الدعاة والخطباء وحصار غزة ومجزرة قافلة الحرية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الدعاة والخطباء وحصار غزة ومجزرة قافلة الحرية


العلماء عليهم دور كبير تجاه ما يجري في غزة


لقد كشفت مأساة غزة، وما صاحبها من أحداث، وما تلاها من ردِّ فعل عن أهمية قيام كل عناصر الأمة بدورها المنوط بها، ولعل من أهم الأدوار التي ينبغي التأكيد عليها، وإثارة أصحابها ليقوموا بها، دور العلماء.

إن العلماء للأمة كطوق النجاة للغريق ينقذه من الغرق، ويهبه - بإذن الله - حياة جديدة، والعلماء هم من يبصرون الحق إذا عميت البصائر في ظلمات الفتن.

وقد رفع الله عز وجل العلماء في مكانة سامقة ترنوا إليها أبصار المسلمين وأفئدتهم، فقد قال سبحانه وتعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) .

وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم علو منزلة العلماء حتى على العُبَّاد من الأمة، وبين كذلك كيف يرحم الله عز وجل وتدعو الملائكة والناس جميعًا حتى الحيوانات والحشرات للعالم الذي يعلم الناس، فقال صلى الله عليه وسلم: "فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ، حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ"[2].

ولهذه المكانة السامقة التي وضع الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم فيها العلماء يلوذ المسلمون دائمًا بهم في الملمات ويسترشدون بأقوالهم علَّها تنقذهم؛ لذا علينا ان نتساءل: ما دور العلماء إذن في مثل محنة غزة؟ وهل قاموا بها فعلاً أم لا؟

إننا نرى أن أول واجب على العلماء القيام به هو تعريف الحكام بما يجب أن يقوموا به، وما يجب أن يكونوا عليه، وإرشادهم إلى ما فيه صلاح الأمة؛ فإن الله عز وجل يزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن، وإن الحاكم مسئول أمام الله عز وجل يوم القيامة عن رعيته كلها، "كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ...".

وينبغي أن لا يهتم العالم بما قد يصيبه من أذى نتيجة صدعه بالحق، فكل الناس مبتلًى، وهذا هو ابتلاء العلماء، وإن لم يثبت العلماء ويقولوا الحق، فمن يصدع به إذن؟!!

ولا يفوتنا التذكير بما حدث للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله عندما جأر بالحق في فتنة خلق القرآن، وظلَّ يتحمل التعذيب نتيجة ذلك ما يقرب من سبعة عشر عامًا، حتى نصر الله الحق على يديه بإذنه تعالى.

لقد حفظت الأمة له هذا الجميل، فلقبته بإمام أهل السنة والجماعة، ولكن فضل ربك خير وأبقى..

وكذلك نتذكر بكل الفخر والإعزاز مواقف سلطان العلماء العز بن عبد السلام مع الملك الصالح إسماعيل في دمشق، والصالح نجم الدين أيوب في مصر.

ومن أدوار العلماء المهمة في مثل هذه المحن، إرشاد المسلمين إلى ما يجب عليهم نحو إخوانهم، فالأخوة الإسلامية هي من شعائر هذا الدين، ولا يجوز لمسلم أن يترك نصرة أخيه المسلم حين يحتاجه، وكيفية تفعيل هذه الأخوة في هذه المواقف لابد أن يدلي فيها العلماء بدلوهم.

كما ينبغي أن يوضح العلماء الحقائق لعموم المسلمين، فقد بدأت نبرة أعداء الأمة الإسلامية في الداخل – أي المنافقين - تعلو مدعيةً أن ما حدث من دخول إخواننا المحاصرين في غزة إلى مصر مؤامرة مرتَّبة، وأنه انتهاك للسيادة المصرية، إلى آخر هذا الكلام الذي ألقاه أولياؤهم من أعداء الأمة على ألسنتهم.

إن على العلماء دورًا كبيرًا في كشف زيف هذه الأقوال، وغرض أصحابها من وراء إطلاقها، كما أن عليهم دعوة الأمة الإسلامية إلى التضامن الحقيقي بالأفعال لا الأقوال.

وعلى العلماء كذلك أن يشرحوا للناس أبعاد القضية، وجذور المشكلة، ولماذا احتُلَّت فلسطين أصلاً، وكيف تم ذلك، ومن العدو في قصتها، ومن الصديق، وما المتوقَّع في هذه الأحداث، وما رد الفعل المطلوب؟

ومن الأحرى بالعلماء إذا دعوا المسلمين إلى أمر مناصرة إخوانهم أن يكونوا أول المشاركين فيه، فيجاهدون بأموالهم وألسنتهم، وإلا فقد الناس القدوة والنموذج، وألقى شياطين الجن والإنس في قلوبهم أن هؤلاء العلماء يقولون ما لا يفعلون، فثبطوهم عن طاعة الله بالوقوف مع إخوانهم.

وإذا أراد العلماء أن يكون لصوتهم أثر فعليهم أن يتجمعوا في كيان واحدٍ ليكون صوتهم مؤثرًا، ولن يحدث ذلك إلا إذا تناسوا خلافاتهم، وأقبل بعضهم على بعضٍ بحب.

وعليهم ألا يكرروا ما حدث خلال فترات الضعف في التاريخ الإسلامي من خلافات أضاعت الأمة، فالتاريخ لا ينسى أنه في عام 317هـ، وبينما وقع خلاف في بغداد بين بعض شيوخ الحنابلة، وبين عموم الناس حول تفسير آية من القرآن الكريم، فتحزَّب كل فريق، واقتتلوا بسبب ذلك، ووقع بينهم قتلى، بينما كان ذلك يحدث كان القرامطة – وهم فرقة خارجة عن الإسلام - يقتحمون المسجد الحرام، ويقتلون الحجيج، ويسرقون الحجر الأسود، ويأخذونه إلى عاصمتهم (هجر) في البحرين لمدة عشرين عامًا.

كان الخلاف بين المسلمين سبب ضعف الأمة وتفرقها، وقد كان علماء هذا الزمان مشاركين في هذا التفرُّق، فعلى العلماء الآن أن يدركوا خطورة الفُرقة، وأن يسعوا إلى الوحدة والتوافق.

نسأل الله عز وجل أن يوفق علماءنا إلى ما فيه الخير، وأن يبارك في جهودهم؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.