معنا فيها الأستاذ الشيخ حسن سيد وبعض الإخوان لنزور كل يوم بلدًا من بلاد المركز أو بلدين لنشرح للناس مزايا هذه المدرسة والسبب في إنشائها وما كان من أمر الغدر بالشيخ حسن سيد كما يرون بأعينهم الأشخاص ذوي المؤهلات العالية الدين سيقومون بمهمة التدريس ، فتكون نتيجة كل زيارة من هذه الزيارات ضمان نقل أولادهم من مدرسة الأقباط إلي المدرسة الإسلامية وإلحاق أولادهم الجدد بها ، ثم تبرعًا سخيا يقدمه أثرياء البلد لحساب إنشاء هذه المدرسة .

كان هذا المجهود المتواصل شاقًا فقد كنا نغادر مغاغة كل يوم عصرًا ولا نعود إليها إلا منتصف الليل لنستأنف في الصباح الباكر العمل مع اللجان المتعددة المسئوليات . انهالت التبرعات من أثرياء القرى التي زرناها وتمكنا بذلك من شراء جميع احتياجات المدرسة من كتب وأدوات وسبورات ومكاتب وكراسي للمدرسين والزوار وأدوات النظافة وغيرها ثم واجهتنا معضلة أننا نريد قماطر للتلاميذ ونريد عددًا كبيرًا يتسع للعدد الذي قدرناه من التلاميذ نتيجة دعايتنا وزياراتنا ، وإذا كان معنا ثمن هذه القماطر فإن صناعتها قد تستغرق عدة أشهر ولم يبق علي موعد بدء الدراسة إلا عشرة أيام . تذكرت أن أحد أصدقائنا في رشيد كان قد أنشأ مدرسة ابتدائية في مطوبس ولكنه أخفق في المشروع فباع محتوياتها فاشتراها أخ كريم من إخواننا التجار برشيد فأرسلت إليه أن يشحن لنا جميع هذه القماطر (التخت) التي اشتراها فوصلت مع بدء الدراسة وكانت جديدة وقد طلب في الواحدة المزدوجة المقاعد ثلاثة عشر قرشًا وهو نفس الثمن الذي اشتراها به مع أنه كان يستطيع أن يبيعها في ذلك الوقت بأكثر من ثلاثين قرشًا ، ولو أننا اضطررنا إلي صنعها لتكلفت أكثر من ضعف ذلك .

بدء الدراسة :

بدأت الدراسة في موعدها والمدرسة مستوفية جميع مالا تستوفيه مدرسة إلا بعد مضي أربع سنوات علي إنشائها أو أكثر إذا كانت الظروف مواتية ، وكادت مدرسة الأقباط تتوقف لولا ما تبقي بها من أولاد الأقباط وقليلا ما هم ، وأحس المستكبرين الغادرون بفشلهم وخطأ تقديراتهم فبعثوا إلي الأستاذ الشيخ حسن سيد يطلبون الصلح معه لكن الرجل رفض أن يضع يده في يد غادرين . وقمنا نحن الثلاثة بالتدريس طول اليوم ومعنا الناظر وابنه وأخ كريم حصل علي دبلوم الفنون التطبيقية في ذلك العام هو الأخ الأستاذ حسن عبد الله القباني قام بتدريس مادة الرسم ، فكان كل منا يدرس جميع حصص اليوم متصلة ، وقد يدرس لفصلين في آن واحد .. وقد انتهكتنا هذه الفترة التي دخلناها ونحن في أشد حالات الإرهاق من أثر الزيارات المتلاحقة للبلاد .... وكان الإخوان في خلال ذلك سواء في القاهرة وفي مغاغة يجدون في البحث عن مدرسين للتعاقد معهم حتى وفقوا إلي ثلاثة منهم حلوا محلنا بعد شهر من بدء الدراسة ، وقد أدركونا ونحن في الرمق الأخير .

تقييم هذه التجربة :

كان هذا العمل الذي انتدب الإخوان أنفسهم للقيام به في مغاغة ، والذي حتمت الظروف النهوض بأعبائه ، كان امتحانًا قاسيًا ورائعًا لهذه الدعوة التي تعد في عمر الدعوات دعوة ناشئة ، وقد كشف هذا الامتحان عن طبائع هذه الدعوة بأسلوب جلي وقد تتضح منه القسمات التالية :

أولا : أثبتت الدعوة للإخوان أنفسهم أنها دعوة إيجابية فعالة ، كما أثبتت ذلك لغير الإخوان ممن شهدوا مسرح الأحداث ، وبينت للجميع أنها دعوة لا تقف عند حد الأقوال والدعاية الكلامية والإقناع العقلي بالأسلوب المنطقي بل إنها تفعل ما تقول وقد تفعل كثر مما تقول .

ثانيا : أثبتت أن العنصر البشري إذا ما تربي التربية الإسلامية السليمة الكاملة النابعة من الكتاب الكريم يستطيع أن يأتي بما يشبه المعجزات ، وأنه لا تعوقه العوائق المادية مهما عظمت .

ثالثاً : أن القيادة القادرة التي تولت الشباب الغض وأنشأته علي أقوم الأسس وأعطته من ذات نفسها هي التي تعرف مقدار ما يكمن في هذا الشباب من طاقة خارقة للعادة ، وهي التي تعرف كيف توجه هذه الطاقة ومن توجهها لإنجاز أعمال يحكم العقل والقدرة المادية والمنطق باستحالة إنجازها .. ومن دستور هذه القيادة المأثور قولها : إذا صح العزم وضح السبيل .

رابعًا : فسرت معني الأخوة الإسلامية " المسلم أخو المسلم لا يحقره ولا يخذله ولا يسلمه " وأنها إنما تقوم علي أسس من التضحية والإيثار لا علي الأثرة والاستغلال ، فهذا المجهود الذي بذل في إنشاء هذه المدرسة في الظرف المعين الذي كان يجب أن ننشأ فيه ، لا يمكن تقديره بمال مهما كثر ، ومع ذلك وبغير من ولا أذي حين اكتمل المشروع الاكتمال سلم إلي الأخ الذي هببنا لنجدته يتصرف فيه كما يشاء حيث قال الأستاذ المرشد حين بلغه نبأ الغدر به " إذن ننشئ له مدرسة يكون هو ناظرها وصاحبها " .

خامسًا : أثبتت الدعوة أنها مع قدرتها دعوة سلام وعفة ، فقد كان في تصور من دبروا جريمة الغدر من قادة جمعية الأقباط ، كما كان في تصور الناس جميعًا في مغاغة أن رد الإخوان علي هذه الجريمة النكراء سيكون الاعتداء علي هذه الجمعية باليد واللسان ، ولكن المفاجأة كانت في أن شيئًا من هذا لم يحدث ، وإنما كان الرد هو ما تحدثنا عنه دون مس أي من هؤلاء كانت بكلمة نابية أو لفظ جارح ، ذلك أن الدعوة الإسلامية أبعد الدعوات عن فحش القول وعن الاعتداء ، لكنها تهب هبة المذعور لحماية من اعتدي عليه من أبنائها ولا تدخر وسعًا في حمايته وحياطته ..

إلي مشروع الألبان :

بعد أن تم إنشاء المدرسة وبعد أن تسلم المدرسون المتعاقد معهم أماكنهم في المدرسة اتجهنا إلي مشروعنا الأصلي الذي اعترض طريقه هذا المشروع المدرسي الطارئ ، وكان من توفيق الله أننا فرغنا من مشروع المدرسة في الوقت المناسب لمشروع الألبان ، وتذاكرت وشريكي الأستاذ شلبي المشروع وكان معمله مجهزًا أحسن تجهيز وكتبنا عقد الشركة وعرضناه علي الأستاذ المرشد – لأنه كان حريصًا علي الاطلاع عليه – ووقعناه – وفهمت من شريكي أن سبب فشله في المشروع هو عدم تصريف منتجاته فتكفلت أنا بذلك بعد أن استوثقت من إخوان القاهرة التجار استعدادهم لشراء كل ما ينتجه المعمل ، واستمرت الشركة موسم لبن كاملا كنت خلاله كثير التردد علي القاهرة ثم رأيت إنهاءها .

وقد يكون مفيدًا للقارئ أن أسرد علي مسامعه تفاصيل هذا المشروع ولكن إيجازًا للقول أكتفي بوضع خلاصة له بين يديه ولا أكون بذلك قد خرجت علي الموضوع فتاريخ الدعوة هو تاريخ القائمين بها والعاملين لها والذين كرموا حياتهم للنهوض بها ، فلم يكن تحركي لهذا المشروع إلا بوحي من هذه الدعوة ، وما كان اهتمام الأستاذ المرشد به إلا لكونه يري أن مثل هذه المشاريع دعائم للدعوة ، وهاك الخلاصة :

1 – لم يكن يعوذنا المال فالمال كان متوفرًا ولم يكن يعوزنا تصريف الإنتاج فقد كان المطلوب منا أكثر من ضعف إنتاجنا .

2 – لم يكن يعوزنا الإخلاص فشريكي كان من المثل العليا التي يندر وجودها وممن يخشون الله ويتقونه ، وسأذكر واقعة واحد تنبئك عن مدي عمق إيمانه بالله ، فقد كان يملك قطعة أرض واسعة في وسط مغاغة فجاءه رجل أجنبي من خارج مغاغة وعرض عليه ثمنًا مشرفًا لهذه القطعة يبلغ ضعف ما يستحق لينشئ عليها دار للسينما وإذا لم يرغب في بيعها فليدخل معه شريكاً في هذه السينما – وكانت السينما في ذلك الوقت أربح مشروع – فطلب منه مهلة وسألني رأيي في هذا العرض فأجبته بأن السينما ما هي إلا أداة لعرض ما يراد عرضه فيها ولكن الأفلام التي تعرض هي عادة أفلام تدعو إلي الرذيلة .. فرفض عرض الأجنبي علي ما فيه من إغراء خشية أن يكون فيه ما يغضب الله .

3 – لم نبع صفقة إلا بربح ومع ذلك خسرنا خسارة كبيرة نتيجة قلة اللبن الوارد إلي المعمل ، والمصاريف اليومية والشهرية التي كان لابد من صرفها علي المعمل كانت تكفي لتصنيع عشر أضعاف كمية اللبن التي كانت ترد لنا ، ومن هنا نشأت الخسارة .

4 – سبب قلة الوارد إلي المعمل ترجع إلي إيثار شريكي عدم المجازفة بدفع أثمان اللبن لأصحاب المواشي قبل توريده إلينا في حين أن تجار " السمن " في القاهرة كانوا يدفعون لأصحاب المواشي في مغاغة مبالغ كبيرة قبل بدء موسم البن .. وقد اختلفت وجهة نظرنا في هذا الموضوع فكنت أري أننا أولي بالاطمئنان علي مالنا إذا دفعناه إلي هؤلاء الفلاحين من أولئك الذين يعيشون في القاهرة ويدفعون لهم الأموال . ولكن شريكي – لظروف شرحها لي قابلته في تربيته وهو طفل – جعلت عنده في كل تصرفاته فرط حرص .

وكما أن قيامي بهذا المشروع كان بمشورة من الأستاذ المرشد ، فقد كان إنهائي له وفض الشركة بمشورة منه أيضًا ... علي أن الذي أحب أن ألفت النظر إليه أن فض الشركة بيني وبين الأخ الأستاذ شلبي لم يكن له أي أثر علي ما بيننا من علاقة أخويا وسوف يأتي إن شاء الله في سياق هذه المذكرات ما يوضح ذلك .

رأي عظيم لرجل عظيم :

قدمت من خلال الحديث من مشروع الألبان أنني كنت في خلال فترة قيامي بهذا المشروع أتردد علي القاهرة ففي إحدى مرات ترددي وكان مساء يوم خميس وجدتهم في المركز العام يوزعون الدعاة يوم الجمعة علي عدة مساجد ، فلما رأوني بينهم أدخلوني في التوزيع فكان من نصيبي ومعي الأخ صالح عشماوي مسجد أحمد زكي باشا بالجيزة .

وذهبت وزميلي إلي المسجد قبيل صلاة الجمعة ، ولما أذن للصلاة صعدت المنبر وخطبت الناس وأنا أتفحص وجوههم ، فلاحظت من بينهم وجهًا مشرقاً لشيخ معمم ذي لحية بيضاء وقور يرمقني وكأنه هو الذي يتفحصني ، فشغلني أمر الرجل حتى أنهيت الخطبة وصليت بالناس ، ثم قدم الناس يصافحونني وأنا أبحث عن الرجل فلم أجده بين من صافحوني .. فلما انفض الجميع وقلبي منشغل بالرجل تبين لي أنه باق في مجلسه . فلما رأي الناس قدًا تكشفوا عني رأيته قادمًا نحوي فتقدمت نحوه ، ومد يده إلي فشددت علي يده ثم صافح وميلي ثم خرجنا ثلاثتنا من المسجد وسرنًا معًا وقد طلب حين خرجنا من المسجد أن نشرب عنده القهوة فقبلت علي التو شوقاً إلي معرفة الرجل ، حتى إذا كنا أمام " فلة " جميلة قال تفضلوا ، ولمحت علي باب " الفلة " الخارجي لافته عليها اسم صاحبها فظننت رجلنا ساكنًا بها . فلما دخلنا وأخذنا مجالسنا قال الرجل : نريد أن نتعارف ، وقدم لي بطاقته ، فإذا عليها نفس الاسم المكتوب علي لافتة " الفلة " وهو " منصور مهران " الأستاذ بدار العلوم سابقًا ، فبدأت أعرف قدر الرجل ، وإن كنت ازددت له احترامًا فقد كنت أوليه لوقاره احترامًا يتواءم وهذا الوقار .. ثم التفت إلي فقلت : أنا فلان بكالوريوس زراعة وصاحب معمل ألبان في مغاغة ، وزميلي صالح مصطفي عشماوي بكالوريوس تجارة ومحاسب .

قال الشيخ : كم تعطيكم جمعية الإخوان المسلمين التي تنتسبون إليها في كل مرة تقومون بنشر دعايتها وإذا كانت تحاسبكم بالشهر فكم تعطيكم شهريًا .

قلت له : إن الجمعية لا تعطينا شيئًا لنشر دعوتها لا بالمرة ولا بالشهر .

قال : إذن من الذي يتكفل الدعاة بمقابل أتعابهم ومصاريف انتقالهم ؟ .

قلت : ليس عندنا مقابل أتعاب ، وكل منا يتكفل بمصاريف انتقاله .

قال : أنتما فقط أم هذا حال جميع الدعاة ؟ .

قلت : هذا حال جميع الدعاة .

قال : أليس للجمعية دعاة بمرتبات تدفعها لهم ؟ .

قلت : كل الدعاة مثلنا متطوعون . بل إن هؤلاء الدعاة يقدمون للجمعية من جيوبهم .

قال : كم يدفع العضو في الشهر ؟ .

قلت : الاشتراك في جمعيتنا ليس محددًا فمن الأعضاء من لا مقدرة عنده فلا يدفع شيئًا ، ومنهم من يدفع خمسة قروش ومنهم من يدفع عشرة قروش وهكذا ومنهم من يدفع جنيها أو أكثر حسب قدرته ولا فرق بين الجميع .

قال : ومن هو رئيس الجمعية ؟ .

قلت : ليس للجمعية رئيس وإنما لها مرشد هو الأستاذ حسن البنا وهو متخرج في دار العلوم وكان أول دفعته وهو مدرس بمدرسة عباس الابتدائية بالسبتية .

قال : وهل حددت الجمعية له مرتبًا من ماليتها ؟ .

قلت : لا .. وإنما هو يقسم مرتبه الذي يأخذه من وزارة المعارف بينه وبين أولاده وبين الجمعية ، وهو يقوم بنشر الدعوة في الأقاليم ويسافر كل أسبوع مرة أو أكثر علي حسابه الخاص .

قال الرجل .. اسمعوا يا أولادي .. إن هذا اليوم أسعد أيام حياتي ..إنني أؤمن بأن هذا الدين لا ينبض به إلا دعاة يبذلون له ولا يرتزقون منه .. ثم قال : نحن الأزهريين عيال في دراستنا علي كتب الرجال الأمجاد الشيخ الصباغ والشيخ النجار والشيخ الحداد وهؤلاء العلماء لم يسموا بهذه الأسماء إلا لأنها صناعاتهم . فالشيخ الصباغ كانت مهنته التي يرتزق منها هي صباغة الأقمشة ، والشيخ النجار كانت مهنته النجارة وهكذا كان لكل مهنته التي يكتسب عيشه منها ثم في وقت فراغه يضع هذه المؤلفات الإسلامية التي نحن مدينون بمعارفنا لها تقربًا إلي الله .

يا أولادي ... اليوم أموت وأنا مرتاح الضمير لأن الفئة التي كانت تنقص المجتمع الإسلامي قد وجدت ، ونهضة الإسلام كانت مرهونة بوجودهم . وهنا وقفت وزميلي مستأذنين وشاكرين الشيخ حسن ضيافته ودعوته لزيارة المركز العام فاعتذر بأنه قد لا يستطيع لضعفه لكنه حملنا التحية للأستاذ المرشد . ولما رجعنا وقابلت الأستاذ المرشد أبلغته تحية الشيخ وأطلعته علي بطاقته فقال لي إنه كان أستاذه ، ولما حدثته بحديثه استمع إليه باهتمام وقال : إن أمثال هذا الرجل بمثل هذا الفهم قليل في عالمنا اليوم .

الشاي في الصعيـد :

كنت منذ صغري من محبي الشاي ومن المقبلين علي احتسائه كل صباح في المنزل ، فلما شبيت وكنت في السنة الرابعة الثانوية ونظرت إلي هذا الشراب فوجدته له جنايتين علينا نحن المصريين ، إحداهما إنه صادر عادة لنا أو بالتعبير المألوف " كيفاً " سيطر علي أعصابنا بحيث لم تعد تستطيع الاستغناء عنه ، فكأنما استعبدنا فصار لنا سيدًا وصرنا له عبيدًا والأخرى أنه مع ذلك بضاعة أجنبية ، واقتنعت بوجوب مقاطعته .

ولما كنت في مغاغة لاحظت أن أهل الصعيد أشد انغماسًا في هذا " الكيف " منا نحن أهل الوجه البحري ، فالعمال مثلا ينفقون أكثر مما يكتسبون علي الشاي .. وقد لمست خطورة هذا الشراب عن قرب حين كان ساكنا معي الأخ الأستاذ حسن عبد الله القباني وهو من أهل قوص إحدى حواضر قنا وهو مدرس الرسم بالمدرسة كما ذكرت قبلا .. فرأيته يهيئ لنفسه الشاي كل صباح بطريقة يكثر فيها من الشاي الجاف ويظل يغليه في الماء حتى يصل إلي قوام يشبه قوام الزيت ، وحتى إن طعم السكر لا يظهر فيه مهما أكثرت منه عليه ، و يخشي منه قبل أن يذهب إلي المدرسة ثلاثة أكواب صغيرة ثم يذهب للمدرسة ويبدأ عمله في الساعة الثامنة حتى إذا وصلت الساعة العاشرة حيث استراحة التلاميذ ظهرًا فيتغذي ويهيئ الشاي لنفسه بطريقة الصباح ، ثم يذهب إلي المدرسة لفترة ما بعد الظهر حيث تنتهي الدراسة الساعة الثالثة فيجد الفراش بالكوب في انتظاره ثم يشرب الشاي بعد العشاء بمثل طريقة الصباح ،وقد يشرب مرة بين الساعة الثالثة والعشاء .

إنه هو الذي ذكر لي هذا النظام الذي يلتزمه والذي إذا افتقد مرة من مراته عجز عن أداء عمله حتى يسعف بالشاي . ولقد أخبرني أن الشاي في حياتهم هو كل شيء حتى إن أطفالهم يفطمون علي الشاي وأنه هو شخصيًا فطم علي الشاي . ولما كانت القدوة هي أقوي وسائل التأثير فقد سهل علي إقناع الأخ الكريم بضرر الشاي وخطورته وعاونته في أتباع خطة انتهت إلي مقاطعة الشاي والاستعاضة عنه بمشروبات وطنية أخري كالكركديه والينسون والنعناع ، فأدي ذلك إلي تحرره من هذه العادة المسيطرة كما أدي إلي تحسن كبير في صحته . وبهذه المناسبة أذكر أنه لما جاء موعد إجازة نصف السنة وسافر الأخ حسن إلي بلدته قوص ليقضي الإجازة فيها فلما عاد من الإجازة قال لي سأروي لك شيئًا طريفاً وقع لي في هذه الإجازة .. قال : لما وصل بي القطار إلي محطة قوص ، وكان أهلي علي علم بموعد وصولي نظرت من القطار فوجدتهم في انتظاري علي رصيف المحطة ، فنزلت من القطار ومعي حقيبتي فلم يتقدم نحوي أحد منهم ليحمل عني حقيبتي كالمعتاد ، كما لم يتحرك أحد منهم كأنهم لم يروني ، فتقدمت نحوهم حتى التصق بهم ولم يمد أحد منهم يد لمصافحتي فعجبت وقلت لهم مالي أراكم هذه المرة تتجاهلوني ماذا حدث ؟ قالوا من أنت ؟ قلت أنا حسن عبد الله فبدا عليهم الدهشة وقالوا أنت حسن ؟ إذن أنت تغيرت كل التغير ، لقد كنت نحيفًا أسمر الوجه ونراك الآن ممتلئ الجسم أبيض الوجه ماذا حدث ؟ فتذكرن أن شيئًا لم يحدث لي إلا لمقاطعتي للشاي التي أدت إلي فتح شهيتي للطعام فقلت لهم فتعجبوا .

وقد يكون الإسراف في الشاي فعلا من أسباب ضعف الجسم فلازلت أذكر كلمة للأخ الدكتور محمد أحمد سليمان قالها في أثناء محاضرة كان قد ألقاها علينا في المركز العام حيث قال : إن الشاي يحتوي علي حمض العفصيك " التنيك " الذي يستخدم في دبغ الجلود ، وقال إن الهضم في المعدة يتم عن طريق أهداب قطيفية تبطن المعدة من داخلها فإذا نزل الشاي علي هذه الأهداب القطيفية دبغها أي قضي عليها فتعجز المعدة من الهضم .

مواجهة بين المرشد العام وطه حسين :

لما انتقلت الدعوة بمركزها العام إلي ميدان الحلمية الجديد ، رأي الأستاذ أحمد السكري أن ينتقل إلي القاهرة ورأي الأستاذ المرشد أن يهيئ له ذلك فألحقه بوظيفة في ديوان وزارة المعارف سكرتيرًا لمدير التعليم الزراعي . وفي ذلك الوقت عين الدكتور طه حسين المستشار الفني لوزارة المعارف ، وهو منصب لم يكن موجودًا من قبل ولكنه أنشئ للدكتور طه شخصيًا ، وكان لتعيين الدكتور طه في هذا المنصب دوي هائل في جميع الدوائر التعليمية والثقافية في مصر وفي خارج مصر ، باعتبار أن صاحب هذا المنصب هو الذي سيوجه الثقافة في مصر حيث يشاء ، وسيحتكم في تلوين ثقافة البلاد باللون الذي يروقه . وقد يكون هذا المنصب أخطر المناصب تأثيرًا في بلد ناشئ كمصر تتجاذبه تيارات متضاربة لا يدري أيها أنفع له ولا إلي أيها يتجه . ولطه حسين نزعات عرفت عنه واشتهر بها . وتوجس الكثيرون خيفة مما عسي أن يسفر عنه تعيينه في هذا المنصب الخطير .

وطه حسين أديب ضليع تلقي الأدب علي الشيخ المرصفي الذي كان إمام عصره ، ودرس في الأزهر حتى أوشك أن يحصل علي شهادة العالمية منه – وهي أعلي شهاداته – ولكنهم – لسبب ما – أسقطوه مع أنه لم يكن يعوزه العلم ولا اللغة ولا الذكاء .. فاتجه منذ ذلك الوقت – مكرها – إلي الجامعة المصرية الناشئة وحصل منها بتفوق علي الليسانس ، وأوفدته الجامعة في بعثة إلي باريس حيث حصل علي الدكتوراه وتزوج فرنسية حضرت معه إلي مصر وعين مدرسا بكلية الآداب وصار يكتب ويحاضر في الجامعة وخارجها ... واقتحم إلي ميدان السياسة وناصر حزب الوفد فاعتبر بذلك من المناوئين للسراي ... وألف مؤلفات في الأدب الجاهل والشعر الجاهلي كان لها ضجة في أنحاء البلاد ، واستطاع بذلك أن يبرز في المجتمع ، فحقق بذلك من آماله مالم يكن ليحققه لو أنه حصل علي العالمية وسلك طريقها ..

وكاد الأزهر في حملاته عليه أن يعصف به ويقضي عليه قضاء تامًا لولا أنه كان يأوي بانتسابه لحزب الوفد إلي ركن شديد .. ومع ذلك فإن الأزهر بعدائه له واستعداده للسراي استطاع في إحدى الفترات أن يفصله من الجامعة فاحتضنه الوفد وأوسع له من صحفه يحرر فيها بأسلوبه الأدبي الناقد مستغنيًا بذلك عن مرتب الجامعة .. ولكنه بعد كل هذا استطاع أن يرجع إلي الجامعة ويصير عميدًا لكلية الآداب وتبوأ علي المناصب حتى وصل إلي هذا المنصب الذي استحدث أجله تقديرًا لمكانته وإقرارًا بفضله . علي أن احتفاء حكومة في بلد كمصر – لاسيما في الزمن الذي نحن بصدده – بإنسان وإحلاله في أعلي المناصب وإضفاء الألقاب الرنانة عليه ، ليس دليلا علي فضله ولا علي جدارته ، فمثل هذه الحكومات إنما تستوحي قراراتها وتستلهم اختياراتها من إهواء شخصية أو عصبية حزبية أو توجيهات أجنبية ... ولست أقصد من هذا إلي الطعن في طه حسين أو الغض من مقدرته الأدبية أو الاستخفاف بمواهبه الفطرية ، فقد ألمحت إلي ذكائه ومكانته الأدبية ، ولكنني أحببت أن لا يولي القارئ اتجاهات الحكومات في ذلك العهد من الاهتمام والتقدير أكثر مما تستحق .

أما عن طه حسين نفسه فإنه .. مع ذكائه ونافد بصيرته – شاب طاردته أكبر جامعة دينية في بلده فتلقفته جامعات فرنسا ، وأوسعت له من وارف ظلها ، فأحس في ظلالها بترحاب لم يحط بشيء منه في بلده وتقلب في أحضان نعمة لم يذق مثلها في منشئه ، ولم تكتف فرنسا بذلك كله بل حبته أيضا قطعة من نفسها حتى يكون حيث كان ومعه روح فرنسا تسيطر علي بيته ونفسه وقلبه وعقله ، تلك هي زوجته ... ولولا أن طه حسين منطويًا علي قلب حصين – لأنه كان يحفظ القرآن منذ نشأته – لما كان مثله بعد ذلك إلا فرنسيًا مخلصًا . وضع طه حسين في هذه الأثناء كتابة " مستقبل الثقافة في مصر " ضمنه أراء فيما يجب أن تتجه إليه الثقافة في مصر ، وكان لهذا الكتاب دوي كبير في جميع الأوساط لاسيما الأوساط التعليمية والتربوية التي كان يعنيها موضوع الكتاب قبل غيرهم ، ولأن الكتاب كان دعوة صريحة إلي الاتجاه إلي الغرب بطريقة مزعجة فقد جاء في الكتاب ما يكاد يكون نصه " وأري أن نأخذ بالحضارة الغربية خيرها وشرها حلوها ومرها " .

وقد تناولت الكتاب أقلام النقاد بين قادح ومادح ، وسالت أنهار الصحف بهذا النقد ، فالمادحون هو الذين تربوا في أحضان الحضارة الغربية فهم بها مفتنون ، والقادحون كان أكثرهم من أعداء طه حسين التقليديين ... ولا أعتقد أن كتابًا في العصر الحديث في مصر استأثر باهتمام المشتغلين بالتربية والتعليم مثلما استأثر به هذا الكتاب ، للظروف التي صدر فيها والتي أشرت إلي ظرف منها . كنت في ذلك الوقت في عملي في مغاغة ، ولم تكن وسائل المواصلات ولا وسائل الإعلام قد تقدمت في بلادنا في ذلك العهد بعد ؛ فلم يكن الراديو قد انتشر في مصر أو قد وجد ، فكانت الأحداث التي تضطرب بها العاصمة قلما يصل من أنبائها إلي غيرها من البلاد لاسيما بلاد الصعيد ولولا أن هذا الكتاب قد ظهر وقرأت عنه وأنا أتردد علي القاهرة في أوائل أيام انتقالي إلي مغاغة لكنت كأهل الصعيد خالي الذهن عنه .. وصلني خطاب من الأستاذ المرشد يخبرني فيه أنه سيحضر لزيارة إخوان " سدس الأمراء " وأنه يريد أن أكون في انتظاره علي محطة " ببا " وحدد لي اليوم وموعد وصول القطار ...." وفي الموعد المحدد كنت والأستاذ شلبي ومجموعة من الإخوان في انتظاره ، وقد صحبناه إلي سدس الأمراء – وهي قرية من أعمال مركز ببا محافظة بني سويف .. وكان يومًا كريمًا من أيام الله ..

وفي أثناء ذلك انتهز الأستاذ فرصة كنت وإياه منفردين فقال لي : أتعرف يا محمود لماذا حرصت هذه المرة علي أن تقابلني ؟ قلت : لعله خير إن شاء الله . قال : إن عندي حديثًا يجب أن تعرفه وظروفك حالت دون أن تكون معنا لتشهده . قلت متشوقاً : وما عساه أن يكون ؟ قال : لعلك طبعًا علمت بما كان من أمر كتاب الدكتور طه حسين الذي أصدره أخيرًا عن " مستقبل الثقافة في مصر " وما تناولته الصحف من نقده ، قلت نعم ... قال : لقد بلغني أن الرجل لم يكترث بكل ما كتب وأنه مصمم علي وضع آرائه في الكتاب موضع التنفيذ باعتباره " مستشار الوزارة " ولم أكن لضيق وقتي قد اطلعت علي هذا الكتاب بعد .. وقد اتصل بي بعض أصدقائنا من الغيورين وطلبوا إلي أن أنقد الكتاب .. فلما قلت لهم إنني لم أطلع عليه قالوا : إنه لم يعد هناك وقت وكان يجب أن تكون قد قرأت الكتاب فقد ظهر منذ عدة أشهر والدكتور طه حسين لم يكترث بكل ما كتب وبكل ما قيل وقد قرر وضع الكتاب موضع التنفيذ ، ولا ينبغي أن يكون هناك تغيير جذري في سياسة البلد الثقافية دون أن يقول الإخوان كلمتهم قال : ولم يكتفوا بذلك بل أخبروني أنهم حددوا موعدًا في دار الشبان وطبعوا الدعوات وكان الموعد بعد خمسة أيام . قال الأستاذ : ولم أكن أستطيع التحلل من مواعيد كنت مرتبطًا بها في خلال هذه الأيام الخمسة فلم أجد وقتًا أخصصه لقراءة هذا الكتاب إلا فترة ركوبي الترام في الصباح إلي مدرستي وفترة رجوعي منها في الترام ، قال : فقرأت الكتاب – لأنه لم يكن كبيرًا– وكنت أضع علامات بالقلم الرصاص علي فقرات معينة..ولم تمض الأيام الخمسة التي كنت قد استوعبت الكتاب كله .

قال الأستاذ : وفي الموعد المحدد ذهبت إلي دار الشبان فوجدتها – علي غير عادتها – غاصة .. والحاضرون هم رجالات العلم والأدب والتربية في مصر ، ليس من هو دون هذا المستوي .. ووقفت علي المنصة واستفتحت بحمد الله والصلاة والسلام علي رسول الله ، وبجانبي الدكتور يحيي الدرديري السكرتير العام للشبان المسلمين : ورأيت الكتاب كله منطبعًا في خاطري بعلاماتي التي كنت علمتها بالقلم الرصاص ... قال وبدأت أول ما بدأت فقلت : إنني لن أنقد هذا الكتاب بكلام من عندي وإنما سأنقد بعضه ببعضه .. وأخذت – ملتزمًا بهذا الشرط – أذكر العبارة من الكتاب وأعارضها بعبارة أخري من نفس الكتاب .. ولاحظ الدكتور الدرديري أنني في كل مرة أقول " يقول الدكتور طه حسين في الكتاب في صفحة كذا وأقرأ العبارة بنصها من خاطري ثم أقول ويناقض الدكتور طه نفسه فيقول في صفحة كذا وأقرأ العبارة بنصها أيضًا من خاطري ، فاستوقفني الدكتور الدرديري ، وطلب إلي أن أمهله حتى يحضر نسخة من الكتاب ليراجع معي النصوص والصفحات لأنه قرأ الكتاب ولم يلاحظ فيه هذا التناقض وكأنه لم يقرأ العبارات التي يسمعها الآن .

وأحضر له الكتاب ، وظل يتابعني فيجد العبارات لا تنقص حرفًا ولا تزيد حرفاً ، ويجد الصفحات كما أحددها تمامًا ، فكاد الدكتور الدرديري يجن كما ساد الحاضرين جو من الدهشة والذهول ، والكل يتجه – كلما قرأت من خاطري عبارتين متناقضتين – إلي الدكتور الدرديري كأنهم يسألونه : أحقاً هذه العبارات في الكتاب ؟ فيقول الدكتور الدرديري في كل مرة " تمامًا بالنصوص والصفحات " . قال الأستاذ وظللت علي هذه الوتيرة حتى أنهيت الكتاب كله وأنهيت المحاضرة .... فقام الجميع وفي مقدمتهم الدكتور الدرديري بين معانق ومقبل . قال الأستاذ : ولما هممت بالانصراف رجاني الدكتور الدرديري أن أنتظر برهة لأنه يريد أن يسر إلي حديثاً ، واقترب مني وأسر في أذني سرًا تعجبت له قال : لما نشرنا عن موضوع محاضرتك وموعدها اتصل بي الدكتور طه حسين وطلب إلي أن أعد له مكانًا في هذه الدار يستطيع فيه أن يسمع كل كلمة تقولها دون أن يراه أو يعلم بوجوده أحد فأعددنا له المكان وحضر المحاضرة من أولها إلي آخرها ثم خرج دون أن يراه أو يعلم به أحد .

قال لي الأستاذ المرشد : وفي اليوم التالي ، طلب الدكتور طه حسين بمكتبه بوزارة المعارف الأستاذ أحمد السكري وقال له : أحب أن ترتب لي اجتماعًا بالأستاذ حسن البنا في أي مكان بحيث لا يكون معنا أحد وبحيث لا يعلم به أحد ، وليكن هذا المكان في بيته أو بيتي أو في مكتبي هنا ، فليختر واحدًا من هذه الأمكنة . قال الأستاذ : وأبلغني الأستاذ أحمد السكري بذلك فريت أن يكون الاجتماع في مكتبه بالوزارة . قال : وبدأ الدكتور طه الاجتماع بقوله : لعلك يا أستاذ حسن لا تعلم بأني حضرت محاضرتك وبأنني كنت حريصًا علي حضورها وعلي الاستماع إلي كل كلمة تقولها لأنني أعرف من هو حسن البنا ، وأقسم لك لو أن أعظم عظيم في مصر كان في مكانك ما أعرته اهتمامًا .... قال لي الأستاذ المرشد : فشكرته ثم سألته عن رأيه في المواضع التي وجهت النقد إليها في الكتاب وهل لديه من رد عليها ؟ .

قال الدكتور طه : ليس لي رد علي شيء منها ، وهذا نوع من النقد لا يستطيعه غيرك ، وهذا هو ما عناني مشقة الاستماع إليك ،ولقد كنت استمع إلي نقدك لي وأطرب ... وأقسم يا أستاذ حسن لو كان أعدائي شرفاء مثلك لطأطأت رأسي لهم ، لكن أعدائي أخساء لا يتقيدون بمبدأ ولا بشرف ، إن أعدائي هو الأزهريون ، وقد ظنوا أنهم يستطيعون أن يمحوا أسمي من التاريخ ، وقد كرست حياتي لإحباط مكايدهم ، وهاأنذا بحمد الله في الموضع الذي وتتقطع أعناقهم دونه ... ليت أعدائي مثل حسن البنا إذن لمددت لهم يدي من أول يوم . ثم قال الدكتور طه : هل هناك سوي ذلك مما قد تختلف عليه مما تعرفه عنه ؟ .

قلت : هناك قضية العلم والدين ، إنكم تنادون بأن يكون الدين في خدمة العلم ،و هو الرأي الذي تقوم عليه الحضارة الحديثة في الغرب ... وهذا الرأي خاطئ لأن معناه أنه إذا اصطدم الدين مع العلم في أمر من الأمور نبذ الدين واتخذ العلم دينًا . يجب الفصل بين العلم والدين ، لأن الدين حقائق ثابتة والعلم نظريات متطورة ، فإذا ألبسنا العلم ثوب الدين جمدنا العلم ، إذا نحن أخضعنا الدين للعلم ، فلسفنا الدين فأخرجناه بذلك من طبيعته ولم يعد دينًا .

قال الأستاذ : ثم تناقشنا في مواضيع مختلفة تدور حول طبيعة الفكرة الإسلامية ، ومدي إحاطتها بكل نواحي المجتمع فكان آخر حديث لي بعد أن تحدثنا أكثر من ساعتين أن قلت له : لو أن أصحاب الآراء حين يختلفون حول أمر من الأمور لم يعتقد كل منهم أن رأيه هو الصواب كله وأن آراء غيره هي الخطأ كله بل أضاف إلي اعتقاده في صحة رأيه اعتقادًا بأنه قد يكون في آراء الآخرين نوع من الصواب وإن لم يبن له ، .. لما اشتد الخلاف ووصل إلي خصومة تطمس في ظلماتها معالم الحقيقة . وينقلب النقاش من كونه وسيلة للبحث عن الحقيقة إلي محاولة للانتصار للرأي والمجادلة بالباطل قال الأستاذ وقلت له : إن خير مثل يوضح ذلك ما ذكره الإمام الغزالي من أن أربعة من العميان وقفوا فيل فلمس أحدهم أقرب ما يقابله منه فكان الخرطوم فقال إن الفيل ما هو إلا خرطوم طويل رفيع ، ولمس الثاني أذن الفيل فقال : لا إن الفيل هو صفحة جلدية واسعة ، ولمس الثالث رجل الفيل فقال : لا ... بل هو عمود مستدير ، ولمس الأخير جسم الفيل فقال لا : بل هو حائط عريض أملس ... قال الأستاذ : فلو أن هؤلاء الأربعة لم يتعصب كل منهم لرأيه وتركوا فرصة للتفاهم فيما بينهم .. ولا يمكن تفاهم إلا إذا أفترض كل منهم أن يكون في رأي غيره بعض من الحقيقة – لامتدت يد كل منهم إلي مواضع أيدي زملائه فيلمس ما لمسوا فتتكون عند كل منهم صورة كاملة عن الفيل .

هذا ... وبعد أن رويت عن الأستاذ المرشد ما رويت في هذه الواقعة ، يجدر بي أن أقرر – تحريًا للصدق – وصونًا لأمانة النقل – أني أسجل ما دار في هذه اللقاءات بعد ستة وثلاثين عامًا من سماعي إياها فقد أكون أنسيت بعضًا منها – وقد أنسيت بغير شك الكثير – وقد لا يكون تعبير عن البعض الباقي في الذاكرة منها دقيقًا تمام الدقة .. لكنني كنت حريصًا علي تسجيل الخطوط العريضة منها ، وتسجيل أن من آثار هذا اللقاء أن عدل الدكتور طه حسين عن آرائه التي سجلها في كتابه هذا وفي كتبه ومقالاته التي سبقته وكان في بقية حياته خط آخر استحق به أن يكون عميد الأدب العربي .

عودة إلي البناء الداخلي للدعوة :

بعد هذا الاستطراد الذي تناولنا فيه تجربة مغاغة والمواجهة بين الأستاذ المرشد وطه حسين ، نرجع إلي ما خصصنا له هذا الفصل مما يتصل بالبناء الداخلي للدعوة فنقول : سافرت إلي القاهرة ناوياً الإقامة فيها فرأي الأستاذ المرشد أن يسند إلي بعض مهام الدعوة حيث كنت في تلك الأثناء متفرغًا فكلفني بالإشراف مع الصحافة والطلبة .

1 – صحافة الدعوة :

مجلة التعارف :

بعد أن فقد الإخوان مجلة النذير في أعقاب الفتنة الأولي لم يعد للإخوان مجلة يملكون امتيازها فلجئوا إلي استئجار مجلات كان أصحابها قد حصلوا علي الترخيص بها لإصدارها لحسابهم – لأنهم يعجزون عن ذلك – وإنما فعلوا ذلك حتى تستأجرها منهم هيئة من الهيئات .. وقد ظل المركز العام منذ انتقاله إلي الحلمية الجديدة يستأجر مجلات من هذا النوع عدة سنوات وكلما صودرت واحدة استأجر أخري ومن هذه المجلات النضال والمباحث والتعارف ... والمجلة التي أسند إلي الإشراف عليها كانت مجلة التعارف ، وكان إشرافي عليها في الفترة التي سقطت فيها فرنسا في يد الألمان ، وكان لسقوطها دوي هائل في أنحاء العالم لم تستطيع الثبات أمام هجمات الألمان حتى ركعت علي ركبتيها واستسلمت وتألفت فيها حكومة جديدة علي رأسها الماريشال بتيان وكان من أشهر القواد الفرنسيين ، وقد صرح تصريحًا مشهورًا سجله التاريخ أقر فيه بأن هذه الهزيمة المنكرة إنما تعزي إلي الانهيار الخلقي الذي انحدر إليه الشعب الفرنسي .

وكان هذا التصريح مثار تعليقات في الصحافة العالمية لأمد طويل لأن سقوط فرنسا بهذه السرعة كان مفاجأة أذهلت العالم كله .. وكان أشد الناس اهتمامًا بتصريح الماريشال بيتان أولئك الذين ظلوا سنين طويلة من قبل يحذرون شعوبهم وحكوماتهم من سوء العاقبة إذا لم يتمسكوا بأهداب الدين والخلق .. وكان الإخوان المسلمون في مصر علي رأس هذا الصنف من الناس وكانت مجلتهم هي المرآة التي تعكس مدي اهتمامهم بهذا التصريح فظلت تكتب أمدًا طويلا المقالات الضافية تعليقًا علي سقوط فرنسا وأسباب هذا السقوط التي اعترف بها ماريشال فرنسا . وكانت هناك سلسلة متصلة من المقالات في هذا الموضوع دبجها يراع طالب بكلية أصول الدين كانت قطعًا أدبية بالغة الروعة ، فلما وصلتني المقالة الأولي منه أخذت بروعتها ولكنني حين رتبت وضع المقالات في المجلة جعلتها في الصفحات الداخلية باعتبار أنها علي كل حال من كتابة طالب ولكنني حين عرضت علي الأستاذ المرشد الترتيب الذي هيأته للنشر توقف عند هذه المقالة وقال لي : ألم تأخذ بلبك هذه المقالة ؟ قلت : بلي . قال : ولم لم تجعلها المقال الافتتاحي إذن : ألأنه طالب ؟ قلت : هذا فعلا هو السبب . قال : أري أن تجعلها المقال الافتتاحي وأن تجعل كل مقالاته دائمًا المقالات الافتتاحية لأنني أشم في كتابته أدب الرافعي رحمه الله . وقال لي : إنه الرافعي الصغير ، وكان هذا الطالب الذي أطلق عليه الأستاذ المرشد لقب " الرافعي الصغير " هو إسماعيل حمدي الطالب إذ ذاك بكلية أصول الدين ، وكنا إذ ذاك في الإجازة الصيفية فكان يرسل إلي مقالاته تبعً من بلدته " إمري " .

وبهذه المناسبة أذكر أن الأستاذ المرشد كان يضع أدب الرافعي في أعلي مراتب الأدب في عصره وينظر إلي الرافعي باعتباره رائد الأدب الإسلامي ، وناهيك بمن يحله الأستاذ المرشد هذا المحل ، فالأستاذ المرشد كان هو الرجل الذي لو شاء أن يتخصص للكتابة الأدبية لملك ناصيتها ولكان قمة الأدب ولما لحق به كل من تسنموا هذه القمة ... فكان رحمه الله – وهو صاحب الدعوة الإسلامية في هذا العصر ... يري الرافعي رحمه الله في مقام حسان بن ثابت في عصر النبوة ... وكان – كما ألمحت من قبل – يحفظ الكثير من شعر الرافعي مع أنه أكثر الناس – وكنت منهم – لا يعرفون أن الرافعي كان شاعرًا ناثرًا ولا يعرفون أن له ديوانًا مطبوعًا ، وأنا شخصيًا لم أر هذا الديوان إلا عند الأستاذ المرشد ، ولا شك في أن القوي الخفية المعادية للفكرة الإسلامية كانت من وراء حجب ما أمكنها حجبة من أدب الرافعي عن الجمهور لأنه كان أدبًا نفاذًا إلي القلوب صادرًا من قلب يضطرم باسمي العواطف الإسلامية ، وحسبك أن تستمع إلي نشيده الوطني الذي اخترق بأعجوبة هذه الحجب المصطنعة فردده الشعب في أثناء صحوة من صحواته الوطنية والذي فاصلته :

لك يا مصـر السـلامة

وسـلامًـا يا بـلادي

إن رمي الدهـر سهامًا

اتقيـهـا بفـــؤادي

واسلمي في كل حيـن

ومن أبياته التي كان الأستاذ المرشد يتمثل بها قوله :

لو كل مزمار لهو عنـدنا خنث

لنــابه مدفـع عنـانه بشـع

إذن لكانت لنا بين الورى لغـة

متى تقل قولها في العالم استمعوا

وكان الأستاذ المرشد حريصًا علي تربية خليفة يخلف الرافعي في أدبه لأن الدعوة الإسلامية لا تستغني عن قلم يدافع عنها في عالم الأدب ويرفع رايتها بين الرايات فيه ، وكان يرشح اثنين لهذه الخلافة : إسماعيل حمدي ، وعبد المنعم خلاف ؛ وكان يعمل دائمًا علي إفساح الطريق لهما بكل ما يستطيع من وسائل ولكن يبدو أن النكبات التي توالت علي الدعوة لم تدع لهما فرصة . وكان من الكتاب الذين يوصيني الأستاذ بالعناية بهم وإفساح المجال لمقالاتهم " محمد الغزالي " الذي كان إذ ذاك طالبا بكلية أصول الدين أيضا فقد كان الأستاذ المرشد يبدي إعجابه بقلمه وبأسلوبه

مجلة المنار :

مجلة المنار هي المجلة التي كان يصدرها ويحررها الأستاذ الشيخ محمد رشيد رحمه الله ، وكان قوامها ما ينشره في صدرها من تفسير القرآن الكريم للشيخ محمد عبده ، حيث كان الشيخ محمد عبده يلقي درسًا في جامع الأزهر في تفسير القرآن تحضره مجموعة من صفوة العلماء ورواد الفكر والأدب والوطنية وكان له في مقدمتهم زميله وأقرب تلامذته إلي نفسه الشيخ محمد رشيد رضا .. وكان الشيخ محمد رشيد رضا حريصًا علي كتابة ما يلقيه أستاذه في الدرس وينشره في هذه المجلة تباعًا . ولما كان الشيخ محمد عبده علي رأس رواد الفكرة الإسلامية في هذا العهد وصاحب نظرية إصلاحية أبرزت الفكرة بصورة شاملو لم يكن للناس ، ولا لعلماء الأزهر بها عهد ، فقد كان تفسيره للقرآن طرازًا جديدًا من التفسير تهافت الناس علي قراءته في أنحاء مصر وفي أنحاء العالم العربي والإسلامي وكاتب الوسيلة الوحيدة إلي ذلك هي اقتناء مجلة المنار ... وبذلك حظيت هذه المجلة من الذيوع والانتشار مع التوفير والاحترام بما لم تحظ به مجلة أخري في العالم العربي والإسلامي لاسيما في أوساط العلماء والأدباء والمثقفين .

ولما اختار الله الشيخ محمد عبده إلي جواره واصل الشيخ محمد رشيد رضا إصدار المنار مقتضيا أثر أستاذه في التفسير بنفس الأسلوب وبنفس المستوي حيث كان الشيخ رشيد في درجة من العلم والإدراك والإحاطة لا تقل عن درجة أستاذه فيها ... ولذا فقد ظلت المنار بعد وفاة الشيخ محمد عبده في مكانها الرفيع من نفوس العالم العربي والعالم الإسلامي . علي أن المنار لم تكن قاصرة علي مقال التفسير – وإن كان مقال التفسير يشغل أكثر صفحاتها – بل كانت تحفل بمقالات وبحوث وفتاوى كان أكثرها بقلم الشيخ رشيد ، وإن كانت لا تخلو من مقالات قليلة لبعض كبار الكتاب الإسلاميين حيث لا يجرؤ أكثر الكتاب علي التقدم إليها بمقالاتهم ....

وظلت " المنار " ف مكانها الرفيع حتى اختار الله الشيخ رشيد إلي جواره وكان قد وصل في التفسير إلي سورة هود ، فأخذت أسرة الشيخ رشيد في البحث عن أكبر عالم في العالم العربي ليخلف الشيخ رشيد في المنار حتى وفقوا إلي طلبتهم فأسندوا تحريرها إلي عالم جليل من سوريا لا أذكر اسمه الآن فحاول متابعة التفسير علي مستوي الشيخ رشيد فأتم تفسير سورة يوسف وهنا فوجئ الأستاذ بأسرة الشيخ رشيد تطلب إليه أن يقوم بأعباء " المنار " . ولم يكن الأستاذ المرشد غريبًا علي أسرة الشيخ رشيد فلقد كان علي صلة وثيقة بالشيخ منذ كان طالبًا بدار العلوم وكانت دار مجلة " المنار " ملتقاه بأكثر من التقي بهم من رجالات الحركة الإسلامية في ذلك العهد واتخذت أكثر القرارات في مواجهة المؤامرات ضد الإسلام في هذه الدار ، وظل الأستاذ علي اتصال بالشيخ بعد قياد دعوة الإخوان وكان يستشيره في كثير من الأمور . تردد الأستاذ المرشد أمام طلب أسرة الشيخ مع علمه بأن إسناد تحرير " المنار " إليه شرف لا يعادله شرف واعتراف له بالزعامة العلمية والأصالة الإسلامية ، ولكن تردده بل رفضه الذي صرح به لأسرة الشيخ كان لسببين يكتمهما عن الأسرة هما :

أولاً : أن إسناد تحرير " المنار " إليه سيقتطع من وقته جزءًا كبيرًا لأنه سيضطر – أخذا بطريقة الشيخ ومتابعة لخطته ومحافظة علي مستوي المجلة – إلي تحريرها كلها بنفسه ، ولما كانت الدعوة لا تتيح له هذا الوقت فإنه يخشي أن تطغي واحدة منهما علي حق الأخرى .. وفي حين أن الدعوة لا تستغني عنه فقد يجدون هم في العالم الإسلامي من يقوم بأعباء " المنار " .

ثانيًا : أنه حرصًا علي استمرار صدور " المنار " باعتباره أحد المعالم الإسلامية يري أن لا يصدرها هو ، حتى تكون في مأمن من المكايد التي يدبرها أعداء الإسلام للدعوة ومنها مصادرة صحفها وسحب تراخيصها ، وقال لهم : إنني مع حرصي في هذا الطور من أطوار الدعوة علي تجنب الاصطدام بالسلطات فإنهم ألغوا لنا عدة مجلات كنا نستأجرها ونصدرها ... وقال لهم : إن أعداء الدعوة من الخسة والنذالة بحيث لا يتورعون عن إلغاء " المنار " نكاية فينا لأنهم لا وازع لهم من دين أو خلق أو حياء .

وأصر الأستاذ المرشد علي الرفض وأصرت الأسرة علي إلزامه حتى اضطر أخيرًا إلي النزول علي إرادتهم بعد أن بين لهم المخاطر . وأصدر الأستاذ " المنار " وصار يحرر أكثر ما فيها بقلمه وبدأ في التفسير حيث انتهي سلفه فبدأ بتفسير سورة الرعد ، فخرجت " المنار " تفسيرًا وتحريرًا في المستوي الرفيع الذي اعتاده قراؤها في العالم الإسلامي أيام الشيخ محمد عبده والشيخ محمد رشيد رضا . وكان لإصدار الأستاذ المرشد مجلة " المنار " أصداء في الأوساط العلمية الإسلامية عبر عنها الأستاذ الشيخ محمد مصطفي المراغي شيخ الأزهر في ذلك العهد بمقال قدم به الأستاذ المرشد إلي قراء المنار أنصف به الرجل الأستاذ المرشد إنصافًا أقر له بالإمامة في العلم وفي الدعوة . وصدر من المنار بضعة أعداد ثم أصابته جائحة من الجوائح الحكومية وانقطع عن الصدور مع انقطاع المجلة الأسبوعية .

الشهاب : ثم أصدر الأستاذ " الشهاب " وهو بديل للمنار وفي نفس اتجاهه ومستواه وبعد أن صدرت منه بضعة أعداد كان مصيره مصير سابقيه .

2 – الطلبة :

كانت المهمة الأساسية التي أسندت إلي وشغلت وقتي كله وجهدي كله فهي مرور دائب لا ينقطع علي المدارس والمعاهد والكليات وزيارات للعواصم ومحاضرات ومساجلات ومناقشات ومؤتمرات خاصة بالطلبة كنا نعقدها بدار جمعية الشبان المسلمين وكان الأستاذ يوليها أعظم اهتمام تصدر منها مقررات تطبع وتوزع في القاهرة والأقاليم .

ندوة الخميس : وهي أسلوب استحدثته لمخاطبة الطلبة فقد رأيت أن " حديث الثلاثاء " غير كاف للإجابة علي كل ما تختلج به نفوس الطلبة وعقولهم من أحاسيس ومشاكل وأفكار مع أن الأستاذ المرشد كان حريصًا علي أن يطرق في حديث الثلاثاء مواضيع شتى تمس جميع الفئات . وقد اقترحت علي الأستاذ المرشد أن يخصص يومًا في الأسبوع للطلبة وحدهم يتقدمون فيه بأسئلتهم ويجيب عليها : وبدأنا هذا الأسلوب عن طريق أسئلة شفهية يقوم الطالب في الندوة فيلقي سؤال ويقوم الأستاذ بالإجابة عليه . ثم تبين لي أن لدي بعض الطلبة أسئلة يحجمون من التصريح بها شفاها فطورنا الندوة إلي أسئلة تكتب وتقدم للأستاذ وهو علي المنصة فيجيب عليها ثم تبين لي بعد ذلك أن هناك أسئلة تتلجلج في نفوس الكثيرين منهم ويستحيون أن يتقدموا بها لو مكتوبة – حيث كنت أتسلمها طيلة الأسبوع ثم أقدمها للأستاذ عند عقد الندوة . فأعددنا صندوقاً ثبت علي حائط يلقي فيه كل صاحب سؤال بسؤاله مكتوبا ولصاحب السؤال أن لا يذكر اسمه .. وفي نهاية الأسبوع أفتح الصندوق وأتناول ما فيها من أوراق وأقدمها إلي الأستاذ فيقرأها ويرتبها ويجيب عليها في الندوة .

وكان لهذا الأسلوب آثار طيبة جدًا في توضيح ما كان غامضًا علي كثير من الطلبة من الحقائق والمواقف في الفكرة الإسلامية وغيرها ، كما أنه كان وسيلة ناجحة لحل مشاكل عائلية وعقد نفسية كانت مستعصية ما كان هناك من سبيل للكشف عنها ومعالجتها بغير هذا الأسلوب . وعن طريق هذا الأسلوب الذي وفقنا الله إليه تخرج من هذا الرعيل من الطلبة أفواج انتشرت في أنحاء البلاد فكانوا منار وهدي ودعاة خير لأنهم صاروا بهذا الأسلوب دعاة مستبصرين .

من آثار النظام الإداري التربوي الإخواني :

تحدثت عن النظام الإداري الذي أخذت به الدعوة حين انتشرت في أنحاء البلاد واقتضي الأمران يرتبط الإخوان بنظام تتسلسل فيه القيادات ويسهل عن طريق الاتصال بين أعلي قيادة وأبعد فرد في أقرب وقت ، وتتوزع فيه المسئوليات توزعًا يفتت نظام المركزية الذي من طبيعته أن تنعدم فيه الفرص لتكوين الشخصية في التابعين ، في حين أن طبيعة الإسلام وأساسه توفير جميع العناصر التي تكون الشخصية لكل فرد من أتباعه " أن لا تزر وازرة وزر أخري . وأن ليس للإنسان إلا ما معي . وأن سعيه سوف يري . ثم يجزاه الجزاء الأوفى " .

ولا شك في أن هذا النظام الإداري قد أتي أكله ، وأثمر أينع الثمر ، فلقد كنت تحضر جلسة من جلسات أصغر وحدة من وحدات هذا النظام الإداري وهي مجلس الإدارة لشعبة فرعية ، فتحس كأنك جالس وسط برلمان يتجلي فيه النظام والديمقراطية بأجلي معانيهما ، فالمناقشات تدور في حدود جدول أعمال يقدمه نائب الشعبة فيدلي كل برأيه متوخيًات المصلحة العامة مهتديًا بأضواء الفكرة الإسلامية دون أنانية ولا تعصب ، وتتلافح الآراء ويخرجون منها بالرأي الذي ينتهون إليه سواء بإجماعهم أو بأغلبيتهم ... وتلمح في عيون الجميع الجد والاهتمام حين يدرسون مواطن الضعف في قريتهم وكيف يعالجون هذه المواطن كأن الواحد منهم يدرس أخص مصالحه الخاصة ، وبعد أن يشخصوا أنواع الضعف ويضعوا علاجًا لكل نوع يوزعون مسئوليات هذا العلاج علي أنفسهم وعلي زملائهم بالشعبة فيعرف كل منهم ما هو منوط عليه به من بذل أو عمل ... وبعد ذلك كله يتكلمون عن مسئولياتهم العامة أمام أمتهم باعتبارهم أعضاء في دعوة مهمتها إصلاح مرافق الأمة الإسلامية بالأسلوب الإسلامي الحكيم ... وحين تسمع حديثهم في هذه الناحية تنسي أنك في قرية صغيرة في أطراف البلاد وأنك بين أفراد من هذه القرية أقرب وصف لهم أنهم أميون أو أشباه أميين ... ولكن المثير حقاً هو ما لهذه الدعوة الإسلامية من صبغة يصطبغ بها المنتمون إليها فتنطلق فيهم هذه الصبغة من طاقات الفهم والإدراك وحسن التقدير وواسع الإحاطة ما يسمو بهم إلي أعلي المستويات مهما كانوا من قبل في أدناها .

وتحضرني في هذا العدد واقعة حدثت في خلال هذه الحقبة من الزمن التي تعالج وصف حال الدعوة فيها وقد حدثني صاحبها عنها في وقتها :

صاحب هذه الواقعة كان أخاً صغيرًا من إخوان شعبة فوة وكان إذ ذاك في سن دون العشرين اسمه الأخ مصطفي عناني وكان يعمل نجارًا في ورشة والده ولم تتح له الظروف أن يحصل علي أدني قسط من التعليم لكنه كان ملمًا بشيء من مبادئ القراءة والكتابة ، فلما شب وصار في السن الذي ذكرت كلفه والده بأن ينوب عنه في شراء الخشب الذي يلزمهم من الإسكندرية ، فكان إذا أعد نفسه لهذه المهمة ليس " بدله " بدلا من ملابس الشغل ، وكان سفره دائمًا في الدرجة الثالثة من القطار ... وكان طلاب جامعة الإسكندرية من أهل دمنهور وما حولها يذهبون صباح كل يوم إلي الإسكندرية بالقطار ويرجعون إلي دمنهور بعد انتهاء الدروس بقطار المساء .

قال لي الأخ مصطفي : أنهيت عملي في الإسكندرية في ذلك اليوم وذهبت إلي محطة الإسكندرية لأخذ القطار الذي يوصلني إلي دمنهور كالمعتاد حيث دمنهور هي المحطة الأولي في ذلك الوقت بين الإسكندرية وفوة – قال فوجدت القطار مزدحمًا أشد ازدحام في الدرجة الثالثة فانتقلت إلي عربة من عربات الدرجة الثانية فوجدت أحد دواوينها مكانًا شاغرًا فاقتحمت إليه وجلست فيه .. وتحرك القطار فلاحظت أن السبعة الموجودين معي في الديوان من طلبة جامعة الإسكندرية وأخذوا يتناقشون في المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي كانت تشغل بال الناس في ذلك الوقت ، وظلوا يتناقشون وأنا أستمع فكنت أنا الوحيد الذي ألتزم الصمت في حين تكلم الجميع .. ويبدو أنهم لم يعتادوا أن يروا في مجتمعهم هذا من يلزم الصمت فاتجه نحوي أحدهم وسألني لِم لم تشترك معنا في الحديث وما رأيك فيما أثير من موضوعات ؟ فاعتذرت إليهم من هذا الصمت ودخلت معهم في المناقشة وأخذت أتناول كل موضوع أثاروه وأحلله وأناقشه في ضوء الدعوة فرأيت الجلسة قد تغير وضعها واتخذت وضعا آخر ، فبعد أن كان النقاش يدور بحيث يتبادلون الحديث فيأخذ كل منهم بطرف رأيتهم جميعا قد التزموا الصمت واتجهوا إلي بأسماعهم وأبصارهم ، قال وظللت في تناولي للمواضيع المثارة بالأسلوب الذي ذكرت حتى أتيت عليها جميعًا ، وحينئذ كان القطار قد قارب محطة دمنهور ، فتقدم إلي كل واحد من السبعة يريد أن يتعرف علي وسألوني في أي كلية أنت ؟ فابتسمت فقالوا لا تؤاخذنا في هذا السؤال فنحن نعرف أنك لابد أن تكون طالبا في الدراسات العليا ولكننا نحب أن نتعرف علي كليتك لأننا معجبون بمعلوماتك وثقافتك العالية وهذه فرصة نحب أن لا تفلت منا لنحرص كل يوم علي أن تكون معنا في قطار واحد وفي ديوان واحد لنستفيد منك ... قال الأخ مصطفي فابتسمت أيضًا وكان القطار قد أوشك علي دخول المحطة فقلت لهم : إني لست في جامعة الإسكندرية ولكنني في جامعة أعظم فقالوا : في جامعة القاهرة قلت : لا بل جامعة أعظم قالوا : أين هذه الجامعة ؟ قلت لهم : أنا في جامعة الإخوان المسلمين وأنا لست طالبا وإنما أنا نجار لا أكاد أحسن القراءة والكتابة ولكنني تربيت في هذه الجامعة فخرجت مني ما ترون ، ومع ذلك فما أنا إلا من أصغر طلابها ... قال الأخ مصطفي فكانت هذه الجلسة أعظم دعاية عملية للدعوة . وأن صياغتها للنفوس والعقول تأتي بما يشبه المعجزات .

وقد أوردت هذه الواقعة لأبين للقارئ بيانًا عمليًا ما نوهت عنه من المستوي الرفيع الذي صاغت الدعوة في قالبة المؤمنين بها والعاملين لها والداعين إليها ون هذا المستوي الذي تلمسه في أعلي الهيئات الإدارية في القاهرة ستجده هو نفسه في الهيئة القائمة علي الدعوة في القرية النائية ، فليس هذا المستوي الذي بهر به طلبة جامعة الإسكندرية كان خاصا بالأخ مصطفي بل هو مستوي إخوانه في الشعبة وفي مختلف الشعب " صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون " . وهذه الصبغة التي صاغتها الدعوة للإخوان المسلمين ليست بدعًا ، وإنما هي طبيعة هذه الدعوة ودأبها وبدنها فهي التي صاغت من الرعيل الأول عمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح وسعد ابن أبي وقاص وخالد بن الوليد وأسامة بن زيد وأبا ذر الغفاري والمثني بن حارثة ، وإخوانهم فلم يكن هؤلاء من العلماء الذين درسوا علوم الاجتماع بل كانوا رجالا كسائر رجال الجزيرة العربية الذين سماهم القرآن " الأميين " ( هو الذي جعل في الأميين رسولا منهم ، يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين . وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم . ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم " .

ثم إن هذا البرلمان الصغير في الشعبة الفرعية للقرية إذا استشكل عليه أمر ولم يستطع أن يصل فيه إلي قرار فإن بجانبه قربًا منه برلمانًا أكبر منه للشعبة الرئيسية للمركز حيث يعقد اجتماع دوري فيها يحضره مندوبو الشعب الفرعية وهي فرصة سانحة لدراسة ما استشكل علي هذه الشعب من أمور . فإذا تبقي في هذا البرلمان أمور دون حل فاجتماع المكتب الإداري كفيل بإيجاد الحلول . وفي نفس الوقت تتبادل الآراء وتناقش المسائل عن طريق آخر هو طريق الدعاة بين الفينة والفينة من المركز العام . الذين يتحسسون أحوال الشعب في جميع الأنحاء ينقلون نبضها إلي المركز العام ليعالج الأمور علي بصيرة . كما أن هذه التشكيلات المتتابعة في أنحاء البلاد علي ما يخض كلا منها من مسئوليات للدعوة في الشئون المحلية تنطلق في هذا السبيل وهي مطمئنة إلي أن لها ديدبانًا في القاهرة ساهرًا لا يغمض له جفن يرقب تطورات الأحوال في مصر وفي البلاد العربية وفي العالم الإسلامي وفي العالم كله ليسلك بالدعوة السبيل الأقوم إزاء هذه التطورات ، فهو يرقب التطورات كل يوم وكل ساعة فإذا وجد مكتب الإرشاد من هذه التطورات ما عظم عليه معالجته دعا الهيئة التأسيسية التي لكل هذه التشكيلات في داخل البلاد أضلاع فيها لتصدر الرأي البات والقرار الأخير .

هل تقليد هذا النظام كاف لأثمارة نفس الثمر ؟ :

هذا النظام الإداري المحكم الحلقات ، ما كان لينجح ويؤتي ثماره ، لولا أنه كان مطعمًا بنظام آخر تربوي روحي هو نظام الكتائب .. كان نظام الكتائب يسري في النظام الإداري علي اختلاف درجاته سريان الروح في الجسد فيبعث فيه الحياة والقدرة والحركة .... ولعل هذا هو السر في أن هيئات كثيرة بعضها شعبي وبعضها رسمي أخذت بالنظام الإداري للإخوان المسلمين أخذًا كاملا ولكنها فشلت ، ولم تصل به إلي شيء مما يعود عليها بفائدة أو بتماسك أو بترابط أو ينفع بل كان وبالا عليها وثقلا جديدًا أضيف إلي ثقالها وحملا علي كاهلها ومعوقا في طريقها ، فلقد أخذت الهيئات بالجسد دون الروح .... وقد تستطيع بشيء من الإنفاق أن يصنع لك الفنانون هيكلا رائعًا لجسد عظيم ، ولكنك مهما أنفقت لن تستطيع أن تجد من ينفخ في هذا الهيكل الروح ، لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم " " ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " .

قسم الأخوات المسلمات :

كان واضحًا في ذهن حسن البنا أن دور المرأة في الإسلام دور خطير ، له أثره البعيد في تكوين الرجال وأمهات المستقبل ... والدعائم التي ارتكزت عليها دعوة الإخوان المسلمين هي تكوين الفرد المسلم ثم الأسرة المسلمة ثم المجتمع المسلم ثم الحكومة المسلمة . وحين أسس الأستاذ المرشد أول دار للدعوة في الإسماعيلية وأنشأ مسجدًا ، اتبع ذلك ببناء مدرستين إحداهما للأبناء سماها " معهد حراء الإسلامي " والأخرى للبنات أطلق عليها " مدرسة أمهات المؤمنين " وقد عني بهذه المدرسة عناية كبيرة – حيث لم تكن فكرة تعليم البنات قد وضحت السامي للبنات والأمهات والزوجات ، وبين مقتضيات العصر ومطالبه من العلوم النظرية والعلمية والعملية . وقد أدت المدرسة رسالتها فاستتبع ذلك إنشاء قسم الأخوات المسلمات سمي في أول الأمر " فرقة الأخوات المسلمات " يتألف من نساء الإخوان وقريباتهن ، وتقوم بالتدريس فيه مدرسات علي كفاءة خاصة من أهل الإسماعيلية نفسها . ووضع الأستاذ لهن لائحة خاصة ننظم طرائق السير ووسائل نشر الدعوة بين السيدات والفتيات من بيوت الإخوان وغيرهن ... وقد جاء " بمذكرات الدعوة والداعية " للأستاذ المرشد في هذا الصدد وفي صفحة 150 ما يلي :

لائحة فرق الأخوات المسلمات :

" وللذكري نثبت هنا أول لائحة للأخوات المسلمات ، وكان عليها العمل بالإسماعيلية وبالقاهرة بعد ذلك :

في غرة المحرم سنة 1352 ، 26 إبريل 1933 تألفت في الإسماعيلية فرقة أدبية إسلامية تسمي الأخوات المسلمات ، الغرض من تكوين هذه الفرقة :

التمسك بالآداب الإسلامية ، والدعوة إلي الفضيلة ، وبيان أضرار الخرافات الشائعة بين المسلمات .

وسائل الفرقة : الدروس والمحاضرات في المجتمعات الخاصة بالسيدات ، والنصح الشخصي والكتابة والنشر .

نظام الفرقة :

1 – تعتبر عضوا في الفرقة كل مسلمة تود العمل علي مبادئها وتقسم قسمتها وهو " علي عهد الله وميثاقه أن أتمسك بآداب الإسلام وأدعو إلي الفضيلة ما استطعت " .

2 – رئيس الفرقة هو المرشد العام لجمعيات الإخوان المسلمين ، ويتصل بأعضائها وكيلة عنه تكون صلة بينهن وبينه .

3 – كل أعضاء الفرقة ومنهن الوكيلة إخوان في الدرجة والمبدأ ، وتوزع الأعمال التي يستدعيها تحقيق الفكر عليهن ، كل فيما يخصه .

4 – يعقد أعضاء الفرقة اجتماعًا خاصًا بهن أسبوعين يدون فيه ما قمن به من الأعمال خلال الأسبوع الماضي ،وما يرونه في الأسبوع الآتي .

وفي حالة ما إذا كثر عدد يصح أن يقتصر هذا الاجتماع علي المكلفات بالأعمال منهن .

5 – تصدر اشتراكات مالية اختيارية حسب المقدرة ، وتحفظ في عهدة إحدى الأخوات للإنفاق منها علي مشروعات الفرقة .

6 – يصح تعميم هذا النظام في غير الإسماعيلية في حدود هذه اللائحة .

7 – يعمل بهذه اللائحة بمجرد التصديق عليها من أعضاء الفرقة التأسيسية ، والتوقيع منهن بما يفيد ذلك .

.... وبانتقال الدعوة إلي القاهرة تكونت بالقاهرة " فرقة الأخوات المسلمات " .. وقد اتخذ مقرًا به المنزل رقم 17 شارع سنجر الخازن بالحلمية الجديدة واختار الأستاذ المرشد الأخ الأستاذ محمود الجوهري سكرتيرًا لهذا القسم منذ إنشائه ، وظل الأخ الكريم يباشر هذه المهمة ويؤديها أحسن أداء حتى الآن بمعاونة الأخت الكريمة عقليته من الله عليها بالشفاء وأسبغ عليها ثوب العافية . وقد ساهم القسم في المشروعات الاجتماعية النافعة من المستوصفات ودور الطفولة ورعاية الأيتام والمدارس وتنظيم مساعدة الأسر الفقيرة .. وأنشأ " دار التربية الإسلامية للفتاة " بشارع بستان الفاضل بالمنيرة .

ولما انتشرت الدعوة في أوساط الفتيات والأمهات في القاهرة والأقاليم رؤى إدخال تعديل علي لائحة القسم تضمن " أن يكون مقر شعب الأخوات المسلمات ودروسهن دور شعب الإخوان المسلمين أو بيوتهم أو المساجد التي يشرفون عليها بشرط أن يلاحظ إخلاء الدور من الإخوان تمامًا كلما كان هناك اجتماع أو درس للأخوات " ... وقد انتشرت شعب الأخوات في القاهرة والأقاليم حتى زاد عددها علي المائة شعبة . وكما كانت جهود الأستاذ – كما ذكرنا من قبل – موجهة في معظمها العناية بالطليعة من الجامعين طلبة وخريجين ، فإنها كذلك وبنفس القدر من العناية والاهتمام كانت موجهة إلي الطليعة بنفسه ولم يكن يتخلف عن هذه الدروس حتى في حالة المرض . ومن هذه الطليعة تكونت لجان الزائرات اللاتي يقمن بزيارات لشعب الأخوات في أنحاء القطر ويشرفن علي سير الدعوة فيها وينظمن إقامة المعارض الإنتاجية للأخوات ويوجهن المؤسسات الثقافية والعلاجية والعملية . وكانت لقسم الأخوات نشاط في مختلف الميادين حتى إنه في مارس سنة 1946 تقدم إلي المندوب السامي البريطاني بالقاهرة بمذكرة احتجاج علي اعتداءات جنود الجيش البريطاني المحتل علي الآمنين من المصريين .

علاقة قسم الأخوات بالنظام الإداري للإخوان :

أخرت الحديث عن هذا القسم – مع بالغ أهميته – لأني وإن كنت أوردته ضمن الأقسام الإدارية للإخوان المسلمين فإنني كنت حريصًا علي النأي به عن الارتباط الإداري وأساليبه .. وقد نشأ حرصي هذا مما كنت ألاحظه من حرص الأستاذ الإمام رحمه الله علي هذا المعني فيما يتصل بهذا القسم الرئيسي الكبير . ذلك أن مهمة هذا القسم في رأي الأستاذ رحمه الله هي إعداد جيل من الفتيات والنساء يزود بأعظم قدر من التربية الإسلامية المستنيرة مع قسط من المعلومات الفقهية والتاريخية استعدادًا لإنشاء البيوت الإسلامية التي قد تعتمد في إنشائها علي المرأة أكثر مما تعتمد علي الرجل ... فالزوجة هي التي تعين زوجها علي النهوض بأعباء الدعوة الإسلامية ، وهي التي تقعد بهمته عنها ، والأم هي التي ترضع أبناءها وبناتها حب الخير وهي التي تدفعهم إلي الشر .

وإذا لم توجد في البناء الإخواني الأم المسلمة الصالحة ، والزوجة المسلمة الصالحة فهيهات أن يقوم هذا البنا مهما كان الرجال مثلا عليا ... ولهذا قام بناء الدعوة حين قام علي أساسين معًا ، ففي الوقت الذي ينشأ فيه الرجال شيبًا وشبانًا كان ينشأ فيه النساء أمهات وأخوات ... جدران متوازيان ومتسامتان ... ولكن لما كانت فرص الاجتماعات أمام الأخوات غير متاحة بالقدر الذي هي متاحة للإخوان فإن الأستاذ رحمه الله كان حريصًا علي أن يجعل هذه الاجتماعات خالصة للتثقيف والتربية دون أن يقتطع من وقتها أو كثير في الانشغال بالشئون الإدارية ، كما كان حريصًا علي أن لا يضيع جزء من جهود الأخوات في الالتفات إلي المناصب الإدارية والإعداد لها والتطلع إليها مما قد لا يتناسب مع طبيعة المجتمعات النسائية إذا أريد الإنتاج دون معوقات . وربما كان هذا الأسلوب من أهم الأسباب في نجاح التنظيمات النسائية في الإخوان المسلمين بينما فشلت مثيلاتها في جهات أخري .

ولما كانت دعوة الإخوان المسلمين دعوة عملية لا تعترف بالترف العلمي ولا تقف عند حدود التضلع من العلم الإسلامي لمجرد التضلع بل هي حقول تجارب يرى العضو فيها انه مطالب بتطبيق ما تعلم أولا بأول في هذه الحقول في البيت وفى العمل وفى الشارع وفى النادي وفى نفسه أولا فإن الأخوات كن كلما تعلمن شيئا من التعاليم الإسلامية يجدن أمامهن حقل التجارب في بيوتهن يطبقن فيها هذه التعاليم على أنفسهن وعلى أزواجهن وأبنائهن وأهليهن . ومن هنا كانت الدعوة تسير قديما إلى الأمام لا يعوقها عائق فإن العربة متى كان يجرها حصانان وكلاهما يجر في اتجاه واحد فإنها تنطلق في طريقها أمنة مطمئنة إذ كل العوائق الخارجية يمكن تفاديها أما الذي لا يتفادى لا يقاوم ولا أمل معه في مواصلة السير فهو العوائق الداخلية الناشئة من داخل البيت ومن داخل الأسرة وناهيك بعربة يجرها حصانان كل يجرها في اتجاه مضاد بفضل قسم الأخوات المسلمات وعلى الأسس0 القويمة التي أسسه عليها الأستاذ الإمام أسست بيوت على تقوى من الله ورضوان وأنشئت أسر متماسكة طاهرة رصينة لا يتطرق أليها الوهن ولا يعرف طريقها التمزق الذي عصف بكثير من الأسر الأم والأب ذوا هدف واحد ويرميان عن قوس واحدة والأبناء والبنات يقتفون أثار الأبوين على هدى وبصيرة .

لقد أثبت هذا القسم جدارته في كل الأحوال في حال الرخاء وحال الشدة وإذا كان تفصيل الحديث عما خاضه الإخوان من غمرات الظلم والإعنات الوحشية لم يحن بعد فحسب القارئ في هذا المقام أن يعلم أن قسم الأخوات المسلمات قد خاض نفس الغمرات وتحملت عضواته من المشقات والأهوال ما قد يفوق ما تحمله الإخوان وكلا وعد الله الحسنى .

ولقد بهت الأعداء لما قد فوجئوا به من عمق إيمان الأخوات وشدة ثباتهن على الحق وقوة صبرهن على المكاره واستهانتهن بوسائل التخويف والإرهاب مما ذكر الناس بالسابقات الأوليات من الرعيل الأول من الصحابيات الجليلات – فقد كان منهن من قمن بدور أسماء ذات النطاقين بنت أبي بكر حين كانت تقوم بنقل الطعان والأخبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر خارج مكة بينما كانت قريش قد رصدت مائة ناقة لمن يدلها عليهما وكان منهن من ألقى بهن في غياهب السجون والمعتقلات وكن يسمن فيها العذاب مما ذكر الناس بسيمة أم عمار بن ياسر رضي الله عنهم جميعا.

نظام الأسر:

باعتبار الإخوان المسلمين هيئة من الهيئات لها كيان حدده القانون ولها نشاط يجرى داخل أبنية في مختلف البلاد تعتقد فيها الاجتماعات وتلقى فيها المحاضرات كان هذا النظام الإداري المطعم بأسلوب الكتائب كافيا لربط أواصر الكيانات الإخوانية بعضها ببعض ولكن باعتبارهم فكرة تحمل أعباء نشرها دعوة فإنهم في حاجة إلى أسلوب أخر من أساليب الربط أداة من أدوات الاتصال . والأفكار والدعوات بطبيعتها لا تكاد تنشأ في مكان حتى ينشأ معها فيه أعداؤها ولا تكاد تذيع وتعتنق حتى تجرد لها الهجوم والمطاردة ولا نكاد نثبت أقدامها حتى تقتلع اقتلاعها عنيفا ليلقى بها بعيدا في غياهب النسيان. ... أعداؤها حريصون علي محو آثارها .. وإذا هم عاجزون عن محو آثارها من النفوس فليسوا بعاجزين عن محو آثارها من الدرر والبنيان ... والأنظمة الإدارية مرتبطة بالدور والبنيان فإذا زالت الدور والبنيان فإن الأنظمة الإدارية لا تغني فتيلا . وإذن فلابد من رباط يربط معتنقي الأفكار والمستجيبين للدعوات بعيدًا عن الدور والبنيان ، ولا يترك هذه الجموع المؤقتة ضائعة هائمة علي وجوهها إذا فقدت الدور ذات اللافتات وذات المقاعد والمكاتب ... وكان هذا الرباط هو نظام الأسر .

ولم يكن الإخوان المسلمون هم أول من عرف أهمية هذا النظام ، فقد عرفه قبلهم دعوات أخري ، كما انتظم في مثله من بعدهم تجمعات أخري ، لكن هؤلاء وهؤلاء سموه نظام الخلايا ... والفرق بين النظامين فرق كبير ، فنظام الخلايا نظام حيواني مأخوذ عن الحيوان فالعلاقات فيه علاقات مادة ومصلحة وهذا الرباط يستبيح معه أعضاء الخلية أن يقتلوا عضوا منها إذا استنفذوا جهده ولم يعد صالحًا لحمل أعباء يفعل أعضاء خلية النحل في بعضها الآخر ، ولكن نظام الأسرة الإخوانية يقوم الارتباط فيه علي أساس الأخوة والحب والإيثار والتعاون ، يحمل القوى فيها الضعف ، ويقتدي كل عضو فيها بنفسه وبماله الأعضاء الآخرين ، ولهذا لم يسمها خلية بل سموها " أسرة " .

وتتكون الأسرة من خمسة أفراد ، وهذا العدد هو أدني عدد لجماعة تريد أن تؤدي جميع أنشطة الدعوة من دراسة للفكر ونشر لها والأخذ بنظم التربية البدنية والعقلية والروحية ، مع متابعة تطورات الأحداث ودراسة كل تطور وإصدار القرار المناسب له ، وتلقي التعليمات من القيادة ووضعها موضع التنفيذ والإلمام التام بغيرها من الأسر ، ويمكن التعبير عن الأسر بأنها هيئة الإخوان المسلمين في صورة مصغرة ... وتكوين الأسرة من هذا العدد القليل يسهل لها الوجود في أي مكان وفي أي وقت دون التنفيذ بمكان معين أو زمن معين .. وللأسرة نقيب هو الذي يتصل بالقيادة المحلية والقيادات المحلية نقيب يتلقي من القيادة الأعلى وهكذا حتى يكون التلقي في أوله من المرشد العام ... وللأسرة صندوق للطوارئ ، وهذه الصناديق كلها في النهاية هي صندوق الدعوة ، وكما أن علي الأسرة أن تتلقي التعليمات فلها أن تقترح بنفس الطريق . ونظام الأسر ليس حلقة مقفلة وليس بالنظام العقيم ، بل هو نظام ولاد مثمر فقد تلد الأسرة نتيجة اتصال أفرادها بمجتمعهم أسرًا جديدة بعدد أفرادها ، وتلتزم الأسر الجديدة بنظم الأسرة المقررة من الدراسة والتربية والبذل ونشر الدعوة – وهكذا أعد الإخوان المسلمون أنفسهم لمواجهة الظروف التي قد تتعرض لها كل دعوة بهذا الرباط المحكم الوثيق .

النظام الخاص أو الجهاز السري :

قدمت أن الدعوة بانتقالها إلي مقرها الجديد بالحلمية الجديدة قد اشتد عودها وقوي ساعدها وبدأت تبرز قليلا علي مسرح الحياة المصرية ... وأدرك الأستاذ المرشد بحاسة القيادة التي وهبه الله إياها أن أعداء الدعوة التقليدين وهم المستعمرون وعلي رأسهم الانجليز ثم أذنابهم من الحكام المصريين الذين هم اليد التي يبطش بها هذا المستعمر ... أدرك أن هؤلاء الأعداء هم للدعوة بالمرصاد ،وأن الدعوة يجب أن لا تكون فريسة باردة لهم ، بل أن تكون ذات شوكة لا يسهل التهامها ... ومن هنا نبتت فكرة " النظام الخاص " للدفاع عن الدعوة . وقد أدرك الأستاذ المرشد نم قضية فلسطين قضية الإخوان المسلمين ، وأن الانجليز بتواطئهم مع اليهود لن يعدلوا عن خطتهم ويسلموا البلاد لأهلها إلا مكرهين ، وعلم الأستاذ المرشد أن الانجليز يسلحون عصابات اليهود ، وأنه لابد من معركة فاصلة بين الإخوان المسلمين وبين هذه العصابات مادام الإخوان مصرين علي تحرير هذه البلاد وإنقاذ المسجد الأقصى الذي هو هدف اليهود الأصيل ... وأدرك الأستاذ المرشد أن الحكومة المصرية والحكومات العربية حكومات ضعيفة هازلة متخاذلة بل متواطئة ،وأن ليس في البلاد العربية جيوش سوي الجيش المصري ، ولكن هذا الجيش من الهزال والجهل وعدم الخبرة بحيث لا يقوي علي مواجهة عصابات اليهود المدربة المسلحة بأحدث أسلحة الانجليز الأمريكان والتي تحارب عن عقيدة مستمدة من دينهم ... أدرك الأستاذ المرشد هذا أيضًا فكان ذلك حافزًا علي سرعة الاستعداد لتكوين " النظام الخاص " .

كان ذلك في عام 1940 حين دعا خمسة منا هم صالح عشماوي وحسين كمال الدين وحامد شربت وعبد العزيز أحمد ومحمود عبد الحليم ، وعرض علينا الدواعي التي رآها تقتضي الاستعداد وإنشاء نظام خاص تواجه الدعوة به مسئولياتها في المستقبل ... واقتنعنا برأيه فكون منا نحن الخمسة قيادة هذا النظام وعهد إلينا بإنشائه وتنظيمه وتدريبه ، علي أن يكون علي أساس من العسكرية الإسلامية القوية النظيفة ، وعلي أن يحاط بالسرية المطلقة بحيث لا يعرف عنه أحد شيئًا إلا أعضاؤه ، وعلي أن يكون تمويله من جيوب أعضائه لأنه علامة الجد فيمن تقدم للتضحية بروحه أن يضحي بماله ... ورتب القيادة بحيث يكون صالح عشماوي الأول باعتباره المتفرغ الكامل ويليه كمال الدين حسين فمحمود عبد الحليم فحامد شربت فعبد العزيز أحمد . وعند مباشرة عملية الإنشاء وجدت نفسي أشبه بالعضو المنتدب لهذه القيادة حيث رأيتني أعمل وحدي ولعل ذلك لأن إخواني في القيادة رأوا أنني أوثقهم صلة بالطلبة – باعتباري مندوبًا للطلبة – والطلبة هم العنصر الأساسي في جميع التكوينات ... وقد تخيرت مجموعة منهم توسمت فيهم الجد وعمق الفهم والاتزان ، وعرضت عليهم الفكرة فاستجابوا لها وكانوا هم نواة هذا " النظام " كما تخيرت أفرادًا من شباب الموظفين ومجموعة من العمال الفنيين ذوي الثقافة الإسلامية واستجاب الجميع فكان هؤلاء جميعًا هو الرعيل الأول في هذا النظام " الذي أطلق عليه بعد ذلك " الجهاز السري " نظرًا لأنه يقوم علي السرية المطلقة .

ومما ينبغي التذكير به أن هذا الرعيل الأول قد اشتركوا في حرب فلسطين سنة 1948 وقد أبلوا فيها أعظم بلاء شيد به الأصدقاء والأعداء ، وقد استشهد كثير منهم علي أرضها الطاهرة . وكان برنامج المنضوين تحت لواء هذا النظام يقوم علي الأسس الآتية :

1 – تقسيمهم إلي أسر – خاصة بهم – مع تسلسل القيادة – مع اشتراكهم في جميع أوجه النشاط العامة للدعوة .

2 – دراسة عميقة مستفيضة للجهاد في الإسلام وما جاء بشأنه في القرآن الكريم من سور وآيات وما جاء بشأنه في السنة النبوية والتاريخ الإسلامي القديم والحديث مع أخذ العضو نفسه بأنواع من العبادات والصيام .

3 – التدريب علي الأعمال الشاقة .

4 – التدريب علي توزيع المنشورات .

5 – التدريب علي التخاطب والتراسل بالشفرة .

6 – التدريب علي استعمال الأسلحة .

7 – المبالغة علي السمع والطاعة في المنشط والمكره وكتمان السر .

وقد أخذنا من أول يوم في وضع هذا البرنامج موضع التنفيذ ، ومن طرائف ما أذكره بهذا الصدد في الأيام الأولي لهذا التنفيذ : أن أحد الإخوان كان طالبا إذ ذاك في إحدى كليات الأزهر وكان سمينا وكان التدريب في ذلك اليوم علي القفز من شرفة ارتفاعها ثلاثة أمتار وقد رأيت إعفاء هذا الأخ من القفز فأبي إلا أن يقفز وكادت قفزته تلحق به الأذى لولا أن تداركه إخوانه . كما أننا كنا نطبع منشورات بكلام غير ذي هدف معين غير أنه كلام يلفت النظر ويثير الاستغراب وكان إخوان النظام يوزعونها علي المنازل والمكاتب والمتاجر والمدارس والملاهي بطريقة لا يحس بها أحد مع تخصيص شارع لكل واحد منهم .. ثم يصبح في اليوم التالي كل عمله فإذا سمعنا من زملائنا في المصالح الحكومية وفي غيرها من أماكن التجمع استغرابهم لما جاء في منشور وصل إليهم يقول كذا وكذا علمنا أن التدريب قد نجح .

وكانت المشقة الكبرى أمامنا هي الحصول علي الأسلحة ، وقد ذلل لنا هذه الصعوبة أننا كنا إذ ذاك في السنة الثانية من سني الحرب العالمية ، وكانت جيوش المحور – ألمانيا وإيطاليا – قد بدأت تطرق أبواب بلادنا من ناحية الصحراء الغربية ، وجلب الانجليز إمدادات من جنودهم وجنود الإمبراطورية من هنود واستراليين وأفريقيين ... وعن طريق هؤلاء نشأت في صحراء مصر تجارة السلاح ، فكنا نشتري من هؤلاء التجار بنقودنا القليلة وبما كان يصلنا من مال من الهيئة العربية العليا بفلسطين . وأقبل خلص الإخوان علي الانخراط في سلك هذا النظام الجديد ، الذي كان ترجمة لما طالما درسوه وسمعوه عن الفكرة الإسلامية الشاملة التي ما قدمت إلا لتحرر الناس من عبادة العباد إلي عبادة الله وحده والتي شرع الله فيها الجهاد دفاعا عن الدين وجعله قمة الأمر وسنامه ليكون وسيلة إلي ذلك

الابتعاد عن القاهرة :

بعد تجربتي في موضوع الألبان مكنت في القاهرة متأهبًا لاستئناف تجربة أخري من العمل الحر بعد أن أقضي فترة تستقر خلالها نفسي ولم يخطر ببالي أن أتقدم إلي عمل حكومي لندرة الأعمال من ناحية ولحقارتها وحقارة السبيل إليها من ناحية أخري فقد كانت الوظيفة الحكومية علي حقارتها لابد للوصول إليها من وساطة من وزير أو كبير وهو ما أربا بنفسي عنه . ولكن إعلانا نشر في الصحف تطلب فيه وزارة المالية ثلاثين من الحاصلين علي بكالوريوس الزراعة لنعينهم في وظيفة فرازين للأقطان تمهيدًا لتمصير هذه الوظيفة التي لم يكن يشغلها حتى ذلك الوقت إلا الأجانب وجاء في الإعلان أن التعيين في هذه الوظائف الثلاثين سيكون عن طريق مسابقة تجري بين المتقدمين .

وجاءني زملائي ليجبروني بهذا الإعلان الذي جاء فيه ما يغري بهذه الوظائف من الناحيتين المادية والأدبية ولكنني – لسوء ظني بالأساليب الحكومية كما قدمت – رفضت مشاركتهم في التقدم لهذه الوظائف فما كان منهم إلا أن تحدثوا مع الأستاذ المرشد في ذلك فاستدعاني وأقنعني بوجوب التقدم لهذه الوظيفة قائلا : هب أنك وجدتها كسائر الوظائف تعتمد علي الوساطات فماذا خسرت ؟ لن تخسر شيئًا إذا أنت توقفت عن المضي في طريقها ، وقد تكون هذه الوظيفة علي غير ما اعتاد الناس وتكون الحكومة هذه المرة جادة فيما نشرت من امتحانات فلا نكون قد أضعنا علي أنفسنا الفرصة .

وكان رأي الأستاذ المرشد في محله وتقدمت فرأيت بنفسي في الامتحان الأول – الذي تقدم إليه نحو خمسمائة منهم كثير من الموظفين – زملاء كان معهم خطابات توصية من وزير الزراعة ووكيل وزارة المالية لشئون القطن قدموها إلي لجنة الامتحان ، ولم يكونوا ضمن الستين الذين نجحوا في هذا الامتحان وكنت أحدهم وقد شجعني ذلك علي دخول الامتحان الشفوي بعد ذلك الذي تمخض عن فوز ثلاثين كنت واحد منهم أيضًا . ولما كانت زراعة القطن وتجارته تعم أنحاء القطر ما عدا القاهرة فقد كان ابتعادي عن القاهرة أمرًا لابد منه ، وقد رأي المرشد أن أطلب تعييني في دمنهور .

عبد الرحمن السندي :

لما استقر الرأي علي أن ألتحق بهذه الوظيفة وأن أكون بذلك بعيدًا عن القاهرة وكان – الأستاذ المرشد علي علم بأنني أكاد أن أكون المباشر الوحيد .. دون زملائي في القيادة – لمهمة الإشراف علي " النظام الخاص " طلب إلي الأستاذ أن استخلف من يباشر الإشراف علي هذا النظام . وقد نظرت فإذا جميع أعضاء هذا النظام مرتبطون بأعمال تشغل أكثر وقتهم وتستفرغ معظم جهدهم والإشراف علي هذا النظام يحتاج إلي تفرغ أو ما يقرب من التفرغ علي الأقل كما يحتاج إلي صفات معينة تتناسب مع خطورة هذه المهمة .

منذ التحقت بكلية الزراعة كنت أسكن بالجيزة ، وفي السنة الأخيرة لي بالكلية اتخذت لي سكنا مع بعض الإخوان في منطقة خلف مباني الجامعة تسمي " بين السرايات " وكانت الشقة التي نسكنها في الدور الأول من منزل رجل صالح كان يحبنا ونحبه .. فلما جاءه ساكن الدور الأرضي من المنزل رأي أن يستشيرنا ، وكان الساكن طالبا في كلية الآداب ومعه شقيقه الطالب بالمدارس الثانوية ، فلما التقيت بالشابين وتحدثت معهما شمت فيهما الصلاح والخلق الفاضل فصارا من جيراننا ، وكان هذا الجاران هما عبد الرحمن السندي وشقيقه . ثم كان أن جاء الأخ عبد العزيز كامل ليلتحق بكلية الآداب وكان من إخوان الإسكندرية الذين أعرفهم ، وكان يريد أن يسكن قريبًا منا فسكن مع هذبن الجارين مستقلا بحجرة من هذه الشقة .

ولما كانت صلتي بالأخ عبد العزيز تقتضيني أن أكثر من زيارته لأونسه من ناحية ولأنه كان قد التحق بقسم الجغرافيا بكلية الآداب وكنت أحب أن أطلع علي بحوث شائقة لهذا القسم في الأجناس والطبائع وما شابهها من ناحية أخري .. لذا كثر ترددي علي هذه الشقة فكان هذا التردد فرصة لي للتحدث مع الساكنين الآخرين بها . وقد لاحظت علي عبد الرحمن هذا الهدوء والرزانة والجد ، كما لاحظت إقباله علي إقبالا يوحي بأن الدعوة التي عرضتها عليه تملك شفاف قلبه وتشعر بتشوقه إلي يوم يفتديها فيه بنفسه ، وظللت طيلة ذلك العام علي اتصال وثيق به ، حتى إنه كان لشدة ثقته بي ، وفرط حبه لي يعرض علي مشاكله الخاصة – فلما وثقت به تمامًا عرفته بالأستاذ المرشد باعتباره عضوًا بالنظام الخاص " . وقد فهمت منه في أثناء ما عرضه علي من شئونه الخاصة أن له إيرادًا يمكن أن يقوم بشئونه ، فلما كنت بصدد اختيار من يخلفني في الإشراف علي "النظام الخاص " تذكرت عبد الرحمن فرجعت إليه لألم بظروفه التي طرأت منذ انتهت دراستي بالكلية وغادرت " بين السرايات " ففهمت منه أن كل الذي طرأ عليه هو أنه لم يوفق في امتحان تلك السنة وأنه الآن يعيد السنة الأولي ...

فشرحت له ظروفي وأنني مضطر أن أكون خارج القاهرة ، وأنني أبحث عن شخصية تخلفني للإشراف علي " النظام الخاص " واشترط أن تكون مستوفية شروطًا معينة ، وقلت له : إن هذه الشروط تكاد أن تكون مستوفاة فيك عدا " التفرغ " فهو ليس بالأمر الميسور ... فقال لي : إنني أشكر لك حسن ظنك بي ... وأنت تعلم أولا أنني مريض بالقلب ، ومعرض للموت في كل لحظة ، وأحب أن تكون موتتي في سبيل الله ... كما تعلم أن لي إيرادًا – وإن كان محدودًا – إلا أنه يعينني علي مطالب الحياة الضرورية ... وتعلم كذلك أنني رسبت في السنة الأولي بالكلية وأنني أعيدها ... وقد استقر رأيي علي الانقطاع عن الدراسة وسألتحق بوظيفة في وزارة الزراعة بالثانوية العامة ... وبذلك يتوفر لي عنصر التفرغ الذي تطلبه . وعرضت الأمر علي الأستاذ المرشد فوافق عليه ، وأحضرت عبد الرحمن للأستاذ المرشد بايعه أمامي علي أن يقود هذا النظام وعلي أن لا يقدم علي أية خطوة عملية إلا بعد الرجوع إلي لجنة القيادة ثم إليه شخصيًا . وسار عبد الرحمن بالنظام سيرًا موفقاً فحاز حب من يليه من القيادات والأفراد كما حاز ثقتنا حيث كان يرجع إلينا في كل خطوة عملية بل فيما دون ذلك . ومع وجودي في دمنهور كنت أسافر إلي القاهرة في كل شهر مرة أو مرتين يعرض علي عبد الرحمن ما تم في خلال مدة غيابي ، وما يقترحه للمستقبل . واتسعت رقعة النظام في القاهرة ، وأخذت تتشعب في الأقاليم فضمت صفوة الإخوان في مختلف البلاد .

أول عمل للنظام الخاص :

كنا في ذلك الوقت في أوائل أعوام الحرب العالمية الثانية ، وكانت القاهرة تعج بجحافل الجنود الانجليز ، وكنت لا تكاد تمشي في شارع من شوارع القاهرة لاسيما الشوارع الرئيسية خصوصًا بالليل إلا ويحتك بك جماعات من هؤلاء الجنود في حالة سكر وعربدة ، يهاجمون الرجال والنساء ، ويعبثون بكل ما تصل إليه أيديهم ، في الوقت الذي تلازمهم فيه أسلحتهم كأنهم في ميدان القتال . وجأر الأهالي بالشكوى من عبث هؤلاء الجنود ، ومن كثرة ما جنوه منن قتل أبرياء وهتك أعراض وتحطيم محلات ، ولكن الحكومات التي تحكم البلاد لم تكن تجرؤ حتى علي توصيل هذه الشكاوى إلي مسامع السادة الانجليز . ورأي إخوان " النظام الخاص " أن يعملوا عملا يبث الخوف في قلوب هؤلاء الجنود العابثين ، لعل هذا الخوف يردعهم عن عبثهم حين يشعرون أن الطريق أمامهم ليس سهلا كما اعتادوا ، وأن هناك من يقف لهم بالمرصاد ، وأن حياتهم ستكون ثمناً لهذا العبث .

وقرر " النظام " لكي يكون للعمل أبلغ الأثر أن يختاروا توقيتًا معينًا ومكانًا معينًا ومناسبة معينة ، فاختاروا ليلة عيد الميلاد ، واختاروا النادي البريطاني حيث يكون مكتظًا بالجنود الانجليز وضباطهم وألقوا عليهم قنبلة لم تقتل أحدًا ولكنها بعثت الرعب في نفوسهم وحققت الغرض منها تمامًا فبدأوا يفهمون أنهم يعبثون وسط قوم يستطيعون أن يحفظوا كرامة أنفسهم بأنفسهم وأن يلقنوا من يعتدي عليهم دروسًا قاسية ، وقد قبض في هذا الحادث علي بعض الإخوان أذكر منهم الأخ نفيس حمدي الذي كان إذ ذاك طالبًا والأخ حسين عبد السميع .

الصاغ محمود لبيب :

ضابط من ضباط الجيش ، كان من القلائل الذين كانت تجيش صدورهم بالحسرة علي ما آلت إليه حال بلادهم ، وكانوا يتناجون سرًا فيما بينهم ، وكانوا يبحثون عن وسيلة لإنقاذ هذه البلاد من ذل الاستعمار ، ومن غائلة الفساد الذي نشره في ربوعها . وكان من رعيل عزيز المصري وصالح حرب ، وكان ممن رحلوا إلي تركيا في أثناء أزمتها واضعًا نفسه رهن إشارتها للمحافظة علي الكيان الإسلامي الذي كانت تمثله في ذلك الوقت الخلافة الإسلامية ، وشارك في كل الحركات العسكرية التي قامت في مصر وفي غيرها والتي كانت بواعثها وطنية إسلامية .

وقد أحيل الاستيداع مبكرًا ولذا كان رتبة الصاغ (الرائد) ، ويبدو أن هذا الرجل كان خيرًا بطبعه وكان ميسور الحال ... جاء ذكر اسمه علي لساني مرة أمام والدي رحمه الله فقال لي إنه يعرفه إذ كان والدي منتدباً ناظرًا لمدرسة بوغاز رشيد – وكان ذلك في أوائل الثلاثينيات – فذكر موظفو فنار رشيد أن نقطة السواحل التي بجانبهم جاءها ضابط يرأسها اسمه محمود لبيب من أتقي الناس ومن أحسنهم معاملة لمرءوسيه وللناس جميعًا ، ولم يحضر إلي هذه النقطة ضابط نال إعجاب جميع الناس والكل يحبونه إلا هذا الضابط ، قال لي والدي : وقد تعرفت عليه وجلست معه فشعرت بعاطفته الإسلامية الجارفة وجدتني أحببته ، إلا أن إقامته في هذه النقطة لم تطل .

تعرف هذا الرجل علي الأستاذ المرشد مبكرًا في أواخر الثلاثينيات ، وكان الأستاذ يحبه ويحترمه ، وكان الرجل – وقد تعرفنا عليه – قليل الكلام .. وكان نواة التكوينات الإخوانية في الجيش كما أنه كان المشرف علي تنظيم التدريبات العسكرية للمدنيين من الإخوان سواء من كان منهم في " النظام الخاص " وغيره ، وكان هو ممثل الإخوان في لجان الاتصال بين الإخوان وبين الجامعة العربية في إعداد متطوعي الإخوان لحرب فلسطين وكان من القلائل الذين كانوا يفهمون الإسلام دينًا ودولة ، وما كاد يعلم بظهور الإخوان المسلمين حتى ألقي بنفسه وماله ووقته وكل مواهبه بين أيديهم ، فقد كانوا أمنيته وحلمه الذي تحقق ... وكان هذا الرجل الصامت من أكثر الإخوان إنتاجًا ، ولم يقبل أن يكون له منصب رسمي من مناصب الهيئة لأنه كان يكره أن يعرف الناس إنتاجه ... ومع أنه لم يكن له منصب رسمي في الدعوة فقد كان الأستاذ المرشد يكل إليه كل ما هو عسكري فيها فكان بمثابة وكيل الدعوة في الشئون العسكرية ... وقد لعب في حرب فلسطين سنة 1948 دورًا عظيمًا .

أول محاكمة في تاريخ الدعوة : اتهام بمحاولة قلب نظام الحكم :

كانت النية معقودة عند الانجليز وأتباعهم من حكام مصر علي الوقوف في وجه المد الإخواني الذي بدأ وكأنه السيل المنحدر من فوق الجبل . وقد اقتنع هؤلاء – بالتجربة – بأن مواجهة الدعوة بوسائل العنف والتصدي البوليسي لها لن ينال منها بل قد يزيدها قوة ، ويزيد الرأي العام التفافاً حولها ، وإذن فلابد من إلصاق تهمة ضخمة بهم أولا ، وتدبير مقدمات لهذه التهمة من الإحكام بحيث يكون حكم القضاء فيها ضد الدعوة مضمونًا ودامغًا فينتزع هذا من نفوس الشعب الثقة وحسن الظن بهذه الهيئة ، وهنا تتخذ الحكومة إجراءاتها ضدها بحكم القانون وبتأييد من الشعب ... وهكذا درج الانجليز علي أن تكون خططهم في محاولة القضاء علي أعدائهم مبنية علي مظهر قانوني مؤثر في نفوس الرأي العام مثير لمشاعره .

كان ذلك في أوائل سني الحرب العالمية الثانية سنة 1942 ، وكان للانجليز في تلك الأيام مؤسسات منتشرة في معظم عواصم البلاد لتكون عيونًا لهم علي تحركات الوطنيين لاسيما الإخوان المسلمين ، وكانت هذه المؤسسات في مظهرها ثقافية لتعليم اللغة الانجليزية ونشر الثقافة البريطانية وتسمي هذه المؤسسات " المجالس البريطانية " وكانت تباشر عملها في اصطياد الوطنيين ذوي النشاط في المجتمع بواسطة عملاء من المصريين – وما كان أكثر هؤلاء العملاء ، وما كان أحقر نفوسهم ، باعوا أنفسهم للمستعمر لقاء دراهم معدودة ليكونوا سوطًا علي ظهور أبناء جلدتهم – وقد عانيت شخصيًا من هؤلاء العملاء تجربة قد أشير إليها . قام " المجلس البريطاني " بطنطا – بالاستعانة بعملائه المصريين – بتلفيق قضية خطيرة ضد الإخوان المسلمين في شخص فردين من خيرة أفرادها هما الأخوان محمد عبد السلام فهمي وجمال الدين فكيه وحشروا معهما خمسة أفراد آخرين .. والتهمة التي وجهوها إليهم " أنهم يعدون جيشًا للترحيب بمقدم " رومل " القائد الألماني الشهير ، وأنهم يحدثون بلبلة في الأفكار ، ويعدون عناصر معادية للخلفاء " – ولما كانت البلاد في حالة حرب مع الأعداء فقد طالبت النيابة بإعدامهم . وسميت هذه القضية بالجناية العسكرية العليا رقم 882 لسنة 1942 قسم الجمرك وستأتي الإشارة إليها في موضوع قادم إن شاء الله ...

وكان بطل التحقيق في هذه القضية هو الأستاذ محمد توفيق رفقي رئيس النيابة الذي سبق التحدث عنه في المحاولة الأولي لتقديم الأستاذ المرشد إلي القضاء لما نشره في الصحف عن مطالبته بتسليح الجيش المصري وتسليح الشعب المصري . وقد قدمت القضية أمام محكمة الجنايات العسكرية العليا بباب الخلق وكانت مكونة من خمسة أعضاء برئاسة المستشار فؤاد بك أنور وعضوية المستشارين محمد توفيق إبراهيم بك وزكي أبو الخير الأبوتجي بك ( وكانوا يسمونه جارو مصر ) ومعهم اثنان من العسكريين :

ولازالت هذه القضية مائلة في خاطري مع مرور أكثر من ثلاثين عامًا عليها ، وهذه الثلاثون عامًا مليئة بالأحداث الجسام التي كانت جديرة أن تعفي عليها وتمحو من الذهن آثارها .. لكن الذي أبقاها في خاطري هو ما كنت ألاحظه من شدة اهتمام الأستاذ المرشد بها ، حتى إنه كان مواظبًا علي حضور جميع جلساتها ، ولم يكتف بذلك بل كلفني بالمواظبة كذلك علي حضور جلساتها وبأن أكون مجموعة من الإخوان تحضر أيضًا وتكون مهمة كل واحد منهم أن يكتب كل ما يحدث في الجلسة وكل لفظ يقال فيها علي أن أجمع كتاباتهم في كل يوم وأستخرج منها صورة كاملة عن الجلسة أقدمها إليه ، وعلي ضوئها يكتب ملاحظات يقدمها لهيئة الدفاع لتستعين بها في إعداد دفاعها ، وكان الأستاذ يقول لي : " إن هذه القضية تؤرقني لأنها قد أعدت إعدادًا محكمًا ، واختير لها وقت يبرر كل إجراء استثنائي ، فالمحكمة عسكرية والمحقق خادم الانجليز ، وشهود الزور تحت يد الانجليز ، والحكام المصريون لا يكنون لنا خيرًا ، وإذ حكم علي فكيه وعبد السلام فسيكون ذلك قضاء علي الدعوة ، فالشعب لازال في غفلة ، ويستطيع الحكام اعتمادًا علي هذا الحكم أن يلوثوا سمعتنا واتخاذ ما يحلو لهم من إجراءات ضدنا " .

اتصل الأستاذ المرشد بأشهر المحامين في مصر وطلب إليهم الحضور في هذه القضية ، وترك لهم أن يحددوا أتعابهم كما يشاءون ، علي أن يولوا القضية كل اهتمامهم ... ولكن هؤلاء المحامين رفضوا أن يتقاضوا أتعابًا وتطوعوا مشكورين ، وأذكر من هؤلاء المحامين الأساتذة محمد علي عليوة باشا وعبد الرحمن البيلي بك ومحمد فريد أبو شادي بك وعمر التلمساني وعلي منصور ... ومع أن هذه المجموعة من أعلام المحاماة لم تجتمع في قضية من قبل فإن الأستاذ المرشد .. رغبة في إتمام دعم هيئة الدفاع – تاقت نفسه إلي محام كان بعد ذلك الوقت الحجة التي يرجع إليها في معضلات القانون سواء إليه شخصياً أو إلي مؤلفاته وكان عميدًا لكلية الحقوق واستقال لا ليترافع وإنما ليستشار في المعضلات ذلك هو الأستاذ علي بدوي بك . كان الأخ محمد فهمي أبو غدير تلميذه ، وهو الذي لفت نظر الأستاذ المرشد إليه ، ولكن أني لنا أن يصل إلي قلبه لاسيما ونحن لا نطلب منه مجرد استشارة بل نريده أن يتبني القضية ويترافع فيها ، وكان فهمي يلمس فيه نزعة إسلامية لكنه لا يجرؤ أن يتفاهم معه فيما نطلب ... وفيما نحن تقلب الأمر تذكر عبد الحكيم عابدين أن الأستاذ الشيخ محمود أبو العيون هو خال علي بك بدوي .. وعبد الحكيم أيام كان غارقاً في بحار التصوف كانت له صلات قوية بكبير أسرة آل أبي العيون الشيخ محمد أبو العيون لأنهم أهل بيت علم وتصوف فانبري عبد الحكيم لحمل مسئولية موضوع علي بك بدوي ... وباتصال عبد الحكيم بخاله الأكبر الشيخ محمد أبو العيون وبشرح دعوة الإخوان لعلي بك وسط ظروف القضية والكشف عن أبعادها وهدف الانجليز من ورائها قبل علي بك أن يتبني القضية ويدافع فيها دون مقابل .

وقد قضي الإخوان الكريمان فكيه وعبد السلام فترة الحبس علي ذمة القضية ثمانية أشهر في سجن الحضرة بالإسكندرية ، ولما حان موعد تقديمهما إلي القضاء نقلا إلي سجن الاستئناف بالقاهرة . وقد استغرقت المحاكمة جلسات كثيرة لا أذكر عددها الآن ، وكانت كل جلسة تستغرق اليوم كله .. وكان الذي يحيرني هو وجه رئيس المحكمة فؤاد بك أنور ، فقد كنت حريصًا علي أن ألاحظ ملامح وجهه وما تتركه المفاجآت التي تحدث في أثناء الجلسات من آثار علي هذه الملامح ، لعلها توحي إلينا باتجاه هذا الرجل ، ولكنني لم أكن أري في هذه الملامح تغيرًا حتى أنني كنت أقول للأستاذ المرشد كأن وجه هذا الرجل وجه تمثال . وكان في القضية كثير مما يثير سواء في شهادة الشهود المملاة عليهم أو في مهاجمة الدفاع لهؤلاء الشهود لإظهار بطلان شهادتهم أو في مرافعة النيابة وما كالته للإخوان من تهم الخيانة العظمى وما طالبت به من تطبيق مواد الإعدام .. والذي يسمع مرافعة النيابة وما دعمت به من أدلة ومضبوطات وشهادة شهود يفهم أن هذه المرافعة ليست مرافعة رئيس النيابة الذي يقرأها بل هي خلاصة جهود متعددة تضافرت علي تضييق الخناق حول أعناق هؤلاء المتهمين بقصد الإيقاع بما وراءهم من هيئة هي بيت القصيد .

وقد شهدت جلسات القضايا مختلفة ، واستمعت إلي الدفاع فيها ، فلم أر ولم أسمع مثل هيئة الدفاع في هذه القضية ، كان المحامون مستميتين في الدفاع كأن المتهمين أبناؤهم ، وكانوا يفهمون أنهم لا يدافعون عن هؤلاء المتهمين وإنما يدافعون عن هيئة الإخوان المسلمين التي اقتنعوا – قبل أن يقبلوا الوكالة في الدفاع عنها – أنها النبت الطاهر النقي الوحيد في هذا البلد الذي يؤمل في إنقاذ البلاد علي يديه ، والذي تضافرت جهود كل ذوي السلطة من داخل البلاد وخارجها علي تدمير والقضاء عليه قبل أن يكبر ويغلط ويستوي علي سوقه . وهنا كلمة حق يجب أن تقال هي أن السلطات المصرية والبريطانية مع كل ما كانت تدمغ به من ملوك الكثير من وسائل العبث والإفساد ، فنها لم تمد يد عبثها إلي القضاء ، فإن قدسية القضاء كان لها في نفوس الجميع رهبة وتوفير واحترام حتى نفوس هؤلاء العابثين ... نعم إنهم وجدوا من رجال النيابة من باع نفسه لهم ولكن صمام الأمان وهو القضاء نفسه كان سليما مصونًا ، وكان القاضي يري نفسه السلطة العليا فوق كل السلطات كما كان الناس جميعًا حكامًا ومحكومين يرونه كذلك .

ولما جاء دور الأستاذ علي بدوي في المرافعة – وكان آخر المترافعين علي ما أذكر – جاء في سياق مرافعته بصدد ما ورد في بعض الأوراق المضبوطة من عبارات عن قنابل ومتفجرات ونحوها تعليلات طريفة فحواها أن الشعوب والأفراد تتأثر لغة تخاطبها سواء بالكلام المنطوق أو المكتوب بما تعيش فيه من ظروف ، فظروف الحرب المستعمرة التي نعيشها تركت طابعها علي تعبيراتنا فتشبيهاتنا واستعاراتنا وكتاباتنا تلمح فيها أسماء الآلات الحربية فتسمع أو تقرأ أن فلانا ألقي بالأمس قنبلة أو فجر ديناميتًا والقصد من ذلك أن هذا الفلان جاء في حديثه بمفاجأة وأن فلانا فرق جمعًا من خصومه ،وقال : لا يجوز في وقت الحرب كالذي نعيش فيه أن نحمل هذه الألفاظ وهذه العبارات علي ظاهرها وأن لا يستنتج منها معان كانت تؤديها في وقت السلم ، وقدم إلي المحكمة عددًا من " المصور " بعد أن قرأ منها عبارات من هذا القبيل وردت في مقال كاتب من كتابة ، وقال لو أننا أخذنا بهذه الألفاظ وهذه التعبيرات علي ظاهرها لقدمنا هذا الكاتب إلي محكمة الجنايات .

أما بحوث الأستاذ علي بدوي الفقهية في تفنيد شهادة الشهود وما أجري من التفتيش وتحقيق فكانت مستفيضة وكان يستشهد بفقرات من كتبه وكتب غيره ، وكانت المحكمة تنصت إليه باهتمام شديد وكثيرًا ما كان رئيس المحكمة وعضواها يستعيدونه مقاطع من المرافعة يدونوها في أوراق أمامهم ، لأنه ذو صوت خفيض ، ولولا السكون التام الذي كان يخيم علي قاعة الجلسة ما سمعه أحد ، ولعل مكبرات الصوت لم يكن مسموحًا بها في داخل الجلسات في ذلك الوقت – وكان استماع المحكمة إلي الأستاذ علي بدوي كاستماع المغرمين إلي مطرب قد أخذ بألبابهم ، مما يدل علي شغف رجال القضاء في ذلك الوقت بالبحوث الفقهية العميقة دون الوقوف عند السطحيات والقشور وشقشقة الكلام . وبعد انتهاء المرافعات أعلنت المحكمة رفع الجلسة للمداولة لإصدار الأحكام واستمرت المداولة نحو ساعة كانت علينا وعلي الأستاذ بالذات أطول من أعوام الخطورة ما ستتمخض عنه هذه الساعة من كلمات معدودة ينطق بها رئيس المحكمة تقرر مصير هذه الدعوة المرهون بهذه الألفاظ ... وانتهت المداولة وخرجت هيئة المحكمة بكامل أعضائها ووقفنا جميعًا ونطق رئيس المحكمة بالأحكام وفي صدرها براءة فكيه وعبد السلام فهتف الجميع الحاضرين " يحيا العدل " وكأنما كان هذا الحكم بعثًا للأستاذ من مرقده ، فاتجه مستبشرًا إلي المحامين فهنأهم وهنأوه وعانقهم وعانقوه .

وفكيه وعبد السلام كانا " قطبين " من أقطاب الدعوة في طنطا ، وكان فكيه موظفا ببلدية طنطا ، وكان عبد السلام مهندسًا في مصلحة الطرق والكباري بها ، وقد سافر إلي انجلترا بعد ذلك وحصل علي الدكتوراه وعمل أستاذًا بكلية الهندسة بأسيوط ثم عميدًا لها ثم وكيلا لجامعة الأزهر .

وزيادة في خطورة المجالس البريطانية التي لفقت هذه القضية أذكر أنني حين عينت في دمنهور سنة 1941 كنت أغشي المجتمعات فيها وأتحدث عن دعوة الإخوان المسلمين وكانت المقاهي ضمن هذه المجتمعات ... وكان زملائي في العمل والأقدم مني وجودًا في دمنهور يحيطون بي ، حيث كان لهم معارف وأصدقاء من مختلف الطبقات . وجاءني زملائي في يوم من الأيام وطلبوا إلي أن أتوقف عن غشيان هذه المجتمعات فترة ، فسألتهم عن السبب فقصوا علي قصة مؤداها أن مؤامرة قد حبكت للإيقاع بي عن طريق شخص مثقف من أسرة كريمة من أسر دمنهور ويعمل صحفيًا – وذكروا لي اسمه – وفي نفس الوقت يعمل عميلا للمجلس البريطاني بالبحيرة ، سمعني هذا الشخص أتحدث في إحدى المقاهي وتناول حديثي الانجليز ، فكتب تقريرًا يتهمني فيه بمهاجمة الانجليز ومعاداة الحلفاء وسمعه زملائي يسأل بعض الحاضرين عن اسمي وعن وظيفتي فتنبهوا إلي غرضه وحاولوا أن يثنوه عن عزمه من تقديم التقرير إلي المجلس البريطاني – وكان التقرب إلي الانجليز في ذلك الوقت من التفاخر به – لكنهم عجزوا عن ذلك ، و تذكروا أن هذا الشخص شقيق خياط كلهم كانوا زبائنه فذهبوا إليه وقصوا عليه قصة أخيه وفهم الخياط أن هذا التصرف من أخيه إذا تم فإنه سيفقده أكثر عملائه فذهب إلي أخيه وأرغمه علي العدول عن تقديم التقرير ومزقه بنفسه .

محنة أولي القربى أو الفتنة الثانية :

إن تقدير الإخوان للأستاذ المرشد ، وحبهم إياه ، وتفانيهم في حبه ، وإثاره علي أنفسهم كان هو الشعور الغامر النابع من كل قلب ، وقد كنا نقرأ عن مدي حب الصحابة رضوان عليهم لرسول الله صلي الله عليه وسلم فكنا نظن ذلك مغالاة من الرواة حتى قام هذا الرجل – حسن البنا – بدعوته ، وتعرفنا عليه ، وسرنا معه ، وعاملناه وعاشرناه فرأينا في خلقه وحديثه وتوجيهاته ومعالجته للأمور صورة مصغرة من حياة رسول الله صلي الله عليه وسلم فأحببناه وازددنا مع الأيام حبًا له وتفانيًا في حبه ، فاستطعنا حينئذ أن نفهم ونتصور ما رواه الرواة عن مدي حب الصحابة لرسول الله صلي الله عليه وسلم وأن ما رواه الرواة لم يكن مغالاة ولا تهويلا بل كان مجرد إشارة إلي معان يعجز التعبير عن تصويرها .

لم يكن الرجل يعيش لنفسه ،ولم يكن يدخر مالا ولا جهدًا ولا وقتًا ولا صحة دون دعوته وأذكر بهذه المناسبة أنه أبلغ وهو بالمركز العام بأن السيدة قرينته قد اشتد عليها المرض فطلب بالتليفون الدكتور الغمراوي – وهو الطبيب الذي كان يعالج الأسرة – ولما حضر الطبيب صحبته إلي المنزل ، وبعد إجراء الكشف أخذ الطبيب في كتابة روشتة الدواء ، فمال علي الأستاذ وطلب مني جنيها سلفة وأعطاه للطبيب ، ذلك أنه كان يجعل مرتبه للدعوة لا ينتقص منه إلا ما يكفي الضرورات الأساسية للبيت الذي كان يعيش أدني عيشة يعيشها بيت في مستواه ... ولا يفوتني أن أذكر أن الأستاذ في أول الشهر التالي أصر رد السلفة إلي مع أنني كنت أقول له إننا نعتبر بيتك جزءًا من الدعوة . كان يعيش لدعوته ، وما فهمت معني قول عائشة رضي الله عنها حين سئلت عن خلق رسول الله صلي الله عليه السلام فقالت " كان خلقه القرآن " إلا بعد أن عايشت هذا الرجل وعاشرته فرأيت كلامه وصمته وحركته وسكونه ويقظته ونومه وحبه وبغضه وكتابته وقراءته وفكره كلها للإسلام فكنا نراه الإسلام في صورة بشر .. عرفنا رجالا قبله وبعده دعاة للإسلام لكن الإسلام لم يكن يشغل إلا جانبا من حياتهم وكانت أمور أخري تشغل الجوانب الأخرى ... أليس القرآن الذي كان خلق النبي صلي الله عليه وسلم هو الذي أشار إلي معني التخلق بالقرآن حيث قال " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له " ؟ .

ألمحت هذه الإلماحة السريعة لأوضح كيف يحب الإخوان أستاذهم وإلي أي مدي يحبونه ويتنافسون في الحظوة برضاه ، باعتبار رضاه من رضا الله عز وجل فهو لا يحب إلا لله ولا يرضي إلا لله ... وكان للأستاذ في ذلك الوقت ولد وبنتان وكانوا صغارًا ،وكان له شقيقتان ، فاتجهت أنظار الإخوان المؤهلين للزواج في ذلك الوقت إلي شقيقته الكبرى ، وتنافس الكثيرون في السعي للخطوة بهذا الشرف ، وكل منهم يعتقد أن له من المكانة في نفس الأستاذ ما يجعله أهلا للخطوة ، ولم يكن أحد يجرؤ علي طلب ذلك صراحة بل كان تلميحًا – وكنا نحن – من أمثالي الدين لم يكونوا بعد مؤهلين للزواج – نرقب هذا التنافس ولا نعرف أي المتنافسين سوف يحظي بما يأمل . وأنا بحكم ما بيني وبين عبد الحكيم عابدين من اتصال دائم كنت أعلم أنه قد دخل هذه الحلبة وقد أسر إلي بذلك طالبًا مني الرأي ... ولم يكن طلبه الرأي مني فيما إذا كان اختياره هذه الزوجة مناسبًا أم يعدل إلي غيرها ، وإنما كان طلبه الرأي فيما إذا كنت أراه هو مناسبًا أم غير مناسب ، وقد أحسست في عرضه الأمر علي ، وطلبه الرأي مني أنه يريد يسمع مني ما يشجعه علي المضي في هذا السبيل . وقد سمع مني فعلا ما يريد ... غير أني كنت أري في قرارة نفسي أن دون تحقيق ذلك لعبد الحكيم خرط القتاد ، فالطلاب كثيرون والضغوط علي الأستاذ المرشد من كل جانب وعبد الحكيم هو أقل الطالبين مالا وأدناهم مركزًا ومكانة في المجتمع ؛ إنه في ذلك الوقت لم يكن يملك ما يصلح أن يكون مهرًا فلا مورد له إلا مرتبه من وظيفته المتواضعة في إدارة الجامعة ومع ذلك فهو مطالب بمسئوليات مالية لأهله – كما أشرت من قبل – والأستاذ المرشد يعلم ذلك - ... لا مؤهل لعبد الحكيم إلا مواهبه الشخصية وما قدمت في فصل سابق من هذه المذكرات من أنه أول أخ تخرج في الجامعة وبايع علي أن يجعل مستقبله رهنا بمطالب الدعوة مع أنه كان أحوج الحاضرين وأقدرهم علي تنمية موارده لاحتياج أهله إلي هذه الموارد .

وكانت المفاجأة أن اختار الأستاذ المرشد عبد الحكيم زوجًا لشقيقته .. فقوبل هذا النبأ في الظاهر بما يشبه الرضا من الجميع ، ولكنني كنت أحس بأن هناك نفوسًا قد أصابها هذا النبأ بشعور من خيبة الأمل .. ومع ذلك فلم أكن أعتقد أن هذا الشعور سيؤدي إلي كوارث . وقد ذكرني اختيار المرشد لعبد الحكيم دون الآخرين بسعيد بن المسيب رضي الله عنه حين طلب إليه أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان أن يزوج ابنته لأبنه فأعرض عن ذلك وزجها تلميذه الفقير عبد الله بن أبي وداعة الذي سأله سعيد . لِم لم تتزوج ؟ فقال له : ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة .

وقد انقسم الإخوان إزاء هذه المفاجأة ثلاثة أقسام :

قسم تلقي هذه المفاجأة بالإجلال والإعجاب لأنها هي نظرة المؤمنين الصالحين حين يختارون لبناتهم . وهذا القسم هو الكثرة العالية من الإخوان .

وقسم أصابته المفاجأة بخيبة أمل حيث أخطأه الاختيار وكان يتمني أن يكون هو المختار .. وهذا القسم هو مجموعة من شبان الإخوان المؤهلين للزواج والذين عرضوا أنفسهم وهم عدد قليل .

والقسم الثالث أصابته المفاجأة بخيبة أمل مع أنهم لم يرشحوا أنفسهم ولم يكونوا صالحين لذلك لأنهم في سن الكهولة ولهم بيوت يعولونها ولكنهم كانوا يتمنون أن لا يتم هذا الزواج لعبد الحكيم بالذات ، لأنهم يعرفون أن عبد الحكيم ذو مواهب تؤهله للبروز في المجتمع ، ولما كانوا هم يشغلون المناصب البارزة في الدعوة ، فقد يزاحمهم عبد الحكيم في هذه المناصب لاسيما واختيار الأستاذ المرشد لعبد الحكيم دليل علي ثقته في هذه المواهب .

وهناك قسم رابع نشأ بعد ذلك كانت مهمته استغلال القسمين الثاني والثالث لتحقيق أغراض في قرارة نفسه أكثرها سياسي وبعضها شخصي .

ولما كانت شخصية المرشد لها من الإجلال في النفوس ما لا يجرؤ معه أحد علي النيل منه ، كما أن مسلكه في مقدرته الفائقة علي توزيع عواطفه علي جميع الإخوان توزيعا يملأ نفوس الجميع لم يتح لأحد أن يجد فيه ثغرة ينفذ منها إليه ، ولا مغمزًا يغمز به ، فكان لابد إذن من البحث عن سبيل آخر لإيذائه عن طريق ملتو غير مباشر ، وكان الطريق هو محاولة تجريح شخصية عبد الحكيم والنفوذ من ذلك إلي تجريح الدعوة نفسها . وسأعرض الآن لواحدة من هذه المحاولات كان مبعثها مبعثا شخصيًا ،وقد بدأت أحداث هذه المحاولة منذ كانت الدعوة في ميدان العتبة وبدأ الطلبة يقبلون علينا وكنا نحسن استقبالهم ونوليهم كل ما نستطيع من اهتمام وعناية وكان من هؤلاء الطلبة طالب في كلية الآداب اسمه (ع.س.أ) ... استقبلناه كغيره من الطلبة ولكني رأيته مقبلا بشكل ملحوظ علي عبد الحكيم عابدين مما جعلني أرتاب فيه ، ولكن هذا الشعور لم يجعلني أقصر في حقه فكنت أعامله كما أعامل زملاءه ... غير أني رأيت عبد الحكيم يوليه من العناية أضعاف ما يولي زملائه – وعبد الحكيم كما قدمت إنسان كله عاطفة ، فما كاد يشعر بإقبال هذا الطالب عليه حتى غمره بسيل من عواطفه فكان كلما قابله قابله بالعناق ، وكنت أفتقد عبد الحكيم فإذا لقيته سألته أين كنت بالأمس فيقول لي كنت عند الأخ (ع) في بيتهم ... وقد أوسع عبد الحكيم له في مجلة النذير فكان يكتب المقالات تمجيدًا في الإخوان المسلمين وإشادة بهم .

لم يكتف عبد الحكيم بأسلوبه العاطفي المتطرف الذي يتعامل به مع هذا الأخ بل جاء يعاتبني في عدم إقبالي عليه بنفس أسلوبه وأخذ يذكر لي مزايا هذا الأخ الأدبية وحماسه المتأجج للدعوة وأسلوبه في الكتابة ، وأخذت أذكره بما سبق أن قلته له من قبل منذ كنا في دار شارع الناصرية وبما حذرته منه من شعور البداوة الذي نشأ عليه والمبني عن حسن الظن المطلق بكل الناس وفي كل الظروف ومن مظهر هذا الشعور البدوي من التغالي في الحب والعناق في كل لقاء وإباحة بيتك لكل من أحببته يدخله في غيابك وحضورك ، ودخولك بيوتهم كأنها بيتك ، ومعاملتك أهليهم كأنهم أهلك ، وقلت له : كل ذلك لا أرضاه .. وقد أرضاه إذا ضمنت لي أنك تعيش في بيئة أو مجتمع من الملائكة المنزهين عن الأهواء المطهرين من سوء الظن وسوء النية .. أما المجتمع الدنيوي الذي نعيش فيه فهو الطيب والخبيث ، وقد ينقلب الطيب خبيثا ، و قد ينقلب الخبيث طيبًَا ، فلا ينبغي أن ننطلق في عواطفنا انطلاقا لا حدود له مهما سمت هذه العواطف وذكرته بوصية رسول الله صلي الله عليه وسلم في ذلك " أحبب حبيبك هونًا ما ، عسي أن يكون بغيضك يومًا ما ، وأبغض بغيضك هونًا ما ، عسي أن يكون حبيبك يومًا ما " .

واشتد الحوار بيني وبين عبد الحكيم ورماني في نهايته بأن معاملتي " الرسمية " للإخوان لاسيما الجدد منهم من أمثال هذا الأخ تنفرهم من الدعوة فقلت له : إنني لا أعامل أحدًا معاملة رسمية كما تدعي بل إنني أعطي كل إنسان حقه في حسن اللقاء ، وكل ما أحاوله هو أن أقتصد في عواطفي ، فالمصافحة عند اللقاء تكفي ، والعناق عند الرجوع من السفر أو بعد الغياب الطويل لا بأس به ، والزيارة في البيوت بدعوة ملحة من صاحب البيت كما يقولون " زر غبًا تزدد حبًا " وكررت تحذيري متمسكًا بطريقتي في المعاملة . وغادر عبد الحكيم الغرفة التي كنا نتلازم فيها من المركز العام وهو مصر علي أنه يسلك الطريق الإسلامي الأقوم ... وشاب ذو نفس شاعرة نشأ في بيئة بدوية ثم تلقفته الصوفية بأشد طرقها تصفية للنفس ثم اتصل بدعوة الإخوان المسلمين التي تضع مرتبة الأخوة في الدعوة فوق مرتبة الأخوة في الدم ، شاب كهذا قلما يعدل عن خطته في الاندفاع بعواطف الأخوة والحب التي تتأجج بين جوانحه إلا بكارثة .

وانتقلت الدعوة إلي الحلمية الجديدة ، واستمر عبد الحكيم في اندفاعه الذي كان يجد له تجاوبًا من الطرف الآخر ، ولا أدري لم كان هذا التجاوب الذي لا أجد مبرراته متوفرة في هذا الطرف بل كنت أري فيه معني التصنع وأشم منه رائحة الاستدراج ، وظللت كعادتي أسأل عن عبد الحكيم في بيته فلا أجده المرة تلو المرة ثم أقابله فيخبرني بأنه كان في بيت هذا الأخ . ومرت الأيام وأعلنت خطوبة عبد الحكيم لشقيقة الأستاذ المرشد ، فكان هذا الإعلان بمثابة إعلان حرب لا هوادة فيها علي عبد الحكيم أو قل في الحقيقة علي الدعوة نفسها ولكن اتخذ عبد الحكيم قميص عثمان . انقلب هذا الأخ الذي أشرت إليه انقلابًا فجائيًا علي عبد الحكيم وخاصمه بغير مقدمات واتهمه بأنه قد اتخذ صداقته له وأخوته معه وسيلة إلي مداعبة شقيقته .. وبغير مقدمات رأينا هذا الأخ يعلن مقاطعته للمركز العام وتبرأه من الدعوة مالم يبتر منها عبد الحكيم ...

مفاجآت وجدت آذانًا صاغية من أولئك الذين أشرت إليهم في القسمين الثاني والثالث ، وجدت هذه الاتهامات الفجائية هوى في نفوسهم فقاموا يروجونها وينشرونها بطريقة مثيرة ،وعادت إلي الذاكرة حادثة الإفك " إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم ، لا تحسبوه شرًا لكم بل هو خير لكم ، لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم ، والذي تولي كبره منهم له عذاب عظيم . لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا وقالوا هذه إفك مبين " . ولما كان الأستاذ المرشد يعلم عن عبد الحكيم ما أعلم ، كما أنه كان يتوقع أن يكون لإعلان خطوبة عبد الحكيم لشقيقته آثار لابد أن تمس بعض القلوب ، فإنه لم يرعه من هذه الحملة الفجائية إلا كونها جاءت بغير مقدمات وبطريقة مفاجئة تحس معها أن أصحابها قد فقدوا رشدهم فتخلوا عن أدني مبادئ الأدب والحياء .

جاءني عبد الحكيم وهو يكاد يموت غمًا وقال لي ، لقد فهمت الآن أنك كنت علي حق ، وأنك كنت أبعد مني نظرًا ، وأنني لم أكن إلا أبله لا أدري ما يراد بي ، ولا ما يدبر لي ؛ لقد خالفتك وأخلصت لهذا الأخ وجعلت له من نفسي وقلبي مالم أجعله لأشقائي ؛ فكان يدعوني لي منزلهم وعرفني بوالده ووالدته وإخوته وأخواته كما دعوته إلي بيتي كما تعلم ، وتوالت دعواتهم لي حتى إن والديه يدعوانني دونه ؛ وكنت أعتبر والديه والدي وإخوته وأخواته إخواني وأخواتي .. ومرضت شقيقته الكبرى مرضًا خطيرًا ، ولما كانوا يعرفون عن صلتي بالأطباء (كان لعبد الحكيم صداقة وطيدة مع أشهر أطباء القاهرة وكان محببا إلي نفوسهم إلي الحد الذي كانوا يستجيبون له إذا طلبهم بليل أو نهار حيث كان دون أن يتقاضوا أجرًا ، ولم يكن يطلب أحدا منهم لنفسه ولا لذويه إلا نادرًا ، وإنما كان يطلبهم لعلاج من يلجأ إليه من الإخوان) استغاثوا بي وطلبوا إلي أن استدعي لهم طبيبًا كبيرًا معينًا ففعلت واستمر العلاج ولكن المرض قد استفحل حتى صارت الفتاة هيكلا عظيمًا بلا لحم ولا دم ، وعلا وجهها شحوب الموت حتى إن أمها وأخواتها عافوها وابتعدوا عنها ، وشعرت الفتاة بذلك فصارت تبكي وتنعي بنفسها ، وهنا اضطررت أن أجلس بجانبها ، مع أنني في قرارة نفسي باعتباري بشرًا كأي بشر متقزز من منظرها ومن رائحتها ،ولكنني كنت أحاول أن أرفع من روحها ، وأعيد إليها ثقتها في الحياة – ولقد كان والداها وإخوتها وأخواتها – ومنهم هذا الأخ – يشكرونني علي أداء هذه الخدمات الإنسانية التي عجزوا هم عن أدائها .

قال عبد الحكيم : وبتفاني أصدقائي الأطباء في علاجها ، وبما اتبعته من أساليب لرفع معنوياتها تحسنت حالتها ، ودبت فيها الحياة من جديد ... وحتى آخر يوم كنت موضع إجلالهم جميعًا ، ولا حديث لهم إلا حول اعترافهم بجميلي عليهم ، وبإنسانيتي التي فاقت ما عرفوه من إنسانية . قال : وفي اليوم التالي ذهبت كالمعتاد لزيارتهم فرأيت وجومًا علي وجوههم حتى خيل إلي أن الفتاة ماتت ، ولكنني رأيتها بخير ، وحاولت أن أعرف سبب الوجوم فلم أستطع فخرجت وأنا في حيرة من هذا التبدل المفاجئ ، واستعرضت كل تصرفاتي معهم لعلي أذكر شيئًا بدر مني فأغضبهم فلم أجد إلا تقديرًا منهم لكل كلمة قلتها أو تصرف أتيته ، فعزمت علي أن أسأل نجلهم الأخ (ع) حين ألقاه ليلا بالمركز العام كالمعتاد فلم أجده حضر ولكنني سمعت قالة سوء توجه إلي منسوبة إليه . ولا يردد هذه القالة شخص واحد بل ترددها مجموعة معينة بطريقة تشعر بأنها مبيتة ومدبرة ... ولم أصدق أنه هو قائلها في أول الأمر لكنني تبينت أنه هو مصدرها وأنه هو الذي باء بإثمها ، وأنني لم أكن حتى تلك اللحظة إلا سادرًا في حسن ظني متجللاً برداء غفلتي ولم أتنبه من غفلتي إلا الآن ، فإن اليوم الذي في مسائه قلبوا لي ظهر المحن هو نفس اليوم الذي أعلن في صباحه نبأ خطوبتي لشقيقة الأستاذ المرشد ، وما كنت منتظرًا منهم إلا أن يقابلوني بالبشر والتهاني والتبريك .

وعبد الحكيم المشبوب العاطفة ، المتصوف ، الشاعر ، البدوي ؛ لم تكن هذه الصدمة لتقف به عند حد إفاقته من غفلته ، ورد رشده إليه فحسب ، بل إنها قذفت به علي الطرف الآخر البعيد ؛ فإذا به يقرر أن يعتزل الناس لأنه فقد الثقة فيهم ؛ فانقطع عن المركز العام وعن غشيان أي مكان آخر ما سوي بيته وعمله ، وهجر أصدقاءه وأحباءه ومعارفه وحتى أهله ، وعكف علي الصيام المتصل والقيام بالليل تكفيرًا عن زلته بإفراطه في حسن الظن بالناس .. ولما طال انقطاعه ومضي أكثر من شهر زرته في بيته أو بمعني أدق في معتكفه وعاتبته علي هذا الأسلوب فقال لي : ما كنت أعتقد إلا أنك آخر من يعاتبني في ذلك ؛ فالذي أفعله الآن إلا تكفير لمخالفتي لنصيحتك . قلت ، ولكن التكفير لا يكون بالانتقال من النقيض إلي النقيض ،وانقطاعك عن المجتمع لا يقل ضررًا عن أنهماكك فيه مندفعًا بغير حدود ، ولكن المطلوب هو التزام الوسط في كل الأمور .. ومازلت به حتى أنهي اعتكافه وصومه ورجع إلي المجتمع ولكن بعد بضعة أشهر قطع في خلالها شوطًا بعيدًا في حفظ القرآن أو لعله أتم حفظه .

ولم يقف الأمر عند هذا الحد ، وإنما امتدت آثاره وتشعبت إذ صار عداء للدعوة يظهر في صور مختلفة من ابتعاد عن الدعوة إلي استقالات إلي اعتكاف مجموعات تجتمع في البيوت والكل يشيعون قالة السوء بغير علم ، وكلما وجدوا عدوًا للدعوة لاذوا به وظاهروه عليها متناسبين قول الله تعالي " والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينا " . ويبدو أن بسط القرآن لقصة الإفك ؛ وجعلها صدر سورة من سوره ، والإسهاب في سرد تفاصيلها ، وتحليل مواقف الفئات المختلفة فيها ، والتهديد بأقسى العقوبة لمثيريها وللراتعين فيها وحتى للذين يلذ لهم مجرد الاستماع إليها ثم يخرج من ذلك كله بتحذير مزلزل فيقول " يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدًا إن كنتم مؤمنين . ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم " ... هذا السرد المفصل في أبرز موضع من السورة يوحي بمدي خطورة هذا الأمر كما يوحي بأن الدعوة الإسلامية في مختلف العهود وعلي مر الزمن عرضة لتكرار مثل هذه الحادثة فيها ولذا حذر جل شأنه من تكرارها بقوله " إن تعودوا لمثله أبدًا " وقرن العودة إلي مثلها بالتخلي عن الإيمان بقوله " إن كنتم مؤمنين " ثم أشار لي اهتمامه بالتفصيل والتوضيح لخطورة العواقب بقوله " ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم " .

ذلك أن الدعوات الإصلاحية عامة والدعوة الإسلامية خاصة إن هي إلا مجتمعات يتفاعل بعضها مع بعض ، وهذا التفاعل مع اختلاف المشارب ، وتباين البيئات ، وتنوع الآمال ، يؤدي بطبيعته إلي شيء من خلاف في الرأي أو التنافس علي أمل أو تسابق إلي منصب ، وقد يورث مثل ذلك في بعض النفوس الضعيفة العداء ويوقظ فيها الحيطة والحقد ... وحين تفكر هذه النفوس الضعيفة في الانتقام من المخالف أو المنافس أو المسابق لا تجد أمامها وسيلة أيسر ولا أسهل ولا أقل تكليفًا من النيل منه بكلمة يرسلونها في عرضه لا تكلفهم شيئًا ولا تقتضيهم جهدًا ولكنها كافية إ1ذا وجدت آذانًا ممن في قلوبهم مرض أن تهدر كرامته وتهوي به في المجتمع إلي الحضيض بل تخرجه من المجتمع منبوذًا .. فإذا كان هذا المنافس ركنًا من أركان الدعوة دعوة انهارت الدعوة بانهياره وقضي عليه وعليهما معًا .

ولقد وقفنا مع الأستاذ المرشد إزاء هذا الهجوم الغادر الوقفة التي يرضاها الله تعالي ولا يرضي سواها ؛ ظننا بأنفسنا خيرًا كما أمر الله عز وجل في هذا الموقف حيث يقول " لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا وقالوا هذا إفك مبين " وكنا كما تمني القرآن الكريم أن يكونه المجتمع الإسلامي إذ يقول : " ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم " فتولي الله تعالي عنا رد كيد الكائدين في نحورهم وكفي الله المؤمنين القتال وخرجت الدعوة من هذه الفتنة مرفوعة الرأس بأدنى قدر من الخسائر التي هي في حقيقة أمرها تخليص للدعوة من خيال علق بها " لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين " .

المؤتمـر السـادس :

كان المؤتمر السادس هو آخر المؤتمرات العامة للدعوة كما أشرت إلي ذلك من قبل ، ذلك أن الإخوان بعد ذلك قد كثروا وتشعبوا إلي الحد الذي لم يعد مكان يتسع لاجتماعهم علي هذه الصورة ، وقد استغني عن أسلوب المؤتمرات بنظام الهيئة التأسيسية والمكاتب الإدارية وتسلسل القيادة المركزية . وقد أقيم هذا المؤتمر بدار المركز العام بالحلمية الجديدة في 11 ذي الحجة 1329 الموافق 9 يناير سنة 1941 ، وقد حضر عدد كبير جدًا من إخوان القاهرة والأقاليم وكان له صدي مدو في جميع الأنحاء . ومع أنني كنت السكرتير العام المساعد لهذا المؤتمر حيث كان الأستاذ أحمد السكري السكرتير العام فليس لدي الآن مرجع أرجع إليه في تفاصيل هذا المؤتمر غير ما بقي في ذاكرتي مع أننا طبعنا رسالة خاصة بكل ما تم فيه ووزعت علي أوسع نطاق . وقد طرق الأستاذ المرشد في بيانه في هذا المؤتمر كل الموضوعات التي تتصل بالدعوة التي طرقها من قبل في المؤتمرات السابقة لكنه طرق في هذا المؤتمر موضوعين جديدين لم يطرقهما من قبل وهما :-

الأول : الشركات الأجنبية في مصر :

كان الأستاذ المرشد إذا أراد أن يعد بيانًا ليلقيه في مؤتمر من المؤتمرات الإخوانية العامة تفرغ لنفسه ساعتين أو ثلاثًا فيخرج بالبيان الكامل الشامل ... أما إعداد بيانه لهذا المؤتمر فقد أجهد نفسه فيه إجهادًا كبيرًا واستغرق منه أيامًا كثيرة وقد طلب إلينا أن نمده بمطبوعات إحصائية ضخمة صار يعكف علي قراءتها الأيام تلو الأيام ويقتبس منها البيانات الدقيقة التي جعلها صلب خطابه . وكان بيانه في هذا المؤتمر أطول بيان ألقاه في المؤتمرات . وقد تضمن لأول مرة إحصاء دقيقًا للشركات العاملة في مصر ، وبين أنها جميعًا تقريبًا شركات أجنبية ، وبين جنسية كل منها . وتحدث عن مستوي المعيشة للمصريين وقارنه بمستوي المعيشة لغيرهم .

وتناول هذا الموضوع كان فضحًا لحقيقة كانت جميع الجهات في مصر تتستر عليها فقد حدد عددها بأنها ثلاثمائة وعشرون شركة تسيطر سيطرة كاملة علي اقتصاد البلاد ، وتمتص خيراتها دون أهلها . ويخيل إلي أن تناول الأستاذ المرشد لهذا الموضوع الخطير الذي هو لب الاستعمار كان من أهم العوامل التي لفتت نظر المستعمرون لخطورة دعوة الإخوان المسلمين عليهم ، والتي بدأوا من أجلها يخططون للقضاء عليهم . وكان أول أسلوب لجئوا إليه هو تلفيق تهمة تدمغهم بالخيانة ، وقد تناولت الحديث عنها آنفًا تحت عنوان " أول محاكمة في تاريخ الدعوة " ولولا عدالة القضاء المصري وأصالته لتحقق للمستعمرين ما أرادوا . علي أن تناول لهذا الموضوع كان أمرًا لابد منه ، فما كانت دعوة الإخوان المسلمين مجرد مبادئ وأفكار وفلسفة ، وإنما هي برنامج إصلاحي شامل ، فكيف تتفادى الحديث عن عصابات تسرق قوت الشعب تحت اسم شركات وتنقله إلي بلادها وتترك هذا الشعب يتلوى جوعًا وعريًا وحفاء ... وما كانت المبادئ والأفكار لتغني مثل هذا الشعب فتيلا إذا لم تعمل علي توفير أسباب المعيشة الكريمة له ، وأول هذه الأسباب ؛ أن يعرف الشعب كيف يتسرب قوته وثمرة جهده إلي خارج البلاد .

وإذا كانت هذه الشركات قد استطاعت بمهارتها أن تقطع ألسنة الأحزاب السياسية في مصر علي اختلافها بأن انتقت كل حزب أفرادًا من أبرز من فيه وعينتهم أعضاء وهميين في مجالس إدارتها بمرتبات ومكافآت خيالية فكانت رشوة مقتنعة لم يتنبه إليها الشعب المضلل .. فإن الإخوان المسلمين بحكم إيمانهم بربهم واستمساكهم بعقيدتهم كانوا أنواع أمنع من أن تستحوذ هذه الشركات بأحابيلها وإغراءاتها عليهم فكانوا هم في إعلان كلمة الحق أحق بها وأهلها . وبقدر ما كان تناول الأستاذ لهذا الموضوع مفاجأة للشركات وللمستعمرين ولجميع الجهات المسئولة في مصر وخارج مصر ، فلقد كانت مفاجأة أيضًا للإخوان المسلمين أنفسهم الذين حضروا المؤتمر والذين قرأوا بيانه فيما بعد ؛ لأن الإخوان لم يكونوا قد اعتادوا أن يسمعوا في مؤتمراتهم إلا شرحًا لدعوتهم وتوضيحًا لمواقفهم ... ولكن القيادة الموهوبة هي التي تستطيع أن تنتقل بجنودها وأتباعها من ميدان إلي ميدان في الوقت المناسب وبالأسلوب الذي تستكمل به الدعوة خطواتها وتثبت وجودها وتحقق معانيها في واقع حياتها .

والموضوع الآخر هو الملك :

وينبغي بهذا الصدد أن نذكر أن الملك فاروقاً كان حتى ذلك التاريخ لا يزال مناط آمال الشعب وموضع احترامه ، لأن سيرته مرضية ومسلكه كان مسلكًا شريفًا ، ولعل ذلك نتيجة تأثير الشيخ محمد مصطفي المراغي عليه . وقد سبق لي أن أشرت إلي هذا الرجل وقلت إنه لم يكن مجرد شيخ للأزهر كسابقيه أو لاحقيه الذين كانوا مجرد موظفين يدينون بالولاء للحكومة والملك ، بل كان شخصية ذات تأثير في الحياة الاجتماعية والسياسية للبلاد وكان موضع احترام الملك فاروق وتوقيره وكان في صحبته إلي المساجد ، وهو صاحب فكرة إعلان القاهرة عاصمة مفتوحة في أثناء الحرب العالمية الثانية ، وقد أعلن ذلك وهو في صحبة الملك في أحد المساجد ، ولم يكن الانجليز يرتاحون إليه ، ولما توفي الشيخ في سنة 1945 في مستشفي المواساة بالإسكندرية ، أدي الملك فاروق صلاة الجمعة التالية في مسجد سيدي بشر وطلب من المصلين بعد أن يقرأوا الفاتحة علي روح صديقه الشيخ المراغي .. ولم يبدأ فاروق في الانحراف إلا بعد وفاة الشيخ . وحسبك أن تعلم أن فاروقاً هو الذي أمر في ذلك الوقت بجعل الهجرة النبوية من الأعياد الرسمية وأمر بالاحتفال بها وقد سجل ذلك الشاعر الكبير محمود غنيم في قصيدة له ألقاها في المهرجان الأدبي الذي أقيم بدار الأوبرا في 12 فبراير سنة 1942 حيث يقول :

ملك إذا الإسـلام عـد حمـاته

كان للطليعـة في صفـوف حمـاته

نور الصلاح يلوح فوق جبينـه

والشـعب يصلحـه صلاح ولاتــه

الله أكبر هـل بصرت بركبـه

يمـشي الهوينـا غاديـًا لصـلاتـه

والشعب يدعو الله خلف ركابـه

حتى يهز العـرش من دعــواتـه

فكأنه فاروق يثرب نفســـه

يسـعي بمـوكبـه إلي جمـعاتــه

قل للمشيد بعيـد هجرة أحمـد

جـددت عهد الفتـح بعـد فـواتـه

هذا جهــاد في سبيل الله مـا

نضـج الـدم القاني علي رايـاتـه

معذرة للقارئ في هذا الاستطراد قبل أن أدخل في الموضوع الذي أنا بصدده فقد أحببت أن أسجل تاريخًا لعل أكثره قد حجب عن شباب هذا الجيل بسوء قصد فقد درج حكامنا علي سنة أهل النار " كلما دخلت أمة لعنت أختها : فلكي ينسب حاكم نفسه إلي الفضل لا يرضيه إلا مجرد سابقيه من كل فضل .. أما نحن – الإخوان المسلمين – فلا تستبيح تزوير التاريخ من أجل إبراز فضل لنا ، ولا نبالي أن نشيد بمحاسن أعدائنا إن كان لهم محاسن لأننا ملتزمون بقول الله تعالي " ولا يجرمنكم شنآن قوم علي أن لا تعدلوا ، اعدلوا هو أقرب للتقوى " .

وليس معني هذا أننا ننكر أن فاروقاً هذا تولاه بعد ذلك شياطين الإنس من رؤساء أحزاب وبطانة فاجرة فصنعوا منه شيطانًا فباءوا بإثمه وإثم ما حاق بالبلاد من انحطاط وتدهور ودمار ... ولكن الحقبة التي انعقد فيها المؤتمر السادس للإخوان كان فاروق علي ما وصفنا ، فتعمد الأستاذ المرشد أن يفسد علي الانجليز وأذنابهم محاولاتهم في إيغار صدر فاروق علي الإخوان بما ألقوه في روعه من أن الإخوان هم أعداء الملك ، فقال في بيانه في وضوح لا ليس فيه : وإن ما يشاع عن أننا أعداء الملك ليس صحيحًا بل إننا نلتزم يقول الإمام مالك رضي الله عنه " لو كانت لي دعوة واحدة مستجابة لجعلتها للسلطان فإن صلاحه يصلح به خلق كثير " . وعلي العموم فإن هذا المؤتمر لم يستوف حظه الجدير به من التسجيل التاريخي لفقداننا المرجع الأساسي في شأنه وهو الرسالة الخاصة به وتجتزئ بهذا القدر عنه الآن وعسي أن تظفر فيما بعد بنسخة من هذه الرسالة فنسجل ملحقًا له إن شاء الله .

إلي دمنهور :

في 16 يونيه سنة 1941 انتقلت إلي دمنهور حيث تسلمت عملي بمصلحة القطن بها حسب توجيه الأستاذ المرشد لي كما قدمت . ولم تكن دمنهور غريبة علي فقد كنت أقضي في ربوع محافظتها جزءًا كبيرًا من إجازة الصيف كل عام لنشر الدعوة ، إذ كنت أحس إحساسًا داخليًا بأن علي مسئولية خاصة محو هذه المحافظة التي ولدت بها ، .. ولم أكن أتصور أن هذه المحافظة من السعة وترامي الأطراف بهذا القدر الذي وجهته حين عزمت علي ارتياد أنحائها .. وتستطيع أن تقول إنه في خلال تلك السنة وما بعدها بدأ الأستاذ المرشد يقذف كل إقليم من أقاليم القطر بثمرة من ثمرات تربيته التي عكف عليها خلال سني الدراسة في الجامعة . وإذا تحدثت عن الدعوة في إقليم البحيرة وقد ساهمت في إرساء قواعد فيها فإنما أعرض بذلك صورة لإرساء هذه القواعد في كل إقليم والذي كان من نتيجته أن نشرت الدعوة رواقها علي البلاد من أقصاها إلي أقصاها لم تدع عاصمة ولا مدينة ولا قرية ولا نجعًا إلا دخلته وكان لها فيه مستقر ومستودع .

في دمنهور :

كان يتقاسم النفوذ في هذه المدينة أسرتان ؛ أسرة تنتسب إلي حزب الوفد وأسرة تنتسب إلي الأحزاب الأخرى ، وكنا حريصين علي أن نحسن صلاتنا بالأسرتين ، دون أن يمنعنا هذا من جذب بعض من شباب الطائفتين إلينا . وكان اهتمامنا ينصب أكثره علي طلبة المدارس الثانوية والصناعية والزراعية ، وكنا نأخذ هؤلاء الطلبة ومعهم أتراب من ذوي الحرف بنظام الكتائب الذي خرج منهم رجالا صالحين ، . ولم يكن عدد الإخوان بهذه الشعبة كبيرًا ، كما لم يكن من بين هؤلاء الإخوان شخصيات بارزة من شخصيات المدينة ، كما لم تكن دار الشعبة في مظهرها وأثائها فخمة بل كانت متواضعة بدائية ، لكن كان من يرتاد هذه الشعبة يشعر بفيض غامر من الروحانية الجارفة ، لأن أفراد هذه الشعبة علي صغر أسنانهم ، ضآلة مراكزهم الاجتماعية كانوا أمما يفهمون دعوتهم حق الفهم ويعرفون حقوقها عليهم ويعطون هذه الدعوة حقها من نفوسهم وقلوبهم وألسنتهم وعقولهم وأبدانهم . فتري الجد في حركاتهم وسكناتهم وتري الأخوة والمحبة والإيثار في تعاملهم فيما بينهم ، فلا تلبث حين تجلس إليهم أن تمتزج بهم .

كان الأخ المهندس الدكتور محمد عبد السلام فهمي مدير أعمال بمصلحة الطرق والكباري بطنطا في ذلك الوقت ، وكانت طنطا مسقط رأسه ، وكان من أحبابي الأقربين منذ كنا طلبة بالجيزة ... جاء لزيارتي مرة بدمنهور واختلط بإخوان الشعبة ، فطلب من إدارة الطرق والكباري بطنطا أن تسند إليه المرور علي فروعها بالبحيرة ، ومع ما في ذلك من مشقة عليه فإنه كان يقول لي : إن روحانية هذه الشعبة وما بها من امتزاج نفسي وعمل جاد متناسق كنه موسيقي جذبني وهون علي المشقة .


اضطهاد حكومي :

ولست أدري لم خصت الحكومة هذه الشعبة باضطهاد دون غيرها من الشعب ودون الاضطهاد الحكومي العام ؟ .. فبينما كانت الشعب جميعًا في أنحاء القطر تنعم بالحرية كانت شعبة دمنهور تهاجم ليلا نهارًا في فترات متقاربة . كان هناك بكباشي اسمه " الرفاعي " له مكتب خاص وإدارة مستقلة ووظيفته مدير الشئون العامة بالمدينة كان يهاجمنا في أثناء المحاضرات الأسبوعية ويحاول منع المحاضرة ويطلبنا للتحقيق معنا في مكتبه ثم لا يجد شيئًا يعتمد عليه من القانون ... كان في دمنهور – وأعتقد أنه كان في كل عاصمة – قسمان للبوليس لكل قسم منها مأمور ومعاون وضباط خاصون به ، أحدهما يسمي البندر ومهمته ما يتصل بمدينة دمنهور نفسها والآخر يسمي المركز ومهمته ما يتصل بما سوي المدينة من قري مركز دمنهور وكان القسمان في مبني واحد .. وكان لبندر دمنهور معاون بوليس اسمه اليوزباشي محمد أبو السعود .. وكان هذا الرجل وكأن لا عمل له إلا الاصطدام بنا ، كان يهاجمنا ليلا نهارًا ويرسل لنا مخبرًا من المباحث لحضور كل محاضرة تلقي بالشعبة ، وبناء علي ما يكتبه هذا المخبر يأتي هذا المعاون في اليوم التالي ليحقق معنا ، وكنت استثقل هذا الرجل السمين ذا الكرش فكنت أصادمه وأتحداه سواء في الشعبة أو في مكتبه في البندر ... وقد ذكرت اسم هذا الرجل ومواقفي معه هنا لأن موقفًا قد حدث لي مع هذا الرجل بعد خمسة عشر عامًا سيأتي الحديث عنه في حينه إن شاء الله .

ولازلت حتى هذه الساعة أجهل الجهة التي كانت تحرض هؤلاء الناس علينا هل هي أوامر حكومية عليا ؟ وهذا مستبعد لأن الأوامر لا تخص شعبة دون أخري . أم هو تحريض موضعي من رجال الوفد في عهد حكومة الوفد ومن رجال الأحزاب الأخرى في أيام حكمهم ... ولكن هؤلاء الناس من الأسرتين كانوا دائمًا يحسنون استقبالنا ولا نحس منهم بروح عدوانية .. أم أنها كراهية شخصية دفعت الشخصين من رجال البوليس إلي تحدينا ؟ ..


رب ضارة نافعة :

كانت هذه المضايقات المستمرة والمصادمات المتتالية تترك في نفوسنا بعض المرارة ، مع أنها لم تكن تنتهي في كل مرة بأكثر من مشاجرة بيني وبين محمد أبو السعود سواء في دار الشعبة أو في مكتبه .. إلا أن هذه المضايقات كان لها فائدة لم نعرفها إلا بعد نحو عام . ذكرت أن بوليس البندر وبوليس المركز كانا في مبني واحد . وتبين لنا فيما بعد أن ضابطًا من ضباط بوليس المركز برتبة ملازم كان يراقب ما يحدث بيننا وبين هذا المعاون السمين ، وكان يسائل نفسه لم هذا التهجم المستمر علي هؤلاء الشباب بغير جريرة ؟ ولم لم يسأم هؤلاء الناس هذا التهجم المتوالي دون هوادة فيتركوا الفكرة التي من أجلها يساءون هذا الظلم فيستريحوا من هذا العناء ؟ ...

وقد نقل هذا الضابط بعد ذلك رئيسًا لنقطة بوليس " صفط الملوك " مركز إيتاي البارود .. وكانت الدعوة في ذلك الوقت قد سبقت إلي ما حول هذه النقطة ووصلت إلي آل أبي رقيق في " المسين " عن طريق نجلهم صالح أبو رقيق الطالب إذ ذاك بكلية الحقوق بالقاهرة . وتعرف صالح علي هذا في نقطة صفط الملوك ؛ . وكأنما كان هذا الضابط أرضًا خصبة شديدة الخصوبة لا ينقصها إلي الماء لتنبت وتزدهر وتؤتي أشهي الثمار ، وكان الماء هو هذه الدعوة التي احتضنها احتضان الأم لولدها الذي آب بعد غياب طويل ... ومنذ ذلك اليوم عاش هذا الضابط لهذه الفكرة ، ونهم بها زمنًا ، وشقي بها أزمانًا ولكنه شقاء لم يستطع مع بالغ قسوته أن يمس القلب الذي لم تفارقه السعادة لحظة واحدة .

كان هذا الضابط هو الأخ الحبيب الأستاذ صلاح شادي ؛ الذي زرته في بيته في نقطة صفط الملوك في ذلك الوقت وقص علي قصة مراقبته إيانًا في مضايقات المعاون محمد أبو السعود ، وأن هذه المضايقات كانت أول شيء شد انتباهه إلي هذه الدعوة ،وأحس معه أنها دعوة حق ... وقد تصادف أن كان عنده في ذلك اليوم زائر آخر عرفنا به فكان هو شقيق زوجته مدرسًا للغة الانجليزية بالمدارس الثانوية بالقاهرة وكان هذا الزائر هو الأخ الأستاذ محمد فريد عبد الخالق الذي اقتنع بالدعوة ، وعاهد عليها وصدق ما عاهد الله عليه . وقد أوليت الأخ صلاح شادي هذا الاهتمام لأن هذا الأخ قد نهض بأدوار خطيرة في الدعوة ما كان لينهض بها غيره . ولقي في سبيلها أشد ما يلقاه مؤمن علي يد اعتي الظالمين وسنعرض إن شاء الله لهذه الأمور في مواضعها .


نشر الدعوة بالبحيرة :

لم يكن بالبحيرة في ذلك الوقت شعب للإخوان إلا في دمنهور ورشيد والمحمودية وشبراخيت ، فرأينا أولا أن نركز علي تكوين شعبة قوية منظمة في دمنهور ثم نهضنا بنشر الدعوة في بلاد المحافظة فكنا نخصص مساء يوم الخميس ويوم الجمعة كل أسبوع لزيارة مركز من المراكز حتى صار في كل مركز شعبة ثم انتشرت الدعوة إلي ما سوي ذلك من المدن والقرى .. وكان للأستاذ المرشد حنين شديد لزيارة شعب هذه المحافظة التي نشأ فيها وكان له ذكريات في كثير من مدنها وقراها ... وأذكر بهذا الصدد أننا كنا نتنقل معه بين بلاد مركز كوم حمادة حتى وصلنا إلي قرية " خربتا " فقال لنا إنه بعد أن حصل علي دبلوم مدرسة المعلمين الأولية من دمنهور عين مدرسًا في مدرسة خربتا الإلزامية .


مناقشة حول الربا :

تعتبر دمنهور من أشهر بلاد القطر في تجارة القطن وحلجه وكان بها في ذلك الوقت ثلاثة عشر محلجًا ... ورغب زملائي في العمل تأسيس رابطة لهم تودع أموالها في بنك بفائدة فلما عرضوا علي المشروع رفضته لهذا السبب باعتبار هذه الفائدة ربا ... وكنت مع بعض زملائي في زيارة صاحب أكبر محلج بالمدينة فسألني : هل صحيح أنك تعتبر فوائد البنوك ربًا فأجبت بالإيجاب فتعجب وقال ما حجتك علي ذلك ؟ .. فقلت قول الله تعالي " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين . فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ،وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون " ومعني هذا أنك إذا أقرضت إنسانً أو بنكًا مبلغًا من المال أو اقترضت منه فحين تسترد هذا المبلغ أو حين ترده يجب أن لا يزيد مليما وأن ى ينقص مليمًا .. وهل الربا إلا عقد ترتبط فيه الزيادة في المال بزيادة المدة ؟ ... قال : إذا كان ما تقول صحيحًا فمعني ذلك أنني في عملي أتعامل بالربا ، فقلت له وهل هناك شك في أن تجارة القطن في بلادنا إنما تقوم علي الربا ؟ قال : إنك تعلم مدي تمسكي بالدين ... ولو علمت بأن تعامل مع البنوك في تجارة القطن ربًا لتركت تجارة القطن ، ولكنك فاجأتني بشيء لم أسمعه من قبل وفي البلد علماء وأزهر .

قلت سأوضح لك الأمر بمثل واقعي : إذا حددت البورصة سعر صنف من أصناف القطن بأربعين ريالا للقنطار ونزل في مركز دمنهور مائة تاجر كل تاجر يعول بيتًا ويملك كل منهم ألف جنيه لشراء القطن من المنتجين ،وتوزعوا في قرة المركز فنزل في قرية منها خمسة تجار ، وعاين أحدهم الأقطان وأعطي سعرًا لها ثلاثة وأربعين ريالا . ثم مر الأربعة الآخرون واحدًا بعد الآخر فزادوا السعر الزيادة المعقولة في حدود خمسة قروش لكل منهم فصار السعر الأقصى أربعة وأربعين ريالا ، ومعني ذلك أن هؤلاء التجار المائة سيشتري عشرون منهم عشرين صفقة وسيجتمع للواحد منهم برأس ماله حوالي مائة قنطار ، يستطيع أن يحلجها لحسابه ويبيعها محلوجة ويجني منها ربحًا مناسبًا يعيش به هو وأسرته عيشة كريمة وربما عاشت بجانبه أسر . أما الذي يحدث الآن فعلا ؛ فصاحب محلج مثلك رأس ماله مثلا عشر آلاف جنيه لو اشتري بها جميعا قطنًا زهرًا فإنها لا تكفي لشراء أكثر من ألف قنطار . فإذا اشتري هذه الكمية ترك فرصة واسعة لمئات من صغار التجار أن يشتروا بجانبه ، ولكن الواقع المؤلم هو أنك لا تعتمد في الشراء علي العشرة الآلاف التي تملكها بل تذهب إلي البنك وتقترض منه بضمان البضاعة وبفائدة محددة فيضع البنك تحت يدك مائة ألف جنيه ، فإذا نزل هؤلاء المئات من التجار الصغار مشترين فلن يستطيعوا منافستك في أية قرية من القرى لأن مندوبيك في القرى سيرفعون السعر رفعًا تقوى عليه المائة ألف جنيه ولا تقوى عليه الألف جنيه وبذلك يتعطل هؤلاء التجار ولا يجدون مناصًا من طرق بابك واللجوء إليك لتتخذ منهم عمالا بأجر زهيد عندك .

وحسب الربا ظلمًا أنه يقضي علي المئات الذين يريدون أن يعيشوا مجرد عيشة كريمة ليرفع علي أنفاسهم فردًا واحدًا ليعيش في أعلي درجات الرفاهية .


في فوة ... تجربة ناجحة للدعوة :

كان عملي الحكومي كما قدمن في دمنهور ، وشاءت الأقدار أن يكون رئيسي فيها رجلا سكيرًا لا يتعفف ، ومع أنني كنت حريصًا علي أن لا أحتك به فإنه كان يعتقد أنني أطارده كالمثل الذي يقول : يكاد المريب يقول خذوني ... وقد عمل هذا الرجل بما له من صلات مع الرؤساء الكبار علي التخلص مني ففوجئت بعد سنة واحدة في دمنهور بنقلي إلي فوة . سافرت إلي فوة وذهبت إلي المحلج الذي سأكون مسئولا عما يدور فيه من عمل ولما رأيت طريقة العمل فيه ومعاملة أصحابه لموظفي الحكومة المشرفين عليه فهمت لماذا اختار لي هذا الرئيس هذا المحلج بالذات ... عرفت أن ثلاثة عشر موظفاً من مصلحة القطن نقلوا إلي هذا المحلج قبلي ولم يستطع أحد منهم أن يستمر فيه إلا عدة أشهر نقل بعدها علي أثر ضربة ضربًا كاد يقضي به إلي الموت ... كان أصحاب هذا المحلج قومًا يريدون أن يربحوا من أي طريق لا يبالون بشرف ولا دين ولا قانون معتمدين في ذلك علي انقطاع بلدتهم عن غيرها لسوء المواصلات كما أن المحلج يقع خارج العمران كما يعتمدون علي فساد ذمم الرؤساء واستعدادهم لقبول المنح والهدايا .

كنت في ذلك الوقت في سن مبكرة لم أعد الاثنين والعشرين عامًا ولم أكن جربت حقارة النفوس التي وجهت بها لأول مرة وعلي حين غرة لم أكن أتصور أن يكيد رجل لم أحتك به ولم أنله بأذى لشاب مثلي في سن أحد أبنائه فيلقي به بين أنياب السباع ... أسفت وتألمت ولكن ذلك لم يكن يؤثر في مباشرتي عملي فقد باشرته .. ومباشرتي عملي في ذلك المحلج لا تعني إلا شيئًا واحدًا هو مصادرة أصحاب المحلج في مورد رزقهم الحرام ... ويبدو أن هؤلاء الناس لم يتعودوا علي رؤية من يقف في طريقهم لأنهم تعجبوا أولا ثم تقدم نحوي ابن صاحب المحلج وكان مديرًا للمحلج ورفع يده مهددًا بصفعي ... وهنا ذهبت إلي مكتبي وكتبت استقالة والدموع تقطر من عيني وأرسلت الاستقالة إلي رئيسي . وحضر رئيسي من دسوق وحاول إصلاح ما بيني وبين إدارة المحلج متوسلا إليهم ومحذرًا إياي من أن يصيبني ما أصاب الثلاثة عشر زميلا من قبلي ومزق الاستقالة .

وهدأت نفسي إلي أنني قبل كل شيء صاحب دعوة ، وأن البيئة التي وجدت فيها في هذا المحلج مهما تلوثت به من مساوئ فإنها لا تخلو من خير دفين ، وعلي صاحب الدعوة أن يكشف عن هذا الخير وإلا كان فاشلا أو كانت دعوته غير جديرة أن تكون دعوة إصلاحية ، ولما كانت دعوته مما لا يتطرق الريب إلا صلاحيتها فإنه هو الذي – إذا لم يستطع النفوذ بها إلي قلوب الناس علي اختلافهم – يكون فاشلا . إن تجربتي في هذا المحلج قد أثبتت لي أن هذا الجنس البشري مهما تدنس ، وانحط إلي أسفل السافلين ، وفشلت في علاجه وسائل الإصلاح فإنه لا يستعصى علي الدين .. وثبت لي أن بلادنا هذه لا تقاد إلي أعلي مراتب السمو والنبل إلا عن طريق الدين .. وكل ما سوي ذلك من وسائل الإصلاح ليس إلا مضيعة للوقت وتبديدًا للجهد ... محال أن يقاد الإنسان إلا من قلبه !!! ...

والناس يريدون أن يروا الإنسان الذي يخالطهم ولا يتكبر عليهم ولكنه يترفع عن متاع دنياهم ... إنهم يقبلون عليه ويحبونه ويفتدونه ... أما الذين يخالطون الناس ويخاطبونهم باسم الدين بعين ، في حين يمدون عينهم الأخرى إلي ما متع الله به هؤلاء الناس من زهرة الحياة الدنيا ، فهؤلاء لا تفتح لهم أبواب القلوب ولا يحظون منهم برضًا ولا تقدير ... يروي أن الرشيد الخليفة العباسي أحس من نفسه يومًا أنه في حاجة إلي من يعظه : فأرسل في طلب كبار العلماء فحضروا ، وصار كل واحد منهم يعظه فيمنحه صرة من المال ، حتى كان آخرهم عمرو بن عبيد فوعظه ما شاء الله له أن يعظه ثم قام وانصرف وجد في السير ، فأرسل خلقه من يحاولون اللحاق به لتسليمه الصرة حتى لحقوا به لكنه رفض .. فرجعوا بها إلي الرشيد فنظر إليه الرشيد وشيعه ببصره وهو يقول :

كلكم يطـلب صيــــد  ::: كلكم يمـشي رويــــد

غيـر عمـر بن عبيـد

إن الناس يتمنون في أعماق قلوبهم أن يروا من يري نفسه أكبر من دنياهم ليتخذوه لهم القدوة وإمامًا .... ولكن أين هؤلاء وسط البحر الزاخر من عبيد المادة .

لم يمض علي هذه الحادثة التي تهجم علي فيها صاحب المحلج أكثر من شهر حتى فعل مقلب القلوب فعله ، فإذا بصاحب المحلج نفسه الذي كان ظهيرًا لولده من قبل ينادي ولده ، وكان رجلا متزوجًا وذا أبناء – وقال له أمام الناس : كل ما يفعله " فلان " – يقصدني – في المحلج لابد أن تخضع له ، وإذا تعرضت له ولو بكلمة سأطردك من المحلج ومن البيت ... ولم يكن الرجل يقصد بكلامه هذا إحراجي كما قد يتبادر إلي الذهن بل كان يقول وهو يعني ما يقول ، لأنه بعد أن قال ذلك طلب مني أن أجلس إليه وسألني عن الأشياء المخالفة للقانون التي أريد أن أمنعها فسردتها له وهي تتلخص في منع دخول أشخاص معينين تعودوا أن يحضروا للمحلج أقطانًا مغشوشة يبيعونها له بسعر منخفض ... فطلب بواب المحلج أمامي ونبه عليه بمنع دخول هؤلاء الأشخاص مطلقاً .. ثم قال لي : يا فلان لعلك تعلم أن أكثر ربحي كان من هذا النوع من الأقطان ولكنني والله قد أصبح رضاك عني أحب إلي من هذه الأرباح .


الإقلاع عن الكيوف لا يحتاج إلا إلي عزيمة :

لم يكن هذا الرجل يصلي وكان يشرب الخمر ويتعاطي الحشيش والأفيون ومن قبل كان يتعاطي الهورايين ويجدر بي بهذه المناسبة أن أضع بين يدي للقارئ تجربة مرت بهذا الرجل وحدثني عنها وفي ذكرها نفع كبير لمن يقرأها ، قال لي : كنت في شبابي من أقوي الناس بنية ، وابتليت بتعاطي الهورايين حتى أنحل جسمي إلي حد أنني صرت إذا هبت علي الرياح أخشي أن توقعني علي الأرض ، وكنت في الصيف أنزح إلي الإسكندرية حيث لي بيت فيها ، وكنت خلال إقامتي في الإسكندرية أتردد علي مقهى السنانية ، وكان صاحب المقهى يشتري لي الهورايين وكانت العلبة بعشرين جنيهًا .. وفي إحدى المرات اشتري علبة فلما رجعت إلي المنزل فتحتها وتعاطيت منها فلم أتأثر بها فعلمت أنها مغشوشة فرجعت بها إلي المقهى وأعطيت العلبة لصاحب المقهى وذكرت له ما كان شأنها ، فاستدعي الذين اشتراها منه وذكر له ما قلته بصددها فرد الرجل ردًا فاحشًا ثم التفت إلي وقال : إذا ذكرت ذلك مرة أخري عن بضاعتي فسأصفعك صفعة ألقيتك بها علي الأرض . فكان لتهديد الرجل إياي أثر عميق جدًا في نفسي وقلت لنفسي إن هذا الرجل صادق في كلامه فإنه إذا صفعني فإنه سيلقي بي علي الأرض لأن جسمي لا مقاومة فيه ... يا للهوان إلي هذا الحد أصبحت تافها حتى إن مثل هذا الصعلوك يشتمني ويهددني ... وقررت في نفسي أمرًا ... وهنا انبري صاحب المقهى بماله من سطوة يدافع عني ويشيد بمكانتي ويهدد الرجل ويأمر بتغيير العلبة المغشوشة في الحال فانصاع الرجل وأحضر العلبة الحقيقية فأخذتها ووضعتها في جيبي وغادرت المقهى إلي المنزل .

قال لي : ودخلت شقتي واتجهت إلي المرحاض وأخرجت العلبة وفتحتها وأفرغتها في المرحاض عن آخرها وشددت السيفون ثم دخلت حجرة النوم وبدأت الآلام تنتابني ، وكلما مر الوقت تضاعفت الآلام حتى صرت أصرخ كالمجنون من شدة ما تمزقني الآلام ... وجاءوا بالطبيب فقرر أن أتعاطي الهورايين وإلا فالموت ... فرفضت وآثرت علي الموت ثم جاءوا بأطباء آخرين فقروا نفس القرار وأصرت علي الرفض . وكانت الآلام تستبد بي حتى أفقد وعيي فأنزل من المنزل وأنا لا أحس بنفسي وأهيم علي وجهي كالمجنون حتى كان أهل يجدونني في بعض الأحيان علي بعد أميال نائمًا علي " دكة " أحد البوابين . ظلت هذه الآلام المبرحة نحو شهرًا ثم أخذت تخف شيئًا فشيئًا فقرر الأطباء أن أقضي شهرًا في جهة خارج المدينة فاستأجرت مكانًا في المكس ومكثت فيه حتى اكتملت لي صحتي وعادت إلي عافيتي التي كنت أنعم بها قبل أن ابتلي بهذا " الكيف " الملعون .

وجدير بالذكر أن ننبه إلي أن " الهورايين " هو مسحوق أبيض مخدر يتعاطي عن طريق الشم بالأنف وهو أشد المخدرات تأثيرًا وأخطرها سمية وأقواها استيلاء علي مراكز الإحساس .. وهذه التجربة الواقعية تثبت أن العزيمة القوية قادرة علي قهر اعتي العادات والكيوف مهما تمكنت من النفس واستولت علي مراكز الإحساس فيها .

وجاءني الشيخ صاحب المحلج في يوم من الأيام وقال لي : سأخبرك بشيء يسرك ، لقد امتنعت عن الخمر ... وبعد ذلك بفترة وجيزة أخبرني أنه امتنع عن الأفيون ثم الحشيش ثم طلب مني حين أقوم لصلاة الظهر أن يصحبني فكنا نصل جماعة أنا وهو في مكتبه ، ورأيت في أحد أطراف فناء المحلج حجرة مهجورة مهدمة فسألت عنها فقيل إنها المسجد الذي كان من شروط الترخيص الحكومي بالمحلج أن يكون ضمن بنائه فبني ولم يستعمل حتى تهدم . فأشرت علي الشيخ أن يصلحه فأصلحه وفرشه وكنا نصلي فيه أنا وهو ومعنا كثيرون من الموظفين والعمال بالمحلج . وجاء ميعاد الحج فاستعد الرجل لأداء الفريضة وأداها ثم قام أهل فوة بجمع تبرعات لإصلاح دورة مياه مسجد أبي المكارم أكبر مساجد فوة فلما علم بذلك تعهد بأن يقوم بهذا العمل وحده وقد هدم هذه الدورة وأنشأ دورة أخري علي أحدث طراز كلفها خمسمائة جنيه .

خلاصة القول أن الرجل أجاب داعي الله بعد أن كان غارقًا في بحار الشر فكان برهانًا علي أن الدعوة الإسلامية الخالصة هي وحدها العلاج الناجع لمجتمعنا ولا علاج غيرها .


الدعوة في فوة :

إذا أحببت أن تعرف معدن أهل فوة فحسبك أن تعلم أن الأستاذ حسن البنا هو من أهل فوة . ولد في شمشيره إحدى قرى مركز فوة ... نزلت هذا البلد الكريم ولم تكن الدعوة قد وصلت إليه بعد ، ولعل السبب في ذلك صعوبة المواصلات إليه في ذلك العهد .. وما كدت أتصل بأهل هذا البلد الكريم حتى أقبلوا علي مستجيبين لدعوة الله وأنشئوا شعبة ضمت صفوة الناس شبابًا وشيبًا وزاولت جميع أوجه النشاط الروحي والثقافي والرياضي والعسكري ، وصار إخوان فوة مثلا عليا في كل وجه من هذه الأوجه .


تجديد في أساليب الدعوة :

لم يكن بفوة في تلك الأيام أية مؤسسة من مؤسسات الترفيه ، فلا سينما ولا مسرح ... وقد رأيتها فرصة سانحة لنقل الأفكار الإسلامية إلي عقول الفلاحين وعقول الناشئة وأهليهم ، فصغت من أحداث نفي مشركي قريش لرسول الله صلي الله عليه وسلم ولبني هاشم في شعب من شعاب مكة مسرحية ، وكنت من قبل قد وضعت أحداث معركة القادسية في مسرحية باللغة العامية لتخاطب عامة الناس وجعلت هدفها معالجة ما درج عليه الفلاحون ، في ذلك الوقت من الاستدانة بالربا من الجنود الذين أنشئوا مكاتب في المدن ويبعثون بمندوبهم إلي القرى والعزب للإيقاع بهؤلاء الفلاحين العوام . ولما كانت مسرحية القادسية طويلة فقد اجترأت بفصلها الأخير .

وقد استغرقت وقتًا طويلاً في تدريب مجموعة من شباب الشعبة علي التمثيل حتى أتقن كل منهم الدور الذي أسند إليه تمام الإتقان ... وعرض لنا بعد ذلك عائق ضخم وهو المكان الذي تمثل فيه هذه المسرحيات ... ولم يطل بنا البحث فقد خطر لي أن أعرض علي الحاج محمد المصري صاحب المحلج . وكان الوقت في مقتبل الصيف وفناء المحلج خال من القطن – أن نستعمل فناء المحلج لهذا الغرض ، ورحب الرجل كل الترحيب . وأقام الإخوان المسرح مستفيدين بأخشاب المحلج ، وأعلن عن الحفل وأقبل الناس عليه من فوة وما حولها من القرى بالألوف مما لم يكن يتسع له مكانًا آخر غير هذا الفناء المترامي الأطراف . ونجح الحفل بحمد الله وتوفيقه نجاحًا لم يخطر علي بال أحد ، وتأثر الناس بالأفكار التي رأوها وسمعوها وصارت حديثهم الذي يتحدثون به في مجالسهم .. وكان هذا الحفل سببًا في تعديل مسار كثير من الناس وسببًا في افتتاح شعب كثيرة .. وعلي أثر هذا لحفل أدي الشيخ محمد المصري فريضة الحج ورجع نائبًا نقيًا .

بين حب الناس وحقد الرؤساء :

قدمت أن نقلي إلي فوة لم يكن إلا حقدًا وضغينة من رئيس مارق ، ولما كان لهذا النقل أثر سيء علي الدعوة في البحيرة ، فقد ألح إخوان دمنهور علي الأستاذ المرشد أن يعمل علي رجوعي إلي دمنهور وقد فعل وجاء أمر النقل – ويبدو أنه كان صادرًا من رئيس الوزراء – حيث كان هو وزير المالية – لأن أحدًا من السادة الرؤساء الحاقدين لم يستطع أن يضع في سبيله العراقيل ... والواقع أنني سررت به لا لشيء إلا لأقهر رئيسي المارق في عقر داره في دمنهور .

ولكن الذي حدث أنني رأيت نفسي أمام مظاهرة من إخوان فوة – وما أكثرهم وما أحبهم إلي نفسي – ومن الحاج محمد المصري صاحب المحلج الذي ظن أن النقل طبيعي من الحكومة فقرر أن يذهب إلي الوزير لإلغاء هذا النقل فلما علم بأن النقل إنما جاء عن طريق الأستاذ المرشد ، قرر السفر إليه وحمل معه مجموعة من الإخوان وطلبوا إليه إلغاء النقل ، وشرح له الحاج محمد المصري حالته قبل وجودي بفوة وحالته بعد وجودي ... واتصل بي الأستاذ المرشد تليفونيًا يسألني عن وأبي بعد هذه المظاهرة ولم يكن أمامي باعتباري إنسانًا يقدر الناس إلا أن أوافق علي إلغاء النقل والبقاء بفوة وقد كان . ولما جاء صيف عام 1946 أتممت زواجي ولم أكن أعلم أن الرؤساء المارقين قد تواطئوا علي مؤامرة محبوكة الأطراف لنقلي إلي جهة بعيدة ، وتم لهم ما أرادوا حيث نقلت إلي ديروط بمحافظة أسيوط .

عرض من الأستاذ :

وهنا عرض علي الأستاذ المرشد أن أستقيل من عملي بالحكومة وأتفرغ للدعوة بمرتب أكبر من مرتبي ، فطلبت منه أن يمهلني حتى أستنير برأي والدي الذي سألته فقال لي : يا محمود لأن نعطي الدعوة خير من أن نأخذ منها " فلما أخبرت الأستاذ بما قاله والدي وقع من نفسه أحسن موقع وقال " ذرية بعضها من بعض " .

في ديروط :

كانت ديروط في ذلك الوقت بلدًا لا يزال أهلها يعيشون عيشة الجاهلية ، فكل فرد منهم يبيع كل ما يملك في سبيل أن يستأجر لنفسه رجلا أو أكثر مهمتهم أن يسيروا خلفه حيثما سار ،وأن يجلسوا حوله أينما جلس ، وكل منهم يحمل بندقيته علي كتفه ؛ فالفقير يسير خلفه رجل واحد والمتوسط الحال يسير خلفه رجلان أو ثلاثة والثري يسير في موكب من هؤلاء السدنة والحراسة الذين لا لزوم لهم ولا داعي إلا الظهور بمظهر العظمة والقوة المتكلفة المستعارة ... وكانت ديروط في تلك الأيام أكثر بلاد القطر جرائم .... سافرت إلي ديروط وتسلمت عملي بها وأنا أكاد أتميز من الغيظ من نجاح هؤلاء الرؤساء المارقين الذين أرادوا أن يتخلصوا مني ليستمتعوا بالكسب الحرام دون رقيب فقذفوا بي أولا إلي فوة ، ظنًا منهم أنهم ألقوا بي بين براثن الأسد ، وكادوا يحققون أملهم بتركي هذا العمل نهائيًا وقد استقلت فعلا ولكن رئيسي المباشر ثناني عن الاستقالة ، ثم رأوا وجودي بفوة منع عنهم موردًا حرامًا كانوا يستمتعون به من وراء سلوك محلجها سلوكًا يخالف القانون ، وباهتداء صاحب المحلج إلي صراط الله المستقيم لم ير داعيًا يدعوه إلي تقديم ما كان يقدمه إليهم .. فدبروا حين علموا بزواجي أن يقذفوا بي إلي أشد بلاد القطر إجرامًا في الصعيد لأمل وأستقيل فيتحقق لهم ما يريدون .

ذهبت إلي ديروط وحدي دون زوجتي وأقمت في فندقها الكبير أمام المحطة ، وكان دوره الأرضي مطعمًا ومقهى وكان المقهى " سلاحليك " أكبر من سلاحليك مراكز البوليس ، لأنه زبائنه كانوا من هذا النوع المسلح اختيالا وتفاخرًا وجاهلية . فكان الزبون إذا دخل المقهى بتابعيه تناول عمال المقهى منهم السلاح وعلقوه بالسلاحليك ثم يسلمونه لهم عند خروجهم ... وكان عمل يقتضي أن أذهب إلي المحالج التي أشرف عليها صباحًا ومساء حتى الساعة التاسعة كل يوم ، ولما كانت المحالج خارج البلد نصحني قوم من عقلاء البلد أن ى أذهب إلي عملي فترة المساء اتقاء الخطر ؛ وحدث فعلا أكثر من مرة حوادث قتل في هذه المنطقة وبلغ من جرأة المجرمين أنهم كانوا يهاجمون جنود البوليس في هذه المنطقة ويجردونهم من سلاحهم وعجز المركز عن مقاومتهم .

وبعد فترة قصيرة من وجودي بديروط فوجئت بزائر لم أكن أعرفه ولكنه عرفني بنفسه فإذا هو رئيسي مفتش مصلحة القطن في محافظتي المنيا وأسيوط ، وعجبت حين رأيته يواسيني ، وقد لاحظ دهشتي فقال لي : لا تدهش فأنا مظلوم مثلك ، أنا أقدم موظف في المصلحة وأعلاهم مؤهلا ولكني مثلك لا آكل الحرام – كان هذا الرئيس مسيحيًا – فكان جزائي أن ألقوا بي هنا في هذه الوظيفة مع أنني قاربت سن المعاش ... وأنا سمعت عنك وأتابع أخبارك بحب وإشفاق ، فلما علمت أنهم قذفوا بك إلي أسوأ بلد في نطاق سلطة وظيفتي قدمت إليك لأعرض عليك أقصي ما أستطيعه من تخفيف عنك في نطاق سلطتي وهو أن أنقلك إلي مغاغة التي تعد أرقي بلد في التفتيش النابع لي وأقرب بلد فيه إلي القاهرة ... ولما كانت مغاغة ليست غريبة علي فلي فيها إخوة أعزاء وذكريات كريمة رحبت بعرضه وشكرته عليه ...

كيف كانت تدار شئون الدولة :

وسافر الرجل وبعد يومين وصلني كتاب منه فيه القرار بنقلي إلي مغاغة محل السيد (ع.ح) علي أن يتسلم الأخير العمل في ديروط وعلي أن يكون التنفيذ فورًا . لم أكن أعرف السيد (ع.ح) هذا الذي سيحل محلي وأحل محله ، وإن كنت أعرف مغاغة تمام المعرفة فلم يمض علي فراقي لها إلا سبع سنوات ، وذهبت في اليوم المحدد إلي مغاغة فرأيت عجبًا وسمعت عجبًا ... العجب الأول أنني حين نزلت مغاغة اتجهت مباشرة إلي شريكي السابق وصديقي وأخي الأستاذ شلبي محمد جاد وكان في ذلك الوقت قد صار عمدة مغاغة ، فتلقاني أحسن لقاء ثم تحدثت معه عن سكن لي باعتباره أكبر مالك للعقارات في المدينة ففوجئت بأن مغاغة ليس فيها حجرة واحدة , وقام معي فعلا ومررنا فأثبت مرورنا هذه الحقيقة المرة . ثم رجعنا إلي مكتبه وجلسنا نتحدث وإذا بشخص يستأذن في الدخول فرأيت رجلا يكبر منا جميعا ، في سن تجاوز الخمسين وتشرف علي الستين وعلي عينيه نظارة سوداء فسلم وجلس ، وكأنه كان يريدني دون الحاضرين فانتقل إلي جانبي وعرفني بنفسه فإذا هو السيد (ع.ح) الذي قدمت لأحل محله .

قال لي الرجل : لعلك فوجئت بلقائي إياك في هذا المكان ، فالمكان المعهود للقائي معك هو جهة العمل لتتم عملية التسليم والتسلم ؛ ولكنني لما علمت بأنك ستحضر إلي مغاغة اليوم أيقنت أنك ستنزل عند أخيك الأستاذ شلبي فحرصت علي لقائك عنده . قال الرجل : وسأكون معك صريحًا غاية الصراحة لأني أعلم أنك لست كأي زميل حاول أن ينقل مكاني ... وهنا عجبت لقوله إنه سيكون معي صريحًا كأن في الأمر شيئًا أنا أجهله . قال : إنني هنا منذ عشر سنين وقد حاولوا نقلي أكثر من مرة ففشلوا . قلت : إن هذا الكلام غامض فمن الذين حاولوا ولماذا حاولوا وما الذي يعنيهم من أمر نقلك بالذات وكيف فشلوا ؟ .. قال : يا أستاذ محمود يجب أن تعلم أن كل زملائنا هنا في الصعيد يستفيدون من وظائفهم أكثر من أضعاف مرتباتهم ، وأنت الوحيد الذي أقر الجميع بترفعك عن ذلك – وشرح لي وسائل الاستفادة – ثم قال لي : إنني هنا في مغاغة قد توطدت العلاقة بيني وبين أصحاب المحلجين فيها وأصبحت أعيش من أثر ذلك في رغد والحمد لله .. وإنني اعتبر نقلي من هنا قتلا لي ، ولذا فقد ضحيت بالكثير وبذلت الكثير في سبيل إلغاء نقلي في كل مرة ، حتى إنني في المرة الأخيرة وكانوا قد أحكموا الخناق حول رقبتي اضطررت أن أبذل مبلغًا كبيرًا في السراي (السراي الملكية) حتى صدر أمر منها إلي وزير المالية بإلغاء نقلي وكانت صدمة للذين وضعوا الخطة .

ثم قال : لقد حدثتك بالحقيقة التي لم يكن أحد يعرفها ولم أحدث بها أحدًا غيرك ، ومع ذلك فإذا قررت تنفيذ النقل فلن تلقي مني أية مقاومة لأني لا أجرؤ علي الوقوف في وجه رجل طاهر وإن كنت أجرؤ علي الوقوف في وجه الوزير نفسه . وهؤلاء هم أبنائي ( وأخرج من جيبه صورة لثلاثة أبناء في مختلف المدارس وفي الجامعة ) ثم قام مستأذنا بعد أن عزم علي أن أكون ضيفه تلك الليلة وانصرف وهو يكاد يبكي . وبت تلك الليلة عند أخي الأستاذ شلبي أكرمه الله فقد كان علي العهد لم يتغير ، ولا أنسي ما عرضه علي في تلك الليلة وألح علي في قبوله حيث قال : إن شقتي التي أسكنها واسعة مكونة من ست غرف ، وسأقسمها بيني وبينك تأخذ ثلاث غرف وأنا أخذ الثلاث الأخرى ، فشكرت له جميل عرضه الذي ذكرني بما عرضه الأنصار علي إخوانهم المهاجرين ... وقلت له : يا أخي لقد عرفت الليلة عن عملي الذي أنتسب إليه مالم أكن أعرف ، وسأسافر صبيحة غد إن شاء الله إلي المنيا لمقابلة المفتش الذي نقلني إلي مغاغة وأعتذر إليه بأنني لم أعثر علي سكن ، وأسأل الله تعالي أن يحفظ علي إيماني وسط هذه الفتن .


عرف الانجليز عن ديننا مالم نعرف :

في خلال الفترة التي أقمتها بديروط وحدي في الفندق أشار علي بعض الأصدقاء . أن أودع نقودي في صندوق توفير البريد حفظًا لها ... فذهبت إلي مكتب البريد – وكان معاون البريد صديقاً لي وكان شابًا ظريفًا وكان مسيحيًا – وقلت له إنني أرغب في إيداع ما معي من نقود في صندوق التوفير فسألني : هل تريد استمارة للمسلمين أم استمارة بفوائد ؟ فلما سمعت هذا السؤال منه ظننته يمزح معي لأنه يعرف أنني من الإخوان المسلمين فأراد أن يتندر بهذا الأسلوب ، فقد كنت أعرف أن البريد يخير المتعامل معه بين طريقتين : التعامل بالفوائد والتعامل بغير الفوائد ، وكان اعتقادي أن استمارة التعامل بدون فوائد مطبوع عليه " استمارة التعامل بدون فوائد " حيث إن الأخرى مطبوع عليها استمارة للتعامل بفوائد : فقلت للمعاون : دعنا من المزاح وأعطني الاستمارة المطبوع عليها " التعامل بدون فوائد " فرد علي قائلا : إنك حملت كرمي علي محمل المزاح ... إنه ليس مزاحًا وناولني الاستمارة فرأيت مطبوعًا عليها " استمارة للمسلمين " .

كان لهذا الحادث العارض في نفسي تأثير عميق ودلالات مؤلمة ... وقلت لنفسي إن الذي أسس مصلحة البريد في مصرهم الانجليز وهم الذين وضعوا نظمها وأسسها وأساليبها ، ولا يزال العمل يدور بهذه المصلحة علي نفس النظم والأساليب التي وضعوها . فالانجليز إذن قد فهموا من ديننا أن المسلم بحكم أنه مسلم لا يجوز له أن يتعامل تعاملا ماليًا مع أحد – ولو كان هذا الأحد مصلحة حكومية – بفوائد لأن الفوائد ربًا والربا حرمه الإسلام وعلي هذا الأساس طبعوا نوعين من الاستمارات نوع بدون فوائد وسموه " استمارة للمسلمين " ونوع آخر بفوائد وفي نظرهم أنه لغير المسلمين . ثم يأتي أكثر المسلمين متنكرين لدينهم متناسين أنفسهم معرضين عن الاستمارات التي أعدت للمسلمين متعاملين بالاستمارات الربوية ... لقد عرف الانجليز عن ديننا مالم نعرف ، وقدرونا ولكننا احتقرنا أنفسنا .


التنقل إلي دمنهور ثانية :

كانت الفترة التي قضيتها في ديروط فترة غير مستقرة ، فقد كنت موزع الخاطر ، ثم تخلل هذه الفترة شهور طويلة أصاب البلاد فيها وباء الكوليرا – أعاذنا الله منه ولا أعاد أيامه ، وفي خلاله كان الناس يعيشون في خوف ، وتقطعت الصلات بين البلاد حيث أوقف سير قطارات السكة الحديد وغيرها من طرق المواصلات ، ومنع الانتقال من مكان إلي مكان حتى إنني حين أقبل العيد حاولت السفر إلي رشيد بالطائرة من أسيوط فقيل لي إن جميع الأماكن محجوزة لما بعد العيد بأسبوع ... وقد استضافني في أيام العيد الأخ الكريم السيد محمد حامد أبو النصر في منفلوط المتاخمة لديروط وبالغ في إكرامي أحسن الله إليه وعوضه خيرًا عما ناله من ظلم كبير . ولم ألبث بعد ذلك إلا قليلا حتى نقلت إلي دمنهور ، ويبدو أن مما سهل نقلي هذا أن لهذه الأماكن النائية والبعيدة عن أعين الرقابة طلابًا كثيرين يتهافتون عليها .


ترشيح المرشد العام لمجلس النواب سنة 1942 :

قد يبدو هذا العنوان كما يبدو العنوان الذي يليه في هذا الفصل وكأنهما دخيلان عليه ؛ إذ أن فيهما احتكاكًا بالحكومات القائمة وقتذاك وقد يراهما القارئ أليق بأن يلحقا بالفصل القادم المخصص للعمل الوطني منهما بالإلحاق بهذا الفصل الذي يعالج العمل الداخلي ... ولكن القارئ سوف يقتنع بأنهما من صميم هذا الفصل حين يعلم أن هدف الأستاذ المرشد من وراء هذا الاحتكاك إنما كان تمهيد السبيل لتثبيت دعائم الدعوة في أنحاء البلاد ، وتأمين خطواتها في هذا السبيل حتى تستكمل كل وسائل القوة المعنوية والمادية .

ومن المسلم به أن أية دعوة ذات أهداف نبيلة وبرامج إصلاحية تريد تحقيق هذه الأهداف والبرامج ينبغي أن يكون من وسائلها إلي ذلك العمل علي الوصول بأعضائها إلي مقاعد المجالس التشريعية ، ولا يتأتي ذلك إلا بخوض المعارك الانتخابية ... ومن بدائه الأمور أنه كلما كان عدد النواب لهيئة من الهيئات أكثر كان تحقيق آمالها أيسر ؛ ولكن الإخوان كانوا يعتقدون أن حصولهم علي مقعد واحد في مجلس النواب كفيل بأن يؤثر في هذا المجلس أبلغ التأثير إذا كان صاحب هذا المقعد هو حسن البنا ؛ ذلك أن لديه من قوة الشخصية والقدرة علي الإقناع مع ما يتمتع به من روحانية فياضة وبلاغة آسرة ما يشد إليه الأسماع والعيون والعقول والقلوب ، وما يفعل في السامعين فعل السحر ... وقد استطاع بهذه المواهب النادرة أن يجمع حوله من الأنصار الذين يفتدون دعوته بأموالهم ودمائهم مئات الألوف في أنحاء مصر وغير مصر من الدول العربية والإسلامية .

لهذا اتخذ الإخوان قرارًا بترشيح المرشد العام عن دائرة الإسماعيلية في الانتخابات التي أعلنت حكومة الوفد إجراءها سنة 1942 ... وإذا كان أعظم المرشحين لم يكن لتقدمه للترشيح من صدي إلا في دائرته التي ينتمي إليها ، فإن تقدم حسن البنا للترشيح كان له صدي يتردد في جميع محافظات القطر ومراكزه وحواضره وقراه بل وقد تعدي ذلك الصدى إلي خارج مصر ؛ ذلك أن في كل مكان من هذه الأماكن رجالا ونساء يعقدون الآمال للعريضة علي هذا الترشيح . وينبغي أن يكون مفهومًا أن ترشيح حسن البنا في دائرة الإسماعيلية ليس له إلا معني واحد هو أنه من قبل أن تجري انتخابات قد صار عضوا بمجلس النواب مهما نافسه في الترشيح مائة مرشح منهم رئيس الحكومة نفسها ، ذلك أن أهالي هذه الدائرة وعن بكرة أبيهم رجالا ونساء وأطفالا يعتبرون ترشيح حسن البنا عندهم شرفًا لا يعادله شرف ، وأن انتخابهم إياه فريضة من فرائض الدين وقربة من أعظم القربات إلي الله عز وجل . وهذه الحقيقة التي يعرفها أهل الإسماعيلية ويعرفها الإخوان في كل مكان ؛ ويعرفها الانجليز أيضًا ،وإن كان يجهلها – حتى ذلك الوقت – فئات أخري منهم حكام مصر ورجال الأحزاب المصرية الذين لم يستطيعوا أن يفهموا عن الإخوان المسلمين أكثر من أنهم جماعة تدعو إلي الدين الذي لا يخرج في تصورهم عن كونه طقوسًا وعبادات ومحاربة للمنكرات بالوعظ والإرشاد ... بالرغم مما يبذله الإخوان من جهود لتوضيح فكرتهم عن الإسلام باعتباره دينًا ودولة ، وعقيدة وشريعة ، وبرنامجًا إصلاحيًا شاملا لجميع شئون الحياة .

تقدم الأستاذ المرشد يطلب الترشيح إلي وزارة الداخلية كالمعتاد ... فما الذي حدث ؟... بعد أيام قلائل جاء ه رسول من قبل مصطفي النحاس باشا رئيس الحكومة يدعوه لمقابلته .... وسأنقل هنا نص ما جاء في تقرير الأمن العام عن هذه المقابلة وعن هذا الموضوع عامة وقد نشره في جريدة الأهرام في 14-2-75 الدكتور عبد العظيم رمضان مدرس التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة طنطا ضمن وثائق نشرها ، قال التقرير :

" لم يكد يذاع خبر ترشيح الأستاذ حسن البنا ويدفع التأمين إلا واتصل به حضرة عبد الواحد الوكيل بك صهر حضرة صاحب المقام الرفيع مصطفي النحاس باشا ، وتكلم معه في موقف الإخوان المسلمين ، وطلب منه الرجوع إلي رفعة النحاس باشا ، وتكلم معه في موقف الإخوان المسلمين ، وطلب منه الرجوع إلي رفعة النحاس باشا لكي يكون رفعته علي بينة من أمرهم لأن رفعته لديه فكرة غامضة عنهم . وبعد بضعة أيام تلقي دعوة بمقابلة رفعة النحاس باشا ، وتمت المقابلة بفندق مينا هاوس ، وقد طلب منه رفعة النحاس باشا أن يتناول عن الترشيح . وصارحه رفعته أنه يطلب ذلك إيثارًا للمصلحة العامة ولمصلحته (أي مصلحة الأستاذ البنا) إن كان يريد الإبقاء علي جماعات الإخوان المسلمين في مختلف البلدان ، فرفض ذلك وقال إنه يستعمل حقاً من حقوقه الدستورية ولا يري ما يمنعه من الترشيح ، وإن كان هناك موانع فإنه يطلب بيانها لكي يتبين مبلغها من الصحة ، وفضلا عن ذلك فإن قرار الترشيح صدر من هيئة المكتب العام لجماعة الإخوان ، وأنه شخصيًا لا يملك الرجوع في ذلك .

فرجاه رفعة النحاس باشا أن يعمل علي إقناع الأعضاء بالعدول عن ذلك ، وأن رفعته رأي أن يدعوه لينصح له بالتنازل وإلا اضطر إلي اتخاذ إجراءات أخري يراها رفعته قاسية ، ولا يرتاح إليها ضميره ، ولكنه حرصا منه علي مصلحة البلد مضطر إلي تنفيذها . ولما استوضحه تلك الإجراءات قال رفعته إنها حل جماعات الإخوان المسلمين وتلقي زعمائها خارج القطر ؛ وتلك هي رغبة هؤلاء الناس (يقصد الانجليز) الذين بيدهم الأمر يصرفونه كما يرون ، ونحن مضطرون إلي مجاملتهم خصوصًا في هذه المسائل الفرعية ، وفي هذه الظروف العصيبة ، لأنهم يقدرون علي كل شيء ، وفي استطاعتهم إن شاءوا أن يدمروا البلد في ساعتين .

وقد ترك رفعته فرصة للتفكير في الأمر ، وأن تتم مقابلة أخري في هذا الشأن ، وقد عرض الأمر علي هيئة مكتب الإرشاد فلم توافق الأغلبية علي التنازل ، ولكنه هو شخصيًا وافق عليه لا خوفاً من النفي ولكن حرصًا علي قيام الجماعة واستمرارها في تنفيذ أغراضها . وأخيرًا أستقر الرأي علي التنازل ، وتوجه مرة أخري لمقابلة رفعة الرئيس بوساطة سليم بك زكي الذي بسط لرفعته دعوة الإخوان ومدي انتشارها في المدن والأقاليم ، فانتهز هذه الفرصة وطلب من رفعته ضمانات بقيام الجمعية وفروعها . وعدم الوقوف في سبيلها وعدم مراقبتها والتضييق علي أعضائها للحد من نشاطهم فوعده رفعته بما طلب " .

وقد أوردت ما جاء بتقرير الأمن العام عن هذه المقابلات لأنه هو فعلا نص ما حدثنا به الأستاذ المرشد عقب رجوعه من كل من المقابلتين ، فقد كنا في ذلك الوقت في المركز العام ننتظر رجوعه علي أحر من الجمر لأن موضوع الترشيح كان أمرًا جوهريًا بالنسبة لنا ولجميع الإخوان في أنحاء البلاد ، ولهذا فإنه رأي بعد أن قص علينا ما حدث أن ننتقل إلي الإسكندرية وطنطا وغيرها من العواصم ليقصه عليهم حتى يكون الجميع علي صورة واضحة من الموضوع . وموقف الأستاذ المرشد في هذا الموضوع كان أحد المواقف القليلة التي جاء رأيه النهائي فيها صدمة لمشاعر الإخوان وعواطفهم ، فما من أحد من أنحاء البلاد إلا وشعر بهذه الصدمة التي تمثلت لنا في صورة فرصة أفلتت منا بإرادتنا ولو أننا تمسكنا بها لأفادت الدعوة منها أعظم فائدة . ولم يسلم الإخوان للأستاذ المرشد بما طلبه إليهم ، ولم ينزلوا علي رأيه إلا للثقة التي لا حدود لها فيه ، وللاطمئنان الكامل إلي إخلاصه ومقدرته وبعد نظره وحسن تدبيره للأمور .

وتقريرًا للواقع أقول إن هذا الموقف الذي وقفه الأستاذ في هذا الموضوع – وإن كان قد جرعنا في أوله بعض المرارة – إلا أنه عاد علي الدعوة بما لا حصر له من الفوائد ، وحسب القارئ أن يعلم من قوة الإخوان المسلمين في ظل هذا الموقف وفي خلال أربع سنوات بعده قد تضاعفت أضعافًا كثيرة كما وكيفاً حتى صارت أقوى هيئة شعبية في مصر وفي البلاد العربية علي الإطلاق . ومع أن حزب الوفد الحاكم في ذلك الوقت كان حريصًا علي أن يخرج من تجربته هذه مع الإخوان بكسب معنوي لحسابه ، فإن الإخوان قد خرجوا منها بمكاسب لدعوتهم لا يقاس بأدناها كسب الوفد – إن كان قد كسب شيئًا – فضلا عما أشرنا إليه آنفاً من انفتاح كل الطرق أمام الإخوان لبث دعوتهم في كل مكان دون عوائق ؛ فإن هناك مزايا أخري ما كانت لتنجز وتتخذ سبيلها إلي واقع الحياة في مصر لولا هذين اللقاءين الذين تما بين الأستاذ المرشد والنحاس باشا وعلي رأس هذه المزايا .

1 – إحياء الأعياد الإسلامية لاسيما مولد النبي صلي الله عليه وسلم وجعله عيدًا رسميًا للدولة وقد أصدر رئيس الحكومة حديثًا رسميًا مستفيضًا تحية لهذه الذكري الكريمة .

2 – إلغاء البغاء في أنحاء البلاد وكان وصمة عار في جبينها .

3 – قانون بوجوب استعمال اللغة العربية في تعامل جميع الشركات والمؤسسات ومراسلاتها .

4 – تحريم الخمر – وإن كان التحريم قد اقتصر علي المناسبات الدينية .

5 – بذل جهد مشكور في وضع أساس إنشاء الجامعة العربية .

وقد كان الأستاذ المرشد قد أخبرنا فيما أخبرنا به عما دار بينه وبين النحاس باشا في هذين اللقاءين أنه كان حريصًا أن يلقي في روع النحاس باشا أن أتناوله عن الترشيح لابد أن يقابله ما يسد هذه الفجوة بعمل إسلامي تقوم به الحكومة يثلج صدر الشعب الذي كان يؤمل الكثير من العمل الإسلامي من وراء دخولي مجلس النواب ، وقال له إن العمل الإسلامي الذي تقوم به الحكومة يقربها إلي نفوس الشعب ويرفع اسم زعامة الوفد .. وقد تعهد النحاس باشا بالنهوض بهذه المطالب . وقد وفي الرجل بتعهده ، وقد ألقي عقب هذين اللقاءين حديثاً ضمنه هذه المعاني التي اتفق عليها . وعقب صدور هذا الحديث عن النحاس باشا تقابل عبد الواحد الوكيل باشا مرة أخري مع الأستاذ المرشد واقترح عليه أن يصدر بيانًا يسجل فيه أن التنازل قد تم احترامًا لقرار الوفد بترشيح شخص آخر ويعلن فيه تأييده لسياسة الوفد في التعاون مع بريطانيا لتنفيذ معاهدة التحالف – فرفض الأستاذ المرشد ذلك واكتفي بذكر فقرات في خطاب النحاس باشا معلنًا أن الإخوان عون له في سياسة الإصلاح الديني والاجتماعي .. ونثبت هنا نص الخطاب الذي وجهه الأستاذ المرشد إلي النحاس باشا كما نشر بجريدة المصري يوم 23 مارس سنة 1942 تحت عنوان : الإخوان المسلمون يستجيبون لنداء الزعيم – ويعلنون أنهم عون للحكومة في تحقيق برنامجها الإصلاحي .

كتاب قيم من المرشد العام للرئيس الجليل :

بسم الله الرحمن الرحيم

حضرة صاحب المقام الرفيع مصطفي النحاس باشا رئيس الحكومة المصرية .

أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ، وأصلي وأسلم علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وأحييكم فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . وبعد ....

فقد تحدثتم رفعتكم إلي الأمة المصرية حديثاً رائعًا جميلا ، ضمنتموه كثيرًا من المبادئ القويمة والأماني الطيبة التي يسر كل مصري وأن يحققها الله علي أيديكم ... فقد أشدتم بالصراحة والتعاون والإخلاص ، ودعوتم الأمة إلي مصارحتكم والتقدم إليكم بالنصح ووددتم أن تمتلئ صدورنا جميعًا بهذه المعاني السامية (فنحن أبناء أسرة واحدة وهي الأسرة المصرية الكريمة) .

وقررتم رفعتكم أنه من دواعي سروركم أن تتعاون الأمة والحكومة في هذه الظروف الدقيقة في تنفيذ سياسة خارجية حكيمة ،وتصميم سياسة داخلية بصيرة ... فالواجب يقتضينا والمصلحة تدعونا إلي أن ننفذ بإخلاص وحسن نية أحكام المعاهدة التي وقعناها بمحض اختيارنا وملء حريتنا وقصدنا من ورائها سلامة استقلالنا القومي والاحتياط لمثل هذه الظروف العصيبة .. كما أن الحكومة ساهرة علي أتباع سياسة عمرانية عاجلة لخير الطبقات الفقيرة قبل غيرها .. ومن واجب الحكومة والبرلمان أن يضعا في رأس برنامجهما درس المسائل الاجتماعية والسعي إلي حلها حلا سريعا حاسمًا . وقد أشرتم إلي التطور الجديد في حياة العالم كله تطورًا " هو مقدمة لتطور أعمق غورًَا وأبعد أثرًا يجعل مظهر العالم في غير مظهرة اليوم ؛ " .

ثم ختم هذا الحديث " بأن علينا أن نعبر الطريق المحفوف بالمخاطر ، المحوط بالمكاره ، متعاونين متحدين مع الشعوب الشرقية وإخواننا أبناء العروبة الكريمة كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا ، مترقبين بزوغ فجر الحرية والإخاء بين الشعوب ؛ فيقوم عدل الحكام علي أنقاض الظلم والاستبداد ، وتتفيأ أمم ظلال الطمأنينة والسكينة والسلام "

أصغينا إلي هذا الحديث القيم ثم طالعتنا الصحف بنصائحكم الجليلة إلي حضرات المديرين والمحافظين ، ودعوتكم إياهم إلي " أن يكونوا نواة سلام ودعاة صلح وتفاهم بين العائلات ، وأن يديموا التجوال في البلاد ليتبينوا مطالب الأهلين ، وينظروا فيها بالغين المجردة عن كل ميل وهوي ،وأن يستمعوا إلي شكاوى المظلومين ويعملوا علي رفع المظالم عنهم " . وقرأنا في الصحف أن معالي وزير الصحة أخذ يدرس باهتمام مشكلة البغاء تمهيدًا لتخليص مصر من وصمته الشائنة ،وأنه قرر فعلا البدء بإلغاء دور البغاء في القرى والبنادر من أول مايو المقبل . والإخوان المسلمون أمام هذه الآمال الصالحة ، والأعمال الطيبة النافعة ، يرون من واجبهم أن يستجيبوا لندائكم وأن يعلنوا أنهم حريصون كل الحرص علي أن يكونوا عونًا لكم وللحكومة المصرية في تحقيق برنامجكم الإصلاحي الذي أعلنتموه ، مستمسكين دائمًا بآداب الإسلام العالية وتعاليمه القويمة وأخلاقه الفاضلة .

والله نسأل أن يهيئنا جميعًا لخير هذا الوطن العزيز والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

وبعد عام من هذا التاريخ ، ومع التكوين الجديد للوزارة بعد خروج مكرم عبيد باشا منها لخلافة النحاس باشا رغب أعضاء الوزارة في زيارة المركز العام للإخوان ، فوجه الإخوان إليهم الدعوة ، وننقل وصف هذه الزيارة وما تم فيها كما نشرته جريدة المصري يوم 17 مايو سنة 1943 بعنوان ... الإخوان يضيفون وزراء الشعب .

" أقام المركز العام لجماعة الإخوان المسلمين حفلة كبرى بداره بالحلمية الجديدة في الساعة السابعة من مساء أمس دعا إليها أصحاب المعالي الوزراء فلبي الدعوة فؤاد سراج الدين وزير الزراعة . و . . . . و . . . . و . . . . . . وكان في استقبالهم فضيلة المرشد العام الأستاذ حسن البنا والأستاذ أحمد السكري وكيل الجماعة وبقية الإخوان وفرقة الجوالة الخاصة بهم ، وكان الإخوان يستقبلون كل وزير عند حضوره بالهتاف والتكبير " الله أكبر ولله الحمد " .

وعلي آثر وصول الوزراء حان وقت صلاة المغرب فأذن المؤذن وأم المصلين فضيلة المرشد العام ولما كانت المصلي لا تتسع لجميع الذين حضروا فقد أدي العديدون الصلاة في الحجرات وفي حديقة الدار وخارجها وقد فرشت بالبسط والحصير – وتصادف أن حضر في هذه الأثناء وزير التموين الأستاذ أحمد حمزة فأدي الصلاة مع المصلين خارج الدار ، فكان منظرًا إسلاميًا ديمقراطيًا رائعًا رؤية أصحاب المعالي الوزراء وهم بين الإخوان يؤدون صلاة المغرب في خشوع المؤمنين الصالحين ...

وبعد الصلاة جلس أصحاب المعالي الوزراء مع الإخوان فوق سطح الدار حول موائد الشاي والحلوى والمرطبات .. وافتتحت الحفلة بتلاوة آي الذكر الحكيم ثم ألقي الأستاذ أحمد السكري كلمة ترحيب وتلاه الأستاذ حسن البنا بكلمة أوضح فيها فكر دعوتهم وأهدافهم . وألقي بعد ذلك كل من أصحاب المعالي الوزراء الزراعة والتموين والشئون والتجارة كلمات مناسبة أشاروا فيها إلي مشروعات حكومة الوفد وعلي رأسها النحاس باشا وهي المشروعات التي تحقق الأغراض الإسلامية مثل إلغاء البغاء . وإحياء الأعياد الإسلامية وتحريم الخمر والموبقات وقانون استعمال اللغة العربية وغير ذلك من مفاخر حكومة الوفد . ثم وقف الأستاذ أحمد السكري فشكر الوزراء علي ما أبدوه في كلماتهم من استعداد طيب نحو تشجيع جماعة الإخوان المسلمين ورجالهم أن يبلغوا رفعة الرئيس تحيات الإخوان وأطيب تمنياتهم وأن يقدموا له باقة من كتاب الله وهي الآية الكريمة " ولينصرن الله من ينصره إن اله لقوي عزيز . الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر . ولله عاقبة الأمور .

وانتهي الاحتفال في الساعة العاشرة مساء " .

وقبل أن نصل في معالجة هذا الموضوع إلي نهايته ، لا يفوتنا أن نومئ إلي غمزات وردت في تعليق الكاتب الذي أشرنا إليه آنفًا فيما نشره بجريدة الأهرام في 14-2-1975 حيث شكك سيادته في صدور العبارات التي وضعنا تحتها خطوطًا مما نقلناه من تقرير الأمن العام عن النحاس باشا ، وملخصها أن الانجليز هم الذين طلبوا من النحاس باشا إرغام حسن البنا علي التنازل . وحسبنا في الرد علي هذا المؤرخ الذي يستقي معلوماته من وثائق إدارة الأمن العام ، أن يطلب من هذه الإدارة وثيقة عما تم في ترشيح الأستاذ حسن البنا نفسه في نفس الدائرة في سنة 1944 في أيام وزارة أحمد ماهر ، فإذا لم يعثروا علي هذه الوثيقة ، فليذهب إلي الإسماعيلية ويسأل عشرات الآلاف من أهلها الذين حضروا هذه الانتخابات ولا يزالون علي قيد الحياة ليسمع منهم كيف تدخل الانجليز بأنفسهم وبجيش احتلالهم المرابط في الإسماعيلية لإسقاط حسن البنا مما سنفصله في الصفحات القادمة إن شاء الله .

وسيادة المؤرخ كان مدرسًا بجامعة طنطا حين أرخ لهذا الموضوع سنة 1975 ، وهذا المنصب يكون صاحبه عادة في سن تناهز الأربعين ، ومعني ذلك أنه في أثناء هذه الفترة التي يؤرخ لها كان في مهد الطفولة . ولكنه حين يؤرخ لهذه الفترة يؤرخ لفترة شهدها جيل لازال يعيش معه فكان عليه وهو مدرس للتاريخ المعاصر ويؤرخ لتاريخ معاصر أن يرجع إلي من عاصروا هذه الأحداث في مواقعها ، وهم لا يزالون علي قيد الحياة بدلا من أن يقتصر في تاريخه علي الوثائق التي لا يكتفي بها عادة إلا في تاريخ لأحداث طال عليها الأمد ولم يعد علي قيد الحياة من يرجع إليه فيها . علي أننا سوف نتناول تعليق هذا المؤرخ بمناقشة موضوعية في الفصل القادم إن شاء الله .

نقل المرشد العام إلي قنا :

أشرت في أوائل هذه المذكرات إلي أول بعثة أعدها الإخوان لحج بيت الله الحرام وكان الأستاذ المرشد علي رأسها كما أشرت إلي المؤتمر الذي عقده الملك عبد العزيز آل سعود ودعا إليه عظماء المسلمين في حج ذلك العام وإلي حضور الأستاذ المرشد وإخوانه هذا المؤتمر بغير دعوة باعتبارهم مستمعين ، وإلي تقدم الأستاذ المرشد إلي المنصة بعد انتهاء الخطباء الأصليين من مختلف البلاد الإسلامية ،وإلي اكتساحه كل من تقدموه ، وحظوته وحده دون جميع الخطباء بإعجاب الحاضرين حتى إن الحكومة السعودية نشرت خطبته في جريدتها الرسمية الوحيدة في ذلك الوقت " أم القرى " ولم ننشر سواها . بقي أن نذكر أن من بين الذين حضروا هذا المؤتمر – مدعوين من الحكومة السعودية – ومن بين الذين خطبوا فيه وكانوا موضع رعاية خاصة من جانب الحكومة لا باعتبارهم من كبراء البلاد الإسلامية فحسب بل باعتبارهم أيضًا من كبار الكتاب والأدباء والخطباء والدكتور محمد حسين هيكل باشا " .

والدكتور محمد حسين هيكل باشا أديب من أدباء مصر ، وكاتب من أعظم كتابها ، وله مؤلفات بعضها روائي مثل قصة " زينب " وبعضها تاريخي وتحليل مثل " حياة محمد " و " منزل الوحي " ، وهو من كبار رجال حزب الأحرار الدستوريين ، وتولي رياسة الحزب فيما بعد ، وكان " رئيس تحرير جريدة " السياسة " اليومية الناطقة بلسان هذا الحزب كما كان يصدر مجلة أسبوعية تجمع إلي السياسة الأدب واللغة والتاريخ وكانت تسمي مجلة " السياسة الأسبوعية " . تولي هذا الرجل أول منصب حكومي له في تلك السنة (1944) حيث أسندت إليه وزارة المعارف العمومية ؛ وكأنما كان هذا الرجل يسر في نفسه أمورًا لم يبد بها لأحد وأنه كان يطوي علي أضغان كانت تعتمل في نفسه منذ سنين ولم يجد الفرصة لإصعاد زفراتها التي كانت تحرق قلبه ؛ فلما أتيحت له الفرصة لم يستطع أن يحبس منها شيئًا فأطلقها سوداء قائمة ، شوهاء بشعة .. وكأنما تذكر الرجل مواقف معينة – وإن كان قد طال عليها الأمد – إلا أنها لازالت ماثلة في خاطره حائكة في صدره وإليك وإيماءة إلي هذه المواقف :

أولا : موقف الأستاذ المرشد في مؤتمر مكة الذي نوهنا عنه آنفاً

ثانيًا : في خلال فترة العشرينيات والثلاثينيات كان اتجاه المثقفين اتجاهًا غريبًا ؛ ذلك أن الطبقة الرائدة منهم كان أكثرها ممن تلقوا تعليمهم في جامعات أوروبا ، وهؤلاء هم الذين كان بيدهم توجيه الثقافة في مصر فنشئوا وكأنهم أجانب عن بلادهم وأهليهم ، وكان أول مظهر من مظاهر تأثرهم بالقرب تنكرهم لدينهم حتى صار التمسك بالدين وأداء فرائضه دليلا في نظرهم علي الجهل والتأخر والبعد عن الحضارة والثقافة ... ولذا كنت تري المؤلفات تتناول ما بهم الغرب والغربيين أكثر مما بهم أهل البلاد ،وبمعني أوضح كان الناس لاسيما القادة مفتونين بالغرب يكادون يحسون بالخزي والعار من انتسابهم إلي تاريخهم وقوميتهم ودينهم .

وكان من أوائل من تلقي العلم في أوروبا وعاد إلي مصر دون أن يفتن عن أصله ودينه محمد أحمد جاد المولي بك ، وكان المفتش الأول للغة العربية بوزارة المعارف العمومية ، وقد وضع كتابين ، أولهما " محمد المثل الكامل " والآخر " محمد الخلق الكامل " تناول فيهما مواقف من حياة الرسول صلي الله عليه وسلم منذ سعد العالم بولادته حتى لحق بالرفيق الأعلى أثبت بها أنه هو وحده الذي حقق المثل العليا التي طالما حلم بها الفلاسفة وتخيلها الحكماء . وعلي عكس ما كان يتوقعه أترابه ومعاصروه من قادة الثقافة في مصر صادف الكتابان قبولا في مختلف الأوساط المصرية والعربية ، وحظيا بانتشار واسع أسال لعاب هؤلاء القادة ، ناظرين إلي ما يجني من وراء هذا الانتشار من ربح مادي وكسب معنوي .. وجريًا وراء هذا الربح بدأوا يفكرون في الرجوع إلي أصلهم ، والانتماء إلي أرومتهم ... ولكن كيف يقتحمون هذا الميدان ؟ لم يقتحموه عن طريق السوي ، ولم يلقوا بأنفسهم بين أحضانه كما يرجع الوليد العاق التائب إلي أحضان أمه وأبيه ، بل اقتحموه عن طريق ملتو كأنما لا يعرفون طريقاً يوصلهم إلي بيوتهم إلا عن طريق الغرباء الذين اتخذوهم أئمة .

أراد الدكتور محمد حسين هيكل أن يكتب في سيرة رسول الله صلي الله عليه وسلم فكيف يكتب ؟ .... كان أحد المستشرقين الفرنسيين واسمه " دير منجهام " قد وضع كتابًا سماه " حياة محمد " فطفق الدكتور هيكل يترجم هذا الكتاب وينشر كل أسبوع فصلا منه في مجلته " السياسة الأسبوعية " ويعلق عليه حتى إذا أتم ترجمة الكتاب ونشره في المجلة معلقاً عليه ، جمع ما نشر من أصل وتعليق في كتاب أخرجه بنفس الاسم . لقي الكتاب رواجًا . والكتاب قيم في أسلوبه وطريقة عرضه للأحداث ومعالجته للمواقف وتحليلها ... وقد نفدت طبعته الأولي لأول ظهورها ، لكن في الكتاب مغمزًا لا يدركه إلا الراسخون في العلم وقد أدركه الأستاذ المرشد وعلق عليه في أحاديثه الخاصة والعامة وفي مجلة الإخوان المسلمين ؛ ذلك أن الدكتور هيكل اقتدي بالمؤلف الفرنسي فيما جرت عليه الحضارة المادية الغربية من إخضاع كل شيء للمقاييس العلمية التي هي نفسها المقاييس المادية مما يطلقون عليه اصطلاح " العلم التجريبي " .. وهذه المقاييس إن صحت في كل ما يتصل بالمادة فإنها لا تصلح أن تكون مقياسًا لما هو وراء المادة ؛ وهو الجزء الأعظم والأهم الذي يقوم علي أساسه الدين .. وقد سبق أن أشرنا إلي هذه النقطة فيما كان من حديث بين الأستاذ المرشد والدكتور طه حسين .

إن الأساس الأول في الدين هو الإيمان بالغيب ، وهو أول صفة للمتقين جاءت في مستهل سورة البقرة " ألم . ذلك الكتاب لا ريب فيه ، هدي للمتقين ، الذين يؤمنون بالغيب " والغيب هو ما وراء المادة أو مالا يحيط به العقل البشري ، ومالا تدركه الحواس الخمس ... ومعجزات الأنبياء من هذا الباب ، ومن الخطأ إخضاعها للعلم التجريبي ، وهو أشد خطأ من قياس الضوء بالمقياس الذي نقيس به القماش مثلا ، مع أن كليهما مادة ؛ فما بالك بما هو ليس بمادة ؟.. ومن هنا أعرض الدكتور هيكل عن معجزات النبي صلي الله عليه وسلم جميعًا ولم يستثن منها إلا القرآن الكريم ... نعم إن القرآن هو أعظم المعجزات لكن هذا لا ينفي أن هناك معجزات أخري ثابتة بصحيح السنة لا يجوز إنكارها وقد يكون في إنكارها مساس بصميم الإيمان . أراد الأستاذ المرشد أن يلفت النظر إلي هذا الخطأ الكبير الذي وقع فيه الدكتور هيكل ، ووقع فيه عن عمد وإصرار حيث سجل في مقدمة كتابه تقيده بالأدلة العلمية التجريبية .. فأعلن الأستاذ المرشد عن حفل تكريمي للأستاذ محمد أحمد جاد المولي بك لكتابه " محمد المثل الكامل " في دار المركز العام ودعا إليه كبار المشتغلين بالأدب والعلم من العاملين في حقل الدعوة الإسلامية .. وفي هذا الحفل ، وفي حضور هذه الجمع المنتقي وفي مقدمتهم المكرم ؛ أعطي جاد المولي بك حقه من الاحتفاء والتكريم باعتباره الرائد الأول وصاحب اللواء الذي اقتحم حلوكة الظلام وأضاء مصباحه المتبلج جنبات الميدان فهرع من خلفه – مهتدين بمصباحه – الجميع حتى المترددون والمعرضون وتحدث الأستاذ المرشد عن المعجزات وأفاض فيها وعن المادية الغربية وافتتان كتاباتها ... أنا لم أحضر هذا الحفل لأنه أقيم قبل أن أتعرف علي الإخوان ، ولكن الأستاذ المرشد حدثني عنه حديثًا مستفيضًا ... ولم يكن يخطر ببال أحد أن هذا النقد الموضوعي البريء سيحمله الدكتور هيكل في نفسه ويدخره ليوم هو في عرفه يوم الانتقام .

ثانيًا : الدكتور هيكل صحفي بني مجده علي الصحافة والتحرير ، ومجلة " المنار " كانت تعتبر في العرف الصحفي في ذلك الوقت قد من قم الصحافة لا المصرية وحدها بل العربية أيضًا التي يشرف صحفي مثل الدكتور هيكل أن تنشر له مقالا ... ثم يري الدكتور هيكل – وقد اعتلي متن وزارة المعارف العمومية – مدرسًا في مدرسة ابتدائية عنده يرأس تحرير هذه المجلة الشامخة ... ولا يقف الأمر عند هذا الحد ، بل يقرظه الشيخ المراغي شيخ الأزهر تقريظًا لا يطمع هو أن يحظي بكلمة واحدة مما جاء به ، ثم يصدرها هذا المدرس المجلة الشامخة ويحررها كلها تقريبًا بقلمه فيرفعها إلي القمة التي كانت عندها أيام صاحبها ... أجج هذا نار الحقد التي طوي الدكتور هيكل ضلوعه عليها .

ثالثا : هذه المواقف الثلاثة لا تمس إلا الدكتور هيكل وحده ؛ لكن هيكل لم يكن يستطيع أن ينتقم لنفسه إذا لم يصادف الانتقام هوي في نفس الحكومة القائمة بأسرها .. وقد كان هذا الهوى محتملا في نفس الحكومة ؛ فإنها كانت حكومة الأحزاب الشكلية التي لا قاعدة لها في الشعب ، ولا تشتد إلا في القصر ، الذي يتخذها مطية إلي مطامعه . وهذه الأحزاب أشد حنقاً علي الإخوان منها علي الوفد ، لأن الوفد حين يغار من الإخوان يحاربهم بنفسه لأنه حزب شعبي له قوة ذاتية ، أما هؤلاء الشراذم من الباشوات خدام القصر ومن هم من وراء القصر ، فإنهم لا شعبية لهم ، فليس لهم قوة ذاتية يحاربون الإخوان بها ندًا لند ، وإنما يستعدون عليهم القصر والانجليز ، وشتان ما العدوان .

وسط معمعان العمل الدائب في المركز العام الجديد بالحلمية الجديدة ، ووسط البحر الخضم بدعوة الله ، مبايعة علي الإيمان والجهاد .. وسط هذا الجد كله فوجئنا بقرار هازل يجيئنا من الحكومة التافهة بتوقيع وزير المعارف هيكل بنقل الأستاذ المرشد إلي قنا علي أن يكون التنفيذ فورًا ... والقرار تفوح منه رائحة الحقد الدفين النتن . ورد الأستاذ المرشد فورًا علي حامل القرار بالرفض ، ووقف الإخوان جميعًا من وراء هذا الرفض متحدين ما تصنعه هذه الحكومة الحقيرة التي يرأسها أحمد ماهر الذي نلقي الأضواء علي شخصيته بعد قليل إن شاء الله ... وكان حامل القرار قد أبلغ الأستاذ المرشد بأن مجلس الوزراء قرر حل الإخوان إذا لم ينفذ الأستاذ قرار النقل ... وكنا إذ ذاك في أواخر سني الحرب العالمية الثانية والأحكام العرفية سيف مصلت في يد الحكومة ... ومع ذلك قرر الإخوان تحدي الحكومة والوقوف في وجهها ... وتواردت أفواج الإخوان من جميع نواحي القطر تعلن ولاءها ووقوفها وراء الأستاذ المرشد مهما كلفها ذلك .

ورأت الحكومة التافهة هذه السيول الجارفة من الإخوان ، رفضت في أعينهم أمارات الجد والاستعداد ، وأحست بأن الأمر أخطر مما كانت تعتقد ، ورأت أن مصلحتها في التقهقر .. ولكن تقهقرها بعد إقدامها علي القرار المتهوس ليس أمرًا ميسورًا بعد أن شاع وذاع وأصبح علي كل لسان ... فلم تجد وسيلة أمامها لحفظ ماء وجهها إلا توسيط رجال يعرفون أنهم أثيرون لدي الأستاذ المرشد ، وكان هؤلاء أكثر من رجل أذكر منهم الأستاذ الشيخ رضوان السيد وكان من العلماء وكان عضوًا في مجلس النواب وعضوًا في حزب الأحرار الدستوريين وكان صديقًا للأستاذ المرشد ، وأسرة الشيخ وبلده من الإخوان ... وقد تردد هذا الرجل في تلك الفترة العصيبة علي المركز العام مرات كثيرة مما ذكرني – وأنا أكتب هذه السطور – بما نقرأه في أيامنا عن سياسة " المكوك " التي يقوم بها وزير خارجية أمريكا " كيسنجر " في المفاوضات بين مصر وإسرائيل .

وكان الذي يحمله هؤلاء الوسطاء هو ما يشبه الاعتذار ينقلونه عن رئيس الوزراء بأن هذا القرار صدر خطأ وأنه يخشي إن أعلن في الحال رجوعه عنه وسحبه أن يذهب هذا بهيبة الحكومة أمام الرأي العام ، لهذا فهو يلتمس أن يعينه الأستاذ البنا علي تلافي الخطأ بطريقة تحفظ كرامة الحكومة وذلك بأن يقبل تنفيذ القرار لمدة شهر واحد يعود بعده إلي مكانه . ومضي علي قرار النقل الفوري أكثر من أسبوع والإخوان في كل هذه الوساطات مصرون علي الرفض ، مستعدون للتحدي .. وصار مركز الحكومة في حرج شديد ، وهنا دعا الأستاذ المرشد إلي اجتماع للإخوان في المركز العام كان أشبه باجتماع للهيئة التأسيسية موسع بعض التوسيع وتناول الموضوع وتطوراته وقال إنه في خلال هذه الفترة بعد صدور القرار ومقابلة الوسطاء وتقليبه الأمر علي مختلف وجوهه خرج برأي قد يكون مفاجئًا لمشاعر الإخوان هو أن ينفذ قرار النقل وأخذ في شرح رأيه فقال :

أولا : إن صدور قرار النقل مقترنًا بالتهديد بالحل ، وفر علينا الكثير لأنه كشف لنا عما تكنه صدور هذه الأحزاب الشكلية من كراهية وحقد ، والدعوة في حاجة إلي أن تعرف أصدقاؤها وأعداءها ومدي ما يكنه كل منهم لها من حب وبغض .

ثانيًا : أن هذا القرار قد كشف لهم عن مدي تضامننا ومقدار قوتنا مع أننا لا نزال في أول الطريق ، كما كشف لنا عن مدي ضعفهم وتخاذلهم مع أنهم قمة السلطة .

ثالثًا : أن أحزاب الأقلية هذه إنما تعتمد في وجودها علي الملك ، وأن اتصال هذه الأحزاب بالملك لا يزيده إلا فسادًا ، وهم يعملون علي عزله عن الشعب حتى لا يري غيرهم أمامه ، ومن مصلحة الملك وبالتالي من مصلحة الشعب أن تتاح له الفرصة رؤية الإخوان المسلمين باعتبارهم الهيئة الوحيدة التي لا تسعي إلي تحقيق شخصية ، فهي وحدها القادرة علي تقديم النصيحة له وبصلاح الملك تصلح البلاد .. وقد كان في خلد هذه الحكومة أن تصدر قرار النقل ويتم التنفيذ في يوم وليلة دون أن تثار ضجة فيشفون بذلك غليلهم دون أن يصل شيء إلي مسامع تلك ولكن الأمور جرت علي غير ما يحبون وكانت ضجة وصلت إلي كل مسمع ... ومن المصلحة والأمر كذلك أن لا تظهر بمظهر المتعنت . بعد أن أحس الجميع بقوتنا حتى لا يجد هؤلاء فرصة لتشويه موقفنا .

رابعًا : ليس هدفنا هو منازلة أحزاب الأقلية ، ولا ينبغي لمناوشات جانبية أن تلتفت لها فيشغلنا ذلك عن المعركة الكبرى والتي نعد لها ، ويجب أن ندخر لها كل قوتنا ، ولا نبدد شيئًا منها أمام الإثارات والاستفزازات .

خامسًا : إننا في حاجة – لتأمين خطواتنا القادمة في الدعوة وهي خطوات هامة وخطيرة – إلي فترة فيها بمنأى عن الرقابة الرئيسية بمختلف أسمائها ، التي تلاحقنا في كل وقت وفي كل مكان ، ولن يتأتي لنا ذلك إلا بظهورنا بالمظهر السلمي الذي قد يبدو مسلمًا بكرامتنا لكن وراءه الخير الكثير للدعوة ، ولن ننس في موقفنا هذا معاهدة الحديبية التي أخفت وراء بنودها – التي أغضبت كبار الصحابة – كل ما سجله الإسلام بعد ذلك من انتصارات وفتوح ... وذكر الأستاذ المرشد أن من ضمن التعهدات التي قطعتها الحكومة علي نفسها – ونقلها إلينا الوسطاء إذا أنا قبلت التنفيذ أن يرفعوا عنا الرقابة البوليسية .. وقال الأستاذ المرشد : وأنا لا أتصور أن يرفعوا عنا الرقابة نهائيًا ولكن قد يخفضونها وهذا يكفينا .

سادسًا : أن الصعيد الأعلى – لبعد المسافة وسوء المواصلات – لم ينل حظه من عناية الدعوة ، ولعل هذه فرصة أتاحها الله لتدارك ما فات من حق هذه البقعة العزيزة من البلاد .

وكانت المجموعة التي أسر إليها الأستاذ المرشد بهذه الكلمات البالغة الأهمية هم صفوة الدعوة . ومع أن حججه كانت مقنعة عقلا ، فإن عواطفهم المتأججة لم تتحمل أن تري الأستاذ ينزل علي أمر الحكومة فبدأ أكثرهم وقد انفجر في البكاء ... فكان هذا من الجنود هو الموقف الفدائي الأسمى ، كما كان من القيادة الموقف الذي وضح فيه أن هذه القيادة ليست من الطراز الذي تسوقه الجماهير وتجتاحه العواطف ، وإنما هي القيادة الموهوبة الواسعة الأفق النافذة البصيرة ، التي قد تبتلع الهزيمة المؤقتة مسيغة مرارتها وباختيارها لا رغمًا عنها لأنها تري في انسحابها هذا أمام عدوها فرصة لها ستمكنها من القضاء عليها . ولا أستطيع أن أنكر أننا جميعًا كنا فيما يشبه المأتم بعد أن حدثنا الأستاذ حديثه هذا ، ولكن ثقتنا فيه واقتناعنا بقدرته علي الرؤية البعيدة المدى ، وتناوله الموضوع تناولا كأنما اخترق فيه حجب الغيب ، كل ذلك لم نملك معه إلا الموافقة والتأييد .

وأعد الأستاذ نفسه للسفر ، وقد استخلف في هذه الغيبة الشيخ الباقوري ، ولم يبين لماذا استخلفه في هذه المرة دون غيره ، ولكن الحكمة في ذلك لم تكن خافية علينا ولا علي الشيخ الباقوري فقد كان الأستاذ المرشد يريد أن يشعر هذه الأحزاب الحاكمة بمنتهي الأمان من جانبه ، وبالمصير الدارج كان يريد أن " ينومهم " فالشيخ الباقوري موضع ثقة منه ، وهو في الوقت نفسه صهر الشيخ محمد عبد اللطيف دراز الذي كان في ذلك الوقت من كبار رجال أحد حزبي هذه الوزارة وإن لم يكن عضوًا رسميًا في الحزب . وسافر الأستاذ المرشد إلي قنا ، أو قل انتقلت الدعوة إلي قنا .. ومع أنه كان يتردد علي القاهرة إلا أننا لاحظنا أن هذه المنطقة من مصر العليا صات تحتل من تفكيره واهتمامه الجزء الأكبر فقد أخبرنا في أول مرة حضر فيها إلي القاهرة أن هذه البلاد في أمس الحاجة إلي دعوة الإخوان .. فأكثر المسلمين في هذه المنطقة يسيطر عليهم الخمول والكسل مما جلب عليهم الفقر ونشر بينهم الجهل والمرض فصاروا وكأنهم عالمة علي غيرهم ... وقال لنا : إنني سافرت إلي هذه البقعة وأنا علي عزم أن أمكث فيها الشهر الذي تم الاتفاق عليه مع الحكومة ولكنني بعد أن رأيت حالة المسلمين فيها فلن أغادرها إن شاء الله حتى أصل هؤلاء المسلمين بدينهم ليصبحوا مثلا كريمة في النشاط والعمل والإنتاج والعمل والابتكار .

ومضي الشهر ، وانتظر المسئولون في الحكومة أن يستنجزهم الإخوان وعدهم فلم يجدوا .. وجاء الوسطاء والتقوا بالأستاذ المرشد وأخبرهم بأنه لا يريد الرجوع الآن . فأسعد ذلك الحكومة أيما إسعاد .. وظل الأستاذ في قنا شهرًا بعد شهر وإذا بهذه المنطقة التي تضم محافظتي قنا وأسوان قد دبت الحياة في أوصالها وهبت من رقادها ، والتهب شعور هؤلاء الخاملين ، وفهموا الإسلام علي حقيقته فأنشئوا المنشآت وأقاموا العمارات ، وافتتحوا المدارس ، وأقبلوا علي العلم ، وواصلوا الليل بالنهار في العمل ، كأنما كانوا ماردا نائمًا تحت أطباق الثري فقام ينفض عن نفسه أثقال ما هيل فوقه من تراب وانطلق يعوض ما فاته ...

ولما كانت الفئات الأخرى من غير المسلمين في هذه المنطقة قد أثرت وتأثرت من وراء خمول المسلمين وجهلهم وتخاذلهم ، وصاروا سادة المنطقة علي حساب خنوع المسلمين وفقرهم وتقاعسهم فقد فوجئت هذه الفئات بالمسلمين وقد تبدل كسلهم نشاطا ، وخمولهم حركة ، وتقاعسهم عن العمل دءوباً ، وتحجر عقولهم إنتاجًا وابتكارًا ، وتفرغهم اجتماعًا ، وتشاحنهم فيما بينهم حبا وتضامنًا ، ونفورهم من العلم إقبالاً عليه وتسابقًا إليه ، ورضاهم بالفقر انبعاثًا في طلب الغني من أكرم سبله فوجئوا بذلك ، وهالهم ما رأوا من تبدل حال بحال مما يشبه فعل السحر ... فخوفا علي ما حققوا من مراكز مالية وأدبية في حفلة مواطنيهم المسلمين ، وأملا في الاحتفاظ بهذه المراكز – وقد علموا أن شيئًا لم يطرأ علي المسلمين في بقعتهم فغيرهم هذا التغيير ، ونقلهم هذه النقلة التي هي أقرب إلي الخيال ، إلا وجود هذا المدرس الذي نقل إلي بلدهم منذ بضعة أشهر ...

إذن ، فلابد – تداركًا للأمر – من السعي لدي المسئولين بالقاهرة لنقل هذا المدرس من إقليمهم إلي جهة أخري ، لأنهم تصوروا أن هذا الرجل إذا طالت إقامته في بلدهم فسيقضي علي مجدهم ويصفي مراكزهم ... وانهالت الشكاوى من وجود الأستاذ البنا تطلب من الحكومة نقله ، وقامت الوفود من الفئات ذات النفوذ وسافرت إلي القاهرة طالبين من المسئولين الغوث بنقل الأستاذ البنا ... وعلم المسلمون هناك بذلك فقامت المظاهرات تطالب ببقائه بينهم ، فصارت الحكومة مرة أخري في موقف لا تحسد عليه ... ما كادت الحكومة تسر لغياب الأستاذ البنا عن القاهرة ورضاه بالبقاء في هذا المنفي الذي اختاروه له حتى فوجئت بعد بضعة أشهر بقوي ذات النفوذ تطالب بإلغاء نقله إلي قنا ، ويقوي شعبية عارمة يخشي بأسها تطالب بإبقائه بقنا ... ولم تستطع الحكومة اتخاذ أي إجراء لأنها لا تقوي علي الوقوف في وجه ذو النفوذ من أهل قنا ولا علي مواجهة جموع شعب قنا فلم تجد أمامها من سبيل للمرة الثانية إلا اللجوء إلي الأستاذ البنا لأنه هو وحده الذي يستطيع أن ينقذ الحكومة من حرجها .

واستجاب الأستاذ لرجال الحكومة ، وقبل الرجوع إلي القاهرة وتكفل بإرضاء هذه الجموع الشعبية الثائرة ... وقد كان .. ورجع إلي القاهرة بعد أن رد الروح إلي الجسد الإسلامي الذي كان هامدًا في هذه البقعة العزيزة من البلاد .



الفصل الثاني : في العمل الوطني في ظل الحرب العالمية الثانية

كان العمل الوطني دائمًا في الدعوة يسير جنبًا إلي جنب مع العمل في البناء الداخلي ، وما قدم أحدهما علي الآخر إلا لظروف تدعو إلي ذلك ، فخلال الحقبة من الزمان التي ظلت نيران الحرب العالمية الثانية مشتعلة الأوار لم تكن فرصة العمل الوطني متاحة ، فأذهان الناس في جميع شعوب الأرض ، وكل قضايا الشعوب بأحداثها ومواقعها ، مرتعدة خوفًا من شبح وصول لهبها إلي بلادها ، وكل قضايا الشعوب ، ومطالبها وخلافاتها كلها وضعت علي الرف حتى تنقشع سحائب الهول التي أظلت العالم كله .

ورأي الإخوان أن خير ما تستغل فيه هذه الحقبة أن تستغل في إرساء بناء داخلي راسخ للدعوة في قلوب الشعب في مختلف الأنحاء ، وإن اقتضي ذلك التغاضي عن مواقف عارضة في الطريق ربما وسمت الدعوة من أجلها بسمة الضعف والانهزام ، وقد أشرنا في الفصل السابق إلي موقفين من هذه المواقف وكشفنا النقاب عما كان وراءهما من كسب للدعوة في الميدان الذي تريد أن تفرغ جهدها له ولبذل كل ما في وسعها لتأمينه وتثبيت أركانه . ومع ذلك فلم يتوان الإخوان لحظة في أي وقت من الأوقات عن إجابة داعي الوطنية بكل ما يطلبه ذلك الداعي من جهود ، وسنري في هذا الفصل إن شاء الله كيف كان الإخوان دائمًا عند حسن ظن ذلك الداعي . وقد بدأت الحرب العالمية الثانية في أواخر عام 1939 ووضعت أوزارها في سنة 1945 ، وفي خلال هذه السنوات الخمس حدثت تغيرات كبيرة في مصر وفي العالم أجمع .. وكان الأستاذ المرشد في أوائل أيام هذه الحرب كثير الإشارة إلي أهمية سني الحروب وإلي عمق تأثيرها في كل شيء ، ويحذرنا من التباطؤ في ملاحقة أيامها ويقول : إن سنوات الحرب وإن كانت عادة لا تتعدي عدد أصابع اليد فإنها تطوي الزمن طيا ، فيتم من التغيرات في خلالها مالا يتم في مائة عام . ويحثنا علي مضاعفة الجهد حتى لا نؤخذ علي غرة عندما تنتهي الحرب فنجد أنفسنا متخلفين .

ولقد كان حديث الأستاذ المرشد في هذه الناحية علي كثرة ما ردده علي أسماعنا غريبًا لا نكاد نفهمه ، ولكننا مع ذلك كنا نستجيب له ومن ورائه في العمل المتواصل الذي لا يهدأ ليلاً ولا نهارًا ولم نفهم معني ما كان يحثنا عليه وما كان يحذرنا منه إلا بعد أن وضعت الحرب أوزارها ووقفت كل هيئة عند الخط الذي وصلت إليه فوجدنا أنفسنا في المقدمة سابقين سبقاًِ عظيمًا ، فحمدنا الله علي هذه القيادة البصيرة التي قطعت بنا مسافة ما كنا نقطعها في أربعين عامًا قطعتها بنا في أربع سنوات ومن قبل قالوا " في الصباح يحمد القوم السري " .

جبهة لإنقاذ البلاد :

ظل الانجليز في مصر نحوًا من سبعين عامًا ، وديدنهم التسويف والمماطلة ، لا ينتهون مع مفاوضيهم المصريين إلي نتيجة قاطعة ، ولا إلي حل فاصل .. لكنهم في سنة 1936 خرجوا من طبيعتهم ، وطلبوا من مصر وفدًا ممثلا للبلاد ليعقدوا معه معاهدة ، وكأن بنود هذه المعاهدة كانت معدة لديهم فما كاد الوفد المصري يصل إلي لندن حتى وقعت المعاهدة . والمعروف عن الساسة الانجليز أنهم بعيدو النظر ، يعدون العدة لأمور قد لا يراها غيرهم ، ثم تقع هذه الأمور فلا يؤخذ الانجليز علي غرة ، ولم يتنبه المصريون ولا ساستهم إلي أن الانجليز كانوا متلهفين إلي عقد هذه المعاهدة لأنهم كانوا يلمحون في الأفق أن حربًا كانت علي الأبواب ستقع في خلال سنة أو سنتين ، وأنهم يصطلون بنارها ، وأنهم يريدون أن يتخذوا من مصر دريئة لهم ، وأن يجعلوا من حلفائهم المصريين وقودًا لهذه الحرب .

ووقعت الحرب العالمية الثانية ، واجتاحت جحافل الألمان أوروبا في أسابيع ثم انتقلوا إلي شمال أفريقية .. ومن ليبيا زحفوا إلي السلوم حيث كانت الجيوش البريطانية في انتظارهم فاكتسحوها وفرت بأقصى سرعتها أمام قوات الماريشال روميل الذي وقف بقواته عند مشارف الإسكندرية في العلمين علي بعد 70 ميلا من الإسكندرية . كان أحرار المصريين يمقتون الانجليز ، ويتربصون بهم الدوائر ، ويتمنون أن لو أصابتهم كارثة تأتي عليهم فلا تبقي منهم ولا تذر .. فلما قامت ألمانيا بهجومها المكتسح علي أوروبا هب هؤلاء الأحرار ينتهزون هذه الفرصة لتخليص البلاد من يد الانجليز ...

كون الأحرار علي اختلاف نزعاتهم جبهة لإنقاذ البلاد ، وكان تكوين هذه الجبهة يجري تحت ستار السرية التامة ، وأنا شخصيًا مع أني كنت أقوم ببعض ما كان يوكل إلي من أعمال لهذه الجبهة – لا أعرف من الجهات المشتركة فيها ولا الأشخاص المشتركين فيه إلا الأستاذ المرشد وعلي ماهر والسيد أمين الحسيني مفتي فلسطين . كانت خطة الجبهة تتلخص في محاولة الاتصال بالحكومة الألمانية والاتفاق معها علي أن تحمل مصر عبء الدفاع عن نفسها ضد الانجليز في مقابل أن تستقل وتظل صديقة لألمانيا .. وقد حدث الاتصال ، وكانت تصلنا خطب " هتلر " بنصها ، وكنا ننسخ منها نسخًا لتوزيعها علي المشتركين في الجبهة . وأعدت الجبهة العدة لتهريب " عزيز المصري " إلي ألمانيا في طائرة من طائرات الجيش ، لكن الظروف حالت دون ذلك حيث اصطدمت الطائرة بأسلاك اضطرتها إلي الهبوط ، وقبض علي عزيز المصري وعلي قائدي الطائرة حسين ذو الفقار صبري وعبد المنعم عبد الرءوف .. وعلي غير ما كان منتظرًا أصدرت المحكمة العسكرية التي حاكمتها حكمًا برأهم مما أثلج صدور الأحرار الأطهار في كل مكان .

كما استطاع السيد أمين الحسيني أن يهرب إلي ألمانيا ، والتقي بهتلر وتفاوض معه فيما هدفت إليه الجبهة من استقلال مصر ، واستقلال فلسطين والبلاد العربية ، وكان السيد أمين موضع احترام الحكومة الألمانية طيلة الفترة التي مكثها في ألمانيا . وظلت الجبهة تعمل وتعد نفسها لليوم الذي تطرد فيه الانجليز من مصر حتى شاءت إرادة الله أن ينقلب الموقف رأسًا علي عقب ، ويتقهقر الجيش الألماني حين دخلت أمريكا بثقلها ونزلت قوات الحلفاء في المغرب بقيادة الجنرال الأمريكي إيزنهاور وأصبح الجيش الألماني محاصرًا بين هذا الجيش الجديد والجيش البريطاني . ولم يكن في حسبان ألمانيا أن أمريكا ستدخل الحرب وكانت ألمانيا تحاول دائمًا استرضاءها لأنها تعلم مدي خطورتها ، ولكن تشرشل بأسلوبه المؤثر وزياراته المتكررة وإثارته نزعة الشعوب الناطقة بالانجليز وأن هذه الشعوب في حقيقتها شعب واحد ، استطاع – علي غير توقع من هتلر – أن يجر أمريكا إلي الحرب . وكان من نتيجة ذلك أن تمكن الانجليز ، ويبدو أن مخابراتهم كانت علي علم ببعض المعلومات عن هذه الجبهة فكانت الاعتقالات التي اتخذتها حكومة الوفد في 4 فبراير سنة 1942 .


وزارة علي ماهر سنة 1939 :

تعد هذه الوزارة نسيج وحدها بين الوزارات التي توالت علي الحكم في مصر ، فقد تولت أمور البلاد في أحرج الأوقات عند بدء قيام الحرب العالمية الثانية ، وكان أعضاءها نوعين من الوزراء فبعضهم كانوا وزراء متخصصين ، وبعضهم الآخر كانوا من ذوى التاريخ الوطني الإسلامي الحافل ومن هذا البعض الأخير كان صالح حرب وزيرًا للحربية وكان عبد الرحمن عزام وزيرًا للشئون الاجتماعية وهي وزارة استحدثت لأول مرة في مصر وللأوقاف . وكان هناك تجاوب فكري ونفسي بين هذه الوزارة وبين الإخوان حيث كانت هذه الوزارة وزارة كفاءات لا وزارة الحشد المألوف من ذوي الألقاب ... ولذا فإنها كانت أول وزارة منطلقة غير محددة الأبعاد إلا بما نوحيه إليها المصلحة العامة .. وقد ساعد هذه الوزارة أيضًا علي الانطلاق أنها كانت مؤيدة من الملك الذي كان إذ ذاك في مقتبل أيامه ولم يكن بعد قد تلوث ، فكانت رغباته متوائمة مع رغبات الشعب ، وكان لا يزال يري في علي ماهر شخصية المعلم الناصح القدير .. وكان البرلمان متوائمًا مع الملك فكان مؤيدًا للوزارة ..

كان الانجليز – وقد أعلنوا الحرب علي المحور (ألمانيا وإيطاليا) – يعتقدون أن مصر – كما تعودوا منها ومن حكامها – ستكون سباقة إلي إعلان الحرب علي المحور تضامنًا معهم ... وقد خاب ظنهم لأول مرة فقد اقتنعت الوزارة بأن لا تعلن الحرب وبأن تعلن الجهاد فكانت هذه ضربة قاصمة لطهر هؤلاء المستعمرين ... وقد لقي هذا التصرف الجريء من الحكومة تجاوبًا من جميع الأوساط في البلاد ، وعده الشعب بطولة من علي ماهر من أعظم البطولات . وبعد أن أذاع علي ماهر قرار إعلان مصر دولة محايدة ، ذهب إلي البرلمان لإلقاء بيان في هذا الشأن وأخذ الرأي علي هذا القرار ، وقد أيد مجلس النواب علي ماهر بالإجماع ، ومع ذلك لم يستطيع الانجليز أن يضبطوا عواطفهم ولا أن يحتفظوا بوقارهم الذي كان شعار سياستهم الاستعمارية فلم يتورعوا في هذا الموقف عن إسقاط هذه الوزارة وهي مؤيدة من مجلس النواب ومن الشعب ومن الملك .


محاولة الإخوان لإنقاذ هذه الوزارة :

كان علي ماهر يحس بمراحل الغضب تغلي في صدور الانجليز ، وكان الإخوان يحسون بذلك ، إلا أن الفرق بين الإحساسين كان كبيرًا فقد كان علي ماهر يتصور أن الانجليز لن يخاطروا بسمعتهم فيسقطوا حكومة مؤيدة من الشعب والبرلمان والملك ؛ أما الإخوان فكانوا يعتقدون أن هذا الموقف ليس من المواقف التي يتقيد بها الانجليز حيالها بأية قيود أدبية .. وقد اقترح الإخوان علي الحكومة خطة تلتزم الانجليز بالتفكير عشرات المرات قبل إقدامهم علي مس هذه الوزارة بأذى ، وقد أقنع الأستاذ المرشد بهذا الرأي للأستاذ عبد الرحمن عزام ، وطلب إليه أن يبلغه إلي رئيس الوزراء ، وقد فصل ولكن علي ماهر كان لا يزال متوهمًا تصوره الذي أشرنا إليه ...

أما اقتراح الإخوان فيتلخص في أن تعلن الوزارة علي العالم نفسها حكومة إسلامية ، ويرتكز هذا الاقتراح علي الدعائم الآتية :

أولا : أن الانجليز حين يواجهون بالدين – أي دين – يشعرون بشيء من الرهبة يصرفهم عن المواجهة ، ويبحثون عن صيغة أخري غيرها .

ثانيًا : أن إعلان مصر حكومة إسلامية معناه أن المساس بهذه الحكومة سيكون مساسًا بجميع المسلمين في أنحاء العالم . ولا تقوي انجلترا – لاسيما وهي في حرب – علي مواجهة ثورة يقوم بها المسلمون في كل مكان تأييدًا لهذه الحكومة ... ولا ننسي أن الانجليز وهم في حالة السلم لم يستطيعوا مقاومة مظاهرات قام بها المسلمون في الهند احتجاجًا علي تصريح صرحت به الحكومة البريطانية اشتم منه المسلمون رائحة المساس بحكومة الخلافة الإسلامية في تركيا ، ولم يخرج الانجليز من هذا المأزق إلا بإصدار الشيخ محمد رشيد رضا بيانًا أعلن فيه أن هذا التصريح لا يمس الإسلام .

ثالثا : أن الجيش البريطاني المحارب والذي كان إذ ذاك في مصر وفي شمال أفريقية كان أكثره من الهنود المسلمين والأفريقيين المسلمين ومساس الانجليز الحكومة أعلنت أنها حكومة إسلامية بأذى قد يثير هؤلاء الجنود ؛ وفي إثارتهم أشد الخطر .

رابعًا : أن الإخوان في هذه الحالة سيجدون في يدهم حجة إثارة المسلمين في مصر وغيرها . ولم يعرف علي ماهر أنه قد أسرف في حسن الظن ، وأنه أخطأ في عدم الأخذ باقتراح الإخوان إلا بعد أن أسقطت وزارته .

ولا يشك أحد في أن هذه الوزارة كانت وزارة عظيمة وواقعية وعاملة من أول يوم علي تحدي الانجليز ؛ ففي أول اجتماع لها اعترفت بروسيا وخفضت مرتبات الموظفين 10% وأحالت بعض كبار الموظفين المعروفين بميلهم إلي الانجليز إلي المعاش وكان منهم أمين عثمان .. وقد عملت علي اختيار الرجال ذوى التاريخ الوطني المشرف فقد عينت لقيادة الجيش الفريق عزيز المصري وكان عدوًا للانجليز ، وقد بدأ هذا الرجل يحد من تسلط الانجليز علي الجيش المصري .. وكان الانجليز يعرفون بواسطة أجهزتهم التجسسية صلة هذا الرجل بالإخوان فعملوا علي إزاحته


وزارة الوفد 4 فبراير سنة 1942 :

هذا التاريخ من التواريخ المشهورة في السياسة المصرية ، لأنه اليوم الذي طلب فيه الانجليز من الملك فاروق دعوة " حزب الوفد " لتولي الوزارة وهددوه باقتحام قصره بالدبابات الانجليزية إذا لم يلب طلبهم وقد فعل ، وتعتبره الأحزاب المصرية بل ويعتبره غيرهم من الأيام السوداء حيث لجأ الانجليز إلي التدخل السافر في شئون مصر الداخلية ، ويصمون النحاس بالخزي والعار لأنه جاء إلي الحكم علي أسنة رماح الانجليز . وتصدينا للحديث عن هذه الوزارة أملا لابد منه حيث كان لنا تجربة – تحدثنا عنها في الفصل السابق – وكثير من المعلقين من الجيل الجديد الذي لم يعش هذه التجربة لم يفهموها علي وجهها الصحيح ، ولذا فسوف نحاول إن شاء الله الكشف عن هذا الوجه الصحيح والإبانة عن حقيقة بعض المواقف في هذه التجربة فيقول :

حشر المؤرخ مدرس التاريخ المعاصر بجامعة طنطا الذي أشرنا إليه قبلا " الإخوان المسلمين " ضمن قائمة أعداء الوفد وخصومه إذ جعل عنوان بحثه المنشور بجريدة الأهرام في سنة 1975 " 4 فبراير . وثائق جديدة . صورة من تقارير الأمن العام التي تسجل تحركات خصوم الوفد بعد الحادث " وأورد تحركات الحزب الوطني وحزب الأحرار الدستوريين وحزب السعديين ثم أورد موضوع ترشيح الأستاذ حسن البنا .. وقد رتب سيادة المؤرخ علي ذلك أن تصرف النحاس مع الأستاذ البنا في موضوع الترشيح كان من تلقاء نفسه باعتباره الإخوان خصومًا له لا من وحي الانجليز ، وقد أورد سيادته في تأييد رأيه هذا الأسباب التالية :

أولا : أنه ليس من المعقول أن يعري النحاس باشا ضعفه علي هذا النحو أمام الشيخ حسن البنا لإقناعه بسحب ترشيحه . خصوصًا أن النحاس كان في مركز قوة وليس في مركز ضعف . فضلا عن أن علاقته بالشيخ حسن البنا كخصم سياسي لم تكن تجيز له أن يسلم خصمه سلاحًا كهذا السلاح يطعنه به .

ثانيًا : الوقائع التاريخية تكذب ذلك تمام التكذيب ، فقد بدأ النحاس عهده بالإفراج عن عزيز المصري وحسين ذو الفقار صبري وعبد المنعم عبد الرءوف ، رغم ما هو معروف من أن تم القبض عليهم أثناء هروبهم بطائرة إلي المحور ، ولم يكتف النحاس بذلك بل أمر بشطب القضية فهل فعل النحاس ذلك بأوامر من الانجليز ؟ اللهم إلا إذا كان الثلاثة قد غيروا مواقفهم وأصبحوا أنصارًا للانجليز .

ثالثًا : أطلق النحاس سراح محمد علي الطاهر المجاهد الفلسطيني وصاحب جريدة الشورى الذي لجأ إليه في 7 مارس سنة 1942 وكان قد قبض عليه في عهد حسن صبري بطلب من الانجليز ثم هرب من المعتقل وظل متخفيًا حتى سلم نفسه للنحاس باشا ، وكان هذا الإفراج دون الرجوع إلي الانجليز .

رابعًا : سبق أن أنكر النحاس باشا أن القبض علي " علي ماهر " قد تم بطلب من الانجليز ، وأعلن مجلس الشيوخ أن مصطفي النحاس ليس من طراز رجال الدولة الذين يضعفون أو يستسلمون أو سيستسلمون ، فكيف يظهر استسلامه أمام البنا ويعترف بانصياعه لرغبة الانجليز بصدده ؟

وانتهي بذلك تعليق السيد " المؤرخ " ويصرف النظر عما ينطوي عليه هذا التعليق من روح التهجم والانحياز فإننا نتناوله من الناحية الموضوعية فنقول :

أولاً : لم يكن بين الإخوان وبين الوفد حتى ذلك الوقت أية خصومة أو عداء فلم يكونوا يعدون الوفد خصما لهم ولم يكن الوفد يعدهم من خصومه ، وقد سبق أن ذكرت في مواضع أخري من هذه المذكرات أن تعليمات الأستاذ المرشد كانت تحت الإخوان المسئولين في هذه الفترة علي إبراز الدعوة بالصورة التي تكون فيها مقبولة من الجميع علي اختلاف أحزابهم ونزعاتهم ، ولم يكن المقصود بالصورة المقبولة من الجميع الأحزاب السياسية وحدها بل يقصد بذلك أن لا يكون بيننا وبين أي صاحب فكرة معينة سواء كانت سياسية أو دينية أو اجتماعية خصومة لأن الدعوة في تلك الحقبة من الزمن كانت في حاجة إلي أن تأخذ طريقها إلي قلوب المواطنين جميعًا علي اختلاف أحزابهم وطوائفهم ومعتقداتهم دون أن تنشغل عن ذلك بمعارك جانبية مسيرتها . فحشر " الإخوان المسلمين " ضمن خصوم الوفد في هذا الصدد مخالف للواقع كما أن تعبير " خصمه السياسي " تعبير فيه افتراء علي التاريخ .

وإذا كانت المسألة مسألة الخصومة السياسية فلم لم يفعل النحاس مع السعديين والأحرار الدستوريين والحزب الوطني وهم خصومه السياسيون دون شك ما فعله مع الإخوان المسلمين ؟ .

ثانيًا : أما إطلاق النحاس باشا سراح محمد علي الطاهر وعزيز المصري وزميليه ، واتخاذ الكاتب ذلك دليلا علي أن النحاس كان يتصرف من تلقاء نفسه دون استحياء من الانجليز أو دون مبالاة بالانجليز ، فإن هذا استنتاج نظري وقد بترت الوقائع فيه عن ظروفها .

إن مجيء النحاس إلي الحكم علي أسنة رماح الانجليز – مهما قيل في تعليله – كان غصة في حلق كل مصري ، وكان النحاس يعرف ذلك ، وكان الانجليز أيضًا يعرفون ذلك .. فكان علي الانجليز أن يخففوا في آثر هذه الغصة بإطلاق يد النحاس في إجراءات عليها مسحة الوطنية ، وفي الوقت نفسه لا تضر الانجليز كإطلاق سراح محمد علي الطاهر وعزيز المصري وزميليه لاسيما وقد أخذت المحكمة التي كانت تحاكم عزيز المصري وزميليه بنظرية الدفاع بطلان قانون الأحكام العسكرية ؛ فضلا عن أن الإفراج عنهم وعن الطاهر لم يكن إلا إفراجًا شكليًا ؛ لأنهم ظلوا تحت مراقبة القسم المخصوص والمباحث العامة .

ثالثًا : أما اعتقال النحاس لعلي ماهر ، وادعاء النحاس أمام مجلس الشيوخ أن هذا الاعتقال لم يتم بناء علي طلب الانجليز ، فمسألة فيها نظر ... فلا شك أن النحاس يعتبر علي ماهر أشد أعدائه بأسًا ، لأنه يعرف عنه المقدرة السياسية ، وسعة الأفق ، والذكاء اللماح ، واستقلال الرأي . وقوة الشخصية .. يعرف عنه كل ذلك ، ويتمني لو أتيحت له فرصة القضاء عليه ؛ فإذا وجد عند الانجليز نفس هذا الشعور نحو علي ماهر ، فإنه لا شك سيسارع إلي تنفيذ هذا الإجراء دون طلب من الانجليز ؛ كما أن الانجليز لا يطلبونه صراحة ماداموا يثقون أنه سيتم دون أنم يضطروا إلي طلبه .

أما أن ينسب النحاس هذا الإجراء إلي نفسه دون اشتراك الانجليز فيه فهذا أمر لا يضر الانجليز في شيء بل إنهم يسعدهم أن يجدوا من يرضي لنفسه أن يتحمل عنهم هذا الوزر أمام الشعب وأمام التاريخ ... وهل كان علي ماهر حبيبًا للانجليز فاعتقله النحاس تحديًا لهم ونكاية فيهم حتى يكون إعلانه في البرلمان أنه اعتقله من تلقاء نفسه مشرفًا له ، ومفخرة يباهي بها .؟ إنه اعتقله في أعقاب مأساة دستورية لم يحدث لها مثيل من قبل في تاريخ مصر – وقد نوهنا عنها من قبل – وقد ضاق الانجليز به ذرعًا بعد إقالته حين رأوه – بواسطة جواسيسهم – يتعاون مع الأحرار من أبناء مصر علي تكوين جبهة لتخليص مصر من الاحتلال الانجليزي ووقايتها من احتلال آخر ، حيث كانت جيوش الحلفاء في ذلك الوقت في هزائم متلاحقة . فليس إذن نفي إنسان عيبًا ما عن نفسه دليلا علي براءته من هذا العيب إذا ما كانت كل الظروف والقرائن به تصمه بهذا العيب .

رابعًا : ثم نرجع إلي حديث الأستاذ المرشد عن مقابلته للنحاس باشا فأقول إن الأستاذ المرشد قد نص علينا – في اجتماع خاص بالمركز العام – ما تم بينه وبين النحاس من حديث فكان هو بنفسه وبالحرف الواحد ما قصه علي الإخوان في الإسكندرية وطنطا وغيرها من العواصم .

وبالرغم مما ورد في حديثه في كل من هذه العواصم مخاطبًا الإخوان من قوله " وهذا حديث خاص بكم لا يصح إطلاع غيركم عليه " فإنه كان يعلم أن أشخاص من قبل الأمن العام مدسوسون في كل اجتماع من هذه الاجتماعات ... ومعني ذلك أنه كان دقيقًا في نقل عبارات النقاش الذي دار في أثناء المقابلة مع النحاس لأنه يعلم أن مندوبي الأمن العام سيعرضون هذه الأقوال التي سمعوها منه علي رئيس الحكومة ... فلو أن رئيس الحكومة رأي في هذه الأقوال تزيدًا كما ادعي حضرة المؤرخ لما سكت عن ذلك . ولو أن الأستاذ المرشد كان حريصًا فعلا علي أن يخص الإخوان وحدهم بحديثه ، لانعقدت بذلك اجتماعات أخري ذات صبغة أخري لا يسهل اختراقها ولا التسمع عليها سواء من رجال الأمن أو غيرهم . وسيأتي إن شاء الله في صفحات قادمة وما يوضح مدي فهم الإخوان للاجتماعات ومدي ملاءمتها للأغراض التي تعقد من أجلها .


نظرة مجردة إلي حادث 4 فبراير سنة 1942 :

ينبغي أن يتساءل المؤرخون والمحللون للأحداث عن الدوافع التي حملت الانجليز علي المطالبة بمجيء الوفد إلي الحكم في هذه الظروف .. هل كان دافعًا واحدًا وأن هذا الدافع كان أنهم في ظروف حرب ، ويجب أن يكون في الحكم حزب الأغلبية حتى يضمنوا في البلاد هدوءًا يساعدهم علي التفرغ لشئون الحرب ؟ هل هذا هو الدافع الوحيد أم أنه كان مع هذا الدافع دوافع أخري ؟ ألا يجوز أن يكون من الدوافع الأخرى محاولة تنظيم الوفد نفسه والقضاء علي سمعته ؟... إن دهاء الانجليز وبراعتهم السياسية ، ومقدرتهم علي الإفادة الكاملة من كل ظرف ، أمر مسلم به ولا شك فيه ، فهم فعلا كانوا في ظروف دقيقة ، يسهل مهمتهم فيها أن يكون علي رأس الحكومة زعيم الأغلبية ... وهم يعلمون مدي تكالب الوفد علي الحكم وتشوقه إليه .. ويعلمون في نفس الوقت أن الذي يتولي الحكم في ظروف الحرب التي تلازمها دائمًا قسوة الحياة ، وصعوبة وسائل التموين ، مع تعرض البلاد للغارات ... كل ذلك سيخلق الكراهية في نفوس الشعب للجالس علي قمة الحكم ... وقد استطاع الانجليز تحقيق هذه الأغراض جميعًا حين أتوا بالنحاس إلي دست الحكم ... وقد فهم الشعب بعض ما هدف إليه الانجليز ، ولكنهم لم يفطنوا إلي كل الأهداف إلا بعد أن تحققت فعلا وخرج الوفد من هذه الجولة في الحكم خاسرًا .

ولقد كانت دهشة الناس في مصر علي أشدها حين رأوا الانجليز يطلبون الوفد للحكم ، ووجدوا الوفد يسارع بالإجابة كأنما كانا علي ميعاد ... وكان الذين يحسنون الظن بالوفد يتمنون أن يرفض الوفد أن يتولي الحكم بأمر الانجليز الذين هم بغير شك أعدي أعداء البلاد ، ولكن هؤلاء حين رأوا الوفد مسارعًا إلي إجابة الانجليز ، علموا أنهم كانوا مسرفين في حسن الظن . وقد عبر الكثيرون عن هذا الشعور بطرق مختلفة كان أروعها خمسة أبيات من الشعر نشلاها " الأهرام " يوم 6-4-1942 للشاعر الكبير الأستاذ محمود غنيم تحت عنوان : الذئب والكبش وهاك هذه الأبيات :

الكبش قـام خطيبـًا فوق رابيـة ينعي علي الذئب فتك الذئب باـغنم

فتمتم الذئب في أذنيه : أنت علـي رأس القطيـع أمـير نافـذ الكلـم

فقبل الكبـش ناب الذئب معتـذر عما رمـاه به من سـالف التهــم

وقال للشاه : خوضوا وارتعوا معه من لاذ بالذئـب منـكم لاذ بالحـرم

فإن تصب أحـدًا منكم مخالبــه فإنــها بلسـم يشـفي من السقـم

وكم كان لهذه الأبيات من صدي في نفوس المثقفين في أنحاء مصر ، فلقد عمد الأستاذ محمد غنيم إلي الاستتار وراء التورية حين جعل الموضوع النقدي حديثًا علي لسان الحيوان ، فتلقاها المثقفون بفهم لماح لأن المعني مستقر من قبل نفوسهم . علي أن موضوع 4 فبراير سنة 1942 الذي أقحمنا فيه السيد المؤرخ المعاصر إقحامًا ؛ لم يكن له في نفوس الإخوان ولا في أوساطهم وقد يذكر ، إذا قيس بوقعه في نفوس السراي والأحزاب ... ذلك لأنه بالنسبة للإخوان لم يضف جديدًا إلي معلوماتهم عن الانجليز ولا عن الوفد ولا عن السراي ولا عن الأحزاب الأخرى .. فالإخوان كانوا يعرفون من تجاربهم في قضية فلسطين أن الانجليز إذا سمحت لهم الفرص فجروا .. الوفد منذ عقد معاهدة سنة 1936 أصبح يعتبر الانجليز أصدقاء وحلفاء ، كما يعرف الإخوان أن الوفد أصبح يسعي إلي الحكم لإشباع شهوات أعضائه وأنصاره من مغانم الحكم ولا يبالي من الذي يدعوه إلي الحكم .. أما الأحزاب الأخرى التي لا تصيب لها من الشعب فليس أمامهم إلا التقرب إلي السراي وإلي المستعمر مضحين بمصالح البلاد في سبيل إرضائهما ، فإذا أغضي هذان عنهم وسلما أزمة الحكم لغيرهم لبسوا ثياب الوطنيين ، وأخذتهم الغيرة علي الوطن ، وتباكوا علي ضياع مصالح البلاد .


إنشاء الجامعة العربية :

نبتت فكرة إنشاء جامعة الدول العربية أول ما نبتت في أذهان الساسة الانجليز في أعقاب الحرب العالمية الثانية في غضون سنة 1944 . وقد حاول الانجليز أن يوهموا العالم أنها إنما نبتت في أذهان العرب فأوعزت إلي نوري السعيد باشا رئيس وزراء العراق أن يرفع أول صوت مناديًا بها ... وكان الإخوان قد عرفوا من قبل مصدرها الحقيقي وأنها من بنات أفكار ساسة الانجليز .. وقبل أن ينادي بها نوري السعيد ، كان الإخوان قد وضعوها موضع الدراسة والفحص ، وقلبوها علي جميع جوانبها ، وخرجوا من الدراسة بأن يثبتوا هذا المشروع ولو أنه من وضع الانجليز . كان الانجليز يهدفون من وراء هذا المشروع إلي استحداث جهاز يسهل لهم بسط نفوذهم علي جميع الدول العربية ، وليس أقدر علي إصابة هذا الهدف من إنشاء هذه الجامعة – ولكن الإخوان رأوا في إنشاء هذا الجهاز – مع سوء القصد في إنشائه – رمزًا يومئ إلي معني عزيز هو من صميم دعوتهم ألا وهو إشعار قسم ذي بال من المسلمين في هذا العالم بأن هناك آصرة قرابة تربطهم ، وأن هذه البقعة مهما تعددت أسماء الدول فيها فإنها أمة واحدة .

ورأي الإخوان أيضًا في إنشاء هذه الجامعة وسيلة تيسر لهم الاتصال بشعوب هذه الدول ، وتضفي علي هذا الاتصال معني الشرعية بعد أن كان هذا الاتصال شبه محرم إلا خلسة ؛ كما أنهم رأوا أنهم – مع تنبههم لأغراض الانجليز – يستطيعون بوسائلهم الخاصة أن يدسوا أنفسهم في هذا الجهاز أو بالمعني الأدق في تعديل توجيهه بحيث يحقق – بجانب ما أنشأه الانجليز من أجله – أغراضًا نافعة بالخير علي البلاد العربية والبلاد الإسلامية .


وضع ميثاقها :

دعي إلي القاهرة رؤساء وزارات الدول العربية المستقلة في ذلك الوقت ، وكانت سبع دول تقريبًا هي مصر والسعودية واليمن والعراق وسورية ولبنان لوضع ميثاق لجامعة الدول العربية ويبدو – كما هو في خاطري الآن – أن اجتماع هؤلاء الرؤساء كان في الإسكندرية . وكانت الخطة التي وضعها الأستاذ المرشد أن يكون في استقبال هؤلاء الرؤساء وفد من الإخوان للترحيب بهم ولإشعارهم بأن المهمة التي قدموا من أجلها تلقي من اهتمام الشعب ما هي جديرة به – وهو ما كان الانجليز يحاولون إبهام الشعوب العربية به – ولذا فإن هذه الحركة من الإخوان قد نالت رضا نوري السعيد الذي كان المتبني لفكرة الجامعة وكان هو الداعي لها ... وقد أتاح الإخوان لأنفسهم بهذا الرضا فرصة الوجود بجانب لجنة الرؤساء ،وعن طريق هذا الوجود استطاعوا أن يعرفوا كثيرًا مما كان يدور خلال اجتماعات هذه اللجنة ، واستطاعوا بطريق غير رسمي الاشتراك في بعض المناقشات .

اختار الأستاذ المرشد الأخ الأستاذ محمد لبيب البوهي رئيس الإخوان بالإسكندرية ليكون ضابط اتصال بين الإخوان وبين لجنة الرؤساء ، وكان اختيارًا موفقًا فقد كان الأستاذ لبيب شخصية مقبولة وأمينة وحكيمة من أولئك الذين قيل فيهم :

إذا كنت في حـاجـة مرسـلا  ::: فأرسـل حكيمـًا ولا توصــه

فكان الأستاذ لبيب يعرض علينا كل يوم ما دار في الاجتماع الذي حضره ،وكان الأستاذ المرشد يدرس النقاط التي ستكون مدار النقاش في الاجتماع القادم ويوضح الصورة التي يحاول الإخوان أن يضعوا القرار في إطارها ، ويحملها الأستاذ لبيب حيث يجتمع الرؤساء ,, وبأسلوبه اللبق ووسائله الخاصة يصدر القرار علي الصورة المطلوبة أو قريبًا منها .


السيد رياض الصلح :

استطاع الأستاذ لبيب أن يكتشف أن بين هذه المجموعة من الرؤساء رجلا عظيمًا ،وشخصية قادرة ، تفهم الأمور علي وجهها الصحيح ، وذات قلب كبير مفعم بالإيمان بالفكرة الإسلامية باعتبارها السبيل الوحيد لإنقاذ البلاد العربية والإسلامية .. وتبين أن الرجل يتابع من طرف خفي نشاط الإخوان وأنه يكن لهم الحب والتقدير .. وتحدث مع الأستاذ لبيب حديثًا صريحًا حول فكرة إنشاء الجامعة ، وأنه حضر بنفسه للاشتراك في وضع ميثاقها لعله يستطيع أن يجعل منها جهازًا نافعًا للعرب كما يجب أن يكون ؛ وطلب منه أن يعتبره الإخوان ممثلا لهم في هذه الهيئة الرسمية التي تضع الميثاق ، وعلي الإخوان أن يمدوه بآرائهم أولا بأول ليدافع عنها ويحاول إدماجها في مواد الميثاق . ذلك هو السيد رياض الصلح رئيس وزراء لبنان وأعظم شخصية في تاريخ لبنان الحديث ، والرجل الذي لم يملأ الفراغ الذي خلفه بموته أحد حتى اليوم ... كان رجلا مؤمنًا قويًا ، واثقاً من نفسه مرهوب الجانب ، من أعظم الرؤساء ، محبوبًا من شعبه ... يري نفسه فوق مستوي الأطماع كما كانت همته غير محدودة بالحدود المصطنعة للعالم الإسلامي المقسم ظلمًا وتعسفًا .

توطدت الصلة بين الإخوان وبين هذا الرجل العظيم ، وكان اكتشاف الإخوان حقيقة هذا الرجل عنصرًا من عناصر إحياء الأمل لدي الإخوان أن هناك كنوزًا مخبوءة يدخرها الله تعالي لدعوته ، فحرص الإخوان علي أن تطل صلتهم به في طي الكتمان حتى يؤدي الرجل ما يستطيع من خير للأمة الإسلامية دون أن يتنبه المستعمرون فيصوبوا إليه سهامهم من كل جانب . ومما تجدر الإشارة إليه ، ومما يجب أن يعيه المتصدون للإصلاح من أصحاب الأفكار والدعوات أن لا يحصروا آمالهم في حدود الظرف المادية المحيطة بهم فيقعد بهم ذلك عن النهوض بالأعباء الجسام ؛ بل عليهم أن لا يتقاعسوا عن انتداب أنفسهم لأشق المهام وأصعبها مراسًا ، فإن ذلك سيفتح أمامهم أبوابًا وسينير لهم سبلا ما كانوا ليروها وهم قاعدون ... فيوم ووجه الإخوان بفكرة الانجليز في إنشاء الجامعة العربية ودرس الإخوان الفكرة ، فوجدوا أن ولاءهم يقتضيهم أن يتلقوا هذه الفكرة من الانجليز ويعملوا علي الإفادة منها ؛ يومئذ كان الإخوان في حيرة من أمرهم كيف يقتحمون إلي هذا المؤتمر وهم يعلمون أن رؤساء الدول العربية صنائع للمستعمر ، ولكنهم رأوا أن واجبهم يقتضيهم أن يقتحموا ففعلوا وآمالهم معلقة بوجه الله وحده ، فكان أن فتح الله بين أيديهم أوسع الأبواب بتعرفهم علي هذا الرجل العظيم وصدق الله العظيم " ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم الغالبون وعلي الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين " ... ولقد يسرت للإخوان الأمور حتى إنهم كانوا يطبعون مذكرات يشرحون فيها وجهة نظرهم فيما سيعرض أمام لجنة الرؤساء من مواضيع ويوزعونها علي الوفود لتنير لهم الطريق وتهيئ الجو للسيد رياض الصلح حين يتبني رأي الإخوان ويدافع عنه .


مكاسب عن طريق رياض الصلح :

وسأحاول الآن أن أسرد بعض ما تمكن الإخوان من تحقيقه من مكاسب عن طريق هذه الجامعة عادت بالخير علي الأمة العربية والإسلامية .

أولاً : إخراج ميثاق جامعة الدول العربية في صورة أكثر فعالية من الصورة التي كان يريدها له الانجليز ... ومعني ذلك أنه حتى الصورة التي أخرج عليها الميثاق لم تخل من قصور ، ولكن بعض التحسين الذي أمكن إدخاله عليها قلل من هذا القصور ، وجعل هناك مندوحة لتقارب هذه الدول بعضها من بعض تقاربًا حقيقيًا إلي حد ما ، كما أتاح لها أن تعمل عملا إيجابياً وإن كان محدودًا .

ثانيًا : اختيار عبد الرحمن عزام أمينًا عامًا للجامعة .. واختيار رجل كعبد الرحمن عزام لهذا المنصب ليس بالأمر الهين ، إذا عرف من هو عبد الرحمن عزام وعرف تاريخه وجهاده وأفكاره ... لقد كان اختيار هذا الرجل أمنية عزيزة للإخوان ... وقد أشرت فيما سبق إلي صلة عبد الرحمن عزام بالإخوان سواء وهو في الحكم عضوًا في وزارة علي ماهر وفي غير الحكم .

ثالثًا : تعرف الإخوان بالقاضي الكيسي ممثل اليمن في لجنة الميثاق ... وقد ينبغي الإشارة في هذا الصدد إلي أن الدعوة حين وجهت إلي اليمن باعتبارها دولة عربية مستقلة لتشترك برئيس وزرائها في وضع الميثاق جامعة الدول العربية بعث الإمام يحيي حميد الدين إمام اليمن بالقاضي الكيسي ممثلا له علي أن يكون مستمعًا دون أن يشترك في المحادثات .. وقد أثار هذا النوع من الاشتراك في اللجان تندر كثير من الأوساط الصحفية والشعبية في مصر حتى صرت مسري المثل ، فإذا دعا أحد أصدقاءه لغداء مثلا وأجابوا وتقدموا للطعام إلا واحدًا فإن هذا الواحد يقول متندرًا : اعتبروني كيسي في هذه الوليمة .

لكن هذا الرجل " القاضي الكيسي " كان رجلاً ذكيًا ؛ فإن مجرد تعرفه علي الإخوان فتح عينيه علي ما كان يحذره إمامه ؛ فلقد كان إمامه حريصًا علي أن لا يعرف مندوبه شيئًا مما يدور في العالم الخارجي لاسيما الدعوات التحررية حتى اختمرت في ذهنه فكرة ، كانت هي نواة الثورات المتلاحقة التي خلصت اليمن من مظالم الحكم الإمامي المستبد ، وإن كان الرجل " القاضي الكيسي " نفسه قد راح ضحية في طريق التحرير ، رحمه الله وأجزل مثوبته علي ما قدم لبلاده .

رابعًا : الاعتراف باستقلال اندونيسيا وباكستان .

تبني الإخوان الدعوة إلي مؤازرة اندونيسيا في جهادها للتخلص من استعمار هولندا ،ومؤازرة باكستان في تخليص المسلمين من اعتداءات البوذيين وعباد البقر من الهنود ،وإقامة دولة المسلمين باسم باكستان تحمي كيانهم وتمكن الأمر لهم ....

ومع أن جهاد المسلمين في هاتين الجبهتين جبهة اندونيسيا وجبهة الهند كان له صدي مدو في أنحاء العالم كله ، إلا أن الحكومات المصرية لم تحس بشيء من ذلك ، ولم تكن تعير هذا الجهاد العظيم اهتمامًا مع أنها كانت أجدر الحكومات أن تهتم به لأنها الحكومة التي ينظر إليها المسلمون علي أنها زعيمة العالم الإسلامي ومناط آماله .. ولم يفت هذا الشعور المتخاذل في عضد الإخوان فدأبوا علي المناداة بتأييد هذا الجهاد المقدس بكل وسائل التأييد ؛ فكان هناك اتصال دائم بين قادة هذا الجهاد في اندونيسيا والهند وبين الإخوان المسلمين .. وقدمت منها وفود استقبلهم الإخوان أحسن استقبال ، حتى قدم السيد محمد علي جناح زعيم المسلمين في الهند والمطالب بتكوين دولة باكستان ؛ وقد استقبله الأستاذ المرشد وأحسن وفادته وعرفه بعبد الرحمن عزام . ولما أثمر جهاد الاندونيسيين والمسلمين في الهند وأعلنوا إقامة دولتين مستقلين . تخاذل الغرب عن الاعتراف بهما أملا في القضاء عليهما وهما بعد نبتتان غضتان .. وهنا تقدم الأستاذ المرشد بمذكرة إلي جامعة الدول العربية يستشير في رجالها النخوة العربية والغيرة الإسلامية طالبًا منهم الاعتراف بالدولتين الناشئتين . ثم كان لعبد الرحمن عزام الفضل في استصدار قرار باعتراف جامعة الدول العربية ، فكان هذا القرار دعامة الدولتين في الوجود القانوني ، ولم تجد الدول الأخرى بدأ من الاعتراف بهما بعد ذلك القرار .

خامسًا : بلاد الشمال الأفريقي :- كانت بلاد الشمال الأفريقي – المغرب والجزائر وتونس – ترزح تحت كابوس ثقيل من استعمار فرنسي غاشم . وكانت ليبيا تثن تحت وطأة الحكم الإيطالي المستبد .... وعن طريق الجامعة العربية وعبد الرحمن عزام استطاع الإخوان أن يلعبوا أدوارًا في التوفيق بين زعامات الأحزاب في هذه البلاد ومساندة الثورات التي شبت بها ضد المستعمر .. ولم يكن الإخوان حريصين علي إبراز أنفسهم في هذا الميدان بل كانوا حريصين الجامعة العربية لأن إبرازها في هذا الموقف كان أنفع لهذه البلاد وأشد تأثيرًا في السياسة العالمية ، ولو أن الرجال القائمين بهذه الأدوار كان الموجهون منهم من الإخوان العاملين في الجامعة العربية وخطة العمل في هذا المجال كانت باتفاق بين الإخوان وبين أمين الجامعة ، وقد انتهت هذه الجهود – والحمد لله – باستقلال هذه البلاد وتخلصها من وطأة الاستعمار .

سادسًا : تطوع الإخوان في حرب فلسطين :- كان لجامعة الدول العربية دور عظيم في تنظيم التطوع في حرب فلسطين وسنرجئ الحديث عن هذا الدور حتى نبسط الكلام في شأن هذه الحرب إن شاء الله .


عرض من الملك عبد الله :

في خلال تلك الفترة كان الأستاذ عبد الحكيم عابدين في رحلة خارج مصر زار فيها بلاد الشام بأقسامها ... فلما عاد من رحلته أخذ يشرح لنا ما تم في رحلته حتى وصل إلي الأردن فقال إنه قابل الملك عبد الله الذي أبدي إعجابه بدعوة الإخوان بقيادتهم وأنه ينتظر الخير للأمة الإسلامية علي أيديهم ثم قال الملك : إن الأردن في حاجة إلي جهود الإخوان ، ولتكن أولي خطوات هذه الجهود أن يعين الأستاذ عبد الحكيم عابدين وزيرًا في حكومة الأردن علي أن ينعم عليه وعلي الأستاذ حسن البنا برتبة الباشوية .

فابتسم الأستاذ المرشد وسأل : وماذا كانت إجابتك بات عبد الحكيم ؟ .. قال : وهل تكون إجابتي إلا بالرفض ولكن بأسلوب مهذب ... ولكن الملك مع ذلك أصر علي أن يرجأ البت في هذا العرض حتى أرجع إلي مصر وأقابلك . وقد رد الأستاذ المرشد علي الملك عبد الله برسالة رقيقة استنهضه فيها العمل للإسلام مشيدًا بانتسابه إلي الفترة الشريفة ، وأثني فيها علي حسن ضنه بالإخوان ، واعتذر إليه بأن العمل غير الرسمي للدعوة الإسلامية أحوج إلي جهود الإخوان وأنه يأمل أن تلتقي الجهود الرسمية وغير الرسمية في سبيل هذه الدعوة .

محاولة أخري لدخول مجلس النواب :

كان ذلك في أواخر عام 1944 بعد أن استطاع الملك إقالة وزارة الوفد معتمدًا علي ما قدمته له هذه الوزارة من أسلحة بما تورطت فيه من أخطاء مست صميم الشعب في قوته من المأكل والملبس وأقبلت الوزارة وحل مجلس نوابها كالمعتاد ، وأعلن عن انتخابات جديدة لمجلس نواب جديدة ، وقرن هذا الإعلان كالمعتاد أيضًا بالطعن في نزاهة الانتخابات السابقة ، وبأن الانتخابات القادمة ستكون حرة مائة في المائة . وقرر الإخوان دخول هذه الانتخابات بترشيح الأستاذ المرشد في دائرة الإسماعيلية وترشيح عدد آخر من الإخوان في دوائر مختلفة .

كان هناك حرص شديد من الدولة الجديدة علي إبراز هذه الانتخابات في صورة مغايرة لتلك التي كانت عليها انتخابات حكومة 4 فبراير سنة 1942 التي كان من أبرز ما عرف عنها وشوه صورتها منع الأستاذ المرشد العام للإخوان المسلمين من ترشيح نفسه وإرغامه علي سحب هذا الترشيح ،وكان لهذا المنع ضجة في جميع أنحاء البلاد .. ولكن أسلوبًا آخر في الخفاء ومن وراء الكواليس كان يجري حسب مشيئة السادة المستعمرين :- في رسالة بعث بها الصاغ محمود لبيب رحمه الله إلي جريدة المصري في سبتمبر سنة 1950 جاء فيها ما يلي :-

" في وزارة أحمد ماهر باشا أراد المرشد العام أن يرشح نفسه ، فعلمت أنا من أحد أصدقائي أن خطابًا أرسل من السفارة البريطانية إلي أحمد ماهر باشا يطلب فيه منه أن يعمل علي منع المرشد العام والأستاذ البرير (كان من كبار السودانيين الأحرار المقيمين بمصر المؤمنين بوحدة وادي النيل) المرشح في دائرة عابدين من التقدم للانتخابات ... فأسرعت إلي فضيلة المرشد فأبلغته ذلك فضحك واستبعد هذه الفكرة . وفي اليوم التالي طلبه أحمد ماهر باشا لمقابلته فلما قابله طلب منه أن يسحب ترشيحه .. وحاول أن يقنعه فرفض . فقال له : لماذا تتشدد معي وقد قبلت مثل هذا من حكومة النحاس باشا وتنازلت عن ترشيحك ؟ .

فرد عليه بقوله : إن حكومة النحاس باشا كانت تواجه حالة سياسية مضطربة في الداخل والخارج ولم يكن هناك بد – إجابة لداعي الوطنية الكريمة – من أن نقبل منها هذا ؛ إذ كانت الحالة تدعو إلي توحيد الجهود لا إلي توزيعها لوجود الأعداء داخل الأراضي المصرية . يقول الصاغ محمود لبيب : وقد قابلت بعد ذلك علي البرير بك فقال لي إن أحمد ماهر باشا طلب هو الآخر وأطلعه بالفعل علي خطاب السفارة الانجليزية . فلما ووجه القصر ممثلا في هذه الأحزاب بإصرار الإخوان علي ترشيح مرشدهم في الانتخابات وجدوا أنفسهم أمام أمرين أحلاهما مر : ففتح الطريق أمام حسن البنا إلي مجلس النواب كارثة حيث نجاحه في هذه الدائرة أمر لا شك فيه .. كما أن منعه من الترشيح يهدم صرح الدعاية الذي شيدوه علي أساس من الحرية المطلقة التي ادعوا أنهم مما جاءوا ليردوا إلي الشعب ما حرمه الوفد منها .

وظلوا في حيرة من أمرهم حتى اهتدوا إلي الحل الأمثل الذي علمنا أخيرًا أنه إنما جاءهم من عند واضعي أدوار التمثيلية والذين اختاروا ممثليها والذين تكلفوا بإخراجها إلي الجمهور ، وتبين لنا أن واضع الرواية ومخرجها قد تضطره الظروف إلي القيام بنفسه بدور البطولة فيها وإلا فشلت التمثيلية ولم تحقق هدفها .. واتضح أن واضعي التمثيلية وموزعي أدوارها هم المستعمرين الانجليز . وبدا للجمهور علي المسرح أن ترشيح المرشد العام لا يلقي أي اعتراض من الحكومة ونظرًا لما جبل عليه الإخوان من حسن الظن وسلامة الطوية اعتقدوا أن هؤلاء الناس قد راجعوا ضمائرهم ورغبوا في تحسين علاقاتهم بالإخوان والسير في ركب المواطنين الصالحين .

مفاجـأة :

لم يبذل الإخوان أي جهد في الدعاية للمرشد العام في دائرته – كدأب ما يبذل للمرشحين في دوائرهم – لأن أهل الإسماعيلية بعثوا إلي القاهرة بوفود تمثلهم لتقديم شكرهم إلي الأستاذ المرشد العام أن آثرهم علي جميع دوائر القطر بترشيح نفسه في دائرتهم مع أن جميع الدوائر كانت تتمني أن تحظي بترشيحه فيها .. وتكفل أهل الإسماعيلية بدفع التأمين من جيوبهم . ولما جاء يوم الانتخاب فوجئ أهل الإسماعيلية بتدخل الجيش البريطاني في الانتخابات بأن أحضروا أعدادًا كبيرة من العمال الذين يعملون فيه في سيارات وأدي هؤلاء العمال الانتخاب بتذاكر مزورة بأسماء ناخبين أهل الإسماعيلية وهؤلاء جميعًا ينتخبون المرشحين الآخرين . واحتج أهل الإسماعيلية وأهملت السلطات احتجاجاتهم وانتهي يوم الانتخابات . وظهرت نتائج الانتخابات وكانت نتيجة دائرة الإسماعيلية إعادة بين الأستاذ المرشد وبين مرشح آخر .

هنا بدأ الإخوان يفهمون الوضع علي حقيقته حيث بان الخفي ووضح الأمر ، وتبين أن الانجليز تعزيزًا لمركز حكومة السعديين التي يريدونها ، وافقوا علي أن تظهر هذه الحكومة أمام الشعب بمظهر الموافق علي ترشيح المرشد العام علي أن يتكلفوا هم – أي الانجليز – بإسقاطه ويكون ذلك بالطريقة الآتية :

أن يرشحوا ضده أكثر من واحد من المقاولين الذين يعملون معهم في الجيش ... ونظرًا لتوزع قوة الحكومة في جميع دوائر القطر لحفظ الأمن فسيكون جهد الجيش الانجليزي مع قوة الأمن العادية في الإسماعيلية قاصرًا علي عدم إعطاء المرشد العام أغلبية مطلقة من الأصوات ... فيعاد الانتخاب بينه وبين أحد المرشحين الآخرين ، وهنا في الإعادة تتاح الفرصة لحشد أكبر قوة ممكنة من قوات بوليس الحكومة المصرية للتعاون مع الجيش البريطاني تعاونا يكفي لإسقاطه . وينبغي أن يكون معروفًا أن حكمدار – مدير الأمن – في محافظة القنال كان في ذلك الوقت انجليزيًا ،وأن شركة قنال السويس كان مقرها الإسماعيلية ، وأن قيادة جيش الاحتلال البريطاني كان مقرها الإسماعيلية ،وأن عشرات الآلاف من العمال المصريين الذين يعملون في الجيش البريطاني قد أتوا من مختلف بلاد القطر وأكثرهم من الصعيد ،وكان العامل يتقاضي من الجيش البريطاني أجرًا يعادل ضعفي ما يتقاضاه علي نفس العمل في أي مكان في البلاد .

معركة الإعـادة :

من التجاوز في التعبير أن تسمي ما حدث في الإسماعيلية في ذلك الوقت معركة الإعادة أو معركة الانتخابات ؛ فإن الذي حدث كان حربًا أعلنتها الحكومة المصرية متضامنة مع الجيش البريطاني ضد أهل مدينة الإسماعيلية . لقد سافرت إلي الإسماعيلية ضمن عدة مئات من الإخوان من مختلف أنحاء البلاد لنشهد هذه المعركة التي توقعنا أنها ستكون معركة حامية ، لكن الذي رأيناه قد فاق كل ما خطر ببالنا ، ولولا أننا شهدنا بأعيننا لما صدقنا أن يحدث هذا الذي حدث .. وشاء الله أن تكون أكثر بلاد القطر ممثلة لتري بعينها الجريمة التي لم يحدث لها مثيل من قبل ولا أعتقد أن يحدث مثلها من بعد حتى تكون كل البلاد في مصر علي علم بما حدث . ولكي يكون القارئ في مخيلته صورة مصغرة لما حدث فسأضع تحت ناظريه بعض مناظر من أحداث ذلك اليوم .

المنظر الأول : خرج أهل الإسماعيلية منذ الصباح الباكر متجهين إلي أماكن اللجان الموزعة في أنحاء الدائرة ليدلوا بأصواتهم ،ومع كل منهم تذكرته الانتخابية ، فوجدوا أمام مدخل كل لجنة سيارة ضخمة من سيارات نقل الجيش البريطاني تغلق هذا المدخل وتحول بين الناخبين وبين الدخول إلي اللجنة .

المنظر الثاني : كثر عدد الناخبين بمرور الوقت أمام مقار اللجان ، ولما طال انتظارهم ولم تتحرك السيارات المعترضة ، حاولوا اقتحام السيارات للدخول فإذا بقوات ضخمة من بوليس القنال والبوليس المستقدم من القاهرة ومن جهات أخري تعترض طريقهم وفي أيديهم الأسلحة والهراوات .

المنظر الثالث : يلجأ الناخبون إلي الأستاذ المرشد يشكون إليه فيتصل بالمحافظ فيطمئنه المحافظ ولكنه لا يعمل شيئًا فيلجأ إلي الحكمدار الانجليزي فيتز باتريك فيرد عليه بأن عنده تعليمات من الجهات العليا ينفذها .

المنظر الرابع : القوات الضخمة من البوليس فجأة تهاجم الناخبين المحتشدين أمام مقار اللجان وتعمل فيهم هراواتهم وتهددهم بأسلحتهم حتى تبعد بهم بعض الشيء عن مقار اللجان . ثم تطوقهم تطويقًا محكمًا . وهنا تري ناقلات ضخمة من ناقلات الجيش البريطاني قادمة وهي محملة بعمال الجيش البريطاني ، وفي سرعة جنونية تتجه إلي مقار اللجان ، وتكون السيارات المعترضة للمداخل قد أفسحت الطريق فتدخل هذه السيارة حتى باب المبني الذي به لجنة الانتخابات ، وتلصق مؤخرتها بالباب وتفرغ حمولتها من العمال فيدخل كل منهم ويقدم للجنة تذكرة باسم ناخب من ناخبي اللجنة ، ورئيس اللجنة وأعضاؤها يعلمون أن أحدًا من هؤلاء العمال لا يحمل بطاقة انتخابية باسمه بل ليس منهم من يعرف الاسم المكتوب في البطاقة التي يقدمها ،وكل ما لقنه هؤلاء العمال هو أن ينتخبوا الاسم الذي حفظوه وهو اسم المرشح المنافس للأستاذ المرشد .

المنظر الخامس : بعد أن تفرغ السيارة حمولتها تظل في وضعها حتى تؤدي الحمولة المهمة المكلفة بها ثم ترجع الحمولة إلي مكانها في السيارات حتى إذا امتلأ رتل السيارات التي جاءت معًا ينطلق الرتل دفعة واحدة خارج مقر الدائرة وفي سرعة جنونية بين صفوف جنود البوليس حتى تختفي عن الأنظار داخل المعسكرات البريطانية ؛ وبعد قليل يأتي رتل آخر ويمثل الدور نفسه .

المنظر السادس : يدخل الأستاذ المرشد مقر إحدى اللجان ويضبط بنفسه أمام أعضاء اللجنة مائة تذكرة انتخابية مزورة يحملها غير أصحابها من هؤلاء العمال ، ويقدمها لوكيل النيابة فلا يتخذ وكيل النيابة أي إجراء سوي أنه يتسلم التذاكر قائلا إنه سيجري تحقيقًا دون أن يفعل شيئًا .

المنظر السابع : أمام هذه المهازل وهذا الإجرام لم نتمالك نحن – الإخوان الزائرين – أعصابنا فوجدنا أنفسنا نهاجم سيارات الجيش البريطاني المحملة بالعمال ونحاول منعها من دخول اللجان ، فإذا بقوات البوليس تهاجمنا بقيادة فبتز باتريك الحكمدار ، وقد رأيت هذا الحكمدار الانجليزي يأمر الجنود بحملنا في سيارات نقل جاءوا بها وحملت أنا شخصيًا مع مجموعة من الإخوان إلي إحدى هذه السيارات وسط مناقشات حادة بيننا وبين هذا الحكمدار . وبعد أن دخل رتل السيارات القادم من المعسكرات البريطانية والذي كنا نهاجمه إلي مقار اللجان أمر هذا الحكمدار بإطلاق سراحنا .

المنظر الثامن : عند انتصاف النهار ، قرر الإخوان أن يقوموا بعمل عنيف قد يؤدي إلي وقوع ضحايا من الجانبين ، ويبلغ ذلك مسامع الأستاذ المرشد فيحضر حيث يجتمع الإخوان وينهي إليهم رأيه بعدم موافقته علي هذا الإجراء ويقول : إن دماء الإخوان أعز عليه من أن تسفك في سبيل معركة مهما بلغنا في أهميتها فإنها لا تعدو أن تكون معركة جانبية .

ولكن أهمية هذه المعركة الجانبية أنها كشفت لنا بوضوح حقيقة الاستعمار الذي يجثم علي صدر بلادنا وحقيقة ساستنا الذين يتظاهرون أمام الشعب بالوطنية وهم في السر قد تعاقدوا مع الانجليز علي أن يكونوا مطايا لهم وتعالا في أقدامهم يدهسون بها رقاب الشعب المسكين . وينقضي هذا اليوم الأخير ... وتعلن نتيجة الانتخابات بسقوط المرشد العام في الدائرة التي يعلم كل مصري وكل عربي بل ويعلم العالم كله أن هذه الدائرة هي عقر داره ، وأن رجالها ونساءها وأطفالها لا يهتفون إلا باسمه ويؤثرونه علي آبائهم وأمهاتهم .


موقف مسرحي للانجليز :

بدت إقالة الملك لوزارة الوفد يوم إقالتها وكأنها انتصار الملك ... لا لأنه أقال وزارة وفدية – فقد أقال من قبل وزارات وفدية – وإنما لأن وزارة الوفد التي أقالها هذه المرة كانت مؤيدة تأييدًا سافرًا من الانجليز ، ولازال اقتحام الدبابات البريطانية سور قصر عابدين لإرغام الملك علي استدعاء النحاس للحكم ماثلا في الأذهان ... فكأن الملك وقد تمكن من إقالة هذه الوزارة قد انتصر علي الانجليز وتغلبت إرادته علي إرادتهم ... ويبدو أن الانجليز كانوا راغبين في إيهام الشعب بهذا المعني فتظاهروا بأنهم غلبوا علي أمرهم ... وتركوا وسائل إعلامنا تبرز هذا المعني أيضًا حتى استقر ذلك في نفوس الشعب . وقد استطاع الانجليز – بهذا الموقف المسرحي – تحقيق الأهداف التالية :

الهدف الأول : أنهم حطموا الوفد باعتباره الهيئة الشعبية المسيطرة ، فقد دخل الوفد الحكم وله في نفوس الشعب الحب والإعزاز . وغادره فاقدًا هذا الحب والإعزاز وحل محلهما البغض والمرارة حيث عانوا في ظل حكمه شظف العيش وقسوة الحياة نتيجة ندوة مواد المعيشة ، واستيلاء الجيش البريطاني علي أطيابها ثم تسلط أتباع الوفد من كبار الموظفين والتجار علي البقية الباقية من هذه المواد بالسلب والنهب والاستغلال .. وهو الهدف الذي أشرنا إليه من قبل عند مناقشتنا لحادث 4 فبراير سنة 1942 ... ولا يخفي أن الطريقة السافرة التي اختارها الانجليز في 4 فبراير لتمكين الوفد من الحكم هي في حد ذاتها قد زلزلت ثقة الكثيرين في الوفد – لكن ما ارتكبه الوفد من أخطاء في أثناء حكمه قد أتت علي البقية الباقية له في النفوس ... وربما كان إحساس الوفد بنجاح سياسة الانجليز في إفقاده ثقة الشعب هو الذي دفعه بعد ذلك إلي تغيير سياسته التقليدية في معاداة الملك وإبدالها بسياسة التزلف إليه والتملق له .

والهدف الثاني : أنهم رغبوا في إنساء الشعب مرارة ما استقر في نفوسهم من آثار الاعتداء والصلف وامتهان الكرامة فيما اتخذوه من إجراء يوم 4 فبراير سنة 1942 .. وقد رأوا أن ظهورهم بمظهر المستكين المغلوب علي أمره أمام السلطة الشرعية الممثلة في الملك مسحًا لهذه الوزارة أو تخفيفًا منها علي الأقل . ويبدو أن هدف الانجليز في هذا الصدد قد تحقق إلي حد كبير ، فقد كنت تسمع من الكثيرين في مختلف الأوساط يوم إقالة وزارة الوفد كلامًا فيه معني الشماتة في الانجليز .

والهدف الثالث : أنهم أرادوا أن يهيئوا جوًا يجعل الشعب علي شوق لاستقبال الوزارة القادمة استقبال الأبطال المتقدمين ، الذين جاءوا رغم أنف الانجليز ليمسحوا عار يوم 4 فبراير سنة 1942 وليردوا للشعب كرامته وشخصيته .

وهذا ما تحقق فعلا كذلك ؛ فقد بدأ للناس كأنما استرد الملك كرامة الشعب في شخصه ، كما بدالهم كأنما جاء الملك متحديًا سلطة الانجليز بالرجال الذين هم أعداء الانجليز ، بدليل أن الانجليز يوم 4 فبراير سنة 1942 قرروا إبعادهم عن الحكم ... إذن فمرحبًا بهم رغم أنف الانجليز ... وتظاهر هؤلاء الرجال بأنهم جاءوا إلي الحكم لإنقاذ الحرية رغم أنف الانجليز .


انكشاف المؤامرة بين الانجليز والسعديين :

خدع الشعب تمامًا أمام مكر الانجليز ونفاق السعديين ... والشعب معذور في أن يخدع فقد أحكم الانجليز خططهم ، واستطاع الملك وأنصاره السعديين أن يتقنوا تمثيل الدور الذي رشحهم الانجليز لأدائه ، ولم يكن الشعب يعلم شيئًا عما كان يدور خلف الكواليس قبل أن تفتح أمامه الستارة ليري علي المسرح هؤلاء الرجال وعلي رأسهم الملك وقد ظهروا وبأيديهم سيوف تقطر دمًا مدعين أنه دم الانجليز المعتدين . ولم يفطن الشعب إلي أن ما رآه علي المسرح لم يكن إلا خدعة كما هو ضحيتها ، ولم يبدأ يسترد وعيه شيئًا فشيئًا ، ويفهم ما كان يدور خلف الكواليس إلا بعد أن صدمته فاجعتان .

أولاهما : انتخابات الإسماعيلية وما أثبتته من أن تسلط الانجليز وتبجحهم يوم 4 فبراير سنة 1942 لم يكن أوقح ما عندهم إذ أنهم كانوا في انتخابات الإسماعيلية أكثر تسلطًا وأشد وقاحة وتبجحًا . ففي يوم 4 فبراير سنة 1942 لم يجدوا معاضدة في عدوانهم من السلطة الحكومية ممثلة في بوليسها ورجال إدارتها ، أما في الإسماعيلية فقد وجد العدوان الانجليزي من بوليس الحكومة المصرية ورجال إدارتها ورئيس حكومتها عونًا بل خدمًا يحمون عدوانه ، ويتهافتون علي نيل الخطوة لديه ... في 4 فبراير كان عدوان الحكومة البريطانية موجها إلي الملك وإلي حفنة وراءه من صنائعه البشوات سدته شهواته وخدام نزواته ، ومطلب الانجليز كان استدعاء الحزب الشعبي للحكم أي أنه كان مطلبًا في ظاهره علي الأقل في جانب الشعب ... أما في الإسماعيلية فقد كان عدوان الانجليز مؤيدًا بالملك وصنائعه السعديين ، موجها توجيهًا مباشرًا ضد الشعب نفسه ... مما لم يدع للشعب مندوحة للتعليل أو للتأويل أو لحسن الظن في أن هذه المظاهرة التي قام الملك بتدبيرها مع أذنابه للسعديين لم تكن إلا خدعة للشعب ، واستخفافًا بعقليته ، واستهتارًا بفهمه ووعيه ... ولم يدع عند الشعب أدني شك في أن هذه الوزارة السعدية وعلي رأسها الملك ليست إلا طليعة حقيرة للانجليز .

ومن سوء حظ الانجليز وأذنابهم أنهم ظنوا أن معركة انتخابات الإسماعيلية لن تكون أكثر من معركة في دائرة من ثلاثمائة دائرة أو نحوها لن يشعر بما يدور فيها إلا أهل المنطقة .. ولم يدر بخلدهم أن جميع دوائر القطر ستكون ممثلة يوم الانتخابات في هذه الدائرة ، وأن هؤلاء الممثلين سيرجعون في اليوم التالي إلي بلادهم ويروون لأهل هذه البلاد ما شاهدوه بأعينهم من مآس واعتداء وإجرام . وهكذا استيقظ الشعب المصري في اليوم التالي علي فهم جديد ، ووعي جديد ، ونظرة جديدة إلي الناس وإلي الأمور وإلي الحكومة التي جاءت إلي الحكم باسم حكومة التحرير والإنقاذ ، تحرير الشعب من ديكتاتورية الوفد ، وإنقاذ شرف البلاد وصمة 4 فبراير سنة 1942 .

أما ثانية الفاجعتين التي استيقظ الشعب علي دويها فهي حيرته لم سحب الانجليز تأييدهم لحكومة الوفد التي ضحوا في 4 فبراير سنة 1942 بجانب كبير من سمعتهم في سبيل إسناد الحكم إليها ، ثم نقلوا تأييدهم إلي الجانب الآخر الذي داسوه بأقدامهم في ذلك اليوم ؟ ...

ظلت الحيرة مستبدة بأفكار الشعب ، لا يجدون لها تعليلا ، حتى استقرت الأمور لهذه الحكومة ، وحظيت بمجلس نواب صنعته بيديها بالمواصفات التي حددها الانجليز ، حينئذ انطلقت القنبلة التي أفاق علي دويها الشعب من حيرته ، حيث استبان له ما كان ملتبسًا عليه ، وظهر له ما كان مستورًا عنه وتكشف السر الذي كان في طي الكتمان بين السعديين وبين الانجليز وكان ذلك حين أعلنت الوزارة السعدية برياسة أحمد ماهر الحرب علي المحور (ألمانيا وإيطاليا) . وقد سبقت الإشارة من قبل إلي أن الانجليز منذ أعلنوا الحرب علي ألمانيا سنة 1939 وهم يلحون علي الحكومات المصرية المتعاقبة أن تعلن الحرب علي ألمانيا تنفيذ البنود معاهدة سنة 1936 فقد ألحوا في ذلك علي وزارات علي ماهر وحسن صبري وحسين سري ولكن ما كانت هذه الحكومات تري أن لا مصلحة مطلقا في إعلان الحرب علي دول لم تمسنا بأي نوع من أنواع الاعتداء ، فإنهم جميعًا أصروا علي رفض هذا الطلب حتى صار رفضه سياسة عامة للدولة يقف وراءها الشعب كله بجميع أحزابه وطوائفه .

حتى وزارة الوفد التي جاء بها الانجليز في 4 فبراير سنة 1942 عجز الانجليز عن إخراجها في اتخاذ هذا القرار .. ويبدو أن هذا كان هو السر الحقيقي وراء تخلي الانجليز عن تأييدها آخر الأمر لاسيما بعد أن عقدوا في الخفاء الصفقة مع السعديين . وجاء أحمد ماهر مطمئنًا إلي تأييد الانجليز ، متحديًا إرادة الشعب التي أجمع عليها بكل طوائفه متجاهلا شعوره وعواطفه ، وأعلن الحرب علي المحور ، ظنًا منه أن تأييد الانجليز يحميه من غضب الشعب ، ولكن غضب الشعب كان أقوي مما يظن ؛ إذ قام شاب فدائي من غمار هذا الشعب الغاضب اسمه محمود العيسوي يعمل محاميًا فأفرغ فيه طلقات أردته قتيلاً ، ولما سئل محمود العيسوي في التحقيق عن الدافع الذي دفعه إلي قتل أحمد ماهر قال بصريح العبارة : إعلانه الحرب علي المحور وما قد يجره ذلك علي البلاد من دمار في حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل .


أحمد ماهـر :

إذا وصل الرجل في قومه أو في دولته بأية وسيلة من الوسائل إلي مركز الصدارة سواء أكان هذا المركز شعبيًا أو رسميًا فقد أصبح من حق الناس في قومه أو في بلده أن يتعرفوا علي تاريخه ، وأن ينقبوا عن دفائن أسراره ،وأن يتعقبوا ما يستخفي به من مسلك بالليل وما يعلن به في النهار ، حتى يكشفوا عن حقيقة أمره ، ويميطوا اللثام عن كنه شخصيته . وإذا كان لكل قوم خصائص ومثل ، وهذه الخصائص والمثل قد تختلف من قوم لقوم ومن شعب لشعب ، فلقد رأينا شعوبا أوربا وأمريكا لا يقوم فيهم زعيم ولا يتصدر رياستهم رئيس إلا كشفوا من أمره – علي ضوء هذه الخصائص والمثل – ما يجعلهم علي بينة من حقيقته ، فإذا رجحت كفته رفعوه إلي مكان الصدارة بأكتافهم ، وحاطوه بقلوبهم ، وإذا خفت موازينه وكشفوا زيف قذفوا به مع أمثاله المضللين إلي غياهب النسيان .

وما أخال الإسلام – باعتباره دعوة عالمية – كان بدعًا من الدعوات في هذه القاعدة السليمة والطبيعة المستقيمة فلقد تتبع القرآن شخصية محمد صلي الله عليه وسلم التي رشحها لقيادة الدنيا إلي يوم القيامة تتبعًا وصل به إلي أدق أسراره الشخصية في بيته مع نسائه . وجعل البحث في مثل هذه الأسرار من حق الأمة التي رشح لقيادتها .. ولا أعتقد أن شخصية من شخصيات العالم مهما بلغت خطورة المنصب الذي أسند إليها أو الزعامة التي سيطرت بها قد أبيح لشعبها أن يعرف من أسرارها الخاصة عشر معشار ما عرف الشعب الإسلامي في أنحاء العالم من أسرار محمد صلي الله عليه وسلم . ومعذرة في هذه المقدمة التي ذهبت بنا بعيدًا عن واقع الحال الذي نعالجه في مذكراتنا هذه عن بلادنا المقبولة الحظ ، المسلوبة الإرادة ، المجني عليها دائمًا .. فقد انفردت الأحزاب بهذا الشعب الطيب ، وشكلت تفكيره بالشكل الذي يرضيها ، فهو لا يتلقي معلوماته إلا منها ، ودرج – كما علمته – علي أن يتلقي ما يتلقاه منها علي أنه حقائق لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها .

ولا أنكر أنه قد أتي علي وعلي أترابي حين من الدهر كنا ضمن هذا الشعب المغرر به ، فكنا نتلقن من حزب الوفد المعلومات التي تبرز لنا أحمد ماهر هذا في صورة البطل ، وفي صورة الإنسان المثالي .. حتى إذا انفصل عن الوفد وكون ما يسمي بحزب السعديين ، وماء الوفد بجميع النقائض ونسب إليه كل العيوب وجرده من كل المزايا .. واقتنع الشعب بذلك مع أنه كان مقتنعًا بالأمس بعكسه . هذا منطق لا يقره عقل ولا يسيغه ذوق ... ولكن علي هذا درج شعبنا المضلل ، وبهذا الأسلوب السقيم ارتضي لنفسه أن يسير في الحياة معصوب العينين مشلول الإرادة وفي أذنيه وقر ومن بينه وبين الحقائق حجاب .

أما والإخوان المسلمون أصحاب فكرة مضيئة ، ومنهج واضح المعالم ، وغاية بينة القسمات فإن الفرد منهم لا يضل ولا ينحرف لأن ميزانه بين يديه لا يفارقه لحظة ، يزن به كل شخص من تصرفه ، ويقيم ما يقابله من أفكار ومناهج وأهداف ، وصدق الله العظيم " ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورًَا نهدي به من نشاء من عبادنا ، وإنك لتهدي إلي صراط مستقيم " . في فترة الثلاثينيات وأوائل الأربعينات كان المتخرجون – كما أسلفنا – في مختلف الكليات لا يكادون يجدون – مع الوساطات – وظائف – حتى باليومية ، وكان الواحد منهم يظل السنوات ذات العدد لا يجد عملا .. وكان الأخ طاهر عبد المحسن قد تخرج في كلية التجارة قبلي بسنة أو سنتين وظل هو وزملائه يبحثون عن عمل ... وتصادف أن أعلنت وزارة المالية عن وظائف عندها لحاملي بكالوريوس التجارة ستجري مسابقة للمتقدمين منهم لهذه الوظائف ؛ فتقدم الجميع آملين أن يكون لهم من هذه الوظائف نصيب .

ثم أعلنت الوزارة عن المسابقة وحددت لها تاريخًا وساعة في ذلك التاريخ . كما حددت مكانًا معينًا هو ديوان وزارة المالية ؛ فاستعد طاهر لهذه المسابقة . فلما جاء اليوم المحدد فوجئ طاهر بأن هذا اليوم المحدد بالتاريخ يوافق يوم الجمعة وأن الساعة المحددة هي الساعة الثانية عشر ظهرًا ... ومعني هذا أن الذين سيحضرون هذه المسابقة سيتركون صلاة الجمعة ، فاغتنم طاهر لذلك وعزم علي أن يذهب قبل الميعاد بساعة إلي ديوان الوزارة ليتقدم بشكوى إلي الوزير ضد هذا الموظف المستهتر الذي حدد هذا الميعاد ، ويطلب منه تأجيل هذا الميعاد حرصًا علي أداء صلاة الجمعة ... وذهب طاهر إلي ديوان الوزارة ، واستفسر عن اسم الموظف الذي حدد الميعاد ففوجئ بأن الذي حدد الميعاد هو الوزير نفسه ، وأنه هو الذي سيمتحن المتقدمين للمسابقة بنفسه .. فطلب مقابلته فلما دخل عليه شكا له طاهر أن هذا الموعد سيضيع علي من يحضرون المستبقة صلاة الجمعة وطلب تأجيله إلي ما بعد صلاة الجمعة .. فرد عليه الوزير ردًا وقحًا فيه كل الاستهتار والاستهزاء بالدين وبصلاة الجمعة وبالصلاة علي اختلافها . فثار طاهر عليه ولعنه وألقي بخطاب الوزارة في وجهه وخرج تاركا هذه المسابقة لهذا الوزير الوقح البذيء المستهتر ... وجاء في المساء إلي المركز العام وقص علينا القصة .

أتعرف أيها القارئ من هو هذا الوزير ؟ أنه الدكتور أحمد ماهر ....

وبأي مقياس قاسه طاهر عبد المحسن ... وبأي ميزان وزنه ؟ إنه بمقياس الفكرة الإسلامية وميزانها الذي لا يأتيه الباطل من بيد يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد . وقد شاء الله أن يكشف لنا حقيقة هذا الرجل مبكرًا ... فكثير الناس لا يصلون .. ولكن أحدهم حين يواجه بهذا يقر بخطئه وتشعر بأنه في خجل من هذا الخطأ .. أما هذا الرجل الذي هو في منصب وزير وليس فوقه سلطة تلزمه بتحديد ميعاد في وقت معين فيقوم متطوعًا مختارًا بتحديد اليوم بيوم الجمعة وتحديد الساعة بالثانية عشرة ظهرًا ... ثم يواجه بهذا الخطأ فيكشف عن أنه اختاره متحديًا شعور المسلمين الذين ينتسب إليهم زورًا وبهتانًا . مثل هذا الرجل هو ممن أشارت إليهم الآية الكريمة " وإذا ناديتم إلي الصلاة اتخذوها هزوا ولعبًا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون " وقوله تعالي " أرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله علي علم وختم علي سمعه وقلبه وجعل علي بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله " .


الماسـونية :

يلزمنا سياق الحديث ونحن نكشف اللثام عن شخصية أحمد ماهر أن نلقي بعض الضوء علي الماسونية حتى يكون هذا الاسم أو هذا الاصطلاح ذا مدلول عند القارئ .

ولفظ الماسون كما يفهم من لفظه الفرنسي فيه معني البناء وقد نشأت الماسونية في أوربا وأطلقت علي نفسها هذا الاسم مدعية أن الماسونيين هم البناة الأحرار وكان ذلك منذ أكثر من قرن من الزمان وهي فكرة يهودية من الأفكار التي وضع اليهود أساسها بعد أن حددوا أهدافها الحقيقية التي احتفظوا بها لأنفسهم ولكنهم أعلنوا لها أهدافاً أخري لا تمت إلي هدفها الحقيقي بسبب . فأهدافها المعلنة هي :

" أنهم يريدون إيجاد أخوة عالمية تذوب في غمارها فوارق العقيدة والقومية والوطنية " وهذا الهدف يبدو للرجل الخالي الذهن القليل التجارب هدفاً إنسانيًا رائعًا تهفو إليه النفوس وتتهافت عليه القلوب ... إنها إخوة إنسانية رفيعة . ولكن هاك حقيقة هذا الهدف :

إن خطورة هذا الهدف إنما تكن في نصفه الأخير الذي يقول : تذوب في غمارها فوارق العقيدة والقومية والوطنية

فالإسلام إنما جاء وهدفه هو إيجاد أخوة عالمية " يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثي وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا " ولكن إذابة العقيدة والقومية هي بمثابة الديناميت لهذا الهدف كمن يبني صرحًا شامخًا ويضع في أساسه ديناميتًا يكفي لنسفه ونسف ما حوله من صروح ... وتوضيحًا لذلك أضرب المثل التالي :

إذا كنت ماسونيًا مسلمًا فأخونك العالمية هذه تقتضيك أن تفضل أخاك في الماسونية ولو كان غير مسلم أو كان ملحدًا علي إخوتك في الإسلام ..

إذا كنت ماسونيًا مصريًا فأخوتك العالمية هذه تقتضيك أن تفضل أخاك في الماسونية ولو كان غير مصري علي إخوانك في الوطنية .

إذا كنت ماسونيًا عربيًا فأخوتك العالمية هذه تقتضيك أن تفضل أخاك في الماسونية ولو كان غير عربي علي إخوتك في القومية العربية .

ومعني هذا بأسلوب أوضح إذا كنت عربيًا مصريًا مسلمًا وكنت ماسونيًا وطلب إلي المصريين مقاتلة الانجليز المستعمرين لإخراجهم من مصر فإذا رأيت هؤلاء الانجليز المستعمرين لبلادك إخوانًا لك في الماسونية فعليك في هذه الحالة أن تفضل هؤلاء الانجليز عملي بني وطنك وأن لا تقاتلهم بل عليك أن تعمل علي ما فيه مصلحتهم وإن كان في ذلك قضاء علي مصالح بلادك وعلي تحريرها . وإذا قيل لك إن اليهود في فلسطين قد قتلوا المسلمين والنصارى وانتزعوا أرضهم وعليك أن تقاتلهم ثم وجدت أن هؤلاء اليهود إخوان لك في الماسونية فهم عندك أفضل من المسلمين والنصارى أصحاب البلاد وأصحاب الأرض وأصحاب الحق وكنت في جانب اليهود وضد أهل دينك وقوميتك وأهل الحق . ومعني هذا المستوي الواقعي شعبًا تنتشر فيه الماسونية سيكون شعبًا متخاذلاً متفككًا لا يدافع عن نفسه ولا يطالب بحقوق وطنه ولا يستجيب لنداء دينه .

فإذا كان أفراد من الماسونيين في هذا الشعب المهيض الجناح ذوي مناصب مرموقة وذوي نفوذ وسلطة فإنهم سيكونون أشد بلاء علي بلادهم وعلي قومهم وعلي دينهم لأن ماسونيتهم تهيئ لهم فرص التواطؤ مع الأعداء علي بلادهم وقومهم ودينهم ، إذا ما كان هؤلاء الأعداء من الماسونيين وواضعوا أسس الماسونية تواطئوا في وضعها مع الطبقات الحاكمة في دول أوربا علي أن تكون الماسونية في خدمة أغراضهم وعلي أن يكون الشرق الإسلامي بما فيه من كنوز وخيرات هدية تقدم إليهم بين يدي أطماعهم واستغلالهم ، ففي عصر الاستعمار الذي كانت انجلترا فيه رائدة ركبه كان رؤساء وزارتها خارجيتها من الماسونيين ، فهم يخدمون أغراض اليهودية العالمية من ناحية باعتبارها صاحبة الفضل عليهم وعلي بلادهم ولأنها من ناحية أخري هيأت لهم عن طريق الماسونية بلاد الشرق ليلتهموها لقمة سائغة علي أساس نشرهم الماسونية في ربوع هذا الشرق الغافل .

الطريقة العملية للماسونية : وليست للماسونية نظريات تدرس ويتجادل حولها ولا أفكار صاغها مفكرون لمجرد أن تكون غذاء فكريًا كدأب النظريات والأفكار التي تمخضت عنها عقول الفلاسفة ، بل إنها نظام عملي وضع للتنفيذ من أول يوم وضع فيه والذين وضعوه حاكوا بوضعه مؤامرة خطيرة ضد نظام هذا العالم المتماسك لتقويضه من أساسه وتحويله إلي ألعوبة فاقدة الإرادة في يد اليهودية العالمية التي هانت علي نفسها وعلي العالم ، فلا هي بعددها المحدود تستطيع أن تخضع العالم لإرادتها ، ولا هي مستطيعة أن تقنع بنصيبها في الحياة باعتبارها أقلية من الأقليات . وإذن فلا سبيل أمامها لتحقيق أطماعها إلا بحبك مؤامرة لتفكيك أواصر هذا العالم حتى تتمكن من تحقيق أطماعها وترضي دفين أحقادها . ويقوم النظام الماسوني علي السرية المطلقة وعلي أساليب الإيحاء والإحاطة بهالات من الأوهام وعلي الرموز والألقاب التي اشتق أكثرها من المعابد اليهودية .

وقد لا يكون هذا مقام تفصيل لهذا النظام ، وحسبنا مجرد الإشارة إلي أسسه التي يقوم عليها حتى تتاح فرصة للإفاضة في شرحها ، ولنعد إلي الحديث عن الشخصية التي تطرق الحديث عنها وإلي إلقاء بعض الضوء علي الماسونية وآثارها في بلادنا فنقول :

إن الماسونية قد غزت مصر والبلاد العربية منذ أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن وساعد علي غزوها هذه البلاد وجود الاستعمار ووجود جاليات من اليهود بعضهم من أهل البلاد وبعضهم الآخر قدم من أوربا ... وكان هؤلاء اليهود لاسيما الأجانب منهم هم نواة المحافل الماسونية في مصر والبلاد العربية (المحفل الماسوني هو النادي أو المقر الذي يجتمع فيه الماسونيون في بلد من البلاد أو في حي من أحياء عاصمة كبيرة ، وغير مسموح لغير أعضائه بدخوله وإذا دخلته صورة طبق الأصل من المعبد اليهودي حيث تري المذبح والقنابل والتراتيل والملابس الرسمية السوداء) . وقد رأي الغازون أن يكون اليهود الأجانب نواة هذه المحافل لأن هذا الصنف من اليهود كانوا يمثلون أرفع المراكز الأدبية والمادية في البلاد ففي الوقت الذي كانوا يسيطرون فيه علي اقتصاد البلاد ومرافقها كانوا يتمتعون بقسط لا بأس به من العلم والثقافة ، وكانوا باعتبارهم أجانب في بلد مستعمر طبقة متميزة يتمني الكثيرون من أهل البلاد أن يجدوا لهم مكانًا بالقرب منها .

وتهافت الكثيرون من سكان الريف علي التمسح بهذه الطبقة . فوجدت هذه الطبقة الفرصة المواتية لتختار من بين هؤلاء المتهافتين المجموعة التي جاءت الماسونية لاصطيادها . هما طائفتان :

1 – طائفة المثقفين ذوي الأطماع الذين لا يتقيدون بدين ولا يتمسكون بمبدأ ولا يعترفون بمثل ....

2 – طائفة خلاة الأذهان ، طيبو القلوب ، سريعو الاستجابة ، طبعوا الانقياد من أعيان الريف وتجار المدن .

وتكونت المحافل في أنحاء البلاد لاسيما في العواصم التي تؤثر في الحياة الاجتماعية والحياة السياسية في سائر البلاد .. والأسلوب المنبع هو أن يشعر كل هؤلاء المنتسبين إلي الماسونية من الطائفتين بمزايا ملموسة لهذا الانتساب ، فهناك في جميع المحافل إشارات سرية يتعلمونها ، فإذا دخل عضو ماسوني متجرًا أو مصنعًا أو محكمة أو إدارة حكومية وكان له حاجة يرجو قضاءها ، فما عليه إلا أن يؤدي هذه الإشارة فإذا رأي من يبادله مثلها علم أنه أخوه في الماسونية وتقضي حاجته فورًا ويقدم علي غيره مهما كان غيره أحق منه . وكثيرون من التجار والزراع والصناع والموظفين ، حسنت أحوالهم وأخذ بأيديهم إلي أعظم الأوضاع وارقي المناصب عن هذا الطريق .. وضمن قادة الماسونية بذلك وجود قاعدة عريضة لهم في أحشاء الشعب تدين لهم بالولاء وتسبح لهم بالحمد .

ولما كانت الناحية السياسية في ذلك الوقت وفي تلك البقعة من العالم هي بيت القصيد ، فقد عكف القادة الموجهون علي العناية بعدد من أفراد الطائفة الثانية لهم صلة بالأحداث السياسية ، فمهدوا لهم أسباب البروز – وكذلك إذ ذاك في أيديهم – وفتحوا أمامهم طريق المناصب العليا في الدولة حتى وصلوا بهم إلي حيث ينتهي إليهم التوجيه السياسة في البلاد ، فوجد الشعب هؤلاء يتصدرون إدارة الحكم في البلاد دون أن يعرف كيف كان وصولهم لاسيما أو الأصابع الخفية للماسونية تحرق البخور أمامهم وتنفخ في أبواق المجد من خلفهم والشعب الذي لا يدري من أمر نفسه شيئًا مأخوذ بهذه الهالات التي أحيط بها هؤلاء الصنائع المدسوسون عليه والمزورون في الانتساب إليه .

القطب الأعظم : ومن هذه الشخصيات " أحمد ماهر " فقد تولوه يافعًا وعكفوا علي العناية به شابًا وكهلا حتى وصلوا به في مراتب الماسونية إلي أعلاها فقد صار " القطب الأعظم " ، كما وصلوا به في مناصب السياسة حتى صار " رئيس الوزراء " .

وإنه لما يثير الأسف والإشفاق معًا علي شعبنا المصري وشعوبنا العربية أنها لم تكن حتى ذلك الوقت تنظر إلي الماسونية نظرة تشوبها أية شكوك أوريب بل إن بعض المنتسبين إلي الماسونية – كانوا يخرجوا علي ما تعهدوا به من الكتمان – ويذكرون لذويهم والمحيطين بهم علي سبيل الفخر أنهم ماسونيون ويجدون فيمن حولهم من يغبطونهم علي هذا المقام العظيم . والله وحده يعلم كم من المزايا حققتها الماسونية العالمية لحلفائها المستعمرين علي حساب مصالح بلادنا عن طريق هؤلاء الذين توفرت علي تغذيتهم والعناية بهم وفتح الطريق أمامهم حتى بوأتهم أعلي مناصب الدولة دون أن يحس الشعب التائه المسكين . ولم يكن أحمد ماهر وحده هو الذي تبنته الماسونية العالمية بل إن هناك كثيرين غيره قد وصلوا إلي مناصب الوزراء عن هذا الطريق ومما يؤسى له أن بعض هؤلاء كانوا من أسر ذات سمعة دينية وكانوا من علماء الأزهر الشريف ...

وننقل للقارئ هنا ما نشرته جريدة الأهرام في 20-3-1945 بعد اغتيال أحمد ماهر تحت عنوان : " وفد الماسونية السورية واللبنانية " :

" قدم إلي القاهرة وفد يمثل الماسونية في سوريا ولبنان لحضور حفل التأبين التي ستقام للمغفور له الدكتور أحمد ماهر باشا بوصفه " القطب الأعظم " للمجلس الماسوني السامي في مصر وملحقاتها وهي سوريا ولبنان والبلاد العربية – وهذا الوفد مؤلف من الأساتذة حسين اللاز وإلياس فازان وخليل النصولي وميشيل حداد ومتري الصدى – وقد نزل حضرتهم ضيوفًا علي المحفل الأكبر الوطني المصري " .

ولا أنكر أن الأيام تطورت بعد ذلك وعمل التاريخ عمله وجاء قوم ممن تعلموا في مدرسة الإخوان المسلمين ففهموا الحقائق التي يجهلها الشعب عن الماسونية وغيرها ، وتصدروا منصة الحكم في مصر أمر أو قرار بذلك دون أن يستأصلوا جذورها أو يلغوا ما خلفت من آثار جعلت الشعب يشعر حتى اليوم أنه يعيش في حياة متناقضة فالماسونية تلغي ولكن تمجيد قادتها مازال أمرًا واقعًا فالمؤسسات لازالت تحمل أسماءهم والشوارع والميادين تسمي بأسمائهم .


علي هامش قضية اغتيال أحمد ماهر :

تولي رياسة الوزارة بعد مقتل أحمد ماهر زميله وصديقه وظله محمود فهمي النقراشي فأمر بإحالة القضية إلي المحكمة العسكرية العليا برياسة محمود منصور بك وعضوية حسن حمدي بك واثنين من العسكريين ... وقد ترافع عن المتهم علي بك بدوي فدافع دفاعًا رائعًا ،ودفع بعدم اختصاص القضاء العسكري . وتبين أن المتهم كان منتسبًا إلي شباب الحزب الوطني . وفاجأ المتهم المحكمة بأنه يطلب النقراشي شاهد نفي فسألته المحكمة عن أسباب ذلك فقال :

أولاً : إن دولته يعلم أن الحرب كانت ستعلن هجومية وترسل قوات إلي الشرق الأقصى وأوربا ، وأن هذا الوضع تغير بعد ارتكاب الحادث .

ثانيًا : أن إعلان الحرب كان بناء علي تدخل الانجليز وكان أحمد ماهر والنقراشي عند السفير البريطاني في يوم الحادث مما يدل علي أن هناك تدخلا من الانجليز في شئون مصر الداخلية .

ثالثاً : أن النقراشي قال لي شخصيًا إن الحكم في هذه القضية سيكون رادعًا . وقام علي بك بدوي وأيد هذا الطلب

من دفع علي بك ضد القضاء العسكري : جاء في دفع علي بك بدوي بعدم اختصاص القضاء العسكري نظر هذه القضية ما يلي :

" إنه لا يجوز نزع المتهم من قضائه العاديين الطبيعيين وهم قضاة محكمة الجنايات ، وليس معني هذا أنني أشك في القضاء العسكري أو أفاضل بينه وبين القضاء العادي ، وإنما في القضاء العادي وسائل تجعل المتهم أكثر اطمئنانًا ، وفيه ضمانات لحرية دفاعه والتأني في محاكمته . وفي القضاء العادي أربع درجات هي الإحالة ومحكمة الجنايات ومحكمة النقض ومرتين في بعض الحالات . والإحالة مرحلة مهمة ؛ فقاضي الإحالة ليس قنطرة كما يراه البعض ، بل هو يملك بنص القانون تعديل وصف التهمة ، وقد يكون هذا التعديل في صالح المتهم .

ثم إن المحكمة العسكرية تستطيع أن تحكم بالإعدام مثلا غيابيًا ، وينفذ الحكم عند اعتقال المتهم دون سماع دفاعه . أما القضاء العادي فيظل الحكم مطلقاً حتى يقبض علي المتهم فيسقط الحكم وتعاد محاكمته من جديد . فالمتهم قد حرم من كل هذه الدرجات . ثم إن نظر القضية أمام المحكمة العسكرية يؤدي في النهاية بعد الفصل فيها إلي شيء من الحرج ، فقد يكون هناك وجه بنقض الحكم الصادر بالإعدام مثلا وبه أخطاء تستدعي نقضًا ، فتري النيابة حرجًا من الإشارة إلي هذا الخطأ ، كما يري دولة الحاكم العسكري حرجًا في إلغاء الحكم إذا تبين له خطوة نظرًا لصلة الصداقة الوثيقة بدولة القتيل ، فالمتهم لا يطمئن إليه كسلطة نقض نظرًا لما يربط بينه وبين الفقيد من الصلة القوية ، ولحرصه علي أن تكون العقوبة رادعة شديدة ، فهو لا يرضي لنفسه هذا الموقف ففي قبول الدفع رفع الحرج الشديد عنه " .

وكان تكوين هذه الدائرة وإسناد إلي محمود منصور بك ذا دلالة خاصة ربما وضحت هذه المذكرات ذلك في مواضع قادمة إن شاء الله حتى إن المتهم ألح في طلب إحالة القضية إلي دائرة أخري وقال إن هذه الهيئة أصدرت حكمًا في قضية مشابهة استبعدت فيه الصلة السياسية للجريمة بل اعتبرت هذه الصفة ظرفاً مشددًا ... وقد رفضت المحكمة هذا الالتماس مهما اضطره إلي التقدم بطلب رد المحكمة وقد رفضته المحكمة أيضًا .. وطلب المتهم شهادة النقراشي والنحاس وعلي ماهر ومكرم عبيد وحافظ رمضان والدكتور محمد هاشم وعبد العزيز الشوربجي وفتحي رضوان والأستاذ حسن البنا . ورفضت المحكمة هذا الطلب في أول الأمر فلما هدد علي بك بدوي بالانسحاب وافقت علي دعوتهم فلما حضروا قررت سماعهم في جلسة سرية وقد احتج علي بك علي ذلك ولكن المحكمة أصرت .

وعلي العموم فإن هذه القضية والأساليب التي اتبعت في إجراءاتها كانت وصمة عار في جبين القضاء المصري فحسبك أن تعلم أن قضية حول المتهم فيها اتجاه الحكومة الذي كان مبينًا مع السفير البريطاني من إعلان حرب العمومية علي المحور إلي حرب دفاعية وأدلي بالشهادة فيها جميع زعماء البلاد ، هذه القضية لم يستغرق نظرها أمام هذه الدائرة إلا نحو أسبوعين ،، فكأنما كانت هذه الدائرة مجرد بوق لتنطق بالحكم الذي هدد به رئيس الحكومة النقراشي المتهم عندما قابله في أثناء تحقيق النيابة معه ... وخير ما نلخص به هذه القضية وهذه الدائرة أن نثبت هنا ما ختم به الأستاذ الكبير علي بك بدوي مرافعته التي استغرقت ثلاثة أيام حيث قال :

" وهناك كلمة أخري أريد أن أقولها وهي أنه متى تجتمع روح الفقيد وروح هذا الشاب أمام الله فإنه سيحكم بينهما بعدله المطلق دون فارق بين هذا وذاك ... وقد تقدمت لحضراتكم بدفع شكل وبدفاع موضوعي . ودفاعي في الموضوع كله ظروف تبرر إنقاذ المتهم من الإعدام ؛ فإن قضيتم علي دفعي الشكلي وحكمتم برفضه فإني سأبكي المبادئ القانونية أحر البكاء ، وإن نبذتم دفاعي وقضيتم بإعدام هذا المتهم فإن سأبكي من بعده أخلاقه النبيلة وحال هذه الأمة التعسة " .


الباب الرابع : في ميدان الحلمية الجديدة

الفصل الأول : وصول الدعوة إلي قمة النفوذ الشعبي

مقدمة

بحلول عام 1944 كانت الدعوة قد وصلت إلي أوج الذيوع والانتشار ؛ فلم يعد مكان في مصر يخلو من شعبية ، كما أصبحت الجامعة والأزهر قلعتين من قلاع الدعوة ، وصار للدعوة وجود في كل بلد عربي ، كما صارت البلاد الإسلامية الأخرى تعتبر الإخوان في مصر قيادة لها .. صار الإخوان في مصر أعلي صوت شعبي ، وصار لهم أقوي نفوذ علي مستوي الأمة بأسرها :؛ وذلك كما أشرت من قبل بفضل التكتيك البعيد المدى الذي حصن الأستاذ المرشد به خطوات الدعوة حيال الجبهات المختلفة الحاكمة . اتجه الجميع يخطبون ود الدعوة ، وينثرون الزهور في طريقها ، وحاول الكثيرون من الشخصيات البارزة أن يجدوا لهم أماكن فيها ،ولم تعد تري المركز العام في ليلة من الليالي خاليًا من وفد يمثل بلدًا عربية أو إسلامية ... حتى أبناء الأسر الأرستقراطية بدأوا يتطلعون إلي أماكن لهم فيها ، وما كان للدعوة أن ترفض أي إنسان يتقدم إليها " ولا تقولوا لمن ألقي إليكم السلام لست مؤمنًا " .

ومن النماذج الفردية التي خطبت ود الدعوة في ذلك الوقت ، وكانت ملفتة للنظر ومثيرة للاستغراب الأستاذ عباس محمود العقاد ؛ فقد كان معروفاً عنه أنه رجل يختط لنفسه في الحياة خطاً لا يلتقي مع الدعوة في يوم من الأيام .. وجدنا هذا الرجل يتقرب إلي الدعوة ويمد يده لها ، ويدعو سعيد رمضان إلي بيته ويطلب إليه أن يبلغ الأستاذ المرشد إجلاله واحترامه ،و أنه يري فيه أعظم شخصية لمصلح ، وأن هذه الدعوة هي الأمل الوحيد يجب أن تكرس له كل الجهود حتى تنقذ البلاد من الاستعمار الداخلي والخارجي . ويأتي سعيد فيبلغنا ذلك فنتعجب ، ونزداد تعجبًا حين يذكر لنا أن العقاد منفعل بالدعوة كل الانفعالات وأنه اتصل به عن طريق " مكوجي " كان يكوي الملابس للعقاد فسأله العقاد : ألا تعرف سعيد رمضان ؟.. فقال إنه يكوي ملابسه عندي وأعرفه ، فطلب إليه العقاد أن يعرفه بسعيد ... ويقول سعيد إن العقاد استخلفه أن يكثر من زيارته وأن لا يتقطع عنه لأنه يريد أن يسمع منه الكثير عن الإخوان المسلمين .

حديث الثلاثاء :

ظل الأستاذ المرشد مواظبًا علي إلقاء حديث الثلاثاء من أول يوم عرفت فيه دار الإخوان سنة 1936 ، ولعله كان مواظبًا عليه من قبل ذلك ... ولقد كنت أحضر هذا الحديث في المركز العام في شارع الناصرية ولا يكاد يتـعدي عـدد الحاضرين فيه أصابع اليدين ، وقد أشرت إلي الوسائل التي كان الأستاذ يلجأ إليها محاولا جذب انتباه سكان هذه المنطقة من حي السيدة زينب إلي دار المركز العام لعل عدد من يحضرون هذا الحديث يتضاعف ،ومع ذلك كله لـم يتضاعـف . وبانتقال المركز العام إلي ميدان العتبة ازداد عدد من يحضرون هذا الحديث أو المحاضرة فكان في بعض الأحـيان يزيد علي المائة ، ولما انتقل المركز العام إلي ميدان الحلمية الجديدة في الدار الأولي تضاعف العدد فكان يصل إلي المائتين والثلاثمائة فلما اشتري الإخوان قصر آل " أبو حسين " وهو المبني المقابل لهذه الدار – ضاقـت الـداران بفـناءيهـما وحجراتهما ممن يحضرون هذا الحديث فاحتشد أكثر الحاضرين في الميدان والشوارع المحيطة بالدارين وصـار حديث الثلاثاء شيئًا آخر ؛ تحول إلي مؤتمر كالمؤتمرات التي كان يعقدها الإخوان كل عام أو كل عامين ولكنه يعقد كل أسـبوع ، ويحضره أكثر ممن كانوا يحضرون المؤتمر السنوي . وتمثل فيه شعب القاهرة – علي كثرتها – كما يفد إليه الكثيرون من الأقاليم ،وأصبحت تناقش فيه قضايا الساعة .. ولذا فإن صدي هذا المؤتمر الأسبوعي كان يتردد في جنبات جامعة القاهرة ، فيصل صداه إلي جامعة الإسكندرية ، و تجد الجامعتان تجاوبًا من الأزهر العتيد ؛ كلها تـنشد نغـمة واحـدة ، وتضرب علي وتر واحد ،وهو نفسه الذي تطرب له جنبات الوادي من أقصاه إلي أقصاه ، ثم ترتد النغمة المرسلة – بعد سياحتها الطويلة – إلي مصدرها في المركز العام للإخوان الذي صار بالنسبة لمصر مركز التنقل الذي تنتهي إليه الآمال أو مركز الدائرة ينبعث منه الإشعاع .

لقد كان ما آل إليه حديث الثلاثاء في أواسط الأربعينيات مفاجأة خلعت قلوب الانجليز والقصر والأحزاب ... ما كانوا يعتقدون أن هذا الرجل ذا اللحية السوداء ، المدرس الابتدائي ، الذي رضي لنفسه أن يخرج مهزومًا مـن معركـته مـع الأحزاب الملكية حين قررت نقله إلي قنا ، ومن معركته مع الوفد حين قرر ترشيح نفسه في دائرة الإسماعيلية لمجلس النواب ... ما كانوا يعتقدون أنه قادر علي انتهاز فرصة انشغالهم ، بالكيد بعضهم لبعض ، فيفعل بهذا الشعب ما يشـبـه السحر حتى استطاع أن يصيره بمختلف أحزابه وطوائفه في بوتقة أفكاره وسيادته وأخرج منه صفًا كالبنيان المرصوص . لم يعد في مصر من يستطيع أن يجمع حوله كتل هذا الشعب شبابه وشيبه ، رجاله ونسائه أن يحظي في مؤتمـر مهـما حضر له شهورًا بعدد من الناس يعادل عدد من يحضرون حديث الثلاثاء كل أسبوع بغير تحضير وبغير دعوة ... حتـى الحفلات التي يقيمها الملك في ليالي شهر رمضان ويدعو إليها الشعب ليسمعوا مشاهير القراء وليجلسوا علـي الأرائـك الوثيرة وتقدم لهم أطيب المرطبات ... حتى هذه الحفلات لا تحظي بمثل العدد الذي يحضر حديث الثلاثاء بغيـر دعـوة وبدون مقاعد .

إن حديث الثلاثاء كان وحده كافيًا أن يكون مقياسًا صادقًا أقر بصدقه الجميع حكومة وقصرًا وهيئات وأحزابًا يدل علي قوة الإخوان وعلي أنهم أصبحوا من القوة بحيث لا يستطاع مواجهتهم ولا حتى منافستهم . من أراد أن يري الشعب كلـه بجميع طوائفه وطبقاته ومثقفيه وتجاره ، وصناعه وفلاحيه وعماله ورجاله ونساءه فليس أمامه إلا منصة واحدة إذا وقف عليها وتطلع من فوقها رأي هذا الشعب هي منصة حديث الثلاثاء .

الجوالة :

وكما تطورت محاضرة الثلاثاء أو حديث الثلاثاء حتى صارت مؤتمرًا حاشدًا ضاقت به الأمكنة علي اتـساعـهـا ، فازدحمت بمن يحضرونه الشوارع وقوفًا علي أقدامهم الساعة والساعتين بلا ضجر ولا تأفف ، فكذلك تطورت جـوالـة الإخوان المسلمين حتى صارت جندًا كثيفًا يفرح لرؤيته قلب كل مؤمن ، ويحترق غيظًا وكمدًا قلب كل متكبر حقود . منذ دخل نظام الكشافة مصر ، كانت الفرق التي تنشأ لا تضم الفرقة الواحدة منها إلا صنفًا واحدًا وطبقة واحدة ففي المدارس فرق كلها طلبة وفي المصانع فرق كلها عمال . وفي النوادي فرق للطلبة وفرق أخري للعمال ؛ ذلك أن الطلبة يرون أنفسهم صنفًا أرقي من العمال فهم يستنكفون أن تجمعهم والعمال فرقة واحدة .

أما فرق جوالة الإخوان المسلمين فتري في الفرقة الوحدة الطالب بجانبه العامل ، والفلاح بجانبه المدرس ، والتاجـر بجانبه إمام المسجد ، والصانع بجانب المدرس ، والمرءوس بجانبه الرئيس والشاب بجانبه الشيخ ؛ ذلك أن هؤلاء جميعًا علي اختلاف أسنانهم ومؤهلاتهم ومهنهم وطبقاتهم الاجتماعية والاقتصادية . والثقافية لم ينخرطوا في سلك الجوالة إلا بعد أن صبروا في بوتقة الدعوة الإسلامية ثم صيغوا من جديد صياغه نزعت من نفوسهم الأنانية والأثرة والكبر والتـعالـي وأحلت محلها روح الأخوة والإيثار والتواضع والحب . وإذا كانت فرق الكشافة والجوالة في مختلف الأنحاء لا تتعدي أهدافها إسعاف غريق ومساعدة شيخ ضعيف وتجير كسر ، فإن جوالة الإخوان المسلمين كانت أهدافها أبعد من ذلك مرمي ، وأشق طريقًا ؛ فكل جوال منهم نذر نفسه أن يكون فداء للمجتمع ، ويعتبر انخراطه في سلك الجوالة طريق الإعداد ليوم الجهاد .. ولعل هذا هو الذي جعل الناس ينظرون إلي جوالة الإخوان المسلمين نظرة أخري غير ذلك التي ينظرون بـها إلي الجوالة الآخرين .

ولو أنك شاهدت عرضًا لجحافل جوالة الإخوان المسلمين وهي تخترق شوارع القاهرة في شجاعة ونظام وعلي رأسها الأخ الكريم سعد الدين الوليلي ، لأحسست بالفخر والاعتزاز أن أصبح للحق والفضيلة حمادة أشداء وجنود أوفياء . ولـم تكن هذه الجحافل قاصرة علي القاهرة وإنما كانت كل حاضرة في القطر تعتز بجحافلها وتنساب مـنها روح الفـخــر والاعتزاز بالحق إلي أهلها ، ولم تخل شعبة مهما صغر حجمها وبعد مكانها من فرقة خاصة بها تجمع شبابها وشيوخـها . ولم يكن هؤلاء الجنود يحطمون الخمارات أو يقتحمون أماكن الفجور أو يتعقبون الأشرار والمفسدين ومع ذلك فإن الفساد والفجور والشر كان يتواري خوفًا من هذه القوة التي علموا أنها من وراء الحق والفضيلة ، ولم يـعد أحـد مـمن كانـوا يجاهرون بالرذيلة يستطيع أن يرفع رأسه ، بل إن كثير من هؤلاء أقلعوا عن الشر وتابوا ، واتخذوا أماكنهم فـي صفوف هذه الجحافل ... وصدق الله العظيم إذ يقول " لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون " وإذ يقـول " عسي الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم " وكان الأستاذ كثيرًا ما يقول " لا قيـام للباطل إلا في غفلة الحق " .

أثر الجوالة في نفوس الشعب : انقسم الشعب من ناحية تأثير الجوالة إلي الفئات الآتية هذه القوة سارعت إليها وانضوت تحت لوائها مقدمة نفسها ودمها ومالها في سبيل تحقيق هذه الأهداف السامية ، وهذه الفئة كان منها الشاب والكهل والشيخ والفقير والغني والأمي والمثقف وبعض هؤلاء كانوا من أنشط المنتسبين إلي الهيئات الأخرى والأحزاب .

وفئة أخري كانت تائهة في بيداء الحياة ، تتقاذفها الرياح وتلقي بها في كل اتجاه ، وهي لا تعرف لنفسها اتجاهًا ولا مستقرًا ، لم تجد في توهانها من يمد لها يدًا ولا من يضئ بين يديها مصباحًا ؛ حتى استفاقت علي صوت هؤلاء الجـنود برج الأرض رجًا وإلي هتافاتهم تهز القلوب هزًا فأحسوا أن بابًا كان مغلقًا قد فتح أمامهم إلي طريق أنت وأمان .. ولكثرة ما تقطعت بهم السبل من قبل خامرهم شيء من الشك فراودوا أنفسهم حتى اطمأنت فتقدموا إلي الصف واتخذوا أماكنـهم فيه وأكثر هؤلاء من الكهول . وفئة ثالثة من الشعب رضيت لنفسها من أول يوم أن تكون دائمًا في موقف المتفرج الـذي يبدي رأيه في كل ما يراه ولكنه – مهما أعجبه ما يراه واقتنع به – لا يساهم فيه ، ومهما ساءه ما يراه لا يقاومه ، فهي فئة سلبية في كل حال ... وهؤلاء حين رأوا جنود الجوالة من الإخوان ولمسوا فيهم القوة القادرة ومع ذلك لم يفعلوا ما فعـلته فرق القمصان الزرقاء من التسلط علي الناس وفرض الإتاوات عليهم ؛ أعجبوا بهم ، وكان مظهر إعجابهم التصفيق لهـم في أثناء عرضهم ، والإشادة بهم كلما ذكرهم .. وتضم هذه الفئة ناسًا من جميع الطبقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وهي الفئة الغالبة في الشعوب المستضعفة التي قتل الاستعمار حيويتها .

وفئة رابعة من الشعب نشأت في الرذيلة واستمرأتها حيث صارت الرذيلة مرتزقتها وتضم هذه الفئة قطاع الطـرق " والفتوات " والعاملين في دور اللهو وروادها وأبناء الأثرياء والطلاب الفاشلين الذين ألقي بهم فشلهم آخر الأمر وسط عصابات اللصوص والقتلة ... وهذه الفئة هي التي دوخت رجال الأمن وغصت بهم السجون ومع ذلك فشرهم في ازدياد ،والشعب منهم في رعب وخزف . هذه الفئة كانت نظرتها إلي جنود الإخوان نظرة واقعية ؛ أراد بأعينهم لأول مرة " فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدي " انتظموا في هذه الصفوف تاركين أعمالهم هاجرين بيوتهم وراحتهم واضعين حياتـهم عـلي أكفهم في سبيل دعوة الإصلاح والإنقاذ فقالت هذه الفئة لنفسها : إذا كان لا يفل الحديد إلا الحديد إذن فقد آن لنا أن نـخلي الطريق لهذه القوة الجديدة وأن تدخل جحورنا حتى لا تجتاحنا جحافلها العاتية . وهذا هو الذي حدث فعلا ؛ فكان في قلب كل شرير ومجرم رهبة لا تفارقه من أنه إذا لم يكف عن شره فإن بطش هذه القوة سيصل إليه في يوم من الأيام ... ومع ذلك فإن بعض هذه الفئة من كبار عناتها كان منطويًا علي قلب سليم غشي عليه ظلام الجهل والإهمال ، فكان في ظـهور هذه القوة الجديدة جلاء قلبه وشفاء بصره فاستجاب وانخرط في سلك المؤمنين .

والفئة الخامسة والأخيرة هي فئة الحكام ومحترفي السياسة ، وهؤلاء – في بلد لا يصعد فيها المستعمر إلي سدة الحكم إلا من تواطأ معه علي صفقة خاسرة ضحيتها مصالح البلاد – هم أعداء كل إصلاح لاسيما إذا كان في هـذا الإصـلاح مظهر من مظاهر روح الجد والفتوة والشجاعة في نفوس الشباب ... ولذا فقد كانت جوالة الإخوان غصة في حلول هـذه الفئة سواء منهم من كان في سدة الحكم ومن كان خارجه . ولقد حاول من كان في الحكم منهم أن يوقف تيار هذه الـروح الدافقة بتسليط رجال القسم المخصوص بوزارة الداخلية فاستعملوا معهم كل ما في جعبتهم من أساليب حتى إنه من طريف ما حدث في هذا الصدد أن قيادة الجوالة أعلنت في إحدى المناسبات عن استعراض يقومون به فاتخذ البوليس – وكان ذلك في القاهرة والإسكندرية – جميع وسائل المنع حيث حاصروا المركز العام وجميع الشعب لكنهم فوجئوا بالاستعراض يدك شوارع القاهرة والإسكندرية في نفس الموعد المحدد ، وكان ذلك بأن القيادة أعطت أسرًا سريًا بأن يتجه كل فرد من أفراد الجوالة إلي ميدان محدد في لحظة محددة وهو بملابسه الملكية وفي حقيبته ملابس الجوالة . وفي اللحظة المحـددة كـان جميع الأفراد موجودين في هذا الميدان وأطلق القائد صفارته فخلع كل فرد ملابسه – وارتدي ملابس الجوالة وانتظـمت الصفوف وبدأ الاستعراض .

وهكذا وجد عتاولة وزارة الداخلية أنفسهم أعجز من أن يقفوا في وجه هذا التيار الإسلامي الجارف ، فأبلغوا سادتـهم الحكام ؛ فبيت هؤلاء مع أولياء أمورهم الانجليز خططًا بعيدة المدى سنعرض لها إن شاء الله في صفحات تالية .

مقياس في الزعامة الدينية :

بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها ، أخذت كل دولة في إعادة النظر في شأن مرافقها وسياستها الداخـلية والخارجية . ورأت الحكومة المصرية أن تعيد النظر في سياستها التعليمية – وقررت وزارة المعارف أن تستعين بكـبار العلماء المتخصصين فتسند إلي كل متخصص الفرع الذي تخصص فيه ليدرسه ويمحصه ثم يدلي بما عنده في مؤتـمـر يضم كبار رجال الفكر يعقد في قاعة الجمعية الجغرافية بالقاهرة علي أن يخصص يوم لكل متخصص في فرعه . علمـنا نحن الإخوان بنبأ هذا المؤتمر حين أخبرنا الأستاذ المرشد بأن وزارة المعارف أرسلت إليه خطابًا تنبئه فيه بأنه قد وقـع عليه الاختيار ليدلي بآرائه ومقترحاته في التعليم الديني وحدد له اليوم لإلقاء بيانه .. كانت نفوسنا تتوق إلي حضور جميع أيام هذا المؤتمر لنستمع إلي ما يليق فيه مما لا يخلو من فائدة ولكن تكاليف الدعوة وأعباءها لم تدع لنا فرصة لذلك ، ولكن كان نزاعًا علينا أن نرافق الأستاذ المرشد في يومه المخصص ذله في هذه الجمعية .

ودخلنا القاعة التي لم نكن قد دخلناها من قبل ، فوجدناها خاصة بكبار رجال الفكر فعمداء الكليات وكبار رجال وزارة المعارف وزراء المعارف السابقون وكبار الأدباء والكتاب .. وقد لفت نظرنا عند دخولنا الردهة المؤدية إلي القاعة أن وجدنا موظفي الجمعية والمسئولين عن تنظيم المؤتمر يستقبلوننا باهتمام ظاهر وشوق عظيم ويسألون عن شخصية حسن البنا .. وفد سألتهم لم هذا الاحتفاء المثير ؟ فقالوا :

إن هذه المؤتمرات تعقد كل يوم خلال الأسبوع ولم يكن يحضر في كل يوم إلا عدد قليل من أصدقاء المحاضر أما اليوم فقد أدهشنا أن وجدنا كل رجال الفكر الذين لم يجتمعوا معًا من قبل قد بكروا بالحضور ، وكانوا حريصين علي أن لا تفوتهم محاضرة الأستاذ حسن البنا فزادنا هذا شوقاً إلي رؤية هذا الرجل الذي أجمع كل رجال الفكر علي تقديره .

ودخلنا القاعة وأخذنا مجالسنا وقام المسئول فقام الأستاذ حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين ليلقي بـيانه عـن التعليم الديني .. ووقف الأستاذ المرشد علي المنصة وبدأ بحمد الله وبتحية السادة الحاضرين ثم استهل محاضرته بكـلمة هزت مشاعر الجميع حيث قال : " انتدبتني الوزارة للحديث عن التعليم الديني وليس من رأيي أن تهتم بالتعليم وإنما عليها أن تهتم بالتربية الدينية ثم أخذ في شرح الفرق بين التعليم الديني وبين التربية الدينية وقال إننا في مصر لا يعوزنا التعليم الديني فالأزهر يقوم بأداء هذه الرسالة منذ مئات السنين أما الذي يعوزنا حقاً فهو التربية الدينية . وقال : إن ملء الـرأس بالمعلومات الدينية ليس هو الذي يهذب الخلق ويوجد الوازع الذي يحث علي الخير ويبعد عن الشر وإنما الذي يؤدي إلي ذلك هو التربية الدينية التي تعتمد أول ما تعتمد علي القدوة الصالحة . وتحدث بعد ذلك عن التربية الدينية وأفـاض فـي الحديث عنها وضرب أمثلة لها من التاريخ الإسلامي .

ثم تحدث عما نسميه نحن " التعليم الديني في انجلترا " وبين أنه ليس تعليما دينيًا بل هو تربية دينية ، وشرح برامج هذه التربية الدينية في مدارس انجلترا إلي ما قبل الحرب وما أدخلوه علي هذه البرامج بعد الحرب من تعديل وبين دور الكنيسة في مدارس الأطفال ، وما أضافته وزارة التربية والتعليم في تلك البلاد من أعباء جديدة علي كاهل رجال الكنيسة إزاء هذه المدارس .. واستشهد بتقرير وضعته اللجنة الموكول إليها إصلاح التعليم في مدارس انجلترا ؛ وكان أبرز ما فـيه هـو إلحاح اللجنة علي مضاعفة الوقت المخصص للتربية الدينية في المدارس علي اختلاف درجاتها لأنه السبيل لوقاية الأجيال القادمة من الانحراف ولتأهيلها لتحمل أشق الأعباء . ثم وازن بين إمكانيات التراث الإسلامي في التربية وإمكانيات غيره من التراث والأفكار وأثبت تفوق التراث الإسلامي في ذلك وثراءه الذي لا يجاري .

وكأن الأستاذ المرشد مقدرًا أن الذين سيحضرون هذه المحاضرة هم الذين حضروا فعلا ، فقد أعدها إعدادًا يناسب هذه المستويات ، فلقد كان في محاضرته هذه أستاذ الأساتيذ حقاً ، فقد كنت أنظر في وجوه هؤلاء الجـهابذة في أثـناء إلـقاء المحاضرة فأراها مأخوذة ذاهلة ، وكأن الجميع وهم علية القوم قد نسوا مكانتهم العلمية في المجتمع وتحولوا إلي تلاميذ بين يدي أستاذهم .... وبعد انتهاء المحاضرة أقبل الجميع علي الأستاذ المرشد يصافحونه بحرارة وعـبارات الإعـجاب تترمى علي ألسنتهم .. وكان أشد الحاضرين إعجابًا الدكتور منصور فهمي عميد كلية الآداب ورائه الفلسفة في مصـر .

ومع كل التوفيق وهذه الروعة وهذا الإعجاب الذي أبداه الجميع سواء بالقلب مرتسمًا علي قسـمات وجوهـهـم ، أو باللسان في عبارات ترجمات عن القلوب ، فإن القاعة لم تخل من حركات متمردة علي هذا الإجماع ، وهي وليدة حقد قديم لم تزده روعة المحاضرة إلا نفاقًا ؛ ولعل الذي دفع صاحبه إلي الحضور اعتقاده أنه سيسمع كلامًا معادًا وأفكارًا وحديـثا عتيقًا باليًا كالذي دأب الناس علي سماعه من علماء الدين ، فيشفي ذلك صدره ، ولكنه فوجئ بما بم يكن يحتسب ، فكانت منه هذه الحركة التي لم تزد في هذا الجو الروحي الرائع عن أن تكون حركة سلبية ، حيث انسحب صاحبها عـقـب المحاضرة مباشرة وخرج من القاعة ، ولم يكن السيد هيكل وزير المعارف الأسبق يستطيع أن يفعل أكثر من ذلك .. وإن كان ما بيته في نفسه أكبر : " وما تخفي صدورهم أكبر " .

الأستاذ أحمد حسين :

بعد قيام الحرب الكبرى سنة 1939 وبعد إعلان الأحكام العرفية في مصر ، تعثرت خطوات حزب مصر الفـتاة ... فلقد كان الحزب يعتمد علي الجو المفتوح ، كما قام من أول يوم علي أسلوب المجابهة المكشوفة .. وبهذا الأسلوب استطاع أن يحظي بإعجاب الشباب فجمع حوله منهم أعدادًا كبيرة .. وكان الحزب يعيب علي الإخوان الأسلوب الهادئ الذي يعتمد علي الإقناع بالغاية وأتباع أسلوب التكوين والتربية ويرميهم بالضعف والجبن حين يتركون مواجهة العواصف ويعتكفون علي التربية والتكوين . فلما فقد الحزب الجو المفتوح وجد نفسه مكتوف اليدين ، وتوقف إنتاجه ، وبدأ الذين تجمعوا حوله ينفضون عنه ، فلما أراد الأستاذ أحمد حسين أن يتدارك الموقف بدأ يتحرك كما كان يتحرك في الجو المفتوح فاعتقل ، وباعتقاله بدأ الحزب يتفكك ، فلما أطلق سراحه حاول الذين أطلقوا سراحه (الوزير فؤاد سراج الدين) أن يثيـروا حـول نزاهته الشكوك فأشاعوا أن سراج الدين منحه منزلاً ومبلغاً من المال .. ولما كانت نفوس الناس في الجو المغلق تتلقف أي كلام فقد أثرت هذه الإشاعة تأثيرًا سيئًا في الحزب فانقض أكثر الباقين حتى أقرب الأعضاء إلي أحمد حسين مثل فتـحي رضوان وحمادة الناحل ، وذهب فتحي رضوان إلي الحزب الوطني وأسس مع الدكتور نور الدين طراف وبـعض مـن شباب الحزب الوطني " اللجنة العليا للحزب الوطني " وأخرج مجلة اللواء الجديد .

ورأي أحمد حسين أن يتجه بحزبه اتجاهًا جديدًا لعله يصادف من النجاح ما صادف الإخوان فأنشأ الحزب الاشتراكي الإسلامي وحاول بذلك استعادة ما فقده من أنصار لكن حزبه الجديد لم يكن أحسن حظًا منه حزبه السابق فحوله بـعد ذلك إلي الحزب الوطني الاشتراكي . وحينئذ لم ير أمامه من سبيل إلا أن يلجأ إلي الأستاذ المرشد الذي كـان يـبادله الـحب والإجلال فحضر إلي المركز العام أكثر من مرة ، وأخبرنا الأستاذ المرشد بأن الأستاذ أحمد حسين جاء لـيعرض عـلي الإخوان أن يتحد حزبه مع الإخوان ويعملاً معًا وفي اتجاه واحد كما عرض عروضًا أخري مشابهة لذلك ، ولكن الإخوان مع ثقتهم الكاملة في شخصية الأستاذ أحمد حسين وفي نزاهته واستعداده الفطري للالتزام بالفكرة الإسلامية فإنهم يـرون في شخصيات أتباعه نوعيات مهما قيل في حماسها وفي وطنيتها لا تلتقي مع الفكرة الإسلامية في كثـير من نواحيـها ، ولهذا رأي الإخوان أن يظل الأستاذ أحمد حسين في حزبه ويعمل بوحي من مبادئه علي أن يكون الإخوان من ورائه يدعمونه ويؤيدونه في كل خطوة يرونها في اتجاه دعوتهم ، وقد بر الإخوان بوعدهم ما استطاعوا إلي ذلك سبيلا .

إحساس الوفد بخطورة الإخوان عليه :

لم يكن الوفد حتى إقالة وزارته التي وليت الحكم في 4 فبراير سنة 1942 يقيم للإخوان وزنا أكثر من أنـهم جـماعة دينية كسائر الجماعات الدينية غير أنها جماعة نشطة علي رأسها شاب طموح يريد أن يظهر ، وحسبه تحقيقًا لطموحه أن يصل إلي مجلس النواب .. وكان الوفد يثق في نفسه أنه ممثل الشعب وارثًا هذه الثقة عن مؤسسه سعد زغلـول ثـقة لا يهزها أخطر الأحداث ولا أفدح الكوارث ... ألم ينسحب من مجلس إدارته ثمانية أعضاء من مؤسسيه ولم يؤثر ذلك فيه ، بل ظل كما هو .. وكل ما حدث بعد انسحابهم أن انقلب الشعب عليهم ، وحين أسسوا حزبًا سموه حزب السعديين وأطلق الشعب علي حزبهم " حزب السبعة ونص " احتقارًا لهم وتهوينًا من شأنهم ؟ ... وحين خرج مكرم عبيد السكرتير العام للوفد علي رئيسه مصطفي النحاس وألف " الكتاب الأسود " في إظهار مثالب النحاس مؤيدًا بالوثائق والأسـانيد ثم ألـف حزبًا سماه " حزب الكتلة الوفدية " لم يؤثر ذلك فيه أيضًا بل ظل صرحه كما كان شامخًا عاليًا لا يطاول ولا ينال ، وكل ما حدث هو تضاؤل صورة مكرم عبيد وحزبه وكتابه تضاؤلا مستمرًا حتى صار نسيًا منسيًا ؟ .

وقد سقت هذه الأحداث لأبين للقارئ مدي ثقة الوفد في نفسه وأنه البنيان الشعبي الأوحد الذي لا ينال ... وأنه لا يعنيه ولا يشغل باله إذا ما رأي أو سمع عن أحزاب تنشأ أو جماعات تتكون أو مؤتمرات تعقد أو حفلات تقام .. فهؤلاء جمـيعا في نظره إن هم إلا أطفال يلعبون بجانب صرحه العظيم ، فإما أن يظلوا يلعبون حتى يشبوا عن الطوق فيشرفوا بدخـول الصرح الشامخ وإما أن يتلاشوا .. وهكذا كان ينظر الوفد إلي الإخوان المسلمين وينتظر لهم إحدى النهايتين . وقد ظـن الوفد أنه تغلب علي هذا الشاب الطموح حسن البنا حين نصحه بالعدول عن ترشيح نفسه لمجلس النواب فانتصح ، واعتقد الوفد أنه قد استطاع أن يطوي هذا الشاب وجماعته تحت جناحه ، وأنه مهما تحرك فإن مجاله منحصر تحت هذا الجناح ... ثم أقيل الوفد الإقالة المهينة التي ظل بعدها نحو عامين يجمع ما تشتت من أمره ، ويلم ما تشعث من شئونه .. فلما استفاق من غشيته واسترد رشده ويقظته استيقظ علي أحلام مزعجة .

استيقظ فوجد هذه الجماعة قد استفحل أمرها ، وتفاقم خطرها حتى غزته في عقر داره ... إن رأس ماله الذي يعتز به ويفخر ويتيه هو هذا الشعب الذي لا يعترف إلا به – ومع كل ما تضافر عليه الملك والانجليز وأعوانهم من حيل وعنـت ومؤامرات وإغراءات لم يستطيعوا أن يمسوا نفوذه الشعبي في قليل ولا كثير – لكن هذه الجماعة قد استطاعت أن تشاركه في رأس ماله وأن تقاسمه هذا النفوذ الشعبي العتيد . والحكم علي أن زعيما أو حاكمًا أو حزبًا أو هيئة لها نفوذ شعـبي لا يكون بادعاء ذلك ، ولا بالخطب الرنانة ولا بمقالات ضافية في الصحف ولا بالمقدرة علي شراء الأصوات في الانتخابات بأموال القصر ثم الوصول إلي الحكم عن هذا الطريق ، وإنما يعترف بالنفوذ الشعبي للحزب أو للهيئة التي تستطيع وهي في صفوف الشعب أن تؤيد حكومة فتقوم فإذا سحبت تأييدها لها سقطت . وقد دخل الوفد تجربتين أيقن بعدهما أنه لم يعد هو وحده الذي يحتكر النفوذ الشعبي وأنه صاحب الكلمة الأولي والأخيرة في التوجيه الشعبي :

أما التجربة الأولي فهي حين تقدم إسماعيل صدقي طالبًا تأييد الإخوان لوزارة يؤلفها لمفاوضة الانجليز لاسترداد حقوق البلاد ، وقطع علي نفسه عهودًا بالتزام خطة رسمها له الإخوان ، وألف الوزارة في ظل تأييد الإخوان ، وحمل الوفد عليه حملة شعواء ، واستعدي عليه الشعب بجميع أساليب الاستعداء ، لكن ذلك كله لم يهز الوزارة ولم يؤثر فيها ... فلما رأي الإخوان أن إسماعيل صدق بدأ يجيد عن الخطة التي رسموها له أعلنوا سحب تأييدهم له فقامت المظاهرات في كل مكان ،واحتل الأمن في البلاد واضطرت الوزارة إلي الاستقالة .

وأما التجربة الثانية فهي حين أعلن النقراشي عزمه علي عرض قضية البلاد علي مجلس الأمن وتصدي له الوفد لمنعه من القيام بهذه الخطوة وألقي بثقله في سبيل ذلك .. وشعر النقراشي بحرج موقفه فلجأ إلي الإخوان طالبًا التأييد فأيدوه .. وبفضل هذا التأييد استطاع أن يواجه تحديات الوفد وأن يمضي في خطوته إلي نهايتها .

تجربتان قاسيتان أقضتا مضجع الوفد ،وأحس بعدهما لأول مرة في تاريخه أنه مهدد في كيانه نفسه ، وأن سكوته علي ذلك ضياع وهلاك .. إذن فليدع الوفد كل ما كان يشغله من أمر أعدائه التقليديين من أحزاب وقصر الانجـليز وليـتفرغ للإخوان المسلمين . ولما كانت هاتان التجربتان هما صلب الجهود الوطنية التي استؤنفت عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية حقوق البلاد في الحرية والاستقلال وإجلاء قوات الاحتلال ، فسوف نبين للقارئ في الصفحات التالية إن شاء الله دور الإخوان في هاتين التجربتين .

خطوات عملية لاستخلاص حقوق البلاد :

أشرنا من قبل إلي أن إيذان الحرب العالمية الثانية بانتهاء كان حافزا لكل ذي حق دولي أن يستأنف المطالبة بحـقه ، وكان علي المصريين أن يهبوا مطالبين بحقوق بلادهم في الحرية والاستقلال وإجلاء الجيوش المحتلة التي جثمت علـي صدرها زهاء السبعين عامًا فوقفت حائلا بينها وبين العلم والنور والحضارة والحرية والرخاء ومزقت وحدتها فجعلتها فرقاً وأحزابًا ووأدت مواهبها التي كانت كفيلة أن تبرزها في مكان مرموق بين دول العالم وشعوبه . ولما خرجت مصـر من هذه الحرب ولازال في عنقها علي معاهدة سنة 1936 فكان عليها أولا أن تحرر عنقها من هذا الغل فتنطلق بذلك في عالم الحرية مع المنطلقين .. والفترة التي ساهم الإخوان خلالها في المطالبة بحقوق البلاد بعد أن وضعت الحرب أوزارها قد استغرقت نحو أربع سنوات تولي الحكم فيها ثلاث وزارات أولاها وزارة النقراشي الأولي من مارس سنة 1945 حتى فبراير سنة 1946 وثانيها وزارة إسماعيل صدقي من فبراير سنة 1946 حتى ديسمبر سنة 1946 ثم الثالثة وزارة النقراشي الثانية من ديسمبر سنة 1946 حتى آخر سنة 1948 .

وزارة النقراشي الأولي :

تولي النقراشي رياسة الوزارة خلفاً لأحمد ماهر عقب اغتياله .. والنقراشي رجل لا يصلح لكثير من المناصب لكنه لا يصلح للعمل السياسي المتشعب لاسيما في بلد مثل كثير المشاكل والمتاعب يحتاج مع الإرادة والحزم إلي المرونة وسعة الأفق وبعد النظر . ولكن هكذا كان . ورأي الإخوان أنفسهم أمام أمر واقع لا مفر منه ولا معدي عنه هو أن الأداة الرسمية التي لابد أن تطالب بحقوقها عن طريقها هي هذه الحكومة السعدية النقراشية ومما يرسي له وينبغي أن يعلمه القـارئ أن هذه الحكومة قد جاءت إلي الحكم وارثة حقد أسود علي الإخوان المسلمين عن رئيسها السابق كان ذلك الرئـيس يـطوي عليه دون مبرر .. وسأكتفي بإيراد مثال واحد ينبئ القارئ عن مدي هذا الحقد وأسبابه ودواعيه :

حقد موروث دفين :

كانت الكفة الأخرى في ميزان السياسة المصرية في ذلك العهد التي تحاول أن تعادل الكفة الشعبية التي يمثلها ، هـي القصر متحالفاًَ مع حزب السعديين الذي يتزعمه أحمد ماهر والنقراشي وإبراهيم عبد الهادي والدكتور السنهوري ، وكان حزب الأحرار الدستوريين بزعامة الدكتور محمد حسين هيكل قد ارتضي لنفسه في ذلك الوقت أن يكون ذيلا للسعديين . ولما كانت وزارة الوفد التي تولت الحكم عقب حادثة 4 فبراير سنة 1942 قد استطاعت بأساليـبها الدعائيـة وصحافتها الواسعة الانتشار أن تنسي الشعب مرارة هذه الحادثة ، رأي القصر بعد نحو سنتين من هذه الحادثة أن يذكر الناس بها ، تأليبًا للشعب علي الوفد ، فأوحي إلي عملائه السعديين أن يدبروا خطة لذلك ....

ورأي السعديون أنهم لكي يحققوا ذلك لابد لهم من أن يتعاونوا مع الأحزاب الأخرى والهيئات المختلفة ، فاتصلوا في سرية نامة بالأحرار الدستوريين والحزب الوطني والحزب الاشتراكي ومجموعة أخري من الأحزاب والهيئات كانت موجودة في ذلك الوقت ، واستجاب الجميع إلي عقد اجتماع سري لهذا الغرض ماعدا الإخوان المسلمين الذين رفضوا في أول الأمر بدعوي أن في مجموعة الأحزاب والهيئات التي استجابت الكفاية ولا يضرهم تخلف هيئة واحدة ، لكن السعديين ألحوا إلحاحًا شديدًا فاستجاب الإخوان أخيرًا مكتفين بإيفاد أخ صغير كان إذ ذاك لا يزال طالبا بكلية الحقوق هو الأخ سعيد رمضان . وانعقد الاجتماع فعلا في ظل الكتمان برياسة الدكتور السنهوري ، وأخذ السنهوري يشرح المقصود من الاجتماع وهو أن تقوم الهيئات الحاضرة متضامنة بحركة عنيفة كظاهرة تذكر الناس بحادثة 4 فبراير سنة 1942 وبأن الوفد جاء إلي الحكم علي أسنة رماح الانجليز ، ولا مانع من القيام ببعض التفجيرات لإيقاف حركة المواصلات لإثارة انتباه الجماهير ، ثم طلب السنهوري من ممثلي الأحزاب والهيئات الحاضرين أن يدلي كل برأيه ففعلوا وكـان إجـماعًا بالموافقة علي اقتراح السنهوري ، فتهلل وجهه فرحًا ... وكان سعيد قد طلب أن يكون آخر المتكلمين وكان فعلا أصـغر الموجودين سنًا ومركزًا اجتماعيًا ، فلما جاء دوره قال : إنني لا أوافق علي هذه الخطة ولن يشترك الإخوان في شيء منها . فكانت كلماته بمثابة ديناميت نسف الاجتماع كله لأنه كان هو مركز الثقل في الاجتماع كله .

والتفت إليه السنهوري باشا مغضبًا وسأله عن سبب رفضه . فقال سعيد :

" يا سعادة الباشا أرجو بعد أن تحدثت في الاجتماع بكل ما في نفسك أن تعرفني بالموجودين فيد فردًا فردا ، كلا باسمه " فالفت السنهوري إلي الموجودين فوجد نفسه عاجزًا عن معرفة أكثرهم ... فقال سعيد : إن اجتماعًا علي هذه الـغاية من السرية وللاتفاق علي أعمال خطيرة لا يعرف رئيس الاجتماع أسماء الحاضرين ولا شخصياتهم ، لهو اجتماع فاشل لم يكن يستحق أن نحضره ، وما حضرنا إلا بعد إلحاحكم ، ولنثبت لكم يا سعادة الباشا – مع احترامي لشخصك – أنكم تتصرفون تصرف الأطفال . وما كان يخرج المجتمعون ، وما كادوا يصلون إلي مقر هيئاتهم وإلـي بيوتـهم إلا وأطبق البوليس السياسي عليهم واقتادوهم فرادى إلي وزارة الداخلية وواجهوا كلا منهم بما قاله في الاجتماع بالحرف الواحد ، دليلا – كما أشار سعيد – علي أنه كان من بين الحاضرين أشخاص مدسوسون من عملاء البوليس السياسي .

من آثار هذا الاجتماع : كان المفروض أن يكون فشل هذا الاجتماع دافعًا لحزب السعديين علي الإعجاب بهذا الشـاب وبالهيئة التي ربته هذه التربية ، وأن يتعلموا منه كيف يتعاملون مع الناس وكيف تعقد الاجتماعات التي يرجي لها النجاح ... ولكن هل هذا أثره في نفوس السعديين ؟ هل قالوا كما قال عمر بن الخطاب لمن أرشده إلي خطأ صدر منه " رحم الله امرأ هدي إلينا عيوبنا " وحين راجعته المرأة وهو علي المنبر فقال علي الملأ قولته المشهورة " أصابت المرأة وأخطأ عمر " ؟ هل تحلوا بصفات المؤمنين التي بينها رسول الله صلي الله عليه وسلم بقوله " الحكمة ضالة المؤمن ، يأخذها أني وجدها ولا يبالي من أي وعاء خرجت " ؟ .

لم يكن الأثر في نفوس السعديين هو هذا الأثر النبيل بل كان الأمر عكس ذلك تمامًا .... كان المر أن امتلأت نفوسهم حقدًا علي الإخوان المسلمين ،وأخذ يسيطر علي زعمائهم شعور بأن هذه الهيئة – بما رأوا من حصافة أصغر أعضائها – هي القادرة علي قيادة الشعب والوصول عن طريقه إلي قمة السلطة ، فلابد إذن من الكيد لها والعمل بكل الوسائل الشريفة وغير الشريفة علي القضاء عليها وإبادتها من الوجود ... وكان هذا الشعور من الغليان في نفوسهم حتى إنه كان يفيـض في بعض الأحيان علي ألسنتهم ، وقد فاه به رئيسهم أحمد ماهر أكثر من مرة متخطيًا حدود اللياقة والأدب أمام مجموعات من الشباب بعضهم من شباب الإخوان وهو لا يدري . وكانت أولي خطواتهم في سبيل تسميم الآبار أن ذهبوا إلـي الملك يعتذرون له عن فشل ما طلب إليهم إنجازه بأن الإخوان المسلمين هم الذين كانوا سبب الفشل ، وأنهم أعداء الملك ، وأنهم يتآمرون مع الوفد ضد الملك ... ثم عملوا علي قطع السبيل علي الأستاذ المرشد أن يقابل الملك لأن الأستاذ كان حريصًا علي مقابلته لإقناعه بدعوة الإخوان المسلمين وبأنه إذا تعاون معهم علي تحقيق أهداف هذه الدعوة فإنـه يستطيـعون أن يجمعوا الشعب حوله ، وفي ذلك تثبيت لعرشه ، وتثبيت العرش علي أسس من حب الشعب خير من محاولة تثبيته بالقوة والإرهاب . أو بالخداع والإغراء .

وقد قطع السعديون في هذا الاتجاه الحاقد الآثم أشواطاً بعيدة ، حتى إنهم تركوا الوفد – عدوهم التقليدي – جانبًا ، وجعلوا القضاء علي الإخوان المسلمين هدفهم الأوحد الذي يؤرقهم بالليل ، ويشعل النار في صدورهم بالنهار .. وكان أحمد ماهر يصرح بذلك في اجتماعاته السرية في نظره والمفضوحة أمام الإخوان في الحقيقة فيقول : لن أهدأ حتى أقضي علي هذا الرجل ... " أبو دقن " يقصد الأستاذ المرشد ، ويكيل له الشتائم القذرة . ويقول : أبو دقن ده المدرس الابتدائي .. نعجز نحن ومعنا جميع الأحزاب والهيئات عن إخراج مظاهرة مادام هو لا يريد إخراجها ؟ ما هذا الشباب المـغفل الذي وصلت به البلاهة أن يتركنا ولا يعيرنا اهتماما ويسير وراء هذا المدرس الابتدائي الحقير أبو دقن .. لابد من القضاء عليه . كان هذا السفه يبلغ الأستاذ المرشد ويبلغ الإخوان ، وكان الأستاذ مع ذلك يهون الأمر علي الإخوان ويقول : لازال عندنا أمل أن يهديهم الله وينزع من صدورهم الحقد والضغينة ويحل محلها الحب والإخاء . لكن تقرب الإخوان إليهم لم يكن يزيدهم إلا حقدًا ، وقد كنا وإياهم كما قال الله تعالي علي لسان نوح عليه السلام " إني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارًا " .

في سبيل تحرير البلاد :

مع كل ما كان يعلمه الإخوان من سوء نية السعديين ومما يضمرونه من حقد عليهم فإن الإخوان كانوا يتجـاوزن عن ذلك ويتغاضون عنه ويتناسونه حين يذكرون حق بلادهم عليهم وأن الفرصة السانحة للمطالبة بحقوقها إذا أفلتت فقد لا تعود ؛ ففي أعقاب الحروب العالمية تتغير عادة خريطة العالم فتنشأ دول وتطمس دول وترتفع دول وتنخفض دول حتـى إذا استقرت الأمور لم يعد ميسورًا إدخال أي تعديل أوضاع الدول والشعوب ... ولما كان الإخوان أصحاب دعوة تلزمهم بأن يبذلوا كل شيء في سبيل تحرير بلادهم ، ولا يمكنهم أن يحققوا ذلك إلا عن طريق الحكومة القائمة إذن فليتجـاوزوا عن كل شيء وليتعاونوا مع هذه الحكومة في سبيل تحقيق هذا الهدف الأسمى ، فكان الإخوان في ذلك كما قال أبو الطيب :

ومن نكد الدنيا علي الحر أن يري  ::: عدوًا له ما من صـداقته بـد

ولقد أخذ الإخوان يحثون الحكومة علي الجلد في المطالبة بحقوق البلاد في استقلال والوحدة لوادي النيـل .. ولـسنا ندعي أننا كنا وحدنا الذين يحثون الحكومة علي ذلك بل كانت جميع الهيئات والأحزاب تحث علي ذلك ولكن الـهدف كان مختلفًا فقد كان هدفنا من ذلك تبصير الحكومة وتقوية موقفها أمام المستعمر في حين كان حزب كالوفد يهدف من ذلك إلـي إحراج مركزها . ولكن الذي حدث فعلا هو أن الحكومة لم تأخذ هذا الأمر مأخذ الجد . وأخذت تسـوف وتتـهاون وتؤجل وأخيرًا تقدمت إلي الحكومة البريطانية علي استحياء وخجل بمذكرة هزيلة تشعر بأنها تطالب بما هي ليست مؤمنة به مما أطمع الانجليز وجعلهم لا يؤدون حتى برفض هذه المطالبة الهزيلة . وقد آثار ذلك جميع الهيئات في مصر فأصدرت كل هيئة بيانًا أوضحت فيه احتجاجها علي هذا التهاون المخزي . ولما كان الإخوان يرون انتزاع البلاد المسلوبة في هذه الفرصة السانحة قضية المصير فقد عقدت الهيئة التأسيسية جلسة غير عادية استمرت يومين ناقشت فيها هذا الموضوع وأصدرت البيان التالي الذي نشر بالصحف يوم 5-2-1946 وكان البيان بيانًا مطولاً استعرض المذكرة المصرية والرد البريطاني ثم قال : الذي يلفت الأنظار في المذكرة المصرية أنها مسلك الضعف والاستجداء في أسلوبها مما يسر للانجليز التهرب من الاعتراف بحقوقنا التي أنعقد إجماع الأمة عليها :

فأولاً : بنت الحكومة مطلبها علي تعديل المعاهدة التي أثبتت الظروف أنه لم تعد صالحة لأن تكون أساسًا للعلاقات بين الدولتين ، بل إن هذه الظروف نفسها قد فرضت بطلان هذه المعاهدة وإلغاءها إلغاء تامًا لأسباب أهمها : زوال عصبة الأمم من الوجود ، وقيام ميثاق الأمم المتحدة الذي اشتركت مصر في توقيعه ، وتغير الظروف الاستثنائية التي أبرمت فيها المعاهدة ، فضلا عما بذلته مصر من مجهود أثناء الحرب فاق ما قررته المعاهدة بمراحل كثيرة ، وفاق ما كان منتظرًا منها مما أدي إلي تغيير في مجري الحرب في جانب الخلفاء كما اعترف بذلك قادة الحرب وزعماء الدول الكبرى أنفسهم .

ثانيًا : لم تحدد الحكومة في مذكرتها مطالب البلاد في قوة وصراحة ، وكان أولي بها وهي مصاحبة الحق أن توضح هذا الحق توضيحًا قويًا تؤكد أنه لن ترضي عن الجلاء ووحدة وادي النيل بديلا .

ثالثًا : السودان ... شطر الوادي لقد فجع أبناء الوادي لهذا الأسلوب المتخاذل الذي صاغت فيه الحكومة مسألة السودان " مستوحية " مطالب السودانيين وأمانيهم ... وكان أحري بها أن لا تردد هذه النغمة الملتوية التي يذكرها الانجليز علي الدوام ليفرقوا بين شطري الوادي ، ولقد أعلنا غير مرة أن مطالب السوداني وأمانيه هي بعينها مطالب المصري وأمانيه .

إن الإخوان المسلمين في أنحاء الوادي ليعلنون في قوة ووضوح أنهم لن يرضوا بعد اليوم ذلا ولا هوانًا ، ولن يقبلوا ترددًا في نيل حقوقهم ومطالبهم ، ويدعون الشعب كله أفرادًا وجماعات وهيئات أن يقفوا صفًَا واحدًا في المطالبة بهذه الحقوق والعمل علي تحقيقها أو الفناء في سبيلها .

أيها المواطنون ....

إن الإخوان المسلمين ليسجلون علي الحكومة هذا الموقف الضعيف ، ويسجلون علي الانجليز هذه الجحود ولقد علمتنا التجارب أن الاستقلال والحرية ما كانت يومًا من الأيام صحًا يكتب أو اتفاقا يعقد لا يشفي غلة ولا يروي أوارًا ، ويهيبون بالأمة أن تستعد لجهاد متصل عنيف ، فليس للهوان بعد اليوم من سبيل . ولتعلموا أن المفاوضة وسـيلـة وليست غاية مقصورة لذاتها ، ولا يمكن أن نقدم علي الوسيلة إلا إذا أطمأننا علي أسس بينة لتحـقيق هـذه الـغاية ، فلنتعظ بالماضي ، وليحذر الساسة ألاعيب المستعمرين ، ولتتوحد الصفوف وتتحد الجهود بتوجيه وطني خالص لوجه الله والوطن .

أيها المواطنون ....

إن حقوقكم قد اجتمعت عليها كلماتكم ، وارتبطت علي المطالبة بها قلوبكم ، وهي الجلاء التام عن وادي النيل بلا مراوغة ولا تسويف ووحدة الوادي بلا تردد ولا إمهال ، وحل المشاكل الاقتصادية المعلقة بيننا وبين الانجلـيز علي وجه السرعة حتى تتنسم البلاد ريح الحرية ويطمئن الناس علي حياتهم ومستقبلهم . والإخوان المسلمون حين يضعون هذه الحقوق والأهداف من رسالتهم موضع العقيدة والإيمان يرون أنها ليست مما يصح أن يكون محلا للمساومة علي الإطلاق ، وكل من حاول ذلك فهو خارج علي وطنه ، متحمل وحده تبعة عمله منبوذ من سائر مواطنيه .

مظاهرة كوبري عباس الثانية في 9 فبراير 1946 :

ولم يكن بيان الإخوان هذا هو البيان الوحيد الذي ووجهت به الحكومة إزاء موقفها الضعيف المتخاذل بل إن كل الهيئات والأحزاب التي كانت خارج الحكم قد أصدرت بيانات بهذا المعني ولكن الحكومة كانت تتلقي بيان الإخوان بجدية واهتمام لأن الهيئة الوحيدة التي كانت قادرة علي إتباع بيانها بحركة شعبية عملية معبرة عن السخط هي هيئة الإخوان ، فكل بيان يصدر عن الإخوان يتردد صداه في جنبات الجامعة وفي أحياء القاهرة وفي مختلف بلاد القطر ، ولما كان هذا البيان قد أشعر الجميع باليأس من هذه الحكومة التي ظلت في الحكم قرابة العام دون أن تخطو خطوة جادة لاستخلاص حقوق البلاد ، فقد وقعت مصادمات عنيفة عقب صدور هذا البيان بين البوليس والشباب في القاهرة والإسكندرية في 9 فبراير سنة 1946 وكان هذا يومًا مشهودًا تكررت فيه مأساة كوبري عباس التي حدثت في 1936 والتي أشرنا إليها في مستهل هذه المذكرات ولكن الفرق بينهما كان في شيء واحد هو أن بضرب الطلبة بالرصاص فوق كوبري عباس سنة 1936 كان انجليزياً في حين أن الذي أمر بضربهم بالرصاص فوق نفس الكوبري وفي هذه المرة ويا للأسف مصريًا تبرأ منه مصريته وهو عبد الرحمن عمار بك وكان المنفذ مصريًا أيضًا هو اللواء سليم باشا ... وقد أصيب 160 طالبًا إصابات شديدة وفقد 28 طالبًا حيث كانوا يلقون بأنفسهم من فوق الكوبري في النيل من شدة الضرب الرصاص .

وفي نفس اليوم قامت مظاهرات في المنصورة وأسوان - وقامت قوات كبيرة من رجال البولي بمحاصرة المركز العام للإخوان ودور الإخوان بالقاهرة ومنعوا دخول الإخوان وقد أرسل وكيل الإخوان برقية احتجاج إلي جريدة المصري علي هذا الحصار محملا الحكومة نتيجة هذا التصرف الجائر فكان أن صادرت الحكومة جريدة المصري يوم 11-2-1946 . وأمام هذه المقاومة الشعبية العارمة اضطرت هذه الحكومة لتقديم استقالتها يوم 14-2-1946 فقبلت .

موقف شائن لهذه الحكومة إزاء اندونيسيا : كانت اندونيسيا وهي بلاد إسلامية تضم نحو سبعين مليونًا ترزخ تحت حكم هولندا ، فلما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها فيها حركة مقاومة تزعمت هذه المطالبة وقد استطاعت هذه الحركة أن تصل إلي هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن مطالبة بإصدار قرار من هذا المجلس وإجلاء الجيوش البريطانية التي جاءت إلي اندونيسيا لتعزيز سيطرة الهولنديين الذين عجزوا عن صد مقاومة الوطنيين .. وقد تقدمت روسيا إلي المجلس باقتراح لجنة للتحقيق في شئون اندونيسيا . وكان يمثل مصر في هيئة الأمم المتحدة في ذلك الوقت الوزير السعدي ممدوح رياض ، فانظر أيها القارئ إلي ما قاله ممثل مصر في خطابه الذي افتتحت به جلسة مجلس الأمة بصدد هذا الموضوع قال " إن مثل هذه اللجنة لن تأتي بالثمرة المطلوبة .. وقال .. إن وجود القوات البريطانية هناك لا ينطوي علي أي تهديد بل إن وجودها ما هو إلا تنفيذ أوامر الخلفاء وقيادة الخلفاء العليا في الباسفيك ، وإنه لمن واجب السلطات العسكرية في الدول ذات الشأن معالجة الموقف الحالي . أما فيما يتعلق بالناحية السياسية ، فإنه ينبغي لنا أن نثق بروح التسامح والسخاء التي بيديها مندوبو هولندا ... وتكلم بعد ذلك عن الحركة الوطنية الاندونيسية فقال : أحب أن أشير إلي أن الحركات الشعبية يمازجها دائمًا الغلو وتجاوز حد الاعتدال . ويخيل إلي أنه يصعب إيجاد فارق واضح بين الحركة الشعبية وبين هذه العناصر التي تجنح للغلو . وقد تحدث المستر بيفين (وزير خارجية بريطانيا) عن الفاشية في اندونيسيا وأظن أنه لا تزال في تلك البلاد بقية من هذه العناصر . وختم بقوله " تري هل الحالة في اندونيسيا قاتمة حقًا كما تصور لنا ؟ ... " .

ولن أتعرض هنا لتعليق الإخوان علي هذا الخطاب المزري فقد ذكرت في فصل سابق جهود الإخوان العملية التي بذلوها في مؤازرة الشعب الاندونيسي التي كانت ثمرتها إعلان الجامعة العربية اعترافها الرسمي بدولة اندونيسيا مما دعا دول العالم إلا الاعتراف بها ؛ ولكنني سأعرض موقف القلة القليلة من الأعضاء الأحرار بمجلس النواب والشيوخ في ذلك الوقت الذين تصدوا لهذا التصريح الرسمي وطلبوا مناقشته . واجتري بشيء مما جاء في كلمة لفكري أباظة حيث قال : ومن عجب أن نسمع ممثل الحكومة المصرية يصرح بهذا التصريح الذي صرح به في اجتماع الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة ويقول إنه يعارض في قيام لجنة التحقيق التي اقترحتها روسيا وأن إجراءات الهولنديين إجراءات رسمية ... لقد جاء هذا التصريح ضربة قاسية علينا وعلي البلاد التي تنشدو تقدر الحرية حتى إن الصين عارضت في هذا وأيدت الطلب الرسمي وهو قيام لجنة لتحقيق ما يجري وما جري في هذه البلاد .

ونحن كزعماء للحركة العربية يجب أن نهتم جدًا بهذه المسائل وأشار إلي تصريح بدوي باشا وعلاقته بالدول العربية (كان بدوي باشا مندوبًا لمصر في الأمم المتحدة في هذه الحكومة نفسها قبل ممدوح رياض وصرح تصريحا أساء إلي العرب) ثم قال : نحن نطلب الجلاء ووحدة وادي النيل ولنا مطالب خاصة بشأن فلسطين وبشأن تدعيم استقلال البلاد العربية . فإذا كنا كذلك فيجب أن يكون ممثلو حكومتنا في تصريحاتهم مؤيدين لهذه السياسة " . وقد سقت هذه الواقعة ليعرف القارئ العقليات التي كانت تسوس هذه البلاد المنكودة ، والتي استباحت لنفسها أن تدافع عن الاحتلال البريطاني لبلد إسلامي شقيق في الوقت الذي أوهمتن الشعب المصري أنها تقوده إلي مقاومة هذا الاحتلال وطرده من بلادنا .


وزارة إسماعيل صدقي :

كان إسماعيل صدقي أحد كبار الساسة المصريين القديرين وكان يري نفسه أكبر من أن يكون تابعًا لحزب ، فعاش ما عاش شخصية مستقلة إلا أنه كان يعد عدوًا لحزب الوفد ، وكان الوفد يخشي بأسه ، لأنه كان قديرًا في عمله ، جريئًا في إجراءاته .. وكان الوفد حريصًا علي تشويه كل إصلاح

يأتي عن طريقه معتمدًا علي شعبيته وعلي جهل أكثر المواطنين ، ولازالت أذكر وأنا صغير كيف شوهت مجلات الوفد مشروع خزان جبل الأولياء الذي أنشأ هذا الرجل علي النيل في السودان فتصور المجلة شخصًا مصريًا يطلب كوب ماء عامل مقهى فيقدم له العامل الكوب ويقول له : بعد إتمام خزان جبل الأولياء سيكون ثمن هذا الكوب قرشًا صاغًا - وكان القرش صاغ في ذلك الوقت ثمنًا باهظًا . وتم هذا المشروع فعاد بأعظم الفوائد . وهكذا كانت الحياة الحزبية في مصر نوعًا من أنواع الدخل والاستغلال ، فهي أحزاب لا برامج لها ، وهدفها جميعًا الوصول إلي الحكم لا لشيء إلا لترشو أنصارها بالإغداق عليهم من خزانة الدولة حتى تضمن أن يكونوا بجانبها إذا أبعدوا عن الحكم أملا في الرجوع إليه مرة أخري يعوضون خلالها ما فاتهم من مغانم .

فالإصلاح مثلا في نظر حزب من هذه الأحزاب لا يكون إصلاحًا إلا إذا أتي عن طريقه ، وتم علي يديه وفي أيام حكمه فإذا تم إصلاح علي يد حزب آخر فلابد من تشويهه والتمويه عليه ، وقد أنشت وزارة للأحرار الدستوريين كان يرأسها محمد محمود باشا طريق سكة حديد وبعد مدن مديرية المنوفية وكان هذا في الحقيقة عملا جليلا ، ولكن الوفد تناول الحديث عن هذا المشروع بتهكم كاريكاتيري في إحدى مجلاته الفكاهية يظهر فيه رئيس الوزراء في شكل مثير للضحك وتحت هذا الرسم كتبت الآتي :

قربت منوفــًا من بنهـا

وكـذا الباجـور وإسطنـها

سرس سيك قربت منهــا

بطريق حــديد يا محـمد

ولذا فإن الإخوان كانوا حريصين دائمًا علي المطالبة بإلغاء هذا النوع من الحزبية المدمرة ، وما من مؤتمر من مؤتمرات الإخوان إلا وتعرض لهذا المعني .. ولهذا كان الإخوان أبعد الناس عن أن يقيدوا أنفسهم بالولاء لحزب من هذه الأحزاب أو بالارتباط معه أو بالانحياز إليه ، وكانت العلاقة بينهم وبين هذه الأحزاب تتلخص في شيء واحد هو أن يؤيدوا الخطوة التي يتخذها حزب منها ويراها الإخوان في مصلحة البلاد . وبعد سقوط وزارة السعديين ورؤى إسناد الوزارة إلي إسماعيل صدقي ، وكان هذا الرجل واقعيًا ولمس في واقع الحياة المصرية أن الإخوان المسلمين صاروا العنصر الفعال والقوة الشعبية المسيطرة ورأي أنه مقبل علي مواجهة موقف خطير يتوقف عليه مستقبل البلاد الذي رشحه لهذه المهمة كان مسلمًا بهذا الواقع الجديد فترك له الفرصة الكافية للتباحث مع الإخوان في هذا الشأن .

اتصال صدقي بالأستاذ المرشد :

اتصل صدقي بالأستاذ وكاشفه باتجاه النية إلي اختياره لرياسة وزارة غير حزبية لمفاوضة الانجليز ، وبأنه أرجأ رده بالقبول أو الرفض حتى يعرض الأمر علي الإخوان المسلمين وينتهي معهم علي وضع معين . فصارحه الأستاذ المرشد بقوله : إن ما شاع بين الناس من تاريخك السياسي قد يبعث علي النفور منك . ولكننا نحن الإخوان المسلمين مقيدون بقول الله تعالي " ولا تقولوا لمن ألقي إليكم السلام لست مؤمنًا " فسنستمع إليك وتزن ما تقول بميزان دعوتنا .. فقال الرجل : إنني أعلم ما أشاعه أعدائي عني ، وإن كان كل إجراء اتخذته ضدهم كان له ما يبرره من وجهة النظر الحزبية المصرية التي لا تتقيد بآداب ولا يمثل ولا يخلق وإنما هي كيد شخصي بكيده فرد الفرد وحزب لحزب .. وهكذا كانت الحياة السياسية في مصر ... أما وقد تطورت هذه الحياة السياسية ونشأت فيها هذه الهيئة التي تقوم علي الدين والخلق فلا يسعني حين أتقدم إليها إلا أن أخلع الثوب الذي لبسته طول حياتي وأعلن لها توبتي وافتتاح صفحة جديدة .. والهيئة أن تأخذ علي ما تشاء من مواثيق وأن تجربتي هذه المرة .

اجتماع الهيئة التأسيسية :

طلب الأستاذ المرشد من صدقي باشا أن يمهله حتى يجمع الهيئة التأسيسية للإخوان ويعرض عليهم الأمر ... والأمر في هذه الحالة يقتصر علي أخذ رأي الهيئة فيما إذا كانت تقبل التفاهم مع رجل مثل صدقي باشا له ماض مريب ، وقد جاء مقرًا بأخطائه ، معلنًا التوبة ، عازمًا علي افتتاح صفحة جديدة .. ودار نقاش طويل في هذا الاجتماع استمر طول الليل وانتهي بقرار من الهيئة بقبولها مبدأ التفاهم مع الرجل مادام قد جاء يريد فتح صفحة جديدة علي أسس يرتضيها الإخوان .

الاتفاق مع صدقي علي أسس المفاوضات :

تم الاجتماع الثاني بين الأستاذ المرشد وصدقي باشا أبلغه الأستاذ المرشد قرار الهيئة بقبول مبدأ التفاهم معه . وطلب من صدقي باشا شرح وجهة نظره فيما سيطالب به الانجليز في المفاوضات : ثم أخذ الأستا1 يشرح له وجهة نظر الإخوان والحد الأدنى الذي لا يقبل الإخوان بأقل منه من مطالب البلاد في الجلاء والاستقلال ووحدة وادي النيل ... ووافق صدقي باشا علي الحد الأدنى من المطالب الذي حدده الأستاذ المرشد وأعطي العهد والميثاق بذلك علي نفسه .

اجتماع ثان للهيئة التأسيسية :

ونظرًا لخطورة الموضوع فقد دعا الأستاذ المرشد الهيئة للمرة الثانية في ظرف نحو أسبوع ليعرض عليها ما تم الاتفاق عليه من مطالب هي الحد الأدنى لما يرتضيه الإخوان ، وقد ناقشت الهيئة البنود وأقرتها ، وقررت أن يكون الإخوان وراء هذه الوزارة ما سارت في الطريق الذي حدده لها الإخوان ، فإذا ما حادت منه عنه فإن الإخوان يسحبون تأييدهم لها ويتخذون من المواقف ما تلزمهم به دعوتهم .

وأبلغ صدقي بالقرار ، وأعلن تشكيل الوزارة التي لم يشترك فيها السعديون ، وشاع في مختلف الأوساط أن هذه الوزارة مؤيدة من الإخوان ... وبالرغم مما أعده الوفد من حملات علي هذه الوزارة فإن الظروف قد استقرت لها في ظل تأييد الإخوان ،واستمرت كذلك حتى بدأت جلسات المفاوضات ، وهي المفاوضات المشهورة باسم " مفاوضات صدقي - بيفن " كان بيفن هذا وزير خارجية حكومة العمال في بريطانيا ، وكان من كبار الدهاة الماكرين .. وقد استغرق تشكيل الوزارة وإجراء المفاوضات نحو عام ، انتهي بإخفاق صدقي في تحقيق ما اتفق عليه من مطالب تعد الحد الأدنى لحفظ كرامة البلاد ... وحاول صدقي إقناع الشعب بأن التافه القليل الذي حققه هو نجاح للمفاوضات محاولا البقاء في الحكم .. وهنا أعلن الإخوان سحب تأييدهم له ، ولكنه أخذ في التشبث بأهداب الحكم إلا أنه اضطر أخيرًا إلي الاستقالة تحت وطأة موجات عارمة من المفاوضة الشعبية التي لم يسبق لها مثيل .

بيان واضح عن موقف الإخوان من هذه الوزارة :

بعد أن لخصنا موقف الإخوان من وزارة صدقي باشا ، تعود فنتناول هذا الموقف بشيء من التفصيل نظرًا إلي أن هذا الموقف كان حدثًا تاريخيًا غير مسبوق ،ومفاجأة في عالم السياسة المصرية لم يسبق لها مثيل ، ولهذا وقف الشعب إزاء مشدوهاً وانقسم في نظرته إليه ثلاثة أقسام :

1 - قسم فهم الإسلام حق حيث يدور فلا تبالي أن تؤيد من رفع راية الحق وإن كان عدوًا ،ولا تبالي أن تضرب علي يد من يجادل بالباطل وإن كان صديقًا " ولا يجرمنكم شنآن قوم علي أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى " " انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا ، قالوا فكيف ننصره ظالمًا ؟ قال : بأن تضربوا علي يديه " .. وهذا القسم تابع خطوات الإخوان مع هذه الوزارة بكل الاقتناع منذ ظاهر الإخوان هذه الوزارة حتى عملوا علي إسقاطها .

2 - وقسم كانت له السيطرة الشعبية علي السياسة المصرية رأي في مساندة الإخوان لهذه الوزارة انتقاصًا من سيطرته فسخر وسائل إعلامه لتشويه هذه المساندة ، والخروج بها عن معانيها الإسلامية السامية إلي معان مادية حقيرة آملا من وراء ذلك في استعادة ما فقد من سيطرة شعبية .

3 - وقسم ثالث خدع بما أذاعته وسائل إعلام القسم الثاني إما لأنه كان ساذجًا لم يستطع متابعة الأحداث وتفهمها تفهما سليما ، وإما لأنه رأي في التجاوب مع ما أذاعته هذه الوسائل تفاديًا لخطر محدق به أو تقربًا من هدف يرمي إليه .

وكان القسم الثاني هو حزب الوفد الذي كان يملك من وسائل الدعاية ما لا يملك الإخوان عشر معشـاره ودوافـع الوفد إلي ذلك سنرجئ الحديث عنها حتى يجئ دورها .. وهذا القسم لا يعنينا أمره ، وليس هو المقصود بهذا التوضيح الذي نحن الآن بصدده ، وإنما المقصودون بهذا التوضيح هو القسم الثالث الذي خدعته وسائل القسم الثاني .. وإذا كان أصحاب النظرة السطحية للأمور من هذا القسم يلتمس لهم وجه العذر فهم محتاجون إلي من يأخذ بأيديهم ، فـقـد لا يلتمس وجه عذر لمن سايروا وسائل الدعاية لمجرد تفادي عقبة أمامهم أو الخروج من مأزق ، ولكننا مع ذلك سنلتمس العذر للجميع ونتصدى لإبانة واضحة لهذا الموقف تبدد ضباب اللبس وتمزق حجب الاقتران والتضليل .

ومما يدعونا إلي التوضيح والإبانة أن رجالا لهم في نفوسنا كل التقدير لم يسلموا من الوقوع في هذا الخطأ ومـن حقهم علينا أن نوضح لهم ما عساه كان خافيًا عليهم حتى يصححوا نظرتهم ومن هؤلاء الرجال الرئيس أنور السادات فقد تعرض في كتابه " الثورة المصرية وأسبابها السيكولوجية " إلي هذا الموقف تعرضا يستحق التعليق .. فالرئيس السادات كان في خلال تلك الفترة من حكم إسماعيل صـدقي رهـين السجن علي ذمة قضية اغتيال أمين عثمان ، وما كان الرجل في مثل تلك الظروف لتتاح له فرص متابعة مواقف سياسية لم يكن أكثر مما يتصل بها يعلن علي صفحات الجرائد ... فإذا تعرض مثل هذا الرجل بعد ذلك للكتابة عن فترة كان بحق يعد غائبًا عنها ، فإنه سيستقي أنباءها من غيره ، وقد يكون هذا الغير مغرضًا .

كما لا ننسي أن نقول إن الفترة التي وضع فيها كتابه كانت فترة حالكة حرجة في سنوات 1954 وما قبلها وما تلاها كان علي الذي يريد أن يحتفظ لنفسه بالأمن من البطش والغدر أن يقدم برهانًا علي أنه ليس من الإخوان المسلمين ، فإذا كان إنسانًا مدموغًا بأنه كان علي صلة بهم والوشايات تلفه من كل جانب من هذه الناحية ، فإن عليه أن يسارع بتقديم برهان يدحض به حجج الواشين ، فإذا ما كرر قاله شاعت في وقت ما فقد يلتمس له العذر .

نظرة الإخوان إلي الأحزاب :

سبق أن أومأنا إلي هذه النظرة من قبل ونعود إلي الحديث عنها بتفصيل فنقول إن هذه الأحزاب لم تكن إلا أسماء علي غير مسميات ، أنشأتها الأهواء والمطامع الشخصية ، وآلت كلها بعد قليل إلي أن أصبحت نعالا ينتعل منها المستعمر ما يشاء ليطأ بها كرامة المصريين وبرغم أنوفهم . أما نظرة الإخوان إلي الوفد ، فإنهم يرونه حزبًا قائمًا علي قاعدة شعبية بلا شك ، لكنهم لا يرون في تاريخه ما يؤهله لقيادة شعب يريد تحقيق آماله في الحرية ويصل حاضره بماضيه .... فثورة سنة 1919 كانت ثورة عارمة حقاً ، نابعة من صميم الشعب ، وقد عمت جميع مدنه وقراه وكان هدف الشعب فيها محددًا لا لبس فيه ولا غموض وهو الحصول علي الاستقلال التام الناجز وطرد المستعمر من الأراضي المصرية .. وسواء أكان سعد زغلول قد اعتلي موجه موجة الثورة أم كان هو باعثها فقد كان المطلوب منه أن يستغل هذه الثورة لمصلحة البلاد أحسن استغلال بإذكاء شعلتها إذكاء متواصلا لتظل علي اشتعالها حتى تتحقق الآمال التي قامت الثورة من أجلها ، علي أن الشعب في ذلك الوقت لم يكن بحاجة إلي من يذكي أوار ثورته ، بل كان من اليقظة بحيث لا يضمن بالتضحيات بالنفوس والأموال .

ولكن الذي حدث كان غير الذي كان متوقعا ، فقد رأينا سعدًا بدلا من أن يذكي أوار الثورة يعمل علي إخماد جذوتها ، ويستغل براعته الخطابية وثقة الشعب فيه استغلالا عكسيًا ، فيوهم الشعب أن الذي اتفق مع الانجليز عليه من استقلال زائف مقيد بأثقل القيود هو كل المستطاع وليس في الإمكان أبدع مما كان ... ولازال الناس من الجيل الماضي السابق لجيلنا يتحدثون عن لجنة ملنر وهي تتلخص في استفتاء شعب أمي سياسيا ، مفتون بشخصية زعيم بارع أولاه ثقته ، واعتقد أنه هو وحده القادر علي تحقيق أمانيه .. فإذا كان هذا الزعيم هو الذي يخالف زملائه في الوفد الممثل لمصر .. والقابع في لندن للتعبير عن آمال الشعب ، فأكثر أعضاء الوفد مصممون علي مطالبة الشعب كاملة ، وسعد هو الذي يريد أن غير ذات الشوكة تكون له فلا عجب أن ينخدع الشعب - كدأب الشعوب البداية في الثقة بزعمائها - ويختار رأي سعد لمجرد ثقته المطلقة في شخصه . وهكذا استطاع سعد أن يميع الثورة المصرية التي قلما يتاح مثلها ، وأن يستقطبها لنفسه وأن يخمد جذوتها وأن يقف بتيارها الجارف الهدار عند حد ، وأن يحقن السياسة المصرية بميكروب خطير هو ما سمي بعد ذلك بأسلوب المهادنة والمفاوضات ، ولا يحق علي القارئ ، هذا الأسلوب إذا كان بين ضعيف وقوي ومسلح وأعزل فليس له معني إلا التخاذل والذل والاستجداء .

ولو أن البلاد في ذلك الوقت قد أتيح لها زعيم له مثل مواهب سعد ولكنه لم يؤثر السلامة وواصل الجهاد الذي أعلنه الشعب والتضحيات التي استعذبها الشعب ، لتغير تاريخ شعبنا المغبون الذي جني عليه وهو لا يدري . هكذا تكون حزب الوفد ، وحل هذا الأسلوب سار بالقضية المصرية أيام مؤسسه ، وعلي نفس الأسلوب سار خلفه النحاس حتى نسي الشعب معني كلمة الجهاد وظنها خرافة من الخرافات وكان الشعب في ذلك معذورًا لأنه رأي زعماءه يسمون المستعمر حليفًا ويتخذون الغاصب صديقاً ويطلقون القيود والأغلال ، والتي كان من أصدق ما وصفت به ما وصفها به أحد المنصفين في مقال كتبه في ذلك الوقت في جريدة الأهرام إذ شبه ما اتفقت انجلترا معنا عليه في هذه المعاهدة بما اتفق عليه أعرابي فتاك نزل عند أعرابي مسالم ضعيف وطلب منه أن يشتركا معًا في إعداد وجبة من العصيدة ، وقال له إنني لن أطلب منك شططًا فسأقسم مكوناتها بيني وبينك بالعدل علي هذا النحو :

منك الدقيق ومني النار أوقدهـا  ::: والماء مني ومنك السمـن والعسـل

فإذا كانت هذه هي نظرتنا إلي الأحزاب المصرية في ذلك الوقت ونظرتنا إلي حزب الوفد ، فهل نحن مقيدون بعد ذلك بأن نقيس الأمور بمقياسهم أو أن نزن الأشخاص بميزانهم أو أن نعالج الأحداث بطريقتهم ؟ هل إذا كرهوا شخصًا كان علينا أن نكرهه ، وإذا ناصبوه عداء فعلينا أن نناصبه أو قاطعوه فعلينا أن نقاطعه ؟ ولما كان " كل حـزب بـما لديهم فرحون " ظن حزب الوفد أن اختلاف معالجتنا للأحداث عن معالجته لها هو نوع من العقوق الذي يستحق العقاب ويستوجب التأديب ، لاسيما وهو لم يجرب من قبل خروجًا علي أسلوبه إلا ممن يناصبونه العداء الشخصـي ، ولما كان هو ومنافسوه التقليديون لا يعرفون للقين مكانا لا في أخلاقهم ولا في تعاملهم فقد استباح لنفسه في هجومه علينا الكذب والافتراء والزور والبهتان مستغلا في ذلك كل ما يسر له من وسائل الدعاية والإعلام .

وإذا تحددت للقارئ نظرة الإخوان إلي هذه الأحزاب فلنعرض ظروف موقف الإخوان إزاء الأحداث في خلال هذه الفترة الهامة من تاريخ مصر فنقول :

أولاً : بعد ما تعهد به صدقي باشا للإخوان من المطالبة الجادة القوية بحقوق البلاد أو التخلي عن الحكم إذا تعسرت الأمور ، كون وزارته من حزب الأحرار الدستوريين ومن المستقلين وكان صدقي باشا مضطرًا إلي إيجاد وزارة من هذا الحزب أو من حزب السعديين لأن الحزبين معًا - الأمر الواقع - يكونان أغلبية أعضاء مجلس النواب .. وعند عرض صدقي وزارته علي مجلس النواب طالبًا الثقة بها حصل بالأغلبية وامتنع السعديون عن التصويت .. وقد احتفظ صدقي باشا لنفسه بالرياسة والداخلية والمالية وكان وزير الخارجية أحمد لطفي السيد وكان تأليف هذه الوزارة في 18-2-1946 .

ثانيًا : تأييدًا لهذه الوزارة وتثبيتًا لمركزها أمام الانجليز قامت في 21-2-1946 مظاهرات تتسم بالقوة والنظام ، وفي الوقت الذي لم تتعرض فيه قوات البوليس لهذه المظاهرات برزت فجأة قوات من الجيش البريطاني تصدت لهذه المظاهرات وهاجمت المتظاهرين المسالمين العزل بأسلحتها وفتكت بعدد كبير منهم ؛ مما أثار النفوس وزادها حقدًا علي الانجليز ... ومن صفاقة الحكومة الانجليزية وعدم حياتها أنها علي أثر هذه المظاهرات وما أزهقه هجومهم الغادر عليها من أرواح بريئة أرسلت الحكومة المصرية مذكرة تطلب منها الطلبات الثلاثة الآتية :

1 - معاقبة المسئولين .

2 - دفع تعويضات عن الخسائر .

3 - المحافظة علي الأمن .

ثالثًا : في 24-2-1946 قابل وكيل الإخوان رئيس الوزراء صدقي باشا بمكتبه بالرياسة وأطلعه علي رأي الإخوان في الموقف الحاضر وسلمه بيانًا عن الحوادث الأخيرة ورأي الإخوان فيما يجب أن يتبع حيالها ، ونورد فيما يلي نص هذا البيان :

حضرة صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا .. رئيس مجلس الوزراء .

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

.. وبعـد :

فقد توليتم دولتكم الحكم والشعب يجتاز أدق مرحلة في تاريخه ، في الوقت الذي هبت فيه شعوب الأرض جميعًا تطالب بحريتها واستقلالها . ولقد دبت اليقظة في نفوس الأمة المصرية عن بكرة أبيها ، وقامت هي الأخرى تطالب بحقوقها المغصوبة ،وأجمعت بمختلف طبقاتها وهيئاتها علي ضرورة نيل هذه الحقوق مهما تكلفها ذلك من مرتخص وغال .

ولقد كان للوعي القومي في مصر واليقظة المشبوبة في قلوب المصريين أثر هائل تجاوبت به الأصداء في مختلف بلاد العالم ، وكان حريًا بالوزارة السابقة أن تستغل هذا الشعور القومي الرائع فتنتفع به في مواجهة المستعمرين وتستند إليه في مطالبتها بحقوق البلاد كاملة غير منقوصة ، ولكنها فشلت كل الفشل في ذلك ، وظهرت علي الأمة بمذكرتها الهزيلة الملتوية ورد البريطانيين المثير علي هذه المذكرة مما أزعج النفوس وأثار العواطف ، وكان ما كان نتيجة سوء تصرفها في سياستها الداخلية فضلا عن فشلها في السياسة الخارجية ،وإساءة ممثليها في هيئة الأمم المتحدة إلي القضية المصرية خاصة وقضية الأمم العربية والإسلامية بوجه عام .

ولقد ظلت الأمة علي يقظتها - وستظل كذلك حتى تتحقق لها أهدافها - وفي يوم الخميس الماضي قام الشعب بمختلف طبقاته من شباب وشيب وعمال يظهرون شعورهم في إجماع رائع لم تشبه شائبه ولم يدفعه غرض مستتر اللهم إلا إعلان مطالبهم المشروعة والاستمساك بحقوقهم المغتصبة فلم يعكر صفوه معكر حتى كان هذا الحادث المؤلم إن دل فإنما يدل علي استهتار عجيب بعواطف المصريين وتحد ظاهر لمشاعرهم وإحساساتهم إذ اعتدي علي المتظاهرين من جانب الانجليز اعتداء ظاهرًا للعيان شهده كل إنسان ، ولا شك أن التحقيق العادل المنصف سيثبت أن الانجليز هم البادئون وأنهم هم المعتدون ، فهذه اللوريات الضخمة الأربعة التي هجمت علي صفوف المتظاهرين من الأبرياء في شارع القصر العيني فقتلت وجرحت من جرحت بلا رحمة ولا شفقة ولا هوادة كانت الشرارة الأولي التي أثارت النفوس وطيلات الألباب .

وليت الأمر وقف عند هذا الحد بل انطلقت المدافع الرشاشة من مكانها تفتك بالمصريين العزل الذين لم يجدوا ما يردعهم عنهم غوائل المعتدين ، ولولا حكمة القادة منهم وحسن توجيه أولي الأمر من رجالهم لتفاقم الخطب وعم الخطر وسادت الفوضى . لهذا يا صاحب الدولة ولما يحمه الشعب لهذه التصرفات الجائرة لا يسع الإخوان المسلمين أمام هذه الظروف إلا أن يتقدموا للحكومة المصرية بالمطالب الآتية :

أولا : التقدم إلي الحكومة البريطانية علي وجه السرعة بمذكرة صريحة تطلب فيها الجلاء التام عن أرض وادي النيل ووحدة الوادي وحل المشاكل الاقتصادية التي تسبب عنها ما نراه اضطراب في الأسواق وكساد في التجارة وعسر مالي لا يعلم إلا الله مدي ما يجر إليه البلاد من تدهور وخطر .

ثانيا : سحب ممثلي مصر في هيئة الأمم المتحدة وهم الذين أساءوا إلي قضية البلاد وقضايا الأمم العربية والإسلامية . وإيفاد من يمثل مصر تمثيلا صحيحًا مشرفًا .

ثالثا : عرض القضية علي مجلس الأمن في أول انعقاد له إذا لم تستجيب انجلترا لطلب الحكومة المصرية في موعد عاجل محدد .

رابعا : أن تطلب الحكومة المصرية من الانجليز اعتذارًا رسميًا عن سوء تصرف الجنود البريطانيين في الحوادث الأخيرة مع دفع تعويضات مناسبة لأهالي القتلى والمصابين .

خامسا : اعتبار المدن المصرية (القاهرة والإسكندرية وبورسعيد والسويس والإسماعيلية) مناطق حرام علي الحدود البريطانيين إلي أن يتم ترحيلهم إلي بلادهم .

سادسا : أن تطلب الحكومة المصرية عقد مجلس الجامعة العربية بصفة استثنائية لعرض تطورات القضية المصرية عليه واتخاذ قرار حاسم إجماعي أسوة بما اتخذ في قضايا الدول الشقيقات سوريا ولبنا وفلسطين .

هذا فيما يختص بالسياسة الخارجية والحوادث التي سببها الانجليز ، أما فيما يختص بالموقف الداخلي فيري الإخوان :

أ - الإسراع في تحديد المسئولية في الحوادث الأخيرة التي أساءت فيها الحكومة السابقة إلي الشعب أيما إساءة حيث صادرت الحريات ونكلت بالطلبة الأطهار وأسالت الدماء الزكية ومحاكمة المسئولين والمتسببين في هذه الحوادث الخطيرة .

ب - الاستغناء عن خدمات موظفي البوليس والجيش المصري من الانجليز .

ج - الإفراج عن جميع المعتقلين الذين زج بهم في السجون ولا ذنب لهم إلا النداء بمطالبهم والهتاف لوادي النيل .

و - تعويض أهالي الشهداء الذين ذهبوا فداء حرية الوطن واستقلاله .


يا صاحب الدولة :

هذا ما أردنا أن نتقدم به إلي دولتكم .. وأنتم اليوم علي رأس الحكومة المصرية ، والبلاد تجتاز أدق مرحلة في تاريخها ، وسيسجل التاريخ في صفحاته الخالدات لكل امرئ ما قدمت يداه - وإن مصر العزيزة التي لها من ماضيها أروع آيات المجد والفخار لترقب من أبنائها جميعًا يقظة شاملة وجهدًا متصلا حتى يتحقق لها أملها ، وتصل إلي ما ترجو من مستوي رفيع بين سائر الأمم والشعوب .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ....


رابعا : كان " الوفد " - محاولة منه لزعزعة مركز الوزارة الصدقية - قد أوعز إلي زعماء الطلبة التابعين له أن يقرروا إضراب الطلبة ثلاثة أيام احتجاجا علي ضحايا الوزارة السابقة ، واجتمع الطلبة فعلا في حرم الجامعة وخطب فيهم هؤلاء الزعماء ... وحضر الأستاذ محمد حسن العشماوي باشا وزير المعارف وألقي كلمة ذكر فيها أن الوزارة الحاضرة جاءت لتنفيذ ما يريده الشعب من المطالبة بحقوقه فإذا لم تستطيع فل تظل في الحكم ساعة ... وقام الطالب مصطفي مؤمن ممثل الإخوان وطلب من الطلبة العدول عن الإضراب ثلاثة أيام والاكتفاء بيوم واحد في الأسبوع القادم وكتابة مذكرة بمطالبهم للملك فأطاع الطلبة ... وكانت هذه أول لطمة تلقاها الوفد ...

وقد أصدر الوفد بيانًا حث فيه الشعب علي مقاومة الحكومة الجديدة ، وأصدر الإخوان بيانًا يطلبون فيه إلي الأمة اعتبار يوم 4 مارس 1946 يوم حداد عام تكريمًا لأرواح الضحايا والشهداء الذين راحوا ضحية اعتداء الجيش البريطاني الغاشم وأعلنوا في البيان من تكوين لجنة تمثل فيها جميع الطوائف والأحزاب لتنظيم الإضراب العام في ذلك اليوم وقد مثلت في هذه اللجنة مختلف الطوائف ، ماعدا الوفد الذي رفض الاشتراك ، ومع ذلك فقد استجاب الشعب لهذه اللجنة وتم الإضراب الشامل في ذلك اليوم كما قررت نقابة الصحفيين احتجاب الصحف وأضرب المحامون والمؤلفون وعمال شركات الغزل وأصحاب المحال المختلفة . وقد شاركت السودان وسوريا ولبنان والبلاد العربية في الحداد علي الشهداء وأعلنوا الإضراب العام .

خامسا : في 2 مارس تقابلت اللجنة القومية مع رئيس الوزراء وعرضت عليه مطالبها ودارت بينها وبينه مناقشة حول هذه المطالب انتهت بموافقة رئيس الوزراء عليها ، وعلي أثر ذلك صدر بيان أذيع بالراديو وأبلغ الصحف ... وجاء في هذا البيان :

" أعلن رئيس الحكومة أنه يشارك الأمة رغبتها في تكريم الشهداء وهو يقدر كل التقدير عواطف الشعب ، ولم تتردد الحكومة من جانبها في الاحتجاج بشدة علي الاعتداء علي هؤلاء الشهداء وستعمل فورًا علي تعويض عائلات الشهداء والجرحى تعويضًا سخيًا عما أصابهم من أضرار وهي علي استعداد لتلقي اقتراحات اللجنة القومية لتكريم الشهداء تكريمًا يبقي علي مر الزمن .. ورئيس الحكومة يعد البلاد أنه لن يتواني عن إطلاع الأمة إذا جد الجد واعترض سبيل تحقيق المطالب الوطنية عقبات لم تستطع تذليلها " .

وفي جلسة مجلس النواب في 27-2-1946 كان صدقي باشا قد ألقي بيانًا صرح فيه بأنه رفض المطالب الثلاثة التي كان قد طلبتها الحكومة البريطانية عقب مظاهرات يوم 21-2-1946 فأيده المجلس ، وممن أيدوه الأستاذ فكري أباظة (كان فكري أباظة في ذلك الوقت عضوًا بالحزب الوطني) مع أنه قد أعلن الثقة بالحكومة منذ أسبوع . وتكلم فكري أباظة فقال : أرجو أن أستميح دولة رئيس الوزراء أن أنحي مسألة المفاوضات جانبًا فليس موضوعها الليلة ثم قال : في هذه اللحظة الرائعة الممتازة أود أن أقول بل من واجبي أن أقول : إنني أؤيد رئيس الحكومة علي طول الخط في الموقف الحازم الذي وقفه . وفي اليوم التالي لمقابلة رئيس الوزراء للجنة القومية طلبت الحكومة المصرية من الحكومة البريطانية رسميًا إجلاء جنودها فورًا عن القاهرة والإسكندرية .

سادسا : يلاحظ القارئ أن الوفد قد تخلف عن مواكبة الحركة الجماعية التي دعا إليها الإخوان وكان هو وحده الهيئة التي تخلفت عن الاشتراك في اللجنة القومية ، إذا ما أسقطنا من حسابنا حزب السعديين الذي جاءت حكومته بالخزي وأسقطها الشعب منذ قليل ، وما كان ممثلوها ليشتركوا في لجنة تؤلف للاحتجاج علي جرائم ارتكبتها حكومتهم . وظن الوفد أن عدم اشتراكه في اللجنة القومية سوف يحبط عملها ويشل حركتها ولكن الذي حدث كان غير ذلك فقد نجحت النجاح التام الذي أشرنا إليه ، فبدأ الوفد في مشاغباته بأن نشر في " المصري " أن شباب الأزهر يستنكرون أن يمثله في اللجنة القومية الشيخ محمد شريت لأنه موظف في وزارة الأوقاف وليس طالبًا ولا مدرسًا في الأزهر (عامًا بأن أسرة شريت هذه من أعرق الأسر المصرية صلة بالأزهر فكبيرها كان من كبار علماء الأزهر ومدرسيه وجميع أفرادها تقريبًا من علماء الأزهر) . ولا شك في أن إحراز هذه اللجنة التي دعا إلي تكوينها الإخوان هذا النجاح كان عجبًا لعود الإخوان المسلمين ، وامتحانًا خطيرًا لمدي شعبيتهم وتأثر الشعب بدعوتهم .

وفي 2 مارس سنة 1946 كتبت مجلة " دي تابليت " البريطانية مقالا قالت فيه : إن مصر تتولي الزعامة بين الدول الإسلامية التي فقدتها تركها بعد الحرب الماضية وصحف القاهرة

تهدد الآن جامعة الأمم البريطانية بجهاد ديني وقد أكد صدقي باشا من جديد صداقته مع بريطانيا ولكنه مصر علي أن تسحب القوات البريطانية فورًا .

سابعًا : قررتن الحكومة في 19 مارس تأليف هيئة للمفاوضات ، وعرضت علي " الوفد " الاشتراك فيها علي أن يمثل كل حرب يفرد واحد ويمثل الوفد بفردين ، فرفض الوفد وطالب بأن تكون له الأغلبية والرياسة فتكونت الهيئة من صدقي رئيسًا وحسين سري وعلي ماهر وعبد الله الفتاح يحيي وشريف صبري وعلي الشمسي ولطفي السيد ومكرم عبيد وحافظ عفيفي والنقراشي وهيكل وإبراهيم عبد الهادي أعضاء . كما تشكل الوفد البريطاني في 3 ابريل برياسة أرنست بيفن وزير الخارجية وعضوية لورد ستانسجيت وزير الطيران والسفير البريطاني رونالد كامبيل وقواد البحر والجو البريطانيين في الشرق الأوسط - ومن جهة أخري حضر إلي مصر الوفد السوداني برياسة إسماعيل الأزهري .. ويلاحظ في تكوين الهيئة المصرية للمفاوضات أنها مكونة من اثني عشر عضوًا منهم أربعة فقط من الحزبين والثمانية الباقون من المستقلين ومنهم الرئيس ، وفي فريق المستقلين أشخاص يثق الإخوان في وطنيتهم وقوة شخصيتهم .

ثامنًا : تخللت هذه الفترة عملية التجديد النصفي لأعضاء مجلس الشيوخ ، وقد حرص الإخوان علي أن يكونوا في الوضع الذي لا يتطرق إليه شك ولا يثار حوله غبار ، فقررت قيادتهم المؤلف الرائع الذي نشرته الذي نشرته الصحف في 6-4-1946 وهو " تلقينا من جمعية الإخوان المسلمين أنها اتفقت مع رؤساء المناطق التجديد النصفي لمجلس الشيوخ علي أن لا تتدخل شعب الهيئة بصفتها الرسمية في هذه المعركة ، ولكل أخ مطلق الحرية في أن ينتخب من شاء آخر ، وأن لا تتخذ دور الإخوان مقرًا لدعاية انتخابية من أي لون كان . وأن لا تقبل الهيئات الإدارية للإخوان تبرعات ما من أحد المرشحين لأي غرض من الأغراض طول هذه الفترة .

تاسعًا : في 8 مايو صدر البيان البريطاني الذي أذاعته السفارة البريطانية بالقاهرة ونصفه " إن السياسة البريطانية المقررة لحكومة صاحب الجلالة في المملكة المتحدة هي توطيد تحالفها مع مصر علي أساس المساواة بين أمتين تجمع بينهما مصالح مشتركة . وتطبيقا لهذه السياسة بدأت المفاوضات في جو من الود وحسن النية . وقد عرضت حكومة المملكة المتحدة إجلاء جميع قواتها البرية والبحرية والجوية عن الأراضي المصرية والمفاوضة لتحديد مراحل الجلاء وموعد إتمامه والتدابير التي تتخذها الحكومة المصرية لتحقيق تبادل المعونة في زمن الحرب أو في حالة توقع التهديد الوشيك بها طبقاً للتحالف " .

وتبادل الطرفان المصري والبريطاني المذكرات والمشاريع وتعددت الاجتماعات بينهما حتى توقفا المفاوضات عند تقدم الطرف البريطاني بمشروع لا يكاد يختلف عن معاهدة 1936 فيطلب خمس سنوات لإتمام الجلاء ،ويطلب في حالة الحرب أو التهديد بها أن تسمح مصر للقوات البريطانية باستخدام أرضها بصفة كاملة كقاعدة حربية . وفي 25 سبتمبر تقدم الجانب المصري برد علي المشروع البريطاني ، ويتضمن هذا الرد أن يكون الجلاء في سنتين واستبعاد مادة خطر الحرب أو التهديد بها ونص علي وجوب وحدة وادي النيل .

عاشرًا : رأت الحكومة إدخال بعض تعديلات علي هذا الرد فرفضت هيئة المفاوضات ذلك بأغلبية أعضائها - وهم المستقلون - ولما وصل الرد إلي الجانب البريطاني قرر قطع المفاوضات وغادرت هيئة المفاوضين الانجليز إلي لندن .. وعرض صدقي أن يسافر بنفسه إلي لندن لمتابعة المفاوضات فيها فرفضت الهيئة بنفس الأغلبية ذلك ، وصرح علي ماهر وعلي الشمسي : بأن علي مصر أن إسنادها إلي شريف صبري فرفض فاضطر الملك إلي رفض استقالة صدقي .

الحادي عشر : لما شعر الإخوان بأن الوزارة راغبة في التساهل مع الانجليز في حقوق البلاد اعتبروا هذا إخلالا من صدقي في تعهده لهم ونكثًا منه في وعده الذي قطعه علي نفسه وأيدوه علي أساسه ؛ فأعلنوا تخلبهم عن تأييده ، ووضح هذا في عريضة وقعوها إلي الملك إلي الملك في 8 أكتوبر 1946 وفي خطابه أرسلوه إلي صدقي باشا في نفس التاريخ وقد نشر كلاهما في الصحف في نفس اليوم ،ونثبت فيما يلي نصهما :


إلي مقام جلالة الملك :

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام علي رسوله ومن والاه والله أكبر ولله الحمد حضرة صاحب الجلالة الملك فاروق الأول .. حفظه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

.. وبعد .

فقد تتابعت الأيام والشهور ومضت الحوادث يتلو بعضها بعضًا وكلها تثبت أن المفاوضات بين مصر وبريطانيا لم تعد الوسيلة الصالحة لتحقيق مطالب البلاد ، وأنها ليست أكثر من إجراء يقصد من ورائه الانجليز التعاقد لحماية مصالح بدعوتها لا تتفق قطعًا مع استقلال البلاد وحريتها مع تفويت الفرص السانحة وكسب الوقت والعمل علي تفريق كلمة الأمة . وقد أدرك شعب وادي النيل بفطرته السليمة هذه الحقيقة فحدد مطالبه تحديدًا واضحًا ثم انتظر وصبر طويلا حتى إذا لم يبق في قوس الصبر منزع طلب إلي الحكومة ممثلا في كل هيئاته الوطنية وصحفه وجرائده ، بل علي لسان بعض أعضاء وفد المفاوضة نفسه أن تعلن فشل هذه المفاوضات وتتجه اتجاها سليما ، فترفع الأمر إلي هيئة الأمم المتحدة ، وتعلن سقوط معاهدة 1936 التي أصبحت بحكم الحوادث والظروف غير ذات موضوع كما صرح بذلك معالي وزير الخارجية المصرية في مجلس النواب ، وتطلب إلي الانجليز وغيرهم سحب جميع القوات الأجنبية عن أرض الوادي وجوه وماله ، وتدعو الأمة وتنظم معها سبيل الجهاد للوصول إلي الاستقلال الكامل والحرية الصحيحة كما تفعل كل أمة مجاهدة نكبتها الحوادث بظلم واحتلال غير مشروع ولكن حكومة صدقي باشا الأولي والثانية لم تصغ إلي هذا الصوت القوي والوطني المخلص وأصرت علي المشي في طريقها ، حتى بعد أن سافر المفاوضون الانجليز إلي بلادهم واعتزم صدقي باشا أن يلاحقهم إلي هذه البلاد وأن يسافر إلي لندن لاستئناف المفاوضات التي لا خير فيها ولا فائدة ترجي من ورائها .

وأمام هذا الموقف الضار بمصلحة الوطن في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلي الدقائق فضلا عن الأيام والشهور ننفقها في العمل المنتج - يفزع الإخوان المسلمون إلي جلالتكم راجين أن تتفضلوا بتوجيه الحكومة هذا التوجيه الشعبي السليم أو إعفائها من أعباء الحكم والجهاد في سبيل حقوق البلاد لتنهض بذلك حكومة قوية علي هذه القواعد السليمة والأسس الصالحة . ويعتقد الإخوان المسلمون من كل قلوبهم أنهم إنما يعيرون بذلك عن شعور أمة وادي النيل جميعًا من الشمال إلي الجنوب ،وإن جلالتكم وأنتم الوطني الأول خير من تتحقق علي يديه الآمال وتنصلح بسامي حكمته وجميل إرشاده وتوجيهه الأحوال .

وفقكم الله للخير وحقق للوادي في عهدكم الزاهر ما يرجوه من صلاح وحرية واستقلال والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...

إلي رئيس الوزراء :

حضرة صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا ..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وبعد ...

فقد أسندت إلي دولتكم مقاليد الحكم في فبراير سنة 1946 وكانت معروفًا أن المهمة الأولي للحكومة هي مفاوضة الانجليز لاستخلاص حقوق الشعب الحقة التي أعلنتها الأمة وسلمت بها الحكومة ( الجلاء التام ووحدة وادي النيل ) . وكان المفروض أن لا تستغرق هذه المفاوضات أكثر من شهر أو شهرين أو ثلاثة في نظر أطول الصابرين صبرًا ، وخصوصًا وحقوق الوطن واضحة لا تحتاج إلي كثير من لف أو دوران .. وقد درست القضية درسًا وافيًا من الجانبين ، وضاع علي الأمة عام كامل أو يزيد بتفريط الحكومة الماضية وعدم مبادرتها إلي المطالبة بحقوق البلاد منذ وضعت الحرب أوزارها في وقت تتقرر فيه مصائر الأمم وتقف فيه الشعوب علي مفترق الطرق أحوج ما تكون إلي الدقائق الساعات بله الشهور والسنوات .

ولكن المفاوضة طالت حتى أسأمت وأملت فتوقفت واستؤنفت ثم انقطعت ووصلت ثم يتجني علينا المفاوضون الانجليز فهزوا أكتافهم وجمعوا أوراقهم وانصرفوا عنا إلي بلادهم هازئين ساخرين . وكان المنتظر بعد هذه اللطمة القاسية وبعد أن عبث الغاصبون بحقوقها ووقتنا ورجالنا هذا العبث وأضاعوا علينا كل هذا الوقت الطويل ، وارتفعت الأصوات من كل جانب تهيب بالحكومة أن تعدل عن هذه الخطة التي لا خير فيها ولا فائدة ترجي من ورائها . وبلغت إليها قرارات الجمعية العمومية للإخوان رسميًا ، وهي إنما تعبر تعبيرًا صادقًا عما يحتلج في صدور الأمة بأجمعها من الشمال إلي الجنوب ، ووضح أن المشروع الانجليزي والمشروع المصري لا يحققان مطالب البلاد ، ولا يريد كل منهما عن أنه تنظيم مهذب الحواشي للحماية والاحتلال ، وأن الانجليز غير مستعدين إلي أي تغيير جوهري فيما عدا الصيغ والألفاظ .

كان المنتظر من الحكومة أمام هذا كله أن تصغي إلي هذه الأصوات الوطنية القوية المخلصة وتحترم إرادة الشعب الذي تدعي أنها تحكم باسمه وتبادر فتتخذ هذه الخطوات . إعلان فشل المفاوضات الحالية وأنها لن تقبل بعد الآن أن تدخل مع الانجليز في مفاوضات أخري بعد أن أثبتت الحوادث كلها أن بريطانيا لا تريد من وراء أي مفاوضة إلا التعاقد والاعتراف بمصالح تدعيها تتعارض كل التعارض مع حريتنا واستقلالنا وحقوقنا الثابتة المقررة . وإعلان سقوط معاهدة 1936 التي ألغتها الحوادث العالمية وأقر وزير الخارجية المصرية في مجلس النواب أنها أصبحت غير ذات موضوع .

وأن تطلب إلي الانجليز وغيرهم في عزم وإصرار سحب جميع البرية والبحرية والجوية من الوادي كله ، وإلا اعتبر وجود هذه القوات اعتداء مسلحًا علي سيادة البلاد تترتب عليه آثاره العملية من عدم التعاون مع بريطانيا ، والقانونية من قطع العلاقات الدبلوماسية بيننا وبينها . وتدعو الأمة إلي الجهاد في سبيل حقوقها ، وتنظم وسائله وأساليبه كما تفعل كل أمة ترجو الحياة العزيزة ، وتؤثر الموت الكريم في ظل الاستشهاد علي الاستكانة والذل والاستعباد . لكن حكومة دولتكم لم تفعل شيئًا من هذا بل أصرت إصرارًا عجيبًا علي موقفها الضعيف المتـخـاذل ، وأمعنت في الإصرار والتمسك بأهداف أمل خائب باعتزامكم السفر إلي لندن لاستئناف المفاوضات هناك ، وأخذت تكبت شعور الهيئات والجماعات والأفراد وتصادر الحريات ، وتمنع الاجتماعات، وتتهيأ لقمع الحركـات الشـعـبية المخلصة بالحديد والنار .

وأمام هذا الموقف الضار بقضية الوطن ومصالحه في الداخل ، وأمام قرار الجمعية العمومية للإخوان المسلمين الذي يقضي بأن الحكومة المصرية إذا أصرت علي المفاوضة ، ولم تنزل علي رأي الأمة ، ولم تظن الخـطـوات السابقة خلال شهر سبتمبر الماضي فإن الأمة تعتبرها متضامنة مع الغاصبين في الاعتداء علي استقلال الـوطـن وحريته وتجاهدها معهم سواء بسواء . يسجل المركز العام للإخوان المسلمين علي حكومة دولتكم أنكم بإصرار كم هذا تقولون علي هذه البلاد أثمن الفرص وتكونون بذلك قد تضامنتم بقصد مع الغاصبين في الاعتداء علي استقلال الوطن وحريته وأن هذه الحكومة لا تمثل رأي البلاد في شيء ، وكل إجراء تتخذه باطل أساسًا ، وعليكم أن تدعو أعباء الحكم لمن هو أقدر منكم علي سلوك النهج القويم ، وإعلان حقوق الوطن كاملة من غير حاجة إلي تصديق الغاصبين ، وتنظيم قوي الأمة لتكافح الظالمين المعتدين - وستجاهد الأمة كل معتد علي حقوقها من أبنائها أو من الأجانب عنها بكل وسيلة مشروعة حتى تصل إلي ما تريد - وهي واصلة بإذن الله والله غالب علي أمره ولكـن أكـثر الـناس لا يعلمون . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...

الثاني عشر : فهم صدقي باشا عقب الخطابين أنه لم يعد من سند شعبي إليه وأن الشعب الذي ظل هادئًا طيلة مدة وزارته السابقة سيتحرك ، ومعروف للجميع أنه هو الحاكم الجبار الذكي القوي البارع في استقلال سلطاته الـحكومية في محاربة أعدائه السياسيين والذي طالما لجأت إلي السراي الملكية لتأديب المتمردين علي طاعتها مـن الزعـمـاء الوطنيين .. وإذن فلابد من رجوعه إلي طبيعته وحشد قواته وتعبئة جنوده لمواجهة هؤلاء الوطنيين الجـدد ... وقـد سبق له أن أذل من هم أعظم منهم شأنًا فأدخلهم جحورهم ... وكان أن فعل صدقي ما كان متوقعًا منه فاتخذ الإجراءات الآتية :

1 - قررت الحكومة تأجيل الدراسة في الجامعة وجميع المعاهد والمدارس إلي ما بعد عيد الأضحى 9 نوفمبر أي نحوًا من شهر .

2 - في 15 أكتوبر أصدر النقراشي وهيكل بيانًا يتحديان فيه رأي الإخوان ويقولان : لقد رأينا في سفر رئيس الوزراء ووزير الخارجية الضمان الكافي لبيان وجهة النظر المصرية - وكان وزير الخارجية في ذلك الوقت إبراهيم عبد الهادي .

3 - صودرت جريدة الإخوان المسلمين . وصدر قرار حظر من النيابة يحظر نشر أية أخبار عن حوادث المظاهرات وأجري تحقيق مع وكيل الإخوان ورئيس الإخوان في الإسكندرية .

4 - أصدرت وزارة الأوقاف أمرًا إلي أئمة المساجد بعدم السماح لغير وعاظ الحكومة بالخطابة في المساجد .

5 - في 24-11-1946 سافر صدقي ووزير خارجيته الجديد إبراهيم عبد الهادي إلي لندن وأتـي بـمشـروع معاهدة أدعي فيه في بيان أذاعه أن مشروعه حقق مطالب البلاد في الجلاء ووحدة وادي النيل .

6 - أذاع مستر إتلي رئيس وزراء بريطانيا ومستر بيفن كذبا فيه صدقي من ناحية السودان وأعلنا أن بريطانيا لن تجلو عن السودان حتى لو تخلت مصر عنه .

7 - حاول صدقي عرض مشروعه علي هيئة المفاوضات فرفضه سبعة أعضاء منها وهم المستقلون . فطلب من الهيئة إرجاء البت في المشروع حتى اجتماع آخر ثم رفض دعوة هذه الهيئة بعد ذلك .

8 - أصدر المعارضون السبعة بيانًا بأن المشروع لا يحقق أهداف مصر في الجلاء ووحدة وادي النيل ، فصـدر مرسوم ملكي بحل هيئة المفاوضات وذلك في 26-11-1946 .

9 - بعد أن تخلصت الحكومة من هيئة المفاوضات عرضت مشروعها علي مجلس النواب الذي يمثل السعديـون والأحرار الدستوريون أغلبية ساحقة فيه ، فانسحب 55 عضوًا هم أعضاء الحزب الوطني وحزب الكتلة والمستـقلون وطلبت الحكومة عقد جلسة سرية . ومنحها هذا المجلس الثقة بأغلبية 159 صوتًا . وشكر صدقي الأعضاء الـذيـن أيدوه ، وقد اقتنع ثلاثة من التصويت هم الرجال وشوكت التوني ومحمد بربري - وكان ذلك في 27-11-1946

الثالث عشر : وقعت حوادث شديدة في أنحاء القاهرة ، فقد قام الأهالي بالتجمهر في ميدان سليمان باشا وكذلك في ميدان الملكة فريدة وفي شبرا ، وقامت مظاهرات أشعلوا النيران في كومة من الكتب الانجليزية وفي بعض عربات الترام كما حطموا واجهات بعض المحلات في شارع فؤاد وفي القصر العيني قلبوا بعض عربات الترام . وفي بـاب الشعرية هام الأهالي مكتبة تبيع الكتب الانجليزية واستولوا عليها وأحرقوها ... وفي مساء ذلك اليوم أصدرت وزارة الداخلية ورياسة مجلس الوزراء بلاغين نسبا فيهما هذه الحوادث إلي الإخوان وتوعداهم بأشد العقوبات إذا تكـررت هذه الحوادث ... مع أن هذه الأحداث وما تلاها لم تكن إلا يقظة شعبية عامة ولم تكن دور الإخوان فيها أكثر من بعث الوعي الوطني.

الرابع عشر : بعد حصول صدقي علي الثقة التي أشرنا إليها من مجلس النواب اعتقد أنه قد أضحي في مـأمن ، وقد استخدم بكل ما عرف عنه من فجور كل وسائل القمع والإرهاب حتى يوقف التيار الزاحف نحوه فاعتقل الوكـيل العام للإخوان وعاث في البلاد فسادًا محتميًا في قرار حظر أنباء المظاهرات الذي أصدرته النيابة ولكن استجوابًا قدمه النائب موريس فخري عبد النور هتك الستار الذي حاكه حول إجرامه ونورد نص هذا الاستجواب الذي يقول :

" تواترت الأخبار بأن حوادث مؤلمة وقعت يوم 26 نوفمبر سنة 1946 علي طلبة أبرياء ، ومنها أن طلبة كلـية العلوم بالعباسية وفؤاد الأول وفاروق الأول ومصر الثانوية والأهرام الثانوية والهندسة التطبيقية هاجمهم البوليس وقد قتل منهم الكثيرون ، كما اقتحمت دبابة مبني إحدى المدارس وأطلقت نيرانها الحامية علي الطلبة العزل فأصابـت الكثيرين ، كما قبض علي مئات في مختلف أنحاء القطر " .

وفي 2-12-46 نشرت جريدة الديلي ويركر الانجليزية مقالا وصفت فيه الاضطرابات التي وقعـت في مـصر أخيرًا وقالت إن صدقي باشا كان محروسًا بأورطة كاملة من رجال البوليس المسلحين عندما وصل إلي البـرلـمـان لإحراز قرار الثقة الأخير .

الخامس عشر : بعد كل هذا أصر صدقي باشا علي إيفاد وزير خارجيته إبراهيم عبد الهادي إلي لندن لتوقيع المعاهدة .

السادس عشر : علي أثر ذلك وقعت في القاهرة أحداث خطيرة وصفتها الصحف فقالت : ليس لهذه الأحداث الغريبة والخطيرة بعبارة أصح وأوضح من سابقة بل لعلها الأحداث الأولي من نوعها :

1 - في أيام 3-12 وما تلاها بعد الساعة العاشرة مساء اليوم الأول سمع سكان القاهرة دويًا هائلا ملأ الأرجاء وأحدث هزات عنيفة في بعض المساكن فأخذوا في تبين مصدر هذا الدوى المفاجئ . ولجأ بعضهم إلي أحد الأقسام لينبئها بالخبر ولكنه تبين أن هذا القسم كان مبعث الدوى والانفجار ، ذلك أن قنبلة ألقيت فانفجرت فأحدثت هذا الدوى الهائل .

وقد حدث هذا في وقت واحد في أقسام بوليس الموسكي ، والجمالية والأزبكية وباب الشعرية ومصر القديمة وفي نقطة بوليس السلخانة . وقد سببت تحطيمًا لنوافذ هذه الأقسام ولم يصب أحد ولم يعرف الفاعل .

2 - أضرب المحامون .

3 - اعتكف صدقي في اليوم نفسه وعقد اجتماعًا في بيته برجال الأمن .

4 - ألقيت قنبلتان علي سيارة هيكل باشا انفجرت إحداهما فحطمت السيارة وأصابت جندي الحراسة إصابة بسيطة

5 - بالرغم من تشديد الحراسة علي مراكز البوليس بوقوف حراس مسلحين علي سطوحها توالي إلقاء القنابل علي أقسام عابدين والخليفة والجيزة ومركز إمبابة وعلي معسكر بريطاني بمصر الجديدة .

6 - قامت قوات كبيرة من البوليس بقيادة اللواء سليم زكي باشا حكمدار العاصمة بمحاصرة المركز العام للإخوان المسلمين بالحلمية الجديدة وبتفتيشه وتفتيش دار الجريدة والمطبعة لم يعثر علي شيء .

السابع عشر : أقنعت هذه الأحداث الأخيرة صدقي باشا بوجوب نزوله علي إرادة الأمة فقدم استقالته في 9 سبتمبر سنة 1946 ولم يكن هذه المرة أمام القصر بد من قبولها .

تعقيب :

بعد فراغنا من سرد الأحداث التي توالت علي البلاد سنتين ابتداء من تولي وزارة النقراشي باشا عقب انتهاء الحرب في فبراير سنة 1945 حتى استقالة وزارة صدقي باشا الثانية في ديسمبر سنة 1946 ، تنري أن لا تدع هذا السرد التاريخي يمر دون نظرة فاحصة فيه ، وتحليل دقيق لأحداثه ، وتعليق واع علي نتائجه وثمراته ، لما كان لهذه الأحداث من آثار بعيدة المدى في مستقبل هذه الأمة .

أولاً : لم يكن الإخوان دخلاء حين زجوا بأنفسهم في خضم المطالبين بحقوق الشعب في الحرية والاستقلال ، فطبيعة الإسلام تأتي أن يعيش المسلمون تحت سلطان غيرهم ، يحتلون أرضهم بجيوشهم ، يستغلون خبراتهم لأنفسهم والله تعالي يقول : " ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين " ومن الأحكام المقررة في الفقه الإسلامي أنه إذا دنست أرض الإسلام صار الجهاد فرضًا علي كل مسلم ومسلمة . والحديث الشريف يقول " من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم "

فإذا كان الذين يتحركون في هذا الأمر إنما تحركهم الأهواء والمطامع ويهدفون إلي الجاه والمناصب ، فتحرك الإخوان في هذا الأمر إنما هو بدافع من صميم الدين والهدف منه إرضاء رب العالمين ، فهم يبذلون ولا يقبضون ويضحون ولا يغنمون .

ثانيا : أن مساندتهم لحاكم أو معارضتهم لحاكم لم يكن الدافع إليها تحقيق مأرب شخصي أو نفع مادي ، وإنما كان الدافع إليها الحرص علي تحقيق مطالب البلاد ، وانتزاع حقوقها في الحرية والاستقلال .. ولو كان هدفهم شخصيًا لما أيدوا صدقي باشا أول الأمر حين قطع علي نفسه عهدًا بالعمل علي تحقيق هذه المطالب كاملة ، ولما عارضوه حين بدا منه التفريط في بعض هذه الحقوق وحين أصر علي فرض اتفاقيته القاصرة علي الشعب .

فمساندة الحاكم لمغنم تظل علي حالها لا تتغير ما ظل الحاكم قابضا علي أزمة السلطة بتأييد الملك والبرلمان حتى آخر يوم من أيامها ، ولولا معارضة الإخوان لها لما تزعزع مركزها .. فإذا كان هدف الإخوان من مساندتها تحقيق المآرب وحتى المغانم لما عارضوها وزعزعوا مركزها لتظل لهم بقرة حلوبًا .

ونحب بهذه المناسبة أن نوجه سؤالا إلي الذين يلقون بظلال من الشك علي علاقة الإخوان بوزارة سواء أكانت هذه المغانم للدعوة عامة أو الأفراد من أعضائها .. فإن عجزوا عن ذلك - وهم عاجزون لأننا أعلم بأنفسنا منهم وسجل التاريخ بين أيدينا - كان كلامهم أو كتابتهم في هذا الصدد نوعًا مما أشار الله تعالي إليه في قوله " والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا " ونقول نحن لهؤلاء ما قال الله تعالي من قبل " لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا وقالوا هذا إفك مبين " .

أما تلقف أراجيف من أفواه الذين يملكون أبواق الإذاعة والإعلان ، والتقرب بها إلي حاكم طاغية فهو في ذاته إثم كبير وتزوير للتاريخ ، وعلي الذين ارتكبوا هذا الخطأ أن يصححوه ويرجعوا إلي الحق فيه قبل أن يسجله التاريخ عليهم فيبوئوا بإثمه ولا يجدوا من دون الله من ولي ولا نصير . وليست هذه أول فرية ولا آخر فرية تفتري علي الإخوان المسلمين ولكن الله تعالي كان للمفترين بالمرصاد ففضح افتراءهم وكشف سوءاتهم وخرج الإخوان وصفحتهم ناصعة البياض وذهب هؤلاء بما تكشف من زورهم وافترائهم وإجرامهم إلي الجحيم " فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال " .

ثالثًا : أن إسقاط صدقي باشا لم يكن هزيمة شخصية له بل كان هزيمة له وللحزبين المؤيدين له السعديين والأحرار وبين للملك من ورائهم وللسياسة الانجليزية التي كانت متلهفة علي عقد المعاهدة في أقرب وقت ممكن تثبيتًا لمركزهم في مصر في الوقت الذي يوهمون فيه المصريين بأنهم نزلوا عند إرادته وتنازلوا عن معاهدة 1936 التي أحسوا أنها فقدت فاعليتها وآذنت بانتهاء .

رابعًا : كشفت هذه الأحداث عن القوة الحقيقية للإخوان ، وليس معني ذلك أن الأطراف المختلفة لم تكن تعرف أن الإخوان قوة كبيرة لها وزنها - فلقد كان الكل يعرفون - ولكن هذه الأحداث أسلطت اللثام عن قدر هائل فاق ما كانوا يعتقدون وتخطي ما كانوا يتصورون ونورد فيما يلي مقالات نشرت ترجمته جريدة المصري في يوم 9 ديسمبر سنة 1946 تحت عنوان : رأي لندن في الأحزاب المصرية :

لندن – لمراسل المصري الخاص :

كتبت جريدة " التيمس " مقالا هامًا في نسختها الأسبوعية عن " الروح الوطنية في مصر " جاء فيه " إن المعارضة الرئيسية في مصر للبريطانيين صادرة من أربع هيئات رئيسية في الوقت الحاضر هي : حزب الوفد القوي والحزب الوطني الصغير وحزب مصر الفتاة والإخوان المسلمون " أما الوفديون والوطنيون فهم حزبان سياسيان منظمان ، وموقفهما تجاه تعديل المعاهدة ومسألة العلاقات بين بريطانيا ومصر يخضعان لاعتبارات سياسية ولا نستطيع أن نقول أن أحدهما يعادي الأجانب . أما حزب مصر الفتاة فهو جماعة تغالي في الوطنية تسير علي برنامج يدل علي أن زعماءها قد درسوا نظم جمعيات الشباب الهتلري والفاشستي .

علي أن الإخوان المسلمون يزعمون أنهم من طراز آخر يختلف عن ذلك ، وقد وصفهم الشيخ حسن البنا مؤسس هذه الهيئة وزعيمها بقوله : إنهم ليسوا سياسيين أو حزبًا سياسيًا ، ولكنهم وطنيون يعملون لخير مصر واسترداد حقوقها المغتصبة .. ومع ذلك فإن هذا وصف شامل لجمعية تستحق نشأتها وتأثيرها في الحياة المصرية العامة دراسة وبحثاً ، فقد أنشأ الشيخ حسن البنا الإخوان المسلمين منذ 16 عامًا حينما كان مدرسًا في الإسماعيلية ، ولم تتقدم هذه الحركة تقدمًا حقيقيًا إلا بعد انتقاله إلي القاهرة في عام 1934 . ولما كان حسن البنا شديد الإيمان بالتعاليم الإسلامية ، وخطيبًا مفوها ، فإنه ما لبث أن كسب أتباعًا وأنصارًا كثيرين ونفوذاً كبيرًا ،وأظهر أنه سياسي بارع ، فقد أصبح للجمعية بفضل إدارته الحكيمة فروع في جميع أنحاء مصر ، وبدأت مبادئه تنتشر في البلدان العربية المجاورة ، ثم أصدر جريدته في أوائل عام 1946 .

وتتألف هذه الجمعية التي يقدر عدد أعضائها ما بين 300 ألف ، 600 ألف عضو من طبقة العمال ، ولكنها تضم عددًا من الطلبة وبعض المثقفين من الطبقة الوسطي ولاسيما المعلمين ، ولم تبد طبقة الأراضي حماسة كبيرة نحو الإخوان المسلمين خوفًا من احتمال ازدياد قوتهم مما يقضي إلي إضعاف سلطة الطبقة العليا علي الفلاحين . ويلوح أن لهذه الهيئة طابعًا عسكريًا فأعضاؤها يسيرون في طوابير ويتدربون ويظهرون في زى عسكري أمام الجمهور . والهدف الرئيسي للهيئة هو العمل علي إحياء الإسلام مما قد يفيد حياة الأمة المصرية بأسرها ، ولتحقيق هذا الهدف تقضي الضرورة لتنشئته جيل جديد يفهم معي الإسلام ويتبع التعاليم الإسلامية .

ويعتقد الإخوان المسلمون أن المدنية الغربية الحديثة تقوم علي الماديات وحدها ، وهي المسئولة إلي حد كبير عن تدهور السلوك والأخلاق ، ونشر الفقر والبؤس في مصر. ويرون كذلك وجوب إثارة الشعور المعادي للأجانب في مصر ، وقد قال الشيخ حسن البنا في العام الماضي إنه يتكلم باسم 500 ألف من الإخوان المسلمين الذين يمثلون مبادئ وآمال 70 مليون عربي و 300 مليون مسلم . وأضاف إلي ذلك أن مهمة الإخوان المسلمين ليست سياسية بما في هذه الكلمة من معني ولكنهم يتمسكون بالإصلاح الاجتماعي مما قد يجعلهم قريبين من الشئون السياسية . ومع أن بعض المصريين قد بلغوا شأوًا كبيرًا من المدينة والتقدم إلا أن معظم السبعة عشر مليونًا المواطنين في هذه البلاد يعيشون كالحيوانات (كذا) ولابد للمصريين أن يشغلوا جميع فروع الحياة المصرية ثم يرحبوا بالأجانب في الفروع الباقية الأخرى بعد ذلك . ولا ريب أن القوة والحرية وتعاون الدولة أمور ضرورية لتحقيق هذه الأهداف ، ولهذا يتعاون الإخوان المسلمون مع الوطنيين والسياسيين . ولقد اتهم الإخوان بالتعصب الديني ولكن الإسلام أوصي بالتسامح ولذلك فهم لا يشعرون بالتعصب الديني ضد الأجانب .

وقد تدخل الإخوان المسلمون للمرة الأولي في الشئون السياسية المحضة في عام 1936 وكانوا من مشجعي الأعمال المعادية للبريطانيين في مصر حينما نشبت الثورة العربية في فلسطين ، وهم ما فتئوا من أنصار مفتي فلسطين ، وضاعفوا من نشاطهم بعد ما وضعت الحرب أوزارها . وكان هناك ما يحمل علي الاعتقاد في عام 1941 علي أنهم يقومون بأعمال التخريب ، ويجمعون المعلومات عن قوات الخلفاء ويقومون بالدعاية المعادية لهم ومحاولة إحباط مجهودهم الحربي بصفة عامة في مصر . وفي أكتوبر عام 1941 اعتقل الشيخ حسن البنا غير أنهم أطلقوا سراحه بعد ذلك بشهر واحد ، وفي عام 1942 بعد ما تولت حكومة النحاس باشا الحكم أعلن تأييده الصريح للحكومة والمعاهدة المصرية الانجليزية ، ولما أصدر الشيخ حسن البنا تعليماته إلي أتباعه بعدم معارضة الحكومة بدا أنه يريدها بعض الوقت تعرض لانتقاد شديد من أنصاره غير أنه تغلب علي هذه المعارضة ومضي في تعزيز مركزه .

وشرع في تنظيم حملة واسعة النطاق لاكتساب أعضاء جدد لمبادئه . ولم يمض وقت طويل حتى وصف الوفد الإخوان المسلمين بأنهم أصبحوا خطرًا علي البلاد واتهمهم بالتدخل في السياسة تحت ستار الدين ، وسارت العلاقات بين الإخوان المسلمين والوفد – وهي علاقات لم تكن طيبة في وقت من الأوقات – من سيء إلي أسوأ . ويتدخل الإخوان المسلمون في الوقت الحاضر في الشئون السياسية علانية ، ويعتقدون أن البريطانيين مازالوا معتدين واستعماريين أن علي مصر أن تقطع المفاوضات وتعلن إلغاء معاهدة 1936 وتطالب البريطانيين بسحب قواتهم بدون قيد أو شرط في وقت محدد بعينه الخبراء العسكريون المصريون . فإذا رفضوا ذلك اعتبروا معتدين مسلحين ولابد من طلب معرفة من هيئة الأمم المتحدة . ويري الإخوان المسلمون أن لا تقبل أي معاهدة أو تحالف مع البريطانيين مادام الاحتلال قائمًا ، ويجب أن يستعد سكان وادي النيل للكفاح من أجل حقوقهم وأن لا يكون هناك تعاون من الآن مع البريطانيين . ولم يظهر بعد تأثير هذه الدعاية المعادية للأجانب ، وطبيعي أن نسمع آراء الإخوان المسلمين عن الأماني المصرية إذ لا ريب أن دعواتهم الوطنية قد لاقت آذانًا مصغية من قبل كثير من المصريين الأوفياء المخلصين غير أنه لا يمكن التسامح أو التهاون تجاه محاولة خلق عداوة وشكوك بين شعبين نشأت بينهما صداقة كبيرة وعشرة طويلة عادت عليها بالمنفعة المتبادلة ، ولحسن الحظ لا يزال المصري العادي والبريطاني العادي بعيدين كل البعد عن كراهية كل منهما للآخر . " .

خامسًا : كما أن هذه القوة التي كشفت عنها هذه الأحداث قد وضعت هذه الهيئة في وضعها الصحيح في مكان الصدارة ، فإنها جرت عليها ويلات ومصائب من كل جانب ، فالوفد أحس أن مركزه الشعبي صار في خطر – وسنفرد لذلك فصلا إن شاء الله – وأحس الملك أنه أصبح لأول مره – وجها لوجه – أمام هيئة شعبية قادرة مسيطرة لا مطامع لها في حكم ولا مناصب ، وهذه المطامع هي التي كان يقود بها الزعماء الشعبيين وغير الشعبيين من مناخرهم ليركعوا تحت أقدامه . وأحس محترفو السياسة من الزعماء الوهميين من خدام القصر أنهم أصبحوا بذلك مهددين . وأحس الانجليز والمستعمرين أنهم أصبحوا أمام وضع جديد يهدد سياستهم في مصر والبلاد العربية والبلاد الإسلامية .


وزارة النقراشي الثانية :

بعد سقوط وزارة صدقي باشا كان الناس ينتظرون أن تستند الوزارة إلي شخصية قوية ذات تاريخ وطني مشرف ، وكان آخر ما يخطر بالبال أن يستدعي لتأليفها رجل تخاذل أمام الانجليز بمذكرته الضعيفة المتهالكة التي سجلت عليه الخزي والتفريط في حقوق الوطن ... ولكن الذي حدث كان عجيبًا فقد استدعي فعلا محمود فهمي النقراشي باشا فألف وزارته الثانية كأن البلاد قد أقفرت من الرجال . ومع ما في هذا التصرف الملكي من تحد مشاعر الشعب عامة ومشاعر الإخوان خاصة ، فإن الإخوان – إنقاذًا لقضية البلاد وتلافيا لضياع الوقت الثمين – تناسوا تاريخ الرجل وسابق فشله وسوء تصرفه وتقدموا إليه بخطة كاملة ونصيحة مخلصة ، فقد بعثوا إليه في 5-1-1947 بالخطاب التالي :

دولة النقراشي باشا رئيس الوزراء .

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وبعـد .

فقد وصل الموقف في الداخل والخارج إلي الخال التي تعلمونها دولتكم من الضيق والحرج ، وأصبح من الحتم اللازم علي كل غيور علي مصلحة هذا البلد أن ينسي وحزبه ويذكر شيئًا واحدًا هو خير هذا الوطن والعمل السريع الحازم لعلاج هذه الحال . كل تصرفات الانجليز يا باشا في لندن وفي السودان وفي أي مكان تدل علي أنهم لا يريدون أن يسيروا مع المطالب المصرية خطوة واحدة إلي الحق ، فهذه التصريحات المتوالية من رئيس الحكومة البريطانية ومن حاكم السودان ، وهذه التصرفات العالمية من إقصاء الموظفين المصريين والاستئثار بكل شيء دون حكومة مصر في جنوب الوادي . وهذا التحدي كل يوم بقول جديد وعمل جديد ، كل هذه أدلة متوالية صريحة سافرة لا تقبل جدلا ولا تأويلا علي أن القوم قد نفضوا أيديهم من الصداقة المزعومة والمجاملة الموهومة وآثروا أن يفرضوا ما يريدون فرضًا بالقهر أو بالقدر ولن يستطيعوا بإذن الله .

وكل شيء في الداخل مظهر سافر واضح من مظاهر القلق والألم والأمن والأسف والحزن والضيق . هذه المعاهدة المعطلة وهذه الحريات الملكية وهذا الرعب تمتلئ به الصدور وهذا الحذر من الحاكم والمحكوم . وهذه القوات من البوليس السري والعلني ترابط في كل مكان ، وتبعث الرهبة والريبة في كل يوم ، ولا يمكن أن تعيش في هذا الجو أمة مهما كان صبرها طويلا ومهما كان صدرها واسعًا وحلمها عظيمًا – والضغط يولد الانفجار ، لابد إذن من عمل شيء ، والسبيل أمامنا والحمد لله مهيأة والوسائل لا ينقصنا إلا الحزم والإقدام فإلي الأمام . أعلن يا باشا فشل المفاوضات واقطعها في عزة وكرامة ، وصارح البريطانيين بأنهم أحوج إلي صداقتنا منا إلي صداقتهم ، وأننا نعرف الوسائل التي تنال بها حقوقنا كاملة غير منقوصة ، وأننا لم نؤثر سبيل المفاوضات إلا إقامة للحجة وإثباتًا للمسالمة وإعذارًا إلي الله والناس ، ثم اطلب إلي الانجليز جلاء قوتهم عن أرض الوادي فلا يليق بدولة عضو في هيئة الأمم المتحدة أن تحتل قواتها أرض دولة أخري هي عضو في الهيئة كذلك كما هو نص القرار ؛ وإلا كان وجودهم عدوانًا مسلحًا علي سيادة الوطن وخروجا علي ميثاق هيئة الأمم تهديدًا للأمن والسلام في الشرق الأوسط .

فإن لم يفعلوا فتقدم بقضية الوطن إلي مجلس الأمن وإلي محكمة العدل وإلي كل مجمع دولي تأنس فيه ميلا إلي الإنصاف . ونفورًا من الظلم والعدوان بعد الدراسة الكاملة والتمحيص الواسع والتنظيم الدقيق ورعاية كل الظروف والملابسات . ثم أطلق الحريات كاملة ولا تخش شيئًا يا باشا ، ولا تخف علي الأمن والنظام ويدين بالطاعة كهذا الشعب المصري الذي لا يعرف أن يحيا إلي في ظل النظام والطاعة . ثم وجه الدعوة إلي مواطنيك في جنوب الوادي وشماله في برنامج شامل مفصل يوضح غايتك ووسيلتك لتحقيق المطالب التي أجمعت عليها البلاد (الجلاء التام عن الوادي كله والحرص التام علي وحدته) وادع الأمة جميعًا إلي أن تكون معك علي ذلك ، وإلي أن تتألف من هيئاتها وأحزابها وجماعاتها ومفكريها جبهة قومية سودانية مصرية واحدة تتعهد الشعور الوطني وتسدده إلي الخير وتقف به عن العدوان . وتنظم الدعاية الشعبية في الداخل والخارج ، فتعمل الحكومة بوسيلتها الرسمية وتعمل تلك الجبهة القومية إلي جانبها بوسائلها الشعبية .. والجميع يرمون عن قوس واحدة ، ويهدفون إلي غرض واحد معروف مقدس عزيز ... ولا تستبعد هذا يا باشا ولا تظنه من الخيال فقد رأيت وسمعت ولمست وأحسست استعداد الجميع العظيم لمثل هذا معارضين ومؤيدين ، علي أثر بيانك بمجلس النواب .. فإذا خطوت بعده هذه الخطوة العملية فسيكون الجميع معك لا بمجرد التصفيق والاستحسان ولكن بالقول والعمل واللسان والسنان ، ولن يتخلف عنك في ذلك إلا من في قلبه مرض فيخسر نفسه وجهاده وماضيه ويظل مع الخوالف .

وثق يا باشا أنه لن يكون معك شعب وادي النيل وحده ولكن سيكون معك سبعون مليونًا من العرب يؤازرهم ثلاثمائة مليون من المسلمين تحقق قلوبهم لمصر وتتحرك مشاعرهم وعواطفهم لمشاعرها وتسكن بسكونها وليس ذلك بقليل . دعني أصارحك يا باشا وأنت لا شك عليم بأن الأمة ليست كما كانت بالأمس ، فقد امتلأت أفئدتها بشعور جياش قوي ، وأصبح الوعي الوطني اليوم تام الاكتمال قوي الأثر ، والشعور الوعي قوة أية قوة وهما عدة الشعوب المجاهدة وسلاح الأمم المناضلة . كما أتاح الله لهذه الأمة من رجالها وهيئاتها من جمع كلمتها الشعبية في تشكيل منظم مرتب ، وفي وحدات مؤمنة باذلة – والتجميع والتنسيق والنظام الدقيق قوة أخري ولا شك – قوة تسرع إلي الخير وقوة تحول دون الشر فالزمام أبدًا معقود ولن يفلت بإذن الله . يا دولة الباشا – لقد تقدمت لدولتك بمثل هذه النصيحة منذ عام مضي وهاأنذا أتقدم بها اليوم وأعتقد أني بذلك قد أبرأت ذمتي وأديت أمانتي والوقت من ذهب فسر علي بركة الله والله معك وأقدم ولا تتردد فتفلت الفرصة السانحة وتعود من جديد إلي التجارب القاسية ، ونستبين النصح ضحي لقد حيث لا يفيد ولا ينفع ألا قد بلغت اللهم فاشهد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

هذا هو نص الخطاب الذي تقدم به الإخوان للنقراشي باشا بعد تسلمه مقاليد الحكم بأقل من شهر ويلاحظ فيه القارئ عدا الخطة المفصلة المقترحة ؛ بث روح الاطمئنان في نفسه إلي أن الإخوان سيكونون بجانبه ومن ورائه وأن تنظيماتهم الشعبية قادرة علي النهوض بأعباء الجهاد ضد المستعمر إذا ما ارتضت الحكومة سلوك سبيل الجهاد ، وهذا لعمري هو نكران الذات حقًا أمام رجل لم يمض علي اعتدائه علي الشعب وعلي الإخوان بالذات إلا عام واحد .. بل يبدو أن بعض الطلبة أرادوا أن يبثوا الرعب في نفوس الانجليز حتى يرغموهم علي التفاهم مع هذه الحكومة بأن انتهزوا أعياد الميلاد يوم 25 ديسمبر فانفجرت خمس قنابل في الاتحاد المصري الانجليز وخلف باركاليفورنيا في شارع توفيق وفي شارع جلال وفي شارع الملكة فريدة وعلي سيارة تاكسي كان يركبها الجنود الانجليز أمام مدرسة بغمرة وهذه هي الأماكن التي يأوي إليها الجنود والضباط الانجليز – علي أن أحدًا لم يصب .

مواقف متناقضة لهذا الحكومة :

1 – بعد توجيه الإخوان خطابهم إلي النقراشي وإصدارهم بيانًا إلي الشعب بنفس المعني أعلن النقراشي أنه قرر قطع المفاوضات مع الانجليز وعرض القضية علي مجلس الأمن ، ومعني هذا أنه نابذ الانجليز بالعداء .

2 – بعد سقوط وزارة صدقي عشية حصوله علي ثقة شبه إجماعية من مجلس النواب ثبت للنقراشي باشا ولغيره أن اعتماد الحاكم في مصر لتثبيت مركزه وتأمين خطواته علي تأييد هذا المجلس لم يعهد كافيًا وأنه لابد من الاستناد إلي قوة شعبية حقيقية ، ولما كان من المستحيل أن يحظي من الوفد بتأييد فلا مناص من اللجوء إلي الإخوان .

3 – أعلن الإخوان تأييدهم لهذه الحكومة بعد أن أعلنت استجابتها لمطالب البلاد – ومعني تأييد هيئة شعبية لحكومة كان يأمل المستعمر من وراء ضعفها الحصول علي مكاسب له أن يحاول الدس بين الحكومة وبين هذه الهيئة حتى ينفرد بالحكومة وحدها فيمل عليها ما يشاء .

وكان الإخوان حريصين علي أن لا يتيحوا الفرصة للمستعمر ، ولكن المستعمر لجأ إلي أساليب حقيرة – مستغلا الصيغة الدينية للإخوان – فسلط بعض صنائعه من المصريين فهاجموا بعض الكنائس والمعابد . وقد ظهر أثر ذلك في مقال نشرته جريدة فيلادلفيا تربيبون في 25-5-47 تعرضت فيه الإخوان المسلمين بقولها " إن عدم الاستقرار في مصر لا يرجع كله إلي الحمية الوطنية بين المصريين أنفسهم ، فهناك علي سبيل المثال ما يسمونه جمعية الإخوان المسلمين وهي التي غدت مسئولة عن عدد من الحوادث التي وقعت في مصر أخيرًا . إن نشاط هذه الجمعية في صالح الإسلام أكثر منه في صالح المصريين ، وصد المسيحية أكثر منه ضد البريطانيين ؛ وهذا يفسر الهجوم الذي وقع أخيرًا علي كنيسة قبطية والهجوم والذي وقع منذ عام مضي علي الكاتدرائية البريطانية في القاهرة وعلي معابد اليهود والكنائس اليونانية في الإسكندرية .. لقد بدأت هذه الحوادث تظاهرات سياسية وانتهت كمظاهرات العنف يقوم بها المتعصبون المسلمون والدولة التي تراقب هذه التطورات باهتمام . وتعتبر الدولة التي تستفيد من ذلك هي روسيا فإذا استطاعت أن تثير الدول العربية ضد الدول المؤمنة ذات المبادئ التي لا تشتري ضمائرها في سوق النفاق والشهوات . وقد ثبت أن الهجوم علي الكنائس من تدبير الانجليز .

4 – علم الإخوان كما علم غيرهم أن هذه الحكومة بالذات هي أضعف من أن تقوم بأعباء مواجهة الانجليز لأن رئيسها النقراشي يحمل إصر تأييده المفاوضات القديمة واشتراكه واشتراك حزبه وخطابه المشهور الذي تحدي فيه طوائف الشعب كله بتأييده بكل قوة . مشروع صدقي – بيفن في الجلسة السرية لمجلس النواب فعمل الإخوان علي تكوين جبهة من جميع الهيئات المصرية المحايدة ضمت الشبان المسلمين ومصر الفتاة والحزب الوطني والكتلة وحزب الفلاح وحزب العمال وانضم إليها السعديون الأحرار كما ضمت الشخصيات المستقلة . وكانت مهمة هذه الجبهة هي العمل علي وحدة الصفوف في مواجهة الانجليز . وقد بذلت هذه الجبهة أقصي ما استطاعت من جهد ولكن نتيجتها قد أجملها صالح حرب باشا في بيان أذاعه يوم 24-3-1947 جاء فيه :

" إن شباب الأمة فوضني في محاولة توحيد الصفوف فقمت بمقابلة الجهات المختلفة وتبين أنها ثلاث جهات :

1 – معسكر الحكومة ويتكون من حزبي الأحرار والسعديين .

2 – معسكر الوفد .

3 – معسكر الأحزاب والهيئات الأخرى (وهي التي تتكون منها الجبهة التي فوضته) .

فالمعسكر الثالث رحب بالتوحيد ، ولكن المعسكر الأول رفض حل مجلس النواب الحالي في الوقت الذي اشترط فيه المعسكر الثاني حل مجلس النواب الحالي . فشلت هذه الجبهة في مساعيها وظل النقراشي علي تمسكه بأن يواجه الانجليز وحده ، فدارت مناقشات واجهه بعض أعضاء مجلس الشيوخ في أثنائها بمواطن الضعف في مواقف السابقة مما يضعف حجته أمام خصوم البلاد ، فأصر علي رأيه ... حتى الموظفون الأخصائيون واجهوه بمثل ذلك فعندما أبلغ النقراشي باشا محمود حسن باشا سفير مصر في الولايات المتحدة باعتزامه تقديم القضية إلي التحكيم نصح السفير بأن تكون الهيئة التي تتولي ذلك ممثلة للرأي العام المصري بأجمعه . ولكن النقراشي أصر علي رأيه .. وحينئذ رأي الإخوان أنهم أمام أمرين أحدهما مر إما أن يعملوا علي إسقاط النقراشي وفي هذا إضاعة للوقت الثمين وللجهد الوطني المخلص وفي هذا مواجهة مباشرة للملك الذي أبدي إصرارًا علي التمسك بهذا البرلمان وما يتفرع عنه من حكومات هزيلة ... وستتحول المعركة من مواجهة المستعمر إلي مواجهات داخلية وهو ما يتمناه المستعمر .. وإما أن يؤيدوا النقراشي بعد أن قيد نفسه بتصريحات رسمية أنه سيفتح صفحة جديدة في مواجهة المستعمر .. واختار الإخوان أمرًا اعتبروه أخف الأضرار .

4 – كان أمل الإخوان كما كان أمل كل مصري أن ينجز النقراشي وعده فينبذ إلي الانجليز علي سواء وفي أقرب فرصة ولكن الذي حدث أنه ظل يؤجل المواجهة يومًا بعد يوم بحجج مختلفة حتى قوت علي البلاد بهذا التأجيل المصطنع ثمانية أشهر ، استطاع الانجليز في خلالها تكوين جبهة من السودانيين مناهضة لمصر برياسة المهدي وتطالب بالاستقلال عن مصر ، وطرد حاكم السودان في خلالها قاضي قضاة السودان المصري وأبدله بسوداني عينه هو كما طرد مدير التعليم المصري أيضًا ، فجعل ذلك مهمتنا في المطالبة بوحدة وادي النيل أمرًا صعبًا ؛ ولو أن النقراشي أخذ بنصيحة فأعلن إلغاء معاهدة سنة 1936 واتفاقية سنة 1899 الخاصة بالسودان لما استطاع الانجليز ولما وجدوا الفرصة لفعل ما فعلوا في السودان ولكان موقفهم موقف الدافع عن نفسه لا موقف المهاجم .

5 – في الوقت الذي تدعي فيه الحكومة أنها تتأهب لمهاجمة الانجليز ودمغهم بالاعتداء ويقوم الإخوان بتعبئة الشعور الشعبي لهذه الخطوة :

(أ) فيطبعون كتابًا عنوانه " إلي الشهداء الأبرياء " تقوم هذه الحكومة بمهاجمة دار الإخوان ومصادرة النسخ التي طبعت من هذا الكتاب .

(ب) القنابل التي ألقاها بعض الطلبة في ليلة عيد الميلاد علي الأماكن التي يتردد عليها الانجليز والتي أشرنا إليها من قبل والتي ألقيت محكمة بحيث تخيف الانجليز دون أن تقتل أحدًا ، تلقي الحكومة القبض علي الطالبين حسين عبد السميع ومحمود نفيس وتقدمهما إلي محكمة الجنايات كأنهما مجرمان .

(ج) يقوم جوالة الإخوان باستعراض في القاهرة لبعث الروح في الشعب في 30-6-47 فيقوم بوليس الحكومة بمهاجمتهم ويحاول منعهم عن مواصلة الاستعراض حتى تقوم بينهم وبين البوليس معركة .

6 – عند عرض القضية علي مجلس الأمن وإصرار النقراشي علي أن يكون هو وحده وحزبه ممثل مصر فيها يقع ما كان محذورًا ؛ فقد كان الأساس الذي بني عليه عرض القضية علي هذا المجلس هو قطع المفاوضات لفشلها ، وكان لابد أن يذكر النقراشي ذلك في بيانه أمام المجلس . فكان السير الكسندر كادوجان مندوب بريطانيا في المجلس يقذف في وجه النقراشي بالحجة وهي أن النقراشي نفسه هو الذي أيد مواصلة المفاوضات ووافق علي مشروع صدقي – بيفن ... وبذلك انهار دفاع النقراشي كله حيث انهار أساسه وفشلت القضية أمام المجلس .

7 – لم تقصر الأمة من جانبها في مساندة هذه الحكومة بالأستاذ أحمد حسين رئيس مصر الفتاة سافر إلي الولايات المتحدة قبل عرض القضية بفترة طويلة وأخذ يشرح جوانبها للشعب الأمريكي – وفي أثناء عرض القضية علي مجلس الأمن قام الأخ الأستاذ مصطفي مؤمن مندوبًات عن شباب الإخوان بعمل جرئ لإثارة العالم بقضية مصر – ونثبت نص ما جاء بالصحف ووكالات الأنباء عن هذا العمل فيما يلي : " نيويورك في 22-8-1947 :

في جلسة مجلس الأمن بعد الظهر افتتحت الجلسة في موعدها ، ولكن حادثًا لم يسبق له مثيل في تاريخ المجلس وقع في مستهلها ؛ فإن الأستاذ مصطفي مؤمن ما كاد يري النقراشي باشا يحتل مكانه المعتاد ليلقي بيانه حتى خرج من مكان المتفرجين إلي مكان الأعضاء والسكرتيرين فحدثت ضجة بين الأعضاء ، فطلب الرئيس منه أن يلزم النظام ثم دعا الحراس لإخراجه من قاعة المجلس .. وكان الأستاذ مؤمن يلبس الطربوش كعادته . وقد علمت أن الأستاذ مؤمن كان يريد أن يخطب في أعضاء المجلس باسم الشعب المصري ، وجاء في الكلمة التي استطاع إلقاءها ما يلي :

سيدي الرئيس

أتقدم إليكم باسم جميع شعوب الشرق الأوسط وبالنيابة عن الإخوان المسلمين .. نحن نطلب أن تعامل قضيتنا بالعدالة التي أصبحت جديرة بها ، فإذا لم يحدث ذلك فإن ألوفاً من الناس سيبذلون حياتهم رخيصة في الكفاح من أجل حرية بلادهم .. ثم قال وهو يلوح بأوراق معه : " ونحن نطلب الحرية " – ولكن حارسين مع نائب رئيس ضباط الأمن أخرجوه . ولكنه ظل يخطب بصوت عال حتى خرج ... فساد الذهول أعضاء المجلس ليذكر أعضاءه بالحقوق المهضومة التي يسكتون علي هضمها .

وبعد أن خرج الأستاذ مؤمن من الجلسة تبعه بعض مندوبي الصحف إلي قاعة الصحافة الواقعة خلف قاعة مجلس الأمن مباشرة – وقد تأثر الأعضاء لقول مؤمن : إن ثورة ستجتاح وادي النيل بدون ريب إذا حدثت مفاوضات ، وإن النذير قد بدأ اليوم في حوادث القاهرة وأنه يريد أن يعلن ذلك علي العالم كله .. وقال ..

" أيها السادة أريد أن أكرر عليكم ما أبلغته لمجلس الأمن قبل مناقشة المسألة المصرية اليوم ، فإني أعلن أولا أن استئناف المفاوضات سيلقي مقاومة شعب وادي النيل بأسره ، وأعلن ثانيًا أن فسم عري وحدة وادي النيل ستضر السلام العالمي . وأعلن ثالثًا أن سياسة الدول الكبرى التي تسعي إلي مصالحها الاستعمارية دون النظر إلي الأمم المهضومة الحقوق ستدفع هذه الهيئة إلي الصبر نفسه الذي اندفعت إليه هيئة الأمم ؛ أي الموت والاندثار من عالم الوجود .. وقد تلقيت من القاهرة اليوم وثيقة كتبها شباب مصر بدمهم ، وهو يعربون فيها عن الرأي الذي أبديته لكم الآن تمامًا . وما يجمع شعب وادي النيل عليه هو تطهير جبين البلاد من وصمة الاحتلال البريطاني فورًا ، وإنهاء الحكم التعسفي الذي أقاموه لأغراضهم الخاصة في السودان " .

8 – في نفس يوم اجتماع مجلس الأمن لنظر قضية مصر – وكان يوم جمعة – دعا الإخوان الهيئات الوطنية والشعب لإعلان تضامنه مع الحكومة في مطالبتها بحقوق البلاد . فخرجت مظاهرة ضخمة من الجامع الأزهر وأمامها علم الإخوان المسلمين تهتف بمطالب البلاد .. فإذا ببوليس الحكومة يهاجمها مهاجمة وحشية فأصيب الأستاذ المرشد بعدة ضربات في وجهه وفي أحد أصابعه ... وقد أخبرني الأخ الأستاذ محمود صبري وكان حاضرًا في هذه المظاهرة أنه لما جرح إصبع الأستاذ المرشد وسال منه الدم نظر إليه وتمثل بقول رسول الله صلي الله عليه وسلم في مثل هذا الموقف وقال :

هــل أنت إلا إصبـع دميت  ::: وفي سبيـل الله مـا لقيـت

وكان يتمثل بهذه الكلمات الكريمة حين اجتمعوا بعد المظاهرة في بهو الاستقبال وقد أخذوا يضمدون له جراحه .

كما أخبرني الأستاذ محمود – وكان بجانب الأستاذ المرشد طيلة فترة هذه المظاهرة – أنه لاحظ – كما لاحظ الأستاذ المرشد نفسه – أن تصرف رجال البوليس في ذلك اليوم كان يشعر بأن هناك خطة مرسومة لاصطياد الأستاذ المرشد منفردًا للتخلص منه ... ذلك أن قوات البوليس حاصرت الأزهر وكانت تعمل علي تفريق من يخرجون منه وتشتيتهم أولا بأول حتى إذا خرج الأستاذ المرشد اصطادوه وحده ... وكان الأستاذ آخر من خرج من المسجد وكأنهم ظفروا بما أرادوا فحاصروه بالقوة كلها راكبة الخيل وهو منفرد .. وهنا تصرف الأستاذ المرشد تصرفاً مذهلا إذ اختطف عصًا من أحد أفراد القوة وأخذ يضرب بها كل حصان علي أنفه فيرفع الحصان رجليه الخلفيتين فيهوي الجندي الذي يمتطيه علي الأرض وبذلك تمكن من إسقاط أفراد القوة كلها ، وكان الإخوان قد لحقوا به في خلال هذه المنازلة البارعة والتفوا حوله وعادوا به إلي المركز العام وقد نجاه الله من الموت محقق كان مدبرًا له في ذلك اليوم والله غالب علي أمره .

وقد توفي في تلك المظاهرة ثلاثة رجال وكان أحدهم الأخ الشهيد محمد عبد الرحيم الأنصاري من عمال السكة الحديد .. وقد أخبرني الأخ الأستاذ محمود الجوهري أيضا قال : كنا نستعد للتجمع لهذه المظاهرة وكانت وقفتي بجانب الأخ محمد عبد الرحيم وهو مسند ظهره إلي سور مدرسة المحمدية بشارع أحمد عمر قريبًا من المركز العام وكان في زيه المعروف به وهو الجلباب الأبيض والعمامة البيضاء الكبيرة وسمعته يقول قولة لا أنساها " إنني أشم اليوم رائحة الجنة " وأذكر أن الأخ الأستاذ لبيب البوهي قد أخرج قصة باسمه في ذلك الوقت . وقد رأيت بإيراد هذه اللمحات أن يتبين القارئ في ضوئها صورة للمواقف ومدي البون الشاسع بين الأم الثكل والنائحة المستأجرة . ولم يفت الأستاذ المرشد في خلال هذا الإجراء الغاشم من البوليس أن يعتب علي اللواء سليم زكي حكمدار القاهرة ...

وفي نفس اليوم قامت مظاهرات في طنطا وبورسعيد والإسكندرية ... وكانت هذه المظاهرات من الضخامة بحيث هزت أبناؤها أرجاء العالم حتى إن مراسل جريدة المصري في نيويورك أرسل إلي جريدته يقول : تلقت نيويورك قبل ظهر اليوم أنباء المظاهرات ثم وقعت في القاهرة ، وانتشرت هذه الأنباء بسرعة عظيمة هنا في نيويورك ، وكان لها أثر قوي علي الجميع – ولم يشأ أعضاء الوفود المختلفة أن يعلقوا بشيء .. وقد أعرب كثيرون في ليك سكسس عن أسفهم لإصابة كثيرين في خلال المظاهرات ... وقد عاق السير والترسمارت علي هذه الأنباء بقوله : إنه يخشي أن تكون الحالة قد تطورت فأصبحت خطيرة للغاية . ومع هذا التناقض المزري في مواقف الحكومة إذ تهاجم مظاهرات قامت لتأييدها وتقوية مركزها في مجلس الأمن فإن الإخوان لم ينثنوا عن مواصلة تأييد الحكومة إذ تم اجتماع بين الإخوان والهيئات الوطنية وبين خشية باشا نائب رئيس الوزراء وسويت المسألة وقرروا الإضراب يوم 26-8 استنكارًا لمعاهدة سنة 1936 .

9 – يحار المرء أمام تصرفات النقراشي باشا التي تدل علي أنه كان جادًا يوم أعلن في مجلس النواب أنه سيهاجم الانجليز ويصمهم بالاعتداء ، فلا شك علي سبيل المثال أن العمل الجريء الذي قام به مصطفي مؤمن في مجلس الأمن كان أعظم أثرًا وأجدي نفعًا للقضية المصرية من ألف خطية كالتي ألقاها النقراشي في هذا المجلس فلقد لفت أنظار العالم كله إلي مظالم الانجليز واعتدائهم علي حرية الشعب المصري بطريقة عملية مثيرة لاسيما وقد شفعت بمظاهرات ضخمة في القاهرة هزت مشاعر العالم ... وكان أدني ما ينتظر من رئيس وزراء مصر أن يحتضن هذا الشباب في شخص مصطفي مؤمن ومن معه ويشيد بهم .. فانظر ماذا فعل هذا الرجل :

الذي جاء بالصحف في ذلك الوقت وقرأناه ولازال مسجلا فيها إلي اليوم هو أن الأستاذ أحمد كامل قطب شابًا وطنيًا وكان محاميًا ورئيسًا لحزب الفلاح .. وسافر هو الآخر إلي نيويورك ليشارك في الجهود الشعبية من أجل القضية ، فلما قام مصطفي مؤمن بحركته وألقي الكلمات التي أشرنا إليها قبلا وأخرجوه من قاعة المجلس ، قام الأستاذ أحمد كامل قطب بمثل الدور الذي قان به مصطفي مؤمن فأخرجوه أيضًا .. ويبدو أن مفاجأة مصطفي مؤمن لم تدع فرصة للنقراشي ليفكر ويكون رأيا فيما حدث فلما قام أحمد كامل قطب بنفس الدور كان النقراشي قد كون رأيًا فاتجه إلي أحمد قطب وقال له أمام الجميع : اخرج يا مجرم . وقد عز علي الأستاذ أحمد كامل قطب أن يرميه وزراء مصر بالإجرام واعتقد أنها مجرد زلة لسان فقابله في اليوم التالي أمام وفد مصر وعتب عليه فيما صدر منه إليه وقال له يا دولة الباشا إن العمل الذي قمت به هو جهاد شريف لتأييدك وتأييد قضية البلاد وما كان ينبغي أن ترميني من أجله بالإجرام فرد النقراشي باشا قائلا : إنك بالعمل الذي قمت به أمس فأنت مجرم فما كان من الشاب المجاهد إلا أن قال للنقراشي : إذا كان أحد مجرمًا إذن فالمجرم أنت . وتركه وانصرف .

أما تصرف النقراشي باشا إزاء مصطفي مؤمن فقد كنت علي علم به في تلك الأيام ولكني قد حملته يوم بلغني علي محمل المبالغة وكنت عازمًا علي إغفال ذكره في هذه المذكرات لهذا السبب ، ولكن شاءت الأقدار أن تحمي الظروف بزميل في العمل لا علاقة له بالإخوان المسلمين ولا بالسياسة ولكنه يرتبط برباط القرابة مع المرحوم الأستاذ عثمان عبيد الذي كان في ذلك الوقت قنصلا لمصر في نيويورك ، وفي معرض حديثه عن خلق قريبه وشجاعته قال لي إنه رحمه الله حدثه أنه بعد الانتهاء من عرض القضية علي مجلس الأمن جاءه الطالب مصطفي مؤمن الذي استطاع أن يجتذب انتباه العالم إلي مصر وإلي قضية مصر وشكا إليه أنه انفق كل ما كان معه من نقود وأنه يريد أن يرجع إلي مصر وطلب إليه أن تتكفل القنصلية بمصاريف سفره ، قال الأستاذ عثمان فوافقت لأن التعليمات تقضي بذلك .. قال الأستاذ عثمان فلما علم النقراشي باشا بذلك استدعاني وعنفني علي موافقتي علي ترحيل مصطفي مؤمن علي نفقة القنصلية ، فبهت لهذه المفاجأة لأنني كنت أعتقد أن مصطفي مؤمن بما أداه من خدمة للقضية سيكون موضع تكريم من الحكومة ورئيسها ... فسألته عما يريدني أن أفعله . فقال : ارفض ترحيله علي نفقة القنصلية . فقلت له : وكيف أرفض والتعليمات عندي تلزمني بالموافقة ؟ قال : أنا رئيس الحكومة وأنا آمرك . فقلت له : إذا كان الأمر كذلك فلابد من أمر كتابي .. فلما أحس بأنني أفحمته تقهقر .

10- أصدر مجلس الأمن قرارًا بتأجيل قضية مصر إلي أجل غير مسمي ، ورجع النقراشي إلي مصر وكان الجميع ينتظرون منه حين يرجع أحد موقفين إما أن يقود الشعب المهيأ تمام التهيئة للنضال ضد الانجليز وإما أن يقدم استقالته .. ولكنه رجع واتخذ موقفًا آخر غير هذين هو موقف السكوت المطبق . وقد طال سكوته حتى أسأم أهل مصر جميعًا وأهل وادي النيل وكاد يبعث في نفوسهم اليأس وإليك نموذجًا من البيانات التي صدرت من الهيئات المختلفة معبرة عن هذا المعني وهذا البيان صادر من حزب مصر الفتاة يقول :

" إن دولة النقراشي باشا خيب آمال البلاد منذ عودته من أمريكا فقد لاذ بالصمت المطلق ، ولم يحاول أن يوجه البلاد أو يقودها نحو تحقيق أهدافها . ثم توالت الحوادث في الخارج والداخل فراح حاكم السودان يفاجئ الحكومة بتصرف جديد كل يوم جاهدًا في العمل علي فصل السودان نهائيًا ولم تفعل الحكومة المصرية شيئًا بل ولم تقل شيئًا . وليس هناك ما يكشف عن عجز الحكومة كأزمة ضباط البوليس (قاموا بإضراب) واختتم البيان بأنه يجب علي الحكومة أن تفسح الطريق لحكومة أخري تكون أكثر قدرة منها علي التعاون مع الشعب وحل مشكلاته وأزماته بروح جديدة وعزم جديد " .

وإذا كان هذا نموذجاً يمثل رأي الهيئات الشعبية في موقف هذه الحكومة وقد صدر في 20 أكتوبر وهو حزب الأحرار الدستوريين قد استبد به الضجر فعقد اجتماعًا في 16 ديسمبر سنة 1947 ووقف رئيسه الدكتور هيكل يصف موقف الحكومة من القضية بأنه " سبات عميق " وقد نشر ذلك في الصحف في ذلك اليوم . ونورد نموذجًا آخر يمثل رأي المستقلين من ذوي الفكر فيما جاء في كلمة ألقاها في مجلس الشيوخ في 13-1-1948 وهيب دوس بك عضو المجلس حيث قال " إن الذي تشعر به البلاد ويشعر به الناس جميعًا هو أن رئيس الوزراء يلوذ بالصمت دائمًا في كل أمر يطلب إليه بيانه ، وهذا ما يجب أن يوضع له حد " ثم قال : أما وقد ذهب وفد مصر إلي مجلس الأمن وعاد فقد كان مفروضًا أن الحكومة قد أعدت عدتها لمواجهة حالتي النجاح والفشل ، وبقاء القضية معلقة في المجلس ليس هو النجاح الذي ذهب وفد مصر إلي ذلك المجلس من أجله ، فكل ما فيه أن المجلس لم يحكم برفض الدعوى ، فماذا أعدت الحكومة لذلك ؟ وقد ثبت أن الخطوات التي خطتها لم تفد البلد شيئًا علي الأقل ويجب أن لا يبقي الأمر علي طريقة عدم كشف الأوراق ، بل يجب أن تعرف البلاد حقيقة الموقف فإذا كانت الحكومة أعدت خطة معينة أزمعت تنفيذها فعليها أن تصارح البلاد بها .

واستطرد فقال : إن المندوب البريطاني في مجلس الأمن واجه وفد مصر هذا المجلس غير مختص إلا بنظر الحالات التي تهدد الأمن العالمي . وتساءل كيف فات الحكومة ذلك فظلت الحالة علي ما يرام وظل الانجليز علي قناة السويس لا يعكر صفوهم معكر ، علي أن الأمن لا يهدد إلا إذا كانت مصر تنوي أن تعمل عملا . ورأي أن السكوت علي تصرفات حاكم السودان إنما هو تكملة للعبارة التي قالها المرحوم سعد زغلول باشا حين قال : " هل عندكم تجريدة ؟ " وتساءل علي الأساس السحري الذي تنتظره لإزاحة الانجليز من بلادنا إذا كنا بلا تجريدة وبقي الانجليز حيث هم في بلادنا لا يجلون عنها . وقال : إنني لو كنت صاحب الأمر يوم أمر حاكم السودان بإخراج الموظف المصري من السودان في 24 ساعة وإلا اعتقل لما ترددت في أن أستدعي الموظفين الانجليز في مصر جميعًا وأعلنهم بأن عقود استخدامهم قد ألغيت . وهذا كان أبلغ رد علي إخراج موظف مصري من أرض هي جزء من بلده

11- في الوقت الذي طالبت فيه كل الهيئات والأحزاب الممثلة للشعب بتخلي هذه الحكومة عن مركزها بعد فشلها التام نري جريدة التيمس تعبر عن وجهة النظر الرسمية في لندن فتثني علي النقراشي وتقول إن الواجب يحتم عليه البقاء في الحكم وتقول : إن جماعة الإخوان المسلمين يضعون أمام النقراشي مشكلة أخري ،وإن هذه الجماعة قد برهنت علي منفعتها كجبهة معارضة لخصمها وهو الوفد ، ولكن زعامة الإخوان المسلمين لا تتحمل المسئولية ، وتشددها يجعل تأييدها ميزة ليست لها قيمة مؤكدة " .

وكان من المنتظر أن يقوم الإخوان بعمل قوي يصحح الوضع يلزم هذه الوزارة بالتخلي عن تبلدها وبأن تقود البلاد إلي مقاومة المستعمر حتى يخرج من البلاد وإما أن تترك مكانها لحكومة ترضي لنفسها أن تحمل هذا العبء " ... ولكن كارثة كبرى حلت بالعالم الإسلامي أذهلت كل مسلم في الأرض وجعلت كل دولة عربية وإسلامية تنسي مشاكلها الخاصة أمام هذه الكارثة تلك هي صدور قرار هيئة الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين .. مما جعل الإخوان يضعون كل ثقتهم وراء العمل علي دفع هذه الكارثة وتجاوبت جميع الشعوب العربية بهذا الشعور حتى اضطرت حكوماتها المتهالكة إلي الظهور بمظهر المتجاوب هي الأخرى . ورأي الإخوان أن تكريس جهودهم لدفع هذه الكارثة المروعة أجدر أن يقدم علي كل ما سواه وقد أرجئوا مواجهة هذه الحكومة آملين في أن تحظي قضية فلسطين بتأييد من هذه الحكومة ، فتأييد هذه الحكومة ضروري لتأمين ظهر الإخوان في محاولتهم دفع الكارثة الحائقة بفلسطين وكان الإخوان قد رفعوا إلي الملك فاروق عريضة في شأن القضية المصرية وما آلت إليه وما ينبغي أن يتخذ في شأنها ، فلما وقعت كارثة قرار هيئة الأمم بتقسيم فلسطين بعثوا في 18-1-1948 برسالة إلي النقراشي باشا أشاروا في مستهلها إلي أن الوزارة عدت عريضة الجماعة المرفوعة أخيرًا إلي جلالة الملك معارضة لها ضاق صدرها بها ثم قالوا : " إن الإخوان المسلمين يجاهدون وحدهم تارة ومع المجاهدين تارة أخري في سبيل فلسطين الغربية ، وقد أعلنت الحكومة اهتمامها بهذه القضية وتشجيعها للعاملين في سبيلها . وإنهم حين يعملون لفلسطين يعملون لها مخلصين ولا يسمحون لأنفسهم بأن تعلق بهذا الجهاد شبهات السياسة المحلية . وهم علي استعداد لشكر الحكومة المصرية في هذا المعني إذا قامت بواجبها ، ولتنبيهها إذا قصرت ولنقدها أشد النقد إذا أصرت علي التقصير " .

ويلاحظ القارئ أن في هذه الرسالة نوعًا من اللين والملاطفة لحكومة يعلم الإخوان من بلادتها ما يعلمون ولكن الظروف المحيطة بالبلاد الإسلامية وبالتبعات الملقاة علي عاتق الإخوان حيالها اقتضت هذه الملاينة مع حكومة كانت هي الأمر الواقع وقد ضمنت تأييد الملك بجعلها إبراهيم عبد الهادي رئيسًا للديوان الملكي ولا ينبغي للعاقل أن يحارب في جبهتين , ولاسيما وقد نبتت بجانب قضية فلسطين وفي نفس الوقت قضية أخري ألقت علي كاهل الإخوان عبثًا آخر تلك هي قيام " ثورة اليمن " .


ثورة اليمـن :

في خلال الأربعينات أثر عن بعض كتاب الغرب الذين جابوا البلاد العربية قولهم : " إن مصر متخلفة عن أوروبا مائة عام ، والسعودية متخلفة ثلاثمائة عام ، أما اليمن فإنها لازالت تعيش في عصر ما قبل التوراة " .

وقد لا يكون في قولهم هذا مبالغة ؛ فإن اليمن كانت رازحة تحت لون من الحكم يدعي لنفسه أنه الحكم الإسلامي الوحيد في العالم حتى إن الحاكم كان يطلق علي نفسه لقب " الإمام " ويقصد بذلك أنه الحاكم الإسلامي الذي يجب أن يدين له بالطاعة كل مسلم علي وجه الأرض ... لكن هذا الحاكم كان أبعد الناس عن الإسلام بل إنه كان سبة وعارًا في جبين الأمة الإسلامية . نعم استطاع حكم هؤلاء الأئمة أن " يحفظ " هذه البلاد – كما يدعون – من أن تمتد إليها يد المستعمر ولكن هذا " الحفظ " كان أشبه بالاستجارة من الرمضاء بالنار ، فلقد استطاع هؤلاء الأئمة أن " يحفظوا " اليمن من أن ينفذ إليها بصيص من النور ، ومن أن تسري فيها قسمة من قسمات الحياة ... عزلوا اليمن عن العالم كله ، وكبلوا أهلها بأغلال الفقر والجهل والإذلال ؛ فجميع ما تقل الأرض هو للإمام ، فتراخي الناس عن فلاحة الأرض حتى جدبت .. والتعليم محرم إلا علي أسرة الإمام وفي حدود لا تنير العقل ولا تفتق الذهن .. والمواصلات منعدمة ولا أقول قليلة أو نادرة . فلم تكن هناك للمواصلات إلا الدواب فليس في البلاد خط حديدي وليس فيها طريق معبد يصلح للسيارات وليس في اليمن كلها إلا سيارة واحدة هي سيارة الإمام .. أما انعدام الطب والدواء والمستشفيات فأمر طبيعي مع فقد العمل والتعليم والمواصلات .. وهدف الأئمة من هذا " الحفظ " الذي يدعونه هو أن يأمنوا علي عرشهم من أن يقوم في اليمن من ينازعهم فيه أو حتى من يسألهم عما يفعلون .. وأني يقوم رجل من هذا القبيل في بلد كل أهله جهلاء وأكثرهم مرضي وفقراء ولا تستطيع قرية أن تتصل بجيرانها إلا بشق النفس ؟! ..

ولم يكتف الأئمة بكل هذه الوسائل من وسائل " الحفظ " بل إمعانًا في " الحفظ " تذرعوا بوسيلتين جهنميتين أخريين : أولاهما : أنهم نشروا زراعة نبات مخدر يسمي " القات " وأكثروا من زراعته وعملوا علي ترويج تعاطيه – وما أسهل نشر الفساد – فصار مضغ القات شغل أهل اليمن الشاغل .. وبذلك ضمن الأئمة أن قضي هذا " القات " علي البقية الباقية في هذا الشعب الذي لا يكاد يفيق من التخدير .

والوسيلة الأخرى : هي أن يأخذ الإمام من كل شيخ قبيلة أحد أبنائه ويبقيه عنده موثقًا رهينة لديه حتى لا يفكر أحد الشيوخ في الخروج عن طاعة الإمام فيقتل ولده .

وليس هذا الوصف الذي أوردته لليمن مستقي من مقال كتب أو من مؤلف وضع قد يشك في اتجاه كاتبه أو هدفه ، وإنما هو وصف وصفه لي أحد الإخوان الفضلاء كان هو أول بعثة تعليمية أوفدت إلي اليمن هو الأخ الأستاذ جمال عمار وذلك بعد أن أنشئت الجامعة العربية وكان ذلك أول اتصال لليمن بالحياة .. أخبرني حين رجع من اليمن بمشاهداته هناك وهي التي استخلصت منها ما قدمت من وصف موجز لحال اليمن .. ومما ذكره لي أيضًا عن رجال الشرطة في صنعاء أن الإمام لا يكاد يعطيهم مرتبات فهم عادة حفاة ومن المناظر المألوفة أن تري الواحد منهم يجري في الأزقة وقد خطف بعض الدواجن والمرأة صاحبة الدواجن تجري خلفه مستغيثة تتوسل إليه أن يرد لها ما خطفه من دواجنها ؛ فالشرطة الذي يفترض فيهم أنهم يحمون الشعب من المعتدين هم الذين يعتدون ويستبيحون أموال الناس تحت سمع الإمام وبصره . هذا قليل من كثير مما أنبأني به الأخ الأستاذ جمال عمار مما رآه بنفسه في اليمن .. وحين كنت بمكة سنة 1950 كنت أنظر إلي الرجل فأعرف أنه يمني فأسأله فيتبين صدق فراستي وكانت العلامة التي أميز بها اليمني هي تحول جسمه وشحوب لونه وضعف بنيته ، كلهم مرضي بفقر الدم فلا غذاء ولا دواء ولا عمل ولا أمل ، وأكثرهم جاءوا من اليمن إلي السعودية مشيًا علي الأقدام . وتاريخ اليمن ينبئنا بأنها كانت من أخصب البلاد تربة ومن أغناها تجارة ومن أذكاها عقولا وهي الأرض التي قال الله تعالي في وصفها " لقد كان لسبًا في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق الله واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور " والتي قال رسول الله صلي الله عليه وسلم فيها " الإيمان يمان والحكمة يمانية " ولكنها أجديت علي أيدي " الأئمة " الذين احتكروا الإسلام وأرادوا أن يحتكروا الحكم والسلطة .


اتصال الإخوان باليمن :

كان أول اتصال للإخوان باليمن عند انعقاد المؤتمر البرلماني العالمي لقضية فلسطين سنة 1938 وقرر المؤتمر إيفاد وفد عربي لحضور مؤتمر المائدة المستديرة في لندن فأوفدت المملكة العربية السعودية الأمير فيصل بن عبد العزيز وأوفدت اليمن اثنين من أبناء الإمام يحيي حميد الدين هما علي ما أذكر سيف الإسلام أحمد وسيف الإسلام عبد الله .. وحضر الأمراء الثلاثة إلي القاهرة وأوفد المركز العام للإخوان مع السيوف الأخ محمود أبو السعود ليكون سكرتيرًا لهما أو مترجمًا لإجادته اللغة الانجليزية ، ولما رجع من هذه الرحلة روي لنا العجب العجاب من أمر هذين السيفين وجهلهما بالحياة حتى إنه خجل من وجودهما في مثل هذا المؤتمر . وكان الاتصال الثاني في أثناء الجلسات التمهيدية لإنشاء جامعة الدول العربية ، وقد أشرت من قبل إلي إيفاد اليمن القاضي حسين الكبسي لحضور هذه الجلسات علي أن يكون مستمعًا دون أن يشترك في المناقشات .. وفي خلال هذه الاجتماعات تفتحت عينا هذا القاضي – وكان رجلاً ذكيًا – ومن معه من اليمنيين علي الحياة وتمنوا لو أن بلادهم أخذت بنصيب منها . كما أن أفرادًا من شباب اليمن الذين وفدوا إلي القاهرة لتلقي دراسة بالأزهر اتصلوا بالإخوان فنبه هذا الاتصال مشاعر فيهم كانت خامدة وفهموا من الإسلام مالم يكونوا يفهمون فاستقر في وعيهم أن بلادهم في أمس الحاجة إلي إصلاح يتناول جميع شئونها وكل مرافقها ... ولكن كيف يتم مثل هذا الإصلاح والأئمة مسيطرون ؟..


دوافع القيام بالثورة :

لم يكن القيام بالثورة في اليمن ضد الحكم الإمامي الغاشم أمرًا غريبًا ، فإن المظالم التي كانت ترزخ تحتها اليمن كانت أضعاف المظالم التي قامت من أجلها الثورة الفرنسية .. أما أن الثورة بتدبير الإخوان المسلمين أو قامت بتدبير الفئة المثقفة من أهل اليمن أو قامت بتضامن الجهتين معًا ؛ فأمر لا يعني الذين يبحثون عن الأسباب الداعية للثورة وهل هي جديرة بالتقدير أم هي أسباب مفتعلة لا أساس لها من الواقع . وعلي كل حال فإن مبلغ علمي أن الإخوان منذ عرفتهم كانوا يتمنون أن يتخلص اليمن من حكم " الأئمة " حتى تدب في أوصاله الحياة .. ولست أدعي أنني كنت مشاركًا في تدبير هذه الثورة فلقد كنت في تلك الأثناء بعيدًا عن القاهرة ، ولكنني أستطيع أن أقرر أن فكرة إعداد الشعب اليمني للثورة قد نبتت في المركز العام ؛ أما تفاصيلها وخطوطها فلا أعتقد أن المركز العام قد تدخل في رسمها .


الفضيل الورتلاني وعبد الحكيم عابدين :

عند تناول ثورة اليمن بالتسجيل نجد أنفسنا أمام شخصيتين من غير اليمنيين كانا قطبي روحي هذه الثورة هما " الفضيل الورتلاني وعبد الحكيم عابدين " . وأولهما كان إذ ذاك شابًا جزائريًا من زعماء المجاهدين الذين طاردهم الاستعمار الفرنسي فهرب إلي مصر واتصل بالإخوان وكان كثير التردد علي المركز العام حتى ليكاد يتردد عليه كل يوم باعتبار هذه الدار مركز الحركات التحررية ضد الاستعمار في كل بلد إسلامي .. وكان الفضيل لماع الذكاء ، سريع الحركة كثير المعارف ، لا يقتصر تحركه علي ما يخص موطنه الأصلي – الجزائر – بل كان يري العالم الإسلامي وحدة لا تتجزأ وأنه مطالب بتحرير كل جزء منه ... وأعتقد أن الفضيل كان أول من سافر إلي اليمن وأسس هناك شركة للتجارة . أما عبد الحكيم عابدين فإنه سافر إلي اليمن بعد ذلك وكان سفره تلبية لطلب حكومة الثورة التي ألفت برئاسة القاضي عبد الله بن أحمد الوزير .

تطور الأمور في هذه الثورة :

1 – تلقت جريدة الأهرام في 15 يناير سنة 1948 برقية من عدن من سيف الإسلام الأمير إبراهيم نجل الإمام يحيي ينعي فيها والده ويعلن نبأ إنشاء حكومة دستورية في بلاد اليمن وعلي رأسها السيد عبد الله بن أحمد الوزير . وقد وقع البرقية بصفته " رئيس مجلس الشورى في الحكومة الجديدة " .

وسيف الإسلام إبراهيم هو النجل الثامن للإمام اليمني يحيي وهو شاب في الثلاثين إذ ذاك عرف بتمرده علي والده مما أدي إلي سجنه مرتين ، وقد لجأ إلي عدن حيث التف حوله لفيف من اليمنيين وألقوا " جمعية الأحرار اليمنية الكبرى " واتخذ لنفسه لقب " سيف الحق " بدلا من " سيف الإسلام " . كما تلقي عبد الرحمن عزام أمين الجامعة العربية من السيد حسين الكبسي برقية بعد ذلك بثلاثة أيام هذا نصها :

" مات الإمام يحيي ونودي بالوزير إمامًا " وأرسل السيد الفضيل الورتلاني برقية من صنعاء إلي بعض الدوائر العربية في القاهرة مؤداها أن الإمام يحيي اغتيل هو وثلاثة من الأمراء ورئيس الحكومة اليمنية .

2 – أرسل السيد حسين الكبسي نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية في حكومة الثورة معربًا عن استعداده للاسترشاد بآراء دول الجامعة العربية في حدود ميثاقها ، ثم أرسل إلي عبد الرحمن عزام برقية فيها إلي زيارة اليمن حيث يشاهد " بناء جديدًا علي قواعد جديدة تصنعها حكومة ديمقراطية في ظل ملك ديمقراطي " وسأل مندوب جريدة الأهرام السيد عبد الرحمن عزام هل يسافر إجابة لهذه الدعوة ؟ فقال إنه لا يتأخر عن السفر إذا تطلبت المصلحة ذلك .. كما استطلع مندوب الأهرام رأي عربي كبير مسئول في موقف المملكة العربية السعودية إزاء اليمن بعد الحوادث الأخيرة فقال : " إن موقف جلالة الملك آل سعود هو موقف الجامعة العربية بل تأييد لها " .

3 – أذاعت وكالة الأنباء العربية من عدن : " لم يكد يذاع في صنعاء رسميًا أن السيد عبد الله بن أحمد الوزير نودي به ملكًا دستوريًا علي اليمن حتى احتشد نحو عشرة آلاف من الخلق لتحيته خارج قصر غمدان في صنعاء . وصرح السيد محمد نعمان الذي كان يتزعم في المنفي " جمعية اليمن الكبرى " قبل هرب الأمير إبراهيم ، والذي صار وزيرًا للزراعة في وزارة الثورة بأن ثلاثة من أبناء الإمام يحيي وهم الأمراء سيف الإسلام إسماعيل ويحيي ولا أذكر الثالث قد اعترفوا بالملك الجديد فعينوا في وظائف كبيرة من وظائف الدولة .

4 – سيف الإسلام أحمد أكبر أبناء الإمام يحيي والمطالب بعرض أبيه غادر مقره في " تعز " والتجأ إلي قبائل الشمال يؤلبهم علي الحكومة الجديدة .. وترسل الحكومة الجديدة إلي الملك عبد العزيز آل سعود تطلب إليه تزويدها بطائرات لمقاومة سيف الإسلام أحمد فيبلغ الملك عبد العزيز الجامعة العربية بأنه لن يجيب هذا الطلب حتى يتبين له رأي الجامعة .

5 – توالت برقيات من وزير الخارجية الحكومة الجديدة تستعجل وتستنجز حضور وفد الجامعة برياسة الأمين العام ولكن الأمين العام أخذ يتلكأ فلم يعلن عن تكوين الوفد إلا في 24 فبراير مكونًا من الأمير السعودي حاكم جدة وعبد الرحمن عزام وعبد الوهاب عزام سفير مصر في السعودية وحيدر مردم وزير سوريا في جدة وعبد الجليل الراوي وزير العراق في القاهرة وتقي الدين الصلح سفير لبنان في القاهرة وسعيد المفتي وزير داخلية شرق الأردن وتقرر سفرهم يوم 26 فبراير .

6 – في خلال هذه الفترة استطاع سيف الإسلام أحمد أن يضلل سكان حجة والحديدة وكون منهم جيشًا وبعث إلي الجامعة يطلب التحكيم وقد استجابت الجامعة لطلب أحمد وأرسلت برقية إلي الحكومة اليمنية وإلي أحمد تطلب منهما إيقاف القتال حتى نصل بعثة الجامعة . ثم اجتمعت اللجنة بالنقراشي ثم قصد عزام إلي منزله حيث وافاه في الساعة الرابعة إبراهيم عبد الهادي رئيس الديوان الملكي ودام اجتماعهما وقتًا طويلاً ؛ وتقرر أن يرافق الوفد الدكتور حسين حسني السكرتير الخاص للملك ممثلا الحكومة المصرية .

وقرر الوفد السفر إلي اليمن " بحرًا " من بورسعيد يوم 28 فبراير إلي جدة حيث ينضم إليه المندوب السعودي ثم يواصل السفر (بحرًا) إلي الحديدة حيث يستقل الوفد السيارات إلي صنعاء ويستغرق قطع المسافة بين الحديدة وصنعاء بالسيارة يومين وبعض اليوم .

7 – في الوقت الذي كانت تتوالي برقيات الحكومة الجديدة تستحث وفد الجامعة كان الإخوان علي اتصال مستمر بعبد الرحمن عزام يستحثونه من جانبهم ولكن دون جدوى وكان الإخوان يريدون قيام وفد منهم بالسفر إلي اليمن لتعزيز مركز الحكومة الجديدة ، ولكنهم رأوا أن يعملوا جاهدين علي قيام وفد الجامعة لأن وجوده في اليمن فيه كل التعزيز .. فلما وصلوا أخيرا إلي تحديد ميعاد لسفر هذا الوفد ، قام الإخوان باستئجار طائرة خاصة أقلتهم ومعهم مندوبو نقابة الصحفيين المصريين ومعهم أيضًا مكبرات للصوت لمخاطبة القبائل والجماهير ، ويلاحظ أن الضجر من هذا التلكؤ وصل بالحكومة إلي الحد الذي هددت فيه بالالتجاء إلي الأجانب لتقاعس الدول العربية .

8 – وصلت الطوافة فاروق مقلة وفد الجامعة إلي جدة وقد غادرتها إلي بورسودان للتزود بالمؤن اللازمة استعدادًا لرحلتها إلي صنعاء حيث قرر الوفد السفر إلي صنعاء عن طريق البحر أيضًا لردأة الجو ولما وصل الوفد إلي جدة سافر إلي الرياض لمقابلة الملك عبد العزيز الذي أعرب لهم عن استيائه الشديد لمصرع الإمام يحيي .. وتمت هذه المقابلة يوم 4 مارس سنة 1948 .

9 – وصلت إلي جدة بعثة الإمام الوزير إلي الملك عبد العزيز لمقابلته ومقابلة وفد الجامعة ، ويتألف الوفد السيد أحمد بن عبد الله الوزير نجل الإمام والفضيل الورتلاني مدير الشركة المصرية اليمنية والقاضي محمد محمود الزبيري وزير المعارف وقد أقلت هذا الوفد إلي جدة الطائرة المصرية التي حملت الإخوان المسلمين إلي اليمن وقد استأنف أعضاء هذا الوفد سفرهم بسرعة إلي الرياض وقد طلب ابن الوزير من الملك عبد العزيز طائرات ودبابات وجاء في البرقية :

" ويسعدنا أن تشرفوا جلالتكم بنفسكم لتحكموا علي الحقيقة عن مشاهدة أو ترسلوا من تثقون به " .

وقد سأل أحد الصحفيين الوفد اليمني : كيف تقولون إن حبل الأمن مضطرب في البلاد مع أن راديو صنعاء وحكومتها يقولون غير هذا ؟ فكان الجواب أن صنعاء ذاتها في أمن وطمأنينة ولكن الاضطراب والفوضى يتسع مداها علي الأيام ؛ لا اختلافًا علي الحكم ومن يتولاه ولكن لمجرد السلب والنهب وإطلاق العواطف والنوازع التي ظلت مكبوتة عشرات السنين .

ويبدو أن سيف الإسلام أحمد قد استغل هذا الشعور في الشعب وجاراه في عواطفه ونوازعه وحثه علي التمادي في السلب والنهب ووعدهم إذا نصروه علي ابن الوزير أن يفتح لهم خزانة الدولة علي مصراعيها فانطلقوا كالذئاب الجائعة ، وقد دخل أحمد صنعاء علي رأس جيش من المحرومين هذه هي دوافعه وحوافزه وآماله .

10- طال انتظار هذا الوفد لمقابلة الملك عبد العزيز حتى دخل سيف الإسلام أحمد صنعاء يوم 14 مارس فأرسل الملك عبد العزيز إلي هذا الوفد من يقول له : إن الملك يرفض مقابلتكم لأنه غير مستعد لاستقبال لصوص وقتلة .. وعاد عبد الرحمن عزام إلي القاهرة دون أن يدخل اليمن .


تعليق علي هذه الأحداث :

بدأت الثورة باغتيال الإمام يحيي ثم أعلن قيام حكومة جديدة برياسة القاضي عبد الله بن أحمد الوزير وكان من أكبر شخصيات اليمن ومن القلائل المنفتحين .. وقد بايعه بالإمامة أهل الحل والعقد في اليمن كما ينص علي ذلك دستور البلاد فإن هذا الدستور الذي هو من وضع الإمام يحيي وأسلافه لا يقرأن أن تكون الإمامة وراثية بل تكون لمن يبايعه أهل الحل والعقد .. وبذلك لم يكن عبد الله بن أحمد الوزير دخيلا علي الإمامة ولا مغتصبًا إياها من أحد .. ومن وزراء هذه الحكومة القاضي حسين الكبسي الذي كان أول مندوب لليمن في الجامعة العربية . والقاضي محمد محمود الزبيري من أعظم أدباء اليمن وشعرائها . وقد سيطرت هذه الحكومة علي البلاد تمام السيطرة وألقت القبض علي " السيوف " وهم أبناء الإمام يحيي . ويحسن ظن أرسلت إلي الجامعة العربية تطلب إليها إرسال وفد برياسة أمينها العام ليري نفسه استقرار الأمور وليسهم بالمشورة في وسائل الإصلاح في مختلف المرافق وقام المركز العام للإخوان من ناحيته الجامعة العربية علي إجابة طلب الحكومة اليمنية .

وتلكأت الجامعة العربية في إيفاد وفدها تلكؤًا لفت أنظار العالم كله ، ولم يكن لهذا التلكؤ المقصود من معني سوي أنه محاولة لإحباط هذه الثورة ، وبعد كل هذا التلكؤ قام الوفد ولم يتوجه إلي اليمن مباشرة كما كان ينتظر بل اتجه إلي السعودية ومكث في السعودية أيامًا تلقي نصائح العاهل السعودي الذي قد لا يسعده أن يقوم حكم في جارته المتاخمة له يضرب بنظام الوراثة والأسر المالكة عرض الحائط ويختار الأصلح غير عابئ بالأسرة التي ينتمي إليها .. ثم أفل وفد الجامعة راجعًا إلي مصر دون أن يدخل اليمن .. فكأنما كان موكولا إليه تمثيل دور معين رسم له وقد أتقن تمثيله فلما تم الدور دلف إلي مكانه وراء الكواليس . وقد فهم الإخوان المغزى من الحركات المريبة التي كانت تجري علي المسرح ، فهذا التلكؤ الذي لفت الأنظار وافتضح أمره حين أرادوا أن يتظاهروا بالخروج من دائرته المفرغة واضطروا إلي تحديد موعد السفر ، سبق هذا السفر حركات تشبه المؤامرة ونذكر منها :

أولاً : مقابلة الأمين العام للنقراشي صباحًا يعقبها في المساء وفي منزل الأمين العام مقابلة لإبراهيم عبد الهادي رئيس الديوان الملكي وتدوم المقابلة وقتًا طويلاً .

ثانيًا : يضاف إلي الوفد السكرتير الخاص للملك فاروق علي أن يكون ممثلا للحكومة المصرية .

ثالثًا : في 26 فبراير أي بعد نحو شهر ونصف من قيام الثورة ببرق السيد المؤيد مندوب اليمن في الجامعة العربية إلي سيف الإسلام أحمد بأن الملك فاروق يعزيه في والده .

رابعًا : يقرر الوفد أن يكون السفر عن طريق البحر وهذا وحده كان أن يكون دليلا علي أن المقصود هو إضاعة الوقت وإلا فهل تعجز الجامعة العربية عن استئجار طائرة كالتي استأجرها الإخوان ؟.

خامسًا : أن تخصص للوفد الطوافة فاروق حتى يشعر الوفد أنه كنف الملك .

سادسًا : يعدل الوفد عن خطته التي أعلن عنها فلا يقوم من جدة مباشرة إلي اليمن بل يتجه إلي الرياض في ضيافة الملك عبد العزيز .

هذا ولقد عالجت موضوع ثورة اليمن بطريقة لم تمس بواطن الأمور في تفاصيلها وأسرارها تاركًا ذلك لمن عانوها واصطلوا بنارها وقد سمعت من الأخ الأستاذ عبد الحكيم عابدين بعد رجوعه من اليمن شيئًا من هذه التفاصيل والأسرار ، ولكنني أوثر أن يناقش هو بنفسه هذه التفاصيل وهذه الأسرار لأن البيئة والظروف التي وقعت فيها هذه الأحداث لا أحسها أنا كما يحسها إنسان عاش فيها وتلبث بها .

آثار هذه الثورة :

كان لهذه الثورة آثار علي المستوي المصري وأخري علي المستوي العربي وثالثة علي المستوي العالمي ... أما علي المستوي المصري فإنها ألقت من روع القائمين علي الحكم في مصر أن هذه الثورة نذير لهم بين يدي عذاب شديد ؛ فليلقوا بثقلهم أولا لإحباطها ثم ليعدوا العدة للقضاء علي مديريها وهم الإخوان المسلمون الذين بلغوا أشدهم حتى إنهم يقيمون الدول ويسقطونها . فوجد فاروق في مصر تجاوبًا لأحاسيسه عند عبد العزيز آل سعود في السعودية وقد قربت ما بينهما وأنستهما الخلافات التي كانت بينهما ظنًا منهما أن الثورة كانت ضد الملكية مع أن ابن الوزير قد بايعه العلماء ملكًا . وأما علي المستوي العالمي فقد طمأن فشل الثورة قلوب الطاغوت الاستعماري المتمثل في أمريكا وانجلترا وفرنسا إلي أن العالم العربي لازال لقمة سائغة لهم ، كما أن الطاغوت وقد عرف العرق الوحيد الذي ينبض بالحياة في جسم العالم العربي هو الخوان المسلمون .. إذن فلابد من خطة لاستئصال هذا العرق حتى يظل الجسم فاقدًا رشده مستكينًا لهم . وأما أثرها علي الإخوان فقد كانوا يتمنون أن تنجح الثورة ليكون للإسلام في هذا العالم دولة ولكن شاءت إرادة الله أن يتأخر تحقيق هذه الأمنية ، فأحس الإخوان بقوي الشر تتألب عليهم وتجمع شتاتها لتفترسهم .



الفصل الثاني : في قضية فلسطين


وصلنا بهذه القضية في الباب السابق إلي تطور انتهي بعقد مؤتمر مائدة مستديرة بلندن حضره ممثلون من البلاد العربية ، وقد أصدرت الحكومة البريطانية في أعقاب هذا المؤتمر ما يسمي " الكتاب الأبيض " وأهم ما في هذا الكتاب أنه وضع حدًا لهجرة اليهود إلي فلسطين . ويبدو أن اليهود وجدوا في هذا الكتاب الأبيض ما يعرقل خطتهم المرسومة لاحتلال فلسطين فلجئوا إلي الحكومة الأمريكية التي سرعان ما استجابت لهم وطلبت تكوين ما يسمي " لجنة التحقيق البريطانية الأمريكية " وكانت هذه اللجنة وسيلة قانونية تسترت أمريكا وراءها لنسف الكتاب الأبيض وتحقيق مآرب اليهود . وطافت هذه اللجنة بالبلاد العربية متظاهرة بأنها لجنة تبحث عن العدالة بالاستماع إلي أطراف النزاع وقد حضرت إلي مصر وعقدت في القاهرة جلستين ، وكانت جلستها الأخيرة في 5-3-1946 وقد استمعت في هذه الجلسة إلي السيد مراد البكري وعبد المجيد صالح باشا وصالح حرب باشا والدكتور منصور فهمي باشا والأستاذ المرشد العام .. تقول جريدة المصري : وقد تكلم الجميع في حماس مخل ثم ساد الجلسة السكون عندما جاء دور الشيخ حسن البنا وقد ارتجل كلمة هادئة رزينة باللغة العربية جمعت بين قوة الحجة وسرعة البديهة وحضور النكتة . وتولي الترجمة الأستاذ أحمد السكري وكيل الإخوان المسلمين .

وقد استهل الشيخ حسن البنا كلمته بالاعتذار عن إلقائها باللغة الانجليزية ثم قال إنه لا يريد أن يتحدث عن مشكلة فلسطين من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية فقد طال فيها البحث ولا حاجة إلي تكرار ما قيل . واستطرد قائلا : باسم الإخوان المسلمين أؤيد ما أعلنته العرب وزعماؤهم ومندوبوهم وكذلك الجامعة العربية . والناحية التي سأتحدث عنها نقطة بسيطة من الوجهة الدينية ، لأن هذه النقطة قد لا تكون مفهومة في العالم العربي ، ولهذا فإني أحب أن أوضحها باختصار ؛ فأقرر ن خصومتنا لليهود ليست دينية لأن القرآن الكريم حض علي مصافاتها ومصادقتهم ، والإسلام شريعة إنسانية قبل أن يكون شريعة قومية ، وقد أثني عليهم وجعل بيننا وبينهم اتفاقا " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن " . وحينما أراد القرآن الكريم أن يتناول مسألة اليهود تناولها من الوجهة الاقتصادية والقانونية فقال تعالي وهو أصدق القائلين " فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرًا . وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل " .

ونحن حين نعارض بكل قوة الهجرة اليهودية ، نعارضها ، لأنها تنطوي علي خطر سياسي اقتصادي ، وحقنا أن تكون فلسطين عربية . ولي كلمة أخيرة من الوجهة الدينية ؛ فإن اليهود يقولون عن فلسطين إنها أرض الميعاد .. ونحن لا مانع لدينا من أن يكونوا في يوم القيامة معنا . ( وقد أثارت هذه العبارة عاصفة من الضحك لم تلبث أن اتصلت بأخرى عندما استطرد الشيخ البنا قائلا : ( لاحظت أن هذه الهيئة الموقرة منعت التدخين في قاعة الاجتماع خشية أن يؤذي بعض الحضور . وإذا كنتم تحرصون علي أمزجة الناس من فعل الدخان ، فخليق بكم أن تحرصوا علي أهل فلسطين من النيران ...

الرئيس : ولكن بين الحضور من يدخن الآن (وكان يدخن في القاعة عبد المجيد إبراهيم صالح باشا وصحفي أمريكي ومندوب جريدة المصري) .

الشيخ البنا : خالفوا القوانين (ضحك) .

واختتم الأستاذ البنا كلمته بقوله : لقد استمعت اللجنة إلي رجاء اليهود ، وتركت الرجل الأول الجدير باستشهاد في قضية فلسطين وهو الحاج أمين الحسيني وكذلك المجاهدين المبعدين فأكون سعيدًا إذا عملت اللجنة علي الإفراج عنهم جميعًا . وبعد طواف اللجنة بالبلاد العربية واستماعها إلي من استمعت إليهم أصدرت تقريرها في آخر ابريل سنة 1946 وكان هذا التقرير مفاجأة أليمة للعرب الذين كانوا يحسنون الظن بها فقد تضمن تقريرها السماح بالهجرة إلي فلسطين لمائة ألف مهاجر يهودي واستمرار الانتداب البريطاني وتعديل قانون بيع الأراضي وإشراف الحكومة علي الأماكن المقدسة .. وضج العرب في كل مكان وأعلنوا احتجاجاتهم ، وقد عقب السيد جمال الدين الحسيني بقوله : إن هذا التقرير الذي وضع تحت ضغط الولايات المتحدة يحكم علي فلسطين بأن تصبح أرض الدماء والبؤس .. وانهالت برقيان الاحتجاج علي جامعة الدول العربية ومنها برقية من المرشد العام . ومما زاد العرب حنقًا علي هذه اللجنة وعلي الحكومة الأمريكية أن اصدر الرئيس ترومان عشية إصدار اللجنة قرارها تصريحًا قال فيه :

" إني سعيد جدًا بأن أيدت لجنة التحقيق البريطانية الأمريكية طلبي بالسماح لمائة ألف يهودي بالهجرة إلي فلسطين في الحال . وهكذا يجب أن ينفذ نقل هؤلاء القوم التعساء بأسرع وقت مستطاع ولعل أهم ما جاء في تقرير اللجنة أنها تهدف إلي حماية العرب في فلسطين بضمان حقوقهم المدنية والدينية وبالعمل علي إنهاض مركزهم الثقافي والاقتصادي . وقد سررت بإلغاء اللجنة كتاب سنة 1939 الأبيض الذي يحد من هجرة اليهود ويمنعهم من شراء الأراضي ، ولا شك أن لهذه التوصية أثرًا كبيرًا في العمل علي النهوض بالوطن القومي اليهودي " .

وكان تنبؤ السيد جمال الحسيني صادقاً فلقد تحولت فلسطين بعد تقرير هذه اللجنة إلي شعلة من النيران ولكن بين كفتين غير متوازيتين فالعرب الفلسطينيون يجاهدون وحدهم في الميدان لا سند لهم إلا جهودهم الذاتية حيث الأمة العربية ممزقة الأوصال مغلوبة علي أمرها يحكمها حكام يدينون بالولاء للمستعمر أكثر مما يدينون به لعروبتهم ، أما اليهود فوراءهم ثروات اليهود في كل بقاع الأرض ووراءهم أمريكا تمدهم بالمال وتسندهم بالنفوذ ثم حكومة فلسطين البريطانية مهمتها سن التشريعات التي تسهل لليهود تحقيق أغراضهم وتضع العقبات أمام العرب وجنود الجيش يهاجمون العرب في الليل والنهار ويقتلون المجاهدين ويحمون اعتداء اليهود وإجرامهم . وأتي العرب مرة أخري من إفراطهم في حسن الظن فلقد أنشئت في سنة 1945 في أعقاب الحرب العالمية الثانية هيئة عالمية جديدة سميت " هيئة الأمم المتحدة " ووضع لها ميثاق يسمي " ميثاق حقوق الإنسان " من قرأ بنوده وجد فيها العدالة المطلقة ، فظن العرب أن هذه الهيئة هي خير ملجأ إليه لاستخلاص حقوق أهل فلسطين فاجتمع رؤساء الدول العربية في جامعة الدول العربية وقرروا عرض هذه القضية علي هذه الهيئة .

وتباري الخطباء من رؤساء الدول العربية ووزراء خارجيتها في إلقاء بيانات ضافية في ساحة هذه الهيئة مدعومة بأقوى الحجج التاريخية والقانونية عن حقوق العرب في فلسطين ولكن تبين أخيرًا أن هذه الهيئة لم تكن أخف جورًا ولا أهون ظلمًا مما سبقتها من لجان فقد أصدرت قرارها بأغلبية 25 صوتًا ضد 13 مع امتناع 17 عضوًا عن الاقتراع في 29 نوفمبر سنة 1947 بتقسيم فلسطين إلي دولتين إحداهما عربية والأخرى يهودية .


مظاهرة مصر الكبرى لتأييد فلسطين في 15-12-47 :

وقع قرار تقسيم فلسطين علي العرب جميعًا موقع الصاعقة وأعلنت الدول العربية رفضها له وعدم اعترافها به ، وأعد الإخوان لمظاهرة اهتزت لها جنبات القاهرة اشترك فيها الأزهر والجامعة وتجمعت في ميدان الأوبرا حيث خطب فيهم السيد رياض الصلح والأمير فيصل بن عبد العزيز والشيخ محمود أبو العيون وجميل مردم بك وصالح حرب باشا والقمص متياس الأنطوني والسيد إسماعيل الأزهري والأستاذ المرشد العام .. وكانت المظاهرة أشبه بمؤتمر علي أعلي المستويات الشعبية والرسمية عقد في فندق الكونتننتال ، وقد تهدم بعض مباني الفندق من شدة ضغط الجماهير وكان الهتاف كله من أجل فلسطين ، ومما يؤسى له أن بعض المندسين في المظاهرة ممن لم يفهموا مغزاها ولا معناها ولا أهدافها حاولوا الهتاف للنحاس باشا ولكن الناس أسكتوهم حتى لا يذهبوا بجلال الموقف .

وخطب الأستاذ المرشد فقال : " لبيك فلسطين .. دماؤنا فداء فلسطين وأرواحنا للعروبة يا زعماء العرب ... يا قادة الأمة العربية .. إنني أنادي المم المجاهدة ، الحجاز وسوريا والعراق وشرق الأردن ولبنان وأبناء وادي النيل وكل عربي يجري في عروقه دم العروبة الحر ؟ أيها الزعماء ... أنتم القادة ... وهؤلاء الجنود ... قد وقفوا دماؤهم لدفاعكم المقدس .. إن هذا الشباب ليس هازلا .. ولكنهم جادون .. عاهدوا الله وعاهدوا الوطن علي أن يموتوا من أجله . إنه وإنه كان ينقصنا اليوم السلاح فسنستخلصه من أعدائنا ونقذف بهم في عرض البحر .. لقد تألبت الدنيا تريد أن تسلبنا حقنا ، وقد عاهدنا الله أن نموت كرامًا أو نعيش كرامًا . إنني أعلن من فوق هذا المنبر أن الإخوان المسلمين قد تبرعوا بدماء عشرة آلاف متطوع للاستشهاد في سبيل فلسطين .. وهم علي أتم استعداد لتلبية ندائكم .

أثبتنا هنا كلمة الأستاذ المرشد لما كان لها من دلالة تتصل بلب المشكلة وواقعها فإن القضية قد أشبعت كلامًا ولم يعد يجدي فيها غير العمل .. والعمل الشاق المضني الذي تهون فيه النفوس وترخص الأرواح ... وهو ما أشار إليه الأستاذ المرشد في كلمته إشارة ظاهرة محددة . وفي مايو سنة 1948 كان زعماء الدول العربية مجتمعين في " عالية " بلبنان فأرسل إليهم الأستاذ المرشد العام برقية يعدهم فيها بما وعد من قبل في كلمته عشر آلاف مجاهد كدفعة أولي إلي فلسطين وكان من أثر إعلان الإخوان لهذه الخطوة العملية ما يلي :

1 – الأثر المباشر وهو أن أعد كل أخ نفسه ، وسارعوا إلي تقديم أنفسهم وأموالهم إلي المركز العام حتى ضاق هو وشعب القاهرة علي سعتها بأفواجهم المتلاحقة .

2 – أشعل هذا الإعلان الحماس في نفوس مجموعة كريمة من ضباط الجيش المصري فاستقالت من الجيش وأعلنت تطوعها .

3 – جعل اليهود يشعرون أن الطريق ليس ممهدًا أمامهم لتحقيق أمانيهم بعد أن ظنوا أنهم بمكرهم وأموالهم وبخداع الانجليز قد قضوا علي كل مقاومة كانت تعترض سبيلهم لاسيما أن الذين يتحدونهم ليسوا جنودًا محترفين . بل هم شباب متطوع دفعته إلي التطوع عقيدته وإيمانه وهذا النوع من الجنود قوي الشكيمة شديد الرأس .

4 – جعل دول الغرب وهي التي تحتضن اليهود تشرئب بأعناقها إلي هذا الإعلان الجريء لنعرف كنهه وتتبين مدي جديته فقد عهدوا العرب قوالين غير فعالين ، فتقاطر المراسلون الصحفيون لهذه الدول علي المركز العام وأمطروه بالأسئلة ، ورأوا بأعينهم أفواج الإخوان المتطوعين .

5 – تشجيع الرؤساء العرب ، وبث روح الطمأنينة في نفوسهم حتى لا يتخاذلوا ويتهربوا من المسئولية .

دور الإخوان في حرب فلسطين :

ليس المقصود من الكتابة عن دور الإخوان في حرب فلسطين سرد تاريخهم في هذه الحرب ، ولا الحديث عن خططهم ومعاركهم ، فهذه أمور جديرة أن توضع فيها مجلدات ، وأن تكون هذه المجلدات بين يدي كل عربي ومسلم ليستمدوا منها روحًا وقوة ، وليستلهموا منها معاني الاعتزاز والفخر بالانتماء إلي أمتهم العظيمة .. ومما يؤسى له أن لا يكون بين أيدينا ... نحن العرب – هذه المجلدات . وأن تكون هذه المجلدات عند أعدائنا الذين لا يدعون صغيرة ولا كبيرة إلا درسوها وتعلموا منها .. ولذا فإننا حين نكتب عن دور الإخوان في هذه الحرب فإنما نومئ إلي ذلك مجرد إيماء بلمع مما بقي في الخاطر بعد هذا العهد الطويل .

سارع الإخوان من أنحاء البلاد إلي التطوع من أول يوم فتح الأستاذ فيه باب التطوع ، وكان الأستاذ يشترط في المتطوعين من الشباب شروطًا أهمها أن يكون المتطوع قد تطوع برضا الوالدين وأذكر بهذه المناسبة أنني كنت في ذلك الوقت بالمركز العام ، فأقبل علي شاب عرفني بنفسه وقال لي : إنني حمدت الله أن قابلتك هنا لأنك تعرفني حيث كنت عندنا في دمنهور ، وأنا أعرف أن الأستاذ المرشد يثق فيك ، قلت له : وماذا تريدني أن أفعل ؟ قال : لقد أعلن الأستاذ المرشد فتح باب التطوع عزمت علي التطوع وبعت كل ما في دكاني من بضاعة واشتريت بثمنها سلاحًا وذخيرة ومئونة للجهاد وأغلقت دكاني وحضرت اليوم إلي المركز العام ليلحقني الأستاذ بالفوج المسافر إلي فلسطين .. ولكن الأستاذ سألني : هل أبواك راضيان ؟ فلم أستطع أن أكذب .. فقال : لا تسافر حتى يكونا راضيين . فخرجت من عنده وأنا في أشد الحزن .. وأرجوك أن تشفع لي عند الأستاذ المرشد ليقبلني في هذا الفوج قبل أن يسافر فإن الحصول علي موافقة والدي ليس متوقعًا .

فقلت له : إن الأستاذ لا يقبل الشفاعة في مثل هذا ، وعليك أن تحصل علي رضا والديك ، وإلا فرضاهما أولي . فتركني وهو يبكي . وقد أوردت هذه الواقعة ليتصور القارئ اليقظة الروحية التي بعثتها دعوة الإخوان المسلمين في نفوس هذه الأمة حتى ألحقتها بالرعيل الأول من صحابة رسول الله صلي الله عليه وسلم يوم كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يستعرض جيش المسلمين استعدادًَا لغزوة بدر فرد من استصغر سنه فكان مما رده أسامه بن زيد ورافع بن خديج والبراء بن عازب وأسيد بن ظهير وزيد بن أرقم وزيد بن ثابت ورد عمير بن أبي وقاص فبكي فأجازه ، وكان منهم من وقف علي أطراف أصابعه ليبدوا أمام رسول الله صلي الله عليه وسلم طويلا فيجيزه .


تدخل الجيوش العربية :

بدأ الإخوان يعدون العدة لتنظيم حركة عسكرية لإنقاذ فلسطين عندما أصدرت هيئة الأمم المتحدة قرارها المشار إليه وكانت منظمات اليهود العسكرية هي منظمة الهاجاناه أي حراس المستعمرات ومنظمة أرجون زفاي ليومي ومنظمة اشتيرن وفرقة البالماخ الفدائية التي أنشئت علي النمط الروسي . وكانت المنظمات العربية الفلسطينية اثنتين هما النجادة والفتوة فوجه الإخوان اهتمامهم إلي هاتين المنظمتين علي أمل أن تصبحا قادرتين علي الوقوف في وجه المنظمات اليهودية ، ولكن سرعان ما قام خلاف بين قواد هاتين المنظمتين .. وقد حاول الإخوان إصلاح ما بينهما ، ولم يكن بد لإتمام هذا الصلح من إنقاذ الصاغ محمود لبيب ، فتم علي يديه هذا الصلح ، وارتضته المنظمتان مدربًا لهما ولكن بعد فترة غير طويلة تنبهت حكومة الانتداب الانجليزية إلي خطورة وجود الصاغ محمود لبيب في فلسطين علي خططتها ومؤامراتها ضد العرب ، فأصدرت هذه الحكومة أمرًا إليه بمغادرة البلاد كما طاردت جميع الإخوان الذين دخلوا فلسطين ، ولكن كثيرًا من الإخوان كانوا قد تمرسوا علي حرب مستمرة مع منظمات اليهود ولم تستطع أن تصل إليهم يد الحكومة لتخرجهم من البلاد .

فلما انسحب الانجليز من فلسطين في مايو 1948 دخلت الجيوش العربية من الشرق والغرب والجنوب لتعيد الأمن إلي نصابه .. وبذلك أصبح في فلسطين نوعان من القوات العربية : النوع الأول : المتطوعون وهم متطوعو الإخوان المسلمين والمتطوعون من ضباط الجيش المصري الذين استقالوا من الجيش ، وقد انضم هؤلاء الضباط إلي متطوعي الإخوان ،واتخذهم الإخوان قادة لهم . وكان من أبرز هؤلاء الضباط القائمقام (العقيد) أحمد عبد العزيز الذي ارتضاه الإخوان قائدًا لهم لما كان يمتاز به منن الإيمان والشجاعة والتضحية والجرأة الخارقة .. والنوع الآخر هو الجيوش العربية .


هل كان دخول الجيوش العربية صوابًا أو خطأ :

وأترك الإجابة علي هذا السؤال إلي الأخ الذي عاصر هذه الحرب وخاض غمارها من أول يوم حتى نهايتها وهو الأخ كامل إسماعيل الشريف حيث يقول في كتابه صفحة 81 : الرد علي هذا السؤال هو أن العصابات لا يمكن أن تقاتل عصابات مثلها وتنتصر عليها . وأن العصابات لا يمكن أن تحسم الحرب بمفردها ، ولكنها كانت ولا تزال سلاحًا خطرًا لو سارت في ركاب جيش منظم وأحسن تدريب أفرادها وقيادتهم ؛ فيحتل الجيش المنظم المدن والمراكز ويتولي الدفاع عنها بينما تقوم العصابات المدربة بتحطيم قوي العدو ومهاجمة وحداته وطرق مواصلاته . وإذا فلم يكن هناك بد من دخول الجيوش العربية لتحقيق الهدف الذي حاربنا من أجله ؛ ولكن الخطأ أولا وأخرًا في عدم استعداد هذه الجيوش استعدادًا يكفل لها أداء مهمتها ، وجهلها المطبق بقوي العدو الذي تحاربه . والخطأ بعد ذلك خطأ الزعماء السياسيين الذين لم يدخلوا في حسابهم هذه الهيئات الدولية ومدي خضوعهم لها أما دخول الجيوش نفسها فلا غبار عليه ولا مفر منه ، ولا يمكن أن تحسم الحرب بدونه في الماضي ولا في المستقبل إذا أردنا حقاً أن نعاود الكرة لتحرير الأرض المقدسة . هذا هو رأي الأخ الأستاذ الشريف علي أن هناك في هذا الموضوع آراء أخري .

الإخوان يتطوعون من جميع الأنحاء :

يقول الأستاذ الشريف كانت القوة الأولي من إخوان مصر قد دخلت فلسطين ورابطت في النقب وافتتحت أولي معارك الجنوب في " كفار ديروم " في 14 ابريل 1948 . وفي نفس هذا الوقت كانت القوة الثنائية بقيادة اليوزباشي محمد عبده (كان ناظرًا لمدرسة ثانوية) تنتقل إلي معسكر " قطنة " بسوريا ، لتستكمل تدريبها ثم ترابط فترة في النقب وتشترك مع زميلتها الأولي وأخيرًا تصحب الشهيد أحمد عبد العزيز في جولته الموفقة قبل أن يستقر في جنوب القدس ويكون من نصيب هذه القوة أن يوكل إليها الدفاع عن مرتفعات " صور باهر " الحصينة ، وهناك تلحق بها قوة كبيرة من الإخوان المسلمين في شرق الأردن بقيادة المجاهد عبد اللطيف أبو قورة رئيس الإخوان في عمان ، وتندمج القوتان في فرقة واحدة متحدة القيادة ، ليكون لها الفضل بعد ذلك في المحافظة علي تلك المرتفعات ، وعرقلة الخطط اليهودية التي كانت ترمي إلي احتلالها لتتحكم في القوات المصرية المتطوعة المرابطة في مناطق " الخليل وبيت لحم " ولم يكن الإخوان في سوريا بأقل نصيبًا من غيرهم إذ أدخلوا قوة من رجالهم يقودها الأستاذ مصطفي السباعي رئيس الإخوان في دمشق عملت بهمة ونشاط وفي مناطق " المثلث " و " القدس " وساهمت مساهمة فعالة في الدفاع عن هذه المناطق الحيوية .

وكانت العصابات غير النظامية التي شكلتها شعب الإخوان في فلسطين تعمل منذ بداية الحركة في المناطق الشمالية والوسطي تحت القيادات العربية المحلية وتقوم بغارات ناجحة علي مستعمرات اليهود وطرق مواصلاتهم رغم الضعف الشديد الذي كانت تعانيه سواء في التسليح أو التدريب . ولقد اضطر الإخوان إزاء القيود التي فرضتها الحكومة إلي تقديم شبابهم للعمل تحت قيادة الجامعة العربية ، فتشكلت منهم ثلاث كتائب أتمت تدريبها في معسكر لها كستيب ثم تسللت إلي فلسطين قام بنشاط ملحوظ في مهاجمة اليهود في النقب قبل أن تتخذ موقعًا دفاعيًا عن مناطق جنوبي القدس .. وكانت الكتيبة الثانية بقيادة البكباشي " عبد الجواد طبالة " ترافق الجيش المصري وتشترك معه في الدفاع عن منطقة غزة ، وتتولي حصار المستعمرات ، وتقوم بحراسة بعض النقط الهامة في خطوط المواصلات ثم تستقر بعد ذلك مع زميلتها في " بيت لحم " عقب استشهاد المرحوم أحمد عبد العزيز .

وتتجمع هذه القوات في تلك المنطقة وتنجح في المحافظة عليها وتسليمها للجيش الأردني بعد حصار شاق طويل ، وهجمات عنيفة من العدو أظهرت في صدها الكثير من البطولات . وهكذا وبالرغم من تلك القيود القاسية التي فرضها الاستعمار وحافظ عليها أذنابه من بعد فقد اشترك الإخوان في الحرب بأعداد كبيرة كانوا يتحملون الإنفاق علي معظمها ويتكبد مركزهم العام ألوف الجنيات في شراء الأسلحة والمعدات ... ولكي نضع بين يدي القارئ صورة توضح مدي فعالية القوة المتتالية للإخوان في فلسطين فسنقتبس بعض صفحات من كتاب الأستاذ كامل إسماعيل الشريف يشرح فيها بعض مواقع لهم مع اليهود .


أول معركة للإخوان بفلسطين :

في صفحة 69 من كتاب الأستاذ الشريف يقول :

لم يكن الإخوان يعلمون عن المستعمرات اليهودية وتحصيناتها أكثر مما عرفته إدارة المخابرات في الجيوش العربية النظامية ، فلقد هونت هذه المخابرات من شأن التحصينات اليهودية وقلت من أهميتها ، حتى لقد قدرت إحداها 72 ساعة ليفرغ جيشها من احتلال فلسطين كلها ، وحتى سمعنا أحد المسئولين العسكريين في جيش عربي كبير يقول للوحدات العسكرية الزاحفة إنها ذاهبة في " نزهة عسكرية إلي تل أبيب لا أكثر ولا أقل " وحتى لا يقطع علي الضباط والجنود دهشتهم قال لهم إن الناس في قريتي حين يقيمون الأفراح والليالي الملاح يطلقون الرصاص في الهواء دليلا لفرحهم وعلامة علي ابتهاجهم ، وإن الأسلحة التي معكم تكفي جدًا لهذه المهمة الهينة اللينة .

كان الإخوان في الفترة الأولي من الحرب يجهلون المستعمرات اليهودية وطرق تحصينها ، فظنوا أن في مقدورهم مهاجمتها واحتلالها رغم ما كانوا يعانونه من نقص في الأسلحة والمعدات . ولقد تمت المحاولة الأولي في الساعة الثانية من صباح 14 ابريل 1948 وكان الغرض منها احتلال مستعمرة " كفار ديروم " المحصنة . وهذه المستعمرة وإن كانت صغيرة الحجم إلا أنها كانت مقامة في وضع بالغ الأهمية لقربها من الحدود المصرية ، ولوقوعها علي طريق المواصلات الرئيسي الذي يربط مصر بفلسطين ، وكان في استطاعة حراسها أن يرقبوا الداخل والخارج وأن يقطعوا هذا الطريق في أي وقت يشاءون وهم تختفون خلف أبراجهم المسلحة دون أن يتعرضوا لشيء من الأذى ... لذلك كلما اهتمت القيادة اليهودية بهذه المستعمرة وبالغت في تحصينها وإقامة الأبراج الشاهقة حولها ،وإحاطتها بحقوق كثيفة من الألغام والموانع السلكية الشائكة ثم زودتها بعدد كبير من نخبة رجال " الهاجانا " وفرقة " البالماخ " الفدائية .

هذا وصف موجز لهذا " الجيب " اليهودي الخطر الذي حاول الإخوان تطهيره واحتلاله ، ثم تلقوا علي يديه درسًا قاسيًا ، وكانت هذه المعركة هي نقطة التحول التي غيرت خطتهم وصرفتهم عن معاودة الهجوم علي المستعمرات دون أن يملكوا المعدات اللازمة لهذا النوع من القتال . هاجم الإخوان المستعمرة في وقت مبكر من صبيحة اليوم ، ونجحوا في المرور خلال حقول الألغام عبر ممرات أعدوها طوال الأسبوع الذي سبق المعركة ، واجتازوا عوائق الأسلاك الشائكة .. كل هذا تم بدقة وسرعة دون أن يتنبه حراس المستعمرة لما يجري حولهم ولم يفيقوا إلا علي صوت انفجار هائل أطاح بأحد مراكز الحراسة ، ثم بدأت المعركة داخل الخنادق وعلي أبواب الأبراج و " الدشم " وأبدي الخوان في هذه المرحلة من ضروب البطولة والفدائية مالا يمكن حصره ولا تصويره . واستطاع اليهود أن يسدوا الثغرات التي أحدثها المجاهدون في دفاعات المستعمرة ثم حاصروا القوة الصغيرة التي نجحت في التسلل إلي أوكارهم ومضوا يحصدونها ببنادقهم ورشاشتهم . وهكذا فشلت المحاولة الأولي ومضي الإخوان يحملون شهداءهم وجرحاهم وكان عددهم يربو علي العشرين وانتهت المعركة علي هذه الصورة المؤسفة ولكنها ظلت مثلا فريدًا للبطولة والتضحية .

من بطولات هذه المعركة :

مما زاد في روعة هذه المعركة أنها كانت المعركة الليلية الوحيدة التي شهدتها معارك الجنوب ، وتمت في خفة وهدوء يدلان علي مستوي عال من التدريب والمقدرة ، وظل الإخوان طوال فترة الحرب يتذاكرون المثل العليا التي سجلتها المجاهدون فيها ، والتي أعادت إلي الأذهان صورًا حية من جهاد الصدر الأول ، فهذا أحدهم وهو المجاهد " ومحمد سلطان " من مجاهدي الشرقية يزحف علي بطنه حاملاً لغناً هائلا وهدفه أحد مراكز الحراسة في المستعمرة .. يتنبه إليه الحراس وهو قيد خطوات من هدفه فيطلقون عليه رصاصات تصيبه في ذراعه وتعجزه عن المضي في زحفه ، ولكنه يتحامل علي نفسه ويزحف بصعوبة والدماء تنزف من جراحه والرصاص يتناثر من حوله ويظل يجاهد بعناد حتى يقترب من هدفه فيشعل اللغم ويدمر مركز الحراسة ويقضي علي البطل الفذ ويمضي ليلاقي ربه شهيدًا .

وهذا المجاهد " عبد الرحمن عبد الخالق " يقود إحدى جماعات الاقتحام في المعركة ويستمر في قتاله الرائع رغم أوامر الانسحاب التي صدرت إليه فيقول : كيف ننسحب وإخواننا في داخل المستعمرة ؟ ثم يذكر من معه بقول الله تعالي " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار " ويظل يقاتل بشدة حتى تصيبه رصاصة قاتلة في رأسه لتضع اسمه في عداد الشهداء .

وهذا مجاهد آخر هو " عمر عبد الرءوف " تصيبه رصاصة في صدره فتبدو علي وجهه ابتسامة مشرقة ويهتف بمن حوله " أترون ما أري ؟ " ثم يأخذ نفسًا طويلاً ، ويقول : هذه هي الجنة .. إنني أراها .. وأشم رائحتها " ثم يلفظ أنفاسه الطاهرة .

ما استفاده الإخوان من هذه المعركة :

خرج الإخوان من هذه المعركة بنتيجة واحدة ، فهموها وظلوا يعملون علي أساسها طوال الفترة التي قضوها في فلسطين ، فهموا أن مهاجمة المستعمرات اليهودية بهذا النقص الواضح من الأسلحة والمعدات هو انتحار محقق ، وفهموا كذلك أنهم لن ينجحوا إلا في حرب عصابات ينزلون فيها الضربات علي خصوصهم خارج هذه المستعمرات دونت التعرض لحصونهم واستحكاماتهم . ولقد فلت للإخوان عقب هذه المعركة مباشرة : " أن اليهود أقوياء في هذه الحصون والأبراج ، فلن نهاجمهم فيها بعد اليوم ولكننا سنغير علي قوافلهم ونضطرهم إلي قتالنا في الأرض المكشوفة " وعلي هذه الطريقة بدأ الإخوان ينظمون أنفسهم في عصابات صغيرة ترابط علي طرق المواصلات وتهاجم شبكات المياه ومراكز التموين ، حتى اضطر اليهود إلي إخراج كثير من قواتهم لحراسة المواصلات والقوافل ، فاستطاع الإخوان بذلك أن يوقعوا بهم ضربات حاسمة سريعة وأن يغنموا منهم كميات كبيرة من العتاد والسلاح . وإليك مثالا للأخذ بهذه السياسة :

أسلوب جديد في مهاجمة اليهود :

حدث مرة أن قامت قوة من الإخوان بقيادة المجاهد حسن عبد الغني بتدمير شبكات المياه بين مستعمرتي (بيري) و (أتكوما) وأباحت أنابيب المياه لأعراب المنطقة ينتزعونها من الأرض تحت حراستهم ، حتى نزعت من الأنابيب مساحات شاسعة ؛ ثم رابطت في المنطقة لتمنع العدو من إصلاحها . وصبر اليهود يومين عساها تنصرف لشأنها ولكن القوة العنيدة ظلت تواصل تدمير الأنابيب ونزعها والتعرض للصفحات والقوافل التي تحاول إصلاحها ؛ فلم تجد القيادة الإسرائيلية بدأ من الدخول في معركة مباشرة . فجمعت عددًا من الصفحات من جميع المستعمرات وأحاطت القوة الصغيرة من جميع الجهات ، وأخذت تقترب منها علي أمل أن تظفر بها .. وصمد الإخوان صمودًا عجيبًا ، وأوقعوا من اليهود عددًا من القتل قبل أن يبعثوا في طلب النجدات من معسكراتهم وجاءت مصفحات للإخوان وأقامت نطاقاً حول صفحات العدو الذي أسقط في يده حين رأي نفسه محصورًا بين نارين ، فاضطر إلي طلب نجدات أخري من المستعمرات القريبة ، وامتلأ ميدان المعركة بقوات كبيرة من الجانبيين واشتد القتال بين الفريقين شدة لم يسبق لها مثيل حتى يئس العدو من زحزحة الإخوان من موقفهم فأخذ يطلق سحبًا من الدخان ليستر انسحابه .. وما كادت أطباق الدخان تنجاب عن ميدان المعركة حتى سارع الإخوان يجمعون غنائمهم من السلاح ويعودون لتدمير الأنابيب من جديد .

حقارة اليهود : وأيقن اليهود أنه لا قبل لهم بمواجهة هذه القوات المتفانية في حرب شريفة ، فلجئوا إلي أسلحة الغدر والخيانة ؛ وحاولوا تسميم آبار يستعملها الإخوان في منطقة " خزاعة " حيث كان المجاهد نجيب جويفل يرابط فيها بسريته .. ولكن عين الله المبصرة ويقظة الإخوان مكنتهم من اكتشاف الجريمة قبل وقوعها : وذلك أنهم لمحوا رجلين يرتديان الملابس العربية ويتظاهران باستجلاب الماء ، وكان منظرهما يدعو إلي الريبة ، فاقترب منهم الجندي الحارس وأمرهما بالوقوف فلاذا بالفرار فتعقبهما الحارس وعدد من إخوانه حتى أدركوهما ولم يبق بينهما إلا خطوات وأمرهما بالتسليم مهددين إياهما بإطلاق النار فرفعا أيديهما بالتسليم ، وحين اقترب الإخوان منهما انبطحا علي الأرض في سرعة وقافا علي المهاجمين عددًا من القنابل اليدوية ، فأسرع الإخوان بملاصقة الأرض ثم أطلقوا عليهما النار فأردوهما قتيلين .

وبلغت النقمة بالإخوان من هذا الغدر أن حملوا الجثتين إلي مستعمرة " نيريم " وهناك علي مقربة من العدو نضجوا الجثتين بالبترول وأشعلوا فيهما النار علي مرآي من المستعمرة .. وجن جنون اليهود وأخذوا يلوحون بأيديهم في غضب وانفعال .. وحين جن الليل هاجموا مواقع الإخوان في " خزاعة " انتقامًا لهذا الحادث ولم يتمكنوا من زحزحة الإخوان وإن كانوا قد نجحوا في قتل أحد المجاهدين الأبرار الشهيد عيسي إسماعيل عيسي من إخوان الشرقية الكرام . وهكذا نجحت الخطة الجديدة ، ولم يعد الإخوان في حاجة إلي معاودة الهجوم علي المستعمرات المحصنة والتعرض لنيرانها ؛ ذلك لأن اليهود قد اضطروا إزاء هجمات الإخوان الموفقة علي قوافلهم وطرق مواصلاتهم إلي تعيين دوريات ميكانيكية وقوات كبيرة من المشاة لحراسة تلك الطرق والمنشآت وحمايتها أمام تلك الهجمات .. ولم يكن الإخوان ليضيعوا الفرصة الثمينة فأخذوا يغيرون علي هذه القوات المبعثرة في الصحراء ويرغمونها علي القتال إرغامًا حتى تحولت تلك المنطقة إلي ساحة حرب قوية .. ولم يكن يمر يوم في تلك الفترة دون أن تنشب معركة عنيفة تنتهي حتما بقتل عدد من جنود العدو وتدمير عدد آخر من مركباتهم ومدرعاتهم .

ولقد حاولت القيادة اليهودية أكثر من مرة القضاء علي العصابات وتطهير المنطقة منها ، فكانت ترسل عددًا كبيرًا من قوتها ، وكان هذا أقصي ما يريده الإخوان فيستدرجونهم إلي المناطق الوعرة ويحاصرونهم في الشعاب والوديان . وإذا نظرنا إلي هذه الفترة نجد أن الإخوان قد وصلوا إلي نتيجتين لم يكونوا يستطيعون الوصول إليهما بدون هذه الأعمال العصابية ؛ فالنتيجة الأولي هي خروج اليهود من مستعمراتهم وحصونهم لمقاومة عصابات خفيفة محصنة في بطون الشعاب والوديان . والنتيجة الثانية أن الإخوان استطاعوا الحصول علي كثير من الغنائم والمعدات التي لم يكونوا يملكونها كالصفحات الضخمة والأسلحة الرشاشة البعيدة المرمي ، هذا عدا أنواع مختلفة وكميات كبيرة من الذخائر والقنابل .

من البطولات الخارقة :

يقول كامل الشريف في صفحة 114 : " وكان هذا النجاح حافزًا علي القيام بحركة جديدة ذلك أن مستعمرة " تل بيوت " دأبت علي إطلاق النيران من برجها الضخم وتسبب عن ذلك كثير من الخسائر والأضرار مما اضطر أحمد عبد العزيز إلي إصدار أوامره إلي الأخ المجاهد " حسين حجازي " ليتولي تدمير هذا البرج الخطر .. وفي ليلة 4 يونيو انطلقت جماعة من الإخوان من بيت لحم وأحيط انطلاقهم بتكتم كبير حتى إن زملاءهم في القوة لم يعلموا حقيقة المهمة التي سيقومون بها ، حتى لمعت برقة خاطفة أضاءت صفحة السماء وأعقبها انفجار هائل ارتجت له أركان المدينة وشاهد الناس أحجار البرج الضخم تتناثر في الهواء ثم تتهاوي لتصنع من تراكمها قبرًا كبيرًا يضم تحته رجال الهاجاناه .

الهدنة الأولي أو الكارثة العظمى :

وقد علقت جريدة " أخبار اليوم " في عددها الصادر في 5 يونيه سنة 1948 تصف هذه العملية الجريئة فقالت بعد كلام طويل : " وفي الليل تسلل (حسين) ومعه أربعة جنود .. وزحفوا علي الأشواك في " صور باهر " أربعة كيلومترات تحت تهديد الرصاص الطائر في الهواء والحيات الزاحفة بين الأحجار ... وقرب الفجر سمعت " بيت لحم " انفجارًا مدويًا ، وتهدمت ثلاثة حصون من " تل بيوت " . وفي الصباح عاد (حسين حجازي) ليتلقي تهنئة قائده منها لقب " بطل تل بيوت " . " وبينما المجاهدون يوجهون ضربات مركزة في كثير من المناطق ، ويعدون أنفسهم للوثوب علي القدس الجديدة إذا بالدول العربية تقبل الهدنة الأولي وتصدر أوامرها لجيوشها بوقف إطلاق النار لمدة أربعة أسابيع تبدأ من يوم 11 يونيه 1948 " .

موقف الإخوان من الهدنة الأولي :

الذي اقترح الهدنة الأولي هي الأمم المتحدة يمثلها الكونت برنادوت ، والذي اعترض علي هذا الاقتراح هم الإخوان المسلمون لأن الإخوان كانوا هم أدري الناس بحقيقة الموقف في فلسطين ... كانت القوات العربية جيوشًا ومتطوعين في انتصار ساحق ، وكان اليهود في هزائم متلاحقة وارتباك شديد .. وفهم الإخوان أن اليهود لم يجدوا لهم مخرجًا من الورطة التي وقعوا فيها بحيلة ماكرة يستردون فيها أنفاسهم . ويعيدون خلالها تنظيم صفوفهم ، ويستغلون فيها غفلة خصومهم . فأوحوا إلي مؤيديهم في الأمم المتحدة – وما أكثرهم – أن يطلبوا تقرير هدنة بسحب الطرفان خلالها قتلاهم لمدة أسبوعين . فهم الإخوان ذلك ، وكل المتابعين لأنباء القتال في فلسطين في ذلك الوقت كانوا يفهمون ذلك ، والصحفيون الذين كانوا في الميدان وخارج الميدان كانوا يفهمون ذلك .. وكان علي حكومة مصر أن تكون أول من يفهم ذلك .. لكن هذه الحكومة وقفت موقف الأبله لا بل موقف المتباله .

كان علي الحكومة المصرية أن ترفض هذه الهدنة أو أن تتلكأ علي الأقل في قبولها عدة أسابيع وإذن لتغيرت نتيجة هذه الحرب ، ولما كانت هناك مشكلة تسمي مشكلة فلسطين ولا دولة تسمي دولة إسرائيل .

لم يدخر الإخوان وسعًا في تقديم النصيحة للحكومة أن لا تنخدع وتقبل الهدنة ، وقد افترض الإخوان – بحسن الظن أن الحكومة لم يتضح لها خطورة الموافقة علي هذه الهدنة فشرحوا لها مدي الأضرار التي ستحيق بالمجاهدين وبالجيوش العربية وبالأمة العربية وبالأمة الإسلامية إذا ما وافقت علي الهدنة وصارت هي وجيشها والمجاهدون ملتزمين بها في حين أن اليهود لن يلتزموا بها بل إنها ستكون فرصة لهم لإعادة تنظيم صفوفهم بعد أن مزقت كل ممزق . وقد كتب الأستاذ المرشد مقالاً افتتاحيًا في جريدة الإخوان اليومية الصادرة في 3 يونيه سنة 1948 تحت عنوان " حول اقتراح الهدنة ... ماذا وراء هذا الرد ؟ " ننقل للقارئ نص هذا المقال لبالغ أهميته التاريخية .. يقول المرشد العام ... وهنا حقائق ثلاث لا يجادل فيها أحد من الناس :

الحقيقة الأولي أن هذه العصابات الصهيونية الآثمة الغادرة في فلسطين قد اعتدت اعتداء منكرًا علي المدن الفلسطينية الكبرى وعلي القرى الصغرى ، وارتكبت من الفظائع ما تشيب له الرءوس ، وكان عن عدوانها هذا أن شردت عشرات الألوف من عرب فلسطين وهاجروا إلي الأوطان المجاورة ، وتركوا ديارهم وأموالهم وبيوتهم ومصالحهم نهبًا مقسما في أيدي هذه العصابات التي تحتل الآن حيفا ويافا وعكا وطبرية وهي أعظم مدن فلسطين . ولهذا لم تجد الدول العربية بدًا من امتشاق الحسام لتأديب هؤلاء الطغاة ولاستنقاذ هذه المقدسات ، وتأمين حياة المقيمين . ورد المهاجرين العرب إلي أوطانهم ، وطرد السفاكين من الصهيونيين إلي البلاد التي قذفت بهم .

والحقيقة الثانية أن الجيوش العربية منتصرة مظفرة بيدها زمام الموقف والحمد لله ، وأن كل يوم يمضي يزيدها ظهورًا وتمكينًا ، وأن الشعوب العربية قد انتفضت فتكشفت عن أروع وأجمل وأفضل خصال آبائها وأجدادها نجدة وعزة وبذلاً وتضحية وقوة وبسالة . وأنها تبذل الدم والمال والنفيس والرخيص ولا تبقي علي شيء في فرح وسرور وطمأنينة وارتياح ، وأن عنوان هذا كله قد قرأه الخاص والعام علي جبهات الأبطال من رجالنا وشبابنا في الميدان .

والحقيقة الثالثة أن جامعة الدول العربية قد طاولت حتى تعبت المطاولة نفسها ، وقد صبرت علي عبث الساسة الدوليين حتى مل الصبر ذاته ، وقد أضاعت فرصًا كثيرة وأوقاتًا غالية ثمينة في سبيل الظفر بتقدير الرأي العام العالمي وإثبات حسن النية والأخذ بالحكمة والعقل والتبصر ، وأصبح الأمر كما قال الأستاذ العقاد في إحدى مقالاته ، لن نجني بعد ذلك من الحكمة والتعقل إلا أن نعرف بعد فوات الأوان أننا كنا أشد تعقيلا من المجانين .

هذه هي الحقائق الثلاث التي كانت ولازالت تفرض علي الدول العربية أن ترفض كل اقتراح يشير إلي هدنة أو شبه هدنة إلا بعد أن تدخل جيوشها تل أبيب وتطرد هذه العصابات الآثمة من حيفا ومن يافا ومن عكا ومن طبرية وتطوق كل مستعمراتهم أو تستولي عليها وترد المهاجرين من عرب فلسطين إلي ديارهم .. ثم إذا قيل بعد ذلك " الهدنة " فيها وإلا فالقتال حتى يقذف بآخر يهودي صهيوني إلي البحر وتطهر فلسطين المباركة من هذا الرجس .

ومن هنا كان الرد المطاط المرن غريبًا علينا نحن الإخوان المسلمين ؛ فنحن في ساعات الجد الحازم الذي لا يحتمل العبث مع العابثين من رجال ليك سكسيس وأمثالها . ونحن في الحقيقة حائرون في السبب الذي جعل اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية تؤثر هذا الوضع وترد بمثل هذا الرد ؟ .. وهل حقيقة ما يقال من أن بريطانيا هي التي دفعت بالدول العربية إلي القتال لتسوي خلافاتها معها في ظل انشغالها بهذا الميدان حتى إذا " لخمتها هذه اللخمة ؛ " أرادت الهدنة بعد ذلك لتصل في هذه الفترة إلي ما تريد ؟ وأنها تلعب علي الحبلين وتظن أنها قد أرضت العرب بتظاهرها بالوقوف إلي جانبهم حينًا من الزمن ثم تحاول إرضاء اليهود بتشجيع الهدنة التي يستطيعون في ظلها أن يتنفسوا مما هم فيه من ضيق ؟ .

أم أن ذلك غير صحيح والصحيح أن قادة العرب أنفسهم هم الذين يريدون هذه الهدنة لأمور جدت وحوادث حدثت بعهد الاستيلاء علي القدس القديمة .. ونحن لا نستطيع أن نصدق هذا ولا ذاك ولا أن نري له نصيبًا من الصحة فقادة العرب في تماسكهم وتضامنهم واتفاقهم علي كل شيء . ووطنيتهم أعظم غيرة وحرصًا علي مصلحة فلسطين ومصلحة أوطانهم من أن يكون هناك ظل لهذا التفكير . وإذا لم يكن هذا ولا ذاك فهل الصحيح أن حكام الشعوب العربية لازالوا مغرمين بالأساليب السياسية كارهين لكل ما يتصل بالحرب والجهاد بسبب ، يؤثرون دائمًا أن يصلون من غير هذه الطريق ولو لم يكن هناك طريق غيرها ،وأنهم وجدوا في الهدنة المقترحة ما يتفق مع هذا الهوى ويماشي هذا المنطق فقبلوها مرحبين ..؟.

ونحن لا نريد أن نصدق هذا أيضًا فالحكام بعد أن رأوا هذا الإجماع الرائع وهذه الحماسة البالغة من شعوبهم لا يمكن أبدًا إلا أن تتحول في أنفسهم طبيعة المسالمة بل عادة المسألة والملاينة التي ألقوها ويؤمنوا أقوي الإيمان بأن الجهاد هو أقرب طريق لتحقيق الآمال وما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا . لم يبق إذن إلا فرض واحد هو أن اللجنة السياسية تريد أن تبرهن من جديد علي حسن نية الدول العربية وحبها الدائم للسلام لتكسب بذلك عطف الرأي العام العالمي ولتكسب الوقت أيضًا ولتحرج الصهيونية أمام مجلس الأمن .ومع جواز هذا عرف السياسة فنحن نعتقد أن العدول عن الحزم وعد أخذ الأمور بمنتهي الشدة والجد في المواقف الذي نحن فيه لا يكون ، وراءه إلا تعقد الأمور وزيادة المتاعب ، وكنا نؤثر أن يكون شعارنا اليوم وبعد أن يئسنا من أساليب الدبلوماسية هذا اليأس ما قاله من قبل عبد المؤمن بن علي :

وحـكم السيف لا تعبأ بعافيــة

وخلها سيـرة تبقي علي الحقـب

فما تنـال بغيـر السيف منقبـة

ولا نرد صـدور الخيـل بالكتب

لو كان يطاع لقصير رأي !! ...

إننا متشائمون من هذه الهدنة لا نرضي بها ولا نوافق عليها ، ونحمل الذين اختاروا هذه الطريق تبعة عملهم بين يدي الله والناس . ولله الأمر من قبل ومن بعد ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ... "

ولم تكن الهدنة الأولي في حقيقتها إلا أسلوبًا جديدًا ابتكرته هيئة الأمم لمساعدة اليهود وتمكينهم من جلب الأسلحة الثقيلة والذخائر . ولقد كان قبولها من جانب العرب اعترافاً فعليًا بقيام إسرائيل ولم تقف فائدة الهدنة لليهود عند حد جلب السلاح والعتاد فحسب ، ولكنها أيضًا كانت وسيلة لاحتلال المواقع الهامة ، إذ أن أغلب المراكز الخطيرة لم يستطع احتلالها إلا بهجمات غادرة قاموا بها خلال الهدنة .. وكانت الحجة دائمًا عند هيئة الأمم وعند حكومة إسرائيل أن أصحاب هذه الحركات الغادرة ليسوا إلا عصابات فوضوية متطرفة ، وكانت الدول العربية تصدق هذا الزعم ونشفق علي هيبتها وكرامتها أن تجاري عصابات فوضوية وهي الدول ذات المراكز والسلطان . وعن هذا طريق احتل اليهود أغلب المناطق التي وقعت في أيديهم .

الموقف بعد الهدنة الأولي :

يقول كامل الشريف في صفحة 148 : أود قبل أن استطرد في بيان ما خفي من نشاط الإخوان المسلمين وأثرهم في الميدان إلي بعض التغيرات الجوهرية التي طرأت علي جبهات القتال بعد فرض الهدنة الأولي ليكون القارئ علي حقيقة بيته من الموقف . لزم الجيش المصري مواقعه التي احتلها . وأخذت وحداته تنظم الدفاع عن نفسها وتستعد لاستئناف القتال ، وعند نهاية الهدنة أخذ الجيش يهاجم مراكز اليهود بعنف وشدة ، ويضيق الخناق علي المستعمرات الجنوبية حتى كادت تموت جوعًا وعطشًا ، وأدركت القيادة اليهودية حقيقة الخطر الذي يحيط بهذه المستعمرة فحاولت تموينها بالطائرات ولم تنجح في هذه الخطة أيضًا إذ كان السلاح الجوي المصري في ذلك الحين لا يزال يسيطر . وأذكر أنهم قاموا بمثل هذه المحاولات في المستعمرات التي يتولي جنود الإخوان حصارها غير أن الإخوان أرضوها أكثر من مرة علي إلقاء حمولتها بعيدًا عن المستعمرات تحت تأثير نيران المدافع الرشاشة التي كانت تسقط عليها من أبعاد قريبة والفرار راجعة إلي قواعدها . وكانت هذه الحركة مصدر غنائم جديدة للإخوان ومصدر مضايقات مثيرة لليهود .

الهدنة الثانية أو ثالثة الأثافي :

وهنا فرضت الهدنة الثانية التي استطاع اليهود في خلالها أن يجلبوا أنواعًا جديدة من الأسلحة الثقيلة والطائرات الضخمة ... وحين آنسوا في أنفسهم شيئًا من القوة والإعداد ، ضربوا بالهدنة عرض الحائط وبدأوا عمليات جريئة واسعة النطاق ؛ فهاجموا (تقاطع الطرق) في 14 أكتوبر واحتلوها . وبذلك تحطم الحاجز الذي يفصل الشمال عن الجنوب ، وانطلقت القوات اليهودية المدرعة تحمل الأسلحة والجنود وانتفضت المستعمرات الهادئة الوادعة ، ودبت معالم الحياة والنشاط في أوصالها وقامت لتؤدي دورها المرسوم فقطعت طرق المواصلات حين كان الضغط يشتد علي خطوط الجيش الأمامية مما اضطر قيادة الجيش إلي تقصير خطوطه والتخلي عن مناطق المجدل وأسدود تاركة خلفها قوة قوامها خمسة آلاف جندي في منطقة (الفالوجا) لم تستطع الإفلات واللحاق بالجيش المنسحب إلي غزة .

بطولات خارقة لحماية انسحاب الجيش المصري :

فرضت السياسة الخرقاء للحكومة المصرية علي الجيش المصري في فلسطين بقبولها الهدنتين الأولي والثانية الوضع الذي يكون فيه الانسحاب هو أقل الضررين ، ولم يتوان الجيش في إعداد خطة الانسحاب ، ولكن كان لابد لتأمين انسحابه من الاحتفاظ بمواقع معينة إذا فقدها فشلت خطة الانسحاب وصار الجيش معرضًا للفناء ، وننقل فيما يلي عن الأستاذ كامل الشريف لمحات من بطولات رائعة للإخوان في سبيل تأمين الجيش المصري .

1 – استرداد العسلوج :

كان احتلال العسلوج يعني قطع مواصلات الجيش المصري في الجبهة الشرقية ؛ مما دعا القيادة العامة إلي تنظيم خطة لاستردادها . وفي اليوم التالي تحركت قوة كبيرة من الجيش النظامي تعاونها المدفعية والسيارات المدرعة ، ولكنها فشلت في الاقتراب من القرية لاستماتة العدو في الدفاع عنها . فاستنجدت القيادة العامة بالبكباشي أحمد عبد العزيز الذي وكل الأمر لليوزباشي محمود عبده قائد الإخوان في " صور باهر " ليتولي إرسال قوة من رجاله تسترد هذه المواقع ، وأترك وصف النتيجة لسعادة اللواء أحمد محمد المواوي بك القائد العام وهي مقتبسة من شهادة أدلي بها بين يدي القضاء في إحدى قضايا الإخوان المسلمين التي عرفت باسم " قضية سيارة الجيب " وكانت جابته ردًا علي سؤال وجهه إليه الدفاع في القضية المذكورة .

- هل كلفتم المتطوعين بعمل عسكري خاص عند مهاجمتكم العسلوج ؟..

- نعم ... العسلوج بلد تقع علي الطريق الشرقي واستولي عليها اليهود في أول أيام الهدنة . ولهذا البلد أهمية كبرى بالنسبة لخطوط المواصلات ، وكانت رياسة الجيش تهتم كل الاهتمام باسترجاع هذا البلد ، حتى إن رئيس هيئة أركان الحرب أرسل لي إشارة هامة يقول فيها (لابد من كلا الطرفين من الجانبين ، فكلفت المرحوم أحمد عبد العزيز بك بإرسال قوة من الشرق من المتطوعين وكانت صغيرة بقيادة ملازم ، وأرسلت قوة كبيرة من الغرب تعاونها جميع الأسلحة ولكن القوة الصغيرة هي التي تمكنت من دخول القرية والاستيلاء عليها .


ولما سألوه المحامون عن السبب في تغلب القوة الصغيرة أجاب :

- القوة الغربية كانت من الرديف وضعفت روحهم المعنوية بالرغم من وجود مدير العمليات الحربية فيها إلا أن المسألة ليست مسألة ضباط .. المسألة مسألة روح ، إذا كانت الروح الطيبة يمكن للضابط أن يعمل ما يشاء ، ولكن إذا كانت الروح ميتة فلا يمكن للضابط أن يعمل شيئًا ... لابد من وجود الروح المعنوية .

يقول كامل الشريف : وهكذا تحررت العسلوج وكان تحريرها علي يد قوة من الإخوان بقيادة ضابط ملازم هو الأخ المجاهد " " يحيي عبد الحليم " من إخوان القاهرة ... ومع هذا النجاح الباهر الذي أحرزه الإخوان وعظم الخسائر التي مني بها العدو . كانت خسائرنا صغيرة جدًا لا تتجاوز عددًا من الجرحى من بينهم قائد القوة المهاجمة المجاهد " يحي عبد الحليم " .


2 – استرداد تبة اليمن :

نجح العدو في 19 أكتوبر في اقتحام مرتفع شاهق يعرف بتبة اليمن ... وهاأنذا أنقل نص إشارة رسمية بعثتها قيادة (بيت لحم) إلي الجهات العسكرية المسئولة بتاريخ 20 أكتوبر : " قام العدو بهجوم عنيف علي جميع مواقعنا الدفاعية تحت ستار غلاله شديدة من نيران الأسلحة الأوتوماتيكية والهاونات وقاذفات الألغام والمدفعية الثقيلة – صدت قواتنا الهجوم – تمكن العدو من الاستيلاء علي مواقعنا بجبل " اليمن " – قامت قوة من الإخوان المسلمين بقيادة الملازم أول خالد فوزي بهجوم مضاد فطردت العدو بعد أن كبدته خسائر فادحة – خسائرنا ضعيفة . وقد أبلغنا مراقبي الهدنة " . وقد علقت أغلب الجرائد العربية واليهودية علي هذه المعركة وذكرت جهود الإخوان فيها بالإكبار والإعجاب .. وكتبت جريدة " الناس " العراقية في عددها الصادر يوم 7-11 مقالا تحت عنوان " بسالة متطوعة الإخوان المسلمين " جاء فيه :

" وإن اليومين الماضيين امتازا ببسالة متقطعة النظير من متطوعة الإخوان المسلمين فقد استولي اليهود شمال غرب بيت لحم بعد محاولات عديدة علي جبل مرتفع يسمي " تبة اليمن " ويشرف علي قري الولجة وعين كارم والمالحة وما جاورها وأصبحوا يهددون كل المناطق المحيطة بها ، ورأت قيادة الجيش المصري ضرورة تطهيرها فندبت لذلك عددًا من متطوعة الإخوان المسلمين في " صور باهر " فتقدمت سرية منهم .. ولم تمر ساعة حتى كانت هذه الفرقة قد أجهزت علي القوة اليهودية وغنمت ذخيرتها ومتاعها وحررت قرية " الولجة " وأصبحت تسيطر علي منطقة واسعة .. وقد أصدرت قيادة الجيش المصري مرًا بتسمية الجبل " تبة الإخوان المسلمين " . وقد استشهد من الإخوان كل من مكاوي سليم علي من الزقازيق والسيد محمد قارون من المنصورة وإبراهيم عبد الجواد من الفيوم رحمهم الله رحمة واسعة " .

أقول : وقد نشرت الصحف المصرية نبأ هذه الموقعة وقد قرأتها في ذلك الوقت في جريدة الأهرام بنفسي هذه المعاني .

3 – حماية الجيش المصري في مرحلة الانسحاب :

في مرحلة انسحاب الجيش المصري بعد الهدنة الثانية حاول الجيش تثبيت أقدامه في منطقة " غزة " وجمع قواته المبعثرة بعد الانسحاب ... يقول كامل الشريف : يأبي إعطاء قوات جيشنا فرصة للتفكير في أمرها بما يقوم به من هجمات " وهمية " علي غزة ومن غارات جبارة علي مراكز الجيش بها ، ويزيد في إشغالها بالمناورات البحرية التي تقوم بها قطع أسطوله وتحاول قطع الطريق الساحلي الذي تسلكه القوات في انسحابها من المجدل . ولم تكن هناك خطة منظمة الدفاع عن هذه المناطق إذ كان الجيش – كما ذكرت – مشغولا في عمليات الانسحاب ، ولم يكن في هذه المنطقة كلها حتى ذلك الحين غير عدة سرايا من الإخوان المسلمين ، ووجد هؤلاء الإخوان أنفسهم أمام حقيقة واقعة هي عبء المحافظة علي جيش مصر وحمايته من أي عدوان يحركه اليهود من هذه المنطقة ، ولا يستطيع أحد أن يتكهن بفداحة الكارثة التي كانت وشيكة الوقوع لولا وجود هذه الفئة المؤمنة المجاهدة في ذلك الحين .

شعرنا بخطورة الموقف ، فقدمت مشروعًا إلي القيادة العامة بينت فيه الأخطار الكبيرة التي يمكن أن تقع لو فكر اليهود في مهاجمة هذه المناطق وقطع خط الراجعة علي الجيش ، وطالبت في ختام التقرير بإطلاق يد الإخوان وإعطائهم العتاد اللازم والترخيص لهم بإحضار قوات أخري من مصر حتى يمكنهم تنفيذ ذلك المشروع . وكان المشروع الجديد يقضي باحتلال مواقع (حاكمة) حول كل مستعمرة من المستعمرات الكبيرة ومحاصرتها وعدم إعطائها أية فرصة للتكتل حتى يفرغ الجيش من تنظيم خطوطه الدفاعية . ولقد استدعتني القيادة العامة في " غزة " وناقشتني في تفاصيل الخطة ، ثم أبدت موافقتها المطلقة علي تنفيذها . وأذكر أن اللواء المواوي قد وعدني بكتابة خطاب إلي الأمانة العامة للجامعة العربية وإلي رياسة أركان الحرب يطلب فيه تجنيد كتيبة من الإخوان عن طريق المركز العام والشعب وإرسالهم فورًا إلي الميدان ليتمكن من السيطرة علي الموقف . ولقد ذهبت من فوري إلي فضيلة الأستاذ الشيخ محمد فرغلي رئيس الإخوان في فلسطين وعضو مكتب الإرشاد العام وأطلعته علي تفاصيل الخطة ، فسافر من فوره إلي مصر ليعمل علي تجهيز هذا العدد الكبير وعمل التدريبات اللازمة نحو ترحيلهم إلي الميدان . وأذكر أن اللواء موسي باشا لطفي – وكان يشرف علي إدارة العمليات الحربية في الميدان – قابلني بعد ذلك وأبدي إعجابه الشديد بالمشروع ، وأفهمني أن هذه الخطة لو نفذت بدقة وإحكام فسوف يكون لها الفضل الأول في حماية الجيش في هذه المرحلة الخطيرة والاحتفاظ بهذه المنطقة الباقية من فلسطين ، فوعدته خيرًا ومضيت إلي المعسكر لأعد العدة وابدأ العمل .

جمعت الإخوان في ساحة التدريب بالمعسكر وقلت لهم إن الله قد فتح لهم بابًا جديدًا للجهاد وإن الظروف قد ألفت علي كواهلهم عبئ المحافظة علي الجيش وكرامته ، وإنه لولا ثقتي في قوة إيمانهم ورغبتهم في الكفاح ما قبلت أداء هذه المهمة الشاقة التي أعلم فداحتها وخطرها . ولن أستطيع أن أصور شعور الإخوان وهم يستمعون لهذه الأنباء ، وكانوا يقبلون علي في ابتهاج واضح وكأنهم يدعون إلي حفلة عرس أو نزهة خلوية لا لميدان قتال فيه من المشقة والخطر ما فيه . ولقد خرج الإخوان المسئولون في استكشاف حول المستعمرات ، وعاينوا المواقع التي رأوا احتلالها ثم عاد كل واحد منهم بعد " فصيلته " ليحتل بها مواقعه .. وكانت مشكلة المشاكل كل إقناع أفراد من الإخوان بالتخلف عن فصائلهم والبقاء في المعسكر ، ولست أنسي ما كان من أمر المجاهد الشاب " عبد الحميد بسيوني خطاب " نجل العالم الجليل بسيوني خطاب ، لقد كان هذا الشاب يبكي بكاء مرًا حين أمره قائد فصيلته بالبقاء في المعسكر ، ومازال يبكي ويبعث بالوساطات حتى أشفقت عليه فسمحت له الخروج .. وخرج من المعسكر وهو أشد ما يكون فرحًا وابتهاجًا . ولقد أخلص النية للجهاد فاجتباه ربه وأكرمه واتخذه شهيدًا في إحدى المعارك المشهورة التي جاءت بعد ذلك . وأقيمت المواقع الجديدة حول المستعمرات ، ولم تكن سيارة يهودية تجرؤ علي التنقل بين مستعمرة وأخري إذ أقام الإخوان " الكمائن " علي الطرق وملأوا الأرض بالألغام ، وأخذت دورياتهم المصفحة تجوب الصحراء الواسعة وتصل في طوافها حتى مدينة " بئر السبع " نفسها .

ولكن أصور أهمية هذه المعركة وأثرها يمكن أن أقول إن خمس عشرة سيارة مصفحة ودبابة قد دمرت خلال أسبوع واحد من بدء العمل ، عدا أنابيب المياه التي كانت تدمر كل يوم مما اضطر اليهود إلي ملاقاة الإخوان وجهًا لوجه ، فنثبت معارك رهيبة سقط فيها بعض الإخوان ولكنها جاءت بأحسن النتائج وأبرك الثمرات ولقد ضج اليهود بالشكوى وأبلغوا مراقبي الهدنة احتجاجاتهم أكثر من مرة ، وعلقت محطة إسرائيل علي هذه الحركات وهددت باستئناف القتال ضد الجيش إن لم تكف عصابات الإخوان عن نشاطها في هذه المنطقة . ولقد فكر بعض كبار الضباط في زيارة تلك المواقع البعيدة الواقعة حول (وادي الشلالة) و (تل حجه) و (الرايبة) و (الشعوث) وكان برفقتهم أحد الإخوان يدلهم علي الطريق ، فلما رأوا أنفسهم يتوغلون في الصحراء مبتعدين عن خطوط الجيش لأكثر من خمسة عشر كيلو مترًا إلي الشرق وهالهم أن رأوا المستعمرات اليهودية خلفهم داخلهم شيء من الشك والريبة ومال أحدهم علي الجندي المرافق لهم يسأله (أتراك ضللت الطريق ؟) فلما أخبره أنهم يسيرون في الطريق الصحيح قال له(إني أعتقد أنكم مثقفون مع اليهود وإلا لما جرؤتم علي التوغل في مناطقهم بهذه الصورة الجنونية) وضحك الأخ المرافق وضحك الضباط جميعًا .. وحين رجعوا إلي معسكراتهم أخذوا يشيدون بما رأوا من ببسالة الإخوان وشدة بأسهم ... وهكذا تمت عمليات للانسحاب وبدأ الجيش يستقر في المواقع الجديدة التي اختارها .

4 – معركة التبة 86 :

نتيجة ظروف سياسية سنعرض لها في الفصل التالي إن شاء الله أمر الإخوان بالانسحاب من مواقعهم الحاكمة فتمكن اليهود من الاستيلاء علي مرتفع هام جدًا جنوبي دير البلح يعرف باسم " التبة 86 " وكان نجاحهم في احتلال هذا الموقع يعني عزل حامية غزة وتمثيل مأساة " الفالوجا " مرة أخري . ويقول كمال الشريف : ولقد رأينا كيف اضطر الجيش إلي إخلاء مناطق برمتها عندما احتل اليهود موقعًا مشابهًا عند (بيت حانون) وكان هذا ما يري إليه اليهود من معارك (الطرق) التي اتسمت بها حربهم في فلسطين من قطع مواصلات الجيش وإرغامه علي التقهقر ، ثم طلب الهدنة لتمكنهم من المحافظة علي ما وقع في أيديهم ، وكان هذا ما أرادوه من احتلال مرتفع (دير البلح) الذي تتحدث عنه . ولقد تحدث إلي الأميرالاي (محمود بك رأفت) قائد قطاع (دير البلح) بالتليفون في ساعة متأخرة من ليلة 23 ديسمبر وأخبرني أن العدو قد نجح في اختراق خطوطنا الأمامية في دير البلح وانتزع المرتفع من أيدي جنودنا أذهلتهم (المفاجأة) ، وقواته تتجمع الآن وتحاول الوصول إلي طريق المواصلات الرئيسي ، ولكن قوات الجيش تحاول حصره فوق المرتفع حتى الصباح حيث يمكننا أن نقوم بهجمات مضادة لاسترداده وتطهيره ، ثم صارحني بأن الموقف جد خطير ، وأن هذه المعركة سوف يكون لها أثر بالغ في النتيجة العامة للحرب ، وختم حديثه طالبًا أن يستعد الإخوان ليكونوا آخر (ورقة) نقذف بها في وجه اليهود ...

فألقيت سماعة التليفون وخرجت من المكتب وكانت أصوات الانفجارات العنيفة تسمع عن بعد في جبهة القتال فأمرت بصفارة الإنذار فتجمعت قوات الإخوان ، وطلبت تجهيز سرية للاشتراك في هذه المعركة ، فتهافت الجميع ، فلما وقع الاختيار علي الفصائل الثلاث اللازمة ، هلل أفرادها وكبروا وأخذوا يهتفون من أعماق قلوبهم " هبي ريح الجنة هبي " ومضوا يعدون أسلحتهم ويستعدون لمنازلة العدو .. وبعد ساعة تحركت السيارات بمن فيها لترابط قريبًا من أرض المعركة كان الوقت الفجر ، وكان اليهود حتى ذلك الحين لا يزالون فوق المرتفع الذي احتلوه ولا تزال مدافعهم تسيطر علي مساحات واسعة من الأرض المنبسطة حوله . ولم تكد الشمس ترسل أول أشعتها حتى صدرت الأوامر لجنود الجيش بالتقدم فانسابوا في أفواج متلاحقة تريد أن تصل إلي القمة وتطرد العدو الرابض فيها ، ولكن ارتفاع الموقع وسيطرة أسلحة اليهود علي الأرض المحيطة به كانا يمنعان الجنود من الاقتراب ، و ظلت الحالة هكذا موجات إثر موجات وجرحي كثيرون وشهداء يسقطون دون الهدف ... وكيف للحوم آدمية أن تقاوم القنابل والرصاص .. والعدو الماكر يربض خلف خنادقه التي أعدها بعناية ويصوب نيرانه منها علي لحوم بشرية متراصة .. وبدا جليا للعيان أن لا أمل مطلقا في كسب المعركة إلا في حضور عدد من الدبابات فأرسلوا في طلبها علي عجل .. وجاءت الدبابات ودفعت إلي المعركة واحدة تلو الأخرى فتعطلت منها اثنتان علي سطح التل ولم يستطع أحد الاقتراب من مواقع العدو .

كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد الظهر ، والريح لا تزال تقوي بشدة ، وتسوق أمامها قطعانا من السحب الكثيفة وعواصف المطر الباردة .. ووقف الضباط يتطلعون إلي السماء يلتمسون العون من الله العلي الكبير بعد أن جربت كل الأسلحة ووضح جليا أن هذه المعركة قد (ماعت) وضعف الأمل في حسمها قبل الليل . وكان لابد من إلقاء الورقة الأخيرة فطلب الأميرالاي محمود بك رأفت إحضار الإخوان علي عجل ، وما إن سمع الجنود والضباط اسم الإخوان حتى سرت في نفوسهم روح جديدة من الأمل والثقة . وطلبت من القائمقام علي مقلد قائد الفرسان أن يوفر دباباته ليدفع بها أمام جنود الإخوان . وبعد لحظات وصل جنودنا إلي ميدان المعركة ، وترجلوا عند مكان أمين لتنظيمهم وإعدادهم ... وكانت الخطة تقضي بتقسيم الإخوان إلي ثلاث مجموعات : تهاجم اثنتان منها الموقع من الإمام ومن جهة الشمال بينما القوة الثالثة تدور حول الموقع وتهاجم مؤخرته وتمنع تدفق الإمدادات عليه وتجذب اهتمام المدافعين إليها وتشغلهم عن القوتين الأخريين .. وكان المفروض أن تتقدم الدبابات متجمعة أمام قوة الإخوان تحت ستار من نيران المدفعية والأسلحة الرشاشة وتحت غلالة من قنابل الدخان التي كانت تطلقها مدافع الهاون التابعة للإخوان ، وبدأت المعركة علي هذا الأساس وانطلق الإخوان إلي أهدافهم وقد علت وجوههم إشراقه الإيمان القوي وكانوا ينشدون بحماس نشيدهم المعروف :

هو الحق يحشـد أجنــاده

ويعتد للموقف الفـاصــل

فصفوا الكتائب آســــاده

ودكوا بـه دولة البـاطــل

وأمسك الضباط والجنود أنفاسهم وهم ينظرون إلي هذا الشباب المؤمن يتواثب في ثبات وقوة ولا يثنيه الرصاص والقنابل عن التقدم ، لقد آمن الضباط والجنود أن هناك نتيجتين لا ثالث لهما : إما أن ينتصر هؤلاء الشباب أو يموتوا جميعًا لأن الانسحاب والتراجع لا يدخل في برنامجهم إطلاقا ، وخاصة في مثل هذا الموقف الحرج الخطير .. وظلت مدافع الإخوان تقذف الموقع بقنابل الدخان فترة طويلة حتى أحالت القمة إلي سحابة قائمة لا تري خلالها إلا ألسنة من اللهب الناتج عن انفجارات القنابل ... وسكتت المدافع وانساب المجاهدون إلي أهدافهم وبدأت معركة الخنادق . وروع اليهود حين رأوا الإخوان يلقون بأنفسهم فوقهم في الخنادق والدشم ويعاركونهم بالقنابل والحراب والأيدي ... ورغم كثرة الضحايا من الخوان فإن القوة قد تمكنت من احتلال أطراف خنادق العدو وأخذت تطهرها جزءًا جزءا ... ولم يجد اليهود بدًا من إخلاء الموقع فصمتت مدفعيتهم وأسلحتهم وشوهدت مصفحاتهم تتحرك للخلف حاملة الجرحى والهلكى . وكان هذا المنظر حافزًا للجنود الآخرين ملهبًا لحماسهم فأخذوا يتكاثرون علي الموقع ويتمون تطهيره حتى جاءت أخيرًا الحمالات (قاذفات اللهب) تطارد فلول العدو المنهزمة وانتهت المعركة بنصر حاسم . وكانت إحدى المعارك الكبرى التي تكبد فيها العدو خسائر فادحة دون أن يحصل علي نتيجة تذكر ... ووجد ضمن القتلى عدد من كبار الضباط الإسرائيليين وبينهم قائد المعركة وهو " كولونيل " روسي يحتل مركزًا هامًا في الجيش الإسرائيلي ووجدت في جيبه تفاصيل الخطة التي اتبعت في دير البلح والخطط المقبلة التي كان يراد منها إلقاء الجيش المصري في أعماق البحر .

كانت الشمس قد مالت للمغيب حين انتهت المعركة . وأخذ الجنود يحتلون الموقع بعد فرار اليهود منه . أما جنود الإخوان فقد انسحبوا في هدوء وسكون بعد أن أخذوا معهم كميات وفيرة من الأسلحة الألمانية والروسية وأكداسًا من القنابل والذخائر وكان كبار الضباط يعانقونهم عند خروجهم ويهنئونهم بهذا النصر الحاسم ويشيدون بجهودهم وفضلهم . ولقد زارني في الصباح مندوب من قبل القائد العام فؤاد صادق وأخبرني أن اللواء فؤاد صادق يرغب في مطالبة الحكومة بالإنعام بأوسمة عسكرية رفيعة علي الإخوان إشادة بفضلهم واعترافًا بجهادهم في هذه المعركة وغيرها وهو يريد مني كشفاً بأسماء " الإخوان " الذين اشتركوا في معركة الأمس . فمانعت أولا تقديم كشف لهذا السبب وقلت إن الإخوان لا يعملون بغية أوسمة وشارات وإنما هم طلاب ثواب ومغفرة وليس لهم مطمع من جهادهم غير الاحتفاظ بكرامة أمتهم وجيشهم والإبقاء علي عروبة فلسطين كجزء من وطنهم الإسلامي الكبير ... ولكنه ألح إلحاحًا شديدًا وحاول إقناعي بن الإنعام علي الإخوان لا يعج انتقاصًا لبلائهم وثوابهم بل هو اعتراف من الدولة بشجاعتهم وصدق جهادهم ثم هو فوق ذلك اعتراف بفضل الدعوة التي صنعتهم .. وأمام هذا الإلحاح أعطيته الكشف .


مظاهر متناقضة :

كان من التناقض العجيب أن مصر كانت تحارب اليهود في فلسطين وهي تعلم أن جزءًا كبيرًا من تمويل المعركة ضد قواتنا إنما يصل إلي اليهود من مصر عن طريق اليهود الذين يعيشون فيها فأعظم متاجر القاهرة والإسكندرية كانت في يد اليهود كما أن دور اللهو الكبيرة المغرية كانت ملكًا لهم ...




الفصل الثالث : خطط التآمر العالمي للقضاء علي الدعوة

منذ انتقلت دعوة الإخوان المسلمين إلي القاهرة ، وأحس الانجليز بوقوفها بجانب أهل فلسطين ضد اليهود وتبنيها هذه القضية ، وكان ذلك في أوائل سنة 1937 ، منذ ذلك التاريخ ومحاولات الانجليز عن طريق صنائعهم من حكام مصر متوالية ومتصلة لا تنقطع ولا تهدأ لتعويق الدعوة وبث العقبات في طريقها وقد ألممنا بأمثلة لهذه المحاولات في الفصول السابقة من هذه المذكرات . ولكن الدعوة برعاية الله سبحانه ، وبما وفق الله مرشدها إليه من سعة في الأفق وبعد في النظر وإخلاص في العمل ، استطاعت أن تتخطي هذه العقبات ، وأن تثب فوقها وثبًا سبقت به أقرانها المتحررين من عقبات الطريق وكائن الأعداء .. وبهت الأعداء حين رأوها وقد شبت عن طوقها ، وبلغت رشدها ، وامتد رواقها حتى كسا أرض مصر وظلل الكثير من الأرض العربية والعالم الإسلامي .. ولم يعد في مصر – وهي المنار الذي يهتدي به كل عربي ومسلم – صوت أعلي من صوتها ولابد أقوي من يدها ولا كلمة أنقذ إلي القلوب من كلمتها .

وكانوا يعتقدون – أن رأوا نفوذها قد تعاظم .. أن هذا النفوذ مهما تعاظم فمجاله مصر لا يتعداها ، فإذا بهم يفاجأون بهذا النفوذ يصل إلي أبعد البقاع العربية ، فيديل دولة في اليمن ويقيم دولة أخري بها ، وتبسط الدولة الجديدة سلطاتها ويستتب لها الحكم ... ومعني هذا أن هذه هي الحلقة الأولي من سلسلة لا تلبث الدول العربية أن تقع واحدة تلو الأخرى ، وتتحقق بذلك نواة الدولة الإسلامية ... وهنا لا يكون للاستعمار إلا أن يحمل عصاه علي عاتقه ويرحل إلي غير رجعة ، فإن هذا الكتاب " القرآن الكريم " لا يقبل حيث حكم لا أن يكون سيدًا ، ولا يرضي أن يكون له في السيادة شريك .. وهذا أمر يفهمه كل المستعمرين فمنهم من يسره في نفسه ومنهم من يجهر به . فأيام كانت إيطاليا تجند الألوف من شبابها للإغارة علي ليبيا للاستيلاء عليها في العشرينيات من هذا القرن كانت الفقرة التي تتكرر بعد كل مقطع من النشيد الذي يردده هذا الشباب هي : " دعيني يا أمي أحطم هذا " الكتاب " الذي لا أمل لنا في أن نسود العالم مادام موجودًا " .

فالمستعمرون لم يقدموا علي استعمار البلاد الإسلامية إلا بعد أن درسوا مقومات استقلال هذه البلاد فعرفوا أن لب هذه المقومات هو الحكم بالقرآن ، فصوبوا سهامهم إليه ... فإذا قامت هذه الدول الإسلامية من جديد – علي يد الإخوان المسلمين – محتكمة إلي القرآن ، إذن فقد ضاعت الفرصة علي الاستعمار . وإذن فلابد من تخطيط ... لقد رسموا خطة قوضوا بها دعائم ثورة اليمن ... فهل يفرحون بهذا النصر مكثفين به ؟ إنهم ليسوا السذج ولا البسطاء ... إنهم أبعد نظرًا وأشد حذرًا لقد فهموا أن الذي أشعل هذه الثورة التي أحبطوها يستطيع أن يشعل ثورات في أماكن أخري ويستطيع أن يعيد الكرة في اليمن نفسها ... فهل يكون هدفهم تتبع الثورات والعمل علي إحباطها ؟! إن هذا أمر يطول أمده ولا يرجي أن تكون له نهاية .. فليكن هدفهم إذن محاولة القضاء علي الروح التي تنفخ الحياة في كل مكان ... فليكن هدفهم طمس مصدر النور ينفذ شعاعه إلي الظلام فيبدده حيث كان ... فليكن هدفهم التضامن مع أي مكان . والتحالف مع الشيطان للقضاء علي الإخوان المسلمين .

تهديد أمريكي مقنع :

نشرت الصحف المصرية في ذلك الوقت ترجمة لما جاء بإحدى كبريات الصحف الأمريكية عن حسن النيا ما ملخصه " وصفته شكلا وثقافة وسنًا وذكاء ومقدرة علي حسن الأداء وعلي تملك قلوب سامعيه وعلي سيطرته علي المجتمع الإسلامي ثم عقبت علي ذلك بقولها : إن هذا الرجل هو أقوي رجل في العالم الإسلامي اليوم ولا يمكن أن يغلب إلا أن تصير الأحداث أكبر منه " . ولم نفهم نحن الإخوان في ذلك الوقت من تعقيب الصحيفة في قولها " إلا أن تصير الأحداث أكبر منه " أن هذا أسلوب خطير من أساليب التهديد وأن هذه الصحيفة بهذه العبارة تستحث قوي الشر في كل مكان أن تتجمع لوضع مخطط للقضاء علي هذا الرجل الذي ضاقوا به ذرعًا ... وإذا كانت السياسة الأمريكية سياسة أقرب إلي الصراحة فإن السياسات الأخرى في الدول الاستعمارية كانجلترا وروسيا هي سياسات التكتم والسرية المطلقة .

وهذه الدول لا تأخذ علي عاتقها إلا التخطيط ، أما التنفيذ فإنها تسخر له غيرها ممن هم ألصق بالمجال الذي يخططون له ويحيكون المؤامرات لتنفذ فيه .. وقد يصل إحكام المؤامرة إلي حد أن يقوم المسخر بتنفيذها وهو لا يشعر أنه مسخر بل يعتقد أنه يقوم بها لحسابه الخاص .. وقد وجدت هذه الدول في مصر من يتحرقون شوقا إلي القيام بأي دور للقضاء علي الإخوان المسلمين : وجدت ملكا غارقاً في شهواته يري الإخوان أكبر خطر علي شهواته التي لم يعد يعيش إلا بها فهو يري القضاء عليها قضاء عليه ، ووجدت حربًا موتورًا رضي رجاله أن يكونوا سدنة شهوات هذا الملك الفاجر ، فوجودهم مرتبط بوجود هذا الملك بشهواته ، وإذا ظهرت البلاد من رجس هذا العرش العفن كانوا هم أول من يركلون بالأقدام .. ووجدت حزبًا كبيرًا منافسًا يمكن استغلاله في تشويه صورة الإخوان في أعين الشعب .. ورأوا شبابًا كثيرًا متسكعًا يمكن إغراؤه بما يرضي نزعاته .. وبهذا صارت مهمتهم ميسرة .

وفي الصفحات التالية إن شاء الله بعضًا من هذه الخطط :

1 – البوليس السياسي :

وهذا أسلوب مكشوف وبدائي ، وقد لجأت إليه الحكومات المصرية علي اختلاف أحزابها ضد الإخوان . فهم يبثون رجال هذا البوليس في المجتمعات الإخوانية علي أمل أن ينقلوا إلي الحكومة أسرار هذه المجتمعات ... وكان الإخوان بفراستهم يكتشفون الشخصيات المتنكرة لهذا البوليس ، كما أن الإخوان كانوا إذا أرادوا أن يتداولوا في أمر ذي بال لم يتداولوا إلا في اجتماعات خاصة يعرف كل منهم فيها أخاه ولا يستطيع شخص آخر أن يتسرب إليها .. علي أن نظام الأسر المتسلسل والذي يربط كل الإخوان العاملين كان جدارًا متينًا يجعل التسرب أو التسمع أمرًا مستحيلاً . وإذن فإن الذي كانوا يتوخونه من بث رجال هذا البوليس في اجتماعات الإخوان من وصولهم إلي أسرارهم قد فشلوا فيه ...

علي أن كثيرين من هؤلاء وهم ذوو ضمائر ميتة – كانوا يستبيحون لأنفسهم أن يختلفوا كلامًا وينسبوه إلي الإخوان ليشعروا رؤساءهم أنهم يعملون عملا .. والعجيب أن هذا الغش كان يروج علي رجال هذه الحكومات . ومع أن تسليط هؤلاء الرجال علي مجتمعات الإخوان لم يحقق شيئًا مما كانت تأمله الحكومات ، فإن كثرة تطفلهم علي هذه المجتمعات خوف بعض من كان يغشي هذه المجتمعات من ذوي الإيمان الضعيف فجعلهم يحجمون عن غشيانها ؛ فقد كان من المألوف في أثناء إلقاء محاضرة أسبوعية في شعبة من الشعب أن يدخل ضابط من البوليس السياسي ويطلب فض الاجتماع وأن تقوم مشادة بينه وبين إخوان الشعبة وقد يؤدي ذلك إلي أن يأخذ المسئول عن الشعبة إلي أقرب قسم بوليس ويحرر له محضرًا . ويجب أن يكون معروفاً أن البوليس السياسي في تلك الأيام لم يكن يعمل لحساب الحكومة المصرية وحدها بل كان يعمل لحسابها ولحساب السفارة البريطانية بل إن بعض ضباطه كانت صفتهم بالسفارة البريطانية أقوي من صلتهم بالحكومة المصرية ، ولم يكن يغضب المسئولين بالحكومة . وقد كان مثار فخر يحسد المسئولين في الحكومة المصرية عليه القائمقام محمد إبراهيم إمام مدير البوليس السياسي أن تنشر الصحف المصرية صورة له والسفير البريطاني السير رونالد كامبل يسلمه نيشان الإمبراطورية البريطانية في 21 مايو سنة 1947 تقديرًا لخدماته .

ولقد كان منظرًا مألوفاً أن تري القائمقام محمد إبراهيم إمام أو أحد رجاله داخلا دار المركز العام ومعه أمر بمنع اجتماع أو بمصادرة عدد من المجلة أو استدعاء بعض الإخوان للتحقيق معهم .. وقد يتحداه الإخوان في بعض الأحيان ؛ وهكذا كانت العلاقة بين الإخوان وبين البوليس السياسي أو القسم المخصوص كما كان يسميه البعض كحرب سجال يقيدون الإخوان مرة ويتحداهم الإخوان مرة أخري . وهذا الأسلوب من أساليب مضايقة الدعوة والكيد لها قد اتبع منذ فجر قيامها لم يفتر يومًا واحدًا مع اختلاف درجات ضغطه . فكان يزداد الضغط في بعض الأحيان ويخف في أحيان أخري ، كما كان يشتد علي شعبة من الشعب ويفتر مع شعبة أخري .. وعلي كل فلم يكن ذا تأثير خطير علي الدعوة أمام تنظيماتها المحكمة البناء .. ولكن دورهم الخطير مع الإخوان سيأتي ذكره في مكان آخر إن شاء الله .

2 – جمعية إخوان الحرية :

من أساليب السياسة الانجليزية الماكرة أنها حين تخطط لما بين يديها من ظروف لا يشغلها هذا عن أن تخطط في نفس الوقت للمدى البعيد ؛ فكان المفترض وقد اشتعل أوار الحرب العالمية وانجلترا نفسها هي الهدف الذي تصب فوق رأسه حممها ويراد تدميره وإزالته من خريطة العالم ، كان المفترض أن يكون تخطيط الانجليز مقتصرًا علي محاولة بالتخطيط لهذا وحده بل كانوا يخططون في نفس الوقت لمقاومة التيار الجديد الذي أخذ يكتسح مصر والبلاد العربية والإسلامية لا يقف أمامه شيء ، ألا وهو تيار الإخوان المسلمين . لقد أخذ الشباب ينفض من حول الزعامات التي صنعوها وينضوي تحت لواء الإخوان المسلمين ، مع أن لعبة الزعامات كانت لعبة ناجحة تمام النجاح واستطاع الانجليز بها أن يشغلوا الشباب عن الجد وعن اللب قانعًا بالشعارات وبالقشور ؛ فإذا استطاع الشباب أن يرفعوا زعيما إلي مدة الحكم استقر في خاطرهم أنهم قد حققوا كل آمال بلادهم ، ولا عليهم بعد ذلك ، فليطمئنوا وليفرحوا وليناموا ويستغرقوا في النوم فقد تحقق مالا أمل بعده .

فإذا كانت هذه اللعبة قد انكشفت زيفها وافتضح أمرها وتبين الشباب أنهم كانوا مخدوعين فانفضوا عنها إلي الإخوان المسلمين ، إذن فلابد من التفكير في لعبة أخري تكون أشد تأثيرًا وأقوي إغراء لجذب هذا الشباب جذبًا يصرفه عنهم . اتجه تفكيرهم إلي جذب الشباب من أحظ غرائزه – وهي أسهل ما يقاد منه الشباب – ولكنهم اتبعوا خطة الشيطان حين يخطط لإغواء الصالحين ؛ فهو لا يدخل عليهم ناهيًا إياهم عن صلاحهم بل يدخل عليهم مباركًا ما هم عليه من صلاح ليأنسوا إليه فيسلموا له القيادة فيقودهم بعد ذلك إلي مهاوي الضلال . واقتداء بالشيطان في خططه الخادعة أنشأوا جمعية أطلقوا عليها " جمعية إخوان الحرية " فالإخاء الذي يفخر بالدعوة إليه وتمكينه بين النفوس رفعته هذه الجمعية شعارًا لها . وبلاد مثل مصر تشكو وطأة الاحتلال وتطالب بالحرية يكون لفظ الحرية أجمل صدي في أسماع شبابها ... ورؤساء هذه الجمعية انجليز مؤهلون تأهيلا خاصًا يسهل لهم سيل الاتصال بالمصريين وبالعرب فهم يتكلمون العربية وعلي درجة عالية من النظافة ، وعلي دراية واسعة بأحوال البلد الذين سيعملون فيه ، وفضلا عن ذلك فهم مزودون بسلاحين قاطعين هما المال والنساء .

من هم رؤساؤها ؟ .

لم تكن هذه هي المحاولة الأولي من الانجليز لإرساء أساس لجمعية تناوئ الإخوان المسلمين فقد أنشأوا في سنة 1940 جمعية في القاهرة سموها " جمعية الإصلاح الوطني " . أسندت رياستها لجمال الدين هيورث دن وهو انجليزي سبق له أن أقام في مصر وتعلم العربية الدارجة وادعي الإسلام وتزوج من مصرية مسلمة كانت تقيم معه في لندن .. وقد أنشأ مطبعة أمام السفارة البريطانية لإصدار المنشورات المضللة ... وانتهت هذه المحاولة بالفشل فلجأ الانجليز في أثناء الحرب العالمية الثانية إلي إنشاء جمعية إخوان الحرية . وقد اسندوا رياستها للمستر فاي وكان محاضرًا سابقاً بكلية التجارة بجامعة القاهرة ثم انتقل إلي قسم النشر بالسفارة البريطانية . ومن زعمائها الآنسة فريا استارك التي ألفت عدة كتب عن العرب ، والمستر سكيف رئيس القسم الانجليزي بكلية الآداب بجامعة القاهرة سابقًا .

وقد بدأت باتخاذ مقر لها في بيت السناري بحارة منج شارع الكومي بالسيدة زينب ثم لم تلبث أن افتتحت لها فروعًا وشعبًَا في طول البلاد وعرضها حتى القرى مقتفية في ذلك طريق الإخوان المسلمين في الدخول بالدعوة إلي أعماق البلاد حتى إن بعض الصحف المصرية قد نشرت في مارس سنة 1947 عن رحلة قام بها في ذلك الوقت المستر فاي إلي الوجه القبلي يصحبه من يسمي بالشيخ الزواوي وذكرت الصحيفة أنهما اتصلوا بعرب الجهمة والأنصار وامتدت رحلتهما إلي قنا وأسوان .. ولما كان التقرب إلي الانجليز في ذلك الوقت هو البضاعة الرائجة وكانت خزانة الحكومة البريطانية مفتوحة علي مصراعيها فسرعان ما تضخمت هذه الجمعية بما ضمت لعضويتها من ذوى المصالح والمنافقين ، وبعد أصدرت الجمعية في ذلك العام كتابًَا باللغة العربية في ثلاثمائة صفحة يتضمن أسماء أعضائها وكان بينهم أناس يحتلون مراكز خطيرة في المجتمع .. وكانت الجمعية تصدر نشرات لا تستحي أن تشيد فيها بدور بريطانيا في فلسطين وبتدخل أمريكا في الشئون الداخلية للدول الصغيرة كما تنشر فيها خطب السفير البريطاني .

خطة الجمعية وأهدافها :

لم يكن الإخوان لينزعجوا للعدد الضخم من الأسماء الرنانة التي انضوت تحت لواء هذه الجمعية والتي حواها المجلد الضخم ذو الثلاثمائة صفحة التي أصدرته ، فإن هؤلاء هم غشاء السيل وممن قال الله في أمثالهم " لو كانوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم " وإنما أزعج الإخوان هو خطة جهنمية وضعتها هذه الجمعية للإيقاع بالشباب الغض الإهاب الخالي الذهن السهل القياد . فمقر الجمعية في القاهرة مؤثث بأفخر الأثاث ومزود بجميع وسائل الترفيه ثم توجه الجمعية الدعوة إلي الشباب في معاهده الدراسية وفي نواديه الرياضية وفي مختلف أماكن تجمعاته لحضور محاضرة لرئيس الجمعية أولا حد محاضريها في مقرها مساء يوم محدد ، وموضوع المحاضرة جذاب يتصل بالحرية التي هي من حق كل المجتمعات ، فيستجيب لهذه الدعوة في أول الأمر عدد قليل من الشباب .. وحين يستمع إلي المحاضرة ويتمتع بالجلوس علي الطفاقس والرياش وتقدم إليه المرطبات صيفًا والمشروبات الساخنة شتاء مع بعض الحلوى الفاخرة ؛ فيخرجون من هذه المحاضرة لا هجين علي ما رأوا وما سمعوا وما قدم لهم من طعام وشراب . فإذا ما دعت الجمعية إلي محاضرة أخري تضاعف عدد المستجيبين وهكذا حتى يصل الحال إلي التسابق للظفر بالجلسة الممتعة المشبعة والتي لا تكلفهم كثيرًا ولا قليلا .

حينئذ .. وبعد أن يطمئن القائمون علي الجمعية إلي أن مجموعة ضخمة من الرواد قد أصبحوا أسري هذه المتعة الحلال حتى الآن .. يبدأون تطعيم محاضراتهم التي تدور كلها حول التغني بالحرية وأنها أشرف ما يطلب – بلون من الحرية فيه الإغراء هو حرية الاختلاط بين الشباب والفتيات .. وتبدأ الفتيات التابعات لقيادة الجمعية في مجالسة هؤلاء الشباب ومجاذبتهم أطراف الحديث وما أسرع الشباب الذي استهوته من قبل المتعة الحلال إلي الاستجابة إلي المتعة الجديدة التي هي أشد إغراء من الطعام والشراب والتي تبدأ عادة بشيء في ظاهره في حدود الحياء والأدب ثم تتدرج حتى تصل إلي الحرام . وهكذا يأخذ القادة " المرشدون " في التوسع في معني الحرية بعد أن أوقعوا ضحاياهم في شرك الإثم وفقد كل منهم احترامه لنفسه ، فتتجه المحاضرات إلي العقيدة ، وتأخذ في توجيه سهام النقد نحوها ، وتبرز المتمسك بعقيدته في صورة المتعصب المتزمت ، وأن الحرية تقتضي أن يدع عقيدته جانبًا حتى لا تكون هناك عوائق سبل الأخوة بين الناس من مختلف الأديان . ويلاحظ أن إقناع صرعي شهواتهم بمثل هذا لا يحتاج إلي كثير جهد ولا علي عظيم عناء ، فتجريد الواحد منهم من عقيدته ما هو إلا إجهاز علي جريح مثخن بالجراح ؛ ولذا فإن المحاضرات التي كانت تنمق بأقوى الأساليب إقناعاً تتحول بعد صرع الشباب أمام شهواتهم إلي ما يشبه التعليمات والأوامر لا تستغرق وقتًا ولا تتخللها مجاملة ، ولذا تري خطوات الانحدار تتوالي في سرعة مذهلة لا تلبث أن تري الشباب في نهاية المنحدر أشبه بالجثة الهامدة لأنها فقدت إنسانيتها وفقدت حتى آدميتها .

في الخطوات الأخيرة التي تتخذ مع هذا الشباب للإجهاز علي ما بقي فيه من آدمية حتى يبدو أمام نفسه حيوانًا أو بهيمة بعقد حفل يضم الجنسين وتقدم الخمور وتعزف الموسيقي المثيرة للأعصاب حتى تلعب الخمر بالعقول ويفقد كل الحاضرين سيطرتهم علي أعصابهم ويغيبوا عن وعيهم ولا تستيقظ إلا حيوانيتهم وتطفأ الأنوار . وإذ يترك للحيوانية العنان فلا يفيق الجميع إلا وقد وجد كل نفسه في حضن فتاة . ومن الأساليب التي قد يعجز الشيطان عن ابتكار مثلها ، أنه إمعانًا في إذلال الشباب وتماديًا في الاستيلاء عليه وأسره وقطع صلته بالحياة وتحويله إلي آلة يسخرونها حيث شاءوا ... إنهم لا يكتفون باستعمال الفتيات التابعات للجمعية في الإيقاع بالشباب بل يكلفون هؤلاء الشبان – تمشيًا مع نداء الحرية – باصطحاب أخوانهم معهم ، فيحضرون ويمرون بالخطوات التي مر بها إخوتهم حتى يصلن إلي الحضيض الذي انحطوا إليه .

ولقد وصل الأمر إلي أن انتهت حفلة من الحفلات الصاخبة التي أشرت إلي طبيعتها الحيوانية فلما أصبح الصباح وجد أحد الشبان نفسه في حضن أخته .. ولقد سمعت بأذني قومًا أعرفهم من أهل حي السيدة زينب يتحدثون في حزن وأسي عن هذا الشاب وأخته وما آل إليه أمرهما في تلك الليلة وكان الشاب وأخته من أهل الحي نفسه ومن أسرة سميت أمامي . فطبيعة خطة هذه الجمعية طبيعة جهنمية ؛ فهم يجهدون أنفسهم في محاولة جذب الشباب إلي الجمعية مرة واحدة ، ثم يتركون هذه المهمة لهذا الشباب نفسه بعد أن جردوه من آدميته ليقوم عنهم بهذه المهمة ... وقد اعتمدوا في ذلك علي خطة نفسية تتلخص في أن الشاب بعد أن غرر به حتى فقد آدميته يتولد في نفسه حقد علي زملائه الشبان الذين لازالوا يحتفظون بآدميتهم وإنسانيتهم وعقيدتهم ، وهو إذ يري نفسه عاجزًا عن أن يسترد ما فقده فإنه يحاول أن يراهم وقد فقدوا ما فقده ليتساووا معه .. ولذا فإن شبان الدفعة الأولي أو ضحايا الدفعة الأولي يلحون بكل الوسائل علي جر زملائهم من الشبان للذهاب إلي دور الجمعية متكتمين عنهم ما حدث لهم ، غير ذاكرين لهم إلا ما يغريهم بالذهاب لسماع المحاضرات والاستمتاع بالمقاعد الوثيرة والمشروبات المرطبة والحلوى الشهية دون مقابل ، ولا يزالون يغرونهم حتى يستجيبوا فينا لهم ما نال سابقيهم وهكذا .

مثال لمحاولات سابقة :

ويجدر بنا أن نذكر أن الانجليز منذ أحسوا بظهور دعوات جادة في مصر أخذ الشباب يلتف حولها ويستجيب لندائها وذلك في منتصف الثلاثينيات ، حاولوا بث أفكار معاكسة هذه الدعوات تتمثل في دعوة الشباب إلي نوع من الميوعة مثيرين فيه نزوات الغرائز الوضيعة ، محاولين بذلك فض الشباب عن هذه الدعوات الجادة النابتة حديثًا .. وإذا كان بعض كتابنا الكبار الآن قد لبسوا رداء الجد والفضيلة فإن بعضهم كان في ذلك الوقت مطية ذلولا لترويج هذه الأفكار الدنيئة ، فقد كان أحد هؤلاء الكتاب يترجمون كتبًا الواحد منها بمثابة شحنة مستوردة من الديناميت تكفي لتدمير أخلاق الأمة ولم يكتف هذا الكاتب بذلك بل أنشأ جمعية أنسيت اسمها الآن ولكنني لم أنس آثارها في تخنيث الشباب وسلب روح الرجولة منه .. والذي جعلني غير ناس هذه العملية مع طول الأمد الذي انقضي علي أيامها أنه كان لنا معها حديث طويل .

وبدأ هذا الحديث – وأنا طالب في كلية الزراعة – بأن رأينا بعض زملائنا من الطلبة أخذوا يصففون شعورهم بطريقة مثيرة ، وأخذوا يلبسون بنطلونات ملفتة للنظر ، وأخذوا ينشرون بين الطلبة أفكارًا تدعو إلي التخنث وإلي مهاجمة المتدينين والداعين إلي الدين باعتبار ذلك رجعية .. وأخذت هذه الأفكار تنتشر كما انتشرت مظاهر التخنث في المظهر والملبس بين الطلبة وكان هؤلاء يحملون شارة خاصة لهذه الجمعية .. فكان أن تصدينا – نحن الإخوان – لهم ، وأخذنا نجادلهم أمام الطلبة في أفكارهم ، ولكن انتشار الفساد أسرع من تقبل الحق ، فنحن كنا حين ندعو إلي الجد كأنما نقد في صخر أمامهم إذ يدعون إلي الفساد والتخنث فكأنما كانوا قد خلي بينهم وبين ما يشتهون . ولقد كان هذا حافزًا للدعوتين الجادتين أن توحدا جهودهما في الوقوف أمام هذا التيار الجارف ؛ فوقف الإخوان ومصر الفتاة وقفة كريمة .. وكان لي صديق من شباب مصر الفتاة في كلية الزراعة اسمه محمد محمود نصار وكان شابًا قويًا لا يخشي في الحق لومة لائم .. فتداولنا معًا في أمر هذا الشباب الذي يزداد عدد يومًا بعد يوم ؛ تستهويه الكلمات التي تخاطب فيه شهوته ؛ واستقر رأينا علي خطة رجونا أن يكون فيها الحل لهذه المشكلة .

كان قد أظلنا إذ ذاك شهر رمضان وكان من مقتضيات ظهور هذه الجمعية بمظهر المحتقرين للدين أن يستعلن أعضاؤها بالإفطار .. وكان يشد من أزر أعضاء هذه الجمعية في تحديها للدين والمتدينين أستاذ قدم من أوروبا في نفس هذا العام ، ومما يؤسف له أنه أستاذ مسلم مصري .. وكنت وصديقي نصار قد استمددنا خطتنا من قوله تعالي " فإنا تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون " فاتفقنا علي أن نحطم رأس هؤلاء الداعرين المتمثلة في شخصيتين هما شخصية هذا الأستاذ وشخصية الطالب الذي يعتبر زعيم الفكرة الإجرامية .. ودخلنا قاعة المحاضرات فتعمد الأستاذ أن يشعل سيجارة وبدأ الطالب الزعيم يتناول قطعة من الشيكولاته .. وتنفيذًا للخطة تحرش نصار بالطالب يريد منعه من تناول الشيكولاته فرفع هذا صوته محتجًا علي نصار ومستنجدًا بالأستاذ الذي تدخل قائلا ً : ما هذا التدخل في حرية الغير .. كل إنسان حر يفعل ما يشاء . فيقوم أحد الطلبة الإخوان ويقول للأستاذ : إن للحرية حدودًا بحيث لا تؤدي إلي إيذاء الغير . فيرد الأستاذ بأن هذا تعصب . فيقول له نصار : وأنت كذلك يجب أن تراعي إحساسنا وتطفئ السيجارة . فيري الأستاذ في هذا إهانة لكرامته ويصيح بصوت مرتفع بأنه يحتقر هذا التعصب وهذا الجهل وهذه الرجعية . فيري نفسه وقد أحاط به مجموعة من الطلبة الإخوان يؤازرهم طلبة متدينون ويتقدم نحوه نصار ويقول له : أطفئ السيجارة وإلا فستضرب ضربًا تعرف فيه قيمة نفسك . فيلقي السيجارة راغمًا ويدوسها الإخوان بأحذيتهم ويخرج هاربًا إلي مكتب العميد ويطلب أن يحميه من فلان وفلان ويعين اسمي واسم نصار فيرسل العميد معه من يخرجه من باب خلفي للكلية ... وفي اللحظة التي هرب فيها الأستاذ لاذ بالفرار الزعيم والطلبة يلاحقونه بالتهديد .

ومن أروع ما يسجل بالفخر والإعجاب أن العميد الأستاذ محمود توفيق الحفناوي باشا حين سمع شكوى الأستاذ قال له قبل أن يستدعينا : أنت المخطئ لأنك بإعلانك الإفطار في رمضان خرجت عن حدود الأدب والخلق والذوق الذي كان جديرًا أن يتحلي به الأستاذ مثلك .. ولما استدعانا بعد ذلك العميد ذكرنا له ما دأب عليه هذا الأستاذ من تحد للدين والعرف والخلق فأثني علي ما فعلناه وعمل علي إبعاد هذا الأستاذ عن الكلية . وكانت هذه الخطة كفيلة بالقضاء علي هذه الجمعية وما أجبن الباطل إذا ما واجهه حق قوي .

وسائل الإخوان في مكافحة جمعية إخوان الحرية :

حين ظهرت هذه الجمعية في القاهرة في أثناء الحرب العالمية فهم الإخوان أنهم هم المقصودون بها ، وأنها أنشئت خصيصًا لتكون في معول هدم لما بنيه الإخوان ، وأنها سلاح ضدهم أقوي من أسلحة الهجوم والمواجهة ، وأنها تحتاج منهم إلي تخطيط دقيق لمقاومتها وإحباط خطتها ، وقد كانت خطتهم لمقاومتها تقوم علي المحاور الآتية :

أولاً : أوفدوا إلي مقر هذه الجمعية مجموعة من كرام الشباب من الإخوان لاستطلاع أحوالها وجمع معلومات عن قادتها وعن مهمة كل فرد من أفراد هذه القيادة ، وتتبع خطوات هؤلاء الأفراد داخل مقر الجمعية وخارجه والإلمام باتصالاتهم والوصول من هذا التتبع إلي مصدر تمويلهم .

ثانيًا : أوفدوا مجموعة أخري من الإخوان للاشتراك في نشاطات الجمعية والتظاهر بالتجاوب مع القائمين بهذه الأنشطة – مع الاحتفاظ بأنفسهم من التلوث بحجج مختلفة – حتى يلموا بكل ما يحدث للشباب داخل هذه الاجتماعات إلمامًا عن معاينة تنفي كل شك وأن ينقلوا صور ما يحدث إلي قيادة الإخوان أول بأول .

ثالثًا : أوفدوا بعد ذلك – وبعد أن عرفوا عن هذه الجمعية كل شيء – مجموعة أخري من الإخوان الأقوياء الحجة والواسعي الثقافة إلي الاجتماعات العام للجمعية التي تلقي فيها المحاضرات باعتبار هذه المحاضرات هي المصيدة التي يقع بين فكيها الفرائس من الشباب الساذج الخالي الذهن – ومهمة هذه المجموعة هي التعرض بالنقد إلي الأفكار التي تضمنتها هذه المحاضرات ، علي أن يتبادل أفراد المجموعة – الذين يجلسون في أماكن متفرقة – هذا التعرض واحدًا بعد الآخر حتى يلقوا أولاً ظلالا من الشك علي هذه الأفكار أمام الحاضرين فتتزعزع ثقتهم بالحاضرين ، ثم يتدرج أفراد المجموعة في المناقشة حتى يبدأوا في كشف ألاعيب الجمعية وفضحها أمام الشبان فضحًا خفيفًا فتؤجل المحاضرة .

رابعًا : تكرر المجموعة حضور المحاضرة وفي الموعد الذي أجلت إليه وتكل مهمتها بالمهاجمة والنقد والمناقشة المنطقية ثم العنيفة ثم يفضح ألاعيب الجمعية وإفسادها البريء والقضاء علي مثله وعقيدته ونشر روح الانحلال الخلقي بعد وقوعه في الشرك ... وهنا يحتد المسئولون في الجمعية مكذبين هذه الإدعاءات فيقوم فرد – هو أحد أفراد المجموعة التي تضمنها البند ثانيًا – ويقف بين الحاضرين ويعرفهم باسمه وبتاريخ انضمامه للجمعية ويقص عليهم خطوات التي اتبعتها الجمعية معه ومع زملائه لإفساد أخلاقهم وتلويث شرفهم وبث روح الانحلال العقدي والخلقي فيهم وما رآه بنفسه مما اقترف مع زملائه في خلال حفلات ما جنة دبرت لهم ... وهنا تتعالي أصوات الاحتجاج علي الجمعية من كل مكان ويسود الهرج ويحدث بعض التحطيم في أمتعة الجمعية ويلوذ المحاضر ومن معه من المسئولين بالهرب .

وهذه الخطوات التي أثبتها آنفاً هي خطة وضعت في دار المركز العام علي أنها مجرد أفكار ، غير أنها حين وضعت موضع التنفيذ جاء الواقع مصداقاً لها كأنما كانت وحيًا فقد حدث كل ما تصوره واصفوها وكانت وسيلة ناجحة لإحباط نشاط الجمعية في المجال الشبابي الخطير .

خامسًا : كان ظهور هذه الجمعية من أقوي البواعث علي النشاط في تكوين الشعب في القاهرة فلم يمض عام إلا وكانت الشعب قد عمت جميع أحياء القاهرة . وكان الذي دعا الإخوان إلي ذلك أنهم أرادوا أن يجعلوا صوت الدعوة قريبًا من الشباب في كل مكان فيقيمون بذلك تحصينات لهذا الشباب تحميه من إغراءات الفساد بمختلف صورها ، فإن أخطر شيء علي الشباب أن تتركه خالي الذهن أمام الغارات الوافدة بما تحمله من مظاهر خادعة فلا تلبث أن تجد في ذهنه الخالي أرضًا خصبة تنغرس فيها وتنمو وتتزعزع ولا يسهل بعد ذلك نزعها بعد أن تثبت جذورها .

       عرفت هواهـا قبل أن أعرف الهوى        فصادف قلبـًا خاليـًا فتمكنـا 
   

فمنذ ذلك الحين أخذ الإخوان في تقسيم القاهرة إلي مناطق يتحمل مسئولية الإشراف علي الدعوة في كل منطقة منها مجلس يكرس جهده علي نشر الدعوة في منطقته وتأسيس الشعب في أنحائها ومباشرة أنشطة الدعوة في كل شعبة منها ؛ فمحاضرة أسبوعية وفريق جوالة للشباب فيها ومدرسة جمعية للأطفال بها كتيبة للصفوة ممن نضجوا من العاملين في أنشطتها حيث دراسة القرآن وحفظه مع مسابقات في الحفظ والتفسير .. ثم يفد إلي محاضرة الثلاثاء بالمركز العام من تسعفه ظروفه فيستوعب شحنة قوية يفرغها في شعبته طيلة أيام الأسبوع .

سادسًا : قام الإخوان الطلبة في كليات الجامعة والمدارس علي اختلاف أنواعها بحملة نوعية لإخوانهم وزملائهم جعلت هذه المعاهد والكليات مغلقة في وجه دعاة هذه الجمعية بعد أن كانت أمالهم معقودة علي هذه المجتمعات الشبابية الزاخرة بالصيد السمين السهل الاصطياد – كما أن قسم العمال بالمركز العام ضاعف من نشاطه فصارت المصانع ومراكز التجمعات العمالية بالقاهرة والإسكندرية في مأمن من غارات هذه الجمعية وأفكارها الخطرة الهدامة .

أثر خطة الإخوان :

إذا قلنا إن خطة الإخوان إزاء هذه الجمعية قد نجحت فليس معني هذا أن الجمعية قد أغلقت دورها وانسحبت من البلاد ،وإنما كان نجاح الخطة في إنقاذ عنصر الشباب من بين براثن هذه الجمعية وتحصينه ضد أفكارها ومغرياتها .. وهذا العنصر هو العنصر المرجى ففساده وضياع للبلاد وقضاء علي مستقبلها وصلاحه هو تأمين للبلاد ومستقبلها .. أما العناصر الأخرى الذين ظلت دور هذه الجمعية بعد ذلك تعج بهم فهم حثالة مهما علت مراكزهم لأنهم عبيد المادة وطلاب المنافع والمتلونون بكل لون وهذه أصناف لا يعيرهم الإخوان اهتمامًا لأنهم يكثرون عند الطمع ويقفون بل ينعدمون عند الفزع . وقد ظلت الجمعية موجودة ذات دور وذات أعضاء ولكنها تنفق علي أعضائها وتهيئ لهم الفرص الحرام حتى جاء من بصق عليها بصقة واحدة فذابت في التو واللحظة وصارت كأن لم تكن .

كأن لم يكن بين الحجون إلي الصفا  ::: أنيس ولم يسمر بمكة سامـر


3 – إعلان الحرب علي الجريدة اليومية :

لا أعتقد أن عناصر النجاح لمشروع لإنشاء جريدة يومية توفرت من قبل أو ستتوفر فيما بعد ، كما كانت متوفرة لإنشاء جريدة يومية للإخوان المسلمين ... فالمال متوفر حيث جيوب الإخوان أغنياء وفقراء مفتوحة للمشروع لا تغلق دونه ،والثقافات المختلفة التي يحتاج إليها التحرير والطبع والإعلان واستقاء الأخبار متوفرة ومتوثبة للعمل تطوعًا أو بأجر زهيد .. وجمهور المشترين الذي يعتبر شراء هذه الجريدة عبادة كالصلاة والصوم جمهور ضخم تزخر به أنحاء البلاد في كل مدينة وفي كل حي وفي كل شارع وفي كل قرية مهما نأت عن العمران . وإذا كان فرد من أسرة " تقلا " قد استطاع أن ينشئ جريدة يومية هي " الأهرام " وتمكن من إصدارها مائة عام . وإذا كان فردان هما مصطفي أمين وعلي أمين قد استطاعا أن ينشئا جريدة " الأخبار " وأن يستمرا في إصدارها أكثر من عشرين عامًا .. وتجد هذه الصحف مكانها في كل بيت تقريبًا ... أفلا تستطيع أقوي هيئة في مصر وأعظم هيئة أن تصدر جريدة يومية وأن تكون حتى في مستوي جرائد الأفراد ؟ .

لم يفكر الإخوان المسلمون في إصدار جريدة يومية إلا بعد أن اطمأنوا إلي توفر جميع إمكانيات نجاحها علي أعلي مستويات النجاح ... كان ينقصهم الأرض التي ينشئون عليها دار الجريدة فاشتروا قطعة أرض في قلب القاهرة تزيد مساحتها علي نصف فدان ، ووضع أكبر مهندس معماري في مصر الدكتور سيد كريم تصميم البناء المكون من اثني عشر طابقاً . وقدرت تكاليف إنشائه ، وأسست شركتان إحداهما لإنشاء المطبعة والأخرى لإصدار الجريدة وجمع المال ، وخاطب المسئولون في شركة الطباعة أكبر شركات أوروبا لعرض ما عندها من أحدث نماذج المطابع .. ولما كان إنشاء الدار وورود المطبعة يستغرق أكثر من عام فقد رؤى إصدار الجريدة مؤقتاً في مطبعة كبيرة اشتريت من داخل البلاد ريثما يتم البناء وتصل المطبعة الحديثة من الخارج . فما الذي حدث بعد ذلك .... وهل نجح المشروع ؟؟

إن الإجابة علي هذا السؤال مأساة تاريخية .. وإنها لجريمة ضد هذا الشعب أن تخفي حقيقة المأساة عن هذا الجيل المجني عليه والذي نشأ في ظل الظلام .. فإن تعريف هذا الجيل بهذه المأساة سيفتح عيونه علي حقائق مرعبة ، وسيكون في استطاعته بعد ذلك أن يقيم كثيرًا من عناصر التاريخ المخفاة عنه أو المزيفة عليه ... حتى نحن كنا نعيش وسط المعارك في ذلك الوقت ، وكنا نعتقد أننا أصبحنا – بعد أن عركتنا الأيام – أدري الناس بالناس المعايشين لنا ، وكنا نعتقد أننا قد أحطنا بكل الظروف المحيطة بنا ، وبالألاعيب والمؤامرات التي يمكن أن تحاك ... حتى نحن قد فوجئنا بما أذهلنا وسلب ألبابنا وكاد أن يقذف اليأس في نفوسنا .

لقد كان إصدار الجريدة اليومية تجربة لا أقول قاسية بل إنها أقسي تجربة مرت بنا .. إنها جرحت قلوبنا وقهرت نفوسنا وكشفت لنا أن أعداء الإسلام أقوي مما كنا نعتقد وأكثر مما كنا نظن ... واقتنعنا بأننا كنا مسرفين في حسن الظن . يبدو أن الانجليز – وهم المخططون لكل مؤامرة وإن عهدوا بتنفيذها إلي صنائعهم – كانت نظرتهم إلي مشروع الجريدة اليومية علي الوجه التالي :

قالوا لأنفسهم ولصنائعهم : إذا كان الإخوان وهم يعدمون وسائل النشر والإعلام إلا الكسيح منها قد وصلوا إلي ما وصلوا إليه من القوة حتى اكتسحوا الميدان السياسي متخطين كل ما ألقي في طريقهم من عقبات ، فكيف إذا توفرت لهم أقوي وسائل النشر والإعلام وهي الجريدة اليومية ؟! .. إذن لقضوا علي كل معارض ولسحقوا منافسيهم سحقاً ولملكوا زمام الحكم لا في مصر وحدها بل في العالم العربي بل ولحققوا أمنيتهم في إحياء الخلافة الإسلامية ... إذن فلنحل بكل وسيلة مشروعة وغير مشروعة بينهم وبين الإفادة من هذه الجريدة اليومية .

وسائلهم في محاربة الجريدة اليومية :

لم يتورع الانجليز وصنائعهم عن استخدام أقذر الأساليب في محاربة هذه الجريدة ... وقد استفرغوا جهدهم في سبيل تحقيق الفكرة التي استبدت بعقولهم ، وهي أن حرمان الإخوان من هذه الجريدة هو آخر سهم في جعبتهم لوقف المد الإخواني الجارف .. وقد أخذت وسائلهم في الحرب الصور الثلاث التالية :

أولا : حرب التحرير :

كان في أوساط الإخوان من الكفاءات النادرة ما يكفي لتحرير جميع أبواب الجريدة بأوفى ما تحرر به الصحف خبرًا ومقالة وأسلوبًا وتعليقاً .. إلا أننا نعلم أن الناس قد ألفوا أسماء معينة يسعدهم أن يقرأوا لها ، وإذا رأوا مقالا ممهورًَا بتوقيع واحد منهم اعتقدوا أن في هذا المقال من الافتتان ما يشبه الوحي في الوقت الذي قد لا يكون فيه ما يستحق أن يقرأ ,,, وقد عرضت هذه الفكرة علي الأستاذ المرشد فأيدها وسألني عمن اختار من الكتاب المرموقين ليكتب عندنا ، فاقترحت اسم الدكتور محمود عزمي ... وكان الدكتور محمود عزمي في ذلك الوقت صحفيًا مشهورًا ليس له لون حزبي وكان يعد أعظم المعلقين السياسيين في مصر وكان يكتب تعليقاته في أكثر من جريدة فوافق الأستاذ المرشد علي اقتراحي وانتدب أحد الإخوان الذين يعرفونه للاتفاق معه علي أن يكون المعلق علي الأنباء السياسية بجريدة الإخوان وله أن يقدر أتعابه كما يشاء ... وكنا واثقين أنه سيسارع مستجيبًا لاسيما والجريدة مضمون توزيعها من أول عدد علي أوسع نطاق كما أننا تركنا له تقدير أتعابه بنفسه ولكن المفاجأة المذهلة كانت حين جاء الرسول ليقول : إن الرجل يطلب مهملة قبل أن يعطي الكلمة ... وانقضت المهلة فكان جواب الرجل " الاعتذار " ... واقترح غيري من الإخوان أسماء أخري واتصلوا بهم بعروض سخية فكانت أجوبتهم " الاعتذار " .

وبدأنا حينئذ نحس كأن يدًا خفية تمتد في الظلام برسائل لهؤلاء الكتاب وحين يقرأها الكتاب يحجمون ويعتذرون . وقلبنا مع الأستاذ المرشد الأمر علي وجوهه فخرجنا بهذا التصور الذي أيأسنا من فئة الكتاب الصحفيين المحترفين . وجلسنا مع الأستاذ المرشد نستعرض عدة أسماء تنتقل من اسم لآخر من غير المحترفين ولا نجد في أنفسنا الجرأة لمفاتحة أي منهم لما نعلم من نواحي ضعف في كل منهم قد توقفهم معنا موقف الصحفيين المحترفين . وأخيرًا خطر لي خاطر شمت في انبلاجه في خاطري نور الأمل يشق اليأس التي أحاطت بنا ، فقلت : يا أستاذ حسبنا ما نالنا من خيبة أمل حين اتجهنا إلي الغرباء نلتمس عندهم العون ، فلندع الغرباء جانبًا ولنتجه إلي من تربطنا بهم وشائح المبادئ وروابط الوطنية . قال : ومن تقصد إذن ؟ قلت إن الحزب الوطني هو أقرب الوطنيين إلينا ونكاد نعتقد أنه جزء من دعوتنا ، كما يحس أعضاؤه بأنهم كذلك منا ، وحافظ رمضان باشا رئيس الحزب الوطني شخصية صارت في الأيام الأخيرة من الشخصيات ذات الشهرة في الأوساط المختلفة .. وإذا قرأ الناس له في جريدتنا فسيكون ذلك عاملا من عوامل الإقبال عليها .. وبينك وبين الرجل صلة قوية ، ولا أخاله إذا كلمته إلا مسارعًا إلي الكتابة لاسيما والحزب الوطني ليس له جريدة تنطق بلسانه .

فتهلل وجه الأستاذ المرشد ، وكأنه وقع علي طلبته التي كان يفتقدها ، وأمسك بالتليفون وطلب حافظ رمضان باشا فرد عليه وتبادل معه التحيات والأشواق والأستاذ يبتسم ثم أخذ يفاتحه في الموضوع الذي اتفقنا عليه .. وسرعان ما اختفت الابتسامة من وجه الأستاذ ولاحظنا أن حل محلها تقطيب يشعر بالألم وينم عن الغضب .. وأنهي الأستاذ المكالمة ووضع التليفون وتنهد طويلا وقال بصوت متهدج كأنما خرج مهزومًا من معركة :

وزهدني في الناس معرفتي بهـم

وطول اختياري صاحبًا بعد صاحـب

فلـم ترني الأيـام خلا تـسرني

مباديه إلا ساءني في العواقـب

فهمنا ما حدث ، وأطرقنا جميعًا ذاهلين لا ندري ما نقول ولا ندري ما نفعل وطال صمتنا حتى قطع الصمت صوت الأستاذ المرشد يقول :

وظلم ذوى القربى أشد مضاضـة

علي النفس من وقع الحسام المهنـد

حافظ رمضان الذي كنا ندخره لخطير الأمور ... يتخاذل حين نطلبه لكتابة مقال في جريدة الإخوان ؟ ! ما هذه المفاجآت ؟! وبمن نثق بعد ذلك ؟! ... هل جريدة الإخوان غول مخيف يبعث الرعب في قلوب الصحفيين ؟ ... كلهم خافوا منها ... حتى حافظ رمضان ؟! يا حسرة علي العباد . قلت : يا أستاذ ... إن حافظ رمضان بعد أن دخل الوزارة – خارجًا علي سنة أسلافه من رؤساء الحزب الوطني – قد صار في عداد عبيد القصر ... ولابد أن الملك – وهو في نظرهم واهب القوى والقدر – قد أوحي إلي عبيده جميعًا بمقاطعتنا . وإذ ذكرنا هذه المواقف المخزية حتى من رجال كنا نعدهم من الأبطال ، فينبغي أن نذكر بالفخر والإعجاب موقف الأستاذ محمد الشافعي الذي استجاب وحده لنداء الأستاذ المرشد وصار بكل شجاعة يوالي الكتابة في الجريدة مع أنه كان من كبار الموظفين الحكوميين .

ثانيًا : حرب الإعلان :

من المعروف أن أهم مورد تعتمد عليه الصحف لتعويض مصروفاتها هو أجور الإعلان ، ذلك أن التوزيع مهما اتسع نطاقه فإن إيراده لا يفي بما صرف ... ولهذا تبذل الصحف قصارى جهدها في الوصول بتوزيعها إلي أرقام مثيرة حتى يكون ذلك مغريًا للمعلنين أن يعلنوا عن منتجاتهم فيها ... وأكثر الصحف إعلانات هي أغناها وأكثرها موردًا ، وأقل الصحف إعلانات هي أفقر الصحف ويعتبر هذا نذير إفلاسها . وجريدة كجريدة الإخوان المسلمين اليومية ، سبق إصدارها دعاية واسعة واستقر في أذهان الناس جميعًا في مصر وفي خارج مصر أن توزيع هذه الجريدة علي أوسع نطاق مضمون بضمان الفروع والشعب المنتشرة في كل مكان .. كان مفروضًا أن تنهال عليها طلبات الإعلان لأن دوافع المعلنين إلي الإعلان فيها مكتملة ... ولهذا كان من أوائل ما اهتمت به إدارة الجريدة قبل إصدارها أنها أنشأت إدارة للإعلان علي أعلي المستويات . وقد تكونت هذه الإدارة من فئتين : فئة ذات خبرة سابقة وفئة لا خبرة لها ولكنها تأنس في نفسها ميلا واستعدادًا لهذا النوع من العمل أما الفئة ذات الخبرة السابقة فإنها عناصر كان لها مكان مرموق في صحف أخري ولكنها تركت مكانها ، وضحت بما يدره عليها من إيراد استجابة لنداء من ضميرها بوجوب وضع خبرتها في خدمة أول صحيفة يوميه إسلامية كان إصدارها أملاً عزيزًا طالما تاقت إليه نفوس المؤمنين ولكنه كان بعيد المنال .. أما وقد تحقق فلا أقل من تجنيد الخبرات له ... وإذا ذكرنا هذه الفئة فيجدر بنا أن نذكر بالثناء والتقدير الأستاذ عبد المجيد وافي الذي كان إذ ذاك الشاب الأزهري الموهوب الذي كان آية في فن الرسم ، والذي كان دعامة في جريدة الأهرام فترك مكانه فيها وقدم نفسه وموهبته وخبرته الجريدة الناشئة ضاربًا بما عرضته عليه جريدة الأهرام من إغراء مادي عرض الحائط لأنه اعتبر انتقاله هذا واجبًا يمليه عليه الضمير ويفرضه عليه الدين .

وأما الفئة الأخرى التي تكونت منها إدارة الإعلان وهي فئة لم يكن لهت سابق خبرة ولكنها تأنس في نفسها استعدادًا فكان نواتها أخ كريم كان إذ ذاك حديث التخرج من كلية التجارة وقد أعرض عن وظائف الحكومة وجاء مسارعًا إلي قسم الإعلان بالذات في الجريدة ذلك هو الأخ الكريم الأستاذ محمود عساف . وضمت إدارة الإعلان أيضا مجموعة من الإخوان الشباب منن ذوي الكفاءات المختلفة ، وكانت مجموعة المندوبين مثالا للنشاط واللباقة ، وهي المجموعة التي ينتشر أفرادها في مختلف أنحاء القاهرة للحصول للجريدة من أصحاب المتاجر والمصانع والشركات علي عقود للإعلان مددًا يتفق عليها ... وقد ابتكر الأستاذ محمود عساف عدة ابتكارات في عالم الإعلان كشفت فعلا عن مواهبه وقدراته كما أن الأستاذ عبد المجيد وافي أتي بالعجب العجاب في إبراز فكر الأستاذ محمود عساف بالرسم .

وقد فصلت بعض التفصيل في إدارة الإعلان وتكوينها وشخصياتها لأبين للقارئ إلي أي مدي كان الاهتمام بالإعلان وإلي مدي كانت لهذه الجريدة إمكانيات النجاح في عالم الإعلان بل إمكانيات الاكتساح في هذا الميدان ... وإذا كان تزويد إدارات الإعلان في مختلف الصحف اليومية بالكفاءات مرهونا بما تغدقه الصحف من أموال فإن جهاز الإعلان في جريدة الإخوان قد اجتمع له مالم يجتمع لصحيفة يومية من الكفاءات القادرة لم يجمعها إلا دافع من القلوب ونداء ملؤه الإخلاص والتفاني . تحرك جهاز الإعلان وهو يجمع في يديه كل مقومات النجاح وبذل أكرم الجهود وواصل الاتصال بالشركات والمصانع والمتاجر عارضًا عليهم تصميمات مبتكرة ذهل لروعتها كل من رآها ، متساهلا في الأجر حتى يتم الإغراء ... ولم يستطع مسئول واحد في كل هذه الجهات أن يظهر عيبًا في تصميم أو يلاحظ نقصًا في ابتكار أو حتى أن يكتمن إعجابه بما عرض عليه من تصميمات أو أجور ، ولكن المفاجأة كانت في الحصيلة الضئيلة لهذه الجهود ... كانت الحصيلة عقودًا من متاجر تربطها بالإخوان وشائج ، أما المتاجر الكبيرة والمصانع الضخمة والشركات ذات الثراء فقد وقفت موقف الإحجام دون سبب أو مبرر ، فقد أكثر " المندوبون " من التردد عليها يطلبون من المسئولين فيها مجرد إبداء الأسباب .. فلم يحظوا بجواب .

هبت أجهزة الإخوان بوسائلها المختلفة بحثاً وتنقيبًا وراء السر الدفين لهذه الظاهرة العجيبة وانتهي البحث بالوصول إلي السر ... وكان السر يكمن في دار السفارة البريطانية التي كانت تقبض بإحدى يديها علي دفة الاقتصاد المصري كما كانت تقبض بيدها الأخرى علي دفة السياسة المصرية ، فقد كانت أكثر الشركات الكبرى والمتاجر الرئيسية ملكًا للأجانب . كما كان القصر الملكي وما يتبعه مما كانوا يسمونه وزارات واجهة مصرية للسفارة البريطانية .

شركة الإعلانات الشرقية :

ولما كان الانجليز يقدرون مدي خطورة القلم الحر علي سياستهم الاستعمارية ، وكانت سياستهم تنبئ دائمًا علي عدم المواجهة ، فقد وضعوا خطة لإخضاع الصحف لسلطانهم بمهاجمتها من الخلف عن طريق التحكم في مصادر الإعلان ... ولم يكتفوا بأن أكثر الشركات والمتاجر ملك لهم بل وحدوا المصب الذي نصب فيه الإعلانات من أي مصدر من المصادر حتى ولو كانت المصدر مصريًا في شركة للإعلان أنشأوها وجعلوها فرعا في مصر لوزارة المستعمرات البريطانية وأطلقوا عليها زورًا وبهتانًا وتضليلا اسما هو براء منها هو " شركة الإعلانات الشرقية " وهي الشركة التي كان كل العاملين فيها من رجال المخابرات البريطانية ومن مديري المؤامرات من دهاقين اليهود . والتي حيكت بين جدرانها وفي مكانها كل المؤامرات الإجرامية ضد الشعب المصري وإن كان الذين تطوعوا لتنفيذها – ويا للأسف – مصريين ممن أغرتهم مناصب الحكم وأعماهم الذهب البراق عن الحقيقة فباعوا أنفسهم لمن سخروهم لتدمير أهلهم وبلادهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا .

ولكن ألقي بعض الضوء علي هذه الشركة حتى تتضح للقارئ حقيقتها سأكتفي بإيراد فقرات من مقالات نشرتها إحدى صحف الوفد في 22 حتى 24 مارس سنة 1947 أيام كان الوفد خارج الحكم تحت عنوان وصحف شركة الإعلان الشرقية وحقوقنا الوطنية " : " دأبت الصحف التي تصدر بلغات أجنبية من شركة الإعلانات الشرقية علي تحدى الشعور الوطني والسوداني ، فطالعتنا جريدة " لا بورص إجبشيان " أول أمس بمقال افتتاحي فتندنا مزاعمه في عدد أمس وعدنا إليه اليوم في سكان آخر . وخرجت علينا " الإجبشيان جازيت " مساء أمس بخطاب مفتوح إلي المصريين ممن زعم نفسه صديقاً لمصر وسنرد عليه غدًا . " " والمسئول عن صحيفة " " لا بورص إجبشيان " هو " جان ليجول " وقد اتفق أخيرًا مع الصهيونيين علي العمل معهم في فلسطين ، وسيشد رحاله بعد قليل إلي هناك ليقوم بدوره في محاربة قضية العرب العادلة بعد أن أدي دوره في مصر في محاولة النيل من قضية مصر ومعاضدة الاستعمار البريطاني في استغلالنا والوقوف حجر عثرة في طريق تقدمنا " .

" كشفنا الستار في عدد أمس عن الألعبان " جان ليجول " داعية الاستعمار والصهيونية . وهو الذي ظل طوال مدة الحرب ينفث سمومه من أبواق " شركة الإعلانات الشرقية " التي يتولي إدارتها العامة " هنري حاييم " الصهيوني تحت إشراف ضباط انتدبتهم القيادة العليا البريطانية بدعوى مراقبة تحرير صحيفتي " الإجبشيان جازيت " و " الاجبشيان ميل اللتين تصدران باللغة الانجليزية " . ومن المؤلم حقاً أن تقوم : إن الصحف التي كانت تصدر في مصر في ذلك الوقت – مهما اختلفت أسماؤها وانتسبت في ملكيتها وتحريرها إلي أحزاب مصرية أو إلي أشخاص مصريين فإنها جميعًا في حقيقتها لم تكن إلا نشرات تصدر عن شركة الإعلانات الشرقية ، فللكتاب في كل صحيفة منها أن يكتبوا ما يشاءون ولكن في نطاق حددته لهم هذه الشركة ، وهم يلزمون بالطاعة والامتثال لأنها تستطيع عنهم أجورهم بحرمان جريدتهم من الإعلانات ... ويلاحظ أن الجريدة الوفدية التي نقلنا فقرات من مقالاتها في شأن هذه الشركة كانت تعاني أزمة إعلانات لأن سياسة الوفد في ذلك الوقت كانت تقضي بمهاجمة الانجليز . ولو أن جريدة أخري غير جريدة الإخوان قد اتبعت معها هذه الطريقة الجهنمية لأغلقت أبوابها من أول يوم ، ولكن جريدة الإخوان استطاعت أن تواجد هذه الحرب الشعواء لأن الإخوان كانوا يعتبرونها جزءًا من حياتهم فرصدوا لها ما يقيم أودها ويسد ثغراتها .

وقد يخطر لسائل أن يسأل : ألم يكن الإخوان – وهم ذوو خبرة بالواقع الأليم لبلادهم – يتوقعون هذا الموقف الذي وواجهوا به قبل أن يواجهوا به ؟ والجواب علي هذا هو أن الإخوان كانوا يتوقعون الكثير من الانجليز وأذنابهم ، لكنهم لم يكونوا يتوقعون أن تصل الخسة بهم إلي هذا الحد ، كما لو يكونوا يتصورون أن لشركة الإعلانات الشرقية عن السيطرة علي مصادر الإعلان هذا القدر الذي تستطيع به وقف الصحف من الصدور إذا شاءت وقفها .

ثالثًا : حرب التوزيع :

دأب الإخوان من أول عهدهم بإصدار مجلات تنشر أفكارهم علي توزيعها بأنفسهم عن طريق التسليم باليد في القاهرة ، وعن طريق البريد في الأقاليم حيث يرسلون إلي كل بلد بها شعبية كمية من كل عدد ، حتى إذا وصلت الكمية إلي الشعبية تولت توزيعها علي أعضائها ، وتجمع المتحصل من بيع المجلة وترسله إلي المركز العام عن طريق البريد أو عن طريق أحد أعضائها المسافرين ... وبهذه الطريقة كانت توزع كميات كبيرة من المجلة قد لا تحظي بمثلها مجلات مشهورة في مصر في ذلك الوقت .

لكن هذه الطريقة لا تصلح لتوزيع جريدة يومية أخص خصائصها أنها – بما تحوي من أنباء وتعليقات – هي بنت يومها ، فإذا فات يومها فقدت قيمتها وعادت قصاصة من ورق قد تصل نسختها إلي القارئ – مهما بعد مكانه – في نفس يوم صدورها بل في نفس ساعة صدورها إن كان ذلك ممكنًا ،ولا يتأتي هذا إلا بجهاز متخصص للتوزيع مزود بجميع الوسائل الحديثة ولم مراكز تابعة له في كل محافظة ومدينة وقرية .. وقد تمرست بهذا العمل شركات قليلة العدد .. وقد فهمنا أخيرًا أن هذه الشركات كانت تنتهي جميعًا إلي يد واحدة . وكان علي جريدة الإخوان أن تتعاقد مع إحدى هذه الشركات . و قد تعاقدت فعلا ، وكانت سيارات هذه الشركة تحمل قبل فجر كل يوم نسخ الجريدة وتأخذ مسارها مع الجرائد الأخرى كالأهرام والأخبار والمصري وتصل معها إلي مكان في القطر ، ومن مراكز للتوزيع تسلم إلي الموزعين أي باعة الصحف . ولم يكن قراء الصحف في تلك الأيام بالكثرة التي نراها الآن ، فكان علي الموزعين أن يبذلوا جهودًا لإغراء الناس بشراء الصحف حيث يرتبط دخل الموزع بالعدد الذي يوزعه .

والمفاجأة التي أذهلت الإخوان في هذا الميدان أنه في مساء كل يوم كانت تصل إلي إدارة جريدة الإخوان في القاهرة مرتجعات بالآلاف ويصل معها في نفس الوقت أضعاف عدد هذه المرتجعات شكاوى من الإخوان في كل مكان بأن الجريدة لم تصل إليهم .. فتتصل إدارة الجريدة بشركة التوزيع لافتة إلي هذه المفارقات فتقوم شركة التوزيع بإطلاع مندوب الجريدة علي كشوف التوزيع التي توضح أن الجريدة تصل إلي جميع الموزعين في كل مكان من القطر ... وصارت هذه الظاهرة تتكرر كل يوم . وكشف الإخوان السر العجيب .. فاتضح أن الشركة – شركة التوزيع – توصل الجريدة إلي الموزعين فعلا – حتى تكون أمام القانون منفذة بنود العقد – ولكنها في نفس الوقت ترسل عن طريق مندوبيها تهديدًا شفويًا إلي كل موزع بأنه إذا أظهر جريدة الإخوان ووزعها فسيكون عرضة للاستغناء عنه وإبداله بغيره ثم اتبعت الشركة التهديد بإغراء مؤداه أن تعطي للموزع مكافأة تتناسب مع عدد النسخ التي يحبسها عن التوزيع من هذه الجريدة .

وقد أنبئت وأنا بالقاهرة بهذا الكشف العجيب إلا أنني لم أكد أصدقه لتجاوزه حدود التصور – حتى ذهبت إلي بلدتي رشيد لقضاء فترة من الصيف فيها فرأيت الإخوان يشكون مر الشكوى من عدم وصول الجريدة إليهم إلا أعدادًا قليلة جدًا .. وكان لي علي موزع الجرائد في رشيد أباد تجعله دائمًا مسارعًا فيما يرضيني ، وكان يعلم أن من أوائل ما يرضيني أن يوافيني منزلنا بالجريدة في صبيحة كل يوم طيلة فترة إقامتي برشيد فلاحظت أنه يحضرها يومًا ويتخلف عن إحضارها أيامًا فشددت عليه الطلب حتى جراحته ثم أنذرته فبكي الرجل وأخذ يفضي إلي بما هو واقع تحت طائلته من أسلوبي التهديد والإغراء من شركة التوزيع ، واعترف لي بأنه يحاول أن يحبس النسخ كلها عن التوزيع لولا خوفه من بطش بعض الإخوان فيكتفي بتوزيع بعض النسخ ويرد إلي الشركة الباقي وهو معظم ما يرد إليه كل يوم ، وأنه يستفيد ماديًا من جريدة الإخوان بهذه الطريقة بأكثر مما يستفيده من توزيع الجرائد الأخرى مجتمعة . لم يقف الإخوان أمام هذه المؤامرة مكتوفي الأيدي ، وإنما حاولت كل شعبة بجميع الوسائل انتزاع نسبة لا بأس بها من نسخ الجريدة من الموزعين بحيث يحصل معظم الإخوان علي نسخ منها ، لكن هذا الأسلوب وإن كان قد أرضي شوق الإخوان إلي مطالعة جريدتهم إلا أنه لم يحقق قبل أن تصل إلي أيديهم ، لأنها عن هذا الطريق وحده كانت ستغزو بأفكارهم – غزوًا يوميًا – ميادين فسيحة شعبية ضخمة ليس من اليسير غزوها بطريقة أخري .

النتيجة:

بهذه الحرب الضروس الثلاثية الشعب استطاع التحالف الإجرامي أن يقضي علي جريدة الإخوان اليومية ... نعم إن الجريدة لم تحجب ولم تتوقف عن الصدور ، إلا أنها فقدت قيمتها التي أنشئت من أجلها ،وأصبحت أشبه بنشرة خاصة تصدرها مجموعة من الناس لنفسها .. و قد أدي هذا إلي التوقف عن المضي في مشروع بناء دار المطبعة والجريدة التي أشرنا إليه ... فقد برزت بظهور الجريدة في ثوبها المؤقت عوامل لم تكن في حسبان الإخوان وهي المؤامرات الثلاث التي أومأنا إلي طرف يسير منها .. وكان المعتقل والروية يقضيان بإعادة النظر في هذه المشاريع وإعادة صياغتها من جديد علي ضوء هذه العوامل . وكانت النية متجهة إلي التخطيط الذي أساسه عدم الاعتماد علي الغير في أية جزئية تتصل بالجريدة من قريب أو من بعيد ، فيبدأ أولا يغزو إخواني مكثف لميدان الإعلان بإنشاء شركة له . وعندما يتمكن الإخوان من هذين الميدانين يبدأون في مشروعي المطبعة والجريدة ... وقد بدأ الإخوان فعلا اقتحام ميدان الإعلان فأنشأوا مكتبًا للإعلان في الإسكندرية في ميدان المنشية ، وخطا هذا المكتب خطوات موفقة كانت مبشرة بنجاح كبير . ولم يكن الإخوان عاجزين عن دخول هذه الميادين بل والسيطرة عليها فلديهم كل مقومات النجاح ولقد بدأوا قبل ذلك بقليل مشروعًا لا يقل أهمية عن هذه المشاريع وهو إنشاء المدارس الخاصة وبدأوا في الإسكندرية أيضًا نجاحًا باهرًا ... ولكن هذا النجاح وما يعرفه المستعمرون من مقدرة الإخوان علي إحراز النجاح علي عتق البلاد ، كل ذلك جعلهم يحيكون خيوط مؤامرة جديدة حاكتها أيديهم الخفية ونفذتها العقول الغبية والأيدي الملوثة حتى يوقفوا المد الإخواني قبل أن يصل إلي هذه الميادين .

4 – الفتنة الثالثة أو الاقتحام إلي البناء الداخلي للدعوة :

عانيت الكتابة في هذه المذكرات حتى الآن عن فئتين ، وهاأنذا أبدأ المعاناة في الكتابة عن فتنة ثالثة . وقد عبرت عن الكتابة في هذه الفتن بالمعاناة لأن الكتابة فيها تمض النفس وتجرح القلب وتكاد تقطع نياط الفؤاد ، فكل ما ينال الدعوات من أذي خارجي لا ينفذ إلي داخلها هو أذي تتحمله نفوس المؤمنين لأنه سحابة صيف عن قريب تقشع ، والعزاء فيه للمؤمنين أن بناءهم الداخلي رصين متماسك ، أما إذا كانت المصيبة في البناء الداخلي نفسه فهي المصيبة التي لا عزاء فيها ، ولا أمل في اجتيازها أو الخروج منها إلا أن تمتد إلي البناء يد القدرة الإلهية فتحفظه من الانهيار . وإذا كانت عوامل الفتن تنشأ في الدعوات بنشوئها ، فإن هذه العوامل تكبر وتستفحل بنمو الدعوات واتساع نطاقها ، وإذا كانت محاصرة الفتن – والدعوات لا تزال محدودة الانتشار – أمرًا سهلا وميسورًا فإن محاضرتها والإحاطة بها إذا اتسع الدعوات ليس بالأمر السهل ولا الميسور لأن الفتن تكون في هذه الحالة متشعبة ضاربة بشعبها وشظاياها في كل اتجاه . وقد وصلت دعوة الإخوان المسلمين في الزمن الذي نحن بصدد الحديث عنه من سعة الانتشار واتساع النطاق إلي الحد الذي أشرنا إليه آنفاً ، والذي صارت بسببه هدفاً تراش السهام له من كل جانب وتوجه نحوه من كل اتجاه ، وصارت وقايتها هذه السهام أمرًا متعذرًا أشد التعذر . ومعالجة الحديث عن هذه الفتنة تتطلب الإلمام بطرف مما يتصل بالشخصيات التي كانت محور رحاها . وفيما يلي سنحاول بإذن الله إلقاء شعاع من الضوء علي هذه الشخصيات :

الدكتور إبراهيم حسن : طبيب نابه ، من أسرة تنتسب إلي الصوفية في الشرقية ، اتخذ له عيادة في حي السيدة زينب قبالة المدرسة السنية علي مقربة من دار المركز العام في شارع الناصرية ... اتصل بالدعوة في القاهرة في وقت مبكر ، وعقدت في عيادته اجتماعات هامة ، وقد عينه الأستاذ المرشد وكيلا للدعوة ، وهو رجل هادئ الطبع ، ولا أذكر الآن كيف تعرف علي الدعوة ولكن يخيل إلي أنه تعرف عليها عن طريق عبد الحكيم عابدين الذي كان إذ ذاك حديث التخرج في كلية الآداب – والذي رجح عندي أن يكون تعرفه عن طريق عبد الحكيم أن عبد الحكيم كان أكثر الإخوان اختلاطاً به حتى أكثر وقته كان يقضيه في عيادته .. ومجال نشاط الدكتور إبراهيم في الدعوة كان محدودًا حيث تغلب عليه النزعة الصوفية كما أن عمله الخاص كان يشغل أكثر وقته وقد ظل يشغل منصب الوكيل العام في الدعوة حتى نزح إلي القاهرة الأستاذ أحمد السكري فقلد هذا المنصب وصار الدكتور إبراهيم الوكيل الثاني .

الأستاذ أحمد السكري : شاءت الأقدار أن أتعرف علي الأستاذ أحمد السكري في منزلنا برشيد .. فبعد أن اتصلت بالدعوة في القاهرة في سنة 1936 ذهبت إلي رشيد لأقضي ردحًا من الإجازة الصيفية بها .. وفي خلال هذه الفترة زارنا بالمنزل زائر كريم – وكان منزلنا في ذلك الوقت مثابة الطارئين علي رشيد من كرام رجال العلم والدين من الموظفين – وكان هذا الزائر موضع تكريم وإعزاز منن والدي وعمي . وقد كان والدي حريصًا علي تعريفي به ... وكان هذا الزائر الكريم هو الأستاذ أحمد السكري .

وقد قص علي الأستاذ أحمد القصة التي بسببها وجد في رشيد ، وهي تتلخص في أنه – وهو من كرام أهل المحمودية – أنشأ جمعية دينية في المحمودية أحست الأسرة التي كانت تهيمن علي البلد بأن وجود هذه الجمعية ينتقص من هيمنتها ، فأخذت هذه الأسرة في العمل علي إحباط هذه الجمعية وفض الناس عنها فلما لم تجد لجهودها في هذا السبيل أثرًا عملت علي حرمان الجمعية من منشئها ومحور الحركة والنشاط فيها ببذل الجهد في نقله من المحمودية .. ولما كان الأستاذ أحمد في ذلك الوقت يعمل سكرتيرًا للمدرسة الابتدائية بالمحمودية فقد أسفرت جهود هذه الأسرة مع جهود مضادة من قبل الأستاذ أحمد عن نقله إلي رشيد سكرتيرًا لمدرستها الابتدائية ... وفهمت من الأستاذ أحمد أنه مع هذا النقل لم يلق السلاح فصلته بالمحمودية لم تنقطع وإشرافه علي الجمعية مستمر ولا ينقضي أسبوع حتى يكون بالمحمودية .

وحتى تلك اللحظة التي أتم فيها سرد قصته هذه علي لم أكن أعلم عن صلته بالأستاذ حسن البنا كما أنه أيضًا لم يكن يعلم عن صلتي به .. وباعتباري من دعاة الإخوان المسلمين رأيت من الواجب علي أن أقدم إلي الأستاذ أحمد دعوة الإخوان المسلمين لاسيما وقد لمحت فيه غيرة إسلامية جارفة وهمة عالية فأخذت أتحدث إليه عن الدعوة وأشرح له جهودنا الإسلامية في الجامعة .. وقد لاحظت في أسارير والدي وعمي في أثناء حديثي إعجابًا بهذه الدعوة – ولك يكونا قد سمعا عنها من قبل – وكنت أتوقع أن أري وأسمع من الأستاذ أحمد مثل هذا الإعجاب ولكنني سمعت منه غير ما كنت متوقع ... سمعت منه تهوينًا من شأن الدعوة وقائدها بأسلوب يشعر بالسخرية والاستعلاء ، فيقول وهو يبتسم " مش الشيخ حسن .؟ دا كان عندنا في المحمودية ولما عملت الجمعية عملته سكرتير لها وكنت أنا رئيسها " وأخذ يتحدث عن الشيخ حسن " وعن نفسه بهذا الأسلوب مما أثارني فبدرت مني – مع حرصي الشديد علي إحاطته بكل مظاهر الحفاوة والإكرام – عبارات عاتبني عليها والدي بعد انصراف الأستاذ أحمد .. ولكن هذه العبارات كشفت للأستاذ أحمد عن حقائق كان يجهلها هي أن " الشيخ حسن " هذا مهما قال فيه ومهما سخر منه ومهما استعلي عليه فإنه أسس في القاهرة دعوة برز بها علي مسرح الحياة المصرية وأنه استطاع أن يوجد لدعوته هذه مكاناً في الجامعة المصرية التي كانت تتقطع الأعناق دون اقتراب بدعوة للإسلام من أبوابها ،وأنه صار يعالج قضايا خارج حدود مصر لبلاد عربية هوت إليه وإلي دعوته أفئدة قادتها وزعمائها كقضية فلسطين وقضية المغرب وأنه يصدر مجلة أسبوعية أصبح لها قراء في الجامعة المصرية وفي الأزهر وفي أنحاء مصر وخارج حدود مصر .. كشفت عباراتي للأستاذ أحمد السكري عن ذلك كله وعن أكثر منه ... فأخذ يقارن هذا الانطلاق وهذا الأفق الفسيح بالنظرة الضيقة والأفق الموضعي المحدود الذي يعيش فيه والذي ظن أنه هو الحياة كلها .

وقد تحدثت بعد رجوعي إلي القاهرة إلي الأستاذ المرشد فيما كان من تعرفي علي الأستاذ أحمد وفيما قصه علي من أمر نضاله ضد هذه الأسرة – ولكني لم أذكر له ما كان من حديث فيما يتصل بشخصه – فوجدت أن الأستاذ المرشد كان علي علم بهذا النضال وأنه كثيرًا ما أخذ علي الأستاذ أحمد قصر جهوده علي هذا الأسلوب . ويبدو أن عباراتي قد عملت عملها في خاطر الأستاذ أحمد فقرر في نفسه قرارًا باتجاه جديد – ولن تطل إقامته برشيد فقد بذل جهودًا رجع بها إلي مكانه بالمحمودية – وكان قراره الجديد أن يعمل علي الخروج من حدود الدائرة التي يعيش فيها فأخذ يكثر من زيارته للأستاذ المرشد بالقاهرة ويصل حبله بحبال الدعوة بها وصار يحضر جلسات مكتب الإرشاد حتى تهيأت الظروف لانتقاله في وظيفة بوزارة المعارف إلي القاهرة فأسند إليه المرشد منصب الوكيل العام للدعوة وهو المنصب الذي كان يشغله – كما قدمنا – الدكتور إبراهيم حسن .

وهنا رأيت من حق الدعوة علي أن أفضي إلي الأستاذ المرشد بالذي دار بيني وبين الأستاذ أحمد فيما يتصل بشخصه والذي كتمته عنه حيث لم يكن هناك داع لإثارته مادام الأستاذ أحمد بعيدًا عن القاهرة . ولم يكن الاحتكاك بيني وبين الأستاذ أحمد قد اقتصر علي ما حدث بيني وبينه في منزلنا برشيد ، بل جدت أمور أخري تكرر معها الاحتكاك فقد كنت – كما قدمت – أقضي فترة من إجازة الصيف في المرور ببلاد محافظة البحيرة التي كنت أعتبرها من مسئوليتي كما كان الأستاذ المرشد يعتبرها كذلك ... ولما كانت المحمودية إحدى مراكز البحيرة فكنت أمر علي دار الإخوان بها ، ونشأ الاحتكاك من مروري بهذه الدار ... فهذه الدار كانت تعتبر نفسها بدعًا من دور الإخوان المسلمين ، فدور الإخوان في أنحاء الفطر كله إذا دخلت أيا منها تشعر بأنك في فرع من فروع الدعوة يدين بالولاء للمركز العام ولقائد الدعوة ولكن دار الإخوان في المحمودية إذا دخلتها لم تشعر فيها بهذه المعاني وإنما تحس منها معاني الاستقلال والولاء لقيادة أخري وقد آلمني ذلك وصارحت إخوان الدار بشعوري ولفت نظرهم إلي مظاهر في الدار كالصور المعلقة لا تشعر من أراها بأن هذه الدار شعبة من شعب الإخوان المسلمين كما أن من استمع إلي حديثهم لم يشعر بولاء لقيادة الدعوة . وطلبت إلي إخوان الدار أن يبلغوا الأستاذ أحمد بملاحظاتي ... وكررت الزيارة لهذه الدار فلم أجد تغيرًا قد طرأ عليها مما يتصل بملاحظاتي ، فأحسست في هذا الإصرار دلالات خطيرة لاسيما والمسئول عنه قد أضحي في أبرز مكان في الدعوة بعد المرشد العام . ولا أحد غيري يعرف عنه ما أعرف ولا يحس الذي أحس ، فاستقر رأي علي مفاتحه الأستاذ المرشد في هذا الموضوع الخطير الذي يوشك إذا لم يعالج ويوضع له حد أن تنهار به الدعوة .

وكان ذلك في عام 1938 علي ما أتذكر أو قبل ذلك وكنا في سفر بالقطار إلي الإسماعيلية وكنت أحد رفقاء الأستاذ المرشد في هذا السفر فانتهزت هذه الفرصة – وكان من عادة الأستاذ في السفر أن يحاول الانفراد بنفسه ليستعيد مع نفسه قراءة أكبر قدر من القرآن مغمضًا عينيه – فانتقلت إلي جانبه وطلبت إليه أن يستمع إلي في حديث خاص يحرج صدري فأقبل علي وأخذت أقص عليه موضوع الأستاذ أحمد السكري منذ التقيت به منزلنا برشيد حتى آخر مرة زرت فيها دار الإخوان بالمحمودية ... فحاول الأستاذ أن يهون الأمر ويشعرني بعدم أهميته في أول الأمر ، ولكنه رأي مني جدًا لم يكن يتوقعه حيث قلت له : إن هذه الدعوة لم تعد دعوتك وحدك ، ويخيل إلي أنك حملت حديثي إليك علي محمل أنني أحدثك في أمر شخصي يخصك وحدك تتهاون فيه إن شئت ... إن هذا الأمر هو من أخطر ما يتصل بكيان الدعوة ، ومن حق كل فرد انتسب إلي هذه الدعوة وبايع عليها أن يعرف هل لهذا الدعوة قيادة واحدة أم أكثر من قيادة ، وقد رأيت أن أفضي إليك بما يحتبس في صدري باعتبارك أحق الناس بالإلمام به وأقدرهم علي معالجته فإن أصررت علي الاستهانة به فسيكون من حقي أن أكاشف به جميع الإخوان ليتولوا هم علاجه .

فلما رأي الأستاذ مني هذا الأسلوب الجاد البالغ الجد ترقرقت عيناه بالدموع ووجه إلي عبارات كأنما يسرها في أذني وقال : " والله يا محمود إنني كنت أعرف كل الذي قلته من قبل أن تقوله وأعرف أكثر منه وقلبي يتقطع آلمًا لهذا الذي أعرفه ، ولكنني كنت حريصًا علي أن لا يعرف ذلك أحد غيري ... أما وقد عرفته فأستحلفك بالله أن لا تقضي لأحد به وتجعل ذلك سرًا بيني وبينك وأن تدع لي معالجته في الوقت المناسب فإن مصلحة الدعوة تقتضي إرجاء هذا الأمر الآن " . فقلت له : أعطيك العهد والموثق علي ذلك ، ولكن موضوع دار الإخوان في المحمودية لن أسكت عليها فلقد هددتهم في آخر زيارة لها إذا لم نزل مظاهر التمرد والنشوز التي بها أن أتقدم بمذكرة إلي مكتب الإرشاد أطلب فصلها من الإخوان المسلمين .. فقال الأستاذ سأبلغ الأستاذ أحمد ملاحظاتك عن المحمودية وسأحاول التقريب بينك وبينه . وأبلغ الأستاذ المرشد الأستاذ أحمد بملاحظاتي عن شعبة المحمودية وبعزمي علي التقدم إلي مكتب الإرشاد طالبًت فصلها .. ولما كان الأستاذ حريصًا علي أن لا يذيع أمر المحمودية وما فيه من دلالات علي الاستعلاء علي قيادة الدعوة فقد جلس إلي ووعد بإزالة ما طلبت إزالته من دار الشعبة وقد فعل .

وكان الأستاذ المرشد حريصًا في كل مناسبة علي التقريب ما بيني وبين الأستاذ أحمد كما كان الأستاذ أحمد حريصًا علي تذكيري بالعلاقة الشخصية التي بينه وبين والدي وكنت من جانبي حريصًا علي تأكيد احترامي الشخصي له ولكنني أري حقوق الدعوة فوق هذا المستوي الشخصي ، كما أن الأستاذ المرشد كان حريصًا ما استطاع علي الإشادة بالأستاذ أحمد وتقديمه في المواقف التي يعلم أنه يجب أن يقدم فيها ؛ لعل ذلك يمحو من نفسه الشعور الذي يعرف الأستاذ أنه قد يعتمل في نفسه . والأستاذ أحمد السكري كفاءة لا شك فيها ورجل نشأ في أحضان التصوف وتربي في البيئة التي تربي فيها الأستاذ المرشد في المحمودية علي يد الأستاذ الشيخ محمد زهران وترافق والأستاذ المرشد في كل عمل ديني واجتماعي قاما به في المحمودية ، ولما كان الأستاذ أحمد يكبر حسن البنا سنًا لا يزال طالبًا صغيرًا في الوقت الذي كان يعمل فيه الأستاذ أحمد بالتجارة فكان طبيعيًا أن يكون الأستاذ أحمد في التكوينات الإدارية لهذه الأعمال الدينية والاجتماعية رئيسًا في حين كان الطالب الصغير سكرتيرًا .. والأستاذ أحمد ذو مواهب يغبط عليها فهو خطيب مطبوع ذو حنجرة ذهبية يخرج الكلام منها كأنه موسيقي . وذو قوام فارع وسمت جميل وهندام جذاب – إذا رأيت سمته واستمعت إلي حديثه أحسست أنك أمام رجل من أبناء الطبقة الأرستقراطية في ذلك العهد . ومع أن دراسته الرسمية لم تتعد الثانوية فإن ثقافته واسعة ، وعقيدته ناضجة وأفقه فسيح ولسانه قويم ، وغيرته علي الإسلام نابعة من قلب عامر ، وكان جديرًا بالمنصب الذي أسنده الأستاذ المرشد إليه في الدعوة .

وقد قدمت أن الأستاذ المرشد كان يقدمه في المواطن التي يعلم أنه يتطلع إلي التقدم فيها فكان يختاره سفيرًا له في مقابلة العظماء من المسئولين من رجال الدولة ورؤساء الدول العربية ورجال القصر وساسة البلاد ، ولكنه كان كثيرًا ما يحذره من الانزلاق في هاوية الافتتان بمظاهر حياتهم وما ينقلبون فيه من بذخ ورفاهية ، ويذكره بأننا لسنا إلا دعاة إلي الله وحملة لشعلة الإيمان به والرجوع إليه والعمل بدينه . والواقع أن هذا التحذير وهذا التذكير كان لابد منهما لأن كثيرين منا لاسيما المحنكين منا بالبيئات الارستقراطية المتعالية الغارقة في الترف والمظاهر الأخاذة الخادعة ، كانوا ينسون حقيقة مهمتهم وجوهر دعوتهم في غمرة هذه المظاهر ؛ فلقد كان البون شاسعًا بين حياتنا التي نعيشها وحياة هذه البيئات ، ولولا هذا التذكير والتحذير لفقدنا أنفسنا في تيارهم . وقبل أن انهي تقديمي لشخصية الأستاذ أحمد السكري للقارئ أنقل من " مذكرات الدعوة والداعية " الذي كتبه الأستاذ المرشد بقلمه ولم أطلع عليه إلا هذا العام (1977) فقرتين تتصلان بما جاء في هذا التقديم ويلقيان بعض الضوء علي ما عالجناه من نقاط في هذا الموضوع .

جاء في صفحتي 135 ، 136 من " مذكرات الدعوة والداعية " التي سجل فيها الأستاذ بعض أحداث الدعوة حتى سنة 1939 ما يلي :


خواطـر :

حضر إلي اليوم ... و ... من المحمودية . وتكلمنا كثيرًا عن جمعيات الإخوان المسلمين . أريد أن أكتب عنه فلا يتسع لي مجال الكتابة فأكل أمره إلي الله ، وأسأل الله أن يوضح لي الطريق الذي أسير فيه . علي أن ملخص خطراتي أن فرعي جمعية الإخوان بالمحمودية وشبراخيت سوف لا تنفع كثيرًا لأنها أنشئت بغير أسلوبي ، ولا ينفع في بناء الدعوة إلا ما بنيت بنفسي وبمجهود الإخوان الحقيقيين الذين يرون لي معهم شركة في التهذيب والتعليم وهم قليل . ونفس فرع الإسماعيلية ستحدث فيه تعديلات كثيرة ولكنه سيسير سيرًا نافعًا إن شاء الله .. إنه لله ...

إنه قائد موهوب ولكنه منصرف بهذه القيادة وهذه المواهب إلي السفاسف ، مسرف في وقته لا يقدر له قيمة ، قلبه مملوء بأوهام لا حقيقة لها ومنصرف إلي ناحية لا تثمر إلا العناء ، فالاعتماد عليه ضرب من المخاطر العقيمة . والأخ الشيخ ... له أساليبه الخاصة به ، وهو ينظر إلي كأخ زميل فلا يصغي لآرائي إلا قليلا ومن هذه الناحية يكون توحيد الفكرة ضربًا من التعسر ، فالاعتماد عليه مخاطرة كذلك .

نفسك يا هذا وإياك والخلق

ربك ونفسك وحسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين

من الطريف أن الأخ الزائر من المحمودية رأي هذه الكتابة في حينها فكتب بخطه في الصفحة المقابلة هذه العبارة : " سامحك الله أيها الأخ الكريم " لقد تغاليت في ظنك هذا ، وكل ما أرجوه أن تبدي لك الأيام غير ما ظننت . ولست أزكي نفسي فالله أعلم غير أنك لابد راجع إلي صوابك في ، عالم أن النفس التي أحملها بين جبيني هي نفس علم الله فيها بعلمه السابق الأزلي أنها تضطرم غيرة وتتفتت حسرة رأسي علي أما أصاب الإسلام وأهله .

وجاء في صفحتي 252 ، 253 ما يلي :

" الحفلة الكبرى للإخوان المسلمين "

" سراي آل لطف الله " :

" الإخوان المسلمون صرحاء في دعوتهم لا ينون عن بذل أوقاتهم ومهجهم في سبيلها ، ولا تفوتهم الفرص والمناسبات لتدعيم الحق وإزهاق الباطل ونشر لواء الإسلام ، فهم قد رأوا في مجلس النواب والشيوخ معركة كلامية طالما أذكرها ومهدوا لها ، وهم الآن يريدون تدعيمها ، وسيجمعون النواب والشيوخ المحترفين في صعيد واحد بغض النظر عن حزبيتهم وألوانهم السياسية . وسيكون منهم روح القوة والعمل علي نصر دين الله ، وسيكون ذلك فتحًا مبينًا له ما يعده إن شاء الله ، وسيكون هذا الحفل الجامع في سراي آل لطف الله بالزمالك ... لهذا سيكون حفلاً رائعًا تتجلي فيه دعوة الإخوان المسلمين بأجلي مظاهرها إن شاء الله . وسيكون من بين حضرات الخطباء الأفاضل : سمو الأمير شكيب أرسلان ، وسعادة علوبة باشا ، والأستاذ الكبير محمود بسيوني والنائب المحترم سعد اللبان وفضيلة الشيخ عبد اللطيف دراز والدكتور عبد الحميد ومدكور بك والدكتور عبد الوهاب عزام .. إلخ . وسيتولى فضيلة المرشد العام شرح وجهة نظر الإخوان المسلمين من روح الإسلام . وسيؤمها كبراء المملكة المصرية ورجال الأحزاب السياسية وقادة الرأي ليسمعوا كلمة الإخوان المسلمين والله يدعو إلي دار السلام ويهدي من يشاء إلي صراط مستقيم " .

" من آثار حفل تكريم النواب بسراي آل لطف الله " .

" انتهي حفل النواب بسراي آل لطف الله وكان ملحوظاً فيه حضور ممثلين للأحزاب المصرية المختلفة وللطبقات المختلفة كذلك . وقد كان لهذا الحفل آثار بدت طفيفة ولكنها تحولت إلي عميقة عنيفة بعد فترة قصيرة من الزمن ، فقد اعتقد فريق من الإخوان أن الأستاذ أحمد السكري الذي كان يشرف علي نظام الحفل ويقوم بتقديم الخطباء كان يتملق بعضهم والملق يكرهه الإخوان ، وكان يحاول أن يظهر بمظهر المتصدر الآمر الناهي وليس ذلك من خلق الإخوان ، وكان يؤثر بعض الناس بالتقديم ويحول بين غيرهم وبين المنصة ، ويوجه الأمور توجيهًا يظهر فيه الغرض الخاص . والإخوان لا يفهمون إلا لغة الوضوح والاستقامة التامة ، وفي أول اجتماع بعد الحفل ظهرت هذه الملاحظات وأخذت أدافع عنها وأفسر مظاهرها لهؤلاء الإخوان تفسيرًا حسنًا وأحملها علي أفضل المحامل وهم غير مقتنعين . وكان هذا الشعور نواة لتفسيرات لاحقة لتصرفات كثيرة مشابهة ، ومازال يتضخم حتى صار أساس فتنة ذهبت بمجموعة من خيار الإخوان وحالت بينهم وبين العمل في هذا الميدان . وسيمر بنا تفصيل ذلك في حينه ولله في خلقه شئون " .


الأستاذ عبد الحكيم عابدين مرة أخري :

تناولت شخصية عبد الحكيم عابدين من قبل أكثر من مرة كان عبد الحكيم في خلالها لا يزال الطالب اليافع أو المتخرج الناشئ الذي بم يتمرس بعد بمسئوليات الدعوة وتبعاتها الثقيلة ، ولكن السنوات التي مرت عليه بعد ذلك وأثقلت كاهله بتبعاتها وأحداثها قد جلت مواهبه وصقلت قريحته وكشفت عن قدراته مما جعله أهلا لأن يشركه الأستاذ المرشد معه في التصدي لأعقد المشاكل وأخطر الأمور . وهي المشاكل والأمور التي كانت من قبل وقفاً علي الأستاذ أحمد السكري ... ولا أقصد بهذه العبارة أن أقول إن الأستاذ المرشد قد أعطي الأستاذ أحمد مما كان يكله إليه من خطير الأمور وإنما قصدت أن أقول إن الأستاذ المرشد أراد أن يستفيد للدعوة من مواهب عبد الحكيم وقدراته فأشركه مع الأستاذ أحمد في النهوض بالأمور الجسام التي تضاعفت مشاكلها وثقلت تبعاتها يتشعب الدعوة وأتساع رقعتها واقتحامها ميادين جديدة بحيث أصبحت هذه الأمور الجسام ينوء بحملها رجل واحد .

ولم تكن هذه المواهب وهذه القدرات جديدة علي عبد الحكيم عابدين فقد أشرت إلي طرف منها منذ كان طالبًا ، وكل ما حدث أن مرور الأيام جلي هذه المواهب وأبرز هذه القدرات فمع أن عبد الحكيم لم يكن حسن الهندام ولا المتأنق في ملبسه بل كان في هذه الناحية أقرب إلي عكس ذلك فإنه كان بحدة ذكائه واتقاد قريحته وسرعة بديهته ورشاقة لفظه وسعة حفظه للقرآن وللشعر وسجيته الأدبية وغامر روحانيته وحسن بداوته (التي أشار إليها المتنبي في قوله : (وللبداوة حسن غير مجلوب) . فإنه كان مقبولا ومحببا إلي نفوس طبقة من الناس لم تكن لتعرف عن الدعوة شيئًا لولا تسلل عبد الحكيم إلي قلوبها وامتزاجه بنفوسها . فكل كبار أطباء القاهرة ، وكل أساتذة الجامعة وعلية القوم ومن أعرق الأسر وأكرم العناصر لم يعرفوا الدعوة إلا عن طريق عبد الحكيم . وليس معني معرفة هؤلاء بالدعوة واقتناعهم بأفكارها أنهم انتظموا جميعًا في تشكيلاتها أو احتلوا مناصبها وإنما قد صار للدعوة باقتناعهم بها صف له صداه في أوساطهم وفي الرأي العام بعد ذلك ، وهذا كسب له قيمته وله وزنه . وما كان لدعوة كدعوة الإخوان المسلمين تريد أن تؤخذ بفكرتها لتكون أساسًا لحكم البلاد أن تجد لفكرتها سبيلا إلي واقع الحياة دون أن تقتنع بها هذه الطبقة التي مهمتها التثقيف والتوجيه .

وقد نهض عبد الحكيم بما ألقي علي كاهله من جسام أمور الدعوة نهوضًا كريمًا وأظهر مقدرة جعلت اسمه يلمع بجانب اسم الأستاذ أحمد ، وسر الأستاذ المرشد لذلك كما سر الإخوان جميعًا أن وجدت الدعوة وقد تضاعفت مسئولياتها من أبنائها من يشارك في حمل العبء وهذا دليل علي خصوبة الدعوة وحسن استجابتها ونجاح أساليبها كما أنه يشير بتحقيق آمالها ووصولها إلي غايتها .

ولكن هل عم هذا السرور جميع الإخوان . ؟

الأستاذ حسين عبد الرازق :

يقتضينا الحديث عن حسين عبد الرازق أن نتحدث عن أسر عبد الرازق التي ينتسب إليها والتي هو أحد أفرادها وإن لم يكن من الشخصيات البارزة فيها .. وربما كان انتسابه إلي دعوة الإخوان هو الذي أبرزه وجعل لاسمه ذكرًا بين أفراد هذه الأسرة ، وهذه الأسرة من الأسر الشهيرة المرموقة في الصعيد وموطنها قرية إبي جرج إحدى قرى مركز بني مزار بمحافظة المنيا .. وهي وإن كانت أسرة ميسورة الحال إلا أن شهرتها لا ترجع إلي يسر حالها فهناك أسر أخري أيسر حالا وأوسع ثروة ولكنها لا تحظي بمثل شهرة آل عبد الرازق الذين امتازوا علي غيرهم بكثرة المتعلمين وذوي المناصب الكبيرة من أبنائهم .

وكان أبرز أبناء هذه الأسرة في المجتمع المصري اثنان هما الشيخ مصطفي عبد الرازق الذي كان أستاذًا للفلسفة الإسلامية بكلية الآداب حين كنا طلبة بالجامعة والشيخ علي عبد الرازق الذي كان مدرسًا بأحد المعاهد الأزهرية والذي وضع كتابًا سماه " الإسلام وأصول الحكم " حاول فيه نفي أن يكون للإسلام صلة بالحكم من قريب أو من بعيد ، وقد أثار الأزهر في ذلك الوقت علي هذا التهجم علي الإسلام وعلي محاولة تجريده من أصل من أصوله المقررة وحاكم المؤلف محاكمة علمية بإصدار قرار بسحب شهادة العالمية منه ... وكان لوضع هذا الكتاب في ذلك الوقت دوافع سياسية كما كان لواضعه طموح سياسي فقد استطاع بوضعه هذا الكتاب أن يصيب عدة أهداف ، فقد آثار ضجة كبيرة وجدلاً حادًا في المجتمعات وفي الصحف لفت النظر إلي واضعه وأكسبه بروزًا في المجتمع كما أنه أرضي المستعمر – وقد أشرنا في فصول سابقة إلي محاولات الانجليز تجريد الإسلام من هذه الناحية بالذات – وإن كان في نفس الوقت قد أغضب الملك الذي كان يريد الاستزادة من السلطة عن طريق الأزهر مما كان يراه الانجليز خطرًا عليهم . وكان للماسونية في تحقيق أغراض الانجليز بإصدار هذا الكتاب اليد الطولي فقد كانت هي اليد الخفية التي تتحسس في المجتمع المصري الأشخاص الطموحين الذين يصلحون لأداء أدوار معينة علي المسرح المصري .

الأستاذ كمال عبد النبي :

عندما كان يذكر الأستاذ حسين عبد الرازق كان يذكر دائمًا الأستاذ كمال عبد النبي ولست أعرف السبب في ذلك فلعلهما كانا صديقين التحقا بالدعوة معًا وربما كان التحاقهما بالدعوة عن طريق الأستاذ عبد الحكيم عابدين وإن كان الذي أقطع به هو أن الأستاذ حسين عبد الرازق قد تعرف علي الدعوة عن طريق الأستاذ عبد الحكيم .

نشوء الفتنة وتطورها :

1 – قد يكون نشوء الفتنة قد بدأ بتسربات في أعماق نفس الدكتور إبراهيم حسن حين انتقل الأستاذ أحمد السكري إلي القاهرة وأسند إليه الأستاذ المرشد منصب الوكيل أمام الذي كان يشغله الدكتور إبراهيم ، فاعتبر الدكتور ذلك إهانة له موجهة من الأستاذ المرشد شخصيًا ، ولكنه أسر ذلك الشعور في نفسه لأن الظروف في ذلك الوقت لم تتح له أن يفعل أكثر من ذلك .

2 – يتبين للقارئ من تحليل الشخصيات الذي أثبتناه آنفًا أن الأستاذ أحمد السكري قد رضي بمنصب الوكيل العام وبإسناد المرشد كل خطير الأمور إليه رضي بذلك كحد أدني لأنه كان يري نفسه أكبر من هذا وأحق بما هو أعظم . أما وقد قضت الظروف بهذا القدر فقط فلا بأس بذلك مؤقتًا . واحتكار البروز في الأوساط الراقية والمجتمعات ذات الشأن كفيل بتوسيع نطاق هذا القدر شيئًا فشيئًا مما يقرب الأمل المنشود ، وإذا لم يتحقق الأمل فإن استمرار احتكار البروز في هذه الأوساط سيجعل منصب الوكيل العام هو المنصب الذي يدير دفة الدعوة والذي يرجع إليه في كل شئونها .

3 – لم يكن إصهار عبد الحكيم إلي الأستاذ المرشد موضع ارتياح من الأستاذ أحمد السكري خشية أن يكون في هذا الإصهار تقريب لعبد الحكيم من نفس الأستاذ المرشد لاسيما والأستاذ أحمد يعرف عن مواهب عبد الحكيم ... وإن كان الأستاذ أحمد يثق في قرارة نفسه أن الأستاذ المرشد لا يعدل بالصلة الروحية أيه صلات أخري من قرابة أو صداقة أو نسب ... وقد تم الإصهار بعد أن اقترن بمؤامرة حيكت له وخرج منها عبد الحكيم سليما معافى بعد تجربة قاسية .

4 – ما كانت مؤهلات عبد الحكيم الخلقية من هيئة وملبس ومنشأ في أسرة فقيرة ، لتؤهله أن يجد لنفسه طريقاًَ إلي الأوساط الراقية والمجتمعات ذات الشأن ، ولكن فوجئ الجميع وأولهم الأستاذ أحمد بأن مواهب عبد الحكيم بأن مواهب عبد الحكيم وميزاته التي أشرنا إليها أهلته للسبق إلي هذه الأوساط حتى أصبح اسمه ألمع من اسم الأستاذ أحمد فيها ، أضف إلي ذلك أن طبيعته غير الارستقراطية قربته إلي نفوس عامة الإخوان الذين لم يكونوا يأنسون إلي الطبيعة الارستقراطية .

5 – كان الأستاذ المرشد – كدأب أصحاب الدعوات – يلتمس التأييد لدعوته من جميع الأوساط البيئات ، وإذا كانت الدعوة قد قامت علي أكتاف عامة الناس وضعفائهم ، فإنه كان يتوق ويتمني لو أن الله تعالي هدي إلي دعوته الأغنياء وذوي الأبهة والسلطان . وهذه طبيعة لم يخل منها بشر حتى رسول الله صلي الله عليه وسلم " أما من استغني فأنت له تصدي وما عليك أن لا يزكي " .

واستجاب للدعوة بضعة أفراد من هذه البيئات المتعالية ... ومع أن الأستاذ المرشد كان يوسع لهم في مجلسه ويغدق عليهم من بشره ، فيرحب بمقدمهم ، ويخصهم بتكرمته إلا أن هؤلاء لم يستطيعوا أن يمتزجوا بالإخوان ولا أن يزيلوا حجاب الكلفة بينهم وبينهم ، فكان لابد لوجودهم في مجتمع إخواني من وجود الأستاذ المرشد فيه ، كأنما هو المادة الموصلة بين الفريقين ، فإذا لم توجد المادة الموصلة انقطع التيار .. وما أكثر ما عاني الأستاذ المرشد في سبيل مزج هذه الفئة بسائر الإخوان ، ولكنه لم يحقق الكثير مما كان يأمل في هذه الناحية . هناك أفراد من هذه الطبقة كان امتزاجها بسائر الإخوان امتزاجاً من أول يوم غشوا فيه مجتمعات الإخوان من أمثال حسن العشماوي ومنير الدلة وهرون المجددي ... لكن أفرادًا آخرين لم يمتزجوا مما يدل حقاً علي أن الأرواح جنود مجندة ، ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف . وصدق الله العظيم " لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم ".

وكان هؤلاء الأفراد هم الهدف السهل لمحاولي النيل من الدعوة ، وكان الأستاذ حسين عبد الرازق والأستاذ كمال عبد النبي بالتبعية من هؤلاء الأفراد .

6 – بعد التحاق الأستاذ حسين بالدعوة بفترة غير قصيرة أخذت السراي الملكية في انتهاج سياسة جديدة تستهدف احتواء أسرة عبد الرازق التي اعتبرت السراي انضمام فرد منها إلي الإخوان وانتظامه عضوًا في الهيئة التأسيسية تطورًا خطيرًا يخشي معه أن يستفحل أمرها باستيعابها العنصر الوحيد الذي ينقصها وهو عنصر الأسر الكبيرة ذات النفوذ والثراء ... وبدت خطوات هذه السياسة متتابعة فيما يلي : -

أ) اختير الشيخ مصطفي عبد الرازق في أكتوبر سنة 1944 وزيرًا للأوقاف في وزارة أحمد ماهر .

ب) وبعد ذلك بنحو عام عينه الملك شيخًا للأزهر وهو شرف ما كانت تحلم به الأسرة طوق الملك به جبدها .

ج) وفي 14-2-1946 وأنعم الملك علي الشيخ مصطفي عبد الرازق شيخ الأزهر بوسام كبير .

د) في 16-2-1947 توفي الشيخ مصطفي عبد الرازق وهو شيخ للأزهر ، وفي 22 من نفس الشهر تقدمت هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف بالتماس إلي الملك تطلب إصدار عفو عن الشيخ علي عبد الرازق بعد عشرين سنة من القرار الذي يحرمه من تولي أي منصب حكومي ... حتى يتولي فضيلته وزارة الأوقاف وقد كان وتولي هذه الوزارة .. وما كان لهيئة كبار العلماء أن تتقدم إلي السادة الملكية بطلب العفو عن الرجل الذي طرده الملك منذ عشرين سنة إلا أن يكون ذلك بإيعاز من الملك نفسه .. وبعد أن صدر العفو وتولي الشيخ عبد الرازق وزارة الأوقاف قامت الهيئة بمقابلة رئيس الديوان الملكي لإبلاغ جلالة الملك شكرها علي هذا التفضل .

هـ) في 1-3-1947 كانت خطة التمرد التي أعلنها الأستاذ حسين عبد الرازق قد بلغت أوجها فصدر قرار بإيقافه وإيقاف الأستاذ أحمد السكري والدكتور إبراهيم حسن والأستاذ كمال عبد النبي باعتبارهم خارجين عن الجماعة .

وقد رأيت أن أضع بين يدي القارئ الوقائع بتسلسلها وبتواريخها حتى يلمح في هذا التسلسل كيف تطورت الأمور بمندوب هذه الأسرة في الإخوان المسلمين هذا التطور الفجائي المريب ؛ فلقد التحق حسين عبد الرازق بالدعوة عن طريق عبد الحكيم عابدين كما قدمت ، وكانا لا يكادان يتفرقان ، وكان عبد الحكيم جريًا علي طبيعته البدوية يقضي مع حسين في بيته الوقت الطويل ويعتبر بيت حسين بيته فيطلب الطعام بنفسه ويشيع السرور في البيت بأسلوبه الأدبي المحبب ، وبنفسه الصافية الشفافة ، فإذا حبست الشواغل عبد الحكيم عن زيارة حسين طلبه حسين في كل مكان حتى يعثر عليه ... وظلت هذه العلاقة علي هذا الحال دون فتور نحو عامين كانا خلالهما مثلا كريمًا للصديقين الحميمين .

7 – كانت أقرب شعب القاهرة إلي المركز العام شعبة حي عابدين وكانت تضم مجموعة أكثرها من الطلبة والشباب الصغير من صغار الموظفين ، وبقدر ما كان حسين عبد الرازق علي صلة وثيقة بعبد الحكيم فإنه كان هو وأترابه من كبار القوم لا يخططون بعامة الإخوان حتى إن هؤلاء الإخوان كانوا يعيبون عليهم هذا المسلك ويعدونه – كما قدمت – ترفعًا لا تقره دعوة الإخوان المسلمين .. ويبدو أن وحيًا من الأستاذ حسين أخذ يصل إلي إخوان شعبة عابدين كان من نتيجته أن رأينا هذا شباب فجأة يشيع قالة سوء عن عبد الحكيم عابدين ورأينا الأستاذ حسين عبد الرازق أول من يتلقفها ويسارع إليها ويتبناها ، ورأينا مجموعة من هذا الشباب تمشي في ركابه وصارت بطانة له .

وشباب شعبة عابدين بحكم قربهم من المركز العام كانوا فتلا أكثر إخوان الشعب اتصالا بالأستاذ عبد الحكيم عابدين ، وكانوا يلوذون به وحين يبحث الواحد منهم عن زوجة يطمئن إليها ، وهو يعتبر نفسه والد هؤلاء الشباب . وقد دخل بيوت أهليهم – كطبيعته البدوية – وألم بما في كل بيت من فتيان وفتيات الزواج علي يديه ؛ وباعتبار الزوج والزوجة من أبنائه يزورهما في بيتهما الجديد ، ويطلب الطعام ، ويمزح معهما المزح الذي يزيدهما امتزاجاً وألفة . وهذه بلا شك صورة في ذاتها وهدفها كريمة تستحق الثناء ولكن الذين في قلوبهم مرض قد يجدون فيها مرتعًا خصيصًا أغراضهم وإرضاء نفوسهم . لقد دخل عبد الحكيم بيت حسين عبد الرازق أكثر مما دخل أي بيت من بيوت إخوان شعبة عابدين فلماذا لم يأت حسين في يوم من الأيام شاكيًا عبد الحكيم دخول بيته ؟ ..

8 – تقدمت فجأة مجموعة من شباب شعبة حي عابدين إلي المركز العام بمذكرة تتهم فيها الأستاذ عبد الحكيم عابدين باقتحام بيت زميلهم الأخ عبد المعطي ونري وسط أسماء المشاركين اسم شقيق الزوجة . فتهب زوبعة يثيرها أفراد من الماشين في ركاب الأستاذ حسين عبد الرازق فيترك الأستاذ المرشد كل ما بين يديه من أمور جسام ويتفرغ مهمومًا لتحقيق هذه التهمة الخطيرة ويصدر قرارين حاسمين :

الأول : بإيقاف عبد الحكيم وإبعاده عن المركز العام حتى يصدر قرار بإنهاء هذا الإيقاف أو يجعله دائمًا .

الثاني : بتكوين لجنة تحقيق لا يحضرني الآن من أسماء أعضائها إلا الأستاذ حسين عبد الرازق والأستاذ كمال عبد النبي ، وقد بقي في خاطري هذا الاسمان لأننا يوم صدر قرار تكوين هذه اللجنة تعجبنا وذهب بنا العجب كل مذهب أن يكون هذان هما مثيري هذه الفتنة – والأستاذ المرشد يعرف ذلك – ومع ذلك يجعلها من أعضاء اللجنة ، وقد ثبت لنا أخيرًا أنه كان أبعد نظرًا .

وتقوم لجنة التحقيق بالتحقيق في التهمة فتحدث المفاجأة التي أحبطت تدبيرهم وفضحت مؤامراتهم حين سئل الزوج وهو الأخ علي عبد المعطي الذي نوهنا عنه آنفاً فكذب كل ما قيل واستنكر ما أثير وأثني علي الأستاذ عبد الحكيم عابدين أحسن ثناء وقال : إن الأستاذ عبد الحكيم عابدين ما قام بيني وبين زوجتي إلا بما يقوم به الوالد للتوفيق بين أبنائه – ولم يكتف الأخ علي عبد المعطي بما قرره أمام اللجنة بل ذهب إلي الأستاذ المرشد وأعاد أمامه ما قرره أمام اللجنة ، فلم يسع الأستاذ المرشد بعد ذلك إلا أن يصدر قرارًا بإنهاء فترة إيقاف عبد الحكيم عابدين وإعلان براءته .

ولا يفوتني أن أذكر أنني مع كل ما بيني وبين عبد الحكيم عابدين من صداقة وطيدة وثقة تامة متبادلة باعتباري بشرًا وجدت نفسي أمام الحملة المسعورة التي آثارها هؤلاء المرجعون وقد اهتزت هذه الثقة في نفسي ، ووجدتني ألقي عبد الحكيم في المركز العام وأعرض عنه ، وقد لاحظ عبد الحكيم ذلك أكثر من مرة فاقتحم علي والدموع تترقرق في عينيه ووجه إلي عتابًا باكيًا أن تؤثر المؤامرة حتى تهز محمود عبد الحليم في أخيه عبد الحكيم .. وقد أجبته وأنا أغالب الدموع في عيني بقولي : معذرة يا عبد الحكيم إنك عزيز علي نفسي وحبيب إلي قلبي ولكن الدعوة أعز علي وأحب إلي ، ويجب أن تلزم بيتك حتى يتم التحقيق . وقد قصدت ما ذكر ما كان من لقائي مع عبد الحكيم في غمار هذه الفتنة أن أبين إلي أي مدى وصل تأثير الدعاية الأثيمة التي أثارتها هذه الفئة والتي سهروا علي تفجيرها تفجير يهز القلوب ويقتلع الثقة من النفوس .

وقد فقدنا في غمار هذه الفتنة أخًا كان أثيرًا لدينا هو الأخ الدكتور إبراهيم حسن الوكيل الثاني للإخوان ولست أدري حتى اليوم هل كان اعتزاله لمجرد تأثره بهذه الدعاية التي ثبت زيفها أم كان لشعوره بأن منصبه في الدعوة لم يعد يحظي من اهتمام الإخوان يمثل ما كان يحظي به من قبل ، فرأي التعلل بالتأثر بهذه الدعاية فرصة يخفي وراءها السبب الأصيل . ولما ظهرت براءة الأستاذ عبد الحكيم عابدين وأعلنت هذه البراءة ، أعتقد الإخوان أن الأمر قد انتهي عند هذا الحد ، وأن كل أخ ممن رتعوا في الفتنة سيستغفر الله ويرجع إلي مكانه في الدعوة ولكن الغريب في الأمر أن حسين عبد الرازق وكمال عبد النبي وهما كانا من أعضاء لجنة التحقيق وكان أولي الناس بالرجوع إلي الحق قد ركبا رأسيهما وأصرا علي رأيهما دون مبرر وأعلنا اعترافهما محتويين الدكتور إبراهيم حسن والعدد الذي كان مفتونا بهما من أعضاء شعبة حي عابدين علي أن من هذا العدد من فاء إلي الحق ورجعوا بعد ذلك تائبين . وهكذا فعل التأثير العائلي في رجل آمن بفكرة وبايع عليها ثم رأي أنها صارت تتعارض مع مصالح أسرته فضحي بفكرته في سبيل هذه الأسرة . وصدق الله العظيم حيث يقول " قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين " .

9 – في ذلك الوقت نفسه وفي غمار هذه الأحداث الخطيرة ووسط تلك الضربات المذهلة المفاجئة وعلي أثر عدد من أوجه النشاط الاجتماعي والسياسي برز فيها دور عبد الحكيم عابدين ممثلا للدعوة في مصر وخارج مصر ، قاض الكيل بالأستاذ أحمد السكري الذي كان يعاني من قديم شعورًا خاصًا أشرنا إليه .. ويبدو أنه رأي هذه الظروف القاسية فرصة سانحة بإثارة أن الأستاذ المرشد قد هضم حقه وسلبه اختصاصه وتخطاه بما خص به عبد الحكيم عابدين من اتصالات وتمثيل للإخوان في مواقف هامة ، وبدت من الأستاذ أحمد بوادر فيها رائحة التمرد لأول مرة وحاول الأستاذ المرشد رده إلي الصواب فقابله بالإصرار فرأي الأستاذ المرشد أن يرجع في هذا الأمر إلي الهيئة التأسيسية فدعاها إلي الاجتماع وأذكر أن هذا الاجتماع ظل ثلاث ليال متتالية كل ليلة تبدأ من صلاة المغرب وتستمر حتى صلاة الفجر فطلوع الشمس .

وقد بدأ الأستاذ المرشد الحديث في الليلة الأولي فسرد المواقف التي دعت إلي تكليف الأستاذ عبد الحكيم عابدين بما عهد إليه وبه وأوضح الأستاذ أن ذلك لا يمس كرامة وكيل الإخوان ولا ينتقص من قدره في قليل ولا كثير إلا أن تكون هناك حساسية ، وأن هذه الحساسية لا ينبغي أن يكون لها وجود في مجتمع قائم علي الإيمان والأخوة ثم تطرق من ذلك إلي أن لقائد الدعوة أن يعهد بما يشاء لمن يشاء لأنه أدري بالأصلح للأداء وله علي الجميع حق الطاعة .. ثم طلب إلي الأستاذ أحمد أن يقول ما عنده فشرح وجهة نظره ثم دارت بينه وبين بعض الأعضاء مناقشات تدخل في بعضهما الأستاذ المرشد ، واستمرت المناقشات طيلة الليلتين الأولي والثانية . وفي الليلة الثالثة فاجأ الأستاذ المرشد الجلسة بإثارة الموضوع الذي كنت تكلمت معه فيه في أوائل أيام اتصالي بالدعوة في خلال عامي 1936 ، 1937 والذي أشرت إلي طرف منه في بدء الحديث عن هذه الفتنة . وقد طلب الأستاذ المرشد أن أشرح للهيئة الموضوع بالتفصيل ففعلت .. ودارت مناقشات طويلة حول الموضوع استغرقت الليل كله .. ويبدو أن حديثي إلي الهيئة كان له وقع عميق في نفوس الأعضاء بدا آثره في مناقشاتهم حتى أيقن الأستاذ أحمد أن الاتجاه الإجماعي للهيئة ينذر بفصله مع أنه كان يطمع أن يجد من الأعضاء من يسند ظهره ويؤازره موقفه علي أن الأستاذ المرشد لن يثير لا موضوعه مع الأستاذ عبد الحكيم عابدين .

وأذن للفجر وأقيمت الصلاة وصلينا خلف الأستاذ المرشد ، ثم استؤنفت الجلسة ، وكان مفروضًا أنها تستأنف لأخذ الأصوات علي قرار .. ولكن الذي حدث أن الأستاذ أحمد طلب الكلمة ، فوقف وتحدث حديثاً حلوًا كأنما غسلت الصلاة قلبه ، وكان حديثه اعترافاً بأخطائه وتوبة إلي الله منها ورجوعًا إلي الحق وقد طلب في آخر كلمته الصفح مني نحوه فقدمت فقمت من مكاني وتوجهت إليه وعانقته وتبادلنا القبلات وكلانا تنهمر دموعه سرورًا وفرحًا ... وكانت ساعة من أجمل ما مر علينا من ساعات الحياة فاضت فيها عيون الجميع وتعانقت قلوبهم وصفت نفوسهم ووقف الأستاذ المرشد فحمد الله تعالي وأثني عليه إذ وفق إلي هذه النهاية الطيبة وقابل اعتذار الأستاذ أحمد إليه بالإشادة بفضله . وانقضي الاجتماع وطلعت الشمس وانصرف أعضاء الهيئة كل إلي بلده مسرورًا ليحمل إلي إخوانه هذه البشري المأمولة والنتيجة الطيبة .

ارتداد : ما كاد أعضاء الهيئة التأسيسية يصلون إلي بلادهم حتى فوجئوا بموقف أذهلهم وخلع ألبابهم ، ذلك أن صحف حزب الوفد – التي كانت في ذلك الوقت تشن حملة علي الإخوان – صدرت بنبأ عجيب أن الأستاذ أحمد السكري الوكيل العام للإخوان المسلمين استقال من الإخوان المسلمين ثم إن صيغة استقالته لم تكن مجرد صيغة استقالة بل كانت تهجمًا علي الدعوة وعلي مرشدها كان اللغز هو أنه لو كان في نية الأستاذ أحمد الاستقالة فلم لم يستقل في جلسة الهيئة التأسيسية التي امتدت ثلاث ليال متتالية قبل أن يواجه بالنقد ؟! ولم أعلن اعترافه بأخطائه فبكي وأبكي وأحس لأول مرة أن قلوب ممثلي الدعوة في كل مكان قد انفتحت له وبعد أن عانقه عناق حب وصفاء من واجهوه بالنقد ؟! . لو كان في نيته الاستقالة لما انتظر حتى يرشق بالسهام من كل جانب .. بل لما حضر هذا الاجتماع الذي كان يعرف أنه سينعقد لمحاكمته ... ولا ستقال احتجاجًا علي مجرد الدعوة لاجتماع يعقد لمحاكمته .. ولكان بهذه الاستقالة قد تفادي موقف الاتهام . استعرضنا الموضوع من جميع نواحيه وعللناه من مختلف احتمالاته فلم نجد لهذه الاستقالة المفاجئة مع الظروف التي سبقتها معني ولا مبررًا ولا يمكن أن تنسق مع مقدماتها .. فلابد أن يكون عامل خارج عن الموضوع قد تدخل ، وأخذنا نستعرض ما خطر علي بالنا من عوامل حتى اهتدينا إلي العامل الأقرب احتمالا .

كانت قد توطدت صداقة بين الأستاذ أحمد وبين الأستاذ حسين عبد الرازق منذ انضوي الأخير تحت لواء الدعوة ، ولكنها صداقة من نوع آخر غير النوع الذي يربط بين حسين عبد الرازق وعبد الحكيم عابدين أنها صداقة ارستقراطية لم يتعودها الإخوان في مجتمعاتهم .. وكان الأستاذ حسين يعرف مآخذ الإخوان علي الأستاذ أحمد وأن الإخوان لا يتغاضون عنها ، كما كان يعلم أنه ليس من السهل قبول الأستاذ أحمد توجيه اللوم إليه من أجل هذه المآخذ .. وكان موقنًا بأن جلسة المحاكمة إذا لم تنته بانفصال الأستاذ أحمد فلا أقل من أن تنتهي بتوسيع شقة الخلاف بينه وبين الإخوان .. أما وقد انتهت الجلسة بما لم يكونوا يحتسبون .. بالمصافاة والوئام .. إذن فلابد من التدخل . لقد كان الأستاذ أحمد السكري صيدًا سمينًا لهواة الصيد في الماء العكر وما كان أكثرهم في ذلك الوقت .. إن الجميع في ذلك كانوا يتربصون بالإخوان شرًا ، القصر وأحزابه والوفد الذي خلع العذار في إعلان حرب دنيئة علي الإخوان .. ومن وراء هؤلاء المصريين ما يغنيه عن أن يضرب بيده ... ولا شك في أن حسين عبد الرزاق كانت تنطوي جوانحه علي عناصر من الخير ، لكن يبدو أن هذه العناصر لم تكن من القوة بحيث تثبت أمام عناصر أخري تكالبت عليه من أسرته فانهار بين يديها وصارت تحركه بعد ذلك حيث تشاء ... وكأن أسرته رأت أن تثبت رأت تثبت " لسيد البلاد " الذي بوأ عميدها منصب مشيخة الأزهر والذي احتضن ابنها بعد أن أصدر ضده قانون الحرمان لمدة عشرين عامًا وبوأه منصب وزارة الأوقاف أن تثبت له ولاءها وتفانيها في خدمته ، ولم يكن في يديها ورقة تلعب بها في هذا المضمار أربح من ابنها الذي كان من الإخوان المسلمين فسلطته علي أحمد السكري بحكم الصداقة بينهما .

ولم يكن حسين عبد الرزاق أبله حتى يوجه صديقه بعد أن يشحنه إلي الارتماء علي أعتاب القصر فإنه يعلم أن أحمد السكري مهما شحن ضد إخوانه فهو بريًا بنفسه أن يكون في هذا الموضع .. وإذن فليكن التوجيه إلي الوفد الذي كان فاتحًا ذراعيه لأصغر صغير من الإخوان فما بالك بالوكيل العام للإخوان . ونجح التدبير الأثيم ، وصارت " صوت الأمة " لسان حال الوفد تطالعنا كل صباح في صدرها بكلمات للأستاذ أحمد في الفخ ، وأن يتمكن الأعداد لا من الإيقاع به فحسب بل ومن إحراجه في كتابة يعلمون أنها تقطع عليه خط الرجعة . كان الأستاذ أحمد السكري أعز علي نفس الأستاذ المرشد من أن يراه مخطئًا فلا يقبل عثرته ،وأكرم عليه من أن يتركه مهما كثرت المآخذ عليه دون أن يأخذ بيده .. ولكن الشحنة التي شحنها الأستاذ أحمد أذهلته عن نفسه وغشت علي بصيرته حتى لم يعد يري أبعد من موطئ قدمه مع أنه ممن لا يغيب عن مثله أن هؤلاء الذين تلقوه في أحضانهم بضاعتهم الكذب وهدفهم الاستغلال ولا مكان في صفوفهم لرجل لم يعش منذ حداثته إلا في رحاب الدين والأخلاق .. فإذا استقبلوا مثله لا يلبثون بعد أن يستعملوه في أغراضهم أن ينبذوه نبذ النواة .

ولكن الأستاذ أحمد لم يدع للأستاذ المرشد فرصة يقبله فيها من عثرته بعد أن كتب ما كتب أو بالأحرى والأدق بعد استكتبوه ما أرادوا فأوغر بذلك صدور الإخوان نحوه في كل مكان وجدير أن أقرر أن الأستاذ المرشد كان شديد الحرص علي أن يحمي عرض الأستاذ أحمد فلم يكن حتى جلسة الهيئة التأسيسية التي أشرت إليها عقدت خصيصًا لمحاكمته يسمح بأن يعلم بالمآخذ التي أخذت عليه إلا أعضاء الهيئة ليس غير ، وكان الاتجاه المقرر أن لا يثير الأعضاء في بلادهم ما دار في الجلسة حول هذه المآخذ حتى تظل صدور الإخوان بعيدة عن الحرج نحو الأستاذ أحمد .. أما وفد أوغر الأستاذ أحمد بنفسه صدور الإخوان نحوه فلم يعد للأستاذ المرشد سبيل لإقامة من عثرة ولا لأخذ بيد .. ومن هنا كان حزن الأستاذ المرشد وأسفنا .. وكان ما توقعناه فقد استغل اسمه فترة ثم اختفي ، بدأوا بإبراز كلمته في صدر الجريدة ثم تقهقروا بها إلي داخلها ثم ألقوا بها في زاوية منها ثم لما رأوا أن لا أثرها ولا نتيجة قد تحققت منها عدلوا عنها .

5 – مع الوفد وجها لوجه :

ألممنا في صفحات سابقة بمناسبات قليلة ألقت بعض الضوء علي ما تصور كل من الهيئتين الوفد والإخوان كل منهما للأخرى ، ويتلخص هذا التصور في الصورتين الآتيتين :

الوفد يتصور الإخوان جماعة دينية بالمعني المبتور للدين الذي استقر في أذهان الناس من أنه " دروشة " وعلي رأس هذه الجماعة شاب طموح يريد أنم يستغل هذه الجماعة ليبرز حتى يصل إلي كرسي البرلمان ، وأن هذا الشاب من السهل علي الوفد احتواءه وإرضاء طموحه بصورة أو بأخرى . والإخوان يتصورون الوفد ثروة شعبية ضخمة اختلسها مؤسسه سعد زغلول وورثها من بعده مصطفي النحاس ، وكان ذلك كله قد تم في غفلة من صاحب هذه الثروة الأصيل وهو الدعوة الإسلامية .. وأنه مادام صاحب الثروة الأصيل قد استيقظ من غفلته وثاب إلي رشده فقد وجب أن يسترد ثروته .. والإخوان لا يرون اللجوء إلي القوة وسيلة هذا الاسترداد بل يرون انتهاج وسيلة سلمية ملخصها أن نعلن الدعوة الإسلامية عن نفسها ، وتثبت للشعب أصالتها ، وفي هذا الإعلان وحده ما يكفي لإثارة الحنين في قلوب الأبناء الذين اغتصبوا والذين طالت غربتهم للالتقاء بأبيهم والرجوع في حضن أمهم .

وعلي هذين التصورين سارت الهيئتان كل في سبيلها ، فالوفد لا يريد أن يري الإخوان أكبر من الصورة التي رسمنا إطارها ، والإخوان يعلمون الإطار الذي وضع الوفد صورتهم فيه ، وقد أسعدهم هذا التصور لأنه أباح لهم الفرصة العمل الدائب للاتصال بالجماهير وعرض دعوتهم عليها دون أن يتعرض لهم الوفد بالمعاكسة أو التعويق .. وظل ذلك سنوات اكتسبوا خلالها مكانة مكينة في قلوب كثرة غالية من الشعب . واستيقظ الوفد أخيرًا من غروره ، فرأي ثروته للدعاة والتي كان يتيه بها فخارًا قد تسرب أكثرها ، والتفت فوجد هذه الثروة المتسربة وقد اجتمعت عند الإخوان المسلمين ... فجن جنون الوفد لأنه قد أتي من مأمنه ، فهو لم يكن يحذر هذه الناحية التي كانت يراها أهون أن يعيرها اهتمامًا أو يوليها حذرًا .. فكيف استطاعت هذه الجماعة أن تسحب الأرض من تحت قدميه ؟! الوفد يعلن الحرب علي الإخوان :

لقد عاصرت الوفد منذ نشأتي وكنت علي مقربة من كبار رجاله ، ورأيت بنفسي كيف كان القصر وكيف كانت الأحزاب الأخرى تكيد الوفد وتفعل به وبأتباعه الأفاعيل فكانت تنكل بتابعيه كبارًا وصغارًا بل إنها حاولت اغتيال رئيسه .. ورأيت كيف كان الوفد يهاجم القصر ويهاجم الأحزاب في صحفه وفي خطب رئيسه وفي صفحاته ونواديه ... ولكني لم أر هجومًا كهجومه علي الإخوان المسلمين . لقد كان هجوم الوفد علي القصر وعلي الأحزاب ردًا لهجومهم عليه .. هم بأدنى إهانة أو اعتداء فلم إذن هجومه الضاري عليهم هجومًا لم يسبق له مثيل . لقد خلع العقار في هجومه علي الإخوان وتخل عن الأخلاق والآداب والمثل واندفع كالمجنون الذي فقد عقله .. ونسي أن له أعداء أذاقوه ألوان الهوان والإذلال ولازالوا يذيعونه .. ترك هؤلاء جانبا وتفرغ للإخوان يهاجمهم بكل ما يملك من وسائل ، فسخر لمهاجمتهم صحفه الجاد منها والهازل وألسنته سواء ألسنة الزعماء وألسنة الأتباع ، واستباح في ذلك الكذب والتمويه والزور والاختلاق ... ولم يقبل الإخوان هذا الهجوم الغادر بمثله بل تذرعوا بالصبر وواصلوا مسيرتهم في هدوء وكان الأستاذ المرشد يتمثل يقول الشاعر :

من كان يخلق ما يقول فحيلتي فيه الليلة

وقد سبق لي أن ذكرت أن بدء شعور الوفد بخطورة الإخوان عليه كان في تجربة حكومة إسماعيل صدقي حين قرر الوفد إسقاط هذه الحكومة إبان توليها الحكم وحشد كل قواته الشعبية ووسائله الإعلامية لذلك ولكنه عجز عن إسقاطها حين أعلن الإخوان تأييدهم لها .. وقد تولت هذه الوزارة الحكم في فبراير سنة 1946 .. ويعتبر هذا التاريخ هو الوقت الذي أخذ الوفد يراجع فيه خططه ويعدلها علي ضوء هذه المفاجأة التي أذهلته وطارت بصوابه وقد اتخذ تعديلها الأسلوب الآتي :

أقدمت زعامة الوفد أعضاءه بأن خطورة الإخوان المسلمين عليه تفوق خطورة كل أعدائه لأنها تنازعه الزعامة الشعبية نفسها التي هي رأس ماله .. وإذن فلابد من حشد كل الوسائل المتاحة للوفد ضد الإخوان المسلمين .. وهذه الوسائل نوعان : نوع تقوم به فروع الوفد في أنحاء البلاد ضد شعب الإخوان بها من التحرش بهذه الشعب وتوجيه السباب والألفاظ النابية إلي أعضائها وإثارتهم بمختلف وسائل الإثارة ومحاولة جرهم إلي معارك وقد قدمت فروع كثيرة من فروع الوفد بهذه المهمة في مختلف البلاد ولكن تعليمات الأستاذ المرشد كانت عاصمة لهذه الشعب من الاستجابة لهذه المحاولات حيث اعتصموا بالصبر – وهم قادرون علي المواجهة والتأديب – ففوتوا علي هذه الفروع تحقيق ما كانوا يأملون .. ولم تنجح هذه المحاولات إلا في جهة واحدة هي بورسعيد حيث دبر فرع الوفد بها هجومًا مباغتًا علي الإخوان في دارهم فكان لزامًا علي الإخوان أن يدفعوا عن أنفسهم فأدي إلي إصابات في الجانبين في دارهم فكان لزامًا علي الإخوان أن يدافعوا عن أنفسهم فأدي ذلك إلي إصابات في الجانبين تولت النيابة تحقيقها وقدمتها إلي القضاء .. ومع ذلك فقد ذهب الأستاذ المرشد بنفسه إلي بورسعيد واجتمع بأهل بورسعيد من الجانبين وشرح لهم موقف الإخوان وأن دعوتهم تجمع ولا تفرق وأنهم وقد اعتدي عليهم فهم في سبيل جمع القلوب وتصفية النفوس وتوحيد كلمة الأمة قد تسامحوا في حقهم .. أما في الجامعة فقد حاول الطلبة الوفديون التحرش بالطلبة الإخوان فقمعهم الإخوان بوسيلة أفحسبتم حين احتكم الطرفان إلي عامة الطلبة إذ دعا ممثلو الوفد إلي الإضراب ثلاثة أيام ودعا ممثلو الإخوان إلي الإضراب يومًا واحدًا فاستجاب الطلبة إلي رأي الإخوان ورفضوا الرأي الآخر ، كما قام الوفديون بمحاولات أخري في الجامعة باءت كلها بالفشل .

والنوع الآخر من الوسائل تقوم به الصحافة الوفدية التي كانت تمثلها في ذلك الوفد صحيفة " المصري " التي كان يصدرها الأستاذ محمود أبو الفتح وأخواه الأستاذان حسين أبو الفتح وأحمد أبو الفتح ومع أن هذه الجريدة كانت جريدة حزبية تمثل حزب الوفد وتطلع كل يوم علي الناس بآرائه المعارضة للحكومات المختلفة ومع أنها كانت تفيض أنهارها في كل عدد منها بالمقالات الضافية المؤيدة للوفد فإنها كانت تفيض أيضًا بروح الجد ونزاهة القلم وعفة اللسان .. ولذا فإنها كانت أوسع الضعف اليومية انتشارًا وأكثرها قراء وأقواها تحريرًا وأغزوها مادة وحيوية .. وأرادت زعامة الوفد صحيفتها هذه المعبرة عن آرائها أن تفسح من صفحاتها للحملة التي يعدها الوفد علي الإخوان المسلمين ولكن الأستاذ محمود أبو الفتح وأخواه عارضوا في ذلك وربئوا بجريدتهم أن تلطخ صفحاتها بالبذاءة والكذب والاختلاق .. فعدت زعامة الوفد ذلك تمردًا من آل أبي الفتح وقررت أن تصدر صحفاً أخري يكون أصحابها الممثلين الرسميين للوفد حتى لا تتمرد علي نشر ما يقرر الوفد نشره فأصدرت صحيفتين يوميتين هما " الوفد المصري " و " صوت الأمة " وقد تقدم بطلب الترخيص بإصدار الجريدة الأخيرة (صوت الأمة) إلي وزارة الداخلية الأستاذ محمد صبري أبو علم باشا السكرتير العام للوفد شخصيًا لما يعقده الوفد علي هذه الجريدة من آمال كبار وحشد لتحريرها مجموعة من أعظم الكتاب وأشهرهم منهم الدكتور طه حسين والدكتور محمود عزمي والدكتور عزيز فهمي والأستاذ محمد عبد القادر حمزة ، وصدر العدد الأول منها في أول أغسطس سنة 1946 . وقد يكون من الأحداث الهامة ذات الدلالة ، وصدر العدد الأول من جريدة الإخوان اليومية قد صدر في مايو سنة 1946 .

وقامت جريدة " صوت الأمة " بالمهمة الملقاة علي عاتقها نحو الإخوان في أول الأمر يجدر ودون إسفاف ، ولعل الوفد كان يتربص بالإخوان موقفًا حرجًا مما يعتري الدعوات فيكون هجومه المركز في هذه الحالة إجهازًا علي الإخوان كما يجهز العدو الضعيف الغادر علي جريح .. فلما اعتري " الإخوان " هذا الموقف الذي كان يترقبه وكان من صنع القصر وأحزابه رآها الوفد الفرصة السانحة لتوجيه هجومه إذ يكون الإخوان قد حصروا بين نارين . لما بدأ الوفد يشم رائحة الفتنة الثالثة بين صفوف الإخوان أخذ يعد العدة لإذكاء نار حملته علي الإخوان وإمدادها بوقود جديد من البذاءات والسفاهات وهجر القول . وراح ينحط بها في هذا الحضيض مستمدًا من خيوط الفتنة وقائع اختلقها اختلاقاً .. وأخذت " صوت الأمة " تخرج علينا كل صباح بسيل من الشتائم والسباب وألفاظ يعاف القلم أن يثير إليها تحت عنوان أوحي إليهم به ما يحتمل في صدورهم من حقد هو " هذه الجماعة تهوي " ويبدلونه في بعض الأيام بالعنوان " هذه الجماعة تسقط " .

وقد استخدمت " صوت الأمة " إخواننا الذين أشرنا إليهم قبلا والذين صنعوا الفتنة الثالثة ورتعوا فيها ، استخدمتهم بعض الوقت حتى إذا استنفدوا أغراضهم ألقوا بهم في سلة المهملات وبدأوا في أسلوب جديد من أساليب الافتراء بنشر قوائم طويلة بأسماء أعضاء من مختلف البلاد استقالوا من الإخوان وكان هذا برهانًا جديدًا علي كذب ما تنشر هذه الجريدة فكل بلد من هذه البلاد التي نشرت أسماء المستقبلين منه يعرف أن هذه الأسماء لم تكن في يوم من الأيام أعضاء في الإخوان وإنما هم من الوفديين . وقد يظن القارئ تعبيراتي عن بذاءة ما كانت تنشر " صوت الأمة " بعض المبالغة ، ولكن أعداد هذه الجريدة مازالت تحتفظ بها المكتبات العامة في القاهرة والإسكندرية وبعض العواصم فليرجع إليها من شاء .. وأنا ذا شخصيًا – وقد كنت ملامسًا للأحداث وأعرف الناس بكذب ما تنشره الجريدة – قرأت ما نشرته " صوت الأمة " في صبيحة أحد الأيام وكان بأسلوب تعف العاهرات عن النطق به فأثارني حتى إنني ذهبت إلي الأستاذ المرشد وسألته منفعلا : هل قرأت ما كتبته " صوت الأمة " اليوم ؟ فأجابني مبتسما : نعم قرأته إنها ليست " صوت الأمة " إنها " صوت آلامه " وكان الأستاذ المرشد يشير بذلك إلي ما يشتعل في صدور هؤلاء الناس من الحقد وما يتميز به جحيم حقدهم من الغيظ لفداحة ما ألحقه الإخوان بهم من خسائر شعبية تعويضها . علي أن سفه هذه الجريدة وإسقاطها لم تسلم منه جريدة " المصري " وهي لسان حال الوفد والتي لولاها لما وصلت آراء الوفد وتوجيهاته إلي الشعب فهي وحدها من جرائده التي تصل كل صباح إلي كل بيت وإلي كل يد أما جرائده الأخرى فهي محدودة الانتشار ، ومع ذلك فإن " صوت الأمة " في نفس الوقت الذي كانت تهاجم فيه الإخوان كانت تهاجم " جريدة المصري " فتقول في عددها الصادر في 12-5-1947 تحت عنوان " جريدة المصري وأخبار اليوم إخوان " : ليس عجيبًا أن تمضي جريدة " المصري مع سنن " أخبار اليوم " في محاولة إلصاق كل اتهام إلي الوفديين خدمة للحكومة وللعهد الحاضر ، لأن الجريدتين شركة واحدة وأغراض واحدة ... ولا يغرن القارئ محاولة هذه الجريدة الإبهام بأنها وفدية " معتدلة " فذلك زعم واضح الكذب ومنهار من تلقاء نفسه وإن كان أصحابه يتعلقون بأهدابه لأن لهم فيه مآرب أخري .

نماذج من عفة الإخوان في الرد علي الحملة :

ما كان لنا حين نعرض نماذج من رد الإخوان علي هذه الحملة أن نسمح لأنفسنا بأن نورد نصوصًا من فحش القول الذي لطخوا به صحيفتهم .. علي أن ما كتبه الإخوان في هذا العدد لم يكن ردًا علي سفههم وإنما هي كتابة موضوعية بعيدة كل البعد عن أساليبهم .

(1) بعد عدة أشهر من بدء الحملة الوفدية الأثيمة وفي أوائل شهر مايو سنة 1947 كتب الأستاذ المرشد خطابًا إلي النحاس باشا حزب الوفد سلمه إليه الأستاذ عبده قاسم السكرتير العام للإخوان في ذلك الوقت جاءت فيه الفقرات الآتية :

" إن الوفد يعلن خصومته للإخوان ويحاربهم بأسلحة وأساليب غريبة عجيبة لا تتفق مع خلق أو دين أو مصلحة ... وصحفه تفيض أنهارها بألفاظ جافية تشمئز لها كل نفس مهذبة " .

" إن الوفديين لا يزالون يفكرون بعقلية سنة 1920 فيقولون : إن الأمة هي الوفد والوفد هو الأمة وإن الشعب قد منحه توكيلا لا نقض فيه ولا إبرام ، ويسقطون من حسابهم ربع قرن في حياة هذا الوطن ، تبدلت فيه الأرض غير الأرض وتغيرت النفوس .. وانتقل إلي الدار الآخرة أكثر الوكلاء والموكلين علي السواء .. وهذا التفكير تختلف عن ركب الحياة .. وعلي هذا الأساس يحارب الوفد الإخوان كما حارب الشبان وكثيرًا من الجماعات " .

" إن الوفد في أيامه الأخيرة قد تحققت صفوفه طوائف وأفواج من ذوي والآراء الخطرة والمبادئ الهدامة الذين لا يدينون بغير الشيوعية .

" وهل ترون أن الوفد قد أدي واجبه بهذا الموقف السلبي الذي يقفه في هذه الساعات العصيبة في تاريخ الوطن مع أنه كان ولا يزال في وسعه أن يعمل الكثير لو أراد . وأية فائدة تعود علي الشعب من مهاجمة صدقي باشا في سهوم جيا توتي وشغل الناس بهذا الهراء أو من مهاجمة حافظ رمضان باشا بغير الحق وهو الرجل العف اليد واللسان ... إنه في استطاعته أن يرسل الوفود إلي عواصم الدول الأجنبية وإلي مقر هيئة الأمم المتحدة تناضل عن حق مصر " .

(2) وعقب هذا الخطاب أخذت جريدة الإخوان اليومية تنشر سلسلة من المقالات تحت عنوان " بطلان التوكيل " تأتي فيها بحيثيات كثيرة تثبت أن التوكيل الذي منحته الأمة المصرية للوفد المصري سنة 1918 قد أصبح باطلا بطلانا أكيدًا .

(3) وفي أواخر شهر يونيه سنة 1947 نشرت جريدة الإخوان اليومية مقالا للأستاذ المرشد جاء فيه : " والخصومة بيننا وبين القوم أي الوفديين ليست خصومة شخصية أبدًا ، ولكنها خصومة فكرة ونظام . هم يريدون لهذه الأمة نظامًا اجتماعيًا ممسوخاً من تقليد الغرب في الحكم والسياسة ونحن نريد لها وضعًا ربانيًا سليما من تعاليم الإسلام " .


من آثار هاتين الفتنتين :

لم تكن خسائر الإخوان في هاتين الفتنتين ذات بال ، فإن فقد الأستاذ حسين عبد الرازق واثنين أو ثلاثة من أمثاله وخروج الأستاذ أحمد السكري لم ينل منن بناء الإخوان أي منال ، بل أستطيع أن أقرر أن خروج هؤلاء وحملة الوفد بعد تآمر الأحزاب الأخرى قد أبرز الإخوان أمام الرأي العام الداخلي والخارجي لأول مرة بناء شامخًا له معني الاستقلال فلا هو شرقي ولا هو غربي .. وكل الذين يتهمون الإخوان بأنهم يعملون لحساب أحزاب القصر ، وكل الذين كانوا يتهمونهم بأنهم يعملون لحساب الوفد أسقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا ، واعترف الأعداء قبل الأحباء بأن الإخوان المسلمين دعوة مستقلة . كما أن الجميع بعد أن رأوا ثبات الإخوان في مواقعهم دون أن تؤثر فيهم حرب الوفد المستمرة المسعورة ... مع أن في يد الوفد أسلحة ماضية يستطيع القضاء بها علي خصومه حين يوجه إليهم بعضها وأن يقضي عليهم بين عشية وضحاها .. ولكنه مع الإخوان لم يدخر سلاحًا إلا شهره أقر الجميع بعد ذلك أن الإخوان بناء منبع لا ينال بل إنهم القوة العظمى علي أرض مصر والبلاد العربية .

أما الإخوان أنفسهم فإنهم قد ازدادوا إيمانًا مع إيمانهم بأن الاعتصام بحبل الله هو السلاح الذي لا يفل ، فازدادوا استمساكا بدعوتهم ، وثقة في قيادتهم ومحبة فيما بينهم .. وأيقنوا أن لهذه الدعوة حقاً علي معتنقها أن يهبها كل نفسه ويحضر فيها كل آماله ويؤثرها علي أهله وماله وعشيرته وإلا كان ممن يعبد الله علي حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب علي وجهه ، فوهبوا دعوتهم كل نفوسهم وآثروها علي أهلهم وذويهم وقد اتضح صدق إيمانهم يوم دعاهم داعي الجهاد إلي فلسطين .


مدي كراهية الملك للإخوان :

أثبتت هاتان الفتنتان بما لا يدع مجالا للشك أن جوانح الملك فاروق تنطوي علي كراهية عميقة وحقد دفين علي الإخوان المسلمين . وأن كراهيته لهم فاقت كل تصور ، فهو يكره الوفد كراهية ورثها عن أبيه ، وكان المعتقد أن كراهيته للوفد تفوق كل كراهية . فلما وقعت هذه الفتنة تبين أن كراهيته للإخوان تفوق كراهيته للوفد ، فلعله كان الموعز إلي آل عبد الرازق بسحب ابنهم من الإخوان ولعله كان الموعز إليهم بالوسامة إلي أحمد السكري لينقلب علي الإخوان .. ومع ذلك فقد رضي عن التجائه إلي الوفد مع أن التجاءه إلي الوفد فيه تعزيز للوفد .. وقد طابت نفسه أن يعزز الوفد مادام هذا التعزيز يرجي أن ينال من قوة الإخوان .


6 – الشيوعية :

لم أكن أجهل وجود تيار شيوعي في مصر . وباعتباري من دعاة الفكرة الإسلامية ، كنت أدرس الشيوعية باعتبارها فكرة اقتصادية واجتماعية وسياسية وأدرس أهدافها ووسائلها ومراميها . وكانت لي تجربة قديمة في أوائل الأربعينيات مع شابين جمعني بهما قطار الدلتا وسط مجاهل محافظة البحيرة ، وكانا فيما يبدو لي من مظهرهما أنهما موظفان صغيران في وزارة الزراعة أو في دائرة زراعية ، وكان باديًا في بريق أعينهما حينما جمعهما ديوان القطار بي أنهما سعيدان إذ أتاحت الظروف لهما فرصة الحصول علي صيد سمين .. وأخذا ينصبان شباكهما حولي وأنا أتغافل حتى ينكشف لي ما يهدفان إليه فلما تكشف لي أنهما شيوعيان – وكنت خبيرًا بأسلوب الشيوعيين في المناقشة – التفت إليهما وطلبت إليهما أن يشرحا لي كل ما يعرفان عن الشيوعية من مزايا وتعهدت لهما بأن لا أقاطعهما طالما كانا يعرضان علي ما عندهما .. علي أن لا يعترضاني بأي مقاطعة طالما جاء دوري في عرض ما عندي عليهما – وهذا الأسلوب الذي اشترطته لإجراء المناقشة هو الأسلوب الوحيد الذي لا يدع الشيوعي مجالا لتمييع المناقشة وتشعبها إذا ما وجد أن من يناقشه أقوي منه حجة – وبعد أن فرغا من عرض ما عندهما أخذت في شرح الفكرة الإسلامية لهما بطريقة التقسيم إلي بنود يتناول كل بند منها ناحية من نواحي الحياة وطريقة معالجة الشيوعية لها ثم طريقة معالجة الإسلام لها ثم أوازن بين العلاجين مثبتًا نواحي النقص في العلاج الشيوعي وكيف تلافي العلاج الإسلامي هذا النقص فإذا أنهيت البند أخذت إقرارًا منهما بتفوق العلاج الإسلامي .

حتى أنهيت البنود كلها وأخذت إقرارًا منهما بتفوق العلاج الإسلامي عليها جميعًا ، طلبت منهما إقرار بتفوق الفكرة الإسلامية علي الفكرة الشيوعية في إصلاح المجتمع فأقرا بذلك .... فلما طلبت إليهما بمقتضب هذا الإقرار أن يتركا الشيوعية إلي الإسلام رفضا ، فتعجبت لهذا الرفض الذي ينافي العقل والمنطق وسألتهما عن سبب الرفض مع أنهما سلما بتفوق الفكرة الإسلامية فردا علي ردًا كأنما أنفذا خنجرًا في صدري قالا :

إن الفكرة الإسلامية أكمل وأتم فكرة للإصلاح ولي لها دولة تحميها ، ولكن الفكرة الشيوعية علي نقصها لها دولة تحميها . كانت هذه إحدى تجاربي مع الشيوعيين رأيت إثباتها لما فيها من دلالات ، كما كان للإخوان تجارب كثيرة في هذا الميدان بل وضع الإخوان مؤلفات تناولوا فيها الشيوعية من مختلف وجوهها وقابلوها بالفكرة الإسلامية الرصينة . كنت أعرف كل هذا من الشيوعية وأعرف أكثر منه ، وكنت أري في معاناة الطبقات الفقيرة في بلادنا مرتعًا خصيبًا للشيوعية ، ولذا كانت دعوة الإخوان تحتضن كل تجمع عمالي صناعي أو زراعي ضد مستغليهم من أصحاب المصانع وملاك الأراضي ، وكانت شعب الإخوان في المناطق الصناعية كشبرا الخيمة والإسكندرية . وفي المناطق الزراعية ككفر الشيخ موئلا لنقابات العمال والعمال الزراعيين في الوسايا ، وكان محامو الإخوان سندًا دائمًا لهذه التجمعات العمالية ضد أصحاب العمل وملاك الأراضي وكان في المركز العام قسم خاص للعمال لرعاية مصالحهم وحل مشاكلهم ونشر الوعي الإسلامي في أوساطهم .

لم يكن الإخوان غافلين عن الشيوعية باعتبارها فكرة تريد أن تغزو بلادنا – والفكرة لا يقهرها إلا فكرة – فلم تكن وسيلة الإخوان إلي قهر الشيوعية أن يتعرضوا لها بالنيل منها وتسفيه أهدافها بل كانت وسيلتهم التي رسمها الأستاذ المرشد هي توضيح الفكرة الإسلامية ونشرها علي أوسع نطاق ، ففي نشر الفكرة الإسلامية في مجموعة من الناس في مكان ما تحصين لهذه المجموعة ولهذا المكان ذد أي غزو يراد سواء أكان الغزو المراد شيوعيا أو غير شيوعي . كان الأستاذ المرشد يري أن الوقت الذي نضيعه في مهاجمة فكرة كالشيوعية نحن أحوج إليه لنشر فكرتنا وتوضيح معالمها وأهدافها .. حتى الكتب التي ألفها بعض الإخوان من الشيوعية لم يكن المقصود منها أكثر من تفقيه الإخوان في الأفكار التي يضطرب بها العالم من حولهم .

ومع أن الإخوان لم يتعرضوا للشيوعية تعرضًا مباشرًا مما يعده الناس مقاومة إيجابية ، فإن الشيوعية العالمية كانت تعد الإخوان المسلمين أن أعدائها وأكبر عائق في طريقها ، في حين كان حكامنا البلهاء يعتقدون أنهم بقوانينهم التي اعتبرت الشيوعية جريمة يطالب مرتكبها بالسجن والنفي هم العائق الأكبر أمام الشيوعية ، ولكم استغلت الشيوعية بلاهة الحكام واتخذت من هذه القوانين التي سنوها والقضايا التي نشأت عنها أسلوبًا قويًا من أساليب ترويج فكرتها والدعاية لها ولفت النظر إليها واستجلاب العطف عليها باعتبارها فكرة مضطهدة ومجنيا عليها . وكم كسبت الشيوعية أنصارًا عن هذا الطريق ، وهؤلاء الذين عطفوا علي الشيوعية واستجابوا لها يلتمس لهم العذر لأنهم رأوا فكرة تضطهد دون يروا فكرة بديلة يعرضها عليهم هؤلاء الحكام .. وهكذا فقد الشعب نفسه بين دعاة يحملون فكرة – أيا كانت هذه الفكرة – وبين حكام يعيشون دون أن يكون لهم مبدأ محدد ولا فكرة في الحياة وكل بضاعتهم البطش والتنكيل . ولقد كنت من أشد الناس اقتناعًا بخطة الأستاذ المرشد في مقاومة الفكر الهدامة بإغفال ذكرها وعدم التعرض لها أو الهجوم عليها ، واستغلال كل الوقت والجهد في توضيح فكرتنا ونشرها علي أوسع نطاق ، كما كنت أعرف أن الشيوعية العالمية تتميز غيظًا من هذا السلاح الإخواني الرهيب ، وأعرف أننا بهذا السلاح – الذي يبدو البلهاء سلبيًا – قد أغلقنا أمامها مئات البلاد وآلاف المجتمعات في مصر وفي غيرها من البلاد العربية .

ومن المعروف أن الولايات المتحدة الأمريكية التي تولت زمام العالم الغربي بعد الحرب العالمية الثانية قد رصدت آلاف الملايين من الدولارات لمقاومة الشيوعية في أوروبا وفي أنحاء العالم ، واتضح بذلك أن الشيوعية قد صارت منذ وضعت الحرب أوزارها أعدي أعداء أمريكا وانجلترا والعالم الغربي كله ... وتمشيا مع هذه الحقيقة كان يجب أن تبارك هذه الدول جهود الإخوان المسلمين التي قضت علي آمال الشيوعيين في أن يجدوا لهم موطن قدم في مصر . ولكن يبدو أن هناك عدوًا تعتبره هذه الدول أحق بمعاداتها من الشيوعية ، وأن هذا العدو هو الإسلام والدعوة الإسلامية .. ولا أدري لم تقف هذه الدول من الإسلام هذا الموقف مع ادعائها أنها تعمل من أجل خير البشرية جميعًا ومن أجل المحافظة علي حقوق الإنسان .. وهذه هي نفسها الأهداف التي يعمل الإسلام لتحقيقها .. فلم إذن العداء إلا أن تكون هذه الدول تغرر بالشعوب حين تدعي أهدافاً تعمل في حقيقة الأمر علي عكسها .

والجديد الذي لم أكن أعرفه عن الشيوعية والذي كان مفاجأة لي هو أن الشيوعية تستبيح لنفسها أن تستغفل الناس ما استطاعت إلي ذلك سبيلا ، وأنها تستغفل جهلهم بمجريات الأحداث استغلالا قدرًا وأنها في سبيل ذلك تستعين بالكذب وتلجأ إلي الاختلاق .. إنني أفهم أن تلجأ الشيوعية إلي الكذب فتدعي وتعلن أنها ليست ضد أماني الشعوب في الحرية والاستقلال وإدارة شئونها بنفسها في الوقت الذي تسلب شعبها نفسه في روسيا حريته وتحرمه أدنى حقوق الإنسان في اختيار عقيدته ودينه ، فإنها أي الشيوعية تستطيع أن تموه علي هذا الاعتداء علي الحرية بألوان خادعة من المظاهر الدعائية التي قد تخدع بعض الناس .. ولكن الكذب علي الحقائق المسجلة في الأوراق الرسمية والأرقام المعلنة فإنه كذب قد تخطي حدود الكذب إلي ما يسمي بالفجور . تأسست شركتا الجريدة والطباعة للإخوان المسلمين وسجلنا في الإدارة المختصة بالحكومة المصرية باعتبارهما شركتين مساهمتين ، ولم يتعد مجموع رأس مالهما معا مائة ألف جنيه .. وقررت الهيئة التأسيسية – كما قدمنا – أن يستقيل الأستاذ المرشد من وظيفته في وزارة المعارف العمومية ليتفرغ لإدارة الشركتين وتحرير الجريدة اليومية ، لقاء مرتب شهري قدره مائة جنيه ، ومنحته الهيئة التأسيسية أسهمًا في حدود مائة سهم قيمتها أربعمائة جنيه ليكون ضمن هيئة المؤسسين كما يطلب القانون .

ولم يكن للأستاذ المرشد إيراد قط غير مرتبه من الوزارة من قبل ثم مرتبه من الشركتين من بعد وهذه الأسهم المائة الاسمية .. ورجل مثله له بيت وأسرة وأولاد وظل ينفق علي دعوته من مرتبه منذ أول يوم قام بالدعوة فهل يبق له مدخرات يدخرها ؟ لقد كان بيته حتى آخر لحظة في حياته شقة في الدور الأرضي من أربع حجرات في بيت قديم في شارع خلف المركز العام القديم في الحلمية الجديدة ، ولم يكن به من الأثاث إلا ما أبقت عليه يد البلى بعد عشرين عامًا من أثاث مدرس في مستوي زملائه .. فإذا علمت أنه كان من أبر الناس بأهله وأنه كان يبر أبويه الشيخين فأي مدخر من مال يدخره مثله ؟ .

في أواخر الأربعينيات – بعد أن أصدرت حكومة السعديين قرار حل الإخوان بأيام – كنت أؤدي عملي في أحد محالج القطن في دمنهور ، وكانت لي صلات طيبة بكل العاملين في المحلج ، وكان لأحد العاملين بالمحلج من أهل دمنهور ولد فيه كثير من السذاجة وكان يعمل بالمحلج أيضًا .. وكدأب كثير من العاملين فيما يعن لهم جاءني هذا الشاب الساذج وقال لي : يا فلان .. لقد انضممت إلي الشيوعيين فقلت له متى ؟ قال : منذ أسبوعين في خلية – سمي لي زملاءه فيها كما سمي لي رئيسها ولم أكن أعرفهم – وقال لي : لقد وزعوا علي كل منا في الاجتماع الأخير ورقة مكتوب فيها معلومات وأرقام وطلبوا منا حفظ – استظهار – هذه المعلومات والأرقام وأنا غير قادر علي حفظها وسيقومون بتسميعها لنا في الاجتماع القادم فما رأيك هل أتركهم لأنني لم أكن أتوقع أن يمتحنونا وقد تركت المدرسة كما تعلم لأنني أكره الامتحانات .. فطلبت منه الورقة فأعطينها فقرأت فيها ما أذهلني :

قرأت فيها أن حسن البنا هو أكبر رأسمالي في مصر وأنه يملك أسهما قيمتها ربع مليون جنيه (بالأرقام والحروف) في شركة الجريدة ، وربع مليون جنيه في شركة الطباعة ونصف مليون جنيه في شركة كتبوا اسمها ولكنني لم أسمع عنها من قبل .. وهكذا أنصاف ملايين وأرباع ملايين في شركات لا وجود لها حتى صار مجموع ما يملكه أكثر من مليونين ونصف مليون جنيه . وأذكر حينذاك أنني أطلعت صديقاً لي بالمحلج كان يحسن الظن بالشيوعية علي هذه الورقة فتعجب من جرأة هؤلاء الناس افترضوا الجهل والغباء في غيرهم فذهبوا في الاختلاق إلي هذا الحد ، وقال : إنني كنت أعتقد قبل قراءة هذه الأرقام وهذه الأسماء للشركات الوهمية أن الشيوعيين قوم جادون ولكنني الآن أصبحت أراهم قومًا هازلين . وقد أيقنت بعد قراءة هذه الورقة أن هناك تواطؤًا بين الغرب والشرق أي بين الرأسمالية والشيوعية علي إبادة هذه الدعوة الإسلامية من الوجود .. أما الغرب فأدواته هم حكامنا وأما الشيوعية فإنها تفترس الشباب الغافل خالي الذهن في غيبة الحقائق عنه وفي ظل حكم إرهابي كسم أفواه البرءاء ليطلق رعاع الشيوعيين عليهم ألسنة حدادًَا وألسنة كذابًا آمنين من أن يعترض طريقهم من يستطيعون أن يفضحوا كذبهم ويدحضوا افتراءاتهم .


7 – المحاكمات والتعذيب :

في الوقت الذي كانت قيادات المصريين المتمثلة في الأحزاب السياسية لاهية في لعبة التسلق إلي دست الحكم عن طريق التقرب إلي المستعمر كان شباب الإخوان المسلمين ساهرًا أرقًا تتمزق نفسه ألمًا وحسرة علي ما آلت إليه حال البلاد من فوضي خلقية وانحلال اجتماعي وذل سياسي . يتلمسون طريقاً لإنقاذ البلاد وتخليصها من هذا الدمار الحائق بها ، وكلما اهتدوا إلي طريق وجدوه بعد قليل مسدودًا ، والذي يسده هو تضامن من الملك ومحترفي السياسة مع المستعمر تضامن الخادم المطيع لسيده ، كل همه أن يري سيده راضيًا عنه ، فهو لا يبالي ما يفعل مادام ذلك يرضي السيد . وإذا سدت الطرق المعدة للوصول وأغلقت الأبواب فلا مناص من التماس منافذ أخري مهما أحاط بها الخطر .. لقد كان هذا الشباب الطاهر – الذي وهب نفسه لبلاده – يري بلاده بيتًا تشتعل النار داخله وقد أغلقت أبوابه ووقف علي كل باب حراس يذودون الناس عنها ، كلما حاولت مجموعة منهم دخول البيت من باب من أبوابه لإطفاء الحريق وإنقاذ سكان البيت حال هؤلاء الحراس بينهم وبين الدخول ... فهل أمام هذه المجموعات من ذوي المروءة والنجدة إلا اقتحام البيت بأية وسيلة يستطيعونها ؟ ...

كان هذا شعور شباب الإخوان وكان هذا حالهم ؛ وجدوا أنفسهم أمام أمرين أحدهما مر ؛ إما أن يسلموا بالأمر الواقع وقد يئسوا من دخول البيت من أبوابه فيسكنوا مع الساكنين وهم يرون النار تلتهم البيت من داخله مؤثرين السلامة غير عابثين بأهليهم الذين في داخل البيت ، وإما يخاطروا باقتحام البيت من منافذه الأخرى . كانت الفكرة المسيطرة علي هذا الشباب هي أنهم لابد من أن يقوموا بعمل ما مهما كانت خطورة عواقبه لفصم عري التضامن الأثيم بين حكام مصر وبين المستعمر ، لأن كل الشرور التي تحيق بالبلاد لا تأتي إلا من هذا التضامن ... فالمستعمر أجبن من أن يواجه البلاد سافرًا وجهًا لوجه ؛ أما يتضامن هؤلاء الحكام معه فإنه يستطيع أن يفعل بأيديهم ما يشاء .. وإذن فإن فصم هذه العري بينهم وبينه هو وسيلة التخلص منه .. ولكي يشعروا هذا التحالف الأثيم أن هذا الشهب لم يعد لقمة سائغة في حلوقهم ، لابد من أن يقضوا مضاجعهم ويبثوا الفزع في نفوسهم ويثيروا الجوي من حولهم .

أعد الشباب الإخواني العدة لهذه الخطة المجازفة وهو يعلم ما ينتظره من جرائها من مطاردة وتنكيل ولكن لابد من تنغيص الحياة علي هؤلاء المتواطئين ... وإذا كان الشعب المسكين لا يزال يغط في نومه فليتقدموا هم لإيقافه ... والشعوب المغلوبة علي أمرها لا تستيقظ ولا تنتفض إلا إذا تقدمت فئة من أبنائها لمواجهة الظالمين حتى ولو راحت هذه الفئة ضحية مواجهتهم . وإذا كنا قد تكلمنا في الفصول السابقة عن قضية فلسطين باعتبارها النكبة الثانية في التاريخ الإسلامي بعد نكبة الأندلس فإن العنصر الذي اعتمد عليه الاستعمار العالمي في تأجيج نار هذه النكبة حتى أرسيت علي ما أرسيت عليه من تدمير أهل هذه البلاد هذا العنصر هو نفسه الذي كان حليف الانجليز في مصر وعقلهم المدبر للمؤامرات ضد أهلها ، ولذا ملكه الانجليز مرافق البلاد وأعصاب اقتصادها ، كان هذا العنصر اليهودي اليد اليمني للمستعمر في مصر فما من مؤسسة تجارية ذات شأن إلا وهي ملك اليهود وما من مرفق من المرافق في أبرز موقع في القاهرة إلا وهو ملك لليهود . وكان أكثر هؤلاء اليهود من ذوي جنسية مصرية يحسبهم الجاهل مصريين بالتجنس ، وكانت هذه إحدى الحيل التي لجأ إليها اليهود لتسهيل مهمة المستعمرين في استغلال الشعب المصري ونهبه وإذلاله .

ورأي شباب الإخوان أن تقليم أظافر المستعمر الغاصب ، إنما يتم بتأديب أذنابه وبث الذعر في نفوسهم سواء في مصر وفي فلسطين . ومن هذا المنطلق الوطني النبيل كانت أعمال بطولية رائعة – فغر المستعمرون أفواههم لجرأتها وشجاعتها – قوضت صرح الأمن الذي أقامه حكام مصر للمستعمر ينعم فيه ويستمتع ؛ فبدأ لأول مرة يحس بحرج موقفه وبمخاطر تكتنفه من كل جانب ، وبأن هؤلاء الحكام لم يعودوا الجدار المتين الذي يستند إليه . ومهما قيل ومهما حدث بعد ذلك ، فإن أحدًا لا يستطيع أن ينكر أو يماري في أن العالم العربي قد استيقظ من سباته علي دوي هذه الضربات ، وأن كل ما تذرع به المستعمرون بعد ذلك من وسائل الضغط والتآمر والإرهاب لم تستطع أن تعيده إلي الزنزانة التي كانوا يسجنونه فيها .. وبدأ عهد جديد من المواجهة بين هذا العالم العربي المنهوب خيره المسلوبة حريته وبين غاصبيه حتى تخلص منهم سواء منهم الغرباء ومن كانوا من بني جلدته . أما ما يستحق التسجيل بالخزي والعار فهو موقف الحكومة المصرية ، حكومة الأحزاب المصطنعة من خدام القصر وسدنة نزواته ، فإنها من هذه الأحداث البطولية الرائعة وسيلة للتشهير بالإخوان .. ولا أقول إنها جندت الصحف ؛ فإن الصحف كانت مجندة نفسها لخدمة المستعمر الذي كانت تنعم في فيض من إغداقه .. وحسبك أن تعلم أن أكثر الصحف المصرية إن لم تكن كلها كانت واقعة في مجال النفوذ المسيطر لشركة الإعلانات الشرقية التي سبق أن كشفنا الستار المزيف الذي كانت تستتر خلفه من اسمها الخداع .

وقد قصدت الحكومة الصنيعة من وراء هذا التشهير أن تهيئ نفوس الرأي العام لتقبل ذلك كله ، ثم قدمت عددًا كبيرًا منهم آخر الأمر إلي القضاء ... فلم يجد هذا الشباب الإنصاف إلا في آخر المطاف حين قدم إلي القضاء الذي كان لا يزال بخير . وإحقاقًا للحق ، ووفاء بحق التاريخ ، واستجابة لقول الله عز وجل " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو علي أنفسكم أو للوالدين والأقربين " تقرر أن هذا الشباب الذي أنجز هذه الأعمال البطولية الرائعة كانت منة سقطة انحرفت ببعض أفراده عن الطريق وخرجت بهم عن الجادة التي حددتها قيادة الدعوة فاتخذوا من تلقاء أنفسهم عملا ضد أحد رجال القضاء ، فأعلنت قيادة الدعوة تبرئها منهم ... وسنفرد إن شاء الله الصفحات القادمة للحديث بإفاضة عن هذا العمل وما أحاط به من ملابسات وظروف وما تمخض عنه من نتائج .. كما تتناول الأعمال البطولية التي أشرنا إليها هنا بالإفاضة مكتفين في هذا الفصل بهذه الإشارة العابرة .

وكل ما استطاعت الحكومة أن يتقرب به إلي المستعمر زلفى في صدد هذه الأحداث أنها سخرت جهاز إعلامها المتمثل في الإذاعة والصحف – التي كانت تحت طائلة الرقابة والأحكام العرفية – فقلبت الحقائق ووصمت الإخوان بالوحشية والاعتداء علي المسلمين الآمنين ، وادعت عليهم أنهم قد أعدوا العدة لقلب نظام الحكم ثم انتهزت فرصة القبض علي بعض الإخوان والتحقيق معهم فسلطت عليهم سفهاءها وجلاديها فأذاقوهم ألوانًا من التعذيب وصنوفاً من التنكيل .. محاولة بذلك الفت في عضد هذه الدعوة ، وتحطيم معنوياتها أملا في أحد أمرين : إما أن تزول من الوجود وتختفي من المسرح ليخلو الجو لهم مع سادتهم المستعمرين ،وإما أن تغير من خط سيرها علي الأقل وتنتهج نهجًا آخر تعفي نفسها فيه من أخطار مواجهة المستعمر ... لكن شيئًا من ذلك لم يتحقق لهم وظلت الدعوة ثابتة علي مبادئها أرسخ من الجبال الشم .. ولنا عودة إلي هذه المحاكمات في الجزء القادم إن شاء الله من هذه المذكرات .

8 – استغلال حرب فلسطين للقضاء علي الدعوة :

نعود في هذا الفصل أيضًا إلي حرب فلسطين التي كانت في فصل سابق أحد المظاهر التي تجلت فيها قوة الإخوان تجليًا أخفت كل صوت شعبي في مصر وفي العالم العربي كله .. وأعود إلي ذكرها في هذا الفصل لأنني اعتبر هذه الحرب كما أنها كانت مظهرًا لقوة الإخوان فإنها أيضًا كانت مصيدة أعدت لاصطيادهم وقد أستطيع إبراز هذا المعني في الصور الآتية التي أعرضها بين يدي القارئ :

أولاً : إظهار قوة الإخوان :

لم يكن نهوض الإخوان بأعباء القتال في فلسطين وسيلة انتهزوها لإظهار قوتهم كما قد يتبادر إلي بعض خلاة الأذهان عن حقيقة الإخوان وطبيعة دعوتهم وطريقة تربيتهم فإن نكران الذات هو الصفة المميزة لشخصية الأخ المسلم ؛ وكيف لا وهو يفقه أمر الرجل الذي أتي النبي صلي الله عليه وسلم فقال يا رسول الله : الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل ليذكر والرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية أيهم في سبيل الله " ؟ فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله " ، كما أنهم يعرفون أن هذا القتال ليس إلا نوعًا من العبادة ويقرأون قول الله تعالي " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا " .

ولقد حاولت في الفصل السابق إيراد نتف من وصف بعض المواقع في هذه الحرب ليتبين للقارئ أن هذا الشباب الذي ترك أهله وعمله وماله وتجارته وانخلع من كل متاع الحياة ، لم يذهب إلي فلسطين إلا لتحقيق أمل واحد هو أن يحظي بالشهادة في سبيل الله ، وإلا لو كان بطلب متاع الدنيا لما تحرك إلي قتال لا يجد فيه مؤازرة من حكومة ولا تشجيعًا من أحد يرجي عنده أجر أو تؤمل لديه منزلة ... فما بالك وهو يذهب إلي قتال يجد كل الجهات التي يتجه إليها طلاب الدنيا تعاديه وتتربص به وتضع العراقيل في سبيله . ومنذ أول يوم في هذه الحرب رأي متطوعو الإخوان بأعينهم أن إخوانهم الذين استشهدوا لم تقرر الحكومة لأهلهم معاشًا ولم ترصد لأبنائهم وزوجاتهم تعويضًا وحتى الصحف والإذاعة لم تعلن أسماءهم ولا حتى أشارت إليهم ... فكيف يبقي هؤلاء المتطوعون في صفوف القتال – وهم مخيرون وقد علموا هذه المواقف – إلا إذا كان هدفهم أسمي من ذلك وأكرم وهو ما وعدهم الله به في قوله تعالي " إن الله اشتري من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدًا عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفي بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم " .. كما أنهم يعلمون علم اليقين أن الهيئة التي ينتسبون إليها لا تملك أن تعطي وإنما هي تنفق علي الضروريات التي لا غني عنها من جيوب أعضائها الذين هم عادة من طبقة الفقراء وأشباه الفقراء .

وقد أوضحت من قبل أن اتصال الإخوان بقضية فلسطين اتصال قديم يوم كان الشعب المصري عامته وخاصته يجهلون كل شيء عن هذه القضية .. والذين يريدون أن يظهروا علي مسرح حياة الشعب لا يربطون أنفسهم بقضية مجهولة وإنما يربطون أنفسهم بما يشغل بال الناس ويستولي علي ألبابهم .. وقد واصل الإخوان العمل لهذه القضية التي كان هدفهم أن يشهروها بأنفسهم لا أن يشهروا أنفسهم بها . أما أن هذه الحرب قد أظهرت للعالم قوة الإخوان ، فهذه حقيقة لا مراء فيها ، ولكن هذه الحقيقة لم تكن هدف الإخوان ولا مما سعي الإخوان له .. وليس ذلك بغريب في تاريخ الدعوة الإسلامية فالرعيل الأول من المجاهدين سجل التاريخ لهم بمداد الفخر مواقف في حروبهم لازال العالم يتغني بها ومع ذلك فقد كانوا أئمة المخلصين . وما كان للإخوان أمام تطور الأحداث في قضية فلسطين من خيار في موقف يتخذونه ، فما كان لقوم نذروا أنفسهم لهذه القضية منذ أول أيامها أن يتخلوا عن إجابة ندائها في الدور الحاسم من أدوارها ، وهو اليوم الذي كانوا يترقبونه من قديم ، ولم يكن ليبطئ بهم عن الاستجابة لهذا النداء أن يعرفوا ما وراء هذه الاستجابة من إظهار العدو – الحكومة المصرية العميلة والمستعمر – علي مدي قوتهم ، فإن هذه الاستجابة كانت أشبه برد الفعل الذي لا يمكن التحكم فيه ولو كانت بمثابة الدفاع عن النفس وهو مالا مجال معه للاختيار .

ثانيًا : استعداد اليهود حلفاءهم ضد الإخوان :

لم يكن اليهود يجهلون حقيقة الإخوان المسلمين بل كانوا يعرفونهم من قديم منذ أوائل الثلاثينيات وكانوا أشد الناس حذرًا منهم وكراهية لهم وحقدًا عليهم .. وكانوا موقنين منذ قرار هيئة الأمم في نوفمبر سنة 1947 بتقسيم فلسطين من أن الإخوان لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام هذا القرار.. ولهذا أخذ اليهود في كل مكان في العالم يعدون لحملة استعداد لحلفائهم ضد الإخوان لأنهم يعلمون أن لا طاقة لهم بقوم يشتهون الموت ولا يهابون شيئًا .. ونسوق هنا جزءًا من مقال كتبته فتاة صهيونية تدعي " روث كاريف " ونشرته لها جريدة " الصنداي ميرور " في مطلع 1948 ونقلته جريدة " المصري " لقرائها في حينه ، قالت فيه الكاتبة :

" إن الإخوان المسلمين يحاولون إقناع العرب بأنهم اسمي الشعوب علي وجه البسيطة ، وأن الإسلام هو خير الأديان جميعًا وأفضل قانون تحيا عليه شعوب الأرض كلها . ثم استطردت تصف خطورة حركة الإخوان إلي أن قالت : والآن وقد أصبح الإخوان المسلمون ينادون بالمعركة الفاصلة التي توجه ضد التدخل المادي للولايات المتحدة في شئون الشرق الأوسط وأصبحوا يطلبون من كل مسلم أن لا يتعاون مع هيئة الأمم المتحدة ، فقد حان الشعب الأمريكي أن يعرف أي حركة هذه . وأي رجال يتسترون وراء هذا الاسم الرومانتيكي الجذاب اسم " الإخوان المسلمون " وقالت – وهذا هو بيت القصيد – إن اليهود في فلسطين الآن ، هم أعنف خصوم الإخوان المسلمين ، ولذلك كان اليهود هم الهدف الأساسي لعدوان الإخوان وقد قام أتباعهم بهدم أملاك اليهود ونهب أموالهم في كثير من مدن الشرق الأوسط ، وهم يعدون الآن العدة للاعتداء الدموي علي اليهود في عدن والبحرين وقد هاجموا دور المفوضيات والقنصليات الأمريكية وطالبوا علنا بانسحاب الدول العربية من هيئة الأمم المتحدة .

" وبعد هجوم عنيف علي سماحة المفتي الأكبر السيد أمين الحسيني وعلي المرشد العام للإخوان المسلمين الأستاذ حسن البنا ختمت مقالها قائلة : وإذا كان المدافعون عن فلسطين – أي اليهود – يطالبون الآن مجلس الأمن بإرسال قوة دولية لتنفيذ مشروع التقسيم الذي قرأته هيئة الأمم المتحدة ، فإنهم لا يطالبون بذلك لأن الدولة اليهودية في حاجة إلي الدفاع عن نفسها ، ولكنهم يريدون إرسال هذه القوة الدولية إلي فلسطين ، لتواجه رجال الإخوان المسلمين وجها لوجه ، وبذلك يدرك العالم كله الخطر الحقيقي الذي تمثله هذه الحركة . وإذا لم يدرك العالم هذه الحقيقة في وقت قريب ، فإن أوروبا ستشهد ما شهدته في العقد الماضي من القرن الحالي إذ واجهتها حركة قاسية نازية ، قد تواجهها في العقد الحالي إمبراطورية إسلامية فاشية تمتد من شمالي أفريقيا إلي الباكستان ومن تركيا إلي المحيط الهندي " . ولم يكن هذا المثال هو الأول من نوعه ولا الأخير فقد دأبت الصحف الأوروبية والأمريكية علي نشر مقالات طويلة من هذا النوع كلها استعداء لهذه الدول علي الإخوان المسلمين .

ومن العبارات ذات الدلالة الخطيرة ما نشرته إحدى الصحف الأمريكية في تلك الفترة وسبق أن أشرت إليه في فصل سابق حين وصفت الأستاذ البنا وصفاً دقيقًا استعرضت فيه سماته البدنية وسماته الفكرية والنفسية ثم قالت : إنه صار أقوي شخصية في الشرق العربي ، وإن هذه الشخصية لن تهزم إلا أن تصير الأحداث أقوي منها . والدلالة التي تطل من وراء هذه العبارات هي أن الجريدة – الواسعة الانتشار – تسوق هذا الوصف الدقيق لشخصية المرشد العام للإخوان المسلمين في أسلوب تحذيري فيه معني استعداء الشعب الأمريكي وحلفائه وحثهم علي تدبير مؤامرات لخلق أحداث جسام تقهر هذه الشخصية ، وتقضي علي عظمتها وتسلبها المقدرة علي بسط سلطانها علي الشرق العربي الذي تعتبره حكومات هذه الدول الكبرى مجال نفوذها . ومما تجدر الإشارة إليه أن العالم العربي في ذلك الوقت كان يعج بالأحزاب والهيئات السياسية والاجتماعية ، ففي مصر كانت الأحزاب والزعامات التي طالما أشرنا إليها كما كان في سورية ولبنان كان بسورية الحزب القومي السوري .. إلا أن المستعمرين حين جد الجد لم يواجهوا حملتهم إلي حزب من هذه الأحزاب ولا إلي هيئة من هذه الهيئات التي تنادي بأنها ضد الاستعمار والمستعمرين وإنما واجهوا حملاتهن إلي الإخوان المسلمين وألقوا بثقلهم كله عليهم وحدهم ، ذلك أنهم كانوا يعلمون أن جهود هذه الأحزاب والهيئات لن تتعدي خطبًا تلقي ومقالات تنمق وشعارات يهتف بها ومظاهرات إن قامت فهي مزايدات للتنافس علي الحكم في ظل سلطة الاستعمار .. أما الإخوان المسلمون فقد جرب المستعمر معهم وسائله فلم تفلح واحدة منها لأنهم أصحاب فكرة يؤمنون بها ولا يقبلون المساومة عليها .

ثالثًا : استنفاد جهود الإخوان :

ومما لاشك فيه أنه كان لنداءات اليهود واستعداءاتهم صدي في نفوس حلفائهم في أنحاء العالم ، ولابد أن هؤلاء الحلفاء قد دبروا أمرًا ووضعوا خطة وشرعوا في تنفيذها لاسيما والوقوف في وجه الدعوة الإسلامية الزاحفة أمر طالما شغلهم من قبل أن يظهر اليهود علي مسرح الأحداث .. فإذا كان القدر قد وضع اليهود في مواجهة الإخوان المسلمين .. إذن فلتكن الخطة هي الوقوف وراء اليهود يمدونهم بالمال والأسلحة الحديثة والتدريب ثم استغلال إخلاص الإخوان لدعوتهم وتهافتهم علي القتال ، فتلقي هذه الدعوة بفلذات كبدها في المعركة فتستنفذ قوتهم أولا حيث تطحنهم الحرب طحنًا ثم تبدأ المؤامرة العالمية للإجهاز عليهم .

رابعًا : الحاقدون بين عاملين :

كان الانجليز والمستعمرون عمومًا قد حددوا اليد التي سيضربون بها الإخوان المسلمين ، واطمأنوا إليها ، وعلموا أن هذه اليد تتحرق شوقاً إلي أن تستخدم في ضرب الإخوان أن قلوبها ممتلئة حقدًا عليهم ، ولولا أنها لا تري في نفسها القوة الكافية لضربتهم من زمن بعيد ، وهي لذلك تنتظر في شوق وتشوف إلي قوي خارجية تسندها وتشد من أزرها .. ولم تكن هذه اليد إلا الملك السادر في غيه وعصابته من المستوزرين من السعديين .. فلما صدر قرار تقسيم فلسطين وقابله العرب والمسلمون في كل بقاع الأرض بغضب جارف ، وكان اتجاه الجميع في العالم العربي أن لابد من عمل إيجابي ، وأعلن الإخوان عزمهم علي اقتحام ساحة القتال ، وجد الحاقدون أنفسهم أمام أمرين أحلاهما مر : هل يفسحون المجال للإخوان ليرسلوا متطوعيهم إلي فلسطين ؟ وإذا دخل هؤلاء المتطوعون المعركة – مع ما يتصفون به من فدائية وبسالة – فإنهم سيرفعون من ذكر الإخوان في مصر وفي العالم كله .. وهم – أي الحاقدون – يرون في ذلك القضاء المبرم علي نفوذهم بل علي وجودهم ... أم يحولون – بمالهم من سلطات حكومية – بين متطوعي الإخوان وبين الخروج إلي ميدان المعركة فيضمنوا بذلك الحد من ازدياد قدر الإخوان في نفوس الشعب ؟ .

وفي هذا الصدد ننقل من كتاب الأستاذ كامل الشريف " الإخوان المسلمون في حرب فلسطين " ما يلي :

" جاء شهر مايو من عام 1948 وكان بداية تحول كبير في مجري الحوادث إذ أنهي فيه الانجليز انتدابهم وختموا آخر صفحة لسياستهم في فلسطين .. وظن الإخوان أن عهد التضييق والإرهاب قد انتهي بانسحاب الانجليز ، وأنهم يستطيعون الآن إدخال قواتهم دون خوف أو وجل وأن الوقت قد آن ليفي مرشدهم العظيم بوعده فيدخل إلي فلسطين عشرة آلاف مقاتل كدفعة أولي كما سبق له أن قرر في برقيته المشهورة التي بعث بها إلي زعماء الدول العربية في اجتماعهم " بعالية " .. ظن الإخوان ذلك ولكن جاءت الحوادث لتخلف ظنهم وتقنعهم أن سياسة الانجليز باقية وإن انسحبت جنودهم من الميدان .. طلب الإخوان من حكومة النقراشي باشا بالسماح بإدخال فوج من مجاهديهم ليرابط في الجزء الشمالي من صحراء النقب فرفضت الحكومة هذا الطلب وأصرت علي عدم السماح لهم بذلك ، مما اضطر بعضهم إلي طلب السماح لهم بالقيام في رحلة علمية إلي " سيناء " فوافقت حكومة النقراشي بعد إلحاح شديد ، وحضرت تلك المجموعة إلي " سيناء " وتسللت منها إلي فلسطين سرًا حيث لحقت بها دفعات أخري تسللت بطرق مختلفة ، وكانت حيلة دخلوا بها إلي فلسطين .

وبدخول هذا الفوج بدأ القتال الفعلي في صحراء النقب ، فأخذ يهاجم المستعمرات اليهودية بصلابة وعناد رغم قلة عدده وضعف أسلحته ، وتجمع حوله المجاهدون من أهل فلسطين وبدأت حرب عصابات منظمة كانت تبشر بنجاح رائع . ومر شهران وعلمت الحكومة فطلبت إلي المركز العام سحب قواته من النقب ، وكان طبيعيًا أن يرفض الإخوان ، فلجأت الحكومة إلي قطع الإمدادات والتموين ومراقبة الحدود بشدة لتضمن عدم وصول شيء منها إلي المجاهدين حتى تضطرهم للعودة إلي مصر ، ورأي المجاهدون أنفسهم خلال قتالهم الرائع يعيشون أيامًا طوال علي التمر والماء وعلي الخبز اليسير الذي يشترونه من نقود قليلة يرسلها أهلوهم بين حين وآخر .........

بقي المجاهدون في ميدانهم يعملون ، ووجدوا من إخوانهم العرب كل معونة ورعاية حتى دخل الجيش المصري وأخذ يهاجم المستعمرات اليهودية في النقب ، واشترك الإخوان في معظم العمليات الحربية التي قام بها ، وكان طبيعيًا أن ينقص عددهم بفعل المعارك الطاحنة وما سقط منهم فيها من الجرحى والشهداء .. وحتى في تلك الأوقات الحرجة لم تحاول الحكومة أن تراجع موقفها وأن تسمح للإخوان بدخول الميدان ولا لتعويض هذه الخسائر الكبيرة في الأفراد بل شددت رقابتها أكثر من ذي قبل . وكان الإخوان يعلمون حقيقة الموقف في فلسطين ويتشوقون للحاق بإخوانهم ، ولكن قيود الحكومة كانت تقف حائلا دون التنفيذ مما اضطر كثيرين منهم إلي المجيء سيرًا علي الأقدام . ولازلت أذكر ذلك اليوم الذي حضرت فيه جماعة من الإخوان قوامها خمسة عشر شابًا لم تكن تزيد أعمارهم عن السادسة عشرة وكانوا كلهم طلابًا في المدارس الثانوية . وسألتهم عن سبب مجيئهم فقالوا إنهم يرغبون في تأدية فريضة الجهاد بعد أن نجحوا في امتحاناتهم لهذا العام . ثم أخذوا يقصون علي أنباء رحلتهم الشاقة وكيف غافلوا رجال البوليس وقفزوا إلي عربات البضائع في قطارات السكك الحديدية ، وكيف ساروا مسافات شاسعة في صحراء سيناء الموحشة بمعونة دليل من البدو . ثم لجأت الحكومة السعدية إلي حيلة أخري فأمرت بوليسها أن يمنع عودة المجاهدين الذين يغادرون الميدان لزيارة أهلهم في إجازات قصيرة ، حتى ينقص عددهم وينتهي أمرهم ، وقد فطنا إلي الحيلة بعد مدة فألغينا الإجازات وقررنا نسيان الأهل والولد حتى نضيع علي الحكومة فرصتها ونستمر في جهادنا " .

ويقول الأستاذ كامل الشريف : " طالب اللواء المواوي بك قائد الجيش المصري في فلسطين بإحضار عدد كبير من شباب الإخوان وإرسالهم فورًا إلي الميدان ، وسافر لهذه الغاية إلي القاهرة الأستاذ الشيخ محمد فرغلي رئيس الإخوان في فلسطين . ولقد حدثني الصاغ محمود لبيب وكيل الإخوان للشئون العسكرية أن عبد الرحمن عزام باسا أمين الجامعة العربية قد استدعاه في ذلك التاريخ ورجاه أن يعمل علي تجنيد هذا العدد لأن خطورة الموقف العسكري تتطلب إرسالهم علي وجه السرعة ، ومضي الصاغ لبيب فاتصل بشعب الإخوان في القطر وأمر كل شعبة بتجهيز فرد واحد من أعضائها وإبقائه مستعدًا في مدة معينة . ولكن ما إن تناهي النبأ إلي مسامع النقراشي باشا حتى هاج وماج ورفض قبول الفكرة من أساسها ولم يستطع الإخوان تعليل ذلك الرفض حتى جاءت الحوادث القريبة بعد ذلك لتعلن الحقيقة المرة ، وهي أن النقراشي كان مشغولا في ذلك الوقت بتنظيم خطة للقضاء علي الإخوان ومحوهم من الوجود " .

ولقد رأيت أن أنقل هذه الفقرات لأكشف أبناء هذا الجيل المضلل عن صفحة من صفحات الخزي والعار عمل الساسة المتواطئون مع العدو علي طمسها عنهم تزويرًا للتاريخ وسترًا علي جرائمهم التي تتضاءل أمامها الخيانات العظمى . ولكن هل استكان الإخوان ويئسوا ورضوا من الغنيمة بالإياب ؟ لا بل إنهم لجأوا إلي حيلة أخري هي أنهم قدموا شبابهم تحت قيادة الجامعة العربية . ويتضح من ذلك أن الحاقدين قد استقر رأيهم علي أن يحولوا بين الإخوان وبين الوصول إلي أرض المعركة ما استطاعوا إلي ذلك سبيلا .. ولكن لأن هذه الحرب لم يكونوا هم الطرف الوحيد فيها بل كانت الدول العربية فيها أيضًا فإنهم لم يستطيعوا الحيلولة الكاملة التي أرادوها بل كل ما استطاعوه هو الحد من عدد الإخوان ، وحرمانهم من الأسلحة الكافية والذخيرة اللازمة .

خامسًا : الانقضاض من الخلف علي المجاهدين :

لما خرج الأمر من يد الحاقدين وأروا أنفسهم أمام أمر واقع من تدفق المتطوعين من الإخوان علي الميدان في فلسطين . لاسيما بعد أن ساءت حال القوات المصرية في الميدان نتيجة سوء تصرف الحكومة السعدية وخضوعها السياسي بل تواطئها مع المستعمر فقد حاصرت قوات اليهود الجيش المصري وطلب قائد الجيش المصري أن يدم بقوة من الإخوان المسلمين لإنقاذ الموقف وأنقذ الإخوان الموقف فعلا وفكوا الحصار عن الجيش المصري وأشادت قيادة الجيش بالإخوان المسلمين كما أشادت صحف العالم بهم ..

حينئذ أكل الحق قلوب السعديين كما أكل قلب معبودهم فاروق . وقد أعماهم الحقد الأسود فسلكوا طريقاً ظنوا أن فيه نجاتهم وتدمير الإخوان ، فكان فيه دمارهم ودمار البلاد ، وكان فيه التمكين لليهود .

أما الطريق الذي سلكوه والذي وجههم إليه الإخطبوط العالمي للتآمر الأمريكي الأوروبي في خدمة اليهودية العالمية والذي اكتملت بسلوكه سلسلة المؤامرات للقضاء علي الإخوان المسلمين ، فسنرجئ تناوله بالحديث إلي الجزء الثاني من هذه المذكرات إن شاء الله وهو يتضمن الحلقتين التاسعة والعاشرة الباقيتين من خطط التآمر التي عالجنا منها ثماني الحلقتان هما قرار الحل واغتيال المرشد العام .