الشيخ ياسين.. رمز الجهاد والكرامة

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الشيخ ياسين.. رمز الجهاد والكرامة

بقلم: د. جمال نصار

رمز الجهاد.jpg

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (الأحزاب:23).. في مثل هذه الأيام رحل عنا شيخ المجاهدين المربِّي الشيخ أحمد ياسين في (22/ 3/ 2004 م)، هذا الرجل الذي أيقظ الأمة بعد سُبات، ودفع فيها روح الجهاد والاستبسال، وربَّى جيلاً فذًّا من المجاهدين المخلصين.

عاش الشيخ أحمد ياسين عيشة السعداء، فلم يكن يعيش عيشة الأغنياء المترَفين، ولكنه كان سعيدًا بإيمانه، سعيدًا برسالته ودعوته وأبنائه، الذين ربَّاهم على الجهاد، ورآهم أمامه يقدمون أرواحهم، ويضعون رءوسهم على أكفهم، ويفجِّرون أنفسَهم في عدوِّ الله وعدوهم.

عاش الشيخ ياسين مُعلِّمًا مجاهدًا عابدًا لله تعالى، محبًّا لدعوة الإخوان ورجالاتها منذ زيارة الإمام البنا لغزة، وزخرت طفولتُه بالعديد من الأحداث والمشاهد، واستطاع بصبره وإيمانه أن يتجاوزَ التحدياتِ التي واجهته، وأن يُثبت ذاته؛ حتى أصبح شيخًا للمجاهدين، وحقَّق الله أمنيتَه بأن سقط شهيدًا على يد بنيى صهيون الغادرين.

الشيخ ياسين.. ومشروع التغيير

لقد كان الشيخ أحمد ياسين طرازًا فريدًا بين قادة الثورات الوطنية، فقد نبَتَ مع جذورِه الشعب الوطني، وقاسمه النكبات، وعاشَ معه في المنافي والمخيَّمات التي فرَضَها الكيانُ الصهيوني، وكان إيمانُه عاصمًا له من اليأس أو الركض وراء السراب أو الأوهام، وقد أدركَ قبل غيره حقيقةَ النوايا الصهيونية، وأن السلام الذي يتحدثون عنه ليس سوى الاستسلام الرخيص، ففضَّل تسمية الأشياء بأسمائها، وعدم إضاعة الوقت، وقد جاءت نهايته مصداقًا لما آمن به ودعا قومه لإدراكه.

لقد أراد أن يقدِّم النصح لأمته والعالم في حياته، لكنَّ مناخ الخديعة والاستسلام كان أقوى من محاولاته، وكان لا بد أن يقدم النصح مشفوعًا بدمه ودم إخوانه.. لقد بدأ الشيخ مشروعَه التغييري منذ بداية الخمسينيات، وأخذ هذا المشروع بُعدًا تربويًّا وتنظيميًًّا في الستينيات والسبعينيات، أفضى بعد ذلك إلى تأسيس حركة حماس؛ لتقوم بدورِها في الجهاد وضربِ الاحتلال ودحرِه بكل ما يمكن من قوة، وعدم الخروج بهذه العمليات عن دائرة فلسطين كلها، وتحريم توجيه السلاح إلى صدر فلسطيني.

وظهور هذا المشروع وتطوره- برغم الضغوط الاستعمارية الهائلة على المنطقة العربية والإسلامية (وفي القلب منها فلسطين)- يشير إلى ثقةٍ أكيدةٍ في تحقيق وعد الله بتحرير فلسطين مهما طال الزمن، على أن يتمَّ الإعداد له بإستراتيجية جهادية متكاملة، تبدأ من تربية الأجيال تربيةً إسلاميةً تعتمد على أداء الفرائض الدينية، ودراسة كتاب الله دراسةً واعيةً، ودراسة السنة النبوية، والاطلاع على التاريخ، مع دراسة العدوِّ وإمكاناته ومَواطِن ضعفه، والقُوى التي تناصره؛ حتى يتحقق للمسلم وعيٌ صحيحٌ بالواقع وتصورٌ سليمٌ في الفكر والاعتقاد.

الشيخ ياسين.. وتأسيس حماس

نتيجةً للجهود المباركة التي قام بها الشهيد وإخوانه شهدت فلسطين تطورًا واضحًا وملحوظًا في نموِّ وانتشارِ الصحوة الإسلامية؛ ففي عام 1987 م اتفق الشيخ مع مجموعةٍ من قادة العمل الإسلامي الذين يعتنقون أفكار الإخوان المسلمين في قطاع غزة على تأسيسِ تنظيمٍ إسلاميٍّ لمقاومة الاحتلال الصهيوني بغيةَ تحرير فلسطين، أطلقوا عليه اسم "حركة المقاومة الإسلامية" المعروفة اختصارًا باسم (حماس).

وتُعد حركة حماس امتدادًا لحركة الإخوان المسلمين، وقبل الإعلان عن اسم الحركة علنيًّا من قِبَل الإخوان المسلمين تمَّ استخدامُ أسماء أخرى للتعبير عن مواقفهم السياسية تجاه القضية الفلسطينية، منها (المرابطون على أرض الإسراء) و(حركة الكفاح الإسلامي) وغيرها.

وتشير المادة (33) من ميثاق حماس أنها تجاهد اليهود المغتصبين، دفاعًا عن الإنسان المسلم والحضارة الإسلامية والمقدسات الإسلامية، وتعتمد الحركة على الجهاد وتَعتبره إستراتيجيةً وليس تكتيكًا، وتنص على أن الجهاد فرضُ عينٍ على كل مسلم وفق المادة (15).

ولم ينتهِ الجانب التربوي والدعوي بتأسيس حركة المقاومة الإسلامية، فإلى جانب تولي قيادة الحركة استمر الشهيد بالقيام بهذا الدور انطلاقًا من المساجد، ومن خلال استخدام الوسائل الإعلامية الحديثة، ومع تصاعد أعمال الانتفاضة بدأت السلطات الصهيونية التفكير في وسيلة لإيقاف نشاط الشهيد، فقامت في أغسطس 1988 م بمداهمة منزله وتفتيشه وهددته بالنفي إلى لبنان.

نهاية مشرِّفة

لم يكن يليق بالشيخ المجاهد بعد مسيرة طويلة من الجهاد أن يموت على فراشه كما قال مجاهد الرعيل الأول خالد بن الوليد- وكما استطاع لسان حاله أن يقول مع سيف الله-: "لا أقر الله أعين الجبناء"!!

رجل كسيح منذ صباه، ركِبَتْه الأمراض في السنين الأخيرة؛ حتى أصبح يعانق الموت كلَّ ساعة، ولم يعُد لديه ما يقدمه لقضية شعبه، فقدم الثمن الغالي الذي لا يستطيع أن يقدمه سواه، كان من الممكن أن يموت في أي لحظة كما يموت الألوف من الناس ويطويه النسيان، ولكنَّ القدَرَ أراد أن يعطيه الجائزة الكبرى، وأن يصنع منه أسطورةً بطوليةً، ويُحيلَه إلى طاقة هائلةٍ تتدفق في شرايين الشعب المجاهد وشرايين العرب والمسلمين.. لقد أراد له القدر أن يكون أنشودةً يتغنى بها المجاهدون في جبال فلسطين، وعلى امتداد الرقعة العربية والإسلامية لأجيال كثيرة.

لقد أثبت الشيخ ياسين في حياته ومماته أن القوة المسلحة لا تستطيع أن ترهب شعبًا يتمسك بحقوقه المشروعة، وإذا كان الكيان الصهيوني يعتقد أن بوسعه أن يجعل المستعمرين أغلبيةً في فلسطين- عن طريق الهجرة والاستيطان- فإنها ستظل أقليةً منبوذةً تافهةً في المحيط العربي والإسلامي، ولا شكَّ أن استشهاد الشيخ أحمد ياسين سيغني عن كل منطق في دفع العرب نحو التضامن لحماية ديارهم أمام هذا الوحش الدموي.

رحم الله الشيخ المجاهد أحمد ياسين وجميع شهدائنا، وأسكنه فسيح جناته، ورزقنا أمثاله من المجاهدين الصابرين المحتسبين، وألحَقَنا بهم غيرَ مبدِّلين ولا مغيِّرين.

﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ (غافر: 51).