الحركة الإسلامية في السودان تاريخها وخطابها السياسي

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الحركة الإسلامية في السودان تاريخها وخطابها السياسي 19691985


بقلم: الدكتور حسن مكي

محتويات

مقدمة الطبعة الثانية

ابتداء من 30 يونيو 1989م، ذات اليوم الذي تدثر فيه شباب الحركة الإسلامية بالكاكي، شأنهم شأن الجنود الرسميين لإنجاح الحركة العسكرية الانقلابية التي عادت لتعرف باسم حكومة الإنقاذ، تم من الناحية العملية دفن الحركة الإسلامية، وفي ذات يوم عرس الحركة الإسلامية وفي ذات اللحظة نضوجها أصبحت من الناحية الرسمية غير موجودة، وأصبح القائمون على الأمر (مجلس الثورة والوزراء) يديرون الأمور بالوكالة عن الحركة الإسلامية التي تم اختزالها في قيادتها وفي من فوضته القيادة.

وبعد أشهر، حل مجلس شورى الحركة الإسلامية نفسه، ليفسح المجال أمام بروز حركة إسلامية أكثر تمثيلا وأكثر قدرة على إدارة قضايا التمكين، وبعد عدة سنوات تحول مجلس الشورى الجديد إلى هيئة شورى المؤتمر الوطني، وأصبح المؤتمر الوطني هو الحركة الإسلامية الحاكمة والموسعة، وكان آخر قرارات مجلس الشورى قبل أن يتحول إلى هيئة شورى المؤتمر الوطني تلك المتعلقة بميثاق السلام الذي تم توقيعه فيما بعد مع رياك مشار وأروك طون وكاربينو والذي أعطى جنوب السودان حق تقرير المصير، ثم قضية الوفاق والموافقة على أصل الحوار مع المعارضة (مع الشريف الهندي وأحمد الميرغني) على أن يتواصل مع البقية بعد تحرير الكرمك وقيسان.

وكان كذلك من أجندة الاجتماع (الذي عقد في بداية عام 1997م) إجازة التقرير الأمني والموافقة على ميزانية حرب وإعلان الطوارئ بسبب ما أحاط بالسودان من ظروف وبروز تحالف أسمرا/ أديس/ كمبالا – ودعمهم للمعارضة السودانية (التحالف الوطني).

وكان كذلك من آخر القرارات إجازة تعديلات في بناء الحركة الإسلامية وتفعيل الشورى بمزيد من الصلاحيات للهيئة وتوسيع المكتب القيادي، وقد حلت الفقرة الأخيرة (توسيع المكتب القيادي) قضية الصراع المستتر بين الأمين العام للحركة الشيخ حسن الترابي وما يرمز له والرئيس البشير ومن يمثلهم، ولكن استطاع د. الترابي الالتفاف حول ما حدث لينفجر الصراع مرة أخرى على نحو ما حدث في مذكرة العشرة وتداعياتها ابتداء من الخميس 10 ديسمبر 1998م.

مثلت الحركة الإسلامية لكثير من الإسلاميين، رؤية ملهمة للوجود، عرفتهم بالإسلام وملأتهم بالأمل والحيوية، ولكن وفي ظل فتوحات العمل السياسي، التي كان من المأمول أن تفجر طاقاتهم وأن تبعث فيهم دواعي العطاء والبث العلمي والمعرفي حتى يقيموا دولتهم، دولة الدعوة والرفاهية، ولكن وحسب قراءات الواقع الشاخص فإن كثيرا من ذلك لم يحدث، وعلى الإسلاميين تقليب وجهات النظر والتأمل في تأريخهم والتفكر فيما حولهم؛ لماذا لم يحدث التغيير المنشود؟ إذ الرؤية التحليلية النقدية هي السبيل الوحيد لتدارك الأخطاء وتصحيح المسار، عسى الله أن يفتح عليهم وعلى السودان بالمنشود، وأرجو أن تعين الطبعة الثانية من هذه الدراسة والتي لم أعدل فيها حرفا واحدا – على بلوغ المرام.

والسلام

د. حسن مكي

الأحد 4/ 4/ 1999

الموافق 18 من ذي الحجة 1419هـ

كلمة الناشر

لا يماري أحد في أن حركة الإسلام على اختلاف أشكالها وتباين أهدافها الجزئية واتساع نطاقها الجغرافي قد أصبحت ظاهرة لافتة لما لها من أبعاد ثقافية وسياسية واجتماعية، ليس فقط على المستويات المحلية والإقليمية وإنما كذلك على الصعيد العالمي إلى درجة توشك معها أن تهز كثيرا من المعادلات المستقرة في النطاق السياسي، وما ثورة إيران وجهاد الشعب الأفغاني وانتفاضة الجماهير في فلسطين وتحركات الجماعات والتنظيمات الإسلامية هنا وهناك إلا العلامات الأبرز على حركة الأمة بكيانها الأوسع للتعبير عن أصالتها والتحقق بهويتها واحتلال موقع متقدم بين أمم الدنيا وشعوبها، تستعيد من خلاله هيبتها التاريخية وتنهض بدورها الرسالي تجاه الإنسانية. وهي من قبل ومن بعد حركة تروم إحداث تغيير للواقع وإعادة بنائه وصياغته صياغة جديدة وفق رؤية إسلامية أصولية.

وبقطع النظر عن الأسماء واللافتات التي تحملها حركات الصحوة في الساحة الإسلامية فإنها أصبحت موضع رصد ودراسة وتحليل من قبل جهات متعددة لعل أهمها دوائر البحث وأجهزة الاستخبارات في البلاد الغربية، وهو اهتمام يخدم إلى حد بعيد مراكز القرار السياسي في تلك البلدان في سياق تعاملها مع البلاد الإسلامية.

والملاحظ أن مراكز البحث والدراسات في العالم الإسلامي وخاصة في المنطقة العربية لا تكاد تستقل في مناهجها وأغراضها في دراسة ظاهرة الصحوة عن تلك السائدة في دوائر الغرب، بل إن العديد منها يتعامل مع المسألة الإسلامية في إطارها الحركي بكثير من روح الشك والريبة والاتهام، مما يؤدي في النهاية إلى إساءة فهمها، أو حتى عدم فهمها على الإطلاق.

ومهما كان، فإنه لم يتح لحركة الصحوة الإسلامية في السودان من البحث المتقصي والدراسة العلمية المتأنية ما يكافئ وقعها السياسي والثقافي والاجتماعي على بنية المجتمع السوداني وما تنطوي عليه من احتمالات مفتوحة على المستقبل، سواء كان ذلك من لدن دارس موال أو ناقد معاد أو باحث محايد، سوى محاولات أولية غالبا ما تتسم بالعمومية أو قد يعيبها نقص في التوثيق أو بساطة في التحليل أو الاثنان معا، وفي كل الأحوال يبقى الموضوع بكرا يحتاج لتضافر الجهود العلمية بغية تجليته.

ولئن أمكن عد الكتاب الذي بين أيدينا استكمالا لما قدمه المؤلف من قبل في كتابه "حركة الإخوان المسلمين 1946 – 1969م" إلا أنه يمتاز عليه بأنه أكثر نضجا وتكاملا وسواء من حيث الشمول والاستيعاب للقضايا والموضوعات المدروسة، أو من حيث المادة والوثائق التي توفر عليها البحث، أو من حيث المنهج التحليلي والتركيبي الذي استخدمه المؤلف في بناء صورة الحركة الإسلامية وفق منظور تاريخي يأخذ بعين الاعتبار السياق الإقليمي والعالمي الذي تطورت من خلاله، مضافا إلى ذلك كله رؤية تشريحية نقدية تبنتها الدراسة مشفوعة بالعديد من المقترحات الجريئة من أجل مزيد تكامل للحركة سواء على مستوى غاياتها ومقاصدها، أو على مستوى مناهجها ووسائلها، أو على مستوى مجال عملها ونطاقه.

والله تعالى نسأل أن يثيب المؤلف الفاضل على ما بذل من جهد وأن ينفع به قارئه وهو المستعان والمحمود بالحق أولا وآخرا.

الناشر

فاتحة وتقديم

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وسلم.

استحث نفر كريم همتي للقيام بهذه الدراسة، تكملة للدراسة السابقة التي أعددتها عن (تاريخ حركة الإخوان المسلمين في السودان 1946م1969م) ومواصلة لجهود توثيق تاريخ الحركة الإسلامية في السودان، والتي ظلت حاضرة على كافة الأصعدة السياسية والثقافية والاجتماعية، ليس في السودان فحسب، بل على امتداد عالم المسلمين الكبير، إلا أن هذا الحضور لم يشفع لها عند الدارسين والكاتبين لتناولها بالدراسة الجادة والتحليل الموضوعي، كما فات على الإسلاميين متابعة هذا الحضور بالدراسة والتحليل، مما يعرض الحركة وتراثها للضياع والتشويه، لا سيما في هذا الوقت الذي تتداعى فيه الأمم على السودان مستهدفة خصوصيته الإسلامية وثقافته العربية وحركته الإسلامية، وموضع الحركة الإسلامية جدير بالدراسة لأنه يتعلق بحركة الصحوة الإسلامية التي أصبحت حديث العالم، ولأنه يتعلق بحركة جماعة تداعت لنصرة الدين، ولأن رابطة الجماعة قامت على الأخوة الإسلامية، ولأن مكونات الجماعة تعتقد أن مبادئ الجماعة ومناهجها كفيلة بتنزيل معاني الدين في الواقع المعاش محققة خيري الدنيا والآخرة لمجتمعها، وكذلك لالتزام عضوية الجماعة بأخلاق الإسلام واستعداد هذه العضوية لأن تنذر وقتها ومستقبلها ونفسها في سبيل نصرة مبادئ الجماعة والتمكين للدين في وقت تضاءلت فيه قيمة الدين في المجتمعات الغربية، فحيث كان فقط 2% من سكان المجتمعات الغربية يدينون باللادينية في عام 1900م ارتفعت هذه النسبة لتصبح في عام 1988م 20.8% كما أصبحت الغالبية ليس لها من الدين إلا الاسم.

اجتهدت هذه الدراسة في أن تبعد عن المنحى الدفاعي، إذ لم تكتب هذه الدراسة لتمجيد الحركة الإسلامية وإضفاء ما ليس لها عليها، وإنما قصدت الدراسة إلى أن تتتبع مسار الحركة في مختلف ظروفها وساعات إحنها وعلوها ولحظات ضمورها وانتشارها متعرفة على المشاكل، ومتعرضة للقضايا، ومثيرة للأسئلة التي تعين على تحليل الظروف ومعرفة الدوافع في محاولة للتعرف على الحركة الإسلامية بوصفها حركة تهم أفراد العاملين، ومستخلصة الدروس التي تهم الإسلاميين وعلى الأخص السودانيين منهم، كما قصدت الدراسة أن تضع الحركة الإسلامية في موضعها من تاريخ السودان وتاريخ المسلمين، كذلك حاولت الدراسة أن تستجلي وضع الحركة الإسلامية في ميزان التجديد الإسلامي.

ولعل مما يزيد أهمية هذه الدراسة، أنها تأتي في وقت تمر فيه الحركة بتغيرات عميقة ولحظات تمايز تاريخي، ولحظات التمايز فواصل فارقة في تاريخ الحركات، فإما أن تتطور الحركة وتستكمل مهامها، فتصبح بذلك قوة مؤثرة باستمرار في حركة التاريخ، مشكلة إياه على ضوء خطابها، مما يعني وقوع ما يعرف بالتجديد أو الإصلاح أو النهضة، وإما أن يجمد تطور الحركة عند مرحلة معينة وتضعف استجابتها للتحدي المعاكس فتنكفئ على ذاتها وتصبح أسيرة لأطرها ورهينة لظروف الضغط مما يسمح بتجاوزها، فتتحول إلى ظاهرة تأريخية أكثر من كونها قوة مستقبلية، وتكاد دورة حركة التاريخ أن تتأهل لاستقبال نتاج تجربة هذا المخاض الرهيب الذي تمر به الحركة الإسلامية في السودان.

تريد هذه الدراسة في تسعة فصول قصيرة باستثناء الفصل الذي طال نسبة لتغطيته فترة زمانية طويلة حافلة بالأحداث والمتغيرات، وتقع التسعة الفصول في ثلاثة مباحث، حيث تكون الفصول الخمسة الأولى مبحثا مستقلا يتعلق بالتطور التاريخي للحركة الإسلامية في إطار حركة تاريخ السودان والقوى التي أسهمت في تشكيل السودان في الفترة (19691985م) أما الفصول الثلاثة التي تلت ذلك (الفصل السادس والسابع والثامن) فتكون مبحثا يتعلق بالتطور التنظيمي والفكري ورؤى الحركة الإسلامية الفكرية والسياسية والاجتماعية، فهو مبحث يتعلق بالحركة في خاصة تكوينها وفحوى خطابها بعيدا عن معاركها وصراعاتها مع الآخرين، أما المبحث الأخير – الفصل التاسع – فيرد فيه عدد من الوثائق التي ظلت خارج نطاق التداول وتم اختيار هذه الوثائق لأنها ذات مغزى في تطور الحركة.

ركز الفصل الأول من الدراسة على العامل المصري في انقلاب مايو 1969م واختارت الدراسة أن تبني قصة نظام صغار الضباط باستخدام نظرية التداخل المصريالسوداني، لأن القوى التي قامت باستلام السلطة بواسطة حركة عسكرية لم تكن مؤهلة وحدها لقيادة ذلك التغيير، بل وربما لم تكن متفطنة لمغزى هذا التغيير محليا وإقليميا وعالميا، واستصحبت الدراسة أن نظام الضباط جاء يمثل استجابة جزئية لاحقة لانهزام الثورة المصرية أمام إسرائيل في يونيو 1967م، وعادت هزيمة النظام المصري لتصبح انتصارا غريبا (يهوديا مسيحيا) على حركة المجتمعات الإسلامية المتدثرة براية الوحدة العربية والعروبة العلمانية (الناصرية وشعاراتها التقدمية)، جاء الرد العربي (ثورة مايو السودانية وثورة الفاتح الليبية) في وقت تأهبت فيه مصر الناصرية لمعارك حرب الاستنزاف التي تطلبت تأمين خطوط مصر الخلفية، كما استقصت الدراسة في هذا الفصل طبيعة القوى التي أسهمت في قيام نظام مايو (ضباطا أحرارا، ناصريين، اشتراكيين عربا، شيوعيين .. إلخ).

أما الفصل الثاني فقد تتبع موقف الحركة الإسلامية من هذا التغيير (الرفض الحازم)، كما تتبع تطور صراع الحركة الإسلامية مع هذا التغيير (المجابهة المستمرة) والتي تمثلت ابتداء في توزيع المنشورات، وتسيير المظاهرات، والثبات في السجون، وتصعيد المعارضة داخل وخارج السودان، والدخول في التحالفات مع كل الكيانات الوطنية، وانتهاء بالقتال على نحو ما حدث في معركة الجزيرة أبا الفاصلة.

ويتتبع الفصل الثالث صراع مكونات نظام الضباط وصراعه مع الحزب الشيوعي وانقسام الحزب الشيوعي، مما أدى إلى انقلاب يوليو 1971م الذي بإحباطه تم القضاء عمليا على الحزب الشيوعي في السودان، أدى انتصار نظام الضباط على الكيانات الإسلامية قديمها وحديثها، بقهرهم للأنصار واستئناسهم للختمية ومحاصرتهم التامة للحركة الإسلامية الحديثة، ثم قضائهم بعد ذلك على الحزب الشيوعي، إلى استئساد نظام الضباط محليا مما سهل عليه تلمس درب المشروعية الدستورية وما فيها من مواثيق ومؤسسات سياسية وكيانات جماهيرية، حيث جاءت رئاسة الجمهورية لتحل محل مجلس الثورة وتأسس مجلس الشعب، والاتحاد الاشتراكي.

وفي إطار هذه التحولات الكبيرة يبدأ الفصل الرابع مع ولادة الحركة الإسلامية من جديد في انتفاضة شعبان التي أججت معاني حركة الصحوة الإسلامية وسط الشباب، على الأخص الطلاب، كما أسهمت انتفاضة شعبان في إعطاء مشروعية سياسية للجبهة الوطنية مما مكنها من الحصول على دعم ومساندة ليبيا، التي فتحت معسكراتها لتدريب عناصر الجبهة على استخدام مختلف أنواع السلاح، وإقامة سلطة الجبهة الوطنية .. مما استدعى حسم قضية الاتفاق على نصوص ميثاق الجبهة الوطنية، وتلا المصادقة على ميثاق الجبهة القيام بحركة يوليو 1976م الشعبية التي مهدت لحركة المصالحة الوطنية، وذلكم موضوع الفصل الخامس، الذي يتتبع تطور نظام الحكم المايوي في اتجاه المصالحة بطرحه لبرنامج الولاية الثانية وفتحه لخط اتصال مع بعض العناصر الإسلامية في المملكة العربية السعودية حتى توج ذلك بالتقاء السيد الصادق المهدي بالرئيس نميري.

وتناقش الدراسة كذلك استقبال واستجابة جموع الأنصار في معسكراتهم في إثيوبيا وليبيا للمصالحة، وكذلك تناقش وقع المصالحة على الإسلاميين داخل وخارج السودان وجهود الإسلاميين في تطوير حركة المصالحة إلى علاقات مشاركة وتحالف مرحلي إلى أن توجت جهودهم بحركة تطبيقات القوانين الشرعية والتي بلغت قمتها في تصفية حركة محمود محمد طه، وتعرج الدراسة بعد ذلك إلى انتكاسة توجهات النظام الإسلامية وجموده عن الرقي بحركة تطبيقات القوانين الشرعية ثم نكوص النظام عن مقتضيات التزامه الإسلامي كما بدا في حركة تهجير الفلاشا واستسلامه لضغوط الإدارة الأمريكية القاضية بفض تحالفه مع الحركة الإسلامية وتقويضه لمؤسسات المال والدعوة الإسلامية، مما أسهم في خلق الظروف التي أدت لتقويض نظام الرئيس نميري في انتفاضة رجب بشقيها المدني والعسكري.

أما المبحث الثاني والمتعلق بطبيعة الحركة وتطورها الداخلي وطبيعة خطابها الفكري والسياسي وحجم النجاح والازدهار والكسب الذي أصابته في الحقبة المايوية فيبدأ بالفصل السادس الذي يتخصص في تتبع التطور التنظيمي للحركة الإسلامية منذ أن كانت ميزانيتها لا تتجاوز مئات الجنيهات – في ظروف ما بعد الانقلاب المايوي مباشرة – إلى أن صارت حركة سياسية شعبية ذات واجهات ثقافية، واجتماعية، واقتصادية، وقدرات على تكييف سياسات النظام في فترة خمسة عشر عاما من العمل الدؤوب، ولا يفوت على الدراسة أن تستعرض أوضاع التقلص والجمود التي سادت في أوساط الحركة الإسلامية في الفترة 69 – 1972م وما أعقب ذلك من نشاط وازدهار 73 – 1974م ، ثم ما تلا ذلك من محاصرة وضغوط، وما أعقبه من انفراج وحيوية وتفتح قاد إلى توسع وانتشار .. مما هيأ للحركة دخول مرحلة الانطلاق .. وأدى جزئيا للخصام والفصام مع نظام الرئيس نميري، كما يستقصي الفصل كم ونوع الأداء وحجم الإنجاز على مختلف الأصعدة من أسر مفتوحة ومسيرات جماهيرية إلى نمو الاشتراكات والواجهات ومضاعفة الأعداد وعلاقات الداخل والخارج.

أما الفصل السابع فيرصد التطور الفكري والثقافي للحركة ويرصد كذلك آليات التطور في الكلمة المنشورة من إصدارات، ومنشورات، ورسائل، وكتب.

وكذلك في مجال الكلمة المسموعة من أشرطة تسجيل ... وأجهزة مرئية وسمعية ... وتنتبه الدراسة إلى أن خطاب الحركة الفكري والثقافي على اتساعه إلا أنه لم يتسع بعد مستجيبا لخصوصية المجتمع السوداني، وقضايا الدولة الحديثة، وشكل الدولة الإسلامية ووظائفها .. كما انتهت الدراسة إلى خلو خطاب الحركة من محاولات لتأصيل فقه العقيدة مع حاجة المجتمع السوداني لهذا الضرب من الفقه التصوري لعقيدة الإسلام وعزت ذلك إلى تهيب الحركة وخوفها من أن تتزلق في متاهات الجدل العقدي الذي قسم الأمة إلى سنة ومعتزلة ... إلخ.

واتصل بنقاش الفصل السابع ما ورد في الفصل الثامن عن رؤية الحركة لمشروع الانبعاث الإسلامي والكيفية الممكنة لنقل الحركة الإسلامية من حركة محكومة إلى حركة حاكمة تهيمن على جهاز الدولة وتصرف أوضاع السلطة السياسية، وخلصت الدراسة إلى أن خطاب الحركة لم ينضج في هذه القضية وأن الحركة الإسلامية أهملت التصدي لدراسة المؤسسة العسكرية والتمعن في أثر الجيوش في بنية الدولة العلمانية "الإسلامية" وتعاملت مع ذلك بسطحية، واتصل بنقاش ذلك أوضاع التمكن والتأصيل السياسي في مجتمع فقير ومتخلف تربطه علاقات تبعية ومديونية للدول الغربية .. كما توجد به أقليات عرقية رهنت نفسها للقوى الأجنبية في وقت يمر فيه السودان بتحولات اقتصادية وتحركات سكانية وذبول في حركة الإسلام التقليدي مما يلقي بمسئوليات إضافية جسيمة على كاهل الحركة الإسلامية.

اقتصر المبحث الثالث – الفصل الرابع – على جملة من الوثائق التي تسهم في إلقاء الضوء على تطور الحركة الإسلامية .. منها خطاب المجموعة الانقسامية في الحزب الشيوعي السوداني والذي مهد لتفتت الحركة الشيوعية السودانية أقوى المنافسين للحركة الإسلامية على مستقبل السودان، مما سهل على نظام الضباط القضاء على الحزب الشيوعي مما فتح "نظريا" آفاق العمل أمام البديل الإسلامي ... وتلا ذلك مجموعة المذكرات التي رفعها السيد / [[عثمان خالد مضوي]] للعقيد معمر القذافي في محاولة لإيجاد أرض مقاومة للجبهة الوطنية هناك .. وتكشف هذه الوثائق عن تداخلات العمل السياسي الإقليمية كما تكشف أن الحركة الإسلامية بادرت لمخاطبة ليبيا في وقت كونت فيه العقلية الأنصارية مناعة ضد نظام العقيد القذافي لتورطه في أحداث الجزيرة أبا .. والوثيقة الثالثة هي مذكرة السيد/ الصادق المهدي المرفوعة لرئيس الجمهورية حول انتفاضة شعبان ... والوثيقة الرابعة هي البديل الذي رفعه السيد/ الصادق المهدي لقيادة الجبهة الوطنية ويتضمن تصوراته ومقترحاته للسودان الجديد وتكشف الوثيقة عن التطور الفكري والسياسي للسيد / الصادق في تلك المرحلة ورؤيته للحركة الإسلامية .. والوثيقة الخامسة "نحو حركة إسلامية قومية" تكشف عن التطور الفكري والسياسي الذي كانت تمر به الحركة الإسلامية كما مثلت الوثيقة رؤية الحركة للسودان البديل ومثلت كذلك الوثيقة رد الحركة الإسلامية على مقترحات السيد / الصادق حيث طرحت فكرة التكتل الإسلامي القومي ليكون مخرجا من نظام مايو .. والوثيقة السادسة هي [[ميثاق الجبهة الوطنية]] والذي هو مزاوجة بين بديل السيد / الصادق ومقترحات الحركة الإسلامية .. وكان من المأمول أن يصبح هذا الميثاق مرشدا ملزما لسلطة الجبهة الوطنية إن نجحت مساعيها في وراثة نظام مايو .. والوثيقة السابعة هي المذكرات المرفوعة من السيد/ الصادق لعدد من قادة الدول بعد فشل حركة يوليو 1976م في تحقيق مقاصدها، وتكشف كذلك عن التداخل الإقليمي لحركة السياسة السودانية .. والوثيقة الثامنة منشور السيد/ الصادق للأنصار لتسكين خواطرهم وإطفاء التوتر الذي زرعته بعض العناصر في نفوسهم ضد عناصر الحركة الإسلامية التي كانت تشاركهم معسكرات التدريب في أرض المنفى مما يلقي الضوء على محاولات تفتيت أي تحالف مصيري بين الأنصار والإخوان .. والوثيقة التاسعة بيان السيد/ الصادق إبان عودته للسودان لتدشين مشروع المصالحة الوطنية .. والوثيقة العاشرة ببيان مصالحة الشريف حسين الهندي مع النظام والذي بدا كأنه موجه ضد السيد/ الصادق المهدي .. والوثيقة الحادية عشرة مذكرة الحركة الإسلامية التي رفعتها لقيادات نظام مايو في بدايات عام 1983م عن قراءاتها لمآلات نظام الأحوال في الجنوب .. حيث انتبهت المذكرة في ذلك الوقت المبكر وقبل إعلان قيام الحركة الشعبية لتحرير السودان إلى نذر قيام حركة شيوعية جنوبية تدعمها الكنائس وإثيوبيا والقوى الدولية لزعزعة استقرار السودان والقضاء على إمكانية الدمج القومي لقيام أمة سودانية واحدة .. والوثيقة الأخيرة هي دستور الحركة الإسلامية الجديد والذي أجازه مجلس الشورى في فبراير 1982م ثم المؤتمر العام ويكشف الدستور عن الآفاق الفكرية الجديدة التي ألمت بالحركة الإسلامية وهي تتابع ترقيتها السياسية والتنظيمية استعدادا لمرحلة الانطلاق.

والله الهادي إلى سواء السبيل ...

حسن مكي

الأربعاء 28 رمضان 1409 هـ

الموافق 3 مايو 1989م المؤسسة الإسلامي . ليستر، إنجلترا

المبحث الأول: التطور السياسي "منظور تاريخي"

الفصل الأول: البعد الإقليمي لانقلاب مايو (العامل المصري)

في السادس من يونيو 1967م اتجهت قلوب وعقول السودانيين صوب القاهرة، لتتابع بحماس مشوب بالقلق والانتظار البيانات العسكرية الصادرة من إذاعة صوت العرب والتي كانت تتخللها الأناشيد الحماسية وتداخلات الإذاعي الشهير حينها أحمد سعيد بصوته الجهير داعيا الجماهير العربية لتدمير المصالح الأمريكية في المنطقة، وقد خلفت البيانات العسكرية الصادرة من إذاعات مصر انطباعا بأن مصر على وشك إلحاق هزيمة كاسحة بإسرائيل ومحوها من الوجود، وما على الجماهير إلا الاحتفاظ بطاقتها لتصرفها في احتفالات الفرح بتدمير إسرائيل ودخول تل أبيب.

وفي 9 يونيو 1967م وعلى غير ما توقعت الجماهير، جاء صوت الزعيم المحبوب جمال عبد الناصر معلنا انهزام مصر (نكسة)، وأنهم كانوا يتوقعون الهجمة الجوية من الشرق – إسرائيل – ولكنها جاءتهم من الغرب إشارة للقواعد الأمريكية في ليبيا .. وختم عبد الناصر بيانه بعبارات مؤثرة معلنا استقالته وبأنه يتحمل كافة المسئولية فيما حدث وأعلن تكليف عضو مجلس الثورة السابق ووزير داخليته السابق كذلك وغير المحبوب زكريا محيي الدين بأعباء الرئاسة .. وما أن ختم عبد الناصر حديثه، حتى بدأت الجماهير تتحرك في اتجاه بيت عبد الناصر فيما يشبه الزحف من شدة الزحام، وسواء كان ذلك الزحف قد تم بعفوية أو دبر بليل، إلا أنه عنى تفويضا شعبيا جديدا لعبد الناصر، أدى ذلك التفويض إلى رفع معنويات الزعيم وسحبه لاستقالته ونهوضه من جديد، مما مكنه من فرض سيطرته على الدولة وجيشها المنكسر.

لم يكن السودان بعيدا عما يجري في مصر، إذ تابع السودانيون على مختلف أحزابهم وفئاتهم ما يجري بشغف وتعاطف، وكانوا يستعدون كغيرهم ليوم الفرح الأكبر، وجمعت الحكومة السودانية الجمعية التأسيسية حيث ألقى رئيس الوزراء محمد أحمد محجوب بيانا أعلن فيه الحرب على إسرائيل وحشد القوات السودانية لإرسالها للميدان من غير اكتراث لانعكاسات ذلك على الأمن السوداني، ذلك لأن دخول السودان الحرب ضد إسرائيل سيطلق يد الأخيرة في جنوب السودان.

كما حدث لاحقا، وعلى خطى محجوب جاءت كلمات د. حسن الترابي الأمين العام لجبهة الميثاق الإسلامي الذي أعلن عن تجميد خلافاتهم مع مصر وموافقتهم على حشد كل الطاقات لمشروع الحرب وتحرير فلسطين.

وتحركت الخرطوم الرسمية في العواصم العربية لتأمين إعادة التضامن العربي وحشد إمكانيات العرب لدعم مصر ودول المواجهة الأخرى وتأمين الاتفاق على تخطيط عربي مصيري جماعي، وأثمرت جهود السياسة السودانية الخارجية التي رعاها الرئيس المرحوم إسماعيل الأزهري رئيس مجلس السيادة والسيد محمد أحمد محجوب رئيس الوزراء انعقاد مؤتمر القمة العربي بالخرطوم في 29 أغسطس 1967م لمناقشة وضع استراتيجية مقاومة موحدة ضد إسرائيل، وعلى هامش المؤتمر، التقى الرئيسان عبد الناصر والملك فيصل ( ) في منزل محمد أحمد محجوب، حيث اتفقا على نفض أياديهما من صراع اليمن وإعادة الجنود المصريين البالغ عددهم خمسين ألف جندي إلى مصر قبل انقضاء شهر ديسمبر 1967م، وانتهى مؤتمر القمة إلى صيغة لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف بإسرائيل، فيما عرف بلاءات الخرطوم الثلاث، كما ألزم المؤتمر السعودية والكويت وليبيا بتخصيص منحة سنوية مقدارها 280 مليون دولار لمصر ومائة مليون دولار للأردن لتمكينهما من الصمود.

عشية مجيء عبد الناصر لحضور مؤتمر الخرطوم طغى هتاف (نحن نناصر عبد الناصر) على امتداد طريق الرئيس من المطار حتى نزوله في قلب الخرطوم، مما رفع معنويات الرئيس المصري، الذي كان ملما بأوضاع السودان، إذ قضى قرابة الثلاث سنوات في الخرطوم (19391942م) كما كان على يقين بنظرية حق مصر في السودان أو وحدة مصر والسودان (وادي النيل)، وكان عبد الناصر يستصحب كذلك أن مستقبل حربه مع إسرائيل يعتمد جزئيا على السودان، خصوصا أن الطيران الإسرائيلي بعد هزيمة يونيو 1967 أصبح مستأسدا في الأجواء المصرية وأصبحت مدن مصر وشعبها تحت رحمة الطيران والمدفعية الإسرائيلية، وكان عبد الناصر يعلم أن عمقه الوحيد الباقي هو السودان إذ لا يمكن أن يؤتمن النظام الملكي الليبي الذي يستضيف قاعدة هويلس العسكرية الأمريكية على طائراته وإمداداته كما لا يرقى التداخل المصري الليبي إلى درجة التواصل السوداني المصري.

لم يكن عبد الناصر راضيا عن النظام السياسي السائد في السودان، إذ لا يمكن الاعتماد على التركيبة السودانية الحاكمة بتقلباتها وأزماتها في ظروف معركة مصير مصيرية تتطلب تعبئة الموارد والإمكانيات، اتجه تفكير عبد الناصر إلى إيجاد أرضية سياسية ثابتة في السودان تحتمل أعباء تطور حركة الصراع مع إسرائيل وتريحه من ثلاثية النظام السوداني (الديمقراطية والإسلام وحزب الأمة)، وما فيها من جبهة ميثاق وتلويح بالدستور الإسلامي كما لم يكن عبد الناصر على ثقة في الأزهري وقد رآه يعطي ظهره لمصر ويرفع علم الاستقلال.

شرعت الإدارة المصرية في نسج خيوط السيطرة على السودان، مستفيدة من الوجود المصري المنتشر في الساحة السودانية وامتداداته من تنظيم للضباط الأحرار داخل القوات المسلحة ( )، وقد وفر الوجود المصري (اقتصاديا بنك مصر وفروعه الست، وثقافيا، البعثة التعليمية والصحافة الممولة من قبل مصر، وسياسيا قيادة طائفة الختمية ومجموعة الناصريين واليساريين) تنسيق حركة الانقلابيين، كما أفاد الانقلابيون من استحكام أزمات السودان السياسية التي تجلت مظاهرها في:

1 – حل الحزب الشيوعي اسما ( )، بينما سيطرت عناصره على الحركة النقابية وتجمعات المهنيين وخطاب الإعلام وحركة الشارع السياسي.

2 – الصراع داخل حزب الأمة وانقسام الصفوة العلمانية المهيمنة على الحزب ما بين مؤيد للإمام الهادي ومناصر للسيد الصادق.

3 – تشرذم الصفوة العلمانية في الحزب الاتحادي الديمقراطي ما بين موالاة السيد إسماعيل الأزهري ومناصرة الختمية (محمد عثمان الميرغني وعلي عبد الرحمن إلخ) وركوب مراكب اليسار (صالح محمود إسماعيل، محمد توفيق) إلخ.

4 – تدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية واشتداد حرب الجنوب التي أخذت تظهر فيها الأيادي الإسرائيلية وانعكاس ذلك على أداء القوات المسلحة التي كانت متذمرة من اكتفاء السياسيين بخرطومهم تاركينهم .. يجالدون أهوال الجنوب.

اشتد نشاط الضباط الأحرار منذ بداية عام 1967م وفي أكتوبر 1968م عقد رهض من هؤلاء الضباط اجتماعا نظمه الرائد معاش فاروق عثمان حمد الله والذي فصل في أحداث تمرد جوبا ديسمبر 1965م ( )، ومثل فاروق حلقة الوصل مع العقيد جعفر نميري اذي كان يقود الحلقة الأساسية لتجمع الضباط الأحرار، كما شارك في الاجتماع المقدم بابكر النور والذي كان جزءا من تنظيم الضباط الشيوعيين بالإضافة إلى الرائد صلاح عبد العال مبروك الذي نظر إليه ممثلا للناصريين، كان هذا الاجتماع جزءا من التدبير السياسي الكبير للقضاء على الديمقراطية وكانت خيوط هذا التدبير تتجمع عند كل من العقيد جعفر نميري وبابكر عوض الله، وقد استفاد هذا الأخير من رفع اسمه مرشحا لرئاسة الجمهورية من قبل القوى التقدمية مما منحه تغطية لمواصلة جهوده في التنسيق ما بين فصائل تجمعات اليسار، وابتداء من ديسمبر 1968م بدأت تتبلور جبهة "يسارية عريضة" اجتمع في صفوفها الحزب الشيوعي، والجبهة الديمقراطية الاشتراكية، وحركة القوميين العرب، والناصريون، واتحاد نقابات عمال السودان، برئاسة أمين الشلبي ونجوم اليسار، لم يبد الشيوعيون حماسا للمنهج الانقلابي، وفي الواقع لم يكونوا متعجلين للقضاء على النظام الديمقراطي لأن نموهم أفاد من عجز وفشل النظام المتداعي، وكانوا يسيطرون على واجهات العمل النقابي وجماعات الضغط (اتحاد عمال السودان، الشفيع أحمد الشيخ والحاج عبد الرحمن – اتحاد المزارعين، الأمين محمد الأمين ويوسف أحمد المصطفىاتحاد نساء السودان، فاطمة أحمد إبراهيم – نقابة المحامين، أمين الشبلي – نقابة الأطباء، طه بعشر – اتحاد طلاب جامعة الخرطوم، دورة عبد العظيم حسين – اتحاد طلاب جامعة القاهرة الفرع .. إلخ) كما ارتفع صوتهم في مجلس النواب بفوز عبد الخالق محجوب في دائرة أم درمان الجنوبية بالإضافة إلى سيطرتهم على وسائل الإعلام عبر مطبوعاتهم جريدة الأيام، أخبار الأسبوع، الطليعة، صوت المرأة .. إلخ.

ومهما يكن موقف الحزب الشيوعي إلا أنه وجد نفسه في بدايات عام 1969م مدفوعا في اتجاه المشاركة في انقلاب عسكري، وقد أدى تدافع الأحداث في الجبهة المصرية وضغوط تحريك حرب الاستنزاف، حيث خططت الإدارة المصرية أن تدخل في مشروع حرب الاستنزاف بعد الفراغ من تأمين الجبهة السودانية ثم الليبية مؤقتة لذلك بحلول الذكرى السابعة عشر للثورة المصرية (23 يوليو 1969م)، وبينما كان الانقلابيون يضعون اللمسات الأخيرة لمشروعهم الانقلابي، انشغل الإخوان المسلمون بترتيبات انعقاد مؤتمرهم التأسيسي، حيث انشغلت القاعدة بتقصي وتحري أسباب الخلاف ما بين تيار التركيز على التأصيل التربوي والتيار الداعي لتكثيف الانتشار السياسي .. بينما غابت عن أجندة المؤتمر الذي انعقد في 15 أبريل 1969م قضايا الوطن وأمنه واقتصاده، جدد المؤتمرون ثقتهم في د. حسن الترابي حيث أعيد انتخابه أمينا عاما لتنظيم الإخوان المسلمين وبالتالي أن يظل ثابتا أمينا عاما لجبهة الميثاق الإسلامي، وعنى ذلك إشكالية علاقة التنظيم الداخلي بجبهة الميثاق ومباركة توجهات تكثيف الانتشار السياسي، إلا أن الحركة الإسلامية كانت متأخرة في سياقها للحاق بحركة التطورات السياسية، ففي وقت كان الانقلابيون يستعدون لإجراء جراحة سياسية شاملة تحيط بأوضاع السودان (أحزابا وقضايا وعلاقات وأشخاصا) انكفأت الحركة على قضايا هموم التأصيل الداخلي، لذا كانت الحركة الإسلامية أبعد ما تكون عن الاستعداد لمواجهة داعي التحدي الخارجي وصنوه الداخلي.

لم تكن مهمة الانقلابيين صعبة إذ كانت الحكومة الائتلافية الرابعة التي رأسها السيد محمد أحمد محجوب والتي جاءت بعد انتخابات حل الجمعية التأسيسية في أبريل 1968م والتي عقدت أول اجتماع لها في 27 مايو 1968م مكونة من تسعة وزراء اتحاديين وخمسة وزراء من حزب الأمة جناح الهادي واثنين يمثلان جبهة الجنوب، وكان المحجوب يشعر بأن الأرض تهتز من تحته وأن بقاءه مرهون ببقاء الآلة الانقسامية في حزب الأمة، وفي نوفمبر 1968 تراكمت عليه الضغوط وأصيب بنوبة قلبية نقل على أثرها إلى لندن للعلاج حيث انقطع اتصاله لمدة ثلاثة أشهر بالسودان، وحينما عاد وجد أن على رأس الأجندة بعد مصالحة الهادي والصادق الإطاحة به، وفي 11 أبريل 1969م تم إعلان توحيد حزب الأمة وعمت مظاهر الفرح الأنصار الذين خرجوا هاتفين (البلد بلدنا ونحن أسيادها) غافلين عن الجنين الذي هو في آخر مراحل التشكيل والتكوين، أما الجمعية التأسيسية فقد كاد أن يتكامل أمر نوابها على إجازة دستور دائم في مرحلة القراءة الثالثة ينص على الصيغة الرئاسية لحكم الدولة، والشريعة الإسلامية مصدرا للقوانين.

يتطلب العمل العسكري الناجح لاستلام السلطة السياسية دقة التنظيم، ودقة اختيار القيادات البديلة، ومواءمة الخطاب السياسي وملامسته لقضايا الناس، والتتابع والنفاذ في إجراءات استلام السلطة حتى لا يعطي الانطباع بوجود فراغ، بالإضافة إلى عنصري استحكام الأزمة السياسية في التوقيت الملائم .. وكسر شوكة النظام القديم، ولا يبقى بعد ذلك إلا عنصر التوفيق، ولله الأمر من قبل ومن بعد، ولا خلاف أن أكبر محرك للجيوش – كغيرها من القطاعات – يتعلق بالقضايا التي تمس كيانها استحقاقات أفرادها الشهرية وأوضاعهم الاقتصادية وامتيازاتهم وإعدادهم وتدريبهم، ومدى إحساس أفرادها بانتمائهم للنظام ومصداقية النظام ونصرته لها) وكان الجيش يشعر منذ عام 1968 أنه أصبح في واد والسياسيون في واد آخر، وفيما كان العسكريون يلمسون انهيار الأمن في الجنوب، كان السياسيون مرهونين للخرطوم وغنائمها وصراعاتها مما أدى إلى شعور عام بالضياع وسط العسكريين بأنهم ضحايا لصراع الخرطوم وغفلتها، وبما أن العسكريين يفضلون ألا يمشونها وحدهم، فقد وجدوا في اليسار خير حليف، وحقيقة لم يكن العسكريون وحدهم يسعون للاستحواذ على السلطة إذ أن السيد الصادق المهدي نفسه نشط في الاتصال بقيادات الجيش عقب واقعة حل الجمعية التأسيسية في فبراير 1968م، والتي كانت انقلابا مدنيا على حكم الدستور، وافتقر فقط لأن تزينه الدبابات، كما أن الجمعية التأسيسية الجديدة افتقرت لعنصر السياسيين المجددين من أمثال السيد الصادق و د. الترابي وغيرهم من الفعاليات الجديدة مما قلل، دورها حتى بوصفها سوقا للكلام، وانحصرت حركة الحياة السياسية في الرسميين مما أضعف عقيدة الكثيرين في الديمقراطية.

في يناير 1969م، وبتمويل من الاتحاد السوفيتي، عقد في الخرطوم مؤتمر للتضامن مع شعوب المستعمرات البرتغالية وشعب جنوب إفريقيا، حضره مائتا عضو يمثلون خمسين قطرا وست حركات تحرير إفريقية، وقرر المؤتمر إقامة لجنة تعبئة دائمة مقرها القاهرة للتنسيق بين حركات التحرير وتكثيف المنح الدراسية لجامعة صداقة الشعوب التي دشنها خورتشوف في موسكو، وزاد هذا المؤتمر من ألق المد اليساري في السودان كما جلب المؤتمر واجهات العمل اليساري العالمي من منظمات شبيبة واتحاد عالمي للمرأة واتحاد عمالي عالمي وغيرها، وبينما كان اليسار يسجل حضورا سياسيا متزايدا على الساحة السياسية، بدت الحكومة عاجزة لا تملك أي جديد وتعافى رئيس الوزراء من مرضه ليستعد لممارسة دوره مواطنا عاديا، وفي 24 أبريل 1969م أعلن المحجوب استقالته لمجلس الوزراء، وفي 23 مايو 1969م جددت قيادتا الختمية والأنصار مباركتهما للجمهورية الرئاسية في إطار دستور إسلامي ( ) كما سافر في ذات اليوم وفد من كبار الضباط للخارج للتوقيع على عدد من الاتفاقيات العسكرية، وفي صباح 25 مايو 1969م استلم تنظيم الضباط الأحرار السلطة في البلاد معلنا قيام جمهورية السودان الديمقراطية التي وضعت في قائمة أولوياتها تصفية الحزبية والطائفية وتنفيذ ميثاق ثورة أكتوبر السودانية الاشتراكية.

استهلت الإذاعة السودانية يومها بالموسيقى العسكرية ثم البيانات الصادرة من مجلس قيادة الثورة ومجلس الوزراء الموجهة من قبل العقيد جعفر محمد نميري رئيس مجلس الثورة والسيد بابكر عوض الله رئيس مجلس الوزراء، تضمن البيان رقم (1) إيقاف العمل بالدستور المؤقت الصادر في نوفمبر 1964م وحل الجمعية التأسيسية ومجلس السيادة ومجلس الوزراء ولجنة الخدمة العامة وجميع الأحزاب السياسية، أ/ا الأمر الجمهوري رقم (2) فقد ركز على تعريف الأعمال العدوانية ضد الثورة وعقوباتها الرادعة والتي اندرج تحتها حتى التشهير بأحد أعضاء مجلس الثورة أو مجلس الوزراء ( ).

جاء تشكيل مجلس الثورة على النحور التالي:

1– العقيد جعفر محمد نميري رئيسا لمجلس الثورة ووزيرا للدفاع وقائدا عاما للقوات المسلحة.

2 – السيد بابكر عوض الله نائبا لرئيس مجلس الثورة ورئيسا للوزراء ووزيرا للخارجية.

3 – الرائد فاروق عثمان حمد الله عضوا بمجلس الثورة ووزيرا للداخلية.

4 – المقدم بابكر النور عضوا بمجلس الثورة.

5 – الرائد أبو القاسم هاشم عضوا بمجلس الثورة.

6 – الرائد أبو القاسم محمد إبراهيم عضوا بمجلس الثورة.

7 – الرائد خالد حسن عباس عضوا بمجلس الثورة.

8 – الرائد زين العابدين محمد أحمد عبد القادر عضوا بمجلس الثورة.

9 – الرائد مأمون عوض أبو زيد عضوا بمجلس الثورة.

10 – الرائد هاشم العطا عضوا بمجلس الثورة.

لفت أعضاء مجلس الثورة بسمتهم وشبابهم وزيهم العسكري الموحد أنظار المواطنين حيث كان معظمهم في بداية الثلاثينات باستثناء الرئيس جعفر نميري الذي كان في التاسعة والثلاثين، بينما لم يكن بابكر عوض الله من جيلهم، كما أعجب الكثيرون بظاهرة تمكن 15 ضابطا و 440 جنديا من إسقاط نظام يقوم على قاعدة حزبية وطائفية وعشائرية ومشروعية سياسية دون مقاومة تذكر.

أما مجلس الوزراء الذي طغى فيه اليسار فقد ضم فاروق أبو عيسى وزيرا للدولة لشئون الرئاسة و د. محي الدين صابر وزيرا للتربية والتعليم و د. موريس سدرة وزيرا للصحة، محجوب عثمان وزيرا للإعلام والإرشاد القومي، مكاوي مصطفى وزيرا للتخطيط، د. محمد عبد الله نور وزيرا للزراعة والغابات، د. أحمد الطيب عابدون وزيرا للثروة الحيوانية، مرتضى أحمد إبراهيم وزيرا للري، د. سيد أحمد الجاك وزيرا للأشغال، موسى المبارك وزيرا للصناعة والتجارة، منصور محجوب وزيرا للخزانة، أبيل الير وزيرا للإسكان، جوزيف قرنق وزيرا لوزارة الجنوب، عبد الكريم ميرغني وزيرا للتجارة الخارجية والاقتصاد، خلف الله بابكر وزيرا للحكومات المحلية، أمين الشبلي وزيرا للعدل، طه بعشر وزيرا للعمل، بالإضافة إلى علي صديق مديرا للبوليس، وأحمد عبد الله العمرابي مديرا للإذاعة، وعبد الله عبيد رئيسا لتحرير جريدة الأحرار الناطقة باسم الثورة.

وفي 26 مايو 1969م تمت إحالة اثنين وعشرين من كبار الضباط للمعاش كما تم فصل ثلاثين ضابطا آخر وترقية أربعة عشر ضابطا وفي 20 يونيو 1969م جرى تعديل وزاري جزئي انضم فيه عمر الحاج موسى وزيرا للدفاع ود. منصور خالد وزيرا للشباب والرياضة – ولم تنتبه القيادة الجديدة لأهم ثغرة في تكون مجلس الوزراء والثورة حيث اختل فيهما التوازن العرقي إذ لم يكن هناك تمثيل لأبناء غرب السودان وشرقه في المجلسين، مما دفع نميري لموازنة ذلك بتعيين محمود حسيب، وصلاح عبد العال مبروك، ولكن ذلك لم يؤد إلى التوازن المطلوب حيث توالت الحركات العنصرية التي شجعتها أحيانا الجبهة الوطنية (سعد بحر، إسماعيل يعقوب، حسن حسين، محمد نور سعد، أنس عمر).

وعلى صعيد الحركة الإسلامية لم يطل المقام بالقيادة الإسلامية لكي تشرع في مقاومة الحركة الانقلابية بعد تيقنها من:

1- أن المشروع الحضاري للانقلابيين يعاكس اسما ورسما المشروع الإسلامي ويجعل هناك استحالة مادية ليس فقط في تنفيذ المشروع ولكن كذلك في عرضه والسير به.

2- صادر المشروع الانقلابي حق الحركة الإسلامية في العمل والدعوة واتجه بالسودان صوب الاشتراكية العلمانية وفتح البلاد أمام التحرك الشيوعي.

فاجتمعت القيادة الإسلامية على عجل في منزل السيد دفع الله الحاج يوسف حيث قررت مقاومة النظام وتعريته أمام الرأي العام بوصفه محاولة يسارية شيوعية، وصدر المنشور الأول بأن كل أعضاء مجلس الثورة والوزراء معروفون لدينا فردا فردا وأنهم من الشيوعيين والمتعاطفين معهم، ولم تتمكن القيادة حتى من الإشراف على توزيع المنشور حيث تم اعتقال كل من د. حسن الترابي وصادق عبد الله عبد الماجد ويسن عمر الإمام وعبد الرحيم حمدي وربيع حسن أحمد ودفع الله الحاج يوسف وتبعهم في وقت لاحق محمد يوسف محمد، سليمان سعيد، مبارك قسم الله.

بلغ مجموع المعتقلين السياسيين أربعة وستين سياسيا على رأسهم السيد إسماعيل الأزهري رئيس مجلس السيادة، الذي لم يغفر له كبر سنه عند بابكر عوض الله حيث وضع في سجن كوبر، وقد فسرت هذه المعاملة غير الكريمة بأنها محاول من بابكر عوض الله لتصفية حسابات شخصية مع الأزهري، أما السيد محمد أحمد محجوب رئيس الوزراء فقد وضع رهن الاعتقال التحفظي بمنزله، كما شملت حملة الاعتقالات قيادات الحزب الاتحادي الديمقراطي الأخرى كأحمد السيد حمد، والسيد أحمد زين العابدين وغيرهم بينما لم تطل أيادي النظام السيد الشريف حسين الهندي الذي رفض أن يسلم نفسه وذهب إلى الجزيرة أبا ثم إثيوبيا بينما اختفى الرشيد الطاهر بكر لفترة ثم عاد مسلما نفسه.

وجد شباب الإخوان المسلمين الذين لم يكونوا ممثلين في أي جهاز من أجهزة السلطة أنفسهم في صراع غير متكافئ مع السلطة الجديدة، وحاولت قيادة الإخوان قبل اعتقالها تحريك قيادات الأحزاب في مقاومة شعبية ولكن تلك الدعوة لم تلق ترحيبا إذ آثرت القيادات التي لم يتم اعتقالها – السيد الصادق المهدي والسيد محمد عثمان الميرغني والسيد الإمام الهادي – الانتظار، وفوض السيد الإمام الهادي، الذي كان متحصنا وسط أتباعه في الجزيرة أبا، السيد الصادق لمتابعة الموقف في الخرطوم، فتح السيد الصادق حوارا مع القيادة الانقلابية بواسطة المرحوم زيادة أرباب، وبينما يواصل زيادة أرباب حواره مع الانقلابيين أصدر السيد محمد عثمان الميرغني بيانا مقتضبا حوى تأييدا للنظام الجديد وذلك في 1/ 6/ 1969م قائلا (لقد كانت المبادئ التي أعلنها السيد رئيس مجلس قيادة الثورة والسيد رئيس مجلس الوزراء في اليوم الخامس والعشرين من مايو فيما يتعلق بالاتجاه العربي والنظر إلى المرحلة الراهنة التي تجتازها أمتنا العربية هي المبادئ التي نؤمن بها وتجد منا التعضيد والمساندة، وقد التزمنا دائما بالعمل على تحقيقها وإن تلاحم القوى بين إسلاميتنا وعروبتنا هو منطقلنا إلى المستقبل، وفق الله القائمين بالأمر لتحقيق الاستقرار المنشود للبلاد في ظل مجتمع الكفاية والله المستعان).

وفي الثالث من يونيو 1969م توجت جهود المرحوم زيادة أرباب باجتماع السيد الصادق المهدي برئيس مجلس الثورة اللواء جعفر محمد نميري، حيث سجل السيد الصادق اعتراضه على الخطة الثورية المعلنة صيغة حكم لأن شعاراتها مستوردة ولا ينتظر أن تنبت في أرض السودان، وأن للسودان ظروفا خاصة لابد أن تؤخذ في الحسبان كما سلمه مذكرة من اثني عشر بندا لتكون برنامجا بديلا، ثم أتبع ذلك باجتماع آخر مع اللواء جعفر محمد نميري وكانت هذه اللقاءات – كما يبدو – مرصودة من التيار الناصري والاستخبارات التي نظرت إليها بتوجس شديد، مما أدى إلى إقناع نميري بإيقاف هذا الحوار وقاد إلى اعتقال السيد الصادق في الساعات الأولى من صباح الخامس من يونيو 1969م حيث وضع رهن الاعتقال التحفظي في شرق السودان ( ).

بعد أيام من قيام ثورة مايو، أصبحت كل قيادات الحركة الإسلامية داخل المعتقل، وانتقلت مقاليد إدارة الحركة إلى مكتب الخرطوم الداخلي، الذي وجد نفسه مطالبا بملء الفراغ وتسيير شئون الحركة العامة على مستوى البلاد، وواصل المكتب الجديد (فاروق قباني، عبد الله بدري، توفيق طه) تعبئة الإسلاميين في اتجاه مقاومة النظام واستغل المكتب فرص التجمع التي أتاحتها احتفالات البلاد بذكرى المولد النبوي التي توافقت مع الأسبوع الأول من عمر الانقلاب في تحريك المظاهرات حيث اعتقل العشرات من شباب الحركة الإسلامية في الخرطوم، وغيرها ( ).

لفتت صرامة الأحكام على شباب الإخوان الذين كانوا في عشرينات سنيهم ودون ذلك، أنظار السودانيين للحركة الإسلامية وصلابة شبابها كما لفتت الأنظار لطبيعة النظام وقهره حيث بلغت مجموعة الأحكام الصادرة في حق هؤلاء الشباب قرابة المائة عام سجن بمتوسط خمس سنوات للفرد الواحد، بينما لم تتعد جريمتهم سوى التظاهر وتوزيع المنشورات، واجتهدت عناصر اليسار في السلطة لتصوير معركة النظام بأنها موجهة في الأساس ضد الحركة الإسلامية وأكسبت برنامج النظام خصوصية اجتثاث الحركة الإسلامية من جذورها وتصفية رموزها، وفي يوم الثاني من يونيو 1969م نظم اتحاد عمال السودان موكبا جماهيريا لتأييد الثورة وخاطب اللقاء كل من رئيس مجلس الثورة ورئيس اتحاد العمال (الشفيع أحمد الشيخ) ونائبه (الحاج عبد الرحمن).

وحشد اليسار جماهيره لإعطاء المشروعية الشعبية للحركة الانقلابية، وفي اللقاء ظهر أدب شعارات وهتافات لم تألفه الساحة السودانية من قبل إذ خططت الهتافات بعناية لجر الثورة في اتجاه التصفيات الجسدية ورددت الجماهير غير الواعية بما هي مساقة نحوه (لا تحفظ بل إعدام) إشارة لمطلب إعدام السجناء السياسيين، (القصاص بالرصاص) إشارة لاستبدال أحكام السجن بالإعدام، (الشريف لص هارب) في محاولة لتحطيم صورة الشريف بوصفه رمزا من رموز المقاومة، وشعار (ثورة .. ثورة حتى النصر) كناية عن سريان منطق الشرعية الثورية التي لا تعرف التقيد بالقوانين والتأني في إصدار الأحكام، كما ظهر في زحمة الشعارات محاولات السيطرة على حركات الشعارات ومراكز التحكم في تسيير حركة اللقاء من قبل الجهات المتصارعة على حركة الانقلاب من ناصريين وقوميين وشيوعيين.

وفي التاسع من يونيو 1969م صدر بيان الحكومة تجاه الجنوب، متضمنا الحكم الذاتي، علما بأن مجلس الثورة كان خاليا من أي عضو جنوبي، ذهبت حقيبة شئون الجنوب إلى أحد كوادر الحزب الشيوعي وهو جوزيف قرنق، ولم يكن جوزيف قرنق متحمسا لمشروع الدخول في إجراءات مفاوضات مع حركة التمرد (أنانيا) لأنه كان يتحرك وفق إيقاع الحزب الشيوعي، وكان الحزب الشيوعي يريد بناء كادر ثوري شيوعي جنوبي قادر على موازنة الطفرة الثورية التي حدثت في الشمال، واكتفى جوزيف قرنق بتحرك سطحي – تكتيكي – كما عمد إلى مهاجمة حركة التمرد وكشف ارتباطها بالحركات الاستعمارية المشبوهة ووازن ذلك بجدية نظام نميري ومماطلة المتمردين، لذا لم تتم ترجمة إعلان الجنوب إلى برنامج عمل منذ صدروه في 2 يونيو 1969م حتى وقوع الانقلاب الشيوعي في يوليو 1971م.

مضت أيام الانقلابيين هادئة بعد أن سيطروا على الشارع السياسي الذي لم يعكر صفوه غير مقاومة الإسلاميين الذين ساندهم كذلك شباب حزب التحرير تحت إمرة أميرهم الأستاذ / محمد يوسف، والذين تم اعتقالهم كذلك وتدبير محاكمات كيدية ضدهم، تراوحت ما بين التأبيد في السجن وإطلاق السراح.

أعطت السلطة الجديدة أحقية لبرنامج تصفية مراكز النفوذ القديمة وكسر شوكة العشائر والقبلية، وفي 28 يونيو 1969م تم إلغاء الإدارة الأهلية في مديرية الخرطوم والجزيرة المروية مما يعني إبطال أوضاع الشيوخ والعمد والنظارات، وفي ديسمبر 1969م صدرت إجراءات مصادرة محلج بك ومعصرة دائرة المهدي عوضا عن تراكم ضرائب دائرة المهدي ونوعا من الضغط الاقتصادي، وكذلك تمت مصادرة بعض أراضي الميرغني في الخرطوم.

وفي 23 أغسطس 1969م حدث ومن دون تخطيط – ما يشبه المعارضة الشعبية للنظام الجديد في مناسبة تشييع جثمان الشهيد إسماعيل الأزهري التي شارك فيها عشرات الآلاف، وقد حاول الإسلاميون تحويل المناسبة إلى مظاهرة عدائية ضد النظام ولكن حالت خطبة التهدئة التي ألقاها السيد / محمد عثمان – الذي حث المشيعين على الانصراف بسلام – دون ذلك، مما أدى إلى تبعثر المظاهرة واعتقال المزيد من الإخوان، وكان من بينهم د. سعاد الفاتح البدوي والتي صارت بذلك أول معتقلة سياسية في فترة ما بعد الاستقلال.  

الفصل الثاني: تطور صراع الحركة الإسلامية مع الانقلابيين

والت الحركة الإسلامية معارضة الانقلابيين ومشروعهم، لأن مشروع الانقلابيين في إطاره الفكري والثقافي وأهدافه السياسية يعد مناقضا لمشروع الحركة الإسلامية في السودان ويؤدي إلى إجهاضه، بل بدا مشروع الانقلابيين في شهوره الأولى وكأنه انقلاب على القيم ومراكز الإشعاع الإسلامي واللغة العربية وتطويرا للمشروع العلماني الذي فرضته الإدارة الاستعمارية، وظل مهيمنا على السودان منذ أيام كتشنر وظروف الاستقلال، وقد مثل مشروع الانقلابيين مجرد إعطاء قوة دفع جديدة تتمثل في الأطروحات الاشتراكية المبهمة من عربية وإفريقية وماركسية، وراحت ضحية ذلك الصيت الثوري الجامعة الإسلامية التي تمت تصفيتها واختزلت في كلية للدراسات العربية والإسلامية، كما تم تجفيف المركز الإسلامي الإفريقي واعتقال قيادته بالإضافة إلى تخفيض حصص التربية الإسلامية وإلغاء وجودها في امتحان الشهادة السودانية، كما عدلت المناهج وحذف من المقرر كتاب محمد قطب "شبهات حول الإسلام" وبلغ ذلك قمته في احتفال البلاد بالعيد المئوي لميلاد لينين في أبريل 1970م ( ).

طغى التفكير الجهادي على العقلية الإخوانية بوصفه السبيل الوحيد لمجابهة التحدي الجديد وكسر شوكته العلمانية المتدثرة برداء الاشتراكية، ولكن كيف السبيل للجهاد؟ إذ الفرق ظاهر بين الجهاد القائم على استخدام السلاح ومجاهدات الأفراد في التزكية والتضحية واحتمال السجن التي عرفها الإسلاميون من قبل، لقد خرج الأخ محمد صالح عمر منذ عام 1968م طلبا للجهاد ونصرة الدين، ووجد جزئيا بغيته وسط تجمعات الفلسطينيين في حركة فتح ورعيلها الجهادي المؤسس، وظلت أشواق الجهاد تراود الكثيرين من الإخوان الذين اعتقدوا أن مهمة حركتهم كذلك تنزل معاني الشهادة وتخريج أفواج الشهداء لجنة عرضها السموات والأرض.

وركز الإخوان على منطقتين لتكونا نقطتي مقاومة للنظام الجديد:

1 – الانطلاق من الجامعات، إذ الحركة الإسلامية حركة متعلمين يتركز أنصارها بصفة خاصة وسط طلاب جامعة الخرطوم والجامعة الإسلامية.

2 – المقاومة الجهادية المرتكزة على التدريب على استخدام السلاح في الجزيرة أبا.

أما بالنسبة للمقاومة المنطلقة من قطاع الطلاب، فقد أخذت تتشكل مع افتتاح الجامعة في يوليو 1969م حيث أبرزت حركة المقاومة عددا من الإخوان: محمد عبد الله جار النبي، صديق يونس، الحاج بابا، قطبي المهدي، عبد الرحيم علي، جعفر ميرغني، علي عثمان، أحمد إبراهيم الطاهر .. ومع أن الصراع كان في حقيقته بين اليسار الذي كان يسيطر على اتحاد طلاب جامعة الخرطوم والاتجاه الإسلامي، إلا أنه بانعكاساته امتد ليؤثر بشدة على الواقع السياسي، تصاعد التوتر في الجامعة حينما قرر الاتجاه الإسلامي إقامة ندوة بعنوان (الشيوعيون وسرقة الثورات) ... توجس الشيوعيون من الندوة وأحسوا بأنها قد تفتح ملف قضية علاقاتهم بالسلطة وتكشف الصراع الخفي الخطير الذي يدور بين فصائل اليسار والضباط الذين استلموا السلطة، وكان الشيوعيون يتوجسون من ازدياد وعي الضباط بمقتضيات هذا الصراع مما قد يؤدي إلى إضعاف دورهم في تسييرها، لذا فقد قرر اليسار الطلابي إيقاف الندوة وافتعال سلسلة معارك تؤدي إلى حسم الوجود التنظيمي للاتجاه الإسلامي وروابط الطلاب الوطنيين (حزب الأمة) ورفع اليسار شعار استحالة بقاء الجامعة جزيرة رجعية في محيط ثوري هادر، وقد رد الاتجاه الإسلامي على ذلك برفعه توصية للاتحاد مطالبا إياه بالتمسك بدوره القومي والوطني المرسوم، الذي أرسته وتعرفت عليه قواعد وممارسات العمل الطلابي، والنأي به عن الذيلية والتبعية للحكومات ( ) وجاءت التوصية في ظرف طغى فيه الإرهاب وروح التجسس والمخابرات وأخلاق العنف الثوري.

سقطت التوصية بفارق ستة أصوات وأدى سقوطها إلى حالة سكرة ثورية ومد يساري زينت لليسار أن يواصل عربدته بتصفية الوجود المادي للأساتذة الذين لا يتفقون مع سياسيا، وتم فصل ثلاثة عشر أستاذا كما تم فصل أعضاء الاتجاه الإسلامي من المكتب التنفيذي للاتحاد، وبلغت النشوة حدا دفع بعض الشيوعيين للتصريح في الندوات بأن معتقلي الإخوان بما فيهم الترابي لن يروا الشمس بعد اليوم، ولكن طارت سكرة اليساريين حينما فاز الاتجاه الإسلامي بالجامعة بتسعة عشر مقعدا من مقاعد اتحاد طلاب جامعة الخرطوم الأربعين ومثل هذا أكبر فوز في تاريخ التمثيل النسبي، بل مثل ذلك الحد الأقصى الذي تسمح به نظرية التمثيل النسبي الانتخابية المعمول بها بالجامعة، وأصبح الأستاذ علي عثمان محمد طه رئيسا للاتحاد الجديد حيث لم يكن أمامه إلا مجابهة تحدي فصل الأساتذة والتغول اليساري، ولكن قامت السلطات بمباركة قواعد الطلاب اليساريين بحل الاتحاد في ظروف ما بعد المجابهة بين سلطة الضباط والأنصار في ود نوباوي والجزيرة أبا.

قام اليساريون بإعلان لجنة من الطلاب اليساريين كبديل للاتحاد عرفت باسم (سكرتارية الجبهات التقديمة) تم تكوينها من الأحزاب اليسارية والجنوبية بطريقة التعيين.

أما بالنسبة لمحور العمل الثاني المتعلق بالتدريب على استخدام السلاح في أبا استعدادا لمهام معارك المستقبل التي قد تتطلب حسما عسكريا إن لم تحسم سياسيا وسلميا فقد توجه نفر من الإخوان بقيادة محمد محمد صادق الكاروري صوب الجزيرة أبا لمقابلة الإمام الهادي لاستكشاف مدى حماس الإمام الهادي لمشروع مجابهة النظام، في وقت أصبحت فيه الجزيرة أبا ملاذا لكل الخائفين والناقمين على النظام الجديد كما جاءت مجموعة من الإخوان موجودة في الخارج لذات الغرض بقيادة الأستاذ عثمان خالد مضوي والذي تصادف أن كان في بريطانيا حين وقوع الانقلاب، نسق عثمان خالد حركته في الخارج في إطار الجبهة الوطنية التي بدأت نواتها في لندن من عثمان خالد وعمرو نور الدائم ونصر الدين السيد ثم الشريف حسين للعمل على إعادة الديمقراطية والحرية للسودان، كما نشط في المملكة العربية السعودية كل من محمد صالح عمر ومهدي إبراهيم وأحمد عبد الرحمن وزين العابدين الركابي في الاتصال والتنسيق ودفع الإخوان للمساهمة المادية وكذلك الاستعداد للهجرة إلى الجزيرة أبا، وكذلك نشطت قيادة الإخوان في داخل السودان في الاتصال بالشباب والطلاب الإخوان لأخذ موافقتهم بغية تنظيم إرسالهم إلى الجزيرة أبا توطئة لإعدادهم وتدريبهم وانتهت كل تلك الحلقات إلى قيادتين، قيادة الداخل ويمثلها الإمام الهادي ويعاونه كاروري ومحمد صالح عمر، وقيادة الخارج التي مثلها الشريف حسين الهندي وعثمان خالد ود. عمر نور الدائم.

وجد عمل الجبهة الوطنية مباركة ودعم الملك فيصل الذي كان غاضبا مما فعلته أيادي عبد الناصر الخفية في السودان حيث شعر بأن عبد الناصر قد غدر بالإرادة السياسية السودانية التي ناصرته في أحلك الظروف وأعدت له مؤتمر الخرطوم وأخرجته من ورطة اليمن، وكذلك كان الإمبراطور هيلاسلاسي مستعدا للتعاون مع الجبهة الوطنية حيث إنه كان خائفا على نظامه من تأثيرات السحب الحمراء المتجمعة فوق سماء الخرطوم ( ) لم يكن من الواضع كيف سيؤدي مشروع الجهاد المرتكز على قاعدة الأنصار في الجزيرة أبا إلى تقويض نظام مايو، وما هي ملامح النظام البديل، هل كانت حركة أبا تستهدف التكامل على النطاقين الشعبي المسلح والعسكري المنظم بالتحالف مع بعض فصائل القوات المسلحة أم كانت تستهدف إقامة جيش بديل لتجاوز المؤسسة العسكرية ونظامها؟ أم كانت مجرد شكل من أشكال المقاومة لنظام مايو، بحيث تؤدي ظروف المستقبل إلى بلورتها خصوصا وأن خطاب السيد/ الإمام الهادي ومن قبل السيد/ الصادق اقتصر على تعديل شكل نظام مايو بإقصاء الشيوعيين طرح الورقة الإسلامية؟ وبدأ تحرك الجزيرة أبا بنداء الإمام الهادي للأنصار بالهجرة للجزيرة أبا كما شرعت قيادة الجبهة في الخارج في تهريب السلاح من إثيوبيا إلى الجزيرة أبا، كما باشر شباب الإخوان وشيوخ الأنصار حركة تثقيف وتحضير ذهني ونفسي وروحي بين القواعد .. وتمثل الزاد الثقافي في القرآن الكريم والسيرة وراتب الإمام المهدي وأدبيات الإخوان كظلال القرآن وزاد المعاد وغيره كما شرع الإخوان في معاونة الأنصار على استخدام السلاح الحديث حيث برز الشهيد محمد صالح عمر ومهدي إبراهيم وعز الدين الشيخ والسيد/ محمد محمد صادق الكاروري وأحمد سعد عمر وبابكر عوض وعبد المطلب إبراهيم. لم تكن مصر حرب الاستنزاف ببعيدة عما يحدث في السودان، وفي غمرة موالاة الملك فيصل وهيلاسلاسي للجبهة الوطنية ازداد بروز الوجود المصري في السياسة السودانية، وقد تقوى النظام المصري كذلك حينما استولى صغار الضباط بقيادة معمر القذافي (29 عاما) على السلطة في ليبيا في الفاتح من سبتمبر 1969م معلنين التزامهم بمشروع التزامهم بمشروع القومية العربية بأبعاده الوحدوية ومكافحة النفوذ الأجنبي وأردفوا ذلك بتصفية قاعدة هويلس الأمريكية العسكرية التي أصبحت تسمى قاعدة عقبة بن نافع العسكرية كما بادروا بطرح مشروع الوحدة ما بين مصر وسوريا والسودان.

تواكب التحضير لحركة أبا مع تدفق الخبراء الروس والألمان الشرقيين الذين شارك أربعة عشر منهم في وضع الخطة الخمسية، كما تكثف الوجود المصري نتيجة لنقل قاعدة ناصر الجوية المصرية إلى وادي سيدنا مما استدعى تصفية مدرسة وادي سيدنا الثانوية كما انتقل جزء كبير من الطيران المصري للخرطوم حتى لا يكون في مدى الطيران الإسرائيلي، وتحسبا لطوارئ حرب الاستنزاف بحيث لو سقطت القاهرة تصبح الخرطوم مركزا لاتخاذ القرار السياسي والعسكري.

ومع أن السلطات المصرية سعت لاحتواء أي سوء تفاهم بين التركيبة اليسارية الحاكمة، إلا أن ترتيبات الصراع على السلطة كان لها كذلك منطقها الخاص، وقد انتهز النميري سانحة زيارة بابكر عوض الله لألمانيا الشرقية في أكتوبر 1969م وتمجيده للحزب الشيوعي السوداني ليضعف مركز بابكر ويقصيه من رئاسة الوزراء، حيث رد عليه في بيان غاضب حمله ما لا يحتمل أذيع من إذاعة أم درمان نفى فيه أن يكون للشيوعيين دور في صناعة الثورة، مع أن كلا من بابكر ونميري محسوب على مصر، وبما أن الصراع لم يكن مذهبيا وإنما كان شخصيا، لم يكن أمام الإدارة المصرية غير الصبر واستمرار الدعم حتى لا ينفلت مسار السودان، وجمع نميري ابتداء من 28 أكتوبر 1969م ما بين رئاستي مجلس الوزراء ومجلس الثورة كما تقلد عدد من أعضاء مجلس الثورة عددا من الحقائق الوزارية.

لم يقتصر التوتر داخل النظام على منافسة نميري لبابكر، ولكن كذلك بين تيار الضباط والحزب الشيوعي، كان الشيوعيون مدركين لأبعاد التناقض بين سلطة الضباط ومختلف فصائل اليسار، ولكنهم رأوا من الحكمة تأجيل خلافهم مع سلطة الضباط باعتبار أن التناقض الرئيسي إنما يكمن بين مجمل حركة السلطة الثورية وتجمع المعارضين في الجزيرة أبا، إذ اعتبر الشيوعيون ما يحدث من تجمع في أبا (تجمع لقوى الردة والرجعية والثورة المضادة التي لا سبيل لأن يكون السودان اشتراكيا وشيوعيا إلا بالقضاء عليها) وتحت هذه الراية، أخذ اليسار يضرب على نغمة تصفية معاقل الرجعية في الجزيرة أبا متجاوزا خلاف أمينه العام عبد الخالق محجوب مع قيادة الضباط حول صلاحية اللجان الثورية وعلاقات الحزب بالثورة ومقتضيات تبعية وزراء النظام الشيوعيين للحزب، وظهر ذلك الخلاف إبان تكوين لجنة إعداد الميثاق الوطني في 13 يوليو 1969م والتي كانت مطالبة بإعداد الورقة التمهيدية لعرضها على مؤتمر جامع في 15 يونيو 1970م لإجازتها، وظهر خلاف الميثاق لأن الميثاق يعكس الفكر الذي يقوم عليه النظام والخيارات التي يسعى لتحقيقها والمشاريع الحضارية والسياسية التي يتطلع لإنجازها لتحقيق النظام الاجتماعي الجديد ... ولكن يبدو أن الذي أسهم في تصعيد الصراع تنمية عبد الخالق محجوب شخصية مشاكسة ومتعالية على قيادة نظام الضباط ...

إذ كان عبد الخالق محجوب ينظر لنفسه بوصفه الباذر لبذرة الفكر الاشتراكي في السودان، وأن الجميع عيال عليه في ذلك، وأنه وصل إلى موقعه عبر معاناة فكرية وسياسية وتنظيمية استغرقت كل شبابه، ولم يأت بمجرد مغامرة عسكرية، كما كانت قيادة الحزب الشيوعي ضد فكرة الوحدة الاندماجية مع مصر وسوريا وليبيا لأنها ستضعف مركز الحزب وتهدد بتذويبه وقد ازداد هذا الصراع الخفي حينما وقع نميري على ميثاق طرابلس 27 ديسمبر 1969م واستلمت حكومته مبلغ (7.5 مليون دولار) في 27/ 10/ 1969م من الإدارة الليبية الجديدة اشتهر فيما بعد بقرض الكرامة ... ومهما يكن فقد اختفت مرحليا كل تلك التناقضات ما بين الحزب الشيوعي وقيادة سلطة الضباط في ظرف المجابهة مع الأنصار حينما قام الرئيس نميري بزيارة للنيل الأبيض على ظهر باخرة نيلية وعلى طول القرى القائمة على حافتي النيل الأبيض، كانت تطالعه حشود الأنصار تحمل شعار (لا سلام بلا إسلام) مما اعتبر إهانة للسلطة الجديدة التي صممت الرحلة لزيادة شعبيتها بقرارات تأميم مشاريع النيل الأبيض الزراعية، كما هدفت الرحلة لاستكشاف حقيقة ما يجري في الجزيرة أبا وما حولها، وقد تأكد لسلطة الضباط أن المنطقة معادية تماما لتوجيهات السلطة الجديدة وأن ما يجري قد يتطور إلى مهدد أمني غير قابل للاحتواء، قطع الرئيس نميري رحلته للجزيرة أبا وأخذ في حشد قدرة الحكومة توطئة لتصفية الوجود المادي للمعارضة في الجزيرة أبا.

استخدمت القطارات في نقل الدبابات والمدرعات والجنود إلى كوستي مما وضع البلاد أمام نذر المجابهة الدموية بين الأنصار والنظام، ولم تكن القاهرة بعيدة عما يجري في الخرطوم، حيث أرسلت نائب الرئيس المصري محمد أنور السادات للخرطوم لمتابعة الموقف ( )، كما أرسلت ليبيا عددا من طائراتها للمشاركة في المعركة باعتبارها معركة فصائل حركة الثورة العربية ضد مواقع العمالة والرجعية، وأخذت الحركة الإسلامية وجماهير الأنصار على حين غرة، إذ كانت الاستعدادات في الجزيرة أبا في طور البداية، وكانت ما تزال في انتظار المزيد من المهاجرين حتى وصول شباب الإخوان الذين كان يتوقع وصولهم بعد إغلاق المدارس والجامعات بالإضافة إلى العتاد.

حاول شباب الأنصار في ود نوباوي بأم درمان القيام بتظاهرة عسكرية لتخفيف الضغط الواقع على الجزيرة أبا ولكن هيهات! إذ سرعان ما صفى الجيش تظاهرة ود نوباوي كما أنه وابتداء من 26 مارس 1970 بدأ الجيش برا وجوا في تصفية مواقع الأنصار في الجزيرة أبا ( ) وفي ظرف 72 ساعة اقتحم الجيش أبا وخرج الإمام الهادي وبرفقته الكاروري وآخرون لديار الهجرة في إثيوبيا، ولكن شاءت الأقدار أن تعتقل شرطة الحدود الإمام ومرافقيه ثم ما لبثت أن صدرت الأوامر باغتيال الإمام وإرسال بقية المعتقلين للخرطوم، واستشهد في حركة أبا الأستاذ/ محمد صالح عمر بينما تمكن الأستاذ/ مهدي إبراهيم من الفرار.

جرى تقييم لما حدث في الجزيرة أبا وسط قيادة الجبهة الوطنية ولم تكن الجبهة تملك بديلا غير مواصلة المقاومة واستكمال ما بدأ في الجزيرة أبا وإن بدا السيد/ الصادق الذي كان معتقلا متحفظا، وربما كان يعتقد أنه لو كان خارج السجن لتغيرت طبيعة الصراع، نسبة لأن خطوط اتصاله كانت موصولة بالحكومة وقيادة الحزب الشيوعي ولربما اعتقد أن الإخوان والشريف قد قادوا الأنصار لهذه المعركة بينما لم يكن الإخوان حقيقة مسئولين عن مظاهرات التحرش ضد نميري في النيل الأبيض بل إنهم وجدوا أنفسهم فجأة في وسط نيران الصراع، كما لم يكونوا ملمين بطبيعة الحوار الذي بدأ في فترة ما بين رسل النظام والإمام الهادي.

وفتحت المواجهة المسلحة بين الأنصار والجيش السوداني كتاب تحليل طبيعة الفريقين، أما عن الأنصار، فإن الأنصارية انتماء تاريخي وخيار ديني، فالأنصاري هو الشخص الذي بايع سلفه الإمام المهدي أو شاركوا في حروبات المهدية تحت رايته أو راية خليفته، واختار هو أن يبقى على خيار الرابطة الأنصارية التي تقوم على نصرة الدين، ولما كانت أي رابطة إنما تتغذى على وجود القيادة أو الرمز، فقد تمحورت رابطة الأنصار حول بيت المهدي بوصفه ممثلا للاستمرار التاريخي لشخصية الإمام المهدي وخليفته، ومع أن الأنصارية ظلت انتماء صارما بنصرة الدين إلا أنها ظلت توظف سياسيا وتستخدم ضد طبيعتها من قبل المثقفين العلمانيين الذين سادوا في حزب الأمة والذين استخدموا الأنصارية لإشباع تطلعاتهم السياسية وتثبيت خيار العلمانية، مستغلين جهل الأنصار الذين ظلوا أسرى للفقر والتخلف والعزلة والانكفاء، كما أصبحوا غير قادرين على التمييز ما بين آل المهدي والدعوة الإسلامية، كما أن الأنصار في استصحابهم لموالاة بيت المهدي التقليدية أصبحوا غير واعين بمضامين هذا العهد وغير واعين كذلك بالموالاة القائمة على علاقات الدم والقبيلة والعرق والموالاة المرتكزة على العقيدة ونصرة الدين، لقد نهض حزب الأمة على مفاهيم قومية استقلال السودان، وما كان شعار السيد/ عبد الرحمن "لا شيع ولا طوائف ولا أحزاب، ديننا الإسلام ووطننا السودان" ليحل إشكالية الأنصاري الذي يهفو لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف مع القيادة الجديدة التي تحلم بالسلطان، ومهما يكن، فعلى أكتاف جماهير الأنصار تم إنجاز استقلال السودان كما أن شوكة جماهيرهم حلت حكومة سر الختم الخليفة الأولى التي تكاثر فيها اليساريون لتحل محلها حكومة أكثر تمثيلا لسودان الحزبين التقليديين وأسهمت جماهير الأنصار في حل الحزب الشيوعي في ديسمبر 1965م، وأخيرا تراصت صفوفها في مجابهة داعي العلمانية الاشتراكية في أحداث أبا مارس 1970م، ولكن تعامل المثقفون العلمانيون في حزب الأمة مع هذه الوقائع بانتهازية ماكرة مما أدى لإهدار طاقات الأنصار في بناء قاعدة اجتماعية واقتصادية لقوى العلمانية التي لا علاقة لها بالدين.

مثلت حركة الجزيرة أبا رحلة بحث عن الهوية (الذات) بالنسبة للأنصار وجعلتهم يتوحدون لأول مرة مع أنصاريتهم وأشواقهم للجهاد ونصرة الدين كما وضع تحدي نظام مايو القيادة الأنصارية أمام خيار نصرة الدين، ولم يكن ولاء الأنصار للتراب ولا لآصرة القومية وإنما لرابطة الدين التي تقوم على الإمام المبايع.

والبيعة عقد بين طرفين قوامها الطاعة، ولا تسقط شرعا تبعة هذا العقد إلا بالمسوغات الشرعية، ومثلت محاولة الإمام الهادي للهجرة إلى الحبشة الأمر الشرعي للأنصار بوجوب الهجرة اقتداء بالإمام، وشهدت حدود السودان الشرقية تدفق أفواج المهاجرين الذين جاء بعضهم من تلقاء نفسه، كما جاء بعضهم مدفوعين بتحريض المناديب الذين كان يرسلهم الشريف الهندي باسم الإمام علما بأنه يعلم أن الإمام قد مات ويتحدثون أحيانا في المساجد أو يتصلون برؤوس المائة ويثيرون فيهم الحمية لأخذ ثأر الأنصار ونصرة الإمام الغائب المشغول بإقامة جيش الشريعة، ولم تخل هذه التعبئة من إغراءات بالتدريب على السلاح وحفظ القرآن وقيادة السيارات ودفع عدد من الأنصار بأهلهم وأبنائهم الصغار الذين لم تتجاوز أعمارهم العاشرة والحادية عشر إلى درب الهجرة بل وأخرج بعضهم من مدارسهم ليسيروا بالأقدام المسافات الطويلة في ظروف صعبة ومسالك وعرة إلى الحبشة، ونشط الشريف الهندي في جمع بعض الأموال لسد احتياجات المهاجرين في معسكرهم، وكان يقوم – في البداية – بتسليم الموجودين من شباب الإخوان أموال تسيير المعسكر ليقوموا بتوزيعها على المناديب، كما كانت تصل المعسكرات تبرعات الأنصار من داخل السودان وكذلك زكواتهم، كما استعان الهندي بمندوب وكالة غوث اللاجئين صدر الدين خان الذي رافق الهندي إلى إثيوبيا ووقف على أحوال المعسكر ووعد بمد المعسكر باحتياجاته في ظرف أسبوع ولكنه تأخر عن مد يد العون مدة تسعة أشهر.

نجح شباب الإخوان المسلمين في فتح مدرسة بالمعسكر انضم إليها ما يقارب المائتي شاب واستمرت الدراسة بإقبال وحماس من فتيان الأنصار، الذين أخذوا يتعلمون حتى مبادئ اللغة الإنجليزية ولكن أوقفت المدرسة وتمت تصفية نفوذ الإخوان حينما حاولوا توعية من في المعسكر بحقوقهم بما في ذلك محاسبة المسئولين وإقامة نظام المعسكر على ورح الحوار والشورى.

عاش المهاجرون في بعض الفترات في ظروف قاسية وشدة من العيش، اضطرتهم لأكل أوراق الشجر، كما لجأ بعضهم للعمل في المشاريع الزراعية لكسب العيش أو صناعة الأسرة – العناقريب – وصيد السمك وفتح المقاهي وجمع عسل النحل وصناعة البنادق يدويا، كما كانوا يبادلون منتجاتهم باحتياجاتهم في سوق تمر به العربات التجارية، واستمر التدريب على البيادة ببنادق خشبية، علما بأن قيادة الجبهة الوطنية التي والاها الملك فيصل بدعمه، نجحت في إرسال كمية من السلاح للمهاجرين ولكن استحوذ عليها الإمبراطور توجت فيما بعد باتفاقية أديس أبابا.

عمد بعض المهاجرين بعد إغلاق المدرسة إلى فتح خلوة لتعليم القرآن وتحفيظ الراتب لشباب المهاجرين ولكن لم يجد القائمون على أمر الخلوة مساعدة ولا تشجيعا، إذ كانت قيادة المعسكر زاهدة في ترقية أوضاع الأنصار الثقافية وراغبة في بقائهم أسرى لأميتهم، ولجأت قيادة المعسكر لممارسة أنواع من الضغط النفسي والذهني لإيقاف هذا النوع من النشاط كتوجيه سؤال لماذا هاجرت؟ للجهاد أم لحفظ القرآن؟ كأن حفظ القرآن يتعارض وتكاليف الجهاد، ولم تخل معسكرات المهاجرين من مشاكل النعرات القبلية التي وصلت حد الصدام وأصبح السكن في المعسكر على شباب الإخوان والمرحوم الشريف حسين والسيد/ عمر نور الدائم.

وبينما كانت أوضاع المهاجرين تسير على هذا النحو كان الوضع في السودان يتطور في اتجاه المفارقة بين الحزب الشيوعي ونظام الضباط.  

الفصل الثالث:نظام الضباط والحزب الشيوعي

زال هاجس النظام الأمني بعد تصفية المعارضة في الجزيرة أبا ولم يبق غير هاجس قضية حرب الجنوب، ولئن وحد خطر التحالف الإسلامي الوطني ما بين نظام الضباط وفصائل اليسار، فإن زوال ذلك الخطر أدى إلى انتقال المجابهة إلى ما بين أركان النظام وفصائله، وانعكس الصراع الدائر بين الرئيس نميري (رمزا لنظام الضباط) والحزب الشيوعي على الحزب الشيوعي ذاته، وظهر ذلك حينما انعقد اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في مارس 1970م بعد سبعة أشهر من تاريخ آخر انعقاد لها، إذ ظل عبد الخالق محجوب يمارس صلاحياته ويبارك سياساته من خلال المكتب السياسي الموالي له بينما جمد تماما صلاحيات اللجنة المركزية لظهور تيار مناوئ له ولسياساته، واتضح من خلال مداولات اللجنة المركزية أن هناك تيارا بقيادة أحمد سليمان/ معاوية إبراهيم سورج مناوئا لخط الحزب الشيوعي في التميز المتمسك بصيغة العمل السياسي الجبهوي مما سيؤدي إلى خلق مركز استقطاب ثوري داخل النظام كما كان هذا التيار غير راض عن أسلوب تأجيج الصراع بانتقاد القوات المسلحة وامتيازاتها الخاصة.

تمثلت قناعات التيار الرافض لنهج الحزب في أن انقلاب مايو أدى لنقلة نوعية في حركة السياسة السودانية متجاوزا القضايا الثلاث التي ظلت محور اهتمام الحزبين في بيان الانقلابيين رقم (1)، وهي دستور علماني بدلا عن الدستور الإسلامي، جمهورية برلمانية بدلا عن جمهورية رئاسية، والتنمية في أي اتجاه كان.

ولكن كان كذلك لعبد الخالق ومجموعته منطقهم وفهمهم، إذ القبول بصيغة التنظيم الواحد وحل الحزب سيدخلهم في متاهات النفق المظلم الذي دخلت فيه الحركة الثورية المصرية، إذ حينما حل الحزب الشيوعي نفسه فداء لنجاح تجربة عبد الناصر لم يبق أمامهم إلا الهامش الذي يسمح به عبد الناصر وسط تداخلات أمنية ودولية ومحلية، كما لم يكن عبد الخالق مقتنعا بأن العمل الجماهيري قد أدى دوره وكان يعتقد أنه من الخطأ الاعتماد على العمل الانقلابي بديلا للعمل الجماهيري الصابر الدؤوب، وابتداء من أبريل 1970م وبعد تصفية الجزيرة أبا، لم يتردد عبد الخالق في استخدام المعلومات التي كان يسربها له الرائد هاشم العطا في تحليل توجهات سلطة الضباط وعلاقات الحزب معهم، وفي أبريل 1970م اتخذ مجلس الثورة قرارا بإبعاد كل من عبد الخالق محجوب والسيد/ الصادق المهدي إلى مصر حيث تقابلا في ذات الطائرة التي أقلتهما لمصر، مما فتح جبهة الصراع والعداء بين التيار المؤيد لخط نظام الضباط والتيار الموالي لعبد الخالص.

وفي احتفالات الذكرى الأولى لقيام ثورة مايو وصل الرئيسان جمال عبد الناصر ومعمر القذافي (25 مايو 1970م)، مع أن القذافي في خطابه لم يتردد في مجابهة الشيوعيين ومهاجمة السوفيتي إلا أن عبد الناصر برغم مباركته لذلك من طرف خفي حرص على ألا يسمي الأشياء بأسمائها وركز على شعار وحدة الجبهة الوطنية وأردف ذلك بزيارة لقبر الرئيس إسماعيل الأزهري حيث وضع عليه باقة من الزهور، مما عني ضمنيا أن على السلطة أن تتجه للجماهير العريضة وأن تبصر السودان على حقيقته وأن تتعامل مع ما فيه من كيانات وطوائف بعيدا عن سفسطة الشعارات ومزايدات العقائديين.

عاد عبد الخالق من مصر في يونيو 1970م حيث وضع رهن الاعتقال التحفظي وفي 21 أغسطس 1970م انعقد المؤتمر التداولي العام للحزب الشيوعي وبلغ مجموع الحاضرين ثمانية وتسعين شخصا من بينهم ستة عشر شخصا فقط يمثلون العمال واثنان من المزارعين، وجدد المؤتمر تفويضه وثقته في عبد الخالق وندد بالخط الانشقاقي مسقطا توصية تنادي بالتمسك بوحدة الحزب، كما تم تصوير المعارضين لعبد الخالق بأنهم مجموعة من الوصوليين المستوزرين واليمنيين المتسلقين والتصفويين، وبدلا من أن يسهم المؤتمر في تهدئة الخواطر وتوحيد الصف وتهدئة الصراع مع نظام الضباط قنن مؤتمر الحزب الشيوعي مواصلة سياسات المخاصمة مع نظام الضباط، كما عمد عبد الخالق لانتقاد إجراءات التأميم والمصادرة للشركات الأجنبية وبعض بيوت المال والمصارف مشيرا إلى أنه كان من الأفضل أن تتم إجراءات التأميم والمصادرة ( ) عن طريق لجنة قضائية بدلا عن العشوائية التي صاحبتها، ويبدو أن عبد الخالق أحس بأن إجراءات النظام في التأميم والمصادرة استهدفت تجريد الحزب من برنامجه السياسي والاقتصادي وبالتالي تجريده من جماهيره ( ) ويبدو أن عبد الخالق كان واعيا من أن نظام مايو أخذ ينمو متغذيا على حساب جماهير الحزب، وقد أوضحت ذلك إحصائيات الحزب في فرع بيت المال الذي كان يعد من أهم فروع الحزب، إذ كان هذا الفرع وراء فوز عبد الخالق محجوب في الانتخابات البرلمانية في دائرة ظلت محور صراع بين الحزبين ثلاثون امرأة حسب إحصائيات عام 1965م إلى خمسة عشر عضوا جميعهم ذكور في عام 1970م.

وبينما كان الحزب الشيوعي مستغرقا في مناوشاته مع نظام الضباط توجهت أبصار السودانيين نحو الأردن حيث اندلعت حرب شاملة بين الجيش الأردني والفدائيين الفلسطينيين، حينما أحس الملك حسين بأن الحركة الفلسطينية أصبحت تشكل دولة داخل دولة تحكم وتعاقب وتتداخل مع سلطات الدولة، وقد أدى ذلك لأن يطلب الرئيس عبد الناصر إقامة مؤتمر قمة عربي عاجل لمناقشة الوضع في الأردن، وقد برز نجم الرئيس نميري في زحمة أحداث حرب الأردن حيث قاد وفد الجامعة العربية إلى منطقة الحرب وانتشل ياسر عرفات وعاد به إلى القاهرة ليوقع على اتفاقية 27 سبتمبر 1970م مع الملك في مؤتمر القمة وفي 28 سبتمبر 1970م توفي الرئيس جمال عبد الناصر من الإجهاد والتعب وتراكمات آثار الهزيمة بعد أن تربع ثمانية عشرة عاما على مركز السياسة المصرية والعربية وانقلب السودان إلى مأتم كبير وكتب صحفي سوداني مقالا مجد فيه عبد الناصر إلى درجة التأليه، وقاد أعضاء مجلس الثورة المظاهرات الباكية – مناحات – في شوارع الخرطوم، ومع وفاة عبد الناصر – ذي العلاقات الحميمة مع عبد الخالق – انتقلت شئون القيادة إلى الزعيم المصري المخضرم أنور السادات، الذي لم يكن يعرف عنه أي ميول أو عواطف حقيقية تجاه اليساريين مما وع السودان والمنطقة العربية بأسرها أمام آفاق مرحلة جديدة.

وقبل أن تنكشف هوية نظام السادات صدر بيان ممن عرفوا بالتيار الانقسامي في أكتوبر 1970م وقعه اثنا عشر عضوا من أعضاء اللجنة المركزية على رأسهم (عمر مصطفى المكي/ معاوية إبراهيم/ أحمد سليمان/ الطاهر عبد الباسط)، وقد أدان البيان سياسات عبد الخالق وطالب بتصحيح الخط اليساري المغامر الذي وضع الحزب في مواجهة السلطة الثورية القائمة، مما أدى إلى زيادة الصراع والبلبلة وسط قاعدة الحزب، وفي 16 نوفمبر 1970 قام الرئيس نميري بتصفية العناصر الموالية لعبد الخالق في مجلس الثورة والقوات المسلحة، وتمثل ذلك في إقصاء المقدم بابكر النور والرائدين فاروق عثمان حمد الله وهاشم العطا من مواقعهم في مجلسي الثورة والوزراء، كما أحيل ثلاثة عشر ضابطا آخرين إلى المعاش، وتلا ذلك اعتقال عبد الخالق محجوب وإيداعه في حراسة القوات المسلحة بمعسكر المدرعات بالشجرة، وفي 12 فبراير 1971م صرح النميري بأنه سيدمر الحزب الشيوعي في السودان واتهم الشيوعيين بالتآمر ومحاولة تطويق الثورة وبالعمالة للسفارات الأجنبية وأتبع ذلك بحل عدد من واجهاتهم، كما أجرى تعديلا في مجلس الوزراء دخل بموجبه د. جعفر محمد علي وزيرا للحكومات المحلية مع آخرين، أما بابكر عوض الله فقد آثر أن ينسحب من ميدان السياسة بالجملة تاركا المجال للضباط ليجتهدوا كما يشاءون بينما هاجر هو إلى مصر معتزما قضاء بقية العمر هناك.

أدى مجيء الرئيس أنور السادات إلى دعم مركز النميري في السلطة كما أدى توجه نظام نميري نحو إفريقيا إلى تقارب مع نظام ملتون أبوتي في يوغندا مما أدى إلى تخفيض الضغط العسكري لحركة التمرد على الجيش السوداني، وأردف الرئيس اليوغندي تعاونه بأسره للمرتزق الألماني الشهير رودلف اشتاينر الذي كان يشرف على حركة التمرد وسلمه للسلطات السودانية في 10 يناير 1970م مما كلفه منصبه حينما طوح به قائد جيشه الفريق عيدي أمين في يناير 1970م، وأدى اعتقال اشتاينر إلى رفع أسهم نظام الضباط الذين شرعوا في إجراءات تقديمه للمحاكمة في الخرطوم وقد غطت أخبار محاكمة اشتاينر جزئيا على الصراع الدائر في صفوف السلطة حول الحزب الشيوعي.

لم يكن السوفيات بعيدين عما يجري في السودان، إذ يعني التغلغل السوفياتي في السودان إمكانية تطويق مصر وتأمين وضع أفضل هنا، كما أن السودان بتداخله مع بلدان القارة يمكن أن يصبح مركز انطلاق لكل بلدان أفريقيا.

وكان السوفيات متتبعين لكل تفاصيل المجابهة الحادثة ما بين الحزب الشيوعي ونظام الضباط وكذلك على علم بأمر الانقسام داخل الحزب، لذا فقد وصل فقد في 24 مارس 1971م وفد سوفياتي لمحاولة توحيد الحزب ومصالحته مع نظام الضباط، وكان السوفيات متوجسين من نذر عام 1971م، حيث جاء السادات في مصر وانحسر نفوذهم في سوريا بإخراج صلاح جديد ومجموعته في بداية عام 1971م.

وفي مارسأبريل 1971م انعقد المؤتمر الرابع والعشرون للحزب الشيوعي السوفيتي في موسكو ولدهشة الجميع فقد حضر الرائدان أبو القاسم محمد إبراهيم وزير الداخلية ومأمون عوض أبو زيد مدير جهاز الأمن القومي السوداني في مؤتمر الحزب الشيوعي بينما امتنع الحزب الشيوعي السوداني عن إرسال أي مندوب، وكان لهذا الأمر دلالاته ... إذ يعني حضور وزير الداخلية ومدير جهاز الأمن – وهي الأجهزة التي توالي تتبع ومحاصرة نشاط الشيوعيين – أن الحزب الشيوعي في نظر حكومة السودان غير موجود، ومع أن تمثيل السودان بهذه الصورة مثل إهانة للحزب الشيوعي السوفياتي القائم على مصالح الأحزاب الشيوعية إلا أن الإرادة الروسية كظمت غيظها وابتلعت حضور الوفد السوداني حفاظا على مصالحها وتأمينا لوجود خبرائها (1800 خبير) في السودان وتفاديا للقطيعة مع نظام السودان، وخصوصا أن السوفيت كانوا يحسون بتحرك كبير يستهدف إقصاء الحزب الشيوعي من مراكز السلطة والقرار، لذا فقد أحسنوا استقبال الوفد السوداني عسى أن يكون ظهيرا للشيوعيين في صراعهم.

وصدقت الأحداث حسن تفهم الروس للأحداث في السودان إذ أدت مشاركة مأمون وأبي القاسم في مؤتمر الحزب الشيوعي لتجنيب الحزب الشيوعي محاولة لعزله وإبعاده حبكت أطرافها بواسطة عدد من الحزبيين وقادة الحزب الاشتراكي الإسلامي الذين تكفلوا بإقامة مهرجان سياسي شعبي ضخم في ميدان سباق الخيل عرف "بمهرجان اللجنة القومية لدعم الوحدة الوطنية" حيث حشدوا فيه قرابة ربع المليون مواطن وذلك في 10 أبريل 1971م، كما أعدوا خطابا لنميري يتعهد فيه بتصفية الشيوعيين من كل المراكز الهامة ولكن حضور وفد موسكو في ذات اليوم ومقابلتهم نميري في مهاجمة رجال الأحزاب الذين يسعون لبذر الفتنة والخصام بين الثورة وحلفائها وانقلب المهرجان كارثة على الذين قاموا بإعداده وخرج الجمهور ما بين مصدق ومكذب أن تكون نتيجة كل الجهد الذي بذل كارثة على الجميع.

وبينما كانت الأحداث تتابع على هذا السياق، كانت الحركة الإسلامية تتضاءل كما وكيفا حاصرة نشاطها وسط الطلاب، وتمثلت حركتها وسط الطلاب في خلايا مغلقة على نفسها، لا يعرف من فيها حتى قادتهم المباشرين .. مما أدى إلى غياب روح العمل السياسي والتكتل لأداء أي إنجاز .. وامتص بعض الإسلاميين طاقاتهم في تتبع فقه الرقائق (من تفاصيل سواك وإطلاق للحى وشعر الرأس ومعالجة حفظ بعض سور القرآن)، وانسحبوا من ميدان العمل العام بعد شعورهم بخذلان الطلاب لهم إثر سقوط توصية الاتجاه الإسلامي، وتركوا العمل السياسي للتيارات اليسارية التي قامت بإنشاء سكرتارية الجبهات التقدمية بديلا لاتحاد الطلاب، وقد تعاونت هذه السكرتارية مع الأمن السياسي مرسلة معظم قادة الاتجاه الإسلامي للسجن، ولكن ما لبث أن انفجر داعي الصراع السياسي في الجامعة حينما حاولت سكرتارية الجبهات التقدمية استخدام حركة الطلبة في مناورة ضغط سياسي لإطلاق سراح عبد الخالق محجوب ولكن أفلتت الأمور من بين يدي عناصر السكرتارية حيث استلم الطلاب الإسلاميون قيادة الطلاب ودخلوا بهم في اعتصام شهير في الجامعة في 11 مارس 1971م طاردين منها عناصر سكرتارية الجبهات التقدمية، لم يتمالك الشيوعيون أنفسهم وهم يرون أن كل جهودهم في تعبئة الطلاب أصبحت رصيدا لحركة الاعتصام التي قادها الإسلاميون، فما كان منهم إلا أن استنجدوا بنظام الضباط الذي استهدفوه ليأتي وينتشلهم من المأزق الذي وقعوا فيه، ولم يكن أمام الضباط إلا أن يدخلوا في مفاوضات مع القيادة الجديدة للطلاب ويتفقوا معها على حل سكرتارية الجبهات التقدمية واعتبار الجامعة في إضراب مفتوح.

كشفت حركة مارس ظهر الشيوعيين في الجامعة وأدت إلى حرمانهم من أهم مراكز ضغطهم وعاد الإسلاميون إلى قراهم ومواقعهم يترقبون ما تجود به الأيام. وفي ذات مارس 1971م اتجهت أبصار الإسلاميين في السودان إلى شبه القارة الهندية، في محاولة لتلمس موقف الجماعة الإسلامية وأميرها المودودي من الحرب الأهلية التي اندلعت في باكستان الشرقية، وقد اندلعت أحداث العنف حينما اكتسح حزب الشعب عوامي الذي يرأسه مجيب الرحمن الانتخابات البرلمانية في باكستان الشرقية، لكن أوعز ذو الفقار على بوتو رئيس حزب الشعب التقدمي والذي خسر الانتخابات للرئيس أيوب خان بعدم استدعاء البرلمان واعتقال مجيب الرحمن مما أدى إلى اضطرابات تصاعدت إلى حرب أهلية وتوسعت بدخول الهند إلى جانب جماهير باكستان الشرقية مما أدى لاندلاع الحرب بين باكستان والهند، وأدت الحرب إلى قسمة باكستان وظهور مجيب الرحمن (باكستان الشرقية)، وامتثلت القيادة الباكستانية للواقع المر ووقعت في ديسمبر 1971م على صلح سيملا.

كانت الجماعة الإسلامية رافضة لمبدأ التقسيم مما أدى إلى تقتيل أعضائها في باكستان الشرقية وطرد بعضهم، ولكن كانت حقائق السياسة أقوى من العواطف الإسلامية المبهمة إذ رفضت الإدارة الباكستانية التسليم بنتيجة الانتخابات وتسليم مقاليد الأمور إلى مجيب الرحمن كأنما علاقة الباكستانيين علاقات تبعية واستعمار، لذا فرفض البنغاليين لمشروع باكستان المتحدة رفض مشروع طالما رفض المكونون لهذا المشروع الامتثال لمتطلبات الديمقراطية والإسلام، تعامل الإخوان مع حقائق الواقع السياسي الجديد على أنه مجرد مؤامرة ضد الأمة الإسلامية لإضعاف أكبر دولة إسلامية "منطق الجماعة الإسلامية" ودللوا على ذلك بتعاون روسيا وأمريكا في هذا الأمر ولم يكن الإخوان حينها على وعي بحقائق ومتطلبات شرعية الجغرافيا السياسية كما لم يكن لديهم لا الوقت ولا الإمكانيات للمساهمة في حل إشكاليات الإسلام في الهند إذ أنه كانت تحاصرهم هموم السودان ونظر بعضهم إلى القضية للدلالة على سقوط العلمانية وفشلها في حل مشاكل المسلمين في كل مكان.

ومن صراع الهند اتجهت أبصار السودانيين مرة أخرى إلى مصر حينها قام السادات في الفاتح من مايو 1971م بتطهير أبرز أركان الوجود الروسي في نظامه حيث قام بإقصاء علي صبري وسامي شرف وشعراوي جمعة وأمين هويدي والذين كانوا يسيطرون على أجهزة الحزب "الاتحاد الاشتراكي العربي"، و "مكتب رئيس الجمهورية ووزارة الداخلية والإعلام" كما تم تطهير المجموعات الموالية لهم في القوات المسلحة والصحافة ومختلف أجهزة الإعلام، وعاد هذا الانقلاب المدني ليعرف بحركة مايو التصحيحية ورأى الإخوان في ذلك بادرة خير خصوصا أن الرئيس المصري باشر إطلاق سراح الإخوان المسلمين المصريين المعتقلين، كما سمح بحرية نسبية للجماعات الإسلامية في الجامعات في محاولة لكبح جماح العناصر اليسارية، وتعشم إخوان السودان أن تسير على ذات الوتيرة الأمور في السودان.

وفي 17 مايو 1971م أوقفت الحكومة السودانية نشاطات الحزب الشيوعي الشبابية واعتقلت بعض قادته وأرسلتهم إلى كدوك في أعالي النيل وفي 25 مايو 1971م وبمناسبة احتفالات الذكرى الثانية لقيام ثورة مايو الاشتراكية حسم الرئيس نميري القضية التي طالما شغلت الشيوعيين، وهي تنظيم سياسي واحد أم سلطة تحالف قوى جبهة ثورية عريضة بإعلان الشروع في قيام الاتحاد الاشتراكي السوداني حزبا سياسيا واحدا في السودان وتكوين لجنة عشرينية برئاسته لإنجاز ذلك، وقد عنى ذلك عمليا عدم وجود مكان أو خصوصية للحزب الشيوعي السوداني في مستقبل نظام الضباط خارج إطاره الشرعي، وبعد خمسة أيام من إعلان قيام اللجنة العشرينية لتأسيس الاتحاد الاشتراكي أي في 30 يونيو 1971م هرب عبد الخالق من محبسه في معسكر المدرعات بالشجرة مختفيا في السفارة البلغارية ثم منزل قائد الحرس الجمهوري المقدم حسين حاج عثمان أبو شيبة حيث أخذ يتابع تدابير عمل سياسي كبير تبينه السودانيون في ظهيرة يوم 19 يوليو 1971م.

أعلن الرائد هاشم العطا في ظهيرة يوم 19 يوليو 1971 الاستيلاء على السلطة وحل مجلس الثورة وقيام مجلس ثورة حركة يوليو التصحيحية الذي ضم المقدم بابكر النور والرائد فاروق عثمان حمد الله وكان كلاهما حينها يقيم في لندن ولم يكن الروس بعيدين عما يجري في السودان إذ عمدوا إلى عدم إعطاء وفد سوداني رسمي عال برئاسة وزير الدفاع، اللواء خالد حسن عباس تأشيرة دخول إلى روسيا مما اضطر الوفد إلى تغيير جدول زيارته إلى الصين ثم مصر، مثل انقلاب 19 يوليو 1971م إعادة لهيبة الحزب الشيوعي التي أذلها نميري كما مثل انتصارا لهيبة السوفيت الآخذة في الترنح في سوريا ومصر، ونجح تخطيط الضباط الشيوعيين في الاستيلاء على العاصمة ومراكز السلطة ومظاهرها من قيادة عامة وقصر جمهوري ووزارات وحاميات وأجهزة إرسال بالإضافة إلى اعتقال أعضاء مجلس الثورة وكبار ضباط القوات المسلحة وحكموا البلاد لمدة ثلاثة أيام، كما حظي النظام الجديد بمباركة قوى عالمية كبرى (هي الاتحاد السوفيتي) وقوى إقليمية (العراق) وقوى محلية (الحزب الشيوعي السوداني بامتداداته النقابية والمهنية وخبراته السياسية).

ولكن رغم ذلك لم يحالف التوفيق الانقلاب، والتوفيق سره عند الله، ويمكن إجمال الأسباب التي تداخلت وأدت إلى إجهاض الانقلاب في:

1 – عجز الانقلابيين عن تكوين حكومة جديدة وملء الفراغ السياسي بإيجاد شرعية سياسية ثورية جديدة تقوم على مجلس عسكري عال يمثل القوات المسلحة ويحفظ توازنات القوة فيها، طالما ليس من المنظور تجاوز المؤسسة العسكرية في قريب تخطيط الحزب، ومجلس وزراء يمثل تطلعات السلطة السياسية الجديدة ولا يتجاهل حقائق ووقائع السياسة السودانية.

2 – ارتباك قيادة الحزب الشيوعي وفشلها في إيجاد سند شعبي حقيقي إذ حتى التظاهرة التي أعدت كانت سيئة الإعداد عقائدية الشكل استفزازية المظهر.. احتفلت برفع الأعلام الحمراء وترديد الشعارات الانعزالية المستوردة عكسية الأثر والمفعول، مما أدى إلى صدمة الجمهور وتنفير السودانيين من توجهات الانقلابيين.

3 – لم يجهز الانقلابيون على الشرعية السياسية القديمة – رئيس مجلس الثورة ورفاقه – بينما قام أعوانهم الآخرون بقتل اثنين وثلاثين ضابطا بريئا في دار الضيافة.

4 – تدخلات القوى الإقليمية والتي ظهرت في إنزال طائرة الخطوط البريطانية والتي كانت تحمل المقدم/ بابكر النور والرائد/ فاروق حمد الله في ليبيا حيث تم أسرهما هناك واستضافة مصر لوزير الدفاع/ خالد حسن عباس حيث وضعت تحت إمرته القوات السودانية الموجودة في مصر كما نشطت حركة الاستخبارات المصرية في الخرطوم، علما بأن مصر كذلك حاولت مغازلة الانقلابيين ومعرفة دوافعهم فأرسلت طائرة خاصة أقلت الصحفي المصري أحمد حمروش، وكانت الطائرة الوحيدة التي سمح لها بالهبوط في مطار الخرطوم.

5 – انفجار إحدى الطائرتين اللتين أرسلتهما حكومة العراق لتأييد حكومة هاشم العطا بينما كانت تحاول الإقلاع من مطار جدة وكانت الطائرة تحمل بعض مستلزمات الانقلابيين والسيد/ محمد سليمان الخليفة، بينما ظلت الأخرى قابعة في مطار جدة إلى حين دحر الانقلابيين.

6 – فشل الانقلابيون في توفير العدد اللازم من الجنود والضباط لمتابعة دورات الحراسة نسبة لعدم ثقتهم في الآخرين، مما أدى إلى إنهاك الانقلابيين وتلاشي مقدراتهم وطاقاتهم في التدبير والقتال.

ومع كل هذه التداخلات كان يمكن أن يمتد العمر بالحركة الانقلابية إلى حين، إذ أن الانقلاب المعاكس الذي أدى إلى تقويض نظام الشيوعيين كان عشوائي التخطيط وعماده بعض ضباط الصف الذين تحركوا بمدرعاتهم صوب القصر ومع تحركهم تحرك بعض الضباط وتحركت كذلك الجماهير بصورة عفوية، ويقال إن أحد كبار الضباط والذي وصل مع آخرين إلى الإذاعة كان يريد توجيه بيان يفيد باستلامه شخصيا للسلطة ولكنه فوجئ بأخبار فك أسر نميري فيما عرف بيوم العودة العظيم.

كان عاقبة الانقلاب وبالا على الحزب الشيوعي وعلى اليساريين عامة وعلى الوجود السوفيتي في السودان ومصر ونشطت السلطات في اعتقال اليساريين، حيث تم اعتقال 3179 معتقلا ما بين مدني وعسكري، كما تم تصفية المئات من الضباط والطلاب الحربيين على الأخص من دفعة السبعمائة طالب التي قذف فيها الحزب بأعداد كبيرة من كوادره ليؤهلوا طلاب حربيين وطياريين عسكريين، كما أقصى بعض اليساريين بما في ذلك العناصر المناوئة لعبد الخالق من الحكومة بما في ذلك فاروق أبو عيسى، معاوية إبراهيم، سيد أحمد الجاك، مرتضى أحمد إبراهيم، كما قامت السلطات بإبعاد الخبراء الروس البالغ عددهم 1800خبير، كما تم إعدام القيادة المدنية للحزب شنقا حتى الموت (عبد الخالق محجوب، الشفيع أحمد الشيخ، جوزيف قرنق) بينما أعدمت القيادة العسكرية رميا بالرصاص (هاشم العطا، بابكر النور، فاروق عثمان وآخرين).

خرج النظام من محنة يوليو قويا شعبيا وعسكريا، ولكن كان النظام يعرف أنه في حاجة إلى حليف دولي بديل للسوفيت، ومع أن نميري بدأ في مد جسوره للأمريكيين مع لمعان نجم منصور خالد إلا أن الوضع الإقليمي والمحلي لم يتهيأ بعد لقفزة من أحضان السوفيت إلى براثن الأمريكان، لذا اكتفى نظام الضباط بإيجاد موقع قدم في الصين، حين قام وفد عال برئاسة اللواء نميري بزيارة الصين في 6 – 13 أغسطس 1971م.

اهتبل الرئيس نميري فرصة السند الشعبي الذي وفرته له تصفية الحزب الشيوعي فأصدر في 13 أغسطس 1971م دستورا مؤقتا لإقامة مجلس شعب نيابي لإجازة الدستور الدائم والرقابة على الحكومة، ودعا كذلك لإقامة جمهورية رئاسية تمتد دورتها لست سنوات، وبمقتضى ذلك فقد تم حل مجلس الثورة آخر رموز حركة الضباط مع إعلان نتيجة الاستفتاء على رئاسة الجمهورية في 10 أكتوبر 1971م بنسبة تصويت مؤيدة (نعم) لنميري 98.5% وفي 12 أكتوبر 1971م أدى الرئيس نميري القسم بوصفه أول رئيس جمهورية في تاريخ السودان الحديث وأصبح له ثلاثة نواب من بينهم (أبيل الير) كما بدأ اهتماما بالجنوب تمثل في محاولات فتح الطرق وإعادة التنمية.

وأصح الرائد مأمون عوض أبو زيد أمينا عاما للاتحاد الاشتراكي السوداني في محاولة لبوتقة التعاطف الشعبي في إطار تنظيمي، كما قام النميري بمقابلة د. حسن الترابي في معتقله بكسلا، حيث ظل يتابع من معتقله أخبار الصراع والانقلابات إلى إعلان الجمهورية، انتهت المقابلة إلى إفراج جزئي عن القيادة العليا للحركة الإسلامية فأحيل د. الترابي وصادق عبد الله عبد الماجد ويسن عمر الإمام إلى الحبس المنزلي ابتداء من بدايات عام 1972م كما تم الإفراج عن عشرات من الإخوان المسلمين من القيادة الوسيطة (ربيع حسن أحمد، عبد الرحيم علي .. إلخ) وانعكس هذا الانفراج على جامعة الخرطوم، حيث أجريت انتخابات جديدة على أساس الاقتراع الحر المباشر بدلا من التمثيل النسبي، وفازت قائمة التحالف الإسلامي حيث نال الاتجاه الإسلامي 24 مقعدا والجبهة الوطنية (حزب الأمة) 8 مقاعد وتكتل الطلاب الجنوبيين 8 مقاعد وأصبح تاج السر مصطفى رئيسا للمجلس الأربعيني وأحمد عثمان مكي رئيسا للجنة التنفيذية للاتحاد، وفي نوفمبر 1972م تم إطلاق سراح د. حسن الترابي ويسن عمر الإمام وصادق عبد الله عبد الماجد من الحبس المنزلي بعد قضائهم زهاء الـ 42 شهرا بين السجن والحبس المنزلي كما تم السماح بعودة السيد الصادق المهدي من منفاه بمصر في ديسمبر 1972م.

أخذ نظام الضباط في اكتساب الصفة المدنية وأصبح الرئيس نميري مثله مثل عبد الناصر والسادات يقوم على جمهورية رئاسية وحزب واحد، ولكن برغم ذلك ظلت شوكة النظام الأساسية تتمثل في المؤسسة العسكرية وجهاز الأمن، وبما أن معظم السودانيين ليس لهم خيار نظري مجرد لنمط سياسي معين وإنما يتطلعون للحكومة الفعالة القوية القادرة والتي تكفل نظام حريات نسبية، فإن نظام جعفر نميري قد سد لمعظمهم هذه الحاجة، خصوصا أن عهد السودانيين بالنظام الديمقراطي أنه يزور إرادة الناخبين ويقوم على المحاباة والفساد ولا يجسد الرغبات الحقيقية والموضوعية، كما أن السياسيين يفضلون التلاعب بما تحت أيديهم من سلطات بدلا عن اقتحام السلطة في مجابهة وحسم القضايا المعلقة وإشاعة العدالة.

انتبه نظام الضباط الجديد والذي أصبح فلاسفته وأعمدته من المحسوبين على أمريكا والغرب (منصور خالد، أبيل الير، جعفر محمد علي بخيت ، عمر الحاج موسى، محمد الباقر ..) لقضايا الاستقرار السياسي والتكامل القومي والتنمية الاقتصادية وأعطوا أولوية لإيقاف حرب الجنوب، وفي سبيل ذلك بدأ نميري دبلوماسية سرية، زار فيها إثيوبيا في نوفمبر 1971م كما قام هيلاسلاسي بزيارة للخرطوم في يناير 1972م حيث تم التوقيع على اتفاقية بخصوص النشاط الإرتري في السودان والمتمردين الجنوبيين في إثيوبيا، كما وافقت يوغندا على إيقاف دعمها لحركة التمرد، ونتيجة لذلك تحسنت علاقات السودان مع أمريكا والغرب مما أدى لتوسط مجلس الكنائس العالمي ومجلس الكنائس الإفريقي وأدت الوساطة لإيقاف إطلاق النار ما بين المتمردين والجيش ابتداء من 3 مارس 1972م ومن ثم بدأت المفاوضات تحت رعاية مجلس الكنائس العالمي في أديس أبابا انتهت بتوقيع اتفاقية الحكم الذاتي لجنوب السودان أو ما عرف باتفاقية أديس أبابا في 26 فبراير 1972م ( )

لم تكن مصر راضية عن مسار اتفاقية أديس أبابا، حيث تركت الإدارة المصرية في الظلام بينما تكثف وجود الغرب ممثلا في مجلس الكنائس العالمي والخبراء القانونيين الإنجليز، كما لم يكن من بين أعضاء وفد السودان الأساسيين في المفاوضات من يحمل عواطف حقيقية تجاه مصر (أبيل الير، منصور خالد، اللواء محمد الباقر أحمد ، جعفر محمد علي بخيت) وكما لم تنل الاتفاقية رضا كثير من الضباط مما أدى إلى تأزم مؤقت في العلاقات بين مصر ونظام الضباط، مما أدى إلى استقالة اللواء خالد حسن عباس في 13 فبراير من وزارة الدفاع وكذلك الرائد مأمون عوض أبو زيد من الأمانة العامة للاتحاد الاشتراكي السوداني بالإضافة إلى استقالة رئيس هيئة الأركان في 19 فبراير 1972م.

وبحلول الذكرى الثالثة لانقلاب مايو تم التخلص من الشيوعيين ومن التيار المصري ابتداء ببابكر عوض الله وانتهاء بالعسكريين الذين استقالوا كما تم إيقاف حرب الجنوب وظهر الرئيس جعفر محمد نميري كأنه القائد الذي حدث حوله إجماع شعبي ورسمي لأول مرة في تاريخ السودان الحديث، ولم لا؟ وقد استطاع نظام نميري تصفية قيادة الأنصار (الإمام الهادي) والقضاء على قيادة الحزب الشيوعي (عبد الخالق والشفيع) وترك قيادة الحزب الوطني الاتحادي تموت في السجن (إسماعيل الأزهري) وأودع القيادات التي أبرزها ثورة أكتوبر في السجن (الصادق والترابي) ثم ها هو يصفي التيار المصري (بابكر عوض اله، خالد حسن عباس، مأمون عوض أبو زيد)، فمن يجرؤ على معارضة نظام نميري الذي أطاح برؤوس الكبار والصغار على حد سواء؟ وكذلك بدأ النظام العالمي الجديد الذي أنهى مناخ الحرب الباردة بتوقيع اتفاقية الوفاق بين نيكسون وبريجنيف – في لقائهما – في بلدان العالم الثالث التي منها السودان، كما انعكست ظلال وثيقة الوفاق على محاولات السادات والدول العربية لاستخلاص أراضيها المحتلة، مما أدخل دول المواجهة مصر والأردن وسوريا فيما عرف بحالة اللاحرب واللاسلم مما أدى إلى قرار السادات في يوليو 1972م بإبعاد الخبراء السوفيت والبالغ عددهم خمسة عشر ألف خبير مقتفيا في ذلك آثار النميري.

وفي يوليو 1972م توج التيار الأمريكي في الحكومة السودانية جهوده باستعادة السودان لعلاقاته مع الولايات المتحدة وبذا أصبح السودان الذي قطع علاقاته مع الولايات المتحدة أول تلك الدول في استعادته لعلاقاته مع أمريكا.

ومع أن دور أمريكا ظل يتعاظم في السياسة السودانية إلا أن العون الأمريكي ظل عونا هامشيا في مجال التغذية والمعدات العسكرية ولم يمتد إلى المجالات الحيوية كبناء الطرق والتصنيع وتحديث المطارات باستثناء جهودهم في بناء طرق الخرطوم – مدني والذي لم يكملوه وإنما أكملت 50% من بنائه هيئة الطرق السودانية، لم يحظ السودان بمساعدات في ظرف الخمس سنوات المنصرمة على قطع العلاقات الدبلوماسية كما لم يفقد السودان بذلك شيئا (19671972م) وكانت اتفاقية العون الأمريكي للسودان وقد وقعت في 16 مايو 1958م بعد معارضة قوية في البرلمان قادها الاتحاديون والشيوعيون، وطالما ردد إعلام الحزب الشيوعي يومها "ما أظلمه من مستقبل ذلك الذي نبنيه بقبول العون الأمريكي". وقبل أن يستقر مجرى العلاقات السودانية الأمريكية بعد عودتها في يوليو 1972م ما لبث أن تأزمت مرة أخرى في مارس 1973م بعد اغتيال جماعة أيلول الأسود الفلسطينية لسفير الولايات المتحدة ومساعده في السفارة السعودية خصوصا بعد إطلاق سراح الفلسطينيين في يونيو 1974م ولكن برغم ذلك، واصل التيار الأمريكي جهوده في ترقية العلاقات السودانية الأمريكية ملقين في روع مواطنيهم الأمريكان أن بعدهم عن السودان سيؤدي إلى هيمنة الإسلام.  

الفصل الرابع: صحوة العمل الإسلامي 1972- 1977م

دبت الحياة من جديد في شرايين الحركة الإسلامية نتيجة إطلاق سراح القيادة الإسلامية، وعمدت القيادة إلى إعطاء الأسبقية لقطاع الطلاب، حيث تواصل اتصال القيادة بالطلاب حتى في ظروف الحبس المنزلي، حيث وضعت أولوية لتنشيط مكتب الثانويات بفصله عن مكتب الجامعة ووضعه مباشرة تحت إدارة مسئول مكتب الطلاب في المكتب التنفيذي وكان هو الأستاذ/ ربيع حسن أحمد الخارج لتوه من السجن، كما نشط مكتب الجامعة في الدعوة والاتصال لتجنيد أكبر قدر من الطلاب الجامعيين، كما بذل جهد أثمر في القضاء على توجهات العزلة التي تمت وسط طائفة من الطلاب، كما تم تجديد نظام العمل الصيفي وسط الطلاب لتوسيع وتجويد أداء العضوية، فتجدد النشاط الذي اختفى منذ أن حل نظام مايو بالبلاد، كما دبت الحياة في مكتب الأقاليم الذي باشر مسئوله الجديد القيام برحلات متصلة رابطا بين القيادة والشعب المتناثرة في أنحاء البلاد.

وفي نهاية عام 1972م سمحت السلطات لحسن الترابي بأداء فريضة الحج، حيث جمعته رحلة الحج لأول مرة بالأستاذ/ حسن الهضيبي المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، وكان الهضيبي حينها مستغرقا في مشاكل العمل الإسلامي في مصر ولم تمكنه إرادة الله من أن يتفرغ لتأصيل علاقة مع تنظيم السودان إذ توفي في العام الذي يليه في 13 نوفمبر 1973م بينما كان الترابي حبيس الجدران، ومن السعودية جاء الترابي إلى لندن، حيث كان يقيم ثلاثي الجبهة الوطنية الشريف حسين، وعثمان خالد، وعمر نور الدائم، والذين بلغت بهم الحيرة منتهاها في أمر السودان وفي مايو 1972م سافرت اللجنة التنفيذية لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم إلى المملكة المتحدة في زيارة نظمتها لهم إدارة الجامعة بالتعاون مع المجلس الثقافي البريطاني للتعرف على أوضاع الجامعات في أوربا للاستفادة من عائد الرحلة في تدوين قانون جديد للجامعة تتفق فيه وجهتا نظر الإدارة والطلاب.

اجتمع وفد الاتحاد مع قيادة الجبهة الوطنية "الشريف وعثمان وعمر والترابي ..." وقد بادر الشريف الهندي بطرح سؤال ما العمل؟ هل نواصل سياسة الحصار الاقتصادي والتجويع؟ وهل تجويع الجماهير سيقود إلى تمردها على النظام؟ أم ماذا يريد السودانيون؟

أما وفد الاتحاد فقد اتفق متحدثوه على أن السودانيين يبحثون عن القائد الذي يعيش بين الجماهير ويترافع عنها ويسجل حضورا وسطها وطالبوا الهندي بأن يعود للسودان عله يكون الرجل أو حتى يسهم في تذكير جماهير الحزب الوطني الاتحادي بدورهم ويحول دون أن تصب جهودهم في تقوية آلة النظام، وأنه حتى لو دخل السجن فلن يحول ذلك بينه وبين مواصلة اتصاله بالجماهير، كما أن لو دخل السجن فلن يحول ذلك بينه وبين مواصلة اتصاله بالجماهير، كما أن السجن هو الجامعة التي تفرز القياديين في السودان، ولكن الهندي رفض ذلك الاقتراح قائلا إن نميري قد عرض عليه بواسطة الملك فيصل أن يعود للسودان ضامنا له منصب نائب رئيس الجمهورية، ولكنه رفض ذلك لأنه لا يبحث عن حل لشخصه، كما أنه لا يمثل حزبا بعينه في الجبهة باعتبار أن جماهير الاتحاديين غير منظمة وأنه موجود في الجبهة بشخصه، وانتهى النقاش إلى كون نظام نميري يستند على قدرات المؤسسة العسكرية ولا يفهم إلا لغة القوة.

وقد علق السيد/ عمر نور الدائم بيأس: أن الأنصار وجدوا أنفسهم وحدهم في ميدان المعركة في الجزيرة أبا وودنوباوي، وأنه لا داعي لتكرار المشهد طالما أن المجتمع السوداني غير مهيئ لمتطلبات الصراع وغير متفهم لدواعي الجهاد.

وكانت خلاصة اللقاء أن الأمل الوحيد الباقي أن يستمر الإخوان في تأجيج الجبهة الداخلية وتستمر الجبهة في محاولاتها الخارجية لاستقطاب الحلفاء وإكمال صياغة الميثاق الوطني للجبهة ... وقد استصغر الشريف الهندي النقاش في هذا الموضوع وأفاد باستعداده للتوقيع على أي صيغة يتفق عليها الآخرون.

ومن بريطانيا سافر د. الترابي لحضور مؤتمر اتحاد الطلبة المسلمين في الولايات المتحدة برغم مماطلة السلطات الأمريكية في إعطائه تأشيرة الدخول، بينما عاد وفد اتحاد الطلاب للسودان وانشغلت الجبهة الوطنية في هم إعداد الميثاق والبحث عن الحليف الدولي.

أخذ خطاب الجبهة الوطنية يمتد إلى ليبيا التي كانت غير راضية عن نهج نميري نحو اتفاقية الوحدة الموقعة في طرابلس بين الرؤساء الأربعة السادات، والأسد، ونميري، والقذافي، ومع أن قيادة الأنصار كانت متوجسة من الدخول في حوار مع ليبيا لأن أياديها تلطخت بدماء الأنصار في موقعة الجزيرة أبا .. إلا أن الأستاذ/ عثمان خالد مضوي الأمين العام للجبهة مضى في محاولاته للحوار مع الليبيين حيث أرسل مذكرة إلى العقيد القذافي عن طريق سفيره في المملكة العربية السعودية مبرزا أخطار اتفاقية أديس أبابا على مسار حركة العروبة والإسلام وأردف تلك بمذكرة أخرى أشاد فيها بموقف القذافي في دعمه لنظام عيدي أمين وجاءت المذكرة الثالثة في 22 مارس 1973م في محاولة لتعريف القذافي بالجبهة الوطنية ( )

وبينما كانت الجبهة الوطنية تعيد النظر في بنائها، كان نظام مايو يحث الخطى في بناء التنظيم السياسي الشعبي الذي يرتكز عليه، وتمت انتخابات مجلس الشعب في الفترة بين 22 سبتمبر إلى 14 أكتوبر 1972م، وأجاز مجلس الشعب الجديد 1973م أعلن الدستور الدائم الجديد واحتفالا بهذه المناسبة صدر الأمر بإطلاق سراح سبعة وأربعين معتقلا سياسيا من بينهم السيد/ الصادق المهدي .. الذي كان حبيس الأسر المنزلي وعدد من الشيوعيين .. وقد مثل ذلك إعلانا لمناسبة إجازة الدستور .. وللفت الأنظار للحدث الذي لم يهتم به أحد ولإعطاء الانطباع بانبلاج فجر الشرعية الدستورية والاستقرار السياسي ... كما أخذ إعلام النظام يطرق بشدة على الوحدة الوطنية والتنمية الاقتصادية وأصبح نظام الرئيس نميري يقوم نظريا على:

1 – الميثاق الوطني والذي أجيز في عام 1982 بعد ثلاث سنوات من الصراع مع الشيوعيين، وقد جاء الميثاق على شاكلة فلسفة الثورة لجمال عبد الناصر، ولكنه تميز بالإسهاب والتطويل كما تبنى الطرح الماركسي في العرض والتحليل والإيقاع.

2 – الدستور الدائم وقانون الحكم الذاتي الإقليمي لجنوب السودان، وقد نصت المادة التاسعة من الدستور على أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع.

3 – وثائق الاتحاد الاشتراكي ومجالس الحكم الشعبي المحلي ...وعمليا كان النظام يستند أساسا على القوات المسلحة وأجهزة الأمن ... ولكن تمت تعمية ذلك بالترويج لقيام التنظيمات المهنية والشعبية كالاتحاد الاشتراكي وكتائب مايو، واتحاد شباب السودان وطلائع مايو ومجلس الشعب المركزي ورصيفه الإقليمي في جنوب السودان ومجالس الشعب المحلي التي انتهى بناؤها في عام 1973م، وأصبح هناك 3993 مجلس قرية و 737 مجلس حي و281 مجلس رحل و 78 مجلس أسواق و 15 مجلس مناطق صناعية ... بالإضافة إلى 228 مجلس ريفي و 900 مجلس مدينة و 350 مجلس أقسام و 10 مجالس مديريات( )

عقد الاتحاد الاشتراكي جلسته الافتتاحية في يناير 1982م وأجيز ميثاقه في 10 يناير 1972م ... وتكون مكتبه السياسي من خمسة عشر عضوا .. ويكشف ميثاق الاتحاد الاشتراكي الذي يقوم على فكرة تحالف قوى الشعب العاملة "جنود، مزارعون، عمال تجار مثقفون ... إلخ" أنه طبعة ثانية من الاتحاد الاشتراكي العربي المصري ويشابهه من حيث كونه تنظيما عريضا يضم تجمعات المهنيين والمثقفين والعلمانيين "ليبراليين ويساريين وإسلاميين" وتغذى التنظيم ناميا على عناصر اليسار والحزب الشيوعي وعدد من قيادات الإخوان المنشقة "المرحوم الرشيد الطاهر دفع الله الحاج يوسف .. إلخ" وقد تمدد الاتحاد الاشتراكي أفقيا حتى بلغت وحداته في عام 1974م 6381 وحدة أساسية، 1892 فرع عمل 325 مكتب قسم، 34 مكتب منطقة .. بالإضافة إلى وجود نظام مؤتمر إقليمي لكل مديرية .. وبلغت العضوية المسجلة في أوراق الاتحاد الاشتراكي الرسمية (2274000) ... أما على المستوى القومي الرأسي فقد قام الاتحاد الاشتراكي على مؤتمر قومي يعقد كل ثلاث سنوات .. ولجنة مركزية ومكتب سياسي وأمانة عامة بالإضافة إلى اتحاد الشباب واتحاد نساء السودان ولجان تطوير الريف ..

ومع كل هذا الربط في بناء التنظيم السياسي إلا أنه كان فاقدا للروح والقدرة على الحركة وورث كل ضعف الديوانيين وبروقراطيتهم .. كما أدى بروزه إلى إضعاف الخدمة المدنية ذاتها .. حيث أصبح رؤساء الأجهزة غير قادرين على اتخاذ القرارات الصعبة وغير راغبين في ممارسة دورهم في الرقابة والضبط وترقية الأداء في ظل ضغوط فروع العمل ومحاولتها توظيف دورها السياسيا لترقية أوضاعها والعصف بالمعارضين لها .. كما أن كثيرا من المؤسسات المؤممة أوكل أمرها للثوريين الانتهازيين والعسكريين غير المؤهلين الذين انتهزوا ظروف الصراع واعتبروا المؤسسات غنائم فنهبوها وأساءوا استخدام أصولها مما عرضها للضياع والخسارة ..

وفي أجواء هذه التحولات نجح الإخوان في تحريك ما عرف بانتفاضة شعبان وقامت السلطات باعتقال قيادات الإخوان "د. حسن الترابي، يسن عمر الإمام ،صادق عبد الماجد" .. في 23 أغسطس 1973م قبل أن تأخذ الحركة مجراها الشعبي، خوفا من تكرار تجربة أكتوبر وأردفت ذلك باعتقال عطية محمد سعيد ومحمود محمد بركات وزكريا بشير .. بالإضافة إلى السيد/ مضوي محمد أحمد، ولكن برغم هذه الاعتقالات التي قصد منها شل الحركة الإسلامية، استطاعت الحركة الإسلامية تحريك الشارع السياسي متعاونة مع النقابات والاتحادات .. فتحركت مظاهرات الطلاب والتي استمرت دون انقطاع لأسابيع مما دعا البعض لتعريفها بأنها من أطول حركات المقاومة الطلابية .. إذ عهد الناس بحركات الطلبة أن تكون قصيرة النفس .. ولكن هذه حتى بعد إغلاق الجامعة انتقلت إلى الشارع ثم عادت من الشارع إلى الجامعة بعد فتحها .. مما أدى إلى اعتصام الجامعة .. وتجددت المظاهرات .. كما تحرك مع الطلاب المحامون "نقابة المحامين" ونقابة السكة حديد ونقابة النقل الميكانيكي ونقابة المخازن والمهمات ونقابات الغذائيات، وأجبر ثقل التحرك الشعبي إعلان السلطات لحالة الطوارئ في كل البلاد والتي رفعها الرئيس نميري حال عودته من رحلة له إلى الجزائر ... استضاف سجن كوير المئات من المعتقلين في ظروف شعبان على امتداد طبقات المجتمع "السياسيين التقليديين، المحامين، أطباء، طلاب، عمال، مزارعين، عسكريين، متقاعدين ..".

ونجحت حركة شعبان بكل المقاييس إذ أنها:

1 – كسرت حاجز الخوف من النظام الذي قتل الإمام المهدي .. وقضت على أسطورة شعبية النظام، ونجحت فيما أخفقت فيه الحركات العسكرية للمعارضة من إيصال خطابها للجمهور وإذلال هيبة النظام وتجريده من ادعاءات الشرعية الجماهيرية.

2 – أدت حركة شعبان إلى توحيد عناصر الجبهة الوطنية وتعرف شباب الإخوان على قيادات الأحزاب والنقابات مما أدى إلى ازدياد ثقة شباب الإخوان بأنفسهم وازدياد خبراتهم بالعناصر الموجودة في ميدان العمل السياسي ورؤية هذه العناصر لمستقبل السودان وثقافة هذه العناصر ومدى التزامها وبعدها وقربها من الحركة الإسلامية.

3 – خلقت حركة شعبان الإطار الموضوعي لنمو تنظيم إسلامي مؤهل للقيام بأعمال فدائية تمثلت في حرق مكاتب توتو كورة "المراهنات الرياضية" وتدمير عدد من الحانات وتوزيع المنشورات في دواوين الدولة ووسط العسكريين وتشغيل إذاعة سرية ضد النظام وتأمين سلامة الإخوان القياديين واختراق أجهزة النظام ورصد تحركاته مما مكن عناصر الحركة القيادية من إحكام حركتها وإفشال عدد مخططات النظام.

4 – هزت حركة شعبان ثقة النظام في نفسه حيث أخذ النظام يبحث عن صيغ استثنائية لتأمين سلامته فابتداع ما أسماه بالكتيبة الاستراتيجية وتقوم فكرة هذه الكتيبة على أنها فرقة عسكرية مؤهلة لإدارة المرافق الاستراتيجية في لحظات انهيار مرافق الخدمة العامة في أوقات التأزم والاضطراب السياسي كالسكة الحديد وإدارة الكهرباء والمياه ومواصلات العاصمة .

5 – أدت حركة شعبان إلى مراجعات عميقة في صفوف القوات المسلحة لتأمين انحيازها لثورة مايو ولإعادة ما سمي في حينها الضبط والربط في صفوفها .

وكان لحركة المقاومة ثمارها الخارجية .. إذ لفتت نظر القوى الدولية لحجم المعارضة لنظام مايو ... مما أضفى على قيادة الجبهة الوطنية في الخارج ثقلا وشرعية ... وسهل مهمتها في مخاطبة النظام الليبي الذي لم يكن في حاجة لدليل .. أنه إن كان هناك بديل لنظام مايو فليس غير سلطة الجبهة الوطنية .. جاءت انتفاضة شعبان في وقت كان النظام الليبي قد يئس من جدوى أي تعاون مع نظام نميري لتحقيق حلم الوحدة العربية ... كما ازداد نفور الليبيين من النظام بعد اتفاقية أديس أبابا التي رأى فيها الليبيون محاولة لخلق خصوصية إقليمية سودانية منافية لروح حركة الوحدة العربية.

نجحت الجبهة الوطنية في تلمس طريقها إلى ليبيا ودخلت معها في تفاهم يقضي بتقويض نظام نميري واستبداله بنظام يمثل سلطة الجبهة الوطنية حزب الأمة، الإخوان المسلمون، مجموعة الشريف من حزب الوطني الاتحادي .. على أن يلتزم المعارضون بفكرة الوحدة مع ليبيا .. وفي الخرطوم رفع السيد/ الصادق المهدي في 8 سبتمبر 1973م مذكرة للسيد/ رئيس الجمهورية ذكره فيها بأن من أهم أهداف أي إصلاح سياسي تحقيق الاستقرار وأنه ومنذ الخامس والعشرين من أهم أهداف أي إصلاح سياسي تحقيق الاستقرار وأنه ومنذ الخامس والعشرين من مايو 1969م وقعت في البلاد أربع مواجهات دموية وثلاث عشر محاولة انقلاب عسكري وأحد عشر تعديلا وزاريا .. وخلصت المذكرة قائلة:

إن طلاب جامعة الخرطوم ليسوا كما تعلم جسما معزولا عن الكيان السوداني وأنهم عادوا مثقلين بظروف المجاعة في دارفور وبظروف الغلاء والبطالة في غيرها من الأقاليم .. وأنهم اتحدوا اتحادا اجتماعيا تلقائيا لم يشذ منه جمع يذكر .. وأن السلطة سلطت عليهم بطشا تجاوز جميع الموروث .. ودعت لمواكب مضادة لم تجد تجاوبا يذكر وطالب الحكومة بأن تأخذ في الحسبان الوجود السياسي القومي وأن تستجيب له .. وأشار البيان في الختام بتنحية القوات المسلحة من شئون الحكم والسلطة وأن يكون الحكم في البلاد قوميا مدنيا وديمقراطيا ( )

ابتداء من عام 1974م ارتحلت المبادرة السياسية إلى خارج السودان حيث تركز العمل السياسي المعارض في الخارج ما بين ليبيا وإثيوبيا، كما اجتهدت أطراف الجبهة في محاولة لصياغة ميثاق الجبهة وقد اصطدمت هذه المحاولات بإصرار الإخوان المسلمين على عزل الشيوعيين وطرح ميثاق إسلامي خالص التوجه .. بينما حرص السيد/ الصادق على أن يظل الميثاق فضفاضا حتى يحتمل دخول الداخلين .. كما حرص على فرض مصطلح "اقتصاد اشتراكي" وتخفيف إسلامية الميثاق .. جاءت مقترحات السيد/ الصادق عبر البديل في يناير 1974م واقتصرت الديباجة على رفض تسييس الجيش والزج به في السياسة .. ونقد الاتحاد الاشتراكي، وخلصت الديباجة إلى أن العودة للنظام الحزبي الذي كان قائما في السودان قبل 25 مايو 1969م لن تحل أزمة الحكم في السودان، والحاجة ملحة لقيام حكم جامع تشترك فيه كل القوى السياسية السودانية لإزالة آثار الحكم المايوي وحل أزمة الحكم في البلاد .. قام بديل السيد/ الصادق على قوى حديثة مكونة من الفئات العاملة في القطاع الحديث "موظفين مهنيين فنيين عمال" .. وهي قوة مستقلة عن الانتماء الحزبي بعيدة عنه بالإضافة للمنظمات السياسية الإقليمية والأحزاب الوسطى لخدمة أهداف إسلامية عصرية واشتراكية لا مذهبية، مشيدة بالدور المهم الذي لعبته حركة الإخوان المسلمين في تربية الطلاب تربية إسلامية وحمايتهم من التفسخ لذا فلا بد من الاستعانة بأفراد من بين كوادر تنظيم الإخوان للمشاركة في القيادة السياسية مع استصحاب أنه ضد الإصرار على حشر الإسلام في قالب حزبي .. أما عن اليسار فإن في تبين اليسار السوداني لأخطائه وفي تجديد نظرته سبيلا للمشاركة في الحركة القومية السودانية، وإن من بين كوادر اليسار عناصر بلغت درجات عليا في الكفاءة وإن مجال مشاركتها في بناء الوطن وفق برنامج تقدمي قومي غير مذهبي أمر مسلم به ولا مانع من منح الفكر اليساري حرية طالما ابتعد عن المنظمات الفئوية ... وعن محاولة إقامة تنظيم يحتكر السلطة السياسية .. انتهت الورقة إلى صيغة التنظيم السياسي الجامع القائم على مؤتمر شعبي يستقطب كل القوى السياسية السودانية الوسطى والمذهبية والإقليمية والفئوية والذي يقوم على الانتخاب الحر المباشر كما نص البرنامج على سودنة التعليم الأجنبي في السودان والتربية الدينية وحرية الصحافة والنظام الاقتصادي على قطاع تعاوني وعام وخاص كما تقوم السياسة الخارجية على انتماءات السودان الثلاث عربي/ إسلامي/ إفريقي ( )

أما نظام مايو فقد تابع خطاه في إيجاد شرعية ترتكز على التنمية ومكافحة التخلف ويكمن ذلك في محاولات إصلاح السلم التعليمي الجديد (6 – 3 – 3) وشعار جعل السودان سلة غذاء العالم العربي .. ومحاولات الاكتفاء الذاتي في القمح والسكر وإكمال مشروع الرهد والمسارعة بمد الطرق وتشييد الكباري "كبرى شرق جوبا، وكبرى نهر الجور بواو، وكبري كوستي، وكبري القوات المسلحة بالخرطوم" .. بالإضافة إلى طريق مدني – سنار – كوستي – مدني – القضارف – كسلا – بورتسودان ... وكذلك مشاريع البث الإذاعي والتلفزيوني وإنشاء محطات الأقمار الصناعية في الأقاليم .. كما نجح النظام في إعادة خطوط تحالفه مع النظام المصري على الأخص بعد نجاح مصر في العبور وإحراز انتصار 6 أكتوبر 1973م الذي مكنها من تجاوز متطلبات مرحلة حرب الاستنزاف ومتطلبات مرحلة لا حرب ولا سلام .. مما أدى إلى تغيير كيفي في سياسة مصر الخارجية حيث فتحت الإدارة المصرية حوارا مع أمريكا وإسرائيل بخصوص إعادة فتح قناة السويس والجلاء عن سيناء وعززت الإدارة المصرية مركزها بتوقيع اتفاقية التكامل الاقتصادي والسياسي والثقافي الذي وقعه الرئيسان نميري والسادات في فبراير 1974م .. وفي هذه الفترة أخذت تبرز الحركة الإسلامية المصرية وسمح لها السادات بإصدار مجلة الدعوة شهريا كما استعادت الحركة بعض دورها المصادرة مما أدى إلى صحوة إسلامية في مصر أدت إلى ظهور عدد من المجلات الإسلامية مثل "المختار الإسلامي والاعتصام".

أما في السودان فقد أطلق سراح قيادة الإخوان "الترابي، يسن، صادق .. وآخرين" بعد إكمالهم لفترة الاعتقال التحفظي البالغة ستة أشهر وعشرة أيام في فبراير 1974م وتواكب إطلاق سراح القيادة مع انبلاج فجر صحوة تنظيمية واستعداد للبذل والعطاء من مختلف فصائل الحركة .. مما مكن القيادة من إعادة بناء أجهزة التنظيم لأول مرة منذ انقلاب مايو على نحو جديد .. من القمة حتى القاعدة، وتم لأول مرة انتخاب مجلس شورى للجماعة واكتسبت القيادة شرعية وتفويضا، كما أعيد تشكيل المكتب التنفيذي .. تلا ذلك ميلاد اللوائح التنظيمية على نحو مفصل .. حيث أصبح لكل مكتب لائحة تحيط بتنظيماته وعلاقاته وواجباته وأدت الثورة اللائحية إلى قيام هيكلين متوازيين يصب أحدهما فيما عرف حينها بالمكتب الإداري ويعرف الثاني بالمكتب السياسي .. كما تجددت دماء المكتب بدخول العناصر الجديدة القادمة من دنيا تحصيل العلم في أوربا مثل د. إبراهيم احمد عمر، كما بدأ المكتب يتلمس طرقا لتدريب الإخوان على السلاح حيث حاولت الحركة أن تستفيد من سابق علاقاتها بالإرتريين ولكن دون جدوى علما بأن الحركة صرفت مبالغ مالية لا بأس بها للتهيئة والإعداد، ثم اتجهت الحركة نحو تشاد ولكن تداخلات الثورة التشادية وتقلباتها أدت إلى سحب المشروع، وفي هذه الفترة فتح باب ليبيا وبدأ الإخوان يتسربون لمشاركة الأنصار في استخدام السلاح ووصل أول فوج إخواني في نهاية 1974م إلى ليبيا وكان يتكون من ثلاثة عشر عنصرا وتخرج هذا الفوج من مدرسة الصاعقة في شهر واحد.

شهد عام 1974م حدثين أثرا على استراتيجية الحركة الإسلامية بصفة خاصة والجبهة الوطنية بصورة عامة .. أما الحدث الأول فقيام الثورة الأثيوبية التي بدأت بالتمرد في واحدة من الوحدات العسكرية ثم زحفت متكاملة مطبقة على مركز القرار السياسي وانتهت إلى الإطاحة بالإمبراطور هيلاسلاسي، مما ترك الوجود الأنصاري الضخم الموجود في إثيوبيا تحت هيمنة النظام الإثيوبي اليساري الجديد والذي بدأ حياته السياسية بالتحالف مع جمهورية الصين الشعبية .. والحدث الآخر هو ظاهرة التقارب العراقيالسوداني في أواخر عام 1974م والتي كان عربونها إطلاق نظام نميري لسراح عدد من الشيوعيين والبعثيين .. وكان من بينهم د. مصطفى خوجلي .. وفي هذه الفترة أصابت نكسة محاولات التفاهم ما بين السادات والحركة الإسلامية المصرية نتيجة لحادث الكلية الفنية العسكرية في أبريل 1974م حينما قاد صالح سرية المحسوب على تيار حركة التحرير الإسلامية الفلسطينية محاولة لاغتيال السادات، وكذلك فجعت قيادة الجبهة الوطنية في بدايات عام 1975م باغتيال الملك فيصل الذي كان نعم الظهير لرجال الجبهة في ظروف الشدة والمحنة .. وبعد أن كادت الجبهة الوطنية أن تستقر على ثلاثة سيقان (ساق في إثيوبيا وساق في السعودية وساق في ليبيا) استهلت نشاطها في عام 1975م وكأنها ستتجه معتمدة على ساق ليبيا.

ومع إطلال عام 1975م فرغت قيادة الحركة الإسلامية من ثورتها اللائحية وتفرغت إلى هم التأصيل ومتابعة الترقيات التي تتطلب كذلك تصورا لمستقبل العمل الإسلامي في إطار الحركة العامة للبلاد وإجابة للأسئلة والقضايا التي تحاصر العاملين واستجابة لذلك صدرت مذكرة "الوحدة الوطنية طريق الإسلام – دعوة من الحركة الإسلامية" وتكونت من جزئين: جزء بعنوان: العلاقات السياسية النظامية للحركة الإسلامية وهو داخلي .. والآخر موجه للقيادات الحزبية والطائفية، وقد تسربت هذه المذكرة للسلطة وأدى تسربها إلى أزمة تنظيمية انتهت بالإطاحة بأحد مسئولي الشعب نتيجة لإهماله وتقصيره .. ولكن أدى تسرب المذكرة إلى إعادة اعتقال د. الترابي في يونيو 1975م وخلفه على قيادة التنظيم د. إبراهيم احمد عمر.

تضمنت المذكرة النقاط التالية :

1 – ضرورة تجاوز الدعوة المطلقة للإسلام أساسا للحياة .. إلى الخطاب المفصل بما يقتضيه الدين في ظروفنا المعينة لتنزيل الدين تنزيلا على واقع حاجات الشعب وأحواله في ظروف مجتمع نظامه جاهلي.

2 – الاعتراف بقصور الفكر الإسلامي المعاصر بما لا يمكن من إبراز معاني الدين من خلال معالجات قومية، وأن البرنامج الإسلامي الشامل مؤجل إلى ما بعد قيام حكم الجبهة الوطنية ومرور فترة انتقال "خمس سنوات" تستعد فيها باكتساب التجارب العملية والاتصال بالقضايا الواقعية الحية .. لعرض الإسلام مناهج عملية أوقع من العموميات المجردة وألصق باهتمامات الناس وأفضل في تربيتهم .

3 – تقديم التنازلات لقيام الجبهة، فبقدر ما يتحقق للجماعة من تمكن في أجهزة الجبهة تستغني عن استيفاء كامل شروطها في منهاج سياساتها وإن الشعب يتطلع لبديل رشيد عن الحزبية والقوى التقليدية الفاسدة.

4 – الصراع الحزبي المحتدم يصرف الطاقة الحكومية نحو تأمين ثبات الكراسي الوزارية ويجعل القادة دمى مستضعفة ما بين النقابات والعسكريين والضغوط الخارجية والعصبيات المحلية.

5 – حاجة البلاد شديدة لتجمع شعبي يحتوي التشكيلات والصراعات الحزبية ولا مناص للجماعة من الاستظهار باسم الجبهة الوطنية ما دام نفوذها الفئوي والجماهيري وخاصة ليس اليوم كافيا وتخلص الورقة إلى أن دعوة الجماعة تتلخص في قيام وحدة شاملة بين قوى الشعب السوداني المسلمة، فهدف التوحيد أن تنصهر الجماعات الدينية والأحزاب السياسية في جماعة شاملة مندمجة في كيان واحد ملتزم بميثاق إسلامي نظامه وعمله .. أ/ا عن الجنوب فتشير إلى أن تحدي الجنوب يستدعي التفاف الشمال دفاعا عن مصالحه وكيانه الثقافي والحضاري من خطر الأخطبوط التبشيري والابتزاز العنصري ودعوة الأفراد والجماعات التي لا تنتسب للإسلام لقبول الدعوة الإسلامية .. لم تلبث السلطات أن لاحظت أن اعتقال د. الترابي لمي خفف من تصاعد العمل الإسلامي .. لذا فأرفقت به اعتقال يسن عمر الإمام وأحمد عثمان مكي وتوفيق صالح ومحمد محمد صادق الكاروري وآخرين .. ولكن برغم ذلك تتابع صدور مجلتي الميثاق والشورى .. وكانتا تطبعان بالرونيو وتوزعان في نطاق ضيق ومحدود، كذلك والت الصحافة الحائطية الجامعية صدورها وكان أبرزها جريدة آخر لحظة التي يصدرها الاتجاه الإسلامي بجامعة الخرطوم حيث والت نشر أخبار الجماعة ومتابعة الهجوم على النظام وكشف ما فيه من فساد .. وبرغم وجود قيادة الجماعة في السجن فقد اضطرت السلطات إلى الدخول في حوار مع عدد من شباب الإخوان المسلمين حول التوتر الحادث بين الجنود والأهالي في منطقة ربك نتيجة لمحاولاتهم في طلب الخمر والنساء مما أدى لتوتر وشغب انتهى بإخراج الحامية من المنطقة.

ميثاق الجبهة الوطنية

والت الجبهة الوطنية إصدار منشوراتها ضد النظام وأخذت في إصدار مطبوع باسم المقاومة . ولكنها كانت مطبوعات غير جادة .. مالت لأسلوب الإثارة وترويج الإشاعات وتضخيم صور الفساد وقد ورد في إحد أعدادها صورة ذكر بأنها لنميري وورد تحتها التعليق الآتي: "أب عاج أخوي في إنداية طرودنا بمدني" .. ومع أن المجلة أصبحت لفترة حديث المنتديات .. إلا أنها لم تملك أدب المعارضة الجادة .. إذ كان طابعها الإثارة وتتفيه النظام وتشويه سمعة رجاله .. ولكن شيئا فشيئا ارتقت منشورات الجبهة الوطنية وأخذ بعضها يصدر باللغة الإنجليزية لمخاطبة الرأي العام العالمي .. وأصبحت تهتم بالأرقام وتتكلم بموضوعية عن الغلاء والديون التي بلغت حسب منشورات الجبهة في عام 1974م أربعمائة مليون من الجنيهات الاسترلينية .. في حين أنها لم تتجاوز الأربعيون مليونا في مايو 1969م، كما ركزت المنشورات على هبوط الإنتاج وتدني الخدمات .. كما والت الجبهة شن حملة على السلم التعليمي وجهود الحكومات في محاربة العطش .. حيث إن سلطة مايو التي جعلت محاربة العطش من أولوياتها لا يبلغ عدد الآبار التي تحفرها سنويا عشر ما كانت تحفره الحكومات الوطنية.

أما القوات المسلحة التي كانت تعتبر مؤسسة .. فقد انتقل الصراع السياسي إلى داخلها وأصبحت عرضة للهزات والتقلبات والتصفيات مما اضعف وحدتها وأداءها، كما أنه لأول مرة تستخدم القوات المسلحة ضد المواطنين كما حدث في أبا وودنوباوي والانقلاب الشيوعي .. إلخ.

بالإضافة إلى ذلك ركزت منشورات الجبهة الوطنية على تردي الخدمة المدنية وأوضاع القضاة وضياع استقلالهم، وشنت منشورات الجبهة هجوما على شركة لونرو وارتباطاتها وكذلك على السيد/ خليل عثمان ومجموعة شركة الخليج وشراكته لشركة كايزر ( ) ... كما حفلت منشورات الجبهة الوطنية بأخبار المعتقلين وأسمائهم وأخبار الاضطرابات والمظاهرات وإشاعات الانقسام في صفوف النظام والخلاف داخل الأجهزة .. وواكب ذلك محاولات بعض قيادات الجبهة الوطنية لاختراق القوات المسلحة عن طريق إغراء بعض الضباط العاملين والمتفاعلين وتمويل مشاريع إقامة الانقلابات العسكرية ولكن راحت تلك الأموال في جيوب نفر قليل من المدنيين والعسكريين ولم يك له عائد سياسي يذكر .

تأخر وصول ميثاق الجبهة الوطنية، حيث اتسعت الشقة بين بديل السيد/ الصادق وأطروحة الحركة القومية الإسلامية التي طرحتها قيادة الإخوان، وحينما سمحت السلطات للسيد/ الصادق بمغادرة البلاد، دخل في حوار واسع مع قيادات الجبهة حول نصوص الميثاق، وبينما كان الحوار متصلا حول الميثاق .. أخذ الأمن يضطرب في جنوب السودان .. مهددا بنسف أهم إنجاز لنظام نميري .. وهو السلام في جنوب السودان .. حيث وقع تمرد أكوبو .. كما برزت مراكز القوى الجنوبية المتناحرة داخل حكومة أبيل الير مما اضطره في 24 يوليو 1975م إلى فصل كل من جوزيف أدوهو وأزيوي منديري وتوبي مادوت وميشيل الطويل موسى شول .. وبينما كان الرئيس نميري مستغرقا في سد الثغرات التي أخذت تتفتح في الجنوب إذ به يفاجأ بانقلاب المقدم حسن حسين في 5 سبتمبر 1975م والذي استمر فقط لمدة 106 دقيقة .. وجه فيها بيانه الأول .. ومع أن الانقلابيين نجحوا في استلام الإذاعة والقيادة العامة إلا أن القوات الموالية للرئيس نميري بقيادة القائد العام بشير محمد علي والرائد أبو القاسم محمد إبراهيم استطاعت أن تدحر الحركة الانقلابية .

كانت الجبهة الوطنية ضالعة في انقلاب حسن حسين .. حيث قاد العملية نفر من عناصر حزب الأمة "المرحوم عباس برشم، وكمال الدين حسين" إلا أنه كان للانقلاب وجه عنصري .. ساد فيه ضباط الصف المنتمين لمنطقة جبال النوبة كما كان بين قيادة الانقلابيين القاضي عبد الرحمن إدريس والذي كان ولاؤه معقودا للحركة الإسلامية وإن انتمى عرقا للمجموعة الانقلابية.

ومع أن الحركة الانقلابية باءت بالفشل .. إلا أنها مثلت أول محاولة ناجحة لاختراق القوات المسلحة يكون للجبهة الوطنية فيها نصيب .. استطاع الانقلابيون توجيه بيان مقتضب ركزوا فيه على حل مؤسسات مايو وتعهدوا باستقلال القضاء واستقلال الجامعة وحل المراهنات الرياضية "توتو كوره" .. ونسة لوجود عناصر مختلفة في الانقلاب "عنصرية، إسلامية، عسكرية، وطنية حزبية .. إلخ" فقد بدأت أجهزة الأمن حركة اعتقالات عشوائية شملت آلاف المواطنين واتسعت هذه الحملة حتى أوشكت أن تجهز على المكتب السري للإخوان المسلمين .. حيث لأول مرة وجد بعض أعضاء المكتب السري أنفسهم في عداد المعتقلين "إبراهيم احمد عمر، شادول أحمد شادول، صديق الترس، ومجموعة بري – عرفت بمجموعة الصراف" وهي أسماء عدد من الإخوان وجدوا في منزل كان يسكنه عدد من الإخوان .. في الإفلات من حملات الاعتقال آخذين في الخروج من السودان إلى ليبيا للمشاركة في التدريب حيث نشط الثلاثي الإخواني عثمان خالد مهدي إبراهيم، السنوسي". في استقبال الإخوان وتسهيل إيصالهم لمعسكرات التدريب.

وأعقب انقلاب حسن حسين محاولة العميد/ أنس عمر الانقلابية في بداية عام 1976م وكانت كسابقتها ثلاثية الأبعاد "إسلامي، عنصري وطني" مثلت محاولات العمل الانقلابي المتكررة في الداخل وتكاثر المهاجرين من الأنصار والإخوان على معسكرات التدريب ضغطا على قيادة الجبهة كي يسرعوا بحسم خلافاتهم ويبرزوا ميثاقهم مما أدى لتنازلات فكرية وسياسية واصطلاحية ليصدر بعدها الميثاق الذي طال انتظاره مدة خمس سنوات .. أجيز الميثاق في 2 فبراير 1976م وصدت منه عدة طبعات .

جاء الميثاق في عبارات محددة ومختصرة ولم يتجاوز كل أعداد كلماته الألف وخمسمائة كلمة "مجرد مقالة" نص الميثاق على :

1 – الالتزام بالإسلام عقيدة ومنهاجا وتحقيق نظام يحقق مقاصد الإسلام السياسية.

2 – اتحاد القوى السياسية السودانية في إطار الجبهة الوطنية مع عزل العناصر التي لا تؤمن بعقيدة الأمة.

3 – المقاومة الحاسمة للنظام المايوي حتى إسقاطه وتحكم الجبهة الوطنية بعدها لمدة عام ثم تجري استفتاء شعبيا حرا تخير فيه الشعب ما بين استمرار الجبهة الوطنية في الحكم لفترة خمس سنوات أو العودة لإقامة نظام ديمقراطي راشد.

4 – إقامة نظام اقتصادي اشتراكي يحقق الملكية الجماعية لمراكز الثقل الاقتصادي.

5 – تدعيم الحم الإقليمي بالجنوب وفقا للمصلحة القومية.

6 – تأسيس نظام إداري لا مركزي من أجل تطوير التعليم.

7 – تطوير القوات المسلحة.

8 – سياسة خارجية متحررة في إطار الالتزام بالعروبة والإسلام والإفريقية.

وما أن حسم قادة الجبهة أمر الميثاق حتى انصرف جمعهم إلى هم إعداد الجيش البديل بهدف تقويض النظام .. والذي لم يكن واضحا: كيف سيتم تقويض النظام "غزو، انقلاب، اغتيالات"؟ ولكن يبدو أن القوم انصرفوا عن داعي التدابير الفنية اللاحقة مستغرقين في هموم التدريب وإخراج الأنصار والإخوان وغيرهم من السودان وإعادتهم وتسكينهم .. لم يكن الإخوان راضين عن مسار الأمور في الجبهة الوطنية .. حيث كان حظهم دائما مبخوسا حين قسمة المخصصات وتوزيع الأموال، مع أن معظم أمور الجبهة كان يديرها عمليا الإخوان كما كان معظم كوادر الإخوان القيادية والقاعدية في السجن، وكان الإخوان يظنون أن قيادة الجبهة ستقوم بواجبها تجاه إعالة عوائل المسجونين وغيرهم الشيء الذي لم يحدث .. كما شعر الإخوان بأن هناك محاولات لعزلهم وعزل عناصرهم عن التدريب كما أخفيت عنهم حينا من الدهر أخبار المعسكرات وحينما علم بها الإخوان لم تيسر لهم سبل الانضمام كما لم يتوفر لهم التدريب الكافي .. كما بذلت جهود للحيلولة بين الإخوان واختلاطهم وتفاعلهم مع الأنصار .. وشعر الإخوان بأن المقصود من وراء كل ذلك تحجيم دورهم حتى يصبح وجودهم في الحركة ثانويا وبذلك ينتفي تأثيرهم عليها .

أقيم معسكر التدريب قرب العوينات وبلغ عدد الأنصار في المعسكر أكثر من الألف قليلا .. وأصبح الأخ مهدي إبراهيم مسئولا عن المعسكرات لفترة يعاونه في ذلك أحمد سعد عمر .. حاول مهدي إبراهيم فتح مدرسة لتعليم الأنصار وترشيدهم ولكن نظر إليها على أنها محاولة لاختراق الأنصار من قبل الإخوان، وأوقف بعد ذلك الشريف الهندي المدرسة وصرح لبعض الأنصار أنه لا يثق كثيرا في مهدي ولكنه مضطر لقبوله لبعض الأسباب الخاصة .. كان لوجود الهندي في الصحراء مع الأنصار لعدة شهور ملتحفا الأرض مثلهم ومتحملا لمشاق الحياة الصحراوية التي قد لا يطيقها بعض الشباب .. أكبر الأثر في نفوس الليبيين والأنصار والإخوان على حد سواء .. ونظروا إليه بوصفه رجل قتال وقائد يتحمل بهمة عبء العمل والمسئولية .. ونجح الهندي في إبعاد معسكر الإخوان عن الأنصار كما طلب من الأنصار عدم الاختلاف بالإخوان ولكن نجح الإخوان الأطباء في التواصل مع الأنصار حيث كانوا يقدمون لهم الخدمات الطبية سائرين عدة كيلو مترات لتقديم العلاج لهم في معسكراتهم .. كذلك حدث تواصل وتفاعل مع الأنصار حينما دخل الإخوان المدربون إلى السودان عن طريق معسكر قندوت في إثيوبيا، وتأثر الأنصار بسلوك الإخوان والتزامهم الإسلامي فأثنوا عليهم وأكرموهم ووصفوهم بأنهم أنصار ينقصهم الراتب .. وهذه غاية في الثناء عندهم .

لم يكن نشاط المعسكرات قاصرا على التدريب فقط وإنما امتدت النشاطات لتفهم أوضاع السودان الجغرافية والإقليمية وحالة الطرق ما بين السودان والدول المجاورة على الأخص "ليبيا، يوغندا، إفريقيا الوسطى، إثيوبيا" والعوائق الطبيعية وأنواع الرقابة الرسمية من مراكز حدودية ونقاط تفتيش وبشر .. كما جرت محاولات لدراسة الوضع الداخلي في الجيش السوداني وكان أهمها المعلومات التي أدلى بها العميد (م) محمد نور سعد والتي تلخصت في الآتي:

1 – يعتمد النظام المايوي على ولاء وحدات مختارة من القوات المسلحة وهي المظلات والمدرعات.. وقام بمنحها الامتيازات من قطع سكنية وسلفيات وخصها بحفلات الترفيه .. كما كانت تتبع رأسا لوزير الدفاع بدلا من رئيس هيئة الأركان .. مما خلق شعورا بعدم المساواة وسط القادة والجنود .

2 – تتولى السلطات دوريا القيام بحملات تطهير وعزل وسط الضباط لضمان التزام القوات المسلحة بنظام مايو مما أدى إلى السجن وتشريد أعداد كبيرة من الكفاءات العسكرية بالظن وأبعد عدد من الكفاءات بالنقل للقيادات الخارجية والإحالة للمعاش بالإضافة إلى أساليب الضغوط وإحكام الرقابة على المشكوك في ولائهم.

3 – وضع قيادة وحدات العاصمة في أيادي الملتزمين بأطروحات وسياسات النظام وترقية بعضهم ترقيات استثنائية مما أدى لنشر روح اللامبالاة والغيرة والتفكك.

4 – لا مركزية تنظيم الاستخبارات العسكرية بحيث لا يرفع ضباط الاستخبارات تقاريرهم لقادتهم المباشرين.

5 – ظهور طبقة من الرواد بعد انقلاب مايو أفسد نظام التسلسل العسكري وما فيه من ضبط وربط، كما أن محاولات تسييس الجيش أدت لهبوط الروح المعنوية وشيوع روح الارتزاق والنفاق المبطن بشعارات الالتزام السياسي، مما أدى لشيوع الضغائن وتصفية الحسابات.

6 – تسخير وتوسيع التوجيه المعنوي لحث الجنود على الالتزام بموالاة النظام ومؤسساته اتحاد اشتراكي وغيره .. كما صدرت قرارات بعضوية كل العسكريين في الاتحاد الاشتراكي وحملهم لبطاقته وتدنت ثقافة تعبئة الجيش لمهامه الأساسية في الدفاع عن الأرض والعرض.

7 – نفرت أغلبية القيادات من محاولات التسييس المتقلبة وانعكس هذا على من تحت إمرتهم من ضباط وجنود.

8 – التوسيع في استيعاب الضباط والأفراد دون توفير المرافق الحيوية والضرورية من معسكرات ووسائل ترحيل ولبس وإمكانيات تدريب وتسليح .. كما تم تخريج دفعات كبيرة من الكلية الحربية بطريقة فجائية وبأعداد ضخمة وأصبحت نسبة الملازمين تشكل 60% من مجموع الضباط.

9 – برغم أن الأسلحة الروسية كانت ذات كفاءة وفاعلية إلا أن المركبات والعربات كانت كارثة لكثرة أعطالها وعدم وجود قطع غيارها واستهلاكها العالي للوقود وعدم وجود الخبرة المحلية المؤهلة للتعامل معها لذا فقد تعطلت في فترة وجيزة وبنسبة وصلت 8%

10 – عدم تسليم الأنانيا لأسلحتها علما بأن الحكومة أوفت بالتزامها باستيعاب الأنانيا في الجيش مما أدى لفجوة عدم الثقة وأحداث أكوبو في مايو 1975م مما عرقل إكمال استيعابهم في القوات المسلحة حسب ما هو محدد له في عام 1976م.

11 – سياسات الحكومة المركزية وإهمالها للأقاليم المتخلفة الأخرى دارفور جبال النوبة .. إلخ وانعكس هذا على الجنود القادمين من هذه المناطق مما جعلهم بؤرة لنشاط الحركات العنصرية.

12 – سياسات الحسم المسلح مع المدنيين والمواطنين أدت إلى ظهور ظاهرة التسليح والتدريب والعمل السري مما ألحق أعباء إضافية بالقوات المسلحة السودانية .

تفادت الورقة الحديث عن تركيبة الجيش السوداني والانتماءات العرقية لطبقة الضباط "جعليين شايقية أبناء المدن" .. بينما انتماءات الجنود للمناطق والأقاليم المتخلفة ... مما قد يعوق أحيانا التجانس والتفاهم .. كما أن انتماءات الضباط للسودان الوسيط الذي يطغى فيه المزاج الشرق أوسطي (أيدلوجيات التحديث) سهل العمل السري وسط الضباط للدول الشرق أوسطية ذات الصلات بحركات الاتحاديين والختمية .. كما لم تشر الورقة لظاهرة الضباط الأحرار ومدى نفوذها بين الضباط ولا عن التغلغل الأجنبي "أمريكي، بريطاني" بواسطة التدريب والمنح وغيرها .. كما لم تشر الورقة إلى أن الولاء في الجيش أصبح شكليا تفرضه التقاليد العسكرية ولكن ليست هناك روح حقيقية لهذا الولاء وكشفت ذلك أحداث قصر الضيافة حيث قام بعض الضباط باغتيالات دموية لرفاقهم في السلاح والمهنة كما كشف عن ذلك مسلسل الانقلابات العسكرية المتعاقبة وكذلك ظاهرة التمرد في جنوب السودان حيث كانت دائما المؤسسة العسكرية هي التي تفرخ قادة وجنود المتمردين ابتداء من جوزيف لاقو وانتهاء بجون قرنق الذي يقدر أن بضعة آلاف من جنوده كانوا مجندين في الجيش السوداني .

وعلة كل ذلك غياب البعد الفكري في العسكرية السودانية التي لم تقم على أي أساس عقائدي في تاريخها .. على عكس الجيوش الأوروبية وغيرها التي ارتكز قيامها على معطيات فكرية واضحة تنزلت في المسيحية والقومية والعلمانية .

أهملت ورقة العميد (م) محمد نور الإشارة لقضية مرتكزات الفلسفة القتالية وكأنما القضية قضية إجراءات وتسلسل عسكري وضبط وربط .. وهذا يتداخل مع قضية تاريخ القوات المسلحة السودانية حيث إن النواة التي قامت عليها قوة دفاع السودان في عام 1924م هي بقايا حملة جيش كتشنر الغازي والذي كان يعد فرقة من فرق الجيش المصري .. وبعد عام 1924م بعد حركة الشهيد عبد الفضيل ألماظ ورفاقه الأبرار .. فصل الجيش السوداني عن المصري .. وما عاد قسم الولاء لملك مصر، وأصبح الجيش السوداني قولا وفعلا تابعا لجيش الإمبراطورية البريطانية .. التي اعتنت به على أساس أنه جيش علماني .. تقوم فكرته على الفناء في شخصية الدولة وحماية التراب وطاعة الرتبة الأعلى والقتال الآلي القائم على مسخ الانتماء العقائدي والفكري باعتبار الولاء لفكرة العسكرية كمهارة مدفوعة الثمن، وحلت في هذا الجيش آلية الوظفية العسكرية محل قيم الجهاد ونصرة الإسلام وبسط الشريعة .. لقد دمر الجيش العقائدي ليحل محله الجيش الوظيفي .. ولذا حينما غادرت جيوش الاستعمار أصبح للجيش الوطني احتياطي ضخم يملك قدرات رهيبة مقارنة بالجماعات والقبائل والأحزاب .. مما مكن المسيطرين على حركته لتسخيرها لحمايتهم وفرض برنامجهم الحضاري.

لقد فشل نميري في تسييس الجيش لأنه لم يملك عقيدة جديدة ليقدمها للجيش، ولكنه استطاع استخدام هذه الآلة في حسم خصومه "الجزيرة أبا الشيوعيين .. إلخ".

إن إقامة دولة إسلامية تتطلب أن تستند هذه الدولة على ركيزة عسكرية واقتصادية ... وشوكة الدولة الإسلامية تقوم على الجيش الجهادي .. وإقامة الجيش الجهادي تتطلب تغيير العقلية العسكرية والنمط العسكري في الجيش وتثقيف عضوية الجيش وبنائها على أسس الفلسفة القتالية الإسلامية .. لذا فإن أول خطوة في مشروع الدولة العلمانية السودانية (18981956م) كانت الجيش الغازي الذي دك الدولة المهدية، والدولة المهدية في حد ذاتها إنما اعتمدت على المؤسسة العسكرية القائمة على مبدأ نصرة الدين.

إن أي بناء سياسي واقتصادي يغفل هذه الفكرة مكتوب عليه الانهيار .. اللهم إلا إذا أراد أن يكون بناؤه امتدادا لنظام الأشياء القائمة الموجودة .. ولا عجب أن سعى الجيش السوداني دائما للاستحواذ على السلطة لأن هذا الجيش صمم أساسا للاستيلاء على دولة المهدويين.

لقد كان ميثاق الجبهة الوطنية تلفيقا جمع عناصر مختلفة في محاولة لمزج مرتكزات العلمانية مع الأطروحات الإسلامية .. لذا لم يسجل تقدما في مشروع الدولة الجديدة التي يدعو إليها .. كما تجاهل تحليل ودراسة لأهم مؤسسة وهي المؤسسة العسكرية، وستظل إشكالية الدولة الإسلامية معلقة بهوية وطبيعة المؤسسة العسكرية وامتداداتها من نظام تعليمي وخدمة مدنية .. ونظام قانوني .

حركة 2 يوليو العسكرية

نجحت الجبهة الوطنية في إدخال جيشها البديل والمكون من "860" مقاتلا أنصاريا وبضعة وثلاثين مقاتلا من الإخوان المسلمين جلهم من طلاب الجامعات والخريجين .. وقد كان من المفترض أن يكون مقاتلو الأنصار تحت إمرة شباب الإخوان لمعرفتهم أولا بالخرطوم وثانيا لقدرتهم على التنظيم والخطاب والتصرف .. وبذلك يحدث تلاقي الكم مع الكيف .. ولكن كما رأينا .. فمن البداية لم تك قيادة الجبهة السياسية راغبة في توسيع حجم مشاركة الإخوان حتى تستطيع السيطرة الكاملة على الحركة ومسارها وحتى لا تتعرض لهيمنة وتأثيرات الإخوان .. لقد كان لقيادة الجبهة الوطنية السيد/ الصادق والشريف حسين – أجندة مختلفة عن أجندة الإخوان ... أما السيد/ الصادق وبحكم كونه يملك شرعية القيادة "باعتباره أنصاريا ومن بيت المهدي والشخص الثاني بعد الإمام – الذي اعتبر في حالة غيبة" يريد فرض مشروعه حول السودان .. باعتبار حجم الحركة أنصارية .. ولا يعدو أن يكون دور الهندي والإخوان دورا ثانويا وتكميليا في مرحلة ما بعد القضاء على نظام نميري .. لذا فقد فصل تحرك الإخوان عن تحرك الأنصار .. كما قام السيد/ الصادق بتنصيب العميد/ محمد نور سعد قائدا عاما على المقاتلين حيث كان يثق في ولائه .. كما كان يعتقد أنه يمكنه تحريك العسكريين وطمس البعد الطائفي للمحاولة – الأنصار في مجابهة الجيش".

أما الشريف الهندي فهو كذلك يستند على أياديه على حركة المقاومة حيث تعهد الأنصار منذ ظروف ضرب أبا والهجرة إلى الحبشة مرورا بإعدادهم في ليبيا حيث مثل حضورا وسطهم .. كما نمى عند بعضهم أنه مكلف من قبل الإمام الهادي .. وكذلك رأى الهندي في المحاولة ردا لاعتباره وتصفية لشرف قتاله مع نميري .. المسئول عن إماتة الأزهري في السجن، وردا لاعتبار الاتحاديين، وكان الشريف يعلم أن الخلاص من نميري مجرد رحلة يتفرغ بعدها لصراعه مع الصادق، وكان يعلم أن كل السودان غير الأنصاري سيلتف حوله كما أنه يستطيع منازعة الصادق في الأنصار أنفسهم .

أما الإخوان فقد عولوا على الميثاق وعهود الشركاء كما اعتبروا أن القضاء على نظام مايو إنجاز على درب الإسلام .. باعتبار أن النظام إنما استهدف أساسا الدستور الإسلامي ورموز الحركة الإسلامية .. كما أن معظم قياداتهم كانت في السجن، والقضاء على النظام سيؤدي على الأقل إلى تحريرهم من السجون وخلق ظروف حرية تمكن الحركة الإسلامية من ترتيب أمورها والانطلاق في الدعوة ومخاطبة الناس .

وجدت قيادة الإخوان في الداخل نفسها في وضع استثنائي وغريب .. إذ كانت مكلفة بتأمين الحماية والإيواء لعناصر الإخوان في الحركة .. بينما لم تكن تملك تفاصيل طبيعة دورهم .. بل كانت معزولة ومحجوبة عن حتى الخطوط الأساسية للعملية "البرنامج السياسي، البيان الأول، دور العسكريين مهام المدنيين .. إلخ" وكانت قيادة الداخل تعتقد أن المفاتيح مع قيادة الإخوان في الخارج "عثمان خالد، مهدي إبراهيم" لم تقدم قيادة العملية للكتيبة الإخوانية حتى سيارات التحرك الداخلي .. مما اضطرهم للاستعانة بسيارات الإخوان الخاصة .. كما اضطرت قيادة الإخوان لحجب المعلومات عن تنظيمها الداخلي بينما كانت عناصر الجبهة الأخرى تتداول معلومات على كافة المستويات حتى تسربت بعض التفاصيل لأجهزة الأمن ما زاد في ربكة قيادة الإخوان .

وقد ظهر فيما بعد أن العملية دارت أساسا حول ثلاثة محاور:

1 – تصفية الرئيس نميري ومن معه "قيادة النظام" .. وقد بدأ هذا متيسرا نسبة لتسرب المعلومات حول توقيت مجيء طائرة الرئيس نميري من أمريكا .. بالتركيز على ضرب الطائرة ساعة هبوطها أو اعتقال نميري ومن معه لحظة نزولهم في المطار.

2 – الاستيلاء على القيادة العامة والوحدات العسكرية ومظاهر السلطة "الإذاعة والكباري ومراكز الاتصال".

3 – فيلق محمل بالأسلحة الثقيلة تحت قيادة السيد/ الصادق وبقية قيادة الجبهة "الشريف حسين، عثمان خالد، مهدي إبراهيم" وقد توغل الفيلق ليلة الانقلاب إلى عمق 300 كيلو متر في الأراضي السودانية وأصبح على بعد ساعات من أم درمان وبدا دور هذا الفيلق "استعراضي تكميلي" إذ سيدخل العاصمة بعد إكمال الاستيلاء على السلطة.

أوكل للكتيبة الإخوانية مهمة الاستيلاء على المطار ودار الهاتف .. بينما تكفل الأنصار ببقية هموم الحركة .. من إمدادات واتصال وتوصيل ومخاطبة للرأي العام السوداني من الإذاعة والتلفزيون واستيلاء على القيادات والوحدات العسكرية.

لم تكن الأمور كما كان مخططا لها .. فقد شاءت إرادة الله أن تصل طائرة نميري متقدمة ساعة عن مواعيدها .. كما تأخرت وحدة إمدادات العملية الانقلابية عن تزويد المقاتلين بالسلاح في المواعيد المحددة .. مما أخر الكتيبة المنوط بها استلام المطار ومباشرة دورها قبل وصول طائرة نميري وتعقد الموقف أكثر حينما بدأت واحدة من الوحدات الهجوم وإطلاق الرصاص قبل استلام المطار .. مما لفت أنظار رجال الأمن فأسرعوا بإخراج نميري من المطار ومن دون بروتوكولات واستقبال وهكذا فشل المحور الأول من المحاولة قبل أن يدخل المشروع الانقلابي في حيز التنفيذ وانتفى عنصر المباغتة مما مكن الرئيس نميري وأعوانه من تحريك قواتهم في انقلاب مضاد .. وفي ظرف 36 ساعة تم القضاء على الحركة التي استشهد فيها قرابة الثمانمائة أنصاري وتسعة من شباب الإخوان المسلمين ( ) سمعت قيادة الجبهة الوطنية من خلال المذياع في يوم السبت 3 يوليو 1976م صوت الرئيس السابق نميري معلنا فشل حركة المرتزقة كما أسماها .. فاضطر الموكب للعودة إلى ليبيا بروح محطمة وأعصاب منهارة .. بعد رجوع الموكب بأيام جاءت عربة لوري مرسيدس تحمل ما يقارب الستين من الأنصار هم كل ما تبقى على قيد الحياة من الذين اشتركوا في الحركة وقد انسحبوا منذ نهار الجمعة 2 يوليو ويمثلون مجموعة الإذاعة التي كان على رأسها أحد الأنصار "جناح الصادق" والتي كانت مكلفة بمنع الإخوان وغيرهم من الوصول للإذاعة، وكذلك مجموعة من المهاجمين لسلاح المهندسين والسلاح الطبي وقد استغلوا عربة مرسيدس من وراء أمبده بعد ظهر يوم الجمعة 2 يوليو وساروا بها عبر الصحراء إلى العوينات وقد رفع وصولهم للمعسكرات معنويات العائدين في موكب فيلق السلاح الثقيل ... حاولت قيادة الجبهة الوطنية القيام بحملة إعلامية لكسر حدة حركة التعتيم والتشويه الإعلامي التي قادها نظام الرئيس نميري والتي استطاعت أن تفرض تسمية حركة المرتزقة على عقول المواطنين حيث وجه السيد/ الصادق المهدي خطابا إذاعيا عبر إذاعة طرابلس عن طبيعة الحركة وأهدافها وكذلك وجه الشريف حسين الهندي بيانا آخر لفت نظر الناس لاستخدامه لكلمة شرفي قائلا إن الحركة تمثل شرفه الذي يدافع عنه كأنما الحركة الجهادية كانت مشروعا شخصيا، وكذلك استخدمت قيادة الجبهة الوطنية القسم العربي بالإذاعة البريطانية في توضيح وجهة نظرها .. كما وجه السيد/ الصادق عدة خطابات لقادة الدول العربية والإسلامية ( )

بعد أيام من فشل الحركة أرسل السيد/ الصادق من طرابلس شريطا مسجلا لقيادة المعسكرات لرفع معنويات الأنصار وشركائه .. يقيم فيه الحركة ومواقف الشركاء ومعلقا على موقف أحمد المهدي وقيادي أنصاري آخر – الذي سمي حينها بالفاضح – نسبة لأنه كشف كل القيادات السرية للحركة الإسلامية وعلى الأخص قيادة الإخوان حيث تعرض بعضهم للتعذيب كعبد الله بدري ويسن عابدين كما حكم على الأخير بالإعدام شنقا ولكنه استبدل في مرحلة لاحقة بالسجن المؤبد .

ازداد التحام قيادة الأنصار بالأنصار في معسكرهم على الأخص السيد/ ولي الدين الهادي وأخيه نصر الدين الهادي بينما توقف الشريف الهندي عن زيارة المعسكرات .

محاولة تقييم لحركة 2 يوليو 1976م

جبلت النفس البشرية على النفور من نسبة الفشل والتقصير إلى ذاتها .. فإذا أصابها خير فرحت واطمأنت إليه وإذا أصابها خذلان وفشل أومأت إلى غيرها .

لذا فلا عجب أن كثر الحديث في صفوف المتخلفين في المعسكرات بليبيا ونصراء الجبهة في داخل السودان والسجون أن الخيانات هي التي أدت لفشل الحركة ونال القسط الأكبر في ذلك المرحوم العميد محمد نور سعد وأحمد سعد عمر .. ولكن يبدو أن الحركة في حد ذاتها لم تكن تملك مقومات النجاح وضمان الاستمرار .. كما هناك فرق بين الانقضاض على مراكز ومظاهر السلطة واستلام السلطة .. قد يؤدي الانقضاض على مراكز السلطة إلى استلام مظاهر السلطة ولكن لا يعني ذلك استلام السلطة، إن الانقضاض على مراكز السلطة واستلام مظاهر السلطة ليس بالشيء الصعب .. إذا استولى الشيوعيون على مراكز السلطة في يوليو 1971م وسادوا لمدة 72 ساعة .. واستلم المقدم حسن حسين في عام 1975م مراكز السلطة لمدة 106 دقيقة ... ولكن تم القضاء على كليهما بعد أن وجهوا بياناتهم وحسب البعض أن البلاد قد دانت لهم .

فالانقضاض على السلطة يمكن أن تقوم به أي قوة مقدرة ولكن استلام مراكز السلطة يتطلب مع عنصر المباغتة أن تكون قدرات قوة الانقضاض متجاوزة لقدرات مراكز الحراسة والحماية .. كما يتطلب ذلك كسر شوكة القوة المعاكسة .. إما باعتقال قيادتها وشلها بطريقة أو بأخرى .. ولكن هذا في حد ذاته لا يؤدي إلى استلام وممارسة سلطة .. إذ أن هذا يتطلب كذلك طاعة أجهزة الدولة بما فيها من بشر ومعدات وقوات وخدمة مدنية ومصارف مالية وشرعية إقليمية ودولية .. قد يتم استلام مراكز ومظاهر السلطة ولكن لا يكتب لذلك الاستمرار والسيادة ما لم تكن هناك استجابة إيجابية من الأجهزة والمؤسسات، بالإضافة إلى قدرة القادم الجديد على فرض شرعيته وتصريف أحوال الدولة والناس .. وقد تتفاوت الاستجابة ما بين الرضوخ والمقاومة "مع أن الغالبية تفضل الانتظار حتى تسير مع من غلب". وإذا ما صادق القادم الجديد تحدي مقاومة يفوق قدراته فإنه سيسحق، وإن تكافأت المقاومة وإمكانيات القادم الجديد برزت إمكانيات التدخل الخارجي لتحسم الأمر لصالح أحد الفريقين أو أدى ذلك لقسمة البلاد والسلطة .

تضافرت عوامل شتى في إفشال المحاولة منها:

1 – بدت العملية كأنها مجابهة مع المؤسسة العسكرية كمؤسسة .. مما ألزم المؤسسة شرف الدفاع عن نفسها ووجودها، ولم يكن هناك مكمل عسكري من داخل المؤسسة يتكامل مع الحركة الشعبية المسلحة .. مما عني أنه حتى ولو نجحت الحركة في توجيه خطابها فهناك احتمالات التفاف كل حركة الجيش بامتداداته ضدها مما قد يضعف فرصها في الاستمرار .. إذ ماذا تعني طاقة حركة شعبية قوامها ألف شخص لجيش قوامه ستين ألف رجل يقوم بأمرهم خمسة آلاف ضابط منتشرين على امتداد السودان ويمكن أن يسجل بعضهم حضورا في ظرف ساعات "شندي، القضارف، كسلا، الأبيض".

2 – افتقار الحركة للقيادة السياسية الميدانية .. إذ أدى إحجام قيادة الحركة عن مباشرة قيادة عملية الانقضاض "الصادق المهدي، والشريف الهندي، عثمان خالد" وإيكال الدور للفنيين إلى جعل الحركة الشعبية الانقضاضية تبدو وكأنها عملية فنية إجرائية ومشروع التغيير السياسي الانقضاضي غير ذلك .. كما أن الجانب الفني الإجرائي عابه عدم القدرة على الاتصال وانعدام روح الفريق والقيادة الجماعية مما أدى إلى تأخير إيصال السلاح وعدم التنسيق .. ومما أعقب ذلك من اندحار .. كما لم تك الحركة تملك بدائل في حال عدم تمكنها من تشغيل الإذاعة أو إفلات قيادة النظام من الاعتقال .. إلخ.

3 – افتقار العملية الانقلابية للتجانس ومحاولة قيادة حزب الأمة الاستئثار بها وتقليل دور الآخرين بل وعزلهم في حالة الإخوان المسلمين بالإضافة إلى فشل الحركة في توجيه خطابها والتعريف بنفسها مما جعلها تبدو وكأنها حركة تخريب وفوضى وليس إصلاح وجهاد .. وربما كان مرد ذلك جزئيا لإلقاء القبض على الخلية الشبابية للأنصار بقيادة عبد الرسول النور والتي ربما كان مناطا بها الإعداد للدور الشعبي .

4 – الظرف لم يكن مناسبا حيث لم يكن هناك تأزم سياسي بليغ أو تدهور اقتصادي مربع، كما أن توجهات النظام وخطابه اليساري كانت قد اعتدلت وجاءت ضراوة المحاصرة للحركة الإسلامية ورجال الأحزاب نتيجة لانقلاب حسن حسين وأخبار التدريب في ليبيا مما استدعى النظام أن يؤمن جبهته ويشل يد خصومه .

أثارت الحركة سؤال مشروعية استخدام قيادة علمانية لقواعد مجاهدة تطلب الشهادة ونصرة الدين لإقامة نظام تلفيقي .. في حقيقته علماني .. كما أن القيادة المدنية المتخلفة بدت وكأنها تمارس وظيفة لا تتفق مع طبيعتها .. إذ افتقرت قيادة الحركة لإدارة الحسم والإلزام وعرف عنها عدم الحزم وإيثار الحياة السهلة وتجنب الخيارات الصعبة .. التي تحتمل الموت .. لذا فقد كانت طبيعة الحركة وطبيعة القواعد المجاهدة لا تشبه طبيعة القيادة .. لذا فلا عجب أن آثرت القيادة الانتظار في الخارج بدلا عن متابعة تكاليف مهام القتال الباهظة والتي تتطلب استعدادات نفسية وعقلية وخبرات مكانية وزمانية ما كانت متوفرة في عنصر السياسيين الذين كانوا يشرفون على العملية .

نجحت قيادة تنظيم الإخوان في الداخل في أن تؤمن سلامة الإخوان الذين اشتركوا في العملية برغم ضغط الظروف وبطش النظام وانتشار حركة التعقب والتفتيش .. كما نجحت في أن تؤمن خروجهم إلى خارج السودان .. بما في ذلك أحمد سعد عمر .. وذلك إنجاز مذهل بكل مقياس .. خصوصا أن الإخوان ثبتوا في مواقعهم إلى حين دحر العملية .. ولم يكن في الحقيقة أمام التنظيم الداخلي أن يفعل الكثير بالنسبة للعناصر التي كانت في دار الهاتف والتي ظلت مرابطة فيها لمدة 26 ساعة إلى حين نفاذ ذخيرتها فاضطروا للاستسلام حيث قامت قوات الجيش بقتلهم في القصر فورا ومن دون محاكمة .. وقد بدا عجز التنظيم في أمرهم لأنهم لم يكونوا تحت ولاية التنظيم الداخلي في ظروف الانقلاب وإنما رهن إشارة قيادة العملية كما لم يتيسر سحبهم بعد فشل العملية نتيجة لتطويق المكان .. أما عبد الفضيل وعبد الله ميرغني فقد ألقي القبض عليهما بعد أن تم تأمين وضعهما ولكنهما اجتهادا من عند أنفسهما خرجا للشارع فتعرف عليهما طيار شاهدهما في المطار فأبلغ قوات الأمن التي كانت جاهزة عند كل مكان للانقضاض.

لم تكن السلطة نفسها واعية بدور الإخوان في المحاولة الفاشلة .. إذ كانت هناك إشكالية غياب الدور المدني للإخوان وحركة الإخوان حركة شارع سياسي ملكت ناصية الشارع في شعبان وبثت إذاعتها الخاصة .. فأين غاب هذا الوجود في حركة يوليو؟ مثل عدم اشتراك الإخوان بحجمهم الفعلي علامة استفهام .. إذ حينما ذهب إبراهيم السنوسي إبان صلاة الجمعة في الجامعة مستحثا الإخوان على الخروج في مسيرة تأييد لم يصادف كلامه إقبالا أو استجابة.

كما صمد معتقلو الإخوان صمود الأبطال – مدنيين وعسكريين – ولم تستطع السلطة انتزاع أي معلومة برغم ضراوة التعذيب والضغوط حتى أنها تعجلت فقتلت جماعة دار الهاتف من دون محاكمة .. كما أن العناصر التي قامت بالتحقيق والمحاكمات افتقرت إلى الحاسة السياسية .. التي تعين على الفهم والتحليل .. كما أن تضارب السلطات بين العسكريين وأجهزة الأمن والأجهزة المدنية الأخرى حال دون أن تصب المعلومات في قناة واحدة مما يسهل فرز المعلومات وتحليلها .. كل ذلك دفع تيارا في النظام لتفسير الوجود الإخواني بوجود انشقاق في التنظيم وأن العناصر الانشقاقية المتطرفة والتي يقودها مهدي وعثمان والسنوسي وراء العملية .. وما يهم فإن السلطات لم تجد أي بصيص ضوء يشير إلى حقيقة دور الإخوان بل إن قائد المحاولة نفسها العميد محمد نور سعد لم يكن يعرف الكثير عن دور الإخوان وإمكانياتهم .. مما أدى إلى تجنيب التنظيم ضربة أخرى إذ لم يعتقل من قيادته بعد الحركة سوى بضعة أفراد نتيجة لاعترافات غير الإخوان.

ويبدو أن تكاليف عملية يوليو في الأرواح كانت ستكون أكبر لو تمكن العميد محمد نور الدين من إذاعة بيانه ودخل على إثر ذلك الفيلق المسلح .. إذ كان من المحتمل ألا تستسلم الوحدات خارج العاصمة مما سيؤدي إلى تطويل الصراع وتمكين فرص التدخل الأجنبي – خصوصا مصر – وحتى إن تم الانتصار فإن نذر المواجهة بين الجيش والجبهة ستظل واردة بل إذا صحت الروايات عن الرؤية العقلية والحالة النفسية لقيادة الجبهة في الساعات الأولى للانقضاض فإن ذلك يعني احتمالات مواجهات ما بين شركاء المحاولة الإخوان ضد الأنصار .. ومحمد نور الدين سعد ضد السيد/ الصادق .. والشريف الهندي ضد الجميع .. إذ قد لا يقبل العميد محمد نور سعد بوضعية ثانوية في النظام الجديد .. إذ لم يقدم رأسه ليحكم الآخرون؟ ... وربما التف حوله ضباط الجيش نكاية في عنصر السياسيين.

وكل هذه الاحتمالات واردة لأن قيادة الحركة اجتهدت في تقليل دور شركائها والاحتراس منهم في مرحلة ما بعد النصر أكثر من اجتهادها في التخطيط الناضج والتفكير السليم في مستلزمات النصر .. الذي كان يتطلب تناسي كل التناقضات الجانبية وسد الثغرات وإدارة العملية على أساس أنها مشروع تحالف مصيري مشترك .. بين الأنصار والإخوان وجماعة الشريف .. مما كان سيقود ابتداء إلى صهر هذه العناصر في المعسكرات وصهر خطابها كما كان كل فريق سيقدم ما لديه من خبرات وتداخلات وقدرات حقيقية شعبية وعسكرية وهذا ما لم يحدث ..

الفصل الخامس: من خندق المقاومة إلى مركز المشاركة 19771985م

تطور نظام الحكم المايوي في اتجاه المصالحة:

نجح نظام مايو في امتصاص ضربة يوليو 1976م .. بل سافر الرئيس نميري قبل تصفية جيوب الحركة نهائيا إلى موريشص للمشاركة في اجتماعات مؤتمر القمة الإفريقي لإعطاء الانطباع بأن الأوضاع في السودان مستقرة وأن ما حدث لا يعدو أن يكون انفجارا محدودا تمت محاصرته في حينه ولتسجيل حضور وسط الرؤساء الأفارقة .. وهناك وعلى هامش لقاءات قمة موريشص التقى بالرئيس الإثيوبي تفري بنتي الذي أطاح بالرئيس الإثيوبي أمان عندوم ( )، وجاء ذلك في وقت اجتاح فيه الثوار الإرتريون معظم إرتريا، وتصاعدت كذلك حرب الصومال الغربي – الأوجادين – ما أدى إلى تصعيد نذر الحرب بين الصومال وإثيوبيا .. كانت إثيوبيا حريصة على عزل السودان مما بدا كأنه محاولة لتطويق ثورته حتى تتفرغ لمجابهة ضغطي إرتريا والصومال .. كما حرص السودان أن يبتعد عن تداخلات الثورة الإرترية نسبة لإطلال نذر الصراع في جنوب السودان – أحداث أكوبو – وظهور استقطاب داخل الصفوة الجنوبية يتمثل في ظهور تيار استوائي سياسي ضد قيادة الدينكا وصفوتهم .. بالإضافة لظهور الجبهة الوطنية كقوة عسكرية، ولكن لم تطل الأيام بالرئيس تفري بنتي حتى يظهر نتيجة تدبيره مع الرئيس نميري إذ سرعان ما أطاح به ومن معهم الرئيس منجستو في فبراير 1977م.

نشطت الحكومة بعد عودة نميري من مؤتمر القمة في تعديل الدستور مجيزة قانون أمن الدولة في يوليو 1976م مما أطلق يد السلطة في الاعتقال والملاحقة وتعقب نشاطات المعارضة .. وبرغم ذلك رفض مدير جهاز الأمن القومي التمادي مع النظام بوضع استراتيجية للتصفيات الجسدية لقيادات المعارضة في الخارج مقدما استقالته .. وأصبح اللواء أركان حرب عمر محمد الطيب مديرا لجهاز الأمن القومي .. كما انتبهت الحكومة مخمدة صوت كل جسم غير موال ... فقامت بحل رابطة أساتذة جامعة الخرطوم في نوفمبر 1976م ووقعت بعدها على اتفاقية الدفاع المشترك مع مصر في يناير 1977م كما سعت الحكومة إلى تجريد المعارضة من برنامجها الإسلامي طارحة برنامج الولاية الثانية في نهاية عام 1976م ... تبنى البرنامج طرح النهج الإسلامي والالتزام بتحكيم الشريعة الإسلامية .

ورفع الظلم وإقامة العدل والحفاظ على وحدة البلاد وتماسكها وإحياء القيم الدينية ومحاربة الرذيلة والمنكرات، وركز البرنامج على منهج القدوة في من يتولون أمر الناس وتلا ذلك السماح بقيام مصارف إسلامية .. حيث افتتح في عام 1977م بنك فيصل الإسلامي ركيزة من ركائز التحول الإسلامي .. كما اجتهدت الحكومة في افتتاح مشاريع التنمية وبدأ مصنع سكر سنار إنتاجه في عام 1976م وافتتحت جامعة جوبا في أكتوبر 1977م كما بدأ العمل في جامعة الجزيرة واكتمل طريق الخرطوم مدني القضارف الممهد بينما تواصل العمل في عديد من الطرق الأخرى وافتتح خط أنابيب بورت سودان – الخرطوم ووضع حجر أساس المركز الإسلامي الإفريقي .. وفي أبريل 1977م وعلى هدي برنامج الولاية الثانية تم تكوين لجنة مراجعة القوانين بما يتماشى مع الشريعة الإسلامية برئاسة خلف الله الرشيد .. كما صدر منشور القيادة الرشيدة الذي حظر شرب الخمر على من يتولى منصبا عاما وأصبح السيد/ الرشيد الطاهر رئيسا للوزراء ونائبا لرئيس الجمهورية ووزيرا للخارجية .

وبينما الأمور آخذة في التطور في هذا الاتجاه "الإسلام" كانت الحركة الإسلامية في السجن وفي الداخل وفي الخارج ترصد هذه التحولات باهتمام كبير ... وفي بريطانيا وفي جامعة "لقبره" انعقد مؤتمر شورى موسع في الخارج لتقييم حركة يوليو ورسم خطة تحرك مستقبلية للجماعة .. وفي المؤتمر جرت محاولة لمحاسبة ممثلي الإخوان في الجبهة الوطنية بحجة أنهم سلموا أمر الجماعة للجبهة ومع أن مؤتمر لقبره لم يكن مفوضا ولا يملك صلاحيات لمحاسبة ممثلي الإخوان في الجبهة .. إلا أن هؤلاء تقبلوا المحاسبة وعزوا محاولة قيادة الجبهة لعزل الإخوان عن مسار حركة يوليو كرد على عزل الإخوان في الجامعة لمؤيدي السيد/ الصادق المهدي في انتخابات الاتحاد .. وأصدر مؤتمر لقبره منشورا في شعبان 1396 هـ - أغسطس 1976م ظهرت فيه صيغة عتاب للإخوان الذين تخلفوا عن التدريب كما تعهد المنشور بالاستمرار في العمل للإطاحة بالنظام القهري القائم في السودان كما أشار المنشور لخسائر الإخوان في الأرواح.

وفي معتقل دبك اجتمع معتقلو ووصلوا إلى قناعة بأن القيام بحركة جديدة من قبل الجبهة الوطنية يتطلب على الأقل ثلاث سنوات من الإعداد والجهد .. كما لاحظوا بأن تجربة الإخوان مع الجبهة كانت غير سعيدة وانتهوا إلى حاجة الإخوان إلى هدنة قصيرة مع النظام .. ووصل الإخوان المعتقلون في كوبر إلى ذات الخلاصة .. وفي السعودية اقترح نفر من الإسلاميين بينهم الأستاذ/ علي عبد الله يعقوب على الأمير محمد الفيصل بذل مساعيه لتقريب الشقة بين الجبهة الوطنية والنظام خصوصا أن برنامج الولاية الثانية جعل هذا الأمر ممكنا .. وكان الأمير محمد الفيصل حينها قد توطدت صلته بنظام نميري وشرع في تنفيذ عدد من المشاريع في السودان.

المصالحة الوطنية

أول إشارة لمصطلح المصالحة الوطنية وردت في مذكرة رفعها د. الطيب زين العابدين – والذي كان معتقلا منذ انقلاب المقدم حسن حسين في سجن كوبر – لرئيس الجمهورية جعفر محمد نميري في ذات يوليو 1976م .. مثلت مذكرة د. الطيب مبادرة شخصية .. ذكر فيها أنه لا يميل لسياسات سفك الدماء لحل قضايا الوطن واقترح على الرئيس نميري أن يتبنى سياسات مصالحة وطنية مع الجبهة الوطنية وأن الصراع الدائر ليس فيه غالب ولا مغلوب والخاسر الأكبر سيكون السودان .. لم يستشر د. الطيب القيادة الإخوانية في أمر مذكرته المرفوعة للنظام .. لتعذر الاتصال بالقيادة في ذلك الوقت نسبة لظروف السجن ولأنه كذلك رأى أن مبادرته قد تؤدي لحقن دماء عدد من المقاتلين ممن هم تحت المحاكمة أو رهن الحبس .. ومع أن القيادة الإخوانية لم تحاسب د. الطيب على مذكرته إلا أنها كانت غير راضية عنها .

شاع خبر المذكرة وسط المعتقلين وربما تسربت أخبارها إلى السيد/ الصادق كما أن النظام ربما استنتج أن المذكرة تمثل رأي قيادة الإخوان .. ولكن يبدو أن النظام آثر أن ينتظر حتى يتضح ماذا يكمن وراء المذكرة .. ثم جاءت محاولات الأمير محمد الفيصل التي شجعت كلا من الرئيس نميري والسيد/ الصادق في اتجاه الحوار .. وفي يناير 1977م، في أحد فنادق لندن عقد السيد/ الصادق مؤتمرا تشاوريا مع عدد من قيادات الجبهة لمناقشة جدوى التصالح مع نظام نميري وحضر اللقاء من الإخوان عثمان خالد، وأحمد عبد الرحمن، وربيع حسن أحمد ود. زكريا بشير وأحمد إبراهيم الترابي وآخرون .. وفي هذا اللقاء مال معظم متحدثي الإخوان لخيار الحوار مع النظام باستثناء السيد/ عثمان خالد والذي هو الممثل الرسمي للإخوان في الجبهة الوطنية .

وبعدها أعطى السيد/ الصادق الضوء الأخضر للوسطاء الذين نشطوا في الاتصال به وكان أشدهم حرصا وإلحاحا السيد/ فتح الرحمن البشير .. وبينما الإخوان يتدارسون بصورة أكاديمية مغزى محاولة مهادنة نظام نميري إذ بهم يفاجأون بخبر لقاء الصادق بنميري في بورتسودان في 7 يوليو 1977م .. حيث استغرق اللقاء وقتا طويلا وتسرب أن السيد/ الصادق قد وافق في اللقاء على:

1 – الموافقة على الدستور الدائم الراهن مع تعديله.

2 – الموافقة على مبدأ الجمهورية الرئاسية.

3 – الموافقة مشروع الولاية الثانية.

4 – الموافقة على التنظيم السياسي الواحد.

5 – الموافقة على إطار اتفاقية أديس أبابا.

كما وعد نميري في المقابل بإصدار عفو شامل عن المحاكمين وإخلاء سبيل المعتقلين ومواصلة الحوار مع السيد/ الصادق المهدي .. وبعد لقاء بورتسودان قام السيد/ فتح الرحمن البشير موفدا من قبل الرئيس نميري .. بمقابلة د. حسن الترابي المعتقل في سجن كوبر طارحا عليه ورقة المصالحة ومطلعا إياه على ما تم بين النميري والصادق .. وجد فتح الرحمن استعدادا كاملا من قبل د. الترابي للدخول في مشروع المصالحة الوطنية إذا ما شفع الرئيس نميري نواياه بإصدار قانون عفو عام عن المعتقلين السياسيين .. وفي 19 يوليو 1977م أعلن نميري من خلال برنامج المكاشفة أنه قد قابل السيد/ الصادق وأنه قد كون ثلاث لجان لتنظر في أمر المعتقلين( ) وتلا ذلك صدور قانون العفو العام في أغسطس 1977م وتم إطلاق سراح جميع المعتقلين باستثناء الشيوعيين وجماعة حزب التحرير الإسلامي بقيادة أميرهم الأستاذ/ محمد يوسف .. وقد تم إطلاق سراح هؤلاء الأخيرين بعد لقاء لاحق بين د. الترابي والرئيس نميري .. وبعدها أعلن د. الترابي في سبتمبر 1977م بيانا أعلن فيه فض الجبهة الوطنية.

ويبدو أن الترابي لجأ لإعلان فض الجبهة الوطنية لأنه أحس بأن قيادة الجبهة الوطنية تستخدم اسم الجبهة الوطنية لتسجيل امتيازات لحزبها .. كما أنها حرمت تنظيم الإخوان من عائد غنائم الجبهة من سلاح ومال كما أن تاريخ العمل المشترك في الجبهة الوطنية أظهر أن قيادات الجبهة غير ملتزمة بميثاق الجبهة وكانت تسعى لعزل الإخوان .. وحتى حينما دخلت القيادة في مشروعها التاريخي الذي يعد أمرا حاسما فاصلا في علاقات الجبهة وتكوينها وذلكم هو المصالحة الوطنية فضلت أن تعلم قيادة الإخوان عن طريق شريط تسجيل تخطرهم فيه بتوجهها لمقابلة الرئيس نميري دون اتفاق على خطة أو حد أدنى متفاهم عليه لمشروع مصالحة من قبل الجبهة الوطنية للرئيس نميري .. لذا فقد رأت القيادة الإخوانية أنه من الأفضل أن يستقبل كل الشركاء أمر الواقع السياسي الجديد .. كل على حدة، قوى مستقلة لها وجودها وكسبها .

مسار حركة المصالحة الوطنية

عقد الشريف حسين الهندي مؤتمرا في لندن أعلن فيه رفض المصالحة وأنه لا يزال عند خيار الإطاحة بنظام نميري، وقد أحدث ذلك الإعلان بلبلة وسط الأنصار على الأخص في إثيوبيا .. أما شباب معسكرات ليبيا من الأنصار فقد كان معظمهم قلبا وقالبا مع المصالحة .. روج إعلام النظام لمصطلح المصالحة .. باعتبار أن التنظيمات المعارضة لم تكن تعارض على مبادئ بل على مواقف سياسية يجول فيها التصالح ... كما جاز عليها التخاصم .. وربما صح ذلك جزئيا .. إذ لم يتم ائتلاف أحزاب المعارضة إلا بغرض الإطاحة بالنظام وإقصاء الشيوعيين من أي دور سياسي مستقبلي .. ومع أن عقد الجبهة الوطنية حكمه ميثاق الجبهة إلا أن ذلك ظل يمثل إطارا نظريا دون أي دلالات عملية وظلت الأحزاب تفضل البحث عن مخارج لها بصفة منفردة.

تداخلت أسباب عديدة داعية للمصالحة منها:

1 – استنفد النزاع المسلح القوة العسكرية للجبهة الوطنية ولم يكن من المنظور تكرار حركة عسكرية على غرار حركة يوليو 1976م.

2 – أخذت احتمالات الهيمنة الأجنبية على الجبهة الوطنية في الازدياد مع قيام نظام شيوعي في إثيوبيا واتجاه ليبيا نحو الاتحاد السوفيتي.

3 – ضعف النظام المايوي وتبدد غروره بعد بروز قوة الجبهة شعبيا في شعبان وعسكريا في يوليو وأصبح النظام لا يمانع في التفاوض وتوسيع إطار المشاركة والحريات .. كما تبدلت صيغة نظام مايو اليسارية إلى صيغة وطنية ذات ملامح إسلامية .

كان للحركة الإسلامية منطقها الداخلي الخاص الذي جعلها حريصة على خيار المصالحة .. وذلك يعود لأمرين، أولهما أزمة الثقة التي اعترت الإخوان قيادة وقاعدة بعد فشل محاولة يوليو ... مما أدى إلى عقد مؤتمر شورى موسع في الخارج والذي انتقد قيادة الإخوان في الجبهة وافتقارها للحزم اللازم في التعامل مع قيادات الجبهة ومحاولات إضعاف الدور الإخواني وجودا وتوجها كما تحدث بعض الإخوان عن "خيانات" كما طالبوا بضمان نصيبهم في مال تسيير الجبهة وحقوقهم الأخرى في المعسكرات والمعلومات .. كما نادى تيار باستغناء الإخوان عن الجبهة وشقهم لطريق حركة مقاومة جديد لوحدهم .. أما الأمر الثاني، فحسب إشارات التقارير الواردة للقيادة الإخوانية عن واقع العمل الإسلامي المتقلص، فإن منطق الأشياء الداخلية في التنظيم كان يستدعي إجراء هدنة مع النظام إذ تناقص عدد الإخوان وسط طلاب المدارس من نسبة 15% عام 1969م إلى 6% في عام 1977م كما أن معظم الفعاليات الإخوانية أصبحت إما في السجن أو مشردة خارج السودان .. أو مقبوضة اليد واللسان نسبة لظروف الكبت والقهر .. مما شكل ضغطا على الحركة بالإضافة إلى ضغوط الأسر على التنظيم والعضوية طلبا للعون أو لمعرفة مصائر ذويهم وكان منهم من استشهد دون علم أهله .. كما أن الإخوان لم يمانعوا في الحوار مع نظام نميري ابتداء .. إنما كان النظام هو الممانع .. فحينما التقى الرئيس نميري بالترابي في كسلا بعد فشل حركة يوليو 1971، تلخصت مطالب الحركة في السماح لها بحرية الدعوة للإسلام وتمسكت بذلك في مقابلة د. الترابي بنميري في عام 1972م بوساطة من د. خليل عثمان.

شهدت الأيام الأولى من المصالحة عددا من المواقف الاستعراضية من قبل السيد الصادق المهدي والشريف الهندي .. أما الأول فقد أخذ يظهر تضجره مطالبا بإحداث تغيير على المستوى السياسي "حل الاتحاد الاشتراكي" .. والمستوى التنفيذي استحداث منصب رئيس الوزراء وإقامة مؤتمر اقتصادي .. إلخ، أما الشريف الهندي فقد سعى لتجريد السيد/ الصادق من شرعيته وتبعية الأنصار له .. حتى يصبح الشريف الهندي سيدا للموقف وزعيما للمعارضة بلا منافس.

اجتهد الإخوان في استثمار المناخ العام للمصالحة .. بينما أضاع السيد/ الصادق وقتا ثمينا بتردده وموازناته ثم خروجه من السودان في ديسمبر 1977م مما قلل حركة الدفع التي بدأت بها المصالحة .. باشر الإخوان تحريك قواعدهم وسط الطلاب وإعادة الشرعية للاتحادات كما سعوا لإعادة الإخوان المفصولين عن العمل لوظائفهم بينما لم يتوقف مجيء دفعات الإخوان للتدريب العسكري في ليبيا بعد إعلان المصالحة .. كما تم إخطار أهالي الإخوان الذين استشهدوا بمصائر أبنائهم كما اجتهدت القيادة في تسهيل سبل الإخوان الراغبين في العودة للسودان وتوظيف الراغبين في العمل في الخارج .

جوبهت قيادة الإخوان بأن عددا من الإخوان الموجودين في المعسكرات غير مقتنعين بدرب المصالحة إذ أدى انقطاع هؤلاء الإخوة عن مسار الحركة التنظيمية في السودان واكتفائهم بحياة التقشف والزهد وتشبعهم بروح الجهاد إلى تنمية روح مفاصلة لا تقبل إلا إقامة الدين أو الشهادة .. وقد وطن هؤلاء الإخوان أنفسهم على السير في درب إخوانهم الذين استشهدوا في يوليو 1976م .. وحينما انعقد مكتب الإخوان بطرابلس لتقييم المصالحة .. تحفظ المكتب على ضرورة مواصلة المصالحة لكثرة القوى الحانقة على نظام نميري وشدد المكتب على ضرورة مواصلة بناء الشوكة العسكرية نسبة لأن هناك قوى سياسية شديدة البأس في معارضتها للإسلام مقبلة على التدريب العسكري كالجنوبيين في كينيا وإثيوبيا وكذلك تنظيمات أبناء الغرب وجبال النوبة العنصرية .. كما أدبى المكتب تحفظه لأن ربط الإسلام بنميري فيه فتنة للناس لجهلهم بالإسلام .. وكعادة الإخوان يسجلون آراءهم ثم يذعنون لرأي القيادة التي أمرتهم بتصفية المعسكر والانصراف لشأنهم، ومع ذلك حاول عدد من الإخوان إشباع أشواق الجهاد في إطار حركة التنظيم الإسلامي في الثورة التشادية .. وكان هذا التنظيم وثيق الصلة بتنظيم السودان ونشأ تحت رعاية الشهيد التشادي الباقلاني .. لذا فقد اعتنى به إخوان الخارج واستشهد في صفوفه عدد من الإخوان من بينهم حافظ جمعة سهل من خريجي معهد المعلمين وكان رئيسا لاتحاد طلبته في انتفاضة شعبان.

بدأت قيادة الإخوان رحلتها في متاهات تنظيمات مايو .. بتعيين د. حسن الترابي في لجنة مراجعة القوانين لتتماشى مع الشريعة الإسلامية .. وبعدها قام د. حسن الترابي بمخاطبة طلاب جامعة الخرطوم في حشد ضخم من إخوان العاصمة وكانت هذه المرة الأولى التي تكلم فيها د. الترابي من منبر عام منذ قيام ثورة مايو 1969م، وبكى يومها عدد من الإخوان وهم يتذكرون أن المهندس مرتضى أحمد إبراهيم قد خطب من ذات المنبر أن قيادة الإخوان لن ترى الشمس بعد اليوم .. وفي اللقاء اختلطت مشاعر الدهشة والفرح وهتافات إثبات الذات .. ولكن ما لبث أن صدم الإخوان بخبر قبول قيادتهم لدخول اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي التي طالما قاتلوها وهتفوا ضدها وحطموا دورها وأحرقوا معارضها .. وبما أن المصائب لا تأتي فرادى .. فقد ذهل الإخوان حينما سمعوا أن جماعة التكفير والهجرة في مصر قد قامت باغتيال الشيخ حسين الذهبي، ولكن طغى على ذلك كله قيام الرئيس محمد أنور السادات في يوم عرفة التاسع من ذي الحجة بزيارة إسرائيل مصحوبا بوزير خارجيته بالإنابة بطرس غالي ومصطفى خليل .. تلك الزيارة التي قسمت العالم العربي إلى أقسام ثلاثة .. حيث ظهرت في ديسمبر 1977م جبهة الصمود والتحدي عمادها ليبيا والعراق وسوريا والجزائر واليمن الجنوبي ومنظمة التحرير الفلسطينية .. والدول الرافضة للزيارة بتحفظ وهي السعودية ودول الخليج والأردن وتونس ولبنان، ولكن ما لبثت هذه الدول أن انتقلت إلى مواقع الرفض وقطعت علاقاتها مع مصر بعد توقيع [[معاهدة كامب ديفيد]] في سبتمبر 1978م وإعلان معاهدة السلام المصريةالإسرائيلية في مارس 1979م.

أما الإخوان فقد وجدوا أنفسهم في خندق معسكر المجموعة الثالثة وهي السودان وعمان والصومال والمغرب واليمن الشمالي حيث كان موقف هذه المجموعة أقرب إلى التأييد إذ لم يبادر قادة هذه المجموعة إلى استهجان زيارة السادات أو إدانة اتفاقية السلام .. اجتهد الإخوان في تمييز موقفهم عبر الاتحادات الطلابية التي رفضت الاتفاقية ولكنهم آثروا أن يبذلوا جهدا في تكييف نظرة النظام وموقفه بدلا من اتخاذ موقف مغاير له .. خلقت الاتفاقية أجواء مزايدة ما بين الشريف الهندي والسيد/ الصادق حيث أظهر الهندي نفسه حليفا لخط جبهة الصمود والتحدي .. مما عزز موقفه في ليبيا والعراق بوصفه قائدا لحركة المعارضة في السودان، أما السيد/ الصادق فقد حاول إيجاد مخرج وسط حتى لا تضيع جسور اتصاله بالنظام ولا يهدم علاقاته مع ليبيا ودول الصمود .. خصوصا أنه كان قد أصدر بيانا في 18 سبتمبر حين عودته للسودان مشيدا بتجاوب النميري مع وجدان الشعب السوداني كله بمناداته بالوحدة الوطنية الشاملة ( )، ولكن ما لبث أن غادر السيد/ الصادق السودان في ديسمبر 1977م محبطا دون أن ينجز شيئا ذا بال.

الأنصار والمصالحة

اختلف استقبال الأنصار للمصالحة حيث اختلف موقف الأنصار الموجودين بمعسكرات ليبيا عن موقف شيوخ الأنصار المهاجرين منذ أحداث أبا في معسكرات إثيوبيا .. كان معظم أنصار معسكرات ليبيا من شباب غرب السودان "زغاوة، ميدوب، برتي، مساليت، حمر، زيادية، رزيقات، معالية، وحسانية"، وغلب عليهم الانتماء السياسي لحزب الأمة أكثر من رابطة الانتماء العقائدي الأنصارية .. حيث لم تربطهم بيعة الإمام الهادي وإنما جاءوا ضمن السياق الحضاري المتصل بتأييد أهل الغرب لحزب الأمة .. كما أن بعضهم جاء بحثا عن تحسين مهاراته في استخدام السلاح وقيادة العربات أو حتى البحث عن مغامرة يغيرون بها طابع حياتهم وروتينها القاتل .. وما أن سمع هؤلاء بأخبار المصالحة الأولى من قيادتهم حتى تبدل موقفهم من النظام وفرحوا بصورة مذهلة وأصبحوا يدافعون عن المصالحة ويتكلمون عن أضرار العمل العسكري وعن ضحاياه من الأبرياء، وأصبح شغلهم متابعة إذاعة أم درمان وكانوا يظنون أنهم سيدخلون السودان في ظرف أسبوع أو أسبوعين، ولكن خاب ظنهم ومرت الأيام والشهور وبدأوا يفقدون الأمل وتنهار معنوياتهم وطور بعضهم أخلاقا جديدة كدخول دار السينما في الكفرة وظهرت حلقات الورق "الكتشينة" لقطع الوقت وتدخين السجائر بين بعضهم .

نجح نظام نميري في تدويخ الأنصار في معسكراتهم وحقق بشعار المصالحة غرضه وسطهم .. إذ تحطمت روحهم المعنوية وهاجت فيهم الروح الاستسلامية كما بدأوا يتذمرون رافعين صوتهم على تحركات الهندي ضد المصالحة وبدأ الهندي يفقد أراضيه وسطهم نسبة لاستمساكه بشعار بقائهم في المعسكرات، وقد دبر الهندي محاولة للاستحواذ على ولائهم حينما أرسل لهم وفدا من أنصار الحبشة لتعبئتهم ضد السيد/ الصادق وضد المصالحة ولكنهم قاموا باعتقال الوفد ولم يتم تحرير الوفد إلا بعد التدخل الشخصي للسيد/ ولي الدين الهادي .. وقد ظل الليبيون يتابعون ما يجري من بعيد ودون تدخل .. كما أنهم أحسنوا معاملة الجميع – أنصارا وإخوانا – وبعدها أرسل السيد/ الصادق السيد/ نصر الدين الهادي الهادي والذي واصل البقاء في المعسكر مع الأنصار .. وبعدها نجح السيد/ الصادق في استقدام وفد من حكومة السودان برئاسة الرشيد الطاهر بكر واللواء عمر محمد الطيب حيث وقفوا على أوضاع الأنصار بالمعسكرات ليقفوا على حقائق الواقع المر .. حيث لم تكن تنتظرهم أي معاملة استثنائية غير العفو الصادر وأخبار مشروع تعمير السافنا الذي لم يك يعني بالنسبة لهم أي شيء غير أن يبدأوا مهام الحياة من نقطة الصفر.

أما في معسكر الحبشة حيث يوجد ألفان من الأنصار فقد اختلف وضعهم، فهم أهل أنصارية وبيعة، وقد أعطوا ثمرة فؤادهم وعمرهم للدعوة الأنصارية وبايعوا إمامها، وعليه فهم أهل هجرة وبيعة ورهن إشارة الإمام الغائب .. هاجروا حسب إشارته ولن يعودوا إلا بإشارته أو يستبينوا مصير الإمام من ثقة .

كما كان تأثير الشريف الهندي عليهم كبيرا .. حيث حرص على تسجيل حضور بينهم في أحلك الأوقات وحل لهم كثيرا من قضاياهم، ولكن كذلك لم يفت عليه استغلال حسن ثقتهم فيه بالترويج لخرافة الإمام الغائب وتغذية العقلية الأنصارية بأماني نصرة جيشه والأخذ بثأره بينما لم يكن اهتمام قيادة حزب الأمة بهذه الطائفة كبيرا، نسبة لأن المدربين على استخدام السلاح وسطهم لم يتجاوز المائتين.

سبق الشريف الهندي جمهور الإخوان للصحراء وحذر الأنصار من الانفتاح على الإخوان، ثم جاء بعده السيد/ الصادق حيث مكث بينهم شهرا منكبا على تدريسهم شرحا لأواخر جزء عم من تفسير الجلالين .. تجاوز الإخوان محاولات عزلهم عن الأنصار واجتهدوا في زيارة الأنصار والتعرف عليهم، وأثار وجود الإخوان في الصحراء تساؤلات عديدة وسط الأنصار .. إذ كانوا يظنون بأنه لا توجد مجمعات جهادية تصابر على الشدائد والصحراء، وما فيها من مصاعب وتدريب غيرهم، وأنه لا دعاة للشريعة غيرهم، وتمحورت فكرتهم عن الأفندية بأنهم لا دينيون، ولكن قلبت معايشتهم للإخوان موازين تفكيرهم وأصبحوا يتساءلون عن عدم حضور مثقفيهم .. إذ باستثناء السيد/ مبارك الفاضل والسيد/ ميرغني ضيف الله وزيارات السيد/ عمر نور الدائم والسيد/ ولي الدين والسيد/ نصر الدين الهادي والسيد/ الصادق لم يك بجوارهم من هو على قدر من الثقافة والعلم غير الإخوان .. تأثر عدد من شباب الأنصار بتدين شباب الإخوان وانعدمت العنصرية والقبلية وسطهم، كما أعجبوا بنظام معسكرهم وأسلوب تعاملهم مع قيادتهم حيث انعدمت البروتكولات والركوع وتقبيل الأيدي .. أما قيادة معسكر الأنصار المحلية فكانت متضايقة من الوجود الإخواني ومحاولات الإخوان تعليم الأنصار، واجتهدت في تطوير الخلافات وتنمية نفسية أنصارية متشاكسة مع الإخوان إلا أن ذلك تلطف حينما أرسل السيد/ الصادق منشورا وزعه على الأنصار ذكر فيه: "أن حركة الإخوان المسلمين دعوة اهتدى إليها بعض المجتهدين المجددين وأنه حينما أتيحت فرص تدريب وتسليح خارج السودان هاجر عدد من الإخوان طلبا للتدريب والجهاد، ولما كان معظم هؤلاء من عناصر متاح لها أن تستمتع بما يستمتع به المتعلمون في السودان .. فإن سلوكهم تضحية كبيرة لا بد من الاعتراف بها في سجل الجهاد الإسلامي والكفاح الوطني .. إن هذه القوى المذكورة هنا لا بد أن تتعاون وتتآخي مدركة أن اختلافاتها لا تمنع انسجامها في هدف واحد وحركة واحدة" ( ) وختم منشوره بمنع الجماعات من الخوض في المسائل الخلافية.

صدم الإخوان بضعف معرفة بعض الأنصار بأبجديات الإسلام وأميتهم الشديدة وجهل بعضهم حتى باللغة العربية العامية مما أعاق تعليمهم وتحفيظهم لآيات من القرآن .. كما تبين أن معرفتهم بالراتب ضئيلة وتحفظه القلة المجتهدة وإن وجد بينهم من يحفظ الراتب والقرآن عن ظهر قلب .. كما فجع الإخوان بانعدام البعد التاريخي للحدث الإسلامي في ثقافتهم حيث لم يميز عدد منهم المدى الزمني الفاصل بين الرسول صلى الله عليه وسلم والسيد/ محمد أحمد المهدي .. حيث ظنه البعض الخليفة الخامس للنبي صلى الله عليه وسلم .. رفع الشريف الهندي رؤوس الأنصار وملأهم زهوا بما أضفاه عليهم من صفات الجمع بين الهجرة والنصرة، وزادوا على الصحابة الكرام بأنهم تركوا زوجاتهم مضيفين بعدا جديدا للهجرة والنصرة ( ) كما ظهرت إشكالية ثقافة الاعتقاد بعقيدة المهدي، وإشكالية الإيحاء إليه وتلقيه من الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة، ومعتقد أن روح المسيح سيحل في جسد الإمام، وأخذهم بالرؤية كمصدر للتشريع من أنماط الثقافة التي لم يسمع بها الإخوان أو يجدوها في كتب الفقه والثقافة الإسلامية الأصولية، وعلى الأخص العناصر الإخوانية القادمة من خلفيات غير أنصارية .. مما أثار وسط الإخوان إشكالية نوعية مشروع البعث الإسلامي الذي ينطوي عليه الأنصار وتنطوي عليه حركة الجبهة الوطنية ..

ولكن كذلك أعجب الإخوان ببراءة الأنصار وبساطتهم واستعدادهم لقبول الحق متى ما استبانوه، وخشي الإخوان أن يقع الأنصار في أسر الشريف الهندي خصوصا وقد أصبحوا قوة عسكرية ضاربة – خمسة آلاف – وخشي الإخوان إن لم تجد هذه القوة الشخص المؤمن الذي يخاف الله فيهم ويستخدمهم في سبيل نصرة الإسلام وإقامة الشريعة أن يتحولوا إلى قوة تدميرية هائلة إذ النوايا الطيبة وحدها ليست كفيلة ببلوغ المرام .. مكنت ظروف التدريب جماعات الإخوان من الانفتاح على كثير من حركات التحرير العربية والإفريقية والعالمية التي شاركتهم في معسكرات التدريب حيث كانت هناك أكثر من عشرين جنسية "فلسطين، سورييين، عراقيين .. إلخ" كما انتبه الإخوان لتأصيل هذه الحركات التي لم تكن عناصرها تأبه حتى بصيام رمضان .. وكانت بعض السرايا تسمى السرية السودانية .. كتيبة الجيش العربي الموحد، سرية عبد الناصر، سرية كمال جنبلاط.. وقد شارك في التدريب أنماط مختلفة من السودانيين "يساريين، اتحاديين، عنصريين، إسلاميين غير ملتزمين لتنظيم بعينه" ولم يستبعد أن تكون بينهم عناصر من الأمن السوداني وغيره .. وقد اشتمل التدريب على مختلف أنواع المهارات من استخدامات الأسلحة الخفيفة حتى تسيير الدبابات واستخدام القاذف الصاروخي واللاسلكي.

تطور الحركة الإسلامية 78 – 1983

والت الحركة الإسلامية محاولات اختراق نظام الرئيس نميري والتغلغل في صفه والتحقت أعداد كبيرة من الإخوان بوحدات الاتحاد الاشتراكي الأساسية كما أصبح د. حسن الترابي مساعدا للأمين العام للاتحاد الاشتراكي للشئون الخارجية .. وجرت انتخابات مجلس الشعب القومي الثالث في فبراير 1978م واشترك فيها الإخوان على أوسع نطاق ممكن، ونجحوا في كسب تأييد النساء في المناطق الحضرية، وفاز في الانتخابات ثمانية عشر أخا يمثلون مختلف القطاعات المهنية والدوائر الجغرافية – أساسا العاصمة – كما قام الرئيس نميري بتعيين عدد من الإخوان في المجلس وهم السيد/ يسن عمر الإمام والسيد/ التجاني أبو جديري والسيد/ أحمد عبد الرحمن، وأصبح السيد/ أحمد عبد الرحمن رئيسا للجنة الإرشاد في مجلس الشعب بالإضافة إلى وضعيته مقررا للجنة رفع المظالم عن المهاجرين والمفصولين .. نال كذلك حزب الأمة – مؤيدو السيد/ الصادق – أكير من ثلاثين مقعدا وكذلك عناصر الوطني الاتحادي .. وفي 21 مارس 1978م قام الرئيس نميري بتعيين ستة أشخاص في المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي والذي يضم 29 عضوا وكان من بينهم السيد/ الصادق المهدي

والسيد/ أحمد الميرغني ود. حسن الترابي، وجاءت هذه التطورات عقب توقيع الشريف حسين الهندي وعبد الماجد أبو حسبو وأحمد زين العابدين على بيان مصالحة مع النظام ووقع عن النظام كل من الرائد أبو القاسم هاشم اللواء عمر محمد الطيب .

ومع أن مصالحة الشريف لم تختلف في جوهرها عن مصالحة الصادق إلا فيما يتعلق بالسياسة الخارجية حيث ظهرت فقرة كاملة عن فلسطين وربما كان ذلك لأن الهندي أراد أن يحافظ على خطوط اتصاله مع النظم الحاكمة في ليبيا والعراق.

أدى دخول كل عناصر الجبهة الوطنية نظريا في وفاق مصالحة نميري إلى استقرار سياسي مكن النظام من توقيع اتفاقية للتنقيب عن البترول مع شركة شيفرون الأمريكية في منتصف عام 1978م .. وجاء ذلك مع اندلاع مظاهرات عدائية للسلطة في عطار ورمبيك وملكال نتيجة للصراع المتعطش للسلطة بين الاستوائيين والدينكا، ونتيجة أيضا لتبني برنامج الولاية الثانية لشعارات النهج الإسلامي، وتواكب ذلك مع إعلان محافظ دارفور اللواء محمد أحمد عبد القادر إيقاف شرب الخمر وإغلاق حانات الخمور في محافظته.

وانتهى الفصل الأول من صراع الدينكا والاستوائيين بالإطاحة بأبيل الير ومجيء اللواء جوزيف لاقو حاكما على الإقليم الجنوبي .. ولكن برغم ذلك ارتفعت مكانة نظام مايو وارتفعت أسهم رئيسه في عام 1978م بانعقاد القمة الإفريقية في يوليو 1978م بالخرطوم، وأصبح الرئيس نميري رئيسا للمنظمة في دورة انعقادها الخامس عشر .. كما شهد السودان في ذات العام تدفقات جديدة من اللاجئين الإثيوبيين نتيجة لحرب إرتريا .. كما اندلعت في ذات العام الحرب الصومالية – الإثيوبية وتأرجحت كفة الميزان لصالح إثيوبيا نتيجة للجسر الجوي الهائل الذي أقامه الروس وتدخل العسكريين لصالح إثيوبيا مما أدى إلى انتقال الصومال إلى معسكر أمريكا وتحالف إثيوبيا مع روسيا .

وطيلة عام 1978م ازدادت لهجة دول الصمود والتحدي ضد النظام المصري مما دعا الرئيس نميري لأن يتخلف عن مؤتمر القمة العربي الذي انعقد في تونس في 19 نوفمبر 1979م .. وقام السيد/ الصادق في نوفمبر 1978م بأداء قسم الولاء للاتحاد الاشتراكي بالرغم من ضجره الواضح.

أما الإخوان انشغلوا طيلة عام 1978م بهموم التوسع والعمل الداخلي .. وفي سبتمبر 1978م وانفتحت الحركة الإسلامية السودانية على الحركة الإسلامية في شمال إفريقيا "تونس والجزائر" تحت مظلة الموسم الثقافي لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم ... حيث جاء رهط من مفكري المغرب العربي على رأسهم الأستاذ/ راشد الغنوشي وعمار الطالبي بالإضافة إلى د. فتحي عثمان من مصر ... فاز الإخوان كذلك في عام 1978م بانتخابات نقابة السكة حديد على تجمع الجبهة الوطنية بقياد محمد الحسن عبد الله، وطمع الإخوان في أن يتابع مرشحهم الفائز موسى متي ترقياته النقابية فيصبح رئيسا لاتحاد عام نقابات عمال السودان ولكن عرفوا بعد حين أن هناك حدودا لا يمكن للنظام أن يسمح بتجاوزها ... وفي هذه الفترة ظهرت سانحة علاقات دولية مع جمهورية باكستان الإسلامية حينما دعا الرئيس ضياء الحق د. الترابي للمشاركة في صياغة قوانين باكستان الإسلامية وعومل هناك معاملة رئيس دولة.

وفي أواخر عام 1978م تم تعيين د. الترابي مشرفا سياسيا على دارفور حيث خاطب المؤتمر الإقليمي للاتحاد الاشتراكي في 4 يناير 1979م طالبا التناول الموضوعي للمسائل المتعلقة بالمصالحة والابتعاد عن الحساسيات ودفن الماضي حتى تتجاوز المصالحة أصعب مراحلها وهي مرحلة الانتقال التاريخي .. كما ذكر مستمعيه بأن السيد/ الصادق ملتزم بإطار المصالحة .. كما استضافت الحركة الإسلامية في هذه الفترة الأستاذ/ مصطفى مشهور الذي جاء منقبا يستكشف حقائق تطور الحركة الإسلامية السودانية حيث أقيمت له لقاءات مع كل قيادات الحركة الإسلامية قاعدية ووسطية وعليا.

لم يكن 1979م عاما سعيدا بالنسبة لنظام مايو .. إذ أخذت الحركة الإسلامية على عكس ما يشتهي النظام في التطور والسيادة ووسط الطلاب والعمال وقطاعات المهنيين في وقت أخذت تظهر فيه أمراض الاقتصاد السوداني وتفاقم المديونية حتى وصل العجز إلى بليون جنيه سوداني سنويا ... وبدأت السلطات تلهث مرتمية في سياسات البنك الدولي وأمريكا .. ساهم تصاعد الموقف الإسلامي في إيران بقيادة الإمام الخميني في رفع معنويات الإسلاميين على امتداد السودان، وسعت قيادة الحركة الإسلامية السودانية لمقابلة الإمام الخميني في مقره في منفاه بباريس، وتابع الإسلاميون أخبار الثورة، وانطلقت مظاهرة طلابية ضخمة حشد لها الإخوان على مختلف أوضاعهم ورفعت المظاهرة مذكرة للسفارة الأمريكية للرئيس الأمريكي جيمي كارتر مطالبة أمريكا برفع يدها عن طهران .. وفي اليوم التالي انسحب الرئيس بختيار من مقعد الرئاسة ومثل يوم الحادي عشر من فبراير 1979م يوم الفرح الأكبر لإخوان السودان الذين تابعوا بشغف وصول الإمام الخميني إلى طهران، وعقد الإخوان آمالا عظاما على ثورة إيران، وتصور بعضهم إمكانية قيام ثورة إسلامية سودانية على نسقها، كما منى آخرون نفوسهم بتحالف استراتيجي بين الحركة الإسلامية الإيرانية والحركة الإسلامية السودانية مصوبين أنظارهم على وزير خارجية إيران حينها السيد/ إبراهيم يازدي الذي عرفه السودانيون حيث عمل معهم في مختلف تنظيمات العمل الإسلامي في أمريكا، وكان مرد ذلك جزئيا لحاجة العمل الإسلامي في السودان للظهير الخارجي .. ولكن جاءت وقائع المستقبل مكذبة لمشاعر الثوار وأماني الثورة وظهرت مسافة في التفكير والخطاب والمنهج ما بين ثوار إيران وقواد الحركة الإسلامية في السودان ... أدى تعاطف إخوان السودان مع ثورة إيران الإسلامية وزيارة د. الترابي لإيران لصدود في منطقة الخليج التي اتهمت إخوان السودان بالعجز عن فهم منطق الشيعة وأن ما حدث في إيران صحوة شيعية وليست إسلامية، كما أدى إقبال الإخوان على إيران إلى صدود سعودي جزئي عن الحركة الإسلامية السودانية.

شرعت القيادة الإخوانية في إقامة منظمة الدعوة الإسلامية وتغذية المركز الإسلامي الإفريقي وبنك فيصل الإسلامي بالعناصر الإسلامية ... حتى تستقيم سيرة هذه المؤسسات وتؤدي واجبها تجاه العمل الإسلامي.

وافتتحت مجلة الدراسات الاستراتيجية التي يصدرها الاتحاد الاشتراكي عامها (2 يناير 1979م) الجديد بندوة عن مستقبل الصيغة السياسية في السودان، شارك فيها بالإضافة إلى رئيس التحرير إسماعيل حاج موسى كل من يسن عمر وحافظ الشيخ والصادق بله وعبد الرحمن إدريس ونفيسة أحمد الأمين وآمال عباس، ولكن يبدو أن ذلك لم يعد أن يكون همهمة مثقفين .. حيث إن النظام كان مشغولا بتدهور الأوضاع في الجنوب بتدني الأوضاع الاقتصادية، وأعطى النظام أسبقياته لمعالجة هموم التدني الاقتصادي والتدهور الأمني على الأخص أن أيادي إثيوبيا أخذت تظهر في جنوب السودان، وفي 18 فبراير 1979م التقى الرئيس نميري بالرئيس منجستو في فري تاون على هامش اجتماعات مؤتمر القمة الإفريقي تحت رعاية الرئيس بيلكا استيفن رئيس دورة المنظمة الإفريقية حينها، ولكن لم يؤد اللقاء إلى تحسن في أوضاع الجنوب أو على قضية عودة اللاجئين الإرتريين .. وفي ذات 18 فبراير 1979م صدر قرار جمهوري باعتماد اللامركزية نظاما للحكم، وتقليص صلاحيات وزارات التعليم والداخلية والشئون الدينية والشباب والتعاون والتنمية الاجتماعية.

ارتفعت الآمال بتحسن الوضع السياسي أن ينعكس ذلك على الأداء الاقتصادي .. ولكن عصفت حقائق الواقع المر بتلك الأماني وازدادت ضغوط الحياة على المواطنين، وفي مارس 1979م أصدرت السلطات برنامج الإصلاح المالي والتركيز الاقتصادي، وفي 27 مارس 1979م أصبح هناك سعران للدولار .. أحدهما تشجيعي والآخر سعر صرف حقيقي .. كما أخذ السيد/ بدر الدين سليمان وزير المالية في تبني سياسة البنك الدولي القاضية بتخفيض قيمة الجنيه السوداني .. وصحب التدهور الاقتصادي المستمر تدهور في علاقات القوى المتصالحة حيث أخذ الرئيس نميري في إطلاق تصريحاته المثيرة "ليس هناك قدامى وقادمون وإنما هناك وطن ومواطنون" "الذئاب لبسوا جلود الحملان" وقد سبق ذلك في 21 أكتوبر 1979م تقديم السيد/ الصادق المهدي لاستقالته من الاتحاد الاشتراكي وتوافق مع ذلك توقيع الرئيس السادات على اتفاقية السلام مع إسرائيل، وقد جاءت استقالة السيد/ الصادق احتجاجا على سياسة الحكومة المؤيد لكامب ديفيد ... أما الحركة الإسلامية فقد حاولت إصدار بيان متوازن حول الاتفاقية من خلال الاتحاد الاشتراكي، ولكن قام نميري كعادته بتعديل صياغة البيان مخلا بتوازنه ... كما عبرت الحركة الإسلامية جزئيا عن رأي في اتفاقية السلام من خلال البيان الذي أصدره اتحاد طلاب جامعة الخرطوم في 27 مارس 1979م حول اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية مستهجنا سياسة مصر الاستسلامية تجاه إسرائيل، ومطالبا حكومة السودان باتخاذ الإجراءات والخطوات التي تحفظ لها انتماءها الإسلامي والعربي وأن ترفض التنازلات التي قدمتها مصر لإسرائيل، وطالبت الحكومة كذلك أن تراجع جميع مواقفها من الحكومة المصرية إن أصرت الأخيرة على السير في درب كامب ديفيد ... وفي مارس 1979م أعلنت الحكومة عن كشفها عن محاولة لقلب نظام الحكم اشترك فيها ثلاثة وعشرون عسكريا وستة من الشرطة ودمغت المحاولة كغيرها بتهمة العنصرية ... وفي أبريل 1979م قامت السلطات باعتقال أعداد كبيرة من المواطنين بتهمة الإضرار بأمن البلاد ... كما راجت أخبار سرقة الأسلحة من القوات المسلحة وازدياد نشاطات تهريب الأسلحة عبر الحدود ... وفي ذات أبريل 1979م جرت انتخابات نقابة أساتذة جامعة الخرطوم لأول مرة وفاز فيها تجمع اليساريين على تجمع الإسلاميين كما افتتح سيتي بانك (المصرف العالمي الأمريكي الكبير) لأول مرة له فرعا بالخرطوم في وقت قام فيه السودان بقطع علاقاته الدبلوماسية مع العراق، نتيجة لإيقاف الحكومة العراقية النفط عن السودان دون سابق إنذار في محاولة لتقويض النظام، كما تم طرد مائة وثمانية وستين دارسا عسكريا سودانيا من العراق لموقف السودانيين من اتفاقية السلام وقامت جمهورية مصر باستيعابهم جميعا ... وفي ذات أبريل 1979م سقطت حكومة عيدي أمين في يوغندا حيث أطاح بها التجمع الكنسي التنزاني بقيادة جوليوس نايريري وأصبح يوسف لولي رئيسا للوزراء وتدفق المسلمون اليوغنديون على جنوب السودان.

وفي ذات أبريل أصدر الرئيس جعفري نميري أمرا بتوحيد الأمن القومي وأمن الدولة تحت رئاسة اللواء عمر محمد الطيب وإعفاء السيد/ عبد الوهاب إبراهيم من مهامه الأمنية ... وزار السيد/ حسني مبارك نائب الرئيس المصري السودان في أبريل 1979م ... وفي مايو 1979م امتلأت الأجواء بإشاعات عودة التفاهم بين الرئيس نميري والسيد/ الصادق بمناسبة زيارة الرشيد الطاهر نائب رئيس الجمهورية ووزير الخارجية واللواء عمر محمد الطيب رئيس جهاز الأمن مصحوبين بكل من السيد/ الصادق والسيد/ عبد الحميد صالح لمعسكرات الأنصار في ليبيا كما مثلت الزيارة جزئيا ردا من السيد/ الصادق على محاولات الشريف حسين لوضع يده على المعسكرات وما فيها من أنصار. على صعيد العمل الإسلامي شهد عام 1979م بعض التقدم نحو الإسلام بمنع الخمر في كسلا وتأسيس جمعية رائدات النهضة واجهة للعمل الإسلامي في صفوف النساء .. كما والت الحركة الإسلامية انفتاحها على الحركات الإسلامية وتكررت زيارات الأخ مصطفى مشهور ... وفي 11 أغسطس 1979م رفع اتحاد طلاب جامعة الخرطوم مذكرة لرئيس الجمهورية مطالبا بحل الاتحاد الاشتراكي والجهاز التنفيذي ومحاسبة المفسدين وإلغاء القوانين المقيدة للحريات وطرح المنهج الإسلامي وتعديل قوانين انتخابات مجلس الشعب وخفض الصرف وموالاة تنظيم اللامركزية ... كما أقام اتحاد طلاب جامعة الخرطوم موسمه الثقافي الثاني في 15 – 25 سبتمبر 1979م تحت شعار: "التحدي في الشرق الأوسط".

حيث شارك في الموسم عدد من المفكرين الإسلاميين بالداخل والخارج .. وعلى الصعيد الاقتصادي والى الاقتصاد السوداني إظهار ضعفه وتدنيه حيث تعرض الجنيه السوداني لتخفيضين في قيمته، الأول في 3 يوليو 1979م والثاني في 6 سبتمبر 1979م مما أدى إلى ضغوط نقابية ومطلبية أدت إلى قيام مشروع التقييم الوظيفي بقيادة صلاح بشير في يوليو 1979م، وواكب ذلك إضراب معلمي الابتدائيات الذي استغرق ستة أسابيع .. وفي 25 سبتمبر 1979م توفي المفكر الإسلامي أبو الأعلى المودودي والذي أثرت كتاباته على تأصيل حركة الإخوان في السودان وقامت الجماعة بإرسال وفد تعزية برئاسة يسن عمر الإمام ود. تجاني أبو جديري .. وفي ذات سبتمبر 1979م ارتفعت معنويات الإسلاميين حينما أصدر الرئيس جعفر نميري قرارا جمهوريا بتحويل مصانع إنتاج الخمور إلى مصانع إنتاج الكحول للأغراض العلاجية والصناعية كما ازدهرت حلق تدارس القرآن، وأخذ الرئيس نميري يهتم ببناء المساجد ( ) على الأخص في معسكرات القوات المسلحة.

وقبل أن ينقضي عام 1979م بخيره وشره فجع الإخوان بفوز تجمع اليساريين في أكتوبر 1979م بانتخابات اتحاد طلاب جامعة الخرطوم ... إذ أحب الإخوان هذا الاتحاد وقامت بينهم وبين الاتحاد وشائج وصلات منذ ثورة أكتوبر مرورا بشعبان كما كان فوزهم في انتخابات أكبر مركز إشعاع علمي وثقافي يمنح الأمل بصلاحية الإسلام وتقدمه وأن الشباب يوالون متابعة ترقياتهم الفكرية والروحية في إطار الإسلام، كما كان الإخوان يقيسون مدى تقدم شعبيتهم بنتائج انتخابات هذا الاتحاد، وقد ربط بعض الإخوان بين تقارب النظام والإخوان ونتيجة الانتخابات في وقت تدنت فيه الأوضاع الاقتصادية وانحاز فيه نظام مايو لسياسات كامب ديفيد ومعسكر أمريكا، وفي نوفمبر 1979م ذهب الرئيس نميري لإجراء فحوصات طبية في أمريكا وكذلك إجراء مشاورات سياسية واستغرقت رحلته هناك شهرا كاملا .

وكأنما الأخبار السيئة لا تأتي فرادى ... فوجئ الإخوان وقبل أن يفيقوا من نشوة متابعة أخبار الثورة الإيرانية بأخبار قيام نظام شيوعي في أفغانستان إثر انقلاب عسكري قام به محمد نور تراقي حيث عد الإسلاميون الانقلاب الشيوعي نكسة في نظام حركة الصحوة الإسلامية العالمية ومحاولة لتطويق المد الإسلامي في إيران وموازنة الثورة الإسلامية بأخرى شيوعية، ولكن ما لبث أن أعلنت الحركة الإسلامية الأفغانية الجهاد ضد نظام تراقي مما أدى إلى انقلاب عسكري آخر بقيادة حفيظ الله أمين، وتبع ذلك اجتياح السوفيت لأفغانستان في بداية يناير 1980م الشيء الذي ألهب عواطف الإسلاميين في السودان حيث تحركوا في مسيرة غاضبة في 4 يناير 1980م طافت شوارع الخرطوم، ثم توجهت إلى السفارة السوفيتية حيث رفعت مذكرة وطالبت السوفيت برفع أيديهم عن أفغانستان، ولم تسر المسيرة تحت لواء اتحاد طلاب جامعة الخرطوم نسبة لسيطرة تحالف المستقلين واليساريين عليه وإنما سارت المسيرة تحت راية الاتجاه الإسلامي بجامعة الخرطوم.

وفي 16 يناير 1980م علت الدهشة وجوه الإسلاميين حينما قام نميري بحل أجهزة التنظيم السياسي وخطب قائلا لن أترك الفساد بتحصن بمناطق القيادة .. وأردف ذلك بفصل كل من صلاح عبد العال مبروك وبدرية الزين وهاشم الزبير وعثمان أبو القاسم، وقبل أن يفهم السودانيون مضمون إجراءات نميري بخصوص الاتحاد الاشتراكي أعلن جهاز الأمن إلقاء القبض على خلية مسيحية سرية تعمل على تنصير المسلمين، وقد استطاعت تنصير أربعين عائلة من العرب الرحل في أم روابة، وقد صرح الأب أغسطونيوس باروني رئيس أساقفة الكنيسة الكاثوليكية بالخرطوم للصحافة الأجنبية أن هذا أول نجاح للكاثوليك في تنصير جماعي للمسلمين، وقد نتج جزئيا عن استغلال المبشرين لظروف الضغوط الاقتصادية والتحولات الاجتماعية التي بدأت تنتاب السودان ابتداء من عام 1980م.

شهد عام 1980م ازدياد التدهور الأمني في الجنوب وتدفق الطلاب الجنوبيين فيما يشبه النزوح العام إلى إثيوبيا مما استدعى سفر الفريق عبد الماجد حامد خليل – الذي صعد نجمه وأصبح نائبا لرئيس الجمهورية – لإثيوبيا في مايو 1980م حيث رحب به الإثيوبيون وردوا على زيارته بزيارة الرئيس منجستو في 18 – 23 نوفمبر 1980م للسودان وشدد الإثيوبيون على تصفية النشاط الإرتري في السودان في وقت أخذوا فيه في بناء حركة مقاومة مسلحة جنوبية مستعينين في ذلك بليبيا والسوفيت وكوبا .

ارتبط اسم مارس في السودان بالتوترات والكوارث .. ففي مارس 1954م حدثت أحداث مارس الشهيرة حينما اصطدمت جموع الأنصار بالشرطة إبان زيارة الرئيس محمد نجيب .. وفي مارس 1959م توفي السيد/ عبد الرحمن المهدي ... وفي مارس 1970م دارت معارك الجزيرة أبا وودنوباوي .. وبالنسبة للطلاب وعلى الأخص طلاب الجامعات ارتبط اسم مارس بضغوط الامتحانات وما يتبعها من فشل ونجاح ( ) وفي مارس 1971م حدثت أحداث 11 مارس 1971م الشهيرة التي أصاحت بسكرتارية الجبهات التقدمية في الجامعة .. أما شهر مارس 1980م فلم يكن في ظاهره شهرا سعيدا بالنسبة للإسلاميين إذ في يوم الأربعاء 19 مارس 1980م انفجرت الأحداث في جامعة الخرطوم حينما أبطل اتحاد طلاب جامعة الخرطوم في مخالفة صريحة وواضحة للدستور دسترو 1973م دون الرجوع للجمعية العمومية وأعلن الاتحاد الذي يسيطر عليه تحالف المستقلين واليساريين حل المجلس الأربعيني للاتحاد والرجوع لدستور 1957م مما دفع الاتجاه الإسلامي لتسيير مظاهرة احتجاج واحتلال مكاتب الاتحاد والشروع في إجراءات انتخابات، وحينها قام عدد من الشيوعيين باغتيال الطالب الشهيد الغالي عبد الحكم مما أدى إلى مصادمات طلابية وإغلاق للجامعة .. وقد دون الاتجاه الإسلامي ذلك الحادث في كتاب "اغتالوه" ( ) وقامت وزارة الإعلام بمحاولات لمصادرة الكتاب ومنع تداوله مما خلق أزمة بين الوزير إسماعيل الحاج موسى والاتجاه الإسلامي.

هدأت الأحوال في أبريل حيث تم افتتاح طريق القضارف – كسلا في 19 أبريل 1980م وكذلك هدأت الأحوال نسبيا في جنوب السودان حينما نجح مثقفو الدينكا في مايو 1980م في إعادة أبيل البر رئيسا للمجلس التنفيذي العالي والهيمنة على الحكومة الإقليمية كما راجت إشاعات تتعلق بتحويل اللواء جوزيف لاقو لقرض من دولة الإمارات العربية لصالحه .. واتجهت بعد ذلك الأبصار نحو القاهرة حيث قاد الاتجاه الإسلامي حركة مظاهرات ضد تعيين السيد/ الطيب المرضي حاكما على دارفور مما أدى إلى توتر سياسي في الخرطوم قام الرئيس نميري على إثره بسحب تعيين السيد/ الطيب المرضي ولكن ... لخيبة أمل الإخوان قام نميري بتعيين السيد/ أحمد إبراهيم دريج بينما كان الإخوان يتوقعون تعيين حاكم على الأقل ذي توجهات إسلامية، ولكن كان كذلك نميري محكوما بمنطق أمن نظامه وتداخلات السياسة الإقليمية، وما كان ليفرط في ذلك بتعيين حاكم موال للإخوان في وقت يشتد فيه الاستقطاب في دارفور ما بين تشاد وليبيا ومصر وفرنسا وأمريكا وحتى العراق.

وفي سبتمبر 1980م فجع الإخوان ببيان من السيد/ الصادق عبد الله عبد الماجد من رواد الإخوان المسلمين والذي أفنى زهرة شبابه في خدمة الحركة وشعر بضغط وإيقاع الزمن من خلالها .. أعلن السيد/ الصادق عبد الله أنه باق في تنظيم الإخوان المسلمين الجديد .. الذي سيواصل السير في الخط الذي يتفق مع منهج الحركة الإسلامية وتاريخها .. تداخلت عدة اعتبارات في تقديم الأستاذ/ صادق لاستقالته ولكنه آثر أن يركز على:

1 – عدم رضائه عن الفتاوى والاتجاهات التنظيمية التي يقودها: الترابي وعدم اقتناعه بمسوغات المصالحة "ذكر لأحد الإخوان بأن قلبه لم ينشرح لنميري بمقدار ثقب الدبوس".

2 – إيمانه بوحدة الحركة الإسلامية العالمية وتمسكه بصيغة الموالاة للتنظيم الدولي الإخواني.

3 – إيثاره لأسلوب التربية والتنظيم الدقيق.

4 – إعلان د. الترابي لصحيفة خارجية في مقابلة صحيفة حل تنظيم الإخوان المسلمين.

تمحور عدد من الإخوان حول الأستاذ/ صادق عبد الله وكان من أميزهم د. الحبر يوسف نور الدائم وعدد من الشباب بالإضافة إلى عدد من قدامى الإخوان ... الذين توقفوا عن المساهمة في نشاطات الحركة الإسلامية منذ مؤتمر عام 1969م .. وهكذا ظهر تنظيم آخر بذات الأهداف التي عملت وتعمل من أجلها الحركة الإسلامية .. آثرت الحركة الإسلامية أن تكيف خطابها مع الحركة الجديدة لاحتواء المشكلة بتكثيف الاتصال بالسيد/ صادق عبد الله ومحاولة رأب الصدع ولكن كذلك نظرت القيادة إلى التنظيم الجديد على أنه محاولة من التنظيم الدولي للضغط على تنظيم السودان لارتضاء صيغة مبايعة التنظيم الإخواني المصري والعمل من خلال أطره، وبرغم ذلك فقد والت الحركة اتصالها وحوارها مع التنظيم الدولي .. وفي سبتمبر 1980م قام الرئيس نميري بإجراء تعديلات في الاتحاد الاشتراكي حيث ألغي لجان "التعاون" "وتطوير الريف" "والأباء والمعلمين" ودمج لجنتي "الفكر والدعوة" و "الإعلام والتوجيه" وكعادة تغييراته الفوقية في الاتحاد الاشتراكي لم يكن لذلك أثر.

وفي نوفمبر 1980م أجريت انتخابات اتحاد طلاب جامعة الخرطوم وفاز فيها الاتجاه الإسلامي بمقاعدها الأربعين مما خفف من آثار جراح أحداث مارس 1980م ولكن خسر الاتجاه الإسلامي انتخابات جامعة أم درمان الإسلامية لصالح ما عرف بتحالف "التضامن الإسلامي" والذي جاء نتيجة لبروز تيار وسط أساتذة لم يكن على وفاق مع تيار الأساتذة الغالب والذي يؤيد الحركة الإسلامية، ونجحت قيادة هذا التيار في توحيد مؤيدي الأحزاب التقليدية والجماعات الصوفية والطلاب العلمانيين فيما عاد يعرف بـ "التضامن الإسلامي" والذي أصبح قطب رحاه طلاب حزب الأمة .. كما فاز اليسار في انتخابات جامعة القاهرة الفرع والتي أجريت لأول مرة منذ قيام المصالحة الوطنية، وإن برز الاتجاه الإسلامي بحجم مقدر في جامعة عرفت بطغيان العناصر اليسارية والقومية فيها .. وفي ذات نوفمبر 1980م أعلنت السلطات عن اعتقال خلية شيوعية كان من ضمن أفرادها التجاني الطيب الشخصية الشيوعية المعروفة والذي نزل للعمل السري منذ انقلاب يوليو 1971م.

وفي 18 – 23 نوفمبر 1980م قام الرئيس نميري برد زيارة الرئيس منجستو للسودان حيث زار أديس أبابا لإكمال المشاورات حول التوتر الحادث في جنوب السودان وإرتريا وتصفية قضايا الحدود المعلقة .. ومع إن الرئيس نميري استقبل استقبالا حافلا في أديس أبابا وخرج المسلمون لاستقباله إلا أن العائد السياسي الرسمي كان ضئيلا.

وفي نوفمبر 1980م انعقد المؤتمر القومي الثالث للاتحاد الاشتراكي السوداني حيث أجاز المؤتمر مشروع الحكم اللامركزي وتقسيم السودان إلى خمسة أقاليم هي دارفور، كردفان، الإقليم الأوسط، الإقليم الشمالي، الإقليم الشرقي ... وفي أثناء مداولات المؤتمر خرج بعض السياسيين الجنوبيين عن مسار المداولات مشيرين إلى أن حركة الإخوان المسلمين لا تشكل خطرا على شمال السودان وحده ولكن كذلك الجنوب وأنها أقامت لها تنظيما في جامعة جوبا وعددا من المدارس ... كما أنها جلبت عددا من الطلاب الجنوبيين إلى الخرطوم وجعلتهم ليس فقط مسلمين ولكن كذلك استوعبتهم في تنظيم الإخوان المسلمين، وأن هؤلاء الطلاب يعقدون الآن معسكرا غير مشروع في الخرطوم .. وطالبوا بإرجاع الطلاب للجنوب وإيقاف هذا الانتهاك الواضح لاتفاقية أديس أبابا .

وكان كل ما ذكره سياسيو الجنوب صحيحا .. إذ حسب استراتيجية التوسع التي رسمتها الحركة لنفسها، فقد بدأت الحركة الإسلامية العمل في الجنوب منذ بدايات عام 1980م، واستطاعت أن تكسب قلوب فريق من الطلاب الجنوبيين الذي جاءوا مباشرة من المسيحية إلى الإسلام والحركة الإسلامية، وقد أدت إثارة الأمر على هذا النحو أن تحتاط الحركة الإسلامية في عملها في الجنوب، إلا ذلك لم يؤثر على الجهود التي كانت قد قطعت شوطا في إعداد دستور ومشروع قيام منظمة الدعوة الإسلامية بوصفها منبرا شعبيا شرعيا مستقلا له الحق في الدعوة الإسلامية ليس فقط في جنوب السودان ولكن في كل إفريقيا وشعوبها .

كان منطق الأشياء الداخلية المتعلق بظروف الحركة الإسلامية أساس محاولاتها لعقد هدنة – مصالحة – مع النظام ولم تعول الحركة الإسلامية كثيرا على فرض تحالف حقيقي مع نظام نميري، وكانت الحركة تعتقد أن لقاءها مع نظام نميري تفرضه ظروف المرحلة، واستفادت الحركة الإسلامية من نظام الحريات النسبي الذي كفلته المصالحة، مما منح الحركة مساحة تحرك مكنتها من إعادة رص صفها ومخاطبة الجماهير الشيء الذي افتقدته طيلة ثمانية أعوام (19691977م) ... أدى تحرك الحركة إلى ازدهار واضح في جسم الحركة وظهرت ثمار ذلك في بروز عدد من واجهات العمل الإسلامي مثل "منظمة الدعوة الإسلامية" "جماعة الفكر والثقافة الإسلامية" "جمعية الإصلاح والمواساة " "الوكالة الإسلامية الإفريقية للإغاثة" "جمعية رائدات النهضة ... إلخ".

حرصت قيادة الجماعة على أن تتجنب الظهور في مناسبات خشية أن تضفي عليه شرعية إسلامية لم يتلمس طريقه إليها بعد .. ودرج د. الترابي على الاستجابة لدعوات المشاركة في مؤتمر اتحاد الطلاب المسلمين في أمريكا وغيرها والتي تتوافق مع احتفالات ذكرى مايو .. وابتداء من عام 1982م أخذ نظام مايو يعزز توجهاته في اتجاه الإسلام .. وساعد الرئيس نميري على إكمال بناء مسجد جامعة الخرطوم ذلك المسجد الذي بدأ مشروعه منذ عام 1967م، ولكن ما إن جاءت سلطات مايو حتى جمد المشروع ولم يتم تحريك مشروع المسجد إلا في ظل ظروف اتحاد انتفاضة شعبان وأخيرا افتتح المسجد، الذي عارض إنشاءه اليساريون والعلمانيون من طلاب وإدارة وأساتذة ووضعوا أمامه العراقيل، في الثامن من صفر 1402هـ الموافق 4 ديسمبر 1982م بعد خمسة عشر عاما من طرح مشروعه .. وأصبح المسجد تابعا لشعبة الدراسات الإسلامية حديثة الإنشاء والتي بنيت مبانيها من أموال المسجد .. وشهد عام 1982م (مارسأبريل) انعقاد المؤتمر العالمي للدعوة الإسلامية في إطار احتفالات البلاد بمقدم القرن الخامس عشر الهجري .. حيث وصل البلاد عدد من المفكرين الإسلاميين وواصلوا تقديم محاضراتهم الشعبية والرسمية ... واصل الاقتصاد السوداني تدهوره وتدنت أوضاع العامة ... وفي النصف الأول من عام 1981م توحد سعر صرف الجنيه السوداني أو ما عرف بالسعر الرسمي والموازي ليصبح سعر الدولار 90 قرشا فيما عد تخفيضا واضحا لقيمة الجنيه .

وفي أبريل 1981م تمت انتخابات مجلس الشعب القومي الرابع حيث ازدادت مواقع الحركة الإسلامية في مناطق القيادة في مجلس الشعب وتلاحظ إقبال النساء في التصويت لمرشحي الحركة الإسلامية، وأبرز منبر مجلس الشعب عددا من الإخوان تألق نجمهم شعبيا ورسميا "علي عثمان، عبد الجليل الكاروري يسن عمرالإمام، حافظ الشيخ، عبد الله حميدة"، كما أصبح السيد/ أحمد عبد الرحمن وزيرا للشئون الداخلية والرعاية الاجتماعية .. ومع أن الرئيس نميري قلص صلاحيات هذه الوزارة بسحب تبعية مؤسسة الشرطة منها إلا أن الوزير الجديدة نجح في إجراء إصلاحات في الوزارة وإيجاد قانون لها وتنسيق حركة الأجهزة التابعة لها .. كما برز نجم يسن عمر الإمام الذي أصبح رئيسا لمجلس إدارة هيئة تحرير جريدة الأيام ... حيث كيف خطوات الجريدة مع مقتضى سياسات النهج الإسلامي وأفسح صفحات الجريدة لأقلام الشباب الإسلامي الذي كان مكتوف اليد واللسان .. أحدث النجاح الجديد لجريدة الأيام، رد فعل مضاد من قبل رواد التيار العلماني في الاتحاد الاشتراكي وأجهزة النظام ... كما خاف الرئيس نميري من التأثير المتزايد للجريدة في خدمة البرنامج الإسلامي والحركة الإسلامية ... مما دعاه لفك الارتباط إداريا ما بين رئيس مجلس الإدارة ورئاسة هيئة التحرير وعين صحفيا آخر رئيسا للتحرير .. وحينا رفع يسن صوته مع الرئيس في ذلك أعفي في وقت لاحق (عام 1982م) من رئاسة مجلس الإدارة ... أدى هذا الصعود الإسلامي إلى جفوة وخصام من قبل رجال وقادة الأحزاب الذين شعروا بأن الحركة كسبت من وراء ظهورهم وتركتهم في العراء حيارى ما بين موالاة المعارضة وما تجلبه معها من سجن وقهر أو الاستدارة لحركة السياسة والانسحاب من مسرح الأحداث ... كما تم تعيين د. حسن الترابي مسئولا عن الفكر والمنهجية في الاتحاد الاشتراكي ونائبا عاما ... ولكنه رغم ذلك والى نقده لسياسات النظام حيث هاجم سياسات إبعاد المواطنين من العاصمة "الكشات" باعتبارها تتعارض مع الحريات الأساسية ومبادئ الدستور، كذلك تحدث في محاضراته العامة عن الفساد السياسي، وكانت هذه المحاضرات تصيب رواجا مما أغضب قادة النظام ... حاول النميري أن يؤصل لتوجهه نحو الإسلام، وأن يبين أن توجهه للإسلام كان أمرا مبيتا منذ عام 1969م .. وليس أمرا طارئا يتعلق بتعاونه مع الحركة الإسلامية، واقتحم دنيا التنظير والتأليف حيث ظهر له كتابان أحدهما بعنوان: (النهج الإسلامي لماذا؟) وآخر بعنوان: (النهج الإسلامي كيف؟) ... وما كان في الكتابين من جديد، وإن حاول الإسلاميون الترويج للكتابين تشجيعا له على موالاة هذه الطريق .. ولم يعكر صفو عام 1981م غير التدهور الاقتصادي ومحاولة اليساريين إفساد احتفالات اليوبيل الفضي لجامعة الخرطوم في 16 نوفمبر 1981م مما اضطر نائب الرئيس الفريق عبد الماجد حامد خليل للانسحاب من الاحتفال كما سحبت إدارة الجامعة كلمة الاتحاد من الاحتفال الرسمي، وكانت عاقبة الأمر الغاز المسيل للدموع الذي لم يفرق بين الزائر والطالب والأستاذ .

توفي الشريف في بداية عام 1982م بينما كان يقيم في أحد فنادق أثينا، وكان برفقته حينها أحمد سعد عمر وكان الشريف يحمل جوازا تشاديا، وهكذا مات الشريف الهندي في منفاه الاختياري دون أن تطأ قدمه الخرطوم التي فارقها في عام 1969م وعاد محمولا إليها جثة هامدة .. وقبل أن يواري جثمانه في تراب البراري طافت به طائرة عراقية حيث أقيمت له صلاة في طرابلس وبغداد مما زاد من حنق الرئيس نميري على النظامين، ولكنه كذلك أحس بأن هادم اللذات قد أراحه من أقوى معارضيه ... أدى موت الشريف إلى خلق مزيد من البلبلة والانقسام في أوساط الأحزاب ... حيث أخذ الرئيس نميري يمارس لعبته المفضلة في ضرب بعضهم ببعض، واختلطت الأوراق وما عاد يعرف من هو مع النظام ممن هو ضده، وأصبح الصف الحزبي في حالة انقسام، رجل مع النظام ورجل مذبذب بين ذلك، ... واستوعب نظام نميري (الشريف التهامي وزيرا للطاقة، أحمد السيد حمد وزيرا للمواصلات، عبد الحميد صالح رقيبا لمجلس الشعب، بالإضافة إلى عشرات من قيادات الأحزاب في مجلس الشعب.

أدى استفحال عداء القوات المسلحة للاتحاد الاشتراكي وكذلك تغلغل الإخوان في أجهزة الاتحاد الاشتراكي واستمرار تحالفهم مع النظام إلى شل التنظيم السياسي مما اضطر نميري لتكوين لجنة لإعادة النظر في الاتحاد الاشتراكي بلغت عضويتها 202 شخص مما أعطى الانطباع بأن نميري غير جاد في قضية إصلاح التنظيم .

ضمت اللجنة كل الاتجاهات بما في ذلك 13 عضوا من الإخوان و 40 من الإسلاميين ولكن كما كان متوقعا لم يكن هناك عائد محسوس غير أن الرئيس استطاع امتصاص النغمة السارية ضد التنظيم السياسي.

أدى كساد المعارضة إلى ازدياد الصراع الخفي بين أركان النظام على الأخص ما بين اللواء عمر محمد الطيب رئيس جهاز الأمن وصديقه الفريق عبد الماجد حامد خليل نائب رئيس الجمهورية ووزير الدفاع ... حيث كان كل منهما يطمع في التوسع على حساب أخيه متوقعا السند والمؤازرة من الرئيس نميري، وقام الرئيس نميري في بداية عام 1982م بمهاجمة القيادات الفاسدة وتحديد صلاحيات بهاء الدين محمد إدريس وزير شئون رئاسة في محاولة لترضية خواطر بعض كبار ضباط القوات المسلحة ... كما قام بإعفاء السيد/ بدر الدين سليمان من موقعه وزيرا للمالية والذي كان ينظر إليه على أنه مسئول عن تردي الأوضاع الاقتصادية وإحكام الارتباط بسياسات البنك الدولي ... ولكن كل ذلك لم يرض تطلعات كبار الضباط ... الذين التفوا حول عبد الماجد كما سعى الإخوان للاتصال بهم وتشجيعهم عسى ذلك أن يحرك الرئيس نميري في اتجاه الإصلاح والإسلام ... بدأ الرئيس نميري كأنه مقبل على الاستجابة لضغوط تيار كبار الضباط حيث قاد حوارا عن العدالة الإسلامية، ولكن فاجأ النميري الجميع حينما أطاح بالفريق عبد الماجد حامد خليل ومعه ثلاثة وعشرين ضابطا من الرتب الكبيرة فيما عرف بمذبحة كبار الضباط في يناير 1982م، واتبع ذلك لامتصاص ردود الفعل في القوات المسلحة بحل الاتحاد الاشتراكي وارتفعت أسهم اللواء عمر محمد الطيب الذي حل محل صديقه الفريق عبد الماجد نائبا أول لرئيس الجمهورية.

شهد عام 1982م انتخابات المجالس المحلية والتي شارك فيها كذلك الإخوان على أوسع نطاق ممكن، وتيسر لهم صوت مقدر في مجلس مدينة أم درمان المحلي واستطاعوا التأثير على توجهات الأعضاء مما أدى إلى صدور قرار بإيقاف شرب الخمر في أم درمان وإغلاق الحانات ... أكسب القرار المجلس شعبية ضخمة وانهالت برقيات مباركة القرار على المجلس علي محمد الحسن أبرسي كما أثار القرار ضجة عامة، ويبدو أن تهليل الجماهير لأبرسي أوغر صدر الرئيس نميري الذي لا يحب المشاركة في الأضواء مما دفعه لإبطال القرار، وأحدث ذلك صدمة كبيرة لدى كثير من المسلمين الذين باركوا توجهات الرئيس نميري الدينية الجديدة.

تسربت في مطلع عام 1982م عدد من الأوراق التنظيمية لأجهزة الأمن، وقد حوت الأوراق معلومات عن العمل الطلابي والمعلومات مما استوجب تغييرات وتغيير في المواقع ... ولكن يبدو أن عام 1982م كان عام أمانة العلاقات الخارجية التي كان يرأسها د. التجاني أبو جديري حيث نشطت الأمانة في اتصالاتها الدولية والخارجية.

حينما قام نظام البعث السوري في فبراير 1982م فيما عرف بأحداث حلب "يدمر حركة الإخوان السورية عسكريا"، جندت الأمانة عضويتها على امتداد العالم لمعاونة الحركة الإسلامية السورية وتوزيع مطبوعاتها وتعبئة الحركات الإسلامية لمناصرة إخوان سوريا، وقام إخوان السودان بتولي مسئولية طبع وتزيع أوراق حركة المقاومة على امتداد بريطانيا وأوروبا ... كما فتح مكتب العلاقات الخارجية أبواب السودان للمقاومة الإخوانية الليبية ومع أن هذه القضية كانت لها تداخلات إقليمية ودولية .. حيث شجع المصريون والأمريكان نظام الرئيس نميري على دعم حركة المقاومة الليبية لنظام العقيد معمر القذافي، بينما لم يكن التنظيم الدولي راضيا عن التعاون الجاري بين الحركة الإسلامية السودانية والتنظيم الليبي .. وكان نميري يريد استخدام وجود حركة المقاومة الليبية في السودان لمجابهة وجود حركة المعارضة السودانية في ليبيا، وكان هذا من المواضيع الشائكة، حيث إن كثيرا من الإخوان كان يعتقد أنه لا توجد أولوية لمقاومة نظام القذافي ضمن قائمة أولويات العمل الإسلامي.

وفي أكتوبر 1982م وقع الرئيسان نميري ومبارك على اتفاقية التكامل السياسي والثقافي والاقتصادي بين مصر والسودان مما كان يعني ظهور نواة لدولة وادي النيل تتمثل في البرلمان المشترك وتجارة الحدود وإلغاء التأشيرات.

وبرغم المكاسب الكبيرة التي حققتها الحركة الإسلامية مستفيدة من ظروف المصالحة والتي منها:

1 – ظهور مؤسسات الدعوة وواجهات العمل الإسلامي.

2 – التحكم في مسار مؤسسات المال الإسلامي من بنوك وشركات.

3 – زيادة وزنهم وسط قطاع الطلاب مما مكنهم من السيطرة حتى على اتحاد جامعة القاهرة الفرع ابتداء من عام 1981م ... وقد ظلت هذه الجامعة بؤرة لليساريين منذ افتتاحها في منتصف الخمسينيات مما يوضح أن هناك تحولا حقيقيا في قطاع الطلاب في اتجاه الإسلام.

4 – بروز صوتهم في سياسات الدولة ومنابرها "مجلس الشعب، مجالس الأحياء، مجلس الوزراء، التنظيم السياسي".

5 – انحياز حركة المرأة لداعي التوجه الإسلامي.

6 – توسع تنظيم الحركة على امتداد الداخل والخارج وتبنيه لنظام اللامركزية التنظيمية.

7 – إضعافهم لتيار العلمانيين في النظام (منصور خالد، بدر الدين سليمان، جمال محمد أحمد) إلخ.

إلا أن الإخوان أقبلوا على عام 1983م تغشاهم كآبة التعامل مع نظام لا يطرد نسقه على نظام واحد ولا يحكمه فكر أو مبادئ وإنما تسيره الأهواء ومنطق اهتبال الفرص، وزاد ظروف الكآبة تدهور الأوضاع الاقتصادية مما أدى إلى مظاهرات طلابية عارمة ومجابهة النقابات لنميري في ظروف زيادة سعر السكر مما أدى إلى بلبلة وعدم استقرار، وتجاوبت قيادة التنظيم مع نداء الشارع حينما قام د. الترابي بمهاجمة النظام في ندوة كلية الطب الشهيرة والتي وسم فيها النظام بالفساد، ولكنه دفع تكلفة ذلك حينما أوعز نميري لرجاله بإسقاط د. الترابي في انتخابات اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي.

وبينما كانت الأوضاع تسوء في الشمال فإنها دخلت في مرحلة اللاعودة في الجنوب، وكانت الحركة الإسلامية ملمة بتطورات الوضع في الجنوب ورفعت مذكرة للحكومة عن أمر الجنوب، وتنبأت بنمو واستشراء الشيوعية في جنوب السودان نتيجة للخواء الروحي والعطالة والضياع والانهيار التعليمي والاقتصادي والإداري، وأن إثيوبيا ستتولى إعداد هذا الحزب ( ) ... وابتداء من عام 1983م اعتزل أبيل الير الخرطوم وجوبا وذهب ليقيم وسط أهله في بور، وما لبث أن تمردت حاميتا بور والبيبور .. مما تطلب القيام بإجراء عسكري، انتهى إلى هروب مئات الجنود بكامل عدتهم وسلاحهم إلى إثيوبيا حيث التحقوا بمعسكرات أنانيا الثانية ... التي كانت جاهزة لاستقبال المتمردين منذ منتصف السبعينيات، وفي يونيو 1983م لحق بهم العقيد جون قرنق وضباط آخرون وازدادت الأوضاع سوء بإعلان نميري لتقسيم الجنوب إلى ثلاثة أقاليم .. وفي يناير 1983م ظهر منبر معارضة سوداني قوامه السيد محمد عبد الجواد وصلاح محمد إبراهيم بوصفهم وارثين لتراث الشريف الهندي وفاز هذا المنبر بدعم العراق وارتفع صوته من خلال مجلة "الدستور".

لم يخل النصف الأول من عام 1983م من إشراقات إسلامية فقد فاز الاتجاه الإسلامي لأول مرة بكل مقاعد المجلس العشرين في جامعة الجزيرة كما نجح في تكوين نواة للاتحاد العامل للطلاب السودانيين كما فاز في انتخابات طلاب الخارج ... "مصر، المغرب، باكستان"، كما نجح الإسلاميون في السيطرة على اتحاد الموظفين وأصبح د. إبراهيم عبيد الله رئيسا للاتحاد ود. عبد الله سليمان نائبا للرئيس، وفاز المستقلون ممثلين في شخص كمال الدين محمد عبد الله بمنصب السكرتارية، وأصبح بعد حين د. إبراهيم عبيد الله رئيسا لأمانة المهنيين بالاتحاد الاشتراكي . وفي منتصف عام 1983م قام الرئيس نميري بإعفاء د. الترابي من منصب النائب العام وعينه مستشارا للرئيس للشئون الخارجية كما قام بتعيين عدد من الإسلاميين مستشارين قانونيين في القصر الجمهوري وهم عوض الجيد محمد أحمد والنيل أبو قرون وبدرية الزين ... وبينما كاد اليأس أن يأخذ بالإخوان من أن يمضي الرئيس نميري متقدما بالبرنامج الإسلامي وكادت الولاية الثانية أن تنقضي بسنواتها الست ولم يتم تنفيذ إلا القليل ... وكانت القيادة الإخوانية تسلي عن الإخوان متعللة بأنها لم تمن نفسها بأن يقوم النميري بتطبيق الشريعة وأنها تدخر تلك المهمة للصف الإسلامي تحت الإعداد ... وفي أغسطس 1983م تكونت منظمة شباب البناء والتي عرفت نفسها بمشروع التبرع بالدم .. حيث تبرع أربعمائة شاب دفعة واحدة بدمائهم لبنوك الدم بالخرطوم وأعلنت هذه البنوك لأول مرة في تاريخها عن اكتفائها، وأعقب ذلك أسبوع فضل الظهر ومشروع نظافة مستشفى الخرطوم الكبير، استشهد في هذه الفترة الطالبان محمد عبد الرحمن عجول الرئيس السابق لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم وسالم عبد الفتح نهائي اقتصاد إثر انقلاب السيارة التي كانت تقلهما مع آخرين لإرتريا لحضور أحد مؤتمرات حركة التحرير الإرترية.

وبما أن المباغتة واحدة من أساليب العسكرية الناجحة فإن نميري كان موفقا في استخدام عنصر المباغتة مع أصدقائه وخصومه ولم يسلم مشروع تطبيق الشريعة من هذه المعاملة .. إذ أخذ الرئيس نميري الجميع على حين غرة معلنا الشروع في تطبيق الشريعة الإسلامية حيث أصدر في الفترة الممتدة ما بين يوليوسبتمبر 1983م ثلاثة عشر قانونا أساسيا كانت نتيجتها التأثير على اثنين وثلاثين قانونا قائما إما بالإلغاء، أو التعديل، وكان خلاصة مجمل ذلك تغيير طبيعة النظام التشريعي والقانوني كما وكيفا، وكان ذروة ذلك تنفيذ استراتيجية العدالة الناجزة في إطار الشريعة الإسلامية في أعقاب إخلاء السجون من المجرمين وإطلاق سراح اثني عشر ألف سجين.

بدأت حركة تطبيق الشريعة وأهل السودان بين مصدق ومكذب، وأعلن الرئيس نميري في حديث تلفزيوني مباشر وهو يرتدي الزي العسكري تفاصيل القانون الجنائي والذي نص على الحدود الإسلامية الخمسة "حد الخمر، الزنا، الحرابة، الردة، السرقة" وبلغت تلك الثورة القانونية قمتها بصدور قانون أصول الأحكام القضائية، ثم قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. وقوانين القوات المسلحة التي جعلتها قوات تقوم على الدفاع عن الحوزة والدين .. هز وقع إعلان الشريعة الكرة الأرضية من أقصاها إلى أدناها واتجهت أنظار الحادبين والساخطين إلى السودان ... وفي الثلاثاء السادس من ذي الحجة 1404هـ الموافق 24 يوليو 1983م حركت اتحادات الطلاب مسيرة تأييد تطبيق الشريعة الإسلامية .. اتجهت الأنظار لمعرفة رأي السيد/ الصادق المهدي، ولكن فضل هذا الانتظار حتى يجهر برأيه في المكان المناسب وكان ذلك في الجزيرة أبا حيث احتشد الأنصار بصورة لم يسبق لها مثيل لأداء صلاة العيد خلف السيد/ الصادق الذي كان شديد الامتعاض من مسار اتفاق المصالحة، ولم يرحب السيد/ الصادق بمشروع نميري لتطبيق الشريعة بل انتقد ذلك معتبرا أن الشروع في تطبيق الحدود أسوأ مدخل لتطبيق الشريعة .. وحين عودته إلى الخرطوم قامت السلطات باعتقاله مع ثلاثة عشر شخصا من أنصاره من بينهم د. عمر نور الدائم ومباركالفاضل المهدي والمرحوم عثمان جاد الله النذير مما أدخل السودان من جديد في نظام مواجهات بين الأنصار ونظام نميري.

لم يهتم الإسلاميون كثيرا بهذا التطور في العلاقات السياسية ... إذ كانوا أن نقد السيد/ الصادق لمشروع الشريعة مجرد غيرة سياسية كما أن السلطات تجاوزت الحد باعتقالها للسيد/ الصادق وأنصاره لمجرد جهرهم برأيهم، وواصلت الحركة الإسلامية إعطاء أسبقية وأولوية لتثبيت مشروع تطبيق الشريعة حتى لا يجهض في مراحله الأولية ... وتأكدت توجهات تطبيق الشريعة في يوم الجمعة 16 ذي الحجة 1404 هـ الموافق 3 سبتمبر 1983م والذي كان أشبه بالحلم ... إذ تم فيه إراقة كل مخزون الخرطوم من الخمور والتي قدرت قيمتها بعشرة ملايين من الدولارات في مياه النيل وكان ذلك اليوم بحق عرس الشريعة في السودان.

دخل السودان بتطبيق الشريعة في مرحلة تأريخية جديدة أدت إلى انبعاث ضغوط التكييف العلماني والمسيحي وهياجها ضد توجهات السودان، وتجلى ذلك سياسيا وإعلاميا وعسكريا .. أما في الجبهة العسكرية فقد تجلى ذلك في الهجوم الكبير الذي قامت به حركة التمرد الجنوبية منطلقة من قواعدها الإثيوبية في محاولة لاجتياح مدينة الناصر الواقعة على مجرى نهر السوباط في الحدود الإثيوبية – السودانية في منتصف نوفمبر 1983م، وقد أدى صمود حامية الناصر إلى تحريك الاتجاه الإسلامي بالجامعات لمسيرة تأييد للقوات المسلحة ومباركة صمودها وكان ذلك في 15 صفر 1404 هـ الموافق 10 نوفمبر 1983م ... أما في جبهة الضغط الاقتصادي فقد أوقفت شركة شيفرون أعمال التنقيب عن البترول ليس في جنوب البلاد فحسب ولكن كذلك في مناطق جنوب كردفان كالمجلد وغيرها متعللة بخطف عدد من مهندسيها، كما تصاعدت حركة التمرد في مناطق جنقلي مما حدا بالشركة الفرنسية إلى إيقاف العمل في حفر قناة جنقلي وتصفية نشاطاتها بعد أن أسر المتمردون أربعة من عمالها الأجانب.

تواكب مع إراقة الخمور إطلاق سراح عشرة آلاف سجين ونزيل باعتبارهم من ضحايا النظام القانوني السابق، مما أدى إلى إخلاء السجون لأول مرة في تاريخ السودان الحديث ... وقد أدى إطلاق هذا العدد الكبير من السجناء الذين كان من بينهم أعداد من معتادي الإجرام إلى إشاعة الخوف والذعر في نفوس البعض، ولكن جاءت الأرقام فكذبت التوقعات حيث انحدرت نسبة الجريمة في عام 1984م بنسبة بلغت أكثر من 40% رغما من إطلاق سراح المجرمين .

وفي نوفمبر 1983 سافر الرئيس نميري مستصحبا مع د. حسن الترابي في رحلة عمل لأمريكا وقد كانت تعني مصاحبة د. الترابي للنميري في رحلته لأمريكا أنه ليس من الوارد تقديم أي تنازلات في موضوع تطبيق الشريعة مما جعل الإدارة الأمريكية تتحاشى فتح ملف الشريعة وإن اجتهدت في تقويض المشروع بوسائلها الأخرى المتعددة، وما أن عاد الوفد من رحلة أمريكا حتى توالت جهود مراكز التكييف العلماني لإجهاض مشروع تطبيق الشريعة حيث دخل القضاة في إضراب امتد لمدة ثلاثة أشهر، وخرج السيد/ أحمد إبراهيم دريج في فبراير 1984م من السودان دون أن يقدم حتى استقالته، ثم ما لبث أن ظهر بعدها في تجمعات المعارضة ... وتلا ذلك في مارسأبريل 1984م دخول الأطباء في إضراب امتد لثلاثة أسابيع ... ومع أن قيادة النقابة كانت إسلامية وجاءت لمواقعها عبر سواعد الإسلاميين "د. الجزولي دفع الله، د. حسين أبو صالح، د. مجذوب الخليفة" إلا أن الإضراب كان قرارا اتخذته القواعد واعتبرت القيادة أنها لا تملك إلا التنفيذ .. حاولت القيادة الإسلامية حث الرئيس نميري على الاستجابة لمطالب الأطباء، ولكنه عاند ذلك بصلابة مما دفع القيادة الإسلامية للموازنة الصعبة بين ترك الأمور تسير مسارها العادي مما قد يقود إلى تقويض مشروع تطبيق الشريعة أو مجابهة الموالاة والعصبية النقابية بداعي الالتزام الإسلامي.

وعلى الأخص فإن إضراب الأطباء تضمن التوقف حتى عن تسيير حالات الطوارئ والحوادث، مما أدى إلى تدخل التنظيم ملزما قواعد الأطباء الإسلاميين بعدم الاستجابة لكل إملاءات الإضراب على الأخص الخدمة التطوعية في أقسام الطوارئ والحوادث لأن ذلك يعرض أرواح الناس للموت مما يتنافى مع التكليف الشرعي القائم على صيانة حق الحياة، ولكن في النهاية وبعد مرور كادر الأطباء الإسلاميين بظروف صعبة عبر معاناة نفسية وبدنية تم إقناع الرئيس النميري بإطلاق سراح أعضاء النقابة والاستجابة لمطالب الأطباء، ثم دفعت الحركة الإسلامية ثمن ذلك غالبا حينما والى الأطباء عزل العناصر الإسلامية من قيادة النقابة .

جاء مشروع تطبيق الشريعة في ظل تحولات اقتصادية رهيبة وظروف جفاف وتصحر وفي الفاتح من سبتمبر 1984م والبلاد تستعد لاحتفالات الذكرى الأولى لتطبيق الشريعة أعلن ممثل الأمم المتحدة للتنمية محذرا أن الطعام سينعدم في السودان بمجيء يونيو 1985م، ولكن في موجة تتابع أحداث الشريعة راحت صرخته هباء، ولم ينتبه أحد لدلالات ذلك، وابتداء من منتصف عام 1984م ولتجاوز حركة إجهاض مشروع تطبيق الشريعة من خلال قنوات البروقراطية والديوانية القضائية بثقافتها الغربية ابتدع النظام استراتيجية عدالة جديدة ... عرفت بمحاكم العدالة الناجزة وقادها د. المكاشفي طه الكياشي والشيخ/ أحمد محجوب حاج نور ورئيس القضاة الجديد، د. فؤاد الأمين، وقد استطاعت أحكام هذه المحاكم أن تطال الصغار والكبار كما أدى حسمها الفوري السريع لإيقاف تراكم القضايا وأسهمت في انخفاض الجريمة بنسبة كبيرة في ظروف صعبة اقتصادية وإطلاق لسراح المجرمين المتمرسين، كما أسهمت في القضاء على السوق الأسود والتوفير النسبي للسلع الاستهلاكية.

اتجهت أبصار السودانيين في 16 مارس 1984م نحو إذاعة أم درمان حينما قامت طائرة ليبية بإلقاء عدة قذائف على مبنى الإذاعة وسقطت إحداها في منزل السيد/ الصادق المهدي، وقد استهدفت الطائرة الليبية الإذاعة محاولة إيقاف إذاعة حركة المقاومة الليبية الموجهة لشعب ليبيا، وفي 29 أبريل 1984م أعلنت الحكومة حالة الطوارئ في كل أنحاء البلاد نسبة لتدهور الأوضاع الأمنية في الجنوب كما جاء ذلك استجابة جزئية لظروف الانتقال من تطبيق القوانين العلمانية إلى تطبيق قوانين الشريعة ... وفي 31 أبريل 1984م قام الرئيس نميري بإجراء تعديل وزاري أعفى بموجبه السيد/ أحد عبد الرحمن من موقعه وزيرا للشئون الداخلية والرعاية الاجتماعية ولكنه وازن ذلك بإعفاء السيد/ بدر الدين سليمان من منصبه وزيرا للعمل وأمينا أول للاتحاد الاشتراكي وتعيين اللواء (م) محمد أحمد عبد القادر عمر أمينا عاما للاتحاد الاشتراكي، بينما أصبح د. حسن الترابي الأمين المساعد للشئون الاجتماعية والسياسية للاتحاد الاشتراكي.

وفي 24 أبريل 1984م افتقدت الحركة الإسلامية واحدا من دعاماتها بوفاة د. تجاني أبو جديري في حادث حركة في طريق القضارف حيث ذهب إلى هناك في ذات يوم مجيئه من السعودية لتفقد مشروعه الزراعي .. وقد حزن شباب الإخوان – على الأخص – على وفاة التجاني لأنه كان صديقا شخصيا لكثيرين منهم كما أنه كان مهتما بقضاياهم وفتح لكثيرين منهم أبواب العمل والدراسة خارج السودان ... حاولت بعض شرائح الأمن إلقاء ظلال من الريبة حول وفاة د. التجاني لخلق سوء تفاهم بين الحركة الإسلامية والنظام مدعية أن ذهاب التجاني لشرق السودان ارتبط بمحاولات لتهريب السلاح لداخل السودان ... وفي مايو 1984م نجحت المعارضة الإسلامية الليبية لأول مرة في تاريخ ليبيا الثورة من اقتحام عرين نظام القذافي أي القيادة العامة للجيش الليبي وضرب مركز وجود القذافي مما أحدث هزة عنيفة في نظام الأمن الليبي، كما أدى الحادث إلى زيادة التوتر ما بين ليبيا والسودان.

أدى تطبيق الشريعة إلى تحالف – من جانب واحد – الحركة الإسلامية مع النظام .. بينما لم ترد أي إشارة من النظام إلى أن خياره الإسلامي سيعني تحالفه مع الحركة الإسلامية الإخوانية ... بل عمد النظام إلى إعطاء إشارات مختلفة إلى أن خيار الشريعة ليس له علاقة بحركة الإخوان، كما عمد إلى إيجاد مداخل للشريعة متجاوزا قنوات الإخوان .. أدى تحالف الحركة الإسلامية مع نظام نميري في ظروف تحولات اقتصادية عاتية إلى انحسار جزئي في شعبية الحركة الإسلامية وسط قطاعات المهنيين والطلاب، واختارت الحركة الإسلامية خيار انحسار الشعبية وتثبيت مشروع الشريعة بموالاة تثبيت النظام على خيار ركوب موجة غضب المد الشعبي الناتجة من التحولات الاقتصادية والضائقة المعيشية .. واجتهدت الحركة في إقناع نميري بإجراء تعديلات جذرية في الدستور حتى تتوافق الوثيقة الدستورية مع حركة تطبيق الشريعة، واجتهدت الحركة في محاولات لصياغة الدستور من خلال رؤية إسلامية ... ولكن دخلت محاولات تعديل الدستور في متاهات صراع مراكز القوة داخل النظام ... اجتهدت الحركة الإسلامية في الدعوة لقيام مؤتمر عالمي عن تطبيق الشريعة يتوافق مع الذكرى الأولى لتطبيق الشريعة، وقد أعدت عشرات الدراسات المتعلقة بتطبيق الشريعة في السودان وردود الفعل الخارجية لحركة تطبيق الشريعة أوراق عمل للمؤتمر ... جاءت الاستجابة لهذا المؤتمر فوق تصور الحركة الإسلامية، حيث حضرت وفود من معظم بلاد العالم بالإضافة إلى ممثلي معظم الحركات الإسلامية في العالم والتي قل ما جمعها منبر واحد .

كما تواكب مع المؤتمر الإعداد لحشد تظاهري ضخم مليوني، وقد كيفت مسيرة تطبيق الشريعة بحيث تمثل كل مراحل دخول الإسلام في السودان .

وفي أجواء الاحتفالات وبرغم سعادة الرئيس نميري بأضواء المؤتمر وحشوده الجماهيرية التي باركت مشروع الشريعة إلا أن الرئيس نميري انتبه أن القوة التي وقفت وراء كل هذا العمل، - وهي الحركة الإسلامية – أصبح لها وحدها وجود وثقل يهدد أمن النظام ... وفي محاولة لهز ثقة الحركة بنفسها والاستخفاف بها لجأ الرئيس نميري لإطلاق تصريحات عدائية مثيرة واصفا فيها الإخوان، "بإخوان الشياطين" .

تفادت الحركة الإسلامية الدخول في مجابهة مع الرئيس نميري لأن ذلك يصب في خانة المعادين للشريعة كما يقوي فرص إضعافها، لذا آثرت الحركة صب طاقتها في تثبيت مشروع الشريعة بدلا من صرف الطاقات في مشاكسات نميري، بل وعملت قيادة الحركة على طمأنة نميري وباركت مشروع المبايعة الذي أعده مستشارو الرئيس لإعطاء وظيفة الرئاسة بعدا دينيا يقوم على عقد البيعة القائم على نصرة الدين والسمع والطاعة في المكره والمنشط ... وانتفاء عنصر الطاعة إذا تعلق الأمر بمعصية الله ... وفي 28 أكتوبر 1984م كشفت الحكومة عن مؤامرة بقيادة الأب فيليب عباس غبوش للإطاحة بالنظام ... اعتقل بموجبها 208 شخص كما اجتهدت جماعة محمود محمد طه – الحزب الجمهوري الإسلامي – في معارضة مشروع تطبيق الشريعة، مما أدى إلى اعتقال أعداد منهم وتبع ذلك في وقت لاحق اعتقال محمود محمد طه ... وفي ديسمبر 1984م تسربت معلومة عن تقرير أعدته الاستخبارات الأمريكية في 73 صفحة يفيد بأن الجيش هو الأداة الوحيدة ذات المقدرة على التغيير لأن السياسيين تتجاذبهم الولاءات السياسية والعرقية، وحذر التقرير من أن تذمر صغار الضباط قد يؤدي إلى ثورة تضر بمصالح الولايات المتحدة، وأشار التقرير إلى أسماء عدد من الضباط المرشحين للقيام بانقلاب عسكري ولم تضم القائمة الفريق/ عبد الرحمن سوار الذهب.

بدأت أخبار المجاعة تظهر منذ نهايات عام 1984م، وضربت المجاعة العرب الرحل وغرب السودان وشرقه، مما أدى إلى حركة نزوح عامة إلى المناطق النيلية وعلى الأخص المدن الكبيرة ... وما لبث أن تكاثرت أعداد المشردين والجائعين على العاصمة المثلثة، مطوقين العاصمة بحزام من الأحياء العشوائية البائسة، في وقت أخذت تزدهر في العاصمة ظاهرة قصور الفئات الجديدة بحدائقها الغناء والعربات الفارهة التي يمتطيها التجار والسياسيون وأثرياء المغتربين .. وانقسم المجتمع السوداني لأول مرة متمايزا ما بين الذين يولدون في العراء ويعيشون في العراء ويموتون مكفنين بضغوط الفقر والمرض والحاجة، وأخلاق الطبقة الجديدة بحشمها وخدمها وقصورها .. وتجلى ذلك التباين الاجتماعي في قصور الطبقات الجديدة وقد تناثرت حولها بيوت الكرتون والخشب والتي كانت تتغذى إما على خدمة أهل العمارات أو تتسول وتتبول بجانبهم، مما شوش على تجربة تطبيق الشريعة والتي لم تكيف خطابها لاستيعاب هذا التحدي الاجتماعي .

ظهر الخطر على تجربة الشريعة حينما ازداد اعتماد النظام سياسيا وغذائيا واقتصاديا على أمريكا ... وفي ظروف المجاعة ازدهر الدور الأمريكي حيث تدفقت الإغاثة الأمريكية، وأصبحت قطاعات كاملة من الشعب السوداني تعتمد على الذرة الأمريكية .. ولم ينافس الدور الأمريكي إلا الإغاثة السعودية والتي ركزت مجال عملها على شرق السودان ومنطقة الجنينة في غرب السودان، كما استطاعت الحركة الإسلامية أن تستقطب وكالات الغوث الخليجي والكويت والإمارات وقطر والتي نسقت جهودها مع منظمة الدعوة الإسلامية، والوكالة الإسلامية والإفريقية للإغاثة، ومع استفحال المجاعة إلا أن النظام اكتفى بإعلان مناطق غرب السودان مناطق كوارث ولكنه لم يتحرك لاستنهاض القوى الداخلية لمجابهة ظاهرة التصحر والجفاف والمجاعة، ومضى النظام في سياسات فوقية حيث تركزت الأبصار على اجتماع برلمان وادي النيل الذي عقد في القاهرة في 15 – 21 أكتوبر 1984م في ظل ضجة إعلامية لا معنى لها، إذ ما مغزى اجتماع البرلمانيين في وقت لا تثار فيه قضية موت وعناء ناخبيهم.

أطل عام 1985م والقضية الرئيسية التي تشغل بال الرأي العام السوداني هي قضية المجاعة التي لم يولها السودان الرسمي اهتماما يذكر ... إذ كان السودان الرسمي غارقا في قضايا الصراع على السلطة، وكان النائب الأول لرئيس الجمهورية غاضبا على الإخوان لأن قيادة الإخوان والتي تلت كبر إعداد التعديلات الدستورية والتي كان من المتوقع أن يجيزها مجلس الشعب، أسقطت الإشارة إلى المادة التي تنص على منصب النائب الأول ... مما أفهمه أن القيادة الإخوانية التي طالما مد يده إليها تتآمر للإطاحة به، وتوافق مع ذلك أن حاول النائب الأول إعطاء انطباع لشخصية عربية بأنه في طريقه لوراثة النظام، ونقلت تلك الشخصية انطباعها للرئيس نميري، وقام الرئيس نميري بمجابهة اللواء عمر محمد الطيب ... بما نقل إليه مما أدى إلى أزمة ثقة بين اللواء عمر وقيادة الإخوان .. واجتهد الرئيس نميري في أن يضرب الجميع ببعض، كما زاد من تعميق الأزمة قيام القاضي أحمد محجوب حاج نور بمحاكمة شقيق اللواء عمر محمد الطيب في محاكم العدالة رافضا تشفعات الشفعاء .

كيف النائب الأول خطابه ضد الحركة الإسلامية في الحملة الشرسة التي صبت جام غضبها على المصارف الإسلامية متهمة إياها بالمتاجرة في تصدير الذرة مما أدى إلى المجاعة وتهريب العملة ... إلخ ... ولم يتوان نميري في مباركة الحملة "فرق تسد" ... وبينما كانت حملة النظام تتصاعد ضد الحركة الإسلامية تسابق الرئيس نميري ونائبه الأول في خطب ود أمريكا فيما عرف بقضية تهريب الفلاشا ... والتي أخذت أسرارها تظهر في الصحافة الغربية والعربية على حد سواء ... كذلك سربت القيادة الإخوانية أخبار تهريب طائفة الفلاشا من معسكراتهم في شرق السودان إلى مطار الخرطوم وبالطائرات إلى إسرائيل إلى الصحف الحائطية التابعة للاتجاه الإسلامي في الجامعات، مما جعل الجماهير تتدافع على الجامعة لتعلم بأسرار فضيحة العصر ... وبالرغم من سخط الإدارة الأمريكية على حركة تطبيق الشريعة إلا أنها تغاضت عن ذلك لأن الرئيس نميري وازن ذلك بالسماح بتهريب الفلاشا إلى إسرائيل ... ويبدو أن الإدارة الأمريكية ارتضت هذا العربون الذي هلل له اللوبي الصهيوني الذي يسيطر على أمريكا إعلاميا واقتصاديا، وكان اللوبي الصهيوني حريصا على ألا ينفرط عقد نظام نميري حتى لا يختل أمر تهريب الفلاشا ... وفي هذا الظرف بدأت قيادة الإخوان تحس أن مستقبل أيامها مع النظام آخذ في التناقص، وابتداء من منتصف يناير 1985م أبدى د. الترابي زهده في مواصلة العمل السياسي في أجهزة النظام متعللا بالتفرغ للتدريس في جامعة الخرطوم وغير ذلك.

دخل النظام على عام 1985م وهو محاصر ما بين المجاعة وحرب الجنوب وفضيحة تهريب الفلاشا وصراع الاستوائيين والدينكا حول تقسيم جنوب السودان إلى ثلاث مديريات مع تدهور الأوضاع الاقتصادية وشلل التنظيم السياسي وظرف الجفاء والخصام ما بين النظام والإخوان ... وفي يناير 1985م وصل المتمردون إلى مدينة منقلا (74 ميلا شرق جوبا) واستطاعوا إسقاط طائرة عسكرية ضخمة ... كما أوقفت أمريكا إمداداتها العسكرية للسودان، وهنا قام الرئيس نميري بتعيين الفريق عبد الرحمن سوار الذهب وزيرا للدفاع وقائدا عاما لقوات الشعب المسلحة ويبدو أن الرئيس نميري أراد أن يجعل سوار الذهب كبش الفداء لمآل تدهور الأوضاع المرتقب في الجنوب.

تصادف ذلك مع إصدار محكمة ابتدائية أمرا بإعدام محمود محمد طه وعدد من أعوانه بتهمة الردة، وقام الرئيس نميري بالتصديق على إعدام محمود في بيان مطول في ليلة 17 يناير 1985م، وفي صبيحة يوم 18 يناير 1985م تم إعدام محمود محمد طه ... أدى إعدام محمود محمد طه إلى صدمة رهيبة وسط قطاع العلمانيين بما في ذلك المتحالفين مع النظام ... واعتبر العديدون منهم أن هذا بمثابة إعلان حرب على العلمانيين والدهريين واللا دينية، وأن هناك إمكانية لأن يطالهم الدور ... مما قاد إلى تداعي حركة المثقفين والمنتفعين بالنظام الذين ما عادوا راغبين في إطالة عمر تعاونهم مع النظام أو حتى الانتماء إليه ... أدى إعدام محمود محمد طه إلى تصاعد حملة عالمية على نظام نميري في الخارج، كما أقيمت في لندن ليلة لتأبين محمود ظهر فيها د. خليل عثمان وأحمد إبراهيم دريج وعدد من عناصر المعارضة .. ولكن سكت الإعلام العالمي الذي يسيطر عليه الصهيونية حتى لا يفسد أمر تهجير الفلاشا ... ومهما يكن فإن الضغوط الدولية والمحلية اضطرت الرئيس نميري للشروع في حملة انتقاد لاستراتيجية العدالة الناجزة، وأصدر الرئيس نميري في 24 يناير أمرا يدعو فيه إلى إعادة النظر في محاكم العدالة الناجزة

بدأت عناصر بعض الأحزاب والنقابات تحركا في غاية الكتمان لتكوين معارضة للإطاحة بالنظام وانتهز رموز هذا التحرك قيام نائب الرئيس الأمريكي جورج بوش وعقيلته بزيارة السودان في 4 مارس 1985م فاجتمعوا به في السفارة الأمريكية رافعين إليه مذكرة طالبين من أمريكا رفع يدها عن النظام .. امتدت زيارة نائب الرئيس الأمريكي لمدة ثلاثة أيام حيث وقف على أوضاع النازحين في كردفان وغيرها وكذلك معسكرات اللاجئين الإرتريين في شرق السودان، كما قام بتسليم رسالة من الرئيس ريجان للرئيس نميري، كما سعى بوش لتسهيل خروج ما تبقى من الفلاشا الذين ذهب ووقف بنفسه على حقيقة أوضاعهم في شرق السودان ... وكان بوش يطمع بذلك في نيل رضاء ومباركة اللوبي الصهيوني حتى يؤمن انحيازهم له في معركة الرئاسة في عام 1987م ... كما دعا بوش الرئيس نميري لتصفية حركة تطبيق الشريعة وتصفية المؤسسات الإسلامية الاقتصادية .

كانت مصر كذلك متضجرة من توجهات الرئيس نميري، وقاد أسامة الباز وبطرس غالي تيارا يدعو لإنهاء دور الرئيس نميري لأنه أصبح عبئا على السياسة المصرية، وخروجه على أعراف السياسة الإقليمية بانتهاجه لخط تطبيق الشريعة، بينما كان المشير أبو غزالة مؤيدا لضرورة استمرار دعم نظام نميري .

وفي مارس 1985م باغت الرئيس نميري حلفاءه الإخوان ببيان إذاعي أعلنهم فيه بالحرب واتهمهم بالإعداد لمؤامرة للإطاحة بالحكومة، وكانت أجهزة الأمن قد سبقت بيان نميري واعتقلت قادة الإخوان في ليلهم استطاعت القيادة البديلة للحركة الإسلامية أن تجتمع في ظهيرة ذات يوم 10 مارس 1985م، إلا أن القيادة البديلة افتقرت لخطة تحرك سياسي حيث أضاعت وقتا ثمينا في معرفة اتجاه الأحداث وجس نبض نميري ومعرفة حقيقة نواياه ... وإن كان ثمة خط رجعة ... وحاولت الحركة أن تمد خطوط الاتصال بالنظام بدلا من تأجيج الصراع وقيادة حركة المعارضة ... وفي 24 مارس 1985م قام أربعمائة طالب من الجامعة جلهم من الإسلاميين وبقيادة اتحادهم الذي يسيطر عليه شباب حزب الأمة بالتظاهر وإحراق ناقلة وقود في جمعية ود نميري التعاونية، مما أدى إلى انتقال الحريق إلى أصول الجمعية محدثا خسائر قدرت بعشرة ملايين دولار أمريكي .. وقامت السلطات بإغلاق الجامعة وتحميل الإخوان المسلمين خطة التدبير والتدمير ... وفي 25 مارس 1985م تظاهر طلاب جامعة القاهرة الفرع وطلاب الكليات التكنولوجية الذين انضمت إليهم أعداد كبيرة من الجماهير التي سارعت لتحطيم واجهات المحلات التجارية والعربات الفارهة فيما عرف بثورة الشماسة وأجبرت المظاهرات الرئيس نميري الذي كان يتأهب للسفر إلى أمريكا لتغيير خط سيره في ظهيرة يوم 25 مارس 1985م ليتمكن من الوصول للمطار .

تواصلت المظاهرات طيلة يوم وليلة 26 مارس ثم دخل الأطباء في إضراب مفتوح اعتقل على إثره كل من د. الجزولي دفع الله ود. حسين أبو صالح .. وفي 3 أبريل حاول اللواء عمر محمد الطيب امتصاص حركة الانتفاضة الشعبية المتزايدة بإعلان عزم الحكومة على تخفيض سعر الخبز وعدد من السلع الاستهلاكية الأخرى .. وفي 3 أبريل 1985م دعا تجمع النقابات لمسيرة جماهيرية قدر المشاركون فيها بعشرين ألف شخص وتبنت المسيرة دعوة الإضراب السياسي ... كشف النظام عن ضعفه وعزوف الجماهير عنه حينما حاول حشد جماهيره، حيث كان الأمر مجرد مهزلة أدت إلى تجريد النظام من دعوة الشعبية التي طالما تشدق بها ... وفي هذا الظرف نشطت حلق صغار الضباط في مناقشة الأوضاع وانتبهت قيادتهم لحقيقة الموقف وخشيت من حدوث انقسام أو انقلاب، ونشط الفريق عبد الرحمن سوار الذهب في القيام بجولات تنويرية لاستكشاف حقيقة الأوضاع وشرح موقف القيادة، وأخيرا انعقد إجماع الضباط على الإطاحة بالرئيس نميري وإقامة حكومة انتقالية ذات شقين عسكري ومدني .

وفي يوم الجمعة 5 أبريل 1985م أم السيد/ الصادق المهدي الأنصار في صلاة الجمعة وخطب المصلين حاضا إياهم على المقاومة ودعا العسكريين للإطاحة بالنظام، وفي ذات اليوم وقع السيد/ الصادق مع آخرين ميثاق التجمع، وفي ذات يوم الجمعة قامت قيادة الجيش بالتمركز في المواقع الحيوية ومراكز السلطة وأغلقت سماء السودان في وجه الملاحة الجوية .

وفي صباح السبت السادس من أبريل 1985م وصل الرئيس نميري للقاهرة حيث استقبله الرئيس حسني مبارك في المطار ومن دون بساط أحمر، واجتمع به لمدة خمسين دقيقة مطلعا إياه على حقيقة الأحوال في السودان وأن قيادة الجيش قد استلمت السلطة ... لم يقتنع الرئيس نميري وبدأ مصمما على الذهاب للسودان ولكن رفض قائد طائرته الامتثال مما اضطره لقبول ضيافة الرئيس المصري ... وفي صبيحة 15 رجب الأغر 1405 هـ الموافق 6 أبريل 1985م أعلن الفريق عبد الرحمن سوار الذهب الاستيلاء على السلطة وسط فرحة جماهيرية غامرة ... حيث اندفعت الجماهير إلى الشوارع دون أن تكمل سماع كل نص البيان الذي نص على:

1 – إيقاف العمل بالدستور.

2 – إعلان حالة الطوارئ في كل البلاد.

3 – الإطاحة برئيس الجمهورية ونوابه ومعاونيه ومستشاريه ووزرائه المركزيين والإقليميين.

4 – إقالة حكام الأقاليم ومعتمد العاصمة ونقل سلطاتهم لقادة الوحدات العسكرية.

وتبع ذلك بيان تشكيل المجلس العسكري الانتقالي وحل جهاز الأمن، وكان القذافي أول من اعترف بالوضع الجديد ... أما مصر فقد اعتبرت ما حدث مسألة داخلية، أما الولايات المتحدة فقد أصدرت بيانا متحفظا أفاد بأن الرعايا الأمريكيين بخير وأن الإدارة الأمريكية تقيم الموقف.

حاول اليساريون المزايدة داعين الجماهير لمواصلة الإضراب السياسي حتى يقوم العسكريون بتسليم السلطة للمدنيين ... كما وجه العقيد جون قرنق قائد حركة التمرد بيانا يدعو فيه العسكريين لتسليم السلطة لتجمع النقابات في ظرف أسبوع، ولكن لم يعبأ أحد بذلك في غمرة تلاحم الحركة الشعبية مع المؤسسة العسكرية وكان ذلك إطلالة قسمات نظام جديد.  

المبحث الثاني: تطور التنظيم وكسب الحركة

الفصل السادس: التطور التنظيمي للحركة الإسلامية 1969م1985م

مرحلة الجمود والترقب 19691973م

بانصرام ليلة 26 مايو 1969م ما عاد لتنظيم الإخوان المسلمين وجود تنظيمي ذو فاعلية، إذ اعتقلت كل قيادة المكتب التنفيذي وانتقلت القيادة إلى مكتب الخرطوم الداخلي، ونجح هذا المكتب في تنظيم معارضة محدودة تمثلت في مظاهرات المولد وتشييع جثمان الأزهري وتوزيع بعض المنشورات ... وكان ثمن ذلك النشاط المحدود باهظا إذ اعتقلت العناصر الإخوانية المتحركة مما شل إمكانات المكتب البشرية وتمحور النشاط بعدا بين قطاع الطلاب ذاتي التسيير، وأصبح التنظيم أشبه بالجمعية الخيرية لا الحركة السياسية التي تسعى للسيطرة على جهاز الدولة ... وانصب جهد الجمعية الخيرية في جمع الاشتراكات وتوزيع ما تيسر على أسر المعتقلين.

وقع انقلاب مايو 1969م والحركة الإسلامية في ظروف انتقال وعبور من تنظيم صغير إلى حركة سياسية جماهيرية، وظروف الانتقال عادة ما تكون حبلى بالمجابهات كما تجلى في المؤتمر العام [[الإخوان|للإخوان المسلمين]]، حيث تبارز الأعضاء حول إشكاليات التربية والسياسة، ومنهج العمل والتغيير وبينما كان خطباء الإخوان يتبارون في تصنيف مناقب التربية ومتاهات دنيا السياسة كان هناك عمل سياسي كبير يتم الإعداد له، تبناه الإخوان حينما وجدوا أنفسهم في زنازين سجن كوبر التي وفرت الوقت والطاقة لاستكمال ذيول ذلك النقاش وتعويض ما فاتهم من فرص التربية والتزكية.

منذ صبيحة يوم الانقلاب تقلص تيار الحركة الإسلامية وحصرت القيادة الجديدة الصغيرة نفسها في دائرة الإخوان مستثنية جماهير جبهة الميثاق التي رفع عنها تلقائيا تكليف التضحية والجهاد، لأن القيادة الجديدة قدرت أن دائرة تكليفها قد ينوء بها حتى بعض الإخوان فكيف بجماهير الجبهة التي قامت علاقاتها على أسس فضفاضة، وشاركت القيادة الجديدة في الإعداد لحركة الجزيرة أبا وحصرت أسماء الطلاب الراغبين في التدريب والجهاد، ومواصلة الاتصال ببعض رموز العمل الإخواني في الأقاليم، ولم تتعد قدرات المكتب سوى إدارة شئون التنظيم من جمع الاشتراكات في حدود مائة جنيه شهريا وتوصيل البلاغات التنظيمية، تكون المكتب من خمسة أعضاء وتركز في العاصمة التي قسمت إلى أربع مناطق بالإضافة إلى مسئول الأقاليم الذي كان يقوم بين الحين والآخر بجولة في المناطق التي ما يزال فيها بعض الإخوان "الحصاحيصا، مدني، سنار، الأبيض ...".

لم يكن هذا التقلص التنظيمي ناتجا فقط عن اعتقال القيادة، وبطش أجهزة الأمن ورجحان كفة اليسار ولكن كان كذلك بسبب حالة الإحباط والخمود التي أصابت الإسلاميين بعد حل الجمعية التأسيسية وسقوط معظم قياداتهم في انتخابات عام 1968م النيابية وما أعقب ذلك من انكفاء داخلي وتشويش فكري وتنظيمي "جبهة أم إخوان، تربية أم سياسة؟ نوع أم كم؟" ونما داخل التنظيم تيار ناقد لحركة تكثيف الانتشار السياسي، وفي وسط الطلاب تيار استغنى عن السياسة بالإحاطة بآداب الفقه ودراسات السلف، وقامت كل تلك الضجة على تنظيم ضعيف المركز والبنية ... كان في حالة جمود طيلة ست سنوات 58 – 64 واستيقظ فجأة على داعي تحديات جسام وثورة سياسية قذفت به في قلب حركة السياسة والوزارة وتشكيل الحكومات، وإعداد دستورها، والسيطرة على أجهزتها ... لم تمهل أحداث ما بعد أكتوبر 1964م قيادة التنظيم لتتمعن في الركائز التنظيمية – إن كانت هناك ركائز باقية – التي تقوم عليها الحركة، وإنما تمددت لتملأ الفراغ المتعطش لوجود حركة إسلامية تكون بمثابة العقل للأشواق الإسلامية الكامنة في نفوس الجماهير والتي طالما أخطأت التعبير عن نفسها، حينما تحكمها العواطف لا الحكمة، كما كان هناك داعي منازلة الشيوعيين ومجابهة تحديهم وإبعاد خطرهم بالإضافة إلى تحدي موازنة منابر التكييف العلماني في مختلف الأحزاب، وهكذا وجدت الحركة نفسها مستغرقة في ردود الفعل من نزال إلى نزال إلى أن أنزلت في ضيافة سجن كوبر .

فتر حماس الجماهير التي تدافعت للحركة وبايعتها فيما بعد أكتوبر 1964م وتبددت طاقاتها في الاستجابات العفوية لكيد الخصوم ومناوراتهم السياسية وهزائم الإسلاميين في انتخابات عام 1968م وما تلا ذلك من مناقشات صفوية عقيمة على صفحات جريدة الجبهة "الميثاق" ... بينما كان ما ينقص الجماهير مشروع عمل إسلامي واقعي تنصب فيه الجهود وتحترق فيه الأشواق والطاقات ... وحينما دوى صوت الضباط الأحرار ببياناتهم القوية وزيهم المتميز وسلاحهم المشهور حسبت الجماهير أن عهد الحركة الإسلامية قد ولى، إذ طوحت بهم الديمقراطية في 1968م وسيبتلع البقية يسار العسكر الذي بدا فاغرا فاه في مايو 1969م ... وجاءت أحداث صراع الجامعة وحل اتحادها ثم اقتحام الجزيرة أبا فأكد مقولة المتشائمين وأفغر أفواه المتفائلين.

وظهرت أولى إشارات الصحوة التنظيمية حينما تغير وضع القيادة الإسلامية من السجن للتحفظ المنزلي، ابتداء من بدايات عام 1972م حيث والى نفر من الإخوان التسلل إلى منازل أعضاء القيادة "ترابي، يسن، صادق" ونشط عدد من الطلاب في التسلل إلى منزل د. الترابي حيث كانوا يتلقون بادرات فكرهم في التنظيم كما كانوا يغذونه بالمعلومات .. وحدث تعديل طفيف في نظام التنظيم حينما أصبح ربيع حسن أحمد مسئولا عن مكتب الطلاب، وفي إطار تعديل الجهاز الطلابي وزيادة فاعليته أصبح مكتب الثانويات مكتبا قائما بذاته ولا يتبع – كما كان سابقا – لمسئول الجامعة ... وأصبح مسئول مكتب الثانويات يستمد صلاحيته من مسئول الطلاب المركزي ... وشهد صيف عام 1972م (أبريليونيو) أول جهد لاستقطاب وتجنيد الطلاب تحت شعارات التحديث والتجديد والأسر المفتوحة .. واستدعت ظروف العمل الصيفي استقطاب إدارة جديدة ... كما دبت الحياة في مكتب العاصمة والأقاليم ونشط بعض القادة الجدد في تكثيف الاتصال ما بين القواعد والقيادة رهينة الحبس المنزلي، وبدأت الحياة تدب من جديد في مكتب العمال والمكتب الثقافي وزادت حصيلة الاشتراكات التي ما عادت تصب كلها في الأوجه الخيرية الإصلاحية.

وانتعشت حركة التنظيم في ظروف شعبان، وجمعت منابر العمل السياسي ما بين بهاء الدين حنفي ود. زكريا بشير ود. جعفر شيخ إدريس، وكسب التنظيم المئات من العناصر الشابة الجديدة، كما دبت الحياة في صفوف القواعد التنظيمية القديمة، كما صهرت تجربة السجن والثورة العديد من القيادات الجديدة، وفي ظروف شعبان تم وضع نواة "التنظيم الخاص" الذي اجتهد في حرق أكشاك "توتو كورة" وحماية القيادات وتولي بعض المسئوليات المحفوفة بالمخاطر .

وفي فبراير 1974م أفرج عن القيادة الإسلامية بعد اعتقالها مرة أخرى بعد قضاء ستة أشهر وعشرة أيام .. وهي فترة الحبس التحفظي، ولكنها خرجت هذه المرة مرفوعة الرأس حيث أحست أنها تستند على شيء، في ظروف حماس وإقبال على التنظيم، وأعيد لأول مرة انتخاب مجلس الشورى والذي كان في حالة بيات شتوي منذ مؤتمر مارس 1969م وقام عليه مكتب تنفيذي، وأعيد تشكيل المكتب التنفيذي فأصبح يتكون من مكتب للعاصمة وآخر للأقاليم ومكتب للطلاب ومكتب ثقافي ومكتب للاتصال الخارجي، وشهدت الفترة 19741975م ميلاد اللوائح التنظيمية والتي عكف د. الترابي على صياغتها في منزله بالمنشية، وفي ظل تدفق اللوائح التي حددت اختصاصات كل مكتب وطبيعة وظائفه وهياكله وكيفية اتخاذ القرار فيه وصلته بالمكاتب الأخرى .. وفي ظل هذه الثورة اللائحية أصبحت دورة كل من الأمين العام ومجلس الشورى أربع سنوات، وقام المكتب التنفيذي على شعبتين هما المكتب الإداري والمكتب السياسي، وضمت الشعبة الإدارية خمس مجموعات من الأجهزة والأغراض هي مكتب التنظيم العام الذي يتصل هه بالإحاطة بالإخوان وتنظيمهم وحصرهم ووصلهم بالقيادة، وتندرج تحته مكاتب العاصمة والأقاليم، ويشرف كل مكتب على ما يليه من المناطق والشعب والأسر والإخوان ... المجموعة الثانية وهي المكاتب الفئوية التي تلي الإخوان من حيث الفئات التي يعملون فيها، وتتكون من مكاتب إقليمية وفرعية وتعمل مستقلة من خلال علاقات التنسيق "مكتب طلاب، معلمين، عمال، مهنيين، موظفين، تجار، مزارعين"، والمجموعة الثالثة هي مكاتب متخصصة للدعوة، وليس لها من ولاية أو صلة مباشرة بقاعدة الإخوان، وإنما تتوسط إليهم بالتنظيمات الداخلية العامة والفئوية وترعى وظائف شئون النساء، نشر الدعوة، الثقافة، العمل الاجتماعي والثقافي .. والمجموعة الرابعة هي المكتب المالي، صندوق الخريجين والميزانية والصندوق الخيري والاستثمار ... والمجموعة الخامسة هي مكتب العلاقات الخارجية ويرعى المغتربين وعلاقات الحركات الإسلامية ورصد الحركات الأخرى .. أما شعبة المكتب السياسي فتتكون من أعضاء المكتب الراتبين بالإضافة إلى أشخاص بحكم مناصبهم، وهم رئيس المكتب الإداري ومسئول المكتب الداخلي ومسئول مكتب الفئات .

رفعت حركة شعبان أسهم الحركة في الداخل والخارج ... وأصبحت الفاعليات السياسية والنقابية تتوخى التنسيق مع الحركة وتتحرى خطاب الحركة في مختلف القضايا .. كما ازدهر إقبال الطلاب على الانتظام في الحركة، وارتفع عدد الإخوان وعمرت المساجد بحلق الإخوان وأسرهم المفتوحة، كما وفق مكتب الاتصال الخارجي في تنظيم حركة الإخوان في أوروبا في إطار التنظيم الدولي والذي قاده الإخوان السودانيون .. كما امتدت يد التنظيم إلى مجموعة الإخوان الموجودة في نيجيريا وتجمعات الإخوان في السعودية ودول الخليج حيث انتظم تدفق الاشتراكات ووصلت هذه التجمعات بالتطور التنظيمي الحادث في السودان، وبدأ التنظيم الجديد يؤتي أكله، وحدثت طفرة في كتابة التقارير والإحصائيات ووضع التصورات والتخطيط، مما مكن القيادة لأول مرة من تلمس المقدرات الحقيقية للتنظيم .. كما تواصل دور التنظيم في الجبهة الوطنية في الخارج عن طريق الأستاذ/ عثمان خالد أمينها العام

بدأ المكتب الخاص يتلمس طريقه في تدريب الإخوان وتأهيلهم لمتطلبات الفداء والجهاد، وكانت مشكلة المشاكل الأرض التي ينطلقون منها والتغطية الأمنية بالإضافة إلى تكاليف التسيير الباهظة .. بدأ المكتب يتلمس طريقه مع الإرتريين ولكن المجموعة المناط بها إعداد الأرض والسلاح فشلت ولم يسمع عنها الإخوان شيئا، واتجهت الحركة بعد ذلك صوت تشاد ولكن تقلبات الحركة السياسية التشادية وتداخلاتها الخارجية جعلت من المستحيل الدخول معهم في نشاط محفوف بالمكاره والمخاطر .. وفي منتصف عام 1974م ونتيجة للوزن والثقل الذي ظهرت به الجبهة بعد حركة شعبان آتت جهود عثمان خالد أكلها في ليبيا، وفتحت أبواب ليبيا لشباب الإخوان ليتدربوا على استخدام السلاح .. وبدأت الأمور تسير منتظمة في الداخل والخارج مما دفع بتطلعات القيادة التي رنت بنظرها لقيام حركة إسلامية قومية تستوعب في إطارها الجبهة الوطنية، ولكن تسربت الأوراق المتعلقة بهذه الاستراتيجية إلى أجهزة الأمن التي لم تتعب كثيرا في التعرف على أسلوب د. الترابي مما أدى إلى اعتقاله، مما أحدث انحسارا في حركة الانطلاق التنظيمي، وقبل أن تتبلور آثار اعتقال القيادة على حركة البناء التنظيمي دخل التنظيم في تجربة انقلاب المقدم/ حسن حسين مما أدى إلى حركة اعتقالات كبيرة وسط الإخوان ومحاصرة شاملة للتنظيم بعد أن ثبت وجود عامل إخواني في الانقلاب، كما نما لعلم النظام أن الإخوان كانوا وراء تهريب القاضي عبد الرحمن إدريس من معتقله في زنازين الأمن إلى لندن ... نجحت السلطات الأمنية في تسديد ضربات محكمة للتنظيم في ما بعد الانقلاب .. وألقت القبض على المئات وكان من بينهم معظم مسئولي المكتب الجديد وأمينه المناوب وعدد كبير من رؤساء الشعب والنقابيين وقيادات العمل الطلابي، كما وقع في قبضة الأمن مكتب الثانويات بكامل عضويته مما أدى إلى تقلص الوجود التنظيمي في معظم المدارس، كما تم احتجاز وفصل كل قيادات الاتجاه الإسلامي بجامعة الخرطوم مما أدى إلى تناقص العضوية بنسبة وصلت إلى 40% نتيجة للاعتقال والفصل وخروج أعداد كبيرة من العضوية إلى خارج السودان.

ركزت القيادة التنظيمية البديلة جل جهدها لضمان أمن الجماعة وإن استمر عمل محدود في نطاق الأسر والمساجد وجمع الاشتراكات .. وابتداء من عام 1976م تمحور نشاط التنظيم في السجن وخارج السودان .. أما في السجن فقد أدت تجربة السجن إلى صهر وصناعة مئات القيادات الشابة .. وحفظ العشرات القرآن الكريم وتعرفوا على أمهات الكتب وناقشوا أوضاع الحركة الإسلامية عالميا ومحليا، ووصلوا إلى قناعات متقاربة في كثير من القضايا ... ومثلت فترة السجن فترة تجانس وتكامل فكري ونفسي وتعارف وتكييف للأمزجة والثقافات واستكشاف للمهارات والقدرات ... وكانت معنويات الإخوان مرتفعة وأحسوا بأنهم يولدون من جديد وأن مستقبل السودان رهين بهم .. وقد جاءت هذه القناعة لاحتكاكهم بقيادات الأحزاب واليساريين مما جعلهم يلمسون تفوق قيادتهم وتفوق كوادرهم وتفوق ثقافتهم ورؤيتهم لقضايا السودان .. لذا حينما هبت رياح المصالحة كانت الحركة الإسلامية جاهزة للدخول في مرحلة انطلاق، على أساس البنية التنظيمية التي تم إرساء أسسها وقواعدها بعد فبراير 1974م ... وعليه فقد وجدت كل عناصر المشروع الناجح، الكوادر الجاهزة المستعدة للعمل والتصورات المكتملة والقدرات المادية بانتظام مدد الاشتراكات في الداخل والخارج.

قام العمل التنظيمي الذي استؤنف بعد المصالحة على ذات الهندسة التنظيمية التي اكتمل بناؤها في عام 1975م ... وتم تشكيل الأجهزة التنظيمية من أعلى مستوياتها "مجلس الشورى" إلى الوحدات القاعدية، وانعقد المؤتمر العام على دفعات لتفادي التعقيدات الأمنية .. وانتخب مجلس الشورى الجديد ضاما عناصر الشباب التي أظهرتها ثورة شعبان ... وأجريت تعديلا في وقت لاحق على اللوائح التنظيمية فظهرت الأمانات "أمانة الشئون الخارجية، أمانة الفئات، أمانة التنظيم، أمانة الطلاب، أمانة الدعوة ... إلخ" وتميز العمل في ظروف المصالحة بما عرف "بالانفتاح التنظيمي" وأصبح للإخوان وجود أفقي على مستوى الأحياء والمساجد، عماده الأسرة ذات الوظائف المختلفة .. حيث ألغيت وظيفة الأسرة بوصفها أداة تأصيل ثقافي وحصلت محلها الأسرة وحدة تنظيمية حركية ذات وظائف إدارية وسياسية "جمع الاشتراكات، رصد المعلومات، تنزيل البلاغات ... إلخ"، بينما أصبحت الثقافة نشاطا مفتوحا يمارس خارج نطاق الأسرة لمصلحة المجتمع العريض، وإن قامت الأسرة بتنظيمه والإشراف عليه، وتكامل مع هذا الوجود الأفقي وجود رأسي على مستوى أجهزة الدولة والمؤسسات الأخرى، حيث قام كيان إخواني يستند على الوجود الإخواني وينسق نشاطات الإخوان في مواقع عملهم.

اتسع التنظيم ونمت أجهزته بصورة سريعة على الأخص في مجال الطلاب، حيث توفرت لأمانة الطلاب العناصر التي أنضجتها انتفاضة شعبان والجهاد المسلح وتجربة السجن، واستطاعت هذه العناصر أن تنبت عملا وفكرا بين صفوف الشباب في مختلف أنحاء السودان ... ونهضت تنظيمات الإخوان الطلابية في دارفور وشرق السودان والمناطق القصية الأخرى، واستكمل ذلك البناء حينما اخترقت أمانة الطلاب مناطق الستار الغابي والكنسي في جنوب السودان ... وأقامت تنظيمات للإخوان في جوبا وواو وملكال جاءت بعض عناصرها من المسيحية للحركة الإسلامية، واكتمل نظام العمل الإسلامي الطلابي في جنوب السودان بقيام تنظيم جامعة جوبا ضاما لأول مرة طلابا من الجنوب والشمال في بنية تنظيمية واحدة ... اتسعت وظائف أمانة الطلاب حيث أصبح هناك إدارة للجامعات وإدارة لتعليم العام وإدارة للخارج، ونجحت إدارة الخارج في تحريك العمل الإسلامي في مصر وباكستان والمغرب مما أدى إلى قيام تنظيمات إسلامية فعالة تمكنت من الاستحواذ على رضا الطلاب وتسيير جمعياتهم واتحاداتهم، كما نجح مكتب الطلاب في إعادة بناء الصف الإسلامي في جامعة القاهرة فرع الخرطوم على المستوى الأفقي وسط طلاب الجامعة في الأحياء والمستوى الرأسي في الجامعة وكلياتها، مما مكن من إيجاد حالة إسلامية في جامعة القاهرة فرع الخرطوم ... هذه الجامعة التي كانت تعد إحدى مناطق التفريخ اليساري ... وبسيادة التيار الإسلامي في جامعة القاهرة فرع الخرطوم تمت عمليا محاصرة كل مناطق الضخ العلماني وسط قطاع الطلاب.

نهضت أمانة الشئون الخارجية بعبء الحوار والتنسيق مع الحركات الإسلامية والتحررية على نطاق العالم، ودخلت في علاقات تنسيق وتفاهم مع التنظيم الدولي [[الإخوان|للإخوان المسلمين]] والجماعات الإسلامية في باكستان والحركة الإسلامية في تركيا والمنظمات والجماعات الإسلامية في أمريكا وأوروبا ومختلف هيئات الدعوة والإرشاد في العالمين العربي والإسلامي ... كما جتهدت في إيجاد أندية لحركات إسلامية في مختلف البلاد الإفريقية والعربية "إرتريا، تشاد، إثيوبيا، الصومال، جيبوتي، تنزانيا، غرب إفريقيا، إلخ" ... وبرز دور الإخوان السودانيين في قيادة العمل الإسلامي في أوروبا وأمريكا، حيث أصبح د. الأمين محمد عثمان مسئولا عن حركة تنظيم الإخوان المسلمين الدولي في المملكة المتحدة وأوروبا ... وأحمد عثمان مكي عن أمريكا وكندا .. كما وقع الاختيار على عدد من الإخوان السودانيين ليكونوا رؤساء لاتحاد الطلاب المسلمين في أمريكا والاتحاد العام للجمعيات الإسلامية في المملكة المتحدة ... ويمكن اختصار مدى النهضة وسط الطلاب أنه حينما أطل عام 1980م ضاعفت الحركة وجودها ثلاث مرات ... وحدثت صحوة تنظيمية وسط قطاع الفئات فنهضت قيادات إسلامية لنقابات الأطباء والزراعيين والموظفين، كما فازت الحركة بمقاعد نقابة عمال السكة حديد ذات الهيبة والتاريخ ومقاعد نقابة معلمي الثانويات، وقد جاء ذلك في ظروف استراتيجية الحركة بمضاعفة عضويتها عشر مرات ... وحالف التوفيق عمل الحركة وسط النساء ونجحت الحركة في استقطاب حركة تقدم المرأة ونهضتها في اتجاه الإسلام، وربما كان هذا الإنجاز من أكبر إنجازات الحركة في إطار إحكام حركة التوجه الحضاري للسودان ... إذ تعرف توجهات المجتمعات بمركز المرأة فيها، ووضعية المرأة في أي مجتمع تشير إلى توجه هذا المجتمع ونوعية عقليته علمانية أم إسلامية ... وحيث تتجه حركة تقدم المرأة في اتجاه المجتمع المفتوح الذي تتفشى فيه العقلية التجارية وقانون السوق تصبح المرأة أداة للمتعة، والترويج التجاري والإعلاني، فإن المجتمع ضربة لازب وقضاء محتوما يكون مجتمعنا علمانيا، وحينما تسود عقلية مجتمع المشاركة وتقود المرأة قيمة التمسك بتعاليم الإسلام فلن تفلح كل تدابير نشر العلمانية وإيقاف المد الإسلامي ... لأن المرأة هي الحفيظة على التقاليد وتربية النشء، لذا فحينما تتمثل نهضة المرأة خط التوجه الإسلامي فإن مجمل اتجاه مستقبل حركة الحياة يظل في خط الإسلام صاعدا مهما تصاعدت تدابير الكيد العلماني.

استدعى التوسع المطرد في الحركة الإسلامية واتساع خطابها محليا وعالميا ... النظر في دستورها الذي ظل جامدا على هيكلية الخمسينيات .. لذا فقد كون المكتب التنفيذي لجنة لإعداد وصياغة دستور جديد في نهاية عام 1981م، وأجاز مجلس الشورى تكوين اللجنة المصغرة التي روعي فيها تمثيل مختلف قطاعات وأوجه الرأي في التنظيم، ووالت اللجنة اجتماعاتها وانتهت من إعداد مسودة في بداية عام 1982م وقادم د. الترابي بعمل الصياغة النهائية للمسودة، وأجاز مجلس شورى الجماعة الدستور في فبراير 1982م ورفع بعد ذلك الدستور للمؤتمر العام للجماعة حيث تمت إجازته كذلك .

جاء الدستور الجديد محتويا على مقدمة تعريفية وثماني وستين مادة ضمتها ثلاث وعشرون صفحة "كان الدستور القديم يقع في ثلاث صفحات" ... حوت المقدمة التاريخية توصيفا لخصائص الحركة وصفة إياها بأنها حركة إسلامية تقوم على أساس الفكر الإسلامي ... الذي يوحد حركة الإنسان في الحياة ويرد الأمر كله إلى مصدره الأول ومصيره الأخير وهو الله جل وعلا ... وهي حركة أصولية تعتصم بالقرآن والسنة، وهي كذلك حركة تجديدية شمولية الأهداف واقعية المنهج تسعى لإحداث تغيير اجتماعي، وهي حركة مترفقة تؤمن بالإصلاح المطرد المتدرج في الأطر والمؤسسات ... ومن سماتها أنها حركة شورية جماعية تتسع لتباين المذاهب الفقهية والمشارب النفسية ... كما احتوت المقدمة على إشارات موجزة لتاريخ الحركة منذ نشأتها في نهاية الأربعينيات من هذا القرن حركة طالبية فكرية مستقلة عبورا باتصالها بحركة الإخوان المسلمين في مصر حيث استمدت منها بعض فكرها وأسلوبها، وكذلك بمجاهداتها في الدعوة العامة والمناداة بالدستور الإسلامي وانتهاء بولوجها آفاق العمل السياسي، حيث أصبحت جماعة إسلامية ضخمة ذات تأثير على حركة الفكر والسياسة والاقتصاد والاجتماع في المنطقة الإفريقية والعربية عامة والسودان خاصة .

احتوى الدستور على ثلاثة أبواب ... الباب الأول اقتصر على التعريف بالجماعة حيث عرفها: "الإخوان المسلمون جماعة إسلامية تتربى بالتدين وتسعى بالدعوة والجهاد لإحداث تغيير اجتماعي من أجل تمكين قيم الإسلام في المجتمع وإقامة حكمه" .. واحتوى الباب الثاني على أربعة فصول: تحدث الفصل الأول عن الأهداف السياسية والدستورية "18 مادة" وتحدث الفصل الثاني عن الأهداف الاقتصادية "9 مواد" والفصل الثالث عن الأهداف الاجتماعية "8 مواد" ... أما الباب الثالث فقد خصص للوسائل واحتوى على عشر مواد ومقدمة صغيرة ... بينما احتوى الباب الرابع على أربعة فصول: تعلق الفصل الأول بالأسس التنظيمية وأجمل ذلك في مادتين، الفصل الثاني وصف التنظيم المركزي "المؤتمر العام، مجلس الشورى، الأمين العام، المكتب التنفيذي" في صيغة مواد ... أما التنظيم الإقليمي فقد ورد في مادة واحدة هي كل الفصل الثالث، واقتصر الفصل الرابع على الأحكام العامة، "العضوية، مالية الجماعة، اللوائح، تعديل الدستور" ... وورد ذلك في مواد أربعة.

استراتيجية التنظيم الواسع في إطار اللامركزية

أصبحت اللامركزية أمرا واقعا في تنظيم الإخوان قبل أن يقننها دستور 1982م، وجاء الدستور ليقنن أمرا واقعا ... إذ ابتدأ تطبيق اللامركزية في 1980م، وتوافق ذلك مع مشروع الحكومة السودانية في تطبيق اللامركزية ونجاح التنظيم في مسعى مضاعفة العضوية عشر مرات ... وابتداء من عام 1981م أصبح هناك وجود لتنظيمات مستقلة بمؤتمراتها العامة ومجالس شوراها ومكاتبها التنفيذية وأمنائها الإقليميين في كل من الشمالية وكسلا والخرطوم ودارفور، وكردفان والجزيرة والنيل الأزرق ... أما الجنوب فقد ظل تابعا لمكتب الجنوب المركزي .

عقدت في عام 1980م أربعة مؤتمرات إقليمية "الجزيرة، البحر الأحمر، كسلا، النيل" ... واستمرت محاولات تأصيل النظام اللامركزية بحيث يكون الإقليم هو نطاق التنظيم المحلي، ويضطلع التنظيم المحلي بشئون الجماعة كافة في نطاق حدود الصلاحيات الممنوحة، كما يكون للتنظيمات المحلية خارج السودان ذات حقوق التنظيم المحلي ... وتوجت ثورة الانتشار التنظيمي وبناء الأمانات وإجازة الدستور واللامركزية بقيام المجالس الاستشارية ... وقد صممت فكرة هذه المجالس لاستيعاب مقدرات قدامى الإخوان الذين رؤي أن يستفاد من طاقاتهم بالمساهمة بآرائهم في دفع حركة التنظيم ومناقشة السياسات العامة بدلا من تقييد حركتهم بالنشاط الجاري التقليدي ... أصبح هناك مجالس استشارية لعدد من المكاتب كمكتب العلاقات الخارجية ومكتب نشر الدعوة وغيرها ... كما تم في إطار ثورة الانتشار إجازة المكتب التنفيذي لورقة الجنوب في 26/ 11/ 1976م حيث راعت الورقة إمكانية قيام دولة إسلامية في إطار سودان موحد برغم التباين الديني والثقافي والعرقي بين الشمال والجنوب، وعللت ذلك بأن الغالبية الجنوبية لا ترغب في الانفصال وبمتطلبات رعاية الوجود الإسلامي القائم في الجنوب "الأمن والمياه" وعليه فقد انبنت الاستراتيجية على:

1 – تقوية الوجود الإسلامي

2 – تحييد القياد الجنوبية بالنسبة لمد الثقافة العربية والوجود الإسلامي.

3 – تفادي الدخول في مواجهات مع الحكومة الإقليمية أو السلطات المحلية أو حتى مع المنظمات الكنسية.

4 – قومية العمل بحيث يصبح الهم التمكين للإسلام وليس بناء تنظيم للإخوان والتعاون في ذلك مع الحكومة والتيار الإسلامي العام والدول العربية الراغبة .. كما نصت الورقة على الإسراع في تكوين اللجنة القومية للتبشير بحيث تمثل فيها الطوائف الدينية الكبيرة والهيئات الحكومية والشعبية .

ترجمت هذه التوصيات في قيام منظمة الدعوة الإسلامية ومؤسساتها الأخرى، وبلغ عمل الجنوب منتهاه في اجتماع اللجنة الخاصة المنبثقة عن المكتب التنفيذي والتي أوصت بتأسيس تنظيم إسلامي فعال وإنشاء فروع لهيئة مسلمي الجنوب وحث البنوك والمؤسسات الإسلامية على إنشاء فروع في الجنوب ... حيث قام بنك فيصل الإسلامي في جوبا وفروع لمنظمة الدعوة الإسلامية والوكالة الإسلامية الإفريقية للإغاثة في مختلف أنحاء الجنوب ... وتوج ذلك العمل بقيام أمانة الجنوب التي قام عليها جنوبيون بنسبة أما وأبا .. كما توسعت الهيئة الإسلامية لجنوب السودان حيث صار لها ستة وثلاثون فرعا .. كما تم بناء اللامركزية وسط المغتربين في السعودية واليمن ودول الخليج وبريطانيا وأمريكا ... كما تم تأسيس ستة عشر مكتبا إقليميا للفئات وستة عشر مكتبا للحرفيين، بالإضافة إلى إعداد لائحة لمكتب التنسيق الخارجي على ضوء لائحة التنظيم العام، وإكمال تأسيس المكتب الذي نجح في الوصول إلى وفاق حول صيغة التنسيق مع التنظيم العالمي، وأنجزت اتفاقيات تعاون ثنائية مع عدد كبير من سائر الحركات الإسلامية الجهادية والدعوية والسياسية على الأخص في أفغانستان.

لائحة التنظيمات المحلية

تشير اللائحة بقيام أجهزة شورية وتنفيذية محلية مماثلة لأجهزة الجماعة الشورية والتنفيذية المركزية حسب توصية المكتب التنفيذي والمجازة من قبل مجلس الشورى .

ويقوم بناء التنظيم المحلي على هذه الشاكلة:

المؤتمر-العام-للمحافظه.jpg

  ونصت اللائحة على عقد مؤتمر سنوي لأمناء التنظيمات المحلية كما نصت اللائحة على أنه للأمين العام أن يرفع توصية لمجلس الشورى العام طالبا الحل لأي من مجالس الشورى المحلية ... تمكنت الحركة من عقد مؤتمرها العام في يوليو 1982م، وتم انتخاب مجلس الشورى العام في إطار النظام اللامركزي، كما تم توحيد المكتب التنفيذي وإبطال تشعبه إلى شق إداري وآخر سياسي .. ولم يرض بعض الإخوان عن ذلك ... إذ حسبوا أن تلك خطوة لتهميش دور السياسة في حركة التنظيم استجابة لضغوط النظام، كما برزت مكاتب جديدة للتخطيط والتنسيق والتدريب والمتابعة، وأصبح هم المكتب الإشراف على العمل السياسي العام ورعاية الأهداف الكلية للحركة.

وفي المؤتمر العام الذي انعقد في شكل مؤتمرات متفرقة تمت إجازة دستور الجماعة الجديد كما نوقشت سياسات الجماعة، وقد وردت في أربعة مؤتمرات ملاحظة فحواها: أن الجماعة لم تطرح نفسها بديلا ... ودعوة للجماعة لتجاوز التحالفات، كما كان هناك شعور شبه عام "حسب إفادة سبعة مؤتمرات" بأن الاتصال الداخلي بين القيادة والقاعدة ضعيف وبرزت في خمسة مؤتمرات مناداة بوحدة الحركة الإسلامية محليا وعالميا، ولفت الأنظار خطاب شعبة طلاب جامعة الخرطوم الذي أشار إلى غياب الروح الجهادية .. وقد برز في مرحلة لاحقة تيار وسط طلاب الجامعة تأثر بأطروحات الثورة الإيرانية وآدابها مما جعلها غير مرتاحة لنظام المسالمة، ولكنها واصلت التعبير عن نفسها داخل أطر التنظيم، ولم تتجاوز تلك المشاعر الجامعة إلى ما سواها .

كانت 39.4% من عضوية المؤتمر مع الاستمرار في المصالحة، وأفتت 11.6% بعدم الاستمرار ... بينما بدت 45.9% حائرة ..ز وهي بلا شك نسبة كبيرة تشير إلى خيبة أمل قطاع كبير من الإخوان في المصالحة الوطنية ويمكن أن يعزى ذلك إلى عام 1982م لم يكن عاما سعيدا للإخوان مع نظام الرئيس نميري ... وعلى هدى تصورات ومناقشات المؤتمر العام انعقد في عام 1984م مؤتمر لمناقشة تطوير العضوية بتصور جديد للعضوية والانتشار .. ووقع الاختيار من بين الصيغ الثلاثة المطروحة: "التنظيم الصفوي، التنظيم الثنائي، التنظيم الواسع"، على صيغة التنظيم الواسع الذي يقوم على قاعدة عضوية واحدة لا تتميز في طبقات لائحية ولكن قد تتفاوت مستويات الأعضاء في الالتزام والعطاء ومن ثم أهلية القيادة وتولي المسئوليات ... وبتميز الجماعة على خيار التنظيم الواسع نسبة لأن الظروف التي تستوجب التنظيم الصفوي قد تبدلت إذ انتشر الالتزام الإسلامي في المجتمع وغدا المثال الإسلامي معروفا .. كما أن هناك مناخا من الأمن النسبي .. وأصبح المطلوب التطبيق بفقه وعمل واقعي لا دعوي فقط .. مما يستدعي تطوير التنظيم ونظام عضويته .

أما التنظيم الثنائي فيؤدي إلى ازدواج الولاء وتعقيد علاقة السرية والعلنية وخطر الذبول الداخلي الذي لا ترد إليه دماء جديدة.

استلزم خيار التنظيم الواسع مراجعة شروط عضوية الجماعة وقنواتها .. فمن حيث شروط العضوية أصبح كافيا: 1 – التمسك بعقائد الإسلام وفرائضه بترك الكبائر.

2 – قبول العمل مع الجماعة والتجرد من أي ولاء سياسي آخر.

ويأتي التسهيل من حيث أنه:

لا يشترط ألا يكون منتميا لجماعة روحية أو فكرية غير سياسية ..وجاءت السمات البارزة للهيكل في:

1 – استمرار الهرم التنظيمي المتمثل في الأسرة، الشعبة، المنطقة والمكتب.

2 – العمل الداخلي من خلال مكاتب العضوية والولايات والاتصال ومكاتب التنظيم العام والمال والمعلومات والاستراتيجية والخطط والتنسيق والتبعية الداخلية والعلاقات الخارجية الخاصة .

3 – يخرج من العمل التنفيذي العام "الثقافي، الاجتماعي، الاقتصادي، الفئوي النسائي، التعبئة السياسية ( ) عبأت التنظيمات المحلية طاقات الإخوان في انتخابات مجالس الشعب الإقليمية لعام 1983م وفاز تنظيم كردفان الإقليمي بخمسة مقاعد في مجلس الشعب الإقليمي مكنتهم من قيادة لجنتين في مجلس الشعب الإقليمي، كما وأصبح لهم وزير في الحكومة الإقليمية "د. التاج فضل الله" ... ونال تنظيم دارفور سبعة عشر مقعدا في الانتخابات الإقليمية لمجلس الشعب ونال المتحالفون معهم خمسة وعشرين مقعدا مما جعل لمجلس الشعب ونال المتحالفون معهم خمسة وعشرين مقعدا مما جعل المجلس الإسلامي التوجه، وسيطر التنظيم على أعضاء هيئة المجلس وضباطه ولكن مع ذلك لم تمثلهم السلطات في مجلس وزراء الإقليم ... وفاز تنظيم الجماعة بمقعدين في مجلس الشعب الإقليمي لمديرية النيل .. كما استحوذ التنظيم على تسعة مقاعد في مجلس الإقليم الشرقي، وظهر ضعف أداء تنظيم الجماعة في الإقليم الأوسط حيث فاز التنظيم بمقعدين فقط من مقاعد مجلس الشعب ... مما رفع سؤال وضعية مستقبل حركة الجماعة في أهم الأقاليم قاطبة وسطية وثورة وموارد بشرية ... كما برز وجود مؤثر للجماعة في اتحاد مزارعي الجنيد ووجود محدود ولكنه مؤثر في اتحاد مزارعي الجزيرة .

عبر هذا الوجود السياسي على امتداد أقاليم السودان، عن تطور كبير في حركة تنظيمات الإخوان المحلية والتي كانت عاجزة عن إثبات وجودها في انتخابات مجالس الشعب المحلي حتى في بداية الثمانينات ... كما اتسعت آفاق هذه التنظيمات وأخذت تناقش قضايا إقليمها من خلال الإيقاعات المحلية والإقليمية والدولية "حالة دارفور مثلا" .. مما أدى إلى ازدهار فكري وسياسي وسط مجموعات الإخوان التي كان طابع نشاطها ذات يوم الهموم الداخلية المحدودة من جمع اشتراك وعيادة مرضى والمساهمة في انتخابات، ولكنها قفزت بمجيء عام 1983م إلى محاولات الإحاطة بأجهزة الدولة وتسخيرها والتأثير على القياديين فيها .. كما أصبحت هذه التنظيمات تتطلع إلى مراكز الريادة والقيادة على المستويين المحلي والمركزي .. انظر هيكل التنظيم المحلي .  

مشروع هيكل التنظيم المحلي

مشروع-هيكل-التنظيم-المحلي.jpg

حجم الإنجاز 19781984م

ركزت الحركة الإسلامية في فترة ما بعد المصالحة على حل القضايا المعلقة وتخفيف تراكمات ضغوط نظام مايو على الإخوان وأسرهم، حيث بدأت محاولات لإعادة المفصولين إلى وظائفهم ..ز كما بدأ تحرك لإخطار أسر الشهداء بمصائر أبنائهم، كما تم مراجعة قرار مجلس شورى الخارج بالاستمرار في التدريب في ليبيا، وفي 23/ 7/ 1978م انفض آخر معسكر إخواني للتدريب بليبيا وتم تسليم السيارات الثلاث اللاتي كن بحوزة معسكر الإخوان بالإضافة إلى الأسلحة لليبيين في ظروف توتر مع القيادة المحلية لمعسكر الأنصار التي ما كانت تريد أن يستقل معسكر الإخوان بقراره في تصفية المعسكر وإعادة السلاح والمهمات لليبيين الذين كانت معاملتهم للإخوان طيبة للغاية .. وبعد أن تم تسوية موضوع المعسكر قامت القيادة الإخوانية بتوزيع الإخوان الموجودين حسب رغباتهم إما بالعودة للسودان أو مساعدتهم للسفر للبحث عن عمل في ليبيا والخليج.

لم تضع قيادة الداخل الوقت في انتظار أيادي النظام إذ كانت تعلم أن النظام سيحاول أن يصل إلى أهدافه حولها بالطرق الناعمة بعد أن فشلت وسائل القسر والسجون لذا فقد رأت في المصالحة فرصة للعمل وليس لمقاسمة السلطة مع النظام ... اتجهت القيادة إلى التنظيم باعتباره المعول الأساسي لإقامة البناء على الأسس والتصورات واللوائح التي كانت جاهزة منذ منتصف عام 1975م ... سار عمل الجماعة في محاور مختلفة وعلى الأخص محور إعادة بناء هياكل التنظيم بالاستفادة من الكوادر المؤهلة التي خرجتها السجون وتجربة المنفى، ووجدت القيادة أنها محاطة بالكوادر لدرجة التشبع وأن الأوعية التنظيمية الجديدة على اتساعها ما كانت كافية لاستيعاب المدد القيادي الراغب في ممارسة دور إيجابي في حركة التنظيم ... فدفعت الحركة الإسلامية بعدد من القيادات في اتجاه اختراق تنظيمات الشباب والنساء المايوية في سبيل توظيف هذه التنظيمات في خدمة أغراض الحركة، ولكن انتبهت الفاعليات القائمة على نظام مايو – والتي كانت خائفة من أن تصبح كبش الفداء وتطالها أقدام القادمين – بإغلاق كافة المواقع أمام شباب الإخوان معتذرين بمدد متجدد غير منقطع من الأعذار

شرعت الحركة كذلك في تأسيس عدة واجهات للعمل الإسلامي، وكانت أولى هذه الواجهات جمعية رائدات النهضة التي تم تأسيسها في عام 1979م وظلت تقوم على فرع واحد حتى يناير 1980م ... وفي ديسمبر 1982م نمت الجمعية وأصبح لها سبعة فروع، وفي عام 1983م ظهرت ثمار العلم الدؤوب الصابر حيث أصبح لها سبعة وثلاثون فرعا، وفي العام الذي تلاه 1984م أصبح لها سبعة وستون فرعا ... ازدهر نشاط ثمار ذلك حتى في جنوب السودان حيث قامت جمعيات للرائدات في الرنك وملكال وجوبا وواو ... إلخ، أدى انتشار عمل الرائدات وجهود مكتب الطالبا إلى أن أصبح معنى التقدم في حركة المرأة مرتبطا بمعنى الانتماء للإسلام على عكس ما اجتهدت الثقافة الغربية منابر التكييف العلماني في ربط حركة تقدم المرأة باللا دينية ... وأقامت الجمعية على المستوى القومي عددا من المعارض والمؤتمرات بقصر الشباب ونادى ناصر الثقافي ونادي الأسرة وقاعة الصداقة، كما أصدرت الجمعية عددا من المنشورات والكتيبات، كما ساهمت في إقامة عدد من المشاريع الخيرية والاجتماعية أبرزها مشروع تسهيل الزواج بالتعاون مع منظمة شباب البناء .

وعلى درب رائدات النهضة جاءت منظمة شباب البناء التي أصبح لها خمسمائة فرع والتي أظهرت وجودها حينما غرست سنة التبرع الجماعية المنظم بالدم حتى فاضت بنوك دم وزارة الصحة السودانية في الخرطوم وبنك دم القوات المسلحة، وقادت حملات النظافة ومشاريع فضل الظهر وحملات توزيع لحوم الأضاحي ومشاريع تسهيل الزواج التي استفاد منها المئات وشارك في مهرجاناتها عشرات الآلاف ... وكذلك قامت واجهات إسلامية اجتماعية أخرى مثل جمعية الإصلاح والمواساة التي تخصصت في مساعدة العوائل المنكوبة والفقيرة، كما ظهرت روابط الفتاة المسلمة ودور المؤمنات، كما انخرط عدد من الإسلاميين في تحريك هيئة إحياء النشاط الإسلامي والندوة العالمية للشباب الإسلامي بالإضافة إلى الوجود الإسلامي المقدر في المؤسسات الإسلامية والتي نهضت على أكتاف الحركة الإسلامية "منظمة الدعوة الإسلامية، المركز الإسلامي الإفريقي، الوكالة الإسلامية الإفريقية للإغاثة، الجمعية الطبية الإسلامية، والجمعيات الخيرية والاجتماعية الأخرى".

وفي إطار ترجمة معاني الإسلام الاقتصادي تغذت شبكة المصارف الإسلامية على الكوادر الإسلامية والخبرات الإسلامية في مجال الاقتصاد حتى أصبحت جزء أساسا من حركة مجتمع المال والأعمال، وغذت هذه المؤسسات المجتمع السوداني بالعشرات من الشركات في مجالات التنمية والاستثمار والبناء والتشييد والمضاربة: وخلقت آلافا من فرص العمل على امتداد السودان مما أحدث استقرارا لآلاف العوائل ... كما أسهمت هذه المؤسسات في حل مشاكل السودان الاقتصادية وتوظيف حركة المال وفق مقاصد الشريعة ... مما حل لدى الكثير من المسلمين إشكاليات تراكم أموالهم في المؤسسات الربوية ... كما وجهت الحركة عددا من كوادرها بدخول دنيا المال والأعمال والاستثمار مما أدى إلى ازدهار قطاع الإسلاميين في هذه الدنيا الجديدة وأصبح للحركة وجود فعال وسط التجار والمستثمرين ورجال الأعمال الذين استفادوا من علاقات الحركة الإسلامية وتسهيلاتها وتجمعات مؤيديها في الخليج وغيره .

وفي حقل الثقافة والفكر، ظهرت جمعية الفكر والثقافة الإسلامية في عام 1981م والتي شهد ملتقى قيامها عدد من المفكرين والسياسيين وعلى رأسهم الدكتور حسن الترابي والسيد/ الصادق المهدي، وكذلك ظهرت عدة روابط ثقافية على المستوى الإقليمي كجمعية الفاشر المسرحية ورابطة الرسامين والخطاطين بدارفور ورابطة الآداب والفنون ورابطة الخنساء الأدبية بسنار، وقد غذت حركة هذه الروابط الحياة الثقافية حيث صدرت مجلة جماعة الفكر والثقافة الإسلامية كما توالت مؤتمراتها ... كما برزت مبادرات ذاتية تجلت في ظاهرة المنتديات الفكرية التي عالجت مختلف القضايا ودار فيها حوار فكري – اجتماعي – سياسي شمل عددا من القضايا وأنجبت هذه المنتديات تيارا تميز بالمقدرة على النقاش وإدارة الحوار .

كما دخل عدد من الإخوان في مجال النشر فصدرت مجلة المغترب والتي أسسها الإخوان كمال ومحجوب عروة، وتلا ذلك ظهور عدد من الصحف الإسلامية التي كسرت احتكار الدولة لحركة الصحافة مثل صحيفة "ألوان" لحسين خوجلي والتي تدثرت بدثار العمل الثقافي المحض وإن كانت لا تخلو من مناوشات سياسية، وصحيفة "الصحوة" التي أصدرها عبد الجليل النذير الكاروري والتي كانت قصيرة العمر وصحيفة "الأصالة" التي أصدرها محمد الحسن عباس وإن لم يصدر منها سوى بضعة أعداد .

كما ظهر اهتمام بإقامة معارض الكتاب الإسلامي والثقافة الإسلامية، كما أصبح عدد من شباب الحركة مراسلين لعدد من الصحف العربية والإنجليزية "كالعالم" التي تصدر من لندن و "المجتمع" من الكويت "وآرابيا" من لندن، كما دارت نشاطات مختلفة وعلى أصعدة مختلفة وبصورة دورية يصعب حصرها وتلمس آثارها كصحف الحائط اليومية والأسبوعية والدورية في المدارس والأندية والمساجد والجامعات وبلغت في عام 1982م (804) صحيفة حائط بعضها يومي كآخر لحظة في جامعة الخرطوم، بالإضافة إلى المكتبات الصوتية والمعارض والمهرجانات ومنابر الخطابة العامة والليالي القمرية والتمارين الرياضية والمظاهرات وتوزيع المنشورات والملصقات .

وفي مجال الدعوة نشطت الحركة في تأسيس حلقات التلاوة والتجويد وإعداد مدارس الدعاة ... لإعداد الدعاة القادرين على المخاطبة وتوصيل الفكر الإسلامي للمخاطبين، كما تم التركيز على مساجد بعينها تم تحري اختيار أئمتها، كما أسهمت الشعب في تنشيط المساجد بجعلها متعددة الأغراض، كما والى مكتب الطرق الصوفية الاتصال برجال التصوف وإعمار العلاقات معهم بالإضافة إلى دعم الخلاوي ودور تحفيظ القرآن، وتنشيط الاتصال الفردي ... وقد أدى ذلك إلى تضاعف أعداد الجماعة إلى عشرة أضعاف وساعد على الانتشار الشعبي، وأقيم في إطار ذلك آلاف الدروس ومئات المحاضرات ومئات القوافل الثقافية والمنتديات وآلاف الحلقات الراتبة للتلاوة، كما تم إنشاء عشرات من رياض الأطفال ودور المؤمنات .. هذا بالإضافة إلى التربية الداخلية التي اعتمدت على الدروس والمعسكرات المغلقة وجلسات النقاش والنقد الذاتي .

كما جرى جهد كبير في توصيل كلمة الإسلام لغير المسلمين وتم إعداد دور المهتدين وحديثي العهد بالإسلام، التي اشتملت على رياض أطفال وأماكن للصلاة والخدمات الاجتماعية مما أدى إلى تزايد الدخول في الإسلام وعلى الأخص في ظروف تطبيق الشريعة، وقد دعمت مؤسسات القطاع الإسلامي في السعودية والخليج هذا التوجه، كما قامت تجمعات الطلاب السودانيين الإسلامي داخل وخارج السودان بتسخير نشاطها لأول مرة لخدمة انتشار الدعوة الإسلامية بالخطاب المباشر والمعايشة اليومية بدلا من أسلوب المعسكرات بالخطاب القديم الذي لم يكن يستجيب لتحديات وقضايا المجتمع الإسلامي الأساسي .. هذا بالإضافة إلى المناشط المكثفة الأخرى والتي استخدمت أدوات الخطاب الحديث من فديو وأشرطة كاسيت، كما ظهرت سنة إرسال عدد من الجنوبيين والمهتدين لأداء فريضة الحج والعمرة، وإغاثة التائبين ومنعهم من مزاولة تجارة بيع الخمر وحثهم على الأدوية والإغاثة لهم ولهن .. وقد واكب ذلك نزول برامج تربوية لتزكية الجماعة والأفراد منها ما كان مطلوبا أداؤه على التوالي ومنها الأسبوعي والشهري ومنها العام غير المقيد بزمان .. ومما تم الحث عليه يوميا:

1 – الالتزام بصلاة الجماعة.

2 – الالتزام بورد قرآني أقله ربع حزب.

3 – الحرص على ورد المحاسبة.

4 – المحافظة على أداء السنن الرواتب.

أما واجبات الأسبوع فقد تعلقت بالتالي:

1 – الالتزام بصيام الإثنين والخميس.

2 – الالتزام بإفطار جماعي يوم الإثنين.

3 – قراءة الوظيفة الكبرى.

4 – الالتزام بحفظ دعاء مأثور واحد والمداومة عليه.

ومن الواجبات الشهرية:

1 – قيام ليل فردي.

2 – كتيبة مشتركة جماعية.

كما برزت توجيهات عامة حضت على الحج، وإخراج الزكاة – التي نظم إخراجها في إطار التنظيم – والصدفة، والاستعداد للجهاد، والحرص على استصحاب الوضوء، وزيارة المرضى، وقراءة كتاب مع العرض والتلخيص.

ومع هذا التكثيف للعمل التربوي فإنه لا يؤثر في انتماء غير الملتزمين بهذه النشاطات، إذ لا يسقط عضوية المنتمي إلا بإيتاء واحدة من الكبائر أو يخرج عن الدين أو عن الولاء كله، كما أن هذه الروحية فيها من هو غير أخ ومن غير إلزام أو التزام ... كما حضت البرامج الثقافية على ترقية أوضاع الاطلاع في مختلف فروع الفكر الإسلامي وإن تم التركيز على مجموعة سيد قطب "في ظلال القرآن، معالم على الطريق، المستقبل لهذا الدين" ومجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا ومجموعة يوسف القرضاوي "الحلال والحرام في الإسلام" "الحلول المستوردة" .. إلخ

ومجموعة سيد سابق "فقه السنة"، ومجموعة د. حسن الترابي "الإيمان وأثره في حياة الإنسان"، "الصلاة عماد الدين"، "ورسالة المرأة" ورسائله الصغيرة الأخرى، بالإضافة إلى أمهات الكتب كتفسير ابن كثير،نيل الأوطار للشوكاني، شرح العقيدة الطحاوية وزاد المعاد لابن القيم ومجموعة ابن تيمية، وتهذيب سيرة ابن هشام ومجموعة سعيد حوي "أبجديات العمل الإسلامي"، "جند الله ثقافة وأخلاقا"، بالإضافة إلى البرامج الثقافية المنزلية على الشعب وقطاعات الطلاب المختلفة والتي تفاوتت في تركيزها ابتداء من تفهم الفقه الإسلامي وانتهاء بمشاكل المجتمع السوداني.

تطور الوضع المالي للجماعة وأصبح لها قدرات مالية واقتصادية ضخمة فبعد أن كانت ميزانية المكتب السنوية في عام 1970م بضعة آلاف من الجنيهات، أصبحت ميزانية التنظيم تحسب بالملايين مع عشرات من المتفرغين والكوادر المدرية والدور والمنظمات الموالية التي نمت بصورة مضطردة حتى أن منظمة الدعوة الإسلامية وحدها بنت ستين مسجدا داخل وخارج السودان وبلغت ميزانية المنظمات عشرات الملايين من الجنيهات السودانية .

كما استطاعت الحركة السيطرة على كثير من النقابات والاتحادات والمجالس، وبالطبع فإن الحركة كانت تغلب وتغلب ولكنها استطاعت أن تسم كثيرا من هذه الهيئات بسمتها، كما أصبح هناك وجود إسلامي مستقر برغم كثافة هجرة العصر الإسلامي للخليج.

وقد نجحت الحركة في إقامة وتنشيط جمعيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالوحدات والمؤسسات والأحياء في ظروف تطبيق الشريعة ... وكان من المؤكد طغيان صوت هذه الجمعيات وبالتالي طغيان صوت الحركة الإسلامية إذا ما نجحت خطة الحركة في تعديل الدستور وإلغاء الاتحاد الاشتراكي .. إذ كانت هذه الجمعيات ستملأ الفراغ وتكون بديلا لأي حركة تنظيم شعبي ذي وظائف اجتماعية وسياسية وخطوة لبناء جبهة شعبية إسلامية الولاء في إطار التنظيم السياسي ... وقد تم إقامة آلاف الجمعيات كما صار لها مرشد ينظم علاقاتها ووظائفها وآدابها "مرشد المحتسب" مما أدى لإشاعة ثقافة الحسبة في المجتمع الإسلامي من جديد .

كما برز صوت الحركة الإسلامية وصداها في الخارج، حيث سجلت حضورا على كافة أصعدة النشاطات الإسلامية العالمية ابتداء من مؤتمرات الشباب المسلم بيوغندا والحضارة الإسلامية بماليزيا وانتهاء بمؤتمرات المال والاقتصاد الإسلامي بالإضافة إلى حضور الحركة المؤثر وسط تجمعات المجاهدين الأفغان والحركات التحررية في لبنان وإرتريا .

كما نجحت الحركة الإسلامية أيضا في فتح علاقات مع كثير من المنظمات والهيئات في إفريقيا، ويمكن إجمال ذلك بأنه منذ عام 1982م أخذت الحركة الإسلامية تقوم بكثير من وظائف الدولة من خدمات اجتماعية وتعليم وإغاثة واستثمار وتجارة ونشاط اقتصادي وفكري وثقافي وعلاقات خارجية ودولية ... بل إن الطاقة التنظيمية للحركة توسعت بحيث ما عادت تحتمل في البنية التنظيمية مهما توسعت إذ تعلقت أشواق وقدرات وأوعية وأطر الحركة بالترقي المستمر للسيطرة على أجهزة المجتمع، ومن هنا برزت إشكالية الحركة مع نظام نميري، إذ كانت الحركة في مرحلة الانطلاق بينما كان نظام الرئيس نميري يسمح فقط ببروز حركة في مرحلة التحمل والانضباط مما أدى إلى خصام نظام نميري مع الحركة، ذلك الخصام حسمته ثورة رجب وأفسحت المجال لتكامل شخصية الحركة في مرحلة الانطلاق .

اجتهدت الحركة الإسلامية في الاتصال بالمنظمات والجماعات والحركات الإسلامية، ودخلت في علاقات ثنائية مع الحركة الإسلامية في شمال إفريقيا لا سيما الحركة الإسلامية التونسية، وحينما تم اعتقال راشد الغنوشي وجماعته في يوليو 1981م عبأت الجماعة المجتمعات الإسلامية في سبيل إطلاق سراحه، وحينما استبدل حكم السجن بالحبس المنزلي في أغسطس 1984م سارعت الحركة الإسلامية للاتصال به حتى في ظروف الحبس المنزلي، وحينما دخلت الحركة الإسلامية في محنتها الثانية على يد بورقيبة في عام 1987م تابعت الحركة الإسلامية تلاحمها مع الحركة التونسية إلى حين انفراج محنتها .. كما أدى نجاح حركة المصالحة الوطنية في السودان ومنهج حركة السودان الإسلامية في المخاطبة والتعامل والتحالف مع الحكومات مما أدى جزئيا إلى إضعاف حاجز العزلة بين الحركات الإسلامية والحكومات وبروز ظاهرة تقوية العلاقات مع مصر والكويت وتونس وماليزيا واليمن الشمالي وغيرها .. إذ دخلت الحركة الإسلامية المصري انتخابات مجلس الشعب في بداية الثمانينات تحت مظلة حزب الوفد الجديد ونالت 8 مقاعد من أصل 393 مقعدا، وفي انتخابات أبريل 1987م شاركت الحركة الإسلامية المصرية في الانتخابات داخل مظلة حزب العمل الاشتراكي حيث نالت 35 مقعدا من أصل 448 مقعدا ( ) بنسبة 17% من الأصوات، بينما نالت الحركة الإسلامية التونسية 14.5% من الأصوات في الانتخابات الأخيرة مارس 1989 .

كما أصبح معظم قادة الحركات الإسلامية على مستوى العالم يتعاطفون مع الأنموذج السوداني على اعتبار أنه محاولة للخروج من ظروف التيه والسجون التي دخلتها الحركات الإسلامية منذ عهد جمال الدين الأفغاني ... ولكن مع ذلك فإن الحركات الإسلامية ما تزال تضع في اعتبارها أن المجالس النيابية في العالم الإسلامي لا تعدو أن تكون متجرا للكلام يتضح في ذلك تجربة إخوان اليمن، وقد عمد نظام الرئيس مبارك للاتجاه بالإسلاميين صوب معارك المجالس النيابية ليمتص طاقاتهم في سوق الكلام ويبعد بهم عن استراتيجيات الصدام.

وربما كان أبرز نجاحات الحركة الإسلامية الحضارية وصلها لمسلمي جنوب السودان بإخوانهم في الشمال وفي العالم الإسلامي، وإقامة نواة حركة إسلامية جنوبية تحمل استعدادات النمو والتكاثر، ولعل انفتاح الحركة الإسلامية على الجنوب يعتبر أكبر إنجاز لمصلحة البلاد والإسلام وتيار الوحدة، كما كشفت الحركة مغزى التمرد في جنوب السودان الذي عرف باسم الحركة الشعبية لتحرير السودان كبؤرة تجمع علماني – كنسي ضد توجهات الإسلام والعروبة، ولم يكن ثمن ذلك سهلا إذ استشهد عدد من شباب الحركة، من بينهم ثلاثة أطباء في جوبا، كما أسرت حركة التمرد عددا من عناصر الحركة كما استبسل عدد من شبابها في الإقامة في الجنوب لتأسيس العمل التنظيمي وتثبيت واجهاته، مما جعل الحركة الإسلامية حركة قومية جامعة نظمت في صفوفها الشماليين والجنوبيين والنوبة وامتدت أطرافها متحركة مع الوجود الإسلامي في مناطق إفريقيا.  

الفصل السابع التطور الفكري والثقافي

ظلت الحركة الإسلامية السودانية تضم أكبر تجمع للمثقفين السودانيين واتسعت دائرة ملامستها "سياسيا واقتصاديا واجتماعيا" مع مكونات المجتمع السوداني، وأثر خطابها بعمق على حركة المجتمع السوداني، إلا أنه وبرغم ذلك لم يتكافأ أثرها الفكري والثقافي مع حجمها وسيرتها بوصفها حركة صفوة، وظلت حصيلتها الثقافية ضئيلة نشرا وإنتاجا، ويبدو أن مرد ذلك لطبيعة السودانيين الذين لم يشتهروا في تاريخهم ولا حتى في حاضرهم بتسويد الصفحات وكتابة المصنفات .. وبقيت إسهامات السودانيين محصورة في مجال البحث العلمي المرتبط بنيل شهادة علمية أو درجة جامعية .. ولم يعرف في تاريخ السودان المعاصر من كتب في مجالات الفكر والثقافة والحضارة إلا صفوة الصفوة مثل "جمال محمد أحمد، محمد أحمد محجوب، منصور خالد، محمد عمر بشير، أبو القاسم حاج أحمد .. إلخ"

وحيث طغت روح الفكر العلماني على توجهات هذا النفر وانعدمت محاولات التأصيل وضاعت الكينونة والهوية الإسلامية ... في حمى البحث عن التحديث .. كما نبغ عدد من السودانيين في مجالات القصة والأدب والشعر "محمد المهدي مجذوب، الطيب صالح، مصطفى سند .. إلخ"، وربما ظهر مزاج المجتمع السوداني وإشكالاته في أدبهم، إلا أن مجمل سياقها لم يكن يلتزم بمقتضيات التوجه الإسلامي حيث غلب على خطابها البحث عن التجويد الفني والمتعة والترويج .. وقد اهتمت طائفة من الكتاب السودانيين بدراسة جوانب الحضارة الإسلامية في السودان "د. يوسف فضل. د. محمد إبراهيم أبو سليم د. عبد الله الطيب، د. عون الشريف قاسم، د. مدثر عبد الرحيم"، إلا أن التجويد الأكاديمي طغى على كتاباتهم كما تحاشوا الكتابة من موقع الدعوة والالتزام، وبدا كأنما القلم المتميز الوحيد الذي دأب على الانطلاق من موقع الالتزام هو قلم محمود محمد طه ولكن هذا اختار أن يتحرك من المقاومة والمخاصمة لحركة الدعوة والشريعة مستلهما ما أسماه بالرسالة الثانية والتي هي في حقيقتها تجديف ضد رسالة الإسلام.

والأمر الثاني ربما تعلق بطبيعة ثقافة الجيل الأول من رواد الحركة الإسلامية الذين طغى في تكوينهم العقلي وخطابهم السياسي أثر القانون حيث تخرجوا من مدارس الشريعة والقانون "بابكر كرار" ، محمد يوسف محمد، صادق عبد الله عبد الماجد، حسن الترابي، الرشيد الطاهر، عثمان خالد ... إلخ" والقانونيون أقل جمهور المثقفين كتابة في قضايا الفكر والحضارة والثقافة إذ المثال القانوني يقوم على الدقة والتحوط والاختبار "فن المرافعة" بينما الكتابات في عالم الأدب والثقافة تقوم على أشواق الروح ومعالجات الفكر وتلمس الطريق في التاريخ باستخدام الحدس والتخمين والإشارة ... كما أن رواد الحركة الإسلامية ربما استهوتهم الآثار الوقتية للكلمة المسموعة عن مجاهدات نظم الكلام المقروء الذي يتطلب الخلوة والتركيز، كما أنهم ربما يكونوا قد وجدوا أنهم يخاطبون مجتمعا أميا أو شبه أمي .. تستهويه الشعارات وأنواع الخطاب الذي يدعو للتعبئة والنفير ... وأن انغماس هذا النفر في معترك الحياة السياسية لم يسمح لهم بظروف الخلوة والتأمل الضروري لأي حركة إنتاج ثقافي .

كما أن سهولة الحصول على الكتاب الإسلامي القادم من مصر وبيروت وغيرهما زهد الإسلاميين في الكتابة خشية التكرار والمقارنة وألا تعود كتاباتهم بطائل ... لذا لم تظهر للإسلاميين سوى رسائل محمد خير عبد القادر وزين العابدين الركابي وفتح الرحمن الجعلي في فترة ما قبل 1964م ثم أعقب ذلك كتاب د. حسن الترابي "الصلاة عماد الدين" والذي مثل جزئيا محاولة للتصدي لأطروحات محمود محمد طه في سقوط التكليف، وكذلك كانت الدراسة محاولة للإيغال في بحر تفهم أسرار الصلاة ومعانيها ودلالاتها في حياة الإنسان ... مثل كتاب الصلاة يتيمة الدهر لترابي ما قبل 1969م، وجاءت مرحلة أخرى من الإنتاج الثقافي تحمل أريج السجن وما فيه من خلوة وانقطاع للتأمل والتفكير حيث كتب د. الترابي دراسته عن "الإيمان وأثره في حياة الإنسان" .

واعتمد الكاتب في هذه الرسالة على غزارة معرفته بالقرآن الكريم، حيث كان تتابع الآيات والاستدلالات معززة تصورات الكاتب بأن الإيمان عبادة الله الواحد والإيمان باليوم الآخر والجزاء والتصديق بالرسالة وبسمعيات الغيب، ثم تندرج في هذه الأصول سائر شعاب الاعتقاد، حيث الإيمان واتباع الشريعة وجهان للدين ومتلازمان ومتكاملان، وقد تجنب الكاتب الجدل الدائر حول معنى وحقيقة الإيمان وهل هو مجرد التصديق أم التصديق والعمل – والذي أفرد له ابن تيمية وغيره المصنفات الطوال – إذ استصحب الكاتب أن الإيمان تصديق وعمل ويزيد وينقص، ومعنى تتلمس آثاره في شعب الحياة من تصور وفكر وسياسة واقتصاد وفن وحركة بحيث تظهر دلالات التوحيد والانسجام والوحدة في كل عمل من أعمال الإنسان باعتبارها محاولات تدين وعبادة للتعبير عن فكرة التوحيد ... ومع أن الكتاب محاولة فريدة لتلمس آثار الإيمان في حياة الإنسان لكنها كانت تحتاج إلى دراسة تاريخية مقارنة لإثبات ما جاءت به من أطروحات، إذ الرسالة منطقها داخلي وتعتمد في إقامة مصداقيتها على القرآن الكريم، وربما كان هذا غير كاف في مخاطبة العلمانيين وطائفة القراء غير المسلمين، وتكمن خطورة الرسالة في أنها محاولة حديثة لوضع أساس فكري مستمد من القرآن لفكرة تكامل المنهج الإسلامي الذي تدور عليه فكرة حركات التجديد والإصلاح الإسلامي المعاصر ... ولكن مع ذلك فإن الأثر الأكبر لما حدث من نمو في الحركة الإسلامية في قسم المرأة إنما يعود إلى دراسته الصغيرة "المرأة بين تعاليم الدين وتقاليد المجتمع" والتي عرفت برسالة المرأة ... ومع أن الدراسة لا تتعدى حجم المقالة المطولة إلا أنها أصبحت مانفستو لجمهور النساء كما أثارت الدراسة ردود فعل على نطاق العالم الإسلامي وترجمت للغة الإنجليزية.

وتلخص خطاب الرسالة في أن النساء شقائق الرجال لهن مثل الذي عليهن بالمعروف، وتجنبت الرسالة استخدام المصطلحات ذات الظلال ككلمة الاختلاط، مفيدة أن الأصل اشتراك النساء والرجال في إقامة الحياة الاجتماعية "مجتمع المشاركة"، وبالتالي فلا مكان لأطروحات المفاصلة والمفاضلة بين الذكور والإناث طالما كانت المرأة تسعى لإقامة مجتمع التوحيد، مما أدى لانطلاقة في العمل النسائي ظهر أثره حينما طغى عدد الإناث في الحركة الإسلامية السودانية على الذكور وأصبح الدين الإسلامي سبيل المرأة للتحرر والانعتاق من قيود التخلف وعهود الانحطاط.


وحينما كان أدب السجن في مرحلة التحمل والإمكان – بمعنى أنها ظلت مجرد دراسات لم تر طريقها للنشر – أطل نمط تفكير جديد في أدب تحت الأرض الذي كان يطبع بالرونيو في الغالب، ولما كان هذا الأدب – قانونا – ممنوعا من التداول فقد اقتصر تداوله على الإخوان، وتمثل في البداية في مطبوعة "الميثاق الإسلامي"، وهي سياسة شهرية، وركزت على قضايا البلد مثل أحداث تمرد أكوبو الذي عني خلخلة في النظام الذي تمخضت عنه اتفاقية أديس أبابا، كما ناقشت ظاهرة إعدام علماء الصومال الذين رفضوا قبول الإرث العلماني الذي ساوى في الميراث بين الرجل والمرأة باعتبارها صادرة من نظم الأشياء الثورية والاشتراكية ضد الثقافة الإسلامية، كما استعرضت المجلة أوضاع المسلمين في الصومال، كما أدارت المجلة نقاشا عن العمل السياسي الإسلامي باعتباره القضية المحورية التي تجابه الحركة الإسلامية في ظروف مكافحة نظام الرئيس نميري، كما ناقشت قضايا التنظيم الداخلية وإشكالاتها مثل مشاكل الاستيعاب التصوري، وحلت محل الميثاق في الصدور مجلة "الشورى" التي صدر عددها الأول في ربيع الأول 1395 هـ (1974م) وتركزت كلمة الافتتاح على: لماذا الشورى؟ في محاولة لتأصيل فقه اللوائح التنظيمية ولتجذير الثقافة التنظيمية اللائحية، ثم أوردت دراسة عن العمل المهني والحركة الإسلامية ... جاء فيها، وكان حقيقا على الحركة الإسلامية أن تتطور مع تطور مشاكلها استكمالا لشمول الدين واقترابا إلى كمال التوحيد فتدخل العمل المهني في همومها وتعدله ترتيبا في تنظيماتها بتكوين هيكل تنظيمي كامل من قمة المكاتب الفئوية المركزية التي تتقسم قطاعات العمل المهني وتنسق حركتها في مجلس مشترك إلى المكاتب الفئوية الإقليمية ثم الوحدات المحلية التي تجمع الأفراد في محيط العمل ... تتوافر للأخ بالجماعة رابطتان رابطة التنظيم العام من حيث هو عضو بالجماعة ورابطة التنظيم الفئوي من حيث هو عضو بالمجتمع ... خصص لكل عمل فئوي لائحة تحكم تنظيمه وترتب علاقاته بسائر الأعمال الفئوية وتدرجه في أطر التنظيم وعلاقاته العامة، كما حوت المجلة مقالات عديدة عن "الدعوة والعبادة والإيمان في القرآن و "اعرف بلدك أيها الداعية" و "هم العدو" ثم مناقشة لمالك بن نبي في أفكاره الميدانية ... وأعقب ذلك صدور رسالة "دواعي التنظيم في الجماعة المسلمة " ( ) ... وتوافرت الرسالة على شرح دواعي التنظيم وبيان هياكل الجماعة ومدى إحاطته بالإخوان ووصلهم بالتنظيم والقيادة ووصف الهرم التنظيمي وتشعباته الداخلية والخارجية والفئوية .

وابتداء من سبتمبر 1975م توقف الإنتاج الثقافي الداخلي – أدب تحت الأرض – نتيجة لهجمة النظام على الحركة الإسلامية بعد حركة حسن حسين وحركة يوليو 1976م ولم تعاود الحركة بثها الثقافي إلا في ما بعد المصالحة الوطنية، حيث اختلف البث الثقافي كما ونوعا عما سبقه.

عمرت فترة ما بعد المصالحة بالخطاب الإسلامي المباشر من قبل قيادات العمل الإسلامي، وقد حظيت كثير من محاضرات د. الترابي بالمتابعة والتدوين، وظهرت هذه المحاضرات في رسائل تمت طباعتها وتداولها داخل وخارج السودان مثل "المسلم بين السلطان والوجدان" ( ) ... و "رسالية الدين وقيم الفن" و "تجديد أصول الفقه الإسلامي" وقد وردت كثير من معاني مضامين تجديده في رسالة "منهجية التشريع الإسلامي" ( ) حيث يقول فيها "فالحاجة قائمة اليوم ملحة للاجتهاد، والمجتمع المسلم منفتح لتلقي الفقه المتجدد، والمتصدون لذلك يتكاثرون وإن كان أكثرهم يؤثر التقية في اجتهاده فيقول إنه مفكر لا فقيه ولا باحث ولا مجتهد أو أنه يرى رأيا لا يصدر فتوى وينبش في التراث على شفيع لرأيه الغريب .. أما أن أصول التفقه والتشريع – ولا أقول أصول الشرع ذاته – قطعية لا يرد فيها الخلاف فذلك وهم عند من لم يطلع على كتب الأصول وخلافياتها وجدلياتها .. أو من لم ير كيف يتقارب الأئمة شيوخا وتلاميذ ثم يختلفون على قبول روايات الحديث .. إذا أرسل سندها أو عارضت السنن المشهورة مثلا .. أو على مناهج تفسير النصوص أو على معنى الإجماع ومداه وحجيته أو على مشروعية القياس ومعياره أو على المصلحة تعريفها ومداها واعتبارها أو على غير ذلك من وجوه بيان الأحكام أو القواعد الجامعة للأحكام.

فعلم الأصول القديم منسوب إلى البيئة الثقافية التي نشأ فيها ولذلك تلبس بمفهومات المنطق الصوري التقليدي وبأشكاله ومصطلحاته ... ولا يمكن أن تغشانا الغارة الفكرية الغربية بخيرها وشرها ومناهجها دون أن تبدل المعطيات الفكرية الأساسية التي أثمرت الفقه الأصولي القديم ... فكما سخر سلفنا الثقافة اليونانية لشرح الدين وفهمه يمكن أن تسخر الثقافة العلمية الحديثة راجين أن نتجنب زللها – فبروز المصالح العامة أشبه بالمجتمعات الحضرية الكثيفة التي تشترك في المرافق وتلتحم بعلاقات صحية وعلمية وسلوكية، وكذلك دور الشورى العامة أو السلطان في نظام أحكام التوحيد بالشمول" ( ) ... ويركز الكاتب على رد الشعبية إلى المصطلحات الإسلامية مثل العلم، الفقه، الاجتهاد، الشورى، الإجماع، فلا صفوية ولا غوغائية ولا عزلة للفقهاء ولا ارتجال في إجراءات التشريع، كما يناقش قضايا الظاهر والباطن الإجمالية والفروعية، الوحدة والتوازن بين النظام والحرية، النقل والعقل، الاتباع والابتداع، ... كما ظهرت في هذه الفترة سلسلة من الرسائل بعنوان "رسالة إلى الدعاة" منها "فاعلية الاتصال الفردي"، "الحركة الإسلامية ضرورتها وخصائصها".

أما أجهزة التنظيم فقد والت مناقشة القضايا المثارة على الساحة وقد برزت في عام 1978م قضية صلة التنظيم بحركة الإخوان المسلمين المصرية وتنظيمهم الدولي، وأثارت هذه العلاقة قضايا البيعة والتنسيق فصدرت دراسة الحركة الإسلامية في السودان، الأصول الفكرية والعملية لوحدة العمل الإسلامي حيث دعت إلى عقد مؤتمر تأسيسي جامع للحركات الإسلامية للتباحث حول السياسات والنظم والعلاقات التنظيمية، واقترحت قيام تنسيق تكاملي يكون فلسفة للعلاقات التنظيمية، وإحداث مركز تنسيق عالمي يتجاوز الإطارات الإقليمية والقومية ويكون له مجلس شورى كامل الشورية تمثل فيه الحركات الإسلامية كافة وتنظم نشاطه لائحة تحدد مقاعد ووظائف هذا المركز ودوائر صلاحياته.

وبعدما توالت الدراسات في مختلف جوانب الحياة الإسلامية حيث ظهر بحث عن "الأسس الفكرية للاقتصاد الإسلامي، الإطار الجغرافي والسكاني" وهو عبارة عن هيكل عام للاقتصاد الإسلامي والإطار العقائدي والملكية الزراعية في الإسلام وتطور واقعها وقضايا الملكية العامة والربا والمقترحات البديلة، كما ظهرت دراسة د. يوسف العالم "مبادئ الاقتصاد الإسلامي"، كما ظهر كتاب د. زكريا بشير "المعاناة المكية " باللغة الإنجليزية ( ) والذي أصدرته اتحادات المنظمات الطلابية في بريطانيا وكان قد كتبه في ظروف السجن في كوبر 1973م1975م وقد أصبح هذا الكتاب أكثر كتب السيرة رواجا بين المسلمين الناطقين بالإنجليزية .

كما والى إصدار عدد من البحوث والدراسات باللغة الإنجليزية عن طريق المؤسسة الإسلامية ببريطانيا، وابتداء من 1979م بدأ يحدث ما يشبه الثورة الثقافية في كمية تدفق الرسائل والكتب والمجلات والإصدارات وإقامة المؤتمرات، 19461969م" ورسالة "حقوق غير المسلمين في المجتمع الإسلامي"، وهي من إعداد حسن مكي: ورسالة "الاتصال الفردي" .

كما أصدرت أمانات التنظيم المختلفة مجموعات من البحوث والدراسات منها:

1 – مجموعة بحوث ودراسات للتنمية الاجتماعية.

2 – العمل الاجتماعي.

3 –الشئون الدينية أداؤها ووقعها الاجتماعي ورعايتها للمساجد.

4 – الإعلام السوداني.

5 – تجارة الفيديو في السودان طبيعتها وانتشارها.

6 – تقويم المضمون الخبري لجريدتي الأيام والصحافة منذ إعلان التوجه الإسلامي حتى يناير 1984م.

7 –رصد وتقويم مادة اليوم لتلفزيون السهرة.

8 – تقويم المضمون الصحفي لاثنتي عشرة مجلة نسائية فنية عربية وافدة ورصد حجم توزيعها وأثمانها. 9 – كسب الحركة.

10 – التنظيمات السياسية في الوسط الطلابي.

11 – ظاهرة الروابط الإقليمية ودورها في ظل الحكم الإقليمي.

12 – الوضع السياسي لكلية البنات ومستقبل العمل النقابي بها.

13 – شهادة وقضاء المرأة.

14 – تعليق ورأي حول بيان وزير الإعلام أمام مجلس الشعب.

15 – النشاط الكنسي بأم بده.

16 – الجو النفسي والخلقي في مناطق بيوت الدعارة.

17 – احتياجات المواطنين بالقماير.

18 – الصراع بين الإخوان والختمية في الحارة السادسة بالثورة.

لقد بذل كثير من الجهد في هذه الدراسات ولكن لم يتم طباعة أي منها، مما جعلها محصورة في أياد معدودة، ومثل هذا ظاهرة إهدار للطاقات في تنظيم الإخوان، حيث كانت العضوية تكلف بإعداد الدراسة ولكن لا يتم طبعها ونشرها ... ظل المكتب الثقافي متخلفا عن الثورة التنظيمية وعاجزا عن توفير إمكانيات النشر لهذا الجهد الذي كاد أن يصبح جهدا ضائعا منزويا في أضابير الأرشيف .

وبرغم تخلف المكتب الثقافي عن متابعة حركة العطاء الثقافي فقد تمكن عدد من الإخوان من إصدار دراساتهم من خلال قنوات الواجهات أو غيرها فظهرت رسائل:

1 – التأصيل الإسلامي للآداب والفنون.

2 – مشكلات تطبيق الشريعة الإسلامية.

3 – حوار الدين والفن.

4 – التبشير في العاصمة المثلثة.

5 – منهاج التعرف على الإسلام.

6 – ضرورة التنظيم في العمل الإسلامي.

7 – أواصر حركة الإسلام.

8 – مفاهيم في فقه الحركة.

9 – القوانين الإسلامية الخيار الأمثل.

10 – نحو قانون جنائي إسلامي.

11 –دور الإعلام في التغيير الاجتماعي.

12 –رسالية الدين وقيم الفن.

13 – رسالة أفغانستان.

14 – القوانين الإسلامية وقضايا التحول الحضاري.

15 – أحمد بن إدريس الفاسي فكره السياسي ومنهجه في العمل.

16 – السياسة التعليمية والثقافة العربية في جنوب السودان.

17 –