الدكتور الأسير محمد صليبي ودرس جديد من دروس الصبر / فؤاد الخفش

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الدكتور الأسير محمد صليبي ودرس جديد من دروس الصبر


بقلم:فؤاد الخفش


قيل فيما مضى أن من علمني حرفاً صرت له عبداً فكيف يكون الوفاء لمن تعلمت من علمه الحروف الكثير فمازلت وبالرغم من مرور ما يزيد عن العقد أذكر المساق الذي سجلته كمادة حرة من كلية الشريعة تحت اسم (نظام الأسرة في الإسلام) والذي كان يعطيه الأستاذ الدكتور محمد الصليبي الأستاذ الملهم والمربي الكبير والأب الحاني .كنت أجلس في مدرجات جامعة النجاح أستمع بفرح شديد لما يتحدث به الدكتور وما زلت أذكر الكثير من تلك الدروس فقد كان ينقلنا من قصة لقصة بأسلوب فريد قل نظيره وما بين القصة والقصة يقول مقولة كنت أفرح حينما أسمعها وهي ( الشيء بالشيء يذكر) وأثناء حديثه فرج الله كربه كان يقول بلهجته النابلسية الجميلة التي تدخل السرور للنفس (أني أولتلكم والا ما أولتيلكوش) يعني هل أنا ذكرت وقلت لكم القصة أم أني لم أقل... فكنت أجيبه على الفور وقبل أن أعرف الموضوع لا يا دكتور ما قلت... وتمر المحاضرة بسرعة بالغة ينقلنا من موضوع لموضوع ومن قصة لأخرى بأسلوب مشوق وجميل.

كان يحدثنا كيف تشكل الأسرة وكيف أن الأسرة اللبنة الأولى في بناء المجتمع وعن طرق اختيار الزوجة الصالحة وعن الخطبة وشروطها وآداب الخطبة وكان يمازح الطلاب ويدعوهم لحسن الاختيار وعدم التركيز على المظهر والمنظر والشكل وأن هناك ما هو أهم. كان يحضر لنا الضيوف المميزين يحدثوننا عن تجاربهم وعلمهم وفكرهم، كان مدرسة بكل ما تحمل الكلمة من معنى ، لا تكاد تمر محاضرة وإلا أتى لنا بقصاصة خبر من جريدة يومية يقول لنا بها خبر له مغزى أو فائدة، وفي يوم من الأيام أراد الدكتور العلامة والمحاضر المبدع أن يعطينا درساً فعلياً وسلوكياً عن الأمانة وكان الدكتور خجولاً فأخرج من جيبه ورقة كانت عبارة عن إيصال بنك وقال إنه يتعامل مع بنك إسلامي وأنه ذهب ليسحب راتبه فوجد أن مبلغاً كبيراً من المال قد حول لحسابه وهو ليس له.. ذهب لمدير البنك الذي ذهل من الدكتور ومن أمانته وقال له هذا ليس لي ، حقق البنك بالأمر ووجد أن المبلغ حول بالخطأ وأن لا أحد يستطيع سحبه إلا الدكتور وهو أصبح له ولكن أمانة ودين الدكتور حال دون أكله الحرام فأعاد المبلغ وتحدث لنا عن الأمانة .

أذكر هذه القصص التي أتيقن أن الأستاذ الأسير الدكتور محمد الصليبي أبا أسامة قد نسي أغلبها إن لم ينسها بأسرها ولكنني كطالب تعلمت منها الكثير وقد طبقت أغلب ما طلبه منا الأستاذ سواء كان وقت خطبتي أو بعد أن شكلت أسرتي فهو صاحب فضل وأثر علي وعلى أغلب طلاب النجاح الذين نهلوا من علمه.

الأستاذ والمحاضر الجامعي والدكتور محمد الصليبي الآن ومنذ قرابة العام أسير زنزانة لا كتب فيها ولا طلاب ، محروم من رؤية ذويه صريع الأمراض التي تداهم جسده الذي أعياه القهر والسجن، يرفضون الإفراج عنه ، حولوه للاعتقال الإداري، لا يقدم له العلاج المناسب، يريدون أن يبقى أسيراً معتقلاً حبيس زنزانته.

الأستاذ والمحاضر الجامعي الدكتور محمد الصليبي كان عائداً من الحج هو وزوجته، أصروا على سرق الفرحة من قلبه فسمحوا لزوجته بالمرور وهو قالوا له نريدك لبعض الوقت، بعض الوقت لم ينتهِ ومر موسم الحج الذي يليه ومازال الدكتور والمحاضر الجامعي في سجن مجدو يجتر العذاب ينتظر فرج الله، يتحكم باعتقاله وتمديده جندي سادي يكره العلماء ويسعى لكسر إرادتهم فلا نامت أعين الجبناء.

من السجن للمحكمة الصورية لمستشفى سجن الرملة للعيادات الطبية في منطقة الخضيرة ومن ثم لزنزانته الانفرادية هذا هو حال المحاضر والأستاذ والدكتور محمد الصليبي الذي تجاوز الستين من عمره صاحب اللحية البيضاء والشيب الوقور والنظرة المتواضعة والبسمة الحانية ابن مدينة نابلس خريج الجامعات السعودية .

أستاذنا إن يستقر بك المقام في زنزانة انفرادية وأنت رجل في الستين من عمرك وبعد أن حصلت على كل ما حصلت عليه من المراكز العلمية الرفيعة وبعد آلاف المحاضرات بمختلف دول العالم من شرقها لغربها ومن شمالها لجنوبها لعمري إنه لأمر عظيم لا يقوى عليه إلا رجل ذو همة وفارس علم أن الابتلاء لا يكون إلا للمؤمنين أصحاب الأفكار والمبادئ ... رجال هذه المرحلة وكل مرحلة.

اليوم الأستاذ الذي كان يدعو طلابه للثبات والصبر وتحمل الأذى وحب فلسطين الأستاذ الذي كان يتعاطف مع طلابه الذين يعتقلون وقت الفصل الدراسي هو معتقل مع طلابه وتلاميذه في صورة قل نظيرها في العالم ... فقط هنا في فلسطين وحصري وحقوق الطبع محفوظة للاحتلال الطالب والأستاذ في ذات الزنزانة يرتدون ذات اللباس ويأكلون من ذات الطعام ويتم معاملتهم من دون ألقاب فقط من خلال أرقام ... مشهد كما قلت لا نظير له إلا عند الاحتلال هنا في فلسطين.

لك أستاذي وحبيبي وأبي دكتور محمد الصليبي كل الحب والعرفان وتقبل كلماتي هذه فهي بعض الوفاء لمن علمني الكثير ولمن تتلمذنا على يديه ولكن اعلم أستاذنا أننا اليوم وأنت صابر مصابر في زنزانتك تعلمنا أكثر وفهمنا أكثر وبتنا نعرفك أكثر، فصبرك وصمودك وكلامك لنا عن الثبات تعلمناه بشكل علمي ... طبت وطابت زنزانتك التي تتلو فيها آيات الرحمن ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ).