إخوان ويكي
بحث
 
 
صفحة  نقاش  اعرض المصدر  تاريخ 
مرحبا بكم في الموسوعة  ادخل / أنشئ حسابا 

الحكم البعثي (العلوي)

من Ikhwan Wiki

مراجعة ١٦:٥٣، ٢١ ديسمبر ٢٠١٠ بواسطة Tofe (نقاش | مساهمات)
اذهب إلى: تصفح, البحث

موقع إخوان ويكي يقدم :

الإخوان المسلمون في سورية .. مذكرات وذكريات
الكتاب الثالث
الحكم البعثي ( العلوي ) من عام 1963 حتى عام 1977

بقلم / الأستاذ عدنان سعد الدين


محتويات

في هذا الكتاب

مذكرات الأستاذ عدنان سعد الدين المراقب العام السابق للإخوان المسلمين بسوريا من الكتب الهامة التي تؤرخ لحركة الإخوان بسوريا وتكشف كثيرا من الحقائق التي يجهلها العالم عن النظام البعثي السوري والاضطهاد الذي تعرضت له الحركة ورجالها ونسائها على يد حافظ السد الرئيس السوري.

كما توضح تسلسل مراحل الدعوة في سوريا منذ دخل الدعوة إلى سوريا وفترة المراقب العام الأول الدكتور مصطفى السباعي والذي توفى عام 1963 م، كما توضح طبيعة العلاقة بين ابناء الحركة الإسلامية في هذه البلد.

إن أي مواطن سوري مهما كان على درجة عالية من الفطانة ، وأي محقق أو باحث أيا كانت منزلته في عالم التحري ودراسة التاريخ ، لن يقتنعا بأن فئة حاقدة صادرت الحكم في سوريا من أصحابه الشرعيين بالبطش وقوة السلاح ، فهدمت الحياة الدستورية والمدنية من القواعد ، وأغرقت الوطن في كل أصقاعه بالدماء والمجازر الجماعية ، وباعت البلاد بثمن بخس أو بدون ثمن لأشد الناس عداوة للذين آمنوا ، ليضمنوا دعمه في بقائهم في السلطة عقودًا أخرى ، ومزقوا وحدة الجيش ، وجردوه من كل أسباب القوة المادية والمعنوية والسلاح ، ليسلموه عن وعي وقصد لهزيمة مخزية ونكراء ، ونهبوا المال والثروة ، ليودعوا المليارات في بيوت المال الأوروبية والأمريكية ، ويتركوا الأكثرية من المواطنين ( الذين كانوا في ترف وبحبوحة قبل أن تحكم هذه الأقلية ) في فقر مدقع وتحت خط الفقر ، وأقاموا مع الصهاينة هدنة وسلامًا دائمًا وشهر عسل منذ أكثر من 40 سنة ، وما يزال ، وسلموا أمتع الحصون دونما حرب أو دفاع. أقول : لا يمكن لأحد أن يصدق ذلك إلا إذا قرأ هذا السفر بما يحتويه من وثائق وحقائق مذلة ، ليدرك أن كارثة السوريين الذين يعيشون في ظل حكم عرفي دائم أكبر مما يخطه قلم ، أو يحيط به دارس أو باحث ، وعلى هذه الصفحة أوجه للعرب والمسلمين ولكل ذي ضمير صيحة مدوية ، بل استغاثة ألم أن يعملوا على تحطيم القيود والأغلال التي يرسف بها السوريون منذ نيف وأربعة عقود ولا يزالون على مسمع من العالم وبصره عسى الله أن يأذن بنهاية لما تعانيه سوريا من مأساة لم يتبل أي شعب بمثلها منذ منتصف القرن الماضي وحتى كتابة هذه الكلمات الحزينة ، والله غالب على أمره.

توطئة

احتوى المجلدان : الأول والثاني من هذه الذكريات والمذكرات في تاريخ الإخوان في سورية ، على خمس مراحل :

الأولى : امتدت من قبل استقلال سورية عام 1945 وحتى عام 1949 ، عندما قام قائد الجيش السوي بتخطيط وتحريض من وكالة المخابرات الأمريكية كما أكدت الوثائق والاعترافات المسجلة CIA بانقلاب عسكري قوض فيه دعائم الحياة الديمقراطية والمدنية في الجمهورية السورية.

الثانية : مرحلة الانقلابات العسكرية الأربعة التي استمرت خمس سنوات من 31-3-1949 وحتى 2-2-1954 ، وشهدت انقلاب حسني الزعيم وانقلابي سامي الحناوي وانقلابي أديب الشيشكلي.

الثالثة : دخول هاشم الأتاسي منتصرا على الحكم العسكري إلى دمشق ، وبصحبته ساسة سورية ، ليعيد الحياة الديمقراطية والعمل بالدستور ، وعودة الوزارة المدنية السابقة التي انقلب عليها الششكلي برئاسة معروف الدواليبي ، لتعيش سورية مرة أخرى في ظل حكم ديمقراطي ، لم يدم طويلا ، ولم يعمر أكثر من أربع سنين.

الرابعة : قيام الوحدة بين مصر و سورية منذ 22-2-1958 وحتى 28-9-1961 أعقبها الانفصال بين الإقليمين : الشمالي والجنوبي ، أو بين القطرين بعد أحداث مليئة بالمفارقات والتناقضات الصراعات والمؤامرات والإخفاقات عبر ثلاث سنوات ونصف أي بعد 44 شهرا.

الخامسة : مرحلة الانفصال التي لم تعمر طويلا ، ولم تقو على الصمود أمام قوى عاتية من داخل سورية وخارجها ، فانهارت وتبعثرت وذابت كما تذوب كرات الثلج تحت أشعة الشمس الدافئة.

السادسة : مرحلة الحكم البعثي الذي انطوى على حكم طائفي امتد زهاء ثمان وثلاثين سنة منذ الثامن من آذار عام 1963 وحتى وفاة حافظ الأسد في حزيران يونية عام 2000 ، ولذا فلا يسعنا في تسجيل هذه المرحلة التي طالت واستطالت إلا أن نقسمها إلى فترات ، ربما بلغت أو زادت أو نقصت حسب المنعطفات والمفاصل التاريخية والأحداث المفصلية التي شهدتها سورية بعد استيلاء الضابط حافظ الأسد على السلطة وحتى وفاته.

تمهيد

في الساعات الأولى من فجر الثامن من آذار/ مارس 1963 استيقظت العاصمة على هدير الدبابات والمصفحات في انقلاب عسكري قاده عقيد في الجيش السوري ترك الجبهة السورية مع العدو الإسرائيلي ، واتجه صوب العاصمة ليدخلها من جنوبها ، ويحتل مباني الإذاعة والتلفزيون ، ومبنى أركان الجيش ودوائر الحكومة دون أي مقاومة ، أو إطلاق رصاصة واحدة ، وتم له استلام السلطة في تمرد سهل ، كان من أول أسبابه ضعف رئيس الجمهورية أو خوفه أو تواطؤه ، إذ لم يسمح لقائد كبير في الطيران هو الطيار هيثم المهايني قائد قاعدة الضمير ، أن يوقف زحف لواء زياد الحريري ، ويبطل عملية الانقلاب ، بل إن ناظم القدسي كان فيما بعد من المتحمسين لانتخاب حافظ الأسد رئيسا للجمهورية بشكل علني أمام جمهور الناخبين.

استغل المخططون للانقلاب طموح اللواء زياد الحرير ، وميله إلى حياة اللهو والدعة ، فوضعوه واجهة أمام الرأي العام في الداخل والخارج ، حتى إذا تمكنوا من الحكم لفظوه لفظ النواه ، ولما يمض على انقلابه ثلاثة أشهر ، ونفوه إلى خارج الوطن لينتقل متسكعا ما بين بيوت وبغداد وباريس ، ما يزال منفيا على الرغم من مرور خمس وأربعين سنة على فعلته الشنعاء.

أما السياسيون من ذوي اليسار واليمين جمعيان فاستمروا في جدالهم العقيم ، الذي بدؤوا منذ الساعات الأولى لعهد الانفصال ، وظلوا عليه حتى بعد انقلاب الثامن من آذار دون أن يفطنوا ، أو يفطن بعضهم ، إلى ما يبين لسورية من كيد ، وما يحاك ضدها من تآمر ، إلى أن وقعت الواقعة ، وسقطت سورية بين براثن حكم جر من الكوارث والمآسي والنكبات على الوطن ما لم يكن مسبوقا في تاريخ سورية ، بما في ذلك الزحف الصليبي والغزو المغولي والانتداب الفرنسي في آخر المطاف ، وكيلا يتصور القارئ أو المواطن أن في هذا الكلام مبالغة أ, تهويلا ، عليه أن يلوذ بالصبر والتريث في إصدار حكمه حتى يفرغ من قراءة ما حدث لسورية طوال أربعة عقود ونيف ، سيطرة فيها الأقليات والحركات الباطنية على مقدرات الوطن وأرضه وشعبه ، باسم الأحزاب السياسية تارة ، وباسم الجبهة الوطنية التقدمية تارة أخرى.

وأشهد الله وملائكته والناس أجمعين ، وأخص منهم القراء والباحثين والمؤرخين ، أنني سوف أتحرى الحقيقة ما وسعني ، وأن أسند الأحداث والوقائع إلى مصادرها ، ولاسيما الكتاب الغربيون من أمثال باتريك سيل ، وقفان دام ، وألن جور ، وغيرهم ، وكذا الهيئات المعنية بحقوق الإنسان والدفاع عنها ، وكذا منظمات العفو الدولية الشهيرة والمعتمدة في العالم مثل أمنستي وهيومان رايس ووتش ومنظمة رقيب الشرق الأوسط من فروع هيومان رايس ووتش وغيرها. وأن أتقيد بالأمانة العلمية والدقة ما وسعني ، سواء أكان ذلك لجماعة الإخوان أم عليها ، التزاما بقول السميع البصير الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء ، والذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، وقوله جل من قائل : ﴿ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ، وقوله جل شأنه : ﴿ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيسْأَلُونَ ﴾.

الفترة الأولى : الانقضاض على السلطة (من 8-3-1963 وحتى 23-2-1966)

أولا : الحريري يحتل دمشق

غادر لواء من الجيش السوري الجبهة مع العدو ، ودخل مشق بقيادة العقيد زياد الحريري في انقلاب سهل ، سيطر فيه على دوائر الحكومة ومؤسسات الدولة دون أن يلقي مجابهة أو مقاومة من حكومة الانفصال أو الوحدات العسكرية ( التي مر بها ما بين الجبهة ودمشق ) التي تفوق في عدده خمسة أضعاف اللواء ، أو من المؤسسة الأمنية أو من الأحزاب السياسية التي كانت تشارك في الحكم ، أو من الجماهير الشعبية في العاصمة وفي المدن السورية الكبيرة مثل حلب وحماة وحمص واللاذقية ودرعا ودير الزور وإدلب وغيرها.

1- في نفس اليوم الذي سيطر فيه الانقلابيون على مقاليد السلطة ، التقى قادة الانقلاب وأنصارهم في مبنى الأركان العامة ، فهنأ بعضهم بعضا بالعناق والقبلات ، وبادروا على الفور إلى تشكيل القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة ، وتعيين مجلس لقيادة الثورة ، ضم عشرة ضباط ، وهم : الفريق الركن لؤي الأتاسي قائدا عاما للجيش ورئيسا لمجلس قيادة الثورة ، وكان برتبة عميد ، واللواء زياد الحريري رئيسا للأركان ، وكان برتبة عقيد ، وقد تم ترفيع هؤلاء هؤلاء جمعيا في يوم الانقلاب أي في 8-3-1963 واللواء الركن غسان حداد ، وكان بتربة عميد ، واللواء محمد عمران ، وكان برتبة عقيد ، واللواء صلاح جديد ، كان برتبة مقدم ، وقد تم ترفيع هؤلاء بتاريخ 1-12-1963 ، ثم جرى ترفيع فهد الشاعر من عقيد إلى عميد إلى لواء ، وكذا العقيد فواز محارب ، والمقدم موسى الزعبي.

هكذا أضحت الرتب العسكرية ( التي ما كانت تعطي إلا بعد دراسة وتدريب واختبار ، وبعد زمن محدد ) تمنح ، أو صار الانقلابيون يمنحونها لأنفسهم بالجملة ، ودون أي اعتبار عسكري ، كما هو حال الجيوش ذات الأصالة العسكرية المعهودة.

هؤلاء هم أعضاء مجلس قيادة الثورة الذين منحوا أنفسهم السلطة المطلقة على سورية ، والتي تشمل السلطات الثلاث : التشريعية والتنفيذية والقضائية في الداخل ، وحق التصرف في السياسة الخارجية ، كإقامة العلاقات مع الدول أو المعسكر الذي يودون ، وإبرام الاتفاقيات والمعاهدات التي يقررون. 2- تم الاتفاق مسبقا بين أعضاء المجلس على أن يكون الأستاذ صلاح البيطار رئيسا للوزراء ، وأن تكون الحكومة مناصفة بين البعثيين والناصريين ، فتمت في عصر يوم الانقلاب دعوة القيادات السياسية إلى وزارة الدفاع للتداول في تشكيل الحكومة ، فاقترح البيطار أن يتألف مجلس قيادة الثورة من عشرين شخصا ، عشرة من المدنيين ، بالإضافة إلى العشرة العسكريين الذين جاء ذكرهم قبل سطور ، فتمت الموافقة على الاقتراح ، وقد تم تشكيل الوزارة في اليوم التالي بتاريخ 9-3-1963 ، ثم حضر عن الناصريين : نهاد القاسم ، و عبد الوهاب حومد ، اتحاد اشتراكي و هاني الهندي ، و جهاد ضحاي ، قوميون عرب و سامي صوفان ، و سامي الجندي وحدويون الشتاركيون وحضر عن البعثيين ميشيل عفلق و صلاح البيطار و شبلي العيسمي و عبد الكريم زهور و جمال الأتاسي ، ونصور الأطرش ، وتم الاتفاق على أن يسمى البيطار نائبا لرئيس قيادة الثورة ، والأستاذ نهاد القاسم نائبا لرئيس مجلس الوزارة.

3- عندما وقع الانقلاب لم يكن لحزب البعث في المجتمع السوي حضور قوي ، بل بقي لهم وجود رمزي بعد الذي اصابهم من تمزق وتشرذم ، والتحاق بتنظيمات أخرى فلم يجد الانقلابيون إلا عددا ضئيلا ظل على ولائه للحزب ، لا يزيدون إلا قليلا عن 400 عضو ، كما جاء على لسان عدد من قيادة الحزب العسكريين أمثال أحمد سويداني وعدد من الباحثين الغربيين أمثال ألن جورج وفان دام ، بل إن حافظ الأسد ذكر في المؤتمر القطري الذي أعقب الانقلاب ، وبعد أن شدد قبته على مفاصل القوة العسكرية والمدنية أن عدد أعضاء الحزب كله سبعة أعضاء في مدينة حلب كلها ، متباهيا بأن انقلابه هو الذي أحيا الحزب وأعاد إليه كيانه.

لهذا لم يكن لدي الحزب كوادر يملأ بها دوائر الدولة والمؤسسات الحكومية ، فاستعانوا بمن التف حول انقلابهم وآلتهم العسكرية.

أما الوزارات التي شكلوها فقد بلغ عددها ثماني وزارات ما بين 8-3-1963 وحتى 23-2-1966 في أقل من متحدث أول : سنوات ، خمسة منها برئاسة صلاح البيطار ، واثنتان برئاسة أمين الحفظ ، وواحدة برئاسة الدكتور يوسف زعين.

لقد شكل البيطار وزارته من عشرين وزيرا : صلاح البيطار رئيسا للوزراء ووزيرا للخارجية ، و نهاد القاسم نائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للعدل ، وعبد الوهاب حومد للمالية ، والفريق محمد الصوفي وزيرا للدفاع ، والعميد أمين الحافظ وزيرا للداخلية ، ومنصور الأطرش وزرا للعمل ، وعبد الحليم سويدان وزيرا للزراعة ، سامي الدروبي وزيرا للتربية ، وعبد الكري زهور وزيرا للاقتصاد ، جمال الأتاسي وزيرا للأعلام ، ودرويش العلواني وزيرا للأوقاف ، وهاني الهندي وزيرا للتخطيط ، ووليد طالب وزيرا للتموين ، وأحمد أبو صالح وزيرا للاشغال العامة ، وشبلي العيسمي وزيرا للإصلاح الزراعي ، وإبراهيم ماخوس وزيرا للصحة ، وسامي الجندي وزيرا للثقافة ، وطالب الضماد وزيرا للصناعة.

لقد ضمن وزارة البيطار الأولى بعد الانقلاب عشرة بعثيين وعرة ناصريين ، أكثرهم من أصول بعثية. لم تعمر هذه الوزارة إلا 86 يوما ، من 9-3-1963 وحتى 12-*5-1963.

كلف البيطار بتشكيل الوزارة الثانية في 12-5-1963 ، فشكلها من ستة عشر وزيرا ، كان بعضهم من شارك في الوزارة الأولى ، أما الوزراء الجدد الذين امضموا إليهم فهم : مصطفى الشماع ، وعبد الرحمن الطباع ، وعبد الخالق نقشبندي ، ومظهر الشوربجي ، وجورج طعمة ، وعادل طربين ، وعبد الرزاق شققي ، لكنها استقالت بعد 68 يوما من تشكيلها.

شكل صلاح البيطار الوزارة الثالثة في 4-8-1963 ، فاستمر حتى يوم 12-11-1963 ، وكانت تضم عددا من الوزراء السابقين وعددا آخر من الوزراء الجدد وهم : نور الدين الرفاعي ، وصالح المحاميد ، ونور الدين الأتاسي ، ومحمد جيوش ، العميد عبد الله زيادة ، فكان عمر هذه الوزارة الثالثة مائة يوم لتستقيل ، وتخلفها وزارة رابعة شكلها اللواء أمين الحافظ من جميع الوزراء السابقين ، مضاف إليهم : حسان مريود ، ويوسف زعين ، ومصطفى حداد ، ومظهر العنبري ، ومحمود الجيوش، وخير الدين حقي ، فعمرت هذه الوزارة أكثر من سابقاتها ، واستمرت بالسلطة زهاء 184 يوما وضمت 23 وزيرا. عاد البيطار ليشكل الوزارة الخامسة في 14-5-1964 ، من سبعة عشر وزيرا ، شارك فيها من الوزراء الجدد : ثابت العريسي ، وعبد الله عبد الدايم ، وعادل السعدي ، وأسعد محفل ، وكمال حصني ، واللواء ممدوح جابر ، وأصلان الوزان ، وعبد الرحمن الكوكبي ، ثم استقالت بعد أن أمضت في السلطة 143 يوما وضمت 21 وزيرا.

كلف أمين الحافظ بتشكيل الوزارة السادسة في 4-10-1964 ، فاستمرت في السلطة حتى 12-9-1965 أي أكثر من أحد عشر شهرا بقليل.

كان مجموع أيامها 344 يوما لتكن أطول هذه الوزارات الثمانية عمرا في هذه الفترة من حكم البعثيين ، وقد دخلها من الوزراء الجدد : عبد الفتاح البوشي ، وسلميان الخش ، وحسين مهنا ، عبد الكريم الجندي ، جميل شيا ، مصطفى نصار ، ومشهور زيتون ، وسميح فاخوري ، ومحمود تجار ، وهشام العاص ، ومم خير بدوي.

كلف الدكتور يوسف زعين بتشكيل الوزارة السابعة ف 12-9-1965 والحلق بها من الوزراء الجدد : عبد الفتاح طالب ، وعلى تل جبيني ، وإبراهيم بيطار ، واللواء حمد عبيد ، وصادق فرعون ، ومحمد عبد عشماوي.

استمرت هذه الوزارة حتى 1-1-1966 ، فكان عمرها مائة عشرة أيام ، لتخلفها وزارة البيطار الثامنة التي كانت أقصر الوزارات عمرا ، إذ لم تمكث في الحكم إلا بضعة وخمسين يوما ، إذ داهمها الانقلابيون في 23-2-1962 بترتيب من القيادة القطرية ، وعلى رأسهم صلاح جديد ، وعبد الكريم الجندي ، وحافظ الأسد من وراء ستار.


ثانيا : التسلط الديكتاوري

الذين يدققون في أحداث هذه المرحلة التي امتدت متحدث أول : سنوات إلا قليلا يلاحظ ما يلي :

1- إن سورية استحالت إلى حقل تجارب لدي المغامرين العسكريين ، ومن يبحث عن الجاه الزائف والمغنم من المتسلقين ، إذ كان الوزارة لا تستمر أكثر من فصل من فصول السنة تم تختفي وتنتهي ، وإذ سألت عن الأحزاب السياسية والشخصيات الوطنية ورجالات سورية ، الذين قادوا بلدهم إلى الاستقلال ، وعن شيوخ الإسلام وقادة الوطن ، وعن الإخوان المسلمين الذين كانوا يشكلون كتلة برلمانية كبيرة ، في ثقلها ونوعية رجالها بل إذا سألت عن الشعب كله أين هو ن أحداث هذه المرحلة من 8-3-1963 وحتى 23-2-1966 فإنه في نظر المغامرين في خبر كان أوفي خانة الصفر ، لم يعد له وزن أية وجود في نظر الانقلابيين الذين هدموا الحياة الدستورية والبرلمانية والمدنية ومن القواعد.

لقد أعطى الانقلابيون لأنفسهم صلاحيات مطلقة في كل شيء بموجب الأحكام العرفية التي أعلنوها منذ الساعات الأولى للانقلاب في 8-3-1963 بالأمر العسكري رقم ( 2 ) دونما سند من مواد قانونية أو أسباب موجبة كالتي نص عليها قانون إعلان حالة الطوارئ مثل : حالة الحرب ، أو تعرض البلاد للخطر ، أو حدوث اضطرابات داخلية ، , وقوقع كوارث عامة ، أن موافقة مجلس الوزراء بأكثرية الثلثين ، أو عرضه على المجلس النيابي في أول اجتماع له. وبموجب هذه الأحكام العربية التي أعلنت دونما سند قانوني ، توق العمل بالدستور ، وبالقوانين أو معظمها ، وعطل القضاء إلا في بعض القضايا المدنية ، وحل مكانه القضاء العسكري والمحاكم الاستثناية التي حكمت بالإعدام على الألوف دنن السماح للمتهم بالدفاع عن نفسه ، أو توكيل محام عنه واستئناف الحكم الصادر عليه من عسكريين يجهلون القوانين وأصول المحاكمات ، والحدود الدنيا لمجريات القضاء ، فكانوا يحكمون بالموت على المتهم بعد دقائق يمثلها لأمامهم ، ثم يدفعون به إلى ساحات الإعدام ولربما كان الضحية سعيدا بقتله ليتخلص من ألوان لعذاب التي لم يسمع بها البشر من قبل ، ما سيأتي ذكره في حينه ، كما جاء في وئائق الدفاع التي نشرتها منظمات العفو الدولية المدافعة عن حقوق الإنسان.

والغريب أو المستهجن الذي تعاف سماعه النفوس أن الذين كانوا يساقون إلى المشنقة أو حقل الرمي ، كل يلفظ بالهادة قبيل قتله ، فقرر السفاحون حرمانه من ذلك ، ووضعوا لاصقا على فمه حتى لا ينطق بالشهادتين ويقول : اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، كيلا يسمعه المكدسون في المهاجع ، والذين ينتظرون دورهم في الإعدام ، وبهذه الأساليب الهمجية والوسائل الوحشية نفذ حكم الإعدام بالألوف من عسكريين هم خيرة ضباط الجيش كفاءة وأخلاقا ، ومن علماء ومفكرين وشباب بأعمال الأزهار في مأساة ( لم اقرأ لم أسمع بمثل قسوتها ) ما واجهها شعب من شعوب الأرض في النصف الثاني من القرن العشرين ، واستمرت حتى مطلع القرن الواحد والعشرين الذي نشهد سنواته الأولى ، و سورية لا تزال ترزح تحت وطأة الحكم العرفي ، وتسلط أجهزة الأمن على رقاب العباد وحياة المواطنين.

2- كان الانقلابيون يفتقرون إلى أي تأيد شعبي عدا المرتزقة والانتهازيين الذين تحلقوا حول دبابات اللواء الذي ترك الجبهة مع العدو ، و إسرائيل لم تحرك ساكنا ، وجاء إلى العاصمة السورية محتلا ، وكان حزب البعث الذي رفع الانقلابيون رايته ، وحكموا باسمه ، قد تبعثر وتشتت ، وتحول إلى شظايا منذ أيام الوحدة حين التحق بعثيون كثيرون بالأحزاب الوحدوية والناصرية ، وترك بعضهم العمل وأروا عزلة ، وهاجم البعض من البعثيين الحزب واتهموه بالانحراف والطائفية كما صرح بذلك وكتب فيه منظر حزب البعث مطاع الصفدي ، والأمين العام السابق لحزب البعث منيف الرزاز ، ومن قبلهما جلال السيد أحد مؤسسي الحزب الأربعة ( ميشيل عفلق صلاح البيطار وأكرم الحوراني وجلال السيد ) فلم يكن عدد الذين استمروا بانتمائهم إلى لحزب الذي يقوده عفلق أكثر من 400 عضو كما رأينا من قبل ، فلم يجد الانقلابيون يملؤون بهم الوظائف الكبيرة ودوائر الحكمة إلا المنافقين الذين يلهثون وراء المنصب والشهرة والجاه وتكديس المال الحرام.

لم يمض وقت طويل حتى كشف الانقلابيون عن بعض خططهم ، فحشدوا أبناء الطوائف والأقليات في الدائر والمؤسسات ، وفي السلك الدبلوماسي وفي الجيش وأجهزة الأمن بشكل علني دون خجل أو حياء ، أو حاجة إلى مداراة أ’, تستر أو إنكار ، بعد أن حطموا كل مقومات الشعب وقدراته ، وجردوه من كل مناعة أو طاقة على مقاومة رجال السلطة الثورين التقدميين!!

ومن المفارقات العجيبة أن أحد دعائم الانقلاب على أديب الشيشكلي في مطلع عام 1954 الذي انضم فيما بعد إلى المعارضة السورية ، وكان عضوا في المكتب السياسي ، كثرا ما كان يكرر بعد أن رأي ما حل بسورية وشعبها : لقد خرب العسكريون سورية وحطموا ، وعلى مسمع من أعضاء المكتب السياسي السبعة للتحالف الوطني لإنقاذ سورية ، هذا ما كنا نسعه مرارا من السيد مصطفى حمدون.

3- تستر الانقلابيون أو الطائفيون زورا بحزب البعث وبالناصريين ، وزعموا أنهم سيعيدون الوحدة إلى سوغوا بها انقلابهم للقضاء عليا الانفصال ، وبعد أن تمكنوا نسفوا الناصريين نسفا ، وقضوا عليهم وعلى كل ما يمت لهم بصلة ، قضاء مبرما ، بالقتل والإعدام والزج بهم في السجون والمعتقلات ( حتى غادر الكثيرون منهم أرض الوطن ) وبتصفية الجيش وأجهزة الأمن من الناصرييين والبعثيين غير الطائفيين والإسلاميين ومن أبناء المدن حتى لم يبقوا في الجيش والقوات المسحة من ذوي الخبرة العسكرية إلا ما ندر ، وإذا ذكرهم أو غيرهم أحد ممن لم يقع في قبضتهم أنهم قلة قليلة لا تشكل غلا نسبة ضئيلة جدا من مجموع المواطنين قال رئيسهم أمين الحافظ ( الذي قدموه عليهم ، وأبرزه واجهة يرتكبون كل الآثام باسمه وينسبونها إليه ) في خطبة أثناء جولاته :

تعيرنا أنا قليل عديدنا

فقلت لها : إن الكرام قليل

وما ضرنا أنا قليل وجارنا

عزيز وجار الأكثرين ذليل

وكثرا ما كنا نتندر مع أمين الحافظ حينما كنا نلقاه في بغداد ، فيقابل ذلك بالضحك العالي وعبارات لندم ، مدركا أنهم استغلوه وخدعوه ، وتتخذوه واجهة لما اقترفت أيديهم من جرائم تقشعر من هولها الأبدان.

ومن أفظع ما اقترفوه من آثام في هذه الفترة العصيبة بحق المواطنين السوريين : تطاولهم على بعض النساء ، خطفا من الشارع أو بالتخويف أو الاغتصاب في أقبية التحقيق بعد الاعتقال وسوق الحرائر إلى غرف التحقيق ، والويل كل الويل لمن يسال عن ابنه أو ابنته بعد خطفهم ، بل إن بعض الآباء ظلوا يجهلون مصير أبنائهم وبناتهم حتى كتابة هذه السطور.


ثالثا : الخداع باسم الوحدة

كانت الهوة سحيقة وعميقة بين الانقلابيين وبين جماهير السوريين أو معظم أطيافهم ، وكان تجسير الهوة بين الانقلابيين والجماهير بعيد المنال عبر الدبابات وبعض الفئات العسكرية المحدودة ، وللخوارج من هذا المأزق أو هذه العزلة الشعبية ، أعلنت السلطة عن رغبتها في إعادة الوحدة بين سورية ومصرن وأنهم -الانقلابيين- قاموا بانقلابهم لتحقيق هذا الهدف الكبير ، وأنهم في طريقهم إلى القاهرة لإجراء مباحثات مع عبد الناصر ، أعلنوا عن ذلك بعد قيام الانقلاب بستة أيام فقط.

سرعان ما سافر وفدهم إلى مصر ، وشرع في المفاوضات مع جمال عبد الناصر في 14-3-1963 والتي استمرت حتى 17-4-1963.

1- انضمت بغداد إل مباحثات الوحدة ، ودراسة مشروع اتحاد أو توحيد بين الأقطار الثلاثة ، مصر و سورية و العراق.

شرع الأقطار الثلاثة في مباحثات الوحدة على دفعات ، من 14 إلى 16 آذار ، ومن 6 إلى 8 نيسان ، أما الثلاثة فقد انتهت في 17-4-1963 عندما أعلن المتباحثون عن دستور ينص على قيام جمهورية عربية ثلاثية معتمدة.

حضر المباحثات ناصر ، وعامر وآخرون من مصر ، وعلى صالح السعدي ، وطالب شبيب ، وصالح مهدي عماش ، وأحمد حسن البكر ، عن العراق ، والحريري ، والقطيني ، وفواز محارب ، وفهد الشاعر ، عن سورية ، ثم حضر عن سورية في المرحلة الثالثة من السوريين ما يقل عن سبعة عشر يمثلون المجلس الوطني لقيادة الثورة والحكومة الفئات الناصرية.

كان الانقلابيون السوريون يعملون على كسب الوقت ، لتثبيت دعائم حكمهم الانقلابي في وحدات الجيش والأجهزة الأمنية ودوائر الحكومة. ولم يكونوا جادين في إقامة وحدة مع مصر و سورية في أي وقت ، وبأي صورة من الصور ولم يكونوا يثقون بعبد الناصر ، ولكنهم خادعوه للوهلة الـولى ، وظن أن الأمر جد ، لقد كان عبد الناصر يتبنى لهجة أبوية استفزاية تجاه البعثيين السوريين ، ويضغط من أجل دمج جميع القوى السياسية في الأقطار الثلاث ، في تركيب حزبي واحد كما ذكر فان دام في كتابه وفي 17-4-1963 وبد شهر من المباحثات الشقة والمتقطعة أعل دستور ينص على قيام جمهورية عربية متحدة ثلاثية ، كما جاء منذ قليل.

لم يضيع البعثون أو الذين يحكمون باسم البعث ساعة واحدة للسيطرة على مرافق الدولة في مقدمتها القوات المسلحة ، وتصفية الآخرين في الجيش من غير علويين ، بدءا بالسنين ثم بالدروز والإسماعيليين ، فبعد ثلاثة أشهر من الاستيلاء على السلطة طردت اللجنة العسكرية اللواء زياد الحريري وزير الدفاع ورئيس الأركان الذي قام بالانقلاب حصان طروادة مع مجموعة من كاب أنصاره الذين بلغ عددهم حوالي 25 ضابطا كما جاء في تقرير رقيب الشرق الأوسط.

ومما يجدر ذكره أن الحرير اسند إدارة المخابرات للضابط عارف الجاجه من مدنية حماة ، وقد عرفته معلما ي المدرسة التي كنت فيها طالبا ، فرغبت باللقاء مع عدد من الإخوان عن طريق ضابط الاحتياط من س ، فالتقيناه كنا ثلاثة : الدكتور عبد الكريم عثمان رحمه الله ، والأخ الداعية من ص وكاتب هذه السطور ، فإذا بالضابط الجاجه يستند بالمنظمات الحزبية والجماهير الشعبية لفك الحصار الذي ضربته الفئات الطائفية بالجيش حول الحريري ، وطلب منا أن نخرج في مظاهرات صاخبة وداعمة.

فسألناه :

- تحت أي لافتة أو شعار تتحرك المظاهرات؟

فقال : تحت شعار : الحرية والوحدة الاشتراكية.

فالشيخ عارف كما كان يسمي وهو يزاول مهنة التعليم يريد من الإخوان أن يرفعوا شعارات البعث الذي احرق الأخضر واليابس ، فسرعان ما افترقنا مدركين ما كانت عليه هذه المجموعة من الغفلة السذاجة ، وشعرنا بالخطر الذي يهد الوطن في مستقبله ومصيره.

2- كشر الانقلابيون عن أنيابهم ، وخمد الطائفيون رؤوسهم ، وظهروا للعيان ندون وجل أو خجل ، فأدركت جمع المواطنين أن حزب البعث ليس اكر من ستار لتكتل طائفي خطر ، وأن أنباء الأقليات يحكمون قبضتهم على الوحدات العسكرية ، وأنهم يمسكون بمفاصل القوات المسلحة ، ويبعدون عن القطعات العسكرية ، وعن الجيش ، أو بالأصح عن الوحدات المؤثرة كل من عداهم ، بادين بحلفائهم الناصريين الذين شاركوهم في الانقلاب ، وتقاسموا معهم عدد لأعضاء في المجلس الوطني للثورة ، وعدد الوزارات ، حتى أجبروهم على التنحي ، فترك أكثر من ألف ناصري مواقعهم في الوزارات ، واضطروا إلى تقديم استقالاتهم.

تململ الناصريون من سوء ما لاقوه من شركائهم البعثيين فقرروا القيام بانقلاب عسكري يطيح بالبعثيين الذين خدعهم بشعارات الوحدة أي أيدوها ظاهرا وعلانية ، وحاربها في السر والخفان واضطهدوا أنصارها والداعين إليها ، فقاموا في وضح النهار بانقلابهم الذي كان مكشوفا في 18-7-1963 ، وكان تنظيمهم مخترقا ، فجوبهوا بمقاومة شرسة ، ومطاردة عنيفة ، فتقل منهم من قتل ، وهرب من هرب ، واستسلم آخرون ، أو اسروا ليقدما إلى محاكمة عسكرية ، سرعان ما أصدرت أحكاما بالإعدام على بضعة وثلاثين من الضباط والمشاركين ، لينفذ فيهم حكم الموت حالا بعد صدور الحكم ، وكان من أبرزهم العقيد هشام شبيب قائد سلاح الإشارة.

كان العقيد جاسم علوان كبير الانقلابيين ، وقائدهم ، والمعروف باتجاهه الوحدوي ، وتأيده المطلق لجمال عبد الناصر ، وق عرفناه عن قرب عن التحالف الوطني المعرض ، وزرناه مرارا وفي منزله ي حي الزمالك بالقاهرة ، ولسمنا فيه النبل والخلق الرفيع والحمية والكرم ، غير أنه كان من البساطة والعفوية بحيث يقع في مزالق عدة ، كلفته الفشل تلو الفشل ، بعد أن ارتكب الخطأ الفادح عندما اعترف بأن الشيشكلي قد لت نظره إلى عدم تغليب الأقليات في اختيار طلاب الكلية العسكرية ، وأن يأخذوا نصيبهم بقدر حجمهم ، لدي التحاقهم بالدراسة ، لكن العقيد جاسم رفض هذه الفكرة ، ولم يتقيد بتعليمات وتوجيهات الشيشكلي كما اعترف بذلك عندما كان مدربا بالفصل الذي كان يضم ضباطا علويين ، وأمثال حافظ الأسد ، وعلي اصلان ، ومم نبهان.

3- كانت اللجنة العسكرية السرية المكونة من محمد عمران ، وحافظ الأسد ، وصلاح جديد ، ون انضم غيهم فيما بعد ، من أبناء الأقليات مثل عبد الكريم الجندي ، وأحمد المير ، تتحرك في أوساط الجيش كتنظيم من داخل تنظيم البعث ، وتتحكم في ترتيبات الجيش من وراء ستار ، وتستغل الجيش باسم الحزب ، والحزب ابسم الجيش والشعب حسب تعبير الدكتور اللواء غسان حداد عضو مجلس قيادة الثورة وزير التخطيط- وتعمل على احتلال العلويين مواقع عسكرية قيادية ، فصلاح جديد غدا ريس الأركان من عام 1963 وحتى 1965 ، وحافظ الأسد قائد سلاح الطيران ، وعزت جديد قائد اللواء سبعين أقوى ألوية الجيش والممسك بخناق العصمة ، وبيده مفتاحها.


رابعا : هدم المساجد والمعابد

ضاقت الجماهير ذرعا بهذا الحكم الغريب عن طبيعة السوريين ، وعن معتقداتهم وأفكارهم وتقاليدهم ، فعارضوا الحكم بالكتابات والمظاهرات ، وفي الوسط الطلابي في المدارس الثانوية والجامعات ، وانطلقت الاحتجاجات في المدن السورية الكبيرة ، فعومل المواطنون بالقمع والبطش ، وقوبل الطلاب ومن تظاهر معهم بالرصاص القتل ، وقد كان من عادات السوريين اللجوء إلى المساجد عندما تحاصرهم قوات الأمن والجيش في عهد الانتداب الفرنسي ، ولم يكن الفرنسيون يجرؤون على التحام المساجد ، بل كانت قواتهم تقف خارجها تهيبا ومراعاة لحرمتها ، بل إن المعارضة كانت تعقد مؤتمراتها واجتماعاتها في المساجد الكبيرة ( كالجامع الأموي الشهير في مشق ) وهي آمنة مطمئنة ، غير أن الأمر اختلف في ظل الحكم التقدمي بعد استيلاء البعث والطائفيين على مقاليد الحكم ، فمل يعد للمساجد والجامعات ومعاهد اعلم حرمة أو كرامة ، أمام ميليشيات السلطة أو أفراد الشرطة والأمن والجيش.

1- بعد اشتدد المعارضة في العام الذي تلا الانقلاب ، وخروج المظاهرات والاحتجاجات بالألوف في معظم المدن السورية ، وكانت حماة أشد المدن معارضة ، ورفضا لحكام 8 آذار 1963 ، فجرى الصدام في المدارس الثانوية ، ولاسيما في ثانوية عثمان الحوراني التي خرج طلابها في مظاهرة صاخبة ، وجوبهت بالقمع والرصاص الحي ، فاستشهد طالبان ، وساد التوتر والهيجان أجزاء المدينة ، وفي مقدمتهم وعلى رأسهم المهندس الزراعي ودارس الفلسفة المجاهد الشيخ مروان حديد ، وانتهت حركتهم بالاعتصام في جامع السلطان ، وأشهر مساجد المدينة, ومقر شيخ المدينة وصديقها الشيخ محمد الحامد ، طيب الله ثراه ، الذي نصح المعتصمين بإنهاء اعتصامهم وخروجهم من المسجد ومغادرته إلى بيوتهم ، لكن السلطة الحاقدة المتلهفة إلى البطش وتصفية المعارضين وحشدت قواتها حول جامع السلطان ، وشرعت في قصف المئذنة التي سرعان ما هوت ، ودك الحرم والموجودين في داخله ، غير أن أبناء المدينة أحاطوا بالوحدات العسكرية المهاجمة ، وأمطروها من البيوت والمناطق المحيطة بالمسجد ، ولاسيما من المدرسة الشرعية التي تقع على ظهر سوق الطويل ، فنشبت معركة حامية بين الوحدات العسكرية التي تطوق المسجد ، وبين المدافعين من الداخل والخارج ، استمرت ساعات ، أو قل سحابة اليوم ، كان محصلتها استشهاد أكثر من خمسين شهيدا ، أو كما يقدر البعض بسبعين شهيدا ، أما الجيش فقد خسر المئات من الضباط والجنود الذين زجت بهم السلطة الباغية في معارك ضد المواطنين ، وليس ضد العدو الصهيوني الجاثم على الحدود والمغتصب لفلسطين.

اقتحم الجيش الصحن المسجد وباحة الحرم ، واعتقل العشرات من المعتصمين داخله فسيق هؤلاء المعتقلون إلى حمص ، ثم إلى سجن تدمر الصحراوي ، لتمارس عليهم السلطات ، ألوانا من العذاب الوحشي بالضرب بأسلاك الكهرباء ، ومنعهم من الاستحمام ، وحرمانهم من الغذاء إلا اليسير منه ، ومن الدواء كما سمعت ذلك تفصيلا من أخي الذي كان واحدا من المعتقلين بعد خروجه من السجن.

2- شكلت حكومة الأقليات الباغية محكمة عسكرية برئاسة المقدم مصطفى طلاس ، وقدمت 21 من المعتقلين للمحاكمة ، فأبدى المساجين شجاعة أذهلت أعدائهم ، ولاسيما ما ظهر من شجاعة الشيخ مروان حديد في مواجهة أعضاء المحكمة ، فعندما قال طلاس للمساجين :

- أنتم عملاء.

أجاب مروان : العملاء معروفون ، وفي مقدمتهم رئيس حزبكم الذي قبض المبالغ من عبد الناصر كما جاء في محاضر المباحثات في القاهرة.

وقد أشار مروان على أخوانه جميعا عندما ينطق رئيس المحكمة بإعدامهم ، وأن يبتسموا ، ويقابلوا ذلك بالهزء والسخرية ، ليسمع الحاضرون ضحكاتهم استخفافا بهذه المحكمة التافهة التي عقدت جلساتها في المركز الثقافي بحمص ، وعندما هدد أحد أعضاء المحكمة المساجين بالموت ، أجاب مروان مبتسما :

- لو كنت أعلم أنك تملك موتي وحياتي لعبدتك ، وما تدري لعلك تموت قبلي.

ألغت المحكمة الجلسات العلنية لما كان لها من أثر سلبي على المحكمة وعلى الحكومة ، ومن أثر إيجابي على الحركة الإسلامية في نظر المواطنين.

لا يسعني في تسجيل أحداث حماة وجامع السلطان إلا أن أشير إلى خطأ وقعت فيه جماعة الإخوان المسلمين في حماة ، فبعد أن أصدر المكتب التنفيذي توجيهاته إلى مركز الإخوان في حماة أن لا يتورطوا بالصدام ، وأن لا يجرؤوا إليه تحت أي ظرف أو استفزاز تلجأ إليه السلطة ، وبعد أن قررت إدارة مركز حماة التقيد بتوجيه المكتب التنفيذي القيادة وأقرت الأخذ بأسباب التهدئة وتحاشي الصدام ، دعت إلى مهرجان خطابي شعبي في جامع الشيخ زين بحي الحاضر في حارة الشمالية لتوجيه الجماهير وحثها على الركون إلى الهدوء والسكينة ، وقف أحد خطباء الجماعة ، وقد بلغت فيه الحماسة مبلغها ، فنادى بالتعبئة في وجه السلطة ، ودعا إلى ما يشبه حلف الفضول لحش سكان المدينة عبر هيئاتها ومنظماتها وأحزابها في التصدي لأجهزة الأمن والشرطة والحزب الحاكم ، وكان الناس كالبركان لا ينقصهم إلا عود الثقاب ، لينفجروا ويحدث الصدام.

كان على قيادة المركز في حماة أن تستدرك هذه المخالفة الضارة التي أدت إلى أحداث كارثية ، سواء أكان ذلك من داخل هذا التجمع ليستدرك الأمر على الفور ، أو يدعو إلى مؤتمر لاحق بالسرعة الممكنة لتبليغ المواطنين بموقف الجماعة ، وبالقرار الذي اتخذه مركز الإخوان في تحاشي الصدام ، وتجنب كل ما يؤدي إلى إشعال الفتنة في مدينة أبي الفداء الممتحنة أو المبتلاة.

3- تحرك علماء حماة ووجهاؤها لإيقاف المذبحة وهدر الدماء ، وشكلوا وفدا كبيرا ضم حوالي ستين شخصا ، كان الشيخ الحامد رحمه الله على رأسه ، وكأن حركتهم كانت بإيعاز من الفريق أمين الحافظ الذي لمس من رفقائه في الحكم رغبة جامحة في الانتقام والتنكيل والإمعان في القتل ، وفي هدم المدينة على رؤوس المواطنين ، ولا يما ممن كانوا يمثلون حقدا بدافع طائفي مقيت ، فاستقبل الحافظ ومعه عضوا الرئاسة : محمد عمران ومنصور الأطرش ، فوق الشيخ الحامد متحدثا ، ووفق الحاضرون بمن فيهم أعضاء مجلس الرئاسة توقيرا للشيخ الجليل الذي ارتجل كلمة عظيمة تحركت أجمل الأثر في النفوس السامعين ، وما جاء في خطبته قوله :

«لقد استحر القتال بين قبيليتين من قبائل العرب ، فقال أحد قادتهم أو حكمائهم : هذا الخصام وهذه الحرب لا يسعها إلا التسامح والعفو من الجميع ( أي دونما عناب أو تلاوم ) فكان الصلح الذي وضعت فيه الحرب أوزارها.

قال أمين الحافظ : لا بد من التشاور مع أعضاء مجلس الرئاسة.

فقال الشيخ منير لطفي -رحمه الله وطيب ثراه- كما سمعت هذا من فمه : إن أحد زميليك منصور الأطرش هو ابن قائد الثورة السورية سلطان باشا الأطرش ، وهو الذي يعرف للثائرين بمكانتهم وكرامتهم ، وإن العضو الآخر هو محمد عمران الذي تستلم في حماة ، وتخرج في مدارسها ، ويعرف حقها عليه.

وبعد تداول بين أعضاء المجلس لم يدم طويلا ، قال أمين الحافظ :

- لق اتفقنا على إصدار العفو عن المساجين الذين حكموا بالإعدام ، وإطلاق سراحهم.

قال الشيخ الحامد : ونطالب بإصدار العفو عن الهاربين إلى خارج القطر. فقال أمين الحافظ : ولكم هذا ومطلبكم مجاب.

فقال الشيخ : نود صرف تعويضات للمتضررين الذين لحقهم الأذى في هذه الأحداث.

فوافق الفريق أمين الحافظ على هذا.

غادر الوفد دمشق ، وتوجهوا بسياراتهم عائدين إلى حماة عن طريق حمص حيث يحتجز المساجين في سجنها ، بعد أن أحضرتهم السلطات من سجن تدمر الصحراوي الذي ذاقوا فيه أشد ألوان العذاب ، وكان الشيخ الحامد قد راجع قائد المنطقة الوسطى عبد الرحمن الخليفاوي محتجا على ممارسة التعذيب ، فتدخل الخليفاوي مع إدارة السجن ، فحدث انفراج التقط فيه المساجين أنفاسهم.

4- سار موكب العلماء بسياراتهم فرحين جذلين من الفوز الذي حققوه بفضل الله عليهم ، وعندما وصل موكب الوفد إلى سجن البالوتي ، طالبوا الحرس بإطلاق سراح المعتقلين فرفض المسئولون عن السجن ذلك قائلين : لم نتلق أمرا من الرئاسة بهذا الأمر ، وطلبوا التريث ريثما يتم الاتصال بدمشق.

لم تمض إلا بهرة حتى وصلت التوجيهات لإدارة السجن بقرار العفو ، فخرج المساجين ليتقبلهم أعضاء الوفد بالعنق ودموع الفرح ، وأركبوا كل واحد بسيارة مع بعض أعضاء الوفد ، وسار الموكب يتهادى إلى وادي حماة الخصيب الجميل ، فدخلوها دخول الظافرين ، ليروا أبناء المدينة باستقبالهم ، وليسمعوا غناء النواعير وشدوها بآذانهم ، ولينضموا إلى ذويهم وأرحامهم ، وفكان يوما مشهودا يفيض بالبشر والبهجة ، ولا ينساه أبناء مدينة أي الفداء على مر السنين.

معظم هذا الكلام سمعته من فضيلة شيخنا الحامد ، ورفع الله مقامه في عليين ، لأن الشيخ ، بما كان عليه من خلق رفيع ، أصر على زيارة عائلات المساجين كلها بالتتابع ليهنئهم بسلامة أبنائهم ، وكان منزلنا كغيره قد شرف بزيارة الشيخ ، لأن أخي عبد الجبار ، رحمه الله ، كان في عداد من صدر عليهم حكم الإعدام ، فاستقبلته في أيام الصيف على سطح المنزل المطل على بستان جميل ، لأسمع منه تفاصيل زيارة الوفد إلى دمشق ، وما أنجزه من نجاه وفوز كبيرين.

5- لم يكن هدم جامع السلطان حادثة فريدة في ظل حكم البعث ، بل امتدت الأيدي الآثمة إلى مساجد أخرى تاريخية وذات أهمية في مدن أخرى ، كان منها مسجد خالد بن الوليد في حمص الذي يضم رفات القائد العربي الإسلامي العالمي خالد بن الوليد كبير الفاتحين في تاريخ المسلمين ، كما يضم رفات ولده سليمان على ما تنص بعض الروايات التاريخية ، وكان أهل حمص يلجئون إلى مسجد خالد في الشدة وفي الرخاء ، عندما يحتفلون بالمناسبات التاريخية العظيمة ، مثل ولادة ف خر الكائنات سيدنا محمد بن عبد الله (ص) وهجرته من مكة إلى المدينة ، وانتصاره يوم الفرقان في بدر ، وإسرائه إلى بيت المقدس ، ومعراجه إلى ما فوق السموات ، كما كمان أبناء مدينة حمص يلجئون إلى جامع سيدنا خالد في أيام الشدة ومقارعة المحتلين لأرض الوطن ، فصار اسم خالد يطلق على اسم المدينة التي شرفت به ، فتسمى مدينة خالد بن الوليد ، كما كانت مدينة حماة تسمى باسم مدينة أبي الفداء الملك الأيوبي العالم المجاهد والمؤرخ الكبير.

كانت نفوس الانقلابيين أو بعضهم من ذوي النزعة الطائفية متعطشة إلى سك الدماء ، وإزهاق الأرواح ، ونهب الأموال ، وزج المواطنين الوجهاء والشرفاء في غياهب السجون ، وعندما اضطربت الأمور في حمص شأن المدن الأخرى ، لجأت مجموعة من المواطنين في حمص إلى جامع خالد بن الوليد يحتمون به ، فكانت فرصة للحاقدين كي ينقضوا على الجامع التاريخي دون أن يرعوا لبيت الله وللقائد الفذ خالد بن الوليد ولدماء المواطنين حرمة ، فشرعوا في ضب المسجد وتطويقه وقصفه.

ابتدأت المأساة في صيف 1964 بعيد ضرب مسجد السلطان في حماة ، عندما توافق المصلون على مسجد خالد لأداء صلاة العصر ، كما رأي وروي لي أحد المصلين ، ولما فرغوا أداء الفريضة ، انصرف شطر من المصلين ، وبقى في المسجد شطر آخر يصغون إلى خطباء كانوا يلقون الكلمات ، ويشجبون سياسات السلطة ، فأحاطت قوة من رجال الأمن بالمسجد ، ودخلت إلى صحن الجامع مجنزرة اقتربت باب الحرم الذي أغلقه المصلون ، ووضعوا خلفه السجاد ، ليستعصي فتحه والخمول منه فثقب أفراد الآن الباب الخشبي التاريخي العنيد ، وفتحوا كوة أدخلوا منها قضبان الحديد التي وسعت الفتحة حتى كسرت الباب وحطمته قطعا متناثرة ، ودخل الجنود الأشاوس حرم المسجد ، وشرعوا بضرب المصلين وجلدهم والتنكيل بهم ، ومن ثم إخراجهم ليسيروا بين صفين ن الجنود في وضع مهين ، لينتهوا بهم إلى لوريات الجيش وناقلات الجنود ، ويحشروهم فيها بعضهم فوق بعضن ثم نقلوا إلى المساجد البالوتي ، ليقذف بهم في غرفة صغيرة ، وهم يزيدون على مائة معتقل فلم يكن باستطاعة أحدهم أن يستلقي أو يجلس لضيق المكان ، واستمرت هذه الحالة ساعات طويلة ، وقد أنهكهم الجوع والعطش وعدم النوم ، وجلوسهم القرفصاء ، وهناك استكمل رجال الأمن ممارساتهم في التعذيب والضرب المبرح ، واستعمال الأجهزة المستخدمة في تمزيق جلود المعتقلين ، وبعد أيام جرت محاكمات ( عادلة جدا ) للمصلين في المركز الثقافي ، فصدرت عليهم أحكام بالسجن ، وقد سمعا من أحد الضباط قوله :

- لو كان لديكم قطعة سلاح واحدة ، لأبادكم الجيش عن بكرة أبيكم.

كان نور الدين الأتاسي وزيرا للداخلية في حكومة أمين الحافظ ، وقد اشرف بنفسه على عملية اقتحام المسجد واعتقال المصلين ، فقد شاهده المعتقلون عندما أخرجوا من المسجد ، وهو واقف خارجه يقود أو يشرف على عملية الاقتحام ، دون أن تكون لديه ولدي أفراد العصابة الحاكمة خشبة من الله ، أو توقير لبيت الله ، أو تقدير واحترام لأعظم القادة العرب والمسلمين أبي سليمان خالد بن الوليد.

6- كانت دمشق كالبركان ، تعج بتحرك الجماهير ، ولاسيما الجماعات الإسلامية ضد الحكم الذي تحدى الأمة في عقائدها وأخلاقها وقيمها ، وكانت التكتلات الإسلامية : جماعة مسجد المرابط التي كان الدكتور أمين المصري والشيخ عبد الرحمن الباني ، وجودت سعيد ، ومحمد القاسمي يقومون على قيادتها وتوجيهها ، وجماعة كتائب محمد  التي دعت إلى مقاومة النظام ، ومواجهته بالجهاد والسلام ، وكان من قادتها : عدنان المصري ، وعبد الرحيم الطباع ، وحمد بن كمال الخطيب ، غير أن الثقل الشعبي كان لدى علماء دمشق ذوي الكلمة المسموعة والرأي المطاع ، وكان من قادة العلماء أو من أبرزهم الشيوخ الأجلاء : حسن حبنكة وعبد الكريم الرفاعي ، وأحمد الدقر ، وقد بلغ الاستياء في نفوس كبار العلماء هؤلاء مبلغا كبير لما كانت السلطة تفعله وتشجع عليه من فساد وانحلال وإباحية وتحد للمواطنين ، واستهتار بمعتقداتهم ومشاعرهم.

كانت السلطة تسعى إلى توريط المواطنين بأنشطة تسوغ لها توجيه ضربة قاسمة لبناء العاصمة ، وتحطم بفيها معنوياتهم ، وتبث الرعب في أوساطهم ، وتخيف بسحقهم سكان المحافظات الأخرى ، ولاسيما أن في العاصمة الثقل الشعبي ومقر الحكومة والمؤسسات المدنية والعسكرية والأمنية والسفارات والقناصل الأجنبية ، فعلمت السلطة على جر المواطنين إلى صدام تسفك فيه الدماء ، وتزهق الأرواح ، وتصادر الأموال ، وتنهب فيه المخازن والمحلات الكبيرة أو الشهير ، وقد فطن العقلاء في العاصمة إلى مع تبتيه السلطات ضد المواطنين ، فجمعوا صفوفهم ، واتصلوا بالعلماء في المحافظات الأخرى ، واتفقوا على رص صفوفهم وجمع كلمتهم وتوحيد قراراته من ، وأكدوا على عدم الانجرار إلى صدام ستكون العاقبة فيه وخيمة ، غير أن رجال السلطة وأفراد الأمن كانوا يعلمون جاهدين على إشعال نار الفتنة ، فاعتقلوا عددا من كبار العلماء أمثال الدكتور أمين المصري ، والشيخ عبد الرحمن الباني ، وغيرهم ، ووزعوا منشورات باسم أحد العلماء دن علمه يدعون الناس إلى جامع دنكز للاستماع إلى محاضرة يلقيها أحد العلماء الذي فوجئ بزج اسمه كمحاضر دون أن يكن على علم بذلك ، فصرف أعوانه الناس ، وفوتوا على السلطة كيدها ثم فوجئ الناس بمنشورات باسم العلماء تدعو المواطنين إلى الجامع الأموي وعقد تجمع فيه دن أن يكون للعلماء علم بذلن ، وعندما استفسر بعض الناشطين من الشيخ حسن حبنكة الذي دعا إليه العلماء قال : ليس هذا قرارا ، ولا علم لنا بذلك ، فهرع أحد تلاميذ العلماء إلى الجامع الأموي لإحباط هذه المكيدة وإطفاء نار الفتنة التي تصر السلطة على إشعالها ، وخطب بالناس محذرا ومنبها إلى أن العلماء يعقدون جلسة لدراسة الموقف ، وإذا بالكهرباء تقطع عن المسجد وعن الحي من حوله ، وإذا بأحد الشيوخ من أعوان السلطة ، كما هو الظاهر أو المرجح ، يصعد المنبر ، ويدعو إلى المواجهة وحمل السلاح ، فخرج المصلون وهم ألوف إلى ساحة المسجد للسير في مظاهرة عارمة إلى منزل الشيخ حسن حبنكة ( وكان عددهم يزيد عن خمسة آلاف ) الأب الروحي لسكان العاصمة ، رأت أجهزة الأمن أن ساعة الانتقام قد أزفت فدخلت قوات السلطة إلى باحة الجامع الأموي بالأسلحة الخفيفة والثقيلة ، ولما رأي المصلون عصابات التدمير تندفع إلى ساحة الجامع ، أغلقوا الباب الكبير تجنبا للقتل وسفك الدماء ، فما كان من رجال الأمن والمغاوير والضباط الذين تغطي النياشين صدورهم إلا أن اقتحموا المسجد بعد أن حطموا الباب الكبير بالسلاح الثقيل ، وسرعان ما فتح حماة الديار!! نيران مدافعهم ورشاشاتهم على المصلين دون تمييز بين مصلي وخر بصورة عشوائية ، فسالت الدماء في باحة المسجد ، وتناثرت الأشلاء على جدران الجامع العريق وشرع رجال الانقلاب التقدمي الثوري ، يضربون الجرحى والمذعورين من هول الكارثة ، ثم طالب سليم حاطوم الذي كسر بدبابته باب المسجد ومعه مائتان من رجال الصاعقة رواد المسجد بالاستسلام ، وسيقوا إلى سيارات اللوري والشاحنات وهم يضربون بأخمص البنادق على رؤوسهم ، والدماء تغطي وجوههم ، وعندما وصلوا إلى سجن المزة ، أنزلوا إلى أقبية السجن حيث باشر السجانون بتعذيب المعتقلين بالضرب وصدمات الكهرباء ، وبعد أيام اقتيد المعتقلون إلى المسرح العسكري بالربوة لتجري محاكمتهم من قبل محكمة مشكلة من صلاح الضلي ، وسليم حاطوم الذي كسر باب المسجد قتل المصلين ، وكان في عداد المحاكمين الدكتور أمين المصري والأستاذ عبد الرحمن الباني والشيخ جودت سعيد ، وكانت المحاكمين تحكي آثار الضرب واللكمات والجروح الدامية ، واللحى التي كان المجرمون ينتفونها لما عن لهم ذلك ، بل كانوا يدخلون الأحذية في أواه المعتقلين ثم يعودون بهم إلى سجن المزة ، ليدخلوا بزنازين الباردة ، وليس لكل واحد منهم إلا بطانية واحدة.

أصدر المجرمون الحكم بالإعدام على طائفة من المساجين ، كان الأستاذ محمد بن كمال الخطيب واحدا منهم لانتمائه إلى تنظيم كتائب محمد ، وكان التعذيب مستمرا دون توقف ، وبعد وساطات ومراجعات تم الإفراج عن تنظيم المرابط دون الآخرين ، غير أن آمين الحافظ تدخل وأطلق سراح الجميع ، وهذا من الأعمال التي يحمد عليها ، كما سبق له مثلها في أحداث حماة ، وكان ذلك في أجداث الأموي في شهر كانون الثاني من عام 1965.

7- كان السباعي ، رحمه الله وأجزل له الأجر ، أكثر من قائد لجماعة الإخوان المسلمين ، فهو المراقب العام للجماعة ، وهو المعلم والموجه لأبنائها ، وكان قائدا لسرايا المجاهدين إلى فلسطين ، والمدافع الصلب عن الإسلام فيشتى الميادين السياسية والحقوقية والأكاديمية ، وهو الأستاذ الكبير الذي كانت محاضراته في الجامعة تستقطب الطلاب وتشغلهم عن دروسهم وكلياتهم ، ليتزاحموا في القاعة التي يلقي فيها الشيخ دروسه ، فلا يجدوا مقعدا ، ليضطروا للوقوف طيلة محاضرة الشيخ ، وهو البرلماني اللامع الذي أسكت بحججه القاطعة براهينه الدامغة الساطعة خصوم الدعوة والمتربصين بالإسلام ، لقد كان السباعي كل شيء في حياة الجماعة ، يملأ قلوبهم بحبه ، وعقولهم بفكره ، ومشاعرهم بالتعلق به ، وبالرغم من أن المرض المؤلم أقعده عن الكثير من نشاطاته ، فإن استمر في عطائه في كليتي الحقوق والشريعة ، وفي عمله الدائب في موسوعة الفقه الإسلامي ، وفي قاعة البث التي يتناول فيها أدق الموضوعات للنخبة من الطلاب والمولعين بالإصغاء إلى محاضراته ومناقشاته. بينما كان الشيخ يشد الرحال إلى الحرمين الشريفين في عمرة اشتد شوقه غيها ، كما اشتد شوقه إلى زيارة المسجد النبوي ، وقد فاض قلبه حبا وهياما بالرسول الحبيب الشفيع ، فقال فليه من الشعر أجمله وأعطره ، واعدا مريديه بأنه سوف يكتب بعد عودته كتاب يفند فيه من استغل مؤلف عن اشتراكية الإسلام ، وأخرج عن مساره في تفسيرات ملفقة زائفة ، وإذا بالمنية توافيه في الأجل المحتوم في 3-10-1964 ، وينتقل إلى جوار ربه راضيا مرضيا بعد حياة حافلة بالعطاء والعلي والفقهي ولدعوي ، وبالجهاد في ميادين المارك ضد الفرنسيين في سورية والإنكليز في مصر ، والصهاينة في فلسطين ، فخسر الإخوان في بلاد الشام بل خسر المسلمون في العالم عبقرية لم يستطع أحد من أبناء جيله أن يسد فراها أو أن يأتي بمثلها.

رحم الله شيخانا وقائدنا مصطفى السباعي في عطائه وجهاده وتضحيته وكرمه وشجاعته وسمو خلقه, وأعاننا على الاقتداء به ، والثبات على نهجه ، ورفع الله سبحانه قدره ومقامه في عليين مع الأنبياء والصديقين والشهداء الصالحين ، ومع سيد الثقلين حبيبنا وقرة أعيينا محمد (ص) الذي كان فقيدنا هائما بحبه والتأسي به ، والدفاع عن سنته طيلة سنوات عمره التي قضاه في هذه الحياة الفانية ، وجمعنا به في مستقر رحمته ورحاب مغفرته.

خامسا : الزحف الطائفي

في الساعات الأولى من انقلاب 8-3-1963 صدر البيان التاسع ( في الساعة الثانية ,أرعين دقيقة ) أعيد بموجبه أعضاء اللجنة العسكرية الخمسة إلى القوات المسلحة مع حوالي ثلاثين ضابطا آخرين ، ورفع النقيب حافظ الأسد إلى رتبة مقدم دون أن يمر على رتبة رائد وعين آمرا لقاعدة الضمير الجوية أهم قواعد الطيران في سورية وفي ذلك الصباح وصل صلاح جديد على دراجة هوائية ليستلم مسئولية شئون الضباط ، وهو المكتب الهام والحساس في مصير الجيش وتنظيمه ، وفي الحال استولى محمد عمران على اللواء السبعين ، وهكذا بدأ المخطط الاستراتيجي للجنة العسكرية بالتنفيذ باسم المسئوليات التي نيطت بهم ، وباسم أكبر الوحدات العسكرية أو المواقع العسكرية هيبة ونفوذا( ). وهكذا صارت اللجنة العسكرية مجلسا داخل المجلس ، تقرر سياستها قبل اجتماعاته ، وتضع أعوانها وأبناء عشائها وطائفتها في المواقع العسكرية المؤثرة.

1- بعد أيام قليلة من انقلاب 8-3-1963 ، كنت مع الأخوين الكريمين : الدكتور عبد الكريم عثمان رحمه الله ، والأخ الداعية مصطفى الصيرفي نسير في الشارع المحاذي لنر العاصي ، وكان عبد الكريم يحمل جريدة في يده ، فإذا به يقول مندهشا :

- اسمعوا ، فقد قرر مجلس قيادة الثورة أن من صلاحية حل الجيش ، وتركيبه من جديد.

وهكذا ، قرروا إعدام الجيش الوطني ، والبدء بتشكيل جيش طائفي تحت مسمى الجيش العقائدي.

بادرت اللجنة العسكرية السرية إلى تصفية الجيش من كفاءاته بدعاوي عجيبة ومزاعم واهية ، فرعت باسم مجلس قيادة الثورة بتسريح العشرات فالمئات ، فالآلاف من جيش سورية الوطني ، بدعوى أنهم رجعيون أو ناصريون أو انفصاليون أو إسلاميون أو برجوازيون ، أو من أبناء المدن ، أو طائفيون ( كل من أنكر السلوك الطائفي لقادة انقلاب 8 آذار أتهم بالطائفية ).

لقد استغل أعضاء اللجنة العسكرية القرار الذي اتخذ بإبعاد 700 ضابط عن الجيش عقب الانقلاب مباشرة ، بإشعال أماكن ومواقع هؤلاء الضباط المسرحين ، وبضباط كان معظمهم من أبناء الطائفة العلوية( ).

وفي 2-5-1963 قام البعثون بتسريح أكثر من خمسين ضابطا من الناصريين ، ما حدا بوزير الدفاع الفريق محمد الصوفي ، واللواء راشد القطيني رئيس الأركان إلى الاستقالة من مجلس قيادة الثورة ومن منصبيهما ، ثم لحق بهما خمسة وزراء ناصريين ، وبعد ثلاثة أشهر من الستيلاء على السلطة ، طرد الانقلابيون اللواء زياد الحرير وزير الدفاع مع مجموعة من أنصاره يقدر عددها بالعشرات ، ثم شرع المجلس الوطني لقيادة الثورة بمطاردة الناصريين ، حتى أجبر أكثر من ألف منهم في وزارات الدولة على الاستقالة كما رأينا سابقا.

بعد محاولة 18-7-1963 الانقلابية التي قام بها الناصريون بقيادة العقيد جاسم علوان ، والهجوم في وضح النهار على محطة الإذاعة ومبنى الأركان ، وخروج أمين الحافظ من مبنى الأركان ورشاشه بيه ليقود عملية المواجهة ضد حركة الانقلاب الناصري ، الأمر الذي أدى إلى قتل وجرح المئات ، وخلال ساعات مثل سبعة وعشرون ضابطا أمام محكمة عسكرية ، ليقرر إعدامهم ، وينفذ فيهم حكم الموت في الحال ، كما رأينا من قبل.

انسحب الناصريون من الوحدة ، وهاجم عبد الناصر في 22-7-1963 البعثيين السوريين ، ووصفهم بالفسقة والقتلة ، وأعلن رسميا انسحابه من اتفاقية 17-4-1963 القاضية بإقامة وحدة بين مصر و سورية و العراق ، وكان عبد الناصر ق بل ذلك يرتاب بالبعثيين ، ويكن لهم نفورا قويا ، فأطلق حملته ضدهم ، وشجع على التظاهرات المناوئة له ، وهدد بسحب الناصريين من الحكومة.

2- احتلال ضباط علويين لمواقع مهمة مثل رئاسة الأركان وآمريه القوة الجوية ، واللواء المدرع السبعين المتمركز حول دمشق ، ساعدهم على تشكيل تكتلات طائفية خلال الفترة 1963- 1965 ، وإبعاد المناوئين لهم من الناصرين والوحديين وغيره ، وقد قدر بعض الباحثين أن عدد الذين سرهم البعث من الجيش إثر محاولة انقلاب 18-7-1963 الناصرية بألف ومائة ضابط وصف ضابط كانت أسماؤهم جميعا لدى محمد نهبان الضابط العلوي الذي كان ضمن التنظيم الناصري ، ليحل محلهم عسكريون علويون التحق مئات منهم في الكلية العسكرية بحمص ، ليحل محلهم عسكريون علويون التحق مئات منهم في الكلية العسكرية بحمص ، فاتهم البعض محمد نبهان بأنه كان مدسوسا على الناصريين.

لقد كثف العلويون أو اللجنة العسكرية أو حزب البعث الذي تنفذ هذه السياسات باسمه في قبول أعداد كبيرة من أبناء طائفتهم في الكليات العسكرية ، وفي مراكز الإعداد الحزبي والتنظيم العسكري ، وفي الحرس القوي ، وفي الشعبة السياسية والمخابرات ، وفي المواقع الإستراتيجية المحيطة بدمشق ، وبمجرد أن يصل هؤلاء الضباط إلى مراكز قيادية كانوا يقوموا باستدعاء أقاربهم وأبناء عشائرهم وطائفتهم ، ويمدون لهم يد العون ليتقدموا ، ويتم قبولهم بالكليات العسكرية ، والبحرية ، والجوية ، ويؤكد فان دام صاحب كتاب : الصراع على السلطة في سورية أن معظم الذين تم استدعاؤهم كانوا ينتمون إلى الأقليات ، ولاسيما العلويون والدروز الإسماعيليون.

وهكذا استطاع حافظ الأسد أن يضع رموزه السياسيين في الحكومة ، ومؤسساتها من طائفة واحدة ، وهي الطائفة العلوية.

كل هذه السياسات الطائفية التي تشمئز منها النفوس ، جرت وطبقت باسم قانون الطوارئ رقم ( 2 ) الذي أعلنه الانقلابيون ضحى يوم الانقلاب ، وأصدره مجلس قيادة الثورة ، فكان أول قرارات المجلس بعد الاستيلاء على السلطة.

ويقول الباحث الشهير الدكتور نيقولاوس فان دام : إن زعماء الطائفية العلوية وضباطها البارزين أمثال : محمد عمران و حافظ الأسد و عزت جديد و إبراهيم ماخوس اجتمعوا لدراسة النتائج المترتبة على محاولة الانقلاب الفاشل الذي قاده الناصريون ، وقرروا ترفيع الضابط ، محمد نبهان ، ومحمد عمران ، وصلاح جديد ، إلى رتب دينية مثل : نجيب ، والوشاح البابي الأقدس ، والمقدم ، والمختص!! وتكليف مشايخ الطائفة بحض الشباب على الانخراط بالقوات المسلحة ، ومواصلة نزوح العلويين من الجبل إلى المدن الساحلية والداخلية ، ولاسيما اللاذقية وطرطوس وحمص.

أسجل هذه الوقائع نقلا عن مصادر أجنبية وعربية ، وأنا لا أكاد أصدق أن هذا حدث في سورية ، ومن مواطنين محسوبين على بلدنا وشعبنا ، وإن جميع الحكومات الوطنية بعد الاستقلال عاملتهم على قدم المساواة مع جميع المواطنين في تكافؤ الفرص ، وملء الوظائف المدنية والدبلوماسية ، والالتحاق بالجيش ودوائر الدولة ، ولولا ذلك لما تمكنوا من التغلغل في القوات المسلحة والقيام بانقلاب استخدموه للتسلط على رقاب العباد ، وقمع المواطنين بقسوة بالغة لم تكن معهودة في تاريخ سورية الحديث.

3- ضج كثير من البعثيين من هذه السياسة الطائفة المقيتة ، وصبغ المجتمع ودوائر الحكومة والمؤسسة العسكرية والأمنية والبعثات العلمية والسلك الدبلوماسي بالصبغة الطائفية ، فقد عانى السنيون من التمييز الطائفي لدى تقدمهم للالتحاق بالكليات العسكرية ومراكز التدريب الأخرى ، بينما كان يحظى العلويون والدروز والإسماعيليون والمسيحيون بتمييز إيجابي ، كما ظهر في حركة تنقلات الضباط داخل القوات المسلحة ، لتبقى الوحدات التي يسيطر عليها أبناء الأقليات حول دمشق .

وعندما فاحت روائح التكتل الطائفي حسب تعبير الدكتور منيف الرزاز الأمين العام للبعث خلال الفترة 1965- 1966 بدأ الحديث عنها في البداية همسًا ، ثم بدأت الأصوات تعلو عندما ظهرت بوادر مادية -صارخة- تسند هذا الاتهام من القادة الكبار لحزب البعث .

انبرى كذلك الأستاذ مطاع الصفدي- من القادة التاريخية لحزب البعث- لهذه الظاهرة المؤلمة والمخجلة للوطن والمواطن ، فأصدر كتابه : حزب البعث ، مأساة المولد ومأساة النهاية ، جاء فيه : إن التسريحات بالمئات ، والتي استهدفت جميع الضباط من أبناء المدن الكبرى ، ومن السنيين خاصة ، حتى فرغت أسلحة كاملة من ضباطها الرئيسيين كسلاح الطيران وسلاح البحرية والآليات ، كذلك اتبعت نفس الخطة حيال صف الضباط والجنود ، حتى أصبح من المتعارف عليه أن ألوية كاملة بأركان حربها وصف ضباطها وجنودها ، وقف على طوائف معينة كاللواء سبعين واللواء الخامس ، وقال الصفدي كذلك : لقد أغلق باب الكليات العسكرية في وجه شباب المدن السنية ، وكذا مختلف المدارس العسكرية ، حتى إن دورات كاملة من هذه الكليات قد سرحت من الخدمة جميعها من قبل أن تتخرج ثم قال : فالمعلمون- العلويون- يصبحون ضباطًا ، والفلاحون جنودًا وضباط صف ، أما اللواء سبعين فقد أصبح علويًا خالصًا بقيادته وقواعده تقريبًا.

على أثر هذه السيطرة الكاملة الطائفية ، ونجاح اللجنة العسكرية بالإمساك بمفاصل الحياة في سورية -العسكرية والمدنية- ضجت قيادة الحزب من هذا السلوك الطائفي المكشوف باسم الحزب وتحت شعاره ، ورفعت أصواتها بالشكوى والإنكار ، لأن هذا الوضع ينسف الحزب من أساسه ، ويقوض بنيانه ، ويفقده المصداقية ، فيما كان يدعو إليه من وحدة وطنية وقومية تتسامى على الانقسامات العنصرية والجهوية والطائفية والإقليمية ، وكان في مقدمة المنكرين من القيادات التاريخية للحزب : ميشيل عفلق ، وشلبي العيسمي ، ومنيف الرزاز ، ومطاع الصفدي ، وخالد الحكيم ، ونسيم السفر جلاني ، وأحمد سويداني وعشرات غيرهم ، وأغرب ما طفا على السطح من هذا السلوك الطائفي ما صدر عن محمد عمران الذي أسكرته هذه الانتصارات الطائفية العلوية وسيطرتها على كل مفاصل الحياة في سورية ، وليس الجيش والأمن فقط ، فإذا بهي صرخ منتشيًا : إن الفاطمية يجب أن تأخذ دورها بغية أن يلعب الضباط ( العلويون والدروز والإسماعيليون ) دورًا في تكتل طائفي ضد أبرز منافسيهم الرئيس السني والقائد الأعلى للقوات المسلحة أمين الحافظ .

أخرجت هذه التصريحات الاستفزازية الفجة والوقحة رؤوس السلطة والحزب ، فانتقد أحمد سويداني وأمين الحافظ وغيرهما طائفية محمد عمران بعد انكشاف أمره وباطنه ، واستعجاله في الكشف عن المخطط الطائفي والإمعان في تنفيذه ، وسرعان ما انضم إلى المنكرين لطائفية محمد عمران ، في حركة طائفية رهيبة حافظ الأسد وصلاح جديد للتغطية على مخططهم الذي فضحه عمران ، وأحرج شركاءه في اللجنة العسكرية السرية كما مر معنا في المجلد الثاني من هذه الأوراق.

4- عمل صلاح جديد في صراعه مع الحافظ على كسب الضباط الدروز والضباط الإسماعيلين من أمثال عبد الكريم الجندي ، وحمد عبيد ، وسليم حاطوم ، كما كشف صلاح جديد حقيقة موقفه من الوحدة مع مصر التي لم يؤمن بها قط- وهو في الأصل من أرومة الحزب القومي السوري وكذلك إخواته- بل استغلوا شعارها ، وضللوا بها الجماهير في سورية ، وقضوا باسمها على الانفصاليين الذين كانوا أقرب إلى إقامة الوحدة من قادة الحكم الطائفي ، فقد اتفقوا سرًا مع عبد الناصر في مباحثات مكتوبة -قرأنا تفصيلاتها- لولا أن حقد عبد الناصر على النحلاوي ومجموعته أحبطها وفتح الطريق سالكًا لانقلاب 8- 3- 1963 عندما اشترط على ضباط الانفصال حل البرلمان ، وإقالة وزارة الدواليبي ، واعتقال رئيس الجمهورية ناظم القدسي ، فانهدم عهد الانفصال في حركة غبية سقط فيها النحلاوي ورفاقه لتدخل سورية في المجهول إلى أجل غير مسمى.

لقد حاول الحزب ، عبر عدد من المؤمنين بالوحدة ، أن يستأنفوا الحوار مع القاهرة ، وأن يسووا جميع الخلافات العالقة ، لتعود المياه إلى مجاريها ما بين القطرين الششقيقين ، ولاسيما أن انقلاب 8 آذار جاء زاعمًا أنه سيعيد الوحدة بين سورية ومصر ، غير أن صلاح جديد تصدى- مع أنصاره- لهذه المحاولة ، وقابل أي مشروع وحدودي بالرفض القاطع ، وعطل كل الجهود التي كانت ترمي إلى إعادة الوحدة بين أبناء الأمة الواحدة في كل من مصر وسورية العربيتين.

أسفرت الصراعات والتطاحن الطائفي عن تصفية الكثير من الضباط الذين ينتمون إلى الأكثرية ، أي أبناء السنة ، حتى ولو كانوا من البعثيين القدامة ، فلم يعد لهم من تأثير على مجريات الحياة العسكرية في الجيش أو في الأجهزة الأمنية بعد أن أحكم الطائفيون سيطرتهم التامة ، ليس على المواقع والوحدات والفرق والألوية وأفواج الجيش وسراياه وكتائبه وفصائله فحسب ، بل على كل قطعة سلاح ثقيل من دبابة ومدفع وطائرة بحيث يكون المسئول أو نائبه علويًا ، حتى إن الضباط الكبار من أبناء الأكثرية شعروا بفقدان الوزن- وهم من القلة التي استمرت في الجيش- والتجميد حتى في المواقع التي كانوا على رأسها.

التقيت عميدين في تلك الفترة في مكة المكرمة حضرا لأداء فريضة الحج ، وكان أحدهما متزوجًا من شقيقة الآخر ، فسمعت منهما وهما جالسان بجوار الكعبة أنهما لا يملكان من الأمر شيئًا ، وأن الحاجب لكل منهما أقوى نفوذًا وأعظم تأثيرًا من العميد الذي يقف على بابه ، وأن الواحد منهما يتحفظ في الحديث أمام حاجبه الذي يقوم بمهمة المراقبة عليه!

5- في أيلول 1965 تم توسيع المجلس العسكري- مجلس قيادة الثورة- وتسمية : المجلس الوطني لقيادة الثورة ، فضم هذا المجلس أعضاء المجلس الوطني لقيادة الثورة ، مضافًا إليهم عدد من البعثيين ، ممثلون عن لفيف من النقابات والمهن ، ومن عناصر سياسية من ناصريين وشيوعيين ومستقلين بعيدين عن الأحزاب القديمة ، وعن الإسلاميين والشخصيات الوطنية والمستقلة ذات الثقل الشعبي والتاريخي ، ليكون ملكًا لهذه العصبة من الانقلابيين ، يتصرفون بأقدار البلاد والعباد كما يحلو لهم ، وكما يشاءون ، ثم أعيد تشكيل المجلس في مطلع عام 1966 بعد التعديلات التي طرأت على القيادة السياسية والتغييرات في بنية السلطة ، ثم جرى حل هذا المجلس العتيد!! من قبل قيادة العسكر التي جاءت بهم في انقلاب جديد قام به مجموعة من الضباط العلويين والدروز في 23- 2- 1966والذي كان البعثيون المناوئون للتسلط الطائفي يطلقون عليه ردة شباط عام 1966 .

كان أمين الحافظ قائدًا للجيش ، ورئيسًا للمجلس الوطني لقيادة الثورة ، ورئيسًا لمجلس الرئاسة -رئاسة الجمهورية- والأمين العام للحزب.. إلخ.. غير أه في الحقيقة لم يكن شيئًا مذكورًا. كان رجلا من القش حسب تعبير الذين أرخوا لهذه الفترة من التاريخ الغربيين ، ولم يكن -كما قال الأسد- يستطيع أن يحرك جنديًا من مكانه ، وقد شعر هو وأنصاره بانعدام الوزن والمهانة ، فحاولوا إصلاح هذه الحالة الشاذة ، فقرروا عبر القيادة القومية تشكيل الوزارة برئاسة البيطار ، واستدعوا محمد عمران من إسبانيا وأسندوا له وزارة الدفاع للحد من التسلط الطائفي ، غير أن خصومهم الذين كانوا يمسكون بزمام السلطة ومفاصل الجيش ، قرروا إنهاء هذا الجيب الأخير الذي يمثله في رأيهم أمين الحافظ ومن يشايعه ، فلجئوا إلى الحيلة ، ورتبوا خطة يتخلصوا بها وإلى الأبد من أمين الحافظ ، فقالوا له :

- يا سيادة الفريق ، إن خلافًا حادًا نشأ بين الجنود في الجبهة في بعض الوحدات ، وهذا أمر خطير لا يقدر على حله سواك ، وإن قائد الجبهة -الضابط العلوي- اتصل بقيادة الجيش مستنجدًا بعد أن سحب الضباط السلاح وشهروه على بعضهم.

وسرعان ما انطلت الحيلة على الحافظ وعمران ورئيس الأركان ، هرعوا إلى الجبهة لحل الخلاف ، لكنهم بعد الوصول إلى الجبهة لم يجدوا نزاعًا ولا شقاقًا بين العساكر بعد طوافهم بالوحدات واللقاء بها والاستفسار منها!!! فعادوا إلى دمشق ، وأوى كل واحد منهم إلى فراشه منهكًا.

استيقظ الحافظ في الثالثة من صباح 23- 2- 1966 على هدير الدبابات وزمجرة السلاح الثقيل ، حيث قام عساكر الصاعقة بقيادة سليم حاطوم ، وبدعم من سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد ، وكتيبة دبابات يقودها عزت جديد بشن هجوم على منزل الفريق أمين الحافظ ، فواجههم حرسه بدفاع شجاع ، ونشبت معركة بين الفريقين استمرت حتى منتصف النهار ، وكانت مغاوير حاطوم يأتون موجة إثر موجة للمشاركة في هذا القتال البطولي!! والقتال على أشده ، حتى نفدت ذخيرة المدافعين ، وقتل من قتل ، وأسر من أسر ، فاستسلم الفريق بعد أن أصيب عدد من أفراد عائلته بجروح ، ونقل قائد حرسه محمود موسى إلى المستشفى ، فلحق به عزت جديد ليجهز عليه ، فتدخل حاطوم لإنقاذه ، لأنه كان ضمن قواته في المغاوير من قبل ، وهربه إلى بيروت ، فكان حصاد هذه المعركة خمسين قتيلا من الفريقين.

تجمهر المواطنون لينظروا بدهشة وذهول إلى المنزل المتهدم ، وإلى قطع الأثاث المتناثرة من المبنى إلى الشارع والأرصفة ، وإلى الماء المتدفق من الأنابيب المتكسرة ، ثم وقعت صدامات في المدن الأخرى بين الموالين لأمين الحافظ في حماة وحمص وحلب واللاذقية ودير الزور ، سرعان ما تم القضاء عليها والسيطرة الكاملة لانقلابي 23 شباط لعام 1966.

6- اقتيد الحافظ عمران والموالون لهما إلى سجن المزة ، كما اعتقل في دار الضيافة في شارع بغداد ثلاثون من القيادة القومية لحزب البعث ، من بينهم صلاح البيطار ، ومنصور الأطرش ، وشبلي العيسمي ، وأعضاء القيادة القومية اللبنانيون والسعوديون والأردنيون ، أما منيف الرزاز فظل وحده طليقًا متخفيًا ينتقل من مخبأ إلى مخبأ ، يصدر منها بياناته بمهاجمة الانقلاب ، وأما عفلق فقد أوى إلى منزله دون أن يعتقله الانقلابيون ، فاتخذ طريقه إلى لبنان ، ومن ثم إلى البرازيل ، وانتهى به المطاف إلى بغداد ، وهذا ما سجله بإسهاب الكاتب باتريك سيل في كتابه عن السيرة الذاتية لحافظ الأسد.

سبق الانقلاب محاولة من وزير الدفاع محمد عمران في وزارة البيطار لإبعاد مؤيدي جديد ، وهم اللواء أحمد سويداني ، وعزت جديد ، وسليم حاطوم ، كما حاولت القيادة القومية فرض سيطرتها المفقودة ، فقررت حل القيادة القطرية ، وعودة الانضباط العسكري للجيش ، لكن أمين الحافظ حال دون نقل الضباط ، وأوقف إجراءات النقل ، وألغى تحرك وحدة الضابط العلوي علي مصطفى ظهير القيادة القومية ومناصرها ، فأمسى الطريق مفتوحًا أمام جديد لانقلاب ضد أمين الحافظ ، وهكذا جنى أمين الحافظ على نفسه جراء ردود الفعل الحادة التي عرف بها.

إن من عرف الحافظ واختلط به- ونحن منهم في بغداد- يراه ذا شهامة ونخوة ، تأسره الكلمة الطيبة ، وينخدع بسرعة ، أما صلاح جديد فهو يتقن أساليب الخداع التي استخدمها مع عدد من الضباط ، كانت زياد الحريري الأول فيهم ، فعندما دُعي إلى الجزائر بمناسبة جزائرية وطنية ، ورآه جديد وقد أوجس خيفة من هذا السفر ، ومترددًا في السفر ، طمأنه جديد في حركة مسرحية ( وقد وقد خلع غطاء رأسه ( سييدارة ) ورماه على الأرض ) قائلاً : ولو يا أبا العز ، لحم أكتافنا من أفضالك ، فأنت الذي قمت بالانقلاب ، وأعدتنا إلى الجيش ، فانطلت الحيلة على الحريري وسافر مطمئنًا ، وعندما عاد من رحلته وجد نفسه مطوقًا ومجردًا من نفوذه كرئيس أركان الجيش ، وسرعان ما أبعد ليذهب إلى بيروت وبغداد ويعيش أكثر من أربعة عقود بعيدًا عن وطنه ، جراء فعلته التي سيكون حساب التاريخ عليها عسيرًا.

كان أنصار جديد يخاطبون الحافظ بعبارات التزلف والمداهنة ، وسرعان ما كان ينخدع بهم وبأحاديثهم ، وعندما كان حراسه وأفراد حاشيته يخبرونه عما يبيت هؤلاء من مكر وغدر ، يأبى أن يصدقهم ، وعندما كانوا يعرضون عليه تطويق تحركهم ، يجيبهم : عيب ، وهذه الكلمة كثيرًا ما يرددها ، بل كانت محط كلامه وأحاديثه ، وأكثر من ذلك : كان يسأل جماعة جديد : هل أنتم كما يقال لي عنكم؟!! وهكذا مهد بعقليته وسذاجته ، بل بكثير من حماقاته للكتلة الطائفية أن تلغي من الجيش كل من لا يدور بفلكها الطائفي المقيت ، وكل من يؤيد الحافظ نفسه الذي حماهم ، وكذا جميع الضباط الذين ينتمون للأكثرية من المواطنين.

تبع إزالة الحافظ تطهير الجيش والحزب والحكومة من بقايا السنة وأبناء المدن السورية الكبيرة ، فأبعدوا 400 ضابط وموظف ، فكانت هذه الضربة القاضية لتحويل الجيش السوري الوطني إلى جيش أقليات كما كان في ظل الانتداب الفرنسي ، بل أكثر تطرفًا في سيطرة العلويين على مرافق الجيش ومفاصله.

بعض الباحثين في تاريخ سورية الحديث ، ومنهم حزبيون سابقون يفسرون تصرفات صلاح جديد ، بأنه كان يضمر في أعماقه كيدًا دفينًا للبعث الذي قضى على أخويه غسان بالاغتيال ، وفؤاد بالسجن المؤبد ، فتحول وهو ضابط برتبة ملازم من الحزب القومي السوري إلىحزب البعث العربي ، ليهدمه من داخله ، ويأثر لذويه منه ، وبالفعل فقد بلغ مرتبة الأمين العام المساعد للحزب شكلاً ، والقائد الحقيقي للحزب فعلاً ، لأن الأمين العام لم يكن فاعلا بالتنظيم ، كما بلغ مرتبة رئيس الأركان في الجيش بوقت قياسي ، فسرح آلاف الضباط الأكفياء ، وبذلك يكون قد أمسك بتلابيب الحكم من طرفيه المدني والعسكري ، فاستطاع بهذا النفوذ الواسع أن يصفي قيادة الحزب التاريخية على دفعات ، كان الحوراني وأنصاره البداية ، ثم جاء دور عفلق والبيطار ومن يشايعهم ، فاتهموهم بالرجعية واليمين المتعفن حسب تعبيراتهم ، وطاردوهم ، وحكموا على مائة منهم بالإعدام غيابيًا ، وهكذا نجح جديد في تصفية البعث من جذوره ، وأبقوا فيه على التكتل الطائفي ، وحكموا البلاد باسمه موهمين الخلق في داخل البلاد وخارجها ، وفي المحيطين العربي والدولي أن حزب البعث هو الذي يحكم سورية والمهيمن على مقدراتها.

7- أما رئيس اللجنة العسكرية محمد عمران وأعلى أعضائها رتبة ، فقد وضعوه في مواجهة أمين الحافظ في النزا على السلطة ، وعندما اختلف مع قرنائه في اللجنة ، وفضح للعيانه سرها لميشيل عفلق وغيره تبرأ منه زميلاه في اللجنة العسكرية جديد والأسد واتهماه بالطائفية!! كيلا ينكشف أمرهما ، وتعاونا مع الآخرين على إبعاده إلى الخارج ، وعندما أعادته القيادة القومية وزيرًا للدفاع ، تركوه يكمل مهمته في صدامه مع أمين الحافظ ، فكان مثله كمثل ذكر النحل تنتهي حياته بعد أن يكمل مهمته ، وهكذا طورد محمد عمران ، وتم نفيه إلى قبرص ، ومنها إلى لبنان ، مقيمًا في مدينة طرابلس ، فعكف على كتابة مذكراته وتجربته في الحزب والحكم ، وأخرج أول جزء من مذكراته تحت عنوان : تجربتي في الثورة ، واعدًا أنه سيكشف عن أمراض الحزب والمجتمع في الإقليمية والطائفية التي كانت تلعب أدوارًا خطيرة من وراء اللافتات الثورية ، في الغوغائية والسطحية والتحالفات السرية المشبوهة لتنفيذ مخططات بعيدة المدى ، وفي تفشي المحسوبية والسمسرة محتمية بشعارات التقدمية حسب تعبيرات محمد عمران الذي قال : سألجأ إلى عرض آرائي علني استطيع أن أساهم في إيقاف هذا التدهور الشامل الذي تتعرض له مؤسساتنا الثورية في وطننا عن طريق إثارة النقاش والحوار والبحث في حلول أكثر جذرية حسبما جاء في الجزء الأول من مذكرات عمران.

شعر جديد والأسد بخطورة ما أقدم عليه عمران من فضح سياسات اللجنة العسكرية المدمرة ، فعجلا بالقضاء عليه واغتياله قبل أن يكمل الجزء الثاني من مذكراته الذي أشار فيه إلى أنه سوف يتحدث عن المواقف والأحداث والأشخاص ، ليدفن معه التاريخ الخفي لأحداث الحزب والتخطيط الطائفي خلال عشرين سنة على صعيد الحكم والجيش قبيل اغتياله والقضاء عليه.

8- وقبل مغادرة هذه الفترة من أحداث 1963- 1966 أتساءل عن مصير الذين انتهكوا حرمات الله ، وهدموا بيوت الله على رؤوس المصلين ، ومزقوا أجساد المحتمين بالمساجد من بطش الطغاة ، كما كانوا يفعلون في ظل الانتداب الفرنسي دون أن يلجأ الفرنسيون المستعمرون إلى المس بحرماتها وقدسيتها ، ماذا جرى لهم ، وكيف كانت خاتمتهم؟ وهل عجل الله لهم العقاب في الدنيا قبل عذاب الآخرة الأشد والأبقى؟ لقد بدأ حكم الأقلية في اقتحام جامع السلطان وقتل زهاء سبعين شهيدًا من المعتصمين فيه ، وقصف مئذنته التاريخية ، وهدم حرمه وبنيانه بكماله وتمامه ، وهذا ما فعلوه بجامع خالد بن الوليد في حمص في نفس العام 1964 ، ثم فعلتهم في الجامع الأموي أكبر معالم التاريخ الإسلامي في العالم كله ، وعندما سئل أمين الحافظ في مؤتمر صحفي عن هدم المساجد أجاب دون أن يعتذر أو يداري في إجابته أو يتنصل من فعلته التي كانت تقترف باسمه :

- لقد هدم الحجاج الكعبة وكأن هدم الكعبة مثل يحتذى ، دون أن يجد من يقرأ على سمعه وأسماع الناس جميعًا قوله سبحانه : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . وصدق الله جل وعلا ، فقد عجل لهم العقوبة في الدنيا وألحق بهم الخزي جزاء وفاقًا ، إذ لم يمض عامان على هدم جامع السلطان وقتل العشرات من أبناء الدعوة وشباب الإسلام في رحابه حتى كان الذين استغلوا أمين الحافظ وجعلوا منه واجهة يقترفون جرائمهم وهدم المساجد باسمه ، حتى طوقوا منزله ، وقصفوه كما قصف جامع السلطان ، وهدموا عليه وعلى آل بيته المنزل الذي يسكنه كما هدموا جامع السلطان على المحتمين فيه ، وساقوه إلى السجن ذليلاً مدحورًا كما ساقوا المصلين الذين لم يقتلوا بجامع السلطان إلى السجون ، فحدث له ولمنزله كالذي حدث في عهده وفي حضوره لحماة ما حدث لجامع السلطان في مدينة أبي الفداء.

وفي حمص أشرف نور الدين الأتاسي أحد واجهات الحكم الطائفي بصفته وزيرًا للداخلية على اقتحام مسجد خالد بن الوليد القائد التاريخي الفذ ، وكسروا أبواب حرمه واعتقلوا المصلين فيه ، وساقوهم بالشاحنات تحت وطأة الضرب الشديد والمهانة الأليمة ، فماذا كان مصير نور الدين؟ لقد زج به من استغله في إيذاء أبناء مدينته ، واقترفوا الجرائم باسمه ، ودفعوا به لارتكابها... في غيابه السجن زهاء ربع قرن ، ولم يخرج منه إلا ليواري التراب بعد أيام قليلة من مغادرته السجن في هذه الخاتمة البائسة.

أما سليم حاطوم الذي كسر بدبابة كان يركبها باب المسجد الأموي ، واندفع مع المئات من عناصره في الصاعقة إلى المسجد ليطلق النار من دبابته ورشاشته عشوائيًا على المصلين ، فتسيل دماؤهم وأشلاؤهم كما رأينا من قبل.. الخ.. فكانت عقوبته من شركائه في الإجرام أن ألقوا عليه القبض عندما عاد ليحارب -كما قال- بجانبهم ، وأحرقوا أعضاءه وأعضاء رفيقه بدر جمعة قبل تنفيذ الحكم بإعدامهما. وقد رأينا ماذا حل بعمران بعد أن بشر بالحكم الفاطمي عندما دبر رفيق دربه بالتخطيط الطائفي أمر اغتياله في طرابلس في 4- 3- 1972 فيما بعد على يد جهاز المخابرات السورية كما دلت الآثار التي خلفها من قتلوه على الجهة التي دبرت أمر الاغتيال .

سادسًا : تصفية الضباط الدروز

قام الأمين العام للقيادة القومية منيف الرزاز بعد نجاته من الاعتقال بعد انقلاب 23/2/ 1966 بتشكيل تنظيم للحزب من أمكنة اختفائه ، لإعادة تقلد القيادة القومية للسلطة ، وتزعم القطاع المدني ، كما تزعم فهد الشاعر -الدرزي- المكتب العسكري الذي قام بتشكيله ، فضم في عضويته : فهد الشاعر أمينًا عامًا ، وصلاح نمور -سني- ومجلي القائد- مسيحي من حوران- وعلي سلطان ، وشريف سعود ، وعلي الضماد- سني من حوران- والمقدم إسماعيل هلال ، كما ذكر ذلك تفصيلاً منيف الرزاز عندما التقاه فان دام في 22- 4- 1974 في عمان ، واستثنى الشاعر أي ضابط علوي ، كيلا ينكشف مكتبه وتحركه ، غير أإن الرزاز أكد أنه لم يستبعد العلويين من تشكيل المكتب العسكري ، بل على العكس ، فقد طالب الشاعر كما طالب ميشيل عفلق عن طريق مبعوثه من بيروت بإشراك الضابط العلوي علي مصطفى في المكتب العسكري ، لكن أعضاء المكتب تريثوا خشية انكشاف تنظيمهم ، فوافق الرزاز على تأجيل انضمامه طالما أن الثقة كانت مفقودة ، بينما كان التنظيم المدني يضم عددًا من أبناء الطائفة العلوية.

1- عندما عقد انقلابيو 23- 2- 1966 مؤتمرًا قطريًا لمناقشة الأسباب التي أدت إلى الانقلاب ، تقرر معاقبة كل من اتخذ موقفًا طائفيًا أو إقليميًا أو عشائريًا ، لوضع حد للمناورات الطائفية. وفي نهاية المؤتمر القطري الاستثنائي استبعد كل من حمد عبيد ، وسليم حاطوم ، من القيادة القطرية السورية المؤقتة التي تقلدت زمام الحكم رسميًا في 23- 2- 1966.

كان حميد عبيد يرى أن لديه الحق في استعادة مركزه السابق كوزير للدفاع ، مكافأة له على دعمه لصلاح جديد ضد أمين الحافظ منذ شهر أيلول/ سبتمبر 1965 ، غير أنه بدأ واضحًا أن وزارة الدفاع لن تسند إليه مرة أخرى ، بل أسندت لحافظ أسد الذي أضحى بعد 23/2/ 1966 لأول مرة وزيرًا للدفاع ، فحاول حميد عبيد بتحريض من جماعة أمين الحافظ القيام بانقلاب مضاد في مدينة حلب ، فباءت محاولته بالفشل ، وتم القبض عليه ، وعلى من وقف بجانبه من قبل النظام الجديد ، وجرت له محاكمة حزبية في أواخر عام 1966 ، اتهم فيها بالثراء غير المشروع ، وسواء استخدام السلطة ، فاستشاط حاطوم غضبًا ، وعارض بشدة مصادرة أملاك حميد عبيد. كما أن حاطوم- الذي كان له دور رئيسي في الإطاحة بأمين الحافظ- فقد اعتباره في الحزب ، وشعر أنه خدع من قبل صلاح جديد الذي أيده في الانقلاب ضد الحافظ ، واستخدمه كمخلب قط في ذاك النزاع ، فبدأ في بناء تنظيم عسكري خاص به ، حيث كانت غالبيته من الضباط الصغار من جبل الدروز ، بالإضافة إلى بعض الضباط البارزين مثل طلال أبو عسلي ، وعدد من الضباط غير الدروز مثل مصطفى الحاج علي من حوران قائد المخابرات العسكرية في الجبهة مع إسرائيل ، كذلك اتصل حاطوم بجماعة حمود الشوفي الذي كان قد شغل من قبل منصب الأمين العادة للقيادة القطرية في الحزب ما بين أيلول 1963 وشباط 1964 ، وكان له أتباع في جبل الدروز وفي المحافظات الأخرى ، وكان توجيههم يساريًا بل وماركسيًا.

2- في 10- 8- 1966 اكتشفت القيادة القطرية بطريق الصدفة خطط الانقلاب المدبرة من قبل القيادة القومية المخلوعة ومن قبل سليم حاطوم ، وتمكنت مع معرفة أسماء المشاركين في هذا الانقلاب ، الذي اختار له فهد الشاعر يوم 3- 9- 1966 موعدًا ، لولا أن أحد أعضاء تنظيمه العسكري الرائد محمد نعيمي انهار تحت التعذيب الشديد الذي مارسه عبد الكريم الجندي عليه وعلى أمثاله ، فاعترف بالتحرك والاستعداد للانقلاب ، وأعطاه أسماء عشرة ضباط مشتركين في المؤامرة ، وأعطى كل واحد من هؤلاء العشرة بدوره أسماء آخرين حتى بلغ مجموع الموقوفين مائتين كان معظمهم من الدروز ، كما أن طلال أبو عسلي صرح وهو في حالة سكر شديد بموقفه من الأسد والقيادة الجديدة ، فاختفى فهد الشاعر ، وهرب البعثيون المدنيون للنجاة بأنفسهم ، وأدى تطهير الجيش من الدروز إلى ضجة كبرى في جبل العرب ، فقرر صلاح جديد ونور الدين الأتاسي السفر إلى السويداء ، ومعهما جميل شيا العضو الدرزي الوحيد في القيادة القطرية ، بعد أن استلموا مذكرة من مجموعة حاطوم تضمنت وجهة نظر الغالبية من أعضاء فرع السويداء للحزب ، ومنها إعادة الضباط المبعدين إلى مراكزهم السابقة ، وعقد مؤتمر قطري لبحث أزمة الحزب ، وإلا فإنهم سيتجاهلون أي تعليمات صادرة عن القيادة القطرية ، ويقاطعون أي انتخابات حزبية إذا ما استمرت عملية تصفية الضباط الدروز الذين شاركوا في انقلاب 23- 2- 1966.

3- انتهز حاطوم ذهاب صلاح جديد ونور الدين الأتاسي وجميل شيا ، إلى جبل الدروز ( السويداء ) فأجرى الترتيبات المحكمة ، إذ طلب من طلال أبو عسلي السيطرة على الجبهة بكتيبة دبابات ، ومن مصطفى الحاج علي أن يستولي على كتيبة الكوماندوس التابعة لحاطوم نفسه ، وأن يتأكد من وجود معسكر قطنا في أيد يطمئن لها ، ثم توجه على جناح السرعة إلى السويداء قبل وصول صلاح جديد إليها ، ومر بوحدة دبابات في حوران ، وكلف آمرها إبراهيم نور الدين بقطع طريق السويداء بعد عبور جديد وأصحابه ، وبعد أن جمع صلاح جديد عددًا كبيرًا من الشخصيات المحلية في مكتب فرع الحزب ، دخل عليه سليم حاطوم وبيده رشاشه ، ووضع جديد الأتاسي تحت الحراسة في منزل أحد الحزبيين ، وألقى القبض على الضباط العلويين بعد تجريدهم من سلاحهم ورتبهم ، كان منهم النقيب محمد إبراهيم العلي قائد الجيش الشعبي دون أن يفطن حاطوم إلى موقف حافظ الأسد من هذه الأحداث .

وضع حاطوم في مفاوضاته الهاتفية مع الأسد ، ومع يوسف زعين مطالبه في هذا الصراع التي كان أهمها :

أ- عودة أنصاره الضباط إلى مناصبهم العسكرية.

ب- إطلاق سراح أتباعه المعتقلين.

ج- تطهير الجيش من أبرز أنصار صلاح جديد العسكريين.

د- إعادة مجموعة الشوفي إلى الحزب.

هـ- استقالة القيادة القطرية المشكلة في آذار 1966 ، وتعيين قيادة قطرية مؤقتة ، يكون فيها خمسة على الأقل من جماعة الشوفي.

رفضت قيادة الجيش التسليم بهذه المطالب ، وحركت إلى السويداء قطعات عسكرية ، فيها كتائب الصواريخ مهددة بقصف السويداء ، كما حلقت طائرات الأسد في سماء الجبل تساند القوات البرية فأدرك حاطوم وأبو عسلي أنهما خسرا المعركة ، فقررا الهرب إلى الأردن إنقاذًا لجبل الدروز من ضربة ماحقة.

4- عقد حاطوم مؤتمرًا صحفيًا في عمان يوم 13- 9- 1966 ، وسرد روايته لما حدث في السويداء ، وصرح بأن الوضع في سورية مهدد بوقوع حرب أهلية نتيجة لنمو الروح الطائفية والعشائرية التي يحكم من خلالها اللواء صلاح جديد واللواء حافظ الأسد والفئات الموجودة حولهما ، وأضاف : إن الروح الطائفية تنتشر بشكل فاضح في سورية وخاصة في الجيش ، وإن الفئة الحاكمة تعمد إلى تصفية الضباط والفئات المناهضة لها ، وتحل مكانهم من أتباعها بمختلف المناصب ، فقد بلغت نسبة العلويين في الجيش خمسة مقابل واحد من جميع الطوائف الأخرى ، ومضى حاطوم قائلاً : إذا ما سئل عسكري سوري عن ضباطه الأحرار ، فسيكون جوابه : إنهم سرحوا وشردوا ، ولم يبق سوى الضباط العلويين ، إن الضباط العلويين متمسكون بشعيرتهم ، وليس بعسكريتهم ، وهم جماعة صلاح جديد وحافظ الأسد.

تحدث في هذا المؤتمر طلال أبو عسلي مضيفًا إلى ما قاله حاطوم : إن وضع الجيش السوري دقيق جدًا وخطير ، إذ أن جميع أبناء الوطن هم ضد كل ما هو علوي ، وهذا الانقسام قائم في الجيش لدرجة الاقتتال في كل لحظة ، وإن التسلط العلوي شمل كل المستويات ، لدرجة أنك ترى المرأة العلوية ، تتصرف وكأنها السلطة ، وفي كل المنازل التي يسكنها العلوين يرى جيرانهم بوضوح تسلطهم باسم السلطة ، وباسم الحزب ، وكل علوي من كبير أو صغير يعرف ماذا سيحدث من تطورات وتنقلات ومن اعتقالات قبل أن يعرف بعض كبار المسؤولين .

5- بعد فشل انقلاب حاطوم ، تم إجراء تصفيات واسعة النطاق في الجيش وفي الحزب ، شملت معظم ضباط الدروز ، وغالبًا ما كان يتم تسليم زمام القيادة بالوحدات العسكرية التي تم تصفيتها إلى ضباط علويين ، واستمرت هذه التصفيات والاعتقالات في سورية حتى عام 1967 ، وظل فرع الحزب في السويداء مشلول الحركة والنشاط لأكثر من ستة أشهر بعد قشل انقلاب حاطوم.

أثارت هذه التصفيات الطائفية الدرزية السورية ، حتى إن القائد المخضرم سلطان الأطرش قائد الثورة السورية ضد الفرنسيين عام 1925 ، والذي لا يزال يحظى باحترام كبير ، أرسل برقية مفتوحة لرئيس الأركان السوري في كانون الأول/ ديسمبر 1966 جاء فيها : أولادنا في السجون مضربون ، نحملكم النتائج ، لقد اعتاد الجبل- ولا يزال- أن يقوم بالثورات لطرد الخائن والمستعمر ، ولكن شهامته تأبى عليه أن يثور ضد أخيه ، وأن يغدر بيني قومه.

وفي آذار 1967 قدم العديد من الأشخاص المتورطين في المؤامرة الفاشلة إلى محاكمة عسكرية خاصة في دمشق ، فوجهت النيابة تهمتين إلى المحاكمين هما : الاشتراك في مؤامرة أجنبية للإطاحة بنظام الحكم ، والتحريض على حرب أهلية وانقسام طائفي ، وطالب النائب العام بإعدام خمسة من الضباط الدروز وهم : فهد الشاعر وسليم حاطوم وطلال أبو عسلي وعبد الرحيم بطحيش وفؤاد أبو الفضل .

كانت الأحكام غيابية باستثناء فهد الشاعر الذي تحدى في المحكمة حكم الإعدام الذي لم ينفذ به ، ولما كانت نهاية أمين الحافظ هي نهاية لوجود الضباط السنيين في الجيش ، كانت نهاية حاطوم نهاية للضباط الدروز في الجيش ، ثم تبعهم تصفيات أبناء محافظة حوران لاحقًا ، ليصفو الجو لآلاف الضباط العلويين الذين أمسكوا بمفاصل السلطة ، وعلى رأسها تنظيمات الجيش الكبيرة منها والصغيرة.

لا يفوت الباحث أن يذكر أن تعبير السنيين في الجيش لا يعني أن الضباط السنيين كانوا يتمسكون بعقائد أهل السنة أو أفكارهم أو سلوكهم أو أخلاقهم ، بل كانوا سنيين في المولد والنشأة والبيئة فقط ، ولم يكن أي فرق في الأخلاق والسلوك بين معظم ضباط الجيش وأفراد الحزب بين سني وعلوي ودرزي وإسماعيلي ومسيحي ، فالكل في معاقرة الخمرة وتعاطي الزنا و.. إلخ سواء ، وهذا كله -مع ذلك- لم يشفع لهم طالما أنهم ولدوا في بيئات وأسر سنية ينتمون إلى الأكثرية من المواطنين السوريين التي تبلغ نسبتها 82% من مجموع الشعب السوري ، كما لا يفوتنا بعد أن رأينا مصير الذين قاموا بدك المساجد وهدم بنيانها في حماة وحمص أن نتساءل عن مصير حاطوم الذي حطم باب المسجد الأموي بدبابته ، وقتل المصلين في ساحات الحرم ، وسفك الدماء ، ومزق أجساد المحتمين ببيت الله ، وساقهم في مذلة ومهانة مرت معنا تفاصيلها ، فكيف كانت خاتمته؟

لقد دخل في أثناء حرب 1967 سورية ليشارك في القتال الدائر مع إسرائيل كما رأينا ، فألقت السلطات عليه القبض وحكمت عليه بالإعدام بتهمة التآمر مع الدوائر الإمبريالية الإنجلزأمريكية والألمانية الغربية للإطاحة بالنظام السوري ضمن مخطط استعماري شامل ، ونفذ فيه حكم الإعدام ، وقتل شر قتلة ، مع رفيق دربه وشريكه في جرائمه بدر جمعة سفاح حلب الذي كان يهوي القتل بالجملة دونما سبب يستحق كلمة لوم ، فعندما أضرب عمال النسيج في حلب ، وكان يحكم المدينة بقبضة من حديد ، طلب من العمال أن ينتدبوا وفدًا منهم ، فجاءه ثمانية منهم فقال : هل يرغب أحد من المضربين بالانضمام إلى الوفد؟ فجاءه أربعة آخرون ليبلغ العدد أثنى عشر نقابيًا فلم يلبث أن رشهم بالصاص ، فخروا صرعى يتخبطون بدمائهم ، ثم التفت إلى العمال المضربين قائلاً : هل يوجد من يريد التحدث باسم المضربين؟ ارجعوا إلى معاملكم ، فعادوا خائفين مذعورين لما شاهدوه من وحشية لا تخطر على بال ، ولا يتحملها ضمير إنسان مهما بلغت وحشيته وقسوته.

لقد نفذت السلطة حكم الإعدام بهذا الطاغية -بدر جمعة- مع رفيقه سليم حاطوم بأسلوب وحشي وهمجي ، لا نرتضيه لأي إنسان مهما كان جنسه أو مذهبه أو معتقده أو انتماؤه ، لأن الإسلام ينهى عن المثلة ، ويوصي بالرفق بالدابة حين ذبحها ، فما بالنا بالإنسان الذي كرمه الله ، ورفعه فوق كثير من الخلائق التي خلقها الله وبثها في أكوانه.

قيل إن بدر جمعة كان من أصل جزائري ، فهل تحقق الباحثون من هذا الأصل الذي يخفي على الناس حقيقة نسبه ، لأن الجزائري العربي المسلم لا يمكن أن تصدر عنه مثل هذه الوحشية التي لم نر مثيلاً لها حتى لدى بعض الأعداء من المحتلين والمستعمرين!!

نذكر هذه الخاتمة المرعبة للذين انتهكوا محارم الله في بيوته ، لا حقدًا ولا تشفيًا ، فإن هذا مما ينهي عنه الإسلام ، وتأباه شريعته ، ويجافي أحكامه وسنته ، ويخالف مناهج الأنبياء وسيرهم وأخلاقهم الذين نسير على خطاهم. فسيدنا يوسف -عليه السلام- يقول لإخوته بعد أن فعلوا فيه الأفاعيل ، وقد نصره الله عليهم ورفع قدره : ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ . وسيدنا وقدوتنا محمد -صلى الله عليه وسلم- يقول لأهل مكة ( وقد قتلوا أصحابه وأخرجوه وأتباعه من ديارهم ) : لا تثريب عليكم اليوم ، يغفر الله لكم ، أذهبوا فأنتم الطلقاء .

تذكر هذا ليتعظ الظالمون ، فيكفوا عن ظلمهم ، وليعتبر المظلومون ، يصبروا ويثبتوا ، متأكدين وموقنين بحسن الخاتمة ، وبالفرج المحتوم ، والنصر من عند الله المبين : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ .

سابعًا: حالة الطوارئ

تعد حالة الطوارئ الآلية التشريعية المركزية ، والمسوغ الكبير بيد النظام في أسلوبه القمعي المخيف ، وهي التي أعلنها الانقلابيون بوصفها بيانًا عسكريًا رقم ( 2 ) صدر بتاريخ 8- 3- 1963 أي في الساعات الأولى التي قفز فيها العسكر على السلطة والحكم ، فكانت أول قرار للضباط البعثيين وحلفائهم يصدر عن مجلس قيادة الثورة بعد الاستيلاء على مقاليد السلطة في دمشق.

لقد أوضح عدد من القضاة والقانويين لمراقب الشرق الأوسط أن حالة الطوارئ لم تكن يومًا مشروعًا قانونيًا ، لأنها لا تتوافق مع أحكام المرسوم الاشتراعي ذي الرقم ( 51 ) أو مع الدستور ولم يقرها مجلس الوزراء الذي يرأسه رئيس الجمهورية ، ولم يسبق أن عهد به إلى البرلمان السوري للتصديق عليها في أي دورة برلمانية ، وكلاهما لازم استنادًا إلى المادة ( 2أ ) من المرسوم ذي الرقم ( 5 ) ، وهذا ما لم يحصل قط في سورية ، علمًا بأن حالة الطوارئ حسب المرسوم رقم 51 مقصورة على وضع الحرب ، أو ما يهدد باندلاعها ، أو ما يعرض الجمهورية أو جزءًا منها إلى الخطر ، أو حدوث كارثة عامة.

1- يسوغ النظام السوري تمسكه بحالة الطوارئ أنها بسبب دوام الصراع مع إسرائيل كما يقول مندوب سورية في الأمم المتحدة ، وكما يؤكد حافظ الأسد قائلاً : إن حالة الحرب هي الحالة التي تعيشها سورية منذ احتلال الحركة الصهيونية جزءًا من أرضنا العربية ، فنحن في حالة حرب تفرض علينا باستمرار قانون الطوارئ لعشرات السنين!! وهذا ما تضمنه خطاب حافظ الأسد في المؤتمر الخامس لاتحاد شبيبة الثورة كما نقله راديو دمشق حسبما أورد تقرير منظمة رقيب الشرق الأوسط عن انتهاكات حقوق الإنسان في سورية .

إن حالة الطوارئ تمنح الحاكم العرفي -رئيس الوزراء ونائبه وزير الداخلية -صلاحيات مطلقة في تقييد الحركة والتجمع ومراقبة البريد والاتصالات والمطبوعات ، وحق المصادرة وتعليق أو إغلاق وسائل الإعلام ، واستعادة أو مصادرة الممتلكات ، وبالرغم من هذه الصلاحيات المرعبة والمطلقة ، فإن النظام السوري خرق هذه القوانين في مجالات عديدة ومناسبات مهمة ، ففي إجراءات الاعتقال التي يتضمنها قانون الطوارئ يتعين توقيع الأوامر من قبل الحاكم العرفي أو نائبه ، غير أن ما كان يحدث أن أوامر الاعتقال تعطي لدوائر الأمن موقعة من دون أسماء للعمل بها كيف تشاء ، وأنها تملأ بأسماء المعتقلين بعد الاعتقال.

إن دوائر الأمن تهمل المحاكم كافة ، ولا تكترث مطلقا حتى بالإجراءات الروتينية الشكلية في توجيه التهمة رسميًا في إجراء المحاكمة ، فالسجناء السوريون السياسيون مرهونون بحجز وقائي تام ، ليمضي بعضهم في الحجز سنوات طوالا ، ربما يصل عشر سنوات أو عشرين أو ربع قرن كما يشاء المتسلطون الأمنيون ، دون مراعاة لأي اعتبار قانوني أو إنساني أو أخلاقي ، ودون أن يكون للضحية حق في الاستئناف على حكم الحاكم العرفي أو مقاضاة قراراته ، وبالتوسع المفرط لحدود الجرائم السياسية ، وبالسماح بالحبس والحجز بغير حدود ، ومن دون محاكمة ، فإن حالة الطوارئ فتحت الطريق واسعًا أمام انتهاكات حقوق الإنسان الرهيبة في سورية الجريحة والمنكوبة.

2- ومنذ الساعات الأولى للانقلاب صدرت مراسيم وقرارات عديدة زادت في ضعف النظام القضائي السوري ووهنه ، فالقانون الصادر بالمرسوم رقم ( 6 ) في 17- 1 1965 أقام المحاكم العسكرية الاستثنائية الخاصة للنظر في قضايا سياسية صرفة ، وهي ذات سياقات عمل أقل مما في المحاكم العسكرية المشار إليها في أصل القانون ، وأبسط منها في الإجراءات ذات الضوابط القضائية ، وقد جاء في الفقرة ( أ ) أن الأعمال التي تعد متعارضة مع تنفيذ النظام الاشتراكي سواء أكانت أفعالاً أم كلامًا أم كتابة ، أو تؤدي بأي وسيلة من وسائل الاتصال أو النشر ، وكذا أي معارضة لتوحيد الدول العربية ، أو أي من أهداف الثورة أو إعاقة تحقيقها.. إلخ ، وسرعان ما وضعت هذه البنود الشاذة موضع التطبيق منذ نيسان 1964 عندما تحرك النظام البعثي للقضاء على الاحتجاجات على مظالم الحكم ، فقضت المحاكم العسكرية الاستثنائية بإعدام العشرات ، ونفذت الحكم فيهم ، وفي وقت لاحق حلت محاكم أمن الدولة محل المحاكم العسكرية رقم 47 الذي تم تعريفه على كونه لا يخضع للإجراءات المألوفة والمعروفة في المحاكم المدنية ، فالدليل الذي يقدم إليها -لمحاكم أمن الدولة- ليس له وجود اعتباري في القانون ، كما ي شهادة السماع ، أو اعتماد رأي الادعاء ، وليس من ثم فرصة للطعن في قراراتها الإجرائية ، ومع كل هذا التجاوز على كل ما عرفه الإنسان في مسيرته الحضارية في مجال القضاء ، أقام المرسوم القانوني فيما بعد رقم 109 في 17- 8- 1968 نمطًا آخر مما سمي بمحاكم الطوارئ ، أو ما سمي بالمحكمة العسكرية الميدانية ، أو ما يشار إليها باسم الجبهة العسكرية التي تشكل في أي مكان ، أثناء الحرب أو من خلال العمليات العسكرية الأخرى .

وبهذه المحاكم التي لا تعرف دول العالم لها مثيلاً ، حكم على العشرات ، بل المئات بالإعدام في محاكمات تجري على الأرصفة وقارعة الطريق ، وسرعان ما ينفذ حكم الإعدام كما حدث في حلب وجسر الشغور وحماة ، وفي العديد من المدن والقرى السورية في ستينيات القرن الماضي. إن هذه المحاكم تقع دائمًا خارج أي نظام قضائي ، بل إن الأحكام تصل مسبقًا إلى المحاكم عن طريق الأجهزة الأمنية التي نفذت الاعتقال ، وفي مثل هذه المحاكم الميدانية ، فإن الحكم الصوري صار منهجًا يوميًا ، فالنظام يتحرك من أدعاء تمسكه بالقانون إلى إغفال القانون إطلاقًا ، ومن المحاكم المشروعة إلى المحاكم الصورية الاستثنائية ، ثم إلى لا محاكم البتة .

ضجت نقابات المحامين في سورية من هذه الأنظمة التي لا تمت إلى الدساتير والقوانين والقرارات والأعراف والمعقول والأخلاق بأي صلة ، وبدأت بحملة ضارية على هذه المحاكم التعسفية سببت حملة وحشية ودموية من أجهزة الأمن على المحامين والقضاة ورجال القانون ، مما سيأتي ذكره مفصلا في حينه وفي أوراق لاحقة ، وفي الفترات الزمنية التي حدث فيها قمع المحامين والقضاة ورجال القانون والمدافعين عن حقوق الإنسان وآدميته.

3- بادرت حكومة 23 شباط/ فبراير 1966 إلى إرسال وفد سري إلى القاهرة صباح انقلابها برئاسة مصطفى الحاج علي إلى عبد الناصر -كسبًا للوقت وتضليلاً للشعب- لإحراجه والمزايدة عليه لسحب قوات الأمم المتحدة من خليج العقبة ومضائق تيران ، فوقع عبد الناصر في الفخ ، وخدع من جديد من حكام الأقلية الجدد في سورية الذين جاء بهم انقلاب 23 شباط ، على تنوع أساليبهم في الخداع والمكر ، لدفع العرب إلى منزلقات أودت بهم إلى نكبة الخامس من حزيران/ يونيه 1967 ، وإلحاق الهزيمة المنكرة بأمتنا التي وقعت ضحية الكيد الباطني الذي تواصل وامتد من ابن العلقمي إلى اللجنة العسكرية السرية التي أنشأها في القاهرة ، وفي ظل الوحدة : محمد عمران ، وحافظ أسد ، وصلاح جديد.

ثامنًا: إرهاب السلطة الحاكمة

يقدر ما كان الدور السوري عظيمًا في حركة التحرر والنهوض عربيًا وعالميًا ، جاء التآمر على حرية سورية واستقلالها كبيرًا وخطيرًا منذ أواخر الأربعينيات ، وفي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي من الدول الطامعة ، وفي مقدمتها أمريكا وإنكلترا ، غير ، أن سوريةالكبيرة بصمودها في مواجهة الأحلاف الاستعمارية ، أحبطت ذلك كله ، وخرجت من ذاك الصراع قوية ظافرة ، وإذا بفئة غادرة تحسب على أنها من أبناء سورية وليست من أعدائها ، تسدد لها ضربة دامية ، وتستولي على السلطة بانقلاب أدخلها في التيه المظلم لأكثر من 45 سنة باسم الحرية والتقدمية والثورية والوحدة ومواجهة الصهيونية والإمبريالية في شعارات كان الواقع على عكسها ، فتسفك الدماء ، وتنهب البلاد والعباد ، وتستبيح القيم والمحرمات ، وتزرع الخوف في النفوس ، وتمعن في تجويع المواطنين وإفقارهم وقهرهم وما تزال ، وبكلمة موجزة ، تمارس الفئة الحاكمة وسلطة الأقليات في سورية أخطر انتهاك لحقوق الإنسان في العصر الحديث.

1- إن أخطر ما يتعرض له الإنسان من انتهاك حقوقه وحرياته ، أن تتحول الدولة -بجميع طاقاتها وقدراتها المادية والمعنوية- مؤسسة تمارس الإرهاب ضد أفراد المجتمع ، وترتكب جرائم القتل والخطف واغتيال المعارضين ومصادرة الأموال ، وسحق وقمع كل من يخالفها في الرأي ، أو يعارض أو ينتقد سياساتها استنادًا للقوانين الشاذة التي وضعتها وشرعتها.

كيف تستطيع الدولة التي تحولت إلى مؤسسة إرهابية أن تصدر قوانين جائرة تمارس باسمها ومن خلالها الإرهاب والبطش ضد المواطنين؟ إن ذلك يحدث عبر الحكم الشمولي الذي استولى على السلطة بانقلاب عسكري ، واغتصب حق الشعب في أن يحكم نفسه بنفسه ، واعتبر المواطنين قاصرين ، وله حق الوصاية عليهم ، فألغى دستور الشعب ووضع لنفسه دستورًا على مقاسه ، نزع منه سيادة الشعب ، ووضع له قائدًا على الدولة والمجتمع أضفى عليه صفات العظمة والقداسة ، برغم أنف الدولة والمجتمع ، واحتكر لنفسه حق الترشيح لرئاسة الدولة ، دون أن يملك أي مواطن هذا الحق ، وعلى الشعب أن يقول لمن ترشحه السلطة الباغية : نعم ، كما أوجد هذا النظام مجلسًا سماه مجلس الشعب ، جعل التشريع قسمة بين هذا المجلس وبين رئيس الجمهورية ، مع أن الواقع العملي أن التشريع ينحصر بيد رئيس الجمهورية ، ولا يملك هذا المجلس إلا أن يقر بالإجماع ما يقترحه الرئيس من القوانين - مع التصفيق الحاد-مما سهل إصدار القوانين القمعية بمراسيم تشريعية أو قوانين قدمها رئيس الجمهورية إلى المجلس فوافق عليها المجلس بالإجماع مهما تضمن تنفيذها من جرائم تقشعر من هولها الأجسام بحق الإنسان والوطن ، ومهما أدى تطبيقها إلى سفك دماء الألوف من المواطنين والأبرياء.

من أهم هذه القوانين :

أ- قانون حماية الثورة الصادر بالمرسوم التشريعي رقم ( 6 ) تاريخ 17- 1- 1965 المنوه عنه سابقًا.

ب- قانون إحداث محاكم الميدان العسكرية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم ( 19 ) المؤرخ في 17- 8- 1967.

ج- قانون إحداث محكمة أمن الدولة الصادر بالمرسوم التشريعي رقم ( 39 ) المؤرخ 1968.

د- قانون إحداث إدارة أمن الدولة الصادرة بالمرسوم التشريعي رقم ( 14 ) المؤرخ في 14- 1- 1969 ، وقانون التنظيمات الداخلية لإدارة أمن الدولة الصادر بالمرسوم التشريعي رقم ( 549 ) المؤرخ في 25- 5- 1969.

هـ- الدستور السوري الصادر في 13- 3- 1973.

و- القانون ( 49 ) الصادر في تموز 1980.

ز- قانون المحاماة رقم ( 39 ) المؤرخ في 1981 ، ثم تبعه قانون المهن الحرة ، كقانون الأطباء وقانون الصيدلة والمهندسين.

كل هذه القوانين والمراسيم تتيح للطغاة قتل المواطنين لأسباب تافهة ، وبمحاكمات صورية مجردة من كل ما يمت إلى النظام القضائي المحلي والعالمي بصلة ، وتؤله رئيس الجمهورية الذي اغتصب الحكم بالسلاح ، ونصب نفسه رئيسًا بصلاحيات مطلقة وغير مسبوقة ، بالأنظمة الدستورية في العالم كله ، مما سيأتي تفصيله عنها في مكانها ضمن الأحداث في سياقها الزمني وتسلسل الأحداث.

2- قانون الطوارئ هو القانون الأخطر الذي يمس حقوق المواطنين جميعًا دون استثناء ، وهو أداة لسلب حرياتهم والاستيلاء على أموالهم ، وانتهاك الحقوق التي نظمتها لوائح حقوق الإنسان وجميع الشرائع السماوية والقوانين الأرضي ، فقد أعطى قانون الطوارئ للحكومة أن تفعل أي شيء في أي مواطن دون بيان الأسباب وبلا تعليل ، وبدون إعطاء أي حق لأي جهة قضائية للاعتراض على هذه الأفعال التي ت شكل أبشع الجرائم الجنائية ، وبكلمة موجزة ، تعطي السلطة الحق في فعل أي شيء في الوطن والمواطنين.

إن قانون الطوارئ يعلن بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء المنعقد برئاسة رئيس الجمهورية ، وبأكثرية ثلثي أعضائه حسب الفقرة أ من المادة الثانية من المرسوم 51 الصادر بتاريخ 22- 12- 1962 ، على أن يعرض على مجلس النواب في أول اجتماع له ، و سورية لم يكن فيها مجلس نواب حين صدر هذا المرسوم ، وعندما يكون مجلس النواب منحلاً يسترد حقه بالمصادفة على إعلان الطوارئ في أول جلسة يعقدها بعد انتخابه ، وتنص المادة 153 في الدستور المعمول به في سورية على أن التشريعات النافذة والصادرة قبل إعلان هذا الدستور سارية المفعول إلى أن تعدل بما يوافق أحكامه ، وإذا علمنا أن حالة الطوارئ لم تعرض على مجلس الشعب ، ولا على أي مجلس تشريعي منذ إعلانها وحتى كتابة هذه السطور في منتصف عام 2008 تبين لنا أن حالة الطوارئ في سورية غير دستورية ، وأن كافة التصرفات التي تمت على أساسها باطلة ، لمخالفتها الدستور والقانون ، مما يتبع عدم قانونية القرارات الصادرة بالاستناد إليها ، وبخاصة أوامر اعتقال الأفراد ومصادرة الأموال ، لأن ما بني على باطل فهو باطل ، وأن أوامر اعتقال الأفراد استنادًا لحالة الطوارئ ، يشكل جريمة حجز الحرية ، وهي جريمة جنائية بنص المادة 556 من قانون العقوبات السوري يعاقب عليها بالأشغال الشاقة ، وقد جاء في كلمة مندوب سورية أمام اللجنة المعنية بحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة التي مقرها في جنيف : إن الحكومة السورية بفضل قاعدتها الشعبية ، شعرت أنها من القوة الكافية بحيث أنها لا تلجأ إلى إعلان حالة الطوارئ ، مما يعني أن حالة الطوارئ في سورية غير معلنة دستوريًا ، وإنما واقعيًا ، وهذا أدهى وأقسى.

إن إساءة استخدام حالة الطوارئ قد تعاظمت فيما بعد بصورة خطيرة ، ولاسيما في الأعوام 1979 و 1980 ، فشهدت أشكالا من انتهاكات حقوق الإنسان ، وارتكاب مجازر فردية وجماعية رهيبة هزت الضمير الإنساني ، وأهمها انتهاك الحق في الحياة بصورة جماعية فيما سيأتي بيانه في مرحلة لاحقة.

3- في ظل قانون الطوارئ تنعدم ممارسة السلطة القضائية ، لأية صلاحية بصدد الاعتقالات ، ويحرم المواطن من حقه في الطلب من القضاء بشرعية توقفية ، ولا يحق له الطعن بقرارات الحاكم العرفي في اعتقاله أو مصادرة أمواله ، أو التظلم من ذلك أمام أي مرجع قضائي ، كما يمنع ذوو المعتقل من معرفة مكان اعتقاله ، أو العلم بالتهم الموجهة إليه ، ومن ثم عدم إمكان زيارته للتحقق مما إذا كان المعتقل حيًا أو ميتًا ، وقد ترتب على ذلك أن أكثر المعتقلين الذين لم يقدموا للمحاكمة هم في عداد المفقودين ومجهولو المصير ، كما ترتب على هذه الإجراءات الظالمة ، وهذا الاستهتار بكرامة الإنسان وآدميته : خلل في العلاقات الاجتماعية والأسرية بسب طول مدة الاعتقال من دون محاكمة ، وعدم معرفة مصير المعتقل ، أو مكان وجوده ، كالعلاقات الزوجية ، والإرث ، أو الشراكة والملكية وغيرها.

فهل واجه الإنسان في أي قطر من أقطار العالم ، أو أي شعب من شعوب الأرض- يهودًا أو نصارى أو بوذيين أو وثنيين أو ملحدين- مثل هذه المآسي التي واجهها المواطن السوري في وطنه؟ وهل عومل أي عميل أو عدو في سورية ، ولاسيما الصهاينة كالذي عومل به السوريون الذين عارضوا إرهاب الدولة وهمجية المتسلطين على رقاب العباد وشؤون البلاد بعد انقلاب 8 آذار المشؤوم عام 1963؟ هذا هو النهج الذي قال ورثة الطاغية أنه خط أحمر لا يجوز مسه أو تجاوزه أو الاعتراض عليه.

ومما يجدر ذكره في هذا السياق أن الاعتقالات أمست مصدر نهب وابتزاز واستلاب مبالغ طائلة من ذوي المعتقلين للسماح لهم بزيارة أبنائهم أو آبائهم أو أزواجهم ، إذ كانت النسوة يذهبن إلى الجبل يلتمسن من أم مدير السجن -المقدم فيصل الغانم- السماح لهن بزيارة المعتقل في سجن تدمر ، ويمكنهن من رؤية المعتقل ، ولو لدقائق من خلف الأسلاك الشائكة ، بعد دفع ما كانت تشترطه أم المقدم فيصل الغانم وهو أخذ كل ما لدى أهل المعتقل من ذهب ومصاغ ، وليس بالعملة الورقية السورية التافهة.

وكذلك الأمر في سائر المعتقلات والسجون الأخرى.

تاسعًا: الصهاينة وانقلاب 8 آذار

كانت فلسطين تشكل الجزء الجنوبي من بلاد الشام ، حتى جاءت معاهدة سايكس -بيكو بعيد الحرب العالمية الأولى ، فمزقت بلاد الشام ، وجعلت منها أربع دول تمهيدًا لتنفيذ المشروعات الاستعمارية على أرض الشام ، وتقديمها لقمة سائغة للصهاينة من قبل الإنكليز الذين نكثوا عهودهم للشريف حسين وللعرب بإقامة الدولة العربية الممتدة من عدن جنوبًا إلى جبال طوروس شمالاً ، فشرع الإنكليز الذين غدروا بالعرب ، ووعدوا اليهود بتسليمهم فلسطين ، ينفذون المشروع الاستيطاني الصهيوني على أرض فلسطين ، ويفتحون باب الهجرة لهم على مصراعيه ، وتم تعيين اليهودي الإنكليزي صموئيل مفوضًا ساميًا للإنكليز في فلسطين ، ليقوم بتوزيع أراضي الفلسطينيين بسخاء على اليهود القادمين ، والتضييق على العرب الفلسطينيين بالضرائب الفادحة على الأرض ، وبالإجراءات الثقيلة على الحقول الزراعية ، للضغط على السكان كي يتركوا الأرض أو يبيعوها ويهاجروا إلى خارج مناطقهم ، وكذا مطاردة المعارضين ، وإعدام الثائرين ، لإفراغ فلسطين من أهلها.

1- كانت سورية أول الدول العربية في التصدي للهجمة الصهيونية ، ولمشروع الحلفاء - فرنسا وإنكلترا- في تقسيم سورية ، وتسليم فلسطين بعد سلخها من الوطن الأم إلى الصهاينة ليحلوا محل سكانها ، تمهيدًا لطردهم من أرضهم ووطنهم ، فكانت الأحزاب السياسية والشخصيات الوطنية والجمعيات الإسلامية في ثورة عارمة في الدفاع عن عروبة فلسطين في كل مدن وقرى وبقاع سورية ، وكانت الحماسة في نفوس السوريين كالبركان غيرة على المسجد الأقصى وما حوله من الأرض المقدسة ، ومنذ ثلاثينيات القرن الماضي والإخوان المسلمون في مصر و سورية في نشاط دائب وحركة مستمرة ضد المشروع الصهيوني وتآمر الإنكليز على فلسطين ، فكان التعاون وثيقًا بين قادة الإخوان المسلمين بقيادة مرشدهم الإمام حسن البنا وإخوانه وقيادات الإخوان في سورية من جهة ، وبين الزعامات الفلسطينية وفي مقدمتهم الحاج أمين الحسيني رئيس الهيئة العربية العليا في فلسطين والشيخ نمر الخطيب العالم المجاهد إمام المسجد الكبير في حيفا وغيرهما من الساسة والمجاهدين الفلسطينيين.

وعندما أقرت الأمم المتحدة تقسيم فلسطين عام 1947 بضغط شديد من أمريكا وإنكلترا على الدول الصغيرة والضعيفة في هيئة الأمم المتحدة ، هب الشعب السوري عن بكرة أبيه في التصدي لهذه المؤامرة الدنيئة والخيانة الكبرى بحق حاضنة أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ، المسجد الأقصى ، ومسجد الصخرة ، والأرض المباركة ، وخاض الإخوان المسلمون السوريون معارك ضارية كانت أحد الأسباب التي أنقذت القدس وأبقته في أيد العرب الفلسطينيين ، كما شهد بذلك قادة فلسطين ومؤرخوها من أمثال عارف العارف ، وساستها أمثال الحاج أمين الحسيني و إميل الغوري و نمر الخطيب وغيرهم ، مما جاءت تفصيلاته في المجلد الأول من هذه المذكرات عن الإخوان المسلمين في سورية.

كانت المؤامرة التي حاك خيوطها المنظمات الصهيونية العالمية والدول الكبرى المهيمنة على هيئة الأمم ومجلس الأمن والسياسات العالمية : أكبر من قدرات العرب وحكوماتهم المستقلة حديثًا ، والضعيفة في قدراتها العسكرية ، وتخاذل الكثيرين من السادة والقادة ، مما ألحق بالعرب هزيمة نكراء ما زلنا نتجرع مرارتها ، وأوقعتهم في نكبة تذوب القلوب منها كمدًا ، وتتفطر الأفئدة من شديد الألم.

غير أن السوريين ظلوا مبعث قلق الصهاينة المغتصبين لفلسطين ، بما يثيره أبناء سورية أبناء سورية من تحرك عاصف ضد الذين اغتصبوا فلسطين ، وما يقومون به من تعبئة الأمة وتوعية الجماهير ، وتشكيل لجان الدعم بمختلف ألوانه ، وما يفضحون للملأ من مؤامرات الأعداء وتخاذل الأصدقاء ، وما يبيتونه للشعب العربي والأمة الإسلامية من خطط مدمرة تزول منها الجبال ، وقد قرأنا من قبل أن جماعة الإخوان المسلمين كانوا يضطلعون بالعبء الأكبر من سياسة التصدي للعدو في فلسطين كما رأينا وقرأنا ذلك من قبل في المجلد الأول من هذه الدراسات.

ظل الأمر هكذا حتى وقعت الواقعة ، وحدث انقلاب 8 آذار الذي قام به بعض عساكر الجبهة مع العدو حيث تركوها متوجهين إلى دمشق ، مطمئنين إلى أن العدو لن يحرك ساكنًا ، ولن ينتهز فرصة تحرك الضباط الأشاوس ، وتركهم لمواقعهم في الجبهة ، متجهين إلى دمشق لهدم الحياة الدستورية والنيابية والسيطرة على مقاليد الحكم ، وليزجوا بقادة البلاد -الذين قادوا شعبهم إلى الاستقلال- في غياهب السجون ، فكان سكون العدو ، وعدم قيامه بأي تحرك في الجبهة التي سحب العقيد زياد الحريري وأمثاله قسمًا من الجيش المرابط فيها ، وتركوا الجبهة مطمئنين -أول إشارة لموقف العدو من هذا الانقلاب الخسيس!!

2- تنفس الصهاينة الصعداء ، واطمأنوا إلى جبهتهم الشمالية التي كانت منذ عام 1947 وحتى عام 1963 مبعث قلق ومصدر خوف من شعب سورية ومن جيشها ، فساد الهدوء بين الصهاينة وبين حكام 8 آذار لسنوات طوال تخللها مؤامرات مفضوحة بين الحكم الثوري في دمشق ، وبين الصهاينة في فلسطين ، شملت تسليم الجولان وعقد اتفاقات سرية بعد عام 1967 وعام 1977 مما سيأتي ذكره مفصلا وموثقًا ، وعدم السماح لأي سوري بتفجير -ولو- قنبلة صوتية قد تزعج اليهود ، ولا بتحرك مقاوم واحد ضد العدو ، سواء أكان سوريًا أم فلسطينيًا ، مما سنرى أدلته في سياقه ، بل كانوا يقبضون على كل من يتحرك على الحدود ، ويزجون به في أقبية المعتقلات والسجون ، ويذيقونه أشد أنواع التعذيب.

استمر هذا الهدوء بين السلطة الحاكمة في دمشق وبين العدو المحتل لخمس وأربعين سنة ، باستثناء الصدام عام 1973 ، والذي استلم اليهود من جرائه بضعًا وثلاثين قرية من الأرض السورية ، ليضيفها العدو إلى ما احتله من الجولان وما حول الجولان ، وليحتلوا ذري جبل الشيخ ، لتكون دمشق في مرمى مدفعية العدو ، ولتكون الأرض السورية في متناول العين المجردة!!

امتد شهر العسل بين التتار الجدد ( الذين جثموا على صدور السوريين وعلى عاصمتهم ومدنهم بكلكل ثقيل أرهق الناس وأذاقهم الويلات ) وبين الصهاينة عقودًا بدعوى الاستعداد للمعركة التي سيختار الطائفيون مكانها وزمانها!! تحت شعار التوازن الإستراتيجي مع العدو الذي رفعوه لأكثر من عقدين ، يخادعون به السوريين والشعب العربي والأمة الإسلامية ، دون أن يفطن كثيرون لما يبيت من شر مستطير للبلاد والعباد بالتنسيق الكامل أو الرضا التام مع الإسرائيليين.

خدع كثيرون من المعنيين بشعار التوازن الاستراتيجي ، ولاسيما اليساريون والعلمانيون ، والعديد من الفلسطينيين ، والبعض من قادة الحركات الإسلامية ، حتى فاجأ العدو -فيما بعد- العالم كله جهرة وبلا تستر أو مواربة أو غطاء بأن الصهاينة -عبر وسائل إعلامهم المعلنة- لا يسمحون بأي تغيير في سورية ، ومارس اللوبي الصهيوني -في داخل فلسطين وفي خارجها ، ولاسيما في الولايات المتحدة- ضغطًا شديدًا محذرًا من أي تغيير في هيكل الحكم في سورية ، لأن البديل سوف يكون المتشددين -تعبير يطلق على الحركات الإسلامية- أو الفوضى ، وهذا ليس من مصلحة إسرائيل ، وسرعان ما بدلت أمريكا مواقفها قائلة : لا نرمي إلى تغيير النظام ، بل نهدف إلى تغيير سلوكه!!

فاجأ السفاح الباطني ابن العلقمي الجديد حافظ الأسد الأمة كلها بتغيير شعار التوازن الاستراتيجي إلى شعار : السلام الاستراتيجي بعد أن لم يعد لديه ما يخيفه أو يخفيه ، فبدأت وسائل إعلامه ( التي لا تسمح بأي صوت حر أو معارض على أرض الوطن ) وسدنة حكمه الذين أذاقوا الناس مرارة الجوع والفاقة والعذاب بالتطبيل والتزمير للشعار الجديد قائلين : إن خيارنا الدائم والثابت هو السلام الاستراتيجي مع إسرائيل ، بل صار وريث الطاغية ولده بشار -الذي جيء به من مقاعد الدراسة لتسليمه سورية تركه موروثة- يقول في وقت لاحق ستأتي تفاصيله في سياقه : فلتجرب إسرائيل الحوار معنا ، لتتأكد من عزمنا وتصميمنا على إحلال السلام الدائم معنا ، لأن خيارنا هو السلام الاستراتيجي الدائم فيما بين سورية وإسرائيل.

3- دأبت سلطات انقلاب 8 آذار على تسويق نفسها على أنها العدو اللدود لإسرائيل ، وأنها رأس الحربة في التصدي للمشروع الصهيوني في حروب كلامية بلغت بالمواطنين حد القرف لتكرارها الدائم وصك الآذان بكلماتها ، وأن حكومة سورية التقدمية الثورية ستقذف الكيان الصهيوني في البحر ، وأنها ستقود حربًا شعبية لتحرير فلسطين ، ثم بدا لحافظ الأسد أن ينادي بعدم جدوى المقاومة ، فقام بسجن المنظمات الفدائية ولاسيما حركة فتح بشكل غير مسبوق ، ليؤدبهم ويعقلهم -حسب تعبيره- لأن الصراع مع اليهود يحتاج إلى جيوش نظامية ، وليس إلى مقاومة تعطي العدو التبرير بالاعتداء علينا ، واحتلال أرضنا -كما سيأتي في إبانه- كالذي فعله بتغيير شعاره : من التوازن الاستراتيجي إلى السلام الاستراتيجي.

استمر حافظ الأسد بخداع السوريين ، وخداع العرب الذين ابتزهم بدعوى التصدي لإسرائيل ، وتقوية جيشه استعدادًا للمواجهة معها ، حتى بلغ الأمر ببعض العرب وبعض الفلسطينيين أن يعتقدوا بأن الذي سيحرر فلسطين هو حافظ الأسد ، بما يطرحه من شعارات رنانة وحرب كلامية بكل الوسائل الإعلامية المسموعة والمرئية والمكتوبة التي تملكها الدولة ، ولا تسمح لأي مواطن أن يكون له أي وسيلة معها. ظل الأمر هكذا طويلا وشهر العسل يمتد بين حكومة الأقلية في دمشق وبين الصهاينة على أرض الواقع بصرف النظر عن معارك : ونكيشوت الإعلامية عقدا إثر عقد حتى أتيح لليهود بناء قوة هائلة ودولة ترجح قوتها على قوات العرب مجتمعين ، بالرغم من أن عدد العرب وحدهم -دون شعوب الأمة الإسلامية- يفوق عدد اليهود خمسا وخمسين مرة ، أو لا يقل عن خمسين مرة على خلاف في الإحصاءات وعدد السكان.

ظل الأمر هكذا خداعًا وتضليلا حتى شاء القدر أن يفضح هذه الفئة الباغية التي تستبقي شعب سورية المصابر في محنته ، وذلك عندما كشف الغطاء عن مؤتمر جامعة تل أبيب عام 1964 ، كان موضوعه : الاتحاد السوفياتي والشرق الأوسط ، تدارس فيه قرابة ثلاثين مفكرًا وباحثًا من بلدان غربية ومن إسرائيل -تطورات العالم العربي من جوانبها المختلفة ، طمأن فيه أحد كبار الأخصائيين الإسرائيليين الذين كانوا يخشون من المد اليساري الذي تتظاهر فيه حكومة انقلاب 8 آذار الثورية!! بأنه لا خوف من هذه الظاهرة التي ليست سوى غطاء لما تقوم به حكومة الأقلية من علونة - تمكين العلويين من مرافق الحكم والجيش والأمن والمرافق الأخرى- السلطة الجارية على قدم وساق ولكنها موجهة ضد جمال عبد الناصر أساسًا ، وقد انتهت هذه الموجة اليسارية- حسب الظاهر الذي يخفي حقيةق السلطة وأهدافها- انتهت إلى انقلاب 23 شباط 1966 الذي نفذه تحالف من الأقليات العلوية والدرزية و الإسماعيلية مع ضباط من أصول بدوية -انتهى إلى حكم حافظ الأسد بعد أربعة أعوام ، وبعد ثلاثة أعوام من هزيمة أو خيانة حزيران ، مكافأة له ، بعد أن حطم الجيش السوري ، وجرده من معظم إن لم يكن من كل كفاءاته ، وتركه دون هيئة ضباط -حسب تعبير باتريك سيل صديق الأسد وكاتب سريته الذاتية -ليمني بهزيمة شنعاء ستبقى أبد الدهر عارًا على حكم طائفي تسلط على رقاب العباد ومصائر البلاد في غفلة من الزمن ودعم من الأعداء ، وتفريط من لفيف من الساسة في تلك الفترة الحالكة شديدة السواء .


الفترة الثانية : الصراع على السلطة (من عام 1966 وحتى عام 1971)


شدد حكام سورية الجدد من أبناء الأقليات قبضتهم على السلطة ، وشرعوا بتطبيق سياسة التنكيل والاضطهاد ، وسحق كل شرائح المجتمع السوري دونما تمييز بين فئة وأخرى ، وخصوا ذوي الاتجاهات الإسلامية من العلماء والدعاة وأبناء دعوة الإخوان المسلمين بألوان من القمع والتعذيب ليس لها مثيل في تاريخ سورية القديم منه والحديث ، وفرض نظام الأقلية عقائد وسلوكيات معادية ومناوئة لمفاهيم الإسلام وقيمه ومثله عبر منهج تدميري التزمت به كل الحكومات المتعاقبة التي أفرزها وجاء بها انقلاب 8 آذار ، فلم يعد غريبًا على سماع المواطنين ما تستفزه بهم عصابات الحكم من الكفريات التي تلوكها ألسنتهم ، وتسيل بها أقلامهم مثل :

آمنت بالبعث ربًا لا شريك له

وبالعروبة دينا ماله ثاني

وشتم السفهاء منهم لصلاح الدين قائلين : يعلنك يا يوم حطين ، والخائن صلاح الدين ، وغير ذلك وأمثاله كثير في ظل مصادرة الحريات ، وتكميم الأفواه ، وحل الأحزاب ، وإغلاق الصحف والمجلات ومنابر الفكر والرأي ، ومسخ المناهج التعليمية والتربوية ، واحتكار وسائل الإعلام ، وملاحقة ذوي الرأي المخالف ، أو كل من يعترض على هذه السياسات المدمرة.


أولاً: تدمير المجتمع السوري

أمام هذا القمع الرعيب غادر كثيرون وطنهم ، وأخلوا الساحة والمجتمع السوري ، وتركوه يواجه هذا التنكيل والبطش ، وتشويه المعتقدات ، وإفساد النفوس ، وأخلاق المواطنين ، ولاسيما الناشئة من أبناء سورية المنكوبة الصابرة.

لم يطب لجماعة الإخوان المسلمين أن تترك الحبل على الغارب ، وتقف موقف المتفرج ، والمراقب على ما يحدث من ظلم وعدوان على الإسلام وعلى المواطنين ، فصممت على البقاء والصمود في أرض الرباط ، والمواجهة تجاه هذا البغي التتاري الجديد الذي تحالف مع أعداء الأمة من خارج الوطن وخصوصًا : الإنكليز والأمريكان والصهاينة كما سيأتي بيانه في حينه.

1- شدد الحاقدون حملتهم على أبناء الدعوة الإسلامية وأنصارهم ومن يشابههم في إجراءات وأعمال استفزازية جارحة لكل المؤمنين ، بل ولجميع المواطنين ، ومن ذلك : أ- إلغاء كلمة مسلم من البطاقة الشخصية.

ب- تحويل موارد الأوقاف المخصصة للإنفاق على بناء المساجد وترميمها ، وعلى الموظفين والعاملين فيها من أئمة وخطباء ومؤذنين وخدم.. إلخ إلى الموازنة العامة ، وإلى بيع أملاكها بأسعار زهيدة تملكها ذوو النفوذ في السلطة الباغية ليصبحوا من كبار الأثرياء.

ج- تشويه مادتي التربية الإسلامية والتاريخ وملؤهما بالدس والإفك والآراء الشاذة ، وتشويه الحقائق الثابتة والمعروفة في تراثنا المجيد.

د- التمهيد لإلغاء المدارس والمعاهد الشرعية ، مما أثار حفيظة الدعاة والعلماء لإيقاف هذا المسعى البغيض.

هـ- الاعتداء على القرآن الكريم في عدد من المحافظات السورية ، ولاسيما في حماة ودمشق ، وفي عدد من مساجد العاصمة.

و- التنكيل بمدرسي التربية الإسلامية ، وإبعاد عدد منهم عن مدارسهم وعن دينهم ، ونقلهم إلى الأماكن البعيدة النائية مثل محافظات المنطقة الشرقية في سورية ، وجبل الدروز وبعض القوى التي يغلب على سكانها المواطنون المسيحيون.

ز- التطاول على الإسلام ، والطعن في معتقداته ، بأقلام مسمومة ، وأحقاد ظاهرة ومعلومة ، كالتي يتناولها زكي الأرسوزي منظر الفكر البعثي الذي تبناه الطائفيون وعلى رأسهم حافظ أسد ، ومنها مقالة نشرتها مجلة جيش الشعب تحدث فيها -الأرسوزي- عما سماها بأسطورة آدم ، وأدعى في مقالات أخرى أن العصر الجاهلي هو العهد الذهبي للعرب وأن الانحطاط والانحراف عن العروبة وقيمها ، بدأ مع ظهور الإسلام.

ح- تناول علماء الإسلام بالاستهزاء والسخرية والاحتقار ، كالذي جاء في مجلة الفجر ، بنشر صورة حمار على رأسه عمامة.

ط- ما نشره الضابط العلوي إبراهيم خلاص -وهو من أفراد الجيش- من مقالة استفزازية في مجلة جيش الشعب الصادرة عن إدارة التوجيه المعنوي للجيش والقوات المسلحة ، بتاريخ 25- 4- 1967 دعا فيه إلى وضع الله -حاشاه سبحانه- والأديان في متاحف التاريخ ، ومما جاء في هذا المقال السفيه : استنجدت أمة العرب بالإله ، فتشت عن القيم القديمة في الإسلام والمسيحية ، استعانت بالنظام الإقطاعي والرأسمالي وبعض النظم المعروفة في العصور الوسطى ، فلم يجد كل ذلك فتيلا ، مع كل هذا شمرت أمة العرب عن ساعديها ، ونظرت بعيدًا بعيدًا ، لترى طفلها الوليد يقترب شيئا فشيئا ، وهذا الوليد ليس إلا الإنسان العربي الاشتراكي الجديد ، الإنسان المتمرد على جميع القيم المريضة الهزيلة في مجتمعه ، التي ليست إلا وليدة الإقطاع والرأسمال والاستعمار ، تلك القيم التي جعلت من الإنسان العربي إنسانًا متخاذلاً متواكلا ، إنسان جبريًا مستسلما للقدر ، إنسانًا لا يعرف إلا أن يقول : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وقال صاحب المقال : الإنسان يعلم أن نهايته الحتمية الموت ، ولن يكون هناك نعيم أو جحيم ، بل سيصبح ذرة تدور مع دوران الأرض .

شعر السوريون أن دينهم في خطر ، وأن العصابة الحاكمة تمعن في التهجم على الإسلام ، وتصر على اغتياله ، فهبت دمشق عن بكرة أبيها بمناسبة عودة الشيخ حسن حبنكة من الحج ، وحملت سيارته على الأكتاف ، فدب الرعب في أوساط السلطة ، وحاولت أن تتنصل من المقال الذي كتبه إبراهيم خلاص وأثار حفيظة المسلمين ، وأعلنت احترامها ل الإسلام ، وزعمت أن الكاتب شريك في مؤامرة كبرى لإسقاط النظام ، ومع ذلك اعتقلت تحت جنح الظلام الشيخ حنبكة ، واحتلت معهد التوجيه الإسلامي التابع للشيخ ، وقامت بتسريح أساتذته وموظفيه ، ووضعت يدها على مزرعة له في الغوطة ، وزجت بالعديد من الشباب الإسلامي والعلماء في السجون.

كان هذا السلوك والانحراف وتحدي عقيدة الأمة ودينها ، وما رافقه من مجون وانتهاك للحرمات ، وقتل بالشبهة ، ونهب للأموال وأملاك المواطنين - مما سيأتي تفصيلاً في سياقه- شائعًا ومعلنًا ، وتحديًا دونمًا وجل أو خجل ، أو مراعاة لأي معنى من معاني الحياء.

2- لم يشف صدور الحاقدين ما فعلوه في سورية ، وما ألحقوه من ضرر وأذى في شعبها ، فإذا بهم يشنون حملة اعتقالات واسعة عام 1966 ضد النخبة من زعامات سورية السياسية والفكرية ، وكذا نكلوا بكبار العلماء ، بدءًا من حلب الشهباء حيث ألقوا القبض على فضيلة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة -طيب الله ثراه- كبير علماء حلب والمراقب العامة للجماعة سابقًا ، وصاحب الصلات الوثيقة بعلماء العالم الإسلامي ، ولاسيما في الهند و باكستان، كما لمست ذلك عندما أنست بمرافقته ومرافقة الدكتور حسن هويدي المراقب العام لاحقًا ، لمقابلة الجنرال ضياء الحق الرئيس الباكستاني الذي استضافنا في فندق أنتركوننتال في روالبندي ، كما ألقوا القبض على الأخ الكبير عادل كنعان أحد رموز الجماعة في حلب منذ الأربعينيات ، وعلى الصيدلي الداعية الخطيب أحمد بنقسلي والمحامي الناشط عبد الرحمن قرة حمودة، والدكتور محمود بابللي، ثم امتدت أيديهم الأثيمة إلى جميع المدن السورية ، ففي حما حيث اعتقلوا : الحاج ياسين كعيد ، وشاهر خلوف ، وعبد الغني حزواني ، والحاج مصطفى دبيس ، والشيخ عبد الحميد الأحدب ، والأستاذ بديع عدي رئيس مركز حماة ، والمهندس رامي علواني ، والأستاذ سعيد مشهور ، والشيخ المهندس مروان حديد ، والوجيه عبد الله السفاف ، والحاج علي خير الله ، وفي مدينة إدلب اعتقلوا الشيخ نافع شامية رئيس مركز الإخوانوكبير علماء المحافظة ، والدكتور عادل سفلو ، والداعية أحمد قطيع ، وفي حمص اتسع نطاق الاعتقال ليشمل أكثر من عشرين مواطنًا زجا بهم في سجن القلعة ، كان منهم : الأستاذ عبد الإله شريك ، وعبد الوكيل صافي ، وفي دير الزور تم اعتقال المراقب العام السابق الدكتور حسن هويدي حفظه الله ، وأعضاء مركز الإخوان فيها ، ووجهاء الجماعة ، مثل الأستاذ أمين شاكر رحمه الله ويوسف طه ، وزكريا يحيى الجابر ، ويوسف طعمة ، والمهندس رمضان عبود ، والصيدلي جابر طعمة ، والشيخ الأديب المفكر محمود مشوح مفتي الميادين ، ثم اتسعت دائرة الاعتقال في حلب لتشمل الإخوة : الشيخ فاروق بطل ، وعبد القادر الخطيب ، ومحب الدين أبو صالح ، وعمر الحلواني ، وسعاد السمان ، والدكتور فخر الدين قباوة ، ومحمد الحسناوي ، ومحمد ناشد ، وعمر شوقي زين العابدين ، ورياض كمال ، والشيخ طاهر الله رحمه الله والمحامي عمر الشماع ، وقد رأينا كيف امتدت أيديهم الأثيمة إلى كبير علماء سورية الشيخ خير حسن حبنكة الميداني ذي الثقل الشعبي في دمشق وعدد من تلامذته وأنصاره.

3- بدأ التمهيد واضحًا وملموسًا لتسليم سورية لحافظ أسد ، والأنباء كثيرة في هذا المضمار ، أقتصر على واحدة شهدتها بنفسي فيما بعد ، فقد حضر ثلاثة من النواب إلى أبو ظبي ليشرحوا لأبناء الجالية الكبيرة في الإمارات ، الأوضاع السائدة في البلاد ، فاستدعى السفير السوري منيب الرفاعي عددًا من السوريين إلى السفارة كنت واحدًا منهم ، وكان الأستاذ الكبير عبد الوهاب الأزرق الرجل المخضرم أحد الحاضرين ، فالتقينا بالنواب الثلاثة أذكر منهم بعد حوالي 35 سنة : تحسين الصفدي النائب عن سوق الحميدية وهمزة الوصل بين التجار والعلماء وبين القصر الجمهوري ، والمهندس محمود تجار ، وثالث لم أعد أتذكره. وبدأوا يشرحون ظروف الصراع مع اليهود من وجهة نظر حكومتهم.

سألهم عبد الوهاب الأزرق: لماذا تمنع سورية تداول كتاب أحجار على رقعة الشطرنج في سورية؟ أجابوه : لم نسمع به.

قلت لتحسين الصفدي : لي نسخة منه ، وسأحضرها لك قريبًا ، فتواعدنا على زيارته في هلتون أبو ظبي ، وعندما استلم النسخة فتح حقيبته فوقعت عيني على كتاب «دلائل الخيرات » فقلت :

- كيف تجمع بين أذكارك وتأييدك لهذا النظام الفاسد؟

فقال : ليتك تعلم كي يترامى الكبار على هذه السلطة!

وقال : عندما اشتد التضييق على التجار من قبل صلاح جديد وعبد الكريم الجندي ، قيل لنا : أذهبوا إلى حافظ أسد ، فقلنا : وما علاقة قائد الطيران بما يعانيه قطاع التجارة؟

قيل لنا : جربوا.

ولم نكد نراجع الأسد شاكين له ما يعانيه قطاع التجارة في التصدير والاستيراد حتى طمأننا ووعدنا ، فلم نلبث بعد وقت قصير حتى لمسنا الآثار الإيجابية لما وعد به الأسد ، وانتهت سراعًا الأزمات التي كنا نعاني منها!!

ثانيًا: إعداد حافظ أسد

من يمعن في تاريخ سورية الحديث ، ولاسيما الفترة التي أعقبت انقلاب 8 آذار ، يجد بما لا يدع مجالاً للشك أن حافظ أسد يلقي رعاية منذ تخرجه برتبة ملازم من قوى نافذة ودول خارجية ، إعدادًا له بالدور الذي اضطلع به فيما بعد ، ليصل بسورية إلى الحالة التي تردت إليها ، ومن ذلك تجميد المواجهة مع العدو الإسرائيلي لأربعة عقود ، وإلغاء المقاومة ضد الصهاينة ، وتجريد السوريين من كل مناعة تؤهلهم للتحرير أو المواجهة ، وتجويع الشعب كيلا يفكر إلا بالحصول على الخبز لأفراد عائلته.

1- بعد تخرج الأسد من الكلية العسكرية في حمص ، ذكر زميل له عن رحلة سرية للأسد إلى بريطانيا في عام 1953- 1954 لإجراء تحليلات طبية في لندن ، فمضى مع مرافقين له في رحلته ، ففوجئ مرافقاه أن وزير الدفاع البريطاني ينتظرهم ويستقبلهم في المطار ، أما المرافقان فقد مضيا إلى أحد الفنادق ، ليمكثا ثلاثة أيام فيه دون أن يعرفا عن غياب الأسد شيئا ، وأين قضى هذه الأيام الثلاثة تحت غطاء العلاج والتحليلات الطبية ، وبعد ثلاثة أيام عاد إليهما ، وتوجه الثلاثة إلى دمشق عائدين بوداع وزير الدفاع البريطاني.

هذه الحادثة قرأتها في الصفحة 382 من الجزء الأول مت كتاب : سورية في قرن للشيخ منير الغضبان ، دون أن أجد لديه مصدرًا يدعم به هذه الرواية ، ولذا فإنني لا آخذها على عاتقي ، بل إنني أسجلها دون أن أتحمل مسؤوليتها ، علمًا بأنه ليس من المألوف أن يستقبل وزير دفاع بريطاني ضابطًا برتبة ملازم ، ويودعه في المطار ، مع ما يعرف عن البريطانيين من مراعاة التقاليد والأعراف الدبلوماسية بدقة تامة.

غير أن سفر الأسد إلى بريطانية برحلات موثقة ومؤكدة أمر لا يعتريه ظن أو ارتياب ، فقد نأى حافظ أسد بنفسه عن الصراع ظاهرًا بين أمين الحافظ وصلاح جديد ، فكان يمسك العصا من وسطها ، ويحتفظ دائما بخط الرجعة والانسحاب من المعارك الخاسرة ، فمع اقتراب البت في الصراع بين كتلة جديد ، وكتلة أمين الحافظ ، حصل الأسد على إجازة من مهماته في قيادة القوة الجوية وغيرها ، وسافر إلى لندن بصحبة ناجي جميل وآمر الشرطة العسكرية حسين ملحم ، والطبيب يوسف الصايغ. أقام الأربعة في شقة بمنطقة كنزانغتون ، والتقى الأسد في هذه الزيارة بوزير الدولة للشئون الخارجية جورج طومسون ، وكان سبب الإجازة ظاهرًا تلقي العلاج في ظهره ورقبته ، إلا أن آلامه ربما كانت من نوع المرض السياسي كما يقول كاتب سيرة الأسد الذاتية باتريك سيل ، وقد كان ذلك في عام 1965 .

كذلك حدثنا أمين الحافظ -أكثر من مرة- عن رواية مشابهة فقال : ذهب عدد من أعضاء القيادة إلى لندن ، وكنت والأسد ضمن أعضاء الوفد في هذه الرحلة ، فتغيب عنا حافظ أسد ثلاثة أيام دون أن نعرف أسبابًا أو مكانا لغيابه ، ودون أن يكشف لنا عن ذلك قبل ذهابه وبعد إيابه ، ثم علمنا بعدئذ أنه كان يعقد لقاءات مع طومسون وزير الدولة للشئون الخارجية ، فهل كانت الرحلة التي تحدث لنا عنها أمين الحافظ هي نفس الرحلة التي أشار إليها باتريك سيل لتقاطع المعلومات ( ثلاثة أيام وغياب ، لقاء مع طومسون إلخ ) أم هي رحلة أخرى لست أدري ، وليس أمين الحافظ بقريب منا لنسأله بعد أن عاد إلى سورية وأوى إلى العيش تحت جناح السلطة الحاكمة في سورية.

2- حاز الأسد على رتب عسكرية بسرعة البرق ، فقد عاد إلى الجيش بعيد انقلاب 8 آذار بساعات هو وثلاثون ضابطًا من أقرانه ، ورفع على الفور من رتبة نقيب إلى رتبة مقدم دون أن يمر على مرتبة الرائد ، وعين آمرًا لقاعدة الضمير الجوية ، وهي القاعدة الأساسية في سلاح الطيران السوري ، فلم يمض عدة أشهر على نيله رتبة المقدم حتى انتخب عضوا في القيادة القطرية التي كان حمود الشوفي أمينًا عامًا لها ، والتي تشكلت من ثمانية أعضاء ، ليصبح الأسد من الشخصيات الأولى في سورية ، ففي القيادة القطرية هو ثامن ثمانية ، وفي الجيش هو الشخصية الثالثة التي أصبحت دمشق تحت رحمته ، باعتباره آمر قاعدة الضمير الجوية ، وهو حامي حمى الثورة في دمشق ، فكوفئ برتبة عقيد ، وهكذا نال حافظ أسد رتب الرائد والمقدم والعقيد في عام واحد وهو العام الأول من انقلاب 8 آذار.

صعد حافظ أسد درجة أخرى عالية في سلم الرتب العسكرية ، إذا عين آمرًا لسلاح الجو السوري ، وأعطي رتبة لواء بنفس الفترة التي أقصي فيها محمد عمران عن مواقعه في الجيش ، ولسنا نعلم أو ندري شيئًا عن الخدمات الكبيرة التي قدمها حافظ أسد للجيش أو الوطن أو الشعب حتى تغدق عليه وتعطي له هذه الرتب العسكرية بالجملة من نقيب إلى مقدم فعقيد ، ثم إلى لواء عام 1964 أي أنه قفز من نقيب إلى لواء في غضون عامين أو أقل من ذلك بعد عودته إلى الجيش إثر الانقلاب المشؤوم في 8 آذار عام 1963.

3- رأينا كيف كانت التسريحات من الجيش تترى وتتلاحق ، ورأينا كيف بدأ الانقلابيون عهدهم بعد استلامهم السلطة بخمسة أيام فقط عندما صدرت نشرة عسكرية في 13- 3- 1963 أخرجت من الجيش 104 ضباط ، هم من كبار ضباط الجيش وأكثرهم خبرة ودراية في الشؤون والفنون العسكرية ، منهم الفريق عبد الكريم زهر الدين القائد السابق للجيش في عهد الانفصال ، والمقدم بسام العسلي المفكر والكاتب بالأمور الإستراتيجية وأمثالهم ، وبعد ثلاثة أيام فقط ، أي في 16- 3- 1963 صدرت نشرة ثانية أخرجت من الجيش 150 ضابطًا هم من ذوي الخبرة والقدرة الفاعلة في الجيش من قادة الألوية والكتائب والسرايا ورؤساء العمليات العسكرية ، ثم تتابعت النشرات في تسريح الضباط وضباط الصف ، وفي إحالة الكثيرين على التقاعد ، أو تحويلهم إلى وظائف مدنية ، حتى بلغ مجموع الضباط المسرحين ، أو بالأصح المطرودين من جيش وطنهم ( حتى قبيل حرب 1967 بأيام ) ما يزيد على ألفي ضابط ، ومثلهم من ضباط الصف والجنود المتطوعين الذين يشكلون الكادر أو الملاك الحقيقي في الجيش السوري ، وحتى تبلغ المأساة نهايتها ، وحتى تتكامل الجريمة ضد الوطن وحماته كل أركانها ، استبدلت المسرحين والمطرودين والمعتقلين والمحالين إلى التقاعد أو دوائر مدنية ، بأعداد هائلة من المعلمين والموظفين من البعثيين أو بالأصح في غالبيتهم من العلويين دون أن تكون لديهم خبرة عسكرية أو قتالية كفوءة ، وإنما كانوا يحملون النجوم والنسور على أكتافهم ، بل إن البعض لم يكن لديه شهادة ثانوية ، فكانت تطبع له ، ويدفع به إلى الكلية العسكرية!!

حدثني ضابط من الطيران الفني ، كان مساعد الملحق العسكري في بلد أوربي ، واختلف مع رئيسه الملحق العسكري في السفارة السورية ، واضطر إلى الهرب بعد أن حكم عليه بالسجن خمس سنين حكمًا غيابيًا ، فحضر إلى الخليج ، مددت له يد العون بتوصية من تاجر دمشقي كانت تربطني به علاقة صداقة ، ذكر الضابط ( و. ت ) أنه كان ضابطًا في قاعدة الضمير ، فمر بجولة عليهم صلاح جديد المسئول عن شؤون الضباط ، فقلت له : أرى الرجعيين في القاعدة وفي سلاح الطيران يسرحون ويمرحون.

فقال : ارفع لي قائمة بهم.

وكان هذا الضابط ناصريًا ، فكتب قائمة تحتوي على 300 ضابط ، ثم قال لم تمض أيام قليلة حتى كان هؤلاء جميعًا من المسرحين!!

والأدهى من ذلك أن كثيرين من الضباط الأكفياء لم يسلموا من السجن أو القتل ، فقد اغتالوا النقيب معروف التغلبي ، والنقيب ممدوح رشيد ، والملازم نصحوح الجابي والملازم بدر الدين حيدر ( من بلدة المعرة ) والعقيد كمال مقصوصة ، ومن الذين غصت بهم السجون العمداء : مصطفى الدواليبي ، وموفق عصاصة ، وأكرم الخطيب ، وممدوح حبال ، والعقيد هشام المهايني ، ومحي الدين حجار ، وآخرون ممن شاركوا في انقلاب 8 آذار أمثال اللواء محمد الجراح ، واللواء راشد قطيني ، والفريق محمد الصوفي والحبل على الجرار.

عندما ( خاض ) الأسد حرب حزيران وكان قد روج لها ، وزع أنه يملك أكبر قوة ضاربة وسلاحًا للطيران وطيارين بارعين( كل هذا على عكس الواقع ) كان قد أوصل الجيش إلى حالة من الضعف والشلل في كل شيء كما سيأتي ذلك تفصيلاً ، فهيأه لهزيمة نكراء ، تمهيدًا لتسليم الجولان - حسب اتفاقات سيأتي ذكرها- ليكون الاعتراف بإسرائيل مسوغًا لدى المواطنين ، لأنه سيكون البديل عن إعادة الجولان ، وليضمن استمرار إسرائيل بدعمه لعدة عقود أخرى ، وبالمقابل أعطاهم ما يريدون بدعوى أن لا قيمة للأرض إذا استمر الحكم القومي التقدمي الثوري في السلطة!!

4- هل كان كل هذا مجرد مصادفة؟ عندما تمزق الوحدة الوطنية ، باضطهاد قادة الأحزاب ورجال السياسة ورموز الوطنية وأبناء الرعيل الذي جاء بالاستقلال إلى سورية ، وزجهم في سجن تدمر سيء الصيت ، في عام 1966 ، أي قبيل حرب حزيران بعام أو ببعض عام؟

هل كان مجرد مصادفة أن يجرد الجيش من كل قادته ذوي الرتب العالية والخبرة العسكرية والفنية والقتالية ، ليصبح الجيش من دون هيئة ضباط كما يورد الكاتب الكبير باتريك سيل أكبر المتخصصين في شؤون الشرق الأوسط وصديق حافظ الأسد ، والذي يفسر ذلك السلوك الأسدي بأن الأسد لم يكن يدرك خطورة تلك اللحظة في أوائل صيف 1967 ، ولم يكن يعلم أن إسرائيل استعملته كطعم لتوقيع في فخها عدوًا أكبر منه هو جمال عبد الناصر في شهر حزيران كسمكة صغيرة لاصطياد السمكة الكبيرة .

إن هذا التفسير الساذج لسياسة الأسد من باتريك سيل الذي تقاضى مبلغًا مجزيًا مكافأة عن كتابه : الأسد ، مرفوض وغير مقبول ، وروائح الغدر بسورية والتآمر على شعبها وجيشها تفوح في كل قرار وعمل وتصرف ، منذ تمكن هذا الضابط الطائفي وحتى هلك في 10 حزيران عام 2000 م.

كان الانقلابيون الطائفيون من قبل قد أنهكوا أمين الحافظ حتى أوهنوه ، مع أنه كان في الظاهر وأمام الخارج رئيس مجلس الرئاسة والأمين القطري وقائد الجيش ، ورئيس الوزراء ، لكنه كان في الحقيقة رجلا من قش لا يستطيع -كما قال الأسد- : أن يحرك جنديًا من مكانه ، وعندما استهلكوه نبذوه نبذ النواة وأودعوه السجن ، ثم طردوه خارج الوطن ، وهذا جزء من يضع نفسه في خدمة الظالمين جراء منصب أو جاه زائف أو امتيازات مالية وشخصية رخيصة.

وهكذا خلا الجو لحافظ أسد بعد تصفية الناصريين والبعثيين التاريخيين والإسلاميين سياسيًا وعسكريًا ، وبعد التخلص من أمين الحافظ وأنصاره ، وبعد اشتداد زحف العلويين وسيطرتهم على الحزب والجيش والدولة ، صعد صلاح جديد ليكون الرقم الأول منذ عام 1963 وحتى عام 1965 كرئيس للأركان ، فملأ القيادة ومرافق الجيش بأتباعه وأبناء عشيرته وطائفته .

5- كل الظروف أضحت مواتية لإلحاق الهزيمة وحلول الكارثة وحدوث نكبة يذوب القلب كمدًا من تذكرها ، وتفري الأكباد ألمًا من سماعها ، فالشعب السوري في عزلة تامة ، وقادته في السجون ، والهوة سحيفة بين الشعب وبين السلطة الحاكمة ، والجيش بلا قادة ، وهيئة ضباط ، بل كانت حالته قبيل معركة حزيران 1967 بائسة ومأساوية ، فقد كان الجيش غير مؤهل للحرب تمامًا -بكل المقاييس- وكان سيئ التدريب ، 50000 رجل ، خسر الكثير من قادته الأكفياء بعد التسريحات الواسعة ، جرى تجهيزه بطريقة رخيصة من الاتحاد السوفياتي بأسلحة كانت قيد التنسيق في الجيش الأحمر ، وكان لديه 500 دبابة ، نصفها فقط صالح للاستعمال ، تدعمها 100 طيارة ميغ 17 ، دون أي قذائف للدفاع الجوي ، ودون أسطول يذكر ، وكان أخطر ضعف يكمن في هيئة الضباط الممزقة التي أقعدتها حملة التطهير التي نفذها الأسد نفسه في أعقاب المؤامرات العسكرية في أعقاب عام 1966 ، ولم تكن القيادة موحدة بحال من الأحوال .

إن ما فعله الأسد وأقدم عليه في عام 1966 من تمهيد مفضوح ومكشوف للهزيمة يشبه إلى حد كبير ما فعله ابن العلقمي حينما كان يكاتب هولاكو سرًا ، ويحرضه على غزو بغداد ، ويطمئنه أنه قد سرح جيش الخليفة الذي كان قوامه عشرة آلاف فقط ، بدل من أن يدعو إلى التعبئة العامة ، وأنه أقنع الخليفة -الذكبي النبيه- بصرف الجيش توفيرًا لرواتب أفراده!! لتكون بغداد مفتوحة أمام هولاكو دون قتال أو مقاومة تذكر!! ولقمة سائغة أمام الزاحفين ليلحقوا بالعرب والمسلمين كارثة ما زلنا نتجرع مرارتها حتى يومنا هذا ولأمد بعيد.

هكذا يعيد التاريخ نفسه ، فحافظ أسد لم يترك سببًا من أسباب الهزيمة والاندحار إلا أخذ به ، فقد سرح قادة الجيش أو كل الجيش ، إذ لا معنى لجيش دون قادة ، ومزق وحدة الشعب ، وطارد زعماء الوطن وقادة الشعب ، وحارب المفكرين والكتاب والمثقفين ورجال الإعلام ، ونفر الجماهير من تطاوله على الإسلام ، وتجريحه لعقيدة الأمة ، كيلا يكون له أي دور أو مشاركة في حماية الوطن والدفاع عنه ، وغير ذلك من سوء التدريب وعدم صلاحية السلاح ، لتكون الهزيمة حتمية كما ذكر ذلك عشرات الدارسين من عسكريين وباحثين.

إنه حطم سورية جيشًا وشعبًا وكيانًا ، وحدث الانتقام منها والتشفي بشعبها ، لأنها كانت رأس الحربة في تاريخ العرب الحديث في التصدي للزحف الصهيوني ، وللمشاريع الاستعمارية والأحلاف الأجنبية ، واستطاعت سورية إحباطها ، والحفاظ على حرية سورية واستقلالها دون أن تقع في حبائلها ، فحدث الانتقام على يد إنسان يحمل حقدًا دفينًا قديمًا يكفي لتدمير أمتنا بكاملها ، فحقق للأعداء الألداء من صهاينة ومستعمرين ، ما عجزوا عن تحقيقه ، وكأنه انتقم للصليبيين والمغول والفرنسيين ، وأخيرًا للصهاينة فيما هيأه لهم من انتصار واحتلال للأرض ، وتحطيم للجيش ، وإحراز ظفر أسطوري على سورية الجريح ، وشعبها الصابر المنكوب ، ثم لينال الجائزة بتسلم رئاسة الجمهورية ، ومزاولة حكم إرهابي دموي ما عرف التاريخ مثيلاً له أو ما يقاربه في الوطن العزيز.

6- إن الشعب في سورية لا يحتمل ولا يطيق ولا يقبل الاعتراف بإسرائيل أو التعايش معها ، وهي تغتصب فلسطين ، وتحتل المسجد الأقصى ، وتتحفز لاحتلال جزء كبير من لبنان و الأردن والضفة ، وقسم من الأراضي السورية ، وتجرد سيناء من السلاح أو وجود جيش على أرضها؟ وإذن فما الحل الذي يجعل السوريين يرضخون للتسليم بوجود إسرائيل ، والعيش معها والاعتراف بها ، وفتح المدن السورية وأسواقها وفنادقها أمام الزحف الصهيوني ، كما كانت تطلب وتشترط جولدا مائير قائلة : - نريد من سورية سلامًا يتيح للإسرائيلي الذهاب إلى دمشق ، والتسوق من سوق الحميدية وشراء ما يريد.

لقد ظهر فيما بعد أن حافظ أسد يعتمد في سياساته على العلاقات التي يقيمها سرًا مع إسرائيل ، كما سيأتي لاحقًا ومفصلا وموثقًا في سياقه الزمني ، كما عمل جاهدًا على تجريد السوريين من السلاح وإنزال أشد العقوبات -المؤبد أو الإعدام- بمن يحمل سلاحًا غير مرخص بعد أن كانت العقوبة على ذلك في عهد الانتداب الفرنسي وفي الحكم الوطني غرامة مالية أو السجن لمدة شهر ومن كل مناعة ، تمكنهم من الصمود أمام العدو ومواجهته ، وكان من أخطر ما أقدم عليه السفاح : تجويع الشعب ، ووضع يده على مصدر الغذاء ولاسيما القمح والخبز والأفران ، وحظر نقل الحبوب من محافظة لأخرى أو بيعه تحت طائلة العقوبات المشددة ، كما هو شأن المخدرات والمتاجرة بها ، فصار من العسير على المواطن أن يحصل على رغيف الخبز ، وكان عليه أن يمكث ساعات أمام الأفران التي يأتيها قبل الفجر بساعة أو ساعتين أو أكثر ، ليحصل على عدد من أرغفة الخبز قوتًا لأطفاله ، وحينما لا يستطيع الحصول من شدة الازدحام وزيادة الطلب على ما تنجزه الأفران ، يعود إلى منزله صفر اليدين ، بانتظار الغد ليرابط أمام الفرن قبل بزوغ الفجر.

كل ذلك تحت شعار التوازن الاستراتيجي مع العدو الذي يمضي معه شهر عسل يقترب من عامة الأربعين ، وفي ظل أحكام الطوارئ والمحاكم العرفية والاستثنائية والاعتقالات العشوائية ومصادرة العقارات والبيوت السكنية.

عندما وصل السوريون إلى حد الإنهاك ، وجردوا من ثرواتهم التي اغتصبها رجال السلطة وأعوانهم ، ومن التف حولهم من المنافقين والمجردين من الأخلاق ، والذين لا تزيد نسبتهم على 2%- كما قال الدكتور عارف دليلة الخبير الاقتصادي والوطني الغيور وصاحب الضمير الحي- ويسطرون على 80% من اقتصاد سورية.

بعد أن بلغ الأسد من السوريين ما يريد من سحق وإفقار وتجويع وتخويف يملأ به قلوب المواطنين ، فاجأ سورية والعرب والدنيا بأسرها بتعديل شعاره ، واستبدل بكلمة التوازن الاستراتيجي ، كلمة السلام ، فأعلن أن السلام الاستراتيجي هو الخيار لحكمه بدلا من التوازن الاستراتيجي الذي خدع به السوريين طويلاً ، وارتكب باسمه وفي ظله كل الموبقات التي عرفتها أو سمعت بها شعوب الأرض في تاريخها القديم والحديث.

7- وكان آخر مفردات المؤامرة التي قادت سورية إلى الهزيمة والدمار ، ما روج له الأسد من تضليل إعلامي على كل الصعد ، أن جيشه سيلحق الهزيمة الماحقة بإسرائيل ، وأنه -كبطل كبير- قد أدخل في حسابه الأسطول الأمريكي الذي سيتصدى له ، وبما أن الأسد يعلم أن السوريين على معرفة بتصفية سلاح الجو السوري ، وطرد معظم ضباطه وطياريه قال :- إن العلماء يركزون باستمرار على تسريح الضباط الطيارين أو معظمهم ، غير أن الطيارين -يقول الأسد- المسرحين لا يتجاوز عددهم أصابع اليد!!- ما أجرأ هذا السفاح على طمس الحقيقة التي يراها ويعلمها كل المواطنين- وكان آخر جريمة يحذر بها السوريين وغيرهم ما أعلنه في جريدة الشورة في 20- 5- 1967 ( قبل أسبوعين من الحرب ) : إن سلاح الجو تطور تطورًا كبيرًا بعد ثورة 23- 2- 1966 من حيث الكمية والنوع والتدريب ، وأصبحت لديه زيادة كبيرة في عدد الطائرات ، وهي أحدث الطائرات في العالم وأفضلها تسلحًا ، كما ازداد عدد الطيارين ، وارتفع مستوى التدريب.

ثم أدلى بتصريح آخر -لجريدة الثورة قبيل الحرب قال فيه : إنه لا بد من تنفيذ ضربة تأديبية لإسرائيل تعيدها إلى صوابها ، وتجعلها تركع ذليلة مدحورة ، وتعيش في جو من الرعب والخوف يمنعها من أن تفكر ثانية في العدوان.

وقال : إن الوقت قد حان لخوض معركة تحرير فلسطين ، وإن القوات السورية المسلحة أصبحت جاهزة ومستعدة لعملية التحرير ، ونسف الوجود الصهيوني من الوطن العربي.

ثم قال أيضًا : إننا أخذنا بعين الاعتبار تدخل الأسطول الأمريكي السادس .

ثم تتابعت تصريحات زمرة الأسد بما يفوق تبجحات كبيرهم الذي علمهم ودربهم على الإفك ، فقد قال رئيس الوزراء يوسف زعين في كلمة ألقاها في اجتماع طارئ لاتحاد المحامين العرب عقد في دمشق : إن انحناء إسرائيل أمام الرد العربي الحاكم الآن ، ليس إلا بداية الطريق لتحرير فلسطين وتدمير إسرائيل ، وإن الظروف اليوم أفضل من أي وقت مضى لخوض معركة المصير ، وإن المسيرة إلى فلسطين هي المسيرة لإسقاط الرجعية العربية والاستعمار والصهيونية إلى الأبد.

أما قائد الجبهة أحمد المير ، فقد صرح أن العرب لم ينهزموا في معركة 1948 على أيدي الإسرائيليين ، بل من قبل حكامنا الخونة ، وفي هذه المرة لن نسمح لهم أن يفعلوا ذلك.

وكان إبراهيم ماخوس من أكثر المسؤولين البعثيين تبجحًا في تصريحاته العنترية بعد عودته من زيارة قام بها إلى القاهرة.

وقال نور الدين الأتاسي رئيس الجمهورية -رجل القش الثاني بعد أمين الحافظ- : لقد دقت ساعة النصر على أعداء العروبة ، وقد حفر الصهاينة المتآمرون مع الاستعمار قبورهم بأيديهم عندما أغاروا على مصر بتخطيط ودعم الاستعمار العالمي .

كانت آخر فقرة في برنامج الأسد قبيل دخول الحرب في آذار 1967 ، أي قبل أكثر من شهرين بقليل من حرب حزيران : محاكمة المعارضين ، فمثلت أعداد كبيرة بتهمة التآمر لقلب نظام الحكم أمام محكمة عسكرية ترأسها طلاس وقد مر معنا تفصيلات ذلك من قبل ، فلا حاجة لتكراره.

ثالثًا: حرب حزيران الكارثية

استمرت السلطة قبيل نشوب الحرب بالتنكيل بالمواطنين ، واضطهاد قادتهم ، فالشيخ الجليل عبد الفتاح أبو غدة لا يزال يقبع خلف القضبان في سجن تدمر ، وهو الذي نال ثقة أبناء حلب في انتخابات نزيهة ، وهو الذي تسمع كلمته في أوساط العلماء ، ومن ثم فهو ركيزة كبرى في تحريك الجماهير في عاصمة الشمال إذا ما نشبت الحرب واستعر القتال.

والمجاهد مروان حديد ، إلى جانب الشيخ في المعتقل ، وهو القادر على تعبئة شباب حماة ورجالها وأبناء عدد من المحافظات في التصدي للصهاينة في عدوانهم على أرض الوطن.

ومثلهم عشرات يمثلون الأحزاب والنقابات والفعاليات الأخرى ، يقبعون في سجن تدمر الرهيب ، ومعهم علماء من دمشق وحمص والدير واللاذقية وغيرها ، وهذا يعني بكل وضوح : عزل الشعب عن المعركة -المؤامرة- التي مهد لها الطائفيون بكل أسباب الوهن والهزيمة لشعب يحكمونه بالحديد والنار ، ويثأرون منه ، وينتقمون بدافع حقد دفين وعداء موروث ومستحكم.

1- عجل رجال السلطة بإعدام كبير جواسيس إسرائيل إلياهو كوهين في 18- 5- 1965 قبل أن يفضح صلاته الوثيقة بعدد من قادة الحكم ، وتعاونه معهم في دراما صدرت بها وعنها عشرات الكتب ، فمن هو كوهين؟ التقى كوهين بالمواطن الدمشقي موفق شيخ الأرض على ظهر باخرة متجهة من إيطاليا إلى بيروت ، فقدم كوهين نفسه لشيخ الأرض باسم : كامل أمين ثابت ، وهو يود أن يقدم خدمة لوطنه باعتباره قوميًا متحمسًا ، ويملك ثروة طائلة جناها في الاغتراب.

دخلا سورية من الحدود البرية المشتركة بين سورية و لبنان ، وأدخلا أجهزة حساسة للتجسس بعد تقديم رشوة لموظف الجمارك حتى لا يتعرضا للتفتيش ، واستأجرا دارًا في ضاحية دمر ، استعملاها للمغامرات الجنسية وحياة الفسوق والانحلال ، اختلط كوهين بقيادات البعث ، ونال ثقتهم ، وصار يحضر جلساتهم ، حتى إن بعض رشحه لاستلام وزارة الإعلام ، لولا أن رؤساءه في الموساد نهوه عن ذلك.

كان كوهين ينفق بسخاء على الرفقاء وعلى عائلاتهم ، وكان يحضر جلسات القيادة التي يبث ما يدور فيها مباشرة إلى إسرائيل.

ألقي القبض على الجاسوس بعد اكتشاف أمره ، وثمة روايات عدة في ذلك ، أشهرها رواية مصرية وأخرى سورية ، فقد زعم المصريون أن وفدًا زار الجبهة السورية مع العدو ، وأن صور الزيارة كشفت عن وجود شخص بين الزائرين تعرف عليه المصريون باعتباره من أبناء مدينة الإسكندرية ، فنبهوا السوريين إلى ذلك. أما الرواية السورية فقد ذكرت أن السفارة الهندية كانت تبث برقياتها ورسائلها على ذبذبة مسجلة لدى أجهزة الإرسال السورية شأن السفارات الأخرى ، وفي ذات يوم التقط المعنيون في سلاح الإشارة أن السفارة الهندية تبث خارج الوقت المحدد والمسجل ، فسألوا السفارة فيما إذا كانت ترتكب هذه المخالفة ، فنفوا ذلك بشدة ، وأنهم لم يفعلوا ذلك قط.

تحرك جهاز الرصد في سيارة شرعت تطوف الأحياء ، وتقترب حسب الذبذبات رويدًا رويدًا من مصدر البث ، حتى اقتربوا من مبنى دار المعلمات ، فكان البث واضحًا وقويًا من مبنى مجاور ، فباشروا بقطع الكهرباء عن الشقق ، ثانية أو ثانيتين لكل شقة ، حتى وجدوا البث يتوقف في إحدى الشقق ، فتمت المداهمة وإلقاء القبض على الجاسوس وأجهزة البث وكل ما يتصل بذلك ، وعقدوا محاكمة عسكرية سريعة قيل إن بعض أعضاء المحكمة كانوا على صلة بكوهين ، يسمرون معه في جلسات الأنس والتهتك التي ألفها التقدميون الثوريون ، وأمضوا أعمارهم في أجوائها ، فتمت عملية الإعدام السريعة كي تبقى علاقة الجاسوس برموز الحكم مجهولة ، وتدفن معه ، وتطوي هذه الصفحة المخزية من تاريخ حكام 8 آذار عام 1963 ، ومن أراد المزيد فليقرأ كتاب إيليا كوهين من جديد للكاتب المصري محمد جلال كشك.

ثمة ملاحظة ربما كشفت عن سر من أسرار التجسس لدى العدو ، فقد سمعت من الطبيب محمد السعدي الكيلاني الذي درس في ألمانيا ، وكان صديقًا لموفق شيخ الأرض في سنوات الحرب العالمية الثانية ، وكان الكيلاني جارًا لنا في دبي ، ويعمل رئيسًا للبعثة الطبية التي أرسلتها الكويت إلى الإمارات قبل استقلالها وتوحيدها ، قال محمد السعدي الكيلاني : كان شيخ الأرض شديد الولع بالنساء ، يسهر الليالي في الملاجئ مع الغانيات ، وهذا ما قطع عليه الطريق في إكمال دراسته ، فهل كان لقاء كوهين به مجرد صدفة؟ أم أنه كان مرصودًا لدى العدو الذي عرف فيه نقطة الضعف في الحياة الجنسية ، فكان هذا اللقاء في الباخرة بين كوهين وشيخ الأرض ، وكأنه مصادفة عفوية ، وسار البرنامج بينهما على النسق الذي قرأناه قبل قليل.

2- في صباح 5 حزيران من عام 1967 فوجئ العالم بهجوم صاعق شنه العدو على مصر و سورية و الأردن ، بدءًا من مصر التي ضاعف الطيران الإسرائيلي طلعاته عليها ثلاثة أمثال طاقته ، في حرب خاطفة حطم فيها سلاح الجو المصري أو معظم طائراته ومدرجات مطاراته ، لتصبح القوات المصرية دونما غطاء جوي ، في شبه جزيرة سيناء ، وعلى أرضها الصحراوية ، وعلى ضفاف القناة والمراكز الحساسة في مصر ، وكان ضباط السلاح الجوي المصري قد أمضوا ليلة الرابع من حزيران في حفل ساهر- زاد عدد الطيارين فيه على 600 طيار- استمر حتى ساعة متأخرة من الليل ، ليغطوا بعد ذلك في نوم عميق ، ويستيقظوا في ضحى الخامس من حزيران على الكارثة التي حلت بساحتهم وبشعبهم ووطنهم.

هل كانت الحكومة المصرية في غفلة عما يعد العدو لهم؟

لقد كانت نذر الحرب مسموعة ومرئية لكل من يعنيه الأمر ، وكان عدد من القريبين من عبد الناصر ذكروا وشهدوا أن الهجوم الإسرائيلي قد كشف أمره قبل وقوعه ، ومنهم د. مراد غالب في شهادته على العصر في فضائية الجزيرة ، غير أن عبد الناصر لم يأخذ بهذا ، وقد تجلت عبقريته التي تؤهله أن يكون زعيمًا غير منازع للعرب جميعًا ، تجلت عبقريته القيادية والعسكرية عندما فسر الضربة الجوية وما يتبعها من هزيمة مخزية ، يقول لا فض فوه : ظننا أن الطائرات الإسرائيلية ستأتي من الشرق ، وإذا بنا نفاجأ بها تأتي من الغرب ، أي قامت بحركة التفاف في غارتها ، وهذا هو مصير الحكم الشمولي الذي تضع الأمة طوعًا أو كرهًا مصيرها بيد شخص كما كان الحال في مصر و العراق وعدد من البلاد العربية الثورية ، فلا يسعنا إلا أن نقول والحسرة تملأ قلوبنا : يا أمة ضحكت من جهلها الأمم. إن شعوري بالمرارة الشديدة من هذا العبث والاستهتار بمصير أمتنا من قبل الظلمة والمتسلطين على مصائرها ، يجعلني أمسك عن التعليق الذي أعجز عن وصفه ، وتعجز الكلمات عن تشخيصه والتعبير عن فظاعته.

3- استمر نظام الحكم في سورية بتضليل المواطنين ، ونشر البلاغات الكاذبة ، واستخدام اللغة العنترية ، والتحدث عن معارك وهمية لا وجود لها على أرض الواقع ، فالإذاعة السورية تعلن عن سيطرة سلاح الجو السوري على سماء المعركة ، وعن سقوط طائرات العدو في سورية و الأردن و لبنان و فلسطين ، وأن عدد الطائرات التي خسرها العدو أكثر من خمسين طائرة ، وفي اليوم التالي في 6 حزيران أعلن إبراهيم ماخوس - مسيلمة الحكومة الثورية- إن سورية أسقطت في الخامس من حزيران 150 طائرة ( ). أما نور الدين الأتاسي الذي نصبه الانقلابيون رئيسًا للجمهورية ، وجعلوا منه واجهة وستارًا للجرائم التي يقترفونها ، والذي أشرف بنفسه على الهجوم على جامع خالد بن الوليد -كوزير للداخلية- فقال لا فض فوه : إن الجيش السوري وضع كل قواه الضاربة في لهيب المعركة ، وإن نسورنا البواسل يدمرون منشآت العدو ومدنه ، وهم في طريقهم لتحرير الأرض المقدسة.

استمر العدو بتحطيم الجيش المصري بقسوة بالغة ، فبعد تدمير الطائرات وحرمان الجيش من الغطاء الجوي ، أمعن العدو في سحق الجيش وقواته البرية وتدميره على أرض سيناء ، فخسر في أربعة أيام أكثر من عشرة آلاف قتيل وثلاثة عشر ألف أسير ، ومئات الدبابات والمدافع المدمرة ، وعندما حاولت طائرات الأردن من طراز الهوكرنتر أن تشارك في المعركة ، وتقصف المطارات الإسرائيلية في صباح 5 حزيران ، تم ضربها وسحقها على الأرض ، وهي تحاول التزود بالوقود عند الظهر ، بطائرات الميراج الإسرائيلية ، وبعد وقت قصير لقيت القوة السورية الجوية نفس المصير ، ومعها سربان عراقيان كان قد نقلا إلى قرب الحدود الأردنية ، وفي 7 حزيران تم الاستيلاء على القدس الشرقية والضفة الغربية وممرات سيناء وشرم الشيخ .

4- طوال الأيام الأربعة الأولى من الحرب ظل موقف سورية سلبيًا ، واكتفت بقصف المستعمرات الإسرائيلية على الحدود كما كان الحال من قبل ، وتحريك بعض الدوريات لمناوشات النقاط العسكرية للعدو على الحدود ، ويعلق الكاتب البريطاني باتريك سيل صديق الأسد على هذا الوضع قائلا : إن هذا الموقف السوري يثير الدهشة ، في بلد كان مع إسرائيل فتيل الاشتعال في الحرب كله ، فكان هذا من أسباب المرارة لدى مصر و الأردن ، فجلب على سورية تهمة التخلي عنهما- أي اتهماها ضمنًا بالخيانة.

انطلق العدو بكل طاقاته للاستيلاء على الأرض في كل الجبهات ، فاحتلت شبه جزيرة سيناء كلها ( وصوت العرب يصرخ أمجاد يا عرب أمجاد ) وهي تساوي في المساحة أربعة أمثال الأرض التي يحتلها العدو في فلسطين والقدس الشقية ، بما فيها المسجد الأقصى ، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين وكنيسة القيامة ، أما سورية فكانت أشد الدول العربية حربًا بالإعلام والبيانات الكاذبة والإدعاءات التي لا أصل لها ، وإذاعة الثوريين التقدميين تقول بالأصوات الصاخبة : ميراج طيارك هرب والميج تتحدى القدر!!

انتهت مرحلة التضليل والتهويل وخداع المواطنين في سورية ، وجاء دور التنفيذ في تسليم أمنع جبهة مع العدو من جهاته الأربع ، والفرار أمامه بشكل خز ، وغير معهود في تاريخ الحروب ، ففي الساعة التاسعة إلا ربعًا أذاع راديو دمشق بلاغًا من وزارة الدفاع -كان حافظ أسد وزير الدفاع- أعلن فيه أن مدينة القنيطرة قد سقطت ، ومهما يكن مصدر هذا البلاغ- فحسب تعبير سيل صديق الأسد- فقد كان غير صحيح ، فتحول الانسحاب إلى هزيمة منكر ، وراح الجنود يفرون طلبًا للنجاة بأرواحهم ، فتقدمت إسرائيل على الفور ، واستولت على القنيطرة ، وهرب أحمد المير -قائد الجبهة وعضو اللجنة العسكرية الطائفية السرية- على ظهر دابة ( حمار ) إلى حوران ، وعثر على بعض الجنود الهاربين فيما بعد ، وهم يرعون الأغنام في الجبال .

وقد جاء تفسير سيل صديق الأسد عن سقوط القنيطرة هو الفوضى ، بل الذعر الذي غرق فيه القادة السوريون ، وهذا التفسير لكاتب سيرة الأسد الذاتية مرفوض وغير مسلم به ، بل لا يليق بكاتب كبير أن يلجأ إلى هذا التدليس إرضاء لمن جاءت الأدلة تترى على تآمره ضد الجيش و سورية و مصر و الأردن ، وكل ما هو عربي لصالح العدو بشكل مكشوف ومفضوح ، ليضمن بدعم من اللوبي الصهيوني بقاءه في السلطة أربعين سنة أخرى!!!

قامت إسرائيل بنهب القنيطرة ، وأفرغت القرى المحيطة بها ، وخلال الأشهر الستة التالية طردت إسرائيل حوالي 90 ألفًا من بلداتهم وقراهم وأرضهم بعد تجريدهم من كل ما يملكون ، لينضموا إلى 30 ألفًا كانوا قد هربوا قبلهم ، فلم يبق سوى سبعة آلاف ، معظمهم من الدروز ، ثم سمح العدو لأربعمائة مواطن من الدروز بالعودة إلى أماكنهم .

من المفيد إثبات النص العسكري عن سقوط الجولان قبل سقوطه كما ورد في كتاب سقوط الجولان للضابط خليل مصطفى بريز الذي قال : «صدر البلاغ الكاذب من إذاعة دمشق يوم السبت العاشر من حزيران الساعة التاسعة والنصف صباحًا يعلن فيه سقوط الجولان بيد العدو ، ويحمل توقيع وزير الدفاع اللواء حافظ الأسد ، وقد جاء في هذا البلاغ ذي الرقم 66 : إن القوات الإسرائيلية استولت على مدينة القنيطرة بعد قتال عنيف دار منذ الصباح الباكر في منطقة القنيطرة ضمن ظروف غير متكافئة ، وكان العدو يغطي سماء المعركة بإمكانيات لا تملكها غير دولة كبرى ، وقد قذف العدو في المعركة بأعداد كبيرة من الدبابات ، واستولى على مدينة القنيطرة على الرغم من صمود جنودنا البواسل ، وإن الجيش لا يزال يخوض معركة الدفاع عن كل شبر من أرض الوطن ، كما أن وحدات لم تشترك في القتال بعد ، قد أخذت مراكزها.

التوقيع : وزير الدفاع

اللواء حافظ أسد

والواقع الذي شهده كثيرون ، وشهد عليه كتاب ومفكرون ووزراء وعسكريون ، وسوريون وغربيون : أن ما ورد في بلاغ حافظ أسد ليس له أي أصل أو أساس ، وأن الأسد أمر بالانسحاب الكيفي -غير المنظم- قبل وصول العدو إلى القنيطرة بـ19 ساعة أو 24 ساعة أو 48 ساعة على اختلاف الروايات ، وأن الأسد قد رفض من الضباط ومن دول الجوار -أي مقترح إيجابي في شأن الحرب مع العدو عام 1967 كما سيأتي ذلك لاحقًا.

5- وقعت الواقعة ، وحلت الكارثة التي ستبقى عارًا على الذين هيئوا الظروف والأسباب كلها لهذه الهزيمة الشنيعة ، كما مر معنا من إضعاف الجيش عددًا وسلاحًا وتدريبًا ، وإبعاد آلاف الضباط ذوي الخبرة والمدربين عن الجيش ، وتضليل الشعب في سورية في انتصار وهمي على إسرائيل ، وعلى الأسطول الأمريكي السادس ، وفي قدرة الجيش واستعداده لتدمير إسرائيل وتحرير فلسطين والوصول إلى تل أبيب ، هذا ما أعده الثوريون التقدميون ، وما هيئوه من أسبابه الهزيمة في كارثة 5 حزيران 1967 ، أما الواقع كما تحدث عنه العسكريون من أمثال الفريق أمين الحافظ واللواء محمد الجراح وضابط الاستطلاع في الجولان خليل مصطفى ورئيس الأركان أحمد سويداني وعشرات غيرهم ، والسياسيون من أمثال سامي الجندي القيادي البعثي ، والدكتور محمد الزعبي وزير الإعلام حين وقوع الكارثة ، وسعد جمعة رئيس وزراء الأردن ، والسفير دريد المفتي الذي تم اغتياله ، وذهب ضحية الكشف عن جانب من أسرار المعركة والاتصالات السرية عن طريق إسبانيا وما رافقها من خيانة وتفريط ، ووزير الصحة الدكتور عبد الرحمن الأكتع الذي تلقى شتائم الأسد وتهديداته إن تحدث بما سمع ورأى ، وكان في زيارة للقنيطرة حين أذاع الأسد بيانه الكاذب ، وكذا شهادة صائب بارودي البعثي القومي القديم ، ومن خارج سورية أدرك الغرب الدور الخياني الذي يضطلع به حافظ أسد ، وأن خيانة تحدث في سورية ضد الوطن من داخل السلطة الحاكمة ، وقد أدلى عدد منهم بشهادته في هذه الفجيعة ، كما سيأتي بعد قليل.

6- إن أهم الوثائق التي رصدت أحداث حرب الأيام الستة هو كتاب : سقوط الجولان للضابط خليل مصطفى بريز الذي أمضى في الجولان خمس سنوا ، تسلم خلالها مستويات مختلفة من المسؤولية ، كان من أهمها : رئيس قسم الاستطلاع في قيادة الجبهة ، وما احتواه الكتاب الوثيقة من أقوال المؤلف عرض المادة العلمية العسكرية والواقع المرير ممزوجين بالعاطفة الملتهبة في صراحة مذهلة كما قال أحد قادة الجولان عند تقديم الكتاب.

يقول الضابط مصطفى خليل : من أهداف هذا الكتاب أن أثبت أن الذي حدث ما كان غير مؤامرة متقنة ، وجريمة مدبرة ، أعدت قبل سنوات طوال وإن الخطوة التي يجب أن تسبق الصلح مع إسرائيل هي إقامة ديمقراطيات اشتراكية محل الحكومات الرجعية في الدول العربية .

وهذا الكتاب أو هذا التفكير يتقاطع مع ما ذكره خالد العظم في الجزء الثالث من مذكراته ، التي جاء فيها : طالما بقيت الحكومات التي تستند في سلطاتها إلى مجلس نيابي ، وإلى حرية الأحزاب والصحافة ، فلن تعترف بإسرائيل أي حكومة ، فلابد- كما ترى أمريكا على لسان العظم- والحالة هذه من المجيء بحكومات عسكرية تنفذ ما نريد دون رقيب أو حسيب ، وهكذا بدأ مسلسل الانقلابات العسكرية في سورية فمصر فالعراق فالسودان فالجزائر.. الخ.

يقول صاحب كتاب سقوط الجولان : إن الذي يجسد فاجعة الجولان عما سبقها ، أنها وقعت رغم الأعداد الكثيرة ، والجهود الكبيرة والأموال الطائلة التي أنفقتها سورية على مدى عشرين سنة لمنع وقوع الفجيعة ، ولكنها- وأأسفاه- وقعت.

لقد سبق لي أن مارس مسئوليات مختلفة ، كان آخرها رئيس قسم الاستطلاع في قيادة الجبهة ، ثم سرحت من الجيش عام 1963 مع الأفواج الهائلة من العسكريين الذين سرحهم حزب البعث بعد تسلطه على السلطة عقب انقلاب 8 آذار.

إن كل ما ورد من معلومات في هذا الكتاب حول الوضع الدفاعي في الجولان ، وحول أحداث الحرب فيه ، كان اعتمادًا على ما اختزنته الذاكرة ، أو ما نقله إلي من أثق بصدقهم وإخلاصهم وحسن إطلاعهم .

لقد بلغ مجموع ما أنفق لرفع مستوى الجيش السوري منذ الاستقلال حتى سقوط الجولان أكثر من خمسة مليارات من الدولارات ، غير أن هدم الجيش على أيدي حكم الأقلية لم يتوقف منذ الثامن من آذار وحتى نكبة الجولان ، فقد شملت التسريحات أكثر من 85% من الضباط الأكفياء ذوي الخبرة العسكرية العالية .

كان في مقدمة الذين مهدوا لهذه الفجيعة : اللواء أحمد سويداني الذي تسلم قيادة الجيش بعد انقلاب 23- 2- 1966 وتصفية أمين الحافظ وأنصاره جميعًا ، فرفعته القيادة من رتبة المقدم إلى رتبة اللواء ، فأدى دوره كاملاً -حسب تعبير مصطفى خليل- في تسليم الجولان عام 1967.

إن حركة 8 آذار مهدت لنكبة حزيران ، وكان البعثيون يخادعون المواطنين تحت شعار الوحدة والحرية والاشتراكية ، في الوحدة قامت حكومة البعث بتعميق جذور القطرية بشكل غير مسبوق ، وفي الحرية لم تعرف سورية في كل تاريخها منذ أيام الصليبيين والفرنسيين قمعًا للحرية وخنقًا لها وملاحقة وتشريد أنصارها كما عرفت منذ انقلاب 8 آذار ، أما الاشتراكية فكانت هدمًا للاقتصاد ، ومطاردة لرؤوس الأموال التي فرت من البلاد ، ونهب ثروة الوطن ، وإيداعها في البنوك الأجنبية ، وتجويع المواطنين ، وإفقار العاملين ، وسحق الطبقة الوسطى التي هي ركيزة المجتمع في حياة السوريين.

بعد أن دب الرعب في نفوس الاقتصاديين من تجار وصناعيين عقب قرارات التأميم شرعوا بتهرب أموالهم ، فأفاد العدو من ذلك في أمرين : تعطيل المشاريع الإنمائية ، وانتقال قسم من الثروة إلى البنوك الأوربية حيث تملك اليهودية العالمية السيطرة على معظم تلك البنوك ، وبذلك دمرت كل إمكانية تتيح للشعب أن يصمد في وجه العدو وغزوه العسكري المقرر منذ ما قبل قيام مؤامرة 8 آذار.

كما دب الرعب في قلوب العسكريين بع أن أمعن رجال السلطة في تسريح الضباط واعتقال بعضهم ، واغتيال وقتل ثلة من خيرتهم ، واعتقال المئات من كبارهم كما مر معنا تفصيلا بأسمائهم ورتبهم وطرد الألوف من ضباط الصف والجنود والإداريين من الجيش.

7- لم يفت صاحب كتاب سقوط الجولان أن يعرج على أهمية الجولان الجغرافية والاقتصادية والعسكرية والسكانية ، فذكر أن الجولان يقع في الترتيب : الأول بين المحافظات السورية من حيث الأهمية العسكرية وخصوبة الأرض وتوافر المراعي على مدار السنة ، وكثرة الكنوز الأثرية ، وتوفر المياه العذبة والمعدنية ، وكثافة الأحراج ، وغزارة الأمطار ، وكثرة الحيوانات وتنوعها ، وفائض الفاكهة والخضار ، والمنتجات الحيوانية وعسل النحل والأسماك ، وذكر أن طول حدوده مع العدو ثمانون كم ، وأن مساحته 1800 كم ، يسكنه أكثر من مائة ألف نسمة ، يضاف إليهم عشرات الألوف من العسكريين المرابطين على الجبهة وخطوطها الأمامية والخلفية.

بعد أن وقف المؤلف طويلا عند حدوث هذه النكبة ، جزم أن العصابة الحاكمة في دمشق سلمت الجولان بالتمام والكمال حسب اتفاق وكلاء البعث الطائف مع وكلاء إسرائيل في باريس.

ثم قدم صورة واضحة عن مناعة هضبة الجولان, مستشهدا بما ذكرته مجلة التايم الأمريكية الصادرة في مطلع شهر أيلول 1967 قائلة : «إن سوريةتسيطر على سلسلة من التلال الصخرية الشديدة الانحدار ، تمتد لمسافة أربعين ميلا ، وتشرف على سهول منكشفة للنيران ، وعلى جوانب التلال خطوط دفاعية مستقلة بعضها فوق بعض ، وكل خط منها تحميه ثلاث طبقات من الألغام ، وأسلاك شائكة واستحكامات منيعة ، وللوصول إلى الطبقة العليا يجب عبور تسعة خطوط - ماجينو مصغرة.

ثم أضاف المؤلف : الجبهة محصنة تحصينا فريدا ، كل شبر من أرضها محصن بالنيران ، وكل ثغرة بين موقعين دفاعيين ، محمية بالألغام والألغام مضروبة بالنيران على كل محور يمكن أن يتقدم منه العدو ، حضرت الرمايات الهائلة من مختلف الأسلحة ، وزرعت الأسلحة بكثافة تدعو للدهشة ، وكل ذلك من أجل ساعة خطر كالتي وقعت في حيزران العار ، لكن جيش معلمي المدارس هرب ولم يقاتل.

ملأ الكاتب ثلاثين صفحة من كنابع عن التحصينات والاستعدادات والأسلحة المتنوعة ، بما فيها السلاح الكيماوي ، بحيث لا يمكن لأي إنسان لديه أبجديات العمل العسكري أن يتصور سقوط هذه الجبهة التي حصنها السوريون على مدى عشرين سنة ، وأنفقوا عليها جل دخلهم القومي.

8- في الوقت الذي كانت الطائرات الإسرائيلية تدمر السلاح الجوي المصري والمطارات والمواقع الإستراتيجية ، كانت السلطة السورية تتظاهر بضرب المواقع الإسرائيلية الحدودية ، أما الطيران السوري فلم يظهر في سماء المعركة باستثناء طلعات متفرقة ، وطيلة أيام الحرب اختفى اسم الطيران السوري ، إلا بعد أن وضعت الحرب أوزارها ، ولم يحل يوم الثامن من حزيران إلا وبدأ قسم من الضباط بالانسحاب ، فقائد الجيش أحمد سويداني هرب عن طريق بلدة نوى إلى دمشق ، تاركًا وحدات الجبهة دون قيادة ، وقائد الجبهة أحمد المير ترك الجبهة فارًا على ظهر حمار كيلا يقود مركبة عسكرية معرضة للقصف الجوي الإسرائيلي ، وعندما اتصل به ضباط الجبهة قال لهم : أنا لست قائد الجبهة ، اتصلوا بوزير الدفاع ، ولما فعلوا قال الوزير الأسد : أنه قد اتخذ الإجراءات اللازمة!!

لجأ بعض الضباط من وحدات اللواء 80- بعد فقدانهم الاتصال بقائد اللواء وبأي مسؤول في قيادة اللواء- إلى المقدم وجيه بدر ، فبين لهم أنه لا يفقه شيئا مما يحدث ، عندئذ دب الفزع في أوساط الجيش ، ولاسيما ضباطه ، فاتخذوا وجهتهم دمشق للنجاة بأرواحهم ، تاركين الجنود في وضع مأساوي ، جرحى ومشوهين في سهول القنيطرة ، وأصوات مكبرات الصوت المنبعثة من طائرات الهيلوكوبتر الإسرائيلية تنادي : أيها الجنود السوريون ، ألقوا سلاحكم تنجوا بأرواحكم ، فيستجيب الفارون لهذا النداء ، ويلقوا بأسلحتهم للنجاة بأرواحهم من موت يحط بهم من كل مكان في البر والجو ومن كل الجهات .

لقد أنهت القيادة البعثية كل شيء ، وسلمت العدو الإسرائيلي مفاتيح أحصن وأمنع قطعة من أرض العرب ، بل وتكاد تكون من أكثرها غنى ووفرة بالكنوز الدفينة من معادن وآثار وخصب ووفرة مياه .

وهنا ينكشف لنا موقف من أخطر مواقف الخيانة التي ارتكبها البعثيون- حسب تعبير مؤلف كتاب سقوط الجولان- عندما انهزموا مع دباباتهم من وجه القوات الغازية ، باتجاه دمشق بغية حماية الثورة كما أعلن أحد قادتهم المقدم رئيف العلواني ، كما ينكشف لنا حقيقة الموقف السوفياتي والدوافع من تزويد سورية بالسلاح ، فقد ألقى المستشار الأول للسفارة السوفياتية في تل أبيب على طلبة الجامعة العبرية كما جاء في صحيفة هاآرتس الإسرائيلية يوم الرابع من شباط عام 1965 كلمة جاء فيها : نحن مستعدون لحظر السلاح عن المنطقة العربية ، لكن حركات قوى التحرر اليسارية في العالم العربي تحتاج إلى السلاح لتكافح الرجعية العربية ، وتقضي عليها ، وعلى من يساعدها من قوى الاستعمار ، وإن القضاء على الرجعية العربية سيزيل خطر العدوان العربي على إسرائيل .

9- تتالت أحداث الحرب على الجبهات الثلاث بصورة مأساوية ، وبكوارث مفجعة ، جلبها على الأمة جمعاء حكام مارقون رهنوا الوطن ، وباعوا البلاد لأعداء الأعداء ، كي يضمنوا بقاءهم في الحكم ، وحماية العدو لاستمرار نظامهم.

لقد أذاع بلاغ للعدو : إن إسرائيل أصبحت سيدة الجو في الشرق الأوسط ، وإن القوة الجوية العربية قد أبيدت ومع ذلك استمر المتسلطون على دمشق بتضليل الشعب وتخديره بإعلان بيانات كاذبة لا أصل لها ، بل إن واقع الأمر على عكسها ، فقد تتابعت البيانات الكثيرة التي كانت تبثها الإذاعة السورية ، وهي تتحدث عن انتصارات مذهلة في اليوم السابع من حزيران ، وكان آخر ما قاله أحد المعلقين من راديو دمشق : إن الجيش السوري بطريقه الآن إلى صفد وعكا وإلى الناصرة في الوقت الذي كانت فيه قوات الجبهة قد انفرط عقدها ، وهرب قادتها ، وبدأ الانسحاب الكيفي والهروب أمام العدو ، تمهيدًا لتسليم الجولان دون مقاومة أو قتال.

وكان مما أصاب قادة البعث السوريين من عسكريين ومدنيين ، ما أعلنه متحدث رسمي للعدو في مؤتمر صحفي قائلاً : أما على الجبهة السورية ، فإن معظم القوات السورية تنسحب الآن باتجاه دمشق ، والطيران الإسرائيلي يقصف القوات المنسحبة باتجاه العاصمة السورية.

وبعد ظهر اليوم التاسع من شهر حزيران أذاع راديو دمشق أن سورية وافقت على وقف إطلاق النار ، ثم قال : وتقديرًا للظرف الراهن أبلغت سورية الأمين العام للأمم المتحدة : أن سورية قررت قبول دعوة مجلس الأمن إلى وقف إطلاق النار ، شريطة التزام الجانب الآخر بذلك .

لم تتقيد إسرائيل بوقف إطلاق النار ، بل استمرت بالزحف واحتلال المواقع الحصينة ، ودك المواقع السورية بالطيران والمدفعية ، أما الحكومة الثورية التقدمية ، فاستمرت بإصدار البلاغات الكاذبة والمتناقضة ، كالتي صدرت في الساعة الثانية عشرة وخمس دقائق ظهرًا أن قتالاً عنيفًا لا يزال يدور داخل مدينة القنيطرة ، وعلى مشارفها بحيث لم يتمكن العدو من السيطرة الكاملة على المدينة ، أما التقارير التي صدرت عن تل أبيب قالت : إن القتال على الجبهة السورية يبدو قد انتهى ، وقالت : إن إسرائيل ليس لديها نية في التوجه إلى دمشق -جراء صفقة سيأتي بيانها- مكتفية باحتلال تلال الجبهة السورية وسيطرتها على الجولان.

انبرى أحد فحول ثورة 8 آذار 1963 الدكتور نور الدين الأتاسي الذي عينه الانقلابيون رئيسًا للجمهورية كما عينوا من قبل أمين الحافظ ولؤي الأتاسي ، ليكونوا واجهات يسترون من خلفها مخططاتهم التخريبية والخيانية ، انبرى بطل الهجوم على جامع خالد ابن الوليد في مدينة حمص ، ليوجه كلمة من راديو دمشق جاء فيها : إننا نواجه اليوم أكثر من مؤامرة دنيئة خسيسة في العالم الحديث ، وإن خطة العدو تستهدف إلغاء مكاسب شعبنا مرة واحدة ، وإعادة وطننا إلى منطقة النفوذ الاستعماري على غرار ما كان في القرن التاسع عشر!! .

ما هذا الإفك من هذه العصابة؟

وما هذه الجرأة المكشوفة في تزييف الحقائق؟

إن قتل آلاف المواطنين وهدم اقتصادهم وسرقة ثرواتهم ومصادرة حرياتهم وحكمهم بالحديد والنار في ظل الطوارئ ، ثم خيانة العباد وبيع البلاد للعدو يسميه نور الدين -لا فض فوه- مكاسب وإنجازات ، وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : إذا لم تستح فاصنع ما شئت .

غير أن المراسلين الحربيين فضحوا مزاعم البلاغات السورية الكاذبة ، بل الوقحة في كذبها ، كما فضحها ثلة من السياسيين والعسكريين ، وعدد من البعثيين الذين أنكروا على السلطة الباغية انحرافها وتفريطها بحق الوطن والمواطنين ، فقد كتب أندرو ويلسون المراسل الحربي لجريدة الأوبزرفر اللندنية ، يصف الحرب في مقال طويل جاء فيه : إن النصر الإسرائيلي كان النصر المخطط الأكثر دقة منذ اجتياح هتلر لفرنسا عام 1940 ، وقال : إن الإسرائيليين اعتمدوا في ذلك على أن القوات العربية ليست موحدة ، وقال : على الجبهة الشمالية مع سورية ، تحققت نبوءة المخططين الإسرائيليين ، وقد كانت عمليات القوات السورية محدودة جدًا ، فلم يقم السوريون بأية عمليات حربية لمساعدة المصريين في الخروج من المأزق الذي وقعوا به ، وانحصرت مساعيهم في هجومات محلية على مستعمرتي حدود إسرائيليتين ، وأمام هذه الحال المزرية وصفت جريدتا الثورة والبعث القتال مع العدو على أنه أشرف قتال عرفه التاريخ الحديث!! .

وقال بارتيك روخان مراسل جريدة التايمس البريطانية بعد زيارة قام بها إلى مرتفعات الجولان السورية بعد احتلال إسرائيل لها مع مجموعة الإسرائيليين : إن الإسرائيليين تغلبوا على خطوط الدفاع السورية التي تبدو غير قابلة للاختراق ، بالدوران حولها ، وأخذها من الخلف ، وقال : إنهم استخدموا الطريق الذي كان الجميع يعلمون أنه لا يمكن اجتيازه ، وهو الوادي الضيق الذي يمر شرقًا من مستعمرة دان الذي يمر فيه نهر بانياس ، وقال : إن الوادي لم يكن محميًا ، إلا من قبل لواء واحد وقليل من المدفعية ، وقد اجتاحها الإسرائيليون خلال الليل ، ثم استولوا على مواقع المدفعية على مهل -بسهولة-. يعقب على ذلك صاحب كتاب سقوط الجولان بقوله : إن الملاغم الموجودة على الطريق لم تنسف ، ولو نسفت لتوقفت القوات الغازية ، وكذلك لم تنسف الملاغم ضد العدو الذي أخذ الطريق الرئيسية -بانياس مسعدة- ولو نسفت على هذا الطريق لوقعت الآليات المعادية في واد سحيق. هو وادي العذاري الذي يمتد من مسعدة إلى بانياس موازيًا للطريق الأساسي .

10- بعد تحطم الطيران المصري لاذ المشاة بالفرار ، فأسر العدو منهم 13 ألف من الضباط والجنود ، فصار يطلق بعضهم مقابل ثمن زهيد ، واحتفظ بعدد منهم اختارهم من بين الأسرى ، ثم أعلن البريجادير صموئيل رئيس دائرة الأسرى في الجيش الإسرائيلي : أن إسرائيل تعمل على تبادل 5499 أسيرًا عربيًا مقابل 16 جنديًا إسرائيليًا أسروا خلال الحرب الأخيرة ، وبالرغم من أن في المعسكرات الإسرائيلية 4500 أسير مصري ، و 487 أردنيًا ، و 333 سوريًا ، بالإضافة إلى 179 من الأسرى الجرحى الذين يعالجون في المستشفيات الإسرائيلية.

أدعى صموئيل أن من بين الأسرى المصريين 300 ضابط ، بينهم تسعة برتبة جنرال ، أما عن الأسرى الإسرائيليين فقال : إن منهم تسعة في أيدي المصريين ، واثنان في كل من العراق و سورية و الأردن ، وواحد في لبنان ، وقال : إن سورية خسرت في المعركة 20 ضابطًا و 125 جنديًا ، وقد جرح 98 ضابطًا و 500 جندي بالإضافة إلى 300 من المدنيين والعسكريين أصيبوا بحروق قنابل النابالم ، كما زعم البريجادير جنرال مردخاي هود قائد سلاح الطيران الإسرائيلي أن ثلثي سلاح الطيران السوري دمر خلال ساعة واحدة ، وأن الثلث الباقي ابتعد إلى مطارات تقع خارج نطاق القتال ، وقد عقب على ذلك صاحب كتاب سقوط الجولان بقوله : هذا يؤكد قولنا بأن القوات لم تصمد ، ولم تقاتل ، بل فرت وتركت الأرض للعدو ينهبها ، لأن وضع الجبهة بتحصيناتها المحكمة لن يتيح للعدو احتلالها إلا إذا تمكن من إبادة القسم الأعظم من القوات المدافعة فيها ، وهذا لم يحدث جراء الهروب وترك المواقع ، باعتراف البعثيين والمسؤولين الإسرائيليين على السواء .

وبالرغم من أن نذر الحرب كانت بادية للعيان ، فإن القيادة البعثية العتيدة -المتآمرة- لم تلجأ إلى التعبئة العامة ، بل دخلت الحرب بقوات هزيلة وباحتياط ضعيف ، غير مهيأ ولا مدرب بما يتطلبه التدريب في الحد الأدنى من متطلبات القتال ، كما أن الأسلحة والذخائر لم توزع على الألوية الاحتياط المكلفة بتنفيذ الهجوم إلا قريبًا من قواعد الانطلاق .

11- عند بدء الفرار والانسحاب الكيفي ، تركت قيادة الجيش التقدمية كنوزًا من الأسلحة النادرة والخرائط والوثائق كاملة سالمة دون أن تمس أو يصار إلى الاحتفاظ بها أو إتلافها ، ومن ذلك قاذفات اللهب الثقيلة ، فقد تركت على أرضها وفي مكانها ، فاستعملها العدو جاهزة ، ليحولها إلى ظهور الجيش المنسحب الذي لم توجد فيه الأيدي التي كانت لديها القدرة على ضغط زنادها ، لتقذف حمم النيران ، فتحرق وتدمر دبابات العدو ، وخاصة في القطاعين : الجنوبي والأوسط.

أما الوثائق ، فياحسرتا على الجهود ، والأموال التي بذلت طوال العشرين سنة قبل هذه النكبة ، لتجهيزها وتحضيرها ، وقد كتب على كل مكان احتوته بالخط العريض المحاط باللون الأحمر لإبرازه لكل عين : ( يتلف عند تهديد المقر ) لكنها تركت على أرضها غنيمة ثمينة للعدو ، يستفيد منها أكثر مما أفادته أجهزة الجاسوسية التابعة له بمئات المرات .

ومن أوجه الجريمة التي اقترفت بحق الجيش والوطن ، ونفذتها قيادة الجيش التقدمية أنها قامت بتجريد رجال المقاومة الشعبية من أسلحتهم ، وسحب كل ما كان بحوزة السكان من سلاح وذخائر ولاسيما الأسلحة المتوسطة ، أما سلاح الإشارة- كما صرح للمؤلف أحد قادة المعركة- : أن أجهزة الإشارة كانت أيام الحرب غير صالحة للعمل بنسبة لا تقل عن 60- 70% من جراء إهمال الصيانة ، وضعف التدريب لمن أسند له إدارتها ، وتعيين كثير من الاحتياطيين الذين لم يسبق لهم أي معرفة بأجهزة الإشارة أو رؤيتها من قبل ، ففقد القادة سيطرتهم على وحداتهم بسبب فقدان الاتصالات ، ومن ثم التعاون بين الوحدات المقاتلة ، ودخول شبكات العدو على شبكات القوات السورية ، وتحديد مواقع القوات والقيادات وتدميرها .

وكذلك الشؤون الإدارية ، وامتلاك العدو لصور مئات الضباط -سوريين ومصريين- عن طريق المصور الشهير في مدينة القنيطرة -المصور مزيد- من أبناء مدينة مجدل شمس صاحب أستوديو العروبة!!

وأخيرًا وليس آخرًا ترك أشاوس الثورة البعثيون التقدميون كتيبة الدبابات البرمائية- 22 دبابة- ليستلمها العتدو في مرابضها بعد فرار سدنتها ، فحدث عن ذلك ولا حرج فالحديث عنها ذو آلام وشجون. غير أن الذي لا يمكن توقعه أو حدوثه بل تصديقه هو موضوع الطعام ، فقد كانت المطابخ الصغيرة والكبيرة والمتنقلة تزود الجيش بالطعام المطهو ، كما تزوده بالوجبات غير المطهوة كالتمور والبسكويت إلخ.. وفجأة سحبت القيادة هذه الوجبات الجافة -التي تكفي المقاتل يومين أو أكثر في حالات الضرورة والاشتباك والانقطاع عن المصدر من الوحدات العسكرية- بحجة تبديلها ، فكان أن انقطع التموين ، وحدثت مجاعة عندما حصل الانهيار الرهيب ، فكان الجندي الهارب يتضور جوعًا ، ويستنجد بمن يراه لإطعامه أو إمداده ولو بكسرة خبز تنقذ حياته من الهلاك أو الموت جوعًا وإرهاقًا في حالة الفرار!!

هل حوكم حافظ أسد على ما اقترفت يداه من جرائم أودت بحياة الجيش وبمستقبل الوطن كله إلى أجل لا يعلم إلا الله مداه؟

إن الذي وقع القرار رقم 66 بسقوط القنيطرة قبل أن يراها جيش العدو ، والذي فعل فعلته التي أدت إلى الانسحاب الكيفي ، وتسليم الجبهة الحصينة ، لم يعاقب ولم يساءل ، بل رفع إلى رتبة فريق كما رفع من قبل بعيد انقلاب 8 آذار من نقيب إلى مقدم فعميد فلواء في فترة قياسية قصيرة ، وكوفئ على سياسته التي تضمن بقاءه ومن التف حوله من الطائفين والمنافقين في الحكم إلى أجل غير مسمى ، وبدعم واضح وصريح وموثق من إسرائيل ، ومن اللوبي الصهيوني في العالم ، كما بدا فيما بعد جليًا ، ثم مكشوفًا ومعلنًا بعد أن أمن ثورة الشعب عليه ، بعد أن حطمه وأوصله إلى حالة تعيسة من الضعف والعجز ، وجرده من كل مناعة في السياسة والاقتصاد والسلاح والقيم ، فلم يعد يخشى أو يحرج عن إعلان إسرائيل دعمها له ولوارثيه من بعده ، واعتراض إسرائيل على أمريكا وفرنسا والغرب كله في أي تفكير أو مسعى يزعزع أو يغير نظام الأقلية في دمشق ، خشية -كما تقول كل أبواق الصهاينة السياسية والعسكرية والإعلامية- أن يكون البديل هو الفوضى أو المتشددين من الإسلاميين حسب التعبير الدارج عن الإخوان المسلمين والتيارات الإسلامية الأخرى التي ترفض وجود العدو الصهيوني محتلا لفلسطين والأقصى وما حولها من الأرض المقدسة المباركة ، وهذا ما سوف يأتي في حينه بوضوح وتفصيل.

نعم لقد رفع حافظ أسد إلى رتبة فريق ، وفتح الطريق له أو أمامه ليكون رئيسًا للجمهورية إلى الأبد- في استفتاءات شكلية كل سبع سنين- وصاحب سلطة مطلقة لم يشهد القرن العشرون ولا أنظمة الحكم في العالم لها مثيلاً في الصلاحيات المطلقة والواسعة التي ثبتها الأسد في الدستور الذي كتبه له الدكتور محمد الفاضل ( عميد كلية الحقوق ورئيس الجامعة السورية الذي ينتمي للطائفة العلوية ) والتي لا تشبهها سلطة للملوك أو الطغاة أو المستبدين أو السفاحيين ، بل زاد عليها في حكم عرفي دائم وثقيل يقتل في ظله من يشاء ويسجن من يريد ، ويرهن الوطن كله لأعداء سورية نظير دعمه وبقائه في السلطة ، ليلحق البلاد والعباد بقريته القرداحة ، كما ألحق الأمويون في عصرهم الذهبي : الدنيا كلها ببستان أحد خلفاء بني أمية : هشام بن عبد الملك بن مروان.

رابعًا: وثائق تكشف المؤامرة

سالت الأقلام ، وانتشرت الوثائق وجاءت الشهادات تترى من عدد من البعثيين الذين أدركوا -بعد فوات الأوان- أنهم كانوا مخدوعين ومضللين ، ومستغفلين ، كما جاءت من عدد من رجال السلطة الذين كانوا يسيرون في ركاب حافظ أسد ، والذين رأوا بأعينهم كيف يباع الوطن ، وكذا من كتاب غربيين ، وصحافة أجنبية وعسكريين شهدوا بعض فصول المأساة ، ومن عدد من حكام العرب المجاورين لسورية.

كان هم السلطة الحاكمة هو الاستمرار بالحكم ، وسحق كل من ينازعهم السلطة أو يعارض سياستهم ، ولذا اعتمدت هذه الفئة الباغية على مرتكزات طائفية في بسط نفوذها ، وعلى تحريض الأقليات الطائفية موهمة إياها أن بقاءها رهن باستمرار هذا الحكم ، وكذلك اعتمادًا على قوى خارجية في مقدمتها إسرائيل وإنكلترا وأمريكا كما سيرد موضحًا في سياقه.

أما الهزيمة المخزية فلم تكن للطغاة مصدر إحراج طالما أنهم استمروا في السلطة والتسلط على مقدرات الوطن ، وقد صرح كبراؤهم ، أن ضياع الأرض ليس بذي قيمة طالما ظل الحكم بأيدي التقدميين الثوريين ، لأن الأرض إذا احتلت فسوف نستعيدها في قابل الأيام ، أما حكم الثورة فإنه إذا سقط فإن الكارثة أكبر من احتلال العدو لجزء من أرض الوطن!!

1- يقول أحد مرافقي كيسنجر ( إدوار شيهان ) في أسفاره وجولاته في كتابه : كيسنجر والإسرائيليون والعرب : إن المخابرات الصهيونية كانت تتعمد عند عودة كيسنجر من دمشق إلى القدس أن تطلعه على ما دار بينه وبين حافظ أسد في دمشق ، كما تطلعه على مضمون الرسائل المتبادلة بين الأسد وبين الملوك والرؤساء العرب بالرغم من أن لقاء كيسنجر والأسد كانت مغلقة ، ولا يحضرها سواهما ، وسوف يأتي في صفحات لاحقة عند الحديث عن دور حافظ في لبنان ودور كيسنجر في إطلاق يد الأسد في لبنان كما جاء في الجزء الثالث من مذكراته التي نقلها عبد الكريم أبو النصر ، ونشرتها مجلة الوطن العربي ، وكيف أقنع كيسنجر إسرائيل بإعطاء الأسد دورًا عسكريًا في لبنان ، وكيف أقنع الكونغرس بذلك ، لأن الأسد سيدخل لبنان ، لا لضرب إسرائيل ، بل ليقتل أعداءها من الفلسطينيين واللبنانيين وهذا ما حدث.

2- أما سامي الجندي أحد قيادات البعث المخضرمين ، والذي لعب دورًا كبيرًا في تاريخ الحزب وفي أحداثه ، والذي شغل منصب وزير الإعلام ، وكان عضوًا في القيادة القطرية ، ورشح لتشكيل الوزارة خلال تلك المرحلة ، فقد فوجئ ، وفجع بما حدث لسورية ، وبما رآه من تآمر ، واتصال بالعدو وتسليم الأرض والتنسيق مع الصهاينة ، فأصدر كتابه - كسرة خبز- وهو في باريس حيث عينته سلطة البعث سفيرًا فيها ، والذي جاء فيه : لم أخف أن النظام في سورية يعد لهزيمة ، وليس لاسترداد فلسطين ، نعم ، لم تكن هناك أي بادرة للنصر ، ولا أعني أن النظام يعد لهزيمة نفسه ، وإنما لهزيمة العرب الآخرين ، ثم يتطرق الجندي إلى سبب اختياره للمهمة التي أرسل إليها في باريس فيقول : اختارني إبراهيم ماخوس وزير الخارجية السوري الذي لم يعدم الوسيلة أو الأشخاص للاتصال بإسرائيل ، فقد سرت أقاويل في باريس نفسها عن أمين منظمة الحزب التابعة لدمشق. ( وأنا متأكد ) من اتصالات جرت عن طريق أكثر من دولة ثالثة وفي أكثر من عاصمة مع إسرائيل ، ولست بحاجة بعد ذلك للقول بأن إعلان سقوط القنيطرة -قبل وصول العدو إليها- أمر يحار فيه كل تعليل يبنى على حسن النية. إن تداعي الأفكار -العفوي- يربط بين عدم وقف إطلاق النار والحدود سليمة ، والإلحاح بل الاستغاثة لوقفه بعد أن توغل الجيش الإسرائيلي في الجولان ، إشارة إلى أن اليهود عرضوا وقف إطلاق النار قبل توغلهم ، فرفض العرض ، ويقول الجندي : عندما نتتبع فصول معركة الجولان نجد أن العسكريين الذين قاوموا اليهود ، فعلوا ذلك من دون أوامر ، أما الذين صدرت إليهم الأوامر -بالانسحاب- فقد انسحبوا بناء على خطة ( وقد فات الجندي أن يذكر أن الذين قاتلوا ولم ينسحبوا عاقبهم حافظ أسد بالسجن والتسرحي وخفض رتبهم العسكرية ).

يقول الجندي : ترى ما هي الخطة؟ لقد فوجئت لما رأيت على شاشة التليفزيون الفرنسي مندوب سورية جورج طعمة في الأمم المتحدة يعلن سقوط القنيطرة ، وذلك من خلال البلاغ 66 الصادر عن وزير الدفاع حافظ أسد الذي أعلن وصول قوات إسرائيل إلى مشارف دمشق ، بينما المندوب الإسرائيلي في الأمم المتحدة يؤكد أن شيئا من ذلك لم يحصل ، فلماذا يصدر الأسد البلاغ المشؤوم قبل وصول العدو إلى القنيطرة بيومين؟ ولماذا يطلب من الجيش الانسحاب الكيفي؟ ولماءا يقول اللواء أحمد سويداني قائد الجيش السوري عندما سئل عن هذا البلاغ : إنني كمسئول عن الجيش لم أستشر في البلاغ الذي أعلن عن سوط القنيطرة ، بل سمعته من الإذاعة كغيري ، وهذا ما أورده القيادي البعثي سامي الجندي في كتابه كسرة خبز ، فهل يحتاج هذا الكلام من الباحثين إلى تفسير أو إلى تعليق؟!

3- أما إبراهيم ماخوس ، فقد التحق بالبعث وهو يلبي جلبابا ثوريا في ظاهره ، وينطوي في باطنه على تعب طائفي ذميم باعتباره وراثيا للقيادة الدينية الطائفية التي تلقاها عن أيه.

تحدث الجندي عن رفيقه في الحزب وهو يطالبه بالاتصال له بإسرائيل ويقول : رأيتني بعين خيالي معلقا في ساحة المرجة ، وتساءلت بيني وبين نفسي : هل يعود الجولان على جثتي؟ وهل قضيته بهذه البساطة؟

قلت - لإبراهيم- : وما هو الثمن الذي نفعه لاستعادة الجولان؟

قال : الاعتراف بإسرائيل ( وهذا هو بيت القصيد من هذه المؤامرة ).

أليس عجيبا أن يختارني أنا؟ للاتصال بالصهاينة الأمر على غاية البساطة ، من أجل أن أسكت ، وهقد أكون من القليلين الذين يعرفون أشياء كثيرة ، والوحيد الشاهد عليها.

يقول الجندي : الساعة الثانية وخمس دقائق صدر بلاغ عسكري يقول : إن القوات السورية ما زالت حتى الآن تقاتل داخل المدينة وعلى مشارفها جنبا إلى جنب مع قوات الجيش الشعبي بكل ضراوة وصمود ، بحيث لم يتمكن العدو من السيطرة الكاملة على مدينة القنيطرة ، وأن القوات السورية دمرت أعدادا كبيرة من الدبابات علماء أنه لا أصل لهذا الكلام البتة على أرض الواقع.

نعود قليلا إلى إبراهيم ماخوس أحد رموز المتواطئين على تسليم الجولان ، لنرى أنه استمر في تعصبه الطائفي حتى بعد اختلافه مع الأسد وانحيازه إلى صلاح جديد ومغادرته سورية إلى أوربا و الجزائر ، فقد عقد المعارضون للنظام لقاء سريا في باريس حضره عدد من الناصريين والبعثيين والاشتراكيين ليفجأ الجميع بذهول أن إبراهيم ماخوس يضع فيتو على أي تفكير بتغيير تركيبة الجيش الطائفية ، بل ينبغي حسب كلام ماخوس أن يبقى حال الجيش على ما هو عليه ، ولا يجوز الاقتراب من هذا الموضوع أو التفكير فيه ، هذا ما سمعته من محمد الجراح الذي حضر هذا اللقاء ، ومن طه ياسين رمضان الذي شارك في اللقاء ، وحضر إلى باريس متنكرا ، وأرجح أنني سمعته من أكرم الحوراني دون التيقن من ذلك.

ماخوس وزير الخارجية يقول أمام عدد من المسئولين العرب ردا على قول أحدهم : إنها لفاجعة كبيرة ، ونحمد الله أن إحدى العواصم لم تسقط ، فيجيب ماخوس : وهل في ذلك غرابة لو حصل؟ إن الغريب في الأمر أن العواصم لم تسقط؟ ونحن من جهتنا كنا عاملين حسابنا على أن دمشق ستسقط ، فأين هذا الكلام من تصريح حافظ أسد الذي كان صاحب الكلمة العليا في هذه السلطة أو التركيبة الطائفية عندما صرح قبيل المعركة : إنا أخذنا بعين الاعتبار تدخل الأسطول السادس ، وإن معرفتي لإمكانياتنا تجعلني أؤكد أن أية عملية يقم بها العدو هي مغامرة فاشلة ، وسرعان ما أعلن بعد ذلك عن سقوط القنيطرة ، وأمر بالانسحاب الكيفي قبل أن يصل إليها العدو كما رأينا من قبل ، ولم يشعر حافظ أسد بوجل أو خجل عندما أذاع في نفس اليوم بلاغ مناقضا للبلاغ الأول جاء فيه : إن قتالا عنيفا لا يزال يدور داخل المدينة الخ وهذا كان مناقضا للبلاغ رقم 66 ، علما بأن كل ما أذيع عن قتال لا أصل له البتة ، وأن القنيطرة سلمت دون إطلاق رصاصة واحدة ، وأن كلم ا من حاول المقاومة حوكم على مخالفته للأوامر. نعود قليلا إلى ما سمعه الجندي من ماخوس عندما قال له : ليس مهما أن يحتل العدو دمشق أو حتى حمص وحلب ، فهذه ارض يمكن تعويضها وأعادتها ، إنما إذا قضي على حزب البعث الذي يستتر خلفه الحكم الطائفي فكيف يمكن تعويضه؟ وهو أمل الأمة العربية!!

يقول الجندي : هل كان اختيار ماخوس له لمفاوضة أبا إيبان وزير خارجية إسرائيل في باريس توريطا له؟

لقد رأينا أن رئيس الأركان أحمد سويداني الذي قال : إنه سمع بسقوط القنيطرة كغيره ، من الراديو ، استمر على المكابرة قائلا : إن المعركة لا تقاس بعد الكيلو مترات التي خسرناها ، بل بأهدافها ، فقد كان هدف إسرائيل إسقاط الحكم التقدمي ، وهذا ما فشلت به ، كما قال ماخوس من قبل وبنفس هذا المنطق الخياني ، والذي ختمه ماخوس بقول : كل من يطالب بتبديل حزب البعث عميل لإسرائيل.

4- ذكر الأستاذ صائب بارودي البعث القديم عن حرب 1967 قوله : تمركز القوات السورية بقيادة الضابط نورس طه تحت المرتفعات المطلة على بحيرة طبريا حتى مساء اليوم السابع ، وكان عبد الناصر يتصل بعبد الكريم الجندي ويقول له : أنا لا أثق بالآخرين ( يعني الأسد وجديد ) اللعبة كبيرة وخطيرة ، و مصر غير قادرة على التحرك ، وصلاح جديد يرفض خوض معركة حقيقية للتخفيف عن مصر ، ثم اتصل جنرال روسي بوزير الدفاع الأسد وبصلاح جديد قائلا : إذا كنتم مصرين على الحرب ، فلابد أن تضعوا خطة ، وأنتم حتى الساعة لم تفعلوا شيئا ، ثم تقدم السوفيات بخطة في صباح اليوم التاسع للتحرك الجداد ، قابلها حافظ أسد بالانسحاب الكيفي ، وترك ترسانة حربية كبيرة لليهود مع عشرات القرى من جبل الشيخ ، وثم أصدر بيانه المشئوم ذا الرقم 66.

أما جريدة النهار فقالت : لم تبدأ سورية الحرب إلا صباح 6-6-1967 ، على شكل مناوشات ، ورغم أنها هي سبب الحرب ، وهي الداعية إليها ، مقتصرة على قصف اعتيادي لمستعمران وان ، وتل دان وكرياستوف الحدودية ، دون أن تأبه إسرائيل لهذه الهجمات التي لا تؤثر في الجبهة أو على ميزان القتال ، بسبب انشغالها بالإجهاز على مصر والقضاء على أسطولها الجوي وقواتها في سيناء ، وقالت الصحيفة : لم يدخل الإسرائيليون الحرب والمعارك الفعلية ضد سورية إلا يوم الخميس في 8 حزيران - رابع يم حرب حزيران فشنوا هجوما شاملا على المواقع العسكرية ، وبدلا من أن يواجه السوريون الهجوم بآخر مضاد ، تابعوا ضرب المستعمران اليهودية الحدودية التي مر ذكرها قبل قليل ، وعندما صدر أمر الانسحاب الكيفي تأخر بعض العسكريين عن الانسحاب ، لمواجهة العدو ، ومنهم آمر تل العزيزيات الذي استغرب صدور أمر الانسحاب ، فثبت في مكانه ليرى الدبابات الإسرائيلية تصعد إلى التل ، فحاول تفجير الألغام كهربائيا ، فوجد أن الكهرباء مفصولة!! فضرب أول دبابة في التل ، وآخر دبابة فيه ، ثم دمر الباقي ، وحمى قواته دون أن يفجرها ، فوصل مركز القيادة في القنيطرة عند الصبح ، فلم يجد أحدا من القيادة ، لقد هربوا جميعا بأمر انسحاب رسمي ، ولم يجد يهوديا واحدا في القنيطرة ، وعندما وصل إلى دمشق استدعى وحوكم ميدانيا ، فكسر رتبه ، وسرح من الجيش عقوبة له على مقاومته ، وعدم تدمير السلاح والدبابات التي كانت لديه.

5- الأستاذ سعد جمعة أحد رؤساء وراء الأردن ذو سمعة طيبة ، وذكر حسن ، سمعت ثناء عليه من رجال كبار في الأردن ، ومن آخرين كبار من الحركة الإسلامية مثل الأستاذ يوسف العظم رحمه الله الذي وصفه بالسياسي المعروف بالخلق الرفيع وبالاستقامة والنزاهة والنقاء الوطني.

قال سعد جمعة في كتابه الذي أصدره تحت عنان : المؤامرة ومعرة المصير :

- اتصل سفير دولة كبرى في دمشق في الخامس من حزيران يرجع أنه السفير السويفياتي أول أيام الحرب بمسئول حبي كبير ، دعاه إلى منزله لأمر هام في الحال ، ونقل له في اللقاء أنه تلقى برقية عاجلة من حكومته تؤكد قضاء الطيران الإسرائيلي على سلاح الجو المصري ، وأن المعركة بين العرب و إسرائيل قد اتضحت نتائجها ، وأن كل مقاومة ستورث خسائر فادحة وأن إسرائيل لا تنوي مهاجمة النظام السوري بعد أن يستتب لها تأديب جمال عبد الناصر ، وبانتهاء الزعيم المصري تفتح الآفاق العربية أمام الثورية البعثية ، ,أن إسرائيل بلد اشتراكي يعطف على التجربة الاشتراكية البعثية ، وخاصة العلوية ، غذ يمكنها أن تتعايش وتتفاعل معها لمصلحة الكادحين في البلدين ، فاتصل الوسيط بقيادات البعث ، وأعلم السفير بتجاوب كافة القيادات مع هذا التطلع ، وهذا ما نقله صاحب سقوط الجولان عن الأستاذ سعد جمعة ، ونقل غيره عن سعد جمعة نفسه في كتابه نفسه : المؤامرة ومعركة المصير ، فقال : ذكر قائد الطيران الإسرائيلي إننا قضينا ست عشرة ساعة ، نستعد ونخطط لهذه الجولة ، فحقننا ذلك في ثمانين دقيقة -تدمير الطيران المصري-.

وقال سعد جمعة : لقد حاول القائد العربي العام الفريق عبد المنعم رياض منذ الصباح الباكر ، وسلاح الجو الإسرائيلي برمته متجه نحو الأراضي المصرين حاول اغتنام الفرصة لتقوم سورية و الأردن و العراق مجتمعة بضرب مطارات العدول قبل عودته طائراته لمنعها من الهبوط ، وهي لو فعلت لتغير وجه المعركة كله, ولكن القيادات السورية تمحلت بمختلف المعاذير للتلكؤ والمماطلة بحجة أن طائراتها غير جاهزة.

ينقل أمين الحافظ عن الجنرال ديغول قوله : كم كان ضحايا الحرب لدى السوريين؟ فيقل له : مائة واثنان وعشرون عسكريا ، فقال : هذه ليست حربا ، هذه خيانة وهذا ما قاله المقدم محمد دوبا شقيق على دوبا للأستاذ عبد الله الطنطاوي في أثناء خدمته العسكرية ( ضابط احتياط ) في الجبهة أثناء حرب حزيران قل محمد دوبا : يقولون لم تكن هناك حرب حقيقية فماذا تقول؟ الأستاذ عبد الله : هذا صحيح وأنا أقول ذلك ، لم تنشب حرب بين السوريين والإسرائيليين بل كان بينهما شيء آخر!!

تتمة لفصول هذه التراجيديا أو هذه المآسي المروعة ، روى السيد دريد المفتي الوزير المفوض السوري في مدريد : أنه جاء إلى سعد جمعة في مكتبه في لند ، وعرفه على نفسه قائلا : قرأت كتابك : المؤامرة ومعركة المصير عن جريمة تسليم الجولان المنيعة دون قتال والتي اقترفها جديد والأسد وماخوس ، وأحب أن أزيدك بيانا : كنت يوما وزيرا مفوضا لسورية في مدريد ، فاستدعاني وزير خارجية إسبانيا لمقابلته صباح 28-7-1967 ، وأعلمني ، ووجهه يطفح سرورا ، أن مساعيه الطيبة أثمرت لدى أصدقائه الأمريكان ، بناء على تكليف السيد إبراهيم ماخوس وزير الخارجية البعثي العلوين ثم سلمني مذكرة تتضمن ما يلي : تهدي وزارة الخارجية الإسبانية تحياتها إلى السفارة السورية عبر وسيطها ، وتعلمها أنها نقلت رغبة الخارجية السورية إلى الجهات الأمريكية المختصة بأنا ترغب بالمحافظة على الحالة الناجمعة عن حرب حزيران 1967 ، أي بقاء الجولان تحت الاحتلال الإسرائيلي ، وأنه ينقل رأي الأمريكان بأن ذلك ممكن إذ حافظت سورية على هدوء المنطقة ، وسمحت لسكان الجولان بالهجرة من موطنهم ، والاستيطان في بقية أجزاء الوطن السوري ، وتعهدت بعدم القيام بنشاطات تخريببية من جهتها تعكر الوضع الراهن.

تابعت مخابرات حافظ أسد دريد المفتي إلى لبنان ، وقامت باغتياله لأنه أذاع هذا السر ، ولم يرض الخيانة لوطنه ، ودريد هذا الضابط بعثي سني من مدينة أريحا السورية في محافظة أدلب.

6- كان الدكتور محمد الزعبي من قادة البعث المخضرمين ، وهو من مواطني محافظة حوارن ، وقد أسند له البعثون وزارة الإعلام ، غير أنهم قبيل الحرب اتهموه بالتقصير الإعلامي ، وأسندوا لنور الدين الأتاسي ولصلاح جديد الإشراف على السياسة الإعلامية ، وأبقوه وزيرا منفذا لسياسة المشرفين على الإعلام ، وبعد أن حلت الكارثة بالوطن طلب الأسد من الوزير أن يعلن عن سقوط القنيطرة ، فامتنع وأبي أن يكون شاهد زور على هذه السياسة التي فيها ضياع جزء غال من الوطن ، وأترضى أن يكون معارضا لحافظ أسد وسياساته التي فرطت في أرض الوطن وفي مصيره ومستقبله ، ثم غادر سورية تابع دراساته وحمل الدكتوراه ، وعمل أكاديميا وأستاذ في جامعة صنعاء ، وكنت أزوره عندما أذهب إلى اليمن في منزله الجامعي ، وقد استمر صلاتي بالدكتور الزعبي أو أيهم بعد أن التقى بالمعارضة التي كلفت أن أكون أمينها العام ، ولم يندمج بها لملاحظات لديه على بعض أدائها ، وعلى سياسة العراق الشمولية.

ولكنني وجدت من الأمانة أن أتصل به في مكان إقامته في ألمانيا لأستوثق من روايته التي مر عليها أكثر من أربعة عقود فهاتفته وطلبت منه توثيق روايته ، فأرسل عن طري الفاكس بخطه يده حول سقوط الجولان رواية تحفظ فيها في بعض الجوانب كيلا يسبب حرجا لعائلات ن كانوا في تلك الأيام في السلطة ، ونزولا عند رغبته ، وتقيدا بكتابة أنقل بعض ما تلقيته منه في 9-5-2008 :

كتب الزعبي ما يليك «قضية البلاغ رقم ( 66 ) المتعلق بإعلان سقوط القنيطرة ، وتنبع أهميته من التوقف الطويل والعميق عند هذا الموضوع ، والذي كانت الشاهد الرئيسي فيه ، بحكم وضعي الحزبي كأمين عام مساعد للحزب ، والحكومي وزير الأعلام من كونه يلقي ضوءا على كثير من سلوكيات وممارسات حافظ أسد اللاحقة ، ولاسيما اقنلابه على قيادة 23 شباط عام 1970 وما ترتب عليها من إلغاء الدور القومي لسورية وإلحاقها في ركب كامب ديفيد في ظل ما سيبدو لي أنه دور قديم قد رسم له من قبل أمريكا وإسرائيل والرجعية العربية. .الخ.

لقد كان سورية شوكة في حلق إسرائيل والقوى الرجعية ، وحل القوى الاستعمارية ، وكانت تمثل سندا أساسيا للثورة الفلسطينية ولحركة التحرر العربية ، وقد نصب لهذا القطر الأبي فخ الطائفية ، وتم وضعه في سجن حافظ أسد المحكم والمغلق منذ عام 1970.

أما قصة البلاغ 66 فهي كما يلي إذا لم تخني الذاكرة : كانت البلاغات العسكرية المتعلقة بحرب حزيران 1967 تأتي إلى مديرية الإذاعة والتليفزيون من غرفة العمليات العسكرية ، فاقترحت على وزير الدفاع أن يلتحق موظف عن الإعلام ليقوم بتصحيح الأخطاء اللغوية فجاء أحمد إسكندر الأحمد الذي صار وزيرا للإعلام فيما بعد.

استمرت البلاغات تتوالى من قيادة الجيش حتى جاءني مدير الإذاعة والتليفزيون عبد الله الحوراني ليعلمني أنه استلم من غرفة العمليات بلاغا يعلن عن سقوط مدينة القنيطرة بيد الجيش الإسرائيلي ، وأنه لو تمت إذاعة هذا البلاغ لأحد حالة من الإحباط والفوضى بين موظفي الإذاعة والتلفزيون الذين كانوا يبشرون الناس بالنصر القريب.

أخذت منه البلاغ رقم ( 66 ) ووضعته فلي مغلق خاص ، وسلمته إلى مدير مكتبي السيد عزيز درويش ، وطلبت منه أن يذهب إلى الدكتور نور الدين التاسي أو الدكتور يوسف زعين رئيس الوزراء ، وبعد برهة قصيرة اتصل بي الدكتور يوسف زعين ، وقال لي : محمد. . لقد اتصل بنا الرفيق حافظ الأسد ، وأبلغنا بنبأ سقوط الجولان وعليك أن تذيع البلاغ.

عاد عزيز درويش بالبلاغ ، وتمت إذاعته بعد أن أمر بذلك رئيس الوزراء.

أحدثت إذاعة البلاغ حالة من الفوضى بين موظفي هيئة الإذاعة والتلفزيون اضطرتني أن أتدخل شخصيا كي أرجوهم أن يتابعوا عملهم ، ولاسيما أن المعركة ما تزال مستمرة في الجبهة - الجولان- وقد كان ذلك ، أي أن العمل عاد إلى طبيعته رغم إذاعة البلاغ رقم ( 66 ).

بعد حوالي نصف ساعة ، اتصل بي هاتفيا وزير الدفاع حافظ أسد ليبلغني أن هناك إشكالية تتعلق بالبلاغ 66 ، وعندما ، استوضحته قال : يبدو - رفيق محمد- أن القنيطرة لم تسقط بيد الجيش الإسرائيلي.

فسألته : ولماذا بعثتم إلينا بالبلاغ 66؟ فقال : لقد اتصل بي ضابط من الجبهة - لم يذكر ليس اسمه ولا رتبته- وأعلمني بالأمر ، وأنا صدقته ، وأرسلنا البلاغ على هذا الأساس.

( ما هذا الاستخفاف بالعقول؟ وما هذا الاستهتار بمصير الوطن والأمة؟ ).

وأردف حافظ الأسد موضحا : واقع الحال - رفيق محمد- أن المدينة محوطة من الجيش الإسرائيلي ، أي أنها تعتبر من الناحية العسكرية ساقطة ، وكل ما هنالك أنهم لم يدخلوها بعد.

قلت له : سوف نقوم هنا بإعداد بلاغ رقم 67 لتسوية هذا الخطأ ، ولسوف أقرأ عليك النص عندما أنجزه.

قمت بالتعاون مع عبد الله الحوراني بصياغة البلاغ رقم 67 الذي قال فهي : إن القتال في مدينة القنطرة يدور من منزل إلى منزل ، كان الهدف من ذلك ، بيان أن الجيش السوري قد استرجع المدينة ، من أيدي الإسرائيليين الذين احتلوها بموجب البلاغ 66.

قرأت نص البلاغ الترقيعي على حافظ أسد فوافق عليه ، وأمر بإذاعته.

قال لي اللواء أحمد سويديان لاحقا- وهو رئيس أركان الجيش والمشرف الميداني على العلميات إن ضباط إدارة العمليان الذين كانوا بصحبته في الجبهة ، وفي مدينة القنيطرة بالذات ، قاموا بمخالفة أوامري بعد أن سمعا البلاغ 66 ، وغادروا الجبهة إلى دمشق ، لقد بقي سويداني كما أبلغني فترة لا أذكر طولها لوحده في غرفة العمليات الميداينة ، ثم ركب سيارته ، وغادر القنيطرة نحو دمشق وأن أقرب دبابة إلى مدينة القنيطرة كانت تعبد حوالي أربعة كيلو مترات ، وهذا بعد عدة ساعات من إذاعة البلاغ 66!! وكنت مع السويداني نتجول وحدنا في سيارته ، وكان يفتح الراديو -للتشويش- خوفا من وجود تسجيل في سيارته.

إن ما دفعني إلى هذا التدخل في صياغة البلاغ 67 للتغطية على تصرف الأسد ف إعلان سقوط القنيطرة من قبل أن تسقط : هو أنه لم تكن لدي في تلك الفترة شكوك حول وطنية حافظ أسد ، وقد صدقته فيما قاله لي من ملابسات حول إصدار البلاغ ، أما الآن وبعد ذلك فإني على شبه يقين أن البلاغ 66 كان مقصودا ومعتمدا من قبل. ..حافظ أسد.

7- كان ممن حضر بعض فصول هذه المأساة الدكتور عبد الرحمن الكتع وزير الصحة في وزارة يوسف زعين التي سلمت الجولان بلسان وزير دفاعها حافظ أسد ، يقول الدكتور الأكتع : كنت في جولة تفقدية في الجبهة ، وفي مدينة القنيطرة بالذات ، وعندما أذيع بيان سقوط القنيطرة ، وظننت أن خطأ قد حدثن فاتصلت بوزير الدفاع حافظ أسد ، وأخبرته أن القنيطرة لم تسقط ، ولم يقتر نها جندي واحد من العدو ، وأنا الآن أتحدث من القنيطرة ، وكن كانت دهشتي حين راح حافظ أسد يشتمني شتائم مقذعة ، ويهددني إن تحدثت بمثلها وتدخلت فيما لا يعنيني ، فاعتذرت منه ، وعلمت أنها مؤامرة ، وعاد الدكتور الأكتع إلى دمشق في اليوم التالين وحضر اجتماع القيادة البعثة ، فواجه فيها حافظ أسد بما جرى بينهما من الحديث الهاتفي حول سقوط القنيطرة ، فشتمه وحمل كرسيا وقذفه به ، فاستقال الأكتع من وزير الصحة بسبب الإهانة التي لحقت به.

الكثيرون من العسكريون والسياسيين شهدوا فصول هذه المأساة وأصدروا كتبا ومؤلفات بذلك ، ولو أردت تسجيل مشاهداتهم ووثائقهم وبحوثهم لاحتاج الأمر إلى مجلد خاص كبير ، من هؤلاء العقيد ع. ش الذي سمع عن سقوط القنيطرة وهو مدير شرطتها ، والأمن مستتب فيها ، ومن الكتاب الذين فضحوا فصولا مهمة من هذه الخيانة والتآمر على الوطن الكاتب عبد الغني النواوي وسعد جمعة رئيس وزراء الأردن السابق وغيرهم.

خامسا : شهادات من خارج سورية

رأينا عددا من الشهادات والوثائق التي قدمها وسجلها عدد من البعثيين والمسئولين و الساسة حول تسليم الجولان ، والتخلي عن السلاح ، وإعلان سقوط القنيطرة قبل أن يصل إليها العدو ، وإصدار الأوامر بالانسحاب الكيفي ، ومعاقبة كل من قاوم ، ومتجاهلا أوامر الانسحاب ، وهذا كله جاء من داخل سورية ، ومن رجالها وضباطها وساستها السوريين في داخل الوطن وخارجه ، وفيا يلي نشاهد ونقرأ ونطلع على شهادات عدد من الساسة والمفكرين الغربيين وما كتبوه واطلعوا عليه من تواطؤ القيادة الحاكمة في تسليم الجولان أمنع القلاع والتحصينات التي كانت ترعب العدو تخفيفه ، باستثناء شهادة سعد جمعة التي وردت متشابكة ، ومتداخلة مع شهادة الضابط السوري دريد المفتي الذي قضى اغتيالا بعد أن فتح جانبا من فوصل التواطؤ على الوطن ، وتسلمي العدو قطعة غالية من أرضه المباركة.

1- كان الملك حسين يقيم علاقات سياسية وثيقة مع الأمريكان والإنكليز وغيرهما من الدول الغربية والعالمية ، ويداري العدو الصهيوني ، اقتناعا منه أن بلده لا يملك مقومات الصدام مع إسرائيل ، وأن أي صدام سوف يؤدي إلى فواجع لا تحمد عقباها ، ولا يعلم إلا الله وحده مداها ، وكان خصومه من الثوريين والتقدميين يأخذون عليه هذه السياسية ويتهجمون عليه منتقدين ومتهمين ، لكن هذا الملك الذي عرف بالدهاء وبعد النظر ، أدرك أن الأمة ولاسيما منطقة بلاد الشام ومصر تمر بمرحلة حاسمة ولحظة تاريخية دقيقة للغاية ، وذلك عندما سجلت رادارات الأردن أن فلسطين المحتلة أضحت خالية من الطيران الذي حشدته دولة إسرائيل بكل قدراتها لتحطيم مصر وسحق طيرانها ومطاراتها ، وأنه لم يبق في كل فلسطين إلا اثنتا عشرة طائرة ، وإن بإمكان الطيران السوري أن يضرب المدرجات ، ويحطم المطارات ، فلا يجد الطيران الصهوينية فرصة للنزول في مطاراته وعلى مدرجاته ، فينقل بالسحر على الساحر ، وتكون نكبة في ذلك ينزلها العرب في ساحات العدو وفي كيانه ، فأجرى الملك اتصالا عاجلا بالسوريين وهو يحضهم على اهتبال الفرصة ، وتوظيف اللحظة السانحة ، فجاءت الإجابة عجيبة وغريبة ، غذ قال سدنة السلطة السورية : لقد فوجئنا بالمعركة مع أنهم هم الذين أشعلوا نارها وتكرر الاتصال والالحاح ، فكان الجواب : انتظرونا ساعة ، وبعد مضي ساعة ذكر الأردنيون السوريين بمضي ساعة وساعتين ، فلم يتغير موقف القيادة السورية ولسان حالهم ، لتفرغ إسرائيل من تحطيم مصر بل كان التماطل والتسويف حتى عاد الطيران الإسرائيلي إلى مأمنه وضاعت فرصة الدهر ، واستطاع العدو أن يزود طائراته بالوقود ليتابع مهامه في تحطيم مصر ، ومن ثم دور الجوار سوريا و الأردن وفي آخر اتصال مع سوريا كما سمعت ذلك من فم اللواء من الجراح؛ : أن حافظ أسد قال لمن كان يتحدث معه ويلح عليه بتحريك الطيران السوري وهو آمر الطيران ووزير الدافع : كل. .. فسجل الملك حسين هذا الموقف وهذه الخيانة المكشوفة والمفضوحة في كتاب أصدره باللغة الفرنسية بعنوان Maguerre avec israil فيا للعار ويا للشنار ، ويا للمصيبة والكارثة والمفجعة ، فكيف يسجل المؤرخون هذه الأحداث ، كيف تستطيع الأقلام أن تصور مثل هذه الكوارث والمآسي ، وكيف إذا كان الذي جلب هذه الطامات على الوطن قد كوفئ ليكون رئيس للجمهورية بصلاحيات غير مسبوقة لدى الأباطرة والطغاة ، يستطيع بها أن يبيد عشرات بل مئات الألوف قتلا وذبحا وشنقا واغتيالا وتشريدا انتهاكا غير مسبوق بنوعه وحجمه دون أن يجد على ظهر الأرض من يعارضه أو ينكر عليه؟!!!

2- في رواية أخرى في ذات الموضوع تتضمن بعض التفصيلات المفيدة جاء فيها : وقبل الحرب بأيام عقدت سوريا مع مصر معاهدة دفاع مشترك انضم إليها الأردن بعد ذلك بوقت قصير ، أصبح بموجبها الفريق عبد المنعم رياض قائدا للجبهة الأردنية السورية ، والفريق محمد فوزي رئيسا لأركان القيادة الموحدة ، وانطلاقا من هذه المهمة طلب عبد المنعم رياض من سورية إمداد الأردن بعض الألوية ، لأن سوريا تستطيع حماية جبتها ثلث قواتها ، كما أنه كرر يما بعد ما كان طلبه الملك حسين من الطيران السوري لينزل بالعدو كارثة لا يصحو بعدها ولا تقوم له قائمة إثرها ، فكان الموقف السوري كالذي قرأناه قبل قليل ليدلل بإشارة واضحة عن تواطئه مع إسرائيل ضد العرب قاطبة ، كما قال سامي الجندي في كتابه الذي قرانا بعض فقراته بعنوان : كسرة خبز.

3- في إحدى الزيارات للعاصمة البريطانية أخذ بيدي أحد أعضاء الجماعة إلى شقة قريبة من مسجد لندن الكبير في منطقة ريجنت لينآي بي عن الفنادق طلبا للأمن بعد أن لمسنا ما ينبغي التنبه إليه ، وكانت الشقة لرجل أعمال كبير يعمل في تجارة العقار ، وكان الأخ مديرا لأعماله ، فرأيت في الشقة أكثر من عشرين نسخة من كتاب أصدره كمال جنبلاط بعنوان : هذه وصيتي ، وبعد قراءتي له وقعت على معلمات ذات أهمية بالغة جديرة بالاطلاع ، ذكر فيه عن قعيدة الدروز الذين كان جبنلاط من أبرز قادتهم : إن الطائفة لا تنتمي لأي دين من الأديان السماوية الثلاثة ، وإنما هي وريثة فلسفة قديمة وعريقة تمتد في جذور التاريخ إلى أكثر من خمسة ألاف سنة ، تمر بسقراط وأرسطو وأفلاطون وغيره ، ثم تحدث عن الإسلام حديثا إيجابيا قال فيه : إن للإسلام قدرة كبيرة في تحريك الشعوب ، وتعبئتها ، وتحريرها ، غير أن ما في هذا الكتاب من الشيء المدهش المفاجئ حديثه عن النظام السوري الذي كان مخدوعا بما يظهره ويدعيه من غيرة قومية وانتماء وطني ، وصموده أمام الأطماع الأجنبية فإذا به يفاجأ بموقف النظام السوري الذي سبب له صدمة فوق قدرته على احتمالها ، حينما اطلع على مفاوضات سرية بين السوريين والأمريكان ، عبر لقاءات وجلسات سورية إسرائيلية في روما وغيرها.

أسهب كمال جنبلاط بالحديث عن باطنية النظام ، وكيف ظهر عكس ما يبطنه الأمر الذي كلف جبنلاط حياته ثمنا لصراحته وصدقه في مواقف السياسية.

الأمانة العلمية والتاريخية تقتضي أن نذكر لجنبلاط ( مع اختلافنا معه في أمور عدة ) مزايا كثيرة انفرد بها عن كثير من ساسة لبنان ، منها : أنه كان جادا في مواجهة المشروعات والأحلاف الاستعمارية ولاسيما الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية ، وأنه ترأس جبهة وطنية عريضة ضمت اللبنانيين من كل الطوائف بمن فيهم شريحة ن أبناء السنة والجماعة ، وهي الجبهة التي اتفق كيسنجر مع حافظ أسد على القضاء عليها وعلى منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان ، كما جاء ذلك في الجزء الثالث من مذكرات كيسنجر التي سيأتي بياناها في سياقها وفي موضعها من هذه الأوراق ، وكذلك عن كمال جنبلاط في نزاهته المالية وتعففه عن هذا المرض الذي أصاب الكثير من الساسة في لبنان الشقيق ، وأنه كان صارما في محاربته الرذية عندما استلم وزارة الداخلية ، بل إنه كان أفضل وزير داخلية لبناني في محاربته وتصديه للانحلال الخلقي وتفشي الفاحشة ، وأخيرا هو الذي أعطى الترخيص كوزير للداخلية ، للجماعة الإسلامية في لبنان بعد امتناع دوائر لبنانية معينة عن منح الجماعة الإسلامية ترخيصا بالعمل السياسي ، كما سمعت ذلك من الأخ الفاضل إبراهيم المصري أمين سر الجماعة ونائب الأمين العام ، وصاحب النشاط الأوفر في تاريخ الجماعة الإسلامية في لبنان.

سادسا: طغيان السياسة الطائفية

بعد أن أحكم حافظ أسد قبضته على السلطة في سوريا ، وحظي بدعم الغرب ، ولاسيما أمريكا ، وكذا إسرائيل في اتفاقيات سرية جاء ذكر قليل منها ، وسيأتي تفصيل الكثير مما افتضح أمره وذاعت أنباؤه لدى الساسة والباحثين والمؤرخين ، ولم يعد وجود أي منافس قوي في التصدي لهذه السياسة الطائفية بعد تصفية ضباط الأكثرية الذين كان أمين الحافظ في مقدمتهم لقد اشتد زحف الأقلية العلوية نحو الحزب والجيش والأمن وسائر مؤسسات الدولة ، فعمدت سلطة الأقلية إلى تصفية ضباط الطائفة الدرزية الذين استخدموهم في الصدام مع الآخرين ، فكان سليم حاطوم و حمد عبيد آخر وأهم مجموعات الضباط الدروز الذين أبعدوا عن الجيش ، كما أبعد قبلهم من الحزبيين -من أبناء الطائفة الدرزية- الأستاذ حمود الشوفي اليساري النزعة ، وفهد الشاعر الذي استخدموه في حرب الأكراد في شمال العراق ، كما لم يعد لأبناء محافظة حوران تمثيل في القيادة القطرية منذ تشرين الأول/ أكتوبر 1968 بعد إقالة أحمد سويداني في 15-2- 1968 الذي استخدموه في كارثة الجولان واجهة وبوقًا يدافع عن انحرافات السلطة وتواطئها مع العدو في حرب 1967 ، فكان كذكر النحل الذي تنتهي حياته بانتهاء مهمته الموكولة إليه!!

1- لم يعد في الجيش السوري من يناقش التكتل العلوي الذي سيطر على كل مرافق الحياة العسكرية والأمنية ومعظم دوائر الدولة ، بعد تصفية الجيش من السنة بدعاوى اليمينية والرجعية والبرجوازية والناصرية وأبناء المدن... إلخ.

وكذا تصفية الدروز ولاسيما بعد محاولة حاطوم القيام بانقلاب مضاد ، وكان الإسماعليون آخر من تمت تصفيتهم بعد انتحار أو نحر عبد الكريم الجندي مدير المخابرات في آذار عام 1969.

لقد قرر بعض الضباط السنة الذين التقيناهم أو التقاهم عدد من إخواننا أن عدد الضباط العلويين في الجيش تجاوز سبعين ألفًا في الجيش السوري- أي معظم ضباطه- فلم يعد الجيش السوري جيشًا وطنيًا يمثل شرائح المجتمع السوري وفئاته ومكوناته العرقية والمذهبية والمحافظات السورية كما كان الحال بعد أن نالت سوريا استقلالها عام 1946 ، بل أضحى جيشًا طائفيًا مقتصرًا بكل مفاصله وقياداته الأساسية على أبناء جبل العلويين للسيطرة شبه الكاملة على الجيش في مواجهة أبناء سوريا جميعًا. 2- جدير بالذكر في هذا السياق التنويه بالعلاقة التي أقامها الحكم الطائفي في سورية مع إيران في عهدي الشاه والخميني هذه الصلة قد توثقت أثناء الحرب العراقية الإيرانية ، فقد عمد حكم الأقلية في سورية منذ بدء تسلم السلطة إلى تمتين العلاقات بين البلدين على أكثر من صعيد ، فلقد أرسلت السلطة مفتي سورية الشيخ أحمد كفتارو إلى طهران يحمل هدية للشاه ، نسخة من القرآن الكريم مكتوبة بماء الذهب يمثل تحفة تاريخية نادرة ، وكان الشيخ كفتارو يتحدث عبر محطة الأحواز الناطقة بالعربية ، وتستمر كل يوم بالبث حتى منتصف كل ليلة ، وقد سمعته وهو يشيد بشاه إيران بصوته عبر إذاعة الأحواز ، وبعد حرب حزيران أرسل حافظ أسد جرحى سوريين لمداواتهم في مستشفيات إيران ، ثم قدم الشاه 300 مليون دولار إلى حكومة الأقلية في دمشق ، وكانت الإمبراطورة فرح تزور سورية وتطوف بعض مدنها مع زوجة حافظ أسد وتشتري المجوهرات من أسواقها.

لقد كان الدفاع خلف هذه العلاقات روح طائفية مقيتة بعيدة عن توجهات الشعب العربي السوري ، ومنافية للتضامن العربي الذي حطمت السلطة المتسلطة في سورية أسسه من القواعد ، وأشعلت نار الصراع بينها وبين الدول العربية القريبة منها والبعيدة مثل العراق والأردن و اليمن و المغرب ، وغذت فيها النزاع الداخلي -اليمن- أو الحدودي- بين الجزائر و المغرب- أو الحزبي- العراق- كما كانت في نزاع مع تركيا وعدد من دول الخليج والشمال الأفريقي.

عندما سيطرت حكومة الخميني ذات التوجه الطائفي الحاد ، وتبنيها لسياسة التشيع -أو ما كانت تسميه تصدير الثورة- أو بالأصح الغلو في التشيع ، تعمقت العلاقة بين دمشق وطهران إلى أبعد حدودها ، لتصير علاقة إستراتيجية تشمل السلاح والثقافة والاقتصاد والأمن والتدريب ، وعقد صفقات من السلاح لصالح إيران في حربها مع العراق باسم الحكومة السورية مع الدول الغربية مثل إسبانيا وتشيكوسلوفاكيا ، وتوريده لإيران التي كان من الصعب عليها عقد مثل هذه الصفقات بموجب قرار مجلس الأمن الذي قرر منع السلاح عن الدولتين المتحاربتين. وكانت الصواريخ التي دكت بها إيران بغداد لأول مرة قد استلمتها إيران من لبيبا ، ومن سورية التي أرسلت معها الخبراء لتشغيلها في قصف الأحياء السكنية في العاصمة العراقية ( لم تكن إيران قد بلغت ما وصلت إليه الآن في استعمال السلاح المتطور ).

هكذا اكتشفت سلطات الأقلية في سورية قوميتها العربية ( باعتبارها تحكم باسم البعث العربي الوحدوي وأيديولوجيتها ومبادئها التقدمية الثورية في طهران ، وفي ظل حكومة الشاه ، ومن ثم في ظل حكومة الخميني ذات ولاية الفقيه الأشد تعصبًا في تاريخ إيران القديم والحديث.

3- بعد أن فرغ الأسد من إبعاد السنيين والدروز والإسماعيليين عن الجيش ، التفت إلى الضباط والتكتلات العلوية في الحزب والجيش والأمن الذي ينافسونه على السلطة أو يناوئونه أو يعترضون على تصرفاته وسياساته ، فاتسعت الهوة بينه وبين صلاح جديد ، وباتت الخلافات جلية في المؤتمرات القطرية والقومية التي عقدت في دمشق ، في شهري أيلول وتشرين الأول عام 1968 ، فصلاح جديد وأنصاره يؤيدون التحول الاشتراكي ، ويرون الاعتماد على السوفيات ، أم الأسد فقد أعطى الأولوية القصوى للكفاح المسلح ضد إسرائيل ( هذا في الظاهر ، أما الحقيقة فقد سحق فيما بعد من صمم على مواجهة إسرائيل عسكريًا بالجيش أو المقاومة ) ليكون ذريعة لا علاقة لها بالواقع ، فهزمت آراء الأسد التي كشف حقيقتها وزيفها معظم المؤتمرين ، وفاز جديد بالأغلبية الحزبية ، ليأتي الرد السريع والحاسم من الأسد وطلاس والعسكريين على جديد وأعوانه ، وإقصائهم عن قيادة الحزب المدنية .

وكان جديد ومجموعته يرون أن السلام سيمكن العدو من إضفاء الشرعية على اغتصاب فلسطين ، في تموز عقد اجتماع مشترك للقيادتين القطرية والقومية ، تقرر فيه رفض أفكار روجرز وزير خارجية أمريكا ، ورفض قرار مجلس الأمن رقم 242.

يقول الأسد تعقيبًا على هذه المواقف : كان زملائي يرفضون أي شيء يقوله عبد الناصر عن السلام ، ويرى -الأسد- أن هذا غير معقول ، - يغازل الصهاينة والأمريكان- أما جريدة الحزب فقد تحدثت ساخرة عن سلام القبور -رأي جديد ومجموعته-.

كذلك اشتد الخلاف حول موضوع الفدائيين ، وازداد اتساعًا ، فالأسد الذي كان يشيد بالقوات الشعبية في قتالها العدو في حرب حزيران بجانب الجيش النظامي ، صار ينكر على المقاومة وجودها ونشاطها ، ويرى أنها تعطي إسرائيلذريعة لضرب العرب ، كما يرى أن الصراع مع إسرائيل هو صراع جيوش ، حيث يسبب رجال المقاومة غير النظاميين إزعاجًا خطيرًا ، وعليهم أن يمتنعوا عن التدخل في الشؤون الداخلية ، والوقوف خلف استراتيجيات الدول العربية ، الأمر الذي أدى إلى حدوث خلاف حاد بينه وبين عرفات ، وفي نفس الوقت الذي أنكر الأسد على الفدائيين تحركهم أقام باسم الحزب منظمة خاصة باسم الصاعقة!! .

إن ما قاله الأسد ، أو ما نفذه من منع الفدائيين من أي تحرك ضد إسرائيل ، كان تمهيدًا لقتلهم والقضاء عليهم كجزء من الصفقة التي عقدها سرًا مع الأمريكان كما سيأتي موثقًا ، كي تستريح إسرائيل من حربهم معها ، وتنغيص استقرارها ، كما أورد ذلك كيسنجر في الجزء الثالث من مذكراته المطبوعة إذ أقنع إسرائيل بالموافقة على إطلاق يد الأسد عسكريًا في لبنان قائلاً لإسرائيل وللكونغرس : إن أسد سيدخل لبنان ، لا ليحاربكم ، بل ليقضي على أعدائكم ، وهذا ما حدث بالفعل.

4- وعندما وقع الصدام المسلح بين الملك حسين وبين الفدائيين بدءًا من عام 1969 ، وامتد حتى 15- 9- 1970 ، قام الأسد بتدخل محدود لدعم الفدائيين ، سرعان ما انتهى إلى سحب قواته من الأردن ، وإعادتها إلى سورية ، تاركًا ظهر المقاومة مكشوفًا ، الأمر الذي مكن الجيش الأردني من سحقها والقضاء عليها ، كما أن القوات العراقية التي كان قوامها خمسة عشر ألف جندي ، والتي كان يقودها وزير الداع العراقي حردان التكريتي وقفت موقف المتفرج من هذا الصراع بين الملك حسين وبين الفدائيين الفلسطينيين .

كانت الفرحة عارمة والشماتة بينة لدى الإسرائيليين والأمريكيين جميعًا تجاه هذا الصراع الداخلي بين الأردنيين والفلسطينيين ، ولذا أعربت واشنطن عن فرحتها ، واستقبلت الانسحاب السوري من شمالي الأردن ، وعودة الجيش السوري إلى سورية بالابتهاج والتهليل .

وفي هذا السياق أنواه إلى أن المقاومة الفلسطينية ارتكبت أخطاء كانت أحد أسباب هذا الصراع مع الأردن ، مضافًا إلى أسباب أخرى كانت القوى المعادية وراءها ، وفي مقدمتها أمريكا و إسرائيل.

كنت حضرت إلى عمان في صيف 1969 ، وقبل أن أغادرها جرى إحراق منير صلاح الدين في المسجد الأقصى في بيت المقدس ، فلمست التوتر الشديد السائد في أحياء عمان وضواحيها ، ورأيت عربدة بعض عناصر المقاومة ذات النزعة اليسارية وتحرشها ببعض المواطنين ، وجمعها للأموال من رواد المطاعم في صناديق يفرضونها في ممرات الدخول والخروج ، وعندما فكرت بالامتناع عن التبرع ، سرعان ما نصحني من كان معي قائلاً : إياك أن تفعل ذلك ، فالدفع أيًا كان مقداره خير لك من التعرض لما لا يحمد عقباه ، كما كنت أرى المظاهر المسلحة في مجموعات الفدائيين التي تجوب الشوارع ، وفي العربات الممتلئة بالمسلحين ، وكنا نقرأ على جدران القصور الملكية وبعض الدوائر الرسمية بالخط العريض مثل هذه العبارة : السلطة كلها للمقاومة.

5- بطلب من القيادة القطرية لحل النزاع بين حافظ أسد و صلاح جديد ، انعقد المؤتمر القطري ، ثم أعقبه انعقاد المؤتمر القومي الاستثنائي العاشر لحزب البعث في 18- 11- 1970 ، لإيجاد مخرج من الخلاف بين الأسد وجديد ، فقرر المؤتمر القومي إعفاء أسد وطلاس من منصبيهما ، فأمر حافظ الأسد عساكره في 18- 11- 1970 باحتلال مطاتب الحزب ومنظماته ، واعتقال قادة الحزب -جديد والأتاسي وزعين ومناصريهم- فهرب كثيرون ، لتصبح السلطة حكرًا على كتلة الأسد الذي أضحى في شباط 1971 أول رئيس جمهورية علوي في تاريخ سورية ، منهيًا الفعالية السنية في الجمهورية السورية.

كان جديد يساريًا ، وكذا فريقه- زعين وماخوس والطويل- وقد أثبتت حكومة زعين أنها أكثر الحكومات تطرفًا ، وأنها كانت متهورة في سياستها الداخلية ، وأنها حاولت إعادة تركيب المجتمع ( بشكل مغير لمألوف السوريين ) من السقف إلى القاع ، وأنها أدخلت البلاد في حرب فاشلة -بالمشاركة مع الأسد قبل أن يدب الخلاف بينهما- وكانت تعمد إلى قمع كل من يعارضها والتخلص منه بوحشية لم يكن للسوريين عهد بمثلها من قبل .

سيطر الأسد في شباط 1969 على فرع اللاذقية ، واعتقل قيادة الفرع المؤيد لصلاح جديد ، وعين أنصاره بدلا منهم ، وفرض الإقامة الجبرية على محافظك اللاذقية ، وكرر الشيء نفسه على محافظ طرطوس .

اعتمد الأسد بعد 13- 11- 1970 على مجموعات الضباط الموالية له في الاحتفاظ بالسلطة ، أما غير العلويين من الضباط الذين تقلدوا من حيث الشكل مناصب عليا ، فلم يكونوا في وضع يشكل أي تهديد للرئيس العلوي ، من أمثال ناجي جميل رئيس السلاح الجوي الذي استمر في قيادته من تشرين الأول 1970 وحتى آذار 1978 دون أن يكون في استطاعته استخدام السلاح الجوي ، لأن أنصار الأسد كانوا يمسكون بالقواعد الجوية الرئيسية ، وهذا الأمر نفسه ينطبق على مصطفى طلاس وزير الدفاع ، وعلى يوسف شكور رئيس الأركان.

لقد وضع الأسد ثقته في أفراد عائلته وعشيرته وأبناء قريته ، ولاسيما في إخوته الذين شغلوا مناصب بارزة في الجيش ، وفي مؤسسات الحزب ، وفي المؤسسات العسكرية والمدنية .

6- إن أفضل من وضح هذا الأمر الذي صبغ فيه الحكم والمجتمع بطابعه الطائفي : الأستاذ توفيق دنيا أحد أبناء الطائفة العلوية المخلصين والمنتمين إلى الوطن قبل انتمائهم لطائفتهم ، في مذكرة ضافية أقتطف منها فقرات مهمة خشية التطويل إن سجلتها كاملة.

يقول السيد توفيق دنيا المقيم في كندا ، والذي التقيته مرات يحثني فيها على القيام بواجبي ، والتعاون مع المعارضة التي هو منها لتخليص سورية من أخطر كارثة حلت بها في تاريخها الحديث. يقول الأستاذ توفيق دنيا : «تتركز معظم النقاشات الخافتة ، التي يملؤها الخوف منذ زمن طويل وحتى الآن حول الأزمة الطائفية في سورية ومن عمقها ، وما تركته من احتقانات داخل المجتمع ، ومدى مساهمتها في شق مجتمعنا السوري عموديًا ، مما أمن مصالح النظام واستمراريته ومصالح القوى التي على شاكلته من تعتاش على الطائفية من هاجس رهيب لجميع أبنائه ، خوفًا من وقوع كارثة عند التفكير في أي مشروع تغيير يتناول شكل نظام الحكم ، هذا الخوف الذي حرص النظام على أن يوصل الشعب إليه ، ومن هنا استطاع أن يضع المجتمع في مواجهة بعضه بعضًا ، معتمدًا في تنفيذ مخططه على مجموعات من المتعطشين للسلطة والمال ، ووظفه في استقطاب فقراء الناس وأقلهم وعيًا ، وشحنهم بأفكار ومفاهيم لا تخدم من حيث النتيجة سوى المتسلطين واللصوص من أركان الفاسد ، فكان تركيبة الأجهزة الأمنية التي سلطها النظام -حافظ أسد- على الشعب من حيث إن غالبية عناصرها من أصول ريفية أقلياتية ، وأغلب ضباطها من أصول علوية ، مما شجع وسهل على الفئات الطائفية من الجهة المقابلة بتهمة التحريض والتعصب الطائفي ، انطلاقًا من ذات الأرضية التي ارتكز عليها النظام.

بدأت هذه الأطراف اللعب على الطائفية ، وإحياء بني التخلف الأخرى من عائلية وعشائرية ومناطقية في زرع الأحقاد بعد أن تراجعت في العقود الأخيرة قبل وصول الأسد إلى السلطة ، إضافة إلى أن النظام حرك لاحقًا عملاءه لقتل معارضي النظام ، أو أفراد محايدين من أبناء الطائفة العلوية ، أو القتل على الهوية في حالات أخرى ، في محاولة لحشر الطائفية العلوية التي تشكل مقتلا له فيما إذا استمرت في معارضتها ، نظرًا لتمركز أعداد كبيرة من أبنائها في صفوف الجيش والأمن.

لم تكن لعبة القتل والتصفيات الطائفية ، ووضع الناس في مواجهة بعضها آمنة لحافظ أسد ، فقد كادت الأوراق تفلت من يديه لحظة من لحظات تنفيذها ، ومن ثم تتحول اللعبة إلى كارثة تحيط به وبنظامه ، إذ بدأت علائم ترنح النظام تظهر بشكل جلي ، وأخذت مساحة المعارضة الشعبية تتسع في صفوف أبناء المدن عموما ، ثم تنتقل إلى أبناء الأقليات الأخرى حيث باتوا يشعرون أن النظام يشكل عبئًا عليهم ، وأنه يدفع بهم لتقديم ثمن كبير ، ثم بدأت العدوى تنتقل إلى صفوف مناصريه من العلويين.

توجه الأسد بخطاب مهادن حاول فيه أن يؤكد من خلاله بعده عن الطائفية ، وأنه رجل مسلم ، كما خاطب أنصاره من العلويين ممن رأوا في سياسته توريطًا لهم وللوطن في مشكلة سيغرق الجميع في أوحالها ، وفي انتظار اللحظة الحاسمة لتوجيه ضربة قاصمة للقوى الوطنية المعارضة ، وللإسلاميين خاصة ، بعد أن استفحل أمرهم من وجهة نظره ، وقد أعطيت له الفرصة التي كان يبحث عنها في مدينة حماة عام 1982 ، فاستغل أقصى ما توافر بين يديه من العنف في محاولة تأديب -إرعاب- الشعب السوري من خلال تأديب مدينة حماة ، وعندما شن إسلاميو الطليعة المقاتلة في شهر شباط 1982 هجومهم في مدينة حماة ، وقتلوا بعض موظفي الدولة وبعض الحزبيين ، اقتنص حافظ أسد الفرصة ، ووجه ضربته إلى أبناء مدينة حماة وللشعب كله فيها ، وخصوصًا الإسلاميين والقوى الوطنية الأخرى المعارضة ، وقتل عشرات الألوف من المواطنين دون تمييز ، واستباح المدينة ، وبعد أن هدم جزءًا كبيرًا منها كي تكون عبرة لغيرها ، أتبع جريمته هذه بتصفيات سياسية منظمة طالت عشرات الألوف الأخرى من كافة الاتجاهات السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

من راقب مسيرة حافظ أسد خلال فترته الطويلة منذ عام 1964 يكتشف أن ما سعى إليه ، ويسعى إليه هو بقاؤه في السلطة ، واستمرار صعوده الدائم ، وطموحه الذي لا حدود له ، لا يهمه من ذلك حزب أو طائفة أو نظام أو أي نوع من العلاقات الإنسانية.

لقد ساهم في تشجيع سليم حاطوم وبدر جمعة على التحرك ، ثم تخلي عنهما ، وانحاز إلى غريمه صلاح جديد قبيل وبعد 23- 2- 1966 ، وفي عام 1969 دبر اغتيال عبد الكريم الجندي أحد أشد أعداء حافظ أسد فأزال عقبة كان يحسب حسابها ، وبات الحديث عن انقلاب قادم بقيادته متداولاً في الأوساط السياسية ، وبدأ يركز نشاطه عقب ذلك على محاور كان يعتقد أنه بحاجة إلى تحييدها ، أو كسب موافقتها أو التحالف معها ، كان من أهمها أنصار اللواء محمد عمران في الجيش ، وهي كتلة من الضباط ، غالبتيهم من الطائفة العلوية ، ثم سوق نفسه في أوساط الحزب بعد انقلاب 1966على أنه مناصر لوحدة الحزب ، وأنه مؤيد لقيادة ميشيل عفلق ، وكلف شريكه في الانقلاب وحليفه الدائم مصطفى طلاس بالترويج له بين كبار التجار وبعض السياسيين التقليديين وأبناء الطبقة الغنية ذات الصبغة الدينية من الغالبية السنية ، فقدمه على أنه الليبرالي والملخص من حكم صلاح جديد البعثي الاشتراكي العلوي ابن الريف المتعصب لريفيته وطائفته ، كذلك تحدث الأسد بلكنة عروبية وحدوية ، كان المقصود منها إيصال رسالة إلى التيار الناصري ، حتى يضمن قبول التيار له عند وصوله إلى قمة السلطة ، وهذا ما يفسر استقبال الناصريين له ، خصوصًا أنهم عانوا من الاعتقال والملاحقة في أثناء حكم صلاح جديد- الأتاسي.

إن فتح النافذة على الطبقة الغنية المدينية -التجار والرأسماليين- أعطاه هدنة طويلة مع الذين اعتبروا انقلابه مرحلة أولى في التخلص من حكم الأقليات الطائفية -كالمستجير من الرمضاء بالنار- وهذا ما فسر استقبالاتهم الحارة له في كل المدن السورية بعد نجاح الانقلاب.

لقد لعب حافظ أسد أوراقه بدهاء -بغدر- حتى أنجز ما يسمى بنصر تشرين 1973 ، وتوقيع اتفاقية الجلوان ، وبذلك حقق نقطتين هامتين لمصلحته ، الأولى : إنجازه لنصر تشرين الذي اعتبره غسلاً لعار عام 1967 ، ليبدو بصورة المحرر ، أما الثانية : فهي عقده لصفقة اتفاقية الجولان التي مكنته من تكييف واستخدام الجيش في حسم الصراعات الداخلية بما يخدم نظامه ، فصفى الجيش من بقايا التنظيمات السياسية الأخرى ، التي تحد من حريته في التصرف بالسلطة أو بالوطن ، ليبقى حوله أزلامه والمصفقون له ، ولم تسلم أحزاب جبهة النظام ، فعمل على تفتيتها إلى مجموعات صغيرة ، أفقدها القدرة على أي تحرك أو عمل مؤثر.

نعود إلى تحالفه مع التجار والأثرياء ، وتحويله الوطن إلى شركة مجهولة الاسم ، وضمانه ولاء الأزلام ورموز النظام من خلال الرشاوى والنهب والفساد المالي والإداري ، وهكذا أقام حافظ أسد سلطته على جناحين ، ريفي أقلياتي للجيش والأمن ، ومديني اقتصادي مشارك في الحكومة والإدارة تربطهم علاقات الفساد والنهب المنظم للدولة وللمجتمع.

لكي يضمن حافظ أسد استمرارية نظامه لجأ إلى وسائل أخرى كان من أهمها : إيجاد زعامات جديدة من أبناء الأقليات تدين له في وجودها واستمرار نفوذها ، كما أوجد توازنات عشائرية ومناطقية وطائفية على مستوى كل طائفة أو منطقة أو أقلية ، وكان أخطر هذه الوسائل وأشدها تعصبًا وعنتًا ، تركيزه على أبناء العشيرة التي ينتمي إليها بصورة خاصة -عشيرة الكلبية- إذ فوضهم كقيادات عسكرية وأمنية ، وسلمهم مفاتيح ومفاصل وحدات الجيش الرئيسية وأجهزة الأمن ، مما أعطى انطباعًا بأن الطائفة العلوية تحكم سورية.

إن من يراقب أسماء عناصر النظام الرئيسيين في الجيش والأمن يجد أنهم في غالبيتهم العظمى ينتمون إلى أبناء المنطقة الممتدة بين نبع نهر السين ، ومفرق قرية القرداحة ، وتمتد صعودًا حتى القرى التي تقع في قمة سلاسل هذه الجبال ، والتي لا يزيد عدد سكانها عن 240- 270 ألفًا في أقصى تقديرات عام 1996 بمن فيهم سكان جبلة التي لا يزيد عددهم في تلك الفترة على سبعين ألفًا ، أي أن سكان ريف جبلة نصف هذا العدد ، وهي المنطقة التي ينتمي إليها أبناء عائلة أسد ، ومخلوف ، وعلي أصلان ، وعلي دوبا ، ومحمد الخولي ، وغازي كنعان ، وعلي حيدر ، وتوفيق جلول ، وشفيق فياض ، وحسن خليل ، وهاشم معلا ، وأحمد عبود ، والعشرات الآخرين من كوادر النظام الأمنية والعسكرية.. الخ على سبيل المثال لا الحصر ، يتبعهم الألوف من الضباط من المرتبة الثانية فالثالثة فالرابعة.

في إحصائية جرت عام 1967 لإحدى قرى تلك المنطقة ، تبين منها أن عدد سكانها آنذاك 694 نسمة ، رجالا ونساء وأطفالا ، وكان عدد الضباط وطلاب الضباط في الكليات العسكرية المختلفة من أبنائها 31 شخصًا ، وفي ذات الوقت كان عدد سكان إحدى قرى العلويين في محافظة حماة يتراوح ما بين تسعة وعشرة آلاف شخص ، كان منهم ثلاثة ضباط ، اثنان منهم ضباط احتياط ثبتوا في الجيش ، وثالث خريج الكلية الحربية ، كما كان منهم طالبان في الكلية العسكرية ، فكان عدد ضباط الجيش من أبناء منطقة حافظ أسد وعشيرته 4070 ضابطًا في وقت مبكر عام 1967 ، وبمرور الوقت عبأ أسد كل أبناء المنطقة التي ينتمي إليها ضباطًا في الجيش والأمن ( ودوائر الدولة الأخرى ذات الأهمية البالغة ) بالرغم من أن نسبة أبناء منطقة أسد ، بمن فيهم أبناء عشيرته ، لا تزيد على 3.8% من مجموع العلويين في سورية.

إن ادعاء حافظ أسد بأن العلويين يساندون نظامه مجرد إيهام كان يقصد به جر ما أمكن من العلويين إليه ، وإن تركيز أبناء منطقته وعشيرته كان يتم على حساب أبناء المناطق والعشائر العلوية الأخرى ، غير أنه استفاد من بسطاء العلويين ، وحشرهم في خدمته مستفيدًا من التعبئة الطائفية ( بعد عزل النخبة المعارضة من العلويين وقمعها ) وهذا ما عمق الانطباع بأن العلويين كطائفة يمسكون بتلابيب النظام ، ويحكمون البلاد ، الأمر الذي وسع القطيعة بين أبناء الوطن الواحد والأمة الواحدة.

من هنا أستطيع أن أقدر توزع أبناء العلويين ، وأصنف انتماءاتهم على الشكل التالي : 20- 25% من غوغاء العلويين -حسب تعبير صاحب المذكرة- إضافة إلى بعض النخبة المستفيدة ، كانوا جزءًا من آلية النظام وفي خدمته ، استطاع أن يستقطبهم ويجندهم في صفه ، إما طائفيًا وإما حزبيًا ، إضافة إلى إغراءات النظام لهم ، و20- 25% من أبناء الطائفة استساغ اللعبة ، واستفاد منها دون أن يساهم في إيجادها أو رفضها ، أما البقية فكانت ترفض السلوك الطائفي بأشكال ووسائل مختلفة ومتدرجة ، تبدأ على طريقة أضعف الإيمان ، وتنتهي بالنضال السياسي والذهاب إلى السجون والمنافي ، إذ واجهت شريحة من أبناء الطائفة التي عارضت سلوك النظام قمعًا وضغطًا مزدوجًا ، فهم معارضون لنظام يطلب منهم الموالاة ، ويفترضها فيهم ، نتيجة تركيبته الطائفية ، ولذا فهم بالنسبة إليه خوارج متمردون ، يستحقون العذاب الشديد.

وأخيرًا فقد بدأت دائرة المعارضة للنظام وطائفيته تتسع في صفوف العلويين ، وتزداد إدانة لسياساته ، وترفع الأصوات احتجاجا على الطريقة التي يتعامل بها النظام مع بقية المواطنين ، غير أن رفضهم هو أقل من المطلوب ، ودون المستوى اللازم لإسقاط النظام ، ذلك أن الكثيرين من المعارضين العلويين مسكونون بالخوف من دفع الثمن مرتين ، كما أن النظام قد أوجد واقعًا أساسه وجود عشرات الألوف من العسكريين والموظفين في دوائر الأمن والدولة يعتاشون من وظائفهم ، فأضحت لهم مواطن استقرار جديدة منذ أكثر من أربعين عامًا ، يخشون في حال سقوط النظام من أن يفقدوا كل موارد حياتهم واستقرارهم ، وقد حرص النظام على تضخيم هذا الخوف في نفوسهم.

إن اشتراك المعارضين من أبناء الطائفة العلوية في صياغة مشروع التغيير الديمقراطي للحكم ومساهمتهم في تنفيذ تحمل الاطمئنان لهم ، ولأبناء الطائفة -وللشعب أجمع في سورية- وإشعارهم بعدم مسؤوليتهم عن أفعاله ، وهذا يسهل فك الارتباط بينهم وبين نظام عصابة الشر والوبال على السوريين بكل فئاتهم وأطيافهم وطوائفهم وأعراقهم ، ودفع بالوطن من موقع المتقدم عربيًا ودوليًا إلى آخر القافلة في مسيرة الشعوب الحضارية والإنسانية  ».

هذه المقتطفات من المذكرة التي كتبها المواطن السوري توفيق دنيا من أبناء الطائفة العلوية ، والتي آثر فيها انتماءه الوطني على الانتماءات العشائرية والطائفية والمناطقية والعائلية ، وشجب فيها ما آلت إليه سياسات حافظ أسد من تمزيق الوحدة الوطنية ، وإحياء النعرات الطائفية والعشائرية ، وضرب بعض المواطنين ببعض ، وبث الذعر في قلوب العلويين ، موهمًا لهم أن بقاءهم رهن بدعم حكمه الطائفي ، وأغرق الكثير منهم بالمكاسب المادية ، وأطلق أيديهم في جني المال الحرام من الخوة والرشوة والسرقات.

وأهم ما يلفت النظر إليه في هذه المذكرة المهمة أن لا يعمم الباحثون الحكم على جميع أبناء الطائفة في دعم هذا النظام ، فإن ذلك يدفعهم دفعًا إلى خانة نظام الأسد ، بل ينبغي تطمينهم ، وهم الذين يتعرضون لقمع النظام ، والتعاون معهم على أساس الثقة والمواطنة ، ليكون دورهم رائدًا في التغيير وإنقاذ سورية من شرور هذه الطغمة الحاكمة والسلطة الباغية ، لتستأنف دورها الحضاري الرائد الذي عرفت به على مدار التاريخ ، وتتخلص من هذا الحكم الطائفي المنتن إلى الأبد بإذن الله ، وهذا المنطق الذي يطرحه ويجهر به الأستاذ توفيق يتطابق كليًا مع رأينا ووجهة نظرنا ، ويشكل مناخًا صالحًا لوحدة وطنية حقيقية خالية من الزيف والنفاق ، تضم المخلصين لوطنهم من كل أطياف المجتمع ومن كل الطوائف ، ومن أبناء الطائفة العلوية المخلصين من أمثال الدكتور عارف دليلة الذي تعرض للاعتقال والاضطهاد والسجن الطويل ، لأنه قال الحقيقة وفضح ممارسات النظام وفساده ونهبه لثروة الأمة ، وسطوه على أكثر من 80% من أموال المواطنين ، ونهبه للقطاع العام ، وإدخاله الشعب في نفق من الفقر والخوف غير مسبوق في تاريخ سورية الحديث ، ومن أمثال الدكتور محمود حسين صارم المواطن الحر ، والشجاع الجريء الذي واجه السلطة بكل سطوتها وجميع مفاسدها ، ساعيًا بكل ما لديه من منطق وإقدام إلى إصلاح الأوضاع السياسية والاقتصادية في الوطن الغالي ، ليعود المواطنون في بلدهم كالسجد الواحد والبنيان المرصوص ، تماسكًا وتعاونًا ، في وحدة وطنية استطاعت في يوم من أيام الأربعينيات في القرن الماضي أن تهزم دولة كبرى كفرنسا ، وتحقق استقلالاً ناجزًا ، ومكانة دولية ، ودورًا رائدًا في التضامن العربي كخطوة على طريق الوحدة الكبرى المنشودة.

سابعًا: الحكم البوليسي الرهيب

بعد أن خلت الساحة الداخلية من المنافسين والمعارضين ، إثر انقلاب 23- 2- 1966 ، وبعد أن رتب النظام علاقاته مع دول الخارج ، ولاسيما أمريكا وإسرائيل ، عاثت حكومة أسد من جديد في الوطن فسادًا ، ومارس الأمنيون استبدادًا رهيبًا غير مسبوق ولا مألوف ، فحكموا البلاد حكمًا بوليسيًا ستالينيًا مرعبًا ، لم يعد فيه المواطن آمنًا على دمه أو ماله أو عرضه أو كرامته أو على ابنه أو ابنته ، وكان عبد الكريم الجندي الذي تولى الجهاز الأمني يثير الخوف والذعر لدى الجميع ، بمن فيهم بعض أنصار النظام ، وكان يأخذ الناس بالشبهة والظنة والدس الرخيص والوشايات الكيدية ، فإذا علم أن مجموعة من الناس تنتقد أو تلوم ، سرعان ما يلقي عليها القبض ، ويمارس عليها التعذيب الوحشي ، وقد خسرت سورية رجالاً كبارًا وشخصيات لامعة من أمثال بدوي الجبل شاعر العرب الكبير عندما علم الجندي أن الشاعر نظم قصيدة في الحالة المأساوية التي يعيشها المواطنون في ظل حكم البعث المقيت ، فلم يخرج من السجن إلا ركامًا ، وقل مثل ذلك في المئات بل الألوف من المواطنين الأبرياء المقهورين.

استمر الحال على هذه الشاكلة في سورية بعد هزيمة حزيران عام 1967 وحتى عام 1969 ، عندما ضعف جناح صلاح جديد ، بمقتل أقوى عناصره وركائزه في الحكم : عبد الكريم الجندي ، فكانت نقطة تنفس فيها السوريون الصعداء لفترة قصيرة جدًا ، كان الأسد يمهد فيها لاستلام رئاسة الجمهورية ، وتضحي سورية ملكًا له يفعل بها ما يشاء ، أو مزرعة له ولإخوته وأفراد عائلته وأحمائه وعشيرته ، بل ويرهن الوطن كله في صفقات سياسية مشبوهة ، سوف يأتي ذكرها في سياقها بعد ظهور الدكتاتورية الأسدية في أقبح صورها وأقسى ممارساتها.

1- وحتى يكون الحكم على هذه الفترة دقيقًا وموضوعيًا وموثقًا ، لا بد من إعطاء صورة عن التسلط البوليسي أو الأمني الذي لا يخضع لقانون أو نظام أو محاسبة أو مراجعة أو شكوى ، بل هو قوة باطشة ، لا تسأل عما تفعله بالمواطن الذي تستبيح جسده ودمه وماله وعرضه ومصير عائلته وكل من يمت له بصلة القرابة أو الصداقة أو الجوار ، كان يمثل هذه السياسة الهمجية عبد الكريم الجندي الذي وصفه بعض المراقبين والدارسين بأنه مولع بالقسوة والوحشية كما ذكر ذلك باتريك سيل في كتابه : الصراع على سورية.

فمثلاً عندما استمع الجندي إلى خبر يقول : إن عددًا من المحامين والمهنيين قد تناولوا اسمه في تجمع خاص ، تحرك فورًا لاعتقالهم ، مجبرًا عددًا منهم على الفرار حفاة مشيًا على الأقدام إلى لبنان ، حيث أمضوا حياتهم هناك بعيدًا عن الأذى حتى سقوط الجندي .

وبعد أن تمت السيطرة للأسد بعد انتحار الجندي أو قتله توسع حافظ أسد كثيرًا في الأجهزة الأمنية ، وحشد لها أعدادًا كبيرة من طائفته أو المناصرين له فيها ، ورصد لها المليارات من الليرات السورية ليغدقها عليها أو ليجعلها في تصرف الأجهزة الأمنية ، وبوصف الأسد عسكريًا ، فإنه كان يفضل الأجهزة الأمنية العسكرية التي أعطاها الهيمنة على الأجهزة الأمنية الخمسة عشر الأخرى ، كما أسس جهازًا عسكريًا جديدًا عام 1971 أسماه سرايا الدفاع ، جعل قيادته بيد شقيقه رفعت ، وأعطاه صلاحيات واسعة في الاعتقال والسجن والمحاكمة والقتل ، كما حدث لاحقًا في حماة وتدمر وغيرهما ، وفي تشكيل فرع مخابراتي خاص بها ، وما زال يوسع بها حتى بلغ عددها في السبعينيات أكثر من 25 ألفًا ، ثم تضاعفت أعداد السرايا وعناصرها فيما بعد.

كان أفراد سرايا الدفاع مدججين بأحدث أنواع السلاح ، وكانوا يدربون على العمل الفدائي -كومندوس- حتى غدت هذه السرايا اسمًا ممقوتًا يثير الرعب أكثر من أي قوات أمن أخرى في نظام حافظ أسد الأمني ، ثم أسس الأسد فيما بعد حرسًا إمبراطوريًا آخر جعله بقيادة أحد أنسابه : عدنان مخلوف ، عرف فيما بعد بالحرس الرئاسي ، وتنحصر مسؤوليته بسلامة أسد وأمنه الشخصي ، وما زال هذا الحرس ينمو حتى صار عدده عشرة آلاف عنصر على الأقل.

عندما صدر كتاب تقرير منظمة رقيب الشرق الأوسط عن انتهاكات حقوق الإنسان في سورية عام 1990 كان عدد أجهزة المخابرات قد بلغت خمس عشرة مؤسسة أمنية تمارس مهامها في سورية ، وكانت كل واحدة منها مستقلة عن الأجهزة الأخرى ، لها أقسامها الإدارية الخاصة ، ورؤساؤها المباشرون الذين يرفعون التقارير إلى الرئيس مباشرة ، فالكل يجمعون المعلومات ، ويمارسون الرقابة والمراقبة والاعتقال ، ويستجوبون السجناء ، ويشرفون على عملية الحجز والحبس ، ولكل منها ركائز في أعلى المستويات في الوسط الإعلامي ، وفي المنظمات الجماهيرية والجامعات ، فضلاً عن وزارات الدولة ، ولم يكن لهذه الأجهزة حدود لسلطتها إزاء الاعتقالات والتفتيش والاستجواب والحجز ، إذ لم يعرض أي سجين من بين ألوف المحبوسين لأسباب سياسية على محكمة ما للنظر في أمره .

لقد كانت هذه الأجهزة تنتمي إلى دائرة النظام المغلقة التي كان يقودها ضباط عسكريون من عائلة الأسد وعشيرته وأبناء منطقته ، مثل علي حيدر -آمر القوات الخاصة من عام 1968 وحتى العام 1988- وعلي دوبا رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية ، ومحمد الخولي ، رئيس مخابرات القوات الجوية ، وحتى عام 1990 كان عدد موظفي هذه الأجهزة قد ربا على 150- 200 ألف ، حتى أثقلت هذه الأجهزة برواتب موظفيها المضاعفة ، وبنفقاتها غير المحدودة ، كاهل ميزانية الدولة ، تستهلك ثلث الميزانية العامة ، وقد كتب كثير من الباحثين عن الأجهزة الأمنية وأعدادها ونفقاتها وسلطاتها غير المحدودة ، من أمثال باتريك سيل وميشيل سوربو وحنا بتوتو الأمريكي من أصل لبناني المتخصص بدارسة حزب البعث وشؤون الشرق الأوسط.

2- لا يأتي حجم الكلفة العالي في أجهزة الأمن والمخابرات من كبر حجمها فحسب ، بل من المكرمات والعطاءات السخية التي تنهال عليها من النظام في مناسبات كثيرة ، فمثلا عندما عادت طائرات الهيلوكابتر الإحدى عشرة من مهمة قتل الإخوان في سجن تدمر الذين زادت أعدادهم عن 1100 شهيد حسب الإحصاءات المتفاوتة ، ومعظمهم رهائن ، برئاسة الرائد معين ناصف صهر رفعت أسد ، وزعت عليهم المكافآت بعد أن قاموا بعمل نضالي رائع حسبما قيل لهم ، وهم يستلمون المبالغ المالية السخية ، كذلك يتقاضى موظفو المخابرات مبالغ طائلة عندما يعبر أحد الموسرين عن حاجته إلى خدمة ما ، مثل الحصول على إجازات الاستيراد ، وقد طرق سمع مراقب الشرق الأوسط شكاوى من قيام ضباط الأمن بالاستيلاء على شقق المسافرين والهاربين ، وعلى منازلهم وعقاراتهم ، ونعرف أسماء كثيرة من دمشق والمدن الأخرى ممن صودرت بيوتهم وسكنها أبطال الأجهزة الأمنية في هذا النظام القمعي الذي لم نسمع ولم نقرأ عن مثل ممارساته في أي دولة من دول العالم ، بما في ذلك ذات الحكم الشمولي والسلطات المطلقة.

في هذا السياق لا بد من إلمامة سريعة عن هذه الأجهزة الأمنية وما ألحقته من إيذاءات وأضرار وكوارث في المواطنين السوريين ، فالقوات الخاصة بقيادة علي حيدر تشكل مع سرايا الدفاع والحرس الجمهوري والفرقة العسكرية الثالثة : الدعامة الكبيرة والعمود الفقري لنظام حافظ أسد الأمني ، وهي التي تقوم بقمع المعارضين ، وتخويف المواطنين وترويع الآمنين بإرهاب تقشعر منه جلود بني الإنسان.

تقع مقرات الوحدات الخاصة أو مقرها الرئيسي في القابون القريب من دمشق وقد أسست ، كما رأينا عام 1968 أي بعد تسليم الجولان بعام واحد فقط ، فترأسها العميد علي حيدر ، واستمر على رأسها عشرين عامًا حتى انتهى دوره ، واستلم الوحدات منه علي دوبا ، كما استلم من علي دوبا ابن أخي علي دوبا في رئاسة المخابرات العسكرية.

الوحدات الخاصة هي وحدات عسكرية منتخبة ، فبالدروع التي في حوزتها ، والطائرات السمتية -الهليوكبتر- وبتسلحها المميز ، توصف بالحرس الإمبراطوري الصارم لنظام حافظ أسد ، وقد لجأ إلى تسخير هذه القوات في تحطيم المعارضة في مناسبات حرجة وعديدة ، فهي المسؤولة عن مذبحة جسر الشغور ، وهي التي مارست دورًا مهمًا في عملية احتلال حلب ، وهي التي قامت بمذبحة حماة ، وأسهمت مع القوات الأخرى في إخماد انتفاضة المدينة في عام لاحق.

أما الحرس الرئاسي أو ما يطلق عليه الحرس الجمهوري ، فقد أسس في العام 1976 بعد الاجتياح السوري للبنان بغية حماية الرئيس الذي تتزايد كراهية الجماهير له ، وقد ترأس هذا الجهاز عدنا مخلوف ابن أخي زوجة أسد ، غير أن البعض يزعم أن رئيسها الفعلي هو باسل ابن حافظ أسد الذي كان وليًا للعهد ، ثم قتل في ظروف غامضة!!

يأتي ذكر الفرقة العسكرية الثالثة التي يقودها اللواء شفيق فياض التي تعسكر في القطيفة قرب دمشق ، وهي فرقة مدرعة منتخبة ، تتألف من عشرين ألف رجل ، ومن مئات الدبابات والعجلات المدرعة الأخرى ، ويتميز دورها بين قطعات الجيش الأخرى بفعاليات الأمن الداخلي ، وهي التي احتلت حلب ، وساعدت في قمع انتفاضة حماة والقضاء عليها ، وقامت بضرب القرى التي كان يعتقد أنها تؤوي المعارضين والمطاردين.

أما سرايا الدفاع فكانت المزة ي خاصرة دمشق مقرها ، وقد أسست في أول عهد أسد بعد استلامه منصب رئيس الجمهورية في مطلع عام 1971 ، ثم شهدت توسعًا كبيرًا حتى بلغ عدد أفرادها حوالي 25 ألفًا من الضباط والجنود ، وذكرت بعض المصادر أنها بلغت فيما بعد خمسين ألفًا.

3- هذه الأجهزة والوحدات العسكرية المختصة بحماية النظام وقمع أي معارضة مهما كان حجمها أو شكلها ، ولو بالكلام الهادئ هذه القوات التي زودها النظام بأفضل ما لديه من سلاح وعتاد وآليات حديثة ، تشمل المدافع والدبابات والطائرات السمتية ، وهذه الأعداد الضخمة التي تزيد على مائة ألف والتي تتقاضى رواتب مضاعفة ، وتأخذ الناس بالشبهة ، وتطارد المواطن في عمله ومنزله وبين أفراد عائلته ، هذه العصابات ماذا تركت لمشروعات التنمية ، وللخدمات الصحية التي تراجعت كثيرًا وتخلفت ، فصار المريض يذهب إلى البلاد المجاورة لتلقي العلاج في عمان وبيروت في الأمراض الصعبة ، هذه العصابات التي تشكلت بعد تسليم الجولان ، ودخول لبنان لذبح المقاومة الفلسطينية ، وصار لديها عشرات المعتقلات وأحدث أدوات التعذيب ، والتصرف المطلق في جسد الضحية وفي ماله ودمه وعرضه ، ألم تسمع هذه الألوف المؤلفة من سرايا الدفاع والحرس الجمهوري والأجهزة الأمنية الخمسة عشر والوحدات الخاصة ، ألم تسمع باحتلال العدو لهضبة الجولان؟ أم أنها في الهزيمة كالأرانب المذعورة ، وأبطال ضد المواطن الأعزل ، فهي كما قال الشاعر :

أسد عليّ وفي الحروب نعامة

فتخاء تنفر من صفير الصافر

نشكو هذه العصابات إلى القوي الجبار ، ونسأل بقدرته أن ينتقم منها في الدنيا قبل الآخرة ، ويُري أبناء سورية فيها يومًا أسود يُعز فيه أولياءه ويّذل فيه أعداءه من الظالمين والمعتدين ، إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير.

ذكرت منظمة رقيب الشرق في تقريرها الذي أصدرته عام 1990 : أن هذه القوات الأمنية والعسكرية المكلفة بالأمن الداخلي مثل الفرقة الثالثة بقيادة شفيق فياض ، كانت تملك أحدث الأسلحة فتكًا مما ليس موجودًا في وحدات الجيش النظامي ، وأن معظم أفرادها من الطائفة العلوية ، وأنها مارست الفتك والقتل والهدم بعدد من المدن السورية الكبيرة مثل حلب وحماة ، والصغيرة كجسر الشغور وسرمدا وجبل الزاوية ، كما بطشت بكل معارض في المدن الأخرى كاللاذقية ومدن الساحل والمنطقة الشرقية ، وفي حمص ودمشق وحوران ، وبكلمة موجزة ، في كل المدن والبلدات والقرى السورية ، التي لم تسلم جميعًا من بطشها وشرها ، ولم تنج من عمليات القتل والخطف والنهب في أرجائها .

4- من أجهزة الأمن الخمسة عشر التي جاء ذكرها : الأمن الخارجي ، والأمن الداخلي ، وأمن الدولة ، والمخابرات العامة ، والأمن السياسي ، ومخابرات القوى الجوية... وغيرها ، ولكل منها فروعها وسجونها وميزانيتها ، وصلاحياتها غير المحدودة بالاعتقال والسجن والتحقيق والتعذيب والقتل. ومن أخطر هذه الفروع فرع فلسطين المتخصص بملاحقة الفلسطينيين والحالات السورية المتداخلة معهم ، وفرع التحقيق العسكري الذي يمر به جميع معتقلي الأمن العسكري ، ليعاد التحقيق معهم ، وكان يرأسه الضابط المسيحي كمال يوسف من بانياس ، وهذا الفرع مصنع للقتل والتعذيب ، يعمل ليلاً ونهارًا وبلا توقف ، كما يوجد في كل محافظة وقضاء فروع لأجهزة الأمن التي جاء ذكرها ، حتى قدر بعض المعنيين عدد أفراد هذه الأجهزة بـ300 ألف يستهلك ، كما مر معنا ، معظم ميزانية الدولة ، وقد سمعت من اقتصادي مخضرم كبير ، غادر سورية وأقام في باريس مثل غيره من العلماء والمفكرين والاقتصاديين وغيرهم : سمعت الأستاذ عبد الرحمن العظم يقول : إن الإصلاح الاقتصادي في هذا العهد غير ممكن ، وأي محاولة في هذا الشأن ستكون فاشلة ، لأن الأجهزة العسكرية والأمنية تستهلك معظم الميزانية ولا تبقى منها إلا النزر اليسير.

كانت هذه الأجهزة تراقب العمال والفلاحين والطلاب والموظفين العسكريين ، وبكلمة موجزة : كل أفراد الشعب في تحركاتهم وارتيادهم دور العبادة ، وعدد المرات التي يؤمون فيها المساجد ، والأصحاب الذين يزورونهم ، ويؤخذ بالشبهة من يحلو لهم اعتقاله ، ليزج في المعتقلات التي لا يحتمل أي مخلوف - ولو كان من غير البشر- الصبر على حالتها في القذارة والتجويع والتعذيب وامتهان المعتقل في كرامته وآدميته ، وفي الغالب يترك المعتقل دونما سؤال أو تحقيق لسنوات ، ربما تبلغ عشر سنين أو عشرين سنة أو ربع قرن ، ثم يخلى سبيله دون أن يعتذر له أحد المتسلطين عما أصابه من تدمير جسده وعائلته ومن يلوذ به.

وبالرغم من أن دمشق وحمص لم تشهدا أعمال عنف ، أو صدامات كالتي حدثت في المدن الأخرى ، فإن هاتين المدينتين لم تنجوا من القمع والتنكيل. في ذات يوم أفاقت مدينة حمص على الوحدات الخاصة وعناصر الأمن وهم يقتحمون المدينة الصناعية ، ويعتقلون كل من فيها من أهل المدينة ، ويقتادوهم بسيارات كبيرة إلى خارج المدينة حيث أقاموا لهم معسكرًا في أرض وعرة محاطة بأسلاك شائكة ، وخندق مليء بالماء على غرار ما فعلوه من قبل في حلب ، تكدس فيه الأشخاص داخل معسكرات تفتقر إلى كل شيء سوى السياط وأجهزة التعذيب.

نزل الناس من السيارات لا يدرون لماذا اعتقلوا ، فانهال عليهم مئات الجنود وعناصر الأمن بالسياط والعصي وعذبوهم من الصباح إلى المساء ، ثم أطلقوا سراحهم دون أن يحقق معهم أحد أو أن يطرح عليهم أي سؤال ، وهذا ما حدث في دمشق التي كانت بمنأى عن العنف والصدام مع السلطة ، ومع ذلك لم تنج بيوتها ومساجدها من الاقتحامات والاعتقالات وخطف المواطنين.

إن أقبية المخابرات التي بلغ عددها 76 قبوًا ، كانت تعمل دونما ملل أو توقف حيث استقبلت مئات ألوف المواطنين من كل الفئات والاتجاهات ، علمًا بأن ما أصاب الإخوان المسلمين كان أشد مما وقع على الآخرين ، ولاسيما تنفيذ أحكام الإعدام بالعشرات والمئات ، ثم الآلاف فيما بعد طبقًا للقانون 49 الذي يقضي بحكم الموت على كل من انتسب إلى الإخوان ، حتى بلغ عدد الذين رفعوا على أعواد المشانق بين عامي 1980- 1982 اثني عشر ألفًا من الشهداء عدا عن الذين قضوا تحت التعذيب ، وعدا النساء والأطفال الذين امتلأت بهم أقبية الاعتقال والتعذيب .

5- كثيرًا ما يحدث الموت في أثناء الحجز بسبب التعذيب ، فتدعي السلطات أن السجناء قتلوا أنفسهم -انتحروا- بينما هم قتلوا تحت التعذيب ، ولقد وثقت لجنة حقوق الإنسان ما يقرب من عشر حالات موت في الحجز والحبس داخل سورية ، كما جاء في تقرير منظمة العفو الدولية ، فيما بعد عام 1983 ص 16- 18 ، وقد لقي عدد آخر من المساجين والمطاردين حتفهم في أثناء القمع الوحشي والمداهمات التي تلقتها المعارضة في الفترة ما بين 1979- 1982 ، وبقيت حالات كثيرة طي الكتمان بسبب خوف العائلات من الثأر و الانتقام ، وهنالك حالات عديدة حدثت في الجزء الذي سيطرت عليه السلطات السورية في لبنان .

لقد عبر الجميع من المنظمات التي تعني بحقوق الإنسان عن قلقهم الشديد إزاء الموت تحت التعذيب ، فلجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة ، ومنظمة العفو الدولية ، والمنظمة العربية لحقوق الإنسان ، ذكرت في تقاريرها أنها تشعر بالقلق المتزايد عما يصيب المواطن السوري من انتهاكات خطيرة تقشعر من هولها الأبدان.


ثامنًا: تدمير الاقتصاد السوري

أضاف الذين سلموا الجولان دون قتال يذكر إلى ما فعلوه بالجيش من تجريده من القادة وذوي الخبرة في القتال والأعمال العسكرية ومجابهة العدو قبل المواجهة مع العدو ، أضافوا إلى إنجازاتهم هذه تلك مأثرة أخرى في التخريب والهدم ، إذ التفتوا إلى الاقتصاد الذي هو عمدة المجتمع في تقوية الجيش ، وتغذية الصناعة والتجارة والنشاط الزراعي ، وتنشيط المؤسسات كافة ، فعملوا على هدمه وتحطيمه بدعوى التحول الاشتراكي ، والقضاء على البرجوازية والرأسمالية ، وما إلى ذلك من هذه الشعارات والدعاوى الممجوجة ، والتي أضحت تثير قرف المثقفين وعلماء المال والاقتصاد.

1- انقضوا في مطلع الشهر الأول من عام 1965 على المصانع والمؤسسات المنتجة ، وأمموا حوالي مائة شركة ، يعمل فيها اثنا عشر ألف عامل ، أصبحوا دون دخول ينفقونها على أنفسهم وعائلاتهم ، وقد استغرب البعض تأميم بعض الورشات التي لا تقدم ولا تؤخر في التأثير على مجريات الاقتصاد الوطني ، مما جعل المنتقدين لهذه السياسة الخرقاء يذكرون أن بعض الشركات التي تم الاستيلاء عليها أخذت من دليل الهاتف. ثم سرعان ما امتدت ملكية الدولة إلى توليد الكهرباء وتوزيع النفط والمحروقات وحلج الأقطان ، وحوالي 70% من تجارة التصدير والاستيراد ، وسلموها إلى معلمين وموظفين ليس لديهم أي خبرة في إدارتها وتشغيلها ، أو أي معرفة بشؤونها التخصصية والفنية ، الأمر الذي أدى بها إلى التوقف أو الخراب أو الضعف في الإنتاج ، وعندما احتج التجار ورجال الأعمال على هذه السياسة التخريبية ، وأعلنوا الإضراب ، تحرك الحرس الوطني وكتائب العمال المسلحة ومجموعات من أعضاء الحزب الحاكم ، وشرعوا في تكسير واجهات المخازن والدكاكين المغلقة ، كإجراء غير مسبوق ، لم تقدم عليه أي حكومة أو سلطة في العهد الوطني أو في ظل الانتداب الفرنسي ، عندما كان الإضراب يستمر أربعين يومًا أو أكثر دون أن تجرؤ الدولة المحتلة على الاعتداء على مخازن ومحلات المواطنين .

2- بالرغم من أن قرارات التأميم والمصادرة التي أصدرتها السلطة البعثية لم تحقق شيئًا واقعًا أو ملموسًا في أي تقدم يزعمونه في حياة العمال والكادحين ، لأن قيمة هذه المؤسسات المصادرة والمؤممة لا تتجاوز في القيمة 300 مليون ليرة سورية من مجموع الثروة النقدية المتداولة في البلاد والتي تقدر بمليار وثلاثمئة مليون ليرة سورية.

لقد دب الرعب في أوساط الاقتصاديين ، وفي نفوس رجال الأعمال والتجار وأصحاب المصانع الذين باشروا بتهريب أموالهم إلى خارج البلاد ، فأصيبت المؤسسات الاقتصادية بما يشبه الشلل ، وأدت هذه السياسة إلى أمرين خطيرين :

أ- تعطيل المشروعات الإنمائية ، وقتل روح المبادرة -المبادأة- لدى المواطن السوري الذي يتميز بها عن غيره ، وإيقاف النمو الاقتصادي الذي كان قادرًا -لو استمر الصعود- على مد الجيش بكل احتياجاته للوصول به إلى مرحلة التفوق التكنولوجي والعددي على العدو الإسرائيلي ، وهذا -في حالة تحقيقه- يشكل أحد مواضع الإصابة القاتلة في الكيان الإسرائيلي الدخيل.

ب- إن قسمًا كبيرًا من الثروات التي تم تهريبها ، وصلت إلى البنوك التي تملك الصهيونية العالمية السيطرة الغالبة عليها وبذلك دمرت كل إمكانية -سياسية أو عسكرية أو اقتصادية- تتيح للشعب أن يصمد في وجه الغزو العسكري تمهيدًا للهزيمة النكراء التي مني بها شعبنا بمسعى وتخطيط مدروس من حكومة انقلاب الثامن من آذار.

3- أما الذي جرى في سورية من نهب وسرقة وسلب الثروات ، والتسلط على التجار ومحاصرتهم ، واستلام معظم دخولهم وأرباحهم مما لا يمكن تصديقه لولا المصادر والوثائق والشهود والأحداث المفصلة ، حتى نشأت طبقة من الأثرياء -معظمهم من أبناء الطائفة العلوية وأقارب الأسد- تملك المليارات من الليرات ومئات الملايين من الدولارات ، والقصور في دمشق وفي ريف اللاذقية وجبل العلويين ، والأرصدة الكبيرة في البنوك الأوروبية والأمريكية والعقارات في باريس وجنيف وماربيا في جنوبي إسبانيا ، وبلدان كثيرة ، مما سيأتي مفصلاً بأمثلته وشخصياته وأرقامه مكتفيًا في هذا السياق بمثال واحد يدلل على أن سورية قد سلبت منها كل أسباب المناعة المادية والمعنوية ، لتكون صيدًا سهلاً أمام العدو الذي ما كان ليجرؤ على الدخول في حرب لولا أن ضمن الانتصار على وطن حطمه أعداؤه في الداخل ، وهم يتظاهرون بأنهم أبناؤه وحماته!!

لقد تناهى إلى أسماع المواطنين الكثير من القصص حول انهماك كبار ضبط الجيش والأمن في نهب البلاد والعباد ، ومنها رواية نذير هدايا التاجر الدمشقي الكبير وشريك رفعت أسد ، الذي قال في الجلسات الخاصة : عن ما يصل إليه من أرباحه لا يتعدى الـ 3% بينما يذهب 97% من الأرباح إلى ضباط الجيش والأمن ، وبهذا السطو المنظم من ( حماة الديار ) بلغت ثروة رفعت الأسد 17 مليار دولار حسب رواية الدكتور الشاعر أحمد سليمان الأحمد حليف رفعت سابقًا وأقرب المقربين منه قبل أن يفترقا ، ويلتحق أحمد سليمان بالمعارضة ، وقد التقيناه في بغداد وأوروبا.

إن البعض ينفون عن رفعت هذه الثروة الأسطورية التي مكنته من الاشتراك في القناة البحرية تحت مياه المانش التي ربطت بريطانيا بأوروبا ، البعض يقولون إن ثروته لا تعدى ، أو تتراوح بين 3 إلى 4 مليارات دولار فقط.

لقد قدر عبد الله الأحمد ، عضو القيادة القطرية للبعث ، والأمين العام المساعد للحزب في عام 1980 عدد المليونيرات في سورية الاشتراكية التقدمية!! بـ21 ألف مليونير!! .


تاسعًا: الديكتاتورية وإرهاب الدولة

في الستينيات والسبعينيات من القرن الفائت ، عمت سورية موجات من الرعب والذعر ، وساد الخوف جميع المواطنين ، فلم يعد المواطن آمنًا على دمه وماله وعرضه ، وليس له أن يسأل عن ولده الذي اختطف أو على ابنته التي اعتقلت ، ولم يعد للدستور أو القانون أو القضاء من أهمية أو سلطان ، بل إن القضاء الذي هو آخر الحصون التي يحتمي بها المواطن ، فسد ولم يعد نزيهًا ، وقد أسندت مناصب القضاء إلى حزبييين فاسدين مرتشين ، فضاعت الحقوق ، وهدرت القيم ، وعاش كل مواطن مسكونًا بالخوف مما تفاجئه به عصابات السلطة البوليسية والأمنية والعسكرية من تهم لا تخطر له على بال ، وليس لديه أي فرصة في ردها أو مناقشتها أو إنكارها.

إن هذا الفساد في القضاء وفي الدوائر المعنية أمور طارئة ودخيلة وغريبة عن المجتمع السوري ، وعن المواطنين السوريين ، عندما كانت سورية مثالاً يحتذى في الحرية والنهوض السياسي والاقتصادي والتقدم على كل الصعد.

وبقدر ما كان الدور السوري كبيرًا في حركة التحرر عربيًا ودوليًا جاء التآمر على حرية سورية واستقلالها خطيرًا في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من الدول الكبرى الطامعة ، وفي مقدمتها إنكلترا ثم أمريكا ، غير أن قطرنا الصغير بمساحته وعدد سكانه كان كبيرًا بصلابته وصموده والتصدي لأعدائه ، فأحبط ذلك كله ، ليخرج سورية من كل ما يبيت لها ، قوة ظافرة. وإذا بفئة غادرة تحسب على أنها من أبنائها ، وليست من أعدائها -تسدد لها ضربة دامية- ومن مأمنه يؤتي الحذر- وتستولي على السلطة بانقلاب عسكري هدم الحياة الدستورية ، وعطل القوانين ، وألغى دور القضاء النزيه وأدخل الوطن كله في التيه المظلم منذ أكثر من أربعة عقود ، فسفك الدماء ، ونهب البلاد ، وطارد العباد ، واستباح القيم والحرمات ، وزرع الخوف في القلوب ، وأمعن في تجويع المواطنين وإفقارهم وقهرهم وما يزال ، والخلاصة : إن السلطة الحاكمة في سورية ما فتئت تمارس أخطر انتهاك لحقوق الإنسان في العصر الحديث.

1- مر معنا في الفترة الأولى من هذا المجلد أن سورية أصدرت عددًا من القوانين التي قننت بها قتل المواطن وسفك دمه ومصادرة ماله والاعتداء على حرماته ، وذكرنا عددًا منها ، وأمثلة صارخة عن ظلمها وقسوتها وأحكامها الشاذة ، مثل : قانون حالة الطوارئ ، وقانون حماية الثورة ، وقانون إحداث محاكم الميدان العسكري ، وقانون إحداث محكمة أمن الدولة ، وقانون إحداث إدارة أمن الدولة ، ورأينا أن حالة الطوارئ لم تعرض على أي مجلس تشريعي منذ إعلانها قبل 45 سنة ، ومن ثم فإن كل ما بني عليها هو باطل ومخالف للدستور والقانون.

إن قانون الطوارئ حول إدارة الحكم العرفي إلى مؤسسة تشريعية تأمر وتنهى خلافًا لأي تشريع أو حكم قضائي ، ورغم أن المادة الرابعة من قانون الطوارئ تجعل أوامر التوقيف محصورة في الحاكم العرفي أو نائبه ، فإن التطبيق العملي جعل كل جهاز من أجهزة الأمن الخمسة عشر أو السبعة عشر -حسب المصادر- مخولاً بإصدار الأوامر باعتقال أي مواطن دون بيان الأسباب ، فكل جهاز من هذه الأجهزة لديه أوراق مطبوعة بالأوامر العرفية ، فيها فراغ مكان الاسم المطلوب وتاريخ اعتقاله موقعة من قبل وزير الداخلية بصفته نائبًا للحاكم العرفي ، فإذا تم اعتقال الضحية ، فلن يصدر الأمر العرفي باعتقاله إلا بعد التحقيق ، فإذا مات تحت التعذيب تقوم الجهة الأمنية التي حققت معه بدفنه سرًا ، منكرة أنها اعتقلته ، أو أنها على علم به أو بمكان وجوده ، أما إذا انتهى التحقيق ، وبقي المواطن حيًا ، فإما أن تطلق سراحه ، وإما أن ترسله إلى سجن تدمر ، فإذا أفرجت عنه فإنها تصدر أمرين عرفيين ، الأول باعتقاله ، يحمل تاريخ الاعتقال الحقيقي ، والثاني بالإفراج عنه ، يحمل تاريخًا حديثًا هو يوم الإفراج عنه ، وإذا قررت إرساله إلى تدمر ، أو أي سجن آخر ، ملأت اسمه والتاريخ الحقيقي ليوم اعتقاله ، وعندما يكون الشخص المطلوب متواريًا تصدر الأجهزة الأمنية أمرًا عرفيًا باعتقاله ، يوزع على جميع الأجهزة ، وعلى مراكز الحدود ، دون أن تتضمن الأوامر مدة معينة لاعتقاله ، وهذا يفسر وجود أشخاص مضى على اعتقالهم أكثر من عشرين سنة أو خمس وعشرين سنة دون محاكمة.

واستنادًا إلى حالة الطوارئ تنعدم ممارسة السلطة القضائية لأي صلاحية بصدد هذه الاعتقالات ، ويحرم المواطن الضحية من حقه في الطلب من القضاء البت بشرعية توقيفه ، ولا يحق له الطعن بقرارات الحاكم العرفي في اعتقاله أو مصادرة ماله أو التظلم من ذلك أمام أي مصدر قضائي ، كما يمنع ذوو المعتقل من معرفة مكان اعتقاله أو التهم الموجهة إليه ، ومن إمكان زيارته للتحقق مما إذا كان المعتقل حيًا أو ميتًا ، وقد ترتب على ذلك أن معظم المعتقلين الذين لم يقدموا للمحاكمة هم في عداد المفقودين ومجهولي المصير ، كما ترتب على هذه الإجراءات الوحشية الظالمة ، وعلى هذا الاستهتار بكرامة الإنسان وآدميته وقوع خلل كبير في العلاقات الاجتماعية والقانونية بسبب طول فترة الاعتقال دون محاكمة ، وعدم معرفة المصير للمعتقل أو مكان وجوده ، كالعلاقة الزوجية والإرث أو الشراكة أو الملكية وغيرها ، كما رأينا ذلك سابقًا.

فهل واجه الإنسان في قطر من أقطار العالم كله مثل هذه الكوارث والمآسي التي لاقاها المواطن في سورية؟

وهل عوامل أي عميل أو عدو ، ولاسيما الصهاينة بمثل ما واجه المواطن السوري جراء اختلافه مع السلطة الباغية التي مارستها ضد المواطنين في سورية؟

هذا هو المنهج الذي أكد عليه وريث الأسد في خطبه وقال : لا يجوز مسه أو تجاوزه أو الخروج عليه!!

2- من المفيد أن تعرف الأجيال الصاعدة ، والمواطنون جميعًا نموذجًا عن هذه القوانين التي لا عهد للبشرية ( ولاسيما العالم المتحضر ) بها في أي دولة من دوله أو مجتمع من مجتمعاته. لقد أحدثت السلطة في سورية قانون إدارة أمن الدولة الذي جاء ذكره من قبل بالمرسوم التشريعي رقم 14 بتاريخ 15- 1- 1969 ، وقانون التنظيمات الداخلية لإدارة أمن الدولة الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 549 بتاريخ 14- 5- 1969 ، والذي جاء التنويه عنه كذلك. وهذان القانونان ينتهكان حق المواطن السوري ، ويحرمانه من حق اللجوء إلى القضاء للادعاء على أي رجل ارتكب جريمة بحقه ، إذا كانت هذه الجريمة قد ارتكبت بسب ممارسة رجل الأمن لوظيفته ، أو في أثناء ممارسته لها ، وبالرغم من أن سيطرة الأنظمة على وسائل الإعلام داخل الدولة قد فقدت مبرراتها غالبًا ، فإن نظام القمع في سورية يحتفظ لديه بقوانين سرية غير منشورة في الجريدة الرسمية ، خشية الفضيحة أمام الرأي العام داخليًا وخارجيًا ، لأن هذه القوانين تحجب حق السلطة القضائية من معاقبة العاملين في دوائر الأمن على الجرائم التي ارتكبوها في وظائفهم عن تعذيب المواطنين وحجز حريتهم ، وإزهاق أرواحهم ومصادرة أموالهم ، وتسلب حق المواطن من اللجوء إلى القضاء لوقف الاعتداء عليه ، ومعاقبة المعتدي إذا كان المتهم من رجال الأمن ، فالمادة ( 16 ) من المرسوم التشريعي تنص على ما يلي : لا يجوز ملاحقة أي من العاملين في الإدارة -إدارة أمن الدولة- عن الجرائم التي يرتكبونها أثناء تنفيذ المهمات الموكولة إليهم ، أو في معرض قيامهم بها ، وتؤكد المادة 74 من المرسوم على ما ورد في المادة 16 أنه لا يجوز ملاحقة أي من العاملين في إدارة أمن الدولة أو المنتدبين أو المعارين إليها ، أو المتعاقدين معها مباشرة أمام القضاء في الجرائم الناشئة عن الوظيفة ، كما تنص المادة 101 على عدم نشر هذا المرسوم بالجريدة الرسمية!!!

إن هذين القانونين يمنعان النيابة من إقامة الدعوى على أفراد قوات الأمن ، ولو أقام المتضرر نفسه مدعيًا شخصيًا ، وبذلك يكون قد أعطى هذان القانونان امتيازات لرجال الأمن هدمت مبدأ المساواة أمام القانون ، وهو المبدأ الذي جاهدت البشرية منذ فجر التاريخ وحتى العصر الحديث للحصول عليه.

3- إن وجود امتيازات قضائية خاصة ممنوحة لفئة من الناس أو المواطنين يتنافى مع مبدأ المساواة في الحماية القانونية ، وهذا نذير بهدم المجتمع وتمزيقه كما أنذر بذلك سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- : إنما هلك من كان قبلكم ، إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، والذي نفس محمد بيده ، لو أن فاطمة بينت محمد سرقت لقطع محمد يدها .

إن أهم المواثيق الحديثة التي أكدت على المساواة بين الناس : ميثاق الأمم المتحدة الصادر عام 1945 ، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10- 12- 1948 ، والعهدان الدوليان لحقوق الشعوب والإنسان الصادران عام 1966.

نتيجة الحصانة التي يتمتع بها رجال الأمن -حسب القوانين التي عرضنا لها قبل قليل- ازدادت حالات الاعتقالات التعسفي ، وإلغاء حقوق المعتقلين من غير تحديد الجهة التي تأمر باعتقال المواطن بعد أن تضخمت هذه الأجهزة ، وبلغ عددها سبعة عشر جهازًا أمنيًا ، ولكل جهاز منها عشرات الفروع ، وكل جهاز مخول بإصدار أوامر الاعتقال دون بيان الأسباب والدوافع ، ومن غير أن يعلم ذوو المعتقل الجهة التي قامت باعتقاله أو مكان اعتقاله ، كما قرأنا سابقًا ، وكل هذه الإجراءات مخالفة للمعاهدات الدولية ، وانتهاك صارخ لحقوق الإنسان ، وعدوان سافر على الدستور والقوانين السورية ، بالرغم من كل العيوب والنقائص التي تعتريها ، وبكلمة موجزة ، تنص هذه القوانين على أن لرجل الأمن أن يستبيح جسد الضحية ودمه وماله وعرضه وعرض محارمه دون أن يكون مسؤولا بنص القانون -الهمجي- الذي أباح لهؤلاء المجرمين أن يفعلوا ما يشاؤون دون رقيب أو حسيب أو مساءلة أو حق في تظلم أو شكوى أمام أي مرجع قضائي أو برلماني أو وزاري ، أو أي مسؤول ، ولو كان رئيسًا للبلاد والعباد!!

4- وقبل مغادرة هذا الموضوع الذي تقشعر الأبدان من ذكر معانيه أو تفاصيله ، تقف قليلاً عند قانون حالة الطوارئ الذي يقترب من يوبيله الذهبي!! ، بعد أن مضى على إعلانه قريبًا من نصف قرن ( 47 سنة ) دون أن تسمع صوتًا مدويًا بالاستنكار من مجلس الأمن أو الأمم المتحدة أو لجان حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة التي تقبع على ضفاف بحيرة جنيف ، أو من الدول العربية العتيدة أو من منظمة المؤتمر الإسلامي ، أو الوحدة الإفريقية ، أو الدول الآسيوية ، أو المنظمات المعنية في الدفاع عن حقوق الإنسان في أوروبا وأمريكا ومصر إلا استنكارات خجولة لا تكاد تسمع ، فلماذا يحدث هذا تجاه السوريين دون غيرهم من بلاد العالم أجمع؟

إن العالم أو دوله التي زادت عن المئتين ، لا تتحمل الإعلان عن حالة الطوارئ وتعليق العمل بالدستور في أي بلد من بلدان الكرة الأرضي ، بل تشجبه وتستنكره أشد الاستنكار ، وتقف من الحكومة التي تعلنه موقفًا حازمًا ، مهددة بمقاطعتها ، أو توقيع العقوبات عليها.

عندما أعلنت جورجيا حالة الطوارئ ، وكذا باكستان في مطلع العام 2008 ضج العالم ضد هذا الإجراء ، وأنكر على كلتا الدولتين تعطيل الدستور ، وإعلان الحكم العرفي ، مما اضطر الدولتين إلى التراجع عن حالة الطوارئ تحت ضغط الرأي العام الدولي ، فسارعت جورجيًا إلى إلغاء حالة الطوارئ ( والعودة إلى الدستور ) بعد أسبوعين من إعلانها ، وكذا فعلت باكستان ، فألغت قانون إعلان الطوارئ بعد حوالي شهر من العمل به ، أما سورية ذات الإرث الحضاري والإنساني الذي علم الشعوب والأمم أول أبجدية في الكتابة ، أما سورية رائدة العالم الثالث في نيل الحرية والاستقلال مع نهاية الحرب العالمية الثانية ، أما سورية هذه فلا بواكي لها ، وكأن شعبها قد حكم عليه بالحرمان من حقوقه المدنية ، أو أن الحقوق المدنية قد سقطت عنه ، فلم يعد جديرًا بها ، أما سورية فإنها لا تجد لها نصيرًا ينكر تسلط حكم الأقلية عليها في ظل حكم عرفي دائم ، يقترب في عمره المشؤوم من خمسة عقود ، نعم لا يجد السوريون من يتوجع لهم أو يرثي لنكبتهم بمن فيه أشقاؤهم العرب الأمجاد ، حسب مناداة صوت العرب لهم : أمجاد يا عرب أمجاد.

وأخيرًا : وليس آخرًا يتحمل السوريون المسؤولية الكبرى والأولى في صبرهم على هذا الهوان ، واستكانتهم لذاك البطش ، وسكوتهم على أسوأ عدوان ، ولهذا لا أجد في ما أخاطبهم به سوى قصيدة أحمد مطر : ( أيها الشعب لماذا خلق الله يديك ) والتتمة مؤلمة ، فاقرؤوها على شاشة الإنترنت لأن خاتمتها جارحة- وليس في منهاج هذه الكتابة إيراد أي كلمة جارحة.


عاشرًا: التناحر على السلطة

لم يتوقف التناحر على السلطة ، والصراع الدموي على الحكم منذ الأيام الأولى للانقلاب ، ولكنه كان يأتي مبرمجًا حسب الأولويات المرسومة ، فيصفي الأبعد فالبعيد ، والقريب فالأقرب.

1- بدأ الصراع جليًا بين أجنحة السلطة الحاكمة منذ الساعات الأولى من حركة الانقلاب ، عندما شرع الانقلابيون بتصفية القيادات التاريخية للحزب ، بالاعتقالات والإبعاد ، وإصدار الأحكام الغيابية في الإعدام ، أو بالاغتيال ، كما حدث للأستاذ صلاح البيطار في باريس ، أو بالتسريحات من الجيش بالمئات والألوف ، وإبعاد خيرة ضباط الجيش وإقصائهم كما رأينا ، ثم استعر الخلاف مع خلفاء حلفاء الأمس الناصريين ، انتهى بصدام مسلح دموي ، راح ضحيته مئات العسكريين ، وبعد أن عمت الاضطرابات في عدد من المدن السورية في عامي 1964 و 1965 ، قامت السلطات باعتقالات واسعة في جميع أنحاء سورية ، شملت اليسار واليمين ، والإسلاميين والعلمانيين ، والوطنيين والقوميين ، والعمال والنقابيين ، وزجت بهم جميعًا في سجن تدمر الصحراوي ، ثم استأنفت التسريحات من الجيش ، فشملت كتلاً عسكرية كبيرة ، تنتمي إلى المدن السورية ، كالدير ودرعا وجبل العرب وحماة وحلب ودمشق ، وفي هذا العام --1965- تم إبعاد وتصفية مجموعة كبيرة من الضباط الموالين للقيادة القومية أو الموالية لها ، وعلى رأسها وفي مقدمتها أمين الحافظ بعد معركة دامية قرأنا تفصيلاتها ، وأودع عدد كبير منهم في السجون لم يخرجوا منها إلا بعد هزيمة حزيران 1967 ، ثم بدأت بعد ذلك تصفيات في داخل الكتلة المسيطرة والمنتمية إلى الطائفة العلوية ، لتبعد عن الجيش كتلة صلاح جديد ، ومجموعة محمد عمران ، ليبقي الحكم خالصًا لحافظ أسد وأقربائه وأبناء عشيرته ومنطقته ، ومن يواليه من العسكريين كما قرأنا من قبل ، الذين استلموا زمام الحكم وكل مفاصل السلطة في الجيش والأمن والإدارات والوزارات وجميع المراق الحساسة في الدولة والمجتمع ، ففرض حافظ أسد نفسه رئيسًا للجمهورية وقائدًا للجيش وأمينًا عامًا للحزب وللجبهة ، وسن دستورًا كرس فيه الاستبداد والديكتاتورية والحكم الشمولي الملطق ، وأخيرًا وليس آخرًا ، أقصى أخاه رفعت الذي جعل منه رأس حربة طوال عشرين سنة وخنجرًا غرزه في قلوب المعارضين من كرام السوريين ، وأباد عن طريقه ألوف المواطنين المناوئين كما حدث في تدمر وحماة ومناطق سورية عديدة.

2- هكذا سخر حافظ أسد الشعب لصالح الطائفة ، وسخر الطائفة لصالح العشيرة ، وسخر العشيرة لصالح العائلة ، ثم اختزل ذلك كله في ولده باسل الذي كان يهيئه لخلافته ، ويورثه الوطن بأجمعه قبل أن يقتل في ظروف غامضة ، عندما أعلن والده عن موته يوم الجمعة ، مع أن المقيمين في باريس ومنهم الأستاذ مطاع صفدي ذكر أن موته قد شاع في باريس والجزائر قبل ذلك بثلاثة أيام -يوم الثلاثاء- مما جعل بعض المعنيين يرجحون قتله في صراع عائلي عندما طارد باسل زراعة المخدرات لتحسين صورته بين يدي تهيئته لخلافة والده في رئاسة الجمهورية ، والذي يرجح لديهم هذه الرواية أن الإعلام السوري لم يَعْرضْ أو يُظهر صورة للسيارة التي اصطدمت بعمود كهرباء سبب قتل باسل الذي كان يقودها في طريقه إلى المطار ، ومن ثم للسفر إلى الخارج حسب الرواية الرسمية.

جاء الأسد بعد ذلك بولده بشار من مقاعد الدراسة في لندن قبل أن يكمل دراسته في طب العيون ، فأحضره على عجل ، ومهد له في حكم سورية دون سابق تجربة أو ممارسة ، ثم شرع حافظ أسد يجس النبض في أوساط بطانته في موضوع الوراثة ، فمن أيده وصفق له ، وداهنه أدناه وقربه ، ومن اعترض عليه ، أو تحفظ ، أبعده وأقصاه ، وقد سمعنا قصصًا وتفسيرات كثيرة عن انتحار الزعبي أو مقتله ، وعن إبعاد علي حيدر ، وآخرين ، بسبب مواقفهم من توريث الأسد لولده الطالب بشار بحكم سورية.

سل الأسد سيف محاربة الفساد الذي يشهره بالمناسبات يوم كان يمهد لولده باسل ، ليظهره ي صورة النزيه والمستقيم ، وكذلك كان شأنه يوم قدم ولده بشار ، حتى تمت عملية التوريث بسلاسة حسب تعبير الرئيس الأمريكي كلينتون الذي أعطى موافقته لهذه الوراثة يوم التقى الأسد في جنيف ، وأرسل وزيرة خارجيته أولبرايت إلى دمشق ، لتفرض بشارًا رئيسًا لسورية المنكوبة بأمريكا وبالنظام الأسدي الطائفي ، معًا.. فانهالت التبريكات على الأسد من العرب وغيرهم الذين يدورون في الفلك الأمريكي حيث دار.

3- ثم جاء موضوع الشهابي وخدام وعدد من الوزراء وأعضاء وفروع الحزب يثير إشارات تعجب كثيرة ، فقد أوشك سيف محاربة الفساد أن يلامس عنقي الشهابي وخدام- على مسؤولية مجلة الوطن العربي -فترامى الأخير على الأسد لينجو بنفسه وبأبنائه ، أما الشهابي فشد الرحال على عجل إلى أمريكا عن طريق بيروت ، ومع ملفاته ووثائقه ، وكان أخطر ما أذيع عن رحلته أنه حضر اجتماعًا في فيللا بولاية فرجينيا ، تقع ما بين مبنى السي آي إيه ، وبين البنتاغون ، حضره مسؤول الشرق الأوسط في المخابرات ، وشخصية من الخارجية ، وكان لدى الشهابي حقيبة تحتوي أخطر المعلومات عن الأوضاع في عهد حافظ أسد ، وآفاق العهد الجديد بقيادة ولده بشار ، وعن اتصالات سرية جرت مع بعض التنظيمات العربية والأجنبية ، ثم جرى حوار عن مدى قدرة بشار على الإمساك بزمام الأمور ، وعن مستقبل الجيش في العهد الجديد ، وقد طرح الأمريكان أسئلة عن الوجوه الجديدة ، وعن علي دوبا ومحمد الخولي ، وسئل الشهابي عن الإخوان المسلمين ، ودورهم في المستقبل ، فكان الجواب أن الإخوان هم الأضعف حاليًا ، وأن جماعات إسلامية جديدة هي التي تتحرك ، وذكر بعض أسماء قياداتها ، وحذر من أن تستفيد الجماعات الإسلامية من الأوضاع الاقتصادية لتأكيد قدرتها ، وبذلك انتهت هذه الجولة من مباحثات العماد الشهابي رئيس الأركان السابق مع مندوبي المخابرات الأمريكية ووزارة الخارجية.

استؤنفت المباحثات بين الشهابي والأمريكان ، واستمرت أكثر من أربع ساعات ، ثم وعد مسؤول الشرق الأوسط في المخابرات الشهابي بترتيب لقاء مع مستشار الأمن القومي صاندي بيرغر ، وبعد أسبوع اتصل مدير المخابرات جورج تينت بالشهابي وأبلغه بأن ضابطًا من المخابرات في لوس أنجلوس سيزوره حاملاً رسالة سرية من القيادة المركزية للسي آي إيه ، والرسالة حسبما كشفت الأنباء ، حملت تمنيات من جهات عليا في الحكومة الأمريكية بأن لا يقوم الشهابي بأي تحرك أو عمل يسبب إزعاجًا للقيادة الجديدة في سورية ، ويسبب إحراجًا للحكومة الأمريكية ، وتمنت الرسالة أيضًا على العماد الشهابي أن لا يقطع كل الخيوط مع دمشق ، بل أن يقوم بإجراء حوارات معينة إذا أمكن ، فهذا أفضل ، ووجهت الرسالة الشكر من واشنطن على ثقة الشهابي بها ، وأن هناك توجهًا لدى الحكومة الأمريكية اتخذ بعد مشاورات مع دول عربية ذات وزن بأنه ينبغي في الظروف الراهنة مساندة الرئيس الجديد لسورية ودعمه ، لتمكينه من تحقيق الإنجازات التي تهم المنطقة ككل ، وقال حامل الرسالة : إننا نبلغك بهذا ، كما أبلغناه إلى جماعات لبنانية في واشنطن ، وطلبنا منهم التريث والتعامل مع الحالة الجديدة في دمشق.

هذا بعض ما نشرته مجلة الوطن العربي -على عهدتها- في العدد 1220 يوم الجمعة المؤرخ في 21- 7- 2000 ، وأيا كانت درجة التوثيق والصحة في هذا النشر ، فإن الشيء الذي لا مرية فيه أن الشهابي لم يعد هدفًا للطغمة التي تشرع سيوفها بدعوى محاربة الفساد في سورية ، والشيء المؤكد كذلك ، أن الشهابي عاد إلى دمشق آمنًا مطمئنًا ، وكان شيئًا لم يكن بين اللوبي الذي يحكم سورية وبين الشهابي ، الأمر الذي يقوي صحة الرواية التي نشرتها المجلة ، عن تعاون الشهابي مع المخابرات الأمريكية في واشنطن.

4- في منحى آخر عن مظاهر الصراع على السلطة ، جاء إبعاد عد من القياديين وإنهاء دورهم بدعوى التجديد والتطهير ومحاربة الفساد ، لتشمل التغييرات 22 وزيرًا ، و 12 عضوًا في القيادة القطرية ، وتنقلات في المراكز الإعلامية ، وفي وكالة الأنباء ورؤساء الصحف ، فمنذ العاشر من مايس عام 2000 بدأت عملية المحاسبة والتصفية التي قضت بطرد الزعبي ، وإحالته على القضاء ، وحجز أمواله وأموال أسرته المنقولة وغير المنقولة ، مما أفضى به إلى النحر أو الانتحار ، كما اعتقل وزير النقل مفيد عبد الكريم ، وأحيل على التحقيق ، وتم الحجز على أموال الدكتور سليم ياسين نائب رئيس الوزراء بتهمة تورطه في صفقة طائرات الإيرباص ، وتم طرح أموال منقولة وغير منقولة للواء محمد بشير النجار ولزوجته ابتسام الدباس ، ولأولاده الأربعة : عزت ولونا وهالة وباسمة في مزاد علني ، ومن ضمنها أربعة عقارات مساحتها 243123م2 ، وثمنها مليون ونصف مليون دولار ، علمًا بأن النجار شغل مركز مدير مخابرات من عام 1994 إلى عام 1998 إذ تم عزله ، والحكم عليه بالسجن 12 سنة ، وبغرامة مالية ، قدرها مليار ليرة سورية.

والسؤال الذي يفرض نفسه ، هل اتخذت السلطة هذه الإجراءات محاربة للفساد كما زعمت أم أن ذلك يدخل في دائرة الصراع على مراكز النفوذ وموضوع الورثة للحكم؟

وإذا كان الهدف محاربة الفساد ، فهل هؤلاء هم المفسدون في الأرض -الحكم- فقط؟

وإلا فأين الذين نهبوا المليارات وهربوها ، وتسلطوا على المواطنين ، وجمعوا ثروات أسطورية نلمس آثارها في إسبانيا وفرنسا وسويسرا وغيرها.

أم أن للفساد سقفًا لا يجوز تجاوزه؟

وأن ثمة رموزًا لا يجوز مسها أو الاقتراب منها ، إلا إذا عارضت في توريث الحكم ، وجعل الجمهورية نظامًا ملكيًا وراثيًا.

ومن هو من رؤوس العلويين مسته إجراءات محاربة الفاسد؟

لقد اشتط القلم أو تمادى في بحث أمور لم يئن أوانها حسب التسلسل التاريخي ، وذلك لارتباطها بأحداث وجرائم جرت في أواسط وأواخر الستينيات من القرن الماضي إذ كانت تلك السنوات مسرحًا لها.

5- بعد أسبوع من مغادرة دبابات الأسد للأردن مات جمال عبد الناصر في 28- 9 1970 ، حينذاك كان الأسد مدعومًا من الجيش ، أو متمكنا من السيطرة عليه ، أما صلاح جديد فكان لا يزال مسيطرًا على الجهاز الحزبي ، فكانت آخر محاولات صلاح جديد لاستعادة زمام الأمور ، إذ دعا إلى انعقاد مؤتمر استثنائي للقيادة القومية في 30-1- 1970 ، فطلب المؤتمر من وزير الدفاع حافظ الأسد أن يتوقف عن إجراء أي تنقلات في الجيش طيلة فترة انعقاد المؤتمر ، فرفض الأسد هذا الطلب بشكل قاطع ، كما رأينا ذلك من قبل ، فاتهم أنصار جديد حافظ أسد بقبوله للتسويات الاستسلامية وخضوعه للإمبرياليين ، ومكنت سيطرة جديد على مؤتمر الحزب الاستثنائي للقيادة القومية من تجريد حافظ أسد ومصطفى طلاس من مناصبهما القيادية في الجيش والحكومة ، إلا أن الأسد كان قد اتخذ احتياطاته بنشر قوات حول قاعة المؤتمر ، لتظل قرارات المؤتمر مجرد كلام صدر عن رجال أدركوا أنهم قد دحروا بل إن رئيس الوزراء يوسف زعين إلى مدينة البوكمال الحدودية مع العراق ، وهي مسقط رأسه قبل أن يعتقل ويمكث في السجن عشرين سنة ، ثم يطلق سراحه بعد أن ساءت حالته الصحية لدرجة أن الذين سجنوه حسبوا أن حالته ميؤوس منها ، ثم احتل الأسد مكاتب الحزب ، والمنظمات الشعبية وسيطر عليها .

6- حاول أنصار جديد قبل مطاردتهم واعتقالهم السيطرة على منظمة الصاعقة الفلسطينية في عام 1969- 1970 التي كانت جزءًا من الحزب الحاكم الذي أقامها ليواجه بها المنظمات الفلسطينية المناوئة لسياسة البعث السورية ، وفي مقدمتها حركة فتح ، فأصدر الأسد ت وجيهًا في أيار 1969 يشترط السماح لمجموعات محدودة فقط بالدخول إلى القطر ، وعدم حمل السلاح علنًا ، وعدم إقامة معسكرات التدريب وساحات الرمي إلا في مناطق محددة ، وعدم الإغارة على المناطق المحتلة انطلاقًا من سورية من دون موافقة خطية من وزارة الدفاع فكانت هذه الإجراءات أفضل ما قدم الأسد لإسرائيل ( في اتفاقيات سرية انكشف أمرها فيما بعد كما سوف نرى ) لتبقى حدود سورية مع العدو آمنة لم تطلق فيها رصاصة واحدة منذ سيطر الأسد على الحكم سيطرة تامة وحتى اليوم- أربعة عقود منها ثلاثة في عهد الأسد الأب -باستثناء حرب تشرين التحريكية- كما سماها السادات- تلك التي احتلت فيها إسرائيل حوالي ثلاثين قرية سورية لتضمها إلى الأراضي التي احتلتها في حرب حزيران 1967.

أغلق حافظ أسد مكاتب الصاعقة ، وأرسل دباباته لتطويق معسكراتها ، فأنهى بذلك القوة المسلحة الوحيدة التي كان جديد يمسك بها ، كما أنهى من قبل من تبقى في الجيش والأمن من أنصار جديد ، من أمثال أحمد سويداني ، وأحمد المير ، وعبد الكريم الجندي ، ومن لف لفهم من الأتباع والأعوان لجناح جديد -الأتاسي- زعين- ماخوس ، لينهي دورهم إلى الأبد ، ولسان حاله يقول : هل من مبارز؟ بل إنه سخر من منتقديه المتطرفين ، وأفهمهم بطريقة ساخرة أو قاسية أنهم بموت جمال عبد الناصر لم يعد بإمكانهم الاختباء وراءه ، وإطلاق تهديداتهم الجوفاء ضد إسرائيل ، والتي تجرنا إلى معركة مع الإسرائيليين ليس الجيش مؤهلاً لخوضها ، ناهيك عن قدرته لكسبها على حد تعبير حافظ أسد.

7- سارع الأسد إلى إحكام سيطرته على المؤسسات الحزبية والمدنية ، كما أحكم سيطرته من قبل على المؤسسات العسكرية والأمنية ، فقام بتعيين قيادة قطرية مؤقتة جديدة ، كان عددها 14 عضوًا ، لم يلبث أن أضاف إليها عددًا لتبلغ واحدًا وعشرين عضوًا .

في مطلع عام 1970 كان أول ما قامت به القيادة القطرية المؤقتة ترشيح 173 عضوًا لمجلس نيابي معين ، أطلق عليه اسم : ( مجلس الشعب ) اختيروا من أطياف سياسية متنوعة ، ثم شرع الأسد في إجراء انتخابات حزبية في جميع أنحاء القطر ، انبثقت عنها قيادة قطرية ، وأخرى قومية ، فعزز سيطرته على الحزب الذي أضحى سلمًا للتسلق لسلالة جديدة من المنتفعين -حسب تعبير باتريك سيل صديق الأسد- ( ). شرع الأسد بتدمير ما بقي من جاذبية لعفلق ولأمين الحافظ ، بإقامة محاكمة بتهمة الخيانة لعفلق ومئة من أتباعه ، وكان معظمهم غائبًا ، ثم عمد إلى تشكيل الجبهة الوطنية التقدمية حسب تسمية الأسد لها ، والتي تم تدشينها فيما بعد بتاريخ 7- 3- 1973 ، كان يديرها في كل محافظة ويحكمها ثلاثة عناصر ، هم : أمين فرع الحزب ، والمحافظ ، ومدير الأمن السياسي الذي كان في الغالب عقيدًا علويًا يؤدي تسلسله القيادي في نهاية المطاف إلى حافظ أسد .

كان الأسد يستشير وينصت ، ويقلب الأمور على وجوهها ، غير أنه في النهاية كان وحده صاحب القرار ، وبالرغم من التركيبات الجديدة ، فإن حكمه كان شخصيًا ، وكانت دولته قد فرضت على المجتمع من الخارج ، ولم تكن نابعة من الداخل أو مشقة منه حسب ما أورده باتريك سيل .


الفترة الثالثة : الأسد رئيس للجمهورية (من عام 1971- وحتى عام 1977)


أعطى الأسد في البرلمان الذي عينته القيادة القطرية التي عينها أسد بعد سيطرته ، 87 مقعدًا للبعثيين -الموالين له- و11 مقعدًا للاتحاد الاشتراكي الناصري ، و 8 مقاعد للشيوعيين ، و 7 مقاعد للمستقلين التقدميين ، و4 مقاعد للاشتراكيين العرب -جماعة أكرم الحوراني- و 3 مقاعد للزعماء الدينيين ، ومقعدين للناصريين المستقلين .

عندما لم يبق أمامه معاند أو معارض بعد انتحار الجندي أو نحره ، أجرى اقتراعًا شعبيًا لرئاسة الجمهورية كان فيها المرشح الوحيد ، فنال في استفتاء نزيه جدًا!! في 12- 3- 1971 ما يزيد عن 99% كأول رئيس جمهورية في تاريخ سورية ينتمي إلى الأقلية العلوية .


أولاً : فتاوى بإسلام الأسد

وكيلا يثير الأسد في نفوس الأكثرية ردود فعل على انتخابه رئيسًا للجمهورية باعتباره من أبناء الطائفة العلوية ، سعى إلى عقد مؤتمر ديني ضم لفيفًا من رجال الدين العلويين وهم : عبد اللطيف إبراهيم مرهج ، وعبد الكريم الخير ، وحيدر محمد ، ومحمود صالح عمران ، وحسين سعود ، وسليمان العيسى ، وكامل حاتم ، وعبد الكريم علي حسين.

1- أصدر هؤلاء الشيوخ العلويون في مطلع تشرين الأول/ أكتوبر بيانًا أكدوا فيه على انتمائهم للإسلام ، وبإقرارهم بالشهادتين ، والتزامهم بأحكام الدين الإسلامي من أصول وفروع ، وأن أصول الدين خمسة هي : التوحيد والعدل والقرآن والسنة والإمامة والمعاد ، ثم دعم الأسد هذا البيان بفتوى من موسى الصدر ، نصت على أن العلويين طائفة من المسلمين الشيعة ، وبهذا أكد الأسد على انتمائه للإسلام بفتوى موسى الصدر الذي ذهب إلى ليبيا ولم يعد ، وبالبيان الذي أصدره شيوخ الطائفة العلوية ، ليصبح الأسد رئيسًا لالجمهورية السورية عام 1971 .

2- تحدث الأسد عن الحريات - بعد أن نصب نفسه رئيسًا لالجمهورية السورية -فانخدع الشعب لبرهة من الزمن ، واندفع وراءه ، أملاً في الانفراج ، وإنهاء لسيطرة الحزب البغيضة والمتسلطة على حياة السوريين ، ثم حدث تطور آخر ، أو بالأحرى خدعة أخرى ، وهي تشكيل الجبهة الوطنية التقدمية التي ضمت تجمعات سياسية صغيرة من غير البعث ، لكنها كانت ممنوعة من النشاط السياسي في صفوف الجيش والطلاب ، وبالرغم من ضعفها وقيامها بوظيفة الديكور التي تستر بها النظام على جرائمه ، فإن النظام عمل على شق هذه التنظيمات إلى شراذم صغيرة ، كالذي حدث للحزب الشيوعي ، وللاتحاد الاشتراكي الناصري ، وظلت هذه الجبهة لا تعني أكثر من اشتراك وزير يمثل حزبه في الوزارة ، مقابل أن تقوم أحزاب الجبهة -العتيدة- بوظيفة شاهد زور على الجرائم التي ارتكبتها السلطة في المجالين السياسي والاجتماعي ، لتساهم في سحق جماهير الشعب باسم الجبهة الوطنية التقدمية.

3- ما هي السيرة الذاتية أو موجز عنها لهذا الضابط الذي بلغ منصب رئيس الجمهورية ، وصار الحاكم الفرد المطلق لسورية ، وزرع الرعب في قلوب السوريين واللبنانيين والفلسطينيين ، وخرج على المحيط العربي كله بتعاونه الوثيق مع الإيرانيين ، وفعل بسورية ما لم يفعله استعمار أو انتداب أو أي حاكم في العهود الماضية.

ينتسب حافظ أسد إلى الطائفة العلوية من عشيرة لم تكن بشهرة العشائر العلوية القوية ، وكان والده يعمل سائسًا للخيل في أحد المخافر -خدمة خيل الدرك- وقد ذاق طعم الفقر إذ لم تكن عائلته ميسورة الحال.

كان جده سليمان قوي البنية ، اشتهر بالمصارعة والقدرة على التحمل ، فأطلق عليه أهل قريته اسم الوحش ، لكن هذا الوحش كان أحد الموقعين على العريضة التي رفعها بعض أعوان الفرنسيين من العلويين عام 1936 ، يطالبون فيها فرنسا أن تبقى في احتلالها أو انتدابها على سورية ، خوفا من تسلط أهل السنة عليهم كما جاء في المذكرة ، وكان عمر حافظ أسد إذ ذاك ست سنوات.

4- يفسر بعض الكتاب الباحثين تحرك العلويين السياسي وتقلبهم في الأحزاب العلمانية ( منذ دخل الفرنسيون إلى سورية، مثل القومي السوري والعربي الاشتراكي ، ثم البعث العربي الاشتراكي ، والحزب الشيوعي ، والأحزاب التقليدية كحزب الشعب والحزب الوطني ) تفسيرات دينية باطنية ، تبشرهم بظهور الأقنوم الإلهي على أسد ، كما يشير بذلك شاعرهم :

وسوف يظهر مولانا على أسد من عين شمس له بالأنفس الرهب ظهور كشف به يصفوا لشيعتنا ولا ينالهم من بعده نصب.

لقد ذكر ذلك الأستاذ محمد المجذوب رحمه الله في كتابه : الإسلامفي مواجهة الباطنية ، ونقله عنه عدد من الباحثين ، غير أني لا أميل لهذه التفسيرات في سيرة الأٍسد السياسية ، ولا أخذ بها ، بل أرجح عليها ما أقامه الأسد من علاقة سياسية خارجية سرية وثيقة ( نكشف الكثير منها ، وما زال بعضها مستورا لم يكشف ) ارتبط بها بدول كبرى كما سيأتي تفصيلها في سياقها الزمني بعد فترة ليست بالبعيدة.

إن ما أراه صوابا ، أو هو إلى الصواب اقرب ، ذلك الطرح الجنوني غير العادي لهذا المواطن السوري العلوي كي يصل إلى ما يطمح إليه عن أي الطرق ، وبجميع الوسائل ، وبكل الأساليب والتقلبات ، وركوب الموجات ، واللعب على ما يتاح له من الحبال ، وعندما وجد أن طريق الجيش والانتساب إليه هو أقرب السبل إلى بلوغ ما يطمح إليه ، التحق حافظ أسد بالكلية العسكرية في حمص عام 1951 ، وقبل ذلك التحق بحزب البعث وهو طالب في المرحلة الثانوية بعد مغادرته قريته القرداحة ، ونزوحه إلى اللاذقية ، أبدى نشاطا ملحوظا في الوسط الطلابي ، ليقود مجمعة البعثيين من رفقاء دراسته ، ويكون مسئولا عنهم ، ثم انتقل بعد حصوله على الشهادة الثانوية إلى الكلية العسكرية في حمص ، ومنها إلى مدرسة الطيران في حلب ، مع عدد من طلاب الكلية ، بعد نجاحه بالفحص الطبي ، والتي سرعان ما تحولت مدرسة الطيران في نفس العام إلى كلية للطيران.

5- بعد أن تخرج في كلية الطيران ، وحمل نجمة الملازم على كتفه ، ذهب ضمن بعثة إلى انكلترا للتدريب على الطيران ، وفي لندن أقام علاقة مع الإنكليز تحدث عنها عدد من أعضاء حزبه وممن رافقه ، إذ لفت انتباههم اختفاؤه لثلاثة أيام بدعوى إجراء فحوص طبية ، قبل عودتهم إلى دمشق ، وكثرا ما كنا نسمع من الفريق أمين الحافظ عن هذه العلاقة التي شهد بعض فصولها في إحدى الرحلات التي كان أمين الحافظ أحد أعضائها ، وبعضهم تكلم على لسان أحد زملائه عن صلات للأسد مع وزير الدفاع البريطاني ، أو مع وزير الدولة للشئون الخارجية طومسون كما يزعم أمين الحافظ ، ثم وقع الاختيار على حافظ أسد عام 1955للذهاب إلى مصر من أجل مزيد من التدريب على الطيران الحربي.

أ- تزوج الملازم حافظ أسد عام 1958 من آل مخلوف ذوي المال والجاه ، وكانت أنيسة مخلوف التي اقترن بها احد خريجات دير الراهبات القلب الأقدس الفرنسي ، ثم لم يلبث أن تركها في سورية عندما أوفده سلاح الطيران إلى الاتحاد السوفياتي على طائرات الميغ 15 و 17 التي كان السوفيات قد زودوا بها سورية ، ثم نقل ضمن السرب الذي كان واحدا من ضباطه إلى القاهرة في ظل الوحدة التي قامت بين سورية و مصر للتدريب على الطيران الليلي عام 1959.

عندا بلغ الثلاثين من عمره ، بدأ خطواته العملية في تعبئة الطائفية العلوية للقيام بالدور الذي كان يخطط له ، أو يتطلع إليه ، فسلط الأضواء من خلال نشاطه الحزبي والعسكري على زكي الأرسوزي لإبرازه قائدا كبيرا وفيلسوفا عبقريا يحجب به عفلق والحوراني والبيطار ، ويدفع به إلى منزلة القيدة الفكرية لحزب البعث العربي الاشتراكي ، بدعم من اللجنة العسكرية السرية التي ضمت عددا من أبناء الأقليات العلوية والإسماعيلية والدرزية.

بعد انفصام عري الوحدة ، دخل حافظ الأسد السجن ، لأربعة وأربعين يوما في القاهرة ، ثم عاد إلى دمشق ، ليقوم بحركة نشطة ما بين القرداحة ودمشق ، وما بين مقر قيادة القوة الجوية والتنظيمات الحزبية وفصرفته حكومة الانفصال ضمن ثلاثة ستين ضابطا من الجيش إلى وظائف أخر ، ثم شارك بانقلاب جاسم علوان الناصري ، لكن الأسد سرعان ما خلع ثيابه العسكرين وتخلى عن سلاحه ، ثم هرب إلى لبنان الذي أعاده إلى سورية ، فمكث في السجن بضعة أيام ، ليخرج سليما مافي من هذه المغامرة.


ثانيا : اختراق الجيش وتمزيقه

في اليوم الأول من انقلاب 8 آذار عام 1963 ، كان الأسد واحدا من قائم تضم ثلاثين ضابطا ، أعيدوا إلى الجيش ، ومعه جميع أعضاء اللجنة العسكرية السرية ، فنال رتبة المقدم ، إذ رفع من نقيب متجاوزا رتبة الرائد ، وعين آمرا لقاعدة الضمير الجوية أهم وأخطر قواعد سلاح الطيران في سورية ، وسرعان ما انتخب عضوا في القيادة القطرية للحزب الحاكم ، لتضاف إليه رتبة عقيد في أيلول 1963 ، هكذا قفز خلال ستة أشهر فقط من آذار إلى أيلول ن نقيب إلى مقدم إلى عيد ، ليحقق قفزات أخرى تسع به إلى قيادة سورية ، وكأ ، ه يطير ليها بإحدى طائرات الميغ التي كان يتدرب عليها.

لم يأت شهر كانون الأول 1964 أي بعد 22 شهرا من انقلاب 8 آذار حتى رفع حافظ أسد إلى ربتة لواء ، وعين آمرا للسلاح الجوي السوري ، فاختصر ربع قرن من الزمن كان عليه أن يقضيها لينتقل من نقيب إلى لواء ، دون أن يقوم بأي عمل استثنائي ، عسكري أو سياسي يقدمه لوطنه!

1- عندما بدأ الصراع بين الرؤوس ، وقف الأسد على مسافة واحدة من الجميع ، وحينما احتدم الصراع بين عمران وجديد ، انحاز إلى جديد ، وتخلص من منافس كبير هو اللواء محمد عمران وبإبعاده عن الجيش ، ثم القيام بتصفيته وقتله في وقت لاحق ، وعندما احتدم الصراع بين صلاح جديد وأمين الحافظ ، ترك الأسد لهما الساحة يتنازعان فهيا ، ويتشابكان كالذي يحصل بين الديكة في صراعها ، وذهب إلى لندن ، وهو قائد الطيران السوري ، في رحلة استجمام أو علاج أو ترتيب المستقبل السياسي لسورية في عاصمة الضباب ، وكان بصحبته ناجي جميل أحد كبار الطيارين السوريين ، وحسين ملحم آمر الشرطة العسكرية ، والطبيب يوسف الصايغ الذي اغتيل يما بعد ، ومتهما بأنه كان ضابط الاتصال بن الأسد والأمريكان واتصل الأسد خلال هذه الرحلة بوزير الدولة للشئون الخارجية في بريطانيا : طومسون ، دون أن يعرف أي تفسير لاتصال رئيس الطيران السوري بوزير الخارجية؟

لقد شاعت أنباء هذا الاتصال ، وبدأ الهمس بين حزبين كبار متسائلين عن دوافع هذه الاتصالات وهذا ما حمل باتريك سيل على وصف هذه الزيارة بالغامضة ، والمليئة بالأسرار التي لم يحن أوان الكشف عنها ، لأن الحكومة البريطانية لا تفرج عن الوثائق السرية إلا بعد مضي ثلاثين سنة باستثناء بعضها ذات الخطورة ، وأرجح أن هذه من ضمنها ، بدليل استمرار التكتم عليها رغم مضي حوالي 40 سنة ، وما زالت في خزائن الأسرار.

عاد الأسد من هذه الرحلة الغامضة إلى دمشق لتكون وزارة الدفاع بانتظاره.

2- استلم وزارة الدفاع ، ليقفز منها إلى سدة الرئاسة بعد فترة لم تكن بعيدة ، وليحكم سوريةحكمًا استبداديًا قمعيًا ( شغل شعبها عن الصراع مع إسرائيل ، وعن النهوض بالوطن ، وعن الاستمرار بالتنمية التي بدأها بعد الاستقلال ) بدعم بريطاني أمريكي إسرائيلي ، جلب للعدو الراحة والأمن والاستقرار والازدهار والطمأنينة ، ومكنه من بناء قوات يواجه بها العالم العربي ، فكانت إسرائيل سعيدة ، ومطمئنة لجارتها سورية بعد أن وقعت فريسة بيد هذا الطاغية حافظ أسد ، وسوف يأتي ذلك في حينه.

أما الجرائم التي ارتكبها هذا النظام ما بين 1966- 1970 من انقلابات وصراعات ، وسفك للدماء ، فحدث عنها ولا حرج ، فالأسد يتهم ( حاطوم ) تارة و ( عمران ) تارة ، و ( صلاح جديد ) تارة ، وأخطرها حدث وهو بعيد في لندن ، وعندما عاد تظاهر بعدم مشاركته ، وأنه لم يوافق على الأساليب التي استخدمت في حسم الصراع ، بل ذهب إلى السجون ، وأمكنة الإقامة الجبرية ليكسب ود الذين أبعدوا عن السلطة ، وزوج بهم في المعتقلات.

إن أخطر أشكال الباطنية هي التي تمتزج فيها الباطنية الدينية بالباطنية السياسية ، فتأتي بأخطر النتائج والكوارث ، وتنتهي بالبلاد والعباد إلى الخراب والدمار والمصائب الكبرى في حياة الشعوب ، واقتناعي كبير كما درست واطلعت أن الأسد نموذج لهذه الباطنية المزدوجة التي كانت سوريا ضحيتها ونكبت بها.


ثالثًا: التآمر على الشعب والأرض

قبل الخروج من هذه الفترة المظلمة 1966- 1971، والتي تعتبر لطخة عار في تاريخ سورية الحديث ، أو بالأصح بتاريخ هذه السلطة التي سرقت الحكم من يد صاحبه الحقيقي -وهو شعب سورية- نقف قليلاً ونتساءل : لماذا سلمت الجولان أمنع جبهات القتال العربية من دون قتال؟

ولماذا أمر وزير الدفاع الطائفي الجيش بالانسحاب الكيفي؟

ولماذا لم توزع الذخيرة على الوحدات إلا قبيل نشوب الحرب بقليل؟

ولماذا سحبت وزارة الدفاع ( طعام الطوارئ ) الجاف من العساكر قبل بدء المعركة بدعوى استبدال التموين دون أن يستبدل؟ ولماذا سلمت أسلحة بكاملها للعدو دون أن تستخدم ، كالذي جرى لسلاح الآليات البرمائية وقاذفات اللهب؟ ولماذا قطعت الكهرباء عن خطوط الدفاع وعن الألغام ، ليفاجأ بذلك المدافعون؟ ولماذا وقف الجيش السوري أربعة أيام متفرجًا على المصريين ، والعدو يدمر طائراتهم ومطاراتهم ودباباتهم ومدافعهم ومشاتهم دون مشاركتهم في القتال ، وفتح الجبهة السورية الشمالية على العدو ، ليخففوا من حمم الحرب وهي تنصب على رؤؤسهم؟

ولماذا وألف لماذا عن هذه الكارثة أو النكبة التي حلت بالوطن المغدور؟

1- ولرب قائل يقول : هل من المعقول أن يخون الإنسان وطنه وشعبه؟ ويسجل على نفسه وأمته هزيمة مخزية نكراء؟

إذا عدنا بالذاكرة قليلا إلى الوراء ، لعلمنا أن حافظ أسد ، بطموحه غير المحدود ، لتحقيق أهدافه المعلنة والمستبطنة ، وهذه الأخيرة مهمة جدًا ، ما كان له أن يبلغ ما يريد دون مخادعة الداخل ، والاعتماد على قوى نافذة في الخارج ، ففي الداخل خادع البعثيين والقوميين والناصريين واليساريين وغيرهم ، وركب جميع الموجات حتى لم يبق من ينافسه على طموحه وتحقيق أغراضه ، وفي الخارج اعتمد على صلاته بالإنكليز والأمريكان و إسرائيل ، وكانت هذه الصلات سرية لا يعرفها أي من رفاقه أو من المراقين والباحثين ، بل كانت تستخلص من سياسة حافظ أسد وسلوكياته ومراوغته وتكتمه ، ويستنتجها المحللون من تصرفاته وأساليبه ، فيتساءلون : لماذا قتل من الفلسطينيين أكثر من عشرة أضعاف ما قتله الصهاينة بدعوى أنه يريد أن يُعَقِّلهم؟

ولماذا راهن عليهم في أول صعوده ، ثم أصر على إيقافهم وإلغاء دورهم بدعوى أن المعركة مع العدو تتطلب جيوشًا نظامية وليس ميليشيات ومنظمات تحرجنا ، وتجرنا إلى حرب لسنا لها مستعدين!

ولماذا امتد شهر العسل بين هذه السلطة الباغية المتآمرة وبين العدو الصهيوني ( المتربص بسوريا المعروفة عند العرب جميعًا وعند الغرب كذلك أنها رأس الحربة في مواجهة العدو ) لأكثر من أربعة عقود ، بدعوى استكمال التوازن الاستراتيجي؟ باستثناء الصدام مع العدو عام 1973 الذي خسرت فيه سوريا 29 قرية ، ووصل فيه العدو إلى سفوح وقمم جبل الشيخ فصارت دمشق بمتناول العين أو أعين الأعداء المجردة ومرمى مدفعيتهم الموجهة بفوهاتها إلى عاصمة الأمويين التي يحمل لها الطائفيون حقدًا قديمًا يرجع بأزمنة سحيقة إلى عصور الإسلام الزاهية.

لماذا سرح ( بطل الجولان ) آلاف الضباط من ذوي الخبرة في القتال وفنون الحرب؟

كل هذا وأمثال كان لدى الدارسين والباحثين مبعث قلق وتساؤل دون أن يكون لديهم أدلة ساطعة ووثائق قاطعة على ما يبيته هذا الدخيل ، للوطن وأهله ، حتى بلغ الأسد في سياساته مع السوريين أن حطم معنوياتهم وأذاقهم طعم الجوع والقمع والاستبداد ، ومزق وحدة الشعب الوطنية التي مكنتهم من قبل في التغلب على انتداب دولة كبيرة مثل فرنسا ، وهم شعب صغير العدد ، انتزع حريته واستقلاله غير المشروط بتلك الوحدة الوطنية العتيدة ، والتي عمل الأسد على تحطيمها وتمزيقها شر ممزق بالنعرات الطائفية والعنصرية والجهوية وأمثالها.

لم يعد الأسد يخشى من كشف المستور ، وفضح الصفقات التي رهن بها الوطن ( والتي كانت وراء سياساته التي بث فيها الرعب في قلوب المواطنين ) لدى الدول الاستعمارية والأطماع الإمبريالية ، وأقدم على بيع أفضل بقعة إستراتيجية وأغناها في سوريا.

فما السر في هذا التفريط بالوطن العزيز على أهله؟

إن حكم الأقلية اعتمد على الدعم الخارجي كما رأينا فتغاضى الغرب عن كل جرائمه ضد الإنسانية التي اقترفتها يده الآثمة ضد المواطنين ، وقام بتغطية النظام سياسيًا وإعلاميًا ، فسكتت أمريكا وأوروبا ومن يدور في فلكهما من العرب على حالة الطوارئ التي امتدت أكثر من أربعة عقود ، بالرغم من أن الغرب لا يسكت على أي حكم عرفي يعلن في بلد أوروبي أو آسيوي إلا أيامًا ، وسكتوا على جميع الجرائم التي ارتكبها ، وأباد فيها عشرات الألوف ، وهدم بها قرى وأحياء وأجزاء من مدن كبيرة في سوريا و لبنان ، مثل حماة وطرابلس.

إن هذا الحكم القمعي بحاجة إلى استمرار الدعم من دول الغرب ومن العدو الصهيوني ، وبالوقت نفسه فإسرائيل قلقة من جبهة الجولان التي حصنتها الحكومات الوطنية السورية السابقة على انقلاب 8 آذار ، إسرائيل تخشى من مجيء حكومة وطنية جادة في التصدي للعدو ، فتكون الجولان المشرفة على شمالي فلسطين خطرًا مرعبًا للعدو ، كما حدث في أيام الانفصال يوم رصد الجيش السوري تحركات العدو في شمالي فلسطين ، وفي الأرض منزوعة السلاح بين الجانبي ، فكمن للعدو بخطة محكمة قضت فيها على مئات الجنود الصهاينة وكبدتهم أكبر الخسائر في معركة تل النيرب التي كانت وسامًا للجيش وخزيًا للعدو ، أو ردًا على تحرشاته المستمرة بعد أن كان الجيش السوري في ظل الوحدة ممنوعًا من أي رد على عدوان العدو الأمر الذي أقلق الأمريكان والإسرائيليين فعجلوا بالقضاء على فترة الانفصال في تفصيلات وردت في المجلد الثاني من هذه الصفحات ، وكي تضمن إسرائيلبقاء شهر العسل الطويل مع الأقلية المتسلطة على حكم سورية ، واستمرار هذا التعايش الدائم بين الجانبين في شمالي فلسطين ، وتطمئن على مصيرها مما تشكله هضبة الجولان من خطر عليها ، وخشية أن تقع الهضبة في أيدي حكومة وطنية ، طالبوا سرًا بهضبة الجولان والاعتراف بإسرائيل نظير الدعم المستمر لنظام حكم الأقلية في دمشق. 2- كثيرون لا يصدقون حدوث هذا التفريق بالوطن وأهله ، ومنهم شخصيات وهيئات إسلامية ، كانت مخدوعة بالحرب الإعلامية التي كانت السلطة السورية تشنها على العدو دون النظر بعمق إلى سياسات النظام حيال العدو الصهيوني حتى وقعت أحداث سياسية كبيرة ، كشفت ما كان مستورًا من دعم إسرائيل لنظام الأقلية في سورية.

كانت أمريكا تتغاضى عن جرائم النظام السوري ، وتسكت عن حالة الطوارئ الدائمة في سوريا ، وتطلق يده في لبنان ، لمطاردة المقاومة الفلسطينية والجبهة الوطنية ، وفي كل فترة تستنكر أمريكا تصرفات النظام من قبيل ذو الرماد في العيون ، وكانت سلطة دمشق تدرك هذا وترد بتصريحات عنترية ضد أمريكا وإسرائيل إدراكًا منها لموقف أمريكا الحقيقي المتفق سرًا عليه.

حدث تبدل في السياسة الأمريكية بعد أزمتها في العراق وأضحت بحاجة إلى أوروبا لتقف بجانبها ، لكن أوروبا بقيادة فرنسا كانت شامتة بأمريكا إذ قال شيراك : لقد فتحت أمريكا على نفسها أبواب جهنم. قادت فرنسا حملة ضد النظام السوري بعد اغتيال الحريري ومن سبقه ومن لحق به في لبنان ، وطالبت بإسقاط النظام أو محاكمته ، واستصدرت قرارًا من مجلس الأمن بسحب الجيش السوري من لبنان ، واضطرت أمريكا لموافقة فرنسا وأوروبا على ذلك ، أملاً في دعم أوروبا لأمريكا في أزمتها بالعراق ، وصرحت بوجوب تنفيذ قرار مجلس الأمن بسحب جيشها من لبنان ، فظنت سوريا أن التصريح الأمريكي لا يعدو كونه مناورة كما كان شأن التصريحات الأمريكية التي سبقته ، فصرح عماد فوزي الشعبي أن سوريا لا يستغنى عنها في لبنان وإن أي قوة أخرى لا تستطيع ضبط الأمن اللبناني ، ولاسيما في الجنوب ، وصرح فاروق الشرع : أن سوريا ستنسحب من لبنان بعد عامين ، فأصرت أمريكا تضامنًا مع فرنسا على وجوب الانسحاب ، فلما أدركت سوريا أنكا جاد هذه المرة ، وليس تصريحها للاستهلاك شأن ما سبقه من تصريحات ، حزمت أمرها ، وأصدرت أوامر للجيش بالانسحاب قبل التاريخ المحدد ، وصار يسمع تصريحات الأوروبيين والأمريكان عن محاكمة المسؤولين في النظام السوري ، وعن تغيير في دمشق ، وهنا اضطرت إسرائيل لتكشف عن حقيقة موقفها من نظام حافظ أسد ، ومساندتها له ، وحمايته من أي خطر يتهدده ، ومارست حكومة العدو ، وعبر اللوبي الصهيوني في أمريكا ، ضغطًا شديدًا وحازمًا ومعلنًا محذرة من أي تفكير في تغيير النظام الذي هو -كما قال العدو- أفضل نظام لإسرائيل ، وقال عبر سياسييها ووسائل إعلامها : إن البديل سيكون الفوضى أو وصول متشددين -تعني الإسلاميين- إلى السلطة ، فاضطرت أمريكا للتراجع عن سياستها الجديدة ، واستبدلت بتصريحاتها موقفًا جديدًا قالت فيه : إن أمريكا لا ترمى إلى تغيير النظام السوري ، بل تهدف إلى تغيير سلوكه!! وهكذا لم يبقى أمام الحائرين في السياسة السورية والمتشككين ما يقولونه في تفسير أو تبرير ما يدافعون به عن دولة الممانعة والصمود ، بعد انكشاف الحقيقة لكل ذي عينين ، بل لكل ذي أذنين إذا أراد ألا يبقى عقله معطلاً ومشلولاً.

دأب الإعلام الإسرائيلي منذ حوالي ثلاث سنوات يحذر الأمريكان بأي مس في النظام السوري يرمي إلى تغييره ، ودأبت الصحافة الإسرائيلية تدافع عن النظام السوري ومبررات استمراره ، ثم جاء دور القادة السياسيين الإسرائيليين في الدفاع المعلن عن النظام ، وتذكير آل الأسد بما قدموه لهم من حماية من أي عدوان عليهم ، فرئيس الوزراء الإسرائيلي أولمرت قال لماهر الأسد عبر مبعوثه ألون لنيل : بأن إسرائيل أوقفت عدة عمليات كان الأمريكان سينفذونها من العراق ضد مواقع سياسية في سورية ، مثل قصر المهاجرين في دمشق ، وقصر الرئاسة في اللاذقية ، ورئاسة الأركان السورية ، ومقر الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد ، هذا ما نشر في شهر أيار عام 2008.

وقبل ذلك بشهر أي في نيسان صرح أولمرت رئيس وزراء إسرائيل : أن إسرائيل لا تزال ترفض إسقاط النظام السوري وأنها لا تزال تتمسك بالفيتو الذي وضعته على الإدارة الأمريكية في شأن أي عمل عسكري من شأنه إسقاط النظام الحالي في سورية .

إن هذه الأحداث والمواقف الإسرائيلية تجاه نظام الأقلية في دمشق ، ( وفي دعم إسرائيل لسورية ، واتفاقهم معها منذ فترة طويلة ، لم يعد سرًا كما كان منذ حوالي أربعين سنة ) يفسر كثيرًا من السياسات التي ظل المراقبون في حيرة من أمرها ، ومنها حرب حزيران عام 1967 وحرب 1973 ومنع أي عمل للمقاومة السورية والفلسطينية ضد إسرائيل ، وسحق المنظمات الفلسطينية في لبنان.. وغير ذلك كي يدرك كل سوري أن بلده يباع في سوق النخاسة لصالح تمكين الأقليات الطائفية أو من يقودها ويتحدث باسمها ويورطها في صراعات مدمرة مع الأكثرية ومع أتباع المذاهب الأخرى مما سيأتي مفصلا بوثائقه ومراجعه ، إذ وقع خارج هذه الفترة السادسة التي حكم فيها حافظ أسد من عام 1971 وحتى 2000 عام وفاته ، وكانت أحداثه في المرحلة السابقة التي سلمت فيه سوريا لوريثه بشار أسد ، كرئيس للجمهورية السورية في شهر حزيران عام 2000 لتتوارثها عائلة حافظ أسد في نظام جديد وفي عالم السياسة هو الجمهورية الوراثية في بلدنا الجريح.

3- رأينا وقرأنا لسامي الجندي ما طلبه منه وزير خارجية حافظ أسد إبراهيم ماخوس للاتصال بمندوب إسرائيل وتساؤله عن سبب اختياره لهذه المهمة لإسكاته عن أشياء كثيرة كان فيها شاهدًا ، وأن اتصالات جرت حسب اقتناع الجندي عن طريق أكثر من دولة ثالثة ، وفي أكثر من عاصمة كما نقل عنه باتريك سيل في كتابه عن الأسد ص229- 230.

وضمن النقاط المهمة التي عرض لها الجندي في كتابه ( كسرة خبز ) عن تسليم الجولان والإعلان عن سقوطها قبل وصول العدو إليها ، قال لي ماخوس : أنها -أي الإعلان عن سقوط القنيطرة- كانت خطة ماهرة لإعراب العالم من أجل إنقاذ دمشق!!

يقول الجندي : قلت لماخوس : وما الثمن الذي ندفعه لاستعادة الجولان؟

قال : الاعتراف بإسرائيل.

وهذا هو بيت القصيد ، وهذا ما مررنا به سريعًا من قبل.

يقول صاحب كتاب ( سقوط الجولان ) : تتحدث أوساط السوريين عن أمر لا يقل خطورة عن هذا الذي صرح به سامي الجندي. يقول الملازم الأول عضو الوفد السوري إلى لجنة الهدنة المشتركة : لقد استدعيت إلى مكتب رئيس الوزراء الدكتور يوسف زعين بتاريخ 9 حزيران 1967 في الساعة العاشرة ليلاً ، فوجدت عددًا من أفراد لجنة الرقابة الدولية في مكتب زعين ، برفقة السفير -.....- في دمشق ، وأرجح أنه الأمريكي في سوريا ، فقام الضابط الملازم الأول بالترجمة بين رئيس الوزراء ومخاطبيه ، قال السفير : إذا لم تسحب القيادة السورية قواتها من الجولان فإن القوات الإسرائيلية لن ترضى هدفًا يتوقف زحفها عنده إلا دمشق.

فسأله زعين : وما هي الحدود التي تريد إسرائيل الوقوف عندها؟

قال السفير : هل عندكم خريطة؟ فأبرز الملازم الأول خريطة...

وضع السفير عليها عددًا من النقاط التي يجب أن يمر بها خط الحدود الجديد ، وتتوقف عنده القوات الإسرائيلية ، إذا قامت السلطات البعثية بسحب قواتها خارجًا عنه.

يقول الملازم الأول المترجم : وافق الدكتور زعين ، ووعد السفير بتحقيق ما طلب ، وغادر الجميع مكتب رئاسة الوزراء على هذا الأمل ، وفي الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي صدر بلاغ سقوط القنيطرة بالتفصيل الذي مر معنا وقرأناه. ثم أدخل الضابط المترجم سجن المزة بعد تسريحه من الجيش ، لأنه باح بالسر ، وشرع يتحدث به أمام عسكريين .

هل أحرج هذا المصاب -هزيمة حرب الجولان- يوسف زعين ، و حافظ أسد ، و إبراهيم ماخوس ، و نور الدين الأتاسي ، ومن لف لفهم؟

كلا ، بل رفع هؤلاء التقدميون الثوريون رؤوسهم عالية كمنتصرين على العدو ، فقد قال إبراهيم ماخوس كبير الباطنيين في هذه الزمرة في أحد الاجتماعات الحزبية : أيها الرفاق : لا تنسوا أن الهدف الأول من الهجوم الإسرائيلي هو إسقاط النظام أو الحكم التقدمي في سورية ، وكل من يطالب بتبديل النظام وتغيير حزب البعث هو عميل لإسرائيل.

وقال أحد أبطال حرب الجولان أو بالأصح تسليم الجولان قائد الجيش البعثي :

- أنا ، كمسؤول لم أستشر في البلاغ رقم 66 الذي أعلن عن سقوط القنيطرة ، وكمواطن سمعته من الإذاعة كغيري .

ومع ذلك شهد أحمد سويداني و إبراهيم ماخوس وغيرهما : أن لا أهمية لسقوط جزء من الأرض ، ولو وصل العدو إلى دمشق وحمص وحلب ، طالما أن التقدميين استمروا بالسلطة ، فالأرض يمكن تعويضها ، أما الحكم التقدمي ، إذا سقط فلا يمكن تعويضه ، ولا أهمية لمدينة القنيطرة عاصمة الجولان التي نهبها العدو ، وأفرغ منها ومن القرى المحيطة بها 120 ألفًا من سكانها ، طالما أن الأقلية الطائفية استمرت في حكم سوريا .

4- ظهر الخامس من حزيران اتصل سفير دولة كبرى في دمشق -.....- يرجح أنه السفير السوفياتي بمسؤول سوري كبير ، ودعاه إلى منزله لأمر عاجل وهام ، فتم الاجتماع في الحال ، نقل السفير للمسؤول السوري نص برقية عاجلة تلقاها من حكومته تؤكد أن سلاح الجو الإسرائيلي قد سحق سلاح الجو المصري ، وقضى عليه قضاء مبرمًا ، وأن المعركة بين العرب وإسرائيل قد اتضحت نتائجها منذ الساعة التاسعة ومن ذلك الصباح ، وإن كل مقاومة أرضية ستلحق خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات لا مبرر لها ، وأن إسرائيل لا تنوي مهاجمة النظام السوري بعد أن يتم لها تأديب جمال عبد الناصر.

وبانتهاء الزعيم المصري تتفتح الآفاق العربية أمام الثورية البعثية من المحيط إلى الخليج ، وإن إسرائيل -من قبل ومن بعد- هي بلد اشتراكي يعطف على التجربة البعثية الاشتراكية ، وخاصة البعثية العلوية ، ويمكنها أن تتعايش وتتفاعل معها لمصلحة الكادحين في البلدين ، وقد يكون ذلك منطلقًا نحو تسوية نهائية على أسس الأخوة الاشتراكية -كان حزب العمل إذ ذاك يحكم إسرائيل- ولذا فمن مصلحة سورية ومصلحة الحزب ومكاسب الثورة أن تكتفي بمناوشات بسيطة ، لتكفل لنفسها السلامة.. أو التزامًا بما سبق الاتفاق عليه سرًا.

عاد المسئول السوري ليبلغ السفير استجابة الحزب والحكومة والقيادة لمضمون البرقية العاجلة ، وهكذا كان ( وهذا هو سر امتناع السلطة السورية عن دخول المعركة جديًا لأربعة أيام ، والاكتفاء بمناوشات حدودية كما رأينا من قبل ) غير أن إسرائيل التي ضمنت بقاء حكم الأقلية واستمراره في سورية ، لا تسمح بأن يكون هذا الجار قويًا ، بل ينبغي أن يكون حكمًا هزيلاً ضعيفًا لا يقوى على مجابهة أو مواجهة ، وهذا لا يكون إلا بقمع شعبه واضطهاده مواطنيه العزل ، وحسبه البقاء في السلطة ، وأن يمسك بتلابيب الحكم ، لهذا لم تكد إسرائيل تنتهي من عملياتها العسكرية في الجبهتين الجنوبية والشرقية ، وتفرغ من سحق القوات المصرية ، تدميرًا وقتلاً وأسرًا ، وتعسكر على ضفاف القنال الشرقية ( لأن بطل القومية العربية جمال عبد الناصر قال : ظننا أن العدو سيأتينا من الشرق ، فإذا به يأتي من الغرب!! ) وكذلك من الجبهة الشرقية بعد ضرب الطيران الأردني والقضاء عليه ، حتى انتقلت بثقلها إلى الجبهة الشمالية مع سورية ، وسرعان ما سقط خط ماجينو السوري دون قتال كما رأينا من قبل ، وانسحبت فلول الجيش السوري المغوار إلى دمشق لحماية مكاسب الثورة من أعدائها الداخليين ، وتثبيت الحكم التقدمي الثوري الاشتراكي.

سحقت إسرائيل سلاح الطيران سوري الذي لم يكن مستعدًا للمعركة ، ولا مؤهلاً لها ، لأن معظم الطيارين السوريين الأكفياء الذين تدربوا في أمريكا وإنكلترا والاتحاد السوفياتي ، ومهروا في القتال الليلي ، وأثبتوا كفاءات عالية في المناورات القتالية الجوية ، قد سرحوا من الجيش وشردوا ، فلم تجد إسرائيل من يحد من قدرتها على تدمير الطيران السوري ، وإلحاق الهزيمة بالجيش واحتلال الأرض التي لم تعد تجد من يحميها ويدافع عنها .

كانت وسائل الإعلام الغربية تدرك الكثير من بواطن الأمور قبل أن يحيط بها المواطنون السوريون ، وأكتفي بما قالته مجلة التايم الأمريكية ذات الشهرة الواسعة في 23- 6- 1967 : أنقذ الهجوم الإسرائيلي على سورية خلال حرب حزيران ، النظام البعثي المتطرف فيها.

5- مذ ذاك اليوم الذي فاحت فيه رائحة الخيانة والتفريط والغدر بالوطن والشعب ، ساد هدوء عجيب على الجبهة ، وحرم النظام على السوريين والفلسطينيين أي نشاط يعكر العلاقة ما بين النظام الأسدي و إسرائيل ، وأغلقت الحدود الجديدة في وجه التنظيمات الفدائية ، بما فيها الصاعقة التي أنشأها النظام في سورية كجزء من كيانه وقواته وحزبه ، ومن يعكر هذا الهدوء ، ويتحدث عن أرض الجولان أو أي عمل فدائي فيها ، يلقى مصيره الأسود ، ويزج به في غياهب السجون لعشر أو عشرين أو ثلاثين سنة كما حدث لعدد من أبناء فلسطين المقاومين والفدائيين ، فكان في ذلك شهر عسل طويل الأمد بين الحكم الطائفي في دمشق ، وبين العدو الذي احتل فلسطين كلها ، وابتلع الجولان ، وصار قريبًا من دمشق ، واعتلى جبل الشيخ المطل من بعيد على عاصمة الأمويين ، ليستمر شهر العسل -المسموم- أكثر من أربعة عقود ، ورجال السلطة المتسترون بالبعث والجبهة التقدمية زورًا ، سادرون في غيهم ، يزدادون كل يوم عنفًا وقمعًا للمواطن السوري ، وينهبون ثروته ، ويستبيحون قيمه وحرمته ، وهم في الوقت ذاته ، يحظون بالحماية الإسرائيلية التي ترفع الفيتو في وجه أي دولة تفكر في النيل من النظام السوري القمعي الذي يحكم في ظل قانون عرفي دائم ، ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية ، الأمر الذي أمسى معروفًا ومعلنًا في السنوات الخمس الأخيرة للخاصة والعامة على حد سواء.

الفترة الرابعة : الحكم الاستبدادي المطلق (من عام 1971 وحتى 1977)

منذ تمت السيطرة الكاملة لحافظ أسد على مقدرات سورية وعلى كل مرافقها ، وبعد أن أقصى جميع المنافسين والمعارضين ، شرع بصياغة المجتمع السوري صياغة جديدة مغايرة ومنافية لثوابت الأمة في العقيدة والفكر والتوجهات الفطرية ، ودفع الطاغية جماهير الشعب باتجاه الفساد والانحراف والابتعاد عن الإسلام في المجالات التربوية والتعليمية والأخلاقية والإعلامية ، مسخرًا كل أجهزة الدولة والحزب في تكريس هذه السياسة المعادية والمناوئة لمعتقدات الشعب وقيمه ومثله الراسخين :


أولاً: برنامج الأسد في الحكم

بدأ الأسد في طرح دستور جديد ، وقوانين جديدة ، وتنظيمات إدارية ، ومؤسسات اقتصادية... الخ في ظل أحكام الطوارئ ، إذ لا يستطيع مواطن أن يرفض أو يعترض أو ينتقد أي شيء صادر عن الديكتاتور ، وإلا واجه السجن والتعذيب والموت.

1- في منتصف شهر نيسان 1971 أصدر الأسد دستورًا علمانيًا يعطي لحافظ أسد صلاحيات واسعة جدًا وغير مسبوقة في تاريخ الحقوق الدستورية ، في أي دستور سوري سابق وحتى في عهد الانتداب ، فالرئيس يستطيع أن يصدر مراسيم تشريعية في غياب البرلمان ، وحتى في حال انعقاده ، والبعث في هذا الدستور -الذي فرضه الديكتاتور- النشاز هو قائد الدولة والمجتمع حسبما جله في المادة الثامنة منه ، وهذا يعني أن المواطنين جميعًا خارج حزب السلطة ، هم مواطنون من الدرجة الثانية.

ثارت ثائرة الجماهير السورية ، وعلى رأسهم العلماء والإخوان المسلمون ، والجمعيات الإسلامية ، والمنظمات النقابية والعمالية والطلابية معارضين لهذا الدستور الاستبدادي الذي يكرس الطائفية والدكتاتورية وطبائع الاستبداد ، تحرك هؤلاء جميعًا بما يشبه الانتفاضة في 31- 1- 1973 ، قابلتها السلطة الغاشمة بحملة ظالمة ، وقمع وحشي أدى إلى سقوط قتلى وجرحى ، وإلى اعتقال أعداد كبيرة من القادة والناشطين من الإخوان ، وزوجت بهم في غياهب المعتقلات ، وكان منهم الشيخ سعيد حوى رحمه الله من حماة ، والشيخ محمد علي مشعل من حمص ، والأستاذ فاروق بطل ، والأستاذ علي البيانوني من حلب ، والدكتور حسن هويدي من دير الزور ، وغيرهم.

مكث هؤلاء الإخوان في السجن سنوات متباينة ، فمنهم من خرج بعد فترة وجيزة كالدكتور حسن هويدي ، ومنهم من مكث في السجن خمس سنين مثل الشيخ سعيد حوى وسنتين مثل الشيخ محمد علي مشعل ، وعند خروج الشيخ سعيد من معتقله عام 1978 كان الإخوان قد كلفوني بمهمة المراقب العام ، فدخلت سورية في حين غفلة من بغاتها حذرًا مترقبًا ، والتقيت مع الشيخ سعيد في مساء اليوم الذي دخلت فيه لساعتين أو يزيد ، ثم التقيته في اليوم التالي من الصباح إلى ما بعد العصر ، لأسمع منه كل تفاصيل الاعتقال والتحقيق ، ومباحثات رجال السلطة والأمن مع المعتقلين ، والضغوط التي مورست عليهم ، لقراءة أفكار رجال السلطة بعمق وفهم شامل.

2- استمر الأسد في تضليل السوريين بانتخابات زائفة ، واستفتاءات مزورة ، وحريات غائبة ومصادرة ، ومن ذلك ما أجراه من انتخابات الإدارة المحلية ، ليشغل المواطنين بقضايا جزئية وأمور صغيرة يعاونون فيها المحافظ في صلاحياته التنفيذية ، كي يصرفهم عن القضايا الكبرى ذات الصلة بمصير الوطن ومستقبله وسياساته الخارجية والأمنية والاقتصادية.

أعطى المواطنين هامشًا من الحرية في الترشيح لانتخابات أعضاء الإدارات المحلية في المدن الكبيرة ، فإذا به يفاجأ بانصراف الناخبين عن مرشحي الحزب الممقوت لدى المواطنين السوريين الذين عبروا عن ذلك في أول فرصة واتتهم في انتخابات الإدارة المحلية.

وبالرغم من أن الإخوان المسلمين قد اتخذوا قرارًا بعدم المشاركة في انتخابات الإدارية المحلية ، بل قاطعوها ، اقتناعًا منهم بأنها مهزلة وتضليل ، وشغل للمواطنين بأمور صغيرة وثانوية ، وصرفهم عن قضايا التخطيط والتشريع والقوانين و الدستور التي هي محتكرة لدى السلطة والحزب والعسكر ورجال الأمن ، دون جماهير الشعب التي تعامل كما يعامل القاصرون الموضوع تحت الوصاية.

إن القضايا التنفيذية محصورة بأمين فرع الحزب بالمحافظة ، وبالمحافظ البعثي ، وضابط للأمن برتبة عقيد يكون بعثيًا وعلويًا كما يقول صديق الأسد باتريك سيل.

شارك الناصريون والمستقلون في انتخابات الإدارة المحلية ، وتلقوا دعمًا من أعضاء الإخوان ضد مرشحي حزب البعث ، فظهر بشكل جلي الحضور القوي لتنظيم الإخوان في الشارع السوري ، فكشفت هذه الانتخابات لحافظ أسد مواقف المواطنين من سلطته ، ليقتص منهم في الوقت المناسب كما فعل ذلك في مناسبات كثيرة مع رفاقه في الحزب ، وفي اللجنة العسكرية ، ومع عدد من أبناء طائفته ، والمعروف عن الأسد أنه لا ينسى حقده ضد من يختلف معه ولو بعد حين.

3- مرت جماعة الإخوان المسلمين في هذه الفترة بمحنتين كبيرتين ، واحدة فما بينها من انشقاق وانقسام شطرها إلى نصفين متقاربين في الحجم ومتنازعين ، وثانية تمثلت في هجوم السلطات عليها ، وزج قيادتها في السجن ، لمعارضتها الدستور الذي وضعه حافظ أسد ، أو وضعه له الدكتور محمد الفاضل عميد كلية الحقوق ، ورئيس الجامعة فيما بعد.

أ- اشتد المرض بالشيخ الكبير والقائد التاريخي لجماعة الإخوان المسلمين الدكتور مصطفى السباعي ، وأقعده عن الحركة الدؤوبة التي عرف بها ، فأسند المهمة إلى الأستاذ الكبير عصام العطار أمد الله في عمره في أواخر الخمسينيات ، فلم يرق هذا الأمر إلى لفيف من الإخوان في عدد من المراكز ، فحاولوا إبعاد الأستاذ عصام ، والإتيان بمراقب آخر ، فأغاظ هذا التصرف عددًا من أنصار الأخ عصام ومحبيه ، فجاء رد الفعل لدى فريق منهم -كان الأستاذ زهير الشاويش عضو مكتب دمشق والنائب عن دمشق فيما بعد- على رأسهم ، فطالبوا بالبيعة للشيخ عصام ، ولم تكن فكرة البيعة مطروحة في تنظيم الجماعة في سورية قبل ذلك ، لأن وظيفة المراقب العام الذي ينتخبه مجلس الشورى لأربع سنوات مهمة إدارية ، تنتهي بانقضاء السنوات الأربع ، ليجدد له مجلس الشورى ، أو يأتي بمراقب آخر ، وكانت مجموعة عصام قد طالبت أن يستكمل الشيخ عصام مدة المراقب العام ، ثم يصار إلى تثبيته أو انتخاب بديل عنه ، جاء رد الفعل على ذلك بالرفض ، وحصل جدل طويل بين الفريقين : المؤيد والمعارض ، فأدى ذلك إلى انقسام كبير ، كان الشيخ عبد الفتاح أبو غدة -رحمه الله- على رأس أحدهما ، وكان يضم مركز حلب واللاذقية وبعض الإخوان في المراكز الأخرى ، وضم الفريق المؤيد للشيخ عصام : مركز دمشق وحمص وبعض الإخوان في المراكز الأخرى ، ثم ظهرت كتلة ثالثة ضمن مراكز الدير وإدلب وحماة ، أعلنت حيادها ريثما ينجلي الموقف والخلاف عن حل يقدمه مكتب الإرشاد لهذا الانشقاق النكد في تنظيم جماعة الإخوان المسلمين في سورية ، وبعد أن تمخضت الوساطة التي طال أمدها والجدل حولها عن اختيار كاتب هذه الأحرف مراقبًا عامًا رفض إخوان دمشق هذا الحل ، وأعلنوا عدم التزامهم به ، فتكرس الخلاف ، وانضم مركز دير الزور برئاسة الدكتور حسن هويدي إلى فريق دمشق ، وانضم مركز حماة إلى فريق حلب ، وكان الشيخ سعيد حوى رحمه الله ناشطًا في قرار مركز حماة ، أما مركز إدلب فقد تريث حتى أقر مكتب الإرشاد فيما بعد انتخاب الفقير إلى رحمة ربه ، فانضم إلى التنظيم الذي أقره مكتب الإرشاد ، كما انحازت أكثرية مركز حمص برئاسة الشهيد الشيخ محمود سويد إلى التنظيم الذي حظي بموافقة مكتب الإرشاد ، غير أن قسمًا كبيرًا برئاسة الشيخ محمد علي مشعل ظل مواليًا للإخوة في دمشق ، وبعد انتهاء كتلة الحياد صار معظم الإخوان في حلب وحماة واللاذقية وجزء كبير من حمص ودرعا ، وشطر من التنظيم الفلسطيني الإخواني في سورية ، وبعض فروع الفرات والجزيرة مع التنظيم الدولي المدعوم من مكتب الإرشاد ، وذهب الفقير إلى عفو ربه إلى القاهرة لإعطاء البيعة ل المرشد العام الذي كان انتخابه سريًا ، لا يعلم به إلا رؤساء الإخوان المصريين في المحافظات ، والمراقبون العامون في الأقطار العربية الأخرى ، فأديت البيعة وعدت أدراجي إلى سورية التي ظللت أدخلها سرًا لمدة ثلاث سنوات ( 1976 و 1977 و 1978 ) وأقوم بواجبي في ربوعها مما سيأتي فيما بعد مفصلاً.

استمر مركز دمشق ومعه إخوة من حمص برئاسة الشيخ محمد علي مشعل حفظه الله ، ومعظم مركز درعا ، وشطر راجح من التنظيم الفلسطيني ومركز دير الزور ، وأعداد قليلة من المراكز الأخرى خارج هذا التنظيم لفترة طويلة ، عاد البعض إلى التنظيم واستمر البعض لولائهم للشيخ عصام الذي اتخذ من ألمانيا مقرًا دائمًا له بعد أن حرمته سلطات البعث الطائفي من دخول سورية ، والعودة إلى بلده إثر أدائه فريضة الحج منذ وقت مبكر في عام 1964.

ب- قامت السلطات الباغية باعتقال كبار العلماء في سورية ، وكبار الشخصيات الإخوانية بعد عقدهم اجتماعات في مدن سورية الكبرى ، في دمشق وحلب وحمص وحماة ، مطالبين بتثبيت الهوية الإسلامية في الدستور السوري كما كان شأن الدساتير السابقة في سورية ، فتم خطف الشيخ سعيد حوى رحمه الله من بلدة المعرة التي كان مدرسًا في ثانويتها ، ويذكر الشيخ محمد علي مشعل أنه فوجئ ببيان موزع باسمه يدعو الناس إلى حضور الصلاة في مسجد حمص الكبير ، وإلقاء محاضرة بعد صلاة الجمعة حول الدستور ، ولم يكن يعلم عن هذا المنشور المفترى عليه ، والذي ربما كان الذريعة لاعتقاله ، وبعد أدائه صلاة الجمعة في مسجد آخر ، وتوجهه إلى منزل مفتي حمص الشيخ طيب الأتاسي ، بدعوة منه لتناول طعام الغداء ، مع عدد من المسؤولين الحكوميين ، أوقفته سيارة المخابرات ، ودعته لمرافقتهم لدقائق ثم يعود ، فلم يرجع إلى بيته إلا بعد سنتين من 2/5/ 1965 إلى 5/6/ 1967 م ، ثم تتالت حركت الاعتقالات في حلب وحماة ودمشق ودير الزور ، لتشمل عددًا من مشاهير العلماء ، ولاسيما قيادات الإخوان المسلمين ، ليمكثوا في السجن مددًا متفاوتة ، ويلاقوا ألوانًا من التعذيب والاضطهاد على أيدي الجلادين في سجون الطاغية ، لأنهم أدلوا بآرائهم بصورة سلمية بعيدة عن الإثارة والعنف وتحريض المواطنين.

لقد أدت هذه الاعتقالات إلى كشف التنظيمات الإخوانية أو شطر كبير منها ، فحلت بالجماعة كارثة أعاقت المسيرة الإخوانية لفترة طويلة ، فلم يعد أمام أعضاء التنظيم الإخواني إلا الصمت أو الاعتقال أو الإعدام ، محرومين من حقوقهم المدنية ، في معتقداتهم وآرائهم والتعبير عن أفكارهم ومشاركتهم في شؤون بلدهم ومستقبل وطنهم.

ج- في هذه الفترة التي استتب فيها الأمر في سورية لحافظ أسد ، ونال فيها تأييد عدد كبير من الدول العربية والغربية ، تطلع إلى دول البترول ، وإلى الثروات الأسطورية التي درها عليها الذهب الأسود ، وشرع بإرسال المندوبين والوفد السورية إلى دول الخليج ، وفي مغازلة الأمراء والمسؤولين ، وتمتين العلاقات الدبلوماسية معهم ، وفتح السفارات السورية في عواصمهم ، ولاسيما في دولة الإمارات الغنية ، ومع رئيسها الشيخ زايد بن سلطان الذي كان يستجيب لأي دعوة في التضامن العربي. في ذات يوم حضر وفد كبير إلى أبو ظبي عاصمة الإمارات ، وعقد عدد من أعضاء الوفد لقاء لأعضاء الجالية في القاعة الكبرى بفندق هيلتون حضره حوالي سبعين سوريًا ، فتكلم فيه مصطفى طلاس بكلام لا يصدق لو لم نسمع كلماته بأذاننا ، قال لأعضاء الجالية :

- ماذا فعلتم بالعيد الوطني ل لإمارات ، وكيف كانت مشاركتكم فيه قال بعضهم : شاركنا بسيارة سارت مع موكب الاحتفال بعد تزيينها ورفع لافتات التأييد والتهاني عليها.

فقال طلاس : ليس هذا كافيًا.

وأشار بحركة في رأسه علامة على الرفض ، ثم قال هذا الرجل الذي كان منشغلاً بإصدار كتب عن الطبخ الاشمي والورد الجوري -الأحمر- والحسناوات السبع عشرة ، قال- فض فوه- :

- سنأتي في العيد المقبل بطائرة خاصة -شارتر- مليئة بالبنات ليشاركن باحتفالات العيد الوطني لدولة الإمارات.

تحمست للرد عليه أو مناقشته ومطالبته بالإفراج عن المعتقلين من العلماء وقادة الإخوان ، وكان بجانبي التاجر الدمشقي ع. ص ، فقال بإلحاح :

- أعزم عليك أن لا تحرج الجالسين ، وتحرج نفسك.

فلذت بالصمت ، ولدى انفضاض اللقاء خرجت إلى الطابق الثامن حيث ينزل طلاس في غرفة -سويت- فدخلت إليها فلم أجد أحدًا فيها ، فجلست بالصالون ، ليدخل بعد لأي طلاس وضابطان ، يحمل كل منهما رتبة عقيد على كتفه ، وبعد أن جلسوا جميعًا قلت لمصطفى طلاس :

- لماذا لا تطلقون سراح الشيخين سعيد حوى و محمد علي مشعل ومن معهما من الاعتقال؟

قال : هؤلاء يتدخلون في السياسة.

قلت : ألم تصدر أنت كتابًا بعنوان : الرسول القائد؟ أليس هذا عملاً سياسيًا؟

فانعطف في حديثه إلى منحى آخر قائلاً بحدة وشدة :

- لن يخرج هؤلاء من السجن ونحن في السلطة ، لا نريد أن نكرر خطأنا يوم أخرجنا من السجن خصومنا ( لم يسمهم ولم يذكر أسماءهم ، ولم يشر إلى الفترة التي عناها ) ثم قال : لو أن أحد حلفائنا في الجبهة الوطنية عارضنا أو نازعنا مثل خالد بكداش لكسرنا رأسه -حسب تعبيره-.

كان طلاس يتحدث بهذا الحزم وهو ينظر إلى وجهي العقيدين اللذين لم أكن أعرف من هما ، لينال بنظراتهما الموافقة والاستحسان ، فخرجت مودعًا ومتسائلاً عن العقيدين ، علمت أن أحدهما كان علي دوبا ، وأن الآخر كان علي حماد ، فعرفت سر موقفه المتشدد تقربًا إلى اثنين من أقطاب الأقلية الحاكمة.

4- بعد أن استلم الأسد سورية من بابها إلى محرابها ، وأضحى الحاكم الفرد في شؤونها ومصيرها وجميع سياساتها الداخلية والخارجية ، قرر تلميع صورته ، وإظهار شخصه كبطل لتحرير الأرض التي سلمها للعدو في حرب حزيران 1967 ، عسى أن يسترد بعض اعتباره الضائع ، فقرر دخول حرب جزئية مع إسرائيل في تشرين الأول عام 1973 بالاشتراك مع مصر ، في ظل وضع داخلي متأزم ، وبجيش لم يبق فيه ضابطًا عريقًا ذا خبرة فنية أو عسكرية قتالية ، وبأسلحة قديمة مهترئة أكل الدهر عليها وشرب ، كانت قيد التنسيق في الجيش السوفياتي قبل بيعها وتصديرها إلى سورية ، فضاع في هذه الحرب عام 1973 جراء هذه الرعونة السياسية والجهل العسكري لضابط ترفع من نقيب إلى لواء خلال فترة قصيرة ، كما عرفنا ذلك من قبل ، ليخسر الوطن مجددًا 36 قرية كما جاء في بعض المصادر ، لم يدخلها العدو في حرب 1967 ، وليضمها إلى ما احتله من أرض سورية كان قد استولى عليها من قبل إثر هزيمة الجيش السوري ، وتسليم الجولان والتفريط به دون مقاومة أو قتال.

كان العراق قد قرر خوض المعركة بجانب أشقائه السوريين في حرب 1973 ، وقد كلفه هذا الموقف وذاك القرار ثمنًا باهظًا إذ فتح عليه الغرب -أوربا وأمريكا- جبهة في الشمال عندما حركوا الأكراد في ثورة عارمة في المناطق الجبلية الوعرة ضد بغداد .

أرسل العراق قوات عسكرية إلى الجبهة السورية الإسرائيلية لحماية دمشق ، ولدعم الجيش السوري ، دخل العراقيون من شمالي سورية وهم يهتفون : الجيش السوري لعيونك ، وجيناك لنشيل همومك ، واستقبلهم المواطنون بالترحيب والهتافات وتبجيل الأخوة والنخوة العربية.

كانت القوات العراقية تضم 18 ألف مقاتل ، و100 طائرة ، وأكثر من 300 دبابة وآلية بقيادة نائب الرئيس العراقي طه ياسين رمضان ، لتخوض المعركة مع الجيش السوري ضد العدو الإسرائيلي ، وطالما سمعنا من فم الأستاذ طه تفصيل هذه المشاركة ، وما تلقاه العراقيون من غدر السلطة السورية ، قال طه رمضان ( الذي شغل منصب القائد العام للجيش الشعبي طيلة حرب السنوات الثمانية بين العراق وإيران ) : زحفت قواتنا على عجل لتشارك في المعركة ، فأخذت مواقعها في الجبهة كسند للقوات السورية ، وكانت إسرائيل قد شرعت باحتلال أجزاء من الأرض السورية ، واسترجعت ما كان السوريون قد احتلوه في بداية الحرب ، فكانت كفة العدو راجحة وزحفه متواصلاً ، فعقدنا اجتماعًا مشتركًا ضم القيادات العسكرية السورية والعراقية ، ووضعنا خطة للقيام بهجوم معاكس ، وحددنا ساعة الصفر ، وذهب الجميع إلى مواقعهم متحفزين ومتلهفين لمعركة الثأر ضد العدو الذي كان يعربد ويصول في ساحة المعركة ، ولم تمض ساعات قليلة ، وقبيل أن تحين ساعة الصفر بقليل ، إذا بي أسمع من الإذاعة في منتصف الليل أن حافظ أسد قد وافق على وقف إطلاق النار مع العدو الذي احتل ذرى جبل الشيخ ، واحتفظ بالقرى التي احتلها ، وصار الطريق أمامه إلى دمشق مفتوحًا ، فقد صار جنود العدو يرونها من فوق جبل الشيخ بالعين المجردة.

فعل الأسد ذلك وأقدم عليه دون تشاور معنا ، بل ودون إخطارنا عما كان يبيته من وراء ظهورنا بعد أن اتفق معنا في وضع خطة الهجوم المعاكس.

كان موقفنا صعبًا ومعقدًا ، بل وخطيرًا جدًا ، لأن وقف إطلاق النار الذي قبله السوريون لا يشملنا ، ولا يحمي قواتنا من أي هجوم مباغت بعد أن أضحت في حالة حرب مع الصهاينة ، فكان علينا أن نحمي وحداتنا العسكرية من أي مفاجأة مدمرة ، فعملنا على لم شتاتها وسحبها من مواقعها إلى أمكنة مأمونة نوعًا ما ، بعد أن فوجئنا بهذا التصرف حيال قوات جاءت لخدمتهم ، فإذا هم يكشفون ظهرها ، ويدعونها ( دون تفاهم معها ) لقدرها ، وهكذا انطوت هذه الصفحة المأساة من الغدر والنكث والانحراف.

5- أدى هذا الموقف أو هذه السياسة الأسدية تجاه العراق الذي هب لنجدة أشقائه في سورية ، إلى جفاء كبير بين البلدين ، وإلى أزمة ثقة حادة بين دمشق وبغداد ، انتهت إلى صراع مكشوف ، وكيد متبادل بين بعث سورية وبعث العراق ، ولاسيما بعد أن لجأت المعارضة السورية إلى بغداد ، لتلقي لديها تسهيلات كبيرة في البث الإذاعي ، والتدريب معسكر التاجي الشهير ، وقبول مئات في الجامعات والمعاهد العراقية ، ومنح السوريين المعارضين جوازات سفر عراقية بلغ عددها في فترة من الفترات حوالي ألف ومائتي جواز تقلصت فيما بعد إلى عشر جوازات يحملها قياديون من تنظيم الإخوان المسلمين السوريين.

تبادل الفريقان الاتهامات والتراشق الإعلامي ، واتهم العراقيون النظام السوري بالغدر وعدم الوفاء ، وكان التسلل الحدودي بين الفريقين على قدم وساق حتى اضطرت السلطات السورية إلى أقامة ساتر ترابي بارتفاع خمسة أمتار على طول الحدود بين البلدين.

والذي أؤكده على مسؤوليتي ، وأسجله في هذا السياق أن العراقيين لم يكرهوا المعارضة أو يساوموها ، أو يطلبوا منها ولو بصورة غير مباشرة تأييد حزبهم أو مواقفهم أو سياساتهم طيلة مكث المعارضة في العراق التي امتدت زهاء ربع قرن أو يزيد منذ أواخر السبعينيات وحتى العام 2003 عندما اجتاحت جحافل الجيوش الغربية وبعض الدول العربية بقيادة أمريكا ، العراق ، ودخلت بغداد ، وأسقطت نظام الحكم فيه ، بعد حصار قاس استمر بضعة عشر عامًا ، مهد للاحتلال ، وهدم العراق ، والتبشير بإعادة البناء من قبل الهدم ، كي تتسابق الشركات الأمريكية وغيرها لابتزاز المليارات ، وأحيانًا لنهبها باسم إعادة البناء ، كما شهد بذلك عراقيون رسميون وغير رسميين من لجان النزاهة ، واللجان البرلمانية ، بعد استباحة العراق ، واقتراف جرائم ضد الإنسانية على أرضه ، وانتشار الصهاينة كمستشارين في الوزارات ، وعاملين في الشركات في طول العراق وعرضه. واأسفاه.

غير أن المقاومة ضد الاحتلال جاءت أكبر مما توقعه الأمريكان ومن يسير في ركابهم ، فلجأ المحتلون إلى شراء الذمم باسم مكافحة الإرهاب ، وبسط الأمن ، فوجدوا من يبيع دينه وضميره وانتماءه الوطني ، ويتسابق إلى قبض الدولارات ، الأمر الذي أضعف المقاومة وضيق عليها ، دون أن يستطيع المحتلون وعملاؤهم القضاء عليها ، لأن المعركة طويلة ، ولربما امتدت سنوات وسنوات ، وقد أحرجت المقاومة الوطنية المنظمة -وليست الفوضوية والطائشة- الأمريكان في العراق وفي داخل أمريكا ، وفي المحيط الدولي في العالم كله.

6- أصاب المسخ كل معالم الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والفكرية السورية في ظل حكم الأقلية النشاز ، وفي مقدمة ذلك مجلس النواب الذي كان ، من قبل ، يهيمن على شؤون البلاد ، ويحاسب الحكومات ويغيرها ، ويسن القوانين ، ويضع الميزانية ، فإذا به في ظل الطوارئ ، وفي عهد الطاغية يتحول إلى تمثيلية أو إلى -حزورة- حسب تعبير آلن جورج في كتابه الوثائقي -سورية لا خبز ولا حرية- يبصم للطاغية على كل جرائمه ، ويصدق عليها ، بعد أن يصدرها على شكل لوائح وقوانين. كان الأسد يحدد حصة كل حزب من أحزاب الجبهة التقدمية ( التي تشكل غطاء لكل جرائم النظام ومواقفه المخزية وانحرافاته وقراراته الخطيرة ، مثل توقيع الاتفاقات مع الصهاينة ، وإعدام المعارضين في انتماءاتهم الحزبية ) قبل إجراء الانتخابات ، ليوافق المجلس بالإجماع على المواقف المخجلة ، أو إن شئت المخزية ، مثل انتخاب بشار أسد الذي كان عمره يوم وفاة أبيه 34 عامًا ، و الدستور يشترط على المرشح أن يكون قد بلغ الأربعين من عمره ، فما كان من المجلس العتيد إلا أن يعقد جلسة لم تستغرق أكثر من نصف ساعة لتعديل الدستور ، ليجعل عمر المرشح 34 سنة بدلاً من أربعين - على مقاس المرشح الذي جيء به من مقاعد الدراسة في لندن- في اليوم الذي توفى فيه حافظ أسد في 10- 6- 2000 ، ليبايع -بإجماع من هكذا مجلس- قائدًا لسورية ، ورئيسًا لجمهوريتها إلى الأبد ، في تجديد مستمر وسريع كل سبع سنوات دون أي اعتراض أو عائق.

وعندما عرض القانون 49 لعام 1980 على المجلس العتيد الذي أضحى موضع التندر والسخرية في جميع الأوساط السياسية والدستورية في العالم ، والذي يقضي بإعدام كل من ينتسب إلى تنظيم الإخوان المسلمين ، ولو كان داخل السجن قبل صدور ما يسمى بالقانون 49 ، تبارى نواب مجلس نواب حافظ أسد في خطبهم ، وهم يحثون على إعدام أعضاء الإخوان بخطب قرأتها في الجريدة الرسمية ، وهي تشكل مصدر خزي لهذا العهد ، ووثيقة على إمعانه في الإجرام وسفك الدماء ، لا أظن أن السوريين يغفلون عنها ، لأنها من النوع الذي يستعصي على التقادم أو النسيان.

لقد حدثني شخص من حماة أرسلته السلطات إلى مكة ثلاث مرات في عام واحد بفيزا عمرة ، وهذه لا تعطى إلا مرة واحدة في العام ، ولكن الدوائر النافذة تستطيع تجاوز ذلك بما لديها من صلاحيات وعلاقات ، وكانت المهمة التي كلف بها الرجل هي الاستدراج إلى ريب المنون ، وعندما التقيته صارحني بما كان بيننا من ود سابق ، وشرح لي أن رئيس الشعبة السياسية استدعاه ، وطلب منه السفر إلى دمشق بطلب من رئيس الاستخبارات العسكرية ، وزعم أن الأخير كان يتصل بين الفينة والفينة مع رئيس له يرجح أنه حافظ أسد ، وذلك من أسلوب مخاطبته لمسؤول كبير ، وبعد أن كلفه بالمهمة وعده بدفع مبلغ مجز ذكر أمامي رقمه ، ومنحه سيارة ، ومقابلة يشرف بها بلقاء الطاغية ، وليس هذا بعجيب أو غريب على نظام ينفق معظم الدخل العام على أجهزة الظلم والبطش والتنكيل بالمواطنين ، لكن الذي فوجئت به هو الوعد الذي تلقاه بأن ينتخب عضوصا في برلمان السلطة في انتخابات نزيهة للغاية ، وهكذا كان النظر إلى البرلمان وإلى أعضائه ، ومهماتهم الجليلة للوصول إليه ، رحم الله المواطن أبو محمد أحمد. ج الذي وافته المنية ، ولولا ذلك لما أبحت لنفسي أن أشير إلى هذه الواقعة التي تكشف عن القيمة الحقيقية لمجلس النواب في ظل الحكم الشمولي ، وعن نظرة المتسلطين إليه واستخدامه أو استخدام العضوية فيه في الأغراض الأمنية الوضعية!!

ومع ازدراء البغاة لهكذا برلمان ، لا يخجل الطاغية أن يقول في خطاب افتتح فيه البرلمان في مطلع 1973 :

من حَرَم المجلس المقدس يشع نور الحرية ، ليملأ أرجاء الوطن كله ، ومن خلال هذا المجلس تضمن ممارسة الحرية بمعناها الحق والصحيح .

في كل ما قرأته عن الفراعين والأكاسرة والقياصرة والطغاة والبغاة في السابق واللاحق ، وفي القديم والحديث ما رأيت مثل حافظ أسد في التضليل والتدليس وتشويه الحقائق والجرأة على الشعب كله ، على الأمم كلها في إشاعة الكذب والأباطيل المكشوفة كالشمس ، وهو يصر على أنها الحقيقة الناصعة دون أن يرف له جفن أو يشعر بأي حرج ، بل يجمع حوله من يصفق له على ذلك ، وهو يرفع يديه مفاخرًا ومباهيًا ، وإن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى ، إذا لم تستح فاصنع ما شئت ، صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-

7- كلما ازداد المتسلطون على الحكم في سورية ثراء وغنى ازدادوا طمعًا وشرهًا وتعطشًا لجمع الثروات بكل سبيل متاح ، وكما قال السجين الدكتور عارف دليلة في كلمة ألقاها في أجواء ربيع دمشق ، وهو الخبير الاقتصادي الكبير :

«لا أمل من أي إصلاح سياسي ، لأن المتسلطين لا يشبعون ، وكلما نهبوا وسلبوا وجمعوا الثروات الطائلة ، يقولون : هل من مزيد؟ ثم قال : أنا أقول هذا اليوم ، ما قد قلته من فوق مدرج جامعة دمشق عام 1980 يوم كانت الكلمة تورد صاحبها موارد المهلكة  ».

وفي هذا السياق وجد رؤوس الفساد الإداري والمالي في زراعة المخدرات والمتاجرة بها أقرب السبل لجني الثروات الأسطورية ، فاتخذوا من سهل البقاع وغيره في لبنان مزارع واسعة ( بحماية القوات السورية ) ومهابط لطائرات الهليوكوبتر ، لشحنها إلى تركيا عبر الأراضي السورية ، وإلى قبرص عبر الطائرات ، لتدر عليهم مليارات الدولارات.

إن أفراد عائلة الأسد هم المسيطرون على زراعة وتجارة المخدرات ، وعلى رأسهم رفعت أسد ، وأبناء جميل أسد ، و محمد ابن توفيق أسد ، وقد حددت بعض المصادر أرباح كل منهم بأرقام خيالية.

أ- كان محمد بن توفيق الأسد يقود عصابة من العصابات العديدة التي يقودها أبناء عائلة أسد ، فقتلت في اصطدام مع المخابرات العسكرية رجلين أو عنصرين ، أحدهما برتبة مساعد ، والآخر برتبة رقيب ، عندما حاول حاجز للمخابرات اعتراض سيارات تنقل مخدرات من طرابلس بلبنان إلى منطقة الحدود التركية ، فاتصل جميل أسد برئيس فرع المخابرات العسكرية في اللاذقية ، يأمره بإرسال من يستلم جثة الكلبين -على حد تعبيره- اللذين نصبا كمينًا لمواطنين آمنين.

ومن اللافت أنه لم يجر أي تحقيق رسمي في مقتل رجلي الأمن اللذين قتلهما مجرمون مهربون للمخدرات بقيادة محمد بن توفيق الأسد شقيق حافظ الأسد .

ب- كان الدخل الأكبر من زراعة المخدرات من نصيب رفعت أسد ، رئيس القوة النافذة في سورية و لبنان ، وهي سرايا الدفاع التي بدأ تشكيلها بقوة متواضعة عام 1971 ثم استفحل أمرها حتى بلغت 55 ألفًا ، جلهم من أبناء الطائفة العلوية ، يملكون أحدث الأسلحة ، وأكثرها تطورًا ، وأشدها فتكًا للقيام بالمهمة الموكولة له ، وهي حماية الثورة والسلطة ورئيسها حافظ أسد.

لقد قرر البعض دخل رفعت من المخدرات التي كانت تزرعها وتسوقها بثلاثة مليارات دولار ، يقوم بتهريبها إلى أوروبا وغيرها برًا وجوًا ، حتى ضج الأوربيون المختصون بمكافحة المخدرات ، فلاحقوه ، وتحركوا ضد عبر اللجان المختصة والقضاء لولا الحصانة الدبلوماسية والعلاقات السياسية والمصالح الاقتصادية ، والصفقات المتبادلة التي تعقد خلف الكواليس ، لقد سمعت من الشاعر الدكتور أحمد سليمان الأحمد أحد أعوان رفعت ومناصريه ، ورئيس رابطة الخريجين التي كان يمسك بها رفعت قبل أن يتحول أحمد سليمان إلى المعارضة ، فقد ذكر أن ثروة رفعت بلغت 17 مليار دولار موزعة ما بين الدول الأوربية -فرنسا وسويسرا وإسبانيا وغيرها- وبين القارة الأمريكية ، ولاسيما الولايات المتحدة.

أما ثروة باسل أسد ، فجرى لغط كبير حولها ، لأن البنوك السويسرية لها نظام خاص بالمودعين لديها ، فإذا مات المودع يفقد حقه في مبلغه إذا كان عزبًا ، أما إذا كان متزوجًا فله شطر يسلم إلى عائلته ، وهذا ما أحدث أزمة بعد مقتل باسل الأسد ، فعمل والده على إصدار أوراق يثبت بها زواجه -شكليًا- حتى استطاع استرجاع شطر من ثروته ، وليس لدي وثائق بهذا الموضوع ، غير أن الشيء المؤكد أن عائلة الأسد كما ذكرت بعض المصادر الغربية التي تحدث عن أغنياء العالم ، أضحت من العائلات ذات الثراء العريض.

8- وضح لنا في صفحات سابقة أن الجبهة الوطنية التقدمية لم تكن أكثر من ستار أو شاهد زور للتستر على لسياسات الأسد القمعية والأمنية ، والداخلية والخارجية ، والعلاقات في المحادثات مع العدو الإسرائيلي ، غير أن ما تضيفه في تسجيل أحداث هذه الفترة ما قاله حافظ أسد عن هذه الجبهة ، ومدى ازدرائه لها ونظرته الدونية إليها.

في عام 1970 عقد الأسد اجتماعًا للقيادة القطرية التي تحدث فيه عن رؤيته السياسية فقال : إن أحزاب سورية تطلعت طيلة تاريخها نحو هدف واحد ، هو الالتحاق بالجهاز الإداري للسلطة ، رغم أنها كان تغطي رغبتها هذه بصراخ مسعور حول عزمها القيام بثورة تقلب فيها الأوضاع رأسًا على عقب ، بل إن هذه الأحزاب تحدثت عن الثورة بسبب عجزها عن الالتحاق بجهاز السلطة الإداري ، واعتقادها أن صراخها سيخيف الحكام ، وسيقنعهم بإلحاقها بهم ، نحن -قال الأسد- سنلحقهم بجهازنا الإداري ، وسنفيد منهم في رؤاها ، مقابل إلحاقهم بسلطة لا تقدم شيئا في سياسة الدولة ولا تؤخر ، وبالمقابل سيبقى هناك على الدوام بضع مئات من أصحاب الأوهام الذين يعتقدون أن الدنيا تسير بالمبادئ والمثل العليا ، هؤلاء سنحاول شراءهم بالمال أو السيارات أو بالبيوت ، أو سنورطهم سياسيًا ، فإن نحن أخفقنا في تحييدهم ، أدخلناهم إلى السجون ليموتوا فيها.

ثانيًا: اغتيال الفكر والكلمة

يرفع البعث شعاراته الثلاثة ، ومنها الحرية ، غير أن أحدًا في تاريخ المنطقة في العصر الحديث ، لم يذبح الحرية من الوريد إلى الوريد كما فعل هذا الحزب ، في أي مكان حل فيه ، أو تحكم بأهله ، فمنذ تسلم البعثيون للسلطة عام 1963 ، باشروا رقابة شديدة على المطبوعات في ظل الأحكام العرفية وقانون الطوارئ الذي تنص الفقرة ب من المادة الرابعة منه ، أن للدولة حق الإشراف على الصحف والكتب والإعلان والفنون الجميلة ، وبكلمة أخرى ، جميع صيغ التعبير والإعلان قبل النشر والطبع ، ولها أن توقف أو تصادر أو تدمر أي عمل تراه يهدد أمن الدولة.

كذلك للمخابرات دورها في الرقابة على المطبوعات ، فهم أحيانًا يحتجزون المفكرين المثقفين مدة محددة ، ومن ثم يكون حصولهم على عمل أمرًا عسيرًا. أما السجن والتعذيب فهما مخصصان بصورة رئيسة للمفكرين والمثقفين ، حتى ولو كانوا يدافعون عن حرية الكلام والتحول السلمي إلى الديمقراطية ، وهذا ما أوصل بعض المعارضين إلى حالة اليأس ، والبعض الآخر إلى اختيار المنفي ، مما ألحق بالثقافة السورية أسوأ الضربات في أثناء حكم حافظ أسد .

إن اللجنة العسكرية البعثية عندما أمسكت بتلابيب السلطة عام 1963 سحقت كثيرًا من المثقفين ، واستدرجتهم بوسائل الترغيب والترهيب إلى صفوفها ، فالمؤيدون يحصلون على وظيفة جيدة وعيش رغيد ، أما من يمارس حرية النقد فإنهم لا يستطيعون الحصول على عمل ، أو أنهم يعاملون بقسوة ، ويهددون في حياتهم على أنهم عملاء للاستعمار ، وحتى أنصار السلطة أذاقهم البعث -عندما ينتقدون- مرارة العلقم .

1- عندما اشتد صراع الأسد مع جديد ، أرسل الأسد دباباته في 25-2- 1969 إلى مكاتب جريدتي البعث والثورة في دمشق ، فأزاح رؤساء التحرير ، وكبار المحررين ، وعين بدلهم محررين موالين له ، من بينهم غسان رفاعي رئيس تحرير جريدة الجيش ، أما الذين جاملوا وداهنوا الأسد مثل محمود كامل ، فقد استمروا محتفظين بمناصبهم.

في منتصف آذار عام 1978 طرد الأسد : علي سليمان رئيس تحرير جريدة الثورة لفشله في وصف اجتياح إسرائيل لجنوبي لبنان بالطريقة المناسبة.

وفي 19- 6- 1978 عزلت سلطة الأسد رئيس تحرير جريدة البعث عدنان بغااتي متهمة إياه بالميول الشيوعية.

وفي نفس الشهر منعت السلطة عشرة من الصحفيين من العمل الصحفي ، متهمة إياهم بالتعاطف مع المعارضة.

وكذلك فعل الأسد بإعلاميي الإذاعة ، ولم تنته سبعينيات القرن الماضي حتى لم يبق لأي إعلامي أو صحفي موقف شخصي أو رأي خاص. بل سبق لمدير أمن دمشق أن استدعى عددًا من الكتاب رفعوا مذكرة إلى الوزارة ، وإلى اتحاد الكتاب طالبوا فيها بوضع حد للقوائم السوداء ، فهددهم بأوخم العواقب إن استمروا في الحديث عن ذلك ، وكان من هؤلاء الكتاب : زكريا تامر ، وسعد الله ونوس ، وغيرهما .

على الصحفي الذي يريد أن يحافظ على وظيفته أن يتبع بدقة الخطوط العريضة اليومية التي تحددها وتصدرها وزارة الإعلام ، ومكتب الإعلام التابع لنائب الرئيس خدام والمكتب الصحفي الرئاسي.

تمادت السلطات في رقابتها على المفكرين والكتاب والصحفيين والإعلاميين بما يشبه محاكم التفتيش ، ليحاسبوهم على خواطرهم ومشاعرهم وكل ما ينطقون به أو ما يصدر عنهم ، وإن لم يكن معارضًا أو منتقدًا ، لقد استجوبوا صحفيًا محرر لطبعه صورة لحافظ أسد ، بدا فيها قصيرًا وبدينًا ، بالرغم من أن الصورة جاءته من المكتب الصحفي الرئاسي ، واستجوبوا محررًا آخر ، وقع في خطأ مطبعي ، وردت فيه كلمة طبل بدلا من كلمة بطل ، فاتهم المسكين بقدح الرئيس ، واستمر استجوابه لمدة أسبوع كامل في مخابرات القوى الجوية ، وفقد محرر وظيفته عندما أعاد نشر نص من القرن التاسع عشر ، يدعو الناس إلى معارضة الحكم الاستبدادي المطلق ، فأخبره مكتب الرقابة في حزب البعث أنه لا يوجد له ولمثله من الكتاب مكان في سورية ، فلاذ بالسفر وغادر وطنه إلى الخارج ، واعتقلت المخابرات في عام 1975 مروان حموي رئيس وكالة الأنباء السورية ، متهمة إياه بمناصرة العراق والتعاطف معه ، وسجنته على إثر ذلك في سجن المزة ، وقد مضى على سجنه خمس عشرة سنة وما يزال بالسجن حتى صدر تقرير المنظمة عام 1990 ، وعاقبت رئيس تحرير جريدة تشرين عميد الخولي -الماروني- بسبب زلة تحريرية بسيطة أشارت إلى الرقابة السورية بكثير من التوجس ، فعدته السلطة مسؤولا عن غلطة في فقرة معزولة.

وفي وقت لاحق صدر بيان عن مؤتمر عمان أيد العراق في حربه مع إيران ، وبالرغم من أن الأسد وقعه ، وأن عبد الحليم خدام وافق على نشره ، ثارت ثائرة الأسد متهمًا عميد الخولي بعدم الموالاة ، وجرده من كل مسؤولياته على الفور.

والخلاصة ليس لأي محرر أن يكتب ما يشاء فيما يخص حافظ أسد ، كما لا يسمح للمحرر بالإشارة مهما كانت محدودة إلى دور العلويين في النظام ، أما الإشارات النقدية للمنظومة العسكرية ، فهي خارج أي تصور أو إجراء ، وإن أي مناقشة عن أجهزة الأمن وعناصره ، فمحرمة أطلاقًا ، والنقد الموجه لحزب البعث يعد خطرًا داهمًا ، ولو جاء بصيغة صادقة بريئة .

2- بعد أن دخلت القوات السورية إلى لبنان في مطلع 1976 ، صارت الصحافة اللبنانية هدفًا لها ، ففي 31- 1- 1977 هاجم جنود الصاعقة صحيفتين انتقدتا سورية ، وهما صحيفة المحرر المؤيدة للفلسطينيين ، وجريدة بيروت المناصرة لالعراق ، وبعد ضرب الجريدتين بالصواريخ أشعل جنود الصاعقة النار فيهما بالنفط ، وقتلوا سبعة أشخاص ، وجرحوا عددًا أكبر ، كان من بينهم الكاتب الصحفي المصري المعروف إبراهيم عمر ، كما احتلوا جريدتي النهار والسفير ، وفي ذات الوقت طالب الأسد الرئيس اللبناني إلياس سركيس فرض رقابة صارمة على الصحافة اللبنانية ، وفي وقت لاحق من هذا العام احتل الجيش السوري مواقع سبق صحف ومجلات وأغلقها.

في السنوات اللاحقة على هذه الإجراءات القمعية القاسية ، هاجرت مجلتا الحوادث و الدستور من لبنان ، لتستقرا في لندن ، ولم يبق إلا الصحف التي خضعت للسلطات السورية .

كما أقدمت عناصر الأمن على طرد الصحفيين الذين يتطرقون إلى موضوعات لا ترضي الرسميين إلى خارج البلاد بأسلوب فظ ومعاملة غير لائقة ، ففي شهر كانون الثاني من عام 1986 حضر رجال المخابرات إلى فندق شيراتون في دمشق ، واقتادوا مراسلة نيويورك تايمز إلى المطار قبل وقت قصير من موعد مقابلة لها مع وزير الخارجية فاروق الشرع ، ومن دون أن يقدموا لها أي سبب أو إيضاح ، فقد نقلوها على عجل إلى المطار ، ثم إلى خارج البلاد.

يتعامل النظام السوري بقسوة أكبر من الصحفيين العرب الذين يتوجهون بالنقد ، سواء أكانوا يعملون في الخليج أم في أوربا ، وقد قال بعضهم ، ومنهم الصحفي السوري المبعد محي الدين اللاذقاني الذي كان يمارس مهنته في جريدة الوحدة في أبو ظبي ، قال : إن الناشرين تعرضوا لضغوط كثيرة بهدف طردهم من أعمالهم ، وقال آخرون : إنهم تعرضوا لمعاملة وحشية عدوانية ، أو تلقوا تهديدات مختلفة. 3- الكتاب الذي هو عنوان عريض من عناوين التقدم والرقي والتحضر ، عدو بغيض للتتار الجدد الذين استولوا على دمشق ، وانتهكوا حرمتها ، ودفعوا بها إلى عهود التخلف والجهل والانحطاط ، فالنظام الثوري التقدمي يراقب الكتب بشدة وغلظة ، وكذا المسرحيات وقصائد الشعر والمحاضرات أو أي تعبير عام أو خاص عن الأفكار والآراء وأي فن قولي ، غير أن أشد ألوان الرقابة تصب كل ثقلها على التحليل السياسي والعقائدي والديني والاجتماعي ، وبشكل خاص ما يتعلق بالمناقشات عن سورية والشرق الأوسط ، فالكتاب في نظر النظام التقدمي ينبغي أن يعكس وجهة النظر الرسمية قليلاً أو كثيرًا. لقد ضيقت السلطة على استيراد الكتاب من القاهرة لمدة طويلة ، ومن بيروت التي دمرت بوصفها مركز النشر بسبب الحرب الأهلية ، واحتلال مخابرات النظام السوري لها ، مما أدى إلى قطع استيرادات الكتاب منها .

يعمل أكثر من رقيب على كل كتاب ، يقرأ الخبير الأول الكتاب ، ويعد تقريرًا عنه ، ثم يرسل لاحقًا إلى رقيب آخر أعلى مسؤولية وصلاحية ، حتى يصل إلى أعلى المستويات تسلسلا خلال العديد من المكاتب والدوائر ، وأخيرًا تصل المواد الأكثر حساسية إلى مكتب الوزير!!

يبلغ الرعب بين الرقباء درجة قصوى عندما يأتي الاعتراض على عمل ما ، سبق أن ووفق على نشره من جهات عليا ، وربما تحصل الموافقة على توزيع عمل ما ، إلا أن مستقبل من راقبه يبقى غير مضمون ، إذ قد يقرر المسئول الأعلى أن الرقباء أنفسهم وقعوا في خطأ ، لذا يتجه النظام نحو منع العمل ، ومعاقبة الرقباء.

تلاحق وصمة الأخطاء كتب التدريس في الجامعات ، ومؤلفات أساتذتها بعد مدة من استعمالها وتداولها أحيانًا ، فتهدم حياة الأساتذة العائلية ، لهذا يبذل الأساتذة جهودًا خاصة وحذرًا إلى أقصى ما يمكن في أثناء التأليف كيلا تتورط أقلامهم بكلمة غير مرضية تؤدي بهم إلى أسوأ مصير!! .

يعتبر الأستاذ علي عقلة عرسان رئيس اتحاد الكتاب العرب من المقربين للنظام السوري ، بل والمتعاونين معه ، ومع ذلك لم ينج من الاعتقال ، ومنعه من حضوره مؤتمر يعقد في بغداد ، إمعانًا في إذلال كاتب يعد من أصدقاء النظام ، قبل أن يسمح له فيما بعد في ظل ظروف أخرى.

وقع الشاعر المعروف شوقي بغدادي في ورطة بعد إلقائه قصيدة في مؤتمر الاتحاد العام لكتاب فلسطين في تونس ، وعندما عاد إلى الوطن استدعته المخابرات واستجوبته لثلاثة أيام ، ثم أنذرته بالتخلي عن التمتع بمثل هذه الحرية مستقبلاً ، وعلى مر السنين تعرض بعض الكتاب إلى الضرب المبرح ، يذكر محي الدين اللاذقاني الذي جاء الحديث عنه قبل قليل أنه سجن بسبب قراءاته لأحد أعمال الشعرية عندما كان طالبًا في حلب عام 1971 ، ثم فصل في وقت لاحق من الجامعة ، وحرم عليه العمل في الصحافة ، فقرر بعد ذلك الهجرة إلى خارج الوطن.

أكثر الكتاب أضحوا نزلاء السجون ، من بينهم الشاعر جمال سعيد في سجن تدمر ، وكتاب القصة القصيرة : وائل السواح ، ومصطفى حسين ، ووديع اسمندر ، وهيثم الخوجة الذي يعتقد أنه مات تحت التعذيب. وكذلك الكاتب القصصي والاجتماعي إبراهيم عاصي الذي اعتقل في نيسان 1979 ولا يعرف أهله عنه شيئًا ، وكذلك كاتب الأطفال والروائي عبد الودود يوسف الذي اعتقل من منزله في دمشق في 31/3/ 1980 ولا يعرف أهله عنه شيئا ، والراجح أنهما قتلا تحت التعذيب.

يُحرّم الرقباء أي كتاب يشير إلى التمايزات الطائفية ، ولهذا استبعدوا كل الدراسات الغربية عن سورية المعاصرة ، ومن بين هذه الكتب كتاب باتريك سيل عن سيرة أسد الذي أدرج على قائمة المنع بالرغم من أن حافظ الأسد نفسه كان قد منح سيل ساعات طويلة من وقته ، واستضافه في أثناء زيارته لدمشق ، واستقبله بحفاوة كبيرة ، وخصص له مبلغًا مجزيًا ، إلا أن الأسد منع توزيع الكتاب بعد فترة من توزيعه ، لأنه رأى فيه هامشًا من الحرية في معالجة الطائفية ، وانتشار الفساد ، وجمع الثروات الأسطورية من المال الحرام.

بيد أن أكثر الأعمال والمقالات والتسجيلات حساسية هي الكتب الإسلامية السورية والمصرية وما إليها ، فقد صدرت قائمة بحوالي خمس مائة كتاب بالمنع لأنها تحمل اسم كاتب إسلامي أو مفكر ، أو قائد أو داعية بدءًا من كتاب الإمام الشهيد حسن البنا ، وسيد قطب ، وعبد القادر عودة ، ومحمد الغزالي ، والبهي الخولي ، وسيد سابق ، ومصطفى السباعي ، ومحمد المبارك ، وعلي الطنطاوي ، وسعيد حوى ، ولو كانت الكتب فقهية عن العبادة ، أو تربوية عن التوجيه والتزكية والسلوك ، أو تاريخية ، أو قصصًا إسلامية ، أو كتب سيرة أو تفسير... إلخ ، وكذلك منعت كتب أدبية لكتاب مشهورين من أمثال الروائي المصري نجيب محفوظ ، بالرغم من الحاجة إليها في برامج الدراسات الأدبية في جامعة دمشق.

وما ورد ذكره عن الإعلام والصحافة والكتاب ، ينطبق على السينما ، ولاقتصر على نبذة قصيرة عن محنة السينمائيين ، فقد كان أشهر من عرف من منتجي الأفلام في تلك الفترة : عمر عامر علاء الذي أنهى أول فيلم روائي طويل -الحياة اليومية في قرية سورية- سنة 1974 ، رسم الفيلم صورة لإخفاق برنامج الإصلاح الزراعي ، فلم يلق قبولاً لدى الحزبيين ، فاقترحوا إجراء تعديل عليه ، وعندما رفض عمر عامر علاء ذلك ، حجزوا النسخ ، ومنعوا عرض الفيلم ، فغادر علاء إلى فرنسا عام 1981 حيث تابع عمله الناجح مع تلفزيون فرنسا ، فاشتهرت أعماله في ألمانيا الغربية واليونان و ليبيا و الكويت والولايات المتحدة الأمريكية ، ثم ظهرت نخبة من السينمائيين السوريين موهوبة ، من بينهم محمد ملص الذي حصل على التتويج العالي بفلمه الطويل -أحلام المدينة- ثم أكمل فلمه- نجوم النهار- في وقت لاحق ، إذ فاز بالجائزة الأولى بمهرجان فينيسيا ، ثم فاز بالجائزة الأولى في مهرجان الرباط الدولي ، ثم احتل الفيلم الصدارة في مهرجان أفلام كان ، ثم نال فرصة التوزيع التجاري في إسبانيا وألمانيا وسويسرا وفرنسا ، وعندما عرض في دمشق عرضًا خاصًا لم يحظ بموافقة المسؤولين ، ولذا لم ير النور ، ولم يعرض في سورية مطلقًا ، فغادر كبار السينمائيين الوطن الغالي إلى المنفى آيسين بائسين من مستقبل السينما في سوريا .

4- تعرضت الجامعات منذ البداية في ظل هذا العهد لما ابتليت به جميع المؤسسات الثقافية والفكرية والتعليمية ، ومن ضمن ذلك : الجامعات ، إذ استقطب النظام شبكة واسعة من عناصر الأمن والمخبرين لإحكام القبضة على فعاليات الوسط الطلابي الجامعي ، وفرض السيطرة العقدية والفكرية على الجامعات. يستذكر أحد أعضاء مجلس الأساتذة فيقول : في سنة 1963 استدعاه العميد عبد الرؤوف الكسم -الذي أمسى رئيس جهاز الأمن فيما بعد- مستفسرًا منه عن الحركة الطلابية ، وكان الأمر في البداية سهلاً ، أما الآن -كمنا يقول عضو المجلس- فإنهم لن يغفروا لك ، ولا يدعونك وشأنك إذا أنت لم تتعاون معهم.

في عام 1968 كانت الحركة الطلابية تغلي كالمرجل ، وكان طلبة جامعة دمشق أول من احتج على استيلاء حافظ أسد على السلطة ، تحت شعار : تسقط الديكتاتورية ، يسقط النظام العسكري ، ولكي يقضي الأسد على هذه المعارضة جاء بأخيه رفعت ، وأطلق عليه في المؤتمر القطري السادس للحزب اسم رئيس مكتب التعليم العالي في القيادة القطرية ، متمتعًا بصلاحيات تشمل كل الجامعات ، وتهيمن عليها ، وكان رفعت ما يزال قائدًا لسرايا الدفاع ، وأحد أقطاب الأمن في القطر السوري ، فقام رفعت على الفور بتوسيع قاعدة المخابرات في الجامعات ، مجندًا المئات من المخبرين ، بهدف تشخيص أعضاء حركة المعارضة الطلابية ، حتى طرد الكثير من الطلبة دون أن يكون لهم حق الاستئناف أو التماس العودة. استعمل رفعت سياسة الترغيب والترهيب ، فكان يقدم للمدرسين الحميمين فرص السفر والأمان والمال ، ويقدم لطلبة المدارس الثانوية الذين ينضوون أو يلتحقون في تدريبات المظليين الخاصة ، علاوات تضاف إلى مجموع درجاتهم ، مما يسهل اجتياز اختبارات القبول في الجامعة ، فيحصلون بهذه المساعدة على مقاعد دراسية في أفضل الكليات الجامعية -مثل الطب والهندسة والصيدلة- ويحجبون بذلك الطلاب المتفوقين الذين حصلوا على أعلى الدرجات التي تقترب من الكمال ، وكذلك كان شأن البعث في العراق فيما يتصل بالالتحاق في الجامعات ، وعندما نمت الحركة الطلابية ، سحقها النظام بقسوة بالغة ودموية رهيبة ، فعندما توجه طلبة جامعة حلب بمسيرة في خريف 1979 إلى إدارة المخابرات في منطقة السبيل ، فتحت قوات الأمن النار عليهم ، فقتلت ثلاثة منهم ، وجرحت كثيرين غيرهم ، ثم اعتقلت أكثر من مائة طالب.

وفي شهر آذار عام 1980 احتل الجيش جامعة حلب ، واعتقل المئات من طلبتها ، كما اعتقل المئات من جامعات دمشق واللاذقية.

وفي بدء خريف 1979 طردت السلطة أربعة أساتذة من جامعة دمشق ، واعتقل تسعة آخرون ، يظن بوجود انتماء لهم إلى حركة الإخوان المسلمين ، وبأقل من سنة واحدة 1979- 1980 طردت السلطة أو نقلت إلى وظائف كتابية في الوزارة أكثر من مائة أستاذ جامعي ، واعتقلت عشرات آخرين ، فتعطل البرنامج الدراسي كاملاً في كلية الطب وحدها لأكثر من سنتين ، إذ لم يبق في الكلية أساتذة في قسم التشريح ، مع توافر الجثث على وجه التحديد!!

حل أحمد دياب محل رفعت في مسؤولية التعليم العالي ، ليقع منصب أعلى رتبة في التعليم الجامعي والعالي في أحضان دائرة المخابرات ورجال الأمن!! الذين يواصلون تدخلهم في قبول الطلبة والنجاح والترقية.

وطبقًا لما أورده باتريك سيل : صعدت ابنة أحد قادة الأمن لأداء الامتحان مع مجموعة من الحرس الخاص ، فأصرت أن يتولى الأستاذ مساعدتها في كتابة إجاباتها!!

أما الأساتذة الذين يعينون في الجامعة ، فإنهم يجبرون على الانتماء للحزب ، وإذا ما أردوا إلقاء محاضرات عامة ، حتى ولو في الفيزياء النووية يتعين عليهم أخذ موافقة المخابرات.

في ختام هذه المأساة عن أعلى الصروح الثقافية والتعليمية التي أخضعت لأجهزة المخابرات كشأن مرافق الحياة كلها في سورية ، نشير إلى أستاذ الأدب الإنكليزي هاني الراهب الكاتب المعروف ، والذي انتدب إلى جامعة صنعاء ، فعندما ألقى محاضرة في دمشق ودعا فيها إلى حربة الصحافة ، استدعاه المسئول البعثي القيادي واتهمه بتأييد كامب ديفيد ، ثم اعتقلته عناصر الأمن عندما كان وعائلته يهمون بالمغادرة على متن طائرة عائدين إلى صنعاء حيث يعمل مدرسًا في جامعتها ، وتم سحب جواز سفره ، وسرح من وظيفته كأستاذ في جامعة دمشق ، وظل عامين محرومًا من المغادرة ، حتى أذن له بعد ذلك في الخروج إلى العمل بجامعة الكويت .

فمن الذي كان أشد عداء للكلمة ، وحرية التعبير ، والتفكير ، وآدمية البشر ، وكرامة الإنسان وحقه في التملك والتعليم والحياة؟

الأوروبيون في القرون الوسطى يوم كانوا ينفذون حكم الإعدام حرقًا وقتلاً بالمقصلة وبالوسائل الأخرى بالعلماء العباقرة الذين يبدعون في مجالات الفيزياء والكيمياء والطب والفلك؟ أم المتوحشون الذين غلبوا المواطن السوري على أمره ، فاستباحوا ماله ودمه وشرفه ، وكمموا أفواه الناس ، وحاكموهم على معتقداتهم وانتماءاتهم وكلماتهم التي انتقدوا بها الظلم ، أو نصحوا الظالمين ، أو اقترحوا أمرًا مفيدًا للوطن والمواطن مثل حرية الصحافة وحرية العقيدة ، والتوقف عن ملاحقة أرحامهم وأفراد عائلاتهم وأقربائهم ، وأخذهم رهائن!! وتغييب شبابهم وبناتهم في ظلام السجون سنين طويلة دون أن يعرف المواطنون شيئًا عن مصير أبنائهم وبناتهم!

نترك ذلك للتاريخ ليقول كلمته في هكذا حكم ، وللمؤرخين ليسجلوا عن تلكم الفترات المظلمة في تاريخ الإنسانية ، وأيها كانت أقسى على البشرية وبني آدم؟ هل هي محاكم التفتيش في إسبانيا؟ أم عصور الظلام في أوربا يوم قتلوا غاليله العالم العبقري؟ أم فترة الغزو الصليبي يوم قتلوا في القدس وحدها مئات الألوف ، منهم سبعون ألفًا داخل المسجد الأقصى؟ أم العهد الستاليني يوم أباد تسعة عشر مليونًا ، ونفى إلى مجاهل سيبريا ملايين البائسين؟ أم فترة الغزو الصهيوني بدعم الإنكليز والأمريكان لفلسطين وطرد أهلها بعد المجازر التي اقترفتها أيديهم الأثيمة بحق الآمنين الوادعين المسالمين من شعب فلسطين. أم عهد التسلط الأسدي الوحشي على السوريين ، وإبادة عشرات الألوف -في حماة وفي إحدى المجازر عام 1982 زهاء أربعين ألفًا- في حماة ، وحلب ، وسرمدا ، وجسر الشغور ، وجبل الزاوية ، والمنطقة الشرقية ، ومدن الساحل ، وفي أقبية السجون التي بلغ عددها حوالي 80 قبوًا مخصصة للتعذيب والقتل والاغتصاب ، وفي سجن تدمر سيء الصيت الذي شهد ذبح ما يقارب عشرين ألفًا ( كما جاء في كثير من المراجع العربية والأجنبية ) من الصفوة والخيرة من أبناء سورية الصابرة.

أعود متسائلاً : أي الفترات في التاريخ كانت أشد قسوة وهمجية ووحشية على الإنسان؟

هل هي الفترة التي مررت على ذكرها ، أم هو عهد هذه الفئة الباغية التي لم تشهد سورية قبلها من يحمل حقدًا كحقدها ضد الوطن وأهله ، وكأنهم يثأرون من أبناء سورية للتتار والمغول والصليبين والفرنسيين وجميع الغزاة والمستعمرين والمعتدين على سورية في القديم والحديث.

ومع ذلك نادى لفيف من المحسوبين على الدعوة الإسلامية من السوريين وغيرهم بعقد اتفاق وتفاهم مع الفئة الباغية تشمل تشكيل جبهة داخلية متماسكة ، ووحدة وطنية عتيدة ، وأن يكونوا معها في خندق واحد ضد العدو المشترك ، وكأنهم يشهدون لهم زورًا بأنهم ضد العدو الصهيوني ، متجاهلين تعاونهم مع العدو ضد الوطن والمواطنين في هذه المرحلة البائسة الظلماء.

ثالثًا: سحق الإسلاميين وتصفتيهم

لم يعد النظام في سورية بعد أن فرض حافظ أسد نفسه رئيسًا للجمهورية ، وبعد أن فرض دستورًا يعطيه صلاحيات مطلقة أن يفعل ما يشاء دون رقيب أو حسيب أو مساءلة من أي سلطة كانت ، تشريعية أو تنفيذية أو قضائية.

لم يعد النظام يخشى أحدًا في داخل سورية ، أو من خارجها ، بعد أن أسكت الأصوات كلها ، وأبعد شركاءه في الانقلاب والحكم ، ونال رضى القوى الكبرى والنافذة في المحيط الدولي ، فشرع يطبق سياساته التي كان يكتمها ، وينفذ أهدافه التي لم يكن يجرؤ على الإعلان عنها.

1- ابتدأ بتصفية شباب الإخوان المسلمين ، ومطاردتهم والتنكيل بهم بعد أن زوج شيوخهم وقادتهم في السجون لاعتراضهم على الدستور ورفضه في 31-1- 1973 ، فطارد الشباب في البيوت والشوارع والبساتين التي فروا إليها ، ومارس عليهم التعذيب حتى الموت ، والاغتيال في أثناء مطاردتهم.

من ذلك على سبيل المثال ، أن المخابرات ألقت القبض على الشاب المؤمن التقي حسن عصفور في الدائرة التي يعمل بها في حماة ، واقتادوه إلى السجن عام 1974 ، ومارسوا عليه تعذيبًا وحشيًا فوق طاقة البشر ، أفضى به إلى الموت ، ليلحق بركب الشهداء ، والشهيد حسن عصفور كان من رواد المساجد ، ومن المداومين على الجامع النوري -نسبة إلى نور الدين الشهيد الزنكي الخليفة الراشد السادس- والتلقي فيه عن الوعاظ والدعاة : الفقه والتربية والتوجيه السديد ، ولاسيما مفتي حماة المصلح الأكبر الشيخ النعسان الوردي الذي خرج أجيالاً من هذا المسجد ومن غيره من جند الإسلام.

لقد كان من أبرز صفات الشهيد حسن عصفور أنه كان مهذبًا يغلب عليه الحياء في لقائه مع شيوخه وأساتذته ومن يكبره سنًا ، فإذا ما تحدثنا معه أحمر وجهه أدبًا وخجلاً.

كما اغتالت عناصر المخابرات الشاب الصالح أحمد زلف من حماة ، بعد مطاردته في أحد بساتين حماة ، فأردوه قتيلاً.

وقتلوا قائد الشباب ، ورمز الفدائيين المجاهدين ، وعنوان الصابرين الصامدين الصادقين ، سيد شهداء حماة و سورية : مروان حديد الذي كان عنوانًا في الإقدام والجرأة وقول الحق ، دون أن تأخذه في الحق لومة لائم. فقد طارده البغاة في مدينة دمشق من حي إلى حي ، ومن عمارة إلى أخرى ، حتى ألقوا عليه القبض في عام 1976 ، بعد معركة حشدوا لها قوة كبيرة من عناصر الأمن والمخابرات ، لم يلبثوا أن قتلوه في إبرة حقنوه بها في عنقه كما أشار هو بيده إلى مكان ضربها في رقبته قبل أن يغادر الحياة ، ويلحق بجوار ربه راضيًا مرضيًا مع الشهداء والصديقين والصالحين ، كما قتلوا المؤمنة الشهيدة غفران أنيس عام 1976 ، وآخرين من أبناء الجماعة وشبابها ودعاتها الصالحين. قدر بعض الإخوة القادة -والفقير إلى الله في عدادهم- أن من أسباب هذه الحملة الشرسة على الجماعة : نجاحها في استقطاب المواطنين من مختلف الشرائح الاجتماعية- رغم الحظر المفروض عليها ، ومراقبة ومطاردة أعضائها- ولاسيما النخب المثقفة ، وأبناء الطبقات الوسطى ، وأعضاء النقابات العلمية ، مع إصرار الجماعة بقرارات مسجلة ، وفي الخطة التي التزموها وصادقوا عليها ، والتي سنعمد بإذن الله في هذا المجلد إلى نشرها ، أن لا تنجر الجماعة إلى الصدام مع السلطة تحت وطأة أي ظرف ، ومهما فعلت السلطة من استفزازات لدفع الإخوان إلى صدام لا تحمد عقباه ، بل على الجماعة أن تتجنب الصدام مع النظام المتعطش لسفك الدماء.

2- تزامنت هذه الحملة الشرسة ضد الإخوان المسلمين ورجال العمل الإسلامي ، وأبناء الدعوة الإسلامية وما رافقها من مطاردة واعتقال واغتيال وقتل في السجون ، تزامنت هذه السياسة الاستئصالية بالانفراج مع اليهود ، والتعاون مع الإسرائيليين على أكثر من صعيد ، كان من أبرزها :

أ- القبول بقرار مجلس الأمن الدولي ذي الرقم 338 المؤرخ 22-10- 1973 الذي ينص على وقف إطلاق النار في البر والبحر والجو ، والامتناع عن كل الأعمال العسكرية بين سورية و إسرائيل ، والتوقيع على فك الارتباط مع الصهاينة في 30- 5- 1974 ، والذي جاءت تفاصيله مهينة لسورية ، إذ شعر الضباط السوريون وهم يقرؤون نصوصه بالهوان ، حتى إن العميد عدنان طيارة رئيس الفريق السوري ، طلب إخراج جميع المصورين والمراسلين من مقر الأمم المتحدة في جنيف أثناء التوقيع ، شعورًا منه بأنه يوقع وثيقة ذل ومهانة ، بينما كان كيسنجر وجولدا مائير يتبادلان القبلات ، وذكرت وكالة الأنباء الإسرائيلية أن القيادة العسكرية الإسرائيلية أصدرت أوامرها بفتح زجاجات الويسكي والشمبانيا مجانًا لجميع الجنود على طول خطوط المواجهة مع سورية ، أما حزب البعث الحاكم -حكم الأقلية الطائفية- في دمشق ، فقد وافق بالإجماع على هذه الاتفاقية ، وذكرت صحيفة البعث الرسمية أن الاتفاق انتصار لسورية على إسرائيل.

لقد فقدت هذه القيادة أو بالأصح هذه الزمرة الحياء ، أو بالأصح لم يكن لديها أو بها وازع أو حياء ، فكل هزيمة تمنى بها تسميها انتصارًا ، وضياع 10000 عشرة آلاف كم2 من أراضيها في حرب حزيران عام 1967 تسميه انتصارًا طالما أن الحزب استمر في السلطة ، وضياع أكثر من 30 قرية في حرب 1973 تسميه انتصارًا ، والتوقيع على وثيقة الذل والمهانة في فك الارتباط تسميه انتصارًا وهكذا.. الخ.

ذكر أحد مرافقي كيسنجر : أن الطرفين -السوري والإسرائيلي- اتفقا على حل مسألة تسلل الفدائيين إلى إسرائيل ، على أن يظل الاتفاق وتفاصيله سرية ، وأكدت الصحف الإسرائيلية : أن الزعماء السوريين أخبروا وزير خارجية الولايات المتحدة أنهم سيعارضون عمليات تسلل الفدائيين من أراضيهم ، لكنهم لا يستطيعون إعلان ذلك ، أو أن ينصوا عليها في اتفاق فصل القوات.

أ- أصدر الأسد المرسوم رقم 385 بخصوص العفو عن 23 جاسوسًا إسرائيليًا محكومين بالأشغال الشاقة المؤبدة ، إذ نصت المادة ( 1 ) بمنح المحكومين عفوًا خاصًا عن المدة المتبقية ، المحكومين بها من قبل المحكمة العسكرية بقراراتها رقم 1132/ 1154 ، 214/ 20 ، كما نصت المادة ( 2 ) أن لا ينشر هذا المرسوم بالجريدة الرسمية ، ويبلغ من يلزم لتنفيذه.

نسخة إلى المحامي العام ، دمشق الرقم 2204

رئيس الجمهورية : حافظ أسد

وزير العدل : محمد أديب النحوي

ب- ثم سمح للمسجونين من جواسيس اليهود الذين شملهم العفو الخاص الصادر عن رئيس الجمهورية بالسفر إلى فلسطين المحتلة ، بعد أن تم الإفراج عنهم ، مع أنهم سوريون من الطائفة اليهودية ، وكأن الأسد بهذا العمل يبيح للعدو أعمال التجسس على الأرض السورية ، ويعتذر عما فعلته الحكومات السابقة على انقلاب 8 آذار بحقهم ، باعتبارها حكومات رجعية وليست ثورية تقدمية.

إن شعبًا مسكونًا بالخوف والرعب ( يخشى صفير الصافر ) ليس مؤهلاً لخوض المعارك والدفاع عن أرضه وعرضه ، والتصدي للغزاة والمعتدين ، وإن شعبًا فقد مقومات شخصيته الاعتبارية العريقة ، وتخلى عن مثله العليا -طوعًا أو كرهًا- أو انتزعت منه قيمه الأصيلة الرفيعة ، ليس مؤهلاً كذلك لخوض معارك الشرف والفداء ، ليبلغ إحدى الحسنيين : النصر أو الشهادة.

ج- لقد عمل النظام بتخطيط وقيادة حافظ الأسد على تمزيق الروابط الأسرية عبر منظمة الاتحاد النسائي ، وباسم حرية المرأة وإطلاق العنان لمجرميه في ممارسة كل أنواع الفجور والإفساد الخلقي ، ونهش الأعراض سرًا وعلانية ، لدرجة اختطاف بعض الحرائر من الشوارع والمدارس والجامعات.

قد جاء الحديث عن هذه الفقرة الأخيرة الموجزة خارج السياق ، ليسهل على القارئ أن يقارن بين هاتين الصورتين المتضادتين في الصلة مع جواسيس إسرائيل وجنود العدو ، وفي معاملته للفئة المؤمنة والمواطنين المخلصين ، وكل ذنبهم ومصدر النقمة عليهم ، ما قاله جل شأنه : ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ولكن القول الفصل إنما هو في الخاتمة التي تنتظر المؤمنين الصابرين والطغاة الفاجرين ، في هذه الدنيا الفانية ، وفي دار الثواب والعقاب ، فانتظروا أيها البغاة ، وإننا -نحن المؤمنين الموقنين بنصر الله- لمنتظرون.

ومن ذلك ما فعله فواز بن جميل الأسد من اقتحام المقاهي ، وترويع روادها ، بتوجيه الأوامر الصارمة لهم أن ينبطحوا على الأرض تحت الطاولات ، وما فعله من دخوله إلى فندق هيلتون وغيره ومطلقًا النار من مسدسه أو معتديًا على النزلاء ، فكثرت في هذا الجو وفي هذه الفترة اعتداءات العصابات من عائلة الأسد ومن يدور في فلكهم على النساء ، وقد ذاعت هذه الاعتداءات المرعبة ، ومن ذلك ما شاع عن مأساة الفتاة ن. ع- التي ذكرها كتاب : حوار حول سورية بالاسم- التي خطفت من أحد شوارع المدينة ، واغتصبت طيلة ثلاثة أيام قبل أن يطلقوا النار على ثديها الأيسر ، ويلقوا بجثتها في أحد شوارع اللاذقية ، وعندما نعاها ذووها هددهم ضابط الأمن باعتقال شقيقتها ، إن لم تستبدل بأوراق النعي هذه ، أوراقًا تخلو من ذكر أسباب الوفاة ، كما ضجت اللاذقية بموت الشاب الطالبي الجامعي صفوان الأعسر الذي ضربه أحد أبناء الأسد فرد عليه ، فما كان من ابن توفيق الأسد ، إلا أن أسرع إلى مسلحيه ، فتتبعوا سيارة الباص التي ركبها الأعسر ، ثم أوقفوها ، وصعدوا إلى داخلها ، وطعنوا الشاب بالسكاكين إلى أن مات على مرأى من جميع الركاب في باص النقل العام ، وقد مر معنا كيف قتل محمد بن توفيق الأسد رجلين من المخابرات اعتراض سيارات له تنقل مخدرات من طرابلس إلى تركيا عبر الأراضي السورية .

كذلك شرعت السلطة بتنفيذ برنامجها في الضلال والانحلال في المناهج التعليمية والدراسية ، وتشويه مبادئ التربية الإسلامية ، وتمجيد الحركات الهدامة كحركة الزنج -التي هدمت البصرة وقتلت كثيرًا من فقهائها وصلحائها- وحركة القرامطة الإباحية التي روعت العالم الإسلامي ، وقتلت الحجاج في مكة ، ورمت جثتهم في بئر زمزم ، واقتلعت الحجر الأسود من مكانه ، وأخفته فترة زادت على عشرين عامًا ، ونشرت الرعب بين المسلمين في كل مكان ، ولاسيما في الجزيرة العربية ، فإذا بنظام الأقلية الطائفي ، يشيد بهذه الحركات -ولاسيما القرامطة- ويعتبرها حركات تقدمية تحررية ثورية ، يثني عليها في المجلات الحزبية مثل مجلة العمال ، وكان لوزيرة المغتربين الحالية بثينة شعبان مساهمات بقلمها في هذا التشويه الصارخ لتاريخنا المجيد.

كما أمعنت السلطة الغاشمة في سورية في عمليات الإفساد الواسعة للأجيال الصاعدة ، إذ فرضت نظام الطلائع البعثية في المدارس الابتدائية ، ونظام الشبيبة في المدارس الإعدادية والثانوية ، وأكرهت الطلبة على الالتحاق بهذه المنظمات ، والمشاركة بمعسكراتها الفاسدة ، وشجعت التلاميذ على التجسس ضد أساتذتهم ومربيهم!!

رافق ذلك حملة تطهير تعليمي في المدارس الثانوية ، وكذا في الجامعات في كل سورية ، وإبعاد مئات المعلمين والمدرسين عن وظائفهم ، وتحويلهم إلى أعمال لا تمت إلى التعليم بصلة ، مثل التموين والبلديات والأشغال العامة والمواصلات كما سيأتي تفصيل ذلك في سياقه وفي إبانه ، لأن هؤلاء متهمون بالنزعة الإيمانية ، سواء أكانوا من الإخوان المسلمين أم من غيرهم من ذوي الميول الإسلامية ، وهذا دليل واضح على أن حربهم قد أعلنوها على الإسلام ، وشنوها على كل ما يمت إليه بصلة ، ليسلموا الأجيال الصاعدة إلى المنحرفين الضالين والمفسدين المعروفين في أوساطهم بالمجون والانحلال وسوء الأخلاق ومن هم على شاكلتهم.

4- اندفع المتنفذون المتسلطون في الحكومة كالمسعورين إلى جمع الثروات الطائلة والمال الملوث ، وصار هم ضباط الجيش -أبطال الجولان- وضباط الأمن : عقد الصفقات مع التجار ورجال الأعمال واستلام العمولات ، والمشاركة في الأرباح ليكون لهم نصيب الأسد ، وعمليات التهريب الواسعة من لبنان ، حتى إن أي تاجر من الكبار أو متوسطي الحال لا يستطيع مزاولة العمل التجاري أو الصناعي ، في الاستيراد والتصدير أو الحصول على رخص بإنشاء المصانع ، إلا بحماية أحد المتنفذين من رجال الجيش أو الأمن العلويين ، ومعظمهم من عائلة الأسد وأقربائه وأبناء قريته ومنطقته والمقربين إليه ، وقد كان علي حيدر نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية ، ذا شهرة واسعة بالسطو على استلام الرشاوى والعمولات ، ومشاركة رجال الأعمال ، واستلام 20% أو خمس وعشرين بالمئة على اختلاف الروايات حتى صار مضرب المثل في سورية ، ليحذر حذوه المتنفذون من أبناء طائفته في السلطة ، تاركين الجبهة مع العدو في أيد أمينة ، وتعاون وتنسيق مع العدو منذ مجيئهم للسلطة بعد عام 1963.

وعندما استلمت حكومة السفاح مليارات الدولارات من السعودية و العراق ودول الخليج باسم الصمود والتصدي ومواجهة إسرائيل ، سرعان ما تبخرت هذه الثروات العريضة ، وذهبت إلى جيوب الذين لا يشبعون ولا يرتوون ، فظهرت طبقة المليارديرات في أواخر السبعينيات من القادة الثوريين التقدميين ، والضباط الشجعان أبطال الجولان ، حتى إن عبد الله الأحمد عضو القيادة القطرية للبعث قدر عدد المليونيرات في نهاية السبعينيات بواحد وعشرين ألف مليونير ، والشعب يتضور من الجوع .

لم تأت الثمانينيات حتى أضحت سورية قطرًا منهوبًا ، وثرواته ومقدراته مستباحة بصورة رهيبة وغير مسبوقة ، لم يواجه السوريون مثلها في تاريخهم القديم والحديث ، مما سيأتي تفصيلا ومحيرًا للعقول في هذه الفترة البائسة.

أما ميزانية الدولة ، فكان سلبها سهلاً وميسورًا ، لأنها في قبضة اللصوص والمفسدين ، وكذا القطاع العام الذي استلمه المرتزقة والمختصون بالسلب والنهب والسرقة والرشوة ، الأمر الذي أدى إلى خرابه وإفلاسه ، شأن الميزانية العامة للدولة.

رابعًا: هدم الصرح القضائي

كان القضاء في سورية من أرقى الأنظمة القضائية ، ليس في العالم العربي فحسب ، بل في العالم أجمع ، كان القضاء نزيهًا وصارمًا ولا يجامل أحدًا ، ولا تأخذه في الحق والعدل لومة لائم ، وكان المواطنون يطمئنون إلى الأقضية والأحكام ، سواء أكانت لهم أم عليهم. وكان المجلس الأعلى للقضاء يحاكم الدوائر والمؤسسات والوزراء ورئيس الجمهورية ، لصيانة الدستور وحفظ القوانين ، وانتزاع الحقوق وردها لأصحابها المواطنين العاديين ، فكان للقضاء السوري سطوة رهيبة في نفوس السوريين كبارًا وصغارًا ، وفي مقدمتهم رئيس الجمهورية ، يحسبون حساب المجلس وسلطته القضائية ويهابونه.

كان عبد القادر الأسود رئيس المجلس قاضيًا كبيرًا ذا سمعة عطرة ، ونزاهة مشهود لها في طول البلاد وعرضها ، وقد عرفت سورية شخصيات قضائية كبيرة من أمثال محمد آقبيق ، وعلي الطنطاوي ، وأخيه ناجي ، والشيخ الأسطواني ، وعشرات غيرهم في دمشق ، وكذا عبد القادر الأسود ، ومصطفى برمدا ، ومحمد علي سيرجية ، وكثيرين في حلب ، ومصطفى الحداد في حماة ، وأنيس الملوحي في حمص ، وأعدادًا كثيرة يصعب عدها وحصرها علينا ، عرفوا جميعًا بالاستقامة والعدالة وتحري الحقوق ، والترفع والسلوك العاطر في ابتعادهم عن الشبهات ، وعن الاختلاط الواسع بالناس أو إجابة الدعوات أو قبول الهدايا ليظلوا فوق الشبهات في الواقع ، وفي نظر المواطنين.

1- استمر حال القضاء السوري هكذا حتى حكمت الأقلية الطائفية الحاقدة على كل شيء ، فأقصى خيرة القضاة عن منصات القضاء ، وعن مناصبهم ، وجاءت السلطة بقضاة جهلة فاسدين مرتشين ، أضاعوا حقوق الناس وأموالهم ، ودماءهم ، وأعراضهم وأرواحهم ، وعطل القضاء المدني تعطيلاً شبه كامل ، وصار ينظر في القضايا الصغيرة ، أما القضايا الخطيرة والكبيرة فصارت تعرض على محاكم عسكرية واستثنائية يحكم فيها السفلة في الوطن المنكوبة.

ذكر المؤلف البريطاني آلن جورج نبذة عما آل إليه القضاء في سورية بعد زياة قام بها إلى قصر العدل ، أو قصر الظلم كما يسميه المواطنون حسب تعبير المؤلف ، فشاهد في إحدى القاعات قاضية تدعى فيحاء الأسد من مدينة اللاذقية ، تتربع على منصة القضاء ، وتنظر في قضية رجل متهم بالعمل دون رخصة رسمية ، فسمع القاضية تقول : إنها تستطيع سماع حوالي ثلاثين دعوى من هذه الدعاوي في يوم واحد!! وفي الطابق الثاني شاهد المؤلف قاضية أخرى تنظر في دعوى رجل افتتح حانوتًا دون الرخصة الرسمية اللازمة .

تركت حكومة الأقلية مثل هذه الأمور الصغيرة للقضاء الذي لم يعد يحظى باحترام أحد ، وشكلت السلطة المحاكم الاستثنائية منذ وقت مبكر بعد انقلاب 8 آذار عام 1963 ، وفي آذار 1968 جاء المرسوم 47 باستبدال المحاكم العسكرية الاستثنائية بمحكمة أمن الدولة لمحاكمة القضايا السياسية والأمنية ، ومحكمة الأمن الاقتصادي ، للتعامل مع الجرائم الاقتصادية ، وقد لاحظت لجنة مراقبة الشرق الأوسط أن شواهد الإثبات فيها ليس لها أساس قانوني -مثل الإشاعات0 أو آراء المدعي العام ، كما لا يمكن الاستئناف أبدًا ، وثمة نوع آخر من المحاكم الاستثنائية ، هي المحاكم الميدانية التي يمكن إقامتها حسب مرسوم إنشائها في أي مكان خلال المواجهات المسلحة ، غير أن هذه المحاكم استعملت للتخلص من معارضي النظام ، ثم جاء تعليق لجنة مراقبة الشرق الأوسط على هذه المحاكم الاستثنائية كما يلي : المحاكم مغلقة -سرية- وقراراتها قطعية ، وفي أحسن الأحوال تعين المحكمة نفسها ممثلاً قانونيًا للدفاع عن المتهم ، وبعد صدور الحكم يوافق عليه رئيس الجمهورية ، وهو أمر محسوم ، والرئيس أو وزير الدفاع في حالة المحاكم الميدانية هو الذي يعين القضاة ، وليس مطلوبًا في هؤلاء القضاة أن يكونوا من رجال القانون ، بل هم ، في أغلب الأحيان ، من الضباط العسكريين ، أو من قيادات حزب البعث ، وإذن فالمحاكم هي خارج النظام القضائي تمامًا ، وأما قراراتها فتبدو أنها متخذة مقدمًا من أجهزة الأمن التي قامت باعتقال وسجه المتهمين ضحايا النظام ، ويسجل التقرير : أن النظام قتل على الأقل عشرة آلاف من مواطنيه خلال السنوات العشرين الماضية ، وهو مستمر في القتل بالمحاكمات الميدانية الجماعية والعنف المطبق في السجون ، التي يعذب فيها المعتقلون بصورة روتينية ، ويوقف الآلاف دون تهمة ، أو محاكمة لعقد أو عقدين أو ثلاثة عقود .

2- يعقب صاحب كتاب : سورية لا خبز ولا حرية بقوله : كان القضاء السوري قبل فترة الوحدة مع مصر ، الأنظف والأدق والأكثر موضوعية في الشرق الأوسط ، وهو ما صرح به البروفيسور محمد عزيز شكري ( رئيس دائرة القانون الدولي في جامعة دمشق ، وأحد الخبراء القانونيين الأكثر تقديرًا واعتبارًا في سورية ) قائلاً : الآن أضحى القضاء السوري من أوسخها وأقلها كفاءة ومهارة ، وهو بالتحديد فاسد ، فاليوم يمكنك الوصول إلى القضاء عن طريق العلاقات العامة أو الصداقات وشرب الخمر والنساء -على حد تعبير محمد عزيز شكري- أو عن طريق المال.

ثم يتابع شكري قائلا : أنا أعرف عن بعض المحامين أنهم لا يفهمون شيئا في القانون ، ولكنهم يربحون كل القضايا ، وأعرف أن هؤلاء المحامين يستلمون مليون ليرة كدفعة أولى ، ويتعاملون مع مهربي الحشيش ، ومع القتلة ، وفي القضايا الكبيرة والثقيلة.

إن الفساد -مازال الكلام لشكري- موجود في كل المحاكم حتى التي تسمى عكسرية ، أما القضاة الجيدون ، فهم إما في التقاعد ، أو أنهم سرحوا من وظائفهم ، ثم يقول : ذكر لي مصدر سري من داخل النظام القضائي أن في المحاكم الجنائية ومحاكم الأمن الاقتصادي تنتشر الرشوة ، وتؤثر على 80% إلى 100% من القضايا المرفوعة ، وكلما كان المتهم أغنى أو أكثر نفوذًا ، ازداد احتمال الرشوة ، والأسعار محدودة إلى حد ما ، وثمة سلم للاتهامات والمدفوعات ، فممارسة البغاء ( 500 ) دولار ، والتهريب 20% من قيمة المسروقات ، والقضاة يستعملون وسطاء ، ولكل قاض وسيطه .

3- جاء هذا التشخيص عام 1990 ، فهل تغير شيء من هذا القضاء الفاسد بعد تسعة عشر عامًا ، إذ تكتب هذه الكلمات في منتصف عام 2008؟ الجواب : نعم ولكن للأسوأ

لقد استشرى الفساد في كل مرافق الحياة في سورية ، ولم يكن في عام 2002 أية إشارة لتحرك جاد لإصلاح الجهاز القضائي لتبرير غياب كلي تقريبًا للعملية القانونية .

هكذا دمر الفساد أعتى وآخر حصوننا التي كان يلجأ إليها المواطن إذا ألمت به كارثة ، أو وقع عليه اعتداء ، أو نزلت بساحته مصيبة ، فلم يعد له ملجأ إلا الله ، ولم يعد يملك حتى الشكوى من ظلم هذه الشرذمة المتسلطة على المواطنين في أموالهم وحرماتهم وحرياتهم وكل مرافق حياتهم ، بانتظار حدوث فرج قريب ، وتخليص البلاد والعباد من بغي النظام وشره ، ويسألونك متى هو؟ قل عسى أن يكون قريبًا ، فالمؤمن لا ييأس من رحمة الله وعدله ، ومن انتقامه من الظالمين ، ﴿إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ .

خامسًا: سحق الفلسطينيين واللبنانيين

استفحل أمر المقاومة الفلسطينية في جهات عدة ، ولاسيما على الأرض اللبنانية ، وصارت تملك قوة ضاربة ، وآلاف المقاتلين ، وكميات هائلة من الأسلحة والذخيرة ، وتقيم علاقات واسعة ومتينة في المحيط الدولي ، وفي مقدمتها الاتحاد السوفياتي ومنظمة الدول الاشتراكية في أوربا وآسيا ، فشعرت إسرائيل بشدة بأس المقاومة وخطرها عليها ، وأنها أمست مصدر تهديد للكيان الصهيوني الذي يسيطر بدعم دولي على كل الأراضي الفلسطينية ، أما الشعب اللبناني فقد وقف مع المقاومة الفلسطينية التي مكنها اتفاق القاهرة من أن تصبح دولة داخل دولة ، بل وأقوى من الدولة نفسها ، وشكل اللبنانيون جبهة عريضة تضم معظم الفئات والطوائف اللبنانية ، برئاسة كمال جنبلاط لمساندة المقاومة الفلسطينية.

1- حصل تحرش بالفلسطينيين في فرن الشباك من بيروت ، وقتل ركاب باص فلسطينيين ، لتفجير أزمة حادة بين اليمين اللبناني المسلح ، وبين الفلسطينيين وحلفائهم ، واشتعلت نار حرب أهلية في كل أصقاع لبنان راح ضحيتها عشرات الألوف من الفريقين ، وانخرطت فيها كل فئات الشعب اللبناني وطوائفه ، فكان الانقسام حادًا في كل المحافظات الشمالية والجنوبية وفي الوسط.

استمر هذا الصراع مدة طويلة ، سيطر فيه الفلسطينيون والجبهة الوطنية المساندة لهم على أكثر من 80% من الأراضي اللبنانية ، وبدأت كفتهم بالرجحان ، وبدت ملامح الهزيمة على خصومهم الذين حوصروا في بيروت الشرقية ، وفي شطر من جبال لبنان ، ومن الساحل حوالي جونيه ، تحصن فيه اليمين اللبناني ، ومن كان يسميهم خصومهم بالانعزاليين من الكتائب والقوات اللبنانية ونمور الأحرار والمردة وحراس الأرز وحلفائهم.

من أبرز الدوافع لهذه الحرب الأهلية المدمرة خشية المسيحيين من ترجيح كفة المسلمين إذا انضم إليه الفلسطينيون الذين هم من السنة في أكثريتهم العددية ، وعندما شعر اليمين أنه على أبواب هزيمة مؤكدة لجئوا إلى القوى الخارجية ، وفي مقدمتها أمريكا و إسرائيل.

كان حافظ أسد يتطلع إلى دور إقليمي في المنطقة ، مدركًا أن السيطرة عليه مهم في إقناع الدول الكبرى في الاعتماد عليه ، والتعاون معه ، فكان شرط نجاح هذه الإستراتيجية هو سحق الداخل السوري ، أو فئات الشعب السوري المعارضة أو المناوئة له -ولو من داخل حزبه- بلا رحمة أو شفقة بطريقة فظة لا عهد للسوريين بها من قبل ، كمدخل للتفاهم مع القوى الخارجية ، بعد أن ضمن الهدوء الدائم على الجبهة السورية الإسرائيلية إثر تسليم الجولان في اتفاقيات عقدها سرًا مع العدو ، انكشف بعضها لدى المراقبين والباحثين كما رأينا ذلك من قبل.

قرر الأمريكان القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية وحلفائها في لبنان ، وسحقها دعمًا لليمين اللبناني وللأمن الإسرائيلي ، غير أن هزيمتهم في فيتنام شكلت لديهم عقدة ليس من السهل تجاوزها ، وكان المدخل الذي قرر الأسد أن يوصله إلى الاندماج ضمن الإستراتيجية الأمريكية والغربية و إسرائيل ، أن يضع سورية في مواجهة العرب ، وفي مقدمتهم العراق والفلسطينيون ، ووضع حد للصراع العربي -الإسرائيلي ، وفتح باب الصراعات والحروب العربية- العربية ، التي تنقل إسرائيل من طرف في الصراعات مع العرب إلى حَكَمٍ فيها أو مُتَحِّكم بها ، وقيام الإسرائيليين بالدور الأهم فيها ، بعد أن جمد الصراع مع سورية على الحدود المشتركة بينهما ، كما لعبت أمريكا في الوقت نفسه دورًا خطيرًا في خروج مصر من ساحة الصراع على حدودها الجنوبية .

2- شرع الأسد بالعمل السريع للقيام بدوره الإقليمي في منطقة بلاد الشام التي تشمل سورية و لبنان و الأردن و فلسطين ، وأن يكون شرطي المنطقة بالتنسيق المكشوف بدعاوى عديدة وحجج واهية ، وتحرش بالآخرين ، ولاسيما الفلسطينيون دونما وازع أو ضمير.

لقد كتب جنبلاط في كتابه الأخير -هذه وصيتي- أن الأسد قال لياسر عرفات في شهر نيسان 1976 : إنكم لا تمثلون فلسطين بأكثر مما نمثلها نحن ، ولا تنسوا أنه ليس هناك شعب فلسطيني ، وليس هناك كيان فلسطيني ، فأنتم جزء لا يتجزأ من الشعب السوري ، و فلسطين جزء من سورية ، وإذ فإننا نحن المسؤولين السوريين ، الممثلون الحقيقيون للشعب الفلسطيني .

كان الأسد يزايد على صلاح جديد في صراعه معه قائلاً : إن الأولوية التي تقدم على التحول الاشتراكي هي للتحرير ، والتعبئة العسكرية ، بما في ذلك المقاومة الشعبية ، وفي هذا السياق أنشأت السلطة منظمة الصاعقة الفلسطينية كجزء من حزب البعث الحاكم ، لكنه غير هذا الموقف بمعدل مائة وثمانين درجة قائلاً فيما بعد :- وفي زمن قصير- «إن الصراع مع إسرائيل يتطلب حرب جيوش ، وليس منظمات مقاومة ، وأن هذه المنظمات تحرجنا وتجرنا إلى معركة لسنا مستعدين لها  » وبهذا الطرح الجديد شرع بشن الحملات على منظمات المقاومة الفلسطينية ، وفي مقدمتها فتح ، ومطاردتها ، بل وإبادتها في لبنان و سورية ، وكان قد اتفق مع إسرائيل -بواسطة كيسنجر- على منع الفدائيين من أي نشاط على الحدود الإسرائيلية السورية في بند طلب عدم تسجيله في اتفاقية فك الارتباط بعيد حرب 1973- كما رأينا- وأمر ثالث صرح به الأسد مبررًا تدخله في لبنان وسحق الفلسطينيين بقوله في خطبة ألقاها في 8 آذار 1975 قائلاً : «إن الفلسطينيين يريدون ذبح المسيحيين الذين لا يمكنه أن يسمح لأحد بذلك ، لكونهم أمانة في أعناقنا  » -مع أن الأسد ليس بين العرب من قتل من الفلسطينيين والمسيحيين اللبنانيين عددًا مماثلاً لما فعله فيهم -كما كان يبرر قتل الفلسطينيين باتهامه إياهم أنهم عملاء للصهيونية والإمبريالية ، وقد فعل هذا كله مع الفلسطينيين ، بالرغم من أنهم لم يكونوا في عراك أو شقاق معه ، ولم يفعلوا أي شيء ضده ، ولم يكونوا على أرض خاضعة لسلطته .

3- أطلق الأمريكيون يد الأسد في لبنان يفعل فيها ما يشاء قتلاً وهدمًا ونهبًا ، واعتداء على الحرمات بصورة رهيبة ، مقابل القضاء على المقاومة الفلسطينية والجبهة الوطنية التي تساند المقاومة ، بعد أن أحكمت السيطرة على معظم الأراضي اللبنانية ، وكان لا بد من غطاء في هذا التفويض الشاذ المطلق ، فكان مؤتمر الرياض الذي شكل قوة للردع من ست دول عربية تقوم بفرض الأمن على المتحاربين في لبنان ، وتكفل مؤتمر الرياض بتغطية التكاليف ، ولكن سرعان ما انسحبت هذه القوى ، ليبقى لبنان خالصًا للقوة السورية التي بلغ عددها 40 ألفًا ، بسطت سيطرتها على لبنان ، باسم قوة الردع ، وبالاستئثار بالتكاليف التي قررها مؤتمر الرياض لقوة الردع.

بسطت القوات السورية سيطرتها على لبنان ، فأحدثت هذه القوات من الجرائم ما لم يكن متوقعًا أو متصورًا ، فقد هدمت في زحلة وبيروت الشرقية وغيرها أكثر مما فعلته في سورية ، ولاسيما في طرابلس ، ما أذكر العرب بما فعلوه من هدم وقتل وإبادة في حماة ، وكانت طرابلس كبش الفداء أكثر من غيرها ، فقد رأيت فيديو حمله أحد أبناء المدينة إلى باريس يظهر حجم الهدم الذي طال أبنية كبيرة ومؤسسات وأحياء حتى بلغ عدد الوحدات السكنية التي هدمها السوريون 25 ألف وحدة من 57 ألف هي مجموع دور السكن في طرابلس.

استمرت قوات سلطة الأقلية الحاكمة في سوريا في الذبح والإبادة والأسر لأعداد كبيرة ، واستخدام أساليب من التعذيب ولاسيما لأفراد فتح والمقاومة وللنساء كذلك تقشعر من سماعها الأبدان ، مع وصفهم لهم بالخيانة والعمالة لإسرائيل في مأساتهم وما يقع عليهم من ظلم فادح ، كان نصيبه القتل والاغتيال ، مهما كان مركزه وحجمه ، فقد طاردوا ريمون إده ، وصائب سلام ، وقتلوا كمال جنبلاط ، وبشير جميل ، ورينيه معوض ، وصبحي الصالح الشيخ الجليل ، ومفتي لبنان الشيخ حسن خالد ، ورياض طه ، نقيب الصحفيين ، وداني شمعون وغيرهم.

كيف جاء هذا التفويض لحافظ أسد في لبنان على هذه الصورة المفجعة ، دون اعتراض عربي أو غربي أو أممي ، ودون أن يستمع أحد إلى شكاوي اللبنانيين وصرخاتهم وهم يذبحون ويستباحون وتدمر حياتهم؟ جاءت الإجابة الشافية في الجزء الثالث من مذكرات كيسنجر مهندس السياسة الأمريكية في لبنان والتي نقلها الكاتب الصحفي عبد الكريم أبو النصر في مجلة الوطن العربي. قال كيسنجر : إن إسرائيل والكونغرس اعترضا كلاهما على تسليم لبنان لحافظ أسد قائلين : لقد أعطيتم للأسد دورًا سياسيًا في لبنان ، غير أن الدور العسكري أمر لا نراه ولا نطمئن إليه ، قال كيسنجر : لقد أقنعت الكونغرس أن أمريكا ليست مستعدة لتكرار تجربتها الفيتنامية في لبنان ، فأمريكا ما تزال تعاني مما منيت به من خسائر عسكرية وسياسية وسمعة دولية واضطراب داخلي في فيتنام ، وإن اليساريين والوطنيين والفلسطينيين أطبقوا على لبنان ، وأوشكوا على سحق خصومهم ، وإلحاق هزيمة منكرة في كل لبنان ، والأسد وحده مؤهل للقيام بدور ينهي فيه رجحان كفة الفلسطينيين وحفائهم ، كما أقنعت فيه الإسرائيليين بأن القوات السورية ستدخل لبنان للقضاء على أعدائكم ، وليس لقتالكم ، ووضع لهم خطًا أحمر يكون السوريون في شماله ، والإسرائيليون في جنوبه ، يفصل بينهم نهر الليطاني.

4- اطمأنت إسرائيل إلى دخول الجيش السوري إلى لبنان ، وأعربت عن ارتياحها واقتناعها بالدور الأسدي في لبنان لمطاردة الفلسطينيين وحلفائهم الوطنيين ، فقد صرح وزير الدفاع الإسرائيلي شمعون بيريز لصحيفة معاريف الإسرائيلية يوم 8- 1- 1976 : أن إسرائيل لن تبقى مكتوفة الأيدي في حال تدخل سورية في لبنان ، وذلك قبل دخول الجيش السوري بعشرة أيام فقط ، ثم سرعان ما غير بيريس موقفه بعد الوساطة الأمريكية ، وتفاهمها مع الأسد على دوره في لبنان ، وكذا بعد تصريح الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض : إن الرئيس فورد تخلى عن معارضته لتدخل عسكري خارجي في لبنان ، وأن الولايات المتحدة عليها أن تأخذ بعين الاعتبار طبيعة المآرب السورية ونواياها.

في 29- 1- 1976 نقلت وكالات الأنباء ، ومنها الوكالة الفرنسية عن متحدث باسم الخارجية الأمريكية : أن الولايات المتحدة تعترف بالدور الذي تقوم به سورية لتسوية الأزمة اللبنانية ، واعترفت أمريكا بأنها قامت بدور الوساطة بين أسد و إسرائيل ، كما نقلت وكالة اليونايتدبرس من واشنطن يوم 27- 1- 1976 : أن الخارجية الأمريكية أكدت أنها تقوم بنقل الرسائل بين الكيان الصهيوني إلى سورية حول الوضع في جنوبي لبنان ، واعترفت الصحافة الإسرائيلية بأن سورية أكدت لمسؤولين أمريكيين أن وجود قواتها في الجنوب إنما يستهدف المقاومة واليساريين اللبنانيين ، ولاسيما في صيدا.

جرت إثر ذلك زيارات متبادلة بين أمريكا و سورية ، إذ قام وزير خارجية سورية عبد الحليم خدام بزيارة للبيت الأبيض ، وقام أمريكيون بزيارة دمشق ، أسفرت عن ترتيب اجتماع حافظ أسد لجيمي كارتر في جنيف بسويسرا فيما بين 78- 2/ 1977 ليؤكد كارتر للأسد أن له مكانة خاصة عند الزعماء الإسرائيليين ، وكشفت جريدة الشرق الأوسط أن إخضاع المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية كان جزءًا من هذا اللقاء ، ومع هذا استمرت سورية عبر صحفها وإذاعتها في انتقاد السياسة الأمريكية ( وكم ذا بالسياسة من مهازل ومضحكات ).

لم تعد إسرائيل تتحفظ على دور الأسد في لبنان ، فقال دايان : إن غزو سورية للبنان ليس عملاً موجهًا ضد أمن إسرائيل.

وقال شلومو افنيري المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية في 9- 8- 1976 : إن سورية لم تتعد الخط الأحمر الذي حددته إسرائيل للتدخل في لبنان. وقال شمعون بيريز في 2- 6- 1977 الذي كان قد عارض التدخل السوري لفترة وجيزة : التدخل السوري موجه ضد ياسر عرفات وحلفائه ، والقوات السورية دخلت الشمال والوسط وليس الجنوب.

وقال شمعون بيريز كذلك في 29- 9- 1976 إن هدف اليهود هو نفس هدف دمشق بالنسبة للمسألة اللبنانية ، ويجب أن نمنع وقوع لبنان تحت سيطرة منظمة التحرير الفلسطينية ، كما ذكر ذلك السيد عبد الغني النواوي في مؤلفه : رؤية إسلامية في الصراع العربي الإسرائيلي.

5- سحقت القوات السورية بأسلحتها الثقيلة القوات الفلسطينية من الفدائيين وحلفائهم في البقاع وعكار وجبل لبنان ، وفي صوفر وبحمدون.. إلخ دونما شفقة أو رحمة -بناء على طموحات العدو الصهيوني- وضربت حصارًا على الفلسطينيين في البحر والبر والجو ، ومنعت عنهم وصول الأسلحة والمؤن والذخيرة التي وصلتهم من الجزائر عن طريق اللاذقية ، كما روى لنا أحد أعضاء اللجنة المركزية في حزب جبهة التحرير الجزائرية عندما التقيناه في إحدى دورات منظمة التحرير الفلسطينية -حضرنا دورتي 17 و 18 في عمان والجزائر بدعوة من رئيس المنظمة ياسر عرفات- بالوقت الذي كان خصوم الفلسطينيين يستلمون ما يريدون من غذاء وسلاح وذخيرة عن طريق ميناء جونيه بحرية تامة ، وبمعرفة السفن السورية ، كما كان السفر ناشطًا ومستمرًا من جونيه وإليها لخصوم الفلسطينيين وحلفائهم ، وقد أتاح ذلك للوفود الإسرائيلية الدخول إلى لبنان بسهولة ويسر ، فقد حضر بيريز ومرافقه رابين إلى لبنان ، وعقد جلسات عدة مع اليمين اللبناني بحضور عدد من أركان النظام السوري كما ذكرت مجلة التايم الأمريكية ذلك بتاريخ 8- 9- 1976 ، إذ قالت : إن إسرائيل تشارك سرًا في حرب لبنان ، حسب التفاهم غير المعلن بين إسرائيل والنظام السوري بسحب قواته من الجبهة السورية الإسرائيلية ، ونقلها تدريجيًا إلى لبنان وإلى الحدود مع العراق.

استمرت عمليات الإبادة للمخيمات الفلسطينية وفصائل المقاومة بالتعاون ما بين القوات السورية والموارنة و إسرائيل ، فبعد سقوط مخيم جسر الباشا ، ومخيم عين الحلوة ، وبرج حمود ، حوصر مخيم تل الزعتر ، بعد أن طالب بيير الجميل في جلسة مجلس النواب اللبناني في 22- 5- 1975 بنقل المخيم من بيروت الشرقية -أي إزالته- وسرعان ما شرعت قوات حافظ الأسد في حصار مخيم تل الزعتر في أواخر حزيران 1975 ، واستمر الحصار 52 يومًا بقيادة قائد الشرطة العسكرية علي المدني في نظام الأسد ، ليسقط في 14- 8- 1976 بأيدي قوات الأسد والكتائب بعد أن منعت عنه الطعام والشراب ، والسلاح ، كما فعلت بسائر المخيمات الفلسطينية ، فذاق الفلسطينيون من الجوع والعطش وجرحى الحصار والقصف ، وهتك الأعراض ما لم يخطر على بال.

تفرقت القوات السورية والإسرائيلية بعد إخراج المقاومة من بيروت إلى مخيمات البداوي ونهر البارد في طرابلس ، وكان قد لجأ إليها بعض الفارين من الوسط والجنوب ، فتم حصارهما فيما بعد بالتعاون مع سلاح البحرية والطيران الإسرائيلي من البحر والجو ، وحصار القوات السورية لها من البر ، ودكها بالمدفعية الثقيلة ، ولولا أن بعض ضباط الجيش السوري أبوا أن يصوبوا فوهات المدافع إلى سكان المخيمات ، بل كانوا يرمونها في عرض البحر ، لأبيد الفلسطينيون عن آخرهم ، أو معظمهم ، أما حركة أمل فلم تتردد في ذبح الفلسطينيين في الجنوب بالسلاح السوري الذين يزودهم به الأسد ، وجنودها يرددون وهم يقتلون : يا لثارات الحسين!!!

6- كان تسليم لبنان إلى نظام حافظ أسد بطلب أمريكي وغطاء عربي كارثة على لبنان واللبنانيين ، إذ دخل الجيش السوري إلى لبنان بما يشبه زحف التتار على بغداد ، أو ما يماثل هجمات الجراد التي لا توفر شيئًا ، بل تأتي على الأخضر واليابس. دخل الجيش ودخل معه أفراد منظمة الصاعقة إحدى مفردات النظام في سورية ، فنهبوا المصارف في بيروت وغيرها ، ونسفوا الآبار الارتوازية في البقاع ، وصادروا الفيلات والفنادق الشهيرة التي راقت لهم ، والشقق الفاخرة في بيروت وطرابلس وغيرهما ، وسرقوا مستودعات السجاد من المخازن والمنازل ، كما سرقوا المفروشات والسيارات ، فكان الجندي السوري يتطلع إلى انتدابه ضمن القطعة العسكرية التي يعمل ضمنها ، ليعود إلى سورية بعد انتهاء فترة انتدابه ، وقد ملأ جيوبه وأضحى ثريًا ، وكان أثاث البيوت والتحف الثمينة والأدوات الكهربائية تباع بالأسواق السورية ، ولاسيما في مدن الساحل السوري ، وقد جاء في كتاب حوار حول سورية أن الحرب الأهلية اللبنانية لعب دورًا أساسيًا في إنقاذ النظام السوري اقتصاديًا كمصدر لا ينضب للنهب ، من قبل قياداته وأجهزته ومؤسساته.

لقد كانت موارد لبنان تحت تصرف محتليه من أمراء العسكر الأسديين ، وكانت تجارته ومطاراته ومنافذه البحرية ومصارفه ومصانعه ومزارعه وبيوته وسياراته ومطابعه وسلعه تحت تصرفهم ، يفعلون بها ما يريدون ، دون أن يجرؤ أحد على الاعتراض عليهم ، أو يفكر بحماية ممتلكاته منهم ، فأخذوا ينهبون ما تقع أيديهم عليه ، وينقلونه إلى سورية حيث يبيعونه بالأسعار التي تحلو لهم ، وبهذه الأخلاق التقدمية الثورية حملت كنوز وموجودات تبلغ أثمانها عشرات مليارات الدولارات من لبنان إلى الفئة المتسلطة وأزلامها في سورية ، ولاسيما في المناطق العلوية ، حيث تراكمت ثروات هائلة ، وهكذا تعاملت العسكرتاريا الأسدية مع لبنان كمزرعة يعمل فيها عبيد لا حقوق لهم ، هم الشعب اللبناني الشقيق.

لقد كان قائد اللواء الخامس السابق العقيد علي زيود محافظ ريف دمشق فيما بعد يهرب الحشيش بسيارته الرانج روفر العسكرية من لبنان إلى حلب تمهيدًا لإرساله إلى تركيا ، وكان يحذو حذوه العقيد تامر جوني ، ومثلهما يفعل اللواء غازي كنعان مسؤول المخابرات العسكرية في لبنان ، وزعيم الشبكات الواسعة والمنظمة لممارسة جميع التجارات المحظورة كالهدروجين التي انتشر تصنيعها في حلب وطرطوس وغيرهما .

بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان -في وقت لاحق- كتبت الصحافة اللبنانية ، بعد أن استعادت حريتها ، صفحات مطولة عن النهب والسلب والسرقة والرشوة واستلاب المواطنين على الحواجز ، وذكرت -الصحافة- أرقامًا فلكية استلبها الجيش ومنظمة الصاعقة التابعة له ، وجهاز المخابرات العسكرية ، الأمر الذي أحدث جرحًا غائرًا في الجسد اللبناني ليس من اليسير اندماله ، وأوجد هوة سحيقة بين شعبين جارين شقيقين تحتاج إلى فترة زمنية طويلة حتى تملأ ، وحتى تعود المياه إلى مجاريها والأمور إلى ما كانت عليه قبل أن تسلم أمريكا لبنان إلى نظام الأقلية في سورية لقمة سائغة.

ومن الطريف أن رئيس منظمة الصاعقة زهير محسن كان يسمى زهير العجمي لكثرة ما نهب من السجاد العجمي في لبنان ، وما هو أظرف من ذلك أن أحد أعوان سورية في لبنان قام بزيارة إلى دمشق ، وتوجه إلى القصر الجمهوري ليقابل حافظ الأسد ، فإذا به يرى سيارته التي سرقت منه في لبنان في ساحة القصر ، فدهش ، وذكر ذلك للأسد ، فأبدى الأسد دهشته وأرسل معه أحد المرافقين ليدله عليها ، فلم يكد يصل إلى مكانها حتى اختفت ، ولم يعد لها وجود ، وعندما رجع إلى الأسد ، بدا وكأنه كان مخطئًا أو واهمًا.

7- عندما وصل جيمي كارتر إلى دمشق في تلك الفترة ، والتقى أساتذة جامعة دمشق بطلب منه ، ذكر لهم أنه رأى في الأسد ذلك الصديق القديم والمعتدل ، والذي لم تتغير مواقفه من القضايا المطروحة في المنطقة أو من أمريكا ، وأنه -أي كارتر- طرح عليه سؤالين هما على حد تعبير كارتر :

- هل ترغب سيادة الرئيس في اتخاذ قرارات تمس التفوق الأمريكي في المنطقة.

وهل ترغب سيادة الرئيس في اتخاذ قرارات تدفع المنطقة إلى مجابهة قد تمس التوازنات والعلاقات القائمة فيها؟

فكانت إجابات الأسد -كما أخبر كارتر- سلبية في الحالتين ، وأخبر كارتر السامعين من أساتذة الجامعة أن الرئيس السوري عاتب فقط على أمريكا لأنها قابلت بالعداء يده الممدودة لها بالصداقة ، مع أنه حيد هناك واحدة من أكثر الحركات عداء لأمريكا و إسرائيل ، ألا وهي المقاومة الفلسطينية ، فكان بعض أساتذة الجامعة يستمعون إلى أقوال كارتر بذهول ، عندما كان كارتر يعرض دون توقف ما قاله له الأسد ، معتقدًا أن جميع الأساتذة من رجال السلطة أو من جهاز الأمن.

بعد زيارة كارتر أرسل الرئيس ريجان رسالة ودية إلى الأسد ، ثم أتبعتها إبريل جلاسبي السفيرة الأمريكية ذات الحظوة عند الأسد ( والتي لعبت دورًا كبيرًا في نصب فخ الكويت لالعراق ) بزيارات متعددة إلى دمشق ، قابلت خلالها الأسد مرات عدة ، ووصلت فيها علاقات المودة إلى درجة أن الأسد أعطاها رقم هاتفه الخاص ، طالبًا منها الاتصال به في أي وقت تشاء.

بعد سنوات من هذه الفترة جددت أمريكا حبها القلبي الصادق للأسد ، فأرسلت ، حين سقط مريضًا ، طائرة خاصة محملة بأحدث التجهيزات الطبية إلى دمشق ، وأقامت غرفة عمليات طبية في بيته الخاص ، كما أرسلت أطباء أمريكان ، كان بعضهم من أصل سوري كي يشرفوا على علاجه .

سادسًا: النفوذ الصهيوني في المنطقة

رأينا أن العراق كان الدولة العربية الوحيدة التي قدمت دعمًا عسكريًا لسورية في حرب تشرين الأول 1973 ، وكيف أن كيسنجر صمم على معاقبة العراق ، ومنعه من تكرار ذلك مرة أخرى ، فتواطأ مع شاه إيران ، ومع الإسرائيليين في ربيع عام 1974 على إشعال نار الحرب بين الأكراد والعراق ، لشغل الجيش العراقي في مواجهة التمرد الكردي في شمال العراق.

1- تشير الأحداث أن التعاون الكردي مع الإسرائيليين بدأ منذ وقت مبكر في منتصف الخمسينيات ، إذ وصلت أول مجموعة من الأكراد إلى قاعدة إسرائيلية قرب الرملة للتدريب على العمليات التخريبية ، ثم قام رافائيل إيتان -الذي صار فيما بعد رئيسًا لأركان الجيش الإسرائيلي- وهو من أكبر ضباط الصهاينة ، بزيارة إلى كردستان العراق خلسة ، ولم تمض سنوات حتى أصبحت إسرائيل في منتصف الستينيات من الدعامات الرئيسية للأكراد ، وصار الزعيم الكردي مصطفى البرزاني مقتنعًا أن الولايات المتحدة تسانده وتقف إلى جانبه في تطلعاته القومية ، فأرسل هدية من السجاد إلى كيسنجر ، أعقبها بإرساله قلادة من الذهب واللؤلؤ بمناسبة زفافه عام 1974 .

إن ما أشار إليه باتريك سيل حول تعاون الأكراد مع إسرائيل ليس إلا نزرًا يسيرًا مما أشار إليه عدد من الكتاب العرب والغربيين والإسرائيليين في عدد من مؤلفاتهم مثل : الاختراق الصهيوني للعراق ، وتدمير التراث الحضاري للعراق ، وكلاهما لخالد الناشف ، والتغلغل الإسرائيلي في العراق المحتل للسيد مأمون كيوان ، والكرد والمسألة الكردية لشاكر خصياك ، وأمة في شقاق لجوناثان واندل ترجمة فادي حمود وعشرات الكتب لمؤلفين آخرين.

لتقد ذهب بعض الأكراد بعيدًا في العداء للعرب والإسلام وليس للمسلمين فحسب ( على عكس جمهور الأكراد وكبار قادتهم في القديم والحديث ) فقد جاء في ندوة -الكرد والعراق الجديد- المنعقدة في 16- 4- 2005 عن ملا بختيار عضو المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكردستاني قوله : صلاح الدين الأيوبي خدم الدين الإسلامي ، ولم يخدم القومية الكردية ، لذا فهو بالنسبة لنا لا يشكل قيمة معنوية ، وقال آخر ف يندوة ثقافية : إن الفتح الإسلامي لكردستان هو الإرهاب ، ثم طالب بعدم حب الصحابة ، وبمنع الحج لأنه يخدم دولة عربية .

لعل أول من كشف حقيقة العلاقات الكردية الصهيونية عام 1968 جان لارتكي في بحث بعنوان : إسرائيل الأخرى ، قال : لم تقتصر المساعدات الإسرائيلية للبرزاني وأعوانه على الأسلحة والمعدات ، بل شملت خبراء عسكريين ومدربين ، وأن عددًا من الضباط المظليين من جيش الدفاع الإسرائيلي عملوا مع البرزاني ، وأنهم أسسوا له شبكة مواصلاته ، ودربوا مقاتليه على أعمال التفجير والتخريب ، وأن البرزاني قام بتأسيس جهاز خاص للمخابرات يدعى -البارستن- برئاسة نجله مسعود البرازاني ، بهدف تعزيز العلاقات مع الموساد والمخابرات المركزية ومخابرات الشاه -السافاك- بمعونة وإشراف ضباط في الموساد استمروا في إدارته وتنظيم نشاطه حتى انهيار البرزاني عام 1975.

لكن هذا التعاون الإسرائيلي الكردي استمر إلى ما بعد الاحتلال الأمريكي لبغداد ، الأمر الذي فتح الباب واسعًا لزيارات مسؤولين عراقيين إلى إسرائيل بصورة علنية كما هو حال مثال الألوسي ، أو سرية كما هو حال الكثيرين من أمثال أحمد الجلبي وجلال الطالباني وغيرهما .

2- وإذا رجعنا قليلاً إلى الوراء نجد أن البرازاني بعد هزيمة عام 1974 فر مع 500 من أعوانه إلى إيران ليقضي فيها 46 يومًا ، ثم يتابع رحلته إلى الاتحاد السوفياتي ، وكان البرازاني يأتي بين فترة وأخرى إلى سورية ، كما أنه قابل جمال عبد الناصر عبر مؤتمر الدول الآسيوية والإفريقية عامي 1955 و 1957 ، وحصل من المؤتمر على تأييد حق الأكراد في مطالبهم الوطنية.

بعد انقلاب 14- 7- 1958 أصدر عبد الكريم قاسم عفوا خاصًا عن الملا مصطفى البرازاني فعاد من براغ إلى بغداد ، ولم يكن أكراد العراق وحدهم على علاقة وثيقة بالإسرائيليين ، بل إن بعض أكراد سورية قاموا بالشيء نفسه. لقد أسس الموساد علاقة قوية مع رئيس هيئة الأركان العامة في سورية الكردي الأصل حسني الزعيم.

لقد فكر حسني الزعيم بالإطاحة بالرئيس القوتلي ورئيس حكومته جميل مردم ، وأنه بالتنسيق مع بدرخان ( ممثل البرازاني في أوربا ) طلب حسني الزعم أن يقوم الإسرائيليون بدورهم في هذه العملية ، وأن يقوم الجيش الإسرائيلي بإثارة التوتر على الحدود لجذب قوات الجيش السوري نحو الحدود بعيدًا عن العاصمة دمشق ، وبالتالي إتاحة الفرصة له بدخول المدينة بكتيبة دبابات والاستيلاء على السلطة بسهولة ، ووعده بأنه سيعمل على التوصل إلى اتفاقية سلام مع إسرائيل ، وترسيم الحدود الدولية إذا ما نجحت الفكرة ، وإن لديه شركاء في الانقلاب بين الأقليات .

كتب إسحاق بن حورين بتاريخ 11- 9- 1987 مقالاً مطولاً في ملحق صحيفة معاريف الإسرائيلية تحدث فيها عن العلاقة القوية التي كانت تربط الملا مصطفى البرازاني بالإسرائيليين منذ وصوله إلى مطار اللد عام 1968 بطائرة إلعال الإسرائيلية عن طريق طهران ، وحتى وفاته بمرض السرطان عام 1979.

3- نعود مرة أخرى إلى الوراء ، إذ قام رئيس الموساد بزيارته الأولى إلى إيران في أيار 1963 ، والتقى رئيس السافاك فتيرفون ، واقتراح عليه تعاونًا ثلاثيًا بين الموساد والسافاك والأكراد ، وتم الاتفاق بين السافاك والموساد على تأمين الدعم للأكراد.

كانت ثمة شخصيتان كرديتان تتجولان في العواصم الغربية ، وتلتقيان مسؤولي الحكومات والمخابرات لطلب الدعم للحركة الكردية بتوجيه من البرازاني ، وهما جلال الطالباني وإبراهيم أحمد -قبل أن يتمردا عليه- ومن تلك اللقاءات ، لقاؤهما مع مراسل جريدة حيروت في باريس أهارون أفيغدور في 23- 6- 1963.

وفي صيف 1963 التقى رئيس الموساد مائير عاميت نظيره الإيراني مرة أخرى واقترح عليه خطة وبرنامجًا للدعم العسكري للأكراد عن طريق إيران ، فقبل السافاك هذا المقترح.

وفي تشرين الثاني عام 1965 تم تنظيم دورة خاصة في طهران لمقاتلين من الأكراد العراقيين بينهم ثلاثة ضباط برتبة نقيب ، وكان يشرف على هذه الدورة ضابط صهيوني اسمه تسوري ، وفي آذار عام 1966 عاد المتدربون الأكراد من إسرائيل إلى العراق ، وتوجهوا إلى ساحات القتال لمحاربة الجيش العراقي. على مدى اثنتي عشرة سنة عمل إلى جانب مصطفى البرازاني وفد استشاري من إسرائيل ، كان يتم تغييره كل ثلاثة أشهر.

وفي 24- 5- 1966 طار وايزمان إلى طهران للاجتماع بالشاه في طائرة نقل عسكرية كانت تحمل على متنها خمسة أطنان من التجهيزات العسكرية للأكراد تم إيصالها يوم 10- 6- 1966 عن طريق السافاك الإيراني .

يقول شلومو نكديمون صاحب كتاب : الموساد في العراق ودول الجوار : قامت إسرائيل بإنشاء مستشفى ميداني بمنطقة حاج عمران ، تضم أربعين سريرًا لمعالجة المرضى والجرحى بطلب من أشكول في نهاية 1966 كهدية للبرازاني مع طاقم الأطباء الإسرائيليين بناء على طلب من البرازاني.

في 5 حزيران احتفل البرازاني بانتصار الصهاينة على العرب ، وذبح كبشًا ضخمًا بهذه المناسبة علق في رقبته شريطًا أزرق وأبيض دلالة على العلم الإسرائيلي ، وكتب على الشريط : هنئوا إسرائيل بانتصارها ، وسوف نذبح هذه الليلة خروفًا قربانًا لاحتلالكم القدس ، وقد عمت الفرحة في كردستان بانتصار إسرائيل على العرب .

عندما وقع نائب الرئيس العراقي صدام حسين اتفاقًا مع مصطفى البرازاني من خمسة عشر بندًا نال الأكراد بموجبه حكمًا ذاتيًا في 8- 3- 1970 ، أرسل البرازاني تقريرًا إلى إسرائيل حول سير المفاوضات وتوقيع الاتفاق

4- لم يعد التعاون الإسرائيلي الكردي لغزًا أو سرًا ، بل أضحى أمرًا معروفًا ومألوفًا ، بل ومذاعًا على كل الصعد السياسية والإعلامية دونما تردد أو وجل من الفريقين ، فهذا مناحيم بيغن يعلن في لقائه مع هيئة المدرسين في مدرسة الجنود في مستعمرة جفعات أولفا في وقت لاحق في 29- 9- 1980 أن إسرائيل قدمت طوال عشر سنوات من عام 1965 وحتى عام 1975 الدعم للبرازاني ، والذي اشتمل على الأموال والأسلحة والتدريبات وتبادل المعلومات.

كما ذكرت صحيفة ييديعون أحرنوت في عددها الصادر في 30-9- 1980 أن الأكراد لم يخيبوا في حرب الأيام الستة سنة 1967 أمل إسرائيل في الاعتماد عليهم إذ نجحوا في مشاغلة الجيش العراقي في شن هجوم عليهم عن وصول بعض قطعاته العسكرية إلى الأردن للانضمام إلى الحرب ضد إسرائيل ، ثم عادت الصحيفة في 1- 10- 1980 للتأكيد على أن البرازاني خلال زيارته لإسرائيل في أيلول عام 1975 ، وفي زياراته الأخرى المتكررة التقى جولدامائير وموشي دايان وإيغال آلون.

ونشرت صحيفة هآرتس حول عمق صلات النعايش والتنسيق بين إسرائيل والبرازاني ، وذكرت أن مرافقًا إسرائيليًا كان يقيم مع البرازاني في مقره نفسه ، ويعمل في الوقت نفسه ضابطًا للاتصالات بينه وبين تل أبيب ، ويؤكد رفائيل إيتان في كتابه : ( قصة جندي ) أن البرازاني وولده كانا قد زارا إسرائيل ، ومكثا فيها فترة من الزمن.

وكشف الكاتب الأمريكي جوناثان راندل في كتابه : أمة في شقاق ، دروب كردستان كما سلكتها ، أن مجموع المساعدات التي قدمتها واشنطن للأكراد في عام 1972 و 1975 بلغ ستة عشر مليون دولار ، أنفق معظمها على شراء الأسلحة ، وأن هذا كان يحدث في فترة المصالحة بين بغداد والأكراد ، وأكد في نفس الكتاب -أمة في شقاق- أن الموساد أسهم في تأسيس جهاز المخابرات المركزية -البارستن- برئاسة مسعود البرازاني ، وأن الأكراد ساعدوا في تأمين تهريب الطيار العراقي منير روفا إلى إسرائيل بطائرة الميغ 21 ، وأن رجال الموساد اشتركوا في التخطيط للمعارك وقيادة بعضها في الشمال ضد الجيش العراقي ، وهم متنكرون بالملابس الكردية .

هذه الشذرات أو المقتطفات التي أوردتها موجزة ، بل شديدة الإيجاز ، لتدرك الأجيال الصاعدة من أبناء أمتنا ، مدى تغلغل العدو الصهيوني في بلادنا ، وتمزيقهم لصفنا ، وتوظيفهم لخلافاتنا ، وإقامتهم تحالفات مع فرقاء من أبناء الوطن العربي ، كان البرزانيون في مقدمتهم ، وهذا يتنافى مع حقيقة مواقف الكرد وتاريخهم المشرف ، وجهادهم البطولي ضد الأعداء في حقب ماضية ، وأن هذا الشعب المؤمن قد اشتهر بالصدق والوفاء مع العرب والمسلمين ، حتى إن المراسلين في المهمات الدقيقة بين ألوية الجيش العراقي كانوا يختارون من الكرد ، وأن عددًا من المحافظين كذلك كانوا أكرادًا لما اتصفوا به من الأمانة والإخلاص والصدق ، وأنهم عاشوا مع العرب مئات السنين في تعاون وتصاهر واندماج دون أي تمييز أو تفرقة بين الشعبين المسلمين عربًا وأكرادًا.

5- إن ظاهرة البرازاني والطالباني لا تمثل حقيقة الأكراد ولا تاريخهم البطولي ، بل هي ظاهرة شاذة ، سوف تزول بزوال أسبابها التي أفرزتها التدخلات الأجنبية -إيران الشاه وإسرائيل وأمريكا- ومن قبلهم الاتحاد السوفياتي ، والتي نتوقع أن تستمر طويلاً ، بل هي إلى زوال ، حالها حال الغزوات أو الهجمات التي سبقتها قبل ذلك بقرون.

أما التغلغل الصهيوني بعد غزو العراق عام 2003 فقد تجاوز كل التوقعات ، ليشمل التغلغل كل مرافق الحياة السياسية والاقتصادية والأمنية وكل مفاصل الحياة ، ليس في شمالي العراق فحسب ، بل في كل أرجاء القطر الشقيق المبتلى ، مما سيأتي تفصيلا في سياقه بعد سيطرة أمريكا وحلفائها ومن يسيرون في ركبها في قهر العراق العربي المسلم الجريح.

إن جماهير الأكراد تعيش في مأساة وكارثة حقيقية جراء تصرف الحزبين الكرديين التابعين للطالباني والبرزاني المتعاونين مع أمريكا وإسرائيل ، وما يمارسانه من تسلط وطغيان على الجماهير الكردية ، ولاسيما ضد الحركات الإسلامية الرافضة للاحتلال الأجنبي والتغلغل الصهيوني ، وطالما مارس الحزبان الكرديان الاتحادي والديمقراطي البطش ضد الحركات والجماعات والاتجاهات الإسلامية ، مهما كانت وجهتها في التزام السنة والانتماء إلى المدارس الصوفية ، وبخاصة النقشبندية ، ومارسوا القمع مع أي تحرك منهم ، ولاسيما في موسم الانتخابات ، إذ هاجم الطالبونيون مقرات الإسلاميين ، وأوقعوا فيهم مجازر بقتل أعضائهم في داخل مراكزهم ، لإرعابهم ، وحتى يحولوا بينهم وبين المشاركة الفعلية في انتخابات المجالس النيابية المحلية في شمال العراق ، وفي انتخابات المجالس المركزية.

لقد قدر العارفون بالمنطقة الكردية في شمالي العراق أن الانتخابات لو جرت في جو من الحرية والنزاهة ، لاكتسح الإسلاميون الشارع الكردي ، ونالوا من الأصوات ما يؤهلهم للتصدي للحزبين : الاتحادي والديمقراطي العلمانيين اللذين ربطا علانية مصير شمالي العراق بالهيمنة الأمريكية والنفوذ الصهيوني ، والأمل بالله كبير ، ثم بالقاعدة الكردية الإيمانية الصلبة أن لا تطول هذه الفترة الشاذة من حياة أكراد العراق ، ليتحرر الشمال من ربقة الانحراف والتبعة للأعداء الألداء والمحتلين.

سابعًا: الصلاة السورية الإسرائيلية

حظي نظام الأقلية في سورية بدعم كبير من الغرب ، وفي مقدمته أمريكا ، ومن الصهاينة المحتلين لفلسطين ، فلم يتحدثوا قط عن ممارساته اللا إنسانية في سورية ، ولم ينكروا حكم القمع في ظل الحكم العرفي أو حكم قانون الطوارئ الدائم ، ولم يتحدثوا عن إعدام وحشي ، بل استمر شهر العسل بين السلطة السورية القمعية وبين العدو الإسرائيلي عقودًا.

1- كشفت حرب حزيران 1967 وكذا حرب 1973 بعض الوثائق عن التعاون المباشر بين حكم الأقلية في سورية وبين العدو ، أو غير المباشر كما رأينا ذلك من قبل ، وكيف سلم وزير الدفاع حافظ أسد ، الجبهة المنيعة التحصين ، والأرض الغنية بثرواتها ، بعد أن تم تخييره بين زحف الصهاينة إلى دمشق وإسقاط الحكم أو تسليم الجولان وترسيم حدود جديدة خلف خطوط الجبهة على طريق دمشق ، فصدر أمر وزير الدفاع للجيش بالانسحاب الكيفي ، وتسليم أسلحة حديثة وكثيرة مثل قاذفات اللهب والدبابات البرمائية وغيرها ، وقطع الكهرباء كيلا يحدث تفجير للآليات الإسرائيلية الزاحفة لاحتلال الجبهة ، وسحب المؤونة ( طعام الطوارئ ) بدعوى تبديلها ، وإنزال العقوبة بكل من واجه العدو كما رأينا ذلك من قبل ، ومن ثم وضع الخطوط ( الحدود ) الجديدة بين سورية والعدو ، ليسلم النظام من السقوط ، فاعتبرت سلطة الأقلية ذلك نصرًا طالما أن النظام القومي التقدمي الثوري استمر في الحكم ، وكان تسليم الجولان في الحقيقة هو الطريقة أو الذريعة أو المقدمة لاعتراف النظام السوري بإسرائيل التي حرصت على استمرار هذا النظام الذي وصفته -كما وصفه كيسنجر- بالتزامه للاتفاقيات المبرمة معه ، ولأنه ضعيف لا يريد ولا يقوى على مواجهة العدو ، ولأنه شديد البطش في المواطنين كيلا يفكروا يومًا بتغيير النظام أو مواجهة العدو ، ولأن السوريين لا يوجد فيهم من يقبل أو يطيق الاعتراف باليهود الذين اغتصبوا فلسطين ، وأعلنوا عن برنامجهم المقبل بدولتهم التي ستمتد ما بين النيل والفرات ، فكان تسليم الجولان والمطالبة به مدخلاً للاعتراف بإسرائيل ، وإقناع المواطنين أو إسكاتهم بدعوى أننا استعدنا الأرض مقابل السلام مع الصهاينة ، والاعتراف بدولتهم ، ورفع العلم الإسرائيلي في ربوع دمشق.

شرع الأسد يبشر بهذا ، ويطرح شعار : السلام الاستراتيجي مقابل التوازن الاستراتيجي الذي شغل به الشعب أكثر من عقد ، وحرم المواطنين خلاله حتى من الخبز والحرية وحركة العمل و.... مقابل الاستعداد للمواجهة ولاستكمال برامج التوازن الاستراتيجي ، وعندما سأل سامي الجندي ، وهو سفير سورية في باريس ، وزير الخارجية إبراهيم ماخوس : هل ترجع الجولان؟ قال ماخوس : نعم ، مقابل الاعتراف بإسرائيل ، كما مر معنا.

2- لقد آن الأوان لحافظ أسد ، بعد أن استقر حكمه المطلق دونما معارض أو مناوئ أو منافس ، أن يكشف عن بعض سياساته أو أسراره المكتومة مع العدو ، تمهيدًا لعلاقته ، أو علاقة الأقلية الحاكمة المستقبلية مع إسرائيل ، وقد بدأ يظهر ذلك جليًا خلال حكم الابن الوريث الذي استمر كأبيه في شهر العسل الدائم مع العدو ، والاستمرار في قانون الطوارئ الدائم في حكم سورية.

لقد مارست إسرائيل ضغطًا معلنًا وصريحًا ضد الأمريكان الذين كانوا ينسقون مع الفرنسيين لتغيير النظام السوري ، فحذرت إسرائيل من هذا التفكير الذي سيلحق الأذى بدولتهم ، ويشكل خطرًا على وجودها ، لأن البديل سيكون الفوضى أو وصول المتشددين - أي : الإسلاميين إلى الحكم- فبدلت أمريكا موقفها ، وأعلنت أنها لا تريد تغيير النظام السوري ، بل تريد تبديل سلوكياته ، وكان قد سبق هذا أو رافقه أو أعقبه ، لقاءات سورية إسرائيلية في أمريكا بترتيب من كيسنجر عراب السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ، إذ بادر بتوجيه دعوة لكل من سورية وإسرائيل إلى واشنطن للبحث في فك الارتباط ، لإعطاء الأسد نصرًا وهميًا بإعادة القنيطرة المدمرة المجردة من كل شيء لحافظ أسد ، فحضر دايان عن إسرائيل ، وحضر حكمت الشهابي رئيس الأركان السوري المحسوب على السياسة الأمريكية ، عن سورية ، في آذار 1974 ، فطار الشهابي من دمشق يحمل هدايا من الأثاث -الدمشقي- المطعم بالصدف ، وقطع من النحاس المزخرف لوزير الخارجية الأمريكية ، وبعد حوارات سريعة ، ومهيأ له ومتفق عليها ، حاز كيسنجر على موافقة حكمت الشهابي على خطة الفصل بين القوات بمنطقة عازلة ، تحيط بها منطقتان ، سورية وإسرائيلية ، فيهما قوات وأسلحة محدودة .

أزفت ساعة استحقاق الأسد ، ( بعد انسحابه من الجولان وتسليمه للعدو ) أن ينتزع من الرئيس الأمريكي نيكسون تعهدًا بالانسحاب من الجولان ، واستعداده للاعتراف بإسرائيل إذا ما انسحبت إلى حدود حزيران 1967 ، لكن اليهود ، يأخذون ولا يعطون ، يعاهدون ولا يلتزمون ، يستخفون بالشعوب ، ولا يتقيدون بالمواثيق ( وهذا هو دأبهم وديدنهم على مر القرون استنادًا إلى فهم تلمودي وتوراتي ينص على أنهم شعب الله المختار ، وأن الشعوب الأخرى خلقت لخدمتهم ، وكل ما لديها مباح لهذا الشعب المختار ) وسرعان ما أفسد كيسنجر المباحثات بين الأسد ونيكسون ( عندما التقيا وكان نيكسون يتعهد ببعض المطالب السورية ) بأسلوب فظ شرحه بإسهاب باتريك سيل في كتابه عن الأسد والصراع في الشرق الأوسط .

3- كان كيسنجر ، ثعلب السياسة الأمريكية المراوغ ، يقرأ ، بعمق ، نفسية الأسد ، ويدرك تطلعاته وآماله ومخاوفه ، وخشيته من سيطرة الإسرائيليين على لبنان بدعوى حماية المسيحيين ، فوظف كيسنجر ما كان عليه الأسد من طموح ، وما لديه من مخاوف ، للاستفادة منه باتجاه مضاد للفلسطينيين ، لسحقهم بدلا من حمايتهم ، وإلغاء دورهم بدعاوى عدة مر بعضها منذ قليل يما يخص حماية المسيحيين في لبنان من عدوان الفلسطينيين عليهم.

إذن.. فالفلسطينيون سيتم قهرهم وضبطهم ، واليسار سيتم البطش به واحتواؤه ، وموسكو ستصاب بخيبة أمل ، والأسد سيتلوث ، حسب ما نقله باتريك سيل عن كيسنجر ، وتسوء سمعته في نظر البلدان العربية ، أو بالأصح الجماهير العربية ، وبهذه المنطلقات ، أقنع كيسنجر إسرائيل ، بل طمأنها من مغبة دخول الجيش السوري إلى لبنان ، كما رأينا من قبل ، وإطلاق يده في وسطه وشماله ، وهذا ما سوف يضعف الجيش السوري ، بصراعه مع الفلسطينيين واللبنانيين المسلحين والحاقدين على الأسد ، ويشغله عن التفكير في الجولان ، ويبعده عن الاهتمام به. فأطلقت أمريكا أيدي السلطة السورية الحاكمة في لبنان ، وراح الأمريكيون يتحدثون عن دور سوري إيجابي في لبنان ، ولم يحدث أن تغير الضوء الأحمر إلى الضوء الأخضر بمثل هذه السرعة حسب التعبير الغربي.

لم ينتظر الأسد طويلا بعد دخول قواته إلى لبنان ، بل سارع إلى تقليم أظافر القادة السياسيين ، وأمراء الحرب ، وقادة منظمة التحرير الفلسطينية ، ومطاردة المقاومة ، وضربها بقسوة بالغة ، وقهر الزعماء ، وفي مقدمتهم كمال جنبلاط الذي عقد الأسد معه اجتماعًا عاصفًات في 27- 3- 1967 استغرق سبع ساعات ، افترقا بعد متخاصمين ، وانتهى الأمر باغتيال كمال جنبلاط ، والقضاء عليه ، وتفتيت الجبهة الوطنية العريضة التي كان جنبلاط يتزعمها ويقودها .

4- سارع الأسد بعد دخول جيشه إلى لبنان كذلك ليعلم الفلسطينيين التعقل -حسب ما نقله عنه باتريك سيل- فكان أول إنجازاته فك حصار الفلسطينيين واليساريين عن المعاقل المسيحية في مدينة زحلة ، وفي وادي البقاع بالقوة الغاشمة ، مما أورثه كرهًا شعبيًا ، أفقده أصدقاءه في الخارج ، وعرضه لأسوأ أزمة يواجهها في الداخل.

إن التدخل السوري غير مجرى الحرب لدى المسيحيين ، من الدفاع إلى الهجوم ، ضد مخيم تل الزعتر الذي يسكنه ثلاثون ألفًا ، والذي سقط في ظل مأساة مرعبة بعد حصار خانق أورث سكانه جوعًا وعطشًا وقتلا وجرحى لا يجدون العلاج ولا الدواء ، ثم أعقب سقوطه حدوث مذبحة رهيبة ، قتل فيها ثلاثة آلاف فلسطيني مدني ، ذبحوا فيه ذبح النعاج بعد سقوط المخيم على أيدي النمور -جيش كميل شمعون- بقيادة ولده داني.

كانت مذبحة تل الزعتر واحدة من عدة مجازر ضد المدنيين الفلسطينيين في مخيمات صبرا وشاتيلا فيمان بعد ، وكذا في حرب المخيمات عامي 1976 و 1977 التي كان الشيعة ، ولاسيما حركة أمل بقيادة نبيه بري المتحالفة مع النظام السوري الذي يمدها بالسلاح والتموين والذخيرة والدعم اللوجستي ، إذا كان جنود أمل يفتكون بالفلسطينيين ويعملون في الوسط والجنوب على مطاردتهم وقتلهم .

5- بعد أن ساءت سمعة الأسد في لبنان بين الفلسطينيين واللبنانيين ، جراء القمع والمذابح والجرائم التي ارتكبها ضدهم ، وكذا في داخل سورية ، بعد الفساد والنهب والرشى التي زكمت رائحتها الأنوف ، أعلن عن حركة التصحيح التي أراد أن ينقذ بها سمعته ، لكن هذه الحركة بدت ملوثة حسب تعبير صديق الأسد باتريك سيل ، إذ راحت تظهر فوارق كبيرة تدل على عدم المساواة بين المواطنين بشكل سافر ، وبدأ عدد من رموز السلطة الطائفية المتنفذين المهيمنين على أجهزة الدولة يجمعون الثروات الأسطورية بشكل غير مسبوق ، ولم يعرف السوريون لها مثيلاً من قبل ، فامتلأت صفوف السلطة الحاكمة ، وكذا الطبقات العليا من العسكريين والأمنيين وموظفي الحكومة والكبار وبعض الصغار في البحث عن الربح ، وجمع الثروات الخيالية والمال الحرام.

في عام 1963 كان في سورية 55 مليونيرًا ، فارتفع عددهم عام 1973 إلى 2500 مليونير أثرى كثيرون منهم من العمولات والسرقات والرشاوى والابتزاز والتسلط على التجار والأثرياء ، فنمت وظهرت أو ولدت شراكات بين رجال الأعمال ، وبين كبار موظفي النظام التقدمي -عسكريين وأمنيين وسياسيين- وتكاثرت معها شبكات الفساد والمحسوبية ، فلم يعد للمصلحة العامة في الدولة والمجتمع شأن يذكر ، بل أصبح الدافع والمحرك لهذه السلطة العجيبة في عالم السياسة ، الأرباح والمكاسب الشخصية ، وقد رأينا أن المسئول عن الاقتصاد السوري شكل مدرسة أو نموذجًا في نهب الأموال ، ليكون الأنموذج لكل الفاسدين في ( جمع الثروات الأسطورية ) الذين يمسكون بزمام السلطة الحاكمة ، فامتلأت البنوك ( في أوربا وأمريكا ، ولاسيما في فرنسا المركز الرئيسي لأبناء الأقلية الذين تربطهم صلات وثيقة منذ أيام الانتداب ، بفرنسا ) امتلأت بالأموال المنهوبة والثروات المسلوبة ، في الوقت الذي كانت جماهير المواطنين تعاني من التضخم والغلاء والبطالة وضآلة الرواتب ، وضعف القوة الشرائية لليرة السورية ، وحرمان الموظفين غير المتنفذين من العيش الكريم اللائق ، إذ إن رواتبهم لا تكفي للإنفاق على عائلاتهم وأبنائهم أكثر من عشرة أيام في الشهر ، ليضطروا إلى العمل في بيع ربطات الخبز للمسافرين في مراكز انطلاق السيارات ، أو بيع الصحف ، أو سائقين في سيارات الأجرة ، فانعكس ذلك على المجتمع برمته ، وظهر جليًا في تخلف القطاعات الصناعية والثقافية والصحية ، إذ كان بعض المرضى يضطرون إلى السفر للبلاد المجاورة كالأردن ولبنان لتلقي العلاج في العمليات المعقدة والأمراض الخطيرة ، وكان هذا كله نذيرًا لسحق الطبقة الوسطى أو زوالها ، وهي قوام المجتمع في كل البلاد الناهضة.

6- اتسعت صلاحيات الأجهزة الأمنية ، حتى استحال الحكم في سورية كلها إلى مجتمع أمني ، فالسلطة ليست سلطة الحزب أو الحكومة أو القضاء أو الجهاز التشريعي ، فليست سلطات هذه الهيئات والأجهزة مجتمعة بذات أثر في مجرى الحياة العامة في سورية ، فالسلطة كلها للأجهزة الأمنية من مخابرات وجيش ، وهي وحدها أدوات الرئاسة -رئاسة الأسد- الحقيقية ، فالوزراء في حال يدعو إلى الانشقاق ، إذ ليس لهم رأي أو شأن أو نفوذ أو صلاحيات ، بل إن رئيس الوزراء لا يجرؤ على السؤال عن معتقل أو سجين أو مفقود ولو كان من أفراد عائلته ، بل يعتذر لمن يراجعه قائلاً : هذا من صلاحيات قصر الرئاسة حيث توجد قيادات الأجهزة المهيمنة على وزارات الحكومة ومؤسساتها وأجهزتها وكل دوائر الدولة التي يحركها من القصر حافظ أسد ، أو من ينيبه عنه مثل ولده باسل قبل موته في ظروف غامضة ، ثم أحد أبنائه أو أفراد أسرته وأقاربه ، حتى أضحت الهيمنة على شؤون البلاد وحتى الصغيرة منها تحت المجهر وفي متناول المراقبة الدقيقة والمتابعة والمساءلة عن كل ما يصدر عن المواطن السوري!!

من هنا فإن وحدة السلطة تساوي بالنسبة للأسد وحدة الأجهزة الأمنية القمعية -الجيش والمخابرات- فهذه هي نواة السلطة الصلبة أو عمودها الفقري ، التي تمسك الرئاسة بكل خيوطها ومفاتحها في كل الظروف والأحوال ، ولا يجوز أن يقترب منها أي مؤثر من خارجها ، وأن يخضع كل ما في البلاد من سياسات وقوى وأشخاص لمستلزمات وحدتها وقوتها وهيمنتها ، أما الحزب والحكومة والجبهة الوطنية والسلطة التشريعية والقضائية والصحافة.. الخ ، فليست سوى أدوات لهذا الجهاز المتحكم بالبلاد تحكمًا لا يحده قيد أو اعتبار أو دستور أو قانون ، وإنما وظيفتها الأساسية هي التغطية على جرائم السلطة وإجراءاتها الخيانية والقمعية ، وإيهام المواطنين أو تضليلهم وتضليل الأمة العربية والرأي العام الدولي أنها هي الممسكة بالسلطة ، وأن الأسد هو الأمين العام للحزب والجبهة الوطنية الذي يدير أجهزة الدولة.

إن هذه الأحزاب والمنظمات والهيئات والمؤسسات ، وعلى رأسها حزب البعث نفسه -الحاكم ظاهرًا- تقع خارج التركيبة الحقيقية للسلطة.

إن خطب الأسد في هذه الفترة كانت للتعمية على أهدافه الحقيقية ، وليس للإفصاح عنها ، فالكشف عنها كان يمس التغييرات السلطوية التي تعمل على تنفيذها ، والأهداف الحقيقية التي كان يستنبطنها ويتكتم عليها ، ولذا كانت أحاديثه عن الحرية وعن جميع شعاراته في هذه الفترة مجرد ادعاءات للمناورة لا تلزمه بأي شيء ، مع أنها لعبت دورًا بالغ الحيوية في تضليل المواطنين وخداعهم لفترة من الزمن ، يتم بعد ذلك سحبها من التداول ، أو إعادة قراءتها ، بعد أن تكون قد أدت دورها في التمهيد للطور الذي سيلي هذه الفترة الانتقالية ، فمثلاً كانت شعارات الحرية قد مهدت لإقامة مرتكزات ، وأقامت مؤسسات وأجهزة ، وأشاعت مناخًا لاستبداد شمولي أشد قسوة ودموية في حياة السوريين في القديم والحديث. وقل مثل ذلك في شعار التوازن الاستراتيجي الذي أعاد قراءته ليكون السلام الاستراتيجي ، ومثل ذلك كثير.

7- في منتصف السبعينيات اشتد زحف السلطة الأسدية على مرافق الدولة ، وعلى مؤسساتها لاحتلالها والسيطرة عليها بمواطنين علويين ، ضاربة عرض الحائط بمعايير المواطنة القانونية والدستورية ، وذلك لإضفاء طابع مذهبي مهيمن بأوسع ما يمكن على السلطة لجني المكاسب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المادية والمعنوية للمنتمين لأبناء الطائفة العلوية ، من أمثلة ذلك تعليمات صدرت ذات يوم من عام 1976 إلى اللجان الحزبية الفاحصة في وزارة الخارجية التي كانت تجري مقابلات شفهية لعشرات المواطنين المتقدمين ، لانتقاء خريجي دراسات قانونية ، تود الدولة تعيينهم في السلك الخارجي ، فقد أصدر أحد رجال أمن الوزارة آنذاك توجيهات شفهية إلى رئيس اللجان يأمره بإعطاء الأفضلية للعلويين ، وإن كانوا من غير الحزبيين ، على السنة ، وإن كانوا أعضاء في الحزب. ومن أمثلة ذلك أيضًا توزيع المعلمين على المدارس في المدن والقرى والأحياء ، فالمعلم الذي يرسل إلى التجمعات السكانية الكبيرة أو المعادية يكون عادة من العلويين ، ومدرسو المواد ذات العلاقة بتكوين الوعي السياسي والاجتماعي للتلاميذ كمواد التاريخ والتربية القومية والاشتراكية وعلم الاجتماع والفلسفة يكون بدورهم من العلويين ؟

أما الذين يعرفون بميولهم الإسلامية ، سواء أكانوا من الإخوان أم من غيرهم ، فإنهم سيبعدون إلى المناطق التي تسكنها أقلية طائفية أو مذهبية أو قرى مسيحية أو ذرزية أو إسماعيلية ، وقد عرفنا الكثير من هؤلاء الأساتذة الذين أبعدوا عن بلدانهم ، وعن المدارس التي زاولوا فيها مهنة التدريس سنوات طويلة.

في هذا العرض المؤلم والمحزن نتساءل : هل هذه السياسة الطائفية المنتنة تصب في صالح المواطنين العلويين؟

وإذا كان نسبة العلويين لعدد السكان في سورية لا تزيد على 8% كما يؤكد البعض ، أو 10% كما يزعم آخرون ، أو 12% كما ذكر بعض العلويين مثل الضابط محمد هواش في كتابه : عن العلويين ودولتهم المستقلة ، فهل من العقل أو المصلحة العامة أو تكافؤ الفرص أو مصلحة الطائفة نفسها ، أن تدفع الطائفة بسياسة حمقاء في مواجهة الأكثرية بروح العداء والتسلط؟ وهل يستطيع المهيمنون على مفاصل السلطة والحياة برمتها أن تظل أصابعهم على الزناد إلا مالا نهاية؟

ألا يخشون من سوء المصير أو سوء الخاتمة السياسية؟ ما هذا المصير المجهول الذي يقود حافظ أسد الطائفة أو شطرًا منها إليه على مذابح زعامته ومصالحه ومكاسب عائلته وعشيرته؟

إن عقلاء الطائفة يشعرون بذلك ، ويمقتون هذه السياسة الأسدية المدمرة ، وقد دفع بعض المفكرين في الطائفة ثمن رفضهم لسياسة حافظ أسد غاليًا ، فيما نالهم من مطاردة واعتقال وتعذيب وقتل وتشريد وسجن استمر زهاء بضعة وعشرين عامًا.

لا بديل من تعاون المخلصين من كل أطياف الشعب في سورية ، من أبناء الأكثرية وأبناء الأقليات الدينية والطائفية والعرقية لترسيخ الوحدة الوطنية كما كانت يوم واجه السوريون وهم قلة لا تزيد على ثلاثة ملايين ، أقوى الدول في عصرها ، وألحقوا بها هزيمة نكراء ، وانتزعوا استقلالهم وحريتهم من فرنسا بوحدتهم وتضامنهم في فترة وطنية زاهية.

إنني أمد يدي لكل من يتجاوب مع هذه الصيحة المخلصة ، لننقذ وطننا وشعبنا ، قبل أن يدرك الغرق المركب الذي يحملنا جميعًا.


ثامنًا: سورية قبل النهوض الإسلامي

في ظل الاحتلال الفرنسي عام 1918- 1946 كانت الحياة السياسية في سورية ذات طابع غربي وعلماني ، لا تمت بأي صلة للرسالة الإسلامية في كل ما يطرحه السياسيون من تشريعات وبرامج وقيم وأعراف اجتماعية ، بل كانت شرائح واسعة ، وأحزاب ذات نفوذ ، تعادي الإسلام ، وتعتبره مظهرًا للرجعية والتخلف ، وتشهر عليه انتقادات جارحة ، وتدعو الناس للتحرر منه والابتعاد عنه ، وكان معظم الساسة السوريين ، إن لم يكونوا جميعًا ، من خريجي الجامعات الفرنسية المتشبعين بالثقافة الغربية التي تنادي بفصل الدين عن الدولة ، وإقصاء الإسلام عن السياسة والحياة العامة ، وتنادي بمجتمع ليبرالي يحذو حذو أوربا في نهضتها ومسيرتها.

1- لم أصادف سياسيًا واحدًا في عشرينيات القرن الماضي رفع راية الإسلام ، واعتبره مصدرًا ومرجعًا له في برنامجه أو فكره السياسي ، أو دعا إليه ، أو اسند إلى بعض أحكامه ، أو وقف منه موقف الإكبار والتعظيم ، فالبعض كان يتبرأ من الإسلام ، ويعتبر النهوض ملازمًا لإقصائه وحصره في الشأن التعبدي فيما بين الإنسان وخالقه ، وقد قرأنا لبعض الساسة في تلك المرحلة تصريحات معادية تخلو من اللياقة والذوق ، مثل ما كان عليه ساطع الحصري ، وأنطون سعادة ، وغيرهما ، بل إن بعض المواطنين ذوي الشهرة بمواقفهم وقدراتهم السياسية في مخاطبة المواطنين والتأثير بهم ، مثل الدكتور عبد الرحمن الشهبندر يشيد بتجربة كمال أتاتورك في مواقفه من الرجعية ، أما الساسة الأكثر اعتدالاً مثل شكري القوتلي ، وهاشم الأتاسي الذين لم ينالوا من الإسلام قط ، فإنهم لم يشيدوا بالإسلام قط ، ولم يتخذوا منه مرجعًا أو مصدرًا ، يستلهمون منه أو يرتكزون عليه في نضالهم السياسي ، وكفاحهم من أجل الحصول على التحرر والاستقلال.

2- استمرت هذه الحالة في تاريخ السياسة السورية حتى منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي ، إذ تمادى العلمانيون والمعادون حتى أوشكوا أن يصدروا قانون الأحوال الشخصية الذي يخالف أصول الإسلام في وزواج المسلمة بغير المسلم ، وبمصادرة الوقف الإسلامي ، وفي تشويه المناهج التعليمية في المدارس ، كالتربية الإسلامية ، والتاريخ الإسلامي... الخ ، فانبرى لهذه الموجة وهذا التيار المعادي رجال فحول ، ودعاة كبار ، آثروا مرضاة الله على كل ما في هذه الدنيا من متاع وأبهة وشهرة ، ووضعوا أرواحهم على راحاتهم ، ورفعوا راية الإسلام والدعوة إليه خفاقة ، واستنهضوا همم الغيورين على دين الله وعقيدته السمحاء وشريعته الغراء ، كان منهم على سبيل المثال لا الحصر ، في دمشق : الشيخ كامل القصاب ، والشيخ بدر الدين الحسني ، والشيخ علي الدقر ، والشيخ علي الطنطاوي ، والشيخ حسن حبنكة ، وفي حمص : الشيخ أبو السعود عبد السلام ، وطاهر الرئيس ، وفي حماة : الشيخ سعيد الجابي ، والشيخ سعيد النعسان ، والشيخ محمود العثمان ، وفي حلب : الشيخ محمد النبهان ، والشيخ راغب الطباخ ، والشيخ أحمد الزرقا وولده العالم الجليل الشيخ مصطفى الزراق ، والشيخ نجيب خياطة ، وفي دير الزور : الشيخ حسين رمضان ، وفي حوران : الشيخ نايف عباس ، نزيل دمشق ، والشيخ سليم المصري ، وفي إدلب : الشيخ نافع شامية وغيرهم.

تحرك هؤلاء الأفذاذ منذ منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي ، ونفخوا في الأمة روحًا جديدة ، وأثاروا الغيرة في نفوس المواطنين على الإسلام ، وحذروهم من الأخطار التي تستهدفه ، فاستطاعوا كسر الموجة المعادية ، وإيقاف زحفها في كل أرجاء سورية ، ثم ظهرت منذ منتصف الثلاثينيات ، الجمعيات الإسلامية في حمص 1934 ، وفي دمشق 1935 ، وفي حلب 1937 ، وفي حماة 1938 ، وفي دير الزور 1941 ، وفي اللاذقية 1942 ، ليشكل روادها فيما بعد جماعة الإخوان المسلمين في مطلع عام 1945 كما مر معنا تفصيلاً في بداية المجلد الأول من هذه الأوراق.

3- أثار ميلاد الإخوان المسلمين في سورية وانتشارها السريع في جل المحافظات السورية ، والتفاف الجماهير حولها : حفيظة الأحزاب اليمينية واليسارية ، فشرعوا أقلامهم بالتهجم على الجماعة ، واتهامها بالرجعية والتخلف ، وكان الشيوعيون أشد الناس عدًا للإخوان في هذه الفترة المبكرة من حياة الجماعة ، فانبرى كتاب الإخوان بالدفاع عنها ، وتفنيد أراجيف خصومها ، على صفحات جريدة ( المنار ) التي صدرت في حزيران 1946 ، وكان من أبرز كتابها : الأستاذ السباعي ، والشاعر عمر بهاء الأميري ، والأستاذ بشير العوف ، والأستاذ كاظم نصري الدمشقي إذ ذاك.

شغل هذا الصراع الرأي العام في سورية ، كما كنا نحن -أبناء الجماعة- في مستهل حياتنا الإخوانية ، وحياة التنظيم الذي التحقنا به في العام الأول الذي نشأت فيه ، نتابع هذا الصدام بحماسة وانفعال كبيرين.

إن هذا التحرش الذي مارس الخصوم على الجماعة ، قوى عددها ، وشد ساعدها ، فكسبت أنصارًا وأتباعًا مؤيدين ، فشكلت تيارًا هادرًا لا يستطيع المناوئون تجاهله ، أو لا يحسبون حسابه.

4- عندما أطل عام 1947 أعلنت الحكومة عن إجراء انتخابات نيابية بعد انتهاء فترة مجلس 1943 ، كانت الكتلة الوطنية سيدة الموقف في ثقلها وفي شخصياتها المعروفة من أمثال : جميل مردم ، ولطفي الحفار ، وصبري العسلي ، ونسيب البكري ، وفي مقدمتهم شكري القوتلي.

خاض الإخوان الانتخابات بعزيمة ، وتحدثوا عن الفساد الإداري الذي غرق فيه رجال الكتلة التي انفصلت فيما بعد إلى حزبين : الحزب الوطني في دمشق ، وحزب الشعب في حلب ، فالتفت الجماهير في العاصمة السورية حول الجماعة ، التي بدت كفتها راجحة ، وتأييدها كاسحًا ، فلجأت السلطات الحاكمة إلى تزوير مفضوح فاحت رائحته ، وبدت أدلته ، فكان هذا السلوك إيذانًا بزوال بقايا الكتلة وانفراط عقدها.

لم يعد الهجوم على الجماعة بضاعة رائجة في الأوساط الشعبية ، بل أصبح يلحق خسائر سياسية وشعبية بمن يقدم عليه أو يتورط فيه ، فركب كثير من الساسة المحترفين الموجة ، وصاروا يتقربون من العلماء والدعاة والأئمة ، ويتظاهرون بالتدين ، واحترام الإسلام بعد أن رجحت كفة التيار الإسلامي في دمشق وفي مدن أخرى.

لم يكن للإخوان ثقل في مجلس 1947 ، غير أن صوتهم صار مدويًا ومسموعًا عبر الأستاذ الكبير محمد المبارك أحد مؤسسي الجماعة في دمشق والبرلماني الألمعي تحت قبة المجلس النيابي ، وكان الرافد في هذا الصراع الفكري : جريدة المنار الإخوانية اليومية التي تقدمت على الصحف الأخرى العريقة والسابقة عليها في كمية الأعداد المطبوعة ، وفي إقبال القراء عليها ، وانتظار كل صباح صدورها بفارغ الصبر.

كان تنظيم الفتوة الإخواني ، وانتشار مدارس الجماعة ، وأنديتها الرياضية ، ونشاطها الثقافي ، ملء السمع والبصر ، فاقتنع الخصوم بوقف حملاتهم ، باستثناء حزب صغير هو الحزب التعاوني الاشتراكي المحسوب على شكري القوتلي ، والذي استخدم أساليب فاشية ضد الأحزاب المناوئة للقوتلي ، واغتالوا الطالب الجامعي محمد علوش أحد أعوان أكرام الحوراني ، ودخلوا مع الإخوان في خصومة بقيادة رئيس الحزب ومؤسسه فيصل العسلي ذي النزعة الهتلرية ، فانتهى به المطاف إلى تلاشي الحزب واضمحلاله ، ونزوح مؤسسه فيما بعد إلى الخارج ، وعمله كموظف في السعودية إلى آخر حياته.

5- منيت الجماعة بأزمة فاقت في ضررها ما أحدثه خصوم الإخوان من علمانيين وشيوعيين ، إذ حدث أول انشقاق وتمرد في دمشق على قيادة الجماعة قادة الأستاذ كاظم نصري وآخرون في دمشق بعد أن كان كاظم نصري مجليًا في قلمه بالدفاع عن الجماعة على صفحات الجرايد ، وبالذات على صفحات المنار ، لكن الخلاف على جرفه وجرف فضلاء معه ، كما أثر هذا الانشقاق في جيوب صغيرة في المدن الأخرى ولاسيما في حمص دون أن يكون له أي تأثير على مسرة الجماعة وانتشارها. ومن فضل الله ورحمته بهذه الجماعة التي رفعت راية الدعوة إلى الله بإخلاص وعزيمة ، ثم بفضل قيادة السباعي والمبارك ومن التف في دمشق حولهما ، وفي إدارة المراكز ، سرعان ما طوق الخلاف ، وانطفأت نار الفتنة ، وعادت الجماعة إلى ما كانت عليه من وحدة وتماسك والتفاف حول قيادتها ، ونبذ كل خلاف أو انشقاق أو نزاع في صفوف الجماعة الراشدة.

كان الصراع مع اليمين من أمثال القوميين السوريين بقيادة أنطون سعادة المدعوم من الغرب ، واليساريين وعلى رأسهم الشيوعيون بقيادة بكداش المدعوم من الاتحاد السوفياتي بكل أنواع الدعم المالي والسياسي والثقافي والإعلامي.. الخ ثم حدوث الانشقاق الأول في صفوف الجماعة في أواخر الأربعينيات ، كان هذا كله أول صدمة تتلقاها الجماعة ، وأول اختبار لها في مسيرتها الدعوية والتنظيمية والسياسية خرجت منها متماسكة ظافرة ، بل ربما أعطتها مناعة ضد انشقاق كبير ستواجهه بعد ست سنوات في ظل حكم الشيشكلي العسكري ، وغياب القائد عن الساحة بنفيه أو انسحابه من الصراع مع الشيشكلي.

كان الانشقاق هذا - الثاني- عام 1953 كبيرًا وخطيرًا كاد أن يطيح بالجماعة ويقضي عليها ، إذ شاركت فيه قوى داخلية من داخل الجماعة ، كما شاركت فيه قوى خارجية وأجهزة مخابرات دولية وعربية ، كان عبد الناصر في مقدمتها وعلى رأسها ، وكان أشد تأثيرًا في ذاك الانشقاق عندما استطاع تجنيد عناصر إخوانية سباقة خرجت على الجماعة ، وارتبطت بالمخابرات المصرية ، كان نجيب جويفل أبرزها وأخطرها ، وأشدها فتكًا في التنظيم الذي يعرف الكثير من خفاياه وخباياه وأشخاصه ونقاط الضعف فيه ، وقد أحرز نجاحًا كبيرًا في مهمته التدميرية عندما استطاع شراء عناصر إخوانية سورية من داخل التنظيم ، باعت نفسها بمكاسب ومناصب ومواقع رخيصة ، كان من أبرزها عبد المجيد الطرابلسي من حمص ، وأنور حمادة من إدلب ، وآخرون أقل أهمية في دمشق واللاذقية وحمص وغيرها. وقد عرفنا ذلك تفصيلا وتحليلا في المجلد الثاني من هذه المذكرات.

إن الذي ساعد الجماعة في هذه المحنة الكبرى ، وخروجها منها معافاة ، مبادرة قائدها السباعي الذي دخل سرًا إلى سورية -رغم ملاحقته- ليتصل بشرائح الجماعة في معظم مراكزها ، وكشف لهم دناءة بعض المصريين والسوريين الذين باعوا أنفسهم لأعداء الدعوة بثمن بخس ، وكذا وعي جمهرة كبيرة من قواعد الإخوان ، ولاسيما في مركزي حلب وحماة اللذين ارتابا منذ البداية من حركة نجيب جويفل ، وأغلقا في وجهه ومن معه الأبواب ، وقطعا عليهم دروب الفتنة والكيد ، وألقيا بثقلهما مع القيادة الإخوانية الشرعية بقيادة الشيخ السباعي ، فكان في ذلك ترجيح للجماعة ، وفشل ذريع لرؤوس الفتنة الذين لاذوا بالفرار والإدبار.

إن سبب هذا الحشد الكبير في ضرب الجماعة اضطلاعها بقيادة الحركة عالميًا في أثناء نكبة الإخوان في مصر على يد عبد الناصر الذي عمل على سحق الجماعة ، دونما رحمة أو شفقة أو ضمير ، فكانت عاقبته ومن معه الخزي والخسران في هذه الدنيا الفانية ، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.

6- تلاحقت الأحداث في سورية بتسارع كبير ، فقد سقط حكم الشيشكلي في مطلع عام 1954 ، وعاد رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي ظافرًا إلى دمشق رئيسًاغ للجمهورية كما كان قبل حدوث الانقلاب ، وكذا حكومة الدواليبي ، ليتابع العهد مسيرته التي أوقفها الانقلاب ، ومعلنين عدم دستورية فترة الشيشكلي التي امتدت من عام 1951 وحتى شباط 1954 ، وأعلنوا عن انتخابات جديدة ، وقد استمرت هذه الحقبة الديمقراطية الهشة حتى عام 1958 ، عندما قامت الوحدة بين مصر وسورية مما جاء شرحه مفصلا وكاملا في الجزء الثاني من هذه المذكرات.


تاسعًا : الخلاف من جديد

أثقل المرض كاهل المراقب العام الشيخ السباعي في أعقاب هذه المرحلة أو في نهايتها عام 1958 ، فصار يسند بعض مهماته لإخوانه الذين يحملون عبء العمل الدعوي معه ، واستمر على هذه الحال إلى ما قبل وفاته رحمه الله عام 1964 ، عندما أسند مهمة المراقب العام إلى الأستاذ عصام العطار رئيس مركز دمشق ، غير أن شطرًا من الجماعة لم يرق لهم إسناد منصب المراقب العام للأستاذ عصام وتثبيته فيه دون أن يصدر ذلك عن مجلس الشورى أو برلمان الجماعة ، فجاهروا بعد موافقتهم على قيادة الأستاذ العطار ، وذكروا عددًا من الملاحظات على أسلوبه في قيادة التنظيم ، وتغليبه الأسلوب الخطابي المؤثر على العمل المؤسساتي في داخل الجماعة ، وبدأ الخلاف يطفو على السطح ، ويعرف به جمهور الإخوان في جميع المراكز ، وكان مركز حلب يقود هذا التوجه ويجهر به ، ويطالب بتنحية الأخ المراقب العام عصام العطار -حفظه الله- بأسلوب لا يخلو من الخشونة ، كان الدكتور فوزي حمد رحمه الله يضطلع به ، ويقوم بجولات على الإخوان في داخل سورية وفي خارجها في البلاد العربية والأجنبية ، فتعكرت الأجواء والنفوس ، وفقدت الجماعة ما كانت عليه من صفاء القلوب وروح الأخوة الصادقة ، والحب في ذات الله وفي دعوته.

أتى رد الفعل حادًا من مؤازري الأستاذ عصام ، وفي مقدمتهم الشيخ زهير شاويش -حفظه الله- الذي كان يقوم بجولات مضادة طاعنًا في مواقف الذين يودون إزاحة المراقب العام عن موقعه القيادي ، وصار يدعو إلى إعطاء البيعة للأستاذ عصام في مبادرة غير مسبوقة ، إذ إن منصب المراقب العام عمل إداري يضطلع به من يسند إليه لأجل مسمى ، ثلاث أو أربع سنوات ، ثم ينتخب غيره أو يجدد انتخابهن ، ولم يحدث قط قبل ذلك أن بويع المراقب العام بيعة دائمة ، فتعمق الجرح ، واتسعت الهوة في شرخ كبير بين تيارين كبيرين ، يقود أحدهما الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله ، ويضم مركز حلب ومركز اللاذقية ، ومجموعات أخرى في جميع المراكز الأخرى ، ويقود ثانيهما الأستاذ عصام العطار حفظه الله ، وتضم مركز حمص ومركز دمشق ومجموعات في جميع المراكز الأخرى.

كان أسوأ ما في هذا الانقسام توجيه الاتهامات المتبادلة عبر المحاضرات والجولات وإصدارات الكتب التي تشرح أسباب الخلاف والانقسام.

استمرت هذه الحال المأساوية أو هذه القاصمة في جماعة الإخوان فترة طال أمدها ، فتحركت القيادات الإسلامية غير السورية لرأب الصدع وإنهاء الخلاف ، كان منهم مرشد الإخوان المسلمين الأستاذ حسن الهضيبي رحمه الله والشيخ أبو الحسن الندوي من الهند والأستاذ أبو الأعلى المودودي من باكستان وغيرهم ، وعندما استعصى الخلاف تقدم مكتب الإرشاد بحل لهذا النزاع الذي طال أمده ، وشكلت لجنة من ثلاثة إخوة من العراق ولبنان والأردن ، للقيام بمسعى حميد ، لإخراج الإخوة في سورية من هذه الفتنة دون جدوى ، فقررت اللجنة فرض الحل على أطراف النزاع ، ومن لم يقبله يكون خارج التنظيم.

أعلن مركز حلب ومن معه الرضوخ لقرار قيادة الإخوان العليا ، وكان ثمة ثلاثة مراكز نأت بنفسها عن الخلاف باسم مراكز الحياد ، فقبل اثنان منها قرار مكتب الإرشاد ، وهما مركز إدلب ومركز حماة ، وتحفظ مركز دير الزور ، ثم أعلن موقفه مع مركز دمشق ومن سار معهم في قيادة الأستاذ عصام العطار.

كان ذلك في عام 1975 بعد خلاف استمر ست سنوات منذ عام 1969 ، تضاف إليه سنوات أخرى من النزاع والجدال سبقت الإعلان عن الخلاف.


عاشرًا: اختيار مراقب جديد

انضمت معظم المراكز في سورية إلى التنظيم الذي أعلن ولاءه لمكتب الإرشاد والارتباط به ، والإذعان لقراره ، فبالإضافة إلى مراكز حلب واللاذقية وحماة وإدلب ، أعلن عضو إدارة مركز حمص الشهيد محمود سويد وزميله في الإدارة أبو جابر انضمامهما إلى الجماعة ، كما مر معنا من قبل ، كما قام الأخ الشهيد فرج غليون -أبو حيدر- وغيره من حمص بمساع حثيثة لرأب الصدع ، وكنت أنزل عليه ضيفًا عندما كنت أزور مدينة ابن الوليد ، وكان هذا شأن الإخوة في حوران ، والإخوة في الميادين من محافظة دير الزور ، غير أن مركز دمشق بقيادة الأستاذ عصام العطار ، وشطرًا من حمص بقيادة الشيخ محمد علي مشعل ، ومركز مدينة دير الزور برئاسة الدكتور حسن هويدي -حفظه الله- ظلوا على ولائهم للأستاذ عصام وارتباطهم بقيادته ، والتزامهم بمركز دمشق الذي استمر على مواقفه السابقة.

1- لن أخوض في تفصيلات الخلاف ، كما فعل كثيرون ، ولن أصدر أحكامًا بتخطئة هذا الفريق أو ذاك ، بل أؤكد على اقتناع في نفسي ألقى الله جل جلاله عليه ، يوم كتب شهادة العباد ويسألون.

لم أجد أسبابًا جوهرية تدعو إلى ذاك الخلاف المدمر ، والاستمرار عليه ، وشق عصا الجماعة ، وتعميق الانقسام في صفوفها ، فلو آثر أي طرف إخوانه على نفسه لانطفأت نار الفتنة ، ولو تنازل طرف لآخر ، وتخلى عن اقتناع التماسا لمرضاة الله ، لتبوأ عند الله تعالى منزلة كبيرة ما أشد حاجة المؤمنين إليها يوم الحساب العسير ، عملاً بقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم : أنا زعيم لكم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا .

ماذا يضير الإخوان لو تركوا الأستاذ عصامًا مراقبًا للجماعة عامًا آخر أو بعض عام كما كان يطالب به إخوانه وأعوانه؟ ولو كان في ذلك تنازل عما يقتنعون.

لقد عرفت الشيخ عبد الفتاح رحمه الله عن قرب ، وعرفت الأستاذ عصام حفظه الله كذلك في مناسبات عدة ، والتقيت من حولهم في حلب من أمثال الأخ عبد الحميد الأصيل رحمه الله وأخيه سامي الأصيل والأستاذ عادل كنعان والدكتور عبد القدوس أبو صالح وعلي الهاشمي وأخيه عادل ، والأستاذ الأديب عبد الله الطنطاوي ، والأستاذ إبراهيم عاصي ، ومحمد الحسناوي وفاروق بطل وغيرهم ، كما التقيت بإخوة الأستاذ عصام في دمشق من أمثال عمر عودة الخطيب ، وزهير الشاويش ، ومحمد الصباغ ، والدكتور أديب الصالح ، والشيخ عبد الرحمن الباني ، وغيرهم كثير من حماة واللاذقية ودير الزور والميادين ودرعا وإدلب ، ولمست فيهم جميعًا تحرقًا لنصرة الإسلام ، والدفاع عنه ، والتضحية في سبيل الله ذودًا عنه ، وكلهم يتجنب الكبائر والمخالفات الشرعية ، ويقوم بحق الله في عبادته ، والإذعان لمشيئته ، والسعي الحثيث لمرضاة الله في مثوبته ، فما بالهم قد نزغ الشيطان بينهم ، وألقى بين ظهرانيهم الخلاف والتنافر والجفاء.

لا يسعني وأنا أسطر هذه الكلمات إلا التضرع إلى الله العفو الغفار أن يتجاوز عنهم ، ويغفر لهم ، ويأجرهم على ما قدموا من عمل وجهاد في سبيل الله ، وأن يعفو عنهم فيما وقعوا فيه من أخطاء واختصام ، إنه أهل التقوى وأهل المغفرة.

2- مررت في صيف عام 1975 ببيروت مع عائلي في سفر كنت أرجئه وأؤجله منذ حوالي خمسة عشر عامًا ، فالتقيت طيفًا واسعًا من الإخوة في لبنان يبحثون عمن يسندون إليه مهمة المراقب العام ، ليعيد جمع التنظيم ، ويلم أشتاته ومعظم كوادره ، وكان الشيخ عبد الفتاح راغبًا في التخلي عن منصب المراقب العام ، وكان بها زاهدًا وعنها راغبًا ، يحمل عليها حملا بإلحاح إخوانه عليه ، وكان يلح على إخوانه أن يسندوا هذه المهمة إلى واحد منهم ، وكانت هذه الرغبة قديمة لديه في الترك والانصراف إلى العلم والحياة الأكاديمية ، فعرض إخوانه هذا الأمر على الأخ الداعية مصطفى الصيرفي حفظه الله ، فأبى ذلك ورفضه بشدة وإصرار ، فاستدعاني الشيخ عبد الفتاح ، وعرض علي هذا الأمر ، فكان ذلك مفاجأة وما يشبه الصدمة لم أتوقعها ، ولم تخطر لي على بال ، فأجبته بالاعتذار ، وسقت له حججًا تبرر هذا الرفض ، منها أنني لست جديرًا بمثل هذه المسؤولية الثقيلة ، وقلت له عبارة ما زلت أذكرها : هل يجوز أن تبدأ الجماعة برجل عملاق كالشيخ السباعي ، وتنتهي إلى أمثالي؟

ومنها أن الشروط التنظيمية لا تنطبق عليّ ، لأنني ظللت ثلاثين عامًا مبتعدًا عن العمل الإداري ، فلم يسبق لي أن كنت عضوًا في فرع أو شعبة أو إدارة ، والذي يرشح لموقع المراقب العام ينبغي أن يكون قد شغل عضوية مجلس الشورى لفترة يحددها النظام وهكذا.. كما قلت له : إن لدي ستة أطفال ، فأين أذهب بهم؟ وأنتم تشترطون أو بالأصح يشترط مكتب الإرشاد على من يكون مراقبًا عامًا أن يقود الإخوان من الداخل ، وأنا ممنوع من دخول سورية ، بقرار صادر عن السلطة الباغية ضمن أربعة إخوة صدر قرار عليهم بالمنع وهم : محمد نعسان عرواني ، ومصطفى الصيرفي حفظهما الله ، وعبد الكريم عثمان رحمه الله. قال الشيخ عبد الفتاح عليه رحمة الله : أما أبناؤك فسوف توفر لهم الالتحاق بمدارس في طرابلس ، وبعد نقاش وإلحاح طويلين ، قررت في نفسي شيئا لم أذكره للشيخ خجلاً منه واحترامًا له ، فاستمهلته في الإجابة وودعته.

عدت إلى الفندق الذي أنزل فيه في رأس بيروت أمام المنارة واسمه فندق لوردز ، ودفعت له الحساب ، وانتقلت إلى فندق آخر أمام صخرة الروشة ، يسمى البحر الأبيض المتوسط ، واستأجرت فيه غرفة بعيدة عن أعين الإخوة ، وإذا بثلاثة من الإخوة يهتدون إلى مكاني ، ويأتون زائرين وهم : أحمد العمري المعروف بالشهامة والسخاء والمروءة رحمه الله ، ومحمد ديب الجاجي الذي شغل منصب المراقب العام في وقت لاحق لفترة وجيزة ، وفارس ملي رئيس مركز حماة سابقًا -حفظهما الله- فأهابوا بي أن لا أتردد ولا أرفض ، لأن الجماعة في مأزق ، وهي عرضة لأزمة لا تحمد عقباها ، إذا أنفض الجمع دون الاتفاق على مراقب عام للجماعة. قلت : وما الحيلة بالأبناء؟ ماذا أفعل بهم؟

قالوا : نسألك بصراحة ووضوح ، ونرجو أن نسمع منك إجابة شافية ، هل تؤثر أبناء على الدعوة ، أم تؤثر دعوة الله على أبنائك؟ فلم أجبهم ، خجلاً منه جل ثناؤه أن أتفوه بكلام لا يرضى الله.

فقالوا : لزمتك ، فلا تتردد.

عقد مجلس الشورى السوري للإخوان جلسة في بيروت ، تم فيها اختيار الفقير إلى عفو ربه وعونه كاتب هذه الأحرف مراقبًا عامًا بإجماع الحاضرين ، فلم أدر ماذا أفعل ، ومن أين أتبدأ ، فدعوت إلى اجتماع ضم لفيفا من وجوه الجماعة ، أذكر منهم الشيخ عبد الفتاح ، وعادل كنعان ، وفوزي حمد ، وأمين يكن ، وآخرين ، فقلت لهم : أيها الإخوة ، أشيروا علي : ماذا أفعل؟ وما الأسماء التي ترشحونها أعضاء في المكتب التنفيذي؟

فوقع الاختيار على اثنين من حلب مازلا على قيد الحياة في خارج سورية ، وآخر من مدينة حماة قضى شهيدًا في أحداث الثمانينيات ، ورابع من حمص سمي نائبًا للمراقب باقتراح من الشيخ عبد الفتاح ، وخامس من محافظة دمشق أثنى الحاضرون على نشاطه وإنجازاته عندما كان مدرسًا في مدينة حلب. دعي أعضاء المكتب لعقد أول جلسة في بيروت للتداول في مسيرة الجماعة ، وبما أن هذه المرحلة كانت مفصلية في تاريخ الجماعة والأوضاع في سورية ، فلا مناص من ذكره موجز عنها بين يدي هذه المسيرة التي استمرت من عام 1975 وحتى العام 1982 ، وإن ورد بعض التكرار في بعض فقراتها لضرورة الترابط بين الأحداث ومجرى المسيرة الإخوانية.

3- بالرغم من الوهن الذي أصاب الحكم العثماني في أيامه الأخيرة ، فإن انهياره عام 1924 كان يعني زوال آخر مظهر للسلطان السياسي للمسلمين ، لقد حدث فراغ كبير في العالم الإسلامي ، وفي الوطن العربي بصورة خاصة ، حاول الغرب ملأه بالقوة العسكرية والمناهج التربوية والبرامج الإعلامية ، وقام بحملة تغريب واسعة ترمي إلى سلخ الأمة الإسلامية عن تاريخها وعقيدتها ومقومات حياتها ، ومسخ شخصيتها ، وإلغاء هويتها.

في هذا الخضم ، ومن أعماق هذا الديجور الحالك الظلام ، أطلق الإمام المجدد طيب الله ثراه حسن البنا ، صيحته المدوية على ضفاف النيل عام 1928 بعد إلغاء الخلافة الإسلامية بأربع سنوات ، لم تلبث أن دوت في أرجاء مصر ، ثم في جنبات الوطن العربي وأصقاعه ، ثم في بلاد العالم الإسلامي ، لتبلغ دعوة الإخوان المسلمين في نشاطها القارات الخمس.

كانت سورية أول قطر عربي استجاب لصيحة الإمام المجدد ، فقامت جمعيات وجماعات منذ منتصف الثلاثينيات في المدن السورية انتهت إلى قيام جماعة الإخوان المسلمين في مطلع 1945 ، فكانت باكورة حياتها السياسية : مشاركة الشعب في سورية في مقارعة الفرنسيين في عدوانهم الوحشي على دمشق ، وضربهم البرلمان السوري بالمدفعية وقتل حاميته من الدرك السوري.

وعندما كان الفلسطينيون يخوضون معارك ضارية ومصيرية ضد الغزو الصهيوني لوطنهم لانتزاعه منهم ، كانت كتائب الإخوان تقاتل في شمالي فلسطين وفي ربوع القدس ، كما مر معنا في المجلد الأول. وبالرغم من فوضى الانقلابات العسكرية ، وما جرته على الوطن من نكبات وويلات ، فإن الجماعة تابعت مسيرتها ، وحملت على عاتقها عبء الدعوة إلى الله ، وتحكم شريعته ، فعملت في كل الساحات التربوية والتعليمية والإعلامية والرياضية والصحفية ، وشاركت في الحياة السياسية ، فخاضت انتخابات 1947 و 1949 ، ودخلت في وزارة ائتلافية ، ودعمت الوحدة ما بين سورية ومصر ، وأنكرت حدوث الانفصال ، ولم تلجأ خلال أربعين سنة من عمرها المديد ، وتحت أي ظرف إلى الانقلابات العسكرية رغم ما عانته من ابتلاءات على أيد الانقلابيين ، كما فعلت أحزاب وفئات من أدعياء الحرية والديمقراطية الذين اغتالوا الحريات العامة والخاصة بتحريضهم العسكريين على هدم الحياة الدستورية والبرلمانية.

4- غير أن سورية التي كانت أول بلد في العالم الثالث ينال استقلاله كاملاً ، وقعت ضحية مؤامرة دولية كانت المخابرات الأمريكية رأس الحربة فيها ، لتعطيل المسيرة الظافرة على طريق الوحدة الشاملة والنهوض الاقتصادي ، ومواجهة التآمر الاستعماري والهجرة الصهيونية الاستيطانية في فلسطين ، ثم كانت العثرة التي لا تقال ، ألا وهي السقوط في مستنقع حكم طائفي بغيض ، حقق للعدو الغربي والصهيوني أهدافًا ظل طيلة ربع قرن عاجزًا عن تحقيقها ، ولذا فلا مناص في هذه الدراسة من تناول هذه الظاهرة الشاذة في تاريخ أمتنا المعاصر ، لتكون شعوبنا على بصيرة كي تدرك أن لا أمل من إصلاح هذا النظام الطائفي الثمل بخمرة الحكم ، والغارق حتى أذنيه في الدماء البريئة التي سفكها ، والثروات الطائلة التي نهبها ، هذا النظام الذي أذاق الناس من ألوان الشقاء والبلاء ما لا يعرف له التاريخ مثيلاً في ماضي سورية وفي حاضرها ، والذي يوصف في خلاصة أو كلمة : أنه ذو طبيعة إجرامية ، رافض لكل معارض أو ناصح ، بعد أن اختلس السلطة ، واغتصبها بقوة السلاح ، ما أفضى به إلى جملة تصرفات وحشية شاذة من أبرزها :

أ- طائفية النظام الذي غرر بالعلويين ، ودفع بهم إلى عداء المواطنين الأكثرية ، موهمًا إياهم أن في هذا الحكم حياتهم ، وأن التخلي عنه سيفضي بهم إلى الفناء ، ولو كان لهذا الإفك أي أثر في الماضي لما وصل العلويون إلى مراكز حساسة في الجيش مكنتهم من الانقضاض على السلطة ، والاستيلاء على الحكم.

ب- بعد أن كانت سورية من أفضل بلاد العالم في محاربة الفساد ، وخلو مجتمعا من الرشوة والنهب -حسب تقارير الأمم المتحدة- إذا بالهيئة الدولية ، وعبر مؤسساتها الرسمية ، تدين سورية ، وتعلن أنها في مقدمة الدول التي تتفشى فيها الرشوة ، ويغشاها الفاسد ، حتى سلبت العصابة الحاكمة الشطر الأكبر من ثروة البلاد ، وأودعتها في البنوك الأوربية والأمريكية ، في الوقت الذي تلهث فيه الجماهير بحثًا عن الخبز والطعام والوقود ، ويحرق الغلاء الفاحش أوقات الناس وأعصابهم.

ج- تصفية الجيش السوري من خيرة ضباطه وأعلى خبراته ، تمهيدًا لتعريضه لهزائم شنعاء في لبنان وفي الجولان ، وإعلانهم استعدادهم للصلح والتطبيع مع العدو في سلام استراتيجي حسب تعبير الأسد وولده مقابل تسليم هضبة الجولان المنيعة التي سلموها للعدو دونما حرب أو مقاومة.

د- مصادرة الحريات العامة والخاصة أيًا كان حجمها ، ومطاردة الكلمة واغتيال حملة الأقلام ، وحل النقابات العلمية ، والتنكيل برجال التعليم حتى قضى عدد منهم شهداء تحت وطأة التعذيب الذي تقشعر من هوله الأبدان.

هـ- سفك الدماء البريئة في طول البلاد وعرضها ، والويل لمن يشكو أو يتظلم أو يسأل عن ابنته المخطوفة أو ولده المعتقل أو المختفي ليعرف شيئًا عن مصيره ، إن كان في عالم الأموات أم في عالم الأحياء ، ثم صدور القانون 49 لعام 1980 ليحكم على كل منتم لجماعة الإخوان بالموت ، فشاع قتل المواطنين تحت هذا المسمى بالجملة في معظم محافظات القطر ، وممارسة الاعتقالات العشوائية كرهائن لأقرباء الملاحقين ، حتى بلغت أعدادهم عشرات الألوف ، مات عدد كبير منهم تحت التعذيب ، أو من انتشار الأمراض المعدية الخطيرة لعدم القيام بمداواتهم ، ثم امتدت يد الإجرام إلى خارج الوطن لخطف السياسيين والإعلاميين والأكاديميين أو اغتيالهم ، كما فعلوا في صلاح الدين البيطار رئيس الوزراء الأسبق البعثي ومؤسس حزبهم ، وكمال جنبلاط رئيس الجبهة الوطنية العريضة المساندة للفلسطينيين في لبنان ، وموسى شعيب ، وتحسين الأطرش ، ورياض طه رئيس نقابة الصحفيين اللبنانيين ، وسليم اللوزي الصحفي الشهير ، والسفير الفرنسي في بيروت ، وعبد الوهاب البكري في عمان ، ونزار الصباغ في إسبانيا ، ومحمود عبد القادر ودعة في يوغسلافيا ، وخطف ميشال جودة وهشام محيسن ومصطفى خليل بريز والكاتب توفيق بركات من لبنان.

و- دلل حكم الأقلية الطائفية في سورية على عداء سافر للدعوة والدعاة ، وأنه ينطوي على ضغائن وأحقاد دفينة لكل ما يمت للإسلام وقيمه وشرعه وأهله بصلة ، فقد طارد العلماء ، وزجهم في غياهب السجون ، ونفذ حكم الإعدام في العشرات منهم ، واضطر عددًا منهم إلى الهرب واللجوء إلى بلاد أخرى. هذه هي الأجواء التي كانت تسود الحياة السورية في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي ، ولقد مرت بالسوريين أيام عصبية لم يعد المواطن يأمن فيها على نفسه أو جسده أو ماله أو عرضه ، باستثناء قلة قليلة باعت نفسها للشيطان ، وسارت في ركب السلطة الباغية ، حتى زاد عدد النازحين إلى البلاد العربية والأجنبية على مليوني مواطن يمثلون الصفوة من أبناء الوطن في الخبرة والخلق والانتماء.

حدثت ردات فعل حادة تمثلت في المظاهرات والاعتصام في المساجد والاضرابات كالذي شاهدته دمشق وحمص ، فقمعت السلطة هذا التحرك بد المساجد أو هدمها ، وزج المئات من كل أطياف المجتمع السوري في سجن تدمر الصحراوي عام 1966 ، كتمهيد ظهرت آثاره فيما بعد ، بالتلاحم بين السلطة والعدو الصهيوني أدى إلى تسليم منطقة الجولان الحصينة ، وتحطيم معنويات الأمة ، وتهيئتها للاستسلام ، وإبرام صلح ذليل مهين مع اليهود.

أعقب ذلك اعتقال العلماء الذين شجبوا علمانية الدستور الذي فرضه بطل الجولان!! على سورية ، وزج بهم خمس سنوات في غياهب السجون ، وكان منهم الشيخ سعيد حوى رحمه الله ، والشيخ محمد علي مشعل حفظه الله.

أقدمت السلطة بعد ذلك على ما يشبه التطهير العرقي في دوائر الدولة ومؤسساتها ومدارسها ومعاهدها وإقصاء الموظفين والمعلمين والمدرسين وأساتذة الجامعات ، وكل من يلمسون منه إيمانًا بالله العزيز الحميد ، مما سيأتي ذكره مفصلاً في سياقه.

5- أفرزت هذه السياسة الحاقدة والطائشة تيارًا رافضًا للتهادن أو الإذعان لهذه السلطة الباغية التي تجاهر بعدائها للإسلام ومحاربتها له ، وكان على رأس هذا التيار المجاهد الشهيد مروان حديد رحمه الله الذي وضع روحه على راحته ليفتدي الإسلام بدمه وحياته ، ثم تأثر بمواقف مروان مجموعات كبيرة آثرت الموت في سبيل الله على الحياة في ظل معصيته.

أدرك الإخوان في سورية أن الإسلام في محنة ، وأن الوطن كذلك في محنة ، وأن سورية قد سقطت بين براثن الحقد الطائفي ، وفي شراك مؤامرة دولية كان الحكم الطائفي فيها رأس الحربة ، كما أدركوا أن النظام يتربص بهم ، ويسعى إلى جرهم لمجازر تنتهي بهم إلى الذبح والإبادة ، وهذا ما برز واضحًا في أقوال حافظ أسد في ثكنة الشرفة في مدينة حماة منذ وقت مبكر في عام 1964 عندما قال في خطابه متوعدًا ومتحديًا الإخوان أن يقفوا في وجه السلطة ليروا ماذا سيحل بهم ، لأنه -كما قال- سوف يسحقهم حتى العظم ، لأن الإخوان- في رأيه وما ورد في خطابه- لا تنفع فيهم العقوبات المألوفة ، فله معهم تجربة مذ كان طالبًا في الثانوية باللاذقية.

تجنبت الجماعة الصدام مع السلطة ، وقررت عدم الانجرار إلى الاشتباك معها ، رغم الاستفزازات والتحديات التي كانت السلطة تعمد إليها في إيذاء أبناء الدعوة في عقائدهم ومشاعرهم ، وأثبتت ذلك في خطتها العامة التي سوف ننشر نصوصها كاملة لأول مرة في هذا المجلد ، ليرى المهتمون والدارسون نصوصها كاملة ، وليحيطوا علمًا بها.

وبالرغم من احترام الإخوان لإخلاص الشيخ مروان وشجاعته ، بل ولبطولاته ، فإنهم لم يوافقوه على أسلوبه في مواجهة السلطة والصدام معها.

في هذه الفترة ، وبالتحديد في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات ، حدث شرخ عميق في جسد التنظيم ، جعل من الجماعة تنظيمين متقاربين في الثقل والعدد ، فأنهك هذا الانقسام كيان الجماعة ، وألحق بها الضعف والإحباط كما رأين قدرًا من التفصيل عن ذلك قبل قليل.

أفرز هذا الانقسام عناصر قيادية لا تقوى على تحمل العبء الثقيل في مسؤولية الجماعة ، فالشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله أوكل القيادة إلى نائبه في الداخل الأخ ( ع. ش ) رحمه الله الذي كان رغم خلقه الرفيع والتزامه الصادق بتعاليم الإسلام ، دون المهمة التي أسندت إليه ، وقد اجتهد الأخ - وهو من ريف دمشق- في جمع المعلومات عن التنظيم ، وأسماء الأعضاء وإدراجهم في قوائم ، تمهيدًا لإجراء الانتخابات ، وأودعها في خزانة بجانب كتب تلاحق دوائر الأمن ذويها ، لأنها طبعت بصورة غير قانونية ، الأمر الذي سهل لعناصر الأمن العثور على أوراق التنظيم دون أي جهد مبذول ، عندما كانوا يصادرون كتاب عودة الوعي لتوفيق الحكيم الذي طبع دون إذن أو توكيل ، فقال رجال الأمن : عثرنا على كنز ، ومثلما اعتمد الشيخ عبد الفتاح على الأخ أبن أيمن ع. ش لتغيب الشيخ في الرياض وعمله فيها أستاذًا للحديث الشريف في جامعة محمد بن سعود ، اعتمدوا بدوره أبو أيمن على الأخ ط. هـ الذي أجمع الإخوان من حوله على أنه دون المهمة الموكولة إليه ، والذي صار يطوف مع المخابرات ورجال الأمن على بيوت الإخوان ليرشدهم إليها بعد اعتقاله بساعات قليلة.

طلب مني أحد أعضاء اللجنة الثلاثية التي أشرفت على الانتخابات السورية ، ع.ص أن أذهب إلى ألمانيا ، وأبايع الأستاذ عصام ، فقلت له : هل أنت جئت بالإخوان ، أم الإخوان هم الذين جاؤوا بي ، وكلفوني بمهمة المراقب العام؟ فكيف يجوز في غيبتها ومن وراء ظهرها ، ودون استشارتها أن أقدم على هذه الفعلة أو هذا الإجراء؟ فإذا به يكتب لمكتب الإرشاد رسالة يعترض فيها على اختياري مراقبًا عامًا ، فأصغى مكتب الإرشاد لرأيه ، وأوقف إجراءات اختيار المراقب العام إلى وقت لاحق ، فانتهزت هذه الفرصة ، ودعوت مجلس الشورى لجلسة طارئة عقدت في بلد مجاور في آذار عام 1976 ، وتقدمت له بالاستقالة ، من مهمات المراقب العام ، تمهيدًا لاختيار أخ بديل ، غير أن رئيس المجلس -م. د. ج- استمهل بحث الموضوع ، ودعا إلى جلسة لم أحضرها بعد تقديمي الاستقالة ، فاتخذ المجلس قرارًا بالإجماع يؤكد فيه على موقفه السابق ، ورفض الاستقالة ، ورفع مذكرة إلى مكتب الإرشاد ، يشرح فيه حيثيات هذا التأكيد ، وبيان الأسباب التي دعت المجلس إلى ذلك.

ظل الأمر معلقًا لأيام قليلة ، إذ صادف زيارة الأستاذ عمر التلمساني رحمه الله إلى الخليج ، فالتقيته في منزل أخ مصري هو المهندس س. ش كنت أسكن إلى جواره ، فحسم التلمساني الموضوع ، ودعاني إلى زيارة القاهرة تمهيدًا لإعطاء البيعة للمرشد باسم تنظيم الإخوان المسلمين في سورية ، فلم يكن في مقدوري دعوة مجلس الشورى أو أعضاء القيادة مرة أخرى إلى خارج سورية للحصول على موافقتهم نظرًا لخطورة الوضع الأمني ، فاستعضت عن ذلك بالسفر إلى السعودية ، وأداء مناسك العمرة ، واستشارة الإخوة السوريين في هذا الأمر ، وكانوا يمثلون ثقلاً إخوانيًا وعدديًا كبيرًا في تنظيم الإخوان المسلمين السوريين ، فحبذوه وتحمسوا له ، فتوجهت إلى القاهرة ، وذهبت برفقة الدكتور أحمد الملط عضو مكتب الإرشاد رحمه الله إلى إحدى ضواحي القاهرة لزيارة المرشد ، فأديت البيعة بعد أن تعهدت بعدم إفشاء أو ذكر اسم المرشد ، وما أزال احتفظ بهذا السر حتى كتابة هذه الكلمات ، بالرغم من أن الرجل انتقل إلى جوار ربه ، وكذا الدكتور الملط الذي وفته المنية منذ أكثر من عشر سنين ، وأن حوالي ثلث قرن مر على ذاك اللقاء.

لقد لاحظت أن المرشد الذي لم أسمع باسمه من قبل رغم معرفتي الواسعة بالشخصيات الإخوانية في أثناء دراستي بالقاهرة وبعد ذلك ، شعرت أنه بعيد عن الأحداث المعاصرة والساخنة ، ولاسيما في سورية ، وما تعانيه من تسلط طائفي واضطهاد وإقصاء للأكثرية من أهل السنة والجماعة في بلاد الشام ، فلم أكد أتحدث قليلاً في هذا الشأن حتى سأل المرشد الدكتور أحمد الملط قائلاً : من يكون هؤلاء العلويون يا أحمد؟!! لقد جئت بهذا الموجز الذي مرت معنا أحداث بالتفصيل والتحليل من قبل في المجلدين الأول والثاني ، وفي الشطر الأول من هذا المجلد -الثالث ، ليكون المشهد أمام القارئ واضحًا ، يستطيع أي أخ معني من خلاله أن يقارن بين ما كانت عليه الأوضاع في سورية ، وكيف كانت أحوال الجماعة ، وبين الفترة التي شهدتها ، والنهوض الإخواني على الصعد كافة ، كمنا سيأتي ذلك لاحقًا ومفصلاً ، فيطلع الإخوان على صفحات مضيئة من تاريخ جماعتهم وإنجازاتها ، لا يجوز أن تبقى لديهم مغيبة أو مجهولة ، أو لدى الباحثين والدارسين والمؤرخين من داخل الجماعة أو من خارجها ، من أصدقائها أو من أعدائها ، ومن المنصفين الذين يبحثون عن الحقيقة ، ولا يقبلون بديلاً عنها.


حادي عشر: مسيرة الجماعة الظافرة

استمرت هذه الفترة ثلاث سنوات هي أعوام 1976 و 1977 و 1978 ، كانت سنوات مباركة لمسنا فيها عون الله تعالى وتوفيقه وتأييده ، حتى أطلق عليها بعض الإخوة المسؤولين والمعنيين : الفترة الذهبية من تاريخ الإخوان المسلمين السوريين المعاصر.

1- بعد التداول والتشاور مع لفيف من الرعيل الأول أو من كانوا في الصف الإخواني الأول ، تم تحديد أسماء المكتب التنفيذي من خمسة أعضاء بالإضافة إلى المراقب العام كما تمت الإشارة إلى ذلك من قبل. عقد المجلس أول لقاءاته في بيروت ، فتم فيه وضع اللمسات الأولى التي تحدد مسيرة الجماعة المقبلة ، ثم تابع عقد لقاءاته في داخل سورية في جلسات مفتوحة ربما استغرقت أيام الأسبوع كلها ، إذ لم تكن الاجتماعات أسبوعية أو نصف شهرية أو شهرية كما فعل الإخوان في أوقات وظروف لاحقة ، بل كانت اجتماعاتنا مفتوحة ومستمرة ، لأن العبء كبير والمشروعات كثيرة وثقيلة ، وكثيرًا ما كانت جلسة المكتب تستغرق ساعات الليل كله ، فإذا أرهق عضو أو أكثر ، أخذوا حظهم من الراحة والنوم قليلاً ، ثم تابعوا مشاركتهم في أعمال المكتب المنعقد ، وكان المكتب يعقد جلساته في حلب أو في حماة أو في غيرهما ، أما مجلس الشورى فكانت جلساته كلها أو معظمها تعقد في مدينة حلب تحت الحراسة المنظمة والمشددة كيلا نفاجأ بما ليس بالحسبان فيسقط المجلس كله بأيدي نفر من رجال الشرطة أو عناصر الأمن.

كان الأنس والإلفة تسودان اجتماعات المكتب واللجان المنبثقة عنه ، وكذا اجتماعات مجلس الشورى ، وكان الحافز في المسيرة قويًا ، ينسي أصحابه التعب والرهق ، وكانت القرارات تؤخذ بالإجماع ، ونادرًا ما كانت بشبه الإجماع ، دونما وشوشة أو تداول خارج الاجتماعات ، أو جدال أو تشكيل محاور ، أو الدعاية لهذا الرأي أو ذاك ، بل كانت تأتي وتصدر عفوية ، وكأنها تنبثق عن قلب رجل واحد ، سقى الله تلك الأيام ما أجملها ، وما أروعها ، وما أعذب أويقاتها.

إنني أسجل هنا -والله يسأل عباده عن شهاداتهم- أنني خلال 63 سنة أمضيتها في الجماعة لم أذق مثل طعم تلك الفترة في حلاوتها ، وفي طعمها العذب ، لا قبلها ولا بعدها.

أطلقنا على تلك الفترة التي تمتد ثلاث سنين عنوان : مرحلة التكوين الرباني ، فتركزت الجهود على التوجيه والتأديب ، وعلى الذكر والعبادة ، والأخذ بالعزائم ، والتأكيد على النوافل ( وما زال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ) من صيام وقيام ، ومعالجة لأمراض اللسان ، والسيطرة على الخواطر ، وحسن الظن بالآخرين ممن حدث اختلاف معهم ، واتهام المؤمن لنفسه بالتقصير في جنب الله ، كما كان سلوك السلف الصالح ومنهج العارفين ، وكان الإخوان يرغبون في إصدار أشرطة أسجل فيها الصوت بمخاطبة أعضاء الجماعة ، فامتنعت عن ذلك خشية أن ينشغل الإنسان بمنطقه وكلامه وثناء الإخوان عليه ، فينزلق به الحال إلى الشعور بالجاه والشهرة والاهتمام بالذات ، بشعور أو بلا شعور ، واكتفيت بتوجيه خطاب أو نداء مكتوب واحد خلال ثلاث سنوات ، خلاصته : أن أشد الأمور تعقيدًا وتعسيرًا تجد لها حلاً في ظلال التقوى ، وأن أيسر الأمور وأهونها تستعصي على الحل في غياب التقوى ، فكان شعار الجماعة في هذه الفترة : التقوى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ فلمسنا بركة ذلك في أنفسنا ، وفي جميع مراحل سيرنا ، والخلاصة أن من ذاق طعم الأخوة الصادقة والصافية في الله ، والحب في الله ، والتعاون في سبيل الله وفي ذات الله ، يستهين بما دون ذلك من متع الدنيا وإغراءاتها ، ولا يجد لها طعمًا ذا بال ، إن لم يجدها مُرّة كطعم العلقم والحنظل.

2- كان القرار الأول ( رقم 1 ) الذي اتخذه مجلس الشورى في أولى جلساته في آذار 1976 التي تم عقدها في بلد مجاور : العمل الجاد والسعي الحثيث على إقامة علاقات ود وتعاون مع العلماء في كل المدن السورية للاستفادة من تخصصاتهم العلمية وتوجيهاتهم الدعوية والتربوية ، والتعاون مع تلاميذهم ومريديهم من أجل إقامة جبهة إسلامية عريضة وعتيدة في كل أصقاع سورية ، فسارعنا إلى تنفيذ هذه التوصية بحماسة كبيرة ، وقمنا بزيارات لعدد كبير من الشيوخ والعلماء في كل بلد نمر به في داخل سورية ، وأقمنا معهم علاقات ودية قوامها الاحترام والتقدير للسادة العلماء والخطباء والمدرسين ، ووضعنا ضوابط في العلاقة مع من يبادرنا بالعداء ، أو يصدر فتاوى زائفة تقربًا للسلطان الجائر ، دافعنا فيه عن أنفسنا ، وفندنا الفتاوى بموضوعية تامة في نطاق الضوابط الشرعية -في أدب الخلاف- دون أن نجر إلى معارك جانبية ، أو مواقف حادة ، أو كلمات جارحة وغير لائقة ، كيلا نعالج الخطأ بخطأ يوازيه ، فأدت هذه السياسة أكلها سريعًا ، وانتهت إلى إقامة علاقات حميمة وصلات وثيقة مع السادة العلماء وطلاب العلم ووعاظ المساجد والشيوخ في حقل التعليم ، وانهينا تلك العلاقة النكدة والخصومات الضارة بين شباب الدعوة وبين بعض العلماء إلى غير رجعة ، لتحل محلها علاقات الأخوة الإسلامية ، والرابطة الإيمانية والحب في الله والاحترام من الصغير إلى الكبير ، ورحمة الكبير بالصغير ، وإعادة الفضل لأهله وذويه طبقًا للتوجيه النبوي الشريف : ليس منا من لم يوقر كبيرنا ، ويرحم صغيرنا ، ويعرف لعالمنا فضله .

من جهة أخرى قررنا إنهاء الخلاف بين طرفي التنظيم الإخواني ولو من طرف واحد ، واعتبرنا الانشقاق منتهيًا ، وأخذنا بسياسة التأليف والمحاسنة ، وإحلال الثقة والمودة محل النزاع ، وباشرنا الاتصال والوصال والتزاور والتوادد مع الإخوة جميعًا ، والتعاون معهم فيما يعود على الدعوة والجماعة بالخير والفلاح.

تطبيقًا لهذه السياسة التي قررتها مؤسساتنا الشورية والتنفيذية ، قمت بزيارات للإخوة في حلب وحمص ودمشق وغيرها في المحافظات السورية ، وفي خارج سورية ، فانتهت بنا هذه السياسة أو هذا المسلك إلى ما كانت عليه الجماعة قبل الانشقاق كيانًا موحدًا وتنظيمًا متراصًا كما سترد تفصيلاته في حينه. من ذلك تشكيل وفد من الإخوة : سعيد حوى ، وعلي البيانوني ، وعدنان سعد الدين ، شد الرحال إلى ألمانيا ، والتقى الأستاذ عصام في مكان متفق عليه ، قريبًا من مدينة آخن حيث يقيم أبو أيمن ، تعاملنا مع كأخ كبير قدمناه علينا جميعًا في ترؤس الجلسات ، وإدارة الحوار ، والمعروف عن الأخ عصام دماثة الخلق ، ولطف المعشر ، وعذوبة الحديث ، غير أنه من العسير معرفة ما يريد ، في أفهامنا على الأقل.

عرضنا على الأخ الكبير أن يكون مرشحنا لمكتب الإرشاد ، والمشاركة في قيادة يكون لأنصاره نصفها ، وأن يكون الشيخ مشعل ، أحد مؤيديه ، رئيسًا لمجلس شورى موحد ، بيد أن الحوار انتهى إلى طريق مسدود بسبب تحفظه حيال مكتب الإرشاد ، إذ كانت قناعة الأستاذ أن أمر الجماعة لا يحتاج إلى التقوى فقط ، بل يحتاج كذلك إلى الكفاءة في قيادة التنظيم ، وقبل أن نفترق على مودة كما التقينا ، رغب إلينا الشيخ بأمرين اثنين ، أولهما : التقاط صورة تذكارية لهذا اللقاء الأخوي الودي ، وثانيهما : أن نتواصل معه ، ونقوم بزيارته كلما حضرنا إلى أوروبا ودخلنا الأرض الألمانية ، فلبينا له ما أراد.

وبالرغم من عدم وصولنا إلى كنا نتطلع إليه من هذا اللقاء ، فإن حبال الود ظلت موصولة مع الأخ الكبير ، كما ظلت العلاقة قبل هذه الزيارة وبعدها موصولة مع أنصاره في عمان ، وعلى رأسهم الأخ الفاضل أبو سليم البغا ، وتقديم جميع التسهيلات والخدمات المستطاعة كالوثائق والمطبوعات والأمور الأخرى ، فجاءت هذه السياسة يانعة القطوف ، مذهلة النتائج الإيجابية ، فاقت ما كنا نتطلع إليه في توجهاتنا الدعوية.

3- قمنا بربط الإخوان في الخارج بتنظيم الداخل ، وتمثيلهم في مجالس الشورى ، ليكمل بعضهم بعضًا ، بعد أن كانت الانتقادات متبادلة بين الفريقين ، إذ كان إخوان الداخل ينعون على المهاجرين انشغالهم بأنفسهم ، وكسبهم للرواتب الكبيرة ، كما كان الإخوة في الخارج ينتقدون إخوة الداخل في اندفاعاتهم الضارة ، وحماستهم التي تتجاوز تقدير الأمور والأخطار التي تحيق بالجماعة ، فانتهت هذه الظاهرة بمجالس الشورى التي تمثل الجميع ، ومن داخلها تعالج الأمور بالدراسة والحوار والتفاهم.

لم تكن للجماعة سياسة مالية أو ميزانية أو صندوق موحد ، وإنما كانت ثمة تبرعات أو اشتراكات يرسلها أبناء كل محافظة إلى بلدهم ، ليسد بها المركز بعض الثغرات ، وقد رأينا أن نائب المراقب في الخارج ذكر أن ما استلمه طيلة العام كان 14 ألف ليرة سورية ، وكانت مخصصاته حوالي 17 ألف ليرة سورية ، فكان الأخ دائنًا للجماعة بحوالي 3 آلاف ليرة ، فتم تسديدها له بالحال مع مبلغ كنت أحضرته من إخوة القطر الذي كنت أعمل على أرضه.

قررنا توحيد الصندوق ، وإلحاقه بالمكتب التنفيذ الذي يملك الرؤية الشاملة عن كل المراكز ، لينفق منه على أغراض الجماعة ومتطلباتها ، بصرف النظر عن البلدة والمدينة والمحافظة.

أقبل الإخوة على التبرع ودفع الاشتراكات بأريحية وسخاء ، إذ كان تقديرنا أن الوارد سيكون 100 ألف في أحد الأقطار ، فجاءت 111 ألف ، ثم زادت النسبة أكثر من ذلك في العام الذي تلاه ، وهكذا كان الحال في الأقطار الأخرى ، فاستطاعت الجماعة بما توفر لها من قدرات مالية أن تحقق العديد من المشروعات التي كانت عاجزة عن تنفيذها ، فبادرنا إلى شراء سيارة لكل مركز ، وتفريغ أخ لعمل الجماعة وأهدافها في محافظته ، وشراء آلة لطبع برنامج الأسر ومناهج التوجيه الإخواني ، وغير ذلك ، ففاضت معنا الميزانية حتى فكرنا في استثمار بعض ما لدينا تنمية للدخل الذي يتطلبه العمل الدعوي بكل مرافقه السياسية والإعلامية ، والتكافل الإسلامي بين أفراد الجماعة حسب الضوابط الشرعية.

لحظنا أن شيخنا الجليل وقائدنا رحمه الله قد أغرقته المشاغل في البرلمان والجامعة وقيادة التنظيم وصحافة الجماعة والموسوعة الفقهية ، فكان أمة في رجل ، يسد ثغرات يعجز كثيرون عن ملئها ، لقد كان الجهد الكبير الذي يضطلع به رحمه الله على حساب الاتصال بالمراكز كافة والفروع ، فالمنطقة الشرقية -محافظات الجزيرة والدير والرقة- لم تحظ بزيارة الشيخ إلا مرة واحدة ، وكذلك كان الحال في اللاذقية ومدن الساحل السوري ، فوضعنا جدولاً للاتصال بالمراكز كافة وزيارتها المبرمجة ، نص على زيارة المناطق القريبة كل شهرين ، وهي دمشق وحمص وحماة وإدلب وحلب ، وزيارة المناطق الأبعد كل أربعة أشهر ، وهي مدن الساحل السوري اللاذقية وجبلة وبانياس وطرطوس والحفة ، ومحافظة حوران ، أما المناطق النائية أو البعيدة ، وهي الفرات والرقة والجزيرة ، فتكون زيارتها كل ستة أشهر ، وقد بدأ تطبيق ذلك بالفعل ، لولا تداعيات الأحداث التي عطلت الاستمرار في تنفيذ هذا الجدول.

4- التفتنا بعد ذلك إلى الخارج ، وتحركنا على ثلاثة محاور ، كان أولها الاتصال بحزب السلامة الذي كان يشارك في الحكومة التركية بزعامة نجم الدين أربكان ، وكانت عوامل الجغرافيا وراء هذه الأولوية في التحرك الخارجي ، وكذا نزوح قسم من الإخوان الملاحقين إلى البلد المجاور ليجدوا المأمن والملاذ ، فجرت مباحثات مع الأستاذ أربكان في منزله تناولنا فيه طعام السحور ، وسمعنا من أربكان عن طموحاته في تعديل مناهج التعليم في تركيا ، باعتبار كنت مسؤولا في قسم المناهج في الإمارات ، فشرحت له أن هذا الأمر يتطلب وجود لجنة موسعة على مستوى رفيع لبحث الخريطة الكاملة للخطة الدراسية ومفرداتها ، وكيفية توزيع ساعاتها الأسبوعية ، ومشاركة مختلف الاختصاصات في اللجنة مثل الشيخ القرضاوي في الشؤون الإسلامية وغيره من المواد الأخرى ، واتفقنا على التنسيق والتواصل ، غير أن هذا لم يأخذ مداه لظروف كانت تنتاب ممثلنا في تركيا في تلك الفترة من سبعينيات القرن الماضي.

وفي المحور الثاني التقينا مع إخوان الأردن وفلسطين ولبنان ، لتشكيل قيادة واحدة يمثلها شخص واحد في مكتب الإرشاد بدلاً من سفر أربعة مراقبين ، وعلينا أن نتجاوز تقسيمات سايكس بيكو في تمزيق بلاد الشام ، حيث لا يجوز ولا يقبل أن تكون درعًا مفوصلة في التنظيم عن اارمثا ، ولا يفصل بينهما أكثر من عدة كيلو مترات ، بينما هي مرتبطة بالقامشلي الذي يفصل بينهما زهاء 800كم ، تحمس مراقب الإخوان في الأردن ، الأستاذ محمد عبد الرحمن خليفة لهذا الأمر ، وشرع يستعيدني شرحه أمام إخوانه كلما سنحت فرصة في عمان أو في موسم الحج ، غير أنه أراد أن يقرأ أفكارنا التي تكمن وراء هذا الطرح ، فقال : نحن بالأصل جزء من إخوان سورية ، وشعبة عمان كانت تمثل بالهيئة التأسيسية في دمشق ، فأجبته : بل أنت الأخ الكبير الذي لا تتقدم عليه ، كان مقترحنا أن تسمى هذه الكتلة : الإخوان المسلمون في بلاد الشام ، ليستفيد الجميع من فرص كانت توجد في قطر ، وينعدم وجودها في قطر آخر ، ففي الأردن كانت تقام مخيمات الفتوة في غابات جرش لتدريب الشباب وتربيتهم ، وكذلك كان الحال في الضنية في شمالي لبنان ، بيد أن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن ، فقد اضطربت الأحوال في سورية ، مما حمل الإخوان في لبنان بقيادة الشيخ فيصل المولوي الذي يفكر بعقلية القاضي على التريث ، وبالتالي الانسحاب من المشروع ، فاقتصر الدمج على تنظيمي الأردن وفلسطين ، وما زال هذا الدمج مستمرًا حتى كتابة هذه السطور تحت مسمى : الإخوان المسلمون في بلاد الشام.

على المحور الثالث كان التحرك في موضوع مكتب الإرشاد ، إذ كان الإخوة المصريون شديدي الغيرة على المكتب ، ويتحسسون من أي تفكير في مشاركة غير المصريين فيه ، مع أن الأمور لا تحتمل بقاء الأمر على ما كان عليه قبل عشرين سنة ، فعندما لاحق الطغاة تنظيم الإخوان في مصر بقسوة بالغة ، وبحقد كان كالحالقة ، وتدمير كل ما بنته الجماعة في الفرد والمجتمع ، كان عدد تنظيمات الإخوان المسلمين في البلاد العربية قليلاً ، تنتشر في مصر وسورية ولبنان والأردن والعراق والسودان ، وكان قادة هذه التنظيمات الست تتحرك باسم المكتب التنفيذي للإخوان المسلمين في البلاد العربية برئاسة الأستاذ عصام العطار مراقب الإخوان المسلمين السوريين ، وعندما انكشفت الغمة نوعًا ما عن إخوان مصر ، وخرجوا من السجون والمعتقلات ، وشرعوا بجمع صفوفهم ، وإعادة تنظيمهم ، كان عدد التنظيمات الإخوانية في البلاد العربية قد اقترب من عشرين تنظيمًا ، أكثرها لم يكن موجودًا من قبل ، حيث قامت تنظيمات جديدة في اليمن ودول الخليج كلها وفي الشمال الإفريقي في تونس وليبيا والجزائر والمغرب وموريتانيا والصومال وغيرها ، فكان لا بد من الاتفاق على خطة موجزة ، تتضمن الخطوط العريضة للأفكار والأهداف والخطط والبرامج والسياسات في الحكم والاقتصاد والتربية.. إلخ ، فثمة تباين في الاجتهادات والمواقف بين العمل السري والعلني ، والمشاركة في الحكم والابتعاد عنه ، وتغليب الطابع التربوي والروحي وتزكية النفس والسلوك على العمل السياسي والانخراط في العملية السياسية أو العكس ، فلابد ، والحالة هذه من عقد مؤتمر يضم قادة التنظيمات ، ومعهم خبراء في التربية والتنظيم كمستشارين لهم للوصول إلى وضع الخطة الموجزة المنوه عنها قبل قليل ، فاقترح الأخ الشهيد كمال السنانيري إعطاء فرصة عامة للتهيئة لهذا الأمر ، وحدد مكانًا في أوربا ليتم الاجتماع فيه ، وقال : سوف نحدد الأسماء من خبراء الجماعة لحضور هذا المؤتمر ، فحضرنا إلى مكان في ألمانيا بعد عام في سنة 1977 صيفًا ، لنفاجأ أن المصريين لم يستطيعوا إعداد أي شيء جراء الظروف الأمنية الصعبة التي كانوا يعانونها في مصر إبان حكم الطغيان ، فاقتصر اللقاء الذي لم يحضره إلا عدد قليل من قادة التنظيمات الإخوانية في البلاد العربية على نقاشات وحوارات عامة ، فحدثت خيبة أمل في هذا البدء من المرحلة الجديدة التي كنا نطمح بانطلاق التنظيم لاستدراك ما فات الجماعة خلال عشرين عامًا.

تقدمت لمكتب الإرشاد في أول لقاء للمجلس في القاهرة حضره عدد من قادة الإخوان من الخليج ومن بلاد الشام والشمال الإفريقي في مقر دار الدعوة بحي السيدة زينب يومين متتالين ، ثم انتقلنا في اليوم الثالث وفي آخر جلسات هذا اللقاء الأول في عام 1976 إلى منزل الأستاذ عمر التلمساني رحمه الله في حي الضاهر ، تقدمت للمكتب بخريطة باسم تنظيم الإخوان السوريين تحتوي على مصور في وسطه دائرة ، في داخلها كلمة القاهرة ، وبجانبها الرقم 8 هم عدد إخوان مصر في مكتب الإرشاد ذوي العضوية الدائمة ، ومن حول الدائرة الرقم 5 من البلاد العربية ، واحد يمثل تنظيمات الشمال الإفريقي ، وآخر يمثل تنظيمات بلاد الشام والعراق ، وثالث ورابع يمثل دول الجزيرة العربية واليمن والخليج ، وخامس يمثل تنظيم السودان ، فيكون عدد مكتب الإرشاد 13 عضوًا ، ثمانية من مصر ثابتون ، وخمسة من غير مصر متغيرون ، حسب ترشيح مناطقهم لهم ، وكان القصد تطمين إخوة مصر على أن مقود القيادة في أيديهم باعتبارهم مؤسسين وأصحاب السبق ، وخير من يؤتمن على مسيرة الجماعة وعلى مبادئها التي أرسى قواعدها ، ووضع أسسها الإمام الشهيد حسن البنا طيب الله ثراه ، فلاقى الاقتراح قبولاً لدى الجميع ، وتم إقراره والموافقة عليه ، ودخل حيز التنفيذ ، ولا يزال العمل به ساريًا حتى يومنا هذا ، فكان من غير المصريين إخوة من الأردن وسورية والجزائر أو تونس ، ومن لبنان والعراق ، يعقدون جلساتهم ، ويتدارسون شؤون الجماعة على ضوء الأحداث المستجدة والساخنة ، واتخاذ المواقف المناسبة التي تجنب الجماعة العواصف التي كثيرًا ما يثيرها الخصوم في وجهها ، لإيقاع أو إلحاق الأذى بها ، أو لعرقلة مسيرتها.

5- مر بنا أن الإخوة الكبار المجربين والمتقدمين في السن يرون أن الأمور معقدة ، تتطلب صبرًا وحكمة ، مدركين ما يؤدي إليه الصدام الذي كان يدعو إليه الشباب المتحمس والمتأثر بأفكار ومواقف الشيخ مروان حديد رحمه الله من كوارث ومصائب ، وأن يتحول إلى فتنة عمياء ، ومن جهة أخرى كانت الجفوة ملموسة بين الإخوان ، وبين عدد من التجمعات الإسلامية ، الصوفية منها والسلفية والفقهية ، فقامت الجماعة بدور إيجابي نشط ، لإزالة الجفوة ، وإنهاء التباعد والعمل الدؤوب على التفاهم والتشاور والتعاون عملاً بالقاعدة التي أوصى بها الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله : فلنتعاون فيما اتفقنا عليه ، وليعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه.

أقول بكل ثقة بالله تع