الشهيدان حسن البنا وسيد قطب

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الشهيدان .. حسن البناوسيد قطب
غلاف-الشهيدان.jpg

بقلم/ الأستاذ صلاح شادي


مقدمة

قد يعجب القارئ عن الشهيد حسن البنا، الذي أسس جماعة الإخوان المسلمين، وعن الشهيد سيد قطب رائد الفكر الإسلامى في هذه الجماعة، الذي أغنى تراثها وتراث الأجيال من بعده بذخائر مؤلفاته، حين يعلم أن كليهما ولد في سنة 1906 م، ونهلا من معين واحد، حين تخرجا من دار العلوم، ثم افترقا .. كل إلى طريق!!.

أما الأول، فذهب يبنى جماعة الإخوان المسلمين، وأما الثانى فذهب يضرب في دنيا الآداب، ويحلق في سماء الشعر، ويخوض في لجة الصحافة، ويبرز في ندوات الأدب والحب والجمال!!!.

ومن العجب ألا يجتمع أحدهما بصاحبه في دنيا الناس، ولكنهما التقيا في ركب الشهداء والصديقين، تحت راية واحدة هي راية جماعة الإخوان المسلمين، نحو هدف واحد هو إعلاء كلمة الله في الأرض.

وكان لابد للرجلين أن يلتقيا في عالم الشهادة، أو في عالم الغيب، مهما تباعدت بينهما دروب الحياة، فخصائص النفس واحدة في عزمتها الجادة، البعيدة عن اللهو والعبث والمجون، وفطرة االله التى جبل لكليهما عليها كانت من الصلابة والرق والشفافية بحيث لم تدع لهما طريقا يسلكانه إلا طريق الحق الخالد الذي لا يسلكه إلا من كانت له مثل خصائص قلبيهما، صبة في الحق، ورقة في الشعور، وشفافية في الذوق والإدراك.

وتعجب أكثر أن الشهيد سيد قطب قد كتب مؤلفه في "العدالة الاجتماعية في الإسلام" سنة 1948 ، وسافر إلى أمريكا قبل أن يعرف شيا عن جماعة الإخوان المسلمين ! وإنما كان يراها من ضمير الغيب ويأمل أن يشهد رجالها في دنيا الواقع. ولهذا صدر كتابه هذا بقوله:

"إلى الفتية الين ألمحهم في خيالى قادمين يردون هذا الدين جديدا كما بدأ، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون، مؤمنين في قرارة أنفسهم أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين .. إلى أولئك الفتية الذين لا أشك لحظة أن روح الإسلام القوية ستبعثهم من ماضى الأجيال إلى مستقبل الأجيال في يوم قريب .. جد قريب"، ولقد ظن الذين اطلعوا على هذا الكتاب أن المؤلف يقصد بهذه المقدمة شباب الإخوان المسلمين، في الوقت الذي لم يكن قد عرف شيئا عن هذه الجماعة وشبابها، فبادرت الحكومة المصرية يومئذ بمصادرة الكتاب وسحبه من السوق..!!

وكان الإخوان المسلمون وقتئذ في السجون والمعتقلات يصطلون بنير النقراشى الذي قتل في 28 ديسمبر 1948 ، وامتد بعده حكم إبراهيم عبد الهادى حتى 25 يوليو 1949.

وكان تعليق الشهيد حسن البنا على هذا الكتاب حين قرأه: "هذه أفكارنا وكان ينبغى أن يكون صاحبها واحدا منا" وتحققت آمال الشهيد حسن البنا.. بعد أن لقى ربه في 12 فبراير 1949 حين كان صاحب هذا الكتاب مريضا في إحدى المستشفيات الأمريكية، فلاحظ بهجة وسرورا يغمران من حوله الممرضات والمرضى فظن أن القوم في عيد، غير أنه ذهل حين سألهم عن سبب بهجتهم تلك فكانت إجابتهم: "لقد تخلصنا من عدو الغرب الأول في ديار الشرق .. لقد قتل حسن البنا !!.

ولقد وجهت هذه الحاثة تفكيره ورسخت عنده أن يكون عضوا في جماعة الإخوان المسلمين !!، وألا يكتفى بأن يكون كاتبا إسلاميا فحسب بل جنديا في كتيبة الإسلام.

وهكذا قدم الطبعة الثانية لكتابه "العدالة الاجتماعية في الإسلام " بقوله: "إلى الفتية الذين ألمحهم بعين الخيال قادمين .. فوجدتهم في واقع الحياة قائمين، يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم .. مؤمنين بقرارة نفوسهم أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. إلى هؤلاء الفتية الذين كانوا في خيالى أمنية وحلما، فإذا هم حقيقة أعظم من الخيال .. وواقع أكبر من الآمال .. إلى هؤلاء الفتية الذين انبثقوا من ضمير الغيب كما تنبثق الحياة من ضمير العدم، وكما ينبثق النور من خلال الظلمات ..

إلى هؤلاء الفتية الذين يجاهدون باسم الله، في سبيل الله، على بركة الله، أهدى هذا الكتاب .."

وهكذا عرف الشهيد سيد قطب دعوة الإخوان المسلمين ، وبدأ يعمل لا بقلمه فحسب ولكن بكيانه كله وطاقاته الخلاقة في التنظيم ووجدانه النابض بالحياة ليحكم شرع الله في الأرض.

كان من اللازم أن نعرض هذا اللقاء في عالم الغيب بين الشهيدين .. قبل أن نتحدث عن تاريخ الرجلين، ونفرد في النهاية مقارنة لا بين الرجلين .. ولكن بين عطاء كل منهما للدعوة الإسلامية الخالدة، والتى علت وتعلو بها كلمة الله في الأرض .. على مر الأجيال.

الإمام الشهيد حسن البنا

نشأته

  • دخل حسن البناالكتاب في الثامنة من عمره، وانتقل إلى المدرسة النظامية في الثانية عشرة، ضمه أحد مدرسيه إلى "جمعية الأخلاق الأدبية" ثم ما لبث أن شارك في تأسيس جمعيات مدرسية للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
  • التحق بعد انتهائه من المدرسة الإعدادية بمدرسة المعلمين بدمنهور، وبعدها بدار العلوم بالقاهرة عام 1923، فتخرج منها عام 1927 وعين مدرسا بمدينة الإسماعيلية.

الظروف التى أحاطت بنشأته وتكيفت بها دعوته

كانت البلاد الإسلامية يطبق عليها المستعمرون وتعانى حالة من التخلف الشديد، وقد استطاع التآمر الدولى ضرب مقاومة الشعوب الإسلامية والسيطرة علي ثرواتها، وسلبها مقوماتها الحضارية، ومن ذلك قيام إيطاليا بغزو ليبيا بوحشية بالغة عام 1911، وكان شعار حملتها محو الإسلام من تلك الديار، لأنها تريد البلاد أرضا بلا شعب.

وكانت فرنسا تستعمر بلاد المغرب العربى الكبير وتتحالف مع بريطانيا للإستيلاء على المشرق العربى واقتسامه (معاهدة سايكس بيكو 1916وإيران مقسمة بين بريطانيا وروسيا، والمسلمون في الهند يعيشون بيت تسلط الاستعمار البريطانى والجقد الهندوسى، وتركيا تقوم فيها جماعة الاتحاد والترقى الماسونية وتنادى بالعنصرية التركية المتفوقة، وبالمقابل قيام الحركة العربية الانفصالية بقيادة الشريف حسين بالحجاز .. ثم تتوالى الأحداث لتصل إلى إسقاط الخلافة المتمثلة بحكم سلاطين آل عثمان عام 1924 م.

وكانت مصر تعانى - بالإضافة إلى تسلط الاحتلال البريطانى عليها – من رواسب تراكمت عليها من حكم المماليك والأتراك وأسرة محمد على، كل ذلك أفرز نوعا من السلبية الشعبية وشعورا مريرا باليأس من الإصلاح .. فالأحزاب التى كانت الساحة تفتقر إلى الرؤية الواضحة، وأكبرها (حزب الأمة) ينادى بالدعوة الفرعوينة ولا يبالى بالجذور الإسلامية للبلاد، ولا بالروابط التاريخية والمصرية مع باقى الشعوب الإسلامية، والحزب الوطنى بلغ به الضعف مداه، وإن كانت دعوته بألا تفاوض مع االإنجليز إلا بعد الجلاء كان لها صدى في قلوب الخلصين.

أما المثقفون فالاتجاه القوى في أوساطهم كان "للتغريب" ذلك أن أكثرهم تلقوا تعليماتهم في جامعات أوروبا، حيث افتتنوا بالتمدن الغربى وعصر علم التنوير!، فعادو لمصر مندفعين لتحويل أساليب الحياة إلى تلك الوجهة.

وكان التدين -في نظرهم- علامة على الجهل والتأخر والبعد عن الحضارة ومناقض للعلم!!. وقد حمل لواء هذه الدعوة أحمد لطفى السيد و محمد حسين هيكل و طه حسين و سلامة موسى و يعقوب صنوع ومجموعة من الشوام المسيحيين الوافدين لمصر ومنهم شبلى شميل صاحب كتاب "فلسفة النشوء والارتقاء" الذى أصدره عام 1908، وروج فيه لنظرية داروين، وجورجى زيدان مؤسس دار الهلال، وأميل تقلا مؤسس دار الأهرام، ويعقوب صروف وفرح أنطون وأديب إسحاق وغيرهم.

وكانت الصحافة تتلقف تلك الدعوات الهدامة وتتبناها وتسير بها، وكانت "الأهرام" و "المقطم" و "الهلال" تنادى باعتناق الأسلوب الغربى وتشجع مظاهر في الجامعات والنوادى والمسارح ودور السينما.

وبالمقابل كان هناك دعاة للفكرة الإسلامية التى حمل لواءها مصطفى صادق الرافعى وعبد العزيز جاويش ورشيد رضا ومحب الدين الخطيب.

أما الأزهر الشريف فقد تخلى أكثر علمائه عن دورهم في قيادة المجتمع وتوجيهه، وانسحبوا من ميدان الدعوة والعمل على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والكفاح و الجهاد لإعلاء كلمة الحق، وركنوا إلى الاستسلام للأمر الواقع، وذلك فض عن الارتباك الذي ساد صفوفهم في مواجهة التحدى الحضارى الغربى، فمنهم من تشبث بالأساليب القديمة ومنهم من سعى للتوفيق بين مبادئ الإسلام وبين الأساليب الغربية العصرية في الحكم والاقتصاد والاجتماع (الشيخ محمد عبده)، ومنهم من تنكر للعقيدة الإسلامية وانجرف مع التيار الغربى ( طه حسين في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" و "في الشعر الجاهلى" سنة 1926 ) و (الشيخ على عبد الرازق في كتابه "الإسلام وأصول الحكم" ).

ولم يصمد من العلماء إلا قلة قليلة وسط هذا الجم الملئ بالهدم والمجون والإلحاد، أما الأقباط فقد اشتركوا هم الآخرون في المأساة التى أصابت مصر، فقد اختاروا آنذاك الوقوف إلى جانب الاحتلال ضد مواطنيهم المسلمين، فقد رأوا فيه سندا يحمى امتيازاتهم ويتعاطف معهم بحكم وحدة الدين.

قيام جماعة الإخوان المسلمين

تبين للإمام حسن البنا لدى إقامته في الإسماعيلية عام 1928 أن المساجد قد دخلتها الخصومات المذهبية فأصبحت مسرحا للصراع بدلا من أن تكون المكان الذي يتوحد فيه المسلمون، فاختار أن يتوجه بالدعوة للناس في المقاهى التى تزدحم بهم!! وبمفاسد الدنيا، وكان يصور الحياة الإسلامية على أنها بناء يقوم على أربعة عمد الحكومة والأمة والأسرة والفرد، فاستبدلت بالتشريعات الإسلامية القوانين الوضعية، فاختلت موازين الصحيحة لدى الناس، واضطربت أقيستهم حتى انتهى الهدم إلى نظام الأسرة المسلمة نفسها. فلم تسلم المرأة من سموم الغرب، حيث اعتبرها الجانب الضعيف الذي يمكن أن يصل من ورائه إلى هدم كيان الأسرة ذاتها .. فزين لها العرى والاختلاط وأماكن اللهو والفساد والتحرر من قيود الفضيلة التى ألفتها المرأة المسلمة .. وبلغ المدى ببعض الحكومات في البلاد الإسلامية إلى تغيير نظام الزواج والطلاق في الإسلام فضلا عن الميراث، جريا على قواعد الغرب في فهم المساواة فيما لا مساواة فيه .. وأخيرا تمكن الغرب من هدم الركن الرابع من أركان الحياة الإسلامية المتمثل في الفرد المسلم .. أو على الأصح عقيدة الفرد المسلم، فنالها هى الأخرى بالهدم والتشكيك، ووصل الاستعمار الغربى بذلك إلى كل ما أراد من هدم الإسلام في أركانه الأربعة: الحكومة والأمة والأسرة والفرد. وكما يوضح هذا العرض الشامل العلل التى أصابت المسلمين كما يراها الإمام حسن البنا، فإنه يقابلها في نفس الوقت بالرؤيا الواضحة لما ينبغى أن يكون عليه المسلمون من عزة وكرامة حين يهتدون بهدى الإسلام في الحكم والتشريع و السياسة والاقتصاد والخلق والعقيدة.

من هذا الفهم انطلق حسن البنا في دعوته بالعودة إلى الإسلام الحنيف، فتأثر كيرون بدروسه ولقاءاته، فكان أن حضر إليه ستة رجال وحدثوه في شأن طريق العمل لعزة الإسلام وخير المسلمين، وناشدوه أن يكون رائدهم في هذا السبيل، وحملوه تبعة أمرهم، فتعاهدوا جميعا على خدمة الإسلام .. وقال لهم نحن إخوة في خدمة الإسلام إذن فنحن " الإخوان المسلمون ".

وهكذا بدأت جماعة الإخوان المسلمين رائدة في مجال الدعوة الإسلامية الشاملة والسعى لإقامة المجتمع الإسلامى ، على الرغم من وجود العديد من الجمعيات الدينية التى سبقت تأسيس الجماعة الإخوان، فقد كانت تلك الجمعيات محدودة الأهداف، اقتصر نشاطها على النواحى الخيرية ولم تصل إلى درجة الشمول في دعوتها وفكرها وتحركها.

نجح حسن البنا خلال إقامته في الإسماعيلية حتى عام 1932 في تأسيس معهدين إسلاميين (معهد حراء للبنين) و (مدرسة أمهات المؤمنين للبنات) وأن يجمع لمشروع بناء مسجد ومدرسة ودار للإخوان المسلمين.

وكذلك سارت دعوة الإخوان المسلمين لتبنى مجتمع الإسلام، بالقرآن والسنة، وهكذا كانت مبادئ جماعة الإخوان المسلمين .. العودة على كتاب الله وسنة رسوله ليتسنى للشعوب الإسلامية أن تعيش حرة كريمة مرفوعة الهامة .. فالهدف واضح تماما، تحرير الوطن الإسلامى من كل تسلط أجنبى وقيام دولة إسلامية في الوطن الإسلامى الحر، تعمل بأحكام الإسلام وتطبق تعاليمه وتسير على هديه، أما الوسائل فهى الإيمان العميق والتكوين الدقيق والعمل المتواصل.

مشاركة الإخوان المسلمين في الأحداث في عهد الشهيد حسن البنا

  • التصدى في أوائل الثلاثينات للغارة التبشيرية التى قامت بها الإرساليات الصليبية البروتستانتية، والتى ظنت أن الفرصة قد حانت لاستغلال الفقر والجهل والمرض المستشرى في مصر وقتها لتنصير هذه الديار وإفشال تلك الغارة، وبعدها التصدى للفتنة البهائية إلى أن قضت عليها تماما
  • معارضة معاهدة 1936 المجحفة بحق مصر، والتى وقعتها الحكومة الوفدية مع الإنجليز، والمناداة بمواصلة الكفاح لإجلاء المحتلين بدلا من الاستكانة والتحالف معهم.
  • تطوير فرق الجوالة التابعة للجماعة (وقد أصبح لها فيما بعد دور فعال في مقارعة الغاصبين في فلسطين وقناة السويس) وتعيين الصاغ محمود لبيب مسئول الوحدات العسكرية للإخوان مفتشا عاما للجوالة عام 1941 م.
  • مجابهة المشروعات الاستعمارية والحيلولة دون تمريرها بواسطة الأحزاب النفعية والانتهازية، ومن ذلك تحريك الجماهير الشعبية لإسقاط مشروع معاهدة صدقى بيفن عام 1946 ونجاح الإخوان في ذلك.
  • والمساهمة بكل السبل في دفع القضية الوطنية والتقدم بها نحو التحرر من كافة أشكال الاستعمار والهيمنة.
  • مجابهة المؤامرة الصهيونية الاستعمارية في فلسطين بكافة الوسائل العملية، بإرسال المدربين من الجماعة لتدريب الشباب العربى في فلسطين وجمع الأموال لصالح المجاهدين، ثم إرسال كتائب المتطوعين من الإخوان المسلمين (في إبريل 1949) إلى فلسطين لتؤدى دورا أساسيا في صد الزحف الصهيونى ومنعه من احتلال مناطق عديدة.
  • الالتفات للشعوب الإسلامية ومعايشة آلامها والمشاركة في تحريرها، ولقد كان للإخوان المسلمين دورا رئيسيا في المناداة بالقاضى عبد الله بن أحمد الوزير إماما لليمن في 15 يناير 1948 بعد وفاة الإمام يحيى، قد استمر حكمه شهران إلى أن أجهز عليه (الإمام) أحمد في 14 / 3 / 1948 الذي زحف على صنعاء على رأس جمع من قبائل الشمال ممن ألبهم على الحكومة الجديدة، ووعدهم أن يفتح لهم خزائن الذهب في صنعاء إذا تولى الحكم وأصبح هو الإمام!!.
  • السعى لإصلاح الجيش ونشر الدعوة بين صفوفه. واختيار الضباط منهم لإعدادهم ليكون لهم دور في إصلاح البلاد بعد اليأس من الأحزاب والملك ومن الجو السياسي المتواطئ مع المحتلين.

وقد تم تشكيل تنظيم "الضباط الأحرار" وهو الاسم الظاهر لنشاط الإخوان المسلمين في الجيش منذ أوائل الأربعينيات -كما سماه المرحوم الصاغ محمود لبيب الذي عينه الإمام حسن البنا مسئولا عن هذا التنظيم في ذلك الوقت، وقد ضم إليه الضباط عبد المنعم عبد الرؤوف و جمال عبد الناصر وعبد اللطيف البغدادى و صلاح سالم و حسين الشافعى و كمال الدين حسين و خالد محيى الدين و حسن إبراهيم و أبو المكارم عبد الحى و صلاح خليفة. ولقد كل من هؤلاء الإمام حسن البنا والصاغ محمود لبيب على كتاب الله العزيز للعمل على تحقيق شريعته في الأرض!!.

وظل جمال عبد الناصر يدعى الولاء لمبادئ دعوة الإخوان المسلمين حتى عام 1945 أى بعد قيام حركة الجيش بسنتين!!.

ولقد أورد الضابط أحمد حمروش وهو من تشكيل "الضباط الأحرار" في كتابه (قصة ثورة 23 يوليو) الجزء الرابع شهادة أغلب ضباط الحركة بانتمائهم إلى جماعة الإخوان المسلمين، ولأورد فيه كذلك واقعة ذهاب جمال عبد الناصر إلى قبر الإمام حسن البنا في 12 / 2 / 1954 وتصريحه وقتها أنه كان ومازال يعمل في سبيل مبادئ جماعة الإخوان المسلمين ويموت في سبيل تحقيقها!!.

إلا أن بريق السلطان وفتنة الحكم طغت على العهود والمواثيق التى ارتبط بها الضباط، واحتدم الصراع بينهم وبين الجماعة، وأودع أفرادها السجون إلى أن خرج آخرهم بعد حرب أكتوبر عام 1973.

تحقيق المجتمع الإسلامى بصورة عملية

ترجم الإمام حسن البنا المبادئ الإسلامية على مؤسسات اجتماعية واقتصادية وتربوية تسير تحت لواء الإسلام لتؤدى دورها في النهوض بالمجتمع.

فأقام الإخوان المسلمون مكتبا للمساعدات الاجتماعية وجمعية تعاونية لبناء المساكن، وأسسوا شركات، أهمها شركة المعاملات الإسلامية، والشركة العربية للمناجم والمحاجر، وشركة الإخوان للصحافة، وشركة الإعلانات العربية وشركة التجارة والأشغال الهندسية، وأنشأوا العيادات والمستشفيات وأشرفوا على تنظيمها وإدارتها، واهتموا بتربية الشباب فأقاموا له المعسكرات الصيفية وأعدوا منه فرقا للجالة والكشافة، ونظموا الرحلات داخل وخارج القطر المصرى، وتأسست وحدات لمحو الأمية في كافة أنحاء القطر المصرى، وجرى إعداد الدعاة للخطابة والمحاضرات، وتم إصدار العديد من الكتب والصحف والنشرات الإسلامية.

وقامت جماعة (الأخوات المسلمات) لتؤدى دور المرأة المسلمة دورها في تكوين المجتمع الصالح وأنشئت (دار التربية الإسلامية للفتاة).

ولقد كان لتلك المؤسسات أثرها ودورها في تنمية المجتمع في تلك الفترة، ويشهد بذلك كل المنصفين الذين شاهدوا الثمار الطيبة لها داخل المجتمع المصرى.

أول حل لجماعة الإخوان المسلمين

بعد النشاط الفعال لكتائب الإخوان المسلمين في فلسطين وأثره البالغ في المعارك التى دارت هناك قامت الدول الغربية بالضغط على الحكومة المصرية لحل جماعة الإخوان المسلمين، لتتم تصفية القضية الفلسطينية لصالح اليهود في غيبة جماعة قوية مثل الإخوان المسلمين تتصدى لتلك المؤامرة.

وكشفت الأحداث في فلسطين طبيعة التآمر الدولى على الحقوق الإسلامية فأعلنت الهدنة في نوفمبر 1948، وقامت المظاهرات الصاخبة في القاهرة احتجاجا على فرض الهدنة، اصطدم الطلاب الجامعيون خلالها بقوات الشرطة ولقى حكمدار القاهرة سليم زكى مصرعه بقنبلة ألقاها عليه أحد الطلبة.

وبالفعل أعلنت الحكومة المصرية حل (الإخوان المسلمين) في أوائل ديسمبر 1948 وتبع ذلك سحب الوحدات العسكرية للجيش المصرى من فلسطين ووقف القتال نهائيا، وإيداع الإخوان المسلمين في السجون واعتقال مجاهديهم في فلسطين وإعادتهم إلى مصر في معتقل (الهاكستب).

وفي الثامن من ديسمبر 1948 قام أحد شباب جماعة الإخوان المسلمين بإطلاق الرصاص على رئيس الوزراء (الحاكم العسكرى) محمود فهمى النقراشى فأرداه قتيلا في الوقت الذي ان فيه حسن البنا معزولا عن لقاءات الإخوان، ممنوعا من الاتصال بأحد.

مصرع الشهيد

كان الإخوان المسلمون عام 1948 -كما ذكرنا- شوكة في حلق حكومةالنقراشى الذي مهد للهدنة مع اليهود أثناء توليه الحكم، تلك الهدنة التى رفضها الإخوان المسلمون وقامت مظاهرات الطلبة في الجامعة تندد بخيانة النقراشى عميل الصهيونية، وأمليت الهدنة على النقراشى من االإنجليز والقصر فكان لابد من حل جماعة الإخوان المسلمين.

ولكن حل الجماعة وحده لا يقدم الكثير للغرب والصهيونية، وإنما القضاء على باعث هذه الجماعة ومنشئها كان –في ظن أعدائه- هو السبيل إلى تصفيتها.

ولذلك اتبع معه الأسلوب الذي يحقق هذه الغاية فتركوه حرا، ولم يعتقلوه، في حين اعتقلوا أفراد جماعته كبيرا وصغيرا!!.

وأرسل إلى إبراهيم عبد الهادى رئيس الوزراء الذى خلف النقراشى يقول: "إذا كنتم حللتم جماعة الإخوان المسلمين واعتقلتم من منهم في فلسطين، ورميتم بهم في المنفى بجبل الطور فلتعتقلونى معهم لأننى أنا الذى ربيتهم". فأجابه بالرفض، وطلب أن يذهب إلى قرية أحد أتباعه الحاج عبد الله النبراوى فقالوا لا، واعتقلوا الحاج عبد الله النبراوى!! ، وكان مرخصا له بمسدس كأى كبير من زعماء مصر، فسحبوه منه، وأراد أخوه عبد الباسط البنا أن يحرسه فزجوا به في السجن، ونصحه الكثير بالاختفاء بعد وضوح التآمر الحكومى عليه فأبى قائلا:

أى يومى من الموت أفر
يوم لا قدر أم يوم قدر

يوم لا قدر لا أرهبه

ومن المقدور لا ينجى الحذر

وفي الثانى عشر من فبراير 1949 ذهب محمد يوسف الليثى رئيس قسم الشباب بجمعية الشبان المسلمين إلى منزل الأستاذ البنا بتكليف من الأستاذ الناغى قريب رئيس الوزراء إبراهيم عبد الهادى، وكان يوهم الأستاذ البنا بأنه يقدم لرئيس الوزراء ما يهيئ الجو للأستاذ البنا لحل الموقف المتأزم بينه وبين الحكومة، وأنه رتب مقابلة بينه وبين وزير الدولة زكى على في دار جمعية الشبان المسلمين في نفس اليوم!!.

وذهب الأستاذ البنا إلى هناك ينتظر وزير الدولة حتى الساعة الثامنة مساء! ولكن الوزير لم يصل .. فقد أعدت المؤامرة لتنفيذ القتل في هذا الوقت الذى تهيأت فيه كل الظروف للتنفيذ!.

فلما يئس البنا من وصول الوزير نزل مع صهره الأستاذ عبد الكريم منصور المحامى على درج جمعية الشبان المسلمين ليستقلا سيارة أجرة كانا قد طلباها .. ولكن أطفئت أنوار شارع رمسيس الذي تقع فيه دار الشبان، واتجه المرشد ومعه صهره إلى أحد إحدى سيارات الأجرة التى كانت تقف إلى جوار دار الشبان، وما أن ركباها حتى انهال عليه في السيارة يقذفه المجرمون في لهفة وارتباك وهربوا في سيارة سوداء تحمل رقم 9979، واستطاع المرشد الجريح أن يتعرف على رقمها، ثم يعود إلى دار الشبان ليطلب سيارة الإسعاف التى نقلته إلى مستشفى القصر العينى! وذهب أحد الأطباء المسلمين لعلاجه في المتشفى فمنع من الدخول، يظل هاتف القصر الملكى يتصل ليتأكد من موت حسن البنا التى استمرت جراحه تنزف ولا يجرؤ طبيب على إسعافه.

وهكذا قدم إبراهيم عبد الهادى رأس حسن البنا هدية إلى الملك فاروق في مناسبة جلوسه على العرش في 12 فبراير.

وأبلغ والده بنبأ وفاته في الساعة الواحدة صباحا .. ومنع الناس من المشاركة في تشييعه.

وجرى التحقيق في قضية الاغتيال في عهد إبراهيم عبد الهادى لمدة ثلاثة أشهر حفظ بعدها التحقيق، ثم أعيد في عهد وزارة حسين سرى .. ولكنه حفظ أيضا!. ثم أعيد مرة ثالثة في عهد النحاس باشا .. وحفظ كذلك! ، وأعيد للمرة الرابعة في عهد الثورة، وفصل في القضية في أغسطس 1954 وصدرت الأحكام على الأمير لاى محمود عبد المجيد مدير الأمن العام -وقت حدوث الجريمة- والسائق محمد محفوظ بالسجن 15 سنة لكل منهما، وحكم بالسجن المؤبد على المخبر أحمد حسين جاد، وحم بالحبس سنة مع الشغل على البكباشى محمد الجزار ضابط القلم السياسي حينذاك، ولكن حتى هذه الصورة المتهالكة من العدالة لم تستمر طويلا، فقد أفرج عن المتهمين بعد تأزم العلاقة بين الإخوان المسلمين وحكومة الثورة!!.

رسائل الإمام الشهيد

لا نستطيع أن نسدل الستار على شخصية الداعية الأول الذى أقام بناء جماعة الإخوان المسلمين، بغير أن نشير إلى طبيعة مؤلفاته التى شادت هذا البناء والفكر والسلوك والمشاعر، في عقول أتباعه وعلى أرض العالم الإسلامى كله، وفي قلوب شبابا الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها.


الرسائل الثلاث

ونستطيع أن نستخلص من رسائلنا الثلاث "دعوتنا" و "إلى أى شيء ندعو الناس" و "نحو النور" ما يصف به خصائص دعوته الإسلامية فيقول:

  • إنها دعوة لا تقبل الشركة إذ أن طبيعتها الوحدة والتوحيد.
  • وصاية على البشرية .. وصاية بذل وتضحية لا استفادة.
  • دعوة سلفية .. فيها العودة إلى منبع الإسلام الصافى من كتاب الله وسنة رسوله (ص).
  • وطريقة سنية .. لأنهم يحملون أنفسهم على العمل بالسنة النبوية المطهرة في كل شيء.
  • وحقيقة صوفية .. لأنهم يعلمون أن أساس الير طهارة النفس ونقاء القلب والمواظبة على العمل والحب في الله والارتباط على الخير.
  • وهيئة سياسية .. لأنهم يطالبون بإصلاح الحكم في الداخل، وتعديل النظر في صلة الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم في الخارج، وتربية الشعب على العزة والكرامة، وإخراج البغاة المعتدين من أرض الإسلام في مصر خاصة والعالم الإسلامى عامة.
  • وجماعة رياضية .. لأنهم يعنون بجسومهم ويعلمون أن المؤمن القوى خير من المؤمن الضعيف.
  • ورابطة علمية وثقافية .. لأن الإسلام يجعل العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة.
  • وشركة اقتصادية .. لأن الإسلام يعنى بتدبير المال وكسبه حيث يقول الرسول (ص) "نعم المال الصالح للرجل الصالح"
  • وفكرة اجتماعية .. لأنهم يعنون بأدواء المجتمع الإسلامى ويحاولون الوصول إلى طرق علاجها وشفاء الأمة منها.

ويحكى عن أهدافها فيقول في رسالته "إلى الشباب" نحن نريد:

(1) الرجل المسلم .. في عقيدته وتفكيره وخلقه وعاطفته وعمله وتصرفه .

(2) والبيت المسلم .. نريد للمرأة ما نريده للرجل المسلم، ونعنى بالطفولة عنايتنا بالشباب ..وهذا هو تكوينها الأسرى.

(3) والشعب المسلم .. ولذلك نعمل على أن تصل دعوتنا لكل بيت، وأن يسمع صوتنا في كل مكان.

(4) والحكومة المسلمة .. التى تقود هذا الشعب إلى المسجد، ونحن لا نعترف بأى نظام حكومى لا يرتكز على أساس الإسلام ولا يستمد منه .. ولا نعترف بهذه الأحزاب السياسية ولا بهذه الأشكال التقليدية التى أرغمنا أهل الكفر وأعداء الإسلام على الحكم بها والعمل عليها.

(5) أن نضم كل جزء من وطننا الإسلامى الذى فرقته السياسة العربية وأضاعت وحدته المطامع الأوروبية، مصر و سوريا و العراق والحجاز واليمن وطرابلس و تونس والجزائر ومراكش وكل شبر أرض فيه مسلم يقول "لا إله إلا الله" كل ذلك وطننا الكبير الذي نسعى لتحريره وإنقاذه وخلاصه، وضم اجزائه بعضها إلى بعض.

(6) ونريد بعد ذلك أن تعود راية الله خفاقة عالية إلى البلاد التى سعدت بها بالإسلام حينا من الدهر، ودوى بها صوت المؤذن بالتهليل والتكبير، فإن من حقنا أن نعيد مجد الخلافة الإسلامية التى قامت على العدالة والإنصاف ونشر النور والهداية بين الناس.

ولكل مرحلة من هذه المراحل خطواتها وفروعها ووسائلها، وإنما نجمل هنا القول دون إطالة ولا تفصيل.

والوسيلة إلى ذلك يقررها الإمام الشهيد في رسالته "بين الأمس واليوم" فهو يرى أن الوسائل العامة للدعوات لا تتغير ولا تتبدل ولا تعدو هذه الأمور الثلاثة:

(1) الإيمان العميق.

(2) التكوين الدقيق.

(3) العمل المتواصل.

ويشرح في "رسالة المؤتمر الخامس" أسلوبه للوصول إلى هذه الأهداف فيقول:

(1) البعد عن مواطن الخلاف الفقهى: لأن الإخوان يعتقدون أن الخلاف في الفرعيات أمر ضرورى لابد منه .. أما الأصول فلا يختلف المسلمون عليها.

(2) البعد عن هيمنة الكبار والأعيان لانصرافهم عن هذه الدعوات الناشئة المجردة من الغايات والأهواء.

(3) البعد عن الهيئات و الأحزاب : لما كان ولا يزال لهذه الهيئات من التطاحن والتآمر الذي لا يتفق مع أخوة الإسلام، ودعوة الإسلام عامة تجمع ولا تفرق، ولا ينهض بها ولا يعمل لها إلا من تجرد من كل ألوانه، وصار لله خالصا.

(4) التدرج في الخطوات: ويقول في هذا الصدد إن (الإخوان المسلمون) يعتقدون أن كل دعوة لابد لها من ثلاث مراحل:

(‌أ) مرحلة الدعاية والتعريف والتبشير بالفكرة وإيصالها على الجماهير من طبقات الشعب.

(‌ب) مرحلة التكوين وتخير الأنصار وإعداد الجنود وتعبئة الصفوف

(‌ج) ثم بعد ذلك كله مرحلة التنفيذ زالعمل والإنتاج

ويردف فيقول: وكثيرا ما تسير هذه المراحل جنبا إلى جنب نظرا لوحدة الدعوة وقوة الارتباط بينها جميعا، فالداعى يدعو، وهو في الوقت نفسه يتخير ويربى، وكذلك يعمل وينفذ.

ويعرف الإمام الشهيد المرحلة التى عليها دعوة الإخوان (في سنة 1357 هـ) فيقول:

إنها في الخطوة الثانية ويستدل على ذلك بنظام الكتائب وفرق الكشافة ودرس التعاليم في الكتائب أو في أندية الإخوان المسلمين.

رسالة الجهاد

يشرح في هذه الرسالة فرضية الجهاد بشقيه فرض العين وفرض الكفاية .. ويقول:

المسلم يقاتل لتكون كلمة الله هى العليا، وقد فرض عليه دينه ألا يخلط بهذا المقصد غاية أخرى.

أسلوب الجهاد:

المسلمون يقاتلون لا يعتدون ولا يفجرون ولا يمثلون ولا يسرقون ولا ينهبون الأموال ولا ينتهكون الحرمات ولا يقتلون النساء والصبية والشيوخ. ولا يجهزون على الجرحى، ولا يهيجون الرهبان والمعزلين ومن لا يقاتل من الآمنين .. فهم في حربهم خير محاربين وفي سلمهم أفضل المسالمين.

إن الأمة التى تحسن صناعة الموت وتعرف كيف تموت الموتة الشريفة يهب الله لها الحياة العزيزة في الدنيا والنعيم الخالد في الآخرة، وما الوهن الذي أذلنا إلا حب الدنيا وكراهية الموت.


رسالة التعاليم

يتحدث في هذه الرسالة عن أركان البيعة العشرة:

الفهم والإخلاص والعمل و الجهاد والتضحية والطاعة والثبات والتجرد و الأخوة والثقة، وتستطيع أن تجمع المبادئ في كلمات عشر في قولك: الله غايتنا، والرسول زعيمنا، والقرآن شرعتنا، و الجهاد سبيلنا، والشهادة أمنيتنا.

وتجمع مظاهر ذلك في كلمات خمس: البساطة والتلاوة والصلاة والجندية والخلق. وعلى الإخوان أن يأخذوا بأنفسهم بشدة هذه التعاليم وإلا ففي صفوف القاعدين متسع للكسالى والعابثين.


رسالة نظام الأسر

يشرح الإمام حسن البنا مدى حرص الإسلام على تكوين أسر من أهله، يوجههم إلى المثل العليا، ويقوى روابطهم، ويرفع أخوتهم من مستوى الكلام والنظريات إلى مستوى الأفعال، ويبين أركان هذا الرباط الأسرى فيما يلى:

(1) التعارف: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ ، ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾.

(2) التفاهم: ويدعو على محاسبة كل مؤمن نفسه على الطاعة والبعد عن المعصية ثم بعد ذلك ينصح أخاه بما رآه فيه من عيب لم يشهد في نفسه مقيمة عليه.

(3) التكامل: فيعرض كل أخ مشاكله يشاركه إخوانه في دراسة حلولها في جو من صدق الأخوة والإخلاص والتوجه إلى الله .. ومذاكرة شئون الإسلام.

(4) مدارسة نافعة في كتاب من الكتب القيمة.

ويدعو الإمام الشهيد في هذه الرسالة إلى القيام برحلات ثقايفة ورياضية وصيام يوم في الأسبوع أو كل أسبوعين، وصلاة الفجر جماعة في المسجد.

رسالة العقائد

تتناول درجات الاعتقاد وتقدير الإسلام للعقل، وأقسام العقائد الإسلامية ، وصفات الله تعالى ومذهب السلف في آيات الصفات وأحاديثها.


رسالة المأثورات

وهي رسالة أدعية من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة فيها تعليم للمسلم كيف يحسن ذكر الله تعالى والدعاء.

ويعتبر أن المقصود بالذكر ليس هو الذكر القولى فحسب بل إن التوبة ذكر والتفكر من أعلى أنواع الذكر، وطلب العلم ذكر، وطلب الرزق –إن أحسنت فيه- ذكر، وكل أمر راقبت فيه ربك وتذكرت نظره إليك ورقابته عليك ذكر، لهذا فإن العارف ذاكرا في كل حالاته.

ثم يعرض لآداب الذكر في الخشوع وخفض الصوت وموافقة الجماعة إن كان الذاكر مع الجماعة، والنظافة في الثوب والمكان.

ثم يعرض لأدعية اليوم والليلة في اليقظة وعند النوم ودعاء الخروج من المنزل ودخوله.

وبالجملة يعرفك كيف تكون ذاكرا لله في كل حال من حالاتك.


رسالة مؤتمر طلبة الإخوان المسلمين

يتعرض الإمام حسن البنا في هذه الرسالة لشمول الإسلام فيقول للشباب:-

حدثونى بربكم أيها الإخوان إذا كان الإسلام شيئا غير السياسة وغير الاجتماع وغير الثقافة فما هو إذن؟ أهو هذه الركعات الخالية من القلب الحاضر أم هذه الألفاظ التى هى كما تقول رابعة العدوية استغفار يحتاج إلى استغفار، ولهذا أنزل القرآن نظاما كاملا محكما مفصلا ﴿تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾.

ثم تحدث عن السياسة الداخلية فقال:-

"لقد قرر الإسلام سلطة الأمة وأكدها وأوصى بأن يكون كل مسلم مشرفا تمام الإشراف على تصرفات حكومته، يقدم لها النصح والمعونة ويناقشها الحساب" ويقول رسول الله (ص) في تقرير سلطة الأمة "الدين النصيحة قالوا لمن يا رسول الله؟ قال لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم".

ويتحدث عن السياسة الخارجية فيقول:-

إن معناها المحافظة على استقلال الأمة وحريتها وكرامتها وعزتها والسير بها إلى الأهداف المجيدة التى تحتل بها مكانتها بين الأمم وتخليصها من استبداد غيرها بها وتدخله في شئونها مع تحديد الصلة بينها وبين سواها تحديدا يفصل حقوقها جميعا ويوجه الدول كلها إلى السلام العالمى العام وهو ما يسمونه "القانون الدولى".

وكذلك أوجب على الأمة الاحتفاظ بسيادتها فقال:

﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾

ثم تحدث عن الحقوق الدولية فقرر أن سياسة الإسلام الداخلية والخارجية تكفل تمام الكفالة حقوق غير المسلمين سواء كانت حقوقا دولية أم كانت حقوقا وطنية.

ثم تحدث عن سعة أفق النظام الإسلامى حين قرر أن الإسلام وضع من القواعد الكلية ما يترك للمسلم بابا واسعا في الانتفاع بكل تشريع نافع مفيد لا يتعارض مع أصول الإسلام ومقاصده.

أما الحزبية السياسية فأفرد لها جزءا خاصا فقال: إننا جربنا الوحدة مرتين، فكانت كل منهما ألمع نجم في تاريخ النهضة، الأول فجر النهضة حين برزت الأمة صفا واحدا تنادى بحقها في إجماع أفزع الغاصبين، وروع المستعمرين، والثانى حين تكوين الجبهة الوطنية التى خطت بنا خطوات مهما كانت قصيرة فهى إلى الأمام.

وحين جربنا التفرقة على يد الأحزاب لم نر فيها إلا تمزيق الجهود وإحباط الأعمال وغتلاف الأخلاق وخراب البيوت.

بل وإن التدخل الأجنبى في شئون الأمة بابه الوحيد النظام الحزبى البغيض.

وعلى ذلك فالإسلام لا يقر الحزبية ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾.

وفرق كبير بين الحزبية وبين حرية الرأى التى يبيحها الإسلام ويحرص عليها ..

رسالة الإخوان المسلمون تحت راية القرآن

يتساءل الإمام حسن البنا في هذه الرسالة! أين نحن من تعاليم الإسلام ؟

ويستعرض الجوانب التى ترتكز عليها قوائم الأمة في نظامها الداخلى وفي نام العلاقات الدولية وفي نظام القضاء، وفي نظام الدفاع والجندية ونظام المال والاقتصاد للدولة والأفراد، ونظام الثقافة والتعليم ونظام الأسرة والبيت، ونظام الفرد في سلوكه الخاص، وينتهى إلى القول بأن موجة قوية جارفة وتيارا شديدا دفاقا قد طغى على العقول والأنظار في غفلة من الزمن وفي غرور من أمم الإسلام، ويتساءل ماذا فعلت هذه الموجة بالناس؟

  • هل اطمأنت الحنوب في المضاجع ؟
  • هل جفت الجفون عن المدامع ؟
  • هل حوربت الجريمة، واستراح المجتمع من شرور المجرمين ؟
  • هل ساقت هذه الملاهى العزاء إلى المحزونين ؟
  • هل تذوقت الشعوب طعم الراحة والهدوء ؟
  • وإذن فما فضل هذه الحضارة على غيرها م الحضارات؟ وما مهمتنا نحن الإخوان المسلمين ؟

مهمتنا أن نقف في وجه هذه الموجة الطاغية من مدنية المادة وحضارة المتع والشهوات لنرسى نظاما داخليا للحكم يحقق قول الله تعالى:﴿ وأن احكم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ﴾

ونرسى نظاما للعلاقات الدولية يتحقق بها قول الله تعالى:﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ﴾

ونظاما عمليا للقضاء تتحقق به سيادة القانون: ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾.

ونظاما استقلاليا للثروة والمال والدولة والأفراد أساسه قول الله تعالى: ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التى جعل الله لكم قياما ﴾

ونظاما للثقافة والتعليم يقضى على الجهالة والظلام، ويطابق جلال الوحى في أول آية من كتاب الله: ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾.

ونظاما للأسرة والبيت ينشئ الصبى المسلم والفتاة المسلمة والرجل المسلم ويحقق قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها النار والحجارة ﴾.

ونظاما للفرد في سلوكه الخاص يحقق المقصود بقوله تعالى: ﴿ قد أفلح من زكاها ﴾

وروحا عاما يهيمن على كل فرد في الأمة حاكما أو محكوما قوامه قوله تعالى: ﴿ وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض ﴾

هذه هى غايتنا فما عدتنا :-

عدتنا هى عدة سلفنا :-

(1) بالقائد وصدقه وإمامته، ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ﴾.

(2) وبالمنهاج وصلاحيته، ﴿ لقد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ﴾.

(3) وبالإخاء وحقوقه وقدسيته، ﴿ إنما المؤمنون إخوة ﴾.

(4) وبالجزاء وعظمته وجزالته، ﴿ ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح. إن الله لا يضيع أجر المحسنين ﴾. (5) و بالجهاد وشرفه وكرامته، ﴿ ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز ﴾.

سيقول السفهاء الذين يسمعون هذا إنه الخيال بعينه وإنه الوهم ولكن:-

يوم وعد الرسول (ص) سراقة بن مالك سوارى كسرى وكان مهاجرا بدينه ليس معه إلا ربه وصاحبه كان ذلك في أعراف الناس خيالا لا حقيقة.

ويوم هتف رسول الله (ص) وهو يضرب الحجر بفأسه مطلعا على قصور الروم وقد حاصره المشركون حتى أن المسلمين لم يكن يجرؤ منهم أحد على الخروج لقضاء حاجته كان ذلك أيضا في أعراف الناس خيالا لا حقيقة.

ومع ذلك أصغى مسمع الدهر لدعوة رسول الله (ص) وصدق الله العظيم ﴿ ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا، وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا ﴾.

وكذلك نراه يختم كلامه في هذه الرسالة بقوله: لو كانت لنا حكومة إسلامية صحيحة الإسلام، صادقة الإيمان، مستقلة التفكير والتنفيذ، تعلم حق العلم عظمة الكنز الذي بين يديها، وجلال النظام الذي ورثته لكان لنا أن نطلب إليها أن ندعم الدنيا باسم الإسلام ..

ومن هذا المنطلق يقول رضى الله عنه وأرضاه :-

  • لسنا حزبا سياسيا وإن كانت السياسة على قواعد الإسلام من صميم فكرتنا.
  • ولسنا جمعية خيرية إصلاحية، وإن كان عمل الخير والإصلاح منأعظم مقاصدنا.
  • ولسنا فرقة رياضية، وإن كانت الرياضة البدنية والروحية من أهم وسائلنا.
  • ولكنا فكرة وعقيدة ونظام ومنهاج، لا يحدده موضع ولا يقيده جنس، ولا يقف دونه حاجز جغرافى ولكن منهاج رسوله الأمين.

وهكذا تجرى هذه الرسالة في شرح أهداف ومنهاج هذه الجماعة بحيث لا تترك جانبا من جوانب العمل للإسلام إ شرحته وأفاضت في شرحه لتأخذ الطريق على كل حاقد أو متشكك في أهداف هذه الجماعة ووسائلها.


رسالة المؤتمر السادس

وهكذا تأتى رسالة المؤتمر السادس مترجمة هذا الفهم بحديثه عن التجرد والفهم و الأخوة و الجهاد والتضحية والإخلاص ويتساءل في هذه الرسالة هل نحن قوم غامضون؟

ويجيب عن هذا التساؤل فيقول:-

يعمل الإخوان المسلمون لغايتين:

غاية قريبة: وهى المساهمة في الخير العام أيا كان نوعه والخدمة الاجتماعية كلما سمحت بها الظروف. وغاية بعيدة: وهى الإصلاح الذي يريده الإخوان المسلمون ويهيئون له أنفسهم وهو إصلاح كامل شامل تتعاون عليه قوى الأمة جميعا وتتجه نحوه الأمة جميعا، وتتناول كل الأوضاع القائمة بالتغيير والتبديل.

ثم نراه بعد ذلك يتحدث عن بعض نتائج فساد النظام الاجتماعى الحالى في مصر، فيستعرض حال الفلاحين والعمال وشركات الاحتكار والتعليم والخلاق العامة التى تفشت فيها الرشوة والفسا، فلا نجد أمامنا إلا القول ما أشبه اليوم بالبارحة ثم يعرض إلى الدواء فيقول:-

هدف الإخوان المسلمين يتلخص في كلمتين العودة إلى النظام الاجتماعى الإسلامى والتحرر الكامل من كل سلطان أجنبى ثم يتحدث عن وسيلة الإخوان في هذا العلاج فيقول:-

(1) النضال الدستورى حتى يرتفع صوت هذه الدعوة في الأندية الرسمية وتناصرها وتنحاز إليها القوة التنفيذية، وعلى هذا الأساس سيتقدم مرشحو الإخوان المسلمين حين يجئ الوقت المناسب إلى الأمة ليمثلوها في الهيئات النيابية، ونحن واثقون بعون الله مادمنا نبغى بذلك وجه الله، ﴿ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز﴾

ثم يتحدث الإمام البنا عن موقفنا من الحكومة و الأحزاب والهيئات فيقول:-

إن موقفنا من الحكومات المصرية على اختلاف ألوانها هو موقف الناصح الشفيق الذي يتمنى لها السداد والتوفيق، وأن يصلح الله بها هذا الفساد، وإن كانت التجارب الكثيرة كلها تقنعنا بأننا في واد وهي في واد، ويا ويح الشجى من الخلى.

أما موقفنا من الأحزاب فيشرحه في قوله:-

نتفق في أن كثيرا من رجالها قد عملوا على خدمة القضية السياسية المصرية واشتركوا فعلا في سبيلها وفي الوصول على ما وصلت إليه مصر كم ثمرات هذا الجهاد الضئيلة أو الجليلة فنحن في هذه الناحية لا نبخس هؤلاء الرجال حقهم.

ونتفق كذلك في أنها جميعا لم تحدد بعد منهاجا دقيقا لما تريد من إصلاح، ونتفق كذلك في أنها جميعا لم تقنع بعد بوجوب المناداة بالإصلاح الاجتماعى على قواعد وتعاليم الإسلام.

ونتفق كذلك في أنها تعاقبت على حكم هذا البلد فلت تأت بجديد ولم يجد الناس في ظل حكمها ما كانوا يأملون من تقدم مادى أو أدبى.

أما موقفنا من الهيئات الإسلامية جميعا على اختلاف نزعاتها فموقف حب وإخاء وتعاون وولاء.

أما موقفنا في الظروف الحاضرة فهو ما أعلنته الحكومة المصرية وأيدها البرلمان، وأيدها الرأى العام، وأيدها الإخوان المسلمون، ويتلخص في كلمتين "الحياد والاستعداد" ورضاء مصر بهذا الموقف الصورى العجيب ليس عن طواعية واختيار، ولكنه عن كراهية واضطرار، وليس هناك موقف أفضل منه مادمنا مجبرين عليه، ألا ترى معى أيها القارئ أنه نفس الموقف الذي نقفه الآن من إسرائيل، فبدلا من أن يكون الحديث موجها إلى القوات الإنجليزية المحتلة أصبح موجهاإلى إسرائيل!! ، على مرارة وذل ما فيه من تدنى إلى الحضيض!!.

اللهم إنا نسألك أن ترفع مقتك وغضبك عنا !!.

أما كتابه عن دعوتنا في طور جديد، وكتابه في مؤتمر رؤساء المناطق والشعب، وكتابه عن مشكلاتنا في ضوء الإسلام، وكذا كتابه عن نظام الحكم، فكل هذه الرسائل قد استوعبتها رسائله السابقة، ولا أنصح بعدم قراءتها، ولكن أسلوب التسجيل لكل الرسائل لا يعين على إخراج هذا الكتيب إلى حيز الوجود إلا أن يتغير هدفه، ولذلك اكتفيت برسالته عن النظام الاقتصادي ورأيته جديد التناول، لم تسبق الإشارة إلى معانيه في الرسائل السابقة ويبدأ رسالته هذه فيقول:-

إن نظام الحكم في الإسلام يرتكز على ثلاث دعائم:

(‌أ) مسئولية الحاكم.

(‌ب) احترام إرادة الأمة.

(‌ج) المحافظة على وحدتها.

والوضع الاقتصادي محتاج إلى هذه الركائز حتى يسلم من العثار فلا أزمة أعنف من أزمة الرغيف ولا عضة أقوى من عضة الجوع والمسغبة وإن هذا البلد ليس فقيرا بل لعله أغنى بلاد العالم بخيراته الطبيعية، ولكن الأجانب احتلوا هذا الوطن بغفلة من أهله وأقرضوه القروض الربوية حتى لم نعد نقدر على دفع الديون ذاتها، وأقصى ما نستطيع دفعه الفوائد الربوية ولم نجحد موضعا نضع فيه أقدامنا بين المبادئ الرأسمالية أو الاشتراكية أو الشيوعية، ولم نفكر جديا في النظام الإسلامى الذى لو طبقناه لظفرنا بكل ما في هذه النظم من حسنات وتجنبنا كل ما فيها من سيئات، وقواعد النظام الاقتصادي في الإسلام تتلخص في الآتى:-

1- اعتبار المال الصالح قوام الحياة.

2- إيجاب العمل والكسب على كل قادر.

3- الكشف عن منابع الثروات الطبيعية واستغلالها.

4- تحريم موارد الكسب الخبيث كالربا والقمار واليانصيب.

5- تقريب الشقة بين كل الطبقات تقريبا يقضى على الثراء الفاحش والفقر المدقع.

6- الضمان الاجتماعى لكل مواطن.

7- تنظيم التكافل بين المواطنين، والحث على الإنفاق في وجوه الخير، وإيجاب الزكاة على كل قادر.

8- تقرير حرمة المال، واحترام الملكية الخاصة، مالم تتعارض مع المصلحة العامة.

9- التدقيق في شئون النقد وتنظيم المعاملات المالية بتشريع عادل رحيم.

10- تقرير مسئولية الدولة في حماية هذا النظام.

وأخيرا ...

كتب الإمام الشهيد قصة حياته في كتابه "مذكرات الدعوة والداعية"، بدأها من حيث بدأ مولده ولم تنته بعد!! ، حيث عقبه رجال وأحداث لم يشهدها ليكتب سطورها فيه، إن كان هو باعثها ومحور الحركة فيها.

حقا .. إن كتابه لم ينته بعد .. وحركته ما زالت في أرجاء الدنيا تشل عروش الظلم وترفع راية التوحيد في قلوب المؤمنين وبسواعدهم أيضا.

الشهيد سيد قطب

نشأته

ملف:سيد قطب(12).jpg
الأستاذ سيد قطب
  • ولد عام 1906 ميلادية من أسرة متوسطة الحال في قرية موشا من محافظة أسيوط، وكان والده إبراهيم في وضع مالى يمكنه أن ييسر الحياة البعيدة عن الكفاف لولده ...
  • وعاش في بيئة تقيم وزنا للأولياء وأدعياء الولاية، وهجر كتاب القرية، لأنه لم تطمئن نفسه إلى المضى فيه، والتحق بمدرسة القرية النظامية ..
  • وفي نهاية السنة الرابعة كان يجيد حفظ القرآن، ويتحدث عن نفسه في هذا الصدد فيقول: "لقد قرأت القرآن وأنا طفل صغير ولا ترقى مداركى إلى آفاق معانيه ولا يحيط فهمى بجليل أغراضه، ولكن كنت أجد في نفسى شيئا .. لقد كان خيالى الساذج الصغير يجسم لى بعض الصور من خلال تعبير القرآن، وإنها لصورة ساذجة ولكنها كانت تشوق نفسى وتلذ حسى، فأظل فترة غير أتملاها، وأنا بها فرح، ولها نشيط .. من الصور التى كانت ترتسم في خيالى إذ ذاك صورة كانت تتمثل لى كلما قرأت هذه الآية: ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ﴾
  • لقد كان يشخص في مخيلتى رجل قائم على حافة مكان مرتفع (مسطبة) فقد كنت في القرية .. –أو قمة تل- فقد رأيت التل المجاور للوادى- وهو قائم يصلى، ولكونه لا يملك موقفه، فهو يتأرجح، ويهم بالسقوط وأنا بإزائه أتتبع حركاته في لذة وشغف عجيبين!!".


خصائص طفولته

-كان هذا التصور في مخيلة طفلنا العزيز ينبئ بشيء عظيم- كانت هذه البادرة في تجسيد معانى القرآن الكريم عبر مشاعره بهذه الحيوية الفائقة هي أول فيوضات فهمه للتصور الفنى، وكانت هذه إحدى خصائص نفس الكاتب الإسلامى الذى نظم قلائده "في ظلال القرآن" وأذاب وجدانه الذكى الآسر ليكون مدادا لمعانى آيات القرآن الخالدة ...

وأما الخصيصة الثانية في طفولته فكانت رغبته العارمة في قراءة الكتب، وكان في مكتبته كتابان، الأول لأبى معشر الفلكى، والثانى "كتاب شمهورش" ويتحدث عن قصة هذين الكتابين فيقول: "تسامع نساء القرية وشبابها بالكتابين فأقبل الجميع على صاحبنا الصغير (يقصد شخصه) إقبالا منقطع النظير، وذلك لأسباب كثيرة، منها أنه لا يتناول أجرا على الخدمات التى يقوم بها، ومنها أنه صبى يدخل البيوت ويقابل النسوة والفتيات بلا تحرج ...

ثم استطرد فيقول: "والحق أنه كان يحس بنشوة عجيبة والطلبات تتوالى عليه، والأبواب جميعها تفتح له، ولقد كان صغيرا لم تثر في نفسه نوازع الجنس بعد، وتربيته المنزلية تجعل في نفسه كثيرا من الحشمة والحياء حتى لو ثارت بعض هذه النوازع، ولكن إحساسه بالجمال الحى كان مرهفا .. فكانت هذه الزيارات والمقابلات، ومعظم موضوعاتها يدور على الحب ودواعيه، مما يغذى فيه هذا الشعور الوليد الغامض ويحبب إليه هذه الزيارات والمقابلات التى يجد فيها لذة غامضة عجيبة.

وكانت هذه الخصيصة الثانية في طفولة الشاعر المبدع، الرقيق الحس، الذي تنساب كلماته في رفق إلى أغوار وجدانك فتقدم لك من مشاهد الطبيعة لوحة حية لمعنى الأمل والحياة والبعث .. كما بدت أشعاره بعد ذلك في شبابه.

زهرة قد كاد يعروها الذبول
ثـم حـيتها تبـشير الربيع

فهى ترنو بين صحو وذهول

مثلما تحتار في العين الدموع!!

ثم اقرأ معى طرفا من قصيدته "الصبح يتنفس" :

نسمات زفها الفجر الولـيد

بعدما جاش بها صدر الحياة

ناعمات مثل أنفاس الورود

بــلل الطـل شـذاه بنداه

كانت الدنيا يغشيها السكون

وظلام الليل والنوم العميـق

طفلة قد ضمها الليل الحنون

ضمة الرحمة كالأم الشفوق

وتراءى الصبح في صمت بديع

فإذا الطفلة تصحو من سبات

ترسل الأنفاس في رفق وديع

وإذا الأنفاس تلك النسمات

وإذا الأنفس في هذا الحنان

وادعات بين أحضان الطبيعة

ساهيات راضيات في أمان

ترسل الطرف برنوات وديعة

ليتنى عشت بأحضان الصباح

أو قضيت العمر استمتع طفلا

لا ولا هذا من الدهر يتاح

لا ولا قد عدت استمتع كلا

وتتسامى أنغام حبه للطبيعة بل وللكون كله فيصعدها في شعره زافرات في ساحة الفداء والتضحية بعد أن عرف قبلته إلى الله وابتلى في سبيله بكل ألوان العذاب، فيخاطب أصحابه في ركب المجاهدين فيقول:

أخى إن ذرفت على الدموع

وبللت قبرى بها خشوع

فأوقد لهم من رفاتى الدموع

وسيروا بها نحو مجد تليد!

ولا يفوته أن يبصر إخوانه بحقيقة الحرية التى يحب أن يراها لمؤمن من وراء كيد العبيد فيقول:-

أخى أنت حر وراء السدود

أخى أنت حر بتلك القيود

إذا كنت بالله مستعصما

فماذا يضيرك كيد العبيد

أخى سنبيد جيوش الظلام

ويشرق في الكون فجر جديد

فأطلق لروحك أشواقها

تر الفجر يرمقنا من بعيد

وأخيرا، تستوقفك عذوبة لحن الشاعر .. وهو يسجل رحلته إلى الآخرة، وكأنها نزهة مأمولة أو رحلة ميمونة .. فتراه يقول:

أخى إن نمت نلقى أحبابنا

فروضات ربى أعدت لنا

وأطيارها رفرفت حولنا

فطوبى لنا في ديار الخلود!

سأثأر لكن .. لرب ودين

وأمضى على سنتى في يقين

فإما إلى النصر فوق الأنام

وإما إلى الله في الخالدين


أما الخصيصة الثالثة فى نفس سيد في طفولته الواعية فكانت استعلائه على الظلم والظالمين ..

ويقول بعد سرد مفصل لحياة المعذبين وتصوير مقزز لحياة أحد المستغلين لأقوات الناس وأرزاقهم.

"ولو كان في الوادى قانون عادى لقاده إلى السجن قبل أولئك الكثيرين الذين يحبسهم القانون لصوصا ومجرمين!! ويستطرد في وصف مشاعره في هذه الفترة من طفولته فيقول: "هذا هو الشعور الذي ظل يعاوده أبدا كلما جلس يتناول طعاما دسما أو فاكهة لذيذة أو حلوى أنيقة، أو يتمتع بأيسر مباهج الحياة بين ملايين المحرومين".


وطنيته المبكرة

وكان أبوه منضما إلى الحزب الوطنى الذي كان يرأسه مصطفى كامل .. أما ناظر المدرسة التى كان ملحقا بها فكان يخطب الناس في الثورة المصرية الكبرى سنة 1919 م ويقول: "إن المدرسة ستغلق إلى أجل غير مسمى لأنه وزملائه ذاهبون للعمل في الثورة!! فهذا واجب كل إنسان" .. وانطلق الفتى سيد قطب في حماسة الثورة يكتب ويخطب وهو في الثالثة عشر من عمره .. في المساجد والمحافل والنوادى .. وكان اسم سعد زغلول هو السحر الذي يحرك القلوب والمشاعر في هذا الوقت ..

... وأخر قيام الثورة رحيل الفتى إلى القاهرة عامين ليلتحق بعدها في "تجهيزية دار العلوم" وبعدها التحق بدراسته العالية في "دار العلوم".

وعاش الفتى في القاهرة، ولقى والده ربه، وانتقلت الأسرة بأبنائها جميعا إلى القاهرة وتنتقل الأم إلى رحمة الله هي الأخرى، ويبقى الأخوة في القاهرة "سيد وشقيقه محمد وأختاه أمنية وحميدة".


حياته بين التخرج والاستشهاد

ويتخرج سيد قطب من دار العلوم ويمارس كتابة الأدب والشعر، ويعمل في عدد من الصحف والمجلات كالأهرام والرسالة والأسبوع والشرق الجديد والعالم العربى ..

ويقيم سيد بعد موت والديه في القاهرة مع شقيقه وشقيقتيه في مسكن يضم الجميع فيها رعاية حانية من الأخ الكبير الذي أصبح مسئولا عن رعاية هذه الأسرة الصغيرة.

وفكر في الزواج وتمت خطبته إلى إحدى الفتيات .. ولكن لم تدم طويلا!! ولكنها أثمرت فقط إحدى قصصه التى صورت شفافية روحه في علاقته القصيرة الطاهرة بهذه الفتاة .. وربما حمل اسم القصة "أشواك" ما تحملته مشاعره الرقيقة الدفاقة التى ساقها إلى الناس بعد ذلك أدبا رفيعا في عالم القصة ..

وفي سنة 1948 حتى أواخر عام 1950 يمضى في بعثة حكومية من وزارة التربية إلى الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة نظم التربية فيها .. وصبها صبا في عقول الشباب في مصر!!

ولكنه يعود ليصرح أنه لم يجد بدا من اتخاذ المنهج الإسلامى أساسا للتربية في مصر!! وكان ذلك قبل أن يتعرف على جماعة الإخوان المسلمين .. واتهمه المصريون المطبوعون بالطابع الأمريكى في وزارة التربية بالجمود والرجعية، وكتب عن أمريكا كتابا لم يشهد النور عنوانه "أمريكا التى رأيت" عرض فيه ما رآه هناك من زيف الديموقراطية المزعومة التى تفرق بين الأجناس والألوان وقارن بينها وبين نظام الإسلام ..

ثم حرر مجلة "الفكر الجديد" بعد أن عرف جماعة الإخوان المسلمين وتحدى فيها الرأسمالية الجائرة واستغلال أصحاب الألقاب والنفوذ لأقوات الشعب وأرزاقه، وبدأت تلتقى عند الشهيد سيد الفكرة والحركة في تعانق منسق هدفه الوصول بالإسلام إلى الحكم الرشيد في الوطن الإسلامى كله.

وفي عام 1952 انتخب الأستاذ سيد قطب عضوا في مكتب الإرشاد للجماعة وعين رئيسا لقسم نشر الدعوة في المركز العام لجماعة الإخوان المسلمين.

وفي شهر يوليو سنة 1954 عين رئيسا لتحرير جريدة "الإخوان المسلمين" ولكن الجريدة عطلها عبد الناصر بعد شهر واحد وخمسة أيام حين بدأت تعارض المعاهدة الإنجليزية المصرية التى عقدها عبد الناصر وضباط الحركة مع الإنجليز!..

وساقه عبد الناصر مع الإخوان المسلمين في يناير 1954 إلى حجرات التعذيب في سجن القلعة والسجن الحربى وأبى زعبل وليمان طره، ثم أخلى سبيله في مارس سنة 1954 حيث مرض مرضا صدريا وأصابته أزمة قلبية كادت تطيح به في يوليو سنة 1955 بعد دخوله السجن مرة ثانية.

وفي 13 يوليو سنة 1955 حكمت عليه المحكمة بالسجن لمدة 15 عاما مع الأشغال الشاقة، وكانت فترة سجنه نحوا من عشر سنوات دامت حتى 1964 بعد تدخل الرئيس العراقى عبد السلام عارف للإفراج عنه.

ومضت كل هذه السنوات غنية بالإنتاج للدعوة الإسلامية، وكان أول ما كتبه فيها كتابه "في ظلال القرآن" الذي سيشار إليه ي الحديث عن مؤلفاته إن شاء الله.

وفي عام 1965 أعيد إلى السجن من جديد متهما برئاسة مؤامرة دبرها الإخوان المسلمون لقلب نظام الحكم سنة 1965 .. وقدم أمام محكمة صورية هزلية أما أحد الضباط "محمد فؤاد الدجوى" الذي أسرته إسرائيل قبل ذلك سنة 1956 وقدمته أمام شاشة التليفزيون ذليلا مهينا لم يجرؤ أن يقول كلمة طيبة عن وطنه أو عن سادته الطغاة .. وكان هذا الصنف المتملق الجبان هو أصلح من يتولى محاكمة الشرفاء .. لأن عبد الناصر كان يملك منه ما عجز عن أن يملكه من الشرفاء ..

وفي صبيحة يوم 29 أغسطس نفذ فيه حكم الإعدام فلقى ربه بصفحة مشرقة من الرجولة والبطولة والوفاء ..

ولا يسعنا أن نختم هذه الصفحة الساطعة البياض إلا أن نشير إلى اقتباس من نور حياته في محنته وراء الأسوار.

قلنا إنه ظهر لنا من خصائص شخصية طفل القرية إباءه للظلم وكرهه للطغاة، وحين عنَّ لنا عبد الناصر أن يقهر كبار الإخوان في عزتهم وإبائهم عرض عليهم أن يكتبوا تأييدا له إذا أرادوا أن الخروج من محنتهم! .. وضلل في هذا التيه كثير، وصمد له كثير ومن بينهم شهيدنا الغالى الذي رد على الضابط السجان بمقولته المشهورة:

"إن السبابة التى أشهد بها في كل صلاة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله لا يمكن أن تكتب سطرا فيه ذل أو عبارة فيها استجداء، فإن كنت مسجونا بحق فأنا أرضى بالحق، وإن كنت مسجونا بباطل فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل ..!

وربما يعزينا في هذا المقام أن سمع بعضا من أحاديث الشهيد لأسرته وذويه في أثناء سجنه، حين يقول في إحدى رسائله:

"عندما نعيش لذواتنا فحسب، تبدو لنا الحياة قصيرة ضئيلة، تبدأ من حيث بدأنا نعى. وتنتهى بانتهاء عمرنا المحدود!! أما عندما نعيش لغيرنا، أى عندما نعيش لفكرة فإن الحياة تبدو طويلة عميقة، تبدأ من حيث بدأت الإنسانية وتمتد بعد مفارقتنا لوجه هذه الأرض. إننا نربح أضعاف عمرنا الفردى في هذه الحالة نربحها حقيقة لا وهما، فتصور الحياة على هذا النحويضاعف شعورنا بأيامنا وساعاتنا ولحظاتنا وليست الحياة بعدّ السنين ولكن بعداد المشاعر، وما يسميه (الواقعيون) في هذه الحالة (وهما) ! هو في (الواقع) (حقيقة) أصح من كل حقائقهم .. لأن الحياة ليست شيئا آخر غير الشعور الإنسانى للحياة، جرد أى إنسان من الشعور بحياته، تجرده من الحياة ذاتها في معناها الحقيقي! ومتى أحس الإنسان شعورا مضاعفا بحياته فقد عاش حياة مضاعفة فعلا ..".

وتقرأ له سلوكه كداعية مع الناس في شرهم وخيرهم فترى من دقة فهمه ورقة حسه كا جعله أهلا لإيصال الحق للنفوس الحيرى:

"عندما نلمس الجانب الطيب في نفوس الناس، نجد أن هناك خيرا كثيرا قد لا تراه العين من أول وهلة .. لقد جربت ذلك مع الكثير، حتى الذين يبدو في أول الأمر أنهم شريرون أو فقراء الشعور .. شيء من العطف على أخطائهم وحماقاتهم، شيء من الود الحقيقي لهم، شيء من العناية -غير المتصنعة- باهتمامهم وهمومهم ثم ينكشف لك النبع الخير في نفوسهم، حين يمنحوك حبهم ومودتهم وثقتهم في مقابل القليل الذي أعطيتهم إياه في صدق وصفاء وإخلاص ..، إن الشر ليس عميقا في النفس الإنسانية إلى الحد الذي تتصوره أحيانا أنه في تلك القشرة الصلبة من الثمرة الحلوة للحياة التى تتكشف لمن يستطيع أن يشعر الناس بالأمن في جانبه، بالثقة في مودته، بالعطف الحقيقي على كفاحهم وآلامهم، وعلى أخطائهم وعلى حماقاتهم كذلك .. وشيء من سعة الصدر في أول الأمر كفيل بتحقيق ذلك كله، أقرب مما يتوقع المثيرون، لقد جربت ذلك، جربته بنفسى فلست أطلقها مجرد كلمات مجنحة وليدة أحلام وأوهام ..!".

ويؤكد لك روح الداعية فيه، وسمت تواضع المؤمن الذليل لأخيه العزيز على الطاغية والطاغوت ما تسمعه منه حين يقول:-

"حين نعتزل الناس لأننا نحس أننا أطهر منهم روحا، أو أطيب منهم قلبا، أو أرحب منهم نفسا، أو أذكى منهم عقلا لا نكون قد صنعنا شيئا كبيرا .. لقد اخترنا لأنفسنا أيسر السبل وأقلها مؤونة!!

إن العظمة الحقيقية: أن نخالط هؤلاء الناس مشبعين بروح السماحة والعطف على ضعفهم ونقصهم وخطئهم، وروح الرغبة الحقيقية في تطهيرهم وتثقيفهم ورفعهم إلى مستوانا بقدر ما نستطيع.

إنه ليس معنى هذا أن نتخلى عن آفاقنا العليا ومثلنا السامية أو أن نتملق هؤلاء الناس ونثنى على رذائلهم، أو نشعرهم أننا أعلى منهم أفقا، إن التوفيق بين هذه المتناقضات وسعة الصدر لما يتطلبه هذا التوفيق من جهد هو العظمة الحقيقية".

وحين تشهد نور كلماته في مؤلفاته المشرقة بالحق والجمال تعرف من خلالها كيف يسكب فيها مهجته ودمه ونبض قلبه وروحه، ومن أقواله:-

"إنه ليس كل كلمة تبلغ إلى قلوب الآخرين فتحركها وتجمعها وتدفعها .. إنها الكلمات التى تقطر دما، لأنها تقتات قلب إنسان حى ..

كل كلمة عاشت قد اقتاتت قلب إنسان، وإن الكلمات التى ولدت في الأفواه وقذفت بها الألسن، ولم تصل إلى ذلك النبع الإلهى الحى فلقد ولدت ميتة ولم تدفع بالبشرية شبرا واحدا إلى الأمام .. إن أحدا لن يتبناها لأنها ولدت ميتة، والناس لا يتبنون الأموات! .. إن أصحاب الكلمات والأقلام يستطيعون أن يصنعوا شيئا كثيرا .. ولكن بشرط واحد أن يموتوا هم لتعيش أفكارهم، أن يطعموا أفكارهم من لحومهم ودمائهم، أن يقولوا ما يعتقدون أنه حق، ويقدموا دماءهم فداء لكلمة الحق.

إن أفكارنا وكلماتنا تظل جثة هامدة، حتى إذا متنا في سبيلها أو فديناها بالدماء انتفضت حية وعاشت بين الأحياء ..

ولعله من الإنصاف أن نقدم طرفا مما يعرفه له بعض أصدقائه الذين ألفوا كتبا عنه، وهو الأستاذ يوسف العظم فيقول:-

"وكان موثوقا، التف حوله إخوانه بين جدران السجن أو في جنبات المجتمع، إنه حقا قطب الجماعة والجبل الذي يلتف حوله ويفتدى به لو استطيع بالغالى والنفيس، وكان مخلصا، داس بكبريائه على مناصب الطغاة عن قناعة، ورفض كل لين أو هوان يقوده إلى نعيم الدنيا ويحرمه من نعيم الآخرة .. أبى المساومة على كرامة الدعوة والداعية .. وقد أغرته السلطة بمنصب وزير المعارف في أعقاب قيام الثورة فأبى .. وعرضوا عليه منصب السكرتير العام لهيئة التحرير المصرية أول بذرة للحزب الواحد في مصر الثورة .. ولكنه عد ذلك هراء ولغو حديث طالما مطالب الثورة تنحصر يومذاك في هتاف وصياح ومواكب تطبيل وتزمير، حاولوا خداعه فعرضوا عليه وهو سجين أن يكون مرشدا عاما للإخوان المسلمين مكان المرشد الصابر حسن الهضيبى فسخر من تجارة المساومة وأكد لهم التفاف الإخوان حول مرشدهم، ثم قال للطغاة ناصحا: أكون غاشا حينما أقول إن الإخوان يجتمعون على غير مرشدهم حسن الهضيبى".


محاكمة الشهيد

وربما أضفت جديدا إلى القارئ عن ظروف محاكمة الشهيد سيد قطب بما كتبه عنه الأستاذ يوسف العظم في كتابه الذي دونه عنه:-

أما المحكمة التى قدم إليها الشهيد سيد قطب وإخوانه فليست جديدة على كل حال .. لقد عرفتها مصر الثورة من قبل. كان ذلك في عام 1954 حين قدمت العالم الشهيد عبد القادر عودة، والمجاهد محمد فرغلى، وفريقا من طلائع الفداء جزءا من مسرحية ساخرة وتمثيلية دامية .. انتهت بهم إلى حبال المشانق، في الوقت الذي أعيد فيه ثلاثة عشر بحارا يهوديا من بحارة السفينة اليهودية (بات جاليم) إلى إسرائيل وألسنتهم تلهج بالشكر والثناء والدعوة للثورة التى أحسنت معاملتهم وأكرمت مثواهم في جناح مفروش مؤثث بكل وسائل الراحة في السجن الحربى العتيد ..! وزيادة في تكريمهم .. وتقديم البرهان والدليل على حسن نوايا الثوار والأحرار كان الجلادون يمتعون (اليهود الضيوف) بجلد أبناء الشعب المصرى تحت سمعهم وبصرهم .. والحارة اليهود يستمتعون بالدجاج المحمر طعاما والخمر شرابا في حمى حامية الشعب .. صانعة الحرية!!

قد يبدو هذا خيالا ولكنها الحقيقة التى هى أغرب من الخيال، وقد يبدو هذا مبالغة ولكنه الواقع الذي يفوق المبالغة، نشرت معظمه صحف الثورة يومذاك في معرض الحديث عما سمته جرائم الإخوان المسلمين .. وحسن معاملة الثورة لأسرى الدولة اليهودية!!

أما هذه المرة فقد أعلنت "مصر الثورة" بمناسبة زيارة المشير عبد الحكيم عامر إلى فرنسا، وفي الوقت الذي كان فيه الشهيد سيد قطب يقدم للموت –أن قضية التجسس لصالح إسرائيل، والتى اتهم بها المكتب التجارى الفرنسى بالقاهرة كأنها لم تكن، وأخلى سبيل المتهمين عربونا جديدا من الصورة والثوار على أن مطاردة الأحرار أولى من مطاردة الجواسيس، وأن قتل الأبرياء من قادة الفكر ورجال العقيدة هو الهدف الأول والأخير من أهداف ثورة التحرير .. والطلائع الثورية!! ..

ونعود إلى قاعة المحكمة؛

لنلتقى بأعجب حلف يجمع بين القاضى والدفاع والنيابة العامة والجمهور حيث يتمارى الجميع في إلصاق ما يرون للسلطان من تهم وهم يسخرون من إنسان سلبوه كل مقومات الدفاع عن النفس وحرموه من أبسط مقومات الحرية!!

إن القاضى في كل الشرائع والقوانين الكونية يسمع رأى النائب العام الذي يحاول إدانة المتهم، ثم رأى الدفاع الذي يبذل جهده لتبرئة موكله، ثم رأى المتهم إن رغب في ذلك وكان لديه ما يقوله.

أما القاضى في محاكم الثورة العتيدة المتعافية فمهامه كثيرة، ليس بينها الإصغاء بتعقل، والاستيعاب بإنصاف وتقصى الحقيقة بتجرد –ليصدر الحكم بعد ذلك بنزاهة لا يشوبها شائبة سوى عجز الإنسان عن إدراك الحقيقة وبلوغ الحق المطلق.

إن القاضى في محاكم الثورة التى ألفت قصتها ووضع حوارها وتم إخراجها على يد رجال المخابرات همه تنفيذ المؤامرة وسوق الأبرياء إلى حبال المشانق وزنازين الطغاة .. وإذا كان القاضى يقوم بدور الممثل الأول .. فالجمهور يقوم بدور "الكمبارس" ذلك أن كل خفقة في صدره ونبضة من دمه وخلجة في وجهه وكلمة ينطق بها .. كلها تعلن تحيره وتؤكد أن الحكم صادر في مخيلته واضح في تصوره قبل بدء المحاكمة، وكل ما يجرى على ملأ من الجمهور تمثيل في استوديوهات دوائر المخابرات التى يسمونها محكمة الثورة!!

والنائب العام .. أو المدعى العام .. إنه لا يسوق الأدلة على الإدانة ولكنه يسوق عبارات السخرية والألقاب التى تبدأ (بالقطب الأغر) و (القطب اللامع) وتنتهى (بزعيم الإجرام وعصابة الإرهاب الآثمة).

أما الأدلة والحجج فلا داعى لها, ألا يكفى أن أبواق الإعلام المسعورة خارج القاعة وقبل يوم المحاكمة قد مهدت الأجواء والأصداء وأصدرت حكمها مسبقا على المتهمين وأعلنت خيانتهم وطالبت أن يحكم على البعض بالموت والبعض بالسجن المؤبد .. ومن الغريب العجيب أن تأتى مطالبة النائب العام بنسخة مما تطالب به الصحف وما ترجوه الإذاعة وما يرغب فيه التليفزيون، وأن تجئ أحكام القاضى النزيه محمد فؤاد الدجوى مطابقة منسجمة مع تلك المطالب وتلك الرغبات!!

ونقف بين يدى القاضى لنسمع العجب العجاب:

يسأل متهم، فإذا ما نهض البرئ المعذب للإجابة، انطلق القاضى قائلا: مافيش داعى .. خلاص ما أنا عارف حاتقول إيه .. أنا أقول الحكاية .. ويحاول المتهم أن يسرد جزءا من الجواب على السؤال الموجه له . فيقاطعه القاضى العادل بقوله .. أيوه حتقول لنا معالم في الطريق .. كفايه بأه .. اجلس مكانك ..

ومحامو الدفاع في قضية الأبرياء .. أمرهم لا يقل عجبا، موقفهم لا يقل غرابة، إن مهمتهم في المحكمة تنحصر في كيل المديح لعدالة القاضى بعد دعاء خاشع أن يحفظ الله الرئيس المفدى من كل سوء .. ثم لمحة عن تاريخ الرئيس التى سخرته العناية الإلهية لرفع مستوى الشعب المصرى وإنقاذه من الذل والمهانة ويختم الدفاع خطبته بفقرتين هامتين .. الأولى اتهام السجين الذي يدافع عنه المحامى الأمين بالجنون أو المرض النفسى أو الكذب والحقد والغرور، والثانية يطلب بها رحمة المحكمة ..

لقد منعت السلطات الظالمة يومذاك عددا من المحامين العرب الذين تطوعوا من السودان و المغرب و الأردن وغيرها للدفاع عن المتهمين .. منعتهم من دخول مصر والمرافعة أما محكمة الثورة .. في الوقت الذي تعلن فيه قرارات مؤتمر المحامين العرب أنه يحق لأى محام عربى أن يترافع أمام محكمة عربية –ولم يجد مثل هذا القرار الجائر موقفا منصفا أو اعتراضا كريما من محامى التقدمية والثورية في كل أجزاء الوطن العربى المنكوب!!.

ولما لاحظ القائمون على أمر المحاكمة خارج المحكمة أن نشر وقائع الجلسة ولو مزورة مشوهة يطلع الناس علي جانب من الحقيقة ويبين لهم بعض الحق .. أمروا بمنع نشر وقائع الجلسات على الصحف .. وقد نسوا أنها جلسات علنية كما أعلنوا .. واكتفوا بنشر خبر لا يتعدى أربعة أسطر يشير إلى أن محاكمة المتهمين ما زالت جارية .. وأن الأحكام ستصدر قريبا.

ولو قدر للجمهور المبعد عن قاعة المحكمة أن ينفذ إليها وأن يحتل مقاعدها لوجد كثيرا من مواقف الجرأة التى يعلنها الشباب المؤمنون والسجناء الأبرياء بأنهم أصحاب عقيدة .. وأنهم يعملون لخلاص ديارهم من كل طاغوت. وإنقاذها من كل تبعية!! ..

ولقد وقف الداعية الشهيد سيد قطب يسخر من المحكمة التى أمر قاضيها وطلب إليه أن يذكر الحقيقة كما يريدها لا كما وقعت. فقال .. وقد كشف عن صدره وظهره الممزق بالسياط وأنياب الكلاب البوليسية الثورية:

أتريدون الحقيقة .. هذه هى الحقيقة!!

فضجت القاعة بالاشمئزاز وأشاح الجمهور بوجهه ألما وازدراء لما يقع في سجون مصر الثورة!! رغم أن معظم جمهور القاعة من زبانية الثورة وزبائن المخابرات، كان الناس يتتبعون بلهفة ما يجرى في محكمة الثورة .. وكانوا على علم من مجريات الحوادث وسرد الوقائع ولهجة القاضى والنيابة والدفاع .. بأن الموت ينتظر فريقا من الأبرياء الذين نذروا أنفسهم في سبيل الله وإنقاذ مصر من هلاك محقق.

وينتهى حديث الصديق والكاتب يوسف العظم، ولعله من نافلة القول أن نقرر أن القاضى أو الجلاد محمد فؤاد الدجوى قد أصدر حكمه بعد هذه المحكمة الهزلية بالإعدام ...


مؤلفات الشهيد

وربما استوقفنا غزارة إنتاج الشهيد سيد قطب في جوانب ملكاته المختلفة كأديب وقصصى وشاعر ومؤلف إسلامى وداعية .. ونذكر من مؤلفاته القصصية:-

(1) طفل من القرية.

(2) أشواك.

(3) المدينة المسحورة.

(4) قصص الأنبياء.

(5) الأطياف الأربعة.

ونذكر من دواوين شعره:-

(1) الشاطئ المجهول.

(2) حلم الفجر.

(3) قافلة الرقيق.

ونراه ناقدا منصفا كذلك في كتابه "نقد مستقبل الثقافة في مصر" الذي صدر في ثمانين صفحة، عرض فيه برأيه في كتاب طه حسين الذي أثار ضجة حينذاك بدعوته إلى الأخذ من حضارة الغرب "حلوها ومرها خيرها وشرها" وأبرز الشهيد سيد قطب في نقده لهذا الكتاب المغالطات التى أوردها طه حسين في هذا الشأن بصورة واضحة لا لبس فيها ...

كما قدم في مجال النقد أيضا كتابه "النقد الأدبى أصوله ومناهجه".

أما سيد قطب صاحب الفكر الإسلامى الرشيد فأول ما قدم في هذا الصدد "العدالة الاجتماعية في الإسلام" وسبق الحديث عن هذا الكتاب في طبعتيه الأولى والثانية ثم أردف كتابه هذا بمؤلفاته الآتية:-

(1) معركة الإسلام والرأسمالية.

(2) السلام العالمى و الإسلام.

(3) دراسات إسلامية.

(4) نحو مجتمع إسلامى.

وعندما تحركت أشواق الشهيد سيد قطب ليخدم الحركة الإسلامية في إطار جماعة –هى جماعة الإخوان المسلمين- قدم للإسلام هذا التراث الخالد:-

(1) هذا الدين.

(2) المستقبل لهذا الدين.

(3) خصائص التصور الإسلامى ومقوماته.

(4) الإسلام ومشكلات الحضارة.

(5) في ظلال القرآن.

(6) معالم في الطريق.

إن كتب الشهيد سيد قطب لا غنى بعضها عن الآخر، ولكن إذا أردنا تلخيص معطياته للأمة الإسلامية في مجال الحركة. استطعنا أن نجدها في كتابيه "في ظلال القرآن" و "معالم في الطريق"، فما عجز عن نشره في مضمون التحرك الإسلامى في الكتاب الأول استطاع بعد ذلك أن يقدمه في كتابه "المعالم" ...

ولعل الشهيد سيد قطب يعرض لنا طرفا مما أراد أن يقدمه للناس في كتابه الظلال، وأنت تقرأ له في مقدمة الطبعة الثالثة قوله:-

"لقد عشت أسمع الله –سبحانه وتعالى- يتحدث إلى بهذا القرآن أنا العبد القليل الصغير .. أى تكريم للإنسان هذا التكريم العلوى الجليل، أى رفعة للعمر يرفعها هذا التنزيل؟ أى مقام كريم يتفضل به على الإنسان خالقه الكريم؟ ..

وعشت في ظلال القرآن أنظر من علو إلى الجاهلية التى تموج في الأرض، وإلى اهتمامات أهلها الصغيرة الهزيلة .. أنظر إلى تعاجب أهل الجاهلية بما لديهم من معرفة الأطفال وتصورات الأطفال واهتمامات الأطفال، كما ينظر الكبير إلى عبث الأطفال ومحاوت الأطفال ولثغة الأطفال. وأعجب ما بال هؤلاء الناس؟ ما بالهم يرتكزون في الحمأة الوبيئة، لا يسمعون النداء العوى الجميل، النداء الذي يرفع العمر ويباركه ويزكيه ..؟ عشت أتملى في ظلال القرآن .. ذلك التصور الشامل الكامل الرفيع النظيف للوجود، لغاية الوجود كله وغاية الوجود الإنسانى وأقيس إليه التصورات الجاهلية التى تعيش فيها البشرية، في شرق وغرب وشمال وجنوب، وأسأل .. كيف تعيش البشرية في المستنقع الآسن في الدرك الهابط، في الظلام البهيم، وعندها ذلك المرتع الذكى، وذلك المرتقى العالى، وذلك النور الوضئ .. وعشت في ظلال القرآن أحس التناسق بين حركة الإنسان كما يريدها الله، وحركة هذا الكون الذى أبدعه الله .. ثم أنظر .. فأرى التخبط الذي تعانيه البشرية في انحرافها عن السنن الكونية، والتصادم بين التعاليم الفاسدة الشريدة التى تملى عليها، وبين فطرتها التى فطرها الله عليها، وأقول في نفسى، أى شيطان لئيم هذا الذي يقود خطاها إلى الجحيم؟ يا حسرة على العباد .. وعست في ظلال القرآن الكريم .. أرى الوجود أكبر بكثير من ظاهره المشهود، أكبر من حقيقته، وأكبر في تعدد جوانبه، إنه عالم الغيب والشهادة، لا عالم الشهادة وحده ...

وإنه الدنيا والآخرة، لا هذه الدنيا وحدها، والنشأة الإنسانية ممتدة في شعاب هذا المدى المتطاول .. والموت ليس نهاية الرحلة وإنما هو رحلة في الطريق، وما يناله الإنسان من شيء في هذه الأرض ليس نصيبه كله، وإنما هو قسط من هذا النصيب، وما يفوته هنا من هذا الجزء يفوته هناك، فلا ظلم ولا بخس ولا ضياع، على أن المرحلة التى يقطعها على ظهر هذا الكوكب إنما هى رحلة في كون مأنوس وعالم صديق ودود" ..

وبعد ...

فلا نستطيع أن نترك مجال الحديث عن كتاب "الظلال" وكاتب "المعالم" بدون أن نعرض لما توهمه البعض فيما أورده الكاتب الشهيد .. في هذين الكتابين من أنه كفر المسلمين بمعاصيهم إذا لم يعملوا في صف الجماعة التى ينتمى إليها، والحركة التى يعمل للإسلام من خلالها، وأنه عد المجتمعات المعاصرة في ديار الإسلام مجتمعات جاهلية أفرادا وحكاما وأنظمة ...

ويرد الأستاذ يوسف العظم في كتابه عن الشهيد سيد قطب على هذا الوهم في فهم الجاهلية التى ورد ذكرها في هذين الكتابين فيقول:-

لقد وردت كلمة الجاهلية في عطاء سيد قطب عند الحديث عن الفهم والأنظمة والأخلاق التى تهيمن على "المجتمع الجاهلى اليوم" كما سيطرت على المجتمع الجاهلى الأول، ولم يورد الشهيد كلمة الجاهلية في حق الأفراد ما يفهم منه تكفير الناس أو إخراجهم من ربقة الإيمان ...

كما وردت كلمة الجاهلية في بعض المواضع لدى الشهيد بمفهوم التخلف في الفكر والخلق والقيم وأساليب الحياة يقول:-

"ولابد أن نبادر فنبين أن التشريع لا ينحصر فقط في الأحكام القانونية كما هو المفهوم الضيق في الأذهان اليوم لكلمة التشريع – فالتصورات والمناهج والقيم والموازين والعادات والتقاليد .. كلها تشريع يخضع الأفراد لضغطه، وحين يصنع الناس –بعضهم لبعض- هذه الضغوط- ويخضع لها البعض الآخر منهم في مجتمع لا يكون هذا المجتمع متحررا، إنما مجتمع بعضه أرباب وبعضه عبيد –كما أسلفنا- وهو –من ثم مجتمع متخلف- أو بالمصطلح الإسلامى .. جاهلى".

وإن للجاهلية مفاهيم متعددة ومعانى كثيرة، فما بال قوم يحملونها على معنى الكفر البواح دون سواه، إذ أن للكفر نفسه مفاهيم متعددة ومعانى كثيرة، فما بال قوم يصرون على أن تحمل على معنى الشرك وعبادة غير الله؟!

ثم يستطرد المؤلف يوسف العظم فيقول:-

"هذا هو الفهم السليم لفكر الشهيد، وهذه هي دعوة الإسلام التى دعاها –يرحمه الله- وما سوى ذلك فلغو وضيق أفق ومرض ولا يستقيم مع مفهوم الإسلام في الإصلاح ودعوته في بناء الأنفس والمجتمعات".

ويختم عرضه لآراء سيد قطب عن مفهوم الجاهلية:-

ومن هنا يتضح لنا أن تسمية المجتمع اليوم مجتمعا جاهليا لا تعنى اعتباره مجتمعا كافرا بأفراده أو حكامه، غير أن هذا لا يعنى اعتبار أنظمته المرقعة المستوردة الدخيلة أنظمة إسلامية وقوانين إيمانية. ولكنها قوانين جاهلية وأنظمة صبغها الكفر واستوردها الخانعون ليطبقوها في ديار الإسلام، يرضون بها المستعمر المتسلط والعدو الغاصب، ويذلون بها عباد الله من أبناء أمتهم المبتلاة باستعلائهم، المنكوبة بطغيانهم، وهم يحرمونها من إقامة العدل وتطبيق شرع الله في الأرض.

وفهم آخر يلزم التنويه عنه حيث خاض فيه المحبون والشانئون لشهيد الإسلام هو معنى "لا إله إلا الله" ..

فيقول الشهيد –عليه الرحمة- "لا إله إلا الله منهج حياة" فالعبودية لله وحده هي شطر الركن الأول في العقيدة الإسلامية المتمثل في شهادة "أن لا إله إلا الله" والتلقى عن رسول الله (ص) في كيفية هذه العبودية هو شطرها الثانى، المتمثل في شهادة "أن محمدا رسول الله".

ثم يستطرد فيقول: والمجتمع المسلم هو الذي تتكثل فيه تلك القاعدة ومقتضياتها، لأنه بغير تمثل تلك القاعدة ومقتضياتها فيه لا يكون مسلما ... الخ.

وأراد البعض أن يحملوا هذا القول أكثر مما يحمل واقعه فقالوا (إن الكاتب يصدر أحكاما على الناس بالجملة بالكفر)!!.

وحول هذا الفهم يرد الأستاذ محمد قطب شقيق الشهيد سيد فيقول:-

"لقد سمعت الشهيد يردد أكثر من مرة قوله: نحن دعاة ولسنا قضاة إن مهمتنا ليست إصدار أحكام على الناس ولكن مهمتنا تعريفهم بحقيقة لا إله إلا الله، لأن الناس لا يعرفون مقتضاها الحقيقي وهو التحاكم إلى شريعة الله.

فضلا عن أن الحكم على الناس يستلزم وجود قرينة قاطعة لا تقبل الشك، وهذا أمر ليس في أيدينا ، ولذلك فنحن لا نتعرض لقضية الحكم على الناس، فلسنا دولة وإنما نحن جماعة مهمتها الدعوة لتبيان الحقائق للناس لا إصدار الأحكام عليهم".

ونحن في هذه النبذة عن الشهيد سيد قطب (أفكاره) لا نستطيع الإفاضة في الرد على ما قيل عن خروج أفكاره عن مشكاة الشرع، فإن ما دعا الشانئون إلى هذا الخطأ هو تعريفه لمعنى التوحيد بأنه تصديق سلوكى وشعورى عما نطقه اللسان، فاستنتجوا أنه يعنى الحكم بالكفر على من كذب سلوكه قوله .. وهو أمر لم يرد في حسبانه بإطلاقه هكذا بهذه الصورة:

ولكن قد نجد أنفسنا في حاجة إلى الرد على مقولة الشهيد في دار الحرب ودار الإسلام، فيما أورده في كتاب المعالم حيث قال:-

"إن هناك دار واحدة هى دار الإسلام، تلك التى تقوم فيها الدولة المسلمة فتهيمن عليها شريعة الله، وتقام فيها حدوده، ويتولى المسلمون فيها بعضهم بعضا، وما عداها فهو دار حرب علاقة المسلم بها إما القتال وإما المهادنة على عهد وأمان ولكنها ليست دار إسلام. ولا ولاء بين أهلها وبين المسلمين" ..

فقد لا يتسق هذا القول مع سابق ما قدمناه من شروح لأفكار الشهيد إلا إذا حملنا عبارته على أن الديار التى يعيش فيها المسلمون تبقى ديار مسلمين، وإن تكن ديار إسلام بالمصطلح الفقهى المعروف ..

وأخيرا .. بقى أن نقدم مقارنة بين عطاء الشهيدين حسن البنا و سيد قطب للإسلام وللحركة الإسلامية، فلا مجال للمفاضلة بين الرجلين، إذ أن الشهيد سيد قطب يقول ويشهد للإمام حسن البنا بالأستاذية، ويعترف له بفضل السبق إلى ميدان العمل والبناء. وما خطر بباله أن يأتى اليوم الذي يرضى فيه الرجل لنفسه أن يقدم على الإمام الشهيد، البنا، العبقرى في أى مجال. مجالات البناء والعطاء ، وهذا ما أورده الشهيد سيد قطب في كتابه "دراسات إسلامية" حيث تحدث عن البنا وعبقرية البناء، ويحسن أن نورد هان ما سجله الأستاذ يوسف العظم حول هذه المقارنة في كتابه عن الشهيد سيد قطب فيقول:-

  • يمضى الشهيد على طريق الأدب أولا والفكر ثانيا والالتزام بأمور الدين والفرائض ثالثا، بينما بدأ حسن البنا حياته ملتزما بروح الدين وتكاليف الشرع، حتى إنه أنشأ وهو مازال على مقاعد الدراسة جمعية الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر"
  • وإذا كان حسن البنا قد انصرف إلى الأنفس يدعوها إلى التطهر، والقلوب يدعوها إلى التآلف، فقد انصرف سيد قطب ابتداء إلى العقول يدعوها إلى الاستنارة والتبصر والتدبر والنظر فيما حولها وما يراد بها من مكر الأعداء وتآمر الدخلاء الذين يحملون أسماءنا وينطقون الحروف العربية كما ننطقها في حياتنا اليومية مساء وصباحاً.
  • لقد انصرف حسن البنا لجمع الشباب وتوعيتهم وتنظيمهم حول صفاء العقيدة وشمول الإسلام وصلاحيته للحكم ومعالجة شئون الحياة مستمدا من الكتاب والسنة قواعد أساسية عامة أقيم عليها تنظيم الجماعة.
  • أما سيد قطب فقد لقى جيلا منظما، وشبابا متوثبا، وجماعة واعية فراح يعمق مناهجها ويبلور أهدافها وغاياتها وفق أحكام الإسلام متخذا من القرآن الكريم منطلق منهاجه حتى صار رجل الفكر الأول ليس في الجماعة وحدها بل في العالم الإسلامى كله.
  • كان البنا مهندس الجماعة وبانيها، وكان سيد قطب نبعها الثرى بزخم فكرى نير، وعطاء من نور الإيمان، يقدمه منهاج حركة ومنهاج حياة، لجماعة عملت منذ وجدت بتطبيق شرع الله في الأرض، واستئناف الحياة الإسلامية رغم كل الظروف القاسية والمؤامرات المريبة التى لا ترحم.
  • ولئن كان الشهيد سيد قطب قد زرع في كل بيت كتابا ينير العقل وفكر تهتدى به الأجيال فقد زرع الشهيد حسن البنا في كل ميدان رجلا وفي كل حقل داعية يعطى المثل الحى على أن الإسلام حسن تحمله القلوب الصادقة في الصدور العامرة يحيلها أقباسا وضيئة، ومشاعل على الدرب، وعنا وين على البذل والعطاء .. لتكون كلمة الله هى العليا أبدا، وجند الشيطان الخاسرون إلى بوار ..
  • لقد قدر للرجلين أن لتقيا في عام الولادة .. وأن لتقيا في ساح الشهادة، بأن يسقط كل منهما على يد طاغية أرعن وجندى من جند الشيطان .. والرجاء في رحمة الله كبير بأن يغمرهما بفضل منه وأن يجمعهما في مستقر رحمته في مقعد صدق عند مليك مقتدر ..