الجيل الذي واجه عبد الناصر والسادات

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الجيل الذي واجه عبد الناصر والسادات

دراسـة وثائقـيـة للحـركـة الطلابيـة 1968 ـ 1977

بقلم: د. هشام السلاموني


محتويات

إهـــداء

إلى الطالب العـــادي ...إلى كل الزملاء الذين تواجدوا طلاباً في الجامعات المصرية (وفي المدارس الثانوية .. بل والإعدادية) على اتساع الوطن في الفترة من 1968 إلى 1977. كلهم بلا استثناء .. فهم مفجرو الحركة الحقيقيين، وهم مصابيحها الهادية، وهم أصحاب برنامجها، وهم الذين ضغطوا ليحققوا لمصر أمرين على أكبر جانب من أهمية والهظمة، عبور أكتوبر الخالد، وقد كان إنجاز صيحاتهم المؤثرة التي انطلقت من الجامعة، وإنجاز دمائهم أيضاً التي بُذلت في سبيل الوطن بين صفوف المجندين وضباط الاحتياط، الذين حققوا نقلة كيفية متقدمة للقوات المسلحة، مكنتها من الانتصار، وقطع يد إسرائيل الطويلة، وتدمير نظرية أمنها التي لن تقوم لها قائمة.

أما إنجازهم الثاني العظيم فكان فتح باب الديمقراطية، صحيح أن الألاعيب التي لا تنتهي تضغط باستمرار لي يظل الباب موارباً، لكن أحداً لن يستطيع إقفاله بعد أن فتحوه، بل أنهم ـ فاتحوه ـ هم الذين سيوسعون فرجته التي ستدخل منها آمال هذا الشعب العظيم.

إليهم جميعاً ... تعبيراً عن إنجازهم الضخم .. هذا الكتاب....

،د. هشام السلاموني


محاولة للفهم

قبل أن تقرأ

للكتاب قصة ..أو لنكن أكثر دقة، ولنقل إن المقالات التي نشرتها "روز اليوسف" في الفترة من 17 فبراير إلى 12 مايو 1997، (والتي أجمعها في هذا الكتاب بإضافات ضرورية..) لنكن أكثر دقة .. ولنقل .. إنه كانت لتلك المقالات قصة ..ولعل من المفيد، قبل أن أروي تلك القصة، أن أعترف ـ من أولها ـ بأن بداية قصة تلك المقالات، وهذا الكتاب، قد تأخر عشرين سنة كاملة!

عشرون سنة مضت بين البداية الحقيقية (الطبيعية) لتلك المقالات، وبين البداية الفعلية !!! (وضعت علامات التعجب على أساس أننا نهتم بالزمن!!).

وباعترافي هذا .. تكون لدينا بداية فعلية .. وبداية حقيقية .. وقصة .. فلنبدأ ..

البداية الفعلية، جاءت ـ مباشرة ـ بعد صدور العدد 3582 من "روز اليوسف" في 3 فبراير 1997.

في ذلك العدد قرأت مقالين ممتازين ..كان أولهما لعادل حمودة {الصحفي القدير، (ابن جيلنا)} ، الذي جعل روز اليوسف واقعاً مقروءاً ومؤثراً في كل بيت مصري، وخاض بها وفيها صراعاً ناجحاً ضد التابوهات (الممنوعات .. المحرمات)، التي لم يكن يُسمح لأحد بالاقتراب منها، وهي السلطة المطلقة (التي تتجمل تجملاً مفضوحاً)، وقداسة رجال الدين، التي يحرص عليها البعض ربما أكثر من حرصهم على مصالح الناس. بل وعلى الدين نفسه. (القداسة للدين .. وليس للدين رجال .. الدين لكل الرجال .. لكل البشر) .. وثالث الممنوعات .. الأسس الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للمارسات الجنسية (سوية كانت أو غير سوية) .. ولقد أصاب عادل حمودة كثيراً. وكانت المحصلة في صالحه .. وصالحنا بدون شك.

ثاني المقالات، كان عنوانه "الانفجار .. عملية احتلال ميدان التحرير" كتبه عبد الله كمال {صحفي شاب، يملأ قلمه بماء النار، ويحترف الكتابة به عن المحظورات بحروف مشتعلة، كاوية، تحفر في الجسد العربي .. الذي يظنه الواهمون قد آثر الدعة..} ..

قرأت المقالين .. ولنبدأ بثانيهما

المقال الثاني "عملية احتلال ميدان التحرير"، كان تلخيصاً وافياً، وواقعياً لحدث مرت عليه خمس وعشرون سنة، هو حركة الطلبة في يناير 1972، تلك الحركة (العظيمة) التي بدأت بمجلات حائط، أعقبها مؤتمرات في كل الكليات ـ كانت الأكثر سخونة بينهما مؤتمرات كلية الهندسة جامعة القاهرة، فلا عجب أن تحول واحد منها من مؤتمرات كلية الهندسة إلى مؤتمر عام لطلاب جامعة القاهرة ـ انتقل بعد ذلك إلى قاعة الاحتفالات الكبرى بالجامعة (كانت في عين شمس نفس الخطوات، وكان لجامعة عين شمس نفس التأثير، لكن اعتصاماً لم يجر في عين شمس إلا في 1973)، وقد قرر المؤتمر العام الاعتصام لحسن جلاء الحقائق المتعلقة بصراعنا الأمني مع إسرائيل، مطالباً (الاعتصام) بالديمقراطية، وبحق مشاركة الجماهير في تسيير أمورها، حتى تستطيع الجماهير أن تكون رقيبة على تحقيق أمانيها، وحتى تضمن ألا تكرر السلطة نوعية المآسي التي وصلت إلى ذروة حقيقتها في نكسة يونيو 1967، بعدها تدخل الحكومة .. واقتحمت الجامعة فجراً (عودتنا السلطة العسكرية في مصر الانقضاض في الفجرن والانقضاض على الفجر!) وقبضت على المعتصمين، لتفاجأ ـ السلطة ـ والشمس في كبد السماء ـ في ظهيرة نفس اليوم ـ بأن عشرين ألفاً من طلاب جامعة القاهرة، وأعداد هائلة من طلاب جامعة عين شمس، يحتشدون في ميدان التحرير، ويحولونه لمكان اعتصام جديد في حضن الحياة المصرية الصاخب، ويكونون لجنتهم الطلابية العليا الثانية، ويرددون الصوت الذي ظنت الحكومة أنها أخرسته في الفجر (في الجامعتين)، ويؤرقون انفرادها واستفرادها بالأمور كما لم يؤرق من قبل.

كان المقال تلخصياً وافياً للحدث .. تساءل كاتبه في آخره عن هؤلاء الذين فجروا هذا الحدث الكبير .. عن مصيرهم .. أين هم الآن؟ .. وماذا يفعلون ؟! .. قائلاً:

"هؤلاء الطلاب الذين فجروا تلك الأحداث، تذكروا الآن بعد ربع قرن ما حدث (كان يقصد عزم جيل السبعينيات وقتها على الاحتفال بمرور خمس وعشرين سنة على حركتهم العظيمة، والذي تم بعدها بأسبوعين).

واستطرد:"ونحن أيضاً نتذكر هذا معهم الآن، ونتساءل، أين عشرات منهم بعد كل هذه السنوات، وكيف صاروا ؟!!.. أين حسام الدين عبد الله، وهشام السلاموني، وصلاح يوسف، وهاني شكر الله، ونبيل عتريس، وشوقي عقل وعاصم الفولي، وهاني عنان، وأحمد بهاء الدين شعبان، وأحمد عبد الله، وفريد زهران وعشرات غيرهم".

كان من الواضح أن كاتب المقال يبحث عن مصائر هؤلاء الذين تصورهم ـ مشكوراً ـ الذين فجروا تلك الأحداث (الجيل كله فجرها، وكانت الحركة العظيمة حركته، وكان بطلها، وليس في هذا افتعال للتواضع .. بل وضع للحقيقة في نصابها، وكان جهد المقالات التي ستقرأها ينصبّ في إرساء قواعد هذه الحقيقة) وكاناو وراء تلك الضربة (كانت بالحق ضربة) التي قضت على أسطورة الدولة المنفردة المستفردة بكل الأمور، وفتحت باب الديمقراطية (الباب الذي لم يستطع أحد إغلاقه بعدها، وإن نجحوا في جعل الجيل لا يبالي بها، بكثرة ما افتعلوه من ألاعيب محبطة لا ينقطع لها مدد!! من عباقرة التحايل، وترزية القوانين وردّاحي "فرش الملاءة" من الصحفيين وسائر الإعلاميين) وأرغمت السادات .. وكان هذا هو إنجازها الآني العظيم الضخم ـ على ألا يتهرب من معركة مع إسرائيل، لم يكن يريد خوض غمارها (وإن فكر بعد ذلك في أن يخوضها محدودة. وبقي على فكرته برغم الأداء بالغ العظمة للقوات المسلحة المصرية في حرب أكتوبر المجيدة ـ بجناحها النظامي والاحتياط !!! مضيعاً الفرصة التي كانت متاحة أو محسوبة فعلياً، قبل أن يصل أي مدد عسكري أمريكي لإسرائيل ... كانت المدة المحسوبة من 8 – 11 يوماً).

كان ذلك هو المقال الثاني، وكان لكاتبه "عبد الله كمال" فضل التذكر والتذكير" وأيضاً، فضله في أن أسبغ علينا ما لا نستحقه) ..

أما المقال الأول ـ التحليلي ـ الذي كتبه عادل حمودة، في نفس العدد فكان بعنوان، "عبادة الشيطان وندابات المجتمع" (فقد كانت تلك الفترة ـ فبراير 1997 والتي كتبت فيها المقالات ـ قمة الحوار الناشب في المجتمع، بين كافة التيارات وكل الاتجاهات، عن شباب حول العشرين السنة من أعمارهم، وأغلبهم دونها، ضبطوا ـ أو هكذا قيل ـ يعبدون الشيطان) وقد شخص عادل حمودة الظاهرة ـ ظاهرة عبادة الشيطان ـ تشخيصاً (يحسد عليه!) وألقى المسئولية، كل المسئولية، على المجتمع، نازعاً الفتيل من يد حكومة تدينهم، ومفتي (بعكس شيخ الأزهر الشيخ سيد طنطاوي) ينادي بإقامة حد الارتداد عليهم (القتل .. لشباب دون العشرين!) بحجة ارتدادهم عن الدين! أو بابا المسيحيين الذي استند على التاب المقدس ليذوقوا نفس المصير، ورئيس تحرير الوفد (الحزب المطالب بالديمقراطية). الذي أراد تحويلهم إلى محكمة عسكرية حتى لا يستفيدوا بفرص النجاة التي يوفرها لهم قاضيهم الطبيعي (الديمقراطيون يطالبون بمحاكم عسكرية!!) وأيضاً من يدي الكاتب فهمي الهويدي الذي راح يحاكم فيهم ـ كعادته ـ دعاة الفكر الحر!!! (كأن الحرية هي التي تقود إلى عبادة الشيطان).

قال عادل حمودة في مقاله: "للحزن، للوجع، للفشل، للإحباط أبناء يكبرون"

"للخرافة التي تسكن العقول، المفقودة في المدارس والمنابر والبنوك، للفكر التافه كقشرة موز في مناقشات ومشاجرات المثقفين، للتاريخ المشوه كممسحة لأخطاء الحكام .. أبناء يكبرون"

"للتطرف، للتعصب، للفساد، للتشنج، لعذاب القبر، والثعبان الأقرع .. أبناء يكبرون".

وقال عادل حمودة: "لم يسأل المحققون أين الشيطان في تصرفات الكبار!"

"إن الشيطان يسرب الامتحانات في الجامعات، ويمنح القروض بالمليارات في البنوك، ويزور الانتخابات في سيرك الديمقراطية، ويدعم الإرهاب في الصحف القومية، ويستخدم الفتاوى حسب هواه في العبث بعقول الناس، فلماذا نلعن أبناءنــا إذا لجأوا إليه؟!"

وأنهى عادل حمودة مقاله بالكلام عن مظاهرات الطلبة في عـام 1968، موضحاً أن كل جيل يبدأ بالرفض أحسست وأنا أقرأ لعادل حمودة مقاله أن جيلنا (الذي يربط الظواهر الاردة في سياق حقيقي، ربما يبدو للآخرين بعيداً عن التصور!) يتكلم أحسست أن جيلنا يتكلم فقررت أن أتكلم معه .. وأن أرد على "عبد الله كمال" (وكان هو المفجر الحقيقي لقضية عبدة الشيطان) والذي ـ لعلك تذكر ـ تساءل "أين هم الآن". وكان يقصدنا نحن ...

أعددت ردي .. وذهبت إليه كان الرد بعنوان "لا تسألوا عنـا اسألوا عمن ضربوا فكرة المشاركة، وأوقعوا الوطن في براثن العنف، حتى عبد الشيطان في هذا البلد!!"

قلت في الرد:

"لقد حاول جيلنا المشاركة في صنع بلاده كما يحلم بها .. فضرب .. وشوه، بعد أن فشلوا في احتواءه على طريقهم، فكان الرد الطبيعي ممن هم أقل ثقافة في جيلنا، هو اندلاع العنف في المجتمع بأشكال مختلفة، وبأقنعة يتم تبادلها عنف على الذات، وهنف ضد الآخرين، وعنف ضد المواطنة، وعنف ضد الوطن .. بل وعنف ضد الإنسانية .. عنف يتخفى في صورة تفشي ظاهرة الإدمان .. (عنف على الذات، وفي الجرائم العادية (زيادة عدد الطعنات حتى وصلت إلى سبعين في جثة واحدة، وقت الأب والأم والأخوة بممارسات شرسة، وحالات الاغتصاب التي يراد بها إذلال الضحية وخطيبها، وليس تصريف حاجة وقتية، وجرائم النصب الاقتصادية و .. و .. و .. وكلها عنف على الآخرين). وفتنة طائفية مصنوعة ومزعومة ومفتعلة، تختفي لتظهر، وتظهر لتختفي (عنف على المواطنة)، وعنف على الوطن (الانتماء ثقافياً لمجتمعات حولنا، أو بعدية عنا، مع أننا الأطول قائمة ثقافياً حتى لو سكتت عن ذلك أو اعترفت به تلك المجتمعات!!) وعنف ضد الإنسانية نفسها (عبادة الشيطان) وكل ذلك فضلاً عن العنف السياسي (الذي تغمض الحكومة عينيها عن كل الأشكال عداه، خصوصاً في تلك اللحظات التي يطول فيها ـ أو يكاد ـ لحمها الحي) لجماعات أرادت ـ أن تستند على الأقوى (الله) في مواجهة قوى لا قبل لها بها هي قوى السلطة المطلقة الغاشمة، وإن فعلت ما لا يقبله الله .. وما لا يقبله الوطن!!!.

وقلت:

"لقد اغترب الإنسان المصري في بلاده .. وخارجها .. بعد أن سدت في وجهه عمداً وبألاعيب محكمة أبواب المشاركة، والمغترب، مستوحش، والمستوحش وحش!.

وأخذ عبد الله كمال الرد .. وأخذني إلى عادل حمودة (رفيق الكفاح القديم والجديد) وقرأ عادل حمودة الرد .. وغاب في سهوم (اعتاده من يعرفه) .. قال بعده:

- هشام .. اكتب عن جيلنا .. عن الحركة الطلابية .. اكتب تحقيقاً سياسياً تأخر صدوره خمساً وعشرين سنة (هكذا وضع عادل حموده العنوان بحسه الصحفي المذهل قبل أن أكتب!!.)

وقال حمودة (الصديق):

- خذ من الصفحات ما تشاء لكن رئيس التحرير قفز بسرعة من داخله، فقال :

- أربع صفحات في كل عدد حتى ينتهي ما تريد قوله .. كويس؟

قلت:

- كويس جدا ..

قال: - اتفقنا .. وضب صفحاتك كما تشاء، واملأها بما تشاء .. أنت تعرف كيف نكتب (كان يقصد كيف يكتب جيلنا) .. واعتبرني قارئاً لمقالاتك بعد ان تصدر في المجلة.

وكان عادل حمودة ـ صدقاً ـ عند كلامه .. لم يتدخل مطلقاً .. في المقالات .. وكانت تلك هي البداية "الفعلية" للمقالات التي صارت الآن كتاباً بين يديك.

لكننا قلنا إنه كانت هناك بداية "حقيقية" للمقالات .. وقلنا أن تلك البداية "الحقيقية"، تأخرت عشرين سنة .. أو كان من المفترض أن تتم منذ عشرين سنة .. وهذا واقع .. وحقيقي ..كان المفترض أن تكون البداية الحقيقية لتلك المقالات وهذا الكتاب في العام 1977!.

ففي ذلك العام 1977، فوجئت الأمة المصرية بحدثين مروعين مدويين !!!.

أول الحدثين، كان انفجار مظاهرات الجوع في يناير 1977، وذلك الحجم الهائل من العنف الجموح الذي صاحبها. (تلك الانتفاضة التي أصر الرئيس السادات على أن يسميها "انتفاضة الحرامية، على عادة العسكريين في تشويه كل مبادرة جماهيرية وجيهة الأسباب!).

ثاني الحدثين كان اغتيال "الشيخ الذهبي" على يد جماعة "شكري مصطفى" "جماعة المسلمين"، (التي أسمتها المباحث العامة "التكفير والهجرة")الحادث الأول جاء في يناير والحادث الثاني جاء في يوليو.

كنت وقتها مجنداً في القوات المسلحة، ممنوعاً من الاتصال بالصحف .. وبرغم ذلك قررت أن أكتب لـ"صباح الخير" (كان الرئيس السادات، بعد انتفاضة الجوع قد أزاح عن "روز اليوسف" طاقمها الممتاز "عبد الرحمن الشرقاوي، صلاح حافظ ـ فتحي غانم، وأتى بمن انتزعوا أنياب المجلة الصحفية، فتهاوى توزيع المجلة الذي كان قد وصل وقتها إلى عنان السماء، وتهاوى تأثيرها!

في مجلة "صباح الخير" ولم أكن أعرف من وقتها فيها أحـداً ـ سلمت المقال .. (المقال الذي لم ينشر .. وكان المفترض أن يكون البداية الحقيقية لهذا الكتاب).

كان عنوان المقال "العنف .. يدق أبوابكم بمنتهى العنف"!!.

قلت في المقال "لابد وأن ننتبه، وإن جاء انتباهنا متأخراً، إلى تغيير يفي يحدث في الشخصية المصرية، إن لم يكن ـ حتى الآن ـ هو اتصافها بـالعنف .. فإنه سيقودنا إلى عنف قادم أشد هولاً".

وربطت في ذلك المقال بين تصرفات الجموع العنيفة في مظاهرات الجوع (انتفاضة يناير 1977). وبين ذلك المدد الكبير من الشباب، الذي استطاع "شكري مصفى" أن يحصل عليه، ليكون منه جماعته الشرسة، ثم ربطت بينهما وظواهر عنف مرت بنا دون أن نلاحظها الملاحظة الدقيقة الواجبة (حادث الفنية العسكرية 19 إبريل 1974، والذي قام به تنظيم صالح سرية المكون فقط من الشباب ومن الطلبة..، حادثة ضباط للاحتياط، التي نتجت عن مشاجرة في ميدان العتبة، اشتعل فيها الميدان والناس، وتحطم بها قسم الشرطة، واعتدي على ضابطه، بل وجـرت فيه محاولة ـ مبكرة ـ لنهب السلاحليك"، والتي ربما كانت السبب وراء إصرار السادات على تجويع الشباب المدرب على السلاح وبعثرته في بلاد الناس، إبعاداً له ولخطره، الذي رأى بوادره) وبين ظواهر أخرى، اجتماعية تتصف بالعنف .. وقلت: إن شيئاً لا يجمع هذه الظواهر كلها، إلا بذرة العنف التي ستورق في احمرار، وستروعنا في السنوات القادمة، إذا ما بقي التجاهل السطوي للمشاكل الحقيقية للناس في مصر، ولحقهم في المشاركة الفاعلة تسيير أمور الوطن".

وشرحت {إن اعتمادنا السخيف ـ الذي نركن إليه دائماً ـ على ما تعارفنا عليه بأنه "الشخصية المصرية" التي لا تميل إلى العنف .. هو تأكيد لأسلوب غير علمي ودفن للرؤوس في الرمال .. فالعلم يؤكد أن في الإنسان طاقة عدوان، إما أن توظف في التفوق (وهو عدوان مشروع على الآخرين) أو تسعى جامحة إلى التحطيم (تحطيم الذات وتحطيم الآخرين.}

وقلت إن الإنسان المصري .. لا يختلف ـ في هذه ـ عن أي إنسان آخر في أي زمان ومكان .. وإذا ما كانت البيئة تشارك في صنع طبيعة الإنسان، فإن التغيرات الحادثة في البيئة، تساهم في تغيير ما اعتدنا أن نسميه طبيعة الإنسان المصري".

وقلت إن البيئة قد تغيرت في مصر

• "الانفتاح" جاءنا بالتوحش المسعور من جانب الأقلي، وجاءنا بعجز السواد الأعظم عن تحقيق ما أصبح متاحاً وميسوراً ـ بدون مبرر ـ لتلك الأقلية .. جاء "بفتارينه" العريضة في المحلات، في نفس الوقت الذي تتآكل فيه قدرة السواد الأعظم الشرائية، لقد أصبح السواد الأعظم وليس لديه الاستطاعة إلا في أن يراقب ما يحدث في بلاده .. وأن "يشاور عقله!! ، فهناك ممن هم حوله ومنه ـ من انطلقوا بسرعة الصاروخ من تحت خط الفقر إلى آفاق "المليون"، دون سبب واضح، دون قوة حقيقية، إلا اقترابهم من أصحاب النفوذ .. (صغروا أصحاب النفوذ هؤلاء أو كبروا ..) لقد كان الاقتراب من أصحاب النفوذ يعني الاقتراب من التوكيلات الانفتاحية.

• الحل الجمعي يتم ضربه تحت لافتة الهجوم على جمال عبد الناصر وعصره "الانغلاقي" .. بينما الحل الجمعي هو مسئولية المجتمع عن أفراده .. أو مسئولية الأفراد عند الأفراد .. لقد ترك الباب مفتوحاً للحل الفردي .. "أنت مسئول عن نفسك .. خذ فرصتك بيديك" .. (والذي سيأخذ فرصته بيديه، لو لم يجد فرصة .. فسوف يستعمل يديه في شيء آخر .. العنف ..)، إن الرئيس السادات عندما أطلف "بغرض التشويه" على انتفاضة يناير 1977، اسماً هو "انتفاضة الحرامية"، لم يتساءل ولم يسمح لأحد بأن يسأل .. لماذا يجد المصريون أيديهم ليلتقطوا فرصتهم سرقة وهم يمارسون العنف في عصره؟!).

• الحكومة تتراجع عن مسئولياتها (عن مسئوليات كل حكومة في أي مكان من العالم) بدعوى مغلوطة يروج لها، هي أن الحكومة لا تستطيع أن تفعل كل شيء .. { الحكومات في العالم لا تترك أي شيء .. الحكومات تنظم كل شيء .. سواء قامت به هي من مصادرها السيادية ومنها أموال دافعي الضرائب (يمكن القول أن عصر الرئيس السادات، كان العصر الذهبي للتهرب الضريبي .. بل العصر الذهبي لتصالح الحكومة مع التهرب على حساب الشعب الفقير .. والذي يتم إفقار فقرائه بمنتهى الضراوة، ودفع الطبقة الوسطى فيه إلى أسفل، الأمر الذي انعكس على اليم ـ والطبقة الوسطى خزائنها ـ فانهارت. وتغير وجه المجتمع الجميل إلى تلك الملامح الشائهة التي لم نعد نرى غيرها الآن ,, أو قام به الأفراد (القطاع الخاص) .... إن الحكومة لا تخلع يدها من الأمور .. وإلا فما هو المبرر لوجود أي حكومة؟ .. على سبيل المثال فإن على الحكومة أن تضمن لشعبها رعاية صحية متكاملة .. سواء قدمتها بالمجاني، وأنفقت عليها من مواردها السيادية، التي تستطيع زيادتها بالضرائب المباشرة وغير المباشرة، على القادرين، أو لم تقدمها مجانية. وسمحت للقطاع الخاص بأن يشارك في نسبة كبيرة من مؤسسات الرعاية الصحية، إن الحالتين لا تنفيان دور الحكومة في ضمان وصول الخدمة الطبية إلى مستحقيها.

وأن تجعل الدخول قادرة على ألا يحرم أحد من تلك الخدمة الضرورية مثلما تقر حقوق الإنسان .. هذا مثال يمكن القياس عليه في كل الأمور، وإلا ـ فمرة أخرى ـ أي مبرر يجعلنا نقبل بوجود حكومة!!!} ولقد كان من أهم الأمور التي تراجعت عنها الحكومة .. وخلعت يدها منها .. فقد صارت عملية خلع اليد من فلسفة ذلك الوقت، هو التزام أي حكومة بأن تعطي موظفيها، وأن تضمن لغير موظفيها بالقانون، مرتبات ـ مقابل أعمالهم ـ تفي باحتياجاتهم الحياتية الكريمة، وأن تقاوم بهم (بإنتاجهم) ومعهم (بالإشراف) الارتفاع الزائف للأسعار، خلعت الحكومة يدها من الأمر بدعوى أن ليس لديها ما هو أكثر، وأنها تعطي مـا في يدها، وما في إمكاناتها (الحكومة مسئولة عن أن تفي إمكاناتها بالضروري .. المطلوب)، وذلك في نفس الوقت ـ الذي كانت تخطط فيه لانفتاح استهلاكي يقضم من الدخل القومي ولا يضيف إليه، (لكي ينقص ما في يدها، وما في إمكاناتها!!) ضاربة كل فرصة لاستثمار إنتاجي (بتحويل المدخرات أي الإشباع الاستهلاكي) يوسع فرص العمل بنسبة مستقبلية مناسبة، ويوسع أيضاً فرص العائد على العمل، أيضاً في نفس الوقت ـ الذي تسمع فيه (الحكومة) لموارد آتية من قروض أثقلتها بها دون عائد منذ عام 1974 (وزارة د. عبد العظيم حجازي) ولنهر موارد من تحويلات المصريين من الخارج، أن يختفيا في غلاء مصطنع قائم على المضاربة (لا عائد من ورائه .. فهو مجرد بيع وشراء بقيم مصطنعة) وفي جيوب البعض من الفاسدين ومن المستفيدين من أكذوبة الاستيراد "بدون تحويل عملة"، الذي التقط العملات الحرة من منابعها ـ في الدول العربية من العاملين المصريين بها ـ وأدخلها البلد سلعاً استهلاكية بأسعار شديدة الارتفاع، تماثل أسعارها في الأسواق العربية المفتوحة، أسواق الوفرة التي لا ضابط ولا رابط بها!، ثالثاً ـ في نفس الوقت ـ الذي لا تمل فيه الحكومة عن الادعاء بضعف مواردها وبحاجتها الملحة للعملات الحرة التي لا تجد رائحتها (!!)، وتغض النظر عن المفسدين (حتى يصبح الواحد منهم غولاً لا يبقي ولا يذر) وتصالحهم ضريبياً ـ أيضاً ـ على حساب مواردها السيادية!!!، أو تصالحهم عند المدعي الاشتراكي !!

• أسلوب "العقلنة" في التعامل مع الغرب .. واسلوب العقلنة، لم ولن يعني أكثر من أن نرتضي نحن بما يرتضيه الغرب) فنحن لا نتشنج، ولا نضرب رأسنا بالحائط، ولا ننطح الصخر الأمريكي، وهكذا نكون عاقلين، عقلانيين، متعقلين، متعقلنين، نفهم المتغيرات من حولنا كما يجب أن تفهم !!!، أسلوب العقلنة هذا (الذي هو رضخ كامل) ضرب العزة الوطنية والقومية { طاقة العدوان المشروعة في مسارها الصحيح (التفوق)، والتي لا تسمح في نفس الآن بظلم الآخر والانتقاص من حقوقه}، ضرب العزة الوطنية في مقتل.

وقلت في المقال (ألا زلت تذكر؟): "إن رد السواد الأعظم الوحيد والممكن، على كل ما سبق، لن يكون إلا العنف، ذلك العنف الذي يتخفى تحت أقنعة مختلفة، والذي سوف ينفجر ـ بعد ذلك ـ مفضوحاً واضحاً". لم تنشر المقالة (وأنا أعذر صباح الخير، فقد كانت حساسية الرئيس السادات. الذي قرر وقتها. التراجع عن الديمقراطية، تزداد في مواجهة كل كلمة مكتوبة، وضد كل من يسمح بنشرها، كان السادات وقتها ـ بعد انتفاضة يناير 1977 ـ قد كشر ـ تماماً ـ عن أنياب ديمقراطيته!). وهكذا وئدت البداية الحقيقية لهذا الكتاب، وتأجلت عشرين سنة كاملة!

تلك البداية الموئودة لهذا الكتاب، دشنت قصته

ألم نقل منذ البدء، أن كانت للكتاب بداية حقيقية، وبداية فعلية .. وقصة .. الآن جاء دور القصة منذ حجب المقال عن النشر .. لم يعد لي هم .. إلا تعميق تلك الفكرة التي احتواها، والتي تؤكد أن بديل الديمقراطية (المشاركة الحقيقية الفعالة في تيسير أمور الوطن) عنف. وإن بديل العدل الاجتماعي .. عنف!!

وإن بديل العزة الوطنية والقومية .. عنف ..وأن للعنف مظاهر لا تتم دراستها ولا الانتباه إليها .. وأن الحكومة لا تركز تفكيرها وقدراتها إلا على العنف السياسي الذي يطول لحمها ـ هي ـ الحي، أما المصري، وقيمه، ومصتقبله، فموضوع لا يخطر على الأذهان!!!.

ورحت أجمع مادة الكتاب

كان السادات وقتها قد أسكت الصحف القومية، وراح يتوعد الأحزاب وصحفها المعارضة.

ـ علناً ـ متهماً ما تكتبه بأنه "تجاوز وبذاءات"، مهدداً بأن للديمقراطية أسنان .. وأنياب، لقد أرادها هي الأخرى. ـ الأحزاب وصحفها ـ أن تسكت .. أما هو فلم يسكت ..كان قدره ـ وقتها ـ يقوده إلى نهايته.

كان في ورطة شديدة الغور ـ في عام 1977 ـ أوصل نفسه، وأوصلنا إليها بسياسته التي يحلو للبعض أن يصفها بالعبقرية!!.

وكانت ورطته شديدة الغور تعبر عن نفسها داخلياً وخارجياً

داخلياً، لم يكن يستطيع التراجع أو العمل لصالح الجموع الغفيرة، تلك "الجموع الغفيرة" (السواد الأعظم) التي روعته في يناير 1977، وأرته نهايته، قبل النهاية الفعلية بأربعة أعوام، وشهور تسعة (تقل قليلاً)، كان التراجع يعني أن يتخلى عن الطبقة الانفتاحية "المسعورة" التي أفرزها عصره، والتي أنشبت أظافرها في كل شيء من حوله، حتى أصبحت (فعلياً، وثقافياً بممارسة الردح الإعلامي ضد مهاجميه) هي التي تحميه، فضلاً عن أحلامه وأحلام أسرته الصغيرة والكبيرة، كانت ضمن أحلام تلك الطبقة، لقد تصور السادات أن عليه أن يرسخ قواعد تلك الطبقة السعرانة!!، كي تترسخ قواعد حكمه .. غير هذا، كانت صورته أيضاً لدى الغرب وأمريكا بالذات (التي لم تحم أحداً من أنصارها من قبل !!!) على أنه المؤيد للرأسمالية، تلك الصورة التي كانت تهم طموحاته كثيراً، ستهتز إذا ما تراجع، أيضاً صورته في مرآته هو، التي رسمها لنفسه ـ خطأ ـ على أنه آخر الفراعين ـ المؤمن .. الملهم .. و ... كانت سترتج، ولم يكن السادات مستعداً لاهتزاز صورته لدى طبقته ولدى الغرب أو في مرآته الخاصة.

سبب آخر ـ مهم ـ كان يمنع السادات من التراجع، هو أن الاتجاهات الدينية التي لم يتوان السادات عن النفخ في قدراتها (كانت هناك اتجاهات دينية أخرى يعتبرها السادات من أعداء نظامه أو من أنصار العدالة الاجتماعية أو ووصف أعضائها فيما بعد بأنهم شيوعيون أطالوا لحاهم) إذ رآها ـ الاتجاهات الدينية التي كان يؤيدها وتؤيده ـ حليفة طبقته الجديدة الوحيدة، في مواجهة اليسار (من الشيوعيين والناصريين الذين راح يضربهم بعنف، بعد أن حملهم آثام ثورة الحرامية في يناير 1977 والتي كانت بحق انتفاضة ضد الحرامية وفي مواجهتهم). وراح يصفهم بأنهم "المتاجرون بآلام الشعب"!) كانت تلك الاتجاهات الدينية، لن تقبل تراجعه، فقد كانت ضد أي صيغة ـ ولو مهتزة ـ للاشتراكية، لقد كانت تلك الاتجاهات في حقيقة أمرها ـ تستخدم الفقراء لتحقيق مصالح طبقية، رأسمالية، بدعوى أن الاشتراكية ـ بهتاناً ـ هي الإلحاد، وهي الوقوف ـ افتراء ـ ضد سنن الله في عباده، وأن الزكاة ـ قصوراً ـ هي المشروع الاقتصادي الإسلامي، القادر على حل مشاكل الفقراء، وأن الإسلام ـ ظلماً ـ دين التكافل الاجتماعي (فدعونا من العدل وسيرته .. التكافل أحسن)!!.

وهكذا ظن السادات أن تراجعه يعني انقلاب كل حلفــائه ـ في الداخل والخارج ـ عليه

• خارجـياً، كان السادات في ورطة رهيبة، فهو من باب "العقلنة" وعدم التشنج (اللذين يعنيان ارتضاء ما يرتضيه الغرب لنا) كان قد ضحى الاتحاد السوفيتي ـ وقتها ـ كمصدر رئيسي لتسليح قواته المسلحة، (ظانا ـ وبعض الظن إثم ـ أن الغرب سيسلحه!)، وكان قد انغمس حتى أذنيه في متاهة فض الاشتباك، على مراحل، مع العدو الصهيوني، برعاية الولايات المتحدة الأمريكية .. الأمر الذي كان يتعثر تعثراً مخزياً .. لقد بات واضحاً أن مصر التي انتقلت من صفر الهزيمة وتحطيم أداتها العسكرية بالكامل، إلى الفعل الأكتوبري المبهر (بكل المقاييس) في ست سنوات (كان من الممكن أن يقلوا عن ست سنوات)، مصر هذه ـ التي خرجت من الحرب منتصرة (رغم أنف المتعقلين) تتعثر أربعة أعوام ـ كاملة ـ في طريق فض الاشتباك الوعر، الذي صمم السادات ـ استراتيجياً وإرضاء للغرب ـ على أن يخوضه .. وها هو ذا في 1977 لا يرى له نهاية .. وها هو ذا يرى وقد ضحى بمصادر تسليحه (لقد كانت التضحية الاتحاد السوفيتي كمصــدر للتسليح خطيئة كبرى فقد كان الاتحاد السوفيتي منذ النصف الثاني من السبعينات، مستعداً لبيع أي شيء .. ولا أظن أن الهند النووية، والباكستان النووية إلا نتاجاً لاقتناص تلك الفرصة) ها هو يرى وقد ضحى بمصادر تسليحه أن التوازن التسليحي الذي اختل في معارك أكتوبر 1973 المجيدة لصالح مصر (خرجنا من الحرب والميزان العسكري يتراوح في الطيران بين 3 : 1 لصالح مصر وفي الدبابات 4 : 1 لصالح مصر، ناهيك عن المدد البشري الضخم في مصر) قد تم تعويضه كاملاً كاملاً لصالح إسرائيل في الفترة من 73 – 1997، وأن الأمريكيين الذين لا يكيلون أبداً بمكيال واحد، مصممين على تدعيم التفوق التسليحي لإسرائيل، وأن يكون الميزان ثقيلاً في كفتها إذا وزنت مع كفة العرب مجتمعين .. (وبالطبع لم تكن طبته الانفتاية وحلفاؤها من الاتجاهات الدينية .. يقبلون عودته للاتحاد السوفيتي، ولو كمصدر تسليح، فضلاً عن أنه كان قد قطع كل الجسور بينه وبين الروس).

كانت تلك ورطة السادات داخلياً .. وخارجياً .. (التي أوصل نفسه وأوصلنا إليها بسياساته) ونتيجة لتلك الورطة .. كان على السادات العاقل، المتعقلن، "أن يأتي بأفعال لم يكن من الممكن ان تتصف بالعقل!!!.

• في مواجهة اليسار (المغامر، المتاجر بآلام الجماهير!) راح يتاجر هو بالرخاء العميم القادم .. (بينما سياساته تبشر بتركيز الثروة في أيدي القلة من البعض، وسحق الجماهير العريضة).

• وفي مواجهة العنف الشعبي المتصاعد، راح يعد مساراً تسريبياً للعنف هو "الفتنة الطائفية" .. (راجع تصريحات السادات عن ضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية على كل المصريين، وتصريحاته ضد البابا المسيحيين .. ووصول الأمر إلى ذروته بعزل البابا الذي التجأ إلى دير وادي النطرون).

• في مواجهة فشله سياسياً في تحقيق النتائج التي أسفرت نها حرب أكتوبر الخالدة التي قلبت نظرية الأمن الإسرائيلية رأساً على عقب ـ حقاً وصدقاً ـ راح يعد للصلح مع إسرائيل، وإلى نزوله السينمائي في مطار تل أبيب (التعبير لجولدا مائير، .. ووقوفه في الكنيست الإسرائيلي يخطب السلام، وفوق رأسه حفر غائر على الحائط يقول إن إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، زاعماً ـ وبعض الظن إثم ـ أن المشكلة لا تزيد عن كونها مجرد حاجز نفسي بين العرب وإسرائيل، بينما بيجن يتكلم عن يهودا والسامرة مملكتي إسرائيل اللتين أقامها داوود المحارب (صاحب النجمة السداسية) المملكتين اللتين تلتهمان مزيداً من الأرض العربية غير ما تسيطر عليه إسرائيل الآن بالفعل!.

اضطر السادات (العبقري!!) إلى تلك الأمور الثلاثة .. وكان في تلك الأمور الثلاثة مقتله ..لقد تصرف وبوحي عبقريته (التي روج لها أنصاره وجوقته الإعلامية) مضطراً فقتلته اضطراراته .. وقتلته العبقرية المزعومة.

كان الرخاء الذي لم يأت، عاملاً مؤثراً في مقتله ..وكانت الفتنة الطائفية عاملاً وكان صلحه مع إسرائيل قشة ضربت ظهر البعير فقسمته.

لقد كان القدر يعد لعبقرية السادات منذ بداية العام 1977 إلى نهاية السادات في 6 أكتوبر 1981، ضربات ستقود البطل التراجيدي إلى حتفه المقدور.

فالسادات الذي فرح بتحطيم حركة الصغار (الطلاب) واليساريين (شيوعيين وناصريين)، تلك التي واراها وراء قضبان ثخينة، من التشويه، والقمع، والتهديد، واستعداء التيارات الدينية الموالية لطبقته الحاكمة عليها .. ووارى زعماءها في زنازين مقفلة، السادات الذي فرح بذلك، طلعت له حركة معارضة من الكبار "المعتدلين" تحت قبة البرلمان (نجومها الأستاذ محمود القاضي، والأستاذ ممتاز نصار، والدكتور محمد حلمي مراد، والأستاذ علوي حافظ، والأستاذ عادل عيد، وآخرون) كانت محمية بالحصانة التي لم تكن للصغار ولليساريين، ولقد رأى السادات من تلك المعارضة، التي حل مجلس الشعب، وزور انتخابات البديل الجديد، ليتخلص منها بعد زيارته لتل أبيب { لم يستطع التخلص من الأستاذ ممتاز نصار، فقد وقف أنصاره في البدارى التابعة لأسيوط بالسلاح (العنف) في مواجهة التزوير.. } رأى السادات من تلك المعارضة هولاً، إذ تركزت ضد الفساد الذي استشرى في عصره، والعمولات (التي لم يبرأ هو منها)، وضد معاهدة الصلح مع إسرائيل .. وضد عدوانه السافر على الديمقراطية، وقوانينه العجيبة، من نوع "قانون العيب" و "حماية الوحدة الوطنية"، التي هندسها الأستاذ أنور أبو سحلى. الذي بدأ بمصادرة صحف المعارضة في كرسي القضاء، وانتهى مفصلاً للقوانين، القائلة للحريات في مقعد الوزارة (وزارة العدل!!!) رأى السادات من رموز المعارضة هؤلاء ما لم يكن يحب أن يراه، أو يتصور أنه سيراه، خصوصاً عندما انضمت له النقابات (وأبرزها نقابة المحامين في ذلك الوقت).

والسادات الذي عمد إلى تسريب العنف في متاهات الفتنة الطائفية، وراح ينفخ مزيداً من القوة في صدور الاتجاهات الدينية المناوئة لليسار في الجامعة حتى سيطروا على عدد ضخم من اتحادات الطلاب بعد أن خلت الساحة لهم (في ديسمبر 1977) .. وفي صعيد مصر (حيث الأقباط الأثرياء)، متمركزين بحركتهم حول أسيوط الجامعة تحت رعاية منشئهم وراعيهم محمد عثمان إسماعيل (ولقد وصل الأمر بالسادات في 15 مايو 1980، إلى أن يتهم الأقباط المصريين ـ علناً ـ بأنهم يحاربون في صفوف الميلشيات المارونية في لبنان، بالطبع ضد العروبة، والإسلام، وأن يتهم البابا شنودة الثالث نفسه بأنه يسعى إلى إنشاء دولة للأقباط في صعيد مصر وأنه يرتب لأن يتخذ أسيوط عاصمة لها) السادات الذي فعل كل ذلك (وأكثر) لتهييج الفتنة الطائفية، وجد نفسه في "حيص بيص" مع الغول الذي صنعه (الجماعات الدينية والتيارات الإسلامية الموالية له) عندما قرر أن يستضيف الشاه المخلوع بثورة إسلامية (!) في إيران (ربما ليقول لأمريكا .. لا يصح أن تخلعي يدك هكذا من أنصارك!)، بل وعندما أراد أن يواجه البابا شنودة، فقال "لا سياسة في الدين، ودين في السياسة" فاعتبرها الأنصال موجهة لهم أيضاً، وأيضاً حين سعى للصلح مع إسرائيل (اليهود الذين هم أشد الناس عداوة للمؤمنين).

ولوجه الحقيقة وللتاريخ، فإن السادات لم يفهم الجماعات الإسلامية في مصر، أما هم فقد تصوروا أنهم فهموه !!!، كان السادات ينظر إليهم على أنهم "أداة" يستطيع ـ بل يسهل ـ عليه استخدامها (هذه النظرة اكتسبها قبل الثورة في علاقته الإخوان المسلمين، وبعد الثورة كممثل لمصر في المؤتمرات الإسلامية، ومن علاقته بكمال أدهم. صهر الملك فيصل، ومن علاقته بعثمان أحمد عثمان، الذي أجاد اللعب على ذلك الوتر الديني خارج مصر في عهد عبد الناصر، وفي داخلها في عصر صهره وصديقه ورفيقه أنور السادات) وكانوا ـ الجماعات الإسلامية ـ هم ينظرون إليه على أنه فرصتهم التاريخية .. أما الحقيقة فكانت عكس تصورات الطرفين.

للحقيقة، لم تكن التيارات الدينية أداة في يد السادات يسهل استخدامها .. فالتيارات الدينية في مصر لم تكن في أي وقت من الأوقات كمّا متجانساً .. ففضلاً عن أن التيارات الدينية الناشئة بعد نكسة 1967، كانت تختلف كيفاً عن سابقاتها اللاتي نشأت قبل 67، وكان منشأ الاختلاف .. أن التيارات الإسلامية قبل 67 فرحت بالنكسة، إذ كانت دليلاً على فشل النظام الذي تواجهه .. (تذكر قول الشيخ الشعراوي، "لقد سجدت لله شكراً على نكسة 67")، وكانت تؤذن ـ النكسة ـ بنهاية الجبار (جمال عبد الناصر) الذي روعهم في معتقلاته الرهيبة .. (انظر البوابة السوداء ، أحمد رائف، ، الزهراء للإعلام العربي 1985) أما التيارات الجديدة (بعد النكسة) فقد نشأت في مواجهة النكسة وضد الهيمنة الغريبة بمحاولة الاستعلاء العرقي عليها .. صحيح أن الاثنين (تيارات ما قبل النكسة والتيارات بعدها) قد استخدموا النكسة في مواجهة النظام .. لكن الفارق يكمن بين من فرح بها .. وكان يفكر أممياً وله تراث في استخدام علاقاته بالغرب، وفي استعدائه أيضاً على مناوئيه في الداخل، وبين من اغضبته النكسة ففكر وطنياً (أتكلم هنا عن التيارات الإسلامية حتى مقتل السادات، وليس عن التيارات الأحدث بعد 1984)، وصحيح أيضاً أن الأمميين والوطنيين (لا أنفي صفة الوطنية عن الأمميين ـ أتكلم هنا عن أسلوب تفكير) كانوا يرون في السادات فرصتهم التاريخية، لكن الأمميين كانوا أكثر استعداداً للمهادنة، إن لم يكن للقبول به .. (وصحيح أيضاً أن كل التيارات الإسلامية، أممية ووطنية، كانت ضد الصلح مع إسرائيل من موقف ديني)، والسادات عندما صنع تياراً دينياً إرهابياً يساند سلطته، لم ينظر إلى وجود تيارات دينية تخالفه نظرة فيها تعمف، ولم ينظر أيضاً إلى أن محاولاته في ضربها لاستحداث تياره الديني الخاص، لن تمر بسهولة .. ولهذا بقيت التيارات الدينية العارضة للسادات تحت الأرض مستفيدة في حركتها من حركة "السماح" الواسعة التي أولاها السادات لتياره الخاص .. وعندما اختلف السادات مع التيارات الدينية كلها حين قال "لا سياسة في الدين .. ولا دين في السياسة"، اختفى التيار المصنوع (وهذه طبيعة الانتهازية فيمن صنعهم) وانشقت الأرض عن التيارات المعادية له .. في وقت كانت التيارات الأممية (الإخوان المسلمين ومن خرجوا من عباءتهم، وليس من خرجوا عليهم كصالح سرية وشكري مصطفى) يمسكون بالعصا من منتصفها، ألسنتهم ضد الخوارج وقلوبهم معهم ...

ذلك التقسيم (بين غير المتجانسين) لم يفهمه السادات، وأيضاً لم ينتبه إليه المحللون الذين يتكلمون عن التيارات الدينية (ككم متجانس .. وتيار واحد صنعه السادات ثم انقلب كل منهما على الآخر).

هكذا بدت وقائع ثلاث مستعصية على التفسير، ضمن كثير غيرها .. (وقــد حدث خلل كبير في تفسيرها).

الواقعة الأولى: حدثت بينما كان القاضي يعلن بإعدام شكري مصطفى (عام 1978).

الواقعة الثانية: حدثت في جامع صلاح الدين عند كوبري الجامعة (عام 1980).

الواقعة الثالثة: حدثت والرصاص ينهمر على أنور السادات في المنصة (عام 1981).

كان شكري مصطفى "أثناء إلقاء الحكم بإعدامه" "يغلوش" صائحاً، "يا عملاء الصهيونية، يا أصدقاء بيجن وشامير، يا عبيد الأمريكان"، ولم يذكر غضبته الدينية في "غلوشته" { ولا مجال للظن ـ طبعاً ـ بأنه كان، يريد أن يؤلب الناس ضدهم بما يكرهه الناس لا بما يكرهه هو .. لقد كان يعلم بأنه مشنوق! وكان يعلم أن الجلسة سرية، ثم أنه لو كان يريد أن يؤلب الناس على شانقيه، لاختار أن يؤبهم بالدين}.

الواقعة الثانية: حدثت عندما أرادت بعض الجماعات الدينية بالجامعة (وعلى رأسها الجماعة الإسلامية) أن تقيم معسكراً داخل حرم جامعة القاهرة (1980)، ورفض التصريح لها، فصممت على إقامته دون تصريح .. فواجهتهم قوات الشرطة واقتحمت الجامعة وأخرجتهم منها (الناس تتصور أن السادات اقتحم الجامعة مرة واحدة في يناير 1972!). فاندفعوا إلى جامع صلاح الدين عند نهاية كوبري الجامعة أو بدايته القريبة من القصر العيني واحتلوه، وفتحوا مكبرات الصوت فيه، وهاجموا الفساد، والصلح مع إسرائيل، و "التتار الجدد" الذين يتظاهرون بالإسلام، بينما أفعالهم بعيدة عن تعاليمه .. (إذن لم يكن الأمر أمر دين فقط لكن التدين كان تعبيراً عن غضبة سياسية عارمة).

الواقعة الثالثة: حدثت أثناء اغتيال الرئيس السادات، إذ تصايح الذين هاجموه ليقتلوه "تحيا مصر" (!!) وكانوا أعضاء في تنظيم الجهاد! { حدث هذا بينما المصريون جميعاً مسلمين وأقباط، كانوا يصيحون "الله أكبر في لحظة العبور العظيم}.

هذه الأحداث الثلاثة، تظهر أن تيارات ما بعد 1967 الدينية، قد اختلطت لديها الوطنية التي سفح دمها على رمال سيناء 1967، وفي محادثات فض الاشتباك على مراحل والرضاء، المتعقلن بما يريده للغرب لنا ومنا، والصلح مع إسرائيل. مع محاولة الاستعلاء العرقي على الغرب واليهود المهيمنين علينا رغـم قدرتنا عليهم التي أظهرتها معارك أكتوبر المجيدة 1973 (استعلاء تعويضياً، في مواجهة الانسحاق القومي الذي جاءت به الهزيمة الشنعاء، والعقلنة الانهزامية، وللأسف الشديد إن أحداً لم يتتبع ولا يريد أن ينتبه إلى القضية القومية والقضية الاجتماعية لهؤلاء الذين اتخذوا الاستعلاء العرقي ـ الديني ـ وسيلة لمجابهة سلطة غاشمة كانت دوماً (أسداً علينا وفي الحروب نعامة) برغم دمائنا المسفوحة المنتصرة في مواجهاتنا مع الغرب، (وضمن العرب اشكيناز إسرائيل وهم اليهود الغربيون)، مستندين على "الله" الذي لا يمكن أن يخذلهم مقلما خذلهم قادة ثورة يوليو 1952، في مرحلتها الثورية والتراجعية). وهكذا أضاعت القوى الوطنية فرصة عظيمة للتحالف والوفاق من أجل انتصار قضايا مشتركة، وعلى رأي تلك القوى الوطنية التي أضاعت الفرصة تلك الجماعات الإسلامية الوطنية نفسها، ذلك أن قياداتها كانت في أغلبها مخدوعة بالسلطة المشتهاة لرجال الدين.

المهم الآن .. اختلف السادات مع حلفائه في الاتجاهات الدينية، فقويت شوكة غير المؤيدين لسياسته من هذه الاتجاهات، وتسيدوا الساحة، بعد أن مهد "هو" لهم الأرضية بنفسه، وعندما صمم على تأديبهم "واجهوه، ولما أشموا رائحة رغبته في القضاء عليهم .. قتلوه

لقد قتل الرئيس السادات، وكل الاتجاهات في مصر تعارضه (عدا طبقته الانفتاحية الشرسة التي لم ينفعه ردحها الإعلامي) من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

وفي تلك اللحظة كان العنف قد استفرد بالصورة واضحاً جلياً بلا أقنعة ولا تزويق.

بمقتل السادات واستفراد العنف بالصورة، كانت مرحلة أخرى من قصة هذا الكتاب على وشك أن تبدأ كنت قد نشرت قصيدة عامية "في صباح الخير" (حملها إليهم شاعر مصر العظيم الذي شرفت بصداقته في سني حياته الأخيرة، وهي سني مجده الشعري الطاغي الذي لن يموت) بعدها طلب الأستاذ لويس جريس (الذي أدين له بفضل كبير وأكن له احتراماً أكبر) أن يقابلني، كانت القصيدة قد نشرت في عدد صباح الخير الذي صدر يوم الثلاثاء 6 أكتوبر 1981، يوم مقتل السادات، (كانت صباح الخير منذ تولي رئاسة تحريرها الأستاذ لويس جريس تصدر يوم الثلاثاء بدلاً من الخميس، وإن ظلت تحمل تاريخ الأخير، تجنباً للخميس الذي تتكاثر فيه المجلات الصادرة المنافسة)

ذهبت للأستاذ لويس في مكتبه لأتعرف عليه، (لم يمنعني قتل السادات والاضطراب القائم بعد الحادثة من أن أذهب .. بل وأعترف بأنني ذهبت متحيناً فرصة الاضطراب لغرض في نفس يعقوب!)، وعندما قابلني الأستاذ لويس مقابلة تليق بأخلاقه الرفيعة الرقيقة، تشجعت وفتحت معه موضوع العنف، وموضوع تلك المقالة التي ذهبت بها إلى صباح الخير عام 1977، ولم تنشر .. (وكان من المفترض أن يكون البداية الحقيقية لهذا الكتاب) وقلت للأستاذ لويس، إن تلك المقالة كانت تحذر مما نحن بصدده الآن ..

ابتسم الأستاذ لويس .. وبعد تفكير قال:

- أظن أننا الآن نستطيع أن ننشر هذا الكلام.

لحظتها بدأت كتابة المقال الثاني، وذهبت به إلى "صباح الخير"، ليكون علي أن أنتظر أكثر من شهر حتى أراه في المجلة (فهمت من الأستاذ لويس وقتها أن فترة التأخير تلك، كان يتم فيها تبادل الآراء، مداولة بينه وبين الأستاذ المرحوم صلاح حافظ، عن تحين الفرصة الملائمة لنشر المقال) صدر المقال بعنوان (على غلاف العدد 1353 الصادر بتاريخ 10 ديسمبر 1981) "جامعي يكشف حقيقة الإرهاب: الكبار مسئولون عن غرس الإرهاب بين الطلبة"، وكان العنوان الداخلي على الصفحة السابعة (المقال نشر في الصفحات 7-13) "شاب مصري يقلب المائدة: الإرهاب مسئولية الكبار"، وبمقدمة كتبها الأستاذ لويس جريس تسببت في رعبي وفي "موقف شديد الغرابة .."

كتب الأستاذ لويس جريس في المقدمة:

"قرر شاب مصري أن يقلب المائدة، أزعجه اتهام الشباب بالمسئولية عن حركات الإرهاب الديني (ثم خل بالك من هذه) التي كان عضواً فيها (كتب الأستاذ لويس هذا في وقت كان يقبض فيه على من تكاسل في حلاقة لحيته في الصباح!!) بينما الحقيقة أن الكبار كانوا وراءها".

الحقيقة أن انزعاجاً (بل رعباً!) شديداً أصابني من جراء "التي كان عضواً فيها" (والذي دخل المعتقلات والسجون، يعرف خطورة ما يحدث لواحد لا ينتمي للاتجاه وفصائله المنظمة، وغير معروف لأحد منهم، عندما يجدونه بينهم في السجن!!).

في الصباح وجدني الأستاذ لويس جريس أدخل عليه، ولابد أن وجهي كان مصطبغاً بما هو في داخلي .. فهو ما إن رآني داخلاً، حتى انتابته موجة ضح طويلة مقهقهة، وقال دون أن أنبس بكلمة:

- ما تخافش يا سيدي، احنا كتبنا إنك عضو في الجماعات الدينية الإرهابية، بس المباحث صححت لنا المعلومة، وقالت لنا .. المذكور شيوعي

وهكذا تأرجحت في ليلة واحدة وصباحها بين أقصى اليمين وأقصى اليسار! والحقيقة أن تلك الأرجحة كان لها ما يبررها

أفهمني ـ وقتها ـ الأستاذ لويس جريس "بدماثته المعروفة"، إن المداولات التي طال أمدها وسبقت نشر المقال، قد استقرت على تنفيذ نصيحة قدمها الأستاذ صلاح حافظ بأن المبرر الوحيد الممكن لنشر مثل تلك المقالة، هو نشر تلك المقدمة (بالجزء الذي أوردته من قبل) لكي يجي ـ في المقدمة ـ ما يلي.

"وفي رسالة بالغة الصراحة، طلب الشاب من صباح الخير "أن تنشر شهادته، وقد لا تؤيد صباح الخير (هنا مربط الفرس) كثيراً من وجهات نظره، ولكن الوقائع التي يستند إليها لا يمكن إغفالها. خاصة وهي منشورة ومعلنة على الملأ، وتحت نفس العنوان ـ أسرار الحركة الطلابية ـ"

وضحك الأستاذ لويس جريس مردفاً :

- لم يكن من الممكن أن نقول: إليكم شيوعي يدافع عن الاتجاهات الدينية، أو إليكم كاتب محايد يدافع عن القتلة ويتهم القتيل .. الذي هو رئيس الجمهورية!!

ثم اكتست ملامح الأستاذ لويس بالجدية وقال:

- الممكن الوحيد، كان أن نصور الأمر على أننا ننشر آراءهم، وعلى لسنهم، لكي نبرر النشر .. فآراؤهم ليست آراءنا بالتأكيد.

والحقيقة أنني لم أكن شيوعياً يدافع عن الاتجاهات الدينية. (برغم أن الأستاذ لويس أكد لي في هذه الجلسة، بحسه الصحفي الذي يستشرف ما سيكون، أن المحامين لن يجدوا شيئاً أكثر من كلماتي، ومن منهجي، ليدافعوا به عن قتلة السادات، وقد حدث ما توقعه الأستاذ).

والحقيقة أيضاً أنني لم أكن كاتباً محايداً يدافع عن القتلة ويتهم القتيل.

الحقيقة .. كل الحقيقة .. أنني كنت كاتباً يتهم القتيل

لقد كنت أتهم السادات بشيء أكبر بكثير من كونه تسبب في مقتله ولابد الآن أن أقتبس أجزاء من المقال، لعل هذه الأجزاء توضح ما كنت أرمي إليه ... قلت في المقال:

"لم يعد على السطح الآن إلا غول الإرهاب البشع، وقد أصبحت القضية الآنية، هي محاربة هذا الإرهاب، هذا الغول، والقضاء عليه تحقيقاً للأمن"

"وأخاف أن نقضي على طليعة إرهابية، وبلا رغببة نحول البعض منهم إلى شهداء، ينسى لهم من يجيئون بعدهم كل شيء إلا الانبهار بالشهادة، ولا يرون فيهم إلا الهالة التي تحيط بالشهداء والنور الذي يتضوع منهم" {أظن أن تلك النبوءة قد تحققت!}

لا نستطيع الآن أن جزم بأن "العنف فوق المنصة" سوف يكون آخر محطات القطار المخيف، قد تكون محطات أخرى في انتظارنا، وفيها هول تقشعر منه أبدان وتتخبط في دمائها منه أبدان" {وأظن أيضاً أن تلك المخاوف قد تحققت}.

قلت أيضاً :

"إن فلذات أكباد تضيع، فلذات أكباد تتحول ملامحهم الرائعة البهية، إلى ملامح قاسية، تضمر الشر، فلذات أكباد نكرههم وكانوا جديرين بالحب، لولا أن شاهت ملامحهم الجميلة، نكرههم، لكن حسرتنا عليهم تبقى أكبر بكثير من كراهيتنا لهم، إنهم ـ من قبل ومن بعد ـ فلذات أكباد" {وآه كم ضاع من فلذات أكبادنا بعد ذلك!}.

وقلت

"إن رحلة طويلة قضاها الشباب المصري في دروب الضياع (والقطار الذي يروعنا ليس قطار العنف .. إنه قطار ـ الضياع، يعبر عن غضبه بالعنف) رحلة كانت نكسة 67 أولى خطواتها".

وأوضحت (في المقال) أن بنكسة 67 ضاع الحلم، وقد كان على المجتمع أن يتغير إلى الأفضل لكي يعيد ما ضاع، أو يضيع المجتمع في متاهات العنف ويقع في براثنه، من أجل هذا طالب جيلنا بالتغيير، وعندما لم تبد في الأفق ملامح التغيير المطلوب، خلع الشباب ثوب الانتظار، وارتدى ثوب الغضب، وللحق لم يكن غضبه عشوائيا، كان دعوة للتغيير، التغيير إلى الأفضل، وكان ـ الغضب ـ دعوة لمشاركة (بل فرضاً لها) يريدها الشباب بالديمقراطية، وحرية الرأي وحرية الصحافة، وحرية وجود تنظيماته المستقلة، في تسيير أمور بلاده، حتى لا يفاجأ بأن أحد أضاع البلاد، وأن السلطة عندما حرمت الشباب من المشاركة "ليست المشاركة ثوب الغضب".

وتساءلت: ماذا تريدون من شباب "يطالب .. يضيع صوته، يشارك .. لا يجد مكاناً .. أكثر من هذا يشوه ويدان دون ذنب جناه؟"، وقلت: "إننا نتساءل الآن، لماذا شوهوا الصوت البريء؟، لماذا دفعوه إلى المعارضة الغاضبة؟، ولماذا يفزع المشوِّهون (بكسر الواو) من وجه الغول المخيف وكفيه الداميتين، ألم يكونوا يعلمون أنهم يخلقونه؟".

كنت أقصد (وقد وضحت قصدي ذلك) بالغضب .. وبالمعارضة بالغضب، حركة الطلاب الصاخبة من 68 – 1977.

ثم عرضت لكتاب المهندس وائل عثمان، أحد زعماء الاتجاه الديني الشريف (وأشد الناس عداوة للتيار الذي أنتمي إليه)، لأوضح وأنا أحلل كلماته الصادقة، كيف عمل السادات على تكوين جماعات دينية عنيفة بغرض القضاء على الشيوعيين (كانت تلك هي المرة الأولى التي يعلن فيها ذلك الأمر)، وكيف توصل الكاتب الشريف إلى ما يكمن وراء الستار قائلا: "أدركنا أن هناك من يعمل على ضرب الشيوعيين وشباب الإسلام (الجماعة الشريفة الدينية في الجامعة التي كان ينتمي إليها) في نفس الوقت، وأن التعليمات كانت تصدر لهذه المجموعة (التي ترفع شعارات دينية وتستخدم العنف والمطاوي ضد خصوم السادات اليساريين) من مكتب أمين التنظيم في الاتحاد الاشتراكي محمد عثمان إسماعيل".

ثم قلت أن حرب 73 هدأتنا، لكن بعدها "المشاكل التي لم تحل .. تزايدت .. الزواج أصبح مستحيلاً، التعليم لا يجلب شيئاً من همه، فئات طفيلية تكون ثروات خيالية ( ) يظهرون للشباب أن الفهلوة أجدى، ومن يرفض الفهلوة، فلينعزل .. وليغتظ، وليتجه به غضبه إلى العنف".

وقلت مديناً السادات. وخلقه أو اختلاقه، لجماعات الإرهاب المتخفية في مسوح الدين، على حساب جماعات دينية شريفة وطنية تعارضه، الأمر الذي هيأ الأرض لمعارضيه المتسمين بالعنف والذين كان خطابهم، نفس خطاب الجماعات المصطنعة، فلم ينطق لهم بينهم، قلت "فوجئنا بهم، نفس خطاب الجماعات المصطنعة، فلم يفطن لهم بينهم، قلت "فوجئنا بهم وقد طالت لحاهم، يشبهون الشيوعيين (كل من يعارض السادات شيوعي وعميل في نظره)، ويقولن نفس كلامهم (يعارضون الفقر، والفساد، والفشل الإداري المعهود في حل مشاكل الناس، والاستسلام للغرب بدعوى العقل والعقلانية والصلح مع إسرائيل) فقال السادات "إن الشيوعيين تخفوا داخلهم (وكان هذا أغرب تحليل للأمر تفتقت عنه عبقرية السادات ورددته جوقت من محترفي الردح الإعلامي .. ألم نقل إن السادات لم يفهمهم) وتساءل البعض كيف اجتمع الشامي والمغربي؟".

وقلت عن تلك الجماعات "قيل لهم أنتم المخلصون، واقتنعوا، ولأنهم كانوا يلبسون ملابس فضفاضة، كانوا يستفزون من كل من يرى أنهم ليسوا في حجم ثيابهم .. ولنهم كانوا يتكلمون بالقرآن والحديث وابن قتيبة وابن حزم وابن كثير، وأحاديث آخر الزمان وغيرها، لم يستطع أحد أن يقف أمامهم، واتجهوا للعنف ( ) وهم يحملون غيظاً من المشاكل الاجتماعية وكلهم من أبناء الطبقة الفقيرة والطبقة المتوسطة التي جعلتها الأسعار تندفع منحدرة إلى دفاع المجتمع".

"ليس الأمر شيوعيين أو فتنة طائفية".

"الأمر غضب شريف للشباب، يشوه ويقمع فينحرف إلى ساحات العنف"

وقلت:

لكن يكون العنف فوق المنصة آخر الخطوات أو آخر المحطات "لقطار الضياع" إلا إذا استطعنا أن نوقف القطار نهائياً، وهذا يستلزم منا الكثير إلى جانب القبض على البعض، والمحاكمة، والجزاء.

كان هذا بعض ما كتبته في المقال، ودم السادات لم يجف بعد!!.

وبدون إدعاء زائف للتواضع، انقلبت المائدة!! (كما جاء في وصف الأستاذ لويس جريس لما كتبته) وتحول الأمر من مجرد مهاجمة التيارات الدينية العنيفة إلى محاكمة "بالرأي" للمسئولين عن أزمة الشباب، وعن زرع بذرة العنف (وعلى رأسهم السادات بالطبع) وكان ذلك ما قصدت إليه تماماً أيضاً، وبدون ادعاء زائف للتواضع، أصبح قاموس المقال (العنف، غياب الحلم، حادثة المنصة، عزلة الشباب، الغضب الشريف، وغيرها ..) ومداراً (بل وعناوين) لكتب كبيرة فيما بعد، كتبها كتاب كبار للغاية ..وبرغم أن صباح الخير (معذورة) لم تستطع وقتها ـ أن تفسح لي مساحات أخرى لاستكمال تلك البداية الثانية، بعد البداية الحقيقية الموؤودة (أيضاً أعذرها في ذلك) إلا أن ما حدث كرد فعل شجعني على أن أعد كتابي هذا "الجيل الذي واجه عبد الناصر والسادات"، ومن الجيل تلك الجماعات الدينية التي مارست العنف وكتاباً آخر .. أرجو أن يظهر قريباً عن "العنف القادم في مصر"!

في الفترة من أكتوبر 1981 وحتى منتصف عام 1984، كان العنف قد هدأ تماماً واختفت الفتنة الطائفية كأن لم تكن، برغم هذا لم أتصور للحظة واحدة أن العنف لن يندلع مرة أخرى .. وبصورة أخرى .. ذلك أن أسبابه كانت ما تزال سارية ـ وبالطبع لم تكن الصحافة مستعدة لفتح السيرة "مرة أخرى"!!، حتى بدأت شواهد جديدة لعنف آت تظهر حول المساجد أو الزوايا في مناطق الفقراء العشوائية في الفيوم، ومدن أخرى من مدن الصعيد، حتى وقد بدأت الجرائم ضد ممتلكات الأقباط وفي كنائسهم في الوجهين البحري والقبلي والقاهرة، تلك الجرائم التي تقوم على مبدأ "الاستحلال"، ولا يكون الهدف منها كما عودنا أبطالها، إلا تمويل موجة عنف قادمة .. برغم هذا لم تكن هناك أذن تريد أن تسمع شيئاً عن العنف!!! (بدأت الشواهد الجديدة في العام 1984). إلى أن صحت الآذان جميعاً على صوت انفجاراته المدوية، ومنظر نزيفه الهادر.

حاولت ولم أستطع إلى أن أنقذني صديقي الشاعر الجميل جمال بخيت وأنقذ هواجسي التي لا تريد أن تتركني، والتي كان من الواضح أنني لن أتخلص من تأثيرها المدمر إلا إذا كتبت عن الموضوع.

أنقذني جمال بخيت وأنقذ هواجسي وأنقذني منها كان ذلك في فبراير 1985.

في ذلك الوقت اندلعت سلسلة من جرائم الاغتصاب .. (فتاة المعادي وخمس حالات أخرى) .. وكتب جمال بخيت عن السلسلة الآثمة متهماً الكبت الجنسي الذي يعاني منه الشباب، الشباب الذي أطاحت الظروف الاقتصادية ـ بعيداً عنه ـ بسن الزواج ...

قال جمال بخيت في نهاية مقاله "بصباح الخير":

احذروا الظن بي ...أنا لا أخرف ..

"وفإنني على استعداد لأن أترك هذا الموضوع إلى الأبد، وعندي من الحماسة ما يكفي لحملة صحفية تتناول محاكمة الكبت وإثارة هذا الموضوع مع رجال الدين والتربية والأطباء والمسئولين عن الإسكان".

كان من الواضح أن جمال بخيت يتوقع أن تفتح عليه فرقة "الردح الإعلامي" ـ الجاهزة أبداً ـ نيران أبواقها .. لتتهمه هو، وتغلوش على الموضوع .. كان يتوقع ذلك وإلا لما قال إنه على استعداد لأن يترك هذا الموضوع إلى الأبد"!!.

أخذتها فرصة وقررت أن أكتب مرة ثالثة ـ عن العنف !!! وأيضاً في "صباح الخير" وقلت في المقال:

"تعرض جمال بخيت لقضية خطيرة في مقاله "حاكموا الكبت أولاً" هي قضية قضية الكبت الجنسي الذي يعاني منه الشباب والذي يكمن وراء الاختطاف والاغتصاب وأشار ككاتب واع إلى الأزمة الاقتصادية بأصابع الاتهام ـ تلك الأزمة التي تهددنا بأن "جيلا كاملاً لم يوفر له المجتمع فرصة ممارسة الجنس بالطريقة المشروعة التي حددها له الدين، وتحددها القيم عن طريق الزواج، فلا عمل مناسب، ولا شقة تسمح له ببدء حياة زوجية شريفة في سن مناسبة ..."

وقلت إن جمال بخيت "على حق فيما وصل إليه .. ولكن!! .. هل المشلكة كبت جنسي فقط؟!

وقلت:إن هناك كبتاً (أكبر بكثير من أن يكون جنسياً فقط) يعبر عن نفسه بالرغبة في العنف .. وإن اتخذ شكل الممارسة الجنسية، وهذا الكبت ليس جنسياً، لأنه لن يحلل ظاهرة العنف تحليلاً كاملاً".

ذلك أنني كنت قد لاحظت، شيئاً وراء جرائم الاغتصاب، هو نفس الشيء الكامن في تغيير نوعية الجرائم العادية .. فقلت.

أولاً: تعالوا نفرق بين ممارسة الجنس اللامشروع، وبين تلك الطقوس المرعبة لممارسته بكل هذا العنف .. { قهر الخطيب (فهم كانوا يختطفون البنت وخطيبها!!!) وإيلام الضحية جسدياً ونفسياً إلى أبشع حد..}. إن ما يخيفني حقاً في الصورة هو هذا العنف البشع".

"في حالة الفيوم مثلاً .. طلبوا من الضحية، بعد أن نالوا ما يبتغون، أن تأتي في اليوم التالي من أجل المزيد، لم يكن الدافع إذن تصريف حالة وقتية .. (مكبوت جنسياً يصرف كبته محاذراً أن تتعرف عليه الضحية .. لكننا في مثل هذه الحالة أمام أفراد قرروا إذلال من اغتصبوها وإذلال خطيبها أثناء الاغتصاب وبعده .. إن هذا بوضوح شيء أكبر من الكبت الجنسي الذي كان قد استراح بعد ممارستهم الآثمة).

ثانياً : تعالوا نثبت أن هناك كبتاً أعم هو ما وراء حوادث الاغتصاب، والخطف، لماذا؟ حتى لا تنفصل تلك الجرائم عن صور العنف الأخرى .. العنف السياسي .. زيادة عدد الطعنات في الجرائم العادية .. سبعون طعنة !!! (راجعوا صفحات الحوادث) سرقة شقة بعد قتل خادم ضعيفة لا تستطيع المقاومة! ولا تستطيع أن تستدل على الفاعلين لأنها لم تكن د رأتهم من قبل!، قتل الأمهات بعدد كبير من الطعنات! قتل عمة أو خالة، وطفلتين كبيرتهما في الثالثة (!!) والصغرى رضيع!!، انتشار أقراص الهلوسة إلى حد يدعو الباحثين إلى الهلوسة! و ......"

"لا رابط بين كل هذه الجرائم غير العنف، عنف على الآخرين وعنف على النفس، عدوانية ضد الآخرين وعدوانية ضد النفس".

"هناك عنف .. عنف .. عنف ..، والاغتصاب أحد صوره (وما لا ينشر أكثر مما ينشر بالطبع)

ثالثاً: هل الفقر وحده وراء جرائم الاغتصاب العنيف وأشكال العنف الأخرى في الجرائم؟ .. الفقر دافع خطير لا نستطيع تجاهله كما وضح جمال بخيت ولكن أليس في ممارسي الاغتصاب (حرفي) يكسب الكثير ولا يعرف كيف يحسن إنفاق الكثير الذي يكسبه؟، أليس فيهم (ممارسي الاغتصاب) مثلما في الجرائم العنيفة واحد من أثرياء الطبقة الطفيلية .. أو أبناءها؟، إن الأمر احتاج إلى "عربة" ونقود، وغطاء بالنفوذ في إحدى الجرائم أو بعضها .. المشكلة أن فيهم من لديهم المال والإمكانيات والنفوذ أيضاً .. إذن ليس القفر وحده وراء هذه الجرائم العنيفة!!".

"إن ما وراء هذه الجرائم في الأزمة الاقتصادية، تلك الأزمة التي تعبر عن نفسها، بأن هناك "فقر بلا داع وغنى بلا أساس".

"المتعلمون أغلبهم فقراء وكانوا يحلمون بحياة أخرى يوفرها لهم علمهم، أي خبية أمل؟، وبعضهم خدم تكنوقراطي لأصحاب الثراء من أمثال "شيال الميناء" .. أي مهانة !!!، والبعض صار مضطراً للخدمة بعلمه في بلاد أخرى، تمتص أعمارهم، ليعودوا ويفاجأوا بأن التجار والسماسرة وأصحاب العقارات (الناطحة للبشر!!) يمتصون بعد أعمارهم من أجله .. أي غيظ"!.. هؤلاء ألا تمكن فيهم بذرة عنف!!."

"ثم (البلطجية) .. صاروا أغنياء .. قلب ميت وتجارة في الممنوع وتحايل جريء على القانون أو بالقانون، ثم ثروات مفاجئة يتم الإعلان عنها تليفزيونيــاً ... إذا تكلم الناس فإنه الحقد!!، وإذا تكلم المدعي الاشتراكي، فنحن "نخيف رؤوس الأموال"!! وإذا تكلم الناس فإنه الحقد!!، وإذا تكلم المثقفون، فهم يتاجرون بآلام الشعب الكادح!!، ويشوهون الحقائق الحقائق، ويبلبلون، ليعرقلوا مسيرة الإصلاح (...) وإذا فاض اليل، فهي انتفاضة حرامية".

"الذي باع نفسه بسهولة، ليحصل على ثروة لا تستطيع شراء نفسه مرة أخرى (..) ألا يجد لذة في تعذيب الآخرين، من يستهن بنفسه، يستهن بالغير .. وابنه .. ابنه الذي حصل عى كل شيء بينما الجميع من حوله يتهامسون بحقارة أبيه (...) ماذا يحوي داخله غير البذرة العنيفة؟".

"والحرفيون .. (إنني لست ضد ثرائهم. هؤلاء بدلاص من أن نفيدهم بـ "التعاونيات" ونستفيد بهم نتركهم للمخدرات، التي لا تكفي فيضاف إليها الخمرن فلا يكفيان فيضاف إليهما "الماكس فورت" ونحتقرهم ونلعن ثراءهم، كأن ذنبهم أن المتعلمين فقراء بعلمهم!!، وأن هناك من المتعلمين من يعلمهم كيفية التهرب من الضرائب صباحاً، ويرص لهم "الحمص الملهلب" في الليل طمعاً في "نَـفَـسْ" ينسيه همه، ينسيه أنه اضطر للعمل في خدمة الجهل، وكل ذلك ليحل المتعلم (!!) مشكلته فردياً بعد أن نتفنا ريش الحل الجماعي، وضحكنا إذا رأيناه عارياً بيننا بلا ريش!!".

"ليس الفقر وحده متهماً، لكن الثراء بلا أساس متهم .. أي أن الاتهام يوجه للخلل ... لللاتوازن ... وفي الخلل تترعرع بذرة غضب يعبر عن نفسه بالعنف".

"هناك عنف .. عنف .. عنف ..".

عنف رغم وضوحه، نراه متخفياً في صورة جرائم فردية!".

وقلت :

"لا تعودوا إلى الكلام عن فئة ضالة، وإفراد منحرفين ... و ... و ... وتدفنوا الرؤوس في الرمال".

"هل سيظل العنف معبراً عنه نفسه بالجرائم الفردية؟!، لا أظن ..."

وقلت أيضاً:

"لقد كتبت في هذه المجلة (صباح الخير) بعد حادثة المنصة ما ألخصه في جمل قصيرة الآن.

- قلت "إن ضياع الجيل هو بسبب العنف، وليس العنف هو ضياع الجيل".

- وقلت "إن علينا بالمبادرة بحل المشكلة الاقتصادية (فقر بلا داع وغنى بلا أساس) .. وحل مشكلة التعبير الديمقراطي التي تجنبنا اليأس الذي سيورعنا بالعنف بين الحين والحين".

- وقلت "إن علينا ألا ننخدع بالقشور، فلا فتنة طائفية هناك، ولا تيارات خارجية تتحكم في شبابنا، ولكنه الغضب، الغضب الشريف.

"وأي جديد جد؟"

"أقولها بصراحة والأرزاق على الله ـ يوجد من يحاولون دائماً عرقلة مسيرة الإصلاح ...." عندما حانت الفرصة لمشاركة الشباب في الإصلاح، كان هناك البعض الذين يحاولون إقناع البلد بقانون الانتخابات (الجديد)، هذا القانون الذي جعل الشباب يحجم عن المشاركة متصوراً أن لا فائدةن ثم كانت هناك شبهة التزوير"، و"كان هناك من يجعجعون بالجرعة الزائدة للديمقراطية التي لن تحتملها معدة الشعب الطفل، وكأن الديمقراطية ـ حقنا ـ من الممكن أن تسحب منا بسهولة!، وكان هناك من يتغاضون عن تعذيب المسجونين السياسيين الذي أثبته القضاء، وكان هناك أيضاً ونحن نؤكد قدرتنا الذاتية وانتماءنا العربي، وعدم انحيازنا، من لا يتوانون يوماً عن تأكيد الحقيقة الوهمية، بأن 99% من أوراق اللعبة في يد أمريكا (...) ومن أسموا محاولة الإصلاح الاقتصادي الأخيرة التي تتحسس خطاها بأنها عودة للانغلاق الأسود، صائحين بأن القرش الأبيض لا يعمل في الانغلاق الأسود".

وقلت في نهاية المقال:

"حكموا العقل .. وإلا سيبقى العنف عدواً مختفياً تحت الرماد، أو عدواً رغم وضوحه، يتخفى في صورة جرائم فردية..." وبعد ..

فلعل القارئ قد لاحظ (أو هو لابد فعل) أن المقالة الأخيرة .. قد حذرت ولم يكن على السطح وقتها إلى بوادر شاردة "تؤمي" إلى أن العنف لن يبقى متخفياً في صورة جرائم فردية (وها ما حدث) وحذرت من عنف سيصنعه الفقراء ولم تمض غير سنة بالضبط ـ من فبراير 1985 إلى فبراير 1986 ـ حتى اندلعت أحداث الأمن المركزي { وكانت احتجاجاً عنيفاً للرعاع .. إنني لا أقصد هنا بالطبع أن أهين جنود الأمن المركزي، ولكنني أقصد إدانة الحريصين على انتقائهم ممن لا يعرفون شيئاً على الإطلاق .. ليزيدوا ما من تجهيلهم بدعاية قادتهم المغرضة، عامدين إلى إذلالهم لإطلاق الوحشية داخلهم، ثم بعد ذلك يقودونهم في حملات بربرية لاقتحام بيوت الناس في الصعيد، مشيرين عليهم وسامحين لهم باعتبار ما يجدونه من ممتلكات الناس غنيمة يحل لهم أن يحصلوا عليهم .. (ولو لم يكن كل ما أقولها صحيحاً، لما عمدت الحكومة إلى إخفاء أوراق القضية واعتبارها نسياً (!!)، منسياً وكأن شيئاً لم يحدث وكأن ممتلكات الشعب لم تهدد وتحرق!!، وكأن فوضى لم تعم، وترويعا لم يحدث بنفس الطريقة التي تعدها الحكومة لخصومها .. لقد كفت الحكومة على الأمر "ماجوراً" ولم تنتبه، إلى أن الفارين منهم .. فروا بأدوات وكيماويات الإحراق .. وأن هذه الكيماويات ظهرت بعد ذلك في أيدي أنصار العنف الديني في موجة حرق نوادي الفيديو .. لقد اتحد الهاربون مع الهاربين من أعضاء الجماعات، واختفوا جميعاً في المحاجر .. وعادوا لنا ليروعونا بمواد حارقة تتعجب لماذا وضد من كانت تمتلكها الدولة؟!!).

أيضاً .. القارئ لابد لاحظ أن المقالة حذرت من تصاعد العنف اجتماعياً وسط طوائف المتعلمين وشرائحهم الطبقية .. (وأننا شاهدنا بعدها، المدرس، والمحامي، والطبيب، والتاجر بين صفوف جماعات لم تكن تضم إلا الطلبة الصغار الحرفيين...).

رابـعــاً: لابد وأن القارئ قد لاحظ تحذير المقالة من البلطجة المستشرية، { ولعله الآن يذكر .. أحداث جمهورية إمبابة الإسلامية التي قادها طبال، صار بلطجياً، ثم داعية إسلامياً يجهل كل شيء عن الإسلام، ويعرف كل شيء عن العنف .. تلك الجمهورية التي قامت الحكومة بحملة عسكرية من قوات الأمن ووات مقاومة الإرهاب للقضاء عليها، وكان على الحملة أولاً أن تزيح أكوام القمامة لتصل إلى حكام جمهورية إمبابة (التي لا تشبه جمهورية زفتى إلا في المعنى المتداول للاسم..) ولعل القارئ يذكر أيضاً احتياج الشعب والحكومة مؤخراً إلى إصدار قانون ضد البلطجة المستشرية من مجلس الشعب.

خامسا: وأظن أن القارئ قد لاحظ إنه لم تمض سنوات حتى عرفنا أن من أبناء الطبقة الجديدة من يمولون العنف الديني (رغبة في التطهر بالدين، ورغبة أشد في العنف) دون معرفة من آبائهم، ثم عرفنا أن آباءهم يمولون العنف الديني دون معرفة من أبناءهم { ذلك أن العنف الديني السياسي، يشل يد الحكومة، ويشغل وزارة داخليتها، وأن استشراءه خير وسيلة لقمع جميع المواطنين، وتأجيل الكلام عن أي إصلاح ديمقراطي، يفضح فسادهم، واستغلالهم لنفوذ البعض، ويكشف عملياتهم التي لا تمت إلى نزاهة رجال الأعمال بصلة، وتهربهم الضريبي، وعدوانهم الاستهلاكي الفج على فرص الاستثمار، تاركين المغامرة ـ سواء تجارية أو صناعية ـ للأموال التي يقترضونها من البنوك ـ عارفين أن الهرب بعد تهريب الأموال ممكن، غير عابئين بالضحية المستنزفة، الدخل القومي المصري .. فضلا عن أن الإرهاب يقوي شوكة الأمريكيين (لاحظ أن أمريكا بسبل غير مباشرة تدعمه، وتدعم رموزه وتفسح لها مكاناً عندها سواء كانوا من مصر أو من الجزائر ولا تغرنك المحاكمات الورية التي لا تبدأ إلا بعد عمليات إرهابية تمس اللحم والدم الأمريكي الغاليين) ومطالبتهم بمزيد من الخصخصة، إذ أن الإدارة في مصر تثبت في فشلها الإداري في مكافحة الإرهاب، إمكانية فشلها في إدارة ممتلكات عامة نيابة عن الشعب (وهانحن ذا قد وصلنا إلى الخصخصة، بعد اكتمال المصمصة!) }.

والغريب .. أن بعض المثقفين، ينادون الآن بضرورة تأجيل الإصلاح الديمقراطي .. بحجة أن المستفيد الوحي من هذا الإصلاح هو الجماات التي تستخدم الدين في ساحات العنف، ذلك أن المثقفين يخافون على الخرية الموجودة !!!! التي ستقمعها هذه الجماعات.

أيضاً فإن الحكومة "مبسوطة"، فقد وضعت الجميع في خندق، وهي تلوح دائماً بأنها لن تحتمل أي تجاوز (الحكومة تسمي دائماً المعارضة تجاوزاً) بينما هي تحارب الإرهاب، والحكومة "مبسوطة" أيضاً لأن قانون الطوارئ (الذي تزعم أنه لا يستخدم ضد أصحاب الآراء، والذي استخدمته فعلياً ضد أصحاب الرأي "حمدين صباحي، وكمال خليل، وعز الدين نجيب، وكلهم معارضون لا يعرف أيهم استخدام السلاح!!) الحكومة مبسوطة لأن قانون الطوارئ هذا يمد العمل به أتوماتيكياً، بحجة طال انتظارنا عليها. هي مقاومتها للإرهاب، كل ذلك وهي تعرف أن الفساد الاستفزازي والفشل الإداري وازدياد إعداد الواقعين الرازحين تحت "بلدوزر" البطالة .. عوامل كبيرة ـ تعني فشلها ـ وتغذي مرجل الإرهاب. بل وتعلم الحكومة أيضاً أن إرهاب "الداخلية" أكبر مفجر للإرهاب الأهلي.

ولعل القارئ قد لاحظ (وهو لابد فعل) أن ما حذرت منه المقالة، هو ما نعانيه الآن وكأننا جميعاً نؤذن في مالطة!!.

لكن .. الآن .. ومن حق القارئ الذي لاحظ كل ذلك، أن يلاحظ ما فات على وقتها .. فمن حقه أن أعترف له، بأنه لم يدر بخلدي أبداً أن تسعى الحكومة، وبتمويل أمريكي ـ سعودي، إلى تسفير أعضاء الجماعات الإسلامية العنيفة إلى أفغانستان، بحجة مقاومة المد الشيوعي (المأزوم وقتها، والمعرض للانهيار!!!)، ليتم تدريبهم على أعلى مستوى معسكرات تشرف عليها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وليتحول التيار الوطني لهذه الجماعات (حتى وإن كان يمارس عنفاً جموحاً تسريبياً شديد البشاعة) إلى تيار أممي أعمى، تتلاعب به جهات التمويل الخارجية المريبة (ومنها إسرائيل بطريق غير مباشرة) تحت شعار المساندة الأممية، ليعودوا فوق بئر تمويلي معطاء، يروعوننا كما لم نروع من قبل، ولنجد أنفسنا في مواجهة عمليات هي الفوضى وإسالة الدماء .. كل الدماء .. تؤدي بتقنيات جديدة، (الغريب أيضاً، أن الحكومة التي أرسلتهم في بعثة تعليمية تدريبية تمويلية، لم تحتفظ بقوائم تضم أسماءهم، إذ تركت أمر التنفيذ والقوائم سراً لا يمتلكه إلا شيخهم عمر عبد الرحمن الذي لجأت إليه الداخلية ليعطيها مدداً من شبابنا تعطيه للمخابرات الأمريكية لمحاربة الشيوعية!! (مرة أخرى .. التي كانت في سبيلها إلى الانهيار).

• والآن، من حق القارئ عليّ أن يتساءل، ما كل هذه المقدمة الطويلة عن العنف ـ بكل صورة ـ لكتاب أكرسه عن حركة الطلبة 68 – 1977، ولماذا كل هذه الكتابة عن "السادات" في جزء أختص به مواجهة جيلنا لجمال عبد الناصر 68 – 70؟

الحقيقة أن الدهشة كانت دهشتي قبل أن تكون دهشة القارئ بعد أن قطعت شوطاً في المقدمة، وعدت لأراجع ما كتبت. سألت نفسي نفس السؤالين. لكنني سرعان ما وجدت إجابة جعلتني أستمر فيما بدأته ..

الإجابة كانت، أننا خرجنا ضد جمال عبد الناصر في أمر واحد، خرجنا ضده من أجل الديمقراطية، وكان تخوفنا، أن انتكاسة كانتكاسة 67 من الممكن أن تحدث إذا ما ظلت الديمقراطية غائبة، إا ما احتمى بغيابها الانتهازيون، الذين يصورون كل معارضة على أنها تآمر لقلب نظام الحكم، وتآمر على جمال عبد الناصر شخصياً، وخلف الستار يفعلون ما يفعلون، وما ندفع نحن ثمنه كلما صحونا على مصيبة من مصائبهم .. ولما لم يقبل عبد الناصر خروجنا عليه .. وضربنا، وأرهبان، وشوهنا، وحاول احتواءنا. ونجح في احتواء البعض، ولم يحدث التغيير ... وسكتنا لأن قواتنا المسلحة كانت تقوم بالعبور بين ليلة وأخرى وتروع اليهود على الضفة الأخرى الأمر الذي جعلنا نؤكل كل الأحلام ليتم الحلم الأجمل.

ولأن جمال عبد الناصر فعل هذا وسكتنا، صحونا على مصيبة جديدة.

وكانت المصيبة تراجع السادات عن الخط الثوري الذي دبر له تدبيراً محكما، وصنع له رجاله المستفيدين، أبواقاً صحفية، وأقلاماً مغرضة، ورجالاً للأعمال لا يعرفون غير البلطجة والسرقة، والعدوانية على قوت الشعب الضروري.

لقد سلمنا جمال عبد الناصر لأنور السادات ..سلمنا له صيداً سهلاً ...

أما تنظيمات جمال عبد الناصر، التي تصورنا إنها ستدافع عن الشعب، فقد ظهرت مما فعله بها، نموراً من ورق، أسد "مخابراتياً" عليَّ، وأمام السادات نعامة.

ولقد استخدم السادات كل كلمات، جمال عبد الناصر، ليمشي في عكس الاتجاه، فالاشتراكية التي ليست ماركسية كافرة ملحدة، استخدمها هو أيضاً لضرب الأنصار، والتراجع عن الاشتراكية.

بل إن التسمية الخاطئة لصراعنا الأمني القومي مع إسرائيل والتي سماها جمال عبد الناصر "قضية فلسطين"، لكي تحتمل التأجيل إلى وقت يختاره هو، استخدمها السادات "قضية فلسطين" لكي يخلع يده منها، تحت شعار "الفلسطينيون" يتكلمون عن أنفسهم، وكان قوله حقاً أريد به باطل، فالقضية ليست قضية الفلسطينيين، القضية قضية الأمن القومي المهدد برغبات سيطرة الرأسمالية العالمية على مقدرات المنطقة، والحلم الصهويني الذذي يخطط لابتلاع الأرض العربية كلها بعد أن يحقق شعاره الذي لم يتنازل عنه "برغم السلام !!" وهو أن "أرض إسرائيل الكبرى من النيل للفرات"، وأن الشرق أوسطية سوف تتولى بعد ذلك السيطرة على الإنسان العربي في كل مكان بعد السيطرة اقتصادياً على العرب (المهرولين !!) كل العرب.

والديمقراطية، اضطر لها السادات ثم جعل لها أنياباً ..و ... و ... و ...

وكان أن ضرب السادات بنفس الطريقة التي مارسها عبد الناصر (ولكن لأسباب أخرى) كل معارضيه، بداية من الضرب بعنف على يد كل حركة، إلى الترويع، إلى التشويه للمعارضين، إلى محاولة الاحتواء، بنفس القضية التقنية الناصرية ...

لو لم يفعل بنا جمال عبد الناصر ما فعله، لما استطاع السادات أن يلهو بنا ... وأن يجعلنا أوراق كوتشينة التي يقامر بها لمصلحته الشخصية، في مواقع ذيلية تابعة للأمريكان.

ولقد أخطأ جيلنا، حين أصابه اليأس، وجمدته اللامبالاة، وشتت قواه وبعثرته في بلاد النفس، والتي رآها "شحططة إجبارية" بعد أن عمد السادات إلى إفقار الطبقة الوسطى في الأساس، ليشتغلها ولتستطيع طبقته أن تأكل الفقراء والطبقة الوسطى معاً.

أخطأنا ...وأخطأ بعضنا حين تصور أن العنف الفوضوي هو بديل العمل الشعبي المنظم القادر على الضغط باستمرار لتحقيق أمانيه ..صدقاً وحقاً، كان العنف هو البديل، ولقد فرح جيلنا بهذا العنف ـ بادئ الأمر ـ لكن سرعان ما تنبه وكان الفضل في تنبهه، لتلك الجماعات التي خرجت من صلبه ـ غير المثقف ـ إذ رآها لا تستطيع أن تحدد أعداءها .. ولا تستطيع إلا ان تمارس العنف ضد الجميع، حتى ضد البسطاء أنفسهم.

إن سلسلة الأخطاء الناصرية، لا يمكن أن تلد إلا سلسلة من الأخطاء الساداتية والأخطاء الساداتية لا يمكن إلا أن تلد أخطاء الجيل ..لهذا كله كتبت عن السادات والعنف مقدمة كتاب عن مواجهة جيلنا لجمال عبد الناصر، لأن مواجهتنا لجمال عبد الناصر، لم تكن إلا لتجنب ما سردته المقدمة.

إن المقدمة هذه هي التي تعطي معنى واضحاً لتصاعد فصول الكتاب إلى "غلطة عمر جمال عبد الناصر".

وبعد ...

• هل كنت فيما سطرته في هذا الكتاب، أكتب تاريخاً .. هل كنت أقرأ تاريخاً، أم كنت أقرأ للتاريخ ..

الحقيقة ليس الكتاب محاولة للتأريخ.

وليس قراءة في التاريخ ...ولا هو أيضاً .. قراءة للتاريخ ...

ليس كتابة تاريخ، لأنه ـ عوضاً عن أن كتابة التاريخ ليست من اهتماماتي، فإنها أيضاً ـ قبل ذلك ـ ليس من استطاعتي. إن كتابة تاريخ فترة حافلة بالتفاصيل كتلك الفترة كان يستلزم أشياء كثيرة ـ لم تكن متاحة لي ـ أبسطها، أن يقول أبطال تلك الحقبة آراءهم فيها ويروون بأنفسهم ـ كلهم ـ ما حدث منهم .. ولهم.

وهذا ما لم يحدث إلى الآن..، وأيضاً أن تتاح وثائق الفترة ـ في بلد تعترف بإتاحة الوثائق ـ كلها، للدارسين، لكي يستطيعوا أن يكتبوا التاريخ.

أما قراءة التاريخ ـ التي أنفيها هي الأخرى ـ عن مجهود الكتاب ـ فإنها فوق هذا وذلك، كانت تستلزم أن يكون هذا التاريخ مكتوباً بواسطة متخصصين في الكتابة التاريخية حتى أستطيع أن أمارس قراءته، والحقيقة أن هناك ما هو لزملاء أعزاء، رماح أسعد، وأحمد عبد الله، وائل عثمان، أحمد بهاء الدين شعبان، فضلاً عن الحركة الطلابية أصدرتهما دار بن خلدون في لبنان، لكن من قال أن هذه الكتب، إذا ما أضيف إليها كتابي تكفي، إن الحركة الطلابية لم تولد في فراغ، ولم تنطلق دون أن يمهد لها آخرون، ولم تستمر دون استمرار حركة المجتمع التي رأت في حركة الطلاب مترجماً صادقاً عما يجيش في قلوب أصحاب المصلحة في التغيير ولكي تكتب الحركة، كان لابد أن ترسم صورة ما حولها وملامح تفصيلية لأصحاب فضل علينا لا نستطيع نكرانه.

ثم أن هذا الكتاب ليس أيضاً قراءة في أحداث أتركها للتاريخ، لأن الأمر كان يشترط رؤية بانورامية أوسع .. أفضنا من قبل في أنه لم تكن ولن تكون متاحة في القريب العاجل.

لكن .. وبرغم اللاءات الثلاثة تلك فإن هذا الكتاب الأهم .. كانت محاولة لإعادة تخليق للفترة، التي جرى منها الزمان، وفي محاولة إعادة التخليق هذه، يمكن لغيري كما أمكن لي أن نرى فيها ما لم نره وقتها، وأن نستشف ما كان غائباً عن الأذهان.

إن الكتابة عن أرسطو، وهذا حق، وسيلة للمعرفة، وليست وسيلة لنقل المعرفة فقط، وأظن ان من حق القارئ علي أن أعترف له أنني عرفت بالكتابة ما لم أكن أعرف وأنا أبدأها .. حين تخلقت الفترة أمام عيوني، بدأت أرى في بانوراميتها (التي حققتها على قدر جهدي) ما لم أكن قد رأيته من قبل ... بل ومكنتني من أن أخرج من الحدث الذي كنت جزءاً فيه ... ترساً صغيراً في آلته الكبيرة الضخمة، لأعاين عن كثب بقية الأجزاء.

لقد اندهش بعض الأصدقاء عندما أحسوا بأن الكتابة قد غيرت الكثير من أفكاري المسبقة .. وللأصدقاء الأعزاء كنت أقول ... لو تصورنا أن الحركة الطلابية كالسيارة، وكنا نحن بعض تروسها .. سنتأكد، ان حركة السيارة محصلة لحركة تروسها، جميعاً وهي تختلف في النهاية عن حركة بعض التروس في الاتجاه وأيضاً في القوة .. فالسيارة عندما تتجه إلى اليسار، لا تعدم داخلها تروساً تتجه حركتها إلى اليمين لتنقل الحركة في تروس أخرى تتجه إلى اليسار، ولا تعدم أيضاً تروساً تتحرك في وضع أفقي، وفي أوضاع رأسية، إنك لو سألت كل ترس لحظتها على حدة عن طبيعة حركته واتجاه هذه الحركة لحصلت على إجابات مختلفة، لكن السيارة ـ حركة الطلبة ـ لا تعرف إلا إجابة واحدة إذا سئلت عن طبيعة الحركة وعن اتجاه السير ...

بل أحب أن أفضفض للقارئ بأمر آخر شديد الأهمية، وهو أنني حين بدأت كنت أحب البعض، وأكره البعض الآخر، وأؤيد ما جاء به البعض، وأرفض رفضاً قاطعاً اتجاهات البعض، (أو لنكن صرحاء أكثر) وتصرفات البعض، لكنني بالكتابة تصالحت مع نفسي، مع أخطائها، ومع أخطاء الآخرين، لقد كانت لنا أخطاء، لكن الجميل أن لم تكن للأغلبية الساحقة منا خطايا، والخطأ وارد لكن الخطيئة عار ..

لقد خرجت من الكتابة بمشاعر جديدة دفعتني لاحتضان كل من رأيت من الزملاء في احتفال جيل تاسبعينيات الذي أقيم في فبراير 1997 بحركتهم، وجعلني أكثر شوقاً لاحتضان من لم أتقابل معهم بعد .. من ذا الذي لا يعشق صغاراً (بين السابعة عشرة ـ وبعضهم أقل .. وبين الخامسة والعشرين على الأكثر .. حاولوا .. حتى ولو شابت محاولاتهم بعض الأخطاء، وبعض التصرفات التي لم نراها لائقة في حينها.

لقد فعل الصغار عجباً .. وها أنا أصارح القارئ، بأنني أحب هؤلاء جميعاً، ويشرفني بأنني كنت واحداً منهم في يوم من الأيام، وأنهم هم من أنالوني شرفاً كان أبعد من أن أنال بعضه .. كلهم وأنا مصمم على أن أقول كلهم ..

• شيء آخر .. هل هذا الكتاب ضد جمال عبد الناصر، وأقول للقارئ صادقاً، إن المثلى ممن أحبوا جمال عبد الناصر أكثر من أنفسهم، وأقل قليلاً من الوطن، لا يمكن أن يكتب كتاباً ضد عبد الناصر ..، بما كان يمثله من استمساك بثوابت الوطن في التحرر والعدل الاجتماعي، والانتماء العربي الذي هو أملنا في عالم الوحش الأمريكي الأسطوري العولمي.

الحقيقة إن عبد الناصر عندي ثلاثة رجال ...

رجل أحبه.

رجل أقدره.

ورجل لا أطيقه.

الرجل الذي أحبه هو جمال عبد الناصر نظيف اليد، الوطني الغيور، منصف الفقراء والبسطاء في هذا الوطن. صاحب الكرامة التي هي جزء من كرامة الأرض التي أنبتته .. الرجل الذي حاول وأخطأ، ولم تكن في محاولاته أي شبهة لمكسب شخصي، بالعهكس لقد دفع من شبابه ومن صحته ثمناً لمكاسب أعطاها للبسطاء. والذي أخطأ ـ دون تعمد ـ ولم يتكسب من وراء أخطائه ـ كغيره ـ إلا حسرة عاناها ولم يحتملها قلبه في سني عمره الأخيرة.

والرجل الذي أقدره، هو عبد الناصر الفكر، وقد كان حرياً بي أن أقول، أنني أحب عبد الناصر رجل الفكر، لولا غياب الديمقراطية في عصره واعتماده على أنه سوف يحقق ما يريده الناس ـ من فوق ـ دون أن يتكلم الناس عن حقوقهم.

أما الرجل الذي أكرهه في عبد الناصر ولا أطيقه، فهو عبد الناصر السلطة، لقد أضاعت سلطة جمال عبد الناصر رجلاً نحبه في جمال عبد الناصر ورجلاً نقدره ..

لقد ضرب عبد الناصر أعداءه، وأنصاره أيضاً الذي جرءوا على المعارضة لصالح خطه الثوري .. وهكذا عندما ركب السادات الموجة، استطاع أن يمشي على طريق عبد الناصر "بالأستيكة"، ولم يجد من يقف في وجهه من ضحايا عبد الناصر، أنصار نظامه.

لولا غياب الديمقراطية، لقلت أن جمال عبد الناصر أحب خلق الله الذين عاصرتهم إلى قلبي "المعصور".

إن هذا الكتاب ليس أكثر من محاولة لإنصاف حركة طلابية واحدة في سلسلة من الحركات موزعة على قرن كامل، لاقت من الضرب والترويع والتشويه ومحاولات الاحتواء ما لاقته غيرها ...

هذا كتاب يحاول أن يوضح الغرابة في تصرفات سلطة ثورية، مارست ضد حركة الطلاب نفس ما مارسته السلطة التراجعية في السبعينيات، بل ومارست الاثنتان "الثورية والرجعية" نفس الأساليب التي مارستها السلطة القمعية قبل الثورة "النقراشي وصدقي"، والثلاثة مارسوا ما مارسه الاحتلال بسلطته الغاشمة ضد حركة الطلبة عام 1935، لا شيء إلا لأن الحركة رفضت أن تحتوي، الأمر الذي قبله مصطفى كامل لبعض الوقت، ليفيق متأخراً إلى أن حركته لم تخدم ـ أكثر ما خدمته ـ غير أن الخديوي عباس الثاني الذي سرعان ما عمد إلى تقليصها حين بدأت تخدم الشعب مع نمو قدرات محمد فريد.

إن هذا الكتاب محاولة لفهم شيء غامض هو اجتماع المحتلين، والقمعيين والثوريين، والتراجعيين على أمر واحد هو ضرب المبادرات الشعبية، ولعلنا كنا ومازلنا نتوقع هذا الأمر من المتسلطين، محتلين وقمعيين وتراجعيين، لكن الدهشة تأتينا من موقف السلطة الثورية، من خوف جمال عبد الناصر من الديمقراطية وهو الرجل الذي ملك أفئدة المصريين وليس لسانهم فقط.

لقد كنا نقول أن عبد الناصر كان يريد أن يبني اشتراكية بدون اشتراكيين وأصبحنا بهذا الكتاب أكثر اقتناعاً، بأنه كان يريد أن يقود ثورة بدون ثوريين .. وتعالوا لنرى ....

قالت أمي : عيناه زائغتان .. سيعلن مصيبة

أسرتي لم تكن تكره جمال عبد الناصر، كانت تحبه، وكانت معجبة بإنجازاته الحقيقية، لكنها لم تكن متيمة به. ولا كانت تعشق ثورته عشقاً خالصاً.

أبي أ.د. محمد محمود السلاموني (أستاذ اللغات الأوروبية القديمة، اللاتينية واليونانية السابق، بجامعة القاهرة، ومن قبلها بجامعتي عين شمس، والإسكندرية) كان يرى أن الثورة أفسدت الجامعة، فمن جانب – تدخلت الثورة في الجامعة سراً وعلانية. بذهب المعز وبسيفه أيضاً يتنظيماتها المختلفة وآخرها "الطليعي"؛ فأضاعت استقلالها كمؤسسة طالما حمت العلم. وحمت المثقفين، بل حمت حرية الفكر مُساندةً كل ما هو عقلاني، وعلماني، وعلمي. (ألسنا نعاني الآن في المجتمع من كل ما هو ليس عقلانياً؟، ألسنا نعاني من تسلط سلفي فاشي؟، ألسنا نعاني من تراجع دور المثقفين .. بل ومن محاولات قتلهم .. وأين؟، في مجتمع يحضّه دينه على التعلم، وعلى أن الناس أدرى بشئون دنياهم، ويؤكد بتعاليمه أن لا رهبانية ولا سلطة لرجال الدين في الإسلام!، بل ألسنا نعاني الآن من رجعة الجامعة نفسها ومعاداتها للفكر بالتكفير، بدلاً من معارضتها الفكر بالفكر. ومن جانب آخر كان أبي يرى أن الثورة أضاعت هيبة الدرجات العلمية. إذ حرص الضباط الأحرار الذين لم يدخلوا الجامعة أصلا في سني دراستهم، على أن يدخلوها ضباطاً أحراراً (!!)، وأن يحصلوا منها على درجات علمية عليا (!)، ربما لتحقيق حلم قديم لم يستطيعوا تحقيقه في الماضي. وربما ـ أيضاً ـ لإقناع عبد الناصر بأنهم قد غضوا الطرف نهائياً عن العودة إلى القوات المسلحة، أو التدخل في أمورها، الأمر الذي لم يكن ليسمح به جمال عبد الناصر، وكان المشير "المؤتمن" عبد الحكيم عامر، يرى دوه خراط القتاد، هؤلاء الحريصون على دخول الجامعة، حصل أغلبهم في رأي أبي على دكتوراهات وهمية، استغلوا نفوذهم وريق البعض السائب في الحصول عليها. وأذكر لأبي معارك كبيرة ضد هذا الاتجاه، وأقول الآن ليته انتصر فيها. (ولكن من ذا الذي يقدر عليهم إذ أحاول، لقد حاول أبي، ودفع ثمناً غالياً لمحاولاته ـ لكنه لم يستطع الانتصار).

وكانت أمي – من المربيات الفاضلات – وخالاتي يعشقن محمد نجيب رمزاً للتخلص من كابوس قديم، وربما لم يغفرن أبداً لجمال عبد الناصر الذي كان عن حق هو الثورة !! ما فعله في رأيهن باللواء المعزول، وأيضاً وهن المتدينات، كان في قلوبهن شيء لما فعله بالإخوان المسلمين من تشريد، وسجن، وتعذيب، وخراب بيوت، ضم "العاطل والباطل" ـ في نظرهم ـ وسرى في العائلات حتى درجات القرابة البعيدة، مثلما تسري النار في الهشيم.

لم يكن يعشق عبد الناصر في بيتنا عشقاً خالصاً غير أخي الأكبر العاطفين ولقد حاول ونجح في أن يجعلني أعشقه مثله، إذ ربط بين شخصه في ذهني وحدود الوطن، بلبل وخريطة أحلامه أيضاً.

والحقيقة أنني أحببت جمال عبد الناصر منتصراً في 56، يفرض إرادته ـ إرادتنا ـ على الأعداء، بعد أن أمم قناة السويس، أحببته زعيماً للقومية العربية يحمل لواء كرامة العرب في عالم الاستقطاب بين قوتين عظميين فخرجتا منتصرتين في الحرب العالمية الثانية ثم احتكرتا الاحترام والسطوة، أحببته مثالاً للعزة الوطنية، اشتراكياً بطريقته (فقد كنت غراً أحس أن الاشتراكية هي العدل، وأصبحت شاباً وأمسيت شيخاً أراها هي عين العدل).

طفولة عاشقـــة

نحن جيلاً دخلت إليه السياسة ـ إعلاماً صاخباً ـ في البيوت، ولم يسع إليها!!.

في المدرسة الابتدائية، كنت أحب كزملائي أن أكتب موضوعات إنشاء طويلة للغاية عن بورسعيد وعن وقفة الشعب المصري العظيم فيها في مواجهة العدوان الغادر، وانتصار إرادة الشعب عليه، وهي حقيقة لا ينكرها إلا المرجفون، وأول كلمات ألفتها وكانت في نظر أهلي شعراً، كتبتها عن محاكم الغدر العراقي 1958م ـ كما أسماها إعلامنا ـ وهي التي سحل وصلب فيها عبد الكريم قاسم ـ قائد الثورة العراقية ـ الوطنيين وغير الوطنيين العراقيين، كتبتها ضد الشيوعية (إذ كنت مقتنعاً وقتها بإدانة جمال عبد الناصر المستمرة للشيوعية وفضحه لـ "حقيقة الشيوعية")، بل كانت أحب اللحظات إلى نفسي، لحظة أمسك ميكروفون الإذاعة ـ بالمدرسة الابتدائية ـ معقباً على خطب جمال عبد الناصر، مقتطفاً منها ما كنت أحب أن يعلو به صوتي من كلمات الزعيم، فتعلو حولي آهات الإعجاب وفرقعات التصفيق!!.

سطوح المدرسة الإعدادية وجمال عبد الناصر!

من سطوح مدرسة علي عبد اللطيف الإعدادية، (أمام غرفة الرسم، هوايتي في تلك الأيام)، أطللت كثيراً، من السور جميل التكوين، لأرى جمال عبد الناصر الذي جاء ـ مراراً ـ ليشيع جنازة المهمين، من مسجد عمر مكرم المواجه للمدرسة، لا أنسى أبداً جنازة أحمد لطفي السيد. أستاذ الجيل، وحزني الطفل على الرجل الذي لم يتم مائة سنة(!!) فقد مات قريباً منها، دون أن يحقق معجزة الوصول إليها! أيضاً لا أنسى جنازة صلاح سالم، التي أحسست فيها بعبد الناصر متأثراً للغاية وسط الجنازة الفخيم، لكن أكثر ما أذكره من هذه الجنازات، كان ولم يزل ملامح عبد الناصر الجميلة، رأسه المائل إلى الأمام، بزته الواسعة أبداً التي يتلاعب الهواء "ببنطلونها" كما يتلاعب بالأشرعة في البحر ... وحضوره الصارخ.

ولقد حدث لي في المدرسة الإعدادية أشياء لا يمكن نسيانها أيضاً.

ذات يوم زار المدرسة مفتش ليرى مدى استيعاب التلاميذ للميثاق الوطني، وعندما أراد أن يدخل فصل المتفوقين ـ وضع الناظر يده على قلبه، فقد كان عالماً بأن المتفوقين لا يعرفون شيئاً غير المقررات التي تدخل في مجموع نهاية العام .. لكني أطلت رقبة الناظر في هذا اليوم. رقبته التي دخل بها فصلنا وهي "قد" السمسمة، هذا اليوم أعطاني وضعاً خاصاً في المدرسة، إذ لم يعرف الناظر أبداً، أنني كنت أحب الميثاق للفصاحة وموسيقية تعبيراته.

يوم آخر لا أنساه، يوم حصولي على المركز الأول في مسابقة عامة للمدرسة عن كتابة بحث عن معركة بورسعيد .. في هذا اليوم اضطر مدرس التاريخ أن يعترف أمام الناظر بأنه يظلمني في نمرة الشهر لأنني على حد تعبيره طويل اللسان لا أملُّ الاعتراض .. فاضطره الناظر إلى تصحيح شهادتي عن ثلاثة شهور، هذا التصحيح الذي أعاد لي صورتي "المعجبانية" في مرآة أبي.

الإبراهيمية الثانوية وإصلاح الكون

لا أدري لماذا اختارني حاتم قابيل (الآن أستاذ إدارة الأعمال بكلية التجارة جامعة المنصورة، وهو شخصية فريدة، ذات تجربة سياسية، أجاد فيها أن يمسك بالعصا من طرفها القريب جداً من الوسط، وكان ولم يزل أعقلنا في التعامل مع السلطة، خصوصاً إذا كان غاضباً من تصرفاتها) لا أعرف لماذا اختارني لدخول منظمة الشباب الاشتراكي، ولا كيف أقنعني بالانضمام إليها بعد ان كنت غاضباً من إعلان لجنتها المركزية قبل تكوينها، ومن تكوين لجنتها المركزية ـ أيضاً ـ بالاختيار وليس بالانتخاب .. وأذكر أن دخولي منظمة الشباب كان عاملاً فارقاً رسم خطوات حياتي منذ دخلتها حتى اليوم.

هل اختارني لأنه كان زميلي في المدرسة الإعدادية ورأى في ما رآه الناظر؟ (رأى فيّ خبيراً في الميثاق الوطني!) هل اختارني لأنني كنت مثله ـ في ثانوي ـ صديقاً لمكتبة المدرسة الإبراهيمية (التي لم أر مكتبة أكثر منها ثراء حتى اليوم)، أو لأنني أصدر مجلة حائط فيها اهتمام كبير بالسياسة القومية، كنت سعيداً بها لأنني أثبت فيها قدرتي على رسم جمال عبد الناصر ورسم الملك فيصل و الملك حسين أيضاً عدوى عبد الناصر في ذلك الوقت، أم لأنني كنت أفوز في مسابقات الشعر في المدرسة وعلى مستوى الجمهورية بقصائد سياسية عن فلسطين، وعن الاشتراكية العربية، وضد الإخوان المسلمين بعدما قبض جمال عبد الناصر على تنظيم سيد قطب وشهر به عـام 1965 .. لا أعرف، لكنه اختارني .. وأقنعني، وأوقعني في حيرة شديدة في البيت!.

أبوك أم جمال عبد الناصر؟!

عندما دخلت إلى أبي في مكتبه، أطلب منه السماح بأن ألتحق بمعسكر المنظمة في حلوان، تغيرت ملامحه .. سألني: - لماذا تريد الالتحاق بالمنظمة؟

- لأنني أريد أن أكون ممن سيمسكون بدفة الأمور في هذا البلد، مستمرين بها منتصرة.

بهذا أقنعني حاتم قابيل .. ولا أبالغ لو قلت إنه أقنعني بما هو أكثر .. بأننا سنصلح الكون!!.

وفاجئني أبي بسؤال :

- لو أرادوا منك أن تبلغ المباحث عن أبيك، هل تبلغ عنه؟

- لن يطلب منه أحد ذلك.

- أجب عن سؤالي ..

- لا، طبعاً.

ابتسم أبي متسائلاً :

- هل تحب جمال عبد الناصر أكثر، أم تحب أباك أكثر ؟!

قلت صادقاً :

- أحب أبي أكثر ..

قال أبي وهو يشيح بوجهه بعيداً عني ..

- تذكر أنك قلت هذا، واذهب إلى المنظمة كما تريد.

وأذكر الآن أنني لم أفهم مغزى حديث أبي – ذلك – إلا بعد شهور من التحاقي بالمنظمة!!.

• كانوا يعلموننا كيف نحمي النظام !!

لو يؤثر في حياتي شيء أكثر من أبي وأمي ومنظمة الشباب ونكسة يونيو 1967م !! لقد كانت تجربتي في منظمة الشباب شديدة الثراء .. إن لم يكن بالفعل .. فبرد الفعل – أيضاً -!!.

دخلت المنظمة أصغر من أن أكون ناصرياً، دخلتها معجباً بجمال عبد الناصر، أحبه لدرجة العشق، وخرجت منها في نفس العام عام 1967م مقدراً لجمال عبد الناصر .. عارفاً بفضله .. لكنني كما دخلتها خرجت منها، لم أكن ولم أصر ناصرياً!!.

في المنظمة تعلمنا الكثير .. على أيدي مناضلين عظماء، ومناضلين(!!) لم يكونوا كذلك، تعلمنا على يد الدكتور محمود الخفيف، والدكتور إبراهيم سعد الدين، والدكتور لبيب شقير، وتعلمنا ـ أيضاً ـ على أيدي د. رفعت المحجوب، د. طعيمة الجرف، (إذ كانت لهم أياد وقتها!).

في المرحلتين الأولى والثانية تعلمنا الاقتصاد كطلبة الجامعة المتخصصين وتفوقنا في الاقتصاد السياسي!!.

وفي المرحلتين الأولى والثالثة تعلمنا السياسة بسيطها ومعقدها.

وفي الثالثة ـ أيضاً ـ تعلمنا النظريات والأيديولوجيات الكبرى.

وفي الثالثة ـ فوق ذلك ـ (وبعضنا في قبرص) تعلمنا كيف نحمي النظام {فهل دار في خلد النظام الذي ربّانا لحمايته أننا سنريه النجوم بعد ذلك في عز الظهر!!}.

والشيء الطريف ـ ستأتي طرافته أو سخافته فيما بعد ـ أنني في المرحلة الثالثة حصلت على جائزة (عدد كبير من الكتب) لأنني نقدت ولم أكتفي بنقد نظرية كارل ماركس الفلسفية (ليست الاقتصادية بالطبع) المعروفة بالمادية الجدلية.

المبعوث .. ضاع منه الكلام ونساه!

وفي المنظمة بين المرحلتين الثانية والثالثة ـ فيما أذكر ـ حضرنا ـ بعض أعضاء المنظمة ـ مؤتمر المبعوثين كمنظمين لإعاشتهم، ورحلاتهم، أثناء انعقاد المؤتمر. وكمناقشين سياسيين مُدربين نحاول إقناعهم بإنجازات النظام، وبكذب هؤلاء الذين يتخرصون عليه. كنا متحمسين للنظام ولم يكن عدد منهم متحمساً له، وفي هذا المؤتمر رأينا كيف أحرج غير المتحمسين للنظام دكتور لبيب شقيرن وكمال رفعت، وعلي صبري، ولم ننتبه ـ وقتها ـ لأن جمال عبد الناصر ، عندما جاء ليقابلهم قمعهم بالخوف.

رأينا منهم من فتح فمه فلم تخرج منه كلمات من فرط رعبه، لم يخرج غير هواء جوفه (كان إذا لم تخني ذاكرتي رئيس وفد مبعوثي مصر إلى هولندا)، عندما أصر عبد الناصر وحاصره بعينيه القويتين على أن يتكلم المبعوث وبسرعة. اختفت الكلمات كلها من عض لسانه المبعوث الغارق في عرقه .. فقال:

- سيادة السفير بيسلم على سعادتك (وكان يقصد سفير هولندا فيما أذكر) وضحك عبد الناصر، مما زاد في ارتباك المبعوث .. ثم قال جمال عبد الناصر:

- هل تحملت الدولة مصاريف سفرك وإقامتك، لتقول لي هذا الكلام؟!.

وسمعنا إذ نودي على واحد من وفد المبعوثين إلى ألمانيا الغريبة، ولعلي لا أكون قد نسيت، فإن من نودي عليه ذاك كان خبيراً جيولوجياً، تلجأ إليه ألمانيا ـ وهو المصري ـ في مفاوضاتها التي تتعلق بهذه الأمور (الجيولوجية) في نطاق السوق الأوروبية المشتركة، ولما وقف وكان قصيراً مدكوكاً ذا صلعة تعد بأنها ستتكامل مع الأيام .. قال له جمال عبد الناصر:

- أنت الرجل الثاني بعد سعيد رمضان.

وسعيد رمضان كان إخوانياً (سعيد رمضان وقتها في مصر كانوا في السجن) وكان قد غادر مصر في الخمسينيات وترأس التنظيم العالمي للإخوان الذي يحارب عبد الناصر .. وعندما ارتبكت القاعة واستشعرت خطراً قادماً لا محالة مال جمال عبد الناصر على "علي صبري" قائلاً وهو يبتسم ابتسامته الساحرة المخيفة المقتضبة:

- برضه يسافر يا علي.

وكان يعتقد أنه لن يعتقل.

لكن الحادث برغم العفو الثوري السامي ـ أن لسان المبعوثين هو الذي اعتقل داخل أفواههم من تلك اللحظة.

ثم تكلم عب الناصر عن إنجازات الثورة، التي يجحدها الغربيون، وقام الجميع لتلتقط لكل وفد على حده، صورة تذكارية مع الرئيس انتهى بعدها المؤتمر!".

ثم فهمت مغزى تحذيرات أبي

وفي المنظمة بعد المرحلة الثالثة كنت أجلس في فصلي، وأعلنت معارضتي ورفضي لاستعمالنا قنابل الضغط في اليمن التي عمدنا إليها لتطهير كهوف الجبل من المناوئين، تلك القنابل التي تفجر الدم من آذان وأفواه من تستعمل ضدهم.

بعدها بأيام طلبتني المباحث العامة بباب اللوق، وأذكر أن أخذني إلى هناك أستاذ التاريخ في مدرستي (كنت أجلّه حتى تلك اللحظة) وفي المباحث حذروني من التمادي بعد أن أخافوني بالطبع، لكني في الحقيقة (التي لا تصدق) كنت خائفاً من أبي، غير عارف ماذا سأقول له بعد أن تأخرت عن العودة إلى البيت في ميعاد انتهاء المدرسة (الريبة من بيتنا في جاردن سيتي في ذلك الوقت!!).

يومها عرفت أن زميلاً متفوقاً في فصلي، "منظماوي" مثلي، هو الذي أبلغ عني!! ولحظتها تذكرت وفهمت ما عناه أبي حين سألني ..

- لو أرادوا منك أن تبلغ عن أبيك .. هل تبلغ ؟!

لقد فعلها صديقي، وأبلغ عن صديقه الأثير!.

وقالوا: أنت عضو في تنظيم ماركسي سري

وفي المنظمة أيضاً أصبحت مسئولاً عن التثقيف في مدرستنا، وفي المكتب التنفيذي لقصر النيل .. وأصبحت عضواً في لجنة العشرين بالاتحاد الاشتراكي عن المدرسة وكانت لجنة العشرين تجتمع بمكتب ناظر الإبراهيمية الأستاذ الجليل حسين السمرة، وكان يقدم لها كل التسهيلات .. ورغم هذا هاجموه في المكتب التنفيذي لأنه رجعي، مضاد للثورة، يركب مرسيدس! ودافعت عنه أنا و حاتم قابيل على ما أذكر .. وتساءلت عمن أبلغ عن الناظر؟. ساعتها أيضاً تأكد فهمي لما عناه أبي بسؤاله.

وفي المنظمة أيضاً، تعرفت في المرحلة الثالثة على إنسان جميل، اسمه كاسمي "هشام"، (للأسف نسيت بقية الاسم)، كان يقابلني مراراً، وكان يكلمني كثيراً في الفلسفة والاقتصاد والسياسة (كدأبنا جميعاً في هذا الوقت) ثم فوجئت باستدعائي للمباحث العامة ـ للمرة الثانية ـ بعد ذلك، وفي المباحث عرفت أنهم قبضوا على أعضاء بارزين في المنظمة و"أعضاء عاديين" بحجة أنهم شكلوا تنظيماً ماركسياً داخل المنظمة (أحد المقبوض عليهم كان عضواً في اللجنة المركزية المنظمة) وكان "هشام" ـ صديقي ـ ضمن المقبوض عليهم، وجاءوا بي لأنني صديقه، ولأنني صديقه اتهمت بأنني عضو في التنظيم الشيوعي المقبوض عليه ولم يشفع لي أنني حصلت على جائزة في المرحلة الثالثة لأنني نقضت الفلسفة والفكر "الماركسي"، (هل يذكر القارئ أنني قلت قبل ذلك أن طرافة الأمر أو سخافته ستجيء بعد ذلك .. ها هي ذي قد جاءت .. واتهموا بالماركسية من أعطوه جائزة لأنه في نظرهم نقض الفكر الشيوعي الفلسفي!!!) يومها أصابتني خضة من المنظمة التي بدأت تأكل أبناءها الذين سيستمرون بمصر منتصرة!!.

ثم انتقمت في تقرير رأي عام!!

وفي المنظمة أيضاً جاءني لوم لأنني لا أكتب "تقرير رأي عام" وكانت هذه التقارير تتضمن رأي الناس، الشائعات، النكت، وغير ذلك، فكتبت تقريراً قلت فيه ـ عناداً ـ إن الناس يرون أن السيد علي صبري (وكان أميناً عاماً للاتحاد الاشتراكي ورئيساً للوزارة ـ وقتها ـ) مسيطر على البلد، أما الشائعة فكتبتها: (أن السيد علي صبري يضعف الجيش بتقوية الاتحاد الاشتراكي، بغرض عزل عبد الحكيم عامر الذي ينتويه جمال عبد الناصر (لم يكن الأمر يخلو من حقيقة)، أما النكتة فكتبتها أن السيد علي صبري اشترى المكاتب التنفيذية (التي تدير أمور الاتحاد الاشتراكي) لكي يذاكر عليها أبناؤه في البيت .. أما الأنكت فهو أن أحداً بعد هذا التقرير لم يطلب مني كتابة تقرير رأي عام أبداً!

ليته فهم السؤال!

وفي المنظمة سألنا جمال عبد الناصر، من الذي سيستمر بالثورة بعده، فقال جمال عبد الناصر رداً على تساؤلنا:

- أنتم، أنتم الذي ستستمرون بالثورة بعد جمال عبد الناصر.

إذ لم يكن جمال عبد الناصر وقتها يعلم ما يخبئه له ولنا أنــور السادات، أنور السادات الذي خبأه لنا جمال عبد الناصر!

عند الامتحان .. انتكس الوطن!

كان العام الدراسي 66 – 1967 يوشك على الانتهاء وكنا نستعد مرتعدين لامتحان الثانوية العامة (ذلك البعبع الشهير)، والذي كان سيبدأ في 10 يونيو 1967م ـ القاهرة كانت صاخبة لشهر طويل قبل ذلك الوقت. والإذاعة والتليفزيون يصرخان، والناس لا وقت لديهم لأي شيء غير الكلام عن معركة التحرير المقبلة، كان مذاق حفل أم كلثوم يوم الخميس 1 يونيو 1967م ما زال يسري كالعسل في حنايانا .. أغنيتها الجميلة التي ألفها لها صــلاح جـاهين "راجعين بقوة السلاح / راجعين نحمي الحمى .. راجعين كما رجع الصباح / من بعد ليلة مظلمة"، أغنيتها تلك كانت لا تتوقف عن الرنين في آذاننا وفي القلوب، جنباً إلى جنب ـ أو في عناق ـ مع أحلى أداء قدمته أم كلثوم في عمرها المديد الثري لرائعة شوقي "سلوا قلبي"، القصيدة التي انتزعت التصفيق أكثر من مرة، والآهات عشرات المرات، والصرخات المدوية النارية عندمــا وصلت "الست" إلى البيت الشهير في القصيدة :

وما نيل المطالب بالتمني
ولكن تؤخذ الدنيا غلاباً

أيضاً كان الحديث الصحفي العالمي لجمال عبد الناصر، في 28 مايو 1967، والذي أذاعه التليفزيون، ما زال ـ وقتها ـ يملؤنا بالثقة، ويرعش جوانحنا بفرحة تنتظر التحرير .. "أنا مش خرع زي مستر إيدن"، ... أين الكيمياء والفيزياء والرياضيات من كل هذا؟!!.

كان خوفنا يدمدم في حنايانا من امتحان الثانوية العامة، ونحن ننهي استعدادنا له، وسط صخب مصري وعالمي يقتحمان الحوائط، ويستقان على مكاتبنا، فيخفيان السطور .. وفجأة انقضت الطائرات الإسرائيلية في صباح اليوم الخامس من يونيو 1967.

لم تصب الطائرات الإسرائيلية طائراتنا الرابضة كبطــات لا يعرفن أن صائداً يتسلل من مكمنه ـ فحسب ـ إليهم أصابت الطائرات حلمنــا .. أماننـا .. مستقبلنا .. دنيانا .. وأماكن غائرة في نفوسنا .. وأدمت القلوب والعيون .. كانت نكسة!! (كما سماها محمد حسنين هيكل)

من التنحي إلى السفارة الأمريكية

أيام من النكسة لا ولن تمحى من ذاكرتي ومن ذاكرة الجيل .. الساعة الخامسة فجراً يوم 8 يونيو1967م، تم استدعاؤنا ـ أعضاء منظمة الشباب وأعضاء الاتحاد الاشتراكي .. ذهبنا في غبشة الفجر إلى المدرسة الإبراهيمية، في الاجتماع قال لنا المسئولون عنا: إن قواتنا تراجعت تكتيكياً إلى خط الدفاع الثاني عند الممرات وهي تستعد لانتفاضة كبرى!! استشعرنا الخطر الشديد .. كيف ؟! لم يكن ذلك كلام الإذاعة والتليفزيون والصحف !! وطلب المسئولون منا لحظتها أن نعمد إلى إخفاء صوت المعركة في الشعل، وأنه يتوجب علينا أن ننزع كل الملصقات التي تتكلم عن الحرب من الحوائط في شوارعنا وأن نعد الناس لمعركة طويلة .. وألا نسمح لأعداء الشعب بـ "الشوشرة"، أذكر لحظتها أن صوت نحيب قد بدأ خافتاً راح يتعالى في كونشيرتو حزين بكريشيندو متصاعد الصخب، عجزت إرادتنا عن كبح نغماته العالية، ثم بدأنا نهتاج ونتصايح في وجوههم، وليس في قلوبنا إلا أن هؤلاء ومن هم فوقهم أضاعوا البلد، كنا قد فهمنا الأمر (برغم هذا لم نصدقه إلا في اليوم التالي) .. ووسط صرخاتنا أعلنا حل منظمة الشباب، وإننا لم نعود إليها أبداً .. كنا قد دخلنا الاجتماع في غبشة الفجر .. ثم خرجنا والدموع في أعيننا وقد صار الفجر ظلاماً حالكاً.

يوم آخر لن ننساه .. يوم التنحي .. جلسنا كلنا في البيت أمام شاشة التليفزيون في الموعد، وظهر لنا جمال عبد الناصر.

صاحت أمي :

- فيه مصيبة سوداء .. أنا عمري ما شفت جمال عبد الناصر بالشكل ده.

أردنا أن نسكت أمي لنسمع ديباجة الرئيس قبل أن يدخل في المهم ... لكنها لم تسكت، قالت وعيناها تؤكد خيبة أمل عظيمة.

- خدوده مدلدلة وعينيه زايغة .. ح يعلن مصيبة.

قامت أمي لتغادر الحجرة وهي تغمغم :

- أنا مش ح أسمع الخطبة دي.

لكن أمي عادت بعد ثوان معدودة، واستندت إلى باب الغرفة تسمع معنا تنحي جمال عبد الناصر عن المسئولية لزكريا محيي الدين الذي يستطيع أن يتفاهم مع الغرب.

وصحنا فاشتبكت صيحتنا مع صيحة المصريين كلهم.

- هو خلاص .. خلاص!!.

مرت دقائق ورن جرس البيت .. انزعج الكل وكأنهم شعروا مثلي أن اليهود والأمريكان يدقون علينا الباب في تلك اللحظة!.

وخرجت لأفتح .. لم أجد أمامي أحداً، لكن صوت أحمد عادل مصطفى (عضو المنظمة، زميلي الذي أتمنى لو أعلم أين أراضيه الآن) جاءني من بسطة السلم التي تفصلني عنها اثنتا عشرة سلمة لأسفل:

- فيه أوامر من المكتب التنفيذي بتفريق أي مظاهرات يقوم بها الناس.

صحت فيه غاضباً (ليس منه بالطبع):

- أنا لا آخذ أوامر من المكتب التنفيذي.

قال أحمد عادل وهو يلتهم السلالم نازلاً:

- أنا ماعنديش وقت للمناقشة يا هشام، لازم أبلغ الكل.

(قيل فيما بعد على لسان العباقرة أن الاتحاد هو الذي نظم المظاهـرات !! لو كان الاتحاد الاشتراكي يستطيع أن ينظم مظاهرات كهذه ـ لما حدثت النكسة من أصله .. لو كان الاتحاد الاشتراكي يستطيع أي شيء، لما نفخ السادات في أعمدته ـ تلك النفخة التي أسماها ثورة التصحيح في مايو 1971 ـ فذراهم في الهواء، دون أن يبكي عليهم أحد).

أغلقت باب الشقة وأنا حائر .. وإذا بصوت هادر، فائر، عنيف .. يأتيني من الشباك المطل على شارع القصر العيني .. عدوت لأطل على الشارع .. لحظتها رأيت مصر في شارع القصر العيني!!! .. نعم مصر .. وانفجرت دموعي ونزلت إلى مجلس الشعب، أهتف مع الهاتفين، بأننا لم ننته بعد .. أننا لن ننتهي أبداً .. يوم ثالث لا أنساه .. عشرة يونيو 1967م.

في هذا اليوم قررنا .. (مجموعة ـ لا يعرف الواحد منها معظم الآخرين ـ التقت في شارع القصر العيني، أما شارع مجلس الأمة، أن نهاجم السفارة الأمريكية لنعلن للأمريكان أن يدهم الطولى لن تتحكم في مصر، وأنهم لو حاولوا فسوف يدفعون الثمن غالياً، أغلى مما يتصورون!!، كنا نريد أن نعلن للأمريكيين، أننا لسنا خائفين منهم .. وأن عليهم هم أن يخافوا منا .. لكننا ـ وبعد دقائق معدودات ـ كنا نحن أسرى لخوف غريب مرير لم نعهده من قبل!!

يا أمريكا لمي فلوسك .. عبد الناصر بكره يدوســك

عندما علت الصيحة، صيحتنا، تطالب الحشود المتظاهرة، في 10 يونيو 1967، بالهجوم على السفارة الأمريكية، كانت خطواتنا الشابة قد سبقتها، وأدت إلى تجمعنا حول مبنى السفارة الأمريكية في جاردن سيتي (على بعد أمتار قليلة من مجلس الأمة ـ مجلس الشعب حالياًـ)، لم يكن أحدنا يعرف اسم الآخر، لكن كلاً منا كان يفهم قصد الآخر ونيته، في إعطاء الأمريكيين درساً بليغاً .. اتجهت أعيننا ضاربة في كل اتجاه، مغروسة أيضاً في عقول من حولها، في عقول بعضنا البعض، وكانت كل الأعين تتساءل: ماذا نفعل بالسفارة ؟!

وغير اتفاق مالت الأعين إلى الأرض بحثاً عن الطوب، بينما حناجر تهتف بالويل للأمريكيين، وفجأة صك صوت مدمدم آذاننا، واختلطت الدمدمة بالصهيل المجروح، وارتفعت أعيننا لنفاجأ بفرقة من الخيالة تهاجمنا، بل تدهمنا دون أن تعطينا فرصة لاستيعاب الصورة .. والموقف!، كانوا قد أطلقوا علينا الخيول، والقنابل المسيلة للدموع، وكأن مآقينا كانت تنقصها الدموع في تلك الساعات!!. وكأن روحنا وأجسادنا كان ينقصها شيء غير النكسة ليدهمهما، بل ويهرسهما.

أذكر ـ الآن ـ أنني لم أخف في حياتي مثلما خفت في ذلك اليوم، في تلك الساعة! لقد ضُربنا بالرش والرصاص الحي ـ فيما بعد ـ ونحن نتظاهر، لكن الأحصنة تخيف أكثر !!!

آه من الحصان .. آه

الحصان وهو يهاجمنا يكون رأسه في اتجاه بينما يندفع جسده في أي اتجاه آخر، وعندما يثب أمامك على قائمتيه الخلفيتين، لا تعرف بالضبط أين ستنزل رجلاه المثنيتان عند الركبة وتحت الركبة، بحافريهما اللذين ارتفعا إلى مستوى صدره العالي، فوقك بمسافة!!

رحنا نعدو متخبطين في الجياد وفي أنفسنا، ونقوم لنقع فلا نرقد !! تنزل علينا رجل الحصان، وكأنها ثقل "ونش" يسقط من عل (الآن أفهم الصورة التي رسمها شاعر العرب الكبير جداً امرؤ القيس عن حصانه، بعد أن رأيت حصان الحكومة .. أفهم الآن كيف يكون الحصان "مكرٍ مفرٍ مقبلٍ مدبرٍ" معاً وأيضاً كيف يكون "كجلمود صخر حطه السيل من علٍ!!").

عندما وصلنا إلى شارع القصر العيني مرة أخرى والأحصنة في أثرنا، كان الشعب يهتف "يا أمريكا لمي فلوسك عبد الناصر بكره يدوسك"، وكانت دموع الغضب تتساءل في أعيننا الصغيرة: هذا هو رأي الشعب فلماذا يحمون سفارة الأمريكان؟ ... تصورنا وقتها أن الشعب كان في واد وأن الحكومة كانت فوق الأحصنة.

أذكر أنني ألفت يومها، وأنا ملقى على الأرض مستنداً بظهري إلى ضريح الشيخ ريحان قصيدة ضد عبد الناصر ولحنتها لحناً بدائياً ورحت أغنيها بنشيجٍ باكٍ. موقعاً بدقات الأكف. كانت بعض كلماتها تقول:

حكايتك غريبــة
مصيبتك مصيبــة

نهايتــك رهيبــة

فـي يـوم الحساب

تضيـع لـي أرضـي

تبهدلي لي عرضـي

وعقلك مفضــــي

وشورتـك هبــاب

كنت أبكي من قهر شديد، قهر الهزيمة، وقهر الخوف الذي داهمني مع الأحصنة، وقهر لأنهم منعونا من تدمير السفارة الأمريكية، لتعرف أمريكا أن لا مكان لها في مصر، (كنت مخطئاً في محاسبة عبد الانصر على القهر الأخير في شعري، ذلك أن السلطة ـ أي سلطة ثورية أو غير ثورية ـ كان لابد ان تحمي السفارات، على أرضها).

الآن أرى أن كان للقهر سبب آخر .. إنه الاضطراب الذي يواجهه الجنين فسيولوجياً لحظة خروجه من الرحم (هو الآخر يبكي!)، لقد كنت ساعتها أخرج منفصلاً عن رحم جمال عبد الناصر .. الأب!!، أقطع حبلي السري عن حبله، عن أبوته، عن سلطته، عن إحساسي القديم بأننا مسئوليته، لقد أصبح الآن الوطن مسئوليتنا جميعاً ... انقطع الحبل السري وفُطمنا وتمردنا على السلطة الأبوية، وانفصلنا عنها، كل ذلك في لحظة واحدة.

• وكان أنور السادات ممثلاً ـ جيداً ـ كعادته:

والغريب أن ذلك كان يجري داخلنا بينما أنور السادات يرتج صوته متهدجا وقد أرعشه نشيج البكاء، يؤكد في الميكروفونات جميعاً التي علقت على مجلس الأمة، والراديوهات التي ثبتت مفتوحة في كل مكان .. يؤكد لعبد الناصر: (إن الجماهير التي تفصلنا عنك إنما تقربنا منك) وكان وقتها يقصد أن عبد الناصر لـن يستطيع أن يأتي إلى مجلس الأمة لأن ازدحام الجماهير في كل الطرقات، يحول بين موكبه وبين الوصول إلى المجلس، وكان أنور السادات يعلن في نفس الوقت وبنفس البكاء والتشنج، موافقة الزعيم على العودة إلى السلطة نزولاً على إرادة الجماهير، بعد أن تغاضى عن رغبته في التنحي.

هل نقول حقيقة؟!

لعلنا نتوقف هنا قليلاً لنؤكد على حقيقة قد يقرها البعض، وقد يتهرب منها آخرون، وهي أن اضطراباً شديداً، وتخبطاً، كان قد اعترى تنظيمات جمال عبد الناصر كلها، الاتحاد الاشتراكي، التنظيم الطليعي (بصورته القديمة التي بدأت 1965). ومنظمة الشباب الاشتراكي، ففي أماكن (حسب التوزيع الجغرافي للمكاتب التنفيذية للاتحاد الاشتراكي والمنظمة)، كان الكلام يدور حول الانتصار الوشيك، الانتصار الذي لن يبقى لإسرائيل ولن يذر، وبقي هذا الكلام كلامهم حتى في الأيام الأولى من الحرب، إلى أن فاجئوا الشباب وأعضاء الاتحاد الاشتراكي، بكلام مخالف ابتداء من ليلة 8 يونيو 1967، بدأ بالتراجع إلى الخط الثاني (خط المضايق) ثم تدرج إلى خسران جولة، في صراع طويل ومرير، وضرورة إعادة بناء القوات المسلحة لتدخل حرباً في خلال شهور، ثم في خلال أعوام، ثم في الوقت المناسب الذي سوف تحدده القيادة السياسية (جمال عبد الناصر)، وفي أماكن أخرى حدث العكس تماماً.

قال لي عاصم الفولي (مهندس وصاحب شركة إنشاءات عقارية ناجحة الآن، وكان وقتها في عام 1967 الطالب في الأورمان الثانوية، المسئول عن شباب المنظمة فيها، وعضو مكتب التثقيف في قسم الدقي) إن في مساء 3 يونيو (قبل الحرب بثماني وأربعين ساعة)، تم استدعاؤه في المكتب التنفيذي في الدقين وأعلنوهم أن مندوباً من اللجنة المركزية للمنظمة سيجيء، ليقول لهم كلاماً في غاية الأهمية، ومرت ساعتان، ثم وصل "يحيى حمزة أحمد حمزة" (فيما يذكر عاصم) ليقول للشباب، غن عليهم أن يبلغوا كل كوادر المنظمة قبل أن يطلع نهار 4 يونيو، أن مهمتهم هي إبلاغ الشعب (!!) بأننا لن نكون البادئين في الحرب، وإن إسرائيل ستبدأ، ستبدأ، ولن يتأخر الأمر أكثر من 48 ساعة على أي الأحوال، وإننا سوف نفقد (10) من قواتنا (!!!) في ضربة إسرائيل الأولى تلك، وستكون الحرب طويلة ـ ومريرة.

ساعتها تساءل عاصم ببراءة:

- هل سيصدقنا الناس في هذا الكلام بعد أن ملأ الإعلام رؤوسهم منذ ما يقرب من الشهر بكلام عكس هذا ..

ورد عضو اللجنة المركزية:

- ليس المطلوب أن يصدقكم الناس، لكن الناس إذا ما قلتم لهم ذلك، ووجدوه بعد أيام واقعاً لن يصدموا (!!!).

لا أظن أن هذا الأمر تكرر في مواقع كثيرة والحقيقة أن هذا الكلام خطير للغاية فهو يعني أن عبد الناصر بعد اجتماعه بقادة القوات المسلحة يوم 2 يونيو 1967، وبعد أن حذروه من خسائر تلقي الضربة الأولى، وخصوصاً صدقي محمود قائد الطيران، وبعد أن رد عليهم جمال عبد الناصر بأن من المستحيل أن نبدأ نحن الحرب لأنه لم يبق لدينا غير خيارين إما أن نبدأ ونحارب أمريكا، أو تبدأ إسرائيل ونواجهها وحدها، عبد الناصر بعد أن وضع العقدة في المنشار للقوات المسلحة، كان قد أحس أنه دخل المصيدة ولن يخرج منها، وهكذا أراد أن يسرِّب للناس ما يحبط آمالهم التي ارتآها لن تصدّق، وأراد في هذا الأمر أن يستغل المنظمة وأظن أنه تراجع، وكان اضطراب المنظمة بداية نهايتها، إذ سيكتب التاريخ أن منظمة الشباب أصيبت إصابة قاتلة مع مطاراتنا، وشهدائنا ـ لحمنا ودمنا ـ الكثيرين .. على أرض سيناء ...

نسوق هذا الكلام للعباقرة الذين تصوروا أن الاتحاد الاشتراكي ومنظمة الشباب كانوا وراء خروج مظاهرات 9، 10 يونيو كانت وراء خروج الشباب ـ الغاضب من يومها وحتى إشعار آخر، من المنظمة، بل ـ وأكثرهم ـ من تنظيمات جمال عبد الناصر كلها.

ضباط القوات المسلحة يصطادون الطلبة

أيام أخرى لا أنساها من أيام النكسة .. هي تلك الأيام التي تدربنا فيها تدريباً عسكرياً راقياً!!!. كنا قد تركنا كتبنا، ونسينا الثانوية العامة، ورحنا إلى المكتب التنفيذي لصر النيل (وهكذا فعل غيرنا في كل المكاتب التنفيذية)، نلح على ضرورة تدريبنا عسكرياً.

لم تكن قد مرت أيام على النكسة فلم يجد طلبنا (في تلك اللحظة) أية عراقيل، (كان الجيش المصري وقتها قد أصبح في خبر كان) وكانت الطرق من مدن القناة إلى القاهرة مفتوحة لا يقف فيها إلا قوات الحرس الجمهوري (في مواجهة محاولات غير مستبعدة، من عدو أصابه انتصار سهل بالزهو، وأصابه الزهو بالغرور (لاحتلال القاهرة). كانت القوات المسلحة في ذلك الوقت تعيد تكوين وحدات عسكرية جديدة من أفراد نجوا من جحيم سيناء، والتقطتهم معسكرات الشاردين.

المهم، أجيب طلبنا (الذي حورب كثيراً جداً فيما بعد) وأُخذنا متطوعين إلى مدرسة المشاة بالعباسية (الآن هي عمارات العبور الفارهة لضباط القوات المسلحة)، لنتدرب "تدريباً راقياً على استخدام السلاح" هكذا أسموه في هذه الفترة".

منذ اللحظة الأولى التي وضعنا فيها أرجلنا في مدرسة المشاة، صرنا صيداً سهلاً ومتاحاً للضباط والجنود من أفراد القوات المسلحة الجريحة المكلومة!! أفرغ فينا الضباط والجنود غيظهم من النكات التي أمطرها الشعب المصري عليهم بمجرد أن قبل جمال عبد الناصر العودة إلى كرسي الرئاسة وبعضها أيضاً للتاريخ كان يمس جمال عبد الناصر شخصياً وأقواها فيما أتذكر النكتة القائة، عبد الناصر جه يغير التاريخ، غيّر الجغرافيا. كان الشعب (في محاولة لتعذيب الذات) قد ألغى رتب القوات المسلحة (ملازم ثان، ملازم أول، ....) وحولها إلى (سريع أول، سريع ثان، ....) وكان يقصد بذلك أنهم جروا في سيناء من مواجهة العدو.

لم يكن الشعب على حق في نكاته (لكن يشفع للشعب أنه لم يكن قد عرف شيئاً من أسرار ـ النكسة بعد فلا الجنود ولا الضباط كانوا مسئولين عما حدث، كانت المسئولية مسئولية نظام ترهل، وقادة عسكريين مارسوا كل شيء في النيا إلا الأمور العسكرية فيما تلا كارثة الانفصال السوري عن الجمهورية العربية المتحدة (وحدة مصر وسوريا من 58 – 61) لكن الشعب أراد بنكاته أن يجعل للنكسة سبباً يمكن تجاوزه، فجعل السبب هؤلاء الذين جروا، والذين سيستبدلهم بمن لا يجرون، وهذه أولى صفات جلد الذات، فأنت لا تجلد ذاتك لفقدانك ما لا تستطيع تحقيقه، بل لفقدانك ما كان مفترضاً أنه في يدك، وحقيقة فإن النصر كان في يدنا .. وما زال .. كان الشعب ينفي داخله إحساساً مؤرقاً وغير حقيقي ـ بالتفوق الإسرائيلي، إحساس كان يجري ترويجه من تحت لتحت في هذه الآونة بحسن نية وبسوء نية أيضاً وكانت السلطة تشارك في هذا الترويج.

ولقد اضطر جمال عبد الناصر في أول خطاب له بعد خطاب التنحي (في عيد الثورة 23 يوليو 1967م) أن يطلب من الشعب التوقف عن التنكيت على إخوتهم وأبنائهم من أفراد القوات المسلحة، حفاظاً على الروح المعنوية وإرادة الانتصار.

في طوابير التدريب في مدرسة المشاة كان الضباط يبتسمون لنا في سخرية واضحة صائحين:

- أنتو بقى اللي ح تحرروا مصر ؟!!

كنا نقف لنتعلم الاشتباك بالأيدي وبالأسلحة البيضاء "السونكي" والخنجر فنفاجأ بأننا نضرب علقة ساخنة، وأنهم يشيلوننا ويهبدوننا بحق وحقيق!!

- ما تنشفوا، أمال ح تحرروا مصر إزاي ؟!

وكنا في عز الصيف (يونيو)، نترك في التدريب عطاشى بلا ماء، بعد أن أفهمونا أن الماء موجود فقط في جامع المدرسة البعيد عن مكان تدريبنا، وبين الطبور والآخر كانوا يطلقوننا إلى الماء في الجامع على أن نعود راكضين بمجرد سماع صوت الصفارة، ثم كانوا يطلقون صفاراتهم قبل أن نصل إلى الماء دوماً !!

وأشياء أخرى كثيرة فعلوها معنا، كانت كلها لإهانتنا، رداً على إهانة الشعب لهم بالنكات الوفيرة (لقد كان أصحاب المصلحة الواحدة يضرب بعضهم بعضاً، لأن سر النكسة الحقيقي كان لم يزل مخيفاً، ولم تكن السلطة وقتها قادرة على إظهاره!!)، برغم هذا تعلم بعضنا كيف يستخدم البندقية الآلية 7,62 × 39 وتعلم البعض الآخر كيف يستخدم الرشاش، وتعلمنا كيف نستخدم القنابل اليدوية والاشتباك بالأيدي وبالسلاح الأبيض – ذلك أن المدربين برغم كل آلامهم وغيظهم – أخلصوا في تدريبنا، مستشعرين خطورة المرحلة مستهدفين خير الوطن، ووجهه الجيل، نحن أيضاً كنا مصممين على أن نتدرب مهما كانت العراقيل.

والحقيقة أنني (وخل بالك جيداً من هذا) قبل انتهاء تدريبي، اضطررت إلى أن أغادر مدرسة المشاة وأعود إلى البيت، إذ كانت قد بقيت ثلاثة أيام على الميعاد الجديد الذي حددوه لامتحان الثانوية العامة، والذي عرفنا به في المعسكر متأخرين للغاية! وعن طريق الصدفة البحتة (برغم أنهم في المعسكر كانوا يعلمون أن بيننا طلبة في الثانوية العامة).

علي صبري .. هو علي صبري!، مهما حدث

ويوم أخير لم أنسه من أيام النكسة. في المكتب التنفيذي، جمعوا الذين أتموا تدريبهم الراقي على السلاح واستدعوني معهم، قلت في براءة:

- أنا لم أتم تدريبي .. (ألم أقل لك خلي بالك من هذه!)

- معلش، خد ..

أعطوني رشاشاً فاندهشت، وقلت في براءة أيضاً:

- لكني كنت أتدرب على الآلي 7,62 × 39

- معلش .. ياللا بينا ..

أوقفونا في جاردن سيتي، أمام إحدى قصورها القريبة من الكوبري الصغير الذي يقود إلى كلية طب قصر العيني .. وقال لنا المندوب: إن مهمتنا حماية ذلك الكوبري من أعمال التخريب التي يزمع العدو القيام بها لترويع الجبهة الداخلية، و . . .

وصحنا وقد أصبحت دهشتنا أكبر من أن تتحمل:

- لكننا نقف بعيداً عن الكوبري ! نقف بعيداً عن النيل ! نقف عبر الكورنيش على الرصيف المقابل لرصيف النيل !

- معلش .. . شدوا حيلكم.

مر وقت طويل ونحن وقوف، كل منا يصرخ في داخله صوت يرج حناياه رجاً بالغضب، "الأمر صوري، الأمر لا جدية فيـه"، لكن أحداً منا لم يهمس للآخر بالصرخات داخله .. وفجأة مرت بنا دراجة وصاح فينا راكبها :

- السيد علي صبري ح يوصل بعد دقائق .. رتبوا أنفسكم.

لحظتها تركنا السلاح بعد أن سندناه على سور القصر الفاره، وجلسنا على السور متعمدين أن نشوّه صورتنا، التي سيراها السيد علي صبري، لا أن نرتبها كما أمرونا، لقد عرفنا ما فيها، الأمر تسديد خانة أمام علي صبري الذي يسد بدوره خانة أمام جمال عبد الناصر، ها نحن ذا نقف بعيداً عن النيل، الذي سنحميه من المخربين !! لكي نكون في الناحية التي ستمر بها سيارة علي صبري (أي جرأة يمتلها هؤلاء الناس!!) لقد أثبتت لنا جرأتهم في إيقافنا بعيداً عن الهدف الذي نحميه، أن علي صبري نفسه يعلم بصورية الأمر، وأنه يسد خانة عند جمال عبد الناصر.

وللحقيقة فقد كان سؤال آخر يستفز ضيفنا، ويحرق أعصابنا.

"ألا يعلم جمال عبد الناصر بصورية الأمر، أم هو يعلم وهو الآخر يسد خانة أمام الشعب ؟! .. الآن عرفت الإجابة، وهي أن المكتب التنفيذي كان يسد خانة أمام علي صبري وعلي صبري كان يسد خانة أمام جمال عبد الناصر، الذي كان يسد خانة بدوره أمامنا نحن الراغبين في الدفاع عن وطننا.

فجأة صحنا مقتنعين، غاضبين . . هؤلاء الناس لن يتغيروا.

برتقالة د. مفيد شهاب!

على ذكر الواقعة الفائتة، أذكر أن طارق النبراوي (من القيادات البارزة لحركة الطلاب، المنتمين إلى التنظيم الطليعي) قد حكى لي (وضمت الورقة التي أرسلتها المجموعة البارزة من نفس التنظيم إلى روز اليوسف. تعقيباً على المقالات التي نشرتها بالمجلة نفس الحكاية، وهي الورقة التي آسف لأنني لم أستطع استعادتها من المجلة، وكان قد أعدها طارق، وأحمد الحمدي، وبسام مخلوف، وماهر مخلوف وآخرون) قال طارق إن الدكتور مفيد شهاب (كان واحداً من أمناء الشباب في المنظمة وقتها)، قد جمع عدداً كبيراً من قيادات المنظمة في منطقة شرق القاهرة، وعلى ما أذكر في "نادي شل" بمصر الجديدة مع الخيوط البيضاء لفجر يوم تال مباشرة للهزيمة النكراء، وقال لهم إن مهمة كبيرة في انتظارهم، وأطلق على المهمة اسم "البرتقالة" (!!)، انتظر الشباب المهمة، وطال الانتظار لأكثر من اثنتي عشرة ساعة، عاد إليهم الدكتور بعدها ليعلمهم أن المهمة قد ألغيت. هكذا دون أن يعرف أحد ما هي المهمة التي كانت على وشك أن تبدأ، ولا لأي الأسباب ألغيت (!!)، فيما بعد علموا أن المهمة كانت إعطاءهم سلاحاً، ونقلهم إلى طريق القاهرة ـ السويس الصحراوي، لتغطية النقص في القوات المسلحة الحامية للطريق في مواجهة أي محاولة قد يقدم عليها اليهود لاختراه واحتلال القاهرة، وقال طارق: حين علمنا ـ فيما بعد ـ بطبيعة المهمة، أصابتنا دهشة عارمة، فلم يكن أي من المجموعة قد تلقى تدريبه على السلاح بعد!!.

ولعلي أتساءل الآن: أكان من الممكن أن يزجوا بشباب غير مدرب على استخدام السلاح في مهمة صعبة كهذه؟، أم كانت تلك الواقعة ـ هي الأخرى ومثلها كثير ـ سد خانة أمام علي صبري، الذي يسد خانة أمام جمال عبد الناصر، الذي ـ بدوره ـ يسد خانة أمامنا نحن الشباب المطالب بالتدريب العسكري، المصمم على الدفاع عن وطنه؟.

برغم كل شيء كنا نستثني جمال عبد الناصر!

هل كانت نكسة يونيو 1967م هي التي ذهبت بيت .. أنا القاهري الذي قضيت عمري كله في فصل المتفوقين ـ إلى كلية الطب بالمنصورة ؟! لـمَ لا؟!، لقد ذهبت بي النكسة إلى أبعد من ذلك بكثير ..

كان قد تكون داخلي (فرحت فيما بعد، عندما عرفت أن داخلي يمور بما يمور به داخل الأغلبية الساحقة من جيلي) إحساس بضرورة أن نفعل شيئاً من أجل البلد، وضد النظام، ألم تقل لنا الأحداث بعد النكسة، إنهم لن يتغيروا.

كانت وجوه النظام ما زالت نفس الوجوه، مع تغيير طفيف يثبت القاعدة ولا ينفيها، وكانت تصرفاتهم هي نفسها التي قادتنا إلى النكسة، دون أي تغيير . . .

وكان نستثني جمال عبد الناصر !!!!، لم نكن نربط بين عبد الناصر ونظامه!!!

صحيح أننا كنا قد قطعنا الحبل السري معه، انفصلنا، وكنا نحمل عبد الناصر المسئولية عن تهرؤ نظامه خصوصاً بعد أن بدأ يفتضح أمر المؤسسة العسكرية والمخابرات الحربية التي تغلغل في أرجائها الفساد وتغلغلت في نسيج الوطن بفسادها، بل وصحيح أيضاً أننا لم نكن مقتنعين ماشة بالمائة بقدرة عبد الناصر على إحداث التغيير المطلوب، لكننا ظللنا متعشمين خيراً فيه وفي أنفسنا . . وكانت هذه ازدواجية لم يستطع أغلبنا التخلص منها إلا بعد مظاهرات نوفمبر 1968.

وكانت ـ أيضاً ـ هذه عين الازدواجية التي كنا نعاني منها.

كنا نريده أن يصبح كما نريده !!

لم نكن نستطيع أن ننسى أن نتناسى أن عبد الناصر كان ـ عن حق ـ رجلاً يمثل كل ما نحلم به .. حرية الوطن، إنجازات عديدة لفقرائه، انتماءً عربياً هو الحلم في عالم الوحوش الكبير، دائرة واسعة من المقاتلين الشرسين ضد استعمار عالمي تقوده أمريكا التي توحشت بعد الحرب العالمية الثانية. وأرادت أن تجني وحدها ثمار انتصار، رأت أنها كانت السبب فيه، وأن أحداً من حلفائها لا يستأهل أن يجني شيئاً من ثمار هذا الانتصار.

لم نكن نستطيع أن ننكر كل هذا وما هو أكثر منه.

لكن عبد الناصر كان بعيداً، كانت تفصله عنا مسافة كبيرة، تمتلئ بالعتاة من البيروقراطيين، الذين يؤكدون دوماً أنه ليس في الإمكان أحسن مما كان .. وكنا نريد الأحسن .. وفي الأحسن كنا واثقين من الإمكان. كنا قد رفضنا أن تكون المسئولية مسئولية عبد الناصر ـ وحده ـ في التاسع والعاشر من يونيو، وكان الوطن قد أصبح مسئوليتنا من تاريخه، وغداً يراودنا حلم ـ والأيام تكر مبتعدة عن نكسة يونيو ـ أن يصبح عبد الناصر ـ نفسه ـ مسئوليتنا.

• يا رجل ... قل كلام غير هذا !!

صديق شاعر في كلية طب المنصورة قال لي ضاحكاً :

- عبد الناصر مسئوليتنا؟.

- لم لا.

- يا راجل !!

قلت لصديقي : ليست هذه هي المرة الأولى .. التي يكون فيها عبد الناصر مسئولية الشعب لقد كانت الدنيا كلها ضد عبد الناصر، بعد أن أمم القناة وطلع عبد الناصر باكياً إلى منبر الأزهر، فأنزله الشعب عملاقاً أسطورياً، ونفخ في روحه، بعدها استطاع جمال عبد الناصر أن يواجه الدنيا التي تتحدى طموحاته، لقد حقن الشعب في وريده ترياق الاستطاعة، وبدد وحشته وسط أعضاء مجلس الثورة الذين طالبه بعضهم وبعض الباشوات القدامى أيضاً بأن يسلم نفسه للسفارة الإنجليزية معلناً توبته عن الحلم العربي الجميل، سانده الشعب فاطمئن واستطاع، أكثر من هذا عندما انكسر الجيش المصري بين فكي الرحى .. إسرائيل من الشرق، وإنجلترا وفرنسا ـ الإمبراطوريتين ـ خلف الجيش غرباً في بورسعيد، تولى الشعب مسئولية الوقوف للعدوان حتى انتصرت إرادته على إرادة العدوان، وانتصر جمال عبد الناصر على رغبة الإمبراطوريات الكبرى في أن تعيد الأمور لما كانت عليه، انتصر جمال عبد الناصر بالشعب برغم انكسار الجيش، بل وبرغم اهتزاز النظام ومحاولة الأفاعي أن تعود لتطل برؤوسها الكريهة، ولم يعد الأمر لما كان عليه، وأصبحت القناة لنا وللأبد.

ثم ألم نكن نحن في مظاهرات 9، 10 يوليو درع عبد الناصر الذي يحميه من الاستسلام حتى ولو لبس الاستسلام للغرب ثوب زكريا محيي الدين الذي أصبح مرشحهُ ليرأسنا كي يتفاهم معهم.

تساءل صديقي متحرجاً :

- ألا ترى أنك تبالغ؟.

قلت ضاحكاً :

- اسأل إسرائيل !!!

- إسرائيل . . .

قلت لصديقي: إن إسرائيل وعت الدرس ولهذا توقفت عند قناة السويس، بينما الطريق مفتوحة لها إلى القاهرة .. توقت حتى لا تواجه الشعب مرة أخرى، بعد أن استطاعت أن تهزم الجيش.

قال صديقي متحيراً:

- الشعب، لا الطلبة من سني ومن سنك!!.

وقلت لصديقي:

- لابد أن يبدأ أحد . . .

وزاغت عيني صديقي، ولابد ان رأى في هذه اللحظة أن عيني زائغتان .. كنا نحتاج لأن نصدق أنفسنا .. (ولقد صدقناها فيما بعد!!).

أما في وقتها فقد كان بداخلنا قناعة تؤرقنا، وكان خوفنا بداخلنا أيضاً يأس الجميع الذي يعبر عن نفسه في جلد الذات، وكان بداخلنا وخوف الجميع أيضاً، خوفهم من أن الحجة جاهزة لضرب أي تحرك .. طبعاً لأن البلد في ظروف تاريخية صعبة (وآه من هاتين الكلمتين، إن جيلنا، الذي جاء بعد الجيل الذي جاء في موعده مع القدر، كان على موعد مع الظروف التاريخية الصعبة، لا أذكر أننا رأينا أو سمعنا عنه إلا في ظروف تاريخية وصعبة !! لم نتابع خطاباً رئاسياً إلا وكان في نظر الإعلام .. تاريخياً! وكان لشرح المرحلة النضالية الصعبة !!!) لكننا وبرغم خوفنا لم نفقد التصميم، لكننا وبرغم خوفنا ظل السؤال المؤرق داخلنا "كيف نفعل ما نريد؟!"

المحللون يستكثرونها علينا!!

الحقيقة أن حركة الشباب (68-1977) ظُلمت ظلماً بيناً على أيدي المحللين، وأقصد ـ من المحللين ـ كل من نفترض فيهم حسن النية بالطبع.

قال المحللون (وكان كبير المنظرين فيهم الأستاذ محمد حسنين هيكل: إن حركة فبراير 1968، جاءت كرد فعل للأحكام الصادرة ضد قادة الطيران الذين يتحملون مسئولية النكسة. ـ كما أحب أن يصورهم النظام ـ والتي رآها العمال والطلبة ـ والشباب ـ أقل مما يجب!!

وقالوا: إن حركة نوفمبر 1968 جاءت كرد فعل لقرار وزير التعليم (د.حلمي مراد) في ذلك الوقت بتحديد عدد مرات الرسوب، في محاولته لتصحيح أوضاع التعليم، بعدها يحرم الطالب من مواصلة التعليم واستكمال ما بدأه.

وقالوا عن حركة يناير 1972م: أنها جاءت رد فعل على خطاب السادات الذي أعلن فيه أنه كاد يحارب في ديسمبر 1971م (عام الحسم الذي أعلنه بنفسه) لكن الضباب عاقه عن عبور القناة، ولم يقولوا شيئاً عن حركة يناير 1973 واعتبروها توابع لزلزال 1972 ! وقالوا عن انتفاضة يناير 1977 التي كان فيها دور كبير للطلاب أنها نتيجة ارتفاع أسعار سلع كثيرة في وقت واحد ... وهكذا لم يكن للشباب إلا محتجين في أحسن الأحوال، ومحتجين ـ فقط على أحداث صغيرة!!

والحق أن المحللين ـ حسني النية ـ كانوا ومازالوا، وربما لأسباب استقوها من تجارب سابقة ـ غير متصورين ـ أن يقوم الشباب بحركة شعبية متصلة 68-1977 لها أربع قمم، قمتان استهدفتا المشاركة الإيجابية في فبراير 1968 وفي يناير 72 – إلى مارس 1973، وقمتان غاضبتان في نوفمبر 68 وفي يناير 1977، وأن الطلاب كانوا في التسع سنوات مصممين على أن يصلوا بحركتهم إلى كل مطالبهم، تلك المطاب التي تحقق أحدها بصورة باهرة، وتحقق الآخر بصورة باهتة، أما الثالث الذي انتكس، فكان فاتحة لانفجارات بركانية من العنف الجموح الذي مازال يهددنا حتى إعلام آخر.

ولكن لماذا نستبق الأحداث ؟!

• وفي فبراير 1968، كنت في طب المنصورة (كما قلت) :

وكنا في السنة الإعدادية ـ نتلقى محاضرة في الكيمياء الحرارية، وكان أن دق باب المدرج في عنف شديد، ولما فتح الأستاذ الدكتور الباب غاضباً، فوجئ بزميلنا أحمد صقر (رئيس اتحاد طلاب الكلية، وعضو اتحاد الطلاب على مستوى الجمهورية وصديقي الجميل الذي يعد واحداً من أقوى الرجال، والرجال قليل!!) يكلمه فيما لم نسمعه بدقة، ثم فوجئنا نحن بالأستاذ الدكتور، يدفع أحمد صقر خارج المدرج، ويغلق الباب في عنف، لنعود ونفاجأ ـ الأستاذ الدكتور وطلبته ـ بأحمد صقر يقفز من النافذة داخلاً المدرج، متجهاً إلى المنصة حيث يقف الأستاذ الدكتور الذاهل، وبأنه يخطب فينا ـ بعصبية شديدة ـ طالباً منا أن نخرج جميعاً وأن نلحق بطلاب الكلية في مبنى الجامعة الجديد (كانت الكلية موزعة في ثلاثة مبان في تلك الفترة، وكان مبناها ـ الحالي ـ لم يزل تحت الإنشاء) مبرراً طلبه، بأن الذين أضاعوا البلد، يحاولون الآن أن يصوروا الأمر على أنه خطأ بسيط، لأفراد قليلين يستحقون عنه عقوبات تافهة، وأن عمال حلوان عندما رفضوا الأمر، وخرجوا متظاهرين انهال عليهم رصاص الشرطة من كل صوب.

خرجنا وراء أحمد صقر، إلى مبنى الكلية الجديد، وهناك، وقف بيننا زعيم، كان رياضياً ـ فقط حتى لحظة وقوفه بيننا ـ وكنا نسميه لهذا ـ وما زال اسمه "الكوتش" ـ كان الكوتش يصيح في الجموع:

- لازم نعمل مظاهرة ..

وخرجت المظاهرة من كلية طب المنصورة عكس الاتجاه (معنوياً، وفعلياً كانت عكس الاتجاه).

لقد كان اتجاه السلطة وقتها يعمد إلى تصوير النكسة، وكأنها حادث عرضي تسبب فيه قادة الطيران الذين تركوا المطارات عارية من الحماية النشطة. والطائرات كالبطات على الأرض، فانقضت عليها إسرائيل بسلاحها الجوي المدعم بالطيارين من كل بلاد الغرب .. وهكذا فقدت جيوشنا الحماية الجوية في سيناء، وأصبحت لقمة سائغة. لحدآت تنقض من الجو بمناقير من نابلم حارق، وكأن حريق العطش لا يكفي قوات انفرط عقدها فرحت تتخبط في التيه.

كان النظام يعمد إلى تصوير الأمر وكأنه مجرد خطأ قادة الطيران، وخطأ مخابرات عامة خرجت عن خطها المرسوم. ولم يكن الأمر كذلك في رأينا .. لهذا خرجنا ضد الاتجاه السائد معنوياً.

كنا نريد أن نتجه إلى المحافظة ونرابط أمامها لنعلن رأينا، وفوجئنا أننا نمضي أيضاً عكس الاتجاه الذي يقودنا إلى المحافظة .. رحنا نشق المزارع إلى المعهد الزراعي (كلية الزراعة فيما بعد) ومنه إلى المعهد التجاري على نيل المنصورة الجميل (كلية التجارة فيما بعد)، لنقابل المعاهد الدينية التي جاءتنا فعلا وقولاً من الناحية الأخرى.

وأستطيع أن أؤكدد الآن أن خوفنا كان وحشاً يصيب حلوقنا بالجفاف .. كانت شمس فبراير كابية .. ولم تكن السبب وراء جفاف حلوقنا، كان السبب هو إبحارنا الغاضب في بحر لا نعرف إلى أين سيقودنا، ولا متى ينفتح علينا ليبلعنا، بحر المعارضة العلنية لنظام جمال عبد الناصر الذي لا يرحم المعارضين(!!)، وكان نعبر عن خوفنا برعاية زميلاتنا اللاتي نخشى أن يتبهدلن، لقد أجلنا خوفنا وكأننا لا نخاف إلا عليهن !!! وكانت زميلاتنا (وكم كن عظيمات زميلاتنا هؤلاء، مازلت أذكر منهم نجوى ضيف ومنى الرقيقة الحالمة وجين الشناوي، وناهد صبحي، وفاطمة أبو العينين، وكلهن طبيبات ـ كبريات الآن)، يعلن أنهن لا يقبلن أن يتركننا وحدنا فيما نحن فيه .. وكأنهن لا يخفن إلا علينا (في ذلك الوقت لم تكن لم تكن الحياة الاجتماعية في المنصورة تسمح لنا بأن نكلم زميلاتنا في الشارع، وكنا إذا قابلناهن عرضاً سارعنا بالدخول إلى شارع جانبي .. وسارعن هن أيضاً بنفس الأمر .. لكن للمظاهرات منطق آخر) .. لكن مداراة الخوف الأصلي بخوف مصطنع كان عاملاً عبقرياً في إعطاءنا الجرأة على الإبحار في بحر الظلمات بحثاً عن فجر وراءه.

لقد كنا نكسر جدار خوف ظل يزداد سمكاً منذ أحداث مارس 1954، ولمدة أربعة عشر عاماً .. لقد ربانا أهلنا على أن من يعارض النظام فلابد أن يذهب به النظام إلى ما وراء الشمس، حيث لا يراه أحد ولا يسمع به أحد، ولا يجد إلا الضياع والخراب والتعذيب المهين، وربما الموت بلا ثمن، وكانوا يتصعبون ثم يكملون و"ياليته يضيع وحده .. لا .. أقاربه من الدرجة الأولى والثانية والـ . . أما الصغار فسوف ينتهي أملهم في دخول كليات الشرطة والحربية والطيران والفنية العسكرية وفي الالتحاق بوظائف محترمة أو الحصول على بعثات تؤهلهم لشهادات علمية مرموقة، أما أقاربه من بعيد فلن يتبوأ أحد منهم منصباً كبيراً أبداً.

لقد نقل الآباء خوفهم إلينا وأصبحنا نخاف ـ فوق خوفنا على أنفسنا ـ عليهم، وأذكر أننا جعلنا موقع البنات في قلب المظاهرة، وسرنا حولهن جميعاً، وسرن داخلنا يشدنن من عزيمتنا.

وراحت هتافاتنا تتعالى .. فكانت المفاجأة أن خوفنا راح يبهت وتتضاءل قامته التي كانت تسد طريقنا عندما خرجنا.

كنا نهتف ضد العسف والبطش اللذين واجهت بهما السلطة عمال حلوان الذين أرادوا أن يعلنوا رأيهم، وكأننا أو في الحقيقة كنا نهتف ضد كل من سيمارس عسفاً ضدنا، وقد خرجنا ـ كالعمال ـ نريد أن نعلن رأينا .. ولم تكن هتافاتنا ضد المتسببين في كارثة الطيران وحدهم، لكن ـ أيضاً ـ ضد سلطة تريد أن تخفي مسئوليتها عما حدث لنا، وعما حدث للطيران، وأن تلون مصير كل محاولة للاعتراض على أفعالها التي جلبت لنا النكسة بدهان من دماء العمال الشرفاء لقد كانت السلطة في تهربها من المسئولية تحاول أن تعيدنا إلى تفكير بال، أظهرت النكسة مدى ما فيها من عوار، وهو أنها فعلت ما يجب أن تفعله كله، ولم يكن على حائطها غبار، والمتسببون في النكسة ها هي ذي تحاسبهم(!!!)، أما التغيير إلى الأفضل فلا يجب أن يكون في بال أحد، ستعود السلطة ـ فيما بعد ـ وتحدده وترسم ملامحه كلها ـ دون مساعدة من أحد ـ، وتمارسه بالنيابة عن الناس، لتستمر (ديموقراطية الموافقة) تلك الديموقراطية التي نظر لها محمد حسنين هيكل في مرحلة الشرعية الثورية .. وهي تعني أن السلطة الثورية تعرف ما يحتاجه الشعب، وتفعله ولا دور للشعب إلا الموافقة .. وأن رأس العمال لطائر يجب أن يعلمنا مصير من تسول له نفسه بأن يفكر فيما هو أكثر من الموافقة.

هكذا أرادت السلطة أن تقنعنا أن الجناة قد عوقبوا وانتهى الأمر .. وكنا مصممين على أن أمراً لم ينته، بل أيضاً على إن أمراً آخر أكبر لابد وأن يبدأ.

كانت هتافاتنا كلها تطالب بالتغيير، بالديموقراطية، بحنا في المشاركة حتى لا نفاجأ في أية لحظة بهول جديد.

بمحاكمة كل المسئولين عن النكسة، لا قادة الطيران وحدهم، أو قادة الطيران وقادة المخابرات العامة وحدهم.

سؤال مؤرق .. في وقت محرج!

وفي مظاهرات المنصورة. ووسط الحماس الجارف سألت نفسي سؤالاً ولم أجد له إجابة كيف سيتصرف أهلي إذا ما قبض علي وأنا بعيد عنهم، هكذا في المنصورة!. وفجأة اقتحمت زميلة عزيزة مكان خطواتي القلقة في المظاهرة .. وجدتها أمامي تسير بظهرها، وبين الهتاف والآخر تقول لي:

- انت لازم تنزل مصر حالاً دلوقت.

صحت .. وكأني لم أكن أفكر في نفس الأمر منذ لحظة واحدة.

- لا لن أترككم وحدكم.

- لكنك لم تخرج من أجلنا، لقد خرجنا جميعاً من أجل مصر.

كنت أحاول إقناع نفسي بالبقاء في المنصورة .. فقلت:

- إذن سأبقى معكم جميعاً من أجل مصر.

- وإذا قبضوا عليك معنا ؟!!

قلت وبغير قوة. كانت قد داست على كل أعصابي العارية.

- اللي يحصل يحصل.

كنت شديد القلق على أهلي، وكانت زميلتي العزيزة تعالى نفس القلق .. أنهم لن يعرفوا أين أنا ولن يمتنعوا عن "الشحططة" ورائي (كانت تطل من رأسي الظنون تلومني وتشد أذني على رأي الراحل العظيم كامل الشناوي) .. وألف حكاية ـ سمعتها من قبل ـ عمــن ـ "تشحطط" وراءهم أهلهم ترد على ذهني وتتضخم جانبي وداخلي.

وقلت لزميلتي العزيزة والعظيمة (وهي أستاذ في كلية الطب الآن، لا أعرف هل يرضيها أن أقول اسمها أم ستغضب) كاشفاً عن ضعف ينهشني من داخلي.

- خلاص .. ح أنزل القاهرة.

وركبت القطار وركبني الهم لإحساسي بأنني تركت زملائي الذين أجبتهم دوماً لنفس وتركت زعماء المظاهرة، أحمد صقر العظيم، وسعد الشريف الفنان الجميل الذي أكرمني دائماً برسومات لأشعاري، والكوتش لمصير لا أدري أبعاده .. ولم يفارقني همي إلا مع زملائي في مظاهرات القاهرة .. التي كانت حواديتها أكثر من أن تروى .. فماذا لو أضفنا إليها حكايات الآخرين؟.

لكنني لابد وأن أقول هنا، إن الحكاية في مظاهرات 1968، حكاية لم تكن أولى الحكايات في مظاهرات القاهرة، ولم تكن آخرها، تطفو من الذاكرة، تستفزني أن أبدأ بها فقد كانت ولازالت شديدة الدلالة على ما رسم خطواتنا فيما بعد تلك الخطوات التي انطلقت وقد أثقلها الخوف الموروث، الخوف الذي كبل أية محاولة للمعارضة السياسية، إذا ما صاحب هذه المحاولة صوت جهير يعلنها على الملأ.

في كلية الطب جامعة القاهرة، كان هاني عنان (صاحب ومدير شركة كبرى لتجهيز المستشفيات الآن)، شاباً ملفتاً للنزر بقامته الطويلة للغاية، برداء الباسكت بول الذي كثيراً ما ظهر به في الكلية، بابتسامة لا تفارق وجهه، تجبرك على ألا تشيح بوجهك بعيداً عنه، بسكناه الدائمة في أرض الحلم حيث المرح والتجارب اللاسعة، كالشطة السودانية، حيث الفن، وقصائد وكلمات نزار قباني، والسينما، والأغاني، كان هاني متردداً يوم المظاهرات، حائراً، لا يعرف كيف يصل إلى قرار بالمشاركة أو بعدم المشاركة.

وكانت لنا زميلة غاية في العقل والظرف اسمها منى كامل (طبيبة تعيش الآن مع زوجها الشهير جداً ـ بين كل من زاروا ألمانيا ـ في ألمانيا) وقد لاحظت منى حيرة هاني التي كان يصبها كلها في مشكلة فرعية.

- إذا خرجت في المظاهرة أين أترك الشنطة ؟

(لم تكن الشنطة تفارق هاني أبداً فقد كانت تضم ملابسه الرياضية وفي بعض الأحيان كتبه).

وصاحت منى:

- الشنطة هي المشكلة ؟

رد هاني في حيرة بريئة أو في براءة حائرة :

- آه.

وقالت منى:

- إذا كانت هي المشكلة هاتها وأنا ح أتصرف فيها.

وخرج هاني في المظاهرة بعد أن حلت مشكلة الشنةط (العويصــة !) وأخذتنا المظاهرات، أو كما يقولون مظاهرة تشيلنا، ومظاهرة تحطنا، حتى وصلت إحدى المظاهرات (فقد تفرعت المظاهرات إلى أماكن كثيرة) إلى خلف مستشفى الهلال الأحمر على ما أظن .. وأطلقت الشرطة بنادقها علينا، ظننت أنهم يطلقون الرش (الخرطوش)، لكني وجدت هاني وقد وقع بيننا .. (كان الوحيد الذي وقع) وقد اخترقت رصاصة حقيقية حوضه من ناحية، وخرجت من الناحية الأخرى، وحملناه إلى المستشفى في ذهول تام.

في المستشفى زارته منى، وفاجأها هاني ضاحكاً بقوله:

- إيه اللي خلاكي تاخدي الشنطة يا منى !!

والحقيقة أن منى لم تكن قد أخذت شنطة هاني عنان وحدها .. كانت قد أخذت حيرته، وخوفنا جميعا من الصدام، وأشياء أخرى.

وهنا نتوقف لنفسح المجال لصناع الأحداث في 1968، فقلمي يريد أن يكتب بألسنتهم، قلمي يريد أن يكون جسراً لصوتهم الجميل، أن يكون له هذا الشرف.

قال المتهم الأول

ظلم المحللون السياسيون حسنو النية – حركة الشباب المصري 68-1977م، ظلماً بيناً، إذ جعلنا الحركة، التي لم يروا إلا تنقلاتها من الهدوء الظاهري، إلى الفعل المتظاهر، مجرد رد فعل – في كل مرة – لأحداث أجادوا صياغتها، ونوعاص من التمرد الصاخب على مواقف موقوتة ومحددة.

والواقع أن حركة الشباب، كانت أكبر من ذلك بكثير، وكانت أعمق مما صوروه بكثير أيضاً ... لكننا قلنا أننا لا نريد أن نسبق الحوادث خصوصاً وأن الحوادث سوف تشير بنفسها إلى حقيقة الظلم – حسن النية – وقصور التصور – وهو ما لا يغتفر-.

وها نحن ذا نبدأ بأحداث فبراير 1968م، التي كانت الجولة الأولى.

قال المحللون – حسنو النية – أن الحركة جاءت كرد فعل لأحكام الطيران والتي رأى فيها الشباب ـ عن حق ـ أنها أقل مما كان يتوقع لأناس شيبوا الوطن قبل الأوان، وحفروا في لحمه تجاعيد الهم التي راحت تجري خلالها الدموع، ولا يتخثر فيها النزيف. لقد كانت الأحكام واقعياً شديدة الرحمة (!!) على من تسببوا في إصابة الطيران المصري بالشلل التام، في اللحظة الأولى من الحرب، ومكنوا إسرائيل من تدمير الطائرات المصرية، والمطارات أيضاً، بإهمالهم الجسيم، الأمر الذي ترك قواتنا المسلحة في سيناء عارية بلا غطاء يحميها من شراسة التدمير الجوي ونابالم إسرائيل المتحضرة (!!) الحارق فكانت الخسائر البشرية ـ دعك من العتاد، الخسائر المادية ـ أكبر من أن يحتملها الوطن ولم تخلُ عائلة من ميتم لعزيز، وميتم صاحب الصراخ في الوجدان، وكان شلّ الطيران الإسرائيلي حركة قواتنا المسلحة ومنعها من الالتحام الأرضي بمدرعات إسرائيل (واحة الديمقراطية في المنطقة !!!) التي راحت تدوس على اللحم المصري وتهصره بجنازيرها المستوردة من بلاد تقدس الحرية الفردية. وتتباهى بأنها التي أعلنت حقوق الإنسان!!.

دعونا نستمع الآن إلى شهادة المتهم الأول في أحداث الشغب والتظاهرات (حسب توصيفات المباحث العامة في ذلك الوقت للأحداث وللمتهم) لنعرف ..

كان المتهم الأول هو "أحمد شرف" أو "أحمد عبد الحميد شرف" (وكان عضواً باللجنة المركزية لمنظمة الشباب الاشتراكي، وطالباً بكلية الاقتصاد والعلوم السياسي – جامعة القاهرة -، وهو الآن باحث سياسي حر، وله دراسات عديدة عميقة الفكر).

• وما أدراك ما منظمة الشباب!:

والحقيقة أنني حين أذكر منظمة الشباب الاشتراكي فإن الكبار وحدهم سيعرفون عما أتكلم، لكن الجيل الذي استهدفه ـ جيل الصغار الآن ـ لابد سيتساءلون عما تكون هذه المنظمة.

ولهم أقول:

كانت مشكلة ثورة يوليو 1952م (منذ تفجرت وحتى 1976م حين قرر أنور السادات أن يوقف عجلاتها) ..مشكلتها التي لم تحل هي فشلها الدائم الدائب في إنشاء التنظيم (الحزب الواحد) الشعبي الذي يحمي الثورة ويدفع بها للأمام.

أقامت الثورة تنظيمات عديدة :

في مرحلة إخراج المستعمر، أنشأت الثورة "هيئة التحرير".

في مرحلة تجميع قوى الاقتصاد المصري لإحداث طفرة اقتصادية يحتاجها الوطن أنشأت الثورة "الاتحاد القومي".

في مرحلة التحول إلى الاشتراكية أقامت الثورة "الاتحاد الاشتراكي العربي".

لكن الثورة ـ ممثلة في جمال عبد الناصر لأسباب تاريخية عديدة ـ أحست في كل مرة بقصور شديد في فعالية تنظيماتها .. الذي بدا وكأنه أمر حتمي - أو هو كان كذلك !! -.

فعندما كان يحدث وتنشئ السلطة حزباً، يهرع إليه ـ أرادت أم لم ترد ـ الانتهازيون الذن يريدون أن ينضموا إلى الجانب الذي يمسك بمقاليد الأمور .. ويهرع إليه أيضاً، المخلصون الذي يريدون أن يقوموا بواجبهم في تدعيم مسار يؤمنون بضرورة استمراره، وضرورة تحسين أدائه أيضاً.

وكانت مشكلة تنظيمات الثورة في الانتهازيين، فهم من ناحية أعلى صوتاً .. وهم أيضاً – مريحون للنظام – يبررون الأخطاء ويرفعون لواء "ليس في الإمكان أفضل مما كان" وهو أمر يسعد النظام في كل الأحيان، وخصوصاً في أوقات الأزمات!.

ولقد وقع النظام الثوري في ازدواجية غريبة في ذلك الوقت، من ناحية كان لا يريد الانتهازيين، ومن ناحية أخرى، كان يرى أصواتهم تبدد حرجه في الأزمات، تهاجم من ينتقدونه بدعوى أنهم من أعداء الثورة .. حتى إذا كان المهاجمون يريون دفع الثورة وإنجازاتها إلى الأمام في أوقات يرى النظام فيها أنه غير مستعد لهذا الدفع.

عندما أرادت الثورة أن تتخلص من هذه الازدواجية وأن تبني تنظيماً يواجه ويعادل توحش المؤسسة العسكرية التي عمدت علنياً – ابتداءً من 1965 إلى "تلعيب" عضلاتها لجمال عبد الناصر ابتداءً من القبض على مؤامرة الإخوان المسلمين، وانتهاء "برقبتي يا ريس" التي جاءتنا بالهزيمة النكراء في 67، رأت السلطة أن تلجأ وقتها إلى حل طويل الأجل، أن تحل المشكلة بالشباب، أرادت الثورة جادة ومخلصة، أن تعد قاعدة من الشباب الثوري المثقف، يكون فيما بعد الرافد الحقيقي الثوري لتنظيماتها (أول أرادت جادة ومخلصة وأكررها) .. لهذا جاءت المنظمة وليداً رائعاً، وكان أن علمت الشباب أن بناقش بحرية، وثقفته في انفتاح فكري تحسد عليه أي سلطة ثورية، مستهفة في النهاية تشكيلاً هرمياً يبدأ بقاعدة عريضة للغاية ممن انضموا إلى المرحلة التثقيفية الأولى .. على أن يتم الانتقاء من بينهم لعناصر تتسم بالقدرة الأعلى على التحصيل لينضموا إلى المرحلة الثانية، ويتلقوا تثقيفاً أكثر عمقاً، بعدها تنتقي منهم من يتصفون بالقدرة على الحركة بين الجماهير ليتلقوا مرحلة ثالثة من التثقيف شديد العمق، ومن الخبرات التي تمكنهم من الحركة وسط الجماهير ومن الحركة بالجماهير.

كانت المنظمة حلماً مخلصاً جميلاً يستهدف وجه الوطن وخيره وتقدمه .. وكان لهذا الأمر أعداؤه أيضاً من البيروقراطيين الذين أرادوا الأمر سيطرة على الشباب، ولم يريدوه للهدف الذي كان سيطرة بشباب حر على مقاليد الأمور في بلد ثوري. (أظن الآن أنني قد صورت لك ما يكفي من ألاعيب البيروقراطية والبقيى ستأتي).

ثم جاءت نكسة يونيو 1967م لتجهض هذا وذاك، لكنها لم تستطع أن تقضي على شباب تعلموا الكثير على يد أفضل الأساتذة المتاحين في ذلك الوقت، وبمعاونة موجهين سياسيين (كانوا يسمون المسئولين عن إدارة الحوار مع الشباب ـ كل ليلة أثناء المراحل الثلاث ـ موجهين سياسيين، وقد كانوا في الحقيقة شباباً أكثر من ممتاز، لابد أن نتكلم عنهم فيما بعد وعن الدور العظيم الذي لعبوه في حياة كل المنضمين إلى المنظمة) .. أيضاً لم تقدر النكسة على علاقة كانت قد تكونت بين هؤلاء الشباب وبين جمال عبد الناصر .. علاقة لا تشبه علاقة أي من الآخرين به !! لقد كانت علاقة شباب المنظمة بجمال عبد الناصرعلاقة شديدة الخصوصية!.

• وإليكم مثالاً واضحاً:

تحكي هدى أحمد صلاح الدين (كانت عضو اللجنة المركزية لمنظمة الشباب الاشتراكي عن طلاب الثانوي، وهي الآن مستشار وكبير مردبي التسويق بمعهد إعداد القادة للصناعة التابع لمجلس الوزراء) كيف التقى بهم جمال عبد الناصر في المعهد الاشتراكي بحلوان وهي شهادة دالة على العلاقة الخاصة لشباب المنظمة بالزعيم.

تقول السيدة هدى:

"كانت أيام قد مرت علينا ونحن نقرأ ونتعلم نهاراً في معسكر الشباب بحلوان، الذي أسموه معهد الدراسات الاشراكية، أثناء تدريبنا في المرحلة الأولى للمنظمة، ونناقش ما قرأناه وما تعلمناه ليلاً في خيمة المناقشة مع موجهنا الأستاذ أحمد عبد الغفار المغازي (وكيل وزارة التخطيط الآن) والأستاذ صلاح الشرنوبي (أصبح ملحقنا الثقافي في سفارة موسكو بعدها) عندما أعلنونا أن شخصية كبيرة سوف تزورنا في المعسكر، وسارت بيننا الشائعات تؤكد أن الزائر سيكون السيد علي صبري، وفي الساعة الأخيرة وبعد أن رصونا في مدرج يشبه "المسرح اليوناني القديم"، قالوا لنا: هناك احتمال أن يكون الزائر جمال عبد الناصر شخصياً، ولم نصدق أنفسنا حتى دخل علينا جمال عبد الناصر، فَرُحنا نصفق في جنون عشر دقائق متواصلة، وانبسطنا انبساطاً غير طبيعي، كان معه فيما أذكر عبد الحكيم عامر ومحمد فائق وآخرون. خطب فينا جمال عبد الناصر، ونحن نحس أننا استحوذنا عليه وحدنا .. وأنه أصبح لنا .. أصبح ملكنا، قال لنا جمال عبد الناصر "أنتم الشباب الذين نعدهم لتولي المسئولية في هذا البلد، الشباب الذي لن يكون هناك حاجز بينه وبين الثورة .. وكان جمال عبد الناصر فيما قال صادقاً .. وصدقناه.

ثم قال جمال عبد الناصر:

- اسألوا زي ما انتم عايزين.

بسرعة قام الموجهون من أماكنهم، طلبوا منا أن نكتب أسئلتنا في أوراق نسلمها لهم، على أن يقوموا هم بتوصيلها إلى جمال عبد الناصر، وراحو هم مثلنا يكتبون .. لكن جمال عبد الناصر فاجأنا وفاجئهم بقوله: - مش عايز ورق .. اللي عايز يسألني يقوم ويسألني بنفسه ..

وتأكدنا ساعتها أن لا حواجز بيننا وبينه .. سألناه وظل يجيب عن أسئلتنا لأكثر من ثلاث ساعات، لا .. أكتب إن جمال عبد الناصر لما قال لنا اسألوني مباشرة، رحنا مصفقين له مدة طويلة جدا، وكنا فرحين لأننا ونحن نسأله كان يسأل كلاً منا:

- انت عندك كام سنة ؟!

انتهت الشهادة فلنتأملها.

عبد الناصر يزور الشباب الذي سيستمر بالثورة والذي يريد ألا يكون بينه وبينهم أي حواجز من أي نوع، لكن الزيارة تقام بشكل سري فلا يعرف الشباب وموجهوهم أن الزائر هو جمال عبد الناصر إلا في الساعة الأخيرة، وبشكل غير يقيني !!! (اللجنة المركزية تم انتقاء أعضائها من هذا الفوج !!!).

ثم هل لاحظتم الكلمة المعبرة. أننا استحوذنا عليه وحدنا .. أصبح لنا .. أصبح ملكنا".

هل لاحظتم إصرار الموجهين على أن يكونوا حاجزاً ـ حسب الأوامر ـ بين الشباب وأسئلة تكتب على ورق وبين جمال عبد الناصر الذي لا يريد أي حواجز.

أخيراً .. هل لاحظتم أن عبد الناصر عندما قال: "اللي يسألني يقوم ويسألني بنفسه إن الشباب الحريصين على ألا يوجد حاجز بينه وبين الزعيم صفقوا له مدة طويلة جدا، واهتموا لأن عبد الناصر راح يسأل كلاً على حدة "عندك كام سنة ؟!!!" وكأنه ينتظر أن يكبروا بفروغ صبر !!!.

رجال الثورة الذين نزلوا من القطار في طنطا

تعالوا بعد ذلك لتروا كيف رتبوا مقابلتنا بعبد الناصر في الفوج رقم (14) ممارسين عزلنا من جديد:..

أجلسونا في خيام المناقشة لكي تتفق، كل خيمة مع موجهها، على سؤال يلقيه واحد من المجموعة على جمال عبد الناصر (لا تنس أن جمال عبد الناصر قال كل واحد يسأل زي ما هو عايز)، وقد اختارني الموجه لألقي سؤال خيمتنا، ذلك السؤال الذي لم أعد أذكره الآن، لكني أضمرت في نفسي فكرة خبيثة!..

ما إن أشار جمال عبد الناصر ناحيتنا، ولم أكن متأكداً أنه يقصدني من بين المتفق عليهم، والذين كانوا يرفعون أيديهم ليسألوا مثلي، حتى صحت مفاجئاً الجميع بسؤال لم نكن قد اتفقنا عليه، صحت مغالباً خوفي وكلماتي تنطلق سراعاً حتى لا يلحق بي أحد ويوقفها.

- ليه يا ريس شلت عبد اللطيف البغدادي، وحسن إبراهيم، ويوسف صديق، وخالد محيي الدين، كمال الدين حسين . . .

قال عبد الناصر ضاحكاً:

- كفاية .. إنت كده شيلتني الدنيا كلها .. أنا قادر أشيل نفسي ..

وبينما كان كان عبد الناصر يضحك ملتفتاً إلى علي صبري الذي كان يضرب كفاً بكف، كان الجميع من حولي وأولهم الموجه يكادون يسقطون من خوف أصابهم بالإغماء .. بينما راح الموجه يقو لي:

- "انت مش ديموقراطي"، "مش ديموقراطي".

ـ وقال جمال عبد الناصر وأنا أحاول ان أسمعه برغم صيحات الموجه المكتومة:

- شوف يا سيدي .. إحنا زي ما تقول كده طالعين رحلة .. رايحين إسكندرية، واحد جه ف طنطا وقال كفاية على كده .. ونزل من الطريق أبقى أنا شلته ؟!!

الثورة مرت بمراحل، لما كنا عايزين نطلع الإنجليز، كلنا كنا في القطر، طلعوا الإنجليز ناس قالت كفاية كده علينا .. ننزل المحطة دي، نزلوا .. أممنـا رأس الماس الأجنبي .. ناس قالت ننزل . . نزلوا .. اختطينا الخط الاشتراكي.

وفجأة ضحك جمال عبد الناصر وهو يقول:

- كمال الدين حسين صمم ينزل ..

وبعد الضحكات، استطرد جمال عبد الناصر:

- أنا ماباشلش حد، كل واحد والتذكرة اللي قاطعها معانا، وهو حر عاوز يوصل لفين .. اللي باقيين معايا ربنا يسهل ويكملوا لحد ما نوصل محطة إسكندرية الاشتراكية.

وضج الجميع بالضحكات .. واقتنعنا.

ووحدي لم أنم ليلتها .. لم يرض الموجه عما فعلت .. أخذني إلى حجرته، وأحسست به مضطرباً وهو يكرر على مسامعي:

- احنا اتفقنا بديموقراطية على سؤال .. إنت ما ضحكتش عليا، إنت خنت إجماع زملائك.

- عبد الناصر قال اسألوا زي ما انتو عايزين.

- واحنا كنا متفقين على اللي عايزينه كلنا.

- وأنا سألت عن اللي أنا عايزه، واللي كان عايز حاجة تانية كان يسأل ..

ولابد أن عبد الناصر لم يعترض على سؤالي ولابد أن علي صبري لم يوجه نظر أحد إلى خطورة ما سألت عنه .. فقد مات موضوع "اللاديمقراطي" هذا ولم يفتحه معي أحد بعد تلك الليلة.

وأصبح يلقى كنادرة .. يضحك لها الجميع ..الآن أنا الذي أضحك .. إذ لم يبق في القطار الذاهب إلى محطة الاشتراكية غير حسين الشافعي !!! ومن ؟ .. أنور السادات !!!!!

على ذكر السادات، نعود للمتهم الأول

يقول أحمد شرف: (وأنا هنا أنقل عن مخطوطة لم تطبع بعد لكتابه الجميل الممتع "براءة سياسية"، وأسمع لنفسي أن أحكي بأسلوبي بعض ما سأورده عنه محافظاً بالطبع على مضمون ما يحكيه .. وعلى براءته السياسية، تلك البراءة التي طعنت عام 1968م وإلى الأبد).

"كان موضوع اللجنة الوطنية، للعمال والطلبة الذي قاد النضال المصري 1946، الموضوع الرئيسي الذي وقفت عنده جلسات حواري الطولية مع زكي مراد (محام كبير ومناضل سياسي ماركسي توفي إلى رحمة الله) والتي تحولت إلى محاضرات طويلة كان يلقيها عليّ، وأذكر أنني بدأت أصطحب زملاء لي من الكلية (كلية الاقتصاد والعلوم السياسية) ومن خارجها إلى هذه المحاضرات، وأهل عام 1968 وقد بدأت أفهم معنى "اليوم العالمي للطلاب" (21 فبراير من كل عام)، وكيف أن الاحتفال به تقرر دولياً لتخليد واستقاء العبرة من أحداث مصرية وهندية وقعت في هذا اليوم".

قلت في العدد الماضي أن جيلنا كان يبحث عن إجابة لسؤال مؤرق .. لابد أن نفعل شيئاً ولكن كيف نفعله، إذن لم يكن غريباً أن يعود الجيل إلى نضال الطلبة والعمال عام 1946، يستقي منه الخبرة العملية، وأظن ان كلنا دون اتفاق فعلنا ما فعله أحمد شرف .. وأذكر أن كتاب الأستاذ شهدي عطية الشــافعي (المناضل الماركسي الذي كان يؤيد ثورة 23 يوليو بكل جوارحه، وبالرغم من ذلك قتله رجال السلطة الثورية في أوردي أبو زعبل بعد وقت طويل من اعتقاله، وبيانات تاييد طويلة أيضاً وصادقة أرسلها لجمال عبد الناصر!!!) الكتاب المسمى "تطور الحركة الوطنية المصرية "18821956" كان يتم تداوله بين الأصدقاء المهتمين بالسياسة ـ منذ يوليو 67 وحتى فبراير 1968 ـ كما لم يتداول كتاب مثله .. ومنه عرفنا ما عرفه أحمد شرف من المناضل الكبير المحبوب زكي مراد يرحمه الله عن حركة الطلبة والعمال 1946.

عرفنا أن الحرب العالمية الثانية كانت قد انتهت، وذابت وعود إنجلترا المسماة "النظر في المسألة المصرية"، كما تذوب وعود المستعمر في كل زمان ومكان، ورأى الشعب أن السعديين والدستوريين وكانوا في الحكم يسعون إلى تحقيق خطة بمقتضاها معاهدة 1936م، ويبقى التحالف بين إنجلترا ومصر ... (أي بين قوي قادر، وضعيف يستجدي، وهو شكل حقيقي من أشكال التبعية لا تستطيع تزييفه التسميات البراقة) على أن تبدأ مصر بطلب لتسويات معينة عندما تفرغ إنجلترا من مشاكلها، مشاكل الحرب وإعادة البناء.

ولقد كانت الجماهير تتشكك في ذلك الوقت في نوايا الوفد الذي راح يشن حملة صحفية كبيرة مطالبة بالجلاء، إذ أن الجماهير لم تكن قد نسيت أن الوفد قد جاء إلى الحكم عام 1942م على دبابات الإنجليز وعلى أسنة حرابهم أيضاً.

في تلك اللحظات (وهي تشبه إلى حد بعيد لحظاتنا بعد النكسة، حين كنا نعيش والوطن الجريح يعاني إظلاماً مادياً ومعنوياً، وشبابيكنا المفتوحة على المدى، مدهونة بالأزرق الداكن تحجب عنا رئيته، وكنا ـ كذلك أيضاً ـ نريد الكثير من سلطة لا ننسى أنها ترهلت، وتشرذمت ضد بعضها البعض، وتسببت فيما آل إليه حالنا، وفي هواننا على الأعداء) في تلك اللحظات قرر الشعب أن يتحرك بنفسه.

العمال يبدأونها والطلبة بعدهم

بدأ العمال في التحرك:

جمعوا قروشاً قليلة استطاعوا بها أن يبعثوا بوفدين إلى الاتحاد العالمي لنقابات العمال في مؤتمره التأسيسي الأول، وهناك لم يكتفوا بمناقشة الأجور والبطالة وساعات العمل، بل جعلوا المؤتمر يناقش وضعية القوات الأجنبية في وادي النيل وأثر الاستعمار البريطاني للحركة النقابية في مصر، ومنها حركة العمال، وأثر الاستعمار البريطاني على الزراعة في مصر (!!!!) وسعيه الدائم لكبت الحريات . . .

وبدأ الطلبة بعدهم في التحرك:

حين علم الطلاب بما فعله العمال، أضربت كلية اللغة العربية عن الطعام، وبات طلبتها في الفصول (اعتصموا)، وفي كل الكليات عقد الطلبة المؤتمرات، خرجوا بالمظاهرات فكانت مذبحة كوبري عباس، ثم توالت المظاهرات الشعبية محتجة في الإسكندرية والزقازيق، والمنصورة، والسنبلاوين، استشهد ثلاثة في الإسكندرية وثلاثة في الزقازيق، وواحد في المنصورة، واختلطت المظاهرات الوطنية بجنازات الشهداء الوطنيين التي تحولت إلى مظاهرات عارمة في ربوع البلاد، واضطرت وزارة النقراشي الفاتح الكبير لكوبري عباس. على الطـلاب!!!، (والذي قتله الإخوان المسلمون فيما بعد تحقيقاً للقول (من قتل يقتل ولو بعد حين) إلى الاستقالة في 15 فبراير 1946م ولم يهدأ الطلاب والعمال.

السلطة هي السلطة في أي وقت!

تحدت السراي الحركة الشعبية (هكذا تفعل كل سلطة في البداية، تحاول أن تظهر بمظهر القوي الذي لا يبالي، ثم تربكها بعد ذلك استمرارية حركة الجماهير، فتقع السلطة في أخطاء المواجهات، تدفع ثمناً غالياً بعدها)، وجاءت من ألغى دستور 23 "إسماعيل صدقي"، لكن استمرت المظاهرات رغم أنف صدقي والسراي، واتصل الطلبة بالعمال، وفي مدرج كلية الطب ـ جامعة القاهرة، تكونت اللجنة الوطنية للعمال والطلبة .. وقررت اللجنة أن يكون يوم الخميس 21 فبراير 1946 يوماً للجلاء وإضراباً عاماً.

وهكذا عرفنا من خبرة من سبقونا .. أن الأمور تبدأ بمؤتمر، إذا لم يحقق هدفه تحول إلى مظاهرة أو اعتصام تتلوه مظاهرة أو مظاهرات.

• والآن بعد هذه المعرفة الغالية:

هكذا عرفنا، فلنعد إلى المتهم الأول أحمد عبد الحميد شرف، ولاعترافات البريئة سياسياً، يقول أحمد شرف "لذلك فكرت أن تكون مناسبة 21 فبراير القادمة (يوم الطالب العالمي الذي يحيي كل عام في أنحاء العالم ذكرى انتفاضة الطلاب في فبراير 1946م في مصر) توقيتاً مناسباً لما كنت أنتويه " (فلقد اعتدنا في تلك السنوات أن يجد الواحد منا ما كان ينتويه عامة لكثيرين غيره هي القاسم المشترك الذي يجعلنا نتكلم كجيل وهذا هو فضل منظمة الشباب علينا أيضاً).

فماذا كان ينتوي الجيل ؟!

كان ينتوي ألا يسكت وأن تبقى المبادرة في يد جماهير 9، 10 يونيو هؤلاء الذين سندوا قلب عبد الناصر، وثبتوا أقدامه، وأبقوه في مكانه من أجل التغيير وفي نفس الوقت إلى ما يحقق أهدافهم، لقد رفض هذا الجيل أن يفوض أحداً، حتى لو كان هذا الأحد في مكان ومكانة جمال عبد الناصر.

لكن الجامعة لم تكن تياراً متجانساً . وفي رأي أحمد شرف "أخذ الفرز في الجامعة يحدد تيارين للتغيير، تياراً يمثل الأغلبية ويدعو إلى التغيير الثوري، وفي نفس الوقت إلى ضرورة استمرار الثورة وتوجيه الضربات للقيادة الثورية وسيادة الرئيس ونفوضه في إخراجنا من الأزمة). ونترك الأمر للقيادة الثورية وسيادة الرئيس على النهج الأمني أي بطريقة المباحث العامة، أو تياراً (هو التيار الثاني) يمثل الأقلية ويدعو إلى التغيير في اتجاه تصفية الثورة، وضرب المسيرة نحو الاشتراكية، وكانت قوى هذا التيار غير واضحة بعد، ولكن أهم ما أذكره أني بدأت أستشعر المسوح الديني يطل من حواراتها".

بدأت الاتجاهات الدينية في الظهور

يقول أحمد شرف: "ظهر أسامة غيث، وهاني خلاف (الأول نائب رئيس تحرير الأهرام الآن، والثاني سفير لمصر) وقد أخذ هذان الزميلان نهجاً مضاداً للاشتراكية، والثورة (لا أظن أنه نهجهما الآن فالناس تتغير) على أساس ديني، بل أخذا يبديان تعاطفاً ظاهراً مع اتجاه الإخوان المسلمين (وهو اتجاه مازال يحارب إلى الآن معركة انتقامية قديمة مع الثورة وجمال عبد الناصر!!!!).

ويقول أحمد شرف: "في يوم الثلاثاء 20/2/1968م انعقد لقاء موسع لمجموعة الطلاب من جامعتي القاهرة وعين شمس وكان اللقاء بدعوة مني" (عقد اللقاء أو المؤتمر الموسع بالمدينة الجامعية لطلاب جامعة القاهرة). مرة أخرى لا يقلنكم قوله "بدعوة منّي" ـ وإن كنت أرى أنها الحقيقة ـ فسوف نورد شهادات آخرين في النقاط الخلافية وسوف نورد جزءاً خاصاً بعين شمس في أحداث فبراير 1968م هذه ...

وفي مؤتمر الجامعتين عين شمس والقاهرة. يقول أحمد شرف:

عرضت على الجميع أن نجعل من ذكرى الاحتفال بيوم الطالب العالمي صباح الغد (21/2/1968م) مناسبة لكي يتحرك الطلاب وتتحرك الجامعة لتقول كلمتها في القضايا الخاصة بالسلطة والثورة والدولة".

• والآن هل نتوقف لنستظهر الحقيقة:

كل ما أريد أن تلاحظوه الآن أن أحكام الطيران لم تكن قد أعلنت بعد .. فالمحللون ـ حسنو النية ـ تصوروا أن الطلاب لم يتحركوا إلا رداً عليها .. هانحن ذا بدأنا نمسك الخيط من أوله. لنرد على المحللين حسني النية، والشيء الآخر الذي أريد أن تلاحظوه أن الأغلبية الساحقة من الطلاب لم يكونوا بعد مضادين لـجمال عبد الناصر.. ولا أقول لثورته. فلم يحدث أن كانت الأغلبية ـ في أي وقت من الأوقات ـ مضادة للثورة .. لقد كانوا أبناءها، وكانوا يريدون دفعها إلى الأمام بجمال عبد الناصر.

يقول أحمد شرف: "في هذا المؤتمر، فكرة التظاهر كانت غير مقبولة، لن التوقع السائد كان يقول بعدم استجابة أغلبية الطلاب لذلك" (تذكروا هذا الأمر عندما سيفاجئهم الطلاب بغير ذلك فيما بعد، أن معجزة الطلاب لم تكن أبداً في قيادتها، بل كانت دوماً فيمن أطلق عليهعم السادات فيما بعد لفظة "الطالب العادي").

إن للمجتمع علينا حقاً

لكن علينا أن نتوقف لبرهة الآن عن متابعة مؤتمر جامعتي القاهرة وعين شمس في 20/2/68، لنؤكد حقيقة يجب ألا تغيب، صحيح أن رغبة التحرك الإيجابي كانت موجودة لدى الطلاب، ذلك أنهم لا يملكون مواقع في العملية الإنتاجية في المجتمع يخافون عليها، وليسوا أرباب أسر تجعلهم يترددون في الحركة، ثم إنهم أعداد كبيرة في أماكن محدودة يسهل التحامهم وتحركهم، لكن الصحيح أيضاً أن فكرة التغيير الثوري، ودفع الثورة للأمام كانت فكرة المجتمع كله، تصب في أبنائه من الطلاب. بل إنني للحقيقة والتاريخ أحدد أن فكرة التغيير بدفع الثورة وحركة المد الوطني للأمام. وبإصلاح الداخل ديمقراطياً، والتي كانت طموحات الشباب الثائر، كانت أفكار يطرحها الماركسيون في المجتمع، من أعضاء التنظيمات التي حلت نفسها، إلى أعضاء الجمعيات الفنية والأدبية وجمعيات المجتمع المدني التي كانت تعاني ـ ومازالت ـ صعوبات جمة في المجتمع المصري .. لقد التقط الطلاب وقياداتهم هذه الأفكار، ولم تكن قيادات الحركة في أغلبها ماركسية، التقطوه لأن الطلاح كان طرحاً لبرنامج وطني مرحلي يمكن الائتلاف حوله. هذه حقيقة لابد أنها لا تغيب عن أذهاننا، خصوصاً وأن مفاجأة جديدة – هي بعد قليل – في الطريق إلينا .. نعم مفاجأة، وكان يجب ألا تكون كذلك، ذلك أن "الطليعة" (مجلة اليسار المصري التي أنشأها جمال عبد الناصر، وأغلقها فيما بعد السادات) كانت قد نشرت شهادات واسعة للعمال وحركتهم النقابية صبت كلها في الدعوة إلى عملية التغيير الثوري. وفي المطالبة باستمرار الثورة عن طريق تجديدها "برغم هذا كانت المفاجأة مفاجأة !!!

يقول أحمد عبد الحميد شرف: "ونحن منهمكون في الأمر تنامت إلى أسماعنا نشرة أخبار الخامسة بعد الظهر (أي وهم في مؤتمر الجامعتين في 20/2/1968م، يتدارسون فكرة أن يبدأ طلبة الجامعات الدعوة إلى التغيير في المجتمع دعماً للثورة ودفعاً لها وحماية لأهدافها أيضاً من المتسلطين البيروقراطيين الفاسدين، الذين تظنهم الثورة أنصاراً .. أو هي تحب ـ لأنهم يدافعون عنها في كل الأمور ـ أن تتصورهم كذلك) من إذاعة البرنامج العام (كانت إذاعة الجمهورية العربية المتحدة من القاهرة في ذلك الوقت، برغم مرور سبع سنوات على الانفصال فقد كان هناك إصرار على الوحدة العربية) تعلن ـ يقصد نشرة أخبار الخامسة في الإذاعة ـ الأحكام في قضية قادة الطيران. وأصابتنا هذه الأحكام بصدمة حقيقية. فلا يمكن أن يكون ثمن التقصير الذي سبب الهزيمة العسكرية بصورتها الحادة تلك عشر أو خمس عشرة من السنوات سجناً لقادة القوات الجوية تتدرج من الأعلى إلى الأقل رتبة"!!.

مرة أخرى نتوقف، لكي نرتبها للمحللين ـ حسني النية ـ نرتبها ترتيباً واقعياً.

مجتمع يمر برغية في التغيير الثوري أيقظتها النكسة، مفكره ـ بالطبع اليساريون ـ وعماله من الشرائح الدنيا والمتوسطة، أصحاب المصلحة في التغيير الاشتراكي يدعون إلى هذا التغيير، شعب عرف درته على الحركة في التغير إلى الأفضل في يوم 9، 10 يونيو، عندما فرض إرادته على أعداء الوطن، أبناؤه من الطلاب يريدون أن يتحركوا بأنفسهم رافضين فكرة التفويض التي أدت إلى التقويض، ثم تجيء أحكام الطيران الهزيلة فيظهر للجميع أن السلطة التي نفخت تريد أن تخفي ذقنها بتلك الأحكام، وأن هذا معناه أنها لن تبدأ بتغيير نفسها، قبل أن تغير المجتمع، لهذا كله يتفجر الغضب .. لهذا كله وليس رد فعل ـ كما وصف المحللون حسنو النية ـ كان تحرك الطلبة وكانت دوافع.

وتتصارع أجنحة منظمة الشباب الاشتراكي

.. لنعد إلى ما يقوله أحمد شرف .. فقد ذهب ليعلم منظمة الشباب باتفاقه مع زملاءه من الجامعتين (أن تعلن الجامعة رأيها بمناسبة يوم الطالب العالمي في مؤتمر احتفالي كبير، وان تعيد المبادرة 9، 10 يونيو). في المنظمة قابل د. عادل عبد الفتاح (أمين شباب المنظمة في ذلك الوقت، وجراح القلب بأمريكا الآن) الذي حاول أن يثنيه عن هذه الحماقة!!.

- ممكن تبلغ الأستاذ أحمد كامل، ونتشاور في الموضوع (أحمد كامل كان مسئولاً عن المنظمة بعد د. حسين كامل بهاء الدين وزير التعليم الحالي. بعدها أصبح مسئولاً عن المخابرات).

ورد عادل عبد الفتاح:

- الأستاذ/ أحمد كامل غير موجود.

قال أحمد في ثقة:

- بلغ السيد علي صبري .. ضروري .. لأننا موش ح نتراجع.

وأحس د. عادل عبد الفتاح إصرار أحمد شرف فقال:

ـ طيب .. أقعد .. ح نكلم السيد علي صبري ونقوله الموضوع وهو يدينا القرار الصحيح (هذه صورة من الانتكاسة البيروقراطية لمنظمة الشباب التي سبقت ـ بل كانت كانتكاسات تنظيمات الثورة كلها سبباً في انتكاسات الوطن)، ولم يتم الاتصال حتى الثانية عشرة مساء فقرر أحمد شرف أن يذهب لينام في بيته على أن ينتظر تعليمات المنظمة الساعة التاسعة صباحاً، عند قاعدة النصب التذكاري أمام الجامعة (كما اتفق مع د. عادل عبد الفتاح).

"وقبل التاسعة كنت أقف بجوار النصب التذكاري، طالت وقفتي حتى العاشرة (احترف هؤلاء الناس ضرب المبادرات الشبابية بتجاهلها وانتظار التعليمات، لهذا بالطبع لم يذهبوا إلى أحمد شرف بأية تعليمات في محاولة واضحة لإجهاض الأمور) وأنا مستغرق في محاولة استنطاق الوجوه (وجوه الطلاب الداخلين إلى الجامعة بعد أن سمعوا أحكام الطيران) وقياس درجة حرارة الغضب، غير أن الرادار البشري لدي لم يسجل أية اهتزازات إيجابية فدخلت الجامعة وقد ارتسم الهم على وجهي".

(الآن .. هل يعيد السادة المحللون ـ حسنو النية تفكيرهم في الأمر، قبل أن يعيدوا قولهم أن أحكام الطيران كانت سبب خروج الطلبة في 68 ؟!).

ويقول أحمد شرف أنه عندما دخل الجامعة وقد اكتسى وجهه بالهم، قرر أن يذهب إلى كل الاحتفالات بيوم الطالب العالمي في كل الكليات في محاولة لقياس رأي الأغلبية، وإمكانية التحرك.

"كان احتفال كلية الطب في قصر العيني سيعقد في الواحدة ظهراً، سارعت للحاق به. وطالبت عبد الحميد حسن (رئيس اتحاد طلاب جامعة القاهرة في ذلك الوقت، ثم الوزير الشاب فيما بعد، ثم محافظ الجيزة الذي انتهت مدة خدمته عند المدعي الاشتراكي متهما بما اتهمه به المدعي) أن يحصل على تصريح من الأمن بفتح مدرج العميد بدر، بكلية الحقوق لنقيم احتفالاً رئيسياً للجماعة.

د. محمود الشريف يتنباً بالأحداث القادمة!

ويقول أحمد شرف .. أنه قابل بعدها محمود شريف (كان قد تخرج من كلية الطب وفي سبيله لأن يتبوأ وضعه كأستاذ بالكلية، وكان عضواً في اللجنة المركزية لمنظمة الشباب الاشتراكي في ذلك الوقت، وأصبح وزيراً للحكم المحلي الآن) فلما عرف أن أحمد شرف طلب ما طلبه من عبد الحميد حسن، تساءل قلقاً:

- لماذا طلبت ذلك من عبد الحميد حسن؟.

- بصفته رئيساً لاتحاد طلاب الجامعة.

- هل أخبرته بنيت من وراء الاحتفال.

- قلت له الحقيقة كلها.

وبان القلق على وجه محمود شريف أكثر من ذي قبل وقال:

- لا تأمن جانب عبد الحميد حسن، اذهب من فورك ورتب أمورك بعيداً عنه.

وكان الدكتور محمود شريف كأنما يقراً في كتاب الساعات المقبلة !!!

بل كان كمن يتشوف الشهور القادمة .. بل السنوات القادمة أيضاً!.

أخطأ النظام وسوف يكرر غلطته

الذين ما كانوا ليتصوروا أن بلادهم من الممكن أن تتعرض لنكسة تشبه ما حدث في يونيو 1967م، ما عادوا ليصدقوا بعد حدوثها ـ أبداً أيضاً ـ أن تلك النكسة لا يمكن أن تتكرر!.

لقد صحا الشباب على كارثة مروعة، من هولها لم يعد يملك يقيناً في أن تلك الكارثة بعيدة عن الحدوث من جديد.

لهذا رفض الجيل من لحظتها ـ واستمر رافضاً ـ مبدأ التفويض ..أراد هذا اليل منذ اللحظة الأولى أن يشارك في اكتشاف الخطأ وفي تصحيحه، وفي رسم صورة تغيير لا بديل له، وفي تنفيذ هذا التغيير، ودك دعائمه غائرة في الأرض المصرية، ليقود أمته إلى الأفضل والأمن المستمر.

لقد اكتسب جيلنا ثقة كبيرة في نفسه، عندما استطاع أن يفرض ـ وسط غيره من الأجيال ـ إرادته في 9، 10 يونيو، وأن يثبت أقدام وقلب جمال عبد الناصر، ويقبض بيد لا تلين على إنجازات ثورية ومفاهيم نظرتها المستقبلية من تاريخ نضال الشعب المصري كله في العصر الحديث، الذي بدأ قبل الحملة الفرنسية بمائة سنة على الأقل (ولو كره العباقرة !).

هذه الثقة الكبيرة جعلت رابع المستحيلات أن يستسلم هذا الجيل إلى نعاس "تفويضي" جديد يحرسه الزعيم الساهر عليه!!

بدأ يفكر، بدأ يتعلم، بدأ يتحرك، بدأ يمارس من الفعل أهدأه وأصخبه، وفي الحالتين كان صوته عالياً .. ولم تحتمل السلطة ..ضربت السلطة ـ كما سنرى ـ دون رحمة مشاركة الجيل الحقيقية في صنع غد لا يملكه غيره!! لم يرضه إلا أن يشارك الجيل مشاركة صورية!! ولم يرض الجيل بأن تكون المشاركة صورية وتعددت المواجهات.

واجه الجيل عناد عبد الناصر .. وواجع تراجع السادات.

وعندما فشلت المواجهة في تحقيق حقه في المشاركة الحقيقية، اختفى بعضه ـ وكان بعضهم صناعة سطوية على يد وعين أنور السادات!، وروعوا الوطن بالعنف ...جاء العنف يأساً من المشاركة.

جاء العنف مشاركة ولكن في الطريق الخطأ!!، ودفع السادات الثمن من دمه فوق المنصة، على أيدي من صنعهم ـ وعلى يد من اختفوا في وسط هؤلاء الذين صنعهم ـ لإبادة معارضيه!!

ومازال العنف يروعنا .. متخذاً صوراً عديدية منها ما هو عنف على الذات .. وما هو عنف على الآخرين .. عنف سياسي (عرف باسم الإرهاب والتصق بالجماعات الإسلامية) يحطم فرصة الحوار، صراعات دينية (فتنة طائفية) تحطم فرصة المواطنة الحقيقية وعنف على الوطن بالانتماء الفكري لثقافات مهما ومض بريقها، فهي الأقل إذا ما قيست بعمق ثقافة المصريين، بعرق الحضارة النابض فيها من آلاف السنين، يحطم قدرتنا على المراجعة، عنف يتخفى في صورة شديدة الشراسة في الجرائم الفردية العادية، يحطم فرصة التماسك، عنف على الجسد والعقل بالإدمان يحخطم فرصة الحل، وعنف على الذات، على الكينونة، على إنسانية الإنسان، أدى إلى عبادة الشيطان، مهدداً فرصة المستقبل!!!

إنني ضد العنف، وفي نفس الآن ـ وبنفس الحدة ـ ضد أسبابه ... ولأنني أرى أن أهم أسبابه، يأس الجيل من المشاركة الإيجابية في صناعة الغد (تحول إلى لامبالاة بها ـ واللامبالاة أعلى درجات اليأس). لأنني أرى هذا، أقص عليكم القصة منذ البداية وأطلب من الجميع استكمالها.

إن هذه الدائرة لابد أن تقطع .. ولكي تقطع علينا أن نعرف كيف بدأت، وإلى أين تسير بنا، وإلى أين نسير بها.

والبداية كانت في كيفية مواجهة السلطة لحركة 68 في فبراير، الحركة التي بدأها العمال واستمر بها الطلبة معهم.

هاني عنان يستثني جمال عبد الناصر

الطلاب كانوا يهاجمون النظام ويستثنون جمال عبد الناصر كقيادة ثورية، كانوا يستثنونه حتى تلك اللحظة!!.

ولعلنا نتوقف هنا عند حادثة طريفة تظهر معاداة الطلاب للنظام واستثناءهم جمال عبد الناصر، قبل أن نتعرف على مطالب الطلبة التي كانوا ينوون إعلانها قبل أن يفاجئهم العمال المفاجأة الأولى ويسبقوهم إلى العمل الصاخب، (هل كانت مبادرة العمال مفاجاة حقاً ؟!).

عندما رقد هاني عنان (د. هاني عنان الآن، صاحب ومدير توكيل كبير لتجهيز المستشفيات، وطالب الطب، وعضو منظمة الشباب وقتها) بمستشفى الهلال الأحمر مصاباً برصاصة اخترقت حوضه من الناحيتين، واستقرت تحت الجلد في الناحية الأخرى، بعد أن واجه البوليس مظاهرات الطلاب بالرصاص، وجاءه المحققون ليعرفوا ملابسات إصابته سأله المحقق:

ـ هل تعرف من الذي أطلق عليك النار ؟

ـ قال هاني عنان (18 سنة وتها):

ـ أعرفه جيداً

ـ من هو ؟!

ـ شعراوي جمعة.

ـ من ؟!!.

ـ شعراوي جمعة.

ـ تقصد السيد شعراوي جمعة هو الذي أصدر الأمر بإطلا النار على المتظاهرين؟.

ـ لا أقصد أنه هو من أصابني بيده إصابة مباشرة.

ـ هل رأيته!! هل رأيته بنفسه يطلق الرصاص عليك؟

ـ رأيته يرفع المسدس ويصوبه نحوي ويطلق الرصاصة .. ورأيتني أقع مصاباً برصاصته التي أطلقها من مسدسه عليّ بنفسه.

لا أعلم كيف فكر المحقق وقتها في هاني عنان؟، لكني أظن ـ وبعض الظن إثم ـ أنه لم يفهم ما عناه هذا الشاب الصغير ـ وقتها ـ باتهامه الصريح هذا، وبرغم اقتناعي شخصياً الآن ـ بأن شعراوي جمعة هو مطلق الرصاص في كل مكان في نفس الوقت وبنفسه، إلا أن هاني عنان الذي كان يستثني نفسياً أن يكون جمال عبد الناصر هو من أطلق الرصاص على الشباب، أراد شعراوي جمعة متهماً، لماذا؟ لكي يستبعد داخله أن يكون جمال عبد الناصر هو المتهم، ولكي يعبر عما يجيش في نفوس الشباب وقتها من أن عبد الناصر ثوري، لكن من حوله يُفقدون الثورة ثوريتها، ويجعلونها في مواجهة ساخنة دموية مع مؤيديها ... وهذا هو الاتهام الذي عبر عنه هاني عندما أصر على أن الجاني هو شعراوي جمعة .. أليس هذا التعبير دقيقاً عن أن الشباب وقتها كان يستثني جمال عبد الناصر من اتهاماته، متمنياً فيما دون الوعي (اللاوعي) أن يكون جمال عبد الناصر كما يريدونه!! وأن يستمر بالثورة .. بواسطة أصحاب المصلحة الحقيقية في استمرارها، وهم الشباب مالكو المستقبل .. (الذين لم يمتلكوه أبداً فيما بعد إلى الآن!!).

لا وألف لا للتفويض

كنا نقول أن الشباب ـ طلبة وعمالاً بحثوا عن الخبرة في انتفاضة 1946م ـ وكنا نقص قصة المتهم الأول في أحداث فبراير من الطلبة .. الذي رغب في أن يقيم اتصالاً مباشراً بين جمال عبد الناصر وجماهيره دون عوائق منا لمستفيدين وأصحاب مقولة "ليس في الإمكان أفضل مما كان، ودعوا الزعيم يخرج من الأزمة!!" وراح في براءة سياسية (عنوان مذكراته التي أنقل عنها والتي مازالت مخطوطة تحت الطبع) .. يستفتي منظمة الشباب ـ وكان عضواً في لجنتها المركزية ـ عما يجب عمله .. ففوجئ بأن المسئول عن المنظمة ـ السيد أحمد كامل ـ غير موجود، وأن الاتصال بالسيد علي صبري الأمين العام للاتحاد الاشتراكي غير ممكن، وظل في انتظار التعليمات أمام النصب التذكاري المواجه للجامعة .. (لم يعرف وقتها أن المنظمة تشبه النصب التذكاري أمامه!!) فلما طال انتظاره دخل الجامعة وقد ركبه الهم.

والآن .. نستكمل القصة يقول المتهم الأول أحمد عبد الحميد شرف:

"عندما عدت إلى الجامعة (من كلية الطب وكان قد قابل عبد الحميد حسن رئيس اتحاد طلاب جامعة القاهرة في ذلك الوقت وطلب منه أن يحصل على تصريح من الأمن بفتح مدرج "العميد بدر" بكلية الحقوق ليقيموا احتفالاً رئيسياً للجامعة بدلاً من أن يكون يوم الطالب العالمي مجزأ على احتفالات الكليات كل على حده) علمت بأخبار مظاهرة عمالية قامت في حلوان، لدى سماعى بهذا النبأ .. انفرجت أساريري، ورحت أؤكد أننا قاب قوسين أو أدنى مما نريد تحقيقه.

"وبضحكة عالية قلت لأسامة الغزالي (د. أسامة الغزالي حرب، رئيس تحرير مجلة السياسة الدولية الآن، وكان طالباً بكلية الاقتصاد وقتها).

ـ سوف تشهد اليوم مظاهرة جامعية.

ـ لو تحقق ما تقول ساقدم لك اعتذاراً على الفور.

• عودة قصيرة إلى الوراء:

نضيف هنا للسادة المحللين حسني النية هذه المقولة ـ الأقدم عمر الأحمد شرف المتهم الأول في أحداث يحللونها لعلهم ينتفعون بها.

"في نهاية ديسمبر 1967م كنت قد توصلت بيني وبين نفسي إلى أن منظمة الشباب الاشتراكي قد تحولت إلى إطار بيروقراطي، غير قادر على إنجاز أو السماح بإتمام أية حركة تدخل في معمعان قضية السلطة، ودور المشاركة الشعبية فيها، ومن أكثر ما لفت نظري في تلك الفترة تحول المنظمة إلى جهاز يرفع تقريراً يومياً عن اتجاهات الرأي العام، حتى إن عادل عبد الفتاح إزاء إلحاحي على قضايا التغيير، أخذ يدعوني إلى كتابة تقارير رأي عام تعكس دعوتي" (ومع كل ذلك اتجه إلى المنظمة يطلب رأيها ويحيطها علماً بما انتواه في الجامعة!!!).

"لذلك دعوت في أحد أيام شهر يناير 1968 مجموعة من أصدقائي إلى التحرك من خلال الجامعة باعتبار أن التجمع الطلابي، يمكن أن يشكل كياناً جماهيرياً مؤثراً، وكم شدد علي النكير صديقي أسامة الغزالي حرب، وأشبعني تهكماً، وأخذ يقول لي: ألا تعلم أن مصر لم تشهد مظاهرة سياسية منذ عام 1954؟ كيف تتحرك الجامعة والشباب فيث حالات من السلبية واللامبالاة ... إن 9، 10 يونيو حدث تلقائي انبعث في جو صدمة مروعة، ولن يتكرر بسهولة".

لقد كان الطالب أسامة الغزالي حرب في ذلك الوقت المبكر من حياته) يعبر عن رأي المثقفين الذين استكانوا سنوات طويلة ـ وحتى الان ـ إلى أطروحاتهم عن سلبية الشعب، وصبره على المظالم، هؤلاء المثقفون الذين لم يتعلموا للأسف شيئاً من درس تكرر كثيراً في حياتهم .. درس يؤكد أن الجماهير الشعبية كانت تسبقهم في كل مرة .. والذين لم يحاولوا أبداً معرفة العوامل التي تحكم تحرك الناس .. ولعلهم لم يحاولوا عن عمد!، ذلك أن كثير من المثقفين لا يعرفون كيف يكلمون الناس.

وكثير من هذا الكثير احترفوا دوماً تثوير السلطة لا تثوير الجماهير .. إذ يوجهون خطابهم دائماً إلى أعلى .. وهم بهذا يخلصون ضمائرهم!!! بينما الوطن يجأر في طلب الخلاص!!، أرى أنهم اعتادوا أن يفعلوا هذا لأنني فيما أظن وليس كل الظن إثماً أن تثوير السلطة وتنويرها أكثر أمناً من تنوير الجماهير .. وبالطبع من تثويرها).

لقد كان الطالب أسامة الغزالي يستبعد فكرة أن تخرج الجامعة في مظاهرات احتجاجاً على أحكام الطيران الهزيلة وما تعنيه من محاولة إخفاء السلطة رأس نعامة الشعب في الرمال، وكأن المسئولية محصورة فيمن عوقبوا .. وليست مسئولية نظام ترهل وتسيبت مفاصله إلى الحد الذي يحتاج معه إلى تغيير كيفي.

• والآن فلندقق ونحن نتحقق من مطالب الطلاب:

ونعود إلى كلام أحمد شرف الذي توجه بعدها لهندسة القاهرة ليقنع محمد فريد حسنين (كان عضواً بمنظمة الشباب، ورجل أعمال الآن، يملك ويدير مصنعاً لطلمبات المياه)، ورشيق رفعت (عضو اللجنة المركزية لمنظمة الشباب وقتها، ومهندس بكندا الآن) بأن يخرجوا بمن سيحضر الاحتفال (احتفال هندسة القاهرة بيوم الطالب العالمي عام 1968م) ونطوف بالجامعة في مظاهرة صامتة بعدها نتوجه لقاعة الاحتفالات الكبرى ..، أو لمدرج العميد بدر بكلية الحقوق لتنظيم مهرجان احتفالي كبير باليوم العالمي للطلاب، نعلن فيه مطالبنا (....) ونضيف عليها ثلاث نقاط أخرى:

1- استنكار أحكام الطيران والمطالبة بإعادة المحاكمة.

2- استنكار التصدي لمظاهرات العمال في حلوان اليوم، في دولة تنادي بالاشتراكية، وتبرز الطبقة العاملة فيها باعتبارها نواة التحالف الطبقي (ولعلنا نختلف معه على أن التحالف كان في عهد عبد الناصر طبقياً) المسمى تحالف قوى الشعب العامل.

3- المطالبة بالتغيير الثوري وإعادة الالتحام بين القيادة الثورية والقاعدة الثورية.

ومرة أخرى نتوقف لحظة لنقول للسادة المحللين حسني النية، الذين يصرون على أن حركة الطلبة وحركة الشباب المصري 68-1977م، كانت مجرد هبات صاخبة، وكل هبة منها رد فعل لحادثة معينة، نقول لهم ها هو ذا المتهم الأول (ولا يهمنا الترتيب، فالترتيب قامت به المباحث العامة في ذلك الوقت) يؤكد أنه كانت للطلبة مطالب يريدون إعلانها في الاحتفال العام للجامعة بيوم الطالب العالمي 1968م، خاصة بالتغيير الثوري وإعادة التحام القيادة الثورية بجماهير الثورة أصحاب المصلحة، وإسقاط حائط الانتهازيين والبيروقراطيين الذي يشوه هذا الالتحام، بل يمنعه منعاً، وأنهم أضافوا إليها ـ إلى مطالبهم ـ النقاط الثلاث التي تتضمن اعتراضهم على أحكام الطيران ورد فعل الحكومة لمظاهرات العمال ...

ولنعد مرة أخرى إلى أحمد شرف ـ ولكن في روايته لأحداث التظاهر الطلابي في فبراير 1968 ـ يقول: كان الإعداد لهذه الفكرة (فكرة التحرك الجماهيري لإبقاء المبادرة في يد جماهير 9، 10 يونيو) يتطلب تنشيط الصلات مع الاتحادات الطلابية، وقد كان خطي (تعبير تنظيمي ينتمي إلى منظمة الشباب ويقصد به إذا قيل مختصراً هكذا "خط اتصال أو قناة تواصل") مع جامعة عين شمس في أحسن حالاته، فمن بين أصدقائي الشخصيين، الصديق معتز الحفناوي رئيس اتحاد جامعة عين شمس، ومجموعة من أنشط الطلاب يسيطرون على اتحادات الهندسة والتجارة بالذات .. غير أن صلاتي لم تكن قوية مع اتحادات الطلاب في جامعة القاهرة، ففي هذه الفترة كان رئيس اتحاد طلاب جامعة القاهرة عبد الحميد حسن، الطالب بطب القصر العيني، شاباً فقير الحال في مبناه ومعناه (لا أظن أن هذا كان رأي المدعي الاشتراكي فيما تلا ذلك من سنوات!!) وكان قد حضر دورة أخيرة في منظمة الشباب (المرحلة الأولى من ثلاث) وأصبح عضواً جديداً بها، وكان منظره المتواضع ومفاهيمه المتواضعة دافعاً لأن أخطو نحوه وأتعرف بع غير أنه كان شخصاً متحفظاً فلم تنم علاقتنا ولكن ظلت المعرفة علاقة عادية.

ثم يتكلم أحمد شرف عن جماعة الفكر الاشتراكي في اقتصاد وعلوم سياسية، وكيف مدت نشاطها إلى الهندسة، وكلية الطب البيطري، وعن توظيف علاقته بشباب المنظمة من الطلاب، محدداً أن الشباب، وبالذات الشباب الثوري لابد أن يدخل غمار معركة السلطة المثارة، وأن يحدد موقعه في تيار استمرار الثورة بالتغيير الفوري الثوري، وأن يمارس ذلك عن طريق حركته المستلة، التي تعيد تأسيس منظمة الشباب الاشتراكي، بالمبادرة السياسية للشباب على أساس ديموقراطي (يقصد بالانتخاب الذي كان مطلب شباب المنظمة في إعادة هيكلتها، تلك الهيكلة التي تمت بالاختيار، وفي غياب الشباب، وفي بدء المنظمة عندما كان عدد الشباب محدوداً، وتم الانتقاء من العدد المحدود) يدفع بالفاعلين النشطاء إلى مواقع السلطة فيها (يقصد في المنظمة طبعاً)، {هل بعد ذلك ـ أيضاً ـ مازال السادة المحللون (حسنو النية) عند رأيهم في أن حركة الشباب ـ عمالاً وطلاباً ـ حركة لم تكن إلا رد فعل لأحكام الطيران، ها هو واحد من الشباب يظهر ـ أيضاً ـ أن الطلاب كانوا يموجون برغبة في التغيير باحثين عن وسيلة للضغط بالجماهير لتحقيق هذه الرغبة ويُظهر أيضاً أن التغيير اتخذ في أذهانهم طريقاً ديموقراطياً على حسب، ما سمح لهم سنهم، والثقافة السائدة في المجتمع بأن يفهموا معناها ونظامها وآلياته .. وللحق والتاريخ كان فهمهم ـ مثل كثيرين من الكبار ـ فهماً سطحياً}، يدفع بأحسن العناصر إلى مواقع السلطة ويزيح الانتهازيين والبيروقراطيين الذين لا مكان لهم في حركة تغيير ثوري .. بعدها جاءت أحكام الطيران، وتصرف السلطة المتسم بالغدر والخداع الشديدين في مواجهة العمال، حيث طلبوا من العمال أن يبقوا مظاهرتهم في حدود منطقة حلوان ويعلنوا ما يشاءون من مطالب ثم فتحوا عليهم النار عند قسم الشرطة (ادعى شعراوي جمعة فيما بعد أن فتح النار خطأ شخصي من مأمور القسم الذي تصور أن العمال سيهاجمون القسم، فأي خطأ شخصي كان وراء فتح النيران على الطلاب عند مبنى جريدة الأهرام وفي شارع رمسيس ووراء مستشفى الهلال الأحمر، وفي العباسية، هل في كل مرة فتح فيها النار كان الخطأ شخصياً؟، وأين كان سيادته والأخطاء الشخصية تتوالى بعد أيام من الخطأ الأول) لقد كان الخطأ خطأ النظام، (الذي عودنافي كل مرة على ان يبحث عن كبش فداء لأخطائه، وأن يبرر التحركات التي تنطلق ضده بنظرية المؤامرة، والعمالة لجهات أجنبية، كان من يمارس حقه في المعارضة، ومن يطلب أن يشارك في صنع القرار السياسي ما هو إلا متآمر وكأن لا أحد يهتم بمستقبل هذا البلد إلا الجهات الأجنبية ذات الغرض وعملاؤها في الداخل) لقد أضاف الطلاب بعد أحكام الطيران وبعدتصرف السلطة بوحشية لإجهاض التحرك الشعبي فوق مطالبهم مطالب تنتمي لهذين الموقفين.

ظلم المحللون ـ حسنو النية ـ حركة الشباب، وهذا واضح الآن .. حين صوروها رد فعل واختاروا أن تكون رد فعل لأحكام الطيران في فبراير، بينما كانت الحركة في الواقع رداً فعلياً (وليس رد فعل) على ترهل نظام سياسي، أدى إلى نكسة بشعة خرجوا في أول الأمر ليغيروه بتطهيره من البيروقراطيين والانتهازيين الذين لا يجيدون إلا تبرير أعمال النظام، وأخطائه أيضاً، ولا يبدأون كلماتهم إلا بهذا القول الذي سئمناه "انبثاقاً من قول السيد الرئيس كذا وكيت أرى كيت وكذا" ...

خرج الشباب لجمال عبد الناصر في فبراير فلما ضربهم نظام عبد الناصر ولم يتغير إلا تغييراً صورياً ـ خرجوا في نوفمبر ضد عبد الناصر وبعدها خرجوا ضد أنور السادات ... ولم يكن خطأ الشبب بالطبع.

ولنعد إلى الأحداث مرة أخرى .. (بعدها نعود إلى المحللين حسني النية مرة أخرى..).

يقول أحمد شرف في مذكراته أن محمد فريد حسنين ورئيق رفعت اقتنعا بضرورة خروج الجميع من احتفال كلية الهندسة في مظاهرة صامتة تطوف بالجامعة ليعقدوا بعدها مؤتمراً يعلن الطلاب فيه مطالبهم، ويحاولون إيصالها للمسئولين، وبالفعل دعا محمد فريد حسنين الجميع للخروج في المسيرة التي طوفت بالجامعة، وكانت في كل لحظة تتمدد وتكبر بعدد طلابي من كليات الحرم الجامعي .. ثم توجهت المسيرة إلى قاعة الاحتفالات بالجامعة فوجد أفرادها أن القاعة مغلقة (ذلك أن كان قد وصل للنظام أو على أقل تقدير للحرس الجامعي، خبر يؤكد ما اعتزمه الطلبة لابد نقله عبد الحميد حسن ـ الزعيم الطلابي ـ بعد أن طلب منه أحمد شرف فتح القاعة، وأعلمه بالغرض من الفتح (تعلمنا أن نقتحمها فيما بعد)}.

وقف محمد فريد حسنين على سلم القاعة يخطب في زملائه.

ـ كفانا صمتاً .. كفانا كبتاً دام خمسة عشر عاماً (الصحيح أربعة عشر عاماً بعد أحداث مارس 1954) .. لابد أن نخرج ما في قلوبنا.

ثم دعا الجميع للذهاب إلى مدرج العميد بدر بكلية الحقوق وهناك رأى الجميع أولى مفاجآت عبد الحميد حسن .. التي يصفها أحمد شرف بقوله:

"بجوار المدرج لمحت عبد الحميد حسن، وعلى باب المدرج، رأيت قوات حرس الجامعة وقد اصطفت لحراسته، عندها أدركت صحة تحذير د. محمود شريف (هل تذكرون التحذير في الفصل الماضي). جريت إلى عبد الحميد حسن صارخاً:

ـ لماذا لم تقدم طلباً رسمياً بعقد المؤتمر؟.

ـ طلبت لكن حرس الجامعة رفض.

هنا طلب قادة المسيرة من الطلاب أن يهرولوا إلى مدرج 78 في كلية الآداب، وهرول الحرس الجامعي وراءهم لكن الطلاب سبقوا الحرس وسيطروا على المكان وعقدوا مؤتمرهم.

ولقد حاول أحمد شرف أن يجعل نبرة المؤتمر هادئة، وأن يبذل جهده كله في أن يخرج المؤتمر بمطالب تهدف إلى وصل السلطة الثورية (جمال عبد الناصر) بالقاعدة الثورية (جماهير 9، 10 يونيو 1967) لكن أحمد شرف لم يكن يعلم أن سهام صبري في الطريق إليه!!

و سهام صبري هي أسطورة الحركة الطلابية، فتاة قوية البدن، قوية الجنان، (كانت طالبة بكلية الهندسة جامعة القاهرة، ولها دور كبير للغاية ومؤثر للغاية أيضاً في الحركة، سنتابعه حين نصل إلى أحداث 1972م وأحداث 73م أيضاً).

دخلت سهام صبري إلى القاعة (مدرج 78 بكلية الآداب) تصرخ (أحمد شرف لا يعرف أن كلمات سهام صبري صراخ، وصرخاتها كلام شديد المعقولية، والحزم، والقوة أيضاً) قالت سهام إنها جاءت للتو من حلوان، وأنها شهدت المذبحة الخائنة التي أعدتها الشرطة للعمال، ورأت دم العمال يسيل، بعد أن فتحت الشرطة النار على الآمنين الذين استجابوا لدعوة الشرطة والنظام بأن تكون المظاهرة سلمية، وفي حدود حلوان الضاحية!.

على إثر كلمات سهام الصارخة ارتفعت وسط الطلاب الهتافات المعادية للنظام، وانطلقت مظاهرة صاخبة، انضم إليها الطلاب الذين لم يحضروا المؤتمر، واتجهت المظاهرة إلى أبواب الجامعة، فوجدوا أن الحرس الجامعي قد أحكم إغلاقها .. فتعالت الهتافات المنددة بالديكتاتورية العسكرية وبحكم الفرد المطلق.

راحت المظاهرة تعلن الاحتجاج على ضرب العمال بوحشية، وفي الحقيقة على ضرب كل من يريد أن يشارك السلطة ولو بالرأي!!

كانت المظاهرة تغلي وتهدر بالغضب .. وفي سرعة تجمع أعضاء منظمة الشباب، أحمد يوسف (الآن أستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ومدير معهد الدراسات العربية) وأسامة الغزالي حرب، وعبد القادر شهيب (نائب رئيس تحرير المصور الآن) وعثمان محمد عثمان (أستاذ ومستشار التخطيط بالمعهد القومي للتخطيط الآن)، وأمل الشاذلي (رئيس قسم العلاقات الخارجية بجريدة العالم اليوم الآن) وصالح سمرة (مهندس وعضو التجمع في دكرنس الآن...) وعثمان عزام (مهندس ورجل أعمال الآن) وسيد عمر سرحان (مهندس الآن) وعلاء حمروش (توفي وفقدناه بعد أن صار أستاذاً للفلسفة بكلية آداب بنها جامعة الزقازيق، ورئيساً للمركز القومي لثقافة الطفل) .. ولم يحضر الاجتماع محمد فريد حسنين ، عضو المنظمة الذي خرج عن الخط وراح يندد بالدكتاتورية العسكرية وحكم الفرد المطلق وسياسة تكميم الأفواه في المظاهرة التي كان يتنامى عددها خارج المدرج، قرر المجتمعون ضرورة تكوين وفد يقابل مدير الجامعة (الوظيفة الآن رئيس الجامعة) وتم اختيار علاء حمروش قائداً للوفد.

وهنا نتوقف لنرى العجب، منظمة الشباب التي ذهب إليها أحمد شرف بالأمس، فلم يستطيعوا العثور على أحمد كامل مسئولها (حسب زعم د. عادل عبد الفتاح أمين الشباب) ولم يستطيعوا الاتصال بـ علي صبري (حسب زعم نفس الزاعم)، وتركه (أحمد شرف) ملطوعاً أمام النصب التذكاري في مواجهة باب الجامعة أكثر من ساعة في انتظار التعليمات كما مر بنا، أفاقت (خوفاً من المسئولية بالطبع) واستطاعت أن تفعل الصعب .. أن تستدعي أحمد شرف من الجامعة الصاخبة مقفولة الأبواب بالحرس الجامعي!!.

في المنظمة وجد أحمد شرف د. عادل عبد الفتاح وسط مجموعة من سكرتارية المهام.

يقول أحمد شرف: بادرني عادل عبد الفتاح قائلاً:

ـ عملتها واتسرقت منك يا فالح؟!! شايف طلعت غشيم إزاي؟

(لا أريد أن أعقب واحكموا أنتم بأنفسكم على هذه الكلمات!!)

قال أحمد شرف: لأنكم تركتموني وحدي بجهدي الفردي، وجهد مجموعة من الزملاء فلم نستطع أن نصل إلى ما نرجوه، العيب في تخاذلكم وليس في غشمي أو غشمنا.

بالطبع استطاعت المنظمة وقتها العثور على الأستاذ أحمد كامل، الذي بادر واجتمع بأحمد شرف أو لنكن أكثر تواضعاً ونقول التقى به.

يقول أحمد شرف "طلب مني (أحمد كامل) أن اضع تصوراً للأحداث في الأيام المقبلة، حدثته عن فكرة جدار الصمت المنهار (يعني أن الشعب لم يعد يطيق السكوت، والاستبعاد التفويضي) صدق على ما أقول، تحمس لما أطلب (!!)، عندئذ طلبت منه أن يمهلني إلى الغد حتى أقدم له تصوراً أعم عن الأحداث وكيفية شق مجرى السيل المصاحب لها (يقصد السيل المعادي للنظام وهتافاته الهادرة) وافق على ذلك واتفقنا على اللقاء في الثانية عشرة من ظهر الخميس 22 فبراير 1968م".

لكن مفاجأة غريبة ـ أخرى ـ كانت في انتظار أحمد شرف ...

هوه ســيـادتك .. مــبــاحث ؟

متى تتحرك الجماهير حركة صاخبة عنيفة ؟!

سؤال حير المثقفين .. وحير المحللين .. وحير السلطة أيضاً!!

المثقفون أراحوا أنفسهم وضمائرهم وعقولهم أيضاً !! وانهال علينا من لدنهم سيل من الأقوال في جلساتهم الخاصة، وقطرات قليلة من الكتابات ... راح السيل ـ بقطراته المكتوبة المعلنة ـ يؤكد أننا ـ الشعب المصري ـ شعب خنوع، وأن صبرنا حير الصابرين، وهو قادر على أن يصيب النبي أيوب ـ عليه السلام ـ نفسه بالدهشة، وبعضهم تبنى مقولة زرعتها الحملة الفرنسية (فيما زرعته من تنوير للغافلين!!)، وتشير إلى أن مصر ذات مصدر وحيد للمياه (النيل)، وأنها واد محصور بين صحراوات، جعل شعبها محصوراً أسيراً في مواجهة الظالمين من حكامه، أما توزيع المياه فاقتضى وجود سلطة مركزية شديدة البطش .. ارتضى الناس بطشها لتنظم لهم أمور حياتهم، الأمر الذي جعل الفرعون إلهاً يعبد، فما بالك بالطاعة!!.

أما المحللون فقد أراحوا أنفسهم وضمائرهم، وعقولهم أيضاً، وخرجوا علينا بنظرية رد الفعل الوقتي، وقالوا إن الزراعة قد جعلت الشعب في مصر شديد المحافظة (وهو لفظ رقيق يصف الجمود والرجعية والتمسك بالسائد والقديم)، وبنوا على ذلك ـ في نظرية رد الفعل ـ أن شعبنا لا يعرف إلا الغضب الوقتي والانفعال الموقوت (نسبة إلى القنبلة الزمنية) اللذين يتفجران بين الحين والحين في درب استسلامه الطويل جداً، وعلى محطات شديدة التباعد.

وكان للسلطة رأي ثالث .. إذ تبنت دوماً نظرية المؤامرة الخارجية والعناصر المندسة والأفكار المستوردة (!!) وكلها أشباح تتسارع السلطة باتهامها بالتغرير بالشعب المسالم الصبور.

إذا قلت للمثقفين، أن شعبنا عرف التمرد والفعل الصاخب والثورات، قالوا: "معلهش"، إنه الاستثناء الذي يؤكد خضوعه وتأليهه وسلبيته في مواجهة السلطة، ولا ينفي القاعدة . إذا قلت للمحللين: إن شعبنا أثبت في لحظات كثيرة أنه مع الجديد والتطور والتحديث، قالوا "معلهش" !! أنظر إلى أدوات الزراعة، إن فلاح اليوم مازال يتعامل مع أرضه مثلما كان جده يتعامل معها، والنيل ـ بعده ـ وليداً لم يفطم بعد في حجر مصر.

وإذا قلت للسلطة: هل من المعقول ألا يدعو إلى التغيير في مصر إلى الديموقراطية، والعدالة الاجتماعية، إلا العملاء والمندسون، وأصحاب الأفكار المستوردة (نحن نؤمن جداً باستيراد نتائج فكر المجتمعات الغربية، من أدوات وماكينات تسلية، ولا نؤمن باستيراد الفكر الذي صنع هذه الأدوات والماكينات والتسلية!!) إذا قلت ذلك، قال السلطة "معلهش"، القاعدة العريضة سليمة، تحاول إثارتها فئة ضالة (مضللة في أحسن الأحوال)، متاجرة بآلام الكادحين، وبمشاكل يرثها كل عهد من العهد الذي يسبقه.

هكذا ارتاح المثقفون، والمحللون وحاولت السلطة أن تستريح .. وأدت "راحة" الثلاثة إلى أن نامت الحقيقة في الأدراج .. أدراج العباقرة وأدراج المباحث العامة!!!

هل نوقظ الحقيقة ؟!!

ليست الحقيقة هي ما قاله المثقفون.

ليست الحقيقة هي ما قاله المثقفون.

وليست الحقيقة هي ما تردده السلطة.

الحقيقة لا تأتي إلا في ركاب العلم .. وتأتي كلاً يرفض أن تلتقط منه ـ حسب النوايا ـ البعض وتتناسى البعض، العلم لا يقبل الانتقاء، فليست هناك ظاهة لا ترتبط بغيرها من الظواهر، تؤثر وتتأثر .. لكنها في النهاية تحل من الداخل مهما كانت قوة العناصر الخارجية المؤثرة.

الإنسان يستغل طاقة عدوانه في التنافس، والتفوق، وتحقيق الذات .. إنها طاقة خلاقة .. أما غذا اختفت هذه الطاقة الخلاقة، صارت خناقة .. وعبرت عن نفسها بالعنف الجموح، العنف الذي يتفجر بسبب واضح، لكنه يتفجر ـ أيضاً ـ بلا هدف واضح.

وشعبنا عرف العنف الخلاق .. عرفه في ثورته على المماليك، التي أدت إلى "الماجنا كارتا المصري" 1795م، تلك الوثيقة التي حددت العلاقة بين السلطة وبين الشعب (بمفاهيم عصرها)، قبل وصول الحملة الفرنسية (التنويرية !!!!) وعرفه في ثورة القاهرة الأولى والثانية ضد فظائع الاحتلال الفرنسي (التنويري!) وعرفه وهو يخرج فلول المرتزقة الذين جاءوا مع العثمانيين وأرادوا مصر المحررة نهيبة عثمانية من جديد، وعرفه مع عرابي العظيم، وعبد الله النديم المثقف الكامل، ومع ثورة 1919م (حركة العمال والطلبة)، وعرفه في مقاومة بلوكات النظام لجيوش الاحتلال البريطاني في الإسماعيلية 1952 وفي مقاومة العدوان 1956م، وفي بناء السد العالي (عنف خلاق للإرادة المصرية في مواجهة إرادة الخنق الاستعمارية "قلنا ح نبني وآدي إحنا بنينا السد العالي")، وعرفه في عبور قناة السويس وحرب أكتوبر الخالدة،وفي حركة الطلبة 68-1977 قبلها التي كانت أول جسر ـ حركة الطلبة ـ لهذا العبور العظيم.

وشعبنا عرف العنف الجموح في حريق القاهرة 1952، وفي غضبة يناير 1977، وقبلها في اقتحامه بيوت المماليك ونهبها، وقتلهم وتشريدهم في فترات كثيرة.

شعبنا ـ إذن ـ عرف العنف، خلاقة وجامحة ..ولكننا لم نرد على السؤال الأول: متى تتحرك الجماهير حركة صاخبة عنيفة ؟!!

يستلزم الأمر أموراً ثلاثة: وعي كامل والوعي الكامل في لحظة تاريخية محددة، هو غضب يمتلك الوسيلة (وخل بالكم من حكاية الوسيلة هذه)، الناس تعرف آلامها، لكنك لو كلمتها، فاجأتك بسؤال: "وماذا نفعل ؟!"، إن سؤالهم هذا بحث عن الوسيلة، فمعرفة الآلام والآمال هي الوعي المنقوص .. أما اكتمال الوعي فيأتي حين يرتبط الوعي المنقوص بالوسيلة فيكتمل (والوسيلة وظيفة المثقفين، بمعنى أن المثقفين هم المنوطون في كل المجتمعات بأن يعلموا الناس الوسائل التي تمكنهم من تحقيق آمالهم، بالضغط على السلطة طبعاً ... ـ أيا كان المدى الذي يصل إليه الضغط، وهذا يستلزم أن يكون المثقفون أولاً، ملتحمين بالناس، يتعلمون منهم، ثم يبلورون ما حصلوا عليه، ويكشفون الوسائل الممكنة، والتي من الممكن أن تصبح أدوات وآليات للضغط المستمر الفعال ... لكن المثقفين أراحوا أنفسهم وضمائرهم وعقولهم أيضاً بل وأيديهم التي فضوها من الأمر، مكتفين بمهاجمة الشعب السلبي في قعداتهم الخاصة!!!)، أم البعض منهم في الاتجاهات السلفية، ومن باب الراحة أيضاً، فقد قدموا الوسيلة الخطأ، وهي العنف الجموح غير الخلاف، متصورين أن الفوضى ستقودهم إلى كراسي الحكم أنهم يغضون الطرف عما حدث في السودان، وفي أفغانستان، والذي يؤكد أن الفوضى لا تقود إلا إلى فوضى أشد، بعد أن تُسقط فوضاهم الحكم القائم ويتولون هم أمور الدول..).

الأمر الثاني بعد الوعي الكامل (الغضب + الوسيلة) هو لحظة التفجر، وهي لحظة تفوق احتمال من تصوروا من قبل أنهم سينجحون، أي أنها لحظة ـ دائماً ـ ما تكون مسبوقة، بعمل شعبي عام وحركة ثقافية نابضة بالعنفوان تؤدي إلى التفات عام، يكاد يؤتي ثماره، ولا تحدث في غيبة من الأحداث الكبرى ... حريق القاهرة جاء بعد انتفاضة شعبية عظيمة ظن الناس أنها بضغطها المتواصل من 46 إلى 1952 سوف تحقق ما يصبون إليه، ورحكة الطلبة جاءت بعد حلم عظيم تصور الناس أنه سيتحقق ثم فوجئوا بأنه قد ضاع من أيديهم .. حلم ثورة 23 يوليو)، وغضبة 1977م جاءت بعد حركة الطلبة والثقب الديمقراطي الذي أحدثته في جدار النزعة التفويضية، ذلك الثقب الذي أشعر الناس بأن السلطة قد تم إضعاف تشددها في مواجهتهم فلما استأسدت وتحدت الشعب كله، خرجوا شدها، وكل حركان العنف الخلاق جاءت بعد نجاحات سابقة سرق بعدها الأمل أو حاول المتسلطون سرقته.

الأمر الثالث: هو إدارة التفجر فلا يكفي التفجر (وإلا كان العنف جموحاً) المهم أن يدار هذا التفجر وإداراته تعود إلى التحقق بالوسيلة (اكتمال الوعي)، بالإضافة إلى برنامج للتغيير ينبع من الجماهير، وتصبح مستعدة للدفاع عنه، ولا تمهد حركتها إلا بتحقيقه (أو على الأقل بتحقيق بعضه).

أمور ثلاثة:

وكانت الأمور الثلاثة .. مكتملة في حركة الجيل الذي واجه الذي واجه عبد الناصر والسادات .. ولهذا نجح. كان لديهوعي بالغضب وبالوسيلة الصحيحة .. فكان وعيه كاملاً.

وكانت لديه لحظات تفجر، وهي محاولات السلطة لأن يعود الأمر كما كان، ورفضها للمشاركة غير الصورية .. وإصرارها على "التفويض" وأنها التي ستحدد مسار التغيير وستنفذه أيضاً!، وأنها صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة في الضية الوطنية، وفي أمور الحرب أو التراجع عنها (على شكل تأجيل مستمر ومبادرات لا ينفد لها معين، وتسويف واضح للعيان).

واستطاع الجيل إدارة لحظات التفجر باعتصاماته التي تتفاوض باسمه، وبلجانه الطلابية العليا التي تمثله، ويلجئونه إلى حضن الجماهير في التحرير 1972، وكل الأحياء في 1973. ثم بتوسيع دائرة المعارضة عالية الصوت بضم الشخصيات العامة إلى الإيمان ببرامجه، وإقناع النقابات بتبني أهدافه المستقاة من طموحات الشعب.

والآن نستكمل الخيط (آملين أن يتضح لنا ما فصلناه في أمور التحرك الجماهيري وضوحاً تطبيقياً):

قلنا: إن مفاجأة غريبة كانت في انتظار أحمد شرف المتهم الأول في أحداث 1968م فبعد أن أقنع أحمد كامل بضرورة ربط الجماهير بالسلطة الثورية، لإحداث التغيير المطلوب أحاله السيد أحمد كامل إلى مجموعة من سكرتارية اللجنة المركزية (مسئولة عن النشاطات النوعية) كانت مكونة فيما يذكر أحمد شرف من عادل عبد الفتاح و عزت عبد النبي (لا أعرف أين أراضيه الآن)، وهاشم العشيري (يقال أنه أصبح من مريدي الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المدينة المنورة الآن) ... وكمال قشيش (أمين عام أمانة الحكم المحلي، بوزارة الحكم المحلي الآن) وعباس الدندراوي (توفي إلى رحمة الله) وقد حاولت المجموعة المذكورة بكل طاقاتها وعندها أن تجر أحمد شرف إلى الوراء، إلى الاستكانة التفويضية (تمكين القيادة السياسية من الفعل السياسي الثوري في جو من الاستقرار بما يعني "بَلا جماهير بَلا وجع دماغ" "مال الناس وهذا الأمر الذي يخصهم ؟!!!") وفي سبيل تحقيق الاستكانة التفويضية تلك، راحت اللجنة تدرس "كيف تمنع خروج مظاهرات الطلبة من الجامعة إلى الشارع بعد غد" (السبت 24 فبراير 1968م...).

الحقيقة التي لم يذكرها أحمد شرف التي تحل التناقض، بين توجهات أحمد كامل ولجنته الخاصة منبثقة من اللجنة المركزية للمنظمة (التي هو أمينها!!)، هي أن كان هناك صراع خفي بين السيد علي صبري ورجال في المنظمة (وكان د. عال عبد الفتاح من رجاله)، وبين الأمن العام للمنظمة الشبابية أحمد كامل، (ألم تلاحظوا أن عادل عبد الفتاح قال لأحمد شرف بل احتفالات يوم الطالب العالمي، أن أحمد كامل غير موجود وأن سيتصل بالسيد علي صبري في منزله).

لقد كان علي صبري صاحب الاتجاه التفويضي .. "بلا جماهير بلا بتاع" ... {بعدها في 15 مايو 1971 تعجب علي صبري كيف لم تخرج الجماهير من أجل إعادته ؟!، وكيف تنفست الصعداء عندما أزاحه السادات ومجموعته عن السلطة، بالرغم من أنه كان يدافع عن الديموقراطية (كما قال)!!!!}.

ولنترك منذ الآن وإلى غير عودة منظمة الشباب، فهي بصراعها الداخلي قد ارتضت مكاناً خلف الناس، حاولت منه أن تجرهم من الرغبة في المشاركة في اتخاذ القرار إلى أرض الضياع التفويضي التي لا تعرف إلا الانحناءات القاتلة، إلى هاوية سحيقة لا يخفف منها أن سماها هيل ـ ربما حتى لا يفت في عضد الآمال الثورية ـ نكسات ومنها نكسة 1967 ....

الآن يتكم محمد فريد حسنين

لنترك المنظمة وقد انفلت منها الأمر، وانفلت منها مخطط الشارع، وانفلتت هي من يد التاريخ، لقد أصبحت خارج التاريخ، ذلك أنها اضطربت وهي تختار بين التفويض والسيطرة البيروقراطية (علي صبري) وبين إرادة الجماهير وحقها في المشاركة (الشباب ... هي التي كانت منظمة الشباب!!!).

وأيضاً لنترك المتهم الأول إلى المتهم الثاني "محمد فريد حسنين".

لقد عاد محمد فريد حسنين من النمسا التي ذهب إليها عام 1957م ليدرس الهندسة، عاد وقد جعلته الغربة أكثر انتماءً لبلده ولجمال عبد الناصر، عاد مشبعاً بمقالات محمد حسنين هيكل في الأهرام.

يقول: "كنا طالعين من 56 وكنا نحلم بعبد الناصر مرتين في الأسبوع على الأقل .. بيكلمنا .. بنكلمه"، ولقد كان هناك من يحاربون جمال عبد الناصر من الخارج "الإخوان المسلمون" بقيادة سعيد رمضان، حزب التحرر الإسلامي والبعثيون، ونشطنا في اتحاد الطلبة العرب لمقاومة هذه الاتجاهات وخصوصاً أن الشعب النمساوي كان معجباً بجمال عبد الناصر، وكلما تكلمنا عنه قالوا: أنت مصري؟! .. ناصر .. ناصر".

وعاد محمد فريد حسنين إلى مصر في عام 1965، ولم يكمل الهندسة ليلتحق بكلية الهنسة جامعة القاهرة وليصدم صدمته الأولى، بأن "الناس في مصر كانت تشكو من مشاكل التطبيق الاشتراكي، لكن منظمة الشباب حلت لنا الإشكال، قالت: إن فيه تناقض رئيسي بيننا وبين الاستعمار التقليدي والجديد، وتناقضات ثانوية بيننا وبين البعض (يقصد الطبقات في مصر)، وأن علينا أن نهتم بالتناقض الرئيسي أكثر..."، ومع هذا قبضت السلطة ـ بعدها بقليل ـ على من يهتمون بالتناقض الرئيسي، مجموعة أسموهم القوميين العرب، وأسموهم الماركسيين، وقبضوا عليهم داخل منظمة الشباب، {هل تذكر الفصل الأول ؟!!}.

كانت ـ تلك ـ هي الصدمة الأولى فقد كان شاهداً على وطنية وثقافة من قبضوا عليهم بحجة أنهم معادون للنظام!!.

يقول محمد فريد حسنين: "قبضوا عليهم برغم أنهم حلوا أنفسهم ـ القوميون العرب ـ وانضموا للتنظيم الطليعي، وكان مسئولاً عنهم سامي شرف". كانوا ـ هؤلاء القوميون ـ زملاءه في هندسة .. سمير حمزة، بهاء عبد الفتاح، عثمان عزام، ويقول محمد فريد حسنين: "إن سامي شرف (وكانت هذه المجموعة من رجاله، إذ كان يستفيد من علاقاتها في منطقة الشام في أمور يتم تنفيذها لعبد الناصر بطريقة مخابراتية، قد لا يعلم عنها كل الرجال كل شيء) ذهب إليهم في السجن وضربهم عريانين بالكرباج بنفسه، إزاي يبقوا رجالته ويعارضوا النظام؟!! (حتى من داخله!!)، ولمّا كل الناس خرجوا من السجن صمم سامي شرف على إن رجالته يفضلوا محبوسين!! فرجالته إذا عملوا كده لا يمكن العفو عنهم!".

وجاءت النكسة.

ويقول محمد فريد حسنين "كان عندنا سكشنين ورش (أنقل هنا عن تسجيل صوتي لمحمد فريد حسنين) نعمل شوية حاجات ونقعد نعيط على اللي حصل للبلد، وكان من ضمن اللي بيعيطوا محمود كمال. خاله يبقى زكريا محيي الدين، وإبراهيم أحمد مكاوي...".

ويقول: "استقلت من المنظمة (مثل كثير من الشباب ومثل هؤلاء الذين أعلنوا من جانبهم حل المنظمة الشبابية، هل يذكر القارئ ما جاء في الفصل الثاني؟) وبرغم ذلك كنت أحضر اجتماعات وحدة كلية الهندسة!! إلى أن جمدوها!!! "قالوا مادام كل ما بتجتمعوا بتعملوا دوشة إحنا ح نجمدكم".

ويذكر محمد فريد حسنين اليوم الذي زارهم فيه د. حسين كامل بهاء الدين ـ أمين المنظمة حتى 68 ـ ووزير التعليم الحالي، فيقول "قالوا: الدكتور حسين كامل ح يجتمع بيكم، قلت موش عايز أروح، أنا ما بعرفش أسكت، لكنهم ضغطوا عليا رحت، كل ما أتكلم عن النكسة، وضرورة مشاركة الناس في إحداث التغيير المطلوب (هذا الكلام قبل مظاهر إلى الطبعة التي ينفك المحللون يؤكدون أنها كانت قد خرجت كرد فعل لأحكام الطيران!!)، يبتسم الدكتور حسين ويقول: فريد متأثر بحكاية صحابه في كلية الهندسة: (يقصد أفراد التنظيم الذي قبض عليه بحجة معاداته للنظام)، فوتتها مرتين، وبعدين ماقدرتش أسكت، قلت له حضرتك ليه بتشوه مقاصدي؟ ... ليه ما بتردش على اللي با قوله .. بعدها جه تليفون من مكتب جمال عبد الناصر، والظاهر إنه قال لهم عاملوا شباب هندسة بمنتهى اللطف، فالدكتور حسين كامل بقى كويس معانا".

هل تذكرون أننا قلنا أن الشباب كان يهاجم نظام عبد الناصر ويستثني الزعيم شخصياً ؟!.

رُكَب شعراوي جمعة تخبّط في بعضها

يقول محمد فريد حسنين: "كانوا (يقصد المسئولين) بيستغربوا إزاي إحنا ننتقد جمال عبد الناصر، شعراوي جمعة (كان وزير داخلية جمال عبد الناصر)، مرة قال لي: أنت بتتكلم عن جمال عبد الناصر، كده إزاي؟!، ده أنا لحد دلوقت لما بيكلمني الريس في التليفون ركبي بتتخبط في بعضها!! .. وكنا بنقول لهم زى ما بنسقف له، ننتقده ونشخط فيه كمان..." (هل يذكر القارئ أننا قلنا أن العلاقة بين جيلنا وبين عبد الناصر كانت شديدة الخصوصية).

• ثم ندخل في الأهــم:

عندما جاءت مظاهرات 1968م (كان الشباب قبلها يتكلم عن التغيير علناً ناقلاً همسات البيوت وصراخ قلبه إلى المسئولين)، وكان الشباب قد عرف من حركة 1946م، حركة العمال والطلبة (عن طريق القراءة ومن بعض القادة الشعبيين المطاردين وبينهم قيادات للحركة العمالية) كيف تكون الوسيلة مؤتمرات، إذا لم تصل إلى هدفها تحولت إلى مظاهرة، أو تحولت إلى اعتصام، فإذا لم ينجح الاعتصام في تحقيق الهدف، خرجت المظاهرات، أي أنه حسب تحليلنا كان الشباب يملك وعياً، الغضب والوسيلة، ولما جاءت تصرفات السلطة مع العمال الذين خرجوا ينددون بأن أحكام الطيران الهزيلة تعني أن السلطة، تسد خانة، وأنها لا تعمد إلى تغيير حقيقي، جاءت لحظة التفجر (حسب تحليلنا أيضاً).

يقول محمد فريد حسنين مكملاً ما بدأه أحمد شرف: "في اجتماع كلية الآداب (مدرج 78 بكلية الآداب) دخلت شمال في النظام، في أفعاله التي أدت إلى النكسة، وفي ثرائهم أيضاً، اتكلمت عن الفيلات اللي ورا الميريديان، (فيلا علي صبري وفيللتي ابنتي جمال عبد الناصر الدكتورة هدى والسيدة منى) ساعتها كان كل الشهداء اللي ماتوا في 56 وفي 1967م، أمام عينيا.. واللي موتتهم الثورة كمان في السجون والمعتقلات برضه كانوا قدام عيني" .. قلت: ضيعتوا البلد، وموتوا الناسن ولسه قاعدين، وقرر المؤتمر أن يكون من اثني عشر طالباً، من كل كلية اثنان، يروحوا يقابلوا جمال عبد الناصر؟! ويقولوا له مطالب الجامعة، وكونا اللجنة أذكر منها رشيق رفعت و د. سمير غطاس (طبيب أسنان يعمل في منظمة التحرير الفلسطينيةوعلا حمروش، وفاكر أنه ما كانش فيها بنات" ... وجاءت سهام صبري وتسببت في خروج مظاهرة (راجع الفصل الفائت)، والمظاهرة بقت تلف جوه الجامعة وتندد بالنظام.

بعد الاجتماع قالوا لنا أن وكيل الجامعة عايز يقابلنا، دخلنا له (اللجنة المنتخبة) كان معاه د. طعيمة الجرف (أستاذ القانون في حقوق القاهرة، وعضو التنظيم الطليعي، تذكّرونه جيداً فسوف يأتي ذكره مرة أخرى بعد مظاهرات 1973م) وقال لنا (وكيل الجامعة): إنتوا قلتوا، وقلتوا، قلنا له: إحنا ح نقابل جمال عبد الناصر، وح نقول له كل اللي قلناه، إحنا كنا عارفين أن ما فيش في إيده حاجة (يقصد وكيل الجامعة)، وطلبنا منه ورق وأقلام عشان نصيغ مطالبنا اللي ح نعرضها على الرئيس، وفجأة صاح د. طعيمة الجرف:

ـ بصفتكم إيه؟!.

ـ بصفتنا جماهير الطلبة .. وممثليهم المنتخبين ..

ـ إنتوا ما تزيدوش عن 300 وأنا مصوّركم ..

ساعتها سأله واحد من المجموعة:

ـ هو سيادتك مباحث؟!

أسكتنا وكيل الجامعة .. وأدانا ورق وأقلام، وأدانا أودة (كانت مقر اجتماع اللجنة الطلابية العليا فيما بعد في اعتصام عام 1972) دخلنا الأودة وقعدنا نكتب، جاء عبد الحميد حسن (أنتم تعرفونه)، قام الولاد عايزين يضربوه، أنا حُشت، وسابنا عبد الحميد، وخرج.

(بعدها اختاره جمال عبد الناصر ممثلا للطلاب، ثم للشباب كله، لكن الطلاب كانوا يعدون لجمال عبد الناصر رداً عملياً على هذا الأمر كان لابد وأن يذهله لقد أذهل ردهم سامي شرف وأوقعه في حيص بيص فلم يعرف ما الذي يقوله لجمال عبد الناصر ثم علم جمال عبد الناصر بما دبره له الطلاب فقرر أن يعاندهم لكن وقت هذا الكلام لم يحن بعد).

السادات يدخن الـ " كنت " في مـجلـس الأمــة

لمصر أربعة ثوابت . .

وعندما نقول أن الثوابت لمصر، فإننا نعني لشعبها . . شعبها كله، باختلاف طبقاته وعقائده (لا يشذ عن هذه القاعدة إلا أصحاب المصالح الوقتية الزائفة والمؤثمة ـ وهم يشكلون طبقة وأنصارها من المستغلين في كل وقت بالطبه وهو شذوذ يؤكد القاعدة ولا ينفيها. . )

هذه الثوابت الأربعة تولدت في كفاح طويل مرير، تلا تخبطاً أطول وأمر، إن ثلاثمائة سنة، قد مرت منذ بداية القرن الثامن عشر، ومصر ـ شعبها ـ تكتشف ثوابتها وتكتشف سبيلها للتمسك بهذه الثوابت وتحقيقها . . (بل وصول الحملة الفرنسية بمائة سنة على الأقل)، وثوابت مصر الأربعة كانت وما زالت هي: الديموقراطية، التحرر الوطني، العدالة الاجتماعية، الانتماء العربي.

هذه الثوابت يتفق عليها الجميع، وإن اختلفت تصورات الجميع عنها ـ أيضاً ـ اختلافاً كيفياً (كيفية تحقيقهأ، والكيفية التي تكون عليها لحظة التحقق، ومن هي القوى صاحبة المصلحة التي تريد وتستطيع تحقيقها، ولمن الفائدة من وراء التحقق في المقام الأول، وليس اختلافاً في الرغبة فيها والسعي من أجلها، أو حتى تمنيها، وهذا اضعف الإيمان).

وهذه الثوابت ـ أيضاً ـ وبحكم التطور، اختلفت تصوراتها لدى الجميع من عصر إلى عصر (واختلفت مسمياتها بالطبع)، فالتحرر الوطني مثلاً، اتخذ عدة صور متعاقبة، تحرر داخل الخلافة الإسلامية، تحرر يعترض على الخلافة الإسلامية (التي شاهدوا أفاعيل استغلالها)، ويتمسك بالجامعة الإسلامية (الروابط التي تجمع كل الدول الإسلامية) ثم تحرر مصري يعمق مقولة مصر للمصريين، ثم تحرر وطني داخل انتماء عربي اللغة، إسلامي الثقافة (تتأثر ثقافته بثقافة الآخر وأيضاً بثقافة الأقليات، التي يتضمنها نسيجه، مثلما كان حال الثقافة الإسلامية منذ عرفها التاريخ، إلى أن عرفت التاريخ، إلى أن عرفناها هي التاريخ .. إلى أن عرفناها في ذمة التاريخ . . تاريخنا المشترك في منطقة متصلة جغرافيا مهيأة للوحدة).

ومثل التحرر الطوني اتخذت بقية الثوابت صوراً ارتقائية، ومسميات متوالية، بحسب الثقافات السائدة في كل عصر من تلك العصور.

قلنا أن هذه ثوابت الشعب، ولأنها شعبية ذات جذور غائرة في وجدان المصريين الجمعي، وفي نفوسهم، فإن هذا الشعب لم يعشق إلا من تمسكوا بها وحاولوا تحقيقها، ولم يعط ولاءه إلا لمن أخلصوا لها، ولا دموعه في الجنازات المهولة الهائلة أيضاً . .

هكذا، وبها أحب الشعب شيخ العرب همام وتغنى بسيرته.

وأحب عمر مكرم وسار وراءه.

وأحب أحمد عرابي (وكيل الأمة) وثار به.

وأحب جمال عبد الناصر ثائراً بالنيابة عنه!!.

ثم أحب ألا ينوب عنه أحد ولا يفوض أحداً في أمور ثوابته، حتى جمال عبد الناصر بجلالة قدره أحب أن ينوب عن نفسه ولا يفوض من يحبهم . . أحب الديموقراطية أكثر من أحبائه، هكذا علمه الأحباء بتجاوزاتهم بل بسقطاتهم!!، وآه من طعنة الحبيب!!!.

وفي عجالة (بينما الأمر يحتاج إلى تفصيل ومناقشة ومراجعة للذات القومية وثوابتها التاريخية)، نقول:

كانت مصر قبل القرن الثامن عشر مدينتين كبيرتين (القاهرة ودمياط) وأراضي زراعية كبيرة خاضعة لنظام الالتزام ولأن التجارة كانت مزدهرة قبل اكتشاف رأس الرجاء الصالح، وتحول طريق التجارة إلى طريقه، مبتعدة عن الفشل الإداري والأمني في نهاية عصر المماليك في مصر وأيضاً كانت قد ازدهرت بعض الصناعات، لم تشعر المدينتان بآلام الفلاحين تحت كرابيج الالتزام، ذلك أن المتعلمين (المثقفين) منذ بدء التاريخ في مصر، كانوا ينفصلون عن قراهم ليعيشوا حول القصر (قصر أي حاكم) يصنعون حياتهم المعزولة، وقد انحصرت مهمتهم في خدمة تطلعاتهم الوظيفية وفي الحفاظ عليها وفي الخدمة العامة ضيقة الأفق عندما يلجأ إليهم الأهل طلباً للعون في حل مشاكلهم (مشاكل الأهل) الإدارية الوقتية مع السلطات حلولاً سلمية ولولبية أيضاً، بعدها، مثلما قبلها، يبقى الأهل معزولين عن أبناءهم المتعلمين ويبقى المتعلمون معزولين عن أهلهم (وهو أمر ظل يضعف المتعلمين والأهل، إذ أبقى المتعلمين بلا ظهر حقيقي من الناس، وأبقى الناس بلا طليعة، تستطيع أن تحول الوعي الغاضب من الاستغلال إلى وعي كامل يمتلك الوسيلة التي تحارب هذا الاستغلال (هل تذكر الوعي والوسيلة من الفصل الفائت؟).

وقد دخل القرن الثامن عشر والتأثر التدريجي السلبي لاكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح وتحول الطريق التجاري العالمي بعيداً عن مصر، قد وصل إلى مداه فقل الدخل العام، وتقلص الاهتمام بالزراعة ومشروعات الري إلى حد لا يمكن قبوله .. شيء واحد لم يتقلص، هو اهتمام خليفة المسلمين (العثماني) بخراج مصر!!!، ضارباً عرض الحائط بالوسيلة التي يجمع بها الخراج من المسلمين !! (ومن المضحكات المبكيات "وكم ذا بمصر! .." أننا ظللنا ندفع هذا الخراج ـ الجزية !! للحكم التركي الذي لم يرث الخلافة، حتى سنوات من حكم جمال عبد الناصر بيما كانت الخلافة قبلها ـ بأكثر من ثلاثين سنة ـ قد انهارت وشبعت موتاً!!).

ولأن الخليفة لم يكن يهتم إلا بخراج مصر، رأى شيخ البلد (كبير المماليك المقيمين في مصر الخادمين للسلطة العثمانية المسماة جوراً بالخلافة الإسلامية)، أنه أهم من الوالي الذي يعيّنه السلطان من لدنه، والذي يأتي ويروح قبل أن تسمح له سنون الإقامة بأن تحلو مصر في عينيه، وهكذا بدأ صراع شيخ البلد والوالي، وبدأ صراع بين المماليك المقيمين أنفسهم على وظيفة شيخ البلد، وكان الصراعان على السلطة، ومن أجلها .. اشتدت الصراعات، بينما اقتصاديات مصر تنهار تجارياً وصناعياً وزراعياً، والتواجد التجاري الأجنبي يزداد مستخدماً مسيحي الشرق التابعين لكنائس غربية (الشوام)، ويهود الشرق التابعين لأي استغلال أياً كان منبعه، والذين حلا لهم عبر التاريخ أن يكونوا أدوات ظلم للأغيار من غير اليهود، دعائم له متخذاً من القاهرة، الإسكندرية (التي بدأت تأخذ وضعها) مستقراً له وللوثبة الأجنبية المزمعة، التي راحت تمهد لها الإرساليات التبشيرية المتناثرة في عموم القطر ـ كاثوليك ثم بروتستانت ـ وبخاصة في صعيد مصر.

واستخدم المماليك في صراعهم على وظيفة "شيخ البلد"، وفي تأكيد سطاتهم في مواجهة الوالي العثماني، عرب مصر (البدو) المقاتلين، وجعلوا الصعيد ملجأ لهم ومكمناً للانقضاض من جديد حيث توجد القبائل التي لم تعرف كبدو الشمال الشرقي، خير الزراعة العميم في الوجه البحري.

ولأن الخليفة أيضاً لم يكن يهتم إلا بخراج مصر، بدأ معدل تغير الملتزمين الزراعيين يتزايد، فالذي كان يعد بزيادة في خراج منطقة، كانوا يعزلون غيره ويولونه ويلتزمها، ويزداد ظلماً وجوراً.

هكذا توحدت آلام المدن وآلام القرى حيت اشتد العسف على التجار والمتعلمين (واغلبهم من الأزهريين)، مثلما كان التعسف زائداً على الفلاحين في كل القرى المصري.

وهكذا أيضاً قويت شوكة عرب مصر (بدوها)، وبعضهم كالهوارة أبقى على صلاته البدوية، وحصل على الالتزام الزراعي، ـ أي أنهم تملكوا الحسنيين، القوة المسلحة، والسيطرة على الوادي الخصيب. ومن هؤلاء الأخيرين ظهر شيخ العرب همام.

تدخل شيخ العرب همام وهو من الهوارة ـ برجاله المقاتلين الأشاوس في صراع السلطة في القاهرة، واستقبل الباكوات لائذين به، يستعينون بقوته ـ وبقواته ـ على الغرماء، وانكشف المستور فسقطت الهالة المقدسة للخلافة وبان الأمر أمر خراج وحسب، ففكر الشيخ همام بأن يمد حدود التزامه ثم انتهى به التفكير إلى الاستقلال بالصعيد، على أن يدفع خراجه، (وكان الصعيد قتها متقدماً تجارياً وصناعياً وله علاقات مثمرة مادياً مع أفريقيا).

هكذا بدأت فكرة الاستقلال، أو التحرر داخل المنظمة الخلافية، أو منظومة الخلافة، والحق أن شيخ العرب همام أظهر براعة شديدة في إدارة أمور الصعيد .. مظهراً جنيناً للديموقراطية وجنيناً للعدل الاجتماعي، جعلاه أسطورة وموالاً شعبياً يتغنى به الصعايدة حتى اليوم.

بعدها، قلد علي بك الكبير الشيخ همام، (وخل بالك من قلد هذه)، وأعلن وهو "شيخ البلد" استقلاله بمصر .. واستخدم السلطان العثماني (خليفة المسلمين!!) الخائن محمد بك أبا الدهب لضرب الاثنين: علي بك الكبير وشيخ العرب همام . . (ضرب النزعة الاستقلالية). واستخدم كبار قواد جنده العثمانيين، لضرب المماليك في رحلات متتابعة، ليثبت في كل مرة شيخاً للبلد في مواجهة بقية المماليك الطامعين المتصارعين على المشيخة (الأمر الذي استمر إلى التسعينات من القرن الثامن عشر .. قبل مجيء الحملة الفرنسية بسنوات قليلة، وكان من الممكن أن يستمر لولا أن جاءت الحملة).

هذا الاضطراب الشديد أدى لظهور قوة "مشايخ الأزهر" مثقفي العصر وتدخلهم في الحياة السياسية كزعامات للناس الذين لم يعودوا يطيقون صبراً على الظلم الجائر والفشل الإدراي المتفشي. هذا التدخل الذي انتهى إلى وثيقة بين الحكام والمحكومين عام 1795م سميت (الماجنا كارتا المصرية)، كان المشايخ فيها مسئولين عن الديمقراطية (بمواصفات عصرهم)، عن العدل الاجتماعي بلغة عصرهم، بينما اختلط لديهم .. وهم المشايخ ـ الاستقلال والخضوع للسلطة الدينية الأعلى (الخلافة).

وفي تلك الفترة انقضّت الحملة الفرنسية عـام 1798م بصدمتها الكبرى حضارة مظهرية وبربرية كامنة، فبدأ عمر مكرم ـ الشيخ ـ الذي فر إلى الشام يدير مع العثمانيين (الذين استعانوا بالإنجليز!!) عملية تحرير مصر .. وانكشف له المستور ـ وهو الشيخ ـ من أمور الخلافة الإسلامية!!.

لذلك، عندما تحررت مصر من الفرنسيين أراد عمر مكرم أن يستكمل تحريرها، وكان وقتها يحارب ثلاث دول عظمى، أرادت أن ترث الفرنسيين في مصر وأخطأ عمر مكرم عندما كون لمصر جيشاً من المرتزقة (لم يكن امصر جيش منذ انتهاء عصر الفراعين، إلا من المرتزقة) ـ وهكذا يأتي خطا الشيخ متسقاً مع ثقافة وقته ، وهكذا لمع نجم محمد علي، الذي انقض أولاً على عمر مكرم ثم على المماليك .. ومع محمد علي بدأت المأساة (التي يتكلم عنها المرتدون ثقافياً على أنها تكوين وبناء مصر الحديثة).

أراد محمد علي استكمال مسيرة الاستقلال، بتكوين إمبراطوريته التركية الخاصة، عمد إلى تطوير الزراعة المصرية (ليتوافر لمشاريعه دخل كبير ليحققها) وتطوير الصناعة العسكرية (لتحقيق مشروعه) واختط في تطوير مصر نموذجاً شبيهاً بالنموذج الغربي (فرنسي في الأغلب)، بينما كانت اليابان تصنع نموذجها القومي الخاص (هل حقق النموذج الياباني كل هذا التقدم لأنه خاص وليس صورة من النموذج الغربي؟!! أظن ذلك، فإن أي محاولة للتقدم لا تتسق وثقافات الأرض الناشئة عليها محكوم عليها أن تبقى دائماً بلا جذور، أو أن تبقى مثلما يقول المثل العامي: "زي القرع يمد لبره" وهكذا يتمكن من هم "بره" من السيطرة عليها وأهم ما يريدونه من سيطرة هو التحجيم)، وعندما قامت الدول العظمى قومة رجل واحد على محمد علي، وأجبرته على التقوقع، نسى خططه في تطوير مصر، وأغلق المصانع، وطارد العائدين من البعثات، ومنهم أو على رأسهم رفاعة الطهطاوي العظيم، لكن محمد علي كان قد أخطأ خطأ عمر مكرم (وكأنما الأمر انتقام القدر!!)، فإذا كان عمر مكرم قد كون لمصر جيشاً من المرتزقة أودى باستقلالها، فقد كون محمد علي جيشاً من المصريين .. أودى بأحلامه في أسرته .. فمن هذا الجيش جاء أحمد عرابي .. ليقبض مرة أخرى على الثوابت المصرية، وكيلاً للأمة يعاونه مثقف الأمة الأعظم عبد الله النديم، صائحين "مصر للمصريين" (وليست لأسرة محمد علي وعملائها من الشركس والأتراك، وليست أيضاً للباب العالي الذي لا يعترف بحقوق المصريين، ولا يهتم إلا بناتج عرقهم من خراج الأرض).

ولأن عرابي تمسك بالثوابت المصرية كلها .. ولم يفلت منها شيئاً .. لم تمهله الدول العظمى وسارعت بالتدخل والاحتلال، قبل أن يولد الجنين، وقاومها الجنين مقاومة هي الأروع، وانهزم هزيمة العظماء، إلى حين، وكما انهزم أصبحت الأسرة العلوية (أسرة محمد علي) "شخشيخة" في يد الإنجليز .. حتى آخر مندوبيها في مصر، فاروق الأول ملك مصر وابنه الرضيع.

لكننا قلنا أن الثورة العرابية انهزمت هزيمة العظماء إلى حين .. ذلك أنه من مدرسة الأفغاني التي جاء منها عرابي ونديم .. جاء سعد زغلول قابضاً على الثوابت المصرية، (متخففاً من العدل الاجتماعي) جاء بتوكيل من الأمة. (جمع الشعب له الإمضاءات وكيلاً عنه في بحث مسألة الاستقلال مثلما جمع عبد الله النديم إمضاءات المصريين من كل حدب وصوب لأحمد عرابي .. وقد لا نكون مغالين إذا قلنا أن الثورة العرابية التي انهزمت 1882، قد قامت مرة أخرى في عام 1919) وسانده الشعب بثورة هي الأعظم، فلما نجح نجاحاً مذهلاً في المجلس النيابي، صمم على تهدئة الشعب ليتحول من وكيل الثائرين إلى المفوض عن الأمة الهادئة، فانتهز الإنجليز الفرصة وانقضوا على ثورة 1919 العظيمة، وعلى المجلس النيابي (في حادثة السردار) وعلى دستور 1923م المستحدث، حلم الأمة المصرية بعدها بسنوات، بعد أن ألغى العمل به واستبدله "صدقي" بدستور 1930 .. الذي أضعف دور الأمة .. وغالي في دور الملك بطانته من الوزراء).

عاد الوفد ـ بعد وفاة سعد زغلول ـ وفاة من لم يعِ الدرس جيداً ...، ـ مرة أخرى بقيادة مصطفى النحاس يبحث عما كان في يده أو ما كان بعضه في يديه ـ الديموقراطية والاستقلال ـ محققاً بعض أسس للعدل الاجتماعي (التعليم) مؤجلاً، كثيراً منها إلى أن سبقت الحركة الشعبية خطاه في انتفاضة 1946م (هل تذكر مـا كتبناه عنها؟) ليعاود الوفد محاولة اللحاق بالحركة الشعبية في إلغاء معاهدة 1936 التي وقعها الوفد ـ نفسه ـ مع الإنجليز)، وإعلان الكفاح المسلح أو مساعدته، ويزداد تجبر الإنجليز (فعلتهم المشينة ضد ضباط وجنود الشرطة في الإسماعيلية، التي تشبه فعلتهم المشينة في دنشواي وأفعالهم الشنعاء أثناء ثورة 19 وانتفاضة 1935، فتحترق القاهرة ويحترق معها الوفد (خضع الوفد للملك وأعلن الأحكام العرفية لتقييد الجماهير، صادماً جماهيره) ليجدها الملك فرصته في عزل الوفد، دون أن الوفد من يبكيه وقتها (هناك من يبكونه الآن!).

ثم يجيء جمال عبد الناصر وتقبض ثورته على الثوابت المصرية (متخففة هذه المرة من الديموقراطية) وتحق الثورة إنجازات كبيرة وعظيمة وتحقق كسلطة مآسي فظيعة ورهيبة، فيسهل الانقضاض عليها عام 1974م (ليست حقيقياص أنه قد تم الانقضاض على الثورة في 15 مايو 1971، فالذي تم وقتها انقضاض على رجال عبد الناصر الذين رآهم الشعب في ذلك الوقت أسوأ من أنور السادات شخصياً، وقد كانوا أسوأ منه في سنوات حكمه الأولى بالفعل)، دون أن تجد قوة شعبية كافية تقف من أجلها فقد كانت الثورة قد عودت الشعب على أنها تضرب أعداءها وتضرب أصحاب المصلحة أيضاً إذا أرادوا المشاركة في جماية مصالحهم! أضف إلى ذلك، أن التفويض الذين عودوا عليه الشعب يسمح لمن يمسك بمقاليد الأمور بأن يركب أي موجة، وقد لعب السادات على الناس لعبة الديمقراطية فلم يعرفوا أنها لعبة وشربوها ..، ذلك أن السادات وقتها رفع شعار الديموقراطية (الناقص) مرحلياً كما أشار عليه محمد حسنين هيكل، ثم أظهر أنيابها فيما بعد.

هذه العجالة (وإن بدت مطولة) ربما تكون قد أظهرت لنا رحلة الشعب مع ثوابته الأربعة ومع من أحبهم ممن أخلصوا لكل أو لأغلب هذه الثوابت المصرية تلك الثوابت التي تأكد لنا أنها تؤخذ ككل وأن التضحية بواحد منها يهزم الكل، مهما حسنت النوايا، ومهما بدت لنا ـ وهي حقيقة ـ عظمة القادة المستمسكين بها.

ربما بهذا الوعي (الوعي بضرورة اكتمال الثوابت المصرية حتى لا تنزهم من جديد واجه الجيل جمال عبد الناصر، وواجه السادات .. مصمماً على الاستقلال (التحرر) والديموقراطية (حرية الرأي والمشاركة ورفض التفويض) والعدل الاجتماعي (الاشتراكية) والانتماء العربي تحقيقاً للأمن القومي المصري (خلي بالك من كلمة المصري هذه)، وتحقيقاً للحلم العربي التطوري التنافسي في عالم لا يعترف بغير الكائنات الكبرى .. كل هؤلاء معاً، فهم معاً مصر الحديثة القوة المتناغمة مع عصرها، والتي لا يمكن هزيمتها ولو أراد الظالمون.

لكن حركة 68 انطلقت من مواقع مختلفة فكرياً .. من مواقع ترى ضرورة تطوير النظام، ومواقع فكرية أخرى ترى أن لابد وأن يتغير النظام (بالضغط الشعبي) لتحقيق الديمقراطية رافعة الشعار الجميل (لا شرعية بدون ديمقراطية)، لهذا كان شعارات 1968 خليطاً من الثوابت المصرية الأربعة كلها.

والآن لنترك هذه الثوابت قليلاً فسوف نعود إليها سريعاً، ولنتذكر أننا مازلنا مع محمد فريد حسنين، الذي وعدوه أن تقابل اللجنة المكونة من اثنى عشر طالباً من مختلف الكليات جمال عبد الناصر.

يقول محمد فريد حسنين:

كانت إجازة عيد الوحدة (كانت مصر مازالت تحتفل بعيد الوحدة رغم الانفصال)، قابلنا الدكتور مرسي مدير الجامعة وكان رجلاً محترماً ووقوراً وعظيماً قال لنا: عربيات الرياسة ح تيجي تاخدكم، لكن فجأة جه دكتور لبيب شقير (وزير التعليم وقتها)، علاء حمروش رحمه الله الذي بدأ الكلام معه، وشرح مطالب الطلبة، ولما قلت: أنا فريد حسنين قال لي بلهجة خاصة، أهلاً يا سي فريد أن عايز أسمعك (من سمات ذلك العصر أن المسئولين فيه كانوا يشعرونك بأنهم يعلمون عنك كل شيء .. طبعاً بغرض إرهابك، لقد كان المسئولون يخافون ـ هم أنفسهم سطوة المخابرات ـ القاهرة، وكانوا لهذا يتمثلون قاهرهم عند التعامل مع غيرهم، وهذه أهم خصائص الديكتاتورية حتى وإن كانت ثورية!!!) وقلت: أنا باعتبر اللي حصل ده حاجة إيجابية والشباب عايز يشارك (خلّي بالك من الكلام لكي نقلل رجوعنا إلى المحللين حسني النية!!). وباقتراح أن حد بييجي من النظام يوم السبت يقول للناس إحنا متفهمين مشاعركم، وقلوبنا معكم، وسيتم التغيير الذي تريدون (مرة أخرى خل بالك من الكلام ... المشاركة والتغيير).

ومرة أخرى فاجأهم د. لبيب شقير ..

ـ أنتم لا تعبرون عن الجامعة، أنتم لستم اتحادات الطلبة، لن يتم مؤتمر يوم السبت (هكذا!!، بالأمر!!)، إنتوا تروّحوا وده أحسن، ومش وقت اللي انتوا بتعملوه ده (دائماً الوقت لا يكون وقت تدخل من الجماهير، فأوقات الثورة كلها كما قلنا ـ وحتى الآن ـ أوقات عصبية وأعداؤها دائماً متربصون، ومنعطفاتها تاريخية!!)، وبعد أربع ساعات مناقشة، صمم فيها على رأيه، قام يمشي، اعترضت طريقه:

ـ أنت رايح فين؟، وإيه التعالي ده كله؟ ، إنت وزير نكسة!.

(كان يقصد أنه كان عضواً في وزارة النكسة).

ـ موشي ديان مش ح يقدر يكفرنا ببلدنا والظاهر أن أنتم ح تقدروا.

(الحكومات الديكتاتورية تظن أن كفر المواطنين ببلادهم، يريح دماغهم، ويطلق يدها .. ولا تعرف، او هي تعرف، انه المفجر للعنف، والعامل الأكبر في استشرائه، وربما ـ أيضاً ـ تتصور ـ هذه الحكومات أن العنف أرحم من المشاركة، فالعنف فرصتها في إسكات كل الأصوات من حولها، لأنها تقاوم العنف!!!، إنه بيت جحا الشمولي ... لكن الحكومات الديكتاتورية لابد تدفع الثمن).

ـ لو كانت السفرة في بيوتكم نقصت رغيف كنتوا تغيرتم، إنت عارف إيه اللي ح يحصل يوم السبت؟! لو كنت عارف ما كنتش تتصرف كده.

وبالطبع لم يرسل النظام أحداً يوم السبت وخرجت المظاهرات العارمة مظاهرات 68، أخرجها من صمم وزراء النظام، وأنصاره في التنظيم الطليعي على أنهم لا يمثلون القاعدة الطلابية!!، فشل النظام في احتواء الموقف .. لماذا؟ لأنه أصر على التفويض (إحنا ح نعمل اللي انتوا عايزينه وبلاش تتدخلوا لحسن أعداء الثورة تستغل الموقف) ولأن الشباب أصر على المشاركة، التي يعبر عنها محمد فريد حسنين بقوله "لما كنا بنقول عايزين ديموقراطية حقيقية، كنا بنقول بكده كل حاجة (خل بالك أن الشباب كان يعرف بأن جمال عبد الناصر مستمسك بثوابت مصر كلها ما عدا الديمقراطية، وهذا يشرح كلمة محمد فريد حسنين).

وهكذا لم يرض النظام بالتفاهم، دافناً رأسه في الرمال، وكانت الرمال هي زعمه بأن قادة الطلبة الذين أفرزتهم الأحداث والمؤتمرات لا يمثلون الطلاب، مراهناً رهاناً خاسراً بأن شيئاً لن يحدث وأنه ـ بذلك ـ يكون قد تخلص من الأزمة كلها.

هكذا دخل النظام في الأزمة كلها.

السر الرهيب عند الدكتور أسامة

قصة ـ أخرى ـ طريفة يقصها محمد فريد حسنين .. وفي طرافتها دلالتها .. يقول:

"خرجنا من اجتماعاتنا مع د. لبيب شقير، ركبت عربيتي، وبينما كنت أمر أمام مقر لجنة الاتحاد الاشتراكي بمحافظة الجيزة، وجدت عربة د. أسامة الخولي راكنة أمامها، طلبت من الفراش أن يبلغه بأنني أحتاج إليه (كان د. أسامة الخولي وكيلاً لكلية الهندسة، وعضواً بالاتحاد الاشتراكي، وبعدها صار مستشارنا الثقافي في موسكو).

خرج لي الدكتور أسامة، بدأت أشرح له ما حدث، فقال:

ـ روّح دلوقت وتعال لي البيت (صباح يوم 23 فبراير 1968م).

رحت له الصبح قال لي: هناك اتجاهان داخل النظام، اتجاه يؤكد ضرورة الضرب بيد من حديد ونار على أيدي من يريدون المشاركة بالرأي في صناعة مستقبل بلدهم، وتصحيح أخطاء النظام، بحجة أنه "مفيش وقت للكلام ده" (كلمتهم الخالدة) واتجاه آخر يرى أن الطلبة معذورون، وأن السلطة يجب أن تعاملهم بـ "الراحة" وتسمع اللي عايزين يقولوه، لكن الخوف إن المظاهرات تجعل أصحاب الرأي المتشدد، أعلى صوتاً من غيرهم وتعطيهم فرصة لرفض التغيير، الذي يسعى إليه المستنيرون في النظام، ويكادون يصلون فيه إلى نتائج في صالح البلد، وهكذا ستعطلون بحركتكم (الطلابية) عملاً يتم لمصلحة مصر الآن، والموضوع مش لعب عيال ... ده مصير أمة!!!.

طرافة هذه القصة تكمن في مداراة مسألة التفويض ... إذا سكتم سيتم عمل كبير لمصر، وإذا تكلمتم سيعاند النظام وسيسمع أصحاب الموقف المتشدد داخله، أما الرغبة في المشاركة (وكانت بعد سلمية) فهي "لعب عيال" !! .. أما دلالة القصة فترينا أن الحزب الشعبي (الاتحاد الاشتراكي العربي) كان يدعم الفكر العسكري في إدارة الأمة، (قائد الوحدة العسكرية مسئول عن توفير احتياجاتك المعيشية وعن قيادتك لكن أن تطلب شيئاً بنفسك فهذا يعرضك للعقاب، بل لمحكمة عسكرية).

هكذا يدير العسكريون الأمور .. في السلطة وفي التنظيم الشعبي أيضاً!!.

والأكثر طرافة، أن محمد فريد حسنين، اهتز داخله، وكان اهتزازه دليل براءة سياسية .. يقول ـ بشجاعة الصدق ـ: "رحت يوم السبت الكلية، وفي ذهني أن لا شأن لي بأي شيء ... حاول الطلبة معي أن نكمل ما بدأناه .. قلت .. ماليش دعوه .. قالوا لي انت وانت ..!!، وفجأة لقيت الولاد من كلية العلوم كسروا باب الكلية، وخرجوا بمظاهرة، كان يقودهم طالب للأسف لا أذكر اسمه (إخوته لديهم محل فول في الحسين) ... حسيت ساعتها أن المجموع رأيهم أصح .. وأفضل من رأي الفرد، قلت للدكتور أسامة الخولي والدكتور محمود شريف وكانا يقفان في حوش الهندسة:

ـ أنا من دلوقت ح اتصرف من دماغي.

(كان يقصد ضد الأوامر التنظيمية للاتحاد الاشتراكي، والتي جاء الدكتور محمود الشريف (طبيب .. ووزير الحكم المحلي الآن) إلى حوش كلية الهندسة غالباً للإشراف على تنفيذها. ويستطرد محمد فريد حسنين: وجريت وراء المظاهرات!!.

هكذا حسمها الطالب العادي وسبق قيادته .. بينما السلطة تراهن على أن القيادات لا تمثل جموع الطلاب، وأن المعارضين عدد محدود، لقد صحت السلطة من غفوتها فإذا المعارضون يملأون الشوارع صخباً، وشعارات تهتف بسقوطها، وغضباً تفجرت منه الصدور.

كتب رماح أسعد في كتابه "سطور من يوميات الحركة الطلابية المصري 19731978" (ص33، وما بعدها). "كالسيل تتدفق الجموع الساخطة (من جامعة عين شمس)، والسخط جاء من أن السلطة لا تريد أن تتفاهم مما يشي برغبتها في إبقاء الأمور على ما هي عليه (دون تغيير) إلى ميدان العباسية فشارع رمسيس، فمنطقة وسط البلد ..

ومن جامعة القاهرة تنطلق المسيرة في اتجاه كوبري الجامعة ومنه إلى شارع قصر العيني ليتجمع الطلاب في حلقة بلا نهاية أمام مقر مجلس الأمة.

ويقول محمد فريد حسنين: وصلنا مجلس الأمة، حولي وجدت أعداداً كبيرة (يقصد أعداداً كبيرة من المتظاهرين) بدأت أترعب وركبي تتخبط في بعض .. لقد خرج العفاريت فكيف سنتصرف فيه؟!!. دخلت مجلس الأمة بمعاونة ضابط صحت فيه: لازم أقابل حد كبير، "أكبر رأس" .. بعد دخولي وجدت أنور السادات ومعاه نوال عامر .. قلت له أنا عايزك تجيبلي ميكرفون ألم الناس دي كلهاحول ورقة يوم الأربع (مطالب الطلاب .. هل تذكرها؟) .. جابولي ميكرفون بعد ما عرفوا أني من كلية الهندسة، وظهر السادات إلى جانبي في الشباك وكان يدخن سجائر (فقد كان محتفظاً بالبايب لحد ما يبقى رئيس) .. ولسه باتكلم، واحد قال "أنت واقف جنبه ليه؟!" وتصايح الطلاب في غضب، وفجأة قال طالب لأنور السادات:

ـ إنت بتشرب كنت والناس مش لاقية تاكل؟!!.

أنور اسرع بإطفاء السيجارة فصاح فيه الطالب في غضب:

ـ وبتطفيها من نصها كمان؟!!.

قفز محمد فريد حسنين من الشباك بينما السادات .. يطلب من الطلاب تكوين وفد منهم يمثل الكليات المختلفة لعرض مطالبهم أمام مجلس الأمة (كان السادات رئيس مجلس الأمة وقتها، والذي غير اسمه فيما بعد إلى مجلس الشعب) مقسماً بشرفه أن من سيدخلون إليه لن يصيبهم أي سوء .. (بالطبع قبض على أعضاء الوفد المنتخب، عند فجر اليوم التالي، وكان السادات إذا ما أقسم بشرفه بعد ذلك وقد غدا رئيس الجمهورية، يتساءل الطلاب .. أي شرف؟! شرف 68؟!).

يقول "رماح أسعد" وتشعب الحوار (داخل المجلس بين أعضائه ووفد الطلاب المنتخب) من أحكام الطيران إلى الهزيمة إلى الديموقراطية (خل بالك من الترتيب الذي وضع به "رماح" كلماته .. أحكام الطيران .. الهزيمة .. الديمقراطية .. (فأحكام الطيران كانت لحظة التفجر .. لكن لحظة التفجر هذه كان قد سبقها ـ كما وضحنا ـ غضب عرف الوسيلة، فأصبح وعياً متكاملاً .. والغضب هذا، هو الذي يحرك الجماهير، وإن احتاج تحركهم إلى شعلة للتفجر)، بعد التفجر، يعبر الغضب عن نفسه بالهزيمة وبالمطالبة بالديمقراطية .. هل غدت الأمور واضحة؟)، وانتهى الحوار بقيام رئيس المجلس بجمع أسماء وبيانات الطلاب!!، (تمهيداً للقبض عليهم تبعاً لشرف 68!!)".

ولم يكن حظ طلاب عين شمس أفضل من طلاب جامعة القاهرة الذين قابلوا السادات ـ يقول معتز الحفناوي في شهادته، أن طلبة عين شمس كونوا وفداً، ذهب إلى بيت الرئيس جمال عبد الناصر "قابل الوفد السيد محمد أحمد سكرتير عبد الناصر وسلمه مطالب الطلاب، فاستأذن السيد محمد أحمد خارجاً، ليعود بعد عشر دقائق ويخبر الطلاب بأن عبد الناصر، سيرد على هذه المطالب في خطبة جماهيرية عامة، وأنه ـ الرئيس ـ يعرف أن وطنية الطلاب هي التي دفعتهم إلى تقديم هذه المطالب له، وهو بدوره يطلب منكم أن تعودوا إلى الجامعة وتخبروا الطلاب برأيه وتفضوا الاعتصام .. واستجاب الطلبة لمطلب الرئيس (كانوا يصدقونه!)، وعادوا لمنازلهم ليقبض عليهم في الفجر (!!)"، بعد أقل من 12 ساعة من انتهاء لقائهم بسكرتير الرئيس جمال عبد الناصر!!!.

وكانت هذه المرة هي المرة الأخيرة التي يثق فيها الطلاب بالسلطة (أليس لديهم حق؟).

كانت النتيجة أن اشتدت المظاهرات

في اليوم التالي كانت المظاهرات أعنف.

يقول رماح أسعد: في مظاهرات عين شمس يسقط أول شهيد للحركة (مضروباً بالرصاص .. ولم يكن طالباً ..) فيحمله المتظاهرون مضرجاً بدمائه إلى بيت عبد الناصر، رافعين شعارات الديمقراطية، وإقالة شعراوي جمعة وزير الداخلية (أعلن وزير الداخلية في 27/2/68 عن عدم سقوط قتلى في الأحداث الطلابية (منتهى الصدق!!)، بينما أثبت التحقيق الذي أجراه فريد الديب وكيل نيابة شرق القاهرة وقتئذ أن الشهيد قُتل بمقذوف ناري من عيار "303" لي أمفيلد، وأن المقذوف استخرج من رقبته، أي أن الطلقات لم تكن موجهة إلى الأقدام، كما أثبتت التحقيقات أن قوات الأمن أطلقت النار في المليان وأحدثت العديد من الإصابات بجموع المتظاهرين..).

لكنه برغم استئساد السلطة هذا، اضطر جمال عبد الناصر إلى التراجع لأول مرة منذ انتخابه رئيساً للجمهورية في عام 1954، وخضع لمطالب الجماهير، وقرر إعادة محاكمة ضباط الطيران .. في محاولة ثبات أن اعتراض الطلاب منصب فقط على موضوع الطيران، وأن الديموقراطية ـ التي لا يقبلها ـ لم تكن الدافع وراء حركتهم! لكن الأمر لم يكن أمر محاكة ضباط الطيران، كان أكبر من هذا (هل تتذكرون ردنا على المحللين حسني النية!!) فلم يؤد رضوخ جمال عبد الناصر إلى توقف الحركة (لو كان الأمر أمر طيران "وخلاص" لتوقفت المظاهرات بعد أن وصلت إلى غرضها، وتحقق لها ما تريده).

ولأن الأمر لم يكن أمر أحكام طيران "وبس"، استمر اعتصام الطلاب المحاصرين داخل هندسة القاهرة برغم تراجع عبد الناصر، وما أدراك ما تراجع عبد الناصر، معلنين أن اعتصامهم لن ينتهي حتى تحقيق مطالب الطلاب ..

وكانت المطالب:

1- الإفراج الفوري عن الطلاب المعتقلين.

2- حرية الرأي والصحافة.

3- مجلس حر يمارس حياة نيابية سليمة .. (المقصود مجلس أمة حر!!).

4- إبعاد المخابرات والمباحث عن الطلاب في الجامعة.

5- إلغاء القوانين المقيدة للحريات ووقف العمل بها.

6- التحقيق الجدي في حادث العمال في حلوان.

7- توضيح حقيقة المسألة في قضية الطيران.

8- التحقيق في انتهاك حرمة الجامعات واعتداء الشرطة على الطلبة.

• والآن ملاحظة في غاية الذكاء:

ويلاحظ د. أحمد عبد الله (أحمد عبد الله رزة كما كان ينطق السادات اسمه كاملاً، وكان قائد اعتصام جامعة القاهرة المنتخب عام 1972م) غنه يتضح من المطالب أن ثلاثة منها تدور حول مسألة الديموقراطية، بينما تشير ثلاثة أخرى إلى غياب الديموقراطية في الجامعة بوجه خاص، ويركز مطلبان فقط على قضية الطيران والأحداث التي أدت (قضية الطيران) إليها (الطلبة والسياسة في مصر د.أحمد عبد الله. دار سينا للنشر ص186).

برغم هذا أخذ المحللون حسنوا النية المطلب السابع (!!) وجعلوا الحركة كلها رد فعل له .. مجرد رد فعل!!!!!

ولنعد إلى الاعتصام في كلية الهندسة، فقد استمر، وتبادل فيه الطلبة وقوات الأمن الحوار تارة وإلقاء الوب والقنابل المسيلة للدموع مرات، وزار المسئولون الاعتصام لإقناع الطلبة بفضه، لكن الحوارات انتهت بالفشل، فلم تكن لدى المسئولين حجج قوية تبرر ما يحدث .. ولم تكن لديهم نية في إذعان أكبر وقبول كل مطالب الطلاب التي تدور حول تعميق الديمقراطية، ورفض استفراد جمال عبد الناصر بالسلطة (وسعي الطلبة الجاد إلى المشاركة التي يجب أن تتاح لكل مصري يريد أن يخدم بلاده برأيه وبفعله الذي يحول الرأي إلى حقيقة، على أن يكون قادراً بمؤسساته ومنظمات المجتمع المدني على أن يضغط ضغطاً مستمراً "سلمياً" حتى تتحقق هذه المطالب).

غلطة عُمر جمال عبد الناصر

الديموقراطية . . هل هي ـ بالنسبة لنا ـ بيضة الديك ؟!!

فيما يبدو ـ وحتى إشعار آخر ـ هي كذلك !!

هل صارت المستحيلات - في زماننا – هي الغول والعنقاء والخل الوفي .. والديموقراطية؟!!

فيما يبدو – وحتى إشعار آخر – صارت كذلك.

لقد غدت الديموقراطية (ليمونة المحاياة، التي فيها الدواء والنجاة، والتي هي أيضاً – بعيدة المنال، بيننا وبينها دروب – وضروب – من التيه والانتظار والأهوال) بيضة الديك ورابعة المستحيلات .. غدت كذلك، ليس لأن السلطة الحاكمة لا تقبلها ـ كاملة ـ لنفسها (عيب في حقها!) ولكن (وهذا ما يؤسف له، وما لا يمكن تبريره) لأن المثقفين ايضاً – كالسلطة – لا يقبلونها لنا !!!! (وهذا هو السر في أن أحداً لا يدافع عنها الدفاع المرجو، ولا أحد ضغط من أجلها الضغط المطلوب!!).

قد يصدمكم هذا الرأي .. لكنه للأسف – ليس بعيداً عن الحقيقة !!

مثقفو اليسار .. (بكافة اتجاهاتهم ودرجات ألوانهم) يرى أغلبهم (وليس كل من يرى يعلن ما يراه) أن ظروفاً ما لم تنضج ! وعلاقات ما لم تفرض نفسها – بعد – على الواقع الاجتماعي ـ الاقتصادي، لذا فنحن غير مؤهلين لممارسة ديموقراطية سليمة (كاملة) في مصر، ( الأمر الذي يجعلنا نصيح صيحة قيصر في المسرحية الشكسبيرية الشهيرة، وهو يتلقى طعنات رجاله وأصدقائه ومحبيه ... "حتى أنت يا هيكل !!!! حتى أنت يا أحمد بهاء الدين يرحمك الله !!!!" ).

مثقفوا اليمين . . (إذا كانوا غير متطرفين دينياً، غير سلفيين اتجاهاً) يرون أنهم يجب أن يمارسوا الديموقراطية بالنيابة عنا، فهم العارفون، ونحن الشعب – الجاهل سياسياً، الأمي في نسبة محيرة من أبنائه أصحاب المصلحة.

مثقفوا اليمين . . (إذا كانوا متطرفين دينياً غير سلفيين اتجاهاً) يرون أن الديموقراطية لا تشبه الشورى القرآنية شبهاً يطابق الأصل، كما يرون أن الشورى الإسلامية نفسها غير ملزمة للحاكم، ولكنها قضية "ائتناس" برأي العارفين، وهم بهذا ـ أيضاً ـ في أفضل أحوالهم يريدون أن يمارسوها بالنيابة عنا (متلاقين مع غيرهم من اليمينيين) بزعم أنهم أهل الحل والعقد.

مثقفوا اليمين . . (إذا كانوا متطرفين دينياً . . سلفيين اتجاهـاً) فإنهم يقررون في عجالة مذهلة في حسمها!! ألا ديموقراطية في الإسلام، فهي بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار !!

مثقفوا الوسط . . (وهي تسمية خاصة في مصر وحدها، فليس في العالم من يمكن أن يتصف بهذه الصفة إلا هؤلاء الذين لا يملكن فكراً محدداً، أصحاب نظرية التجربة والخطأ ـ علناً ـ، المصلحة والمصلحة سراً، وهم مثقفوا الحزب الطوني الديموقراطي. اعتادوا واعتدنا منهم (منذ كانوا مثقفي حزب مصر، ومن قبله الاتحاد الاشتراكي العربي، وتنظيمه الطليعي، ومن قبلهما الاتحاد القومي وبلهم هيئة التحرير) أن يتكلموا في كل عصر عن تلك الانفراجة الديموقراطية التي لم تحدث من قبل !! والتي لا ينكرها إلا حاقد، والتي تضطرنا – إذا ما كنا منصفين – إلى تقبيل أيدينا وجهاً وظهراً، فليس في الديمقراطية أفضل مما كان (!!) ويكون (!!) .. وسيكون (!!)، عندما يرى سيادة الرئيس أن الوقت مناسب لها ....

أما السلطة ـ بجلال قدرها ـ فتكتفي بأن تقول: "عندنا ديموقراطية".

يا عيني على الديمقراطية !!

هكذا أصبحت الديموقراطية (الحقة ، غير الصـوريـة ) الحسناء التي لا يطلب يدها أحد .. وأين ؟! في مصر !!.

مصر صاحبة أول برلمان في الشرق كله (1866م) وأول تجربة حزبية حديثة (تعددية) في الشرق الأوسط عام (1907م)، وأول دستور عربي (1923) ، وأول محليات ديموقراطيـة أيضاً، وأول جمعيات أهلية وفئوية ومهنية ، وأول حركة نقابية، وأول انتباهة إلى حقوق الإنسان في المنطقة، وكل ما سبق (وما سبقت إليه مصر الجميع)، هو دعامة حياة ديموقراطية حقة (إذا أردنا) لكن المشكلة أن أحداً لن يريد.

مأساة جيلنا الفاجعة

وهكذا – أيضاً – تعلم جيلنا الكلام في ظل قانون الطوارئ الذي سنّه الوفد بعد حريق القاهرة، وحَبَا، وعاش طفولته واستقبل الصبا والشباب في ظل قانون الطوارئ الثوري (!!) وعاش شبابه وتسللت إليه الكهولة في ظل قانون الطوارئ الديموقراطي (!!) (في عصري الرئيس السادات، والرئيس مبارك). فهل سيموت جيلنا في ظله أيضاً .. (لعل هذه القضية هي قضية الجيل التي كانت .. وهي بعد قضيته الملحة..)

في مصر ( وكم ذا بمصر . . . . . . . ) بعد أن أكد عرابي (وكيل الأمة الذي كان يستفيها في كل أمورها . . وخل بالك من هذه الجملة) أن الأمة مصدر السلطات كلها، وأكد عبد الله نديم، وليس كما يظن الكثيرون، أن المصريين جميعاً متساوون أمام السلطان، وأن الدين لله والوطن للجميع (قولة عبد الله نديم وليست استحداث لثورة 1919) في مصر هذه حارب مصطفى كامل (الديموقراطي) العرابيين لأنهم ضد الباب العالي (الخلافة) والباب الواطئ (الخديوية)!!، وحارب وفد سعد زغلول الحركة العمالية المستقلة (غير الوفدية) الوليدة، ومؤسساتها الجنينية إذ كان يقودها البلاشفة (الماركسيون)، حاربهم حرباً غير ديموقراطية، فاستطاع الإنجليز والسراي أن يحاربوا وفد سعد زغلول ومصطفى النحاس حرباً هي الأخرى غير ديمقراطية أنظروا كم من السنين استطاع أن يحكم فيها الوفد ـ ست سنوات من 30 سنة، وتعجبوا).

وفي مصر أيضاً ظل جمال عبد الناصر يخشى أن تتسلل الثورة المضادة والرجعية المتنمرة – إليه – من ثقب الديموقراطية (وهو الذي حرم قواهم من العمل السياسي، وطاردهم!!)، وخشي السادات (الديموقراطي!!) أن يتسلل أصحاب الأفكار المستوردة بعيونهم إلى جيوب أسرته الانفتاحية والانفتاحيين الأسرة!، فيخيفون رؤوس الأموال المصرية والأجنبية!! (كان السادات يخشى الأفكار المستوردة، في عهد كان الاستيراد فيه على ودنه!) وأن يتسلل من يلبسون قميص عبد الناصر من نفس الثقب .. والآن في عهد الرئيس مبارك يخشى الجميع (فيما يبدوا) من تسرب الإسلام السياسي من الثقب عينه (هذه هي الحجج المعلنة طبعاً).

فهل الحقيقة، أن الديموقراطية هي الباب الذي يأتينا منه الريح والذي يجب أن نسده ونستريح ؟! هل حقيقة أن الشعب الأمي في أغلبه لا يستطيع أن يمارس الديمقراطية ؟! وهل حقيقة سيأتينا الإسلام السياسي المتطرف من ثقب الديمقراطية ؟!!.

أم أن الحقيقة هي أن على المثقفين ( أصحاب المصلحة ) وعلى الحزب الحاكم أيضاً أن يراجعوا أنفسهم في هذا الصدد، ذلك أن الخطر يتهدد الجميع . . الجميع بلا استثناء.

إن الريح ستأتي من سد الثقب وليس من خلاله.

أقول : راجعوا أنفسكم قبل أن تأتينا الريح . .

محاولة متواضعة لمراجعة النفس

منذ تعقد الوضع، بالنمو الهائل للإسلام السياسي السلفي المتطرف، زاد خوف جميع الاتجاهات الفكرية (بما فيهم التيار الإسلامي السلفي) من الديمقراطية، أصبح الجميع واثقين (عدا التيار الإسلامي السلفي المتطرف!) من أن الديمقراطية ستأتي بأصحاب هذا الاتجاه إلى رأس السلطة، ظانين ـ وبعض الظن إثم ـ أن حجب الديمقراطية سوف يحجب هذا الاتجاه، الذي إذا تملّك لن يبقى ولن يذر (وهذه حقيقة)، ولم يخطر في بال أحد (إلا القلة القليلة) أن الواقع يؤكد أن حجب الديمقراطية، يؤجج سطوة السلفيين، فمن ناحية يوجد لهم من الغاضبين من الاستبداد (في شباب لم يتفتح بعد على أمور الحياة، وأصول الثقافة الحقيقية) جنوداً، يلقون بها في فوهة العنف مشتعلة الأتون، ويجعل لهم من الناس الذين يعانون اليأس من تغير الأحوال إلى الأحسن في ظل احتكار شرس للسلطة، مدداً يفرج بما يفعلونه، ويؤيده سراً، على أساس مقولة شمسون الجبار "عليّ وعلى أعدائي"، وهومن ناحية ثانية، يعطيهم ـ السلفيين المتطرفين ـ ما يبرر لجوءهم إلى العنف، في ظل سلطات لا تسمح لأي أحد بحرية التعبير، مستعدة دوماً لمصادرة الرأي (المغلول) غذا اقترب من المنطقة الخطرة التي يستطيع فيها أن يفضح حقيقة الفساد وتشابكاته التي تطول أفرادها، لاجئة في كل الأوقات إلى قانون طوارئ استمرأ اعتقال المعارضين إذا ما وجدت لمعارضتهم تأثيراً، سلطة لا تقبل في التفاهم إلا الخضوع، ولا تتورع "دخليتها" عن ممارسة القتل، فإن لم يكن فالتعذيب المهين المدمر (لهذا يحاولون ألا يقعوا في أيديها، ولو أدى الأمر إلى قتل محاولي اعتقالهم إذا ما حاولوا، أو قتل أنفسهم إذا لم يستطيعوا قتل الذين سيعتقلونهم)، سلطة تصنع معهم ثأراً لا يخمد أواره بإهانة الأهل (وخاصة النساء منهم) وتعذيبهم .. سلطة تتورط ـ أبداً ـ في دائرة العنف والعنف المضاد المغلقة، ومن ناحية ثالثة، فإن حجب الديمقراطية يعطي مرتعاً خصباً، بل شديد الخصوبة للفساد، فلا يجد المتضررون، المتضورون ملجأ في مواجهته العنف، مستندين على الله أعدل الحاكمين!!.

الحقيقة أن معارضي فتح باب الديمقراطية على مصراعيه، لم يفهموا درس الجزائر ولم يعوا درس الأردن، ولم يستوعبوا درس إيران، ولم يقرأوا تاريخ الديمقراطية البرجوازية في المملكة المتحدة، وفي الولايات المتحدة الأمريكية.

إن تراجع السلطة العسكرية عن الديمقراطية في الجزائر (والسلطة العسكرية في أي مكان تفعلها دائماً) أعفى السلفيين من خطورة الفرصة المتاحة لاختلافهم مع الناس ومع مصالحهم، بل مع أخص أمور حياتهم، ومقدرات مستقبلهم، وأظهرهم بمظهر الموتورين المظلومين، وأظن ـ وليس كل الظن إثماً ـ أن السلطة العسكرية مدت في أعمار الاتجاه، حينما حجبت فرصة أن يرفضهم الناس ـ بعد حين ـ الذين لم يقبلوا بتصوراتهم الغائمة إلا هروباً من فساد السلطة العسكرية، وإفسادها، وشراستها، وتكسبها على حساب الجماهير المطحونة. إن ما فعلته السلطة العسكرية خلط أوراق الحرب، فأصبح الكل يحاربون الكل، واستشرت القبلية "العسكرية" الدموية وقد كان الوقت كفيلاً بأن يجعل الحرب تأخذ منحاها الصحيح ضد كل أعداء السواد الأعظم من الشعب ..

ألم يحدث ذلك في إيران، إن الناس في إيران يراجعون أنفسهم علناً وفي غضب، في مواجهة سلطة لم تحقق وعودها "الربانية"، والسلطة ـ هناك ـ اضطرت إلى أن تتراجع نحو الديمقراطية (وكان من الممكن أن تتراجع قبل ذلك، لكن الخطر الخارجي، الذي قدمه لها صدام حسين على طبق من فضة، أطال عمر ثيوقراطيتها).

إن الشعوب كحكامها تخطئ، لكن أخطاء الشعوب (عكس أخطاء الحكام) يمكن تداركها.

وهناك تجربة أخرى في الاتجاه المخالف تمت في الأردن، لقد أعطى الملك "الداهية" فرصة ضئيلة للاتجاهات السلفية لكي تعبر عن نفسها، وحين عبرت عن نفسها، اكتشف المخدوعون "ضحالة" ما تملكه، وها هو ذا نورها يخبو بالتدريج، حتى لم يعد نوراً، (الاتجاه السلفي لا يملك فكراً، إن السلفية اللافكر المعتمد على نجاحات سابقة، مشكوك في بعضها، وعندما تحتك بالواقع ـ وتخرج من كهف التحريض ـ تصبح قليلة الحيلة، مثيرة للرثاء:

ويصبح غضبها لله ـ الغنى عن غضبها ـ شيئاً آخر غير قيادة الشعوب في صالح السواد الأعظم .. فلم يحدث أن قدمت هذه الاتجاهات ـ غير شعاراتها البراقة ـ حلولاً علمية لمشاكل أوطانها، بل للأمور التي يحرضون الناس ضدها، ولا أظنهم يستطيعون إلا إذا تخلصوا من أساس وجودهم، من السلفية نفسها، وأيقنوا أن صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان تعاني التجديد الذي لا يخالف الإسلام الصحيح .. ليس في القرآن والسنة إلا توجيهات وخطوط عريضة تستلزم دوماً أن نطابقها نحن على متطلبات كل عصر).

ثم هناك درس الديمقراطيات البرجوازية، ومن يقرأ تاريخها يعلم أن الديمقراطية ما إن تبدأ، حتى تبدأ ـ أيضاً ـ في إصلاح عيوبها بشرط أن يتم تدعيم المؤسسات التي لا تقوم على غير أساسها للديمقراطية قائمة، وبشرط التراضي حول قوانين تدفع الديمقراطية دفعاً إلى الأمام مصلحةً عيوبها، مكملة ما فيها من نقص. أيضاً فإن تجربة الديمقراطية البرجوازية (التي تتضمن العيب المرتضى في أن تكون الديمقراطية برجوازية أي لصالح البرجوازية، وضد أقلية ـ دوماً ـ هي الإيرلندية في إنجلترا والسود في أمريكا)، لم تشترط أبداً أفراداً شديدي الثقافة لممارستها، فليس المطلوب من الناس في ظل الديمقراطية أن يفهموا في الاقتصاد مثلما يفهم العلماء، لكن المطلوب (وهو لابد متحقق) أن يكون هناك أناس عارفين لمصلحتهم وأن يُترك للعارفين فرصة إبداء آرائهم لإعلام الناس بالكيفية المثلى لتتحقق مصالحهم، ثم يترك بعد ذلك الخيار للناس. فإن اختاروا خطأ، لابد سيتراجعون عن اختياراتهم التي لم تحقق المصلحة المنشودة.

دعوا الشعبو تخطئ وتتعلم من أخطائها، إن خطأ الشعوب ظاهر، أما أخطاء الديكتاتورية. فهي تخفيه وإن ظهرت يتم تبريرها، بل إن الديكتاتورية تعتبر نفسها في خصومة لا تسامح فيها مع من يظهر أخطائها، فليست على استعداد لأن يقتص أحد من احتكارها للنظرة الصادقة، فهو أساس احتكارها للسلطة.

المطلوب في بلادنا ألا نخاف من فتح باب الديمقراطية على مصراعية.

الآن وليس غداً !!

مطلوب أن نفتح الفرصة أمام مجتمعات ومنظمات المجتمع المدني، النقابات، الروابط، الجمعيات، والمنظمات غير الحكومية، أن نكف يد المباحث عنها لتستطيع أن تقوم بدورها في إعلام أصحاب المصلحة بما يحقق مصالحهم، دون التفاف مباحثي مخابراتي، تحبه الديكتاتورية ظاهراً ـ لتدعيم سلطاتها ـ في الأغلب الأعم.

مطلوب إرساء دعائم "العلمانية" في المجتمع (مع اعتبار أن العلمانية لا تتعارض مع الإسلام، فأمور الناس دنيوية، وأصحاب التفسيرات الخاصة للإسلام، في ظل العلمانية الديمقراطية، يصبحون أصحاب رأي وأصحاب فتاوى، تدخل جميعاً ضمن السياق الديمقراطي ومن خلال آلياته، فالرأي الخاص رؤية بشرية وليس حكم الله أو حاكميته (التي لها أصول يهودية وليست إسلامية)، فرأي الله لا يستطيع أحد أن يزعم امتلاكه (إلا في الأصول وحدها) حاكمية الله لا يستطيع أحد إسلامياً أن يزعم أنه يمثلها. أما بالنسبة للأصول فكل المجتمعات تتراضى أشياء، حين تتراضى الديمقراطية ولا أظن أن تراضي الأصول الإسلامية الحقة (وهي قليلة وعامة، ولمصلحة الناس مما بما لا شك فيه بما فيهم الأقلية غير المسلمة والتي لا يجب أن تلوح في وجهها تطبيق قانون الأحوال الشخصية الإسلامي عليهم) سوف سوف يشكل أي عبء على الديمقراطية.

أيضاً مطلوب عزل السلطة التنفيذية عن إدارة الانتخابات، واعتبار التزوير جريمة مغلظة العقوبة.مطلوب السماح للأحزاب بالعمل الجماهيري (خارج مقارها) وعدم اعتبار العمل الحزبي تآمراً "وتجاوزاً"، إن العمل الحزبي في أخص خصائصه مؤامرة مقبولة ضد السلطة المطلقة.

مطلوب تحرير الصحافة من البيروقراطية (سطوة الصحفيين الموظفين) ومن الملكية الغامضة (التي يمثلها مجلس الشورى). تلك الملكية التي تقف حجر عثرة بتسلطها كواجهة للسلطة، في تعيين رؤساء التحرير وفي رفتهم، وفي التقييد على الصحافة المملوكة للأفراد، الأمر الذي جعل رؤساء التحرير رقباء اشد صعوبة من الرقباء في العصر الناصري، إن دولة تخصخص حتى قوت الشعب الضروري، ومستقبل صناعته الثقيلة، تحيرك حين لا تريد خصخصة الصحافة وقنوات التليفزيون والإذاعة.

مطلوب إلغاء القوانين والمساءلة في الدستور، فنحن منذ دستور 1956 المؤقت نعطي كل السلطة لرئيس الجمهورية، بينما لا توجد هيئة رقابية قضائية تستطيع حتى محاسبة الوزراء.

مطلوب الفصل بين السلطات، فصلاً واضحاً.

ومطلوب ـ أيضاً ـ أشياء أخرى يعرفها آخرون ولا أعرفها أنا.

مطلوب كل ذلك وأكثر لنسد بالديمقراطية الباب الذي تأتينا منه رياح الغضب والعنف والضياع واللامبالاة.

مطلوب كل ذلك وأكثر حتى لا يطل علينا القرن القادم ليرانا ويدنا على ثقب الديمقراطية نسده ونستريح.

لقد كانت الديمقراطية هي قضيتنا مع جمال عبد الناصر، الذي كنا نحبه .. (وهي بعد قضيتنا) إذ لم يكن من الممكن ألا يحب عبد الناصر جزءً غائر فينا .. إنه نفس الجزء الذي يحب فينا مصطفى النحاس وسعد زغلول وأحمد عرابي ونديمنا وعمر مكرم والشيخ همام . . الجزء فينا الذي يحب من يستمسكون بالثوابت المصرية، ولقد استمسك جمال عبد الناصر بيد وية على الثوابت المصرية، استمسك بحرية الوطن كأبدع ما يكون إذا ما استثنينا الفترة من 12 مايو ـ 5 يونيو 1967، التي أخطأ فيها أخطاء قاتلة متوالية هددت حرية الوطن، إلى أن أضاعت حرية جزء عزيز كبير منه، ثم كلفت الوطن، وأحلام البسطاء غالياً، إذ اضطر الوطن إلى إعادة بناء قواته المسلحة من الصفر مرة ثالثة على حساب التنمية .. واستمسك جمال عبد الناصر بأعلى درجات العدل الاجتماعي .. الاشتراكية (كما تصورها)، واستمسك بانتمائنا العربي، ثم أخطأ خطأ عمره، عندما خاف من الديمقراطية .. أخطأ لأنه لم يعرف أن الديموقراطية ..... حتى وإن جاءت متأخرة، كانت هي عمره ... (عمره المادي وليس المجازي ـ فقط ـ الي يعني الخلود، فلولا غياب الديمقراطية، ما كان السادات ليأتي، وما كان إذا ما أتى يستطيع أن يمشي على طريق عبد الناصر عكس الاتجاه ماحياً مكاسب أصحاب المصلحة التي نالوها ولم تترك لهم الفرصة ليدافعوا عنها ديمقراطياً).

• ونعود إلى المظاهرات التي انفلتت :

قلنا في الفصول السابقة: أن المظاهرات انفلتت بعد أن صممت السلطة على ألا تتفاهم مع الشباب بحجة أن الآلاف الذين رأتهم السلطة يتظاهرون ويتصايحون ويعتصمون لا يمثلون الشباب . . . وهكذا خرج الألوف في الشوارع منددين بالديكتاتورية وبالحكم العسكري .. "عايزين حكومة حرة .. العيشة بقت مرة .. و .. لا شرعية بدون ديمقراطية"، وقلنا إن عبد الناصر اضطر للتراجع أمام المتظاهرين، وأعلن مستسلماً إعادة محاكمة قادة الطيران .. مصوراً – مثله مثل المحللين حسني النية (هل تذكرون كلامنا عنهم) – أن القضية لا تعدو كونها غضبة ضد الأحكام الهزيلة .. لكن برغم تصويره ذلك .. استمر الاعتصام في كلية الهندسة .. (الكلية المحسودة على دورها العظيم، في كل الحركات الطلابية ابتداء من 1968م).

وهنا نترك المهندس وائل عثمان (طالب بكلية الهندسة جامعة القاهرة – وتها – وأحد زعماء التيار الديني فيما بعد عام 1968م) يتكلم (أسرار الحركة الطلابية 68 – 1975، ص 26 – وما بعدها).

"استعانت قوات الأمن بسيارات المطافئ، لتفريق المظاهرات، التي كانت تنطلق من الجامعة بين الحين والحين .. وكانت إحدى السيارات تقف أمام باب الكلية (الهندسة) الجانبي، موجهة خراطيمها نحو فناء الكلية، ولاحت لنا فكرة سرعان ما خططنا لها وقمنا بتنفيذها، بدأنا بتجميع كمية وفيرة من الأحجار، وأخذنا نلفي بها بثافة صوب رجال الإطفاء .. وكنا نتألم إذا ما أصاب أحدهم (يقصد أصيب أحدهم) لكن ما باليد حيلة !! وفتحنا باب الكلية واتجهنا بقوة صوب السيارة فما كان من رجالها إلا أن فروا وتركوها غنيمة لنا، امتطت مجموعة من الطلبة جوانب السيارة، وساروا بها داخل الكلية مهللين هاتفين وشعرنا بلذة الانتصار.

حاول عميد الكلية – وكان إدارياً ممتازاً – لكنه يفتقد حب الطلبة لـه – أن يهدئ من ثورة الطلبة وانفعالاتهم وأذكر أنه في إحدى حلقات المناشة صاح في الطلبة بتعال وعنجهية مؤكداً حقه في السيطرة السياسية ( على الكلية !!!! ) حقه في إدارة الكلية (يسيطر سياسياً ـ بلا ديموقراطية مادام يحسن الإدارة .. أليس ذلك العميد عبد الناصر آخر على قده ؟!! ) .. واستنكر الحاضرون منه ذلك، ورفضوا حديثه وتركوه وحده ..

استقر الرأي – وبموافقة اتحاد الطلبة على الاعتصام داخل الكلية (...) كان عددنا يزيد على خمسمائة طالب، واجهنا حرباً نفسية عنيفة من قبل أجهزة الدولة والأهالي (يقصد بعض أهالي الطلبة، فلم يكن حاجز الخوف قد كسر بعض، وأقول بعضهم لأنه كتب في صفحة تالية عن إصرار الأهالي على دخول الكلية بسياراتهم حاملين معهم ما نحتاجه من الطعام") .. ونشطت حركة سريعة لتنظيم الاعتصام (...) وتم شراء كمية من القماش كتبنا عليها الشعارات التي تعبر عن مطالبنا وملأنا بها سور الكلية {أذكر الآن وبعد مرور ثلاثين عاماً، منظر سور كلية الهندسة، لم يكن بعضنا من طلابها وكنا نمر عليها راكبين الأتوبيسات يدب الخوف بداخلنا، مما نحن مقدمون عليه، فيختلط خوفنا ببهجة عارمة لما نسمعه من كلمات الركاب المتعاطفة مع شعارات الحركة ـ كان ذلك يحدث قبل أن نغادر الأتوبيسات لنتسلل إلى الاعتصام المحاصر من قوات الأمن بالقفز على أحد أسوار حديقة الحيوان الداخلية، إذ كنا نبقى في الاعتصام حتى الليل ثم نغادره حتى لا يقبض علينا داخل الكلية ليلاً ولسنا طلبة بها!!} (.....) .. كانت تتحدث عن الحرية المسلوبة وضرورة الإفراج عن المعتقلين، كما تضمنت الهجوم على الديكتاتور وصاحبه هيكل (....)، وفي الساعة الثانية ظهراً تم طبع بيان هندسة القاهرة، وقمنا بتوزيعه على المارة في الشوارع، وكانت وسائل المواصلات تقف أمام باب الكلية ليقرأ ركابها اللافتات، وكنا نسرع بإعطائهم نسخة من البيان إلى أن تنبهت السلطات (.....) فصدرت الأوامر بتغيير خط سير المواصلات بعيداً عن شارع الجامعة.

وقد تضمن البيان "إننا جميعاً نقدر أهمية المطالب الحقة التي نطالب بها، وثقة منا في أنفسنا وفي قدراتنا على التغيير فإننا نهيب بكم جميعاً أن تتبينوا ما تريدونه بالضبط (منتهى الديمقراطية)، ويجب أن يعلم كل حر فيكم أن الحرية تؤخذ ولا تعطى وأنا تغتصب ولا تمنح (....) ولقد وجدنا ووجدتم معنا وخصوصاً بعد ما حدث اليوم بأن السبيل الوحيد إلى أن يسمع الشعب صوتنا، حتى يستطيع كل منا أن يأمن على نفسه في بيته، في ظل دولة المخابرات هذه (....) ويجبر السلطة الحاكمة على احترام الحريات واحترامكم أنتم بالذات بصفتكم قمة الطبقة الواعية في هذا البلد (....) "إن طريقنا الوحيد في تحقيق أهدافنا هو المقاومة السلبية في صورة اعتصام كامل قد يدوم مدة من الوقت" .. (ثم كتبت مطالب الجامعة الثمانية التي ذكرناها في الفصل الماضي).

والحقيقة أن دوراً عظيماً للأساتذة قد نشأ ولا يمكن إغفاله، وكان على رأسهم الدكتور إبراهيم جعفر – أكرمه الله – أستاذ مادة الخرسانة بقسم مدني بكلية الهندسة .. وتطوع بإمدادنا بكل ما يلزمنا، غير مبال بما قد يصيبه من غضب وانتقام السلطة" .. (إن دور هذا الرجل لا يمكن تسجيله إلا بحروف من نور ليس في 1968م وحدها، ولكن في 1972، 1973 أيضاً، وسوف نذكر للرجل فضله في حينه.. ونحن نتمنى أن نكو قادرين على ذلك). لقد اقترح الرجل العظيم صباح الأربعاء 28/2/1968م على الطلبة اقتراحاً بإنهاء الاعتصام بأسلوب يضمن به الطلاب قوة دفع ضاغطة تحقق أهدافهم في الأيام التالية: "ولم يكن أمامنا من سبيل – غير الموافقة على اقتراحه بالانتقال إلى مجلس الأمة لمناقشة ممثلي الشعب.

الطلاب يواجهون السادات في عصر عبد الناصر

احتدت المواجهة بيننا وبين رئيس المجلس ( أنور السادات ) ومن حوله مجموعة من وزراء سمو فيما بعد "بمراكز القوى ..." وقد انهال علينا المصورون يلتقطون لنا الصور وكنا نعتقد أنها للصحافة، إلا أنها في الواقع التقطت بهدف تقديمها للمباحث (.....) وقدمت لنا المشروبات والسجائر الأمريكية !! (من يومها !!) وتحدث الرئيس ( رئيس المجلـس أنور السادات ) والوزراء عن الحرية التي يعيشها الشعب، وعن المكاسب التي حققتها "الثورة" وقدموا لنا دروساً في تاريخ مصر ما قبل 1952م وكيف أنقذتنا الثورة من ديكتاتورية تعدد الأحزاب (تصوروا !!!!)، وأسهبوا في شرح الاشتراكية (.....).

وختم الرئيس حديثه قائلاً: "هذا البيان مرفوض شكلاً وموضوعاً".

وكان ردنا أن ما سمعناه لا يعدو أن يكون سوى "كـلام فـارغ".

ولم يجبن المتحدثين باسمنا عن تنفيذ كلامهم والرد عليهم بكبرياء وعزة.

"ولا أذكر أن مجموعة من الوزراء قد استهزئ بها مثلما حدث في تلك الجلسة وكان أن برز لنا أحد الأعضاء .. لا شك أنه من مجموعة الراقصين (يقصد وائل عثمان بالراقصين هؤلاء الذين رقصوا على أعضاء مجلس الشعب عندما أُعلن عن تراجع جمال عبد الناصر عن تنحيه يوم 10 يونيو 1967، رقصوا فرحاً بينما النكسة تمسك بخناق الوطن!!! ) تحدث عن الحاكم وتمادى في مديحه وكان هذا العضو هو ضياء الدين داوود الذين عين فيما بعد عضواً في اللجنة التنفيذية العليا".

"وقبل انصرافنا التف حولنا لفيف من أعضاء المجلس مرحبين ومهنئين وكنت ألحظ الأسى في عيونهم، وكأنهم يقولون لنا: "أنتم على حق ونأسف لأننا لا نملك لكم شيئاً" (لا يملكون شيئاً للمعارضين وهم أعضاء مجلس الأمة!!) هكذا انتهت حركة فبراير 68 الصاخبة .. لكن أثرها لم ينته كما تمنت السلطة !!!! لقد أحدثت شرخاً في جدار الخوف ... وشرخاً أكبر في شرعية النظام .. وكان على النظام أن يعالج الشرخين (لكن عبد الناصر قرر أن يضيع الفرصة وألا يعالج أياً من الشرخين وهذا خطأ عبد الناصر الفادح الذي كلفه عمره القادم).

كان .. وكأن الثورة لم تقم

لكننا قبل أن نتابع معاص كيفية معالجة سلطة عبد الناصر لآثار الحركة .. لابد أن نتوقف قليلاً عند الكيفية التي عولجت بها آثار حركة 1946م (حركة العمال والطلبة أيضاً) في ظل الاحتلال ووجود الملكية في مصر .. لم ؟!.. سنرى فيما بعد!!

بعد أن فتح النقراشي كوبري عباس ليوقف زحف المظاهرات الطلابية ولو بإلقاء الطلاب في الماء طعاماً للسمك .. لم تتوقف المظاهرات، فكان أن جاءت السراي بالرجل القوي إسماعيل صدقي (رئيس اتحاد الصناعات وقتها وعضو مجلس إدارة شركة القناة وصاحب الدور المنشق على الوفد وعلى دستور 1923م والرجل الذي جاء بدستور 1931 هذا الدستور الذي قامت في مواجهته انتفاضة 1935، وإن كانت قد قامت في عهد وزارة نسيم باشا .. إلا أن الهتافات كانت تسب صدقي و"هور ابن التور" وهو السيد صموئيل وزير خارجية بريطانيا الذي رفض عودة دستور 1923م، كما رفض بقاء دستور 1931 أيضاً بحجة أن الشعب لا يريده !! وهكذا قضى على الدستورين معاً فكان أن تصدى الشعب لمؤامرته بانتفاضة 1935 الشهيرة التي دفعت بريطانيا ثمنها في معاهدة 1936م) .. ولقد اعتبر الشعب أن السراي تتحداه بمجيء صدقي، فكان أن اشتعلت المقاومة وتعاظمت المظاهرات، نما دور لجنة الطلبة والعمال الذي يقود حركة الجماهير الغاضبة ليس في القاهرة وحدها ولكن في أقاليم مصر.

خرج صدقي وقتها على الشعب ببيان قال فيه (واصفاً المظاهرات): "إن المظاهرات السلمية التي قامت صباح اليوم، قد تحولت بفعل الأيدي التي لم تعد خافية، واندست عناصر من الدهماء في صفوف الطلبة الأبرياء (.....) كل هذا حولها إلى مظاهرات ظهر عليها طابع الشر، إن المظاهرات السلمية البريئة كان عمادها عنصر الطلبة والمتعلمين . . ."

هذا ما قاله صدقي "عدو الشعب" عن مظاهرات الطلبة والعمال في 1946م فماذا قال جمال عبد الناصر في خطابه التاريخي في حلوان:

"احنا نعرف حتى في الماضي يمكن العمال ضللوا بواسطة الرجعية، والطلبة أيضاً ضللوا بواسطة الرجعية .. أنا باقول إن العملية بدأت عملية تلقائية هنا في حلوان، وبدأت عملية تلقائية في الجامعة، لكن بعد كده العملية مأصبحتش عملية تلقائية " أنا برضه با أقول لإخواننا الطلية في الجامعة: بل ما تنقاد وراء أي شعار شوف مين اللي بيردد هذا الشعار، ما كل واحد ليه أوضاع طبقية، طبعاً فيه ناس اتاخدت أملاكهم، وفيه ناس اتاخدت أراضيهم، وفيه ناس اتأممت مصانعهم، ودول أولادهم موجودين في أوساطنا" .. ثم قال: "الرجعية اتحركت إزاي ؟! حاولوا استغلال مظاهرات الطلبة ورفعوا شعارات".

الآن .. ألا ترون مطابقة غريبة في ما قاله عدو الشعب صدقي وحبيب الشعب جمال عبد الناصر !!

لقد ارتضى عبد الناصر وقتها أن يقف من المظاهرات موقفاً سلطوياً لا يرى للجماهير (غير المغرضة) حقاً في انتقاده، وفي فرض ما يريدون، (رفض أن يكون معهم إلا بالكلام والخطب، وليس بالفعل) .. وكانت هذه غلطة عمره.

ولقد قادت سلطة جمال عبد الناصر حملتها في مواجهة المظاهرات التلقائية الوطنية، في الحقيقة، في أربع محاور غير ثورية :

أولها: رفض التفاهم بحجة أن من يواجهون عبد الناصر في الجامعة لا يمثلون الطلاب . . ولقد عزف جمال عبد الناصر هذه المعزوفة بنفسه في نفس الخطاب (30 مارس 1968) حين أوضح ان العناصر التي أخرجت الحركة إلى الشارع كانت فحسب 1500 إلى 2000 شخص، وليس كل الــ 140 – 150 ألف طالب في جامعات البلد .. ولقد رأينا أيضاً في استعراضنا كيف لعب المسئولون في النظام وأنصاره (لبيب شقير – د. طعيمة الجرف) على نفس الوتر . . "إنتم لا تمثلون الطلاب"

ثانياً: الترويع : رأينا كيف بادرت الحكومة الناصرية بغلقا القبض المسبق على من اعتبرتهم من المحرضين .. حدث هذا في حلوان مع العمال فخرجت المظاهرات .. وحدث هذا مع الطلاب الذين اتجهوا غلى مجلس الأمة وإلى بيت عبد الناصر شخصياً .. وكانت النتيجة أيضاً أن خرجت المظاهرات .. واشتعلت {ويدخل في باب الترويه إعلان عزم وزارة الداخلية على تكوين المن المركزي الذي سوف يستطيع مواجهة المظاهرات بعد أن فشلت بلوكات الأمن في هذا الأمر .. وأن الأمن المركزي سيكون أكثر تريباً، وأقوى تسليحاً، وأكثر فعالية}.

ثالثها: التشويه : لم تدع السلطة الناصرية بمسئوليها وبعبد الناصر نفسه، وبكتابها في الصحافة فرصة إلا وعمدت إلى تشويه الحركة .. مثلا حاولوا تشويهها بأنها حركة رد فعل لأحكام الطيران وليست حركة مطالبة بالديموقراطية والتغيير وقد أشارت الأهرام في تحقيق لها حول مظاهرات القاهرة إلى مظاهرة وقعت أمام مبنى الجريدة .. وإلى أن أربعة من الطلبة (تصوروا أربعة !! ) .. دخلوا المبنى وعبروا عن مطالب المتظاهرين كالتالي:

"إن شباب الجامعات يسجلون اعتراضهم على الأحكام الصادرة في قضية الطيران وهم إذ يجددون العهد والبيعة للمناضل جمال عبد الناصر ليتوجهوا له باسم الشعب الجامعي ان ينظر في هذه الأحكام تلبية لرغبة الجماهير الشعبية" .. وكتب مطولاً تحت عنوان (وخل بالك من العنوان) : "عن الأحكام والمظاهرات، وإعادة المحاكمة" متى .. في أول مارس "لأن عبد الناصر سيخطب في يوم 3 مارس وسيردد نفس النغمة (وكان هيكل يزعل عندما نهاجمه !!) وفي 3 مارس قال جمال عبد الناصر: إن الطلبة كانوا يريدون منه أن يعدم قادة الطيران وكأن الحركة لم تخرج إلا من أجل الدم !!.

ومن يعد إلى صحف تلك الفترة ومجلاتها .. سيجد خطة كاملة للتشويه تبدأ من أن عناصر رجعية وأعداء ثورة اندسوا في المظاهرات وحركوها إلى كون الحركة "إساءة إلى النضال القومي في وقت تتعرض فيه الأمة العربية لمؤامرة واسعة النطاق من قوى الاستعمار وإسرائيل" .. إلى أن "سلامة الجبهة الداخلية أمر حيوي لحماية الجبهة العسكرية، ومن واجب كل فرد في هذه الأمة الضرب على أيدي العناصر المغرضة" (هكذا قال السيد شعراوي جمعة الذي عينه جمال عبد الناصر أميناً للتنظيم الشعبي ووزيراً للداخلية في نفس الآن !!!! ثم بعد هذا أتحفنا بمذكراته الثورية للغاية) إلى أن "قوة الإنتاج وتدفقها هي الدعامة التي تعتمد عليها الجبهة الداخلية والقوات المسلحة، وبالتالي أي تعطيل للإنتاج لا يفيد ولا شك أن تعطل الدراسة هو تعطيل الإنتاج" . . . إلى قول هيكل "مشراكة الشباب في عملية التفاعل الديموقراطي ليست مجرد أمر مطلوب فيه ولكنها مطلب ضروري ولسبب شرعي أساساً هو أنهم أصحاب الغد الذي نحاول أن نبنيه ولا تملك أي سلطة أن تعترض هذا الحق أو تعطله" . . . (لحد كده، حلو قوي ... ولكن وآه من لكن هذه) ... ولكن المظاهرات قد تعطي انطباعاً خاطئاً عن سلامة الجبهة الداخلية ولابد أن ندرك أن سلامة الجبهة الداخلية باطناً وظاهراً هي الأرض الوحيدة للصمود .. (ألم أقل وآه من لكن هذه ... ) .. إلى قول جمال عبد الناصر أننا طالبنا بإلغاء نسبة العمال والفلاحين .. لأن طالباً ربما قالها وكان يقصد الإيقاع بيننا وبين العمال والفلاحين!!.

رابعاً: الاحتواء: إما الحركة، وكان عبد الناصر مهيئاً نفسياً وتاريخياً لهذا الاحتواء .. نفسياً: إذ كان خلاف بين الثورة وشباب الثورة (على حد تعبيره) هو النهاية التراجيدية للبطل الأسطوري جمال عبد الناصر!!، وتاريخياً: لأن عبد الناصر كان قابضاً على الثوابت المصرية، كما أوضحنا من قبل، وإن رفض أن يقبض بيده الثورية على الديموقراطية، احد الثوابت التي خرجنا من أجلها .. ولقد اتخذ احتواء الحركة أشكالاً منها اتخاذ النظام شعارات الحركة (التي تناسوها وهم يهاجمونها، ولم يركزوا إلا على المطلب السابع كما أوضحنا من قبل) شعارات له شخصياً في بيان 30 مارس الشهير .. "الشعب يريد التغيير وأنا معه"، تكوين لجان المواطنين من أجل المعركة، إعادة انتخاب الاتحاد الاشتراكي من القاعدة إلى القمة، إدخال عدد من الطلاب غير المناوئين جداً إلى المؤتمر القومي العام، تجنيد الطلاب في التنظيم الطليعي بعد أن وجه عبد الناصر ضربته لمنظمة الشباب التي اعتبرها مسئولة عما حدث، وهكذا فقد الشباب تنظيمه المستقل (لم يعرف عبد الناصر أنه كان يضرب ميتاً، وان الضرب في منظمة ميتة حرام !!! ولم يعرف أيضاً أن الشباب شباب المنظمة لم يعد في حاجة إلى أطره التنظيمية، لنه كان قد تجاوزها فعلياً) تصعيد عبد الحميد حسن تصعيداً مريباً فلم يكن أحد معجباً به إلى جمال عبد الناصر .. {يقول حلمي نهنوش ممثل جامعة عين شمس في اجتماع الجامعات بعبد الناصر، في مقابة شخصية مع د. أحمد عبد الله مؤلف كتاب "الطلبة والسياسة في مصر": إن عبد الحميد حسن هو الوحيد الذي استطاع الوصول إلى قلب عبد الناصر، وحدث بينهما تفاهم مشترك} ... ويقول وائل عثمان: " بينما كانت الجماهير الطلابية كلها تسطر صفحة مشرقة في تاريخ مصر، والحركة بمختلف اتجاهات من شاركوا فيها، تعزف سيمفونية البطولة والشرف، كان موقف رئيس اتحاد الجامعة (يقصد عبد الحميد حسن) نشازاً، يعزف بمفرده مقطوعة النفاق الأكبر (أسرار الحركة الطلابية، وائل عثمان ص 35) .. ويقول مصدر صحفي كبير رفض أن أذكر اسمه أن كانت لسامي شرف طريقته في تجنيد الناس للنظام وهي السعي إلى تغيير واقعهم الاقتصادي .. بما لا يجعلهم قادرين على الاستغناء عن تعاملهم مع النظام فيما بعد ذلك. والحقيقة أن خطة نظام جمال عبد الناصر هذه لم تفلح، ذلك أن الشباب الذي خرج له (وكان يستثنيه في فبراير 1968 من الاتهامات) خرج عليه ولم يستثنه في نوفمبر 1968.

وهكذا أخطأ عبد الناصر خطأ عمره .. فقد كان الشباب المصري، شباب الثورة هم عمر جمال عبد الناصر .. عمره الذي كان سيضاف إلى سنوات حياته حين يحاول الموت إيقافها .. كان الشباب سيكونون امتداده الطبيعي .. لكنه سعى إلى ضربهم .. فضُرب فيما بعد معهم .. إن السادات (غاوي الدراما) الذي أكد للطلاب قوله:

"أنتم شجعتم بالمظاهرات عناصر كانت قد انتهت، كانت دخلت الشقوق .. انهاردة الضهر كانت عربية بتلف المدارس في مصر الجديدة علشان يضربوا (يدعون للإضراب) واتمسكت العربية واللي فيها أولاد الإقطاعيين بتوع زمان" .. السادات "غاوي الدراما" هذا استخدم الدراما التي لم يعترض عليها جمال عبد الناصر في حينه في ضرب الشباب .. وفي ضرب عبد الناصر "الله يرحمه" شخصياً بعد ذلك .. ألم نقل أن جمال عبد الناصر أخطأ في 1968 خطأ عمره ؟؟

عندما بكى جمال عبد الناصر

تزامن التلاشي التدريجي لمظاهرات فبراير 1968 من الشارع المصري، مع نمو حيرة شديدة ـ أخطبوطية النزعة داخلنا!.

كانت الحيرة – داخلنا – تكبر بنفس القدر التي تتضاءل به المظاهرات، وعندما وصلت المظاهرات إلى نقطة الصفر – وصلت حيرتنا – أو أحسسنا بها تصل – إلى ما لا نهاية ..

كانت حيرتنا تعبر عن نفسها بسؤالين . .

ماذا الآن ؟!! وماذا بعد ؟!

كانت الأغلبية منا يراهنون على أن عبد الناصر هو بطل التغيير القادم والضروري، الآن وبعد المظاهرات وما حدث فيها ولها لابد أحسسوا بأنهم لا يمكن أن يكونوا – وأن يكون عبد الناصر – مثلما كانوا – وكان – قبل بداية المظاهرات.

لقد تعامل عبد الناصر معنا – وأغلبنا خرج له ولم يخرج عليه – بقسوة شديدة.

صحيح أنها كانت قسوة محسوبة. لكنها وهي محسوبة كانت شديدة وصارمة .. ومحيرة!! .. لقد حسب جمال عبد الناصر قسوته في مواجهتنا بميزان شديد الحساسية . . وإذا كان "هيكل" قد كتب أن عبد الناصر، اهتز لمظاهرات الطلبة كما لم يهتز لشيء من قبل .. وأنه بكى .. لأن الثورة بدت بعد نكسة يونيو 1967 ـ، وقد اختلفت مع شبابها .. اختلفت مع مستقبلها، إذ كان هيكل قد كتب ذلك فإن معناه .. أن عبد الناصر انفعل نفسياً بلا حدود، وانفعل سلطوياً بعدها بحسابات شديدة التعقيد !!.

انفعال .. وليس تفاعلاً ديمقراطياً

وانفعال عبد الناصر نفسياً بلا حدود، وتفاعله السلطوي (أفضل من الانفعال!) بحسابات شديدة التعقيد ظل هو الأسلوب الذي لم يعرف عبد الناصر غيره طيلة حياته وهو أسلوب رافض تماماً للديمقراطية، وما كان رفضه لها إلا لطبيعته العسكرية التي لم تتبدل، فإذا كان قد استبدل ملابسه العسكرية بملابس مدنية، في أعقاب مؤتمر باندويج الشهير عام 1955، وذلك بعد أن أبدى نهرو ـ الزعيم المفكر في حركة الحياد الإيجابي ـ لعبد الناصر تخوفه من الروح العسكرية في إدارو الأوطان . . وقال لجمال عبد الناصر إن غاندي صام حتى الموت، ليؤكد للهنود أن الموت أفضل من وصول العسكريين إلى كراسي الحكم في الهند كان أن غيّر عبد الناصر نبرته (بذلته) العسكرية، ولم يعد لارتدائها أبداً فيما بعد، لكنه عجز عن تغيير روحه، فالعسكريون ـ ولعل عبد الناصر أفضلهم على الإطلاق (إذا ما غضضنا الطرف عن سوار الذهبي العظيم في السودان) ـ إذا ما غيروا ملابسهم يفشلون في تغيير جلودهم "الكاكي" روحهم "الكاكي"، (وجلودهم وأرواحهم لا تقبل من الآخرين إلا الولاء الشخصي، والطاعة العمياء) وهم حينما يتجملون بالديمقراطية فإنهم يكذبون، أو على الأقل يقولون كلاماً من وراء قلوبهم، ولعل لرفضهم للديمقراطية "الحقيقية" سبباً لا يمكن إغفاله، فالعسكريون المخلصون رأوا حجم الإنجاز السريع الهائل الذي توفره الروح العسكرية بـالأوامر الفوقية التي لا راد لها .. وهم ـ المخلصون منهم ـ عندما يرون عيوب الروح العسكرية في تسيير المجتمعات، يحاولون دائماً أن ينسبوا تلك العيوب لأمور أخرى غير السبب الحقيقي، (عبد الناصر كان ينسب كل عيوب نظامه لنشاطات الثورة المضادة، والرجعية المكلومة المتنمرة المتآمرة). أما أسوأ العسكريين، فكراهيتهم للديمقراطية تبقى أسيرة ذلك المجال الضيق في نفوسهم الأضيق في آفاق تفكيرهم الذي لم يعتدها ولم يحفل بها في يوم من الأيام. ولم يحترمها على الإطلاق !!!

حديث صحفي يفضح ديمقراطية جمال عبد الناصر

ولعله من المثير للانتباه .. ذلك الحديث الصحفي الذي أدلى به جمال عبد الناصر في مقابلة مع جريدة هندية (خل بالك من "هندية" هذه) في مارس 1957، وقد قال فيه "كان يفترض وجود نظام ديمقراطي في مصر في الفترة الواقعة بين عامي 1923، (خل بالك من التواريخ ومن مغزاها) ولكن ما الذي قدمته هذه الديمقراطية لشعبنا؟ (...) كان ملاك الأراضي والباشوات يحكمون يحكمون شعبنا، لقد استخدموا هذا النمط الديمقراطي كأداة سهلة لتحقيق مصالح نظامهم الإقطاعي، لقد رأيت الإقطاعيين يجمعون الفلاحين ويسوقونهم إلى غرف الاقتراع، حيث كان الفلاحون يدلون بأصواتهم طبقاً لتعليمات سادتهم، إنني أبغى تحرير الفلاحين والعمال سواء من الناحية الاجتماعية أو من الناحية الاقتصادية، بحيث يمتلكون القدرة على أن يقولوا "نعم" و "لا" دون أن يؤثر ذلك على سبل رزقهم وقوتهم اليومي، وهذا من وجهة نظري هو أساس الحرية والديموقراطية" (صـ 37 ـ 38 من "الديمقراطية في الشرق الأوسط"، تحرير د. أحمد عبد الله ـ مركز الجيل 1995 القاهرة) ، كان عبد الناصر قد أدلى بحديثه هذا بعد أن ضرب طبقة ملاك الأراضي اقتصادياً بقانون الإصلاح الزراعي، وسياسياً بحرمان أعضائها من العمل السياسي!! فكيف يخشى استغلالهم للديمقراطية، ولقد جاء الميثاق الوطني 1962 ليؤكد ما اله عب الناصر للصحافة الهندية 1957، فرفع شعار "إن حرية رغيف الخبز هي الضمان الأكيد لحرية تذكرة الانتخاب"، وعاش عبد الناصر ومات ولم يثبت أن أحداً في عصره استطاع أن يقول "لا" و "نعم" دون أن يخشى على رزقه، إن حديث جمال عبد الناصر "هذا" إن لم يعكس كفره بالديمقراطية، فإنه على الأقل يعكس كراهيته لها إلى حد التأجيل المستمر ..

لقطة لابد من التمعن فيها

في مذكراته (23 يوليو وعبد الناصر، شهادتي، مركز الأهرام للترجمة والنشر 1990) يرسم لنا الأستاذ عصام حسونة (كان وزيراً للعدل عام 1968) ملامح لقطة في غاية الأهمية، وكانت اللقطة في اجتماع مجلس الوزراء جلسة 25/2/1968، وهي الجلسة التالية للمظاهرات.

يقول الأستاذ عصام حسونة (ص 182 وما بعدها).

انعقد مجلس الوزراء يوم الأحد الموافق 25/2/1968، وهو موعد الانعقاد الأسبوعي، برئاسة جمال عبد الناصر (لعلك تذكر أن عبد الناصر جمبع بعد النكسة بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء) وكان جدول أعماله ـ المعلن من قبل ـ هو مناقشة تقرير لجنة للخطة عن المواصلات. بيد أن الأحداث الجديدة في الأحكام الصادرة ضد الفريق صدقي محمود، وبعض قادة الطيران، وما أعقب ذلك من تفجر مظاهرات الطلبة في القاهرة، كان هو الموضوع الرئيسي الذي شغل المجلس.

في أول الجلسة دعا الرئيس وزير الحربية إلى الكلام.

الفريق فوزي: ثبت الإهمال ضد قادة الطيران، حكم المحكمة سليم، وأبعد عقدة الذنب عن سلاح الطيران، وقع الحكم طيب في القوات المسلحة، ولهذا صدقت على الحكم.

الرئيس: نأخذ رأي المجلس ..

د. لبيب شقير: (وكان وزير التعليم العالي كما تعلم) لقد تحركت مظاهرات الطلبة عقب صدور الحكم. الذين حركوها عناصر يمينية رجعية (أعداء الثورة يعني)، تتبعنا زعمائهم وجدناهم من الجمعية الشرعية ومن الإخوان المسلمين (يا عيني عليهم، ألبسهم الجريمة بمنتهى البساطة). موقف الشرطة موقف سليم (الضرب بالرصاص في المليان)، رأيي إعادة محاكمة صدقي محمود أمام محكمة ثورة أو محكمة شعبية (المحكمة العسكرية لا تكفي) لأن العقوبة الصادرة ضده لا تكفي.

د. النبوي المهندس: (وكان وزير الصحة) يجب تعليق صدقي محمود وزملائه على المشنقة في ميدان عام، الطلبة المصابون في المظاهرات أعربوا عن ولائهم للرئيس وقد حملوني رسالة .. إنهم يقبلون يد الرئيس (!!!)، وقد زرتهم في المستشفى مع الأخ سامي شرف.

ويقول السيد عصام حسونة إنه تكلم في الجلسة (وأنا ألخص هنا من كلامه)، عن استحالة الاعتراض على الحكم (قانونياً) واستحالة إعادة المحاكمة، ثم قال: "على أية حال أنني أرى أمد يركز المجلس مناقشته على مظاهرات الطلبة التي أعقبت صدور حكم الطيران، وأن نستخرج منها كساسة، لا كسلطة أمن (خل بالك من هذه) الدلالات السياسية الصحيحة"، وإنه طلب أن يوضح شعراوي جمعة "حوافزها .. اتجاهاتها .. مؤشراتها" (وكان يقصد المظاهرات)، وأن يلقي السيد الأمين العام للاتحاد الاشتراكي". كل الأضواء الممكنة على هذه المظاهرات"، وقال إن "هذه أول مظاهرات يمكن أن تسمى "انتفاضة" سواء من حيث "النوع" أو "الأهداف" أو "الشعارات" وقد أورد من تقرير النيابة العامة عن هذه المظاهرات هتافات ترددت في المظاهرات كانت كالتالي. "تسقط دولة المخابرات (أي علاقة لذلك بالطيران وقضيته؟!) تسقط دولة العسكريين (هل هناك علاقة؟)، تسقط صحافة هيكل الكاذبة (هل هناك علاقة؟)، لا حياة مع الإرهاب (السلطوي)، ولا علم بدون حرية، يا جمال الشعب هوّه هوه (أظنها كانت "أهوّه") اضرب الخونة بقوة (ألم نقل أن كان الجيل لم يتخلص من استثنائه جمال عبد الناصر من فساد، وتجبر، وإرهاب حاشيته حتى تلك اللحظة؟)، يا سادات يا سادات، فين قانون الحريات (لقد بَعُد الشأو ولم نر علاقة للشعارات بأحكام الطيران)، يا شعراوي يا جبان راحوا فين عمال حلوان.

تحليل لتقرير النيابة العامة:

وقال السيد عصام حسونة "اسمحوا لي أن ألخص أمامكم ما جاء به (تقرير النيابة العامة):

أولاً: إن المظاهرات بدأت في حلوان تحت إشراف الاتحاد الاشتراكي (تذكرالآن ما جاء به في مذكرات أحمد شرف ـ عما حدث له مع منظمة الشباب، فسوف تجد تطابقاً مذهلاً .. يغيظ!!) فالذي يؤخذ من مجموع أقوال عبد اللطيف مليجي بلطية (زعيم عمالي وعضو بارز في الاتحاد الاشتراكي (..) "بأنه عقب اجتماع السيد عبد اللطيف بلطية مع السيد عبد المجيد فريد (كان أمين العاصمة) في مساء يوم 20/2/1968 بمناسبة ما كان قد وصل العمال به من نتيجة احتجاجاً منهم على الأحكام الصادرة في قضايا الطيران (لحظة التفجر .. هل تذكر تحليلنا) فقد كلفت قيادات الاتحاد الاشتراكي (الكلام لبلطية) بالحضور إلى مقر المكتب التنفيذي في الصباح لمنع خروج المظاهرة (قال بعصبية العباقرة (!!) المعارضين لكل ما جاء به جمال عبد الناصر{، وما فعله إن الاتحاد الاشتراكي هو الذي أخرج كل المظاهرات في عصره!!) أو مواجهة التعبير الجماهيري بأسلوب سياسي ديمقراطي (إذا كنت مندهشاً من الكلمة انتظر إلى أن تقرأ الباب المعنون "تنظيم عبد الناصر الطليعي" أو تنظيم حركة الجماهير (حسب أقوال السيد محمد وهدان) ولكن رجال الاتحاد الاشتراكي فشلوا في السيطرة على المتظاهرين (كانت دوماً مهمة مستحيلة، تتلخص في أن يكونوا مع الجماهير وضدهم في نفس الآن لهذا لم نرهم إلا يفشلون!) وتصدى رجال الشرطة لهم وأطلقوا النار عليهم فأصيب 9 أشخاص من أعيرة نارية، من بينهم أربعة كانوا مارين بالصدفة (راجع دفاع محمد حسنين هيكل عن جمال عبد الناصر في الباب قبل الأخير، والذي قال فيه إنه لم يكن هناك إطلاق رصاص على الإطلاق !!!!)

ويقول من تقرير النيابة العامة:

ثانيا: إن المظاهرات ما لبت أن انتشرت في دائرة في عدد من أقسام القاهرة والجيزة والإسكندرية وفي كلية الهندسة بجامعة القاهرة بالذات (ألم نقل أن كان للهندسة موقف تحسد عليه، ويحسد عليه أبناؤها).

ثالثاً: إن الشرطة قد أطلقت الأعيرة النارية على بعض المظاهرات وقد سقط اثنان من القتلى (مرة أخرى راجع دفاع الأستاذ هيكل!!) كما أصيب ـ من غير الأعيرة النارية ـ من رجال الشرطة 22 ضابطاً، 65 شرطياً، 40 من الطلبة والأهالين كما حدثت تلفيات في سيارات الشرطة وغيرها من الممتلكات الحكومية والأهلية.

رابعاً: (وهذه نهديها للسادة المحللين حسني النية وسيئيها، قبل أن نوجه لهم الضربة القاضية) إن هتافات المتظاهرين وطلباتهم قد تجاوزت حدود الطيران، وتناولت النظام ذاته (وأورد مطالب الطلاب التي ذكرناها من قبل).

ويشهد شاهد من أهلها:

وقال السيد عصام حسونة في اجتماع مجلس الوزراء المذكور "لقد انقضت على هزيمة يونيو ثمانية أشهر، فهل ينبغي أن نعاود مناقشتنا ـ كمجلس وزراء ـ في أسباب الهزيمة والتزامات النظام في تصحيح ما حدث؟ (الدعوة الشعبية العارمة بضرورة التغيير) أن نتحدث مرة أخرى عن أسلوب الحكم؟ (هذا هو الأساس) ... عن نظام الحكم؟ (وهذا هو مربط الفرس).

لقد قلنا من قبل إن نظامنا اشتراكي (ناصري) ديمقراطي (!!)، يقوم على سيادة الشعب، وقيادة جماعية منتخبة، وسيادة القانون (!!)، وقلنا إن الانحرافات التي شابته عندما ناقشنا أسباب النكسة .. هي انعدام القيادة الجماعية، الافتئات على سيادة القانون، الهوة الشديدة بين الشعار والسلوك .. ضعف النقاء في بعض القادة.

إن الشعب بعد ثمانية أشهر من الهزيمة، لا يزال يطرح هذه الأسئلة .. هذه المرة بصوت أعلى (...) لابد من تغيير جذري (...).

شيء واحد يشغل جمال عبد الناصر:

بعد هذه الشهادة المطولة من وزير العدل "الأستاذ عصام حسونة" (والتي اختصرتها) لم يشغل جمال عبد الناصر إلا شيء واحد:

الرئيس: نعود إلى قضية الطيران ـ لقد اطلعت على أقوال الشهود .. الغريب أن قائد القوات الجوية الجديد مدكور أبو العز شهد لصالحه (للتاريخ يحتسب هذا الموقف الرجولي للرجل الشريف مدكور أبو العز، فقد ترك القوات المسلحة والطيران قبل النكسة لخلافات حادة عميقة مع صدقي محمود، وها هو ذا يشهد لصالحه، ولصالح الحقيقة عندما جاءته الفرصة للانتقام .. إن في مصر رجال).

الفريق فوزي: يبدو لي أن الحكم كان سيء الوقع على القوات المسلحة (لم يكن ذلك كلامه في أول الجلسة ... كان العكس تماماً!!!) إنني أرى تجوير الحكم وإلغاءه وإعادة المحاكمة.

الآن وقد كان وصف الأستاذ عصام حسونة لجلسة مجلس الوزراء التاريخية تلك، برئاسة جمال عبد الناصر ـ أن ينتهي (فلم تبق إلا قنبلة واحدة، لابد ستنفجر في قناعات المحللين حسني النية وسيئيها) .. يستطيع القارئ بنفسه أن يحكم على وزير التعليم العالي، د. لبيب شقير (هنا، وأيضاً في استئساده المكشوف على الطلبة، عندما قابل لجنتهم المكونة من اثنى عشر طالباً والتي وعدوها بمقابلة جمال عبد الناصر) ويستطيع أن يحكم على الفريق (أول) محمد فوزي، ووزير الصحة د. النبوي المهندس، ويستطيع إذا عاد للأصل الذي اختصرته أن يحكم على وزير الداخلية شعراوي جمعة ووزير الثقافة ثروت عكاسة، وعلى مجلس الوزراء بالكامل.

لكن شيئاً وحيداً أريد أن أشارك القارئ حكمه عليه .. هو إصرار جمال عبد الناصر على أن الأمر لم يتعد كونه اعتراض عمالي طلابي شعبي على أحكام قضية الطيران، حتى بعد أن تلا أمامه وزير العدل المطالب الطلابية الكاملة (هذا الإصرار أصبح إصرار الأستاذ هيكل أيضاً وحتى إعلام آخر)، لقد كان إصرار جمال عبد الناصر هذا دليلاً إن لم يكن على عدم قبوله مبدأ "التغيير"، فهو دليل أكيد على أن تكون دعوى التغيير مبادرة جماهيرية (تعود عبد الناصر على أن تكون المبادرة دائماً في يده حتى وهو يعمل لمصلحة الجماهير، ولم يقبل أبداً أن تحثه الجماهير على تحقيق مصالحها ..) وأقول "دليل أكيد" لأن بيان (3 مارس) الذي حللناه في جزء سابق، هو إثباتي لهذا الدليل الأكيد، لكن جمال عبد الناصر ـ الذي لم يتغير ـ لم يكن يعرف بأن قنبلة شديدة الانفجار في طريقها إليه في تلك الساعة ـ التي أراد ألا ينشغل فيها عن اتخاذ قرار بإعادة محاكمة قادة الطيران (وهو ما حدث بالفعل)، ظاناً أن هذا التراجع سيجعل اعتراض الطلاب على نظام حكمه كأن لم يكن.

ضربة قاضية لآراء السادة المحللين حسني النية .. وسيئيها:

يقول الأستاذ عصام حسونة، إنه خلال إصرار عبد الناصر على حصر الكلام في موضوع إعادة المحاكمة "اقترب السيد عبد المجيد فريد" سكرتير عام مجلس الوزراء وقدم له المنشور الصادر من طلبة كلية هندسة القاهرة والمتضمن لطلباتهم (وثيقة طلاب الجامعات - فبراير 1968) وقد كان خالد عبد الناصر ابن الرئيس موجوداً بينهم.

قرأ الرئيس الوثيقة ثم قال:

الرئيس: يبدوأن حكم صدقي محمود ليس له أولوية لى الطلبة (خل بالك من معنى كل كلمة) إنهم يطلبون حل الاتحاد الاشتراكي، وإطلاق الحريات، وإعادة تحقيق المسئولية عن النكسة ... أظن هذا يكفينا الليلة ... ويقرر الأستاذ عصام حسونة أن (نهض الرئيس مبتئساً بعد أن فض الاجتماع).

أليست هذه بحق ضربة قاضية لآراء ساذجة للمحللين حسني النية وسيئيها، هاهو ذا جمال عبد الناصر يعترف بنفسه في جلسة مجلس الوزراء وما زالت بعد المظاهرات الصاخبة في الشارع المصري، بأن الأمر لم يكن مجرد اعتراض على أحكام الطيران، بل إن الأمر كان هو أكبر، دعوة للتغيير، وللديمقراطية، وضماناً لئلا يتكرر كابوس النكسة.

ولنعد لما كنا فيه ..

أراد عبد الناصر، وأصر على رفض التفاهم مع القضية الشبابية، إلا بأسلوب قائد الوحدة العسكرية (مصر) الذي يحب جنوده (شعبها) ولا يحب اعتراضهم علىتصرفاته (أي لا يحب الديمقراطية)، في الوقت الذي انهمرت دموعه فيه لأن عفريت اختلاف ثورته مع مستقبلها (الشباب) خرج من القمقم ولن يعود إليه إلا بتنازلات لابد رأى جمال عبد الناصر أن من الصعوبة، بل من الاستحالة، أن يقدم عليها ... (حتى وإن كانت لمصلحة ثورته العظيمة (الجاحدون وحدهم ينكرون هذا الأمر) ولمصلحة الشعب الذي أحبه كثيراً وبذل عمره واستشهد من أجلها (أيضاً الجاحدون وحدهم ينكرون هذه الحقيقة) . .

أراد جمال عبد الناصر أن يروعنا إلى حد يخيف آباءنا .. ولا يسوغ لهم أو يحركهم للثورة ضده .. فاتخذ ونظامه سمت الحكماء .. الذين يستطيعون ممارسة عنف أشد شدنا .. لكنهم برغم هذا لا يفعلون!، ذلك أنهم يواجهون فلذات أكباد .. (راحوا أو جاءوا شوية عيال)، تم التغرير بهم!

ولقد كان آباؤنا وقتها مستعدين لفهم رسالة عبد الناصر .. ذلك أنهم اعتادوا أن يروا جمال عبد الناصر قبل النكسة منتهى الشراسة في مواجهة معارضيه من الشيوعيين وسعيد رمضان وعملاء الرجعية المصرية والعربية (اعتاد عبد الناصر ألا يخرج معارضية من دائرة التوصيفات الثلاثة هذه !!).

كان آباؤنا يعلمون أننا لا نندرج تحت واحدة من هذه التوصيفات .. لكنهم ـ آبائنا ـ كانوا يعرفون النكتة التي سرت في عصر عبد الناصر سريان النار في الهشيم .. (ومن الضحك ما له مرارة البكاء!) تلك النكتة التي تحكي عن أن قرداتياً كان يلاعب قرده في مقهى .. وفجأة هاجمت المباحث العامة المقهى للقبض على الشيوعيين .. (قيلت النكتة أيضاً في الإخوان المسلمين)، وما إن دخل رجال المباحث المهى، حتى سارع القرد بالاختباء، وبعد أن قبضت المباحث العامة على الذين جاءت من أجلهم اتجه القرداتي إلى قرده متسائلاً: طب دامباحث عايزين الشيوعيين، أنت بسلامتك استخبيت ليه؟"، فرد القرد ـ مرتعداً ـ:

يا عم حد ضامن .. حلّني على ما أقدر أثبت إني قرد ؟؟. والحقيقة أن آبائا اضطربوا، واضطربنا نحن باضطرابهم، كانوا موافقين على ما نقوله، وكانوا خائفين علينا .. وخائفين من أن يعلنوا أنهم كانوا يرون ضرورة أن يحدث تغيير في ممارسات السلطة وفي إدارة البلاد (الأمر الذي طالبنا به في مظاهراتنا) ..

لكنهم كانوا أيضاً غير متأكدين من أن ـ في تلك الأيام ـ الوقت مناسب لهذا التغيير، وغير متأكدين كذلك من أن الوقت غير مناسب .. فلو لم يحدث تغيير، فأي مصير ينتظر البلد ؟!! (إن من بدأ المأساة، لا يستطيع إنهاءها إلا في قصائد نزار قباني العاطفية!)

الألوان الطبيعية تشاركنا الهمّ .. والتساؤل :

ولقد غدت القاهرة ـ التي كانت مظلمة في الليالي بفعل تقييد الإضاءة في زمن الحرب ـ وقد انسحبت منها المظاهرات، مظلمة أيضاً في النهارات (بشكل واقعي لا مجاز فيه)، لها رائحة الشياطة، وأسفلت شوارعها الذي كنا نراه رمادياً داكناً، ها نحن ـ في تلك الأيام ـ نراه شديد السواد . . أما الأسوار حول مبانيها فقد صارت أعلى!! ..

ماذا الآن ؟ وماذا بعد ؟!!

ما الذي استطعنا تحقيقه ؟!!

وماذا يجب أن نفعل بعد ذلك وقد خرج جمال عبد الناصر من حساباتنا؟.

كنا نرى القاهرة والأشياء والمستقبل (ونشمهم أيضاً) بعيون الحيرة . .

أذكر أنني كنت أقضي وقتي كله ـ في تلك الأيام ـ خارج البيت، فقد كنت أخشى من مواجهة أبي .. لكني فوجئت بأبي .. (أبي الذي كنت وأنا في المظاهرات أهتف بسقوط جمال عبد الناصر غير هايب من سطوته (أقصد سطوة جمال عبد الناصر) ومن الاعتقال، ومن مصيبة سوداء لم أكن أعرف حدودها .. مكتبه في شقتنا على المظاهرات في شارع القصر العيني، خوفاً من أن يراني) فوجئت بأبي يتعمد الكلام عن المظاهرات – وكان آخرين يقومون بها – واصفاً إياها بأنها مظاهرات عظيمة !! وأنها لابد أن تستمر لكي تثمر نتائج جيدة !!.

في المرة الأولى التي قال فيها أبي هذا الكلام .. كدت أقوم وأحتضنه .. لكني وقتها خفت أن يكون احتضاني له بمثابة اعتراف صريح مني بأنني أشارك في المظاهرات، لقد فهمت لحظتها أن أبي يعرف أنني أشارك ويوافق .. لكنه لا يريد أن يعلن أنه يعرف أو أنه يوافق .. فهمت أن أبي يريد أن يترك القرار لي، مع أن النتائج سوف نتحملها نحن الاثنين . .

لم أقم لأحتضنه وقد خلصني من ازدواجية كانت تؤرقني بالإضافة إلى حيرتنا الكبيرة، يومها صممت على أن أنفذ مشيئة أبي .. وأن أتكلم أنا الآخر وكأن الآخرين يقومون بها .. وهكذا غدونا نتفاهم ونتناقش بحيادية مصطنعة أجدنا حبك خيوطها الأمر لم يمارسه أبي الجازم القاطع معي قبلها ولا بعدها أبداً).

وأذكر – كذلك – أن أبي قال بينما كنت أحمل القهوة إليه في مكتبه صباح يوم جمعة تالٍ للمظاهرات، وكان ساعتها يقرأ مقال الأستاذ محمد حسنين هيكل، عن الأحكام والمظاهرات وإعادة المحاكمة (1/3/1968).

- الطلبة موش لازم يخافوا من الكلام ده (كان يقصد التهديدات الخفية التي امتلأت يها مقاله الأستاذ هيكل الذي صور نفسه ـ بعدها ـ ويرغمها كان يحلو للأستاذ هيكل أن يصور نفسه وكأنه كان مدافعاً عنا ..) الطلبة موش لازم تخاف وإلا زمايلهم المقبوض عليهم ممكن يضيعوا . .

ساعتها رددت في براءة :

- حاضر يا بابا.

وضحك أبي .. لكنه سرعان ما عاد إلى تجهمه وقال :

- إيه حاضر دي ؟! انت إيه علاقتك بالمظاهرات دي؟.

أصابني ارتباك شديد .. لقد خرجت على اتفاقنا الضمني !!

- قصدي فعلا .. مش لازم يخافوا.

وقال أبي في حزم حنون:

- خلي رأيك ده لبعدين . . لما تقرأ المقالة الأول.

كان أبي يقرأ الجرنال أولنا .. ثم بعد ذلك نتخاطفه نحن، يومها خطفت الجرنال ورحت ألتهم المقالة .. وفهمت ـ برغم محاولات الأستاذ هيكل لإيصالنا إلى عكس هذا الفهم ـ أن تركيز هيكل على أن صورة الجبهة الداخلية يجب ألا تهتز في مواجهة عدو صار قريباً منا على الشاطئ الشرقي لقناة السويس (والتي كان يطالبنا من أجلها بالهدوء)، يجب ألا تخيفنا من التحرك لإنقاذ زملائنا، تحركاً صاجناً إذا لزم الأمر وإلا لن يجرؤ آخرون على الاعتراض، بعد ذلك أبداً.

وأذكر أيضاً أن كان العيد الكبير ( عيد الأضحى المبارك ) على الأبواب وقتها، وكانت أيام الأعياد في ذلك الوقت هي أجمل أيام السنة بالفعل (تلك التي لم يعد لها طعم الآن !) كنا، أولاد الخالات والأخوال، نذهب جميعاً لنقيم في البيت الكبير، بيت جدي، بالحلمية الجديدة، نقضي الوقت في ضحك ولعب وصخب جميل باختلاف أعمارنا (كان الاختلاف يمتد لأكثر من عشرين سنة بين الأصغر والأكبر) وهناك تذبح أضحيات العائلة جميعاً، ويفعل كل منا ما يريده، ويفعل الكبار أيضاً لكل منا ما يريده .. كانت أيام حرية وسعادة، لكنني ـ وكنت أصغر واحد في جيل الأقارب هذا ـ، فوجئت بأن الجميع في بيت جدي ، قد بيتوا النية على أن يتخذوا العيد في هذه النة لكي يعيدوا عقلي إلى رأسي .. كنت قد ذهبت بإحساس غائر بالذنب .. زملائي في السجن .. فهل يحق لي أن أفرح وسط أقاربي؟ ولما هجم الأقارب (تحت قيادة أمي ـ حبيبتي ـ التي آثرت أن تبدو صامتة مادام الجميع يتكلمون بلسانها) عليّ ليبينوا لي خطورة ما ارتكبه ما جرم في حق نفسي ومستقبلي والعائلة التي سيذهب أفرادها وراء الشمس، إذا ما أصررت على مشاركة الأولاد المنفلتين في الجامعة فيما يفعلونه .. عندما هجم على أقاربي ـ احبائي ـ بهذه الكلمات (العاقلة !!) فوجئت بنفسي منفعلاً لأول مرة في مواجهة من هم أكبر مني سناً.

- زملائي أحسن الناس .. وأشرف الناس .. والبلد بلدنا .. ليست بلد جمال عبد الناصر .. ولن يفعل بها وفيها ما يشاء.

كانت الدموع تخنقني، ووجدتني أجري ناحية الباب، منفلتاً إلى الشارع . . متخلصاً من إحساسي بالذنب . .(ها أنذا يا أصدقائي ـ مثلكم ـ لن أستمتع بالعيد)

وقفت في الشارع .. كدت أصيح وإحساس الندم على ما بدر مني في مواجهة كبار يحبونني ويخافون علي، يحاول إفساد فرحتي، فرحتي المجنونة بأنني لن أفرح في العيد وزملائي في السجن !!

كدت أصيح في الشارع:

- غضب أقاربي مقدور عليه .. سأسترضيهم فيما بعد لكنني يا زملائي اعزاء .. لا أقبل أن أفرح وأنتم سجناء.

فجأة، وجدت من يربت على كتفي .. كان ـ الذي ربت عليّ بحنان ـ زوج ابنة خالتي وكان عقيداً في القوات المسلحة (مدفعية)، كان جميل الصورة وجميل املخبر أيضاً .. (العقيد عادل حافظ عبد المجيد )، ارتبكت في مواجهة وجهه الملائكي، شدني من يدي في حنان وفتح باب سيارته . . وقال: اركب.

ركبت .. قال لي أنه منع الجميع من أن يخرجوا ورائي بعد أن وعدهم بأنه سيعود بي إلى البيت الكبير .. وفاجأني قائلاً وهو يدير موتور السيارة:

- إنت عايز تروّح . . مش كده؟

- أيوه.

- لازم تروح .. إنت مش لازم تقعد وزمايلك في السجن .. ما تقلقش من ناحية العيلة .. أن ح تصرف. كان يقرأ ما في قلبي في مهارة اكتسبها قلبه الكبير من ممارسات كثيرة قاسية . . قال:

ـ اللي انتو عملتوه صح .. الفساد أكبر مما تتصوروا .. الفساد هو اللي هزمنا مش إسرائيل .. الجهل مش جيش الدفاع الإسرائيلي .. البلد لازم تتغير، علشان نقدر ننتصر.

امتلأت عيني لحظتها بصورة عادل ـ زوج ابنة خالتي ـ عائداً من الحرب، ممزق الملابس، ممزق الجسد والروح .. تلك الصورة التي لم يتحملها حموده (زوج خالتي) فغادر بيت ابنته لا يرى ما أمامه لتصدمه عربة تحت منزل الابنة، ويقضي شهوراً تحت العلاج، وتذكرت صوته ـ أيضاً ـ يقول لي وقتها ..

ـ كنا قد أفلتنا بالفرقة الرابعة ( أقوى فرق الجيش المصري آنذاك ) وتمركزنا عند قناة السويس في انتظار – وصول الإسرائيليين الذين اخترقوا الجيش المصري . كنا نستطيع أن نفعل شيئاً إذا ما وصلوا إلينا ونحن متمركزين في وضع ممتاز، لكن شمس بدران أصدر لنا أوامر بأن نتجه إلى العريش .. أن نعود إليها !! كان يقول أي كلام .. بل كان يقول كلاماً بعيداً عن أي تعقل، بعيداً عن العلوم العسكرية وفن القتال، وتحركنا بعد أن فشل قادتنا في إقناعه بالعدول عن فكرته، فصمموا على تنفيذ أوامره عملاً بمبدأ الطاعة، لنقع في مصيدة إسرائيلية .. تمكنت من تدميرنا بالنابالم، بينما كنا نتحرك عرايا من أي غطاء جوي .. بل من أي غطاء أرضي أيضاً، وفقدنا قوتنا الضاربة التي كانت تستطيع أن تمنعهم من السيطرة السهلة على شاطئ قناة السويس الشرقي على الأقل!!.

كانت دموعي في عيني وأنا أتذكر وكانت دموعه في عينيه الملائكيتين فهل كان هو الآخر يتذكر ؟!! أوصلني عادل إلى بيتنا.

في البيت لم يسألني أبي لماذا عدت .. لماذا تركت بيت العائلة .. ولم يشاركني في الاتماع إلى خطبة جمال عبد الناصر في حلوان 1/1/1968م .. تلك الخطبة التي أنهاها جمال عبد الناصر بقوله عن زملائنا المقبوض عليهم (بما معناه) انه برغم كل شيء فسوف يعيّدون (يقضون العيد) وسط أهاليهم.

فرحت بالطبع للإفراج عن زملائنا .. لكن حيرتي لم تهدأ .. لقد تزايدت فقد نزع عبد الناصر الفتيل الذي كان من الممكن أن يعيدنا إلى الحركة الصاخبة .. المطالبة بالإفراج عن زملائنا المعتقلين .. واتخذ في نف الوقت صورة الأب الذي يعفوا عن أبناء تطاولوا عليه .. فهل كان هذا هو ما سعينا من أجله .. أو هل يمكن أن يصبح ذلك نهاية ما خرجنا في متاهات الخوف والضياع لكي نحققه.

والذي لن يفهم حيرتنا في هذا الوقت .. لن يفهم لماذا خرجت مظاهرات نوفمبر 1968م (التي ظلمت كثيراً حتى داخل الحركة الطلابية نفسها!) .. بهذه القسوة .. وبهذا العنف في الإسكندرية ولن يفهم أيضاً لماذا لم يكن لها نفس الصدى العنيف في القاهرة.

لقد خرجنا في فبراير نطالب بالتغيير وحدث تغيير بالفعل .. انكسرت حلقة الصمت الخانقة، وتلقى الحكم العسكري هزيمة علنية حين شكل عبد الناصر وزارة مدنية (هي الأولى في تاريخ ثورته) من أساتذة الجامعات، أيضاً، قطعت اليد الطولى للمباحث العامة، التي كانت تتصرف من بل وكأنها المتحكمة في رقاب خلق الله (أو لنكن أكثر صراحة ولنقل أنها كانت المتحكمة في رقاب "العباد") إذ أنه بعد المظاهرات وما جاء فيها على لسان الغاضبين من هتافات تندد بنظام فاسد وحريات مفتقدة، وما جاء في بيانات الطلاب أيضاً عن "دولة المباحث"، بدأ التحقيق في قضايا التعذيب، ذلك التحقيق الذي أسقط هيبتها وسحب منها "شيكاً" قدم لها من قبل على بياض .. ثم كان أن تشكلت لجنة من مجلس الأمة لدراسة قانون الحريات العامة، ولم يمض وقت طويل (شهر على نهاية المظاهرات) حتى أصبحت شعاراتنا هي شعارات المرحلة في بيان 30 مارس .. وعلى مستوى العمل الطلابي داخل الجامعة أصبح الحرس الجامعي مقيداً لا يتدخل في النشاط السياسي، ولا يراقب مجلات الحائط ( الصحافة الحرة الوحيدة في مصر وقتها، حسب تعبير وائل عثمان ـ الدقيق للغاية ـ في كتابه أسرار الحركة الطلابية).

أكثر من هذا صدرت لائحة جديدة لاتحاد الطلاب بالجامعة نزعت عنه وصاية أعضاء هيئة التدريس الذين عمدوا في كل الأوقات، إلى إخماد حماس الشباب فإخماد الحماس كان. ولم يزل ـ هو الأمن المطلوب، الذي يكافأ عليا هيئة التدريس (إذا ما مارسه بذكاء)، أما المكافأة فكانت تتدرج من المزايا العينية الصغيرة، والتسهيلات الاقتصادية، والأمان الشخصي والتمتع بالسيارة، (السادية) على الزملاء، صاعدة ـ المكافأة ـ إلى كرسي الوزارة، وميراث الوزارة من المكاسب التي يتلقاها الوزراء وتصبح من حقهم بعد ذلك وهم وزرا سابقون، تلك المكاسب التي يعرفها الوزراء ويجهلها الشعب، وصدرت صحيفة مركزية للطلاب يعبرون فيها عن آرائهم السياسية في حرية، لم تكن الصحافة المفروضة علينا تتمتع بها .. (أقصد بالطبع الصحافة القومية المملوكة للنظام فعلياً .. وللشعب بالاسم، بل زوراً وبهتاناً).

حدث تغيير (طالب إجراءاته، واستمرت، ولم ينته إلى نتائج بيرة) .. ولكن .. وسط هذا التغيير تنامت محاولات الاحتواء .. (أصبح للحركة قيادات متصلون مباشرة بـ شعراوي جمعة وزير الداخلية، وأمين التنظيم الشعبي في نفس الآن !! وآخرون يسيطر عليهم بسامي شرف، سكرتير الرئيس، والشخصية الكبرى في التنظيم الطليعي، وكانت هذه القيادات الطلابية (في نظر النظام وحده فلم نكن نرى في معظمهم أية مزية أو اية صفة تؤهلهم للقيادة إلا قدرة البعض منهم على خداع بعض الطلاب لبعض الوقت) تسعى. أرادت أو لم ترد ـ إلى تهدئة غضبة الطلاب، وإشاعة وعود وتصورات تفوق كثيراً حجم ما أنجز .. أو ما يمكن إنجازه (في نظر الطلاب) بواسطة سلطة لم تتغير التغير المطلوب، (أو هي تمارس التغيير بأسلوبها هي .. أسلوب التأجيل المستمر بدعوى أن الفترة التاريخية دقيقة ولا تسمح)، وفي نفس الوقت الذي سعت فيه السلطات للاحتواء (احتواء الحركة عن طريق السيطرة على بعض قيادتها بكل ما تملك من قوة ومن مكر ومن ذهب أيضاً الذي صار بزات وقمصان وربطات عنق فخمة لدى البعض. وسجائر أمريكية في جيوب البزّات الفخمة !!

وسط محاولات الاحتواء هذه تسربت في الصحافة، وعلى لسان المسئولين نغمة لم تكن صريحة، ولكنها كانت محسوسة، تؤكد أن ما فات (مرة وعـدت) ، وأن الويل والثبور وعظائم الأمور سوف ينتظرون من يحاول أن يعيد الكرة .. وحدث تضخيم أيضاً للشعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، بينما الجيش المصري (الذي ظلمته حرب 1967م أو ظلمته قيادتها) يبدأ في تنفيذ معارك المدفعية التي كانت بداية مباشرة لحرب الاستنزاف العظيمة.

التغيير على طريقة السلطة ومحاولات الاحتواء والتهديدات الخفية (وتَفَتُّق ذهن السيد شعراوي جمعة عن تكوين "الأمن المركزي" المدرب تدريبا جيداً على مواجهة الطلاب بدلاً من بلوكات الأمن التي لم تفلح في مواجهتهم والتي زاد النشر عنها لإرهاب الطلاب بالأداة الجديدة التي أعدها وزير الداخلية وأمين التنظيم السياسي العلني والسري!!)، وبداية حرب الاستنزاف .. كل ذلك أربكنا .. هل نكتفي بهذا القدر من التغيير حتى لا نشوش على المعركة؟، أم نستمر حتى نحصل على كل ما نريده .. ولنعترف الآن .. لنعترف بأننا وقتها ما كنا لنستطيع أن نتخذ قراراً .. ولعلي أذكر تلك المقابلة التي كادت أن تضيع مستقبلي.

مقابلة مع رجل يستحق كل تقدير

الأسماء تفر من ذاكرتي !! لكن ما أذكره جيداً أن حدث وجاءني زميل أعتز به (ممن كانوا رفاق منظمة الشباب في المدرسة الإبراهيمية الثانوية وهو الآن الدكتور عبد الحميد الجزار الطبيب النابه في أمريكا والذي تستعين به دولة الكويت على فترات) . . كنا قد أصبحنا – هو وأنا – طلبة في كلية الطب جامعة القاهرة (حولت من طب المنصورة إلى طب القصر العيني منذ بداية العام الدراسي 68 – 69) ليخبرني أن أحد أعضاء هيئة التدريس يريد أن يقابلني في كافيتريا "هيئة التدريس" في الكلية .. كان الموعد غريباً .. ولما رأى زميلي وصديقي الحيرة في وجهي، قال في طيبة معهودة فيه، وفي لهجة أشعرتني أنه مضطر لسبب ما لإخباري بالموعد :

- ضروري تروح يا هشام في الميعاد.

وذهبت . .

وجدت عضو هيئة التدريس (أظنه كان مدرساً في ذلك الوقت) في انتظاري، وبادرني بإصراره على أن أطلب شيئاً، طلبت "كابتشينو" وجلست متوجساً في انتظار الكابتشينو (كنت أريد أن يأتي ليبدأ الرجل الكلام المهم الذي استدعاني من أجله) ... جاء الكابتشينو .. ثم بدأ الدكتور ـ أستاذي ـ حديثه بالديباجة المعهودة (كنا قد تعونا عليها في منظمة الشباب) قال أن شباباً مثلي (في ظنه) هي شباب الثورة، وشباب جمال عبد الناصر .. وأن الثورة تمر انعطافة تاريخية ( كل انعطافات الثورة كانت تاريخية !! ) وأن على شباب عبد الناصر أن يبادروا بالوقوف وراء عبد الناصر.

قطعت استرساله سائلاً في سذاجة مصطنعة :

- ضد من ؟!.

- ضد أعداء الثورة.

- من هم أعداء الثورة ؟!

- معروفون.

قلت محاولاً بشدة أن أخفي ضيقي الشديد متكلماً في "حيادية" تغيظ.

- أنا لا أعرفهم.

أحسست بالضيق يتسلل إلى وجه عضو هيئة التدريس الذي لا أذكر اسمه .. قلت لكي أنهي المحاورة والمداورة :

- حضرتك تقصد معارضي جمال عبد الناصر ؟!!

الحقيقة كان الرجل شديد الذكاء فبادرني بحدة حاول أن يخفيها :

- لأ .. أقصد أعداء جمال عبد الناصر.

وتنهد في ضيق ليسترسل..

- أقصد الرجعيين .. وأعداء جمال عبد الناصر في النظام.

- والمطلوب ؟!

- أن نقف مع جمال عبد الناصر.

- أين ؟!

- في التنظيم الطليعي.

- ولماذا لا يقف جمال عبد الناصر معنا ؟!!

- مع من !!

- مع أعداء الرجعية، وأعداء أعداء جمال عبد الناصر في النظام ...

- هل تشك في أن جمال عبد الناصر وتنظيمه الطليعي ضد هؤلاء ؟!

- الحكاية ليست أنني أشك أو لا أشك .. ولنكن صرحاء .. عبد الناصر لا يحتاج إلى تنظيم سري ليقف ضد أعداء ثورته من الرجعيين، وبعض البيروقراطيين والانتهازيين في نظامه، عبد الناصر يحتاج إلى أن يدعو علنياً لمحاربة أعداء ثورته بمحاربة أعداء ثورته بنوعيهما .. وساعتها سيكون معظم الشعب المصري معه ضدهم، مشكلة الشعب الآن أنه متأكد من أن عبد الناصر سُلْطة .. تخفي أخطاءها .. لقد تعبنا من حكاية تنقية الثورة هذه من أعدائنا، وتعبنا لأننا في كل مرة كنا فيها نأخذها جداً، أن نفاجأ بأننا نحن هؤلاء الأعداء الذين لا يتحملنا عبد الناصر "السلطة" لأننا نفضح تكوينات إن لم يكن جمال عبد الناصر يؤيد أقوالها فهو يرتاح لها لأنها تدافع عنه عمال على بطال في الظاهر وتمارس فسادها في السر، محتمية برضاء النظام عنها .. إن الانتهازيين ـ يا سيدي ـ الذين يقولون كلاماً يريحه ليفعلوا أفعالاً تريحهم، وهم دائماً الذين ينجحون في ضربنا . بصراحة لن أنضم إلى تنظيم لا يحتاج إلى أن يكون سرياً .. إن سرية هذا التنظيم هي ما تريبني .. كنا في منظمة الشباب علنياً نستطيع أن نحقق ما يريده جمال عبد الناصر الآن .. ومنعنا وضربنا، لأن عبد الناصر لم يأخذ صفنا .. ترك الآخرين يفصلون بينه وبيننا لأنهم في ظنه عناصر مأمونة، يحافظون على الثورة .. وبهذا مكنهم من تصفيتنا أكثر من مرة، ولا أظن إلا أن الآخرين هؤلاء هم نجوم التنظيم السري الآن.

- لقد حدث تغيير شامل.

- لا أظن ... نفس الوجوه موجودة بقوة .. وإذا ما كانوا هم الذين سيحددون من هم أعداء عبد الناصر وثورته، فأنا أضمن لك من الآن أنني عدو جمال عبد الناصر وثورته .. أضمن لك .. بل وأتجاسر وأحذرك من أن المخلصين سيكونون بدرة قادر هم أعداء الثورة لأنهم أعداء الانتهازيين الذين يرتاح جمال عبد الناصر لكلامهم المعلن لستار دخانهم الذين يمارسون من ورائه كل الفظاعات ... إن الرئيس بحسن نية يعادي من يعاديهم! (أقصد يعاني من يعادي الانتهازيين!!!)

- لا تقل هذا الكلام.

- لكنني أقوله . . وأقول بشكل واضح .. لأن هؤلاء هم رجاله ورجال ثورته .. أنا ضد عبد الناصر وضد ثورته.

سكت الرجل .. وبعد لحظة فوجئت يقول لي في حنان أخاذ:

- اعتبر إن إحنا ما تكلمناش مع بعض.

أذكر الآن لهذا الرجل الشريف .. الذي أجهدت ذهني لأذكر اسمه .. إنه حماني من نتيجة انفلاتي العصبي .. وقول ما لا يقال.

كان رجلاً ..... بهذا الانفلات العصبي إذا كنت قد أحسنت تصويره .. خرجت حركة نوفمبر 1968م غاضبة حتى الانفلات، عنيفة حتى درجة الغليان، وضد جمال عبد الناصر.

ولعلنا نتوف هنا مدققين في أمرين أراهما قادرين على أن يشرحا لماذا كان الغضب؟ ولماذا كان الانفلات الجامع في مظاهرات نوفمبر 1968.

أول الأمرين هو بيان 30 مارس (نفسه)

وثاني الأمرين هو تنظيم جمال عبد الناصر الطليعي.

بيان تأجيل الأحلام الجماهيرية إلى أجل غير مسمى

أعلن الرئيس جمال عبد الناصر بيان 3 مارس ليمتص غضب الطلاب، وغضب الحركة الشعبية بفصائلها المختلفة، بزعم أنه سوف ينفذ طلباتهم، ولكي يتخذ الأمر فرصة، بعد أن هزت المظاهرات شرعيته، وشرعية نظامه، لتدعيم شرعيته وشرعية نظامه باستفتاء عام طالب به في نهاية البيان، وتم تنفيذه بالفعل (وجاء بنتائج مبهرة !!!)

ضم البيان كلاماص جميلاً وسُمّاً زعافا.

الكلام الجميل أراح النفوس لوقت قصير .. لكن السم الزعاف عندما سرى في أوصال "الموافقين" بعد ذلك، أحال راحتهم غضباً وهدأتهم انفلاتاً.

لقد وصف جمال عبد الناصر بيانه (في بيانه) بأنه "برنامج للتغيير يستجيب للآمال العريضة التي حركت جماهير شعبنا إلى وقفتها الخالدة يومي 9، 10 يونيو وقال "إن التغيير المطلوب لابد وأن يكون تغييراً في الظروف وفي المناخ ( ) يجب أن يكون فكراً أوضح وتخطيطاً أدق".

كلام جميل !!! فأين السم الناقع فيه ؟

كان السم هو تجاهل عبد الناصر لمظاهرات فبراير (التي جاء البرنامج رداً عليهان لتهدئتها) وحديثه عن وقفة الجماهير الخالدة في 9، 10 يونيو، ولقد كان عبد الناصر يعرف أن الوقفة الخالدة في 9، 10 يونيو (وكان هيكل صائغ البيان أيضاً يعلم) لم تكن دعوة للتغيير، بل كانت دعوة للاستمرار، الاستمرار في طريق الثورة لتفويت الفرصة على الاستعمار العالمي وطليعته في المنطقة (إسرائيل)، في أن يجنوا ثمار انتصارهم العسكري الدوي على نظام عبد الناصر ... عبد الناصر كان يفهم (وهيكل أيضاً) أن وقفة الشعب لم تكن من أجل عبد الناصر شخصياً، ولكن كانت من أجل ثورة نادت بآمال الشعب المصري، وحققت بعض الآمال، كانا يفهمان ذلك بدليل أن البيان نفسه وصف الوقفة الخالدة في 9، 10 يونيو (وهي حقيقة خالدة) بأنها أظهرت تصميماً "يرفض الهزيمة ويثق في النصر" ولم يكن هذا الوصف تواضعاً من جمال عبد الناصر، الذي نادت المظاهرات في 9، 10 يونيو بعودته وبقائه، فالحقيقة أن المظاهرات نادت بعودته رفضاً للهزيمة، ورفضاً لأن يحقق الأمريكيون رغباتهم ضد أماني هذا الشعب .. (ناهيك عن أن حجم المأساة التي قادتنا للهزيمة المرة لم يكن قد اتضح بعد).

والحقيقة أن رجال عبد الناصر (فهموا مغزى الوقفة أو لم يفهموه) كانوا يصورون الأمر دائماً على أن ما حدث في 9، 10 يونيو، كان تمسكاً بعبد الناصر (شخصياً) وتفويضاً له بأن يفعل ما يشاء، ولم يكن الأمر كذلك أبداً، بدليل أ صيحات الجماهير والمثقفين من أجل التغيير، بدأت مباشرة بعد أن حقق الشعب رغبته في الاستمرار، وكانت صيحات التغيير هذه رفضاً للتفويض، وقبولاً لعبد الناصر، ليس كما كان، ولكن قبولاً لعبد الناصر "بشروطهم".

إذن لماذا اختار جمال عبد الناصر تلك الوقفة الخالدة (التي كان يفهم مغزاها جيداً، وكان يفهم مغزاها هيكل أيضاً) ليكون بيان 30 مارس استجابة بها ؟!.

هذا هو الم الزعاف بعينه!.

إنهما (عبد الناصر، وصائغ أفكاره وناصحه محمد حسنين هيكل) أرادا بهذا الاختيار أن يقولا للناس شيئين:

أولهما: ان المقبول هو التفويض الكامل ـ أما "الاعتراض والمطالبة" فهما غير مقبولين على الإطلاق (العسكريون يتعاملون مع مطالب الناس) على أنها "لوي ذراع" غير مقبول، وبالتالي يرون الديمقراطية هي الأخرى لوي ذراع، ويرونها لهذا مرفوضة، لقد أحب البيان أن يقول للناس (دسا للسم الزعاف) 9، 10 يونيو مقبولة، أما التظاهر والضغط على الحاكم فمرفوض ولن يأتي بأية نتائج).

ثانيهما: تصوير أن مطالب الناس، هي ما كان يريد أن يحققه جمال عبد الناصر وما سوف يحققه، فلماذا التظاهر و "شغل العيال" . بدون "شغل العيال" هذا، كان جمال عبد الناصر سيحقق لكم ما تريدون، فناموا واستريحوا وانتظروا.

لقد كان كل ما يريده جمال عبد الناصر هو أن ينتظر الناس، وأن ينتظروا هادئين .... (سواء استطاع عبد الناصر تنفيذ ما يريدونه، او خذلته الظروف التاريخية الصعبة والمنعطفات الحرجة و .. و .. سلسلة الحجج الجاهزة .. وبعضها كان حقيقياً فلم يستطع أن ينفذ شيئاً إلا ما تقبله "دماغه").

لهذا حرص البيان على أن يقول "وإني لأرجو أن يكون اتفاقنا كاملاً (خل بالك من "كاملاً" هذه) على أنه ليس هناك الآن، ولا ينبغي أن يكون (خل بالك من "لا ينبغي" هذه) صوت أعلى من صوت المعركة ولا نداء أقدس من ندائها".

كان المعنى المراد من هذه الكلمات "انتظروا .. انتظروا .. لا تطالبوا بالتغيير لأن أمامنا معركة .."، بل كان معناه أن "من يطالب بالتغيير خائن لأنه يعطل المعركة، ولأن صوته يعلو على صوتها !!!!".

لقد كنا نطالب ـ والحركة الشعبية الأم ـ بالتغيير، لبناء دولة عصرية قادرة على الانتصار في كل معاركها، سواء معاركها، أو معركتها الكبرى في التنمية لصالح الشعب وقدراته الفعالة، وكنا نرى أن "دولتنا" بدون التغيير المطلوب، بل التغيير الذي كان قضية حياة أو موت ... لن تقوم لها قائمة (القائمة التي نريدها، وليست القائمة التي يجيد العسكريون توصيلنا إليها بأخطائهم الفادحة).

كنا نريد ذلك .. وجاء بيان 30 مارس ليقول لنا انتظروا، سوف يحقق جمال عبد الناصر لكم ما تريدون عندما يستطيع !! {نفس اللعبة التي مارسها معنا السادات فيما بعد، لكنه كان يقصد "انتظروا حتى النهاية"، نهاية أحلامنا بالطبع في التحرر الوطني الذي هو العزة القومية التي ترفض التبعية، نهاية حلمنا في العدل الاجتماعي، في الديمقراطية الحقيقية (التي هي بالطبع شيء آخر غير ديمقراطية "ابقى هبهب في الجرايد" على رأي بيرم التونسي رحمه الله) وفي تكوين كيان عربي موحد يستطيع الوقوف في وجه التكتلات الكبرى في عالمنا ... وهذه هي خطورة اللعبة .. فنتائج الانتظار والتفويض تعتمد على الشخص الحاكم ومراميه الخفية، لهذا كنا نرفضها مع عبد الناصر الذي نثق في وطنيه ونزاهته، ونرفضها مع غيره ممن لا نثق فيهم، فما الذي يضمن لنا"، لقد خذل عبد الناصر الوطني الشريف آمالنا وجاءنا بالنكسة .. وخذل "السادات" ومدرسته، آمالنا .. وجاءنا بالنكسة الكبرى}.

مادام الأمر كذلك ... فلماذا التأخير ...

ولكي يبرر جمال عبد الناصر أن بيان 3 مارس (للأسباب التي وضحتها) كان استجابة لوقفة الشعب في 9، 10 يونيو (ولم يكن استجابة لأي شيء آخر!) كان عليه أن يبرر تأخر البيان عشرة شهور كاملة بعد الوقفة الخالدة ولم يكن الأمر ليستعصي عليه ــ (المشكلة أن الأمر لا يستعصي على العسكريين أبداً، ولا على نصاحيهم .. ولا على "المطبلين" بهم ـ وهم غير الناصحين بالفعل).

برر عبد الناصر تأجيل البيان (كما أحب أن يظهر لنا الأمر) بأن كان عليه أن ينجز إنجازات تاريخية قبله .. حتى نستطيع أن نتطلع إلى المستقبل (بالبيان !!)

أولها: إعادة بناء القوات المسلحة.

ثانيها: تحقيق الصمود الاقتصادي.

ثالثها: تصفية مراكز القوى (بالطبع كان قد أزاح بعضها، ليستشري فينا البعض الآخر).

رابعها: فضح انحرافات وأخطاء المرحلة السابقة عن طريق المحاكمات العلنية (هكذا قال في بيانه!).

خامسها: القيام بجهد سياسي على جهات عربية وجبهات دولية.

كانت النقاط الخمس هي تبرير جمال عبد الناصر لتأخر البيان بعد وقفة تسعة وعشرة يونيو، كانت التبرير الذي أجهد عبد الناصر نفسه، ليقوله، حتى لا يعترف بأن المظاهرات استطاعت أن تلوي ذراعه.

ولكن عبد الناصر، كان يعلم أننا كنا نطالب بالديمقراطية .. (التي كان فهمنا لها قاصراً، ليس بسبب أعمارنا الصغيرة وحدها، ولكن أيضاً ببب التجهيل المستمر بماهيتها، لقد كنا نفهمها فط على أنها حرية الرأي والفكر وحرية الإعلان عنها ـ وهما يشملان حرية الصحافة ـ ووصول ممثلين حقيقيين لنا ولآمالنا إلى مجلس الأمة .. وحرية العمل الثقافي، هذا كل ما كنا نفهمه عن الديمقراطية، كان فهمنا قاصراً، يتجاهل أو يجهل أسس الديمقراطية الراسخة في المجتمعات .. لهذا كنا نطالب الحاكم بالديمقراطية، ولا نطالب بترسيخ أسسها في مجتمعنا!!) وكان يعلم أيضاً أننا لن نسكت حتى تتحقق (ولو على أساس فهمنا القاصر) لهذا قرر جمال عبد الناصر أن يتكلم عن الديمقراطية التي نريدها، ولكن بالشكل الذي يريده هو !!!

نعم للديمقراطية ... المؤجلة!!.

قال البيان "إن المسئولية التاريخية (كل مسئوليات الثورة تاريخية !!) للأيام العصيبة (وكل أيامها عصيبة!!)، والمجيدة (وكل أيامها مجيدة، حتى تلك التي تلت نكسة يونيو 1967 !!!!) التي كنا نعيش فيها، ونعيش لها، تطرح علينا برنامج عمل له جانبان.

الجانب الأول: حشد كل قوانا العسكرية والاقتصادية والفكرية، على خطوطنا مع العدو لتحرير الأرض وتحقيق النصر.

الجانب الثاني: تعبئة كل جماهيرنا (..) من أجل واجبات التحرير .. والنصر ومن أجل آمال ما بعد النصر (خل بالك من أن "الآمال" بعد النصر .. إنها إشارة واضحة لفلسفة "انتظروا").

هذا هو البرنامج، وهذان هما جانباه. فأين الديمقراطية ؟!!

قال البيان "إنه من الضروري والحيوي حشد كل القوي الشعبية وبوسيلة الديمقراطية وعلى أساسها وراء أهداف نضالنا القريبة والبعيدة.."

الديمقراطية التي أرادها جمال عبد الناصر إذن كانت وسيلة حشد ولم تكن وسيلة تصحيح مسار (يريدها حشداً وراء مساره هو).

وقال البيان "إن صيغة الاتحاد الاشتراكي بالانتخاب أكثر الصيغ ملائمة لحشد القوى الشعبية بوسيلة الديمقراطية .. بعد تجديد الاتحاد الاشتراكي بالانتخاب بدلاً من التعيين.

أي أن الأمر سيبقى على ما كان عليه .. الديمقراطية وسيلة حشد، والاتحاد الاشتراكي، وسيلة وسيلة الحشد!!! هكذا ابتلع البيان الديمقراطية التي تكلم عنها .. البيان .. كثيراً جداً !!!!

وبالطبع كان ولابد وأن يجيء الدور على بقية مطالب الطلبة (مطالب الحركة الشعبية الأم، التي أعلنها الطلاب إعلاناً صاخباً مدوياً).

تصورات جمال عبد الناصر ... لا مطالبنا !!!

قال البيان "لكي يكون هناك ضوء كاف على طريقنا فإنني أريد من الآن أن اضع أمامكم تصوري لبعض المهام الرئيسية في المرحلة القادمة من نضالنا ......".

إنها ليست مطالب الشعب .. إنها تصورات الرئيس جمال عبد الناصر .. (حتى لا يعترف بأن من الممكن الضغط عليه...) أما تصوراته (!!!) فهي:

1- تأكيد وتثبيت دور قوى الشعب العاملة وتحالفها وقيادتها في تحقيق سيطرتها بالديمقراطية (إياها) على العمل الوطني في كافة مجالاته ..

2- تدعيم عملية بناء الدولة الحديثة في مصر (التي تقوم على الديمقراطية "إياها" وعلى العلم والتكنولوجيا).

3- إعطاء التنمية الشاملة دفعة أكبر في الصناعة والزراعة (...) مع الضغط على أهمية إدارة المشروعات إدارة اقتصادية وعلمية.

4- العمل على تدعيم القيم الروحية والخلقية والاهتمام بالشباب إتاحة الفرصة أمامه للتجربة. 5- إطلاق القوى الخلاقة للحركة النقابية (...).

6- تعميق التلاحم بين جماهير الشعب والقوات المسلحة.

7- توجيه جهد مركز نحو عمليات البحث عن البترول لما أكدته الشواهد العملية من احتمالات بترولية واسعة في مصر(..).

8- توفير الحافز الفردي تكريماً لقيمة العمل.

9- وضع الرجل المناسب في المكان المناسب.

10- ضمان حماية الثورة في ظل سيادة القانون.

ولابد أن أقول للقارئ، إن التصورات (!!!) (1) ، (2) ، (3) ، (4) ، (5) ، (8) ، (9) كانت بعض مطالبنا ...

أما التصورات (!!!) (6) ، (10) فقد كانت بعض مطالب جمال عبد الناصر.

يبقى التصور (!!) رقم (7) وهو الخاص بالبترول .. فهل وضع هنا "حلاوة" لمن سينتظر هادئاً فتنفرج الأمور من حوله، ويطلع لها حل من تحت الأرض ؟!!!

ولعل القارئ قد لاحظ، مثلما لاحظنا أن التصور (!!) رقم (4) يضم عنصرين، وكان الأولى (والأمر لم يكن ليفوت فصاحة الأستاذ هيكل) أن يصبح تصورين هما العمل على تدعيم القيم الروحية والخلقية ... والاهتمام بالشباب، فهل لنا أن نتساءل لماذا دمجا في تصور واحد ؟!!! هل كان المقصود أن الاهتمام بالشباب لن يكون إلا إذا تمسكوا بالقيم الخلقية ولم يتظاهروا ضد عبد الناصر ؟

المستعجل ينتظر الدستور الدائم !!

كانت هذه بعض مطالبنا كما قلنا .. فأين بقية المطالب ؟

الإجابة تأتينا من البيان .. بقية المطالب مؤجلة (انتظروا) حتى يتم إعداد دستور دائم بدلاً من الدستور المؤقت الصادر في 1964 .. وكانت أهم هذه المطالب المؤجلة (وخل بالك كويس):

  • أن تتوفر كل الضمانات للحرية الشخصية والأمن بالنسبة لجميع المواطنين وفي كل الظروف (مؤجلة!)
  • أن تتوفر كل الضمانات لحرية التفكير والتعبير والنشر والرأي والبحث العلمي والصحافة (لاحظ تأخر الصحافة إلى آخر الصف، ولاحظ أن كل الضمانات بما فيها ضمان حرية الصحافة مؤجل!)
  • أن ينص في الدستور على حصانة القضاء وأن يكفل حق التقاضي ولا ينص في أي إجراء للسلطة على عدم جواز الطعن فيه أمام القضاء، ذلك أن القضاء هو الميزان الذي يحقق العدل ويعطي لكل ذي حق حقه ويرد أي اعتداء على الحقوق أو الحريات (مؤجلة !!)
  • أن ينص الدستور على حد زمني معين لتولي الوظائف السياسي والتنفيذية الكبرى وذلك ضماناً للتجديد وللتجدد باستمرار (طبعاً مؤجلة .. ونُص !)

كل هذا من مطابلنا غداً مؤجلنا إلى حين إعلان الدستور الدائم (دساتير الثورة كانت مؤقتة !!)، وغداً الدستور الدائم نفسه مؤجلاً فيما بعد.

بمرور الوقت رأت الحركة الشعبية أن القليل الذي نص عليه بيان 30 مارس كان كلاماً جميلاً (لكنه وضع على الرف)، وبدأوا يشعرون فيه بآثار السم الزعاف .. سم الديكتاتورية التي ترى الخضوع لمطالب الشعب ضعفاً، والتي حين تضعف، تناور وتسوِّف وتؤجل .. وتفتح علينا أبواق دعايتها التي تصم آذاننا ليلاً ونهاراً بأن ليس في الإمكان أحسن مما كان .. فانتظروا هادئين.


بمرور الوقت أيضاً رأت الحركة الشعبية، أن الدستور الدائم (الذي يضم بقية أمانيها في تلك الفترة) سيبقى مؤجلاً إلى أجل لن يحين، فهو فيما يبدو كان يمتلك صوتاً أعلى من صوت المعركة!!!.

أكثر من ذلك ارتدت السلطة الناصرية قفازاً من قطيفة ناعمة، وراحت تكيل الضربات الموجعة، والمرعبة للمعارضين بحجة أن المعارضين بمعارضتهم العلنية يفسحون المجال للثورة المضادة وأعداء الثورة من الرجعيين لضرب الثورة وإنجازاتها الشعبية ..

كان الواضح (للأسباب السابقة) أن سلطة جمال عبد الناصر، كانت قد قررت ألا تستسلم للضغط الشعبي (لوي الذراع) وأنها ستظل سادرة فيما هي فيه والذي جلب علينا نكسة لا تحتمل ولكن تحت شعارات جديدة، براقة كسابقاتها !! ...

لقد بدأ البيان بسحب المبادرة من الجماهير.

وانتهى بتأجيل الأحلام.

تنظيم جمال عبد الناصر "الـطـلـيـــعي"

التنظيم الطليعي كما عرف الناس اسمه .. أو تنظيم "طليعة الاشتراكيين" كما سماه جمال عبد الناصر، كان هو المحاولة الرابعة لجمال عبد الناصر لكي يجعل للثورة تنظيماً، كانت هيئة التحرير التنظيم الأول، وتلاها الاتحاد القومي، أما الثالث فكان الاتحاد الاشتراكي العربي .. ثم كان التنظيم الطليعي آخر المحاولات كان رابعهم ...

وبرغم أن عبد الناصر أجهد نفسه، وأجهد فلاسفته، كثيراً، لكي يؤكد في أكثر من مناسبة أن كل تنظيم من هؤلاء كان يخدم مرحلة ثورية معينة، من مراحل الثورة العديدة. أي أن واحداً من الثلاثة الأول، لم يكن يشه الآخر، لا في عناصر تكوينه ولا في أهدافه، برغم ذلك أراد عبد الناصر تنظيمه الرابع "طليعة الاشتراكيين" أن يكون تنظيماً مختلفاً عن التنظيمات السابقة جميعاً .. إذ كان قد وعى الدرس .. (أو هو ظن ذلك) في صعوبة .. بل استحالة .. تكوين تنظيم ثوري من موقع السلطة.

قرر جمال عبد الناصر أن يقيم تنظيمه الرابع بشكل سري، أي أن يكون تنظيمه الطليعي سرياً، وكان لتلك السرية غرض في نفس جمال عبد الناصر.

في الاجتماع التمهيدي الأول الذي عقده جمال عبد الناصر، لإنشاء تنظيمه .. وحضره السادة: علي صبري، محمد حسنين هيكل، أحمد فؤاد، عباس رضوان، وسامي شرف. قال جمال عبد الناصر إنه يحب أن يضع أمام المجتمعين عدة نقاط .. أولها تقديره الكامل لصعوبة تكوين حزب من قمة السلطة أو بواسطتها.

(كان عبد الناصر يظن أنه وعى الدرس ولم يكن الدرس شيئاً سوى) لما يترتب على ذلك من مصاعب، ومشاكل من بينها، محاولات تسلل العناصر الانتهازية إلى تنظيمات السلطة.

ثانية النقاط : الإصرار على السرية، سواء في الاتصال بالكوادر أو في الاجتماعات (التنظيمية) أو في تداول المناقشات (بين الأفراد في غير الاجتماعات التنظيمية) والتي تتم بين الأعضاء.

ثالثة النقاط : العمل بقدر الإمكان (خل بالك من قدر الإمكان هذه) على مراعاة الطبيعة البشرية، ونوعية العناصر التي تساهم في هذا العمل (هؤلاء الذين سوف يتم اختيارهم وتجنيدهم سراً للعمل التنظيمي، فطبيعي أن لا يتقدم الأعضا بطلب التخاق أو ضم لحزب سري)، على أن تنطبق على الشخص المرشح الشروط والمواصفات، وألا تتم مفاتحة العضو في أمر اختياره وتجنيده إلا بعد أن يوضع فترة كافية تحت الاختبار تكفي لأن تدرس القيادة السياسية موقفه بالدقة اللازمة.

رابعة النقاط : كانت الشروط الواجب توافرها في العضو، مع الوضع في الاعتبار العوامل الإنسانية والعوامل البشرية (محيرة تلك العوامل البشرية والإنسانية التي يرد ذكرها كثيراً في الاختيار، ألم أقل لك من قبل خلّ بالك!) ومنها أن المرشح لابد أن يكون مؤمناً بثورة 23 يوليو وقوانينها (مع أن القوانين قابلة للتغيير !!) عن قناعة، مؤمناً بالنظام الاشتراكي، وقادراً على الالتزام بالسرية، وأن يكون عنصراً حركياً يستطيع أن يناقش ويقنع الجماهير (خل بالك بقوة يقنع الجماهير هذه)، يقبل النقد، ويمارس النقد الذاتي. (هل هذه عوامل إنسانية وبشرية ؟).

خامسة النقاط : أن تتوافر فيه الطهارة الثورية (الم يكن من الواجب ضم تلك النقطة على ما قبلها، أليست هذه وما سيتلوها شروطاً من الواجب توافرها في العضو المختار ؟) مع الوضع في الاعتبار العنصر البشري (مرة ثالثة !!!)، كما أن يكون المرشح عنصراً مفيداً في حركة التنظيم، بمعنى أن يكون جماهيرياً، خاصة في المرحلة الأولى (!!!) فترشح العناصر التي لها القدرة على التحرك وسط الجماهير بشكل مقبول ومقنع (..) القادرين الذين يُعتمد عليهم في العوة والفكر وفي كل المهام السياسية (خل بالك أيضاً وبقوة من الدعوة والفكر تلك).

هذا ما قاله جمال عبد الناصر في الاجتماع التمهيدي الأول لإنشاء حزبه الرابع، حزب طليعة الاشتراكيين ـ ولعل القارئ قد لاحظ أنني مؤخراً قد استبدلت صفة حزب بصفة تنظيم ... فالحقيقة .. التي سنوردها بعد قليل .. أن عبد الناصر أراد تنظيمه الطليعي هذا حزباً، أيضاً لغرض في نفس جمال عبد الناصر، لكن ما يعنينا الآن أن نركز على :

• إصرار عبد الناصر على سرية تنظيمه الذي سيتحول إلى حزب.

• ورود لفظ "بقدر الإمكان" بعد أي جملة تتضمن العوامل البشرية.

وفي الاجتماع التمهيدي الثاني لإنشاء التنظيم الطليعي .. قال جمال عبد الناصر "لابد من التعرف على الوسائل الإيجابية التي تمكن من التوصل إلى العمل السياسي بحثي يكون التنظيم موصلاً جيداً بين القيادة والقاعدة (بعد ثلاث محاولات لإقامة تنظيمات للثورة .. يرى جمال عبد الناصر ضرورة التعرف على الوسائل الإيجابية التي تمكن من التوصل للعمل السياسي !! ، أيضاً خل بالك من الترتيب في جملة "موصلاً جيداً بين القيادة والقاعدة ..) وأن يكون مستعداً للكفاح والنضال من أجل تحقيق الأخداف التي أعلنتها ثورة 23 يوليو 1952.

وقال أيضـاً :

"نريد أن نغير الوضع، ونبتعد عن العمل بالكلام فقط (يقصد أن القول كان بديلاً للفعل) الناس شبعوا "كلام"، ونريد مزيداً من العمل، الناس يريدون معرفة (خل بالك من معرفة هذه) ماذا تم بالنسبة لأهدافنا بتحقيق المجتمع الاشتراكي (عبد الناصر في كل عيد ثورة كان يكلمنا عن إنجازات الثورة منذ قامت عام 1952 إلى تاريخ العيد الذي يتكلم فيه .. وما زال وهو ينشئ التنظيم الطليعي حزب جمال عبد الناصر المستقبلي متصوراً أن الناس تحتاج أن تعرف ما تم !!) وهي أهداف واسعة، والعملية ليست مرسومة في تقارير، فليس هناك معين للعملية (هو هنا يقصد الخطة العملية لتنظيمه) (..) أتصور أن أمامنا عمليتين أساسيتين هما :

1- عملية التفسير (خل بالك !!) وتنشيط العمل السياسي القائم.

2- عملية التنظيم السياسي الداخلي.

ولكي نفهم جيداً ما قاله جمال عبد الناصر في الاجتماعين التمهيديين ـ الأول والثاني ـ دعونا نفهم فكرة التنظيم أولاً.

اصطياد عصفورين ... بتنظيم واحد

لقد استفاد جمال عبد الناصر من أن فكرة وجود تنظيم داخل الاتحاد الاشتراكي كانت قد وردت في الميثاق الوطني، إذ ذكر الميثاق أنه "لابد أن يكون في الاتحاد الاشتراكي جهاز يكون بمثابة القلب من الجسم أي أنه هو الذي يحرك الاتحاد الاشتراكي، التنظيم الكبير الواسع، استفاد عبد الناصر مما جاء في الميثاق ليضرب عصفورين بتنظيم واحد!.

الأول : أن يحرك الاتحاد الاشتراكي (وخل بالك من تحريك هذه) بجهازه الذي أسماه "طليعة الاشتراكيين"، مخططاً لأن يعمل تنظيمه الجديد السري في كل مستويات الاتحاد الاشتراكي من القمة إلى القاعدة، لينشِّط العمل بأساليب جديدة ويعطي دفعة قوية لعملية التفسير (!!) وفي ذلك قال "أنت تعمل خلال جماهير الاتحاد الاشتراكي والقاعدة قاعدة الاتحاد الاشتراكي/ ومن خلالها تحدث مناقشات ولقاءات، والتعرف على مشاكل الجماهير والعمل على حلها"، ذلك لأن "التنظيم هو الذي يجعل القيادة متصلة بمشاكل الناس، ويعمل على حل مشاكل الناس، والمشاكل لن تنتهي، وهي ليست موجودة في مجتمعنا فقط، فهي موجودة في كل المجتمعات، ولا شك أن التنظيم (الطليعي) هو الذي يجعلنا نتحرك نحو حلها، وأن نرد بصراحة ووضوح وإقناع، حتى تتم التوعية السليمة في المشاكل التي لا يمكن حلها" (خل بالك من كلمتي "يرد" و "التوعية").

الثاني : (ثاني العصفورين اللذين أراد عبد الناصر ضربهما بتنظيم واحد) أن يجعل من هذا الجهاز (التنظيم) حزبه (حزب جمال عبد الناصر) عدنما يعلن تعدد الأحزاب، في قول بعد تحرير الأرض العربية (عبد الناصر لم يكن يعني أيداً بتحرير الأرض الأرض المصرية، كان يعني دوماً ـ وهذه حقيقة نذكرها للرجل ـ بتحرير الأرض، تحرير الأرض العربية كلها التي اغتصبها العدوان الصهيوني عام 1967) وفي قول ثان، بعد إزالة آثار العدوان (أي بعد أن يحرر الأرض العربية ويزيل آثار العدوان!) وفي قول ثالث، أنه كان سيعلن تعدد الأحزاب بدلاً من حزبه الأوحد الحاكم، بعد إعادة البناء .. (أي بعد أن يحرر الأرض، وبعد أن يزيل من الأرض المحررة آثار العدوان، وبعد أن يعيد بناء الذي دمرته الحرب والذي توقف أيضاً بسببها!).

يقول سامي شرف "في أيامه الأخيرة ـ على نحو ما تثبت المحاضر ـ قرر عبد الناصر أن يكون هناك أكثر من حزب سياسي بعد تحرير الأرض (هذا هو القول الأول) ومن المفارقات أن الذي اعترض على ذلك، هو أنور السادات، الذي لم يكن عضواً في تنظيم طليعة الاشتراكيين" ص 183.

ويقول أيضاً "لم يكن غائباً عن فكر جمال عبد الناصر تعميق الديمقراطية بشكل عام، وقد تطور في تفكيره عام 1970 (في أيامه الأخيرة بالفعل، فقد توفي في نفس العام) إلى تقرير أنه لابد من وجود أكثر من حزب (...) وكان قد استقر منذ فترة على أن يكون تنظيم طليعة الاشتراكيين حزباً ص 192.

ويقول سامي شرف أيضاً "عبد الناصر كان قد قرر أن تأخذ مصر بنظام التعدد الحزبي من عام 1975، حيث نكون قد أزلنا العدوان من الأرض العربية تماماً وأزلنا آثار العدوان ص 205" (القول الثاني) وبعد "إعادة البناء ص 227" (القول الثالث).

هذان إذن العصفوران اللذان أراد عبد الناصر ضربهما بتنظيمه. وإن كان من الواضح إذا ما دققنا في جملة سامي شرف "وكان قد استقر ـ جمال عبد الناصر ـ منذ فترة على أن يكون تنظيم طليعة الاشتراكيين حزباً" أن العصفور الأول (تفعيل الاتحاد الاشتراكي وتنشيط عملية التفسير، أو شرح ما هو كائن للجماهير) كان هو العصفور الأهم لدى جمال عبد الناصر ... من الواضح أن عبد الناصر أراد العصفور الأول، ثم بعد ذلك استقر على أن يضرب العصفور الثاني بتنظيمه الطليعي ... على أن يضرب العصفور الثاني بعد تحرير الأرض العربية، وإزالة آثار العدوان عن الأرض المحررة، وإعادة البناء (يعني حلّني!!).

المهم الآن ـ بعد كل ما ذكرنا ـ أن نستطيع رسم صورة للديمقراطية كما كان يفهم جمال عبد الناصر معناها، وليس كما يجب أن تكون، والتي في سياقها عمد جمال عبد الناصر ـ بعد النكسة ـ إلى إقامة تنظيمه الطليعي (وهي صورة نستكمل بها الصورة التي استخرجناها عن بيان 30 مارس).

صورة...والفرشاة كلمات جمال عبد الناصر

إن الملامح التي تستطيع أن ترسم لنا الصورة فيما سبق من كلمات ـ لابد أن تكون:

أ‌- إصرار عبد الناصر على سرية تنظيمه.

ب‌- كلمات وجمل مثل "الدعوة والفكر"، "يناقش ـ التنظيم ـ ويقنع الجماهير"، أن يكون التنظيم "موصلاً جيداً بين القيادة والجماهير"، "الناس يريدون معرفة ما تم.."، "ترشيح العناصر التي لها قدرة على التحرك، وسط الجماهير"، "عملية التفسير"، "تحريك الاتحاد الاشتراكي"، "من القمة إلى القاعدة"، "حتى تتم التوعية السليمة".

جـ - جملة "قدر الإمكان" التي ترد بعد كل ذكر للعوامل البشرية والطبائع البشرية (بشكل محير!!).

هذه هي الملامح ... ولعل القارئ قد لاحظ أن كلها ملامح قديمة قدم الثورة كلها، لم يضف عبد الناصر جديداً إليها ـ في نهاية حياته "وقد تطور تفكيره!" ـ غير "السرية". (إذا كانت تنظيمات الثورة ـ بعد قيامها ـ تنظيمات علنية، تسعى إلى حشد الجماهير ـ الشعب ـ المواطنين، حول مبادئ الثورة...

ولكن فلننته من السرية أولاً (تلك الجديد المضاف) حتى نخلص إلى رسم ملامح الديمقراطية (الناصرية) (بعد أن تطور فكر جمال عبد الناصر في أيامه الأخيرة).

لماذا "السرية" ولماذا توقيتاتها الدقيقية

لقد أصبحت السرية مطلباً أساسياً مُلحاً لعبد الناصر في آخر تنظيمات الثورة، خصوصاً بعد نكسة يونيو 1967. بل وبالتأكيد بعد مظاهرات الطلبة في فبراير 1968، ولا أظن ـ كما يشاع ـ أن عبد الناصر قد قصد بالسرية تأمين النقاء الثوري لعناصر تنظيمه، حقيقة أن السرية كانت يتمنع أعضاء التنظيم من إعلان أنهم "واصلون"، بما يفوق محاولاتهم للانتفاع بـ "وصولهم" هذا، فلا يبقى لهم إلا الجدية الثورية والنقاء الثوري، لكن التوقيت الذي ألح على عبد الناصر باحتياجه المُلح إلى السرية هذه ـ بعد النكسة ـ يظهر أن جمال عبد الناصر ـ في المقام الأول ـ كان يشعر خوفاً من الثورة المضادة، ومن الثورة عليه (عبد الناصر كان يسمي الثورة عليه في أي اتجاه تقدمي أو رجعي ثورة مضادة!)، لقد أحس جمال عبد الناصر بعد النكسة بأن شرعيته قد اهتزت { قلنا من قبل أن عبد الناصر فهم وقفة 9، 10 يونيو على حقيقتها، فمهها وقفة ضد أن يفرض أعداء الشعوب "الإمبرياليين" ـ بقيادة ورعاية الولايات المتحدة الأمريكية ـ ما يريدون على هذا الشعب، لقد كانت دعوة للاستمرار، وللحفاظ على المكتسبات، ولم تكن تأييداً شخصياً له، فقد كان عبد الناصر أكثر ذكاء من أن يتصورها تأييداً شخصياً، في الوقت الذي يصل إليه فيه انعكاسات الثورة على مؤيديه أنفسهم، ومطالبة الجميع بالتغيير في نفس الوقت الذي يعلنون فيه تمسكهم به كرمز في مواجهة أعداء الشعب ـ أعدائه ـ، لقد فهم جمال عبد الناصر أن الذين كانوا يفوضونه ـ قبلاً ـ أصبحوا الآن يتمسكون به ولكن "بشروطهم"، أيضاً فإن عبد الناصر كان يعلم أن وقفة 9، 10 يونيو، تمت والجماهير لم تكن قد استوعبت بعد حجم النكسة، ولم تكن تدري شيئاً من أسبابها على وجه اليقين ... ولقد رأى عبد الناصر بأذنيه كيف كان انعكاس محكمات عبد الحكيم عامر ومجموعته (حوكم المشير بعد وفاته علناً) ومحاكمات صلاح نصر وإدارته، ومحاكمات الطيران على الجماهير، التي بدأت تستوعب فساد النظام الذي أدى إلى النكسة، وتفشى الجهل الذي تفاقم بحجمها. وكان عبد الناصر يدري أن المسألة مسالة وقت، وقد صرح هو نفسه في مجلس الوزراء أن الناس لن تحتمل أكثر من ثمانية شهور، وكأنه كان يقرأ في الغيب ميعاد مظاهرات الطلبة في فبراير 1968}.

تأكد عبد الناصر بعد النكسة مباشرة، أن شرعيته وشرعية نظامه قد اهتزت، وقد أوضح هذا الأمر الأستاذ محمد حسنين هيكل أحسن إيضاح، عندما أورد على لسان "ديجول" تلك المقولة العظيمة "إن النظام الذي لا يستطيع أن يحافظ على الأرض، يفقد شرعيته"، كان عبد الناصر وهيكل يعيان الأمر بكل أبعاده، ويعرفان أن المسألة مسألة وقت وأظن أن هذا ـ وليس كل الظن إثم ـ مبعث إلحاح السرية على جمال عبد الناصر في شأن توسيع تنظيمه الجديد ـ أراد عبد الناصر أن يتواجد في كل مستويات الاتحاد الاشتراكي وبين الجماهير لمن لا تعرف الجماهير انتمائهم المباشر له، وبهذا يستطيع أن يتابع أعداء ثورته ـ أعدائه ـ وأعداء نظامه في كل الاتجاهات الفكرية عن كثب دون أن يعرفوا هم أنه أقرب إليهم بأذنه أكثر مما يتصورون (راجع فيما قاله جمال عبد الناصر رغبته فيمن يؤمنون بالثورة وقوانينها، المستعدين للدفاع عنها، وإقناع الجماهير، وتعريفها بما تم .. و.. و... و....

أراد عبد الناصر تنظيماً يدافع عن نظامه، ضد أعداء نظامه (لا أقول ثورته، فالرجعية والإخوان المسلمون، الذين طالما استعملهم عبد الناصر بعد النكسة، كخيال مآتة وفزاعة، تهش العصافير عن قمحه السلطوي .. لم تكن لهم تلك القوة .. إذ كان عبد الناصر ومنظروه يعلمون جيداً أن الشعب الذي خرج في 9، 10 يونيو خرج ضد الرجعية وضد أنصار الخضوع للغرب أياً كانت مواقعهم الفكرية).

لم يكن الأمر إذن أمراً للديمقراطية ..كان الأمر أمر حماية للنظام، وتسكين ثورة الناس، حتى يستطيع النظام ـ في رأي عبد الناصر ـ إصلاح الأخطاء .. (التجنيد للتنظيم الطليعي، كان يتم على أساس رغبة العضو المرتقب في الدفاع عن ثورة 23 يوليو ونظام جمال عبد الناصر).

لم يكن الأمر أمر ديمقراطية، ولو كان عبد الناصر ـ كما يدعي أنصاره ممن لا يرون أخطاءه، أو ممن لا يرون أخطاءه بحجمها الحقيقي، وانعكاساتها المدمرة على حركة الجماهير الثورية، لو كان عبد الناصر يريد ديمقراطية حقيقيةوثوريين شرفاء أنقياء، لما لجأ إلى السرية، فليس أكثر مدعاة لفرح الجماهير ـ أنصاء الثورة ـ من أن يروا ويعرفوا ـ علناً ـ رجالاً جدداً لجمال عبد الناصر يتسمون بالديمقراطية الحقيقية وبالنقاء الثوري، وطهارة. ودليلي الواضح على هذه الأمور، أن بعض الديمقراطيين في تنظيم عبد الناصر الطليعي، الشرفاء عن حق، عندما أخذوا الأمور جداً، دفع بعضهم الثمن غالياً، بل ودخل بعضهم السجون والمعتقلات كأعداء للثورة (لم يكونوا أعداءً للثورة بالطبع، لكن جمال عبد الناصر كان يرى منتقدي نظامه أعداء للثورة).

كان الأمر أمر حماية النظام ... وليس سراً أن التجنيد للتنظيم الطليعي كان يرى تصاعداً جديداً ومكثفاً، بعد أي مظاهرات تنتقد النظام (حتى وإن كان بعضها لم ينتقد جمال عبد الناصر شخصياً، ودليلي الآخر استخدام جمال عبد الناصر أعضاء التنظيم الطليعي لتهدئة مظاهرات المنصورة والإسكندرية في نوفمبر، أو هكذا أراد منهم، وإن كان ـ كعادته ـ في عدم الثقة حتى في رجاله، أرسل معهم إلى المنصورة نائبه أنور السادات الذي لم يكن عضواً بالتنظيم الطليعلي (كما يؤكد سامي شرف)، لإحداث التوازن بمجموعتين متنافرتين تكون الواحدة ـ دون قصد ـ فيهما عين على الأخرى.

الأمر أكثر سهولة ... فلماذا كل هذا التعب ؟

ولكن لماذا نجهد أنفسنا إلى هذا الحد لنثبت أن التنظيم الطليعي لم يكن بغرض الانتقال إلى ديمقراطية حقيقية أو إصلاح عيوب النظام. لماذا نجهد أنفسنا، برغم إننا مقتنعون أن الديمقراطية كما كان يفهمها جمال عبد الناصر، لا تشبه الديمقراطية إلا في خياله هو ... لقد جاء الوقت لنرى في الملمحين الآخرين دقائق الصورة .. وأقصد بهما (ارجع قليلاً) الكلمات والجمل المعبرة عن فكر جمال عبد الناصر، الخاصة بالشروط الواجب توافرا في أعضاء التنظيم وإضافة جملة "قدر الإمكان"، إلى أي كلام عن الطبائع البشرية.

إن الكلمات والجمل التي أوردناها من قبل تظهر جميعاً بقاء جمال عبد الناصر (بعد تطوره) على مفهومه القديم للأمر .. هذا المفهوم الذي يؤكد أن جمال عبد الناصر هو الأدرى بمصالح الجماهير وأن ما هو مطلوب من رجاله إقناع الناس بذلك. وأن عبد الناصر سيفعل كل شيء بالنيابة عن الجماهير، وليس على أعضاء تنظيمه الرابع إلا أن يكونوا موصلين جيدين بين القيادة والجماهير (لاحظ التوصيل المطلوب .. من فوق إلى تحت .. لكن من تحت إلى فوق يقابله دوماً الإقناع والدعوة والفكر)، وأن ليس في الإمكان أفضل مما كان وأن "نر بصراحة ووضوح وإقناع حتى تتم التوعية السليمة في المشاكل التي لا يمكن حلها"، هذه كانت ـ حتى وفاة جمال عبد الناصر ـ رؤيته للديمقراطية. وهي تعني التفويض بنسبة 100%، والثقة المطلقة .. بينما الديمقراطية تعني "أن الشعوب أدرى بمصالح أفرادها (المصالح تختلف بين الطبقات، وبين فئات وشرائح الطبقة الواحدة أيضاً) وأنها قادرة بمبادراتها على حل مشاكلها .. (عبد الناصر اعتبر مبادرة الطلاب لرسم صورة التغيير الذي يريده الشعب، والوسائل الموصلة له، شغب وأن الرجعية وأعداء الثورة قد تلاعبوا بهم، وفي أحسن الأحوال نفاذ صبر غير مطلوب والعدو يقف وقفته الشرسة على أبوابنا، وقد سيطر على بعض أراضينا بالفعل).

وتعالوا نرى بعض مقولات الرجل الثاني في تنظيم جمال عبد الناصر الطليعي المستمدة مباشرة من الزعيم ..

يقول سامي شرف:

أي تقييم لتجربة الديمقراطية، يجب أن تنطلق من نوعية النظام، وهي ربط الديمقراطية السياسية بالديمقراطية الاجتماعية، منذ 56 تستطيع أن تقول إنه كانت هناك خطوات لمشاركة الجماهير بتطبيق الأبعاد الاجتماعية لحرية الوطن، بمعنى توسيع التعليم ثم مجانيته الكاملة، ومجانية العلاج، وحق الانتخاب للمرأة، وتخفيض سن الإدلاء بالصوت (الانتخابي) إلى 18 سنة، سنة 1961 (...) انتقل ـ جمال عبد الناصر ـ إلى خطوة متقدمة أكثر وهي العمل على منع الاستغلال.

• بالنسبة للديمقراطية "الديمقراطية كلمة مطاطة جداً"، بالنسبة للديمقراطية المفروض أن تطبق في مصر ذات المضمون الاجتماعي وفقاً لرؤية جمال عبد الناصر.

• وبالنسبة لمشاركة الجماهير في صنع القرار يرى "سامي شرف" أن الجماهير قد شاركت في "أزمة مارس 1954" وفي "9، 10 يونيو" وفي 28 سبتمبر، عندما مات الرجل خرج مليون يبكونه بالدم، بعد أن مات ماذا يخيفهم؟، لقد كانت هذه مشاركة (!!!).

• وعندما يتساءل عبد الله إمام قائلاً:

- ولا الذي يعارض هو الذي يعطيني مؤشراً.. (!!!!).

• وعن المشاركة أيضاً يقول (معبراً عن سلبياتها في نظره) في نهاية 67، بداية سنة 68، بدأنا نقوم بعمليات عسكرية وفدائية داخل الأرض المحتلة، نعبر قناة السويس بفصيلة عسكرية، ثم سرية، وبعد ذلك كتيبة، في صمت (صمت على مَن؟!!)، لو كانت لديك أحزاب في تلك الفترة، فإنها (كانت) سوف تزايد وتكشف الأمر. (تكشفه لمن؟! لإسرائيل التي تقوم بالعمليات ضد جنودها!!).

• لا نستطيع أن نعتبر خروج مظاهرات تؤيد أي رئيس أو زعيم هو رمز للديمقراطية (يقصد لا نستطيع اعتبار مظاهرات التأييد رمزاً للديمقراطية.

• نفاجأ برد سامي شرف :

• ولتبرير موقف الثورة من الديمقراطية، ووعودها (الدائمة) بشأنها بدءاً من بيان الثورة الأول الذي أعلن ضمن أهدافها "إقامة مجتمع ديمقراطي سليم"، تلك الوعود التي لم تعرف إلا التأجيل (بنجاح منقطع النظير) يقول سامي شرف "قبل سنة 67 كنا نمر بظروف كان التوازن فيها مختلاً (...) بمعنى أن المؤسسة العسكرية (يقصد القوات العسكرية بقيادة عبد الحكيم عامر) كان دورها في الداخل أكبر من حجمها الذي كان من المفروض أن تكون عليه، وبذلت محاولات لخلق هذا التوازن وحدث تفكير في الاتحاد الاشتراكي (ليعدل الميزان بين العسكريين والمجتمع المدني، (لكن الاتحاد الاشتراكي كان يقوده العسكريون بطريقة غائرة في غياهب العسكرتارية هو الآخر ... لقد كانا ـ القوات المسلحة والاتحاد الاشتراكي ـ جناحيين للعسكرية يتصارعان على السلطة أحدهما يستخدم القوات المسلحة والآخر يستخدم الجماهير التي فوضت جمال عبد الناصر، والتي لم يكن يتبل منها عبد الناصر شيئاً أكثر من أو دون التفويض!).

• ويستطرد سامي شرف: "إن الظروف التي مرت بها مصر من سنة 61 إلى 67 غير طبيعية (بدءاً من إعلان القوانين الاشتراكية، وحدوث الانفصال بين مصر وسوريا ـ الجمهورية العربية المتحدة ـ بدأ صراع السلطة بين مؤسسة القوات المسلحة وجمال عبد الناصر بشكل في غاية الشراسة، وغن كان الصراع ظل مخفياً عن الجماهير الحقيقية، وخصوصاً عن الطبقات الدنيا التي استفادت دون شك من الثورة، وقد كانت الجماهير قادرة على حسم الأمر لصالح جمال عبد الناصر دون خسائر، فقط لو أعلن لها الأمر، لكن جمال عبد الناصر، وهيكل اللذين روجا واقتنعا بأن الفئة الوحيدة القادرة على إحداث تغيير في العالم الثالث هي القوات المسلحة، لم يقتنعا يوماً بقوة المارد الذي يتجاهلانه، حتى عندما رأى هيكل الثورة الإيرانية، والتي كانت في السلطة والقوات المسلحة في جانب دون انقسام، والجماهير الثائرة في الجانب الآخر، ورأى الصراع يُحسم لصالح الجماهير العريضة. لم يستطع هيكل أن يغير نظريته .. ولم يكن صعباً عليه بالطبع أن يجد أسباباً تبدو منطقية لعدم تغيير وجهة نظره !!!).

والغريب أن لم تكن هذه رؤية جمال عبد الناصر ومحمد حسنين هيكل للأمر وحدهما، لقد بات الكثيرون مقتنعين أن القوات المسلحة هي القادرة وحدها ـ والفاعلة دون شريك ـ في تغيير أنظمة الحكم، بل وإحداث التقدم، لقدرتها على إحداث الضبط والربط المطلوبين لنجاح كل الأعمال، أيضاً لقدرة أفرادها على تشغيل من هم أكثر منهم علماً، والأخذ من كل حسب ما يستطيع، (طبعاً نحن نتكلم عن الناجحين منهم، ولا نتكلم عن الكثيرين الذين فشلوا ـ وأفشلونا ـ في إدارة القطاع العام، بعد بدايات ناجحة، لم يكتب لها قمعُها للآخرين ـ الاستمرار)، لقد بات هذا الأمر قناعة عند الكثيرين، وكأن الضبط والربط خاصية لا تلتصق إلا بالقوات المسلحة وحدها، حتى أن كاتباً كبيراً مثل الدكتور عبد الملك عودة (وهو ماركسي وطني كما يحب أن يسمي نفسه، وكأن بقية الماركسيين ليسوا وطنيين!!) وضع سيطرة القوات المسلحة، جزءاً من الموروث العام لمصر في إدارة الأمة، تلك الأمة التي لم يكن لها تاريخها الطويل، أو في أكثر فتراته طولاً، قوات مسلحة على الإطلاق، إلا إذ اعتبر المرتزقة الذين أضاعوا فترات مزدرهة من العصر الفرعوني، وجيوش الاحتلال التي اعتمدت على المرتزقة في عهود كثيرة، كان المماليك الأكثر شهرة بينهم، تراثاً يجب تكراره لهذا الشعب، إن هذا الشعب لم يعرف له قوات مسلحة إلا في فترات قليلة في عهد الأسرات، إذ لم يكن في معظم الفترات مفهوم الجيش النظامي سائداً، ومنذ انتها عصر الأسرات الفعلي باحتلال قمبيز لمصر، وحتى المجموعة العرابية التي حاولت أن تجد لها مكاناً في جيش يعتمد على سيادة العنصرين التركي والشركسي، لم تعرف مصر لها قوات مسلحة، وسرعان ما خبا نجم القوات المسلحة المصرية بالاحتلال الإنجليزي 72 سنة كاملة إلى إن خرج آخر جندي بريطاني في عام 1956 (!!).

• لكننا ما زلنا مع سامي شرف وهو يقول "إن الظروف التي مرت بها مصر من سنة 61 إلى سنة 67 ـ غير طبيعية (الانفصال، مساندة الثورة اليمنية، القوانين الاشتراكية الثانية، مشاكل التنمية، الحصار الاقتصادي، مؤامرة سعيد رمضان الثانية سنة 65، لجنة تصفية الإقطاع (بعد حادث كمشيش الشهير)، حرب 1967 (وقد كان دور المؤسسة العسكرية في الثلاثة الأخيرات واضحاً وجلياً، وهادفاً إلى إظهار سطوتها، وأنه لا يوجد ما لا تستطيع أن تتدخل فيه من أمور الوطن)، هناك معوقات ضخمة حالت دون أن نطبق ما نسعى إليه وما نتمناه (لا تنس أنه كان يتكلم عن التحول إلى الديمقراطية!!) (...) اللي ايده في النار غير اللي ايده في الميّة، انت مثلا يمكن أن تضع توقيتات معينة، إنه في شهر كذا، سنة كذا، ستعلن كذا، (لا تنس أنه يتكلم عن الديمقراطية، وبصراحة لو نسيت فلك الحق كل الحق) وقبل الموعد بخمسة عشرة يوم مثلاً تظهر مشكلة من تحت الأرض، لم تكن في الحسبان، تأخذ جهدك وتلغي البرنامج (الديمقراطي؟!!) وتضطر إلى تأجيله (لعل القارئ لم ينس أن في بيان 30 مارس كان جمال عبد الناصر ـ من تحت لتحت ـ يؤجل الخطوات الديمقراطية ـ كما أوضحنا من قبل ـ ويحيلها كلها إلى الدستور الدائم، وقد توفي جمال عبد الناصر وليس لمصر دستور دائم، لقد كان ـ يومها ـ يختار من الدساتير "المؤقت"، ومن الديمقراطية "المؤجلة"!!).

• وبرغم إصرار سامي شرف على أن يؤكد لنا أن فكر عبد الناصر قد تطور إلى الديمقراطية في أواخر أيامه، إلا أنه أجاب بتلقائية عندما سأله عبد الله إمام :

ـ من الذي يقدر المصلحة العامة؟!

ـ صاحب القرار (خل بالك)

ـ أنا كمواطن، لماذا لا أقدر هذه المصلحة؟

ـ هل لديك الصورة الكاملة، كما هي عند رئيس الجمهورية؟! (صاحب القرار .. وحده).

ـ لا بالتأكيد، لكن من حقي أن أعرف.

ـ من حقك أن تعرف ما يخصك كمواطن.

هل رأينا تطور الفكر إلى الديمقراطية، هذا التطور الذي يوافق على أن من أمور الوطن مالا يخص المواطن !!.

• ومرة أخرى عن إخفاء المعلومات (ديمقراطياً) {ولابد أنها أيضاً مما لا يخص المواطن!!}، يقول سامي شرف: "لا تستطيع أن تقول إن المسئول الغلاني منحرف أخلاقياً، فتفضحه أمام الناس، وأمام أسرته. (ما كل هذا الحنان مع المنحرفين؟، لماذا لم نر نحن حناناً كهذا. لا نقول مع أعداء الثورة، بل نقول ـ مع أنصار الثورة الذين تخطوا الخط الأحمر، ذلك الخط الذي يفصل بين التفويض الكامل والرغبة في المشاركة في صنع القرر؟!).

• لكنه فيما يبدو لم يكن محرماً على المواطن العادي وحده المشاركة في صنع القرار، لقد كانت محرمة أيضاً على رجال النظام (فيما عدا جمال عبد الناصر ـ بالطبع ـ والمؤسسة العسكرية من موضع القوة) إذ يقول سامي شرف رداً على سؤال من عبد الله إمام عن وجود سيد مرعي (الإقطاعي) على رأس برنامج الإصلاح الزراعي (الثوري):

ـ لكنه نفذ أم لم ينفذ؟، ولقد كان جمال عبد الناصر يقيده، رجل فني ومن أهل الخبرة، كما أنه لم يكن صاحب القرار ....

• وعن أصحاب الرأي المخالف، ولو كانوا يريدون تعميق مسار الثورة الاشتراكي، يقول سامي شرف "الاعتقال بالنسبة للعناصر الماركسية، كان للحد من نشاطات تؤدي إلى إحداث بلبلة في أوساط عمالية أو طلابية، أو تطغى عليها شكل المطالبات (تصوروا !!) لا يستحقها من يطالب بها (تصوروا!) في حين أن النظام يعطي من الحقوق ما هو أكثر من المطلوب (تصوروا!) في حدود الإمكانات المتاحة.

• ويقول سامي شرف: "موضوع التعذيب لابد من الكلام فيه يمنتهى الصراحة والأمانة، وهو أن أي واقعة تعذيب وصلت إلى الرئيس، اتخذت فيها إجراءات عنيفة ضد التعذيب الذي كان يتم من وراء ظهر جمال عبد الناصر!!" فعبد الناصر لم يكن يقبل أن يهان أي إنسان (والاعتقال ألم يكن إهانة، وتشريد الأسر بعد القبض على عائلها، وإرهاب كل من يمد لها يد المعاونة، ومعاقبة الأقارب حتى الدرجة الثالثة والرابعة والخامسة، ألم تكن فيها مهانة؟!! إن منتهى المهانة أن تقضي على حرية إنسان وكبريائه فقط لأن مطالباته التي لا يستحقها!!، تحدث بلبلة).

• أما تزوير الانتخابات فيقول عنه إذ سأله عبد الله إمام:

- "ثم ما يقال عن تزوير الانتخابات لأشخاص معينين، ليكونوا أعضاء في مجلس الأمة؟".

- لا يوجد تزوير ومن لديه تزوير يثبته، يقول في هذا المكان حدث تزوير وهذه هي العلامات (حد كان يقدر؟!)، لم يحدث، لا النائب العام قال أن هناك تزويراً ولا قاضي من رؤساء اللجان الانتخابية (قبل أم بعد مذبحة القضاة؟) تحدث عن تزوير، ولا تقرير من الأجهزة تحدث عن ذلك، إنه كلام على علاته أُطلق في مرحلة حول الانتخابات وفي اعتادي أن المفروض كان تشويه الصورة، ثم إذا افترضنا جدلاً أن هناك تزويراً، لمصلحة من يتم؟، وقد كنا ومازلنا رجال عبد الناصر (انت فاهم أيها القارئ؟!!، على كل، فكل من كان يقطن في دائرة قصر النيل، وفي جاردن سيتي بالذات، كان يعرف أن مجدي حسنين ـ من الصف الثاني للضباط الأحرار، وكان وقتها مسئولاً عن مديرية التحرير ـ كان قد جاء بكل أسماء العاملين في مديريته، وسجلهم في دائرتنا، وفي كل موعد للانتخاب كانوا يجيئون بالأتوبيسات يهتفون للمسئول، وكان مجدي حسنين ينجح دائماً في دائرتنا، ولا أذكر أني قابلت أبداً من يؤيده، بل إن الدائرة كلها كباراً وصغاراً قادت حملة شرسه لإنجاح عبد العزيز الشوربجي ـ نقيب المحامين في فترة من الفترات. ولكن رغم أنص الناخبين نجح مجدي حسنين، وحينما غضب عليه جمال عبد الناصر، أصبح ينجح عندنا عبد اللطيف بلطية الذي ـ وإن كان مشهوراً في نقابة العمال وفي حلوان ـ لم يكن يعرفه أحد في دائرتنا .. ولكن يبدو أن هذا ما يقصده سامي شرف عندما قال "إذا افترضنا جدلاً أن هناك تزويراً، لمصلحة من يتم؟، وقد كنا ـ ومازلنا ـ رجال عبد الناصر"، أي أن تزوير رجال عبد الناصر لإنجاح رجال عبد الناصر، لا يستثير غرابة، إذا ما افترضه جدلاً وشهدناه نحن واقعاً!،. وإذا ظللنا نعاني من محترفيه (أصداء النظام القديم والأحدث والأكثر حداثة، هم هم، حتى الآن)!.

الآن نقدم تعريفاً لديمقراطية جمال عبد الناصر

والآن لنلخص الديمقراطية كما كان يعرفها جمال عبد الناص (وضمنها المؤجلة بالقطع) كانت الديمقراطية تعني لديه:

1- النظام يقوم يكل ما هو ممكن لتحقيق مصالح الناس (الشعب، الجماهير، الأمة، الوطن)، وما لا يقوم به النظام غير ممكن، وليس التقصير أمراً وارداً فيه، والذي يطالب بشيء ـ لم يحققه النظام بعد ـ يحدث بلبلة يستحق عليها الاعتقال.

2- المشاركة في صنع القرار، تعني التأييد {ديمقراطية الموافقة، التعبير السياسي الذي نحته محمد حسنين هيكل} ولا تعني ما هو أكثر من هذا}.

3- المطلوب من أنصار النظام، "التفسير"، أي يفسرون للجماهير ما تقوم به الثورة من أعمال حسنة أو سيئة (من نوع لماذا قُبض على فلان، لأنه يحدث بلبلة لا تحتملها المرحلة التاريخية الدقيقة، والمنعطف الخطير للثورية في العالم الثالث ... و ... ولا يظنني القارئ أتفاكه)، ومطلوب أيضاً من أنصار النظام التوعية بأن الثورة لا تستطيع الآن أن تحقق كذا وسوف تحققه في الوقت المناسب، أيضاً المطلوب منهم، حماية النظام برصد التحركات المريبة (أي تحرك كانت تراه الثورة مريبة، وكان يراه السلطويون موجهاً ضد جمال عبد الناصر شخصياً، حتى لو كان هذا التحرك ضد سرقاتهم هم وتجاوزاتهم هم، فلوجه الحقيقة لم يكن جمال عبد الناصر بالشخصية التي تسرق، وإن كان يمكن ان يتجاوز عن بعض السارقين فيما يراه مصلحة نظامه) وللإبلاغ عنها، وأن ينقلوا نبض الناس وطلباتهم المسالمة في تقارير رأي عام إلى السلطة ولا ينتظرون رداً لأن لا أحد يلوي ذراع السلطة العسكرية).

4- عدو النظام. كل من ينتقد تصرفات السلطة علناً (أما الذي ينتقدها سراً مع آخرين فيستحق الاعتقال لأنه متآمر). وكل من يتساءل عن أمر لا يعجبه وينتظر رداً. (وبهذا توسع مفهوم العداء للنظام ليضم الأنصار الذين لا يجيدون بلع لسانهم).

5- التنظيم السياسي: موصل جيد بين القمة والقاعدة (عد إلى مواضيع التفسير والتوعية والدعوة التي لابد وأن تلازم الفكر ... (فليس فكراً وإنما بلبلة مالا يدعو للنظام ويحمل وجهة نظره) وليس موصلاً جيداً بين القاعدة والقمة (ارجع إلى موضوع أن انتظار الرد تآمر واضح).

ولعله ـ أيضاً ـ من سخرية القدر أن عبد الله إمام يحاول بعد مرور ستة وعشرين عاماً على وفاة جمال عبد الناصر أن يتساءل عن مصير التقارير التي كان يقوم بكتابتها أعضاء التنظيم الطليعي وكان هو واحداً منهم، وهل كان يقرأها جمال عبد الناصر، فتكون الإجابة "كانت المحاضر (محاضر اجتماعات التنظيم في مستوياته المختلفة)، تجمع وتُصعّد حتى أمانة التنظيم، التي تعد تقريراً أسبوعياً، وتقريراً شهرياً، تشمل أهم النقاط الواردة في محاضر اجتماعات لجان التنظيم ... مع هذا أو متوازياً معه، كانت تقارير شفوية، وبلاغات في مسائل ذات طبيعة هامة، ومسائل حيوية تمس الجماهير، أو أوضاعاً عامة بالنسبة للعمل ولا تنتظر محضر الاجتماع فتصعدها فوراً (...) ومع مرور الزمن كان يستطيع ـ جمال عبد الناصر ـ أن يميز هذه المحاضر من نظرة واحدة (!!!)، هناك محاضر يهتم بها جداً" ، إن إجابة سامي شرف هذه تعني أن كان المطلوب، كل المطلوب، إعلام الرئيس بكل شيء بما فيه نبض الناس ولم يكن المطلوب ـ ويوحي بهذا السؤال المتأخر لعبد الله إمام ـ أن تتلقى رداً.

هذه هي الديمقراطية التي كان يفهمها جمال عبد الناصر حتى آخر أيامه.

ولعل ما قاله سامي شرف عن المؤسسة العسكرية (بقيادة عبد الحكيم عامر) وتعويقها للديمقراطية، ينطبق أيضاً على جمال عبد الناصر "العسكري جداً"، قال سامي شرف "نعم كانت تقيد الحركة ـ المؤسسة العسكرية ـ لأنها لم تكن حسيسة، فمن الصعب أن تقبل الديمقراطية لأن العسكري بطبيعته يأمر فيطاع".

والآن وقد كدنا ننتهي .. لابد وأن ننتهي بهذه الأسئلة لعبد الله إمام وإجاباتها لسامي شرف، وتعقيب منا.. ـ هل تعتقد أن أمراض الاتحاد الاشتراكي تسللت للتنظيم (الطليعي)؟.

ـ نعم.

ـ ولماذا؟

ـ لا يرجع ذلك إلى عدم دقة الاختيار فقط (خل بالك ... بعد هذا كله!!)، وإنما ترجع أيضاً إلى اختلاف أسلوب الثواب والعقاب (...) كان يتم التغاضي عن أخطاء تنظيمية على حساب العمل العلني، في حين المستهدف كان أن تحافظ على الانضباط والثواب والعقاب في العمل الحزبي بصورة أكثر دقة وأكثر حزماً (خل بالك ايضاً).

ـ ما هي من وجهة نظرك أخطاء التنظيم الطليعي؟

1- لم يكن يضم أحياناً الاشتراكيين الحقيقيين (!).

2- كانت بعض قياداته تمثل البيروقراطية من القيادات الإدارية والتنفيذية (هذا الأمر ليس مستغرباً في تنظيم يحاول أن يقبض على الأمور من فوق) (...) في حين أن القواعد ذات المصلحة الحقيقية كانوا محجوبين (خل بالك .. جداً).

3- كانت أمانة التنظيم في بعض المحافظات توكل إلى المحافظ (شخصية تنفيذية) الذي كان غريباً عن الإقليم، ولا يعرف قياداته، ويحيط نفسه بهالة من السكرتارية ورؤساء المدن والمصالح (تنظيم فوقي .. وفي التنظيمات الفوقية يعزل أصحاب المصالح الحقيقية، إذ كيف يجري الماء في العالي؟!).

4- البناء كان يتم من موقع السلطة، ولم يتعرض لمواقف نضالية للفرد، وكان الصوت العالي (المؤيد بالطبع، ولا يخطرن ببالك غير هذا!) هو جواز المرور للعضوية في بعض القطاعات.

5- لم يراع الانتماء الطبقي (في تنظيم طليعة "الاشتراكيين" !!!!) بالدرجة الكافية للعضوية". إن كل ما قاله سامي شرف ينطبق على موضوع واحد، أو يدور حول محور واحد هو "سوء اختيار الأعضاء"، الذي أى إلى تسلل العناصر الانتهازية إلى التنظيم.

ولكن هل كان الأمر مجرد سوء اختيار وقع فيه النظام ـ بحُسن نية ـ في محاولته لإنشاء تنظيم سياسي شعبي (!!).

لا أظن ذلك.

لقد جاء الآن الوقت الذي يجب أن نتكلم فيه عن "قدر الإمكان" التي كانت تتلازم في مقولات جمال عبد الناصر، مع "العوامل البشرية". و"العوامل الإنسانية" (ولعل القارئ يذكر أننا وضعناها ملمحاً ثالثاً يرسم صورة الديمقراطية كما كان يفهمها ويريدها جمال عبد الناصر).

لقد كان سوء الاختيار ـ سواء بإرادة جمال عبد الناصر أو بدونها ـ متعمداً في تنظيمات الثورة. فعندما كان يفاضل جمال عبد الناصر بين "من تشوبه شائبة، وبين أحد الشرفاء الخالصين من الذين اعتادوا تجاوز الخط الأحمر الفاصل بين المشاركة بالتأييد، والدفاع "عمال على بطال" عن السلطة، وبين الرغبة في المشاركة الحقيقية التي تعني إصلاح أخطاء النظام بلا هوادة لتحقيق نقاءه وفعاليته الثورية، كان جمال عبد الناصر قبل رجاله، وكان رجاله الناصريين أكثر من جمال عبد الناصر!!)، يسارعون باختيار من "تشوبه شائبة" ذلك أن جمال عبد الناصر ومن هم ناصريون أكثر من رئيس الجمهورية، لم يكونوا يحبون وجع الدماغ، ولم يكن وجع الدماغ شيئاً آخر غير المشاركة الحقيقية الفعالة.

إن شواهد كثيرة في اختيارات جمال عبد الناصر ورجاله تؤكد أنهم كانوا يقربون الانتهازيين أصحاب الصوت العالي المؤيد للنظام.

ولقد كانت للانتهازيين ميزة أخرى، أو أكثر، كان عبد الناصر ورجاله يقدرونها حق قدرها، فالانتهازي ـ دوما ـ له يد توجعه والنظام يستطيع أن يضغط على هذه اليد التي "توجعه" عندما يحاول أن يتجاوز ـ انتهازياً أيضاً ـ الخط الأحمر المذكور، ثم أن الانتهازي منتع انتفاعاً عاجلاً، وأصحاب الانتفاع العاجل يحمون النظام من باب الحفاظ على "لقمة العيش"، وذلك عكس الشرفاء الذين يدافعون عن "لقمة العيش" الجماعية، سواء دمها النظام أو شاركوا في صنع نظام أفضل يستطيع أن يقدمها (على نفس مبادئ النظام الذي اهترأ، ودقت فيه البيروقراطية، والمباحثية، والفساد أوتادهم).

ولعلي أذكر هنا، مثالاً شديد الوضوح على ما قلت، حدث في الحياة الطلابية، فبعد مظاهرات الطلبة الأولى في فبراير 1968، هرع التنظيم الطليعي في محاولة واسعة لتجنيد عدد من القيادات الطلابية البارزة في جامعتي القاهرة وعيش شمس، وبرغم أن أفراد التنظيم في عين شمس كانوا أكثر نجاحاً (وأستطيع أن أقول أشد إيماناً وصلابة واستمساكاً بمبادئ الثورة) من أمثال أحمد حمادة، أحمد المحمدي، طارق البنراوي، أحمد الجمال، بسام مخلوف، ماهر مخلوف وغيرهم، إلا أن "عبد الحميد حسن" هو الذي أخذ نجمه في الارتفاع (حتى صار إلى ما صار إليه بعد ذلك !!)، عن طريق سامي شرف (كان عبد الحميد حسن رئيس اتحاد طلاب جامعة القاهرة، وكان سامي شرف مسئولاً عن جامعة عين شمس شمس دارة "شرق القاهرة" برغم هذا صعده، ولم يصعد الناجحين ممن يشرف عليهم شخصياً، وليس إشرافاً خاصاً بأوامر من عبد الناصر كما في حالة عبد الحميد حسن !!!) لا لشيء إلا لأن عبد الحميد حسن عادى طموحات الحركة التي أفرزته وقال "لا خلاف بين الثورة وشبابها"، و"هيهات لأعداء الشعب" (!!).

ولقد كان يجري ـ أيضاً ـ استبعاد بعض الشرفاء، وتحجيم أدوار الكل، بل ونال بعض الشرفاء (المستمسكون بطموحات الشباب في ثورتهم) عقوبة السجن (أحمد حمادة).

وحين ر الطلبة على حركة الالتفاف الظاهرة التي قادتها السلطة على اتحاد طلاب جامعة القاهرة، وعزلوا عبد الحميد حسن (رجل سامي شرف، الذي هو بدوره رجل جمال عبد الناصر) وولوا الطالب "حسن عيد" مكانه، لم يتراجع عن تقديم أجل الخدمات لمن والوه ولاءً أعمى (ثم والوا بعد ذلك نظاماً يمشي في عكس الاتجاه ولاءً أعمى أيضاً) وأبقى على تصعيد نجم عبد الحميد حسن (المعزول طلابياً!).

كان النظام يهتم بـ "الطليعة البشرية!!"، و"العوامل الإنسانية!!"، التي ينجح في السيطرة على أصحابها، ولهذا كان جمال عبد الناصر كلما تكلم عن النقاء الثوري أردف وراءه جملة "قدر الإمكان"، فبالطبع لم يكن يريد جمال عبد الناصر أو يقبل انتهازيين خلصاء، إن كل ما كان يريده "مشروع انتهازي"، يبقى تحت السيطرة بيد موجوعة (لم يتعلم جمال عبد الناصر أبداً، إن هؤلاء الذين يسيطر عليهم بالضغط على أيديهم الموجوعة، يستطيع أي آخر السيطرة عليهم بنفس الأسلوب، وفي الاتجاه الآخر المعاكس أيضاً).

لقد كان سوء الاختيار العمدي والتصعيد العمدي لأصحاب الصوت العالي المؤيد للنظام (أخطائه قبل حسناته) على حساب المؤمنين الفعليين، واحداً من الأسباب الكبرى، التي مكنت أنور السادات فيما بعد من أن ينفخ في تنظيم مكون من 150 ألفاً، نفخة بسيطة في 15 مايو 1971، فيطير التنظيم (الضخم) في الهواء، ويذرّيه، ليكتشف الجميع كم كان التنظيم ضعيفاً، وقليل الحيلة رغم ضخامة جسده، إن تنظيماً يسيطر عليه أصحاب الأيدي الموجوعة، تنظيم هش (يسهل السيطرة على قياداته واستمالتهم وإرهابهم).

أيضاً فإن سوء الاختيار العمدي والتصعيد لأصحاب الصوت الجعجاع في تبرير أعمال السلطة وإجادة الدفاع عن أخطائها، وكان وراء الارتياح الجماهيري العميق، غير المنكور لإزاحة تنظيم جمال عبد الناصر ورجاله في 15 مايو 1971 (لا يستطيع منصف أن يزعم أن المصريين لم يتنفسوا الصعداء عندما أزاح أنور السادات قيادات هذا التنظيم في 15 مايو 1971، ذلك أن الجماهير كانت تراهم عليها لا معها!.

وعليها، لا معها .. كانت ديمقراطية جمال عبد الناصر

وعليها، لا معها .. كانت تنظيماته ..

كان عبد الناصر (الذي يعمل لصالح الجماهير الغفيرة حقاً) يرى أنه قادر على إصلاح الأخطاء (دون تدخل الجماهير) لذلك عزل الناس عن مصالحهم الحقيقية فلما مات جمال عبد الناصر، ترك جماهير لا تستطيع الدفاع عن مصالحها، جماهير يمكن خداعها، إذا ما ادعى أحد أنه يمشي على طريق عبد الناصر (وانحنى لتمثاله)، وترك عبد الناصر ـ جوته ـ لنا أنور السادات (الذي يؤكد هيكل أن كان عبد الناصر يعرف أن له يداً توجعه بل أياد تركه لنا (وكان اختياره)، ليمشي على طريق عبد الناصر بالأستيكة (تعبير شعبي عبقري) دون أن يجد ممن يرفضون أن يتفرعن الفرعون ـ أحداً (سليماً، خالياً من الجراح) في مواجهته.

وهكذا لم يوفر لنا تنظيم جمال عبد الناصر ـ الرابع ـ قوة ترعىت مصالح الجماهير ومكتسبات الفقراء أصحاب المصلحة في الثورة، ترك لنا مجموعة من الشرفاء المحبطين الذين حاولوا فيما بعد أكثر من مرة ولم يستطيعوا) وترك لنا أصحاب "الصوت العالي"، محترفي الدفاع عن أي سلطة، وعن كل الأخطاء، محترفي تزوير رأي الشعب، وقمع المعارضة الشرعية (بممارسة الردح المتعقلن) وترزية القوانين المقيدة للحريات، والمستفيدين من الاشتراكية (الذين بنوا قصوراً، ويعيشون ملوكاً، ويتشدقون بالعدالة الاجتماعية)، منظري "ليس في الإمكان أحسن مما كان"، والتنفيذيين الذين لا يفعلون شيئاً إلا بـ "توجيهات سيادة الرئيس" (كان الرئيس يستعين بهم لأنه يفهم أكثر منهم في تخصصاتهم) تركهم ليمتلئ بهم كل حزب للسلطة، في كل وقت من الأوقات، وإلى يوم يبعثون يوم تقوم قيامة الشعب.

المظاهرات التي صنعت من الشيخ عمر عبد الرحمن زعيماً للمتطرفين

بدأت حركة الطلبة في نوفمبر 1968، في 18/11/1968، بصدور قانون جديد للتعليم العام (أصدره الدكتور محمد حلمي مراد وزير التعليم في ذلك الوت تضمن وضع نظام للاختبارات الدورية للطلاب، واضعاً شروطاً أصعب لنجاحهم (في نهاية كل عام دراسي) محدداً سنوات رسوبهم بعدد معين من السنين بعدها يتم رفت الطالب من التعليم.

قال الأهرام وقتها في 20/11/1968 إن طلبة مدرسة خاصة في المنصورة (في ذلك الزمان، كانت المدارس الخاصة للفاشلين أو للمتعثرين في التعليم العام، فلم يكن الانفتاح قد قلب الموازين بعد) هم من قاموا بالاضطراب والتظاهر، لكن الثابت أن المعترضين لم يكونوا هم الفاشلون وحدهم، يقول د. أحمد عبد الله في كتابه (الطلبة والسياسة في مصر صـ193):

"سرعة انضمام طلاب المدارس الأخرى بالمدينة إليهم ـ إلى الفاشلين أو المتعثرين ـ تجعل من الصعب إرجاع تلك المظاهرات إلى مدرسة واحدة فقط".

وكان أن انتهى أول أيام التظاهر ـ في المنصورة بتأكيد المحافظ لتجمع طلابي كبير، في مدرسة حكومية (وليس المدرسة الخاصة إياها مما يؤكد ما وصل إليه د. أحمد عبد الله بأن القانون لن يطبق بأثر رجعي، وقال ناظر المدرسة الحكومية ـ ولم يكن قوله عارياً من الصحة ـ إن د. حلمي مراد ـ شخصياً ـ وعده في مكالمة تليفونية بأن تيسيرات ليست بالقليلة ستتم للطلاب الذين كانوا مقيدين بالمدارس وقت إعلان القانون، انتهى الاجتماع بين المحافظ وطلبة الثانوي بصياح أحد الطلبة :

- لابد من الإضراب .. من يضمن لنا ما قاله المحافظ.

(ألا يعكس هذا صورة لانعدام الثقة في كلام السلطة بعد النكسة، وبعد ألاعيب المتسلطين التي تلت مظاهرات الطلبة في فبراير، تلك الألاعيب التي استهدفت إخماد الحركة، ونزع المبادرة من الجماهير بالقول المعسول، بينما غابت الأفعال التي تجعل لذلك العسل في الأقوال حلاوة المصداقية).

وفي اليوم التالي 21/11/1968 حدث شيء غريب للغاية .. أعلن طلاب المعهد الديني بالمنصورة الإضراب عن الدراسة، وسرعان ما تحول الأمر إلى مسيرة تطوف بشوارع المدينة، وما إن اقتربت المسيرة من مديرية الأمن حتى تكررت مأساة حلوان التي راح ضحيتها عدد من العمال في فبراير 1968 فقد فتح عليهم ـ طلاب المعهد الديني ـ البوليس الرصاص ليسقط أربعة طلاب صرعى للغدر، وتنفجر المدينة بأسرها مطالبة بالديموقراطية وسقوط وزير الداخلية (لا تنسى .. وزير الداخلية هو نفسه ويا للغرابة ـ التي لم يندهش لها أحد ـ أمين التنظيم السياسي الشعبي!! وأمين التنظيم الطليعي السري الذي قيل إنه كان نواة لتغيير ديمقراطي مزمع!!).

والشيء المثير للدهشة ـ وما هو أكثر أيضاً ـ أن الأستاذ محمد حسنين هيكل في كتابه "خريف الغضب" (ص 222 من طبعته الأولى) عندما أراد أن يستكمل محاسبته للرئيس أنور السادات، (تلك المحاسبة التي احتلت الكتاب كله، بل ووصلت إلى حد "المحاكمة")، قال: ولقد اختار (السادات) رئيس وزرائه ـ في ذلك الوقت ـ السيد ممدوح سالم ـ ليرأس هذا الحزب (يقصد حزب مصر) ولم يكن ذلك اختياراً سعيداً، فقد كانت شهرة ممدوح سالم الأساسية، أنه رجل أمن، وبصرف النظر عن مزايا كثيرة للرجل، فإن الأمر بقي مثيراً للجدل (!!!) ولقد كان يمكن فهم ضرورة تعيين رجل أمن في منصب رئيس الوزراء في حالة طوارئ، ولكنه كان من الصعب رؤية رجل أمن يحاول لم شتات حزب سياسي صدر له قرار بأن يصبح حزب الأغلبية (وماذا عن حزب قالوا أنه سيقود التحول إلى الديمقراطية!!!!)، وللإنصاف فإن ممدوح سالم حاول أن يعطي نفسه هوية سياسية، وفي بعض الأحيان فإنه كاد ينجح، لكن الوضع كله كان ضد طبيعة الأشياء (!!!)، انتهى كلام الأستاذ هيكل، فهل أصابتكم الدهشة ـ وما هو أكثرمن الدهشة ـ مثلما أصابتني، إن هذا الوضع الذي ينتقده الأستاذ هيكل في حكم السادات كان هو الوضع عينه في أيام جمال عبد الناصر فيما تلا نكسة 1967، فقد كان السيد شعراوي جمعة رجل الأمن، بل ووزير الداخلية، أمين التنظيم السياسي.. الاتحا الاشتراكي، وحزبه الطليعي أيضاً .. فلماذا لم ينتقد الأستاذ هيكل ذلك الوضع في عهد عبد الناصر أو بعد عهده؟، لماذا ترك الناس في مصر يتجهمون إلى أمين الاتحاد الاشتراكي ليفاجئوا بأنهم بين براثن وزير الداخلية، رجل المعتقلات .. (لا أظن أن عذراً للأستاذ هيكل يلوح في هذا الأمر، حتى إذا ما فهمنا إشارته الخفية عن "حالة الطوارئ" ذلك أن الوقت بعد نكسة 67 كان وقتاً تحاول البلاد فيه أن تلم شتات نفسها بالتغيير، هل كان سيتم التغيير وأصحاب المصلحة مهددون؟، لا عذر للأستاذ هيكل، فهو نفسه الذي أشار إلى أن مزايا أي رجل لا تبرر الخطأ .. وأن هذا الخطأ "ضد طبيعة الأشياء!!".

ولقد تصرف السيد شعراوي جمعة في مواجهة مظاهرات 1968 في المنصورة والإسكندرية في (نوفمبر) كوزير داخلية ولم يتصرف كأمين الاتحاد الاشتراكي أو كأمين التنظيم أيضاً! .. وأبقى لنا تصرفه أسئلة كثيرة محيرة، تتعلق برفض الناس لحزب يدار بطريقة بوليسية .. ذلك أن أحداً لم يتجه إلى حزب الثورة، بل قرر الجميع أن يفور غليانهم بالغضب الصارخ (حدث هذا بعد انتخاب الاتحاد الاشتراكي من القاعدة إلى اللجنة المركزية والتنفيذية العليا!!، فالناس، كل الناس، كانوا يعلمون ويرددون وقتها أن الانتخابات مزورة، وأن مراكز القوى لم تصفى، مثلما هلل بيان 30 مارس.

والغريب، بل المذهل، أن الطلاب كانوا قد طالبوا بذلك المطلب الأخير "قيام دولة المؤسسات (الوتر الذي لعب الرئيس السادات فيما بعد عليه، وأفرغه من محتواه الحقيقي بالطبع) بدلاً من دولة أجهزة الأمن، بعد أقل من شهر واحد من إصدار جمال عبد الناصر، في أول نوفمبر 1968، قرارات جمهورية بقوانين لضمان الحرية الشخصية للمواطنين، الأمر الذي يفهمها أن الطلاب وأساتذتهم المتضامنين معهم، كانوا يتعاملون مع جمال عبد الناصر على أساس المثل المعروف (أسمع كلامك أصدقك، أشوف قياداتك أستعجب) والحقيقة أن الطلاب "شافوا أموره"، ولم يتعجبوا .. تظاهروا، وجمح بهم الغضب إلى أقصى حدود الجموح.

وكانت مظاهرات نوفمبر هي أقصى حدود الجموح .. تلك المظاهرات التي تصاعدت في المنصورة، برغم تأكيدات لمسئولين بأن الأمور إلى حل (كما قلنا) وكان أن التحم المعهد الديني معها في اليوم التالي.

إن أكثر من علامة استفهام تفرض نفسها في هذا السياق:

أولها: لماذا خرج طلاب المعهد الديني . . والقانون لا يمسهم كما يقول .أحمد عبد الله في كتابه؟!.

ثانيها: لماذا كررت الشرطة مأساة حلوان بعد تسعة أشهر، كانت كافية لمراجعة النفس !!

ثالثها: لماذا لم يصدق الطلاب تأكيدات المحافظ ؟

رابعها: كيف ثور الطلاب بهذا العنف في مواجهة قرار تعليمي كان صحيحاً وتقدمياً ؟

خامسها: لماذا كافأت السعودية أساتذة المعهد الديني بإعطائهم وظائف لديها فيما بعد .. هؤلاء الأساتذة الذين عاد منهم إلينا "الشيخ عمر عبد الرحمن" في السبعينيات".

والآن:

لا يخطئ نظام عاقل الخطأ مرتين، لكن نظام عبد الناصر فعلها .. "لـدغ من جحر واحد مرتين" . . . ولأن النظام وقتها كان عاقلاً، فلابد لنا الآن – لكي نقترب من حقيقة ما حدث، أن نتصور أن نظام عبد الناصر لم يخطئ عن جهالة، لكنه أخطأ متعمداً . . (هل يمكن تصور هذا الأمر؟). فما إن خرج المعهد الديني في المنصورة بمظاهرة في صبيحة الخميس 21 نوفمبر 1968م، يقل عدد أفرادها عن ألفين (كل طلاب المعهد الديني في المنصورة كانوا أفين في ذلك الوقت، ولا يعقل أنهم خرجوا جميعاً متظاهرين) ووصلت المظاهرة إلى مديرية أمن الدقهلية (مسافة ليست ببعيدة). حتى انطلقت رصاصات الشرطة، ليسقط ثلاثة طلاب وفلاح شهداء (نفس السيناريو الذي حدث في حلوان في فبراير 1968م) فتستشيط المدينة غضباً ويستشري فيها وميض كان يرى تحت الرماد (ويوشك أن يكون له اضطرام) وتشتعل نار مظاهرات عارمة في الشوارع، مطالبة بسقوط وزير الداخلية، وبالديموقراطية.. (متى؟ بعد بيان 30 مارس بثمانية أشهر .. تم فيها انتخاب أعضاء الاتحاد الاشتراكي، ومؤتمره الومي من القاعدة للقمة لأول مرة بعد سلسلة مملة ـ سابقة ـ من التعيينات!!).

لماذا تكرر نفس الخطأ مرتين ؟؟ هذا هو السؤال الذي نحاول أن نجد له الآن إجابة ..

في اليوم التالي ـ الجمعة ـ بينما اجتمع عدد من طلاب كلية الهندسة جامعة الإسكندرية من أبناء المنصورة (لابد كانوا في زيارة أهلهم في عطلة نهاية الأسبوع) ليتفقوا على عقد مؤتمر كليتهم بالإسكندرية في صبيحة السبت 23 نوفمبر، يناقشون فيه ما حدث في مدينتهم .. كانت الصحف تلعب لعبتها القديمة، لعبة التشويه، وكان الأهرام يزعم "أن المظاهرات قد اندست فيها عناصر غير طلابية لا يملون من تكرار هذه العبارة، عبارة صمويل هور وصدقي وجمال عبد الناصر والسادات!!)، حاولت مهاجمة مديرية الأمن بالمنصورة، ولم تنس بالطبع أن تؤكد على أن "الظروف العصيبة التي تجتازها البلاد"، "تقتضي توجيه كل الجهود لمواجهة العدو"، هل تتذكر نفس المقولة في بيان 30 مارس أيضاً.

هل يمكن الآن تصور شيء آخر ؟؟ غير أن هؤلاء الطلبة الدقهليين، قد أيقنوا بأن الحكومة ستعمد إلى الشراسة في المواجهة لأي تحرك شعبي، وستمارس تشويهه .. وكأن بيان 30 مارس لم يكن إلا كلمات، فما حدث قبله، يحدث بعده ... وربما كان – أو هو كان بالفعل – الذي يحدث بعده أشد ضراوة وجوراً.

ثم تأتي مفاجأة ثانية:

في فجر السبت 23 نوفمبر، يطب زوار الفجر ليعتقلوا عدداً من القيادات الطلابية السكندرية والذين هم من أصول دقهلية ( محمد ناجي أبو المعاطيمحمد خيرت سعد بهاء الدين مكاوي ) وتهددهم بضرورة إلغاء المؤتمر الذي كان انعقاده مجرد نية في صدورهم، كانوا يحلمون بتحقيقها في ضحى اليوم نفسه !! (هكذا اتضح للطلاب أن الحكومة قد رتبت نفسها بمنتهى الدقة للمواجهة !!).

وبرغم حسابات الحكومة الدقيقة – أو بسببها !! (وخلي بالك من هذا الأمر) يعقد المؤتمر في كلية هندسة الإسكندرية. ويبدأه الطالب محمد ناجي أبو المعاطي (الذي قبض عليه وهدد قبل أن يشرق الصباح) حاكياً ما حدث له في الفجر، وما حدث في مدينته – المنصورة – فتقاطعه الهتافات (يا شعراوي يا سفاح ... ولى زمانك .. ولى وراح)، ويستمر المؤتمر مزجياً الغضب في النفوس.

وتأتي مفاجأة ثالثة !!

يقول "رماح أسعد" (في كتابه سطور من يوميات الحركة الطلابية المصرية 1968م1973، والذي أعود إليه لقص الأحداث) : إن المؤتمر قد فوجئ بدخول عاطف الشاطر (رئيس اتحاد كلية الهندسة بالإسكندرية) ومعه حسين عيد (رئيس اتحاد طلاب الجمهورية .. الذي جاء به الطلاب، بعد أن عزلوا عبد الحميد حسن، في تحد واضح وجرئ لعملية الاحتواء التي نجح فيها جمال عبد الناصر لعبد الحميد عن طريق رجله المخابراتي امي شرف) ليتصدى كلاهما للطلاب مدافعين عن النظام متهمين طلاب المنصورة بالعمالة لإسرائيل (تصوروا!!)

وتأتي مفاجأة رابعة .. لكنها في هذه المرة للحكومة وليست منها!!!

فوجئت خكومة المفاجآت .. بعاطف الشاطر الذي أرسلوه ليهاجم زعامات الطلاب الغاضبة ـ نفسه ـ يخرج قائداً لمظاهرة كبيرة يحمل فيها علم الكلية بعد ساعتين من النقاش العاصف في المؤتمر، تصدى له فيهما الطالب تيمور الملواني (يرحمه الله فقد توفي مناضلاً منذ سنوات) قالباً الدفة ليس على الحكومة ولكن على عبد الناصر شخصياً معتبراً إياه وراء كل ما يحدث (بعد فبراير 1968 لم يعد الطلبة يستثنون جمال عبد الناصر من المسئولية عما يحدث من شرور) مفجراً غضب الموجودين في المؤتمر.

هذه المظاهرة تطرح سؤالاً ملغزاً (من الواضح أن ألغاز نوفمبر 1968م لا تنتهي) هذا السؤال الملغز هو لماذا قاد عاطف الشاطر الذي لحق بالمؤتمر مع رئيس اتحاد طلاب الجمهورية لوقف التحرك الطلابي السكندري من أجل عملاء إسرائيل" (!!!) من طلبة الثانوي وطلبة الإعدادي في المنصورة) بنفسه مظاهرة تخرج إلى الشارع، هل تم إقناعه داخل المؤتمر بأن ما جاء من أجله غير عادل، فقرر أن يواجه من أرسلوه .. أن يواجههم في الشارع؟، أم أن غرضاً آخر كان يكمن وراء قيادته للمظاهرة ؟!!

هذا السؤال نحاول أيضاً أن نبحث له عن إجابة مقنعة .. سنحاول ذلك مجتهدين؟!

والحقيقة أن البوليس المصري لم يحاول مثلنا أن يسأل نفسه هذا السؤال فما أن شاهد المظاهرة، حتى بدأ التعامل معها بوحشية، وسارع بالقبض على عاطف الشاطر وآخرين بينما (وخلي بالك من هذه أيضاً) كان عاطف الشاطر يحاول التفاهم مع رجال الأمن !!

وكان أن تراجع الطلاب إلى داخل الجامعة أمام ضراوة ووحشية قوات الأمن معهم ... وفي تلك اللحظة قرر المحافظ أحمد كامل محافظ الإسكندرية (كان من قبل أمين التنظيم الشبابي قيادة كبرى في المخابرات العامة !!!!) أن يغير من خططه، وأن يواجه الطلبة بنفسه داخل أسوار الجامعة، ليقنعهم بألا يعمدوا إلى تصعيد حدة التوتر في الموقف (كان المحافظ قد أشرف بنفسه على وضع الترتيبات الأمنية والجامعية لمواجهة الاضطرابات في مساء اليوم السابق – الجمعة – مؤكداً على مدير الأمن ضمان حظر خروج الطلاب إلى الشارع في مظاهرات)، (أنظر الطلبة والسياسة في مصر د. أحمد عبد الله ص195) . .

ولعل من الأوفق الآن أن نترك لبطل الحادثة فرصة الكلام عنها بنفسه.

في مذكراته المنشورة بالمصور عدد 20/4/1990م قال أحمد كامل: "ذهبت إلى الجامعة، كانت تحت حصار بوليسي مكثف، لم أكن بعد وجهاً مألوفاً كمحافظ (!!) (كان قد عين كمحافظ منذ أيام)، ولذلك وجدت إلى جواري ضابط شرطة يطلق بندقية رش في اتجاه الطلاب المعتصمين، خطفت البندقية من يده، وكادت تشب معركة جانبية (!!!!) لولا رآني سيد فهمي مدير مباحث الإسكندرية آنذاك (وبعدها وزير الداخلية الذي واجه مظاهرات 1977 التي سماها أنور السادات "انتفاضة الحرامية". وكأن الحرامية هم من كانوا ينتفضون في عصره من الجوع !!!!).

قلت له الكلام (الكلام مازال لأحمد كامل): أخرج هذا الضابط بعيداً من هنا ... وأحضر عاطف الشاطر من السجن فوراً (!!) .. جاني سيد فهمي بعاطف الشاطر وهو في نوبة بكاء حادة، قال (عاطف الشاطر) :

ضربوني يا فندم قلت له: كن رجلاً (!!) أدخل إلى الجامعة الآن واجمع زملائك في القاعة الكبيرة، وسوف أدخل وراءك ونجلس ونتناقش جميعاً .. جلست في مواجهة الطلاب الغاضبين، وقد أحضروا طالباً بنزف من طلقات البندقية، ثم قال أحدهم بصوت محرض، أنظر ماذا يفعلون !!! أي تفاهم يمكن أن يكون بيننا؟ قلت أنا لا أعرف شيء (!!) ووزير الداخلية هو الذي أعطى تعليماته بهذا الخصوص، وهو قرار خاطئ تماماً (!!) واتمر الحوار المنفعل .. بينما مئولو الأمن خارج حرم الجامعة في حالة ترقب وقلق (يقصد خوفاً على المحافظ بالطبع)، وهكذا اتصلوا بوزير الداخلية، واتصلوا بمكتب الرئيس، وقالوا إن المحافظ دخل مبنى الجامعة، ونحن نخشى أن يفتك به الطلاب الغاضبون، ماذا نفعل ؟! هل نقتحم الجامعة لإنقاذه ؟! ونقل سامي شرف على الفور الموقف إلى الرئيس جمال عبد الناصر، وكان رده "لا اقتحام .. اتركوه يتصرف وحده".

هذه رواية أحمد كامل لما حدث، لكن الطلبة ورماح أسعد و د. أحمد عبدالله (في كتابيهما المذكورين سابقاً) يجمعون على رواية أخرى تتضمن أن الطلبة احتجزوا أحمد كامل داخل أسوار الجامعة إلى أن أمر بالإفراج عن عاطف الشاطر وزملائه المعتقلين (ولم يكن الأمر مما تفتق عنه ذهنه السياي) وهذه هي الرواية الحقيقية بالفعل، التي خجل أحمد كامل ـ رحمه الله ـ من إعلانها (وتلك الرواية الحقيقية تعني أن المحافظ أمر ـ مرغماً ـ بالإفراج عن عاطف الشاطر)... وأنهم قبل مغادرتهم الجامعة أرسلوا نسخة خطية من المطالب التي تضمنت، محاكمة شعراوي جمعة وكل من شارك في أحداث المنصورة / حرية الصحافة والنشر / الإفراج عن المعتقلين السياسيين / قيام دولة المؤسسات محل دولة أجهزة الأمن / (ثم هذا الأمر الملفت للنظر) تطبيق برنامج 30 مارس تطبيقاً صحيحاً!!، (إن هذا يرد على من يصورون أن بيان 30 مارس كان غاية المراد من المتحكم في حرية العباد!!).

الطلاب يطبعون المنشورات

استمر اعتصام الطلاب واستولوا على ماكينة طباعة "رونيو" خاصة بالكلية، (كلية الهندسة)، وبدأوا في كتابة سلسلة من البيانات، وزعت ـ بطريقة ما ـ على نطاق واسع بمدينة الإسكندرية، وبعضها وزع بالطبع أثناء مظاهرات تلت بدء اعتصام كلية الهندسة . وقد ساعد الطلاب أقلية من هيئة التدريس على رأسهم الدكتور عصمت زين الدين، رئيس قسم الفيزياء النووية، الذي أسهم بدور فعال لن ينساه له التاريخ، ولن تنساه له الوطنية المصرية في الانتفاضة الطلابية.

ثم مفاجأة خامسة !!

في اليوم التالي أعلنت الحكومة إغلاق الجامعة. وكانت المفاجأة الخامسة للحكومة أيضاً وليست منها .. فقد انفجرت المظاهرات خارج الجامعة والتي يقول عنها د. أحمد عبدالله في كتابه "الطلبة والسياسة في مصر ص197" "في يوم الاثنين 25 نوفمبر حدث إضراب بالإسكنرية كما شهدت المدينة مظاهرات على نطاق لم تشهده من قبل، انتهت بصدام دامٍ مع الشرطة، وكما توضح أرقام الخسائر فإن الطلاب لم يكونوا وحدهم في هذه احداث، إذ لقي ستة عشر شخصاً مصرعهم (3 طلاب، 12 من الأهالي وتلميذ عمره 12 سنة – سقط تحت أقدام المتظاهرين)، بينما أبلغ عن وصول 167 مصاباً من الأهالي إلى المستشفيات، وأعلنت الشرطة إصابة 247 من رجالها (19 ضابطاً 228 جندياً)، وألقي القبض على 462 شخصاً، استمر حب 365 منهم على ذمة التحقيق ... "وبالطبع حصلت خسائر في الملكيات العامة والخاصة (أورد الأرقام ليرى حجم المظاهرات الذي تتحدث عنه هذه الأرقام).

أما الطلبة المعتصمون داخل الجامعة، والذين قال عنهم الأهرام في 28/11/1968م، أنهم أنهوا اعتصامهم بسبب "إحساسهم بالندم والأسف لما حدث في المدينة مؤخراً ... كما أنهم شعروا "بانفضاض الشارع عنهم، ودهشته (دهشة الشارع) من موقفهم، الذي كان يبدو بدون مسوغ واضح" هؤلاء الطلبة الذين قال عنهم الأهرام ما قاله، وروى عنهم أحمد كامل رواية أخرى في المصور (بنفس التاريخ السابق).

قال أحمد كامل: "خرجت من الجامعة بانطباع أن تجربة الحوار (الذي أجراه مع الطلبة داخل الجامعة) لن تحقق النتائج المنتظرة، اتصلت بسامي شرف وقلت له: أبلغ الرئيس أنني أطلب تدخل الجيش لإنهاء الاعتصام (عمد الأهرام وقتها على إخفاء هذه الحقيقة الخطيرة، عملاً بحرية الصحافة!!!) ... بعد دقائق جاء رد سامي:

الرئيس أمرني بأن أتصل بالفريق أول محمد فوزي: القائد العام للقوات المسلحة، وأن أبلغه بأن يتصل بك، بعد دقائق أخرى كلمني الفريق أول محمد فوزي وقال: "لقد وضعت قائد المنطقة العسكرية الشمالية تحت قيادتك .. (قيادة أحمد كامل) "أخبره بطلباتك وسوف يقوم بتنفيذها على الفور" (سيحاربون!!)، قلت (أحمد كامل) بعدها لقائد المنطقة العسكرية الشمالية أن يعطي أوامره لقيادة الطيران في المنطقة ليتم إرسال عدد من طائرات الهليوكوبتر فوق مواقع اعتصام الطلبة .. كما طلبت منه وضع بعض قوات الجيش لتدخل إلى المحافظة وتمر بدباباتها وأسلحتها في استعراض للقوة أمام كلية الهندسة، شاركت الطبيعة في إخراج مسرحي للموقف فقد تزامن معها رعد وبرق ومطر، ومع أصوات الرياح والسحب تصور الطلاب أن الطيران قد بدأ القصف والهجوم، في الوقت الذي مرت فيه بعض قوات الجيش أمام الجامعة، وتمركزت بعض الوحدات في الاستاد الرياضي المجاور .. ورن جرس التليفون في مكتبي .. كان المتحدث أحد قادة الاعتصام .. قال: "لقد قررنا إنهاء الاعتصام".

هكذا انتهت الأحداث الدامية في نوفمبر 1968، وبدأ المجتمع مناقشتها والنظام أيضاً، مناقشات مستفيضة .. أما وقد مرت تسع وعشرون سنة الآن .. فقد وجب علينا أن نناقشها نحن من زاوية لم يتطرق لها في ظني أحد .. وربما كانت – في ظني أيضاً – هي الزاوية التي كان يجب أن يتجه إليها نظر المحللين.

نتوقف لتحليل المفاجآت الخمس :

لقد عرضنا الأمر في مفاجآت خمس .. ثلاث منها فاجأت الحكومة بها الطلاب، واثنتان فاجأ بهما الطلاب والشعب الحكومة.

المفاجآت الثلاث الأولى: تؤكد أن الحكومة كانت قد اتخذت قراراً، أعدت له عدتها جيداً ـ منذ مظاهرات فبراير التي فاجأتها ـ بألا تسمح بما حدث في فبراير 1968 بأن يتكرر .. وأن قرارها تضمن مواجهة أي تحرك شعبي إذا ما حدث بمنتهى القوة وبمنتهى الشراسة (لهذا صنعوا قوات الأمن المركزي) تحت غطاء إعلامي يخفي الحقائق يستبدلها بما يشوه الطلاب وحركتهم البريئة .. إن قراراً كهذا لا أظن أن المجال والشواهد يسمحان بأن نظن الظنون بغيره)، يرد على أسئلة كثيرة غامضة أولها لماذا كررت الحكومة مأساة حلوان في المنصورة .. وبدأت بإطلاق الرصاص ؟!!! بل لماذا اعتبرت مظاهرات طلبة الثانوي من اجل مطالب تعليمية مظاهرات تستحق مواجهة ساخنة على نغمة (اضرب المربوط يخاف السايب) وأيضاً يشرح الأمر لماذا لم تتردد الحكومة حينما رأت عاطف الشاطر على رأس المظاهراة في أن تضرب .. وأن تضرب بعنف.

إن عاطف الشاطر – الذي يوحي رماح أسعد (ولديه أسبابه بأنه متعد الأقنعة .. بل ويوحي أيضاً بأه أرا توريط الطلبة في المظاهرات ليتم ضربهم، بينما أخذته (ولم تقبض عليه) قوات الأمن بعيداً عن الموقعة !! لا يمكن أن يكون ذلك الرجل أراد رماح أسعد تصويره بهذا السوء .. والدليل على أن عاطف الشاطر دفع ثمن ما حدث سنوات أبعد فيها إلى الحدود الجنوبية مجنداً في القوات المسلحة متأخراً عن إخوانه في سنوات تخرجه .. فقد اضطر إلى أن يكمل تعليمه في الجامعة بعد قضاء سنوات تجنيده الذي احتسب له على أسا مؤهله المتوسط ـ الثانوية العامة ـ والذي يزيد في حالة السلم سنين عن المؤهل العادي فما بالك والوقت كان وقت حرب!!،.. عاطف الشاطر الذي عوقب هذا العقاب القاسي .. لا يمكن أن يكون الرجل الذي أوحى به رماح أسعد .. برغم هذا يبقى ما حدث لغزاً .. فعاطف الشاطر كما رأينا .. دخل الجماعة مهاجماً طلاب المنصورة واصفاً إياهم بأنهم عملاء لا يستحقون أن يثور طلبة جامعة الإسكندرية من أجلهم، ثم خرج من الجامعة على رأس مظاهرة تندد بالنظام الذي واجه عملاء ـ إسرائيل في المنصورة ـ على حد زعمه ـ بالرصاص!! هل أقنعه الطلاب بغير ما دخل به ؟!! إذا كان قد أقنع فأي تفاهم كان يقصده مع رجال الأمن (كما علمنا) ؟!

عاطف الشاطر ، بطل تراجيدي :

في تقديري أن عاطف الشاطر واحد من أبطال تراجيديين في هذه الفترة وقعت عليهم يد النظام، والتقطتهم بغرض احتواء الحركة الطلابية .. وتوزعوا ما بين الاتحاد الاشتراكي ومؤتمره القومي، وبين التنظيم الطليعي، وبين مجموعة تستطيع أن تتصل مباشرة بالسيد شعرواي جمعة الأمين العام للاتحاد الاشتراكي (ووزير الداخلية في نفس الآن!!) ومجموعة ثانية تتصل مباشرة بسامي شرف سكرتير الرئيس للمعلومات، والرجل الثاني في التنظيم الطليعي أو الثالث على الأكثر .. أقول أنهم أبطال تراجيديون .. لماذا لأنهم كانوا ـ حائرين ـ بين التزامهم بما تنفق عليه تنظيمات النظام، وبين موقفهم أمام الطلاب فهم إذا ما تجاوبوا مع الطلاب اعتبرهم النظام خونة يجب ألا يفلتوا من العقاب، وهم إن تجاوبوا مع النظام، اعتبرتهم القواعد الطلابية خونة أو مباحث على أقل تقدير (لا ينفي كونهم أبطالاً تراجيديين، أن بعضهم انتفع ومازال بثمار موقفه التراجيدي هذا، وبعضهم لم ينتفع ودفع ثمنا غالياً لازدواجية فرضت عليه فرضاً) وخصوصاً في لحظات الصخب الطلابي المعارض.

ولقد وضع عاطف الشاطر البطل التراجيدي في هذا الموقف، أرادوا له أن يشارك في إنهاء حركة الطلاب قبل أن تستشري .. ولكنه وسط المؤتمر الصاخب عجز عن تنفيذ ما أرسل من اجله، فتصور – وهذا تخيلي للأمر – أنه إذا خرج بمظاهرة سلمية (الأمر الذي كان يصر عليه الطلاب)، تعلن رأيها، وإذا ما اتفق مع رجال الأمن على ألا يتعرضوا لها، فإنه يكون بذلك قد حقق ما يتمناه الطلاب وما لا يقلق النظام إذ ستكون المظاهرة تحت سيطرته، سيقول الطلاب ما يريدون وينتهي الأمر عند هذا الحد .. لكنه لم يستطع أن يقنع رجال الأمن .

وقبضوا عليه .. وحسب ما كانوا قد أعدوا أنفسهم سلفاً، واجهوا المظاهرات بعنف، بل وضربوا عاطف الشاطر كما أكد ـ أحمد كامل ـ في مديرية الأمن لأنه تجاسر وفعل ما تجمعت كلمتهم على حتمية ألا يحدث، وهو خروج المظاهرات إلى الشرع .. وعندما عاد عاطف الشاطر إلى الجامعة بضغط طلابي .. لم يستطع البطل التراجيدي إلا أن يتخذ موقفاً يرضى عنه من أخرجوه من الاحتجاز، وأنقذوه من الضرب المبرح، هكذا سيق البل التراجيدي إلى حتفه .. وإلى منفاه في أبعد نقطة على الحدود الجنوبية لمصر .. وإلى شك بعض أبناء الحركة الطلابية في نواياه حتى اليوم (عاطف الشاطر الآن في المغرب على ما أظن يعمل بالتجارة).

أما المفاجأة الثانية والتي عبرنا عنها بأن زوار الفجر هددوا القيادات الطلابية بالويل إذا ما حدث المؤتمر الذي كانوا يزعمون إقامته، فتعني أن نوعاص آخر من أبطال غير تراجيديين ـ مباحثيين ـ قد اخترقت بهم أجهزة الأمن النشاط الطلابي (بينما منعت ـ في العلن ـ حرس الجامعة من التدخل في نشاط الطلاب السياسي!!) كاناو يؤدون واجبهم على أحسن وجه، وهو الأمر الذي أضاف إلى مطالب طلبة الإسكندرية مطلبهم، قيام دولة المؤسسات بدلاً من دولة أجهزة الأمن!!

ومرة أخرى، نتوقف عند ما وصلنا إليه قبلاً

لقد فوجئت الحكومة – كما فاجأت الطلاب – بتلك المواجهة الشعبية العنيفة لإجراءاتها – العنيفة أيضاً – (ارجع إلى المفاجأتين الرابعة والخامسة) لكن بدا ـ في ذلك الوقت ـ أن الحكومة (وقصة تدخل الجيش الذي طالب به أحمد كامل وتدخل بالفعل كما رأينا توضيح ذلك) لن تتوانى عن التصعيد في مواجهة أي تصعيد .. الأمر الذي خشي مغبته الطلاب فهو من ناحية سيعرض البلد لما يجب ألا يتعرض له .. ومن ناحية أخرى لن يوفر مناخاً لتحقيق أي مطالب، وهكذا عندما أغلقت الحكومة الجامعات، وراح طلاب الجامعة لاعتصام كلية طب جامعة القاهرة الذي أعلنت عنه الكلية قبل يوم الإغلاق .. تفرقوا لا يعرفون ماذا يفعلون في مواجهة حكومة مصرة على التصعيد ؟!! في مواجهة سلطة أرادت ألا تتصرف إلا كسلطة !!!!! مصممة على ألا تتغير وعلى أن تفجر الدنيا تفجيراً لا تتراجع عنه إذا مالم أحد أنفها .. مجرد أنفها.

والحقيقة أيضاً .. أن عفريتا آخر كان في الطريق إلينا .. إن مواجهة مظاهرات المنصورة بالرصاص، تلك التي ضمت أقل من ألفين (عدد بسيط للغاية) من طلاب المعهد الديني، فتحت فتحاً على أساتذته (معيدين ومدرسين وأساتذة) فقد تلقفتهم المملكة العربية السعودية، مثلهم مثل الإخوان المسلمين .. وعاد إلينا منها فيمن ذهبوا غاضبين، الشيخ عمر عبد الرحمن ومعاونوه الذين أصبحوا فيما بعد أعمدة للإرهاب، يتخذون حجة في مواجهتنا تبرر إرهابهم بأن إرهاباً قد وقع عليهم في المظاهرات .. وفي السجون، وفي حياة الملايين غير المحتملة أيضاً.

الثور في جنازة عبد المنعم رياض

لكن – برغم هذا السواد – فإن نوراً باهراً قد سطع وهدأ النفوس .. هذا النور هو حرب الاستنزاف العظيمة .. تلك الحرب التي لولاها لتبعثر الوطن شظايا، ولعل جنازة العظيم عبد المنعم رياض .. رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية، البطل الذي مات شهيداً في أقرب النقاط إلى العدو (المعدية رقم 6) والتي ضمت الألوف المؤلفة، توحي بأن التحاماً بين الشعب وقيادته لن يتم إلا في طريق بذل كل ما هو غال في سبيل حرية هذا الوطن، وليس أغلى على الوطن من أبنائه الذين يفدونه بحياتهم، ليبقوا أحياء، ولكن البعض لا يعلمون ..

في جنازة عبد المنعم رياض رئيس أركان حرب القوات المسلحة وصاحب اليد البيضاء في إعادة بنائها .. والوصول بها إلى مستوى بدأ يقلق العدو ويسعى لاستنزافه، وجد جمال عبد الناصر نفسه والجماهير تدفعه من الخلف – فعلياً – في مآقيها دموع، وفي قلبها نشوة بأن القيادات تستشهد في مواقع شديدة القرب من العدو، تستشهد حيث يجب أن تكون الوقفة وأن يكون الاستشهاد .. نشوة إلى جانب الحزن الشامخ لفقدان رجل عظيم .. وجد عبد الناصر الجماهير تدفعه في اندفاعها وراء الجثمان.

وفهم جمال عبد الناصر الذي كان يفهم نبض الجماهير .. أن الجماهير لا تدفعه إلى جامع الكخيا .. فهم أن الجماهير تدفعه إلى سيناء، وأن دفعها له يرضيها ويهدئ خواطرها ويؤجل خلافاتها لحين تحقيق الأمر الأهم .. وبين هذه الجماهير كان الطلاب.

الطلبة تعد لميثاق وطني جديد

في أثناء اشتعال حرب الاستنزاف، ذلك الاشتعال المقدس، اكتفى الطلاب بمجلات الحائط في كلياتهم يعبرون فيها عن قناعاتهم .. يقول عادل بدوي، (طالب كلية التجارة جامعة عين شمس وقتها والمحاسب الآن): منذ أوائل 1969م، ظهر الخلاف جلياً بين أعضاء التنظيم الطليعي الناشئ (بعض الأبطال التراجيديين)، وبين كتلة كبيرة من الشباب الوطني، الذي اتسعت شقة الخلاف بينه وبين رجال النظام القائم (لكن حرب الاستنزاف كانت ـ كما قلنا ـ تلي الثلج المدمم على الغليان المطلوب) وقد تمحور الخلاف، حول قضيتين أساسيتين أولاهما: ضرورة الجدية في تغيير نية وأساليب الحكم في إطار حرب التحرير الوطنية، وثانيتهما ضرورة إرساء قواعد الديمقراطية وحرية التعبير .. وراحت المجلات تتجه بهذين الهمين إلى مناقشات غاية في العمق، حول الأوضاع السياسية لمصر والعالم (بالطبع كان أعضاء التنظيم الطليعي يرون أن للسلطة مبررات لموقفها الرافض أو في أحسن الأحوال المؤجل للتغيير، تكمن في خطورة المواجهة مع العدو الصهيوني، وإن التغيير المطلوب ـ وجزء كبير منه د تم بالفعل من وجهة نظرهم وحدهم!!! ـ يجب أن ينتظر التحرير الذي يجب أن يكون ـ بكل معنى الكلمة ـ الهم الذي لا هم قبله ولا بعده، وكان بعض الأساتذة – ولعلهم أيضاً كانوا أعضاء في التنظيم الطليعي – يساعدونهم على هذه التحليلات ويوفرون ظروفاً معاكسة لمجلات الحائط المعارضة).

ويقول عادل بدوي أيضاً (محاسب الآن): أنه في أوائل عام 1970م، أصدر طلاب كلية التجارة جامعة عين شمس ثلاثة أعداد متتالية من مجلة التجارة {قام على إصدارها محمد لطفي حسونة (أستاذ في كلية التجارة الآن) وهاني الحسيني (محاسب الآن) وعادل بدوي}، لم تكلف أو تطلب من اتحاد الطلبة مليماً واحداً. فد تم تمويلها من الإعلانات ..

كانت الأعداد الثلاثة من المجلة تحتوي على مقالات مناهضة لما طرحه هيكل من أن 99% من أوراق اللعبة في يد أمريكا (في ذلك الوقت المبكر!!، بينما الجميع يظنون أن هذه الأطروحة المدمرة كانت اكتشافاً ساداتياً) وتؤكد على الدور الشعبي الوطني في مقاومة العدوان، عارضة للتجارب الثورية العالمية، وكيفية مقاومتها للتسلط الأمريكي المباشر ..

وفي عدد من هذه الأعداد الثلاثة تم عرض برنامج عمل وطني جديد (ذلك أن ميعد تعديل الميثاق الوطني كان سيحل بعد سنتين، كما أوضح جمال عبد الناصر وقت إعلانه مؤكداً أن الميثاق الوطني سيتم تعديله بعد عشر سنوات) لتبدأ المناقشات حول البرنامج الجديد ومازال أمام الشعب فسحة من الوقت تمكنه من المناقشة .. والحقيقة أن هذه الدعوة وجدت استجابة في الحركة الطلابية الأمر الذي جعل الأستاذ الدكتور محمد فتحي محمد علي (أستاذ الإحصاء والذي أصبح وزيراً للتعليم في وقت لاحق) يحذر القائمين على المجلة من تخوفه بأن اعتقالهم سيتم قريباً (فقد كان على حد تعبير عادل بدوي "واصلاً") في نفس الوقت الذي كان الدكتور عادل بدوي عميد الكلية يقف مع الطلاب مؤكداً على حقهم في التعبير عن إرادتهم المستقلة.

وفي يونيو 1970م يقول عادل بدوي: تقدم وليام روجرز بمبادرته الشهيرة بإيقاف إطلاق النار تمهيداً للتسوية بين مصر وإسرائيل .. تلك المبادرة التي رفضها السادات !! نائب رئيس الجمهورية !!!! ووافق عليها جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية، ليتمكن من إقامة حائط الصواريخ "سام" لحماية العمق، المصري من غارات العدو "الديموقراطي"!!)، على الأطفال في مدارسهم، والعمال في مصانعهم، والنيل عن جسوره، وبينها السد العالي، وأيضاً ليتمكن الجيش من العبور في ظلها).

يقول عادل بدوي: كانت لدينا قناعة كبرى في أن جمال عبد الناصر سوف يرفضها، لما لها من تأثير سيء على المقاتل المصري، والوضع العربي الساخن والمؤهل لحرب التحرير الوطنية، وفوجئنا بقبول جمال عبد الناصر لها وقمنا بإعداد بيان في منشور يوزع على شعب مصر، مؤكدين أن قبول المبادرة (في رأيهم) بداية للتنازلات عن اللاءات الثلاث التي اتفقت عليها الأمة العربية كلها في الخرطوم .. وبل توزيعهم للبيان فوجئوا بالقبض عليهم ظهر 5 أغسطس 1970 {محمد عيد ، عادل بدوي ، صلاح الدين زين ، عادل عبد العظيم ، محمد عبد الغفار "كان عاملاً بكلية الزراعة"، راوية عبد العظيم (ناشرة الآن)، فاطمة الديساويوسمية عدلي ، وزينب عبد العظيم (كان قرانها معقوداً على محمد عيد")} واقتيدوا من مزرعة بالهرم كانوا يطبعون فيها البيان إلى سجن المخابرات العامة لمدة خمسة أيام، ثم إلى سجني الاستئناف والقناطر (للنساء) ليقضوا تسعة شهور حتى إبريل 1971م، حين أفرج عنهم أنور السادات في الإفراج الشامل الذي أراد أن يزيد به حجم شعبيته قبل حركة مايو 1971.

إن كلمة عادل بدوي تؤكد ما توصلنا إليه .. من أن الهدوء الظاهري لحركة الطلاب لم يكن إلا نتيجة لحرب الاستنزاف العظيمة وأن بداية السخونة في حركة الطلاب جاءت مع وقف إطلاق النار (برغم أن أسباب عبد الناصر لوقف النار كانت مقنعة ودور حائط الصواريخ المصرية العظيم وأبطاله الأعظم خير شاهد على كون أسباب عبد الناصر مقنعة) لأن حلم التحرير لم يكن يحتمل أي تلكؤ أيـاً كان سببه !!

نقول : إن الهدوء كان ظاهرياً ذلك أن الجماعات الدينية في الكليات المختلفة وعلى قمتها كليتا الطب والهندسة كانتا تعدان لشيء .. وكانت جماعة أنصار الثورة الفلسطينية بكلية الهندسة، والجمعية العلمية بكلية الطب جامعة القاهرة تعدان – علموا أم لم يعلموا – لحركة 1972 العظيمة ..

على مسئولية قائد سلاح الطيران في 1968

عبد الناصر قال: إضربوا الطلبة بالطيران !!!

عندما كتبت في بداية المقال الماضي : "لا يخطئ نظام عاقل الخطأ مرتين، لكن نظام عبد الناصر فعلها!! لدغ من جحر واحد مرتين! ولأن النظام كان وقتها عاقلاً، فلابد لنا الآن لكي نقترب من حقيقة ما حدث أن نتصور أن نظام عبد الناصر لم يخطئ عن جهالة، لكنه أخطأ متعمداً" عندما كتبت ذلك، كنت أستقرئ أحداث نوفمبر 1968، ودلني الاستقراء على أن مظاهرات المنصورة في اليوم الأول لم تكن تستاهل كل هذه المواجهة الساخنة، وأن مظاهرة المعهد الديني في اليوم التالي لم يتعد عددها الألفين ما كان يجب أن تخيف أحداً، ولا أن تتم مواجهتهم بالرصاص! ليسقط أربعة من الشهداء، وتشتعل المدينة، ويمتد الأوار إلى الإسكندرية مع الطلبة الدقهلاويين، ليفاجأ الطلاب في الإسكندرية بشراسة أشد، وبشهداء أكثر وصل عددهم إلى ستة عشر!!

كنت أقصد أن السلطة قد بيتت النية لمواجهة أي تظاهرات بمنتهى العنف، ومنذ اللحظة الأولى .. حتى بعد أن تعلمت درس حلوان في فبراير 1968، عندما أطلقت الرصاص، فأطلقت الغيظ المكبوت، والحناجر ضد الظلم والديكتاتورية، كانت قد بيتت النية على أن تلدغ من نفس الجحر مرتين، لكي تري المعارضين العين الحمراء!!.

والحقيقة أنني كنت أتوقع ردود فعل عنيفة لهذا المال .. فالذين يحبون عبد الناصر ـ ولست بعيداً عنهم ـ لن يقبلوا بسهولة هذا الاستقراء الذي كان اجتهاداً بسيطاً في متابعة أحداث شديدة الوضوح ناصعة الدلالة .. ولقد حدث ما توقعت وليس هذا هو المهم .. المهم أن حدث ما لم أتوقع.

كانت الساعة قد تجاوزت الثانية عشرة مساء بقليل حين دقة جرس التليفون في منزلي .. رفعت السماعة .. وجاءني الصوت من الناحية الأخرى قائلاً:

ـ أنا اللواء متقاعد مصطفى الحناوي.

ولابد أن الرجل لاحظ ارتباكي .. وأن ذكاءه ألهمه سبب الارتباك .. فبادرني قائلاً:

ـ لقد كنت قائد سلاح الطيران فيما تلا نكسة يونيو 1967 وحتى يونيو 1969.

وقال لي الرجل الكريم: إنه تابع المقالات الفائتة، وأن لديه ما يريد أن يقوله، وأن هذا الكلام على حد تعبيره، يرسم تفاصيل الصورة على الجانب غير المرئي من الجبل .. (تعبير طائر!) ثم قال الرجل الكريم كلاماً أذهلني .. أذهلني حقيقة.

تخصلت من ذهولي واتصلت باللواء مصطفى الحناوي .. أطلب ميعاداً لمقابلته والتسجيل له .. وأشهد أن كان الرجل الشرقاوي كريماً للغاية .. كريماً في دعوته، وكريماً في إسهابه أيضاً عندما جلست إليه في منزله وبيننا شريط التسجيل دائراً في الجهاز وحولنا الكرم الشرقاوي الشهير.

قال الرجل:

ـ نقطتان أثرتهما في مقالاتك، استفزتني، جعلتني أقرر أن أنفس بخاراً مكتوماً عذبني لسنوات طوال .. الأولى: أن الفساد هو الذي هزمنا في يونيو وليست إسرائيل .. الجهل، وليس جيش الدفاع الإسرائيلي، لقد كنت محقاً عندما قلت إن قيادات حرب 67 بكل مستوياتها ظلمت الجيش المصري .. حقيقة .. الجيش كان مظلوماً .. مظلوماً .. مظلوماً.

راغت عينا الرجل وترغرغتا .. فأشاح ناظراً إلى السقف .. ولما عاد .. كان يبلع في ريقه غصة ويقول:

ـ النقطة الثانية كانت هي العنف الذي قررت السلطة ـ وقتها ـ أن تواجه به الطلاب المتظاهرين في نوفمبر 1968، ولم يكن تبريرها للعنف غير مقبولاً ولا مقنعاً.

تنهد الرجل نافساً بعض بخاره المكتوم .. وأردف والغضب يرجه:

ـ للأسف الشديد .. لقد كنت شاهداً على النقطتين .. ولن يريحني إلا أن أدلي بشهادتي كاملة. لحظتها أردت أن الرجل لن يكون في حاجة إلى أسئلة تقود الحديث .. لقد أيقنت أن الرجل ـ كما قال تماماً ـ لا يريد إلا أن ينفس بخاراً قرر ألا يظل مكتوماً .. وأنه لن يكون علي ـ بعد ـ إلا أن ألتقط بعض البخار وأنقله لكم:

في أول مايو 1967 خطب جمال عبد الناصر قائلاً: إن أحداً لن يفرض عليه أن يحارب إسرائيل، فنحن من يختار الزمان والمكان للمعركة المقبلة، وقال: "لما أبني مصنع أبقى بأحارب إسرائيل، لما أعمل مشروع أبقى بأحاربها"، برغم هذا أعلن عبد الناصر التعبئة العامة في منتصف مايو لأن إسرائيل تهدد الجولان بحشود عسكرية!!.

وفي الأسبوع الأخير من شهر مايو طلب عبد الناصر من عبد المنعم رياض تقريراً عن حالة الجبهات العربية لدول المواجهة، أرسلني عبد المنعم رياض إلى الأردن .. هناك قابلت الشريف ناصر بن جميل خال الملك حسين .. وآخرين تربطني بهم جميعاً صداقة من العمل المشترك .. قال الشريف ناصر: إن إسرائيل لم تحشد حشوداً في مواجهة السوريين .. وليس لديها نية للهجوم على سوريا .. وما يحدث تدبير من المخابرات المركزية الأمريكية، لاستنفار مصر وخروج قواتها إلى العراء في سيناء لتصبح صيداً سهلاً، ويتم تدميرها .. (نفس الكلام قاله الملك حسين لعبد المنعم رياض) وذهبت إلى سوريا .. في سوريا قالوا إن هناك حشوداً .. لكنهم لم يقولوها بشكل قاطع، ولم يؤيدوا كلامهم لا بصور ولا تقارير استطلاع ولا حتى بإخباريات من العملاء المزروعين في إسرائيل.

هذا الكلام نقل لعبد الناصر .. برغم هذا أغلق خليج العقبة، وإغلاق خليج العقبة يعني إعلان الحرب!!.

برغم إغلاق الخليج (إعلان الحرب) فإن قواتنا في سيناء لم تعرف لها مهمة محددة .. "راحت ومفيش مهمة"، لا تعرف هل ستهاجم، هل ستدافع، هل هي تستعرض وحسب، نحن الذين درسنا خطة القتال مع إسرائيل في موسكو .. (42 ضابطاً) لم نكن نفسهم .. إذا كنا سندافع .. فلماذا تجاوزنا خط الممرات، خط الدفاع عن مصر والقناة كما كنا قد خططنا .. إذا كنا سنهاجم .. فالهجوم له ترتيبات لم تتخذ!! إذا كنا نستعرض فلماذا أغلقنا خليج العقبة .. بعد ذلك أكد جمال عبد الناصر أننا لن نهاجم إسرائيل، إلا إذا هاجمتنا وهكذا اطمأنت إسرائيل وراحت تسعى لمخططها ونحن في هذا التخبط.

جاء الملك حسين إلى مصر ليقول إنه مع العرب إذا حاربوا وطلب قيادة مصرية لجيشه الأردني حتى لا تكون هناك شبهة خيانة أو ما شابه، وما أشيع عن أبيه في حرب فلسطين كان الرجل يريد أن يتجنبه .. وهكذا أرسل عبد المنعم رياض إلى الأردن، وذهبت معه قائداً للطيران .. وصلنا قبل الحرب بثلاثة أيام، لم نجد لدى الأردنيين ما يمكن أن نحارب به حرباً حقيقية .. بالنسبة للطيران كان عندهم اثنتا عشرة طائرة (هنتر) فط ولم نجد مطاراً حربياً مجهزاً، برغم أنه في القيادة العربية الموحدة كانت هناك خطط، وكان هناك تمويل، لكن لم يتم شيء .. مطار عمان مطار مدني .. وبينه وبين المطارات الإسرائيلية سلسلة الجبال التي تفصل بين الأردن وإسرائيل .. "لو طلعت إسرائيل من مطاراتها .. مش ح نلحق نعمل حاجة .. والجبال ح تخلي الرادار ما يلقطش طياراتها، حملت تقدير الموقف تاني يوم .. (قبل الحرب بيومين) إلى الملك حسين ضمن القادة جميعاً .. طلبت أن ننقل الطائرات إلى مطار عراقي أعرفه جيداً، وقلت إن مدى الطائرات يسمح بالذهاب والعودة من العراق إلى إسرائيل وبالعكس .. رفض الملك حسين لأن الشعب الأردني سيشعر أن طائراته هربت إذا ما ذهبت إلى العراق .. الشيء الوحيد الممتاز في الأردن كان محطة رادار عجلون .. محطة جديدة، موقعها عال وممتاز، ويشعرك بأنك تطل على إسرائيل كلها من شرفة .. بالنسبة للقوات البرية الأردنية كانت متمركزة عند الحدود من 1948 ولا شيء يحدث، فالضباط جاءوا بعائلاتهم، وكذلك الجنود .. أي أن العائلات تسكن في الجبهة!! وهذا كان من شأنه أن يربك القوات بالخوف على الأهل إذا ما نشب قتال.

جاء خمسة يونيو ولم نكن قد استطعنا بما فيه الكفاية، ولا عرفنا وضه القوات بما يمكننا من تحريكها .. وجاءنا من محطة عجلون أن الطائرات الإسرائيلية قد تركت مطاراتها للهجوم على مصر .. وهنا حدث المصيبة التي ما بعدها مصيبة .. كنا متفقين مع القيادة في مصر على أن تصيح في اللاسلكي، عنب .. عنب .. عنب .. (ثلاث مرات) إذا ما غادرت الطائرات الإسرائيلية مطاراتها إلى مصر لتبدأ الحرب .. صحنا في اللاسلكي ولا حياة لمن تنادي .. بعد الحرب وكنت واحداً من ثلاثة اختارهم محمد فوزي كلجنة لتقصي الحقائق عما حدث في القوات المسلحة أثناء الحرب، علمت أنهم كانوا قد غيروا التردد حتى لا تنكشف رسائلنا .. لكننا في الأردن لم نخبر ولم يعطونا جدول تغيير الترددات الذي هو عالي السرية .. وأول إنها المصيبة التي ما بعدها مصيبة، لأنهم لو سمعونا في مصر كانوا سيجدون أمامهم نصف ساعة يرتبون فيها لصد الهجوم الجوي، وكان مسار التاريخ قد تغير 180 درجة .. وحتى يوجعنا يلبنا ويوجع أكثر ما هو موجوع. علمنا فيما بعد من الأسرى الإسرائيليين أن التعليمات التي أخذوها من قياداتهم كانت تؤكد عليهم بعدم إتمام الهجوم البادئ للحرب إذا واجهتهم أية مقاومة!!

لم تكن حرب سبعة وستين حرب الأيام الستة كما قالت إسرائيل، لقد انتهت الحرب – بالفعل – لحظة بدأت بتدمير الطائرات فوق ممرات المطارات، وما بعد ذلك كان تخبطاً، ولم يكن حرباً، على الجبهة الأردنية أمرت الطائرات الاثنتي عشرة بالطلوع، عشرة منها تهاجم الطائرات الإسرائيلية .. واثنتان لحماية العشر عند الإقلاع والعودة، ولد عادت الطائرات سليمة ليتم تدميرها فوق أرض المطار بمجرد نزولها ومغادرة الطيارين لطائراتهم، وعلمنا أن إسرائيل كانت أخلت مطاراتها إلا مطارين لتركز الحماية عليهما .. ومن هذين المطارين طلعت الطلعات كلها على ارتفاع قريب جداً من سطح البحر مستهدية بنبضات إلكترونية كانت تطلقها السفينة ليبرتي الأمريكية. مقر قيادتي في مطار عمان، مكان من الطوب اللبن، ضُرب وسوي بالأرض، واعتبروني استشهدت لولا أن جاء قائد القوات البرية ليتفقد الموقف فوجدني حياً لا أريد مغادرة موقعي المدمر.

كنت قد طلبت من الطيارات السورية أن تضرب مطارات إسرائيل بين الطلعات التي بدأت الحرب .. لكن السوريين أجابوا بأنهم لم يستطيعوا ترتيب أمورهم في الوقت المناسب .. طلبت من العراق فرتبت ثلاثة طائرات تي يو 16، واحدة تعطلت قبل الإقلاع، وواحدة تاهت، والثالثة دخلت المجال الجوي الإسرائيلي وأفرغت حمولتها من القنابل، لكن لم يأت لنا تقرير بأنها دمرت شيئاً .. وقطع الطيار العراقي إسرائيل من الشمال إلى الجنوب قبل أن يعود لا أعرف لم ؟! لكن المهم أن أحداً لم يعترضه، ولم تطلق عليه طلقة واحدة .. إسرائيل ليست كما تتصورون .. المشكلة فينا نحن، والحقيقة أن إسرائيل لم تواجه جيوشاً عربية .. لم نرها ولم ترنا .. لقد واجهت مهزلة عربية بكل المقاييس .. إنني حزين على البطولات التي أبداها البعض لأن جهل القيادات كان قد حسم الأمر منذ البداية والإهمال كان قد تكفل بالهزيمة المرعبة مع التخبط والـ .. "نقول إيه بس".. القوات البرية العربية لم تكن أحسن حالاً، موضوع سكن العائلات في الجبهة .. تكفل بإرباك القوات خوفاً على ذويهم وشتتهم في محاولات مستميتة لإنقاذ زوجاتهم والأولاد !! برغم هذا سخر العرب منا ومما حدث .. فهم كانوا ينظرون لمصر على أنها أم الدنيا .. وأنها كانت – حسب التوقع – قادرة على إسرائيل، سخريتهم كانت تمزق قلوبنا ,, بل ونظرات جنودنا أيضاً .. كنا نخجل حتى من زوجاتنا.

عدنا إلى القاهرة والغضب والخجل يفتكان بنا .. كنا قيادة وضباطاً وجنوداً نريد أن نعرف حقيقة ما حدث .. وذات يوم استدعاني محمد فوزي القائد العام .. قلت سيقبض عليّ .. فقد كان محمد فوزي يستدعي قادة الطيران ويقول لهم اذهبوا إلى الكلية الحربية وخذوا من قائدها التعليمات .. وكانوا يذهبون ويتم سجنهم هناك، لكن محمد فوزي قال لي : تم اختيارك عضواً في لجنة تقصي الحقائق .. في اللجنة عرفنا الهول كله .. لكن أهم شيء عرفناه .. أن القيادات التي لا تعلم شيئاً عن فنون القتال الحديثة، على كل المستويات .. والتي كانت تتمتع بعنجهية "أنا الأقدم" و "كلامي يمشي" كانت وراء ما أصابنا كله، هكذا العسكريون في كل موقع .. كنا نتند ونحن بعد صغار في القوات المسلحة .. فيقول الواحد منا لزميله: اسمع ياواد يافلان .. أنا أقدم منك، نلعب تنس .. أنا شوط وأنت ما تصدش .. نلعب طاولة أنا يجيلي في الزهر "شيش" (ستة) وأنت يجيلك "يك" (واحد)، أنا ما أعرفش إيه أنت إيه .. وفوجئنا ونحن كبار بأن الأمور على مستوى الدولة تدار هكذا .. ليس المهم من يعرف .. المهم أن آمرك فتطيع .. وهكذا كما قلت، إننا هزمنا جهل قياداتنا على كل المستويات .. المهم .. أعددنا تقريراً وقلنا إن عبد الناصر لا يمكن أن يقرأ هذه الآلاف من الأوراق .. لابد لنا من أن نلخص له الأمور في صفحة أو اثنتين .. وهكذا أضفنا باباً سابعاً لمحاضر التحقيقات التي قامت بها لجنة تقصي الحقائق .. ووضعنا فيه كل شيء .. من أول الخطأ في إغلاق خليج العقبة وإخراج قوات الطوارئ الدولية .. إلى سوء وضع قواتنا في سيناء الذي أدى إلى تدميرها بسهولة، إلى .. إلى .. إلى .. وأرسلنا التقرير لجمال عبد الناصر ,, وأرسلت نسخ منه إلى المدعي العسكري .. طبعاً المحامون الذين جاء بهم المتهمون .. ما إن قرأوا الباب السابع حتى صاحوا، هذا هو دفاعنا عن المتهمين .. ثم فوجئوا بعد ذلك بأن الباب السابع تم نزعه من ملف التحقيقات .. والسبب واضح.

بعد ذلك استدعاني أمين هويدي وقال: إن قراراً جمهورياً صدر بان أتولى الطيران .. والحقيقة أن الطيران كان مشكلة في ذلك الوقت بعد النكسة مباشرة، قادته كلهم في السجن، وهيكل قال لي فيما بعد ذلك بسنوات، إن عبد الناصر كاد أن يفرج عن واحد من المسجونين ليتولى قيادة الطيران .. إلى أن اهتدى إلى أن يوكل المهمة إلى الفريق أول مدكور أبو العز .. وكان محافظاً لأسوان في ذلك الوقت .. الحقيقة الفريق مدكور أخلاق وحسن إدارة وانضباط مفيش بعد كده وأنا شخصياً كنت معجباً به .. وعمل أشياء عظيمة في الطيران، جاء بأساتذة الجامعة لكي يصمموا له دشماً تحمي الطائرات .. وضع خطة .. لكن معلومات الطيران بتتغير كل يوم، العلم ما بيفضلش على حال .. كل لحظة اكتشاف جديد .. جئت بعد الفريق مدكور الذي كان بعيداً لفترة عن القوات الجوية لأنه كان مختلفاً مع الفريق أول صدقي محمود، جئت لأكمل ما بدأه .. وأبدأ مالم يبدأه بعد .. والحقيقة عملنا حاجات كثيرة لدرجة أن أحد القادة الروس الذين كانوا يعاونوننا .. زارني في مكتبي وأفخر أنه قال لي: إنه لم يزر أحداً غيري، وأن ما فعلته في الطيران في عشرين شهراً لم يكن من الممكن أن يتم في عشرين سنة .. الحمد لله .. كنت أعمل ليل نهار وننجز، وكان عبد الناصر قد استقبلني في البدء .. والحقيقة صعب عليّ وهو يشرح لي أنه لم تكن له يد فيما حدث، فلم يكن يستطيع أن ينقل أمباشياً إلا بمعرفة المشير .. وإن المشير كان يعتبر الجيش إقطاعه .. وكان قد وجه مدافع في ألماظة لتقذف بيت عبد الناصر – كما قال عبد الناصر – بالقنابل إذا ما حدث شيء استلزم ذلك من وجهة نظر المشير و و و وكنت أقول له ربنا يخليك لينا يافندم .. وكنا نسعى جاهدين لإصلاح الأمور حتى قمتم أنتم بمظاهراتكم !!

قال السيد اللواء مصطفى الحناوي:

- هكذا نكون قد تكلمنا باختصار مخل .. عن شهادتي في النقطة الأولى، وبقيت لنا النقطة الثانية لأدلي بشهادتي فيها .. شهادتي بالنسبة لمظاهرات الطلبة .. قلت:

- إنها الشهادة القنبلة التي لا أكاد أصدقها ..

قال في تواضع شديد :

- ولا يمكن لأحد أن يصدقها لولا أن شهودها أحياء .. لحظتها نظرت للجهاز لأتأكد أنه مازال يسجل.

قال اللواء مصطفى الحناوي :

كانت المظاهرات في الإسكندرية على قدم وساق في نوفمبر 1968، وكنت أنا في مقر قيادة القوات الجوية. أشتغل عادي .. بامضي أوراق مهمة .. رن جرس التليفون، وكان على الخط الفريق أول محمد فوزي القائد العام للقوات المسلحة .. (كان أستاذي في الكلية وكان فيه جانب كبير من العنف .. ولا أقصد بالعنف الشدة .. فالشدة ممكنة دون عنف) قال محمد فوزي:

- اللواء مرسي في إسكندرية طلع بالقوات بتاعته عشان يفرق مظاهرات الطلبة ماقدرش، أنا باديك أمر أنك تفرق المظاهرات دي بضرب النار من طائرات الهليوكوبتر .. "الفريق فوزي قال كده وأنا الدم غلي في دماغي ماحسيتش بنفسي.." قلت:

- يانهار أسود .. سيادتك بتقول إيه .. نضرب الطلبة بالرشاشات المثبتة في الهليوكوبتر (تعديل لنا أجريناه في الهليوكوبتر ـ وعاوننا فيه أحمد فهيم الريان) أنت عارف سيادتك النتيجة ح تبقى إيه .. ح تبقى مجزرة .. حتبقى سلخانة ..

الطلقة 37 مللميتر .. مش ح تصيب واحد .. في الزحمة ممكن تصيب عشرة ورا بعض .. دققتين أمشيهم فوق شارع أبو قير وشيط واحد أخلصه (ألف طلقة هي الحد الأدنى) ونبقى محتاجين الجيش الثالث عشان يشيل الجثث .. إحنا جايبين الطيارات نحارب بيها إسرائيل والا نضرب بيها ولادنا.

قال محمد فوزي :

- دي أوامر السيد الرئيس جمال عبد الناصر .. السيد الرئيس بيقول إن مظاهرات الطلبة الغرض منها إسقاطه .. ويطلب منا مساندته.

قلت وأنا مازلت مذهولاً :

- يافندم دي ح تنكتب في التاريخ .. زيها زي مذبحة القلعة .. مذبحة كوبري عباس .. التاريخ ح يكتب أننا قتلة، والشعب مش ح يسامح .. وافرض أديت أمر لضباط الهليوكوبتر بضرب الطلبة ورفضوا .. ح نحاكمهم !! ح نحاكم الستة وتسعين ضابطاً ح نحاكمهم يافندم ؟! لا يافندم أنا مش منفذ، وأنا جاهز يافندم تعملوا فيّ اللي انتوا عايزينه .. أنا عاصي ومش منفذ .. قال محمد فوزي:

- ح نقول إيه لعبد الناصر.

قلت : - قول له يختار السجن اللي أتوجه له .. وأنا جاهز يافندم .. أنا عاصي ومش منفذ .. أنا لا لي فيهم ابن ولا أخ وبرضه ما أقدرش أضربهم.

قال محمد فوزي :

- اضرب في المية.

قلت : - لو ضربت في المية .. ما هو ضرب نار برضه يافندم .. لا يافندم.

قال :

- تصرف بأي طريقة ماتزعلش جمال عبد الناصر.

- وتصرفت .. وغضب جمال عبد الناصر .. وأسرّها في نفسه .. قلت لقائد الهليوكوبتر في الإسكندرية .. كل اللي ح تعمله .. أننا كنا بنطلع الطيارات من الدخيلة، تطير على البحر لحد ما توصل أبو قير .. خوفاً من أن تقع على مناطق سكنية إذا وقعت لا قدر الله .. قلت له ما تمشيش على البحر أمشي فوق البيوت ..

وما تحملش ذخيرة نهائياً، وتأكد بنفسك أن مفيش أي ذخيرة على الطائرات .. تأكد بنفسك .. كنت أخشى أن حد خسيس يحمّل الطيارات في السر .. عشان يرضي أسياده، وطبعاً أسياده ح يحموه .. وده اللي حصل .. وأبلغته لمحمد فوزي، فقال:

ماشي.

- وطبعا فوزي بلغ جمال عبد الناصر.

وسألت اللواء الحناوي :

قال :

عبد الناصر ما كانش بيتكلم .. أسرّها في نفسه .. لكني عرفت بعد ذلك ما حدث في حرب 67، وقال لي الأستاذ هيكل: (عبد الناصر بعد المظاهرات قال لي: أنـا ح أشيل الحناوي .. قلت له يافندم ده عمل حاجات كويسة كثيرة في الطيران .. قال ح أشيله لأنه كان يعلم أن الهدف من مظاهرات الطلبة هو إسقاطي ولم يرد أن يساعدني!!

هل كان يدور في خلدي وأنا أستقرئ حوادث نوفمبر 1968 أن هذا هو ما حدث .. بالطبع لم يدر في خيالي حتى شيء من هذا .. لكن شهود الواقعة أحياء .. الفريق فوزي حي، الأستاذ هيكل حي، واللواء نبيل كامل الذي تلقى الأمر ونفذه .. حي .. وأنا وأنتم أحياء، ومن يحيا ياما يشوف واللي يكتب ويقرأ "يشوف" أكثر!!

مد الله في أعمار الجميع

شرحت الأمر لشـبـاب الـنـاصــــريين

أول ما جلست إلى اللواء الحناوي ـ أمد الله في عمره ـ في بيته الجميل بألماظة وبيننا جهاز التسجيل بدور، بادرته بالسؤال:

ـ هل هناك شهود للواقعة التي سترويها حضرتك لي ...

وبمنتهى الثة رد عليّ الرجل الكريم:

ـ نعم هناك شهود أحياء ..

ـ من هم؟

ـ اللواء طيار د. جبر علي جبر وكان ضمن قيادة الطيران بين 98 و1974، واللواء نبيل كامل، قائد فرقة الهليوكبتر بالقواتا لجوية من تاريخ الواقعة وحتى إحالته إلى التقاعد.

ـ وهل هما مستعدان للشهادة في أمر خطير كهذا ؟.

وقال الرجل منتصراً لرجال سلاحه:

ـ كل اللي في سلاح الطيران رجالة، ولا يمكن أن يتراجعوا عن شهادة حق.

طلبت ساعتها من اللواء الحناوي، قبل أن نبدأ التسجيل أن يعطيني أرقام التليفونات الخاصة بالشاهدين. فهم الرجل الحصيف ما أرمي إليه ... فقام من فوره قائلا:

ـ سأعطيك أرقام تليفوناتهما ... وسأتصل بهما الآن لتكلمهما بنفسك.

وكان أن اتصل اللواء الحناوي بهما ... وكان أن أكدا لي أن الواقعة حقيقية، وكان أيضاً أن تساءلا: ما الذي ذكّر اللواء الحناوي بهذا الأمر الآن؟. (أي أنه لم يكن بين الرجال الثلاثة أي اتفاق مسبق)، وكان أن سألتهما هل هما مستعدان للإدلاء بشهادتيهما إذا جدّ الجد، وكان أن رد كل منهما غاضباً من سؤالي:

ـ نحن لا نستطيع أن نخفي شهادة حق.

وبانتهاء المكالمتين، قلت لسيادة اللواء الحناوي .. وقد غمرني إحساس بأنني سأحصل على كل ما أريد : ـ نبدأ التسجيل الآن ...

وبدأ اللواء الحناوي التسجيل (الذي مازلت أحتفظ به إلى الآن) بسؤال:

ـ هل نبدأ بأن نتكلم عن الواقعة ؟

ساعتها فزت إلى عقلي فكرة، رأيت أنها الصواب، قلت لنفسي اسأل الرجل أولاً عما أعرف، وأرى وأقيس قدرته على التذكر ـ وكان أن فعلت، وكان أن أذهلني الرجل بذاكرته القوية التي مازالت تحتفظ بالتفاصيل، بل بالتواريخ الخاصة بكل حادثة وتوقيتاتها الدقيقة، وكمثال كان يقول لي "صبح علينا الثلاث 30 مايو واحنا بنعمل كذت وكيت، ودخل علينا فلان الساعة حداشر، و ... وبسرعة كنت أروح أحسبها، 5 يونيو كان يوم اثنين، فيكون الثلاثاء قبله بالفعل 30 مايو (لأن شهر مايو 31 يوماً)، اي ان شيئاً لم يسقط من ذاكرة الرجل حتى التفاصيل الدقيقة.

والحقيقة أنني سجلت له قبل أن يتكلم عن الواقعة أكثر من ثلاث ساعات، وأدهشتني الساعات الثلاث كلها بدقة الحكي، وانضباط التسلسل، بل وبراعة العين التي تحتفظ في لماحية مؤكدة، بالصورة بكل تفصيلاتها، "من كان على يمين من، ومن الذي دخل في اللحظة الفلانية، وماذا كان يلبس، وما الكلام الذي قاله بالضبط".

ولقد أصررت بعدها على أن أنشر ملخصاً وافياً للساعات الثلاث التي تكلمنا فيها عن النكسة وأسبابها، والفرص الضائة التي كان من شأنها انتهازها أن يغير النتائج التي أسفرت عنها الحرب، أصررت على نشره، لا لشيء، إلا لكي أعطي القارئ فكرة عن قوة ذاكرة الرجل ... حتى يصدق القارئ أن الرجل يتذكر بدقة في حادثة أمر جمال عبد الناصر الذي نقله الفريق فوزي إليه، بضرب الطلاب في الإسكندرية في مظاهرات نوفمبر 1968 بالرشاشات من الطائرات الهليوكوبتر التي كانوا يجهزونها لأعداء الوطن ... اليهود!!.

ولقد صدق القارئ ما جاء على لسان اللواء مصطفى الحناوي.

لهذا آلمني جداً أن يقول الأستاذ محمد حسنين هيكل في رأيه الذي أملى نقاطه للأستاذ عادل حمودة "ليس لدي تفسير سوى أن اللواء الحناوي يعيش الآن في عزلة (لم أر الرجل في عزلة، رأيته يعيش مع زوجته وأولاده وأحفاده، في فيلا جميلة بألماظة، ودعاني إلى بيته الكبير في بلده وسط الأرض الزراعية التي ورثها عن أبيه، والذي تنتقل عائلته معه إليه حين يذهب إلى هناك .. وإن كنت شكرته م