السعودية سيرة دولة ومجتمع (1)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
السعودية سيرة دولة ومجتمع

قراءة في تجربة ثلث قرن

من التحولات الفكرية والسياسية والتنموية

الطبعة الثانية منقحة وبمقدمة جديدة

عبد العزيز الخضر

الشبكة العربية للأبحاث والنشر

محتويات

مقدمة الطبعة

بعد شهرين من نزول الطبعة الأولي ، ومع آخر أيام معرض الكتاب الدولي في الرياض 2010م، أرسل لى الناشر رسالة يبلغني بنفاد الطبعة، وأن علينا الاستعداد للطبعة الثانية .

خلال تلك الفترة كانت ردود الفعل تتواصل وتتوالي ،وقد وصلني الكثير منها بطريقة أو بأخرى، حتى أصبح هذا التفاعل قصة بذاتها تستحق أن تروي يوما ما .

حجم الكتاب لم يكن يسمح لى بتوقعات متفائلة في التفاعل مع ما طرح قب نزوله، وبغض النظر عن تقييم مستوى المحتوى المتروك للقارئ ، فإن الجانب شبه المجمع عليه في هذه الردود أنها بصدد موضوع وطريقة مختلفة في تناولها للشأن السعودي .

كمية الطلب لم تكن تشغل تفكيري أثناء الكتابة بقدر اهتمامي بعدم وجود كمؤثرات على الأفكار والمعلومات المطروحة التي تفرض حضورها في مثل هذا النوع من التأليف ، ولهذا تجنب التسويق المسبق للكتاب والحديث عنه قبل نزوله .

قال لى صديق وكاتب متميز بعد قراءة متأنية ، إن كتابك مجموعة من الصدمات النفسية للقارئ السعودي ... في الأسابيع الأولي وفي أجواء ردود الفعل الأولية ، كانت مسألة الرقابة حاضرة والتساؤل عن مدي السقف الذي وصل إليه الكتاب مع حساسية بعض الموضوعات والفصول وأجواء المفاجأة التي صاحبت الكتاب .

لم يكن الكتاب يتظاهر بالجرأة النقدية الشكلية ضد محددات الرقيب التقليدي ، أو التجاوب مع متطلبات الساحة المحلية من صحافة ومؤسسات ورموز رسمية وثقافية ودينية التي نحددها مصالح في خريطة معروفة اتجاهاتها ..

كنت مشغولا بكيفية استحضار التفاصيل المهمة التي شكلت التجربة السعودية في أكثر من مجال ، وتحديد رؤية عامة حولها ، تهمش قدر الإمكان أجواء اللحظة ومصالحها الآنية لصالح مدي زمني أوسع .

كان الاهتمام قدر الاستطاعة بكيفية تمرير الكثير من الأفكار في سياقها الزمني بحيث لا تفسد المتغيرات الحالية وظروفها حقائق الماضي " فالذين لا يتذكرون الماضي محكوم عليهم بإعادته " كما يقال .

ارتبك البعض في الموقف من المحتوى مع صعوبة التصنيف فقد كان التوقع أنه مجرد عرض وسطي علي الطريقة السعودية السائدة ، لكن القارئ بجد أحيانا معلومة أو فكرة مطروحة لصالح جهة رسمية ، وفي مكان آخر تعرض أفكار ومعلومات ليست في صالحها تعزز الوعي بأخطائها ونقدها ؛

وأحيانا يستفيد الطرف الإسلامي بأطيافه المتعددة من رأي أو معلومة فيستعملها ضد خصومه ، وفي المقابل تأتي وجهة نظر أو معلومات تستفيد منها بعض الاتجاهات التحديثية في صراعها مع التيار المحافظ ، وهذا أحدث ارتباكا لدي البعض في تحديد الموقف من المؤلف والكتاب !

إن محاولة استحضار سياق كل قضية وحدث وعرض بعض التفاصيل ليس من أجل التظاهر بحياد مصطنع ، بقدر ما إن طبيعة حراك أى مجتمع ودولة وتطورات أى تيار فكري أو شخصيات دينية وثقافية تختلف من مرحلة إلى أخري حول أى قضية ، فأحيانا يكون الصواب أقرب لهذا الاتجاه من غيره ؛

وأحيانا تكون ردة الفعل عند هذا التيار أكثر عقلانية من الآخر ، وأحيانا تبدو الجهات الرسمية بموقف ريادي ناجح وأحيانا تصبح عائقا في سبيل تقدم اجتماعي ، ولأن هذه طبيعة الحياة وحركة المجتمعات ، فإن الوصف لما حدث والقراءة النقدية يجب أن تستحضر التفاصيل التي تساعدنا على تطوير رؤيتنا لمشكلاتنا في الحاضر والمستقبل .

الرؤية النقدية في الكتاب لم تكن من خلال مواقف مسبقة ضد الإسلاميين بمختلف أطيافهم أو التحديثيين بمختلف اتجاهاتهم الفكرية ، بقدر ما هي محاولة لتقييم كل اتجاه وشخصية وفق شعاراتهم ومشروعاتهم المعلنة ؛

وقد يفاجأ البعض عندما يجد ثناة على شخصيات تقليدية جدا في بعض الحالات ، لأنها شخصيات متسقة مع ذاتها ، لا تقدم دعاوى كبرى وشعارات من دون أن تكون مؤهلة لها ، وأحيانا يجد ثناء على اتجاهات تبدو مناقضة لهذا النموذج لأنها هي الأخري متسقة مع منهجها ورؤيتها ، ومن خلال سياق كل فكرة وشخصية يتضح المنهج .

كانت أهم الصعوبات التي واجهتها في أن الصحافة المحلية ظلت شبه مغيبة عن تطورات مهمة داخل المجتمع في عدة مراحل ، وذلك لشدة الرقابة عليها فكثير من الأحداث والتطورات الاجتماعية لم تدخل الصحافة محليا وبدت كأنها غير موجودة ولم تدون في أى مرجع وقد كان الكاسيت في بعض المراحل أكثر فعالية في تناول بعض الجوانب مع قدر كبير من العشوائية في التناول .

كانت الفترة ما بين منتصف الثمانينيات إلى منتصف التسعينيات مرحلة شفاهية في بعض التطوّرات الحساسة .الصعوبة الأكبر بعد أن تجمع المادة التي تستحق التدوين تبدو في كيفية عرضها و اختصار الكثير منها ، حيث لا يتحمل كتاب واحد تدوين كل شئ وقد بدأ الكتاب مضغوطا في بعض فصوله لأنه اختصر الكثير منه .

كان جزء من مهمة الكتاب محاولة تدوين ورصد انطباعات المجتمع بصورة وصفية، ونقل تعبيرات سائدة في كل مرحلة ، وموقف المجتمع من الدولة والتنمية والصراعات التي تحدث وتسجيل رأيه من خلال المعايشة ، وهذا الرصد له مميزات ، لأنه يختلف عن الاستطلاعات الرسمية والصحافية والبحثية التي تصاغ بنوع من المجاملة والتصنع .

من القضايا التي أثيرت في بعض الكتابات هي قضية المنهج في الكتاب وقد أشرت في مقدمة الطبعة الأولي إلى حالة التداخل في التجربة السعودية فيتم التوسع والإيجاز حسب السياق ، في الطرق البحثية الأكاديمية يتعذر منهجيا تناول هذا الكم الكبير من المواضيع والأفكار تحت غلاف كتاب واحد

هذه الطريقة غير مقبولة في أى مدرسة بحثية إلا مدرسة " الصحافة " ولهذا أشرت في منهج الدراسة إلى أن الأنسب هو المزج بين المنهجية العلمية مع الروح الصحافية . ومن أهداف هذا العمل معالجة النقص الملموس في الحالة السعودية في عدم وجود الكتاب الصحافية الذي يحاول تعويض الفقر الشديد في المعالجات الصحافية منذ عدة عقود ، والكتاب الصحافي الجاد فن موجود في الكثير من دول العالم ؛

ويسهم في صناعة وأي عام ، والتأثير في الأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية كأى منبر إعلامي آخر هذا المنهج يتيح للكاتب أن يتحرر من قيود تقليدية متنوعة ويتميز هذا النوع من التأليف بميزات كثيرة

منها أنه يستفيد من المهارة البحثية والصحافية واستحضار دور الصحافي في التوثيق ،ولهذا يعتبر بعض الباحثين أن المؤرخ هو صحافي الماضي ، وأن الصحافي هو مؤرخ اللحظة .

الكتاب محاولة لتقديم طريقة مختلفة في تناول الشأن المحلي وفق ما تتطلبه الحالة السعودية ، وتوظيف مجموعة من الآليات البحثية وصف تاريخي لنمو الأفكار والأحداث والتغيرات الاجتماعية والسياسية والدينية ، لتساعد المهتمين من مثقفين ومسئولين ، وحتى القارئ من الخارج ، في تصور الحالة السعودية .

هناك العديد من الأفكار المتفرقة داخل فصول الكتاب من الممكن تلخيصها في نهاية كل فصل لكن طبيعة الكتاب الذي فيه بعض الروح الصحافية تركت القارئ هو الذي يكتشف رسالة المؤلف وأفكاره ؛

ويطلع عليها في سياقها داخل كل فصل ولأن بعضها سيبدو أكثير حساسية لدي الرقيب عندما تؤخذ من السياق الذي جاءت فيه ، فتلخيص الرسالة التي يريد أن يقولها الكاتب سيجعل السجال حولها مختزلا ، ويفقد بعدها التاريخي ، ولهذا فضلت أن تكون مؤجلة إلى وقت آخر .

الكتاب بوجه عام محاولة لإضافة أبعاد جديدة في الخطاب الفكري المحلي ، ويشير إلى خطأ معالجة قضايانا يفصل مجال عن آخر ، ولهذا كانت الفكرة الأساسية في هذا العمل هي دمج مختلف المؤثرات الرئيسية في المجتمع والدولة تحت غلاف واحد ؛

وأن تطور رؤيتنا للأزمات بألا يتم عززلها عن إطارها الحقيقي وسياقها الزمني ، فخلال المعارك والشتائم المتبادلة بين التيارات ، أخذ البعض يتلاعب بالحقائق التاريخية من أجل تكتيك مؤقت ولهذا كان تناول بعض القضايا مربكا لبعض التيارات ، لأنه قد يكشف طريقة التلاعب بالتطورات الاجتماعية والسياسية والدينية ، ووصفها بطريقة غير دقيقة .

الكتاب مجرد محاولة محدودة لتغطية مراحل كانت تبدو شفاهية أكثر قبل مرحلة الإنترنت ، وقد حاولت أيضا تغطية جزء من مرحلة الإنترنت في الكتاب

والتحدي الآن وفي المستقبل لا يختلف عن مراحل شفاهية تبدو اختفت بعض معالمها فوجود ملايين النصوص متاحة في فضاء الإنترنت معدم وجودها إذا لم يكن هناك رؤية في تحديد ما بدون ويرصد ويدرس ليكون خاضعا للتحليل والفهم .

هناك تساؤلات عن غياب بعض الموضوعات في الكتاب كالشيعة في السعودية ،وكنت أشرت في أكثر من موضع إلى أن الملف الشيعي ليس من المناسب تناوله في الكتاب لضخامة ما يجب قوله من تفاصيل تاريخية ، وآراء حول هذه القضية فعرض الاتجاهات الأخري بحاجة إلى قدر من التوسع وشرح ظروفها وإشكالاتها في المجتمع والدولة .

الكتاب اهتم في المكون الرئيس للعقل الديني المحلي الذي دخل عمليا في مشروع الدولة على أرض الواقع ، وما وجد فعلا في التعليم الرسمي والمساجد والإعلام والنشاط الثقافي ، وجميع مؤسسات الدولة ودوره في تشكيل ذهنية المجتمع الدينية .

لقد تم التركيز في الدرجة الأولي في هذا الكتاب على الخطاب الديني السائد والعام والذي تلقاه المجتمع عبر قنوات متعددة رسمية وشعبية ، بما فيها التعليم والكاسيت ومنبر الجمعة والوعظ .الكتاب اهتم برصد الخطاب الديني السني بوجه عام أكثر من التجارب الجانبية .

ومن الناحية الواقعية فإن الخطاب الإسلامي المعاصر منذ بدايات الصحوة في العالم العربي قبل عدة عقود ، أصبح خليطا من خطابات متنوعة بين الرؤية السلفية التقليدية ، والوعي الإسلامي الحركي بمختلف أطيافهما والخطاب الديني المحلي الذي تشكل بصورته الجديدة منذ الثمانينيات هو من نتائج هذا الوعي ، وما وجد من اختلافات وأطياف لا يؤثر في الصورة العامة .

خطاب الصحوة تحدد بملامح أصبحت مشاعة في وعي المجتمع والناشطين في مجال الدعوة في المساجد والتعليم والإعلام .. وغيرها .

لقد رأي البعض أن هناك تفاصيل تبدو حميمية في العقل الديني مقارنة بغيره فالواقع أنها قصة المجتمع السعودي وتحولاته مع الخطاب الديني الذي نقل المجتمع من وعي سابق إلى وعي آخر ، فأصبح الجميع يفرق بين وعي ما قبل الصحوة وما بعدها .

غابت الروح الاجتماعية في العقل الثقافي مثلا مقارنة بالديني ، لأن الخطاب الديني كان ممتزجا مع المجتمع بكل تفاصيله ، وكان الدعاة رموزا يستمع لها غالبية المجتمع من كبار وصغار وشباب وعجائز من الرجال والنساء بعكس الخطاب الثقافي الذي سيظل بسبب نخبويته خطابا خاصا بفئة محددة واطلاعا خاصا بالمهتمين به ؛

لهذا كان من غير الممكن تناول الشأن الثقافي بالطريقة نفسها في الخطاب الديني لاختلاف كل مجال في تواصله مع المجتمع حيث لا توجد قصة اجتماعية في العقل الثقافي مقارنة بالعقل الديني الذي شكل قصة مجتمعنا المعاصر .

تساءل البعض عن قضية الإرهاب الذي كان يتوقع أن يكون له فصل خاص ، لأنه حديث المرحلة لكن الإرهاب ليس مشكلة محلية فقط ، لذا يحتاج إلى معالجات مطولة عن تحولات فكرية وسياسية ودينية في أكثر من بلد عربي وإسلامي وغربي ، ومدي تأثر السعودية بذلك

وهذا سيضخم المادة ويؤدي إلى تداخل تطورات عدد من الدول ولهذا فضلت عدم تناوله في فصول خاصة ، وعلى الرغم من ذلك فإن الكثير من محتويات الكتاب سيفيد في فهم ظاهرة الإرهاب والتشدد وبداياته التاريخية .

كانت قضية الأسماء أكثر حضورا في السجال حول محتوي الكتاب ولهذا كان أجد عناوين مقالات الدكتور عبد الرحمن الحبيب النقدية له "الأسماء فضيحة في مجتمعنا" وهو عنوان معبّر عن طبيعة المشكلة في المجتمع .

لقد تعمدت استحضار بعض الشخصيات البارزة والشهيرة في كل مجال ومناقشة مشروعها الفكري ، وتقديم قراءة نقدية لأهم أدوار هذه النخب المعروفة لدي الكثيرين وتقييم خطابها الفكري والديني وأدائها خلال عدة مراحل وفق رؤية خاصة تشكلت عبر متابعات قديمة .

بعض الشخصيات الشهيرة توفر عليك عدم الإغراق في التعريف بها ،وإنما الدخول لمنجزها ودورها مباشرة وتقييمه ، لأن القارئ سيكون في هذه اللححظة معايشا لها ولديه تصورات نمطية عنها ؛وقد تعمدت مواجهة بعض الرؤى السائدة حول بعض الشخصيات الدينية والثقافية ونقدها ، فالحديث عن الأفكار مجردة من دون نماذج حية سيفقد أى طرح قيمته وصدقيته .

كنت مضطرا لهذه العيّنات من الأمثلة وتقديم بروفايلات لها ليس عرضا لسيرتها الذاتية بقدر ما هي رؤية لدورها في صناعة أهم سمات الحالة السعودية ، وهذا لا يعني عدم وجود أسماء أخري مهمة ؛

بل يوجد العشرات السعودية ، وهذا لا يعني عدم وجود أسماء أخري مهمة ، بل يوجد العشرات في كل مجال .. لكن أخذ عينة وأمثلة يجب ألا يفهم منه تهميش الآخرين بقدر ما هو ضرورة عملية في التأليف والكتابة .

كان التركيز على بعض الشخصيات الدينية والثقافية والإعلامية المخضرمة والكثيرة في السن ، التي أسهمت في تشكيل مجتمعنا ، أمرا فرضته طبيعة وفكرة مشروع الكتاب ولهذا غاب الكثير من الأسماء والنخب الحديثة منذ التسعينيات الماضية فتجربتها لها قصة أخري والكتاب ليس معجم أسماء للنخب المثقفة ؛

فهناك أسماء تقوم بأدوار خفية لكن لا يمكن معرفة دورها حتى إن كانت معروفة لدي المراقب ، طالما أن ذلك الدور لم يوثّق أو يعلنه صاحبه في أى وسيلة حتى لا تتحول مثل هذه القراءات إلى نوع من الفضح لها ، ومن المهم أن نشير إلى أن البعض قد يبالغ في أدوار شخصيات غير علنية ، ويحيطها بقدر من التهويل والغموض !

جاءت بعض الأسماء من الكتاب في سياق اقتباسات للتعبير عن فكرة أو قضية معينة كتب عنها ، لتعزز الأفكار التي أردت عرضها ، أكثر من مسألة تقديم أسماء على أخري ولهذا استشهدت بعدد من الكتاب في أكثر من مكان ، لأن هذه الاقتباسات كانت من الأشياء التي دونتها لمشروع الكتاب وتناسب القضية التي يتناولها الكتاب .

مع هذه الحالة قد يواجه أى كاتب حرجا في المستقبل عند الإشارة إلى اسم أى مثقف أو كاتب لأن هذا قد يثير حساسيات زملاء وأصدقاء ، أو أنه يضطر لحشر جميع الأسماء بصورة متكلفة بمناسبة ومن دون مناسبة فيصبح حتى ضرب الأمثلة محظورا ، لأن عليك أن تذكر قائمة طويلة منذ الستينات حتى لا تتهم بتهميش أحد.

من الناحية الشخصية لدي الكثير مما يجب قوله حول تجارب الكثير من كتاب الرأي والأقلام والمثقفين الإعلاميين في مجتمعنا ، وقد تناسب كتاب آخر ، لم يكن من المناسب تضخيم مادة الكتاب بها

ومع ذلك يجب أن نتفهم عتب بعض الكتاب والكاتبات فهناك العديد من الأسماء التي تستحق التقدير ، وهناك الكثير من المثقفين والكتاب الذين كان لهم موقف إيجابي ولم يتوقفوا عند مثل هذه الشكليات ، واعتبروها مجرد ملاحظات عابرة ، لا تؤثر في قيمة الكتاب .

الفصل الخاص بالتنوير آثار الكثير من الاهتمام ، لأنه المجال الذي يمكن التشكيك فيه بحيادية المؤلف بحجة أنه محسوب على هذا الاتجاه .

ربما فوجئ البعض في قراءة مختلفة لبدايات نقد الخطاب الديني فالتنوير الإسلامي حالة جديدة في الحالة السعودية وتجربة مختلفة لا تزال تتشكل وتختلف عن التيارات الثقافية التحديثية التقليدية ، التي نشأت مع بداية التعليم الحديث ؛

لأن هذه الاتجاهات تجنيت مساءلة الخطاب الديني مبكرا، كما تجنبت الشأن السياسي ، وقد تصور المثقف التحديثي بمختلف اتجاهاته أن هذا الفصل تهميش لحضوره ، والواقع أنه يوجد فصل كامل للعقل الثقافي وتطوراته التاريخية ، وهناك فصل للإعلام ... وفصل آخر للمعارضة.

كنت أشير في كثير من فصول الكتاب إلى عبارة الخطاب التحديثي ، وهو يشمل مختلف الأطياف الفكرية ذات الرؤية الجديدة في مجتمعنا منذ عدة عقود ، والكتاب بمجمله قائم على هذه الثنائية في تحليل التطورات في مجتمعنا ، لكن التنوير الإسلامي الذي أفرد له فصل قصير ، كان يمثل حالة جديدة في المشهد السعودي وعمره قصير .

الجديد في هذا الاتجاه أنه بدأ تشكله من خلال عمل نقدي داخل التيار الديني ، وتجديده من خلال رؤي مستنيرة في رؤية الفكر الإسلامي والتراث .

من أكثر ردود الفعل اللافتة أن أحدهم كتب مقالا يناشد فيه إسلاميين كتابة تاريخ الصحوة كأسلوب للتشكيك غير المباشر بالمحتوى مع سخرية غير محترمة ، تفاعل مع هذا النداء صاحب مركز بحثي إسلامي عبر موضوع يشير إلى أن

" التاريخ الفكري خلال الثلاثين سنة الماضية هو تاريخ أهل السنة والجماعة بامتياز ؛ولا يزال مستمرا إلى اليوم مهما حاول البعض أن يشغب على هذه الحقيقة " ، وأن " أفضل من يكتب في تلك الأحداث ويوثقها ويفسرها ويوضح غاياتها هم أهلها الذين أنشئوها وأداروا دفتها ، ولا يصلح أن يكتب فيها الغرباء عنها فكرا ومنهجا ومعايشة " !

العديد من المقالات النقدية للكتاب في صحف مختلفة ومنتديات ومن خلال اللقاءات الشخصية أثارت مشكورة الكثير من الأفكار والتساؤلات الذكية التي تستحق التوقف عندها والتعليق عليها ،وقد لا تسمح مساحة هذه المقدمة للدخول في تفاصيل مطولة حولها .

وما يبدو مهما في قضية التفاعلات مع الكتاب ، أن يسود شعور ثقافي وإعلامي بأهمية التدوين والتوثيق للتحولات السعودية ، وأن يبدأ كل تيار برموزه وشخصياته بكتابة قصة كل حدث وروايته ، وتوثيقه ، وأن يدوّن الناشطون في الثقافة والفكر والتنمية والدعوة والاحتساب الديني والإصلاحي تفاصيل ما يحدث من حراك وصراع وتجارب وقد لمست خلال الأشهر الماضية حالات متعددة تعبر عن بدايات الاهتمام في هذا المجال .

والأهم أن يرتفع مستوى النقد والوعي بالحالة السياسية والدينية والاجتماعية ، وأن نعيد قراءة الماضي بكل تفاصيله بموضوعية وجرأة ، وأن نستحضر مقولة كثيرا ما يرددها كبار علماء السلف بأن " أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم ، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم ".

عبد العزيز الخضر
6/8/2010م

مقدمة الطبعة الأولي

أسهمت عوامل مختلفة في تقصير ذاكرة المجتمع السعودي والتشويش على وعيه ، حيث إنه لا توجد ثقافة تدوين منظمة ، ولا جهات ومؤسسات فكرية ترغب في رصد إلا ما يخدم مصالح انتقائية مؤقتة ، ولا صحافة عريقة ونخب إعلامية قدمت معالجات مهنية ، وملفات موسعة عن مشكلاتنا الخاصة والمزمنة ، لهذا تبدو حالات من التيه والحيرة في تصور تجربة ومشكلات مجتمعنا السعودي.

في مرحلة مبكرة وجدت أن قراءة صحافة دولة عربية متنوعة وإنتاج المثقف العربي الفكرى، يزودنا، بتصور شامل عن تحولات دول ومجتمعات عربية كبري مع دخولها العصر الحديث وتشكلها السياسي ، عبر قراءات متنوعة من مختلف التوجهات الفكرية والسياسية

تستحضر مختلف الصراعات التاريخية وخطاب كل مرحلة فتشكل لدينا وعيا مبكرا بالكثير من تفاصيل المشكلات السياسية ، والثقافية والدينية ، والحركات الإسلامية في هذه الدول ، ونتفاعل مع كل حراك يحدث ، ونعيش أجواءه ، مقبابل ذلك نشعر بالتيه والغموض الكبير أمام حالتنا السعودية ، وما يحدث لمجتمعنا من تحوّلات منذ السبعينيات!

لمواجهة هذا الإشكال كنت مضطرا لمتابعة راصدة لمختلف الخطابات المحلية (الدينية والثقافية والسياسية) في أزمنة سعودية مختلفة ، لفهم ما يحدث ومواجهة تحدي هذه الثقافة الشفهية غير العفوية في كثير من مظاهراها.

لا يمكن التعامل مع الحالة السعودية وفهم طبيعة نجاحاتها وأزماتها ، إلا من خلال خبرة طويلة تقرأ ما بين السطور في كل تصريح وحديث رسمي وكل نشاط ومناسبة ثقافية ، وكل مقالة وعمود صحافي، وكل فتوى وخطبة دينية .

هذا الكتاب محاولة لرصد شئ من سيرة الدولة الدولة والمجتمع السعودي ، منذ بدايات آثار الطفرة النفطية ، من خلال معايشة واطلاع على تفاصيل المشهد المحلي وتحولاته التاريخية ، هذه المعايشة اليوممية لا توجد في زمن الحدث من دون تفاعل وتسجيل لانطباعات اللحظة في حينها فحسب

كثير مما كتب هنا ليس قراءة أرشيفية متأخرة بأثر رجعي ، أو تفسيرات لحظية وفق متطلبات المرحلة التي نعيشها هذه الأيام ، وليست متابعة انتقائية وفقا للتوجه الفكري .

مقابل هذا التعتيم والجمود الإعلامي الطويل قبل عصر الإنترنت والفضائيات ، حدثت فقاعة في السنوات الأخيرة في تناول الشأن السعودي، وأصبحت موضة في الأعمال الروائية والدرامية والبرامج الفضائية من دون وجود تأسيس منهجي لتناول التجربة السعودية ، ومع قضايا العنف ومشكلات الإسلاميين وأحداث أيلول (سبتمبر) سادت فوضي مركبة في الخطاب المحلي في رؤية الأزمات الداخلية .

هذه العشوائية في خطاب المرحلة مع أنها تبدو مزعجة للرقيب أحيانا في بعض شطحاتها عبر الأعمدة الصحافية والبرامج الفضائية، إلا أن لها دورا في إخفاء الكثير من الحقائق حول شؤوننا المحلية بسبب الإغراق العفوي أو المقصود أحيانا ، ليؤدي مهمة الفضفضة والتشويش أكثر من الاستيعاب والإصلاح الفكري !

ما كتب عن السعودية من خلال الدراسات المتاحة العربية والأجنبية يمكن تقسيمه إلى مستويين : أحدهما يتحدث عن جوانب تاريخية قبل تأسيس الكيان أو بداياته ، وهي أزمنة لم نعايش أحداثها وتطوراتها التاريخية ، بل نتعرف عليها من خلال المصادر والمراجع المعروفة عند الباحثين ، ونشترط هنا مع الباحثين في فهم ذلك التاريخ من هذه المصادر المحصورة .

هناك صعوبة بحثية في كشف بعض الأخطاء التاريخية في تدوين ذلك العهد المبكر في مناطق كانت شبه معزولة عن العالم ، أما الكتب والأبحاث التي ترصد المرحلة المعاصرة منذ السبعينات والثمانينيات ، وما بعدهما ، فإن الذي عايش هاتين المرحلتين والمطلع على تحوّلاتهما سيكشف حجم الأخطاء التي وقع فيها هؤلاء الباحثون والكتاب الأجانب في رصد الجوانب السياسية، وقضايا الفكر الديني والثقافي ؛

لأن تلك الفترات لم تعايش الكثير من تفاصيل ما يحدث في الداخل السعودي ، حيث تعتمد بعض هذه الدراسات على مصادر محلية وسيطة موجهة أحيانا لتعوّض النقص في بعض المعلومات من خلال زيارات ولقاءات مع فئات متنوعة في المجتمع السعودي ، كعينات لفهم ما يحدث من تغيرات ، ولهذا نري حجم التخطبط في قراءة ظاهرة الإرهاب في الداخل السعودي بعد أحداث أيلول (سبتمبر).

إن رصد العديد من أخطاء ومغالطات بعض الباحثين الأجانب والعرب يستحق دراسة مطولة أخرى ، وهذا الكتاب محاولة لكشف بعض العوامل التاريخية التي أضعفت الوعي بالحالة السعودية عند النخب الفكرية ، وهشاشة التدوين لمتغيراتها ؛

ومحاولة لتأسيس وعي من داخل هذه المتغيرات لقراءة هذه التجربة عبر متابعة راصدة ، تلتقط ما هو غير مكتوب من أفكار وتحليلات ورؤى ،اطلاع على المشهد الإعلامي المحلي لأكثر من ربع قرن .وتطلبت هذه المعالجة تناول محاور عدة في هذا الكتاب ، فرضتها خصوصية التجربة السعودية منذ السبعينات .

وبعد استعراض الرؤية حول الدراسات السابقة ، فإن الفصل الأول يتناول:

خصائص التكوين السياسي والاجتماعي وتشكل المجتمع الحكومي ووسائل الضبط الاجتماعي .

أما الفصل الثاني فيتضمن:

عرض التفاصيل التي تشكّل العقل الديني تاريخيا حتى هذه المرحلة ، ورؤية حول مكونات الفكر السلفي الوهابي وتأثيره الاجتماعي ، وعرضا لتطورات الخطاب الديني وتأثره بالعديد من المستجدات ، كما يتضمن عرضا لفكر أهم الشخصيات الدينية السعودية الوافدة .
نتوقف أيضا عند "مجتمع الفتوى" لتناول مسألة الفتوى تاريخيا وتأثيرها في ثقافة المجتمع ، ثم قراءة لفكر الصحوة الإسلامية المعاصر في السعودية ورموزها مع استحضار العوامل السياسية والاجتماعية والإعلامية .

ولأن للعقل الديني دورا جوهريا في الكثير من التوترات والصراعات الإجتماعية والسياسية فقد كان موضوع الفصل الثالث ، قراءة ذهنية الصراع ورصد تطوراتها التاريخية حتى هذه المرحلة ، ووضع تصور حول هذه الآلية المتكررة ، ودور السياسي في إدارة الصراع ، ولأن قضية المرأة بسبب العوامل الدينية والاجتماعية – حاضرة في كثير من هذه الصراعات؛

فقد استعرضت سيرة المرأة في مجتمعنا وتأثير النفط ، وخطاب الصحوة والضغط الخارجي ، ودور الخطاب التحديثي والتوقف عند معارك شهيرة في مجتمعنا بدءا من مسألة تعليم البنات ، ومعارك الإختلاط ، وعمل المرأة وقيادة المرأة للسيارة ، ومشكلة جهاز الحسبة (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وقضية المناهج ، إلى معركة الصحوة والحداثة، ومعركة القصيبي مع رموز الصحوة .

في كثير من هذه التحولات الفكرية والمعارك نتساءل عن دور المثقف السعودي ،ولهذا يتناول الفصل الرابع :

العقل الثقافي وتحوّلاته التاريخية ، وبداية نشوء المثقف العصري ، وعوامل ضعف النقد الثقافي ، مع عرض لوضع الثقافة في التعليم ، والمؤسسات والإعلام ، وقراءة للعلاقة بين المثقف العصري والسلطة مقارنة بالمثقف الديني ، بالإضافة إلى دور المثقف في بناء الدولة ، مع الوقوف عند تجارب شخصية لمثقفين كبار قبل طفرة النفط وبعدها .

وفي سياق التوترات الفكرية والاجتماعية في التجربة السعودية ، استعرضنا في الفصل الخامس :

مسألة التنوير الفقهي تاريخيا في المشهد المحلي ، وقراءة عوائق هذا المسار ، وتأثير الدولة وخطاب الصحوة الديني و وتطورات ما بعد أيلول (سبتمبر) كما تضمن هذا الفصل :عقل التنوير ، وبعض موضوعات الخطاب التنويري الجديد .

في جميع ما حدث لمجتمعنا من تحوّلات كان للإعلام دوره التاريخي الكبير في تشكيل وعينا كسعوديين لذلك يتناول الفصل السادس :

العقل الإعلامي ، وقراءة لمدارسنا الإعلامية ، ومسألة الصحافة والمهنية والصدقية والرسمية ، والإجابة عن سؤال : لماذا لم توجد لدينا تجربة صحافة مستقلة ؟واستعراضا لوضع الصحافة السعودية مع المنظمات الدولية ، والتوقف عند تجربة كتاب الرأي السعودي ، ورؤية حول موضوع الرقابة الدينية في الإعلام .
ولأن عددا من رؤساء التحرير الكبار كان لهم دور تاريخي في الحقبة الماضية منذ السبعينيات ، فقد استعرضت رؤية عن تجربتهم الصحافية ، ونظرا إلى حضور الإعلام السعودي الخارجي والكتاب العرب ودورهم في هذه المرحلة ، فقد أشرت إلى جوانب من هذه القضية .

من أهم النجاحات في التجربة السعودية التي يشير إليها الكثيرون منذ السبعينيات :

قضية التنمية ، حيث نتناولها في الفصل السابع من زاوية مختلفة ، أو جديدة ، أو مغايرة ، كما نستعرض تأثير النفط في الوعي السعودي ، وتغير موازين القوى الاجتماعية والسياسية ، ورؤية حول خطاب الدولة في التنمية وتأثيره في المجتمع ونبحث في الإشكالية الذهنية للفساد وتشكلها التاريخي.

وأخيرا نتناول في الفصل الثامن ، بعض ملامح سيرة المعارضة السعودية وتطوراتها وخطابها التاريخي ، وفيه قراءة عن الدولة والمعارضة ،والمجتمع والمعارضة والمثقف الديني والمعارضة ، والمثقف العصري والمعارضة وكيف ينظر المجتمع إلى الحكومة ؟ ومدي حاجة مجتمعنا إلى معارضة .

قد تبدو بعض هذه الموضوعات مجالات منفصلة عن فكرة الكتاب ، لكن طبيعة الحالة السعودية ، وحضور المركزية في حراكها الديني والاجتماعي والسياسي ، فرضت علينا تناول جميع هذه الجوانب لبناء رؤية واقعية عن سيرة تحوّلاتنا المعاصرة ، ووجود تداخل بين بعض القضايا والأحداث والشخصيات في مجتمعنا فرض الإشارة إليها بإيجار في بعض المواضع ؛

والتوسع في مواضع أخري وفق ما يتطلبه السياق، ولهذا فالاطلاع على بعض الفصول وإهمال غيرها سيؤثر في الرؤية الكلية للقضايا التي يتناولها هذا الكتاب .

ونظرا إلى حضور هذه الأبعاد في جميع المراحل فقد كانت هذه القراءة محاولة لتأسيس رؤية عامة عن آلية هذه التحولات ، من دون الدخول في بعض التفاصيل الفنية التاريخية حول معلومات التعليم والاقتصاد والإعلام والتنمية وتطوراتها ، وإنما نستحضر العوامل المشتركة في صناعة فكر المجتمع السعودي الحديث .

عندما نشير إلى البعد السياسي في سيرة التحولات ونقدها هنا ، فهي ليست إشارة ذات نزعة مشاكسة ومعارضة وفق منظور النشاط السياسي بهدف الإساءة والهجوم على أحد ، بقدر ما هي رؤية من منظور فكري تستحضر البعد السياسي .

ليس كفرد أو جهة محددة إجرائية في لحظة زمنية وإنما كأى نظام مركّب ومعقد في العالم يتشكل ويتفاعل ويؤثر بصورة متبادلة تنتج تقاليد عامة في إدارة هذا المجتمع أو ذاك . من يتصور البعد السياسي وكأن هناك إرادة عليا تتحكم في كل صغيرة وكبيرة في كل لحظة ، فإنه يتورط باختزال معرفي مضلل لفهم حركة التاريخ .

ما قدمته من رؤية هنا حول التجربة السعودية على الرغم من نقدي للكثير من السلبيات والأخطاء فيها إلا أنها تستحضر بإعجاب النجاحات الكبرى لهذه التجربة في تكوين دولة ومجتمع حديثين ، ولست هنا بصدد الإساءة إلى إحدى الشخصيات أو الجهات ، أو احتقار منجزات حضارية متنوعة ، بقدر ما محاولة لتجنّب فخ المجاملات وتقاليدها العريقة في الكتابات السعودية ، وأيضا تجنب النقد الاستعراضي الفهلوي الأخير في لفت النظر .

وبقدر ما يجب علينا أن نحترم رموزنا السياسية والدينية والثقافية التاريخية ونقدر منجزاتها ، بقدر أنه من حق هذا الجيل والأجيال القادمة أن تعرف الحقيقة من مصادر أخري .

لقد قدمت العديد من القراءات منذ نهاية التسعينيات الماضية مرورا بأحداث أيلول (سبتمبر) وما (بعدها) وما بعدها ، وتطورات المشهد المحلي ، بالإضافة إلى رأيي في كثير من المتغيرات في الحالة السعودية الدينية والسياسية والثقافية ؛

حيث أدركت من واقع خبرة مبكرة ، الضوابط السعودية وتقاليدها في الإعلام والصحافة وأحترمها ، ومع ذلك فقد تمكنت من تقديم وجهة نظري في نقد الكثير من المسائل الحساسة حول تحوّلاتنا الدينية والسياسية ونقد العنف والصحوة ، ويستطيع القارئ أن يعود إليها .

من خلال عملي الصحافي كمسئول عما ينشر ، حاولت تناول الشأن السعودي في عدد من الملفات الجادة بإشراك نخبة من الأقلام السعودية ، وكانت هناك قائمة طويلة من الأفكار والقضايا تنتظر الطرح في آخر تجربة إعلامية لكنها توقفت لأسباب ليس هنا مقام عرضها .

اهتمامي بالحالة السعودية ليس طارئا في العقد الأخير ، حيث إن هناك قصة طويلة منذ بدايات الوعي ، وهذا الكتاب ليس إلا خطوة متواضعة كمقدمة لكتابات أخري .

في هذا الكتاب أيضا فصول مؤجلة على الرغم من أهميتها ، فهناك جوانب حيوية في الشأن السعودي لم نتطرق إليها وهي ذات حساسية خاصة لأنها تستحق عرضا منهجيا لها ووقفات مطولة ، لا يتسع هذا الكتاب لذكرها .

تجنبت في هذا الكتاب الترتيب التقليدي الصارم للأفكار والقضايا التي تناولتها لأن في تحوّلاتنا الكثير من التداخلات الزمنية والاختلاط العشوائي في التطورات والصراعات ، وفي منهج المعالجة استحضرت مقولة برتداند راسل : " إنك لا تستطيع فهم موضوع دون إبداء قدر من التعاطف معه أولا : حتى يمكنك نقده لاحقا "

ولفهم مسار التحولات التاريخية يقول ماكس فيبر: " على العالم أن يجيز لنفسه تعطيل سبب بصورة مؤقتة لكي يكتشف تأثير سبب آخر على مجري الأحداث التاريخية ".

عبد العزيز الخضر
10/7/2009م

مدخل

" السعوديون لم يشجعوا أبدا دراسة التطورات السياسية الداخلية ..."

جوزئف أ. كيشيشيان (الخلافة في العربية السعودي ، ص 45)

تجاوز المجتمع السعودي التخلف بمفهومه المقابل للبدائية الريفية والبداوة ، لكنه لا يزال ميدانا نتصارع فيه أقوى فيم الأصالة (السلفية) في مواجهة أقوى متطلبات (التحديث) والمعاصرة والحداثة الكونية ، وهذا الصراع لا يوجد فقط في مؤسسات الدولة أو تكوينات المجتمع العامة ، وإنما كذلك في ذهنية الفرد الذي لا يزال مع كل المتغيرات الحضارية في حياته ينجذب إلى التقاليد المحافظة .. ويقلق من التغيير .

العالم لا يستطيع اتهام السعودية في هذه المرحلة بالتأخر لكنها في نظره لم تصل بعد إلى المستوى العالمي من الانفتاح والثقافة المدنية المعاصرة ، وفي الوقت نفسه ، لا يستطيع المتشدد اتهام التجربة السعودية بالانحراف عن القيم الإسلامية ، إلا أنها لم تتحول في نظره إلى نموذج منشود في تجربتها الإسلامية.

إن احترام المنجز الحضاري الذي تم خلال عقود عدة ، يرافقه دهشة من الصمود أمام الكثير من المؤجلات الفكرية والسياسية والدينية التي تحتاج إلى حسم فكري واجتماعي وسياسي ، جعلت المستقبل يبدو محيّرا وغامضا بعض الشئ على الرغم من هذا الاستقرار الطويل .

سنجد بعض التحامل ضد تجربة السعودية والهجوم بين فترة وأخري وفي الوقت نفسه ،سنجد التمجيد التجاري والمدائح المبالغ فيها لكل نجاح، وسنرى بين هذا وذاك بعض الطرح المعتدل والمنصف ؛

هنا محاولة بناء رؤية نقدية من الداخل ، وعرض تأملات مراقب لأكثر من ربع قرن من المتابعة والرصد والتفاعل الذهني مع أوضاعنا سلبا أو إيجابا ، وتحوّلاتنا الحضارية ، حيث بدأت ملامح وعينا في الحياة مع ضخامة هذه المتغيرات الكبري والسريعة كفيلم وثائقي ممتع حينا ومؤلم في أحيان أخرى .

في المعلومات .. والدراسات السابقة

كغيرها من الدول النامية تعاني السعودية شح المعلومة في كثير من المجالات ، ويقدم عادة بعض الباحثين هذه الشكوى كتبرير استباقي لأي فشل في قراءته وضعف في تفسيراته لكن إشكالية المعلومة مركبة ، حتى لو توافرت فإنها ستكون مشوهة وفقا لمستوى المجتمع الحضاري وثقافيته التي تصدر عنه ويصعب الاعتماد من دون معايشة من الداخل ووضعها في سياقها الحقيقي

ويصبح ضرر هذه المعلومات أكثر من نفعها ، وهذا ما تفقده الدراسات لأي مجتمع عن بعد ،وهذه المعلومات متنوعة ، فبعضها يسهل تقديرها والاعتماد عليها كتصورات أولية ، كونها رقمية كالإحصاءات المتعلقة بعدد السكان ونسبة التعليم وعدد الوفيات وغيرها

لكن المعلومة التي تتعلق برؤية وتأمل الظواهر الاجتماعية والعادات وطرائق التفكير ومستوى الوعي السياسي والثقافي وحالات التدين فإنه يصعب تقديرها حيث إنها تحتاج إلى خبرة متراكمة واهتمام مبكر ومعايشة شخصية .

إن الأرقام من النوع الأول ، لا تسعف الباحثين الزائرين لمدة محدودة لإجراء مقابلات شخصية ، في إيجاد تصورات واقعية وعلمية لأبحاثهم ، خاصة لمجتمع بكر لم تؤسس فيه تراكمات بحثية عميقة لزمن طويل ، كما هو الحال في العديد من دول العالم .

لهذا تبدو القراءات الناجحة للحالة السعودية محدودة جدا ، فقد حدثت في السعودية ظاهرة " انطباق العصور " كما يري باكو فليف ، وتداخل للأزمنة بصورة مربكة حتى لمن يعيش داخل المجتمع ويتأمل فيه ؛

وذلك لأن التحولات تسارعت بصورة كبيرة لمجتمع واسع المساحة والتنوع ما يجعله مختلفا عن تجارب عربية وإسلامية ، حدث لها الاحتكاك مع الغرب ومنتجاته بقدر من التدرج لأكثر من قرن ونصف ، مقارنة بمجتمعنا الذي أحدث هذه النقلة فقط بين الستينيات والثمانينيات .

وقسمة الزمان السعودي إلى زمانين ، أدت إلى تشوء وغموض رؤية كثير من الظواهر ، ولهذا لا تنجح زيارات الباحثين في تصور العلاقات المعقدة والدوائر المتداخلة المؤثرة في الحراك الاجتماعي والسياسي والاقتصادي ، مهما كانوا مسلحين بالنظريات العلمية الحديثة ، وبعضهم يحجاول سد هذه الثغرة بالنزول إلى الشارع ومحاورة العامة الذين غيرت هذه النقلة فطرتهم وتلقائيتهم ، فيقدمون إجابات مشوهة لا تعبر عن حقيقة الواقع ؛

ولهذا لن يستوعب طبيعة الطرق التقليدية التي تحل بها المشكلات التي تواجه الفرد والمجتمع على الرغم من وجود مؤسسات ووزارات وأنظمة حتى الشريعة الإسلامية يمكن أن تؤول وتفسر بصورة لا تمنع من انتشار الفساد من الأسفل إلى الأعلي وبالعكس .

ستيجنب هذا الكتاب تضخيم مادته بالإحصاءات والجداول والملاحق عن السعودية المتوافر بعضها بسهولة مع عصر الانترنت وسيكون التركيز على محاولة تأصيل الآلية والمنهج لرؤية الشأن الداخلي السعودي وسنتجاوز منعا للإطالة تفاصيل تاريخية بعيدة

مع أهميتها حول قصة تأسيس هذا الكيان وما قبله ، وهو تاريخ طويل ، حيث يوجد العديد من البحوث والدراسات الجادة والمبكرة حوله وقد نستحضر من مرحلة التأسيس ما يهمنا فحسب لتفسير حدث أو قضية تواجهنا .

قبل التصنيف الأولي لهذه الأبحاث ، فإني أشير إلى أن هذه الدراسات والكتابات مرّت بتحولات وفقا للزمن الذي ظهرت فيه هذه الدراسة أو المادة الإعلامية ، فما كتب في الستينيات والسبعينيات يختلف عما كتب في الثمانينيات ويختلف كثيرا عما بعد أزمة الخليج في التسعينيات كما شهدت انقلابا جديدا بعد أحداث أيلول (سبتمبر)

هذا الاختلاف ليس المقصود به أخذ عامل الزمن والفترة التاريخية وإنما ملاحظة حدوث نقلات أساسية في نوعية ومنهجية ومحددات هذه الدراسات والمواد الإعلامية نظرا إلى حجم التغير المفاجئ في أكثر من مجال ، وفشل الكثير من التصورات والتوقعات السابقة ، مع تزايد حضور الدور السياسي والاقتصادي والثقافي في أزمنة ما سمي بـ "الحقبة السعودية"

فقد اختلفت الرؤية بين مرحلة المد القومي عن مرحلة المد الإسلامي فالحضور السعودي المؤثر سياسيا واقتصاديا خلال ثلث القرن الأخير ، أحدث انقلابا في الرؤية لتجربتها الحضارية، والخبرة الشخصية تساعد عل التمييز بين هذه الكتابات واتجاهها والظرف الذي تشكلت فيه رؤى نمطية سائدة .

تواجه الكتابة عن السعودية تهمة تقليدية أشار إليها رياض نجيب الريس في قوله:

" مشكلة الكتابة عن السعودية في الإعلام العربي، أنك إذا كتبت مادحا فأنت متهم بالنفاق والوصولية، وإذا كتبت منتقدا فأنت متهم بالابتزاز ، وبالطبع فإن هذا المأزق يناسب الإعلام السعودي .."

رياضي الريس ، رياح الشمال: (السعودي والخليج والعرب في عالم الستعيننيات ، ص 191) وهذه المشكلة ليست محصورة في الكاتب ،وإنما تأثيرها في وعي القارئ وصدق ما يطلع عليه، وتقبله لما يطرح .لقد أثر حضور هذا الشعور كثيرا في بعض الكتابات بالتصنع والتذاكي المفتعل ، ذلك لتجنب هذه التهمة من القارئ والمراقب .

ويمكن تقديم تصنيف لهذه الكتابات والدراسات المتوافرة عن السعودية في الآتي:

أولا: دراسات محلية أكاديمية وتخصصية دقيقة في التاريخ والجغرافيا والاجتماع والاقتصاد وغيرها،وتتقيد بأسلوب تقليدي في ترتيب المعلومات ، وعرض المتغيرات التاريخية والاجتماعية وفق أسلوب منهجي محدد الملامح ، ومفروض علي كل باحث في طريقة عرض المعلومات والنتائج ؛

وتخلو عادة من الرؤية التحليلية الشخصية لتفسير الواقع المشاهد ، بحجة أهمية التقيد بالمنهج والتقاليد البحثية ، والواقع أن أغلبها يتجنب حضور فكر الباحث ورؤيته للمسائل خوفا من الرقيب ، أو عدم رؤية لديه في الأصل وهو الأغلب في الدراسات المحلية ، ولا يعني هذا عدم وجود استثناءات لبحوث ومؤلفات جيدة .

عند البحث عن الموضوعات المتعلقة بالسعودية سنجد أعدادا كبيرة جدا من الدراسات والمؤلفات لكنها تجميعية محصورة في توفير بعض الجداول والإحصاءات والمعلومات الأولية .
مستوى الحرية الداخلية والقوالب النمطية في الخطاب السياسي والإعلامي المحلي لأكثر من نصف قرن له تأثير كبير في طريقة هذه البحوث لذا نجد الدراسات الاجتماعية المحلية باهتة ، والأطروحات الثقافية التي تصدر عن الجامعات والأندية الأدبية فاقدة للحيوية المطلوبة وليست صالحة لأن تكون مرجعا للكثير من الظواهر والمتغيرات الداخلية وتفسير تحولات المجتمع حتى الإحصاءات والأرقام التي تؤخذ من خلال استبيانات عن المجتمع حول بعض القيم والمفاهيم تفتقر إلى حس المثقف في حقيقة هذه المعلومات في التعبير عن الواقع وتقييمها .
ثانيا: دراسات أجنبية غربية ذات قدر من الصدقية ، نتيجة جنسية وحرية الباحث ، وقدرته في الحصول على الكثير من المعلومات الحساسة إلا أن التخصص بالشأن السعودي وفهم بنيته الداخلية اجتماعيا ودينيا وسياسيا ، مهمة صعبة على غير أبناء المنطقة؛

وقد أكدت أحداث أيلول (سبتمبر) حجم الجهل الكبير الذي يعانيه هؤلاء الباحثون الذين أخذت بعض آرائهم بعد أحداث سبتمبر بالتغير ، حيث بدأوا يشعرون تجاه مجتمعنا بقدر من الغموض الشديد والمركب ، وأدركوا مدي الحاجة إلى إعادة طريقة فهم المجتمع بشكل أكثر عمقا ..

فالباحثون المستقلون من أى تأثير داخلي أو خارجي لم تتح لهم فرصة العيش لفترات طويلة جدا داخل المجتمع لفهم ذهنيته الثقافية والاجتماعية والسياسية ، وهو ما أثرّ في قيمة كتاباتهم وأوقعهم في أخطاء جوهرية يدركها المثقف المحلي الذي يفهم مجتمعه

لكن مستوى الحرية الكبير المتاح لهم وعدم الشعور بأى ضغوط بما فيها وجهة نظر رياض الريس التي أشرنا إليها ، يجعل لها بريقا يفوق الكثير من الدراسات العربية والمحلية حيث تقلّ لديهم مساحة المسكوت عنه .

ويمكن وضع الكتابات الأجنبية في درجات عدة ، منها المقالات والتعليقات الصحافية على بعض الأحداث والأخبار ، التي تملك قدرا من الإثارة عادة ، لكنها ضعيفة في تصورها لحقيقة الداخل ، حتى تلك التي تقدمها مجلات غربية رصينة وهناك ما يمكن تسميته بالكتابة السياحية التي يغلب عليها الدهشة والإعجاب بتطور البلد

وهناك الكتابات المسيّسة المتحاملة ، وعادة تكون محسوبة على جهات ذات ميول معادية لكن صدقية هذه الكتابات ليس لها معيار محدد ، فأحيانا يقدم المتحاملون آراء أكثر منطقية من غيرهم وهناك الكتابات المهتمة بالعلاقات بين الدول وهي دبلوماسية أكثر منها بحثية وفكرية .

هناك تحوّل ملموس في الآراء الغربية عن السعودية ومتابعة لما يطرح عنها بعد أيلول ( سبتمبر ) فقد كان تأثير الصدمة كبيرا ، حيث اتضحت مساحة جهلهم بهذا البلد وهذا المجتمع وبدا ذلك واضحا في تخبّط الآراء عل عنه على الرغم من أهميته إقليميا وعالميا .

أيضا اكتشف السعوديون عجزا كبيرا في تحليل مشكلاتهم مع أن جزءا منه كان مقصودا محليا حيث إن الغموض له فوائد كثيرة يدركها من يعرف طريقة التفكير والحيل في التستر على المعلومة .

كذلك تضخمت الكتابة عن السعودية مع فقاعة الحديث عن الإرهاب لكن الإغراق في جوانب محددة جعل الكثير من هذه الكتابات يعاني التكرار الممل فوصلت تلك الكتابات سريعا إلى سقف محدد يدور حول الحديث عن الإصلاح والمناهج والحريات السياسية والدينية والوهابية وغيرها ؛

ولأنها جاءت متأثرة بأجواء العنف والغزوات الأمريكية للعراق وأفغانستان ما جعلها تدور حول ملفات فكرية وسياسية محددة اعتمد بعضها على الزيارات واللقاءات الشفهية مع مسئولين وصحافيين ومثقفين ومشايخ وهي لقاءات قصيرة وعابرة ، قدم فيها كل طرف الآراء التي تخدم الأجندة الخاصة به ؛

لكن أهمية أحداث أيلول (سبتمبر) عمقت تاريخيا محليا وطرحت تساؤلات فكرية وسياسية حرجة جدا لم تفلح مهارات المثقفين الرسميين والدبلوماسيين في حلها حتى الآن ، بعد أن استهلك جميع مخزون الخطاب التوفيقي القديم ولم يعد صالحا للمرحلة .

قدم هذا الجدل بسنوات معدودة ما عجزت عنه أطروحات عقود عدة في تحريك بعض المفاهيم ، وبما أنها جاءت في ظروف سياسية حرجة ، فقد تأثر بعض صدقيتها وقيمتها الموضوعية ، لأن بعضها حمل ملامح انتهازية بارزة لركوب الموجة.

أما محليا فحدثت طفرة في الصحافة والإعلام في الحديث عن الشأن السعودي ، مع أطروحات الإصلاح ونقد التطرف ، وتنوعت هذه الكتابات والتعلقيات في مرحلة ما ، أطلق عليها ربيع الإصلاح ، وما قدم فيها من رؤى نقدية واستغلال لمساحة الحرية التي أتيحت قبل انحسارها مع نهايات 2005م

وكان حجم هذا النقد يعادل كل ما طرح في عقود عدة محليا ، في نقد الخطاب الديني بالذات ، قبل أن يتحول هذا النقد إلى نوع من الاستراعراضية والانتهازية الرخيصة بواسطة بعض الأقلام .

ومع ذلك فقد أحدث هذا الطرح حراكا حقيقيا داخل التيار الثقافي والديني كما أحدث تصدعات وانشقاقات واختلافات مهمة أعطت تلك الكتابات حيوية وعمقا نقديا وتعددت الحيل على الرقابة القديمة لتمرير الأفكار الحساسة في بعض الكتابات .

هناك صعوبة لمستها في تحديد المنهج الذي تسير عليه الدراسة لتحقيق الهدف المفترض من حيث مستوى الحرية والعوائق الرقابية الكثيرة لتناول شفاف للقضايا السعودية ، والتفكير في مستوى الحيادية الواجب تحقيقها في وصف المتغيرات بغض النظر عن اتجاهي الفكري واقتناعاتي الشخصية في تقييم المشهد الداخلي .

إن مستوى الحرية في الكتابة ليس شعارا بقدر ما هو ممارسة تعبر عن وعي لما نتناوله من قضايا داخلية ، فقد تشوهت مسألة الحرية بين اتجاهين ، اتجاه بالغ في الحذر ، ومارس مغالطات في تشخيص الواقع السعودي وتحليل مشكلاته ، وآخر قدم نموذجا للنقد الإنتقائي والمستفز وشخصنة الأزمات ، فتلاشت قيمته العلمية طالما هو في اتجاه تصفية الحسابات ولهذا فإن الأصعب من الحرية هو ممارستها بمسؤولية حقيقة .

خلا أكثر من ربع قرن ، توافرت لديّ فرص متابعة الساحة السعودية وتسكيلاتها الفكرية وصراعاتها الثقافية والدينية وخطابيها السياسي والإعلامي ، مع حدوث انقسامات حادة في وعي المجتمع قسمته إلى عوالم وجزر متباعدة ، جعلت كل تيار لا يعرف عن الآخر ما يجب أن يعرفه سوى أفكار تستعمل في إشعال الحروب والصراعات بين أطراف مختلفة

إلا أن هذه الإنقسامات لم تؤثر في متابعاتي الشخصية لكل هذه التيارات ، من أجل البحث عن رؤية عقلانية لما يحدث ، وهذه التفاصيل لها قصة شخصية طويلة ليس هذا مقامها .

في منتصف التسعينيات كانت فكرة هذا الكتاب تسيطر علىّ، لكن الشعور بأن التأجيل أفضل بعد أن تهدأ عاصفة تلك الأزمة ، ثم تلاها مباشرة ملامح نشاط فكري تنويري فرضت هذا التأجيل مع تحوّلات مرحلة الإنترنت ثم حدوث أحداث عنف أيلول (سبتمبر) وما بعدها فكان التأجيل يفرض نفسه لمتابعة هذه الموجة التي لا تقل إثارة عن أحداث الثمانينيات والتسعينيات .

لقد شاركت قبل وبعد أيلول (سبتمبر) في تقديم رأيي وتحليلي السياسي والثقافي للأزمة من خلال الكتابة في الصحافة السعودية ،والمشاركة في بعض اللقاءات والندوات التي يمكن أن تشكل مادة لأكثر من كتاب ، هذه الموجهة فضلت ألا أكتب عنها حتى تصل إلى مرحلة التشبع وانتهاء صلاحيتها في انتظار موجة ونقلة أخري ، ولقد وصلت لنهايتها واتضحت الرؤية في أكثر من اتجاه .

إن متابعتي للشأن السعودي الطويلة جدا ليست انتقائية ، وغير خاضعة للموضة والمزاج ، وليست قراءة متأخرة للأحداث بل كانت متابعة ومعايشة وتفاعلا وأرشفة لحظية مع اهتمامي الشخصي بقضايا الفكر العربي والإسلامي قبل انتشار الصحوة وبعدها

فقد كنت وما زلت حاضرا وشاهدا على هذه التحوّلات بتفاصيلها الدقيقة محليا ، حيث تشكلت لدىّ رؤية لمسار الأحداث وآلية السياسة الداخلية وطبيعة التفكير الاجتماعي والخطاب الإعلامي والصحافي .

وأخذت فترة طويلة أتساءل عن كيفية تناول الشأن السعودي المتداخل بين مجالات عدة : هل في إشكالاته الثقافية ؟ أم مسائل التنمية ؟ أم قضايا السياسة والاجتماع ؟ مع التفكير في منهج البحث .

لقد اختارت بعض النخب لدينا العمل الروائي الذي يتيح حرية انتقائية ، مع التخلي عن المسؤولية العلمية ، والبعض الآخر اكتفي بالمقالات السريعة لسهولتها مقارنة بالتأليف ومتطلباته .

في الدراسات الاجتماعية يتم افتراضي نقطة صفر للمقارنة بين فترة سابقة على التغيير في مجتمع معين ، ما يتطلب طرقا منهجية مختلفة في الحمالتين ففي دراسة المجتمع في حالة الاستقرار (أى في ما قبل التغير) يستخدم الباحث المدونات والوثائق التاريخية ، ويعتمد على جوانب من الفولكلور كالأدب الشعبي من قصص وأساطير وأمثال جارية ؛

كما يعتمد على ذاكرة المسنين ، وفي هذه الحالة تتجه الدراسة نحو ثقافة المجتمع منهجا وموضوعا ، استنادا إلى أن الثقافة يمكن أن تعيش من خلال المصادر أجيالا بعد الأجيال التي أنشأتها وصاغتها ، أما في دراسة المجتمع في فترة التغيير؛

فيعتمد الباحث على الملاحظة والوقائع الإحصائية (محمد السيف ، المدخل إلى دراسة المجتمع السعودي ، ص 19) واعتبر (السيف) نقطة الصفر في المجتمع بداية تنفيذ برامج وخطط التنمية الاجتماعية والاقتصادية الشاملة عام 1390هـ

إن جميع التحوّلات التي حدثت منذ بداية السبعينيات هي التي شكلت أهم ملامح سيرة الدولة والمجتمع السعودي ، ونعيش أبرز مظاهرها حتى هذه اللحظة لذا سيكون تركيز الدراسة على هذه الفترة أكثر حضورا، في رصد وتسجيل الملاحظات الشخصية التي عاصرتها ، نظرا إلى طبيعة التجربة السعودية وضخامتها وتشابك العديد من الموضوعات ؛

فقد رأيت أن الأنسب لهذه الحالة المزج بين المنهجية العلمية في الاستقراء مع الروح الصحافية والإعلامية في المتابعة بحكم معايشتي أهم المراحل التي تناولها موضوع الكتاب.

الفصل الأول: خصائص التكوين

" المجتمع السعودي لا يتوحد إلا في الدولة وفي السلطة فالدولة فيه لا تزال صانعة المعني كما كان يحسب ابن بشر ".. وضاح شرارة

احتفلت السعودي قبل سنوات بالمئوية الهجرية (1319 -1419هـ) لتأكيد الشعور بالعمق التاريخي لبدايات تأسيس الدولة السعودية الثالثة وهو احتفال يختلف عن مناسبة اليوم الوطني .

جاء هذا الاحتفال الكبير في نهاية عقد التسعينيات الميلادية الذي كان حافلا بالأزمات ومثيرا لأسئلة داخلية جوهرية بعد نجاح مؤقت في امتصاص التوترات الداخلية والخارجية التي حدثت وتأجيل الكثير منها لكن لم يتوقع السعوديون أن تأتي بعض مخلفات أزمة التسعينيات من الخارج هذه المرة وعلى يد بعض أبنائها ، في تنفيذ عملية عنف تاريخية اختلط فيها الواقع بالخيال ، واهتزت معها جهود طويلة من العمل الدبلوماسي والخطاب السياسي التوفيقي بين معطيات الداخل والخارج .

تملك السعودية خصائص ومعطيات كثيرة تختلف فيها عن دول عربية وإسلامية عدة هذه الخصوصية لها أسباب مفهومة ، لكن لا تصل إلى مبالغات تبدو كأنها استثناء من كل متغيرات العصر وشروط الدول الحديثة .استحضار بعض خصائص التكوين يساعد على إدراك طبيعة التحولات التاريخية ، وتأثيرها في بنية المجتمع والدولة .

إن نجاح توحيد مناطق واسعة جدا ومتنوعة في ثقافتها وفي ظروف زمنية بدائية ، يجعل من مسيرة التوحيد أشبه بالمعجزة التي تحققت على يد المؤسس الملك عبد العزيز ، ولشخصية المؤسس حضور مميز وسيرة بطولية استثنائية اعترف بها حتى خصومه ، ولهذا لا يوجد غياب للبطل في السعودية

فما أشار إليه رياض الريس في كتاباته عن الخليج وظاهرة غياب البطل في منطقة الخليج ، جاء لأن الاستقلال كان من دون نضال وكأن ذلك في ما يبدو سمة خليجي، فالجهد التوحيدى للمؤسس لا يقل شأنا عن نضالات الرموز العربية والإسلامية ضد المستعمر لصعوبة المنجز الكبير

ويحسب له أنه استطاع المناورة بذكاء سياسي مع ظروف تلك المرحلة ، في أن المستعمر يوجد أصلا بالطريقة التي وجد بها في العالم العربي .

ليس من أهداف هذا الكتاب الدخول في تفاصيل عملية تأسيس الدولة وجهود التوحيد فهذا الموضوع خدم في مجال التأليف بشكل واسع مع أن بعض المؤلفات – وبخاصة المحلية – لا تخلو من المجاملات والمدائح التي تقلّل من قيمتها العلمية والثقافية .

التكوين السياسي

تعاني الحالة السعودية تداخلا كبيرا بين المجتمع والدولة أثر في كتابات الكثير من الباحثين ، ولهذا التداخل أسبابه الكثيرة ، حيث يمكن اعتبار الدولة السعودية أقرب إلى نمط الدولة المنتشرة الوظائف " حيث إن الدولة هي كل شئ ، ويمكن تاليا أن تتداخل في كل مناحي الحياة سلبا أو إيجابا ، فهي فوق المجتمع المدني وتتسود عليه " (غسان سلامة " وآخرون" المجتمع والدولة في الوطن العربي) ؛

يشرح وضاح شرارة في كتابه الأهل والغنيمة إنشاء الدولة السعودية من خلال ظاهرة التحالف القبلي مع تدعيمها بظاهرة التوحيد الوهابي ، فالمجتمع السعودي المعاصر على الرغم من التحولات الاجتماعية الهائلة التي عرفها منذ عام 1964م ثم عام 1973 م لا يتوحد إلا في الدولة والسلطة ، فالدولة فيه لا تزال صانعة المعني ، كما كان يحسب ابن بشر .

تقوم السعودية على ثوابت محددة تشكل هويتها السياسية والدينية والاجتماعية ولأيديولوجيا التوحيد (السلفية) منذ بداية التأسيس تأثير كبير ، بعد أن استقرت وشكلت مدرسة دينية مكتملة الملامح منذ بداية الدعوة الإصلاحية للشيخ محمد بن عبد الوهاب قبل أكثر من قرنين ، كما إن للقبيلة أهمية اجتماعية وسياسية ؛

حيث ظللت القبيلة هي وحدة التنظيم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الرئيسة في الجزيرة العربية والخليج وتكون للسلطة في الدولة بالمعني الاجتماعي " شرعية " بقدر ما تكون الدولة تمثيلا للتفاعل والتوازن بين قوى المجتمع المختلفة وهو ما تحقق تاريخيا وساعد على الاستقرار الطويل .

عند مقارنة التطور السياسي السعودي بالحراك الذي يحدث في مجالات عدة اقتصادية واجتماعية ، فإنه هو الأكثر بطئا فلا يتم أى تحديث إداري سياسي إلا بهدوء وحركة شبه ساكنة أحيانا .

ومنذ أكثر من ثلث قرن ، كانت إستراتيجية تسريع التنمية تهدف إلى تحقيق الاستقرار وتهميش فكرة التغيير السياسي الذي أحدث هزات مدمرة في دول عربية مهمة وعزز نجاح هذا الاتجاه التكيف السياسي مع متغيرات عديدة في حالات معينة قد يكون للتنمية دور في تهميش الطموحات السياسية، وهو ما حدث مع الطفرة الأولي .

ير هانتنغتون " إن النمو الاقتصادي السريع يوفر فرصا جديدة للإستثمار والتوظيف ، وهو بذلك يحول الطموحات والمواهب إلى الانهماك في جمع المال بدلا من انهماكها المحتمل في إعداد انقلاب (صاموئيل هانتنغتون ، النظام السياسي لمجتمعات متغيرة)

لكن مقابل ذلك قد يحدث تطور آخر في الطموحات حيث يري أيضا أن التطور الاقتصادي نفسه هو عملية بالغة التأثير في انعدام الاستقرار لأن هذه التغيرات تزيد الطموحات وتمزق التكتلات الاجتماعية التقليدية (العائلة ،الطبقة ،العشيرة) ووجود أثرياء جدد لا يتكيفون مع النظام فيطالبون بنفوذ سياسي ومكانة اجتماعية ، لكن الذي حدث في المجتمع السعودي بعد أكثر من أربعة عقود هو أن الثقافة السياسية لم تتطور إلى طموحات شعبية ضاغطة .

مر العديد من الأقطار العربية مع استقلالها ببعض الممارسات الديمقراطية والليبرالية على النمط الغربي ، مثل مصر والعراق والسودان والأردن وسوريا والكويت وموريتانيا ، إذا عاش الكثير من الأقطار العربية ما أسماه غسان سلامة بـ " اللحظة الليبرالية " في الوطن العربي ؛

حيث ساعد على ذلك أن الصفوة السياسية النشطة التي قادت النضال ضد المستعمر من أجل الاستقلال كانت من الطبقة الوسطي الحديثة ذات التعليم العصري والمتأثر بالفكر الليبرالي والقومي الأوروبي فحاولت تكوين أحزاب على النمط الغربي (الوفد في مصر الاستقلال في المغرب، الدستورى في تونس) (غسان سلامة وآخرون)

المجتمع والدولة في الوطن العربي

لكن السعودية من الأقطار التي لم تمر بهذه التجربة ، حيث كانت ولا تزال بلا تكوينات طبقية حديثة وكانت القبيلة هي وحدة التنظيم الاجتماعي الأساسية ، ثم إنها كانت بلا وجود استعماري مباشر في أراضيها ، يستوجب قيام حركة نضال وطني من أجل الاستقلال .

أما في شكل السلطة ، فيري خلدون النقيب أن بلدان الخليج والجزيرة العربية دخلت " مرحلة الدولة التسلطية في منتصف الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن الجاري (الماضي) مباشرة من دون المرور في مرحلة الدولة الوطنية في ظل الكفاح من أجل الاستقلال كمرحلة انتقالية ، كما حصل في أغلب دول المشرق العربي في الفترة من 19201958 " خلدون حسن النقيب ، المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية .

الدولة التسلطية هي الشكل الحديث والمعاصر للدولة المستبدة .. وهي ككل الأشكال التاريخية للدولة المستبدة (كالإقطاعية والسلطانية والبيروقراطية ..)

كما أنها تسعي إلى تحقيق الاحتكار الفعال المصادر القوة والسلطة في المجتمع لمصلحة الطبقة أو النخبة الحاكمة ، لكن الدولة التسلطية خلافا لكل أشكال الدولة المستبدة تحقق هذا الاحتكار عن طريق اختراق المجتمع المدني وتحويل مؤسساته إلى تنظيمات تضامنية كامتداد لأجهزة الدولة .

ومن خصائص الدولة التسلطية أنها – خلافا لكل أشكال الدول المستبدة تخترق النظام الاقتصادي وتلحقه بالدولة ، إما عن طريق توسيع قطاع التأميم كما في أقطار المشرق العربي ، أو عن طريق توسيع القطاع العام والهيمنة البيروقراطية على الحياة الاقتصادية .

وتتميز هذه الأنظمة بعدم وجود حكومات ممثلة للسكان وانتماءات مجتمعة مستقلة كالأحزاب والنقابات والمنظمات المهنية .

ويري خلدون النقيب :

" إن اعتماد الدولة التسلطية على التضامنيات في بيئة الخليج والجزيرة العربية ، وفي غياب الأحزاب الممثلة للسكان والتنظيمات المجتمعية التي تسهل الانصهار الوطني ، يؤدي بالضرورة إلى مأسسه القبلية والطائفية ..
وإن محاولة تحقيق الاحتكار الفعال لمصادر القوة والسلطة في المجتمع ، تقتضي خلق تقسيمات عمل جديدة بين القوى الاجتماعية والسياسية الممثلة في التضامنيات .." عبر تدوير النخب وإغواء المعارضة .

ويرى " أنها تحكم عن طريق التضامنيات غير الرسمية ، وعن طريق التلاعب بالقوى الاجتماعية في تقسيمات عمل مستجدة " والمقصود بالتضامنيات : القوى الاجتماعية المتضامنة التي تحتاج إلى التعبير عن نفسها ضمن مؤسسة الحكم .. مثل : (القبيلة - التجار - الطائفة - المؤسسة الدينية - الطبقة الوسطي - العمال).

" إن النتيجة النهائية المحزنة (في رأيه) لتحقيق الاحتكار الفعال لمصادر القوة .. هي الركود الاجتماعي والحضاري ، والتجميد القسري للقوى الاجتماعية في تقسيمات عمل مفتعلة تهدف إلى المحافظة على ترتيبات وعلاقات اجتماعية قبلية – طائفية متخلفة "

مفردة الشمولية والتسلطية ربما تكون مؤذية للبعض ، وتأخذ بعد نقديا قاسيا يشابه النظم العسكرية ، ويمكن تلطيفها بأنها أبوية .. والأب أحيانا يحتفظ لنفسه بكل مصادر القوة.

التكوين الاجتماعي

" شككت أن وراء الأبواب المغلقة للمجتمع السعودي يوجد ثورة اجتماعية في طور التكوين .."

تتوافر دراسات عديدة عن المجتمع السعودي في الداخل تتعلق بتحولات الأسرة ، وظواهر اجتماعية جديدة حول تغير بعض القيم مع مسيرة التنمية والتغيرات الاقتصادية، وبحوث تختار مناطق ومدنا محددة كعينة للدراسة تعتمد على الإحصاءات والاستبيانات لتأكيد وجود هذه المتغيرات في العادات الاجتماعية ومظاهر الحياة ؛

والتحوّلات في الأسرة الممتدة ، والنواة وعدد أفراد الأسرة والانساق القرابية ودراسات خاصة عن تأثير التعليم والإعلام وارتفاع مستوى الدخل في حياة الفرد ، وأخرى تبحث في مشكلات الطلاق والجريمة والمخدرات وغيرها .

ولا نجد لهذه الدراسات المتنوعة تغطية إعلامية ، وليست محور نقاشات في ندوات ومنتديات لأنها لا تقدم نتائج لافتة وغير متوقعة ، وكثير من النتائج تأتي مقاربة للتوقعات الأولية عادة وليس المطلوب منها أن تخالف هذه التوقعات ؛

لكن مشكلة هذه الدراسات من جانب آخر أنها لا تقدم تفسيرات عميقة ، أو توجيهات أو حتى توصيفا ذكيا للمشكلات الاجتماعية ، حيث تكرر التفسيرات الجاهزة بالحديث عن تأثير انشغال الآباء وتقطع العلاقات الأسرية وسيطرة الهموم المادية وضعف الوازع الديني ، وضعف التربية وغيرها .

يضم المجتمع السعودي ثلاثة تجمعات مشهور : بدوية ، ريفية ، وحضرية ، حيث تمثل فئة البدو 21،77 بالمائة ، والريف 26،87 بالمائة ، والحضر 51،36 بالمائة (محمد التويجري ، الأسرة والتنشئة الاجتماعية في المجتمع العربي السعودي)

وتتشكل في المدن غالبا الأسر النواة، أما في الريف فتوجد الأسرة الممتدة و 50 بالمائة من السكان تحت سن العشرين (مي يماني ، هويات متغيرة) هناك نماذج للتكوينات الاجتماعية " التقليدية " ونماذج للتكوينات الاجتماعية الحديثة .

النوع الأول ، يعتمد علي صفات موروثة ، والثاني يعتمد على إنجازات ملموسة ، ويعتبر التنظيم القائم على الإنجاز أحد المؤشرات المهمة للتطور نحو الحداثة ، وفي معظم المجتمعات الصناعية المتقدمة حدث هذا التحول الاجتماعي ، أما في الوطن العربي فإن هذا التطور قد أصابه الكثير من التشويه ، فعاشت التكوينات التقليدية جنبا إلى جنب مع التكوينات الحديثة (الطبقية والمهنية) (سلامة وآخرون)

لقد اختزل المجتمع المراحل الاقتصادية المفترضة ، وانتقل إلى المرحلة الأخيرة وهي مرحلة الاستهلاك الوفير في المجتمعات المتقدمة حيث يقسم والت رستو مراحل النمو الاقتصادي التي تمر بها المجتمعات إلى خمس مراحل:

الأول: مرحلة المجتمع التقليدي التي تتسم بانخفاض مستوى الدخل وغلبة الطابع الزراعي وانتشار مجموعة من التقاليد الجامدة .
الثانية: مرحلة التهيؤ للانطلاق حيث ينتشر التعليم وإن كان بين طبقات محدودة .
الثالثة: مرحلة الانطلاق والتقدم .
الرابعة: مرحلة النضج ، وتتميز بانتشار طرق ووسائل الإنتاج الحديثة في جميع فروع النشاط الاقتصادي .
المرحلة الأخيرة التي ذهب إليها (والت رستو) هي مرحلة الاستهلاك الوفير (ثروت شلبي ، عائدات البترول ، ص 27)

يري محمد الرميحي أن مجتمعات الخليج بوجه عام تنتمي إلى ما أطلق عليه " العالم الرابع " اعتقادا منه أنها تحوى النقيضين لكل من العالم المتقدم والعالم النامي ، فهي كالرجل المريض الذي يحمل أعراضا للمرض تختلف عن حقيقة المرض ، إذ أن العالم الرابع يملك أعراض مظاهر التقدم من جهة وأمراض العالم النامي من جهة أخري .

في الأقطار النفطية أدي هذا التجاوز إلى أن يكون هو القاعدة العامة فقلما يصادف المراقب لمجتمعات الخليج مهنيا حرا طبيبا كان أو محاميا أو أستاذا جامعيا أو موظفا في الدولة ، أو عاملا محليا في أى قطاع حديث ، إلا ويجده يمارس نشاطا تجاريا أو اقتصاديا آخر إلى جانب نشاطه المهني ، وقد ضاعف ذلك من حالة السيولة والميوعة الطبقية (سلامة وأخرون)

وتعرف هذه الأقطار الخليجية اقتصاديا بـ "المجتمعات الريعية" لذا يوضع التقسيم الطبقي لها شبيها بالماسة وليس الهرم (أغنياء - ميسورون - فقراء)

وفي رأي سمير أمين ، أن هذه الثروة أدت إلى إغراق منطقة الخليج فجأة في الرأسمالية العالمية وتكون نظام لا مثيل له في العالم ، من حيث إنها تجمع بين ظاهرة تخلف تاريخي من أقصي درجات التخلف ، وثروة مالي هائلة .

ويرى عبد الهادي العوضي أن دور النفط ظل قاصرا على كونه مصدرا تمويليا من دون أن يتفاعل بعمق مع نمط الحياة (مفيد الزيدي ، التيارات الفكرية في الخليج العربي)

هذه عينة من مقولات وآراء عامة ومشهورة عند المختصين ، تطرح بصور متقاربة حول المجتمعات الخليجية والنفط ، وتعبر عن حقائق أولية متفق عليها ، لكنها لا تفسر الكثير من الظواهر خلال نصف قرن من التحوّلات الاجتماعية والاقتصادية الكبرى ..

المجتمع السعودي .. صناعة حكومية

تواجه محاولة تصور المجتمع السعودي صعوبات عملية عدة ، فالنقلة التنموية التي حدثت منذ بداية السبعينيات حولت المجتمع من ذهنية الريف والبادية والمناطق الحضرية البسيطة إلى مدن عصرية في مكوناتها الأساسية وحدثت نقلة اقتصادية وصناعية وتعليمية وصحية تكشفها الأرقام الكبيرة ، ووصفتها بعض المراجع في حينها بأنها ثورة تنموية .

هذه النقلة بكل تفاصيلها الكبيرة والصغيرة الفكرية والمادية ، جاءت تحت مظلة الدولة ووفق خططها ومعاييرها السياسية والدينية والإعلامية ، ولم توجد أى مصادر أخرى ومعطيات ذات أهمية بالغة التأثير في المجتمع ، خلال ثلث قرن الذي تمت فيه عملية الانتقال ؛

وتداخلت خلال تلك الفترة ثلاثة أجيال ونشأت تحت مظلة هذه الرعاية الحكومية، ولم توجد جهات ومنظمات أو حتى وسائل إعلامية محلية مستقلة في خطابها ورؤيتها للمجتمع والعالم ، في تقييم هذه التحوّلات أو التأثير فيها ؛

حتى الأفراد الذين تخلصوا من هذه البرمجة الحكومية والنمطية السعودية لم يتح لهم خلال هذه العقود التعبير عن اقتناعاتهم المختلفة إلا في شكليات محدودة ، وليس في عمق هذه الاستراتيجية واتجاهاتها .

من المهم أن نشير هنا إلى أن هذه السيطرة التامة على كل مصادر التأثير كان بعضها جزءا من تطور تاريخي عفوى أبوي ، وليس كمخطط دكتاتوري شمولي ، فالمجتمع بالفعل كان بسيطا ؛

ولا يملك معطيات حضارية أساسية لهذه النقلة ، وتحقيق استقلالية مبكرة في هذه الدولة الناشئة ، باستثناء مناطق كانت تملك أسبقية حضارية مثل الحجاز ، استفادت الدولة إداريا منها في البدايات لكنها لم تؤثر في المجتمع ، بل تحول هو الآخر إلى هذه الرعاية الحكومية.

في جميع الخطط التنموية مبدأ ثابت : " التزام الدولة بمبادئ الشريعة الإسلامية والحفاظ على التقاليد والقيم الثقافية والأخلاقية المرتبطة بها .."

لقد كانت مصادر المعرفة التي شكلت هذه الأجيال محصورة بخطاب تعليمي حكومي ، وفق أجندة ورؤية حضارية تقليدية في الدين والسياسة وخطاب ديني ووعظي عام غير مسموح فيه لأى تعدد فقهي في مؤسسات الدولة الدينية ، وخطاب إعلامي (تلفزيون وإذاعة وصحافة) محكوم برؤية رسمية في متابعة وتغطية كل تحول وحدث اجتماعي واقتصادي وسياسي .

فالمجتمع في أغلب مناطقه لم يكن لديه وعي ومعرفة ، بل تغلب عليه الأمية والرؤية الفطرية للأمور وكان لتأثير هذه النقلة التعليمية والاقتصادية والتنموية دور محسوس في صناعة الوعي الجديد بكل تفاصيله ، حتى بدا المجتمع في بعض اللحظات كأنه نسخ متطابقة في رؤية الواقع وموقفه منها وفي رؤيته للدين والسياسة والعالم الخارجي ، وكذلك رؤيته لنفسه .

وعندما نشير إلى أن المجتمع تشكل بكل سهولة تحت رعاية برامج الحكومة ، بما ملكته من إمكانيات ضخمة وتعامل أبوي ، وتحولت الدولة في منظور العامة ، في أقوي فترات العطاء والبذل وكأنها الأم الحنون للشعب ، وهذا ليس ذما أو مدحا بقدر ما هو وصف لواقع حدث .

تهدف بهذه الإشارة إلى إيجاد تصور واقعي عن حقيقة ما حدث من تحولات فكرية ، عندما تنتقد الحكومة ،وأن كل تصحيح في الإعلام والتعليم وبرامج التنمية مستقبلا سيجد صعوبة في تعديل أخطاء تلك المرحلة ؛

حيث تجاوز المجتمع الحالة الفطرية في كل شئ حتى التدين ، وأصبح قادرا على الدفاع عن أخطائه الفكرية وتبرير سلوكياته بخطاب يناسب كل مرحلة ، لكن لم يتح للمجتمع نشوء مؤسسات وجمعيات وأحزاب عصرية ومستقلة ، أو ما يقوم بهذا الدور من تجمعات واتحادات مهنية ، وقد كان من الممكن أن يقوم الإعلام المستقل والناقد ببعض هذا الدور ، بدلا من الأحزاب السياسية ذات الحساسية .

إن انفراد أى حكومة في تشكيل وتوجيه مجتمعها مهما كان الغرض نبيلا لتوعية الشعب ورفع مستواه ، سيفرز سلبيات كثيرة ليس بسبب سوء نية ، بقدر ما أن الأفراد والمجتمعات ذوو طبيعة إنسانية عندما تتعرض لبرمجة ولغة واحدة تتأثر باتجاه واحد ، من دون وجود خطابات إعلامية وثقافية ودينية أخرى تصحح وتنتقد ؛

فإن العيوب تتراكم ولا يتنبه لها إلا بعد أن تنفجر بصورة سلبية ، فمهمة التصحيح للفكر الديني الآن في المجتمع السعودي أكثر صعوبة منها قبل ثلث قرن ، ومهمة التوعية السياسية العصرية أكثر خطورة منها في مراحل سابقة .

مصادر تأثير .. غير حكومية

وجدت مع مرور الوقت مصادر تأثير غير حكومية ، خارج خطاب وفكر الدولة فقد تعرّض المجتمع السعودي لأكبر عملية احتكاك مع الأجانب والعرب منذ السبعينيات ، ومن كل الثقافات والأديان ، في المنزل والشارع والمدرسة ؛

ثم تزايدت أيضا مع ارتفاع مستوى الدخل أرقام السفر إلى الخارج للسياحة والعمل والدراسة ، وكان للتعليم في الخارج حضور مؤثر فجاء بعشرات الآلاف من الدارسين والمدرّبين في دول مختلفة ، وشارك في إدارة عجلة التنمية لكن وفق التصورات والإستراتيجية التي بدأت بها .

المفارقة هنا أن الكثير من الباحثين الغربيين كانوا يتوقعون أنه سيكون لعودة هذه النخب منذ السبعينيات تأثير تنويري كبير داخل المجتمع لكن الذي حدث شئ مختلف تماما ، حيث أصبحت هذه النخب ، ولا تزال ، جزءا أساسيا في صناعة المجتمع على الطريقة الحكومية الأولي ؛

كما كان لبعضهم ملامح اندفاع في تقديم دور تنويري ، وبرزت في السبعينات في الصحافة ، لكنها ما لبثت أن حفظت وأتقنت الخطاب الحكومي الذي تشكل في التنمية وبرزت ملامحه في الثمانينيات ، وأصبحت تخدمه ببعض مواهبها الاستعراضية في الحوارات والتصريحات والكتابات ؛

أما ما يجب أن يطرح وينتقد بعقلانية ووعي متحضر فهو الجلسات الخاصة ، والدردشة الشخصية والسهرات بين التكنوقراط ، ومنذ ذلك الوقت أصبح هناك عالمان وخطابان يشكلان أغلب شخصيات النخب الحكومية ، وانتقلت تدريجيا إلى المجتمع والمهارة الفردية للحفاظ على المصالح الشخصية ؛

وإلا ستعتبر في نظر هؤلاء ساذجا إن لم تتقن هذا النفاق الاجتماعي والثقافي والسياسي والإعلامي فإتقان تمثيل الازدواجية الشخصية مؤهل ضروري ففي المناسبات الرسمية والإعلامية يقدم المدائح للمجتمع المحافظ على قيمه وعدم تأثره بالغرب والشرق وكلاما عن خصوصيتنا ، وفي الأمسيات الخاصة يتحدث ويشكو تخلف المجتمع وتشدده !

عوامل متعددة جاءت مع الطفرة التنموية ، لم تتمكن من نقل الوعي الاجتماعي إلى مفاهيم الحداثة من حقوق وواجبات سوى مظاهرها الاستهلاكية ، فلم تؤثر بعثات التعليم والسفر السياحي ، والاحتكاك مع الأجانب في الداخل في إزاحة مفاهيم تقليدية ، وكانت ممانعة المجتمع مفاجئة للمراقب؛

ومن خلال تأمل طويل لآلية هذه الممانعة يمكن اختصارها في الآتي :

  • لم توجد أى مظاهر تحفيز تشجع على التأثير الاجتماعي المتبادل من خلال برامج ولقاءات وعلاقات واسعة مع الآخر في الداخل ، ففي هذه المرحلة كان الجزء الأكبر من الموظفين والعمالة آسيويا ، بعد ظهور بعض الإشكاليات من بعض الجنسيات العربية في الخمسينيات والستينيات مع المد القومي واليساري
  • فكان حاجز اللغة مع الآسيوي يخفف درجة التأثر الثقافي والسياسي ، ثم إن الجزء الأكبر يعمل في مهن تعتبر في هذه المرحلة في نظر المجتمع السعودي متدينة وأقل مستوى ، ولهذا لا يكون لها تأثير وإعجاب بل ما حدث هو العكس حيث ارتفعت درجة الغطرسة
  • وأحيانا العنصرية في النظر إلى هذه الجنسيات وتعددت مظاهر الاستهتار وعدم الاحترام ، وشكلت مع مرور الوقت ثقافة شائعة عند الصغار والكبار .
  • بالنسبة إلى أصحاب المهن الرفيعة من عرب وأجانب ومن غربيين وآسيويين كان هناك نوع من العزلة ، وظهرت مجمعات سكنية صغيرة وكبيرة للشركات والقطاعات التي يعملون فيها ، فلم يعد المجتمع يشاهدهم إلا في (السوبر ماركت) والأسواق والمطارات .
  • لم يكن تأثير العائدين من الخارج في دورات دراسية وتدريب ، وسفر سياحي كبيرا ، ففي البدايات عندما كان أفراد المجتمع محدودي الدخل وأقرب إلى الحياة البسيطة جدا في استهلاك منتجات الغرب والشرق ، كان العائد من الغرب يبدو أكثر تمدنا في ملبسه وتصرفاته وحديثه المخلوط ببعض المفردات الانكليزية ، ما يثير الإعجاب والانبهار عند البسطاء
  • لكن لم تمض سنوات معدودة حتى بداية الثمانينيات حتى أصبح هذا العائد لا يملك شيئا مختلفا مع انفتاح المجتمع استهلاكيا على كل منتجات الغرب والشرق ، وضاق الفارق بين الأسر المتمدنة والإعجاب بها بعد أن كان من قبل محصورا بالأسر الثرية ، لكن مع نشوء الطبقة الوسطي تقلصت هذه الفوارق الكبيرة .

ومنذ ذلك الوقت أصبح العائد إلى أرض الوطن من بلاد خارجية يندمج سريعا مع المجتمع ، واختفت تدريجيا حالات التعالي والتذمر والنقد للمجتمع ، وتطور الوضع مع بعضهم ليصبح أكثر تشددا في دفاعه عن التقاليد الاجتماعية والدينية والسياسية بمبررات جديدة؛

والبعض الآخر نجح في تشكيل شخصيتين لوضعه ، واحدة للمجتمع السائد ، وأخري لفئة خاصة جدا من أجل العلاقات العامة المنتقاة للسهرات التي تخدم العمل .

وجدت بعض المحاولات للنقد بصوت عال للدفاع عن أفكار متحضرة في العمل ، أو المؤسسات التعليمية الحكومية ، أو الصحافة ، إلا أنها اعتبرت آراء متمردة وفشلت بسرعة لعدم نضج خطابها ، إضافة إلى عوامل اجتماعية وحكومية ، حيث تتأثر مصالح من يستمر بالمشاكسة .

جاءت مرحلة منتصف الثمانينيات بعد مرور أكثر من عقدين ،ولم تنجح هذه العوامل في تشكيل " كتلة حرجة" في المجتمع ، ضرورية للتغيير الاجتماعي والفكري ، وقد سيطرت هموم المصالح الشخصية ، والطموح إلى المناصب العليا ، على أى هموم إصلاحية للمجتمع .

لقد تم حفظ وإتقان شروط التقدم في مجال العمل ودخول مجال النخب التكنوقراطية والوصول إلى مناصب حساسة في القطاع العام والخاص يعرفها أى صاحب طموح ، وتتطور هذه المهارة معه في كل مرحلة

وما يجب استحضاره هنا أن خطاب هذه النخب بضرورة احترام التقاليد والمزايدة عليها كان قبل بروز الصحوة ، وإعلام الكاسيت واكتساحه الواسع بعد عام 1986م.

لهذا لم يجد خطاب الصحوة الجديد أى عائق أو صعوبة تذكر بعد ذلك ، بمعني أنه لا يمكن القول إنه كان لدينا خطابان متناقضان في تلك اللحظة ، فمع مرور الوقت أخذت ظاهرة المزايدة على المحافظة تبدو من الجميع ، فتأسلمت كثيرا لغة الخطاب الإعلامي والسياسي ؛

وظهرت مقولات نمطية تقليدية ومحافظة فكانت جزءا أساسيا من لغة السعوديين ، ومنطقهم في تعداد خصوصياتهم الشهيرة ، وشكلت ثقافة الكاسيت لغة أخري لها خصوصيتها في تشكيل نخب وتيار جديد فتأسلم المجتمع من خطابين رسمي ووعظي جديدين .

عندما نستعمل مفدرة التأسلم هنا ، فهو مجرد وصف لما حدث ولا علاقة له بتشويه هذه المفردة مع ظاهرة الهجوم العشوائي في السنوات الأخيرة على التيار الديني ؛

فالمقصود هنا وجود لغة إسلامية مختلفة عما قبلها من خطاب ديني ووعظي قبل التنمية إنه خطاب يحاول تكييف المجتمع مع الدين في مجتمع انتقل بسرعة من حياة الريف والبادية إلى مجتمع حديث يستهلك كل منتجات الغرب والشرق ، وهذه المحاولة الاجتهادية من الخطاب الرسمي والديني لها سلبياتها وإيجابياتها كأى جهد بشري ، وهو ما سيتم معالجته لاحقا في هذا الكتاب .

الضبط الاجتماعي

حافظت آلية الضبط الاجتماعي في المجتمع السعودي على نسقيتها فكانت عاملا مساعدا في مقاومة التغيير ، ويقصد هنا بالضبط الاجتماعي

" الطريقة التي يتطابق بها النظام الاجتماعي كله ويحفظ هيكلة ، ثم كيفية وقوعه بصفة عامة بوصفه عاملا للموازنة في حالات التغيير .. أو هو لفظ عام يطلق على العمليات المخططة أو غير المخططة التي يمكن عن طريقها تعليم الأفراد أو إقناعهم أو إجبارهم على الانصهار مع العادات وقيم الحياة السائدة "

لكل مجتمع وسائله الخاصة بتحقيق الضبط الاجتماعي ، وهي وسائل تتوقف إلى حد كبير على طبيعة المجتمع ذاته وظروفه الخاصة ومدي بساطته أو تعقده ونوع الثقافة السائدة فيه وما إلى ذلك .. فما يعتبر وسيلة ناجحة من وسائل الضبط الاجتماعي في أحد المجتمعات قد لا يكون كذلك في مجتمع آخر .

" فالثرثرة والنقولات وإطلاق الشائعات وتناقلها تعد وسيلة فعالة ومجدية لتقويم سلوك الشخص ، ومن ثم تحقيق التلاؤم في المجتمع القروي المحدود بعكس المدينة (محمد السيف ، المدخل إلى دراسة المجتمع السعودي)

ويري (السيف) إنه لا يوجد تغيّر واضح في مستوى الضبط الاجتماعي يميز بين الفترة المستقرة والفترة المتغيرة ، كما حدث في النسق الاقتصادي أو النسق القرابي

حيث تبين أن ملامح وخصائص نسق الضبط الاجتماعي خلال الفترتين متقاربة جدا ، إذا استمرت للرأي العام سيادته وقوته في السيطرة على سلوك واتجاهات السكان في المجتمعات المحلية فهو لا يزال يستخدم السخرية والاستهزاء بالمخالفين ، ويلجأ تارة أخرى إلى الإشاعة وأحيانا إلى التشهير "

الضبط الاجتماعي في مجتمعات متقدمة تتكفل به مؤسسات وجمعيات ومنظمات أكثر وعيا وإدراكا لمتغيرات الحياة ، فهو يتغير من مجتمع إلى آخر بحسب الأهمية .

العالم الاجتماعي جان جاك روسو ، أرجع عوامل الضبط الاجتماعي إلى ما يقرب من خمسة عشر عاملا مرتبة بحسب الأهمية : (الرأي العام ، القانون ، العقيدة ، الإيحاء الاجتماعي ، التربية ، العادة الجمعية ، دين الجماعة ، المثل العليا ، الشعائر والطقوس ، الفن ، الشخصية ، التنوير والتثقيف ، الأساطير ، القيم الاجتماعية ، القيم الخلقية)

لا يخلو أى مجتمع إنساني من بعض الممارسات والتقاليد التي تحمل درجة من المجاملات الاجتماعية تشكلها الأعراف والقيم الثقافية ، لهذا فإن التعرف على حقيقة أى مجتمع لا تتم فقط من المشهد الخارجي في ممارساته اليومية .

الصحافي البريطاني ديفيد رايز جونز من مجلة ناشيونال ريفيو يقول : " إنه لم ير مجتمعا يقنن النفاق مثل المجتمع السعودي "

في مثل هذا الموضوع لابد من تجنب الأحكام المتعجلة والانطباعات السريعة وحاولت أن أتفهم سبب الظهور بأكثر من وجه والازدواجية التي لا يعيشها الفرد العادي فحسب ؛وإنما تبرز حتى لدي المثقف والعالم والمسئول والإعلامي ، عندما يمارس لغة ازدواجية بين اقتناعاته وأفكاره الشخصية وبين الخطاب المعلن للاستهلاك الجماهيري .

من لديه اهتمام في قراءة هذه الظاهرة سيلحظ من خلال رؤية استقرائية أثناء الاحتكاك الاجتماعي مع شرائح مختلفة ، حجم التناقض بين ما يظهر للمجتمع وما يكتبه ، وبين الرؤى والاقتناعات الداخلية .

المقدمات والأسباب التي أدت نمو هذه الظاهرة عن الحد المقبول ثقافيا واجتماعيا متعددة ، منها أن حالة الحراك الاجتماعي ، والتنمية المتسارعة خلال عقود قصيرة ، لم يرافقها خطاب ثقافي وديني وإعلامي يتناسب مع حجم هذه التغيرات ؛

ويتعايش مع الواقع الجديد الذي يواجه الفرد ، بل إن هذا الخطاب أسهم في تجذير وتأصيل هذه الممارسة اجتماعيا ، وبدا الجميع أمام مسارات مسدودة اختنق فيها الحوار الاجتماعي والثقافي الخلاق ، وأدي إلى حالة جمود في آلية الضبط الاجتماعي ؛

فطالما وجدت هذه الآلية التقليدية في الردع الاجتماعي في سخرية واستهزاء ولجوء إلى أسلوب الإشاعات والتشهير فهذا يجعل الأفراد وأهل التوجيه والعلم والفكر وأصحاب الأقلام في حالة رعب دائم من أن يصبح أحدهم هو الضحية ؛

فتجلب لهم السكينة وراحة البال ممارسة النفاق الاجتماعي والثقافي وطلب الستر ، والاكتفاء بالهمس والتظاهر بالوعي في الجلسات الخاصة ، فتحول البعض إلى شخصيات عدة : شخصية داخل البلاد وشخصية خارجها وشخصية في العمل ، وأخري للشلة ، والزملاء ، وثالثة للجمهور ، وإن كان لهذه الشخصية مشاركات إعلامية وثقافية .

الاختلاف المعقول بين هذه الشخصيات ليس مشكلة بحد ذاته ، ما لم يبلغ مرحلة التناقض وهي التي بدأت تتحول إلى خاصية اجتماعية لدينا ، ولم تواجه بنقد داخلي ، فليس من مصلحة المجتمع أن تتحول آلية الردع الاجتماعي هذه إلى كاتم للصوت الفكري والثقافي والاجتماعي وتضيق بالممارسات والاجتهادات من كل فرد .

في هذه الأجواء التي تفرض النفاق القهري على الفرد ، يبدو من الصعوبة بمكان تصور مرحلة إصلاح داخلية لمشكلاتنا المزمنة ، فهل يمكن توقع أى خطوة للأمام عندما تفقد الشفافية والوضوح والتلقائية داخل شبكة العلاقات الاجتماعية وداخل الحركة الفكرية والثقافية؟

الفصل الثاني: العقل الديني

" قد يفسر البعض محاربة الوهابية للخرافات والبدع بأنها نوع من العقلانية وهذا الوصف كان من الممكن أن يكون مقبولا لو أن الدينامية الوهابية التي غيرت ملامح الجزيرة العربية تمت باسم العقل ، لكنها جرت باسم نوع من القراءة الظاهرية والانتقائية للنص " المختار بتعبدلاوى

" التفجر السكاني الذي عرفته المملكة ظل يضخم كتائب " الشباب " المتعطشين إلى الأفكار الجديد ، التي لم يقو الوعظ الوهابي على إروائهم بها على الإطلاق ، ولما كانت هذه حال الشباب ، فقد وجب منحهم على الفور رؤية وخطابا يكونان كفيلين بتجنيب النظام الاجتماعي السعودي انفجارا من الداخل ... " جبل كيبل

في المرحلة التي كان المجتمع السعودي المحافظ والمتدين ينتظر منه بروز حركة تحديث واستنارة وانفتاح من داخله ، نتيجة حجم التغيير الاجتماعي والاقتصادي والتعليمي الذي حدث ، كانت الممانعة الأولية والتلقائية الدينية والاجتماعية تنمو ، وتتحول بدعم رسمي وشعبي إلى حركة وتيار كبير غير جميع المعادلات الداخلية ؛

وليست الظاهرة الدينية في مجتمع متدين مفاجأة إلا لمن قرأها بصورة متأخرة كثيرا بمن فيهم بعض النخب الثقافية الذين اعترف بعضهم مع أول صدام في الثمانينيات بحجم الدهشة من هذا التغير المفاجئ الذي حدث لمجتمعه وكأنه تشكل في يوم وليلة !

لم يتمكن بعض المنتسبين إلى الفكر التقدمي والحداثي والعلماني في الداخل ، الذي كان يري نفسه أكثر اتصالا بالعالم والفكر الغربي ، من القيام برصد مبكر وموضوعي لهذه الظاهرة ،وهذا يضاف إلى فشله في تأسيس ملامح وبذور استنارة فكرية قبل ظهور المد الديني والصحوة بعقود .

الكتابة عن العقل الديني السعودي وتحوّلاته بعد أكثر من ثلث قرن من التداخلات الاجتماعية والفكرية ، تواجه تحديات متعددة ، وبخاصة عندما تستحضر صعوبة وأهمية أن تكون أمينا وموضوعيا مع مختلف التيارات والجهات الرسمية وغير الرسمية .

حول الفكر السلفي

لا يمكن تناول الفكر الديني السعودي وتحوّلاته المعاصرة من دون تصور للمرجعية الدينية السائدة ، من خلال التعرف على مضمون الفكر السلفي والدعوة الوهابية كل وهابي سلفي مع أنه ليس كل سلفي وهابيا بالضرورة .

تناول الدعوة الوهابية يستحضر دائما العديد من الإشكاليات العلمية والتاريخية وبعض الجدل الساخن حول هذه الحركة الإصلاحية بين أنصارها وخصومها ، فلا يوجد ما هو أسوأ من طروحات بعض خصومها القدماء والمعاصرين في تشويه الكثير من الحقائق عنها ؛

إلا بعض أنصارها المتعصبين لها وكأنها التفسير النهائي للدين الإسلامي ، ومع ذلك فقد وجد بعض الكتابات والمؤلفات المعتدلة غير المشغولة بمسألة الهجوم على هذه الدعوة أو الدفاع عنها ، وإنما تناولها وفق رؤية دينية وسياسية وتاريخية موضوعية .

لقد وقفت هذه الدعوة بآرائها الحاسمة ضد الكثير من الممارسات والاعتقادات في العالم الإسلامي والجزيرة العربية ، حيث وجد لها أنصار وحنق عليها آخرون ، واستمر الصراع بين الأنصار والخصوم في أكثر من مكان في العالم الإسلامي ، فألفت المؤلفات تأييدا وتفنيدا ؛

ونظمت الأشعار وقامت حروب عسكرية وتلتها معارك فكرية ولم يصل أحد الفريقين إلى نصر حاسم ... لقد تركت دعوة الشيخ محمد بصماتها على ما مرت عليه ، والسعودية تتبني المذهب الحنبلي وتعاليم الوهابية قولا وفعلا .

لقد كانت هذه الدعوة في مضمونها وخطابها ، انتفاضة ضد ممارسات انتشرت ، ترى أنها مخالفة للدين الصحيح في نظرها ، واعتبرت الكثير من البدع المنتشرة في العالم الإسلامي شركا وكفرا ، وبغض النظر عن الجوانب السياسية في حينها أو المبالغات التي تصور الانحراف في نجد والجزيرة العربية بالانحراف عن العقيدة ؛

إلا أن فيها بعض الحقيقة على أرض الواقع ، فعقلا وتاريخا لن يخلو أى مجتمع من انحرافات في أى عصر ، بما فيه عصر النبوة .

لقد ترك الشيخ محمد من المؤلفات : رسالة كشف الشبهات تفسير سورة الفاتحة أصول الإيمان ، تفسير شهادة أن لا إله إلا الله و معرفة العبد ربه ودينه ونبيّه المسائل التي خالف فيها رسول الله صلي الله عليه وسلم أهل الجاهلية ، نصيحة المسلمين ، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومجموعة خطب ورسائل في أن التقليد جائز لا واجب .. (كتاب الكبائر)

عرف الناس في الأقطار الإسلامية دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب باسم "الوهابية" لكن أتباع الشيخ وأهل نجد لا يتداولون هذه الكلمة ، بل ينكرونها ويقولون عن أنفسهم إنهم مسلمون عقيدة ، حنابلة مذهبا ، وقد ترد في بعض أقوالهم لفظة " الدعوة النجدية "

يرى عدد من الباحثين منهم الألوسي في تاريخ نجد ، والفقي في أثر الدعوة الوهابية، ومحب الدين الخطيب ، أن كلمة الوهابية نشأت في الأقطار التي كانت تبذل أقصي جهدها لمحاربة هذه الدعوة.

تقوم تعاليم الشيخ المقتبسة من كتبه ووسائله وشروح أبنائه وحفدته وأنصار دعوته على مبدأ رئيس خلاصته أن

" لا سبيل إلى معرفة العقيدة والأحكام وكل ما يتصل بها إجمالا وتفصيلا واعتقادا واستدلالا ، إلا من القرآن والسنة المبينة له ، والسير في مسارها ، فما يقرر القرآن وما تشرحه السنة مقبول لا يصح ردّه ؛
وليس للعقل سلطان في تأويل القرآن وتفسيره وتخريجه إلا بالقدر الذي تؤدي إليه العبارات ، وما تضافرت عليه الأخبار ، وإذا كان للعقل سلطان فهو في التصديق والإذعان وبيان تقريبا المنقول من المعقول وعدم المنافرة بينهما فالفعل يكون شاهدا ولا يكون حاكما ، ويكون مقررا قويا ولا يكون ناقضا رافضا ، ويكون موضحا لما اشتمل عليه القرآن من الأدلة " (تاريخ المذاهب الإسلامية)

لا جديد في بقية التعاليم فمذهب أحمد بن حنبل من قبل ، وابن تيمية من بعد هما الأساس الذي اعتمد عليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، وتبقي مشكلة "البدع" فقد توسع أتباع الشيخ في معناها توسعا كبيرا (مرجع سابق ، ص55)

ومع السلطة استطاعوا نشر هذه التعاليم في الجزيرة العربية .يقول محمد بن عبد المطلب حفيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب : " ومذهبنا مذهب الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة في الفروع والأحكام ، ولا ندعي الاجتهاد ، وإذا بانت لنا سنة صحيحة عن الرسول صلي الله عليه وسلم عملنا بها ، ولا نقدم عليها قول أحد كائنا من كان " (مرجع سابق ، ص12)

وإذا كانت السلفية اشتهرت بقلة التنظير الفكري وتصدير المقولات والآراء والتشعب في الجدل العلمي باستثناء قلة من علمائها كان أشهرهم ابن تيمية ، فإن خطاب الدعوة الوهابية من أبرز الاتجاهات السلفية في التنظير والاعتماد على النقل ؛

حيث يغلب على المؤلفات والرسائل العلمية الاستشهاد بالقرآن والسنة ، والاعتماد المباشر على النص لذا لا توجد مادة موسعة من الآراء والتنظير الكلامي ما يجعل خصومها أمام النص الشرعي مباشرة .

التوسع في التنظير ، والجدل العلمي الضخم يحتاجان إلى إمكانيات موسوعية من العلماء وهو ما لم يتوافر منذ البدايات عند تلاميذ ورموز هذه الدعوة لكن هذا الإيجاز والحسم في الطرح أفاد الدعوة الإصلاحية عمليا في انتشارها .

إن أبرز ملامح خطاب الدعوة الوهابية هو تقديم نصائحها وتعاليمها بصورة مركزة جدا ، وهو ما يناسب البيئة التي لا ينتشر فيها التعليم ، فالرسائل والفتاوى تأتي بصورة حاسمة فقهيا للرأي ، لتوجيه فكر الفرد إلي رأي وحيد ومحدد من دون تردّد..

والفائدة العملية من هذا الأسلوب كانت كبيرة في المراحل الأولي من الدعوة ، إلا أنه في العهد السعودي الحديث ومع انتشار التعليم وتعدد الأفكار الفقهية ووجهات النظر الشرعية ، بات الخطاب الأول يحتاج إلى مراجعات كبري ويواجه إشكاليات فقهية وسياسية واجتماعية .

إن رسالة الدعوة الوهابية الكبرى كانت تبدو في محاربة البدع ومظاهر الوثنية والشركيات ، ومواجهة الخرافة والسحر ، والممارسات غير الشرعية حول القبور ، وهذا الهدف يتوافق مع الروح التنويرية ؛

فالتشدد ضد هذه الخرافات الشركية يبدو مقبولا عند أصحاب النظرة العقلانية ضد أى مظهر من مظاهر الوثنية ، لكن هذه الموافقة لمطلب التنوير جاءت استنادا إلى نصوص نقلية شرعية وليس من خلال رؤية وتفكير عقلاني أو قبول له .

قد يفسر البعض محاربة الوهابية للخرافات والبدع بأنها نوع من العقلانية ، وهذا الوصف كان من الممكن أن يكون مقبولا لو أن الدينامية الوهابية التي غيرت ملامح الجزيرة العربية تمت باسم العقل ، لكنها جرت باسم نوع من القراءة الظاهرية والانتقائية للنص (مراجعة المختار بتعبدلاوي مجلة المستقبل العربي العد 321)

لقد استجمع فهمي جدعان الصيغة التاريخية السلفية والمبادئ المشتركة وفقا لأطروحات المنتسبين إليها

والخصائص العامة لما يسميه بالسلفية التاريخية على النحو التالي :

(1) ينفق السلفيون الكلاسيكيون أو التاريخيون على هذه المبادئ :

(أ‌) الرد إلى الكتاب والسنة واجماع الأمة بعلمائها .
(ب‌) مناهضة الإحداث بالدين المتولد عن الأخذ بالرأي والقياس والعقليات المستقلة بذاتها .
(ت‌) نبذ التأويل العقلي للنصوص والتعلق في الوقت نفسه بعدم تعارض العقل والنقل .
(ث‌) "سعة الرحمة " والرجاء في مبدأ الانتماء إلى دين الإسلام وإغلاق باب القنوط .
(ج‌) الرد المتفرد إلى المشيئة الإلهية، وإسقاط أى دور حقيقي للإنسان في الفعل أو الخلق .
(ح‌) التعلق بوحدة الجماعة واجتناب الشذوذ والخلاف والطاعة للسلطان ونبذ الخروج عليه ، برّا كان أو فاجرا .
(خ‌) تولي الخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين وأئمتهم والاقتداء بهم .
(د‌) التسليم بالغيبيات الخاصة كالعروج بالشخص ، والخوض وسؤال منكر ونكير .. الخ .
(ذ‌) الاعتقاد بتفاوت خيرية القرون قربا أو بعدا عن القرون الأولي خير القرون .
(ر‌) تقديم العلم النافع دينيا على كل علم ، وتوجيه العلم والعمل توجيها عمليا ، وفي الوقت نفسه الدعوة إلى " السعي " أو العمل بالمكاسب والتجارات وطلب المال من وجهه .
(ز‌) وتشمل السلفية الكلاسيكية على سبيل التجريد من المبادئ الرئيسة هذه السمات الجوهرية الآتية:
(أ‌) السلفية التاريخية منهج إيماني " إلهي المركز" بفرد وإطلاق ، والنزعة الإنسانية "بالمعني الفلسفي الاصطلاحي للكلمة غائبة فيها" .
(ب‌) السلفية التاريخية موقف " رحيم بالعباد" ينكر التضييق والتشدد والتقنيط ، ويتولي جميع المسلمين بذنوبهم وكبائرهم ، ويرد إلى الله وحده أمر تحديد أحوال العباد وأحكامهم ومصيرهم الأخروي ، وبذلك تعبر عن نزعة إنسانية بالمعني الاصطلاحي للكلمة .
(ت‌) السلفية التاريخية فلسفة سياسية "انقيادية" تتمسك بالانقياد والانصياع والطاعة لأولي الأمر وللواقع التاريخي ، وتفر من الخروج والثورة .
(ث‌) السلفية التاريخية " قليلة الثقة " بالإنسان ونظرتها "الإنسانية" غير متفائلة بالإجمال ، والتاريخ عندها يتجه باستمرار نحو "الأسوأ"

ومع ذلك ، فمن الحق أن السلفية التاريخية تبلغ مع ابن تيمية أوج نضوجها ، اكتمالها لكل السلفيين الذين جاؤوا من بعده ونسبوا إليه السلفية (فهمي جدعان ، الماضي في الحاضر ، ص 93 – 100)

من الوهابية المنبوذة .. إلى الوهابية المرغوبة

مع أن المضمون الديني للفكر الوهابي لم يحدث فيه تغيرات وتحولات ملموسة فقهية منذ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، على مدي أكثر من قرنين ، فقد حافظ على تقليدية وسكونية لافتة ، لكن الذي حدث هو التطور في الموقف من الوهابية ، حيث كان هناك مراحل للدعوة الوهابية بين العامين 1754 م -1932م وانتقالها من أطوار " الوهابية المنبوذة " إلى طور "الوهابية المرغوبة"

والظروف التي أحاطت بانتقال الدعوة الوهابية من السمة التقليدية إلى السلفية الإصلاحية وأدوار شخصيات عربية كمحب الدين الخطيب وشكري الألوسي ورشيد رضا في التعريف بالوهابية مع تباين الموقف النقدي منها (حمادي الرديسي ، عن مراحل الدعوة الوهابية بين العامين 1754 ، 1932 وانتقالها من طور " الوهابية المنبوذة "إلى طور" الوهابية المرغوبة المقدمة إلى "مؤتمر" مملكة بلا حدود "بريطانيا ، 6-9 أيلول (سبتمبر - 2007)

ويبدو أن الوهابية بعد أزمة الحركات الإسلامية مع أمريكا وانتباه الإعلام الغربي لها ، أصبحت فكرة مشوهة وغير مرغوب فيها ، وباتت بحاجة إلى جهود مختلفة وخطاب جديد في ظرف ووعي عالميين متغيرين .

يبالغ خصوم الدعوة الوهابية بتشويهها ، مع أن الجانب التاريخي الأهم في هذه الدعوة وهو ما يتعلق بالعقائد والتوحيد وأصول الإسلام المتفق عليها ، وإحياء تراث علماء لهم أهمية مثل ابن تيمية وابن القيم .

لم تكن هذه الخصومات التاريخية ضدها معزولة عن حضور المواقف السياسية المتداخلة مع الموقف الديني ، ومقابل هذه المواقف السلبية نجد الكثير من المواقف الإيجابية والطرح غير العدائي ، من مفكرين وعلماء غريبين وعرب ، مع أن بعضها جاء متأخرا ولا يخلو من المجاملة المصلحية .

نجاح التجربة السياسية والتنموية السعودية في التكيف مع المتغيرات مؤقتا ، ومحاولة انتهاج سياسة خارجية معتدلة دائما وغير تصادمية ، مع تزايد أهمية الدولة إقليميا وعالميا ، همّش المنهج من الناحية التاريخية الكثير من الإشكاليات الفكرية والفقهية في الخطاب الديني عند المدرسة الوهابية وأصبحت بعض مقولاتها وأفكارها مجمدة على أرض الواقع .

والانفتاح السياسي مع العالم الخارجي بعيد عن القيود التقليدية التي كانت موجودة في هذه المدرسة ، وحصر حضورها في الجانب الاجتماعي الداخلي من خلال التعليم والجامعات والوعظ والتعليم الديني التقليدي في المساجد ، ونجد في الشأن الداخلي ما يخالف بعض الرؤي الفقهية للعلماء الكبار الرسميين منذ عقود في مسائل ضرورية كالاقتصاد والإعلام وغيره حيث تهمّش بعض آرائهم وعدم التقيد بها

ومقابل ذلك نجدها مفعّلة في جانب التحكم في حياة الفرد العامة والمجتمع في الداخل أكثر من الدولة عبر مؤسسات الدولة مثل القضاء وهيئة الأمر بالمعروف أو مؤسسات التعليم ، أو النشاط التجاري للأفراد ، وتطور وعي التيار الديني في معرفة صلاحيته والهامش الذي يمكن فيه ممارسة سلطته .

أتاح هذا الأسلوب للسياسي مساحة حركة واسعة للتوفيق بين العديد من المتناقضات التي لا تنتهي خلال أكثر من نصف قرن ، وتأجيل المشكلات ومع بروز فعالية هذا الأداء في استمرارية التنمية وتحسّن صورة الدولة ما أدي إلى تضاؤل خصوم الدعوة في الخارج بمرور الوقت

وخلال هذه المرحلة الاستثنائية بظروفها ، حصلت السلفية على فرصة انتشار واسع في العالم بدعم محلي من خلال العلاقات والتعاون مع الحركات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي.

ويشير الباحثون إلى دور النفط في دعم السلفية ، فأخذت السجالات الطويلة والحادة مع خصوم الوهابية القدماء تختفي أو تصبح محددة في أطر ضيقة جدا ، في هذه الفترة نلاحظ أن الكثير من المفكرين العرب والغريبيين تعاملوا مع هذه الدعوة برؤية إيجابية كحركة إصلاحية وتحررية ضد الخرافة فقد تزايد الاهتمام بالحركات الإسلامية في مرحلة الملك فيصل التي تبدو أقل تشددا في الجانب الفقهي من الفقه السلفي

والاستفادة منها في الوجود الخارجي في المراكز الإسلامية ، ونجد تاريخيا أنه بالفعل قدمت رموز فكرية من هذه الحركات خدمة جيدة للوهابية في العالم ، ومع انتشار الصحوة محليا وخارجيا ، زاد الاهتمام بمواصفات التدين الجديد الذي هو مزيجبين السلفية التاريخية وفكر بعض الحركات الإسلامية المعاصرة ورموزها .

ومنذ ظهور مشكلات الإسلامي السياسي ، أخذ بعض الباحثين يعيد قراءة الفكر الوهابي بجهود محدودة قبل أن يحدث التحول الضخم بعد أحداث أيلوب ( سبتمبر 2001 وبعد هذا التاريخ غدا الفكر الديني الوهابي تحت مجهر الباحثين والإعلاميين المنصفين والمغرضين وما بينهما .

التأثير الفكري والاجتماعي

لا توجد إحصاءات ذات صدقية عن نسبة المذاهب المختلفة عن المذهب الحنبلي سواء من السنة أو غيرها ، ففي السابق قبل حدوث التحولات التنموية والهجرات السكانية كان يمكن حصرها كنسبة من خلال تحديد المدرسة والمذهب الفقهي لهذه المنطقة أو تلك .

وهذه القضية ، أو موضوع الأقليات مع أهميتها ليس من المناسب تناولها إلا في دراسة خاصة .من الممكن قراءة تأثير الدعوة الوهابية في المجتمع وذلك من خلال معرفة أن جميع مناهج التعليم والخطاب الديني الرسمي ومؤسسات الإفتاء والقضاء تتخذ الإسلام السلفي العريض مرجعية أساسية لها ، ومنهج المدرسة الوهابية بخاصة.

ولهذا فإن التأثير الأكبر منذ أكثر من سبعة عقود كان لهذا الفكر داخل المجتمع في جميع المناطق رسميا أما أفكار المذاهب الأخرى فقد ظلت تعاليم خاصة بأهلها ومحدودة الانتشار وأحيانا تكون محاصرة فالكتب الدينية وما يتعلق بها كانت تفسح من خلال رؤية سلفية معروفة للجميع ضوابطها .

ولهذا تأثرت بالفكر السلفي مناطق عدة ، وأصبحت جزءا من خطابهم الثقافي والديني ، وظهر دعاة ووعاظ من مناطق عدة يتبنون المنهج السلفي ساعدت على ذلك ظروف متنوعة ومصالح وظيفية ، وعدم السماح بوجود خطاب ديني آخر يناقش ويعارض الفكرة السلفية ؛

حتى إن كان من مشايخ وعلماء الشريعة في فروع المسائل ، ما أدي إلى وجود وحيد لهذا الرأي السلفي وفق مدرسة علماء مدرسة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، وحتمية انتشاره في الذهنية الاجتماعية والثقافية من خلال التعليم ومنبر المسجد والإعلام ، ومختلف الخطابات الدعوية

فكان تأثيره ملموسا في آلية التفكير ورؤية الحياة وطريقة التعامل مع المتغيرات ، مع عدم وجود خطاب ثقافي مؤثر في مرحلة مبكرة يؤسس لحالة من التوازن الفكري في المجتمع .

كان التأثير في المجال العلمي الديني في توسيع الاجتهاد والتنظير العلمي ضعيفا ، إذ أن من أبرز الملامح في إمكانيات وآليات البحث السلفي المحلي خلال نصف قرن ، الضعف ومحدودية القدرات .

وقد استمرت حتى مع موجة المد الديني وظهور جيل الصحوة ، حيث تعتمد اعتماد مباشرا على النقل والحفظ التقليدي ، ما أوجد أعدادا كبيرة من العلماء والمشايخ والخطباء والوعاظ لكنها لم تنتج باحثين وعلماء من طراز رفيع في التأليف كما في بلدان عربية أخرى حتى في الطرح السلفي وخدمة الرؤية السلفية .

هذه الأعداد الكبيرة من الخريجين والباحثين خلال نصف قرن لم تنتج ما يستحق الإشارة إليه من دراسات عميقة وحلول المشكلات العصرية ، وبحوث مطولة ، تماثل أعمال باحثين معاصرين لهم في دول أخرى في الفقه وأصوله والتاريخ وحتى العقائد ، وليس المقصود بالعمق كثرة المؤلفات أو المجلدات

وإنما كتابات تبين مدى التطور في هذه المدرسة الفقهية والرؤية الوهابية مع المتغيرات ، فالكتب التي صدرت مجرد تحقيقات وشروح في دروس علمية والاستثناءات التي قد يختلف عليها ليست مفيدة في إنكار حقيقة الضعف العلمي السائد!

لقد كانت حياة المجتمع السعودي تتعقد وتزداد إرباكا مع المتغيرات التنموية ، وظهور أجيال جديدة تواجه ازدواجات حادة بين خطاب لم يتطور مع هذه المتغيرات ، وواقع سريع في إيقاعه ، وعلى الرغم من أن هذا الخطاب تحت رعاية ودعم رسمي مبكر ، لكنه لم يكن مؤهلا للتعامل مع هذه التحوّلات حيث استمر بآرائه الدينية وفتاواه الحدّية والتحريم بالأحوط في أغلب الحالات بخاصة في ما يتعلق بحياة الفرد والمجتمع

من دون مساهمة في إيجاد وعي ديني وتربوي بالمشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ما أدي إلى تكرار التوترات غير الصحية التي تصدر من بعض أبنائها على شكل تطرف يصل أحيانا إلى العنف .

لقد شكل هذا الضعف العلمي ، مع رغبات رسمية بعدم وجود مثل هذا الأطروحات الفكرية التي قد تقيد مساراتها ومصالحها في إدارة المجتمع وأهم أزمات الفكر الديني السعودي التي لا تزال تعاني إشكالات تراكمية قد تذهب بقيمة المنجز الحضاري النظيف والمحافظ في نظرهم .

إنها أزمة حقيقية في الخطاب الديني السلفي ليس في تقديم أجوبة جاهزة ومعلبة لمشكلات الحضارة وإنما في آليات التفكير وضوابطه العلمية .أما التأثير في المجال الاجتماعي والعلمي فلم يكن هذا الفكر مؤهلا لإنشاء خطاب معاصر يمتص صدمات التغيير التي تحدث بشكل متسارع في الحياة الاجتماعية وفي أجواء ثقافية كان يحضر فيها الكثير من المعارف الفلسفية في المناهج والتعليم

واستيعاب للمدارس العلمية المعاصرة المختلفة وضعف في إدراك طبيعة الرؤية العلمانية والليبرالية والماركسية وغيرها كمناهج وآليات في التعامل مع مشكلات العصر بغض النظر عن الحكم الديني ، فالوعي بها لا يعني بالضرورة الإعجاب بها والمطالبة بتطبيقها .

للأسف المنهج السلفي مع قيمته وأهميته في المحافظة على بعض النقاء الديني لأصول الإسلام ، إلا أنه يعاني نقصا في تنمية الإبداع عند أتباعه وفق أسس علمية وآليات لا تتناقض مع الرؤية الكلية للسلفية وهذا الخلل الذي حدث ، ولا يزال يحدث ، ليس توقعا للمستقبل

وإنما تؤكده نتائج أكثر من ثلث قرن فكثرة الحفظ وحلق العلم وآلاف الخطباء والوعاظ تعاني ضعفا في وجود مفكرين جادين حتى في أزماتهم الخاصة وهذا أدي إلى شيوع الذهنية التقليدية والبسيطة في رؤية الحياة المدنية ومتغيرات الحضارة ما أدي إلى وجد متناقضات في السلوكيات ومخالفات في الأخلاق والآداب داخل المجتمع لا تمثل نقاء السلفية الديني؛

وهذا لا يعني إنكار إيجابيات لا يمكن حصرها لهذه الدعوة التي ساعدت على تحصيل العامة والفرد العادي ضد الخرافات والبدع الدينية والشركيات فكان المجتمع السعودي من أقل المجتمعات تأثرا بهذه الانحرافات السائدة.

مراحل الوعي الديني .. وتحولات المجتمع

في بدايات نشوء الدولة الحديثة وتأسيسها كانت هناك ضرورة مفهومة للمركزية في الإدارة السياسية للحفاظ على الاستقرار في تلك المرحلة المبكرة في مجالات مختلفة بما فيها تحديد المسألة الدينية ممثلة في مرجعية مكتملة الملامح منذ أكثر من قرنين؛

تشكلت مع جهود الدعوة الوهابية في نشر العلم والإفتاء والقضاء في هذه المنطقة، وتحت رعايتها كانت نشأة المدارس الدينية الحديثة في الجامعات والمعاهد ؛

حيث أثر التعليم الحديث في البدايات على الدروس والحلقات العلمية التقليدية في المساجد وتضاءلت لكنها عادت بقوة مع بدايات المد الديني والصحوة ، فكان يجمع عادة طالب العلم بين الدراسة الحديثة والتتلمذ على مشايخ في حلق المساجد ..

(1) مرحلة الشيخ محمد بن إبراهيم (1930 -1969م)

تلك المركزية المبكرة الشديدة في المسألة الدينية ، وارتبطت بشخصيته الشيخ محمد بن إبراهيم ، وقراءة سيرته وسائله وفتاواه تقدم تصورا عاما عن كيفية تطور الشأن الديني وصلاته بشؤون المجتمع والسياسة .

بدأت سيرته وحضوره العلمي منذ عام 1349هـ - 1929م ، وهو تاريخ قريب من بداية توحيد الدولة حتى تاريخ وفاته عام 1389هـ - 1969م، في عهد الملك فيصل ومع مؤشرات بداية الطفرة الاقتصادية.

ولد في مدينة الرياض في 17 محرم عام 1311 هـ ودرس على يد الشيخ سعد بن حمد بن عتيق والشيخ محمد بن محمود ، وأوصي عمه الشيخ عبد الله الملك عبد العزيز بابن أخيه خيرا ، وحين توفي الشيخ عبد الله عام 1339هـ أخذ ابن أخيه مجلسه

فلما توفي الشيخ سعد بن عتيق عام 1349هـ توسع في مجالس التدريس واستقل بأكثرها ، وقد استمر بزاول التدريس بنشاط لا يفتر وهمة لا تكل إحدي وأربعين سنة من عام 1339هـ حتى عام 1380 هـ

ومع التدريس كانت له مهمة أخرى بدأت من دون تنظيم رسمي وهي الفتوى ، فقد كان يشارك فيها حتى توفي الشيخ سعد بن عتيق ، ثم استقل بها حتى تحولت إلى عمل منظم في دار الإفتاء ، حيث أنشئت عام 1374هـ

أسندت إليه رئاسة القضاء ، وكان يقوم بتمييز الأحكام التي تحتاج إلى نظرة في ما أحيل إليه من القضايا من ولاة الأمور ، وقد نصت المادة الحادية عشرة من نظام هيئة التمييز على أن له حق النظر والبت في ما يختلف فيه القاضي وهيئة التمييز

وإلى جانب كل ذلك فقد تولي رئاسة المعاهد العلمية والكليات منذ إنشائها عام 1370هـ ووكل إليه الإشراف على مدارس البنات منذ افتتاحها في عام 1379هـ ، وكلف برئاسة الجامعة الإسلامية بالمدينة عام 1381هـ وتولى رئاسة مجلس القضاء الذي شكل عام 1388هـ

وتولي رئاسة رابطة العالم الإسلامي منذ إنشائها في عام 1379هـ ، وإمامة جامع دخنة وخطابة المسجد الجامع الكبير المعروف الآن بساحة العدل بالرياض .

شكل هيئة تضمّ كبار العلماء لتكون مرجعا لبحث ما يحصل من المشاكل العلمية الصعبة وتقرير ما يلزم حيالها ، وقد كان له الإشراف التام على جميع الشؤون الإسلامية داخل السعودية وخارجها في ما يتصل بالسعودية ، وجميع هذه المسؤوليات لم تكن في أزمنة متفرقة وإنما في وقت واحد .

أما أهم تلاميذه فأصبحوا في ما بعد أهم الرموز الدينية في السعودية ، وتفرقت كل هذه المناصب والمسؤوليات عليهم بعد رحيله .. ومنهم :

  1. عبد الله بن حميد رئيس مجلس القضاء الأعلي .
  2. عبد العزيز بن باز رئيس إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد .
  3. عبد الرحمن بن قاسم صاحب المؤلفات الشهيرة .
  4. عبد العزيز بن ناصر بن رشيد رئيس محكمة هيئة التمييز .
  5. سعود بن رشود .
  6. صالح بن غصون .
  7. حمود بن عقلاء
  8. عبد الرحمن بن فريان .
  9. زيد بن فياض .

توفي في 14 /9 / 1389هـ بعد أكثر من أربعين عاما من المشاركة في تأسيس شكل العلاقة بين السياسي والديني ، في أهم مراحل التحولات السياسية والفكرية في المنطقة ، ورحيله كان يمثل فاصلا حقيقيا بين مرحلة وأخري

فالدور الذي كان يقوم به وتأثيره في القرار السياسي والموقف الديني الصارم ، كان له دور بارز في الوقوف ضد مشروعات التغريب في نظر التيار الإسلامي ، كما كان لقوة شخصيته وحضوره العائلي مع الصلاحيات الواسعة التي كلف بها فتاواه ورسائله الأصلية في 13 جزءا من جمع وترتيب وتحقيق محمد بن عبد الرحمن بن قاسم وتنقيحها من القضايا ذات الحساسية الدينية والسياسية

وتتضمن هذه الفتاوى العديد من الآراء الجريئة والحاسمة في مختلف الشؤون الفضائية والسياسية والتعليمية والاجتماعية وغيرها وهي تستحق قراءة مستقلة ، وإنه يمثل مرحلة دينية حاسمة لها سماتها وطابعها الخاص ، ويعترف الكثيرون بحجم التغير الذي حدث بعد غيابه

وهذه المرحلة لم أعاصر أى جزء منها في مرحلة تمييز من حياتي لأتصور واقعيا حضور هذه الشخصية في المجتمع كما في المراحل التالية ، بعيدا عن مبالغات التيار الديني ، أو مجاملات النخب الرسمية ، فقد شكلت سمات وخصائص وحضور علماء الدين في الدولة الحديثة ، بل هو المؤسس لدور العلماء في الدولة السعودية الحديثة .

لم يكتب للأسف عن حياة الشيخ وفاعليته ممن عاصره من مشايخ ونخب ثقافية وسياسية ، وظل الكثير من القصص التي يتم تناقلها شفاهة غير منشور في مراجع محدّدة ، مع أهميتها في توثيق مراحل تشكل المؤسسة الدينية ، وشكل العلاقة بين السياسي والديني ، وتأثير شخصيته وآرائه الدينية في جيل من طلبة العلم والعلماء ، الذين كانوا في ما بعد من رموز الدعوة والصحوة الدينية .

إن كثيرا من المواقف الدينية التي ظلت خلال ثلث قرن بعده ، بدأت من مرحلة الشيخ حول قضايا عصرية في الإعلام والاقتصاد والقانون والقضاء وغيرها قبل حضور وعي الحركات الإسلامية والصحوة الدينية .

(2) اللحظة الليبرالية (1969 -1980م)

في هذه المرحلة كانت الدولة تتهيأ للقيام بأكبر عملية تنموية وبداية الخطط الخمسية ، التي عرفت في ما بعد باسم " الطفرة " وهو تحول يتطلب حدوث بعض التغيير المتسارع في بعض المفاهيم و وبعد مرحلة الشيخ محمد ابن إبراهيم تهمش بعض الشئ دور المؤسسة الدينية ؛

وحدثت متغيرات كثيرة في شكل هذه المؤسسة من خلال تخفيف المركزية السابقة الممثلة بمفتي الديار السعودية ، وتوزيع المناصب الدينية ، وتهميش دور عائلة آل شيخ الديني ، وحدث تحوّل من الفتوى الفردية إلى اللجنة الدائمة للإفتاء ، وضعف دور الرقابة الدينية على الإعلام والمطبوعات .

كان لوجود نخبة من العلماء والمفكرين الإسلاميين من بلاد عربية تم استقطابهم لمواجهة مخاطر القومية والشيوعية دور في الاستفادة منهم لبلورة العام ، مع استمرار المعاهد العلمية التعليم الديني على تقليديته ، وتراجعت أهمية وشعبية المعاهد الدينية في هذه المرحلة ومع محاولة التغيير لم يكن يتاح للرموز الإسلامية حرية تقديم خطاب الفقهي التقليدي ؛

لذا فالخطاب الإسلامي المستقطب من الحركات الإسلامية الفاعلة كالإخوان المسلمين في العالم العربي كان دوره محصورا في جوانب محددة فلا يتناول الشأن الاجتماعي أو الفقهي أو السياسي المحلي بشئ وإنما كان دوره محصورا في فتح آفاق الذهنية للجيل الجديد حول مسائل عصرية من سمات الثقافة الإسلامية الجديدة ؛

والتنظير حول المذاهب الغربية ومشكلات العصر لتحصين الأجيال الجديدة حيث إن إمكانيات الخطاب السلفي في تلك المرحلة غير قادرة على تناول مثل هذه القضايا .بدأ في هذه الفترة وحتى حادثة الحرم احترام المؤسسة الدينية شكليا ، مع تهميش فاعليتها في القرار حول المتغيرات العصرية وتم تمرير الكثير من المحظورات في هذه المرحلة .

لقد حدثت في السبعينيات مع الطفرة الاقتصادية أقصي درجات الانفتاح الاجتماعي والثقافي في توافر المحظورات السعودية الحالية وقلة الضوابط وضعف الدور الرقابي لهيئة الأمر بالمعروف ، وبدت هذه الفترة للمراقب وكأنها "اللحظة الليبرالية" السعودية التي انتهت مع حادثة الحرم.

كان الإيقاع السريع للتحديث من دون مشروع خطابي سياسي أو إسلامي مستنير يواكب هذه التحولات وواضح المعالم ، وإنما التغيير كان يتم وفق الطريق السعودية الصامتة ؛

حتى تلك المحظورات التي يتباكي عليها خصوم التيار الإسلامي الآن لم يكن الكثير منها مصرحا به رسميا وإنما تساهل رقابي وكأنها لتجريب المجتمع ومدي تقبله لها والتمهيد لذلك ، كما يحدث الآن حول بعض موضوعات المرأة كقيادة للسيارة من تسريبات لتمرين الرأي العام .

ومن خلال متابعة خطاب تلك المرحلة لم يكن يتاح لخطاب التيار الحركي القادم مع رموز ودعاة إسلاميين المشاركة والتعليق على تحولات المشهد السعودي ، لكن الموقف منها اتضح من خلال جيل طلائع الصحوة ، واكتفي هذا الخطاب في الإعلام والندوات في الحديث عن الصهيونية والرأسمالية والشيوعية ومؤامراتهم .. الخ .

المثير بالنسبة إلى أن فترة السبعينيات لم تنتج مصلحا دينيا سعوديا مستنيرا من طبقة المشايخ وعلماء الدين ، وليقدم حالة سجال وجدل فكري فعال وجاد ، أمثال الكاتب الإسلامي أحمد محمد جمال ودوره في تناول شئون اجتماعية ودينية بروح عصرية لكنه ليس محسوبا على علماء الدين .

في هذه المرحلة يمكن تلخيص أهم الملاحظات:

نظرا إلى سرعة إيقاع التحديث ، وزيادة الاستهلاك وتسامح الرقابة على التلفزيون مع وجود بعض التيارات الفكرية في الصحافة ، وزيادة اندفاع الجيل نحو ما سمي بـ " التغريب والتمرد " على العادات وتقاليد المجتمع ، وتراجع تأثير العلماء وخطابهم ، فقد أدي إلى حدوث تشدد في الخطاب الديني ونشوء جيل شبابي يحمل نزعة انعزالية عن المجتمع ، وكانت صورتهم شبه منبوذة في المجتمع وتختلف من مدينة إلى أخري .

وأتذكر أنه كان يطلق عليهم " الموسوسون " على أى شخص متدين ومصطلحات اجتماعية خاصة جدا . بدأت في هذه المرحلة مظاهر نقد ذات حادة من بعض الخطباء حول المتغيرات الجديدة كالبنوك الربوية والشباب وأوضاعهم ، وموقف سلبي من رعاية الشباب والأندية الرياضية، وإغراق في الحديث عن آخر الزمان ؛

وظهرت بعض الحدة مثلا في نقد الأخطاء في مجلة الدعوة مثلا ، ووجدت شعبية خاصة لمحاضرات وخطب الشيخ عبد الرحمن الدوسري وقد شكل خطابه رؤية جيل كامل من الدعاة والمتدينين حول الماسونية والصهيونية ، وبعض المفاهيم العصرية ؛

ومن خلال اطلاعي على إنتاجه بالكاسيت أو المؤلفات فإن معرفة الشيخ حول هذه المفاهيم تبدو متواضعة جدا لكن أهميتها جاءت من أنها في بيئة وثقافة دينية تقليدية وعلماء محدودي الاطلاع ؛ وكان لخطابه وروحه الشفافة الصادقة المتوقة حماسة وخوفا على بلاد الإسلام دور رئيس في تشكيل وعي طلائع سيقودون تيار الصحوة بعد عقد من الزمان .

كانت تظهر في هذه الأجواء أيضا حالة تمازج فكري بين تيارات ومدارس فكرية سلفية .. خاصة مدرسة أهل الحديث في الجامعة الإسلامية في المدينة ، وحدوث جدال وخلافات وردود بين العلماء ، ومن مخلفات هذه الأجواء تشكلت مجموعة أنهت عقد السبعينيات بحادثة الحرم وصدمة لم يتوقعها أكثر المتشائمين فحادثة الحرم غيرت مسار التاريخ المحلي ليس في كل شئ كما يحاول تصويره بعض من كتب عنها

وإنما في إدارة الشأن الديني خاصة ، ومراعاته فقط في ما يمس المواطن وحياته وليس الحكومة وسياستها العامة في الداخل والخارج ، فلم يوقف أو يعطل أمرا له أهمية إستراتيجية تنموية أو اقتصادية أو سياسية، حتى لو كان العلماء يرفضون ذلك أو يحرمونه

كما في موضوع البنوك مثلا ، وإنما زادت الرقابة على حياة الفرد في المجتمع من خلال تقوية الخطاب الديني وهيئة الأمر بالمعروف ، وكل ما تم تغيره عن عقد السبعينيات هو في مسألة الحريات الفردية التي تمسّ العامة أكثر من النخب .

استمرارية الأداء الإداري التنموي الحكومي من دون خطاب تحديثي مواز في الإعلام والتعليم ، واستمرارية الخطاب الديني التقليدي ، ومع أن حادثة الحرم أثارت موضوعات دينية سائدة ومتفقا عليها عند علماء المدرسة الرسمية إلا أن الموضوع ترك قبل الحادثة وبعدها من دون معالجة فكرية وتنظير حول بعض الإشكاليات العالقة ، وما زالت عالقة بعد ثلث قرن.

(3) الصحوة السعودية .. والجلطة الحداثية (1980 -1991م)

كان التكتم الإعلامي حول حادثة الحرم قادرا على تخفيف الأضرار إلى أقصي حدّ والسيطرة التامة على المعلومة في كثير من التفاصيل أثناء الحادثة وبعدها ، وبالذات المسائل الفكرية والجدل الديني ؛

وكان الغموض وعدم وجود مساحة للتحليل والدراسة في وقتها باستثناء كتابات غربية وعربية خصما للرؤية الحكومية ، حيث بالغ بعضها أكثر من المعقول في توظيف الحادثة وتقديم تفسيرات نضالية ثورية .

كانت إدارة الحدث إعلاميا لافتة ومليئة بالأخطاء لدرجة أن الصمت والتكتم أكثر صوابا من الكلام ، فقد تم توجيه الفكرة إلى مسائل محددة من دون أخرى ، مثل مسألة المهدي التي أنقذت اللغة الإعلامية ، ووجدت مخرجا مهما لنزع الصبغة السياسية للحدث ، والواقع أنه لا يمكن لوم الجهات المسئولة في ذلك الوقت

فالحدث مربك جدا ، ويصعب معالجته إعلاميا وفكريا ، وإمكانيات تلك المرحلة لا تؤهل إلى تحريك الكثير من الموضوعات الشائكة ثقافيا وسياسيا ودينيا ، فكان الصمت وإغلاق الملف نهائيا أسرع الحلول وأسهلها .

كان التوقع السائد حينها في الداخل والخارج أن الحكومة ستستمر بخطواتها التحديثية بالدرجة نفسها ، والبعض الآخر توقع أن يكون هناك ردة فعل ضد هذا التطرف بزيادة جرعة الانفتاح وتضييق الخناق على النشاطات الدينية المحلية ، وهذا التوقع المبكر نتج منه بعض الكتابات المحلية التي سخرت من الظلاميين ؛

وكأنها فرصة للهجوم عليهم وعلى آرائهم الدينية حتى داخل المجتمع ، فكتب الشيخ عبد الرحمن الفريان مثلا موضوعا في مجلة الدعوة بعد شهرين من الحادثة عن ملاحقة الحكومة للملتحين ، وانتقد بقوة هذه الإشاعة المغرضة .

لقد أغلق الملف سريعا بعد صدور الأحكام عليهم ، ولم يعد متاحا حتى مجرد الإشارة العابرة إلى الحادثة وأصبح اسم (جهيمان) محظور الإشارة إليه في الصحف ، وتحولت القضية إلى مجرد أحاديث في مجالس خاصة ، أو ما توفره مجلات وكتب من الخارج وتجاوز المجتمع الحادثة سريعا وأصبح جزءا من الماضي .

حدث تغير واضح في برامج التلفزيون شعر به حتى صغار السن ، وبعض الأغاني ، وتأثرت برامج الأطفال ومنع عرض الأفلام السينمائية ، وازدهرت تجارة الفيديو في هذه المرحلة ، كما تم تخفيف الأغاني ومنع ظهور أى مطربة لكنها في الإذاعة لم تحظر ؛

وتزايدت الأنشطة اللاصفية ذات التوجه الديني ، وظهرت حلق العلم وتوسعت حلقات تحفيظ القرآن وولد دعم حكومي واهتمام صحافي بتغطية أخبار هذه المناسبات عند حضور المسئولين .

تزامنت مع هذه المرحلة ظروف سياسية خارجية ، فرضت تحالفات جديدة حيث الثورة الإيرانية تزداد شراسة وخطورة وكذلك حرب العراق وإيران ما أفرز بعض الإشكاليات في قضية الخطاب الطائفي ؛

ومواجهة الشيوعية عبر ملف الجهاد الأفغاني الذي تحول بمرور الوقت وتطور الأحداث إلى شأن سعودي سياسي وديني واجتماعي وكأنها مشكلات داخل المجتمع ما سيغير الكثير في الذهنية المحلية .

كان الخيار السياسي في دعم أفغانستان مفهوما من الناحية السياسية والإسلامية ، فهو خيار تفرضه ظروف تلك المرحلة ، لكن الاندفاع الزائد إعلاميا وسياسيا ودينيا أدي إلى حدوث مشكلات متعددة ، ولم يكن متاحا نقد هذه المبالغات وسهولة خروج الشباب وتحمل الكثير من تكاليف الرحلة .

في هذه الأجواء الساخنة كانت حركة الصحوة تتمدد اجتماعيا وتعليميا وتفرض وجودها في أغلب المجالات ، ولا يتنبه البعض إلى أن الصحوة بمعناها الحركي تأخرت في السعودية عنها في البلاد العربية الأخرى ؛

حيث ظهر دعاة وعلماء جدد وأصبحوا من المشاهير ، وجيل من الشباب قاد حركة التغيير هذه التي حدثت لأول مرة بجهد احتسابي ومشاركة الدولة في تشكيلها لذهنية المجتمع ؛ وشكل الكاسيت قوة إعلامية استثنائية بدأت من منتصف الثمانينيات حيث تفوق في حالات كثيرة في توجيه الرأي العام على إعلام الصحف والتلفزيون .

كان أهم رموز الصحوة تشكّل وعيها الأولي منذ السبعينيات ولهذا نلمس مقدار الشحن ضد التغريب والغزو الفكري كحقيقة واقعة ، والتحذير من مؤامرات العلمانيين ، فالتغيرات والمحظورات التي حدثت في السبعينيات من تساهل في نظرهم أشعرهم بأن هناك مخططا لإفساد المجتمع ويراد تنفيذه وإكماله بانتظار الفرصة

وأن عليهم القيام بالنصح والمقاومة بالكلمة لهذه الخطط وتنبيه المجتمع في خطبهم ومحاضراتهم ، وكانت معركة الحداثة مثالا جديدا على استمرارية هذه المؤامرة ولم يتنبهوا إلى حجم التغير وتشدد الحكومة في الثمانينيات من دعم للأنشطة الخيرية ماليا وسياسيا وإعلاميا وإبعاد أى استفزاز ديني في الإعلام ، ومن ظهور المرأة في الصحف ومنع نقد العلماء والتيار الديني عموما في الصحافة .

كان هذا الدعم استثنائيا ولافتا للمتابع في الوقت الذي كان يستحضر الإسلاميون ورموز الصحوة أخطاء السبعينيات ويعيدون نشر ما قدمته الصحف في ذلك الوقت لإثبات حقيقة مؤامرة التيار العلماني في نظرهم

ولم يتنبه بعضهم لهذا الدعم المميز إلا متأخرين وفي نهاية التسعينيات ، وشعروا بأنهم فرطو بمصالح شرعية كبيرة وأذكر عندما كنت أشير إلى هذا الدعم في بعض حواراتي مع بعض الإسلامية في الجامعة كان البعض يندهش من هذا الرأي !

جاءت الجرعة الوعظية ضد التغريب والغزو الفكري أيضا ممن عادوا إلى التدين وعاشوا بعض حياة اللهو والعبث في المراهقة المبكرة قبل تحولهم للجدية في طلب العلم الشرعي ، وحفظ القرآن وهي ردة فعل نفسية أكثر منها وعيا بالواقع الاجتماعي ومتغيراته .

وخلال مرحلة ما أسماه بعض الغربيين بـ "الجلطة النفطية" وانهيار أسعار النفط ، وأقول عصر الطفرة وما أحدثته من انحرافات أخلاقية عند شريحة الشباب ، وصل بعضها إلى إدمان المخدرات ، فقد حدثت ردة فعل وأخذت ظاهرة التائبين والعائدين إلى الله تتزايد في المجتمع ؛

وخلال سنوات معدودة أصبحت ظاهرة كبرى وصلت في بعض الأحياء والمدن إلى نسب كبيرة من أبناء ذلك الجيل ، وتحولت بمرور الوقت إلى رقم مؤثر في المجتمع في بعض الحالات يكون غير المتدينين أقلية في المدارس والجامعات ما أشعر الجهات التي دعمت هذا التيار بالقلق مرة أخري .

في أواخر الثمانينيات أصبح لرموز ودعاة الصحوة جماهيرية مؤثرة تنافس وتفوق جماهيرية أهل الفن والرياضة أحيانا ، التي تعرضت في تلك المرحلة إلى عزوف جماهيري أقلق المسئولين عن الرياضة ، فقد شهد جامع الراجحي في الرياض في محاضرات ؛

خاصة لبعضهم مثل الشيخ سلمان العودة حضورا مثيرا للدهشة وكان مشهد السيارات لمباراة بين فريقي العاصمة حيث يدفعك المشهد والتجمع بعشرات الآلاف من الناس إلى النزول والحضور والمشي لمسافات طويلة ، واستماع ما يقال في مثل هذه المحاضرات .

لا شك أن هذه التجمعات تثير مشاعر متضاربة فهي عند المتدين بشائر خير وعودة إلى الدين في المجتمع وطلب للعلم الشرعي ، وفي نظر السياسي ترقب وقلق من هذه الجماهيرية المتزايدة ، أما المثقف فقد وقف يشاهد مذهولا ويتباكي على عزلته الفكرية المحلية ، وبعيدا عن هؤلاء فقد أثرت هذه الجماهيرية في المجتمع بقوة

فلم تعد هذه التحولات الدينية محصورة بفئة الشباب الذي كان يوما ما طائشا ومنحرفا ، وإنما وصلت ظاهرة التدين إلى كبار السن من النساء والرجال ، والصغار والكهول ؛ حيث الجدية والحماس في الامتثال لأوامر هذا الدين ، والسؤال عن الصغيرة والكبيرة وتأدية النوافل مع الفرائض ، والاقتداء يسير مشاهير السلف الصالح ،والتسمي بأسمائهم .

(4) الصحوة السياسية (1990 -2001م)

لم تكن الصحوة المحلية وحدها أمام تحول تاريخي في هذه المرحلة ، وإنما التحول كان يشمل المنطقة ككل ، حيث شهد العالم نهايات الحرب الباردة وودّع الكثير من الصراعات والتحالفات التي شكلت ملامح نصف قرن مضي ، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية .

غزو الكويت على يد البعث العراقي وبصورته الوحشية في آب (أغسطس) عام 1990م ، وضع السياسة السعودية أمام تحديات كبري من نوع مختلف عن تحديات الستينيات والخمسينيات .

بدأت الأحداث المفاجئة وكأن السعودية لا تريد تصديق ما يحدث فصمت الإعلام وأشار في اليوم الأول إلى مناوشات على الحدود ، مع أن الإذاعات العالمية كانت تتحدث عن احتلال عسكري كامل للكويت ، والنازحون من الإخوة الكويتيين بدأوا في دخول أراضي السعودية

ومع ذلك تم إدراك الحدث ، وتشكلت الرؤية لموقف سياسي مبكر متوافق مع الرؤية الدولية في الأيام الأولي ، وبدأ الخطاب الإعلامي والسياسي يتخذ مسارا واضح الملامح في التفاعل مع الأزمة.

حدثت تطورات متسارعة على الساحة المحلية في الأشهر الأولي منذ بداية آب (أغسطس) 1990م ، وحتى بداية الحرب ضد العراق 17 كانون الثاني (يناير) 1991م فخلال هذه الأشهر المعدودة أخذت الأحداث مسارا تصاعديا خارج سيطرة الدولة والمجتمع الذي يعيش الصدمة التاريخية بهذا المستوى من التطورات في مجتمع كان وعيه السياسي محدودا وثقافته عن أيديولوجيات العصر ضعيفة ، ثم فوجئ بكثافة الأخبار السياسية اليومية عن دولته ومنطقته ووجود عسكري تاريخي !

كانت ردة فعل التيار الإسلامي في البدايات جزءا من ردة فعل المجتمع التي تتشكل مع تطورات الأحداث بعفوية لا يوجهها المكر الحركي ابتداه ضد الدولة ؛ كما حاول تصويرها خصومها باختزل متأخر للأحداث ، أو ربط ردة فعلها بموقف الحركات الإسلامية في الخارج ، فليس صحيحا أن الحدث والموقف منه جاء بصورة ثابتة منذ البداية .

هنا تكمن مشكلة القراءات المتأخرة من دون التنبه لتفاصيل ردة الفعل لمن تابع الأحداث بكل تفاصيلها ، فلا يمكن مثلا الآن أن يختزل موقف التيار الإسلامي من 11 أيلول (سبتمبر) بأنه كان مع أو ضد ، فهناك تفاصيل كثيرة ، حتى موقف كل تيار نفسه يتغير بمرور الوقت .

في مرحلة الجزر الفكرية المعزولة محليا كان من المعتاد أن نجد أفرادا ونخبأ من كل تيار محلي يجهل تفاصيل نشاط وخطاب التيار الآخر ما يوجد حالة من التصورات غير الدقيقة عن الآخر ومن حسن الحظ أن أكون تجنيت هذا الخلل، فقد تابعت في حينها كل الأطروحات والاتجاهات المحلية بشئ من الاستغراق

وهو ما يساعد على تصور روح اللحظة التاريخية التي كانت ضرورية لتحقيق قدر من الموضوعية ، أما من يريد محاكمة خطاب الماضي بمعايير الوقت الحاضر من دون اعتبار فارق الزمن فهو تجن كبير وقراءة مبتورة حيث إن ميراث الفترة الماضية احتفظ بكثير من المواد المسموعة والمكتوبة عنها .

كان أول ما يلفت النظر ضعف الخبرة السياسية عند التيار الإسلامي في رؤية القضايا الدولية وتحليلها.في البداية لم يظهر شكل الموقف من الحدث مباشرة سوى التعاطف الإنساني ومساعدة النازحين من الإخوة الكويتيين ، وذهاب شباب الصحوة إلى الحدود والمخاطرة في الصحراء لإنقاذ الأسر ، وقد أشارت بعض الصحف إلى ذلك ، وأشرطة الكاسيت التي تناولته لأخذ العبرة والعظة مما يحدث .

موقف الإسلاميين من البعث العراقي ومن صدام حسين قبل الغزو معروف مقابل المرحلة التي كان الموقف الرسمي داعما للعراق ضد إيران ونخب مثقفة محلية تشيد به وهذا الموقف تشكل خلال المواجهة مع الحداثيين وأتباع حزب البعث

لذا من غير الممكن توقع أى تأييد لهذا الغزو من جميع أطياف التيار الإسلامي المحلي منذ اللحظة الأولي ، وبدا الحدث فرصة لدعاة الصحوة لأخذ حريتهم في الهجوم على البعثيين والنظام العراقي علنا ، حيث لم يكن متاحا التوسع في هذا النقد قبل سنوات .

كان الإعلام السعودي في أسوأ حالاته تاريخيا منذ بداية مرحلة الوزير على الشاعر في الثمانينيات ، فلم يكن قادرا على تغطية الأحداث بالصورة التي تشبع تطلعات المجتمع وتسارع الأحداث وبقدر من الصدقية

لأن هذا يتطلب تفسيرات وتحليلات موسعة تتناسب مع كثافة الأخبار اليومية ، فالأداء التقليدي والقيود الرسمية أخذت وقتا طويلا للتكيف مع المتغيرات السريعة واستيعابها ؛

مقابل ذلك كان الخطاب الديني الجديد الممثل برموز الصحوة ودعاتها أمام متغير جديد يتطلب منهم التفاعل مع الحدث ، تساؤلات جمهور من المجتمع الذي تعرض لصدمة نفسية كبيرة عززت حالة الروحانية والتوبة ، والحاجة إلى رأي الدعاة والمشايخ .

في البداية كان تفاعل الدعاة في توظيف الحدث دعويا ، وهذا من أولويات أى واعظ في حث الناس على العودة إلى الله ، مقابل ضعف الإعلام في كسب المجتمع ، كان إعلام الكاسيت في أحسن حالاته وأكثر حرية من الإعلام والصحافة في تلك المرحلة

وسهل الانتشار لذا يستمع له غالبية المجتمع ومن مختلف الشرائح ، وهو بعيد عن التحكم الرسمي في مادته وتوجيهه ، فالخطاب الشفهي على آلاف المنابر في المساجد يصعب التحكم فيه فضلا عن وجود آلاف المواعظ المرتجلة بعد الصلوات أحيانا ما يصعب التحكم فيها عمليا .

أغلب الآراء السياسية عند الخطاب الدعوى لا تختلف كثيرا عن الخطاب الإسلامي السائد في نظرته المثالية للسياسة في ما يجب وما لا يجب من دون اعتبار لمفاهيم السياسة المعاصرة المحكومة بمنطق القوة والرؤية المصلحية ؛

ومع ذلك فالصحوة السياسية بدأت فعليا عبر مجموعة محاضرات وخطب لعدد من الرموز خلال مضاعفات الأزمة ، ولم يكن في تلك الفترة تلفزيون يغرى بخطابه السياسي والإعلامي ويشبع التساؤلات ، أو صحف تقوم بمهمة التنوير بقدر من الشفافية التي تحترم عقل القارئ مع وجود أحداث كبري في المنطقة ؛

لهذا عندما بدأ الكاسيت السياسي بالوجود ، متحررا من بعض القيود الإعلامية وبروتوكولاتها ، فقد فرض نفسه واستمع له الكثيرون حتى لو لم يسمح به رسميا ، هذه الحرية الخطابية الجريئة أحدثت موجة جذب وإغراء هائلة لجمهور لا يعرف الصحوة الدينية من قبل ؛

حتى إن هناك من التحق بموجة التدين عن طريق السياسة بعد هذا الكاسيت أو ذاك ، والمعتاد أن يدخل الفرد موجة التدين بعد موعظة بليغة عن عذاب الآخرة أو القبر لكن هؤلاء جذبهم " عذاب السياسة".

كانت بدايات الطرح السياسي مقبولة بحكم أزمة الكويت ، فيمكن تفهمها ، لكن إغراء الحي السياسي وإثارته للجمهور فتح شهية بعض الدعاة بأن يمزجوا بين الوعظ الديني والوعظ السياسي ورؤية العالم من خلال قصاصة هنا وفاكس هناك.

لقد كان التنظير ينقصه قدر من منطق الفكر السياسي المعاصر والوعي بقوانين العلاقات الدولية وضرورة عدم إغفال ميزان القوى والمصالح وخطورة شحن الجمهور بأمور ومثاليات غير ممكنة

وليست المشكلة في الحديث والتطرق إلى السياسة بقدر ما إن هناك أخطاء جوهرية رافقت هذا التنظير ، وعدم التنبه إلى أن الجمهور سيختلط في ذهنه الدين بالسياسة ، فيتعامل مع التحليل والتنظير السياسي الذي تغلب عليه الظنيات والتخمينات

كما يتعامل مع الدين الذي هو آراء قطعية في نظره فوقع الجمهور بفخ الوثوقية لمجرد سماعة هذا الشريط أو ذاك ، والكثير منهم ليس لديه متابعات جادة لما يطرح في السوق ووسائل الإعلام المختلفة .

وكانت الخطورة تكمن أيضا في أن الصحوة تحث جمهورها المتزايد على مقاطعة وسائل الإعلام الأخرى والزهد بها سواء بالفتاوى الصريحة أو المبطنة هذا العزل الذهني ولّد تعصبا مذهبيا في السياسة ؛

فبات الحق هو ما يقوله أشياخهم في قضايا لا يمكن لأحد أن يحسمها لكثرة متغيراتها ، لكن هؤلاء الصغار حسمت في أذهانهم وأوجدوا عالمهم الخاص عن الوضع الدولي ، يحلّلون وينظرون من خلاله كل شئ لتحديد الصواب والخطأ ، وما يجب وما لا يجب .

في تلك الأجواء بدأت تظهر المعارضة الإسلامية التي ولدت من رحم الصحوة ولن تتوسع هنا في الحديث عنها ، لكن جمهور الصحوة الكبير تعاطف معها أو سكت عنها أو أيدها مباشرة بحكم أنها معبرة عن أيديولوجيا الصحوة نفسها وكان هذا يعني ضمنا أن الصحوة ربيبة هذا المجتمع في مرحلتها الأولي في عهد سابق

حيث أصبحت في معسكر مقابل للدولة والمجتمع ، بمعني أنها نقلت جمهورا عريضا في معسكر المعارضة من دون أن يشعر ماذا يعني ذلك على أرض الواقع ؟

ومن ذلك الوقت بدأت المشكلات الدينية والسياسية والاجتماعية التي لم تنته بعد ، ومع سرعة التطورات وتزايد الجمهور واقتراب زمن التصادم الحتمي ، بدأ خطاب الصحوة السياسي يتحدث عن هموم الفرد الدنيوية وحقوقه المعيشية

وهو في الواقع اهتمام متأخر جدا ، فرضته ظروف المعركة أكثر من أن تكون في صلب اهتمام الفكر الديني ، فلم تكن الصحوة تعني بهموم البطالة ومشكلات المواطن اليومية ، بل كانت هذه القضايا من خصوصيات الصحافة ، ويترفع عن الحديث عنها الشيوخ الرسميون وغيرهم .

الفكر الديني الرسمي والصحوة كان مشغولين في تأمين حياة الفرد الأخروية أكثر من الدنيوية ، وتهذيب أخلاقه وتقويم عبادته ، هذه حقيقة ، والحقيقة الأخري أن جزءا كبيرا من جمهور الصحوة في مرحلتها الأولي يعرف تفاصيل وهموم الإنسان الأفغاني مثلا أكثر من هموم الإنسان السعودي اليومية ، بحكم الإعلام الإغائي لسنوات طويلة أثناء الأزمة الأفغانية

والاهتمام بتأمين الحياة الأخروية ليس عيبا ، إنما هو هدف نبيل وجزء أصيل من رسالة الإسلام ، بل هو الأهم في أدبيات الإسلام فليست الدنيا دار مقر ، وصلب الرسالة الوعظية تزهد بالدنيا وعدم الانشغال بها

لكن العيب هو أن يتظاهر البعض في الوقت الضائع باهتمامه بقضايا ليست من مكونات خطابه في مرحلة سبقت ثم يأتي ليزايد على الآخرين بقضايا هامشية في رسالته ومشروعه الذي انطلق منه .

كان الجدل حول مشروعية الاستعانة بالقوات الأجنبية بدأ وأثير في الخارج قبل الداخل عندما طرحت إذاعة إعلام صدام هذه القضية ومع ضجيج التظاهرات وموقف العديد من الحركات الإسلامية ورموزها المفاجئة تبعا لانقسام الصف العربي من حكومات وأحزاب

حيث تعاملت دول وأحزاب قومية وإسلامية بانتهازية مع الأزمة ، وكشفت حقيقة وصدقية هذه الجهات وكانت الصدمة أكبر ، بالنسبة إلى السعوديين للجهات التي كانت تتلقي دعما كبيرا سياسيا وماليا .

في الداخل السعودي اعتاد المجتمع في أى قضية سياسية ألا يسمع إلا رأيا واحدا ، حيث لا يوجد خطاب إعلامي متعدد الآراء ومستقل ، فالتعدد المتاح لا يكون إلا في قضايا هامشية وإجرائية خدمية

لكن الشأن السياسي داخليا وخارجيا هو رأي واحد يعبّر عن الموقف الرسمي في كل تفاصيله مع هامش في التعليق عليه تأييدا ، وفقا لقدرات الكاتب والجريدة لم يوجد في هذه المرحلة تيار يملك حضورا شعبيا بتيار الصحوة

وحتى الإنسان السعودي الحكومي التقليدي بافتراض أنه تيار أكبر كان يري دائما أنه صنع تحت رعاية الدولة ، وتأثر بالمد الديني وبدأ يشكل موقفا فيه بعض الاختلاف المحدود.

ظهر موضوع الاستعانة بالقوات الأجنبية (الكافرة) دينيا أثناء تلك الأيام ليس بسبب الداخل والتيار الديني ، وإنما لأن الإعلام العراقي طرح هذه الإشكالية ، فكان صدور رأي ديني رسمي ضرورة سياسية فرضها الخارج وليس الداخل

وجاء البيان الشهير من هيئة كبار العلماء كما هو متوقع التأييد ، لكن صياغته الفقهية للمتابع لم تكن بحجم الحدث والقضية ، فنشر هذا البيان في الصحف والإذاعة والتلفزيون وفي بعض الخطب والمحاضرات

وفي تلك اللحظة لم يكن المجتمع السعودي مهموما بالمشكل الشرعي بقدر اهتمامه بمتابعة تطورات الأحداث ،وعندما تقرر الحكومة ويأتي التأييد من العلماء الرسميين وخاصة الكبار منهم ، فالموضوع سيكون محسوما في نظر الكثيرين

وهو ما حدث ، وبما أن السعوديين ومنهم الصحوة غير معتادين على متابعة أى جدل ديني وفكري في الخارج ، فمن الناحية الدينية تشكلت ذهنية السعوديين ، على أن الثقة الفقهية والدينية في علماء السعودية ، حتى تيار الفحص

والتدقيق على الطريقة المحلية ، ولهذا الشعور أسباب تاريخية تزامنت مع الشعور بنقاء المعتقد الديني مقارنة بالآخرين ، لهذا فإن أغلبية المجتمع لم تكن على اطلاع بالجدل الديني حول مشروعية الاستعانة بالكفار ، وتدنيس بلاد الحرمين كما تقوله الآلة الدعائية لمؤيدي صدام حسين .

انتشر في ذلك الوقت الحديث عن مذكرة " وعد كيسينجر " لسفر الحوالي ، كرؤية خاصة يقدمها للعلماء ورسالة يوضح بها بعض الحقائق ، ولا أريد مناقشة مضمونها هنا لكن لاحظت أن للموضوع بعد تهويليا من أطراف عدة ، فالإسلاميون بالغوا في مديحه وتصويره وكأنه تقرير معد من أكبر مراكز البحث في العالم في رؤيته للأحداث

وخصوم الحوالي الذين تكاثروا بعد الأزمة بالغوا في تصوير التقرير وكأنه مشروع سياسي مناهض للدولة ومؤامرة عليها ودلالة على التمرد . مع أن الذي قرأه لا يشعر بصدقية هذا التهويل ، فقد كان خطاب الحوالي أكثر هدوءا وغير متعجّل ومشحون في محاضراته ودروسه مقارنة بغيره من الدعاة

وأنا أكتب هذا الرأي ليس انطباعا فارغا، وإنما متابعة دقيقة في حينها لكل ما أنتجه من خطاب وغيره من الرموز الدينية ، وليس من خلال عينة لشريط أو دعاة الصحوة يعتبر أفضل منهم في ثقافته السياسية في ذلك الوقت

لكن أي مثقف سياسي لديه بعض الخبرة في التحليلات السياسية سيجد العديد من الأخطاء المتوقع حدوثها عادة من العلماء الشرعيين في رؤيتهم للأمور السياسية كان أيضا هناك انتشار لشريط الشيخ الألباني عن الأزمة ورأيه أحداث إرباكا أكبر عند التيار الديني ، والألباني له أهمية سلفية واحترام عند جمهور الصحوة ، والتيار السلفي التقليدي .

كان تصعيد الموضوع وتحوّله في الخارج إلى قضية متاجرة دينية ، ومؤتمرات وتظاهرات ، وأحزاب إسلامية مؤيدة لصدام وتشويه مبالغ فيه للسعودية ، وكأن الأمريكان داخل الحرم المكي؛

ومع تداول اسم سفر الحوالي في الصحافة الأمريكية أصبح الموضوع أكثر حساسية في نظر الحكومة داخليا ، وهو ما لم يدركه تيار الصحوة ورموزه ، موقف الصحوة عامة لم يكن معارضا بحدة لمسألة حضور القوات الأجنبية ؛هناك بعض التحفظات بدأت تظهر من البعض تبدو من عدم الحماسة لبيان هيئة كبار العلماء يمكن تفسيرها بوجود إشكال وضعف فقهي في صياغة البيان .

كان مجرد ضعف التأييد وعدم التصريح بوضوح بالوقوف مع رأي بيان هيئة كبار العلماء وموقف الدولة ، يعتبر تمردا خطيرا في نظر الجهات الرسمية ، مكانة كبار العلماء الرسميين مثل (ابن باز) و(ابن عثيمين) قوية عند جمهور الصحوة والمجتمع

ومن المفترض أن تخفف هذه المكانة شيئا من التأثير السلبي لهذه التحفظات المؤدية حينها ، فالصمت يمكن قبوله طالما أنه لم يتحول إلى صوت رافض وغاضب ، جاءت المحاضرة الشهيرة " ففرّوا إلى الله " لسفر الحوالي في جامع الملك خالد ؛

حيث اشتهرت المحاضرة وكأنها إعلان رفض علني لقدوم هذه القوات ، وفي مجتمع ونخب دينية إعلامية وثقافية لا تجرؤ على قول رأي آخر في مسائل مهمة ، فكانت ردود الفعل المتشنجة ضد الشريط أكبر من المضمون الحقيقي للمحاضرة نفسها

حيث تم تصويره وكأنه جزء من مؤامرة كبرى خاصة من التيار الجامعي المعلن بأشرطة كاسيت وكتب ومنشورات ، حيث بالغوا في التهويل ثم جاءت بعض الكتابات المتأخرة التي لم تكن تدرك سياق تفاصيل ما حدث وما قيل فعلا وهو أسلوب غير أمين في تدوين الحقائق .

كان مضمون الشريط في أغلبه وعظيا ، كما هو المعتاد عند الخطاب السلفي ، فموضوعها "ففروا إلى الله " وفي بعض أجزائها كلام مؤدب عن الاختلاف بين العلماء في القضايا الفقهية ، ثم الإشارة إلى أنه من مصلحتنا أمام الغرب أن يكون لنا رأيان كما يوجد عندهم ..

هذه رؤية تقدمية ، ولغة الشريط هادئة جدا ومنضبطة، ولا يوجد فيها نزعة تصعيد سياسي وتجييش للشباب وسأتناول موضوع الشريط لاحقا .

وللأمانة التاريخية لم يكن موضوع القوات الأجنبية ذا أهمية كبري في تلك اللحظة عند الأغلب من تيار الصحوة وإنما هو اهتمام شريحة محددة للشباب الجهادي وهم أقلية جدا ، وتطور الموقف معهم بمسار خاص خلال سنوات عدة خرج منه تنظيم القاعدة في ما بعد .

تطّور فكر المعارضة داخل تيار الصحوة ضد وجود هذه القوات جاء من خلال أعداد مجلة السنة خلال الأزمة ، وكانت كتابات محمد سرور زين العابدين وآخرين فيها تصعيد بارز في الأزمة والسخرية السياسية الحادة وهذا الموقف لا علاقة له بموقف تيار السرورية في الداخل كما يتوهم كثيرون بل إن السروريين بوجه عام كانوا ضد تصعيد بعض الدعاة في ما بعد ، فمشروعهم الدعوى والتربوي يتعارض مع أى رغبة في الصدام .

جاءت تظاهرة قيادة المرأة للسيارة ، وأعادت تلاحم التيار الإسلامي بقوة بالعلماء الرسميين ورموز الصحوة ، وتم توظيف الحدث كاملا في تحذير المجتمع من مؤامرات التغريب ، وإضافة صدقية لتحذيرات الدعاة والوعاظ في السابق عن خطط العلمانيين للاستفادة من وجود القوات الأجنبية والتآمر معهم

حيث أصبح أمامهم حدث حقيقي اهتمت به وسائل الإعلام الأمريكية ، انتهت الحرب سريعا وبنجاح أمريكي مبهر في تحرير الكويت وعرض عسكري متلفز على قناة الـ سي . إن . إن لكل تفاصيل الحرب ، حيث دشنت مرحلة جديدة لعصر أمريكي وإعلامي آخر .

ولا شك أن هذا النجاح في التحرير كما إنه أثر في نفسية غالبية الشعب الكويتي في التعاطف مع أمريكا وكره من ينتقدها بمن فيهم التيار الإسلامي الكويتي فإن نظرة بعض السعوديين لأمريكا تغيرت وخاصة لبوش الأب ، وعبرت بعض المقالات عن هذه التحولات الفكرية في التبشير بعصر أمريكي ونظام عالمي جديد .

انتهت الحرب ، لكن في السعودية استمرت معارك الإصلاح ومناوراتها بين الدولة والتيار الإسلامي فخرج خطاب المطالب الذي وقع عليه المئات من التيار الإسلامي ووزع كمنشور بشكل واسع

ثم جاءت مذكرة النصيحة وكانت ردة فعل من تيار الصحوة لصدور عريضة مدنية قبلها من نخب مثقفة وأخذ التصعيد بين الجهات الرسمية وتيار الصحوة في الاستمرار بصورة أقوي، ففي ظل محاولة إعادة ترتيب أوضاع النشاط الإسلامي في الداخل وتحجيم تأثيره بخطوات هادئة

بعد شعور الجهات الرسمية بخطورة ما حدث في الحرب وبروز التيار الإسلامي كقوة يصعب السيطرة عليه بالأوامر والخطابات فقد كان العلماء الرسميون يرون أهمية الاستجابة للتوجيهات والأوامر والضوابط في الخطب والمحاضرات وكان بعض دعاة ورموز الصحوة لديهم بعض التحفظ والمقاومة في الاستجابة لهذه التوجيهات .

انشغل خطاب الصحوة في هذه المرحلة أيضا في بعض بقايا الأزمة الأفغانية وسقوط كابول ، ثم الحرب بين المجاهدين أنفسهم وشكلت انقسامات فكرية وفقهية واضحة المعالم في الداخل يدركها الخاصة ، وليس بارزا هذا الخلاف للجمهور

ثم جاءت قضية الشيشان والبوسنة والهرسك ، وقدم فيها خطاب الصحوة في قضايا الجهاد مشابها لخطاب الثمانينيات لكن هذه المرة هناك موقف سلبي جدا من أمريكا من خلال أخبار وتقارير مختلفة مقارنة بأيام الجهاد الأفغاني .

استمرت الجهات الرسمية في ضبط نشاط التيار الإسلامي وتعاملت مع موضوع البوسنة والهرسك والشيشان والتبرعات التي تقدم بقدر أكبر من المتابعة وضبط حركة الأمور مقارنة بمرحلة الثمانينيات .

في هذه المرحلة برزت نزعة جديدة تبدو رغبة رسمية وهي محاولة " وهبنة " تيار الصحوة بصورة أوضح ، وإعادة الاعتبار للفكر الوهابي وعلماء الدعوة بقيادة الشيخ صالح آل شيخ ، حيث قدم العديد من الدروس والمحاضرات في شرح فكر أئمة الدعوة ، ومسائل التوحيد وكانت هذه الدروس تتسم بالعلمية والنضج

لولا إشكالية أنها جاءت في سياق ومرحلة غير بريئة ومحاولة لتنظيف الساحة من أى فكر حركي متأثر برموز الحركات المعاصرة ، حتى إنه بدأ حظر العناوين العصرية لأى محاضرة ودرس وكلمة وعظية والتشديد على أن يكون العناوين تقليديا على طريقة العلماء التقليديين !

ومع هذا الاتجاه غيرت مباشرة مناهج الثقافة الإسلامية لدعاة ومفكرين إسلاميين مثل مناع القطان ومحمد قطب ، ليصبح من تأليف الشيخ صالح الفوزان . في هذه المرحلة كانت جهود من أطلق عليهم " الجامية " مستمر في التشويش على كل مناشط الصحوة والتشكيك بها ، بما فيها حلق تحفيظ القرآن والمراكز الصيفية .

ومع أن التيار لا يملك شعبية داخل المجتمع إلا أنه أحدث بعض التشويش والخلافات في حركة الصحوة حيث يتم دعمه إعلاميا ورسميا في بعض الحالات . نجح هذا الاتجاه في إعلان التصنيفات لكل الرموز الدعوية في تيار الصحوة ، ويتم هذا التصنيف عادة بشكل حاسم وحاد عن طريق كثرة الردود والرسائل ورصد أى ملاحظة وخطأ وفق المعيار السلفي الخاص بهم .

كانت معركتهم شرسة من أجل تشويه من تتهمه بأنه من السروريين أو الإخوان المسلمين .هذا التشويه استعملت فيه أسلحة متنوعة ، بما فيها محاولة إشراك الشيخ الألباني في القضية وهو المعروف بموقفه من الإخوان المسلمين .

تطورت عملية التشويه لدرجة أن الشيخ ابن باز قدم بيانا حول المشكلة لكنه عام وغير محدّد، وهي نصيحة لعدم التعرض للعلماء والدعاة ، ونشر إعلاميا في الصحف ، حتى نشرة الأخبار من أجل توظيفه ضد الصحوة

حيث بدأت ظاهرة الحديث عن العلماء الرسميين ونقدهم، وفي المقابل فتيار الصحوة أيضا رحب به ، وصدرت محاضرات ودروس مخصصة لهذا البيان لتوجيهه ضد الذين انتقدوهم من التيار الجامي وهو في الواقع جاء نتيجة مبالغات التيار الجامي في نقده لرموز الصحوة وتبديعهم وكأنهم دعاة بدعة ما أغضب الكثير من العلماء المعتدلين والرسميين

وصدر أيضا خلال الأزمة كتيب للشيخ بكر أبو زيد ضد التصنيف استفاد منه تيار الصحوة في معركته ضد الجامية ، وانتشرت رسالة أخري له أيضا في الدفاع عن سيد قطب ومبالغات الشيخ ربيع المدخلي .

حدثت تطورات كثيرة للمعارضة الإسلامية الناشئة من خلال مسار لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية ، ومع استمرار التصعيد خاصة من الشيخ سلمان العودة في دروسه ومحاضراته ، جاءت مرحلة الإيقاف ثم الاعتقال ومظاهرة مدينة بريدة الشهيرة

وما حدث بعدها من اعتقالات واسعة حدثت في ما بعد تفجيرات العليا والخبر ، فكانت الاستراتيجية الإعلامية أخذت مسارا رسميا بكل تفاصيله وجاءت نهايات هذا المرحلة برغبة رسمية جادة في امتصاص الأزمة السابقة وإغلاق ملفاتها فظهرت مراجعات من داخل التيار نفسه لتشددهم

وبدأت مظاهر خطاب تنويري ، ومع ذلك فقد حافظت الصحوة بتيارها العريض على الكثير من سماتها وخطابها ونشاطها أكدته بدايات مرحلة الإنترنت والمنتديات .

(5) عولمة الأزمة الدينية السعودية (2001 -....م)

في المرحلة التي كان الجميع ينتظر فيها نهاية ملف التسعينيات وخلافات تيار الصحوة مع الحكومة بعد خمسة أعوام ، بعد عودة الهدوء إلى الساحة المحلية والخطاب الديني ، وظهور بعض ملامح التراجعات والمصالحات التي تمت بين الطرفين ، أعجب الكثيرون بقدرة الدولة على امتصاص الأزمة

حيث تهمش نشاط المعارضة الإسلامية في الخارج ، وهيأت الأجواء لعودة رموز الصحوة إلى الساحة بوجه جديد وصفقة خضعت للتكهنات في حينها ، وبدأ تيار الصحوة يقدم خطابا هادئا يميل إلى الوعظ التربوي والاجتماعي بعيدا عن السياسي .

قبل أحداث أيلول (سبتمبر) كانت هناك انتفاضة القدس ، وصورة محمد الدرة ، مع نشيد " وين الملايين "؟ الذي ألهب المشاعر العربية والإسلامية في عصر الفضائيات وقناة الجزيرة ، وما أوجد أوضاعا ساخنة جديدة ومشحونة محليا ليس بسبب كاسيت الصحوة هذه المرة ، وإنما منتديات النت والفضائيات !

الحدث الآخر الذي أثر في التيار الديني المحلي هو مسألة هدم طالبان لصنمي بوذا والموقف من ذلك ، حيث أحدثت حوارا فكريا ساخنا وخلافات واتهامات بين الإسلاميين . الجديد في هذا الجدل والخلال أنه خارج التحكم والسيطرة ليس كما كان يتم في السابق ، فظهرت أسماء جديدة كان لمنتديات الإنترنت دور في ذلك ؛

وخلال هذه الأحداث تشكلت أقلام تنويرية نقدية للتيار الإسلامي من اتجاهات مختلفة ، استطاعت ضبط بوصلة الحوار وتوجيهه في كثر من الحالات وفرضت نفسها ، وكان يمكن أن تسير الأمور وفق ما هو مخطط لها في تصحيح أخطاء الماضي ، لكن التاريخ يسير وفق قوانينه الخاصة

ويؤكد أن الأخطاء السياسية قد يتم دفع ضريبتها بصورة لا يتوقعها أحد بما فيها القوى العظمي بإمكانياتها الضخمة ، ففي الوقت الذي كان البعض يصفق لنجاح الإحتواء والتأديب الأمني الصارم

تفجرت رواسب ومخلفات أزمة التسعينيات المدفونة هذه المرة دوليا وعلى مسرح عالمي قسمت الزمن إلى زمنين والعالم إلى عالمين وجاءت أحداث 11 أيلول (سبتمبر) بأسئلتها الكبرى للحاضر والماضي والمستقبل ، وخلط التاريخ بالجغرافيا ، والدين بالسياسة ، بتوقيع خمسة عشر سعوديا شاركوا في تنفيذ الحدث !

أصبحت الحكومة والتيار الديني معا في مواجهة أزمتهم بعد عولمتها ودخول مؤثرات جديدة إعلامية وسياسية وستكون الحسابات مختلفة للجميع طالما أن المستهدف هذه المرة دولة بحجم الولايات المتحدة في البدايات حدث ارتباك شديد في الداخل السعودي حول إدارة المشكلة وفي بلورة خطاب إعلامي

لأن هذه الحادثة وطريقة تناولها ستختلف عن كل ما سبق في ظروفها ونوعيتها فلم يستطع التيار الحكومي التقليدي ومن يرغب في تمثيل هذا الدور أن يتكسب سريعا من الأزمة ، حيث اختلط الكثير من الأوراق

فهذه المرة تعرضت الوهابية ذاتها إلى نقد واتهامات مباشرة انطلقت من الأوساط الغربية والأمريكية ، وكان مشروع وهبنة خطاب التيار الديني مع بداية التسعينيات مستمرا بحجة أن فكر الحركات الإسلامية وخاصة الإخوان المسلمين

وهو السبب في حدوث التوتر بين الصحوة والحكومة ، فإذا بصاحب هذه الفكرة يجدها المتهمة الأولي في نظر الغرب الأمريكي وحملة تاريخية ضد السلفية الوهابية .

تشكل السلفية الجهادية منذ سنوات كان واضح المعالم ، واستعمله تنظيم القاعدة في خطابه ورسائله هذا الإشكال لا يزال يتطلب محامين ومفكرين من نوع خاص ، وعلى مستوى مرتفع من إدراك التفاصيل والخلل الموجود في الخطاب السلفي في تصحيح الذات ومواجهة حملات الآخر .

لم يتمكن الإعلام من ضبط رؤيته الاستراتيجية منذ بداية الأزمة ، وارتبك الخطاب الرسمي كثيرا ، مع وجود المؤثرات الجماهيرية الكثيرة من انترنت وفضائيات ومادة إعلامية مكثفة وأخبار وتقارير ومقالات ودراسات غربية تتجه إلى التفكير في عمق التفاصيل السعودية المتسترة والغامضة وتسليط الضوء عليها .

خطاب تيار الصحوة هو الآخر تعرّض لأزمة في رؤيته الدينية وعجز عن الحسم الواضح في الموقف ، فهو لا يريد أن يدين الحدث بالصورة التي تشترطها ظروف اللحظة وفي الوقت نفسه لا يرغب في مثل هذا الاندفاع والصدام مع العالم وتعريض المصالح الإسلامية للخطر

وهذا أدي إلى الحدث وكانت هناك صعوبة بالغة في صياغة خطاب متماسك شرعيا وحركيا وسياسيا ، فمع مرور الوقت حدثت تغيرات فكرية متسارعة ، أدت إلى حدوث موجة تطرف جديدة من داخل التيار الإسلامي نفسه من خلال الإعجاب الشديد بشخصية ابن لادن كمجاهد كبير ؛ وأصبح خطاب منظري القاعدة في النت،أو ظهور زعماء القاعدة أقوى تأثيرا في بعض الشباب من دعاة الصحوة والعلماء الرسميين .

تأثير رموز الصحوة الكبار أخذ يضعف ، وزادت جماهيرية آخرين وقفوا مع القاعدة وطالبان بصورة صريحة ، إنها مرحلة تيه حقيقة لرواد الصحوة وصناع اتجاهها وبخاصة خلال غزو إسقاط نظام طالبان ، ثم غزو العراق

ثم شعرت هذه النخب بخطورة الموقف متأخرة، وإن هناك بالفعل من انخرط في مسار العنف فخرج بيان مهم لم يتنبه له الإعلام ومنتديات النت حينها وطبع في التحذير من هذا المسار ، وتكمن أهميته أنه سبق أحداث أيار (مايو) 2003م ، ما يوحي بالشعور بالخطر ، ثم إن الموقعّين عليه يمثلون أسماء قيادية في تيار الصحوة .

جاءت أحداث العنف الداخلية ، وصنعت خطابا إعلاميا ودينيا مختلفا في حدته وصداميته بين الأطراف المختلفة ، لقد استمرت هذه المرحلة ، وما زالت تتشكل بانتظار أزمة وحدث تاريخي آخرا .

خطاب الفقيه

إن إدراك طبيعة الخطاب الديني المحلي وآليات التفكير والاستنباط يرتبط أساسا بمضمون المعرفة التي يتلقونها وطريقة التعليم وتقاليده التاريخية ، ومن خلال تأمل المنهج والرؤية الفقهية التي يسير عليها علماء هذه المنطقة

ومما يسهل هذه المهمة أنه لا يوجد متغيرات جذرية في آلياتها البحثية ومضمون المادة العلمية التي يتلقاها طالب العلم الشرعي ومن يسير في اتجاه المشيخة ومتطلباتها على الرغم من ضخامة المتغيرات في حياة اليوم .

لقد حافظت السلفية في السعودية على تقاليد تاريخية في تحصيل العلم الديني ، وبعض المراجع استمرت منذ قرون عدة ، ولم توجد اختلافات جوهرية في نوعية الكتب وطريقة التلقين والتدرج العلمي الذي يتخذ مسارات متشابهة مع وجود اختلافات طفيفة بين شيخ وآخر ، وفقا لإمكانياته العلمية وعدد الطلاب وظروفه الشخصية .

الحفظ له أولوية قصوى للتقدم في طلب العلم الشرعي ، وفي كل مجال أو فن من الفتون تتوفر متون خاصة للحفظ ، من خلال صياغة متن مختصر جدا أو منظومة على شكل أبيات في الفرائض واللغة والفقه .

يلخص الشيخ بكر أبو زيد في حلية طالب العلم هذا التدرج : " وقد كان الطالب في قطرنا بعد مرحلة الكتاتيب والأخذ بحفظ القرآن الكريم يمر بمراحل ثلاث لدي المشايخ في دروس المساجد : للمبتدئين ثم المتوسطين ثم المتمكنين "

وفي التوحيد ثلاثة: الأصول وأدلتها والقواعد الأربع ، ثم كشف الشبهات ، ثم كتاب التوحيد أربعة للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله هذا في توحيد العبادة . وفي توحيد الأسماء والصفات : العقيدة الواسطية ثم الحموية ثم التدمرية ، وثلاثتها لشيخ الإسلام (ابن تيمية) رحمه الله تعالي ، ثم الطحاوية مع شرحها .

وفي النحو: الأجرومية ثم ملحة الإعراب لـ (الحريري) ثم قطر الندي لـ(ابن هشام) أو ألفيه ابن مالك مع شرحها لابن عقيل .

وفي الحديث الأربعين لـ (النووي)، ثم عمدة الأحكام لـ (المقدسي) ثم بلوغ المرام لـ (ابن حجر) والمنتقي لـ (ابن تيمية) وفي المصطلح نخبة الفكر لـ (ابن حجر) ثم ألفيه العراقي ، رحمه الله .

وفي الفقه مثلا آداب المشي إلى الصلاة للشيخ (محمد بن عبد الوهاب) ثم زاد المستقنع لـ (الحجاوي) رحمه الله أو عمدة الفقه ثم المقنع للخلاف وكلاهما لـ (ابن قدامة) رحمه الله .وفي أصول الفقه الورقات لـ (الجويني) ثم روضة الناظر لـ (ابن قدامة).

وفي الفرائض : الرحيبة مع شروحها والفوائد الجلية ، وفي التفسير تفسير ابن كثير ، وفي أصول التفسير المقدمة لشيخ الإسلام (ابن تيمية) وفي السيرة النبوية مختصرها لـ (محمد بن عبد الوهاب) وأصلها لـ (ابن هشام) وفيه زاد المعاد لـ (ابن القيّم).

والقراءة في لسان العرب ، والقرأءة في القاموس للفيروز آبادي ، والعناية بالشعر كقراءة المعلقات السبع وسواها . وكانوا مع ذلك يأخذون بجرد المطولات ، مثل تاريخ ابن جرير وابن كثير وتفسيرهما ويركزون على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وكتب أئمة الدعوة وفتاواهم ، ولا سيما محرراتهم في الاعتقاد ؛

وهكذا كانت الأوقات عامرة بطلب العلم ومجالسه من بعد صلاة الفجر حتى ارتفاع الضحي ، ثم القيلولة قبيل صلاة الظهر ، وفي أعقاب جميع الصلوات الخمس تعقد الدروس .

مسار التعليم الديني

شرعت الدولة مبكرا في محاولة تنظيم التعليم الديني والتحول من نظام خلق المساجد إلى أسلوب التعليم الحديث مع الاحتفاظ بالمضمون العلمي لها ، حيث افتتحت دار التوحيد بالطائف عام 1942 م (1363هـ)، وعين فيها ثلاثة مدرسين سعوديين وجلب بقية الأساتذة من مصر وبلاد الشام؛

وجعلت مدة الدراسة فيها خمس سنوات ، وفيها يدرس الطلبة التفسير والحديث والفقه الحنبلي والأصول والمصطلح والتوحيد والفرائض والحساب والنحو والصرف والبلاغة والتاريخ والأدب وتجويد القرآن (شيخ أمين ، الحركة الأدبية في المملكة العربية السعودية)

وفي عام 1949م افتتحت كلية الشريعة ، ويدرس الطالب فيها أربع سنوات يتخرج بعدها قاضيا أو مفتيا أو مدرسا . وقد شكلت هذه البدايات المراحل الأولي للتعليم الثانوي والعالي وبدأت منه طلائع النخب الدينية الأولي محليا التي تعلمت بصورة نظامية وأسهمت في ما بعد في إدارة التعليم الديني والمشاركة في إدارة المؤسسات الدينية الحكومية .

هناك أيضا تعليم آخر لا تشرف عليه وزارة المعارف ولا تتدخل في أمره ويعرف بالمعاهد العلمية والكليات حيث كانت تشرف عليه السلطة الدينية التي يرأسها مفتي المملكة الشيخ محمد بن إبراهيم وقد أسس أول معهد عام 1370هـ - 1950م ثم توالت بعد ذلك فروع أخري في مدن مختلفة .

التحول إلى التعليم النظامي أخذ فترة انتقالية حتى نهاية الستينيات الميلادية، حيث أخذ التعليم النظامي مكانه كاملا وانحسر دور الحلق العلمية في المساجد ، وبقيت بعض حلق العلم لمشاهير من العلماء

كما ساهم انتشار التعليم النظامي وانتقال العلماء للتدريس فيها وخاصة المعاهد الدينية في تراجع دور هذه الحلقات وعدم تشجيع الحكومة لها لصالح التعليم النظامي ، لكن بدأت هذه الحلق العلمية تعود مرة أخرى ثم أخذت بالانتشار

وأصبحت مصدرا مهما لطلب العلم مصاحبا للتعليم النظامي ، وكانت العودة لها مرة أخرى رغبة في التحصيل على طريقة السلف الصالح ، والشعور ببركة هذا العلم عندهم مما قد لا تحققه الدراسة النظامية التي تأتي رغبة في الحصول على شهادة ووظيفة

وخلال الفترة الانتقالية كانت تحدث حوارات بين طلبة العلم والعلماء حول أفضل الطرق في تحصيل العلم ، هل الدراسة النظامية أم دروس العلم على أيدي المشايخ في المساجد؟

وتطورت آلية التوفيق بينهما عندهم في الجمع بين النظامين وضرورة حضور هذه الحلق العلمية ، ولم يعد الاكتفاء بالتعليم النظامي من دون التتلمذ على يد مشايخ في المساجد كافيا

بل أصبح ضرورة للوصول إلى درجة المشيخة،والحصول على تزكية من العلماء الكبار وصدقية شرعية في المستقبل ، وكلما ارتبط اسم التلميذ بأحد مشاهير العلماء كانت له صدقية وأهمية أكبر .

خلال أكثر من نصف قرن تشكلت رموز علمية أثرت في تشكيل الذهنية المحلية ، مع وجود تأثير لأساتذة عرب تم التعاقد معهم منذ الخمسينيات للتدريس بالمعاهد والكليات الشرعية

وكان بعض هؤلاء الأساتذة رموزا علمية وفكرية إسلامية في العالم العربي ، وربما لم تكن معروفة في ذلك الوقت لكن شهرتها جاءت في ما بعد، وسنشير إلى نماذج من بعض الأسماء لاحقا . أهم الأسماء العلمية التي أثرت في تشكيل الذهنية الدينية المحلية في إيجاد سمة محددة ومختلفة عند تلاميذهم منذ منتصف القرن الماضي .

سعد بن عتيق ، عبد الله بن عبد اللطيف ، محمد بن إبراهيم ، عمر بن سليم ، عبد الرحمن بن سعدي ، عبد العزيز بن باز ، محمد الأمين الشنقيطي ، محمد بن عثيمين ، عبد الرحمن الدوسري ... الخ .

لم يحدث تغير معرفي يستحق الذكر في مضامين المعرفة الدينية بين جيل قديم وجيل جديد ، باستثناء ما تفرضه متغيرات الحياة على المجتمع من معلومات جديدة حيث إنه حدث تطور عند دعاة وعلماء الصحوة في مستواهم الثقافي ومعرفتهم الحياتية كغيرهم من أفراد المجتمع الحديث

ما أدي إلى اختلاف في خطابهم حول شؤون المجتمع ومشكلاته ، لكنه ليس اختلافا في المنهج وتجديدا في الرؤية الفقهية ، بقدر ما هو في أسلوب الخطاب ، لم يحدث في المرحلة الانتقالية أى تطوّر فقهي في مضمون الآراء الدينية نحو التسامح على الرغم من وجود علماء ومفكرين إسلاميين عرب لهم حضورهم وأهميتهم في ذلك الوقت

حيث ظلت الرقابة الدينية على الآراء الفقهية مسيطرة على الأجواء تمنع من نشر آراء مخالفة للفقه السائد ، لهذا ظل تأثير الأسماء المهمة من الحركات الإسلامية محصورا في إيجاد وعي جديد بالقضايا الخارجية

والموقف من الأفكار والأيديولوجيات والأحزاب العربية ، حيث استفادت منهم السعودية في مواجهة القومية والناصرية ، مع إمكانية الاستفادة منهم في تطوير الوعي العام من جون الرغبة في تغيير جذري للرؤية الفقهية السائدة

وكان من المفترض أن يحدث هذا الوجود الكبير لأسماء علمية إسلامية من الخارج بعض التأثير الفقهي نحو التسامح لكن الذي حدث هو العكس ، حيث ظل المسار الفقهي محافظا وأحيانا متشددا أكثر من المستجدات كيف يمكن تفسير هذا الجمود وعدم التفاعل؟

بالنسبة إلى فكر الإخوان المسلمين فلم توجد لديهم مرجعيات علمية مؤثرة في الداخل مثلما حصل من تأثير سلفيين آخرين كالشنقيطي والألباني ولم تكن البيئة المحلية تتيح لهم المشاركة في الآراء حول المسائل المحلية وتقديم رأي فقهي حولها وحتى الذين كان لهم حضور شعبي إعلامي متسامح مثل الشيخ على الطنطاوي ، فإنه كان دائما يشير ويؤكد أنه لا يفتي في برنامجه ، وإنما يقدم آراء ونصائح .

التأثير الأهم للفكر الوافد كان في الوعي بالعالم من خلال منظور الثقافة الإسلامية الحديثة التي كان للإخوان المسلمين دور رئيس في بلورتها بما قدموه من إنتاج فكري ؛

حيث لم توجد أسماء فكرية أو علمية دينية سعودية قادرة على صناعة ثقافة خاصة ووعي بالعالم ، ولهذا انتشرت كتب الثقافة الإسلامية وروادها في المكتبات وينشر عنها في الصحف والمجلات في ذلك الوقت .

ولتأكيد قيمة تلك الرموز الفكرية الإسلامية في ذهن ذلك الجيل المحافظ والمستنير ، استحضر ما كتبه معالي الشيخ حسن آل الشيخ في خواطر جريئة :

" يومان من أمتع أيام العمر وأحفلها بالنفع والجدوى قضيتها مع شهيد الإسلام سيد قطب رحمه الله في كتابه الرائع معالم على الطريق ، وقد كان مع غيره من مؤلفاته ضمن محتويات مكتبتي .."

لم يكن متاحا للثقافة المعاصرة من علمانية وقومية واشتراكية وغيرها ، الحضور خلال عقود عدة بسبب ما تحجبه الرقابة من الدخول ما أضعف من مستوى الوعي والثقافة السائدة التي كانت بحاجة إلى تنوع الاطلاع على أفكار العصر ، مع أن مستوى الرقابة على الكتب اختلف من مرحلة إلى آخري إلا أن أغلب المراحل سيطرت عليها الرؤية المحافظة سياسيا ودينيا .

محتويات الفكر الديني الجديد

التكوين العلمي للنخب الدينية في السعودية محدّد المعالم ، ويأخذ عادة مسارا شبه محدد في أولوياته ، وقد أشرت سابقا إلى أهم مكونات المادة العلمية التي تؤسس للفقه المحلي ، هذه القولية ليست عفوية وإنما تمارس بوعي ، فالخروج عن النمط السائد يضر بالسمعة العلمية الشرعية لطالب العلم ومصالحه المستقبلية .

لم تكن الدراسات العليا في الجامعات الإسلامية تملك الرحابة العلمية مثل أى جامعة إسلامية في العالم العربي والإسلامي ، فالرقابة صارمة وتعتبر الخروج عن هذا المسار يثير البلبلة ويشوش على المجتمع .للرؤية الدينية المحلية مكانة خاصة تحولت مع الوقت من دون أن يشعر الجميع بثوابت معينة ، حيث لا يتم تصور الإسلام الصحيح من دونها .

مؤخرا بدأت تظهر مؤشرات الاستعداد لتعدد فقهي في بعض القضايا ، فرضته ظروف الانفتاح العالمي ، وهذا لا يمنع من وجود تميز خاص لأسماء معدودة من طلبة العلم الجدد من حيث اطلاعهم أو خصائص ذهنية في قوة الحفظ والاستنباط ، والاطلاع على أمهات التراث الإسلامي مما لا يكون شائعا في الأجواء العلمية .

وسأستعرض هنا بعض المصادر الأخرى الجديدة في تكوين ثقافة طالب العلم منذ منتصف السبعينيات ، أصبحت تميزه عن جيل العلماء التقليديين، وتعتمد هذه الثقافة على خصائص ذاتية عند الشيخ وطالب العلم ، وتعتبر أهم متغير في مكونات ثقافة تيار الصحوة في السعودية عن الجيل الذي سبقه .

هذه الكتب كانت موجودة ومقروءة قبيل ومع بدايات الصحوة في الثمانينيات في تكوين ثقافة إسلامية دعوية .الأجيال المتأخرة من الصحوة تغذت على كتيبات ومنتجات الصحوة من هذه الكتب العصرية أكثر من الأخيرة التي حجبت عنها وتهمشت مع بروز الكتيب السعودي من إنتاج الصحوة بتواضع محتواه العلمي والفكري وقلة الخبرة في التأليف

وضرورة أحيانا على الوعي العام ، نتيجة سوء إدارة في هذا الإنتاج وطباعة كل شئ فيتم تحويل المحاضرة والخطبة بسهولة إلى كتيب حيث أصبح جيل كتيب الصحوة أكثر ضعفا فكريا ، من جيل الكتاب الإسلامي الذي ألفه رموز إسلامية شهيرة في العالم الإسلامي .

كانت هذه الكتب المتاحة في السبعينيات والثمانينيات قبل انتشار الصحوة في المكتبات وتجد لها قراء من العامة أو الذين انخرطوا في نشاط إسلامي مثل لجان التوعية الإسلامية في التعليم العام ، فتكون من ضمن هذه الأنشطة قراءة بعض هذه الكتب .

(1) في كتب الدعوة

هذه ثقافة جديدة على التيار الديني المحلي ، جاءت من تأثير الحركات الإسلامية المعاصرة ولا يوجد لها مماثل في مؤلفات السلف ، وإن كانت هذه الثقافة تعتمد على بعض مقولاتهم وآثارهم وقد تميّز دعاة معاصرون في إنتاج ثقافة دعوية ، تزود الناشط في هذا المجال بالصبر عليه ، وتمده بالوعي للواقع وتحديات العصر وتحثه على ضرورة العمل للإسلام

وأفضل الوسائل للدعوة وإيصال رسالة الحق للناس بالحكمةة والموعظة الحسنة ، وعرض أساليب جديدة في مخاطبة الناس والأولويات ، وأهمية العمل الجماعي ومهارات إدارية للعمل الفردي والجماعي .

إنها ثقافة من نوع خاص للمربين والوعاظ والعاملين في الأنشطة الدعوية والإسلامية ، وقراءة أدبيات هذا المجال تزود الداعية بقدر من العقلانية في التعامل مع الناس والروحانية والهدوء النفسي وتحمل متاعب وعوائق الطريق في الدعوة إلى الله .

إنها ثقافة جديدة تستمد نهجها من الآيات والأحاديث ومقولات السلف الصالح ومشاهير العلماء ، مع قدر من الثقافة الشخصية للمؤلف والخبرة الحياتية التي تقدم بطريقة عصرية .

نشأت الحاجة إلى هذا الخطاب نتيجة المتغيرات والتحديات التي تواجه الحركات الإسلامية والدعاة وكل العاملين في مجال الدعوة ويمكن الإشارة إلى بعض الأمثلة من هذه الكتب :

  1. أصول الدعوة لـ (عبد الكريم زيدان)
  2. كيف ندعو للإسلام؟ وماذا يعني انتمائي للإسلام ؟ لـ (فتحي يكن)
  3. كيف ندعو الناس؟ لـ (عبد البديع صقر).
  4. تذكرة دعاة الإسلام لـ (أبي الأعلي المودودي) الرقائق والعوائق لـ (أحمد الراشد) .
  5. فقه الدعوة لـ (مصطفي مشهور).
  6. معالم في الطريق لـ (سيد قطب).
  7. هموم داعية لـ (محمد الغزالي) .
  8. وغيرها .

(2) الفكر الإسلامي

منذ بدايات القرن الماضي تشكلت ملامح ثقافة إسلامية معاصرة في عالمنا العربي من خلال جهود المئات من العلماء والمفكرين والدعاة ولمعالجة أفكار ومشكلات العصر ،وتناول مختلف المسائل الفكرية الفلسفية والاقتصادية والدينية والسياسية والاجتماعية ، وآراء حول حضارة العصر ، ومشكلات الغرب .

هذا الإنتاج الفكري أخذ مسارات عدة ومدارس فكرية خلال قرن من الزمان ، بعضها أقرب للإنفتاح والعقلانية ، والآخر أقرب إلى المحافظة والسلفية ، وهناك مساحة واسعة من التنوع والاختلاف ليس هنا مكان التفصيل فيها

لكن التيار الديني المحلي تأثر بالأقرب إلى المحافظة ... على اختلاف في درجة هذه المحافظة ، وعلى الرغم من ذلك فقد أسهمت في تطوير الذهنية التقليدية المحلية ، مما لا يتوفر في خطاب علمائها وكتب السلف .

هذه ضرورة فرضتها تحدّيات المرحلة و فلم يكن باستطاعة علماء الداخل مناقشة الأفكار العصرية والتأليف فيها ، ولا نجد إلا كتاب نقد القومية العربية الذي قبل إن مؤلفه (ابن باز) وكتيبات بسيطة للشيخ (عبد الرحمن الدوسري) وهذه نماذج من بعض أهم هذه الكتب المعروفة في تلك المرحلة والمتوفرة في المكتبات التجارية والعامة في السعودية .

نظام الحياة في الإسلام ، بين يدي الشباب تدوين الدستور الإسلامي ، منهاج الانقلاب الإسلامي شهادة الحق لـ (أبي الأعلي المودودي) .

ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ والصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية لـ (أبي الحسن الندوي) والمستقبل لهذا الديني ، خصائص التصور الإسلامي ، معالم في الطريق تفسير الظلال لـ (سيد قطب) الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه لـ (عبد القادر عودة) والإسلام والحضارة الغربية؛

حصوننا مهددة من داخلها لـ (محمد محمد حسين) جاهلية القرن العشرين ، في النفس والمجتمع ، قضايا فكرية معاصرة ، معركة التقاليد ، هل نحن مسلمون؟ الإنسان بين المادية والإلحاد ، شبهات حول الإسلام لـ (محمد قطب) ؛

الإسلام على مفترق طرق لـ (محمد أسد) حقائق الإسلام وأباطيل خصومه ، والعبقريات لـ (عباس محمود العقاد) بروتوكولات حكماء صهيون ، ومؤلفات أنور الجندي ، وروايات في الأدب الإسلامي ، لـ (أحمد باكثير ، ونجيب الكيلاني .. وغيرهما) وأيضا بعض الكتب في التربية .

وقد بدأ الاهتمام في مجال التربية مع تزايد تعقيدات الحياة المعاصرة بالنسبة إلى الإسلاميين ،وتوجد مادة علمية من مقولات ومؤلفات في التراث الإسلامي مشهور لـ (أبي حامد الغزالي) ، (ابن القيم) و(ابن تيمية) وغيرهم . أما الكتب المعاصرة فقد اشتهر دراسات في النفس الإنسانية ، ومنهج التربية الإسلامية لـ (محمد قطب) .. وغيرهما .

كانت هذه أبرز المؤثرات على ذهنية النخب الدينية التي ستقود نشاط الصحوة وتشكيل رؤيتها، وكان هناك بعض التأثير للكاسيت في بداية الثمانينيات بشكل محدود مثل : أشرطة (كشك)، (القطان) و (الدوسري).

وهناك مؤثر محتمل لبعض الأسماء أن تكون في بدايات شبابها المبكر ذات اتجاه غير إسلامي متأثرة بأجواء المرحلة ، واستفادت منه في تكوين رأي لكنه لا يوجد ما يستحق الإشارة إليه هنا ، وهذا يتطلب اعترافات شخصية لبعضهم وإن كان التأثير محدودا لأن مصادر الثقافة لهذه الأفكار لم تكن متاحة بسهولة في ذلك الوقت .

تطورات الخطاب الديني

هناك ترابط بين التكوين العلمي ونوعية الخطاب ، وفي الحالة السعودية وجدت متغيرات كثيرة أثرت في شكل ومضمون الخطاب الصادر ، فقد حدثت تطورات ومتغيرات في اللغة الدينية التي كان لها دور حاسم في صناعة ما سمي بالصحوة

والتأثير في مستوى التدين في المجتمع السعودي ، فقادت أكبر عملية تغيير ثقافي واجتماعي تاريخي من خلال الكاسيت والكتيب والمطوية والنشرات والفتاوى.

قبل مرحلة الصحوة لم تكن المحاضرات والندوات والإعلانات عنها شائعة في المدن والقرى والتجمعات السكانية لطلاب الجامعات ومختلف قطاعات ومؤسسات الدولة ، وقبل مرحلة الصحوة كان الخطاب الديني محصورا في خطبة الجمعة

ودروس لبعض العلماء وهي خاصة لطلبة العلم ، وبعض الكلمات الوعظية في مناسبات معينة وأحاديث بعد الصلوات في القراءة من كتب معروفة واشتهر بعد صلاة العصر كتاب رياض الصالحين للنووي في أغلب المناطق

ووجدت محاضرات محدودة قبل مرحلة الصحوة لبعض الدعاة مثل الشيخ عبد الرحمن الدوسري ألقيت في بعض الدوائر الحكومية أو في المعاهد والكليات ، ومع ندرتها فقد كان لها تأثير يذكر في أبناء ذلك الجيل ، حيث إن خطاب الشيخ المعروف بحماسته في التحذير من المذاهب الهدامة .

من الناحية التاريخية أستطيع القول وبشكل مؤكد إن أهم عامل في انتشار فكر الصحوة في مرحلة الثمانينيات بقوة داخل كل شرائح المجتمع ، وهو السماح الرسمي في انتشار هذه المحاضرات والندوات وتسجيلها ، حيث توفرت خلال سنوات معدودة أكبر مادة توجيهية ومكثفة جدا لمجتمع بسيط في وعيه لا يستقبل أى خطاب ثقافي منافس آخر

فأحدث " ثورة ثقافة " حقيقية داخل مجتمع كان ولا يزال يعاني فقرا تثقيفيا شديدا ، لا يتناسب مع متغيرات التنمية فالخطاب الإعلامي والصحافي عرفا بتسطيح القضايا أكثر من تعميقها ،وبموقف رسمي غير مباشر من الثقافة الرصينة والنقدية في الإعلام والأندية .

تابعت في حينها تفاصيل خطاب هذا الكاسيت وأغلب ما أنتج في تلك المرحلة، والنقلة التي أحدثها في ذهنية المجتمع التي كانت تدور حول أربعة أشياء:

  • تثقيف فقهي للمسلم في أمور عبادته من فروض ونوافل وأذكار وواجبات ومحرمات وأحكام فقهية ، وهذا الجانب إيجابي قدم فائدة وخدمة تعليمية واسعة لمختلف الأعمار والمستويات ، ومن النادر وجود مظاهر سلبية له .
  • خطاب الوعظ بكل تفاصيله ، وهو من أهم المجالات التي تأخذ حيّزا كبيرا في الخطاب الديني ، ومبدأ تقريب العبد من ربه ورفع مستوى الروحانية وكان أيضا إيجابيا ، لولا أن هذا الخطاب يتضمن هامشا كبيرا من الحرية في الاجتهاد والإبداع الخطابي وفقا لمهارات الوعاظ ، ما أنتج الكثير من الأخطاء الفكرية وحتى الفقهية في رؤية الحياة والمجتمع ،وانتشار بعض الأطروحات الغرائبية مما قد يعزز بعض الدروشة غير المشروعة ولو تحت مظلة سلفية .
  • أما خطاب التربية فوجدت اجتهادات ونماذج كثيرة منه ، في ما يتعلق بأساسيات عامة متفق عليها إنسانيا ودينيا مثل أهمية الصدق والأخلاق وهذا جانب إيجابي .في التفاصيل الاجتهادية حول رؤية الحياة اليومية للشباب والأسرة وجدت أخطاء متعددة غير تربوية ، لا يدركها بعض الخطباء والوعاظ .
  • في ما يتعلق برؤية الحياة العامة والموقف من مفاهيم إنسانية وسياسية واجتماعية ، وتحليل بعض الأحداث فهناك أشكال كثيرة ، حيث السذاجة لها نصيب كبير هنا ، وهي امتداد طبيعي لسذاجة أخري موجودة في أعمدة الصحف ، وتسطيح ثقافي وسياسي مبكر للمجتمع .
  • وبغض النظر عن تقييم محتويات الخطاب بسلبياته وإيجابياته ، فإن السلبية الأهم كانت في أن أى مجتمع وفرد يتلقي جرعة زائدة من خطاب محدد من دون تنوّع ، فإن هذا يخلق تشوهات محسوسة في الوعي العام ، وينتج سلبيات ومقدمات لتطرف مهما كان هذا الخطاب الوحيد قليل الأخطاء ومعتدلا .

هذه ليست مشكلة هذا التيار أو ذاك عندما يتاح له وحده هذا الانتشار وإنما مشكلة السياسي ومن بيده القرار في إدارة مصادر التوجيه للمجتمع وإتاحة قدر من التنوع والتنافس والخلاف .

(1) خطاب ما قبل الصحوة

كان الخطاب الديني يتناسب مع مخرجات الفقه التقليدي في تلك المرحلة ، حيث حافظ على لغة مقاربة جدا في التوجيه والإرشاد والتدريس ولا يملك أى جاذبية محكومة بأطر محدّدة يقلد فيها التلميذ شيخة ومن غير المفكّر فيه مسألة تطوير الخطاب ورفع المهارات الذاتية أما موضوعات النصيحة فتدور حول أحكام محددة مثل تعليم العبادات وأسس العقيدة والتوحيد وبعض قصص السلف وأحداث تاريخية محدّدة

ولا يوجد طرح وتناول تفصيلي لما يحدث من متغيرات داخل المجتمع وما تحدثه الدولة من مشروعات مناقشة هذه الأمور ، حيث إنها كانت تتم وفق أطر معينة خاصة بالعلماء الرسميين في التواصل مع المسئولين ، ومن لاحظ منكرا أو مخالفة فإنه يخبر هؤلاء العلماء .

في مرحلة السبعينيات الميلادية ، ونظرا إلى أن حجم التغيير الاجتماعي مع الطفرة النفطية كان فوق ما يتحمله الفكر التقليدي ، فقد ظهرت بوادر خطب وكلمات في المساجد تتحدث عن المنكرات العلنية

وكان الهجوم على الإعلام والبنوط والأندية الرياضية يأخذ حيزا واضحا في تلك الخطب ، لأسماء معدودة وخطب حماسية عابرة وغير مسجلة بالكاسيت و قد تعرّض بعض الخطباء والوعاظ للمساءلة والحجز في وقتها.

كان ذلك الخطاب حماسيا ومندفعا وساذجا في التعامل مع المتغيرات الاجتماعية التي حدثت ومع مشكلات الحضارة الجديدة عليه ، بعض هؤلاء الذين أصيبوا بصدمة نفسية كانت من هذه المتغيرات ، حيث تطوّر الوضع معهم إلى تشدد ثم إلى مواجهة ، كان جزءا من نتائجها ما حدث مع جماعة (جهيمان) .

حادثة الحرم أنهت ظاهرة من الخطب الحماسية ضد المنكرات الحكومية من بنوك وإعلام في ذلك الوقت ، وصلابة موقف الدولة من حادثة الحرم في البداية أحدثت حالة هدوء شديدة وتراجعات عند الذين لم يتورطوا مباشرة فيها

وفي مقابل ذلك بدأت الحكومة بتخفيف ما يمكن تخفيفه من برامج تلفزيونية وأغان تستفز هذه الشريحة ، وبعدها بدأت أنشطة إسلامية تظهر ومراكز صيفية وحلق تحفيظ القرآن لتعد جيلا جديدا تحت إشراف الحكومة وجهات رسمية

حيث كان جزءا من المشكلة السابقة أن الأنشطة الدينية حدثت بعيدا عن إشراف الدولة ، وهذا يفسر لمن لم يدرك ذلك من الكتاب الذين تعرضوا لهذه الحادثة ، أسباب هذه الرعاية الحكومية لهذه الأنشطة وبالفعل هيأت لجيل أقل خصومة في موقفة من الحكومة من المرحلة الأولي ، وأقل تطرفا وأكثر قابلية للتعليم الحديث

بل أصبح متفوقا فيه مقارنة بحالة المتدّين السابق التي هي أقرب للدروشة والسذاجة بل إن أهم ظاهرة نتجت مع أجيال الصحوة الأولي هي التفوق العلمي في كل المجالات ، وأصبحت حقيقة ملازمة لهم في تلك المرحلة فالتدين علامة للتفوق العلمي حتى في الكليات العلمية من طب وهندسة وغيرهما .

(2) خطاب الصحوة : مشروع أسلمة المجتمع

أخذ خطاب الصحوة مراحل عدة في تأثيره في المجتمع، حيث يمكن الإشارة إلى أهمها:

  • أول تغير بدأ يشعر به المجتمع عندما بدأ جيل شبابي من القراء الجدد بالظهور من حلق تحفيظ القرآن ، حيث أسهمت هذه الحلقات في تخريج أعداد كبيرة من الأئمة والقراء الحافظين للقرآن الكريم ، وبتلاوة مجودة وأصوات حسنة ومدّربة ، وبدأت شهرة بعض الأسماء من الأئمة تنتشر في بعض المدن ، وبعضها أخذ شهرة حول السعودية والخليج
هذا التطور في التلاوة بدأ يزيح كبار السن يتدرج من إمامة المساجد لصالح الجيل الجديد ، حيث إن الأداء بصوت حسن وخشوع ، كذلك انتشار الكاسيت وتسجيل هذه الأصوات في شهر رمضان أدي إلى تزايد شعبية هذه الأشرطة على مستوى المجتمع ، فلا يكاد يخلو منزل أو سيارة منها ، وهي من أولي خطوات بداية ثقافة اقتناء الكاسيت الديني وانتشاره بشكل واسع .
في السابق كانت توجد بعض الأشرطة لمشاهير القراء من مصر مثل (المنشاوي) و(عبد الباسط) أو سماعهما من إذاعة القرآن ، وحينما استلم هذا الجيل من الأئمة بدأت المسئولية الجديدة تفرض عليه تقديم النصائح والكلمات الوعظية بلغة أكثر تطورا من كبار السن .
  • في بداية الثمانينيات كان الشريط الإسلامي محدود الانتشار ، لأنه لا توجد مادة دينية كبيرة ومسجلة باستثناء بعض تلاوات القرآن من مصر أو خطب الشيخ كشك.. أو المحاضرات والخطب من الكويت كأشرطة الشيخ أحمد القطان .
ظهور هذه التلاوات المحلية مع تزايد انتشار نشاط المحاضرات وبروز مشايخ جدد ، وفر خلال سنوات معدود مادة كبيرة قابلة للتسويق ومربحة وبدأت تتفوق على توزيع الأشرطة الغنائية ، وأخذت تنتشر بسرعة محال التسجيلات الإسلامية في المدن كلها ، فكان لهذا النشاط دور بارز في زيادة حالات التدين في المجتمع ، وتزايدت وتيرة العائدين في منتصف الثمانينيات
حيث كانت فترة حرجة بدأ المجتمع يشعر بسلبيات الطفرة في شبابه من وجود حالات إدمان للمخدرات ، وسفر عبثي للخارج وأصبح السفر إلى بانكوك مؤشرا على الفساد الشخصي ، مع تواتر الحكايات والقصص المؤسفة للشباب نشر بعضها في الصحف ، وتناولته المقالات في ذلك الوقت .
  • حينها بدأ ظهور الجيل الجديد من الدعاة ، وبعضهم سيبرز لاحقا كرمز أو من مشاهير دعاة الصحوة ، حيث يتميز خطابهم بتقديم وعظ مؤثر وجدلي مع الحضور والمستمع للخطبة أو المحاضرة ، ويتم إعدادها وتحضير المادة بصورة أفضل من الخطاب التقليدي القديم و وطرح للمسائل الفقهية وفق أولويات المناسبة التي تشغل ذهن المجتمع
ومعالجة مسائل تربوية ومناقشة تفصيلية لمشكلات الشباب في هذا العصر وقضية المرأة ، والغزو الفكري والتغريب .... إلخ ، وهي مسائل شكلت أولوية في خطاب الصحوة ، وما زالت ، بعد أكثر من عقدين مع اختلاف في طريقة تناولها بين مرحلة وأخري .
اشتهرت في تلك الفترة أشرطة معينة وكان لها صدي واسع ، وهناك تفاصيل كثيرة وأرقام ومعلومات في مضمون الكاسيت وشرح لسلبيات ومميزات ذلك الخطاب ، قد يفيد في معالجة مشكلات الخطاب الديني الذي ما زال يحمل بعض هذه الأخطاء ، ولا أجد أن من المناسب التوسع فيه هنا .
  • لم يكن الشأن العام مطروحا بصورة مباشرة في خطاب الصحوة في البداية باستثناء طرح عام عن الانحرافات الموجودة في المجتمع من دون تحديد لمشكلة معينة أو حادثة خاصة والتعليق عليها ، فالنصح يكون عادة موجها بتركيز شديد إلى الفرد بتزويده بقائمة المحركات التي تواجه في حياته اليومية والتحذير منها ، وحافظ الخطاب الديني في أكثر مراحه على عدم الحديث عن أخطاء ومنكرات الحكومة
فلا يتم تنازل أخطاء المؤسسات الحكومية أو الأشياء التي فرضتها الدولة ، باستثناء قراءة فتاوى رسمية صدرت من اللجنة الدائمة للإفتاء أو فتاوى لـ (ابن باز وابن عثيمين وابن جبرين وصالح الفورّان) والنقل من فتاوى نور على الدرب حول مسائل مشهورة كالبنوك وصور النساء والأغاني والتصوير وغيرها ،كحالات مستثناة من الحساسية ، ولها أسباب تاريخية تتعلق في التوفيق بين الحكومة والمؤسسة الدينية
فكان من النادر حصول حالات إيقاف خطيب أو داعية عن ممارسة نشاطه ، وإنما مجرّد تنبيه ومساءلة عابرة عندما تأخذه الحماسة في الإنكار ، بمرور الوقت وقبل نهاية مرحلة الثمانينيات بدأ الخطاب يأخذ لغة أكثر وضوحا فيتناول أحيانا مشكلات طرحتها الصحافة خاصة في ما يتعلق بمسألة المرأة ، لكن هذا النقد الذي يوجه لجهات ومؤسسات حكومية ليس مؤذيا
وفي أحيان كثيرة هو تبرئة لها واتهام للبطانة ، بحيث لا يتم طرحه بتوجيه النقد إلى المسئولين والجهات الرسمية على وجود هذا المنكر ، أو هذا الموضوع الذي طرح في الصحافة ، وإنما اللوم يوجه إلى هؤلاء الأشباح المتسللين من العلمانيين الذي يتآمرون على البلد لتنفيذ مخططاتهم خدمة لأسيادهم في الغرب كما يقال ، وبالتأكيد لو كنت مسئولا سأستمتع بهذه الطريقة السينمائية في وصف الأمور والأخطاء للمجتمع !
هذه الطريقة التي يتم بها طرح الأمور تختلط فيها السذاجة مع التذاكي من كل الأطراف ، مقابل ذلك فإن خصوم التيار الإسلامي استخدموا الأسلوب نفسه في تقديم النصائح للحكومة عن أنشطتهم وأقوالهم وخطورتها وتصوير بعضهم بأنهم يتآمرون على الوطن ، وكأن الحكومة لا تدري في الحالتين ، وما زال المجتمع يعيش هذا المسلسل في المنابر وأعمدة الصحف والنت والقنوات الفضائية !
  • كان موضوع الجهاد الأفغاني يتصاعد إعلاميا ، وأعداد كبيرة من الشباب والدعاة يذهبون إلى "أرض الجهاد" كما يسمونها ، فبدأ موضوع الجهاد وفضائله والحديث عن الشهادة في سبيل الله يصبح جزءا من خطب الجمعة والحديث عن مواجهة الشيوعية الحمراء ، وحالات تباكي وصراخ يقدمها بعض الخطباء
وتبدو الإثارة أكبر حينما يسرد بعضهم مشاهداته من زيارة عابرة قام بها لتقديم تقريره الإعلامي في الخطبة أو بعد الصلاة ، وكان الدعم الحكومي في أقوى مراحله لنصرة المجاهدين الأفغان ، وأصبح من المظاهر المألوفة في الجوامع الكبري في المدن أن يأتي مجاهد أفغاني معروف أو زائر لأفغانستان يعرض مشاهداته لتطورات المعارك ، ثم يتم جمع التبرعات بعدها
هذا الاندفاع كان جماعيا ، فالصحف والمجلات أيضا شاركت في هذه الحملات الإعلامية ، من مقالات وتقارير ميدانية ، وصور مؤثرة لا تختلف كثيرا عن خطاب المنبر ، ولم تسجل أى رؤية نقدية عقلانية لهذا الاندفاع طالما أنه جاء بدعم حكومي ، حيث تحول إلى ظاهرة شعبية ، ثم إن النقد أو التحفظ قد يجعلك متهما بالشيوعية وحتى الذين أبدوا برودا في كتاباتهم عن أفغانستان فإنهم كانوا عرضة لهذه التهمة
وفي الحقيقة أن برودهم المعروف هذا لم يكن دلالة وعي بقدر ما هو موقف أيديولوجي ضد أمريكا راعية الجهاد الأفغاني ، ومع الوقت ، وتوفر المنشورات والمطبوعات التي تتابع أخبار الجهاد بكثافة ووفرة ملحوظة والمتابع ، يجد بعد فترة أنه توفرت لديه مادة كبيرة منها مجانية لم تكلفه شيئا
يجدها توزع مجانا في أماكن متعددة داخل مطعم أو فوق طاولة المحاسب ، أو عند مغسلة الملابس والمساجد ، والجامعات ، ومع خطاب الكاسيت والصحافة ، فقد تشكل خطاب حول الجهاد له مواصفات محددة ، وفي الوقت نفسه وجدت فوراق كثيرة ليس هنا مكان التفصيل فيها .
  • أدي خطاب الجهاد وكثرة الحديث عنه إلى تزايد أعداد التائبين عندما يتحدث الوعاظ عن مقارنات حية بين الشباب المجاهد بحال غيرهم من الغارقين في المتع والملذات والمخدرات والسفر ، وظهرت تحوّلات متسارعة فبعضهم بمجر تدينه يتخذ قرار السفر للجهاد
وقبلها بفترة وجيزة كان يسافر للمتعة هذه القصص المتعددة من أبناء أسر معروفة وبعضها موسرة وثرية أحدثت موجة دينية للمراهقين وتوفرت لوعاظ تلك المرحلة قصص حية وقريبة مع الإشارة إلى كرامات قيل إنها حدثت في التأثير في الجمهور ، تذكر مع قصص السلف والصحابة وجهادهم .
  • الخطاب الطائفي في مرحلة الصحوة كان في أقوى مراحله مع أحداث الإيرانيين في الحج والخطب عن الخمينية والشيعة أخذ حيزا واضحا بما يشبه الحملة امتدت لفترة طويلة ، بمساعدة حملات الصحافة التي تبرز بين فترة وأخرى خاصة أثناء مواسم الحج
  • وعلى الرغم من أن أى سياسي يدرك حساسية مثل هذه الموضوعات إلا أن ظروف المرحلة لم تقدم أى طرح نقدي لهذا الخطاب ، يخفف من سلبياته المستقبلية خاصة أن البيئة سلفية و المرجعية وهابية وليست بحاجة إلى أى تحريك لهذه القضية ، وانتشرت مؤلفات وكتب إحسان إلا هي ظهير ، وأشرطته ووزعت بالجامعات والسكن الجامعي في جامعة الملك سعود ، إضافة إلى الكتاب الشهير وجاء دور المجوس .. وغيره .
  • الصدام مع الصحافة وأطروحاتها بشكل محدد وموسع تأخر قليلا وكان لمجلة الدعوة دور بارز ونقدي ضد ما تقدمه الصحافة من آراء تري أنها منحرفة من بعض الكتاب حول التعليم والمرأة والإعلام ..
وتنشر أحيانا الصحف والمجلات الأخرى آراء إسلامية ، أو ردا لأحد العلماء الرسميين حول قضية معينة .. هذا في المرحلة المستقرة في السبعينيات وأوائل الثمانينيات ، مع تزايد أعداد الإسلاميين ، وانتشار الصحوة في المجتمع ، ولأنه لم توجد صحيفة خاصة بهم باستثناء تعاطف محدود يحصل من صحافي أو قسم في جريدة ، ومع تضخم الرأي الإسلامي وقوته في المجتمع ...
اتهمت الصحف بعدم نشر الآراء المحافظة المخالفة لتوجهاتهم خاصة في بعض المعارك التي حدثت ، بغض النظر عن حقيقة هذه الشبهة أو حجمها ، فإنها أصبحت فكرة يؤمن بها كل متديّن في ذلك الوقت ، وبدأ المنبر والكاسيت يقومان بهذه المهمة في التعبير عن الصوت الديني
ولهذا يمكن اعتبار الكاسيت في تلك المرحلة هو جريدة الإسلاميين الصحوة ، كانت المفاجأة للمجتمع والدولة وحتى الصحافيين ، أن هذه الجريدة الصوتية تفوّقت في حالات كثيرة واستطاعت صناعة رأي عام حول كثير من القضايا لم تستطع إزاحته محاولات الصحافة والكتاب بعد أكثر من عقدين
حيث انتشرت في ذلك الوقت بعض الأشرطة التي ناقشت ملفات طرحتها الصحافة مثل شريط الشيخ سعد البريك عن أيتها المرأة من تكونين ؟
لكن الانقلاب الحقيقي حدث في معركة الحداثة ، مع اتهام القائمين على الأقسام الثقافية بأحادية الرأي ، لكن هذه المواجهة وانتصار التيار الديني فيها بقوة أحدث تغيرا كبيرا في الخطاب الديني وثقة في الذات
فأصبح أكثر شراسة مع خصومه ، وأكثر جرأة في تناول مواضيع ثقافية وأفكار ومذاهب ، معرفة الكثير منهم محدودة ، هذه الأجواء النقدية والانتصار الساحق الذي حدث ، وإيمان المجتمع بما يطرحه الدعاة
فقد حدث معها عشوائية واندفاع وحماسة في نقد مجالات أخري رياضية وإعلامية وترفيهية ، هذه الهجمة أثرت في مضمون الدعاء في الخطب والصلوات والقنوت بصورة عدائية .
ومن يؤرخ لصيغ الدعاة الإسلامي المحلي بمناسبات وأحداث مهمة فإنه سيجد مادة كبيرة في الدعاء النضالي المتستر ، فمثلا استعمل دعاء " اللهم أهلك الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين " ، وكمخرج من مشكلة أمريكا وصدام حسين ، وبعد أحداث مدينة بريدة في منتصف التسعينيات ، فإنه وجد تركيزا مكشوفا على الظالمين والدعاة للأسري ...
في رمضان حتى إن أحدهم جاءه تنبيه بعدم الدعاء على الظالمين ! ولم تكن المشكلة في "الظالمين" عموما ، وإنما في المصلين الذين كانوا يفهمون من المقصود في الدعاء .. ويتحمسون في قول آمين !
  • في صراع الإسلاميين مع خصومهم حدث ترحيب كبير خاصة في الصحافة الكويتية بكتاب الشيخ (محمد الغزالي) السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، ثم تفاعلت بعض الصحف السعودية ، ولأن الكتاب تناول مسائل تبدو ذات حساسية عند الفقه المحلي سلفيا وصحويا، في ما يتعلق بالمرأة والحجاب
  • فقد كان ترحيب الصحافة به ليس بريئا وإنما فيه استعمال له ومحاولة استفزاز للتيار الديني حول هذه القضايا ، حيث أحدث حالات ردود متواترة عنه بطرق مختلفة على المنابر أو في مقالات أو رسائل أو كتيبات، وفي ذلك الوقت كان الشيخ (العودة) في بداية دروسه الأسبوعية من كل يوم أحد في جامع بريدة الكبيرة
وكانت بداية شهرته الحقيقية في تقديم سلسلة دروس حول مناقشة فكر الشيخ (الغزالي) ومنها هذا الكتاب ، وكان هذا الرد من أكثر الرود هدوءا وجدية في تناول تاريخ (الغزالي) وإنتاجه الكبير ومقارنة فكره القديم مع الجديد
وعلى الرغم من الطرح الهادئ ومحاولة التمسّك بالعلمية فقد كان تأثير هذا الموقف وطرح الشيخ على الصحوة سلبيا فأحدث حالة انقطاع وموقفا متوترا مبكرا بين الجيل الشبابي الجديد من تيار الصحوة ، وبين أطروحات المحسوبين على التيار الإسلامي المستنير في العالم العربي ، وبات من الملحوظ أن الصحوة خسرت فكريا عقلانيا في نظرتها للأمور ..
وأخذت تتسلف (تصبح أكثر سلفية) بمرور الوقت ، ما عزز تيار التشدد في سنوات لاحقة ، مع أن رموز تيار الإسلام المستنير لديهم أخطاؤهم ومشكلاتهم الكبيرة في علميتهم وأفكارهم ، وهذا ليس موضوعنا ، فما ينبغي الإشارة إليه هو تأثير ما حدث على الصحوة وانقطاعها عن التواصل مع أفكار الإسلاميين في الخارج ، وحدث اكتفاء محلي بطرح رموزها ودعاة في الكاسيت والكتيبات ، وقدر من التعالي على اى فقه وخطاب يأتي من الخارج !
أحدث هذا خللا واضحا في قدرات وثقافة الأجيال التالية من الصحوة ، حيث الضعف الشديد في التأليف السعودي من نخب وعلماء الصحوة باستثناء ما قدمه (بكر أبو زيد) ومع أن الصحوة في هذه المرحلة زادت فيها قوة العلم الشرعي التقليدي في المساجد وحفظ السنة إلا أنها خسرت الشئ الكثير عندما انقطع اتصالها بالفكر الإسلامي المحافظ والمستنير واكتفي الجمهور الواسع بالطرح المحلي الذي لا تتجاوز صلاحية بعض الأشرطة والكتيبات الأشهر معدودة.
  • حدث تغيّر أفضل نسبيا مقارنة بمرحلة ما قبل الصحوة في طريقة الخطبة والمحاضرة والدرس العلمي في المساجد ، من الارتجال وعدم التحضير والترتيب العلمي للموضوع وتجهيز المعلومات والفقرات الكاملة ، حيث يبدو المحاضر وكأنه يقرأ من بحث له مقدمة وخاتمة ونقاط محدّدة يتم معالجتها ومناقشة لأسئلة الحضور ، في قضايا متنوعة في فقه العبادات والتاريخ وسير الأنبياء والسلف
وكان أبرز من بدأ بهذا المنهج المنظم في عرض المحاضرة ودروس العلم سلمان العودة ومحمد المنجد ، وهو تطور نوعي زادت معه جماهيرية هذا الخطاب ولاقي نجاحا وحضورا مكثفا ،فقدمت هذه المحاضرات جرعة تثقيفية وتعليمية محسوسة لمجتمع لم يفلح إعلامه الرسمي وصحافته وأنديته الأدبية في تقديمها مع كل إمكانياتهم
هذه المادة التثقيفية المقدمة تأتي إليه في المسجد مجانا مع شعور عام بفضيلة طلب العلم والثواب ، أو كاسيت زهيد الثمن متاح يستمع له الجميع في كل مكان في السيارة والمنزل ، من متعلم وغير المتعلم ، والصغير والكبير
ومن يرصد التغيرات الاجتماعية بدقة سيلاحظ في ذلك الوقت حتى في محيطه القريب كيف استطاع هذا الكاسيت نقل النساء كبيرات السن مثلا والبعيدات عن أجواء المعرفة والاطلاع تماما ، في الفقه والتاريخ والتفكير في مشكلات المجتمع ، وخلال سنوات معدودة أحدث تغيرا في رؤيتهن وملأ ذهنيتهن الساذجة بمعلومات جديدة عليهم ، وعندما تحاور إحداهن ستجد اختلافا وشيئا لم يكن من قبل .
أعرف أن هناك سلبيات متعددة في الخطاب الديني في تلك المرحلة ، وأدرك مشكلة وجود هذه المادة المكثفة دينيا على عقلية العوام ، وما تحدثه من اضطرابات فكرية ووعي غير صحي
وقد كتبت نقدا لهذا الخطاب لكن من المهم أن نثبت هذه الحقيقة بأن ما أحدثه الكاسيت هو مشروع ثقافي ديني ضخم وغرس في ذهنيات ساذجة وتقليدية أفكارا من الصعب محوها لا تزال مزعجة لخصوم التيار الديني ، فقد حصنت عوام المجتمع لعقود عدة قادمة من العبث بما يرونه أنه قيم و لهذا يتباكي خصومه على هذا الاحتلال .
إنني أحترم وأقدر شخصيا هذا المشروع في ذلك الوقت ، وقدرة الخطاب الديني على اقتحام هذه الفراغات الهائلة في ذهنية المجتمع طالما أنه لا يوجد اهتمام رسمي حقيقي ، ورغبة في تعبئة هذه الفراغات بوعي ثقافي وعقلاني مدروس
حيث يتم تحويل الإعلام وكل المؤسسات المفترض بها خدمة المجتمع إلى دعاية واستعراض للاستهلاك أكثر منه خطوات جادة لبناء مشاريع وطنية تحترم الدين والمعرفة لصناعة وعي صحي وغير مضطرب في رؤيته الحضارية .
  • تطوّر الشريط الإسلامي بشكل متسارع ، وبفترة وجيزة تغيرت النظرة التقليدية للكاسيت ، وتحوّل إلى مادة مصنوعة ومخرجة بشكل جذاب ومفهرس وتحولت بعض التسجيلات إلى مشروعات كبري مربحة وتوزع بالملايين في الداخل والخارج وكانت خطوات هذه النقلة التغييرية في مظهر الكاسيت بدايتها من تسجيلات التقوى في مدينة الرياض في حي الملز ، التي دشنت صناعة الشريط الإسلامي الحديث ، ثم أخذ الآخرون في تقليدها .
  • يدرك المراقب أن استراتيجية التحديث الاجتماعي السعودية تغيرت بشكل كبير بين فترة السبعينيات والثمانينيات ، فلم يتم فقط تخفيف وتيرة التحديث الاجتماعي والانفتاح واحترام النزعة المحافظة خاصة عند العلماء ، حيث تم حظر الكثير مما كان مسموحا به أو متساهلا فيه ، وهو ما رصده وكتب عنه إعلاميون غربيون في ذلك الوقت
والملاحظة التي تحتاج إلى تأكيد هي أن ما حدث ليس مجرد تهدئة لوتيرة التطور الاجتماعي وحظر للممنوعات والبعد عن الاستفزاز فقط ، وإنما إرادة حكومية في دعم التيار الديني ، وزيادة نشاطه التوعوي للمجتمع ، وضخ لخطاب ديني مكثف وغير مسبوق بما يشبه الثورة الثقافية ، المشكلة التي أريد الإشارة إليها هنا في الخطاب الديني ، أن الكثير من الدعاة في ذلك الوقت كان وعيهم الأولي المبكر الذي تشكل في أجواء السبعينيات المتجه نحو الانفتاح
ووجود محاولات ممن يرون أنهم تأثروا في الغرب وتقلدوا مناصب حساسة أن لديهم مشروعات تغييرية لهذا كان خطابهم في الثمانينيات مبالغا فيه حول التحذير من التغريب أحيانا ، ومتأثرا بهذه الخبرة السابقة ولم يدركوا حينها التغيير في إستراتيجية الحكومة
ولم يدركوا أن السماح لهم بهذا النشاط اللامحدود في إلقاء الدروس والمحاضرات هو دلالة حقيقية على التغير وتوجه الحكومة بكل ثقلها لدعم التيار الديني وأذكر أني واجهت صعوبة في إقناع البعض بهذه الحقيقة ، وفي وقت متأخر بدأ يدرك البعض هذه الحقيقة القديمة ، ما غيّر من نظرته للواقع وحدث تغير في خطاب هؤلاء الدعاة .
  • الخطاب الديني في تلك المرحلة كان سلبيا تجاه الإعلام والصحف فلم توجد مشاركات ملموسة لأسماء مهمة من تيار الصحوة في الصحافة ، هناك متابعات للمجلات الخاصة بهم ، مجلة الدعوة السعودية . ومجلة البيان ، ومجلة المجتمع الكويتية ، ومجلة الإصلاح الإماراتية ...
وكان لمجلة المجتمع دور كبير في تشكيل الرؤية السياسية لكثير من أحداث العالم مع استحضار الاختلاف الذي تدركه قيادات العمل الإسلامي في السعودية مع منهج الإخوان في الكويت، وكان لمجلة البيان دور أكثر هدوءا وعلمية في تحليل القضايا وتقديم المقالات الجادة التي تعني بشؤون الدعوة وتحافظ على المنهج السلفي حيث مثلت مرجعا مهما لقيادات الإسلاميين في السعودية ، وتحسب على ما سمي بالتيار السروري .. أكبر أطياف الصحوة .
  • بوجه عام كان الخطاب سلبيا مع الصحافة والتلفزيون ، وكان ظهور الداعية فيه يمثل خللا أو عرضة لفقد صدقيته الدينية ، والذين يظهرون في ذلك الوقت مثل الشيخ اللحيدان ، والمسند ، والطنطاوي ، والدريعي ، ومناع القطان ، ولم يكن للصحوة ترحيب ملموس بهم وطالما أن كبار العلماء خاصة ابن باز وابن عثيمين الذين اكتفوا بإذاعة القرآن فلم توجد لهم مشاركات تلفزيونية في الثمانينيات فإن هذا عزز الموقف السلبي منه دينيا مع مشكلة تحريم الصور التي كانت قضية أساسية في ذلك الوقت .
  • في هذه المرحلة بدأت تتزايد فكرة إخراج الفتاوى عن كل ظاهرة ومسألة دينية وموضوع اجتماعي ، وتربوي ، من اللجنة الدائمة أو من الأسماء المهمة في الفتوى كالشيخ ابن باز ، وابن عثيمين ، وابن جبرين ، وتعميم ما يناسب منها في كل مكان في المسجد والجامعة والمدرسة وأماكن العمل والأسواق وينسخ منه الملايين ، وسأناقش بعض تفاصيل هذه المشكلة لاحقا .
هذه الفتاوى تتميز بأنها أحادثة الرأي والأخذ بالأحوط ، فانتشرت طويلة من المحرمات من دون أن تتم مناقشة مضمونها علميا ، وهذا الطريقة كان لها فعالية كبري في برمجة المجتمع وتوجيهه ، فالفتوى تحسم النقاش في أى مجلس حتى بين طلبة العلم ، ومن يعلن تحفظه سيخسر كثيرا من صدقيته الدينية .

(3) خطاب ما بعد حرب الخليج 1990م

في المرحلة السابقة يمكن القول إن الخطاب الديني في الصحوة كان مشغولا بأسلمة الفرد والمجتمع في تفاصيل حياته اليومية وتشكيل فعاليات وحركة المجتمع وفق الفتاوى التي تصدر من علماء رسميين وبالذات فتاوى اللجنة الدائمة في كل خطوة بعيدا عن الموضوع السياسي

لكن حدوث هذه الأزمة وشعور المجتمع والسياسي فجأة بطبول الحرب ، وأحاديث الغزو المفاجئ فإن هذا لم يسيّس خطاب الصحوة فقط ، وإنما المجتمع بكل فرد منه صغارا وكبارا ، أصبح الشأن السياسي ومتابعة ما يقوله الرئيس الأمريكي والتقارير الإخبارية الكثيفة شأنا يوميا حتى عند العجائز .

هذه الحقيقة أجد ضرورة لاستحضارها لأن البعض ، أو الكثير ، من المثقفين وخصوم التيار الإسلامي للأسف يريد أن يطرز التاريخ والأحداث وفق تصوراته المتأخرة المصحوبة برغبات ذاتية ولخدمة مصالح آنية

إذا في أجواء الحرب سيصبح الشأن السياسي غداء يوميا للمجتمع ، ولن يكون التيار الديني بمعزل عن ذلك ، بل أصبح مطلوبا منه الدخول في هذا الشأن وهو الذي أتيحت له السيطرة على إدارة ذهنية المجتمع في كل شئ قبل سنوات الحدث

طالما أنه لا يوجد مشروع ثقافي محدد المعالم من الدولة أصبح المجتمع تحت تجربة واجتهادات هذا التيار ، وبعيدا عن القراءات التآمرية المتأخرة في فهم تطورات الوعي الديني وظروف تشكله في كل مرحلة والادعاءات الضخمة بأن هذا التيار يريد توظيف هذه الأزمة لأهداف حزبية بعدها ظهرت مشكلة المعارضة الإسلامية بعد ذك .

إننا وبكل أمانة تاريخية يجب أن نستحضر كل التطوّرات التي تؤثر في تشكل أى تيار ودراسة كل منعطف ، فحتى القاعدة و(ابن لادن) وأتباعهما لم يظهروا بالصورة السبتمبرية فجأة ومن دون مقدمات

وإنما تراكمات خاطئة وسوء إدارة للملفات الفكرية والدينية محليا أحيانا وعناد على شكليات شخصية أدي إلى هذه الانحرافات المتأخرة ولهذه قصة وتفاصيل لا يذكرها خبراء شؤون الإرهاب لدينا !

وبحكم متابعتي لتفاصيل هذه التغيرات ،فإن الذي يجب أن أشير إليه هنا أنه مع بداية الأزمة ، جاء تحول الخطاب الديني في الأسابيع الأولي تلقائيا وعشوائيا وبعيدا عن أى تخطيط وترتيبات في لغة الخطاب وتوحيد الآراء بالصورة المتخيلة في ما بعد ،،

لقد حدث ارتباك شديد في نوعية الخطاب وقد كانت تطورات الأحداث فوق مستوى الوعي السياسي لرموز هذا التيار محليا من مشاهير الدعاة ووعاظهم وخبرتهم السياسية متواضعة جدا فقد ارتبك في كل العالم العربي والإسلامي أحزاب وتيارات لديها خبرة في العمل السياسي أكثر من نصف قرن ، ومن الصعوبة أن تتخيل دعاة ووعاظا لمن يرصد همومهم الدعوية أن يكونوا مؤهلين لحبك مؤامرات سياسية !

إن من الخطأ محاولة ربط موقف التيار الإسلامي من الأزمة في السعودية بموقف التيارات الإسلامية في الخارج التي كان موقف بعضها مؤسفا من النظام العراقي ، فتلك المواقف كانت مسيسة بالأصل وتعمل في هذا الإطار

ومع أنه يوجد في السعودية امتداد فكري وحزبي وحركي بدرجات مختلفة لأحزاب إسلامية خارجية إلا أنها بحاجة إلى الكثير من الشروط لتصبح مؤثرة أكبر من تأثير الداخل وعندما وجدت بعض الأسماء التي كان لها مواقف سياسية واضحة وتحولت إلى معارضة حادة فإن هذا لم يؤثر في طبيعة الخطاب الديني العام التي ظلت محافظة على ملامحها الدينية الأساسية على الرغم من هذه الانشقاقات الفردية .

بم يخل تناول رموز الصحوة للشأن السياسي للأزمة ومتابعة تطوراتها أسبوعيا من الأخطاء وأحيانا كبيرة ، وقد انتقدت ذلك في كتابه سابقة لكن أداء الكاسيت إعلاميا كان أكثر حيوية وقربا من الجمهور السعودي وتفاعلا مع الناس وحرية من أداء التلفزيون وإذاعته والصحافة المقيدة كثيرا .

  • في هذا المناخ المسيس بأجواء الحرب حدث تطور آخر في الخطاب الديني ، اختلط فيه القلق السياسي مع الخوف من تغريب المجتمع ، فكانت مظاهرة المرأة للمطالبة بقيادة السيارة التي أحدثت ردة فعل غير متوقعة بقوة إدانتها ، ومعروف حساسية التيار الديني من موضوعات المرأة والمواقف المتشددة عند المؤسسة الرسمية ودعاة الصحوة
لكن الذي حدث ليس موضوعا فقهيا طرح في محاضرة أو خطاب أرسل إلى مسؤول أوشيخ ، الذي حدث هو " مظاهرة " في مجتمع لم يتدرب على أى وسيلة تعبير سياسي أو مطالبة بحقوقه فالجزء الأهم والمثير في الحدث ليس الفقهي عن حكم قيادة المرأة للسيارة وهو ما يتجاهله الكثير من الكتاب أو جميعهم وإنما فعل المظاهرة في أجواء متوترة ما أدي إلى زيادة روح المقاومة الشعبية ضد أى مظهر انفتاحي ولم ينقص الحديث عن مؤامرات التغريب التي رددها التيار الديني إلا وجود هذا الدليل الحي في نظره عبر " مظاهرة " تاريخية .
  • وفي الموضوعات الدولية أعادت أحداث الشيشان والبوسنة والهرسك والمجازر التي حدثت ، لغة الثمانينيات أيام الجهاد الأفغاني لكن مع اختلاف الظروف الإعلامية حيث وجدت الفضائيات وتغطيات موسعة لأحداث منطقة البلقان ، ووجود موقف إسلامي من أمريكا .
  • في هذه المرحلة بدأ ينتشر خطاب ديني مضاد لخطاب وفكر الصحوة تماما ، وينتقد بقوة رموزها تحت شعار الدفاع عن المنهج السلفي الصحيح ، وأطلق خصومه عليه مسمي " الجامية " نسبة إلى أهم رموزهم الشيخ محمد أمان الجامي .
التيار الجامي ظهر فجأة عند جمهور الصحوة ، مع أن منهج هذا التيار كان معروفا في وقت مبكر ، وطبيعة نشأته وظروف تشكله يدركها المتابع لتطورات الخطاب الديني ، وكانت ظروف ما بعد حرب الخليج اقتضت تفعيل هذا التيار في الساحة الدينية
وفعلا بدأ نشاطه يتصاعد بقوة عبر الكاسيت والمحاضرة والكتب التي وزع بعضها مجانا ، وهذا الخطاب النقدي الحاد ضد خطاب الصحوة حاول رموز الصحوة تجاهله تماما وعدم إشعار الجمهور بوجوده لكن التيار الجامي أخذ يكثف من نشاطه ، ووجدت مكتبات وتسجيلات خاصة بهم لأن أغلب التسجيلات خاصة بتيار الصحوة لا تسوق أشرطتهم وإنتاجهم .
لم يندفع تيار المستهدفين من رموز الصحوة بالرد أو التعليق ، وفضلوا تجاهل الأمر تماما ، وقد نجح هذا المنهج الحركي في تخفيف الآثار السلبية التي أحدثها هذا الخطاب ضد الصحوة
وكان من أهم انتقاداتهم لبعض دعاة الصحوة أنهم لا يدعون لولي الأمر في نهاية محاضراتهم أو خطبهم ،وأن ليس لبعضهم دروس في العقيدة وشروح لكتب أئمة الدعوة للتشكيك في وهابيتهم وكان هذا الطرح مربكا للبعض فأخذ يقدم طرحا عن العقيدة ويخصص دروسا لها خوفا من هذه التهمة؛
الحملة لم تستثن (سفر الحوالي) الذي كان أغلب ما يطرحه هو دروس في العقيدة ، والتركيز الشديد عليها ، الصحافة قامت بالنشر أحيانا لبعض أطروحات هذا الخطاب لأنه يطرح الرأي الديني وفق رؤية محورية حول طاعة ولي الأمر؛
ومع أن هذا التيار يرفع شعار السلفية بقوة وبمعايير دقيقة جدا وأحكام قاسية ، إلا أن ملامح الخطاب الرئيسية لا تخلو من نزعة تشدد ومبالغات محكومة بالحاجة إلى الرد والمزايدة على الخصوم
وفقد الكثير من الأخلاقيات في نقده وهجومه والجرأة على توزيع التهم والتصنيفات ومحاولة التقرب من منهج العلماء الرسميين التقليديين الكبار لكسب صدقية فشلت لوجود اختلافات كثيرة في منهج الخطاب حتى في الموقف من مسائل شرعية كالحكم الشرعي بمن لم يحكم بما أنزل الله
ومع أنه كخطاب طوارئ كان فيه بعض النفع في البداية ، إلا أنه احترق مبكرا بسبب سذاجة رموزهم في صناعة خطاب فعّال .. واحترقت معهم مسائل ومفاهيم شرعية كانت تميز الفقه المحلي وبمبالغتهم السطحية شوّهوا مفهوم " طاعة ولي الأمر " الذي هو ما يميز السلفية التاريخية
وبشئ من الحمق نقل هذا المفهوم المحوري في فقه السلف الذي يعبر عن اعتدالهم السياسي إلى لغة شبه مباحثية وأمنية ، والأهم أنه أثر في المعتدلين من الإسلاميين والمشايخ في رؤيتهم للسلطة حيث لا يستطيع الدفاع عنها خوفا من هذه التهمة التي تفقده أى صدقية .
  • كانت بداية العمل على تقديم خطاب المطالب ثم مذكرة النصيحة ولجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية ، هي مراحل مسار المعارضة الإسلامية المحسوبة على تيار الصحوة ومع تزايد هذا النشاط والتحركات المنظمة من بعض نخب الصحوة ، إلا أن الخطاب الديني الرسمي العام لم يشارك في إعلان موقفه من هذه التحركات حتى لا يتأثر نشاط الدعوة ، كما شارك الكثير من دعاة الصحوة وحتى الكثير من الشخصيات الدينية الرسمية ولأن بداية خطاب المطالب لم يدرك البعض حساسيته السياسية .
لقد مرت فترة أكثر من عامين وهذا الفصل بين خطاب الدعوة وبين التحركات المعارضة التي تقوم بها نخب إسلامية ليس منها رموز الصحوة والدعاة المشاهير ، لكن خطاب سلمان العودة بالذات كان يأخذ مسارا تصاعديا في جرأته وتطرقه إلى عشرات المواضيع المثيرة واللافتة في قوتها وكثافة المادة التي تقال
حيث تتوافد إليه أفكار وآراء ورسائل متعددة في الداخل والخارج تعبر عن هموم نخب الصحوة فيقدمها وتوزع مئات الآلاف من الأشرطة أسبوعيا ، فشكلت في زمن وجير حزمة من الأفكار من الصعب نسيانها عند تيار الصحوة حتى الآن؛
وكان هذا التصعيد غير مرضي عنه رسميا والكل ينتظر نقطة النهاية المتوقعة ، والشيخ يسابق الزمن ليقول كل ما يريد قوله ولم يتم التوصل إلى حل توفيقي إلى أن وصلت الأمور إلى نقطة النهاية ، الإيقاف ومن ثم الاعتقال .
  • في الوقت الذي حدثت فيه حالة التجميد لرموز الصحوة ، وحظر الكثير من إنتاجهم كان العلماء الكبار والدعاة التقليديون مستمرين في نشاطهم ، لكن تطورات الأحداث أثرت في سمعة العلماء الكبار خاصة بسبب كثرة البيانات المتتالية عند كل توتر
حيث تم إشراكهم في كل حالة صدام ، إلا أن الإسراف الرسمي في توظيفهم ضد مشاهير الصحوة أدي إلى تآكل قيمة هذه المؤسسة وسمعة هيئة كبار العلماء وضعفت صدقيتها كثيرا عند جمهور الصحوة والعامة بمن فيهم الشيخ (ابن باز) الذي أفتي أيضا في موضوع السلام مع إسرائيل في تلك الأوقات الحرجة ما زاد الأمر سوءا .
لم يكن البعض يتوقع تأثر سمعة العلماء بهذه الصورة ، وهو ما يضر بالتوازنات التي تحتاج إليها الإدارة السياسية في توجيه المجتمع عند الأحداث المهمة . لقد أسهمت الصحوة ومن خلال خطابها في مختلف المراحل السابقة في تأكيد مرجعية العلماء الكبار ، وساعد رموز الصحوة ودعاتها بشكل واضح في تعزيز سمعة العلماء واحترامهم في مختلف المناسبات وهذه حقيقة من أهم خصائص الصحوة
وهذه كانت إيجابية لكن فسرت لاحقا على أنها تكتيك حركي للاستفادة من تزكية العلماء الكبار ، وهو ما حدث ، لكن العلاقة بين العلماء وطلبة العلم في السعودية ظلت محكومة بتقاليد قديمة لا يناسبها هذا التفسير المؤامراتي
بقدر ما هي الحاجة المعتادة إلى أى طالب علم وداعية مبتدئ لدعم شيوخهم الكبار ، فلم يكن لرموز الصحوة رؤية فقهية في ذلك الوقت تختلف عن الكبار ، بل كانوا يسوقون الفتاوى عن اقتناع ديني ودعوي.
  • بعد أجواء التوتر التي صاحبت إيقاف العودة والحوالي جاءت عملية تفجير العليا وقد أحدثت تخوفا محليا أن تكون بداية لتحول تيار الصحوة نحو العنف ورد فعل للصدام الذي حدث ، خاصة أن الصحوة منذ الثمانينيات حافظت على قدر من التعقل وعدم اللجوء لأى عنف وخطورته على المجتمع والدعوة ، ومستفيدة من دروس حادثة الحرم ، فلم يتمّ اللجوء أو الحث على العنف سرا أو علانية
حيث هناك إجماع على رفضه محليا ، لكن موقف الصحوة من العنف في العالم العربي في مصر والجزائر كان بوجه عام غير محرر بشكل علمي ومنهجي ، ويفتقد الخبرة السياسية والدينية في ذلك ، ومتعاطف مع الجماعات الإسلامية كرها بالحكومات وعدم التصديق بالكثير من الحوادث وطرح الإعلام ، ومن الممكن تقديم هذه الآراء ومواقف العلماء ودعاة الصحوة حول هذه القضية ومناقشتها لكن هذا ليس مكان التفصيل فيه ، الذي اتضح حينها أنه لا يوجد رابط مباشر بين حدث التفجير ومشكلات الصحوة التي حدثت
وإنما مرتبطة بمسار ومخلفات الجهاد الأفغاني وسلفية جهادية في طور التشكل ومشكلة الوجود الأمريكي ، ومع أن الصحوة متعاطفة مع الجهاد الأفغاني ، إلا أن مخرجات ومنهج وفكر هذا الجهاد ليس متفقا عليها ، فظل الفكر الجهادي يتطور برموزه وتنمو مشكلاته الخاصة بمعزل عن تفاصيل وقضايا خطاب الصحوة وكثير من الذين يكتبون عن مثل هذه الموضوعات يجهلون الكثير من التفاصيل وما زالوا ، فظلت رؤيتهم مشوشة لهذا الملف ومليئة بالمغالطات التاريخية ، ثم حدث تفجير الخبر الذي كانت نتائجه الأولية حينها تؤكد أن لا علاقة لتيار الصحوة المحلي بها .
  • يمكن القول إن الكتلة الرئيسة في تيار الصحوة استطاعت أن تجتاز مشكلة هذا الصدام الذي وصل إلى طريق مسدود من دون أن تحدث انشقاقات جذرية سريعة ورغبة في استعمال العنف من المتأثرين بها ما يشير إلى نجاح تيار الصحوة في ضبط أبنائه ، حيث إن الأجواء مهيأة نفسيا لذلك
  • وأن أولوية مصلحة الدعوة كانت ، ولا تزال أهم في حسابات هذا التيار أهم من المصالح السياسية المباشرة فقد كان هناك اعتراضات من داخل التيار على أى تصعيد وبالذات الشيخ (العودة) الذي وصل بخطابه إلى نقطة تفصل بين دور الداعية والمعارض ، ومما ساعد على ذلك أيضا عدم حرص الجهات الرسمي على الاستفزاز الإعلامي لهذا التيار وهو في أقوى مراحله ، فكانت المعالجة الأمنية من دون ضجيج إعلامي مستمر حولها .
  • تأثر بوضوح خطاب الصحوة بعد إيقاف الكثير من الدعاة والناشطين الإسلاميين بعد منتصف التسعينيات ، وسادت حالة من الركود الشديد في حركة الصحوة وتضررت المراكز الصيفية والمحاضن التي تؤسس لأجيال من الإسلاميين فقد أتاح هذا الغياب ظهور دعاة آخرين من الجيل الثاني من الصحوة أكثر تركيزا على جانب الوعظ والتربية
وهذا المنهج يعتبر عودة إلى خطاب بدايات الصحوة في الثمانينيات من خلال الانشغال بالهموم الدعوية والتربوية وترك القضايا المثيرة ، والإغراق في تفاصيل المشاكل الأسرية والتحذير من مخاطر الفضائيات ، التي بدأ تأثيرها بالحضور حتى في الشأن الديني ، حيث تعرف الجمهور المحلي على مشايخ من دول عربية ورموز دعوية أكثر تسامحا في الفتوى الاجتماعية ، وأكثر جاذبية من خطاب الكاسيت .
  • أتيحت للتيار الجامي فرصة لنشر خطابه بعد إعاقة الكثير من نشاط الصحوة رسميا ، وتوفرت لهم مساحة للتأثير في الجمهور لكن هذه السنوات أكدت عجز هذا الخطاب عن بناء رؤية دينية سليمة حتى في القضايا التي تخصص فيها ، ولم يجد قابلية شعبية ، ومع أن التيار يعلن حربه الكبري على الحزبية والحركية ، إلا أن سمعته أصبحت مضرة بكل من اقترب من منهجهم .
  • في الوقت الذي انحسر فيه نشاط الصحوة كانت العولمة بكل مؤثراتها تفرض حضورها على المجتمع إعلاميا واقتصاديا وأخذت الكثير من المتغيرات في التأثير على القيم التي عززتها الصحوة ، وبدأت تتساقط محرمات كثيرة وانتشار البث الفضائي في أغلب البيوت ، ما هيأ الأجواء للحديث عن مراجعات فكرية متعددة .
وبعد سنوات من الركود في الخطاب الديني كانت (الإنترنت) أيضا تنتشر في العالم ، وقد تأخر دخول هذه الخدمة للبحث عن آلية رقابة تحد من أضرارها السياسية والأخلاقية ، وبدأ موضوع دعاة الصحوة وكأنه وصل إلى طريق مسدودة ، في البحث عن حلول لهذا الملف المعلق منذ سنوات
فمع دخول الإنترنت محليا كان موضوع المشايخ في السجن من أهم المواضيع المطروحة في تلك المرحلة ، ووجد العديد من المناقشات المهمة حوله وبدت كأنها تمهيد ذهني لخروجهم وفق رؤية رسمية لا تريد استعمال الإعلام في هذا الملف ، مع ظهور بعض الإيجابيات التي أحدثها هذا الإيقاف ، إلا أنه أحدث أضرارا غير مرئية من حيث عدم وجود إدارة مرجعيات دينية تسيطر على الرأي العام الديني والشعبي .
فابن باز وابن عثيمين في نهاية حياتهما التي أثرت في مكانتهما الشعبية بشكل واضح أحداث التسعينيات عند بعض أبناء الصحوة والمجتمع لذا تم إنهاء الملف من دون ضجيج إعلامي كما بدأ ، ومن دون تفاصيل منشورة عن أسباب الدخول والخروج ، لكن المراقب يدرك طبيعة الروح التوفيقية التي توصل لها جميع الأطراف .
  • كانت هذه العوامل وغيرها تؤكد أهمية المراجعات والنقد الديني الداخلي ، فمثلا قدم الشيخ (دبيان الدبيان) عبر دراسة مؤصلة عن حكم اللحية في الإسلام وتكمن أهميتها في أنها امتحان حقيقي لمدى تقبل العلماء التقليديين ودعاة الصحوة لرأي فقهي مختلف عن آرائهم السائدة، خاصة أنها جاءت معتدلة وجادة علميا ، وبعيدة عن الإثارة الإعلامية
ومع ذلك كانت ردة فعل الجهة الرسمية للإفتاء ممثلة باللجنة الدائمة شديدة الإدانة ومتهمة للباحث في علمه ، مع أن الموضوع ليس بأهمية قضايا أخرى في العقيدة والعبادات والسياسة الشرعية وقضايا المجتمع ، لكنه قدم مؤشرا مبكرا على روح التشدد الموجه إلى الفرد في الخطاب الديني المحلي عند المؤسسة الدينية .
ومؤشرا آخر على مساحة الجهل في الخلافات الفقهية في التراث الإسلامي عند النخب الدينية والدعاة ، فالبعض صدم عندما اكتشف وجود هذه الآراء الجديدة بالنسبة إليه من فقهاء السلف ، ومع أن هذه المسألة ليست ذات حساسية فقهية إلا أن الصحوة ، وبفتاوى العلماء التقليديين ، جعلوها غير قابلة لتعدد الرأي ، حيث تمت مصادرة العلم والفقه الإسلامي بكل ثرائه في مسائل كثيرة حول الفرد والمجتمع بحجة القول الراجح المحلي من خلال فتوى في ورقة (A4) لعلما كبار !
  • بدأ النقد الجديد يأخذ مسارا مختلفا يعزز التسامح الديني ، والعقلانية السياسية .. إنها بدايات ما سمي بالتيار التنويري أو العصراني أو العقلاني ، لكن هذا الاتجاه فشل منذ البدايات في التأثير في بنية الخطاب الوعظي والديني من الداخل ، حيث استمر الخطاب الديني بتقليديته البحتة ، ولم يوجد تحول تنويري من الدعاة والعلماء في خطب الجمعة والمحاضرات الدينية
وإنما وجد بعض التحسن في الآراء ، مقابل تشدد آخر جديد في التحذير من تيار التنوير والعصرانيين وتآمرهم مع العلمانيين ، وبذلك حافظت الصحوة ولا تزال على ملامحها الأساسية في أهم مؤسساتها من كليات شرعية ومعاهد وتعليم عام وأنشطة دعوية ، وحافظ دعاتها المشاهير على البنية الرئيسة لخطابهم الديني باستثناء تغير في الرؤية للحكومة حيث وجد ملامح تطور إيجابي بالتعاون معها وذهاب روح الخصومة التي تشكلت في بداية التسعينيات .
  • كان هناك تشويه للخطاب العقلاني والزعم بأنه يلقي دعما داخليا ورسميا و الواقع بعكس ما يتصوره التيار الديني بأن هذا التيار مرحب به لقد كان من مميزات تشكل هذا الخطاب في البداية أنه ذاتي ومن دون تأثير رسمي
وقد استقبل بدرجات مختلفة وفقا لحسابات ومصالح فردية محددة لاستعماله في الصحافة والإعلام ، وبعد أن تم ترويض نماذج استعراضية من هذا الخطاب فقد تبلورت طريقة التعامل معه ، وبعد أن أدرك التيار الديني حقيقة الموقف الرسمي الذي ظل محترما للخطاب التقليدي وعدم وجود الرغبة في أى تغيير في منهجه التاريخي
حيث ما زالت مصلحة بقائه مع شئ من التجميل أهم من المغامرة في إحداث انقلاب في هذا الخطاب لقد استطاع الخطاب التنويري بجهود عشوائية إحداث إرباك حقيقي وإزعاج للكثير من المفاهيم المستقرة محليا ، وقدم نقدا أفضل من الخطاب الثقافي والصحافي السائد منذ أكثر من ثلث قرن ، ولولا بعض حالات المزايدة الانتهازية والاستعراضية الفردية من البعض التي تسببت في تشويه تجربة التنوير لأصبح التأثير محترما من الجميع .
  • لم يغيرّ ظهور الإنترنت في مضمون الخطاب الديني وتيار الصحوة منذ البدايات ، لأنه تميز بالمبادرة المبكرة جدا في استعمال هذه التقنية في تقديم رسالته الدينية والحضارية ، وقد وجدها وسيلة فعالة تعوض ما فاته من حضور في تقنية البث الفضائي التي كانت مكلفة جدا في البدايات وتحتاج إلى ميزانيات دول فخلال فترة قصيرة سيطر التيار الديني ومضمون خطابه على أغلب المواقع المحلية
ومن خلال المتابعة فإنه يمكن القول إن تيار الصحوة نقل الكثير من أفكاره السائدة قبل عقدين إلى الإنترنت في الحوارات وطريقة التفاعل مع الأحداث ومنهجه الإعلامي والدعوى ، ومع أنه كان من المتوقع أن تزيل الإنترنت بعض المفاهيم إلا أنها أسهمت في تثبيتها بصورة جديدة
نتيجة الصراعات الفكرية مع الخصوم في المنتديات ، كما حدثت تغيرات محدودة في ما بعد لأسباب خارجية ، لكن خطاب التيار الديني بوجه عام استفاد من هذه التقنية كثيرا في هذه المرحلة ، بعكس ما كان يتوقعه خصومه ، عوض أفول عصر الكاسيت .
  • كان لخروج مشايخ الصحوة تفاعل كبير في الإنترنت وسجلت بعض المنتديات آراء جمهور الصحوة وتجاهلت الحديث عن هل خرجوا بتعهدات أم لا ، أو الحديث عن العدالة ومبررات السجن ابتداء .. لكن بعد مدة قصيرة تحول هذا التفاعل والترحيب إلى شئ من الصمت والانتظار والتوجس والتساؤلات بعد الشعور بوجود بعض التغير عند رموزهم قبل أحداث أيلول (سبتمبر)
ولهذا بدأت الشعبية القديمة التي اكتسبوها بالتناقص مع الاختلاف في الموقف منهم و هذا بدوره أثر في الخطاب الديني المحلي وتسبب في تصدعات في المواقف من الأحداث ، كما حدثت انتفاضة الأقصى وهدم التمثالين بيد حركة طالبان وارتفع معها صوت إسلاميين جدد مقابل دعاة الصحوة ، وهو مؤشر مبكر للمراقب في حدوث تهميش لقيمة هذه الرموز ، والبحث عن دعاة وعلماء آخرين .
  • في هذا الوقت كانت الساحة مليئة بجدل آخر ساهم فيه تيار التنوير في الإنترنت والصحافة ، وبعضهم كان من ناشطي الصحوة الذين شاركوا في أحداث منتصف التسعينيات ، وأخذوا بالتحول نحو الاعتدال والتسامح ، أو من سلفية أهل الحديث ، وهو خط فكري مختلف عن مسار الصحوة لم ترصد تفاصيله بعد وتهرب الذين انخرطوا فيه من نقده مباشرة وتحرير تفاصيل مهمة حوله
ثم صمت رموز الصحوة بعد الخروج ، وبدأ الجمهور يفهم أنه انتظار لإعلان نوعية الخطاب الجديد الذي يريد أن يكون أكثر تسامحا ، وهو ما سيحدث وبالذات من الشيخ (سلمان العودة) صاحب الخطاب الأكثر صخبا في التسعينيات ، في الوقت الذي ينتظر فيه الجميع رسم مسار الدعوة والعمل الإسلامي محليا للمرحلة القادمة
ومحاولة إغلاق تفاصيل عقد كامل من المشكلات بين تيار الصحوة والحكومة ،وما أحدثته من تأزم اجتماعي ، وفي الوقت الذي توقع البعض انتهاء الأزمة والنجاح في ترويض هذا التيار وخطابه ، فإذا برواسب هذه المشكلات تنفجر بلغة عنف عالمية للدخول في عالم ما بعد أيلول (سبتمبر)

(4) خطاب ما بعد أيلول (سبتمبر)

جاءت هزة أيلول (سبتمبر) بالعديد من التطورات مع سلسلة توابع هذا الحدث الكبير ،وأحدثت ارتباكا ليس في تكتيك الخطاب فقط ، وإنما في بنية الوعي في العالم وأخلاقياته ؛وتأثرت بعض المفاهيم الدينية ، وهو ارتباك أخذ وقتا امتد لسنوات حتى عاد الخطاب إلى حالة الاستقرار في الرؤية مع تصحيحات محدودة ومتأخرة ؛

وارتبك أيضا الخطاب الديني الرسمي في مواجهة مثل هذا الحدث العالمي ، واكتشف أنه تحت الرقابة في كل ما يقوله وبخاصة أن أفكار الدعوة الوهابية كانت متهمة في هذا الحدث في نظر الإعلام الأمريكي .

لقد أظهر الحدث في لحظاته الأولي حقائق عن مشكلات في الوعي الأخلاقي والسياسي ، عندما تعرضت لامتحان مفاجئ سجلته ردود الفعل التلقائية داخل شرائح متنوعة عند التيار الديني والمجتمع السعودي ؛

كما كشف الحدث حجم الكراهين الشعبية للغرب وأمريكا ، وليس بالإمكان إخفاء هذه الحقيقية في حينها فقد سجلت مواقع الإنترنت وأحاديث المجتمع ورسائل الجوال هذه المشاعر من خلال النكت الساخرة ؛فضلا عن أسماء وشخصيات معروفة دينية وثقافية ، حتى بعض الأصوات التي رفضت في البداية جاءت باستحياء وعدم رصانة والوضوح جاء متأخرا .

ورسائل الجوال هذه المشاعر من خلال النكت الساخرة فضلا عن أسماء وشخصيات معروفة دينية وثقافية حتى بعض الأصوات التي رفضت في البداية جاءت باستحياء وعدم رصانة والوضوح جاء متأخرا .

في الصحافة المحلية لم يوجد ترحيب أو تأييد مباشر ، فهذا غير مسموح له بالنشر، لكن أغلب المقالات كانت تكشف عن حالة ارتباك من خلال الحديث عن القضية الفلسطينية وممارسات شارون وسياسية أمريكا ، من دون العديد من المقالات وتأثيراته السلبية في الوعي

وهو ما حدث من خلال عنف محلي اضطر الجميع أن ينسوا معه فلسطين وهنا يجب الإشارة إلى أنه من أسباب هذه الضبابية حينها هو أن انتفاضة الأقصى مع الفضائيات وشحن الإعلام وصوت المنابر والشعراء وصورة (محمد الدرة) كانت قبل الحدث بأشهر معدودة ، ما يفهم المراقب لماذا يؤثر الكره الشعبي المشروع لأمريكا والمبرر على الرأي والوعي العام !

الخطاب الديني الرسمي ممثلا في بعض العلماء الذين كان لهم حضور في أزمة الصحوة مع الحكومة ، وكما كان متوقعا ، فقد أدانوا الحدث منذ البداية كامتداد للإدانة السياسية ، ولم يكن أحد ينتظر غير ذلك؛

لكن الإشكال الذي صاحب هذا الطرح أنه لم يكن بنفس قوة الحدث ، فقدم إدانة تقليدية على طريقة تناول الأحداث المحلية السابقة من دون إدراك لطبيعة الحدث الاستثنائية ونوعية الخطاب الذي يحتاج إليه المجتمع والعالم في هذه اللحظة .

لم يتمكن هذا الطرح من توجيه موقف الرأي العام ومما زاد الأمر سوءا الموقف الذي حدث في قناة الـ إم . بي . سي مع الشيخ صالح السدلان عندما اتصلت امرأة تناقشه حول مشروعية هذه التفجيرات؛

وكانت ميالة إلى جوازها ، فوقع من الشيخ السدلان خطأ عفوى غير مقصود ، حين قال غاضبا في إطار النقاش مع هذه المرأة أنه يتمني لو كانت هذه المتصلة داخل العمارة التي سقطت بأحداث سبتمبر !

فتناولته منتديات الإنترنت ورسائل الجوال بالسخرية اللاذعة ، خاصة أن الشيخ له خصوم كثيرون من تيار الصحوة من آثار أزمة التسعينيات ، كما قدم رموز الصحوة رأيهم بقدر كبير من الحسابات التكتيكية؛والرفض المتحفظ لكن الإيجابي في هذه المرحلة أنه لم يكن تأييدا كما وقع من مشايخ آخرين سيكونون نجوم هذه المرحلة وحجة لخطاب القاعدة .

بالنسبة إلى اتجاه بعض المواقف الرسمية السياسية في البداية من خلال تصريحات عدة هو الإدانة مع التشكيك المستمر بحقيقة كونهم سعوديين واشتغلت أيضا بعض الكتابات حول هذا الإنكار وبالفعل ليس أمام السياسي في هذه الحالة إلا التشكيك حتى تتضح الأمور بصورة أكبر ، لكن مفاجأة الحدث وضخامته ، أدتا إلى ارتباك واضح في خطاب الإعلامي الرسمي وعدم وضوح أى استراتجية فحدث تخيط استمر لأسابيع طويلة

وكما حدث تخبط من الكتاب التقليديين والقدامي في الصحافة ، لأنهم لم يتدربوا على التفكير خارج رؤية الحكومة في الوقت الذي كان الرأي العام بتشكل عشوائيا في الإنترنت والفضائيات ومن كتاب جدد في الصحف تمكنوا من تأسيس موقف ورأي له سمات وخصائص مختلفة عن السائد .

بدا من الواضح من خلال هذا الارتباك العام وعدم القدرة على السيطرة على تشكيلات الموقف الديني ، وانهيار صدقية المؤسسة الدينية ، التي تآكلت قبل سنوات حتى قبل رحيل الشيخين ابن باز وابن عثيمين ، فكيف بعد رحيلهما ؟

في هذه الأجواء بدأ يشعر المراقب مدى حاجة الحكومة إلى الاستفادة من رموز الصحوة وشعبيتهم في ضبط بعض هذه الفوضى ، وإعادتهم إلى الساحة الإعلامية وتقوية نشاطهم تدريجيا وهو ما حدث فعلا وأدي إلى بعض النتائج الإيجابية ، ومع أن هذه الرموز التي حدث لها تحولات في رؤيتها اختلفت في خطابها الجديد

وأصبح لكل منهم لغة دعوية إلا أن هذا الخلاف ظل في حدود المقبول بينهم ، وقد تأثرت شعبيتهم وبالذات عند صقور الصحوة الأكثر تشددا بعد التغيير لكن احترامهم ظل هو السائد .

إن علينا أن نتصور حجم الكارثة لو أن هذه الرموز انحازت لخطاب القاعدة في تلك الأجواء الساخنة ، وما ستخلفه من آثار سلبية جدا فقد كان موقفهم أكثر حذرا ودبلوماسية وخبرة السنوات الماضية علمتهم عدم الاندفاع فتجاوزوا بعض سلبيات الخطاب الديني الرسمي

وقادوا الرأي العام لشريحة مهمة في التيار الديني مع ملاحظة زيادة شعبية جناح الصقور في الصحوة بشكل لافت في الجدل الانترنتي ، وتورط في فكر القاعدة الكثيرين .

اختلفت ردود أفعال دعاة الصحوة ليس في الموقف فقط ، وإنما في صياغته وتأصيله الشرعي وهو يميل للرفض أكثر من القبول لكنه رفض اختلف عن الطريقة الدينية التقليدية إنه رفض مع استصحاب كبير لخطاب عام في إدانة الغرب وأمريكا والدفاع عن قضايا المسلمين للمحافظة على صدقية شعبية

وكنت ناقشت بعض هذه الإشكاليات والأخطاء السائدة التي قدمت حول الموقف من هذا الحدث في وقتها في عدة مقالات نشرت في الأسابيع الأولي وزاد من إشكاليات الحدث والخطاب الديني والسياسي وقوع غزو أمريكي لأفغانستان من أجل إسقاط حركة طالبان ، واختلطت الأمور بشكل معقد ، وأدي هذا الغزو السريع إلى تداخل المفاهيم مع ضعف في الوعي السياسي الدولي .

فقبل حسم الرؤية حول مفهوم الإرهاب وقتل الأبرياء والوصول إلى رؤى عامة أكثر دقة في تحديد مدى أخلاقيات هذه الأفعال تحت أى ظرف تاريخي جاءت أحداث أفغانستان ليحضر مفهوم آخر مهم عند كل مسلم وهو مسألة الولاء والبراء ، ما جعل الخطاب الديني أمام مأزق جديد وأعيد موضوع الموقف من الروس ، لماذا لا نقف ضد أمريكا ؟

وهو ما أحرج به الخطاب الجهادي التيار الديني الذي يبحث عن اعتدال داخل هذه الفوضى ، وحتى بعض أصحاب الرؤية التنويرية في مقالات ومشاركات نشرت وقعوا في إشكاليات الحرب نتيجة ضعف الثقافة السياسية في رؤية مفهوم الحرب ومفهوم السلم في لغة العصر فلم تسعفهم الاجتهادات الشخصية في ضبط الرؤية للموازنة بين متطلبات الشعبية والنضال وفي الوقت نفسه عدم الاندفاع إلى مواقف تضرّ بعالمنا العربي والإسلامي .

في الوقت الذي كانت فيه فوضى الخطاب الديني مستمرة في الداخل السعودي ، في التعامل وفي موقفها من الغرب وأمريكا بعد أحداث أيلول (سبتمبر) وإسقاط حكومة طالبان طرح موقع الشيخ سلمان العودة مبادرته الذكية بتوقيتها وأسلوبها الجديد على مجتمعنا في الحوار مع الآخر " بيان التعايش " الذي اعتبر " ضربة معلم " من الشيخ دينية وسياسية ، وعاد إلى الساحة المحلية وحواراتها بالطريقة التي اختارها (سيتم مناقشة مضمون البيان ومحتوياته في مكان آخر)

هذا البيان كان فرصة لإيجاد حالة من الجدل والحوار بين مختلف التيارات المحلية ، إضافة إلى دخول المثقف الأمريكي في هذا الحوار الذي أسهم في حيوية المناقشات وطرح مسائل دينية وثقافية وسياسية ومشكلات العلاقة مع الآخر .

استقبل هذا الخطاب من المثقفين والرأي العام والصحافة المحلية بصورة متباينة ، خاصة أنه وجد تنوعا في أسماء المشاركين في التوقيع على البيان في اتجاهاتهم الفكرية بصورة لم تكن مألوفة داخليا والمفاجأة الأهم أنها جاءت بمبادرة من داعية ورمز من الصحوة في العقدين الماضيين وأهم صناع الوعي فيها كان مضمونة هو البحث عن مساحة المشترك وإشاعة ثقافة التسامح مع الآخر ، وهو بالأساس رد على خطاب أمريكي : لماذا يكرهوننا ؟

كان الترحيب بهذا البيان هو الأغلب ، لكنه واجه نقدا داخليا ومناقشة لبعض مضامينه لاعتبارات متعددة ، بعضها موضوعي وبعضها الآخر لا يخلو من مواقف شخصية .

بعض المثقفين ومن المحسوبين على التيار التنويري يبحثون في عدد من مقالاتهم عن سقف أعلي في التحرّر من بعض المفاهيم ، وآخر يعترض على تفصيلات فكرية داخل الخطاب وآخر يشكك بأن هذه مخادعة ومحاولة للقفز على مشكلات الداخل وتياراته المختلفة وأين التسامح معها ، وآخر أربكته الأسماء المشاركة .. الخ.

المفارقة الأخرى أنه مقابل نقد بعض أصحاب التيار التنويري والتشكيك في حقيقة اعتداله ، كان هناك نقد سلفي يتصاعد ضد بيان التعايش وكان هذا النقد صادرا من مجموعات هي خليط من تيار الصحوة ومن السلفية الجهادية وحتى بعض رجالات السلفية التقليدية ورأوا أن في بيان التعايش خللا في العقيدة وفي بعض المفاهيم الدينية ، وأنه يمثل انحرافا عن مفهوم الولاء والبراء .

أبرز هذه الردود جاء من الشيوخ حمود العقلاء وعبد الرحمن البراك ناصر الفهد ، وتفاعلت منتديات الانترنت الإسلامية مع هذا النقد ، حيث استطاع هذا النقد جر جمهور عريض من التيار الديني نحو الرؤية المتصلبة التي يراها

وأربك هذا النقد أيضا وسط العلماء وطلبة العلم ، حيث استطاع أن يحشد الكثير من العلماء في الداخل ضد الشيخ العودة ومن وقع معه من دعاة الصحوة ، فلم يكن باستطاعة الموقعين على البيان الرد على الطرح السلفي ومناقشته علميا

وبالفعل نجح التيار المحافظ وصقور السلفية على إجبار عراب هذا البيان ومن معه من مشايخ الصحوة على التراجع وطلب عدم إساءة الظن ، وتجديد المعتقد في الولاء والبراء عند الشيخ (عبد الرحمن البراك) من خلال خطاب تم نشره في الانترنت .

ومن المفارقات أن بعض " الكتاب القطيع " ما أكثرهم استمروا في صفحاتنا في الإشادة بالبيان حتى مع تراجع أهم رموزه!

هذا الجدل الساخن حول هذه القضية كشف لمراقب الساحة المحلية حقائق أولية عدة حينها، منها :

  • صعوبة التغيير في الخطاب الديني ونوعية الضغط الذي واجهه دعة ومشاهير الصحوة عندما قدموا مثل هذه المبادرة .
  • بداية ظهر بعض الخلافات في الرؤية بين مشايخ الصحوة وأسلوب التعامل مع الأحداث .
  • بروز تيار سلفي جديد من الصحوة تشكل كـ (ردة فعل) ضد مظاهر ، يري أنها تمييع وتراجعات من مشاهير الدعاة ،ووقف بشدة ضد هذه الأفكار وكان له دور لاحق في إصدار فتاوى متشددة وتوريط جديد في مشكلات العنف والعمليات الجهادية ، وتأييد تنظيم القاعدة في الداخل .
  • تهمش دور الخطاب الديني الرسمي كثيرا وأصبح الجدل هو السائد داخل تيارات دينية حركية في الداخل .

في هذا الوقت صدر الأمر بدمج الرئاسة العامة لتعليم البنات إلى وزارة التربية والتعليم ، وتوقع البعض مروره من دون ضجيج واعتراض ، خاصة أن القضية ليست موضوعا للحوار بعد صدور القرار الذي جاء بعد أحداث حريق مدرسة البنات في مكة

وردود فعل الصحافة التي أتيحت لها مساحة غير معتادة تمهيدا لهذا القرار الذي صدر بصورة مفاجئة للتيار الديني ، في وقت كان ينتظر فيه الكثيرون تغيير الرئيس العام لتعليم البنات تجاوبا مع الحادثة .

لقد كان وقع هذا الخبر غير المتوقع والمفاجئ مربكا للناشطين الإسلاميين وبعض الدعاة المهتمين بقضايا المرأة وهيئة الأمر بالمعروف ، وبما أن القرار صدر وانتهي

لم يكن أحد يتصور أن توجد حملة بهذه الضخامة ضد القرار والتشكيك فيه والحديث عن خطورته على وضع المرأة في المجتمع ، وتصويره بأنه تمهيد للاختلاط وخطوة من مسلسل مؤامرة على المرأة السعودية في منتديات الإنترنت ومحاضرات وخطب المساجد

وأبرزت هذه القضية دعاة جددا اشتهروا فيها مثل الشيخ الهيدان الذي كان من أبرز الناشطين في هذه الحملة ضد القرار ، ووزع له كاسيت من خطبة جمعة سمي بـ " شهيدة العصر " شن فيه حملة حادة ضد وزير التربية والتعليم ..

وسرد فيه معلومات تاريخية طويلة عن قصة تعليم البنات منذ أيام الشيخ محمد بن إبراهيم ... لم يكن بإمكان هذه الحملة المناهضة للدمج لقرار حكومي صدر أن تكون بهذه القوة والجرأة غير المعتادة لولا وجود قوى أخرى توافقهم حينها ما شجع على مزيد من التصعيد فليس من المعتاد أن يصدر قرار بهذا المستوى ثم يتم الاعتراض عليه بهذه الطريقة .

الأكثر إثارة للمراقب أن هذه الحملة لم يشارك فيها دعاة الصحوة لعدم رغبتهم في الدخول في قضايا خاسرة ، والأكثر غرابة هو أن علماء رسميين اعتاد المجتمع السعودي منهم عدم الاعتراض على أى قرارات تصدر من الدولة ، في قضايا أخطر من موضوع إداري كهذا

ومن أمثال الشيخ صالح اللحيدان ، إلا أنه حدث منهم العكس ، حيث تفوت هذه الحملة بسبب ذلك ، وشعر البعض بأن هناك مراكز قوى يمكن أن تؤثر في القرار ليتم التراجع عنه وقد أعاد هذا الموقف بعض الشعبية والصدقية عند التيار الديني لبعض العلماء الرسميين .

غزو العراق .. (وأحداث أيار (مايو)

الموقف من عزو العراق مشابه للموقف من غزو أفغانستان .. حيث ظهرت بيانات متعددة تدين هذا الغزو من إسلاميين ومثقفين في الداخل والخارج ونتج منه بعض التوحد في الرؤية بين تيارات مختلفة قومية وإسلامية

فالخطأ السياسي الأمريكي هنا أكثر وضوحا من الحالة الأفغانية ، لذا كان رفض العالم لهذا الغزو أكبر وفي الوقت نفسه برزت ملامح تيار ما سمي بـ "الليبراليين الجدد" بصورة أكبر في العالم العربي .

كان السقوط السريع لبغداد قد أدي إلى ارتباك خطاب التيار الإسلامي مقابل غوغائية جديدة من الذين التحقوا بخطاب التيار الليبرالي الجديد ، فالنجاح الأمريكي المبكر في إسقاط نظام صدام حسين بسهولة أخاف النظم والحركات المحافظة؛

وأنها بحاجة إلى إعادة حساباتها المرحلية ، وكان ظهور المقاومة العراقية وتصاعد حدتها هو المنشط الذهني للخطاب القومي والإسلامي مقابل سخرية تيار الليبرالية الجديدة الذي كان يري أنها جيوب مقاومة عابرة ستنتهي سريعا ..

بعد ما يقارب الشهر من سقوط بغداد ، بدأت في الداخل السعودي أطول وأشرس عمليات عنف شهدتها البلاد امتدت لسنوات ، وتنوعت في أساليبها على يد تنظيم القاعدة والمتأثرين به ، كانت أحداث أيار (مايو) 2003م، جاءت على طريقة تفجيرات أيلول (سبتمبر) في وقوع أكثر من تفجير في وقت واحد

ولقد صدم المجتمع السعودي بما حدث والتيار الديني بكل أطيافه ، ووجد نفسه أمام المشكل الأخلاقي نفسه الذي طرحه 11 أيلول (سبتمبر) ، لكنه سمع هذه المرة صوت الانفجارات الضخمة داخل أحياء مدينة الرياض !

أصبح الخطاب أمام تطوّر محلي جديد يفرض عليه لغة واعية للمسؤولية التاريخية ، وحسم الكثير من المفاهيم التي عبثت في عقول بعض أتباعه ، وأصبح ضحية لمثل هذه الأعمال ، في الوقت الذي يحاول التيار الديني فيه البحث عن الطريقة الأفضل لمواجهة ما حدث وإدانته؛

فكانت الصحافة وخصوم الصحوة من تيارات مختلفة يشنون حملة شرسة ، جعلت التيار الديني وخطابه المتهم الأول في ما حدث ، فجاء النقد للتيار الديني هذه المرة عنيفا وحادا ، فأصبح أمام تحديين في وقت واحد:الأول دوره في معالجة ما حدث .

والثاني مواجهة بعض ما يري أنه غوغائية إعلامية ، وهذا التكتيك أثر في نوعية الحوارات والجدل الذي حدث بعدها ، كما جاءت الإقالة السريعة لرئيس تحرير صحيفة الوطن التي قادت هذه الحملة كامتصاص رسمي لغضب التيار الرسمي والحركي ، وتهدئة اللغة الصحافية المندفعة بعشوائية أحيانا .

من المهم أن نسجل أنه قبل بدء عمليات العنف في الداخل السعودي بعد سقوط بغداد ، كان هناك قلق إسلامي من تيار الصحوة من حدوث هذا العنف .. فقبل تفجيرات 12 أيار (مايو) بقليل كان هناك بيان مهم سمي بـ "الجبهة الداخلية أمام التحديات المعاصرة .. رؤية شرعية" وهذا البيان لم يتم الاهتمام بمضمونه إعلاميا .

ولم يجد تغطية كافية ، لأن الأحداث المتسارعة جاءت بعده ، فتم تجاهله مع أنه أهم بيان يعبر عن موقف وفكر تيار الصحوة بكل رموزه ودعاته في السعودية ووقع عليه 33 شخصا من أهم الأسماء المؤثرة في تيار الصحوة مثل الشيخ سفر الحوالي ، وسلمان العودة ، والشيخ سعود الفنيسان ، والشيخ عوض القرني ، والشيخ عبد الوهاب الطريري .

كان هذا البيان موقفا استيافيا ضد أعمال العنف هذه ، وتحذيرا شرعيا من حدوث ذلك ، وهو مؤشر على أن التيار الإسلامي شعر بخطورة حدوث أعمال عنف قبل 12 أيار (مايو) بقليل ، وشعر أن هناك تشكلا لتيار عنفي جهادي في الداخل ، وخاصة عندما تم الإعلان عن تسعة عشر مطلوبا ونشرت صورهم في الصحف

حيث كان مضمون البيان يشير إلى نقاط عدة نذكر أهمها باختصار:

أولا: حديث عام عن الجهاد وأنه ذروة سنام الإسلام .
ثانيا: دعوة للحكومات برفض التدخل الأمريكي، وأن من أكبر الكبائر التعاون مع الحكومة الأمريكية في عدوانها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة .
ثالثا: التحذير من الافتئتات على خاصة الأمة وعامتها بقول أو فعل يحرك عدوّها إلى ميادينها العامة ، وشرح لهذه القضية .
رابعا: مما تدين لله به تحريم سفك الدماء تحت أى تأويل ، فنؤكد على المسلمين كافة من أهل هذا البلد أن يحرم نشر الفتنة وسفك الدم بالتأويل وأن يعلم أن من الجناية على المسلمين جرهم إلى مواجهات ليسوا مؤهلين لتحملها ، وتوسيع رقعة الحرب .. وأن هذا ربما كان هدفا تستدرج إليه أمريكا وحلفاؤها البعض حتى يصبح ذريعة لتدخل أكبر وتقسيم للمنطقة .
خامسا: تذكير الحكومات وخاصة دول المنطقة بحرمة أبناء الإسلام وخاصة من جادوا بدمائهم وأرواحهم في مدافعة العدوان على الأمة في يوم من الأيام لذا فلا يصح أن يكونوا مستهدفين بالسّجن والمطاردة أو التعذيب والإيذاء وأعظم من ذلك تمكين أعداء الله من أن يطالوهم بأى نوع من أنواع الأذي .
سادسا: تحذير الشباب من الاندفاع في قضايا التكفير .
سابعا: نصيحة لأهل العلم وجمع الكلمة .
ثامنا: دعوة الحكومات إلى فتح حوار هادئ معزول عن المخاوف الأمنية .. إلخ .

يشكل هذا البيان أهم أفكار تيار الصحوة وأهم مواقفها من التيار الجهادي قبل حدوث أعمال العنف ، فلم يكن تيار الصحوة تحت الضغط الإعلامي كما حصل له بعد حدوث العنف ، ولكن كان هذا الموقف تعبيرا عن شعور بالخطر على المجتمع وعلى استقراره .

كانت ردود أفعال الفكر الجهادي والقاعدة حينها على هذا البيان غاضبة في الإنترنت ، وأنه جزء من تدجين الأمة ، ونلاحظ أن البيان احتفظ بكل المسائل التي تجعل له صدقية دعوية ، بعكس البيانات التي تظهر من الجهات الدينية الرسمية .

في بيانات الإدانة بعد كثير من الأحداث والمواقف تبدو مشكلة التيار الإسلامي ضعف الخبرة السياسية ، فتقدم شروحا وتفسيرات وآراء عن الحادثة مع الإدانة، وهذا الذي جعل خصوم التيار الإسلامي يشككون في مواقفهم إلى حد اتهامهم بأنهم جناح سياسي لتيار العنف .

وقد ناقشت في أحد المقالات هذه المشكلة المستمرة في الخطاب الديني لأنه يمكن وضع التفسيرات والتحليلات والآراء في وقت وكتابة أخري خارج نص بيان الإدانة . لقد كان استنكار وموقف التيار الديني هذه المرة أكثر وضوحا وحسما مقارنة بمثل هذه العمليات عندما حدثت في أماكن أخرى من العالم ، فقد صدم التيار الديني مما حدث داخليا ..

كانت إحدى المفاجآت ، أن مذيعا يقدم برنامجا فكاهيا في قناة المجد ممن شارك في تفجيرات غرناطة ، وكانت الصدمة أكبر مع استمرار الأحداث وقوتها؛ والخسائر الكبيرة في الأرواح في مدن متفرقة من المملكة ، مع الشعور بالخطر المحلي والإقليمي ، وأخذ التقارب والتعاون بين الحكومة والتيار الإسلامي الحركي يزداد ، وأخذ أبعادا وتحوّلات جديدة بالنسبة إلى المتابع .

(1) الصحوة الحكومية

في هذه المرحلة مع سخونة أخبار التفجيرات والمطاردات ، بدأ المتابع يلمس تغيرا في توجه الخطاب الديني عند تيار الصحوة ، وأخذ ما يشبه التحالف مع الحكومة بالذات مع مراكز قوى فيها ، هذا لا يعني أن خطاب الصحوة كان معارضا في السابق بقدر أن له منهجا خطابيا مستقرا ، له ملامحه التي تميزه عن اللغة الرسمية

وبدا واضحا حجم التغيرات في لغته حول المشكلات الداخلية في المجتمع والصراعات الفكرية ، فشاهدنا قنوات المجد تعزز من حضور الأناشيد الوطنية في إنتاجها ، وتفاعلت مع موضوعات العنف في الداخل وتطوراتها بمثل أو أفضل من القناة الأولي و تحولت الأصوات الصحوية الكثيرة الناشطة في الإنترنت

ورموز الساحات السياسية إلى الدفاع عن أداء الحكومة في محاربة العنف ، حتى نقد بعض الأخطاء الإعلامية يتهم فيها أشخاص وجهات وإعلاميون ، وأنها مؤامرات منهم من دون توسيع التهمة على توجهات الدولة؛

ومع مكاسب الشخصية والدعوية التي حققها البعض ، بدأ خطاب الصحوة يقترب أكثر في خطابه من الحكومة .. حتى بدأ البعض يتحدث عن بروز اتجاه "سروري جامي" ! هذه التحولاّت والمتغيرات والتقارب الاستراتيجي بين خصوم التسعينيات الماضية ،فرضت بعض التساؤلات ،وهل ما حدث هو اتجاه اضطراري للصحوة نحو الحكومة .. أم الحكومة نحو الصحوة ؟!

على الرغم من هذا التحول في خطاب الصحوة ورموزه فإنهم احتفظوا ببعض الاختلاف عن اللغة التقليدية للعلماء الرسميين تجاه الحكومة والخطاب الجامي فحافظ هذا الخطاب على مضامين خطابه السائد ، في الحديث عن الأعمال الخيرية والدعاة لأهل الجهاد بلغة عمومية ، مع مشروعهم الاجتماعي في الحفاظ على أخلاقيات المجتمع والدفاع عن الهيئات وقضايا المرأة .

إن تحول الخطاب وانحيازه للدولة ليس عيبا ، بل إننا في مجتمع قد لا يناسبه إلا هذا الاتجاه في امتصاص أخطاء الماضي لتيار بحجم تيار الصحوة .

جاء هذا التحول ببطء ونتيجة عوامل سياسية داخلية وخارجية عدة ومع ضغوط خارجية تهدد الداخل بما فيها التيار الديني ، فأصبح كل طرف بحاجة إلى الآخر في مواجهة هذا الضغط الذي يتحول أحيانا إلى داخلي لمراكز قوى العالمية وكان من أول مظاهر هذا التقارب نقد بعض رموز الصحوة وناشطتها مثل العودة والحوالي والعواجي ، الدعوة للتظاهرات والوقوف ضده في ذلك الوقت

ونظرا إلى حساسية هذه القضايا التي أضرت بالعلماء الرسميين وصدقيتهم من قبل ، لمن يدرك طبيعة التعامل مع مثل هذه الملفات السياسية فإن دعاة الصحوة أيضا ستتأثر صدقية خطابهم ، ويفقدون بعض دورهم في توجيه الرأي الديني ما يؤول إلى حدوث فوضي مع غياب بعض المرجعيات ذات الصدقية التي تحتاج إليها الدولة والمجتمع .

لقد تغيرت الكثير من اهتمامات دعاة الصحوة وبرزت المصالح الفردية واختفي البعد السياسي لمصلحة التربية والوعظ. إن التقارب أمر مهم ومفيد بوجه عام ، لكنّ قدرا من الاستقلالية يبدو ضرورة لأى خطاب ثقافي وديني ، بشرط ألا يتذاكي على المجتمع ، ويجعل هناك مسافة استعراضية للتمويه مثل ما يفعل بعض الكتاب

فلا يمكن أن يكون فعالا في توجيه الرأي العام من دون صدقية تنتج عادة من وجود مسافة حقيقية بينه وبين الرأي الرسمي في بعض القضايا ، وحضور حقيقي لشخصية الشيخ والمثقف

ولا شك أن عدم التنبه إلى خصوصية أى توجيه ثقافي وديني سيضر بالدور الإصلاحي المفترض أن يقوم به ، وهذا ما حدث ، فأصبح جمهور تيار الصحوة في مرحلة التقارب بعيدا عن الهموم الإصلاحية ومحصورا في الدفاع عن تياره ورموزه وقضايا دينية محدّدة وتهميش لهموم المجتمع الكبري .

(2) الجهاد .. والذهاب للعراق

أبرز التحديات التي واجهت التيار الديني وخطاب الصحوة في هذا الوقت هي قضية الذهاب إلى العراق للجهاد ومشاركة المقاومة العراقية في طرد المحتل الأمريكي ، ولخطاب الصحوة منهج تشكّل مبكرا منذ الثمانينيات في رؤيته لقضايا الجهاد ، تميزه عن خطاب السلفية الجهادية .

كثيرة هي الكتابات عن الجهاد والفكر الجهادي والإرهاب والقاعدة لكن هناك عجزا من الباحثين في تحديد مكونات خطاب الصحوة حول الجهاد تاريخيا ، وكثيرا ما يحرج الفكر الجهادي دعاة ورموز تيار الصحوة حول الكثير من المفاهيم والمبادئ الشرعية في الجدل حول مشروعية الجهاد

ونظرا إلى خبرة التيار الديني القديمة بعدم جدوى ذهاب الشباب بأنفسهم للجهاد ، وأن الأوضاع تغيّرت ، فإن الخطاب الديني يرفض الذهاب إلى العراق ، وفي الوقت نفسه يدعو للمجاهدين بالنصر والدعم الإعلامي بتأييد المقاومة

أما الدعم المالي فقد واجه صعوبات وحساسية سياسية من أمريكا، وقد هاجم الإعلام الأمريكي السعودية بهذا الشأن فظل الموضوع المالي غير معلن من التيار الديني ، حيث اكتفي بالدعاء على أمريكا .

لقد حاول الخطاب على الرغم من الصعوبات وربط بعض أبنائه في الإرهاب ، الاحتفاظ ببعض الحماسة نحو الجهاد وأهمية الدفاع عن بلاد المسلمين ضد المحتل ، وألا يكون متخاذلا ، وهذا يرضي مزاج جيل تربي على هذا اللغة .

إن خطاب الاعتدال وسلوك العقلانية السياسية يبدو صعبا على رموز التيار ، حيث لا تزال الثقافة الدينية غير قادرة على صناعة خطاب يجمع بين إشكاليات التراث الفقهي ومتغيرات العصر في قضية الجهاد ، وما تسببه من ازدواجية فكرية وانشقاقات داخل الرأي الإسلامي وهناك صعوبة عند البعض في الجمع بين القنوت في المساجد والدعاة في خطب الجمعة

ثم يكون هناك تحذير من الذهاب للعراق من قبل الدعاة وهذا أدي إلى هجوم خصوم الإسلاميين عليهم بأنهم يحرّضون الشباب على الذهاب إلى العراق ، على الرغم من هذه التهم التي توجه لتيار الصحوة فإنه يدرك الفرق بين حالة الجهاد الأفغاني والعراق

ولهذا فإن خطاب الصحوة يمنع بجدية الذهاب إلى العراق في هذه المرحلة ، وهو في حلة تنسيق مع الجهات المسئولة فمع مشكلات الإرهاب في الداخل فإنهم شعروا بحجم الآثار السلبية التي يمكن أن تنتجها مثل تلك البيئات الموبوءة بالاستخبارات الدولية . وقد حدث انفصال حقيقي بين فكر القاعدة والجهاديين مع تيار الصحوة السائدة ، وذلك بعد تعدد المواقف التي يرون أنها مع الأنظمة وضد الجهاد .

مع ذلك ظلت الصحافة في هذا المرحلة تبحث عن أدلة ومؤشرات على وجود تحريض وتورط التيار الديني ، وأنه لم يحدث تغير عن زمن الحالة الأفغانية فكان أقوي وأغرب هجوم قدمته جريدة الوطن في صفحتها الأولي على شكل خبر عن إشاعة ذهاب ابن الشيخ سلمان العودة إلى العراق ، واتصاله بالجهات المسئولة

وأنه لا يسمح لإبنه بالذهاب مقابل تحريضه للآخرين على الذهاب ، وقد تخلي هذا الخبر عن المهنية الصحافية المفترضة وتسبب في إثارة حوار وجدل إنترنتي ساخن حوله واتهامات متبادلة .

كان الكثير من الطرح الصحافي يميل إلى الغوغائية والانتهازية أكثر من المهنية في حالات كثيرة ولا يخلو من مغالطات تاريخية في الوعي بسياق الأحداث وتاريخها ونوعية الخطاب السائد فقهيا في مراحل الجهاد الأفغانية وما بعدها ، ومسؤولية كل جهة حركية أو رسمية

ومقابل ذلك كان دفاع تيار الصحوة عن شيخهم في الانترنت لا يخلو من مغالطات بأن الشيخين (العودة والحوالي) لم يكونا يحرضان الشباب على الذهاب إلى أفغانستان .

إن الحث على الذهاب إلى الجهاد في أفغانستان مر بظروف وأطوار مختلفة ، وقراءة هذا الخطاب بمثل هذه التعميمات هو تجاوز للحقائق ، فقد كان الموضوع يتم تناوله محليا في سياق اختلاف وجدل حول حكم فقهي في تلك المرحلة ، حول حكم الجهاد ، هل هو فرض عين أم فرض كفاية ؟

وكان رأي الشيخ (عبد الله عزام) الشهير بأن الجهاد فرض عين في رسالته المشهورة الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان ، وكان أبرز من وقف ضد هذا الرأي الشيخ (سفر الحوالي) واعتبره غلوّا وهناك تفاصيل كثيرة حول الآراء المتداولة فقهيا ودعويا في ذلك الوقت

فالرأي السائد حينها عند العلماء والدعاة في السعودية بأنه فرض كفاية ، ويشترطون إذن الوالدين للذهاب إلى الجهاد ، حيث أدي رأي الشيخ (عزام) إلى حرج شرعي عند التيار الديني في العالم الإسلامي

فكان رأي علماء ودعاة الداخل الذي بدا معتدلا مقابل رأي عزام لا يدل على تحذير من الذهاب ، بل العكس كما يحاول تصويره التيار الديني الآن ، فقد كان الجو العام يشيد بذلك ويشترك إذن الوالدين .

انتقال الحكم من فرض العين إلى الاستحباب للقادر لم يكن ليؤثر كثيرا في أعداد الذاهبين ، وقد كان من الصعب في أجواء تلك المرحلة إقناع الشباب المندفع على تغيير رأيه وعدم الذهاب وبعد فترة تحوّل الخطاب الديني الحركي إلى رأي أن الساحة المحلية للعمل الإسلامي والدعوة

وأن ذهاب الشباب والشخصيات المؤثرة تفريغ للداخل من العاملين للدعوة ، وهذا مبرر ديني وحركي أدي إلى تخفيف اندفاع الشباب نحو الجهاد بعد قلق الأسر السعودية من اختفاء أبنائها وذهابهم فجأة من دون مقدمات كان هذا الرأي بديلا شرعيا للدعاة ولم يوجد أى تحذير من الذهاب من أى طرف بل كان الجو العام من الحكومة ومن العلماء الرسميين ودعاة الصحوة والإعلاميين والمجتمع معجب بمثل هذه التضحيات

من تابع تفاصيل تلك المرحلة فإنه سيجد مواد صحافية تعرض بإعجاب حكاية الشباب العرب ومنهم السعوديون وتجربتهم في الجهاد وانتصاراتهم ولهذا لا معني بالتظاهر بأى اعتدال من أى طرف إسلامي أو غير إسلامي في تلك المرحلة .

في تجربة الذهاب للعراق يبدو الوضع مختلفا جدا ففي السابق كان المحرض للذهاب عوامل مختلفة جدا ، ووضع دولي ومعادلات تحكمها ظروف الحرب الباردة ، ولهذا من المفهوم لماذا تغيّر رأي الخطاب الديني جزئيا في الشأن العراقي

ما يمكن قوله بعد أكثر من ربع قرن من تجربة الخطاب الديني المحلي مع القضية الجهادية ، ونشوء العديد من الأزمات وظهور فكر ومنهج جهادي له ملامحه الخاصة قلب أوضاع العالم وأربك النشاط الإسلامي في كل مكان

إنه لم يحدث تغيرات حقيقية من الناحية الفقهية أو الفكرية في الوعي السياسي لضبط التفكير حول هذه القضايا قبل الحديث عن أحكام شرعية حيث أظهرت القضية العراقية مرة أخرى حجم الأزمة الفقهية والفكرية الإسلامية محليا التي لم تنفع معها مسكنات الشيخ (العودة) ولا أعشاب الشيخ (العبيكان) ولا وصفة المفتي العام !

الخطاب الديني .. والحوار الوطني

واجه الخطاب الديني متغيرا جديدا تمثل في الحوارات الوطنية التي طرحت قضية العلاقة مع الآخر في الداخل ، والتقارب بين التيارات المختلفة المذهبية والفكرية ، واختلف موقف التيار الديني حول هذا الحوار والنظر إليه عند تيار الصحوة أو العلماء التقليديين

ففي خطاب تيار الصحوة كان هناك أكثر من اتجاه ، بعضهم شارك بفاعلية ورحب بالفكرة مثل الشيخ العودة وآخر متحفظ من دون تعليق على من شارك فيه مثل الشيخ الحوالي ، وثالث قدم تشكيكا في قيمة الحوار بسبب الموقف التاريخي والديني من مذاهب وتيارات داخلية وخاصة الشيعة .

أما موقف العلماء التقليديين فلم يكن مرحبا بالحوار في نظر البعض لأنهم لم يشاركوا فيه ، وهو أكثر تشددا في موقفه من المذاهب الأخرى لكنه من دون ضجيج وإثارة سياسية أو دينية حول هذه القضايا .

كانت أكثر القضايا حساسية بالنسبة إلى التيار الديني السلفي ملف الشيعة وحقوقهم كمواطنين وكان مشهد ركوب الشيخ العودة مع الشيخ حسن الصفار في سيارة واحدة تم تناوله في العديد من الكتابات والمنتديات كحدث لافت ومؤشر على مرحلة جديدة بين رمزين دينيين .

كان الحوار الوطني مبادرة رسمية لامتصاص الحراك والجدل الفكري الذي ظهر بعد أحداث أيلول (سبتمبر) في المنتديات والصالونات ولقاءات النخب الثقافية ليكون تخت إشراف الدولة، وأنشئ مركز له .

كان الملتقي الأول والثاني أنجح الحوارات التي أقيمت ، ثم تحول كما هو متوقع إلى مسار بيروقراطي تقليدي وخرج عن فكرته الرئيسة ، بعد أن أدي دوره في امتصاص حماسة النخب الداخلية في التغيير والحوار .

في الملتقي الثاني في مكة، وكان موضوع المناهج المقدم في ورقة إبراهيم السكران وعبد العزيز القاسم قد أثار ضجة كبيرة كونهما من المحسوبين على التيار الإسلامي المعتدل فقد أربكت هذه الورقة الكثير من الإسلاميين من تيار الصحوة أو السلفيين .

كان موقف التيار الديني من مناهج التعليم تشكل منذ سنوات وأصبح موضوعا للخصومة مع المثقفين والصحافيين ، ومع الهجمة الأمريكية ضد المناهج السعودية أصبح توتر التيار المحافظ شديدا من القضية ، ويبدو في بعض الحالات نوعا من الخيانة وخدمة للغرب حيث أصبح الموقف من المناهج علامة للتفريق بين التيارات .

لتيار الصحوة تاريخ في قضية المناهج كأحد المكتسبات التي يصعب التفريط بها ففي التسعينيات وبعد لقاء مدريد وقضية السلام مع إسرائيل كانت قضية المناهج عربيا حاضرة وتخوف التيار الإسلامي من حدوث أى تغيير في بعض المقررات

استحضار التجربة المصرية قبل أن تتدهور عملية السلام بنفسها لكن خصائص النقد في هذه المرحلة للمناهج تختلف عن السابق فالتحديات مختلفة والتيار المحافظ الحكومي والحركي في خندق واحد ضد من يقدم نقدا لهذه المناهج .

أهم خصائص الخطاب الديني في هذه المرحلة

  • مع كل المتغيرات التي حدثت فإن الخطاب الديني ظل أمينا ومحافظا على الكثير من أفكاره وشعاراته ومبادئه ، فلم يوجد تغير يستحق الإشارة إليه في طبيعة الدروس العلمية وحلق العلم ومناهج الجامعات ، وحتى بعض القضايا التي حدث فيها تغيرّ فقهي فهو محدود ومحكوم بضغط الواقع وعدم وجود الخيارات البديلة وكان تطوّر تقنية الاتصالات أكبر مؤثر في الاقتناعات التقليدية خلال أكثر من عقد .
  • حافظ الخطاب الديني الرسمي على ملامحه الأساسية مع وجود بعض المتغيرات في المواقف وهذا ناتج من تغير مراكز قوى داخلية متعددة رسمية يفسر بعض التصعيد والتصلب من أسماء كانت في مراحل سابقة ضد هذا المنهج مثل الموقف من الدمج ومسألة المسعى والجدل الذي حدث حولها .
  • فقد التيار الجامي دوره الكبير في هذه المرحلة ، مع أنه ما زال موجودا ونشطا ، حيث ظلت خصومته مع تيار الصحوة والحركات الإسلامية قائمة ، من خلال التشكيك في أى خطاب أو تغيير جديد .
  • التيار العقلاني كان له حضور ، وفرض الكثير من التغير في الخطاب الديني أو الإحراج حول بعض القضايا ، لأنه أفضل في فهم طبيعة التفكير الديني والسلفي مقارنة بمثقفي الثمانينيات والتسعينيات ، ومع أن هناك تعددا لمظاهر الاعتدال والاتجاه نحو الانفتاح والتسامح من دعاة وعلماء مثل الشيخ (العودة) و(عائض القرني) فإنه لم يوجد بعد تبن لهذا الاتجاه من داخل التيار الإسلامي نفسه ، ومن المشتغلين في الدعوة والخطاب والدرس الديني ، ربما وجد بعض التفهم والتعاطف نظرا لأن التيار العقلاني لديه مشكلات كبيرة إضافة إلى التحوّلات المتسارعة والانهيارات الفكرية عند البعض التي شوهت التجربة وأثارت الشكوك حولها ، وفقدت بعض احترامها الرسمي والشعبي .
  • من أهم ظواهر هذه المرحلة عند تيار الصحوة بعد حوادث العنف حضور الحس الوطني ، وربما يري البعض أنها وطنية فرضها صوت التفجيرات ومبدأ المنفعة لكنه في الواقع يوجد تحول حقيقي وإحساس بأهمية تجاوز الأخطاء في التصورات السابقة .

مجتمع الفتوى

تعرض المجتمع السعودي خلال فترة المد الديني قبل أكثر من عقدين لأكبر عملية توجيه وبرمجة فقهية بالفتاوى الصادرة من المؤسسة الدينية وكبار العلماء

ففي بعض المراحل يمكن القول إن تأثير الفتوى الاجتاعي تفوّق على مؤثرات أخرى كالتعليم والإعلام ، حيث تحولت حينها إلى ما يشبه الحل السحري والسهل لمواجهة المشكلات وضبط تفكير وسلوكيات الجمهور والمجتمع

قبل أن يتراجع تأثيرها بسبب متغيرات وتحولات عديدة من متابعة مبكرة لتطورات هذه القضية منذ البدايات الأولي لانتشارها داخل مجتمعنا ، وتأثيرها في التيار الديني وعلى عامة الناس في المجتمع .

أشعر هنا بضرورة تقديم رؤية أولية لوضع ملامح هذا التغير وظروفه وتأثيراته في سياقاتها التاريخية ولست ممن يترصد لتضخيم الأخطاء والفرح بها من أجل تشويه مبالغ فيه لخدمة تيار ضد آخر فاهتمامي بمثل هذه القضايا وبعض ظواهر الحراك والتغير الفكري في مجتمعنا لا علاقة له بالصراعات الفكرية الداخلية بعد أيلول (سبتمبر) أو حتى ما بعد حرب الخليج الأولي .

إن الكتابة عن إشكاليات الفتوى ليست جديدة دينيا وتاريخيا وسياسيا واجتماعيا لهذا لن نستعرض تنظيرات ومقدمات عامة حول الإسلام والفتوى وعلماء الدين والاختلاف في الإسلام الموجودة في العديد من الدراسات .

ليس الهدف شرح مكانة الفتوى والمفتي في تاريخنا الإسلامي ، أو الإشارة إلى ضوابط الفتوى والحديث عن أهميتها للفرد والمجتمع المسلم وشروطها وإنما سأقدم خلاصة رؤية مراقب لواقع مجتمعنا الذي عاش تجربة تاريخية نادرة واستثنائية وتأمل كل تطوراتها بقدر من الوعي الشرعي والثقافي والسياسي .

لقد مر المجتمع السعودي بتجربة من نوع مختلف خلال ربع قرن ، وهي ظاهرة يمكن القول إنها لم توجد بهذا التأثير والحضور الاستثنائي عبر التاريخ الإسلامي في أى مجتمع ومن اللافت عدم اهتمام النخب المحلية بها وتقديم دراسات جادة وواعية في مراقبة تفاصيل تأثيراتها الاجتماعية والفكرية والسياسية وملاحظة حجم المتغيرات الجديدة في أقوى مراحلها في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات الماضية

كما ظهرت كتابات صحافية وثقافية عدة عن الفتوى محليا منذ أكثر من عقدين ، وتحذيرات في الخطاب الديني الرسمي والحركي من الفتوى ، لكنها أخذت مسارات لا علاقة لها بالظاهرة بل هي مؤشر على طبيعة العقلية النقلية السائدة محليا عند المثقف والواعظ وعالم الشريعة

الذي يفتقد دقة الملاحظة لمتغيرات الواقع ، فأخذ هذا الطرح يتكرر حتى وقتنا الحاضر مع زيادة جرعة النقد ضد التيار الديني وظروف ما بعد مرحلة العنف .

لقد وجدت تحذيرات عامة من خطورة الفتوى والمسئولية الدينية والاجتماعية ، وهذه التنبيهات تأتي من الوعاظ والدعاة والكتاب والمثقفين وهي نصيحة نمطية توجه لصغار طلبة العلم والدعاة والمبتدئين حتى لا يفتوا بغير علم

وهذه التحذيرات كانت ولا تزال شائعة ، بل هي من أهم مكونات الخطاب الديني والمثقف التقليدي المحلي ، وتشكل تحذيرا تربويا مطلوبا للناشئة لكن على الرغم من أهمية هذا التحذير التعليمي الذي أدي بالفعل إلى نوعية التيار الديني والمجتمع بأن الفتوى محصورة في جهات وعلماء معروفين إلا أن هذه ليست المشكلة التي حدثت

فالمجتمع لم تنتشر فيه فتاوى علماء غير معروفين مطلقا فالفتاوى السائدة والمتداولة دائما كانت من علماء المؤسسة الدينية التقليدية الرسمية ولم توجد أى فتوى منتشرة على نطاق واسع في المجتمع والأماكن العامة ليست من كبار العلماء أو من المؤسسة الرسمية

فلا يمكن نشرها دعويا أو اجتماعيا في المساجد أو الإعلام وفي كل مكان إلا كانت تحمل هذه المرجعية ، وهذا ما يحرص عليه التيار الديني الحركي والرسمي ، فاستمرار التحذير من أشياء لم تحدث وليست ظاهرة والسكون عن ما هو ظاهرة ، هروب عن المعالجة الحقيقية للقضية

فلا توجد حوارات أو نقاش في ذلك الوقت عن فتاوى جاءت من المؤسسة الدينية التي انتشرت في المجتمع وتأثيراتها الاجتماعية والفكرية وخاصة إن ملامح الظاهرة بدأت منذ منتصف الثمانينيات .

لم توجد حالة فوضى إفتاء في الحالة السعودية ، بل إن من نجاحات الحركة الإسلامية محليا التي تحسب لها أنها لن تسمح لهذه الفوضي بالحضور كما حدث في دول عربية أخرى ، بل كرست المرجعية للمؤسسة الدينية ورموزها بصورة مبالغ فيها ، فالفتوى منظمة محليا منذ وقت مبكر وتحمها أعراف وتقاليد راسخة

وليس من المعتاد أن يصدر العلماء والدعاة من مختلف البلاد في ذلك الوقت وفي ذروة انتشار الخطب والمحاضرات والكاسيت فتاوى خاصة بهم مهما كانت خبرتهم وقيمتهم العلمية وأخذ الإذن بالإجازة العلمية للتدريس وإلقاء المحاضرات والخطب والوعظ والإرشاد لا يعني أنه متاح لهم إصدار فتاوى فالتقاليد العلمية المحلية عند طلبة العلم لم تؤثر فيها الكثير من المتغيرات التعليمية والاجتماعية والتنموية .

هذه التقاليد امتداد للمدرسة العلمية الوهابية لأكثر من قرنين ، واستمرت مع نشوء الدولة الحديثة ، وكانت تجربة مفتي الديار السعودية الشيخ محمد ابن إبراهيم التي عاصر فيها الكثير من تحولات التحديث المحلية ذات أثر كبير في تشكيل سمات المراحل التالية في الخطاب الديني وتقاليد الإفتاء

فكان منهجه وفتاواه مدرسة لأجيال من العلماء وطلبة العلم في السعودية الذينن كانت تحت إدارتهم الشؤون الدينية في الدولة في ما بعد .

في عهد الملك فيصل وبعد وفاة الشيخ ابن إبراهيم ، تم تطوير المؤسسة الدينية وتجاوز سلبيات المركزية الشديدة ، وشكلت هيئة لكبار العلماء ولجنة للإفتاء ، أصبحت في ما بعد تحت مظلة الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء ، فكانت خطوة مهمة في مأسسة الفتوى

حيث تصدر فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء برئاسة المفتي العام وتعالج الكثير من القضايا التي ترد إليهم مع وجود نشاط إفتاء لعلماء معروفين الذين تعرّف عليهم المجتمع مبكرا عبر إذاعة القرآن الكريم في برنامج نور على الدرب اليومي .

في مرحلة ما قبل الصحوة كان تأثير الفتوى محدودا فلم يكن للفتاوى انتشار واستجابة بالقدر نفسه في مرحلة المد الديني ، فهل الفتاوى وتزايدها وتفصيلاتها صنعت الحالة الدينية أم اليقظة الروحانية استدعت هذه الفتاوى ؟!

لم يحدث أى تغيرّ يستحق الذكر في مضمون الآراء الفقهية التي تقدمها هذه الفتاوى منذ مرحلة ابن إبراهيم مرورا بمرحلة ابن باز وابن عثيمين وابن جبرين والفوزان وعبد العزيز آل شيخ لكن تميز ابن باز بأنه قدم آراء عديدة تخالف الفقه الحنبلي السائد ، بحكم أنه مجتهد وعالم بالحديث فأصبحت خياراته الفقهية تعتمد على القول الراجح في نظره وما صح به الحديث النبوي؛

على الرغم من أن هذا كان يعتبر تطورا نوعيا وعلميا وضد التعصب المذهبي في وقته عند طلبة العلم ، وهو ما أدي لاحقا منذ الثمانينيات إلى أن يتجه التيار الديني في كل آرائه الفقهية واختياراته إلى تجميد أو إلغاء الآراء الفقهية الأخرى وعدم تداولها والأخذ بالقول الراجح.

بدأت بعض الأقوال الفقهية المعتبرة تبدو غريبة عند الكثير من طلبة العلم الشرعي، فأثر سلبا في الثراء الفقهي والتعددية ،وتحول منهج البحث عن القول الراجح من فكرة تقدمية وبعد عن التعصب المذهبي بمرور الوقت ، إلى تشكل " مذهب الصحوة" الذي له سماته وملامحه وأقواله الراجحة من عشرات الفتاوى من المؤسسة الدينية ، هذا الراجح خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات؛

والسائد هو خلاصة مقولات واختيارات كبار العلماء والمؤسسة الدينية وفي مقدمتهم الشيخ ابن باز وابن عثيمين وليس دعاة الصحوة ، كما يحاول البعض قلب الحقائق ، إلا أن دورهم كان في توسيع نشرها .

كانت اختياراتهم في ما يتعلق بالقضايا التي تختص بشؤون الفرد والمجتمع تأخذ بالأحوط ، وهو ما أدي إلى التشدد في كثير من القضايا التي فيها خلافات فقهية معتبرة .

لقد كانت التنمية ومتطلبات التحديث بحاجة إلى فقه أكثر تسامحا وفتاوى أكثر استيعابا لمتغيرات الواقع وانتباه لخطورة صياغة بعض الفتاوى بالطريقة التي جاءت بها وما تسببه من إشكاليات دينية وتربوية وفكرية عند الفرد والمجتمع ، فقد استمرت الفتاوى بمرور السنوات ليس فقط في تقليديتها وتشددها وإنما تم تحويلها إلى أداة لمقاومة التغيير والمحافظة على المجتمع والأخذ بالأحوط وسد الذرائع؛

وما أثر في محتوى الفتوى والسؤال عن صدقيتها الفقيهة وهل هي بالفعل توقيع عن رب العالمية؟ أم إن أجواء الصراعات فرضت استعمالها بهذا الأسلوب بإخفاء آراء فقهية معتبرة حتى في المذهب بحجة القول الراجح؟

ومع هذه الآراء الفقهية المحافظة جدا كان هناك حصار شديد ضد أى رأي فقهي آخر ، بل منعت كتب فتاوى لعلماء آخرين من الدخول خارج البلاد ، حتى لو كان عليها ردود من علماء الداخل مثل كتاب الشيخ القرضاوي (الحلال والحرام في الإسلام) الذي منع وانتشر كتاب الرد للشيخ صالح الفوزان وهو يتناول مسائل عصرية مهمة .

هناك العديد من المتغيرات الجديدة عززت حضور الفتوى ، حتى أصبح المجتمع والخطاب الفقهي الديني والوعظي محكوما بقائمة من الفتاوى ، وقد قاد التوسع في النشاط الديني مع بدايات الدعم الحكومي إلى انتشار كبير لفتاوى تتكرر حول قضايا محددة

وتنسخ منها ملايين النسخ المجانية بعد أن كانت محصورة في مراجع محددة لمن يطلبها ويطلع عليها ، فتم تسويقها بأساليب مختلفة ، هذه الفتاوى التي يتم تعميمها بشكل واسع عادة لا تكون إلا من جهات دينية رسمية وأسماء محددة .

وهنا يمكن الإشارة إلى أبرز أساليب التسويق للفتوى في تلك المرحلة:

من العوامل التي ساعدت على ذلك تطور تقنية التصوير ورخص ثمنها فأصبح يمكن أى فرد المساهمة في ذلك ، ومع زيادة النشاط الدعوى والخيري تطورت آليات هذا التوزيع والفتاوى المختارة وفق رؤية الوعاظ والدعاة التي تناسب حالات عديدة في حياة الفرد والأسرة وقضايا المجتمع وبدأ يتم طباعتها في أوراق ملونة بمختلف الأحجام والأشكال توضع في المساجد وأماكن عامة وتعليمية وكتيبات صغيرة توزع مجانا .
اجتهد الخطاب الديني والدعاة والوعاظ وخطباء الجوامع في قراءة وتسويق هذه الفتاوى عند كل موضوع يتم تناوله ، حيث تتوفر لهم فتوى تحسم أى خلاف في نظرهم وتقدم الرأي الراجح وأىّ معارضة لها أو تحفظ فإنه يدل على ضعف في التدين والالتزام ومع انتشار الكاسيت أصبحت هذه الفتاوى تصل إلى كل شرائح المجتمع حتى كبار السن والعجائز
ويمكن القول إن الذهنية الدينية الجديدة وعبر حزمة من الفتاوى لأهم علماء المدرسة السلفية الوهابية أمثال الشيخ ابن باز وابن عثيمين استطاعت نقل المجتمع وتغيير مذهبه ورؤيته الاجتماعية من الحنبلية إلى مذهب الصحوة في حياة المجتمع والفرد والقضايا المعاصرة
لكن هذا الخروج عن المذهب ظل محصورا وموجها في هذه القضايا الاجتماعية والفردية وفقه العبادات حيث تغيرت أيضا بعض مظاهرها ومستحباتها في الصلاة والصيام والحج وأصبحت اختيارات وفتاوى الشيخين حاسمة ومذهب المرحلة للصحوة والمؤسسة الدينية مقابل ذلك لم يحدث أى تغيير في أبواب أخرى مثل فقه القضاء الذي حافظ على حنبليته .

لم توجد أى حالة خروج على هذه الفتاوى السائدة المتصلة بالفرد والمجتمع أو مناقشة لها ، فالهمّ الدعوى وتوحيد الكلمة سيطر على الذهنية المتدينة ، وإن وجد بعض التحفظ فهو محدود وتم مناقشته بين الخاصة من طلبة العلم والدعاة مع وجود آلاف الخطباء والوعاظ من الجيل الجديد أكثر اطلاعا وتخرجوا في جامعات حديثة كان من المتوقع أو المفترض أن يكون جيلا أكثر تسامحا وإدراكا للواقع

فغياب المرونة الفقهية من العلماء الكبار تجاه تطورات العصر يمكن فهم أسبابها التاريخية وظروف نشأتهم العلمية لكن ما يصعب فهمه هو عدم قدرة الجيل الجديد من العلماء في مرحلة الصحوة على صناعة وعي فقهي مختلف يناسب المرحلة

كانت صدقيتهم عند العامة وحضورهم الرسمي وتزكية العلماء الكبار تتطلب عدم وجود أى تمرد وخروج عن آرائهم الفقهية ، لكن المراقب بدقة لخطاب دعاة وعلماء الصحوة في تلك المرحلة لا يشعر بوجود أى تحفظ على فقه الكبار

بل هو اقتناع ذاتي وغير مصطنع ، بمعني أننا لا نلمس آراء تجديدية مبطنة تنتظر الوقت المناسب ، بحيث يمكن تقديم العذر لهم ، لكن بعد أكثر من ربع قرن بدأ المراقب يشعر بوجود بعض التغير ومحاولة الخروج عن الاختيارات الفقهية القديمة لكن

ليست المشكلة أنها متأخرة بقدر ما تفقده من منهجية وتأسيس علمي لفقه مستنير هذه المحاولة التجديدية تواجه مصاعب من خطاب وفقه وفتاوي سادت لأكثر من ربع قرن ،ومجتمع تربي عليها كحقائق دينية غير قابلة للجدل .

(1) مشكلات الفتوى الفكرية

كانت انتشار الفتاوى الموجهة للفرد والمجتمع لتدير تفاصيل حياته اليومية ورؤيته للأمور مرحبا به رسميا، لأنه يعزز انضباط المجتمع ويسهّل السيطرة على الرأي العام طالما أن هذه التشدد الفقهي لا علاقة له بالقضايا السياسية وحتى الرأي المتشدد في تحريم أمر موجود برضا الجهات الرسمية ، فإن صياغة الفتوى تهمل مسؤولية الدولة وتوجه تركيزها على الفرد لاجتناب الحرام .

يرضى هذا التقليد التيار الديني والحكومة من دون اعتبار لحقّ المجتمع في مضمون هذا الخطاب ومساءلته ، هذا التشدد يوفر أيضا صدقية أكبر لآراء وفتاوى المؤسسة الدينية حتى في أمور تخالفها الدولة حيث يستفاد من هذه الصدقية في وقت الأزمات في توجيه الرأي العام في المجتمع ويمكن الإشارة هنا إلى بعض الآثار السلبية .

  • مع انتشار الفتاوى المتصلة بمشكلات الحياة وتفاصيلها ، ولأنها آراء موجزة وحاسمة في كثير من الحالات في تحديد ما هو أخلاقي وما هو غير أخلاقي ، وما هو حرام وما هو حلال ، فإن هذا يؤدي إلى اختزال الإسلام وتجربته الحضارية ومحاصرة المجتمع والفرد الذي يواجه بتعقيدات متجددة بآراء وفتاوى جاءت كـ (ردة فعل) لممانعة لحظية ضد المستجدات المستمرة
وما تسببه من تدمير للضمير الديني عندما تخالف ظروف الواقع الفتوى، وقد تكررت أمثلة كثيرة على ضرر مثل هذه الآراء التي تفقد العديد من مقومات الفقه والوعي بالواقع ، حتى فقدت الفتوى أحيانا قيمتها الدينية عند المجتمع في ما بعد .
  • أدت هذه الفتاوى بمرور السنوات وتطرقها إلى الكثير من المسائل حول كل قضية عبر سؤال وجواب مختزل وجاهز ، إلى محاصرة العلماء وطلاب العلم والباحثين والحد من تنوع الاجتهاد في مواجهة المستجدات ،وأصبحت ملزمة لكل الخطاب الديني المحلي والوعاظ ومع مرور السنوات من دون وجود رغبة في مراجعتها أو تعديلها نشأ أكثر من جيل من الصحوة عليها محاصرا في هذه الفتاوى التي اختصرت له الإسلام والصواب والخطأ الشرعي
فظهرت مصطلحات وعبارات أصبحت ملزمة مصاحبة للخطاب الديني وحتى الإعلامي والسياسي كالعقيدة الصحيحة والإسلام الصحيح فأدت إلى زيادة الثقة في الفقه المحلي وقدر من التعالي على فقه الآخر من علماء مسلمين كبار ،وأصبح الجيل التالي من الصحوة ضعيفا في وعيه بالتراث الفقهي بعد هذه الاختزالات حتى في مذهبه الحنبلي .
  • في البدايات كان يبدو مظهرا إيجابيا التزام المجتمع ومحافظته والتقيد بتفاصيل هذه الفتاوى ونشرها .. لكن بمرور الوقت وتضخم عدد الفتاوى التي يجتهد شباب الصحوة في ابتكار أسئلتها والمشايخ في الردع بالتحريم ، فإنها أسهمت في قتل العفوية والتلقائية ودور المجتمع في تصحيح الخطأ وما هو أخلاقي تقبله الفطرة السليمة إلى نوع من الإدمان ، ووهم لدي الدعاة أن الفتوى هي الحل السريع للردع
فأصبحت حركة المجتمع مقيدة بتعاليم محددة صنعتها هذه الاجتهادات نتيجة غياب إدارة ونقد مثل هذا التضخم من المثقفين والمفكرين الإسلاميين ، فالعلماء الشرعيون والدعاة قد أكد الواقع لأكثر من عقدين العجز في إدراكهم الفكري لتصور المشكلات التي تنمو لأن الذهنية طبيعتها نقلية مع انشغال بالهم الدعوى فقد غابت مساحة كبيرة من الأحكام الفقهية كالمكروهات التي لم يعد لها وجود مع تحولها إلى محرمات بسهولة وجرأة .
  • بمرور السنوات ووجود عدد كبير من الفتاوى التي تضبط تفاصيل حياة الفرد والمجتمع ، كمشروع لأسلمة شاملة تحدد معاييرها هذه الفتاوى وتفاصيل دقيقة حتى في الألفاظ واللباس خاصة عند النساء إلى مسائل اجتماعية وتربوية واقتصادية .
لقد شكلت هذه الفتاوى أساسا لمشروع ثورة ثقافية في نقل المجتمع السعودي في مرحلته وحداثته المفترضة إلى وعي مفصل وفق رؤية تقليدية عززتها إمكانيات مادية عالية وارتياح سياسي مبكر ، ومحاصرة لأى نشاط إعلامي وثقافي عقلاني وفقد أحدثت بعض الآراء الدينية المختزلة حول الآباء والأبناء والعكس
وفي حالات كثيرة فتوى بسطور معدودة للمؤسسة الدينية والعلماء الكبار ، من دون انتباه إلى خطورة صياغة الرأي الفقهي الديني الموجه للمجتمع من دون استحضار البعد التربوي والسياسي والثقافي لصناعة وعي متوازن عند الفرد والمجتمع .
إن ما حدث وما يحدث يعبّر عن عشوائية في إدارة الشأن العام المحلي وتخبط في الرؤية لن تحل بمجرد إتاحة الهجوم على الفتاوى والدعاة .

(2) رؤية شرعية حول مشكلة الفتوى

هناك رؤية أولية تبدو الإشارة إليها ضرورية في فهم إشكاليات إدارة الفتوى محليا ، فليس هذا النقد موجها ضد مبدأ الفتوى ذاتها أو حق الفرد والمجتمع المسلم في معرفة حكم الإسلام في أى قضية طالما أن رؤية المسلم بأن دينه يعالج كل قضايا الحياة ومطالب شرعا بذلك

وأن حيان المسلم يجب أن تكون محكومة بالإسلام فليس هنا اعتراض على هذه الرؤية الكلية بل يجب أن نحترمها ولا على مبدأ سؤال العلماء أو صدور فتاوى في الأمور الدينية والحياتية التي تواجه المسلم وليست هي رغبة بعدم التواصل مع علماء الدين ، أو ضيق شخصي من انتشار التدين والمحافظة في المجتمع فيتم تجاهل النقد بمثل هذه المبررات وبحجة عدم حب الخير والدعوة إلى الله.

في بدايات الصحوة وبروز ظاهرة التدين كان هناك العديد من المظاهر الإيجابية للفتوى ،بعد أن عاش المجتمع فترة من العفوية والعشوائية في بدايات الطفرة وتشكل العديد من المظاهر السلبية

وكان تحول الكثير من الشباب من مرحلة الضياع وانحطاط الأخلاق إلى حياة جادة في استغلال الوقت وطلب العلم وتكوين شخصيته مظهرا إيجابيا ، وكان لهذه الفتاوى دور كبير في تصحيح بعض الأخطاء في أمور تعبدية وأن الوعظ والإرشاد موجهان لتقريب المسلم من ربه

ونشر فقه وفتاوى موجزة في أحكام الإسلام موجهين للجمهور حول قضايا أساسية وتوعية العامة والخاصة بالسنة ليس هناك اعتراض عليها خاصة أنها تأتي من المؤسسة الدينية وعلماء كبار وثق بهم المجتمع والجهات الرسمية .

المشكلة الحقيقية تكمن في أن العلماء الكبار والدعاة يفتقرون إلى أسس ثقافية معاصرة في التربية والنفس والمجتمع والسياسة فالرأي الفقهي أو الديني وحده لا يكفي في الحياة المعاصرة ما يجعل خطاب الفتوى يركز على الحكم الديني فقط من دون اعتبار للتأثيرات السلبية التي قد تحدث للفرد والمجتمع

ومع أن أصحاب المدرسة التقليدية لديهم حذر واضح في الشأن السياسي وتجنب الموضوعات التي تتناولها أو قد تثير فتنة في رأيهم وهو تصرّف قد يبدو حكيما لكن أين هذه الحكمة من الفتاوى التي تثير مشكلات اجتماعية وأسرية وتربوية ؟ أليس للفرد والمجتمع حق في أن تراعي هذه الجوانب أيضا ؟!

إن المفترض طالما أن هذه الفتاوى ليست فردية خاصة وإنما عامة بهذا الانتشار وتوزع بالملايين على مختلف شرائح المجتمع ، أن يتم تقييم صياغتها وفق رؤية مفكرين ومثقفين واجتماعيين وتربويين عدة

خاصة في المسائل ذات الشأن الاجتماعي والأسري والسياسي ويمكن تعديل الكثير من صيغ هذه الفتاوى مع احتفاظها بالحكم الديني للتخفيف من آثارها السلبية في بعض الجوانب أو سوء الفهم والتطبيق .

(3) هل المطلوب تغيير الحكم الديني .. أو التلاعب به؟

عند مناقشة الفتوى ومشكلاتها التي حدثت في مجتمعنا ، فإن البعض قد يتوهم أننا نقدم قراءة تآمرية حول من يقف خلف هذا الانتشار للفتوى ، أو هو اتهام للدعاة والعلماء بأنهم قدموا إسلاما غير حقيقي ومزيفا

وأن حقيقة الإسلام شئ آخر ، أو الادعاء بأن هذا الفقه خاص وليس له سند شرعي وديني من التراث الإسلامي ، وأن هذا النقد مطالب باستبدال هذه الآراء الدينية والفتاوى ومصادرتها وعدم توعية الناس بأمور دينهم أو أننا نقدم هنا مطالبة تعسفية لعصرنة الإسلام بأسلوب انتقائي فهلوى ليوافق أهواء ورغبات كل مرحلة .

إن العامل المشترك الذي يجمع بين مرحلة تكون الفقاعة في الفتوى المحلية أن الاختيارات الفقهية تتجه إلى الأحوط والأكثر تشددا كنتيجة تاريخية لمنهج المدرسة التقليدية والصحوة التي وظفت التحريم كآلة ردع ومقاومة ضد أى تغيير ، وعلى الرغم من المصادرة المتكررة للرأي المتسامح.

فإن الحل لن يكون بخطأ مقابل عبر مطاردة الرأي الذي يرى البعض أنه متشدد ، فإن العديد من الآراء الفقهية التي يصنفها البعض متشددة معتبرة ، بل أحيانا يكون دليلها الشرعي صريحا لا مجال فيه لأى مغالطة

فمن حق المجتمع أن يتعرف عليها ويسمع بها ، الرأي الديني المتشدد ، أو ما يزعم البعض أنه متشدد له الحق بالظهور والانتشار مثل المتسامح لأن هذه الأمور نسبية وتحكمها ظروف المجتمع والفرد اللحظية .

في كثير من الحالات التاريخية تبدو الضرورة الشرعية بحاجة إلى رأي متسامح مثل ما قدم العلماء الرسميون رأيهم حول جواز الاستعانة بالقوات الأجنبية مع أن المدرسة الوهابية ذات حساسية خاصة ضد التعامل مع الكفار حتى في السلام عليهم ، فخرج هذا الرأي المعتدل في نظر المراقب من علماء لهم فتاوى متشددة موجها للفرد والمجتمع في التعامل مع غير المسلم .

إن من الخطأ الذي يقع فيه بعض الكتاب والمثقفين الزعم بأن هذه الآراء التي تبدو متشددة في نظرهم هي من منتجات الصحوة أو المدرسة التقليدية وأنه لا يوجد لها سند شرعي وأدلة معتبرة .إن هذا المنهج في التعامل مع القضية ليس موضوعيا وعمليا وفيه مغالطات وإقصائية مكشوفة ، وإن على المثقف والناقد التعامل مع القضايا الدينية وفق حقائقها العلمية الفقهية في الإسلام

فليس الحل إنكار شرعية هذه الفتاوى والادعاء أنها مجرد آراء مشايخ متشددين ، فالمشكلة الحقيقية في مثل هذه الفتاوى ليست في الرأي الديني وإنما بضعفها الثقافي والاجتماعي والتربوي.

وعلى الرغم من أن الكثير من أبناء المجتمع لا يتقيدون بتعليمات هذه الفتاوى ، ولا توجد مطاردة إجبارية لتنفيذها إلا أنها تحولت إلى ثقافة عامة لتحديد ما هو محرّم وما هو جائز فخلقت بعض الثقوب في شخصية المتدين في نظرته للآخرين ، وأضعفت فعالية الضمير الديني عند العامة لأنه أغرق بهذه الفتاوى فعجز عن التقيد بكل تفاصيلها .

في أحد الحوارات على هامش بعض اللقاءات الثقافية والجدل حول الخطاب الديني والمناهج والإعلام مع موجة الحديث عن التطرف والعنف ومعالجته ، سألني أحدهم عن الحل وكيفية معالجة الأزمة الفكرية والدينية ؟

فكان جوابي إنه قبل الحديث عن موضوعات عريضة متشعبة يصعب الوصول لرؤى موحدة في المناهج أو الخطاب الديني أو الإعلامي وتحتاج إلى عقود عدة المؤثر الكبير الذي تم تجاهله هو معالجة تأثيرات الفتوى

فلو قام مجموعة من الباحثين الشرعيين والمثقفين ، برصد وتحديد ما يقرب من مئة فتوى انتشرت في المجتمع وأعيدت صياغتها وفق خطاب عقلاني مع احتفاظها بالحكم الشرعي للفتوى ، فإنه يمكن التخفيف من ملامح التشدد الذي ساد ، ونشر الذهنية المتسامحة من دون مصادرة لأى رأي ديني متشدد أو متسامح .

إن دراسة المئات من الفتاوى خلال أكثر من ربع قرن ظهرت في المجتمع السعودي ذات علاقة مباشرة بحياة المجتمع والفرد تحتاج إلى مؤلف مستقل . يمكن الإشارة هنا إلى بعض الفتاوى التي ميزت المرحلة الدينية وانتشرت بصورة واسعة ، ولا أجد ضرورة لتقديم نصها كاملا لأنها متاحة .

أحكام حول البنوك والتعامل معها والعمل بها حكم تارك الصلاة وتكفيره ، ما يترتب عليه من أحكام عائلية إضافة إلى التركة والصلاة عليه ، حكم التصوير والنحت

وقد عاني التيار الإسلامي نفسه من حكم التصوير الفوتوغرافي مدة طويلة وسبب العديد من المشكلات ، وأثر في دخولهم العمل الإعلامي مبكرا ، حكم مشاهدة التلفزيون ، حكم الغناء والمعازف ، حكم السفر إلى الخارج ، حكم إقامة المشركين والكفار في جزيرة العرب ، حكم اللحية ، حكم إسبال الثياب ، حكم الاختلاط حكم القنوات القضائية .

أحكام حول لباس المرأة والزينة وقصات الشعر والبنطال ، قيادة المرأة للسيارة ، حكم أفلام الكرتون ، حكم مصافحة المرأة . حكم العطور ، حكم القومية والوطنية مسألة دوران الأرض وقضايا فلكية ، القصة والرواية . حكم صلاة الجماعة

أحكام حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، حكم التدخين . تحريم شراء بعض الصحف ، طاش ما طاش . كرة القدم ومشاهدتها . لعب الورق . السلام على الكافر ، الركوب مع السائق .. الخ .

هذه الفتاوى وغيرها أغلبها تدور حول التحريم والمنع ، فمثلا حكم كفر تارك الصلاة وهو حكم مختلف فيه ، فإن الفتوى السائدة أخذت بالقول بكفره وفق أدلة شرعية ، وليس هنا المشكلة وإنما صياغة الفتوى المنتشرة موجزة ولم تراع ما قد يترتب عليها من مشكلات أسرية وخلافات وتكفير الأب للأبن أو العكس ، بمعني أنها لم تقدم رؤية لما يترتب عليها وأسلوب المعالجة .

(4) مثقف الداخل والفتوى

لم يكن المجتمع في حالة وعي ثقافي مستنير مثل ما وجد في دول عربية قبل ظهور المد الإسلامي محليا فتتباكي عليه ، بل كان المجتمع تغلب عليه العفوية والجهل ، فجاءت الطفرة النفطية من دون أن تملأ ببرنامج ثقافي وفكري متوازن من قبل الدولة

فتركت فراغات ذهنية لم تفلح التنمية وارتفاع مستوى التعليم في مثلها ، وشعرت الدولة بالحاجة إلى كنترول فكري مع هذه المتغيرات ، فكان الحل السهل هو الوعظ ومزيد من الوعاظ فتشكلت الموجة الدينية السعودية ومظاهر الانفتاح التي وجدت قبل الطفرة لا تعبّر عن تسامح واع بقدر ما هو تفاعل ساذج فطري واستهلاكي .

إن معالجة الشأن الديني لن تنجح من خلال صناعة مثل هذه المغالطات التاريخية في الموقف من الفتوى ونقدها ، وتأخر مثقفنا المحلي من تناولها وحتى عندما تغيرات الأوضاع وأصبح نقدها موضة المرحلة وفرصة للبروز ويمكن تلخيص أهم الأفكار التي تم تداولها عن مشكلة الفتوى حاليا:

  1. كتابات عن أهمية تنظيم الفتوى وألا يفتي إلا العلماء الكبار في المؤسسة الدينية ، وهذا الطرح يكرر مع أن الفتوى لا تزال منظمة كما أشرت سابقا ، جميع الفتاوى التي استقبلها المجتمع السعودي وذات انتشار واسع في كل مكان هي من المؤسسة الدينية ومن العلماء الكبار وهذا الطرح يتجاهل حقيقة الواقع ويتحدث عن مشكلة غير موجودة .
  2. كتابات تقدم احترامها للعلماء الكبار في المؤسسة الدينية وثقتها بآرائهم ، وتشن هجوما على طلابهم ، وعلى الأسئلة التي ترد إليهم ،وكأن هؤلاء العلماء الكبار أجهزة كمبيوتر يبرمجها هؤلاء الشباب من الصحوة ، وهذا دفاع غبي عن العلماء مقابل شن حملة على السائل ، هذه التبريرات تعبر عن استغفال للمتابع عن حقيقة الموضوع ، فالعالم المدرك يدرك أو يجب عليه أن يدرك حقيقة كل سؤال ، وأن يقدم أجوبة متأنية وبعد دراسة طويلة لها .
  3. كتابات تحاول تصوير أن هذه الفتاوى السائدة طالما أنها تعبر عن رؤية صحوية أو وهابية فإنها لا تعبر عن الإسلام الحقيقي ، مع أن الكثير من القضايا مساحة المختلف فيها محدودة عند جميع المسلمين ، ورفع شعارات التسامح الفقهي ، والتجديد وتشجيع أى شيخ يقدم رأيا دينيا مخالفا للرأي الديني السائد والثناء عليه من دون منهج علمي وتقييم عقلاني للتغيير بالرأي الديني ، أكبر خطأ يقع فيه التنوير الذي يجب أن يترفع عن المغالطات وخداع الآخرين .

شخصيات مؤثرة في الفكر الديني

إن محاولة الاقتراب من فهم الفكر الديني المحلي والمعاصر بحاجة إلى قراءة نقدية في حياة وفكر الأسماء المؤثرة في كل مرحلة ودرجة تأثيرها في الثقافة الدينية واستحضار ظروف وخصائص بعض أهم الرموز الدينية ، أو الأسماء التي كان لها دور في حدوث نقلة وتغيير فقهي أو منهجي في الدعوة حتى إن لم تبد ذات حضور في أجيال لاحقة .

هذه الاختيارات لأهم الشخصيات في نظري تحكمها الخبرة والمتابعة والمعايشة للمرحلة التي لاحظت فيها دور هذه الأسماء ورؤية النخب والمجتمع لها ، فليس هناك مراجع محددة تقدم قراءة نقدية لهذه الشخصيات ولا يعتمد اختيارها على اتجاهها الفكري أو مدي تشددها أو تسامحها .

ما يكتب عن الشخصيات الدينية المحلية في مجتمعنا من مؤلفات في حياتهم أو بعد رحيلهم ليست سوى تمجيد يصل إلى حد المبالغة من تلاميذهم ومعارفهم ، حتى تبدو مثل هذه الشخصيات شبه متكاملة ، ذكية ومتسامحة وسخية ومبتسمة ومتدينة وذات خلق عال ومعرفة واسعة واطلاع ومحبوبة من المجتمع .. إلخ

فلا تجد أى رؤية نقدية للعالم أو لفقهه وعلمه وخطابه ، ولا تقييم لمواقفه التاريخية ، ولا تحديد موضوعي لإيجابياته وسلبياته والمعارف التي يجيدها ،هذا المنهج للأسف شائع في المدرسة الدينية المحلية في الكتابة عن الرجال والعلماء الذين عاصروهم وهو مخالف حتى لمنهج السلف في تقييم الرجال

وذكر ما يحسنون والثناء عليهم وذكر أخطائهم والردود عليهم ، ويعاني المثقفون في الكتابة عن بعضهم أيضا من هذه المشكلة التي تحولت إلى وسيلة للتقرب من النافذين .

سأحاول تقديم عينة من الأسماء التي لا يمكن تجاوزها عندما نحاول تصور الخارطة الفكرية للرؤية الدينية المحلية المعاصرة ، وهي قراءة لا تهدف إلى تسويق هذه الشخصيات أو الهجوم عليها أو تشويهها ، ستتجنب أجندة التحولاّت التي حدثت وتصيد الأخطاء لمن تكون المرحلة ضدهم لإدانتهم أو تبرئة غيرهم .

إنها رؤية تحاول الابتعاد عن الاستهداف الشخصي لنقل القارئ لفكرة محددة ، وإنما مواجهة لاستدراك مشكلة بعض الفوضى التاريخية وقلة الرصد المحلي برؤية فكرية وثقافية للشأن الديني والاجتماعي

واستعراض أسماء مختارة من أكثر من جيل ربما يساعد على إيجاد تصور مرحلي لهذا الفكر ، خاصة أن المجال الديني ذو طبيعة تقليدية بكثر فيها التقليد وتأثر التلميذ بشيخه حتى في سمته وهيئته

وهناك صفات شخصية عند هذا العالم أو ذاك الداعية تجعله مميزا بين أبناء جيله ، في الحفظ والاستنباط أو الجهد في طلب العلم ، أو حسن الخطابة ، أو جرأة في إنكار المنكر وقوة حجة ، أو زهد ونشاط يبذله في سبيل الدعوة ..

مثل هذه الصفات تؤثر في تشكيل فكر تلاميذه ، فالإشارة إليها قد تساعد على التعرف على منهجها الفكري والفقهي، ولست معنيا هنا بتقديم معلومات وتفاصيل عن حياتهم الشخصية مما لا تحتاج إليه هذه الوقفة ، فهذا العرض ليس سير حياة شخصية بقدر ما هو قراءة تبحث في أثر هذه الشخصيات على جيلها .

إن المرجعية الدينية وتقاليد العلماء وطلبة العلم في الجزيرة العربية تشكلت منذ قرون وامتدت هذه التقاليد وقيمة الرموز الدينية في الحالة السعودية بعد تأسيس الدولة ، ولهذا فإن التعرف على طبيعة هذه المراحل يمكن تحديدها من خلال معرفة منهج وخطاب أهم مشايخ كل مرحلة .

(1) سعد بن عتيق (1267 -1349هـ) شيخ الولاء والبراء

اشتهر بين طلبة العلم والدعاة بجرأته في إنكار المنكر ، حيث كانت له قصص مع المؤسس الملك (عبد العزيز) يتم تناقلها شفاهة بإعجاب وإكبار لجرأة الشيخ ، وخاصة قصته الشهيرة في تناوله موضوع الولاء والبراء في درسة بمناسبة قدوم بعض المبعوثين الأجانب ، ووافقه الشيخ (عبد الله بن عبد اللطيف) وقال الذي عند (ابن عتيق) هو ما عندي

ولكن (ابن عتيق) قال الحق وبرّأ ذمته وهذه الشخصية العلمية القوية أثرت في بعض تلاميذ ومن أشهرهم الشيخ (محمد بن إبراهيم) و(ابن باز) وتداول القصص التي وردت عنه يمثل منهجا عند بعض أطياف التيار الديني عندما كان للمشايخ كلمتهم وأهميتهم في ذلك الوقت

بقيت من ذكريات الشيخ هذا الجانب الأهم مع بعض رسائله التي تعبر عن احتسابه في إنكار المنكر ، لم يقدم مؤلفات وشروحات لافتة في الفقه والعقيدة لكن تأثير مثل هؤلاء العلماء كان من خلال سيرهم ووقت حياتهم كبير ، خاصة أن تلك السير جاءت في بدايات تأسيس الدولة الحديثة ، ووضعت بعض ملامح العلاقة بين السياسي والديني محليا .

إن تكرار قصص العلماء الذين يقولون كلمة الحق عن الملوك والخلفاء واستلهام القدوة هو منهج سائد في الثقافة والتربية الدينية ، وعندما تكون هذه القصص قريبة العهد وأمام رؤساء وملوك عاصرهم المجتمع فإن تأثيرها أكبر .

(3) عبد الرحمن بن سعدي (1307 -1376هـ) ... كتابة عصرية، وبذور تسامح

أفضل علماء بعدد مؤلفاته وإنتاجه العلمي ، وقدرته على الكتابة بلغة عصرية في زمن مبكر ، ما يشير إلى اطلاع مختلف عن علماء المدرسة الوهابية التقليدية ، ومن أهم شيوخه (إبراهيم بن جاسر) .

أما أهميته في مرحلة لاحقة فجاءت لأن أبرز تلاميذه أصبح من العلماء الكبار في زمن الصحوة ، وهو الشيخ (محمد بن عثيمين) ولقد انتشرت في مرحلة الصحوة مؤلفاته وإنتاجه ، ووجدت قبولا فخرجت طبعات متعددة للكثير من كتبه

أشهرها تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن في ثمانية أجزاء أما منهجة الفقهي فيصفه تلميذه (ابن عثيمين) وغالبا في ما رأيك من أنه لا يخرج عما اختاره شيخ الإسلام (ابن تيمية) (فهد البدران وفهد البراك علماؤنا)

اشتهر عنه العديد من الحكايات التي تعبرّ عن تسامحه وروحه المرحة والاجتماعية ، وكثيرا ما يخلط المثقف بين الطبيعة الشخصية المتسامحة وبين نوعية الخطاب الفقهي ، فليس بالضرورة أن الروح المرحة والمتسامحة تنتج خطابا مختلفا عن الخطاب الفقهي السائد

لذا لا يمكن القول إن مؤلفاته تمثل نقلة مختلفة في الرؤية عن علماء جيله سوى لغتها العصرية ، أما المضمون الفقهي فهو كما أشار إلى ذلك تلميذه (ابن عثيمين) وكانت هناك رسالة طبعت على شكل كتيب ووزعت على نطاق واسع (وسائل الحياة السعيدة)

وهي لافتة في أسلوبها العصري منذ زمن مبكر من شيخ نجدي وفي بيئة علمية جافة ، فبدت لا تختلف عن الكتب الحديثة في أفكار تطوير الذات ، ومثل هذه الكتابات غريبة على البيئة الوهابية

على الرغم من أن التراث الديني ملئ بمؤلفات تشكّل فلسفة تربوية قدمها علماء كبار في تهذيب النفوس من أمثال (ابن الجوزي والغزالي وابن القيم وابن تيمية).

(3) عبد الله بن حميد (1329 -1403 هـ) .. القاضي والأمير

برز واشتهر بالقضاء منذ عام 1357هـ في الرياض ، وهو من تلاميذ الشيخ (محمد بن عبد اللطيف) و(سعد بن عتيق) و(محمد بن إبراهيم) اختاره الملك فيصل للإشراف الديني على المسجد الحرام في الرئاسة العامة فاختاره رئيسا لها ومدّرسا في المسجد الحرام عام 1384هـ

وعينه الملك خالد رئيسا لمجلس القضاء الأعلي وعضوا في هيئة كبار العلماء ورئيسا للمجلس الفقهي برابطة العالم الإسلامي ، وكان الملك عبد العزيز شديد الإعجاب به وبعلمه وسداد رأيه وصفاء ذهنه وقوة شخصيته حتى قال عنه : " لو أردت أن أولي ببلد أميرا وقاضيا في شخصية رجل واحد لكان ذلك هو الشيخ عبد الله بن حميد "

كان له مشاركات في الصحافة والإعلام ، والإفتاء في البرنامج الشهير نور على الدرب ، ولم يكن له مؤلفات كثيرة وإنما مجرد رسائل محدودة لا تشكل خطايا فقهيا متكاملا ، ولهذا كانت فاعليته محدودة في سيرة حياته القضائية،وتأثيره في تلاميذه من خلال منهجه مع الحكومة والجهات الرسمية

وهو تقليد ديني محلي يأخذه التلاميذ جيلا بعد جيل ، ولقد عاصر الشيخ متغيرات مهمة ، بل ذروة التحول التنموي، وتوفي بعد فتنة الحرم بعامين ، ومع هذا لم ينتج عنه فتاوى ورسائل تحدد موقفه في الكثير من المتغيرات التي حدثت في الدولة بعكس الشيخ (ابن إبراهيم) باستثناء مسائل محدودة مثل رسالة عن التلفزيون

وامتدادا لمنهجه يأتي ابنه الشيخ (صالح بن حميد) الذي تقلد مناصب رسمية مهمة وتميز الشيخ بعلاقات متوازنة مع مختلف التيارات وخاصة تيار الصحوة .

(4) عبد العزيز بن باز (1330 – 1420 هـ).. شخصية غاندية ، وختم سلفي

لم يرحل ابن باز عن عالمنا إلا والصحوة الإسلامية المعاصرة قد اكتملت ملامحها الفكرية ومضمونها الفقهي ، حيث كان للشيخ دوره المؤثر في حضور الرؤية السلفية لحركة الصحوة والتيارات الإسلامية مع الشيخ الألباني والشيخ ابن عثيمين

وجميعهم رحلوا في وقت متقارب قبل أحداث أيلول (سبتمبر) ومن غير الممكن فهم التحوّلات الدينية المحلية من دون قراءة لحياة هذه الشخصية .

إن تقييم مثل هذه الشخصيات الدينية الرسمية ذات السمعة الكبيرة فيه صعوبات متعددة لأن رصد تحولاّتنا الفكرية لن يتم من دون استعراض نقدي عقلاني لتأثيرها وللأسف إن تناولها النقدي يأتي عادة من جهات وأقلام ذات عداوة تقليدية للسعودية أو الوهابية ..

إن تقييم مثل هذه الشخصيات الدينية الرسمية ذات السمعة الكبيرة فيه صعوبات متعددة ، لأن رصد تحوّلاتنا الفكرية لن يتم من دون استعراض نقدي عقلاني لتأثيرها ، وللأسف إن تناولها النقدي يأتي عادة من جهات وأقلام ذات عداوة تقليديه للسعودية أو الوهابية .

اجتمعت في الشيخ خصائص وظروف وأحداث تاريخية جعلت منها شخصية دينية استثنائية ، فبقدر السمعة الضخمة والشهرة محليا وخارجيا لأسمه إلا أنه كان شديد التواضع والبساطة .

استيعاب طبيعة هذه الشخصية يتداخل فيه الانطباع النفسي بالرؤية العقلانية التي تؤثر فيها سطوة السمعة الكبيرة ، وإن تأمل حياة هذا الشيخ يعزز فهمنا لكثير من الظواهر التي ميزت الحالة السعودية منذ مرحلة التوحيد ، والتعرف على بعض ملامح العلاقة بين الفقيه والسلطة ، ومعايير نجاحها عند طرف لخدمة المجتمع والدولة

وكيف تجتمع في حالة نادرة شعبية ومحبة واسعة عند النخب والعامة وصدقية دينية ، مع القرب الشديد من الدولة والجهات الرسمية ، هذه المحبة الكبيرة والتأثير الواسع والقبول لخطابه الديني وفتاواه مع بساطتها وقلة التكلف فيها أخذت ميتافيزيقيا عند البعض لتفسير هذه الشعبية .

(أ) كيف نفهم هذه الشخصية؟

لا تهدف من تناول هذه الشخصية إلى سرد منجزاتها وتمجيدها أو الإساءة إليها لسنا بحاجة إلى تناول الشيخ الإنسان والعالم الفقيه ، وإنما تناول الشيخ الظاهرة ، لذا من المهم أن نتجاوز الاستعراض التقليدي للتعريف بسيرة الشيخ

وهناك عوامل عدة متداخلة صنعت للشيخ حضورا استثنائيا امتزج من تفاصيل التحوّلات السعودية دينيا وثقافيا واجتماعيا ، ومع قوة حضور من سبقه من العلماء وآخرين من جيله إلا أن للشيخ سلطة واحتراما قد لا يتكرر مع غيره في مثل هذه الحالة

فقد عمر الشيخ طويلا منذ نشأة الدولة ومعاصرته لخمسة ملوك منذ عهد المؤسس الملك عبد العزيز وحتى نهاية عهد الملك فهد ما يقرب من 89عاما ، واستمر بأداء عمله ونشاطه الديني بالدرجة نفسها إلى آخر أيام عمره

فمنذ عام 1357هـ الذي تولي فيه القضاء في منطقة الخرج حتى عام 1420هـ ، أى استمر ما يقرب من 63عاما ، أكثر من ستة عقود شكلت أهم مراحل تحولات الدولة السعودية ومجتمعها .

لقد اجتمع الكثير من الخصائص التي جعلت للشيخ حضورا رسميا وعالميا وشعبيا وقبولا عند مختلف أطياف الحركة الإسلامية في العالم ، حيث اشتهر الشيخ بزهده وتواضعه وقبوله عند الجميع

والشعور العام بصدد خطابه ووعظه ونصائحه الهادئة البعيدة عن الصراخ والصدام ، ما شكل مدرسة في إنكار المنكر والأمر بالمعروف ، هذه الصفات جعلته يجمع بين أهميته في مناصب رسمية كبري ، مع قبول شعبي وتواصل لا ينقطع مع الآخرين .

إن تنوع المناصب التي عمل بها والثقة المبكرة التي حظى بها منذ زمن (محمد بن إبراهيم) أتاحت له احتكاكا وتواصلا مع قطاعات وشرائح متنوعة في الداخل والخارج ، فبعد القضاء عمل بالتدريس في المعهد العلمي عام 1372هـ ، وكلية الشريعة بالرياض عام 1373 هـ حتى عام 1380هـ

ثم عين نائبا لرئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة في عام 1381 هـ حتى عام 1390هـ وبعد وفاة رئيسها الشيخ (محمد بن إبراهيم) عين رئيسا لها حتى عام 1395 هـ حيث صدر أمر ملكي بتعيينه في منصب الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد برتبة وزير

إضافة إلى مناصب أخري ، منها : رئيس هيئة كبار العلماء ورئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ورئيس المجمع الفقهي الإسلامي بمكة التابع لـ " رابطة العالم الإسلامي " البدران والبراك ، علماؤنا).

تعدد المناصب الدينية التي تولاها ، إضافة إلى نشاطه الاحتسابي في الدعوة وعمل الخير جعل منه مرجعية للداخل والخارج، فقد اتصل بالكثير من رموز التيارات الإسلامية في الخارج لطبيعة بعض الأعمال التي تولاها

هذه التراكمات الطويلة من العمل الإداري في مناصب دينية متنوعة خلال أطوار الدولة المختلفة كان من الممكن ألا يكون للشيخ قيمة سوى من الناحية البيروقراطية كغيره من المشايخ في المجتمع لولا أن له خصائث صنعت له حضورا مختلفا ليكون من أهم الرموز الذين ساهموا في تشكيل ملامح المد الديني محليا وخارجيا .

لن نجد صعوبة في فهم استمرارية الشيخ في مناصبه الحساسة طول هذه المدة التي تجاوزت ستة عقود ، لأن الدولة لها تقاليد في احترام العلماء الكبار الذين لهم تاريخ طويل من الثقة ، إضافة إلى أن الشيخ تحوّل بمرور السنوات إلى ظاهرة لافتة ورقم صعب يحتاج إليه المجتمع والسياسي والتيار الديني .

لكن كيف تحوّل إلى ظاهرة توازن في كثير من الصراعات والمشاكل الداخلية وحافظ على صدقية قوية عند مختلف التيارات على الرغم من تعدد مناصبه الرسمية ، حيث كان من الصعب نقده أو تخطئته ليس في الإعلام فحسب ، وإنما حتى في مجالس العامة والخاصة ؟

النشاط الخيري ليس كافيا في إيجاد صدقية وجماهيرية بهذا الحجم فكثير من العلماء والدعاة من أصحاب المناصب الرسمية لهم مثل هذا النشاط لقد ساهمت عوامل أخرى في صنع هذه الشعبية الاستثنائية للشيخ

فإذا كان للشيخ دور بارز في دعم حركة الصحوة الإسلامية محليا ، فإن الصحوة صنعت للشيخ حضورا وشهرة غير مسبوقة من خلال تسويق فتاوى وأقوال الشيخ وتقديم تزكيته لأى مشروع إسلامي أو عالم وداعية

بأنه دلالة صحة على المنهج والمعتقد ، وتطور إلى أن أصبح أهم ختم سلفي يستعمل بإفراط لإقناع الخاصة والعامة بفكرة أو عمل خيرى .

لكن لماذا حدث هذا التطور واختارت الصحوة هذا الشيخ لأن يكون في مقدمة أى نشاط أو عمل دعوى ، حتى أصبح ذكر اسمه هو الحل السحري الذي يقنع الجميع والتيار الديني والجهات الرسمية ؟

إن العامل الأهم يتمثل في جزء من سيرة الشيخ ومواقفه التاريخية لصالح العمل الخيري والدعوة التي ميزته عن علماء مرحلته فالكثير من المواقف التي حدثت للشيخ مع المسؤولين ودوره في الأزمات الدينية جاءت بصورة مناسبة لإمكانياته وخصائصه ، فكسبت رضا جميع الأطراف من دون أن تحرق سمعة الشيخ .

وللشيخ منهج في إنكار المنكر وتقديم النصيحة فقدّم في حياته الكثير من الرسائل والردود على رؤساء دول ومسئولين وعلماء وكتاب برسائل شخصية أو في الصحف والمجلات تتميز بأسلوب وعظي بسيط ومباشر بأدلة من الكتاب والسنة من دون أى تكلف في لغته

وهذه الرسائل جاءت في مناسبات وأحداث مختلفة على مدار ستة عقود لدوائر ومؤسسات حكومية وإنكار خاص على مخالفات الإعلام والصحة والتعليم .

كان التزامه بالنصيحة الهادئة من دون ملل ، حيث لم أطلع أو أسمع للشيخ أى عبارة قاسية في رده أو تعليقه والشيخ يمتلك نفسية " غاندية " في هذا الشأن فمن الصعب أن تعثر على خطاب محرض أو عدواني ما أكسبه كاريزما خاصة

ومع ذلك وقف مع جميع المجاهدين والمصلحين في العالم ودعا لدعمهم خاصة في الحالات التي تكون السعودية مؤيدة لهذا الدعم ، ولهذا كان تأييد الشيخ لأي جبهة جهاد إسلامي لأن هذا يتيح تدفق الدعم المالي والشعبي

كانت سمعة الشيخ في المجتمع السعودي ابتدأت منذ عهد الملك عبد العزيز عندما اختار قول شيخ الإسلام في قضية الطلاق مخالفا للرأي السائد حينها وأثار ذلك مشكلة في حينها.

لكن الأمر اللافت هو تجاوز الشيخ فتنة الحرم ، واستمرار صدقيته عند الدولة والمجتمع والتيار الديني ، فقد أثرت هذه الحادثة في سمعة بعض الأسماء من الدعاة والعلماء

بل إن أهم مراحل الشيخ الواقعية في المجتمع كانت آخر عقدين من حياته مرحلة الثمانينيات التسعينيات الهجرية حيث كان الشيخ موجودا في المدينة أثناء نشوء الجماعة السلفية المحتسبة التي شكلت نواة في ما بعد لجماعة " جهيمان "

ويبدو أن الشيخ على الرغم مما حدث وما قيل ، فإن الحكومى لم تتأثر ثقتها فيه ، وساعد التفهم لطبيعة المشكلة وظروفها الزمنية على تجاوز الكثير من التفاصيل سريعا وتهيئة المجتمع لمرحلة جديدة .

وبالفعل تم إغلاق الملف سريعا بسبب رؤية إستراتيجية رسمية فبدأت شهرة الشيخ تزداد بصورة أكبر في أوساط المجتمع والجيل الجديد مع نمو الصحوة وزيادة النشاط الديني والمحاضرات والوعظ والإفتاء مع وجود قدر كبير من الرقابة الرسمية والانضباط في تحركات التيار الديني

بعكس ما كان الوضع في مرحلة السبعينيات ، فقد وجد بعض الإهمال والتساهل بسبب الانشغال في التنمية وتوقع هامشية المتدينين في المجتمع وعدم تأثيرهم .

(ب) فقه الشيخ وفكره

على الرغم من أن للشيخ جهودا كبيرة في الدعوة والدروس العلمية فإنه لم يترك مؤلفات توازي حجم الشهرة والمكانة العلمية سوى رسائل ونصائح وفتاوى وكتبيات وبعض الشروحات التي لم تكتمل مثل تعليقاته على كتاب فتح البارى ، وهناك كتاب القومية العربية الذي قبل إنه للشيخ ، مع أن الكتاب يحتاج إلى وقفة خاصة وتساؤلات كثيرة .

كثرة مشاغل الشيخ قد تبرر هذا النقص لكن ندرة التأليف مرتبطة بطبيعة المدرسة الوهابية وتقاليدها التي لا تري الحاجة إلى كثرة المؤلفات ، إضافة إلى ضعف الإمكانيات في إدراك التراث الفقهي الواسع عند اغلب مشايخ السعودية القدماء أهمية الشيخ لم تأت من عدد مؤلفاته

وإنما من مواقفه وفتاواه وآرائه الدينية في كثير من المناسبات ونصائحه ، في مسألة تمكنه العلمي كثيرا ما يشير تلاميذه والمقربون منه بانبهار إلى مقدرته وحافظته العلمية وتمكنه في عالم الحديث ومعرفة الصحيح من الضعيف وقدرته على الاجتهاد وترجيح الأقوال

فأطلق عليه الإمام ، ومع أن الشيخ تفوق على كثير من علماء جيله علميا ومثابرة في التحصيل والتدريس والاجتهاد ، لكن حديث التلاميذ والدعاة السعوديين ورموز الصحوة حول الشيخ لا يخلو من مبالغات مع أن معرفته بالحديث وحافظته أعطياه تميزا عن كثير من مشايخ وعلماء الداخل .

ومن لديه اطلاع طويل على منهج وفقه الشيخ وسماع لدروسه العلمية ، مع اطلاع على التراث الديني وإنتاج علماء من السلف والمعاصرين الكبار سيكشف حجم هذه المبالغات من محبيه .

هذا المنهج في المدح معتاد في خطاب التيارات الإسلامية في الثناء على مشايخهم وإعطائهم هالة عامة من دون تفصيل في قوته العلمية وتميزه وتحديد للمهارات المعرفية التي تميز بها ولهذا لا نقرأ في هذه السير ما هو مفيد من تلاميذ الشيخ .

وعندما نشير إلى ذلك فلا يعني أننا ننكر فضله وفقهه الشرعي ، وإنما نعبرّ عن تجربة مبكرة في محاولة البحث عن قوته العلمية مقارنة بعمالقة السلف ،للشيخ تميز مبكر في مخالفته للمذهب في كثير من المسائل في أزمنة كان التعصب المذهبي موجودا

وكان أقرب إلى مدرسة أهل الحديث في اختياراته في الفتوى من الفقه ، ومع نمو تيار الصحوة كانت جميع آراء الشيخ الفقهية في مسائل العبادات والمعاملات والقضايا الاجتماعية والمستجدات والأحداث هي المقدمة على رأي غيره وحاسمة لجميع المسائل

ولهذا خرجت الصحوة بفكرها عن كثير من مسائل المذهب وقدمت رأي الشيخ ، لقد كانت اختيارات الشيخ تعتمد على النص من الآيات والأحاديث وتهمش دور مقاصد الشريعة وأصول الفقه ومع ورع الشيخ والأخذ بالأحوط فإن هذا عزز مسار التشدد الفقهي ، فأصبحت جميع اختيارات الصحوة تميل إلى التحريم في المختلف فيه.

هذا الذي يبدو تجديدا بمرور الوقت أصبح خطوة نحو التشدد في كثير من المسائل التي تهم المجتمع أكثر من الدولة فكان هذا المنهج ضارا بالصحوة علميا وهدما للتقاليد الفقهية .

(ج‌) مراحل استعمال الشيخ

في الثمانينيات استعملت الصحوة الشيخ في تبرير تمددها الأفقي داخل المجتمع لما يملكه من سمعة رسمية وشعبية وصدقية دينية ، وفي التسعينيات استعملت الدولة الشيخ في معركتها مع الصحوة ومظاهر تمرد بعض رموزها لإيقافهم

وكانت المعركة مع تيار الحداثة واستعمال الشيخ فيها هي الأبرز فتقديمه لكتاب الحداثة في ميزان الإسلام للشيخ (عوض القرني) الذي كان اسمه مغمورا في ذلك الوقت ما أعطي الكتاب صدى واسعا وقبولا شعبيا ورسميا

وكانت الصدمة للمثقف المراقب ليست في الكتاب ومحتواه ، وإنما في المقدمة ذاتها فالشيخ على رأس أهم الجهات الدينية الرسمية ، فكيف حدث هذا؟

ولهذا أخذت مسألة الصراع بين تيار الصحوة والحداثة بعدا شعبيا واجتماعيا واسعا لم يكن ليتحقق من دون هذه المقدمة ، فأصبح مثقف الحداثة المدان باسمه في هذا الكتاب حقيقة ليس أمام المؤلف المغمور

وإنما الشيخ (ابن باز) وبأهميته الرسمية والشعبية الذي أيد ما طرح في هذا الكتاب ، وحتى أسلوب المقدمة ذاتها لا يبدو أنه من أسلوب الشيخ نفسه

ومن الاستغفال محاولة البحث عن مؤامرة وتحميلها على تيار الصحوة فقط وكأن الشيخ ومن حوله والجهات الرسمية مغفلة لا تدرك ماذا يترتب على مثل هذه الطرح من جهة دينية رسمية .

في مرحلة التسعينيات كان تيار الصحوة قوة بذاتها بالشيخ أو غيره وجاءت تطورات أزمة غزو الكويت بظروف مختلفة عن السابق ، حيث كانت أهم قضية اختلط فيها الدين بالسياسة حول مدي شرعية الاستعانة بالقوات الأجنبية ، بعد أن أسلم العراق خطابه في المعركة

فكان بيان من هيئة كبار العلماء في جواز ذلك ، وأذيع صوت الشيخ في الإذاعة والتلفزيون ببيان شرعية ذلك ، وكان البيان عاما وموجزا ولم يتطرق إلى إلى تفصيلات فقهية في كتب التراث ، فلم تتأثر هيبة وصدقية الشيخ بهذا البيان

وتقبل التيار الديني والمجتمع ذلك ، باستثناء حوارات ومناقشات بين بعض النخب الدينية التي ليست علنية، وتخطئة لهذا الراي من بعض الأسماء الجهادية ذات التجربة الأفغانية

لكن الذي أثر هو هجوم التيار الإسلامي في الخارج وبالذات موقف مجلة السنة برئيس تحريرها (محمد سرور زين العابدين) حيث صعّدت في الشأن العراقي وموقفها وأحدثت نقلة مختلفة في وعي تيار الصحوة ،مع هجوم قوىّ وساخر من خطب بعض الحركات الإسلامية في الخارج

ومع بداية الحرب ازداد الوضع تعقيدا واضطرت الدول لاستضافة مؤتمرات إسلامية لتقديم خطاب يصحح ويواجه بعض مغالطات التيارات الإسلامية في الخارج ما أحدث بعض التشويش خاصة أن خطاب رموز الصحوة لم يكن بحماسته المعهودة في تأييد الشيخ ، ومع أنه لم يقدم تخطئة له باستثناء موقف (سفر الحوالي) الذي سنناقشه في ما بعد .

اجتمعت هذه العوامل فأثرت في صدقية الشيخ وهيئة كبار العلماء ، وجاء موقف الشيخ الحاسم من قيادة المرأة أثناء الأزمة فحافظ على صدقيته عند الشارع وتيار الصحوة

ومن الناحية العلمية الفقهية في التراث الإسلامي فإن موضوع الاستعانة بالكفار فيه مباحث طويلة في التراث السلفي تاريخيا وأغلبها ليست في صالح الرأي المتسامح ومعروف لدي أى باحث موقف الوهابية وأئمة الدعوة في مسائل الولاء والبراء والتعامل مع غير المسلم ، وما ترك بعض الإشكاليات الحساسة في النقاش العلمي حولها .

بعد مرحلة نهاية الحرب وتحرير الكويت كان تيار الصحوة يشعر بقدر من النشوة خاصة في تعامله مع موضوع قيادة المرأة للسيارة وتصعيده للقضية فبدا مسار آخر من النشاط السياسي المحسوب على تيار الصحوة

فجاء خطاب المطالب الشهير وقد أشرك اسم الشيخ بالموافقة عليه من دون توقيع مع مشايخ وشخصيات رسمية عديدة ووزع كمنشور بصورة واسعة في الجامعات والمساجد وأماكن التجمعات وهو الأمر الذي أغضب السياسي فجاء رد من كبار العلماء واستنكار لهذا التصرف ونشر الرد في الصحف ما أحدث قدرا من التشويش على الناس وشعورا بأنه تراجع تحت الضغط .

الواقع أن خطاب المطالب اندفع معه التيار الإسلامي من الحركيين والرسميين تحت تأثير الخطاب المدني الذي قدم ، وكان من الممكن أن يمر من دون حساسية بالغة لو لم يتم هذا النشر الواسع له ما جعله منشور معارضة لا إصلاح

ولم يوفق بيان كبار العلماء في الرد على طبيعة الخطأ الذي حدث فجاء بصورة مربكة فعلا ، ومنذ ذلك البيان استمر إشراك كبار العلماء في الرد على كل تصعيد يحدث من حركة المعارضة بصورة مسرفة

فتم الاستعانة بهم في إدانة تأسيس لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية ثم جاءت الصدمة للرأي العام عندما تم اعتقال أهم رموز الصحوة ، (الحوالي) و(العودة) وجاء الإعلان عنه في الإعلام بناء على خطاب سري من الشيخ ابن باز ، ونشر صورة من الخطاب في الصحف ، ما أضر بسمعة الشيخ عند التيار الإسلامي

ثم جاءت محاولة جريدة المسلمون التي أقحمت الشيخ في فتوى السلام الشهيرة التي رحبت بها الصحافة الإسرائيلية على لسان مسئولين صهيانية وتم تفسيرها بأنها جزء من الضغط على الشيخ .

الاستعجال بهذه الفتوى من جريد المسلمون كان محاولة لاستباق مسار عملية السلام الي قد تنجح وتحتاج إلى سياسة عربية جديدة وبعد غياب رموز الصحوة وتراكم هذه العوامل في زمن متقارب أدي فعلا إلى ضعف شديد في صدقية المؤسسة الدينية والعلماء الكبار ... حيث كانت أشد مراحل التيه للتيار الديني ، التي ظهرت بعض تأثيراتها في المستقبل السبتمبري !

(5) عبد الرحمن الوسري (1332 – 1399هـ) الجندي المجهول

لقد رحل الشيخ قبل ظهور نشاط جيل الصحوة المحلية بسنوات ، فلم يتعرف عليه المجتمع وشباب حركة الصحوة الجدد ، لكن تأثيره في قيادات دينية وأبناء مرحلة الستينيات والسبعينيات كان ملموسا في الدعوة والموقف من بعض الأفكار المعاصرة

إننا لن نستطيع التعرف على بعض تطورات الخطاب الديني من دون استحضار اسم هذا الداعية الجرئ جدا أو الجندي المجهول ، من خلال متابعاتي المبكرة للخطاب الديني وعلى الرغم من التطورات التي حدثت في مراحل تالية في فكر الصحوة فإن تأثير هذا الشيخ في تفكير الوعي الديني بالعالم لا يمكن تجاوزه .

إن التغير الجوهري الذي حدث في خطاب الصحوة المحلي عن الخطاب التقليدي للمشايخ هو في تناول قضايا العصر والموقف منها ، فكان أول شيخ يدخل بهذه الموضوعات في صلب خطاب المنبر والمسجد والوعظ بتفاصيلها والمحاضرات الدينية حيث كانت هذه القضايا لا يتم تناولها إلا في الصحف والمجلات ، وبهذا يكون قد أحدث تجديدا في الخطاب الديني المحلي .

كان هذا الشيخ الذي ولد في عام 1332 هـ في البحرين ونشأ في الكويت وتعلم فيها ودرس في مدرسة المباركية ، وهي مدرسة أهلية وعاش في حارة " المرقاب " محل أهل نجد في الكويت ، وقبل إنه حفظ القرآن في شهرين وكان من علمائه الشيخ عبد العزيز الرشيد وصالح الدويش ومحمد خراشي الأزهري المصري.

ومن تلك البيئة الأكثر انفتاحا على العالم مقارنة مع السعودية وفي ذلك الوقت جاء هذا الداعية ، وهو في بداية عقده الخامس عام 1381 هـ وسكن الرياض في دخنة واستمر يتردد على الكويت حتى وفاته في 16 / 11/ 1399هـ قبل حادثة الحرم بأسابيع .

لقد أوصاه الطبيب بالراحة وهو في لندن للعلاج ، لكنه آثر الخطابة فخطب في المركز الإسلامي في لندن خطبة بهرت المصلّين . كان داعية جوالا يخطب في كل مكان ، وكتب في الصحافة مبكرا ،وكان جريئا في التعبير ، وكان كثير الاستشهاد بأفكار (سيد قطب) و (عبد القادر عودة) و(حسن البنا) ومع أنه يوجد العديد من المقيمين من الإسلاميين في الداخل السعودي في تلك المرحلة

إلا أن مساحة الحرية المتاحة للشيخ لكونة سعوديا كانت أكبر ، فقد تناقل المجتمع والتيار الديني الكثير من القصص عن جرأته وصراحته في إنكار ما يرى أنه منكر وكانت محاضراته وكتاباته تدور غالبا حول الصهيونية والماسونية العالمية والاشتراكية والقومية والمعركة مع اليهود وقضية فلسطين

وتناقل محبوه قصص الإعجاب حول توقعه في المعهد العلمي في أوائل الستينيات عن النكسة إذا قامت حرب مع إسرائيل وكان له موقف بارز ضد الناصرية والقومية وهذا ما يفسر إتاحة الفرصة له مع جرأته ، وينقل أبناء الستينيات قصصا عن دوره في تغيير المناهج من البعد القومي إلى الإسلامي في عهد الملك فيصل

وليس الهدف دراسة خطاب الشيخ وتقييمه وإنما نتحدث عن بعض تأثيرها في الوعي الديني في ما بعد ، لكن من الناحية العلمية فإن الطرح كان مناسبا للعامة ووعظيا أكثر منه وعيا رصينا في الأفكار المعاصرة .

(6) محمد بن عثيمين (1347 -1420هـ) .. فقيه الصحوة

جاءت شهرة الشيخ متأخرة كثيرا في المجتمع ، فظهر اسمه مع الصحوة وفجأة أخذ يذكر اسمه مع الشيخ ابن باز كثنائي ، ومن النادر ذكر أحدهما من دون الآخر كأهم شيخين سلفيين في البلاد .

من أبرز تلاميذ الشيخ ابن سعدى رحمه الله حيث أخذ مكانه في جامع عنيزة هذا الشيخ الذي أصبح من رموز الصحوة المعاصرة في الداخل والخارج ، وأهم المراجع العلمية الفقهية السلفية ، جلس للتدريس منذ عام 1371 هـ وعاش حياته في التعليم في المعهد العلمي وجامعة الإمام محمد بن سعود

ومع أن الشيخ له تمكن علمي وذو مهارة لافتة في الاستنباط الفقهي ومنهج متميز في التدريس والتعليم والتربية العلمية يلمسها أى إنسنا يحضر بعض دروسه ومحاضراته ويستمع لفتاواه ، إلا أن انضمام الشيخ إلى هيئة كبار العلماء تأخر

حيث صدر الأمر عام 1407هـ وهو تأخر لافت ، يعبر عن وجود خلاف وامتداد للموقف من ابن سعدي ، وهناك العديد من القضايا التي يعرفها المتابع وطلبة العلم تفسّر هذا التأخر في سياق تاريخي .

الصحوة حدثت بمجرد ما أخذ الشيخ حضوره الجديد وبروزه في برنامج نور علي الدرب ، فأصبح من هيئة كبار العلم ، حيث جعلته ثنائيا مع الشيخ (ابن باز) والواقع أن الشيخ يستحق مقارنة بمستوى أقرانه من العلماء فلديه إمكانيات وخصائص الفقيه وشروح قوية في العقائد ومختلف العلوم الدينية

ولم تشغله أمور الدنيا عن التعليم ، ومن يعرف طبيعة وواقع حلق العلم الشرعي في المساجد ، منذ نصف قرن يمكنه القول إن الشيخ هو الأفضل في جوانب علمية كثيرة يتفوق عليه (ابن باز) في علم الحديث كانت فتاواه وأقواله لا تختلف عن ابن باز في الأغلب و يأخذ بالأحوط مثله في قضايا المرأة والمجتمع

ويري البعض أن ابن عثيمين كان أكثر تسامحا قبل الصحوة في آرائه بدليل أنه تراجع عن بعض الأقوال ، والواقع أن نزعة التشدد والاتجاه للأحوط أثرت في الجميع بمن فيهم الشيخ نظرا لأن الجو العام الديني حتى عند المؤسسة الرسمية تحول إلى ذلك ، فالمزايدة نحو المحافظة الأكثر وضد أى مرونة كانت في المرحلة الثانية من الصحوة مع الشعور بالقوة والانتشار في المجتمع

وهذا لا يعني أن للشيخ وغيره من العلماء مذهبا قديما وآخر حديثا ، وإنما لا تعدو كونها مسائل محدودة تغيرت النظرة الاجتماعية لها فجأء الحكم متجاوبا معها ، فلا يوجد أسس فقهية للتسامح من قبل

والادعاء بأن الصحوة حوّلت المشايخ الكبار إلى متشددين ليست إساءة لهم فقط ، وإنما تدل على جهل كبير بالمضمون الفقهي للتيار الديني قبل الصحوة ، الذي كان غير قابل للإحياء في كثير من جوانبه المتشددة .

تأثرت صدقية الشيخ وجماهيريته بعد أزمة الخليج مع تأثر صدقية ابن باز والأحداث التي أشرنا إليها سابقا .واجه الشيخ هذه المشكلات السياسية والدينية مع حركة الصحوة وهو لا يملك أى مهارة وخبرة سياسية مثل ابن باز ، ومن كان يتابع الشيخ وقريبا منه يشعر بمدي ارتباكه مع أحداث تلك المرحلة ، وكيفية التعليق عليها .

(7) عبد الله بن جبرين (1352هـ - 1430هـ) ... من "فضيلة" إلى "المدعو"

يمكن وضع الشيخ في الصف الثاني مع الشيخين (صالح الفوزان وعبد الرحمن البراك) وغيرهما من العلماء الكبار بعد الصف الأول (ابن باز وابن عثيمين) لكن الشيخ كان أقرب إلى الصحوة في كثير من الأحداث .خاصة في المعركة مع تيار الجامية فقد دافع عن دعاة الصحوة بقوة ووضوح .

يعد الشيخ امتدادا للمدرسة الفقهية التقليدية السائدة وأتاح له وجوده كعضو في هيئة كبار العلماء قبل خروجه منها حضورا مهما وصدقية رسمية وشعبية، ومع أنه لم يكن من قائمة المشايخ في برنامج نور على الدرب ، إلا أن له مشاركة في الفتوى التي لا تحم الصبغة الرسمية .

قدم عددا من الفتاوى حول قضايا جدلية في أحداث مرحلة الصحوة فقد أفتي بحرمة شراء جريدة الشرق الأوسط بعد حرب الخليج ، وله فتاوى عن الشيعة أثارت ولا تزال جدلا ساخنا

ونظرا لقلة الاعتبارات الرسمية في آرائه الدينية فقد تكررت الإشكالات التي تثيرها آراؤه حتى مع وجود ابنه كشيخ وطالب علم الذي قيل إنه يفلتر ما يأتي من والده ، ويدير ما يصدر من فتاوة وتصريحات للإعلام .

كانت المفاجأة الأكبر للمتابع هي في ظهور اسم الشيخ في بيان تأسيس لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية ، مع رئيس ديوان المظالم السابق الشيخ (عبد الله المسعري) التي أثارت غضبا رسميا فجاء البيان الرسمي في نشرة الأخبار بالإشارة إلى اسم الشيخ بـ " المدعو " ما أحدث لبسا عند الجمهور .. هل هو الشيخ (ابن جبرين) نفسه أم شخص آخر؟

لكن الشيخ تراجع سريعا ، واعتذر ببيان نشر في الصحف فأعيد في الإعلام ذكر اسم الشيخ بدلا من المدعو بعد التراجع !

وتأثرت صدقية الشيخ بعد تراجعه في الصحف لكن الموقف الإيجابي من دعاة الصحوة ، ودفاعهم عنه بعد الاعتقال ضد هجوم تيار الجامعة ، أعاد الصدقية والشعبية له وظلت المراحل التالية من حياته وفق النمط التقليدي في الدعوة والتدريس على الرغم من أنه لم يتم إعادته مرة أخري للمؤسسة الدينية .

(8) صالح الفوزان (1355 هـ ..) .. أزمنة متغبرة وخطاب مستقر

استقرت شخصية الشيخ وخطابه الفقهي ، وأسلوبه في الدعوة والإنكار مبكرا منذ أكثر من ثلاثة عقود ومع كثرة المتغيرات الاجتماعية والدينية والتحولات الإعلامية فقد حافظ الشيخ على نمط محدد لم تؤثر فيه رياج الصحوة بتفكيرها وخطابها وأسلوبها المستحدث .

إنه الممثل الأبرز للسلفية الرسمية التقليدية الخالية من أى تصنع بسبب المتغيرات حيث حافظ على أداء متوازن بين الرسمية غير المفرطة في خطابها وسمت العلماء التقليديين لكنه في بعض المراحل ومع مشكلات التيار الجامي مع الصحوة ، استعمل الشيخ أحيانا في هذه المعركة بسبب موافقة المبكرة عن الكثير من الحركات الإسلامية بعض أساليب الدعوة الجديدة.

ومع ذلك لم تتأثر شعبيته كثيرا عند تيار الصحوة ، لأنه في الأساس لم يندفع مع كثير من مقولاتها وحماستها كغيره من المشايخ ، ولهذا عندما اختلف معهم كان معذروا وليس انتهازيا لأن هذا منهجه السابق في رؤيته لأسلوب الدعوة والإصلاح وليس مع تغيّر موقف الحكومة كما حدث عند مشايخ آخرين ما أكسبه قدرا من الصدقية والاحترام .

ما زال أفضل من يمثل دور العالمي التقليدي القديم ، والمشغول بدرسه وإنكار المنكر وفق خطاب ونمط محدد خال من الإنشائية والتعبيرات المتصنعة للإقناع ، ولهذا كانت ردوده في الصحافة مبكرة قبل أكثر من عقدين ، وقد ظل محترما في خلافه مع الآخرين وفق أخلاقيات الذهنية السلفية ومعاييرها كان خلافه الشهير في مجلة اليمامة مع (عبد الله الحامد ، وحسن المالكي) من أبرز الموضوعات التي حفلت بها صحافتنا في ذلك الوقت ، قبل أن يتحول مثل هذا الجدل مع عصر الإنترنت والفضائيات الذي اختلطت فيه الغوغائية بالأطروحات الرصينة

اكتسبت احتراما خاصا لأنه لا ينمط آراءه الفقهية والدينية وفق مصالح لحظية ، كما حدث للكثيرين من الدعاة بعد أيلول (سبتمبر) إنه أفضل من يعبر عن الرؤية الفقهية التقليدية من دون مؤثرات مصلحية مؤقتة

مؤخرا ومع وجود الحريات الانتقائية عند بعض الكتاب في نقد شيخ من دون آخر وفقا لحسابات آنية يدركها المراقب ، شن البعض حملة عليه حتى تبرع كاتب (ليبرالي) سعودي .. ليعلمه أسلوب ووجوب النصيحة السرية لولي الأمر حول قضية المسعي !

ما زال الشيخ .. هو الشيخ في خطابه وأسلوبه منذ بداية الثمانينيات ليحقق معجزة الثبات على خطاب وفقه محددين على الرغم من كل التحولات الكبرى من دون انقطاع عن القيام بواجب النصيحة والإنكار.

(9) حمود التوبجري (1334- 1412هـ) .. صوت السلفية البريئة

في مجتمعنا السعودي العديد من الشخصيات التي كان لها تأثير وحضور في تشكيل الذهنية الدينية أو الثقافية أو الاجتماعية من دون أن يكون لها شهرة واسعة أو منصب رسمي أو وجود إعلامي وهذه الشخصيات تمتلك عادة مواصفات خاصة تصنع لها قوة حضور لافت عند فئات محددة ، وتفرض احتراما خاصا لها .

ويبدو أن محاولة وصف كيفية مواجهة الفكر الديني التقليدي المحلي للمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية من دون استحضار الشيخ حمود التويجري كتجربة ذاتية عبرت بصدق عن طريقة المنهج السلفي الوهابي في كيفية استقبال هذه المتغيرات ، اشتهر الشيخ بورعه وترك القضاء مبكرا حيث طلب الإعفاء منه وتفرغ لمهمة البحث والتأليف (العسكر من أعلامنا)

وقد بلغت مؤلفاته أكثر من خمسين كتابا ، تكمن أهميتها في أنها جاءت في بيئة ومرحلة لا يوجد فيهما تأليف وكتب مطولة وإنما خطاب يغلب عليه الشفهية في الفتوى والدرس

ولهذا فهي تسجل ردة الفعل التلقائية للرؤية السلفية خلال حدوث التطورّات في المجتمع وتستنطق مراحل قضايا اعتبرت حينها نوازل فقهية والأهم أن علاقته بالمشايخ الكبار مثل (ابن إبراهيم وابن باز) وغيرهما كانت قوية ، وكثيرا ما يتم تأييده في العديد من الردود، وأحيانا يتم توجيهه لذلك .

تميز بالورع في إنكار المنكر بعيدا عن الحسابات المصلحية في ردوده فصرامته وشدته في التأليف والإنكار تدل على رؤية خالية من المنفعة الشخصية اللحظية وله تميز علمي في تصحيح وتضعيف الأحاديث ورد على الألباني المحدث الشهير في بعض الموضوعات والأحاديث .

كان في إنكار المنكر شديد الغضب فهو لا يقرّ بمعصية ولا يسكت حينما تنتهك محارم الله ، بل ينكر ذلك ويحاربه بلسانه ويده ولا تأخذه في ذلك لومة لائم .. من تلاميذه الشيخ : (سفر الحوالي ، وسلمان العودة ، وربيع هادي المدخلي وصالح آل شيخ ، وعبد الله السعد) وعلى الرغم من أن الكثير من كتبه ومؤلفاته تجاوزها الزمن حيث لا تصلح حتى في نظر التيار الديني لإعادة نشرها

لكن من يطلع على جهوده وبعض كتبه ومهما اختلف المتابع معه في رؤيته وأحكامه واجتهاداته ، سيظل يحترم إخلاصه لمنهجه وعدم تصنعه والروح العلمية السلفية البريئة

وكان من أشهر كتبه :

إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة .. تحفة الإخوان بما جاء في الموالاة والمعاداة والحب والبغض والهجران .. قول المحرر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. الرد على من أباح الربا الجاري في بعض البنوك .. الإيضاح والتبيين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين .. إعلان النكير على المفتونين بالتصوير .

(10) صالح اللحيدان (1350هـ - ...) حارس التقاليد القضائية

منذ البدايات وقبل انتشار الصحوة في المجتمع ، كانت هناك مسافة واضحة بين الشيخ والذهنية الحركية الدعوية بمختلف أطيافها يلمسها المتابع.

ومنذ عقود برز اسم الشيخ في المشهد الديني الرسمي ، عندما كان سكرتيرا للشيخ (محمد بن إبراهيم) وتدرج في سلك القضاء ، وفي عام 1403هـ عين رئيسا للهيئة الدائمة بمجلس القضاء الأعلي ، وعضوا في هيئة كبار العلماء منذ إنشائها عام 1391 هـ

لم يتعرف المجتمع عليه عن طريق الكاسيت مع مرحلة الصحوة وانتشاره كما عند الكثير من الدعاة والمشايخ ،وإنما في ظهور المبكر في برامج دينية في التفلزيون وخاصة بعد حادثة الحرم التي لها تأثيرها في سمعة البعض في تفاصيل التعامل مع هذه الفتنة

في مرحلة كان ظهور العلماء التقليديين يضر بسمعتهم وصدقيتهم الدينية ، وتعرف عليه أيضا في دروس الحرم في رمضان ، مع برنامج نور على الدرب ، بالإضافة إلى أهميته الوظيفية .

" شيخ الحكومة " .. من المعتاد عندما كنت صغيرا ، أن أسمع مثل هذا الوصف من العامة وكبار السن ، عندما يأتي اسم الشيخ في جلسات عابرة وأحاديث في المناسبات الاجتماعية وهذا لا يعني أن المشايخ الكبار الآخرين ليسوا حكوميين ،وإنما لاعتبارات وفوارق تبدو طفيفة لكنها مؤثرة في التقييم الشعبي ، ما يدل على أن التيار والمجتمع لديه منهجه في تقييم العلماء .

لم يأخذ الشيخ مكانة أو شهرة إضافية مع زيادة نشاط حركة الصحوة كغيره من هيئة كبار العلماء ، لكن مكانته ليست في شعبيته ، وإنما في منصبه الحساس ومحافظته الشديدة على تقاليد الشيخ الرسمي على حساب أىّ بعد ونشاط حركي ودعوىّ ما أحدث مسافة بينه وبين الأنشطة الدينية الواسعة داخل المجتمع

فهو لم ينخرط مع موجة الصحوة وخطابها منذ البدايات وكان عائقا في بعض حالات الاندفاع والتهور الذي قامت به ، مع رسميته ووجود مسافة بينه وبين تيار الصحوة منذ الثمانينيات فإن هذا لا يعني أنه أكثر تقدمية في الرؤية الدينية فقد حافظ على الخطاب الفقهي السائد في كل تفاصيله ، ولم يكن له جاذبية علمية أو تميزّ خاص في دروسه الدينية .

في أدائه الوظيفي حافظ على مؤسسة القضاء ضد أى محالة تغيير أو تحديث ، وهو توجه الدولة في تلك المرحلة قبل مرحلة متطلبات منظمة التجارة العالمية .

اكتشف المتدين الحركي المتحفظ على الشيخ بعد أكثر من عقدين قيمة إنجاز الشيخ في ممانعته ضد التغيير والتجديد وشروطه في تعيين القضاة ، وهو منجز كبير في نظر التيار الديني المتشدد ، ولهذا شعر متأخرا بقيمة المكتسب الذي حافظ عليه الشيخ ومقاومته للكثير من المحاولات الإعلامية لاستهداف القضاء .

المشاركة الأبرز التي حوّلت النظرة إليه في هذه المرحلة السعودية التي تتسم بتناقضات عديدة في مراكز القوى أن الشيخ كان هو المرجع في مشكلة الدمج ، وكان وقوفه مع المحاولات للتراجع لافتا حتى بعد صدور القرار

ونظرا إلى رسميته الشديدة ونجاح مواقفه الحكومية خلال أزمة غزو الكويت ومشكلات ما بعد الحرب ، فإن التيار الجامي كثيرا ما يثني على الشيخ مقابل الهجوم على تيار الصحوة ورموزها .

كان يري عدم حضور شباب الصحوة لدروس الشيخ بأنه موقف حزبي ومع أنه بالفعل يوجد موقف مبكر لكن حضور الدروس العلمية يعتمد على كفاءة الشيخ وقدراته العلمية الفقهية وأغلب العلماء التقليديين ليس لديهم هذه الإمكانيات .

حدثت تغيرات بعد أيلول (سبتمبر) أدت إلى زحزحة الشيخ عن الصورة التي عرف بها ، وبدا أن رسميته القديمة تغيرت ، حيث اختلفت طبيعة المعركة ، فالحملة الخارجية في الصحافة الأمريكية ضد السعودية استهدفت قوى تقليدية محددّة يعرفها المتابع

وتغيرت موازين ومراكز القوى الداخلية فلم تعد الرسمية بصلابتها ووضوحها نفسه في عقد الثمانينيات والتسعينيات وهذا يفسر التغير الذي حدث ، وحتى الهجوم الشخصي والحملة المنظمة عليه عبر الإنترنت ليست عفوية وإنما واضحة للمتابع أسبابها ، والجهات التي تدفع كتابا موظفين للمشاركة فيها .

تشدد الشيخ الفقهي والإداري هو امتداد للروح المحافظة التقليدية ولا جديد في ذلك، وحتى تلك الكتابات التي شنت حملة عليه مؤخرا يصعب عليها أن تفصل الشيخ عن نظام الدولة ومؤسساتها لأنه شيخ الحكومة الأبرز الذي حافظ على تقاليدها لعقود عدة

فلا يمكن المزايدة عليه ، ومن غير الممكن اتهام الشيخ بالتكتيكات الصحوية حسب المرحلة كما يتهم غيره وأكثر من هذا الغباء الإدعاء أن تجميد المؤسسة القضائية إداريا لعقود عدة ناتج من إرادة " الحيدانية " وحيدة عجزت عنها الجهات ذات الصلاحية الأكبر ، فهذه مغالطة لا تبررها التقليدية الراسخة في جهات عديدة من مؤسسات الدولة .

(11) عبد الله التركي (1359هـ ....) قصيبي الإسلاميين

مهندس أكبر عملية تحديث للتعليم الديني الجامعي ، وفق المواصفات السعودية خلال ثلث قرن ، التجربة انتهت إلى رؤى لثلاثة اتجاهات : تيار ثقافي - صحافي ، كان يري هذا الشيخ تحديثيا مقارنة بغيره وقائد عملية العصرنة للتعليم الديني في السبعينيات والثمانينيات

لكن هذه الرؤية تحولت عند بعضهم مع ظهور التطرف والإرهاب إلى تهم موجهة ، وأنه جزء من مؤامرة " إخوانية " كبيرة لأن نتائج مشروعاته جاءت في مصلحة التيار الديني في الأخير واتجاه إسلامي حركي من تيار الصحوة كان ينظر إليه كشيخ حكومة تنفيذي .. في السابق من دون خصومه معه ، ولكن من دون تعاطف دعوى ملموس

وبعد أكثر من عقدين اكتشف التيار الديني كم هو ثمين هذا الإنجاز الضخم لخدمة المعرفة الدينية المحافظة وتوفير الكوادر والبنية التحتية لها ، والاتجاه الثالث من التيار السلفي الجامي يري بأنه إخواني..

وهذه التهمة ليست مشكلة لولا أنها تعني في نظرهم أنه خدم تيار الصحوة أكثر من السلفية التقليدية ، والحقيقة أنه ممثل أمين للرغبة الحكومية ، إذا كانت " الحكومية " الزائدة شبهة بحد ذاتها في نظر الصحوة في تلك المرحلة

فالنتائج أكدت لهم أحيانا أن الحكومة أكثر محافظة وإسلامية منهم ، أما التيار الجامي فمعاييره السلفية المتشددة وتعامله مع كل التيارات الإسلامية لا تصلح للعصر ولا للتعليم الحديث .

كانت تجربته الإدارية في جامعة الإمام لافتة ، ونقلها من حالة بدائية إلى حالة متقدمة فمرت بمراحل طويلة في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات وقبل ظهور قوة تيار الصحوة كانت المناهج في الجامعة في كثير من التخصصات

وبالذات العلوم الاجتماعية متفتحة ، وحتى في نوعية الأساتذة فقد استقطبت أسماء كبيرة ومتنوعة من الدول العربية ، لكن الجامعة كغيرها من المؤسسات التعليمية في السعودية تأثرت بفكر تيار الصحوة ، فحتى جامعة الملك سعود التي كانت تعتبر مركزا تحديثيا تأثرت هي الأخرى .

في عام 1382هـ كان مدرسا في المعاهد العلمية ثم مديرا لأحدها ، ثم عضوا في هيئة التدريس بكلية الشريعة بالرياض إلى عام 1388 هـ وبعدها عميدا لكلية اللغة العربية .

في 2/ 12 /1394 هـ أصبح وكيلا لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، ثم في 7/ 2/ 1396 هـ عين مديرا لها إلى 20 /1/ 1414هـ بعدها عين وزيرا للشؤون الإسلامية وفي عام 1421 هـ عين أمينا عاما لرابطة العالم الإسلامي .

هذه الخبرة الإدارية الطويلة وبالذات في تأسيس التعليم الجامعي الديني تجعلنا ننتظر "حياة في الإدارة " أخرى يحتاج إليها المشهد الثقافي المحلي ، لتصور وكشف بعض تفاصيل ما حدث خاصة أن رموز التيار الديني من أقل الشخصيات في مجتمعنا في الحديث عن بعض التفاصيل في تطوراتنا الإدارية ومشكلات التنمية والتغيير التي تواجههم .

(12) صالح آل شيخ (1378 هـ -..) .. مشروع وهبنة الصحوة

حفيد الشيخ (ابن إبراهيم) يمثل عودة جادة لطلب العلم الشرعي من هذه الأسرة بعد مرحلة انقطاع وتهميش لحضورها الديني لعقدين فنائب المفتي العام الذي أصبح مفتيا لم يكن مرجعية فقهية يعتد بها عند طلاب العلم المهتمين بالعلوم الشرعية ولصغر سنه لم يكن للشيخ ظهور في مرحلة الثمانينيات مع أنه في عمر رموز الصحوة ودعاتها في تلك المرحلة لكن منذ بداية التسعينيات الماضية أخذ يبرز اسمه في الدروس والمحاضرات ونشاط دعوى كبير .

اللافت في محاضراته ودروسه تمكنه العلمي بتأصيله الشرعي وذكاؤه في الطرح ، حيث كان خطابه يمثل بداية أخري مختلفة عن أولويات خطاب الصحوة من أجل العودة للسلفية وفق منهج أئمة الدعوة الوهابية ، تزامنا مع الشعور الرسمي بأن تيار الصحوة خرج عن تقاليد المؤسسة الدينية السعودية

فأخذت محاضراته تعزز أهمية جانب التوحيد ، وفي الوقت نفسه لم يقدم رؤية تصادمية وهجومية ضد رموز الصحوة في العلن ، كما هو خطاب تيار الجامية ، مع أن المتابع يدرك وجود اختلاف في الرؤية مع رموز ودعاة الصحوة .

كان ذكاء الشيخ ووعيه ومتانة خطابه تؤهله لأن يكون من صناع الوعي الديني مستقبلا ويملأ فراغا ملموسا لبعث خطاب أئمة الدعوة برؤية حديثة ومتزنة ورسمية ، وقد حاول التيار الجامي تسويق اسم الشيخ مع أن مكانة أسرته ليست بحاجة إلى ذلك .

هذا الطموح يبعث الخطاب الوهابي وفق مواصفات الرسمية الجديدة ، لا يزال أمامه صعوبات ، لأن خطاب أئمة الدعوة ، أو سلفية (ابن تيمية وابن القيم وابن حنبل)

لم تعد محتكرا لدعوة من دون أخرى ولا لحركة من دون أخرى ، فقد تضخم الخطاب الإسلامي في الداخل والخارج ، وأصبحت السلفية ذاتها معولمة ويصعب تهذيبها وفق مواصفات ورغبات المرحلة ليكون الدين نافعا باتجاه واحد فقط !

إنها مهمة صعبة وتنتظرها صعوبات مستقبلية لم تنفجر بعد ، ولقد نجح الشيخ مع بداية بروزه في مرحلة التسعينيات في إعادة بعض الأولويات الدينية خاصة في مسألة طاعة وليّ الأمر ، والحديث عن رسائل الدعوة الإصلاحية ومحاولة إزاحة البعد الحركي الحزبي من النشاطات الدينية مع الاتجاه الرسمي العام .

حاولت وزارة الشؤون الإسلامية إعادة توجيه الخطاب الديني ونشاطه الوعظي حتى إنها اشترطت أن تكون عناوين المحاضرات للمشايخ والدعاة تقليدية لمخالفة العناوين العصرية التي جاءت مع دعاة الصحوة !

لكن مشروع وهبنة الصحوة على الطريقة الرسمية المتخيلة في لحظة قديمة تجاوزها الزمن ، ولأن خطاب الصحوة يتبني السلفية بمعنيها الواسع والضّيق على الطريقة الوهابية وبحماسة شديدة فلم تنجح هذه المحاولة بعد سنوات من الدعم الرسمي الكبير لأن الخطاب المتخيل يتطلب بيئة ساذجة علميا وأقرب للأمية وهو ما لا يمكن تصوره حاضرا ومستقبلا .

ومع ذلك كان هناك إصرار على تحميل معضلات الفكر الديني للآخرين من دون التفكير بمراجعات ذاتية شاملة وجاءت أحداث أيلول (سبتمبر) وفتحت الملف الديني على الطريقة الغربية الأمريكية ، فكانت الوهابية هذه المرة هي المتهمة الأولي

واكتشف البعض متآخرا أن السلفية أمامها صعوبات عالمية وآثار سياسية خطرة ، فأخذ المشروع اتجاها آخر وتم إعادة النظر في إستراتيجية الدعوة في الخارج ، وسحبت بعض الكتب والرسائل والفتاوى من علماء محسوبين على الوهابية الرسمية ..

بعد هذه الحملة الإعلامية الكبرى ، فإن العلاقة مع رموز الصحوة ودعاتها تحسنت كثيرا فيما بينهم ، فالتيار الديني العام هو المستهدف بمختلف أطيافه ، واتضح أن الأزمة في الخطاب الديني المحلي أكبر من اختزالها بتطرف داعية ، أو تهور شاب أو قضية أفغانستان وفلسطين !

وأمام هذه المتغيرات يبدو أن هذا الشيخ الذكي في خطابه ، الرصين في عرضه العلمي بعد عقدين أشغلته هموم الوظيفة ومسؤولياتها الرسمية عن مشكلات الدعوة والمشاركة في بلورة خطاب ديني محلي متوازن خطابا ومحاضرات دينية في هذه المرحلة أقل مقارنة بما سبق وندرة المشاركة بالرأي في ما طرح من إشكاليات مع أزمة الإرهاب والتطرف .

(13) عبد المحسن العبيكان (1372 هـ - ...) سلطان العلماء.. وعلماء السلطان

عرفته الصحوة في البدايات بأنه القاضي بصورته التقليدية والإمام القارئ للقرآن في رمضان بصوت خاشع والواعظ في جامعه ، حيث تطورت خطواته مع تيار الصحوة ونشاطها في إنكار المنكر ، وكان اسمه يتداول بين جمهورها مع إعجاب كبير لكونه قاضيا وله صدقية

لأن القاضي من المعتاد أن يكون رسميا ومحتفظا في المشاركات الشعبية والأنشطة الدينية العامة ، وتحول منبره مع الوقت إلى صوت بارز في إنكار المنكرات واشتهرت بعض الخطب حول بعض الموضوعات الساخنة في تلك المرحلة ، ومع حراك تلك المرحلة والحماسة الدينية أطلق عليه " سلطان العلماء ".

الشيخ كغيره من دعاة تيار الصحوة الذين شاركوا في التصعيد ، فكا من أوائل من تضرر ، فتغير عمله نظرا لحاسية منصب الشيخ القضائي مع إيقاف في نشاطه الدعوة أثناء مرحلة الصراع

لكنه كان أيضا من أوائل المشايخ الذين تراجعوا وتغير منهجهم بصورة واضحة أثناء الأزمة ، وحاول تيار الصحوة في تلك المرحلة إخفاء هذا التغيير الذي حدث للشيخ وانقطعت أخباره في النشاط العام ، وحاول التيار الجامي الاستفادة من تراجع الشيخ ومنهجه الجديد .

كانت مرحلة ما بعد أيلول (سبتمبر) مرحلة جديدة وأحداثا مختلفة ظهر فيها الشيخ بمنهجه ورؤيته الفقهية من خلال ظهوره الفضائي عبر قناة وإذاعة (إم . بي . سي) والصحافة

فعاد للأضواء من جديد ، وكانت فرصة للشيخ في أجواء ظهرت بوادر الخطاب العقلاني والفقهي المتزن أن يعود بصدقية أفضل لكنه أدار خطابه الفقهي بشئ من عدم التوازن فلا هو احتفظ بروحه السلفية التقليدية الرسمية

ولا هو قدم خطابا عقلانيا تنويريا وفق ثقافة حديثة في الوقت الذي اختلف مع تيار الصحوة مبكرا فقد ضاعف إشكالية خطابه دخول الصحافيين والإعلاميين معه تأييدا بعشوائية طالما أنه قدم رأيا مخالفا للسائد يناسبهم فبعضهم ظن أن آراءه رغبة حكومية .

أغلب الكتاب والصحافيين الذي قدّموا (العبيكان) الجديد ساهموا في إحراقه مبكرا ، وضاع المكان المفترض للشيخ أن يكون موجودا فيه .

مع غزو أفغانستان والعراق قدم الشيخ آراء فقهية غير متماسكة فقهيا وسياسيا وفي بعض القضايا الاجتماعية والحراك الفكري الذي حدث ، كانت آراؤه تفتقد المنهجية ولا شك أن المرحلة السبتمبرية كانت مرحلة تيه الرؤية الرسمية فتاه الشيخ وكثير من الإعلاميين معه في تلمس هذه الرغبات !

تيار الصحوة والفكر الجهادي المتعاطف مع تنظيم القاعدة هاجم الشيخ بقوة وتحول في نظرهم من سلطان العلماء إلى علماء السلطان . يملك الشيخ إمكانيات فقهية معقولة وقدرة على التأصيل والبحث ، لكنه يفتقد النباهة والذكاء في التعامل مع الأمور ، فلم تنجح مرحلته "الثورية" ولا مرحلته "المعتدلة"

مع أن رموز الصحوة حدث عندهم تغيرات ملموسة نحو الاعتدال وضد الثورية، وأصبحوا حكوميين إلا أنهم احتفظوا ببعض خصائص العلماء والدعاة وفق المواصفات المحلية المطلوبة .

(14) سعد البريك ( 1379هـ - ..) بين صحوتين

من أشهر خطباء الصحوة في الثمانينيات ومن صناع الوعي الديني الشعبي منذ بدايات نشاط الكاسيت ، حيث تميزت خطبه ومحاضراته بالإثارة وجودة الإلقاء وجاذبيته ، مع التطرق إلى المنكرات في المجتمع على طريق تيار الصحوة في تلك المرحلة استمر منذ أكثر من ربع قرن كداعية وواعظ مع تعليمه الحديث

لكنه لم يصل إلى مستوى العالم والفقيه المعتبر في الفتوى والدروس الفقهية ، يمتلك ذكاء رفعه عن المستوى الشعبي في الوعظ الذي بدأه ، وتغيرت مكانته من مستوى إلى آخر حسب المرحلة .

مع أن الشيخ خرج في مرحلة التسعينيات من منهجية الصحوة التي سادت واقترب من الخطاب الرسمي ، مع الاحتفاظ بالروح الدعوية والخطابة إلا أن الصحوة أخذت منه موقفا مع تلك الأحداث ، وكاد يحسب على التيار الجامي ، مع صعوبة ذلك

لأن الشيخ حافظ على قدر من الفكر الصحوى الذي تأسس عليه وكان من صنّاعه فالشيخ من الأوائل الذين ناقشوا على المنبر أطروحات صحافية ، وقد اشتهر شريطة في الثمانينيات عن مجلة اليمامة عندما طرحت قضية البطاقة الشخصية أيتها المرأة من تكونين

فقد كان أكثر إثارة ومناقشة من دعاة الصحوة الآخرين انخرط في الوعظ الشعبي من خلال استضافة التائبين في المحاضرات ، وإشهار توبة اللاعبين والفنانين عبر الكاسيت ، والحماسة مع الجهاد الأفغاني واشتهر له كاسيت على مستوى اجتماعي كبير شريط توبة صادقة ، حيث ألقي بطريقة مؤثرة كقصة حقيقية قبل أن يثار الشك حوله بعد فترة !

يمكن القول إن أسلوبه في تلك المرحلة يعبر عن طريقة التفكير الدينية في ذلك الوقت ، كان خطابه مؤثرا في صناعة الوعي الصحوى الذي ساد لكن ما يجب الإشارة إليه هنا أن الشيخ لم يكن يملك نزعة مشاغبة سياسية في خطابه

بل كان في أوج مراحل صعود الصحوة يظهر في خطابه التركيز على امتداح الحكومة إسلامية ورمي الخلل الديني على البطانة الفاسدة التي حولهم ، فمظاهر الولاء كانت بارزة حتى قبل مرحلة التسعينيات ومشكلات الصحوة مع الدولة .

مع أزمة التسعينيات حاول أن يوفق بين دوره الديني في تيار الصحوة وعلاقته الرسمية التي اشتهرت في ذلك الوقت ، وتطورت إلى شهرة تجاربة وقدم بيان نصيحة مع (ابن جبرين وعائض القرني) لدعوة الشباب إلى ضبط النفس ، وفي برامج رمضانية عند الإفطار قدم نقدا للمعارضة وحركة الإصلاح في القناة الأولي .

تعود إلى أهمية الشيخ في تشكيل جمهور من جيل الصحوة في تلك المرحلة لأن لديه العديد من الأشرطة التي انتشرت بصورة كبيرة ، ثم إن له دورا رياديا وتأسيسيا في نشوء خطاب ديني محلي مختلف ، أما الدعاة الذين ظهروا في ما بعد منذ منتصف التسعينيات وحتى الآن ، فإنهم تأثروا بخطاب الثماينيات وثقافته الوعظية من جيل دعاة تلك المرحلة .

فالمشايخ الذين كان لهم دور في تأسيس هذا الوعي ، ربما نحتاج إلى الإشارة إلى بعض أطروحاتهم أحيانا لعرض ملامح ومحاور خطاب تلك المرحلة ، ففي شريط الرد على مجلة اليمامة في عام 1408هـ مع أنه لا يوجد تاريخ محدد للخطبة

لكن الكاسيت انتشر في ذلك العام ، وطرح قضية البطاقة الشخصية للمرأة ، واستعرض أساليب الصحافة ومنها مجلة اليمامة التي سبق أن طرحت ملفات منها : الفوائد البنكية ، مرافق النساء ، ملف التمريض ...

ثم استعرض الشيخ بداية التدرج في سفور المرأة في الدولة المجاورة ، وفي آخره دعاء حماسي على المحررين في الصحف : " .. اللهم إن كان قصدهم الدعوة للسفور ، فأرنا فيهم عجائب قدرتك .. " ثم دعاء لولي الأمر ، والدعاء أن يسددهم لمنع المجلات التي تتطرق إلى هذا الموضوع .

وفي خطبة أخرى مرفقة .. القرار من الفتن يقول بلغة وصوت مؤثر وخطاب قوى :" متى عرفنا زمانا فيه محال الفيديو والأغاني والربا وخروج المرأة .."

أما في شريط مهلا دعاة التحرير في 15 / 5 / 1411 هـ بعد مظاهرة قيادة المرأة للسيارة فإنه يلخص مضمون التفكير الديني في شأن المرأة ومشكلاتها في ذلك الوقت ، جاء فيها حديث عن جامعة البنات وأهميتها ..

وأن (ابن إبراهيم) كان يوصي ألا يتولي تعليم البنات إلا من تولي القضاء حديث عن قضية التمريض مشكلة الاشتراك في ناد رياضي في الفندق نصيحة المرأة بقراءة كتاب محمد قطب حركة تحرير المرأة الدعوة للوحدة بين العلماء وولاة الأمر والالتفاف حول العلماء اقتراح بإلغاء شهادة الدكتوراه لمن يطرح ما يخالف من العلمانيين ، والمنافقين

وأن القاضي يمكن أن يلغي هذه الشهادة بحكم تعزيز شرعي بعضهم يحاول أن يثبت أنه يصلي في إشارة للعلمانيين ، التشكيك في طرحهم العميق وبأن لديهم سكرتيرات للتحضير وتحتاج إلى أن نكون سكرتارية لعلمائنا اقتراح جمع ملفات عن الكتاب ..

وتتبع بدقة كل أفكارهم .. وكتابات الحداثة .. " هذا واجبكم يا سكرتارية الأمة مطالبة الداعيات المساهمة في مدارس الثانوية إشارة إلى تصريح وزير الداخلية في النادي الأدبي بمكة عن المظاهرة ، حيث نشرته الصحف مع الدعاء له إشارة إلى تعجبه من صاحب المقال (القصيبي من دون أن يذكر اسمه)

في أحد مقالاته فمن يتحدث باسم الدولة أحد الأسئلة من الحضور جاءته عن مسبح مختلط في حي السفارات .. يطالب الشيخ بإثبات ووثائق ودليل الاشتراك سخرية من مقارنة الجمل بالسيارة

وأن القضية ليست لأن السيارة لها مقود والجمل ليس له مقود حديث عن الهجمة الإعلامية ، وإلى متى هذا الاستبداد في الصحافة ؟ ويطالب الحضور من شباب الصحوة بالكتابة إليهم .

بعد أيلول (سبتمبر) عاد الشيخ قضائيا .. عبر القناة الأولي وقناة (إم . بي ، سي) غيرهما وشارك بفاعلية في الحوارات والجدل الديني الذي حدث .. مع مواجهة الإرهاب

ثم أخيرا المعارك الصحافية مع بعض الكتاب والليبراليين حول العديد من القضايا ، ونتيجة لهذه المساجلات ضد خصوم الصحوة والإسلاميين عادت بعض الصدقية له مرة أخرى عند جمهور الصحوة ، والشعور بأهمية ما يقوم به من دور ضد أهل الصحافة والكتاب ، خاصة أن الصحوة ذاتها ورموزها باتوا قريبين إلى جزء مهم من موازنات القوى الرسمية .

(15) عائض القرني (1379هـ - ..) صوت الصحوة من الجنوب

يمثل الشيخ خطوة متقدمة في مستوى الخطاب الوعظي المحلي في مرحلة الثمانينيات ، فقد كان ظاهرة لافتة حينها في أدائه وتأثيره الخطابي وجاذبيته من خلال مهارة الحفظ واستحضار القصص من التراث مع روح الدعاية الخفيفة

فقد كان الوعظ المحلي يسير برتابة وتقليدية وقصص وعظية مكررة ، فجاء كاسيت الشيخ في تلك اللحظة محدثا نوعا من المفاجأة فبالإضافة إلى النصيحة الدينية المعتادة كانت محاضراته الأولي تتضمن العديد من القصص في التراث والجديدة على المستمع العادي وغير المثقف

ثم إن إطلاعه على بعض مراجع التراث الأدبي مع قوة حافظته واستحضارها جعلت لخطبة ومحاضراته نكهة وشهرة خاصة ، فتعرف المجتمع عليه بسرعة

كانت هذه الجرعة والمادة الثقافية الأدبية التي قدمها في وسط خطاب وعظي رتيب تميزا يسجل للشيخ في تثقيف العامة وجمهور من مختلف الشرائح ثم إن صوته القادم من منطقة الجنوب أصبح يمثل منطقة مهمة وتنويعا إقليميا تحتاج إليه الصحوة في تمددها الكبير .

كانت ذائقته الأدبية وروحه المرحة تبدوان أبرز من عمقه العلمي ، نظر إلى جماهريته المبكرة اعتبر أحد رموز ودعاة الصحوة وصناع الوعي الجديد فمنذ بدايات وعظه لا تظهر أى روح تمرد أو مشاغبة سياسية في خطابه قبل أزمة الخليج وبعدها ، ومع ذلك كان من حدثت له مشكلات مبكرة في منطقته اضطرته للرحيل

وتعاطفت مع الصحوة ودعاتها بقوة وأصبحت هذه القضية دليلا عند تيار الصحوة على تآمر خصومها ضد الدعاة ومع أن الشيخ لا يبدو في خطابه أى حساسية سياسية حيث تفاعل بطريقة شعبية مع الجهود الرسمية والإعلامية أثناء غزو الكويت ، عرضت محاضرته الشهيرة في جامع الراجحي أثناء الغزو في القناة الأولي

لكن تسارع الأحداث واختلاط الرؤية نقلا الشيخ إلى داخل الصراع ، فقدم كاسيت في عين العاصفة وهو خطبة جمعة في الرد على (القصيبي) ومقالاته في جريدة الشرق الأوسط أثناء الأزمة .

كان تعرّضه للإيقاف عن الخطابة وإلقاء المحاضرات مبكرا أدي إلى عزلته لهذا كان من أوائل الذين تغيرت رؤيتهم للأمور من دعاة الصحوة وأخذ فترة في التأليف قبل العودة مرة أخرى مع أجواء أيلول (سبتمبر) والظهور في الفضائيات والصحافة .

وجود تغيرّ في العديد من الرؤى الفقهية والنزعة للتسامح عند الشيخ قد أثرا في جماهيريته عند تيار الصحوة، خاصة عندما أبدي آراء حول قضايا المرأة التي ما زال تيار الصحوة متشددا فيها

وأثارت بعض كتاباته ومواقفه السياسية عند الإسلاميين الحركيين بعض التحفظ ، وشعر بالضيق ذات مرة فأعلن الاعتزال قبل أن يعود مرة أخرى ، وبدا كأن الشيخ خرج من إطار الصحوة التقليدي القديم

وعلى الرغم من حدوث هذه التغيرات في أسلوب الدعوة والمواقف ، فالواقع أن الشيخ عاد إلى جزء كبير من شخصيته التي بدأ بها خطابه الدعوى ، فهو لا يملك نزعة متشددة منذ البدء ولا روحا ثورية لولا أن ظروف المرحلة والجو العام كان يسير بالتيار الديني ورموزه إلى نقطة الصدام غير المرغوب فيه ابتداء وفق طبيعته الشخصية .

(16) حمود العقلاء (1341 – 1422 هـ) .. الثورة في خريف العمر

" وجاءت الحرب الصليبية الجديدة على الإسلام ابتداء بأفغانستان، فتشرف الشيخ بأن كان أول من خط سوداء في بيضاء .." من بنت الشيخ حمود العقلاء في رسالة عن حياة والدها.

جاءت الشهرة العالمية والإثارة في حياة الشيخ في العقد الثامن من حياته وقد عاش زمنا طويلا في طلب العلم والتدريس الديني بعيدا عن الأضواء لا يعرفه إلا الخاصة من طلاب العلم ، وحتى مع بدايات الصحوة وظهور النشاط الديني ورموز ودعاة الصحوة لم يكن للشيخ كغيره من العلماء شهرة في المجتمع .

هذا الشيخ الذي ولد عام 1341هـ بالقرب من مدينة بريدة (الشقة) وطلب العلم على أهم المراجع العلمية الرسمية في السعودية ، التي كان لها دور رئيس في تشكيل العقل الديني المحلي

حيث طلب العلم على يد الشيخ (عبد اللطيف بن إبراهيم آل شيخ ، والشيخ محمد بن إبراهيم) وتأثر به فقال عنه شيخي وأستاذي ووالدي رحمه الله الذي تأثرت به وبدرسه في المعهد العلمي في بداية إنشائه عام 1371 هـ ، ودرس عند الشيخ (ابن باز)

قام بالتدريس في كلية الشريعة منذ عام 1377 هـ وبقي فيها أربعين عاما حتى عام 1407 هـ ، ودرّس فيها أهم المواد ، التوحيد ، والفقه ، والفرائض والحديث ، والأصول والبلاغة والنحو

وخلال هذه المدة الطويلة تتلمذ على يديه مئات المشايخ والعلماء والقضاء الذين كان لهم دور في شغل أهم المناصب الدينية وفي مجال التعليم والدعوة ، فكان من أبرز تلاميذه المفتي العام (عبد العزيز آل شيخ ، ومحمد بن عثيمين ، وصالح اللحيدان ، وعبد الله التركي) .. وغيرهم من العلماء .

كان من المفترض أن تسير حياة الشيخ كسيرة أى عالم تقليدي بعد أن أصبح في العقد الثامن من عمره ، وتخرج على يديه المئات من العلماء والدعاة وبعيدا عن المشكلات السياسية ، والمواقف والفتاوى ذات الحساسية السياسية .

لكن الذي حدث تحول لافت في العقد الأخير من العمر ... ففي مرحلة تأزم الصحوة واندفاع الشباب من تيار الصحوة ورموزها نحو التمرد ، شارك في تقديم تزكيات مهمة في تلك اللحظة الحرجة لهؤلاء الدعاة والرموز الذين هاجمهم الإعلام وتخلّي عنهم العلماء الرسميون حينها

وأشاد بقيام لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية ... وتعاطف مع الجهاد والجهاديين ولم تستطع الجهات الرسمية احتواء الشيخ الذي ينتقل من مرحلة إلى أخرى أشد مواجهة .

جرأة الشيخ وتمرده على التقاليد الرسمية للعلماء ، وجرأته على الكتابة والتصريح باقتناعاته كانت محرجة للعلماء الرسميين ، الذين شاركوا في مواجهة تيار الصحوة في التسعينيات

لأن اللغة النمطية في الحديث عن شباب الصحوة ودعاتها بأنهم صغار في السن وغير راسخين في العلم ، وأنهم ليسوا من العلماء الكبار ، لا يناسب مقام هذا الشيخ الكبير الذي درس على يديه الكثير من أعضاء هيئة كبار العلماء والقضاء والمشايخ في المؤسسات الدينية فتم تجاهله من دون التعليق على آرائه .

لم تؤخذ جرأته في منتصف التسعينيات على محمل الجد رسميا ، نظرا إلى عزلته في مزرعته بالقرب من بريدة ، كان الخيار حينها تجاهل مقولاته ودعمه لرموز الصحوة لكن استمراره في ذلك وكثرة زيارة الشباب له أدي إلى سجنه عام 1417 هـ لأكثر من أربعين يوما ، وتم منعه من الإفتاء مرات عدة لكنه في كل مرة يصرّ على قول ما يعتقده حول ما يسأل عنه ،.

فاشتهر في تلك المرحلة داخل تيار الصحوة وزادت شعبيته، وكان من المتوقع أن تظل هذه الشعبية محلية ، خاصة مع مرحلة الركود لتيار الصحوة بعد إيقاف رموزها لكن هذا الإسم أخذ يتم تداوله عالميا ، في نهاية عقد التسعينيات وبداية الألفية الجديدة مع أحداث طالبان وقضية التمثالين ، ثم أحداث أيلول (سبتمبر) والموقف من القاعدة ، حيث استفادت القاعدة شرعيا من مواقف الشيخ

وذكر اسمه (ابن لادن) في أهم شريط عن حادث أيلول (سبتمبر) عرضته القنوات العالمية ، حيث كانت جميع آراء الشيخ في الأحداث بعيدة عن أى حسابات سياسية ، ويقدم آراءه الفقهية ومفاهيم الولاء والبراء والجهاد وفق الفقه السلفي التقليدي والمدرسة الوهابية

ما أحرج الوهابية الرسمية ، فالشيخ صنع داخل هذه المدرسة وتخرج على يديه كبار الوهابية الرسمية الحالية فلا يمكن اتهامه مثلا بالسرورية والإخوانية وحزب التحرير..!

استعملت مواقف الشيخ وفتاواه في مواجهات الفكر الجهادي ضد الصليبيين والمعارك الداخلية الفكرية ضد أى تمييع لمفاهيم التوحيد والعقيدة ونشر التسامح المسيّس الجديد الذي يشارك فيه رموز الصحة

وتبدو المفارقة أن هؤلاء الرموز الذين استعانوا بالشيخ في اللحظات الحرجة وتسويق اسمه عبر الكاسيت في منتصف التسعينيات وجدوا حرجا من اختلاف الشيخ مع الطرح الجديد ..

ومن مشاركات الشيخ في هذه المرحلة ما يلي:

مقدم رسالة في تعريف الإرهاب ،مقدم رسالة في الحكم بغير ما أنزل الله، فتوى في حكم استئذان الجهاد في سبيل الله ،فتوى في أحداث أمريكا فتوى في شرعية حكومة طالبان والجهاد ومعارضة التحالف الشمالي ،بيان ضلالات حسن المالكي ،رد على خالد العنبري ،رد على الوزير صالح آل شيخ على منعه القنوت ،رسالة للدكتور العواجي عن ضلالات موقع الوسطية - فتوى تكفير تركي الحمد .. وغيرها .

لقد كان الشيخ من أبرز نجوم هذه المرحلة بالنسبة إلى التيار الجهادي، وما يبدو محرجا أن الشيخ رغم مقولاته وآراءه الدينية التي استفاد منها تنظيم القاعدة إلا أنه لا يمكن اتهامه بتأثره بالجهاد الأفغاني والإقامة هناك ، أو أنه يمارس تكتيكا حركيا وحزبيا أو أنه متأثر بكتب المقدسي !

إن صراحة الشيخ وإعلانه الحرفي لاقتناعاته حول المفاهيم الدينية للفكر السلفي المحلي من دون حسابات وإصباغ رسمية يزيد من درجة الإحراج العلمي للسلفية المحلية كمصدر للتشدد ، وقد تأثرت بالشيخ أيضا أسماء برزت بعد أحداث أيلول (سبتمبر) مثل (ناصر الفهد وعلى الخضير)

وقد كانت وفاته عام 1422 هـ نهاية لهذا الحرج الذي شعر به رموز الصحوة الذين تغيرت آراؤهم وعلماء المؤسسة الرسمية فهل كان الشيخ ضحية لفكر تيار الصحوة في خريف العمر ، أم إن الصحوة حركت الفقه السلفي الراكد في علم الشيخ .. فأصبح " مغررا به " على طريقة الإعلام الرسمي ؟

(17) محمد أمان الجامي (1349 -1416هـ) .. الجامية في مواجهة السرورية

تأخر تعرف المجتمع والتيار الديني على هذا الإسم ، فلم يكن معروفا إلا عند الخاصة في الدوائر الدينية المحلية ، فجاءت شهرة الشيخ أثناء معارك الصحوة الفكرية خلال تداعيات غزو الكويت . قام بدور بارز في إشهار مصطلح السرورية ، وتعريف المجتمع الديني والعامة بمواصفات ومعايير لديه ، وفي المقابل اشتهر باسمه تيار الجامية ..

الذي تبلورت مواصفاته بشكل واضح أثناء تلك المعارك ولا تزال ولا يوجد ما هو لافت علميا في حياة الشيخ وسيرته منذ قدومه من الحبشة إلى السعودية عام 1369هـ ، وهو في سن العشرين لأداء فريضة الحج

وبدأ يطلب العلم في المسجد الحرام ، وتعرف عليه الشيخ (ابن باز) وذهب معه إلى الرياض في بداية السبعينيات الهجرية لما فتح معهد الرياض العلمي ، وقد درس عند الشيوخ : (ابن إبراهيم وابن باز وعبد الرحمن الإفريقي) .

أصبح أستاذا للعقيدة في الجامعة الإسلامية واشتهر أثناء أزمة غزو الكويت (كاسيت) لمحاضرة انتقد فيها الشيخ (سفر الحوالي) بعد قدوم القوات الأجنبية أشار إلى أنه طلب الحوار معه فرفض وقدم ملاحظات على ما طرحه (الحوالي) في بعض أشرطته

فمثلا توقف عند كلام للحوالي : " لقد ظهر الكفر والفساد في صحفنا .. وتفشي المنكر في نوادينا .. ودعي إلى الزنا في إذاعتنا وتلفازنا .. واستبحنا الربا .. وقرب بيوت الربا من الحرم " ويلمح إلى أن ذلك من عقيدة الخوارج .

قاد هو مع الشيخ (ربيع مدخلي) أهم معركة فكرية دينية واجهها تيار الصحوة محليا ، ونقد لرموز إسلامية من مشاهير الدعوة المعاصرة في حركة الإخوان المسلمين، نقدا لأفكار (سيد قطب ، محمد قطب) ...

فكانت الحملة شرسة ، تستعمل مختلف الأساليب بذريعة صفاء العقيدة والسلفية النقية ،وقد أربكت في البدايات خطاب الصحوة والطريقة في مواجهة هذا التيار الذي يرون أنه مدعوم رسميا .

لهذا التيار خصائص ومحددات تشكلت خلال عقدين ، وله العديد من الناشطين والرموز وبعض الأتباع ، لكنه ليس له جماهيرية جاذبية شعبية ينطلق خطابه من مبدأ المحافظة على نقاء المنهج السلفي وعداء خاص للحركات الإسلامية ورموزها المعاصرين وخاصة حركة الإخوان المسلمين ، وبأنها أحدثت مناهج تخالف السلفية التي يرونها ، وهو خطاب حادّ ومتشدد في رؤية الآخر ،..

ولا يجد حرجا في تبديع الكثير من الأسماء ومشاهير الدعاة والعلماء حتى في التراث ، ووصل الأمر إلى خلافات داخلية حول بعض الأئمة وتبديعهم وتخطئتهم مثل (ابن حجر والنووي) ...

وهو نتاج التشدد في المعايير السلفية وللتيار تاريخ طويل قبل أزمة الخليج وقبل حادثة الحرم ، نشأت خلالها اختلافات وصراعات بين أسماء داخل الجامعة الإسلامية ولها قصة ليس هنا مكانها ومنهج التيار وتطورات خلال مراحل عدة يطول التفصيل فيه علميا خاصة حول رؤية طاعة ولي الأمر التي نشأ التيار من أجل الدفاع عنها والتحذير من مخالفتها باسم منهج أهل السنة والجماعة

لكن النتائج التي ولدها الخطاب كانت سيئة في تشويه السلفية ومفاهيمها، وتحول مفهوم "طاعة ولي الأمر " من مبدأ سني أصيل في التراث السلفي عند العامة والخاصة إلى مطلب بوليسي أمني بسبب طريقة التناول غير الموفقة من دعاة هذه الرؤية ، فروح الترصد والانتقاء والتهم أقرب إلى المخابراتية منها إلى منهج العلماء والباحثين العقلاء .

(18) بكر أبو زيد (1365 – 1429هـ) .. باحث الصحوة

في مرحلة انتشار الصحوة وتمددها كانت تطلق عبارات وألقاب تدل على الإعجاب بشخصيات علمية ودعوية وناشطين ، فمن لقب " خطيب الصحوة " إلى" شاعر الصحوة" أو مدفع الصحوة " .. وغيرها .

كانت الصحوة في تلك المرحلة مجرد ظاهرة صوتية خطابية شفاهية ولم تتجه إلى التأليف العميق ، حيث كانت ، ولا تزال ، أبرز نقاط ضعفها فقد اتجه الكثيرون إلى المسار الأسهل والأسرع شهرة من خلال الخطابة وأحيانا بعض الكتيبات التي أصلها محاضرات

ولم يكن العلماء الكبار محليا لهم باع وخبرة في التأليف بسبب ضعف منهجي علمي واضح في تلك الحلق ، وضعف اتصالهم بكتب التراث الضخم ، حيث كان الشيخ جزءا من المؤسسة الدينية الرسمية في منصب في وزارة العدل ، واللجنة الدائمة .

العبارة ورصانة التأليف ومعالجة الموضوعات الجديدة فكانت دراساته ومؤلفاته حاسمة ومؤثرة كثيرا في الرأي الديني محليا ، ومع أنها تميل إلى التشديد في أغلب اختياراته وآرائه إلا أنها تميزت بنفس الباحث الجاد .

وكان مشروعه الأهم هو تقديمه فقد النوازل في ثلاثة مجلدات يعالج فيها خمس عشرة قضية منها : التقنين والإلزام ، أجهزة الإنعاش وعلامة الوفاة طفل الأنابيب ، خطاب الضمان البنكي ، الحساب الفلكي ، التأمين ، التشريح وزراعة الأعضاء ، تغريب الألقاب العلمية ، بطاقة التخفيض ، التمثيل ، حكم الانتماء إلى الفرق والأحزاب والجماعات، ومعجم المناهي اللفظية وللشيخ ما يقارب 66 مؤلفا .

ولاقت بعض كتبه قبولا وانتشارا لافتا خاصة تلك التي لها علاقة بالصراعات الفكرية الداخلية ، ففي قضايا المرأة كان كتابة حراسة الفضيلة وزع على نطاق واسع في نهاية عقد التسعينيات الماضية في مرحلة كان المجتمع يتهيأ لمرحلة جديدة من الانفتاح

حيث كتب بلغة تفتقد الموضوعية العلمية ، في تأييد الرؤية المحافظة ومع اختياراته المتشددة في كثير من القضايا إلا أن المراقب يحترم جديته البحثية ومؤلفاته الثمينة ، وحارب مبكرا مخاطر التعاليم في كتابي التعالم وأثره على الفكر والكتاب وحلية طالب العلم .

وله كتب أخرى جاءت أهميتها أثناء معارك الصحوة مع التيار الجامي فكان كتابه التصنيف الذي انزعج منه التيار الجامي ورحب به تيار الصحوة وقام بتوزيعه وكتيب الخطاب الذهبي في الدفاع عن سيد قطب

وأصله رسالة رد للشيخ ربيع مدخلي الذي طلب منه قراءة كتابه أضواء إسلامية على عقيدة سيد قطب وفكره ، وقد هاله المبالغات التي جاء بها يقول : نظرت في أول صفحة منه فوجدت فهرس الموضوعات فوجدتها عناوين قد جمعت في (سيد قطب رحمه الله) "أصول الكفر والإلحاد والزندقة ، القول بوحدة الوجود القول بخلق القرآن ، يجوز لغير الله أن يشّرع .."

(19) عبد العزيز المسند (1353 -1428هـ) .. الطنطاوية السعودية

تبدو أهمية هذه الشخصية ليس من خلالها تأثيرها في التيار الديني في مرحلة الصحوة ، أو أهميتها العلمية بين الدعاة والمشايخ الكبار ، وإنما في تجربة الشيخ المختلفة والمبكرة في الدعوة

ففي الوقت الذي كان التيار الديني والعلماء لديهم موقف سلبي ومتشدد من الظهور في الإعلام وخاصة التلفزيون كان للشيخ تجربة مبكرة في تقديم برنامج ديني اجتماعي تجاوز فيه اللغة التقليدية للعلماء في التعامل مع الأسئلة .

لم يكن برنامجه حلقة إفتاء ، وإنما كان نوعا من الاستشارة الدينية الاجتماعية ولم يكن للشيخ آراه تخالف العلماء التقليديين أو دعاة الصحوة لكن سمعته داخل التيار وأهميته تأثرت بسبب خروجه في الإعلام في مرحلة متشددة وكانت شعبية الشيخ محصورة في فئات محددة يناسبها طبيعة خطاب الشيخ .

وقد يستغرب الكثير من أبناء التيار الديني من تشددهم المبالغ فيه ومواقفهم القديمة حول ظهور الدعاة التلفزيوني في عصر الفضائيات .

إن أهمية هذه التجربة تكمن في أنها تساعد على تصور المواقف الدينية من الإعلام في تلك المرحلة ، والتأمل في نمط دعوى سعودي مختلف على الطريقة الطنطاوية في تلفزيوننا السعودي .

(20) ناصر العمر (1373هـ - ..) من حمائم الصحوة .. إلى صقورها

من أهم رموز الصحوة ومرجعياتها ، شارك في صناعة الوعي الديني في تلك المرحلة من خلال العديد من المحاضرات الجادة التي تحولت إلى كتيبات نشرت بصورة واسعة منها : السعادة بين الوهم والحقيقة بناتنا بين التغريب والعفاف ، فقه الواقع ، البث المباشر مقومات السعادة الزوجية أسباب سقوط الأندلس ، حقيقة الانتصار .. وغيرها

وكان في محاضراته يبدو الباحث والراصد نفسه فيتم تحويلها إلى كتيبات بسهولة و ولخطابه سمات وخصائص تختلف عن الدعاة الآخرين ، فهو أكثر نضجا وأقل اندفاعا في خطابه .

وفي بدايات إنتاجه يجمع خطابه بين روح الصحوة والبعد الديني الرسمي في الارتباط بالعلماء الكبار ذو نزعة محافظة جدا فقهيا على طريقة كبار العلماء والمدرسة التقليدية ، لكن لديه بعض المتابعات في الواقع مما يخدم خطابه الوعظي .

لم يكن بمستوى (الحوالي) العلمي في المذاهب والعقائد ولا بمهارة (العودة) في تفاعله مع الأحداث ، ولا وعظية (القرني) وروحه المرحة ، التي حققت له جماهيرية سريعة كان خطابه وسطا بين البعد الصحوى والرسمي التقليدي وبين العلمية الأكاديمية والعلمية الوعظية خطابه أبوى لشباب الصحوة في تقديم نصائحه ،بدا منه مبكرا شعور بأهمية ترشيد الصحوة قبل أن تتحول إلى قوة اجتماعية كبري

وهو أكثر حذرا في عباراته التي يطلقها في تعليقه حول الكثير من القضايا ولهذا عندما جاء مشروع تيار الجامية في البحث عما يرونه أخطاء دينية في خطاب رموز الصحوة أو تحريضية ، ولم يجدوا في خطاب هذا الشيخ ما يمكن التحريض ضده دينيا وسياسيا .

كان خطابه في ربط الشباب بالعلماء الكبار وعدم التعجل والاندفاع ملازما له بصورة واضحة في بدايات ظهوره وانتشار محاضراته في الكاسيت ولهذا لم يوجد أى بعد تمردي في تلك المرحلة لذا لم يكن متوقعا أن يكون مع قائمة الموقوفين والمسجونين أثناء مشكلات الصحوة ، فهو لم يقدم خطابا تصعيديا على طريقة العودة الذي أوصل الأمور إلى نقطة الصدام .

الشيخ بدأ يتزايد عدد جمهوره والحضور لدروسه العلمية ، وأصبح الجامع الذي يلقي فيه درسه الأسبوعي يجد تجمعا أسبوعيا كبيرا في حي الروضة ومع بداية الأزمة بين الصحوة والحكومة بدأ الشيخ يتجنب تناول الأحداث والتعليق عليها بعدما حصل من إيقافات واعتقالات ، لكن هذه التهدئة مع وجود هذا التجمع الكبير في درسه كان يبدو غير مريح للجهات الرسمية

فتم إيقاف الدرس في المرحلة الأولي ، ثم اعتقل بعد قضية الكاسيت الذي ناقش فيه الشيخ (عبد العزيز بن باز) حول فتوى السلام مع بعض المشايخ في جلسة خاصة ولم يكن موضوع عملية السلام ذا حساسية تستحق هذا ، لكن التأزم الذي أحدثه الشيخ (العودة) في بريدة جعل خيار استباق الأمور هو الأفضل ، حتى لا تحدث تجمعات أخرى مشابهة .

وحتى شريط السكينة، السكينة الذي اشتهر بسبب رد (القصيبي) عليه في كتاب حتى لا تكون فتنة فإن محتواه من عنوانه واضح في عدم الرغبة في أى تصعيد وإن كان الشيخ تغيرت لغته وأصبحت أكثر توترا بعد أزمة الخليج مقارنة مع بداياته ، إلا أن منهجه مقارنة بالخطاب السائد حينذاك يميل إلى عدم الرغبة في انفلات الأمور التي سارت في اتجاه يخالف رغبته .

ومع مرور السنوات وكثرة المتغيرات وبعد أحداث أيلول (سبتمبر) فإن الشيخ حافظ على منهجه من دون تغيّر يذكر مقارنة بالدعاة الآخرين ، وظل على مستوى المحافظة السابقة في مرحلة الصحوة الأولي

ومع الجدل حول التحولات المحلية والحوارات الفكرية وقضايا المناهج والعنف ، فإن آراء الشيخ أصبحت في الاتجاه المحافظ جدا وتراجعه السريع في بيان التعايش أكد هذه النزعة ، وبدأت بعض آرائه وأنشطته الدعوية تزعج التيارات المناهضة لفكر الصحوة القديم

فإذا كان يمكن اعتباره في مرحلة الصحوة الأولي من حمائمها .. في مرحلة تشددها ، فإنه الآن من صقورها .. في مرحلة تغير الصحوة وانفتاحها من دون أن يغير من منهجه وخطابه الدعوي !

(21) سفر الحوالي (1373 هـ -..) ابن تيمية الصغير

احتل الشيخ مكانة وسمعة متميزة كأبرز مشاهير الصحوة ودعاتها منذ البدايات ، جاءت شهرته من قوته العلمية في نظر طلاب العلم والتيار الديني التي سبقت انتشار كاسيت الصحوة

وظلت محاضرات الشيخ ودروسه أقل انتشارا من دعاة الصحوة الآخرين ، نظرا لعلميتها وعدم جاذبيتها للعامة من الجمهور ، باستثناء أبناء التيار الديني وطلاب العلم ، وكانت شهرة الشيخ كأستاذ للعقيدة وعالم بالمذاهب المعاصرة مبكرة

وتناقل جمهور الصحوة عبارة قيل إن (ابن باز) أطلقها على الشيخ بأنه "ابن تيمية هذا العصر" ففرضت احتراما مبكرا له ولعلميته ، وبغض النظر عن حقيقة هذه المقولة فالواقع أن التعرف على طرح الشيخ ودروسه ومحاضراته يؤكد أن شخصية الشيخ العلمية ستكون مختلفة عن السائد ، وتجعل له مكانة لاحقة في تيار الصحوة داخليا وخارجيا .

الانطباعات التي تشكلت لدّى مبكرا عن الشيخ ، ولاطلاعي على انتاجه الشيخ كغيره من العلماء ، فإنه تميز في تلك المرحلة بخصائص كثيرة فعلي الرغم من محافظته الشديدة لم يكن غوغائيا في طرحه الوعظي الذي اتسم بالعلمية والهدوء بعكس بعض وعاظ الصحوة وكان يجمع بين الروح التقليدية في العلوم الشرعية والمعرفة العصرية بما يتناوله من موضوعات عامة مقارنة بثقافة المشايخ السائدة ودعاة الصحوة

وكان تناوله لقضية العقيدة يجمع عمقا تراثيا جيدا واضح بعلماء السلفية الكبار (كابن تيمية) ومعرفة فكرية إسلامية عصرية محافظة يمثلها (سيد ومحمد قطب) .

اتسمت دروسه في العقيدة الطحاوية بقدر من التوسع والشمول اللافت ويعرف المدرك للفكر السلفي مدى أهمية هذا الكتاب وشرحه عند السلفية التقليدية فقدم الشيخ نحو ألف شريط مع مناقشات مثيرة تختلف عن الكثير من الدروس العلمية السائدة في العقائد والفقه محليا .

رسالته في الماجستير عن العلمانية : العلمانية نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة التي تمت طباعتها ، وكانت دليلا عند تيار الصحوة على تمكن الشيخ في القضايا العصرية ، الرسالة كانت لافتة في موضوعها ومحتواها من جامعة تقليدية

وكان واضحا مدي الجهد البحثي الذي بذله بإشراف (محمد قطب) ومع أن هذا الكتاب لم يقدم ما هو جديد سوي امتداد للرؤية الإسلامية السلفية ، أو الحركية لمبدأ العلمانية لكن طريقة عرضه في تمثيل الرؤية المحافظة ضد العلمانية في بيئة سلفية يمكن اعتبارها تجديدا في تناول مثل هذه القضايا محليا .

ومع أن الشيخ محافظ جدا في قضايا اجتماعية وخاصة مسائل المرأة وموقفه من تعليمها إلا أنه تميز بعرض وجهة نظره بصورة هادئة بعيدة عن الغوغائية ، يفرض عليك احترامه ، وحتى الجانب المؤامراتي الذي يعرضه في تناول مثل هذه المتغيرات

فالواقع أنها جزء من أدبيات الثقافة الإسلامية المعاصرة في القرن العشرين ومرحلة الاستعمار ،وليست جديدة على أي مطلع على هذه الأفكار التي تشكلت وفق منهجية وسياقات تاريخية محددة ومع تحفظي على الكثير من هذه الأدبيات وحاجتها إلى المراجعة إلا أنه من غير العلمي أن ننسفها ونعتبرها مجرد خيالات وأساطير .

إذا كان الشيخ (العودة) أكثر إنشائية في خطاب الصحوة الجديد وتناولا للقضايا المتنوعة و فإن الشيخ (الحوالي) كان أقل إنشائية وتنوعا في موضوعاتها فقد كان عدد محاضراته أقل بكثير ، إلا أن لها أهمية وثقلا في وعي تيار الصحوة ووجهة نظره .

مشكلات الصحوة والعالم الإسلامي أكثر نضجا وإدراكا سياسيا من دعاة الصحوة الآخرين ولهذا كانت آراؤه حول الجهاد الأفغاني منذ الثمانينيات أكثر نضجا من خطاب الصحوة السائد ، وله رد قوى على الشيخ (عبد الله عزام) مبكرا

وفي مراحل لاحقه أبدي صعوبة تحقيق الجهاد الأفغاني أهدافه لعوائق دولية وهو في مراحل انتصاراته ، وكانت هذه الآراء تضايق المهتمين بقضايا الجهاد من تيار الصحوة .

وللشيخ مواقف متشددة ضد التيار العقلاني الإسلامي العربي ورموزه الفكرية ، وهو من المعجبين والمتأثرين بالشيخ (ابن إبراهيم) ومواقفه المحافظة ضد القوانين

حيث كان هذا التشدد جزءا من أجواء الصحوة فالمؤسسة الرسمية هي الأخرى متشددة في موقفها من القوانين والقضايا الاقتصادية وهو أقل تسامحا من الشيخ (العودة) في معايير الأسلمة (فالعودة) كان واضحا أن لديه البعد المصلحي الحركي مبكرا ، ولهذا كان خطابه في شأن المرأة والاقتصاد الإسلامي أكثر مرونة من الشيخ (الحوالي).

كان لتداول اسم الشيخ مبكرا في الإعلام الغربي كرمز إسلامي جديد في السعودية دور في أهمية حضوره المحلي ، وإثارة خيال تيار الصحوة الذي لم يملك بعد معرفة وإدراكا بالإعلام والصحافة الغربية .

كان تيار الجامية نشطا في المزايدة على تيار الصحوة ودعاتها بحجة أنهم لا يهتمون بالعقيدة وشروحها ، وأن الأولويات لديهم مختلة ، والواقع أن هذا الشعار أحرج البعض من الدعاة لكن الشيخ (الحوالي) كان هو الأبرز من دعاة الصحوة في التركيز على أولية العقيدة

وأغلب إنتاجه العلمي حول هذا الموضوع ، ولكن التيار الجامي لم يثمن هذا الجهد في شروحه للعقائد وتركيزه على أهميتها ، ما أفقد نقدهم لتيار الصحوة صدقيته ، ولأن تيار الجامية لديه خصومه خاصة ضد (سيد ومحمد قطب)

فكان إشراف (محمد قطب) على رسالة الماجستير فرصة في اتهام الشيخ بالقطبية وفق نظرتهم ومعاييرهم في تقييم دعاة الصحوة التي ترى أن فيها نزعة من مذهب الخوارج عبر انتقاء بعض المقولات والعبارات خاصة أن موضوع رسالة الدكتوراه حول الإرجاء وهو موضوع إشكالي في العقائد .

كانت أهمية الشيخ العلمية وجماهيريته تشكلت قبل حرب الخليج 1990 م لكن مذكرته كشف الغمة عن علماء الأمة التي سميت بـ (وعد كيسينجر) نقلت الشيخ إلى مرحلة جديدة في دوره الفكري خلال الأزمة

ثم اشتهرت محاضرته في الأحداث " ففروا إلى الله " الذي تطرق فيه إلى حكم الاستعانة بالقوات الأجنبية ، كان هناك تحريض ضد هذا الشريط من خصومه في التيار الجامي وتناوله أيضا (غازي القصيبي) بشئ من التحامل في معركته مع رموز الصحوة .

والواقع أن هناك مبالغات في الموقف من المحاضرة تحت تأثير عدم الرضا الرسمي عنها في ذلك الوقت ، وبالغ خصوم الشيخ في تقييمها واختزالها في ما بعد .

إن قضية الاستعانة بالقوات الأجنبية كانت ذات حساسية بالغة عند الدولة ومصيرية لأنها تتعلق بمصلحة الوطن العليا ، ويتفهم أى عقلاني سياسي هذا الوضع خاصة مع وجود أصوات خارجية استغلت هذه الأزمة ، وكان على الشيخ مراعاة هذا الجانب بقدر أكبر ، الذي تفرضه صعوبة الأزمة

لكن المبالغة في ردة الفعل ضد هذا الموقف ومحاولة تصويره أنه خيانة وطنية والتحريض ضد الشيخ بحجة هذا الكاسيت والإشارة إليه في كل مناسبة ، وهو تجاوز للموضوعية وانتهازية رخيصة ومزايدة لم أجد لها مبررا .

كان رأى الشيخ امتدادا لرأيه في وعد (كيسينجر) حيث استعرض تقارير من مجلة الشؤون الخارجية الأمريكية ، وأشار إلى أن القوات ستقيم إقامة طويلة ، وبعض الإحصائيات من جريدة عرب نيوز حول المجندات الأمريكيات

وأشار إلى مسألة التدريبات العسكرية المبكرة في نيفادا ، ومع توقع مشكلات تقليدية عن الكنائس والخنازير وطبيعة جزيرة العرب ، لكن ما يجب الإشارة إليه أن خطابه لم يكن غوغائيا وعاطفيا ، بل يتسم بالهدوء وعدم التوتر ما يجعل تصور الموضوع من دون انفعالات .

وقد أشار إلى نقطة مهمة وهي من أهم النقاط المحورية في المحاضرة التي لا أجد خصومه يستحضرونها ، وهي التي يمكن تفهم موقف الشيخ حتى لو اختلفت معه في النتيجة و فقد أشار إلى أنه من الأفضل أن نظهر ونبدو لهم ..

وكأننا طائفتان .. طائفة ترفض وطائفة توافق ، كما يوجد عندهم في كل قضية ، واعتبارها دليل قوة ، فيكون علماؤنا لهم رأي وآخرون لهم رأي آخر، وهذا لا يدل فقط على عقلانية سياسية ، وإنما أيضا هدوء الشيخ في تحفظه على الرأي الآخر ..

ولهذا لم تعتمد التيارات المتشددة في ما بعد على رأي الشيخ سفر في قضيتها الكبري المتمثلة في رفض الوجود الأجنبي ، ولم يتم استعماله شعارا لتبرير العمل المسلح والعنف .

لقد كان مجمل الكاسيت وعظيا ، وأحاديث لم يكن المناسب إيرادها عن الملاحم والحروب في آخر الزمان ،وإشارة إلى بعض المنكرات والبنوك ومبدأ الولاء والبراء ، وكان تحفظ الشيخ على رأي العلماء الرسميين ليس على النتيجة الفقهية ، وإنما على منهج الاستدلال في البيان .

اعتقل الشيخ خلال الأزمة مع الشيخ (العودة) مع أن الشيخ لم يصعد في خطابه وحافظ على هدوئه ولم يتمرد على طريقة (العودة) في مدينة بريدة لكن الأمر يبدو أنه جاء احتياطا وحتى لا تتكرر مثل هذه التجمعات مرة أخري وكان خروجه في 12 /3/ 1420هـ.

لم يتغير الشيخ بعد خروجه كثيرا فحافظ على الكثير من صدقيته ، خاصة أنه منذ الثمانينيات ضد الاستعجال وأى تصعيد ، لكن هذا الخروج جاء بقدر أكبر من التفاهم وعدم سوء ظن كل طرف بالآخر ، واستطاعت الجهة المسؤولة أن تمتص توتر التسعينيات مع رموز الصحوة .

في خطابه الديني ومواقفه لم يظهر أى تغير جوهري ، فلم يشارك في الحوارات الداخلية حول التعايش والتسامح ، وحافظ على طبيعة موقفه من الآخر ، حول مشكلات الجهاد حافظ على مجمل آرائه

وحتى أحداث أيلول (سبتمبر) قدم رأيا مطولا حول السؤال عن مدى مشروعية هذه الأعمال ، فلم يرض عنه التيار الجهادي داخليا وخارجيا و مع أن رأيه حول هذه القضايا له تفصيلات خاصة فقهية وسياسية كنت أشرت إليها في أحد مقالاتي أثناء الأزمة وخاصة إشكالية الاستدلال بقصة الصحابي (أبو بصير)

مرض الشيخ وتعاطف مع حالته الصحية الكثيرون وأشار الكاتب (محمد الحضيف) إلى " أن هناك مليوني رسالة تنوقلت عن صحة الشيخ نقلا عن شركة الاتصالات ".

(22) سلمان العودة (1378 هـ - ..) إسلام الصحوة .. والإسلام اليوم

" إن رأيتمونا يوما من الأيام طلاب جاء أو طلاب مناصب أو طلاب مال أو طلاب شهرة أو طلاب وظيفة فاحثوا في وجوهنا التراب واعتبروا هذا آية على عدم صدقية ما ندعو إليه " سلمان العودة من شريط (رسالة من وراء القضبان)

القول إنه أهم دعاة الصحوة ونجم تلك المرحلة لا يعبر عن الدور الحقيقي لهذه الشخصية الدينية فالشيخ أحدث نقلة جوهرية في بنية الوعي الديني المحلي في سنوات معدودة ، يلمسه المتابع للفوارق بين ما قبل وما بعد تلك المرحلة الفاصلة ، كان للصحوة خصائص عامة عند أغلب دعاتها

لكن للشيخ خصائص أخرى إضافية تزامنت مع ظروف محلية صنعت هذه القدرة التأثيرية المفاجئة ، لقد أحدث تغييرا في تركيبة وصورة شيخ الدين السعودي ، ونقله إلى مستوى آخر يجمع بين دور التربوي والواعظ والداعية والمفتي والمثقف والمحلل السياسي!

بدأ ظهور اسم الشيخ في منتصف الثمانينيات في مدينة بريدة عند المتدينين كطالب علم وداعية يلقي دروسه في المراكز الصيفية ، وكانت هذه البداية من خلال محاضرته التي تحولت إلى كتيب بعنوان المسلمون بين التشديد والتيسير

لفت نظري حينها عنوانها المختلف الذي جاء من داعية محلي ومن المدينة التي أسكنها ، وطباعتها المتواضعة وإخراجها البسيط ، في وقتها كانت لديّ قراءات عن مشكلات الفكر الإسلامي والصحوة في الدول العربية ونقد بعض الدعاة المشاهير لها مثل محمد الغزالي ، ويوسف القرضاوي الذي قدم كتابا مبكرا في نقد الصحوة بعنوان الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف

فظننت أنها امتداد لهذا الفكر ، ولا شك أن مثل هذه العناوين والمشكلات لها جاذبية ولا يقدم هذا العنوان إلا من لديه نزعة اعتدالية فالمتشدد لا تشغله عادة هذه الفكرة .

لكن هذه الرؤية المعتدلة متأثرة بهموم محلية كانت لمواجهة تشدد تقليدي عند إخوان بريدة وطبيعة اهتماماتهم الفقهية ، ولهذا جاءت ردود سريعة على هذا الكتاب من بعض الأسماء المعروفة من الإخوان في بريدة الشيه عبد الله الدويش ، وعبد الكريم الحميد وزعت على شكل مخطوطات بخط اليد؛

وكأن طرح الشيخ موجهّ لهم ، وهو مؤشر مبكر على طبيعة الخصومة بينهم وبين الشيخ قبل أن يشتهر اسمه ، وهي خصومات شخصية ناتجة من القرب من بعض داخل مدينة واحدة ، وقد كانوا يتهمون الشيخ (العودة) بأنه متأثر بجماعة الإخوان المسلمين .

قدم الشيخ أمثلة على التشدد حول قضايا من اهتمامات فئات محدودة مثل دوران الأرض التي كانت قضية محورية عند إخوان بريدة ، ولم يقدم أمثلة عامة عن تشدد التيار الديني حول مسائل خلافية شائعة في المجتمعات وتجاوز الشيخ هذه الخلافات والصراعات المبكرة جدا بين أبناء مدينة وحارات متقاربة إلى مرحلة تالية .

عندما دشن الشيخ مرحلته الجديدة في الثمانينيات من خلال المحاضرات المتتالية ودرسه الأسبوعي كل أحد في الجامع الكبير ببريدة ، حيث ستتجاوز تسجيلاته المئات خلال سنوات محدودة فإنه كان يقدم خطابا نوعيا وتغييرا جوهريا من دون أن يشعر بحجم الانقلاب الذي أحدثه في حينها في جوانب عدة

ففي أسلوب تقديم المحاضرات كان السائد اللغة الوعظية الإنشائية ،وعدم التحضير المتكامل للمحاضرة وتجهيز جميع المعلومات والأفكار مكتوبة فقدم الشيخ منهجا جديدا حيث يشعر المستمع بأنه أمام خطاب منظم ومرتب ترتيبا جيدا منذ البداية وحتى نهاية المحاضرة بمحاورها ومعلوماتها وحشد الأدلة الدينية والعقلية في تقديم رأيه

بل وحتى ذكر تاريخ إلقاء المحاضرة كان يشير إليه في بداية كل درس ومحاضرة ، ما يدل على عقلية منظمة وهو بهذا المنهج فرض احتراما جديدا ومختلفا للكاسيت كقناة تثقيفية عامة مهمة داخل المجتمع .

كان كثير من محاضراته ودروسه قابلا للتحول بسهولة إلى كتيب في الموضوع الذي تطرق إليه ، وأحدث تجديدا في اختيار العناوين للدروس والمحاضرات مع ذكر التاريخ ، ما يدل على وعي إعلامي مبكر حيث وجد دعاة آخرون تأثروا بهذه الطريقة وقلدوها في ما بعد

وكان الشيخ يمتلك قدرات علمية معقولة في أكثر من مجال مميز ، فلم تطغ على خطابه الحالة الوعظية والتربوية والزهديات أو الاستعراضية العلمية في العلوم الدينية ولم يغرق في الخطاب الفقهي وتفاصيله

ما جعل خطابه أكثر جاذبية وفائدة عند شرائح وفئات متعددة وأعمار مختلفة ، وهو بهذا الخطاب المرتب والواعي تجاوز أخطاء كبري يقع فيها دعاة وعلماء الداخل في عدم جاذبية محاضراتهم .

(أ) تطور ومراحل الخطاب

يمكن تقسيم خطاب الشيخ إلى مراحل عدة : ففي محاضرات البدايات الأولي كان أول ما يلفت النظر هو الطرح الهادئ جدا وغير المتفعل في تناوله للموضوعات الفقهية والاجتماعية وكان هناك ميل نحو الموضوعات التربوية لأن الشيخ لديه خبرة مبكرة حول هذه المناشط الدينية ومشكلات الشباب المتدين ووضع الحركة الدعوية

لهذا كانت معالجته لهذه القضايا أكثر خبرة والجديد فتناوله لموضوع الكني والأسماء والألقاب في درسه الأسبوعي في أوائل الكاسيتات التي ظهرت يدل على عناية بالجانب المعرفي حيث أضاف لوعي المتلقي معلومات جديدة يستفيد منها العامة والخاصة ، فلم يكن معتادا من الخطاب الديني المحلي تناول القضايا إلا في حالة وجود مبرر ديني مباشر .

وتوالي ظهور هذه الأشرطة وتعرّفت عليه النخب الدينية من تيار الصحوة ولم يشتهر اسمه في المجتمع بعد فكان أول ظهور اشتهر به الشيخ على نطاق واسع وقدّمه للساحة الدعوية بقوة كاسم قيادي جديد كان بسبب سلسلة دروس في الرد على الشيخ (محمد الغزالي) ومع نجاح هذه الأشرطة وانتشارها الواسع تمت طباعتها في كتاب بتاريخ 15 / 11/ 1409هـ

ما الذي حدث ليكون لهذا الموضوع تفاعلات واسعة واهتمام من خارج التيار الديني إلى المجتمع والمثقفين ؟ عندما أصدر الشيخ محمد الغزالي كتابه الشهير السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث في كانون الثاني (يناير) 1989م

حيث قدم فيه مجموعة من الموضوعات الدينية الجريئة والحساسة عند الفقه السلفي ، وكان أسلوب (الغزالي) مستفزا للتيار الديني ، ولم يتم السماح بالكتاب محليا ، حيث تجرى رقابة صارمة على الكتب الدينية ذات الآراء المخالفة للسائد الفقهي ومما ضاعف الاستفزاز هو اهتمام الصحافة بكتاب (الغزالي) والترحيب بآرائه الجريئة خاصة الصحف الكويتية لإغاظة الفقه المتشدد في نظرها .

توالت الردود من تيار ودعاة الصحوة والسلفيين على ما يرون أنها أخطاء وكانت ردودا غاضبة وقاسية على الشيخ (الغزالي) ومليئة بالتهم وعدم احترام قدره وخدمته للدعوة الإسلامية منذ نصف قرن ، حيث طغت الرؤية الانفعالية عليها ، ولهذا لم يكن لها تأثير في مواجهة ما قدمه (الغزالي)

المفاجأة الكبيرة للمتابع حينها كانت في رد الشيخ (سلمان العودة) من حيث توقيت الرد ، فقد جاء سريعا وفي لحظة كانت أجواء الجدل حول القضية ساخنة في الصحافة والمجلات الإسلامية والمؤلفات الصغيرة والرسائل والأكثر مفاجأة هو ظهور قدرات الشيخ وثقافيته وهو الجديد على الساحة مقارنة بغيره

حيث إن الرد تجاوز موضوع الكتاب الجديد إلى مجمل إنتاج وفكر الشيخ (الغزالي) بالكامل والمدرسة الفكرية التي ينتمي إليها ،واستحضر في زمن قصير أطروحات (الغزالي) في كتبه على مدار نصف قرن ، وكأن (العودة) لديه دراسة مسبقة عنه من حيث توفر المعلومات ومراجعة كتبه

فكان الرد شموليا على مجمل أفكار هذه المدرسة ، وفي الوقت الذي كانت جميع الردود متشنجة ضد الغزالي جاء رد (العودة) هادئا حتى في عنوانه حوار هادئ مع محمد الغزالي حيث حافظ على آداب الحوار واحترام الشيخ (الغزالي) فآثر هذا الحوار على فئات كثيرة في المجتمع وأعجب به العلماء الكبار والدعاة ودشن حضور الشيخ بقوة في الخطاب الديني المحلي ،وقدم أهم ملامح التفكير والآراء الفقهية عند الشيخ (العودة) .

كان خطاب العودة يحمل في مضمونه منذ البداية نقلة في التفكير الديني المحلي ، وخطاب الدعوة والوعظ الذي كان تقليديا ، فجاء هذا الخطاب المحمل بقدر من الثقافة العامة والمعرفة بكتابات رموز إسلامية معاصرة التي شكلت مجمل أفكار الصحوة الإسلامية ،وكان من المتوقع حينها أن يؤدي هذا الخطاب إلى رفع مستوى الوعي وتوسيع أفقه

لكن بعد معركة الصحوة مع (الغزالي) حدث تحول تاريخي جديد وتأثير سلبي في التواصل مع الخطاب الإسلامي العقلاني ، فالساحة الفكرية السعودية تخلو من مظاهر هذا الوعي الذي تشكل منذ أكثر من نصف قرن

وحتى الساحة الثقافية ممثلة في نشاطات عدة في الملاحق الثقافية والأندية الأدبية وإنتاج المثقف السعودي تخلو من التفاعل مع أطروحات المدرسة العقلانية الإسلامية واستيعابها .

كان هذا الخلل واضحا لأى متابع ، وكان هناك أمل أن تكون هذه الصحوة قادرة على تجاوز تشدد المدرسة السلفية وتقليديتها ، وأخطاء المدرسة العقلانية العلمية ، لبلورة رؤية إسلامية عصرية لكن الذي حدث كان انتكاسا مدمرا لتيار الصحوة الناشئة

وموقفا عدائيا ضد المفكرين الإسلاميين أصحاب الرؤية العقلانية وإنتاجهم الكبير ،ودورهم في مناقشة أهم القضايا الفكرية الإسلامية التي تواجه العقل المسلم وتطورت هذه الحساسية إلى ما يشبه الهوس في تتبع أخطاء هذه المدرسة والإشارة إلى قائمة بأسمائهم والتحذير منهم .

في هذه الفترة أخذت الصحوة تتسلف وتتجه إلى مدرسة أهل الحديث ، وأخذت تتعدد مثل هذه الأطروحات من الصحوة التي انشغلت علميا في ملاحقة أهم الرموز الفكرية الإسلامية ذات الاتجاه العقلاني ، ولقيت سلسلة إصدارات (جمال سلطان) انتشارا واسعا .

وفي بيئة سلفية لم تتعايش مع الفكر العقلاني الإسلامي والغربي ، يبدو هذا النشاط من تيار الصحوة مدمرا لبنيتها الفكرية وقاتلا لروح الإبداع والتجديد والتسامح ، وهو ما حدث حيث اتجهت إلى التشدد بمرور الوقت .

(ب‌) حرب الخليج وتفاعلاتها

كان خطاب الصحوة في البداية هادئا في التعامل مع الأزمة ، وأخذ وقتا لاستيعاب ما يحدث ، كان الشيخ هادئا في خطاب الأزمة فمواقف الصحوة في بداية الأزمة اتسمت بالعفوية وعدم التنسيق وأغلبها كانت متسقة مع الموقف الرسمي

فنقلت آراؤهم في الإعلام الرسمي وتطورات الموقف من وجود القوات ، وأخذ التصعيد مسارا جانبيا وليس جوهريا ، حيث جاء من الخارج من بعض رموز الحركات الإسلامية حول هذه المسألة وظلت حواراته هامشية محليا .

وهنا سنعرض ملخصا شديد لبعض أفكاره من خلال بعض إنتاجه في هذه المرحلة:

(1) أسباب سقوط الدول

كان شريط أسباب سقوط الدول في 7/2/1411هـ مع بداية الأزمة فيه بعض التعليقات ذات الحساسية ، فلم يسمح به حينها لكن الشريط انتشر تحت جاذبية بعض الطرح السياسي ، واستمع له الكثيرون من خارج التيار الديني

وكانت أهم محتويات هذا الشريط ما يلي:

بحكم المناسبة كان هناك حديث تاريخي عن الدول وأسباب سقوطها ونقولات عن ابن خلدون الإشارة إلى سقوط الشيوعية، حديث عن أهمية الفرد وثناء على الدول الغربية التي تحترم أفرادها وشعوبها

وهذا يؤدي إلى استقرارها ، حديث عن خطورة إمرة الصبيان وأن البعض لو جردته من عائلته لوجدته شخصا عاديا ، وإشارة إلى حديث نبوى بهذا الشأن ، طرح عن الظلم والمحسوبيات والطبقية وأخذ الأراضي وبعضهم يطبق عليهم الحد وآخرون لا يطبق عليهم أمثلة عن حكام عرب

حديث عن شاه إبران وعن الشيعة ، إشادة بالبرامج الدينية السعودية وتمثل 25 بالمائة ، وأنها أفضل من الدول العربية الأخرى إشارة إلى الفيديو والأفلام الخليعة نقد الرسوم والضرائب التي تثقل كاهل الناس

إشارة إلى أن حكومة الكويت لا تطبق الشريعة وهذا نقد لها وحديث عن أهمية تدريب المسلم وأن الخطر قد يأتي من الأمريكيين ومع تناوله لهذه القضايا ذات الحساسية فإن الشيخ لم يكن منفعلا ثم إن هناك جانبا وعظيا في الموضوع فالكثير من الوعاظ يتناولون هذه الفكرة عند الحروب والأزمات التي تمر بها المجتمعات ، وهناك آيات قرآنية تشير إلى هذا ..

كقوله تعالي : (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها) فتناول هذه الموضوعات وعظيا ليس غريبا على الخطاب الديني ، لكن التعليقات الجانبية التي قدّمها وهي جزء من حديث المجتمع ونقمته على بعض الأخطاء السياسية المحلية فرضت عدم نشر الشريط .

حدثت قضية قيادة المرأة للسيارة ومع انفعال تيار الصحوة وتشنجه وجدت خطب ومحاضرات بالغة الحدة في تناول الموضوع فإن الشيخ قياسا على خطاب تلك اللحظة يعتبر أكثر عقلانية في تناول الحدث وأهدأ في الرفض حيث قدم شريطا شهيرا بعنوان لسنا أغبياء بدرجة كافية كشعار ضد هذه المظاهرة .

(2) معركة القصيبي .. والشريط الإسلامي

جاءت المواجهة مع (غازي القصيبي) في محاضرة الشريط الإسلامي ما له وما عليه في 1/6/ 1411هـ ، لتنقل الشيخ إلى مرحلة مختلفة وجمهور جديد. شهرة (القصيبي) في المجتمع كوزير له حضوره الإعلامي والرسمي والثقافي كان يتم تناوله عبر كاسيت وليس مقالة أو كتاب يبدو مثيرا لأى متابع لهذا انتشر الشريط إلى نطاق أكبر داخل المجتمع بما يفوق قضية حواره مع (الغزالي)

كان محتوى الشريط مهموما بأزمة جديدة يواجهها التيار الإسلامي محليا وإقليميا في الصحافة العربية ، ورسوم كاريكاتيرية تسخر من الشريط الإسلامي كان (القصيبي) عبر مقالاته التي أعادت تدشينه إعلاميا من جديد محليا

بعد عزلته في البحرين وخروجه من الوزارة ، حملة (القصيبي) كانت في سياق مواجهة خصوم السعودية الذين ظهروا في الأزمة وكان منها بعض الحركات والرموز الإسلامية عربيا .بدأ (القصيبي) يقدم وجها جديدا وتميزا في أساليب الردح ضد بعض العرب وشخصياته السياسية والإعلامية .

(القصيبي) منذ السبعينيات وقبل ظهور الصحوة الجديدة في الثمانينيات مصنف محليا، ويتناقل تيار الصحوة قصص علماء من المؤسسة الرسمية ومنهم (ابن باز) حول بعض الموضوعات مع (القصيبي) لذا فهو مصنّف مبكرا عند التيار الإسلامي من خلال بعض كتاباته المبكرة .

من الواضح أن الشريط كان مفاجأة وضربة موجعة في توقيتها وطريقته حيث آلمت (القصيبي) فجعلته يخرج عن طوره ، ويقدم ردا عشوائيا وغير مركز ضد رموز الصحوة هذا الرد من الشيخ (العودة) يأتي من خلال إعلام مواز محليا وشعبيا وفي أقوى مراحله ومن داعية في قمة شهرته ثم يتناول شخصية بهذه المكانة في المجتمع المدعوم من الإعلام المحلي وجمهور المثقفين .

طرح (العودة) الموضوع بطريقة مشابهة لتناوله شخصية (الغزالي) عن طريق الاستقصاء والتتبع لتاريخ (القصيبي) وليس مجرد الوقوف عند مقالة كتبها في صوت الكويت عن علماء الدين .

ويمكن إيجاز محتوى هذا الشريط الشهير بما يلي:

حديث عن أسباب الهجوم على الشريط الإسلامي في الصحافة وانتشاره توضيح لمميزات الشريط الإسلامي وسهولة انتشاره ومعلومات وقتية عن هذا الانتشار و أرقام عن هذا الانتشار بمئات الآلاف لأشرطة مشهورة

إشارة إلى زيادة التسجيلات الإسلامية ونجاحها مقابل إغلاق بعض تسجيلات الأغاني ، تعليق على الكاريكاتير الذي نشر في صحيفة كويتية ، حيث صور الشريط وكأنه قنبلة ستنفجر

إشارة إلى معوقات الشريط الإسلامي ، نقد ذاتي لبعض محتويات الشريط الإسلامي لذا اقترح تقديم سلسلة المراجعات وهي مخصصة لنقد بعض الأخطاء التي يقع فيها سواء كانت علمية أو في الأسلوب

وبدأ فعلا بها وأشار إلى شريط جلسة على الرصيف ، حيث صحح خطأ وقع فيه عندما تحدث عن فاعل المعصية في معرض كلامه عن الأغاني ، وكان هذا الموضوع تناوله خصومه من التيار الجامي

حديث عن معركة الشريط والتعليق على التخويف من تجربة إيران مع الكاسيت ، إشارة إلى مقالة " فوضي الكاسيت " حين أشار إلى قضية الحداثة، ومقارنة الأغاناي مع الخطب الوعظية" (جريدة اليوم ، العدد 5399) لابد من حماية المجتمع ..

ونقد حاد للحداثيين والعلمانيين ، إشارة إلى مقال "باتجاه المطر" يقول إنه وجد نفسه معزولا وإنه اتهم بالزندقة .. سبب ذلك " صكوك النار " إشارة إلى أن الصحف لم تترك للصوت الإسلامي مجالا ، فلم يبق إلا هذا الشريط

أشار إلى مقال في صوت الكويت (للقصيبي) عندما قال: " عندنا علماء نرجو بركتهم ولا نقبل كلامهم في السياسة وفي رده على هذا الرأي يقول: (العودة .. للقصيبي) : " إذا كنت لا تقبل رأي العلماء في السياسة فما موقفك من هيئة كبار العلماء وأسقطت بينّتهم بأمور سياسية "؟

ويرد على (القصيبي) عندما طالب باحترام التخصص قال : " لماذا أنت لا تحترم التخصص ؟ فمرة أنت اقتصادي ومرة تتحدث عن التنمية ومرة أنت خبير بالصناعة ، ومرة ثالثة في الصحة ، وأنت الآن خبير في السياسة والعلاقات الدولية "؟

وأشار إلى قصيدة في مدح العراق ، ومرة أنت مؤرخ تتحدث عن تاريخ الطبري في مجلة اليمامة العدد 684 ، ومرة أنت مفسر للقرآن تروج لهذه الروايات ومرة أنت باحث اجتماعي التغيير الاجتماعي في مقالاتك ، ومرة أنت أصولي تتحدث في علم الأصول وعلم الاجتهاد، ومرة تتحول مفتيا عندما تتحدث عن قيادة المرأة السيارة ، وحديث عن حدّ القذف ، وهل يكفي فيه التصريح أم التلميح ؟.

وإذا وصلت إلى الإفتاء ، فماذا بقي لنا ؟ وأنت شاعر أيها الفقيه المفتي " ثم قرأ نماذج من أبيات في ديوان معركة بلا رؤية ، ويعتذر عن ذكر مثل هذه الأبيات ويستغفر الله ويتوب إليه .. عدة أبيات ومنها :" ويروى المساء حكايا الفحول .. وكيف يصيدون أحلي النساء "

ويضغط الشيخ على حكايا الفحول بصوته ويرددها أكثر من مرة .. ثم يقول الشيخ أستغفر الله وأتوب إليه .. ثم يشير إلى قصيدة أخرى : " وكنت بقربي وكان السرير يحدّث عن ليلة ثائرة .. أتحسبين أننا بقبلة نقدر أن نخلق نفسينا كما نشاء .. وأننا بنغمة نقوى على نسيان ما يدور في الخفاء .. وأننا إذا ارتمينا في السرير عاريين فهرب مما كان في ثيابنا .."

إشارة إلى مقالات وحوارات منها رد على مقابلة نشرت في 1402 هـ ومدح فيها نزار قباني ، ثم يقدم الشيخ تساؤلات مريبة .. لماذا هذا الزخم من المقالات والحوارات وحتى الأشرطة ؟

لقد تعرب على الشيخ جمهور جديد من خارج التيار الديني مثقفون ونحب أكاديمية وتكنوقراط ورجال أعمال وجمهور من العامة ، وبهذا الشريط أعطي الشيخ خطاب الصحوة زخما جديدا ، وإرباكا لخصومه

وقد تضرر (القصيبي) من انتشار هذا الكاسيت وسمعته في المجتمع التي حاول تدشينها من جديد وهو الشخصية الشهيرة بأدائها المميز في الوزارة وخسر أهم وأقوى شريحة في المجتمع في تلك المرحلة ، وأصبحت فكرة العودة للوزارة مرة أخري أمام مأزق جديد لم يتوقعه (القصيبي) كان عنوان المحاضرة عن الشريط الإسلامي وهو يختلف عن مضمونه وهو جزء من المفاجأة المربكة .

(3) جريدة الصحوة الأسبوعية

بعد النقلة الجماهيرية التي كسبها الشيخ (العودة) في أطروحاته وجاذبيتها، أصبح المتابع لإنتاجه الأسبوعي وكأنه فعلا أمام جريدة الصحوة الصوتية .. تحت رئاسة تحرير الشيخ

حيث شاركت فيها أعداد كبيرة من ناشطي الصحوة من كل مكان ، من خلال الاتصالات والفاكسات والزيارات والرسائل من الشباب والفتيات ويقدمها الشيخ لهم أسبوعيا ، مع عرض موجز لأهم الأخبار التي تهم الإسلاميين مع استغلال جيّد لمساحة الحرية المتاحة حين ذاك مقارنة بجمود الإعلام الرسمي والصحافة

ما أعطي لشريطه الأسبوعي جاذبية لا تقاوم وساعد على ذلك قدرات الشيخ الكلامية ، وتركيز مادته في ساعتين ، ثم إن موضوع الغلاف الرئيس تميز بالتنوع والإغراء من خلال عنوان جذاب للكاسيت وحتى لو لم يكن موضوع الغلاف يعنيك في حديث موجه للمرأة مثلا ، فإنك ستجد مادة مهمة في الأخيرة عبر الأسئلة والرسائل .

لقد استطاع خلال فترة محدودة تناول أهم المواضيع الاجتماعية والسياسية والوعظية ، وأصبحت الأشرطة الخاصة بالشيخ توزع بأرقام يصعب تقديرها وفي بعض الحالات قد تفوق المائة ألف ، حيث تباع أعداد كبيرة عند المساجد وصلاة الجمعة ، إضافة إلى حضور جماهيرى وازدحام في المسجد الذي يلقي فيه درسه حتى بدأ البعض يعلّق بأن أى تجمع جماهيري كبير إما مباراة بين فريقي الهلال والنصر أو محاضرة للشيخ العودة .

ولا شك أن لهذه الجماهيرية كلفتها وبدأت تنقل العودة نفسه إلى وضع قيادي له ثمنه ويفرض عليه مسارا محددا ، حيث إن تصاعد هذا الخطاب نقل التفكير الديني إلى وعي مختلف ورؤية للواقع المحلي مقلقة للجهات الرسمية التي كانت بحاجة إلى طمأنة حيث بدأ ينافس بتأثيره وكثافة إنتاجه الإعلام التقليدي الذي وصل إلى ثلاث مائة كاسيت في سنوات معدودة وهنا نموذج لبعض أعدادها .

(أ‌) تحرير الأرض أم تحرير الإنسان 25 / 5/ 1413هـ

إشارة إلى خصوم الدعوة من الصحافة والدبلوماسيين ،وإشارة إلى خصوم الدعوة من الجاميين وبعض أشرطتهم من دون ذكر المصطلح إشارة إلى بيان (ابن باز) الشهير وتوقف عنده وإشادة قوية بالشيخ (ابن باز) الذي أرقه هذا الهجوم على الدعاة ..

الرجل الذي عرفته الأمة دائما وأبدأ متصديا لقضاياها متحمسا لها ، ترامي إلى مسمعه ما ترامي إلى سمع الكثيرين من قبل العلمانيين والمستغربين و وقيل بعض ضعفاء النفوس من الدعاة فهاله ذلك وأزعجه وآذاه فأبي على نفسه إلا أن يقول كلمته كما هي عادته ، ومن ثم أصدر هذا البيان الذي تسامع الناس به في كل مكان ، وسوف أتلو عليكم هذا البيان.." ثم قرأه بالكامل .

أشار إلى اهتمام الصحافة به واستغلاله بصورة سيئة وخاصة جريدة الشرق الأوسط ، يري أن تحرير الإنسان أولا .. وأنه هو الذي سيحرر الأرض وجاء هذا الموضوع بعد أجواء الحديث عن تحرير الكويت استشهاد من الواشنطن بوست عن النظام العالمي الجديد ، حديث عن الدول المحتلة وجمهوريات الاتحاد السوفياتي ..

أين كلام الشعراء والمحللين عن هذا الاحتلال؟ لأن الإسلام ضعف في النفوس ، " لقد كان في زمن الفترة ، لا أقول قبل الإسلام ، ولكن قبل الصحوة الإسلامية " حديث عن الدول المحتلة والدول المنافقة ..

وهنا نص يستشهد به دائما خصوم الشيخ من الجاميين ، إشارة إلى معني التحرير يقول : " يتكلم أحد الإخوة عن قسم محتل وقسم محرر ... ويقول إننا نفجّر ونهدّد دور السينما في القسم المحتل .. قلت له هل توجد هذه الأشياء في القسم المحرر ؟ قال نعم .. قلت إذا ما الفائدة من ذلك ؟!"

ثم إشارة إلى كون الحاكم كافرا معلنا أم غير ذلك ، كلام عن القذافي وحديث عن سياسة التجويع للشعوب ، وأن العالم الإسلام أفقر الشعوب ، حديث عن علمانية العرب يقول :

" نحن لا نعترض على تحرير أرض الإسلام من أعداء الدين من الكفار والمنافقين على الإطلاق ، ولا من الذي يقول أنا علماني فمثلا ياسر عرفات في مرة من المرات أجروا معه مقابلة فقال إننا نريد أن نحكم فلسطين بالعلمانية ، نحن نقول هذا العلماني يجب الحرب عليه كما يجب الحرب على اليهود سواء بسواء ، ولا فرق عندنا بين كفر يهودي وكفر عربي ، فالكفر ملة واحدة ..."

(يجب ملاحظة أن ياسر عرفات كان في تلك الفترة يتعرض لهجوم إعلامي رسمي في الصحافة السعودية بسبب موقفه في الغزو) وتكلم بحديث قوى عن الجهاد وأعلن بقاءه واستمراره إضافة إلى كلام آخر تقليدي في موضوعات إسلامية ، " العبودية الخاصة العبودية للوطن .. كل شئ من أجل الوطن .. يدين من يجعلونه مقابل الحرية ، نحتاج إلى أن نحلل معني الوطن "

فنجد الرقعة الإسلامية أصبحت نهيا للمنافقين الذين احتلوها وليس بالضرورة يعني عن طريق الثورات فهيمنوا على العالم الإسلامي باسم العلمانية تارة وباسم الوحدة الوطنية تارة أخرى ، وباسم الحق التاريخي الذي يخوّلهم ذلك مرة ثالثة .." يري أن (ابن باز) يقصد بالبيان بعض المرجفين بالمدينة .

(ب‌) الأمة الغائبة 23 / 11 / 1412هـ

مطالبة برفع مستوى التفكير عند الأمة حتى لا تكون قضايا الأمة خاصة بالدعاة والعلماء والصحافة .. حين تفلح يجّر الجميع إلى ساحة العمل بحيث يمكن جرهم باللين فيها أو بالقوة ليتعاطوا مع قضايا أمتهم ، الجيل الأول كلهم كانوا معنيين بأمر الإسلام .. ترجمة 7000 صحابي توضح ذلك ..

حشد أمثلة لتجييش الأمة للعمل للإسلام .. حديث عن نماذج التعاطف مع الجهاد الأفغاني .. مسنة وطفل .. وتخلي الحكومات .. مثال آخر البوسنة والصرب .. يوزع النقد على الجميع الشعوب والحكومات ..

ورؤية جيدة ، إشارة واستنكار لرحلة الناشئين في كرة القدم من بيبسي كولا في جريدة الرياضة .. مجموعات كبيرة إلى بريطانيا .. ويقول جاءتني رسائل كثيرة .. يدربونهم نصاري والصلبان على صدورهم .. ونقل فتوى (لابن عثيمين) حول هذه الرحلة وتحريمها .. نقل من الصحف .. الفاتيكان يخطط للتنصير .. حديث عن الرياضة في تعليم البنات وإشارة سريعة ..

حديث عن جريدة الصباحية التي توقفت أى فشلت وينتهز الفرصة لتهنئة الإخوة المخلصين لأنهم قاطعوها حتى كسد سوقها واضطر الناشر إلى إعلان فشلها ، وإشارة إلى قيمة المقاطعة وتأثيرها فيقول:

" انتهت الصباحية .. وجاء دور الشرق الأوسط ، إن جريدة الشرق الأوسط تمارس دورا سيئا جدا في تشويه أخبار المسلمين ، وتشويه صورة الإسلام والنيل من قضايا الإسلام ومعالجتها بطريقة لا تخدم بحال من الأحوال فهي لا تسمي ّ المسلم إلا بالأصولية ، وتتهمهم بأنهم مجموعة من الناس المتوحشين الذين لا همّ لهم إلا السلب والنهب والقتل والتدمير والإحراق ، وقد تكلمت قبل أسبوع .. فأنا أدعو الجميع إلى مقاطعة هذه الجريدة وعدم شرائها أو تعاطيها أو بيعها أو المشاركة فيها بأى أسلوب "

أشار إلى قصيدة العشماوي عن خضراء الدمن .. كلام ضد (الغزالي) .. ووصلته ورقة من المعهد العالمي للفكر الإسلامي ... الشيخ (سمير المالكي) أخرج البارحة ودور (ابن باز) في ذلك ، وقد سجن شهرا ، ويستنكر لماذا يسجن في الأصل ؟

(ج) السهام الأخيرة 5 / 11/ 1413هـ

ابتدأ بالحديث عن الإعلام العالمي ضد الأصولية .. وهو في حقيقة ضد الإسلام وليس في عرف هؤلاء نمط مقبول من الإسلام ، ولقد أصبح الجهاد وهو شريعة مجمع عليها هو في نظر الكثيرين نوع من الإرهاب ، حديث عن تجفيف المنابع في المغرب العربي ، تعليق على عرض العملية الجنسية عند الحيوانات ..

وهو إيحاء جنسي ثم إنكار ،هم يقدمون رسالة إلى الشباب بأن هذا فعل حيواني حديث عن برامج أخري ، حديث عن التضييق على المطبوعات الإسلامية " حتى الخطب بطريقها إلى التأميم " يقرأها الجميع بلسان واحد ،وهناك دعوة جادة في ذلك

حديث عن مصر قبل 50 عاما وكيف اعتقل وحورب الإسلام ثم مات حكام وانتصر الإسلام ، ثناء على الدعوة الوهابية ثم أشار إلى العثمانيين الذي حاربوها ، وكيف وضعهم الآن ؟ أوراق وصلته عن الدعوة للنصرانية في مستشفي بـ الرياض ورفع للإنجيل وطلب وثائق وجمعها ، نقد لخبر .. القبض على من يكتب " سبحان الله والحمد لله .." ووضع لوحات .

حديث عن الرافضة وتحذير حول نشاطهم واحتلالهم وظائف في المستشفيات وأرامكوا ، ولهم اتصال بالمسئولين ولهم دروس ونشاط وجداول في المنطقة ولهم طقوس في الإمساك ، ومع ذلك يجاملون .. ما عقيدة الرافضة في هذه البلاد؟

الإشارة إلى سؤال وصله "بلغنا عن إيقافكم وإن كان صحيحا فما الأسباب .؟ الجواب نعم" الأسباب غير معلومة ، ولكن المعروف منذ زمن بعيد هناك عدم ارتياح لما نتطرق وندعو إليه من الدعوة إلى قيام الناس بالدعوة إلى الله

وقيامهم بإنكار المنكرات وتوعية الناس ورفع مستوى إدراكهم ومعالجتهم للأحداث وضرورة إشراك الأمة في قضاياها وشؤونها .. وبالتأكيد أن السبب يدور في هذا الإطار .

(د) أخي رجل الأمن 26/11/ 1413هـ

توجيهات لرجل المباحث من خلال كتاباته للتقارير ، خطاب ونصائح عامة ، وفد مكون من 17 من منطقة القصيم ، لقد مع ولي العهد ووزير الداخلية وأمير الرياض ويتمنى أن يكون هناك نتائج لم يتمكنوا من مقابلة خادم الحرمين وطلبوا مقابلته ، سؤال عن لجان الحقوق الشرعية الذين قاموا بهذه اللجنة فهم نخبة من خيرة أبناء هذه البلاد

بل من علمائها ودعاتها وعلى رأسهم سماحة الشيخ (عبد الله بن جبرين) وهو إمام جليل القدر وعظيم الشأن ،وأقول ولا أتردد أنني أعتقد أن هذا الرجل ولىّ من أولياء الله عزوجل ويعلم الله أني لا أقول إلا ما اعتقده

بل منذ زمن ليس باليسير كلما رأيت هذا الرجل شعرت بالإكبار والإجلال لهذا الرجل مكانة تعدل سعة علمه وكبر سنه ، هو حركة لا تتوقف بعشرات الدروس .. مدح للشيخ طويل جدا ..

ثم يقول إنني أقول بملء فمي إن الوظيفة التي يشغلها (ابن جبرين) تشرف به وليس . العكس .. لم أكره القرار الذي سمعه وهكذا بقية المشايخ كأمثال الشيخ (عبد الله المسعري) رئيس ديوان المظالم سابقا والدكتور (الشيخ عبد الله بن حمود التويجري) وكذلك الدكتور (حمد الصليفيح) والدكتور (عبد الله الحامد) و(سليمان الرشودي)

فهم جميعا ممن كان لهم سمعة حسنة وطيبة وكان إعلانهم لهذه اللجنة للحقوق الشرعية في نظري أمرا طيبا وحسنا ، وذلك لأن هذا الإعلان لا يعدو أن يكون نوعا من المحاماة عن المظلومين بالمجان .

نعم إن مكاتب المحاماة قائمة ومعمول بها في هذه البلاد ، كما هو معروف فهم لم يضيفوا شيئا جديدا سوي أنهم تطوعوا بالمحاماة عن المساكين والفقراء المظلومين بالمجان ، متى عرفوا أن هذا الإنسان مظلوم فعلا وكان ينبغي أن يفرح به ويساعد وينظم إذا كان يحتاج إلى تنظيم ويطور ويوجد له فروع في جميع مناطق البلاد

هذه وجهة نظري ويشاطرني مجموعة من طلبة العلم في هذه البلاد طولها وعرضها بل في بلاد الإسلام كلها ، ولا شك أن الذي حصل لم يكن بودنا أن يقع ، ولكن قدر الله وما شاء فعل .."

دلوني على السوق في ما بعد أصبحت اسم محاضرة شهيرة ، خطابات التأييد إلى اللجنة من الشباب يتحدث عن مشكلة فتاوى السلاطين ، حديث عن السياحة وشرب الخمر .. كلام شديد عن الربا نريد أن يكون المفتي حرا طليقا ..

إذا خرج من هذه الضغوط حينئذ تكون مقبولة إشارة إلى اعتقال محمد المسعري . بيان هيئة كبار العلماء ، دفاع عن العلماء الكبار وعدم التشكيك فيهم وما يصدر منهم هو اجتهاد كجهات رسمية

و يتحدث البعض أننا لا نعلم من تاريخ هيئة كبار العلماء إلا ثلاثة أمور:

أولا: إدانة للوثيقة الشهيرة .
ثانيا: استنكار للنصيحة
ثالثا: رفض اللجنة .

صدر من الإخوة الشيوخ ولا شك .. ونعتبرها اجتهادا والآخرين اجتهدوا ، فهذا اجتهاد والآخر كذلك ، حديث ساخن حول دور رجل الأمن في الدول العربية ونزوله إلى الشوارع ، حديث متعاطف ،.. وشرح للفجوة بين رجل الأمن في الدول العربية والمتطرفين ..

وحديث عاطفي وشديد .. ثم بقول أتدري ما علامات التطرف ؟ " أتدري ما آية التطرف عندهم ؟ إن إعفاء اللحية أو حمل المسواك أو التردد على المساجد إن هذا كاف للإدانة أن صاحب هذه الأعمال من المتطرفين ".

تحذيرات عامة لرجل الأمن ، تركيز شديد على أعمال المراقبة من رجل المباحث والذين يكتبون تقارير عن المتدينين ، والمحاضرة أقيمت في جامع الذباب في بريدة .محاضرات أخرى عديدة مثل " الإغراق في الجزئيات " أقيمت في 17 /4/1412 هـ

كانت هذه المحاضرة في الرياض وفي الجامع الذي يخطب فيه (عبد الوهاب الطريري) كان مضمونها نقدا ذاتيا لبعض أخطاء التيار الديني ودعاته ، وحديث عن الأولويات والإغراق في المؤامرات والتحليل السياسي ، وتوجيه تربوي للابتعاد عن المسائل الهامشية .

وضرب أمثلة فقهية عديدة . وأشار إلى الصحافة الكويتية التي دخلت معركة مع التيار الإسلامي .ومنها محاضرة " لماذا نخاف من النقد "؟ في 5 / 1412 هـ ثقافية لافتة في موضوع النقد ويبدو غريبا صدورها من داخل التيار الديني والصحوة في تلك المرحلة ، وهذه من الأفكار الجديدة التي تطرق إليها خاصة أن الخوف من النقد عند جميع التيارات

وكانت في سياق محاولة تحرير هامش أكبر بعد تضييق السياسي على الخطاب الديني ، ولم يقدم الخطاب الديني ولا الشيخ (العودة) مبادرة عملية في حينها ونقدا ذاتيا لأخطاء جوهرية في الصحوة واضحة الملامح في ذلك الوقت .

ومنها "وسائل المنصرين" في شهر 2 / 1413هـ بدأ في خطاب الرسول صلي الله عليه وسلم إلى هرقل مقدمة حول التنصير .. وأنه قد لا تتحول إلى النصرانية لكن موقف العداء يخف ، ووجدت نفسي منهكا في مطالعة أكثر من ألف وثيقة حول التنصير ، أستغفر الله من استعمال التاريخ الميلادي إشارة حول أرامكو ..

وحول ما يحدث من احتفالات تتضمن رقص سكرتيرات .. وقيادة المرأة للسيارة .. تهويل نقل خطاب البابا .. من خلال إذاعة روسيا والـ (سي ، إن . إن .)!

ومنها محاضرة حتمية المواجهة 13 / 5 / 1413 هـ تتضمن كلاما عاما عن الجهاد ومواجهة الغرب .. وتحديدا موضوع البوسنة وتفصيلات حوله . ومنها محاضرة نهاية التاريخ 6/3/1414هـ .طرح ساخن عن الكتاب والغرب وكلام المثقفين وتحليلات سياسية .

ومنها محاضرة من يحمل همّ الإسلام كانت من أقوى الشعارات التي رفعت في تلك المرحلة وأصبح شباب الصحوة مستشعرا هذا الهمّ بقوة ، واستطاع الشيخ بهذا العنوان تثبيت الفكرة ، وهو شبيه بعنوان كتاب تربت عليه طلائع الصحوة الأولي ماذا يعني انتمائي للإسلام ؟ (لفتحي يكن)

من هم الدعوة إلى همّ المعارضة

بعد المئات من المحاضرات .. واللجوء التصعيدي الذي ميزّ إنتاج الشيخ (سلمان) في الوقت الأخير قبل النهاية والاعتقال ، وقد بدأ يتحول الجو العام من نشاط ديني دعوي إلى ما يشبه المعارضة السياسية ، ومن دون أى مبادرات تهدئة من قبل الشيخ .

لقد استفادت لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية في لندن من الأزمة بين رموز الصحوة والدولة وكسبت شعبية كبري بين شباب الصحوة ، وأصبحت منبرا ومرجعا إعلاميا في تلك اللحظة التاريخية وأصبحت كأنها مشروع واحد وهمّ واحد ، ووزعت المنشورات على الرغم من خطورتها الأمنية التي كلفت بعض الموزعين لها مدة طويلة في السجن .

لقد كان هناك تدرّج حكومي وسعة صدر في ذلك ، فلم يمنع الشيخ فجأة من إلقاء محاضراته ، وإنما في المرحلة الأولي استمر يلقي هذه الدروس من دون أن يكون لها مجال رسمي لكنها تباع عند المساجد وأماكن التجمعات بالآلاف .

وخرج في هذه المرحلة أبرز الأشرطة التي تحوى تصعيدا ملموسا ، ثم تم منع إلقاء الدروس والمحاضرات والتعهد بذلك ، ثم المنع من اللقاء بالآخرين والتجمعات في المنزل وإلقاء الكلمات ، وهي المرحلة التي حدثت حينها المسيرة للإمارة وألقيت الكلمات من بعض دعاة الصحوة ويعلنون تعاطفهم مع الشيخ في مسجده .

(1) السجن: تشرين الثاني (نوفمبر) 1994 م

كانت الأمور تسير نحو النهاية المتوقعة ، الإيقاف ثم الاحتجاز إلى أجل غير محدد ، ومع إصرار الشيخ (سلمان) على التحرك والحديث بطرق عدة فإن السجن أصبح مسألة وقت ، ويؤخذ كغيره من الدعاة سابقا بسهولة ومن دون ضجيج يذكر

لكن الذي حدث أمور عدة أربكت الجميع ، وأصبح كل طرف يتحرك بردة فعل ، فالشيخ استكمالا لتمرده ونهاية أراد ألا يدخل السجن من دون موقف وضجيج فكان يوم مدينة بريدة الشهير ، والمهرجان الخطابي الذي حدث أربك الجهات المسئولة ، ثم حدوث المسيرة إلى مبني الإمارة قدم الشيخ شريطا استباقيا سجله في المنزل بعنوان من وراء القضبان .

المشكلة أخذت بعدا آخر وتداخلت قضية لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية التي واجهتها الدولة بحزم ورفض مطلق ، مع قضية العودة وتيار الصحوة انتهزت لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية بقيادة (المسعري) تلك اللحظة التاريخية ، وأصبحت المرجع الإعلامي خلال الأسابيع الأولي من الأحداث لتيار الصحوة وكانت توزع الفاكسات بصورة واسعة .

المجتمع اختلطت لديه الأمور بين مشروع اللجنة وقضية الشيخ وأصبحت شيئا واحدا ، لقد استفادت اللجنة من هذه المناسبة وشكلت صراعا لا يمكن نسيانه لأى متابع ، وفرضت حضورها ، لكنها كانت ضارة بتيار الصحوة ودعاتها

حيث حولت الجميع إلى مشروع اللجنة السياسي من دون وعي من قطاع كبير في تيار الصحوة ومن دون تمييز ، وطالما أن القضية سارت بهذا الاتجاه فإن من المتوقع أن تكون الجهات المسئولة غير متسامحة خاصة أن خطاب لجنة الحقوق لم يكن عقلانيا أو معتدلا في تناوله الأزمة

بل تحت بريق النجاح ورواج المنشور ، أصبح خطابها بالغ السوء ، حيث احتوى هجوما شخصيا حول خصوصيات يترفع عنها الإنسان العاقل ، وما يجب تسجيله هنا أن اللجنة وقضية اعتقاله أضافا للشيخ بعدا دوليا وتحوّل ذلك إلى لحظة تاريخية في سيرة مجتمعنا أثرت في وعي الكثيرين ، بمساهمة من لجنة الدفاع ، وتناولت إذاعة لندن في ذلك الوقت الكثير من تفاصيل تلك الأحداث .

كان الطلب يتزايد على منشورات اللجنة من شباب الصحوة من أجل متابعة الأخبار وما كان لافتا في بداية الأزمة هو كثرة المعلومات التي يقدمها منشور اللجنة ، ما يوحي بوجود مصادر داخلية توصل لهم الأخبار ، قبل أن تحكم القبضة الأمنية وتلاحق المشاركين بالتوزيع والنسخ وإرسال الأخبار عبر الاتصال باللجنة .

بعد اعتقال الشيخ انتشر كاسيت من وراء القضبان ، ونظرا لأهميته فسأعرض موجزا لمضمونه ،وهذا التسجيل يشير إلى أن الشيخ بدأ مع تأزم الأمور يغير مضمون خطابه لصالح أمور مدنية ، حيث يشدد على الحقوق وهموم الناس والفساد والحريات ...

وهذه الهموم السياسية والمدنية لم يكن لخطاب الصحوة والشيخ اهتمام مبكر بها ، مقارنة بالاهتمام الوعظي السائد بالمنكرات الدينية ، بينا مصالح الناس ومشكلات المجتمع الحقيقية مهمشة هذا التغير جاء عفويا وعشوائيا وطارئا لحشد أكبر قدر ممكن من أبناء المجتمع .

ومن خلال هذا الشريط الذي يلخص الأفكار الأخيرة للشيخ كخطاب معارضة حقيقي ، وعندما نقول معارضة فلا نعني معني سلبيا أو إيجابيا وإنما وصفا لحالة فالمعارضة من الممكن أن تكون من فضائل الأعمال وممكن أن تكون من رذائل الأعمال ، ولكن حالة تقييمها .

خرج من هذا التسجيل شعار "إسجنونا وأصلحوا الأوضاع" وصارت تكتب على الجدران خاصة في مدينة بريدة وبعض الجسور في الطرق السريعة وفي دورات المياه ، ما يدل على حالة التسيّس التي وصلت إليها الأمور في ذلك الوقت .

(2) رسالة من وراء القضبان

تم تداول هذا الكاسيت بعد سجنه بأيام ، حيث أعده قبل سجنه بأيام في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1994 م ، وأهم محتوياته : يقول إنه رسالة لكل من يريد أن يعرف قضية الدعاة ، " إسجنونا وأصلحوا الأوضاع " سمع الكثير عن حملة الاعتقالات وكان آخرهم (سفر الحوالي ، عبد الله الحامد ، محسن العواجي) وغيرهم من طلبة العلم والشباب

قد أكون فردا صغيرا ضمن هذه القافلة المباركة إن شاء الله تعالي ، حقيقة يعلم الله أني لا أكره مشاركتهم ومشاركة غيرهم في هذا الشرف الذي نتوج به رؤوسنا وجباهنا ، كما تحت مجموعة من الإجراءات الظالمة التي شملت الفصل عن الأعمال والمنع من الدروس والمحاضرات والخطب والندوات والتسجيلات ..

خفف بعض الإخوة بسبب استقبالي الضيوف في أثناء الصلوات ، ومن الطبيعي أن يكون اللقاء فيه حديث .. ولن نتكلم بلغة الإشارة ، نتعرض للسجن .. من الطبيعي أن يواجه أى داعية أو مصلح ذلك

وكنت أتوقع أن استقبال الضيوف في المنزل سيترتب على ذلك اعتقال ، لا معني من وجود إنسان من غير رسالة يحملها ، الفساد المتجذر في مجتمعاتنا العربية فساد اقتصادي وسياسي وإعلامي ..

ومن الخطأ أن نتصور أن الإصلاح سيتم عن طريق مجرد الكلام أو مجرد أن نحمل قلوبا طيبة أو تصورات سليمة من دون أن نحمل في سبيل الكلمة التي قلناها بعض العناء ، هذا الفساد له أنصار متحمسون وله سدنة يرون أن زواله من زوالهم لهذا لا نستغرب من وجودهم إذ الصراع بين الحق والباطل .. بين العدل والظلم .. صراع أزلي.

ماذا يريد الدعاة ؟ هل طلبوا مالا أو منصبا أو وظيفة أو رتبة ؟ كلا والله .. وإني أقول ، والأمر يتعدي هذا القول وهو في نفوسنا منذ زمن بعيد .. لكن آن الأوان أن يقال والله إن هذه الأشياء كلها ليس لها عندنا من وزن وليس من برامجنا كأشخاص ولو أردناها لعرفنا طريقها

فنحن ندعو إلى إصلاح الناس كلها ، ندعو إلى إتاحة المجال للدعوة إلى الله تعالي والكلمة الحرة الصادقة المنضبطة بضابط الشرع ، يقولها خطيب أو داعية أو إعلامي أو صحافي أو كاتب أو شاعر أو ناثر أو معلم أو موظف

ندعو إلى أن يتمكن الناس من التعبير عن الحق الذي يعتقدونه والمشاركة في الإصلاح في هذه الأمة التي تحيط بها الأخطار من كل جانب ، ثم حديث عن مهمة تحويل الأمة إلى قطيع ، وتوضع أمامهم العراقيل في الإصلاح من أول الطريق ..

إذا المهمة هي إصلاح الأوضاع .. حتى أوضاع الناس الدنيوية ، أوضاع المال ، الكثيرون يتحدثون بمجالسهم وفي خصوصياتهم عما يشعرون به من فقدان العدل الاجتماعي ومن سمعة كثير من الطبقات وأنهم لا يجدون حقوقهم في المال العام ولا يجدون حقوقهم في الوظائف ، ولا يجدون حقوقهم في المخصصات ، ولا يجدون حقوقهم في الفرص التي هي في الأصل حقوق الأمة ، يتساوي فيها الجميع؛

يشتكي من ذلك المزارع ويشتكي منه الموظف المتوسط ، ويشتكي من ذلك المزارع ويشتكي منه المتوسط، ويشتكي منه الطلاب ويشتكي منه المتخرجون ، ويشتكي منه ألوان وأصناف من الناس ، ويشتكي منه رجال البادية ويشتكي منه كثير من أهل المناطق المختلفة المتباينة وغيرهم

الجميع يعترفون بذلك ... بالله من هو المستفيد من جعل هذه المشاعر مجرد مشاعر ضغينة في النفوس تتحول إلى أحقاد وإلى بغضاء وإلى تهديد للمجتمع دون أن تعطي فرص على الأقل في التنفيس؟ ماذا يضرك أن تعطي الناس مجالا للتنفيس عما في نفوسهم؟

ليست قضية الدعاة مصالح شخصية .. إذا الدعاة يطالبون بقضية تخص الجميع .. المنطقة الغربية .. الجنوبية .. الغربية .. الشرقية .. الوسطي .. وتخصّ كل مسلم .. القضية هي قضية الامتثال لشريعة الله التي جاءت بالعدل والمساواة وكرامة الإنسان .. وليست قضية شخصية .

إن رأيتمونا يوما من الأيام طلاب جاء أو طلاب مناصب أو طلاب مال أو طلاب شهرة أو طلاب وظيفة فاحثوا في وجوهنا التراب واعتبروا هذا آية على عدم صدقية ما ندعو إليه ، نحن دعاة حق ..

فهم يريدون أن تكون الأمور في ظنهم أسرارا وطلاسم .. هو فرد من الأمة من حقه أن يعرف ما لديه .. لماذا حارب ؟ أين دور المختصين؟ لماذا تكون أسرار ؟ ليس من حقكم أن تفهموا ولا أن تشاركوا ولا أن تناقشوا .. هذه مصادرة لحقوق الإنسان .. لماذا تجعل العقل في إجازة مفتوحة ؟

الدين جاء ليحكم الحياة:

" نعم نحن ندري أن الإصلاح يحول دون شهوات الكثيرين ، وأن طريق الإصلاح ليس مفروشا بالورود ولا بالرياحين ، بل هو طريق مفروش بالأشواك والمتاعب والمصائب لكن لماذا تلومون قوما اختاروا هذا الطريق ورأوا أن يسلكوه ونسأل الله يثبتهم حتى النهاية وهم يحرصون على الاعتدال بقدر المستطاع ومراعاة الحكمة .. ولا يرون أنفسهم .. أن يكونوا عرضة للاجتهاد الذي يخطئ ويصيب ..
ليس لدينا سر وليس لدينا شئ خفي ، فكل ما لدينا تحدثنا عنه في الأشرطة على الملأ علانية .. وهذا هو سبب ما قد نجد من مضايقات .. نعم قالوا لنا إن نتلطف بالأسلوب ونهذب العبارة ولا نهجم على الموضوع بشكل مباشر .. لكن قلنا كثيرا ما يجب أن نقول وكثيرا ما يجب أن يقال .. العالم كله مفتوح الحديث عن صحة رئيس فرنسا .. "

ماذا تريد؟ ولماذا اتهمت ..؟!

" هذا سؤال لابد أن يطرح .. ويتساءل عنه الكثيرون فأقول : إني لا أعلم تهمة إلا أننا نتحدث بتوجيه الأمة ونتحدث عن قضاياها .. نحاول أن تكون مدافعين .. أن نصحح ما يمكن تصحيحه .. ولا شك أن من المنكرات وهذه الأشياء التي حدثونا فيها لماذا استدعينا إلى وزارة الداخلية قبل عام أنا والدكتور الشيخ سفر الحوالي ؟

وكتبنا إلى فضيلة الشيخ (ابن باز) .. لم يكن هناك من أمر يوجه إلينا إلا أننا تكلمنا مرة عن الربا وأنكرناه وتكلمنا مرة عن السلام مع اليهود واستنكرناه ، وتكلمنا عن بعض المظالم الاجتماعية الموجودة وأنكرناها ، وتكلمنا عن تسلط بعض الأجهزة على الناس وأنكرناه ، تكلمنا عن حقوق الناس وما لهم أنه لا يجوز ترويعهم ..

نحن دعاة وحدة واستقرار .. ولا يحق لأحد مهما كان أن يدّعي أنه أحرص على الأمة وعلى الإسلام من دعاة الإسلام .. نعم قد يختلف الأسلوب .. نؤلف قلوب الناس بالعدل وبالمشاركة وبالصدق .. الاستقرار الاقتصادي لا يأتي من النفط فقط .. إذا لم يكن هناك عدالة .. والله لا استقرار إلا بالانصياع إلى الشريعة .. لماذا لا نتحدث مع أنفسنا؟ ألسنا مددنا أيدينا للغرب والعلمانيين ؟

" أما السجن فلا يعنيني من قريب ولا بعيد فأمره سهل .. وأذكر قوله تعالي ،، (نضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرّحمة وظاهره من قبله العذاب ) يشعر الإنسان أنه يزور بلدا لأول مرة .. أنت تهرب وقتا اضطراريا ، تجرب نفسك وقدرتك على التحمل لبعض ما تقوله .. فهو جزء من الطريق .. هو الطريق إلى إصلاح الأوضاع ولا نشك .

بل إنني أجد أن يكون تفجيرا للطاقات الكامنة في الأمة لأننا نحتاج إلى كثير من الدعاة والمصلحين ... القضية ليست قضية شخص .. إذا المسألة مسألة دين دعوة .. واعتقالنا جزء من مشكلتنا وهي مشكلة المعتقلين منذ سنين طويلة .. لا أحد يعتقل بموجب نص ... بل أبالغ أن كثيرا من المعتقلين لا يدري لماذا دخل ولماذا خرج؟ هذه القضية يجب أن يكون لها حل ".

وختاما:

" البداية كانت مصادرة الرأي مثل مصر والجزائر ، فنحن نخشي على البلاد من ذلك المصير ، يجب ألا يستغل أحد حال الدول الأخري ويطبقها علينا ، مطلبنا إصلاح أوضاع الناس .. أما الدعاة فالأمر يسير .. ولا يجدون حرجا في التنازل عن الأمور الشخصية . إن مهمة الإصلاح التي نهدف إليها ليست مقصورة على بلد معيّن ولا مجال معيّن.."

(3) مرحلة السجن

كان سجن الشيخ بداية مرحلة جديدة للجميع، استمر التيار الجامي بالهجوم عليه وحشد الأقوال من علماء سلفيين ، والاستعانة بالشيخ (الألباني) للاستفادة من خصومته التقليدية والقديمة لحركة الإخوان المسلمين

وحاول تيار الصحوة والناشطون فيه وضع تسجيلات وكلام علماء يدافع فيه عن مشايخ الصحوة ، وصحة معتقداتهم الدينية على الطريقة السلفية ، فالتيار الجامي شكك بذلك ، وانتشرت فتاوى التزكية ومنشورات حتى من (الألباني) نفسه .

وبعد فترة حدثت حالة ركود للخطاب الديني وتحجيم لأنشطته ، وفي بعض السنوات تداول فكرة إلغاء المراكز الصيفية وتحجيمها ، استمر الخطاب الديني التقليدي والرسمي .

أثناء هذا الهدوء وتكميم صوت الكاسيت .. أو جريدة الصحوة الصوتية . فإن الصحافة نشطت في تقديم بعض النقد وتوجيه بعض الرسائل بعناية ورؤية محددة خاصة بعد أحداث العليا ... وشعرت الصحافة بأنها تخلصت من رقابة الكاسيت عليها ..

وكان لجريدة المسلمون نشاط خاصة في هذه المرحلة ، وقامت بعض الصحف بنشر خطب وكلمات ومقالات دعاة وقفوا في هذه الأزمة ضد رموز الصحوة بوضوح.. وبأنهم دعاة فتنة ، وطرح مكرر عن طاعة ولي الأمر ، وكان أبرزهم الشيخ (صالح السدلان) والشيخ (عبد العزيز العسكر) الذي قدم خطبة أشار فيها إلى قطع الرؤوس ، وظهر له برنامج تلفزيوني في هذه المرحلة .

على الرغم من الإثارة الإعلامية التي حدثت مع اعتقال الشيخ ، فقد كان البعض يتوقع استمرار الأحداث بخط تصاعدي ، لكن الذي حدث عكس ذلك على الرغم من حدوث تفجيري العليا ثم الخبر

فقد مرت السنوات الخمس سريعا بركود ملموس لخطاب الصحوة ، ومع ظهور منتديات الإنترنت وبالذات منتدي الساحات السياسية حيث تعقد موضوع الرقابة مرة أخري ، بدأ تيار الصحوة بالمطالبة بالإفراج عن المشايخ وبالذات (سلمان وسفر) ..

(4) الخروج من السجن

كما أثار سجن الشيخ صدى إعلاميا ومتابعة المجتمع لذلك ، فإن خروجه بعد سنوات طويلة صاحبة بعض التفاعل الافتراضي الآمن والحذر جدا عبر الإنترنت ، وليس على الأرض كما حدث في الاعتقال .

حاولت نشرة الإصلاح توظيف هذا الخروج مرة أخرى وقدمت نشرة خاصة عن إطلاق العلماء والملابسات والمسؤولية 28 حزيران (يونيو) 1999م، فأشارت هذه النشرة إلى حالة الفرح ، وأن هذه الفرحة ليست بخروجهم

وإنما لأنهم (خرجوا ثابتين على مواقفهم دون تنازلات أو تخاذل) مع أن الحي لا تؤمن عليه الفتنة كما تشير النشرة ، ثم مدح للعلماء وأنهم مدركون لدورهم ثم الإشارة إلى أسباب خروجهم بأن مرور الأيام في السجن تخسر الدولة ويربح العلماء شعبية .

كانت أبرز نقطة أخذت جدلا واسعا في المنتديات مع الفرحة الكبيرة للتيار الديني بخروج المشايخ ، وأخذت بعض الوقت كان السؤال: هل وقع العلماء أم لم يوقّعوا على تعهد؟

حيث كانت أبرز نقاط الاختلاف بين اتجاه تيار الصحوة المعجب وبين رؤية تيار ديني رسمي يريد أن يحافظ على هيبة الدولة فكتب المعرف بالساحات السياسية بتاريخ 28 حزيران (يونيو) 1999 م : لمن أراد أن يعرف قصة خروج (سلمان وسفر) وهي رواية من شهد على توقيع الدعاة في جدة نقول وبالله التوفيق : إن خروج الدعاة تم بعد عدة طلبات متكررة من (سلمان العودة) إلى ولاة الأمر .

ثم بعد ذلك طلب منه تعهد مكتوب ، وبعد إبلاغ (سفر الحوالي وناصر العمر) بموقف (سلمان) وافق الجميع على الشئ نفسه بعد تدخل مجموعة من المشايخ ثم نقل (سلمان وسفر) إلى جدة وهناك كتبوا التعهد وأقسموا بالله على السير على درب مشايخنا وعدم إثارة الفتنة ، ثم شهد بعد ذلك أربعة من المشايخ منهم اثنان من هيئة كبار العلماء أحدهما من علماء الأمة " انتهي

وهذا التعهد يري صاحب المشاركة أنه صك شرعي مصدّق من مجلس القضاء الأعلي .

كتب (Janno-I) بتاريخ 19 حزيران (يونيو) 1999 بأنه سيتم الإفراج عن الشيخ ، وقد أحدثت وفاة الشيخ (ابن باز) تغيرا كبيرا في منهجه ، وأصبح الآن من أكثر المطالبين بخروجه من السجن بعد أن كان يرفض ذلك سابقا

كما صرح (سلمان) لأحد المشايخ طلب رؤيته خصيصا في السجن أنه سائر على طريق الشيخ (عبد العزيز بن باز) ومنهج السلف الصالح ثم طلب منه تحميله رسالة خاصة لولاة الأمر .

كتب (ابن قحطان) في منتدي الساحات السياسية 30 حزيران (يونيو) 1999:

" بأن الحكومة قامت بإخراج المشايخ من السجن وتوجهوا بهم إلى أحد فنادق جدة ، حيث كان وصولهم يوم الجمعة الموافق 11/3/1420 هـ
وبقي المشايخ في الفندق تحت الحراسة حتى صباح يوم الأحد الموافق 13/3 / 1420هـ وفي أثناء تلك المدة تقابل المشايخ مع وزير الداخلية الأمير (نايف ابن عبد العزيز) في مكتبه الخاص ، وقبل المقابلة كان لهم لقاء جانبي مع مساعد وزير الداخلية (محمد بن نايف) ومدير المباحث العامة.
اجتمع وزير الداخلية بكل شيخ على انفراد وكانت مدة اللقاء مع كل شيخ قرابة 45 دقيقة ، واتسم اللقاء بالودية ،وصرح الأمير بعدم رضاه عما حدث للمشايخ ، كما بين الأمير أن الأمير (عبد الله) و(سلطان) يتابعان موضوع المشايخ باهتمام ، وقال الوزير : " إننا عرفنا الدعاة الصادقين من المخادعين ".
وكذلك قال : " كان بيننا وبينكم أدعياء على الخط " وعرض الوزير على المشايخ الرجوع لوظائفهم الرسمية ، إلا أنهم اعتذروا عن ذلك ، ووعد الأمير المشايخ بالرجوع إلى ما كانوا عليه من دعوة ولكن بعد فترة غير محدّدة وفي نهاية اللقاء أعطي الأمير المشايخ أرقام هواتفه الخاصة وطلب ألا يكون بينه وبينهم وسيط في أى أمر كان ، وتم خروج المشايخ والحمد لله دون توقيع على أى شروط تذكر "

وجدت من الضروري تسجيل وتثبيت أهم بعض ردود الفعل والتسريبات شبه الرسمية في رأي كمتابع تلك التي تمت عبر الإنترنت ما يؤكد إشكالية الحالة السعودية وضعف التدوين الرسمي للأمور ، وهذه الإشارة ضرورية لنتصور المراحل التالية وما حدث من تحولات عالمية وإقليمية .

كان هذا الإفراج مؤشرا على حالة ارتياح لتيار الصحوة ، والتسريبات الانترنتية التي سبقت الخروج كانت مقدمة وتمهيدا للسلوك الجديد لهذا التيار وناشطيه ، الذي أصبح أكثر قابلية للإعتدال وعدم جدوي الصدام مع السياسي .

اتخذ الشيخ استراتيجية ذكية في التعريف بحالة التغير التي مر بها ، حيث تم تناقل هذا التغير في البداية من زواره ومعارفه ، وقد اختلف تيار الصحوة في البداية في تفهم هذا التغير ما بين مرحّب به وأنه خطوة نحو الاعتدال المطلوب وآخر مشكك فيه وأنه نوع من التراجع وظهر ذلك الجدل في الكثير من المنتديات الإسلامية .

في البدايات فضل الشيخ الصمت الكامل وعدم التعليق على هذا الجدل وعدم تدشين أى عمل وتأخر ظهوره الخطابي وبدأ فقط في درسه العلمي في شرح كتاب بلوغ المرام .

الكثيرون لا يعرفون ماذا حدث بالضبط ؟ وعن نوعية الاتفاق الذي تم التوصل إليه .. سوى أحاديث شفهية لكن هذه الفترة لم تطل كثيرا فقد بدت الأحداث العالمية تفرض حضورها على الجميع مرة أخرى ، فقد اندلعت انتفاضة القدس . وقبل ذلك انشغل العالم بقضية تحطيم طالبان للصنمين وتفاعلاتها الإعلامية .

كان الشيخ هادئا جدا في تعامله مع الحدثين مقابل حماسة الكثيرين من تيار الصحوة والسلفيين بالذات مع قضية تحطيم الصنمين ، فكانت هذه الأحداث أعطت مؤشرا أوليا على التغير الفعلي للشيخ .

(أ‌) العودة إلى المربع الأول

مشروع ترويض الصحوة ورموزها أخذ سنوات وببطء شديد أكثر من المفترض وفي اللحظة التي ظن أهم الأطراف أنهم وصلوا إلى نقطة تفاهم كانت تلك السنوات الراكدة علانية كانت تنضج وتغلي فيها أفكار خطرة واستراتيجيات جديدة ستشكل وجه العالم في الألفية الجديدة كانت السعودية في مقدمة الصورة السبتمبرية فكرا ودينا وسياسة ، والشيخ (العودة) يجد نفسه أمام حقائق جديدة وواقع مختلف ، وعليه دور ثقيل يتطلب منه حساب كل خطوة بدقة.

أراد أن يظهر التغيير ببطء غير محسوس وألا يحسب أى موقف له على الحكومة وأن يكون في موقع يبدو محايدا لا منتقدا ولا مادحا لها في أحداث أيلول (سبتمبر) صاغ الشيخ موقفه في البدايات بأسلوب أقرب إلى الدبلوماسية منه إلى الفقه

فلم يخسر ولم ينجح فالرؤية مشوشة عند الكثيرين ، ومع بروز خطاب سلفي متشدد ممثلا (بالشعيبي والفهد والخضير) ، بدأ الجمهور يشعر بهذه التغيرات وشعر تيار الصحوة التقليدي بالملل من تباطؤ الشيخ وعدم تفاعله كما يجب في نظرهم ومع ذلك استمر في مشروعه الجديد فبدأ بمؤسسة الإسلام اليوم الذي يكبر بمرور الأيام من مجرد موقع إلى مشروع ضخم يتناسب مع تاريخ الشيخ وسمعته .

بدأ بالظهور الإعلامي صحافة وتلفزيونا ، ومن الواضح أن النقد الساخن محليا بين الرؤى العقلانية والثقافية والصحافية ضد أخطاء التيار الديني التقليدي يؤثر في أسلوبه بحيث تجنب الدخول في هذه المعارك مع أو ضد ، فقد أراد أن يتجاوب مع هذا القلق المحلي بطريقته الخاصة ، التي تعيد الشيخ للساحة من خلال خطاب التعايش .

(ب‌) خطاب التعايش

ربما لم يتوقع الشيخ ردود الأفعال بهذا الحجم من مختلف التيارات ، وهو الذي كان يخطط للظهور من جديد بهدوء ، بعيدا عن الضجيج والخلافات والصراعات فحدثن المفاجأة غير المحسوبة فبقدر ما نجح في كسب أنصار يبحثون عن الشيخ المتسامح من تيارات ونخب مختلفة كان هناك آخرون يستنكرون برؤية دينية هذا الخطاب

ومع أن مكاسب هذه المبادرة كانت كبيرة للشيخ وفقا لمشروعه وشخصيته الجديدة التي يؤسس لها فقد فتح حوارا مع الآخر الغربي والنخب الأمريكية بصورة حضارية و أثار حراكا وحوارا ثقافيا محليا ، وطرحت تساؤلات دينية وعلمية وسياسية كثيرة

ومن خلال متابعة لتفاصيل الحدث يبدو أن الشيخ ارتبك قليلا ، ولم يستمتع بالنتائج الإيجابية وهو يخسر تيارا مهما من الصحوة والسلفيين ، ليست المشكلة هي في عدم رضا بعضهم وإنما في وجود صقور من هذا التيار رفضت السكوت ، وأخذت تشنع على الشيخ خطواته وتتباكي على التوحيد والعقيدة والولاء والبراء .. والموقف من أمريكا التي تغزو الأن ديار المسلمين في أفغانستان ..

كان هذا الهجوم الصاخب في المنتديات ، إضافة إلى حساسية القضية التي يتناولها ضد الشيخ ويتهمه بالتهاون فيها والمداهنة للغرب شكلت إرباكا للشيخ خاصة أن السجال مع الرؤية السلفية التقليدية غير ممكنة عند الشيخ ، وأى مدرك لمحتويات الفكر الديني يعرف مدى الصعوبة العلمية التي تواجه الشيخ في فتح أى حوار

ولهذا كانت التوبة سريعة عند اسم مهم في التيار السلفي والوهابي الشيخ (عبد الرحمن البراك) والإنسحاب بهدوء وبأقل الخسائر ، ولا شك أن هذا الارتباك والتراجع محرج للشيخ ومحبيه لكنه قدم للشيخ خبرة جديدة للصعوبات التي يمكن أن تواجهه في مساره الجديد .

استمر الشيخ بمنهجه الجديد لكن أحداث الرياض وتفجيرات 12 أيار (مايو) 2003م نقلت أزمة الإرهاب إلى طور آخر ، ولم تعد تلك البيانات الدبلوماسية كافية ، وانطلقت المعركة من الصحافة التي استفادت من الحرية الطارئة في نقد أخطاء الداخل الدينية الفكرية

وجاءت مزايدات ضد بيانات الإدانة التي قدمت من بعض شيوخ الصحوة ، وأنها لا تكفي مع اتهامات وصلت إلى مرحلة بأنهم جناح سياسي للإرهاب وكان مقتل (العبيري) الذي كان في أحد خطاباته الموجهة للشيخ يتهمه بالتغير في منهجه ، وعلق الكثير من الكتاب على هذا الخطاب وأنه دليل على أن خطاب التسعينيات للشيخ قاد إلى هذه النتائج .

لم يتجاوب الشيخ مع أى استفزازات ولم يدخل مع أى معركة جانبية وبدا واضحا تغير الشيخ ، وزيادة الثقة بينه وبين المسئولين ، فسافر إلى الخارج وظهر في قناة (المجد) ثم قناة (الجزيرة) .. ثم كان ظهوره المستمر مع قناة (العربية) وقناة (إم . بي . سي) ..

ما يمكن تسميته بالمرحلة القرضاوية للشيخ، وهي مشابهة لتجربة القرضاوي في قناة الجزيرة ، حيث تعرف على الشيخ جمهور جديد من دول العالم ، وأخذت تفرض عليه آراء فقهية جديدة تختلف عن فقه السلفية التقليدي ورؤية الصحوة الحركية .

(ج) حول تجربة الشيخ

كان التوسع قليلا في موضوع الشيخ (سلمان) تفرضه طبيعة تجربته وكثافة إنتاجه من المحاضرات في مرحلة الكاسيت الذهبية وتأثيره الواسع ، ونوعية خطابه ، قد لا يتصور الآن البعض مدى حضور الكاسيت في مجتمعنا ما بين منتصف الثمانينيات ومنتصف التسعينيات؛ وهي التي كان الإعلام المحلي في أسوأ حالاته في جاذبيته ورقابته التقليدية الصارمة في اللحظة التي كان خطاب المنبر في حريته وتناوله الموضوعات العامة وتزداد جاذبيته .

لقد كانت لحظة تاريخية استثنائية مركزة جدا في فعالية صوت الكاسيت يصعب تكرارها ، ولا تستطيع أن تقوم بالدور نفسه الآن أقوى القنوات التلفزيونية ومواقع الإنترنت؛ فقد تفتت مصادر التأثير بصورة غيرة مسبوقة ولم تعد الحكومات نفسها قادرة على توجيه شعوبها بالطريقة نفسها التي كانت متاحة لها بسهولة قبل عقدين

ويمكن أن نلخص أهم ما يجب تسجيله هنا بخصوص تجربة الشيخ في الآتي:

إن من غير الإنصاف مقارنة تصعيد وتأثير (العودة) في خطابه الديني بـ (الحوالي أو العمر أو القرني) فالواقع أن (العودة) وصل بخطابه إلى أقصي نقطة يمكن تصورها له كداعية بل في بعض اللحظات أصبح خطاب معارضة أكثر منه خطاب دعوة ، وهذا الخلط بين المشايخ والتعميم أحدث مشكلة في الموضوعية والمتابعة من قبل الكتاب

فـ (الحوالي والعمر) حافظا على هدوئهما أثناء الأزمة ولم يتغير خطابهما في مرحلة الثمانينيات عن أزمة التسعينيات كثيرا ، وقد نقل الشيخ العودة تيار الصحوة ومجتمع مدينة بريدة في تلك الأزمة إلى خندق المعارضة .

من خلال الاستقراء والمتابعة لشخصية الشيخ (العودة) وخطابه يمكن القول إن مرحلته الحالية المتسامحة تناسب طبيعة بداياته المبكرة في الدعوة التي كانت بعيدة عن التشدد ، وتميل إلى التسامح مقارنة بمحيطها فقد كان التصعيد والعدائية طارئين عليه نتيجة حداثة التجربة والانجراف وراء الجماهير .

ما تم استعراضه هنا عن بعض تاريخ الشيخ ليس جزءا من الماضي الذي انتهي ، وإنما المسؤولية التي فرضها رصد التاريخ الفكري لمجتمعنا ويصعب معها شطب أو تجاهل هذا الإنتاج وتفاصيل تلك المرحلة التي ما زالت حاضرة معنا

بجيل كامل تأثر منها سواء منهم الذي أوصل الخطاب إلى نقطة التهابات العنيفة ، وانفجرت فوق ناطحات السحاب وتلك الجماهير المعجبة أو ذلك الذي صدم مما حدث وجعلته يقف موقفا آخر ضد الأصالة والحضارة الإسلامية وكلتا النهايتين ليستا مما يريدهما .

القول إن الشيخ تغير فلا داعي لنبش الماضي ، وهذا المطلب يكون مقبولا لمن كان لديه إنتاج محدود وغير مؤثر ، أو تغيره كان قبل مرحلة إنتاج خطاب ديني خاص به ولهذا فهو مطلب غير علمي ولا واقعي فليس الهدف تصيد أخطاء وملاحقة فكرية مشخصنة ضد الشيخ بقدر ما هي معالجة أفكار لا تزال موجودة وقد مثلها الشيخ في مرحلة سابقة .

على الرغم من كل المتغيرات الفكرية والفقهية عند الشيخ فإنه حافظ على قدر من الدبلوماسية المبالغ فيها مع شخصيته الماضية فهو يحتاج إلى إستراتيجية أكثر علمية وصدقية في الموقف من تاريخه

وهو ليس بذاك السوء الذي يخجل منه المرء ، إنه صانع مرحلة وجيل عجز عن القيام بذلك نخب سعودية منذ أجيال عدة ففي الحوارات الكثيرة التي أجراها لم أجد إجابات عقلانية وجادة في حسم رؤيته الفقهية والفكرية بل لديه تردد وضعف ومغالطات كثيرة استفاد من ضعف محاوريه في كشف وتحديد الأسس التي يجب أن ينطلق منها عندما أراد الانتقال إلى شخصيته الجديدة

ولهذا لم يقدم الشيخ حتى الآن القول الذي يجب أن يقوله في ذلك في الكثير من الأمور فالقضية ليست إنتاج خطاب جديد يصحح تلقائيا خطاب الماضي فليس كل الماضي مخطئا ، وهناك تداخلات كثيرة تفرضها طبيعة الواقع والفكر الإسلامي ومراحل الدعوة .

  • هل خان الشيخ مشروعه .. وورّط به أجيالا من الشباب ثم تخلي عنهم ؟ ربما يكون السؤال قاسيا بهذه الصيغة ، لكنه يجب أن يطرح هذا السؤال مباشرة ، فهو ليس سؤالا للشيخ لو كان مجرد واعظ أو مفت وإنما سؤال يوجه لكل من يقدم في خطابه مشروعا سياسيا ، وقد ختمه بشريط من وراء القضبان الذي قدمت ملخص له هنا .
لقد كان واضحا فيه الاستعداد لمختلف النتائج ، وكان متشبعا فيه بروح الحوارات مع الجهات الأمنية من خلال سلسلة مفاوضات قبل دخوله السجن ، حيث لم يقدّم مرونة كانت مطلوبة في ذلك الوقت ، لست هنا بصدد اكتشاف أخطاء بقدر ما إننا أمام مشكلة متكررة من رواد ورموز الحركة الإسلامية البارزين في خطوات بمثل هذا الخط ، الذي ينتهي بنصائح الكثير منها في مواجهة ذاته القديمة قبل أن توجه لأجيال أخري .
  • لقد سررت بتغير الشيخ ونزوعه نحو التسامح الفقهي والطرح العقلاني ، وهو مكانه الذي كان يجب أن يستمر فيه منذ البدايات لكن المرحلة الجديدة تفقد تماسك الشخصية العلمية الدينية ، ومن الخطأ أن يتحول الشيخ إلى (عمرو خالد) ، أو (طارق السويدان) ، اللذين لهما شخصيتهما الخطابية ذات الخصائص المناسبة لهما ، فالشيخ لديه تشتت وتداخل كثير قد يضعف من حضوره العلمي الديني وليس لديه إمكانيات المفكرين الكبار في الرؤية والتحليل ولهذا فإن مرحلته الجديدة بحاجة إلى تحديد أكثر .
  • في ظروف استثنائية تاريخية مضت ، بالغ الشيخ في اقتحام الشأن السياسي في لحظة ضعف رقابي على الكاسيت فتورط بالكثير من الآراء فقد حمي الرقيب من دون قصد الكثير من الكتاب والصحافيين خلال العقدين الماضيين من أخطاء ستكون تاريخية لهم لو سمح لهم بالطرح حول مشكلات الصحوة وقضايا سياسية أخرى ، والآن تبدو مشكلة الشيخ في نعومته السياسية وحساباته الزائدة التي تفقده شخصيته كعالم شرعي ومن النخب الدينية التي يحتاج إليها المجتمع في بعض المشكلات وفي نقد جهات حكومية فرطت في واجبها تجاه الشعب .

مسألة الوافد والتبادل الفكري

مع كثرة الإشارة إلى تأثير الفكر الوافد والدخيل فإني لم أعثر على دراسات تبحث في هذا الموضوع في الشأن السعودي ، وتؤسس له بنظرة علمية رصينة وجاءت هذه الإشارات من كتاب ومسئولين في سياق تبرئة الذات من أى انحرافات دينية أو نزوع نحو التشدد والتطرف ، تخصيص مبحث له هنا هو محاولة لمعالجته بقدر من المنهجية والبعد عن النتائج والتهم المسبقة؛

وفي تقديري أن هذا المجال يحتاج إلى كتاب خاص مطّول يبحث في تفاصيل وحقيقية هذا التأثير ، وهو من متطلبات فهم الحالة الفكرية السعودية والثقافية والدينية وللأسف فقد اعتاد البعض إلقاء النتائج والانطباعات وفقا لرغبات كل مرحلة ، وتضمنت هذه الكتابات العديد من المغالطات المنهجية من حيث فهم آلية التأثير وحقيقته ونوعيته وأسبابه وعوائقه .

قد تكون السعودية من أكثر الدول احتكاكا ، بالآخر نتيجة استضافة عرب وأجانب من أجل العمل لظروف الوفرة النفطية ، فضلا عن فريضتي العمرة والحج السنوية

ومع ذلك فالبحث في هذا الموضوع لا تجد له مصادر تؤسس للتفكير العلمي فيه ، ورصد هذا الجانب يواجه بعوائق كثيرة ، فلم توفر الصحافة عبر تاريخها الطويل مادة جادة في الوقوف عند هذا المحور باستثناء حوارات يغلب عليها انتظار المديح من المقيم والوافد لتطور البلد

وهناك إشكال آخر بعدم كتابة الذين أقاموا في السعودية مذكراتهم واتصالاتهم بعقلية ثقافية رصينة أما الناشطون الإسلاميين فالهموم الحركية والدعوية تسيطر على إنتاجهم ومؤلفاتهم فتخفي الكثير من المعلومات عن واقع التبادل الفكري وتطوراته وحواراته في الجلسات الخاصة .

ولكن المتابع للتطورات الفكرية والمتغيرات التنموية والسياسية يمكنه وضع محددات أساسية للتعامل مع هذه الفكرة . ولتصور هذه القضية ربما تحتاج إلى وضع مقدمات كحقائق تاريخية عامة ليست محل خلاف، ونحن هنا معنيون بالقرن الأخير لتلمس درجة التأثير وحقيقته وليس الحديث عن عصور تاريخية قديمة جدا، هناك قدوم مبكر منذ قرون وفي العصر الهاشمي في منطقة الحجاز، وهو الذي شكل وعيها الديني قبل مرحلة التوحيد السعودي .

لكن التأثير الديني الحجازي أو الثقافي تمت محاصرته مبكرا ، ولم يؤثر في بقية المناطق ، ولم يظهر تأثير حقيقي للفكر الديني الحجازي في التعليم ولا منبر المسجد ولا الخطاب الديني بوجه عام

حيث كانت المرجعية الرسمية تمثلت بالمدرسة الحنبلية الوهابية ، كمقياس للصواب الديني ، يزال كل ما يتعارض مع تعاليمها هناك ظروف عدة فرضت مثل هذا الخيار فيجب عدم التعامل مع مثل هذه الحقائق التاريخية بحساسية زائدة وغير واقعية .

الهوية الدينية الحجازية بقيت عند الكثير من أبنائها لكن عطلت فعاليتها مبكرا في التأثير في بنية المجتمع والبعض الآخر تحول إلى الرؤية السلفية ليسهل اندماجه في مشروع الدولة ولهذا نجد شبه جمود لتأثير الفكر الديني الحجازي على الفقه المحلي الذي حافظ على تقليدية بحتة وبمواصفات سلفية محافظة جدا .

هذه حقيقة فرضتها مركزية الدولة الناشئة وشروطها لكن ما يبدو لافتا هو العجز الشامل للنخب الحجازية على التأثير الفكري في تشكيل الهوية المحلية كان للثروة النفطية دور في هذا العجز من أن يكون الحجاز مصدرا رئيسا في تشكيل الثقافة الدينية والاجتماعية والسياسية وكان مسار التنمية يضعف من جميع القوى القديمة التي أصبحت تتغذي وبحاجة إلى مصدر الثروة والنمو وهو النفط .

كان الحجاز يمثل ثقافة شبه أجنبية لبعض المناطق السعودية الأخري ، وهو قريب من طابع الثقافة المصرية وبقايا الثقافة العثمانية ، التي لها جذور عميقة فإذا كنا نرى من الناحية التاريخية عدم وجود بصمة بارزة له في أهم مكونات الفكر المحلي وخاصة الدينية الذي تشكل منذ ما يقرب من نصف قرن

فكيف يمكن تصور وجود مؤثر أجنبي عابر جاء نتيجة الاحتكاك بالآخر؟ إذ أن تشكيل ذهنية المجتمعات تحكمها ظروف من بيده القرار وتوجيه الأحداث والفكر ؟!

متى طرحت فكرة تأثير الوافد ؟

كانت تؤخذ فكرة التأثر بالثقافة العربية منذ بدايات القرن الماضي في الدراسات الأدبية المحلية في إطار فهم مضمون فكر الرموز بالمعني الإيجابي لرصد مصادر اطلاعهم ومتابعاتهم الثقافية وهمومهم الأدبية

لكن مع بروز الإشكاليات الدينية أخذت فكرة التأثر معنى سلبيا عند الذين يدافعون عن السلفية التقليدية ، وأنها ليست مصدر انحراف وتشدد ، وأن المظاهر السلبية جاءت من مناهج وافدة في فكر رموز الحركات الإسلامية المعاصرة !

لكن اللافت في تشكل الفكر الديني السعودي ليس تأثره بالآخر ، وإنما محافظته على شخصيته وهويته السلفية على الرغم من كثرة المتغيرات وتطورات المجتمع ووجود العديد من المؤثرات الفكرية والاحتكاك بعلماء ودعاة من مختلف دول العالم العربي والإسلامي

فلم يوجد تغير فقهي حقيقي في مضمون الخطاب الدعوى المحلي ، وحتى خطاب الصحوة على الرغم من كل ما قيل ، فإن كل اختيارات فقه الصحوة هي خيارات المؤسسة الدينية التقليدية ولا يوجد تغيّر إلا في مظاهر أغلبها شكلية تعبر عن اطلاع جديد على حقائق ومشكلات العالم والموقف منها وما وجد من تأثر فهو على بعض النخب الدينية والفكرية في ثقافتها ووعيها الخاص من دون أن ينتج من ذلك خطاب فقهي مخالف للسلفية السائدة .

(2) مراحل التأثير

يمكن تقسيم التأثير المفترض إلى مراحل ففي الخمسينيات والستينيات قبل ظهور تأثير الوفرة النفطية له سمات مختلفة عما بعد الطفرة ، فقد كان المجتمع فقيرا وإمكانياته متواضعة جدا

وبالتالي أقل تمدنا من الشخصيات العربية والغربية الوافدة التي جاءت من بيئات متقدمة على المجتمع السعودي وبالتالي كانت محترمة ورمزا للتمدن والتحضر ولهذا كان تأثيرها والإعجاب بها ملموسا ، ولهذا يتذكر أبناء ذلك الجيل انطباعاتهم الأولي عند احتكاكهم بهذه الشخصيات .

لكن منذ السبعينيات والثمانينيات وما بعدها عندما أصبحت المدن السعودية في مكانة تتفوق على الكثير من العواصم العربية ، وقفزت إمكانيات الفرد والمجتمع السعودي إلى مكانة متقدمة في مسار التنمية واستهلاك للمنتجات الحديثة واتصال بالغرب والشرق سياحة وتعليما وتجارة لهذا تغيرت النظرة كليا إلى الوافد وتراجعت ولم تعد تلك الصورة النموذجية

بل تراجعت أحيانا إلى صورة سلبية وتعالي مرضي ضد الآخر العربي والآسيوى ، وناقشت بعض الكتابات في الصحافة مبكرا هذه القضية ومن اللافت أن ضعف تأثير الوافد جاء في فترة الصحوة !

هناك تأثر للسعوديين الذين أقاموا في أفغانستان فترة طويلة وجعلتهم يعيشون تجربة المجتمع هناك ، فقد تمازحت الكثير من الاقتناعات لكن ظل هذا الفكر معزولا عن الخطاب الديني المحلي الواسع وأخذت تطورات خاصة به شكلت في ما بعد تيارات العنف .

وتواجه محاولة التعرف على طبيعة تأثر بعض النخب المحلية بفكر آخر ورموز ثقافية ودينية غير سعودية إشكالية عدم وجود اعترافات حقيقية وصريحة ومباشرة وبالنسبة إلى التأثير الديني هناك حساسية من أى اعتراف بهذا المجال نظرا لخطورته على سمعة الشيخ الدينية فيما لو أشار إلى مثل هذا فالصواب الديني في الذهنية العامة والخاصة مرتبط بالسلفية المحلية ومنهج علماء المؤسسة الدينية وقد يكون (محمد المسعري) هو الاستثناء الوحيد الذي اعترف صراحة بعلاقته بحزب التحرير الإسلامي .

(4) عوائق التبادل الفكري .. تحت شروط السلفية !

القول إن السلفية المحلية هي التي أثرت في فكر الرموز الإسلامية المعاصرة الذين حدث معهم احتكاك في التعليم والعمل أكثر من تأثير هذه الرموز على فكرنا المحلي هو الأقرب للحقيقة

فقد كان هناك مجاملة واضحة من الكثير من النخب الوافدة لثقافة وتدين المجتمع ورموزه وعدم نقدها وتخطيها علانية ، نظرا للحاجة إلى العمل أحيانا أو تعدد المصالح التي ربما يخسرها هنا أو حتى بعد رحيله

فيما لو حدث صدام مع المجتمع ونخبه الرسمية والدينية ، خاصة حساسية مجتمعنا لأى نقد يوجه لفكرة الديني ، ثم تطورت هذه المجاملة إلى ما هو أسوأ بكثير بحيث أصبح بعضهم سلفيا أكثر من أصحاب السلفية .

ولهذا جاء التأثير السلبي من خلال المزايدة على المنهج السلفي ، خاصة الذين لهم مصالح كبيرة مع الجهات والمؤسسات الدينية والتعليمية ، ووجدنا العديد من النماذج التي تمثل هذه الظاهرة ، سواء تلك المحسوبة على الصحوة الحركية أو التيار الجامي الذي زايد باتجاه آخر .

رقابة الجهات الدينية المسؤولة ضد أى وجود لخطاب ديني مختلف حتى في أصغر المسائل الفقهية كانت قوية جدا ، وأحكمت الرقابة على المؤسسات التعليمية العامة والجامعية ولهذا لا يتاح للوافد التعبير عن رأي فقهي مخالف .

وأذكر في المرحلة الجامعية أني درست باختياري مادة التيارات والمذاهب المعاصرة عند دكتور عربي له مؤلفات عديدة في هذا المجال وكنت أتوقع أن يتناول هذا الموضوع بعيدا عن التشدد السلفي في التعامل مع المذاهب الأخري لأن ثقافته أزهرية مصرية لكن المفاجئ أن تقييماته وموقفه من المذاهب كان متشددا وكثير الاستشهاد بعلمائنا الرسميين ،والتأكيد على توبته من الأشعرية !

وذهبت إليه في إحدي المرات لأستفسر عن قصة هذا الموقف المتصلب ، وأني لم أختر هذا المقرر لأسمع هذا الطرح الموجود في خطابنا المحلي السلفي وعندما وثق بي قال : " شوفي ابني لو لم أقل هذا الكلام لتم إنهاء عقدي من قسم الدراسات الإسلامية سريعا "!

(5) التبادل الفكري .. من الإيجابية إلى السلبية

في مراحل مبكرة كان ينظر لدخول رموز وأسماء من الحركات الإسلامية الشهيرة وبالذات حركة الإخوان المسلمين ، على أنه مواجهة للتيارات القومية والشيوعية وغيرها

وأيضا أنهم أكثر تسامحا من الفقه السلفي التقليدي في خطابهم الديني ، وأن هذا سيحقق أكثر من هدف ، لكن الهدف الأول تم تفعيله ضد القومية والخطابات العلمانية بدعم رسمي واسع ، ونجح بتحقيق مهمته خلال ثلث قرن

وفي المقابل تم تعطيل تأثير فعاليته في نشر التسامح الفقهي وبالذت الاجتماعي وترك الخطاب التقليدي من دون أى تغيير وكانت هذه استراتيجية مقصودة في الفقه الاجتماعي الموجه للفرد .

ومع بروز مشكلات الصحوة أخذ هذا الطرح يتزايد خاصة عندما حدث الاختلاف بين تيار الصحوة والحكومة في التسعينيات وبدأت هذه الفرضية تتطور وتأخذ بعدا تآمريا أسطوريا بمغالطات تاريخية واختزالات بعض الكتاب الذين يفقدون أو يتجاهلون الكثير من الحقائق من أجل تبرئة الداخل وفق رغبات مرحلية .

إن المشكلة ليست في وجود التأثير من عدمه بقدر ما هي في تفاصيل هذا التأثير ونوعيته. إن حقيقة وجود تأثير لا يمكن تجاهلها لكن هذا التأثير محدود ويأتي في سياق متغيرات الحياة السعودية وثقافة المجتمع أكثر منه في صلب الفكر الديني .

إن التغير الأهم الذي حدث كان في الرؤية السياسية للواقع والحكومة حيث يري البعض أنها تختلف عن رؤية العلماء التقليديين في المؤسسة الدينية ، والواقع أن هذا التغير كان لابد أن يحدث

ولا يمكن المحافظة على تفاصيل الرؤية التقليدية القديمة عندما كان المجتمع أميا ومحدود الاطلاع علي العالم ، فثقافة الفرد السعودي تتغير بمرور الوقت بما فيه المتدين وطالب العلم والمشايخ الجدد،ومن ثم ستتطور رؤيتهم للأمور والحياة

ومن الصعب الاحتفاظ بتفاصيلها في الخطاب القديم مع أن هناك إمكانية الاحتفاظ بالولاء بأسلوب أكثر تطورا ويناسب الذهنية العامة الحديثة وهذا التأثير الفكري لم يأت من الحركات الإسلامية فقط ليشكل فكر الصحوة

وإنما من مختلف المتغيرات التنموية التي حدثت للمجتمع ، والمستحيل عمليا هو أن تتغير بنية المجتمع اقتصاديا ، يزداد تعليمه ووعيه ثم تطالبه بالرؤية القديمة نقسها !

ومن أجل المساهمة العملية في وضع خطوة لدراسة هذا التأثير سأعرض هنا نماذج عدة مختارة وأسماء كان لها حضور في مجتمعنا ، لأن عرض هذه الأسماء سيعزز الرؤية الموضوعية لحركة التبادل الفكري الذي حدث في السعودية منذ عقود

وهذا العرض ليس هدفه سرد سيرة مفصلة لكل شخصية بقدر ما نهدف إلى تحديد مقدمات أولية لتصور طبيعة هذا الوجود وتأثيره والمكان الذي ساهم فيه ، فهناك من وجد في التعليم

وآخر في الكتابة وقد مر على مجتمعنا آلاف الأسماء خلال أكثر من نصف قرن وهو مجال مهم في نظري للباحثين وللصحافة في إجراء العديد من الحوارات مع الشخصيات القديمة التي ما زالت موجودة لاستكشاف بعض ملامح طبيعة التفاعل الذي حدث بينهم وبين المجتمع السعودي .

(23) مناع القطان (1345 -1420) ... شيخ الإخوان في السعودية

أقدم وأشهر الأسماء الإخوانية التي كان لها وجود مبكر في السعودية ومشاركة في التحوّلات التعليمية.كان قدومه منذ أوائل الخمسينيات عام 1953م وحصل على الجنسية السعودية، وخلال أكثر من أربعة عقود تخرّج على يديه آلاف التلاميذ بعضهم أسماء بارزة في مناصبهم ومسؤولياتهم في الدولة ، منهم المفتي العام الشيخ (عبد العزيز آل شيخ)

وكان من أبرز مشايخه (عبد الرزاق عفيفي) من جماعة أنصار السنة التي كانت علاقتها جيدة بالإخوان المسلمين ، ومن الشخصيات التي تأثر بها المرشد العام للإخوان المسلمين الشيخ (حسن البنا) حيث تعرف عليه واستمع إلى دروسه ومحاضراته وتوجيهاته، فلم يلبث أن انضم إلى الجماعة واستمر يعمل في صفوفها منذ ئذ.

ومن أهم الأحداث التي عاصرها وتركت طابعا عميقا في تكوينه الفكري والروحي :

  • مشاركته في الحركة الوطنية التي قام بها الشعب المصري وفي مقدمتها الإخوان ضد الاستعمار الانكليزي سنة 1946م.
  • الفترة التي قضاها في السجن حين حاربت حكومة عبد الهادي جماعة الإخوان ولقي أعضاء الجماعة مختلف أنواع التعذيب .
  • مشاركته في حركة المقاومة السرية ضد الانكليز سنة 1951 م .
  • نجا من محنة الإخوان التي نزلت بهم عام 1954م إذ كان مغتربا في السعودية (محمد المجذوب علماء ومفكرون عرفتهم)

عام 1953م أعير إلى المملكة العربية السعودية للعمل بالتدريس بالمعاهد العلمية التي استمر بها إلى سنة 1958م ومن ثم انتقل إلى كلية الشريعة بالرياض ثم إلى كلية اللغة العربية . حين افتتح المعهد العالي للقضاء عام 1387 هـ أصبح عضوا في مجلس المعهد ثم أمينا لسر المجلس ثم مديرا له، ثم مديرا للدراسات العليا بجامعة الإمام .

يضاف إلى ذلك عضوية في كل مجلس جامعة الإمام والمجلس الأعلي لهذه الجامعة ثم رئاسة اللجنة العلمية بكلية البنات ، وكذلك إشرافه على مواد التشريع الإسلامي بكلية قوى الأمن الداخلي ، ثم عضويته في مجلس الإدارة لمدارس الرياض .

وقد اختير كذلك عضوا في اللجنة الفرعية للتعليم بالمملكة العربية السعودية عندما صدر الأمر الملكي بتشكيلها لوضع السياسة التعليمية على الأسس التي تتطلبها منزلة المملكة في العالم الإسلامي ، ومن مهام هذه اللجنة النظر في مناهج التعليم في مراحله المختلفة وصياغتها صياغة جديدة تنبثق من السياسة التعليمية العليا .. (مرجع سابق)

ومن أعماله الإشراف على رسائل الماجستير والدكتوراه . كيف كان يواجه الأحداث التي عرضت له أثناء التدريس أو القضاء ؟ بقول : إن أهم الأحداث التي عرضت له في التدريس ما كان يواجهه من بعض الطلاب المخدوعين الذين يعرفون اتجاهه الإسلامي ، فكان يأخذهم بالحكمة والحذر .. ويقول إن له معهم مواقف طريفة لم يذكرها .

جاءت وفاته في مرحلة تغيرت فيها النظرة إلى حركة الإخوان المسلمين محليا مقارنة بما كانت عليه سابقا من ترحيب وإعجاب ، فقد أثرت حرب الخليج في التسعينيات على هذه النظرة سلبيا .

يتم استحضار اسم هذه الشخصية كثيرا عند طرح موضوع حركة الإخوان في السعودية وتأتي عادة مرحلة التسعينيات الماضية في سياق الذم والوشاية والحديث عن اختراق لهذه الجماعة في بعض المؤسسات التعليمية .

كان التيار الجامي أبرز من هاجم رموز هذه الحركة وهو مشروعه الأساس ، وتزايد التحريض بعد أزمة الخليج ، في العديد من الأسئلة للعلماء الكبار، وما يبدو غريبا هو أن يقدم العلماء مثل هذه الإجابات المختزلة وكأنها نتجاهل الحقائق التي يعرفها أى متابع بسيط ، فكيف إذا كانوا هم من صنّاع تلك المرحلة ؟

ويعرفون هذه الشخصيات ومناصبها وفكرها وطرحها،وهذا نموذج من الأسئلة التي قدمت بعد أزمة الخليج:

" س : تعرفون سماحة الشيخ ، أن كثيرا من المؤلفات المدرسية ساهم في تأليفها عدد من الإخوان المسلمين منذ الستينيات .. فهل يتوجب إعادة طباعتها ودراسة هذه المؤلفات المدرسية ؟!
ج: لا أعرف عنها شيئا ، ولأنني مشغول لم أقرأها ، أسمع عن دعوة الإخوان المسلمين وعدم نشاطهم في ما يتعلق بالعقيدة ، ولكنني لم أقرأها قراءة كافية في كتبهم ، وما جمعوا لا من حيث الشيخ حسن البنا يرحمه الله ولا غيره (محمد الشويعر ، مجموعة فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ عبد العزيز بن باز)

التيار الجامي وبعض الكتاب في هذا الاتجاه يدركون أن إخوانية القطان ليست شيئا سريا واكتشافا خطيرا يقدم ، وهم يتهربون عن التساؤل الأهم: لماذا بقيت مثل هذه الشخصية وغيرها برغبة ودعم من قوى رسمية ؟

إن الحديث عن اخترافات وكأنها خفية مغالطة لحقائق الماضي ، فأى متابع لأجواء تلك المرحلة يدرك هذه الحقائق المرغوبة رسميا ، إنهم لا يضيفون لقارئنا المحلي معلومات كثيرة في ما يتعلق بحكوميته ورسميته الزائدة التي لا تعجب حتى بعض الإخوان من جماعته ،وله مواقف عديدة تؤكد ذلك

وقد أشار (محمد سرور بن زين العابدين) في برنامج " مراجعات " في قناة الحوار إلى أن الذي كان له دور في خروجه من السعودية هو الشيخ (مناع القطان).

ألف كتاب اعتماد دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب على الكتاب والسنة ، وكان له برامج تلفزيونية وإذاعية استمرت سنوات طويلة ، لكن مساهمته الأبرز جاءت في ميدان التعليم ، وبغض النظر عن قراءة النيات هل هذا الطرح مجاراة للرؤية السلفية وعدم مصادمتها في ذلك الوقت عند الشيخ وغيره

أم هو تسلّف حقيقي واقتناع ذاتي ، فالواقع أن السلفية المحلية فرضت شروطها وعدم قدرة أى أحد مخالفتها في كل المراحل ، وما زالت ، باستثناء القضايا الجديدة التي ليس للسلفية إرث تاريخي وجدلي حولها ، حيث يتم الاستعانة بخطاب إسلامي معاصر .

كان الشيخ يواجه بعض المضايقات من بعض خصومه لكنه يبدو دبلوماسيا لا يدخل في جدل معهم ولا يقوم بأى إثارة ، وهذا المنهج مريح للجهات الرسمية وهو لم يكن يخفي إخوانيته وتعاطفه وتسويقه لفكر الإخوان كما يشير إلى ذلك (د . محمد الفاضل)

مشاركته في المناهج التعليمية هي الأكثر تأثيرا في الفكرالمحلي وبتأليفه بعض مواد الثقافة الإسلامية ، استقطابه لأهم الأسماء في تأليف مناهج المواد الدينية في التعليم ومنهم (محمد قطب)

ويجب أن نشير إلى أن هذه الثقافة الإسلامية ليست ثقافة خاصة بالإخوان المسلمين كما يحاول تصويرها البعض ، وإنما تمثل أهم مضامين الثقافة الإسلامية المعاصرة عند الكثير من الحركات والتيارات الإسلامية في تناول القضايا الحديثة والثقافة الإسلامية العصرية تغلب عليها الرؤية الإخوانية لأنها من أكبر الجماعات الإسلامية وأكثرها انتشارا.

لم يكن الشيخ القطان والكثير من الرموز الإخوانية لديهم لقاءات مع قيادات الحركة بالسر ، فالكثير من اللقاءات يعرف عنها أى متابع وبعضها أقيمت علانية في فترة الحج .تعرّض للاعتقال مع الشيخ (محمد الغزالي) وآخرين من طلاب جامعة الأزهر إبان تزعمه لمظاهرة طلابية عام 1948 م وتأخر بسبب ذلك عامين دراسيين .

(علي عشماوي) آخر قادة التنظيم الخاص قال في كتابه (التاريخ السري لجماعة الإخوان المسلمين عن قيادات المهجر وبعد أن سمعت قضيته أجاب الإخوان اختاروا (مناع القطان) مسئولا عنهم في إمارات الخليج وقيل إنه أول مصري يجرؤ على تجنيد سعوديين في دعوة الإخوان في السعودية من دون استشارة أحد .

يقول الشيخ محمد الفاضل:

" إن مناع القطان كان كثيرا ما يعرّج في دروسه على تلميع "الإخوان المسلمين" وإن منهم أئمة فكنت أنكر عليه وقلت له لا نعرف أئمة سوى الشيخ (ابن تيمية وعبد الوهاب) وإنه ظلمه في المعهد .. ومن يراجع الأعداد الأولي من مجلة المعهد العلمي يجدها غاصة بكتابات الإخوان والثناء عليهم.

كتب المستشار عبد الله العقيل مقالة عن غيابه وقدم شهادات عنه:

وزير العدل د. عبد الله بن محمد بن إبراهيم آل شيخ : " لقد تتلمذت على الشيخ مناع القطان في المعهد العلمي وفي كلية الشريعة وقد كان له أكبر الأثر في نفوسنا عندما كنا طلابا للعلم ، وقد غرس فضيلة الشيخ القطان في قلوبنا حب الخير والمعرفة والاطلاع والسعي دائما بحثا عن العلم "

(24) محمد سرور زين العابدين (1938م - ..) (هيكل) .. الصحوة و (ابن سبأ) الجامية!

بعد حرب الخليج 1990 م اشتهر تداول مصطلح "السرورية" في الساحة الدينية أثناء المعارك التي حدثت بين تيار الجامية وبعض أطياف تيار الصحوة وكان المصطلح معروفا من قبل في إطار محدود جدا عند خصومه من الإخوان منذ الستينات والسبعينيات الميلادية وبالقادر الذي كانت فيه الجامية تيارا هامشيا في الحركة الكبيرة التي تشكلت في المجتمع ، ودعمت في تلك المرحلة لظروف سياسية استثنائية في مواجهة السرورية

فإن السرورية كانت وما زالت هي الطيف الأكبر والأكثر انتشارا في تيار الصحوة والإجواء التي انتشر فيها مصطلح السرورية كانت في سياق عملية تشويهها والحرب الفكرية ضدها ، وهو ما أثر في فهم الكثيرين لتشكيلات الفكر الديني المحلي ، وعلى الرؤية المعتدلة لهذا التيار .

لن يكون الحديث هنا عن التيار المنسوب إلى هذه الشخصية ،فلهذا مجال آخر ، وإنما محاولة لوضع تصور أولي وموضوعي حول هذه الشخصية التي تركت بصمتها على الفكر الديني المحلي ، بعيدا عن المبالغات والطرح المؤامراتي .

بالقدر الذي كنت متابعا لكل كتابات وأطروحات هذه الشخصية مبكرا ومدركا لكيفية تناول قلمه القضايا الدينية والسياسية والآلية التي تشكل منطقة في الجدل فإن المعلومات المتوفرة عن هذه الشخصية من مصادر محايدة كانت محدودة ، وما كان يثيرني في هذه الشخصية في مرحلة الثمانينيات كثرة الكتابات والمؤلفات بأسماء رمزية

وكأني أطارد شبحا ، صحيح أن هذه الأسماء اشتهرت في ما بعد عند الكثيرين لكن في وقتها وأثناء صدورها في تلك المرحلة يصعب على القارئ الجزم بمن يكون هذا المؤلف ، حتى اكتملت مؤلفاته فأمكن الربط بينها .

على الرغم من تأثير كتبه على بنية الوعي الديني المحلي مبكرا ، فإن هذه الشخصية حافظت على البعد عن الأضواء والإعلام والظهور ، وما كان يحيرني في تلك المرحلة أني لم أجد له صورة فوتوغرافية منشورة مثل أى داعية وناشط إسلامي آخر

لكن على الرغم من هذا الغموض لهذه الشخصية فإن أطروحاته ومنهجه الفكري كان واضحا بالنسبة إلى مبكرا ومحدد المعالم بل إن من مميزاته البارزة أنه ليس غامضا في آرائه فلقد كانت شديدة الوضوح وصارمة .

عندما أثار خصوم تيار الصحوة هذا المصطلح وإشهاره ضد الكثير من الدعاة كصيغة ذمّ فقد كان من الممكن الدفاع عنه علانية وتبنّى آرائه لو كان هذا الهجوم حدث في الثمانينيات في تقديري ولكن بسبب موقفه السياسي أثناء أزمة الخليج في مجلة السنة

فقد أحرج رموز لم يظهر أى دفاع عنه في تلك المرحلة ، ومع أن كتبه المشهورة متداولة عند نخب من تيار الصحوة وذات قيمة بالنسبة إليهم وعلى الرغم من تغيّر الظروف والمواقف فإن ما يبدو غريبا هو عدم قدرة دعاة ومثقفي الصحوة حتى الآن الدفاع عنه ، تحديدا ضد خصوم الصحوة ،فيتم التهرب من تناول منهجه وفكرة كقضية .

عندما لا تأخذ الجانب الدعوى والاحتساب بالمفهوم الديني بالاعتبار في فهم حياة هذه الشخصية وإنتاجها ، فإن فكرة المؤامرة يتم استحضارها في تفسير هذا التخفيّ وما يبدو محيرا على الرغم من شهرة الاسم في تيار الصحوة ، أن الشيخ حافظ على هذه السمة في عدم الظهور ، وفي تلك المرحلة كان التفسير بسبب طبيعة ظروف حركة الإخوان في سوريا والمتاعب التي مرت بها وقسوة النظام السورى ضد هذه الحركة .

عندما حدثت أزمة جماعة الإخوان في سوريا في الستينيات .. يمكن تصنيفها حسب الميول الفكرية في ذلك الوقت ، إلى جماعة حلب وحماة ، كان لها اتجاه صوفي فصاروا مع (عبد الفتاح أبو غدة) وهو اتجاه عام عند الإخوان ، ولهذا استمر مع التنظيم الدولي للإخوان ، وجماعة دمشق كان لها اتجاه قطبي مع (عصام العطار) وكان (محمد سرور) مع هذا الاتجاه

(أ) منهجه وفكره

إن أهم ما يميز هذه الشخصية وضوح المنهج في التحليل والمواقف التي يتخذها ومؤلفاته العديدة وتطوراته الفكرية، التي حافظت علي مجموعة سمات كانت قادرة على تشكيل رؤية تيار واسع في الصحوة الدينية المحلية وهو منهج جمع بين تشدد السلفية في موقفها من المخالف من التيارات الإسلامية ، وبين وعي الحركات الإسلامية المعاصرة في التنظيم والنشاط الدعوي .

ففي كتاب وجاء دور المجوس (الأول والثاني) نجد اهتمامه وموقفه الحاد من الشيعة ، وطر مؤامراتي مع أنه لا يري تكفير الشيعة بالمطلق .أعجبت السلفية الحنبلية المحلية بكتبه ومواقفه الفكرية ، ودعم كتاب (وجاء دور المجوس)

التحول الأبرز في منهجه وقد فوجئت به شخصيا و إذ لا يتناسب مع أسلوبه وحساباته في السبعينيات والثمانينيات وموقفه من أزمة الخليج ، فاتخذ الموقف الخاسر وقدمّ مشروع مجل السنة التي بدأت في أعدادها الأولي شبيهة بأسلوب مجلة البيان مع جرأة أكبر في تناول بعض القضايا

لكن مع حرب الخليج تحوّلت المجلة إلى مطبوعة مواجهة صارخة وأشبه بمنشور سياسي ضد وجود القوات الأمريكية وضد النظام العراقي وغزوه للكويت ، وكتب فيها الكثير من المعارضين الإسلاميين في السعودية ومع أن اسمها السنة إلا أنها مطبوعة تحليلات سياسية بالدرجة الأولي .

سجلت المجلة العديد من المواقف ومثلت خلاصة فكره ومنهجه السياسي حول العديد من القضايا والحركات الإسلامية ، وكتب عن الأزمة الجزائرية وسجّل العديد من المواقف الخاصة به ، وكتب حتى عن " السرورية وتبرأ منه عندما انتشر هذا المصطلح في تلك المرحلة !

لقد أثرت مجلة السنة في رؤية الكثير من تيار الصحوة لأحداث التسعينيات بما تميزت به من صراحة في المواقف ، وجرأة في مناقشة ما لم تستطع الصحافة تناوله وأربك موقفه السياسي الحاد ضد السعودية الكثير من المواقف السياسية والرؤى لتيار الصحوة محليا ، وتأثرت علاقتهم بالسلفية التقليدية الرسمية ، وكان لها دور رئيس في نقل الكثير من أبناء الصحوة إلى المعارضة .

تغيّر موقفه في ما بعد من السعودية وخاصة بعد أحداث أيلول (سبتمبر) بما يتناسب مع الظروف الجديدة وبعد الهجوم الأمريكي على السعودية ، ومحافظتها ، وهي مرحلة تحوّلت الصحوة هي الأخرى برموزها إلى موقف متصالح مع الحكومة.

(ب‌) تأثيره في الصحوة

يرى البعض أن منهجه شكّل مدرسة لها ملامحها الخاصة ، التي جاءت المزج بين منهج (ابن تيمية وقطب وعبد الوهاب) .. لكن المتابع لتطورات الفكر الديني المحلي سيجد أن هذه التوليفة التي حدثت للتيار الديني في السعودية وشكلت ما سمي بالصحوة ليس خاصا بسرور؛

وإنما الأمور الفكرية كانت تسير بهذا الاتجاه طالما أن هذه التوليفة وجدت مبكرا في الفضاء الديني المحلي ، حيث دعم فكر (ابن تيمية) بقوة رسميا؛ ومن المؤسسة الدينية في بيئة تعليمية وهابية مع انتشار لكتب الثقافة الإسلامية المعاصرة التي يغلب عليها فكر الإخوان المسلمين بمختلف رموزها الفكرية ، ومصادرة رسمية للثقافة الإسلامية العقلانية والعلمانية ..

فمن دون كتب ومنهجه ، فإن طبيعة الحالة السعودية كانت تسير في اتجاه هذه التوفيقية تحت قيادة وتحكم شديد من الرؤية السلفية .. ولهذا ليس فقط فكر الإخوان الذي تسلف وأنتج ما سمي بالسرورية ،وإنما اتجاهات أخري كالتبليغيين وغيرهم .

هذه التوفيقية ليست خاصة بسرور ، لمن يتصور اللحظة الفكرية السائدة في الوعي الديني عند الإسلاميين وخطابهم قبل أن ينتج سرور أهم كتبه التي تمثل منهجه .. منهج الأنبياء في الدعوة ودراسات في السيرة لأني أعتبرها متأخرا جدا لمن يريد فهم التطورّات الدينية المحلية ، أما (وجاء دور المجوس) فهو ليس كتابا علميا ، وإنما صحافي على الطريقة الإسلامية .

بمعني أن ما هو متاح للإطلاع للقارئ المحلي قبل بروز الصحوة وكاسيتها وكتيباتها لاحقا في المكتبات التجارية والرسمية يغلب عليه هذا كانت هذه التوليفة التي صنعتها الرقابة السعودية والدينية ، ولهذا فالنتيجة النهائية والطبيعية ستكون هذه الخلطة بوجود سرور أو من دونه

إلا إذا اعتبرنا أن هناك أيادي خفية اخترقت رؤية الدولة واستراتيجيتها منذ عهد الملك فيصل في منتصف الستينيات وسرور كان في العشرينيات من عمره في تلك المرحلة وشكلت هذه الرؤية ..

في الجامعات والإعلام مبكرا ، ثم إن هذه الخلطة الفكرية التي كانت حتما تسير لها الأمور من دون سرور أو المتأثرين به لأن إدارة الفكر الديني في السعودية ليس لها رؤية في هذا الشأن فالسلفية التقليدية البحتة انتهي زمنها ولم تكن قادرة وما زالت غير قادرة على صياغة خطاب عصري

ولو أرادت أن تتطور لتتناسب حاجة الدولة فلن تتطور في الفراغ ومن دون مقدمات ما أنجزه الفكر الإسلامي المعاصر خلال القرن العشرين وكان الإخوان لهم إسهام كبير في صناعته .

تبدو مشكلة الذين يتحدثون عن هذه التطورّات المتأخرة للفكر الديني أنها وجدت اختزال الأمور بأسماء تسهل عليها تحديد الملامح ، وكقارئ قديم جدا لمختلف التيارات الإسلامية لا أجد أن لسرور مشروعا فكريا متكاملا ورؤية حضارية مع تأثيره الذي حدث

فلا يمكن اعتبار وزنه الفكري كرؤية في الثقافة الإسلامية بمثل تأثير (سيد قطب) الضخم الذي أحدث انقلابا ملموسا في مسار الفكر الإسلامي المعاصر وامتداده (محمد قطب) و لا (أبو الأعلي) من قبل فالكثير من الرموز الإسلامية المعتبرة التي شكلت تيارا كان لها إنتاج فكري محدد الملامح .

ما يجب تأكيده هنا كمتابع بأن السرورية .. سبقت سرور ذاته وكانت قدر السعودية بسبب البيئة الفكرية والتعليمية التي صنعتها التوفيقية التاريخية وظروفها ، ولو أن سرور وقف إيجابيا حول مسألة القوات الأمريكية لربما اختفى الكثير من القراءات المختزلة والمغالطات في تتبع الحقائق .

وحتى الآن تكرّر هذه التوفيقية بصورة مقاربة في مؤسسات المجتمع والإعلام ، تصبح الحركة متاحة للسلفية التقليدية، والوعظ الديني بخطاب حديث شكليا برز مع الصحوة القديمة والجديدة والليبرالية الهشة السطحية في أعمدة الصحف وبعض أقلام نفعية مؤقتة ، مع تهميش العقلانية الجادة سواء كانت إسلامية أو غير إسلامية؛

حيث لا توجد رؤية فكرية واضحة في عمق إدارة الفكر والثقافة، وعلينا مع هذه الخلطة النفعية التي تصمم كل مرة وفق رغبات السياسي المرحلية أن نكتشف سرورا آخر في المستقبل ليكون " ابن سبأ كل أزمة فكرية ..:"!

ولا أريد هنا مناقشة مضامين الإشكاليات العلمية والدينية التي يواجهها الفكر الإسلامي المعاصر ولا الحكومات ، فلا توجد هناك حلول سحرية جاهزة والتوفيقية التي حدثت في السعودية ليست عيبا ، في تقديري ، بذاتها عمليا وسياسيا ودينيا لكن العيب أن تمارسها ثم تفاجأ بنتائجها .

فالسؤال ما زال قائما ، هل يمكن شطب الكثير من المفاهيم الإسلامية العميقة سواء جاءت من (ابن تيمية أو ابن عبد الوهاب) أو من (أبو الأعلي) أو من سيد قطب ؟ وللأسف البعض من الكتاب يتعامل مع الثقافة الإسلامية والدين الإسلامي ، ويظن أن مصادرة كتاب أو اسم يحقق الإسلام اللحظي الذي يرغبه .

كان تأثيره الرئيس في النخب الصحوية وناشطيها أكثر من جمهورها الواسع فهو غير مشهور عند العامة ، حيث لا يوجد له إنتاج في الكاسيت الأكثر انتشارا في المجتمع .

أهم تأثيراته أنه عزز الرؤية الطائفية عند تياّر الصحوة وروادها من خلال مجلة المجتمع في السبعينيات ،وهناك أعداد من مجلة المجتمع في أوائل السبعينيات سيفاجأ البعض من حدتها الطائفية، وهذا يمثل إضافة إلى موقف السلفية الوهابية التقليدية التاريخي الحادّ ضد المخالف الديني .

ومن تأثيراته البارزة تأثيره في تحصين تيار الصحوة في مواجهة العقلانية الإسلامية المعاصرة برموزها ومشاهيرها ، وهو موقف يشترك مع موقف السلفية التقليدية المناهضة للعقلانية مبكرا باعتباره انحرافا عن الدين ويمكن اعتبار بداية تأثير كتاباته في رواد الصحوة بدأت منذ السبعينيات الميلادية عبر مجلة المجتمع قبل مرحلة التأليف ، وستنتاولها في مكان آخر .

من المناسب هنا استعراض أهم مضامين كتبه التي عرف بها لتصور فكره وخطابه وكان أشهرها (وجاء دور المجوس) حيث جاء هذا الكتاب باسم رمزي د. (عبد الله محمد الغريب) وفي مقدمة الكتاب أشار إلى اهتمامه المبكر جدا في تحركات الرافضة ، وأن بعض فصول الكتاب كتبت قبل ثورة إيران بأكثر من ثلاث سنوات .

وفي إشارته للثورة يقول:

" ثم جاءت ثورة الخميني التي شارك كارتر في تصميمها .. حيث افتتن بها معظم الإسلاميين وبالغت بعض المجلات الإسلامية في تضخيم صورة الخميني وثورته .." وفي مقدمة الكتاب يشير إلى منهجه في التأليف إذا جمعت في كتاب بين العقيدة والسياسة والتاريخ وأحسب أن هذه الطريقة قد غفل عنها معظم الكتاب المحدثين "...

فهم إما أن يكتبوا في العقيدة أو في التاريخ ، وقلما يتطرقون إلى الجانب السياسي ، أما سلفنا الصالح رضوان الله عليهم فكانوا إذا طرقوا موضوعا أعطوه حقه من مختلف الجوانب .."

ولهذا نجد في الكتاب رؤية تاريخية فقهية عقائدية وسياسية في رؤيته للأحداث ، ونلاحظ كثافة الاستشهاد بأقوال صحف عالمية وعربية شهيرة والأخبار والحوارات من الإعلام لتعزيز رؤيته السياسية؛ لهذا يغلب عليه في هذه الكتابات الطابع الصحافي في تناول القضايا، ما يجعلها كتبا جذابة ومثيرة بالنسبة إلى الإسلاميين وكأنه (محمد حسنين هيكل) لتيار الصحوة في ذلك الوقت .

الرؤية المؤامراتية حاضرة في كتاباته وأحيانا متكلفة ، فمثلا يقول عن عملية الرهائن التي لا يريد أن يعطيها حجما كبيرا : " العملية ليست أكثر من تمثيلية مصطنعة ، فلو كانت السلطة الإيرانية صادقة لأغلقت سفارة الولايات المتحدة من بداية حكمها .."

وما يلحظ في الكتاب أرقام عن لبنان وسوريا وشيعة الخليج والسعودية وأرقام في متابعة الشيعة ونشاطهم من دون ذكر مصادر (أمل والمخيمات الفلسطينية) وجاء باسم (عبد الله محمد الغريب) من دون لقب الدكتور هذه المرة .

عندما أنهي المؤلف الكتاب لم يجد من يجرؤ على نشره .. ولهذا تأخر صدوره عاما كاملا .. وعندما انتهي من طباعته لم تسمح الدول العربية بتوزيعه ..

ويقول عنه:

(شاء الله أن يطلع عليه نفر من كبار علماء السنة المشهود لهم بالفضل والعلم ولا نزكيّ على الله أحدا فأعجبوا به أشد الإعجاب ونصحوا الشباب بقراءته بل كان أحدهم يقرر شيئا منه في درسه العام الذي يحضره مئات الناس وعن طريق هؤلاء العلماء دخل بعض البلاد العربية)

وأشار إلى أهمية كتابه السابق (وجاء دور المجوس) .. وأنه أنقذ ناسا من التشيع وعن الضجة التي أثارها ، ورد على من قال إنه أطلق القول بتكفير الشيعة (ص10) وعن الحرب العراقية الإيرانية يقول إن العراق رسميا هو الذي أعلن الحرب على إيران

وعمليا بدأت إيران هذه الحرب ، عندما حركت عملاءها داخل العراق بعد وصول الخميني إلى الحكم بقليل ، ويتضمن الكتاب تفاصيل إخبارية طويلة عن أحداث لبنان والأردن وسوريا وحركة أمل .. ويستعمل هذه الأخبار والتحليلات المنشورة في الصحافة لخدمة الفكرة التي يريد الوصول إليها .

(ح‌) منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله

جاء المؤلف هذه المرة باسمه الحقيقي (محمد سرور بن نايف زين العابدين) الجزء الأول طبع عام 1984 م ، دار الأرقم للنشر والتوزيع في الكويت ، والجزء الثاني طبع في 1988 م بمطابع دار طيبة في الرياض ، والناشر دار الأرقم ببريطانيا ، واجهته البحثية .

وكان هذا الكتاب من أهم الكتب التي تعرف فيها ناشطو الصحوة في مرحلة الثمانينيات على هذه الشخصية باسمها الحقيقي ، وفكره في هذا الكتاب ، حيث يتضح منهج المؤلف الدعوى ، الذي قدمه للقارئ من خلال منهج الأنبياء في الدعوة عبر تناول أهم القصص تاريخيا

مع تقديم الآية والحديث والخبر والرؤية الواقعية لمشكلات الدعوة الحالية لتفعيل الوعي الفقهي في نشاطه في الحياة والدعوة في المقدمة بقول: نظرت في كتب العقيدة فرأيت أنها كتبت في عصر غير عصرنا، وكانت حلولا لقضايا ومشكلات العصر الذي كتبت فيه على الرغم من أهميتها؛

وعلى الرغم من تشابه المشكلات أحيانا ولعصرنا مشكلاته التي تحتاج إلى حلول جديدة ومن ثم فأسلوب كتب العقيدة فيه كثير من الجفاف لأنها نصوص وأحكام ولهذا أعرض معظم الشباب عنها وزهدوا بها .

وفي المقابل فقد أعجبني أسلوب القرآن الكريم لأن عرض قضايا الاعتقاد جاء من خلال عرض سير الأنبياء وجهادهم في سبيل الله ضد المشركين " هذا النص لاحظت أن خصومه في التيار الجامي قدموه" مبتورا في سؤال شهير قدم لـ (ابن باز) في التسعينيات ولمجموعة من العلماء منهم (الألباني ،(الفوزان والوادعي) .. ووزع كمنشور من أجل إدانة المؤلف حول كتب العقيدة ولم يذكر المقطع بالكامل .

س: سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ، قال صاحب كتاب منهج الأنبياء في الدعوة: " وقد اطلعت على كتب العقيدة فوجدتها كلها جفاء ، لأنها أحاديث ونصوص وأحكام " فما رأيكم في هذا الكلام؟

ج: هذا خلط عظيم ، كلها جفاء أعوذ بالله كتب العقيدة الصحيحة ما هي جفاء ، قال الله ، وقال رسوله فإذا كان يصف القرآن والسنة بأنها جفاء فهذا ردة عن الإسلام .. إلخ .

  • وسئل ما حكم بيع هذا الكتاب ؟ فكان الجواب : إن كان فيه هذا ، ما يجوز بيعه ويجب تمزيقه.
  • وعرض مثل هذا السؤال على الألباني وقدم إجابة مطولة قال فيها : وهل يقول هذا مسلم؟

ثم أشار المؤلف إلى مفهوم الأصنام وأنه تطور ، وهذه الرؤية ليست خاصة به فقد سبقه إلى ذلك (سيد قطب) . الكتاب بمجمله ليس عميقا، وإنما يتسم بالبساطة ويتناسب في توجيه عوام الدعاة والشباب فهو سهل العبارة والفكرة التي يريد إيصالها وربما هذا سبب تأثيره .

من الواضح تأثره بـ (سيد قطب) وإعجابه به .. يقول: " لقد عادت عبادة الأصنام من جديد لكنها أصنام عصرية حديثة قدمها الكهنة الجدد بأساليب وأشكال جديدة ومن أهم هذه الأصنام:القومية والوطنية ، والاشتراكية ، والديمقراطية ،والعلمانية ، والوجودية .."

والسلفية التقليدية المحلية تقف من هذه الأفكار الموقف نفسه ، وهذا يبرز في كتاب قديم عن القومية العربية قيل إن مؤلفه ابن باز ! نجد محاولة توظيف بعض قصص الأنبياء كقصة إبراهيم مع النمرود في مواجهة الطغاة في هذا العصر .. ويجب القول إن هذا الأسلوب ليس خاصا بسرور ، بل هو عام في الخطاب الإسلامي المعاصر مبكرا الذي تشكل خلال القرن الماضي بمختلف تياراته .

وهنا بعض الآراء التي قدّمها في الكتاب ولفتت نظري في حينها ووضعت تحت خطأ:

"إنه مما يدمي القلب أن يتوسع بعض الدعاة في المعاريض تحت شعار مصلحة الدعوة وسلامة الدعاة ..."
" ففي مصر تم اعتقال داعية الإسلام الأستاذ سيد قطب رحمه الله ، وقال أعداؤه كل ما يريدون عنه عبر أجهزة إعلامهم فزعموا أنه إرهابي مجرم وعميل للإستعمار .."
" ومن المؤسف جدا أن كثير من الدعاة إذا سمع أحدهم أن السلطة تراقب تحركاته اعتراه الخوف واشتد قلقه،وصار يشك بأقرب الناس إليه،وربما تحوّل الخوف من السلطة عند البعض إلى مرض عقلي مزمن .."

قدم مثالا في سياق المفاهيم الجديدة في تقديس الأشياء لو قام أحد بتمزيق علم "الدولة" فماذا سيكون مصيره ...؟ " لو حطم تمثالا من التماثيل التي تعتبرها الدولة رمز استقلال كصورة زعيم الحزب الحاكم"

في الجزء الثاني عن قصة شعيب ، تحدثّ عن الظلم والتسلط والفساد الاقتصادي وأشار إلى (محمد بن عبد الوهاب) وكيف واجه قومه بانحرافهم وحديث مطوّل عن فصل الدين عن السياسة ومناقشة الفكرة،وأشار إلى أنه قدر له أن يعمل في دويله من دويلات النفط ورأي الظلم . وأشار إلى كارثة الأسهم ، حيث كانت قصة سوق المناخ في الثمانينيات حاضرة عند الخليجيين .

(د) دراسات في السيرة النبوية

قد يكون من أفضل كتبه التي قدمها نقديا وعلميا التي تمثل رؤيته ومنهجه الفكري بوجه عام بعيدا عن الأحداث السياسية ومؤثرات المصالح اللحظية على الأرض ونشرت الكتاب دار الأرقم ببريطانيا والنسخة التي كانت لدّى الثانية التي طبعت عام 1988 م نجد في هذا الكتاب خلاصة رؤيته النقدية لمناهج المستشرقين ودعاة التغريب وزعماء المدرسة الإصلاحية

وتطرق إلى قضية تدوين السيرة وحديث مفصل عنها، وانتقاد (لجرجي زيدان وطه حسين) وعرض قصة توبته قبل موته ، وقدم نقدا شديدا لطه حسين كعدّو للإسلام والمسلمين

يقول:

" ونحن لا نعرف عن طه حسين إلا عداوته للإسلام والمسلمين وتقليده الفجّ لأساتذته المستشرقين لقد كان علما من أعلام الكفر والإلحاد ورمزا من رموز الشر والضلال وعميلا من عملاء الغرب وداعية من دعاة التبرج والاختلاط والفساد ..."

وقدم فصلا كاملا عن المدرسة الإصلاحية ومؤسسيها (جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده) ومناقشة لأخطائهم العقدية والفقهية في نظره ، وعالج قضية تقديم العقل على النقل وإنكار المعجزات وأشار إلى (حسن الترابي) وأسماء إسلامية أخري ، ويبدو هذا النقد امتدادا لرؤية مبكرة عند (محمد محمد حسين).

(هـ) رؤية إسلامية في الصراع العربي – الإسرائيلي

الجزء الأول: مؤامرة الدويلات الطائفية

اطلعت على هذا الكتاب مبكرا، ولم يأخذ شهرة كتبه الأخرى ، وجاء هذه المرة باسم رمزي (محمد عبد الغني النواوي) وطبع عام 1983م ، من دون إشارة إلى الناشر أو مكان طباعته ، وهو مشابه لأسلوبه العام في التأليف حول هذه القضايا ، وقد أشار في الكتاب إلى كتاب (وجاء دور المجوس) ما يؤكد أنه هو المؤلف نفسه .

وظهر محمد سرور ..! بعد أكثر من ربع قرن كنت أتمنى مشاهدة هذا الشخص وهو يتحدث حيث لم نعرفه إلا بقلمه ، وقد حدث ما يشبه المستحيل وهو في السبعين ، ولا أدرى كيف استطاعت قناة الحوار إقناع الشيخ بهذا الحوار ؟ حيث استضيف في برنامج " مراجعات " على حلقات عدة في 16 آذار (مارس) 2008م

وقدم بعضا من سيرته الخاصة مع (عزام التميمي) وإن كانت بالنسبة إلىّ لم تضف جديدا عن تفاصيل كثيرة في حياته في السعودية والكويت، والحركة الإسلامية محليا، وهو ما كنت أتوقعه، فالشخصية مع ظهورها بوقار وهدوء

إلا أنها تبدو حذرة في تقديم المعلومة على الرغم من ذلك فالحوار جاء في وقته ، وأزال الغموض عن العديد من النقاط لأنها جاءت على لسانه ، وهنا تكمن أهميته ويبدو أن (عزام التميمي) لم يرد إحراج الشيخ في تقديم العديد من الأسئلة المهمة

ولست هنا معنيا بتفاصيل السير الذاتية بقدر الإشارة إلى ما يبدو مهما في تصور الشخصية التي نتناولها هنا وسأعرض هنا ملخصا لأهم ما جاء في الحوار لأهميته فقد انتقل إلى السعودية من سوريا بسبب التضييق عام 1965 م وعمره نحو 27 سنة ،إذ ولد عام 1938 م...

في السعودية عاش أولا في حائل .. ويقول رأيت عالما مختلفا عن العالم الذي كنا نعيش فيه .. وأتيح له أن يلتقي مع الإخوان في البلاد العربية من مصر وغزة والأردن .. وأعجب بالحياة البسيطة في ذلك الوقت ، كانت هناك اتجاهات بعثية شيوعية ..

لكنها كانت كامنة غير معلنة .. الاتجاه الإسلامي الذي يحمل فكرا شاملا لم يكن موجودا .. ويقول كان بعض الطلبة في تلك المرحلة كانوا أكبر منه سنا ولديهم علم شرعي ، ويشير إلى أن ميوله السلفية لم تأت من السعودية .. ولم يكن في فترة من الفترات خصما للدعوة السلفية .. ثم انتقل بعدها إلى البكيرية ، ثم بريدة

ويقول عن (محمد بن إبراهيم) إنه لم يكن موظفا كان شريكا في الحكم .. كانت الكثير من المؤسسات تابعة له .. ما كان أحد يستطيع أن يقف في وجهه .. وجعل لأهل العلم قيمة كبيرة . وكان لخريّجي المعاهد والكليات الشرعية قيمة كبيرة .. ويدخلون أى وظائف يريدونها حتى العسكرية .

ويشير إلى أنه شكل شبك قوية من العلاقات في أنحاء المملكة .. وأنه كان جزءا من الإخوان وهو في السعودية في تلك المرحلة.

عام 1968 م كان مطلوبا منه فعل أشياء فترك الإخوان .. وكان من أسباب الانفصال الانفتاح على المجتمع .. وكان من شروط الإخوان عدم الاتصال وينقل عن (على الطنطاوي) قوله : "أصحاب الفكر خرجوا بفكرهم ، وأصحاب الأموال خرجوا بأموالهم" كانت الحياة بسيطة وكان العلماء يقابلون الملك مباشرة .

ستة أعوام قضيتها في السعودية أفرزت تيارا .. يقول:

" نعم هذا التيار نشأ في السعودية .. والمنتسبون ليسوا من جنسية واحدة .. ليس هناك شئ اسمه السرورية .. وأنا ابتليت بها .. وبداية الاسم جاء بعد اختلاف مع أحد مشايخ الإخوان .. ظهر ربما عام 1968 - 1969 م ثاني مرة سمع بهذه النغمة سروري في معسكر لجامعات أردنية عام 1974م .. ثم سأل أحدهم هل فيه أحد سروري ؟
كان هذا بداية الحديث عن التيار ، ثم بعد دخول القوات الأمريكية في حرب الخليج ظهر تيار متسلف في رأيه قصده التنابز بالألقاب ولم يوضع اسم لهذا التيار مبكرا في تقديره لأن أهل السنة ليس لهم أسماء. وفي الحديث عن دوره في هذا التيار يشير إلى أنه : لم يكن مسئولا تنظيميا في هذا التيار .. لكنني لست نكرة وعندي طاقات .. وينتهي دوري في إبداء الرأي "

وحول قضية خروجه من السعودية .. يشير إلى أن السعودية احتضنت الإخوان أيام الملك سعود وأيام الملك فيصل ، والذي يعرفه أن الإخوان كانوا أمناء وحريصين على السعودية فالصواف وآخرون كانوا رسل الملك فيصل لدول أخري .

ويرى أن الإخوان سبب في خروجه من السعودية .. ومناع القطان كان له سبب مباشر في إخراجه .. ويقول إن الشيخ مناع أخلص للسعودية .. وكنا نأخذ عليه شدة ولائه للسعودية .. " الشيخ مناع ساعدني في بعض الأمور .. هذا حق .. وكنت أتعرض من بعض البعثيين ، فيتدخل الشيخ مناع وهذا حق .. مرة أو مرتين " قال له الشيخ مناع : وجودك في هذا البلد يضرنا فخرجت من السعودية إلى الكويت في بداية السبعينيات .

أما الدعوة السلفية فنشأت في الكويت مصادفة أثناء وجودي .. وكان أساسها (عبد الرحمن عبد الخالق) ويعمل في مجلة المجتمع إلى عام 1976م.

ويرى أن الكويت من أفضل الحريات في البلاد العربية ، ولم يكن في بريطانيا لاجئا وإنما مستثمر وبخصوص التيار الليبرالي في السعودية .. يسأل عن الربح والخسارة إلى متى يعتمدون على هؤلاء الليبراليين في الإعلام ؟ الليبراليون هم أخطر الناس على السعودية فهم مرتبطون حتى النخاع مع أمريكا !

ويقول : " منهجي سلفي ولك أن تقول وهابيا .. (إخواني صار وهابيا) الآن يتحدثون عن سيد قطب وفي ظلال القرآن وكأنه أساس البلاء ، كيف تبنت هذه الكتب الدولة على أعلي المستويات؟

" في ظلال القرآن " كان فيه برنامج إذاعي في الستينيات بهذا الاسم .. وعندما كان سيد في السجن كان البرنامج يذاع .. وبعض خطب الملك فيصل مأخوذة من الظلال .. " إحنا كان موقفنا مدين للعراق .. ولكن كنا ضد دخول القوات الأمريكية " وحديث عن النصيحة السرية .. وأن المنكر العلني ينكر علانية في رأيه

أما كتاب (وجاء دور المجوس) فقد طبع في مصر ، وتدخل أمن الدولة ابتداء لمنعه ثم سمح بطباعته ، ورغم أن شاه إيران كان على صلة جيدة بالسادات .. وقد تمت طباعة الكتاب بعد أخذ موافقة من الأزهر ..

وقد كان (ابن باز) قد طلب سابقا من الشيخ (عبد الله بن قعود) تقديم دراسة عن الشيعة والثورة لتقديمها إلى هيئة كبار العلماء .وكأنما جاء كتاب محمد سرور ليسد هذه الخانة . 120 ألف نسخة بيعت من الكتاب .. وبعض الدول سمحت به ومنها السعودية والكويت.. عام 1984 م وصل بريطانيا .

وبخصوص الجامية يقول ساخرا:

" لا المدخلي ، ولا المخرجي ، ولا أمان .. أنا أعرفهم شخصيا ، قد تستغرب أنني أعرفهم شخصيا .. هؤلاء مثل جيش الاحتياط الذي دعوا إلى معركة "

(25) محمد ناصر الدين الألباني (1333 -1420هـ) .. ثلث السلفية المعاصرة (ابن باز ، ابن عثيمين ، الألباني)

أقام الشيخ في المدينة ثلاث سنوات منذ عام 1381 هـ حتى عام 1383 هـ ، حيث درس الحديث وعلومه في الجامعة الإسلامية على الرغم من مدة الإقامة التي تبدو قصيرة ومبكرة إلا أن تأثير الشيخ في الفكر الديني والصحوة في السعودية استمر خلال أربعة عقود؛

وربما هو الشخصية الدينية الوحيدة غير السعودية التي تذكر في مرحلة الصحوة الذهبية مع الشيخين (ابن باز وابن عثيمين) كرموز دينية سلفية عالمية هذا الاعتراف بقيمة الشيخ ليس فقط من حركة الصحوة ، وإنما حتى من رموز وناشطي التدين السلفي التقليدي والرسمي مع التهميش السلفي المحلي لآراء (الألباني) الدينية غير المرغوب فيها محليا .

الصورة التي انتهي إليها الشيخ كاسم سلفي له صدقية عند مختلف التيارات الدينية في السعودية ، مرت بمراحل وقصة طويلة ، ومعارك علمية شرسة فمنذ الستينيات الميلادية نجد اسم الشيخ يأخذ في كل عقد مكانة في الوعي الديني المحلي وطلبة العلم

حتى استقرت الرؤية له بعد منتصف الثمانينيات على اعتراف به كرمز سلفي للصحوة في العالم العربي، ، له صدقية ذاتية ليست بحاجة إلى تزكية علماء السعودية في حقيقة سلفيته ، وكان موقفه من استقدام القوات الأمريكية مريكا للسلفية السعودية

وقد لاحظت في التسعينيات مدى ارتباك الديني الرسمي من هذا الموقف، مع أنه انتقد هذا الرأي في شريط له في تلك المرحلة:

" فقالوا وألفوا في جواز الاستعانة بالكفار دون حدود ما وضعوا لها قيودا ، علما منا أن المذهب الحنبلي الذي ينتمون إليه قيد الاستعانة بقيد مهم جدا يدل على فقههم وإنهم ما كانوا متأثرين بالأجواء التي نتأثر نحن بها اليوم ونغير عقيدتنا ما بين الضحي والمساء ، حيث قالوا يجوز الاستعانة بالكفار بشرط أن تكون الغلبة للمسلمين .. الله أكبر أن تكون الغلبة للمسلمين .."

(ويا ليت شعري وين المحاضرات؟ وين الكلمات التي كانت تذاع قبل هذه الفتنة حول تولي الكفار إذا كانت هذه الاستعانة بهذه الدائرة الواسعة والواسعة جدا) .. ليست موالاة للكفار ، فليت شعري ما هو التولي للكفار ..؟

ومن الصعب على السلفية المحلية اتهام الألباني بأن له أجندة حركات إسلامية كبري كما اتهم بعض دعاة الصحوة هنا ، فالشيخ معروف بخصوماته التاريخية مع كبري هذه الحركات وضد قطب وللشيخ مواقف ضد تكفير الحكام وتنظيمات الجهاد ومنهج الخوارج وكان له مواقف مشهور ضد الجماعات الإسلامية .

ومع أن الأمر لا يخلو من ظرف سياسي أثر في رؤية كل طرف فسلفية الشيخ توافق رأيه مع الموقف الأردني في ذلك الوقت ! وسلفيتنا الرسمية توافقت مع ظرفنا التاريخي !

كان المجال الفقهي شائكا جدا ، وليس في مصلحة السلفية بالذات التوسع في نقاشات حوله ، فكان تكتيك الفئة المدافعة عن الرؤية الرسمية هو تجاهل رأي الشيخ وإغلاق ملف هذا الرأي وعدم مناقشته لأن اسمه مؤثر مقارنة بالموقف من غيره

وللأسف التيار الذي استلم ملف الدفاع عن الرأي الديني الرسمي في أزمة الخليج ، وهو الذي لديه القدرة والمسموح له بالحديث علانية عن القضية استعمل أسلوب الاستغفال في تناول الإشكال وعدم الجدية العلمية والعقلانية في تناول مثل هذه القضايا الحساسية سياسيا ودينيا ولهذا لم يتوقف التطرف الفكري في تقييم هذه المسائل حتى آفاق الجميع بعد عشر سنوات على أحداث أيلول (سبتمبر)

حياة الشيخ مليئة بالصراعات العلمية ، مع همة عالية في البحث والتأليف في علم الحديث ، حتى أصبح اسمه مقترنا بأسماء مشاهير أهل الحديث التاريخيين ، وتفوق بها على علماء عصره في علم الحديث بمن فيهم مشايخ السعودية

قال عنه الشيخ (ابن باز) : "الألباني مجددا هذا العصر في علوم الحديث" ومع أن الشيخ عقبه ورد عليه الكثير من العلماء في مجال تصحيح الأحاديث وتضعيفها وذكروا بعض أخطائه في ذلك ، ويري البعض أن ما صححه الألباني يحتاج إلى مراجعة وما ضعفه فهو مؤكد ، فكأنه يميل للتصحيح أكثر .

يعتبر هو والشيخ (ابن باز) من صناع الصحوة الإسلامية في تجاوز التعصب المذهبي والإفتاء على طريقة أهل الحديث لكن هذا الانتقال الذي لم تتضح معالمه إلا في الثمانينيات في خطاب الصحوة الذي يبحث عن الراجح ويتجاوز أقوال المذاهب السائدة أخذ زمنا يشكل في الستينيات والسبعينيات الميلادية .

مرّ تشكل هذا التيار وإحياؤه بمراحل طويلة وصعبة محليا مع أصحاب الفقه التقليدي ، وللأسف لم يسجل طلبة العلم لدينا الذين عاصروا تلك المرحلة كعادتهم في تجاهل تفاصيل التطوّرات التاريخية التي يمر بها وعيهم الديني كانت حادثة الحرم ذات تأثير سلبي في هذا التيار

ومع أنه لم يوجد معهم أسماء علمية بارزة إلا أن تأثرهم بأهل الحديث في المدينة في ذلك الوقت كان معروفا للجميع ، ولهذا كتب الشيخ (صالح الفوزان) مقالة في مجلة الدعوة بعد حادثة الحرم ، وهو محسوب على المدرسة الفقهية التقليدية ، ينتقد بقوة هذه الفئة التي رفعت شعار أهل الحديث

وهي مقالة توحي بعمق الخلافات الماضية ، وما يبدو لافتا أن بعض الكتاب محليا يتلاعبون بتفاصيل تلك المرحلة في مقالات ويوجهونها وفق مصلحة آنية ، مع أنهم أكثر الناس قربا منها بحكم تأثرهم المبكر بهذا الإتجاه السلفي وبعدهم عن الصحوة السائدة ونشاطها الحركي .

ونظرا للعديد من الإشكاليات ذات التفاصيل المختلفة لم يطل مقام الشيخ في السعودية ، ومع أنه اختير عضوا للمجلس الأعلي للجامعة الإسلامية بالمدينة من عام 1395هـ إلى عام 1398 هـ إلا أن في الشيخ حدة معروفة .. " وفي طبيعته ، إلى ذلك ، لون من الشدة قد تبلغ أحيانا حد العنف حتى مع محبيه فضلا عن مخالفيه .. وما أدري لذلك تعليلا سوى شدة الثقة بنفسه "

(محمد المجذوب ، علماء ومفكرون) وواجه مضايقات عديدة في حياته وكانت أولي هذه المشاكسات أن جماعة من المشايخ وفيهم من كان يتوقع منه نصرة السلفية ، قد نظموا عريضة " يزعمون فيها أني أقوم بدعوة وهابية تشوش على المسلمين .."

ولد الشيخ في ألبانيا ، ثم هاجر إلى سوريا ، وكان أبرز من خدم علم الحديث في القرن الماضي ، واجه العديد من المشكلات في سوريا والخصومات مع منهجه الفقهي .. تأثر بـ (محمد رشيد رضا)

في معركة الصحوة مع التيار الجامي حاول خصوم دعاة الصحوة بطرق مختلفة إشراك الشيخ في القدح بسلفيتهم وتبديعهم بحكم موقفه التاريخي من الحركات الإسلامية ، ولم توفق هذه المحاولة ومع أن الشيخ يبدو شرسا في تعليقاته ولا يخلو تسجيل له من قول مثير ورأي لافت ، مع سلفيته

إلا أنها سلفية غير تقليدية في صراحتها وقد أشار ذات مرة إلى أن دعوة الشيخ (محمد ابن عبد الوهاب) تجديدية في العقيدة وليست في الفقه وتحدث عن بعض علماء "نور على الدرب" وضعفهم العلمي

وفي الحوار التسجيلي الذي طرح عن رأيه في سلمان وسفر والتيار السروري يقول : (سرور) كشخص .. كلمة غير واضحة وفي تلك المجلة لم نطلع على منهجه وعقيدته بقدر ما اطلعنا على دعوته السياسية

ولذلك فلا يجوز أن ننسب إخواننا هؤلاء الذين يشتركون معنا في الدعوة إلى الكتاب والسنة والتوحيد ومحاربة البدع هذا الجانب لا نعرفه من سرور فلو كان العكس لكان أقرب ، لو نسب سرور إلى هؤلاء كان مقبولا ، لأن سرور ما نعرف عنه شيئا من هذا العلم الذي نعرفه عن هؤلاء

ولذلك فأنا أنصح إخواننا هؤلاء الذين يتسرعون في نسبة من هم معنا في الدعوة السلفية كسلمان وسفر إلى شخص لا نعرف ما حقيقة دعوته نحن نتمني أن تكون دعوته هي الدعوة السلفية لا بأس أن تكون دعوته دعوة سلمان ودعوة سفر .."

ومن يبحث في حياة الشيخ ومعاركه وأقواله .. سيجد مادة ضخمة تعبر عن نبض كل مرحلة مرت بها تطورات الصحوة الإسلامية .. أما تأثيره في البيئة الدينية السعودية فقد كان حاضرا بكل مراحله ..

ليس نتيجة إقامته المحدودة في السعودية ، وإنما لأن اسمه تجاوز الحدود ولم يعد بالإمكان القدح به وبسلفيته ونصرته للسنة ، وقد فشل الكثير من المحاولات لترويضه وتهميش آرائه الدينية ومنها قضية الحجاب وحساسيته عند الفكر الديني السلفي وتيار الصحوة لحماية منجزهما بخصوص المرأة؛

وهذه الانتقائية من هذه الشخصية دلالة أخرى على طبيعة الفكر الديني المحلي الحركي والرسمي التقليدي على انتقاء الآراء المتشددة فقهيا ، وتهميش غير المرغوب فيه .

(26) محمد قطب (1919م - ..) مدرسة آل قطب في السعودية

عاش ما يقرب من ثلاثين عاما في السعودية مدرسا بجامعة أم القري ، وتخرج علي يديه عدد كبير من العلماء والمشايخ والدعاة واشتهر بإشرافه على رسالة الماجستير عن العلمانية التي أعدها الشيخ (سفر الحوالي) .

هو امتداد لفكر (سيد قطب) وإنتاجه الكبير ، وقد شكل مع أخيه مدرسة فكرية إسلامية ذات ملامح وبصمات واضحة، وأثر في العقل الإسلامي المعاصر بمختلف تياراته وأطيافه بما فيها المذاهب غير السنية

واشتهر كتابه جاهلية القرن العشرين الذي يقول عنه:

" . كما إن جاهلية القرن العشرين له موضع خاص في نفسي كذلك ولعل السبب أنه يمثل رؤيتي لحقيقة الجاهلية وأنها ليست محدودة بفترة معينة من الزمن وإنما هي حالة يمكن أن توجد في أى زمان ومكان ، وأن البشرية تعيش اليوم أعتى جاهلية عرفتها .."

(محمد المجذوب علماء ومفكرون) وقد رد على هذا المفهوم الكثيرون منهم (على الطنطاوي) وكان ردا مشهورا على استعمال كلمة جاهلية في مجلة الدعوة .

دراسة وتقييم فكر هذه الشخصية وإنتاجها عند مختلف المراحل ، واستعراض مقولاتها والنقاد ، ليس هنا مكانه وبحاجة إلى العديد من الدراسات الجادة ، خاصة أنه في العقدين الأخيرين تراكمت النقدية من خلال الكتابات والتعليقات حول إنتاجهم لظروف مرت بها الحركات الإسلامية ومشكلاتها

هذا النقد الذي قدم من مفكرين غير إسلاميين مع علماء دين لم ينجح بعد في تحديد مصدر المشكلة التي تواجه الفكر الإسلامي ولم يجد حلا سوى في رمي الأزمة على أسماء بارزة في التيار الإسلامي كـ (سيد قطب وأبو الأعلي المودودي)

وهي اختزالات غير علمية اطلعت على العديد منها منذ أكثر من عقدين ، ولا تزال هذه الأفكار تتوالد بصورة مستنسخة نتيجة تبلد المثقف العربي ، وميله إلى السهولة من دون اطلاع مفصّل على الخطاب الإسلامي الذي لا يقبل التجزئة بطبيعته .

واستحضار (محمد قطب) هنا كـ "اسم كبير" عاش في السعودية زمنا طويلا، هو مجرد إضاءة محدودة حول تأثير إقامته بشخصه وعمله ، وليس بكتبه المشهورة في العالم العربي وفي فضاء الثقافة الإسلامية وأدبياتها .

ولقد جاء انتشار فكره وقوة تأثيره من إنتاجه الفكري ومؤلفاته الكثيرة وكان كتاب واقعنا المعاصر الذي جاء في عهد الصحوة الذهبي يمثل خلاصة الرؤية التاريخية ، والمنهج والتصورات لمسار الصحوة الإسلامية في العالم العربي ، وإجابة عن أهم الإشكاليات التي تواجه التيار الإسلامي ، وقد طبعته جريدة المدينة .

ومع أن مدة إقامته طويلة في السعودية وكذلك عمله في جامعة أم القرى إلا أنه خلال هذه الفترة كان محدود الحركة والاتصالات ، ويبدو شبه منعزل عن المجتمع السعودي وفعالياته ، ولا يدخل في مناقشات وجدل وخلافات داخلية وخارجية ، غير ناشط في الصحافة والإعلام محليا وخارجيا؛

مثل الشيخ (على الطنطاوي) الذي عرف المجتمع السعودي بمختلف شرائحه، لا تعنيه الصراعات والقيل والقال داخل الساحة الإسلامية .. وهذه المواصفات هي أغلب الذين أقاموا في السعودية من الإسلاميين .

باستثناء أسماء معدودة لها حالة خاصة من الدعاة والإسلاميين ، حيث أتيح لهم حضور تلفزيوني أو إذاعي أو صحافي ، ومنهم في الخطابة والمحاضرات والدروس العلمية وبعضهم حصل على الجنسية وبعضهم في الطريق إليها .

ومع ذلك فقد وجدت له العديد من المحاضرات المتفرقة وفي مناطق مختلفة ، وشارك في عدد من المؤتمرات الإسلامية ببحوث وأعمال ، وأذكر أني حضرت له محاضرة عندما كنت في المرحلة الثانوية في مقر نادي التعاون بـ (بريدة) ولفت نظري الجمهور الكبير؛ وأيضا بعض ردود الأفعال السلبية ، والسخرية تجاه لبسه الإفرنجي التي رأيتها وسمعتها من بعض الحضور المتشددين وكبار السن .

وفي تقديري قبل أن نطرح تأثير محمد قطب ، يجب أن نسأل عن تأثره بالوعي السلفي ، فالمطلع على جميع إنتاج سيد قطب ومحمد قطب ، سيجد أن سيد وقع في بعض الآراء والتعبيرات الإنشائية التي تبدو في نظر الرؤية السلفية غير صحيحة ، مع اختلاف بينهم في درجة إنكارها

وقد اطلعت مبكرا على العديد من هذه التعليقات ، لكن ما يبدو لافتا لى أن مشروع محمد قطب الفكري كان أكثر انضباطا في طرحه الفكرة الشرعية ، ومحتفظا بمضمون الرؤية السلفية العقائدية من دون التجاوز في تعبيرات إنشائية يتحفظ عليها السلفيون من الناحية الشرعية

ومع أن محمد قطب تناول وتوسع في طرح مفاهيم حساسة علميا في المنظور السلفي كمفهوم لا إله إلا الله ، وقدم خطأ فكريا في فهم القضايا الدينية ، شكل بمجمل أفكاره خطابا دفاعيا جدليا للفكر السلفي المحلي ضد خصومهم؛ حتى الذين شكلت لهم القطبية قوبيا فكرية مع حملة التسعينيات ضدها ، حتى إن هناك مدرسة ابتدائية في مدينة بريدة سميت باسم "سيد قطب" ثم غير اسمها تحت تأثير هذه الحملة !

لقد تمكّن (محمد قطب) من تقديم خطاب فكري يلائم في تعبيراته ورؤيته التاريخ الإسلامي ، الحس الوهابي السلفي ، إنه تنظير معلن وفق مواصفات أهل السنة السائدة في المقابل كانت هذه الرؤية وهذا الخطاب ليس في صالح العقلانية الإسلامية التي نشأت كامتداد لمدرسة (الأفغاني ومحمد عبده) ولهذا فالمؤسسة الدينية السلفية المحلية تقبلت رؤية هذا الاتجاه الفكري في مدرسة آل قطب ، لأن هناك توافقا في المفاهيم الكبرى الدينية وذات روح نقلية في احترام النص .

ولا أريد التوسع في شرح هذا من الناحية الفكرية والدينية ، فهو من المواضيع الكبيرة التي تحتاج إلى دراسات خاصة . لقد حافظ خطاب محمد قطب على البعد الحركي في توجيهه للصحوة الإسلامية ومشكلاتها وتربيتها ، وبظهر هذا البعد بصورة كبيرة في (كتاب واقعنا المعاصر) الذي صدر في منتصف الثمانينيات وعلى الرغم من قوة الحملة ضده في التسعينيات

فإن خصومه لم يتمكنوا من الحصول على أخطاء عقائدية وفقهية في طرحه كما عند سيد قطب سوى التحريض عليه بتوجه خطابه إلى أبعاد حركية كمرجع للصحوة ، ومسألة البعد الحركي تختلف زاوية النظر إليها فقد تبدو أمرا طبيعيا وضرورة في عالم اليوم وحراكه السياسي والفكري عند البعض ، وقد تبدو عند آخرين نوعا من المؤامرات الكبرى ! وبين الرأيين مسافة طويلة من التنوع وفقا لخبرة المراقب وموضوعيته .

كان حضوره الأكثر تأثيرا في السعودية هو إقرار كتبه في مناهج التعليم فكان كتاب التوحيد في الصف الأول والثاني من المرحلة الثانوية من تأليفه وكان كتاب التوحيد يبدو في تلك المرحلة لافتا في أسلوب طرحه

وحشد الأدلة والمناقشة والجدل في تحقيق رؤي ومفاهيم إسلامية أساسية تختلف عن مناهج التوحيد في المراحل الدراسية التي قبلها (المتوسطة والابتدائية) وكان جميع هذه القضايا التي يتناولها تحديدا في هذين المقررين هي أفكار ثقافية إسلامية عامة

وجزء من ثقافة أى مسلم عصري ، في مناقشة الأفكار المعاصرة ضد خصوم الفكر الإسلامي ، ولست هنا بصدد مناقشتها تفصيليا فللمناهج قصة طويلة ، لكن أريد الإشارة إلى نقاط كنت تجادلت فيها في تلك المرحلة المبكرة من عمري مع إسلاميين (طلابا ومعلمين)

وقد درست المرحلة الثانوية كل صف في مدرسة مختلفة عن الأخري ، وفي مدن مختلفة في الرياض وبريدة ، فقد لاحظت أن المتدينين والمطاوعة كما يسمون في تلك المرحلة يسخرون من كتاب التوحيد لمحمد قطب وأنه كتاب إنشائي وليس مصدرا للعلم الشرعي مقارنة بكتب العقائد الشهيرة التقليدية ..

ومع تمدد نهاية الثمانينيات .. وأصبحت مهووسة بحكاية العلم الشرعي التقليدي ، والدروس العلمية حتى تطور في بعض الحالات إلى زهد التعليم كله ومناهجه حتى في الكليات الشرعية،هذا الاتجاه تزايد بحجة ترشيد الصحوة ، ونقلها إلى العلوم الشرعية بمصادرها الأصلية ، والعلماء الكبار والمعتبرين في كل مدينة

ومع هذا الهوس وجدنا الكثير من المتدينين يتجهون إلى هذه الدروس كموضة طارئة وحماسة مؤقتة ، في المقابل حدث زهد في الكتب الفكرية حتى التي تخدم رؤاهم الدينية ، فتم هجر الثقافة الإسلامية العصرية التي تتضمن جدلا ومناقشة لقضايا عصرية ، إلى الدرس الديني التقليدي

ومن الناحية العملية ، فإن من غير المعقول تصور أن هذا الجمهور الضخم سيستمر بطلبه للعلم الشرعي ، وقراءة أمهات كتب التراث ، وإنما هي مجرد موضة ستزول ولا يبقي من هذا الجمهور إلا أعداد محدودة لكن الكتب الفكرية الثقافية هي المناسبة للعامة والجمهور الذي تطوّر تفكيره وثقافته .

كان كتاب مذاهب فكرية معاصرة يقرّر في جامعة الإمام بعض الكليات وكان كتاب قبسات من الرسول يوزع في المرحلة الثانوية للقراءة الحرة .

ولهذا يمكن اعتبار حضور مؤلفات وكتب (محمد قطب) في التعليم الثانوية والجامعي من أهم عوامل تأثيره وشعبيته عند الإسلاميين السعوديين ، وعلى الرغم من التهويل الجامي ضد القطبية ومصطلحها الذي يأتي بالمعني السلبي

فالواقع من الناحية العلمية أن مضمون كتابات محمد قطب الثقافية والتربوية جاء في خدمة الرؤية السلفية النقلية المحلية ، مقابل تضرر الرؤية العقلانية الإسلامية منها فضلا عن الرؤى الثقافية العلمانية والاشتراكية والليبرالية .

ولم تكن لتسود طوال هذه الفترة لولا أنها كانت متوائمة ومتفقة مع الرؤية السلفية ورؤية الصحوة التي نشأت محليا ، أما البعد الحركي فهو شأن سياسي يتغير مثل الطقس ، فقد فاز (محمد قطب) بجائزة الملك فيصل عام 1408هـ قبل الشيخ (الألباني) السلفي ومشروعه الضخم في خدمة السنة والتي تأخرت إلى عام 1420هـ ّ

(28) على الطنطاوي (1909 -1999م) .. صوت التسامح الديني

قد إلى السعودية عام 1963م ، وبدأ عمله في الرياض مدرسا في الكليات والمعاهد العلمية ، كاد يختنق في الرياض وضاق صدره وطلب إعفاءه كما يقول .

مع ان الشيخين (محمد بن إبراهيم وعبد اللطيف آل الشيخ) دعواه إلى تجديد العقد إلا أنه اعتذر ، حيث ضاق صدره في الرياض وعرض عليه العمل في مكة فوافق مباشرة ، يقول عن نفسه إنه تردد بين السلفية والصوفية ثم استقر على مذهب السلف .

وفي مقدمة كتابه عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب تحدث عن الوهابية وكيف نشأ على كراهتها : " ثم أردت أن أمتحن نفسي فتساءلت هل أنا وهابي "؟ في الشام رأوه أنه أصبح وهابيا، وفي الرياض ردود عليه (المجذوب علماء ومفكرون)

بدأ هذه المرحلة الجديدة من حياته بالتدريس في كلية التربية ، ثم كلف ببرنامج التوعية الإسلامية ، فترك الكلية وراح يطوف على الجامعات والمعاهد ومدارس المملكة لإلقاء الدروس والمحاضرات وتفرّغ للفتوى ليجيب عن أسئلة الناس في الحرم في مجلس له هناك ، وفي بيته ساعات كل يوم .

ثم بدأ برنامج " مسائل ومشكلات " في الإذاعة ، " نور وهداية" في التلفزيون الذي قدر له أن يكون أطول البرامج عمرا في تاريخ إذاعة المملكة وتلفازها .

ويعتبر الطنطاوي من أقدم المحاضرين الإذاعيين في العالم العربي ، إذ بدأ يحاضر في إذاعة الشرق الأدنى من أوائل الثلاثينيات وكتب في مجلة المسلمون السعودية ، وفي مجلة الحج ، وجريدة المدينة ، ونشر ذكرياته في جريدة الشرق الأوسط على مدي خمس سنوات وعندما جاوز الثمانين وبدأ التعب يؤثر فيه ترك التلفزيون .

يمثل الشيخ أهم الشخصيات الدينية المقيمة في السعودية وأشهرها وتكونت له شعبية واسعة عند العامة في المجتمع ، وإن كان ثمة خطاب ديني تنويري وتسامحي يسجل في السعودية ، فإن خطاب الشيخ ودردشته يمثلان هذا الخطاب .

"نور وهداية" وعلى مائدة الإفطار مثل هذه البرامج المبكرة والعديد من كتبه بأسلوبه الأدبي الرشيق وفقهه الواسع ودعايته ، تؤكد قابلية المجتمع لمثل هذا الخطاب المعتدل ، وقد سجل ظاهرة دعوية متسامحة قبل ظهور نجوم دعاة الفضائيات بعقود عدة .

يبدو أمرا مثيرا أن تجد برامجه هذه الشعبية العريضة ، على الرغم من أن هناك من العلماء التقليديين وطلبة العلم بوجه عام في تلك المرحلة قبل الصحوة وفي بدايتها ، ذكروا أنه يمثل خطابا دينيا مميعا ، ولهذا لا يعتبرونه شيخا وإنما أدبيا ، فالشيوخ هم علماؤهم الكبار فقط !

ويمكن تفسير أسباب استمرارية هذه البرامج وشعبيتها الاجتماعية وبهذا الخطاب المعتدل ، خاصة أن هناك الكثير من التجارب في تقديم آراء فقهية متسامحة وأحيانا تتحول إلى رؤية سلفية بحتة

وقد تزايد على الرؤية السلفية لكن هذه الشخصية استطاعت أن تحافظ على سمات خطابها العام من دون تغيير ، فخبرته الدينية الواسعة جعلته قادرا على صياغة خطاب معتدل بصورة غير مصادمة للرأي المتشدد لأنه يقدم آراءه بنوع من البساطة والحوار لتوسيع مدراك المستعمين الدينية والفقهية والتاريخية

وأذكر أنه في كثير من الحالات عندما يأتي لقضية فتوى ورأي ديني يشير إلى أنه لا يفتي حتى لا يثير حساسية خصومه ، فيقدم رأيه المختلف من دون خشونة واستهزاء بالآراء المتشددة . ثم إن أهم سمات الشيخ أن خطابه تجاوز البعد الفقهي المذهبي ، أو الحزبي والحركي الإسلامي إلى أفق الإسلام من دون قيود الحركات الإسلامية ونشاطها أو السلفية وضوابطها الصارمة؛

على الرغم من وجود العديد من الردود عليه في الصحافة في ذلك الوقت ، عند بعض الموضوعات وأذكر كيف واجه مشكلة في إقناع البعض في جواز التصفيق ، أو رأيه في التدخين ! يمكن اعتبار الشيخ من أهم الشخصيات التي أثرت في الوعي الشعبي السعودي في تناول مفاهيم الإسلام العصري من دون تشدد ،لكن خطابه لم يؤثر في الخطاب الديني السائد ، والفقه المحلي الذي تحرسه مؤسسات تعليمية ودينية؛

فتم مسح هذا الخطاب من الذاكرة الاجتماعية سريعا مع طفرة خطاب الصحوة الديني ، ولم يبق في ذاكرة الكثيرين من الكبار إلا حنين إلى بساطته ودعابته الشهيرة !

(29) شخصيات أخري

بما أن القائمة التي مرت على مجتمعنا تطول والكثير منها أسماء بارزة ثقافيا ودينيا وأدبيا فمن غير الممكن أن نستطرد في ذكرها هنا والتوسع عند كل شخصية فبالإضافة إلى ما سبق يمكن الإشارة هنا إلى بعض الأسماء المهمة بإيجاز:

قدم للعمل في السعودية عام 1981 م في جامعة الملك عبد العزيز ثم طلب العمل في الجامعة الإسلامية بإسلام آباد في باكستان ، فانتدب لهذا العمل قريبا من الجهاد الأفغاني ، وكان الجهاد الأفغاني في بدايات تشكل المجاهدين .

أقام في السعودية مدة قصيرة جدا ، لهذا لا يمكن تقييم تجربته لكن تأثيره في الشباب السعودي من خلال رحلة الجهاد والسفر إلى هناك ، وقد تأثر (أسامة بن لادن) في مرحلة اعتداله بالشيخ عزام ، وعلى الرغم من إشكاليات الجهاد الأفغاني الفكرية والتحفظات على بعض آراء الشيخ فإن رحيله المبكر أثر في الفكر الجهادي كثيرا ، وانحرف عن مساره المفترض ، وظهرت ملامح التطرف الديني والتكفير

وهو من الأسماء البارزة في حركة الإخوان ، وتأثر بأفكار (حسن البنا وسيد قطب ومحمد قطب وعبد القادر عودة) وكتب عنه البعض في صحفنا بإعجاب بالشيخ في تلك المرحلة
ومنهم الكاتب حمد القاضي حول ذهابه للجهاد ، وتركه التدريس في جامعة الملك عبد العزيز ، حيث ترك الحقل الأكاديمي إلى عمق المعركة مع السوفيات .
  • محمد الشنقيطي

قدم للحج عام 1367هـ ، وطلبه الشيخ (محمد بن إبراهيم) للتدريس بالمعاهد العلمية والكليات ، وفي عام 1381 هـ انتقل للتدريس بالجامعة الإسلامية وعندما شكلت هيئة كبار العلماء كان من أعضائها ولد عام 1325 هـ ، وتوفي عام 1393هـ .

يعتبر من أبرز العلماء الشرعيين الذين أقاموا بالمملكة واشتهر بين طلبة العلم من الذين عاصروه بقوته العلمية وتميزه وقوة الذاكرة ومؤلفاته العديدة وقد تميز بتفسيره الشهير ، وعلم اللغة وهو امتداد علمي للرؤية السلفية التقليدية وقد أثر في العديد ممن تتلمذ على يديه .
  • عبد الرزاق عفيفي

قدم مبكرا إلى السعودية عام 1368 هـ ، ودرس في المعهد العلمي بالرياض ، وهو من المؤسسين لجماعة أنصار السنة المحمدية بمصر ، وعمل جادا في مكافحة البدع والشركيات ، ومنذ اختياره عام 1391 هـ للرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد نائبا للرئيس الشيخ (عبد العزيز بن باز) فقد كان حضور رأيه الديني من خلال فتاوى اللجنة الدائمة لسنوات طويلة .

عندما فتحت الجامعة الإسلامية عام 1380هـ كان من أوائل من درس بها وأحيل للتقاعد عام 1406هـ هو شيخ وداعية وواعظ ، له حضور في الخطاب الديني المحلي مبكرا وكان تأثيره بمؤلفاته الكثيرة في التفسير والفقه والسيرة النبوية وكتب عن حكم الغناء وله كتاب محاورة شيعي؛

واشتهر بدروسه في المسجد النبوي كان له آراء سياسية مثيرة للجدل أشهرها رأيه في كامب ديفيد في وقتها والتأييد لعملية السلام أثناء مشكلة الجماعة المحتسبة في المدينة ، وكان له دور في الكتابات عنها .
  • محمد متولي الشعراوي

في عام 1950م انتقل إلى السعودية ليعمل أستاذا للشريعة في جامعة أم القرى حتى عام 1963 ، بعد الخلاف بين مصر والسعودية ، ثم قدم إلى السعودية مرة أخري كأستاذ زائر عام 1970 في جامعة الملك عبد العزيز بجدة حتى عام 1973 م

واشتهر وأصبح من رموز الدعوة الإسلامية الكبار في العالم العربي في ما بعد ، وفرض اسمه كأبرز من فسر القرآن الكريم ، وبثت لقاءاته في برامج تلفزيونية مبكرا ، بطريقته ومنهجه المعروف ، وتكونت له جماهيرية في العالم العربي

أما المجتمع السعودي فتعرف على الشيخ من خلال التلفزيون السعودي مبكرا في مرحلة الثمانينيات المسجلة في أحد مساجد مصر في تفسيره للقرآن وكان لها شعبية خاصة واستفاد الكثيرون منها في تبسيط الوعي بالقرآن والسيرة واللغة ، ومع أهمية الشيخ لم أعثر على مادة ذات قيمة في التأثير الفكري حول ذكرياته في السعودية في المرة الأولي والثانية .

أعير إلى السعودية عام 1971م سبع سنوات كأستاذ في جامعة أم القرى بمكة كداعية معروف ، أثار جدلا في كثير من القضايا، وقدم لمحات في بعض كتبه عما يسميه الفقه البدوى وحواراته في السعودية

وعلي الرغم من أهمية هذه الشخصية ، إلا أنه حتى الآن لم تتوفر مادة كافية عن ذكرياته ، والجدل الديني والفكري الذي حدث أثناء وجوده خاصة ممن عاصر تلك المرحلة الجامعية ،في ما بعد تحسنت علاقاته الرسمية ، وأصبح يكتب في جريدة الشرق الأوسط ، توفي أثناء حضوره مهرجان الجنادرية عام 1996 م.

  • محمد المنجد

عاش في السعودية منذ طفولته ودرس منذ المرحلة الابتدائية إلى الجامعة فيها، تبدو أهمية الشيخ كداعية تحقق له حضور ونشاط واسع في السعودية منذ بدايات الصحوة في الثمانينيات وبرز في مرحلة مبكرة أهميته تكمن في تشكل ذهنه ووعيه الديني في السعودية وعلى أهم علمائها الكبار من أمثال الشيوخ (ابن باز وابن عثيمين والبراك وآخرين)

ومن غير الممكن أن نعتبره وافدا من بيئة ثقافية أخري ، لأنه يعتبر في حقيقة الأمر من طلائع الصحوة المحلية حيث مر بالظروف التي مرت بها الرياض والشرقية .

ما يبدو لافتا هو نشاط الشيخ المبكر العلمي والدعوى في الخطابة والدروس العلمية والمحاضرات المبكر ولهذا يمكن اعتبار الشيخ من صناع صحوة الثمانينات ووعيها الديني بقوة فقد أثر خطابه التربوي في قطاع واسع من التيار الإسلامي؛

وهو يمثل أهم طيف في حركة الصحوة ،ولديه وعي فقهي غارق بالتفاصيل ضد الانحرافات وقائمة المحرمات وتقديم تفاصيل تربوية دينية ، واختياراته الفقهية تبدو دائما متشددة توافق الرؤية السلفية التقليدية بمرجعيته العلماء الكبار ، له قبول واسع عند تيار الصحوة ، لم يتورط في خطابه أثناء أزمة الصحوة بأى تهييج سياسي

مضمون خطابه ضد أى خطاب عصراني وعقلاني يري أنه يميّع الشريعة و ومع تغير بعض اختيارات الصحوة ، والمجتمع وموقفهم من بعض الأحكام ، استمر محافظا على آرائه ضد ما يسميه " ضغط الواقع" الذي جعل بعضهم يتساهلون ببعض الأحكام

وهو من أوائل من كان له حضور دعوى في الإنترنت وحقق نشاطه نتائج ملموسة، ومع كثرة المشكلات التي تواجه الدعاة من خصومه وتحريض ، ومع كثرة إنتاجه وخطبه ومحاضراته ،فإنه امتلك مهارة عزل خطابه عما هو ذو أبعاد حرجة سياسيا في الداخل والخارج

لكن الترجمة لأحد المواقع الخارجية في (اليوتيوب) ذات مرة لبرنامج فقهي على قناة المجد أوقعته في حرج أمام الرأي العام المحلي والخارجي ، خاصة بعد بث ذلك المقطع في قنوات أمريكية شهيرة عنه كداعية سعودي ثم استغلها خصوم تيار الصحوة هنا في الهجوم عليه؛

وتقديم تفاصيل تحريضية حوله في الانترنت وقد واجه هذا الإشكال بشرح وجهة نظره في (اليوتيوب) باللغة الإنكليزية ، وبعض التقارير الإعلامية .

  • عبد الرحمن رأفت الباشا

دعي للعمل في السعودية عام 1384هـ كأستاذ في كلية اللغة العربية كان له برامج في الإذاعة السعودية تأثر به العديد من الشعراء وأصحاب الأدب المحافظ ، ودعا إلى الأدب الإسلامي وإيجاد رابطة ، وتبنت جامعة الإمام هذه الفكرة وأقامت الرابطة عام 1406 هـ؛

واختير نائبا لرئيس الرابطة (العسكر من أعلامنا) وأهم تأثير ساهم فيه محليا هو تقديم مشروع صور من حياة الصحابة والتابعين في سبعة أجزاء ، وقرر أيضا للقراءة الحرة في التعليم العام .

  • محمد محمد حسين

تعاقدت معه جامعة الإمام محمد بن سعود عام 1976م حتى عام 1981م، وأهم كتبه المؤثرة (الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر) و(حصوننا مهددة من داخلها)

وتحول هذا العنوان إلى برنامج إذاعي في السعودية عاصر مراحل مبكرة من النهضة وجدل المثقفين وخلافات التيارات الفكرية في مصر ، ويمثل الشخصية المحافظة ذات الطابع العلمي والأكاديمي الجادّ.

  • عبد الحليم عويس

من الشخصيات الأكاديمية كأستاذ للتاريخ ، أقام طويلا وكان له مشاركات متعددة في الأنشطة الثقافية والصحافية تعبرّ عن الرأي الإسلامي المحافظ ضد دعوات التغريب والأفكار الهدامة مشابهة لأطروحات أنور الجندي

وهناك العديد من الشخصيات التي عاشت فترة من حياتها هنا ، ولا نعرف تفاصيل كثيرة حقيقة عن إقامتها مثل الشيخين (عمر عبد الرحمن ، وأيمن الظواهري) أو شخصيات كان لها حضور وتأثير لا يتسع المقام هنا للتوسع بها ، فهناك شخصيات سلفية تقليدية مثل عطية (محمد سالم محمد الحامد ، إسماعيل الأنصاري ، محمد بهجة الأثري ، عبد الرحمن الأفريقي)

وشخصيات حركية أو دينية أو ثقافية أو أكاديمية مثل (عبد الرحمن حسن حنبكة ، وعبد الرحمن ألباني ، صابر طعيمة ، عبد الفتاح أبو غدة ، توفيق الشاوي ، طه العلوان ، محمد الصواف ، محمد الصباغ ، محمد أديب الصالح ، أكرم ضياء العمري .. وغيرهم).

مؤثرات إعلامية .. وعزلة اختيارية

تأثر الفكر الديني في السعودي بعدد كبير من العوامل المعاصرة ، وبعض ملامح الصحوة وتطوراتها ، التي تشكلت بمرور الوقت وفق مؤثرات تمت الإشارة إلى الكثير منها ، من خلال الكاسيت ، والمنبر ، والدرس الديني ، وهنا سنشير إلى الجانب الإعلامي ، ومؤثرات جانبية أخري .

للصحوة والفكر الديني السلفي موقف سلبي جدا منذ وقت مبكر من الإعلام ، هذا الموقف تغيرّ في السنوات الأخيرة مع انتشار الفضائيات والإنترنت وتطور تقنية الاتصال؛

فالموقف الديني الرسمي والحركي محليا من الإعلام المحلي صحافة وتلفزيونا ، يتمثل في شبه المقاطعة من المتابعة وكانت أهم علامات التدين الجاد للشباب وطلبة العلم والمشيخة عدم حيازة تلفزيون في المنزل .

وحتى المجتمع هو الآخر يقيم جدية هذا التدين وتحول الفرد إلى "مطّوع " حقيقي بالموقف من التلفزيون وإلا اعتبر تدينه أقل .. واستمر الموقف السلبي جدا ربما إلى منتصف التسعينيات في العقد الماضي مع بداية حدوث تغيرّات في الرؤية وفرض عالم الاتصال قوانينه وشروطه الخاصة مهما تعالت صيحة المحافظين وشكواهم مما يمطره الفضاء .

نشير إلى هذا الجانب لنضع حجم تأثر الفكر الديني في إطاره المعقول في البدايات ، ومرحلة التمدد من الإعلام فهو لا يقبل منه توجيها أو إرشادا أو وعظا إلا بعد تردد ، وحتى سمعة الذين شاركوا في الإعلام من المشايخ والإسلاميين كانت تحت المساءلة عن مدي صدقية تدينهم ومشيختهم .

هذه العزلة الملموسة كانت واضحة، كنت أشعر في حينها بالقلق من مصير وعي الناشئة وصغار السن الذين يتم عزلهم بهذه الصورة الحادة عن الخطاب الإعلامي صحافة وتلفزيونا وعن كيفية تصورهم للواقع الاجتماعي والخطاب السياسي والثقافي والتربوي الرسمي بحكم أنهم جزء من المجتمع ولهذا في تقديري فإن التيار الإسلامي تأخر وعيه بالحياة العامة على الرغم من قدرات بعض أفراده الكبيرة تعليما وثقافة وعلما شرعيا ، وجدية مقارنة ببقية المجتمع .

وهذا لا يلغي وجود أعداد منهم محدود كانت تتابع الإعلام (صحافة وتلفزيونا) حتى الإعلام الخليجي والعربي والعالمي ، لكننا نسجل الموقف العام لهذا التيار؛ ولهذا يمكن القول بوجه عام إن تأثر التيار الديني خلال أكثر مراحل تشكله سلبي من خلال عزلته عن الرسالة الإعلامية التي يستقبلها مجتمعه ، وليس من خلال استقباله لها ، ومن خلال معرفتي بالكثير من الإسلاميين ومنهم ناشطون وقيادات في الميدان

أشعر بحجم هذا الخلل لديهم ، وحتى الذين تعرضوا لحالة تحول فكري كبير ، وموقف ضدي من الإسلاميين وانفتاح باسم العقلانية والليبرالية .. ما زال الكثير منهم يعاني شلل الوعي المبكر وبراءته في بداية نموه كناشئ عندما تعرض للعزلة سنوات ، ولم تفلح عمليات الاستدراك والملاحقة لما فات من إخفاء آثار هذا الشلل ...

ولم يستطع (جوجل) ولا الـ (يوتيوب) ولا فضائيات الأبيض والأسود في إعادة إنتاج الماضي الإعلامي من تعديل وعيه ومزاجه ، عندما يفقد الإنسان فرصته في بداية العمر في قراءة قصة أطفال أو كتاب للناشئة ومتابعة البرامج في حينها

فإن إعادة قراءتها ومشاهدتها في سن متأخرة لن تعيد الظروف مرة أخري لنمو الوعي في تلك المرحلة لأن اللحظة البريئة وسن المراهقة وبدايات المرحلة الثانوية والجامعية لا يمكن إعادتها بجميع ظروفها ومحيطها ، وهؤلاء لا يشعرون بهذا الخلل

لكن المتابع للتطورات الفكرية يلحظ بسهولة آثار وتشققات الوعي المثقوب عند جيل من الإسلاميين المتحولين ، الذين غادروا التيار الإسلامي ، وربما أصبحوا أهم خصومه ، إن مشاهدة فيلم قديم بالأبيض والأسود يقدم لك الفيلم فقط ، وليس ظروف اللحظة التاريخية التي كان فيها مجتمعك .

وتبدو إشكالية هذا التأثير الخفيّ في أنه أخطر أنواع التأثيرات عندما تعزل نفسك عن خطاب عام يستقبله مجتمعك ، ولا يشعر بفقدانه من يفقده والعجز عن استرداده لمن أراد استعادة هذا المفقود .

إذا هذه العاهة الفكرية نتيجة هذه العزلة الاختيارية ، التي كانت ذات تأثير سلبي كبير لا يمكن إخفاؤه حتى في خطاب القيادات الدينية والوعاّظ وجمهور من المتدينين ، وتطورت هذه العزلة في بعض المراحل إلى مقاطعة لمصادر الثقافة المعاصرة والآداب ، وأصول الفكر الحديث ومفاهيم العصر السياسية والاقتصادية والاجتماعية والترفيهية ، فأصبح لشخصية المتديّن خصائص وملامح في تناول القضايا الفكرية في تلك المرحلة قبل أن يصبح الانفتاح أمرا قدريا وقهريا !

لكن هذه العزلة يوجد لها بدائل إعلامية إسلامية داخل التيار بمختلف أطيافه ، ولهذا نجد أنه في تلك المرحلة الأولي لتشكل وعي الصحوة كانت هناك مجلات ومطبوعات عدة منها مجلة المجتمع ، ومجلة الدعوة ، ومجلة البيان ، ومجلة الإصلاح ، ومجلة الأمة . ومجلة التوحيد .. وغيرها

وسنقف عند أهم هذه المطبوعات:

(1) مجلة الدعوة

مع أن مجلة الدعوة مطبوعة سعودية تتأثر بالأجواء الرقابية الرسمية في مجتمعنا ، محكومة بضوابط الخطاب الإعلامي الحكومي مثل الصحف الأخرى والرؤية الدينية الرسمية وعلى الرغم من ذلك فقد حققت في تقديري المجلة أهمية كبري في بعض المراحل ، وأصبحت خلال واقع صحافي محكوم باتجاهات محددة تمثل رأيا آخر في القضايا الدينية ومعبرة عن رؤية التيار الديني في الشأن الاجتماعي والتربوي والتعليمي خلال تحولات الطفرة التنموية وإشكالياتها؛

فمثلت الرؤية المحافظة خلال أكثر من ثلاثة عقود يتابعها المشايخ الرسميون وطلاب العلم ، وموظفو الدوائر الحكومية والمجتمع وكانت بدايات المجلة لإرضاء الاتجاه الديني في مجال الصحافة وكانت تصدر كصحيفة أسبوعية قبل أن تتحول إلى مجلة .

في منتصف السبعينيات كان التحول الأهم في المجلة ، حيث تميزت تلك الأعداد بالقوة والرؤية النقدية الجادة والواضحة المعالم ، يساعدها أن أجواء الصحافة في تلك المرحلة أخذت مساحة حرية أكبر وتكمن أهميتها في أن التيار الديني مع بداية ظهور آثار وملامح الطفرة كان في حالة ضعف اجتماعي شديد ،وعدم وجود تيار ديني واسع من الشباب مقارنة بالاتجاهات الأخري

وانشغال المجتمع بالثروة الجديدة والانفتاح على العالم ، وضعفت خلالها أهمية المؤسسة الدينية الرسمية ، والنخب الدينية والنشاط الديني في أسوأ حالاته ولهذا فإن رقيب الخطاب الإعلامي تجاهل ما تقدمه المجلة بحكم أنه اهتمام ورأي أقلية غير مؤثرة في الرأي العام

ولهذا بدأت تضعف محتوياته وحريتها مع كل تمدد ديني وحضور لتيار الصحوة في ما بعد ، مع زيادة الرقابة وتحديد مضمونها الخطابي . كان ذلك الخطاب يؤثر في جيل ونخب من الشباب المحافظ الرسمي والحركي الذين تحولوا في ما بعد كقيادات لتيار الصحوة وشكلت رؤيتهم مع مطبوعات ومؤلفات إسلامية أخري .

ومن أهتمام مبكر بقضايا الشأن الفكري والسياسي المحلي فإنني أعتبر المجلة أفضل من وثق بعض الخلافات والصراعات رسميا في مجتمعنا ، بتقديم وجهات النظر الدينية المبكرة التي سبقت مرحلة الصحوة وخطاب الكاسيت وهي تمثل جزءا كبيرا من الرؤية الدينية البريئة من بعض الحمولات التي جاءت بها الصراعات التاريخية في ما بعد .

ويعتبر عصر المجلة الذهبي من أهم مراحل التحول السعودي ما بين منتصف السبعينيات والثمانينيات الميلادية .وتراجع دور وأهمية المجلة كثيرا مع حضور الكاسيت وانتشار الصحوة وزيادة الرقابة عليها ، وقد تعرضت المجلة إلى هزات عدة وارتباك حيث تعرضت لتغيرات في مرحلة الصحوة فمع حادثة كأس العالم للشباب التي ستقام في الرياض ووجود اعتراض عليها ومنشورات؛

حيث كان أحد الأسماء المهمة في المجلة تم تداول اسمه في هذه الحادثة فحدثت تغيرات كبيرة في المجلة في رئاسة تحريرها ، وغير شعار المجلة والآية الافتتاحية فيها من (كنتم خير أمة أخرجت للناس ..) إلى (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ..)

وتولي داود الشريان في نهاية الثمانينيات رئاسة التحرير التي شهدت على يديه نقلة صحافية مميزة وخطابا إعلاميا جذابا ينافس المجلات الأخري واستقطب كتابا كان بعضهم جزءا من صراع مرحلة التسعينيات؛

لكن هذا التطوير غير مرغوب فيه ، فالتغير كان يهدف لجعلها مطبوعة تقليدية بحتة وذات خطاب ديني نمطي فلم تطل فترة داود الذهبية ، واستمرت المجلة منذ ذلك الوقت على خطابها التقليدي .. مع إمكانياتها الجيدة .

وسأقدم هنا نماذج لبعض الموضوعات التي طرحت في هذه المجلة من دون ترتيب تاريخي لتقديم تصور عن الوعي في مرحلة ما قبل الصحوة والنشاط الحركي ، وتأثيرها في وعي جيل كان له دور في قيادة الرأي الديني في ما بعد:

البعد 653 ، 23 /6/1398هـ : نشر تعقيب من الشيخ عبد العزيز بن باز ، وهو رد على معالي وزير الإعلام عندما قال في حوار له في جريدة الجزيرة في 1/6/ 1398م إن المملكة العربية السعودية ليست ضد اليهود ولا تضمر عداء لهم

يقول الشيخ :

" لما في هذا من المخالفة الصريحة لنصوص الكتاب والسنة الدالة على وجوب بغض أعداء الله اليهود والنصاري وسائر المشركين .. الخ "
  • عدد 10 /4/1397هـ: رد من الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي يندد بما نشرته جريدة عكاظ حول قضية " المرأة ناقصة عقل ودين "
  • العدد 725، 7 محرم 1400هـ: تفاعل مع أحداث الحرم ، ونشر لبيان هيئة كبار العلماء والجهات الرسمية لاستنكار ما حدث .
  • العدد 730، 12/2/ 1400هـ: بعد حادثة الحرم حدث اشتباه في كثير من المتدينين الذين سمياهم اللحية وتقصير الثوب ، فقدم الشيخ (عبد الرحمن بن عبد الله الفريان) بيانا بعنوان "دفع إيهام واتهام" : يرد فيه على شائعة من الذين ينتهزون فرصة هذه الحادثة لتشويه سمعة المتدين .. وأن المسئولين يقبضون على كل من قصّر ثوبه وأعفي لحيته للتحقيق معهم بحجة أنهم من المجرمين الذين ثاروا في الحرم .

ثم يروى حادثة أخبر بها وزير الداخلية (نايف بن عبد العزيز) وفقه الله وهي أن ضابطا من الشرطة أوقف رجلا كث اللحية للتحقيق معه ظنا من الضابط أنه من الطائفة المعتدية على الحرم ، ولكن الضابط أدّب بسبب ذلك .

  • عدد 21 /1/ 1400هـ: كلمة من قارئ بعنوان " ما هذا يا جريدة الرياض "؟ وهو رد قوى جدا على "كلمة الرياض" في عددها 4388، 7/1/1400هـ تحت عنوان "لهذا تأخرنا" وحديث عن استغلال الكاتب الذي يظن صاحب التعقيب أنه ليس ملما من خلال تعبيراته

وأنه من النصاري ، وأنه استغل حادثة الحرم ليتخبط في كلام لا يوصف بأقل من أنه إلحاد ، وجاء فيه نص العبارات التالية : " لكن تلك الزمرة التي فسدت بالأرض وأرادت إفساد السماء" هل هذا كلام يقول مسلم ..!؟

ما معني إفساد السماء ؟ أليس هذا كلاما مسيحيا وتعبيرات مسيحية ؟ وجاء تعبير السلام الروحي .. والحضور الإلهي .. ويصل القارئ إلى قاع الكفر أو قمة الكفر التي انحدر إليها الكاتب ويعبر فيها عن وثنية صريحة : " إننا نخشي الله حتى ونحن نواجه أسفه عدو في تاريخ وجود الله على هذه الأرض "

يا للجريمة البشعة أن يصدر هذا الكفر على صفحات جريدة الرياض ، مستغلا كاتبها زمن الأحداث ، ثم يعيب على كلمة الكاتب في الرياض "ويبقي الله والمؤمنون مهما حاولت هذه الزمرة قتاله في بيته" هل يستطيع مسلم من المليار مسلم أن ينطق بهذه العبارة؟ وفي آخر التعقيب : يقول إلى المحرر الوثني في جريدة الرياض نقول : " هذه المملكة هي حارسة [[الإسلام]".

  • العدد 562، 1396هـ: موضوع غلاف "منطق الحوار والتوجيه التلفزيوني !!" إعداد سعد الحصين:حديث عن بث التلفزيون صباحا بالإجازة ، وعرض تفصيلي بالأرقام عن نسبة البرامج فيه ، إحصائية بالإجازة، وعرض تفصيلي بالأرقام عن نسبة البرامج فيه ، إحصائية تعرض فيها مقارنة بين الأهداف ونسبة البرامج .

القرآن والأحاديث الدينية في الشهر الماضي نحو 12،5 بالمائة مسلسلات وأفلاما عربية ، و26 بالمائة مسلسلات وأفلاما أجنبية ،6 بالمائة موسيقي و وأغان بالمائة .. إلخ وموضوع الملف طرح هادئ ومتزن في مناقشة برامج التلفزيون .

  • عدد 15 رجب 1396هـ: أحمد محمد جمال يكتب عن المجلات الخليعة والمستوردة وخطورتها .
  • العدد 522 ، 29/2 / 1396 هـ: نشر قرار أصدرته وزارة الداخلية بخصوص انتشار رذيلة الخنقة بين بعض الشباب ، حيث تقرر إجراءات فعالة تكفل القضاء على هذه الظاهرة .
  • عدد 18 / 4 /1396هـ: موضوع "لا يا جامعة الرياض" وهو تعليق على حفل أقامه النشاط الاجتماعي في قاعة المحاضرات .. من "الموسيقي الصاخبة" حتى أحس بعض الحاضرين أنهم في أوبرا أو دار عرض سينمائية وليس في جامعة الرياض .
  • عدد 727 ، 21 محرم 1400 هـ: صالح الفوزان يكتب عن الدجالين الذين افتضح أمرهم .. وتعليق على هذه الجماعة التي تدعي السلفية وتسمي نفسها بجماعة أصحاب الحديث قد تكشف أمرها وبانت حقيقتها .
  • عدد 30/11/ 1401 هـ: مقال بعنوان "نقيق صالح الشهوان .. حول إنقاذ المرأة" بقلم صالح بن عبد الرحمن الأطرم .. رد شديد وحديث عن مؤامرات الأعداد .. وعن جهلهم بالشريعة .
  • عدد19/11/1397هـ: دعاية لشركة أرامكو .. فيها رسم كرتوني عن رجال الإطفاء ، مع أن الموقف من الرسوم الكرتونية مخالف لذلك ففي مرحلة الصحوة لم يعد يسمح لنشر مثل ذلك في الثمانينيات .
  • عدد18/12/1397هـ: تعقيب من موظف في وزارة المعارف حول الموسيقي .. والرياضة التي من ضمن المناهج الدراسية ، وأنه لا يتفق مع الخطة الحكيمة لتعليم الفتاة السعودية المسلمة .
  • عدد13 شوال 1397هـ : موضوع في الغلاف "عصر السكرتيرات وامتهان النظام" ، حديث عن تجاوز بعض الشركات واستعمال السكرتيرات الأجنبيات .. واستنكار شديد ضد هذه المخالفة .
  • العدد 700، 18/ 6 /1399هـ: نشر خطاب مفتوح لمعالي الدكتور محمد عبده يماني من الشيخ عبد العزيز بن باز الرئيس العام لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد .. يتضمن نصيحة حول انحراف وسائل الإعلام في بلادنا عن الدين في الإذاعة والتلفزيون والصحافة ، وخروج النساء الكاسيات العاريات والبرامج المختلطة والأغاني ، ويطالب بإصلاح وضع الصحف وتطهيرها من العناصر غير الإسلامية ومن كل شخص متهم بالعداء للإسلام وأهله .. الخ .


  • العدد 603 ، 19/6/1397هـ: موضوع بعنوان "الذين يسيل الدمع ساخنا من أعينهم متى شاؤوا .." مئات الرسائل والمكالمات والبرقيات توافدت على مجلة الدعوة تؤيد وتثمن كلمتها المخلصة عن الرئيس العام لتعليم البنات .. هذا الرجل ماذا يراد له؟ ولماذا هو وحده..؟! وفي مقدمة الحريصين جريئة ، موضوع عن تدريس الموسيقي ، وتساؤل عن أن صفحات الفن والرياضة أكبر من الصفحات الإسلامية .
  • العدد 559، 29 رجب 1396 هـ: موضوع الغلاف "نريد إيضاحا .. فلن نستطيع أن نصمّ آذاننا " حديث ساخن عن قضية المناهج وتغييرها .. وتقليص مواد الدين "
  • العدد 548 ، 11/5/1396هـ: موضوع عن كلمة "الإسلامية ومفهومها .. واستنكار لها من باب أنها حصر للإسلام الذي هو شمولي .. ويحقق أهداف خصوم الإسلام . وهي رؤية تختلف عن الرؤية الحالية عند خصوم الإسلاميين الذين لهم مبررات مختلفة ... وأصبح التيار الإسلامي الآن يدافع عنها بعدما تحققت مكاسب كبيرة لهم منها ...!
  • العدد 701 ، 25 /6/1399هـ: استنكار على الاتحاد السعودي للسياحة حول تنظيم مسابقة فيها سباحات عالميات .
  • العدد 835 ، 6/6/1402هـ: وفيها رد للشيخ ابن باز على مقالة للقصيبي في مجلة اليمامة، وأن القصة التي استشهد بها عن الإمام الطبري عن عمر والمرأة حول الاختلاط مع الرجال ، يكذبها الشيخ ويري شذوذها ، ومختالفتها لأحكام الإسلام واستشهد بأبي تراب الظاهري ممن أنكروها .
  • العدد 585 ، 17 / 2/1397هـ: عنوان غلاف كبير "هذا شيوعي ... ماذا يريد ..!! ؟؟ رد على عبد الرحمن الشرقاوي .
  • العدد 566، 19/9/1396هـ: موضوع عن المناهج وخطط التعليم .. حديث عن المؤامرة على مناهج التعليم .. ونقد لمنهج التربية الإسلامية ... أو الإسم الظريف الجديد "الثقافة الإسلامية ، كثير الإنشائية.
  • العدد 589، 10/3/1397هـ: موضوع : "رأي آخر في التعليم الجامعي" وهو امتداد لقضية المناهج .
  • العدد 547 ، 4/5/1396هـ: موضوع غلاف "التعليم النسوى عندنا ، شطآن الخطر والاستيعاب ..!" ويتضمن نشر صرخة من الرئيس العام لتعليم البنات .. وهو من عرفنا منه غيره وصلاحا وإدراكا لكل أبعاد التعليم النسوى ، لكنها صرخة مهمة .. نحن لسنا ضد تعليم المرأة .. التعليم لدينا تقليد مخلص ومحافظ للتعليم النسوى في الغرب وفي أوروبا وأمريكا ، لأن المناهج ليس فيها تفرقة بين الرجل والمرأة في المضمون .. أهمية التركيز على تعليم المرأة وما تحتاج إليه .
  • العدد 586 ، 9 /2/1397 هـ: مجلة تزور فكر المرأة المسلمة .. موضوع عن مجلة الشرقية التي تباع في الأسواق .. وكيف يسمح لها بالدخول .
  • العدد 622، 5/11/1397 هـ: موضوع غلاف "رأي آخر حول جماعة التبليغ" بقلم سعد الحصين .. رأي يحاول أن يكون منصفا .
  • العدد 699، 11/ 6/ 1399هـ : نشر تقرير مقدم إلى السادات عن مقاومة الحركات الإسلامية مقتبس من مجلة العرب ، بتاريخ 6/ 4/ 1975م بعد الانتصار الساحق الذي حققته الثورة الإيرانية .
  • العدد 591، 24/3/1397هـ: موضوع غلاف : الموسيقي قادمة ..!!" بدلا من تربية جيل متقدم علميا وخلقيا .. حديث عن مناهج الرأسمالية ... ،الشيوعية ثم .. مناهجنا وخططنا التعليمية بصفة عامة توضع أمشاجا ممزقة بين ..
مخالب ثلاثة : خبراء معظمهم من النصاري وربما اليهود الذين نجلبهم بأغلي الأثمان أو نبعث لهم مناهجنا ليضعوا لنا خطط التعليم ومناهجه أو أقزام صعاليك ذهبوا بلا عقيدة صحيحة راسخة إلى الغرب فتعلموا منهم كما يتعلم العبد من سيده
وعادوا إلينا ليحملوا شهادة الدكتوراه ، ومعظم هذه الشهادات في التربية والأناجيل النظرية ... شهادات شبه مجانية – أو علمانيون لهم يذهبوا للغرب وإنما جاء الغرب إليهم عندما سمعت وقرأت أن (الموسيقي) قادمة تأكد لى أن أنياب ذلك الثالوث موشكة .. وخطورة إدخالها في المنهج عند الطفل .
  • العدد 913 ، 1404 هـ: مقال محمد الحضيف عن الذكري السابعة عشرة لرحيل سيد قطب .. ذهب سيد ولكن تبقي معالم سيد في الطريق ..
  • العدد 632 ، 23/ 2/ 1398هـ: موضوع غلاف: التعليم عند العثمانيين ومناهجهم .
  • العدد 884 ، 22/ 6/ 1403 هـ: نشر رد للشيخ ابن باز على سعد البواردي في مقالة نشرت في 15 / 4/ 1403 هـ في إحدي الصحف ، حول اختلاط الذكور والإناث في المرحلة الابتدائية .. أسبوعيات جريئة .. موضوع عن تثقفوا جنسيا ، وحديث صاحب مكتبة لمشرف الصفحة بأن كتاب ثقافة جنسية قد ضرب الرقم القياسي في البيع في معظم المكتبات ودور النشر ! وأن الكتاب سبق أن منع من البيع ثم فسح له ... واستنكار لإجازته.
  • العدد 600 ، 28 /5/1397هـ: موضوع غلاف هذا الرجل ماذا يراد منه ..!؟ ولماذا هو وحده ؟ وهو تعليق على هجوم الإعلام والصحافة على الرئيس العام لتعليم البنات .. ولماذا لا يتباكون على حوادث متعددة ؟ ثم يقول " إن ذنوب الرئيس العام لتعليم البنات في رأيهم كثيرة يستحق أن يدان وأن يعاقب من أجلها ، فذنبه الأول الكبير الذي لا يغتفر أن حال بين مدارس البنات وبين الانحلال .. فلا مظاهر من مظاهر الاختلاط .. الخ ".
  • العدد 564 ، 12/9/1396هـ : موضوع غلاف : تصفية العلوم الإسلامية .. ودور الغزاة " يأتي في سياق أن التعليم الإسلامي يتعرض لخطر تصفية كبرى في العالم الإسلامي .
  • العدد 699 ، 11/6/1399هـ : موضوع غلاف .. حوار طويل حول تطبيق الشريعة الإسلامية بين إذاعة باكستان والأستاذ أبو الأعلي المودودي .
  • العدد 591، 24/3/1397هـ : موضوع غلاف الموسيقي قادمة ..!!" بدلا من تربية جيل متقدم علميا وخلقيا .. حديث عن مناهج الرأسمالية .. والشيوعية ثم .. مناهجنا وخططنا التعليمية بصفة عامة توضع أمشاجا ممزقة بين ...
مخالب ثلاثة : خبراء معظمهم من النصاري وربما اليهود الذين نجلبهم بأغلي الأثمان أو نبعث لهم منهاجنا ليضعوا لنا خطط التعليم ومناهجه، أو أقزام صعاليك ذهبوا بلا عقيدة صحيحة راسخة إلى الغرب فتعلموا منهم كما يتعلم العبد من سيده ، وعادوا إلينا ليحملوا شهادة الدكتوراه ، ومعظم هذه الشهادات في التربية والأناجيل النظرية ... شهادات شبه مجانية – أو علمانيون لهم يذهبوا للغرب وإنما جاء الغرب إليهم عندما سمعت وقرأت أن (الموسيقي) قادمة تأكد لى أن أنياب الثالوث موشكة وخطورة إدخالها في المنهج عند الطفل .
  • العدد 913 ، 1404 هـ: مقال محمد الحضيف عن الذكري السابعة عشرة لرحيل سيد قطب .. ذهب سيد ولكن تبقي معالم سيد في الطريق ..
  • العدد 632 ، 23/2/1398هـ : موضوع غلاف : التعليم عند العثمانيين ومناهجهم .
  • العدد 884 ، 22/ 6/1403 هـ : نشر رد للشيخ ابن باز على سعد البواردي في مقالة نشرت في 15 /4/1403هـ في إحدى الصحف ، حول اختلاط الذكور والإناث في المرحلة الابتدائية ... أسبوعيات جريئة .. موضوع عن تثقفوا جنسيا ، وحديث صاحب مكتبة لمشرف الصفحة بأن كتاب ثقافة جنسية قد ضرب الرقم القياسي في البيع في معظم المكتبات ودور النشر ! وأن الكتاب سبق أن منع من البيع ثم فسح له ... واستنكار لإجازته .
  • العدد 600، 28/5/1397هـ : موضوع غلاف " هذا الرجل ماذا يراد منه ..!؟ ولماذا هو وحده ؟ وهو تعليق على هجوم الإعلام والصحافة على الرئيس العام لتعليم البنات ... ولماذا لا يتباكون على حوادث متعددة ؟ ثم يقول " إن ذنوب الرئيس العام لتعليم البنات في رأيهم كثيرة يستحق أن يدان وأن يعاقب من أجلها فذنبه الأول الكبير الذي لا يغتفر أن حال بين مدارس البنات وبين الانحلال .. فلا مظاهر من مظاهر الاختلاط .. الخ "
  • العدد 564، 12/ 9 / 1396 هـ : موضوع غلاف " تصفية العلوم الإسلامية ودور الغزاة " يأتي في سياق أن التعليم الإسلامي يتعرض لخطر تصفية كبري في العالم الإسلامي .
  • العدد 865 ، 8/1/1403 هـ : أسبوعيات جريئة : إنكار على مجلات تحمل صورا شبه عارية ، مثل النهضة ، ألوان ، الصياد ، الوطن العربي ، سيدتي .. مجلة سعودية تصدر من الخارج ... إنكار عن المبتعثين واختلاطهم .. نشرت صورهم في مجلة المبتعث .
  • العدد 889، 28/ 7/1403 هـ : هدي الجاسر ترد على محمد الكثيري في أسبوعيات جريئة .. ببيان توضيحي حول اختلاط الصحافيات .
  • العدد 888 ، 21/7/1403هـ: غلاف .. أفغانستان .. الدعوة في جبهات القتال .. وحديث حماسي عن المجاهدين .
  • العدد 886 ، 17 /7/1403هـ: غلاف "الفيديو ذلك الغول المقنع"
  • العدد 880 ،24/3/1403هـ: أسبوعيات جريئة .. صفحة من إعداد محمد الكثيري ، ذات مواضيع ساخنة جدا تحارب العلمانية والانحراف وتلاحق الأخبار المثيرة ..ردا على كاتب يدعو للعلمانية ، وإنكاره على التلفزيون السعودي ، وإنكاره على إقامة عيد الميلاد والسفر للخارج ، وإنكاره على الأساور التي يلبسها بعض اللاعبين .
  • العدد 1154 ، 10 محرم 1409هـ : موضوع الغلاف عن المجلات الهابطة بعد قرار من وزار الإعلام باتخاذ قرار إيقاف عدد من المجلات ذات الاهتمامات الفنية الخاصة ، وبلغ عددها 23 مجلة ومن المشاركين في الموضوع د . سعيد بن زعير . مواضيع متعددة عن مشكلة الاختلاط ما بين عامي (1396 – 1403 هـ)

(2) مجلة المجتمع

أهم مطبوعة حققت انتشارا لافتا في السعودية عند شرائح مختلفة من القراء ، وبالذات التيار الإسلامي الذي يتابع من خلالها أخبار وقضايا العالم الإسلامي ، ومشكلات الحركات الإسلامية ، وهي تمثل فكر الإخوان المسلمين في الكويت عبر جمعية الإصلاح ، وقد بدأ حضورها منذ السبعينيات وحققت في أواخر الثمانينيات مع زيادة حركة الصحوة أرقام توزيع كبيرة في السعودية ، حيث فوجئ أصحاب المطبوعة بها وأشاروا إليها في أحد الأعداد .

ونظرا إلى موقف التيار الإسلامي من الإعلام ومن صحافته وتلفزيونه والمرتاب فيه من أدائهم في تغطية قضايا المسلمين ، وقضية فلسطين والجهاد فإنه نظر إلى هذه المطبوعة وغيرها من المطبوعات الإسلامية بصدقية أعلي من غيرها

ومع أن تيار الصحوة يعرف اتجاه المطبوعة الإسلامي ورسالتها التي تعبر عن فكر حركة الإخوان ، واختلاف تيار الصحوة عنهم في كثير من القضايا الدينية والسياسية ظهر بعض الجدل حولها على صفحات المجلة ، إلا أن الصحوة أدركت أهمية المطبوعة في تقديم رسالتها الإسلامية .

قدمت المجلة معالجات خاصة بها حول تطورات قضية فلسطين والانتفاضة ، والجهاد الأفغاني ومشكلات الأقليات و العمل الخيري وتحليلات سياسية لأهم المواضيع الدولية والحروب في كل مرحلة ، ومسائل ثقافية وحوارات وجدل فكري ، تبدو في مجملها لا تتعارض مع فكر الصحوة واتجاهه العام .

وكانت تمثل أهم رؤية تعبر عن الرأي الإسلامي واتجاهه في تلك المرحلة ، تظهر آثاره على خطاب الدعاة في تناولهم للواقع ومشكلاته.

وتتضمن المجلة اهتمامات بالشأن الكويتي الداخلي ، وصراعاته الفكرية والسياسية بين الأحزاب والحركات والتوجهات الفكرية ، وكانت تقدم جرعة لوعي سياسي مختلف عن دولة خليجية تعيش سقف حريات مرتفعا ومظاهر حرية تعبير وديمقراطية في وقت لم يظهر بعد في السعودية حتى مجلس الشوري !

قدمت المجلة أحداث العنف التي حدثت في الثمانينيات ومطاردة بعض الأنظمة العربية للإسلاميين ، وقدمت رؤية تختلف عن الرؤية الرسمية في الإعلام العربي أو الإعلام اليساري والقومي والليبرالي .

وقعت بعض المعالجات لأحداث العنف نتيجة ردود الفعل العاطفية بأخطاء منهجية في تحديد مشكلة بعض الشباب الإسلامي ووعيهم ، وكانت في جانب تبدو إيجابية أنها تقدم رأيا مختلفا عن الرأي العربي الرسمي ومعالجة من وجهة نظر التيار المطارد ودفاعا عنهم

لكن الروح الدعوية والحماسة الانفعالية غيبت المهنية والرصانة الفكرية عند بعض الأحداث ، وأسهم في تشكيل رؤية للتيار الإسلامي المحلي ، ليست دقيقة خاصة أنه كان يعيش عزلة اختيارية عن الإعلام الآخر بكل انتشاره ومصادره .

عرفت القارئ الإسلامي السعودي بالعديد من الشخصيات الإسلامية العربية في العالم العربي والمقيمة في الغرب ، وكانت المادة الإعلامية في المجلة أكثر تقدما نتيجة الوضع الكويتي الأفضل في حرياته الاجتماعية والسياسية والدينية والاقتصادية ، ومقارنة بوضع إعلامنا التقليدي ، ما يجعلها نافذة مختلفة لتطوير الوعي .

وعندما نريد الحكم على بعض المعالجات لأهم الأحداث ، فمن الضرورى مراعاة السياق التاريخي واللحظة السياسية ، فقضية الانتفاضة والجهاد الأفغاني كان هناك توجه عام سياسي وإعلامي وديني عربي مندفع ومن مختلف التيارات بما فيهم التيارات غير الإسلامية

ومن لا يدرك ظروف كل مرحلة وتفاصيلها ، فإنه سيقدم مغالطات كبري ، ولكن هذا لا يعني أنه لا توجد معالجات فكرية ذات أثر إيجابي أو سلبي خاص بكل مطبوعة وشخصية وحركة حيث تتراكم وتشكل رؤية عامة حول بعض المسائل ، وهو ما حدث للخطاب الديني المحلي .

بعد تحرير الكويت فقدت المجلة توازنها بسبب الأحداث بقوة ، وفقد الكثير من وهجها وحضورها ، وارتبكت رسالتها الإعلامية خاصة مع ارتباك المجتمع الكويتي وفقده لتوازنه في رؤية نفسه والعالم العربي من حوله ورؤية أمريكا ثم إن الظروف الإعلامية أخذت تتغير ويفقد العديد من المطبوعات حضورها المؤثر .

وهنا ملامح عن تناولها الإعلامي لبعض القضايا والموضوعات:

  • حوار مع ابن باز وصورة له في الغلاف كبيرة والعدد 954 /17 رجب 1410 هـ (13 شباط ([[فبراير 1990م)

عناوين من الحوار:

  • ينبغي على الشباب ألا يتركوا مجالات الإعلام للجهلة .وجود الجماعات الإسلامية في البلدان الإسلامية خير وعليها ألا تتنافر مع بعضها .
  • أنصح الأمراء وولاة الأمر أن يمدوا يد العون لإخوانهم في فلسطين .
  • على العلماء تشجيع ولاة الأمر لأى خير وحثهم على تحكيم الشريعة .

وفي العدد نفسه .. تقرأ في افتتاحية المجلة حديثا عن عملية (الباص) وحديثا عن الرفض الشعبي لإسرائيل و(كامب ديفيد) .. ولكل التركة التي خلفها السادات الهالك .. الذي حاول إزالة الحاجز النفسي بين العرب واليهود ..

ولكن ربك بالمرصاد فأرسل له بطلا من أبطال الإسلام من (يزيله) من الوجود .. وفق رأي الافتتاحية "وعلى خطي الشهيد خالد الإسلامبولي والشهيد سليمان خاطر تأتي هذه العملية الجريئة لتكون كما أكد الناطق باسم منظمة الجهاد الإسلامي "

في العدد 903 ، 7 شباط (فبراير) 1989 م: رد المستشار عبد الله العقيل على جريدة عكاظ وحديث عن إتاحة الفرصة للحداثيين ، ونشر رد الجريدة على المستشار العقيل . وفي العدد نفسه ردود على بعض الرموز الفكرية العربية .. مثل سلسلة حلقات للرد على حسن حنفي بقلم الدكتور أحمد إبراهيم خضر .

مقالات الصفحة الأخيرة وكان أبرز من كتب فيها خلال المرحلة الذهبية للمجلة د. عبد الله النفيسي وما يقدمه من تحليل وتنظير سياسي تحت عنوان زاوية "على صهوة الكلمة" وكتب في العدد 824 ، 7 تموز (يوليو) 1987م مقال : لماذا يثور الناس ؟

وفي العدد نفسه: موضوع عن ندوات ترشيد الصحوة

في العدد 821 ،16 حزيران (يونيو) 1987م

موضوع : عن تقديم منتدى فكري حول تفكير الشباب ومنهج سيد قطب ومعالجات بعضها معقولة بالنسبة إلى تلك المرحلة .

  • في العدد 942 ، 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 1989 م حوار مع الغزالي بعد كتابه الذي أثار ضجة في ذلك الوقت .
  • في العدد896 ، 20 كانون الأول (ديسمبر) 1988 م سلسلة حلقات مع مريدي نجيب محفوظ ، أحمد خضر .
  • في العدد 879، 26 تموز (يوليو) 1988م حوار مع الأمير نايف بن عبد العزيز .
  • العدد 8711 ،11 حزيران (يونيو) 1988م ، ملف عن العنف والجماعات الإسلامية في الصحافة المصرية وحول مشكلة مسرحية " الواد سيد الشغال"

يبدأ بالحديث " عن حملة شعواء تشنها الصحافة المصرية عن الحركات الإسلامية ، ومع الموضوع صورة للممثل عادل إمام تحتها التعليق " المهرج عادل إمام في مؤتمر صحافي في حراسة الشرطة !

العدد 869، 7 حزيران (يونيو) 1988 م ملف الجدل حول برنامج الجماعات الإسلامية في مصر .

صور للمعتقلين الإسلاميين ومشكلة التغيير باليد مع التعليق التهم التي توجهها الصحافة في مصر للجماعات الإسلامية التي تؤمن بأسلوب التغيير فيها كثير من المبالغات .

  • الإمام النووى ينقل الإجماع على جواز التغيير باليد لآحاد الرعية . يحتوى الموضوع مع النقد بعض المجاملة للتغيير باليد ، وتحميل السلطة مسؤولية العنف .

العناوين السابقة من المرحلة الذهبية للمجلة في الثمانينيات ، وقد تابعها جيل مهم من التيار الديني في تلك المرحلة ، هناك مرحلة مبكرة جدا في منتصف السبعينيات كان لها تأثير في رواد الحراك الديني ودعاته في ما بعد

وتسجل هذه المرحلة حضورا بارزا لقلم محمد سرور ، الذي عمل بالمجلة وقدم العديد من الموضوعات السياسيا والتحليلات بأقلام مستعارة ، وهي تشابه أسلوبه الذي تعرف عليه القارئ في ما بعد من خلال كتبه المختلفة ومجلة السنة ويؤكد قلمه الصحافي المبكر الذي ظهر كسمة أساسية في مؤلفاته .

ونلاحظ فيها الشحنة المتوترة سياسيا، مع استحضار للبعد الطائفي بقوة في رؤية الصراعات السياسية التي كانت موجودة في لبنان .

  • العدد 213 ، 17 آب (أغسطس) 1976 م عنوان كبير لغلاف كامل " قبل سقوط مخيم تل الزعتر سقطت الأنظمة العربية !"

موضوع داخلي من دون اسم كاتب مشابه لأسلوب محمد سرور "موسي الصدر .. إمام المحرومين .. أم إمام المتآمرين "؟

  • العدد 282 ،13 كانون الثاني (يناير) 1976م ، عنوان غلاف كامل ، صورة منارة مسجد مع خلفية رجل مسلح " بروتوكولات زعماء المارون لا إسلام .. لا فلسطينيون !!"

وفي العدد نفسه نشر موضوع للشيخ عبد العزيز بن باز .. عنوان كبير وصفحتان كاملتان: " دور السينما فساد فلا تجلبوه إلى قبلة المسلمين .. التمسك بالإسلام سبب النصرة في الدنيا والآخرة " وهو عبارة عن تعقيب وتأييد حول ما كتبه أخونا الشيخ العلامة أحمد محمد جمال في مقالات بـ المدينة بتاريخ 11/11 ، 18/ 11، 25 /11/ 1395 هـ

المتضمنة استنكار ما اقترحه بعض الكتاب من إيجاد دور سينمائية في البلاد تحت المراقبة ، وما وقع من بعض الشركات وغيرها من توظيف النساء في المجالات الرجالية من سكرتيرات وغيرها والإعلان في بعض الصحف لطلب ذلك ".

  • العدد 283 ، 20 كانون الثاني (يناير) 1976م، عنوان غلاف بخط كبير تحتجون بعد القصف وأنتم تعلمون !"

نشر في هذا العدد موضوع لافت جدا ،وقد يكون من أجرأ الموضوعات الصحافية التي نشرت في صحافة الخليج .. ودون اسم كاتب وعنوان هذا الموضوع " مخطط صليبي يجري تنفيذه على أرض الخليج .. تركيز ثقافي واقتصادي في الكويت " وشرح مطول لتفاصيل النشاط التبشيري ، وبناء الكنائس .. اللافت في هذا الموضوع هو نشر قائمة من نحو 80 اسما مسيحيا مقيما من لبنان والشام مع مكان عمله في الكويت !!

  • العدد 314 ، 24 آب (أغسطس) 1976م عنوان الغلاف صفحة كاملة خط كبير: كتب عليكم الصيام .. كتب عليكم القتال .. لماذا تطبيق الأولي وترك الثانية؟
  • العدد 317 ، 14 أيلول (سبتمبر) 1976م، عنوان الغلاف كبير "لا لليمين .. ولا لليسار .. نعم للطريق الإسلامي المتميز ".
  • العدد 328 ، 14 كانون الأول (ديسمبر) 1976م، عنوان الغلاف كبير " في وثيقة مفصلة الأزهر يفتي: لا يجوز الصلح مع العدو الصهيوني " .. عنوان آخر:"الصليبية في الأردن .. تكرر خطة اليهود في فلسطين ".
  • العدد 326 ، 23 تشرين الثاني (نوفمبر) 1976م غلاف كبير هذه هي مقومات أمن الخليج العربي ، القوة المهتدية بتوحيد الله .. العدالة الاجتماعية في الثروة والخدمات . الاستقلال عن المحاور الدولية .
  • العدد 324 ، 9 تشرين الثاني (نوفمبر) 1976م، غلاف كبير "غداة فوز كارتر .. لماذا أعلن رابية الحرب على الإسلام ؟"
  • العدد 323 ، 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 1976م. غلاف صورة لاجتماع الدول العربية ، وعنوان كبير "علام اتفقتم" وفيم كان الخلاف؟"
  • العدد 320 ، 12 تشرين الأول (أكتوبر) 1976م غلاف كبير "الحرب دينية 100 بالمائة" عناوين صغيرة: مزقوا القرآن الكريم منذ أسبوع ، احتلوا فلسطين على أساس ديني ، احتلوا القدس بدافع ديني ، أحرقوا المسجد الأقصي بدافع ديني ، انتهكلوا حرمة المسجد الإبراهيمي .
  • العدد 319 ، 5 تشرين الأول (أكتوبر) 1976م ، غلاف كبير "المسلمون في لبنان بين الهجوم الصليبي واليهودي الباطني والخذلان العربي "
  • العدد 311، 3 آب (أغسطس) 1976م ، موضوع طويل بقلم عبد الله محمد "الشيخ مروان حديد ، شهيد قضي نحبه" وهو أسلوب مشابه لكتابة محمد سرور ، موضوع مؤثر ، يسرد فيه قصة الشيخ مروان وتفاصيل المحاكمة المؤلمة وما ورد فيها من معلومات .
  • كانت هذه عينة من بعض الموضوعات ، والواقع أن المجلة خلال هذه الفترة قدمت العديد من المعالجات الجريئة ، وبعض القضايا يبدو فيها أن الحرية التي توفرت تعبر عن سذاجة مرحلة،حيث كانت إمكانيات المجلة متواضعة جدا ، وكثير من موضوعاتها يكتب بأقلام رمزية

لكن حضور البعد الطائفي بهذه التعبيرات المباشرة ، بغض النظر عن تقييمنا له في الواقع وأحداث تلك المرحلة ، أثر في بعض أبناء ذلك الجيل المتدين من المتابعين لها والمبالغة في تقييم الأحداث والصراعات السياسية والبعض قد لا يجيد قراءة اللحظة السياسية والتاريخية فيقع في استنتاجات ومؤامرات مبالغ فيها مركبة ذهنيا في قراءة الخطاب الإسلامي وإعلامه

وهذا لا يلغي مسألة التأثير أن لغة إحدى صحفنا المحسوبة على الليبرالية بعد ثلاثة عقود قدمت لغة وردحا مهنيا وموقفا مخجلا تجاوز حدود اللياقة السياسية والإعلامية حتى إن أحد الزملاء أرسل رسالة يعلق على هذا التناول ... هل سيتم الاستعانة بكتاب " وجاء دور المجوس مرة ثانية "؟ ولا تزال العوامل الطائفية تبرز إعلاميا ويتكرر التحريض وفق المصالح التي تحددها قوى كبري .

(3) مجلة البيان

لا يمكن الحديث عن فكر الصحوة داخليا ، وتطور الوعي فيها من دون الإشارة إلى هذه المطبوعة الشهرية التي تجاوز عمرها العقدين منذ منتصف الثمانينيات ، حيث صدر العدد الأول في ذي الحجة 1406 هـ - آب (أغسطس) 1986هـ

وأجد صعوبة هنا في إيجاز مضمون وفكر مجلة شهرية خلال هذه المدة ، وتناول موضوعاتها التي تطرقت إليها،لكن من خلال متابعة لمسيرة المجلة وأهم محطاتها يمكن الإشارة إلى ملامح أساسية في هذه المطبوعة:

  • هذه المجلة جزء من أوائل إنتاج الصحوة الفكرى المحلي ، فهي متأخرة ، فلم تؤثر في القيادات وروّاد الصحوة بقدر ما أثرت في الجيل الثاني من نخب الصحوة من الشباب الناشطين في الدعوة والعمل الإسلامي منذ منتصف الثمانينيات ، لذا فقد تأثرت بتطورات الصحوة بكل تفاصيلها وأثرت فيها في قيادة الرأي العام الديني والحركي عند نخبها في قراءة متغيرات وأحداث الواقع .
  • مع بداية صدور الأعداد الأولي ، كان المفترض أن تكون مجلة أكثر استنارة من الوعي الديني السائد في لحظة الصدور ، وأكثر نضجا من الخطاب الديني المحلي حول الكثير من القضايا ... وأنه يمكن أن تضيف للوعي السلفي التقليدي هنا رؤية جديدة ، وأنها ستضيف رؤية تجديدية و قد أعلنت منهجها منذ البداية (سلفيتها وتجديديتها)..

وتناولت في الأعداد الأولي موضوعات عن التجديد في الإسلام وجاءت قراءة لمجددين معاصرين مثل مالك بن نبي ،وحسن البنا .. وكان يمكن أن تكون كذلك ، إلا إن جو الصحوة العام المحلي ومسارها الذي أخذ بالتشدد مع الوقت ، حيث انتهت الثمانينيات والصحوة أكثر سلفية مما قبل ، وأكثر تشددا في خياراتها الفقهية ومواقفها الحياتية ، لم تقم المجلة بدور منار رشيد رضا السلفية ، ولا مجلة المسلم المعاصر التنويرية ، أو عقلانية إسلامية المعرفة ..

  • استمرت محافظتها على منهجها رؤية سلفية مع وعي حركي ومعالجات حول قضايا الدعوة والعمل الإسلامي وقضايا الجهاد ومشكلات العاملين في الدعوة ، وتقديم دراسات في قضايا متنوعة ثقافية وأدبية واجتماعية وتاريخية وسياسية ... وفي العقائد والزهد والتفسير ، مع تناول مسائل مثل الشورى والديمقراطية والحداثة ، ونقد الحضارة الغربية ، وتقييم العمل الإسلامي ، مع اهتمام بمتابعة مشكلات المسلمين والأقليات .
  • بمرور الوقت أصبحت المجلة تمثل مرجعية وذات صدقية لجيل الصحوة في تلك المرحلة وقد حصلت على تزكيات علمية من علماء كبار في السعودية مثل الشيخ ابن عثيمين وغيره فكانت الآراء التي تقدمها حول قضايا المسلمين والجهاد ذات أهمية في تحديد الرؤية والموقف الديني عند الناشطين والدعاة من خطباء ووعاظ .
  • كان وجود محمد العبدة في البدايات له تأثير في منهجها الذي انطلقت منه .. وهو المنهج الذي سمي في ما بعد بالسرورية والواقع أنه منهج الصحوة بوجه عام ، ولو لم يحدث هذا الوعي لما وجدت صحوة بالصورة التي تشكلت بها ، وتم مناقشته في مكان آخر ، وهو منهج يتبني الرأي والمقولات السلفية وفقهها مع وعي ونزعة حركية سلمية ... غير ثورية .
  • المجلة محافظة جدا ، ولا يوجد فيها تنوع في الآراء في مرحلتها الذهبية وقوة انتشارها ، فأغلب ما يقدم يمثل رؤية ووجهة نظر واحدة تناسب الفكر الديني والصحوة السعودية ، وهناك حالات شاذة ونادرة خرجت عن المنهج ، مع أنها مجلة جادة وبحثية فكان يمكن أن تحافظ على سمتها مع إتاحة الفرصة لآراء آخري ... لكن الجو العام للصحوة السعودية لا يسمح بأى خروج واختلاف في الرأي .
  • تتسم المجلة بالحذر الشديد في تناول كل ما هو مثير وذو حساسية رقابية (دينيا أو سياسيا أو ثقافيا) ولهذا تبدو مطبوعة معتدلة ومحافظة بعيدة عن أى إثارة مفتعلة ، فهي لا تشترك في أى مواجهات ضد خصوم محليين ومسالمة كثيرا ، ومن النادر ذكر أسماء وشخصيات مخالفة والتشهير بها ، ولكن تنتقد الفكر والمنهج فقط ، وفي أزمة الخليج التي دخلت فيها الصحوة بصراعات عديدة ، فقد تجنبت الخليج التي دخلت فيها الصحوة بصراعات عديدة فقد تجنبت الدخول في هذه المعارك وتفاصيلها ، مع أنها حاولت أحيانا أن تدخل من خلال طرح رمزي محدود لكنها لم تتجاوزه .
  • حاول خصومها أثناء أزمة الخليج التحريض ضدها لمنعها ، واتهامها بأنها دستور السروريين في كتاباتهم ، وأحيانا يتم تشبيهها بمجلة السنة .. لكن المجلة حافظت على سمتها ، وعزلت نفسها عن مشكلات وتصدعات العمل الإسلامي من أجل استمرار مشروعها ، ومن الصعوبة المزايدة على سلفية المجلة ، ومخالفتها للرؤية السلفية التقليدية ، وقد حرص خصومها على إيجاد أى خطأ فقهي وعقائدي يخالف الرؤية السلفية السائدة فلم يتوفر لهم ، ومع جميع التطورات التي حدثت في مسار الصحوة ، وتغير بعض رموزها ، وتغير نوعية أزمة الصحوة مع الإرهاب والانفتاح الإعلامي ... حافظت المجلة على منهجها ورؤيتها .

الكويت : تأثير الصغير على الكبير

كانت الكويت نافذة تأثير مبكرة على منطقة نجد ذات التشدد الاجتماعي والديني في القرنين الأخيرين ومصدرا لمعرفة رأي آخر ، ووضع اجتماعي مختلف ورصد الأدب الشعبي وقصصه بعض مظاهر هذا التأثير والتفاعل ، لكن ذلك التأثير والتفاعل ظل محدودا بوعي وسلوكيات الفرد الذي تنقل بينهما ، ولعل المهتمين في المستقبل يرصدون مظاهر هذا التفاعل ..

وفي موضوعنا هنا سنشير بإيجاز إلى الجانب الذي يرتبط برصد المؤثرات والتبادل الفكري الذي حدث ، لقد أشرت إلى تأثير الشيخ الدوسري بخطابه المختلف على جيل من روّاد الصحوة في أواخر الستينيات والسبعينيات ، وكان كثيرون في ذلك الوقت يفسرون اختلاف وعيه وخطابه عن خطاب علمائنا التقليدي وهو أنه عاش في الكويت

ومن المهم أن نشير إلى أن مستوى الحريات في الكويت ووجود خطاب لمختلف التيارات منذ زمن مبكر أوجد بيئة مختلفة ، ووعيا فكريا متطورا ومتفاعلا مع متغيرات العالم العربي ، ولم يتح للمقيمين العرب والإسلاميين في السعودية منذ الخمسينيات تقديم خطاب إسلامي أو عربي مختلف عن الخطاب التقليدي في مجتمعنا؛

بعكس الحالة الكويتية التي أوجدت للعرب من مثقفين وإسلاميين حرية أكبر وتقديم خطاب مختلف ، منذ الخمسينيات ما أوجد حالة حراك فكري ، ولهذا وجدنا تأثيرا أوضح لوجود الإسلاميين العرب في الكويت منه في السعودية وتأثيرا أكثر وضوحا للخطاب القومي والعلماني هناك .

ومن دون الدخول في تفاصيل كثيرة يمكن تبسيط صورة هذا التأثير بحكم متابعتي له بما يلي : في السبعينيات وأوائل الثمانينيات لم يكن يوجد خطاب إسلامي سعودي على الكاسيت كما حدث أثناء مرحلة الصحوة ، كانت الكويت سبقت إلى تسجيل الخطب والمحاضرات

فإضافة إلى الشيخ الدوسري في السبعينيات ، كان للشيخ القطان حضور كبير عند المستمع السعودي ورواج لأشرطته في مرحلة الثمانينيات قبل ظهور مشايخ وخطباء الصحوة

وكان يستمع لها حتى غير المتدينين لجرأتها ومساحة الحرية التي يتحدث بها خطاب الوعظ الكويتي لأسماء عديدة وقد قدم أحمد القطان خطبا نارية سياسية خاصة في موضوع فلسطين والأقصى ، وشريطا انتشر له عن وضع الإسلاميين المعذبين والمعتقلين في سوريا

وقدم العديد من الموضوعات ومنها سلسلة أشرطة عن العفن الفني ، إضافة إلى تأثير المطبوعات من صحف ومجلات ، ومنها مجلة المجتمع ومجلة الفرقان السلفية حتى قضية جهيمان كان هناك حضور كويتي فيها وقد طبعت منشوراته وكتبه في الكويت .

ثم فقد الخطاب الكويتي تأثيره في جيل الصحوة الذي تشكل متأخرا وأخذ يكتفي بخطاب الصحوة السعودي الذي اكتسح الساحة في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات .لكن في مرحلة التسعينيات بدأ يظهر خطاب كويتي أكثر استنارة دينية ومعتدل في خطابه الاجتماعي والسياسي والديني مع انتمائه وخلفيته الحركية وهمومه الدعوية والوعظية ...

متجاوزا الخلافات الإسلامية التقليدية وصراعات الأحزاب والمذاهب ، وقدم مشروعا إسلاميا لافتا في المنطقة من خلال أسماء عدة تخصصت في مشروعات فكرية مختلفة عن النمط الإسلامي السائد قبل انتشار الفضائيات والإنترنت أكثر وعيا بالحياة فكان منه الخطاب الإداري وتنمية الذات ، والتوجيه الاجتماعي المحافظ ..

ورؤية التاريخي الإسلامي . ومن نجوم هذه المرحلة طارق سويدان ، جاسم المطوع ، صلاح الراشد محمد العوضي .. وغيرهم ، وتفاعل معه بعض جمهور الصحوة وغير المتدينين في المجتمع السعودي وقد عاني هذا الخطاب في البدايات أصواتا معارضة ومحرضة ضده ، وأذكر أنه تم التحريض على بعض أشرطة طارق سويدان في التاريخ الإسلامي لمنعها في السعودية .

لم يكن هذا الصوت ينطلق من فلسفة عقلانية إسلامية مكتملة الملامح بقدر ما هي اجتهادات إسلامية شخصية ، متأثرة بالبيئة الكويتية الأكثر تسامحا اجتماعيا ، وعلى الرغم من ذلك كان تأثيره إيجابيا في تخفيف حالة التشدد في الصحوة التي وصلت في منتصف التسعينيات إلى أقصي حالتها

وفتح للدعاة آفاقا ومهارات جديدة، وبالفعل وجدنا جيلا من الإسلاميين انخرط في هذا النوع من الخطاب الإيجابي وساهم فيه بفعالية قبل حضور الإنترنت والفضائيات وانتشار نموذج خطاب عمرو خالد .

وعندما نشير هنا إلى تأثير النافذة الكويتية في مراحل مختلفة ، فهذا لا ينفي أن السعودية وبالذات بخطابها الإسلامي السلفي وخطاب الصحوة ، قد أثرت بدورها في المجتمع الكويتي ونخبه الدينية ، ووجدنا الكويت متفاعلة مع صراعات الصحوة وتطورات الوعي السلفي التقليدي .

الفصل الثالث عقل الصراعات

"ما نطالب به في الماضي يطالب به الآن سلمان العودة وعائض القرني" تركي الحمد (جريدة الوط ، 27/6/2009م)

" يوجد تيار سياسي واحد تقوده الدولة فقط .. لا يوجد تيار ليبرالي سياسي ولا ديني سياسي .." جمال خاشقجي ("حديث الخليج" على قناة الحرة، 16 /2/2008)

الإخفاق في إدارة الصراعات الفكرية أنتج بيئة عقيمة في حواراتها العلمية والثقافية فاصطدم المجتمع بكثير من الحواجز التي تعيق نموه الحضاري ولم تتشكل لدينا آلية في إدارة الصراعات والاختلافات الفكرية لنستطيع بواسطتها تحقيق قدر من الحسم الفعال لقضايا تاريخية لا نستطيع فيها إعفاء النخب الثقافية وأهل الصحافة من سوء أدائها المستمر

ومن تحمل بعض أسباب الفشل المزمن في إدارة المعارك الفكرية والإعلامية حيث ظلت الرموز الصحافية والثقافية أضعف الجهات استقلال ، مقارنة بالتيار الديني ونخبه؛

إن النفعية الزائدة ، وتقوية الحدس في مطاردة المرغوب فيه عند القوى المؤثرة ، والتذاكي في تمثيل الأدوار البطولية التي تدار باتصال تليفوني أحيانا يغير مسار المعارك فجأة ما يفقدها الكثير من الصدقية !

والبعض لا يحسن استعمال الحرية التي قد تتاح له مؤقتا ، حيث تضطر الجهات الرسمية إلى التدخل وهناك من يتعجل في عنتريات لفظية استفزازية تنهي الجدل بأوامر فوقية قبل أخذ دورتها الكاملة في إنضاج الرأي العام الصدقية تضعف لدي هذه النخب ليس في المنع فقط

وإنما في السماح أيضا فالحملات الصحافية ضد أو مع قضية ما ، داخلية أو خارجية خلال أكثر من ثلث قرن ظلت تمارس بالطرق التقليدية القديمة ... مع تطور شكلي في مهارات تمثيل الأدوار والمغالطات !

لقد ساهمت عوامل مختلفة بتقصير ذاكرة المجتمع، والتشويش على وعيه ، حيث لا توجد ثقافة تدوين جادة ومنظمة، ولا جهات ومؤسسات فكرية ترغب في تثبيت إلا ما يخدم مصالح جزئية ولا نخب ثقافية ذات هموم راصدة لتفاصيل ما يحدث من تغيرات ، ولا صحافة عريقة قدمت معالجات مهنية وملفات موسعة عن مشكلاتنا الخاصة والمزمنة، ولهذا تبدو حالة من التيه والحيرة في رؤية مشكلات الحاضر والمستقبل .

إن الكثير من المعارك الدينية والاجتماعية والثقافية يأتي حول قضايا معينة ذات سيناريوهات مكررة تعيد إنتاج نفسها بين فترة وأخرى بصورة متقاربة فشكلت ذهنية صراع تقليدية ، وهنا محاولة للتفكير بطبيعة هذه الصراعات وتصور الميكانيزم الذي يحركها بعد سنوات طويلة من متابعة غير مرحلة مر بها مجتمعنا وتفاصيلها .

إن غياب العمل الحزبي وعدم وجود بدائل له أديا إلى غموض مستمر في رؤية الصراع وحركة التيارات محليا .وبعض الدراسات يفسح لمفهوم النخبة مكانا محوريا في أدبيات التحديث والتنمية السياسية ، من حيث تطور هذه النخب (التكنوقراطية ، البيروقراطية ، العسكرية ، المثقفة ...) والدور الذي تلعبه في تسريع عمليات التحديث أو عرقلتها ، وهو ما قد يسعف المتابع للحالة السعودية لوضعها داخل أطر قابلة للفهم ، والتفسير .

وهذا المنهج يواجه بعوائق متعددة محليا نتيجة عدم وجود ضمانات اجتماعية وسياسية تكفل للنخب التعبير عن رأيها وقناعتها بوضوح ، ولا تكون من ضحايا الرأي مبكرا ، لذا يلجأ المتابع لفهم الصراعات المحلية إلى أسلوب قراءة النيات ، وتفسير المقاصد أحيانا ، وإيجاد خريطة ظنية ليست مفيدة إلا للمنخرطين في الصراع ، ويبحثون عن مصالحهم في تحديد خصومهم .

ما يميز الحالة السعودية أن ضعف أو انعدام التدوير في النخب بالمستويات كافة خلال ثلث قرن يجعل مشهد الصراع يمكن فهمه من خلال فهم طرق المؤثرين فيه وثقافتهم .ومع كل أزمة وحدث داخل المجتمع السعودي نواجه إشكالية فهم الرأي العام حول قضايا محددة والقدرة على وصف الواقع كما هو .

إن تقويم موازين القوى في كل قضية يواجه صعوبات متعددة حتى لمن يعيش داخل هذا المجتمع .. فكيف للمراقب من الخارج ؟ وكثير ما نفاجأ بسوء الفهم والتقدير لطبيعة كل مشكلة دينية واجتماعية وسياسية ليس بسبب نقص المعلومات فقط

وإنما لعدم تصور السياق التاريخي والاجتماعي لكل حدث ومسألة ، وعدم وجود تيارات تعبر عن اتجاهها الفكري علانية من خلال مؤسسات وأحزاب ونقابات وصحف ومطبوعات تحت مسميات أيديولوجية بارزة ، ويضاف إلى ذلك النقص الملحوظ لمراكز الدراسات المستقلة التي تعني بالشأن المحلي لفهم الحراك الاجتماعي ، والديني والسياسي

لهذا تفقد قيمتها غالبية الكتابات والآراء الغربية عن الداخل السعودي التي تأتي بناء على انطباعات وزيارات من خلال لقاءات عابرة في ردهات الفنادق ، لوصف الحراك والتغير الذي يحدث في المجتمع فالحديث عن مشكلات المرأة وقضايا التعليم وأزمة الإرهاب والتطرف الديني وقضية حرية التعبير وحقوق الإنسان وغيرها

جميعها مرتبطة بهذه الخطوة لتصحيح رؤية الواقع المحلي التي تسبق أى خطوة إصلاحية لتقييم حاضر الدولة والمجتمع ومستقبلهما ، لقد كان للفضائيات والانترنت دور في إيجاد انطباعات أولية وعشوائية عن المجتمع السعودي وصراعاته الفكرية ، وكشف بعض التناقضات الخفية في التفكير والرؤية الاجتماعية .

وما زالت هذه المرحلة تتشكل بتسارع كبير تفرضه طبيعة هذه الوسائل ، ومع سلبياتها الكثيرة في جدوى الاعتماد عليها لتكوين تصورات واقعية عن المجتمع ، إلا أنها تتميز بحيوية خاصة وبكثافة تدفق المعلومات بشكل يومي و ما يجعل بعضها يزيح بعضها الآخر من الذاكرة سريعا ، وتستبدل بأحداث اللحظة مع كل جديد وآني ، وتمتص سلبيات حالات التزييف الذي تصنعه هذه العوالم الافتراضية في بلورة الصورة الذهنية عن المجتمع .

لا توجد قوى مؤثرة مستقلة يمكن أخذها بالاعتبار، وأهمية علماء الدين اجتماعيا وسياسيا ومشايخ القبائل ، وبعض التجار ، وبعض التكنوقراط والنخب الاجتماعية محدودة ومقيدة ، فقد تراجعت كثيرا قوة تأثيرها مقابل السياسي .

في بدايات التأسيس كان يمكن الحديث عن قوى مؤثرة ولديها قدر من الاستقلالية برؤية تاريخية، يمكن القول إن السياسي هو العامل الأهم والأقوى في معادلات الداخل نتيجة عامل النفط الذي أغني الدولة عن حاجتها إلى أطراف أخرى

بل أصبحت هي التي تحتاج إليها ما أدي إلى تآكل هذه القوى التقليدية مقابل تعملق قوة السياسي ،ولتصور حجم مشكلة عدم توازن القوى الذي صنعه النفط ، يمكن مقارنة هذا التأثير في الآخر العربي وفي حكومات عربية كبري ، وكيف تآكلت مكانتها الإقليمية منذ السبعينيات !

مكانة علماء الشريعة ومشايخ القبائل والتجار .. وغيرهم الآن ناتجة من احترام السياسي لهم ، وتقديره المعنوي ، أكثر من كونها قوى حقيقية تفرض أشياء بغير رغبة السياسي ، لهذا يبدو الاحترام تفضلا منه كأخلاقيات سياسية متعقلة لا ترغب في الديكتاتورية المباشرة ، لصالح نموذج أبوية شمولية .

وإذا كانت الانقلابات العربية العسكرية قلبت الكثير من المعادلات التاريخية ، وأربكت التحوّلات المتوازنة في تلك المجتمعات فإن النفط أحدث هذا الخلل في توازنات القوى قبل أن تتشكل مؤسسات الدولة الحديثة وتنضج بصورة معقولة ، ولهذا لا نجد هذا التهميش للقوى الأخري ، في دول نفطية أخرى قريبة ، لأن الدول تمأسست بشكل معقول قبل الطفرة النفطية .

إن الإشارة إلى قوة السياسي لدينا هي مجرد وصف لواقع ، بغض النظر عن الموقف منه وتقييمه ، فهو تطّور كوني له إيجابيات كثيرة وغير مخطط له في بعض جوانبه ، واستحضاره هنا هو من أجل إدراك آليات الحراك الفكري والصراعات الداخلية .

إن مشكلة تآكل القوى الأخري تكمن في كونه أخذ يؤثر في عنصر المبادرة لديها ، استقلالها ورؤيتها ، وضعف الحس النقدي لهذه القوى والتيارات لصالح التفكير من خلال العائد السريع الذي يكسبونه ، ولهذا نشهد في الكثير من الصراعات حالات تملق ونفعية زائدة تضعف قيمتها الفكرية ودورها في تطوير الواقع؛

إن قوة السياسي حاضرة بوضوح في عقول النخب المحلية في أى صراع لهذا التفكير بهذه الإرادة العليا حاضرا ، وهو العنصر المؤثر في استيعاب طبيعة كل معركة لذا يبدو كل شئ محكوما برؤية وشروط السياسي باستثناء نشاط المعارضة الهامشي

لذلك فإن ميدان الصراع محكوم بكل تفاصيله الرئيسة برؤية السياسي حتى لو ظهرت في بعض المعارك حالات استعراضية فإنها لا تعبر عن حقيقة الواقع .

السياسي .. وإدارة الصراع

علميا يمكن تأمل أداء السياسي في إدارة هذه الصراعات من خلال النقاط التالية:

  • حول الطبيعة المحافظة للأداء السياسي والتغيير البطئ في مواجهة التطورات ، هناك إعجاب وشعور عام بنجاح هذه السياسة في ضبط إيقاع المجتمع من التحوّلات المفاجئة ، وتدريبه على الاستجابة لإرادة الدولة ، حيث بقيت قوة مهابة في كل مرحلة ، ليس بالقمع العسكري أو الأداء الديكتاتوري ، وإنما بنهج يتناسب مع كل تيار واتجاه وقوى ناشئة .
  • إن الخصائص العامة هي خليط من ترسيخ الروح الأبوية للدولة ، والحزم المرن ضد أى روح تمردية في الرأي ، وتأتي الاستجابة أحيانا في قضايا لا تؤثر في هيبة وشخصية الدولة فلا يبدو في استجابتها ضغوط تيار أو اتجاه ما داخلي أو خارجي ، وأحيانا يقدم كنوع من المكرمة والحكمة السياسية .
  • لقد نجح هذا الأسلوب طويلا في تربية ذهنية المجتمع نحو التجاوب مع إرادة الدولة واحترامها ، والإقلال من روح التمرد والمشاغبة .
  • الأداء المحافظ الذي تقلّ فيه الروح المؤسسية لصالح الاعتماد على حكمة الأفراد وخبراتهم أوجد آلية خاصة في مواجهة الصراعات والمتغيرات في المجتمع سياسيا وفكريا ذات سمات شبه ثابتة استوعبها العقل الحكومي والإعلامي .. وقدم تنظيرا لها بالطريقة التي تكرس هذه التقاليد .. هذه السمات لم تكن مكتملة في البدايات قبل عقود عدة لأنها تتشكل وتتطور في كل مرحلة ، حتى وصلت إلى حالة شبه مستقرة مع تعملق مكانة الدولة وحضورها في أزمنة ما بعد الثروة النفطية .
  • نظرا إلى الحذر المبكر من أى أداء يشابه النظم الديمقراطية ، أو الثورة المعاصرة ، والحساسية السياسية من كثير من المفاهيم السياسية العصرية في تشكيل الدولة الحديثة ، ودورها في تقوية المجتمع المدني كسلطة مؤثرة فقد وجد موقف مبكر من أى آلية تغيير عصرية لمنهج إدارة الصراع بين الأفكار ، والتصويت المباشر على القضايا من خلال رأي النخب أو المجتمع ليس مرحبا به
  • لأنه يفتح بابا لبعض التناقضات ، وتعارض الآراء في مجتمع لم يتشكل بعد ، ولم يصل في تلك المرحلة المبكرة إلى حالة نضج ، ونظرا إلى كثرة الاختلافات ، وتضارب المصالح بحدة أحيانا واتساع رقعة الدولة فقد كان الأقرب للحكمة في الأداء السياسي أن يكون خيار المركزية الشديدة هو المرغوب .
  • هناك قضايا حساسة للدولة ودورها الخارجي ، ومكانتها الدولية ليست للمجتمع علاقة مباشرة بتفاصيلها ، وبخاصة في ما يتعلق بالسياسة الخارجية ولهذا لا تستطيع النخب نقد مواقف معينة في أداء السياسة الخارجية مباشرة باستثناء بعض الجوانب الهامشية ، ولهذا لا تكون هذه المسألة ذات أهمية في الصراعات المحلية .
  • من المهم استحضار أن التغيير السعودي الذي يحدثه السياسي لا يتم عادة بصورة تعسفية وبقدر من الفرض الاستعراضي لقدرات الدولة وبخاصة في الشأن الذي يمس المجتمع مباشرة وخصوصياته ، ولهذا لم توجد مفاجآت فوقية في إصدار قرار دون قياس ردود الأفعال ، والحذر من أى استفزاز لجهات وتيارات وقوى ، وهناك حذر آخر من أى تراجع عن قرار بصورة مباشرة وعلنية ، وما يؤثر في هيبة الدولة عند العامة
  • مع أنه يتم التراجع في حالات قليلة لكن بطرق ذكية ، عبر تجميد الأمر لزمن طويل أو تهميشه ، وفي جميع المراحل هناك آليات في استعمال الإشاعة وقياس الرأي العام ومن لديه اهتمام مبكر بالرصد سيجد أنه منهج متقارب في إدارة الإشاعة والاستفادة منها ، من أيام العجائز وكبار السن في البيوت الطينية قبل عقود عدة ،.. حتى زمن شباب الانترنت في الـ (كوفي شوب) !

الإشاعة .. وقياس الرأي العام

المساحة التي تدار بها الخلافات والصراعات في الحالة السعودية محدودة حتى بعد دخول مرحلة الإنترنت التي أحدثت ارتباكا في البداية أمكنت السيطرة عليه بأساليب عدة في ما بعد .

ولعدم وجود رغبة في اتخاذ مسار في الأداء الإداري يقترب من الأجواء الديمقراطية في التصويت حول قضايا معينة حتى في الأمور التي ليست فيها حساسية سياسية واجتماعية للحفاظ على منهج الإداري التقليدي

فقد كان يتم معرفة الرأي العام محليا ، في مراحل مبكرة ، عن طريق بث الإشاعة داخل المجتمع أحيانا عندما تكون هناك صعوبة ومحاذير في نشرها صحافيا فتتم الاستفادة من إطلاقها في تصور مؤشرات أولية عن الرأي الشعبي العام وانطباعاته السائدة في المجالس واللقاءات .

وهو أسلوب مفيد لمجتمع محافظ ، لمعرفة الآراء بتلقائية وعفوية قد لا يوفرها التصويت المباشر أحيانا ، ونظرا إلى عدم رسمية الإشاعة والتزام جهة معينة بها ، فإنه يقدم معلومات ضرورية لصانع القرار دون ضريبة تذكر ولا خسائر ..

وخلال مراحل طويلة استعملت الإشاعة منذ مرحلة المجتمع البسيط في حياته وإمكانياته إلى المرحلة الأكثر تعقيدا حتى عصر الإنترنت .. وتقوى الإشاعة أو تضعف سريعا وفق ما تقدمه من مؤشرات !

وتتطور هذه الإشاعة في بعض الحالات وتتحول إلى الصحافة المكتوبة المحكومة بالرؤية الحكومية و بثها في الصحافة يأخذ أساليب عدة تدريجية ، وأحيانا مفاجئة ، وكذلك من يسمح له بنشرها .

كانت الصحافة وما تزال منذ عقود عدة المنبر الأهم الذي يوثق مختلف الصراعات والاختلافات في وجهات النظر ، بعكس منبر المسجد الذي ربما لا يسجل هذا الرأي عبر الكاسيت ويتم نشره ، باستثناء ما يتم نشره وهو أقل وعمر الكاسيت في رصد الخطاب المحلي المحافظ ما زال قصيرا مقارنة بالصحافة؛

لكن مشكلة الصحافة ظلت أنها لا تمتلك في غالبية مراحلها الحد المعقول لرصد هذه الخلافات والسماح بها ، باستثناء حالات معدودة يتاح لها المجال لأهداف وقتية ، ثم تغلق سريعا .

إن الاختلاف في الصحافة يدار تحت رعاية رسمية ، وحتى ما يطرح من وجهات نظر وخلافات يفهم عند الرأي العام الشعبي أن الحكومة تسمح به وراضية عنه ، ونظرا إلى محدودية عدد الصحف والكتاب في الماضي فإنه يمكن السيطرة وإدارة الصراع بالاتجاه المرغوب فيه .

ليست المسألة مسألة إرادة عليا شمولية تدير كل شئ بسهولة ، فأحيانا تأخذ الصراعات مسارات غير مرغوب فيها نتيجة ردود فعل الرأي العام غير المتوقعة فالتفاصيل لا يمكن التحكم بها ، وإنما يمكن التحكم بالخطوط العريضة للخطاب الإعلامي في الصحافة .

في مراحل تالية ومع الانترنت التي تم استخدامها بوضوح ، لأنها الأسرع في نشر الإشاعة والأكثر دينامية في المعارك الفكرية والسياسية ، وفي تطوّر أكثر تقدما استخدمها مجلس الشورى عبر بعض أعضائه لطرح بعض القضايا .

إن الإشاعة وتسريبها في المجتمع أو الصحافة أو الإنترنت حاليا من أهم أدوات التي لاحظت أنها تتكرر بأسلوب متقارب . وقد أكدت جدواها العملية جدا في تقويم جدوى الاستمرار أو التراجع في أى قضية لكن بشأن فهم طبيعة الصراعات بين التيارات والمعارك الفكرية فقد أدت أحيانا إلى حالات تضليل لبعض النخب والمراقبين الذين يغرقون في التفاصيل الهامشية دون التنبه إلى المداخل الأساسية لكل قضية تطرح .

كثيرون من أطراف الصراع قد اعتادوا تمثيل أدوارهم الحقيقية أو المزيفة إعلاميا ، ما يؤدي إلى قراءات خاطئة ، وبعض معارك ما بعد أيلول (سبتمبر) يمكن استثناؤها ، فقد حدث ارتباك في رؤية السياسي وصانع القرار للرؤية الاستراتيجية في التعامل مع الحدث

فخرج الكثير من الحوارات والصراعات عن النمطية القديمة قبل أن تتم السيطرة عليه لاحقا ، والتحكم به مرة أخرى بعد عام 2006م ، حيث فقدت الصحافة الكثير من حريتها وفقدت المنتديات إرادتها وشخصيتها العفوية المفترضة .

الصراعات والمعارك الفكرية والاجتماعية لها تاريخ متراكم منذ أكثر من نصف قرن من التطورات وفق كل مرحلة فقضية المرأة وما يتصل بها من موضوعات في التعليم والعمل ومشكلات الاختلاط وقيادة المرأة للسيارة والأنظمة والقضاء والحريات كانت ولا تزال أكثر المسائل حساسية اجتماعية ودينية وسياسية

واحتفظ الجدل حولها برؤى متشابهة منذ عقود عدة بين المحافظ والتحديثي وهناك معارك أخرى ذات إشكاليات فقهية وحضارية ستظل مستمرة كمسألة الحسبة ، وقضية التعليم والمناهج ،وهناك معارك ذات شهرة خاصة لأنها جاءت في سياق مرحلة تعبر عن أزمة فكرية وتناقضات مر بها المجتمع

كقضية الحداثة ، ومعركة الصحوة مع غازي القصيبي ، والتوقف عند بعض تفاصيل هذه المعارك هو لتقديم تصور عن فكر الصراع المحلي من خلال نماذج حدثت ، وشكلت الوعي السائد حاليا .

سيرة المرأة السعودية

"أجمل منصب، وأعظم ما أراه جديرا بي هو أن أظل أما سعودية صالحة" هند الخئبلة

ليس المهم في قضية المرأة السعودية ما يقال ، وإنما ما يوجد حقيقة على أرض الواقع، والخطاب الذي تشكل عن المرأة محليا أدي إلى زيادة المسافة بين القول والفعل ، وأعاق نمو الفكر الاجتماعي الحضاري نتيجة نرجسية الطفرة التي أخفت العيوب ، وأجلت الأزمة ، وأوهمت الكثير من النخب ، بأن مجتمعنا محصن ضد تناقضات الحضارة وخياراتها المرة

ومن دون وضع إطار تاريخي سنكون أمام العديد من المغالطات المنهجية في رؤيتنا لمشكلات المرأة في مجتمعنا التي يمكن القول إن قضيتها وراء أغلب الصراعات المحلية اجتماعيا ودينيا وسياسيا ، ولهذا ستكون المقدمة طويلة بشأن تاريخ المرأة وتطورات قضيتها محليا قبل الحديث عن معارك الاختلاط وتعليم المرأة وقيادتها للسيارة .. الخ

(1) المرأة في الخطاب المحلي

إن النمطية سائدة في الخطاب السعودي حول قضايا كثيرة سياسية واجتماعية لأن بنية المجتمع وثقافته تقليدية تاريخيا، إلا أن النمطية والتقليدية تكونان أشد حضورا في مسألة المرأة لأسباب متعددة

فقضية المرأة تجتمع فيها الحساسية الدينية والاجتماعية إضافة إلى حساسية السياسي من أى توتر اجتماعي بسبب قضية المرأة ، ومع كثرة المتغيرات والتطورات التي حدثت للمجتمع فقد حافظ الخطاب بوجه عام على تقليديته؛

باستثناء محاولات قديمة وجديدة تصنف في سياق الإثارة أكثر من كونها رؤى جادة في خطاب التغيير فالطرح التنويري الثورى الذي يعيد بناء الوعي بإشكالية المرأة في المجتمع السعودي لم يطرح حتى الآن .

النمطية التقليدية تبدأ بالمقدمات السائدة التي تحتل الحيز الأكبر من خطاب المرأة وقضاياها في الخطب الدينية والمقالات والإعلام والتعليم باستعراض حالة المرأة في الإسلام ، ومقارنة وضعها بالجاهلية؛

والإشارة إلى العادات والتقاليد بصورة عامة قبل أن يبدأ ظهور بعض التغير في الخطاب مؤخرا مع شعور المجتمع بوجود أخطاء كثيرة في تجربته ليست المشكلة في طرح هذه المقدمات لولا أنها استعملت في الماضي للقفز على مشكلات الواقع .

إن موضوع المرأة في الإسلام يقدم وكأن القضية محاكمة الإسلام ، ومقارنته بالجاهلية والأفكار المعاصرة وعندما أراد الخطاب النمطي تطوير خطابه ، أخذ يسهب في وصف الوضع المتردي للمرأة الغربية لمقارنتها بالإسلام ؛

والشفقة لحالها عبر قصص إنسانية مثيرة لكنه ظل يهرب من الأسئلة الجادة حول إشكالية تجربة المرأة السعودية ووضع محددات للصواب والخطأ فيها ، وبمجرد ما تتصفح دراسة أو مؤلف عن المرأة في بلادنا في السابق تواجهك هذه الحيلة؛

ولو أن هذه المقدمات النمطية تستعمل بحدود معقولة كتمهيد ، ثم يتم الدخول بعدها للموضوع والأزمة مباشرة لكن العقلية السائدة ... عقلية عاجزة عن التفكير المستقل .

وقد استمرت هذه النمطية حتى وقت قريب بعد أن أخذت المتغيرات تفرض إطارا جديدا لرؤية المشكلة .. وكانت هناك محاولات مبكرة لعدد من الكاتبات والكتاب في الصحافة لتقديم قضية المرأة في المجتمع

إلا أنها ظلت محدودة وضعيفة لم تتمكن من إظهار رؤية جديدة وتفكير ثقافي مختلف على الرغم من المتغيرات المتسارعة في التنمية والتعليم ، فبعضها انهمك في رمزيات وتلميحات غير مؤثرة ، من دون تأسيس لوعي تنويري إسلامي أو فلسفي

باستثناء عمل المرأة الذي أخذ حيزا منذ وقت مبكر لكنه لم يشكل وعيا تراكميا مؤثرا فما زال ما يحدث في الواقع وصعوباته العملية أقوى تأثيرا .

ليست المشكلة أنه لم يحدث تغيير في الواقع ، وإنما لم يحدث تطور في وصف الواقع ، فالنقد أو المدح الذي يقدم من الخارج أحيانا لوضع المرأة السعودية يتميز بالسطحية والانتقائية

والذي تطور فعلا وتراكم هو مهارات الجدل والمغالطات في تناول قضية المرأة أكثر من مهارة الوعي بطبيعة الأزمة الحضارية والفقهية التي تواجهها.

(2) سعودة خطاب المرأة

أحدثت التطورات التنموية الكبرى في السبعينيات تحولا فكريا في الذهنية السعودية الجديدة فما بين السبعينيات والثمانينيات أخذ هذا الوعي يتشكل وفق محددات وثوابت ظاهرة في الخطاب الإعلامي والديني ينتجها العقل التقليدي والتحديثي

حيث بدأت تتبلور على يد كتاب رسميين عبارات نمطية وجمل سائدة في الصحافة والإذاعة والتلفزيون حول المرأة في مجتمعنا ، انتقل بعضها إلى منبر المسجد فأصبحت هناك جمل وعبارات خاصة حول أفضلية مجتمعنا على جميع دول العالم في تكريم المرأة في تلك المرحلة

بدلا من أن يتجه التفكير إلى إشكاليات حاضر المرأة ومستقبلها في مجتمع متمدن ومحافظ مع التطورات الحضارية التي يعيشها فقد انشغل في تقديم المدائح للتجربة قبل أن تأخذ دورتها الكاملة .

أسهمت هذه اللغة التي تبناها الكثير من النخب في خطابهم الموجه للمجتمع في تكريس مظاهر الاستثنائية التاريخية كمصدر فخر عام ومنجز للدولة دون تمييز بين ما هو صحيح ومقبول وبين ما هو خطأ

لهذا تطور الوضع إلى خلل فكري عام في تصور وضع المرأة بين المعقول واللامعقول ، والديني وغير الديني وأصبحت التفاصيل العملية أكثر تعقيدا مع اختيارات المجتمع الجديدة التي تؤجل المشكلة أكثر من مواجهتها

وتطور الوضع إلى ما كان تقليدا معتادا قبل مرحلة التمدن وأصبح غير مقبول اجتماعيا ودينيا دون وعي لهذه الاختيارات ومناقشتها مناقشة علمية .

وأصبح مشروع المرأة في السعودية بعد أكثر من ثلث قرن في خطر انهيار أسسه التي قام عليها ، فلم يستفد من التنوع الاجتماعي لوضع المرأة في كل منطقة وكل طبقة اجتماعية لتطوير الرؤية العامة لما سيكون عليه هذا المشروع الحضاري وتطوير خطاب فكري خاص يحدد ملامح أنظمة البلد في مجالات كثيرة ذات علاقة بقضية المرأة .

(3) التمرد الخطابي المفقود

غياب الوصف الحقيقي والجاد لوضع المرأة لم يسانده وجود خطاب متمرد يكسر هذا الوعي النمطي ، ويضع الحقائق أمام المجتمع بتقديم الأسئلة الحرجة ، وإلى أين سنتجه ، فللحضارة ثمن .

ليس المقصود بالتمرد هنا تلك الكتابات الساذجة والمندفعة ، أو الخواطر العابرة التي تتناول مسائل حساسة رومانسية كقضايا الحب والصداقة والحرية والإشارات الجنسية المثيرة للغرائز ، هذا النوع من التمرد وجد بشكل محدود ومتقطع بين فترة وأخرى

فقدم خدمة كبيرة للتيار المحافظ بوصفه دلائل وشواهد على وجود مؤامرة ورغبة في تغريب المرأة السعودية ، فتمت المبالغة مثلا في تسويق قصيدة " مزقيه .." التي نشرت في السبعينيات ، أو ما كتبته فوزية أبو خالد في ديوانها الأول ، وبعض الخواطر التي كتبت بأسماء رمزية في بعض الصحف .

هذا التمرد الشكلي أصبح عنصر استفزاز سلبيا في تضخيم الوعي المحافظ بصورة سلبية والشعور بالرعب من أى تغيير ، وكأنه جزء من مؤامرة كبرى تديرها أيد خفية ، مع أن المؤامرة الحقيقية كانت وما زالت موجودة بوجه آخر شاركت فيها بعض النخب من كل تيار

سواء المحافظة التي كانت ضد أى حراك دون مبادرات أو النخب التحديثية التي مع وجودها المبكر قريبا من صانع القرار إلا أنها تعاملت مع هذه المسألة بانتقائية مكشوفة ، وتركت المجتمع يواجه مصيره الحضاري مقابل مكاسب شخصية مؤقتة ، فمارست التقية الخطابية طالما أن المرأة الموجودة في دوائرها لا تواجه أزمة المرأة في المجتمع أو قيوده .

ما زال هذا التمرد الشكلي موجودا مع ظهور تقنية الاتصال ، والحرية في عالم الانترنت وتأثيرها في الصحافة وهو تمرد يغري بالشهرة السريعة عبر مقالة ساخنة أو رواية مشغولة بما يحرك ذهنية القارئ حول جوانب في جسده أكثر من جسد المجتمع !

إن التمرد المطلوب لا يزال هو القدرة على صناعة مشروع خطابي جديد لمشكلات المرأة وإعادة المسائل إلى جذورها الحقيقية من دون تصنع ومغالطات في كل قضية .

وليس بالضرورة أن تكون نتيجة هذا الخطاب انفتاحا بالطريقة التي يرغبها خصوم الإسلاميين ، ولا محافظة بالطريقة التي ينشدها المتشددون ، إنه خطاب يؤسس لقضايا المرأة وفق المفاهيم والقيم السائدة بشروطها العملية اجتماعيا وحضاريا .

تشير الكاتبة إيمان القويفلي في ملف عن "النخب النسائية" إلى أن تيار الحداثة كان "في موقف أضعف من أن يتبني بعدا نسويا عمليا ، إذ كان ذلك سيكلفه مواجهات قد تقضي عليه كليا

يضاف إلى ذلك نخبوية الحداثة وميلها الشديد إلى التجريد الذي عطل قدرتها عن مخاطبة الواقع ، "وأن الخصومة مع الصحوة هي التي صورت الحداثة بدور العميل في الغزو التغريبي" (مجلة المجلة ، أيار 2005 م)

يضاف إلى هذا في بعض المراحل أن الكثير من الأقلام الحداثية لم تكن مؤهلة ثقافيا وفكريا لطرح مشكلة المرأة ، وليست مؤهلة لفهم طبيعة الإشكال الديني ، فمع وجود أسماء ذات معرفة منظمة وبعد أكاديمي يتقدمهم الغذامي ، الذي قدم مشروعه الثقافي عبر سلسلة من الكتب تناول فيها قضية المرأة في المرحلة التي خف فيها حضور التشدد الديني

لكن هذه المعالجات لم تنجح في صناعة رؤية تلامس المشكلة السعودية تحديدا ، لقد ترك الغذامي الواقع الذي نعيشه وأخذ ينقب عن أخطاء اللغة التاريخية بحق المرأة في ماض سحيق (المرأة واللغة ، 1995م)

وهناك أسماء نسائية محترمة وجادة قدمت وما زالت تقدم مشاركات في الصحافة منذ السبعينيات،واهتمت بموضوع المرأة في المجتمع وعملها من خلال مقالاتها ، فنورة السعد كانت اسما تنويريا معتدلا في الكتابة النسائية خلال الثمانينيات والتسعينيات ، وكانت كتاباتها في تلك المرحلة عن مشكلات المرأة أكثر واقعية من دوم روح تمردية عبثية ، ومن دون رؤية محافظة تقليدية .

ومن متابعة مبكرة لقلمها ، فإنها قدمت الكثير من المقالات العقلانية المتوازنة بشأن المرأة ، وما يميزها أنها طرح غير متصنع ولا متكلف ، بمعني أنه يمثل رأيها دون متاجرة فيه ومصلحية ، لأن من الكاتبات من تتصنع الانفتاح أو المحافظة خلافا لطبيعة حياتها الشخصية

وكان هذا الاتجاه هو الأفضل محليا في تناول مشكلات المرأة لكنه لم يتطور إلى رؤية متكاملة ، ومشروع يعالج الكثير من المشكلات الواقعية بقدر من الجرأة والوضوح.

وبمرور الوقت أخذت رؤيتها المستقلة تتغير ، تتأثر بالرؤية الدينية السائدة بعد أن تغير خطاب الصحوة هو الآخر ، وكان هذا التحول في بدايته مقبولا ويناسب كونها كاتبة محافظة متعقلة في مرحلة مبكرة لكن فيما يبدو أن تزايد الفاكسات والإيميلات التي تميز بها جمهور الصحوة في دعم أى كاتب ينتصر للآراء المحافظة أدي إلى دخولها أجواء جديدة أكثر نشاطا وجماهيرية وحماسة ،فأخذ خطابها يتغير نحو آراء أكثر محافظة،وصنفها البعض بأنها متشددة .

المشكلة ليست في نوعية الرأي المقدم ... هل يأتي وفق رغبات تيار تنويري أو ديني ؟ وإنما حينما يفقد الكاتب رؤيته المستقلة من خلال عمق ثقافي وعملي في تقويم الأشياء فتصبح المؤثرات الجانبية تفرض عليه ماذا يجب أن يقول ...

إن مشروع المرأة في السعودية لا يزال بحاجة إلى رؤى وخبرات قادرة على تحديد أين الخطأ والصواب في تجربة المرأة لدينا ، من خلال الشعور بالمسؤولية التاريخية ، بعيدا عن موضة التنوير وفقاعتها الحالية وتزايد المتمصلحية منهم ، أو رؤية دينية تقليدية متضخمة لا تريد أن تفكر بمشكلات الحضارة بقدر من الواقعية التي تمثل الإسلام .

وما زلت أظن أن الكاتبة التي تخصصت في مالك بن بني صاحب مشكلات الحضارة في أن تقدم لنا أين الخلل في تجربتنا السعودية من دون هجاء للغرب وأمريكا، ومن دون مدح لإسلامنا المتفق عليه !

فوزية أبو خالد ، اسم عرف منذ بداية موجة الحداثة في السبعينيات فكانت من أهم رموزها النسائية تداول التيار الإسلامي اسمها كثيرا في معركته ضد الحداثيين ، ومارست الكتابة الصحافية المنتظمة لذا فهي من الأسماء الثقافية المهمة محليا ، لكنها لم تتمكن من صناعة أفكارها الخاصة ومشروعها حول قضايا المرأة الجدلية الكثيرة في فكرنا المحلي .

ظهرت قبل أن تبرز أسماء كاتبات جديدات في الصحافة واستطاعت تقديم آراء مختلفة ، وتقويم تجربتها الكتابية ليس هنا مكانه لكن في ما يتعلق في إشكالية المرأة ، فإنها كغيرها من الأسماء التنويرية ، لم تؤسس لمفاهيم وخطوط عريضة على الرغم من مرور أكثر من ربع قرن

منذ منتصف التسعينيات بدأت روح كتابتها تتغير وأخذت تميل إلى المحافظة العقلانية مثل الكثير من المثقفين بعد تجاوزهم مرحلة الشباب المبكر ، وهذه المرحلة أكثر نضجا ووعيا ورصانة في الطرح،ويمكن اعتبار دراستها الأخيرة خلاصة لأهم أفكارها حول إشكاليات المرأة في أجواء ما بعد أيلول (سبتمبر) في السعودية .


هذا البحث كان بعنوان "حقوق المرأة وواجباتها بين العادات والتقاليد والأحكام الشرعية" حيث قدم في المؤتمر الثالث للحوار الوطني في المدينة ، وهذا البحث يمثل نموذجا للمحافظة الواعية والمستنيرة، بعيدا عن الشعارات القديمة حول قضايا المرأة .

هذا الاتجاه للتعقل في الطرح نجده أيضا عند عزيزة المانع التي كانت لها رسالة دكتوراه عن تعليم البنات في السعودية مبكرة منذ السبعينيات لم تتم طباعتها وشاركت في مظاهرة المرأة .

أما إيمان القويفلي ، وبرؤية نقدية متميزة فقد رصدت هذه التحوّلات وقومت البعد النسوى في الليبرالية المحلية ، حيث ترى " أنها تتسم بتباين كبير في تحديد أولوياتها وحدودها ومطالبها ، وهي كما تثير قلق التقليدية ، تشوش النخب النسائية التي تعجز عن تحديد موقعها بوضوح ضد التيار أو خارجه؛

وليس من المستغرب مع هذه المطاطية أن تعاود البنية والآراء التقليدية الظهور على ألسنة دعاة التنوير ، فقد عجز قبلهم الراديكاليون عن التخلص من سيطرتها عليهم ، على الرغم من صرامة مبادئهم في ما يتعلق بالعدالة الاجتماعية فتؤكد النسوية الليبرالية على الهوية الأمومية التقليدية للمرأة .

وتجيب الدكتورة هند الخثيلة في مقابلة حديثة لها في صحيفة الحياة عن سؤال: " ما هو المنصب الذي تطمحين إليه "؟ بالقول: "أجمل منصب ، وأعظم ما أراه جديرا بي هو أن أظل أما سعودية صالحة ".

(4) الوعي الجديد في قضية المرأة

مؤخرا بدأت بعض الكتابات والدراسات محاولة الدخول إلى حقيقة الأسئلة المفترض طرحها ، فأخذ النقاش الفقهي مسارا عمليا بعد الانفتاح الذي أحدثته تقنية الاتصال ، وبعد أن تحولت بعض مشكلات المرأة إلى تفاصيل يومية مربكة لحركة المجتمع في مناسبات كثيرة ، وعرضت التقارير الصحافية والمقالات وحلقات (طاش) ومشكلات في حياة المرأة في المجتمع؛

كالمبالغة في شرط وجود المحرم في أمور لا تستدعي ذلك ، ومشكلة تخصيص أيام للعوائل ، وقضية الاختلاط في المناسبات والمعارض ، وبدأ السماح بنشر بعض أخبار الجرائم والانحرافات في الصحف التي تخفف من الشعور غير المعتدل في تصور أخلاق المجتمع .

هذا المنهج الإعلامي في النشر قد يوظف سلبيا في معالجة قضايا المرأة وبخاصة في ما تنشره الهيئة .، فيكون هناك تهويل في الخطاب الديني الوعظي لتحذير المجتمع ، مقابل غياب قراءات نقدية واعية من المثقفين لوضع الظواهر في إطارها الطبيعي .

إن مسألة لباس المرأة وقضية الموضة تأخذان حيزا كبيرا في الخطاب الديني الموجه للمرأة ويفهم عادة من مبالغات الوعاظ في تناول الفساد الأخلاقي وقضية المرأة أنها من أجل مقاومة التغريب

وقد حقق الوعظ نجاحا متفاوتا في إعاقة التسارع نحو ملاحقة الموضة ومثل دور الكابح لأي انزلاق اجتماعي متعجل ، وفي المقابل يضعف دوره في بناء رؤية إصلاحية عملية في مواجهة مشكلات المرأة السعودية في حياتها اليومية

وعلى الرغم من اهتمام الصحافة والإعلام بمسائل المرأة إلا أن الخطاب الصحافي خلال ثلث قرن لم يقدم مواد صحافية مصنوعة وملفات عميقة يستفيد منها الباحثون بسبب الضعف المهني المبكر الذي لازم البيئة الصحافية المحلية .

ومن عوامل عدم وجود حراك في قضايا المرأة التردد السياسي في إدارة هذا الملف حيث تباطأ في حالات معينة من المفترض حسمها فقد استعملت قضاياها في صفقات متعددة لإرضاء التيار المحافظ على حساب سكوته عن انحرافات أخري ..

إن تجميد هذا الملف المؤجل دائما جاء في صالح الرؤية المحافظة الرسمية وغير الرسمية ، حيث تحول الكثير من خيارات مسألة المرأة إلى جزء من شخصية المجتمع وهويته ، وكأن التفريط فيه وتغييره يمثلان انهيارا لمشروع التميز السعودي عند الآخرين الذي سوق له في الخطاب العام .

لقد استعملت هذه الخيارات المحافظة في تغذية مشروعية السياسي ، مقابل شعور التيار المحافظ بمنجزه الحضاري الأهم ، وهذا المقاومة المحافظة ، وعدم جدية السياسي في معالجة الأمر كانا قابلين للتأجيل في أزمنة سابقة بفعل الثروة النفطية التي تغطي العيوب الحضارية وتحد من الرؤية الدقيقة لمظاهر الخلل والشذوذ التاريخي في وضع المرأة في المجتمع الحديث .

كانت الثروة النفطية قادرة على إنجاح فكرة الفصل الميكانيكي بين الجنسين مهما كانت كلفتها ، ومواجهة القضية المعقدة بالمال ثم المال ، لقد كان عمل المرأة في البدايات ينظر إليه وكأنه ترف وتسلية وهروب من الفراغ أكثر منه حاجة اقتصادية في بناء الأسرة والدولة

ثم تحولت النظرة مع نهاية الثمانينيات إلى أن عمل المرأة مطلب اجتماعي خاصة المعلمة وبعدها فضلت في بورصة الخطبة والزواج مع الأزمات الاقتصادية المتتالية .

ولا يزال المؤثر الاقتصادي هو الأهم في تغيير النظرة الاجتماعية لقضايا المرأة فمنذ عقود عدة لم يواجه السياسي ضغوطات داخلية أو خارجية بخصوص قضايا المرأة مثل ما حدث لدول فقيرة بالموارد ، وبحاجة إلى المساعدات الدولية

وإلى ذلك تشير الكاتبة إيمان القويفلي بالقول:

" على الرغم من أن الأمم المتحدة قد عينت العقد 1975 - 1985 م عقدا للنساء طبقت فيه عددا من البرامج الإنمائية استفادت منها بامتياز نساء الهند وإفريقيا وأمريكا اللاتينية لكن لوقوع الدول النفطية خارج نطاق المعونات المالية الدولية لم يكن ثمة تركيز دولي على النساء في الخليج كمصادر للتنمية البشرية .."

(مرجع سابق، نقلا عن : نور الضحى الشطي وأنيكا رابو، تنظيم النساء:الجماعات النسائية الرسمية وغير الرسمية في الشرق الأوسط).

(4) المرأة والضغط الخارجي

لم يكن للضغط الخارجي والإعلامي خلال ثلث قرن تأثير محسوس في السياسات الداخلية بشأن المرأة إلا بعد 11 أيلول (سبتمبر) فقد أخذ هذا الضغط بعدا جديدا، وسبب حرجا في كثير من المحافل والمناسبات الدولية مع زيادة جرعة التركيز الإعلامي الأمريكي والغربي على ما يحدث داخل المجتمع السعودي .

على أن السعوديين اكتسبوا خبرة طويلة في مقاومة مثل هذه الضغوط وامتصاصها، وتأجيل التغيير بعدة حيل وأساليب .. وأهمية هذا الضغط الخارجي الأخير أنه جاء في مرحلة ارتباك للتيارات الدينية والمحافظة

وعدم وضوح الرؤية السياسية في تقدير حجم المقاومة الممكنة هذه المرة ، حيث تعرضت المقاومة للضعف ، وأحيانا اللجوء إلى حلول تجميلية جزئية تعقد القضايا أكثر من تحلها .

(5) أساليب مقاومة التغيير

يتم اللجوء إلى أساليب عدة لتحسين الصورة أمام الإعلام الغربي لتخفيف هذه الضغوط وامتصاصها فيكون مثلا ضمن الوفود الدبلوماسية للخارج نخبة من النساء لتمثيل المرأة وتم الإعلان عن توظيف نساء في وزارة الخارجية ، وإحداث طفرة في حضور المرأة السعودية كمذيعة ومقدمة برامج في التلفزيون الرسمي القناة الأولي والإخبارية

وهذا أسلوب قديم وغير مكلف، ولا يتطلب تغييرا جوهريا في أوضاع المرأة في المجتمع ، ومع أن جرعة حضور المرأة زادت بشكل ملموس لتتناسب مع حجم الضغوط ، مع الحرص على إبراز ضغوط التيار الديني والمتشددين واعتراضهم في الإنترنت والإعلام لتبدو الدولة أكثر انفتاحا

هذا الخروج يدرك بعض عقلاء المحافظين أهدافه الإعلامية الخارجية من أجل المحافظة وتخفيف أضرار هذه الحملات ، لكن البعض الآخر يقرأه بصورة تآمرية لتغريب المرأة السعودية من دون إدراك وتفريق بين نوعين من التغيير :الجزئي الذي يخص شريحة وفئة ضئيلة جدا تشارك فيه المرأة والعام الذي يخص جميع نساء المجتمع .

ويرافق الضغوط الخارجية ضغط الانفتاح الإجباري بسبب تقنية الاتصال التي استطاعت كسر حظر الاختلاط في حياة المجتمع ، إلى اختلاط دون قيود في الحياة الافتراضية في عالم الانترنت .

وهناك الضغوط التجارية ومتطلبات الاستثمار ودخول الشركات الأجنبية وأنظمة التجارة العالمية التي فرضت بعض التغيير في القوانين وما زالت وإقامة المعارض العالمية في مجالات متنوعة ويصعب أن يتم التحكم في نوعية الحضور رجالا أو نساء ، وحتى الفعاليات الرياضة العالمية بدأت تفرض شروطا بخصوص ضرورة مشاركة المرأة وتضع مهلة وعقوبات مستقبلية .

لقد بدأت مشكلة هذه الضغوط تتزايد ، وخصوصا من الجانب الأمريكي الذي أخذ يركز على الجانب الاجتماعي والفكري ، وبدأ كأنه مقايضة للإصلاح السياسي المطلوب ، ما أشعر السياسي بالجدية ، وحتى التيار الديني أخذ يقدم آراء أكثر اعتدالا فأصبحت بعض قضايا المحرمات مختلفا فيها لديهم ، وبدأت تظهر بعض جوانب التسامح الفقهي .

وتبدو مشكلة الضغط الخارجي في نظر بعض متشددي التيار الديني أنها جزء من مؤامرة عالمية لتغريب المرأة ، مع أن المشكلة ليست في هذه المؤامرة التي يمكن مقاومتها ، وإنما المشكلة التي تواجه التجربة السعودية هي بشأن المرأة التي تبحث عن خصوصية محافظة ، وهو حق مشروع .

إن التحدي الأكبر ليس مؤامرات أمريكا ولا الصهيونية العالمية وإنما في مشكلات المدينة والحضارة التي تتطلب القدرة على التكيف الطبيعي والعقلاني والتفكير في تفاصيلها أكثر من التفكير في مؤامرات الغرب .

والمشكلة الأخرى هي أن الخطاب النمطي القديم الصادر من الديني والسياسي والثقافي ربط المشروعية السياسية في الذهنية العامة الشعبية بشكل معين من أشكال المحافظة بخصوص المرأة بحيث يبدو أى تغيير هو خدش في هذه المشروعية ، وهنا يكمن جزء من إشكاليات الحالة السعودية التي كرسها الخطاب الرسمي والإعلامي مبكرا .

وأهم الحجج التي تتذرع بها الذهنية الرسمية ، والتي يسوقها الخطاب الإعلامي والكتاب في مقاومة التغيير حول بعض مسائل المرأة والإشارة إليها بأنها قضية اجتماعية وليس للدولة علاقة هي تكرار من مثل " المجتمع السعودي غير مهيأ حتى الآن" و" المجتمع لا يتقبل ذلك " .. الخ .

إن اتهام المجتمع بالقصور وعدم التأهيل بعد نقلات كبرى في مسار التنمية والتعليم ، ومحاولات بناء الإنسان الفكرية ، بحاجة إلى شئ من المراجعة النقدية .

وهذه الأحكام التبريرية التي يتسرع البعض في تعميمها عند حديثهم عن الشأن السعودي ، من دون انتباه لضريبة مثل هذا الخطاب في الإساءة إلى تجربة التحديث ، مؤشر على أزمة في إدراك طبيعة التحولات الاجتماعية وعوائقها المختلفة .

واللجوء إلى التبرير غير المكلف في تحمل مسؤولية التنوير الاجتماعي من خلال إلقاء اللوم على المجتمع بصورة هلامية عبر تقديم مثل هذه الأحكام القاسية للمجتمع ، يجعل البعض يدرك أنه لا يوجد من يدافع عنه بعكس لو تم تحميل المسؤولية على تيارات محددة داخلية.

والغالبية ربما رددت مثل هذه المقولات بحسن نية ، من دون تفهم لحقيقتها الواقعية ، في تبني مثل هذه الأحكام في غير قضية اجتماعية .

إن إغراء هذا الطرح الغيبي عبر تعليق المسائل على أشياء لا يمكن التأكد من حقيقتها مباشرة تبدو قيمته في إنقاذ المتحدث من إعطاء مواقف تاريخية في الرفض أو القبول ، وهو أسلوب ربما يوحي بالعلمية والأريحية الديمقراطية فهو ينتظر موافقة المجتمع وقبوله ليسير معه ، لكن الواقع هو غير ذلك .

وحتى الآراء الدينية التي قيلت مؤخرا حول بعض المسائل كقيادة السيارة حولت هي الأخرى التهمة على المجتمع ، ومع أنها أبدت تقدما ملحوظا في رأيها من خلال آراء بعض المشاهير في العلم الشرعي والدعوة فقد طالعتنا الصحف عندما نقلت الخلاف والرفض من الرأي المقدس المرتبط بالدين إلى الدينوي الاجتماعي فعلقوا رفضهم بعدم تهيؤ المجتمع .

أليس غريبا تظاهر الشيخ المحسوب على التيار الديني في رفضه بأنه أكثر استنارة من المجتمع في هذه المسألة؟إن الرؤى والتحليلات التي تتسم بالمغالطات والأخطاء حول مثل هذه الموضوعات أكثر من أن تحصي . أحدهم من خارج السعودية يتوهم أنه لاحظ في المجتمع السعودي "ظاهرة غريبة" هي تموضع المرأة في المجتمع الرعوى الزراعي كمنطقة القصيم

حيث تقدمت المرأة في هذا المجتمع على المرأة في المجتمع الحضري السعودي ، فيما لو اعتبرنا أن قيادة السيارة مظهر من مظاهر التقدم حيث تقود المرأة السيارة في القصيم ولا تقودها في باقي المناطق ، وتقضي بها حاجتها وحاجات عائلتها في منطقة متشددة دينيا .

هذا النوع من العرض والتحليل ليست إشكالية في عدم دقة المعلومات فقط ، وإنما تجاهله مبررات الفعل المختلف بين البادية والمدينة وفكرة الاستشهاد بما في البادية عند الكثيرين هي قصة قديمة تمثل أزمتهم في الوعي بمبررات الممانعة الدينية القديمة التي أصلت للممانعة المحسوبة على المجتمع منذ البدايات وأغلب شرائح المجتمع تتأثر بآراء العلماء والدعاة في كثير من القضايا

مع أنه وجد تمردا عليها في قضايا وسلوكيات أخرى، وتتعطل قيمة الفتوى فيها ، كما حدث في مسألة استقبال التلفزيون والقنوات الفضائية ، ونقل هذا الموضوع للمجتمع مرة أخرى وتحميله المسؤولية غير مفهومه من الناحية العملية والفكرية .

الكثيرون يتحدثون عن المجتمع وكأن هذا المجتمع مفهوم موحد وكتلة محددّة قابلة لقياس رأيها في كل لحظة ، فلم تتطور آليات تفكيك إشكالية مثل هذه القضايا الاجتماعية عند بعض المثقفين والكتاب ، ولهذا يتجه الجدل عادة إلى مبررات قابلة للنقض العقلي السجالي التقليدي الذي لا يرفع من قيمة الوعي بكينونة الفرد في المجتمع .

القضية هنا ليست في وجود السائق الأجنبي ، طالما أن العاملة الأجنبية توجد حتى في بيوت ربات المنازل غير العاملات ، لكن المسألة تتعلق بالحرية الفردية في اختيار أسلوب تصريف الحياة اليومية الخاصة

وفقا لظروفها المادية والأسرية التي تتعدد بعدد الملايين من الأسر في المجتمع فالموضوع ليس إجبار كل امرأة على قيادة السيارة وإنما في إزالة موانع الحرية الفردية في اختيار المناسب لها

حيث لا يفرق الكثيرون بين قضايا المجتمع وقضايا الفرد ، وهناك مسائل خاصة بالمجتمع تؤثر في الفرد ، كالقرارات التي تلزم الجميع يعمل ما ، فمراعاة رأي المجتمع في هذه الحالة له أولوية كبري .

وهناك مسائل خاصة بالفرد قد تؤثر في المجتمع وتتضاءل فيها قيمة رأي المجتمع لأنها تتعلق بالحرية الفردية واختيارات كل أسرة هل مشكلة المرأة مشكلة وعي عام مرتبط بالعادة والتقليد أم مشكلة فقه!؟

إنّ مشكلة العادات والتقاليد السيئة ليست حاضرة على مستوى التنظير والإقناع بحجة أنها جيدة ، لكنها قد تكون حاضرة على مستوى الفعل لهذا فهي بحاجة إلى قرارات تحد من استمراريتها أكثر من الحاجة إلى تنظير لها ، العادة أو التقليد الملتبس بالدين فكرة يضخمها الكاتب والمثقف الكسول في وعي حقيقة أزمتنا الحضارية .

وهو يريد أن يصنع له مساحة وقتية يتحرك فيها بالحرية المريحة دون إشكاليات وتحديات علمية ومواجهة لحقائق الأمور ، وهذه من إشكاليات عقلنا الحضاري المحلي الهلامي الذي يسترسل مع مقدمات خطابية تقليدية استقرت في التفكير دون أن يتأكد من الحقائق العلمية والواقعية

لهذا لا يستعمل هذه اللغة التي تبدع بعملية الفصل بين العادة والدين إما عاجز فقهيا فيتحايل عليها بمثل هذه المدخل المريح، أو داعية يشتغل بالدفاع عن الإسلام وتوضيح نصرته للمرأة

وحتى يصبح أيضا الفقيه بريئا مما هو سيئ في وضع المرأة لكن في الواقع عمليا لا يوجد لدينا هذا الشكل الملتحم إلا في حالات نادرة ، ليست في أصل المشكلة وإنما في تفصيلاتها

إن الإشكال الحقيقي في المجتمع السعودي هو إشكال فقهي في مسألة حسم الخيارات الشرعية المناسبة للمجتمع والمعبرة أولا عن حقيقة الإسلام ، ولا يلام الفرد أو المجتمع على أتباعه رأي الفقيه ، فهو يعبر عن جدية التزامه الديني ، فالإشكال الفقهي لا يحسمه إلا الفقيه .. وأحيانا السياسي بإقراره واقعا خاصا في القضايا العامة .

(6) بين العادات والتقاليد .. والإسلام

من المقدمات التقليدية المبكرة في الحوار حول قضايا المرأة في مجتمعنا الحديث أهمية التفريق بين العادات والتقاليد والإسلام ، وهذه المقولة استحضرها خطاب التنوير المحلي أمام الاتجاه المحافظ في مسائل المرأة منذ البدايات قبل أكثر من نصف قرن؛

وفي كتاباتهم كمنطق لمواجهة بعض الجمود المحسوب على الدين كانت هذه الفكرة تبدو مناسبة عند الاتجاه التنويري في مجتمع أمي قبل أن يتطور الخطاب الديني ذاته ويستفيد من تطور التعليم ، ويصبح لديه فئة كبيرة من المثقفين والعلماء

ومع ذلك استمر الاتجاه التنويري بتكرار هذه المقولة من دون تطوير لها في مسائل تحرير المرأة من قبل الكتاب والإعلاميين ، فقد تحولت هذه الحجة إلى " كليشيه " بليدة يعرفها الإسلاميون ويقدمونها على أنها جزء من حيل التغريبيين الذين يريدون الشر بالمرأة ويحذرون العامة من خطورة هذه الحيلة

ثم لم يتنبه الاتجاه التنويري الذي استمر تقليديا في خطابه وأفكاره إلى أن التيار الإسلامي المعاصر منذ نصف قرن هو ضد التقاليد والأعراف عندما تعارض الإسلام في نظره مباشرة وعمل على إزالتها ونجح في تعديل الكثير من تلك العادات والممارسات والتقاليد حتى في حياة الأسرة والفرد الخاصة؛

وهي أهم منجزات الصحوة التي أحدثت انقلابا في الوعي بين جيلين ، حيث فرق بين تقاليد قريته وأسرته ، وبين مفاهيم الدين لديه ، فبدأ الحنين التنويري للعادات والتقاليد ، البكاء على الماضي !

هذه الحجة كانت مهمة في مراحل مبكرة لزحزحة شئ من الذهنية المتشددة وتحولت بهذا الاستعمال البليد إلى مؤشر على الضحالة الفكرية وضعف الوعي الفقهي بالمسائل الدينية عند المثقفين والكتاب فلم يتم تطوير مقولاتهم وفق التحوّلات الخطابية التي حدثت للوعي العام في المجتمع لقد تطور خطاب الممانعة الديني بصورة أفضل وأكثر حيوية من خطاب المثقف وهذه مفارقة لافتة .

ومشكلة هذه المقولة أنها تؤسس في حالات كثيرة على مبدأ أن التقاليد والأعراف مفصولة عن الإسلام ويمكن تحديدها بسهولة ، ولا يتنبه المثقف إلى حقيقة جوهرية إلى أن التداخل هو الأساس الذي جعل من هذا المجتمع أو ذاك له شخصيته وهويته الدينية خلال تاريخ طويل .

إن مجرد رفع الشعار وتكراره لا يحل المشكلة ، بل إن الإفراط في استعماله زاد من تعقيدات الوعي بالمشكلة فتعطلت قيمة الاحتجاج به لأن التيار الديني استعمله في مواجهة عادات ما قبل الصحوة ، هذا المفهوم متفق عليه والخطاب الديني يؤمن بهذه المقولة ويستدل بالآية الكريمة (إنا وجدنا آباءنا على أمة...)

وقد واجه التيار الديني الإصلاحي في كل مرحلة صعوبة إقناع الآباء والأمهات في تصحيح بعض عاداتهم في المناسبات الاجتماعية ولا يزال مع أن تيار الصحوة لم يقدم منطقا غربيا ولا شرقيا ، وإنما قدم آية أ و حديثا وأقوال المشايخ الكبار .

ولو أمكن بسهولة التمييز بين العادة والتقليد والدين لما وجدت المشكلة بالأساس ولهذا تبدو مسألة الانتقال بالفكرة إلى خطوة أخرى متقدمة هي الأهم ، والخطاب الديني المحلي عندما وجد أن هذه الفكرة استعملت من خصومه بدأ في حيلة المغالطة لنفي التداخل القوة للعادات والدين ، ما أعاق الخطاب الديني عن تجديد رؤيته الصحيحة للدين في بعض المراحل ، ثم خوفه من أن يتهم بمجاملة التيارات الأخرى ، مع أنه يؤمن بها شرعا.

كان دعاة التخلي عن العادات والتقاليد يقدمون رأيهم بخطاب عام من دون تمكن فقهي ، ومن دون عرض للإشكاليات المنهجية للفكرة ، إن حقيقة وجود التداخل في الفقه الإسلامي بين العادات والتقاليد والأحكام الشرعية ليست عيبا تاريخيا يسخر منه بقدر ما أنه ثراء يفخر به ، لأنه جهد إنساني يعالج قضايا مجتمعات بشرية إسلامية في أزمنة متغيرة .

إن التعامل مع هذا التداخل بلغة متعالية وكأنه عيب فقهي من قبل المثقف لاتهام الفقهاء في التاريخ بالتحجر والانغلاق يفتقر إلى وعي بالجهود التي بذلت ، وأسست للمدارس الفقهية الكبرى ، فحضاراتنا حضارة فقه كما يشير إلى ذلك أحد المفكرين؛

ولهذا يسخر التيار الديني من خواطر بعض الكتاب المحليين في السابق ، لأنه لا يجد كتابات جادة ومتشبعة بعمق الإشكاليات العلمية قدر تشبعهم بـ (سواليف) التيار الذي ينتمون إليه .

إن التغيير والتجديد لا يأتيان من خلال تجاهل أصول الفقه وقواعد الشريعة وتراث ضخم من الفقه خلال قرون عدة ورفع شعار الارتباط بالنص مع تجاوز آراء الفقهاء بحجة التنوير في فترات سابقة ، والمبرر أنه ليس من الدين من دون منهجية علمية أنتج أزمات فكرية أكثر تعقيدا

فهذه الفكرة استعملها الإسلاميون في ما بعد وأنجزت فكر الصحوة الذي تخلي عن المذهبية بحجة القول الصحيح في مجتمعنا ، فانتقلنا إلى مرحلة أكثر تشددا وضعفا فقهيا .

ومن المفارقات والتناقضات مبدأ الانتقائية التعسفية من التراث ، لهذا عندما رفع هذا الشعار سابقا لغرض تنويري استعمل لعكسه ، ففي الفترة التي طرحت فكرة أهمية التفريق بين العادات والتقاليد والإسلام

كما كتب القصيبي مقالته الشهيرة في مجلة اليمامة وأخذ الفقهاء بالعرف والمصالح المرسلة ، لهدف تنويري استعمل لعكسه ، ففي الفترة التي طرحت فكرة أهمية التفريق بين العادات والتقاليد والإسلام

كما كتب القصيبي مقالته الشهيرة في مجلة اليمامة ، وأخذ الفقهاء بالعرف والمصالح المرسلة لهدف تنويري، لم يتنبه إلى أن الإسلامي المتشدد يمكن أن يحتج بالعرف أو العادة ضد قرار أو قضية بخصوص المرأة،ورفع ضده مسائل لا وجود لنص فيها .

هذه بعض مشكلات التنوير القديمة في السعودية وأنها جاءت عبر أطروحات مختزلة في مقالات لأغراض لحظية ، دون تراكم منهجي وجدية في التعامل مع الأفكار الدينية لحل مشكلاتنا الاجتماعية وقضايا المرأة .

ليس الحل في تهميش الفقيه ، أو الحث على التمرد عليه ، أو أن ننشئ خطابا مخادعا وإنما الحل أن يستطيع المثقف والمهتم بالشأن العام أن يصوغ أزمة المرأة بصورة علمية ناضجة ترفع مستوى الوعي عند الفقيه؛

وتزيل بعض الأوهام الجماعية التي تريد أن تصور قضية المرأة بأن الفضيلة في صندوق معزول والرذيلة في صندوق آخر ، فيأتي الفقيه ليختار لنا أحد الصندوقين وهي معرفة طفولية ليست بحاجة إلى مرشد ، وإنما القضية هي في كيف تختار حينما تصبه الفضيلة والرذيلة في صندوق واحد هو المجتمع بكل تعقيداته ونشاطه الحياتي .

لنحارب أولا الحلول السهلة والعقول الضارة بالتفكير العلمي والحضاري فخياراتنا دائما بين شر الشرين وخير الخيرين .

لم تعد لدينا قضية للمرأة فقط ، وإنما أصبحت "قضية المرأة" قضية أخرى مركبة لا علاقة لها بالمرأة ذاتها ، وإنما مجرد أداة من أدوات الصراع بين التيارات لهذا نحن نحتاج إلى إعادة تأسيس المقدمات في فهم التحدي الذي يواجه المجتمع ، وهو تحد من التحولات الكونية المحيطة ، وليس مع ما يطرحه هذا الكاتب أو ذاك المفكر .

لم تصل المجتمعات العربية ، وبخاصة مجتمعنا إلى مرحلة مريحة في تصورنا الجماعي ، وتقنين اختياراتنا لمسألة المرأة ، وهي تبدو كمشكلة السياسة في ثقافتنا الإسلامية حيث صعوبة إسقاط النموذج الذهني المثالي مع الواقع المتمرد دائما على أمنياتنا ، وفي كلتا الحالتين توجد شهوة السلطة والمرأة قد تعيق النظر الموضوعي ، وتشكك في علمية ما يطرح.

نحن إذا أمام أزمة قياس بين مجتمع صغير في العهد النبوي،حيث الحياة الفطرية وبين واقع حضاري قفز إلى ما يبدو أنه لا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ..

وهنا مكمن التعقيد وصعوبة المقارنات ،وسنكتشف أن كثيرا من خياراتنا ستحط قيمة من القيم " إن من العبث كل العبث أن نتخيل حضارة لا تحط شيئا ، وكل ما نتمناه هو أن يلبس الحط أشكالا يمكن تحملها "... (ريمون روية).

لهذا فإنه في الحياة الريفية والقرى لا تحضر أزمة المرأة كما في المدينة فالقياسات المباشرة مع العصر الأول أسهل ، ولو تمت القياسات مع عصر الثقافة الإسلامية في العواصم الكبرى المتمدنة في عهود الخلافة

لما أصبحت هذه القياسات في مصلحة التيار المحافظ الذي سيكتشف أنه بحاجة إلى إعادة تأسيس لرؤيته للحياة حتى لا يجني على كمال الشريعة التي يري صلاحيتها لكل زمان ومكان .

إن الخطأ الذي وقع فيه التيار التحديثي المناصر لقضية المرأة في مجتمعنا ، وبالذات العقلاء منهم ، هو صناعة مقدمات مخطئة جاءت من التعالي على فكرة العادات والتقاليد ، وبحجة الفصل بين ما هو عادة وتقليد وبين ما هو محسوب على الدين

وبمجرد وجود رأي شرعي أو قول من الأقوال في عدم التحريم نلجأ إلى السخرية بهذه العادة أو تلك ... أو تلك المنظومة من الأعراف بحجة التجديد وعدم مخالفتها للشرع .هذه المقدمة البدهية في منطقيتها تغري من يحملها بأنه تنويري وأيضا لا يخالف حقيقة الإسلام ، فيظّن أنها كافية لرفع صوته بتغيير هذه الفكرة أو تلك العادة .

إن العادات أو التقاليد لا تجد من يحامي عنها علانية لأنها تظهر أصحابها وكأنهم قادمون من الريف والبادية ، والواقع أنها في كثير من الأحيان تفوق في قدرتها على تقييد السلوك الاجتماعي الدين ذاته ، حتى مع التظاهر بذمها علانية

وأحيانا تعطي مسوغا دينيا ليتم الدفاع عنها ، وهذا المدخل في احتقار العادة مبدئيا حين لا تجد ما يسندها شرعا والذي لا يجرؤ على المواجهته المثقف التقليدي من كل اتجاه ، وهو في الحقيقة ملئ بالثقوب العلمية

وقادنا إلى تأزم أكبر في وضع المرأة والدخول إلى رؤى متطرفة فمن أجل إيقاف هذه الفكرة التي تريد ضبط ما لا ينضبط بحجة الفصل بين العادة والدين وفصل أمور اجتماعية متداخلة لا يستطيع الوعي الشعبي التمييز بينها فاحتمي الطرف الآخر المحافظ ، في عملية لا شعورية أدي به إلى شرعنة وأسلمة كل شئ يتعلق بها ، وهو نوع من التعدي على الشريعة جاءت به البراءة والسذاجة العلمية لدينا

وبعد زمن وجيز وجدنا أنفسنا أمام طريق مسدود لا ترضي المحافظ ولا داعية التحرر أو التنويري ، وهو وضع سيرتد ضد مصلحة الجميع لأن عملية التلفيق ، والترقيع العشوائي هي الثقافة السائدة في " قضية المرأة " التي أخرجت تفكيرنا عن مسار القضية الأساس .

ظهرت مؤخرا بعض المحاولات في تقديم معالجات رصينة لهذه القضية فقدمت فوزية أبو خالد في الحوار الوطني دراسة مميزة بعنوان حقوق المرأة وواجباتها في الأسرة والمجتمع بين العادات والتقاليد وبين الأحكام الشرعية

وقامت برصد هذا التداخل بين العادات والأحكام الشرعية من خلال استبيانات وحوارات مع شرائح مختلفة ، وعلى الرغم من أنها قدمت مادة علمية ثمينة إلا أنها لم تحدث ما هو مفاجئ في النتيجة أو غير متوقع بقدر ما أنها سجلت ما هو متصور عند شرائح مختلفة من النساء لأكثر من جيل ووعيهن بحقوق المرأة ..

حيث تناولت هذه الدراسة:

المشاركة في القرارات الأسرية ، الطلاق ، المشاركة في تربية الطفل والإنفاق والحضارنة ، النفقة في حالة الطلاق ، العمل ، أهلية التصرف بالمال الواجبات المنزلية والمشاركة في الحياة العامة مقارنة الموقف الشرعي مع العادات والتقاليد حول قضايا مشهورة رؤية الخاطبة ، مواصفات الزوج والنسب القلبي ، المهر ، قرار الزواج .. وأرفقت جدولا للمقارنة حول بعض المسائل الاجتماعية .
والأهم في هذه الدراسة أنها تؤكد ما أشرت إليه ، وهو أن الحديث عن العادات والتقاليد أمر مختلط في أذهان العامة والخاصة ومتشابك فنتساءل فوزية أبو خالد : " هل هناك حالة خلط أو تمييز من قبل المجتمع السعودي رجالا ونساء بين ما هو تقاليد وعادات وبين ما هو أحكام شرعية في معرفة وإقرار الحقوق والواجبات للمرأة السعودي ؟"

والإجابة هنا كما تبين معنا إجابة مركبة ، ذلك أننا وجدنا في شهادات النساء وفي البيانات ما يشير إلى وجود الحالتين معا ، أى وجود حالة من الخلط وحالة من التمييز في الوقت نفسه بين التقاليد والعادات وبين الموقف الشرعي ، والموقف الاجتماعي من حقوق المرأة وواجباتها في الأسرة والمجتمع؛

وكان ذلك الخلط والتمييز ينبغ من طبيعة المسائل التي يجري البحث فيها باعتبارها وحدات معيارية للمقارنة بين التقاليد والعادات وبين الموقف الشرعي نفسه ، كما تنص عليها الأحكام الشرعية .

أما التساؤل البحثي القائل :" هل يحتكم الرجال والنساء في المجتمع السعودي من خلال المؤشرات الميدانية للبحث في موقفهم من حقوق المرأة وواجباتها إلى الشرع أم إلى العادات والتقاليد؟

فإن الإجابة عنه ليست أيضا إما نعم أو لا ، فبقدر ما هنالك كما جاء في الشهادات والبيانات التي أدلي بها البحثان ميل معلن للإحتكام للشرع في المسائل التي جرى بحثها، ظهرت في المقابل سطوة للتقاليد والعادات في تحديد الموقف الاجتماعي؛

فكان هناك ما يشبه الولاء المزدوج الذي بدأ مؤثرا في تذبذب الخيارات ، والذي لا يمكن حله دون الانحياز لواحد من المرجعيتين التي يتأرجح حاليا الموقف الإجتماعي بينهما وإذا كنا نري أن الانحياز يجب أن يكون لصالح الخيار الشرعي في تحديد منظومة حقوق المرأة وواجباتها في الأسرة والمجتمع ، فهذا لا يعني بالضرورة الخروج على كل ما هو تقاليد وعادات

ولكنه يتطلب وقفة نقدية شجاعة من تلك التقاليد والعادات بما يجعل المجتمع قادرا على تعديلها، بل تجديدها ، وليس مجرد اجترارها أو توظيفها بشكل قد يكون انتهازيا أو في أحسن الأحوال تبريريا، فتكون لا سمح الله حجر عثرة بدلا من أن تكون عامل مؤازرة .

ولنا أسوة حسنة في ذلك فالرسول صلي الله عليه وسلم قد بعث متمما لمكارم الأخلاق عندما أحل الشرع الإلهي مكان الشرعة البشرية التي كانت قبل الإسلام "ولم يخل فعله ذلك من وقفة نقدية استبعدت ما كان سلبيا مما كان سائدا من تقاليد وعادات وأبقت وطورت ونظمت في ضوء الشريعة ما كان إيجابيا ".

وتعرض الكاتبة إشكالية أخرى في صياغة بعض الأسئلة فتقول:

" وإذا انتقلنا من ذلك إلى التساؤل البحثي القائل:"هل تلعب التقاليد والعادات في المجتمع السعودي دورا في تعزيز أو في تضييع الحقوق والواجبات الشرعية للمرأة في الأسرة والمجتمع ؟ فإن الإجابة عن ذلك التساؤل تظهر خللا في صياغته أصلا ، إذ يبدو أنه يفترض إجابة في أحد الاتجاهين:التعزيز أو التضييع لحقوق وواجبات المرأة في الأسرة والمجتمع ، بينما إجابة المبحوثات
بخاصة في شهادات النساء تظهر أن اضمحلال بعض التقاليد والعادات في المجتمع السعودي عملت على إضعاف موقف النساء من بعض المسائل التي جري بحثها ، مثل حق المرأة في حضانة الأبناء في حالة الطلاق والتزام الأب بالإنفاق
مما كان يتم في إطار دالة العلاقات القرابية وتقاليدها وعاداتها ، هذا فيما عمل عدم نجاح التحولات الاجتماعية على ظهور تلك الحقوق بالضياع ، وما تطالعنا به الصحف المحلية ." هذا الخلط يحدث أيضا حتى عند الفقهاء ولهذا تختلف تقديرات علماء الدين وفقا للأولويات التي يراها الفقيه .

مقابل هذه الدراسة يقدم على بادحدح بحثا في المؤتمر نفسه بعنوان "المفاهيم المتعلقة بالمرأة بين العادات والتقاليد وتعاليم الدين الحنيف"

وتأتي أهمية هذا البحث في الداخل السعودي من أنه خطوة متقدمة في تناول مسائل المرأة بروح فقهية جادة بعيدة عن الفتاوى السريعة الانطباعية

فهو يري أن

" من العوامل التي تؤثر في الفهم والعمل بالإسلام ما ينشأ في المجتمعات من أعراف وعادات وتقاليد تشيع وتنشر ثم تقر وترسخ ، ثم تعظم وتحترم ثم تكون بموضع من الالتزام يشبه التزام الدين بل أحيانا تتقدم عليه وتتعارض معه ومن ألصق الجوانب المتأثرة بالأعراف والعادات الاجتماعية جانب المرأة والأسرة إذ هو أساسي ومحورى في المسألة الاجتماعية "

وأشار إلى أن الفقهاء اعتبروا العرف على اختلاف مذاهبهم، وجعلوه أصلا يبني عليه شطر عظيم من أحكام الفقه ، ونقل عن الشاطبي أن "العوائد الجارية ضرورية الاعتبار شرعا" (أبو إسحق إبراهيم بن موسي الشاطبي الموافقات)

مع الإشارة إلى أن للعرف شروطا:

أن يكون مضطردا وغالبا، وألا يعارض بنص شرعي أو قاعدة شرعية وهو ليس دليلا أصليا مستقلا عن أدلة الشرع .. وغيرها من الحالات والضوابط المعروفة عند الفقهاء .

ثم أشار بادحدح،إلى جانب مهم في شرح بعض العادات وعدم حدوث تغيير حياتي في المجتمع السعودي بقوله:

"ومن أسباب التماسك العام وعدم التغير سابقا في مجتمعنا ، وحدة النظام العام للدولة في قضايا المرأة وتعميمه في أنظمة المؤسسات والدوائر الحكومية ، وبأسبقية في المؤسسات الدينية الرسمية ومؤسسات الحسية وإلى حد ما في المؤسسات الإعلامية
وذلك من خلال ما تتبناه الحكومة وتعممه في شأن المرأة وصلتها بالمؤسسات العامة ، بذلك تشكل وضعا اجتماعيا عاما موحدا لا يخرج عنه أحد في الغالب حتى إن لم يكن ذلك النسق مقنعا ، ويضاف إلى ذلك أن منشأ ومسيرة الدولة كان في مثل هذا الشأن مفوضا إلى المؤسسة الدينية ولكنه في آخر الأمر له الصبغة الرسمية الحكومية .."

تأتي أهمية هذه الدراسة أنها جاءت في أجواء ربيع إصلاحي استثنائي كما قيل ، ولهذا نجد أن الباحثين لديهم شعور بالمسؤولية والجدية في تناول الموضوع بعيدا عن النمطية المعتادة حول مسائل المرأة لكن مع أهمية ما طرح

فما زالت هناك إشكاليات طريقة تناول قضايا المرأة لقد رصدت فوزية أبو خالد المخالفات العديدة السائدة بسبب العادات بشأن المرأة ، ولم تتمكن من الدخول في صلب أزمة المرأة السعودية من ناحية تقسيم ما هو شأن أسري بحت ، نتاج عقلية ثقافية لكل أسرة في تعاملها مع الأنثي وبين ما هو خطأ رسمي حكومي في الأنظمة والقضاء ..

ومن يتقدم لمعالجة الشأن العام ليست الأولوية لديه في معالجة أخطاء ممارسات خاصة، وإنما في كيفية معالجة الأنظمة لها وبالذ