الحركات الإسلامية في تركيا المعاصرة

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الحركات الإسلامية في تركيا المعاصرة
( دراسة في الفكر والممارسة )

تأليف:طارق عبد الجليل السيد

تقديم:أ.د / الصفصافي أحمد المرسي

جواد الشرق للنشر والتوزيع

القاهرةجمهورية مصر العربية

محتويات

إهداء

إلى أحب من لي في هذه الدنيا....

أبي, أمي , وأختي ..

تحية تقدير وشكر ...

مد الله في عمرهم ,ومتعهم بالصحة والعافية وجزاهم الله خيرا .

تقديم الأستاذ الدكتور : الصفصافي أحمد المرسي

الترك والإسلام

إطلالة تاريخية

عرف الترك الإسلام منذ أمد بعيد , منذ أن بدأ العرب زحفهم على بلاد ما وراء النهر , عندما تمكن القائد العربي " قتيبة بن مسلم " خلال أعوام ( 87 – 97 هـ - 705 -715م) من فتح بلاد ما وراء النهر بكاملها تقريبا , وأدت الحملة على بلاد الصين وخاصة منطقة التركستان إلى جمع الشمل بين الأمتين : العربية والتركية .

وتوطدت الروابط السياسية والتجارية بين الشعب العربي والشعب التركي , وبدأ الترك يدخلون العالم الإسلامي بشتى الوسائل , ويتقلدون فيه الوظائف , ويعملون في خدمة الدول الإسلامية وإذا كانت العلاقة العربية التركية في العصر الأموي كان يغلب عليها الطابع العسكري ففي العصر العباسي أضيف الطابع الإداري إلى جانب الطابع العسكري .

وكثر أتراك بلاد ما وراء النهر في إدارات الدولة العباسية بل أقيمت لهم مدينة خاصة على ضفاف نهر الدجلة شمالي بغداد .

كما استطاعوا رويدا رويدا أن يقيموا في البلاد العربية دويلات , إمارات خاصة بهم , فما أن تولي آشناس التركي ولاية مصر عام (219هـ - 834م) من قبل الخليفة العباسي حتى بدأت مصر تدخل دورا جديدا من حياتها إذ استقل بها الطولونيون ,الإخشيديون ثم المماليك وطال الحكم العثماني في مصر والدول العربية إلى بدايات القرن العشرين .

وبعد أن سيطر السلاجقة الأتراك على الأناضول وحولت معركة ملازكرد سنة ( 464هـ - 1071م) الأناضول كله إلى دولة إسلامية تركية تعمل من أجل الإسلام والزود عنه وكان للقدس وضعها الخاص بعد أن دخلت في الإدارة السلجوقية حيث أثارت حفيظة العالم الصليبي المتعصب فكانت الحروب الصليبية .

وما أن قارب القرن السابع الهجري , الثالث عشر الميلادي على الانقضاء حتى بدأ نجم دويلة تركية جديدة يبزغ في سماء الأناضول , ورويدا رويدا ورثت هذه الدويلة أملاك الإمبراطورية السلجوقية , ومؤسساتها العلمية والتعليمية والإدارية .

وبمرور الوقت أيضا بدأت تنقل فتوحاتها إلى القارة الأوروبية ونقلت عاصمتها من بورصة في آسيا إلى أدرنة في أوروبا .. وما أن وصل السلطان السابع محمد الثاني إلى العرش ونال بشارة الفتح المبين للقسطنطينية حتى نجح في فتحها سنة 857هـ - 1453 م ولقب بالفاتح وقد غير اسمها إلى استامبول – إسلامبول – در الخلافة – استانه عامرة .وتحولت حاضرة الإمبراطورية البيزنطية إلى حاضرة الحضارة الإسلامية ومركز إدارتها .

كان شعار الدولة العثمانية ورماحها هو الاتجاه دائما نحو الشمال ... وهذا ما دفعها – كما سبقت الإشارة – إلى نقل العاصمة من آسيا الصغرى إلى نقطة متقدمة في أوروبا ( أدرنه) ثم استقرت العاصمة في ( استانبول) ولكن تابعت الرماح انطلاقاتها نحو الشمال حتى وصلت إلى أسوار فيينا .. أدخلت المجر تحت السيادة العثمانية .

وما أن وصل السلطان سليمان القانوني ( 1520 -1566م) إلا وكانت البلدان العربية والإسلامية الأخرى خاضعة للإدارة العثمانية ... وظل الأمر هكذا حتى نهاية القرن التاسع عشر حين عمل الاستعمار مع الخديعة والماسونية والصهيونية العالمية على تمزيق وحدة العالم الإسلامي وتمكنوا من القضاء على الإمبراطورية العثمانية وتمزيق أواصر العلاقات العربية – الإسلامية – التركية.

لقد قدر للدول العثمانية من بين دول الترك أن تصبح إمبراطورية مترامية الأطراف وأن تحكم شعوبا ومللا ونحلا ودولا غير متجانسة وأن تكون أطوال دول الترك بقاء إذ عمرت 623 عاما ( 1299 -1922م) واختلف على عرشها أربعون حاكما الثلاث الأول منهم بكوات , والباقي سلاطين , ووليها منذ أيام السلطان سليم الأول ( 1470 – 1526م) إلى انقراضها اثنان وثلاثون سلطان خليفة جمعوا أيديهم السلطتين الزمنية الروحية ودعي لهم على منابر العالم الإسلامي السني طوال 406 سنة.

لقد ورثت هذه الدولة حضارة لسلاجقة ومؤسساتهم العلمية وحضارة الدول التركية الأخرى في الأناضول , وأخذت نظم الإدارة عن دولة المماليك والإيلخانيين وتأثرت بالبيزنطيين والصقالية ولقد نبغ من العثمانيين طائفة من العلماء المسلمين مثل شيخ الإسلام ابن كمال باشا صاحب المكانة المرموقة منذ أيام سليم الأول وشيخ الإسلام أبو السعود أفندي صاحب التفسير وسلطان المفسرين واحتلت اللغة العربية المكانة الأولي في نفوس الأتراك فهي لغة القرآن والإسلام وكان يدرس بها كل العلوم الدينية والتطبيقية بل كان العالم التركي يضع مؤلفاته أولا باللغة العربية وإذا أراد لها الانتشار بين بني جنسه ترجمها بعد ذلك إلى التركية.

لقد كانت السمة الدينية من أهم السمات التي اتسمت بها تشريعات الدولة العثمانية ومعظم تصرفاتها فقد كان المفتي ثم شيخ الإسلام هو الذي يشرف على الهيئات القضائية وكل الهيئات ذات الطابع والنشاط الديني وقد اعتمد العثمانيون المذهب الحنفي مذهبا رسميا للدولة وكانت الأولوية بين القضاة للقاضي الحنفي الذي يعين أيضا في مراكز الولايات العربية وغير العربية هذا إلى جانب تطبيقهم الصارم للشريعة الإسلامية والنص في قوانين الدولة –منذ عهد سليمان القانون – على أن تتفق مع الشريعة الإسلامية كما وضح في تطبيقاتها المحافظة على التقاليد الإسلامية .

كما أن الدولة العثمانية اهتمت وأشرفت إشرافا فعليا على الحج واعتبرت هذا العمل واجبا يقع على عاتقها ولهذا أشرفت على كل قوافل الحج التي كانت تخرج في مواعيد محددة من كل أنحاء الدولة وقد أزرت الطرق الصوفية وأولت لأربابها وتابعيها أهمية بالغة وأمدتهم بالعون المادي وألحقتهم بالجيش ..وبعثت بهم وسهلت انتقالهم إلى الدول المسيحية التي تعتزم فتحها وحرص السلاطين على الانتساب إلى الطرق الصوفية ,وامتلأت الأناضول والبلقان والولايات العربية بالطرق الصوفية كالبكداشية والنقشبندية والمولوية والرفاعية والأحمدية... الخ

وأخذت الدولة بنظام الفتوة الذي يعد الطابع الإسلامي للفروسية الغربية والعربية على حد سواء وقد ورثته عن العصور السابقة عند قيامها في الأناضول كما كان الاهتمام بمنطقة الحجاز من الواجبات والسمات التي حافظ عليها كل السلاطين العثمانيين .

من كل هذا ستضح أن الحقيقة التي لا مراء فيها أن للترك دور مهم بل ورائد في خدمة الإسلام والحضارة الإسلامية ولم ينحصر هذا الدور في الميادين السياسية والعسكرية والإدارية فقط بل امتد هذا الدور إلى شتي ميادين الحضارة الإسلامية فقد كان لهم دورهم في الترجمة من اليونانية واللاتينية والفارسية والرومية إلى العربية في مجالات العلم , والفلسفة , والجغرافيا فمن منا ينكر دور الفارابي ( ت 950م) المعلم الثاني وكتابه إحصاء العلوم وعبد الله الباراني( ت 929م) أحد واضعي علم المثلثات وعبد الحميد بن واسع بن ترك أحد أعمدة علم الرياضيات , ومؤلف كتاب " الجبر والمقابلة "وأبي ريحان البيروني الخوارزمي( ت 1051 م) وسلطان المفسرين أبي السعود أفندي وابن كثير والكوثري .. الخ .

وظل هذا الدور الرائد للدولة العثمانية حتى وصلت إلى قمة مجدها , وضمنت هذه السمات القوة للدولة .والرفاهية للشعب وظلت كذلك حتى تجمعت عوامل عديدة أدت إلى إضعاف الدولة وإبعادها عن الشريعة وأحكامها بل وأسقطتها تماما .

عندما أصاب الدولة الوهن – بفعل العوامل العديدة – وألم بشعبها الفقر والفاقة وتمكنت منها عوامل الانهيار , بدأت مرحلة مهمة في مرحلة الدولة وفي العلاقة بين الدين والسياسة ..وتوالت المصائب ... والحروب ...ورددت أبواق الغرب أن السبب في هذا التخلف هو الدين الإسلامي ... وألا مخرج من هذا التدني سولا الاتجاه إلى الغرب والأخذ عنه في كل مناحي الحياة ...

ومن هنا ظهر الصراع واحتد بين كثير من التيارات الفكرية فهناك تيار التغريب وتيار التتريك وتيار الإسلاميين والوحدة الإسلامية وما أن وصل أعضاء جمعية الاتحاد والترقي حتى ازداد هذا الصراع الفكري والسياسي والقومي وزجت هذه الجمعية بالدولة في أتون الحرب العالمية الأولي ...واحتلت أجزاء كثيرة من الأراضي التركية نفسها ناهيك عن الولايات البلقانية والعربية التي اشتعلت في بعضها الثورات وتفتتت بعضها الأخرى بين أنياب الاستعمار المفترس.

صاغت جمعية الاتحاد والترقي سياستها بما تتفق مع سيطرة العنصر التركي على الإدارة ومركزية الحكم , ولم يتورعوا عن استخدام العنف ضد الأقليات الأخرى وتشبثوا بالفكر الطوارني والعلماني مما أفسح المجال على مصراعيه للصراعات الأيديولوجية إلى جانب الصراعات العرقية وظهر للعيان أن القومية أقوي من الدين عند الاتحاديين ,وأن الفكر الإسلامي في تركيا بدأ يخبو نجمه بشكل فعلي وملحوظ وأصبح الفكر العلماني – حتى قبل إعلان الجمهورية – هو السياسة الرئيسة في الدولة وقضت الحرب العالمية الأولي على الفكر الإسلامي كقوة سياسية .

إعلان الجمهورية وفرض العلمانية

وما أن أعلنت الجمهورية حتى توالت الانقلابات التي استهدفت الشكل الديني في تركيا ذاتها فألغيت الخلافة , والسلطنة , والطرق الصوفية والتعليم الديني , والأوقاف الدينية ,والحروف العربية وكان المبدأ العلماني من أهم المبادئ التي اتسمت بها تطبيقات حكومات الجمهورية .

كانت العلمانية والفكر العلماني أحد الأسس والمبادئ الرئيسة التي أقرها الحكم الجديد وأوضحت آليات الحكم أن هذا الفكر ضرورة ملحة للإصلاح وتحديث الدولة والاتجاه بها نحو الغرب وما أن حلت سنة 1356هـ - 1937م حتى أقرها الدستور , ولم يعد من حق أى تيار سياسي أن يناقش هذا المبدأ , وإلا وقع تحت طائلة القانون .وسعت حكومات الجمهورية أن تخلص المجتمع – على حد تصورها – من سيطرة الإسلام إلى خلق نمط جديد من المواطنين , يكون الفكر العلمي والعلماني والعقلاني وسيلتهم في خلق المواطن والمجتمع الجديد .

لقد هدفت تركيا الجمهورية بالعلمانية أن تتخطي القومية والدينية إلى نطاق أرحب ,وأن تكون محايدة تجاه الأديان ...!!

ولكن رويدا رويدا بدأت الحكومة توصف وتوصم باللادينية رسميا وتأثر بذلك المثقفون أكثر من غيرهم حيث كانوا آنذاك مؤهلين أكثر من غيرهم لتقبل العلمانية وفي مقابلهم كان المحافظون في القري , والقصبات والمدن الصغيرة – التي تعج بالطرق الصوفية الغير معلنة – ظهروا محافظين على معتقداتهم الدينية , وعنعناتهم الإسلامية الأصيلة ..ومن هذا كانت الأهداف الثقافية العلمانية سطحية التنفيذ وهذا ما أدي – بدوره – إلى تضاد الجبهتين بل تصارعهما .ودفع بالحكومة أن تضع النشاط الديني تحت المراقبة وجعلت من الجيش حاميا للمبدأ العلماني ومخولا بقمع كل من يتصدي لهم حتى وإن كان ذلك بشكل غير رسمي .

ما أن توفي مصطفي كمال أتاتورك سنة 1357هـ - 1938م ,واعتلي عصمت اينونو عرش الجمهورية ,ومقاليد حزب الشعب الجمهوري حتى أكد على مبدأ أن يكون الجيش هو القيم والحارس على أساسيات النظام ومبادئ حزب الشعب الجمهوري والذي هو حزب الجمهورية والسلطة والفكر الأتاتوركي .

ولكنن النكبات التي حلت بالدول ذات الحزب الواحد في الحرب العالمية الثانية جعلت إرهاصات تعدد الأحزاب تبدو في الأفق منذ سنة 1365هـ - 1945م.... وجعلت من يفكرون في الأحزاب الجديدة وحرس الحزب القديم يعيدون النظر تجاه الدين ,ويعدلوا من سياستهم حياله .ومع دخول التعددية الحزبية عادت إلى حلبة الصراع مناقشات السياسة وعلاقة الدين بالديمقراطية والعلمانية.

وكلما زادت الحرية السياسية وتطورت أدى ذلك بدوره إلى إعادة تناول العلمانية وتوجهاتها ...وأفرزت هذه المناقشات ثلاثة تيارات لها مواقف واضحة من الدين , المحافظون : يرون في الدين ضرورة ملحة للفرد والمجتمع والمعتدلون : ويميلون إلى المحافظون , ويعتبرون الدين من الحقوق الشخصية لكل فرد أى أنه حق من حقوق الإنسان طالما أن الحرية الدينية مكفولة,والعلمانيون : وهم معارضون للدين على طول الخط , أيا كانت الدوافع والغايات ويرون أن أى تسامح تجاه الدين هو ردة إلى الوراء ,وتضحية بمبادئ الجمهورية وتستحق أن يهب الجيش لقمعها .

ما أن وصل الديمقراطيون إلى الحكم حتى عدلوا موادا في الدستور تتيح عودة الآذان باللغة العربية وتفتح الطريق أمام افتتاح مدارس العلم والخطباء وعودة الفصل في الدفن بين المسلمين وغيرهم وسمحت للكتاب المسلمين بالرد على الشيوعيين والدهريين , بل بالرد على من يتهمون تركيا بالبعد عن الإسلام .

هالت العودة إلى الإسلام هذه ومعارضة العلمانية المنظمات اليهودية والماسونية والدونما , وأزال الغرب فجمعت صفوفها وجددت هجماتها على الدين واتهام الدينيين أنهم يجرون البلاد إلى ردة وأن ما يحدث هو ضربة للمبادئ الكمالية والعلمانية .

ولكن القوى الأجنبية تكاتفت مع الجهات الأخرى المعادية ,ألبت صغار الضباط مستغلة ظروفا أخرى كثيرة حتى ضغطوا على القوات المسلحة , وقاموا بانقلاب ضد الحزب الحاكم بل والحياة الحزبية كلها في 27 مايو 1960م... وأغلقت الأحزاب وتشكلت لجنة الاتحاد القومي التي رأت فيما بعد أنه من الضرر البالغ حصر المسألة الدينية في مسائل هامشية كالحجاب أو الآذان أو استخدام الحروف العربية مرة أخرى ورأت أنه من الضرر البالغ أيضا اتخاذ موقف عدائي تجاه الدين ..

ثم ظهرت الأحزاب الجديدة وكان على رأسها حزب العدالة بزعامة سليمان دميرال, واعتبروا هذا الحزب امتدادا للحزب الديمقراطي .. ومنذ سنة 1385هـ - 1965 م وغير حزب العدالة شعاره في محاولة منه لنفي اتهامه بأنه معادي للدين وأنه ماسوني , فجعل شعاره الجديد كتاب قانون مفتوح على إحدى صفحتيه حرف وعلى الصفحة الأخرى حرف P .

أما الكتاب المفتوح عند الحزب فهو القرآن أما الحرفان فعلي الرغم من أ،هما يدلان على حزب العدالة إلا أنهما في مناقشات الحزب هما كلمتي الله والرسول .وكانت النتيجة فوز حزب العدالة في الانتخابات العامة سنة 1845 – 1965م.

وعاد الإسلام في النصف الثاني من الستينات ليلعب دورا مفتوحا في المجتمع التركي,وعاد الجيش ليعترف بدور الإسلام التأثيري ضد الشيوعية والاشتراكية والتيارات الأخرى الأكثر دموية وفسادا في المجتمع . وقد شجعت الحكومة بأسلوبها تجاه اليسار ,وشجعت هي الأخرى قوى أخرى على أن تأخذ شكلا عدوانيا ضد اليسار باسم الدين..

وقد وجدت هذه الجماعات لنفسها متنفسا في جماعات " رسائل النور " والسليمانيين,والطرف الصوفية من جديد وهي جمعها لمتكن تؤمن بالمواجهة المسلحة ولكن المتربصون بهم أضفوا عليهم الكثير من الصفات التطرفية .. وبالرغم من كل شئ فقد أصبح الدين من أهم الأسلحة التي تستغل ضد اليسار الراديكالي ,وضد ارتباط تركيا بحلف الناتو.

ومنذ عام 1969 م بدأ دميرال يواجه التحدي من خارج الحزب بعد أن صارا وجود نجم الدين أرباقات وجماعته ملموسا على الساحة السياسية ونجح أرباقان في أن يدخل البرلمان في البداية مستقلا , ثم بحزب النظام الوطني وحزب السلامة الذي شارك فيما بعد في وزارتين ائتلافيتين الأولي مع حزب الشعب الجمهوري والثانية مع حزب العدالة وحصل على سبع حقائب وزارية وعين أرباقان نائبا لرئيس مجلس الوزراء .

وتبني حزب السلامة مبادئ الانفتاح على الدين من جديد من ناحية وعلى العالم العربي والإسلامي من ناحية أخرى ونادى بضرورة تطوير العلاقة معهما في جميع الميادين وبلغت المدارس الدينية التي افتتحت في فترة الائتلاف الثاني ثلاثين مدرسة وبلغ عدد طلاب الأئمة والخطباء ما يزيد على خمسين ألف طالب عدا المعاهد الإسلامية العالية وبلغ عدد المفتين في تركيا خلال هذه الفترة ستمائة وتسعة وثلاثون مفتيا .. كان حزب السلامة أملا كبيرا من آمال المسلمين في تركيا إلا أن انقلاب 12 سبتمبر 1980م قلب كل الموازين. التي أوجد الجمهورية الثالثة في تركيا .. وسرحت كل الأحزاب وشرد الزعماء السياسيون , ومنعوا من ممارسة السياسة , حتى في الأحزاب الجديدة التي ظهرت فيما بعد سنة 1983م.. وتعد أحزاب " الطريق القويم " و" حزب تركيا العظمي " و" حزب الوطن الأم " امتدادا صريحا للأحزاب اليمينية القديمة , مثل الديمقراطي والعدالة .

وأثبتت انتخابات 1984م أن جذوة الدين , والشعور الديني لدى المواطن التركي لم تخمد ..ولن تخمد ... إن شاء الله تعالي.. ثم كان حزب الرفاه بقيادة نجم الدين أرباقان من جديد ..وكان الصراع والصراع المضاد ,,وكان الجيش على أهبة الاستعداد للتدخل المباشر ,وغير المباشر .

هكذا .. في هذا الجو المشحون بالأحداث والمفعم بالشعور والفوران الديني .. جاءت رسالة الباحث: طارق عبد الجليل السيد , والمعنونة بـ " الحركات الإسلامية في تركيا المعاصرة في النصف الثاني من القرن العشرين " لتجيب على الكثير من التساؤلات المطروحة عن الإسلام في تركيا .

هل قضت العلمانية على المظاهر الإسلامية في تركيا ..؟ هل أصاب جوهر الإسلام شئ من التغير أو التغيير في تركيا..؟ هل تمكن الجيش بسطوته .. وسلطته ...وسيطرته من وقف المد الإسلامي أو أمكنة إطفاء الجذوة المتقدة في نفوس المواطنين الأتراك ..؟

هل هناك فعلا في تركيا المعاصرة ما يمكن أن نطلق عليه "الإسلام السياسي " أو" أسلمة السياسة " أو "تسييس الإسلام " .. ؟ ما هي الجماعات والحركات التي أخذت على عاتقها حمل اللواء الإسلامي , سرا وعلانية في المجتمع التركي خلال فترات الضغط والقهر السياسي والفكري .؟

ستجد عزيزى القارئ إجابات مدروسة على هذه التساؤلات بين ثنايا الكتاب الذي نقدم له ونقدمه إليكم ...آملين الاستفادة منه وما هذه الإطلالة على الإسلام في تركيا إلا محاولة للتمهيد لفهم بعض القضايا المطروحة على الساحة التي نطوف بها ..

أ.د / الصفصافي أحمد المرسي
أستاذ الدراسات التركية
كلية الآداب – جامعة عين شمس
أرض الجولف في 19 شوال 1421هـ
15 يناير 2001م
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق وخاتم النبيين سيدنا محمد وعلى أصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

أما بعد ..

فيسعدني أن أقدم للقارئ العربي هذه الدراسة العلمية التي تتناول " الحركات الإسلامية في تركيا المعاصرة " بالعرض والتحليل وهو موضوع محل اهتما الباحثين والمراقبين الغربيين والشرقيين منذ فترة طويلة وقد زاد الاهتمام بدراسة الحالة الدينية في تركيا بعد تولي نجم الدين أرباقان زعيم حزب الرفاه رئاسة وزراء تركيا في يونيو 1996 م وقد كثر الحديث – آنذاك – عن مستقبل تركيا الداخلي ومستقبل علاقاتها الدولية في ظل هذا الوضع الجديد وانطلقت الأقلام تطرح سيناريوهات لما يمكن أن تكون عليه أوضاع تركيا من بعد .

ويمكن القول أن كثير من تلك السيناريوهات قد أغفلت في معطياتها , عامل الخصوصية التركية في كثير من شئونها الداخلية والخارجية واستندت على قياس حالة تركيا بدول أخرى مثل الجزائر أو أفغانستان أو غيرهما .

إلا أن مجموعة الخصوصيات التي تتمتع بها تركيا ( الدولة /الشعب ) تجعلها نموذجا فريدا وحدها يصعب أن تقاس بغيرها أو يقاس عليها .

وتأتي هذه الدراسة لتحاول الإجابة على العديد من التساؤلات التي يطرحها المثقف العربي في محاولة فهمه للأحداث والتغيرات التي تجرى على الساحة التركية سواء السياسية أو الاجتماعية .

فقد ورثت الجمهورية التركية عن ( الدولة العثمانية ) أزنة الهوية – التي ظهرت في القرنين الآخرين من عمر الدول العثمانية – ووقعت تركيا فريسة للصراع الفكري بين مجموعة ثنائيات مثل ( التوجه نحو الشرق – التوجه نحو الغرب) ( الأصالة – المعاصرة) , ( الشريعة الإسلاميةالعلمانية ) هذه الثنائيات لا تزال تمثل حتى الآن أزمة فكرية على كل المستويات في تركيا سواء على المستوى السياسي,أو الثقافي , أو الاجتماعي.

وإن يكن النظام العلماني الذي فرض بعد تأسس الجمهورية التركية قد حسم هذه الثنائيات لصالحه فقد استخدم لذلك أسلوبا راديكاليا ثوريا ,ثم دعم موقفه دستوريا ومؤسسيا في حين تجسد عدم إذعان الطرف الآخر لذلك الفرض , في صورة حركات إسلامية تستهدف قلب الوضع الدستوري والمؤسسي لصالحها .

وقد اشتملت هذه الدراسة على ثلاث أبواب يمثل كل باب منها تناولا مختلفا للحركات الإسلامية:

فالباب الأول , يعرض للجانب التاريخي والرصدي لنشوء الحركات الإسلامية في تركيا , وتطور علاقة النظام الحاكم في تركيا بهذه الحركات ومدى الحضور السياسي والاجتماعي الذي تحظي به الحركة الأرباقانية,أو ما يمكن أن يصنف " بالإسلام السياسي " في الحياة السياسية بزعامة نجم الدين أرباقان من خلال أحزابه التي أسسها بدء بحزب النظام الوطني , ثم حزب السلامة ومن بعده حزب الرفاه وأخيرا حزب الفضيلة .

أما الباب الثاني, فيتناول الحركات الإسلامية الكبرى في تركيا وهي ثلاثة حركات : حركة النور ,وحركة السليمانيين , والحركة الأرباقانية .

من خلال تحليل المضامين الأيديولوجية لكل حركة على حدى . عن طريق رصد العوامل التي أدت إلى ظهورها , والوقوف على مصادرها الفكرية , وتحليل طروحاتها السياسية والاجتماعية ومنهجها الدعوى ثم علاقاتها بالحركات الأخرى والقوى الوطنية.

وفي الباب الأخير دراسة لاستراتيجيات الحركات الإسلامية سواء في التغيير أو الإصلاح مع وصفي كمي ونوعي لآليات تلك الحركات في بناء نفوذها الاجتماعي وتحقيق تغلغلها الفكري داخل الفرد والمجتمع .

واستكمالا للمادة العلمية التي قمت بجمعها من الكتب والدوريات العربية والتركية قمت بالسفر إلى تركيا مرتين خلال صيفي عام 1997م , و1998م لدراسة أوضاع هذه الحركات الإسلامية عن قرب فزرت بعض مراكز ومقار هذه الحركات الإسلامية والتقيت هناك بعدد من مسئولي الحركة الأرباقانية وبعض كبار حركة النور وعدد من مسئولي حركة السليمانيين ,وأجريت معهم العديد من الحوارات .

إلى جانب ذلك أجريت عدة نقاشات مع عدد من المثقفين والصحفيين والأتراك والشخصيات السياسية المعنية بتلك القضايا.

وأرجو أن تكون هذه الدراسة قد خطت خطوة على طريق دراسة تركيا وشعبها الصديق الذي تربطنا به روابط عميقة وقوية منذ مئات السنين .

ولا يفوتني في نهاية هذه المقدمة أن أتقدم بخالص الشكر لأستاذي الفاضل الأستاذ الدكتور / الصفصافي أحمد المرسي الذي أشرف على هذه الرسالة وقدم لها في هذا لكتاب على حسن توجيهاته وتشجيعه الدائم لى .

كما أشكر كل من ساعدني ومد لي يد العون لإتمام هذا العمل من الزملاء والأصدقاء في كل من مصر وتركيا .

والله من وراء القصد
طارق عبد الجليل السيد
الزيتون في 23 شوال 1421هـ
18 يناير 2001م

الإطار النظري والمنهجي للدراسة

أولا : موضوع الدراسة

شغلت ( دراسة الحركات الإسلامية ) – في الآونة الأخيرة - اهتمامات الباحثين العرب وغير العرب بشكل كبير من حيث كمية الدراسات التي كتبت في هذا الموضوع ومن حيث كذلك تخصصية تلك الدراسات عما كانت عليه من قبل , ولعل الدافع إلى ذلك الاهتمام البالغ يرجع إلى عاملين رئيسيين.

الأول , قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979م – 1400هـ ونشوء ما يمكن أ، يسمى بـ ( النموذج الإيراني ) لطرز التحول الإسلامي ,فغدت الثورة – بعد نجاحها – حلما يراود أبناء الحركات الإسلامية ,

الثاني, وهو مرتبط بالتحولات الشرق أوسطية , وما نتج عنها من انهيار للإتحاد السوفيتي في 1991م – 1412هـ , وهو الذي كان يتصدر اهتمامات الكتلة الغربية , والأمريكية رصدا وتحليلا, ومن ثم توجهت تلك الدراسات نحو بحث الحركات الإسلامية الموجودة في العالم العربي والإسلامي – بوجه عام – وقياس معدل نموها وتحليل طروحاتها واستقراء مستقبلياتها .

ويرجع تاريخ الحركات الإسلامية إلى نهايات القرن التاسع عشر الميلادي حيث ظهرت الحركات الإسلامية آنذاك كرد فعل احتجاجي على مجموعة من التحولات في المجالات الثقافية,والسياسية ,والاجتماعية .

وقد واجهت الحركات الإسلامية على امتداد تاريخها مجموعة من التحديات يمكن إيجازها في ثلاثة تحديات رئيسية :

أولا : التخلف الحضاري والنهضوي وتركزت أهداف الحركة الإسلامية لمواجهة ذلك التحدي في إحداث يقظة حضارية علمية ومواجهة الجمود الفكري
ثانيا : حملات الغرب الاستعمارية بعد إلغاء الخلافة العثمانية وكان ذلك التحدى حافزا قويا,لاستنهاض الشعوب نحو التحرر من الاستعمار وتشكيل قوى معارضة .
ثالثا: الحداثة والتغريب . وذلك التحدي الأخير هو الدافع لمعظم الحركات الإسلامية الحالية نحو مواجهة موجات الحداثة , والتغريب التي يرون أن أنظمة الحكم هي المتسببة فيها وأنها تفرض عليهم أنماطا ثقافية ومعيشية بعيدة عن الإسلام, وأن الهدف الأساسي هو استبدال هذه النظم لإحلال نمط الثقافة الإسلامية محل الثقافة الغربية .

ويحتل (النموذج التركي ) مكانة بارزة بين الحركات الإسلامية الحديثة ,بما يحمله من مجموعة خصوصيات مثل وقوع المجتمع التركي تحت تأثير النمط الغربي العلماني وكذلك العمق الديني داخل الفرد التركي بمضامينه الصوفية بالإضافة إلى نجاح تجربة الحركة الإسلامية في تركيا في الوصول إلى عدد من مستهدفاتها في ظل المناخ الديمقراطي التركي .

وقد ظهرت الحركات الإسلامية في تركيا هي الأخرى كرد فعل على التحولات السياسية والثقافية التي فرضت عليها , إلا أنها ظلت تمارس أنشطتها بشكل سري حتى بداية العهد الديمقراطي في تركيا عام 1945م – 1365هـ وتنطلق الحركات الإسلامية في تركيا من ثلاثة مصادر أساسية :

المصدر الأول: وهو الطرق الصوفية التي تنتشر في أنحاء تركيا,ويأتي على رأسها الطريقة النقشبندية بمجموعاتها المختلفة والطريقة التيجانية ,والقادرية , والرفاعية .
المصدر الثاني :وهو الجماعات الإسلامية وتمثلها حركة النور بمجموعاتها المتنوعة وحركة السليمانيين وهي أيضا تطور للطريقة الصوفية.
المصدر الثالث :وهو العمل الحزبي وتتصدره الحركة الإسلامية الأرباقانية بقيادة نجم الدين أرباقان تحت أسماء الأحزاب التي أسستها ( حزب النظام الوطني ,ومن بعده حزب السلامة الوطني , ثم حزب الرفاه ,وأخيرا حزب الفضيلة ) إلى جانب التجمعات الإسلامية داخل الأحزاب اليمينية الأخرى.

وقد ساهم نجاح الثورة الإيرانية عام 1979م-1400 هـ في أن تتشكل جماعات ثورية في تركيا في الثمانينات, وهي جماعات تتبني توجهات راديكالية لتغيير نظام الحكم إلا أن ذلك التوجه غريب على الفكر الإسلامي في تركيا الذي يأبي الثورة منهجا له .

وتتناول هذه الدراسة بالتحليل الحركات الإسلامية الكبرى في تركيا وهي ثلاث حركات :

1- حركة النور .
2- حركة السليمانيين .
3- الحركة الأرباقانية .

وتركز الدراسة على طبيعة المرحلة الراهنة التي تمر بها الحركات الإسلامية في تركيا وكذلك على طبيعة النظام العلماني من خلال التتبع التاريخي لعلاقة (التقارب/ التباعد) لكلا التيارين مع الإشارة إلى خصوصية هذا التحول في الواقع السياسي والفكري لتتناول أبعاد التطور الديمقراطي في تركيا .

وتقوم الدراسة بتحليل المضامين الأيديولوجية المختلفة للحركات الإسلامية وأسباب اللجوء إلى كل أيديولوجية منها , والأساليب التي طبقت بها والآثار التي ترتبت عليها ويتم هذا التحليل على اعتبارين رئيسين ,

الأول :هو السياق السياسي,والاجتماعي الذي تحددت في إطاره هذه الأيديولوجيات,والتحديات التي واجهتها هذه الحركات في مراحل تطورها.

الثاني: , يتعلق بالمستهدفات المختلفة التي حددتها كل حركة في إطارات مرحلية .

وكذلك طبيعة التحديات التي فرضها النظام العلماني في تركيا وأثره على ذلك البناء الأيديولوجي.

وتكشف الدراسة كذلك عن أثر هذه الحركات الإسلامية في إحداث تغييرات في الحياة التركية سواء في المجال السياسي , أو الثقافي للعام ,أو التعليمي , أو الاقتصادي.

ثانيا : منهج الدراسة

محددات الدراسة

تتشعب مجالات دراسة الحركات الإسلامية ومناهج تناولها البحثي بين التناول السياسي , والفلسفي ,والاقتصادي , والاجتماعي , والنفسي ,واللغوي , والفقهي ,وغيرها .

لذا رأيت أن يضع محددات لما تتناوله الدراسة في ثنايا تحليل الحركات الإسلامية وتوضيح هذه المحددات أشبه برسم خريطة للمواقع التي ستوليها الدراسة الاهتمام الأكبر حيث يصعب وضع حدود فاصلة بشكل قاطع أثناء بحث الحركات الإسلامية.

وتنقسم محددات الدراسة إلى :

أ‌- محددات داخلية :

وتتضمن المحددات الداخلية لدراسة الحركات الإسلامية ثلاث قضايا .

1- البناء الفكري :

والبناء الفكري هو أهم ما يميز كل حركة إسلامية عن الأخرى ويشكل لها قالبا فكريا خاصا بها , ويتوقف ذلك البناء الفكري على أربعة متغيرات :
المحتوى الأيديولوجي الذي تشكلت عليه الحركة ,وهو يقوم بوظيفة تحديد الأهداف العامة للحركة .
مطلب التغيير الاجتماعي , أو السياسي , وذلك المطلب تختلف نسبته ونوعيته من حركة إلى أخرى فثمة حركة تنشد تغييرا سياسيا,وثانية تطلب تغييرا اجتماعيا وأخرى تكتفي بإحداث تغيير في مجال ما كالتعليم , أو حرية ممارسة العبادات .
الرغبة في الاستمرار ,والانتشار وهو ما يحدد حجم كل حركة على حدى, ويبرز مدى قوة مؤسساتها وآليات عملها داخل المجتمع , وجهودها في سبيل التغلغل الفكرى وهو كذلك متغير يحدد التوجه الجغرافي لانتشار كل تيار من خلال أيديولوجيته العامة .
إستراتيجية كل حركة ,وهو ما تستوسله الحركة لتحقيق أهدافها ويتضح من دراسة ذلك المتغير مجالات الاختراق والتغلغل داخل مؤسسات الدولة العسكرية والمدينة.إضافة إلى بيان موقف النظام من كل حركة على حدى .

2- البناء التنظيمي

وفيه يتم دراسة الكيفية التي تقبل بها كل حركة أعضائها وشروط قبولها لهم وبيان ماهية الشكل التنظيمي لكل حركة وأثر المتغيرات السياسية على انتقال الأعضاء من حركة إلى أخرى.

3 – التمويل :

وهو محدد هام لبيان الدعامات المادية التي تستند عليها كل حركة .وتكون دراسة ذلك المحدد من خلال الكشف عن حجم اقتصاديات واستثمارات كل حركة على حدى في مجالات التجارة الداخلية ,والخارجية وكذلك من خلال مؤسساتها الإعلامية والثقافية التي تقوم بنشر أفكارها من ناحية وكذلك توفر لها مصادر التمويل.


والمحددات الخارجية لدراسة الحركات الإسلامية تدرس من خلال ثلاث علاقات أساسية للحركة الإسلامية.
- علاقة كل حركة إسلامية بالنظام العلماني .
- علاقة كل حركة إسلامية بالحركات الإسلامية الأخرى.
- علاقة كل حركة إسلامية بالقوى الوطنية المتمثلة في الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني .

ثالثا : الأساليب البحثية

وقد اعتمدت في دراستي للحركات الإسلامية التركية على ثلاثة أساليب للدراسة من خلال التركيز على المحددات الداخلية والخارجية السالفة الذكر .

أ‌. الأسلوب التاريخي :

فنظرا لأن أحد مستهدفات الدراسة بيان خصوصية العلاقة بين النظام الحاكم , والحركات الإسلامية وخاصة الحركات الإسلامية السياسية مع تتبع التطور الحادث في هذه العلاقة فقد استخدمت الأسلوب التاريخي لتأريخ موقف النظام العلماني في تركيا من الصحوة الإسلامية بشكل عام ثم من الحركات الإسلامية بشكل خاص وكذلك لتاريخ محاولات وجهود الحركات الإسلامية لإثبات الذات في الحياة السياسية وإحداث بعض التغييرات في المجتمع .

ويتضمن الباب الأول بمباحثه الثلاثة محاولة هذا الفهم التاريخي لعلاقة النظام بالحركات الإسلامية ,مما يتيح إمكانية الوقوف على الظروف التاريخية المجتمعية والإقليمية التي أسهمت في صنع وصياغة الحركات الإسلامية وساعدت على نموها وتطورها .

2- الأسلوب التحليلي :

واعتمدت أيضا على الأسلوب التحليلي لتلمس الأطر المرجعية للحركات الإسلامية كل على حدى ,والوقوف على مصادرها الفكرية وتحليل مضامينها الأيديولوجية التي تحددت فيها أهدافها .

وكانت وسيلتي إلى ذلك القراءة المباشرة لطروحات مؤسسي الحركة الإسلامية أنفسهم في تركيا ومحاولة فهم متون كل حركة في خلال سياقاتها الاجتماعية والسياسية التي كتبت فيها .

فعند تناول حركة النور اعتمدت على استقراء ( رسائل النور) التي كتبها بديع الزمان سعيد النورسي بنفسه وكذلك عند تناول الحركة الأرباقانية اعتمدت على كتاب ( الفكر الوطني ) الذي يمثل الفكر الأساسي لنجم الدين أرباقان .

وفي إطار ذلك الأسلوب التحليلي ولظروف سياسية خاصة في تركيا تحظر على الإسلاميين الكتابة أو الإعلان عن أفكارهم وأنشطتهم بصراحة أجريت لقاءات مع بعض ممثلي الحركة الإسلامية أثناء وجودي بتركيا في صيفي عام 1997م – 1418هـ , 1998م- 1419هـ.

وفي محاول لدراسة أوضاع الحركة الإسلامية وأنشطتها عن قرب قمت الباحث أيضا بزيارة لبعض مقار الحركات الإسلامية وحضور بعض أنشطتهم وندواتهم والباب الثاني بمباحثه الثلاثة من الدراسة مخصص لدراسة هذه المضامين الأيديولوجية لكل من الحركات الإسلامية.

3. الأسلوب الوصفي :

وهو أسلوب لجأت إليه الباحث لإجراء عملية وصف نوعي وكمي لحجم أنشطة الحركات الإسلامية في تركيا من خلال بيان مؤسساتهم الاجتماعية ,والثقافية وكذلك الإشارة إلى أنشطتهم في مجال التعليم , والاقتصاد ,والإعلام , وكذلك لعرض بعض محاولات الإسلاميين للتغلغل داخل أجهزة الدولة العسكرية والمدنية وتوضيح موقف الدولة من ذلك .

والباب الثالث بمبحثيه الأول , والثاني يعرض لنوعية وكم ممارسات الحركة الإسلامية , وأنشطتها في تركيا وبيان موقف الدولة منها .

رابعا : مصادر المعلومات

وقد اعتمدت على مصدرين للحصول على المادة العلمية اللازمة لهذه الدراسة :

أ‌. المصدر الأول :

- المنتج الفكري الذي قدمه رواد الحركة الإسلامية وقياداتها .
- الدراسات والبحوث التاريخية والسياسية المتعلقة بموضوع البحث
- تقارير حول أنشطة الحركات الإسلامية في تركيا صادرة عن المخابرات التركية والمخابرات الأمريكية ومنظمات حقوق الإنسان .
- الجرائد اليومية ,والمجلات الحكومية, والخاصة سواء الموالية للنظام العلماني , أم الموالية للتيار الإسلامي .

2- المصدر الثاني :

هو مصدر بشري لجأت إليه لمواجهة ما انطوى عليه المصدر الأول من قصور , فقد أجريت استكمالا للمادة العلمية اللازمة عددا من اللقاءات والنقاشات حول موضوع الدراسة أثناء تواجدي بتركيا في صيفي عام 1996م , 1998 تمثلت في :

- لقاءات مع عدد من مسئولي الحرمة الأرباقانية, ومع بعض كبار حركة النور ,وعدد من مشايخ حركة السليمانيين .
- نقاشات مع عدد من المثقفين ,والصحفيين الأتراك .
- التردد على مراكز,ومقار بعض التيارات الإسلامية في تركيا وحضور عدد من ندواتهم .
- إلى جانب متابعة القضايا محل اهتمام الدراسة , بالإطلاع على الموقع الالكترونية للحركات الإسلامية والأحزاب السياسية والشخصيات السياسية على شبكة الإنترنت.

خامسا :المفاهيم الأساسية للدراسة

1- الحركة الإسلامية:

تباينت المصطلحات التي أطلقتها البحوث, والدراسات المعنية لتفسير ظاهرة الانبعاث المعاصر للحركات الإسلامية مثل : الإحياء الإسلامي, الأصولية الإسلامية, الإسلام السياسي, الصحوة الإسلامية ,التجديد الإسلامي, اليقظة الإسلامية.

إلا أن أيا من المصطلحات السابقة لا يحتوى على معايير للدراسة يمكنها أن تقيم بحثا علميا عميقا , حيث إنها تهتم بدراسة بعد واحد للظاهرة, ألا وهو الشكل السياسي لها وتفاعلاته في المجتمع ,دون مراعاة البعد الفكري, والأيديولوجي,والسياقات التاريخية لنشوء الظاهرة وما إلى غير ذلك من جوانب يلزم على البحث العلمي الاعتماد عليها .

ولعل اختلاف المصطلحات الواردة في بعض الدراسات العربية ترجع إلى استعارة المصطلح من الدراسات الغربية بما يحمله من خصوصيات منهجية إما ثقافية تتعلق بنشأة تلك المصطلحات في الغرب , وارتباطها بالديانة المسيحية وإما أيديولوجية تتعلق بمدى ما يهتم به الغرب في دراسته للتيارات الإسلامية .

ولذا رأيت تناول ظاهرة الانبعاث المعاصر للحركات الإسلامية على أنها حركات اجتماعية ,أو سياسية , ومرد ذلك إلى تطور مناهج بحث الحركات الاجتماعية ,والسياسية وكذلك إلى تشابه مرتكزات الحركات الإسلامية مع مرتكزات الحركات الاجتماعية ,والسياسية .

فالحركات الإسلامية تهدف إلى إحداث تغيير اجتماعي أو سياسي , حيث ترفض الأوضاع السياسية ,والثقافية القائمة في المجتمعات باعتبارها – من وجهة نظرها – خارجة عن الإسلام .

لدي الحركات الإسلامية بناء فكرى خاص يتضمن رؤية لواقع المجتمع المعيشي وكذلك لديها قدرة على طرح مقولاتها الفكرية وشعاراتها , والقيم التي تدعو إليها.

إيمان الحركات الإسلامية بضرورة تكتل الجهود الجماعية والالتزام المعياري بأهداف معينة لإحداث تغيير ما في المجتمع .

ويمكن تعريف الحركة الاجتماعية أو السياسية على أنها :

جهد جماعي متصل لجماعة ما, أو طبقة اجتماعية يستهدف إحداث تغيير في النظام الاجتماعي , أو الاقتصادي , أو السياسي في كليته أو جزئه , ويكون ذلك بأسلوب عنيف أو سلمي, وينجم ذلك الجهد عن خلل في البناء الاجتماعي , والنظام السياسي ونمط القيم الثقافية , ويمر بعدة مراحل تبدأ بالسخط , والاستياء ثم إثارة الاضطرابات فيتكون نضج واع بضرورة التغيير , وينتهي بالانتظام في تنظيمات رسمية. ويتميز ذلك الجهد الجماعي بسرعة الانتشار والتغلغل خاصة بين عامة الناس كما يتسم بالتطور والنمو, وقد يقتصر على حدود جغرافية معينة, أو يتعداه لمدى جغرافي أوسع .
ودراسة الحركات الإسلامية على أنها حركات اجتماعية وسياسية ترتكز على كونها قوى مؤثرة في المجتمع لها أهدافها وخصائصها المميزة وإستراتيجيتها,وتتأثر كذلك بالظروف الاقتصادية, والاجتماعية,والسياسية , الفكرية السائدة وليست صفة ( الإسلامية ) هذه إلا تعبيرا عن المرجعية الفكرية التي تنطلق منها الحركات وتتحرك بداخلها.
وقد أدت صفة ( الإسلامية ) هذه إلى وقوع بعض الدراسات المعنية بالظاهرة الإسلامية في التخبط بين مسارات التهوين والتهويل أو التبني والتجني خاصة وأن الظاهرة الإسلامية لا تتحرك في فضاء بل تحيط بها الأوساط الإعلامية بآلياتها والوسط الأكاديمي والتيارات الأيديولوجية المختلفة والمواقف السياسية .
وتحركت عناصر الأجندة البحثية ضمن هذه الدراسات جميعا متأثرة بتلك الأوساط ومن هنا كانت ثمة ضرورة إلى توضيح أن الحركة الإسلامية إلى جانب كونها حركة اجتماعية أو سياسية فهي أيضا حركة جهد بشري ونتاج فكر بشري البعد الإنساني فيها يرفع عنها أن توصف بالعصمة فهي حركة غير معصومة سواء من جانب من تبناها أو من جانب من تجني عليها .
أما " افتراض العصمة من جانب فريق التجني فإنه غالبا ما يحيل أخطاء البشر إلى النسق الفكري, والقيمي لمنظومة الإسلام ذاتها ويحرك ذلك لغة تهكمية في الحكم على الظواهر المختلفة المتعلقة بالظواهر الإسلامية هذا من ناحية ومن ناحية أخرى يحرك عناصر نقدية تقوم بعملية تحويل النقد إلى المنظومة الفكرية أو محاسبة هذه الظاهرة ضمن معايير العصمة لا معايير الصواب والخطأ .
ويبقي أن التأكيد على بشرية الحركة الإسلامية يسمح بحرية أكبر لممارسة النقد الذاتي الداخلي والخارجي للحركة الإسلامية فليس معني أن حركة توصف بأنها إسلامية ينفي عنها القصور الموجود من الجانب الإنساني في فهم منظومة الإسلام أو كيفية ممارسة الإسلام.

2- الأيديولوجية:

تعد الأيديولوجية أحد عناصر التماسك الهامة داخل الحركة الإسلامية وكلما قويت أيديولوجية ما كلما استطاعت تلك الحركة تجميع أكبر قدر من الأعضاء وإحداث ترابط فكرى بينهم والأيديولوجية من هذا المنظور تتضمن عناصر ثلاثة أولهما وصف الحاضر وتحليله , وثانيها صورة معينة للمثل الأعلى السياسي,

والاجتماعي المنشود وثالثها الأداة أو الوسيلة التي تسمح بالانتقال من المجتمع الحاضر إلى المجتمع الذي تسعي إليه "

ويقدم البناء الفكري للحركة المعايير والقيم ويقصد بالمعايير القواعد المثلي للسلوك الذي يلتزم به الأعضاء أما القيم فتشتمل على البرنامج والأيديولوجية والبرنامج هو خطة التغيير وتشخيص الوضع الاجتماعي الذي تريد الحركة تحقيقه, أما الأيديولوجية فهي الإطار الفكري الذي يبرر البرنامج وإستراتيجية الحركة وعادة ما تشتمل علي إعادة تفسير التاريخ والدعوة المثالية بأن نجاح الحركة ممكن وإسقاط نزعات الفشل وربط الناس بالحركة "

وتنبثق قوة الإيديولوجية من المشاعر التي تثيرها لدى الطاقات الإنسانية التي تحررها والعمل الذي تحثها عليه وبذلك فإن " الأيديولوجية تستهدف مباشرة التأثير على السلوك السياسي , فتتحول الأفكار من التجريد الفكري لتصبح أداة اجتماعية نشطة أى أيديولوجية وتطبق على مواقف محددة وتصبح أساسا للحركة وبهذه الصفة تلحق الأيديولوجيات بكيانات سياسية معينة مثل : حركات منظمة , جماعات أحزاب سياسية إنها مذاهب تستهدف كسب الإيمان بها وتجعل الناس يقبلون ,أو يرفض ونقدرهم السياسي ويحشدون جنودهم للدفاع عن النظام القائم أو الثورة عليه "

ومن ذلك فإن أيديولوجية حركة ما تتضمن أهداف الحركة والغرض منها ووعودها بالإضافة إلى الانتقادات الموجهة للبناء الموجود الذي تهاجمه الحركة وكذلك تضطلع الأيديولوجية بمهمة تبرير أهداف الحركة وسلوكياتها السياسية والاجتماعية وترسم كذلك الأساليب والوسائل التي تنتهجها الحركة في تفاعلاتها داخل المجتمع .

3- الاستراتيجية:

تعرف الاستراتيجية بأنها " ذلك الإطار العام والخطوط العريضة التي يتم رسمها من أجل تحقيق أهداف معينة مرحلية أو نهائية – أو الانتقال من حالة إلى أخري,وهي تساعد على تحقيق الأهداف الكبرى والمعالم الرئيسية . وهي لا تهتم كثيرا بالتفاصيل , الجزئيات بل تركز على الأطر العامة وهو ما يميزها عن التكتيك الذي غالبا ما يكون أكثر تعقيدا أو يركز على التفاصيل التي من شأنها أن تنزل بخطوط الاستراتيجية.

وما تقصده الدراسة من الاستراتيجية هو مجموعة الأساليب التي ارتأت الحركات الإسلامية انتهاجها لصياغة أو إعادة صياغة المجتمع والدولة وتشكيلهما وفقا لها وكذلك الآليات التي تعتمد عليها الحركات الإسلامية لتفعيل دورها في المجتمع وتحقيق نشر أفكارها بين قطاعات كبيرة من المجتمع .

فالإستراتيجية هنا هي الكيفية التي يتم من خلالها تشخيص الواقع الاجتماعي المعيش وانتقاده وكذلك توضيح وشرح الملامح السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمشروع الإسلامي المقترح ,وآليات تفعيلها داخل المجتمع سواء من خلال مؤسسات المجتمع المدني أم من خلال المؤسسات الحكومية .

4. بناء النفوذ الاجتماعي والسياسي والتغلغل الفكري :

ويقصد بعملية بناء النفوذ الاجتماعي والسياسي دراسة مدى قدرة الحركة على التأثير في أفراد المجتمع لاستقطاب عناصر جديدة تنخرط في ممارسة أنشطتها الفكرية ,والحركية وكذلك تشكيل قواعد جماهيرية , تؤيد الحركة وتساندها بما يشكل رصيدا اجتماعيا لها .

أما عملية التغلغل الفكري فهي " القدرة على النفاذ إلى عقل , وقلب الفرد والتأثير على أفكاره وتصوراته, وفهمه للأمور الدينية , والاجتماعية ,والاقتصادية , والسياسية بحيث يضحي في النهاية مقتنعا بصحة الأفكار والأفعال, والممارسات التي تطرحها الحركات الإسلامية مدافعا عنها .

الباب الأول الإسلام والأحزاب السياسية في تركيا في النصف الثاني من القرن العشرين

المبحث الأول موقف الحكومات التركية من الإسلام فيما بين

(1924م- 1343هـ - 1960م – 1380هـ )

موقف حزب الشعب الجمهوري من الإسلام

مع التوقيع على معاهدة لوزان في 24 يوليو 1923م -1342هـ بين وفد الحكومة الكمالية وبين مجموعة الدول الأوروبية انتهت حرب الاستقلال .

وأجليت قوات الحلفاء ودخلت القوات التركية استانبول في 6 أكتوبر 1923م.

ثم أصدر المجلس الوطني التركي الكبير قانونا جديدا يجعل أنقرة العاصمة الرسمية لدولة تركيا بدلا من استانبول.

وفي 19 أكتوبر 1923م أصدر المجلس قراره بإعلان الدستور الجديد الذي ينص على كون تركيا جمهورية تستمد سيادتها من الشعب وانتخب مصطفي كمال أول رئيس للجمهورية الجديدة .

ولم يمر إعلان الجمهورية دوم انتقادات وهمسات وخاصة في أوساط الأستانة وصحافتها وفي أفواه واجتماعات بعض رجال الحركة الوطنية الذين كانوا يقفون في كل مناسبة موقف الشك والتحسب من نوايا الزعيم ومقاصده وخطواته,منهم من أبدي ارتياحه في نجاح النظام الجمهوري ومنهم من رأي فيه تغايرا مع تقاليد الأمة وعاداتها ومنهم من أشار إلى ما كان من تسرع وتحكم في قراره وتنفيذه ومنهم من رأي فيه بادرة لمطامع الزعيم الشخصية .

وبانتخاب مصطفي كمال رئيسا للجمهورية أصبح الحاكم الشرعي للبلاد فقد امتلك سلطة تعيين رئيس الوزراء إلى جانب كونه رئيس الجمعية الوطنية و رئيس حزب الشعب الجمهوري والقائد العسكري العام الذي يسيطر على الجيش والشعب معا.

ومنذ ذلك الوقت بدأ مصطفي كمال مرحلة جديدة استهدفت بناء تركيا جديدة مغايرة تماما في ثقافتها ,وتقاليدها, وحضارتها لما كانت عليه مستعيرا نموذج الحضارة الغربية بثقافتها وتقاليدها – دون مراعاة للموروثات القيمية , والحضارية للأتراك – وأطلقت على أفكاره , ومبادئه التي طرحها وقام بتنفيذها ( المشروع الأتاتركي التحديثي ) واستغرق تنفيذ هذا المشروع خمسة عشر عاما حتى وفاته في 1938م -1357هـ . واستمرت المرحلة الأولي خمس سنوات في تطبيق مشروع علمنة الدولة التركية تخللتها سلسلة من القوانين,والتشريعات في سبيل علمنة المجتمع ,وقد استهدف المشروع بالأساس, والمؤسسات الدينية في كل من الدولة ,والمجتمع أما المرحلة الثانية التي استمرت قرابة عشر سنوات فقد تواصلت الإجراءات نفسها على النسق الذي رسمه ( أتاترك ) في التغيير الاجتماعي والثقافي ولكنه أراد في المرحلة الثانية أن يرسي دعائم دولة حديثة مؤدلجة ضمن مبادئ ستة ولكنه طبقها ضمن إطار التغريب .

وقد اختلف التغريب الذي استهدفه ( أتاتورك)لإجراء عملية التحديث والعصرنة اختلافا واضحا , عن ذلك التغريب الذي جرى في أواخر عهد الدولة العثمانية فحمل هذا التغريب خصوصية أتاتركية , اتسمت بالانقلابية على كل ما هو قديم / شرقي / إسلامي نحو كل حديث / غربي / لا ديني ( علماني ).

وتتلخص أيديولوجية ( أتاتورك) في تحديث وبناء الدولة التركية في ستة مبادئ رئيسية طبقها خلال الخمسة عشر عاما الأولي من حياة الجمهورية والأخيرة في حياته وشكلت هذه المبادئ الستة المادة الثانية من الدستور التركي في فبراير 1937م وهي الجمهورية القومية , والانقلابية ,والدولتية, والعلمانية , والشعبية .

1- الجمهورية:

ويقصد ( أتاتورك) بمبدأ الجمهورية نظام الحكم, والإدارة بالدولة التي أسسها بديلا عن نظام السلطنة والخلافة العثمانيين فيقول :
إن الجمهورية نظام إداري يعتمد على الفضيلة والأخلاق فالنظام الجمهورية فضيلة . ونظام السلطنة إدارة تعتمد على الخوف والتهديد .

ويعرض لأثر هذا المبدأ في التمازح بين الدولة والأمة فيقول :

لم يبق بين الحكومة والأمة ذلك الانفصال الذي كان في الماضي فالحكر هي الأمة , والأمة هي الحكومة .

ويربط بين النظام الجمهورية والديمقراطية قائلا :

إن النظام الجمهوري ,يعني شكل الدولة ذات النظام الديمقراطي .

2- القومية :

3- والقومية مبدأ يعتمد على أساس المواطنة التركية ولا يعتمد على العرق أو الدين ويؤكد على الاعتزاز بالقومية التركية فيذكر ( أتاترك) في هذا الصدد:

" كم أنا سعيد بمن يقول أنا تركي "
ويحدد الحدود الجغرافية لهذه القومية التركية:" إن لفظ الأمة التركية يطلق على الشعب التركي الذي أسس الجمهورية التركية.
ومن ذلك فأتاترك لا يقيم تعريفه للأمة التركية على أساس الجنس العرقي التركي وإنما على أساس المواطنة التركية ضمن الحدود السياسية التي حددتها معاهدة ( لوزان ) فيقول:
"إن وطننا ,هو الوطن الموجود داخل حدودنا السياسية الحالية التي نعيش فيها بما فيه من تاريخ الأمة التركية القديم,وآثارها التي حافظت على وجودها داخل أراضيها والوطن , كل لا يمكن تجزئته تحت أى قيد أو شرط.
وتعني عنده القضاء على العادات والتقاليد القديمة إذا تعارضت مع المصالح الوطنية التركية مهما كانت تاريخيتها, وقدسيتها .
وهي كذلك عنده " ألا يأخذ الحزب بفكرة التطور التدريجي بل يقصد مباشرة إلى ما يريد ."

ويعرف الانقلاب قائلا :

" الانقلاب ,هو هدم الأمة التركية للمؤسسات التي تسببت في تخلفها في العصور الأخيرة ووضع مؤسسات جديدة بدلا منها تحقق التقدم طبقا لمتطلبات الحضارة الحديثة .

4- الدولتية :

ويعرف ( أتاتورك)هذا المبدأ قائلا :

" تعني أن الدولة تتكفل ببعض الأعباء التي لا يستطيع الأفراد القيام بها من أجل نهضة تركيا وخاصة في المجال الاقتصادي .

وهي كذلك " بسط يد الحكومة فيما يلزم اتخاذه لتحقيق الاستقلال الاقتصادي ورفع مستوى المعيشة ولهذا البسط ناحيتان الأولي تولي الحكومة بنفسها ما يؤدى لهاتين الغايتين الثانية إشراف الحكومة إشرافا فعليا على ما يتولاه الأفراد في ذلك والحكومة في ذلك بعيدة كل البعد عن فكرة الذين يحاولون محو الملكية الفردية كما أنها لا ترمي إلى محو نشاط الأفراد أو إزالة ما يحفزهم على الابتكار.

فهو مبدأ يسمح بتدخل الدولة في كافة الشئون الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من أجل تحقيق التنمية للمجتمع التركي .

ومن الباحثين الأتراك مثل أوطقان قوجة ترك ( من يرون أن : نظام الدولة الذي طبق في تركيا, ليس ذلك النظام الذي أخذ من المنظرين الاشتراكيين , وإنما هو نظام تولد من احتياجات تركيا ويرون أنه حالة خاصة بتركيا ..

5- العلمانية :

وهي تعنى في المفهوم التركي , الفصل بين الدين وشئون السياسة في المعني العام وأن تكون المعتقدات والأفكار الدينية تحت إدارة وتوجيه الدولة مع عدم قيام تلك المعتقدات الدينية بأية دور في الحياة السياسية .

ويعرف ( أتاتورك) العلمانية في سياق مبدأ الجمهوري فيقول :

"إن الأمة التركية دولة تدار بنظام جمهوري الذي هو إرادة الشعب . والدولة التركية دولة علمانية ولكل رائد حق اختيار دينه .
ويؤكد على عدم اعتبارية الدين – بأى شكل من الأشكال – في نظام الحياة السياسي أو الاجتماعي وكذلك على خصوصية المعتقد الديني فيقول:
" ليس ثمة دينا رسميا للجمهورية التركية . وسائر القوانين في إدارة الدولة .
تسن وتطبق طبقا للأشكال والأسس التي تحقق الحضارة المعاصرة ,ولأن التلقي الديني أمر وجداني فنظام الجمهورية يري النجاح الرئيسي في التقدم العصري للأمة التركية وفي فصل الأفكار عن شئون الدولة والعالم وعن السياسة .

ويحدد حجم دور الدين الوجداني أيضا فيقول :

" نحن لا نخلط بين شئون الدين والأمة والدولة فكعبة شئون الأمة والدولة هو مجلس الأمة الكبير .ومحراب الشئون الدينية وهو وجدان الأفراد .

6- الشعبية :

7- وهو مبدأ يقر بأن يكون الحكم للشعب وبإرادته وأن يتساوى جميع أفراد الشعب على اختلاف أعراقهم وأجناسهم أمام القانون تحت مسمي المواطنة التركية .

8- ويوضح ( أتاتورك) الفرق بين هذا النظام والنظام العثماني فيقول :

" دولة تركيا الجديدة , دولة الشعب , أما المؤسسات الماضية فكانت دولة شخص .

وكذلك يقول : لا يوجد في هذه الأمة سيد إنما توجد خدمة والذي يخدم هذه الأمة هو السيد.

ولعل أكثر تلك المبادئ الستة تأثيرا في عهد الجمهورية الأولي كان مبدأ العلمانية الذي استنهجه مصطفي كمال في كافة شئون الحياة مستوسلا في تطبيقه مبدأ الانقلابية للقضاء على كل قديم بشكل جذرى وإبداله بالجديد من النظم والمؤسسات السياسية والاجتماعية والثقافية التي تخدم أهداف حزب الشعب الجمهوري .

أثر الانقلابات الكمالية على الأوضاع السياسية والدينية ,والثقافية ,والاجتماعية

قام ( مصطفي كمال أتاتورك) بإجراء العديد من الانقلابات في شتي مناحي الحياة التركية وقد اتسمت تلك الانقلابات بالجذرية والحدة مع عدم الأخذ في الاعتبار ثقافة الشعب التركي وتراثه وماضيه .
ويرى الدكتور : محمد شفيق غربال أنه " يحق لمصطفي كمال ,وأنصاره أن يقرروا – والتاريخ يقرهم على ذلك – أن خطتهم ما هي إلا نتيجة منطقية لما اختارته الدولة العثمانية وغيرها من الدول الشرقية عندما قررت أن تقتبس من أصول الحضارة الغربية ما تصلح به بعض شئونها ."
وتنوعت الانقلابات التي قام بها ( أتاتورك) بين الانقلابات في الحياة الدستورية والدينية والثقافية والاجتماعية.

الانقلاب في الحياة الدستورية

وجدير بالذكر أن عملية استحداث قوانين غربية واستخدامها إلى جانب القوانين العثمانية قد بدأت منذ عهد التنظيمات واستمرت تتزايد مع تزايد الأزمات الاقتصادية التي عاشتها الدولة العثمانية ,والتي فرضت عليها قبول قوانين جديدة في الشئون الاقتصادية والتجارية إلا إن الأمر غدا أكثر تنظيما عندما تأسست الجمهورية وقام ( أتاتورك) باعتماد لقانون المدني السويسري وقانون العقوبات والجنايات الإيطالي وقوانين التجارة الألمانية .
وقد تكلم ( أتاتورك) في كلية القانون الحديثة بأنقرة في نهاية عام 1929م منتقدا كل القوانين القديمة." ثم التفت إلى قانون الأحوال الشخصية فألغي قانون تعدد الزوجات وإجراءات الطلاق التقليدية.وأطلق عقود الزواج تجرى في المحاكم المدنية ووضعت المرأة على قدم المساواة مع الرجل فأصبح بإمكان المسلمة أن تتزوج من غير المسلم كما منح البالغون حق اختيار عقيدتهم الدينية .
ومن الواجب الانتباه إليه أنتلك القوانين لم تحدث شرخا في الحياة الاجتماعية فحسب بل منحت نفوذا سياسيا للملل والطوائف التي في تركيا كاليهود والأرمن من خلال خضوعهم لدستور مدني واحد يسوى بينهم وبين الأتراك في كافة الحقوق والواجبات وبذا تم القضاء على أى فارق بين الترك وغيرهم وأصبحت الهوية الجامعة , هي المواطنة التركية .
وقررت المادة ( 69) من الدستور مساواة كل الترك أمام القانون , وإلغاء وحظر أى تفرقة بين مجموعات وطوائف أو عائلات أو أفراد .
ويتجلي أكثر الانقلابات جذرية في الحياة الدستورية في "إلغاء نظام الخلافة العثمانية في 3 مارس 1924م , إذ لا يتوقف صدى ذلك الإلغاء للخلافة العثمانية على كونه إبدال نظام حكم سياسي بآخر وإنما كان ذلك الانقلاب انقلابا تاما في النظام السياسي والدستوري والاجتماعي بما يحمل من خصوصية حضارية وثقافية.
ومن بعد أصبح النظام الجمهوري المدني بديلا عن نظام الخلافة فاستلزم ذلك النظام الجديد ملأ مواده الدستورية والتشريعية وتوجه ( مصطفي كمال ) نحو الغرب بنظمه وقوانينه يختار ما يريده قانونا لبلاده .

الانقلاب في الحياة الدينية

وعقب إلغاء الخلافة العثمانية أجريت سلسلة من الانقلابات في الحياة الدينية تستهدف الفصل بين شئون الحياة والشئون الدينية ." فألغيت مشيخة الإسلام ووزارة الأوقاف وتأسس بدلا منهما إدارة الشئون الدينية , وإدارة الأوقاف , وهما تابعتان لرئاسة الوزراء وعلى الرغم من أن إدارة الأوقاف تابعة لنظام إداري مختلف إلا أن عائداتها كانت تورد إلى خزانة الدولة وكانت تستخدم تلك العائدات بعد العناية ببعض الجوامع والأبنية الدينية ودفع أجور الموظفين الدينين في الأعمال العامة "

وفي نفس اليوم الذي ألغيت فيه الخلافة " ثم استصدار قانون ( توحيد التدريسات ) في 3 مارس 1924م وطبقا لذلك القانون فإن جميع المدارس تتبع وزارة المعارف ."

وهكذا ألغي نظام التعليم الديني الذي كان ساريا جنبا إلى جنب مع التعليم المدني في العهد العثماني وكذلك أغلقت كل مدرسة أو هيئة تعليمية تقوم بتدريس العلوم الشرعية .

"وفي 8 أبريل 1924م ألغيت المحاكم الشرعية وأحيل قضاتها إلى المعاش ...وبعد فترة قصيرة أقر القانون المدني التركي في 4 أكتوبر 1926م وقانون العقوبات التركي في 1 يوليو 1926م وكذلك قانون التجارة التركي .

" وفي 30 أغسطس 1925م ألقي (مصطفي كمال ) خطابا في محافظة قسطموني حيث تنتشر الطرق الصوفية فقال :

" إن طلب العون والمساعدة من قبور الأموات صفعة للمجتمع الإنساني المتحضر .... يجب أن تتعلموا أيها السادة أنتم وأفراد أسركم على الأمة التركية بأسرها أن تعلم أن الجمهورية التركية العلمانية لا يمكن أن تكون بعد اليوم أرضا خصبة للمشايخ والدروايش وأتباعهم من أصحاب الطريقة , وإذا كان هنالك من طريقة حقيقية فهي طريقة الحضارة المبنية على العلم .. وعلى مشايخ الطرق أن يفهموا هذا الكلام بوضوح وبالتالي يغلقوا زواياهم وتكاياهم عن طيب خاطر , وإلى الأبد قبل أن أدمرها فوق رؤوسهم .

وبعد عودته قام باستصدار مجموعة من القوانين استهدفت حظر كل ممارسة للطرق الصوفية وكذلك إخفاء الشكل الإسلامي عن الحياة التركية مثل :

- إغلاق الزوايا والتكايا الموجودة بالدولة سواء كانت وقفا أو ملكا لمشايخها .
- إلغاء كل أنواع والطرق ومشايخها وإلغاء ألقاب الدراويش والمريد والأستاذ والسيد والجلبي والبابا والأمير والنقيب والخليفة والعرافة والسحر والتنجيم وكتابة التعاويذ والأحجبة والتمائم .
- حظر استعمال ألقاب وصفات وأزياء تدل علي تلك الطرق .
- إغلاق جميع المزارات وقبور السلاطين والأولياء ومشايخ الطرق .
- يحكم على كل من يخالف هذه القرارات بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة شهور غرامة لا تقل عن خمسين ليرة .
- تحويل جميع ما في الزوايا والتكايا من أثاث إلى المتاحف التابعة للدولة .
- وكنتيجة حتمية لإغلاق الزوايا والطرق أصبحت المناصب المعترف بها كعلماء هي : رئيس الشئون الدينية,وأعضاء الهيئة الاستشارية في رئاسة الأمور الدينية والمفتون والأئمة والخطباء يعينون من قبل رئاسة الشئون الدينية .
- زى العلماء هو عمامة بيضاء وجبة سوداء .
- عدم إجبار العلماء على ارتداء الزى خارج وظائفهم .
- يخير العلماء في السلام بين رفع غطاء الرأس أو الإشارة بأيديهم عند التحية .

- وفي نفس الوقت الذي أغلقت فيه الطرق والتكايا وألقابها صدر قانون تم إقراره في 25 فبراير لسنة 1925م -1344هـ يقرر الآتي : على جميع أعضاء المجلس , والموظفين , والعاملين في جميع المؤسسات الرسمية والخصوصية اكتساء القبعة التي اكتسبها الأمة وأصبحت غطاء الرأس لجميع الشعب التركي

- الانقلاب في الحياة الثقافية والاجتماعية :

- واستوسل المشروع الأتاتركي التحديثي الانقلابات الثقافية فيه كمرحلة ثالثة في النهضة التركية تأتي بعد سياسة تجفيف المنابع التي اتخذها في مواجهة الموروثات العثمانية على المستويين الإداري والديني وقد اتصفت الانقلابات الثقافية أيضا كغيرها بالجذرية والحدة.

- ولعل أبرز تلك الانقلابات هو الانقلاب الحرفي .

فيعد عام 1928م – 1347هـ علامة فارقة في التاريخ الثقافي للشعب التركي إذ "أعلن ( مصطفي كمال ) في 8 أغسطس 1928م أثناء الاجتماع الذي نظمه حزب الشعب الجمهوري باستانبول الحروف التركية الجديدة لأول مرة وفي 1 نوفمبر تم التصديق عليها وأعلمت بذلك كافة الهيئات والمؤسسات والشركات العامة والخاصة وحدد 1 يناير 1929م آخر موعد لتطبيق القانون الجديد.

فقد تم استبدال الأبجدية العربية التي كانت مستخدمة في الدولة العثمانية بل ومنذ دخول الأتراك الإسلام , بالأبجدية اللاتينية.

وغدا من بعد الشعب التركي بمثقفيه وشيوخه وعلمائه بمعزل عن تراثهم الثقافي ولزم عليهم أن يصبحوا طلابا من جديد يتعلمون الأبجدية الجديدة حتى يتعاملوا من النظام الجديد.

ولم يقف ذلك الانقلاب عند هذا الحد بل تأسس المجمع اللغوي التركي في 1926م بغرض تتريك اللغة وتم إخراج الدروس العربية والفارسية من مقررات المدارس .

وعمل ذلك المجمع من بعد على تصفية اللغة التركية الحديث من الكلمات العربية والفارسية التي كانت تملأ اللغة العثمانية ,واستصدار قوانين نحو لغة تركيا صافية .

وعلى الرغم من أن الهدف المعلن لذلك الانقلاب كان تسهيل تعلم اللغة التركية ووضع قواعد نحوية لها بشكل أكثر تبسيطا إلا أن الانقلاب كان يحمل بداخله بعدا أيديولوجيا قويا بعيد المدى , حيث كان يرنو إلى تربية نشئ جديد منقطع الصلة عن تراثه الثقافي وماضيه الحضاري ويطلق عليه جيل الجمهورية التركية الحديثة فتبدأ ثقافته وتاريخه منذ تأسس الجمهورية ويتأدلج ذهنه بالأيديولوجية الكمالية فحسب .

ومن سلسلة الانقلابات الثقافية يأتي " تأسس مجمع التاريخ التركي في 1925 م – 1344هـ .

حيث تعاد كتابة تاريخ الترك وفق المستهدفات الثقافية للأيديولوجية الكمالية ثم اتخاذ الأعداد اللاتينية في 1928م – 1347هـ باعتبارها أعداد دولية والعمل على إزاحة الأعداد العربية .

أما عن الانقلاب في الحياة الاجتماعية فما لا شك فيه ذلك الأثر البين للانقلابات السابقة في تغيير وجه الحياة الاجتماعية إلا أن القوانين الكمالية كانت أكثر حزما وسرعة لتغير نمط الحياة التركية وطرز معيشتها .

" ففي 26 نوفمبر 1925م تحول التقويم الإسلامي إلى نظام التقويم الدولي , ولم تكن وحدات القياس والعيارات بمنأى عن ذلك الغير فتغيرت إلى المعايير الدولية في 26 مارس 1931م, وأطلقت الحرية لبيع وشرب الخمور للمسلمين وفي أكتوبر 1926 م بدأت تماثيل (أتاتورك)ترتفع في أشهر ميادين تركيا.

" وفي عام 1934م – 1354هـ جرى تبديل يوم العطلة الأسبوعية من يوم الجمعة الذي له قدسية في الدين الإسلامي إلى العمل بأسلوب عطلة نهاية الأسبوع أى اعتبارا من ظهر يوم السبت إلى صباح يوم الاثنين وكانت العلة المعلنة أن ذلك الأسلوب أكثر تماشيا مع نظام التجارة العالمي .

وفي إطار حركة الإحلال والإبدال "أسس ( أتاتورك) أيضا بيوت الشعب عام 1932م – 1351هـ وشملت جميع المدن الكبرى, والرئيسية في تركيا وأصبحت مراكز تجمع ثقافية لإلقاء المحاضرات وإقامة المعارض وعرض المسرحيات ,والدراما , والأفلام , والألعاب الرياضية وكانت هذه البيوت بمثابة بؤر وطنية خدمت أهدافا سياسية تحت اتجاه حزب الشعب الجمهوري وصولا إلى تحقيق أهداف ثورة (أتاتورك) الغريبية نحو العلمنة .

وجدير بالذكر أن تلك المظاهر الثقافية الغربية على الرغم من كونها كانت موجودة في أواخر الدولة العثمانية إلا أنها كانت لنخبة محددة أما ( أتاتورك) فقد جعلها مظهرا ثقافيا عاما لكل أفراد الشعب كخطوة منه نحو الحداثة الغربية .

ومما سبق يتضح بجلاء أن تلك الانقلابات المذكورة كانت نابعة من أيديولوجية واضحة يوجهها المشروع الأتاتركي التحديثي من خلال حزب الشعب الجمهوري.

وقد أتت تلك الانقلابات بثمارها – آنذاك – متمثلة في إيجاد مجتمع تركي حديث جديد النشأة غربي الثقافة والتوجه .

وبفضل قدرة( أتاتورك) على قيادة ثورته في التغريب التى كانت إلى جانبها ثورة مؤدلجة وطنيا في اللغة والتاريخ إلى جانب ثورة في مجال التعليم والدراسة وتربية النشئ الجديد استطاع فصل تركيا عن أصالة الإرث العربي / الإسلامي الذي مثل مصدر ثقافتها وحضارتها لقرون طويلة .

إلا أن تلك الفترة لم تخل أيضا من مجموعات حافظت على كيانها الثقافي وعملت على الإبقاء على القيم الإسلامية والتقاليد العثمانية لدى أفراد الشعب التركي بيد أنهم بسبب الضغط والثورة التي كانت مفروضة آنذاك آثروا العمل السري ولم يسمح لهم طيلة حياة ( أتاتورك) بالظهور, إلى أن أعلنت تركيا دخول مرحلة التعددية الحزبية فظهروا كقوة دافعة وليست موجهة أيضا .

وذلك ما سوف يتضح في أقسام هذه الدراسة عند التعرض للمضامين الأيديولوجية للحركات الإسلامية والتي يتضح من خلالها أن فترة العهد الكمالي كانت أخصب فترة نشطت فيها الحركة الإسلامية وإن كانت بشكل خفي .

عصمت اينونو والانتقال إلى مرحلة التعددية الحزبية

"توفي ( مصطفي كمال أتاتورك" في 10 نوفمبر 1938م – 1357هـ تاركا جمهوريته المدنية في أمان بفضل الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية والسياسية التي أرسي قواعدها ورعاها في الأعوام الماضية ,والتي كانت كفيلة بمنع قيام ثورة مضادة أو رد فعل من أنصار حكم الخلافة ولكن الكماليين كانوا يدركون في ذات الوقت أن الإسلام عامل هام بالنسبة للسياسة التركية وأنه سوف يستخدم ضدهم إن لم يتخذوا الاحتياطات الكفيلة لمنع ذلك وكانت الوسيلة لذلك هي جعل الجيش التركي هو القيم والحارس على أساسيات النظام ومبادئ حزب الشعب الجمهوري الذي هو حزب مصطفي كمال والجمهورية من بعده .

وفي اليوم التالي لوفاة ( أتاتورك) دعا المجلس التركي الوطني الكبير لانتخاب رئيسا للجمهورية واقترح إجراء انتخاب حر بشكل سري دون الإعلان عن مرشحين للرئاسة وذلك بأن يكتب كل نائب اسم من يريده رئيسا للجمهورية .

وانتخب عصمت اينونو في 1938م – 1357هـ رئيسا للجمهورية التركية بإجماع الأصوات داخل المجلس الوطني التركي الكبير, وبعد أسبوعين انتخب رئيسا عاما لحزب الشعب الجمهوري مدى الحياة.

قد خاطب( اينونو ) نواب الأمة فور انتخابه رئيسا للجمهورية خلفا لأتاتورك:

" لا تنتظروا مني أن أكون مثله. فهذا أمر لا أنا ولا سواء يستطيع أن يتنطح له كل ما أستطيع أن عدكم به هو أن أظل- كما كنت دائما – مخلصا لأفكاره ومبادئه وتعاليمه ,وأن أواصل السير على الطريق القويم الواضح الذي رسمه من أجل رفاهية الشعب التركي وتقدمه,ورفعة الوطن ومتعته .

ورث ( عصمت اينونو ) عن ( أتاتورك) رئاسة كل من الجمهورية وحزب الشعب الجمهوري ,ولم يلق صعوبة في إدارة شئون الحزب , فقد كان ( أتاتورك ) قد حدد أهداف الحزب ومبادئه كما أن الحزب كان قد تجاوز الخمسة عشر عاما من عمره فاستقرت أفكاره ونظامه إلى جانب أنه الحزب الوحيد فلا يخشي منافسة أو عداء من حزب آخر .

وكذلك إدارة رئاسة الجمهورية لم تكن بالنسبة لإينونو بالعبء الثقيل حيث كان ( أتاتورك) قد أرسي قواعد الدولة ,وخط لها برامجها السياسية والاقتصادية والثقافية فتمثل دور( اينونو ) في السير على النهج المحدد سلفا .

وبعد أن تولي ( عصمت اينونو ) رئاسة تركيا , استمر في تأييد الانقلابات الأتاتركية, وسياسة العلمانية التي طبقت حتى ذلك الوقت .

بالإضافة إلى أن حكومة حزب الشعب الجمهوري قد قامت بتغييرات دستورية جديدة فقد زادت من العقوبات المفروضة على المعارضين لقانون القبعة عام 1941م – 1360هـ واستصدرت قانونا يفرض الأذان بالتركية وقد قامت حكومات فترة ( اينونو ) بإجراءين فقط يمكن أن يعدا في صالح الدين الإسلامي ففي 1939م 1358هـ خصصت أموالا لوزارة التعليم القومي من أجل طبع الترجمة التركية للموسوعة الإسلامية مع الإضافات وفي 1942م – 1361 هـ بدأت السماح بالتعليم الديني في المدارس العسكرية بقصد رفع الروح المعنوية للجيش .

وقد واجه ( اينونو) بعد انتخابه بفترة قصيرة مشكلتين رئيسيتين متتابعتين الأولي كانت قيام الحرب العالمية الثانية أما الأخرى فكانت تزايد المطالب داخل تركيا باتخاذ خطوات جادة نحو حياة ليبرالية تسمح بمناخ أوسع من الديمقراطية .

وإن يكن ( اينونو) قد استطاع تجنيب تركيا ويلات الحرب العسكرية إلا أنه لم يستطع أن يجنبها لأزمات الاقتصادية والمالية والمعيشة السيئة التي جرتها الحرب على جميع الدول المشاركة فيها والمحايدة على حد سواء مثل ارتفاع الأسعار واختفاء السلع وتفاقم سوق الاحتكارات مما أدي إلى زيادة تدخل الدولة في شئون البلاد الاقتصادية .

فمع انتهاء الحرب ودخول تركيا في عضوية الأمم المتحدة بدأت رياح التذمر والسخط تعم أرجاء البلاد بسبب الموضع المعيشي السيئ لا سيما في أوساط فقراء الفلاحين والعمال والحرفيين الذين أخذوا يشعرون بضرورة تغيير بنية النظام السياسية والاقتصادية ... حتى أن بعض زعماء حزب الشعب الجمهوري قد تحسسوا هواجس هذه الجماهير فأخذوا يهاجمون سياسة الحزب المتزمتة وتدخل الدولة في كل شاردة وواردة من شئون الناس والمؤسسات الخاصة .

في ذلك الوقت بعد أن أصبحت تركيا عضوا في الأمم المتحدة كانت حكومة ( اينونو) تقوم بحركة ليبرالية واسعة شملت العديد من المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية مثل السماح بفتح نقابات عمالية ومنح أساتذة الجامعة حرية أكبر للتعبير عن آرائهم وتخفيف الضرائب والجمارك واستصدار قوانين لصالح المزارعين والفلاحين, وكذلك منح الصحافة حرية أوسع وترك طلاب الجامعة يمارسون حقوقهم السياسية .

كان للضغوط المكثفة التي فرضها نظام حزب الشعب الجمهوري تحت زعامة اينونو في نهاية الحرب العالمية الثانية على الدولة أكبر الأثر في الاتجاه نحو نظام التعددية الحزبية ففي داخل الدولة أدي الفساد الاقتصادي لأيام الحرب وكذلك سياسة شد الأحزمة إلى خلق مناخ واسع من عدم الارتياح بين الشعب ,, وزادت الانتقادات الموجهة لسياسات حزب الشعب الجمهورية الوطنية والاقتصادية ونتيجة لذلك ظهرت معارضة بشكل كبير داخل حزب الشعب الجمهوري أما في الخارج فقد أدت هزيمة ايطاليا وألمانيا من قبل الحلفاء إلى زيادة وضع النظام الديمقراطي وكان نظام الحزب الواحد قبل الحرب قد قل قدره .

وقد عززت إجراءات حكومة اينونو نحو منح حريات أكبر في البلاد المطلب السياسي والنخبوي الثقافي لأن تمتد تلك الحريات إلى الحياة السياسية العامة والسماح بتأسيس أحزاب سياسية إلى جانب حزب الشعب الجمهوري دعما للمصلحة الوطنية .

وجدير بالذكر أن تركيا لم تعلن يوما من الأيام أنها دولة ذات نظام حزب واحد وإنما جرى الأمر وفق تبرير ( أتاتورك ) لأفضلية الحزب الواحد بأنه الأصلح لجمع كلمة البلاد خاصة عند بداية تأسسها ومن ذلك لم يكن ثمة داعيا لإجراء تغيير دستوري بذلك.

ودب الخلاف بين أعضاء حزب الشعب الجمهوري أنفسهم حول منح المزيد من الحريات السياسية وجدوى التعدد الحزبي ,ومدي الفائدة التي تعود على الدولة منه ونتج عن ذلك الخلاف أن انفصل عن الحزب في1945م- 1365 هـ أربعة من كبار أعضائه هم جلال بايار وفؤاد كوبرلي وعدنان مندريس ورفيق قورالطان وأسسوا حزبا لنشر أفكارهم تحت اسم الحزب الديمقراطي في 7 يناير 1946م -1366هـ

وأعلن الحزب الديمقراطي في نفس اليوم برنامجه ولائحته وعند النظر إلى برنامجي حزبي الشعب والديمقراطي لا يلحظ فرق واضح اللهم إلا أن الديمقراطي قد أكد على أن هدفه السياسي منح حرية وديمقراطي أوسع في البلاد .

نظر حزب الشعب الجمهوري إلى اتخاذ نظام التعددية الحزبية في 1945م -1365هـ على أنه أتي معه بالكثير من المخاطر فحزب الشعب الجمهوري ظل يعتمد على إطار ضيق فقد تركز اعتماده على نخبة المثقفين خاصة في المدن والمراكز الكبرى وكانت تلك المدن والمراكز هي الأماكن التي يتضح فيها بشكل أكبر تأثيرات سياسته الاقتصادية والتي يركز فيها أنشطته لبناء اقتصادي حديث يعتمد على الصناعة.

واستعد الحزب الديمقراطي لخوض أول انتخابات له فبعد أن شكل مراكزه ومقاره أجرى العديد من اللقاءات الشعبية الهامة وعقد المؤتمرات ونادي فيها بانتخابات حرة نزيهة وأجريت الانتخابات العامة في 21 يوليو 1946م,وشارك فيها أحزاب الشعب والديمقراطي وعدد قليل من الأحزاب الجديدة الصغيرة وقد حصل فيها حزب الشعب على 395 مقعدا من مجموع 465 في حين حصل الديمقراطي على 66 مقعدا وحصل المستقلون على أربعة مقاعد وفور إعلان النتيجة اتهم الديمقراطي الانتخابات بعدم النزاهة .

وعلى الرغم من أن الحزب الديمقراطي لم يفز بمقاعد كثيرة إلا أنه أصبح الحزب الثاني في تركيا في سابقة لم يعرفها التاريخ التركي الحديث .

"اضطر حزب الشعب الجمهوري تحت تأثير عوامل داخلية وخارجية متنوعة للقيام بتغيرات في السياسة التي كان قد انتهجها ضد الإسلام بسبب الحالة التنافسية التي تسبب فيها النظام ففي الفترة التي كان يحتمل فيها دخول الجيش التركي الحرب العالمية الثانية تراجع حزب الشعب الجمهوري عن موقفه العدائي من الإسلام وسمح للوعاظ العسكريين بدخول القوات المسلحة ومع إقرار نظام التعدد الحزبي في 1945م بدأ في منح حريات جديدة للإسلام بغية إمكانية التأثير في الناخبين .

اهتمت حكومات حزب الشعب الجمهوري بعد 1945م بإحياء الإسلام الموجة من قبلها فقد تسبب توتر العلاقات بين تركيا والاتحاد السوفيتي وكذلك شعور النظام بالخطر البالغ للشيوعية على النظام في جعل الدين على رأس خطته ,ويدلل على ذلك قول جهاد ببان وهو أحد المسئولين بحكومة حزب الشعب الجمهوري:" إننا لم نحد قيد أنملة عن مبدأ العلمانية ولكن الدين ليس فقط رابطة بين العبد وربه فهو في نفس الوقت واقع اجتماعي معايش وعمل جماعي إننا لم ننتهج مبدأ العلمانية لنخرج الإسلام من تركيا بل يلزم علينا أن نفيد من قوة الإسلام الممتدة من الشرق حتى المحيط الأطلنطي لمواجهة الانتشار السوفيتي .

وتحول الاجتماع السابع الذي عقده حزب الشعب الجمهوري في ديسمبر 1947م – 1367هـ إلى نزاع متوهج انطلقت شرارته مع الاقتراح بتضمين بعض الحريات الواجب منحها في برنامج الحزب وتلك هي الخطوط العامة للحريات المقترحة:

1- السماح للشعب بزيارة أضرحة كبار الترك وكبار رجال الدين .
2- وجوب تضمين جدول المدرسة الابتدائية والإعدادية لدروس دينية اختيارية بمعدل ساعة في الأسبوع بشرط إعطائها للطلاب من خلال مراجعة كتابية من الأولياء .
3- وجوب احتواء برنامج الحزب على مادة توضح الأهمية التي يوليها حزب الشعب الجمهوري للتعليم الديني .
4- وجوب إعلان برنامج الحزب أو حزب الشعب الجمهوري قد أمر ببدء الدروس الدينية الاختيارية في المدارس الابتدائية.
5- وجوب إعلان وزارة التعليم القومي أنها قد وضعت دروس الدين الاختيارية ضمن مناهج مدارسها الابتدائية .
6- وجوب فتح مدارس الأئمة والخطباء.

وقد حظيت الاقتراحات بتأييد العديد من التحديثيين فذكر بعضهم أن هذه الاقتراحات أفضل للدولة من ترك الدروس الدينية بأيدي المعلمين بمدارس الدولة والتي يمكن من ناحية أخرى أن تقوم بمراقبة ذلك عن قرب.وطالبوا بتضمين الدروس الدينية بالمدارس الابتدائية وفتح كلية الإلهيات رابطين بين الأوضاع السيئة بالمجتمع وتردي الأخلاق الدينية.وتطرقوا إلى أن المسلمين محرومون من هذا الحق في حين هناك حق للجماعات الغير مسلمة في تركيا في تربية وتنشئة رجال دين لهم وتحدثوا كذلك عن ضعف رئاسة الشئون الدينية الذي بلغ بها الحد إلى أنها لا تستطيع القيام بدورها .

ولم تقبل رئاسة الحزب مقترحات التقليدين وسلكت مرتبطا بالعلمانية والثورات ,وعلى الرغم من ذلك فقد استمر الحزب في تقارباته المعتدلة بشأن العلمانية .

ووافق على السماح مرة أخرى بالتعليم الديني في نظام الدولة وكان الحزب يدرك تلك الفجوة التي تكونت بينه وبن قسم كبير من الشعب خلال فترة الحزب الواحد ولهذا السبب أعطي مجموعة من الامتيازات والحريات لمطالب الشعب بشأن هوية الأمة قبيل انتخابات 1950 م – 1370هـ .

وبعد أن تولي شمس الدين جون الطاى وهو المعروف بأبحاثه المتعلقة بالإسلام رئاسة الوزارة في 14 يناير 1949م – 1369هـ قام بمنح بعض الحريات الدينية للشعب .

"ومن هذه الحريات وضع وزارة التعليم الوطني الدروس الدينية مرة أخرى في برنامج التعليم الابتدائي كمواد اختارية وتنظيمها لدورات من أجل تعليم الأئمة والخطباء وفتح الأضرحة مرة أخرى للزيارة والتصريح بأنه سيتم توفير العملة الصعبة اللازمة للحج وقد حدثت هذه التطورات بعد تولية شمس الدين لرئاسة الوزراء وهذه السياسة المنتهجة,وتوضح أن حزب الشعب الجمهوري كان يهدف لإحداث تقاربا مع هذه الأوساط المحافظة فالمجئ بشمس الدين إلى هذا المنصب, كان له رد فعل إيجابي بين تلك الأوساط .

وقد باركت مجلة سبيل الرشاد أكثر المجلات الإسلامية نشاطا وتأثيرا في تلك الفترة جهود شمس الدين قائلة له : حطم كل القيود التي تحاصر الوجدان والفكر ولا تخش أحدا فإن أنت منحت الأمة الحرية والسعادة توجتك ملكا على رأسها وسيستغرف هذا الأمر قليلا أو كثيرا ولكن سيترفع ذلك القهر عن دين الأمة وأتمنى من الله أن يجعل أعظم الانتصارات من نصيبك وعلى يديك لأنك معروف بعلمك وخدمتك لدين هذه الأمة فإنك جدير بهذا لمنصب بيد أن شمس الدين على الرغم من أنه قد ابتعد عن سياسة حزب الشعب الجمهوري العلمانية إلا إنه لم يستطع أن يسعد الأوساط الإسلامية ؟

شغلت مسألة تعريف العلمانية في تركيا بين الكماليين والمحافظين مساحة زمنية وفكرية عريضة إلا أنه على الرغم من إقرارها رسميا كمبدأ من مبادئ الدولة لم توضع لها حدود أو محتوى , وقد استفاد الديمقراطيون ,والجمهوريون من هذا الفراغ في محتوى العلمانية التركية فاستغلوها كما شاءوا .

وكان أول تطبيق فعلي لمراجعات الإسلاميين لمفهوم العلمانية هي فكرة إضافة مادة تقلص من بعض نشاط الإسلاميين بالقرار الذي اتخذه شمس الدين رئيس حكومة الجمهورية في 1949م – 1369هـ إلى قانون العقوبات التركي.

وهذه المادة 163 حملت في مضمونها تعريفا جديدا للعلمانية ومشروع القانون الذي قدم إلى المجلس تحت اسم المادة 163 كالتالي :

يعاقب كل من يؤسس , أو يشكل , أو ينظم , أو يدير جمعية بهدف ديني , أو عقائدي تخالف علمانية الدولة وتخل بنظامها الاجتماعي ,أو الاقتصادي أو السياسي, أو القانوني , بالسجن من عامين إلى سبعة أعوام ويعاقب كل من ينضم إليها , أو يحرض الآخرين على الانضمام إليها بأقل من ستة أشهر وتزداد العقوبات الخاصة بمن يؤسس , أو يشكل , أو ينظم, أو يحرض , أو يدير جمعية من المذكور أعلاه تحت اسم مزيف للتضليل , بنسبة الثلث, وكل شخص يقوم بعمل دعاية بهدف زعزعة الأسس العلمانية بأى شكل من الأشكال أو استغلال الدين كآلة سياسية , يعاقب بالحبس من عام إلى خمسة أعوام ,كل من يقوم بنشر أو المساعدة على نشر ما يخل بالعلمانية يعاقب بالسجن من ستة شهور إلى عامين وتسرى أحكام الفقرة الأخيرة من المادة 141 على الجمعيات المذكورة أعلاه وتفيد بأن حتى تجمع شخصين يعد جمعية تجرم .ويؤكد ( شمس الدين ) أنه على حق في اقتراحه هذا فيقول:

"إننا لن نسمح بأن تعود بلادنا إلى الرجعية, ونسعي للقضاء على كل محاولة لذلك, وقد تحدثت عدة مرات مع رئيس الحزب الديمقراطي وأظهر قلقه البالغ من الرجعية وأخبرته بأنني بصدد تقديم مشروع قانون للحد من هذه الظاهرة .. وقلت له أنه ربما لا يطبق القانون ,ولكن وجود قانون كهذا بيد الدولة يكسبها حماية وقوة ضد الأعداء الخونة .

وعاد ( شمس الدين) ليومئ إلى أن هذا القانون ليس ضد الصحوة الإسلامية المتصاعدة في تركيا وإنما ضد من يحاولون تأسيس دولة دينية. وتحدث مظهرا نفسه المسلم المدافع عن الحركة الإسلامية فقال  :" أنا رئيس وزراء الحكومة التي أمرت ببدء تدريس المواد الدينية في المدارس الابتدائية, وأنا رئيس حكومة فتحت مدارس الأئمة والخطباء في الدولة لتعليم المسلمين الأسس العليا للإسلام .س

وقد أيد الديمقراطيون هذا الاقتراح تأييدا تاما حتى أن ( فؤاد كوبرلي) الذي هو من مؤسسي الحزب الديمقراطي ألقي خطبة ساخنة يدافع فيها عن مشروع القانون وأعرب عن قلقه بسبب أن قانون العقوبات لا يمكم أن يحمي العلمانية وقد أدى هذا التصرف من الديمقراطيين إلى تحطم أحلام الإسلاميين وقيل بعد ذلك أن بعض الديمقراطيين سيتعاونون مع الجمهوريين لاتخاذ اللازم ضد الدين حذر الإسلاميون الشعب في الانتخابات مؤكدين على وجوب الدقة في الانتخاب ولم يكن لدى الإسلاميين أية شبهة في أن هذا القانون صد ضدهم .

وقد عرف الديمقراطيون الذين أيدوا المادة 163 بصورة تامة أنفسهم بأنهم حزب علماني .

إلا أن علمانيتهم ليس عداء للدين وهذا الوضع جعل إمكانية تقديم امتيازات للحركة الإسلامية مفتوحا دون أن يلقي بنفسه في خطر أسس النظام العلماني ولذا فقد تركزت أغلب النزاعات التي بصدد وضع العلمانية طوال العشرة أعوام التي قضاها الحزب الديمقراطي في الحكم حول هذه النقطة .

وها هو أحد تفسيرات الجمهوريين للعلمانية : العلمانية ليست فحسب عدم إقامة علاقة بين الدين والسياسة وإنما عدم تأسيس علاقة بين الدين وأى جانب من جوانب الحياة الاجتماعية ؟

أما المحافظون فقد رأوا الدين عنصرا لا ينفصل عن الحياة الاجتماعية ويدافع على فؤاد باشجيل عن هذه الرؤية فيقول :" لا شك أن الدين مؤسسة اجتماعية باعتبار بنيته وموضوعيته , وهي حدث لا ينفصل عن واقع المجتمع فمنذ أول الأقوام وحتى آخر الأمم المتحضرة الآن تربط بدين ما وتعتقد أنه صاحب القوة الخارقة والمرجع الواجب الرجوع إليه .

وقد سعي كل من الإسلاميين والكماليين للدفاع عن رؤية العلمانية مستندين إلى الكتاب الغربيين وتطبيقات العلمانية في الغرب ولعل العامل الرئيسي في اتخاذ المثقفين الأتراك للغرب حكما بينهم هو تفوقه في مجال العلوم والتكنولوجيا والسبب الثاني هو أن العلمانية قد نشأت في فرنسا وجئ بها إلى تركيا ولذا كانت أفضل الطرق لفهم العلمانية وهو المكان الذي ظهرت فيه .

ويقول إسماعيل دانشمند :انتشرت الديمقراطية في شتي بقاع الأرض أما العلمانية فتوجد في بعض الدول فقط , فلا توجد مثلا علمانية في انجلترا التي هي مهد الحرية وأقدم وطن للديمقراطية ودينها الرسمي الإنجيل أما عندنا فلم تطبق العلمانية قط وبنيتنا الوطنية غير قابلة لتطبيقها .

وأما النقطة الثانية التي تناقش فيها الإسلاميون الكماليين بالفهم المغلوط للعلمانية وبدأوا يطرحون هم أبعاد العلمانية ويحددون محتواها وقد وصفوا العلمانية بأربع صفات :

1- العلمانية هي حرية الدين وليست إلحاد أو إنكار لوجود الله .
2- لا تتدخل العلمانية في فتح الجماعات الدينية لمؤسسات خيرية قبل المدارس والمستشفيات وبيوت الطلاب وهيتنادي باحترام متبادل بين المؤسسات العلمانية والدينية.
3- العلمانية لا تمانع في مساعدة الدولة ماديا ومعنويا للمؤسسات الدينية.
4- العلمانية لا تمانع في أن يكون للمواطنين رؤية وفكر لماهية ورقي العالم .,

ويضرب بكير برك المحامي الإسلامي أمثلة بالدولة الغربية الأخرى وكيف تفهم وتطبق العلمانية فيقول :" إن فرنسا جمهورية علمانية ديمقراطية اجتماعية , الدين منفصل عن الدولة .

التعليم ,وتعطل المدارس يوم الخميس ليتعلم الأطفال الدروس الدينية .

وتقدم الدولة العون للتعليم الديني وتعترف بحق الجماعات الدينية في إدارة شئونهم الدينية وفي تأسيس جمعيات دينية والأحزاب الدينية لها نشاط ملحوظ .

وأضاف يلماظ أوزطونا إن الدول الغربية تقول إن الأمة التي تقرأ تاريخها خطا فلن يكتب لها التقدم وها نحن العشرين عاما الماضية قد حقرنا الأنبياء وسببناهم وهزأنا من أبطالنا الوطنيين .

الأحزاب السياسية في الفترة الانتقالية ( 1945 م – 1365هـ - 1950م – 1370هـ )

إن الحركة الإسلامية في تركيا قد بدأ يظهر لها أثر كـ ( أيديولوجية إسلامية ) اعتبارا من نهايات القرن التاسع عشر , وقد كانت تستهدف منذ أول عهدها الوصول إلى هدفها السياسي الذي تمثل في العودة إلى أسس الإسلام وتأسيس ( النظام الإسلامية ) ومنع تخلف العالم الإسلامي وتعريف سائر البشرية بالإسلام والحركة الإسلامية السياسية التيتم حظرها في المجتمع العثماني استمر وجودها بعد تأسيس الجمهورية وهذه الفكرة التي حافظت على صمتها وظلت كامنة حتى 1945م بدأت تظهر مرة أخرى على الساحة مع بدء فترة التعددية الحزبية .

إلا أن الأحزاب السياسية التي تشكلت في فترة التعددية الحزبية لم تكن أحزابا سياسية إسلامية بالشكل الصحيح فمؤسسو هذه الأحزاب لا يمكن القول أنهم على دراية كافية بفكر الرواد الأوائل للحركة الإسلامية أو أنه كانت لديهم أيديولوجية إسلامية واضحة تمكنهم من صياغة مشروع نهضوي إسلامي .

ولعل الداعم للأحزاب السياسية الإسلامية الكثيرة التي ظهرت بعد إعلان التعددية لا يتمثل فحسب في القوى الدينية المنتظمة في جماعات إسلامية أو طرق صوفية بل في تأثيرهم أيضا على قناعة الشعب وبعض المثقفين ورجال الدولة بأن الأيديولوجية الإسلامية هي الدواء الناجح لأمراض تركيا الاجتماعية مثل الظلم الاجتماعي والبطالة وعدم وضوح مستهدفات النظام.

ومن الملاحظ أن الحركة الإسلامية أو الأيديولوجية الإسلامية قد أيدت الأحزاب السياسية في فترة التعددية الحزبية وأنه على الرغم من اختلاف الرؤى والاتجاهات الموجودة بين الطرق والجماعات الإسلامية في تركيا وبين تلك الأحزاب إلا أن ذلك لم يمنعها من تأييدها ومناصرتها ولعل السبب في ذلك رغبة الحركة الإسلامية في قهر حزب الشعب الجمهوري ومقاومة الشيوعية التي بدأت تتعالي أصواتها مع وجود التعددية الحزبية ولم تتح تلك الظروف التي نشطت فيها الحركة الإسلامية الفرصة لأن تعد لها برامج ومشروعات إسلامية واقتصرت برامجها التي يمكن وصفها ( بالبرامج الوقائية ) على مناهضة العلمانية واليسارية .وقد حافظت الحركة على هذا المستهدف حتى بداية السبعينات .

منذ يوليو 1945م – 1365هـ حتى مايو 1950م – 1370 هـ أى حتى مجئ الحزب الديمقراطي إلى السلطة تأسس أربع وعشرون حزبا سياسيا .

إلا أن ما يلفت الانتباه هنا بخلاف تكون هذا العدد الكبير في مدة قصيرة هي خمس سنوات أنه لم يكن من بين هذه الأحزاب ما يشتمل برنامجه على المبادئ والأسس الإسلامية .

كان أول حزب معارض أسس في تركيا بعد الحرب العالمية الثانية حزب النهضة الوطني ذو الاتجاه الإسلامي وأسس هذا الحزب في 18 يوليو 1945م – 1365هـ كل من حسين عوني أولاى من مؤسسي مجموعة الدفاع عن الحقوق الثانية داخل المجلس الوطني التركي الكبير عام 1923م – 1342هـ والصحفي والجنرال المتقاعد جواد رفعت أتيلخان ورجل الأعمال نورى ديمر داغ وقد ذكر حزب النهضة القومي في برامجه رفضه السافر للعلمانية والحاجة الماسة للدين بشكل يتلائم مع متطلبات العصر .

وبينما كان حزب النهضة الوطني أول حزب معارض أسس في 1945م ينادي في مجال السياسة الخارجية بتحقيق مشروع ( الاتحاد الإسلامي ) كان يقول في المادة التاسعة عشر من برامجه : كل شئ سيوزن ويحكم طبقا للأخلاق وأسس العنعنة الوطنية وكان حزب الشعب الجمهوري لدى مؤسس هذا الحزب حزبا قريبا من الشيوعية في مبادئه .

رفض حزب النهضة القومي , انتهاج الدولة لسياسة اقتصادية لا تتغير ودافع عن قيام اتحاد شرقي يستهدف وحدة العالم الإسلامي وأعلن ارتباط الحزب بالأعراف القومية والقواعد الأخلاقية واقترح إنشاء جامعة التكنولوجيا والأخلاق لإعداد الطلاب الوافدين من الدول الإسلامية وكانت شعبية هذا الحزب شعبية هذا الحزب ضعيفة وقد بدأ ذلك أثناء الانتخابات فلم يستطع الفوز بمقعد واحد في المجلس وأغلق الحزب تلقائيا بعد فترة قصيرة .

ثاني الأحزاب ذات الاتجاه الإسلامي هو حزب حماية الارتقاء الذي تأسس في 26 يونيو 1946م. وكانت المادة الأولي لبرنامج الحرب تعترف بوجود الله وأمره للناس بحسن العمل وكان يري أن حرية العبادة حق طبيعي للإنسان وفي إخفاء منه لموقفه من العلمانية كان يرفض أن يكون الدين آلة سياسية في استصدار القوانين وتطبيقها وحل الحزب نفسه في 12 مارس 1947م.

ويمكن كذلك أن يذكر حزب الحماية الإسلامي المؤسس في 18 يوليو 1946م – 1366هـ بصفته حزبا دينيا وقد وضح برنامج في المادة الأولي من برنامجه على النحو التالي إن حزب الحماية الإسلامي بعيد عن كل نوع للسياسة التركية ويستهدف تمدن الإسلاميين وتساندهم نفعهم ,وتحاببهم ,وتعاونهم , واتحادهم وكما فهم من برنامجه فقد استهدف تبصير الشعب بأحكام الإسلام وأغلق الحزب بعد فترة استمرت شهرين من تأسيسه من قبل قيام الأحكام العرفية .

وحزب المحافظين الأتراك الذي أنشئ في 8 يوليو 1947م وهو حزب سياسي إسلامي آخر الفكرة الإسلامية أساس في برنامجه وأهدافه .

أما حزب الأرض والأملاك والمحاولات الحرة الذي تأسس في 1949م فقد وضح في برنامجه بمحافظته السافرة بتأييد للمتدينين المثقفين ورغبته في حرية الجماعات الإسلامية.

كان حزب المحافظين الأتراك الذي أسسه جواد رفعت والذي كان أيضا من مؤسسي حزب النهضة الوطني , واحدا من الأحزاب ذات الوجهة الإسلامية وكان هدف الحزب كما وضح في برنامجه المحافظة على الموروثات المادية والمعنوية وسائر لقيم والأعراف وكذلك الارتقاء بالأمة التركية إلى مستوي الرفاهية والسعادة بين الدول وقد بنيت سياسته الخارجية على الوحدة العربية كأساس وقد انحل ذلك الحزب بعد فترة قصيرة كما انحل حزب الحماية والارتقاء .

فحزب العدالة الاجتماعي كان مؤيدا لطرح الوحدة الإسلامية العالمية وحزب الفلاح والقروي , الذي تمسك بفكرة حماية الأعراف المستندة على المبادئ الإسلامية وقد وعد حزب الدفاع عن الأراضي والأملاك والحرية بالمحافظات على الأعراق والأخلاق . وأيد فكرة إنشاء كلية الإلهيات وأن تحتوي على أقسام لمذاهب الدين وعلى الرغم من تأييد حزب العمل للعلمانية في برنامجه إلا أنه عارض تخليها عن الدين.

وبينما كان حزب العدالة الاجتماعية الذي أسس في 1946 يفصح عن هدفه (تأييد الاتحاد الإسلامي العالمي ) كان حزب المزارعين والقرويين الذي أسس في نفس العام يؤكد أيضا على " الارتباط بالعنعنة " وصرح حزب الحفاظ على الطهارة وهو حزب إسلامي آخر تأسس في 1946م في مادته الأولي من برنامجه بأنه سينتهج سياسة عرفية وكان حزب المحافظة على الإسلام على نفس النهج ويتضح أن هذه الشكليات السياسية مع أنها تسمي ( حزبا ) إلا أنها كانت بعيدة عن كل نوع للسياسة في مذكرة التأسيس وتجلي هدفها في الارتقاء بالإسلام وتقويته وتوفير التكامل بين المسلمين فحسب .

وبينما كان حزب العدالة الاجتماعي الذي تأسس في 1946م يوضح هدفه (تأييد الاتحاد الإسلامي العالمي ) كان حزب المزارعين والقرويين الذي أسس في نفس العام يؤكد أيضا على "الارتباط بالعنعنة وصرح حزب الحفاظ على الطهارة وهو حزب إسلامي آخر تأسيس في 1946 م في مادته الأولي من برنامجه بأنه سينتهج سياسة عرفية وكان حزب المحافظة على الإسلام على نفس النهج ويتضح أن هذه الشكليات السياسية مع أنها تسمي( حزبا ) إلا أنها كانت بعيدة عن كل نوع للسياسة في مذكرة التأسيس وتجلي هدفها في الارتقاء بالإسلام وتقويته وتوفير التكامل بين المسلمين فحسب .

وبينما كان حزب العدالة الاجتماعي الذي تأسس في1946م يوضح هدفه بأنه ( تأييد اتحاد المسلمين الدولي ) كان حزب المزارعين والقرويين الذي تأسس في نفس العام يؤكد على الارتباط بالتقاليد والعادات وذكر حزب المحافظة على الطهارة الذي تأسس في 1946م – 1366 هـ في المادة الأولي من لائحته أنه سيتبع سياسة العادات والتقاليد , وعلى نفس النهج كان حزب حماية الإسلام وعلى رغم من كونه كان حزبا سياسيا إلا أنه أعلن في لائحة تأسيسه أنه بعيد عن أى عمل سياسي وهدفه هو رفعة شأن الإسلام وتقويته والعمل على تكافل المسلمين , وحزب المحافظين التركي الذي تأسس في 1947م أعلن في برنامجه أن هدفه هو سيطرة الفكرة الإسلامية وأعلن حزب الأملاك والأراضي الذي تأسس في 1949م أنه سيدعم المتدينين المثقفين ورغبته في وجود حرية للجمعيات الدينية .

وحزب الأمة هو أهم ممثل للفكرة الإسلامية والعرفية في الحياة السياسية في فترة (1945م -1950م) وقد تأسس في 1948م ويولي أهمية كبيرة للعادات والأعراف في الحياة الاجتماعية,ويتضح ذلك في مادته السابعة من برنامجه :يعترف الحزب بالمشاعر العظيمة للاعتقاد والأخلاق والأعراف والعادات في تشكيل النظام الاجتماعي وهي دوما لا تتغير وتبقي خارج ساحة نفوذ الدولة وفي مادته الثامنة : والحزب يحترم المؤسسات الدينية والعنعنات الوطنية وفي مادته الثانية عشرة :والحزب يدعو إلى تشكيل مؤسسات دينية ويدافع عن الأوقاف الدينية ويرى ضرورة إضافة المواد الدينية إلى المدارس الابتدائية والإعدادية وإلى إنشاء كليات الإلهيات بالجامعات .

في حين نجد حزب الأمة في لائحته مختلفا كل الاختلاف عن ذينك الحزبين فيقول في مادته السابعة : يقدر الحزب قيمة العقيدة والأخلاق والأعراف والتقاليد والعادات والمشاعر العظيمة في تشكيل النظام الاجتماعي . فهي لا يمكن أن تتغير أبدا وتظل دوما خارج سيطرة الدولة وفي مادته الثانية عشرة : يعترف الحزب بحرية الوجدان والاعتقاد لكل شخص وبحقه المقدس في التعبير باللغة والشكل الذي يبتغيه .

وكانت التجربة الوحيدة التي شاركت فيها الأوساط الإسلامية في تأسيس حزب سياسي حتى تأسيس حزب النظام الوطني هو الحزب الديمقراطي الإسلامي الذي أسسه ( جواد رفعت ) وهو المعروف بعدائه الشديد للماسونية واليهودية يسعي لتحقيق تعليم إسلامي يسد الفراغ الروحي المعيش آنذاك ولم يستطع هذا الحزب أن يحقق اى نجاح أو تأثير يذكر إلا أنه وقف ضد المد الشيوعي في تركيا وكان ينظم هجمات متوالية على اجتماعات الأحزاب السياسية اليسارية ويسبب خوفا ورغبا للمثقفين اليسارين .

تأسس الحزب الديمقراطي الإسلامي باسم ( جواد رفعت ) في 27 أغسطس 1951م -1417هـ وبعد تأسسه بستة أشهر أغلق الحزب لمخالفته المادة 71 من القانون المدني حيث خالفت المادة الأولي والثالثة من لائحة الحزب الدستور ففي المادة الأولي : إن رابطة الحزب التي هي المبادئ التي لا تتوافق مع مطالب وميول الأمة .

ظهر الحزب الديمقراطي نتيجة الانفصال عن حزب الشعب الجمهوري فقد كان كل من : ( جلال بايار ) و( فؤاد كوبورلي ) و( عدنان مندريس )و ( رفيق قورالطان ) الأعضاء الأربعة الدائمين بحزب الشعب الجمهوري قد اقترحوا أمام الحزب في 7 يناير 1945م – 1365هـ تطبيق القوانين المستنة والتي تضمن وتكفل الحقوق والحريات السياسية وقد أدي رفض الاقتراح إلى انفصال هؤلاء النواب الأربعة عن الحزب وتأسيسهم حزب جديد باسم الحزب الديمقراطي .

وقد أوضح الحزب الديمقراطي ارتباطه بالديمقراطية الحقيقية بكل وضوح حيث ذكر في برنامجه أن الحزب الديمقراطي تأسس بغية تحقيق الديمقراطية في الجمهورية التركية بفهم ناضج وتقدمي وكذلك تنفيذ السياسة العامة برؤية ديمقراطية.

تأسس الحزب الديمقراطي وأدير من قبل من تميزوا داخل الحزب الشعب الجمهوري وكانوا علامات وطنية بارزة في حكومة حزب الشعب الجمهوري وقد خاطب هذا الحزب الديمقراطي الرأي العام التركي أثناء الحملة الانتخابية بموضوع مختلف تماما وتحت ضغط التنافس الانتخابي كان يبحث عن وسائل لسلب المنافسين أسلحتهم من خلال توسيع مجال خطابه أو بشكل انتهازي في بعض المواقف .

والنجاح الذي حققه الحزب الديمقراطي للحصول على 62 مقعدا – بيد أنه كان بإمكانه الحصول على مقاعد أكثر لولا ضغط الحكومة في الانتخابات –واضح في نتائج انتخابات 1946م .

ويعزى المراقبون من حزب الشعب الجمهوري السر في النجاح الذي حققه الحزب الديمقراطي إلى مخاطبته الاحتياجات الدينية والاقتصادية في الريف خاصة والتي كانت محل إهمال من جهتهم أنفسهم .

والخاصية التي اشتركت فيها كل الأحزاب السياسية في تلك الفترة ( 1945م- 1950م ) هي رغبتها في إعطاء أهمية أكبر للقيم الدينية العرفية ونقدها لسياسة حزب الشعب الجمهوري العلمانية ولم تستطع تلك الأحزاب بما فيها حزب الأمة تحقيق رغبات الناخبين بشكل جدي .

التوظيف الديني للتنافس الحزبي بين حزبي الشعب والديمقراطي

في الفترة التي كانت فيها الحزب الديمقراطي في المعارضة لم يكن اقتراب الأوساط الإسلامية منه إيجابيا كثيرا فبالنسبة للإسلاميين لم يروا فرقا بينا بين حزب الشعب الجمهوري والحزب الديمقراطي بشأن موضوع العلمانية لأن الذين أسسوا الحزب الديمقراطي هم أعضاء حزب الشعب الجمهوري سابقا ولا يمكن القول أن الإسلاميين كانوا مخطئين تمام في هذا الرأي فمفهوم العلمانية الذي وجد في برنامجي حزبي الشعب والديمقراطي لم يكن بينهما فرق يذكر وكذلك فإن الحزب الديمقراطي لم يكن له أى موقف إيجابي من العلمانية أثناء 1946م – 1366هـ - 1950 م 1370هـ ولم يكن سوى حزب الأمة الجرئ الذي كان له مواقف من العلمانية .

كان ينظر إلى موقف حزب الأمة بشأن الدين نظرة تعاطف لأن حزب الأمة وبرنامجه كان أكثر قربا من الإسلاميين , فعلي سبيل المثال نصت مادته السابعة على أن : الحزب يعترف في تشكيل النظام الاجتماعي على العقائد والأخلاق والأعراف والتقاليد والعادات وكذلك في مادته الثامنة : احترام المؤسسة الدينية والتقاليد الوطنية فيحين لم يذكر أى من ذلك في برنامجي حزب الشعب والديمقراطي وقد وضح بشكل صريح في برنامج حزب الأمة لأول مرة موضوع تدريس المواد الدينية في المدارس وفتح مدارس الإلهيات .

والسبب الهام لعدم تقارب الإسلاميين من الحزب الديمقراطي هو كون ( جلال بايار ) رئيسا له .

فقد ذكر في مؤتمر الحزب الذي عقد في ( بورصة ) 1947م 1367هـ :إننا لن نطبق ولن نعيش الشريعة الإسلامية في تركيا واضطر بايار إزاء ردود أفعال الأوساط الإسلامية الشديدة أن ينفي ما ذكره بعد فترة إلا أنهم لم يصدقوه وكذلك حديث الأعضاء الديمقراطيين في المحافظات عن ارتباطهم بالعلمانية وأنهم لن يسمحوا بالرجعية والشريعة الذي قوبل بردود العنيفة في الصحف الإسلامية .

وبينما كان الحزب الديمقراطي يسعي من ناحيته ليرتبط بالنظام العلماني كان أيضا يحاول من جهة أخرى أن يكسب أصوات الأوساط الإسلامية وقد أعرب جلال بيار في المؤتمر الثاني للحزب عن احترامه للعلمانية وللدين وقال : إن الأمة التركية أمة مسلمة تربط بربها .

وطبقا للأوساط الإسلامية فإن الحزب الديمقراطي لم يكن واضحا بشأن السياسة الدينية وأن ( بايار ) لم يتكلم بصراحة في هذا الموضوع في حين أنه أوضح بلغة يفهمها الجميع موقفه المعادي للدين .

جرت الانتخابات النيابية الجديدة في 14 مايو1950م- 1370 هـ وسط جو حماسي بالغ, فأسفرت نتائجها عن فوز ساحق للحزب الديمقراطي .

فقد حصل الحزب الديمقراطي على 408 مقعدا أى بنسبة 53.3% أما الحزب القومي فحصل على مقعد واحد فقط بنسبة 3,1% وحصل المستقلون على 9 مقاعد بنسبة 4,8% وهكذا منى حزب الشعب الجمهوري بهزيمة شديدة وفقد هيمنته على الحكم التي استمرت سبعة وعشرين عاما متواصلة ,.

وفي 29 مايو1950 م – 1370 هـ تولي ( جلال بايار) رئاسة الجمهورية و( عدنان مندريس ) رئاسة الوزارة و( فؤاد كوبرلي) وزارة الخارجية .

ويمكن تقسيم العهد الديمقراطي الذي استمر عشر سنوات إلى ثلاثة مراحل رئيسية كان فيها الحزب الديمقراطي ذا صيغة مختلفة عن الأخرى من حيث المستهدفات ولغة الخطاب مع قوي الأمة الوطنية ومن حيث الوضع السياسي والاقتصادي أيضا.

فترة الانتعاش السياسي والاقتصادي ( 19501954م)

وقد شهد فيها الشعب التركي حالة من الانتعاش النسبي على المستوين الديمقراطي والاقتصادي إلا أنها – على محدوديتها – اعتبرت فيما بعد أفضل فترات العهد الديمقراطي .

وبينما كانت الأوساط الإسلامية تسعي من ناحية لتوجيه قيادات الحزب بمهارة نحو ما يريدونه بدأت من ناحية أخرى تفصح بصوت عال عن أن الوقت قد حان ليقوم الحزب بتغييرك لصالح الإسلام وبوجوب إلغاء قانون ( حظر التنظيمات الدينية )

وكان أول ما قام به الديمقراطيون لصالح الإسلاميين والمحافظين هو رفع الحظر عن الآذان باللغة العربية وترك الأمر فيه اختياريا .

ومع الموافقة في 16 يونيو 1950م – 1370 هـ على تلاوة الآذان مرة أخرى باللغة العربية عبرت الصحف الإسلامية عن فرحتها بذلك ووصفته بأنه ( انهيار لعهد الأصنام) ونعتت كل الظلم والقهر الذي وقع بالمسلمين في عهد الحزب الواحد بأنه ( امتحان إلهي ) وبينما أكسب إعادة تلاوة الآذان بالعربية تأييدا واسعا للحزب الديمقراطي شبه المسلمون مجئ الحزب الديمقراطي إلى الحكم بأنه مثل ( فتح مكة ) وقد ناقش الديمقراطيون موضوع رفع الحظر عن الآذان باللغة العربية دونما الإخلال بمبادئ الدولة العلمانية وذكر في الجلسة التي اتخذ فيها قرار رفع الحظر أن حظر الآذان باللغة العربية مخالف لحرية الوجدان لأنه يمنع المسلمين من أن يمارسوا العبادة التي يرغبونها ولذا فهو مخالف للعلمانية .

وذكر (مندريس) في الاجتماع الصحفي الذي عقد في 4 يونيو 1954م – 1374 هـ قائلا : إن كل تعصب يسبب أضرار بالغة على الحياة الاجتماعية , والقدرة على تغيير أساسي في البنية الاجتماعية مرتبطة بانهدام فكرة التعصب... والإجبار على تلاوة الآذان بالتركية أمر غير مقبول الآن لعله كان لازما في أول عهد الجمهورية أما الآن فالشعب التركي قد تأهل لحياة حرة ديمقراطية ..ومن التضاد الغريب أن يكون الآذان بالتركية ونمارس في نفس الوقت سائر الشعائر داخل المسجد باللغة العربية .

وقبل الانتخابات كان كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري يتبادلان اتهام بعضهما باستغلال موضوع الآذان لاستجداء عواطف الشعب ومشاعره وقد كون إعادة الآذان باللغة العربية مناخا سياسيا جديدا ولم يتدخل حزب الشعب بشأن هذه التغيرات فضل الصمت إلا أن بعض أعضائه عارضوا تلك التغيرات وفكروا في أن يبدأوا حملة دعائية ضد ذلك الحزب إلا أنهم تراجعوا عن ذلك .

وأعقب رفع الحظر عن الآذان بداية إذاعة القرآن في محطات إذاعة الدولة اعتبارا من 7 يوليو 1950م وبواقع مرتين في اليوم صباحا ومساءا خلال شهر رمضان كل مرة عشر دقائق أما في غير رمضان فمرة واحدة في الأسبوع صباح يوم الجمعة .

وقيم الجمهوريون هذا القرار بأنه إخلال بالعلمانية في حين دافع الديمقراطيون عما يفعلون بأنه رغبة شعبية , وقد ذكر مدير الصحافة والسياحة العامة قائلا : لسنا مؤيدين للإلحاد والأمة اللحدة لا يمكن لها أن تستمر . ولهذا سنولي أهمية الإذاعة الدينية في الراديو وتلك رغبة شعبية إننا نفعل كما تفعل الدول الغربية فهي تبث عبر مذياع بثا دينيا في نطاق واسع .

وقد نظر إلى تعريب الآذان وتلاوة القرآن في المذياع , على أنها بداية نحو إلغاء الانقلابات الأخرى التي تمت في المجال التشريعي والاجتماعي في عهد الحزب الواحد .

ومن بعد تلك اللحظة بدأت هجمات ثقيلة على فترة حزب الشعب الجمهوري وعلى الانقلابات وبينما كانت تقيم تلك الفترة على أنها ( عصر الظلم الذي استمر ربع قرن ) قيل أيضا أن المبادئ الرئيسية للانقلابات الأتاتركية اعتمدت على الدكتاتورية , والزعامة الفردية , واتهمت حكومات حزب الشعب الجمهوري بالزندقة , بداية وصفت فترة حكم الحزب الواحد بالدكتاتورية تم قبول حكم الجمهورية الحقيقي بداية من 14 مايو 1950 م – 1370هـ .

وفي أكتوبر 1950 م أقرت المواد الدينية بالمدارس بشكل اختياري وأصبح على أولياء الأمور الذين لا يرغبون في تعليم أبنائهم هذه المواد الدينية أن يتقدموا بطلب لإدارة المدرسة بذلك.

وفي الحقيقة كان الأذان باللغة العربية وبث القرآن عبر المذياع من الموضوعات الشكلية أما ما هو أهم وأكثر تأثيرا هو إتاحة الديمقراطيين الفرصة للتعليم الديني أن ينتشر .وهم يقومون بهذا كانوا يستمرون في الاتجاه الذي بدأه الجمهوريون بعد 1945 م – 1365هـ .

إلا أنهم قد قطعوا مسافة أكبر بكثير من الجمهوريين ولذا تعرضوا للإتهام بخيانة العلمانية .

ويمكن إيجاز ما وفره الحزب الديمقراطي للتعليم الديني في :

1- إدخال المواد الدينية في 4 نوفمبر 1950 م إلى برامج المدارس الابتدائية
2- فتح مدارس الأئمة والخطباء في العام الدراسي 1951م /1952م.
3- وضع المواد الدينية في برامج المدارس الإعدادية في 13 أغسطس 1956م.
4- فتح المعهد العالي للدراسات الإسلامية في استانبول بتاريخ 19 نوفمبر 1959م.

وكانت المواد الدينية التي سمحت بها حكومات الحزب الديمقراطي في المدارس الابتدائية والإعدادية موادا اختيارية وكان على أولياء الأمور الذين يرغبون في تعليم أبنائهم المواد الدينية أن يتقدموا بطلب إلى إدارة المدرسة وكان يمكن للطلاب أن يتقدموا بطلب لإعفائهم من هذه المواد في بعض المدارس وعلى الرغم من هذا كان حزب الشعب الجمهوري ينتقد بشدة هذه التنظيمات الجديدة .

أما محتوى برنامج المواد الدينية فأصبح مصدرا آخر للاختلاف فرأت الأغلبية أن الأطفال أو الطلاب إذا تعلموا الجانب السياسي للإسلام أو الاقتصاد الإسلامي أو فقه الأسرة والميراث فإن ذلك سيؤدي إلى حدوث قلق واضطراب في الوعي الطلابي نتيجة التناقض الحادث بين المدروس والواقع المعيشي .

وبينما كانت الأوساط الإسلامية تنتقد بشدة فترة حكم حزب الشعب الجمهوري من ناحية وتصفق للحزب الديمقراطي من ناحية أخرى كانت تؤكد على أن الحزب الديمقراطي حتى الآن لم يوفر الحرية الدينية الحقيقية أولم يستطيع أن يلغي المادة 163 وتنتقد الحزب بشكل تهديدى: إذا لم يستجمع الحزب الديمقراطي نفسه ويلبي للشعب احتياجاته المعنوية بشكل جدي, وإن لم يكسر القيود الموجودة على الحرية الدينية فسيقع في مشكلة كبيرة في الانتخابات القادمة ولكن على الرغم من كل هذه التهديدات إلا أنهم ساندوه ودعموه من بعد.

وسبب تأييد الأوساط الإسلامية للحزب الديمقراطي هو الاتجاهات الإسلامية المفردة التي ظهرت داخل الحزب , فقد وصف أحد نواب الحزب الديمقراطي إعادة الأذان بالعربية بأنه ( إرادة إلهية ) علق آخر على الإحياء الإسلامي الموجود في تركيا بأنه ( شعلة أوقدها الله ) وقد ذكر أيضا نائب آخر :أن الحزب الديمقراطي قد أخذ على عاتقه مهمة حماية الدين وأنه دفع أول قسط من ذلك الدين بكلمة ( الله أكبر ) وسنمضي إلى الأمام معتمدين على ( الله أكبر ).

وقد وصف كذلك شوكت أوغلي وزير المالية آنذاك , عند مناقشة الميزانية المالية 1951 م 1371هـ عندما أراد أن يخصص ميزانية أكبر لرئاسة الشئون الدينية , أن القانون الغربي ( قانون عطب ) قال: إن الإسلام كل متكامل ,وليس عبارة عن أحكام وعبادة فقط بل هو حضارة شاملة فهو يتضمن علوم شرعية وقانونية وأصول فقه . وعلى لحكومة أن تهتم بهذه القضية.

وقد تسبب هذا النوع من المحادثات التي أجراها مندريس وبعض نواب الحزب الديمقراطي في مؤتمرات الحزب المختلفة في وجود مطالب رجعية .

ففي مؤتمر الحزب الديمقراطي الذي عقد في أبريل 1951 م طلب من الحزب إعادة وضع ما يفيج بأن دين الدولة هو الإسلام في الدستور , وعدم تشغيل المرأة أو إعطاء حقوق أكثر للرجل في الزواج والطلاق وألا تتعلم الفتاة بعد مرحلة التعليم الأولي .

واقترح أيضا في مؤتمر آخر للحزب الديمقراطي شارك فيه وزير الدولة عام 1952 م 1372هـ منع الباليه وحظر تصوير المرأة وفصل النساء من أعمالهن . وتمت الموافقة على هذه الاقتراحات في المؤتمر .

وقوبلت ردود الأفعال التي ظهرت معارضة للانقلابات التي أجريت في فترة الحزب الواحد والمطالب الرجعية في بعض المجالات بصمت داخل الحزب الديمقراطي لفترة ما . إلا أن الحزب كان يدرك أن تلك الحريات الدينية هي التي أيدته وأكسبته قوة حزبية ومع ذلك خشي أيضا من تدهور أوضاع المجتمع الفكرية وأن تتصاعد حدة الأفكار الراد يكالية إلى حد لا يستطيع السيطرة عليه فغير سياسة الصمت وبدأ يظهر بوضوح أنه صاحب برنامج علماني .

والحدث الهام الذي غير من سياسة الحزب الديمقراطي هو ما نشر بتاريخ 22 نوفمبر 1952م يفيد بإصابة أحمد أمين يالمان رئيس تحرير جريدة ( وطن) نتيجة هجوم مسلح وبعد التحريات التي أجريت تبين أن ما حدث هو محاول اغتيال فاشلة ضد الصحفيين الذين يعارضون بعض الصحف الإسلامية وبناء عليه بدأت الحكومة اتخاذ رد فعل ضد التطورات الإسلامية".

وعندما بدأ تكسير تماثيل ( أتاتورك) والرغبة في العودة إلى أحكام الشريعة الإسلامية اتخذا الحكومة بعض الاحتياطات .

فأرسلت وزارة الداخلية بيانا إلى الولاة باتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية تماثيل وصور( أتاتورك) وفي نفس الوقت فتحت دعاوي قضائية ضد لعديد من الصحف والمجلات الإسلامية على رأسهم مجلة الشرق العظيم وسبيل الرشاد .

وعلى الرغم من كل هذه المطالب إلا أن حكومة الحزب الديمقراطي الحاكم رفضت إبطال أو تغيير المادة 163. بل على العكس فقد اقترحت زيادة تأثير إعادة 163 بالقانون رقم 6187 المسمي بقانون حماية حرية الوجدان , وهذا القانون يوسع ساحة العقوبات التي توجبها المادة 163 وبهذا يكون القانون الجديد محتوى على المادة 163 وتم قبول القانون في المجلس بتاريخ 23 يوليو 1953م.

ومشروع القانون كان ينص على حظر سائر التعديات بالكلام أو النشر على صور( أتاتورك) أو تماثيله أو قبره و"رفض الإسلاميون هذا القانون , لعدم ديمقراطيته وأنه لا يوجد في أى دولة ديمقراطية مثل هذا القانون .

وقد بدأت الحكومة التي صممت على منع العمليات الرجعية بالقبض على التيجانيين الذين قاموا بالدعاية ضد الثورة وقاموا بتخريب تماثيل( أتاتورك) وتم القبض عليهم في 27 يونيو 1951 م- 1371هـ وبعد نحو عام حكم على زعيمهم بالسجن مدة عشرة أعوام وعلى الباقين بسجن من عامين إلى سبعة أعوام إلى جانب العقوبات المالية.

في الأعوام الأربعة الأولي لحكم الحزب الديمقراطي لم تكن هناك مشكلة بطالة وتطورت البرجوازية الصغيرة من الناحية الاقتصادية ولم يكن هناك ما يستوجب إعطاء امتيازات دينية إلا أن الحزب الديمقراطي قد فلت الأمر من يده وفسد الاقتصاد نتيجة للاستثمارات الغير مخطط لها.

الدكتاتورية في ظل النظام الديمقراطي ( 1954م1957م)

استخدم الحزب الديمقراطي في انتخابات 1954م – 1374هـ تعريب الأذان والبث الديني في المذياع كورقة سياسية .

ويقولون لو جاء الجمهوريون إلى الحكم سيحولون الجوامع إلى ثكنات عسكرية ولم يكن الديمقراطيون وحدهم يستخدمون الدين بل كان الجمهوريون أيضا يذكرون بأنهم فتحوا الأضرحة للزيارة في فترة حكمهم وأنهم هم الذين بدأوا التعليم الديني في المدارس مرة أخرى فكان كلا الحزبيين يستغل الدين قدر استطاعته وبسبب ما قام به الجمهوريون في الماضي اقترن اسمهم بالإلحاد لدى الأوساط المحافظة والإسلامية إلا أنه الآن يسعي لمحو هذه الصورة فاتخذ طريق إعطاء بعض الامتيازات الدينية والتخلي عن بعض السياسة العلمانية التي كان ينتهجها .

وجرت انتخابات 1954م وازداد مجموع أصوات الحزب الديمقراطي حيث وصل إلى 56.61% وحصلت زيادة أيضا في مجموع المقاعد فوصل عددها إلى 503 مقعد بينما حصل حزب الشعب الجمهوري على 34,78% وعلى 31 مقعدا .

بدأ الحزب الديمقراطي الذي فاز فوزا ساحقا في انتخابات 1954م في استغلال الدين بشكل واضح وإعطاء امتيازات أكثر للإسلاميين بسبب الوضع الاقتصادي الذي تدهور بعد عدة أعوام وبسبب المعارضة الموجودة داخل الحزب .

وفيما كان يستخدم بشدة هتافات دينية في انتخابات 1957م عقد اتفاقا كذلك مع النورسيين إلا أنه على الرغم من ذلك لم يجد النسبة التي توقعها وخسر الأصوات الانتخابية .

وعلى الرغم من أن الامتيازات لم تستطع أن تكون عونا للحزب الديمقراطي انتخابات 1956م إلا أنها حرصت القوي الدينية والمحافظة إضافة إلى أعضاء من الحزب الديمقراطي لأن يكونوا أكثر نشاطا.

نهاية العهد الديمقراطي من ( 1957م1960م)

أصبح الديمقراطيون يمتلكون حساسية مفرطة بتأثير الانتقادات وتكاثرت الانتقادات في انتخابات 1957م – 1377هـ حيث لم يكن الناخبون من الشخصيات السياسية المؤثرة مطمئنين إلى الحكومة فانخفضت شعبية الديمقراطيين .

وأسفرت نتائج الانتخابات العامة عن انخفاض ملحوظ في نسبة ناخبي الحزب الديمقراطي وكذلك في عدد المقاعد التي حصل عليها " فقد حصل الحزب الديمقراطي على 47,70% وعلى 424 مقعدا , بينما زادت نسبة حزب الشعب الجمهوري إلى 40.82% و178 مقعدا وأصبح أصوات الأحزاب المعارضة 52% و 168 مقعدا مقابل الـ48% التي حصل عليها الحزب الديمقراطي وحده.

وقد شهدت تلك الفترة أزمات اقتصادية واضحة أدت إلى الإخلال بميزان مدفوعاتها وإلى وضع نظام تجارتها الخارجية تحت ظروف قاسية وكذلك إلى محاولة طلب اعتمادات إضافية من أمريكا لسد العجز في ميزانها التجاري "

وقد ساء الوضع الاقتصادي لدرجة أن التضخم المالي بلغ أقصي درجاته آنذاك وأوشكت الحكومة – طبقا للمعايير الدولية – على الإفلاس .

وقد دفعت الأزمة الاقتصادية الضخمة التي عاشتها تركيا في 1958م 1378هـ وتنامي القوي الدينية بها , الحزب الديمقراطي لأن يستخدم المشاعر الدينية ويسكن ويهدئ تلك الكتل الجماهيرية النشطة فبينما كان يغض الطرف عن دعايات النورسيين ضد العلمانية زاد كذلك من البرامج الدينية التي يبثها المذياع .

وفي مايو 1958م – 1378هـ أراد ( فؤاد كوبرولي) أن تتكاتف المعارضة مع الحكومة للوقوف ضد الحركة الرجعية ( الإسلامية ) التي تبث الحقد والفرقة بين المواطنين وتجر الدولة إلى عصور الظلام على حد زعمه إلا أن لحكومة كما هي سياستها في الخمسينات رفضت ذلك فلم تكن عندها نية التعرض للحركات الإسلامية ومثال ذلك أن مندريس قد شعر بسعادة بالغة عند استقبال سعيد النورسي ( 1876 – 1960) له في جنوب تركيا في 19 أكتوبر 1958م ومن ناحية أخرى كانت الحكومة تغض الطرف عن هجوم الصحافة الإسلامية على حزب الشعب الجمهوري حتى أ،ها كانت تحرضها أحيانا , فالصحافة الإسلامية كانت قد عقدت العزم على الثأر لنفسها مما فعله حزب الشعب الجمهوري سابقا.

وقد تأخرت الأوضاع الاقتصادية في البلاد وتلقت الحكومة مساعدات كبيرة من الولايات المتحدة الأمريكي دعما للحزب الديمقراطي الذي يسير في خط مواز لسياستها ودعما لنفوذها في تركيا ومع هذه المساعدات فإن التدهور الاقتصادي أصبح واضحا فتضايق السكان وهذا ما قوى المعارضة المتمثلة في حزب الشعب الجمهوري فقامت الحكومة بإلغاء هذا الحزب المعارض واعتقلت أعضاءه البارزين وصادرت أملاكه ومؤسساته أو عملت على كسب ثقة المسلمين الملتزمين الناقمين على السياسة الكمالية وحزب الشعب الجمهورية فأخذت تتقرب منهم ولكن ذلك لم يفدها شيئا كثيرا إذ أخذت شعبيتها تتراجع باستمرار .

وفي أثناء الإعداد لخوض انتخابات 1957م – 1377هـ خشي الحزب الديمقراطي من أنه ربما حصلت المعارضة على نتائج أفضل وربما لم يحصل الحزب الديمقراطي على الأغلبية النيابية المطلوبة أو التي كان يحلم بها لذا فقد اتخذت الحكومة بعض الإجراءات التي تعرقل نشاط المعارضة وكان منها منع ( عصمت اينونو) من دعايته الانتخابية .

كان المحافظون والإسلاميون ينتظرون الكثير من الحزب الديمقراطي الذي رأوا فيه الأمل في الخلاص من قهر حزب الشعب الجمهوري للإسلاميين إلا أنه لم يقدم لهم إلا بعض الأعراض والمظاهر الإسلامية التي كانت في الأساس مستقرة في شخصية المجتمع التركي – وإن كانت بشكل خفي – مثل الأذان بالعربية وإحياء بعض القيم الإسلامية وغيرها .

إلا أنه لم يسمح بالمساس بأسس الدولة التركية العلمانية ولا أن تتحول إلى دولة إسلامية من حيث المناخ السياسي , أو الثقافي , أو الاجتماعي .

كان الإسلاميون في الخمسينات يدركون جيدا أن الحزب الديمقراطي ليس حزبا ذا نهج إسلامي إلا أنهم ناصروه لكونه حزبا قويا مضادا لحزب لشعب الجمهوري ولم يكن لديهم بديل آخر فقد كان بالنسبة لهم أفضل ما هو موجود .

وهكذا يكون الحزب الديمقراطي قد حقق بعض الحريات الدينية دون المساس أو التضحية بالإصلاحات الكمالية فهو قد عزم عزما أكيدا على منع أى اعتداء على ( أتاتورك) أو الانقلابات الأتاتركية , وبينما كان يسعى للحصول على تأييد الأوساط الإسلامية لم يقدم أى تنازلات في فكر الانقلاب .

ولم يحمل الحزب أساسا حتى نهاية الخمسينات وحتى ظهور الأزمات الاقتصادية أى شخصية دينية واضحة.

ولعله واضح أنه كان ثمة جهدا للإسلاميين داخل الحزب الديمقراطي فقد حاولوا الاندماج فيه والتأثير في فكرة للحصول على أكبر قدر من الحريات الدينية وهو كذلك قد لبي بعض احتياجاتهم التي ترضي وتسكن ثورتهم وتنفس كبت عواطفهم ومشاعرهم الدينية .

وتحت تلك الظروف الاقتصادية والسياسية زادت الصراع بين الديمقراطيين, والجمهوريين , وهو صراع بدأ يدخل مرحلة حاسمة استخدمت فيها كل الوسائل وتفجرت مصادمات داخل البرلمان وثار الطلبة كي يقفوا إلى جانب المعارضة ضد الحزب الديمقراطي وجرت عدة تجمعات ومظاهرات طلابية واحتجاجية على اعتقالات جماعية واستخدم البوليس العيارات النارية ,والقنابل المسيلة للدموع في شوارع استانبول في 18 أبريل1960م – 1380هـ وقد أدت تلك الأحداث إلى تصاعد الاستياء في البلاد, إذ شهدت العاصمة أنقرة ومحافظات أخرى مظاهرات طلابية صارخة فما كان من الحكومة إلا إعلان الأحكام العرفية ومنع التجمع والتظاهر والنشر في الصحافة عما حدث من أحداث .

المبحث الثاني تفاعلات الأحزاب السياسية الإسلامية في الحياة السياسية

( 1960م – 1380هـ - 1980م – 1401هـ )

انقلاب 27 مايو 1960 م – 1380 وموقفه من الدين

ثمة العديد من الأسباب التي دفعت الجيش وهو المفوض دستوريا بالتدخل لإقرار السلام والأمن الاجتماعي والسياسي في تركيا للقيام بانقلاب 27 مايو 1960 – 1380هـ .

ولعل أبرز هذه الأسباب كان عجز الأحزاب السياسية عن حل الأزمة وتعصبهم للمصلحة الحزبية فوق المصلحة الجماعية للشعب .

وكذلك كان انتهاج الحزب الديمقراطي لنظام حكم سلطوي تجاه منافسيه خاصة حزب الشعب الجمهوري سببا في غضب المؤسسة العسكرية وتقييمها للوضع على أنه انحراف عن الأسس العامة للجمهورية التركية واستغلال الدين في المصالح الحزبية ,والسياسية ويرى شريف ماردين أن " اعتقاد الجيش بأن بعض الإسلاميين مثل سعيد النورسي وطلابه – الذين حظوا بدعم كبير إبان العهد الديمقراطي – يريدون جعل تركية دولة دينية مرة أخرى كان من أهم الأسباب التي حركت الجيش للقيام بانقلابه .

بدأت قوات الجيش في أنقرة صباح يوم 27 مايو 1960م- 1380 هـ بوضع يدها على المؤسسات الحكومية ودار الإذاعة ومقر رئاسة الجمهورية ,ومنازل زعماء الحزب الديمقراطي واعتقل رئيس الجمهورية جلال بايار , ورئيس الحكومة عدنان مندريس, ورئيس المجلس الوطني التركي الكبير رفيق قورالتان, وجميع الوزراء , وثلاثمائة نائب من الديمقراطيين فضلا عن عدد من كبار الضباط في الجيش , والبوليس , وبعض رجال الأعمال وولاة الأقاليم , وبلغ عدد المعتقلين 592 شخصا بعد أن استغرق الانقلاب عدة ساعات فقط .

وانتهي بذلك عهد الحزب الديمقراطي وانتقلت السلطة إلى العسكريين وتم تشكيل ( لجنة الوحدة الوطنية) التي ضمت الضباط الثمانية والثلاثين الذين نفذوا الانقلاب : خمسة منهم برتبة جنرال و15 برتبة كولونيل و12 برتبة مقدم , 6 برتبة نقيب .وكان أبرز زعماء الانقلاب هم : الجنرال جمال جورسل والجنرال جمال مدان أوغلوا والكولونيل ألب أرسلان توركش.

وأذاع الضباط الذين قاموا بالانقلاب العسكري أول بيان لهم في 27 مايو 1960م- 1380هـ وقالوا فيه لقد قام الجيش بانقلابه العسكري هذا بسبب الأزمات والأحداث المؤسفة التي لوثت الحياة الديمقراطية ومن أجل وضع حد للتطاحن بين أبناء الأمة الواحدة وسيبقي الجيش محايدا غير منحاز لأى حزب من الأحزاب وسيعمل على إجراء انتخابات عادلة حرة في أقرب وقت وبعدها يسلم إدارة البلاد مرة أخرى للحزب الفائز أيا كان .

وأصبحت منذ ذلك البيان لجنة الوحدة الوطنية أعلي سلطة تشريعية تتكون من جنرالات بعد أن انتخب جمال جورسل رئيسا لها وشكلت حكومة مؤقتة تضم ثلاثة جنرالات و 15 مدنيا تم اختيارهم من قبلها , ثم شرعت في طرح برنامجها الإصلاحي من خلال إلغاء القوانين التي تحد من الحريات والعمل على تحسين الأوضاع الاقتصادية .

وعلى الجانب الآخر كانت اللجنة قد شكلت لجنة للتحقيق مع المعتقلين البالغ عددهم 592 شخصا وصدر القرار 16 سبتمبر 1961م- 1381هـ فقضت بإعدام رئيس الجمهورية جلال بايار ورئيس الوزراء عدنان مندريس ( 1899م -1961م) ووزير الخارجية فطين رشدي ( 1910م1961م) ووزير المالية حسن بولاطقان( 1915م1961 م) ونفذت الأحكام بحقهم باستثناء جلال بايار الذي تشفع له عصمت اينونو ... فأبدلت عقوبته بالسجن المؤبد كما صدرت أحكام أخرى بالسجن مدى الحياة على 31 شخصا وكذلك أحكام أخرى بالسجن لمدة من ستة أشهر إلى 20 عاما على 418 شخصا , وكذلك أحكام أخرى بالسجن لمدة من ستة أشهر إلى 20 عاما على 418 شخصا , وبرئ 123 شخصا وسقطت الدعوى بشأن خمسة أفراد .

ومن أهم الأعمال التي قامت بها لجنة الوحدة الوطنية "إجراء تطهير واسع في صفوف الجيش فأقالوا خمسة آلاف ضابط من رتبة جنرال إلى رتبة مقدم بدعوى تنظيف الجيش من العناصر الفاسدة والعاجزة وإعطائه دما جديدا وبالفعل أعطوا ترقيات استثنائية للضباط الشباب الذين حلوا محل الضباط القدامى المقالين كما أجروا تطهيرا آخر في صفوف أساتذة الجامعات فأقالوا 147 أستاذا من مختلف الكليات لا سيما كليات الحقوق والعلوم السياسية , والاقتصادية , والاجتماعية , وكليات التاريخ والآداب .

بداعي أن هؤلاء الأساتذة إما يمينيون من أنصار الحكم السابق وإما يساريون وشيوعيون يزرعون الفتن والفوضى في صفوف الطلاب ثم أجروا تطهيرا آخر في صفوف كبار موظفي الإدارة والقضاء للأسباب نفسها .

قررت الحكومة الجديدة إطلاق سراح السجناء السياسيين ومنعت الأحزاب السياسية مؤقتا , وأقرت تعديلات في قانون المطبوعات منعت فيه صدور صحافة الحزب الديمقراطي وسمحت بإصدار ما كانت قد حرمت صدوره حكومة مندريس , ولكن لجنة الوحدة الوطنية انقسمت على نفسها حول معالجة المشكلات السياسية,والاجتماعية , والاقتصادية فظهر تيار معتدل ضم الجنرالات الذين دعموا جمال جورسل وبرز التيار الثاني الذي تزعمه توركش وهو تكتل من 14 ضابطا طرح مطالبه بالبقاء في الحكم لمدة أربع سنوات وتأجيل الانتخابات النيابية ولم تنفع محاولات جورسل لإقناع توركش بالتخلي عن مطالبه .

عند ذلك قرر جورسل طردهم من عضوية لجنة الوحدة الوطنية بتعيينهم ملحقين عسكريين لدى السفارات التركية في الخارج وانحلت اللجنة القديمة ثم تشكلت لجنة جديدة أخذت على عاتقها العمل من أجل العودة إلى الحياة الدستورية .

كان هناك اعتقاد واسع الانتشار بأن النظام العسكري الذي حل محل الديمقراطيين في 27 مايو 1960م – 1380هـ سيشكل تهديدا للنظم التحررية الإسلامية التي انطلقت وسوف يعيد الازدهار للنظام المادي الدنيوى الذي كان سائدا قبيل اندلاعه بل واصلت الشائعات رواجها وتردد أن العسكرية سوف تعيد الأذان باللغة التركية وأن المساجد سوف تحول إلى ثكنات والبرامج الدينية ستحدد , ولكن لجنة الوحدة الوطنية لم يكن لديها أية نوايا لذلك بل على العكس من ذلك بدأت في محاصرة هذه الدعاية بانتهاج نهج مقرب إلى الإسلام .

وقد تحدث أحد ممثلي لجنة الاتحاد الوطني في 2 يونيو 1960 م – 1380هـ مؤكدا على دور الأئمة والشيوخ في تحرير الأمة التركية وأنهي حديثه قائلا :" يا ربي ’ لا تحرمنا من العظماء الذين يحبون وطنهم وأمتهم وإنسانيتهم ,وأحفظ لنا الأمة التركية الشريفة التي حققت هذه الانتصارات السعيدة وكان حديثه هذا مؤثرا على ما وصل إليه رد الفعل العالي ضد رغبتهم في إجراء إصلاحات جذرية في الإسلام .

وكان هدف لجنة الاتحاد والوطني سحب القوى الإسلامية من أيدي المحافظين والأحزاب السياسية وجعلها وسيلة وطنية غير مشوب , وألا يستخدم كآلة أو ورقة سياسية بيد التيارات الرجعية والسياسية وأنه لا يمكن الوقوف ضد الاعتقاد وممارسة العبادات لا بالقانون ولا بالقوة أيضا .

وبناء على ذلك فإن لجنة الاتحاد الوطني كانت تتقرب إلى الأوساط الإسلامية وفي نفس الوقت كانت لن تسمح باستخدام الدين كآلة سياسية في الانتخابات كما حدث في الحزب الديمقراطي والجمهوري على حد سواء .

وقد بذلت الإدارة العسكرية وسعها لإظهار الإسلام بأنه ( وطني تقدمي ) فجمال جورسل في أحاديثه التي ألقاها في الجولات التي قام بها في مختلف أرجاء تركيا طلب العودة إلى المصادر الإسلامية ومثال ذلك أنه عندما طلب من الشعب أن يبذلوا قصاري جهدهم لتصحيح الوضع الاقتصادي قال :" إن الإسلام يأمرنا بالعمل والوصول ببلدنا إلى أعلي مستوى " وقال أيضا :" إن ديننا ليس هو السبب في تخلفنا وإنما الذين علمونا الدين خطأ .

إن الإسلام أعظم وأقوى دين في العالم وهو يحض على العمل ...

وقد أقرت لجنة الاتحاد الوطني التغيرات التي حدثت خلال الخمسينات كافتتاح مدارس الأئمة والخطباء والمعاهد الإسلامية العليا التي افتتحت خلال عام 1959م – 1379هـ ذلك أن هذه المعاهد كانت تدرب الذين ستقع على عاتقهم مهمة القيام بالتقدم ولذلك قررت إدخال مواد عصرية إلى هذه المدارس والمعاهد كالاقتصاد والفلك والقانون والمدني وعلم النفس .

وأوضح خيرى مومجي أوغلو وزير الدولة آنذاك أن الحكومة حريصة على إعطاء أفضل التدريبات لرجال الدين لتمكينهم من القيام بمهامهم بصورة أفضل بل وإن المساجد سترمم وتصلح وسوف يستعان في ذلك بخبراء من أكاديمية الفنون لأنهم على دراية بأصول العمارة الإسلامية التركية .

وأن مديرية الشئون الدينية ستصدر مجلة ( الخطب ) لكي تشرح فيها ما يجب أن يلقي في خطبة الجمعة أما عن القرآن , فقد كان من الضروري أن تترجم معانيه كي يقرأه الأتراك ويفهمونه وخلاصة القول فإن الحكومة سترفع أيديها عن المؤسسات الدينية وتتركها لرجال الدين ولكنها لن تسمح باستخدامها لأغراض سياسية .

"إلا أن الإدارة العسكرية رغم ما تحاول إظهاره من عدم معاداتها للقيم الإسلامية فلم تقف صامتة إزاء ارتداء النساء للحجاب فقد قال جمال جورسل في أحد أحاديثه عن ارتداء النساء للحجاب :" الحجاب للمرأة التركية وصمة على جبينها ولا أظن أن ثمة داع لأن تخفي المرأة التركية وجهها الجميل .

فمن حقها أن تظهر للعالم كله وجهها الطاهر الجميل .... وليس ثمة علاقة للحجاب بالشرف والعفة , وإنني أرجو من النساء التركيات ألا يخفين وجوههن .

وقد حظى حديث جمال جورسل بتأييد من بعض الأئمة والمشايخ فقد ذكر مفتي استانبول أن الحجاب كلمة أعجمية وليست تركية وأن الرسول صلي الله عليه وسلم لم يضع شرطا للحجاب وأن عادة الحجاب هذه هي من بقايا العهد الحميدي ( نسبة إلى السلطان عبد الحميد الثاني )

وقد رأت الإدارة العسكرية في تكوين مفهوم وطني للإسلام , يسحب البساط من الأحزاب السياسية والجماعات الإسلامية ويتركز في مؤسسات الدولة تحت رعايتها ويوجه من قبلها أسلوبا أفضل من العودة إلى سياسة العلمانية المتشددة التي كانت في فترة الحزب الواحد .

فعندما سئل جمال جورسل عن تحويل الأذان إلى التركية قال :" أنا لا أري أنه قد جاء وقت الحديث عن هذا إننا في الطريق إلى هذا فنحن نتخذ التدابير اللازمة لتنوير وتثقيف شعبا وعندئذ لن تكون الرغبة في تتريك القرآن , والأذان والعبادة صادرة منا بل من الشعب .

بيد أن الإدارة العسكرية لم يكن لديها برنامجها يمكنه توطين وتقوية هذا الفهم الديني الذي تريده ولذا لم ينتهج العسكريون الذين استولوا على الحكم بعد الديمقراطيين سياسة نحو الدين تختلف كثيرا عن سياسة الديمقراطيين فقد بذلوا جهودهم أيضا للتقرب إلى الشعب وعند النظر إلى المؤسسات الدينية ووضع التعليم الديني في تلك الفترة يمكن القول أن الدين قد حظي بدعم واضح من الإدارة العسكرية ففيما بين عامي 1960م 1380هـ - 1964م 1384 هـ تم إنشاء نحو ستة آلاف جامعا جديدا وبدت واضحة زيادة عدد مدارس الأئمة والخطباء على الرغم من وجود الدروس الدينية الاختيارية وكذلك زيادة عدد الجمعيات الدينية كل هذه الإجراءات تؤكد سياسة المرونة التي اتبعتها الإدارة العسكرية مع الشعب .

الدستور التركي الجديد

اجتمع فريق من أساتذة القانون الأتراك في جامعة استانبول بقرار من لجنة الوحدة الوطنية الجديدة من أجل وضع دستور جديد للبلاد وتشكيل نظام انتخابي جديد .
وبعد إنجازهما , عرض الدستور والقانون الانتخابي للمناقشة أما جمعية تأسيسية تألفت من 49 عضوا ممثلا عن حزب الشعب الجمهوري و25 عضوا ممثلا عن حزب الفلاحين الجمهوري , وأعضاء آخرين يمثلون أ،فسهم كأساتذة جامعات أو يمثلون القطاعات النقابية والمهن الحرة .
ثم طرح كل من المشروعين في 11 يوليو عام 1960 على الاستفتاء الشعبي فحظيا بموافقة الشعب ما عدا الفئات السياسية التي تتعاطف مع الديمقراطيين .
وكان أبرز ما في الدستور الجديد أنه جعل من تركيا ( دولة علمانية ديمقراطية ) بدلا من النص الدستور القديم الذي حدد هوية الحكم بأنه جمهوري علماني ..وقد اعترف الدستور بحق الملكية العقارية الخاصة شرط ألا تضر بالمصلحة العامة .. وكان المقصود بهذه الفقرة – بصورة غير مباشرة – حث الدولة على مصادرة الملكيات العقارية الكبيرة وتوزيعها على فقراء الفلاحين كما أعطي للدولة حق مصادرة المؤسسات الصناعية الخاصة إذا تعارض نشاطها مع مصالح العمال أو مصلحة الدولة واعترف الدستور الجديد أيضا بحق الإضراب للعمال وجعل الضمان الاجتماعي إلزاميا لجميع المستخدمين .
ومع صدور قرار رفع الحظر عن مزاولة النشاط السياسي أسرع الجنرال جوموش بالا الذي سرحه الانقلابيون من الجيش إبان حملة التطهير إلى تأسيس حزب العدالة وألمح إلى أن الهدف منه إعادة الاعتبار إلى الديمقراطيين , وفهم ذلك أنصار الحزب الديمقراطي وكان منهم سليمان دميرال الذي تزعم الحزب بعد ذلك .
وأوضح جمال جورسل في اللقاء الذي عقده مع أعضاء اللجنة الدستورية المشكلة من قبل القوات المسلحة التركية أنه قد أضيف إلى الدستور أحكاما تمنع استثمار ( استغلال ) الدين !... فأعلن بصراحة في الاجتماع المعروف ( باجتماع المائدة المستديرة ) الذي حضره سائر الأحزاب , عدم استغلال الدين لأهداف سياسية .. ووقع كل زعماء الأحزاب على هذا البرتوكول وتعهدوا بعدم استغلال العواطف والمشاعر الدينية في الانتخابات إلا أنه لم يحدث شئ مما اتفق عليه .
ونظم دستور 1961م – 1381هـ مبدأ العلمانية داخل مفهوم ليبرالي يوفر حرية الدين والفكر فأعلن أيضا في المادة 19 , أن لكل شخص الحرية في الاعتقاد والفكر .
ومما سبق تتضح حقيقة تاريخية هامة وهي أن دستور 1961 م – 1381 هـ لم يسع للقضاء على الحركة الإسلامية التي نشطت فيعهد الحزب الديمقراطي بل على العكس فإن الحرية التي وفرها الدستور وأدت إلى ظهور حركات سياسية تدافع وتنادي بالفكر الإسلامية بعد فترة قصيرة وفي ظل هذا المناخ السياسي الجديد الذي شكله الدستور تطورت الحركة الإسلامية تطورات هامة وأصبحت فترة ما بعد 1961م 1381هـ هي أعوام التطور الحقيقي للإسلام السياسي .

اثر الأوضاع السياسية في الستينات على تنامي الحركة الإسلامية

جرت أول انتخابات بعد انقلاب 27 مايو 1960م – 1380هـ في 16 سبتمبر 1961م – 1381 هـ وشارك بها أربعة أحزاب سياسية هي :حزب الشعب الجمهوري وحزب العدالة حزب تركيا الجديدة وحزب الفلاحين الجمهوري .

وقد أسفرت نتائج الانتخابات عن فوز غير متوقع لحزب العدالة الناشئ حديثا إذ نال 158 مقعدا أى نسبة 34,7% من مجموع أصوات الناخبين بينما نال حزب الشعب الجمهوري 173 مقعدا أى بنسبة 39,7% أما بقية المقاعد فقد توزعت على حزبي تركيا الجديدة 65 مقعدا, وحزب الفلاحين الجمهوريين 54 مقعدا .

وحيث أن حزبا لم ينل الأغلبية التي تؤهله لتشكيل حكومة بمفرده فكان ينبغي – طبقا للدستور – أن تتشكل حكومة ائتلافية فشكل ( عصمت اينونو ) زعيم حزب الشعب الجمهوري أول حكومة ائتلافية في تاريخ الجمهورية التركية مع حزب العدالة .

وارتأى (اينونو( أن يضم إليه حزب العدالة – وهو الحزب المنافس له – كي يبعده عن صفوف المعارضة , وقد كان يمكن لإينونو أن يشكل حكومة أقلية مع الحزبين الآخرين , فيضمن بذلك التصويت الكامل لصالح قرارات حكومته في المجلس فيحين أن حزب العدالة أيضا قبل هذا الائتلاف الغير متجانس بغية أن يحصل من خلال مقاعده البرلمانية في صف الحكومة على قرارات لصالح الديمقراطيين القدامى تتمثل في إطلاق سراح السجناء ورد الاعتبار لهم والإفراج عن ( جلال بايار ) رئيس الجمهورية السابق .

وفي 25 أكتوبر 1961م – 1381 هـ اجتمعت الجمعية الوطنية لأول مرة بعد انتخابات النيابية العامة وفي 27 أكتوبر انتخبت الجنرال جمال جورسل زعيم الانقلاب أول رئيس للجمهورية الثانية الجديدة . ولم تدم تلك الحكومة الائتلافية ( الغير متجانسة ) كثيرا فقد تعثرت في مهامها وتوترت الأوضاع السياسية وعاش المثقفون حالة من الإحباط واليأس منحل تلك الأزمة السياسية والاقتصادية وكان العسكريون يراقبون تلك الأوضاع وجرت في ليلة 22 فبراير 1962م -1382هـ محاولة انقلابية قام بها طلبة الكلية الحربية في أنقرة بزعامة الكولونيل طلعت آيدمير وسرعان ما أخفقت وألقي القبض على زعيمها وكافة عناصرها ,وأظهرت التحقيقات أنها مبادرة متسرعة قام بها نفر من الضباط الصار المطالبين بإصلاحات راديكالية تقضي جذريا على المشاكل المتفاقمة. هكذا بدأت الحكومة باتخاذ إجراءات سريعة لكبح جماح أية محاولات أخرى وقد أقر المجلس الوطني التركي الكبير في مطلع شهر مارس 1962م – 1382 هـ وبعد مناقشات ومجادلات ( قانون حماية النظام ) وهو قانون يتضمن إجراءات رادعة ضد أية أنشطة معادية للسلطة الشرعية .

وقدم ( اينونو ) استقالة حكومته بعد ائتلاف دام نحو سبعة أشهر فكلفه ( جمال جورسل ) بتشكيل حكومة ائتلافية أخرى فشكلها حكومة أقلية هذه المرة من حزبي تركيا الجديدة والفلاحين والجمهوريين .

واستمر ذلك الائتلاف الثاني الذي بدأ في يونيو1962م – 1382هـ حتى خسر حزب تركيا الجديدة نصف أصواته في الانتخابات البلدية أمام حزب العدالة في 17 نوفمبر 1963م -1383هـ وأدت تلك الانتخابات إلى استقالة حكومة إينون الثانية وتشكيل حكومة ائتلافية أخرى ثالثة إلا أنها هي الأخرى عجزت عن حل الأزمات الاقتصادية ,والسياسية التي تعاني منها البلاد فاستقالت في 13 فبراير 1965 م -1385هـ بعد أن تقدم نواب حزب لعدالة داخل البرلمان بالاقتراع على سحب الثقة منها وتم لهم ذلك.

في تلك الأثناء تولي ( سليمان دميرال) رئاسة حزب العدالة , وخاض به الانتخابات البرلمانية في أكتوبر1965م – 1385هـ .

فنجح العدالة في تشكيل الحكومة من أعضائه ورئاسة ( سليمان دميرال ) وقد تمكن الحزب من السلطة بسيطرته على كافة الأجهزة والمؤسسات التي نجح بتطهيرها من المناوئين له سواء كان ذلك في المرافق المدنية الإدارية أو القضائية ودعا في برنامجه إلى مشروع قانون للعفو عن الزعماء الديمقراطيين السابقين , وقانون لتعديل نظام الانتخابات وقد جابهت أحزاب المعارضة هذه المشاريع فاشتد الصراع بين الفئات, والأحزاب السياسية في البرلمان عام 1966م – 1386هـ ( جمال جورسل ) عن الميدان السياسي لسوء صحته فانتخب المجلس جودت صوناي رئيسا للجمهورية التركية في نهاية مارس 1966م- 1386هـ فخفت التوتر السياسي قليلا بين الفئات السياسية المتخاصمة وبقيت مشكلات البلاد تنتظر الحلول .

وقوى مركز حزب العدالة في السلطة فبدأ بإجراء تعديلات في بعض مواد الدستور بهدف إعطاء الحقوق السياسية لأعضاء الحزب الديمقراطي المنحل عام 1960م – 1380هـ باعتبار حزب العدالة هو الوريث الشرعي لأولئك الديمقراطيين الذين دمرهم العسكريون دون هواده .

وجاءت انتخابات 12 أكتوبر 1969م – 1389 هـ لتؤكد أن حزب العدالة هو الحزب الذي يحظي بالتأييد الأكبر داخل الساحة السياسية في تركيا فقد حقق فوزا على سائر الأحزاب الأخرى التي شاركت في هذه الانتخابات وهي الشعب الجمهوري والعمل التركي وتركيا الجديدة والوطن والثقة الجمهوري , والحركة القومية ,حزب الوحدة وشكل ( دميرال) حكومته في مارس 1970م – 1390هـ دون أن تشهد أى تغيرات أو تطرح برنامجا صدقا لإنهاء الأزمة الاقتصادية ومشكلات العمالة , والنقابيين , والحريات وواصلت سياستها في الوقوف ضد حقوق العمال و سنت قوانين تحد من الأنشطة النقابية.

تأسيس أول حزب سياسي إسلامي

شعرت مجموعات تمثل أصحاب أعمال في الأناضول بين أعمال صغيرة ومتوسطة بضرورة الاتحاد في حزب سياسي آخر ضد رجال الأعمال الكبار الموجودين في استانبول وإزمير نتيجة الخلاف القائم في اتحاد الغرف التجارية الصناعية ,وقد تأسس حزب النظام الوطني نتيجة لهذه المطالب في 26 يناير 1970 م – 1390هـ وانتشر الحزب في أنحاء كبيرة من الأناضول تحت رئاسة نجم الدين أربكان الرئيس السابق لاتحاد الغرف الصناعية وعضو هيئة التدريس بجامعة استانبول التكنولوجية وقد ولد الحزب كرد فعل على سياسة حزب العدالة

وكان العسكريون يراقبون تلك الأوضاع .

وجرت في ليلة 22 فبراير 1962م- 1382هـ محاولة انقلابية قام بها طلبة الكلية الحربية في أنقرة بزعامة الكولونيل طلعت آيدمير وسرعان ما أخفقت وألقي القبض علي زعيمها, وكافة عناصرها وأظهرت التحقيقات أنها مبادرة متسرعة قام بها نفر من الضباط الصغار المطالبين بإصلاحات راديكالية تقضي جذريا على المشاكل المتفاقمة هكذا بدأت الحكومة باتخاذ إجراءات سريعة لكبح جماح أية محاولات أخرى وقد أقر المجلس الوطني التركي الكبير في مطلع شهر مارس 1962م 1382 هـ وبعد مناقشات ومجادلات ( قانون حماية النظام ) وهو قانون يتضمن إجراءات رادعة ضد أية أنشطة معادية للسلطة الشرعية .
وقدم ( اينونو) استقالة حكومته بعد ائتلاف دام نحو سبعة أشهر فكلفه ( جمال جورسل ) بتشكيل حكومة ائتلافية أخرى فشكلها حكومة أقلية هذه المرة من حزبي تركيا الجديدة والفلاحين والجمهوريين .
واستمر ذلك الائتلاف الثاني الذي بدأ في يونيو 1962م – 1382هـ حتى خسر حزب تركيا الجديد نصف أصواته في الانتخابات البلدية أمام حزب العدالة في 17 نوفمبر 1963م – 1383هـ وأدت تلك الانتخابات إلى استقالة حكومة إينونو الثانية وتشكيل حكومة إئتلافية أخرى ثالثة إلا إنها هي الأخرى عجزت عن حل الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تعاني منها البلاد فاستقالت في13 فبراير 1965 م – 1385هـ بعد أن تقدم نواب حزب العدالة داخل البرلمان بالاقتراع على سحب الثقة منها وتم لهم ذلك.
وفي تلك الأثناء تولي ( سليمان دميرال ) رئاسة حزب العدالة وخاص به الانتخابات البرلمانية في أكتوبر 1965م – 1385هـ " فنجح حزب العدالة في تشكيل الحكومة من أعضائه ورئاسة ( سليمان دميرال ) وقد تمكن الحزب من السلطة بسيطرته على كافة الأجهزة والمؤسسات التي نجح بتطهيرها من المناوئين له سواء كان ذلك في المرافق المدنية الإدارية أو القضائية ودعا في برنامجه إلى مشروع قانون للعفو عن الزعماء الديمقراطيين السابقين وقانون لتعديل نظام الانتخابات وقد جابهن أحزاب المعارضة هذه المشاريع فاشتد الصراع بين الفئات والأحزاب السياسية في البرلمان عام 1966م – 1386هـ وغاب ( جمال جورسل) عن الميدان السياسي لسوء صحته فانتخب المجلس جودت صوناى رئيسا للجمهورية التركية في نهاية مارس 1966م- 1386هـ فخفت التوتر السياسي قليلا بين الفئات السياسية المتخاصمة وبقيت مشكلات البلاد تنتظر الحلول .
وقوى مركز حزب العدالة في السلطة فبدأ بإجراء تعديلات في بعض مواد الدستور بهدف إعطاء الحقوق السياسية لأعضاء الحزب الديمقراطي المنحل عام 1960م – 1380 هـ باعتبار حزب العدالة هو الوريث الشرعي لأولئك الديمقراطيين الذين دمرهم العسكريون دون هوادة .
وجاءت انتخابات 12 أكتوبر 1969م – 1389 هـ لتؤكد أن حزب العدالة هو الحزب الذي يحظى بالتأييد الأكبر داخل الساحة السياسية في تركيا فقد حقق فوزا على سائر الأحزاب الأخرى التي شاركت في هذه الانتخابات وهي الشعب الجمهوري والعمل التركي وتركيا الجديدة والوطن والثقة الجمهوري , والحركة القومية وحزب الوحدة وشكل ( دميرال ) حكومته في مارس 1970 م – 1390 هـ دون أن تشهد أى تغيرات أو تطرح برنامجا صادقا لإنهاء الأزمة الاقتصادية ومشكلات العمالة والنقابيين والحريات , وواصلت سياستها في الوقوف ضد حقوق العمال وسنت قوانين تحد من الأنشطة النقابية .

تأسيس أول حزب سياسي إسلامي

شعرت مجموعات تمثل أصحاب أعمال في الأناضول بين أعمال صغيرة ومتوسطة بضرورة الاتحاد في حزب سياسي آخر ضد رجال الأعمال الكبار الموجودين في استانبول وإزمير نتيجة الخلاف القائم في اتحاد الغرف التجارية الصناعية وقد تأسس حزب النظام الوطني نتيجة لهذه المطالب في 26 يناير 1970م – 1390 هـ وانتشر الحزب في أنحاء كبيرة من الأناضول تحت رئاسة نجم الدين أرباقان الرئيس السابق لاتحاد الغرف الصناعية وعضو هيئة التدريس بجامعة استانبول التكنولوجية وقد ولد الحزب كرد فعل على سياسة حزب العدالة الحاكم المؤيدة للصناعات والتجارة الكبرى في المدن أو البرجوازية الزراعية في الريف .
وقد أثرت الظروف الاقتصادية المتطورة والمتغيرة داخل النظام الرأسمالي في تركيا تأثيرا سلبيا على صغار التجار والقرويين أصحاب الأراضي الصغيرة وأدت إلى إفساد أوضاعهم الاقتصادية وفقدانهم لدورهم داخل المجتمع .
ويعد حزب النظام الوطني أول تكوين سياسي جاد يشكله الإسلاميون المعارضون بعد بداية حركة التغريب في الدولة العثمانية فمنذ تأسس الجمهورية التركية وحتى تأسيس حزب النظام الوطني لم تظهر معارضة دينية إسلامية في شكل مستقل فالمعارضة الدينية سواء في فترة الدولة العثمانية أو في فترة الجمهورية قد أخذت شكل معارضة للتغريب من حيث المظهر والشكل أما حزب النظام الوطني فكان نواة لصياغة مشروع نهضوي خاص يستوسل القنوات السياسية لتنفيذ أهدافه وتحقيق مراميه .
وقد أدت الفترة التي مرت بها تركيا بعد الحرب العالمية الثانية والتطورات الاقتصادية والاجتماعية والتفسير الغربي للعلمانية وجهود إحلال الديمقراطية إلى استقلالية المعارضة الإسلامية في بداية السبعينات وأثمرت حزب النظام الوطني, ومن الصواب أن يوصف حزب النظم الوطني الذي, الذي تأسس في نهاية تلك الفترة بأنه أول خطوة صغيرة ولكنها خطوة جدية نحو تشكيل حركة إسلامية مستقبلة في تركيا ,
وحمل حزب النظام الوطني منذ تأسيسه إشارات وإيماءات لتوجهه الإسلامي مثل " اتخاذه من إصبع التشهد باليد اليمنى رمزا له "

ويتضح المنطلق التاريخي الذي يستند إليه الحزب من خطبة تأسيس حزب النظام الوطني ومما جاء فيها :

أما اليوم ... فإن أمتنا العظيمة التي هي امتداد لأولئك الفاتحين الذين قهروا الجيوش الصليبية قبل 1000 سنة والذين فتحوا ( استانبول ) قبل 500 عام أولئك الذين قرعوا أبواب ( فيينا ) قبل 400 سنة .. وخاضوا حرب الاستقلال قبل 50 سنة هذه الأمة العريقة تحاول اليوم أن تنهض من كبوتها وتجدد عهدها وقوتها وتؤسس حزب النظام الوطني .
إن حزب النظام سيعيد لآمتنا مجدها التليد تلك الأمة التي تملك رصيدا هائلا من الأخلاق , والفضائل في فطرتها وسيبدأ في إحلال الرفاهية والسعادة والسلامة إلى كل أرجاء الوطن من خلال القنوات الشرعية وليكن حبنا مصدر سعادة وخير على أمتنا كافة.

ويشير الحزب أيضا إلى عراقة فكرته وأصالة مرجعيته ,وأنه ليس فكرا محدثا أو نظرية قيد التجربة فيقول في نفس الخطبة :

يا أمتنا العزيزة ! ... إن أمتنا العظيمة التي تربعت على عرش تاريخ البشرية بهويتها التي ترتبط بالحق (الله ) دوما وتحقق الحق وتبطل الباطل ها هي اليوم تطلق الصواريخ ابتهاجا باعتلائها عرش التاريخ مرة أخرى بعد فترة طويلة من السبات وإن حزب النظام الوطني هو الصاروخ القوي الذي أطلق ليضئ أمتنا بعد عصور من الاضطراب والظلام ويعيد لها عصرها المجيد"
وعلى الرغم من أن تأسيس حزب النظام الوطني كان نتيجة لأسباب اقتصادية إلا أن الصحافة والرأي العام وصفت الحزب الجديد والقائمين عليه بأنهم دعامة للإسلام في تركيا عن طريق القنوات السياسية .
ولا يمكن اعتبار ما قيل عن الحزب مبالغة " فقد أعلن أرباقان في الاجتماع الصحفي الذي عقد في 26 يناير 1970 م – 1390هـ أن حزب النظام الوطني يقبل عضوية كل الأشخاص ما عدا الماسونيين والشيوعيين , والصهاينة وفي الاجتماع التأسيسي للحزب في أنقرة 8 فبراير 1970م- 1390 هـ علت الهتافات " الله أكبر , آمين , إن شاء الله .
أما في بيانه فقال " إن أمتنا العزيزة التي اختارها الله لإحقاق الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

ويوضح الحزب الغاية من تأسيسه فيقول في برنامجه

إن الغاية الأساسية من تأسيس حزبنا,هو تفعيل الأخلاق العالية والفضائل السامية المستقرة في أعماق أمتنا وتحقيق النظام والسعادة والعدالة الاجتماعية والسلامة والسرور لمواطنينا ( مادة رقم 1) والمقصود بالعدالة الاجتماعية هي إيجاد موازنة عادلة بين الفرد والجماعة والشعب "
وفي القسم الخاص بحرية الفكر والاعتقاد من البرنامج يلمح الحزب إلى موقفه من العلمانية فيقول:

نحن أنصار حرية الوجدان التي تلبي احتياجات المواطنين من الاعتقاد الديني ,وتعليم العبادات والتربية , وضد جعل العلمانية .

التي عرفت بأنها تأمين لحرية الدين والوجدان – آلة للهجوم على الدين وعدم احترام المتدينين . ومعيار حزبنا في موضوع العلمانية أنه يمكن التعبير عن العلمانية في شكل مضاد لكل نوع من المفاهيم التي تصب في وعاء لعداء للدين ...نحن ندعو إلى انتهاج سياسة التربية والتعليم الديني في الشكل الذي لا يترك مجالا لاستثمار المشاعر الدينية بدلا من السياسة الخاطئة التي تترك أمتنا محرومة من بعض العلوم الدينية أوكلها (مادة6)
وعند النظر إلى " الأسس الاقتصادية) الموضحة ببرنامج حزب النظام الوطني , يمكن أن نلحظ أن الحزب كان ردا من البرجوازية الصغيرة على هيمنة كبار رجال الأعمال الاقتصادية .
لأن الحزب كان يعارض تجمع رأس المال في مراكز معينة .وهكذا اكتسب حزب النظام الوطني الذي ولد كرد فعل للبرجوازيين الصغار الذين لم يستطيعوا الحصول على حصصهم والذين لا يستطيعون المنافسة ضد كبار التجار والصناع – صفة الحزب الإسلامي بأيدلوجيته تلك التي اعتمدت على الاقتصاد ونظر إليه كذلك على أنه مدافع عن الدين أو الإسلام .

ويمكن تلخيص"التغيرات الجذرية" في المجال الاقتصادي التي نادى بها أورباقان في " المؤتمر الأول " لحزب النظام الوطني فيما يلي :

- انتشار القطاع الخاص بدلا من محدوديته وتبعيته للدولة ( الخصخصة).
- توجيه الاستثمارات نحو الدول النامية .
- إقرار العمل والتخطيط اللامركزي بدلا من مركزية الخطة .
- منع الإسراف السافر والخفي (ترشيد الإنفاق ).
- تحرير الشعب والاقتصاد من أضرار الربا الاستعماري .
- تغيير النظام الذي يحمل الفقير الضرائب.
- وضع نظام يضمن الاعتمادات المالية .
- وضع أسس جديدة لتحقيق أكبر انتفاع من الأراضي .
- إحياء الروح التي تعمل وتجتهد بمفهوم العبادة.
- العودة إلى السياحة الوطنية والتعريف بمفاخرنا وشهدائنا وأوليائنا"

ومما تقدم يتضح أن تفسير تأسيس حزب النظام الوطني من أجل صراعات المصالح الاقتصادية فقط ليس كافيا وحده .

ويجب توضيح أن تضييق الثورة التركية الخناق على الإسلام وتقليص قوته , وردود أفعال الأوساط الإسلامية , ضد ذلك من خلال معارضتهم للسياسة حزب النظام الوطني ,.

ويمكن وصف حزب النظام الوطني بأنه استمرار لمفهوم العداء للغرب والعداء للعلمانية التي بدأت منذ التنظيمات .

ويرى حزب النظام الوطني – طبقا لبرنامجه – أن دور النظم الحاكمة والنظم الاقتصادية يأتي في الدرجة الثانية وهذا الحزب المؤيد لاحترام حقوق الملكية والكسب الحلال يهدف إلى توسيع العمل الحر..وأنه سيتخذ التدابير اللازمة لحماية الأخلاق التجارية وسيمنع الأنشطة التجارية ذات الجذور الأيدلوجية الأجنبية وأنه سيوزع اعتمادات الدولة بشكل عادل داخل نطاق الصناعة الثقيلة وكان بالطبع ضد دخول تركيا إلى السوق الأوربية المشتركة.

انقلاب 12 مارس 1971م – 1391 هـ

أدت ممارسات حزب العدالة ( اللاديمقراطية ) ضد العمال والنقابات العمالية وكذلك الأزمات الاقتصادية التي صعب على حكومة حزب العدالة أن تتجاوزها أو تحد من حجمها إلى نشوء مقاومة شديدة تزعمها اتحاد النقابات العمالية فنظمت المؤتمرات التنديدية ومظاهرات ومظاهرات الطلاب والعمال احتجاجا على ممارسات حزب العدالة اللادمقراطية وبلغت تلك المظاهرات,والاضطرابات العمالية أوجها في 15و 16يونيو 1970م – 1390هـ
وقررت الحكومة إعلان الأحكام العرفية , ونزلت الدبابات إلى شوارع استانبول, وتوسعت حملة الاعتقالات,وتشكلت محاكم عسكرية ومنعت إصدارات صحف اليسار ومجلاته .
ولكن الفعاليات المضادة للقوي السياسية لم تتوقف , بل اتسعت لتشمل الفلاحين والمطالبين بالإصلاح الزراعي ,وأكراد الولايات الشرقية المطالبين بحقوقهم القومية والدستورية.
وعبرت المظاهرات الطلابية الصاخبة عن مطالبها ورافقتها أعمال عنف سياسي بين الفئات اليمينية والقوي الراديكالية وكانت تركيا تغرق في موجة الاضطرابات المحتدمة .
وأغلق حزب النظام الوطني الذي تأسس في 26 1970م – 1390هـ بقرار المحكمة الدستورية الصادر بتاريخ 20 مايو 1971م – 1391 هـ وانتهت حياة الحزب السياسية بسبب مخالفته لمبادئ الدستور التركي .

وأعلنت المحكمة الدستورية أسباب إغلاق الحزب كما يلي :

- الرغبة في إلغاء المادة 63, من دستور الجمهورية التركية التي تحظر القيام بأى نشاط يستند على أسس دينية كاملة أو جزئية .
- المناداة بجعل الدروس الدينية إجبارية في المرحلة الإعدادية .
- رؤيته في أن عودة الخلافة ذات فائدة عظيمة وأنها يمكن أن تحقق .
- القول بأنه لا يمكن الفصل بين الدين والدولة .
- رؤيته للتطورات التغريبية والعلمانية التي نمت في منتصف القرن الماضي في تركيا وكذلك فترة العلمانية التي تبلغ خمسين عاما أنها عصر الضلالة التعهد بأسلمة كل مجال .
- وإذا أخذ في الاعتبار خصائص المناخ السياسي لـ 12 مارس 1971م -1391 هـ كمؤثر واضح في إغلاق حزب النظام الوطني فإنه يمكن رؤية الانقلاب على أنه محاولة لأن يضع العسكريون ثقلهم من جديد على الحكم والاستمرار في منهج الأيديولوجية الكمالية,
- وقد ذكر في مذكر الاحتجاج التي تحمل توقيع قادة الجيش : إن البرلمان والحكومة قد عرضا وطننا للفوضي والنزاع بين الإخوة ,والتدهور الاجتماعي والاقتصادي وجعل الرأي العام يفقد الأمل في الوصول إلى مستوى الحضارة المعاصرة التي استهدفها لنا أتاترك ولم يستطيعا تحقيق أى إصلاح دستوري وزجا بمستقبل الجمهورية التركية إلى خطر عظيم.

وحلا للمشكلة أوضح قادة الانقلاب اضطرارهم إلى تشكيل حكومة قوية ضمن قواعد الديمقراطية تنفذ قوانين الانقلاب مستمدة الإصلاحات الدستورية من الفكر الأتاتركي .

وأكدوا على أنه " لما كان تحقيق ذلك على وجه السرعة أمرا متعسرا فإن القوات المسلحة التركية ستقوم بمهمة حماية الجمهورية التركية التي كفلها بها الدستور , وأنها صاحبة القرار المباشر في الإدارة , وهكذا فإن الخط العام المسيطر على المذكرة يتمثل في أن الحل الوحيد للتخلص من الأزمة التي وقع فيها المجتمع هي الحلول التي قدمتها الأيديولوجية الكمالية .

ويمكن القول أن حقبة الستينات بما اشتملت عليه من أزمات اقتصادية حادة وصراعات حزبية متعصبة تؤثر المصلحة الحزبية فوق مصلحة الأمة , إضافة إلى خصوصية حقبة الستينات في كثير من دول العالم بأنها الفترة التي شهدت المد اليساري وانتشار الفكر الماركسي والشيوعي كل ذلك قد أدي إلى جعل الستينات فترة صراع فكرى محتدم بين التيار الديني واليساري والتيار العلماني .

عقب التعديلات الدستورية التي قضت بعدم استغلال الأحزاب للدين في أهداف سياسية بدأت الأحزاب السياسية في دعاياتها الانتخابية تتصرف بدقة وبحذر إلا أنه لا يمكن القول بأنها لم تستغل الدين فهو يمثل لها ورقة المرابحة الرئيسية قبل أى شئ ومع وصول الحزب الديمقراطي إلى السلطة في انتخابات 1965م – 1385 هـ أصبح الدين مرة أخرى وسيلة سياسية في الحياة السياسية واستمرت هذه اللعبة طول فترة الستينات .

وما أن ظهر حزب العدالة على المسرح السياسي وبدأت تظهر خطي ( سليمان دميرال ) نحو الزعامة حتى بدأت الاتهامات تنهال عليه بالماسونية وبأنه صنيع القوي التي تود أن تضرب الاتجاه الإسلامي من ناحية وأى تحرك تقدمي من ناحية أخرى وما أن تم انتخابه بدعم من التيارات الإسلامية حتى لاحظوا أنه خيب آمالهم في الأيام الأولي فاتهموه بأنه يتجه بالبلاد نحو اليسار .

وفي يوليو 1965م – 1385هـ قرر حزب العدالة أن يغير شعاره في محاولة منه لنفي التهمة .

وكان هذا القرار ذا أهمية بالنسبة للحزب وموقفه من الإسلام فقد اختار لنفسه شعارا جديدا عبارة عن كتاب مفتوح وعلى صفحتيه حرفين هما ( A –P) أما الكتاب المفتوح فكان يرمز إلى القرآن والحرفيين بالرغم من أنهما يدلان على كلمتي حزب العدالة إلا أن الحزب اتخذهما أيضا للدلالة على كلمتي الله والنبي . وبهذا الاستغلال للرمز الديني والمشاعر الإسلامية نجح حزب العدالة في انتخابات 1965م – 1385هـ . وعلى الجانب الآخر فقد شهدت الحركة الإسلامية انفتاحا أوسع على المجتمع والحياة السياسية فقد نشطت الطرق الصوفية وحركة الترجمة إذ ترجمت العديد من الكتب الإسلامية إلى اللغة التركية وبدأت دور النشر الإسلامية تنتشر وتحظي بإقبال جماهيري إلى جانب ظهور صحافة ذات توجه إسلامي .

ومن بعد انقلاب 27 مايو حتى منتصف السبعينات بدأت الجرائد والمجلات مثل الاستقلال الجديد الحركة استانبول الجديدة الصباح واليوم تفرد صفحات خاصة لديها للموضوعات الإسلامية والمقالات الاجتماعية والسياسية والدينية وكانت ثمة جهود لتكوين جبهة ضد اليسار من خلال الكتابات والمقالات التي تستخدم كلمة ( الإسلام) في ثنائياتها مثل ( اشتراكية الإسلام ) و( الإسلام والقومية) و ( ديمقراطية الإسلام ) و( العدل والإسلامي ) وكذلك أريد ربط كلمة ( إسلامي ) ببعض النظم الإسلامية .

وتميز عقد الستينات ببروز دور الإسلام في توجيه رحي الانتخابات البرلمانية والمحلية ولعل موقف أغلب الأحزاب السياسية في النصف الأول من الستينات تجاه الإسلام تمثل في استغلاله كورقة مرابحة انتخابية , إلا أن دور الإسلام في النصف الثاني قد تغير , فغدا يلعب دورا أكثر انفتاحا في المجتمع التركي حيث كان جهود الحركات الإسلامية – التي كانت تعمل سرا في الأربعينات وبدأت تظهر في الخمسينات وشاركت بشكل مؤثر في الستينات وقد بدأت تؤتي ثمارها من خلال محاولات أسلمة هيئات النظام ومؤسساته وطرح الإسلام كثابت من الثوابت الفكرية في الدولة وإقصائه عن قائمة الاختيارات والبدائل .

حزب السلامة الوطني في الحياة السياسية التركية

بعد فترة قصيرة من إغلاق المحكمة الدستورية لحزب النظام الوطني بدأت المحاولات مرة أخرى لتأسيس حزب جديد وذكر سليمان عارف أمره الذي ترأس حزب السلامة الوطني الذي أسس بديلا عن حزب النظام قائلا :" لقد توالت مطالب الشعب بتأسيس حزب جديد عقب إغلاق حزب النظام. وكان بعض أصدقائنا يودون ذلك أيضا .

إلا أنني كنت أعارض ذلك لأني كنت أري أن الوقت لم يكن قد حان بعد. وفي النهاية انتهت المحكمة الدستورية وهدأت العاصفة فاجتمع أهل الحل والعقد ورأوا أنه لا حاجة لتأجيل تأسيس الحزب الجديد وقرروا تأسيس هذا الحزب الذي أنا رئيسه .

ونتيجة إغلاق حزب النظام الوطني بقرار المحكمة الدستورية اتخذ مسئولو حزب السلامة الوطني الذي أسس في 11 أكتوبر 1972م -1392هـ التدابير اللازمة حتى لا يتعرض لنهاية مثل نهاية حزب النظام .

فلم يكن من بين مؤسسي حزب السلامة الوطني التسعة عشر أى فرد من مؤسسي حزب النظام حيث إن أرباقان الرئيس العام لحزب النظام الوطني المغلق لم يكن له مكان حتى بين مؤسسي حزب السلامة الوطني .

ولم يسمحوا للمنتمين للحزب بالتحدث كما يحلو لهم عفو الخاطر كما كان الأمر في فترة حزب النظام .

وعلى الرغم من أن إدارة 12 مارس قد أغلقت حزب النظام إلا أنها لم تعارض في مشاركة حزب السلامة الذي بدأ أنه ممثلا للأيديولوجية الدينية في الحياة السياسية وإعطائها الإذن لهذا الحزب يحمل عدة تبريرات يأتي في مقدمتها رغبة الإدارة في إضعاف حزب العدالة .

واستطاع حزب السلامة أن ينتظم بسرعة داخل الوطن فأثناء انعقاد المؤتمر الكبير الأول للحزب في 21 يناير 1973م – 1393هـ كان قد انتظم في 42 محافظة ونحو 300 مدينة .

ورأى حزب السلامة الوطني نفسه متمايزا عن غيره من الأحزاب الأخرى من عدة حيثيات مثل المرجعية والأهداف والاستراتيجيات وقال ( سليمان عارف ) في المؤتمر الكبير الأول للحزب : لقد أناط الدستور بالدولة مهمة تهيئة المناخ اللازم لتنمية الفرد ماديا ومعنويا وحزبنا يتفق مع ذلك الاتزان في حركة التنمية المادية والمعنوية ويرى أن الرؤى اليسارية والليبرالية قد اهتمت بالتنمية المادية وأهملت الجانب المعنوي وأنها بعيدة عن تلبية احتياجات الوطن وأنهما لم يقوما باللازم نحو التنمية بعيدة عن تلبية احتياجات الوطن وأنهما لم يقوما باللازم نحو التنمية المعنوية والأخلاقية المنصوص عليها في الدستور في المادة 10,14 والمواد المتعلقة بهما .

واعتمدت حزب السلامة على قوة ناخبة كبيرة يعلم جيدا تأييدها له فقد كان حزب السلامة الوطني الذي كان يمثل اتفاقا بين جماعة ( اسكندر باشا ) وهي أحد فروع الطريقة النقشبندية وجماعة النور يدرك أنه سيحظي بتأييد قوى من أغلب الجماعات الإسلامية .

وقد جذب حزب السلامة الوطني الانتباه داخل تركيا وخارجها بسبب دعوته لأسلمة مؤسسات تركيا الثقافية والسياسية وقد تبلور رأى الحزب على أن العلمانية والتغريب هما السبب في تخلف تركيا الاقتصادي وفساد الثقافة وكانت أيديولوجيته التي عرفت باسم ( الفكر الوطني ) في برنامج الحزب , تدافع عن الصناعة والاتحاد بين الدول الإسلامية وكذلك كان معارضا لدخول تركيا ( اتحاد أوربا الاقتصادي ) وانتقد كذلك فوائد البنوك "

وأوضح حزب السلامة الوطني في برنامجه الهدف العام لحزبه قائلا

الهدف الرئيسي لحزبنا هو نهضة أمتنا المادية والمعنوية والوصول بها إلي السعادة والسلامة.
وتؤمن بأنه حتى تحقيق نهضتنا المعنوية فعلي أمتنا أن تلتف حول المشاعر والغايات الوطنية وأن توفر ضمانات حريات وحقوق الإنسان والاستناد على الرأي المعنوى والأخلاقي الذي يري ضرورة اعتماد المجتمع على الأخلاق والفضيلة المنصوص عليها في مواد الدستور.
ونؤمن كذلك بضرورة قيام حركة تؤمن بالتقدم أكثر من ذي قبل وتردك شخصيتها الوطنية وتبتعد عن كل نوع للتقليد وترتبط بماضيها وتحافظ على عنهاتها وأعرافها بكل تقدير واحترام وتفخر بتاريخنا العظيم المشرف .
واستطاع حزب السلامة الوطني أن ينظم لجانا عمالية منتشرة في كل أنحاء تركيا كانت وظيفتها البحث عن حلول لمشكلات العمال وبالإضافة إلى ذلك فقد سعت لتأسيس نقابات للعمال المؤيدين لحزب السلامة تحت مسمي اتحاد ( العمل الحق )
كان حزب السلامة قد أسس علاقات مع الهيئات المختلفة ومن بين الهيئات الموالية لحزب السلامة كان اتحاد كتاب تركيا واتحاد الأعضاء التقنيين ووقف الاقتصاديين الثقافي وجمعية المعلمين المتميزين وجمعية النشر العلمي ,وكان يقال أن هذه العلاقات الرسمية كانت مؤيدة من قبل النورسيين والنقشبنديين .
وكانت صحيفة الجريدة الوطنية التي تطبع في استنابول هي أهم صحيفة لحزب السلامة الوطني وتصدر هذه الجريدة منذ 21 يناير 1973 – 1393هـ بشكل يومي حتى الآن بالإضافة إلى ذلك كانت هناك مجلات تناصر حزب السلامة مثل المملكة والوثيقة في أنقرة و الطريق الوحيد في إزمير والسبيل والميضأة في استانبول .
واستمر حزب السلامة على نفس المفهوم السياسي لحزب النظام الوطني فعارض السوق المشتركة ونادى بزيادة التعاون مع العالم الإسلامي وانتهج سياسة تتوائم مع المصالح الاقتصادية للبرجوازيا الصغيرة .
إلى جانب هذا كان حزب السلامة ينعت حزب الشعب الجمهوري وحزب العدالة بموالاتهما للغرب وأنهما دعامتين له في تركيا غير ناظرين إلى المصلحة الوطنية ولم يعتمد عداء حزب السلامة للغرب على أساس ديني فحسب فقد رأي الغرب على أنه مستعمر لتركيا من الناحية الاقتصادية وأنه سبب في ترديها وقد نظر إليه على أنه رمز للصهيونية والماسونية والصليبية المسيحية وغده عدوا للإسلام وعدوا يهدم الإسلام .
ويرى لحزب السلامة الوطني أنه توجد بتركيا ثلاث رؤي أساسية حزب الشعب الجمهوري ويمثل " الرؤية اليسارية " وحزب العدالة ويعبر عن الرؤية الليبرالية وحزب السلامة ويمثل الرؤية الوطنية .
وعلى الرغم من وجود خصائص متشابهة بين حزبي العدالة والسلامة من حيث الرؤية الاقتصادية والثقافية ومن حيث الجاذبية للأصوات الإسلامية إلا أن الفرق البين الذي تميز به حزب السلامة وهو جهوده في ( الطرح الأيديولوجي الجديد لبرامجه) والتي اعتمدت فيما اعتمدت عليه على المجاهرة الصريحة بعلمانية النظام وتبعيته للغرب وقد جذبت هي الجرأة الانتباه في الأوساط الإسلامية إذ كانت هذه الجرأة فريدة من نوعها فمنذ إعلان الجمهورية لم يجرؤ حزب أو مجموعة من الناس بهذا الإجهار ,, وسبب آخر لنجاح حزب السلامة أن أفكاره لم تكن مخالفة للقيم الموجودة بعقلية قسم كبير من الشعب .
وقد نادت الأيديولوجية المعروفة ( بالفكر الوطني ) في برنامج الحزب بالتصنيع وزيادة التعاون مع الدول الإسلامية وكان الحزب يعارض السوق المشتركة وينعت مؤيد البنوك بأنها حرام .
وطبقا لهذا الحزب كانت السبيل الأوحد لنهضة تركيا هو العودة إلى القيم الإسلامية مرة أخرى وتطبيقها وعند تحقق هذه العودة ستحقق على الفور النهضة الصناعية .
ومما لا شك فيه أن حزب السلامة جاء في وقت مناسب ليسد الفراغ الأيديولوجي الذي كان موجودا أو واضحا آنذاك فاستفاد من الظروف والمعاناة الاقتصادية للطبقة البرجوازية أو بمعني آخر استفاد من نفعية الأحزاب الأخرى , واستثمارها الدين .
فقدم برنامجه وإن كان غير نموذجي إلا أن الظروف التي ذكرت آنفا قد سترت نقصه وأكسبته قوة شعبية مكنته من تشكيل شخصية مستقلة للإسلاميين بعد أن كانت هوية مائعة بين عدة تيارات مختلفة .

حزب السلامة الوطني في الحكومات الائتلافية

لم تسفر انتخابات 14 أكتوبر 1973م -1393هـ عن احتمالية وصول أى حزب بمفرده إلى الحكم .
فقد أسفرت النتائج عن حصول حزب الشعب الجمهوري على 33.3% من الأصوات والحزب الديمقراطي على 11,9% وحزب السلامة الوطني على 11,8% وحزب الثقة على 5,3% ولذا تشكل البرلمان البالغ عنده 450 عضوا على لنحو التالي : 185 عضو لحزب الشعب 149 عضوا لحزب العدالة 48 عضوا لحزب السلامة .
وقد ولد عدم التوافق بين حزبي الشعب والعدالة وكذلك عدم رغبة الأحزاب اليمينية الصغرى في الاشتراك مع حزب العدالة أزمة حكومية وقد ظلت تركيا آنذاك105 يوما بدون حكومة بسبب عدم حل الخلاف القائم بين الأحزاب .
وعلى الرغم من إعطاء رئيس الجمهورية مهمة تشكيل الحكومة لـ بولنت أجاويد أولا ثم إلى دميرال إلا أن ذلك لم يسفر عن أية نتيجة إيجابية وفيما كان هذا التخبط بشأن الحكومة ساريا بدأت تلوح أراه في بعض الأوساط بأن تشكيل حكومة ائتلافية من حزبي الشعب والسلامة يمكنه أن يحل الأزمة .
وقد رأت تلك الأوساط أن آراء حزب السلامة الاجتماعية يمينية أما آراؤه الاقتصادية فكانت ذات فكر يساري فقد نادي حزب السلامة في برنامجه بأن الشعب مطحون ,,قف ضد البرجوازيين الكبار واستخدم هتافات معادية للإمبريالية ولذلك استطاع الحزبان الشعب والسلامة الدخول في اتحاد وكونا ائتلافا حكوميا .
ولعل السبب فيعدم ائتلاف حزب السلامة مع حزب العدالة الذي يعد أقرب إليه فكريا من حزب الشعب ذلك الذي يمثل العداء القديم للإسلام والمسلمين في ذاكرة الشعب التركي يرجع إلى كونهما في كفة تنافس واحدة مما قد يؤدي إلى ذوبان أحدهما أما مع حزب الشعب فالتمايز الأيديولوجي بينهما واضح .

وبينما كانت تسير المباحثات الثنائية للائتلاف بين الحزبين بشكل إيجابي كانت قد بدأت ردود أفعال واعتراضات ضد الائتلاف بين نواب كلا الحزبين ,

فبعض نواب الشعب الجمهوري يقولون بأن تأسيس ائتلاف مع حزب لا يحترم أتاتورك ويطالب بالشريعة يعد خيانه لميراث أتاترك أما بعض أعضاء السلامة فكانوا يرون حزب الشعب الجمهوري عدوا للدين ولذلك يرفضون بشدة الاتفاق معه .
إلا أنه في النهاية تأسست الحكومة الائتلافية متخطية تلك العقبات التي وضعت من قبل بعض أعضاء الحزبيين ومع تأسيس ذلك الائتلاف أصبح حزب السلامة ذي الهوية الإسلامية لأول مرة في تاريخ الجمهورية شريكا في حكومة وبهذا الائتلاف تكون قد بدأت فترة جديدة في الحياة السياسية التركية وعلى الرغم من أن الإسلاميين قد انتظموا في شكل سياسي إلا أنهم لم يكونوا يشكلون خطرا على مبادئ الجمهورية العلمانية
والحقيقة أن تلك الاختلافات الفكرية الموجودة بين الحزبين لم تكن هي بالتي تعطل قيام الائتلاف والعكس أيضا صحيح فتلك التقاربات الموجودة بينهم لم تكن هي أيضا بالتي تجعل قيام الائتلاف أمرا واجبا وإنما أراد حزب السلامة من خوض التجربة وتحفزه للوصول إلى الحكم إكساب كوادره خبرات واقعية في ممارسة الحكم أما حزب الشعب فلم يكن أمامه بديل آخر سوي السلامة ودفعه إلى ذلك أيضا رغبته في استعادة موقعة القديم في حكم البلد بعد فترة غياب حل فيها مكانه خصمه حزب العدالة الذي هو امتداد للحزب الديمقراطي الخصم القديم .

وقال ( سليمان عارف ) عن آماله من ذلك الائتلاف

لقد وصفت العلمانية منذ زمن طويل في بلادنا بأنها عداء للدين ومارست ضغوطا قاسية على المتدينين وقبل أى شئ يجب هدم هذه الصورة وتفريق تلك السحب الغائمة في أفق حرية الفكر والاعتقاد .
,نسي حزب السلامة أنه اعتمد في ائتلافه على مبادئ أساسية متبادلة وسعي فقط لتطبيق برنامجه فحسب ومثال ذلك موضوع العفو العام الذي شمل جرائم الفكر والاعتقاد والذي يحتل مكانا في بروتوكول الائتلاف فعندما جاء هذا الموضوع إلى جدول أعمال المجلس صوت بعض نواب حزب السلامة ضد المادة الخامسة التي تقضي بأن يشمل العفو أصحاب الأفكار اليسارية وبالطبع شكل هذا الموقف إلى جانب الخلل الذي أوجده في برنامج الحكومة خلافا كبيرا ضد حزب السلامية في مسألة حرية الفكر والاعتقاد والسلام الداخلي .
وقد أجاب حزب السلامة على هذا بأنه ليس خاضعا لحزب الشعب وحتى لا يتعرض الائتلاف للخطر جي ببعض القضايا الغير هامة إلى جدول الأعمال ليكتسب الحزب شعبية عالية واختار أرباقان أن يرد على المعارضين بأن يأتي إلى جدول الأ‘مال ببعض القضايا المتعلقة بالأخلاق العامة مثل التعرض لقيم البرجوازية الصغرى والصور الجنسية المعروضة في الجرائد والسينما .
وقد أولي حزب السلامة أهمية كبرى للأعمال المتعلقة بالمجال الديني تحت اسم تحقيق النهضة المعنوية " ففي الفترة التي كان فيها شريكا في الإئتلاف استطاع الحصول على ترخيص لأكثر من ألف جامع في القرى وفتح القسم الإعدادي من مدارس الأئمة والخطباء مرة أخرى وفتح العديد من الأئمة والخطباء وجعل لخريجي مدارس الأئمة والخطباء الثانوية الحق في دخول الكليات التي يرغبون فيها كأنهم خريجي مدارس ثانوية عادية وضع مقررات دروس الأخلاق في كل المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية
وقد أوجدت سياسة حزب السلامة في تحقيق النهضة المعنوية قلقا داخل حزب الشعب وكلما مضي الوقت كانت هرة الخلافات بين كلا الحزبين تتسع واستمر الائتلاف بين كلا الحزبين قرابة الثمانية شهور واستمر الخلاف بينهما أثناء مشكلة قبرص فعندما , فعندما قامت تركيا بإرسال جنودها إلى الجزيرة في 20يولية1974م- 1394هـ أراد أرباقان أن تستمر الحركة حتى الوصول إلى المستوي الذي يحقق تقسيم لجزيرة أما أجاويد فأراد أن يبقي قسم من الجزيرة تحت الإشراف وأن يتحقق للأتراك الموجودين به الحرية اللازمة وأن يكون القسم الجنوبي من الجزيرة آمنا بالنسبة للأتراك .
وقد تسبب انتهاء الحركة العسكرية بالانتصار إلى حرب بين الحزبين حول حصة كل حزب في النجاح وقد بدأ أرباقان الذي شعر بالقلق من زيادة شعبية حزب الشعب من هذا النصر وما يستفيد منها في أول انتخابات ستجرى في التصرف مستقلا عن الإئتلاف وبدأ ينشر أن المبادرة بهذه الحركة كانت فكرة حزب السلامة وأن أجاويد وأعضاء حزبه كانوا معارضين في الأول لهذه الحركة وكذلك بينما كان أجاويد يعلن بأنه لا يفكر في تقسيم الجزيرة في المستقبل اقترح أرباقان تقسيم الجزيرة فحظي بتأييد الصحف اليمينية وبدأ يحظي بشعبية عالية

وهذه المواقف أشارت بأن الائتلاف لا يمكنه أن يستمر أكثر من ذلك خاصة أجاويد الذي دعا إلى انتخابات مبكرة أملا في أن يصبح الحاكم الأوحد بعدها وكانت أسباب فسخ الائتلاف معدة ولهذا الهدف بدأ أجاويد في التأكيد الشديد على اختلاف الرؤي بين الحزبين .

حزب السلامة الوطني في ائتلاف الجبهة القومية

بعد انتهاء ائتلاف السلامة والشعب تولدت أزمة جديدة واضطرت الأحزاب اليمينية التي رأت أن هذا الوضع سيؤدى إلى انتخابات عامة مبكرة وأن ذلك سيكون لصالح حزب الشعب بسبب قبرص وسيرفع حظه في الفوز في الانتخابات .
ولذا أسست الأحزاب اليمينية ائتلافا أسمته ( الجبهة القومية) وأصبح دميرال رئيسا للوزراء في ذلك الائتلاف المشكل من حزب العدالة وحزب السلامية , وحزب الحركة القومي , وحزب الثقة الجمهوري في 31 مارس 1975م -1395هـ .
من الجدير بالملاحظة أن الخلافات الحزبية الأيديولوجية عطلت مصالح البلاد فترات طويلة فعند النظر من تاريخ الانتخابات العامة 4 أكتوبر 1973م – 1393هـ إلى تاريخ تأسيس ائتلاف الجبهة القومية 18 سبتمبر 1974م – 1373هـ , يتضح أن الحكومة الإئتلافية ( الشعب - السلامة ) استغرقت ثمانية أشهر فحسب وأن عدد الشهور التي بقيت فيها البلاد بدون حكومة تجاوزت التسعة عشر مما يدل على عدم وجود رؤية وطنية تهتم بشئون البلاد عامة .
وقد ذكر مسئولو الحزب أن الحزب أداة ووسيلة وأيدت الصحف الإسلامية هذه الفكرة قائلة :
حزب السلامة ليس حزبا إسلاميا أو مطالبا بالشريعة لكنه حزب الإسلاميين أو المسلمين ... ولا يمكن تخيل حزب السلامة بديلا عن الحركة الإسلامية وعلينا ألا ننسي ذلك أبدأ فحزب السلامة وسيلة في الدعوة الإسلامية ويمكن أن يقضي عليه – ذات يوم – من قبل القوي الداخلية أو الخارجية للنظام الحالي . أما الحركة الإسلامية فلا يمكن أن يقضي عليها من بعد .
وقد استطاع حزب السلامة أثناء الائتلاف مع حزب الشعب أن يقوي مشروعية الإسلام السياسي . وأن يمنح مؤيديه والموالين له فرضا كبيرة في الدولة .
وخلال فترات الائتلاف , استطاع الحزب الإمساك ببعض الوزارات الهامة مثل , الدولة والعدالة , والتجارة ,والزراعة , والثورة الحيوانية والصناعة ,والداخلية , والإيواء والعمل والتكنولوجيا والغابات, والإسكان والتعمير إلى جانب احتفاظ أرباقان بمنصبه نائب رئيس الوزراء .
وانتهت الفترة الأولي من ائتلافه الجبهة القومية بقرار المجلس بإجراء انتخابات مبكرة في 5 يونيو 1977م – 1398هـ .
وخاض حزب السلامة تلك الانتخابات مع وجود خلاف بين النقشبنديين والنورسيين وقد اتهم النورسيون الحزب بإخلاله بقواعد السياسة الإسلامية وأن السياسة في الأساس دنس يفسد المسلمين .
وتقدم 13 عضوا من الحزب بمذكرة إلى أرباقان يوضحون فيها آرائهم تلك ثم انفصل 12 عضوا منهم عن الحزب وأسسوا حزبا آخر باسم " حزب النظام ؟ إلا أنه لم يكن له أى تأثير وانتهي .
وقد أدى الخلاف الموجود داخل السلامة وكذلك انتهاج حزب العدالة لسياسة تذويب أو " تفكيك" حزب السلامة في حملاته الانتخابية , إلى خروج حزب السلامة من الانتخابات بهزيمة لم يكن يتوقعها وقلت نسبة الأصوات التي حصل عليها من 11,8 في انتخابات 1973م – 1393هـ إلى 8,9 وكذلك المقاعد البرلمانية من 48 إلى 24 مقعدا . ولكن على الرغم من هذا فإن الأصوات التي حصل عليها من حيث عددها لم تقل .
ففي الحقيقة أنها ارتفعت من 771, 256, 1إلى 621, 271, 1 صوتا .
وهذا الوضع يشير إلى أن الحزب كان قد وضع له أساسا قويا في البلد.
ويقيم انخفاض مقاعد حزب السلامة الوطني إلى نشوء بعض الانشقاقات الداخلية في صفوف الحزب فقد كان الجناح النورسي داخل الحزب يعارض هذا الائتلاف بينما الجناح النقشبندي يؤيده ... ونتيجة لذلك انسحب عشرون شخصا من حزب السلامة وانضموا إلى حزب العدالة.
وبعد انتخابات 1977م -1398 التي فاز فيها حزب الشعب الجمهوري بالمركز الأول, نادى دميرال بوجوب قيام حكومة أقلية حتى لا تقع البلد مرة أخرى في يد حزب الشعب فتشكلت ( ائتلاف الجبهة القومية الثانية ) الذي تشكل من حزب العدالة والسلامة والحركة القومية .
وكان حزب السلامة في حكومته الائتلافية الثالثة قد حصل على سماحيات كبرى من حزب العدالة طبقا لبرنامج الحكومة .
إلا أنه على الرغم من ذلك لم يستطيع تحقيق مطالبه .ولهذا لم تؤد الحكومة مهمتها في وفاق .
فحزب السلامة – هذه المرة – كان راسخ الخطي أكثر في تطبيقه لمطالبه , وشن حملة قوية داخل الحكومة من أجل المشكلات الاقتصادية الكبرى والسياسية كذلك وقد أدت الخلافات حو وجهات النظر بينه وبين حزب العدالة إلى انتهاء ائتلاف الجبهة القومية الثانية في يناير 1978م – 1499هـ .

أنشطة السلامة في حكوماته الائتلافية

أولي حزب السلامة أهمية كبرى ( للنهضة المعنوية ) في فترات ائتلافه سواء مع حزب الشعب الجمهوري وسواء في الجبهة القومية .
فقد زاد عدد مدارس الأئمة والخطباء , ومعاهد الإسلام العليا, ومراكز تحفيظ القرآن وبينما نجح فيجعل مادة الأخلاق مادة إجبارية في المدارس تلافي حظر المواد الدينية المنصوص عليه من خلال أن مضمون مادة الأخلاق لم تكن تختلف كثيرا عن المواد الدينية .
وجعل كذلك تدريس مادة الأخلاق يقوم بها مدرسو المواد الدينية .
وفي نفس الفترة بينما كان ينعقد المؤتمر الإسلامي لوزراء الخارجية تقدمت تركيا بطلب أن تصبح عضوا رسميا في المؤتمر الإسلامي وسعي حزب السلامة في الفترة التي كان فيها في الحكم لجعل العلاقات مع الدول الإسلامية في أعلي مستوى لها وقبلت تركيا شهادات العلوم الدينية التي حصل عليها الطلاب الأتراك من مصر ,والسعودية , وسوريا وليبيا, وباكستان ,وكذلك ترجمت إلى اللغة التركية أعمال كل الأسماء البارزة المعروفة في الحركة الإسلامية داخل الدول العربية والإسلامية وقامت على نشر هذه الترجمات مجموعة من دور النشر بتركيا.
وكان أهم عمل شغل به وزراء حزب السلامة هو التعيينات وقد صرح أرباقان في الحديث الذي أجراه في 9 أكتوبر 1979م – 1400هـ بعد انتهاء الائتلاف, بأن حزبه الذي كان له موضعه في ذلك الائتلاف استطاع تشييد العديد من الجوامع ومراكز تحفيظ القرآن , ومدارس الأئمة والخطباء وتكوين كادر متدين داخل مؤسسات الدولة .
وعقدت عدة مؤتمرات بهدف تعطيل المادة 163و ما شابهها التي تحد من حرية الفكر والاعتقاد . وأثيرت الكثير من الدعايات حول ذلك .
وكان هناك سعى لتحويل عطلة الأسبوع إلى يوم الجمعة .
وألغيت تماما العوائق التجارية أمام الذاهبين للحج ومنحت لرئاسة الشئون الدينية سلطات واسعة ورفع عدد كادرها إلى عشرة إضعاف تقريبا وتم تعيين الآلاف من الموظفين الدينيين في رئاسة الشئون الدينية وتم بدء مشروع جامع بكل قرية .
إلا أنه طرأت على حزب السلامة بعض السلوكيات الراديكالية – إلى حد ما – أثناء فترة المعارضة .
فقد حدثت تصرفات غريبة في المؤتمر الرابع للحزب الذي عقد في 15 أكتوبر 1978م- 1399هـ ففي الصالة الرياضية بإستاد أتاترك التي عقد فيها المؤتمر سحلت عيني أتاترك في صورته الكبيرة .
وكتبت هتافات على حوائط القاعة ( ستؤسس الدولة الإسلامية) ( الإسلام هو الشريعة ) , ( إما الإسلام أو الموت ) , ( ستقام الشريعة في تركيا ) .
ولعل السبب في حدة السلامة المتزايدة ترجع إلى حصوله على أصوات قليلة في انتخابات 77,وانتقاله لأول مرة منذ تأسيسه إلى صف المعارضة , بعد الائتلافات الحكومية الثلاثة التي شارك فيها .
وكذلك كان من أبرز الأسباب هو نجاح الثورة الإيرانية في الاستيلاء على الحكم وقد أثر ذلك الحدث – كما أثر في كل بلدان العالم الإسلامي – على الحركة الإسلامية في تركيا فاحدث فيها اضطرابا وقلقا فكريا بين التعجل والتأني والثورة والتربية وأصبحت الثورة حلما يراود شباب الصحوة الإسلامية في تركيا .
وبعد فقد حزب السلامة بعض الأصوات الانتخابية في 77 وانتقاله إلى صفوف المعارضة بدأ أرباقان كما بقية قيادات الحزب في انتقاد الأحزاب الأخرى بلهجة حادة ويعزى هذا التغيير إلى عدم خوف قيادات الحزب من إغلاقه فبالنسبة لهم قد قام الحزب بتكوين بنية أساسية قوية تمثلت في زيادة أعداد مدارس الأئمة والخطباء ومراكز تحفيظ القرآن والجوامع تلك المؤسسات التي تقوم بتربية النشئ والجيل الجديد مما يعد صفا خلفيا للحزب . واستخدم الحزب هتافات مثل ( جاء الحق وزهق الباطل ) وانتقد النظام الحاكم في تركيا بأنه مخالف لتعاليم الإسلام"
وأ‘لن أرباقان مطالبته بشأن (التعليم ) في مؤتمره بتاريخ 12 يونيو 1979م قائلا : إن حزب السلامة يطالب بأن يصبح يوم الجمعة هو العطلة الرسمية ولكن حزبي العدالة والشعب يرفضان فهما يتجاهلان قدسية ذلك اليوم المبارك ويجعلون يوم الأحد الخاص بالكفار عطلة لهم.... ثم لا أدرى لماذا هذه الأمة لا تبدأ الكتب الدراسية بكتابة ( بسم الله ) ؟

وكذلك في الحديث الذي أدلي به في أغسطس 1980 م طالب بوجوب :

- وجود أمم متحدة إسلامية .
- تأسيس سوق إسلامية مشتركة .
- جعل الدينار الإسلامي العملة المالية الموحدة .
- تأسيس قوة عسكرية تدافع عن العالم الإسلامي .
- تأسيس هيئات ثقافية تحقق اتحادا طبقا لمبادئ الإسلام"

وقد أدت الجسارة التي تحدث بها مسئولو حزب السلامة في كل اجتماعاتهم إلى استخدام هتافات قوية مثل ( حتما ستنهدم الدولة اللادينية ) و ( ستأتي الشريعة وتنتهي الوحشية) و( لا الشرق ولا الغرب إنه الإسلام فحسب ) .

خاصة وأن نجاح الثورة الإيرانية , وجهود تطبيق الشريعة في باكستان , قد أصبحت مصدرا معنويا للجماعات الإسلامية في تركيا .

ومن الهتافات المتعلقة بتلك الأحداث " يحيا أرباقان, وضياء الحق , والخميني ,والاتحاد الإسلامي ) وكذلك ( إيران وباكستان والدور علينا )

وعقد حزب السلامة مؤتمرا يوم 6 سبتمبر 1980 – 1401هـ تحت عنوان (تحرير القدس ولقاء الشباب ) وتضمن المؤتمر مظاهر ضخمة امتلأت بالهتافات القوية التي ألقاها شباب المؤتمر وتركزت حول العداء للجمهورية العلمانية وبعد هذا اللقاء بنحو أسبوع سيطر الجيش على النظام وأغلق حزب السلامة مع بقية الأحزاب الأخرى .

وحظر نشاط حزب السلامة مع سائر الأحزاب السياسية الأخرى بعد الانقلاب العسكري 1980 م – 1401 هـ وبعد رفع الانتهاء الشكلي لحكومة انقلاب 12 سبتمبر, انضم بعض مساعدى أرباقان إلى حزب الوطن الأم وهم اليوم في مواقع هامة . ومعظم ناخبي السلامة توجهوا أيضا إلى حزب الوطن الأم .

ومما ينبغي الإشارة إليه أن الأحزاب الإسلامية عندما شاركت في الانتخابات كانت ضد النظام الديمقراطي ,ولما كانت مجبرة على التحرك في حدود ضيقة فقد وفرت لها الديمقراطية شكلا وطنيا تمثل في البرلمان ومنه أصبح بإمكانها مخاطبة الشعب والتأثير في الرأي العام , ومن بعد أصبح للأحزاب الإسلامية تأثير في التطور الديمقراطي .

وعاشت الأحزاب الإسلامية بنفسها تجربة الإدارة والحكم نتيجة اشتراكها في حكومات ائتلافية .

وهكذا لعب حزب السلامة دورا هاما في سياسة تركيا بين 1973 م – 1393 هـ - 1980م – 1401 وحصل على 11,9% في انتخابات 1973م – 1393هـ 8.6% في انتخابات 1977م – 1398هـ وعلى الرغم من حصوله على نسب أصوات صغيرة إلا أنه قد شارك في حكومات ائتلافية .

ويرجع السبب في ذلك إلى أن الحزبين السياسيين الكبيرين لم يتمكنا من الحصول على أغلبية مطلقة فأصبح شريكا ائتلافيا في حكومة حزب الشعب الجمهوري اليساري في1974م – 1394 هـ ثم حزب العدالة اليميني عام 1978م – 1399هـ وعلى الرغم من ضالة قوته التمثيلية في البرلمان والحكومة فقد نفذ إستراتيجية جريئة ليتمكن من الحصول على ضمانات سياسية من حكومتي أجاويد ودميرال ونتيجة لذلك نجح في توطين العديد من الإسلاميين في وظائف داخل مقار الوزارات والدوائر الحكومية .

المبحث الثالث فاعليات حزب الرفاه في العمل السياسي فيما بين

( 1980 م1401هـ - 1997 -1418هـ )

انقلاب 12 سبتمبر 1980 م – 1401هـ

مع بداية عام 1980م كانت الحالة السياسية والاقتصادية في تركيا قد بلغت ذروتها من التأزم والتعقيد .

والحقيقة أن الأزمة قد بدأت تتفاقم منذ بدايات عام 1977 فإن حكومة واحدة من التي تشكلت في تلك الفترة لم تستطع إيجاد حلا للأزمة .

وفي خلال تلك الفترة كانت مشكلات تركيا الاقتصادية والاجتماعية قد تفاقمت وذلك نتيجة لنفقات الحرب القبرصية وارتفاع أسعار النفط والاعتماد على الاستيراد وازدادت الديون التركية , واختلت الميزانية التركية تماما , ولكي تخرج الحكومة من الأزمة فرضت مزيدا من الضرائب ورفعت أسعار العديد من السلع الضرورية , وأخذت تطبع أوراق البنكنوت لكي تتمكن من دفع الزيادات التي قررتها لمرتبات الموظفين والعمال وفي مثل هذه الحالة الميئسة أخذت الحكومة تتسول من الدول والبنوك الدولية من أجل أن تشتري البترول للاستخدام اليومي .

وكانت البلاد كذلك تعاني من ظهور متزايد للعنف وتدفق للأسلحة لا يدرى مصدره وحوادث قتل , واغتيال واختطاف تقوم بها بعض الجماعات الماركسية وكان لحزب الحركة القومي بزعامة ( توركش) دور في أعمال العنف , وتزايدت الهجمات المسلحة على أعضاء الأحزاب السياسية وقتل عدد من الرموز السياسية ومسئولين بالوزارات والهيئات الحكومية وكذلك كان لعدم الاستقرار السياسي أثره في تزايد هذا الوضع الإرهابي فقد تشكلت في الفترة من يناير 1971 م حتى ديسمبر 1979 12 حكومة أى بمعدل كل 9 أشهر .

وليس من الصواب كذلك إغفال ما لنجاح الثورة الإسلامية في إيران 1979 م من أثر على تنامي الحركة الإسلامية عموما في تلك الآونة وخاصة لدى بعض التيارات التي رأت في الثورة الإيرانية نموذجا يحتذي مما أدى أيضا إلى ازدياد ظاهرة العنف – غير المألوفة وغير المنسجمة مع طبيعة الشعب التركي .

وفي 6 سبتمبر 1980 م – 1401 هـ نظم حزب السلامة مسيرة في ( قونيه ) سماها يوم القدس واشترك فيها آلاف من الشباب في جو من الهتافات والشعارات الإسلامية .

وإزاء هذه الأوضاع التي آلت إليها الدولة قام رئيس الجمهورية بصفته رئيسا لمجلس الأمن القومي بإرسال (خطاب تحذيري ) موقع من القيادة العامة للجيش في 2 يناير 1980 م – 1401هـ إلى ( سليمان دميرال ) رئيس الوزراء, و(بولنت أجاويد) رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض يحذرهم فيه من مغبة الحالة التي وصلت البلاد ويطالبهم فيه باتخاذ التدابير اللازمة .

إلا أن الأزمة كانت أكبر من أن تتداركها الأحزاب السياسية التي انشغلت بشئونها الخاصة فقامت قيادات الجيش باسم ( مجلس الأمن القومي ) بانقلاب في 12 سبتمبر 1981م – 1402هـ على الحياة السياسية الموجودة في تركيا آنذاك وترأس الانقلاب كنعان أفرن ) رئيس القيادة العامة للجيش وقائد القوات البرية ,قائد القوات الجوية وقائد القوات البحرية وقائد قوات الجاندرمة ,وأذاع قادة الانقلاب , أول بيان لهم في التلفزيون والراديو, وأشار فيه ( كنعان أفرن) أن الحكومة المدنية لم تعد قادرة على كبح الهجمات الإرهابية والقضاء على العنف المتزايد في البلاد وصرح أن قادة الانقلاب يعدون دستورا جديدا يتوافق مع الاحتياجات الراهنة وأنه إلى أن يتم الانتهاء منه ستدار البلاد من قبلهم .

وقامت قيادة الانقلاب بإغلاق المجلس التركي الوطني الكبير واعتقال رؤساء الأحزاب السياسية وعدد من النواب ورؤساء النقابات.

فتم اعتقال ( سليمان دميرال ) رئيس حزب العدالة ( وبولنت أجاويد) رئيس حزب الشعب الجمهوري و( نجم الدين أربكان ) رئيس حزب السلامة الوطني ( والب أرسلان توركش ) وشهدت البلاد حملة اعتقالات واسعة شملت زعماء التنظيمات الشبابية وأعضائها .

وفي فترة الحكم العسكري تم اعتقال 178565 شخصا, وتم القبض على 64505 منهم وصدرت أحكام ضد 41727 شخصا لأسباب متنوعة وصدرت أحكاما بالإعدام على 329 شخصا نفذت منها 25 حكما , وتم ضبط 26 قاذفة صواريخ ومدفع هاون و638 مسدسا, 4000 مسدسا آليا , 48 ألف بندقية و 7000 بندقية آلية و13جهاز لاسلكي, و6مليوم رصاصة .

وقد رأت الحكومة التي شكلها الجيش بعد عام من الانقلاب وجوب البدء في العودة إلى الحياة الديمقراطية النيابية واقترحت إعداد دستور جديد.

فتم الإعلان عن مشروع الدستور الجديد في 14 أكتوبر 1982م أشرفت على إعداده لجنة من خمسة عشر خبيرا وبالتعاون مع الجمعية الوطنية التأسيسية وكان الهدف منه إعادة تركيا إلى النظام الديمقراطي ولكن في الوقت نفسه تم التأكيد على عدم انزلاق تركيا مجددا إلى الفوضى التي كانت غارقة فيها خلال السنوات التي سبقت الانقلاب الأخير .

تضمن الدستور مادة شرطية نصت على فرض الحظر على جميع من كان في سدة الحكم بتاريخ 12 سبتمبر 1980م – 1401 هـ من المشاركة في النشاطات السياسية لمدة عشر سنوات , والذين كانوا أعضاء في المجلس الوطني التركي الكبير لمدة خمس سنوات وكانت نهاية مرحلة مهمة في السلوك السياسي الداخلي التركي .

وقد أشار دستور عام 1982 م – 1403هـ إلى التعليم , حيث أصبح التعليم وتدريس الدين والأخلاق تحت سيطرة الدولة .

حزب الرفاه في الحياة السياسية التركية

أغلق الانقلاب العسكري في 1980م – 1401 هـ حزب السلامة مع سائر الأحزاب الأخرى إلا أنه عندما سمح النظام السياسي مرة أخرى بالعمل الحزبي أسس 33 شخصا ممن كانوا منتسبين إلى حزب السلامة حزب الرفاه في19 يوليو 1983, ولأن الرفاه كان امتداد للسلامة لم يكن ليظن أن الحكم العسكري سيسمح له بخوض الانتخابات التي ستجرى في نوفمبر 1983م ولهذا اعترض مجلس الأمن القومي على 27 شخصا من المؤسسين حتى لا يصل عدد المؤسسين إلى الحد الكافي ويصبح ذلك حائلا له عن خوض الانتخابات وبهذا خسر الرفاه فرصة الاشتراك في الانتخابات.
وقد سعي حزب الرفاه الذي لم يستطع خوض انتخابات 1983 م في ذلك المناخ الواقع تحت تأثير الانقلاب العسكري أن يظهر اهتمام أنه امتدادا لحزبي النظام والسلامة ويرد شعاراتهما ( النهضة المعنوية ) و( الصناعة الثقيلة ) إلا أن الكادر المجرب من حزب السلامة منع عن العمل السياسي المباشر حتى لا يكون سببا في إغلاق الحزب وتمت إدارة الحزب لفترة من قبل كادر غير معروف .
واختيار اسم الرفاه يأتي في سلسلة الترم حل الأيديولوجي للحزب الأساسي فاسم ( النظام ) يعبر عن نظام الشريعة المبدأ والهدف الأساسي للحزب واسم ( السلامة ) يعبر عن البعد المعنوي والهدف الأخلاقي للحزب , ثم حزب الرفاه يعبر عن المرحلة الثالثة للحزب في تركيزه على النهضة الاقتصادية .
واستكمل الرفاه الذي لم يخض انتخابات 1983 م النيابية – تنظيماته وحصل على فرصته في خوض الانتخابات المحلية في 25 مارس 1984م وحصل على تأييد 778622 ناخبا بنسبة 4,4% وعلي رئاسة بلديتي ( أورافه ) و( وان ) , وكانت هذه النتيجة بالنسبة للرفاه إخفاقا, لأن هذه النسبة لم تصل حتى إلى نصف النسبة التي اعتاد عليها . ولا شك أن السبب الأهم في عدم حصول الرفاه على النسبة المتوقعة هو استمرار آثار النظام العسكري . وقد وضع انقلاب 12 سبتمبر يده على تورجوت أوزال الذي كان مرشحا عن حزب السلامة في انتخابات1977م عن ( إزمير) إلى الساحة السياسية وتأسيسه لحزب الوطن الأم ( وحصوله على تأييد قسم من الناخبين المحافظين والإسلاميين الذين هم دعامة السلامة الأساسيين .
نجح تورجوت أوزال ( النقشبندي ) التابع لدركاه اسكندر باشا في الحصول على تأييد قسم من ناخبي السلامة في انتخابات 83 العامة , 84 المحلية إلى حزبه , ويمكن القول أنه , نظرا لعدم خوض الرفاه انتخابات 83 , لم تجد الأوساط المحافظة والإسلامية بديلا لحزب السلامة سوى حزب الوطن الأم , وعندما وصل حزب الوطن الأم إلى الحكم استمر يحصل على تأييد الناخبين من الأوساط الإسلامية والمحافظة لفترة طويلة, بغية الاستفادة من صلاحيات الحكم .
وعندما ألغي الحظر السياسي الذي فرضه انقلاب 12 سبتمبر بحظر العمل السياسي لمجموعة من السياسيين لمدة عشر سنوات , من خلال استفتاء شعبي عام 1987م – 1408هـ بدأ أعضاء السلامة يحصلون على عضوية الرفاه .
وكان حزب الرفاه قد تأسس في 19 يوليو 1983 م برئاسة ( على تومن ) المحامي بيد أنه اعترض عليه بعد ذلك واختير ( أحمد تكدال ) لرئاسة الحزب .
وبموجب الاستفتاء الشعبي رفع الحظر عن مزاولة النشاط السياسي للزعماء السياسيين واستطاع أرباقان أن يتولي رئاسة حزب الرفاه في 11 أكتوبر 1987م – 1408هـ .
ولم يستطع الرفاه أن يحصل على التأييد الذي كان يأمله من انتخابات 1987 م – 1408هـ التي أولاها كل اهتمامه فحصل حزب الوطن الأم على 36,31% من نسبة الأصوات , 292 مقعدا , بينما حصل حزب الشعب الاجتماعي على 24,74% و99 مقعدا وحصل حزب الطريق القويم 19,14% و59مقعدا.
وارتفعت نسبة الأصوات التي حصل عليها الرفاه في الانتخابات التي حصل عليها الرفاه في الانتخابات العامة 29 نوفمبر 1987م تحت رئاسة أرباقان إلى 7,16 وبلغ عدد الأصوات 1,717,425 صوتا ونظرا لأن نسبته لم تتعد الـ 10 % لم يكن له نوابا تمثله في البرلمان وعلى الرغم من هذا فإن انتخابات 1987 م هذه يكن له نوابا تمثله في البرلمان, وعلى الرغم من هذا فإن انتخابات 1987م هذه كانت مؤشرا إيجابيا إلى حد ما إذ تعني تلك النتيجة وجود تطورا ملحوظا نسبيا .
وقد حصل الرفاه على أول نتيجة انتخابية هامة في الانتخابات المحلية التي أجريت في 26 مارس 1989م – 1410هـ فقد زادت نسبته المئوية في هذه الانتخابات 100% عن انتخابات 1984م – 1405هـ إذ أصبحت 9,4% وحصل على عدة أصوات تبلغ 2.170.365 ناخبا وفاز برئاسة محافظات ( قونيه)و ( سيواس ) و( شاذلي أورفه) ,(قهرمان مرعش ) وعلى 15 بلدية, وأول ما يلحظ من التحليل الذي أجرى للانتخابات أن الأصوات التي كانت قد حصل عليها الوطن الأم في الماضي قد عادت إلى الرفاه مرة أخرى .
وطوال فترة الدعاية الانتخابية ركز أرباقان على أن أحزاب الوطن الأم والطريق القويم والشعب اليساري , هي أحزاب " النادي الغربي" وقد أدي تحميل أرباقان لتورجوت أوزال – المرشح القديم عن حزبه – زيادة الفقر والرشاوى,وكذلك أدت الفضائح المختلفة لعائلة أوزال والتي أثرت بالطبع عليه وعلى حزبه في الصحف إلى خسارة أصواته الشعبية ولذلك حصل أرباقان مرة أخرى على أصوات الأوساط الإسلامية التي كان أوزال حصل عليها مؤخرا .
ودخل حزب الرفاه انتخابات 1991 م متحدا مع حزبي العمل القومي والإصلاح الديمقراطي ووصلت نسبة الناخبين لهذا الاتفاق الثلاثي في الانتخابات العامة المكبرة في 20 أكتوبر 1991 إلى 16,78% وأصوات 4,121355 وكانت هذه هي المرة الأولي لدخول حزب الرفاه المجلس منذ انقلاب 12 سبتمبر وحصل اتفاق اليمين على مجموع 62 نائبا إلا إن 23 منهم بعد فترة قصيرة استقالوا من الرفاه ورجعوا إلى حزب الإصلاح والسعي إلا أن الـ 38 الباقين كانوا كافين بالنسبة للرفاه .
وأحد الأسباب الهامة لخروج الرفاه من انتخابات 1991 مم فائزا كانت الإدارة والأسلوب الذي اتبعه أثناء الدعاية الانتخابية فقد استخدم الحزب أسلوبا مختلفا عن الدعاية الانتخابات التقليدية فبينما كان حزبي النظام والسلامة لا يعطيان أهمية لعنصر المرأة في الدعاية ويعرفانها بالمحجبة الطائعة إذا بالرفاه يستخدم لأول مرة في لوحات الدعاية صورة المرأة ورأسها مكشوف ,وبينما كان يحاول زعماء الحزب أن يستخدموا لغة تركية معاصرة في أحاديثهم , استخدموا كذلك الهتافات التي كان يرددها اليسار منذ سنوات مضت ,
بالإضافة إلى النساء لتي ظهرت كاشفة الرأس في لوحات الانتخابات , ظهرت لوحات أخرى تمثل الباحثين عن حقوقهم والعمال الذين يرفعون رؤسهم ضد الاستعمار والمعارضين للقهر والتعذيب والمثقفين الباحثين عن الحرية والشباب الثائر ضد الإمبريالية والمطالبين بحل المشكلات البيئية وتومي هذه اللوحات بأن حزب الرفاه حزبا تقدميا يساريا وهذا الخطاب الجديد كان خطوة هامة بالنسبة للرفاه فبينما كان يسعي الحزب من ناحية لتأصيل جذوره الفكرية سعي أيضا لتوجيه رسائل إلى كتل انتخابية جديدة برسائل معاصرة محل اهتمام كافة المواطنين .
وكان الخط التقليدي للرفاه هو الدعوة إلى إعادة بناء الدولة العثمانية سياسيا ومؤسسيا وقام حزبا النظام , والسلامة على هذه الأيديولوجية واستمر هذا الاتجاه أعواما وظل كذلك الرفاه فترة طويلة دون أن يتخلي عن هذا الخط .
في حين كان ثمة اختلاف واضح بين المجموعة المنحازة للتغيير والتقليديين داخل حزب الرفاه فالتقليديون يرغبون في أن يحافظ الحزب على مواقفه وسلوكياته الأيديولوجية أما التغيريون فيهدفون إلى تحويل الحزب إلى حزب يشمل كتلة من الأفكار والاتجاهات الأيديولوجية .
وبينما نادي التغييرين بفتح أبواب الحزب لكل الناس كانوا واثقون في نفس الوقت في أيديولوجية الحزب . ويعتقدون أنهم قادرين على إكساب من يأتون إليهم أفكار ( الفكر الوطني ) بيد أنهم لم يكونوا قادرين على إقناع التقليديين بهذا الموضوع .
واعترض التقليديون الذين أوضحوا أن خط التجديديين يعد خرقا لإستراتيجية الإسلام الصافي وعلى الرغم من أن سياسة التغيير لم تقم بخطوات جدية في مجال التغيير عندما أبدت سياساتها بمظاهرات تجذب انتباه الرأي لعام , وعندما انضمت إلى الحزب طبيبة الأسنان فيليز أرجون وهي غير محجبة وترتدي ملابس غير إسلامية , وصف عبد الرحمن ديليباق وهو من أهم أعضاء الرفاه الصحفيين بأن هذه التطورات ترديا وانهيارا وانفصل عن ( الجريدة الوطنية ) التابعة لحزب الرفاه وكذلك بدأ صادق البيراق رئيس تحرير الجريدة وعضو مجلس إدارة استانبول في الرفاه انتقاده لسياسة تغير الحزب .
وعلى الرغم من عدم خرق الرفاه – الذي وصف من قبل بأنه حزب البرجوازيين الصغار وحزب الأصوات ذات الأصل الريفي – لهدفه الحقيقي الذي يمكن إيجازه في أنه ( تنظيم جديد يبغي أسلمة المجتمع التركي ) إلا أن التغير الذي حدث له في ( واجهته ) لخارجية , والهتافات التي استخدمها جعلته يحصل على أصوات من المدن الكبرى . وقد استوجب ذلك تغييره لرسائله القديمة وخطابه وغدا الرفاه مضطرا للتغير .
فخرج الحزب من الجامع وبدأ يمارس السياسة بشكل عصري , فقد اهتموا إلى جانب اهتمامهم بأدبيات بدر وأحد ,وأيا صوفيا, بمشكلات الطبقات المطحونة , واستطاعوا أن يجذبوا هذا الوسط إليهم , خاصة وأن الإضافات التي أتي بها حزب الطريق وحزب الوطن الأم , قد أجبرت الرفاه على التغير بشكل أكبر ..وتحت هذه العوامل وجد أرباقان ورفاقه ضرورة في تقديم رسائل وخطاب مختلف فقد بدأ أرباقان يغير سلوكه ويفعل أمورا لم يكن يفعلها من قبل .
فأرباقان كان يدرك جيدا أن صوت جماعة يزيد من 8% إلى 12% لا يمكنه أن يحقق لها هدفها ولهذا السبب تحول حزب الرفاه من ( حزب رد فعل ديني )إلى حزب كتلة ( ذي ثقل ديني ) وسعي لأن يحصل على مظهر حضاري وديمقراطي .
وعلى الرغم من كل التغيرات التي قام بها الرفاه في مواجهته إلا أن هذا الحزب الذي هو امتداد للنظام والسلامة لم تتغير برامجه وهتافاته عن سابقتها فلا يزال شعار ( حملة الصناعة الثقيلة ) يعد أهم هتافاته ,ويعده أهم وسيلة للوصول إلى ( النظام العادل) وإظهاره للكتب التي كتبها في فترة حزب السلامة على أنها السياسة التي سيتبعها في مجالي العلوم والتكنولوجيا , تؤكد أنه لا يزال لموروثات حزبية القديمين

نجاح حزب الرفاه في انتخابات المحليات( 27 مارس 1994م – 1415هـ)

جرت الانتخابات البلدية الدورية في تركيا في 27 مارس 1994 وتبين بعد فرز نتائج الأصوات أن الفائز الأكبر فيها كان حزب الرفاه الإسلامي بزعامة نجم الدين أرباقان .
إذا ارتفعت نسبة الأصوات التي حصل عليها من 9,8% عام 1989 و16,9% عام 1991إلى 19,7 عام 1994م.
ولم يكتف هذا الحزب بهذا التقدم الذي خوله احتلال المركز الثالث, بل أنه فاز في اثنين من المحافظات الكبرى في تركيا وهما ( استانبول) و(أنقرة ) وبمجموع قدره 28 من أصل 76 محافظة في حين أنه لم يفز الحزب الذي سبقه وهو الوطن الأم سوي في 11 محافظة.
غدا 1994م, عام الانتصار للإسلام السياسي المنظم في تركيا فقد أظهرت نتائج الانتخابات المحلية 27 مارس, نجاحا غير متوقع لصالح الرفاه. ولم يكن ذلك النجاح مفاجأة كبيرة بالنسبة له على قدر ما كان صدمة للأوساط العلمانية فقد حصل حزب الرفاه على رئاسة مجالس 28 بلدية محافظة تركية وبلغ مجموع بلديات المحافظات والمدن التي حصل عليها 338 بلدية خاصة وأن انتقال رئاسة بلديتي استانبول وأنقرة قد قوبل بخوف وارتياب فقد استولي حزب مثل الرفاه على الإدارة في عاصمة الجمهورية .

وقد أدت أساليب الدعاية الانتخابية التي سلكها حزب الرفاه إلى زيادة نسبة مؤيديه حيث كان ضمن ما قام به استبيانات واستطلاعات الرأي حول مستقبل البلاد في ظل الحزب الذي سيفوز في الانتخابات ومن خلالها استطاع الحزب بلورة أفكاره وطرحه برنامجه والأكثر من ذلك أنه فضح ملفات الفساد الاجتماعي والسياسي للأحزاب المنافسة في أمرين في آن واحد:

1- الدعاية لنفسه وبرنامجه والتعريف بخططه ورؤيته المستقبلية .
2- إظهار عورات الأحزاب السياسية الأخرى.

وطرح أرباقان في حملة الدعاية شعار ( النظام العادل ) كبديل للنظام الذي كان موجودا آنذاك ولا يخفي ما ينطوى عليه هذا النظام من مرجعية الفكرة الإسلامية التي نادي بها من قبل في حزبيه السابقين النظام والسلامة .

وكان ظهور مثل هذا الشعار – بما يحويه من محاور( النظام الاقتصادي / الاجتماعي السياسي العادل ) في أوقات تمر الدولة فيها بأزمات سياسية واقتصادية أكبر الأثر في لجوء عدد كبير من الناخبين للتصويت لصالح الرفاه .

وثمة عوامل أخرى سهلت لحزب الرفاه عملية الاتصال بالجماهير الناخبة مثل التنظيم الجيد للحزب ,وتوغله إلى أعماق المحافظات وإلى قلب الأناضول , وكذلك استخدامه لأساليب حديثة في الدعاية الانتخابية وإضافة إلى توافر السيولة المالية للإنفاق على الدعاية.

ويعود هذا الفوز بالدرجة الأولي إلى انقسامات اليمين واليسار وإلى ميكانيزم الانتخابات النشيطة الذي تميزت به حملة الرفاه وزعيمه نجم الدين أرباقان وإلى ازدياد الشعور الإسلامي في تركيا لا سيما بعد حرب الخليج الثانية ,وأحداث البوسنة التي لم تتخذ السلطات العلمانية أى إجراء عملي بصدد دعم الشعب المسلم فيها الذي تعرض لحملة من التصفيات العرقية والدينية ولم يشهد مثيلها العالم منذ أمد طويل.

وثمة سبب أخر لنجاح الرفاه في انتخابات 1994م – 1415هـ وهو أن حزب الديمقراطية الذي يوصف بأنه حزب الأكراد قد اضطر للانسحاب من الانتخابات ونتيجة لشعور الناخبين الأكراد باليأس وقلة الحيلة لجأوا بأصواتهم إلى حزب الرفاه.

وعلى أثر انتهاء الانتخابات أعلن نجم الدين أربكان رئيس حزب الرفاه الإسلامي( 1 أبريل 1994 -1415هـ) في استانبول أن حزبه سيكون ( اتحادا عالميا للإسلام ) عندما يتولى السلطة في تركيا.

وقد أدلي أرباقان بهذا التصريح أمام حوالي عشرة آلاف من أنصار حزبه اجتمعوا بعد صلاة الجمعة في ساحة مسجد أيوب سلطان وأكد أرباقان قائلا :" لقد تولينا السلطة في ثلثي تركيا ,والآن نسير نحو تولي السلطة المركزية وهذا سيحدث في القريب العاجل " وأردف قائلا :" إذا لم يصل حزب الرفاه إلى السلطة فإن السلام والاستقرار سيستحيل تحقيقهما في تركيا .

وقال :" إن تركيا في سبيلها للعثور على نفسها "

وعند النظر إلى مسيرة حزب الرفاه منذ تأسيسه عام 1983م وحتى الانتخابات الأخيرة( 27مارس 1994م) نلاحظ صعودا مطردا له في كل انتخابات جرت .

من نسبة 4.4% عام 1989م و16,9% عام 1991م وصولا إلى 19,7% في انتخابات البلدية الأخيرة وهي ظاهرة لم تتوفر لأى حزب آخر .

وقد أعدت الكثير من الدراسات التي تناولت انتخابات 1994م -1415هـ بالتحليل واختلفت نتائجها اختلافات نسبية إلا أنها اتفقت حول أن النجاح الذي حققه حزب الرفاه في تلقي الانتخابات, لم يكن نتيجة جهوده وطموحاته وحدة فحسب وإنما كان العامل الأكبر في ذلك النجاح , هو إخفاق الأحزاب المنافسة في طرح برامج تستطيع استجلاب ثقة الشعب مرة أخري وكذلك قدرة حزب الرفاه على الاستفادة من ذلك الوضع في الترويج لبرنامجه مما قد يجعل من السهل وصف ذلك النصر الذي حققه الرفاه بأنه ( نصر رد فعل تجاه النظام ) ليس أكثر .

وتشير الإحصائيات إلى أن عدد أعضاء حزب الرفاه قد زاد من 900 ألف عام1991م – 1412هـ إلى 2 مليون عام 1994م -1415هـ ونحو مليون منهم قد طرقوا الأبواب بابا بابا للقيام بالدعاية الانتخابية.

وليس من الصواب كذلك إهمال كتلة الناخبين المتخرجة من مدارس الأئمة والخطباء التابعة للدولة والتي يوجد لأعضاء حزب الرفاه ثقل ضخم بها سواء في كادر التدريس أم في الطلاب الموالين لتيارهم فهذه الكتل الناخبة توجهت أيضا إلى صناديق الاقتراع وصوتت لصالح حزب الرفاه , إلى جانب مشاركتها في العملية الانتخابية ذاتها .

وسبب هام أيضا هو رغبة الحركة الإسلامية عموما وخاصة حزب الرفاه في تفعيل الإسلام الموجود تحت إشراف الدولة في نمط أيديولوجي وسياسي لمواجهة الفكر الإسلامي الراد يكالي ,والاشتراكي الذي هدف إلى إحداث تغيير في المستوى الاجتماعي بعد انقلاب12 سبتمبر .

ومن الأهمية بمكان تقييم الحالة السياسية والأيديولوجية على مستوي العالم في بدايات التسعينات على أنها سببا أيضا في ذلك لنجاح الذي حققه الرفاه في الانتخابات فسقوط الاتحاد السوفيتي كان إيذانا بنهاية الشيوعية ورسالة تعزية للفكر الاشتراكي ومن ثم انعكس ذلك علي الفكر الاشتراكي في تركيا وانسحب البساط من تحت قدميه هذا إلى جانب موجة التنامي الديني على المستوي السياسي في العالم العربي والإسلامي كنجاح الإسلاميين في انتخابات الجزائر وفوز التيار الإسلامي في مصر بعدد من النقابات المهنية وفوز الإخوان في الأردن بالانتخابات البرلمانية كل هذا كان له أثره في تنامي جماهيرية حزب الرفاه ونجاحه الانتخابي .

وتجدر الإشارة إلى أن تجربة إدارة البلديات التي يترأسها الرفاه في المدن التي فاز فيها تؤكد أن هذا الحزب تكيف ,ويتكيف مع ما يجري من حوله أكثر مما يحاول هو تعميمه ونشره وفرضه .

فهو لم يتدخل في الكثير من المسائل الحياتية , والاجتماعية ,والتربوية, والثقافية باستثناء بعض الحالات الخاصة أو حملات التغيير أو التعديل البسيطة التي فرضتها قاعدة الرفاه العريضة فيبعض الأماكن مثل ( قونيه) و(قيصري ) أو أنها أتت عن قناعة كاملة بأنها تتعارض كليا مع مبادئه الإسلامية ونهجه العقائدي .

فالبلديات التي يترأسها الرفاهيون لم تفصل بين حافلات النقل العام المخصصة للنساء والرجال كما كان يروج عنهم بعض مزاحميهم في الانتخابات السابقة ولم تغلق الأندية والمطاعم الليلية ودور السينما وأماكن تسلية الشباب.ولم تتدخل البلديات أيضا في طريقة لباس أو تصرفات أو عادات وتقاليد أحد , وكل ذلك يثبت أن السياسة الرفاهية القائمة ليست سياسة تطمح إلى تغيير جذري انقلابي لا تقبله الأكثرية ولا ترضاه الأرضية والقاعدة السياسية والمدنية .

فأرباقان أراد ولا يزال يريد إلى الآن أن يلعب اللعبة السياسية الديمقراطية جنبا إلى جنب مع الأحزاب العلمانية التي تزاحمه على كسب ود الجماهير التركية المختلفة المشارب والمذاهب والمتنوعة طبقيا" فهو وأحزابه الثلاثة تخلوا عن الذهنية الانقلابية والثورية وعملوا ويعملون على التحويل السلمي للمجتمع بما يؤدي في نهاية المطاف إلى السيطرة على الدولة أو على الأقل المشاركة بالحكم , بالإضافة إلى الإيمان بالتحويل الإصلاحي للمجتمع ونبذ المواجهة الأيديولوجية المباشرة ونبذ التطرف والعنف والإرهاب .

ومما هو جدير بالملاحظة ذلك التحول الذي بدا واضحا في سلوك حزب الرفاه سواء في دعاياته الانتخابية أو تصريحاته ومؤتمراته فغدا أكثر جدية في إصراره على التعددية الحزبية ومحاولة التأكيد دوما على إيمانه بوجوب العمل السياسي ضمن الإطار العلماني لنظام الدولة وكذلك جهوده المستمرة لتحويل حزبه إلى حزب شعب بدلا من حزب كتلة بعينها وهو في مسعاه لذلك يحاول إحداث تغييرا مسندا على ممارسات وأدوار تراكمية , تضمن له ديمومته وفي نفس الوقت تسدل الستار عن صورته القديمة في شكل حزب يسعي إلى التغيير الجذري .

نجاح حزب الرفاه في الانتخابات البرلمانية (25ديسمبر 1995م -1416هـ)

شارك في هذه الانتخابات العامة ثلاثة عشر حزبا وكان قد اتحد حزب الوحدة الكبرى مع حزب الوطن الأم في هذه الانتخابات وجرت هذه الانتخابات يوم الأحد 2 ديسمبر 1995م.

وخرج منها حزب الرفاه محققا أعلي نسبة أصوات حيث حصل على ستة ملايين 12450 صوتا أى بنسبة 21.4% ففاز بذلك بـ 158 مقعدا.

ثم جاء بعده حزب الطريق القويم حاصلا على خمسة ملايين و 396009 صوتا بنسبة 19.2% و 135 مقعدا في حين حصل حزب الوطن الأم متحدا مع حزب الوحدة الكبرى على خمسة ملايين و 527288 صوتا وبنسبة 19,6% و132 مقعدا .

وعند ملاحظة تطور عدد الأصوات التي حصل عليها حزب الرفاه منذ أول انتخابات خاضها عام 1986 والتي حصل فيه على 137485 صوتا وحتى آخر انتخابات له في 1995والتي حصل فيها على 6012450 صوتا يتضح أن الحزب نما نموا بالغا في غضون تسع سنوات إذ زادت أصواته أكثر من 43 مرة .

وثمة عوامل أدت إلى تقوية الرفاه وعززت من دوره وموقعه السياسي لتحقق له ذلك النجاح.

1- استفاد الرفاه من حركة النزوح السكاني الداخلي من الجنوب الشرقي ومناطقه الفقيرة تحديدا نحو الشمال الغربي بالدرجة الأولي حركة النزوح هذه كان سببها الأساسي التدهور الأمني والاقتصادي والاجتماعي في تلك المناطق هؤلاء الذين نجح الرفاه في مخاطبتهم وكسب ودهم لصالحه .
استفاد الرفاه أيضا من كون الإسلام يعتبر عامل توحيد حياتي وثقافي واجتماعي وأخلاقي, يحدد هوية معظم الأتراك وانتماءاتهم .
2- الضعف إلى حد الاضمحلال الذي أصاب اليسار التركي ( الاشتراكي المؤيد لموسكو) بعد انقلاب 1980 م وفراغ الساحة السياسية وبالتالي من تيارات راديكالية تدعوا إلى المساواة والعدالة ومعادية في نفس الوقت لسياسة الغرب واكتمل حزب اليسار الماركسي مع انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي وكان للرفاه وراثة هذا التيار بشعاراته وبعض قاعدته .
3- تنامي الحالة الإسلامية في تركيا بفضل السياسة الليبرالية التي انتهجها النظام في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية مما يسمح للحركات الإسلامية بالتوسع والانتشار وتكوين مناخ ثقافي إسلامي واسع بين الشعب .
4- جهود حزب الرفاه الواسعة في البلديات التي حصلوا على أكثر من ثلثيها في الانتخابات 1994م -1415هـ فقد ظهروا فيها بخدماتهم للشعب أصحاب أيد نظيفة وطاهرة وكشفوا من خلال مواقعهم عن مدي الفساد والرشاوى والسرقات التي كانت تتم بداخل البلديات من قبل .
5- انقسام اليمين الذي كان متمثلا في حزب العدالة برئاسة سليمان دميرال في السبعينات إلى حزبين هما حزب الوطن الأم الذي أسسه تورجوت أوزال وحزب الطريق القويم الذي تزعمه سليمان دميرال .
وكذلك انقسام اليسار الذي كان متمثلا في حزب الشعب الجمهوري بزعامة بولنت أجاويد إلى حزبين هما حزب اليسار الديمقراطي بزعامة بولنت أجاويد وحزب الشعب الجمهوري بزعامة دنيز بايقال .
6- الحملة الانتخابية القوية التي قام بها الرفاهيون إلى جانب لغة خطابهم المرنة وكذلك إسهام المرأة الرفاهية لأول مرة في الدعاية الانتخابية بشكل بارز سواء في اللقاءات العامة ولجنة الحزب النسائية وسواء بالزيارات الخاصة المجمعة للنساء .

وكان من الطبيعي أن يكلف رئيس الجمهورية ( سليمان دميرال ) نجم الدين أرباقان زعيم حزب الرفاه بتشكيل الحكومة طبقا للوائح الدستورية إلا أنه كلف طانصو تشيللر بتشكيل الحكومة لكنها لم تفلح ثم كلف يلماظ بتشكيل الحكومة وبعد عنت شديد استطاع تشكيل حكومته الائتلافية مع ( طانصو تشيللر ) إلا إن تلك الحكومة لم تستمر أكثر من ثلاثة أشهر .

ولم يجد ( سليمان دميرال ) حلا سوى تكليف نجم الدين أرباقان بتشكيل الحكومة وبعد محاولة له التشكيل حكومته مع مسعود يلماظ رئيس حزب الوطن الأم – باءت بالفشل وفي النهاية شكل حكومته الائتلافية مع ( طانصو تشيللر ) في 7 يونيو 1996م -1417 هـ لتتكون الحكومة الائتلافية رقم 54 .

وصدق عليها ( دميرال ) في 29 يونيو 1996م – 1417 هـ ونالت الثقة في 8 يوليو 1996م.

حزب الرفاه في الحكومة الائتلافية ( الرفاه –الطريق القويم )

شارك ( [[نجم الدين أربكان) بحزب السلامة الوطني خلال السبعينات في تشكيل ثلاث حكومات ائتلافية , أى أنه لم يكن غريبا عن دوائر السلطنة .

إلا أن هذه المرة هي المرة الأولي التي سيتولى فيها رئاسة وزراء تركيا رغم أنه شريك في حكومة ائتلافية ولذا لفت ذلك الحديث انتباه كلا من الدول الأجنبية التي تشاهد نموذجا يدعي أنه ممثلا للإسلام يجلس على مقاعد حكم دولة علمانية وكذلك الدول العربية التي تنظر فيها الجماعات الإسلامية إلى حزب الرفاه على أنه رفيق نضال لها وتترقب نجاح تجربته تلك.

وعند بحث الأسباب التي دفعت أرباقان لتولي رئاسة الوزراء يتضح أن أرباقان سعي لتولي رئاسة الوزراء للأسباب التالية :

- هذه المشاركة ستكسب حزب الرفاة بكوادره خبرة علمية في المجال السياسي والإداري إلى جانب أنها ستكون ساحة له لتنفيذ مشاريعه,وطروحاته على أرض الواقع .
- هذه المشاركة تتيح له عملية ملأ كوادر الدولة بأتباع حزبه والموالين لأفكاره كجزء من إستراتيجية الحزب بالإضافة إلى أنها ستكون فرصة خدمية للشعب يعزز بها أصواته وقاعدته الجماهيرية .
- أنه إن لم يكن في مقاعد السلطة فإنه كان من الممكن أن تتعرض شعبيته إلى الاضمحلال حيث إنه ما حصل على أصوات الناخبين الإسلاميين إلا بوعود للعمل على تطبيق الشريعة الإسلامية .

ولم تمض سوى شهور قليلة من عمر الحكومة الائتلافية الجديدة ( الرفاه – الطريق القويم ) حتى تقدم ورال صواش المدعي العام إلى المحكمة الدستورية بطلب حل حزب الرفاه لكونه – حسب إدعائه – يعمل على تغيير النظام العلماني للدولة وبدأت الصحافة والإعلام حملة كبيرة ضد ( نجم الدين أرباقان ) وحزبه وتزايدت الأزمات .

فحاولت ( طانصو تشيللر)انتهاز هذه الاضطرابات فطلبت من ( أرباقان ) تسليمها رئاسة الوزراء قبل الموعد المحدد بغية تهدئة الأوضاع .

ولما كان تسليم رئاسة الوزراء يتطلب تغييرا للحكومة قام أرباقان بتقديم استقالته منتظرا – حسب اللوائح – أن يقوم ( سليمان دميرال ) بتكليف ( طانصو تشيللر ) بتشكيل الحكومة .

إلا أنه كلف ( يلماظ ) بتشكيل الحكومة فقام الأخير بتشكيل حكومة أقلية من حزب الوطن الأم والحزب الديمقراطي التركي والحزب الديمقراطي الاشتراكي وحزب رابع من خارج الحكومة هو حزب الشعب الجمهوري .

ولم تكن مقاعد الأحزاب الأربعة مجتمعة كافية لحصول الحكومة على الثقة فحدثت عمليات ضغط على بعض النواب , ويقال أنه قد تم استمالة بعض نواب حزب الطريق القويم بالمال لينضم إلى حزب الوطن الأم , وبهذه الطريقة انتقل عشرون نائبا إلى كل من حزب الوطن الأم والحزب الديمقراطي التركي وهكذا حصلت الحكومة على الثقة .

كان لحزب الرفاه في هذه الحكومة الائتلافية ( 28يونيو 1996م-1417هـ - 30 يونيو 1997م -1418هـ ) هدفان رئيسيان :

الأول, إصلاح الاقتصاد التركي الذي كان يعاني من أزمات مستعصية من تضخم في سوق المال , وغلاء مستمر إلى جانب الإنفاقات الباهظة التي تتفق على الصراع مع الأكراد في جنوب وشرق تركيا .
الثاني, إحداث تغيير في توجه السياسية الخارجية التركية نحو مزيد من العلامات مع الدول الإسلامية دون الحد من علاقات تركيا مع الدول الغربية .

فعلي الصعيد الاقتصادي يمكن القول أنه إذا ما قورنت حكومة الرفاه / الطريق القويم ) هذه بالنسبة للحكومات السابقة عنها فإنه يمكن القول بأن حكومته قد أحرزت نجاحات واضحة وخاصة في المجال الاقتصادي فرغم أن تلك الحكومة لم تدم أكثر من عام واحد إلا أن المؤشرات الاقتصادية كانت إيجابية إلى درجة ملحوظة.

وقد انتهجت الحكومة لإحداث تحسنا اقتصاديا سياسة ترشيد النفقات الحكومية وعدم التورط في ديون داخلية جديدة والتقليل من الاستدانة الخارجية وقد بدأت هذه التدابير بعد أربعة أشهر من تشكيل الحكومة تعطي مؤشرات صحية فقد تراجع العجز في الميزانية حتى قارب الصفر في الشهر الأول من عام 1997 م – 1418 هـ كما هبطت الفائدة في البنوك بنسبة 20% وهذه نسبة هبوط كبيرة أدت إلى تراجع نسبة التضخم كما تم أيضا في أشهر قليلة خصخصة لبعض القطاعات الحكومية لم يتم مثلها في عشر سنوات سابقة كما قامت الحكومة بزيادة رواتب الموظفين زيادة كبيرة تجاوزت 200% في بعض القطاعات .

أما على صعيد السياسة الخارجية فقد سعي أرباقان إلى تحقيق أحد مستهدفات حزبه الكبرى , ألا وهو إقامة سور من التعاون الاقتصادي والثقافي مع الدول العربية ,والإسلامية على غرار مجموعة الدول السبع الكبرى التي تضم أمريكا وألمانيا وانجلترا وايطاليا وفرنسا واليابان وكندا.

فقام أرباقان بتأسيس مجموعة الدول الثمانية النامية بعد قيامه بزيارة عدد من الدول الصناعية بآسيا وضمت هذه المجموعة تركيا ومصر وإيران وباكستان , وبنجلاديش ,وأند ونسيا, وماليزيا , ونيجيريا ,عقد أول اجتماع لها على مستوي رؤساء الحكومات باستانبول في 14 يونيو 1997 م – 1418هـ .

وكان أرباقان يدرك أ،ه إذا كان الوصول إلى الحكم في تركيا يتطلب حنكة سياسية فإن البقاء في السلطة يتطلب حنكة أكبر ولذا اجتهد في " أن يكتفي من طروحاته بما يتوافق مع البروتوكول الحكومي الذي وقعه مع ( طانصو تشيللر ) متذرعا بأنه لا يمكن مطالبة حزب الرفاه بتطبيق برنامجه ما دام ليس وحيدا في السلطة .

ولذا ارتأي أرباقان أن يوجه رسائل طمأنة للمؤسسة العسكرية في تركيا حتى يتمكن من تحقيق ما خطط له من مستهدفات,تركزت حول تحويل حزبه لأن يصبح الحزب الأكبر القادر على الانفراد بالسلطة في وقت لاحق . وكان من هذه الرسائل , الموافقة علي الاتفاق العسكري بين تركيا وإسرائيل وتوقيع اتفاقيات تحديث القوات المسلحة التركية من جانب إسرائيل وتمديد قوة المطرقة الغربية والتوقيع على قرارات الجيش بطرد ضباط بتهمة أن لهم ميولا إسلامية .

إلا أن ( أرباقان ) إزاء هذه الخطوات لاقي الكثير من الانتقادات سواء من داخل حزبه وسواء من الأوساط الإسلامية الأخرى فأخذ يوجه رسائل طمأنة أخرى تجاه الطرف الآخر ( الأوساط الإسلامية ) وذلك ما أغضب منه المؤسسة العسكرية وأخذت تحتاط منه وتدبر لتصفية حزبه .

وتمثلت هذه الرسائل في " مطالبته السماح للنساء في الدوائر الحكومية بارتداء غطاء الرأس ( الحجاب ) والسماح ببناء جامع في منطقة تقسيم باستانبول وآخر قرب القصر الرئاسي في ( أنقره) واستضافته رؤساء بعض الطرق الدينية في حفل إفطار خلال شهر رمضان وهي طرق محظورة قانونيا ومع أن هذه المطالب والنشاطات ليست أساسية إلا أن مجرد إثارتها كان كافيا لقادة المؤسسة العسكرية لكي يبدءوا غدا عكسيا لإنهاء سلطة أرباقان خشية تطور الأمور إلى مرحلة لا يمكن وقفها .

انقلاب 28 فبراير 1997م – 1418هـ

اعتادت المؤسسة العسكرية – بحكم الحق المخول لها دستوريا – التدخل في الشئون السياسية والمدنية للحافظ على النظام العلماني عن طريق القيام بتدخل عسكري مسلح من أجل الحفاظ على العلمانية لإنهاء أى فوضي أو اضطرابات سياسية في حالة فشل الأحزاب السياسية في حلها وكانت قد قامت من قبل بالانقلابات في 27مايو 1960م , 12 مارس 1971م , 12 سبتمبر 1980م.
إلا أنها هذه المرة واجهت نفس الأخطار التي تمثلت – من وجهة نظرها في ترأس ( أرباقان ) زعيم حزب له أيديولوجية إسلامية لرئاسة الوزراء وسعيه لإحلال أنماط سياسية وثقافية إسلامية في المجتمع التركي محاولا بذلك الإخلال بقواعد وأسس الدولة والنظام العلماني بيد أن وضع تركيا الإقليمي لم يكن يسمح هذه المرة بانقلابات عسكرية من حيث لظروف الاقتصادية والأوضاع السياسية خاصة وأن تركيا تسعي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي الذي رفضها أكثر من مرة لعدم امتثالها لأسس الديمقراطية.
وكذلك تعلمت المؤسسة العسكرية من انقلاباتها الثلاثة السابقة أن الانقلاب المسلح , تسبب في تزايد الحركة الإسلامية وتناميها بمنطق ردود الأفعال فهدمت هذه المرة إلى انقلاب سلمي يحقق لها مستهدفاتها في الحد من التنامي الإسلامي الذي يشكل خطرا على المبادئ العلمانية وتصفية مصادر الحركة الإسلامية ولكن هذه المرة بأيدي قادة الحركة أنفسهم .
فقد انعقد اجتماع مجلس الأمن القومي في 28 فبراير 1997م في جلسة استمرت أكثر من تسع ساعات,أثمرت عن توصيات قدمت إلى الحكومة الائتلافية في شكل قرارات واجبة التنفيذ شكلت في مجملها خطة للقضاء على مصادر نمو الحركة الإسلامية في تركيا .
ونصت هذه التوصيات على ما يلي :

1. يجب حماية مبدأ العلمانية – المنصوص عليه في دستورنا ضمن الصفات الأساسية للجمهورية والذي تكفله كذلك المادة الرابعة من الدستور – بكل دقة وعناية ومن أجل حمايته يجب أن تطبق القوانين الموجودة دون أى تفرقة بينها ويجب إجراء تنظيمات جديدة للقوانين الموجودة إذا وجد بها قصور عند تطبيقها .

2. ويجب أن تخضع مساكن الشباب والأوقاف ,والمدارس الخاصة ذات الارتباط بالطرق الصوفية تحت إشراف هيئات الدولة المختصة وأن تحال إلى وزارة التعليم الوطني بموجب قانون توحيد التدريس.

3. يجب أن تلقن عقول الأجيال الشابة أولا بفكرة الجمهورية وأتاتورك ومشاعر الوطن وحب الأمة, بغية الارتقاء بالأمة التركية إلى مستوي الحضارة المعاصرة وحتى تصان هذه العقول من تأثير التيارات المختلفة فإنه :

1) يجب أن يدخل نظام( التعليم المتصل لمدة ثماني سنوات ) دائرة التطبيق في كل الوطن .

2) يجب أن تتخذ الإجراءات الإدارية والقانونية اللازمة من أجل الكشف عن أنشطة مراكز تحفيظ القرآن التي سيستكمل بها الأطفال الذين أتموا مرحلة التعليم الأساسي – بعد موافقة أسرهم – تحت مسئولية وإشراف وزارة التعليم الوطني .

3) يجب على مؤسسات تعليمنا الوطني المنوطة بتربية رجال الدين المثقفين الأوفياء لنظام الجمهورية ومبدأ أتاتورك وانقلاباته, أن تكون على المستوي المطلوب المتوافق مع جوهر قانون توحيد التدريس .

4) على المؤسسات الدينية المنشأة في أنحاء الدولة المختلفة ألا تقوم بعملية استغلال سياسي بتأثيرها على الرأي العام , بغية توجيه رسائل إلى أوساط معينة وإن وجدت مطالب لدي هذه المؤسسات فينبغي أن يتم بحثها من قبل رئاسة الشئون الدينية وأن تلبي هذه المطالب بالتنسيق فينبغي أن يتم بحثها من قبل رئاسة الشئون الدينية وأن تلبي هذه المطالب بالتنسيق بين الإدارات المحلية والجهات المختصة .

5) يجب إنهاء أنشطة الطرق الصوفية المحظور وجودها بالقانون ويجب منع نظام المجتمع الديمقراطي , والسياسي والقانون الاجتماعي من أن يتعرض للخطر .

6) يجب أن توضع تحت الإشراف بعض الهيئات الإعلامية المعادية للقوات المسلحة وللمنتسبين إليها والتي تسعي لإظهار القوات المسلحة التركية على أنها معادية للدين , مستقلة في ذلك موضوع الأشخاص الذين تم قطع علاقاتهم بالقوات المسلحة التركية بقرار مجلس الشورى العسكري العلي بسبب أنشطتهم الرجعية.

7) يجب ألا توفر إمكانية توظيف الأشخاص – الذين يتم قطع علاقاتهم بالقوات المسلحة التركية بسبب أنشطتهم الرجعية وارتباطاتهم بالمنظمات المعادية للنظام والخارجة عن القانون – في الهيئات والمؤسسات العامة الأخرى على سبيل التحفيز .

8) يجب أن تطبق التدابير المتخذة في إطار الموضوعات الموجودة بغية منع عمليات الاختراق التي تتم من قبل القسم الديني المتطرف للقوات المسلحة التركية في سائر الهيئات والمؤسسات العامة الأخرى وخاصة المؤسسات البيروقراطية مثل الجامعات والمؤسسات التعليمية الأخرى ومؤسسات القضاء .

9) لا يمكننا نشر لامتن الكامل لهذه المادة نظرا لارتباط تركيا بعلاقات دولية .

10) إن القسم الديني المتطرف سيتسبب في إحداث تطبيقات في المجتمع من خلال تضخيمه للانقسامات المذهبية في تركيا ولهذا يجب أن تمنع تماما بالطرق القانونية والإدارية الأنشطة البالغة الخطورة التي ستؤدي لأن تنقسم أمتنا إلى معسكرات عدائية .

11) يجب أن تتحدد في وقت قصير الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة بشأن مسئولية الأحداث التي عرضت على أنها مخالفة للدستور التركي وقانون الأحزاب السياسية وقانون العقوبات التركي , وخاصة قانون المحليات ويجب أن توضع الموانع القاطعة في كل مكان حتى لا يتكرر ذلك النوع من الأحداث .

12) يجب أن يمنع من التطبيق كل ما هو مخالف للقانون المختص بالملابس وما يظهر تركيا بمظهر مختلف حضاريا ويجب أن يطبق بدقة القانون المنصوص عليه بهذا الشأن وقرارات المحكمة الدستورية – دون تقديم أى تنازلات – ويطبق ذلك أولا في الهيئات والمؤسسات العامة على وجه الخصوص .

13) يجب أن يعاد تنظيم إجراءات الترخيص للأسلحة ذات المدى القصير والبعيد التي تمنح لأغراض مختلفة في مناطق الجيش والشرطة ويجب أن يتم تسجيلها ويجب أن يتم الفحص الدقيق للطلب المقدم لترخيص البنادق خاصة .

14) يجب أن يمنع جمع جلود الأضحية من قبل المنظمات والمؤسسات التي تستهدف توفير مصدرا ماليا والبعيدة عن الإشراف والمعادية للنظام ويجب ألا يسمح يجمع جلود الأضحية بعيدا عن المسئول المخول قانونيا .

15) يجب أن تصدر بصورة عاجلة إجراءات تشريعية بشأن مكاتب الأمن الخاصة التي تفرض زيا خاصا وعلى المسئولين المتسببين في ذلك وأن تراعي الأبعاد الضخمة التي يمكن أن يصل إليها هذا النوع من التطبيقات الخارجة عن القانون وأن تلغي كل مكاتب الأمن الخاصة التي لا تطبق القانون .

16) يدب أن تمنع بالطرق القانونية والإدارية المحاولات التي تجرئ الذين يستهدفون حل مشاكل الدولة من خلال تناولها في مصطلح ( الأمة ) بدلا من ( القوم ) ويقتربون بنفس الأساس أيضا إلى المنظمة الإرهابية الانفصالية .

17) يجب ألا تعطي الفرصة لاستغلال القانون رقم 5816 بشأن عدم احترام أتاترك المنقذ الأكبر والجرائم التي تقترف ضده .

وأصبح أرباقان وحكومته مسئولين عن تنفيذ توصيات مجلس الأمن القومي وعلى الرغم من دخول أرباقان في عملية كسب وقت لرفض تنفيذ هذه المطالب إلا أنه في النهاية وجد نفسه مضطرا للتوقيع عليها مما جعل الأحوال تزداد اضطرابا وتعقيدا سواء داخل حزبه أو بين الأوساط الإسلامية الأخرى إذ أنه بتوقيعه على الالتزام بتنفيذ تلك القرارات يكون قد تكفل – بنفسه – بالقضاء على مصادر الحركة الإسلامية في تركيا .

وفي تلك الأثناء وفي إطار تعبئة الرأي العام ضد الرفاه والتيارات الإسلامية تسربت تقارير أمنية صادرة عن المخابرات التركية بأن أنشطة الإسلاميين في تركيا تهدد أسس الدولة بالانهيار ..

ومما جاء فيها وفقا لبيان رئيس المخابرات في الجيش التركي الجنرال فوزي تروكري فإن " التيارات الرجعية ( الإسلامية ) تمتلك 19 صحيفة , 110 مجلة , و53 محطة إذاعة ,20محطة تليفزيون. إضافة إلى ذلك , فإن الإسلاميين 2500 جمعية ( رابطة) و500 وقف خيرى , وأكثر من 1000 شركة و 2200 تجمع سكني للشباب و 800 مدرسة .

وتطرق بيان المخابرات أيضا لتوجيه الأنظار إلى حجم الاقتصاديات الإسلامية في تركيا فذكر " الشركات التي تقدم الدعم للإسلاميين , ودعا إلى مقاطعتها وعدم منحها أى دعم أو إشراكها في أى مناقصات ... مثل شركات أولكر وقومباصان وإخلاص وإتفاق ويمباش وغيرها من الشركات التي تقدر صادراتها إلى العالم الإسلامي فقط بـ8 مليون دولار سنويا وقد دفع هذا التوجه لضرب الاقتصاد الإسلامي في تركيا المعلق المعروف إيلنور تشفيق لاتهام الجيش بأنه يلعب بأسس البلد و توازناته .

إلى جانب هذا كله كانت الدعوة التي رفعها المدعي العام ( ورال صواش ) لإغلاق حزب الرفاه تتخذ خطوات جادة نحو تجريم الحزب وأعضاءه .

وفي خلال تلك الأزمات حاول أرباقان أن يحافظ على السلوك الديمقراطي أثناء تفاعله مع المشكلات القائمة وأن يتخذ سياسة مرنة تحقق أقل خسائر ممكنة .

إغلاق حزب الرفاه

كان ( ورال صواش) المدعي العام قد تقدم في 21 مايو 1997م – 1418 هـ إلى المحكمة الدستورية بمذكرة تتكون من 18 صفحة تفيد بأن حزب الرفاه قد بلغ ذروته في عدائه للعلمانية ,واستمرت إجراءات الدعوة تجرى في مساراتها القانونية حتى بدأت جلساتها في 16 ديسمبر 1997/ ومثل ( أرباقان ) أمام المحكمة .
وكان قد أعد دفاعا عن التهم المنسوبة إليه وإلى حزبه بلغ هذا الدفاع 415 صفحة استند فيها إلى مصادر القوانين باللغة الألمانية والإنجليزية والفرنسية وحتى الجلسة الأخيرة التي نطق فيها بالحكم كانت المدة الإجمالية للجلسات التي عقدت قد بلغت 53 ساعة استغرق دفاع ( أرباقان ) فيها 11 ساعة .

وفيما يلي نص قرار المحكمة الدستورية

1- نظرا لأعمال لمخالفة لمبدأ العلمانية للجمهورية فقد تقرر إغلاق حزب الرفاه حسب المادة 69,68 من الدستور وحسب البند ب من المادة 101 والفقرة أ من المادة 103 من قانون الأحزاب السياسية بأكثرية الأصوات مع صوتين معارضين للإغلاق هما صوتي ( هاشم قيليتش) و(ساجد أضالي ).
2- ونظرا للتصريحات والنشاطات التي قام بها ( نجم الدين أربكان ) نائب محافظة ( قونيه ) و ( شوكت قازان ) نائب محافظة ( قوجه لى ) و( أحمد تكضال ) نائب محافظة (أنقره ) و( [[إبراهيم خليل تشليك]]) نائب محافظة ( شانلي أورقه ) والتي أدت إلى إغلاق الحزب بسبب مخالفتها لحكم الفقرة الأخيرة من المادة 84 للدستور فقد تقرر بالإجماع إبطال عضويتهم في المجلس النيابي حال نشر هذا في الجريدة الرسمية .
3- ونظرا للتصريحات والنشاطات التي قام بها أعضاء الحزب :نجم الدين أربكان وشوكت قازان ,وأحمد تكضال , وشوقي يلماظ ,وحسن حسين جيلان , وإبراهيم خليل ,وشكري قره تبه والتي أدت إلى إغلاق الحزب حسب الفقرة الثامنة من المادة التاسعة والستين من الدستور فقد تقرر بالإجماع حرمانهم من تأسيس أو عضوية أو إدارة أو رقابة أى حزب سياسي مدة خمس سنوات تبدأ من تاريخ نشر القرار في الجريدة الرسمية .
4- تقرر بالإجماع نقل جميع أموال الحزب إلى الخزينة حسب 107 من القانون رقم 2820.
5- تقرر بالإجماع استمرار التدبير المتخذ بتاريخ 12/1/1998م – 1419هـ تحت رقم 1. 1997/1 ( إغلاق حزب سياسي) القاضي بعدم تسديد مبلغ 1 تريليون و 236 مليون ليرة إلى الحزب حتى نشر هذا القرار في الجريدة الرسمية .

أما عن الأسباب الموجبة لحظر هؤلاء السياسيين من مزاولة النشاط السياسي فمنها :

نجم الدين أربكان :

استضافته في مقر رئاسة الحكومة في شهر رمضان 4/2/1997م -1418 هـ لزعماء طرق دينية محظورة أساسا على مائدة الإفطار وكذلك الإدلاء بتصريح يشير إلى احتمالية استخدام العنف للوصول إلى السلطة حيث قال : سنصل إلى السلطة ولا نعرف ماذا إذا كان سيتم بشكل دموي أم بشكل غير دموى ؟! وقول أرباقان في :أكتوبر 1996م أثناء افتتاحه جامعة ( سلجوق ) يقوينه ( نقول بسم الله الرحمن الرحيم ونفتتح العام الدراسي الجديد ) إلى جانب أنه اصطحب معه أثناء الافتتاح ( عبد الفتاح أبو غده) الرئيس المعنوي لفرع الإخوان المسلمين بسوريا وعدم وقوف( أبوغده) أثناء ترديد النشيد القومي التركي ,
شوكت قازان , نائب رئيس حزب الرفاه ووزير العدل سابقا .
مطالبته في يوليو 1996م بتدريس العلوم الدينية والأخلاق داخل السجن .
أحمد تكضال ( زعيم حزب الرفاه منذ تأسيسه عام 1983م حتى 1987 ونائب محافظة أنقره )

اعتباره أن اسم الكادر السياسي الذي يريد تأسيسه ( نظام الحق ) في تركيا هو ( حزب الرفاه ) شوقي يلماظ ( نائب محافظة ريزه)

إعلانه أنه سيحاسب كل من لا يأخذ صلاحياته من رسول الله .

حسن حسين جيلان ( نائب أنقره )

قوله في 1992م عندما كان في هولندا " استولينا على الجامعة وخدعنا أجاويد وفتحنا مدارس الأئمة والخطباء, ولو كانت خطتنا بشأن المدارس العسكرية تحققت لكانت الدنيا تغيرت .

إبراهيم خليل تشليك ( نائب شانلي أورفه)

قوله إنه إذا أغلقت معاهد ( الأئمة والخطباء) الدينية فسوف تراق الدماء وستكون أفظع من الجزائر .

شكري قره تبه ( رئيس بلدية قيصري )

قوله هذا النظام يجب أن يتغير .

كانت المؤسسة العسكرية تردك تماما وهي تخطط لإغلاق حزب الرفاه أن الحزب لن ينهزم ويقف مكتوف اليدين وأنه سيشكل نفسه مرة أخرى في حزب آخر تحت مسمي جديد كما فعل حزب النظام الوطني وأصبح حزب السلامة ثم حزب الرفاه .

إلا أنها أرادت إحداث ارتباكات تنظيمية وأيديولوجية داخل صفوف أعضاء الحزب تؤثر سلبا على قدرتهم على تنظيم صفوفهم مرة أخرى في حزب جديد .

خاصة وأن أرباقان أنهي حياته السياسية – وهو المؤسس للحركة الإسلامية السياسية في تركيا – بسلوكيات سياسية تتنافي وخبراته السياسية الطويلة مما أحدث خللا إيديولوجيا داخل صفوف الحزب استلزم إحداث مراجعات وإعادة تخطيط أوليات الحزب ومواقفه السياسية من جديد .

ولعل المؤسسة العسكرية رغبت أيضا في حتى التيار المعتدل داخل حزب الرفاه للثورة على قياداته واتخاذ صفوف القيادة وبذا يمكن للمؤسسة العسكرية السيطرة على مسارات الحزب الجديد وتوجيهه نحو المصالح الوطنية بواسطة قياداته الجديدة الأكثر مرونة .

ويجب الإشارة إلى أن حزب الرفاه خرج من هذه الأزمات منتصرا رغم إغلاقه حيث غدت صورته في أعين الشعب التركي - حتى غير الموالين له – أنه حزب مظلوم تعرض للغدر حيث إنه وصل إلى الحكم بأسلوب ديمقراطي وبرغبة شعبية وترك الحكم أيضا بصورة ديمقراطية بينما المؤسسة العسكرية والنظام العلماني لم يحافظا على مقولاتهم الديمقراطية .

وعلى الرغم من أن المؤسسة العسكرية رأت أنها قد خرجت من هذه المرحلة منتصرة إلى أنها شعرت بعد ذلك بالشرخ الذي أحدثته في الصورة الديمقراطية التي حاولت رسمها في الأعوام الأخيرة .

مما يمكن أن يؤثر على موقف الاتحاد الأوربي من تركيا فيما بعد ويجعلها عرضة للرفض بسبب ممارساتها اللاديمقراطية .

وعلى امتداد النصف قرن الماضي الذي مارست فيه تركيا الحياة السياسية في ظل التعدد الحزبي يتضح أن تركيا بعد خمسين عاما من العمل السياسي لا تزال المؤسسة العسكرية فيها تؤكد على استحالة التوائم مع التيار الإسلامي الموجود على الساحة السياسية وتنظر إليه بعين العداوة وتعتبره منافسا لها ,

في حين أن الفكر السياسي ذي التوجه الإسلامي الذي مثلته الحركة الأرباقانية بأحزابها الثلاثة ( النظام والسلامة والرفاه ) قد تطور من فكرة الحزب المناهض للنظام الذي يري نفسه فصيلا آخر غريبا عن الفصائل الوطنية والقومية في تركيا في السبعينات إلى فكرة حزب لكل المجتمع التركي ( في الثمانينات و التسعينات ) يري ضرورة ألا يكتفي بمخاطبة المجموعات الدينية فحسب وأن عليه مراعاة مشكلات كل المجتمع وأن يصبح حزبا عاما لكل الناس .. إلى جانب أنه غدا ينظر إلى مؤسسات الدولة العسكرية و الحكومية والمدنية على أنها شريك عمل معه عليه أن يمتزج معها وتمتزج معه , لصياغة مستقبل تركيا .

الباب الثاني المضامين الأيديولوجية للحركات الإسلامية في تركيا

المبحث الأول حركة النور

تنتسب حركة النور إلى بديع الزمان سعيد النورسي ( 1876م – 1293هـ -1960م -1380هـ) وهو شخصية لم تتفق حولها آراء النخبة المثقفة حتى الآن وأجريت بشأنه دراسات , وأبحاث عديدة تناولته وحركته من جوانب عدة منها ما حكمت له وأسهبت في إطرائه ومنها ما حكمت عليه وبالغت في اتهامه وندر من البحوث ما قيمته وحركته تقييما علميا بعيدا عن الإفراط.

ولعل مرد ذلك الغموض حول شخصية سعيد وأفكاره إلى عدم امتثال مراحله العمرية لنسق فكري واحد , يتطور تدريجيا مع الحدث ويتفاعل مع الزمن وإنما كانت مراحله العمرية أشبه بمحطات فكرية كل منها لها ظروفها وأحداثها ومبرراتها .

واختلاف مراحله العمرية يرجع لكونه عاصر ثلاثة مراحل تاريخية بارزة وهي أواخر الدولة العثمانية وقيام الجمهورية التركية ثم بدايات مرحلة التعددية الحزبية في حياة الجمهورية التركية ومن ثم كانت أفكاره ورؤاه للأحداث وطرحه الفكري للتفاعل مع المتغيرات الحادثة في الحياة السياسية التي أثرت بطبيعتها على الحياة الاجتماعية وعلى الشعب الذي هو مستهدف نشاطه تتغير وفق ما تمليه المستجدات السياسية .

لذا رأي الباحث أنه من الأفضل دراسة أفكار سعيد النورسي ومضامينها الأيديولوجية في سياقاتها السياسية,ومراحلها التاريخية وحياة سعيد في ثلاث مراحل .

1- سعيد القديم ( 1876م – 1293هـ - 1925م -1344هـ )
2- سعيد الجديد ( 1926م – 1345هـ - 1950م – 1370هـ).
3- سعيد الثالث ( 1950 -1370هـ - 1960م – 1380هـ).

أولا : سعيد القديم

ولد سعيد عام ( 1876م-1295هـ) في قرية نورس بمركز خيزان التابع لولاية بتليس في شرق تركيا.
واسم والده ( ميرزا) ووالدته ( نورية ) وهو كردي الأصل , تلقي تعليمه الديني على أيدي مشايخ وعلماء شرق الأناضول متنقلا من شيخ إلى آخر حتى حصل على الإجازة وهو في الخامسة عشر من عمره , ثم انتقل إلى سعرد في جنوب تركيا طالبا المزيد من العلم ومنها إلى ماردين في جنوب شرق تركيا في ( 1892م -1310هـ) ثم إلى وان في ( 1894م -1312هـ) في جنوب تركيا وهناك درس التاريخ والجغرافيا والرياضيات والجيولوجيا,والفيزياء والكيمياء والفلك ,والفلسفة .
وفي هذا الصدد وردت الكثير من الروايات منها هو عن لسان سعيد بنفسه سجلها في كتابه ( سيرة ذاتية) ومنها ما هو عن لسان طلابه تتحدث عن مواهبه الخارقة في تعلم العلوم الدينية وقدرته الفائقة على استظهار أمهات الكتب , وفهمها دون الحاجة إلى قراءة شروحها وعن مناظراته العديدة التي أجراها مع العلماء والمشايخ وتفوقه عليهم وشهادتهم له بالنبوغ وورد أيضا أنه بلغ من الذكاء في تعلمه للعلوم الطبيعية أنه ألف في بعض منها ومثل ذلك رسالة في علم الرياضيات إلا أنها فقدت بعد ذلك في حريق نشب آنذاك .
ومن الجدير بالذكر أن ( سعيد ) لم ينتسب إلى أية طريقة صوفية – كما هو المعتاد في الأناضول – بل إنه " كان يحمل في ذهنه علامات استفهام حول دور الطرق الصوفية في إكساب الإسلام حيويته من جديد وحول العلاقة القوية بين الشيخ والمريد إلا أنه على الرغم من ذلك تأثرا كثيرا بمتصوفي الأناضول في طرز التفكير وطرحه لأفكاره .
ويتناول شريف ماردين وهو أحد علماء الاجتماع الأتراك البارزين النورسي في كتابه على أنه " نتاج النشاطات النقشبندية في الأناضول ورغم أنه تربي على يد مشايخ النقشبندية إلا إن تفكيره أن يرجع إلى التقاليد النقشبندية لكنه يمثل انعطافا أكثر من الاستمرارية فسعيد يمثل ثمرة للنشاط الديني في الأناضول وبقوله هذا فهو يحبس أفكار سعيد في الوسط الذي يعيش فيه متجاهلا محاولته لكسر القوالب القديمة
وقد نظر سعيد إلى التعليم الديني آنذاك على أنه لا يمثل أية تقدم , وأنه عاجزا عن الإجابة على تساؤلات العصر الحديث وبحاجة إلى حركة تجديد شاملة تتماشي مع التطور الحادث وإلى إعادة الصلة بينه وبين العلوم الطبيعية وأن في ذلك الحل إلى إصلاح شأن الأمة الإسلامية ولحاقها بركب الحضارة .
وأعد مشروعا تعليميا يصور فيه أرائه تحت اسم ( مدرسة الزهراء ) وينشد في هذه المدرسة أن تكون على غرار الجامع الأزهر في مصر وأن تدرس فيها العلوم الطبيعية جنبا إلى جنب مع العلوم الشرعية وأن يقوم بالتدريس فيها علماء أكراد وأتراك لخدمة المسلمين في الأناضول .
وقد وفرت له روابطه القريبة مع موظفي الدولة إمكانية متابعة الصحافة وبهذا تيسر له أن يشاهد الحكم المسبق للأوربيين حول الإسلام ومن خلال ذلك أيضا بدأ يدرك ضعف مجتمعه وتطور سعيد أثناء التقائه بأنماط التفكير النقدي المؤسس في أوربا ونمط التفكير التقليدي للمجتمع العثمانية بدلا من أنماط التفكير الأوربي ووجد أن ذلك النمط الجديد يستوجب لهجة خطاب جديدة توائم بين العقلية الأوروبية والتقاليد العثمانية الإسلامية ولذا اتخذت كتاباته آنذاك أساليبا حوارية واستفسارية وطرح أسئلة افتراضية .
وعندما أعلنت المشروطية الثانية ألقي ( سعيد ) خطبه في ميدان الحرية بمدينة سلانيك شرح فيها مفهومه عن الحرية وهو أن الحرية الشرعية هي التي يرسم الشرع حدودها وليست الحرية الفوضوية التي لا ضابط لها , مؤكدا ضرورة اقتباس العلوم التي تغذي التقدم دون آخذ الجوانب السلبية في الحياة الاجتماعية للغرب وأشار إلى أن فئات ثلاثة يتحملون قسطا كبيرا في مسئولية تأخر الدولة العثمانية فئة علماء الدين , وفئة المتعلمين الذين لم يفهموا الغرب حق الفهم فئة أصحاب التكايا فكل فئة منغلقة على نفسها وتتهم الآخرين بالكفر والجهل .
ولم تكن أنشطة سعيد محدودة بالكتابات الصحفية أو إلقاء الخطب بل إنه كانت له مشاركة جهادية في الحرب العالمية الأولي " فقد شكل فرقة للمتطوعين إلى جانب قيامه بالدعم المعنوي للجنود الأتراك من خلال الوعظ والإرشاد وقام أثناء هذه الحرب بتأليف أول كتبه وهو بعنوان " إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز " ويتضمن تفسيرا لسورة الفاتحة وقسما من سورة البقرة .
أما عن رؤية سعيد للدولة العثمانية فقد كان يؤمن بأنها دولة شرعية بموجب الأعراف الإسلامية وأن أبنائها مسلمون ولم يقع في الشك بعقيدة المسلمين الدينية رغم ما تراءى له في الساحة الفكرية والسياسية آنذاك من تيارات مضطربة, منها ما أراد أن ينحو بالدولة نحو الغرب قاطعا أصولها وتقاليدها , عن الشرق ومنها منها ما رأي الحفاظ عن التقاليد المتوارثة دون إحداث أى تطور أو تجديد في بني ونظم الدولة السياسية والفكرية الحل الأسلم لبقاء الدولة ,ومنها تيار المعتدلين الذي رأوا أن في إحداث توازنات بين ذنيك التيارين السابقين يوفر أفضل النتائج لصالح الدولة ويقلص الخسائر المحتملة .

وقد شارك سعيد في الحياة السياسية والثقافية بشكل بارز بمواجهة الحكم الفردي في فترة السلطان عبد الحميد الثاني وتابع عن قرب جمعية الاتحاد والترفي والجهود المبذولة لتأسيس المشروطية من جديد.

وقد هدف بذلك إكساب قوة للإسلام واعتقد سعيد القديم , أن حكم البلاد يجب أن يكون بيد الشعب وتنمي أن تقوم الدولة بتخليص الشريعة وتقويتها وأصر على الشريعة أكثر من حكم الدولة و والدين بالنسبة لسعيد هو الشروط الضروري والكافي للدولة العثمانية القوية لكن عبد الحميد كان يري الدولة هي الهدف النهائي ورغم بقاء الدولة أيديولوجية ضرورية إلا أن الهدف الرئيسي لعبد الحميد لم يكن المجتمع بل كان الدولة وهذا الصراع الأيديولوجي كان متبع الاختلاف بين السلطان عبد الحميد الثاني وسعيد .
وبعد انقلاب سنة 1908م – 1326هـ شاهد السياسة القمعية لجمعية الاتحاد والترقي والتحق بصحيفة ( فولقان) الناطقة باسم جمعية الاتحاد المحمدي ....وانتقد السياسة القمعية التي اتبعها السلطان عبد الحميد باسم الإسلام وانتقد كذلك بلهجة حادة القومية التي اتبعتها جمعية الإتحاد والترقي وكافح من أجل الحقوق والحريات الأساسية ومن أجل المشروطية .
وحتى ذلك الحين كان سعيد يسعي لإحداث توائم بين الإسلام والمشروطية من خلال الارتكاز على نقاط التلاقي الفكرية وكانت له آراء في السياسة الداخلية والخارجية للدولة العثمانية ويحاول إثارة حماسة الشعب نحو قبول المشروطية ضمن حدود وضوابط الإسلام متفائلا من هذه المشروطية أن تكون الحل لأزمة الأمة الإسلامية وإعادة إصلاحها .
إلا أن سعيد بعد أن تبين له المرامي التغريبية لجمعية الاتحاد والترقي انصرف عن تأييده لها وشجع جمعية الاتحاد المحمدي إلا أنه بعد حادث ( 31 مارت ) قبض عليه مع أعضاء جمعية الاتحاد المحمدي بتهمة تأييده لكتاباتها ثم برئت ساحته من كل الاتهامات المنسوبة إليه .
وبعد إلغاء السلطنة ( 1923م- 1342هـ) والخلافة العثمانية ( 2924م – 1343هـ) حاول سعيد النورسي أن يوجه الإدارة الجديدة في تركيا بعرضه عليها إعطاء أهمية للدين في السياسة الداخلية وإتباع سياسة نحو الاتحاد الإسلامي في السياسة الخارجية , وربط هذا العرض بمكانة تركيا داخل الحدث العالمي , وأوضح أهمية تلك السياسة في ثلاثة أسباب :

السبب الأول : كون الشعور الديني يشكل أهم عائق أمام انتشار الشيوعية التي هي بموضع الوساطة الأيديولوجية الجديدة للسياسة الروسية التوسعية المتطورة ضد تركيا على مر الزمان .

والسبب الثاني : إن تأسيس رابطة إيمانية مع المسلمين داخل روسيا سيشكل عنصر توازن تجاه روسيا وقال في ذلك :

" إن مصلحة الإسلام والبلاد تقتضي قبل كل شئ إقرار قانون حرية المتدينين وتنفيذه فورا في المدارس,لأن هذا التصديق يكسب هذه البلاد القوة المعنوية لأربعين مليونا من المسلمين في روسيا وأربعمائة مليونا من المسلمين عامة ويجعل تلك القوة الهائلة ظهيرة لنا إذ مما لا شك فيه أن الحقائق القرآنية هي التي صدت اعتداء روسيا علينا – قبل اعتدائها على أمريكا والانكليز – بمقتضي عداوتها لنا منذ ألف عام لذا فمن الألزم لمصلحة هذه البلاد التمسك بتلك الحقائق القرآنية والإيمانية وجعلها سدا قويا كقوة سد ذي القرنين – لصد تيار الإلحادي المعتدي .

ذلك لأن الإلحاد الذي استولي على روسيا وعلى نصف الصين – حتى الآن – وعلى نصف أوروبا قد وقف تجاهنا عنده حده .

ولم توقفه إلا الحقائق الإيمانية والقرآنية .

والسبب الثالث لهذه السياسة هو إجبار القوي الغربية الموجودة تحت تهديد الشيوعية في التوازنات الجديدة للسياسة العالمية على عدم معارضة فكرة الاتحاد الإسلامي .

والسبب الثالث لهذه السياسة هو إجبار القوي الغربية الموجودة تحت تهديد الشيوعية في التوازنات الجديدة للسياسة العالمية على عدم معارضة فكرة الاتحاد الإسلامي .

إن أخطر شئ في هذا الزمان هو الإلحاد والزندقة , والفوضى, والإرهاب وليس تجاه هذه المخاطر إلا الاعتصام بحقائق القرآن وبخلاف ذلك لا يمكن بحال من الأحوال أن تجابه هذه المصيبة البشرية التي دفعت الصين إلى أحضان الشيوعية في زمن قصير .

ولا يمكن إسكاتها بالقوي السياسية والمادية فليس إلا الحقائق القرآنية التي تستطيع أن تدفع تلك المصيبة أن ما ورد في( مسألة خطرت في ليلة القدر ) المنشورة في ( مرشد الشباب ) يظهر آثاره في كل من أمريكا وأوروبا لذا فإن القوة الحقيقية التي يجب أن تستند عليها حكومتنا الحاضرة هي الحقائق القرآنية والدعوة إليها إذ تكسب بهذا أخوة ثلاثمائة وخمسين ألف مليون من المسلمين ( آنذاك ) والتي هي قوة احتياطية سائدة لها ضمن دائرة الاتحاد الإسلامي . وقد كانت الدول النصرانية لا تميل إلى هذا الاتحاد الإسلامي أما وقد ظهرت الشيوعية والإرهاب والفوضى تضطر كل من أمريكا وأوروبا أن تؤيدا هذا الاتحاد الإسلامي والقرآن.

ويمكن اعتبار قيام الجمهورية التركية نهاية لمرحلة سعيد القديم والتي تميز فيها بدفاعه عن فكره إصلاح مؤسسة الخلافة وتوحيد العالم الإسلامي حول مركز واحد وتناولت فيها كتاباته هذه الفكرة ولم تتطرق للحديث عن الموضوعات الدينية أو القضايا الإيمانية المتمثلة في المقالات التي كان يكتبها في الصحف الإسلامية .

ثانيا : سعيد الجديد

في هذه المرحلة بعد تأسس الجمهورية وقيامها بإجراءاتها الثورية التشريع والحياة الاجتماعية وقمع جميع أشكال المعارضة أدرك سعيد أن الإيمان في خطر بعد زيارته لأنقرة في نهاية سنة1992م وتوصل سعيد إلى نتيجة وهي أن الإيمان في خطر وأنه يمكن التخلص من الشبهات الموجهة للإيمان بإرساء الحياة الذاتية وانعزل في ( وان ) وقد انقطع هذا الانزواء بقيام الحكومة بنفيه إلى مدينة ( بوردور) في جنوب تركيا .
ونفي سعيد النورسي من مكان لمكان وبقي تحت المراقبة الدائمة وعرفه نظام الجمهورية بأنه حالة مرضية , وأنه يشكل خطرا يهدد أمن الدولة , وقد استهدف سعيد زيادة شعور المسلمين بواجبهم تجاه دينهم وأراد تخليص الفرد من الأيديولوجيات الأجنبية وبعد عام ( 1925م – 1343هـ ) صارت كتابته تعرض خصوصيات تصوفية وقد فتح سعيد ساحة ذاتية جديدة ليتشكل داخلها شعور مجموعة من الأفراد حول المفاهيم الإسلامية وقد كانت هذه المرحلة بالنسبة لسعيد مرحلة ابتعاد عن إظهار الإيمان نحو الخارج , وإيجاد ساحة معنوية جديدة يتحقق بها الشعور في العالم الداخلي.
ولم يوجه سعيد أتباعه بشكل علني لمعارضة الإصلاحات التي تقوم بها الدولة بل وجههم لتشكيل عالم ذاتي لا تصله هذه التغيرات ,والمحافظة على هذا العالم من تدخل الدولة .
وطالب سعيد النورسي المسلمين بإصلاح حياتهم والانشغال بأنفسهم وعالمهم الداخلي .

[[سعيد النورسي|وقد ركز نشاطه في تلك الفترة على أمرين الأول[[سعيد النورسي| : إيجاد ساحة معنوية خاصة به وبطلابه – مبتعدا عن سياسة إظهار الإيمان ومحاولة أسلمة المجتمع والنظام مرة أخرى – يشكل فيها شعور طلابه نحو الإيمان ويغذيها بمفاهيم الإسلام .

وبناء قلعة حصينة تضمه وطلابه لا تنفذ من خلالها الإصلاحات التغييرية وطالب المسلمين بإصلاح حياتهم وعالمهم الداخلي .

وحدد مستهدفات مشروعه التربوي هذا في الأفراد المسلم والأسرة المسلمة وأوضح أن ذينك المستهدفين لا يمكن للحكومة مجابهتهما ولا التدخل في خصوصيتها فالحكومة والنظام الأمني يتعامل مع الملموس , ولا يدخل القلوب ومن هنا جعل كفاحه متعمقا مستهدفا الفرد ناظرا إليه على أنه نواة الأمة وآلية الحياة .

الأمر الثاني : محاولة صياغة رؤية إيمانية تجديدية تتوافق مع ظروف المجتمع المعاصر تعتمد على العلمية , والحقائق الواضحة والبراهين القاطعة لتتمكن من الرد على الشبهات التي أثراها الغرب تجاه الإسلام وانتقلت تلك الشبهات إلى المجتمع التركي وذلك لأنه رأي أن الصيغة الإيمانية التقليدية ويعني بها " الرؤية الصوفية " لم تعد قادرة – بشكلها التقليدي – على الإجابة على أسئلة العصر .

ورغم أن سعيدا لم يكن صوفيا إلا أنه لم يكن ضد الطريقة وكان يدعي أن التقاليد الصوفية المستندة على العلم التقليدي , والإيمان , صاحبة دور بسيط تجاه الشبهات التي تنتشر في ساحة الإصلاحات الاجتماعية , وإلى جانب ذلك فإنه يقبل أن الطرق لعبت دورا في إبقاء حيوية الإسلام في نقطة التوفيق في التغييرات الاجتماعية التي حصلت في الإمبراطورية العثمانية ويدافع عن الطرق الصوفية تجاه هجمات النظام الكمالي .

ومع بدايات هذه المرحلة بدأ سعيد الجديد بتوجه نحو الكتابة الإيمانية الوعظية مبتعدا عن الخوض في السياسة وتياراتها مستهدفا رد شبهات الإلحاديين والعلمانيين تجاه الإسلام , وإنقاذ إيمان الفرد المسلم واتخذت كتاباته بشكل رسائل أطلق عليها " رسائل النور " واستوسل لنشرها طريقة الاستنساخ بواسطة طلابه .

إلا أنه تعرض طوال هذه المرحلة للنفي والاعتقال سنوات طويلة فقد نفي في ( بارلا)المدرسة النورية الأولي من ( 1/3/ 1927م – 1346هـ  : 5/4/1935م – 1354هـ ) ثم سجن في ( اسكي شهير ) المدرسة اليوسفية الأولي ( 25/4/1935م – 1354هـ : 27/3/1936م- 1355هـ ) ثم نفي إلى ( قسطموني) ( 1936م – 1355هـ - 1943م – 1363هـ ) المدرسة النورية الثانية , ثم سجن في ( دينزلي ) المدرسة اليوسفية الثانية ( 20/9/1943م – 1363هـ - 15/6/ 1944م – 1364هـ ) ثم نفي في ( أميرداغ ) المدرسية النورية الثالثة في ( 1/8/1944م – 1364هـ - 23/1/ 1948م – 1368هـ ) ثم سجن في ( أفيون ) المدرسة اليوسفية الثالثة ( 28/1/ 1948م – 1368هـ - 20/9/1949 -1369هـ )

وقد اتهم في كل المحاكمات التي تعرض لها بمعاداة النظام العلماني والسعي لتكوين دولة إسلامية إلا أنه كان يحصل على البراءة – بعد كل محاكمة – من التهم المنسوبة إليه وذلك بعد أن تشكل المحاكم لجان لفحص رسائله التي يكتبها ثم تقدم تقاريرها بأنها خالية مما يشير إلى معاداة العلمانية والنظام الجمهوري

ثالثا : سعيد الثالث

انعكست التطورات السياسية الحادثة في تركيا بعد فوز الحزب الديمقراطي بالسلطة في الانتخابات العامة التي أجريت في 1950 م – 1370 هـ وبوادر الحياة السياسية التي تولي أهمية للحريات والحقوق على مواقف سعيد النورسي وأنشطته قبرز في تلك المرحلة كقائد اجتماعي مهتم بالتطورات السياسية يحاول التأثير في الحياة السياسية والاجتماعية فكان يعرب عن امتنانه للمواقف الإيجابية التي يقوم بها الديمقراطيون ويخاطب المسئولين بانتقاداته وقد أرسل برقية تهنئة إلى جلال بايار شاكرا له جهوده في خدمة الإسلام وبارك قيام المسئولين بإعادة الآذان باللغة العربية وراسل عنان مندريس رئيس الوزراء يوصيه بتقوية الأخوة الإسلامية والسعي إلى اتخاذ إجراءات نحو الاتحاد الإسلامي وقد وصفه في تلك الرسالة بـ ( البطل الإسلامي)
وفي ظل التعددية الحزبية التي بدأت في الخمسينات تغيرت نظرة سعيد إلى الأحزاب السياسية والمشاركة السياسية فقد " رأي سعيد أن الأحزاب السياسية هي الأعمدة الأساسية للديمقراطية وإلى جانب ذلك فقد بين في كتاباته السابقة أن الأحزاب الإسلامية تكون موافقة الشريعة الإسلامية بشرط أن تسعي لوحدة المسلمين ورفع مستواهم,وعندما صارت جمعية الاتحاد والترقي بحالة مؤسسة ذات سلطة اتخذ موقفا انتقاديا لاذعا وقد أيد النظام المتعدد الأحزاب ولم يتردد في دعم الحزب الديمقراطي تجاه حزب الشعب الجمهوري وادعي أن المشروطية البرلمانية وهيمنة الحقوق تؤمن أفضل الأوساط لإحياء الإسلام ونمائه,وقد رأي المشورة السياسية وهيمنة الحقوق أساسين رئيسيين للعدالة كما ادعي أن البرلمانية والمشروطية عما وسائل أفضل لتحقيق العدالة .
وقد سمح سعيد لطلابه بتأييد الحزب الديمقراطي في انتخابات 1950م – 1370هـ , 1954م – 1374هـ على أن يكون ذلك التأييد غير معلن نظرا لحداثة الوضع السياسي وعدم معرفة مراميه إلا أنه في انتخابات 1957م 1377هـ كان له ولطلابه نشاط بارز في دعم الحزب الديمقراطي ضد حزب الشعب الجمهوري .
ولعل هذه العلنية في النشاط السياسي استندت على حصول رسائل النور على البراءة من محكمة ( أفيون ) في 11/9/1956م – 1376هـ التي كانت قد شكلت لجنة من الخبراء لفحص الرسائل واستغرقت اللجنة ثمانية سنوات في فحصها إلى أن قدمت تقريرها بخلوها من أى عنصر مخالف للقانون

ويمكن تقسيم مواقف وسلوك سعيد النورسي في هذه المرحلة إلى ثلاثة أقسام :

الأول : تنبيه وإرشاد إدارة الحزب الديمقراطي بشكل مباشر.
والثاني : عرض الأخطاء التي تحدث ونقدها .
والثالث : تقييم الأحداث في العالم وفي تركيا وتوصيته ببعض الحلول .

فمثلا طلبه فتح جامع ( آيا صوفيا ) للعبادة من جديد وطلبه نشر رسائل النور من قبل الحكومة وتوصيته بإطلاق الخطوات الجريئة في مواضيع الدين , والإيمان تعد من الأمور لمهمة كما أن إرساله برقية تهنئة لجلال بايار عند استلام الحزب الديمقراطي للحكم يدل على أنه ترك موقفه المعارض بالجملة للحكومة وعدل عن رأيه في عدم إجراء أية علاقة مع الحكومة وفي رسالة وجهها إلى الديمقراطيين بتاريخ 6 أيلول 1951م -1371هـ بعنوان " تنبيه الديمقراطيين لحقيقة كبيرة إن مسلكنا يفرض علينا ألا نهتم بالدنيا والسياسة قدر الإمكان والآن صار من اللازم النظر إليها وقد رأينا أن الديمقراطيين يمكن أن يقدموا الدعم لجماعة النور تجاه التيارين السابقين .

وسعي سعيد الثالث للاستفادة من الحريات المتاحة آنذاك في نشر أفكاره وتقوية رسائل دعوته مستغلا كل إطار قانوني ممكن في خلق قنوات اتصال مع الشعب " فمثلا وصوله إلى رئيس الوزراء ( عدنان مندريس ) من أجل نشر رسائل النور رسميا وحصوله على وعد إيجابي من رئيس الوزراء يجب أن يعد هذا تطورا مهما وعلى الرغم من تكليف رئاسة الشئون الدينية بذلك إلا أنه لم يتم نشر رسائل النور رسميا رغم طلب مندريس .

إن ( سعيد النورسي ) الذي لم يقابل أى رجل سياسة أو رجل دولة من قبل قابل في هذه المرحلة بعض السياسيين وقدم لهم بعض التوصيات وأجري تقييمات وتنبيهات وإرشادات مباشرة.

وقد كتب رسالة لتلاميذه بتاريخ 22 فبراير 1951م -1371هـ أن رئيس الوزراء ( عدنان مندريس ) ووزير الداخلية أرسلا له خبرا قائلا فيه : ( ألا يشغل باله , ولا ييأس ) وهذا يدل على أنه كانت هناك علاقة قريبة بينه وبين رجال الدولة .

مؤلفات سعيد النورسي :

بدأ سعيد النورسي تأليفه لرسائل النور بعد نفيه إلى ( بارلا ) عام 1926م – 1345هـ وركز اهتمامه فيها على كيفية إيقاظ الإيمان في قلوب المسلمين وتفنيد شبهات العلمانيين والإلحاديين حول الإسلام قد تنوعت فيها لغة خطابه لتناسب المستويات الثقافية المختلفة ونوع فيها أساليبه مثل استخدامه للأساليب البلاغية الفلسفية المجردة والحوارية والتساؤلية وضرب الأمثال .

وقد جاءت رسائل النور معبرة في أكثر الأحيان عن آراء اجتماعية للمؤلف مجيبة على تساؤلات عصره وموقعه متلائمة مع خصوصية مشكلات الإنسان المخاطب ومستواه الاجتماعي والحضاري , مراعية المرجعية الفكرية التقليدية للمتلقي التركي في معالجتها لبعض الموضوعات الاعتقادية والروحية .

ويذكر النورسي في أكثر من موضع من الرسائل أن رسائل النور تؤلف تحت عناية ربانية وترتشف من القرآن الكريم.

ويعتقد أن علمه وهبيا ليس كسبيا, مما يرد على القلب بجملته ويجري على لسانه دون عنت منه فيقول :

" لقد أنعم الله على بتأليف ستين رسالة بهذا النمط من الإنعام والإحسان إذ من كان مثلي ممن يفكر قليلا ويتتبع الفتوح القلبي , ولا يجد متسعا من الوقت للتدقيق والبحث ثم في يده بتأليف ما لا يقدر على تأليفه جماعة من العلماء والعباقرة مع سعيهم الدائب فتأليفها إذن على ذلك الوجه يدل على أنها أثر عناية إلهية مباشرة ويدلل سعيد على أن هذه الرسائل عناية إلهية وكرامة قرآنية بثلاثة دلائل :

1- السهولة والسرعة غير المعتادة في تأليفها .
2- في نسخها سهولة فوق المعتاد وشوق عارم مع عدم السآمة والملل .
3- أن قراءتها أيضا لا تورث السلام ولا سيما إذا ما استشعرت الحاجة إليها بل إنها كلما قرآت زاد الذوق والشوق .

وينفي عن نفسه امتلاك الرسائل , وحق تأليفها ويؤكد على أنها من رشحات القرآن الكريم فيقول :

"إن الرسائل ليست ملكي , ولا مني بل هي ملك القرآن , لذا أراني مضطرا إلى بيان أنها قد نالت رشحات من مزايا القرآن العظيم نعم لا تبحث ما في عناقيد العنب اللذيذة من خصائص في سيقانها اليابسة فأنا كتلك الساق اليابسة لتلك الأعناب اللذيذة .

ويعلي سعيد النورسي من قيمة رسائل النور , فيعدد من المواضع في رسالته يمكن إيجازها فيما يلي :

1- رسائل النور هي دواء ناجع لكل أمراض العصر فهي العروة الو ثقي ...وهي حبل الله , فمن استمسك به فقد نجا .
2- رسائل النور هي تفسير للقرآن إنها برهان باهر وتفسير قيم له وهي لمعة براقة من لمعات إعجازه المعني ورشحه من رشحات ذلك البحر وشعاع من تلك الشمس وحقيقة ملهمة من كنز علم الحقيقة وترجمة معنوية نابعة من فيوضائه .
3- إن أى شخص يريد أن يكون عالما عليه أن يكتفي برسائل النور وحدها فرسائل النور هي ضياء معنوي وعلم في منتهي العلو والعمق معا لا تحتاج دراستها والتهيؤ لها إلى تكلف ,ولا داعي إلى أساتذة آخرين لتعلمها , ولا لاقتباس من أفواه المدرسين حيث أن كل شخص يفهم حسب درجته تلك العلوم العالية دونما حاجة إلى إشعال نار المشقة والتعب للحصول عليها فيفيد نفسه بنفسه وربما يكون عالما محققا .
4- " إن رسائل النور ليست لها مصادر من الشرق , أو من الغرب فهي ليست كالمؤلفات الأخرى التي تستقي معلوماتها من مصادر متعددة من العلوم والفنون فلا مصدر لها سوى القرآن ولا أستاذ لها إلا القرآن ولا ترجع إلا إلى القرآن ..ولم يكن عند المؤلف أى كتاب آخر حين تأليفها فهي ملهمة مباشرة من فيض القرآن الكريم وتنزل من سماء القرآن ومن نجوم آياته الكريمة .

استنساخ الرسائل :

ويحث سعيد النورسي طلابه على قراءة رسائل النور والانشغال باستنساخها وتوزيعها على الآخرين فيذكر أن لها خمسة أنواع من الفوائد الدنيوية وهي :" البركة في الرزق , والانشراح في القلب , واليسر في المعيشة,والتوفيق في العمل والمشاركة في جميع الدعوات الخاصة لجميع طلاب النور فضيلة طالب العلم "

وظلت رسائل النور تنتشر بهذه الطريقة اليدوية لمدة عشرين عاما وقد بدلت الحروف العربية إلى حروف لاتينية وحظر الطبع والنشر بها فكانت هذه الطريقة – الاستنساخ اليدوي سرا هي الطريقة الوحيدة لنشر هذه المؤلفات وبعد زيادة تداول الرسائل بين أهل القرى والنواحي القريبة من ( بارلا ) سرا بدأ الآلاف من طلبة النور رجالا ونساء بالانكباب على الاستنساخ لرسائل النور حتى وصل عدد مستنسخي الرسائل في( ساو ) القريبة من ( اسبارطة ) بجنوب شرق تركيا ألف مستنسخ .

رسائل النور :

يبلغ عدد الرسائل التي ألفها سعيد النورسي مائة وثلاثون رسالة منها ما ألفه بالتركية العثمانية ومنها ما ألفه بالعربية .
وهذا العدد لا يأخذ ترتيبا محدودا سواء في تاريخ تأليفه أو نوعية ذلك التأليف كما أنه لا يأخذ شكلا محددا أو خطة واضحة للسير عليها .
وتطبع هذه الرسائل في تركيا على صورة مجلدات تحت اسم ( كليات رسائل النور ) أو تطبع كل رسالة على حدة أما في مصر, فقد قامت ( دار سوزلر للنشر )بجمع هذه الرسائل في تسعة مجلدات تحت اسم ( كليات رسائل النور ) بعد أن ترجمها إلى العربية ) ( إحسان قاسم الصالحي ) وهي عراقي الأصل وحقق بعضها .

وفيما يلي عرض لأهم ما تتضمنه تلك الرسائل في شكلها المجلد :

1- الكلمات : ( 900 صفحة)

وهي أساس كليات رسائل النور تضم ثلاثة وثلاثين ( كلمة, الكلمة الثالثة والثلاثين منها عبارة عن ثلاث وثلاثين مكتوبا جمعت في مجموعة مستقلة سميت بـ ( المكتوبات ) وانبثقت من المكتوبات الحادي على الثلاثين ثلاث وثلاثون لمعة هي مجموعة ( اللمعات ) وتشعبت من اللمعة الحادية والثلاثين منها مجموعة ( الشعاعات ) التي تضم خمسة عشر شعاعا.
وهذه الكلمات تعتبر كل ( كلمة ) فيها خطابا إيمانيا ودعوة إلى الاستسلام والانقياد إلى الله وأوامره .
ويقول بديع الزمان نفسه عن الكلمات: " إن الذين قرءوا ثلاثا وثلاثين رسالة من الكلمات يقرون بأن تلك ( الكلمات ) قد فتحت أمامهم طريقا قرآنيا فما دامت الحقيقة هكذا لبيان أسرار القرآن هي أنجح دواء لأمراض هذا العصر وأفضل مرهم يمرر على جروحه وأنفع نور يبدد هجمات الظلام الحالك بالمجتمع الإسلامي وأصدق مرشد ودليل لأولئك الحياري الهائمين في وديان الضلالة ... وإني أعتقد أن الله سبحانه وتعالي قد منح ( الكلمات ) المعروفة التي هي لمعات معنوية من إعجاز القرآن الكريم خاصية الدواء الشافي والترياق المضد لسموم زندقة هذه الضلالة في هذا العصر "
وتتناول ( الكلمات ) بين صفحاتها موضوعات عن العبادة والصلاة وإعجاز القرآن ومعجزات الأنبياء ودلائل قيام الساعة وكذلك بها رسائل عن التوحيد والقدر وعن أوصاف الجنة والملائكة والروح وتتحدث عن المعراج النبوي .

2- المكتبوبات (614 صفحة)

وهذا لمجلد عبارة عن مجموعة رسائل كتبها الأستاذ النورسي عن أسئلة طرحها طلابه عليه وقد استغرقت هذه المراسلات أكثر من خمس سنوات منذ ( 1929م -1348هـ ) إلى عام 1934م – 1353هـ ) ثم أعاد الأستاذ المؤلف النظر في هذه المجموعة فحذف بعض الفقرات وأحال أخرى إلى مجموعة ثانية ...وهكذا نظمها ونسقها على تسلسلها الحالي دون النظر إلى زمن تأليف الرسالة فقد وضع ( المكتوب الثاني والثالث ) مثلا وهما مؤلفان في سنة 1930م – 1349هـ قبل ( المكتوب الثالث عشر ) الذي ألف في سنة 1929 م .
وتتناول المكتوبات رسائل عن الخضر عليه السلام والموت ووصف جهنم والولاية وكذلك رسالة عن المعجزات الأحمدية .
كما تتحدث عن الأخوة الإيمانية والتصوف وأهميته ومحاسنه ومزالقه وتتطرق كذلك إلى مشاهد من حياة المؤلف .

3- اللمعات : ( 600صفحة)

وهذه المجموعة عبارة عن ثلاث وثلاثين ( لمعة)
ومن رسائل هذه المجموعة مناجاة سيدنا يونس وأيوب عليهما السلام , والحث على السنة النبوية وبيان المنافع في إتباعها ودفع البدعة ورسالة عن النجاة من دسائس الشيطان وتلبيسه, وكيفية الاعتصام بالله تعالي .

4- الشعاعات : ( صفحة 411)

وهذه المجموعة عبارة عن خمسة عشر شعاعا وهي تتناول في جزء كبير منها الحديث عن الطبيعة وخالقها ويوم القيامة ودلائله وبها رسالة عن الإيمان وأركانه وأثره على الفرد والمجتمع , إلى جانب تضمنها على دفاعات سعيد النورسي وطلابه أمام محكمتي ( دينزلي ) و ( أفيون )

5- إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز ( 300 صفحة )

هذا الكتاب هو عبارة عن تفسير لسورة الفاتحة وثلاثين آية من سورة البقرة وقد تم تأليف هذا الكتاب في السنة الأولي من الحرب العالمية الأولي على جبهة القتال بدون مصدر أو مرجع .
وملحق بهذا الكتاب فصل من كتاب ( قالوا عن الإسلام ) للدكتور عماد الدين خليل هو فضل عن رؤية الغربيين والمستشرفين للقرآن ,

6- المثنوى العربي النوري  : (500 صفحة)

وقد ألف بديع الزمان هذا الكتاب باللغة العربية وفيه رسائل عن الحياة وماهيتها عن الموت,وحديث عن النبي صلي الله عليه وسلم وشخصيته ومواقفه,وتعريف للقرآن وأسرار تكراراته ورسالة فلسفية حول ماهية ( الأنا) وعلاقة الإنسان بالكون وبربه.

7- الملاحق : ( 430 صفحة)

والملاحق هي الرسائل الملحقة بالكتاب بعد الفراغ منه , إلا أن هذه الملاحق قد تزامنت مع بديع الزمان منذ بدء تأليف الرسائل حتى ارتحاله عن الدنيا وهذه الملاحق عبارة عن مجموعة رسائل جرت بين النورسي وطلابه الأوائل ولها طابع إرشادي توجيهي .
وتتضمن هذه ( الملاحق ) ثلاثة كتب مستقلة هي : ملحق ( بارلا) وملحق ( قسطموني ) وملحق ( أمير داغ ) وكل من هذه الملاحق يبين منه من حياة ( النورسي ) كما يؤرخ لمرحلة من مراحل دعوة النور .

فملحق بارلا:

يبدأ منذ ارتحال النورسي إلى بارلا عام 1927م إلى أن أقتيد مع طلابه إلى المحكمة الجنائية العليا في ( أسكي شهر ) ثم أودع سجنها عام 1935م – 1346هـ.

وملحق قسطموني :

طموني :

يتضمن المراسلات التي جرت بين النورسي وطلابه بعد هذه الفترة وحتى سوقه وطلابه إلى محكمة دينزلي سنة 1944م.

أما ملحق ( أميرداغ) فعلي قسمين :

الأول : مراسلات النورسي بعد براءته من محكمة دينزلي وحتى دخول سجن أفيون في أواخر عام 1947م.
الثاني : يبدأ من سنة 1948م أى بعد الإفراج عن النورسي وطلابه وحتى وفاته.

8- صيقل الإسلام ( 560 صفحة)

وهذا الكتاب يتضمن قواعد وضعها المؤلف لتقويم المفاهيم الغربية والدخيلة , وبه أيضا مجموعة من الرسائل حول التفسير , والبلاغة , والعقيدة , علم المنطق والمناظرات .

9- كتاب" سيرة ذاتية " (500 صفحة)

وهو ترجمة لكتاب الذي كتبه طلاب سعيد النورسي ,وأرخوا فيه لحياته , ومعاناته,وكفاحه , ثم قرأوه عليه فشذب ونظم فيه , ثم أقره.
إلا أن الأستاذ إحسان قاسم الصالحي , قد أعاد تنظيمه بشكل علمي وعضده بتوثيق أحداثه وإثبات تواريخه , فأكسب تصنيف الكتاب شكلا منهجيا,ليكون مصدرا لتاريخ حياة سعيد النورسي , يرفع به عن كاهل الباحثين عناء البحث والتنقيب .

ترجمة الرسائل:

" بناء على سياسات مصطفي كمال ( أتاترك) فإن تركيا قد انفصلت بشكل تام عن العالم الإسلامي أثناء حكم حزب الشعب الجمهوري وعندما فاز الديمقراطيون بالسلطة عام 1950م – 1370هـ كانت ترجمة رسائل النور إلى العربية , هي أحد المساعي الرئيسية التي تطلع إليها بديع الزمان سعيد النورسي حتى تؤتي الرسائل ثمارها في تقوية وتجديد اليقين والإيمان في نطاق أوسع"

إلا أن أوائل المحاولات الجادة للترجمة بدأت بعد وفاة النورسي فكانت :

" ترجمة لبعض الرسائل على يد ( الملا عبد المجيد) شقيق( النورسي ) إلا أنها جاءت ترجمة ضعيفة – ثم قام ( د/ محمد سعيد رمضان البوطي ) لأول مرة – بتعريف (النورسي ) في كتيب صغير ثم على صفحات مجلة ( حضارة الإسلام ) السورية ثم في كتاب ( في الفكر والقلب).

وفي سنة 1974م -1394 قامت جماعة من طلبة النور بالترجمة والطبع لبعض الرسائل وأخيرا قام إحسان قاسم الصالحي بترجمة كل رسائل النور تحت عنوان ( كليات رسائل النور ) التي نشرتها ( دار سوزلر للنشر ) وطبعتها في مصر في تسعة مجلدات فاخرة :

وأصبحت رسائل النور تترجم إلى سائر اللغات الأخرى بشكل جزئي ,تدريجي ولم تكتمل أى ترجمة حتى الآن سوى الترجمة العربية .

ترجمة أجزاء من رسائل النور إلى اللغات التالية :

- الانجليزية ( وهي على وشك الاكتمال ) الفرنسية , والألمانية, والروسية والهولندية , والإيطالية ,والصينية.
- الكردية ,والفارسية,والأفغانية , والمالاوية.
- وإلى لغات آسيا الوسطي والبلقان , الأوزبكية , والأذارية , والتتارية والقيرغيزية, والبوشناقية ,والألبانية, والقازاقية,والجورجية والتركمانية .

خصائص منهج التغيير الاجتماعي عند سعيد النورسي :

كما أن مراحل سعيد النورسي العمرية كانت على شكل محطات فكرية , فإن مرحلة سعيد القديم التي امتدت قرابة الخمسين عاما’’ لم تحمل ما يمكن أن يطلق عليه منهج تغيير اجتماعي متكامل ,وإنما كانت أشبه ما تكون بمحاولة فردية في الحياة السياسية والاجتماعية خاصة وأن الظروف التاريخية لتلك الفترة كانت مليئة بالاضطرابات السياسية وعدم الاستقرار الفكري سواء على المستوي السياسي لنظام الدولة أم على مستوى النورسي نفسه في تحديد الإطار سواء على المستوي السياسي لنظام الدولة أم على مستوى النورسي نفسه في تحديد الإطار الذي يمارس فيه دوره .
لذا يحسن فصل مرحلة سعيد القديم عن سعيد الجديد على المستوي الإيديولوجي إذ أن وشائج الصلة الفكرية والمنهجية تكاد تنعدم بينهما إلا من المرجعية الفكرية لكليهما التي تمثلت في المرجعية الإسلامية أما مرحلة سعيد الجديد والثالث فيمكن أن يعدا نسقا فكريا واحدا . فمرحلة سعيد الثالث ما هي إلا مرحلة تطورية طبيعية نتيجة المتغيرات السياسية الحادثة ورغبته في الانتشار والتنامي . والإصرار على المشاركة السياسية .
وعند دراسة منهج سعيد النورسي في التغيير الاجتماعية تتركز الدراسة على مرحلتي سعيد الجديد وسعيد الثالث فكلا المرحلتين تحملان صفة التخطيط والتنظيم والاستقرار الفكري وكذلك تتميزان بوضوح الأهداف وجلاء الغايات .
وهما كذلك اللتين سيعول عليهما عند دراسة التطور الفكري لحركة النور بعد وفاتها وانقسام الحركة إلى مجموعات مختلفة حيث هاتي المرحلتين ثابتتين عند سائر مجموعات النور كمرجعية فكرية للحركة والخلاف الفكري بينهما نابع من اختلاف الفهم لمقاصد السلوكيات السياسية لسعيد ( الجديد ,والثالث ) ورؤاه الفكرية للأحداث والقضايا المعاصرة آنذاك.

أولا: التدريجية

مع تأسيس الجهورية التركية , حدوث الانقلابات الاجتماعية والسياسية داخل تركيا , أحس سعيد القديم , بأن أنشطته القديمة في إصلاح الدولة العثمانية عن طريق كتابة المقالات في الصحف والمجلات والمشاركة السياسية في الهيئات والجمعيات وكذلك جهوده في الدفاع عن قضايا الوحدة الإسلامية لم تعد تجد شيئا , وأن مرحلة جديدة بدأت في الحياة السياسية والاجتماعية بتركية غيرت سلم الأولويات, وقلبت الموازين الاجتماعية والقيمية وتوجهات السياسية الخارجية رأسا على عقب .
ورأى أن إنقاذ الإيمان أصبح يعتلي سلم الأولويات الدعوية فبدأ يفكر في وسيلة يحافظ بها على إيمان المجتمع وعقيدته وقيمة وكذلك تكون ملجأ للراغبين في إنقاذ عقيدتهم من الضياع .
واستنهج لذلك المنهج الفطري التدريجي ذلك المنهج الذي يؤمن بأولية البناء القاعدي واستدرج حتى الوصول إلى القمة فهو منهج يفترض التدرج ويذكر الطفرة ويؤمن بالنظام ويرفض الفوضى

فهو يقول :

" إن من يشق طريقا في الحياة الاجتماعية ويؤسس حركة لا يستثمر مساعيه ولن يكون النجاح حليفه ما لمتكن الحركة منسجمة مع القوانين الفطرية التي تحكم الكون بل تكون جميع أعماله لأجل التخريب والشر .

ويشير إلى أن هذا المنهج هو سنة الله في الكون قائلا :

" لقد وضع الله سبحانه وتعالي في وجود الأشياء تدريجيا وترتيبا أشبه ما يكون بدرجات السلم ,وذلك بمقتضي اسمه الحكيم فالذي لا يتأني في حركاته إما أنه يطفر الدرجات فيسقط أو يتركها ناقصة فلا يرقي إلى المقصود"

مثلما هو محال لجسم الإنسان تجديد جميع ذراته دفعة واحدة وإنشاء ذرات جديدة بدلا منها , كذلك يتعذر على الدولة – إن لم يكن محالا- تغيير جميع موظفيها دفعة واحدة ,وإقامة موظفين جدد بدلا منهم .

هذا ويعلن سعيد النورسي في أكثر من موضع في رسائله رفضه التام لفكرة السلاح كوسيلة للتغيير ويري أن السلاح في هذه الحالة لا يقتل إلا حامله إذ إن الجهاد المسلح ضد الحكام المسلمين سيصيب أول ما يصيب المسلمين أنفسهم ولم يجني ثمرة هذا الجهاد المسلح الداخلي سوي أعداء المسلمين .
وينقسم مفهوم الجهاد عند النورسي إلى نوعين جهاد مسلح وهو ضد العدو الخارجي وجهاد معنوي داخل المجتمع المسلم ,وهو جهاد معنوى وثقافي يستهدف بناء المجتمع لا هدمه .

فيقول في هذا الشأن:

"إن الجهاد المسلح لا يحشد كليا إلا ضد العدو الخارجي فالصراع المسلح داخل البلاد الإسلامية هو ما يصبو إليه العدو الخارجي إذ إن سفك دماء المسلمين فيما بينهم أمر يهمهم ...
إن الجهاد في أى مجتمع مسلم إنما هو جهاد معنوي يتصل إليه عن طريق تنوير الأفكار وإصلاح القلوب والأرواح ويكون جهادا إيجابيا بناء لصد التخريبات المعنوية ويتصرف فيه وفق سر ( الإخلاص ) فهناك بون شاسع بين الجهاد في الخارج والجهاد في الداخل .
فنحن نبذل قصارى جهودنا للمحافظة على استقرار البلاد وأمنها وفق العمل الإيجابي البناء في هذا الوقت الفرق عظيم بين الجهاد الداخلي والخارجي .

ثانيا: التربية :

آمن سعيد النورسي – كما سبق ذكره – بأولية البناء القاعدي من خلال تربية جيل مؤمن ورغم صعوبة مرحلة سعيد الجديد وقسوة ظروفها السياسية والملاحقات الأمنية والنفي والاعتقالات إلا أ،ها – كما يقول إحسان قاسم الصالحي في مقدمته في ( الملاحق ) تتميز بالعمل السري التام والتأسيسي الصامت والتأكيد على الحذر الشديد لإرساء القواعد وتربية طلاب يتحلون بالإخلاص الكامل والتفاني في العمل والوفاء الخاص والشغف بالدعوة والارتباط المتين بها وبعد الهمة في سبيل نشر رسائل النور التي هي تفسير القرآن الكريم والعمل المتواصل في ترسيخ حقائق الإيمان في النفوس ودفع الشبهات عنها في الفترة التي تعد أقسي الفترات التي مرت على تركيا حيث الحرب الضروس على الإسلام قائمة تشتد كلما مر الزمان وقد ركز النورسي في تربيته على الكيف أكثر من الكم لتربية جيل ثابت راسخ الإيمان فهو لا يؤمن بالكثرة الضعيفة ويرجح عليها القلة القوية .

يقول :

" الإخلاص الحقيقي يمنعني من التطلع إلى المقامات والدرجات المادية والمعنوية فالكيف أهم وأفضل من الكم وتبليغ حقائق القرآن إلى عشرة أفراد بإخلاص وصدق أهم عندي من إرشاد آلاف في طريقة صوفية وتبليغ الدعوة إلى عشرة أشخاص بمنزلة نواة تنبت وتصبح شجرة ثابتة بإذن الله لكن هؤلاء الآلاف من المتصوفة يمكن أن تزلزل أفكارهم أمام الهجوم الفلسفي المضلل .

الإنسان نواة الأمة :

" كما كانت الأمة تتكون من أفراد وتتشكل بنيتها الحضارية والاجتماعية والثقافية تبعا لعقول أفرادها ومدى قدرتهم على الانتظام في منظومة حياتية تكفل لهم حياة اجتماعية تقوم على التعاون والتساند.ولما كان الفرد أو ( الإنسان) هو النواة الأساسية التي تستند عليها مقومات أى أمة كان اهتمام سعيد بقضية الإنسان اهتماما بالغا .
فقد ركز سعيد في رسائله على بيان ماهية الإنسان وأنه صنعة الله الخارقة بما فيها من عقل وروح وجسد وأن الإنسان مفضل على سائر المخلوقات ومميز عن الحيوان بسمو الغاية التي من أجلها خلقه الله تعالي .
" إن موجودات العالم قد صممت بطراز يشبه دائرة عظيمة , أو خلقت الحياة لتمثل نقطة المركز فيها فنرى : أن جميع الموجودات تخدم الحياة وترعاها وتتوجه إليها وتتكفل بتوفير لوازمها ومؤنها..
ثم نرى أن موجودات عالم ذوي الحياة هي الأخرى قد أوجدت على شكل دائرة واسعة بحيث يتبوأ الإنسان فيها مركزها فالغايات الموجودة من الأحياء عادة تتمركز في هذا الإنسان والخالق الكريم سبحانه سيحشد جميع الأحياء حول الإنسان ويسخر الجميع لأجله وفي خدمته جاعلا من هذا الإنسان سيدا عليها وحاكما لها .
فالخالق العظيم إذن يصطفي الإنسان من بين الأحياء ويجعله وموضع إرادته ونصب اختياره .

ويذكر أن الإنسان لم يخلق سدى أو عبثا, وأن مرده إلى الله فيقول :

" اعلم أنها دار ضيافة, وأنت فيها ضيف مكرم,فكل واشرب بإذن صاحب الضيافة والكرم وقدم له الشكر , ولا تتحرك إلا وفق أوامره وحده وارحل عنها دون أن تلتفت إلى وراءك .
ولأن ذلك الإنسان مرشح لأبد عظيم فلن يترك سدى ولا يكون عبثا ,ولا يحكم عليه بالفناء المطلق ولا يهرب إلى العدم الصرف ... بل جهنم فاغرة فاها, والجنة قد فتحت ذراعيا اللطيفتين لاحتضانه".

شقا الأمة :

يري الأستاذ النورسي أن بناء الأمة المسلمة البناء القوي الشامخ لابد وأن يقوم على دعاميته الأساسيتين على شقي الأمة والرجل والمرأة ويرى كذلك أن لكل من الرجل والمرأة تأثيره في بناء الأمة ولا يكتمل بناء أمة بأداء الرجل دون المرأة كما لا يكتمل بأداة المرأة دون الرجل .
وعندما تحدث النورسي عن هذين الشقين في رسائله , ركز على تربية هذين الشقين تربية إسلامية راشدة وتوعيتها بالحقيقة التي من أجلها خلقا ثم توجيهما نحو ما يكفل لهما حياة آمنة سعيدة في الدنيا وثوابا ونعيما مقيما في الآخرة .

أولا : الرجل :

ومما يلاحظ أنه عندما تكلم عن شق الرجل عوض عنه بالشاب ذلك أنه يري أن الشاب هو محور الحياة الاجتماعية وهو الساعد الفتي الذي يمكنه أن يحمل أداة البناء في المجتمع الإسلامي وفي الوقت ذاته يمكنه أن يحمل معول الهدم ومن هنا برزت عنده أهمية تربية هذا الشباب تربية إسلامية واعية وإنقاذه من براثن الأفكار الغربية والتيارات المعادية للإسلام التي حملتها ريح الدولة الغربية وتوجيهه نحو دوره الأساسي في بناء الأمة وإرشاده إلى أهمية المسئولية الملقاة على عاتقه .
فيقول بأن " قوة الشاب " ونضارته إذا ما حلت في المؤمن المطمئن الحصيف ذي القلب الساكن الوقور,وإذا ما صرفت طاقة الشاب وقوته إلى العبادة والأعمال الصالحة والتجارة الأخروية فإنها تصبح أعظم قوة للخير وتغدوا أفضل وسيلة للنجاة وأجمل وساطة للحسنات بل ألذها .
نعم إن عهد الشباب نفيس حقا وثمين جدا وهو نعمة إلهية عظمي ونشوة لذيذة لمن عرف واجبه الإسلامي .
ويوجه خطابه إلى الشباب ناصحا إياهم باستغلال نعمة الشباب في الطاعة قبل أن تمضي تلك المرحلة دون عودة .
" اعلموا أن ما تتمتعون به من ربيع العمر ونضارة الحياة ذاهب لا محالة فإن لم تلزموا أنفسكم بالبقاء ضمن الحدود الشرعية فسيضع ذلك الشباب ويذهب هباء منثورا ويجر عليكم في الدنيا وفي القبر وفي الآخرة بلايا ومصائب وآلاما تفوق كثيرا ملذات الدنيا التي أذاقكم إياها .. ولكن لو صرفتم ربيع عمركم في عفة النفس وفي صون الشرف وفي طاعة بترتبيته على الإسلام أداء لشكر الله تعالي على ما أنعم عليكم من نعمة الفتوة والشباب فسيبقي ويدوم ذلك العهد معني , وسيكون لكم وسيلة للفوز بشباب دائم خالد في الجنة الخالدة .
إذا ما شكر الشاب على نعمة الشباب – ذلك العهد الجميل الطيب- بالاستقامة على الصراط السوي وأداء العبادات فإن تلك النعمة المهداة تزداد ولا تنقص وتبقي من دون زوال , وتصبح أكثر متعة وبهجة ... وإلا فإنها تكون بلاء ومصيبة مؤلمة ومغمورة بالغم .
كان يركز دائما على تمثيل الموت أمام الشباب في كل وقت كرادع لهم عن الطيش والتهور وقد أوضح لهم حقيقة نفوسهم في فترة الشاب – تلك الحقيقة التي لا يعرفونها إلا بعد انقضائها – وأن الفورة والاندفاع التي تحملها أرواحهم قد تؤدي بهم إلى المهالك وسبل الجحيم لذا طلب أن يحكموا عقولهم في كل أمورهم وأن يتريثوا في تصرفاتهم فينظروا فيها ويقفوا أولا وإن وجدوها في الخير أمضوها وإلا تركوها .

حيث قال :

إن عروق الشباب تنبض لهوي المشاعر ,وتستجيب لها أكثر مما تستجيب للعقل وترضخ له وثورات الهوى – كما هو معلوم – لا تبصر العقبي فتفضل درهما من لذة في دقيقة واحدة حاضرة عاجلة على طن لذة آجلة فيقدم الشباب بدافع الهوى على قتل إنسان برئ للتلذذ, من لذة الانتقام , ثم يقاسي من جرائها ثمانية آلاف ساعة من آلام السجن ..والشباب ينساق إلى التمتع لساعة واحدة في اللهو والعبث – في قضية تخص الشرف – ثم يتجرع من ورائها آلام ألوف الأيام من سجن وخوف وتوجس من العدو المتربص به ... وهكذا تضيع سعادة العمر بين قلق واضطراب وخوف وآلام .
وعلى غرار هذا يقع الشباب المساكين في ورطات ومشاكل عويصة كثيرة حتى تحول ألطف أيام حياتهم وأحلاها إلى أمر الأيام وأقساها وفي حالة يرثي لهم ولا سيما بعد أن هبت عواطف هوجاء من الشمال تحمل فتنا مدمرة لهذا العصر إذ تستبيح لهوى الشباب الذي لا يري العقبى أعراض النساء والعذارى الفاتنات وتدفعهم إلى الاختلاط الماجن البذي فضلا عن إباحتها أموال الأغنياء لفقراء سفهاء .
ودعا منهم من يرومون التمتع بلذة الحياة الدنيا أن يأخذوا نصيبهم منها وفق ما شرعه الله تعالي وألا يشطوا عن حدوده ويتجاوزها فتحل بهم المصائب ويندموا في وقت لا يجدي فيه الندم.
فيا من فتنتم بزهرة الحياة الدنيا ومتاعها ويا من يبذلون قصارى جهدهم لضمان الحياة والمستقبل بالقلق عليهما أيها البائسون .
إن كنتم ترمون التمتع بلذة الدنيا والتنعم بسعادتها وراحتها فالذائذ المشرعة تغنيكم عن كل شئ فهي كافية وافية لتلبية رغباتكم ولقد أدركتم – مما بيناه – أن كل لذة ومتعة خارج نطاق الشرع فيها ألف ألم وألم , إذ لو أمن عرض ما سيقع من أحداث مقبلة بعد خمسين سنة مثلا على شاشة الآن مثلما تعرض الأحداث عليها لبكى أرباب الغفلة والسفاهة بكاء مرا أليما على ما يضحكون له الآن .
فمن كان يريد السرور الخالص الدائم والفرح المقيم في الدنيا والآخرة عليه أن يقتدي بما في نطاق الإيمان من تربية محمد .
وهكذا كان يزخر النورسي في خطبه على الشباب حيث رآهم نبض حاضر الأمة ومستقبل توجهها ومن هنا عرفت حركة النور بأنها حركة شباب فأغلب من يرتبط برسائل النور كان الشباب الذي يبحث عن رؤية للحياة في ظل الأزمات الثقافية والاجتماعية والتخبط الأيديولوجي الذي عاشته تركيا آنذاك.
وكذلك اهتم سعيد النورسي بالمرأة ليس لأنها نصف المجتمع بل لأنها المجتمع كله فهو يؤمن بأنها إذا كانت نصف المجتمع من حيث العدد فإنها النصف الثاني أيضا من حيث دورها التربوي .
وقد تعرض النورسي في رسائله للإجابة على التساؤلات التي أخذت تثأر إبان حدوث الانقلابات الاجتماعية خاصة التي تتعلق بشئون المرأة مثل المساواة في الميراث مع الرجل وقضية الحجاب وغير ذلك .
ويري النورسي" أن الدواء الشافي والعلاج الناجع لإنقاذ سعادة النساء من الفساد في دنياهن وآخراتهن معا وأن الوسيلة الوحيدة لصون سجاياهن الراقية اللاتي في فطرتهن من الفساد ليس إلا في تربيتهن تربية دينية ضمن نطاق الإسلام الشامل :
إلا أنه لم يخرج برؤيته للمرأة من ذلك القالب ( التقليدي / الإسلامي ) لدور المرأة في الحياة الاجتماعية فلم يزد دور المرأة بالنسبة له عن كونها زوجه ولم في بيتها .

البيت المسلم :

أدرك الأستاذ النورسي أن بناء الأمة المسلمة لن يعلو ويشمخ إلى تأسيسه على قواعد متينة مهما استغرقت هذه القواعد من وقت ومهما استنفدت من جهد إذ أنه بقدر عمق الأساس وقوته يكون ارتفاع البنيان وشموخه .
فإن التدرج البنائي الذي يؤمن به النورسي جعل ( البيت المسلم ) هو المرحلة الثانية في بناء الأمة بعد المربعد المرحلة الأولي ( تربية الفرد) التي ركزت علي توثيق صلة الفرد بربه ,وإدراكه ماهية خلقه ,وغاية حياته ولا شك أن مرحلة بناء البيت المسلم معتمدة كل الاعتماد على تربية الفرد ( المسلم والمسلمة )ولما
كان البيت المسلم هو ركيزة المجتمع وعنوانه فقد ركزت الحركات الهدامة التغريبية على إفساد هذا البيت وتفريق جمعه وقطع أواصر القربى الكامنة فيه إلا أنه في المقابل كان دعاة الإسلام يعملون أيضا للحفاظ على أصالة البيت المسلم وروابطه وقد حاول النورسي رأي ذلك الصدع الذي ظهر واضح في علاقة الأزواج بالزوجات والأبناء بالآباء .
وعمل كذلك على ترسيخ مفهوم الحياة الزوجية بمعناها الإسلامي السامي في أذهان الأزواج والزوجات وأوضح مفهومي الأبوة والبنوة وحق كل منهما على الآخر .
وأولي أهمية كبرى لدور الأم في هذا البيت , وأن عليها يقع الثقل الأكبر في تربيتها لأبنائها, وتكوين عقولهم وشحذها بالقيم الإسلامية .
ومن رسائل الأستاذ النورسي التي كان يرسلها إلى طلابه كانت هذه الرسالة الموجزة التي خاطب فيها الأسرة النورية التي تربي الزوج والزوجة فيها على تعاليم الإسلام فقال :
اجعلوا بيوتكم مدرسة نورية مصغرة وموضع تلقي العلم والعرفان كي يتربي الأولاد الذين هم ثمار تطبيق هذه السنة على الإيمان فيكونوا لكم شفعاء يوم القيامة وأبناء بررة في هذه الدنيا,وعندهم تتقرر هذه السنة الشريفة فيكم حقا .
وبخلافه لو تربي الأولاد على التربية الأوربية وحدها – كما حدث خلال ثلاثين سنة خلت – فإن أولئك الأولاد غير نافعين لكم في الدنيا – من جهة - ومدعين عليكم يوم القيامة إذ يقولون لكم : ( لما لم تنقذوا إيماننا ؟) فتندمون وتحزنون من قولهم هذا يوم لا ينفع الندم , وما هذا إلا مخالفة لحكمة السنة النبوية الشريفة .

ورأى النورسي أن المرأى بما أودع الله فيها من شفقة ورحمة كانت هي القادرة على تربية أطفالها والحنو عليهم , وأن الأم بما حباها الله من حب لأبنائها يمكنها أن تضحي بحياتها في سبيل نجاة أبنائها فقال :

"إن فداء الأم بروحها إنقاذا لولدها من الهلاك من دون انتظار لأجر وتضحيتها بنفسها بإخلاص حقيقي لأولادها بوجود بطولة سامية رفيعة في النساء , بحيث يستطعن أن ينقذن حياتهن الدنيوية والأخروية بانكشاف هذه البطولة وانجلائها في أنفسهن إلا أن تيارات فاسدة تحول دون ظهور تلك السجية القيمة القومية وتمنع انكشافها أو تصرف تلك التيارات هذه رات هذه رات هذه رات هذه السجية الطيبة إلى غير حالها فتسئ استعمالها .

ويشبه النورسي الحياة الأسرية قلعة تحمي الإنسان من نتن الدنيا , وهي قلعة تصون سكانها من الأعداء وأسلحتهم وعن الأفكار المنحلة التي بدأ تتسري آنذاك مستهدفة تلك القلعة الحصينة أن تهدمها ومستوسلة طرق الغواية والإسفاف فتراه يقول :

" إن الحياة الأسرية هي قلعة الإنسان الحصينة , ولا سيما المسلم هي كالجنة المصغرة ودنياه الصغيرة .

فتشت عن السبب الذي أدي إلى فسادها وعلمت أن هناك منظمات سرية تسعي لإضلال الشباب وإفسادهم بتذلل سبل الشهوات أمامهم وسوقهم إلى السفاهة والغواية لإفساد المجتمع الإسلامي والإضرار بالدين الإسلامي كما أحسست أن منظمات أيضا تعمل في الخفاء وتسعي سعيا جادا مؤثرا لدفع المغافلات من النساء اللطيفات إلى طرق خاطئة آثمة وأدركت أن ضربة قاسمة على هذه الأمة الإسلامية تأتي من تلك الجبهة .

فأنا أبين قاطعا, يا أخواتي ويا بناتي المعنويات الشابات إن العلاج الناجح لإنقاذ سعادة النساء من الإفساد في دنياهن وأخراهن معا والوسيلة الوحيدة لصون سجايهن الراقبة اللاتي في فطرتهن من الفساد ليس إلا في تربيتهن تربية دينية ضمن نظام الإسلام الشامل .

ويؤكد في رسالة أيضا على وجب الأبناء نحو الآباء والأقارب , ووجوبيه الإحسان إليهم , والوفاء لهم .وان وجود أحدهم في بيت من البيوت هو بركة ذلك البيت وليس فقرة ويحذر من الجفاء وقطيعة الرحم وخطر ذلك على المجتمع المسلم فيقول :

" أيها الإنسان المبتلي بهموم العيش , اعلم أن عمود بركة بيتك ووسيلة الرحمة فيه ودفع المصيبة عنه إنما هو ذلك الشيخ , وذلك الأعمى من أقربائك الذي تستقله .

لا تقل أبدا :إن معيشتي ضنك ولا أستطيع المداراة فيها ... ذلك لأنه لو لم تكن البركة المقبلة من وجود أولئك لكان ضنك معيشتك أكثر فخذ مني هذه الحقيقة وصدقها فإنني أعرف لها كثيرا من الأدلة القاطعة وأستطيع أن أحملك على التصديق بها كذلك .

ويري سعيد النورسي أن المجتمع إذا ما تربي أفراده على تعليم الإسلام تعمقت فيه حقائقه وإذا ما نشأت الأسر على زوجين مؤمنين ينون المجتمع عندئذ حاملا بجيل مؤمن مدرك لحقائق جينه قادر على الصمود أما التيارات المعادية للإسلام فيقول :

" إنه لا سعادة لأمة الإسلام إلا بتحقيق الإسلام ولا يمكن أن تذوق الأمة السعادة في الدنيا أو تعيش حياة اجتماعية فاضلة إلا بتطبيق الشريعة الإسلامية , وإلا فلا عدالة قطعا , ولا أمان مطلقا إذ تتغلب عندئذ الأخلاق الفاسدة والصفات الذميمة .

ثالثا : الشمولية

اتسم منهج النورسي برؤية شمولية لدور الدين في حياة الأمم خاصة دور الدين الإسلامي في تنظيم علاقة الفرد بنفسه وبأسرته وعلاقته بمجتمعه وعلاقة المجتمع به فيقول :" إن إحياء الدين إحياء للأمة,وحياة الدين نور الحياة ".
ويعتمد سعيد على رسائل النور , في إحداث نهضة حضارية مستندة على الإسلام ويعتقد أنها ليست علاجا أو وصفة مؤقتة تنتهي بانتهاء زمانها وإنما تتصف بالديمومة وسمو الغايات والمقاصد , يقول :
" إن رسائل النور لا تعمر تخريبات جزئية ولا ترمم بيتا صغيرا مهدما بل تعمر أيضا تخريبات عامة كلية وترمم قلعة عظيمة – صخورها كالجبال – تحتضن الإسلام وتحيط به ... وهي لا تسعي لإصلاح قلب خاص ووجدان مع القرآن – لمداومة لمداومة لمدوامة لمداومة القلب العام المجروح , وضماد الأفكار العامة المكلومة بالوسائل المفسدة التي هيئت لها وركمت منذ ألف سنة وتنشط لمداواة الوجدان العام الذي توجه نحو الفساد نتيجة تحطم الأسس الإسلامية وتياراته وشعائره التي هي المستند العظيم للجميع ولا سيما عوام المؤمنين ... نعم إنها تسعي لمداوة تلك الجروح الواسعة الغائرة بأدوية إعجاز القرآن والإيمان .
ويؤكد في رسائله على قيمة الشريعة الإسلامية في صياغة نظم حياة المجتمع , ودفعه إلى التقدم والرقي , وتوفير الأمن له وأنها جاءت شاملة واضحة لمتطلبات الإنسان والمجتمع والحياة ويحذر من التهاون في تطبيق الشريعة أو الشعور بإمكانية الاستغناء عنها واستبدالها بقوانين ونظم اجتماعية وسياسية مغايرة لها , فيقول .
" أنتم أعلم بأن أ‘دائكم الدائمين وخصومكم يحاولون تدمير شعائر الإسلام مما سيتوجب عليكم إحياء هذه الشعائر والمحافظة عليها وإلا فستعينون – بغير شعور منكم – العدو المتحفز للإنقضاض عليكم , إن التهاون في تطبيق الشعائر الدينية يفضي إلى ضعف الأمة والضعف يغري العدو فيكم ويشجعه عليكم ولا يوقفه عند حده .

وثمة أمران يتعلقان بقضية الشمولية في فكر النورسي يجب الوقوف عندهما بشئ من التفصيل وهما :

أ‌. موقفه من السياسة .
ب‌. موقفه من التصوف .

ومرد الاهتمام بهاتين النقطتين أن الاختلاف الذي نشأ داخل حركة النور بعد وفاته وانقسامها في مجموعات متباينة كان بسبب الاختلاف في فهم موقفه من هاتين القضيتين .

أ‌. موقفه من السياسة :

تختلف آراء الباحثين في حركة النور سواء في تركيا أو غيرها حول علاقة سعيد النورسي بالسياسة وهل كان ذاته سياسيا أم أنه انزوى عنها واستعاذ بالله منها كما يروى عنه أنه قال :" أعوذ بالله من الشيطان والسياسة ,وهل ممارساته وأنشطته السياسية يمكن أن تقيم في سياق سياسي , أم في سياق اجتماعي بحت .
والحقيقة أن علاقة ( الدين / السياسة ) ليست علاقة انفصالية في فكر النورسي , بل علاقة شديدة الارتباط وعلاقة جزء من كل فهو يعد السياسة جزء من دور الدين في التنظيم الاجتماعي إلا أن المشكلة تكمن في نظرته للسياسة الراهنة فهو يراها سياسة لا أخلاقية , لا تستند على الأخلاق والمبادئ وتضطر العاملين بميدانها للتنازل عن مبادئهم فهي عنده ليست السياسة الإسلامية التي تنظم شئون المجتمع الداخلية وترسم خريطة علاقاته الدولية مع جيرانه.
"إن سبب ابتعاد بديع الزمان عن السياسة في هذه المرحلة ليس هو المفهوم الذي يقول بأنه على المسلمين أن يعيشوا كأفراد ويبتعدوا عن الحياة المجتمع بل هو عدم تناسب المبادئ التي تستند عليها الحياة السياسية الجارية مع مفهومه الأخلاقي فالنورسي يقول : نعم إن السياسة الحاضرة تفسد القلوب وتجعل الأرواح الحساسة في عذاب , فالذي يروم سلامة القلب وراحة الروح عليه أن يترك السياسة "
وقد خاض سعيد القديم, غمار السياسة قبل قيام الجمهورية التركية وارتبط بمؤسساتها وكانت له أنشطته الصحفية والخطابية التي تناولت مشكلات الدولة العثمانية والقضايا الفكرية آنذاك ودوره السياسي في تلك المرحلة ثابت .

إلا أنه في مرحلة سعيد الجديد رفض العمل السياسي , وأية مشاركة سياسية رفضا مؤقتا كجزء من إستراتيجية في هذه المرحلة الفكرية من عمره ويمكن تركيز أسباب هذا الابتعاد عن السياسة في ثلاث أسباب :

1- يري عدم جدوى العمل السياسي في ظل نظام الحزب الواحد الذي لا يسمح بالآراء المعارضة وكون النظام السياسي التركي نظاما توجهه المصالح الأوربية وتجدد له مساراته ونظمه السياسية والاجتماعية والاقتصادية فيقول .
" إن السياسة الحاضرة لاستانبول شبيهة بالإنفلونزا التي تسبب الهذيان. فنحن لسنا متحركين ذاتيا بل نتحرك بالوساطة .
فأوروبا تنفخ ونحن نرقص هنا فهي تلقن بالتنويم – المغناطيسي – ونحن نتصورها نابعة من أنفسنا ونجرة أثر تلقينه بتخريب أعمي أصم فما دام المنبع في أوروبا فالتيار القادم إما سيكون تيارا سلبيا أو إيجابيا .
" أن الذي يخوض غمار السياسة إما أن يكون موافقا لسياسة الدولة أو معارضا لها فإن كنت موافقا فالتداخل فيها بالنسبة إلى فضول ولا يعنيني بشئ حيث أنني لست موظفا في الدولة ولا نائبا في برلمانها فلا يعني – عندئذ – لممارستي الأمور السياسة وهم ليسوا بحاجة إلى " لأتدخل فيها ,وإذا دخلت ضمن المعارضة أو السياسة المخالفة للدولة , فلابد أن أتدخل إما عن طريق الفكرة أو عن طريق القوة فإن كان التدخل فكريا فليس هناك حاجة إلى أيضا لأن الأمور واضحة جدا , الجميع يعرفان المسائل مثلي فلا داعي إلى الثرثرة وإن كان التدخل بالقوة أى بأن أظهر المعارضة بإحداث المشاكل لأجل الوصول إلى هدف مشكوك فيه .
فهناك احتمال الولوج في آلاف من الآثام والأوزار حيث يبتلي الكثيرون بجريرة شخص واحد, فلا يرضي وجداني الولوج في الآثام والتقاء الأبرياء فيها بناء على احتمال أو احتمالين من بين عشرة احتمالات لأجل هذا فقد ترك سعيد القديم السياسية ومجالسها الدنيوية وقراءة الجرائد مع تركه السيجارة .
والشاهد الصادق القاطع على هذا : أنني منذ ثماني سنوات لم أقرأ جريدة واحدة ولم أستمع إليها من أحد قط فليبرز أحدهم ويدعي أنني قد قرأت على جريدة من أحد بينما كان سعيد القديم يقرأ حوالي ثماني جرائد يوميا قبل ثماني سنوات "
2- ويري أن التيارات السياسية مصدر للخلاف والتنازع بين المسلمين فيقول :
" رأيت ذات يوم رجلا عليه سيماء العلم يقدح بعالم فاضل , بانحياز مغرض حتى بلغ به الأمر إلى حد تكفيره , وذلك لخلاف بينهما حول أمور سياسية بينما رأيته قد أثني – في الوقت نفسه على منافق يوافقه في الرأي السياسي ! فأصابتني من هذه الحادثة رعدة شديدة واستعذت بالله آلت غليه السياسة وقلت :" أعوذ بالله من الشيطان والسياسة "
جعل المفاضلة بين التيارات السياسية ميزانا للمفاضلة بين المسلين بعضهم البعض .
3- يري أن الانخراط في العمل السياسي في ظل تلك الظروف يجعل الدين أداة للسياسة فيضطر من يسعي لخدمة الإسلام داخل التيارات السياسية أن يتعاون مع تلك التيارات يما قد لا يتفق مع المبادئ الإسلامية فيقول :
" وفي عصر كعصرنا هذا الذي هاج فيه الغرور والإعجاب بالنفس تحاول المقامات الكبيرة دائما أن تجعل كل شئ أداة طيعة لها وتستغل كل وسيلة في سبيل غايتها حتى تجعل مقدساتها وسيلة لبلوغ مناصب دنيوية . ولئن كانت هناك مقامات معنية فهي تستغل استغلالا أكثر وتتخذ وسيلة أكثر طواعية من غيرها لذا يظل دوما تحت ظل الاتهام إذ يقول العوام : أنه يجعل خدمات مقدسة وحقائق سامية وسائل وسلالم لبلوغ مآربه حفاظا على نفسه أمام نظر الناس لكي يبدو أنه أهل لك المقامات ".
أما في مرحلة سعيد الثالث فقد حدث تغيير ملحوظ في ممارسات سعيد النورسي وطلابه في مجال السياسة فقد استفاد من نظام التعددية الحزبية الذي اضطرت الجمهورية التركية إلى إقراره ساعيا للتخلص من حزب الشعب الجمهوري من خلال دعمها لحزب آخر وهو الحزب الديمقراطي الذي وعد في برنامجه بإعطاء حريات دينية أوسع ودعما لحرية الفكر والكلمة إلا أن الواجب ذكره هنا أن دعمه للحزب الديمقراطي لم يكن بدافع المبدأ فلم يعتبر هذا الحزب حزبا يمثل الإسلام ولكن دعمه له كان يستند على حسابات عملية ترجح المفضول على الفاضل .

وفي إجابته على سؤال وجه إليه حول سبب دعمه للحزب الديمقراطي قال :

"إذا سقطت حكومة الحزب الديمقراطي فسيتولى السلطة حزب الشعب الجمهوري أو حزب الأمة والحال أن الجنايات التي ارتكبها الفاسدين من الاتحاد والترقي والقسم الأعظم من الجرائم التي نفذها رئيس الجمهورية الأول بموجب معاهدة سيفر طوال خمس عشرة سنة تحت ضغوط ومكائد سياسية كثيرة كل هذه الأمور حملت على حزب الشعب الجمهوري لذا فإن هذه الأمة التركية العريقة لن تمكن بإراداتها ليتولي حزب الشعب السلطة ذلك لأن حزب الشعب إذا تولي السلطة فإن القوة الشيوعية ستحكم في البلاد تحت اسم الحزب نفسه علما بأن المسلم يستحيل عليه أن يكون شيوعيا بل يصبح إرهابيا فوضوليا ولا موضع لمقارنة المسلم بالأجنبي
ولأجل الحيلولة دون وصول حزب الشعب إلى السلطة والذي يشكل خطرا رهيبا على حياتنا الاجتماعية وعلى الوطن اعمل على المحافظة على الحزب الديمقراطي باسم القرآن والوطن والسلام .

وفي تلك الفترة لم تكن في الحياة السياسية التركية سوي ثلاثة أحزاب كبرى هي :

1- حزب الشعب الجمهوري .
2- الحزب الديمقراطي .
3- حزب الأمة .
إلا إنه كان يعتقد بوجود أربعة أحزاب هي الثلاثة السابق ذكرها إضافة إلى حزب الاتحاد الإسلامي .

ولعل هذا الحزب الماثل في فكر النورسي بشير إلى البعد السياسي لمنهجه في التغيير الاجتماعي فيقول :

" إن حزب الاتحاد الإسلامي يستطيع أن يأخذ بناصية الحكم كما كان ستون إلى سبعين بالمائة منه تام التدين لئلا يحاول جعل الدين أداة للسياسة بل ربما يسخر السياسة في خدمة الدين , ولكن يلزم ألا يتولي هذا الحزب لحكم حاليا لأنه سيضطر إلى استغلال الدين في إمرة السياسة لمجابهة جرائم السياسة الحالية وشرورها . حيث أن التربية الإسلامية قد أصابها الوهن والخلل منذ زمن بعيد "

ويقيم حزب الشعب الجمهوري قائلا :

" أما حزب الشعب الجمهوري فإن جميع الجرائم التي اقترفها طوال ثمان وعشرين سنة وجرائم غيره, علاوة على سيئات الاتحاد والترقي والماسونيين منهم قد حملت على هذا الحزب ... فعلي الرغم من جميع هذه السيئات فإنه في حكم الغالب على الديمقراطيين من جهة ذلك لأنه يرشي بعض الموظفين – تحت ستار القانون رشوة عجيبة ولذيذة حقا ففي مثل هذا الزمان الذي طغت فرعونية النفس فأصبحت الوظيفة الحكومة تورث النفس روح التسلط والسيادة والفرعونية علما أنها مجرد قيام بخدمة الآخرين وقد شعرت من طريقة التعامل التي يعاملونني بها أن هذا الحزب يعطى مرتبة الحاكمية ذات المشاعر اللذيذة العجيبة إلى نفوس قسم من الموظفين رشوة لهم .

أما حزب الأمة فكان يمثل عنده القومية والعنصرية التي تمزق العالم الإسلامي فيقول :

" أما حزب الأمة فإن كان المقصود بالأمة فكرة الأمة الإسلامية التي هي الأساس في الوحدة الإسلامية – والقومية التركية ممتزجة بها – فهي موجودة في معني الحزب الديمقراطي, وسيضطر هذا الحزب إلى الالتحاق بالديمقراطيين المتدينين... فلو أحرز هذا الحزب بسبب استحواذ المدنية الغربية وضعف التربية الإسلامية نصرا فإن العناصر غير التركية التي تمثل سبعين بالمائة من الأمة ستضطر إلى اتخاذ جبهة مضادة للأتراك الحقيقيين – الذين لا يتجاوزون الثلاثين بالمائة – معارضة لسيادة الإسلام .

وحذر سعيد النورسي موقفه السياسي في رسالة بعث بها إلى جلال بأيار رئيس الجمهورية التركية آنذاك قال فيها :

" إننا لا نجعل الدين أداة للسياسة فليس لنا غاية إلا رضاه تعالي ,ولن نجعل الدين أداة لا للسياسة ولا للسلطة ولا للدنيا برمتها هذا هو مسلكنا .
وقد تحقق لدى أعدائنا , أنهم على الرغم من تدقيقاتهم المغرضة طوال ثلاث سنوات في ثلاثة أكياس مليئة بالكتب , لا يستطيعون إدانتنا, بل لا يجدون مبررا للأحكام الاحتياطية التي حكمونا بها , وحيث أنهم لم يجدوا أى شئ علينا فقد بطلت دعوى الاستئناف فنحن لا نجعل الدين أداة للسياسة بل نتخذ السياسة آلة للدين ونجعلها في وئام معه .

ب‌. موقفه من التصوف :

ت‌. أكد سعيد النورسي في مواضع متفرقة من رسائله على أنه لم يكن صوفيا وأن جماعته لم تكن طريقة صوفية فيقول :

إن مسلك رسائل النور ليس مسلك الطريقة الصوفية بل هو يسلك الحقيقة فهو مسلك مقتبس من نور مسلك الصحابة الكرام رضوان الله تعالي عليهم أجمعين , إن هذا الزمان ليس زمان الطريقة الصوفية , بل زمان إنقاذ الإيمان ".

ويرفض بشدة سلوك مسلك الطريقة ويراه لا يتلائم مع الحقيقة والرؤية العلمية قائلا :

" حيث أن مسلكنا حقيقة علمية وليست طريقة صوفية فلا نرى أنفسنا مضطرين مثلهم إلى مباشرة تلك الرابطة بالافتراض والخيال .فضلا عن أن هذا الأسلوب لا يلائم منهج الحقيقة. إذ التفكير بالعقبى ليس هو بجلب المستقبل من خلال الحاضر الواقع كما هو الحقيقة فلا حاجة إلى الخيال , ولا يلزم الافتراض"

وفي معرض مقارنته بين رسائل النور والطرق الصوفية من حيث الخدمة الإيمانية يقول:

"إن خدمة رسائل النور هي إنقاذ الإيمان أما الطريقة والمشيخة فهي تكسب المرء مراتب الولاية.
وإن إنقاذ إيمان شخص من الضلال أهم بكثير وأجزل ثوابا من رفع عشرة من المؤمنين إلى مرتبة الولاية حيث أن الإيمان بمنحه الإنسان السعادة الأبدية يضمن له ملكا أوسع من الأرض كلها .
أما الولاية فإنها توسع من جنة المؤمن وتجعلها أسطع وأبهر وكما أن رفع مرتبة إنسان اعتيادي إلى سلطان أعظم من رفع عشرة من الجنود إلى مرتبة القائد كذلك الثواب أعظم وأجزل في إنقاذ إيمان إنسان من الضلالة من رفع عشرة من الناس إلى مرتبة أولياء صالحين .
ويعتقد أن الطريقة الصوفية في ذلك العصر , لم تعد قادرة على مواجهة الموجة الإلحادية , أو الإجابة على التساؤلات التشكيكية في الإسلام بلغة معاصرة لأنها تعتمد على التجربة الذاتية , ولا تعتمد في إدراك الحقائق على البراهين المنطقية والأدلة والحجج العلمية ويجزم أن كبار المتصوفة لو كانوا يعيشون في عصره لآثروا سلوك طريق إنقاذ الإيمان على بلوغ مرتبة الولاية فيقول :

" فما دامت الحقيقة هكذا , فإني أخال أن لو كان الشيخ عبد القادر الجيلاني والشاه النقشبندي والإمام الرباني وأمثالهم من أقطاب الإيمان رضوان الله عليهم أجمعين في عصرنا هذا لبذلوا كل ما في وسعهم لتقوية الحقائق الإيمانية والعقائد الإسلامية ذلك لأنهما منشأ السعادة الأبدية وإن أى تقصير فيهما يعني الشقاء الأبدي .

نعم لا يمكن دخول الجنة بدون الإيمان بينما يدخلها الكثيرون جدا دون تصوف فالإنسان لا يمكن أن يعيش دون خبز بينما يمكنه العيش دون فاكهة فالتصوف فاكهة والحقائق الإسلامية خبز.

وفي التلويح الثامن من المكتوب التاسع والعشرين أشار إلى ثمانية مزالق وورطات يسقط فيها بعض سالكي الطرق الصوفية وانتقد فيها مسالكهم واعتقاداتهم .

ويتخذ سعيد النورسي موقفا رافضا لنظرية وحدة الوجود لابن عربي .

ويذكر في رسالته بهذا الشأن أن كل موجود إنما هو من الله تعالي , ومخاطر وحدة الوجود على الفكر الإسلامي إذا تحولت هذه الفكرة من شطحة وجدانية إلى أسس قولية وعملية, وتصطدم مع الدساتير العقلية والقوانين العملية كما يرفض ( وحدة الوجود ) يرفض أيضا وحدة الشهود " لأن أصحابها على الرغم من أنهم أثبتوا وجودا حقيقيا للكائنات إلا أنهم سجنوها فقالوا : لا مشهود إلا هو للوصول إلى الاطمئنان القلبي "

وهكذا يتضح موقف النورسي من الطرق الصوفية واعتقاداتها واثقا من أنها لم تعد قادرة على تلبية الاحتياجات المعرفية العصرية والصمود أما السجالات الفكرية المنعقدة أمام الإسلام ,ولذا يري النورسي أن مسلك الحفاظ على الإيمان ورسوخه يكون في القلب والعقل معا .

ولعل سمة الشمولية هذه التي يؤمن بها النورسي ويري فيها المعني الصحيح للإسلام تميز فكره عن الأفكار التقليدية التي زامنت حركته ,وتتيح لها الانتشار بسبب واقعية رؤيتها ومرونة أهدافها .

رابعا : جماعية العمل

اعتني سعيد النورسي في تربيته لطلابه , على غرس قيمة العمل الجماعي في نفوسهم, ببيان أثر الجماعية وفضلها على عمل الفرد وأن القوة في الاتحاد والجماعة والضعف حليف الفرد مهما قوي, فيقول :

" إن هذا الزمان ,زمان الجماعة فالأهمية والقيمة تكونان حسب الشخصية المعنوية للجماعة وينبغي ألا تؤخذ بنظر الاعتبار ماهية الفرد المادية الفردية الفانية ولا سيما شخص ضعيف مثلي الذي لا حول له ولا قوة فإن منحه أهمية تفوق قيمته ألف درجة وتحميل كاهله ألوف الأرطال وهو الذي لا يتحمل رطلا واحدا لا شك أنه ينسحق تحت هذا الحمل .

ويحذر النورسي مجتمعه ويخص بالتحذير طلابه من الاختلاف المؤدي إلى الفرقة وإلى فتح باب النقد بينهم فيقول :

" حذار حذار من فتح باب النقد فيما بينكم إن ما يستحق النقد خارج الصف كثيرا بل كثيرا جدا فكما أنني أفتخر بمزاياكم , وأحد الراحة والسلوان من مزاياكم التي حرمت منها وأعدها كأنها عندي وأنا المالك لها فأنتم كذلك عليكم النظر إلى مزايا إخوانكم على هذا النمط ... فيكن كل منكم ناشرا لفضائل الآخرين .

ويجعل النورسي للنجاح في العمل سببان :

الأول : التعاون والاتحاد وعدم الاختلاف .
الثاني : الإخلاص وابتغاء وجه الله به .
وقد فصل في شرح فوائد الإخلاص وثماره ومحاسن التعاون والتساند في اللمعة الحادية والعشرين .

موقفه من المعارضين له ولرسائل النور :

اتبع النورسي في موقفه من المعارضين له , مبدأ تقليص الجبهات المفتوحة ضده والتعامل مع الأولويات وعدم الانشغال بما قد يفضي إلى ضرر أكثر منه وقد تحذر طلابه كذلك من الرد على المخالفين لهم خاصة علماء الإسلام فيقول .
إخوتي ! عليكم بمنتهي الحيطة والحذر ...وإياكم إياكم أن تفتحوا باب النقاش مع العلماء بل يجب التعامل معهم بالحسنى والمصالحة على قدر الإمكان فلا تتعرضوا لغرورهم العلمي حتى لو كان أحدهم ميالا إلى البدع ومستحدثات الأمور لأن الزندقة الرهيبة تجاهنا.
فيجب عدم دفع هؤلاء المبتدعين إلى صف الملحدين وإذا ما صادفتم علماء رسميين أرسلوا إليكم خاصة فلا تفتحوا باب النزاع معهم لأن اعتراضاتهم باسم العلم سيكون مستندا بيد المنافقين .

وينصح طلابه بالتحلي بالصبر والحكمة في مواجهة المعارضين لهم والمخالفين فيقول:

" على طلبة النور ألا يواجهوا المعارضين بالحدة والتهور , ولا يقابلوهم بالمثل, بل عليهم أن يكتفوا بالدفاع عن أنفسهم فحسب , مع إظهار روح المصالحة , والإجابة بوضوح عن نقاط الاعتراض حيث أن الأنانية في عصرنا هذا قد تطاولت واشرأبت بعنقها حتى أصبح كل شخص لا يريد أن يذيب أنانيته – التي هي كقطعة ثلج بطول قامته – ولا يرغب في تغييرها بل يسوغ لنفسه ويراها معذورة دائما .
وهي هنا ينشأ النزاع والخصومة يكون موضع استفادة أهل الباطل والضلال على حساب أصحاب الحق وأهله .
ويستمر في بيان أن الاختلاف من أجل الحق والحقيقة اختلاف له أصوله , وان الخروج عن تلك الأصول يؤدي إلى خلافات غير مرغوبة فيقول.
" إن تصادم الآراء ومناقشة الأفكار لأجل الحق , وفي سبيل الوصول إلى الحقيقة إنما يكون عند اختلاف الوسائل مع الاتفاق في الأسس والغايات فهذا النوع من الاختلاف يستطيع أن يقدم خدمة جليلة في الكشف عن الحقيقة وإظهار كل زاوية من زواياها بأحلى صور الوضوح .
ولكن إن كانت المناقشة والبحث عن الحقيقة لأجل أغراض شخصية وللتسلط والاستعلاء وإشباع شهوات نفوس فرعونية ونيل الشهرة وحب الظهور فلا تتلمع بأرقة الحقيقة في هذا النوع من بسط الأفكار , بل تتولد شرارة الفتن فلا تجد بين أمثال هؤلاء اتفاقا في المقصد والغاية بل ليس على الكرة الأرضية نقطة تلاقي لأفكارهم ذلك لأنهم ليس لأجل الحق فترى فيه الإفراط البالغ دون حدود مما يفضي إلى انشقاقات غير قابلة للإلتئام وحاضر العالم شاهد على هذا .
ولعل صفة ( جماعية العمل ) عند النورسي بما فيها من مرونة في التعامل مع معارضيه هي التي مكنت لحركة النور الانتشار داخل الحياة الاجتماعية في تركيا والوصول إلى فئات عديدة من الشعب والنخب المثقفة وكذلك سهلت لها الاستفادة من الخدمات المؤسسية بأجهزة الدولة والخاصة كذلك بصورة لا تشعر النظام بالقلق تجاهها وكذلك مكنت لها الانتشار خارج حدود تركيا في آسيا الوسطى وفي أوريا وأمريكا وكذلك التواجد في الوطن العربي .

مجموعات حركة النور :

منذ بداية الخمسينات ومع تحسن الأجواء الديمقراطية أخذت حركة النور في الانتشار والاتساع خاصة بعد صدور قرار المحكمة الدستورية بتبرئة رسائل النور وخلوها مما يسئ إلى الدولة ومبادئها .

وبدأت تتسع دوائر فئات القارئين لرسائل النور وكانت في تلك الفترة في مرحلة انتظام هيكلي حاول النورسي تشكيله, من أجل سير دور الحركة بعد وفاته إلا أن هذا التنظيم لم يكن يأخذ شكل التنظيمات السرية أو المعقدة أو حتى التنظيمات الهرمية أو العنقودية المعروفة لدى الجماعات الإسلامية للأخرى. بل كان يستند على همة ونشاط طلابه ومدى إخلاصهم للعمل ويعتمد على العمل الطوعي .

إلا أنه بعد وفاة النورسي في 23 مارس 1960م -1380 هـ لم تدخل حركة النور تحت قيادة واحدة.

وإنما أدارت الحركة شئونها بشكل تطوعي تعاوني وقد تضافرت مجموعة من العوامل أدت إلى انقسام حركة النور الرئيسية تلك إلى عدة مجموعات ويمكن رصد هذه العوامل فيما يلي :

1- أن سعيد النورسي لم ينتخب رئيسا بعده وإنما أوكل إدارة الجماعة من بعده إلى نقرب الطلاب إليه وأكثرهم إخلاصا ونشاطا وكان يقول عنده أكون مريضا استشيروا هؤلاء وهم ستة طلاب :
1- حسني بايرام أوغلو
2- مصطفي صونغور
3- بايرام يوكسل
4- زبير جوندوز ألب
5- طاهرى موتلو
6- جيلان تشاليشقان

وظلت الجماعة تحت إدارة شورى الستة طلاب السابقين على نفس المنهج وبذات الأهداف التي كانت عليها أثناء حياة النورسي, دون أن تظهر بينهم خلافات, فترة من الزمن وقد ركزت أهدافها آنذاك في نشر رسائل النور وتوزيعها ومارستها .

وكذلك أولت أهمية كبرى لفتح ( مدارس نورية ) وهي مكان يتم فيه مدارسة رسائل النور .

وفتحت هذه المدارس أبوابها للجميع مرة في الأسبوع لحضور اجتماع تقرأ فيه رسائل النور وتشرح الرسائل فحسب بل كانت في نفست في نفست في نفست في نفس الوقت مكانا لتعاطي الآراء وتبادل النقاس بغية تقوية الهوية الإسلامية وتدارس القضايا السياسية.

أنه مع حصول رسائل النور على البراءة وحدوث التقدم العلمي في مجال الطباعة والنشر , رأت الجماعة أن تطبع رسائل النور في المطابع بالحروف التركية الجديدة حتى يتسني للجميع فراءتها وفهمها بدلا من عملية الاستنساخ باليد التي كانت تتم في عهد النورسي .

وآنذاك كان أول انقسام عن حركة النور الرئيسية وهي مجموعة الخطاط خسر آلطن بإشاق الأسبارطي التي عارضت طباعة رسائل النور في الطبعة وأخذت على نفسها إلا تستنسخ الرسائل إلا باللغة العثمانية أى بالحروف العربية وأطلق عليهم بعد ذلك مجموعة النساخ .

4- أدى عدم شفافية حركة النور في تحديد معالم خطها السياسي إلى عدم اتزان في السلوك السياسي حيث كانت غالبية أصوات طلاب النور تتجه نحو تأييد حزب العدالة بزعامة سليمان دميرال ذلك الحزب الذي يعد امتداد للحزب الديمقراطي في الخمسينيات بينما اتجه بعض طلاب النور إلى حزب النظام الوطني بزعامة نجم الدين أرباقان, ورأوا فيه بديلا عن حزب العدالة إلا أنهم بعد إغلاق المحكمة الدستورية للحزب , وكذلك نتيجة لدخول حزب السلامة في ائتلاف مع حزب الشعب الجمهوري تركوا الحزب بشكل نهائي .
5- وقد أدى دستور سنة 1982م – 1403هـ إلى ظهور نقاش كبير داخل جماعات النور .

وادعي معارضو هذا الدستور بأنه دستور غير ديمقراطي . والحقيقة أن هذا الدستور ضيق حدود المجتمع وسعي لإحداث دولة قوية.

حجر الحقوق والحريات السياسية وجعل حياة المجتمع والجماعة تحت مراقبة الدولة وأدى ذلك إلى تحديد فاعلية جماعة النور .

ودفع بجماعة النور لدراسة وضعها من جديد وإيجاد الحلول لها .

وقد أراد بعض أفراد جماعة النور تشجيع إتباعهم على التصويت بالرفض للدستور بواسطة الصحافة .

6- وقد ازداد تأثير حركة النور بشكل مواز لتمزيق هذه الحركة وهذا التناقض دليل على مرونة لهجة جماعة النور .

وقد أدى هذا التمزق للمنافسة الشديدة بين الأحزاب السياسية التركية من أجل السيطرة على اتباع حركة النور.

ونتيجة هذا التمزق اكتسبت الفردية أولوية وأهمية , وليس الإخوة الكبار أو مدعي القيادة وكلما انكسرت وحدة الجماعة وجدت الأصوات والقيادات الجديدة الأرضية المناسبة لتطوير خيالاتهم بحق تركيا انطلاقا من كتابات سعيد كما أن التمزق كان يتعلق بالتطورات الاقتصادية وصراع الأجيال وقبل سنة 1982م – 1403هـ دافعت حركة النور بشكل متزن عن فكرة السوق الحرة وانسحاب الدولة من قطاع الاقتصاد والتعليم وقد أعجب هذا الوضع البرجوازيين الجدد في الأناضول واستخدم هؤلاء وسائلهم المالية لفتح المدارس وبيت الطلبة الداخلية ونشط فتح الله كولن بين هذه البرجوازية الجديدة ووجههم لدعم مدارسه لخاصة في تركيا وآسيا الوسطى. وبعد سنة 1980م – 1401هـ وجد كثير من رجال الأعمال الجدد أنفسهم في حالة اتفاق مع حزب الوطن الأم وأيدت بعض جماعات النور هذا الحزب "

7- تعرضت حركة النور الرئيسية للعديد من الانقسامات بعد وفاة النورسي وحتى التسعينيات من القرن الماضي فيخرج بعض الطلاب برؤية اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية مغايرة لرؤية الجماعة الرئيسية ثم يعود بعضهم بعد فترة إلى الجماعة الرئيسية أو تأخذ أفكارهم وإتباعهم في الانحسار وتذوب جماعتهم إلا أنه يمكن حصر مجموعات النور الموجودة الآن في تركيا في بدايات القرن الواحد والعشرين في خمسة مجموعات أربعة منهم مجموعات رئيسة يعترف كل مهما بالأخرى ويتعاون معها وهي :
1- مجموعة النساخ
2- مجموعة آسيا الجديدة
3- مجمعة الشورى
4- مجموعة فتح الله حولن

مجموعة باسم ( مدرسة الزهراء ) تنظر إليها المجموعات الأخرى بعين الريبة والشك في مستهدفاتها ويرون أن لها أهدافا سياسية تدعو إلى الحركة الانفصالية الكردية.

وأنها تستوسل الحضور الطيب لرسائل النور داخ المجتمع التركي وكذلك كون سعيد النورسي كردى الأصل للتقرب إلى الشعب وإقناعه بتوجهاتهم السياسية وتقوم هذه المجموعة بإصدار مجلة توبيهار باللغة الكردية أو مجلة دعوتي باللغة التركية إلى جانب قيامها بترجمة عدد من رسائل النور إلى اللغة الكردية بالحروف اللاتينية.

1- مجموعة النساخ

وهي مجموعة صغيرة من مجموعات النور محدودة النشاط والعدد وانتشار ركزت هدفيا في استنساخ رسائل النور عن طريق اليد باللغة العثمانية حيث كانت تستنسخ على عهد النورسي , وترى في ذلك خدمة عظيمة, بأنها تحافظ على اللغة العثمانية بحروفها العربية التي هي حروف القرآن من ناحية , ومن ناحية أخرى أن اللغة العثمانية تلك تضم داخلها روح الرسائل وجوها التاريخي الذي كتبت فيه.
وترى كذلك أن كتابتها باليد دون استخدام آلات الطباعة الحديثة يعمق أثرها في قلب المتلقي الذي يقرأها مدركا العناء الذي بذل في كتابتها وتعتقد كذلك أن استخدام آلات الطباعة في استنساخ الرسائل تفقدها روحها وتجعلها كتابا كسائر الكتب الأخرى وتضع كذلك حاجزا نفسيا بين المتن والمتلقي , ولا يوجد لهذه المجموعة أية علاقة بالسياسة وفيما عدا الاستنساخ اليدوي للرسائل لا يري لهم نشاط آخر إلا إجراء بعض اللقاءات لقراءة الرسائل وتدارسها وكذلك تعليم اللغة العثمانية لطلاب رسائل النور .

2- مجموعة آسيا الجديد

ارتأت مجموعة من طلاب رسائل النور في منتصف الستينات أن تشارك في الحياة الاجتماعية والسياسية من خلال طرح الآراء ووجهات النظر دون الدخول المباشر في الحياة السياسية محاولة إيجاد مجال أوسع لنشر رسائل النور والتعريف بها .
" فبدأت تضع لنفسها كيانا في مجال الصحافة بدعوى الرد على قادة انقلاب 27 مايو الذين يعادون الدين والمتدينين قامت بنشر جريدة " ذو الفقار " في أزمير ثم أعقبتها بفترة قصيرة جريدة "الإخوة " ثم قام ( زبير جوندوزالب ) أحد طلبة سعيد النورسي المقربين مع مجموعة من أصدقائه بإصدار جريدة " الاتحاد" الأسبوعية في 24 أكتوبر 1967م , إلا أنها أغلقت لأجل غير مسمى من قبل إدارة انقلاب 12 مارس 1971م في 7 يونيه 1971 ولم يقلق إغلاق جريدة " الاتحاد " هذه حيث إنه اعتبار من 21 فبراير 1970م كانوا قديرا في الشروع في إصدار جريدة يومية .
ثم ظهرت جريدة ( آسيا الجديدة ) التي تعد نقطة تحول هامة بالنسبة لحركة النور .
وقد أوضحت مبادئها الأساسية في أحد أعدادها .
"ستعطى أهمية قصوى للشورى. ويتم الدفاع عن الديمقراطية بكل السبل .
ويتم معارضة كل حركة تعمل على تخريب الديمقراطية وستنشر المقالات والأبحاث التي تكشف حقيقة الإلحاد والشيوعية .وستنشر المقالات والأبحاث التي تكشف حقيقة الإلحاد والشيوعية وسيتخذ طريق الإقناع لدعوة الناس للحق والحقيقة ولن يستغل الدين .
ولن يسمح باستغلاله وستكون فكرة تكوين علاقات مدنية مع العالم أساسا لنا . وسيتم البحث عن طريق لإقامة علاقات طيبة مع رجال الدين المسيحي لن نقبل الإعلانات التي لا تتفق مع مبادئ الجريدة وكذلك لن يسمح بنشر أى إعلانات مطلقا للبنوك.
" وقد صارت الصحافة طريقة لإنتاج الرسالة ونشرها في الأناضول.
وبمساعدة تقنية الطباعة ووسائل التوزيع الجديدة اكتسبت مهنة النشر ماهية مؤسسة في الإسلام التركي.
وهذا الوضع ساعد على تشجيع الثقافة المطبوعة في تشكيل المقولة الإسلامية في تركيا , وقد انتقد الإخوة الكبار الذين اكتسبوا القوة والسيطرة بقراءة الرسالة وتفسيرها إصدار مجلة أو جريدة وادعوا أن كليات رسائل النور لم تترك حاجة لوساطة أخرى كالمجلة أو الصحيفة من أجل شرح رسالة سعيد .
فضلا عن إن هذه المعارضة كانت تحمل الخوف من تأسيس تعاليم سعيد النورسي كليات رسائل النور بتفسيرها بمواجهة أحداث يومنا .
ومن منظور آخر فإن الخلاف الناجم بين الناشرين والإخوة الكبار أدت إلى انقسام ثاني بين جماعات النور بسبب الصراع حول من سيسطر على الوضع الجديد كما توجد هناك عدة عوامل أخرى لهذا الانفصال .
وعرفت هذه المجموعة باسم الجريدة التي تصدرها آسيا الجديدة منذ ذلك الحين وأخذت هذه المجموعة تؤيد وتساند حزب العدالة بزعامة دميرال حتى حدوث انقلاب 1980م.
"وبعده بنحو شهر , أغلقت جريدة" آسيا الجديدة " فقام النورسيون على الفور بإصدار جريدة الجيل الجديد إلا أنه لم يمر كثير حتى سمح مرة أخرى لجريدة " آسيا الجديدة " بالصدور إلا أن النورسيين أعطوا جميع حقوق " آسيا الجديدة " إلى " الجيل الجديد "
وفي تلك الفترة "قامت جريدة ( الجيل الجديد) بانتقاد الأحزاب السياسية ومشروع الدستور الجديد , بأسلوب رشيد .
وقبل التصويت على الدستور الجديد بيوم واحد أغلقت جريدة " يني نسيل " وفي هذه المرة قام النورسيون بإصدار جريدة تحت عنوان " التصوير " وأغلقت هذه الجريدة في أكتوبر 1983م , وبينما كانوا يستعدون لإصدار جريدة بعنوان " وطن كامل الحرية " رفع الحظر عن " التصوير " بعد 15 يوما .
وبعد 19 يوما أخرى أعيد فتح جريدة ( الجيل الجديد ) .
وظل وضع هذه المجموعة حتى بداية التسعينات عندما نشبت خلافات حول مدى وحدود العمق السياسي اللازم على الجماعة الالتزام به وبسبب الخوف من التحول إلى حزب سياسي فانسحب عدد كبير من هذه المجموعة وعاد إلى جماعة الشورى , وفتحوا دارا للنشر تحت اسم (دار نسل للنشر ) محتفظين ببعض آرائهم السياسية ولكن دونما تحقيق أى نشاط سياسي .
وترتب على هذا الانسحاب أن تقلص نشاط مجموعة ( الجيل الجديد ) وبدا ذلك واضحا من عدد النسخ التي كانت تطبعها جريدة ( آسيا الجديدة) فقد كانت تطبع أكثر من 400,000 نسخة فوصل العدد إلى 2,00 نسخة . وتعد هذه المجموعة الآن ذات نشاط محدود وتأثير متواضع في المجتمع التركي .
تعرف حركة النور في تركيا وخارجها من خلال مجموعتيها الكبيرتين مجموعة الشورى,مجموعة فتح الله جولن
ويمكن أن يطلق على هذه المجموعة ( الجماعة الأم ) حيث تعتمد هذه المجموعة في إدارتها على نظام الشورى , الذي أوصي به سعيد النورسي , وتتميز هذه المجموعة بمنهجها الكلاسيكي الذي وضعه النورسي , لحركة النور , مع استفادتها من التطورات التقنية والسياسية الحادثة .
وقد تركز نشاط هذه المجموعة في طباعة الرسائل ونشرها والعبور بها من الحدود الأناضولية إلى كافة أرجاء العلم ويتحدد نشاط مجموعة الشورى في أربعة مجالات رئيسية هي:

أ‌- المدارس النورية

وتولي أهمية كبيرة لإنشاء المدارس النورية في تركيا وخارجها وهي عبارة عن مكان قد يكون بيت ما, أو مكان ينشأ خصيصا ليتم فيه الاجتماعات واللقاءات لقراءة رسائل النور وتدارسها حيث يتم الاجتماع في مواعيد محددة كل أسبوع ويطلق على هذا اللقاء اسم ( الصحبة )
وتستوعب هذه المدارس كافة طبقات الشعب مراعية تنوع اللقاءات لتوائم كل فئة عمرية بخصوصها فيختلف على تلك المدارس الأطفال والشباب والشيوخ والنساء وكذلك تتنوع اللقاءات تبعا لقدراتهم العلمية والوظيفية فثمة لقاءات للمتعلمين وأخرى لغير المتعلمين ولقاءات لرجال الأعمال وللمتقاعدين وغيرهم .

ب‌- الطباعة

وتتبع هذه المجموعة ثلاثة دور نشر كبيرة هي ( سوزلر, والإخلاص , والأنوار ) وتقوم بطبع الرسائل في أشكال وأحجام مختلفة سواء في مجلدات فاخرة , أ وكتيبات صغيرة تتيح يسرا في الاقتناء وسهلة في القراءة .
وكذلك تطبع الكتب والأبحاث والدراسات التي تتناول حياة سعيد النورسي ومؤلفاته أو التي تقوم بشح رسائل النور .
وقد دخلت هذه الدور عالم الحاسب الآلي فغدت تصدر كذلك الرسائل على أقراص مدمجة, باللغة التركية وتعتزم إصدارها باللغة العربية واللغات الأخرى كما أنشأت لها موقعا الكترونيا على ( شبكة الانترنت ) توضح فيها أنشطة الدار وقائمة المطبوعات ونبذة عن حياة النورسي ومنتخبات من أقواله وكذلك تقوم هذه الدور النشرية بإصدار رسائل النور على هيئة شرائط كاسيت باللغة التركية وبعض لغات آسيا الوسطي وتعتزم أيضا إصدارها باللغات الأخرى وخاصة اللغة العربية .

جـ - الترجمة

وكذلك اهتمت بعملية ترجمة الرسائل وتنظيم المحاولات الفردية التي تتم الترجمة الرسائل داخل إطار منظم فأسست ( مركز أبحاث رسائل النور باستانبول ) للإشراف على أعمال الترجمة ونشر رسائل النور .
وتأتي أهمية الترجمة في إطار مستهدفات هذه الجماعة للانتشار خارج تركيا وتكوين مراكز لها في البلدان الأخرى للتعريف بالنورسي ونشر أفكاره .

د. المؤتمرات

ويقوم مركز أبحاث رسائل النور إلى جانب عمله في مجال الترجمة بتنظيم مؤتمرات دولية حول فكر النورسي يدعو إليها الباحثين من كافة أرجاء العالم على اختلاف جنسياتهم ودياناتهم ويشاركه في هذه العملية ( وقف العلوم والثقافة باستانبول ) ويتميز بعلاقاته الطبية داخل النخب المثقفة والكادر الجامعي فيسهل هذا المركز عملية التخاطب الرسمي مع الهيئات الدولية
وجدير بالذكر أن هذه المؤتمرات انتقلت من العمومية إلى التخصصية في دراسة أفكار النورسي من خلال المؤتمرات .
- فكان المؤتمر الأول عام 1990م – 1411هـ بعنوان ( بديع الزمان سعيد النورسي ومكانته في الفكر الإسلامي بمناسبة مرور ثلاثين عاما على وفاته ( وقد شارك فيه عشرة باحثين من تركيا وبريطانيا ولم يشارك فيه باحثون عرب ومن الملاحظ أنه لم تحدد له محاور معينة .
- المؤتمر الثاني ( 1992م -1413هـ) وهو مؤتمر عالمي وبعنوان ( حول تجديد الفكر الإسلامي ( سعيد النورسي ) واتصف أيضا بالعمومية في محاور واستهدف التعريف النورسي وفكره في أكبر عدد ممكن من البلدان الأخرى وخاصة الدول العربية وشارك فيه عشرون باحثا أربعة من مصر , وثلاثة من العراق , والباقون من تركيا والدول الأوربية .
- المؤتمر الثالث ( 1995م -1416هـ ) بعنوان ( المؤتمر العالمي الرابع لبديع الزمان سعيد النورسي ) وبعد ذلك المؤتمر أول المؤتمرات التي اتخذت شكلا منظما دقيقا في محاوره شارك فيه الباحثون من مختلف دول العالم بأكثر من ستين بحثا يتناول النورسي وفكره من جوانب عدة المؤتمر الرابع ( 1998م -1419هـ) بعنوان ( القرآن من خلال رسائل النور ) وقد انتقل هذا المؤتمر إلى التخصصية الدقيقة في الموضوع وتفرع عنه أكثر من عشرة محاور تدرس القرآن من خلال رؤية رسائل النور .
المؤتمر الخامس ( 2000م -1421هـ ) وهو بعنوان ( الإنسان من خلال رسائل النور )
وإلى جانب تلك المؤتمرات نظمت عدة ندوات مع مراكز ومعاهد إسلامية أخرى خارج تركيا مثل ندوة بالجزائر وأخرى بالأردن ونظمت في مصر مسابقة حول فكر النورسي بالتعاون مع ( جمعية الشبان المسلمين ) عام 1996م1997م وتخلل برنامج المسابقة عدة لقاءات نقاشية وندوات حول فكر النورسي في عدد من محافظات مصر مثل الإسكندرية والمنيا واكتسبت الرسائل صفة شرعية , عندما اختيرت لجنة من أساتذة وعلماء جامعة الأزهر الشريف لتقييم الأبحاث المقدمة .

3- مجموعة فتح الله جولن

لعل أهم ما يميز هذه المجموعة , كون فتح الله جولن شخصية ذات مؤهلات وقدرات خاصة فهو في الأساس واعظ ديني رسمي يتميز بشغفه الشديد من المعرفة سواء في العلوم الإسلامية أو غيرها, كما أنه في ذات الوقت أديب شاعر وقد تربي فتح الله بين حركة النور, وعاش معهم فترة ليست بالقصيرة إلا أنه يعد من الجيل الثاني في جماعة النور , لأنه لم يلتق سعيد النورسي وقد انفصل فتح الله جولن عن جماعة النور في أواخر السبعينات محتفظا بكونه طالبا من طلاب النور ولكنه مكتفيا بالعمل الوعظي .
" إن فتح الله جولن الذي بدأ بالظهور كواعظ سنة 1970م تميز بالتوافق مع الظروف الجديدة . واختياره لطريق التبليغ في الجامع , الذي لم يكن من أماكن التبليغ عند سعيد النورسي , هو من علامات التوافق مع الأوضاع الجديدة ذلك لأن الجامع سنة 1970 في تركيا كان يختلف كثيرا عن الجامع في العشرينات والثلاثينات من ناحية المكانة .
" وإذا وضعنا حياة بديع الزمان بعين الاعتبار فإن فتح الله جولن الذي ظهر من الجماعة المنتسبة إليه يجلب الانتباه بأنه يقف وسط شبكة وسائل الاتصالات والحقيقة أنه يمكن قبول ذلك كوتيرة طبيعية ففي لسنوات التي ظهر فيها وعرف كواعظ صادف مرحلة دخول أشرطة التسجيل وقد اكتسبت أشرطة فتح الله جولن في السبعينات انتشارا واسعا ووصلت إلى كتل واسعة وبعد ذلك استمر في نفس الشئ بالأشرطة المرئية ولم يتردد هو والمرتبطون به في استخدام جميع وسائل وقنوات الاتصال الممكنة "
ويتميز فتح الله جولن بنظرته المتفردة إلى الدولة التي تخالف أبجديات رؤى سائر الحركات الإسلامية في العالم حيث سائر الحركات الإسلامية تبني أيديولوجيتها على عداء الدولة ووجوب تغير نظامها وتوسع دائرة انتمائها الجغرافي ليصل إلى كافة الدول المسلمة فيمتد مفهوم الوطن نحو كل بلد مسلم .
أما فتح الله جولن فقد ابتعد كثيرا عن مفهوم ( الاتحاد الإسلامي ) الذي يعكس فكر النورسي رغم أن أفكاره نتاج عن فكر الحركة النورسية .ومفهوم ( إسلامي ) عند فتح الله مفهوم نورسي مختلف يمكن أن يسمى ( العثمانية الجديدة ) .
ويمكن أن توصف مجموعة فتح الله جولن بأنها حركة مجتمع مدني وليست حركة سياسية فهو يسعى دائما لمزج حركته وآليات دعوته بالدولة ومؤسساتها وإلى إكساب حركته صفة شرعية .
فيقول : إن الإحياء الكامل من جديد لأمة ما – أو لأمم – أو للإنسانية موضوع بحث على المستوى العالمي . وكذلك أنماط التلقي المختلفة المتعددة موضوع بحث أيضا أولا يكون في فترة كهذه التمازج مع الدولة شيئا مهما فلتفرض أنه قد عنّ لك أمر .
كيف كنت ستحله ؟! بالطبع سيلعب هذا التمازح دورا بالغ الأهمية في حله حيث , سلطة الدولة , وفلسفتها, وأجهزتها , جاهزة ومؤهلة للتمازح معك , فاليوم تقابل بالتصفيق الأعمال التي يقوم بها أبناء الوطن المخلصين في كل المجالات داخل مجلس الأمن القومي , والبرلمان , والمخابرات , والدواوين الحكومية. بالطبع , يصعب علينا أن نكون على نفس الخط مع الدولة في كل مسألة .
فنحن نفكر بأشكال مختلفة إلا أنه ثمة جوانب مشتركة تماما فيما بيننا "
وكذلك يقول :" يجب أن تكون في الأعمال التي ستقوم بها في نفس الخط مع خط المجتمع التركي , وإداراته , وخارجيته , ومخابراته , وماليته وإلا فلن تستطيع أن تفعل شيئا .
وقد بدأ يحدث تغير في سياسة تركيا الداخلية والخارجية ولا يمكنك أن ترى دولتك عدوا لك فهذا خطأ فادح."
وردا على سؤال وجه إليه حول رأيه في ما قامت تقوم به الجمهورية التركية من مضايقات للإسلاميين قال :" نحن مضطرون لأن نكون متوازيين في كل أمر.
والابتعاد عن التطرف وسيلة فاضلة .
ولا أستطيع أن أقول أنني أرجح أشد الدول ( لا ديمقراطية ) على ( اللادولة) ومن هذه الناحية فأنا ضد ضياع معني الدولة وسقوط هيبتها "ويتخذ فتح الله جولن موقفا متشددا من الحركات الإسلامية العاملة في المجال السياسي ويراها تعرض الإسلام للخطر وأن الإسلام أطهر من أن يقحم في المناخ السياسي القائم على البراجماتية وتوازنات المصالح فيقول :" يمكن أن يختلف الناس في آرائهم .ولكن بالنسبة لى تسييس الإسلام خيانة كبيرة لروح الإسلام "
ويقول أيضا :" الإسلام دين , ولا يمكن تسميته باسم آخر . بعض التيارات في العالم الإسلامي سيست الإسلام وفهمته على أنه نظام سياسي "
ويرى أن حالة الإسلام في تركيا أفضل من أى دولة آخري فيقول :" لا أظن الإسلام أكثر راحة من حيث حياته في بلد آخر غير تركيا . فكما أنه توجد أنظمة إسلامية اسما كما في إيران والسعودية إلا أنها أنظمة ترفض أى مذهب آخر سوي ما تقرره الدولة .
وارتباطا بما سبق يجدر القول بأن يبتعد كثيرا عن فكر نجم الدين أربكان وعن حزبه السياسي ويقول ردا على سؤاله له حول موقفه من أرباقان :" إذا كان أرباقان يقوم بعمل خير بالنسبة لكم فأظن أنني أقوم بعمل خير أكثر . وأقول أنني أسعي لملأ قلوب المجتمع التركي بالإيمان بالله , ومعرفة الله ومحبة الله والذوق الروحاني.
وعندما سئل عن عدم تصويبه لما يفعله أرباقان قال : أننا لا أفتش وراء ولا أتجسس عليه وأعيش بحجب مع طريقي ,هكذا يأمرنا القرآن الكريم " عليكم أنفسكم "
ويتميز كذلك فكر فتح الله جولن بأيديولوجيته الانفتاحية حيث يسعي دائما في خطبه ووعظه وأحاديثه أن يعمق من فكره قبول الآخر وأهميته الحوار والانفكاك من أسر الانغلاق والتقوقع على الذات خاصة مع الظروف العالمية الجديدة التي تسيطر عليها فكرة العولمة .
فيقول :" إن الانفتاح على العالم هو انفتاح باسم الإنسانية ونحن نفكر في التعرف- في فترة مبكرة – على الناس الذين سيكونون جيرانا لنا في المستقبل في دنيا العولمة. فأنظمة الاتصالات جعلت الناس كأنهم يعيشون معا في نفس الحجرة".
ويرى أن أصحاب الفكر الانغلاقي والذين لا يرون الصواب إلا فيما يعتقدونه على اعتقاد خاطئ ويقول :"يوجد من المنتمين للإسلام من يعتقد بأنه إن لم يؤمن إنسان بفكرك اقطع رأسه وعلى كل الناس أن يفكروا مثلك ويعيشوا مثلك وهذا حتى الآن هو انطباع الغرب عن العالم الإسلامي .
وقد حملنا نحن وزر ذلك على ظهورنا فقد حكم على المؤمنين في الجزائر والسودان بسبب هذه النقطة بالإرهاب .
ويدعو إلى تحسين العلاقات مع الغرب وإعادة النظر إليه مرة أخرى :" ليس لدينا مكسب من أن تكون علاقاتنا مع الغرب كما كانت قديمه تأخذ شكل معكسرين عدوين فإنه يوجد في طبيعية الإنسان ميل للبحث عن الحس والجمال ...وإن هناك العديد من الأشياء الجميلة التي يمكن أن نأخذها من الغرب .
وفي هذا الصدد توجد وصايا كثيرة للأستاذ النورسي وأظن أن العداء المطلق للغرب دون قيد أو شرط يلقي بنا خارج العصر .
ومن جملة وجهات نظره التي تخالف مجموع وجهات نظر الحركات الإسلامية الأخرى هو موقفه من سعي تركيا لدخول الاتحاد الأوربي فيقول:" كان لدى بعض من القلق , قبل مرحلة الاتحاد الجمركي عندما كان دخول المجتمع الأوروبي هو موضوع الحديث لأن الخبراء الاقتصاديين والأكاديميين آنذاك كانوا يعتقدون أن المجتمع التركي غير مؤهل لذلك الزفاف...وكانت أشاركهم هذا القلق .
ولعل مرد ذلك الخوف من الانصهار . لأنه كانت آنذاك أزمة شديدة .
إلا أنه يوما بعد يوم بدأ ثمة تغير دائم وسريع .
فالمجتمع التركي بدأ يتجه نحو جذوره الروحية سواء داخل أو خارج تركيا .
وفي وقت هكذا ليس ثمة حرج في أن يتحد الإنسان التركي مع الغرب ويدخل معه في تكامل وأنا مقتنع أن تركيا بعقلها ومنطقها لن تخسر شيئا في أمر كهذا ".
وينفي بشدة كون أن يصبح خطر الخوف من الذوبان والانصهار داخل المجتمع الأوروبي سببا من أسباب الإحجام عن دخول الاتحاد الجمركي فيقول :" لو أن الاتحاد الجمركي سيقيد أيدينا ويعيق تجاراتنا خارج أوربا والأماكن الأخرى ويحدد وارداتنا وصادراتنا إلى أماكن بعينها عندئذ يتعين على الاقتصاديين بحث ذلك ويجب تنفيذ ما سيتوصلون إليه من قرارات أما معارضة الاتحاد الجمركي فأنا أرى أنه يجب ألا تربط بحجة انصهار الأتراك والمجتمع التركي ومهما تكن الظروف التي سيتم الدخول بها إلى الاتحاد الجمركي فإن فكرة الانصهار لا محل لها "
وقد عرضت تلك الأفكار فتح الله جولن لانتقادات واسعة داخل الأوساط الإسلامية حيث نظرت إليه بأنه مواليا للنظام العلماني في تركيا ويسعي دائما إلى تبرير أخطائه .
إضافة إلى ذلك يصفون بعض مواقفه إزاء بعض القضايا التي تستلزم حزما بالتخاذل والانسحاب بل وأنه أحيانا يجانب الصواب ومثال ذلك يصفون موقفه عن قضية الحجاب المثارة في تركيا بالتخاذل ويتضح ذلك من إجابته على سؤال حول أهمية الحجاب فقال :" ذكر الحجاب في القرآن ولكن لو يوضح فيه كيفيته ولا شكله .
والتوقف حول شكله يضيق أفق الإسلام الواسع ... حتى أن ذلك يحول دين الإسلام إلى دين لباس , وذلك خطأ إن أحكام الدين الإسلامي تنقسم إلى أصول وفروع والحجاب ليس من الأصول أى ليس من الإيمان وكذلك من أسس الإسلام ولا شروطه ولهذا فتمسك الإنسان بما هو خارج الدين مخالف لروح الدين ولدينا الكثير من الأمور التي نشترك حولها فيجب ألا ننقسم وتتمزق حول الفرعيات .
ويركز فتح الله جولن نشاطه بجانب خطبه ووعظه في مجال التعليم الخاص , حيث يدعو دائما إلى فتح المدارس الخاصة ليتعلم فيها الطلاب الأتراك وهي يعني بهم كل الأتراك في سائر الدول الأخرى , وهو بهذا يتخطي بمدارسه حدود الجمهورية التركية إلى سائر الدول الأخرى وخاصة دول آسيا الوسطى والبلقان فيقول :
"عنصر الإنسان وراء كل المشكلات التي تواجهها ... والتعليم والتدريس كما هو أقدس المهن كذلك أفضل الخدمات للوطن والأمة.
أما عن انتقال التعليم إلى خارج الوطن وضع المدارس هناك فيسبب تطور وسائل الاتصال أصبح عالمنا قرية صغيرة والقدرة على المحافظة على كياننا الدولي وأن تصبح دولة لها كلمتها في الموازين الدولية يمكن أن يتحقق بالاتفاقات مع الدول ذات الثقافة المشتركة والتي تتحدث نفس اللغة والتي يمكن التفاهم معها براحة ونحن اليوم بحاجة إلى جماعات ضغط من أجل تعريف بلدنا والحصول على دعم الدول الكبرى في حل مشكلاتنا الكثيرة " وتشكل هذه الاتفاقات وصناعة التفافات في بيئة تتشكل من الأصدقاء وليس من الأعداء سيكون بالطبع في صالح وطننا , وأنا شخصيا أؤيد وأدعم فتح المدارس حتى لو في أرمينيا وإسرائيل .

وينفي فتح الله جولن عن نفسه كونه زعيما لجماعة ما, أو أن سياسة فتح تلك المدارس جزءا من إستراتيجية تلك الجماعة فيقول:

" عندما أذنت الدولة بفتح المدارس الخاصة كان من الناس من ينفق ما في يده على المصايف صيفا والمشاتي شتاء فاختاروا بدلا من أن ينتقلوا إلى الآخرة على هذا الشكل أن يستثمروا أموالهم في خدمة الدولة وخدمة الناس وأسسوا الشركات واتجهوا نحو فتح المدارس داخل تركيا وخارجها .

ولو أن لى دور في هذا أو ثواب سأناله في هذه الخدمة . يكون فقط عبارة عن التوصية والنصيحة فأنا لا علم لى عن هذه المدارس أكثر من عددها والأماكن التي فتحت فيها كما أنني حتى لا أعلم أسماء أغلب الشركات التي تأسست من أجلها "

وإلى جانب نشاطه في مجال التعليم من خلال ذلك الكم الهائل من المدارس والجامعات الخاصة التي يقوم يفتحها فأتباعه يصدرون صحيفة وعددا من المجلات ولهم قناة تلفزيونية باسم وكذلك وكالة أبناء باسم ( وكالة أبناء العالم ) وعدد من المحطات الإذاعية .
ولعل انفتاح مجموعة فتح الله جولن على مجال الصحافة والأعلام يختلف من حيث المضمون الأيديولوجي , عن انفتاح مجموعة يني آسيا ومجموعة الشورى على الصحافة والنشر فهما يستهدفان نشر رسائل النور وما يتعلق بها برؤية انفتاحية علمية فانفتاحه على الوسائل الإعلامية له هدف إسلامي عام لا يقتصر ولا يتحدد داخل فكر سعيد النورسي أو رسائله .
وكذلك توجد ميزة أخرى أنه قد أعاد الثقافة الإسلامية التي أراد سعيد النورسي برسائل إلى تحويلها إلى ثقافة مكتوبة ( ثقافة متن ) إلى ثقافة شفهية سماعية مرة أخرى من خلال أدواته الإعلامية تلك.

المبحث الثاني حركة السليمانيين

نشأة سيلمان حلمي طوناخان وحياته العلمية

تنتسب حركة السليمانيين إلى مؤسسها الشيخ سليمان حلمي طوناخان وقد " ولد الشيخ سليمان حلمي طوناخان في 1888م – 1306 هـ بقرية ( فرحاتلر ) التابعة لقصبة ( هزار جراد ) وهي من أعمال ( سيلستره ) الكائنة حاليا داخل الحدود البلغارية .

والده ( عثمان أفندي خوجه زاده ) الذي أكمل تحصيله العلمي في استانبول وعمل مدرسا بمدرس ( سطرلي ) أعواما طويلة "

اهتم والده بتعليمه العلوم الدينية, والشرعية "فقد تلقي سليمان أفندي علومه الابتدائية على يد والده عندما كان مدرسا في مدرسة ( سطرلي ) ثم أرسله أبوه إلى استانبول ليستكمل الدراسات العليا .

وأوصاه وهو يرسله إلى استانبول فقال : يا ولدى ! إذا تعمقت في علم أصول الفقه كنت قويا في دينك وإذا تعمقت في المنطق كنت قويا في علمك "

أعجب شيخه بقابلية تعلمه الدروس كما غرف في أوساط المدرسة بأنه ( ولد ذكي سيكون عالما له شأنه ) ولم يمض وقت طويل حتى صار محط أنظار كل أساتذته بذكائه الشديد ومثابرته وتقواه .

وكان من شدة إجهاده لنفسه فيتلقي العلوم أنه يصاب بالرعاف , فتنزل بعض قطرات الدم على صفحات الكتاب وتحمر عيناه من شدة السهر حتى يكاد الدم ينفر منهما , وفي أيام الشتاء يمد يده إلى خارج النافذة ليتناول قطعة من الثلج فيضعها بيديه ثم يضعها في رقبته تحت القميص فتذوب قطعة الثلج بفعل حرارة الجسم وتنسكب قطراتها إلى الجزء الأسفل من جسمه ليبقي دائم اليقظة والسهر .

" استمر في تلقي ما يعرف بعلوم الآلة كالنحو , والصرف والبلاغة والمنطق , والوضع,والجدل , والمناظرة ,والعلوم العالية مثل الفقه والكلام والحديث والتفسير , وأصول الفقه وأصول الحديث , وأصول التفسير حتى أكمل تحصيله العلمي وحصل على الإجازة عام 1915م – 1334هـ .

" وفي العام نفسه التحق بالقسم العالي من مدرسة دار الخلافة العلية لكنه على خلاف أقرانه من الطلاب بدأ الدراسة من الصف الثالث مباشرة وفي عام 1915 م – 1334هـ نال المرتبة الأولي وفي عام 1916م -1335 هـ نال المرتبة الأولي أيضا في السنة الرابعة وحصل على إجازة ( مدرس عام ) من أعضاء الهيئة العلمية وبذلك صار عالما دينيا متخرجا من أعلي المعاهد في ذلك العصر وفي 30 سبتمبر عام 1916م – 1335هـ التحق بمدرسة المتخصصين في ذلك العصر .

وفي 30 سبتمبر عام 1916م – 1335 هـ التحق بمدرسة المتخصصين التابعة لمدرسة ( السليمانية ) للاختصاص والحصول على درجة الأستاذية.

وأنهي أول عامين من هذه المدرسة بنجاح وفي سبتمبر عام 1918م – 1337هـ نال مع عشرين من زملائه درجة رئيس المدرسين ( مدرس أول ) .

وقامت في نفس ( سليمان ) الرغبة لأن يدرس القضاء إلا أن والده أرسل إليه برقية يحذره من العمل بالقضاء :" يا سليمان ! أنا لم أرسلك إلى استانبول كي تذهب إلى جهنم مذكرا إياه بحديث رسول الله صلي الله عليه وسلم الذي يقول : قاضيان في النار وقاض في الجنة أجاب سليمان أفندي برسالة أخرى مبينا أنه لم يكن يهدف الدخول في سلك القضاء بل يريد بلوغ الكمال في سائر علوم الدين الظاهرية وتصديقا لذلك رفض سلك القضاء عندما عينته الدولة قاضيا لمحكمة الجنايات بأنقرة وحصل على الإجازة من قسم التفسير ,والحديث بمدرسة السليمانية, وصار مدرسا عاما كما نال شهادة مدرسة القضاء بدرجة جيد ووصل إلى مرتبة القضاء .

"وفي 1 يونيو 1920 م – 1339 هـ باشر عمله مدرسا عاما فكانت أول وظيفة رسمية له في حياته حيث استمر في عمله حتى 27 أبريل عام 1921 وفي عام 1922 م بدأ عمله مدرسا للغة التركية في القسم الأول من مدرسة ( دار الخلافة العلية ) وفي 29 مارس 1923م عين مدرسا للصرف العربي بالقسم الابتدائي بمدرسة دار الخلافة العلية . وفي 25 سبتمبر 1923م أعيد تعينه مدرسا للغة التركية .

وفي الثالث من مارس 1924م – 1343هـ صدر قانون توحيد التدريس وتم إلحاق المدارس الدينية بوزارة المعارف ثم ألغيت كليا , وحولت المدارس الابتدائية التي يدرس فيها الشيخ سليمان أفندي إلى مدرسة الأئمة والخطباء أدخل سليمان أفندي في سلك التعليم بهذه المدارس لكنه ترك التدريس بناء على طلبه شرط البقاء على صفة المدرس العام .

عوامل ظهور الجماعة

مع تأسس الجمهورية التركية الحديثة وقيام ( مصطفي كمال أتاتورك) بانقلاباته السياسية , والاجتماعية , والدستورية , وخاصة تلك الإجراءات التي تتعلق بدور الدين في إدارة الدولة , وتوجيه نظمها الإدارية أعتقد سليمان حلمي , وأن تلك التغيرات الحادثة , لا يمكنها من بعد , أن تقيم مجتمعا مسلما , محافظا على قيمه وتقاليده وأن تلك التغييرات التي حدثت في نظم ومؤسسات الدولة ترنوا إلى خلق مجتمع جديد وتربية أجيال أخرى داخل أنساق فكرية بعيدة عن الإسلام مطعمه بأيديولوجيات غربية منقولة .
واتخذ سليمان أفندي موقفا معارضا لكل تلك الإجراءات وخاصة التي تتعلق بالتعليم الديني ولعل إيضاح موقفه هذا يساهم في صياغة البيئة الفكرية التي استند عليها في تشكيل منهجه الدعوى .
" فثمة قانونان قد صدرا في 3 مارس1924م- 1343هـ كعمادين للعلمانية

أولهما : القانون رقم 249 والذي يقضي بإلغاء الوكالة الشرعية واستحداث رئاسة الشئون الدينية مكانها .

الثاني : نقل كافة الهيئات التعليمية التابعة للوزارات المختلفة إلى وزارة التعليم الوطني .وهو قانون توحيد التدريس الصادر برقم 430 والذي يهدف إلى توحيد الإدارة في يد واحدة .

وبموجب هذا القانون تنقل إلى وزارة التعليم الوطني كل من المدارس العسكرية التابعة لوزارة الدفاع والمدارس التابعة لوزارات الصحة والزراعة وغيرها وخاصة المدارس التي تديرها الأوقاف الدينية التابعة لوكالة الأوقاف والشرعية ولم يستثن من هذا القانون إلا المدارس العسكرية التي صدر لها قانون خاص ضمت بمقتضاها إلى وزارة الدفاع .

وفي أعقاب تلك القرارات صدر أمر بإلغاء جمعية المدرسين التي كان سليمان حلمي عضوا بها تم عقد اجتماع حضره خمسمائة وعشرون مدرسا وتحدث فيه سليمان قائلا:

"أيها الزملاء لقد ألغيت المدارس .

فماذا سيكون مصير دين الأمة ؟! علينا أن نتخذ قرارا قبل انتهاء هذا الاجتماع.

إن عددنا يبلغ خمسمائة وعشرين مدرسا جئنا إلى هذه المكان من مختلف مناطق البلاد . بوسعنا أن نلبي احتياجات الدينية للدولة لمدة خمسين عاما قادمة .

إذا عاد كل واحد منا إلى بلده فوجد طالبين فعلمهما أحكام الدين فإن هؤلاء الطلاب يمكنهم تلبية احتياجات الأمة الدينية لخمسين عاما مقبلة وكما تعلمون فقد بشرنا الحديث الشريف بأن الله تعالي يرسل إلى الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها دينها فإن لم نفعل ذلك فلا منجي لنا من المسئولية يوم القيامة" وأثارت كلمته تلك النقاشات بين المدرسين , فقال أحدهم :" أن تتقول الحق يا سليمان أفندى.

ولكن قانون ( توحيد التدريس ) وضع موضع التنفيذ والوضع مضطرب وحياتنا في خطر , ويبدو تنفيذ اقتراحاتك أمرا مستحيلا " عندئذ عاود الشيخ سليمان الكلام قائلا :

" أيها الزملاء !! إن قانون توحيد التدريس يمنع التدريس بصورة جماعية ولا يمنع التدريس لطالبين اثنين لأن واحدا واثنين ليسا جماعة .

وأنا أقول لكم ندرس لطالب واحدا أو اثنين" إلا أن بعض المدرسين خشوا من أن يكون مصيرهم السجن فقالوا لا يمكننا فعل ذلك في هذا الوقت الصعب ".

ولما لم يجد سليمان أفندي رغبة فيما دعاهم إليه أقنعهم بإرسال برقية إلى الحكومة قالوا فيها :" نحن المدرسون الموقعون أدناه ندرك الضائقة المالية الشديدة التي تعاني منها الحكومة بسبب المصيبة الكبيرة التي ألمت بنا في الحرب العالمية .

لذلك نعلن استعدادنا للقيام بتدريس الدين والعلوم الإسلامية مجانا .." لكن الرد على البرقية كان صريحا جدا :" قانون توحيد التدريس هو الساري في البلاد وكل من يخالف ذلك سيتعرض للعقوبة الشديدة .

فأعلن المدرسون آنذاك أن الفكرة التي طرحها سليمان أفندي تحفها الأخطار الأمنية من كل جانب وأنهم على غير استعداد لهذه المشقة فقرر سليمان أفندي العمل بمفرده رغم المخاطر والعقبات وانتوى التدريس الخفي للطلاب وأن يتوخى الحذر والسرية حيث اعتبر نفسه مسئولا أمام الله عن تعليم دين الإسلام , وكان يقول :" سيسأل الله تعالي يوم القيامة عبادة ,وسيسألني أيضا ( ماذا فعلت بالعلم الذي علمتك إياه يا سليمان ؟ أحضر علمك أمامك ) فماذا سأقول له ؟ !... إن مسئولية العلماء عظيمة فنحن العلماء ورثة الأنبياء .

ومع تنفيذ قانون ( توحيد التدريس ) أغلق المجلس عدد ( 456) مدرسة علمية و( 29) مدرسة للأئمة والخطباء وهكذا لم تبق في الدولة مؤسسة واحدة تقوم على تنشئة رجال الدين ..وقد بلغت الدولة في نظامها إلى حد أنها أغلقت كل المؤسسات التي تقوم بتنشئة رجال الدين ..وكانت كذلك توقع عقوبات على الراغبين في تدريس المواد الدينية .

ومع إغلاق المدارس " تم تعيين ما يقرب من ( 520) مدرسا في أماكن مختلفة كوعاظ أو أئمة مساجد. وقد انساق معظمهم في هذا العمل طلبا للرزق إلا أن ( سليمان حلمي ) المدرس العام في مسجد الفاتح كان يري أن هذا الأمر سيصبح سببا في ضياع العلوم الدينية وعلوم القرآن .

وقد وقف سليمان أفندي موقفا معارضا لانضمام مدارس الأئمة والخطباء إلى وزارة التعليم ونادي بربطها برئاسة الشئون الدينية ورأي أن ذلك أفضل الضررين حيث أن القائمين على ( الشئون الدينية) هم العلماء العثمانيون الذين تعلموا الدين في المدارس العثمانية .

أما عن مصدر قلقه وخوفه من ارتباط مدارس الأئمة والخطباء بوزارة التعليم فيوضحه ( عبد الرحمن زابصو) وهو من رجال السياسة في تركيا قائلا :

" يوجد الآن في المجلس نواب ماسونيون . ويوجد من لا يؤمنون بأى دين . حتى أنه يوجد نواب أقلية ينتسبون إلى الروم أو الأرمن أو اليهود وطبقا لنظام الدستور الموجود فإنه لا مانع من أن يصبح هؤلاء وزراء وبناء عليه فلو أصبح أحدهم ذات يوم وزيرا للتعليم الوطني هل يمكن أن يدرس حينئذ الدين في المدارس الدينية التابعة للوزارة فينبغي إذن أن تتبع هذه المدارس رئاسة الشئون الدينية أو الأوقاف .

ويذكر أنه قال لأحد المسئولين في مدارس الأئمة والخطباء عندما طلبوا منه أن يرسل لابنه إلى مدارسهم :

" لقد أوضحت لكم كثيرا أنا لا أؤمن بأنه سيتم تنشئة أئمة وخطباء ووعاظ ومفتين على أيدى ذلك الكادر الموجود بالنظام التعليمي الحالي ولا على برامجه... أما أنا فأسعي لتعليم الطلاب العلوم الدينية طبقا لأصول المدرسة الكلاسيكية واجتهد لتلقين أجيال المستقبل هذا العلم الذي استؤمنت عليه .. اخدموا أنتم في مدارسكم ولأخدم أنا طلابي هؤلاء .

ثم بعد ذلك شعر بعدم الثقة برئاسة الشئون الدينية لكونها بدأت تعين به مدرسين غير أكفاء فقد كانت تعقد كل أسبوع امتحانات لقبول وعاظ ومفتين ومعلمي قرآن وأئمة, وخطباء ولم يكن وجود شهادة شرط لدخول الامتحانات .

وكان رد فعل ( سليمان أفندي ) شديدا إزاء تغير الأبجدية من العربية إلى اللاتينية ففي كثير من وعظه ولقاءاته الخاصة تحدث عن الأثر السئ لذلك القانون "وأوضح أن هذا القانون سيدفن تاريخ ألف عام بكل ما يحويه هذا التاريخ من علم وأدب وثقافة واستشهد باليابان في أنها تطورت وتقدمت دون أن تضحي بثقافتها وأبجديتها "

وعبر عن أثر ذلك الانقلاب قائلا :

"إن أكثر ما يسبب ضررا للإسلام والإيمان ,والعادات والتراث والصناعة والتجارة والزراعة أن تغلي الحروف الإسلامية على هذا النحو الذي شاهدناه وتغيير الحروف كان يعني قطع صلة الإنسان بماضيه وثقافته وترك الكتب العلمية والفكرية التي لا تقدر بثمن على الأرفف نهبا للغبار والتلف والأسوأ من هذا هو فقدان الهوية الأصيلة "
وقامت الدولة آنذاك أيضا باستحداث نظام تعليم ديني ضمن ما يطلق عليه ( الإصلاحات الدينية ) وأوكلت مهمة إعداد مشروع هذه الإصلاحات إلى مركز علمي أنشأته تحت اسم ( كلية الإلهيات ) .
وكان الهدف من إنشاء كلية الإلهيات هذه أن تكون المكان الرسمي المعتمد للدراسات العليا في المجال الديني وأن تدرس فيها العلوم المتعلقة بسائر الأديان مثل دراسة الكتب السماوية والفلسفات والمذاهب الدينية .
" أعترف أن كلية الإلهيات التي أعمل في جامعتها التابعة لوزارة التعليم وتحت إشرافها يمكنها تنشئة فلاسفة وعلماء اجتماع ولكن لا يمكنها تنشئة رجال دين فلا يمكن تنشئة رجل دين أو عالم داخل جامعة علمانية ".
كل ما سبق جعل سليمان حلمي أفندي يعتقد بأن مؤسسات التعليم الجديدة التي تؤسسها الدولة لا تستهدف , تعليم وتربية نشئ على مبادئ الإسلام وتخريج علماء ووعاظ ومفتين على المستوى اللائق بل على العكس, أن الدولة هدفت بتلك المؤسسات أن تكون بديلا عن نشاطات علماء المدارس العثمانية ومن ثم ركز ( سليمان ) غايته في تربية النشئ على تعاليم الإسلام ووفق المناهج الإسلامية التي كانت تدرس في المدارس العثمانية وكذلك في تدريس اللغة العربية وتحفيظ القرآن الكريم .

الوسائل التي لجأ إليها سليمان حلمي أفندي لتدريس العلوم الإسلامية

تكونت لدى سليمان أفندي قاعة بأن مدارس الأئمة والخطباء وكلية الإلهيات لا يمكنها أن تدرس العلوم الإسلامية وليست لديها القدرة على تنشئة علماء ووعاظ ومفتين وأن الغرض من تأسس مثل تلك المؤسسات العلمية هو تنشئة رجال دين بصياغة خاصة تتماشي ومبادئ الجمهورية التركية الجديدة.
ولذا حدد هدفه في وجوب القيام بمهمة تربية نشئ مسلم يصبح منهم علماء للإسلام يتلقون العلوم الإسلامية كما كانت تدرس إبان العهد العثماني في المدارس الكلاسيكية إلا أن المشكلة التي واجهته عدم وجود هؤلاء الطلاب الذين سيقوم بتعليمهم حيث إن الظروف السياسية الشديدة التي شملت البلاد جعلت من عثوره على الطلاب الشباب أمرا صعبا ويصف سليمان أفندي هذه الحالة قائلا :
" لم أستطع – آنذاك – أن أجد من أدرس له إلى أن قررت أن أعطي الطلاب نقودا ليأتوا ويتعلموا فلم أجدهم أيضا فقد كانوا يأخذون النقود ثم يفرون خوفا من الشرطة .
وعندئذ تحطم لدى كل أمل ... فكان أكثر ما أخشاه أن ترفع هذه العلوم الإسلامية من الأرض ..وبناء عليه قمت بتعليم ابنتي حتى إذا ما أنجبتا يقمن بتعليم أبنائهن وبهذا الشكل لا يرفع العلم من الأرض .
إلا أنه بعد ذلك من الله تعالي على بأن أجد من أدرس له فبدأت بالتدريس للعجائز ثم جاءني الشباب "

وقد لجأ سليمان أفندي إلى عدة وسائل جمع بها الطلاب حوله ودرس لهم:

- فقد كان يذهب إلى الباعة المتجولين والحمالين يعطيهم يومياتهم وأجرتهم ويأخذهم معه يعلمهم, ثم قام سليمان أفندي بتلقين عددا من الطلاب دروسا دينية في المزرعة التي استأجرها بإحدى القرى في الفترة من 1930م – 1349هـ - 1939م – 1355هـ .
فكان يتوجه إلى أماكن تجمع العمال في استانبول فيسأل من يتوسم فيه الاستعداد للعلم قائلا :
- يا ولدي بكم تعمل ؟
- بليرة واحدة
- تعال معي وسأعطيك ثلاث ليرات لتتعلم دين الله وكتابه "
- واشتدت الظروف به حيث لم يعد قادرا من بعد : على جمع الطلاب وتعليمهم في مكان واحد فجرب تدريس الطلاب داخل سيارة استأجره وتجول بهم في شوارع استانبول .
- وازدادت الأزمة في فترة من الفترات حتى تعذر حمل الكتاب وتدريسه فلجأ إلى طريقة غريبة فقد كان يركب القطار الذي يتوجه من محطة ( استانبول ) إلى ( أنقره ) فيعلم الطلاب مما يحفظه حتى يصل إلى محطة في وسط الطريق .
فينزل هناك ليركب القطار القادم من ( أنقره) ويستأنف التدريس حتى يعود إلى ( استانبول).
واتخذ سليمان أفندي هذه الوسائل بغية النجاة من معرفة الشرطة بأمره وتعقبها له ولطلابه فكان يغير دائما " فيوما في حجرة مؤذن أحد الجوامع باستانبول وثانية في بيت أحد البيوت ,وأخرى في مكان آخر .
ويوم آخر في بدرون أحد المباني وهكذا كان ينجو من تعقب البوليس له وكان ينتقل من محافظة إلى أخري في سبيل تعليم دين الله وفي تلك الأثناء لم يترك الوعظ بل كان بعد صلاة العشاء لا يجد جمعا قليلا أو كثيرا وإلا نصح إليه ووعظه"
ولم يكن ينتظر نظير عمله ذلك فقد اشتهر عنه أنه كان يجمع الطلاب ويعطيهم أموالا مقابل أن يعلموا شئون دينهم وكان يقول ( لا يؤخذ الأجر من الطالب , وإنما يدفع له أجر مقابل دراسته ) فعندما كان يأتيه ولي أمر أحد الطلاب ويسأله : كم تأخذ مقابل تدريسك ؟ كان يقول : أحضر ابنك بسرعة فنحن لا نأخذ أموالا من الطلاب, وإنما نعطي له الأموال ليتعلم وليخدم دينه وقرآنه وأمته "
ولم ينج سليمان أفندي وطلابه من ملاحقات الشرطة والمطاردات الأمنية رغم كل الاحتياطات التي كان يتخذها , حماية لطلابه , فقد تعرض سليمان أفندي الذي استمرت جهوده التربوية والتعليمية تحت متابعة الشرطة السرية له بصفة مستمرة إلى العديد من المراقبات والمطاردات وفي 1946م – 1366هـ سحبت منه شهادة الوعظ. إلا أن ذلك لم يفت في عضده وقال :" إننا سنستمر في تعليم الطلاب وتربيتهم ليس فقط إلى أن تتعب أو تكل بل إلى أن نموت "
إلا أن تلك المضايقات لم تؤثر في جهوده فما يكاد رجال الشرطة يعودون إلى مقار عملهم , حتى يكون الشيخ قد استأنف التدريس وكان يقول : ( ليس لدينا وقت نضيعه, وإني لأتمنى لو رفع الله النوم من عيني فأدرس في الليل أيضا )
وعرف عنه كذلك انشغاله بالتدريس , دون تضييع للوقت وسباقه مع الزمن للقيام بالتدريس لأكبر عدد من الطلاب " وذات يوم وبينما كان يلقي الدرس ارتفعت نسبة السكر عنده وساءت حالته الصحية .
ونزلت بضع نقاط من الدم على صفحة الكتاب الذي يدرس منه فساد الاضطراب بين الطلاب .
أما هو فلم يضطرب , بل أخرج منديله ومسح الدم واستأنف تدريسه قائلا ( اقرأ يا ولدي ! فليس لنا وقت نضيعه )
ومن الجدير بالذكر أن أوائل طلابه كانوا من كبار السن حيث كان يذهب إلى بيوتهم يدرسهم العلوم الإسلامية ويطلب منهم إرسال أبناءهم وأحفادهم إليه ليعلمهم ثم أخذ يجمع هؤلاء الرجال كبار السن معا في حلقة واحدة أخذت تكبر بالتدريج وقد ضمت هذه الحلقة ( محمد أفندي ) بائع التذاكر , ( مصطفي جيربانلي ) التاجر , و( على أرول ) الترزي .
ونتيجة لتغير نظام الحكم عام 1950م – 1370هـ بعد فوز الحزب الديمقراطي , تم السماح بفتح مراكز لتحفيظ القرآن . وعلى الرغم من عدم وجود إذن بتعليم اللغة العربية إلا أن الدولة كانت تغض بصرها عن ذلك لأسباب متعددة .
" وتحقق حلم سليمان أفندي وصار التعليم الديني يدرس في مدارس رسمية بعد أن كان التعليم قاصرا على غرف المؤذنين والمزارع وعلى قمم الجبال وفي الأدوار السفلية من العمائر .
ويرجع تاريخ أول مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم تابعة لسليمان أفندي إلى عام 1951م – 1371هـ وكانت بشكل غير رسمي في الطابق الأول من بيت مصطفي بك بحي ( تشامليجه ) في استانبول .
أما أول مدرسة فقد فتحت رسميا عام 1952م – 1372هـ ومع افتتاح هذه المدرسة صار يرسل طلابه النابهين الذين تعلموا وتخرجوا منها إلى الأناضول ويطلب منهم أن يفتحوا هناك مدارس أخرى وكان يتابع نشاط طلابه في فتح المدارس على خريطة تبين له كافة الأماكن التي فتحت فيها المدارس .
وكان سليمان أفندي إذا سمع خبر افتتاح مدرسة من مدارسه في أى مكان يقوم ويسجد شكرا لله , وكانت رئاسة الشئون الدينية تقيم مسابقات للوعظ والإفتاء فكان سليمان يرسل طلابه للاشتراك في هذه المسابقات وكانوا هم الذين يتفوقون على سائر الطلاب الآخرين على الرغم من صعوبة أسئلة المسابقة في الفقه, وعلم الكلام والمنطق , والتفسير, والنحو والصرف , والحديث.
وحينما كانت لجنة الامتحان تسأل أحدا من المتفوقين: من الذي علمك ؟ كان يجيب : سليمان أفندي . فتأخذ الدهشة أعضاء اللجنة ويعلنوا عن رغبتهم في زيارته وتهنئته

وقد وصف نجيب فاضل هذه المدارس معجبا بها حين قال :

" عرفني سليمان أفندي على هؤلاء الطلبة فدهشت لأمرهم كمن يدهش من العثور على كنز في حديقة بيته .
وكنت أظن عمل هذه المدارس هو التكرار والحفظ لكني رأيت أن هذه المدارس بأيدي مسئولين أطهار هم مهرة في تعيين هدفهم وتشخيص مشاكل مجتمعهم ويمكنني القول أنه لا توجد في تركيا مؤسسة مثلها في خدمة القرآن والرباط الذي يربط هؤلاء الأشخاص هو الشريعة وهذه المدارس القرأنية تستمد قوتها من هذه الرابطة .
وكان نجيب فاضل يقول أيضا :" من المؤسف أن بعض العناصر التابعة لرئاسة الشئون الدينية كانوا يشعرون بالضيق من هؤلاء الشباب فعملوا على إبعادهم عن المؤسسات التابعة لرئاسة الشئون الدينية فاضطر بعضهم للاستقالة"
وقد عارضهم نجيب فاضل قائلا :" إن الذين يتطاولون على المجموعة المعروفة في مجال التعليم الديني بالسليمانيين ويعرقلون نشاطاتهم ما هم إلا ردود أفعال ناتجة من البعد عن الحقيقة وعدم الثقة بالنفس "
ومن أكثر الذين ساعدوا سليمان أفندي في عمله هذا زوجته ( حفيظة هانم ) التي شاركته عنائه ومشقته حتى أنها نذرت قائلة : ( لأن أراني الله ستين طالبا يدرسون العلوم الإسلامية بطمأنينة دون قلق أو خوف لأذبحن ستين ذبيحة ) وما أن جاء عام 1955م – 1375 هـ حتى كان في مدرسة واحدة فقط ( 160) طالبا فأوفت بنذرها وغدت تذبح كل أسبوع ذبيحة .
ومع استمرار خدمته للقرآن كانت الحكايات والتهم تنسج حوله . كما تتواصل ملاحقات الشرطة والتحقيقات القضائية فأقيمت الدعاوى ضده وصدر قرار بالقبض عليه واقتيد إلى المعتقل حيث ضع في السجن الانفرادي ثلاثة أيام تعرض فيها لأنوع التعذيب من رجال الشرطة .
وفي عام 1939م – 1358هـ تمت محاكمته في محكمة الجنايات الأولي باستانبول وفي عام 1944 م – 1358هـ تمت محاكمته في محكمة الجنايات الأولي باستانبول وفي عام 1944م – 1364هـ ألقي القبض عليه مرة وفي عام 1957م – 1377هـ قبض عليه مع صهره وبعض طلابه وبقوا في السجن شهرين انتظارا للمحاكمة وكما حدث في المرات السابقة فإن هذه المحكمة أيضا برأت ساحته فلم يحكم عليه بالسجن ولو يوما واحدا بالرغم من تكرار اعتقاله ومحاكمته .
وفي أواخر حياته اشتد عليه مرض السكر إلا أنه على الرغم من ذلك كان لا يتوقف عن التدريس وفي آخر خطاب له طلابه كان مما قاله .
" يا أبنائي إن هذا العالم الموحد هو ظل الله تعالي في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله فهل يجرى الإنسان خلف الظل ؟ّ إن الحياة الدنيا مثل ظل الإنسان مجبرة على أن تأتي خلف من يرتبطون بالله والشمس ابلغ مثال على ذلك فلو تشرق الشمس خلف الإنسان أى لو أن الإنسان يعطي ظهره للشمس سيري الظل أمامه .
ولهذا فهو مهما يجري فلن يصل إلى ظله . لأنه يجري , يجرى ظله معه أما إن سطعت الشمس أمام الإنسان فالظل آنئذ مجبور على أن يكون خلفه وبناء عليه يجب العودة إلى الحق تعالي وأن نجعل الدنيا تابعة له مثل الظل "

وقال أيضا :

" يا أبنائي لا يلهكم القلق على معيشتكم فالمعيشة مال الدنيا , والمعيشة مجبرة على اللحاق بمن ارتبطوا بالله .
يا أبنائي إنكم محظوظون لأنكم تتعلمون العلم حيا عن حي وستستمرون في القيام بهذه المهام فإذا بقيتم مواظبين عليها فستجوني من الداعين لكم فإذا لم تعلموا العلم الذي تلقيتموه منا لغيركم ولم تشحنونهم به فاعلموا بأن أصابعي العشرة ستأخذ بخناقكم يوم القيامة وإذا لم تقوموا بهذه الخدمات فبأى وجه ستقابلون الله وتقابلون رسوله وتقابلونني .. يا أبنائي إياكم والفرقة والخلاف أنتم مأمورون بنشر نور الله "
وتوفي سليمان أفندي في 16 سبتمبر 1959م – 1379هـ وعمره آنذاك 71 عاما وعند وفاته تم استخراج تصريح دفن له , في مقابر مسجد الفتاح نظرا لامتداد نسبه إليه إلا أن الحكومة بعد استخراج التصريح منعت الدفن هناك وأمرت بدفنه في مدافن ( قراجه أحمد) باستانبول ودفن في 17 سبتمبر 1959م – 1379هـ .

أعمال سليمان حلمي أفندي :

أوقف سليمان أفندي حياته لتربية الطلاب وتعليمهم ولم تتجاوز مؤلفاته الثلاثة مؤلفات :

1- حروف القرآن وحركاته .

وهو كتيب من ستة صفحات , لتعليم كيفية قراءة القرآن الكريم معتمدا فيه أسلوب ونظاما جديدا أشبه بعلم التجويد , ويقول أن تعلم القرآن من خلال هذا الكتيب تختصر المدة اللازمة لتعلمه إلى عدة أيام قليلة

2- رسالة الكبريت الأحمر .

وهي رسالة تحتوى على بعض الأمور المهمة لأرباب سير السلوك التصوفي .

3- رسالة المكتوبات أو ( بعض المسائل المهمة)

وهو كتاب يتحدث عن أحوال أرباب الطريقة وكيفية الصحبة وآدابها والواجب على أهل الطريقة تركه واجتنابه , ويفسر الفرق بين الحقيقة والطريقة وعلاقتهما بالشريعة ويوضح رأي سليمان أفندي في وحدة الوجود .
إلا إن سليمان أفندي يري أن أشهر مؤلفاته وأدومها وأكثرها نفعا هي ( الكتاب الحي ) ويقصد طلابه . ففي معرض إجابته على سؤال وجه إليه عن سبب عدم تأليفه للكتب .

قال : نحن نعلم ما نعلمه للأجيال فتقوم هذه الأجيال بتأليف الكتب , نحن نقوم بإعداد كتبا حية تؤلف بثمن قد دفنت تحت التراب وتلفت , أو ألقيت في المزابل أو وضعت على الأرفف حتى كساها التراب .

فوجدت أن خيرا لى أن أربي طلابا يفهمون الكتب ويعيشون العلم ... فأنا أقوم بتأليف الكتاب الحي "

وثمة سبب آخر لعدم تأليفه الكتب رغم امتلاكه للقدرات العلمية التي تؤهله للتأليف فيذكر (مصطفي أرباقان) وهو من طلابه :

" إن الأستاذ كان يدرس طلابه العقائد فبدأ يملي كتابا بهذا الشأن وبعد أن أملي نحو أربعين صفحة توقف عن الإملاء .

فلما سأله أحد طلابه عن عدم الاستمرار أجاب : سمعت أن البعض ( ويقصد بعضا من أتباع سعيد النورسي ) يقولون أن كتاب أستاذهم يكفيهم ولا يحتاجون إلى غيره وأنهم في بعض الأحيان يجعلون كتب أستاذهم في منزله فوق القرآن فيتركون القرآن ويقرأون تلك الكتب , وهذا خطأ كبير قد يقع فيه بعض من طلابي ولهذا صرفت النظر عن الاستمرار في الكتابة "

منهج دعوته

لعل أهم ما يميز منهج سليمان حلمي أفندي في حركته المعروفة ( بالسليمانية ) أنه منهج تمحور حول الطالب , وتربيته , وصياغته الفكرية ورسم دور له في المجتمع فحركة السليمانيين حركة صوفية , ركزت على إعادة العلاقة بين الشيخ والمريد في القرن العشرين إلى كان كانت عليه في العهود المنصرمة ويتضح ذلك من اهتمام سليمان أفندي بطلابه وشغفه الشديد بهم وحرصه على توطيد العلاقة معهم ويتم تناول منهج سليمان أفندي من جانبين :

الأول : علاقته بطلابه وأثرها في صياغة الفرد النموذج أو القدوة

من أهم أسباب نجاح ( سليمان ) في مجال التدريس أنه كان يعامل طلابه بشفقة الأب , فحين يبدأ درسه تعود أن يسألهم عن أحوالهم ومشاكلهم واحدا واحد .
وكان سليمان قبل أن يبدأ درسه يوضح لطلابه أهمية الدرس ويحببهم فيه وعلى الرغم من أن درسه كل يوم لم يكن يقل عن 8 ساعات لم يكن أحد من الطلاب يشعر بالملل أو يرغب في الشكوى .

وكان الطلاب يبادلونه نفس الحب بل يحبونه حبا يفوق حبهم لآبائهم وأمهاتهم ولما سئل سليمان أفندي عن سر الحب قال :

" إن حب الأبناء لأبيهم وأمهم حب له سبب ظاهري أنهم السبب في إحضارهم إلى الدنيا أما نحن فتأخذهم من هذا العالم لنعبر بهم من أرض المحشر ومن على الصراط إلى الجنة والجمال الإلهي ".
وقد بلغ به افتخاره بطلابه إلى أن قال : " ظفر أصغر طالب أغلي عندي من الدنيا "
وكان ينظر إلى الطلاب على أنهم أبنائه يفرح لفرحهم ويغتم لغمهم " فقد جاءه أحد طلابه في يوم بارد من أيام الشتاء لأمر من الأمور, فرأى شيخه جالسا في غرفة باردة .
فشرحت زوجته الأمر قائلة : الشيخ يرفض الجلوس في مكان دافئ لأنكم لا تجدون ما تتدفئون به ويمرض طلابه أحيانا فيحنوا عليهم حنو الأب والأم ويأخذهم بنفسه إلى الطبيب أو يرسلهم إليه مع أحد غيره .
وذات يوم أبلغوه بحالة أحد طلابه بعد أن عرضوه على الطبيب فتوجه الشيخ نحو القبلة ورفع يديه إلى السماء وصار يجأر قائلا : يا رب ! إننا مع هؤلاء الأبناء سنقوم بخدمة دينك وكتابك فأحفظ لنا أولادنا يا إلهي "
ويذكر أنه عاد ذات يوم إلى منزله دون أن يشترى أى طعام وقال لزوجته ( لم أستطيع أن أشتري للطلاب طعاما فلم أشتر للبيت ) ليعبر عن استحيائه من أكل شئ لا يأكله الطلاب .
أكد سليمان أفندي كثيرا لطلابه على الغاية التي يتعلمون من أجلها وعلي وجوب أن تكون هذه الغاية واضحة في أذهانهم وقلوبهم .

" يا أبنائي! إن جهات الحرب المعنوية , ليست خالية من الجنود المعنويين ولا السلاح إن الله تعالي يوقع الأعداء في بعضهم البعض .

لا تفكروا في شئ اهتموا فقط بعملكم إنكم عمال الله , وعمال نبيه , ودينه , وكتابه , وعمال توزيع الفيوضات الإلهية .
ووظيفتكم هي إنقاذ الأمة من العسل الذي غرقت به وغايتكم رضا الله تعالي الذي هو رزاق العالم .
فهل بعد ذلك يفكر العبد في الرزق ؟! الدولة تعطي الراتب لعاملها فهل يحرم المولي عبده , وليكن شعاركم " المجاهد في سبيل الله " المشتاق إلى جمال الله "
ويؤكد أن الرباط المشترك الذي يربطه بهم ويبج أن يربطهم به هو خدمة الإسلام ونشر الدعوة الإسلامية فكان يقول لطلابه .
" لقد أصبحنا في عصر الدين فيه غريب , ولهذا قمت بتعليمكم الدين تحت هذه الظروف الصعبة وأنا لا أريد مالا أو غنى إن ما أريده منكم أن تذهبوا إلى الأناضول وإلي محافظاتكم وتفتحوا مراكز لتعليم القرآن وتعلموا أبناء الأمة المحمدية دينها وكتابها , إن قمتم بهذه الخدمات الدينية فأنا داع لكم وإلا وقفت أمامكم يوم القيامة ووضعت أصابعي العشرة في وجوهكم "
ومن جملة المفاهيم التي أكد على توضيحها لطلابه أن ذلك العلم ما هو إلا وسيلة وليس هدفا في حد ذاته فيقول" لن تصبحوا علماء بقولي لكم ( أجزت ) فقد أعطيتكم مفتاح العلم وبهذا المفتاح الذي أخذتموه ستذهبون إلى الأناضول وتفتحون الكتب الضخمة وتشرحون ما فيها من الحقائق لأبناء الأمة المحمدية "

ويؤكد ذلك بقوله لطلابه :

" علم غيرك ما تعلمته . وكن مثالا للنظافة فكم من الناس تخرجوا من كليتين أو ثلاثة لكنهم لم يعلموا أحدا مما يعلمون حسدا وغيره والمتعلم الحقيقي هو الذي يطبق ما تعلم ويعلم الآخرين "
وكان يجعل من شهر رمضان الكريم شهر الاحتفالات بطلابه فكان " كلما اقترب شهر رمضان استنفر طلابه ليتوجهوا إلى مختلف المناطق في تركيا ويقومون هناك بإلقاء المواعظ في هذا الشهر الكريم وعن عودتهم بعد انتهاء الشهر يسألهم واحدا بعد الآخر عما قاموا به من خدمات وتغرورق دموع الفرح في عينيه لدى سماعة خبر قيامهم بالوعظ وتعليمهم الناس قراءة القرآن ويقول : ( هذا من فضل ربي ) وكان يحث طلابه على العمل الدؤوب مهما كانت الظروف فكان يقول : إذا ذهبت للتدريس وكان يقول للطالب الذي يعود من سفر طويل متعبا : يا ولدى! اذهب إلى الجامع ( الفلاني ) وقم بوعظ الجمعة كي تشعر بالراحة مشيرا بذلك إلى أن الراحة تكون بمواصلة العمل والخدمة .
وربي طلابه على البذل والعطاء مهما كانت النتائج كان يلقي الدروس على من يجده من الطلاب أو الجماعة من غير نظر إلى قلة الجماعة أو كثرتها وذات يوم أرسل أحد طلابه ليعلم القرآن فشكا الطالب من عدم وجود من يعلمه في المكان الذي ذهب إليه قائلا : سيدي وجدت هناك شخصين فقط فتركتهما وعدت فأبدي الشيخ أسفه الشديد وقال بلهجة الغاضب : ( يا ولدي كم من الأنبياء تركوا هذه الدنيا من غير أن تكون لهم أمة فماذا بعد أن وجدت اثنين من الطلاب ) وأعاده من حيث أتي "
ولم يكن سليمان أفندي يهتم بالمعارضين له بل يعد ذلك علامة صحية في طريق الدعوة ويعلم طلابه ذلك قالوا له ذات يوم : يا سيدنا ! إن فلانا وفلانا تحدثوا عنك بسوء .
فأجاب قائلا : الحمد لله ! فقد نجونا من أن نكون منافقين .
فقد تحدثوا بذلك عن رسول الله وعظماء الإسلام فلو لم يتحدثوا عنا لشككنا في أنفسنا "
وأوصي طلابه بالتعاون والتساند والبعد عن الاختلاف وما يدعو إلى الفرقة قائلا : هذه وصيتي : لا تختلفوا .
دعوا القومية , ولا تتفرق بكم السبل عن طريق أهل السنة وعليكم بالاتحاد والتضامن في كل الأحوال التكاتف في كل شئ والالتزام بالتضامن ضروري للفوز لأن نصر الله وتأييده المادي والمعنوي مع الجمعة والعاملون معا ينالون ثمرته خلال وقت قصير "

وقد حث طلابه على متابعة أحداث ووقائع عصرهم وأن يعايشوا زمانهم في أزماته وأن يكون لهم رؤية وعمل إيجابي تجاه مجريات الأحداث ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ورفض السلبية تجاه الأحداث فقال :

" إن الاهتمام والإيجابية من ديننا وليس عدم المبالاة"

فقد كان يتابع أحداث العالم ويطلب كل صباح جريدة " الصباح الجديد " ليقرؤوا عليه التعليقات على السياسة الخارجية والأخبار الهامة بصورة منتظمة وكان شعاره في هذا الصدد قول الإمام الرباني : من لا يعرف أوضاع العصر لا يكون عارفا بالله .

ويتحدث كذلك عن قضايا المسلمين في العالم وأحيانا يذكرها على منصة الوعظ في المساجد إذ تطلب الأمر ذلك ويحذر رجال الدولة أحيانا بينما لم يجرؤ كثير من الوعاظ بتلك الفترة على ذكر الأحداث اليومية في المساجد خلال حرب الاستقلال التي كان الشعب الجزائري يخوضها ضد الاحتلال الفرنسي عام 1956م- 1376هـ وكانت الحكومة التركية تدعم فرنسا في الأمم المتحدة وقد عارض سليمان أفندي موقف الحكومة فقال في أحد مواعظه :" لا أقل من أن ندعو لإخواننا الجزائريين " وكان قوله هذا سببا في استجوابه أكثر من مرة " وأيد كفاح الجزائر ضد الفرنسيين للحصول على استقلاله وأعلن من فوق منبرى ( جامع السلطان أحمد ) و( جامع أمين اينونو) في استانبول:" أن تركيا قد حل عليها الوبال لأنها صوتت في الأمم المتحدة ضد الجزائر ولصالح فرنسا . ونتيجة لهذا تعرض للتضييقات الأمنية المختلفة وقبض عليه .

أما عن موقفه من السياسة فلم يشارك في العمل الحزبي ولم يحث طلابه عليه فقد قال :" الدين أصل والدنيا والسياسة فرع قد تكون الدنيا والسياسة وسيلة لانتشار الدين ولكن الدين مطية لمصالح الدنيا وسياستها فذلك حرام, إلا أنه كان يشارك هو وطلابه في الانتخابات بالإدلاء بأصواتهم للحزب الأكثر خدمة للإسلام والمسلمين.

وقد وقف سليمان أفندي كثيرا بجانب العاملين في حقل الدعوة الإسلامية وساندهم قدر المستطاع فقد أولي اهتماما بالصحافة الإسلامية والنشر وقدم الدعم المادي والمعنوي لنجيب فاضل كي يصدر مجلته ( الشرق الكبير ) حتى إنه باع بيته الوحيد وصرف ثمنه على إصدار تلك المجلة

كما أنه كان الداعم الأكبر لجهود ( جواد رفعت أتيلخان ) في إصداره الكتب التي من شأنها توعية الأمة ضد إخطار الماسونية والصهيونية في تركيا ووزع تلك الكتب وأوصي باقتنائها كما قدم الدعم لكل كتاب أو مجلة أو جريدة ( أهل السنة) ومجلة ( الرجل الحر ) .

كما كانت له اتصالات مع بديع الزمان سعيد النورسي يطلعه فيها على ما يقوم به من خدمات ومنهجه في الدعوة وقد لقيت خدماته الإحسان والتقدير من النورسي وقال عنها " : إن واجبنا الرئيسي اليوم هو العمل على صيانة الإيمان ونحن نقوم بهذا الواجب , ولا نقوم بالتدريس أما مهمة تعليم القرآن الذي هو أساس الإسلام ومصدر النجاة المادي والمعنوي ونشره ليس في تركيا فحسب بل في كافة أرجاء المعمورة فيقوم بها أخي ( سليمان أفندي ) ومعاهد القرآن التي أسسها ويقوم بهذا العمل كله خلال وقت قصير جدا فالعلوم الإسلامية التي كانت تدرس سابقا في عشر سنوات أو خمس عشر سنة تدرس الآن مراكزه في سنة أو سنتين فتخرج علماء وفقهاء ومفسرين إنها معجزة قرآنية .

والعلم عند سليمان أفندي نوعان علم كسبي وعلم وهبي وعلومه من هذين النوعين يدرسها لطلابه إلا إنه كان دائما يؤكد على وجوب سلامة وطهارة الباطن حتى يستقيم الظاهر فيقول:

" العلم نور إلهي .. والإنسان خلية. والعلم لا يسكن في القلب والجسم متسخ بالمعصية والظلمة كما لا يسكن النحل في الخلية المتسخة .

ويرفض فكرة أن العلم الظاهرة وحده قادر على الحفاظ على الدين دون الالتفات إلى نصيب من ذلك الدور. "إن( دولة المجر) كانت في وقت من الأوقات مسلمة . ولكن جاء اليوم الذي لم يبق فيها سوى علماء الظاهر . وعلماء الظاهر محرومون من المعنويات فلم يقيموا التوازن. فصاروا كما نري الآن. فلا يمكن الحفاظ على هذا دون معنويات .

والاقتصار على الباطن إلحاد كما إن الاقتصار على الظاهر غفلة والكمال بالجمع بينهما .

حاول سليمان حلمي أفندي أن يغرس في نفوس طلابه الكثير من المعاني الإسلامية السامية , والقيم النبيلة وأن يواجه ذلك المنتوج البشري القيمي نحو خدمة المجتمع المسلم والعمل على نهضته .

فقد حثهم على إفشاء السلام وصفاء القلوب وتخليصها من أمراضها فقال :

" أحسن في اليوم إلى واحد على الأقل وفرج عنه كربته .

لأن طريق الجنة يمر من تفريج الكرب .

فمن فرج كربة أخيه فتحت له أبواب الجنة .

واكتساب قلب واحد يزن أربعين صلاة .

أما كسر قلب فيذهب بأجر أربعين صلاة .

كلما استيقظ في الصباح أدعو الله فأقول : ( يا الله وفقني على أن أقدم الإحسان لإنسان في هذا اليوم ) فسلم على أول شخص تلقاه حين خروجك من البيت والعودة إليه .

ولا تنتظر أن يبادرك هو بالسلام وسيرد عليك بالسلام أيضا.

اليد العليا خير من اليد السفلي والمعطي أكرم من الأخذ .

أحب الناس ولا تنظر إلى أحد نظرة دونيه كن متواضعا لأن أجود الزينة هو التواضع المتواضع هو من يلبس أحسن الزينة .

واعمل في حياتك من غير حسد وأحب بدون غيرة .

بعض الناس يحسد ما لدي الآخرين فلا تكن كذلك . اطلب النعمة ولا تتمني زوالها من أحد فلا يقبل الله من أحد أن يحسد أحد.

وحثهم أيضا على أن يتمثلوا الإسلام ظاهرا وباطنا وأن ينعكس إيمانهم على مجتمعهم في سلوكيات طيبة وأخلاق ومعاملات حسنة فقال :

"إذا صرت موظفا حكوميا فلا تتكبر على المواطن الذي جاء عليك , ولا تدعه ينتظر واقفا على قدميه . أجلسه على الكرسي .

واسأل عن حاله بعد أن يأخذ شيئا من الراحة ثم أنجز عمله وحذار من قول : ( اذهب اليوم وتعال غدا ) وقم بجاحته في نفس اليوم وإلا فإني آخذ بخناقك وأعط مكانك لمن تجده أحسن منك في العمل وهذا هو حب الوطن .

ودعاهم كذلك إلى أن يكونوا فخورين بالتزامهم بتعاليم الإسلام في غير تكبر ومتواضعين في غير ذلة وأن يقدموا صورة طيبة للشخصية المسلمة فقال :

" لقد نظروا إلى المسلمين حتى الآن نظرة دونية, وعرفوهم بأنهم أناس هيئتهم رثة وثيابهم قذرة ولذا عليكم يا أبنائي أن تلبسوا النظيف وتمشوا في الطرقات ولأزقة بوقار شديد .

ت‌- المحتوي الدراسي :

" وضع سليمان أفندي مفردات البرنامج الدراسي بنفسه .

وكان قد اتخذ المواد التي كانت تدرس في المدارس العثمانية أساس له وكانت تدرس بتكثيف شديد, إلا أنه مع ذلك كان يشرح بعض العلوم الفنية مثل القضاء والحقوق والطب ويحث طلابه على تعلمها والتزود منها "
" كان سليمان أفندي يدرس العلوم الصوفية إلى جانب دروس المدرسة الكلاسيكية وقد جمع بين نظام المدرسة والتكية الصوفية في منهجه التدريسي والتربوي وكذا كان يتابع التطورات العلمية والتكنولوجية عن قرب ويوصي بها طلابه .
وقد تميز منهجه التدريسي ذلك عن منهج المدرسة العثمانية القديمة بجمعه بين العلوم الشرعية والتربية الصوفية إلى جانب اختصار مدة الدراسة تلك من عشرة أعوام إلى ما بين ثلاثة إلى خمسة سنوات حيث كانت أنشطته التعليمية تستمر صيفا وشتاء دون انقطاع اللهم إلا في شهر رمضان الكريم من خلال برامج تعليمية مكثفة .

وقد قسم سليمان أفندي الدراسة في مدارسة إلى أربعة مراحل تعليمية وهي على الترتيب :

1- المرحلة الابتدائية
2- المرحلة التحضيرية.
3- مرحلة ما قبل التكامل.
4- مرحلة التكامل .

وفيما يلي عرض لمفردات المواد التعليمية التي تدرس في كل مرحلة :

1- المرحلة الابتدائية :

وهذه المرحلة بها طلابا اجتازوا المرحلة الابتدائية الحكومية على الأقل ويكون التركيز فيتلك المرحلة على القرآن الكريم :

1. تعلم أحكام التجويد.
2. حفظ بعض السور مثل ( جزء عم, يس, الملك , الفتح , الرحمن )
3. بعض الرسائل الفقهية الضرورية بشكل مبسط .
ويسمح لمن لديه القدرة على حفظ القرآن كاملا أن يحفظه من خلال برنامج منظم .

2- المرحلة التحضيرية:

ينتقل الذين يجتازون المرحلة الابتدائية السابقة إلى هذه المرحلة التي يتم التركيز منها على مبادئ اللغة العربية الأولية فيدرس الطالب فيها .
1. في التصوف كتاب : ( مراح الأرواح ) تأليف حسن شوقيبن عثمان الوهبي الهزار غراوي وينقسم إلى ثلاثة أقسام الأمثلة والبناء والمقصود .
2. في النحو كتاب: ( النحو وهو عبارة عن ثلاثة رسائل الأولي شرح متن الكافية لابن حجاب والثانية شرح متن إظهار للبرجوى والثالثة متن العوامل .
3. في المتون العربية كتاب : ( نور الإيضاح ) وهو كتاب في العبادات للإمام أبي حنيفة قام بشرحه أحد شيوخ الأزهر في مصر اسمه ( أبو زيد شلبي وهو كتاب شرح مبسط للفقه الحنفي .
( مختصر القدروي) لأبي الحسن أحمد بن محمد بن جعفر الهمداني وهو كتاب في الفقه الحنفي.

3- مرحلة ما قبل التكامل :

بعد أن يجتاز الطالب المرحلة التحضيرية يمكنه أن ينتقل إلى هذه المرحلة ويدرس فيها كتاب :

أ‌. في المتون الدينية باللغة العربية :
1. كتاب ( العلاقة ) لمحمود الأنطاكي وهو ( علم البيان .
2. ايساغوجي للأبهرى ( في المنطق)
3. المنار لابن ملك ( في أصول الفقه).
4. متن العقائد لعمر النسفي ( في علم الكلام )
5. الأمالي لعلي الجاري ( في المذهب الماتريدي).

ب‌. في اللغة العربية وآدابها :

1. المنلاجامي لعبد الرحمن الجامي ( في النحو ) .
2. تلخيص المفتاح لمحمد عبد الرحمن المشهور بخطيب الدمشقي ( البلاغة لإنشاء )
3. علم الوعظ.

4- مرحلة التكامل :

وهذه هي المرحلة النهائية في المراحل التعليمية بمدارس سليمان حلمي أفندي وتتميز بصعوبة المواد الدراسية بها ويدرس بها الطالب :

1. شرح لعقائد لسعد الدين التفتازاني( في العقيدة) .
2. مرآة الأصول في شرح مرقات الوصول للقاضي محمد بن قراموز الشهير بمنلا خسرو ( في علوم القرآن ) .
3. درر الحكام في شرح غرار الأحكام لمنلا خسرو( في الفقه )
4. التفسير للقاضي البيضاوى ( البرجوى )
5. رسالة شمسية جديدة لإبراهيم وهبي أفندي زاده ( في علم المنطق )
6. شرح فرائض السراجية للعلامة السيد الشريف الجرجاني ( في الفقه )
7. أصول الحديث لمحمود أسعد سيد شهرى ( في علم الحديث )
8. قصيدة البردة للإسلام البوصيري ( في الشعر ) .

وجدير بالذكر أن الدراسة في مدارس سليمان حلمي أفندي طوال عام, ويعد شهر رمضان عطلة دراسية بها إلا أنه كذلك يمكن أن يعد تدريبا عمليا حيث يتوزع الطلاب على مساجد القرى والمدن يخطبون ويعظون .

هذا والدراسة في كل مرحلة من المراحل الأربعة مدتها عام واحد بعدها يحصل الطالب على الإجازة وقليل منهم من يجتاز مرحلة التكامل نظرا لصعوبتها.

وبعد أن يتخرج الطلاب من تلك المدارس منهم من يباشر حياته العملية حسب تخصصه المهني ونوعية تعليمه الجامعي ومنهم من يستمر في تلك المدارس حيث يعمل بها مدرسا .

شخصيته التصوفية :

نشأ سليمان حلمي طوناخان وتربي في أسرة صوفية فقد كان أبوه وجده من مشايخ الصوفية وله آراء في التصوف أكد عليها وعلمها طلابه ومنها :

1. الرابطة :

وتعرف الرابطة في السياق التصوفي بـأنها ارتباط خاص للدرويش بشيخه أى ارتباط قلب شخص بقلب شيخ هو مظهر لسر الخلافة المعنوية وهى تصور تخيلي لصورة وسيرة الشيخ بنية طيبة للاستفادة منه والاستفاضة من نوره حتى وإن لم يكن السالك أو المريد قد رأي الشيخ أو لا يعرف صورته فإنه يمكنه أن يقيم هذه الرابطة معه بأن يتصور روحانياته.
"وهدف تلك الرابطة في التصوف هو حصول الارتباط أى يكون السالك دائما في الحضرة الإلهية فالمسالك أولا يرتبط بالمرشد الكامل ثم منه إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم ثم منه إلى الرب المتعال .
ثم يفني في الله تعالي .

وتعد الرابطة أحد المعتقدات الهامة والأساسية لدى السليمانيين ويقول فيها سليمان أفندي :

- القلب ذي لا رابطة فيه كالرأس الذي لا عقل فيه .
- تطهير النفس من السوء فرض عين ولكن هذا لا يتم بالذكر والعبادة وإنما يحدث فقط نتيجة الرابطة .
- إن أهل الرابطة أيديهم سالمة وألسنتهم وظهورهم ودينهم .
- أن الوقت الذي يصرفه الناس في الرابطة يضاف إلى العمر وينمي العقل .

2. الكرامة :

ويعارض سليمان أفندي معارضة قطعية الكرامات الاستعراضية ولا يعترف إلا بكرامة وصول الفيوضات الربانية إلى قلوب الأمة المحمدية .

ويعتبر أكبر كراماته الشخصية هو توفيق الله له في تعليم العلوم الشرعية المعنوية :

- إن عملنا الوحيد في هذا العالم هو توصيل الفيوضات الإلهية إلى قلوب أبناء الأمة المحمدية .
- فلا تطلبوا إظهار الكرامات فبعض أولياء الأناضول تسابقوا في إظهار الكرامات فغدت سببا في خراب الأمة .
إن ما أطلبه لى ولكم كرامة واحدة ألا وهي تعليم الدين الإسلامي للأمة المحمدية ونشره .

3. وحدة الوجود :

ويعارض سليمان أفندي وحدة الوجود معارضة تامة ويوصي طلابه ألا يعتقدوا في هذه الفكرة وقد كتب رسالة خاصة حول رأيه في مذهب وحدة الوجود يتضح من خلالها معارضته القاطعة للمذهب وعدم قبوله له من أى وجه ويعزى كذلك علم ( وحدة الوجود ) ومنشأة إلى الإفراط في المحبة .

حركة السليمانيين بعد وفاة سليمان حلمي :

إدارة كمال قاجار (.. 2000م -1421هـ):

بعد وفاة سليمان حلمي أفندي انتقلت إدارة الجماعة إلى زوج ابنته كمال قاجار و قد كان من قبل يباشر شئون الجماعة الإدارية خاصة عندما تأخرت صحة سليمان حلمي ." إلا أن ( كمال ) لا يمثل أى جهة معنوية للجماعة أى أن التوجه المعنوي لأعضاء الجماعة نحو سليمان حلمي أفندي شخصيا أما ( كمال قاجار ) فيتولي الشئون الإدارية للجماعة فقط.
وقد شارك كمال قاجار في الحياة السياسية من خلال " دخول المجلس نائبا عن حزب الأمة في محافظة ( كوتاهية ) في انتخابات 1965م – 1385هـ وقد تلقي تعليمه الديني على سليمان حلمي وفي نفس الوقت عمل بالتجارة.
ثم انتقل بعد ذلك إلى حزب العدالة ومثله نائبا عنه لثلاث دورات وأثناء ذلك اختير لعضوية المجلس الأوربي وبعد انقلاب 1980م – 1401هـ القي القبض عليه لمدة تسعة أشهر في سجن محافظة (انطاليا ) ثم برئت ساحته بعد ذلك .
واستمرت الجماعة بعد وفاة ( سليمان حلمي ) على نفس المنهج في ممارسة أنشطتها إلى أن بدأت تدب الخلافات بينها وبين رئاسة الشئون الدينية " ففي عام 1965م – 1385هـ بدأ نائب رئيس الشئون الدينية يضيق التفتيش على مراكز تحفيظ القرآن الخاصة بالسليمانيين ويسعي كذلك لإقصاء أعضائها عن مؤسسات رئاسة الشئون الدينية ولما وجد منتسبوا الجماعة أنهم لم يستطيعوا الاستمرار في العمل من خلال مؤسسات رئاسة الشئون الدينية بدأوا في فتح ( مساكن الطلاب ) اعتبارا من 1973م- 1393هـ
وقد جمعوا بين مساكن الطلاب التي افتتحوها داخل أنحاء تركيا تحت مسمي ( اتحاد جمعيات تقديم العون لطلاب مراكز تحفيظ القرآن والمدارس ) .
واهتمت كذلك الجماعة بتعليم الفتيات العلوم الدينية ففتحت لهن مراكز تحفيظ قرآن " يتعلمن بها إلى جانب الحياكة , والتطريز وما شابه ذلك من الأعمال النسائية وتعلم بعض العلوم الدينية " ويزداد عدد مراكز السليمانيين باستمرار فيذكر أنها قد بلغت في تركيا نحو 2500 مركزا لإقامة الطلاب وتعلمهم ومن المعلوم أن هذه المراكز لا تتلقي من الطلاب أية مصروفات ".
ويلقي الطلاب في هذه المراكز عناية فائقة حيث تتوافر لهم إمكانات الراحة والنظام وهذه المراكز مجهزة بأحدث أنظمة المعيشة ويشهد لها بالنظافة والنظام .
ويتلقي الطلاب هناك دراسات دينية إلى جانب حفظ القرآن ثم يختار أساتذة هذه المراكز من الطلاب الفائقين بها الذين يجتازون المراحل العلمية السابق ذكرها .
وتتوفر الإمكانات المالية بهذه المراكز من خلال التبرعات العينية والمالية التي يقدمها أعضاء الجمعة الأثرياء وكذلك من تبرعات أهل الخير .
ويعلن مديرو هذه المراكز أن هدفهم تنشئة شبابا يحب دينه ووطنه وأمته لا يرون ضرورة بالغة في أن يتولي هؤلاء الشباب مناصب كبري داخل مؤسسات الدولة ويقولون كما أنه هناك حاجة للموظف المتدين فإن هناك حاجة أيضا للمزارع المتدين, والتاجر المتدين والعامل المتدين "

أنشطة السليمانيين خارج تركيا :

وتمارس حركة السليمانيين أنشطتها خارج تركيا أيضا بنفس المنهج في أوروبا تحت مسمى ( المراكز الثقافية الإسلامية ) فتقوم بشراء الأبنية هناك وتنشئ في قسم منها مسجدا وفي القسم الآخر مكتبة وقاعة اجتماعات وقد أسست عددا من المساجد في مناطق شهيرة بألمانيا لخدمة الأتراك العاملين بألمانيا وكذلك نشر الدين الإسلامي بين الأوربيين .
وقد أسست لها مراكز ثقافية في بلغاريا ورومانيا وفي دول آسيا الوسطي المستقلة عن روسيا وتقدم الخدمات الإسلامية هناك من خلال مراكزها تلك كما أنها تقدم منحا دراسية للأتراك الموجودين في آسيا الوسطي والبلقان للدراسة والتعلم في تركيا .

علاقاتها السياسية :

أيدت حركة السليمانيين الحزب الديمقراطي وحزب العدالة حتى انقلاب 1980م -1401هـ .
إلا أنها بعد ذلك واعتبارا من 1984م – 1405 هـ أيدت تورجوت أوزال الرئيس العام لحزب الوطن الأم .
وعلى الرغم من وجود اختلافات بين طلاب سليمان حلمي أفندي وبين أباقان وأحزابه قبل 1985م – 1406هـ إلا أنها قد ساندت مرشيحه في الانتخابات المحلية عام 27 مارس 1994م – 1415هـ
ومن الجدير بالذكر أن السليمانيين يمثلون مركز ثقل بالغ الأهمية في الانتخابات على الرغم من ابتعادهم عن العمل السياسي المباشر إلا أنه يحرصون على الإدلاء بأصواتهم الانتخابية ومن ثم كان على الأحزاب السياسية اليمينية محاولة استرضائهم للتأثير في كفة الأصوات الانتخابية " فقد التقت ( طانصو تشيللر) بكمال قاجار في 17 يناير 1995م – 1416هـ لمدة عشرين دقيقة وقد دعته لحضور افتتاح المركز العام لحزب الطريق القويم .
وحركة السليمانيين قد غدت بفضل جهود القائمين عليها حركة لها ثقلها في حقل العمل الإسلامي في تركيا , ويقال أن عدد المنتسبين إليها تجاوز 2 مليون شخص في حين يذكر أيضا أنه يقترب من 4 ملايين شخص وذلك من خلال طلابها الذين يتخرجون من مدارسها البالغ عددها ( 2500) مدرسة داخل تركيا فقط .
وقد امتازت حركة السليمانيين عن غيرها بعدم تعرضها للانقسام بعد وفاة مرشدها الروحي سليمان أفندي . ويرجع ذلك لفصلها بين المرشد الروحي والقائد الإداري وكذلك إلى هيكلها التنظيمي الذي يقسم الحركة بين مسئولي المناطق الكبرى .
ويلحظ أن حركة السليمانيين قد غدت بعد انقلاب 1980م – 1401هـ أكثر انفتاحا على المجتمع أكثر من ذي قبل وبدا عليها الوضوح في منهجها وتنظيمها بعد الغموض الذي كان يكتنفها ويعرضها للشبهات والاتهامات.
إلا أنها رغم كل ذلك لا تهتم بالدعاية لنفسها ولا تسعي للمشاركة أو الانخراط في العمل السياسي .

المبحث الثالث الحركة الأرباقانية

تنتسب الحركة الأرباقانية إلى الأستاذ الدكتور : نجم الدين أربكان المنتسب للطريقة النقشبندية وقد تميزت هذه الحركة عن حركتي النور والسليمانيين بكونها حركة اتخذت من الساحة وآلياتها ميدانا لنشاطها وجهودها .

وتتسم هذه الحركة أيضا بحداثتها فقد بدأت فاعلياتها الرسمية في بداية السبعينيات مستفيدة من النتاجات الفكرية والبشرية السابقة عنها أو المعاصرة لها سواء في داخل تركيا كحركتي النور والسليمانيين والطرق الصوفية أو في خارجها كالإخوان المسلمين في مصر , والجماعة الإسلامية في باكستان.

ولذا تصنف هذه الحركة بأنها ( حركة إسلام سياسي ) تستوسل الحزب السياسي آلية عمل رئيسية لها .

وتنعت الأحزاب السياسية المنبثقة عنها بأنها ( أحزاب سياسية إسلامية ).

ولا يمكن اعتبار أن تأسس بعض الأحزاب السياسية التي تستند على عناصر إسلامية بعد أن دخلت تركيا مرحلة التعددية الحزبية في 1945م – 1365هـ حتى أصبحت ذات هوية إسلامية واضحة – تطورا أو بعثا مفاجئا للحركة الإسلامية فقد ظهرت الفكرة الإسلامية في أواخر الدولة العثمانية كرد فعل على حركة التغريب في الأنماط القيمية والثقافية التي تزايدت وأثرت بدورها على تقاليد المجتمع العثماني. وكذلك أيضا ناقشت الحركة الإسلامية آنذاك البحث عن حل لأزمة التخلف الحضاري التي آلت إليها الأمة الإسلامية حينذاك .

ومما يلحظ أن الحركة الإسلامية والأيديولوجية الإسلامية بعد دخول تركيا إلى النظام التعددى قد أصبحت مؤيدة ومدعمة للأحزاب السياسية التي يمكن أن توصف بأنها يمينية ولم تر الجماعات الإسلامية والطرق الصوفية التي تحتل مكانة داخل الحركة الإسلامية أى حرج في أن تؤيد وتناصر تلك الأحزاب .

" وقد أيدت الجماعات الإسلامية الأحزاب اليمينية حتى تحد من تأثير علمانية حزب الشعب الجمهوري والحركة اليسارية التي ظهرت بعد ذلك أو اضطرت إلى هذا التأييد وقد اضطرت الحركة الإسلامية ضمن خط التطوير السياسي الذي تشكل في ظروف تركيا الصعبة إلى انتهاج خط العداء للعلمانية والعداء لليسارية بدلا من أن تطرح برنامجا خاصا بها وظلت هكذا حتى عام 1970 م – 1390هـ

ويلحظ أن قسما كبيرا من الإسلاميين قد تبؤوا أماكنهم في حزب العدالة بشكل عام قبل تأسس حزب النظام الوطني ونظروا إلى حزب العدالة على أنه امتداد للحزب الديمقراطي وقد أدت الشبهات التي تولدت عن الاعتقاد بعدم قدرة حزب العدالة على مواجهة العلمانية إلى انتظام الإسلاميين في شكل سياسي مستقل ومن الممكن القول أيضا أن تسفخ العلاقة بين النظام العلماني والشعب إبان ثورات الجمهورية وتعرض الشعب لضياع الوعي والإدراك الإسلامي . كان سببا آخر لتأخر انتظامهم السياسي .

نجم الدين أربكان : حياته العلمية ومكوناته الفكرية اتسمت حياة نجم الدين أرباقان منذ أولي مراحل تعليمه بالتفوق الواضح وحملت بداخلها مؤشرات لشخصية متميزة وملامح فكر جديد يختلف عن النمط الإسلامي التصوفي السائد آنذاك في تركيا .

" ولد نجم الدين أرباقان في 29/10/1926م – 1345هـ وبدأ دراسته الابتدائية في سبتمبر 1933م – 1352هـ بمدرسة قيصري الابتدائية وحصل على الابتدائية في مايو 1938م – 1357هـ من مدرسة غازي باشا بطرابزون .

وفي سبتمبر 1938م – 1357هـ التحق بمدرسة استانبول الثانوية للبنين .

وحصل على الشهادة الثانوية بأعلي تقدير في 1943م- 1362هـ وبسبب تفوقه على أكثر من ألف طالب تم امتحانهم ألحق بالفرقة الثانية مباشرة من قسم الميكانيكا بجامعة استانبول للتكنولوجيا في نوفمبر 1943م – 1362هـ وتخرج من هذه الكلية التي مدة الدراسة بها ست سنوات في خمس سنوات فقط وحصل على مركز الطالب الأول ولذا عين معيدا بقسم المحركات بنفس الكلية .

"وعرف عن ( أرباقان ) آنذاك تدينه وحرصه على أداء الصلاة جماعة في تلك الظروف السياسية الصعبة التي عاصرت فترة شبابه وكذلك عرف عنه حرصه على التردد على الشيوخ ومجالستهم وخاصة منهم الشيخ ( محمد زاهد قوتقو) من كبار مشايخ الطريقة النقشبندية"

"وابتعث نجم الدين أربكان إلى ألمانيا من قبل الجامعة بعد أن أعد رسالته للدكتوراه التي ضمت ثلاثة مجلدات .

وبقي في ألمانيا في الفترة من 1951م 1371هـ - 1954م – 1374هـ وفي الفترة التي بقي فيها بجامعة للتكنولوجيا أعد ثلاث رسائل علمية أخرى الأولي كانت دكتوراه للجامعة الألمانية والثانية كانت رسالة للحصول على درجة أستاذ مساعد أما الأخيرة فقدمت لوزارة الاقتصاد الألمانية .

وفي تلك الفترة بعد أن نشر رسائله , دعى بشكل خاص من قبل ميلاس المدير العام لشركة التي تقوم بتطوير محركات دبابات الأقاليم الباردة الجديدة للجيش الألماني وعين في وظيفة جديدة على درجة كبير مهندسي محركات الدبابات في تلك الشركة .

" وعاد أرباقان إلى تركيا لفترة عام 1953م – 1373هـ ودخل الامتحانات وقدم رسالته , وحصل على درجة أستاذ مساعد وهو آنذاك في السابعة والعشرين وكان بذلك أصغر أستاذ مساعد في تركيا وبعد أن أتم دراسته وأعماله في ألمانيا عاد إلى وظيفته في جامعة استانبول للتكنولوجيا على درجة أستاذ مساعد"

ومنذ عودة أرباقان من ألمانيا سعي لتطبيق الشعار الذي نادي به في الأوساط العلمية وهو ( إقامة حركة صناعية كبرى بتركيا) ولعل أبرز تطبيقات ذلك الشعار آنذاك كانت شركة ( جوموش موتور ) ويروي أرباقان بنفسه كيف تم تكوين تلك الشركة فيقول :

" على كل إنسان أن يخدم وطنه فبينما كنت في ألمانيا بعد الحرب أعمل في شركة لتصنيع محركات الدبابات رئيسا للمهندسين الباحثين كنت متأثرا ومتألما بشكل بالغ لعلمي أن أبسط وأصغر موتور للري تقوم تركيا باستيراده من الخارج فكيف يعقل أن نصنع نحن أفضل المحركات في ألمانيا ثم تستوردها بلادنا من هناك فخدمة وطننا تحتم علينا أن نصنع هذه المحركات في بلادنا ولكن صناعة الموتور ليست بالعلم وحده وإنما تحتاج إلى رأس مال .

ولهذا قمنا بجمع رأس المال من نحو مائتي شخص من المتدينين وأصبحت شركة " جوموش موتور " هي شركة " الفكر الوطني " رأس المال الذي جمعناه آنذاك يعد اليوم رقما خياليا وأسسنا أكبر شركة موتور في تركيا وقمنا بتشغيلها في خلال أربع سنوات "

" لقد صنعنا الموتور التركي في شركة ( جوموش موتور ) عام 1960م – 1380هـ ليكون موتورا محليا بجميع قطع غياره .

وهذه المحركات حتى الآن ( اسمها الآن بانجر موتور ) تلبي احتياجات تركيا في ذلك المجال .

حتى أنها تلبي احتياجات العراق وباكستان أيضا وتؤسس الآن شركة أخرى للمحركات في أذربيجان وهذه المحركات تعمل منذ تصنيعها حتى الآن دون أن يتم تغيير جواط واحد بها ".

إلا أننا لم نستطع أن نستمر فقد تعرضت محركاتنا لعملية إغراق تجارى وكان علينا أن نخفض من قيمة الموتور 6700 ليرة إلى 2700 ليرة ولذا لم نستطع الاستمرار .. إلا أن المسئولية تقع على اتحاد الغرف الصناعية التركية التي لم تستطع أن توقف هذه العملية فقد كان عليها أن توقف الاستيراد لتشجيع الناتج المحلي "

حصل نجم الدين أرباقان في 1959م 1369هـ على عضوية مجلس الغرفة الصناعية باستانبول . وأصبح رئيسا لقسم الصناعة باتحاد غرف تركيا عام 1966م – 1386هـ وفي أكتوبر من نفس العام عين سكرتيرا عاما لاتحاد غرف تركيا .

ويقول:" عندما أصبحت رئيسا لهذا الاتحاد عملت على حماية جميع منتجاتنا المحلية وقمت بتغيير سكرتارية هذا الاتحاد وعينت فيها من لديهم الرغبة لحماية الصناعة الوطنية .

وحتى عضوية أرباقان في مجلس إدارة اتحاد غرف استانبول 1978م – 1399هـ لم يكن يعرف من قبل الأوساط الشعبية فقد كان رجلا أكاديميا فحسب ومن بعد اضطلع أرباقان عن صغار رجال الأعمال داخل ذلك الاتحاد ضد كبار رجال الأعمال الذين يسيطرون على حركة التجارة والمال في تركيا آنذاك ,لصالح البرجوازية الصغيرة في الأناضول فتجمع حوله عدد لا بأس به من صغار رجال الأعمال وبدأ يعرف في الأوساط الشعبية .

" سعى بعض أعضاء الاتحاد لإبطال الانتخابات التي أقرت رئاسة أرباقان العامة لاتحاد غرف تركيا فقدموا طلبا للمستشار .

وقدم أرباقان التماسا بالطرق القانونية , واستصدر قرارا بمشروعية الانتخابات إلا أنه في تلك الأثناء صدر قرار آخر من محكمة أخرى يؤيد مطلب المدعين وأدى هذان القراران المتناقضان إلى أصداء واسعة في الرأي العام وفي النهاية نجحوا في إقصائه عن الرئاسة.

انتسب أرباقان منذ أوائل مراحل دراسته إلى جماعة ( إسكندر باشا ) التي يتزعمها الشيخ ( محمد زاهد قوتقو) وهي جماعة تنتمي إلى الطريق النقشبندية وقد تلقي أرباقان على يد ذلك الشيخ العلوم الإسلامية كما كان لقوتقو أبلغ الأثر في تربية أرباقان على يد ذلك الشيخ العلوم الإسلامية ومصدر آخر من مصادر الثقافة الإسلامية لأرباقان هو كتب الفكر الإسلامي ومصدر آخر من مصادر الثقافة الإسلامية لأرباقان هو كتب الفكر الإسلامي التي ترجمت إلى التركية سواء كتب سيد قطب وحسن البنا من مصر وسواء كتب أبو الأعلى المودودي من باكستان وقد أحدثت حركة الترجمة تلك تغيرا ملحوظا في استراتيجيات الحركة الإسلامية في تركيا عموما وفي وضع محددات واضحة لعلاقة الدين بالسياسة وموقف الإسلام من العلمانية لدى الطرق الصوفية على وجه الخصوص .

" ويوضح أرسين جوردوغان من طلاب الشيخ قوتقو التطورات المتعلقة بفترة تأسيس حزب النظام الوطني قائلا:

" كان شيخنا يؤمن أن التصنيع بشكل يلبي احتياجاتنا الأساسية لنحافظ على ثقافتنا ونتخلص من تبعية الغرب وسيلة هامة لتحقيق استقلالنا الاقتصادي والسياسي.

ولهذا وكما أوضح محمد أسعد جوشان ( زوج ابنة قوتقو) في أحد أحاديثه أن قوتقو كان رائدا في تأسيسه شركة " جوموش موتور " التي كانت محاولة هامة وفريدة في تاريخ التصنيع في تركيا "

ومن أهم العوامل التي ساعدت على ظهور حزب النظام الوطني هو فكرة بعض الجماعات الإسلامية في الاستقلال سياسيا عن حزب العدالة " ومثال ذلك ( محمد زاهد قوتقو) فقد كان يهتم كان يهتم بكل مشكلات الدولة الاقتصادية والسياسية ,

والاجتماعية . ويحث طلابه على هذا الأمر . وقد رأى قوتقو أنه قد حان الوقت لقيام حزب إسلامي يمكنه أن يقف على قدميه مستغنيا في ذلك عن حزب العدالة فأسس حزب النظام الوطني الذي اختار اسمه بنفسه وهكذا كان قوتقو هو الشخص الذي جعل من أرباقان رئيسا للحزب ومن الجدير أيضا أن ( حملة التصنيع الثقيل ) التي نادي بها أرباقان بعد انتخاباته رئيسا لاتحاد الغرف تعود إلى قوتقو"

ويعتبر ذلك التغير الحادث في تطور نظام أفكار الطريقة النقشبندية وأيديولوجيتها القديمة المتوارثة تغيرا محوريا في الانتقال من جبهة المعارضة والرفض التام للنظام المؤسسي الجمهوري والاكتفاء بالمقاطعة التامة إلى جبهة التفاعل مع نفس النظام الجمهوري من خلال مؤسساته المدنية وآليات عمله السياسية مع الحفاظ علي الخطوط العامة للأيديولوجية النقشبندية والمرجعية الإسلامية وصياغة برامج حزبية تصور الطرح الإسلامي للمشكلات ونمط المعالجة .

وقد أذن الشيخ ( قوتقو) لأرباقان بتأسيس حزب النظام الوطني وتولي رئاسته وإدارة شئونه إلا أن ( أرباقان ) طرح رؤيته الإسلامية بشكل شامل وأقرب إلى الوضوح في كتابة المسمى الفكر الوطني ويعد هذا الكتاب المرجع الأساسي للحركة الأرباقانية في مراحلها الثلاث من خلال أحزابها السياسية النظام الوطني والسلامة الوطني والرفاه.

وجدير بالذكر أن ذلك الكتاب يطرح مشروعا حضاريا شاملا ولعله من الخطأ الظن أن الحركة الأرباقانية لا يمثلها سوى لحزب السياسي فقد انبثق عن ذلك المشروع الحضاري العديد من المؤسسات والهيئات الرسمية وغير الرسمية التي تسعى لتطبيق ذلك المشروع في مجالاته المتعددة الاقتصاد والتعليم,وشئون المجتمع , والتصنيع, والتجارة والإدارة والقانون والشباب وغيرها ,

ولذا فالحزب السياسي الذي يعمل تحت مظلته ( أرباقان ) لا يمثل سوى المرآة السياسية الرسمية التي تنعكس فيها نتاجات المنتمين إلى مشروع ( الفكر الوطني ) خاصة وأن ذلك المشروع له هيئة مؤسسية كبرى وتتخذ من ألمانيا مقرا لها ويعد نجم الدين أرقان رئيسا روحيا لها وتسعي تلك الهيئة لتشكيل تنظيم عالمي لها في البلدان الأخرى خاصة أوروبا الغربية وأمريكا.

دراسة تحليلية للطرح الأرباقاني ( الفكر الوطني )

السياق اللغوي

يحمل السياق اللغوي لمشروع ( الفكر الوطني ) إشارات ودلالات صادرة عن مكونات فكرية خاصة لصاحب الطرح وتكشف تلك الإشارات والدلالات عن صياغات أيديولوجية للفكر الإسلامي التركي في قوالب حداثية أو متوائمة مع الظروف السياسية والدستورية في تركيا ولعل من أبرز ملامح السياق اللغوي للمشروع .

أ‌. إن سياسة التسمية أو العنونة مهمة فيما تشير إليه من منطلقات وأهداف المشروع فالمسمي التركي تعني وجهة النظر أو الرؤية أو الفكر أما كلمة فتنطوى على إيحاءات إيجابية في ثقافة النمط الأيديولوجي فهي تستدعي فكرة " الملة " ( ملة إبراهيم حنيفا ) أى الشريعة ورصيد كلمة في الذاكرة التركية عميق يرتبط مباشرة بالإسلام .

وقد تطور مدلولها في عهد الجمهورية التركية فاكتسبت معنا تربويا آخر وهو ( الوطني ) لما هو كائن من امتزاج ورباط ووثيق بين الدين , والوطن في الذهنية التركية .

وراعي كذلك البعد السياسي للتسمية عامل التميز عن الرؤى السياسية الأخرى المطروحة داخل ساحة العمل السياسي في تركيا فتحاشت التسمية أية مسميات خارجية مستقاة من نظم سياسية وافدة مثل " الليبرالية " التي اتخذها ( حزب العدالة ) منهجا له أو " القومية " التي يتخذها ( الحزب القومي ) منطلقا له خاصة وأن لفظ ( الوطني ) ذلك يحمل في مدلوله العام طرحا وطنيا قوميا خالصا .

يتسم النسق اللغوي للمشروع بالمزاوجة الملحوظة بين نظامين للغة أحدهما يتمازج بسهولة مع لغة الحداثة أما الآخر فينسجم بمرونة أيضا مع اللغة الفقهية والتصوفية السائدة في نتاجات الطرق الصوفية وعلماء الدين الإسلامي.

مثل جعله أول الأهداف الرئيسية للمشروع رفع شعار ( أولا : الأخلاق والمعنويات ) وكذلك تركيزه على خلق ( شعور وطني) أو استخدامه الغالب لكلمة " الأمة" عن الحديث عن تركيا الوطن والبلد والجمهورية والدولة ولعله استهدف من استخدام مثل هذه المفردات الدلالة على المرجعية الدينية للشعب التركي ومحاولة إعادة بناء الهوية الإسلامية داخل الوعي التركي .

وكذلك استخدامه شعار ( تركيا الكبرى من جديد) فهو يعارض به شعار منافسه ( سليمان دميرال ) ويستدعي به الصورة التاريخية للخريطة العثمانية الممتدة ويشير به إلى المرجعية التاريخية العثمانية بما تحمله من خصوصية دينية إسلامية .

جـ . والسياق اللغوي للمشروع غير خلو من تناصات دينية واضحة من لغة لخطاب الإسلامي التقليدي وكذلك من تناصات تاريخية من الإرث الثقافي العثماني.وتبدو في أكثر أشكالها عند حديثه عن المرآة والعلاقات الأسرية في استدلاله بالآية ( يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ..) والآية ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم...) وسوقه عددا من الأحاديث النبوية الشريفة مثل " الدنيا وخير متاعها المرأة الصالحة " وأكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا, "وخيركم خيركم لأهله " و" طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة ".

وكذلك عند حديثه عن العلم والمعرفة ومكانتها في الإسلام يشرح شرحا مفصلا للقيمة التي أولاها الإسلام للعلم وحثه عليه . ويورد ذكر تاريخ المسلمين وإسهاماتهم في مجال العلم والحضارة في مختلف المجالات وكيف أن الغرب قد استفاد من العلوم التي أوجدها المسلمون وأن على المسلمين الآن مواكبة الحضارية والإسراع باسترداد الريادة في مجال العلم , والحضارة ويورد حديثا نبويا ( احذروا فراسة المؤمن فإنه يري بنور الله )

وعند حديثه عن مجد الإسلام وتاريخه الحافل بالانتصارات يذكر بطولات السلاطين محمد الفاتح وسليم الأول وسليمان القانوني , ومواقف السلطان عبد الحميد الثاني , ويقوم بتوظيف تلك الرموز التاريخية العثمانية للتأكد على أثر الإسلام في صنع الأمجاد والوصول إلى الريادة والرفعة .

اتسم كذلك السياق اللغوي للنص ببعض أشكال الغموض والتشويش وأحيانا اصطناع الغموض لعدم حسم خيارات بين رؤى وأفكار لم يحسمها صاحب الطرح ذاته أو لم يرغب في حسمها آنذاك فقد لعبت الظروف السياسية دورا كبيرا في الصياغة المرنة لأهداف المشروع فموقفه مثلا من الديمقراطية على الرغم من الإشارة إليها بوجوب احترامها وتطبيقها بمعناها الشامل والاعتراف بأنها أحد مبادئ والاعتراف بأنها أحد مبادئ الجمهورية إلا أنه لم يضعها في مقارنة ( الشورى / الديمقراطية ) وهي أحد القضايا المثارة في ساحة الفكر الإسلامي حتى الآن .

وكذلك موقفه من الدولة بمفهومها من الدولة بمفهومها الحديث ( الدولة القطرية ) التي تحددت حدودها بموجب اتفاقية لوزان لم يشر إليه قط مع إصراره الدائم على استخدام لفظ ( الأمة ) عند الحديث عن الدولة التركية ورفع شعار تركيا الكبرى من جديد) الذي يحمل ضمن ما يحمل عدم رضي بالحال الجغرافية للدولة التركية.

المرجعية الفكرية لمشروع ( الفكر الوطني )

1. القيمة التاريخية للمرجعية الحضارية :

حدد صاحب الطرح مرجعية المشروع بأنها مرجعية حضارية تميزت بها البلاد وفي ظلالها أبدع مفكروها وعلماءها وفنانوها وحققت لهم العزة والنصر .

فيقول :

" إن أمتنا صاحبة أعظم وأشرف تاريخ : لقد أسست حضارات نموذجية وأضاءت الطريق للبشرية وعلمت الإنسانية كيف تكون الأخلاق والفضيلة وأدارت العالم ووجهته ".


ويرى أن الأساس الذي اعتمدت عليه الأمة في بناء حضارتها هو الإيمان حيث قال " وبينما كانت أمتنا تحرز هذه الانتصارات والنجاحات لا شك أن الإيمان كان يشكل مصدر قوتها الأساسية ".
وأشار أرباقان إلى أن الأساس الثاني لبناء الحضارات الإسلامية كان التوجه الحضري والمدني قائلا :" لقد تزعمت أمتنا العالم بأكمله في المجالات المادية أيضا وكانت لواء الحضارة وكانت رائدة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والتعليم.. وخاصة السمو الأخلاقي والمعنوي فقد شكل حجر الأساس في نجاحها في تلك الساحات وأمتنا هي صاحبة العلوم التي يعتمد عليها الغرب الآن وأمتنا هي التي منحته تلك الهوية العلمية ... وأمتنا هي الأمة العزيزة التي اختارها الله للتمسك بتعاليمه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وأوضح تميز الحضارة الإسلامية بقدرتها على التعايش الحضاري مع سائر الحضارات الأخرى وأن مبدأ التسامح من المبادئ الأصيلة بها " إن تاريخنا ملئ بالمجد والشرف .
فقد مثلت أمتنا على امتداد تاريخها الحق والعدل فقبل ألف عام خرجت أمتنا ضد الحملات الصليبية التي تمثل الغرب آنذاك واطفأت هجماتهم البربرية في صدرها .
وحققت أمتنا انتصارات قبل خمسة قرون عندما فتحت استانبول وقبل أربعة قرون عندما قرعت أبواب فيينا.. إن أمتنا لم تقف في وجه العقائد ولم تكن استعمارية يوما من الأيام .
ودافعت طيلة تاريخها عن الحق والعدل في العلاقات الدولية وضربت أروع الأمثلة في الوفاء بالعهود والمساواة في الحقوق .
ويعزى أسباب انهيار الإمبراطورية العثمانية إلى حركات غير المسلمين داخل المجتمع والسياسية : إن أعدائنا لم يستطيعوا هزيمة أمتنا من الخارج فتوجهوا بعد قرون طويلة إلى هزيمتها من الداخل ومع مرور الوقت حققوا مكاسب بالغة فقد تسببت حركات غير المسلمين في تخلفنا في المجالين المادي والمعنوي .
ويعلن أرباقان بوضوح أكثر – قبل البدء في عرض برنامجه – عن السبب الرئيسي في نهضة الأمة ويبين أن الدافع الديني كان هو الدافع الرئيسي لصناعة مجد الأمة الإسلامية : إن الحركة الواجب علينا القيام بها الآن مع الأخذ في الاعتبار ظروفنا الحالية يجب أن تشبه مسيرة السلطان محمد الفتاح تماما نحو المشكلات التي واجهته عند فتح استانبول بالعزيمة والإرادة. فنحن في الأصل نحتاج إلى تلك الروح والشعلة ونحتاج إلى إحياء الروح والشعلة التي كانت لدى السلطان سليم الأول . وإن لم نحي تلك الروح فلن يمكننا الحصول على النجاح لأن طلسم الوصول إلى ذلك الموقع ليس في الخطط الموجودة على الأوراق وإنما هو خفي في الروح التي عشناها قبل ألف عام "

2. تميز مرجعية ( الفكر الوطني ) عن مرجعيات الأحزاب السياسية الأخرى :

تناول أرباقان في كتابه هذا الحال التي وصلت إليها تركيا منذ تأسيس الجمهورية على المستويين المادي والمعنوي .
وأخذ يعدد الضوائق التي تعاني منها تركيا والمجتمع التركي من الناحية الاقتصادية, والنهضوية ومعاناة اللافحين في الأناضول وحرمانهم من وسائل العيش الصحية والجمود الصناعي والتقني الذي لا يتقدم تقدما يذكر .
وذكر أيضا تردى الأخلاق في المجتمع التركي وتفشي الأمراض الاجتماعية التي تودي بحياة المجتمع مثل الربا والرشوة وتبديد الأموال العامة .
وأشار أرباقان إلى أن مما تحمله الأمة من خصوصيات هو قابلية النهضة ورفض اليأس " إن أمتنا لم تعرف اليأس أبدا فلديها ما يحقق لها النجاح المادي والمعنوي لديها العزيمة والإرادة والإصرار والإيمان والقوة المعنوية وأن تحقق أمتنا النهضة المادية في التقنية الصناعية أمر ممكن وكما أنه سهل أيضا فإنها يمكننا أن تضرب للعالم أروع النماذج في تأسيس نظم الأخلاق والفضيلة "

وينظر أرباقان إلى الحالة السياسية آنذاك ( بداية السبعينات ) إلى أنها حالة غير صحية من الناحية الديمقراطية وأنها لا تحمل رؤى نهضوية ويقسم تاريخ الجمهورية التركية إلى قسمين :

" 25 سنة فترة حكم الحزب الحاكم و25 سنة فترة التعددية الحزبية نعم إنها تعددية حزبية ولكن ذات فكر واحد ويمكنك أن تأسس ما شئت من الأحزاب بشرط أن يكون فكرك ضمن الأفكار المصاغة والمنصوص عليها من قبل "

ويرى أن الديمقراطية في تركيا أنجبت ثلاثة أفكار فحسب وأن هذه الأفكار تمثلها ثلاثة أحزاب وهذه الأفكار :

1- الفكر الوطني.
2- الفكر الليبرالي .
3- الفكر اليساري

ويقول : الغاية الأساسية للفكر الوطني هو تحقيق النهضة للأمة في المجالين المعنوي والمادي / والوصول بها إلى السعادة والسلامة والفكر الوطني حتى يحقق تلك النهضة يعتقد بلزوم :تشكيل الأمة لكل لا يتجزأ حول شعور وغايات وطنية ( ملية ) وتأمين حقوق الإنسان وحرياته, وتحقيق السلام الداخلي بمعناه الشامل, والتام داخل النظام الديمقراطي والتمازح بين الدولة والأمة وتطوير الكيان المعنوي للإنسان ".

ويوضح أرباقان الفرق بين مرجعية فكرته والمرجعيات الأخرى في تركيا فيقول :

" إن الفكر اليساري يتخذ مصدره من الآراء الاشتراكية العقيمة التي تهدد الحريات الموجودة بالغرب الذي لم يستطع أن يجد الطريق الصحيح مع امتداد تاريخه والفكر الليبرالي يتخذ إلهامه من الآراء الرأسمالية والاستعمارية الموجودة في الغرب .
إن كلا الفكرين اليساري والليبرالي يستندان على مصادر أجنبية تسللت إلى بنيتنا الوطنية. إلا أن تأثيرها الذي دخل بنيتنا الوطنية الحمد لله لم يستطع أن يهز بنياننا سليم فهذه التأثيرات مؤقتة إن الفكر الوطني هو الزي الطبيعي الذي يناسب بنيان أمتنا أما اليساري والليبرالي فيذكراننا بشخص يرتدي زي غيره أكمامها قصيرة وتصل حتى ركبته"

ويشير أرباقان إلى حيثية تمايز أخرى :

" إننا نعتقد أن الفكرتين اليسارية والليبرالية التي تولي اهتماما للنهضة المادية فحسب وتهمل التطور المعنوي بعيدين عن تلبية الاحتياجات الوطنية ولا تعطي الاهتمام اللازم للطور المعنوي والأخلاقي الذي يأمر بهما الدستور التركي في مادتيه 10, 14 ولهذا فإنهما لا يمكنهما أن يجلبا السعادة والسلامة لأن أساس السعادة والسلامة , والأخلاق والمعنويات . ولذا رفعنا شعار "أولا " الأخلاق والمعنويات , فالفكر الوطني يمثل الطريق الصحيح وطريق الحق أما اليساري والليبرالي فيمثلان طرقا خاطئة مختلفة "

الأهداف الأساسية

ركز أرباقان الأهداف الأساسية للفكر الوطني في ثلاثة أهداف عامة وجعل النهضة الوطنية العماد الأساسي للفكر الوطني وعول عليها تفعيل الدولة بمؤسساتها وتشريعاتها وأفراد المجتمع على اختلاف فئاته الثقافية والاقتصادية نحو بناء مستقبل وتركيا الاقتصادي والاجتماعي والسياسي .

1. النهضة الأخلاقية والمعنوية :

جعل أرباقان من النهضة الأخلاقية والمعنوية الميزة الفارقة بين برنامجه الفكر الوطن " وسائر البرامج الأخرى وأخذ يعدد من موجبات النهضة المعنوية فيقول :" لو أردنا الوصول إلى النجاح فيلزم علينا إحياء الشعور الوطني أولا والأخلاق والمعنويات في مقدمة العناصر الواجب إحياءها ضمن الشعور الوطني .
وتركيا الآن قد أصبحت على حافة أخطار الشيوعية ونحن نظن حتى الآن أننا سنمنع ذلك بالأفكار المادية .
إنكم عندما بدأتم التحاكم بالقوانين المادية كانت الشيوعية هي أفضل الحلول للقوانين المادية إنكم لا يمكنكم تغيير تلك الحقيقة أبدا إلا أنه لأن القوانين المادية ذاتها خاطئة فكانت النتيجة خاطئة أيضا .
ومن هذه الناحية فنحن مجبورون على أن تتمثل الأخلاق والمعنويات بالشكل الذي أمر به الدستور وتتضح أهمية الأخلاق في المادة 12 من الدستور .ولذا يجب الوقوف بإصرار على المعنويات ومن هذه المنطلق فإنه علينا في الـ 25 سنة القادمة أى الربع قرن الجديد أن نجعل الأخلاق والمعنويات ذات الاهتمام الأول في إستراتيجيتنا "

2. تمازح الدولة / الأمة )

يرى أرباقان أن العماد الأساسي المشكل لهذا التمازح ( الدولة / الأمة ) يكون بالإخلاص المتبادل من الأمة إلى الدولة .
ومن الدولة – ممثلة في موظفيها – إلى الأمة في وجود ديمقراطي حر , مع مراعاة الشعور الوطني العام .

فيقول:" يعتمد الفكر الوطني على مبدأ أساسي وهو الاعتراف بأخوة أبناء الوطن البالغ عددهم 40مليونا وتكامل الوطن والأمة تكاملا لا يتجزأ ورأس كل أمر هو تأسيس الإخوة والتساند والاتحاد في وطننا وأخوة الأمة الواحدة وأبناء التاريخ الواحد أساس والطريق المتبع في ذلك هو طريق السلام الداخلي وطريق الإخوة وليس طريق الاتهامات يمكن أن تكون هناك اختلافات في الفكر والرؤى بين أبناء الأمة الواحدة ويكن ينبغي ألا تكون سببا مطلقا للاتهامات .

إن حرية الفكر والاعتقاد أساس في الديمقراطية ويمكن لأى شخص أن يعرض فكره ورأيه على الأمة دون أى قيد وعلى الأمة أن تلتفت لما ينفعها منه وتتوجه نحوه والفكر يقابل بالفكر.
ويلزمنا أن نتعود على التحرك بمسامحة كبيرة إزاء أصحاب الفكر المختلف من أجل أن تكتمل ديمقراطيتنا وهذا يمكن أن يتحقق بالتربية الأخلاقية "

ويذكر اثر التربية في خلق المجتمع الديمقراطي السوى فيقول :

" ليس من الممكن أن نصوب الأحداث الفوضوية وإنما من خلال تربية أبنائنا تربية أخلاقية ومعنوية يمكننا إعاقة الشيوعية من جذورها وكذلك منع الأحداث الفوضوية ".

ويؤكد أرباقان على أثر العلاقة بين الدولة والأمة في إحداث النهضة الوطنية قائلا :

"علينا من أجل الوصول إلى بنية وطنية صحية أن نتوائم معا بتوفير الصلح الاجتماعي فتمازح الدولة والأمة شرط في النهضة ".

ويقترح بنود عقد من أجل إحداث تمازح ( الدول / الأمة ) فيقول أنه يجب :

1. أن يستقر في قلوب موظفي الدولة أن وظيفتهم الأساسية هي خدمة الأمة وليست التحكم فيها.
2. أن يحترم موظفو الدولة قيم الأمة المعنوية وعنعناتها وأعرافها.
3. ان تصبح الدولة حامية وعادلة بين المواطنين .
والفكر الذي يمكنه تحقيق هذا التمازج, هو الفكر الوطني .

3.كفالة الحريات

أول برنامج ( الفكر الوطني ) اهتمام واضحا بمسألة الحريات واعتبرها قضيته فهي تمثل بالنسبة له وسيلة وهدفا في الوقت ذاته فهي هدفا يتيح – عند الاستفادة من الحريات المكفولة – مناخ عمل إسلامي أوسع وانطلاقة جديدة للفكر الإسلامي نحو التطور والتعايش مع قضايا العصر وهي كذلك وسيلة يطرح نفسه من خلالها كرؤية ديمقراطية تؤمن بالتعددية والسلام الاجتماعي والمجتمع المنفتح.

فيقول : يعترف الفكر الوطني بالحقوق والحريات الأساسية المنصوص عليها في الدستور ومؤيد لها بإخلاص ويعد حرية التملك والمسكن والمساواة أمام القانون والتجارة والسياحة والصحافة والتجمع والمظاهرات شرطا لإظهار الاعتناء بالحريات والحقوق .

ويتناول أرباقان مسألة الحريات من خلال قضيتين أساسيتين.

1. الحرية الفكرية والتعبير عن الرأي :

فيؤكد على إيمانه بحرية الفكر قائلا :

" يعتقد ( الفكر الوطني ) أن حرية الفكر والاعتقاد تشكل أساس الديمقراطية وحقوق الإنسان وأنها تسرع بعملية التطور المدني "

وعن رأيه في العلمانية إزاء هذه المسألة يري مدافعا عنها لأقصي الحدود من ذلك الجانب:

" العلمانية هي أمن لحرية الفكر والاعتقاد . ومانعة لقيام أصحاب فكر أو اعتقاد ما بالضغط – بشكل مباشر أو غير مباشر – على أصحاب فكر أو اعتقاد آخر ولذا فنحن على قدر ما نؤيد ونساند حرية الفكر والاعتقاد ... فإننا نعارض بنفس الدرجة استخدام الشدة والعنف بشأن إجبار الآخرين على قبول الفكر أو اعتقاد ما .
فالفكر يقابل بالفكر وعلينا فقط أن نتقدم بالشكر إلى كل من يطرح فكرته أو يوضح معتقده ضمن تلك المعايير"

ويشير إلى خصوصية الأمة المسلمة في التسامح والتعايش السلمي مع أصحاب الأفكار والمعتقدات المختلفة :

" فأمتنا العزيزة قد أضاءت للبشرية هذا الطريق وقدمت النموذج الأمثل للأمم الأخرى في تطبيق حقوق الإنسان فبينما كان الحكم المتعصب يسيطر في العصور الوسطي وتطبق مظالم بشعة بشأن حرية الفكر والاعتقاد في أوروبا كانت أمتنا تراعي حقوق الإنسان ولم تقم بأى ظلم مطلقا ضد الأمم الواقعة تحت إدارتها والتي تنتسب إلى أديان ومعتقدات أخرى ..وهكذا أمتنا حتى اليوم ذات معتقدات دينية وقيم وطنية معنوية سامية جعلتها تتسامي في معاملتها مع أوروبا الوسطى ودول البلقان التي كانت تحت إدارتها قرون طويلة "
وواضح إيماءات البرنامج إلى وجوب تتمثل حرية الفكر والاعتقاد في شكلها الأوسع وألا يحارب الفكر سوى بالفكر دون تدخل أمنى أو عنف مسلح ويذكر البرنامج أن ( حزب السلامة ) – آنذاك- يمثل تلك الرؤية .

وأشار أيضا إلى حرية الصحافة ودور الصحافة في الخدمة الوطنية :

" إن دور الصحافة الحرة كبيرة في حياة المجتمع والدولة في تحقيق التطور المادي , والمعنوي وفي التبادل الثقافي الدولي , وواحد من أهم مبادئنا في هذا الصدد أن تكون الصحافة حرة بمعناه التام والكامل بشرط ارتباطها بالمفاخر الوطنية واحترامها للقيم المعنوية والأخلاقية .
ولهذا يمكن للصحافة أن تقوم بدور بارز في نقد وتحليل التطور الفكري في ضوء الأسس العلمية والاجتماعية وألا تكون هدامة وداعية للفرقة ...
وتتحمل الصحافة عبئا كبيرا في إعداد الأجواء للنهضة المادية والمعنوية في بلدنا وفي توفير الاستقرار الداخلي والسلام والأمن وفي تطبيق الحريات والحقوق الأساسية بشكل تام وعادل وفي إتمام العملية الديمقراطية "

3- حرية المرأة والأسرة :

4- لعل موضوع حرية المرآة والأسرة من الموضوعات التي اكتنفها الغموض والاجتزاء المتعمد أو غير المتعمد في برنامج ( الفكر الوطني ) فثمة ظروف خاصة تشريعية وسياسية تحيط بقضية المرآة والأسرة في تركيا مثل المساواة في الميراث وسفور المرأة والقانون الفرنسي المنظم لشئون الأسرة والأحوال الشخصية وهذه كلها موضوعات يتعذر بحثها في الساحة الفكرية والسياسية في تركيا إذ يعد التعرض لها تعرضا مباشرا لمبدأ العلمانية التركية ومهاجمة صريحة لمبادئ الدولة .

إلا إن تناول هذا الموضوع في برنامج الفكر الوطني بدا عليه الاجتزاء في التناول الذي قد يكون اجتزاء غير متعمد خاصة فيم يتعلق بموضوع عمل امرأة عندما يري أن عمل المرآة مطلوب في الطب والتمريض وإعراضه عن الإشارة لأى وظيفة أخرى للمرآة يمكن أن تقوم بها في المجتمع وكذلك اكتفائه بوظيفة المرآة في منزلها وتلمسه الخفيف لحقوق المرآة المالية عند إشارته إلى أنها غير مكلفة بأية أعباء مالية .

ويدلل ذلك على طبيعة وحجم تناول الأقلام الإسلامية لقضية المرآة في الساحة الفكرية آنذاك وأن نوعية قضايا المرآة كانت متأثرة – آنذاك – بما يمكن أن يوصف برد الفعل تجاه ضغط تغريبي جارف استمر في تركيا نحو خمسين عاما كما أنه لا يمكن إغفال الموروثات التقليدية لصورة المرأة في المجتمع العثماني وأثرها في هذه الصياغة المبكرة لرؤية الإسلاميين لدور المرأة وقضاياها .

وأكد أرباقان على وجوب التعليم للذكر والأنثى على حد سواء وأورد عددا من الآيات والأحاديث التي تعلي من قيمة المرآة ودورها الأمومي والأسرة في تنشئة الأطفال .

القضايا والمواقف

تناول أرباقان في برنامج ( الفكر الوطني ) العديد من القضايا التي تخص مشكلات المجتمع التركي الداخلية والخارجية بالعرض والتفنيد ثم بطرح رؤيته لحل تلك المشكلات مع تركيزه الدائم على تميز طروحاته بالاستناد على المرجعية الإسلامية من خلال تأكيده على ضمانية طروحاته لحلول جذرية عميقة ووعودها بمستقبل جديد أفضل .

ويعرض البحث لثلاثة قضايا أساسية تناولها ( الفكر الوطني )بالدراسة ووضح نمط المعالجة لها وهي :

1- التربية والتعليم
2- النهضة الاقتصادية والصناعية .
3- السياسة الخارجية .

ويرجع اختيار البحث لهذه القضايا الثلاث لكونها تمثل أهم المشكلات التي تعاني منها تركيا كدولة ومجتمع على المستويين الداخلي والخارجي من حيث الصراع بين مجموعة الثنائيات ذات الخصوصية التركية في النمط الثقافي مثل ( الهوية التركية – التبعية للغرب ) و( الأصالة - المعاصرة ) و( التوجه نحو الشرق – التوجه نحو الغرب) .

1- التربية والتعليم

عرض أرباقان في كتابه لمسألة العلم والتعليم بإثارة قضايا فكرية تعود إلى أواخر الدولة العثمانية مثل موقف الإسلام من العلم وهل العلم المنصوص عليه في المصادر الإسلامية مقصود به العلم الديني فقط أم العلم الديني والدنيوي فقط ومدى ارتباط النظم التعليمية في الدولة العثمانية بالتخلف الحضاري والتدهور العلمي بها في أواخر عهدها والأمل في اللحاق بركب الحضارة السرعة في تبعية الغرب و التماس ثقافته وحضارته .
وقد ناقش القضايا السابق ذكرها بأسلوب علمي عميق استهدف به بيان أثر الإسلام في صناعة الحضارة الإسلامية , وأن علوم المسلمين أصبحت مصادر العلوم الغربية بعد أن نقلها الغرب إلى بلاده ولغاته محاولا الموازنة بين أن يكون خطابه تعبيريا مثيرا وبين أن يكون علميا رصينا فعمل على رفع المعنويات بتأصيل دور علماء المسلمين في صناعة الحضارة الغربية بذكره ابن الهيثم , ابن سينا , والبطاني والخوارزمي, وابن خلدون وبيان جهودهم في علوم الرياضيات والطب والكيمياء والفيزياء وعلوم اللغة والجغرافيا وغيرها .
وعند بيان موقف الإسلام من العلم أورد العديد من الآيات, والأحاديث وسير الأنبياء التي تحث وتدعو إلى طلب العلم .
وتناول بالنقد أسلوب التعليم في مدارس تركيا الحديثة من حيث قصور برامجها التعليمية وتربية الطلاب على الثقافة المادية , وإهمالها الجوانب المعنوية الوطنية نقلها لدى الطلاب في مثل تلك السن الصغيرة إلى جانب تعزيز نظام التعليم لعلماء الغرب ومكانتهم في الحضارة الغربية مع عدم ذكر أى دور للحضارة الإسلامية وعلمائها وأورد في انتقاداته تلك فقرات من الكتب التي تدرس للطلاب.
يولي أرباقان أهمية كبيرة لإحداث تغيير شامل في النظام التعليمي الموجود بتركيا ويرى النظام التعليمي الموجود بتركيا غير صحي لتنشئة أجيال تؤمن بالديمقراطية فيقول :" إن النظام الديمقراطي يمكنه أن يتأسس على قيم أخلاقية ومعنوية فحسب أما أن نقول إن منطلقات تفكيرنا وتعليمنا منطلقات مادية ونظام جمهوريتنا ديمقراطي فإننا بذلك نضرب نظامنا الديمقراطي في مقتل .
ومن ثم يعتقد بأن " الفكر الوطني " هو الوحيد القادر بمضامينه الأخلاقية و المعنوية على " تأمين أفضل شكل الجمهورية الديمقراطية .
والإنسان في فكر أرباقان هو المحور الذي تدور حوله سائر الأفكار والأنظمة فهو مستهدفه وآلية نشاطه .

ولذا يرى وجوب تربيته وتنشئته على أفضل وجه حيث يقول :

"مهما اخترعت من آلات وأجهزة فإن الإنسان سيظل العنصر الأساسي لحركة النهضة في كل مجال وكلما كان عنصر الإنسان صاحب أخلاق فاضلة كلما ارتفع معدل نمو نهضته أما إن فسدت أخلاقه فكل ما ينتجه لن يكون عاملا بناءا بل سيكون عامل هدمه وستذهب جهوده هباءا ويذكر أرباقان أن المستهدف الأساسي في سياسته التعليمية هو نقل الخصال الأخلاقية والمعنوية كدستور حياة للأجيال التركية فيقول :
" سننظر بعين الاهتمام البالغ لتنظيم المقررات الدراسية في كل مرحلة من مراحل الدراسة بدءا من الابتدائية وحتى الدراسات العليا وذلك بغية خلق أجيال مؤمنة مجتهدة مرتبطة بأخلاقها الوطنية والعلاقات الأسرية فخورة بتاريخها الوطني وثقافتها وفضلا عن ذلك ننشد تكوين أجيال ذات إرادة على الوصول إلى مستوى المنافسة في المجالات العلمية والتكنولوجية وأن تكون محل قدوة للإنسانية جميعها.
وقد نادي أرباقان خلال وجوده كرئيس لحزب السلامة في الحكومات الائتلافية الثلاث التي تشكلت فيما بين 19741978 بضرورة عادة كتابة المقررات الدراسية من جديد طبقا للثقافة الوطنية التي تظهر مفاخر علماء الإسلام و أثرهم في إحداث النهضة الحضارية .
وإلى جانب ذلك الاهتمام بالجانب الأخلاقي والمعنوي في المجال التعليمي العام يدافع أرباقان أيضا عن التعليم الديني,وأن الدولة يجب عليها أن تسند لخريجي المدارس الدينية وظائف كبيرة وهامة في الدولة .

وفي معرض دفاعه عن التعليم الديني يبرز أثر التعليم في خلق مجتمع فاضل فيقول :

" يجب علينا أن نعطي أهمية كبرى لتعليم أبنائها مفاهيم مثل التربية والأدب والحياء والعفة .
ويدعو أرباقان إلى نشر التعليم في كافة أرجاء الوطن وأن تشمل إجبارية التعليم الفتيان والفتيان فيقول :" إن حزبنا الذي يعترف بحق المرآة والرجل في التعليم يرى ضروريا أن تتعلم المرأة مثلها مثل الرجل حيث إن فتاة اليوم هي أم المستقبل وربة المنزل التي ستكون وظيفتها إدارة شئون المنزل وتربية الأبناء والاهتمام بصحتهم وتربيتهم الخلقية والدينية .
ويرى أرباقان أن كثيرا من مشكلات تركيا ترجع إلى ضآلة الحركة التعليمية وأن ثمة مناطق محرومة من الإمكانات التعليمية ولذا يجب أن تنتشر المدارس في كل القرى والمحافظات حتى يتم القضاء على ذلك التوزيع غير العادل في الحركة التعليمية .

2- النهضة الاقتصادية والصناعية

تعرض مشروع الفكر الوطني " لقضية الاقتصاد على أساس نقد النظام الاقتصادي الذي كان موجودا آنذاك بشكلية الاشتراكية والرأسمالي وذكر أرباقان في هذا الصدد .
" إن كلا النظامين " الاشتراكي " و" الرأسمالي " لا ينتهي تأثيرهما عند حدود الساحة الاقتصادية فهما يصنعان عالمين خاصين بهما ويوجد بين كلا العالمين جوانب مشتركة فكلاهما نظام مادي نفعي وكذلك كلاهما يسعي لصبغ الأمم الأخرى بثقافة وسلوكه وكلاهما أيضا يعيش حالة من اللاطمأنينة المعنوية في مقابل أن يحصل على التقدم المادي أى أن كليهما كلما تقدم في الرفاهية المادية كلما زادت أزماته ومشاكله المعنوية .

ويعتقد أن النظام الاقتصادي الأمثل هو النظام الذي جاء به الإسلام فيقول :

لا يوجد اليوم على وجه الأرض بلد إسلامي قائم على نظام اقتصادي واجتماعي بمعناه الحقيقي بيد أن عدم وجوده لا ينفي حقيقة أن الإسلام قد جاء بأفضل نظام اقتصادي واجتماعي .

ويري أن النظام الاقتصادي الإسلامي يتميز بجناحه المادي والمعنوي عن سائر الأنظمة الأخرى التي تعتمد على المادة فقط فيقول :

" يوجد في الإسلام نظام اقتصادي شامل خاص به وهو ليس كالنظام الموجود في الشرق أو الغرب لأن الإسلام له جناحان دائما يسير بشكل متوازن بين الماديات والمعنويات ولذا فإنه يوجد في الإسلام الماديات وكذلك المعنويات التي لا تنفصل عنها أبدا .
والنظام الاقتصادي للإسلام يحترم المادة فلكل شخص ماله الخاص وممتلكاته الخاصة .

ويرى أن مراعاة الجوانب الخلقية والمعنوية في المجال الاقتصادي هي طريق النجاح فيقول :

" إن نظام الاقتصاد في الإسلام هو طريق الثراء حيث يعمل على ثراء الإنسان ولكنه في النهاية يصنع إنسانا ثريا تربي على الجوانب المعنوية وقد أولي الإسلام للتجارة أهمية كبيرة وأخبر النبي ( صلي الله عليه وسلم ) بأن التجار الأمناء سيحشرون يوم القيامة مع الشهداء .
وبينما يتناول أرباقان وجوب أن يعتمد النظام الاقتصادي على الجوانب المعنوية والأخلاقية إلى جانب المادية .

إذا به أيضا يرفض بشدة السلوكيات اللا أخلاقية للاقتصاد التي يعتبر الربا أول أنواعها فيقول :

" إننا نرفض بشدة الربا لأننا نعلم أنه عامل سلبي في الحياة الاقتصادية والربا في النهاية يحقق الفقر .. ويولد عدم الاستقرار الاقتصادي ويجبر المال على أن يفقد قيمته تلقائيا كل عام .
ويتطرق أرباقان إلى النظام الضريبي فيربط ذلك النظام الضريبي المطبق في تركيا القائم على أن تؤخذ الضرائب من الأغنياء والفقراء على حد سواء وينادي بأن تكف الدولة عن تقليد الأنظمة الاشتراكية والرأسمالية وأن تعود إلى نظام الفكر الوطني ( الإسلامي ) ذلك النظام الذي يحقق للأمة السعادة بإلغائه النظام الربوي ومنع تحصيل الضرائب من الفقراء .

وينادي أرباقان بضرورة وضع خطط اقتصادية تعمل على توفير العدالة الاجتماعية داخل أنحاء الوطن بأكمله وينتقد النظام الاقتصادي فيقول :

" يجب ألا يكون سبيلنا الاقتصادي ( من أتي بمشروع سأدعمه ) فإن منطقة الأناضول محرومة من إعداد المشروعات في حين أن الأقلية السعيدة أصحاب الشركات في استانبول تفتح مشروعاتها بسهولة ويشيدون المصنع تلو الآخر في استانبول تاركين الأناضول محروما من المصانع .
ويري أن النظام الواجب إتباعه هو " التخطيط المحلي لنهضة الأناضول . وأن تنشئ الدولة مشروعات صناعية للنهضة بكل المناطق وأن توفر لتلك المصانع خدمات البنية التحتية من طرق مياه وكهرباء وتليفونات .. وهذا هو الهدف الأساسي في الناحية الاجتماعية .
ويدعو أرباقان النقابات العمالية والجمعيات والمؤسسات المعنية بشئون العمال أن تمارس دورها كما ينبغي ليصل العامل إلى حقه وأن يحصل صاحب العمل على عمله ينظر إلى العلاقة بين العامل وصاحب العمل على أنها علاقة قائمة على الاحتياج المتبادل بين الطرفين فيقول :
" إننا لا نقبل أن يكون العامل وصاحب العمل مجموعتين متضادتين متنافرين فالعامل وصاحب العمل داخل ( الفكر الوطني ) كلاهما مساعد للآخر وأخوة في غاية واحدة ألا وهي العمل .
وهو في وقوفه إلى جانب العمال ورعاية حقوقهم يستثير فيهم الضيق المالي الذي يعيشونه ويعزيه إلى المشكلات السياسية والسلوكيات الغير أخلاقية والربا ويذكر بأنه لو لم تكن تلك الأخطاء لما سقطت قيمة الأموال وما غلت الأسعار فيقول :
" إن ( الفكر الوطني ) مصر على رفع الغلاء والضوائق التي يتعرض لها عمالنا . فالعامل الذي يوفر وسيلة عيشه بكد يده وعرق جبينه يمثل قوة الفداء والإخلاص في نهضة الوطن إلا أن قيمة النقود التي تستمر في الانخفاض بسبب الأفكار المسرفة والربوية هي التي تخفض من أجر العامل فانخفاض قيمة العملة يؤدي إلى غلاء الأسعار وغلاء الأسعار يؤدي إلى زيادة الأجور التي لا تتكافئ مع حجم الغلاء .

3.السياسة الخارجية

تتميز السياسة الخارجية في مشروع ( الفكر الوطني ) بأنها تنطلق أيضا من المرجعية الفكرية للمشروع ذاته حيث تقوم على سياسة حسن الجوار وتوطيد العلاقات مع الدول الأخرى ويوضح ذلك أرقان قائلا :

" إن رؤيتنا الأساسية الخارجية تتمثل في إقامة علاقات جيدة مع كل الدول وتوسيع علاقاتنا الموجودة فعلا .
ويعد بأن توطد تركيا علاقاتها أكثر مع دول الجوار الحضاري التي تشاركها حضارتها وثقافتها فيقول:

" نرى من الضروري والمفيد أيضا أن تولي أمتنا أهمية أكبر لتوسيع علاقاتها التي أهملت حتى هذه اللحظة مع جيرانها التي تربطها بها روابط ثقافية وتاريخية .

ويشير كذلك إلى أن ( الفكر الوطني ) سيقف موقف المتسامح تجاه من ظلمة وسيعمل على إقرار السلام فيقول :
" إن أمتنا التي تميزت بإخلاصها ورعايتها للاتفاقات الدولية . مصرة على الاستمرار في سلوكها ذلك.
وستبذل جهودها من أجل إقرار السلام وستصفح عن السياسة الغير أمينة التي استغلت السلام في أعمال استعمارية .
وقد وقف أرباقان من خلال مشروعه ( الفكر الوطني ) موقفا رافضا بشدة لدخول تركيا السوق الأوربية المشتركة في بداية السبعينات وذلك على أساس مجموعة من الاعتبارات الوطنية والاقتصادية والدينية .

فدخول تركيا السوق الأوربية لن يجلب عليها أى نفع اقتصادي حيث سيكون قرارها بيد أوربا وحدها ولن تكون سوى مطيعة للأوامر فيقول :

" إن مجلس السوق الأوربية المشتركة سيحكم تركيا مثلما تحكم الحكومة المركزية أحد ولاياتها .. فقد ذكر في المادة الرابعة من لائحة المجلس أن المجلس تساعده لجان استشارية مثل اللجنة الاجتماعية وغيرها .
ومن هنا فثمة تفكير في دولة موحدة . فالمجلس هنا يعني الحكومة فمجلس السوق الأوربية المشتركة يتكون الآن من 142 عضوا برلمانيا نصيب كل دولة من الدول الكبرى الثلاث ألمانيا , وإيطاليا , وفرنسا 36 عضوا , بينما بلجيكا وهولندا 41 عضوا ولكسمبرج 8 أعضاء وفي مثل هذه الحالة يتخذ القرار بأغلبية الأصوات .

ويرى إن تركيا في هذه الحال ستصبح في وضع الخادم لمصالح الآخرين فيقول:

"إن السوق الأوربية المشتركة مثل منزل ذى ثلاثة طوابق يجلس في الطابق الأعلى أصحاب رؤوس الأموال الصهيونية ويعمل الأوربيون في الطابق الأوسط كموظفين لدى سكان الطابق الأعلى في حين يلزمهم خدما وحرسا يقيمون في الطابق الأرضي ولهذا يحاولون استخدام تركيا لتسكن في الطابق الأرضي .

ويؤكد على أن وضع تركيا دخل السوق الأوربية وضع غريب البنية يفرض عليها الطاعة فيقول :

ويعتقد أن الهدف من السوق المشتركة لن يكتفي بالاتحاد الاقتصادي بل سيتعداه إلى اتحاد أوسع وأشمل كالاتحاد السياسي والثقافي وما إلى غير ذلك حتى ينتهي بقيام دولة مسيحية واحدة عظمي فيقول :
" إن السوق المشتركة اتحادا كاثوليكيا, وهدفه توحيد كل الدول الأعضاء داخل دولة واحدة وجمع كل السلطات داخل مجلس واحد له مقاصده الأيديولوجية الخاصة .
ويرى أن السبب في عدم إفصاح السوق المشتركة عن مراميها السياسية هو قلقها من ردود الأفعال بين الأوساط القومية داخل الدول التي تشارك في السوق .

وقد رسم أرباقان خريطة للمراحل التي سيتم بعدها انتقال السوق الأوربية المشتركة إلى اتحاد سياسي قائلا :

" سيهدفون الحواجز الجمركية. ولن يبقي هنالك معني للحدود بين الدول .
وستصبح سائر القوانين الخاصة بالشئون الاقتصادي والاجتماعية قوانين موحدة بكل الدول الأعضاء وفي هذا الإطار لن يبقي شكل للأنظمة الوطنية وسيوضع محلها النظام المشترك وكذلك ستستحدث عملة نقدية موحدة .
ولعل أرباقان يكون بهذا قد استنبط شكلا مسبقا للإتحاد الأوربي القائم حاليا بما فيه من نظم اقتصادية ودستورية وعملة موحدة وغيرها .

ولم يكتف أرباقان بهدم الفكرة الأوربية بل طرح نظريته الخاصة ( الفكر الوطني ) للعلاقات الدولية وتوجهت فيها علاقاته نحو الشرق وبخاصة مع الدول العربية والإسلامية فيه حيث قال :

" إن أهم المواد الخام الأساسية توجد في الدول الإسلامية التي تتفق مع تركيا في التوازن الاقتصادي وتربطها بها علاقات ثقافية وتاريخية .
وهي كذلك تمثل سوقا واسعا للمنتجات خاصة وأنه يوجد لديها الدولارات التي يمكن أن نشترى بها بضائعنا بسبب البترول الموجود لديها وتتوفر أيضا لديها القدرة على شراء المنتجات الصناعية التركية .\
وإذا ما أسست تركيا سوقا مشتركة مع هذه الدول فإنها سرعان ما ستنشط صناعيا وتقوي وإلا فإن الغرب والسوق الأوربية سيستعمران تركيا .
وفي النهاية يجب الإشارة إلي أن الحركة الأرقانية بمشروعها المسمي ( الفكر الوطني ) تعد نقطة تحول كبرى في تاريخ الفكر الإسلامي في تركيا فقد مزجت هذه الحركة بين الجانب الديني التصوفي في شكله التركي وبين الجانب الثقافي العلمي والجانب السياسي الذي يرعي المصالح الوطنية وهذه الجوانب مجتمعة جعلتها حركة مجتمع لا تقتصر على مجموعة بشرية معينة أو فكرة دينية تلتف حول ممارسة طقوس إسلامية محدودة .

الباب الثالث الحركات الإسلامية في تركيا : استراتيجيات التغيير وآلياته

المبحث الأول استراتيجيات التغيير لدى الحركات الإسلامية

شهدت بداية الثمانينات فترة نمو وتزايد الحركات الإسلامية في تركيا وإن كانت من قبل كانت آخذة في النمو وممارسة أنشطتها أيضا .

إلا أن بعد انقلاب 12 سبتمبر 1980 شعرت الحركات الإسلامية بضرورة وضع إستراتيجية متكاملة لإحداث تغيير واسع في المجالين السياسي والاجتماعي التركي محاول الاستفادة من المناخ الديمقراطي الذي تزايد بعد الانقلاب الأخير.

ويمكن القول أن ثمة إستراتيجيتان للتغيير اختارت بينهما الأوساط الإسلامية .

الأولي, إستراتيجية ( الأسلمة من أسفل إلى أعلي ) وهي أشبه بإستراتيجية فتح القلعة من الداخل عن طريق عمليات الأسلمة المكثفة لقطاعات محددة ذات تأثير قوي في الدولة وقريبة من مواضع صنع القرار .

والثانية , إستراتيجية ( الأسلمة من أعلي إلى أسفل ) وهي تستوسل العمل المسلح للقيام بثورة شاملة للاستيلاء على الحكم مباشرة .

الأسلمة من أسفل إلى أعلي :

وقد تبني إستراتيجية ( الأسلمة من أسفل إلى أعلي ) في تركيا حركة النور وحركة السليمانيين وبعض الطرق ,والجماعات التي تمثل فروعا للطريقة النقشبندية والحركة الأرباقانية متمثلة في حزب الرفاه ومؤسساتها الأخرى التابعة لتنظيم ( الفكر الوطني ) وهم يرون أن الحركة الإسلامية بعيدة عن المنطق الثورى المتعجل وتفضل النضال الطويل الصعب .

والذين قبلوا هذا الاتجاه لا يجعلون في أولوياتهم الاستيلاء على الحكم في فترة قصيرة ويجعلون علاقاتهم السياسية في الدرجة الثانية أولا تكون لهم علاقة بالسياسة أساس وأهدافهم الأساسية تتركز في بناء نشاط جماعي ويجعلون في أولويات عملهم التخطيط لتكوين ( وحدات بشرية ) متدينة وتحقيق انسلاخ إلى حد ما لهذه الوحدات من المجتمع – الذي يرونه - بعيدا عن الإسلام وهكذا تتكون جماعات من المؤمنين الحقيقيين تتبع أوامر الإسلام. ويصبح الهدف المرحلي هو العمل على زياد وانتشار هذه الوحدات في أنحاء المجتمع بالتدريج إلى جانب أن هذه الوحدات ينبغي أن تكون مكانة تأثيرية في المجتمع .

ويوضحون في أدبياتهم أصالة فكرتهم التغييرية واعتمادها على منهج قرآني :

" القرآن يخبر عن التغيير فردا فردا .

وثلاثة ثلاثة, وفوجا فوجا والقرآن يرى التغيير الاجتماعي واجبا فالمجتمع لا يتغير دون تغيير الأفراد والنظام لا يتغير دون تغيير المجتمع والعمل على تغيير النظام مع تخطي تغيير المجتمع يذهب بكل شئ هباء منثورا .

والجماعات المختلفة التي تنتهج هذا النهج تسعى – قبل كل شئ – إلى تأمين وجودها ثم يرغب في تحويل تقاليدها التي استقرت بداخلها لتتلائم مع ظروف العصر مثل الاستفادة من الوسائل التكنولوجية كالصحف, والمجلات , والكاسيت والفيديو والإنترنت إلى جانب الأنماط الوعظية والخطابية .

ويمكن أن يلحظ وجود مفهومين مختلفين في إستراتيجية ( من أسفل إلى أعلي ) في تركيا أحدهما تطعيم النظام السياسي بفلسفة الإسلام السياسي, الاستيلاء على الحكم وأسلمة الدولة والمجتمع في الإطار الذي يأذن به النظام وهذا المفهوم تمثله ( الحركة الأرباقانية ).

أما المفهوم الثاني فترجيح التفعل السياسي في إطار المصالح المتبادلة مع أحزاب الكتلة اليمينية, وتشكيل وحدات متدينة لهم داخل تلك الأحزاب ويرون أنهم بذلك يمكنهم أسلمة ميكانيزما الحكم السياسي في النهاية دونما طرح الإسلام كحزب سياسي قابل للنجاح أو الفشل .

ويمثل ذلك المفهوم ( حركة النور ) وخاصة مجموعة ( فتح الله جولن ) و( حركة السليمانيين ) وبعض الطرق الصوفية الأخرى .

ويمكن القول أن أغلب المجموعات التي تتخذ لها مكانا داخل الحركة الإسلامية في تركيا أصبحت تستهدف أسلمة المجتمع بهذه الوسيلة والأهداف الكبيرة لديهم تتمثل في إعادة القيم الإسلامية التقليدية للحياة الثقافية والاجتماعية وبناء مجتمع مسلم يعتمد على الأخلاق ويعتقدون أنهم بعد وصولهم إلى هدفهم الأول سيكون من الممكن تأسيس نظام سياسي جديد يدار بقوانين الشريعة الإسلامية .

الأسلمة من أعلي إلى أسفل :

بينما يطالب أغلب الإسلاميين في تركيا , بتقدم تدريجي وسلمي نحو أسلمة الدولة فإن ثمة أقلية راديكالية صغيرة لا تتفق مع تلك الاستراتيجية . وهي مجموعات راديكالية صغيرة متأثرة بالثورة الإيرانية وترفض إستراتيجية الأسلمة ( من أسفل إلى أعلي ) وترى أنها ستتعرض للإخفاق بسبب سياسة الأسلمة في نظام علماني وينادون بتأسيس الدولة الإسلامية عن طريق تمرد الشعب كما في الثورة الإيرانية والتسييس السريع للكتل المتدنية التقليدية من خلال العمليات الإرهابية والمؤامرات .
ويوضحون أن أول أهدافهم يستوجب تأسيس نظام سياسي إسلامي ثم استخدام هذه القوة لتكوين مجتمع مسلم حقيقي وإستراتيجيتهم تعتمد على تشكيل حركة سياسية أسرع وأشد من التغير الثقافي والاجتماعي الواسع .
وتعتقد هذه المجموعات بأنها لن تستطيع أن تؤسس الدولة الإسلامية دون الدخول في صراع واضح مع النظام فهم يرون أن الدولة الإسلامية لن تؤسس إلا بالاستشهاد " قاذفين بأنفسهم تحت جنزير دبابة النظام "
وترى هذه المجموعات الراديكالية العنف ضرورة ويوضحون أن النظام العلماني لم يترك خيارا آخر سواه ." وأنه سيأتي يوم يكون فيه الصراع والصدام داخل الشعب وسيصبح هذا الصراع بين مناضلي الجبهة الإسلامية مع مناضلي الجبهة العلمانية ".
ويعتقد الراديكاليون كذلك بأن الثورة ستتم بـ " بأفراد أثبتوا أنفسهم في ميدان العمل أو في إطار تنظيمات يمكن أن توصف بأنها متعلمة ونشطة وليس بأناس لا وظيفة لهم ولا مستقبل كان تجمع لها رجال من الشوارع .
أما عن الناحية التطبيقية لاستراتيجيات الحركات الإسلامية في التغيير فهي تتمثل في سياسة اختراقات لكافة أجهزة الدولة وخاصة ذات التأثير على صنع القرار السياسي والاجتماعي منها ,وتتم هذه الاختراقات عن طريق تكوين كوادر نشطة فعالة لها داخل مؤسسات الدولة ويركز البحث هنا على تكوين الحركات الإسلامية لكوادرها داخل المؤسسات المدنية , والمؤسسة العسكرية ومؤسسة الشرطة .

التنظيم داخل المؤسسات المدنية :

إن تكوين الكوادر داخل المؤسسات المدنية بالنسبة للإسلاميين يحمل مفهوم ( فتح القلعة من الداخل ) ولذا فقد أولي حزب السلامة منذ أول ائتلاف حكومي شارك فيه عام 1974م – 1394هـ أهمية كبيرة لتوطين كوادره وأتباعه داخل المؤسسات المدنية ويمكن العودة إلى أول عمليات الإسلاميين لاتخاذ أماكن لهم داخل كوادر الدولة إلى الستينات.
"فقد امتلأت في تلك الفترة مواقع كثيرة من مؤسسات الدولة بأبناء العائلات المتدينة التي تلقت تعليما جيدا وقد اكتسبت عملية تكوين الكوادر هذه شكلا أكثر وضوحا مع انفصال الأيديولوجية الإسلامية عن اليمين الليبرالي وبداية اتخاذها نهجا مستقلا في النضال السياسي وحصول حزب السلامة على وزارات في الحكومات الائتلافية .
ولم يكن هدف أرباقان أساسا في أول ائتلاف حكومي له عام 1974 الظهور السياسي وإنما القيام إيجاد وسيلة لتغلغل داخل مؤسسات الدولة وتشكيل أنصار له في الوزارات .
ويمكن القول أ، تلك السياسة على الرغم من أنها لم تكن عاملا هاما في إنهاء ائتلاف حزب السلامة مع الشعب الجمهوري إلا أنها كانت واحدة من الأسباب ففي التصريح الذي أدلي به بولنت أجاويد رئيس وزراء الحكومة الائتلافية آنذاك يوم 18سبتمبر 1974 م بعد تقديم استقالته إلى رئيس الجمهورية أوضح قائلا " لا يمكن أن أسمح بمساعدة حزب السلامة في الاستيلاء على الدولة " وفي هذا إشارة إلى جهود حزب السلامة في الاختراق المؤسسي .

وفي ائتلاف الجبهة القومية الأولي التي تأسست في 12 أبريل 1975م – 1395هـ أيضا يمكن القول أن تكوين حزب السلامة لكوادره وداخل مؤسسات الدولة كان من أهم المشاكل التي تعرض لها ولهذا انشغل حزب السلامة بهذا الأمر حتى يمكنه ان يعمل من بعد في أمان وكثير من الذين يمارسون حياتهم السياسية اليوم بنشاط داخل حزبي ( الوطن الأم) و( الرفاه) خاصة قد عينوا في وظائفهم في مؤسسات الدولة بجهود حزب السلامة .

وكان جل اهتمام حزب السلامة , توطين نواة لكوادر دولة إسلامية وكذلك تكوين كوادر جديدة والعمل على تشكيل تنظيمات داخل القاعدة العامة ويمكن القول أن حزب السلامة الذي عمل لهذا الهدف واتبع في ذلك سياسة نشطة قد وفق في مسعاه.

فقد نجح في توطين أنصاره بالإدارات العامة المختلفة والمؤسسات الاقتصادية العامة والأوقاف , والبنوك والمصانع ورئاسة الشئون الدينية ولأن سياسة تكوين الكوادر عن\ حزب السلامة كانت في صميم أيديولوجيته فقد تجاوزت حدود مؤسسات الدولة إلى غيرها ومثال ذلك جعل حزب السلامة من المفتين ولاة على المدن وأن يتم اختيار الممثلين الذين سيعينون في الدول الإسلامية من المصلين والذين يعرفون لغتها والسماح لخريجي الأئمة والخطباء بأن يصبحوا رجال شرطة ورغبته في السماح لهؤلاء الخريجيتة بإعطائهم الحق في الالتحاق بالقوات المسلحة وأصبح عدم إعطاء الشركاء الائتلافيين الآخرين التأييد بشأن تحقيق تلك المطالب شيئا فيتطور العلاقات بينهم وبناء على هذا حدثت بعض المشكلات بسبب طلب حزب السلامة من أتباعه في الائتلاف بالتوقف عن سياستهم حتى يمكن أن يستمر الائتلاف .

وأوضح مجلس الإدارة العام لحزب السلامة أنه سينسحب من الائتلاف في حالة عدم تنفيذ مطالبه .

وقد ظهر حزب السلامة سواء في ائتلافه مع حزب الشعب الجمهوري أم في ائتلافه في الجبهة القومية الأولي والثانية بأنه حزب لا يقدم تساهلات بسهولة عن أيديولوجيته وأنه كان مصرا بشأن موضوع توطين الكوادر وقد أسرع حزب السلامة الذي قطف ثمارا كثيرة من حزب العدالة في ائتلاف الجبهة القومية الثانية في جهود أسلمة الدولة .

وسعى حزب السلامة في الفترة التي كان فيها في الحكومة الائتلافية " إلى زيادة عدد مراكز تحفيظ القرآن ومدارس الأئمة والخطباء – قدر إمكانه – تحت شعار تحقيق النهضة المعنوية ووصل عدد مدارس الأئمة والخطباء في فترة الائتلافات تحت ضغط حزب السلامة إلى 376 مدرسة وتوطين خريجيها في هيئات الشرطة ودوائر الدولة .

وقد عبر أحد الكتاب الإسلاميين عن حجم عملية توطين الكوادر الإسلامية داخل مؤسسات الدولة قائلا :" بدأ المسلمون الذين كانت أيديهم مكتوفة من قبل يفتحونها نحو كل صوب فامتدت أذرع الإسلاميين في ظل الحكومات الائتلافية إلى حد لم يكن يتوقع .

ونجح الإسلامي ونفي عملية التغلغل داخل الكادر للدولة .

وأصبح النصيب الأكبر للإسلاميين من هذا النجاح لحزب السلامة الوطني من خلال الحكومات الائتلافية التي شارك فيها منذ 1974 م وحتى 1978م حيث ملأ الوزارات والإدارات التي كانت تحت إدارته بأعضاء حزبه والموالين له .

ولم تتأثر الكوادر الإسلامية الموجودة داخل مؤسسات الدولة بانقلاب 12 سبتمبر 1980.

بل إنه في 1983م عندما بدأت الأحزاب السياسية تتأسس مرة أخرى تجمع عدد من الذين كانوا بحزب السلامة حول ( تورجوت أوزال ) الذي كان من حزب السلامة سابقا وأسسوا معه حزب الوطن الأم .

وأصبح وصول حزب الوطن الأم إلى الحكم بمفرده في الانتخابات التي أجريت في 1983 نقطة تحول هامة بالنسبة للإسلاميين .

" فقد وصل أولئك الإسلاميون إلى مواقع هامة استطاعوا من خلالها توطين أعضاء من الطرق الصوفية داخل هيئات الدولة .

وفيما عدا وزارة الخارجية استطاع الإسلاميون التغلغل داخل كل الوزارات والهيئات "

ومثال ذلك" أن حدثت تغييرات سياسية وتنظيمية سريعة في فترة حزب الوطن الأم في وزارة التعليم الوطني فبينما كانت تفتح المساجد في مدارس الدولة الواحدة تلو الأخرى أصبح أكثر المدرسين الذين يحصلون على جوائز من مدرسي المواد الدينية وفي هذه الفترة تم تعيين الكثير بشكل مكثف في كوادر إدارة وزارة التعليم وبينما كان يتم تغيير محتوى المواد الدينية أعطيت أهمية للكتب المساعدة للطلاب التي تقترح من قبل الوزارة وإلى الجديد من الكتب والجرائد والمجلات الإسلامية التي تنشر في تركيا "

وبينما امتلأت مكتبات المدارس بمنشورات رئاسة الشئون الدينية ووقف الديانة اقترحت الوزارة كتب دور النشر القريبة من الأيديولوجية الإسلامية أو ( الترك / إسلامية ) مثل وقف الأدب التركي وقف أبحاث العالم التركي وغيرها من دمر النشر الإسلامية ولم يسمح لأى من دور النشر العلمانية أو اليسارية بذلك .

ويلحظ أن العديد من كتب الكتاب الإسلاميين وزعماء الجماعات الدينية إلى جانب المجلات الإسلامية قد ملأت مكتبات المدارس ركزت الفكرة الأساسية بها على أن الإسلام نظام شامل وكاف لك مجال ونادت بتطبيق الشريعة وهدفت بهذا الأسلوب إلى أسلمة المجتمع بعد فترة طويلة .

ويتضح من التصريح الذي أدلي به مسئول من حزب الشعب الجمهوري في مؤتمر صحفي بشأن اختراقات الإسلاميين للهيئات والمؤسسات المدنية أن 35% من مجموع 77 محافظا ينتمون إلى طرق صوفية وجماعات يمينية و48% من مجموع 77 مدير أمن محافظا ينتسبون إلى التيار الإسلامي .

وإلى جانب وزارة التعليم فقد أصبحت أيضا وزارتي الداخلية والعدل ساحة لتكوين الكوادر الإسلامية ومثال ذلك " التقرير الذي قدم إلى ( طانصو تشيللر) رئيسة الوزراء في يوليو 1995م وذكر فيه أن ( 364) من مجموع (810) مدير أمن يرفضون حتى مصافحة النساء .

وكذلك أيضا " يوجد ( 330) نائب وقاضي من مجموع ( 1700) قد عينوا فيما بين 1987م1991م من خريجي مدارس الأئمة والخطباء وقسم منهم يعتقدون بوجوب تطبيق الشريعة الإسلامية"

وينبغي إيضاح أن التقارب ( التركي / الإسلامي ) الذي حدث في الأيديولوجية الرسمية لإدارة 12 سبتمبر قد سهل تكوين الإسلاميين لكوادرهم فالنظام العسكري الذي أغلق حزب السلامة وقدم زعمائه على رأسهم أرباقان للمحاكمة اختار ( تورجوت أوزال ) الذي كان من حزب السلامة ليكون نائب رئيس الوزراء .

وأصبح الإسلاميون الآن في مناصب هامة مختلفة في مؤسسات الدولة المدنية ووصلوا إلى القوة التي يستطيعون بها تقديم كل نوع من المساعدة لأنصارهم وهم الآن أصحاب تنظيمات تنتشر في كل أرجاء تركيا .

وثمة اعتقاد داخل المؤسسة العسكرية بأن حزب الرفاع صاحب الأيديولوجية الإسلامية عندما يصل إلى الحكم يمكن أن يقوم بأفعال لا تتفق مع القوانين السارية والديمقراطية ومما يظن أيضا أن حزب الرفاه الذي ينتقد النظام العلماني اليوم بلهجة حادة عندما يصل إلى الحكم سيقوم بتغييرات جذرية لأنه حزب أيديولوجي أعلن عن نفسه معاديا للعلمانية خاصة أنه مضطر لطمأنة الجماعات الإسلامية التي أيدته بأصواتها وفي هذه النقطة لا يمكنه الانسجام مع الجيش .

وحزب الرفاه الذي يدرك تلك الحقيقة هو ومجموعات إسلامية أخرى ينتهجون إستراتيجية بناء تنظيمات لهم داخل القوات المسلحة التي تعد نفسها حامية مبادئ الثورة بغية التأثير في قناعات ضباط الجيش .

وترجع محاولات اختراق الإسلاميين للجيش إلى الأشهر الأولي من عام 1960م1380هـ عندما كانت هناك محاولات لإدخال عدد كبير من رسائل النور التي ألفها سعيد النورسي إلى المدارس الثانوية العسكرية والمدارس الحربية .

وقد أصبح تقارب حكومة الحزب الديمقراطي خاصة في أعوامها الأخيرة نحو الإسلاميين وكذلك استفادتها من سعيد النورسي لأهداف سياسية في تلك الفترة سببا في تغاضيها عن أنشطة اختراق الإسلاميين للجيش .

إلا أن انقلاب 27 مايو أدى إلى دخول الإسلاميين في فترة صمت استمرت طويلا إذ كان من أسباب الانقلاب القوية تقليص الحركة الإسلامية المتنامية فقد تعقبت حكومة الانقلاب حركة النور خاصة فبعد مدة قصيرة من الانقلاب صدر أمر بإخراج جسد سعيد النورسي الذي مات في ( أورفه) ليدفن في مكان لا يعرفه أحد ولذا قابل الإسلاميون تلك الأحداث بالخوف والقلق .

وبعد انقلاب 27 مايو كانت سياسة تعقب الجيش لأنشطة الإسلاميين وإيقاف سياسة الحريات التي كانت موجودة في عهد الحزب الديمقراطي تلقي قبولا واسعا في أوساط العلمانيين وسرى الاعتقاد بأن الجيش الذي قام بتزعم عملية الحداثة في عهد أتاترك سيقوم بمهمته مرة أخرى ولن يعطي الفرصة للحركات الإسلامية .

وقد أظهر الجيش الذي ظل بعيدا عن الصراعات الأيديولوجية والسياسية بعد فترة أنه حامي حمى الثورات التركية والعلمانية وأغلق حزب النظام الوطني الذي كان مؤيدا لتأسيس نظام إسلامي بعد انقلاب 12 مارس 1971م وحوكم أرباقان وبعض أعضاء حزبه بتهمة القيام بأعمال رجعية والدعوة إلى تغيير الدستور بالشريعة .

وهكذا أظهر الجيش أنه لم تكن لديه النية في الانسجام مع اليمين الديني . ومن ناحية أخرى أعد الجنرال ( تورجوت صونالب ) اجتماعات برئاسته في بداية السبعينات وقيم اليمين المتطرف واليسار المتطرف قائلا :

" كما أن اليسار المتطرف الذي يقوم بعمليات علنية يستهدف بها هدم الديمقراطية والجمهورية العلمانية عن أساسها فإن ثمة خطر اشد منه تخريبا وهو اليمين المتطرف إذ يشكل تهديدا جديا باستثارة الدين وأنشطته الرجعية ...ولو نقوم بتشبيه لليمن واليسار المتطرف فاليسار كالسيل الذي ينهمر ويمضي وله تخريباته ويمكن أن تتخذ التدابير لتحديد آثاره . أما اليمين فهو كالفيضان إذ نزل بالسهل مرة فإنها يحوله إلى وحل "

وقد تكونت قناعة لدى أحزاب النظام والسلامة والرفاه والمجموعات الإسلامية الأخرى أنها لن تحقق أى تقارب إيجابي مع الجيش ونظرا لقناعتها أيضا أن الجيش واحدا من أهم المؤثرات في الحياة السياسية التركية بذلت الجهود الكثيرة للتغلغل داخل الجيش وقد ناضل حزب السلامة الذي فكر في اختراق الجيش أثناء فترات ائتلافية الحكومي في السبعينات بغية السماح لخريجي مدارس الأئمة والخطباء للالتحاق بالمدارس العسكرية إلا أن لم يحقق أى نجاح يذكر في هذا الموضوع حتى الآن .

وتمتد محاولات حزب السلامة لتقاربه من الجيش إلى تاريخ تأسيس الحزب ففي الانتخابات العام 14 أكتوبر 1973م التي شارك فيها بعد تأسيسه بفترة قصيرة رضح عنه مرشحين من أصول عسكرية وانتخب الفريق المتقاعد ( إحسان قره جم) نائبا عن سيواس ,وعندما بدأت مفاوضات الائتلاف بين حزب السلامة وحزب الشعب الجمهوري سعي أرباقان لأن يأتي بـ ( فائق تورون ) الذي كان من أوائل الجنرالات الذي أدخول الطرق الصوفية داخل القوات المسلحة التركية ليتولي وزارة الداخلية وكان واضحا أن فائق هذا منتسب إلى الطريقة النقشبندية إلا أن حزب السلامة تراجع عن قراره هذا بسبب معارضة حزب الشعب الجمهوري الشديدة .

ووجد حزب السلامة في الانتخابات التكميلية التي أجريت في 12 أكتوبر 1975م – 1395هـ فرصة ليتقرب من خلالها للجيش فوضع أرباقان في قائمة حزبه ثلاثة جنرالات متقاعدين عن أنقره.

وأجاب على انتقادات أعضاء حزبه قائلا : يجب أن نظهر بشكل جيد أمام بعض الأوساط.

ولذا يجب ترشيح هؤلاء الأشخاص وأراد حزب السلامة أن يستمر في محاولاته لفتح علاقات له مع الجيش .

وأسس بعد الانتخابات مباشرة مكتبا للعلاقات العامة مع الشعب داخل مركزه العام وجعل على رأس هذا المكتب الثلاثة جنرالات المتقاعدين .

أراد حزب الرفاه كذلك أن يوطد علاقته بالجيش وأن يخلق انطباعا تحت مسمى ( الجيش ليس ضدنا ) فسعى لدعوة الضباط المتقاعدين للاشتراك في الحزب وقد رحبت إدارة الحزب كثيرا بمشاركة الضباط المتقاعدين بالحزب وهكذا فقد خصصت ( الجريدة الوطنية) التابعة للحزب أماكن كثيرة في صفحاتها لكتابة قائمة الـ 35 ضابطا متقاعدا الذين شاركوا في احتفال الحزب بمؤتمره الدوري الرابع بتاريخ 10 نوفمبر 1993م.

"وقد اهتم الحزب اهتماما بالغا بتوجيه رسائل تعجب الجيش في الاجتماعات واللقاءات حيث هتف الحزب بحرارة في الاجتماعات قائلا ( الجيش والرفاه يدا بيد)

وكذلك ردد مسئولو الحزب كلمات مثل (الجيش لنا , الجند لنا) "

وكذلك قامت بعض الجماعات الإسلامية الخارجة عن الخط السياسي لحزب الرفاه بمحاولات اختراق للجيش وأكبر مجموعة مؤثرة في هذا المجال كانت مجموعة ( فتح الله جولن ) وهذه المجموعة تسعى لاختراق الجيش ومناصب الدولة المختلفة .

ويمكن تلخيص هدف أتباع فتح الله في تربية كوادر تؤثر في ميكانزما الدولة ولذا تولى أهمية بالغة بالمؤسسات التعليمية وتسعى لتربية الطلاب وإلحاقهم بالجامعات والمدارس التعليمية .

وأسلوب أنصار ( فتح الله ) يحقق انتقالا هادئا نحو النظام الإسلامي وجهوده في اختراق الجيش جزء من إستراتيجيته.

وشعر الرأي العام لأول مرة بمحاولات اختراق أنصار ( فتح الله ) للمدارس العسكرية عن طريق الخبر الذي نشرته مجلة ( نقطة) في شهر ديسمبر 1986م.

حيث قام المسئولون العسكريون بتسريح نحو مائة طالب من المدارس العسكرية الموجودة باستانبول ,وإزمير ,وبورصه, وأعلن السبب أن هؤلاء الطلاب قد تمت تربيتهم على يد الجماعات الإسلامية وخاصة مجموعة فتح الله قبل دخولهم الثانوية العسكرية.

وعلم أن إتباع فتح الله كولن يقومون في تلك المدارس بأنشطة تنظيمية فيستقطبون الطلاب الأذكياء الوافدين من مناطق الأناضول المختلفة وبعد اختيارهم بعناية يقدمون لهم معنونات جذابة ويتقلون هؤلاء الشباب نوعين من التعليم في البيوت التي تأجرها لهم الجماعة فيتلقون أولا علوما طبيعية كثيرة تؤهلهم لاجتياز امتحانات القبول بالمدارس العسكرية وهي امتحانات بالغة الصعوبة وبالطبع لا يهمل أيضا تدريس المواد الدينية في تلك الأثناء والمصادر الرئيسية التي تعتمد عليها الجماعة في تلقين العلوم الدينية مثل شرائط فيديو وكاسيت فتح الله ورسائل سعيد النورسي وبعض المجلات الإسلامية .

وفي التقارير المقدمة عن أنشطة الجماعات الإسلامية وخاصة حول النورسيين والسليمانيين والنقشبنديين وضح أن أنشطة النورسيين والنقشبنديين على وجه الخصوص تنتشر في جميع المحافظات ويزيد باستمرار أعضاء مؤيديها وتذكر التقارير أيضا أن للنورسيين جهود في اختراق المدارس العسكرية في حين تتحدد جهود النقشبنديين في التأثير على الضباط وينتقون الأشخاص القريبين من أفكارهم والذين يعرفون أنهم في المدارس الحربية وذلك بواسطة المدنيين أو العسكريين الذين تم استبعادهم من القوات المسلحة ويستخدمون للتودد إليهم في الانتخابات شعارات مثل " الإخوة " وبنو العشيرة ".

ويتقرب طلاب النور الذين هم في السنوات العليا من الطلاب الناجحين بمودة ويقترحون عليهم مساعدتهم في دروسهم.

وهكذا تتأسس رابطة الإخوة وتنتقل إلى خارج المدارس وبعد فترة ينتقلون إلى بيوت الجماعة في عطلة نهاية الأسبوع لممارسة العبادة وقراءة رسائل النور .

" ويفهم أن محاولات اختراق الإسلاميين للمدارس العسكرية قد نجحت إلى حد ما بسبب طرد العديد من الضباط في الأعوام التي تلت ذلك فعلي سبيل المثال تم تسريح (30) ضابطا في القوات الجوية في عام 1989م بسبب اشتراكهم في أنشطة رجعية فقد عام أن أولئك المسرحين ينتمون إلى جمعة النور ويشتركون في لقاءاتهم الدينية.

وفي التصريح الذي أعلنته الرئاسة لعامة للجيش في بداية عام 1990 وضح أن عدد 300 ضابط قد أحيلوا للتحقيق خلال أربعة أشهر أما في اجتماع مجلس الشورى الأعلي الذي اجتمع خلال نفس الأيام فقد تم فصل خمسة عشر ضابطا من قيادة القوات الجوية "

وقد أصبح مجلس الشورى العسكري يقوم بعملية تمشيط داخل الجيش كل عام ,واستمرت جهود الجيش في لإخراج كل من يثبت عليه انتمائه لأى جماعة إسلامية أو توجه ديني " وازداد الأمر بتولي أرباقان رئاسة الوزراء في 1996م , حيث أجبره مجلس الأمن القومي على التوقيع بالموافقة على تسريح 161 ضابطا من القوات المسلحة بتهمة الانتماء الديني .

التغلغل داخل جهاز الشرطة.

يعد التغلغل داخل جهاز الشرطة واحدا من الأهداف الهامة لتأسيس نظام إسلامي في تركيا وتستخدم الجماعات الإسلامية نفس الخطط التي تستخدمها لتغلغل داخل الجيش مع جهاز الشرطة فتقوم باستقطاب الطلاب الأذكياء المجتهدين وتوطنهم في مساكنها بدون مقابل ثم تعمل على إلحاقهم بكليات الشرطة ومن بعدها أكاديمية الشرطة وبهذا الأسلوب تصل إلى ميكانزم القرار داخل النظام الأمني في المستقبل وتستهدف بذلك أيضا تقديم العون لأتباعها .

ويمكن العودة بعمليات اختراق الإسلاميين لجهاز الشرطة إلى السبعينات تلك الفترة التي شارك فيها حزب السلامة الوطني في حكومات ائتلافية ففي فترة الائتلاف بين حزب الشعب الجمهوري