العلاقات السياسية لجماعة الإخوان في ثمانينيات القرن العشرين

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخوان المسلمون في سورية مذكرات وذكريات
العلاقة السياسية لجماعة الإخوان في ثمانينيات القرن العشرين وما بعدها

عدنان سعد الدين

الكتاب الخامس

موقع إخوان ويكي

محتويات

مقدمة

مذكرات الأستاذ عدنان سعد الدين المراقب العام السابق للإخوان المسلمين بسوريا من الكتب الهامة التي تؤرخ لحركة الإخوان بسوريا وتكشف كثيرا من الحقائق التي يجهلها العالم عن النظام البعثي السوري والاضطهاد الذي تعرضت له الحركة ورجالها ونسائها على يد حافظ الأسد الرئيس السوري.

كما توضح تسلسل مراحل الدعوة في سوريا منذ دخل الدعوة إلى سوريا وفترة المراقب العام الأول الدكتور مصطفى السباعي والذي توفى عام 1963م، كما توضح طبيعة العلاقة بين ابناء الحركة الإسلامية في هذه البلد.

وهذا هو الجزء الخامس من مذكرات هذا المؤرخ.

وقد طبعته اكثر من دار سواء دار مدبولي المصرية أو دار عمار السورية

توطئة

خاضت جماعة الإخوان المسلمين معركة شرسة فرضتها عليها حكومة الأقلية الأمنية ، لم تكن الجماعة مستعدة لها ، ولا راغبة فيها ، إذ إن الجماعة أصرت في أكثر من مكان في خطتها العامة التي نشرتها كاملة في نهاية المجلد الثاني من هذه الموسوعة ، على تجنب الصدام مهما بلغت درجة استفزاز السلطة ، ولكن حكومة الأقلية بما تملكه من أحقاد دفينة من جهة ، وحماسة الشباب الناشئ ، واندفاعهم الذي يفتقر إلى الوعي والحكمة ، جر علينا وعلى السوريين جميعاً كوارث غير مسبوقة ، وتسلطا رهيبا ، وكيدا تجاوز كل الحدود والتصورات.

من جهة أخرى خاض الإخوان السوريون معركة موازية من نوع آخر ، كان ميدانها الفكر والإعلام والسياسة ، وأجروا حوارات ، وأقاموا صلات وعلاقات ، وعقدوا اتفاقات ، نرجح أن أياً من التنظيمات الإخوانية الأخرى لم تمارسها ولم ترق إلى مستواها.

ولأهمية هذه التجارب السياسية الثرية ، وما تنطوي عليه من نتائج وأسرار ، آثرت على أن يكون هذا المجلد الخامس مسرحا لها ، ومحتويا لأحداثها ذات الأهمية البالغة.

لقد امتدت فترة هذه العلاقات قرابة عقد من الزمن ، منذ أواخر السبعينيات ومعظم سني الثمانينيات وحتى مطلع التسعينيات ، وشملت دولا كثيرة كالأردن والعراق ومنظمة التحرير الفلسطينية واليمن والسعودية ومصر والسودان ودول المغرب العربي ، ودولا إسلامية عدة مثل باكستان وأفغانستان وماليزيا وأندونيسيا بدرجات متفاوتة تتراوح بين الزيارات والحوارات وبين المواثيق والاتفاقيات ، شملت حكومات وأحزابا وشخصيات ، واكبتها لقاءات مع وكالات أنباء وصحف عالمية شهيرة كاللموند والتايمز وغيرهما.

ألفيت كل هذا جديرا بالبحث والدراسة والتحليل ليطلع الأبناء وأبناؤهم والأنصار والحلفاء والعاملون في الحقل الإسلامي من شتى المدارس الفكرية والدعوية على هذه التجارب ليستفيدوا من إيجابياتها ، ويتجنبوا سلبياتها إن وجدوا ذلك ، ليبدأ الأواخر من حيث انتهى الأوائل ، لا من حيث بدأوا.

ألف الإخوان أو معظمهم الانطواء على أنفسهم ، وأن ينأوا عمن يختلفوا معهم في المعتقد والفكر والسياسة ، وهم بهذا المفهوم غير تحالفيين ولا جبهويين ، بل كان الصراع الحزبي هو السائد ، وذلك بواقع من تمسكهم بمبادئهم ، والغيرة عليها ، دون النظر إلى ما هو أبعد من ذلك في وجوب الاطلاع بدقة وموضوعية على ما لدى الآخرين من برامج وأساليب في الحكم والسياسة ، وليطلع الآخرون على ما لدينا من مناهج وأفكار ومشروعات وخطط ونظرات في السياسة والدولة والمجتمع ، وبهذا حجبنا عن آفاق ما كان ينبغي أن نحجب عنها ، وحرمنا من فوائد ومزايا الحوار من الآخرين ، لتعرف على ما لديهم ، ونطلعهم على ما لدينا ، فنستفيد من الذين سبقونا إليه ، ونصحح لهم الفهم الخاطئ عن حقيقتنا وصدق توجهاتنا وصلاح مبادئنا وشريعتنا السمحاء ، فيحل الحوار محل الجدل ، والعلاقات الحميمة مكان الخصام والصدام.

الحوار هو الأسلوب الوحيد في الدعوة والتبليغ ونشر مبادئ الإسلام ، وهو الأسلوب الذي طبقه وأخذ به سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم مع المشركين والدهريين والمسيحين واليهود ، وكل المخالفين ، دون أن يضيق صلى الله عليه وسلم بحوار قط ، بل إن جميع الذين حاورهم انتهوا إلى الاقتناع أو المودة على أقل تقدير ، ولم يعرف عنه صلى الله عليه وسلم أنه ضاق بحوار ، أو توقف عنه ، أو تبرم من رأي مخالف ، أو واجه الآخرين بشدة أو بأس ، بل كان بقلبه الكبير ، يسع الجميع ، فيقول قائلهم ، كالذي ورد على لسان هند بن عتبة رضي الله عنها : « التقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أبغض الخلق إلينا ، وتركناه وهو أحب الناس إلينا ».

إن البعد عن الناس وعدم الاختلاط بهم ، وتأليف قلوبهم سياسة خاطئة لا تمت إلى الأسلوب النبوي بصلة ، فرسولنا صلى الله عليه وسلم يقول : « المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم ، خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم ».

كان الرسول صلى الله عليه وسلم وكل صحابته دون استثناء يدعون إلى الله بالحكمة ، ويؤلفون القلوب ، ويرغبون الناس بالإسلام الذي أرسله الله جل وعلا رحمة للعالمين.

إن في الحوار فوائد جمة ، منها : تعرفنا على مواقف الناس وأفكارهم ، وعلى تأليفهم ، وتعريفهم بالإسلام ودعوته ومبادئه وأحكام شريعته ، ومنها تهدئة الخواطر ، وإطفاء نار العداء ، وإمساك الخصوم عن التهجم على الإسلام وأهله ، وكسب الكثير ممن نحاورهم ليدخلوا في الإسلام كافة ، أفراداً وأفواجا ، أو كسبهم كأصدقاء أو حلفاء في بعض الظروف ، كما حدث في العهد المدني من حياة النبي صلى الله عليه وسلم.

بيد أن الحوار الذي يكون مجديا هو الذي يضطلع به ذووه والمؤهلون له ، فالداعية المتمكن كالجوهر الذي يزيد تألقا عندما تضعه في الماء ، وأما الذي يعبد الله على حرف ، فليس مؤهلا لمثل هذه المهمة الجليلة ، لأنه كالملح الذي سرعان ما يذوب ويتلاشى عندما يرمى به في الماء داخل الإناء.

ومن فضل الله ومنه : أن فريقا من أبناء الجماعة بلغ مرحلة النضج ، وأضحى جديرا بإدارة الحوار مع الآخرين من مثقفين وسياسيين ومسؤولين ورجال دولة بصورة تدعو إلى الثقة والطمأنينة ، وتثلج قلوب الدعاة.

وخلال سنوات عشر أو ما يزيد ، دخل الإخوان في حوارات وتحالفات مع دول وحكومات وأحزاب وهيئات وشخصيات أفضت إلى نتائج إيجابية مذهلة ، ومكاسب عظيمة لدعوة الإخوان المسلمين السوريين بعد أن خرج الألوف منهم من ديارهم وأموالهم ، وانتقلوا إلى أرض الله الواسعة إثر مطاردتهم والإمعان في قتل شبابهم وتشريد بنيهم وأهليهم.

وفيما يلي نماذج كثيرة من إنجازات الجماعة في الحقل السياسي والعلاقات الدبلوماسية.

  • * *

التجربة الأولى مع الأردن الشقيق

بعد أن استحر القتل في سورية بمراسيم كتبها حافظ ألاسد ، أو كتبت له ، وأحياناً دوان مراسيم طبقا للقانون 49 الصادر عام 1980 ، وأحياناً دونا لنظر إلى مرسوم أو قانون ، فقد خول السفاح كل ضابط برتبة رائد فما فوق من ضباط الجيش والأمن أن يعقد محاكمات أمنية أو ميدانية لمن يريد ، وله أن يصدر أحكاما وينفذها بحث أضحى ( دم كل من يمت إلى الإخوان أو يقف بصفهم أو يتعاطف معهم أو تربطه بالمعارضة قرابة أو جوار أو صداقة ، أو يكون قد استقبل ملاحقا في منزله ) مستباحا ، يقتله أزلام السلطة في منزله أو السجن أو في الشارع دونما مساءلة أو حماية قانونية أو قضائية ، الأمر الذي حمل الألوف على الهرب ، وترك الوطن ، والسفر إلى دول الجوار القريبة أو البلاد البعيدة.

هرع الألوف بل وعشرات الألوف إلى تركيا والعراق ولبنان ، وكان نصيب الأردن من هؤلاء الفارين والنازحين كبيراً لسهولة الانتقال إليه ، إذ لم يكن السوري بحاجة إلى تأشيرة دخول من جهة ، وللقرب المكاني من جهة أخرى ، فتجمع في الأردن أعداد كبيرة جداً طلباً للنجاة من الموت والقتل على قارعة الطريق.

كانت العلاقة بين جمهور الإخوان والمملكة الأردنية الهاشمية ذات ثلاثة أبعاد :

1- مع ملك المملكة الأردنية الهاشمية الملك حين بن طلال غفر الله لنا وله : إذ أفسح صدره للوافدين ، وأصدر توجيهاته لأركان دولته بتسهيل إقامة الوافدين السوريين ، فوجدوا الرعاية التي لا تنسى ، والدعم المعنوي الذي أتاح لهم ومكنهم من مزاولة العمل بكل أشكاله وفروعه ، فلم تمض على إقامتهم فترة وجيزة حتى صار السوريون الوافدون أصحاب محلات تجارية ، ومكاتب هندسية وعيادات طبية ، ومحلات شهيرة في الحلويات الشامية والمعجنات السورية وصار بعضهم من ذوي اليسار.
إن سياسة الملك الراحل حسين بن طلال حيال السوريين كلفته عداء السلطة السورية ، فدخلت معه في خصومة بلغت حد إغلاق الحدود حينا ، وحشد قوات عسكرية سورية على حدود الأردن حينا ، والتهجم العلني بعبارات لا تليق إلا بمن صدرت عنه ضد الملك وعائلته الهاشمية.
لم تثن الملك حسين رحمه الله هذه الأزمة عن الاستمرار في نهجه ، وإتاحة المجال واسعا أمام السوريين ، وكأنهم أبناء الأردن سواء بسواء ، بل لقد اعتبرهم ضيوفه ، وأمسينا على مدى ثلاثة عقود نذكر من نراجع من المسئولين في مناسبات كثيرة بأننا ضيوف الملك حسين ، حتى بعد رحيله رحمه الله.
ولربما يقول قائل من المتربصين أو المتصيدين أو المراقبين : إن للملك حسين سياسة خاصة به في الحقلين الداخلي والخارجي ، وتأتي إجابتنا سراعا : سواء أكانت السياسة الأردنية متطابقة مع ما نطمح إليه أو غير ذلك ، فإننا لم نتدخل قط في سياسة بلد أوينا إليه ، ولم ولن ننسى معروفاً أسدي إلينا ، أو يداً حانية امتدت لمساعدتنا ، وهذا الخلق تلقيناه عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يعتبر الوفاء جزءا من إيمان المؤمنين ، وبهذا المقياس أو الخلق النبيل ، لن ننسى ما قدمه الأردن الشقيق للإخوان السوريين من أفضال لا تنسى على مر الأيام وكر السنين.
2- كانت الجهة الثانية التي كنا نرجع إليها في معاملاتنا وشئون إقامتنا وما يتصل بذلك هو الفريق أحمد عبيدات مدير المخابرات العامة طبقا للأوضاع الحكومية والنظامية الأردنية.
كان الفريق أحمد عبيدات -أبو ثامر ، مثال الرجل في التعامل مع الآخرين ، وكان يتصف بشكل ملموس بالشهامة والحمية العربيتين ، وكان يؤنس زواره ، ويتعامل معهم بلطف ورجولة ، وبالرغم من أن ضابط الاتصال بين الإخوان وأبي ثامر هو الأخ على البيانوني -أبو أنس- فقد كنا نزوره بين الفينة والفينة في منزله في حي الشميساني على شكل وفد أو مجموعة قد تضم الشيخ سعيد حوى رحمها له وأبا أنس وكاتب هذه السطور ، وكان مثال المضيف الذي يقوم بنفسه على خدمة زواره في تقديم الضيافة لهم ، وتجاذب أطراف الأحاديث الطلية معهم.
إن الفترة التي عرفنا بها الأستاذ الكبير أحمد عبيدات لا ينالها النسيان ، ولا يدانيها من الاحترام والمعاملة الراقية إلا الذي لمسناه من الفريق مصطفى القيسي فيما بعد من خلق كريم ومعدن أصيل ، ومعاملة مثلى سيزيد مع الأيام رسوخها في ذاكرتنا ونفوسنا إذ نشعر بالعجز عن الوفاء للرجلين في ذمتنا ، فإننا ندعو الله لهما بالتوفيق ، وأن يجزيهما خير الجزاء وأحسنه.
3- أما الاستقبال رجال جماعة الإخوان بالأردن فقد ذكرنا باستقبال الأنصار لإخوانهم المهاجرين -مع الفارق- إذا أكرموا وفادتنا ، وغمرونا بفيض مودتهم ، وفتحوا لنا قلوبهم وبيوتهم ، وكلفوا أحدهم بالقيام على أمورنا وإيوائنا وتأمين جميع حاجاتنا من مأكل ومشرب وإقامة ، وقد كان التوفيق حليفهم عندما كلفوا الأخ الشهم إبراهيم المشوخي -أبو عبد الله- الذي قام هو وأهله وذووه على تأمين أمورنا ، وكانت والدته -رحمها الله- ترعانا وتطهو لنا طعامنا كما تفعل مع أبنائها لفترة طالت دون أن نلمس من إبراهيم ضجرا أو تبرما ، أو أي مظهر من مظاهر الضيق بضيافتنا المكلفة.
لقد استمر أبو عبد الله الذي لم نر شهامة كشهامته ، ولا أخوة كأخوته ، على هذا المنوال في ترتيب أمور الجميع بأعمال مفيدة ومجزية سبقت الإشارة إليها منذ قليل.
إن ما لمسناه من الأخ إبراهيم من صدق الوفاء والإخاء ، ومواقف الفضل عصية على التقادم والنسيان ، وكذا إخوانه وعلى رأسهم الأخ المراقب العاممحمد عبد الرحمن خليفة طيب الله ثراه وإخوانه الكرام ، وإذا كان الشيء بالشيء يذكر ، فإن من المعادن الثمينة التي عرفناها عن قرب هو الأخ الفقيد أحمد قطيش الأزايدة الذي أشعر بالعجز عن التعبير عما يكنه القلب من توقير وتقدير وإجلال لهذا الرجل الذي قل أن تلد الأرحام مثيله في الخلق الرفيع والأدب الجم والكرم النادر ، والمودة التي يفيض بها على إخوانه وعارفيه وزائريه.
رحم الله الأخ أحمد قطيش الأزايدة رئيس كتلة الإخوان في البرلمان الأردني ، ورئيس بلدية مأدبا التي أحبه شعبها مسلمهم ومسيحيهم ، لأنه كان صادقاً مع الجميع ، ومخلصا للجميع ، ويخدم الجميع دونما تقصير أو تمييز بين المواطنين في تعامله معهم ، كما لا يسعني إلا التنويه بالأخ الفقيد شاعر الأقصى يوسف العظم أبي جهاد لوفائه الذي ظللت ألمسه فيه حتى أيامه الأخيرة قبل أن يسبقنا إلى رحاب الله وعفوه ، غفر الله لنا وله ، وجمعنا به في مستقر رحمته وواسع جناته ورضوانه.
  • * *

التجربة الثانية مع العراق الشقيق

أعلنت السلطات السورية عن مطاردتها لعدد من أعضاء التنظيم الإخواني ، ورصدت مبلغ خمسين ألفا لكل من يقبض على أي منهم أو يدل عليه ، فلجأ المطلوبون المطاردون إلى بيروت فرارا بأرواحهم ، وصادف أن سافرت إلى بيروت في تلك الآونة ، فالتقيتهم ، وكانوا خمسة أعضاء ينتمون إلى عائلات كريمة من آل العلواني وآل الحداد وآل الزعبي من مدينة حماة ، وكانوا في ريعان الشباب ، لا تتجاوز أعمارهم العشرينيات ، بل إن بعضهم لم يبلغ العشرين من عمره ، كالشهيد مهدي علواني رحمه الله ، عرضت عليهم مبلغاً من المال ، فقالوا : لسنا بحاجة لذلك ، فألححت عليهم أن يستلموا مبلغاً يضيفونه إلى ما لديهم حسابا للطوارئ ولما قد يتعرضون إليه فقبلوا ذلك ، ثم ذكروا لنا أنهم تلقوا عرضين للجوء السياسي ، أحدهما من مصر ، والآخر من العراق ، وسألوني رأيي في ذلك ، فقلت : إن أردتم الراحة والبعد عما يحدث في سورية ، فمصر هي الأفضل ، وإن أردتم الاستمرار في المعارضة والاتصال الدائم بما يجري في سورية ، فالعراق أفضل ، فآثروا التوجه إلى بغداد ، بعد أن رتبت لهم أوراق السفر ، فتوجهوا إلى المطار ، وكنت مع بعضهم مودعا.

من هنا بدأت علاقتنا ببغداد ، إذ دخل الإخوان الخمسة إلى العراق ، فاحتفظت بهم قوات الأمن لبعض الوقت ، ثم أخلت سبيلهم بعد تحقيق سريع معهم ، وهيأت لهم مكان السكن والإقامة في العاصمة العراقية.

1- أرسل إلينا العراقيون واحداً من هؤلاء ، ( الذين وصلوا إلى بغداد ) إلى الإمارات -حيث كنت أعمل- يحملون عرضاً بزيارة بغداد ، فكان ذلك مفاجأة لنا ووقفنا أمامها في ذهول وحيرة ، فعقدت لقاء مع ممثلي التنظيمات الإخوانية من أردنيين وفلسطينيين ويمنيين ومواطنين وسودانيين وعراقيين.... الخ وسألتهم آراءهم قائلاً : جاء من بعض الجوار استعدادهم لاستقبال الأعضاء الذين يطاردون في كل مكان من سورية ، وتستباح دماؤهم على الأرصفة وفي قارعة الطريق ، فكانت الإجابات متباينة ، منها المحذر ، ومنها المتحفظ ، ومنها المتوقف عن إبداء الرأي ، باستثناء المندوب السوداني الذي قال : إذا أتيحت لكم فرصة تنقذون فيها أبناءكم من القتل ، ولم تهتبلوها فأنتم آثمون.
حملت هذه الآراء في طريقي إلى عمان ، وأجريت مناقشة موسعة مع قيادة الجماعة حيال هذا الأمر ، فكان الحذر والتخوف سائدين ، إذ كيف نفر من بعث إلى بعث ( قبل أن نعرف الفرق بين التنظيمين من حيث المنشأ والتركيب والأفكار والمواقف والتطلعات والتباين الكبير بين الحزبين ) واستشرنا إخواننا في مكتب الإرشاد حول دعوة تلقيناها لزيارة بغداد ، فأشاروا علينا بالاستجابة لذلك ، باستثناء المراقب العام بادئ ذي بدء.
زار الإخوان القياديون بالتتابع بالعراق ، وذهب كل من الإخوة محمد الحسناوي وسعيد حوي ومحمد ديب الجاجي ، وعادوا يتحدثون عن زيارتهم التي صادفوا فيها ترحيبا وتكريما ، وشعروا بالطمأنينة ، وهكذا فتحت لنا أبواب العراق على مصاريعها ، لتنشأ عنها أمور كثيرة وكبيرة جديرة بعرضها وتسجيلها.
أ- كانت البداية إرسال مجموعة مؤلفة من خمسة عشر أخا إلى بغداد ليلتحقوا بدورة تدريبية عسكرية ، ولشدة خوفنا أجرينا للإخوة دورة دعوية كلف الشيخ سعيد حوي رحمه الله بالإشراف عليها ، لتحصين شبابنا قبل أن يتوجهوا إلى دولة علمانية ، فذهب الإخوة بقيادة واحد منهم هو الأخ الشهيد زهدي عبد الكريم -أبو النور- ، والتحقوا في دورة للتدريب على السلاح ، مدتها خمسة عشر يوماً ، وحدث في ذات صباح أو يوم أن الضابط العراقي المناوب هتف بشعار البعث في أفراد الدورة ، وكان الإخوان ضمنهم ، فلم يردده الإخوان ، ورفع مسئولهم -أبو النور- يده ، وطلب الحديث مع المناوب ، قائلاً له : نحن من فصيل آخر ، ومن اتجاه إسلامي ، وننتمي إلى تنظيم خاص بنا ، فجاءت الإجابة : عدم تكرار هذا الأمر طيلة مكثنا في العراق حوالي ربع قرن.
عاد الإخوة الخمسة عشر من دورتهم -وكان أحد أبنائي في عدادهم- وقدم مسئولهم تقريراً عن كل ما شاهدوه وسمعوه ، وكيف كانت معاملة العراقيين لهم ، وما الذي استفادوه من خبرة تدريبية دون أن يصادفوا أي عقبة أو أمر سلبي ، فاطمأنت الجماعة إلى سلامة أبنائها ، واحتفاظهم بما هم عليه من أصول وفروع ، بالإضافة إلى ما اكتسبوه من خبرة في التدريب على السلاح.
ب- تتالت الدورات بأعداد أخرى لاحقة ، كما تتالى تقديم التسهيلات والأمور اللوجستية ، وفتح العراقيون أبواب الجامعات على مصاريعها لأعضاء الجماعة ، إذ كان أكثر المطاردين من الطلاب ومن أبناء الجامعات ، فالتحق كل طالب بالكلية التي كان بمثلها في سورية ، وبالفصل الذي كان طالبا فيه دون أن يفوتهم أو يضيع عليهم من دراستهم شيء ، وهكذا أنقذ مئات وأكثر من أعضاء تنظيمنا مستقبلهم الدراسي ، واستمروا حتى أنهوا دراستهم ، وحملوا شهادتهم الجامعية ، وحمل كثير منهم الشهادات العليا في جمع الاختصاصات ، وأضحى عدد منهم أساتذة في جامعات العراق واليمن ودول الخليج وغيرها.
كما حمل أبناء تنظيمنا جوازات السفر العراقية حتى بلغ في إحدى الفترات ألفا ومئتي جواز سفر ، ثم تقلصت فيما بعد حسب الظروف التي جدت إلى دون العشرة اقتصرت على أعضاء القيادة دون غيرهم.
غير أن الأهم من هذا كله ، من الدراسات والتدريب وجوازات السفر ، ما خصصته إذاعة المعارضة التي كنا نشارك بها في ركن خاص بالإخوان يبث فيه الإخوان لمدة ساعة ما لديهم من أفكار وثقافة إخوانية ومبادئ إسلامية على تردد كان يغطي كل بلاد الشام في سورية ولبنان والأردن وفلسطين ، وكم كانت دهشتنا بل وفرحتنا حين علمنا أن شباب فلسطين كانوا يتابعون بثنا في ركن المجاهدين ، ويستمعون إليه على نطاق واسع ، وأنهم تشبعوا بالروح الجهادية التي كان الركن يركز عليها ويبشر بها ، ويستنهض أبناء الإسلام على رفع رايتها والاستعداد ليوم كريهة وسداد ثغر.
2- رأينا أن الإخوان. لم يكونوا قبل الأحداث الساخنة يميلون إلى التحالفات والمشاركة في الأعمال الجبهوية ، ولكن بعد أن فتح العراق أبوابه ، طرح البعثيون السوريون المعارضون موضوع التحالف بين الإخوان والفصائل الأخرى ، فترددنا في ذلك وتخوفنا منه ، ثم مر بنا الأستاذان حمود الشوفي وخالد الحكيم، وهما اثنان كان ثالثهما نسيم سفرجلاني ، ظل ولاؤهم لصلاح البيطار ثابتاً. وكانوا من أركان المعارضة البعثية للنظام السوري.
حضر الشوفي والحكيم إلى عمان ، والتقيناهما مرتين ، كانت الثانية في منزل الأخ عبد الله الطنطاوي حفظه الله ، وكان تشكيل جبهة عريضة من كل أطياف المعارضة مدار البحث على مدى ساعتين تقريباً ، ولقد لخصنا موقفنا بطلب واحد لا نتجاوزه : أن يكون الإسلام دين الدولة ، والشريعة الإسلامية مصدر التشريع في أي ميثاق نتفق عليه ، فقال أحدهم وما زلت أذكره : إن الموافقة على ذلك واجبة ، وإن إهمال هذا المطلب لتشكيل التحالف يعتبر تفريطا وانحرافا وطنيا.
أ- شعرنا بالطمأنينة ، وجرت ترتيبات اللقاء في بغداد لتشكيل التحالف والاتفاق على ميثاقه ، وعبر اللقاءات جرت ترشيحات من كلا الفريقين المعارضين لتشكيل الهيئة التأسيسية ، فرشح البعثيون والاشتراكيون : أكرم الحوراني وشبلي العيسمي وحمود الشوفي وخالد الحكيموأسماء أخرى ، ورشحنا شوخنا : مصطفى الزرقا ومحمد المباركوعمر بهاء الدين الأميريوالشيخ عبد الفتاح أبو غدة وأسماء أخرى ، ولم يعترض أي من أطراف التحالف على أي ترشيح ، لأن الرغبة كانت في توسيع دائرة الهيئة التأسيسية ، لتشمل أطيافا واسعة من المعارضين.
عقدت الهيئة التأسيسية أول اجتماعاتها برعاية نائب الرئيس العراقي الأستاذ طه ياسين رمضان ، ورئاسة أكبر الأعضاء سناً : أكرم الحوراني ، وطرحت مبادئ الميثاق ، وجرت مبادرات متشعبة في حديث الأعضاء ، فلمسنا أن اللذين زارنا في عمان ووافقا على دين الدولة ، وعلى أن تكون الشريعة مصدر القوانين ، قد تحدثا بلهجة أخرى ، فتكلم رئيس مجموعتنا الدكتور حسن هويدي رحمه الله حديثاً مطولاً ، وأسهب في الحديث عن أهمية أن يكون الإسلام دين الدولة وأطال ، ثم تحدث شبلي العيسمي حديثاً مشبعا بالروح العلمانية ، ومما جاء في حديثه : إننا نكافح منذ ثلاثين سنة لإرساء قواعد العلمانية في المجتمع ، فاستفزنا حديثه وموقفه الذي يتعارض مع الذين اتفقنا عليه معهم قبل تشكيل الهيئة التأسيسية ، فأجبته في حدة وشدة وانفعال : ونحن نقدم شهداءنا ، لا لنكون أمراء أو وزراء ، بل لنرسي قواعد الإسلام في المجتمع ، ونثبت مبادئ الإسلام في الحياة العامة ، وعندما بلغ التوتر مداه ، بادر السيد طه رمضان إلى إيقاف الحوار مقترحا رفع الجلسة ، وقد كان.
ب- في ردهات المبني الذي عقدنا الجلسة فيه -مبنى قيادة الجيش الشعبي- تجاذبنا أطراف الحديث مع عدد من أعضاء الجبهة ، كان من أهمهم نائب الرئيس العراقي طه رمضان الذي لمسنا فيه ميلا واضحاً لموقفنا وأفكارنا حول الإسلام وشريعته ، واكتشفنا أن الدستور العراقي المؤقت ينص بوضوح على أن الإسلام دين الدولة ، فوقع البعثيون السوريون في مأزق ، لأن إصرارهم على مواقفهم يعني خروجاً على مواقف قيادتهم العليا ، فحملهم ذلك على الانسحاب من مواقفهم ، والتراجع عنها ، والتسليم بمبادئ ميثاق التحالف التي تقدمنا بها.
لقد أرضى البعثيون أنفسهم في أمور طرحوها لا تتناقض مع أفكارنا ومبادئنا ، فنص الميثاق على الحرية التي كانت أحد أركان الشعار الذي أعلنه الإمام البنا ( الحق والقوة والحرية ) وعلى الوحدة العربية التي يعتبرها البعثيون -غير الطائفيين- ركناً ركينا من شعاراتهم ، ويعتبرها الإخوان جزءا من معتقداتهم ومبادئهم ، وليس من سياساتهم فحسب ، وبذلك تم الاتفاق على ميثاق التحالف الوطني الذي وصفه أحد أركان التحالف اللواء محمد الجراح ممثل التوجه الناصري ، بأنه -أي الميثاق- يصلح أن يكون ميثاق حزب ، وليس ميثاق جبهة وتحالف يضم عدداً من التيارات المتباينة في أهدافها وسياساتها.
3- احتوى الميثاق الذي تقدمت به لجنة صياغة مشتركة من مقدمة أو توطئة شرحت مأساة الشعب السوري ، والنكبة التي أصابته وحلت بساحته ، ومن سنة عشر بندا أو مادة ، وتم التوقيع عليه وتصديقه في 15 جمادي الأولى 1402هـ الموافق 11 آذار 1982م.
أ-نصت التوطئة أو المقدمة على ما يلي : لم يشهد التاريخ مثيلا للمأساة الكبرى التي يعيشها شعبنا في سورية تحت وطأة نظام حافظ أسد ، الذي فرض على شعبنا أشكالا من الإرهاب والقمع الدموي ، أخرجت هذا النظام من دائرة الوطنية ، وجعلت منه عدواً حقيقياً لشعبنا ، ولكل قيمة وتطلعاته ، فقد لجأ هذا النظام المجرم إلى مصادرة الحريات العامة والخاصة ، وملأ السجون بالمعتقلين ، وسلط عليهم أبشع أنواع التعذيب ، واغتال المئات منهم في السجون ، دون تحقيق أو محاكمة ، كما حدث في الرستن عندما قتل مئة وعشرين امرأة ، وفي مجزرة تدمر الرهيبة عندما قتل بأمر مباشر من رفعت أسد سبعمائة معتقل ،... والبعض يقدر عدد الضحايا بألف وسبعمائة معتقل ، وأطلق هذا النظام عصابات القتل والإجرام التي أضحت سنده الأساسي في تحكمه بالبلاد ، إذ أطلق يدها في المدن السورية ، فاستباحت كل شيء بكل وحشية وهمجية ، تسلب وتنهب ، وتنتهك الأعراض والحرمات ، وتدوس على المصاحف وتمزقها ، وتهدم المساجد والكنائس ، وتقتل المواطنين ، وتمثل بهم ، وتمزق لباس الحشمة ، وتقتل من يعترض سبيلها ، وقد ازدادت في السنتين الأخيرتين مظاهر الظلم والطغيان هذه زيادة خطيرة ، فتعرضت أحياء ومدن بكاملها لعمليات الهدم والتمشيط التي شملت دمشق وحلب وحمص وحماة ودير الزور وإدلب وجسر الشغور وسرمدا واللاذقية ، مع ما رافقها من سلب ونهب ، وقتل واعتداء.
لقد كان غرض هذا النظام السفاح واضحاً في إذلال الشعب ، وإهدار كرامته ، وتحدي معتقداته الدينية ومشاعره الوطنية ، وبلغ به الأمر أن أصدر القانون 49 لسنة 1980 القاضي بإعدام كل من يثبت انتماؤه إلى جماعة الإخوان المسلمين ، وقدم المكافآت المغرية ، لكل من يقتل أحد أعضائها ، واتخذ من هذا القانون ذريعة لقتل كل من يرفع صوته ، أو يقف في وجه جرائمه ، ليشرك معه في هذه الجرائم أكبر عدد ممكن من عصاباته وأزلامه.
لقد بلغ من طغيان رئيس هذا النظام وإجرامه حداً يناقض أي أهلية للمسئولية والحكم ، عندما أعلن مرارا أنه سيصفي جسديا خصومه ومعارضيه ، وسيلاحقهم في الداخل والخارج ، كما صدر مثل هذان الإعلام المنكر عن أخيه رفعت ، وقام السفاحان معاً بعمليات اغتيال عديدة داخل سورية وخارجها.

وكان تدميره لمدينة حماة جريمة فاقت أي طغيان سجله التاريخ ، فقد حاصر المدينة المجاهدة ، وقطع عنها الماء والطعام ، وقصف بيوتها ومساجدها وأماكن العبادة فيها بكل أنواع السلاح ، بالمدفعية والصواريخ والطائرات والدبابات ، فهدم منها أحياء كاملة على من فيها ، واستباحها ، وارتكبت عصاباته فيها من أعمال السلب والنهب والهتك ما لم يسبق له مثيل ، ثم منع حافظ أسد أولئك الذين تمكنوا من مغادرة المدينة وهي تحترق ، من العودة إليها مثل الذي فعله الصهاينة في فلسطين.

إن هذه السياسة القمعية الدموية لنظام حافظ أسد ، إنما تستهدف تغيير الطابع التاريخي والسكاني لسورية ، عن طريق محاربته للعروبة والإسلام ، وفرض واقع غريب ومصطنع ، يلغي انتماءها العربي ، ويقطع صلتها العميقة بالإسلام ، ويهدد بتمزيقها إلى دويلات طائفية.

لقد أصيبت سورية على يد هذا النظام بمرض الطائفية السياسية الذي لم يعرفه تاريخنا الطويل ، إذ كانت العلاقات بين الأديان والمذاهب فيها ، نموذج البلد الذي ارتفع بالعلاقة بين المواطنين إلى مرتبة المودة والمؤاخاة.

والطائفية السياسية هنا ليست تعدد الأديان والمذاهب ، فهذه مسألة تضرب جذورها في التاريخ ، وتجد علاجها في التعامل الوطني الديمقراطي ، وإنما هي عصبية فئوية لنظام معزول عن الشعب ، استخدمها لبقائه وتحكمه وطغيانه ، إنها من مخترعات هذا النظام ، ومن حقنة المتاجرين بالطائفة ، وإثارة الفتن من نظام ينشر الرعب في أوساط بعض الطوائف ، ويصور لها أن حياتها مهددة بالخطر من قبل الطوائف الأخرى ، إن هي لم تؤيده وتتكتل حوله.

إن نظام الطائفيين الانتهازيين الذين احتلوا المراكز الحساسة والأساسية في الدولة والجيش وأجهزة الأمن ، مراكز التقرير والإشراف على التنفيذ ، إنه النظام الذي مارس سياسة التمييز الطائفي التي ألحقت الأذى بأبناء طائفته التي حاول استغلالها ووضعها معه في صف معاد للشعب والوطن.

إن نظام حافظ أسد كارثة حقيقية ، حلت بشعبنا ووطننا ، وتمثلت بإلغاء الدور العربي الطليعي لسورية ، وبالتسلط العسكري الدموي على لبنان بعد تدميره وتمزيق شعبه ، وضرب الحركة الوطنية فيه ، واغتيال عدد من قادتها ، وذبح الفلسطينيين في مخيمات تل الزعتر والكرنتينا ونهر البارد وغيرها ، كما تجسدت هذه الكارثة بالمواجهة الدموية مع المقاومة الفلسطينية في لبنان ، بعد أن أغلق في وجهها حدود سورية مع الأراضي المحتلة ، بقصد تحجيمها وتحويلها إلى مجرد أداة طيعة في سوق المساومة الدولية الرامية إلى فرض الاستسلام على العرب ، وتمكين الكيان الصهيوني منهم.

النظام الذي كان فيه حافظ أسد وزيرا للدفاع وقائدا للجيش ، وآمرا لسلاح الطيران ، وعضوا في أعلى قيادة سياسية له ، يتحمل مسئولية هزيمة حزيران سنة 1967 ، ويتحمل حافظ أسد أكبر مسئولية عن تلك الكارثة ، حيث إنه حرم الجيش العربي السوري من شرف القتال ، وسلم الأرض للصهاينة دون قتال ، عندما أمر الجيش بالانسحاب الكيفي ، وأعلن عن سقوط القنيطرة قبل وصول العدو إليها.

أما مسئوليته عن حرب 1973 ، فقد كانت أكبر واشد خطراً ، فبينما اعتقد ضباط الجيش ومقاتلوه أن الفرصة قد حانت ليستعيد الجيش كرامته ، وتحرر سورية أرضها ، وتسهم في تحرير فلسطين ، تصرف حافظ أسد بما يناقض رغبات الجيش وتطلعات الشعب.

وعندما وصل الجيش العراقي الباسل إلى أرض المعركة ، وأسهم في وقف الاندفاع الصهيوني باتجاه دمشق ، أصدر حافظ أسد أوامره بوقف القتال ، فكانت النتائج العملية لتلك الحرب ، أن احتلت الصهيونية أراضي جديدة في بلادنا ، استمر الخط التآمري وأبرم اتفاق فك الارتباط مع العدو الصهيوني ، تمركزت قوة المراقبين الدوليين داخل أراضينا ، وقبل حافظ أسد رسميا بقرار مجلس الأمن رقم 338 الذي يعترف بالكيان الصهيوني.

لم يكن تصرف أسد على الساحة العربية أو الدولية مختلفاً عن تصرفه الشائن ضد شعبنا في سورية ، فقد استخف حافظ أسد بالمصلحة الوطنية السورية ، وبتطلعاتها العربية والإسلامية ، فجعل من الوحدة العربية لعبة يعبث بها ، فيدخل فيها أو يخرج منها ، ويتآمر عليها دون أي شعور بالمسئولية تجاهها ، يقيمها يوماً مع هذا القطر العربي أو ذاك ، ليهدمها ، ويتناساها في يوم آخر ، مستهدفا بذلك تمييع شعار الوحدة العربية ، وزرع الشكوك حول إمكانية تحقيقها ، كما حدث في حشوده على حدود الأردن الشقيق ، وفي تمزيقه للصف العربي ، ومقاطعته لمؤتمرات القمة العربية ، وسعيه لإبقاء الدول العربية عاجز عن رسم أي سياسة جادة لمواجهة الكيان الصهيوني ، ونظرا لما يشكله القطر العراقي من مركز قوة في أي مواجهة عربية ، فقد خص حافظ أسد العراق الشقيق بأكبر قدر من التآمر والغدر ، فتحالف مع شاه إيران ، ومع الصهيونية والإمبريالية ، لتمزيق العراق وشغله داخليا ، وتحالف مع النظام الإيراني المدعوم من الكيان الصهيوني -في تلك الفترة- لاستنزاف طاقات العراق البشرية والمادية ، وإبقاء العرب عاجزين عن وقف التدهور ، والقدرة على النهوض في مواجهة الصهيونية ، وأعداء الأمة العربية.

إن مجمل سياسات حافظ أسد المتمثلة داخليا بإضعاف سورية وإجهادها ، وتعميم القتل والدمار والتهجير فيها ، وتهديدها بتمزيق وحدة شعبها وترابها ، ومحاربته لعروبتها ، واعتدائه على الدين الإسلامي فيها ، وتهديم دور العبادة الإسلامية والمسيحية ، وتشويه المناهج الدراسية ، ولا سيما مناهج التربية الإسلامية ، والخارجية المتمثلة كذلك فلسطينيا وعربيا ، بتمزيق لبنان إلى طوائف متقاتلة ، وعقد الاتفاقات مع العدو الصهيوني لاقتسام لبنان ، كما في اتفاقية الخط الأحمر الشهيرة ، ومحاولاته الدائمة لشق صفوف الثورة الفلسطينية لإنهائها ، وتآمره على الوحد العربية ، والتضامن العربي الفعال ، واستخفافه بالروابط التاريخية العميقة بين الإسلام والعروبة.

إن مجمل سياسات حافظ أسد هذه إنما تخدم واقعيا خطط الصهيونية في منطقتنا ، وتجعل منه أداة منفذة لها ، وخنجرا مسموما تغرزه في جسم العروبة والإسلام.

ولما حرم هذا النظام شعبنا من كل حقوق المواطنة ، وفرض على العباد هذه الأجواء السامة المخيفة ، وجعل من التمييز الطائفي سياسة ثابتة ، فقد أصبح شعبنا مضطراً للدفاع عن بقائه ، وعن حقوقه وحرياته ، بكل الوسائل ، وعلى رأسها الكفاح المسلح.

إن حمل شعبنا للسلاح -مع أنه حق تقرره له كل شرائع السماء والأرض ، وواجب تفرضه عليه دواعي الدين والوطنية والنخوة والشرف- كان ردا طبيعياً على ممارسة القهر والظلم والتمييز الطائفي السياسي والقمع الدكتاتوري العسكري ، والإرهاب الفكري ، والتضليل الإعلامي ، ومصادرة الحريات ، وهدر حقوق الإنسان ، وفقدان العدالة والقانون ، وتعشيش الفساد ، وتفشي الإثراء غير المشروع.

إن الدور الخياني والإجرامي الخطير الذي يلعبه هذا النظام ، والذي دفع شعبنا إلى حمل السلاح ، والنهوض بعبء المقاومة الباسلة ، وتقديم ألوف الشهداء البررة ، سيقتضي من جميع الأحزاب والتنظيمات والشخصيات الوطنية ، أن تنهض بمسئولياتها كاملة ، في دعم ثورة شعبنا المجاهد وتطويرها لاختصار الآلام والمعاناة ، والتعجيل بإعادة الصحة والعافية للجسم الوطني الجريح.

لذلك : فقد التقت التنظيمات والأحزاب والشخصيات الوطنية العازمة على إنقاذ سورية -عبر حوار بناء ومسئول- على إسقاط نظام حافظ أسد الخياني ، وإقامة النظام الدستوري النيابي ، على أساس فصل السلطات ، والذي يكفل تعدد الأحزاب والاتجاهات ، ويتساوى فيه جميع أبناء الوطن بالحقوق والواجبات ، النظام القائم على احترام كرامة الإنسان ، وضمان حرياته العامة والخاصة في حدود الدستور والقانون ، النظام الذي يرفض التمييز بين المواطنين جميعاً ، على اختلاف أديانهم ومذاهبهم واتجاهاتهم ، ذلك لأن مثل هذا النظام وحده ، هو النظام الذي يكفل إعادة سورية ، لتؤدي دورها الوطني والعربي والإسلامي والدولي ، وهو الذي يمتنع معه التفرد والتسلط ، أو العودة لنظام الفردية والطائفية والتسلط ، أو العودة لنظام القمع والإرهاب.

وكان لابد أمام هذا الخطر الداهم الذي يهدد سورية بتمزيق وحدتها الوطنية ، وتفتيت شعبها ، وجعلها عرضة للهجمة الصهيونية والاستعمارية ، أن ترتفع جميع الأطراف إلى مستوى المسئولية التاريخية التي تحملها إياها طبيعة هذه المرحلة ، ، فتنبذ خلافاتها ، وتتجاوز سلبيات الماضي وتناقضاته وأخطاءه ، وتبحث عن الإطار المشترك الذي يجتمع عليه أبناء هذا الشعب ، لتعمل يداً واحدة ، من خلال المبادئ المشتركة ، على إنهاء الفرقة المصطنعة بين العروبة والإسلام ، وإيجاد تحالف وطني بين هذه القوى ، مفتوح أمام الجميع ، قادر بإذن الله على إسقاط نظام الخيانة ، وإرساء الأسس الصالحة ، لحياة سياسية نشطة ، ومتفتحة ، تكون سورية في ظلها مصدر إشعاع في جميع المجالات الوطنية والعربية والإسلامية.

ب- وتعبيرا عن المعاني الوطنية السامية ، والتزاما بها ، فقد اتفق أطراف التحالف على المبادئ التالية :
- العمل الجاد الدؤوب لإسقاط النظام الحالي ، باعتماد كافة الوسائل : السياسة ، والإعلامية ، والجماهيرية ، والنضالية لتحقيق هذا الهدف.
- محاكمة كبار المسئولين في هذا النظام عن جرائمهم التي ارتكبوها في حق الشعب والوطن.
- تأليف حكومة مؤقتة ، تقوم فور إسقاط النظام الحالي ، وتعمل بأسرع وقت ممكن للإشراف على انتخاب مجلس تأسيسي ، بغرض وضع دستور دائم للبلاد.
- الإسلام دين الدولة ، والشريعة الإسلامية هي المصدر الأساس للتشريع والتقنين ، باعتبارها تراثا حضاريا وفقهيا للعرب وللمسلمين كافة ، بل وللإنسانية جمعاء ، لا يمس تطبيقها حقوق غير المسلمين في عقيدتهم ، وأداء شعائرهم ، وتطبيق قوانينهم الخاصة بهم ، بكل حرية وأمان.
- ضمان الحريات العامة لجميع المواطنين في سورية ، وفي مقدمة ذلك حرية الاعتقاد ، والتعبير ، والاجتماع ، وتأليف الأحزاب السياسية.
- إعادة بناء الجيش العربي السوري ، وسائر مؤسسات الدولة ، على أساس الإخلاص والكفاءة ، ومبدأ تكافؤ الفرص ، بما يعيد ويحفظ الوحدة الوطنية في سورية ضمانا لدورها الرائد في المنطقة.
- معالجة الأوضاع الاقتصادية المتدهورة ، وإعادة بناء الاقتصاد السوري على أسس متينة ، بما ينهي -بكل حزم- حالة الاستغلال والسلب والنهب والرشاوى ، ودعوة الخبرات والطاقات المهاجرة ، لتساهم في إعادة بناء البلاد.
- إنقاذ العمال والفلاحين والفئات الكادحة ، من عبث النظام في مكتسابتهم ، والعمل على تعزيز هذه المكتسبات التي حققوها في نضالهم الطويل منذ فجر الاستقلال.
- إعادة النظر في المناهج الدراسية ، والمعاهد العلمية ، وجميع مؤسسات الدولة ، بما ينقذها من حالة التردي الراهنة ، ويؤهل البلاد للاضطلاع بمسئولياتها كاملة.
- التعويض الكامل لذوي الشهداء والمتضررين والمصابين في مرحلة الصراع ضد النظام الخائن.
- الإيمان المطلق بتحرير فلسطين من الاغتصاب الصهيوني ، والهيمنة الإمبريالية ، واعتماد كافة الوسائل التي لا تفرط بالحق العربي والإسلامي فيها ، والسعي لتعبئة كل الطاقات ، البشرية والعسكرية السياسية من أجل التحرير.
- التضامن الكفاحي مع الثورة الفلسطينية ، وممثلها الشرعي والوحيد ، منظمة التحرير الفلسطينية ، من أجل تحقيق أهداف الشعب العربي الفلسطيني في التحرير ، واستعادة وطنه.
- العمل الجاد من أجل أوثق العلاقات العربية الأخوية مع الدول والمنظمات العربية ، وحشد جميع الطاقات لمواجهة الأخطار التي تهدد الوجود العربي.
- النضال الجاد لإقامة الوحدة العربية ، وبذل كل الجهود لاتخاذ خطوات وحدوية عملية في هذا السبيل.
- إقامة أوثق العلاقات الأخوية مع العالم الإسلامي -شعوبا ودولا ومنظمات- بما يعزز دور الرسالة الإسلامية في العالم أجمع باعتبار الإسلام عمقا إستراتيجيا ومبدئيا للعروبة ، وأن المسلمين هم سند قوي للعرب ، ورافد أساسي للشعب العربي.
- عدم التورط في الصراعات الدولية ، والالتزام بمبادئ حركة عدم الانحياز ، واعتماد سياسة خارجية مستقلة.

إن سورية التي كانت أول بلد حقق الاستقلال التام في العالم العربي لجديرة بأن تتجاوز مأساتها ، وإن الأطراف المشاركة في هذا التحالف لتطمح أن يكون هذا الميثاق محورا للحركة الحالية ، وإطارا للمستقبل الدستوري والعملي للسياسة السورية ، وإن هذه الأطراف كلها لتأمل أن تكون الجمهورية القادمة في سورية ، معقد الأمل ، ومحط الرجاء ، على المستويين العربي والإسلامي.

وقد حرصت أطراف هذا التحالف ، على أن يجمع في سيرها : الأصالة مع المعاصرة ، والأخلاق مع التقدم ، والعدالة مع إطلاق الطاقات ، وهي إذ تستلهم من الله التوفيق ، وتسأله سبحانه النصر ، فإنها -أي أطراف التحالف- لتدعو الشعب العربي في كل أقطاره ، وتناشد شعوب العالم وقادته ، دعمها في كفاحها العادل ، لإنقاذ سورية من المأساة التي تعانيها ، وإقامة نظامها الديمقراطي متعدد الأحزاب.

﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ صدق الله العظيم/ 15 جمادي الأولى 1402 الموافق 11 آذار 1982.

صادقت عليه الهيئة التأسيسية التي تمثل كل أطراف التحالف بالإجماع ، وتم بعد ذلك تشكيل الأمانة العامة -قيادة التحالف- لعدم الاتفاق على أمين عام لفترة طويلة ، ثم تم تكليفي بمهمة الأمين العام للتحالف فيما بعد.

ج- في وقت لاحق من هذه الفترة تمت ولادة الجبهة الإسلامية التي وضعت في صفوفها الإخوان وطيفا واسعا من العلماء ، عقدوا اجتماعات كثيرة في عدد من المدن على هامش الحج والعمرة ، كان منها مؤتمر في مكة المكرمة بمناسبة موسم الحج ، وأكدوا فيه على اختيار الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رئيسا للجبهة ، والشيخ أبو النصر البيانوني أميناً عاماً ، غير أن أهم اجتماعات الجبهة الإسلامية كان في الرياض حيث ضم كبار علماء سورية من جميع المدن السورية.
حضر من حلب سبعة علماء كبار ، ومن حماة عدد قريب من ذلك ، ومن شيوخ أجلاء ، وكذا من حمص ودمشق ودرعا وغيرها ، وكانت المودة بين الجماعة والعلماء سائدة وملموسة ، وقد ذكرت في كلمة قصيرة أن على شباب الإخوان أن يستفيدوا من علم العلماء باعتبارهم جماعة إسلامية تدعو إلى الله على بصيرة ، وأن يتلقوا توجيهات المربين من السادة العلماء لينشروا الأخلاق الإسلامية والآداب المحمدية ، ويتمثلوا مبادئ الإسلام المنقذة للبشرية جمعاء ، وكذلك ينبغي على شباب الجماعة أن يتعاونوا مع جميع طلاب العلم وتلاميذ الشيوخ والمريدين من كل المشارب ، لتنشأ لحمة بين جميع العاملين للإسلام ، تجعل منهم جسداً واحداً وبنيانا متراصا ، كما ذكرت تقصير الإخوان أحيانًا مع السادة العلماء ، ووجوب احترامهم والاستفادة من علومهم وتوجيهاتهم ، فكان لهذا الحديث المقتضب أثر إيجابي كبير في نفوس الحاضرين ، حتى إن الشيخ عبد القادر عيسى رحمه الله وغفر لنا وله ، قال لمن يجلس بجواره : لو تحدثت في هذا اللقاء لأشرت إلى تقصير الشيوخ والعلماء مع أبناء الدعوة من جماعة الإخوان المسلمين.
غير أن ظروفاً كثيرة طرأت على هذه الجبهة حالت دون استمرارها في عملها ، وتطوير أنشطتها ، من ذلك أن بعض العلماء آثروا الانكماش ، والعمل على عودتهم إلى سورية للنهوض بأعمال العمل الدعوي بعد أن فرغت الساحة السورية ، أو كادت من كثير من علماء سورية الموثوقين لدى جماهير المسلمين في أرجاء الوطن ،ومنها أن بعض العلماء ظنوا أن الجماعة تستأثر بالعمل ولا تشارك العلماء المشاركة المطلوبة ، ومنها أن عدداً من الشيوخ فضلوا الانصراف إلى التعليم والتوجيه ، وجمع التلاميذ على الدراسات القرآنية والنبوية والفقه الإسلامي ، لتنشئة عدد من العلماء يضطلعون بمسئولية الدعوة إلى الله ، وتوعية أبناء الشعب بأمور دينهم وعلوم إسلامهم.
4- جرت حوارات كثيرة مع نائب الرئيس العراقي الأستاذ طه ياسين رمضان ، وحوارات قليلة مع الرئيس العراقي صدام حسين ، سأقتصر على نموذجين منها :
أ- كان السيد طه رمضان يحضر للحوار مع الإخوان على رأس ثلاثة من أعضاء حزب البعث سوريين وعراقيين ، ويتحدث باسمهم ، وكان الإخوان يحضرون بعدد أكبر ، ويحاول كل منهم أن يكون متحدثا ، وفي ذات يوم تناول الحوار الأفكار لكل فئة ، فقال نائب الرئيس طه ياسين :

- إننا نقدر في الإخوان صلابتهم وتمسكهم بمبادئهم ، وهذا ما يجعلهم موضع احترام لدينا .

ثم قال :نحن كذلك نتمسك بشعاراتنا ، ونحرص عليها ، ولا نتساهل بها ، فلو قلنا لكم مثلاً : تركنا مبدأ الحرية ، فهل تصدقوننا؟

قلت له : لا.

ثم قال : لو قلنا لكم تركنا مبدأ الوحدة العربية ، فهل تصدقوننا؟

قلت له : لا.

ثم قال : لو قلنا لكم تركنا مبدأ الاشتراكية ، فهل تصدقوننا؟

قلت : نعم ، نصدق ذلك ، لأن في الشريعة الإسلامية غنى عن الاشتراكية ، وعن المذاهب الأخرى المستوردة.

فسكت ، ولم يعقب على ذلك بأي كلمة سلبية أو إيجابية.

لقد كان طه ياسين يتجاوب مع كل آرائنا ومواقفنا وطلباتنا ، فيما يلزم أعضاءنا من الانتساب إلى الجامعات ، وحمل الجوازات وتسهيلات السفر وغير ذلك ، حتى إن بعض الحزبيين السوريين البعثيين كانوا يطلبون منا مراجعته في الأمور التي لا يلبيها لهم ، فقد طلبوا حصة من الدواء الذي توزعه وزارة الصحة على صيدليات القطر ، وأن يخصص للجالية السورية صيدلية وحصة لها ، فلم يستجب ، وطلبوا تشكيل هيئة لمساعدة الضعفاء من أبناء الجالية ، فلم يلب طلبهم ، وعندما راجعته في الأمرين بأسباب طرحتها له ، استجاب قائلاً : بهذه التفسيرات لا نرد مثل هذه الطلبات.

كان الأستاذ طه ياسين رمضان ، رحمه الله وعفا عنه ، متفاعلا مع تنظيمنا ، ومدقرا لأفكارنا ومواقفنا ، ومستجيبا لكل ما يعنينا ، وفي ذات يوم حمل مفتاح سيارة لي في بيت الضيافة الذي كنت فيه نزيلا ، فقلت :

- أشكركم جزيل الشكر ، فإن أي هدية تحرجني ولو كانت قلم رصاص ، وعندما نضطر سوف نقبل هديتكم باحترام.

وكان لهذا الموقف ما بعده ، فعندما استوردت سيارة من المنطقة الحرة في الأردن ، وطلبت جمركتها ، جاء الرفض على لسان النائب من رئيسه ، فربطت بين الأمرين في عدم قبولي الهدية الذي لم يألفوه ولم يصادفوه ، ولم يرتاحوا له ، وبين عدم الموافقة على جمركة السيارة المستوردة ، فاضطررت إلى بيعها بثلث تكاليفها دون حسرة أو ندم ، وإنني أسجل كل الامتنان للأستاذ طه ياسين رمضان على موافقة منا خلال عشرين عاماً ، طالبا له من الله تعالى الرحمة ، وأن يتغمده بالرضوان والغفران.

ب- أما النموذج الآخر من الحوار ، أو النماذج الأخرى معه ، فأذكر منها حوارين مهمين ، كان الأول عندما جئنا إلى بغداد لأول مرة على شكل وفد برئاسة الدكتور حسن هويدي رحمه الله ، والثاني عندما طلب الرئيس صدام عن طريق نائبه إجراء حوار مع الإخوان حول المبادئ والأفكار ، وأثبت هنا كلا الحوارين لأهميتهما في علاقتنا مع العراق كواحدة من العلاقات التي شملت دولا عربية وإسلامية وأجنبية في أنحاء العالم كما سيأتي.

في الحوار الأول مع الرئيس صدام حسين ، غفر الله لنا وله ، جاء مندوبنا في بغداد الدكتور رشيد عيسي ينقل رغبة القيادة العراقية للقيام بزيارة رسمية إلى بغداد ، فتشكل وفدنا من الدكتور حسن هويدي المراقب العام رئيسا وعضوية كانت هذه السطور ، والشيخ سعيد حوى رحمه الله ، وآخر لم يستطع اللحاق بنا.

استقبلنا مدير المكتب السوري السيد نزار حمدون رحمه الله ، وحملنا بسيارته إلى مقر الضيافة الذي نزلنا فيه ، وبتنا ليلتنا مساء الأحد ، وفي يوم الاثنين الذي تلاه فوجئنا مساء بترتيب اللقاء مع الرئيس ، فحملتنا السيارات إلى قصر الرئاسة المطل على النهر بجانب جسر 14 تموز ، ومكثنا بعض الوقت في الانتظار ، ثم انتقلنا مع الرئيس ونائبيه إلى جهة نائية في حديقة القصر الواسعة ، ومعهم للإنارة نيون صغير أو شمعة حسب التسمية العراقية ، فكان تعليق الرئيس على ذلك :

- إن العدو لم يترك سلك هاتف أو شريط كهرباء إلا استخدمه. تبريرا لجلوسنا في أرض فلاة ، والاكتفاء بإنارة خافتة دون الإنارة الساطعة بالكهرباء.

كان المتحدث بادئ ذي بدء الدكتور حسن هويدي رحمه الله ، فأسهب في كلمته التي كانت يغلب عليها الأسلوب الخطابي والمشاعر العاطفية ، ليثير حماسة الرئيس صدام على ما يقع على السوريين ولا سيما المعارضون من تعذيب وتنكيل واضطهاد وحشي ، لم تشهده سورية من قبل.

استمر الدكتور حسن في كلمته زهاء ساعة والرئيس يصغي ، بل يحسن الإصغاء ، وعندما انتهى عقب صدام على الكلمة قائلاً :

- هل طلبتم شيئاً وحجبناه عنكم؟ هل تريدون أن نحمل لكم الدبابة إلى حلب؟

ثم شرع الرئيس في كلام مفصل استمر زهاء ساعة ، عرض فيه لموضوعات متنوعة كثيرة ، كان من أهمها أن إقامة مجتمع إسلامي ، كما تهدفون ، ليس بالأمر الهين أو السهل ، وقال : إذا أراد مهندس أن يشيد بناء على الأرض في كل مراحله ، فإن ذلك أسهل عليه من ترميم بناء متصدع طال عليه الزمن ، وقد فهمنا من شرحه أن المجتمعات العربية الإسلامية في أكثرها متصدعة واهية ، والعمل على إصلاحها يحتاج إلى جهد كبيرة ، وإرادات صلبة وعزائم قوية ، وعندما انتهى من حديثه استأذنت بالكلام فقلت دون مقدمات :

- عندما جيء بصناديد قريش وقادتها مكبلين بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيد انتصار المسلمين في بدر ، نظر إليهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : لو كان المطعم بن عدي حياً لجعلتهم فداءه ، وكان المطعم قد مات كافراً ، وكان شديد الوطأة علي بن أبي طالب كعضو في وفد قريش الذي طالب أبا طالب بتسليم ابن أخيه لقريش وتسليمه رهينة من قريش مقابل ذلك ، والمطعم كان أحد الموقعين الخمسة من زعماء قريش على صحيفة المقاطعة لمحمد صلى الله عليه وسلم ، ومن معه ، والتي كانت معلقة في جوف الكعبة ، لكن المطعم هذا كان له يد عند رسول الله عندما أدخل محمداً صلى الله عليه وسلم في جواره بعد عودته من الطائف في رحلة شاقة تعرض فيها صلى الله عليه وسلم لإيذاء السفهاء من ثقيف ، فلم ينس عليه الصلاة والسلام هذا الصنيع للمطعم بن عدي ، بل تذكره في يوم كريهة عاقب الله فيها قريشاً.

وعندما جاءت امرأة من البادية ودخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فسأل ممن هذه المرأة ، فقيل له : إنها من بني سعد ، خلع صلى الله عليه وسلم رداءه وفرشه لها إكراما لحليمة التي كانت من بني سعد.

يا أبا عدي : ليس الوفاء ديناً في أعناقنا فحسب ، ولكنه عقيدة في أفئدتنا ، إننا لن ننسى معروفكم نحن وشبابنا وأبناء تنظيمنا ما دمنا أحياء نتنفس الهواء.

وتكلم الشيخ سعيد حوى رحمه الله لمدة خمس دقائق بعد أن انتهيت من كلامي الذي استمر زهاء ربع ساعة ، وورد في كلام الشيخ وهو يخاطب صدام كلمة رفيق ، فأسرع صدام قائلاً : لا أحب هذه اللفظة لأنها جاءتنا من الخارج ، وكان آخر المتكلمين الأستاذ عزت إبراهيم لمدة دقيقة واحدة قال فيها : كم كنت أتمنى أن يحدث مثل هذا اللقاء ، أما وقد حدث ، فأقتصر على كلمة واحدة هي : الحمد لله.

عدنا إلى مكان النزل المخصص لنا في حي المسبح على شاطئ دجلة ، وبعد يومين من المكث فيه والتجول في عاصمة الرشيد وما لمسناه من إكرامنا واحترامنا عدنا أدراجنا إلى مدينة عمان ، ونحن نشعر أن هذه الرحلة كانت ناجحة بكل المقاييس ، وأن العراقيين المعروفين بالنخوة والشهامة والعربيتين فتحوا لنا الأبواب على مصاريعها ، التحاقا بالجامعات ، وحملا للجوازات ، وتريبا على صنوف السلاح ، وتسهيل حركة الأسفار ، وما إلى ذلك من الخدمات اللوجستية ، فجزى الله العراق وأهله خيراً على معروفهم الذي لا يمكن لأبناء دعوة الإسلام أن ينسوه أو يمحي من ذاكرتهم ، وهذا من الوفاء الذي تعلموه وتلقوه من قائدهم وسيدهم وحبيبهم المصطفى صلى الله عليه وسلم.

الحوار الثاني مع الرئيس كان ذا أهمية من لون آخر ، فقد ذكر لي السيد نائب الرئيس كلاماً نقله عن الرئيس قال فيه :

لقد قال السيد الرئيس : هل ستبقى علاقتنا مع الإخوان مقتصرة على التدريب والسلاح؟

فشعرت بالغبطة والبهجة وأجبتك إن هذا يسرنا كثيرًا ، ونرحب به ، ونوافق عليه ، وقلت : إن الشخصيات الإخوانية التي تتقدم على غيرها هم : فضيلة الشيخ عبد الفتاح أو بغدة رحمه الله ، وفضيلة الدكتور حسن هويدي رحمه الله ، والفقير إلى عفو ربه كاتب هذه الكلمات.

لم تمض إلا أيام -وكنا في اجتماع للهيئة التأسيسية- إذ جاء خبر مكتوب بأن الرئيس بانتظار زيارتنا له في قصر الرئاسة ، وفي داخل الجلسة تداولنا أمر الزيارة ، فكتب لي فضيلة الشيخ عبد الفتاح على ورقة صغيرة : ماذا ينبغي علينا من مواقف في هذه الزيارة الأولى -وكان الشيخ رحمه الله كثير الاستشارة-

أجبته كتابة :

- أرى أن نقتصر في الحديث الأول مع الرئيس صدام على ما يتحدث عنه أهل الدعوة والتبليغ من عقيدة وعبادة مكارم الأخلاق.

أجاب الشيخ كتابة : هذا ليس كافيا.

فهممت أن أكتب فلم يتح لي ذلك ، لأننا طلبنا للتوجه إلى حيث ينتظر الرئيس ، ركبت إلى جانب الشيخ في المقعد الثاني من السيارة ، ولم يكن معنا أحد باستثناء السائق ، فأجبت شيخنا مشافهة وهمسا :

- إن الرئيس يصادف ويقابل العشرات بل المئات ممن يمدحون ويتملقون ، وأظنه لا يلتقي إلا القليل الذين يقولون ما يرضي ربهم ، ويريح ضمائرهم ، ويشهدون شهادة الحق.
دخلنا القصر ، فإذا بالرئيس قد أعد عشاء من المشويات على الطريقة العراقية في كل مساء. لقد كان صدام لطيفا للغاية ، وكانت أحاديثه لطيفة طلية ، وعندما بدأنا بتناول الطعام ، قدم لكل منا -نحن الثلاثة- طبقا ملأه بالطعام ، ثم أعاد الكرة بعد حوالي عشرين دقيقة ليقدم لنا أطباقا أخرى بيده ملأها باللحوم والطعام.

بعد أن فرغنا من تناول الطعام شرع الرئيس يوجه جملة أسئلة ، ويستفسر عن بعض الأفكار ، وكان مما وقف عنده ، حكم الإسلام في موضوع الرق ، فأجاب شيخنا أبو غدة رحمه الله إجابات فقهية في هذا الشأن : شعرت أن الرئيس يحمل في داخله أفكارا متباينة بين ما تلقاه من حزب البعث الذي كان يتهم الإسلام بتبنيه لنظام الرق ، وبين ما ورثه عن بيئته المحافظة في تكريت ، وتذكرنا صراعاتنا مع البعثيين السوريين في أربعينيات القرن الماضي وما تلاها من نيلهم للدعوة الإسلامية واتهامها بتبني أنظمة الإقطاع والرق ، وتهجمهم على أحكام العقوبات ، تلك المواقف والأفكار التي انتقلت منهم إلى بعث العراق ، وهذا كله يتناقض مع البيئة العراقية وما نشأت عليه من التقاليد والأعراف والغيرة على الإسلام.. الخ.

لقد وقع في نفسي أن الرئيس صدام يناقش في داخله هذه التناقضات ، ولا سيما أن العمر قد يقدم به ، وأضحى في أواسط الخمسينيات ، فأراد أن يستمع إلى قادة من الحركات الإسلامية أو الإخوان حول آرائهم في مسائل جدلية أثارت في الماضي نقاشات وحوارات ساخنة.

استأذنت بالكلام ، وناقشت موضوع الرق من زاوية فكرية ، فقلت : جاء الإسلام والبشرية كلها تتعامل بنظام الرق ، وكأنه جزء من الطبيعة البشرية والحياة الاجتماعية ، فقد أقره سقراط ودافع عنه ، وأكد عليه أفلاطون ، وجعله جزءا من المجتمع في جمهوريته المثالية ، وأقرته الديانة اليهودية ، وكذا المسيحية ، وتعاملت الإمبراطوريات والحكومات والدول والمجتمعات على أنه جزء من الحياة العامة ، فعالج الإسلام هذه الظاهرة على ثلاث مراحل : بشر في الأولى بالعتق وشجع عليه ، وفتح له ستة عشر بابا يخرج منها الأرقاء إلى ساحات الحرية ، فالذي يضرب رقيقا فكفارته أن يعتقه ، ومن يحنث بيمينه أو يقارب زوجه في أثناء الصيام فالكفارة عتق رقيق ، ومن قتل إنساناً وهو عاجز بطبيعة الحال أن يرد له الحياة ، فليرد الحرية إلى رقيق ، فيعتقه ويأخذ بيده إلى الحياة الحركة الكريمة ، وكأنه رد الحياة إلى مخلوق بديل ، وإذا رغب الرقيق بالعتق فعلى سيده أن يستجيب له ، ويكتب معه اتفاقاً يسدد الرقيق بموجبه أقساطا من المال ثمناً لعتقه وحريته كما جاء في كتاب الله العزيز : ﴿ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾.. وهكذا.

كما سد الإسلام في هذه المرحلة أبواب الاسترقاق كلها ، واعتبر ذلك في ( أي استرقاق الحر من الجرائم الكبرى ) باستثناء ما يقع في الحروب لأنها من قبيل المعاملة بالمثل ، ويتوقف حالها على اتفاق الأطراف في معاهدات دولية كما حدث في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي.

أما المرحلة الثانية فهي التعامل مع الأرقاء كأفضل ما يكون التعامل الإنساني ، إذ كانت وصية المصطفى صلى الله عليه وسلم : أطعموهم مما تأكلون ، وألبسوهم مما تلبسون ، ولا تكلفوهم ما لا يطيقون ، فإن كلفتوهم ، فأعينوهم ، وفي ظل هذه المعاملة الكريمة الراقية برز في صفوف الرقيق علماء وفقهاء وقضاة كبار ، جلس البعض من علماء القوم بمن فيهم الخلفاء أما منصة القضاء ليحاكمهم ويصدر حكمه عليهم قضاة ، كانوا في يوماً ما عبيدا ، فرفعهم الإسلام إلى مصاف قادة الرأي والفكر والفقه والقضاء.

في المرحلة الثالثة عقدت دول العالم اتفاقاً دوليا نص على تحرير الرقيق في كل الحالات ، ومنها الحروب ، ليحل محله الأسر ، وتم التوقيع على ميثاق بذلك ، سرعا ما استجاب له المسلمون ووقعوه مختارين في عهد السلطان العثماني عبد الحميد وما بعده.

كان الرئيس صدام يصغي باهتمام إلى ما ذكره شيخنا عبد الفتاح ، وإلى ما ذكره كاتب هذه السطور ، وشعرنا أنه كان مرتاحا لما قدمه قادة الإخوان من أفكار وطروح وشروح لمختلف القضايا ، كان علاج الإسلام للرق من أولها وأهمها.

5- كان السودان يشكل في نفوسنا أملا كبيراً في تجربة الحكم الإسلامي أو المجتمع الإسلامي منذ أن أعلن الرئيس السوداني جعفر النميري أنه بصدد تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية في المجتمع السوداني ، والتي لم يكتب لها النجاح إلا في حيز ضيق ، وكانت الجبهة القومية الإسلامية بزعامة الدكتور حسن الترابي ناشطة وفاعلة ، وتعمل وتخطط على تنفيذ مشروعها الإسلامي.

بذلت جهودا كبيرة باءت كلها بالفشل من أجل إيجاد علاقة بين العراق وبين الجبهة القومية الإسلامية في السودان ، وكان التسويف أو الصمت هو السائد ، ولم أجد لذلك تفسيراً بعد أن عرفت الطبيعة العراقية التي تبادر دونما تردد في الحوارات مع الآخرين ، وإقامة الصلات السياسية والتحالفية معهم ، استمرت هذه الجهود منذ عام 1981 وحتى العام 1983.

وفي ذات يوم قال لي نائب الرئيس في إحدى زياراتي له :

- هل تعرف بدر الدين المدثر؟ الأمين العام القطري لحزب البعث السوداني؟

قلت : لا ، ولكنني أسمع به.

فاتصل هاتفيا به ، وقال له : أتعرف أبا عامر؟

وكأن الجواب كان : لا أعرفه ، فاقترح زيارتي له في القيادة القومية ( القريبة من مبنى الجيش الشعبي ) التي كان المدثر يداوم فيها ، وعندما التقيته أحببت أن يكون الجو بيننا طيباً والحديث محببا ، فقلت : - إن السودانيين على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم يوقرون الإسلام ، ويحملون في صدورهم جذوة الإيمان.

فإذا به يسكت ، ولا يبادل هذا التلطف معه بمثله أو ببعضه ، ثم استدعى بدر الدين المدثر موظفا لديه قائلاً له :

- اكتب محضر هذه الجلسة.

فاعترضت على ذلك قائلاً للكاتب : ارفع القلم والورق ، فإنني جئت في زيارة مجاملة ، ولا حاجة أو ضرورة لكتابة محضر لهذه الزيارة.

وبعد دقائق من تجاذب أطراف الحديث ، قال المدثر :

- إن الرفيق طه يطلب إقامة صلة مع الجبهة القومية الإسلامية في السودان ، لكنني كنت أعترض على ذلك.

فقلت في نفسي ، وجدت التفسير لتلكؤ العراقيين في إقامة صلة مع الجبهة في السودان ، كما وجدت الخصم العنيد للجبهة ، والنظر إليها بمنظار حزبي مناوئ ، وكان المدثر يعوض عن ضعف حزبه في السودان بالمبالغة في مدح الرئيس العراقي وإرسال البرقيات المطولة التي يملأ بها الصفحات ، وهو قابع في مبنى القيادة القومية تعويضا عن ضعف الحزب جماهيريا في السودان حيث لم يستطع -رغم المساعدات العراقية السخية له- أن يشق طريقه ، فعندما جرت الانتخابات الحزبية في عهد سوار الذهب ، نال حزب الأمة مليونا ونصف مليون صوت ، ونال الاتحادي مليونا ومئة ألف صوت ، ونالت الجبهة القومية الإسلامية تسع مئة ألف صوت ، ونال الحزب الشيوعي 64 ألفا ، ونال حزب البعث بقيادة المدثر 32 ألف صوت ، رغم أن إحدى دفعات العرق من الدولارات دعما للانتخابات النيابية كانت خمسة ملايين كما سمعت ذلك من حسن الترابي ومن الصادق المهدي حسب شهادة الجمارك.

أ- كانت زيارتي لمقر القيادة القومية مفيدة للغاية ، إذ عرفت منها ما كنت أجهله ، مما حملني على تغيير التكتيك في بذل المساعي الحميدة والمجدية لإقامة علاقات سودانية قوية من العراق ، فشرعت في مباحثات جديدة مع الأستاذ طه رمضان حول موضوع الصلة مع السودان ، باعتبار حزب البعث السوداني الضعيف جداً يشكل حاجزا لتطوير هذه العلاقة ، وأن الجبهة منفتحة بأفكارها وحواراتها ، وأنها ترغيب بإقامة علاقات دبلوماسية حميمة مع الآخرين من الدول العربية لصالح التعاون والتضامن العربيين ، فراجع السيد النائب رئيسه في هذه الشئون ، وتقرر إجراء حوار ، وإقامة صلات على مستوى الحكومات والدول والقيادات العليا بصرف النظر عن موقف الحزب القطري الذي له أن ينصرف بحدود صلاحيته وقطريته.

من جهة أخرى زرت السفير العراقي عاصم الجعفري في مكتبه في الخرطوم وسألته : هل لك أي صلة أو معرفة بالجبهة ورئيسها الدكتور الترابي؟

قال : لا ، ولكنني أرغب في ذلك ، ويمكنك أن تحمل له ولعدد من إخوانه دعوة للغداء في منزلي.

وكان الوقت قريباً من الزوال وصلاة الظهر ، فانتقلت على وجه السرعة إلى مقر الجبهة ، وبلغت الترابي أن السفير العراقي يأمل بحضورك إلى منزله لتناول طعام الغداء مع نفر من إخوانك.

فخاطب اثنين من إخوانه ، ليتهيؤوا لذلك ، وعندما أبلغت السفير تلبية الترابي لدعوته ، فوجئ بذلك وهرع إلى مقر الجبهة لتعزيز دعوته والالتقاء بالترابي.

في منزل السفير جلسنا نتحدث عن مصالح الأمة ، وعن الحرب العراقية الإيرانية وشئون السودان ، فكان لقاء مثمرا ووديا للغاية ، ثم قال مسئول العلاقات الخارجية في الجبهة الدكتور عبد الله سليمان العوضي.

- ما رأيكم بتناول طعام العشاء في منزلي؟

فاستجاب الحضور ، واجتمعوا على طعام العشاء ، وهكذا تمت في أقل من عشرين ساعة ثلاثة لقاءات بين العراقيين والسودانيين ، في مقر الجبهة ، وعلى طعام الغداء ، وكذا على طعام العشاء ، فأنهينا في هذه الساعات الخمس عشرة ربع قرن من التباعد والقطيعة. وكتب السفير العراقي تقريراً رفعه إلى حكومته حدثهم فيه عن هذا التقارب السريع.
ب- كانت الحرب في جنوبي السودان على أشدها ، فتوجه محمد أمين خليفة عضو مجلس قيادة ثورة الإنقاذ ، ورئيس البرلمان السوداني المؤقت إلى بغداد ، والتقى الأستاذ عزت إبراهيم ، وجرت بينهما أحاديث كثيرة سمعت تفصيلات عنها من الأستاذ محمد أمين خليفة ، كان منها ما نصح به نائب الرئيس العراقي السودان بوجوب المصالحة مع جنوبي السودان على غرار ما فعلته قيادة العراق من اتفاق مع الأكراد في شمالي العراق ، ولما علم الأستاذ عزت بما يعانيه السودان من شح الوقود قال لضيفه : اذهب إلى عدن ، فإن للعراق كميات من البترول في عدن لتكرارها في مصفاة عدن الكبيرة ، اذهب إلى هناك واستلم كل ما عندهم من البترول العراقي : سواء الخام منه ، والمكرر ، ثم أردف الدوري قائلاً : هذا البترول هو ملك الأمة كلها وليس للعراق فحسب ، وإن كان ينبع من أرضه.
ج- وجد السودانيون الحل لأزمة الوقود لدى إخوانهم العراقيين الذين لم ينس السودانيون صنيعهم ومواقفهم ومعروفهم ، ثم تتالت مجالات التعاون في كل الميادين بسرعة فائقة ، أكثر مما كان متوقعا ، كان من أهمها توريد السلاح الذي كان السودانيون بأمس الحاجة إليه في حربهم مع الجنوبيين المحرضين والمدعومين من القوى المعادية ، والذين يواصلون زحفهم بتأييد الغرب والشرق والفاتيكان وكوبا ، لاحتلال الشمال ، فتدفقت الأسلحة بكميات كبيرة جداً ، حتى صار ما وصل إلى كل موقع في السودان من السلاح بقدر ما كان لدى السودان كله ، كما قال أحد كبار السودانيين الذي سمعت منه ، حتى بلغ ثمن ما استلمه السودانيون من العراق مليار دولار ، فقال لهم صدام ، حسب القائمة التي استلموها من السلاح : هذا السلاح يقدر بمليار دولار ، فإن استطعتم دفعها ، وإلا سامحناكم به كأشقاء لنا ، فاستطاع الجيش السوداني أن يرد هجمات الجنوبيين ، ويبعدهم عن منابع النيل التي كانت على بعد ميلين من زحف الجنوبيين.

حاول البعثيون السودانيون القيام بانقلا بقيادة اللواء دلول المسرح من الجيش ، وهو من دفعة الرئيس البشير ، فاستدعاه وحذره من تحركه الذي عرفت الحكومة تفصيلاته ، فأنكر ذلك ، ووعد بالابتعاد عن أي تحرك ، وقد كان في إجابته مراوغا ومخادعا ، فلم تمض أيام قلية حتى قام بمحاولة انقلاب دعمته فيها دول عربية أخرى ، لكن باء بالفشل ، ولم يتمكن من الاحتفاظ بالأمكنة التي احتلها في جوار الخرطوم -موقع الشجرة- وألقى القبض عليه وعلى مساعديه في الانقلاب ، فكلفه ذلك حياته وحياة عدد ممن شاركوه بعد محاكمات عسكرية حكمت بإعدامهم.

خشي البعض أن يتوقف الدعم العراقي بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي قام بها بعثيو السودان ، لكن الواقع أثبت عكس ذلك ، فبعد المحاولة خرجت من البصرة باخرة تحمل للسودانيين أكبر كمية من السلاح سبق أن أرسلها العراق إلى الخرطوم.

زادت وتيرة التعاون بين العراق والسودان ، لتشمل كل الميادين العسكرية والبترولية ، وفي مجال الطيران ، في التدريب وغير ذلك ، وكثرت زيارات الوفود المتبادلة بين بغداد والخرطوم التي شملت اتحادات الطلاب والشباب ، والاتحاد النسائي ، والبعثات العسكرية في مجالات كثيرة وغير محدودة.

إن السودانيين جميعاً من رجال وشباب ونساء وسياسيين وإعلاميين وأكاديميين ، لا ينسون موقف العراق من بلدهم ، ووقوفه بجانبهم في أحرج الأوقات التي مر بها السودان ، ومد يد المساعدة إليه ، في وقت كان فيه السودانيون أشد ما يكونون احتياجا إليها.

يذكر السودانيون ذلك في كل مناسبة ، ليكون هذا التعاون بين البلدين أنموذجا حياً للتضامن والتعاون والتلاحم ، ودليلا على الترابط العضوي الوثيق بين أبناء الشعب العربي الواحد ، وأعضاء الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة السماوية الخاتمة.

لم يعد لحزب البعث السوداني أي دور بعد محاولاته الكثيرة والمتكررة في عرقلة كل المساعي للتقارب والتعاون بين الخرطوم وبغداد ، فلم يعد له أي شأن في هذا التضامن الذي قدم مثالاً حياً ، على سياسة العراق الإيجابية والأخوية بين أقطار الأمة الواحدة التي تمتد من المحيط إلى الخليج ، بطول سبعة آلاف كيلو متر ، وعلى مرانة السودانيين في كل علاقاتهم الدبلوماسية مع الأشقاء والأصدقاء ، بالرغم مما يبيت للسودان من كيد وتآمر من جنوبه وشرقه وغربه وداخله لتعطيل مسيرته ، والنهوض به ، والتي عطلت الكثير من مشروعاته التنموية ، ورغم ذلك كله ما زال صامدا ومستمرا.

كذلك يدل ما رأيناه من مساعي تنظيم الإخوان السوري في التقريب بين وجهات النظر ، وقيامهم بالمساعي الحميدة والمثمرة ، بالرغم مما يعاونونه من ظروف قاسية ، ومعاناة بالغة الشدة ، شتتت شملهم ، وألحقت الأذى في شبابهم وأعضاء تنظيمهم ، وإخراجهم من ديارهم ، ومع كل ذلك لم ينسوا واجبهم تجاه أمتهم ووطنهم ، فقاموا بهذا الجهد الذي لا ينسى بين القطرين الشقيقين : السودان والعراق.

6- لم يكن لنا علاقة من قبل مع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات رئيس المنظمة ، وفي ذات يوم التقى بعض إخواننا الكبار أمثال سيف الإسلام حسن البنا وغيره مع رئيس المنظمة في مسعى لم أعد اذكر مناسبته ، تم الاتفاق على لقاء عرفات مع الشيخ عبد الفتاح أبو غدة والدكتور حسن هويدي رحمهما الله وبعد تبادل الأحاديث الودية ، وكان السيد عرفات ودودا في استقباله لهما كما تحدثا فيما بعد ، وفي آخر جلسة سألهم عن العبد قائلاً : أين فلان؟

واتفق الطرفان على عقد لقاء آخر ، يضم عرفات والإخوة الثلاثة الشيخ عبد الفتاح والدكتور حسن وكاتب هذه السطور ، وقد جرى اللقاء بعد أيام قليلة في جدة وفي ساعة متأخرة من الليل بعد أن فرغ عرفات من استقبال ضيوفه وأنصاره وأعضاء المنظمة ، فالتقينا بعد الثانية ليلا ، أي بعد منتصف الليل.

كان انطباعنا نحن الثلاثة إيجابياً عند السيد عرفات ، فقد كان شديد التواضع ، يقوم على خدمة ضيوفه بنفسه ، وكان عذب الحديث ، يقبل على ضيوفه بروح المودة وطيب الكلام ، جرت أحاديث متنوعة ومتشعبة ، وكان قد أصابه ضر من سياسة حافظ أسد في سورية ولبنان ، فشمل الحديث أحوال السوريين الذين تضرروا هم والفلسطينيون واللبنانيون والعراقيون من حكومة الأقلية في سورة وما عاناه الجميع من هذا الحكم الشمولي الفاسد في سورية.

كانت العلاقة -كما أشرت- بين المنظمة والنظام السوري قد ساءت إلى درجة كبير بلغت حد العداء والصدام ، وسبق أن التقيت في الرباط في نطاق جولة المكتب السياسي للمعارضة السورية بالسيد خالد الحسن عضو القيادة في منظمة التحرير ، فشن حملة على العراق ، متهما إياه بإغلاق معظم مكاتب المنظمة في بغداد ، ويقطع الإمدادات من التمور التي يحتاج إليها الفدائيون في تحركاتهم ، واستخدام كلمات حادة عن موقف الحكومة البعثية في بغداد.

وعندما سألت السيد ياسر عرفات عن الصلة بين الجانبين ، كرر بعض ما سمعناه من السيد خالد الحسن رحمه الله في الرباط ، قلت يا أبا عمار : هل تستطيع منظمتكم أن تستمر في كفاحها بعد خروجها من لبنان ، وتوزيع فصائلها على عدن وتونس والجزائر ، وبعد أن أضحى تحركها في الأردن ومصر وسورية ولبنان متعذرا؟ هل يوجد أقرب من العراق لفلسطين؟ وهل يوجد غير العراق لتهيئة الفرصة لكم ، لتستمروا في كفاحكم؟

فأجاب بمر الشكوى عن معاملة العراق لمنظمتهم.

قلت : ينبغي من أجل القضية الكبرى في مواجهة المشروع الصهيوني الاستيطاني أن تتجاوزوا خلافاتكم ، وأن تفتحوا صدوركم لأشقائكم في أي بلد يتيح لكم الاستمرار والتحرك ، والعراق كما عرفناه إذا أدبر فإن المعاملة معه عسيرة ، وإذا أقبل يسابق الجميع في مواقفه.. فما رأيك يا أبا عمار بأن يبذل تنظيمنا المساعي الحميدة لعودة المياه إلى مجاريها بين الشقيقين : العراق ومنظمة التحرير الفلسطينية؟

صمت عرفات قليلاً ، ثم قال :

- لديكم الخط الأخضر في أي مسعى تبذلونه في هذا المضمار.

خرجنا من لقائنا مع أبي عمار في الساعات الأخيرة من الليل ، باتجاه الفندق لنأخذ قسطا من الراحة ، ولو لوقت قصير.

سألني إخواني عن السبب في طرح هذه المبادرة والتأكيد عليها مع عرفات ، فقلت : إنها ورقة مهمة ، بل هي أهم ورقة لدينا لا نملك سواها.

سمى لنا أبو عمار مندوباً عنه للتنسيق فيما بيننا ، ألا وهو السيد عبد الله لبيب الملقب بهواري قائلاً : لن تجدوا أشد منه وأكثر صرامة في معارضته للنظام السوري.

في بغداد تناولت حديث التقارب بين المنظمة والعراق مع السيد نائب الرئيس الأستاذ طه رمضان ، فكان قاسيا في رده ، شديداً في نقده لمنظمة التحرير ، طارحا موضوعا شائكا ، وهو أن أبا عمار كان ينسق مع بومدين رئيس الجزائر ضد حياة الرئيس صدام حسين.

بعد حديث طويل ، ومناقشة الموضوع من كل جوانبه ، واستعراض الأخطار التي يتعرض لها الوطن العربي من قبل الصهيونية والغرب وأمريكا ، والدسائس الداخلية وغير ذلك كان ختام الحديث مع السيد نائب الرئيس :

- يا أبا أحمد : لا بد من أن نتجاوز خلافاتنا ، وأن تحل المصالحة محل الخصام ، وأن يمد أحدنا يده لأخيه مصافحا ومسامحا ، لا سيما أن السيد ياسر عرفات أبدى استعداده ليفتح صفحة جديدة في علاقاته مع العراق.
أ- كان هواري أحد العصا الغليظة في يد السيد ياسر عرفات ، وكان شديد المراس ، سريع الاندفاع ضد الصهاينة وخصوم المنظمة ، وقد جافاه جميع أعضاء اللجنة المركزية في فتح ، وقرروا إبعاده ، فلم يستطيعوا ، بل بقي ثابتاً في مكانه في المنظمة ، وموضع ثقة رئيسه عرفات.

حضر هواري إلى بغداد زائراً ، بعد أن توثقت العلاقة بيننا وبينه ، فهيأنا له حضورا في المكتب السياسي للتحالف الذي أصبحت أمينه العالم بقرار من الهيئة التأسيسية في التحالف دون أن أكون حاضراً ، بل تبلغته في عمان من السيد مطاع الصفدي رئيس الهيئة التأسيسية.

حضر هواري جلسة للمكتب السياسي ، وقال كلاماً أثلج به صدور أعضاء المكتب ، وأبدى استعدادا قوياً للتعاون مع المعارضة السورية ، ودعما لها بما تحتاج إليه ، فكان لهذا اللقاء ما بعده على المدى البعيد ، وفي لقاء لاحق للسيد طه ياسين من أعضاء المكتب السياسي ذكر السيد أمين حافظ أمام السيد طه رمضان أن هواري أبدى استعداده لدعم المعارضة بما تريد. فانزعج السيد النائب وقال :

هل ينقصنا السلاح أو المال حتى ننتظر الدعم من هواري؟

وفي هذا الجو المتوتر قلت للسيد النائب :

أقترح عليكم اللقاء بهواري واستقبالكم له.

فنظر ولم يجب على الاقتراح ، فأعدت كلامي وقلت :

- أرجو يا أبا أحمد أن تتجاوز البروتوكول ، وتلتقي هواري في مكتبك.

وبعد برهة قال : لا بأس ، أحضره معك ، وائتيا إلى مكتبي.

واتفقنا على موعد اللقاء.

ذهبت على التو إلى هواري في فندق بابل ، وطلبت منه النزول إلى الصالون كيلا نكون في غرفة مغلقة ، وسرعا ما نزل ، فأخبرته أن فرصة سانحة قد أزفت ، وأن السيد نائب الرئيس طه ياسين مستعد لاستقبالك في مكتبه ، وأنك تستطيع أن تكسب وده إذا تعاطفت معه فيما وقع على مفاعل تموز ، وأنك مستعد لتثأر للعراق ضد الصهاينة.

تمت زيارة السيد النائب في مكتبه ، فتحدث هواري دون أن يوفق في حديثه ، فالرجل خلق للصدم لا للكلام ، ولدى خشيتي من فشل المقابلة ، تدخلت في الحديث قائلاً :

- إن السيد هواري مرتبك ومتهيب ، لأنه يلقاكم لأول مرة ، وإني سمعت منه كلاماً واضحاً في التعاطف مع العراق والغيرة عليه.

ثم تكلمت عما أريد باسم السيد هواري وعلى لسانه ، ولا سيما فيما يخص الثأر لمفاعل تموز وبما يكافئ هذا الثأر ، فإذا بالسيد النائب ينشرح صدره لما سمعه ، ويقول لهواري :

- اتفقنا ، ومنذ الآن نعتبر أننا معكم في اتفاق ووفاق.
ب- توثقت الصلة بين حكومة بغداد وبين منظمة التحرير الفلسطينية على جميع الصعد ، وتكررت زيارة أبي عمار إلى بغداد والتقاؤه الدائم مع صدام حسين ، وفي ذات يوم سألت أبا عمار عن اتجاه القبلة فأجاب : رأيت الرئيس الذي زراني فجرا يصلي بهذا الاتجاه ، وأشار إلى اتجاه الكعبة.

فتحت المنظمة عدداً من المكاتب في بغداد ، وصار التنسيق بين الجانبين أمراً معتادا ، ورشح أبو عمار هواري مندوباً عنه ، فتم تشكيل لجنة مشتركة من اثنين من الإخوان -المراقب العام والمسئول العسكري- واثنين من العراقيين -مدير المكتب السوري والسيد فاضل صلفيج العزاوي أحد مساعدي مدير الأمن ، ومن السيد هواري ، وفي هذه الأثناء اشتعلت نار الحرب ضد المخيمات الفلسطينية في لبنان ، فوقف تنظيمنا بجانب المقاومين الفلسطينيين بما يحتاجونه من أمور لوجستية ، كما وقف العراق بجانب الفلسطينيين معاونا ومناصرا ، وهكذا أضحت بغداد الساحة الرئيسية لتحرك منظمة التحرير الفلسطينية بعد الهوة السحيقة التي كانت تفصل بين الجانبين.

لم ينس الفلسطينيون جهود الإخوان المسلمين السوريين فيما تحقق من عودة المياه إلى مجاريها بين قيادتي صدام وأبي عمار ، فوقفوا بجانبنا في أزمات عانينا منها وعجزنا عن حلها ، وكان هواري مندمجا معنا بشكل لفت أنظار بعض قادة المقاومة في المنظمة ، فقد ذكر هاني الحسن أن هواري تغير إلى الأفضل منذ التقاكم ، ونسق معكم ، وفي ذات يوم ذهبنا إلى قرية العوجا لنقدم العزاء إلى مدير المكتب السوري بوفاة قريب له ، وعند العودة طلبت من هواري التوقف أمام باب مسجد في مدخل مدينة بلد ، حتى أصلي الظهر والعصر صلاة المسافرين ، فالوقت لا يحتمل التأخير ، وتركته مسرعاً إلى داخل المسجد لأسبغ الوضوء تمهيدا لأداء فريضة الصلاة ، فإذا بي أفاجأ أن هواري لحق بي واتجه إلى الميضأة ، ثم إلى الحرم ليؤدي الصلاة معي في جماعة.

كان هواري مسموع الكلمة لدى السيد ياسر عرفات ، فكان لا يرد له طلباً ، وكان يعتبره أحد القادة الفدائيين الذين يعتمد عليهم في المهمات الصعبة ، فكان هواري يؤكد على أبي عمار في تنفيذ كل الأمور التي يحتاج إليها تنظيمنا وسرعان ما كان يستجيب ، وفي ذات يوم وقع لنا في الأسر سبعة أعضاء في بوخارست عاصمة رومانيا ، وصدرت ضدهم أحكام قاسية ما بين المؤبد وخمس سنوات ، وكان الرومان يقبلون الفدية لإطلاق سراح المعتقلين ، وكان المطلوب فوق قدرتنا ، فاستنفرنا إخوتنا المقيمين في بعض الأقطار ، فاستجابوا ، شكر الله مسعاهم ، لكن ذلك كان دون المطلوب ( فدية كل محكوم بالمؤبد ربع مليون دولار ) ، فتحرك هواري بحماسة ملموسة طالبا من رئيسه أن يقف معنا ، وقد كان ذلك ، إذ استجاب أبو عمار وساندنا ، ووقف بجانبنا في أزمتنا ، فخرنا منها ظافرين محبورين ، ونحن نرى إخواننا السبعة يأتوننا في بغداد لإكمال دراستهم ، فيما كانوا عليه في الجامعات الرومانية ، ولم تمض سنوات قليلة حتى كان منهم الطبيب وغيره ، بفضل الله أولاً ، ثم بمساعي إخوتنا وتعاطف أبي عمار ، والتسهيلات التي كانت بغداد تقدمها لأبناء تنظيمنا كما مر معنا على مدى سنوات طوال.

وهذا كله حدث بجهود تنظيمنا في التقريب والمصالحة بين منظمة التحرير الفلسطينية ، وبين حكومة بغداد بقيادة صدام حسين ، وما نتج عن ذلك من تعاون وإنجازات كثمرة لسياسة الجماعة في حل المشكلات السياسية المعقدة.

7- بعض الساسة والقادة لا يتعظون بأحداث التاريخ ، بل ولا يقرأونه ، فيركبهم الغرور ، فيخوضون معارك ومغامرات تؤدي بهم وبشعوبهم إلى موارد الهلاك ، كالذي فعله نابليون وهتلر ، وما فعله والإنكليز والسوفيات في أفغانستان.

غدر رئيس الوزراء الأفغاني بابن عمه ظاهر شاه ، وقام بانقلاب جاء بالشيوعيين إلى الحكم ، فشرعوا يسفكون الدماء ويبطشون بأبناء وعشائر أفغانستان.

تغطي الجبال والهضاب والسلاسل المعقدة العالية جداً ثمانين بالمئة من مساحة أفغانستان ، وهي جبال تكسوها الثلوج معظم أشهر السنة ، وتقع فيما بين سلاسل الجبال الأفغانية واحات صغيرة وكبيرة ، يعيش فيها الأفغان بما لديهم من زراعة الخضار والفاكهة التي تغذيها الينابيع والثلوج المذابة في الربيع والصيف وبعض أيام الخريف ، وكذا بما يملكونه من حيوانات أليفة ودواجن يعيشون على لبنها ومن لحومها ، ولا يمكن لقوة مهما بلغت أن تقتحم عليهم واحاتهم ، وإلا عرضت نفسها للدمار.

جرب الإنكليز في القرن التاسع عشر احتلال أفغانستان فوقعوا في فخ على الطريق ما بين كابل وجلال آباد في وسط سلسلة وعرة من الجبال الشاهقة ( وقد رأيت المكان في سفر من كابل إلى جلال آباد لا يصله ولا يتورط في الدخول إليه إنسان عاقل ) فابيد الجيش البريطاني عن بكرة أبيه ، وكان تعداده ، كما ذكرت بعض المصادر ، خمسين ألفا ، لم ينج منهم إلا طبيب عاد ليخبر عن هول المعركة والقضاء المبرم على الجيش البريطاني المحتل.

لقد غر السوفيات جيشهم الأحمر والحزب الشيوعي الذي قام بالانقلاب في كابل ، فلم يمض على وصول الشيوعيين إلى السلطة فترة قصيرة ، إلا ظهر أمران مهمان ، الأول ميلاد المقاومة التي بدأت متواضعة ، وانتهت كقوة ضاربة حفرت للسوفيات قبورهم ، والأمر الثاني هو الصراع على السلطة بين أجنحة الشيوعيين ، وتصفية بعضهم البعض ، الواحد تلو الآخر.

أضعف الصراع على السلطة فوق الهضبة الأفغانية ، وبين سلاسل الجبال ، الجيش السوفياتي الذي تورط وانتشر في بقاع أفغانستان الوعرة وجبالها السامقة ، ولم تكن المقاومة قد استكملت قدراتها ، وعندما هم السوفيات بسحب قواتهم وجدوا الأمر عسيرا ، فكان التورط السوفياتي أحد أهم الأسباب في انهيار هذه الإمبراطورية ، أي الاتحاد السوفياتي صاحب أكبر مساحة بين دول الأرض -26 مليون كم2- وأعظم ترسانة في الأسلحة الحديثة والقوة النووية ، فلم تعد تجدي طائراتهم التي كانت تتجول بين الجبال فيراها المجاهدون ، وينظرون إليها ساخرين ، ثم يدخلون الأنفاق والمغارات قبل أن تصل القذائف إلى الأرض لتتناثر على سفوح الجبال.

أ- كانت صلات الإخوان السوريين بالمجاهدين الأفغان كبيرة ، فكلتا الحركتين -الجهاد السوري والجهاد الأفغاني- ولدت في عام 1979 ، وكلتاهما رفعت راية الجهاد ، ونادت بوجوب العودة إلى الإسلام ، بتحكيم شريعته في المجتمعات الإسلامية ، وكنا لا ننقطع عن السفر إلى بيشاور لنلتقي قادة الجهاد الأفغاني السبعة ، وبعد التعرف إليهم ، والاختلاط بهم ، والوقوف على أفكارهم تبين لنا أن الحركتين الكبيرتين من بين الحركات السبعة هما : الحزب الإسلامي بقيادة قلب الدين حكمتيار، والجمعية الإسلامية بقيادة برهان الدين رباني ، وقد قرر المعنيون الباكستانيون وعلى رأسهم حميد كل ، رئيس المخابرات العسكرية الباكستانية أن الحزب الإسلامي يشكل أربعين بالمئة من مجموع المجاهدين الأفغان ، أما الحركات الخمسة الأخرى ، فتأتي بعد الحركتين الكبيرتين ، وهي الحزب الإسلامي جناح يونس خالص ، وحركة الثورة أو الانقلاب بقيادة مولوي محمدي رئيس علماء باكستان ، والحركة الوطنية بزعامة الكيلاني ذي الأصل العراقي ، وهو غربي النزعة في سياسته وفي حياته الخاصة كما شاهدنا ذلك في منزله ، وكذا الحركة التي يقودها المجددي ، وهي أقرب إلى السياسة الأمريكية ، أما التنظيم السابع فهو الذي شكله عبد رب الرسول سياف من المنفصلين عن أحزابهم ، والمختلفين مع قيادتهم ، بعد أن كان الجميع قد ارتضاه رئيسا وحكما لاتحاد الفصائل كلها ، لكنه صدم الجميع بتشكيل فصيل خاص به هو الاتجاه الإسلامي ، فخسر الثقة والدور الذي كان منوطا به.
لقد اختار تنظيمنا السوري من هؤلاء جميعاً العلاقة مع حكمتيار المهندس قائد الحزب الإسلامي لصدقه وصلابته وصراحته ، ورباطة جأشه في التصدي لأي قوى خارجية محتلة أو طامعة ، سواء أكانت سوفياتية أم أمريكية ، وقد تعاونا معه بما نستطيع من دعمه ، وتعاون معنا بما يستطيع من دعمنا ، واستمر تعاوننا معه طيلة أيام الجهاد الأفغاني إلى ما بعد دخول المجاهدين إلى كابل.

ل:م نكن نرتاح ، أو بالأصح ، لم أكن أرتاح لبرهان الدين رباني بعد تجارب طويلة ، فيما لمسناه من أسلوب زئبقي لا نستطيع أن نعرف منه ماذا يريد ، أو أن يثبت على اتفاق كثيرًا ما أبرمه المجاهدون ولم يثبتوا عليه.

ب- كنا نتطلع إلى وقوف العراقيين الرسميين مع حركات الجهاد الأفغانية ، ولا سيما بعد أن صوت العراق في المؤتمر الإسلامي بالرياض لصالح المجاهدين الأفغان دون أن يلتفت إلى علاقته ومصالحه مع السوفيات ، وكان هذا القرار بوجوب انسحاب السوفيات واستقلال أفغانستان قد حظي بتأييد جميع الدول الإسلامية والعربية ، باستثناء حافظ أسد الذي اعتبر أفغانستان إحدى جمهوريات الاتحاد السوفياتي مثل طاجاقستان وأوزبكستان وتركمانستان وقازاخستان وغيرها سواء بسواء ، الأمر الذي أثار اشمئزاز المسلمين جميعاً من هذا الموقف النشاز.
كان العراق يستورد السلاح من السوفيات في حربه مع إيران كمصدر رئيسي ، ومن ثم ليس من اليسير وقوفه ضدهم ، وهو بحاجة ماسة لهم ، ومع ذلك ، فلم نيأس من دعم العراق إلى الأفغان ، بعد أن عرفنا نفسية العراقيين وطريقة تفكيرهم ، فهم إذا اقتنعوا بأمر أقدموا عليه ، ولو كان دون ذلك خرط القتاد ، إنهم بحق رجال ذوو شهامة وحمية يلمسها فيهم من يخالطهم ، ويتعرف عليهم من كثب وقرب.

في ذات يوم ، وفي لقاء ثنائي مع الرئيس العراقي ، قلت له :

- يا أبا عدي : إن الأمن الأفغاني مرتبط بالأمن العربي منذ مئات السنين ، فإذا كانت أفغانستان قوية ، وعلى أرضها دول قوية مثل الغزنويين والسلاجقة وأمثالهم ، أعطانا الإيرانيون ظهورهم ، وولوا وجوههم شطر الشرق خوفاً من الأفغان ، وحماية لهم من جبروتهم وبأسهم ، أما إذا كانت أفغانستان مفككة ضعيفة ، ومقسمة إلى ولايات متناحرة ، تفرغ الإيرانيون للعراق ، وأذاقوه شرور كيدهم ، وظلمهم ، كلما حدث في أيام الصفويين ونادر شاه ، عندما حاصروا بغداد والموصل ، واضطروا السكان إلى أكل القطط من شدة الحصار الإيراني للعراق.
يا أبا عدي -وقد كانت الحرب مع إيران على أشدها- إن كنت تريد أن تؤدب إيران وأنت في راحة وطمأنينة ، فأيد أفغانستان ، وادعم الأفغان ، وسلح مجاهديهم ، ففي ذلك تأديب لإيران ، وتصفية حسابات ضد إصرارها على الاستمرار في الحرب مع العراق.
نظر صدام وحدق بعينه -باوع باللهجة العراقية- دون أن يتكلم ، وبعد برهة قال كلاماً بعيداً عن الإجابة المطلوبة والمنتظرة ، قال :
- الأفغان رجال ، وإسلامهم نقي وصادق ، لا تخالطه نعرات أخرى ، كما نرى ذلك لدى بعض الشعوب التي تنتمي للإسلام ، وسمى بعض الشعوب الإسلامية.

عدت إلى مقر الضيافة الذي كنت نزيلا فيه ، فجاء في اليوم التالي أو بعد ذلك نائب الرئيس السيد طه ياسين وقال :

- يقول لك الرئيس : إنه موافق على ما ذكرت ، وهو يعتبرك مندوباً عنا لدى الأفغان.
حملت هذه الرسالة الشفهية وشددت رحال السفر إلى بيشاور ومنها إلى كابل للقاء قادة الأفغان.

كان المهندس أحمد شاه زي -من أنصار رباني- قد قام بتشكيل وزارة من أطياف حركات وأحزاب الجهاد ، فالتقيته وتناولت في منزله طعام الغداء ، وكان يتقن الحديث باللغة العربية ، فنقلت له حديث الرئيس صدام حسين مستبشرا ومبشرا بهذا الدعم من دولة عربية قوية ، وبعد التشاور مع إخوانه ، جاءتني الإجابة من رئيس الوزراء المؤقت أحمد شاه زي قائلاً :

- لقد قررنا أن تكون مندوبنا لدى الإخوة العراقيين.
وهو نفس التكليف الذي أسنده إلى العراقيون.

لم أكتف بهذا التكليف أو هذا التشريف ، خائفا من أن يبقى في نطاق المجاملة دون أن تترتب عليه خطوات عملية ، فدخلت مع الشخص الذي هو أقرب الجميع من نفوسنا وقناعاتنا القائد حكمتيار ، وعرضت عليه أن يقيم صلات مع بغداد ، فلم تمض برهة من الزمن حتى زار العراق ، والتقى السيد نائب الرئيس طه رمضان ، ثم زارها مرة أخرى ، والتقى السيد الرئيس صدام حسين ، فوعده بتقديم معونة شهرية للتنظيم الجهادي القوي الذي يقوده حكمتيار ، مقدارها مليون دولار شهريا ، استلمها قلب الدين حكمتيارلشهر ، وقيل لشهر آخر ، ثم وقعت الحرب اللعينة بدخول العراق إلى الكويت بارتكاب خطأ استراتيجي دمر كل شيء ، وغير كل شيء ، وسبب كارثة ليس للعراق والكويت فحسب ، بل للعرب والمسلمين ، واأسفاه ، في كل ديارهم وأقطارهم.

8- كان ظهور السيد نجم الدين أربكان على الساحة التركية مبعث أمل كبير في أن تستعيد تركيا دورها الإسلامي والتاريخي على الأرض التركية ، وفي الساحة الدولية.

استطاع نجم الدين دخول البرلمان باسم حزب السلامة وبعدد قارب الخمسين نائباً -49- وأن يدخل في وزارتين ، مرة مع سليمان ديميريل ، وأخرى مع أجاويد ، لأن حزبه كان يرجح الكفة في الحصول على ثقة البرلمان ، وهكذا دخل نجم الدين السياسة التركية من أوسع أبوابها.

كانت صلاتنا مع أربكان قوية ، بحكم الجوار والجغرافيا ، فكنا نتردد على أنقرة ونزوره في مقر حزبه ، كما كنا نجتمع به في نطاق التنظيم العالمي للإخوان المسلمين -وكنت في هذه الفترة عضوا في مكتب الإرشاد- في جدة حينا ، وفي اسطنبول أحيانًا ، فلمسنا منه تعاطفا في محنتنا في سورية كما لمسنا منه طموحا كبيراً في توسيع نطاق التعاون بين الحركات الإسلامية الكبرى مثل : الجماعة الإسلامية في باكستان بقيادة القاضي حسين أحمد ، والإخوان المسلمين في البلاد العربية بقيادة مكتب الإرشاد ، وحركة الشباب الماليزي بقيادة أنور إبراهيم ، بل إن طموحه تجاوز ذلك إلى إقامة صلات مع ليبيا وإيران ، وتشكيل تحالف إسلامي من ثماني دول إسلامية كبيرة مثل : باكستان وبنغلادش وأندونيسيا ونيجيريا وماليزيا.. الخ وأن يكون لهذه الكتلة دينار إسلامي أي عملة موحدة.

لم يكن حال تركيا الداخلي -ومنها تسلط العسكر- والوضع الدولي في أوربا وأمريكا يسمحان لهذه الطموحات أن تأخذ مداها ، فلم يكتب لها النجاح ، لأن أربكان كان أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع ، فلم يستطع إكمال دربه ، ولا سيما أن عناصر ثقيلة في حزبه انشقت عليه ، واختلفت معه في كيفية إدارته للحزب ومركزيته الشديدة التي لم يحتملها رفقاء مسيرته.

أ- كنا نتطلع إلى إقامة علاقة إستراتيجية بين بغداد واسطنبول ، أو بين ورثة الخلافة العثمانية وورثة الخلافة العباسية ، فإن في ذلك نجاحا كبيراً في تقوية شعوب المسلمين من أهل السنة والجماعة ، وتنسيقا مثمرا بين العراق وتركيا على الحدود المشتركة بين الجارتين للحد من طموح الأكراد في إقامة دولة على حساب الأتراك والعراقيين ودول الجوار الأخرى ، فكنا نبشر العراقيين بالمستقبل الواعد لحزب السلامة أو حزب الرفاه الذي حل محله بعد أن حله الجيش التركي المتربص بنمو الحركة الإسلامية التركية ، الذي يشكل صعودها خطراً على علمانية أتاتورك التي أرسى مصطفى كمال قواعدها منذ سبعين عاماً ، فكان الجيش -حامي العلمانية كما يزعم- يصمم على إبعاد الإسلام عن الحياة العامة ، وتحجيم دور الحركة الإسلامية ، ومنعها من أي نهوض تركي.
كان العراقيون يستمعون لذلك ، ويستقبلونه برغبة ملموسة ، ومن جهة أخرى كنا نلح على الأستاذ أربكان ومن معه أن يوثقوا صلتهم بالعراق ، ويعملوا على التنسيق معه للوقوف في وجه الأخطار الكبيرة التي تغذيها الدول الأوربية وأمريكا والحركة الصهيونية.
كان سفير العراق في تركيا السيد رافع دحام رحمه الله متحمسا للفكرة ، ومتحركا باتجاه دعمها ، وعندما أعطته حكومة بغداد الضوء الأخضر في هذا الشأن كانت زياراته لأربكان وحزبه دائمة ومستمرة ، وصارت الدعوات توجه إلى أربكان للحضور إلى بغداد ، ومشاركته الفعالة في العديد من المؤتمرات ، حتى صار شأنه كبيراً عند العراقيين.
ب- جاءت حرب الخليج بعد دخول الكويت مفسدة للعديد من الصلات والعلاقات العربية العربية ، والعربية الإسلامية ، والعربية الإسلامية والدولية ، فأصيبت العلاقت التركية العراقية الوليدة بضربة قاتلة ، ولا سيما بعد أن اقترح أربكان ، وهو رئيس الوزراء ، استمرار القاعدة الأمريكية على الأراضي التركية -انجزلك- دون الحاجة إلى تمديدها كل ستة أشهر بقرار من البرلمان كما كان الحال في ظل الحكومات التي سبقت حكومة أربكان ، وبعد أن جامل نجم الدين الغرب والأمريكان بتنفيذ سياسات مع إسرائيل في شئون الجيش والأمن ، وكان ينتقد من يفعلها ويقدم عليها قبل تشكيله الوزارة ، فسبب ذلك ردود أفعال حادة لدى العراقيين ، وصرنا نسمع انتقادات شديدة للأستاذ أربكان ، فنضطر للصمت ، بعد أن كان من أقرب الساسة الأتراك وغير الأتراك إلى قلوب العراقيين.. وصدق الله العظيم : ﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾(1).
9- بعد ظهور حركة حماس منذ عشرين عاماً ونيف ، انتعشت آمال العرب والمسلمين في إحياء روح الجهد الشرعي ضد المحتلين الغاصبين ، ومقاومة العدو الصهيوني الذي لم يعد يجد في العرب من يتصدى له ، أو يوقفه عند حده ، كما ظهرت بعد ذلك حركات جهادية أخرى على الساحة الفلسطينية مثل حركة الجهاد التي أسسها الشهيد فتحي الشقاقي رحمه الله ، وكتائب أخرى تحت مسميات جديدة.
رأت حماس أن ساحات سياسية فتحت أمامها ، هيأت لها إقامة علاقات دبلوماسية مع عدد من الدول العربية والإسلامية ، فقرعت أبواب طهران والأردن في أول أمرها ، ودمشق ، وكذا السودان واليمن وقطر والبحرين وغيرها ، إلا أن منظمة التحرير بقيادة ياسر عرفات وجدت في حماس منافسا لها ، ولتنظيم فتح ، فاشتعلت بينهما نار حرب إعلامية استمر سعيرها لفترة طويلة ، وكان عرفات يوجه التهم جزافا لحماس ، ويزعم أن إيران أمدتها بأموال طائلة ، متذرعا بذهاب وفود حماس إلى طهران ودمشق ، في الوقت الذي كانت حماس تنفي ذلك نفياً قاطعا ، وترد على كل هجوم بما يوازيه.
أ- كان الرد المقنع في نظرنا هو القيام بزيارة بغداد التي في حرب ، وفي خصومة مستعرة مع طهران ، فذهب وفد من حماس برئاسة الأخ -خ. آ- إلى العراق ، ولدى أول لقاء مع سبعاوي الحسن الأخ غير الشقيق للرئيس صدام ، حصل توتر بين الفريقين ، عندما سأل سبعاوي الوفد الذي حضر بواسطة عضو قيادي في تنظيم الإخوان السوريين : ماذا تريدون؟

أجابه رئيس الوفد : بل أنتم ماذا تريدون؟

فكانت الإجابة : إنكم رغبتم في زيارتنا.

وكان الرد : بل أنتم وجهتم الدعوة إلينا.

ليظهر أن الذين رتبوا لهذه الزيارة لم يحكموا برنامجها ، ولم يأخذوا بأسبابها ، وهكذا فشلت هذه الزيارة ، وكان لها أثر سلبي ، كانت حماس بغنى عنه ، فاستمرت الجفوة بل والقطيعة لفترة ليست قصيرة.
ب- كانت المباحثات بيننا وبين العراقيين قد اجتازت مسافة واسعة ، أتاحت لنا أن نعيد بحث العلاقة بين العراق وحماس ، وكانت قناعتنا كبيرة في ذلك للرد على من يقول إن حماس رهينة الصلة الباطنية ، فجددنا بحث الصلة والزيارة والتعاون بين حماس وبغداد.
قلت لحماس -وهم في الأردن : لا أتوقع نتائج كبيرة لأول وهلة في علاقتكم ببغداد ، وأرى أن يقتصر الأمر بادئ ذي بدء على المطالبة بفتح مكتب لحماس ، وتسجيل عدد من قياداتكم في الدراسات العليا لحمل شهادات الماجستير والدكتوراه ، وكذلك ليدرك الجميع أن حماس تقيم صلات وعلاقات مع جميع الدول على اختلاف أطيافها ، فكما تزور حماس طهران تزور بغداد ، وكذلك الأمر بالنسبة لدمشق ، فيبطل مفعول الدعاية المضادة لحماس ، واتهامها بالارتهان أو الارتباط بطهران.
تم ترتيب الزيارة ، وتحديد تاريخها وبرنامجها ، فحضر وفد من ثلاثة أعضاء من قادة حماس ، ومر بالحدود العراقية الأردنية في الوقت المحدد والمتفق عليه مع العراقيين ، فلم يكن الاستقبال على المستوى المتوقع ، ففسرنا ذلك بجهل أو إهمال بعض الموظفين ، وكانت الترتيبات قد تمت مع السيد نائب الرئيس طه رمضان!!
نزل الوفد في فندق بابل ، على أمل استقباله مساء يوم الأحد الذي وصل فيه الوفد ، لكن ذلك لم يحدث ، وأبلغ المرافقون وفد حماس أن اللقاء سيكون مع طارق عزيز الذي كان ، كما زعم مشغولا ، وفي صباح اليوم التالي ، اعتذر المرافقون عن اللقاء بدعوى أن طارق عزيز -المسئول عن ملف حركات التحرر- منشغل كذلك ، ثم تكرر الاعتذار مساء الاثنين وصباح الثلاثاء ، فلم يعد الأمر طبيعياً ، فقرر الوفد العودة ، فاستمهلتهم قليلاً ، وهرعت إلى فندق بابل ، فرأيتهم قد استأجروا سيارة تكسي استعدادا للسفر ، فرغبت إليهم بأمرين ،أولهما : إلغاء السفر بالتكسي ، لتحملهم بإحدى سياراتنا المناسبة التي لديها إذن بالسفر خارج الحدود ، وثانيهما : أن يتكتموا على ما حدث ريثما ندبر الأمر ، ولا سيما أن نائب الرئيس قد استقبلهم ، وفي هذا تغطية مناسبة لبرتوكول الزيارة ، فتم الاتفاق على ذلك ، وحملتهم سيارة الجماعة إلى عمان.
ج- كنا نرجح أن طارق عزيز سعى بإفساد الزيارة ، وتعطيل برنامجها ، ثم جاءنا اليقين بلسان المقال ، وليس بلسان الحال فقط ، إذ أن السيد عبد الله الحوراني أحد قياديي فتح والمنظمة الذي لا ينقطع عن بغداد ، وفي كل مرة يقابل بها جميع المسئولين ، باعتباره من أصول بعثية ، وكنت على صلة به منذ كان معلماً في مدرسة الشعب الابتدائية في دبي ، قبل أن يستدعيه صلاح جديد إلى دمشق مديرا للإذاعة والتلفزيون!! وكنت إذ ذاك رئيس بعثة قطر في ساحل عمان -دولة الإمارات فيما بعد- فذكر أمامي الأستاذ عبد الله الحوراني أنه التقى بطارق عزيز ، وسمع منه أن وفدا لحماس حضر إلى بغداد ، ولم يكن لديه وقت لاستقباله ، فتأكد لنا أن ما فعله طارق عزيز -الذي كان يظهر بمظهر المتسامح غير المتعصب- كان عن تصميم وقصد وكيد ، لقيادة حركة المقاومة الإسلامية ، فصار لدينا دليل واضح ، هيأ لنا أو برر أن نشن هجوما حاداً ضد طارق عزيز على مسمع من ضباط الأمن الموجودين في كل الدوائر والمؤسسات ، ومنها مقر التحالف الوطني لإنقاذ سورية ، ومما ذكرناه أمامهم : أنه ليس من شيم العرب والمسلمين والبدو وأبناء العشائر أن توجه دعوة إلى ضيوف ثم يهملون!! ولا يكرمون ، وأن ما فعله طارق عزيز ، ونطق به يتنافى كل المنافاة مع أخلاق العرب ومع تقاليدهم.
لم تمض على ذلك برهة وساعات قليلة حتى كانت التقارير على مكتب الرئيس صدام ، فقرر في الحال إبعاد طارق عزيز عن هذه المسئولية ، وعن أي صلة بحماس ، وإسناد موضوعها وملفها إلى السيد نائب الرئيس طه ياسين وإلى مدير المخابرات العامة السيد رافع دحام.
د- جرت ترتيبات بديلة ، دقيقة ومبرمجة لقيام وفد حماس برحلة إلى بغداد تمحو الأثر السيئ الذي أحدثه تصرف طارق عزيز ، والذي كرره في العلاقة ما بين العراق وأفغانستان ، وحضر الوفد المؤلف من قادة حماس : خالد مشعل ، ومحمد نزال ، وعضو ثالث ، فكان الاستقبال على الحدود حارا ولائقا ، وكذلك الأمر بعد وصول الوفد إلى بغداد.
كان البرنامج الذي أعد لحماس حافلا ، تضمن جولات سياحية ، ودعوات كريمة ، واستقبالات لائقة مع كبار المسئولين ، ومنها حفل غداء أقامه في منزله على شاطئ دجلة مدير المخابرات العراقية : رافع دحام الذي كان يتمتع بخلق رفيع ودمائه ملموسة ، وكنت أعرفه منذ كان سفيرا للعراق في أنقرة ، فكان احتفاله بالضيوف كبيراً ، وعند مغادرة الوفد منزله ، همس لي قائلاً حين توديعه :
- إن وفد حماس جدير بالاحترام والإكرام أكثر من أفراد يأتونه من الخارج ، ويعاملون معاملة كريمة ليحققوا بعض المكاسب ، وليس لهم ثقل ، وليسوا على مستوى المسئولية الكبرى التي تضطلع بها حماس ، وإنني سوف أتولى الاهتمام بها والاعتناء بأمورها على أرض العراق ، ثم توفى الرجل بأزمة قلبية ، فكان فقدنا له خسارة لما لمسناه في هذا الرجل الفاضل من خلق كريم ، وأدب جم ، ودمائه تدل على تربية رفيعة المستوى ، رحم الله رافع دحام ، وجزاه عما لمسناه نحن وغيرنا منه خير الجزاء ، وشمله بغفرانه ورضوانه.
هـ- افتتحت حماس مكتبا لها في بغداد ، وقدم لها المسئولون مقرا مناسباً في حي المنصور أرقى أحياء العاصمة ، وفتحوا لها أبواب الجامعات والدراسات العليا ، فكان عمر بن الدكتور موسى أبو مرزوق أحد خريجي الطب في بغداد ، وكذلك منحوا محمد بن عبد العزيز الزنتيسي مقعدا في الطب ، وخصصوا مقاعد لعدد من رجال حماس في الدارسات العليا ، فحملوا شهادات الدكتوراه وعادوا إلى أعمالهم في دمشق وعمان.
وبهذه العلاقة الطيبة لم يعد من مجال لاتهام حماس بأنها مرتبطة بإيران ، بل هي حركة مقاومة وسياسة تتصل بمن تشاء ، وتزور أي دولة تريد ، وتقيم علاقات واسعة لصالح برنامجها المعلن في السياسة والمقاومة والتوجيه الإسلامي ، فشرب خصومها الصمت ، ولم يعد ثمة أي مسوغ للنيل منها واتهامها زورا بما ليس له أي أصل أو أساس ، وكانت حماس من قبل قد أجرت مباحثات مع مدير المخابرات الأردنية مصطفى باشا القيسي حول مساعي حميدة بين حماس والأردن ، وفق الله تعالى كاتب هذه الكلمات باسم جماعته وتنظيمه الذي يشرف بالانتماء إليه ، فانقشعت الغيوم التي كانت تلبد العلاقة بين الطرفين ، وانفرجت الأزمة ، وسمح للسيد موسى أبو مرزوق بالمجيء إلى عمان ، وإقامته في ربوعها ، وشرائه منزلاً لسكناه ، ومقرا لتنظيم حماس ومكتبها السياسي ، وتم الاتفاق ضمن المساعي الحميدة ، أن لا تخرج حماس المملكة الأردنية ، وتسبب لها الأذى في أي مسعى أو تحرك أو عمل سلبي ، وأن تعامل الأردن بالمقابل حماس معاملة كريمة.
استمرت هذه العلاقة أو شهر العسل بين الفريقين لأكثر من ثلاث سنوات قبل أن تسوء الصلة جراء عوامل خارجية أو داخلية أدت إلى اعتقال عدد من قادة حماس لفترة وجيزة ، ثم الطلب إليها أن تترك الأردن لظروف قاسية ، بل أقسى مما يتحمل الأردن ويصبر عليه.
10- تأتي ماليزيا في مقدمة الدول الإسلامية في سخاء طبيعتها وجمالها ، وفي تقدمها الصناعي والاقتصادي قياساً على غيرها من الدول الإسلامية ، وشعبها يتصف بالأمانة والخلق الرفيع والمعاملة الراقية ، والزائر لماليزيا يلمس الجمال والرونق في كل مرافق الحياة العامة فيها ، حيث لم أجد كمساجدها تنظيما وأناقة ونظافة وجمالا ، وقل مثل ذلك في حدائقها ومتنزهاتها وريفها الفتان ، وأناقة بيوتها ومساكنها ، فكوالامبور عاصمة ماليزيا نجمة متألقة في سماء العالم الإسلامي الممتد من جاكرتا إلى الدار البيضاء.
كان الحزب الحاكم -امنوا- بقيادة مهاتير محمد يحكم ماليزيا لفترة طويلة ، وكانت المعارضة تشمل الشباب المسلم الماليزي بقيادة أنور إبراهيم أحد ألمع الشخصيات في العالم الإسلامي ، والحزب الإسلامي بقيادة فاضل نور الذي نجح في إحدى الولايات الشهيرة وحكمها في نطاق السلطات الفيدرالية التي تحكم ماليزيا.
أ- لقد زرت ماليزيا أكثر من مرة ، ورغبت إلى قيادة الحزب الإسلامي بزيارة بغداد بناء على رغبة الحكومة العراقية ، وكان على رأس الحزب ثلاثة يقودونه ، هم : فاضل نور ونائبه وأمين السر شكري خريج كلية أبي حنيفة في بغداد ، وهو من ثم يتقن العربية ، ويحمل في نفسه مودة تجاه العراق ، وتقديرا له ، وقد لبى الدعوة إلى مؤتمرات عراقية عديدة هو ونائب رئيس الحزب.

فقامت علاقة طبية بين العراق والحزب المعارض ، دون أن يعكر ذلك صفاء العلاقة بين العراق والحزب الحاكم -امنوا- في كوالالامبور.

بعد دخول العراق إلى الكويت واحتلالها ، ومعارضة دول العالم الإسلامي للعراق ، شرع مجلس الأمن بتحريض من الدول الكبرى ، يصدر قراراته ضد بغداد ، وكانت ماليزيا عضوا في مجلس الأمن ، فطلب العراقيون منا السفر إلى ماليزيا لنذكرهم بواجبهم واخوتهم الإسلامية تجاه العراق.

سافرت مع الدكتور عرفان عبد الحميد -الأمين العام للمؤتمر الإسلامي- إلى ماليزيا للاتصال بحكومتها ، وحثها على الدفاع عن العراق في مجلس الأمن ضد ما تبيته له الدول الكبرى من خطط تمهد بها لضرب العراق ، وإلحاق هزيمة بجيشه وحكومته.

كان وصولنا إلى العاصمة الماليزية في أول العالم الميلادي ، فالفنادق ملأي بالزوار والمحتفلين بعيد رأس السنة ، فتركنا مندوب السفارة العراقية ، ولم يحضر معنا إلى الفندق ، رغم قوله لنا إنه في اثرنا ، وجدنا بصعوبة في تلك الليلة غرفا -سويت- لا تطاق أسعارهم ، لم نجد أحداً بجانبنا من موظفي السفارة العراقية المستغرقين بأعياد الميلاد دون شعور منهم بالأزمة الخانقة التي يمر بها وطنهم.

في اليوم التالي ذهبنا إلى السفارة ففاجأنا السفير -الطبقجلي- أننا لن نجد من يتجاوب معنا في مناصرة العراق ، لأن للسفارة الكويتية نشاطا واسعا ، ورساميل كبيرة تستثمرها في ماليزيا ، وأدخل اليأس إلى نفوسنا والإحباط إلى قلوبنا ، فطلبت منه أن يصلني بالسفير الفلسطيني السيد أحمد الفرا -أبو ماهر- الذي عرفته في زيارات سابقة لأزوره وألتقيه ، وما هي إلا دقائق حتى كنا في منزله المجاور لسفارته ، وبعد مضي أقل من ساعة كان السفير العراقي بجانبنا في منزل السفير الفلسطيني الذي كان كما عرفناه من أفضل سفراء فلسطين ، ومن القلة في خلقه الرفيع ومودته الظاهرة.

كان السفير الفرا يحدثنا عن تعاطف الماليزين مع العراق ، بشكل كاسح بمن فيهم الجالية الصينية ذات النفوذ الاقتصادي ، وأن الشعب الماليزي يقف صفاً واحداً مع العراق في محنته ضد مجلس الأمن والدول المسيطرة عليه ، فالتفتنا إلى السفير العراقي ، فإذا به يكرر ما قاله الفرا بتناقض يبلغ 180 درجة عما كان قد حدثنا به في اليوم السابق ، من أن العراق ليس له من يناصره!!!

أما موظفو السفارة العراقية ، فلم نعد نسمع لهم حسا ولا ركزا ، لأنهم كانوا غارقين في ليالي رأس السنة الميلادية ، ولم نرهم إلا بعد أربعة أيام ، وقبيل السفر بساعات ، فأبدينا لهم امتعاضا واستنكارا بلسان الحال والمقال دون أن يشعروا بالخجل أو الحرج.

أدركنا فشل دولنا الممثلة بعناصر لا تعرف إلا اللذات والسهرات معظم ساعات الليل ، واحتساء الخمور ، وتهريب الأموال وغيرها بالحقائب الدبلوماسية ، وجني الثروات الحرام ، أما شعوبهم التي تدفع لهم المرتبات الباهظة ، فلا شأن لهم بها ، ولا يهمهم أمرها ، لأن العمل الدبلوماسي لديهم وسيلة للثراء والمتع والفواحش ، في الوقت الذي لا تهدأ فيه البعثات الدبلوماسية للعدو في خدمة بلادها بكل الطرق والأساليب المتاحة في سبيل أوطانهم والعمل على رفعة شأنها.

ب- خلال إقامتنا القصيرة في ماليزيا ، عمل السفير الفرا على لقائنا بالسيد أنور إبراهيم ، وزيارته في وزارة التربية التي كان يمسك بحقيبتها ، وكان لنا علاقة به منذ عام 1981 عبر لقاء في مؤتمر لاتحاد الطلاب المسلمين ، فرحب بنا أجمل ترحيب قائلاً : تفضلوا معي -في سيارته- لتزور إحدى المدارس التي سيفتتحها الوزير ، فحضرنا معه ، ثم عاد بنا إلى وزارته لنبحث موقف ماليزيا ذات العضوية في مجلس الأمن ضد ما يبيت للعراق من كيد ، تمهيدا لشن الحرب عليه.

قال السيد أنور إبراهيم : كل ماليزيا مع العراق ، ولكن الأمريكان يمارسون ضغوطا شديدة على ماليزيا ، ومنذ فترة قصيرة اتصل بوش شخصيا برئيس الوزراء مهاتير محمد لحثه وحضه على الوقوف بجانب أمريكا ضد العراق.

قمنا بزيارة الشافعي الغزالي وزير الخارجية السابق ، وكذا تنكو عبد الرحمن الذي قاد الشعب الماليزي إلى الاستقلال ، وكان قد بلغ من العمر عتيا ، وهو في أيامه الأخيرة من عمره المبارك ، فالشعب يقدره ويجله ، ويعتبره الأب الروحي للماليزين ، وقائد ثورتهم التي أثمرت للوطن استقلالا ناجزا ، رفعها إلى مصاف الدول الحرة والكريمة.

11- في مطلع الثمانينيات واجهت حركة النهضة التونسية أزمة حادة مع الحكومة التونسية انتهت بزج قادة النهضة في السجن وتقديمهم إلى المحاكمة ، فصدر حكم الإعدام على زعيم حركة النهضة الأستاذ راشد الغنوشي ، فأحدث ذلك ضجة في أوساط الحركات الإسلامية والسياسية ، ولد استئناف الحكم صدرت براءة الأستاذ الغنوشي ، وخرج من السجن خروج المنتصرين ، فصار له شأن عربي ودولي ، تلقى بعدها دعوات من عدد من الدول العربية ، كانت السعودية في مقدمتها ، فقدمه ولي العهد إذ ذاك الأمير عبد الله ابن عبد العزيز -الملك حالياً- وأجلسه بجواره في احتفال عام ، ثم رغب العراقيون بتوجيه دعوة إلى الأستاذ راشد لزيارة بغداد ، فقمت بتوجيه الدعوة إليه ، فقبلها مبدئياً ، ولكن ضابط الأمن في السفارة العراقية في باريس التقاه ، وطلب منه أن لا أكون على علم ببرنامج الزيارة ، لأجهل توقيتها وأي خبر عنها ، فوجدت الأستاذ راشد غاضبا من هذا السلوك عندما التقيته في باريس ، وقال معقبا على ذلك :

- هل هؤلاء رجال دولة أم أفراد عصابة؟

أ- بعد عودتي إلى بغداد شكوت إلى بعض المسئولين تصرف موظفيهم في سفارتهم في باريس ، وما أحدثه سلوكهم في نفس الأستاذ الغنوشي من ردود فعل ، أدت إلى عكس المرغوب فيه من توجيه الدعوة إليه ، فأقسموا أنهم يفاجئون بذلك ، وأن هذا التصرف كان خارج علم المسئولين ، بل كان تصرفاً فرديا واجتهادا شاذاً ، واعتذروا عن ذلك أبلغ الاعتذار بعد أن أبدلت لهم استنكاري واشمئزازي ممن يحذر مني بعد أن وقع علي الاختيار في توجيه الدعوة إلى الأستاذ راشد الغنوشي.
سوي الموضوع وعادت الأمور إلى مجاريها ، وقبلنا الاعتذار بعد أن شعرنا بجديته ، وأن رؤساء الموظف الذي ارتكب هذا الخطأ ، سوف يسألونه عن خطته ، وسوف يتحمل هو مسئولية ذلك.
ب- حمل الغنوشي عصا الترحال وقصد عاصمة الرشيد بغداد ، فاستقبل من قبل المسئولين المعنيين استقبالا حارا ، والتقى عدداً من كبار رجال الدولة ، ثم توجت هذه الحفاوة بدعوة الرئيس صدام للغنوشي في احتفال كبير في قاعة الاحتفالات الكبرى ، وأجلسه بجانبه إشعارا لجميع من حضر الاحتفال الذي غصت به القاعة بتقدير الحكومة العراقية للغنوشي ، وعلى رأسهم أو مقدمتهم رئيس الجمهورية صدام حسين الذي رأى في الغنوشي شخصية محترمة ومرموقة ، وجديرة بالتقدير على جهاده وصلابته ودفاعه عن قضايا شعبه العربي وأمته الإسلامية ، فكانت هذه الزيارة دعما كبيراً للغنوشي على ما يضطلع به من نضال صلب وجهاد كبير ( ولحركة النهضة التونسية -الإخوان المسلمون- ) ووقوفه بجانب كبار رجالات الأمة العربية ، في الدفاع عن قضاياها المصيرية ، وتصديها لأعدائها الألداء ، وفي مقدمتهم الحركة الصهيونية الباغية التي اغتصبت فلسطين ، وطردت شعبها بعد أن ارتكبت مجازر وحشية بحق الفلسطينيين يندي لها الجبين.
ج- صادف أن تلقينا دعوة من السيد ياسر عرفات لزيارة مقر منظمة التحرير في العاصمة التونسية شملت عدداً من الإخوة كان منهم الأخ على البيانوني ، وقد تضاربت دعوة المنظمة لنا على حفل عشاء مع دعوة وجهها لنا الأخ ، راشد الغنوشي لإفطار رمضاني في منزله ، فأثرنا الاستجابة لدعوة الأخ الأستاذ راشد ، والاعتذار للسيد عرفات وإخوانه عن الاستجابة لدعوتهم.
كان الأستاذ راشد قد بلغ شاوا كبيراً في سمعته ومقداره في البلاد العربية كما ألمحت من قبل ، وكذا في الأوساط الدولية ، وصار يدعي إلى المحافل الثقافية والمهرجانات الخطابية والندوات الفكرية والمؤتمرات السياسية ، حتى أضحت شخصيته يشار إليها بالبنان مع شخصيات ألمعية أخرى ، كالشيخ القرضاوي وعبد الله النفيسي وغيرهم.
ليبقى الأخ الأستاذ راشد الغنوشي من اعلام الحركة الإسلامية ، ومن الشخصيات التي تساهم في دراسة وتحليلات المواقف السياسية والفكرية التي تشهدها الساحة العربية ، وتواجهها الأمة الإسلامية.
12- كانت ثورة الجزائر ، وكان جهادها من أعظم ما خاضه شعب من شعوب الأمة الإسلامية ضد أعدائها ومحتلي أراضيها ، إذ استمر كفاحها ثماني سنوات قاومت فيه دولة عاتيةقوية إذ ذاك وهي فرنسا ، وقاومت ست عشرة دولة تشكل حلف شمالي الأطلسي انضمت إلى فرنسا في ضربها للجزائريين أملا في القضاء على ثورتهم ، لكن جهاد الجزائريين كان أصلب من كل القوى الباغية التي واجهها ، فاستمر المجاهدون في صلابتهم وثباتهم ، وتقديمهم التضحيات التي بلغت أكثر من مليون شهيد ، حتى انتزعوا استقلالهم وحريتهم من بين فكي الوحشي الفرنسي والأوربي انتزاعا ، أذهل العالم ونال إعجابه ، وعندما أنقذ الوطنيون مصير وطنهم ، كان الأمل منهم أن يقدموا نموذجا صالحاً لحكم الجزائر يجسد آمال الشعب ، ويتمثل عقائده وقيمه ومثله العليا التي حارب في سبيلها ، إلا أن الواقع خيب آمال شعبهم بهم ، فظهر الفساد في البر والبحر ، وانتشرت الرشوة والسلب ونهب المال العام والثراء الفاحش ، كما انتشرت المفاسد الخلقية والاجتماعية ، حتى إن الجزائريين ذكروا أن ما شهدته الجزائر من فساد أخلاقي في عهد بوتقليقة ، لم تشهد الجزائر مثله في ظل الاستعمار الفرنسي ، كما سمعت من شخصيات جزائرية ، كان منهم سلطاني أبو جرة رئيس حركة حُمس -الإخوان المسلمون- في مكة المكرمة على هامش عمرة رمضانية منذ عامين ، ومع ذلك اصطف أبو جرة في نفس العام مع بوتفليقة في الانتخابات ، وفي المشاركة الضعيفة في الوزارة.

أ- هذا الواقع المر عبأ جماهير الجزائر ضد حكومة حزب جبهة التحرير الوطني الجزائرية ، وعرضها للتفكك والانهيار ، وفي هذه الظروف ظهرت جبهة الإنقاذ الجزائرية بقيادة عباسي مدني وعلي بلحاج ، وطرحا باسم الجبهة التي يقودانها مع إخوانهم أمرين مؤثرين في ضمائر الجزائريين وهما :

- العودة إلى الإسلام الذي حاربوا من أجله -ومن أجل الاستقلال- ووجوب التمسك بأهدابه ، بعد أن فرطت بمبادئه حكومة حزب جبهة التحرير.
- محاولة الفساد الذي استشرى حاله ، واستحكم أمره ، فأضحت في ظله الجزائر منهوبة من المتنفذين في السلطة ، فاستجاب الشعب بأكثرية ساحقة لنداءات وشعارات جبهة الإنقاذ ، ومنحها ثقته شبه المطلقة ، ومن هنا تحرك المفسدون وعلى رأسهم عدد من جنرالات الجيش الذي يرعون الفساد ، ويحكمون البلاد بالحديد والنار ، فأبطلوا الانتخابات ، ومنعوا الجولة الثانية بعد أن اكتسح الإنقاذيون الموقف منذ الجولة الأولى ، وعاقبوا من نال ثقة المواطنين ، فزجوا الألوف منهم في السجون ، وأبعدوهم إلى سجون الصحراء في جنوبي الجزائر ، فكان هذا الإجراء مبعث فتنة داخلية ، وحرب أهلية ، أصابت الوطن في الصميم ، ودمرت اقتصاده ، وبنيته التحتية ، ووحدته الوطنية ، فكانت ضحايا هذه الفتنة عشرات الألوف من أبناء الشعب الجزائري المنكوب بجزالاته وجلادية.

ب- التقيت الأستاذ المفكر مالك بن نبي في مكتبة العروبة بالقاهرة عام 1965 ، وسمعت منه مقولة يذكر فيها : أن الجزائر منكوبة بهؤلاء الضباط ، وأن ثروتها تنفق على الفساد ، وعلى قتل شعبها ، لأن هؤلاء الجنرالات -يقدر عدد المتنفذين منهم بخمسين- كانوا في الجيش الفرنسي ، يؤدون كل صباح التحية للعلم الفرنسي ، وكانوا اليد الباطشة بأيدي المحتلين ، وعندما انتصرت ثورة الجزائر ، انحازوا إلى الجيش الوطني ، واستلموا قيادته ، فكان هذا -كما قال مالك بن نبي- من أكبر وأخطر الأخطاء التي ارتكبتها الثورة الجزائرية ، عندما جاءت بأعوان فرنسا ، وأسندت لهم مصير الجيش الوطني الناشئ ، وبالأحرى مصير البلاد والعباد.

كان الأستاذ عباسي مدني كبير الثقة بالانتصار وحكم الجزائر ، فتبنى سياسة حادة ومواقف صدامية ، وقد استدعاه رئيس الجمهورية ابن جديد ، وطلب منه الصبر والأناة قائلاً له :

- سوف تستلمون السلطة إن صبرتم ، لأنني أواجه تيارا في الجيش لا يمكن مقاومته والتغلب عليه ، فعليكم بالحلم والأناة ، وسوف تحققون ما تبتغون.

إلا أن عباسي كان يحمل عقلية خاصة ، وقفنا فيما بعد على نوعها وكنهها في مناسبات عدة كان منها : لقاؤنا به على هامش فريضة الحج ، فدعا الأستاذ عبد الله المطوع -أبو بدر- رحمه الله ، وأجزل له المثوبة- في منزله بمكة المكرمة ، كلا من عباسي مدني ومحفوظ نحتاج قائلاً :

- سوف أتحمل كل أعباء المعركة الانتخابية إذا اتفقتم وشكلتم جبهة واحدة متراضة وقائمة مشتركة.

فوافق عباسي ظاهراً على ما طرحه أبو بدر ، إلا أن محفوظ كان يحتفظ بسره في مشروع خاص به ، فبدا وكأنه يتنصل من أي اتفاق.

قمت بزيارة للجزائر في مطلع التسعينيات في الفترة التي دخل بها الجيش العراقي الكويت ، لحضور ملتقى في قسنطينة نظمته حركة النهضة التي كان جاب الله يقودها ، وفي ختام اللقاء ذهبنا في سيارة واحدة إلى العاصمة ، حملت جاب الله وعددا من الضيوف لمقابلة الشيخ عباسي ، فذهبت مع جاب الله إلى مقر جبهة الإنقاذ ، وكان جاب الله يقول :

- لقد أرجأت تقديم طلب بترخيص الحزب -تأشيرة- بانتظار موقف عباسي ، عسى أن نشكل جبهة واحدة ، كما وعد في مكة.
التقيت على انفراد بالشيخ عباسي ، قائلاً له : هذا جاب الله جاءك ليعرف ماذا تريد ، وهو ينتظر الإجابة منك ، فإن كنت تريد التفاهم ، فها هو في الغرفة المجاورة.

فإذا به يقول في جاب الله ومحفوظ كلاماً لا أسوغ لنفسي ذكره ، ويصفهما بأوصاف غير لائقة ، رافضا الدخول معهما في جبهة واحدة أو موحدة ، فخرجنا من مقر جبهة الإنقاذ في حي القبة ، وغادرنها بخيبة أمل مرة ، وقلت لجاب الله :

- اذهب قبل أي شيء إلى وزارة الداخلية ، واحصل على ترخيص الحزب الذي تقوده ، فالشيخ عباسي مدني يود أن يخوض وحده معركة الانتخابات ، ويستنفد تجربته التي بدأها تحت اسم جبهة الإنقاذ دون الاشتراك مع أي جهة أخرى ، دون أن أشير إلى رأي عباسي به وبمحفوظ ، وكان الفراق ، وتمزق الصف الإسلامي الذي تجرعت الجزائر مرارته.

ج- رغب العراقيون في توجيه الدعوة إلى الشيخ عباسي مدني لإجراء حوار معه ، فأبلغته الدعوة في مقره في حي القبة ، في وقت لاحق ، فقبلها شاكراً ، وقصد بغداد برفقة نائبه علي بلحاج.

التقى الرئيس العراقي ومعه نائبه ، ومكثا وقتاً ليس قصيراً مع الرئيس صدام حسين ، فكان عباسي يغلظ القول مع الرئيس ، ويتحدث بكلام خال من اللباقة السياسية والعرف الدبلوماسي ، وبعدها خرج عباسي وبلحاج من مقابلة صدام حسين ، واتجها إلى الفيلا التي ينزلان فيها ، ذهبت للتو إليهما ، لأسمع من عباسي عن نتائج اللقاء ، فسمعت منه ما لو نقله أحد إلي لتشككت به ، قال عباسي :

- العراق ينبغي أن توجه إليه ضربة.
ففوجئت بهذا التفكير الذي يصدر عن زعيم مسلم ، متمنيا أن توجه ضربة إلى بلد عربي مسلم ، مهما كان التباين معه كبيراً في الموقف ، وفي وجهات النظر.
قلت لعباسي : إن الترابي والغنوشي ينتظرانك في فندق عالية بجانب المطار في عمان ، تمهيدا لتشكيل وفد يسعى لإيقاف التوتر بين دول المنطقة ، إثر دخول الجيش العراقي إلى الكويت ، فإذا به يقول :
- هذا الأمر لا يحتاج إلى تظاهرة!!

إشارة منه إلى رفض فكرة الوفد ، وأن تقتصر الوساطة على مساعيه الشخصية دون أن يشاركه أحد ، ثم قال :

- على الحركة السودانية -وقد مر على ميلادها زهاء ستين سنة- أن تستفيد من تجربة جبهة الإنقاذ التي يقودها -ولما يمض على تأسيسها أكثر من سنتين- فقلت في نفسي : الويل للجزائر من مثل هذا التفكير ، ومن هذه العقلية التي يصعب على الإنسان تقدير الكارثة التي ستجرها على الجزائر ، عندما قابلت الترابي في يوم لاحق في عمان ، وسألني عن مواقف عباسي ومدني ، أجبته :
- الرجل يظن بنفسه أنه المهدي المنتظر ، ولا يريد أن يقف معه أو بجانبه أحد تنسيقا أو مشاركة أو مشاورة.
فقال الترابي : حبذا أن يسمع منك ذلك الأخ راشد الغنوشي.

هكذا خسر عباسي العلاقة مع العراقيين الذين أبدوا امتعاضا كبيراً من الرجل ، ومن العقلية التي يخاطب بها الآخرين ، وخسر العراق الصلة مع جبهة الإنقاذ بعد الجهود التي بذلناها لإقامة هذه الصلة ، وقد فوضت جميع المساعي الرامية إلى تهدئة الأوضاع وإجراء مصالحة بين العراق من جهة وبين السعودية ودول الخليج من جهة أخرى ، فكانت خيبة الأمل كبيرة في تشكيل جبهة قوية من قادة العالم الإسلامي تقوم بإطفاء الحريق الذي يوشك أن يدمر المنطقة بكل أقطارها ، وقد كان ذلك ، وحدثت كارثة حرب الخليج التي كانت خسائرها أكبر من أن تقدر أو تحصى ، واأسفاه.

13- قمت مع وكيل وزارة الأوقاف العراقية الدكتور محمد شريف بزيارة إلى باكستان ، والتقينا القاضي حسين أحمد أمير الجماعة الإسلامية أكبر الحركات الإسلامية في باكستان ، فأبدى تعاطفا مع العراق ، وفي إجراء مصالحة بينه وبين أشقائه في الخليج ، كما زرنا الشيخ إحسان إلهي ظهير في منزله في لاهور ، واقترحنا عليه زيارة العراق ، فقال :

- وهل تضمنون لي مقابلة الرئيس صدام حسين؟

فأجبناه : ليس هذا الأمر بيدنا ، ولا نستطيع أن نعد به ، لكنه في تقديرنا أمر ميسور ومتاح بإذن الله.
أ- ذهبت وفود باكستانية كثيرة إلى بغداد ، كان في مقدمتها قادة الجماعة الإسلامية ، وقادة جماعة الحديث ، وقادة جمعية علماء باكستان برئاسة أحمد شاه نوراني رحمه الله ، وبعض علماء السنة وعدد من الشيعة ، فحضروا تجمعا كبيراً ضم قادة وعلماء من معظم الدول العربية والإسلامية.
كانت خطب إحسان إلهي ظهير شديدة ، وكان كثير التخوف من امتداد النفوذ الشيعي إلى البلاد العربية والإسلامية ذات الأكثرية السنية ، وأن يمتد الزحف الإيراني الشيعي من بحر الخزر أبو بحر قزوين إلى البحر الأبيض المتوسط ، من جنوبي تركيا إلى شمالي جمهورية باكستان الإسلامية ، وأن يبتلع هذا المد العراق وسورية ولبنان والأردن وما حولها.
اهتم العراق بزيارة الوفود ، وكان السيد طه ياسين نائب الرئيس العراقي يستقبلها في مكتبه ، وقد صبحت بعضها مثل القاضي حسين والدكتور الترابي ، وكنت في الطريق إلى هذه المقابلات أحث القادة الإسلاميين على تذكير العراقيين بوجوب التمسك بالإسلام ، والالتزام بأحكامه.
أولى العراقيون اهتماما خاصاً بالشيخ إحسان إلهي ظهير ، إذ استقبله الرئيس صدام استقبالا مطولاً ، وحضر إليه مندوبون من الديوان ، ومن دوائر أخرى للتباحث معه ، والوقوف على آرائه ووجهات نظره ، باعتباره مختصاً بالدراسات الشيعية ، وكاتبا كبيراً في موضوعاتها ، إذ أصدر عدداً كبيراً من المؤلفات في هذا الموضوع.
ب- صحبنا الشيخ إحسان إلى معسكر خاص بالمجاهدين السوريين ، فتكلم فيهم ، وخطب في جموعهم معجبا ومشجعا ، بل ومؤيدا لهم في جهادهم.

كان الشيعة في إيران وباكستان يحملون كرها في نفوسهم للشيخ إحسان إلهي ظهير ، ويرسلون له الوفود إلى منزله لتوجيه النصح له بالتوقف عن فضح شذوذ الباطنية ، وفي ذات يوم زاره السفير الإيراني وسأله عن سر عدائه للشيعة ، وبعد جدال طويل أمسك عن بعضه لأن فيه تجريحا للخميني ، قال الشيخ إحسان :

- لو توقفتم عن شتم الصحابة الأجلاء ، وتوجيه الاتهامات الزائفة والباطلة ضدهم لحدث تقارب وتعايش بين السنة والشيعة.

فنفى السفير -كما روى لنا الشيخ إحسان- أن يكون الشيعة في صدد الهجوم على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأجاب الشيخ إحسان :

- أنتم لو كتبتم كتاباً في الرياضيات لما خلا في أمثلته من النيل من الصحابة الكرام ، وقال : مددت يدي إلى كتاب في مكتبتي التي تجمع أعدادا كبيرة من الكتب في هذا الشأن ، ولم أكن قرأته من قبل ، وشرعت في تقليب صفحاته ، لأعثر من فضل الله ولطفه بي على شتائم للخلفاء الراشدين وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الميامين ، فبهت السفير ، وانتهت الزيارة الفاشلة.
ج- لم يعد باستطاعة زعماء الشيعة الصبر على أنشطة الشيخ إحسان في كتاباته العديدة ومؤلفاته العتيدة عن السنة والشيعة ، وعن تحريفهم للقرآن الكريم ، وعدائهم لأهل السنة والجماعة والتي أحدثت دويا كبيراً في دول العالم الإسلامي ، وفي البلاد العربية ، حتى إن شيعة كثيرين -كما أخبر الشيخ إحسان- تحول عن التشيع ، بعد أن رأوا من الطامات ما لا يستطيع قلب مؤمن بالله ورسوله والإسلام الصبر على سماعها ، واعتنق مذهب أهل السنة والجماعة الذين يبجلون الصحابة جميعاً دون استثناء ، ويعظمون آل البيت تعظيماً يليق بمقامهم وأقدارهم دون غلو أو تفريط أو إسناد الآراء الشاذة لهم ، بل وينشئون أبناءهم والأجيال على نهجهم والصلاة عليهم في صلواتهم وأدعيتهم ، وفي جميع المناسبات الإسلامية الأخرى. ضاق شيعة باكستان بالشيخ إحسان ، وما أحدثه من تنبيه المسلمين إلى الشرور التي تلحق بالمسلمين من تشويه لدعوة الله ، وتمزيق لأبناء الأمة الإسلامية الواحدة ، فقرروا قتله والتخلص منه ، وراقبوه وتابعوه لتنفيذ جريمتهم ، فاهتبلوا فرصة إقامة حفل ديني في لاهور ، وبعثوا -عن طريق طفل- مزهرية فيها أزهار ظاهرة ، وعبوة ناسفة في داخلها ، ووضعوها أمامه على المنصة ، فانفجرت وألحقت به جراحات بالغة ، حاول الملك فهد والرئيس صدام كلاهما نقله بطائرة لتلقي العلاج ، إلا أن المنية عاجلته ، فانتقل إلى جوار ربه فداء عقيدته ، عقيدة أهل السنة والجماعة التي استشهد في سبيل الله دفاعا عنها ، وحماية لها.
14- لم تتوقف المعارضة الليبية ضد نظام معمر القذافي ، وكان على رأسها أو في مقدمتها ذوو الاتجاهات الإسلامية التي جمعت صفوفها ، وقدمت السفير الليبي السابق الدكتور محمد المقيرف على رأسها ، فاتخذت المعارضة من أرض السودان ملاذا لها ، الأمر الذي لم يحتمله القذافي ، وضاق به ذرعا ، فقصف إذاعة أم درمان التي كانت تساعد المعارضة الليبية على بث برامجها.

حاول النميري الخروج عن هذه الأزمة ، وأن يهدئ عداوة القذافي لسودان ، فرغب إلى السديد محمد المقيرف أن يغادر السودان ، وكان حسن الترابي على صلة قوية بالنميري في نطاق المصالحة التي أجراها معه ، فشرح لي الترابي الموقف ، ورغب إلى أن أتوسط لدى العراق لتقبل السيد المقيرف لاجئا سياسياً.

أ- رحب العراق الذي كان على عداء سافر مع القذافي بالمعارضة الليبية وبرئيسها محمد المقيرف الذي وجد في بغداد الأمان والتكريم ، ومنذئذ صارت بغداد منطلقاً للمقيرف يخرج منها في جولاته وأسفاره ، ويعود إليها كمقر رئيسي له.
مرت فترة لم أعد أسمع عن المقيرف شيئاً في العراق ، ولم أتمكن من مقابلته ، حتى التقيته في الطائرة التي كانت تقله إلى بغداد ، فسألته معاتبا عن هذا الابتعاد ،وتجنب أي لقاء معه ، فلم يحر جواباً ورد بكلام مبهم غير مفهوم.
عرفت مقر إقامته ، فوجهت له دعوى إلى طعام الغداء ، ضمن طيف من الشخصيات السياسية المرموقة والمعارضة ، وعندما حان وقت الغداء وحضر جميع الضيوف ، تخلف المقيرف عن الحضور دونما عذر أو اعتذار أو اتصال ، فعلمنا أن رجال الأمن الذين يتولون أمره قد نصحوه بعدم الحضور وتلبية الدعوة ، والاستمرار في ابتعاده عن الصلة فيما بيننا ، كما أدركنا أي نوع من الرجال كان المقيرف ، وقد صادفنا مثل هذا النمط من الرجال الذين يبحثون عن المكاسب العاجلة ، أما الوفاء وما إليه فلا علاقة لهم به أو بالقيم المماثلة.
ب- من المدهش أن بعض المعارضين يصبحون رهن الأجهزة التي ارتبطوا بها دون النظر إلى حريتهم وكرامتهم واستقلاليتهم ، نظير مساعدات مالية أو تقديم خدمات لوجستية من سكن وسيارة وراتب وما إلى ذلك ، ليصبحوا رهينة لدى مخابرات الدول التي لجأوا إليها ، متناسين الذين مدوا إليهم يد المساعدة ، ومهدوا لهم الطريق ليجدوا المأوى أو الملاذ.
ظل المقيرف على هذه الحال من عدم الوفاء ، والاستغراق فيا أو مع من وضع مستقبله ومصير معارضته وبرامجه في التحرك والنشاط بأيديهم حتى ذاب كما يذوب الملح في الماء ، فلم نعد نسمع له ذكراً أو ركزا.
وفي هذه الحادثة وكثير مثلها درس وأي درس لمن يسير في طريق المعارضة ، فإذا به يقع في فخ منصوب له مقابل منافع رخيصة وعاجلة ، ليكون كالمستجير من الرمضاء بالنار ، ومن هذا المصير ينبغي على المعارضة ، ولا سيما أبناء الدعوة الإسلامية أن يحصنوا أنفسهم وأبناء دعوتهم من المتربصين بهم وبأمثالهم ، ويصطادون بالماء العكر ، ويسخرون ممن يلجأون إليهم في أغراض رخيصة ، وأحياناً تكون خسيسة. وإذا لم يطمئن المعارضون على أبنائهم من الانزلاق أو السقوط ، فخير لهم ألف مرة أن يصبروا ويصابروا بدلاً من أن يتنقلوا من ظلم إلى خضوع ، ومن حرية وكرامة إلى ذل وخنوع.
15- كان السيد جاسم علوان ذو الاتجاه الناصري واحداً من أقطاب المعارضة السورية لفترة لم يطل أمدها ، لأنه كان مرهف الحس ، شديد التأثر بأي موقف أو كلمة يسمعها من الآخرين إذ أغضبه كلام صدر عن السيد أمين حافظ في مقابلة صحفية ، فانكفأ على نفسه وانسحب من المعارضة بسلبية ليست في رأينا مبررة ، لكنه ظل وظللنا معه على صلات وثيقة وصداقة مستمرة ، لأن جاسم يتمتع بخلق رفيع ونفس مهذبة في تعامله مع الآخرين.
في أثناء صلته بالمعارضة ، ومشاركته بنشاطها ، وبعد تجميد عضويته بها ، كنا دائمي اللقاء به في مقر إقامته بالقاهرة ، والقيام بزيارة منزله ، بمبادرة منا أو دعوة منه في مسكنه في حي الزمالك في العاصمة المصرية ، وكثيراً ما كان يجمع بنا أو معنا أطيافا من شخصيات ناصرية ومعارضة وذات شهرة في مجالات الفكر والسياسة والإعلام.
اقترحنا عليه أن يدعو في هذه اللقاءات بعض الشخصيات الإسلامية ، وسمينا له الأستاذ فريد عبد الخالق عضو مكتب الإرشاد السابق أيام الإمام حسن البنا ، وقبل أن يمكث في السجن بضع سنين ، وكان من قبل وكيلا لوزارة الثقافة ، وكذا الأستاذ المحامي الأخ أحمد سيف الإسلام ابن الشهيد الإمام حسن البنا ، فلاقى هذا الاقتراح رغبة لدى السيد جاسم علوان صاحب الدعوة ، ولدى الأخوين الكريمين فريد وسيف الإسلام ، وسرعان ما لبيا الدعوة ، وصار دائمي الحضور في المناسبات عندما تعقد اللقاءات ، وكان الانسجام بين الجميع واضحاً وملموسا ، حيث يلتقي الجميع على هم واحد ، هو وجوب توحيد الأمة ، وإخراجها من النكبات والأزمات التي تعاني منها.
انتقلنا من هذه المرحلة التي اقتصرت على اللقاء والمناقشات ، إلى توجيه الدعوة للأخوين لحضور المؤتمرات الكثيرة التي كانت تعقد بالقاهرة بأسماء مختلفة ، وتحت عناوين وطنية وقومية وإسلامية عديدة ، ومن أجل العمل على إطفاء الحرب اللعينة بين العراق وإيران التي التهمت الأخضر واليابس ، وأفقدت البلدين مئات الآلاف من أبناء البلدين المجاورين ، ودمرت الحرث والنسل ، وهدمت الطرق وشطرا من المدن في البلدين وأسلحة كثيرة ، وأوقفت عجلة التنمية في كلا البلدين الجارين.

أضحت بغداد وجهة الكثير من زعماء العرب والمسلمين ، فصار من المألوف أن نرى فيها أربكان والغزالي وسيف الإسلام ، وزعماء العرب والمسلمين من شمالي أفريقيا ، من تونس وليبيا والجزائر والمغرب ، وطيفا واسعا من الشخصيات المصرية والسودانية واليمنية والأردنية.

عندما حضر الشيخ [[محمد الغزالي|الغزالي رحمه الله سألني : كيف يتم اللقاء باللواء محمود شيت خطاب؟

فقلت : أفضل أن يجتمعا على طعام فطور حيث أسكن ، تجنباً لإثارة حساسيات لدى العراقيين من اللقاءات الجانبية.

وقد كان ذلك ، واجتمع العلمان الكبيران باسم دعوة إفطار كانت مألوفة على هامش المؤتمرات.

ب- وفي آخر مؤتمر عقد في بغداد عام 1987 وحضره محمد حسنين هيكل ، ووفد سوداني برئاسة السيد علي عثمان والأستاذ محمد الغزالي والأستاذ أربكان وأعداد كبيرة كان سيف الإسلام ضمن هذه الوفود ، التي وجهنا لها باسم المعارضة السورية الدعوة إلى طعام الغداء في مطعم تركي حجزناه لهذه الغاية ، ولم يتخلف أحد عن تلبية هذه الدعوة التي تكلمنا فيها مرحبين بالوفود ، كما تكلم عدد من المدعوين كان السيد نجم الدين أربكان على رأسهم وتحدث باسمهم.
كان القائمون على المؤتمر ينظمون اللقاءات ما بين أعضاء الوفود والشخصيات البارزة وبين القادة العراقيين ، من أمثال عزت إبراهيم الدوري ، وطه ياسين رمضان ، وقد خص القائمون على المؤتمر شخصيات بعينها وصحبوها إلى زيارة الرئيس العراقي صدام حسين بناء على رغبتهم أو طلبهم.

لكن ما فوجئنا به أن الرئيس طلب من القائمين على ترتيب الزيارات أن يحضروا له الأخ سيف الإسلام ابن الإمام حسن البناء ، فذهب تلبية لدعوة الرئيس والتقى به ، وكان الترحيب حارا أكثر من المألوف ، وبعد لقاء طال وقته ، وتخللته أحاديث شتى كما روى سيف الإسلام : أعرب الرئيس عن سبب هذه الدعوة ، والرغبة في استقبال سيف الإسلام : كنت أسمع الكثير عن والدك ، وعن دوره في الإصلاح ، وعما كان يتمتع به من ميزات وخصائص ، وعندما فاتني التعرف عليه والالتقاء به ، رغبت بالتعويض عن ذلك بتوجيه الدعوة لك ، كي أراك بعد أن فاتني رؤية والدك رحمه الله والتعرف به عن قرب.

16- والفقرة المهمة من هذه التجارب الإخوانية مع العراق الشقيق تخص الفكر الإخواني وأمور الدعوة على أرض العراق ، فقد كان الخطاب السياسي العراقي قبل هذه الفترة معبرا عن أدبيات حزب البعث والحكومة العراقية ، وكانت الصبغة العلمانية هي الغالبة ، وعندما أصرت جماعة الإخوان على تثبيت مبادئها في ميثاق التحالف مع أطياف المعارضة من بعثيين وناصريين ومستقلين ، أعقب ذلك خطوة أخرى مهمة عندما خصص العراقيون للجماعة معسكر التاجي الذي يقع على بعد خمسة عشر كيلو متر شمالي بغداد ، وهو معسكر رائع في سعته وتنظيمه وموقعه ، وكان مخصصا قبل ذلك للكادر المتقدم في الحزب ، فتحول باستلام الإخوان له إلى موثل ، تلقى في المحاضرات الإسلامية والتوجيهات الإخوانية في الأسر التنظيمية ، وفي الإذاعات الصباحية والمسائية ذات الطابع والمضمون الإسلامي.

كما كنا نستقبل فيه الضيوف من الدعاة الكبار الذين يؤمون بغداد ، ليلقوا فيه المحاضرات الإسلامية ، وهكذا أضحى معسكر التاجي عرينا للحركة الإسلامية في وسط بغداد ، وفي أهم مواقعها.

حدث هذا ولم نجد من ينكر علينا من العراقيين ، أو ينتقد توجهاتنا ، أو يبدي أمامنا ومن خلفنا امتعاضا أو اعتراضاً. لقد كان معسكر التاجي معسكرا إخوانيا إسلاميا بكل ما تعنيه هاتان الكلمتان من تربية وتزكية وسلوك وتوجيه لسنوات طويلة.

أ- وفي اجتماعات الهيئة التأسيسية التي تضم أطياف المعارضة بأعداد تبلغ حوالي ثلاثين مندوباً ، وفي المكتب السياسي المؤلف عن سبعة أعضاء كان للإخوان منهم عضوان ، في هاتين المؤسستين الرئيسيتين في تشكيلات التحالف الوطني لإنقاذ سورية ، أصبح الإسلام -في القرارات والنداءات والبيانات والكلمات والاحتفالات والبرقيات المرسلة إلى مختلف الجهات -يشكل جزءا لا يتجزأ ، وحضور دائماً في أدبيات التحالف بصورة مألوفة دون أي اعتراض أو جدل حول المصطلحات الإسلامية التي تلامس المجتمع ، أو القرارات السياسية الصادرة باسم التحالف الوطني المعارض للنظام السوري.

كان الإخوان مشاركين في كل مؤسسات التحالف النقابية -الأطباء والمحامون والصيادلة والمهندسون- وفي الاتحادات العديدة ، وأهمها اتحاد الطلاب الذي كان لأبناء الجماعة نشاط ملموس في احتفالاته ومهرجاناته ومناسباته الإسلامية والتاريخية والوطنية مثل : ذكرى المولد النبوي الشريف ، والعام الهجري ، وذكرى الإسراء والمعراج ، وعيد الجلاء أهم الأعياد الوطنية السورية ، فكان شبابنا من طلاب الجامعات دائمي المشاركة في إلقاء الكلمات وإصدار البيانات.

ب- لكن المرحلة الحاسمة في الدعوة للفكر الإسلامي والتوجهات الدعوية كانت طرح أدبيات الإمام الشهيد حسن البنا طيب الله ثراه ، فقد أذهلت ونالت إعجاب الجميع من غير الإخوان آراء الإمام حسن البنا ، ومواقفه من العروبة المؤمنة والوحدة العربية العتيدة ، وتعبئة الأمة ضد الاستعمار والمحتلين ، والدفاع عن حقوق الفقراء والمستضعفين من حرفيين وفلاحين وعمال ، وفئات بائسة ، إذ أضحى من المألوف الاستشهاد بفكر البنا وآرائه في الاحتفالات العامة ، ولا سيما تلك التي كان اتحاد الطلاب يقيمها ، ومن ذلك : اهتمام البنا ببلاد الشام ولا سيما فلسطين ، إذ أدرك الإمام رحمه الله ما يبيت لها من شرور ومخططات ترمي إلى خطفها من شعبها ، وإحلال اليهود الوافدين إليها من الآفاق محلهم ، بدعم من البريطانيين الذين أقطعوا فلسطين لليهود بموجب وعد بلفور في 2- 11- 1917.

فشرع الإمام يرسل الوفود إلى فلسطين ليوقظ شعبها ، ويحركهم عن طريق الدعاة الكبار الذين بعث بهم بدءاً من منتصف ثلاثينيات القرن الماضي -1935- ليلقوا الكلمات الحماسية في مساجد حيفا ويافا والقدس وغيرها... الخ.

تعاون رحمه الله مع شيوخ فلسطين ، وفي مقدمتهم الحاج أمين الحسيني وأعضاء الهيئة العربية العليا والعلماء الأجلاء أمثال الشيخ نمر الخطيب إمام وخطيب مسجد حيفا الكبير ، كما بعث الدعاة إلى كل أنحاء القطر المصري لتوجيه المصريين وتعبئتهم إلى ما يبيت ضد فلسطين والعرب والمسلمين من أخطار ومؤامرات لئيمة.

وكذا دعوة الإمام البنا إلى الوحدة العربية بحماسة شديدة ، وتحدثه عن ميزات العروبة وخصائصها ، والقيم التي تحلت بها وعرفت عنها ، فقال في كلمة ألقاها في اجتماع رؤساء المناطق عام 1945 :

« نحن نعلم أن لكل شعب ميزاته وقسطه من الفضيلة والخلق ، ونعلم أن الشعوب في هذا تتفاوت وتتفاضل ، ونعتقد أن العروبة لها من ذلك النصيب الأوفى والأوفر ، ولكن ليس معنى هذا أن تتخذ الشعوب هذه المزايا ذريعة للعدوان ، بل عليها أن تتخذ ذلك وسيلة إلى النهوض بالإنسانية ، ولعلك لست واجدا في التاريخ من أدرك هذا المعنى من شعوب الأرض كما أدركته تلك الكتيبة العربية من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومما كان يسمعه العراقيون عبر التحالف والمناسبات عن حديث الإمام عن الوحدة العربية حديثاً يفيض بالحماسة والاقتناع ، وربطه بالعقيدة وأصول الدعوة إلى الإسلام في مناسبات كثيرة ، وفي فترات متفاوتة ، كان أوضحها ما جاء في خطابه بالمؤتمر الخامس عام 1938 إذ قال :

« ثم إن هذا الدين نشأ عربياً ، ووصل إلى الأمم عن طريق العرب ، وجاء كتابه بلسان عربي مبين ، وتوحدت الأمم باسمه على هذا اللسان يوم كان المسلمون مسلمين ، وقد جاء في الأثر : إذا ذل العرب ذل الإسلام ، وقد تحقق هذا المعنى حين دال سلطان العرب السياسي ، وانتقل الأمر من أيديهم إلى غيرهم من الأعاجم والديلم ومن إليهم ، فالعرب -كما يقول الإمام- هم عصبة الإسلام وحراسه ، وأحب هنا أن أنبه -يقول البنا- إلى أن الإخوان المسلمين يعتبرون العروبة كما عرفها النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه ابن كثير عن معاذ بن جبل رضي الله عنه : ألا إن العروبة اللسان ، ألا إن العروبة اللسان ، ومن هنا كانت وحدة العرب أمراً لا بد منه لإعادة مجد الإسلام ، وإقامة دولته ، وإعزاز سلطانه ، ومن هنا وجب على كل مسلم أن يعمل لإحياء الوحدة العربية وتأييدها ومناصرتها ، وهذا هو موقف الإخوان المسلمين من الوحدة العربية.

ثم أكد الإمام المرشد على هذا المعنى في المؤتمر السادس الذي عقد في عام 1941 فقال :

« العروبة لها في دعوتنا مكانها البارز ، وحظها الوافر ، فالعرب هم أمة الإسلام الأولى ، وشعبه المتميز ، ولن ينهض الإسلام بغير اجتماع الشعوب العربية ونهضتها ، فهذه الحدود الجغرافية والتقسيمات السياسية ، لا تمزق في أنفسنا أبداً معنى الوحدة العربية الإسلامية التي جمعت القلوب على أمل واحد ، وجعلت من الأقطار جميعاً أمة واحدة ، مهما حاول المحاولون ، وافترى الشعوبيون ، ونحن نعتقد أننا حين نعمل للعروبة نعمل للإسلام ولخير العالم كله ».
في الشأن الاقتصادي آلم الإمام ما يعانيه المواطنون من فقر وبؤس ومرض وجهل ، فأرسل رحمه الله صيحة مدوية حذر فيها من النتائج المترتبة على ذلك ، وذكر أن في مصر 320 شركة يملكها أجانب وغرباء وجاليات ، بينما لا يملك المصريون سوى إحدى عشرة شركة ، ونادى رحمه الله بتمصير -تأميم- الشركات ، وإحلال رؤوس الأموال الوطنية محل رؤوس الأموال الأجنبية ، واستقلال النقد المصري على الاسترليني.
كما تحدث عن نظام الملكيات ، فدعا إلى إعادة النظر في تمليك الأرض ، وبتشجيع الملكيات الصغيرة ، وتعويض ذوي الملكيات الكبيرة ، حتى يشعر الفقراء أن لهم في الأض ما يعينهم أمره ، ويهمهم شأنه ، كما جاء في رسالة النظام الاقتصادي التي صدرت عام 1948.
جـ- وإذن فقد صار مألوفا أن نحمل رسائل البنا في العراق بأيماننا ، ونقلب صفحاتها في مؤتمرات الطلاب ، وفي الاجتماعات التحالفية ، ونقرأ منها على مسمع من الطلاب الذين ينتمون إلى تنظيمات غير إخوانية ، فكانوا يصغون إليها باهتمام ، دون أن يتحفظوا على سماعها ، بل كانت رغبتهم ملموسة في الاستماع إلى آراء الإمام الشهيد وأفكاره.
هكذا أضحت أدبيات الإخوان وعلى رأسها ما سطره قلم الإمام في رسائله حول الوحدة والاقتصاد والنقد والملكية وقنال السويس التي طالب بتمصيرها ، وفي مختلف الآراء.
فكان وجود الإخوان المسلمين في العراق ، على كل المستويات السياسية والنقابية والطلابية سبباً واضحاً في التعريف بالفكر الإخواني والتذكير بأدبياتهم في كل المناسبات ، حتى غداً الخطاب الإسلامي مألوفا ومرغوبا فيه على أرض الرافدين وفي عاصمزة القطر العراقي الشقيق.
د- ومن إنجازات هذه المرحلة تذكيرنا الرئيس -في أحد لقاءاتنا به- بتخصيص إذاعة للقرآن الكريم التي أخذت بها دول كثيرة كالأردن ومصر وغيرهما ، ليكون في بغداد إذاعة خاصة بها تبث سور القرآن وآياته ، وعلوم القرآن الكريم على مدار الساعة ، وقد نفذ الرئيس هذا المقترح وأخذ به ، دون أن نعلم أن ذلك كان بناءً على تذكيرنا له ، أم أنه جاء بتذكير غيرنا ، وإنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى.

كان الشيخ عبد الوهاب السامرائي من أبناء الدعوة البررة ، لم يتوقف طوال عمره المديد عن خدمتها على كل الصعد ، وكان لنا تعاون معه في مجالات عدة ، أهمها توزيع الصدقات على مستحقيها ، وكان يصدر منذ أكثر من نصف قرن مجلة التربية الإسلامية ، ويرعاها كما يرعى الأب ولده الوحيد ، يجمع لها التبرعات ، ويفسح صفحاتها لأقلام الكتاب والدعاة ، ويقوم بتوزيعها في خارج العراق أكثر مما يوزع منها في داخل القطر.

صدر ذات يوم قررا بتوقيفها وإلغاء وجودها ، فبادرت -دونما استشارة من الرجل الصالح عبد الوهاب رحمه الله- وراجعت السيد نائب الرئيس بموضوع المجلة قائلاً له :

- مجلة التربية الإسلامية مجلة معروفة ومرموقة لدى أوساط كثيرة في خارج العراق ، وفي بلاد العرب والمسلمين ، وهي معينة بالعلوم الإسلامية ، وليس لها مساس في السياسة ، وهي مصدر دعاية إيجابية للعراق في الخارج كدليل على أن العراق يسمح بنشر العلوم الإسلامية. وتوقيفها يخلف موقفا سلبياً لدى الأوساط الإسلامية في داخل العراق وفي خارجه.

لم تمض أيام على هذا اللقاء حتى استصدر النائب -وأرجح أن ذلك بعد استشارة الرئيس كما هي العادة في كل الأمور صغيرها وكبيرها- قرارا بإعادة المجلة إلى الصدور ، وعندما كنت أسير في ممرات القاعة الكبرى بعد حضور الاحتفال بذكرى سيد الخلق صلى الله عليه وسلم التقيت الشيخ عبد الوهاب رحمه الله ، فرأيته مستبشرا بعودة مجلة التربية إلى الصدور ، فسألته : كيف عادت؟

فقال : لا أدري.

فأعلمته عن المراجعة بشأنها ، فازداد سروره سرورا ، ودعا لي رحمه الله بخير ، ونسأل الله جل شأنه حسن القبول ، وأن يكون ذلك في سبيله سبحانه وابتغاء مرضاته.

17- منذ منتصف الثمانينيات من القرن الماضي خطونا خطوة إيجابية مع العراقيين إذ أتيح لنا أن نقترح وننصح وننبه إلى بعض الأمور التي من شأنها أن تلفت النظر إلى محاسن الإسلام ، أو تجنب ما يخالفه دون أن نواجه برفض أو تحفظ ، بل أصبحنا نشعر بأن العراقيين يتقبلون نصحنا ، ويأخذون بما نقترحه عليهم في كثير من الأحيان.

وعندما اقترحنا عليهم توجيه الدعوة إلى العلماء الكبار والمخلصين في أصقاع العالم الإسلامي ليقولوا رأيهم في الحرب المشتعلة بين إيران والعراق بعد أن مر على نشوبها سنوات دون أن ينطفئ لهيبها أو تقتنع إيران بالتفاوض حول إنهائها.

سألنا العراقيون عن طريق المكتب السوري عن الطريق إلى إنهاء الحرب الضروس ، ف قلنا لهم : توجيه الدعوة إلى العلماء الصادقين الصريحين الذين لا يجاملون على حساب الحق ، أو بدوافع غير شرعية ، وذكرنا لهم أسماء المعروفين من الإخوان وغيرهم في البلاد العربية والإسلامية وفي الجاليات وفي القارات الغربية والآسيوية والإفريقية ، ليسمعوا منهم صدق الحديث وأحكام الشريعة حيال هذه الحرب ، ثم تقدمنا بمقترحات من شأنها تهيئة المناخ لإنجاح مثل هذا المؤتمر الفريد من نوعه ، والذي يقبل به العراق لأول مرة في تاريخه الحديث.

أ- تقدمت بورقة إلى الحكومة عن طريق وزير الأوقاف تحت عنوان : التمهيد للمؤتمر ، تتضمن مجموعتين من الأفكار ، في المجمعة الأولى ثلاث عشرة فقرة تحت عنوان : التمهيد للمؤتمر وهي :
- عفو عام عن المقيمين خارج العراق ، يعقبه اتصال بهم ، لتسوية أمورهم ، من جوازات ومرتبات وغير ذلك ، ثم يترك لهم الخيار بالعودة أو البقاء حيث يقيمون ، لإكمال دراستهم أو الاستمرار في أعمالهم.
- إحياء التعليم الديني في المدارس الملحقة بالمساجد والاستفادة من الشيوخ المصريين والسوريين وغيرهم إن وجدت ثمة حاجة لذلك.
- إقامة معهد ديني خاص بأبناء العشائر -حديثة التشيع- تمهيدا للعودة بهذه العشائر إلى ما كانت عليه منذ عهد قريب ، والإكثار من المساجد في مناطق هذه العشائر ، وتزويدها بالأئمة والوعاظ والمؤهلين.
- الحفاظ على ريع الأوقاف الإسلامية ، وصرفها في وجوهها الشرعية ، والإنفاق على المؤسسات الدينية الأخرى من الريع الخاص بها ، أو من ميزانية الدولة.
- العناية بالتوجيه الإسلامي في الحزب ، وتفسير الرسالة بمضمونها الحقيقي ، وبما يتفق ومقولات وتفسيرات عدد من المسؤولين ، وما أدلوا به من تصريحاتهم في تحدثهم للعلماء ولرجال الصحافة.
- الاهتمام بتوجيه المرأة بشكل خاص نحو القيم العربية الأصيلة ، والإسلامية السامية من حشمة ووقار ، وتحل بالمثل الإسلامية الرفيعة.
- تشجيع الكتاب الإسلامي ، ونشره محلياً كان أو خارجيا ، وإفساح المجال لاستيراده وتوزيعه ، وكذا المجلات الإسلامية المتخصصة للدخول إلى العراق أسوة بالمجلات الأخرى الوافدة من الكويت والبحرين وأوربا وغيرها.
- الحد من انتشار الخمور ، ومنع تقديمها في الملاهي والفنادق والمطاعم ، وحصر ذلك في الحانات المخصصة لخدمة الأجانب ، والتقليل من استيرادها كما حدث لمواد غذائية مهمة ، ترشيدا للاقتصاد ومراعاة للظروف ، وانسجاما مع مواد الدستور ، والتماسا لمرضاة الله وتوفيقه ، فالخمور ليست أكثر أهمية من بعض المواد الغذائية التي توقف استيرادها.
- مكافحة الزنى ومطاردته ، تطهيرا للمجتمع من هذه الآفة ، وما تجره من فساد للصحة ، ودمار للأخلاق ، وقتل للمروءة ، والدولة قادرة على ذلك ، بدليل ما أحرزته من نجاح في مكافحة الشذوذ والقمار والرشوة وغيرها ، وهذا ما يدفع بالشباب إلى الزواج والتفكير الجاد به ، والإقبال ال ملح عليه بعد أن تسد في وجوه الشباب أبواب الفحش والدعارة ، وكم من ذريعة سيغلق بابها ، ومن مصلحة عظيمة ستتحقق ، بعد أن ازداد عدد الأرامل بعد استشهاد العديد من الشباب والرجال المقاتلين.
- تعظيم الحرمات الإسلامية ﴿ ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ ولاسيما شهر رمضان المبارك ، وذلك بإصدار الأوامر الصيحة من دوائر الدولة النافذة القرار ، وليس من دوائر أخرى لا تكون لقراراتها الهيبة الكاملة والنفاذ التام في نفوس المواطنين.
- أن تأخذ المساجد دورها كعامل تربية وتوعية وتعبئة وتهذيب في تنشئة وتكوين الإنسان الصالح ، والمواطن النافع ، والمجتمع المتكامل والمتضامن ، وذلك عن طريق دعاء علماء وموجهين أقوياء ، يتم اختيارهم وتكوينهم وإعدادهم بعناية ، ليصبحوا قادرين على تفجير طاقات الشباب والشباب ، فينشأ مجتمع صلب يستعصي على دواعي الرذيلة وأسباب الفساد.
- السير بالإعلام - صفحا وإذاعة وتلفزيونا- إلى حيث يكون منسجما مع التوجيه في المدرسة والجامعة والمسجد ، ومع عدد من المقالات والمقابلات الصحفية والرسائل التي صدرت ، ومع بيانات الجيش العسكرية التي تفيض حماسة وإيمانا.
لقد كان التلفزيون العراقي منذ أكثر من عامين مثلاً طيباً لمحطات التلفزيون العربية في تأكيده على الفترات التاريخية الزاهية لأمتنا ، في المسرحيات والتمثيليات التي يقدمها ، وفي تكريس البرامج العلمية النافعة ، مما كان يشكل نسبة عالية في برامج التلفزيون اليومية ، وفجأة شرع يعرض برامج هابطة ، فيها الكثير من التبذل والتعري ، الأمر الذي لم يكن مألوفا من قبل.
- إعادة النظر في المناهج التعليمية ، وإفساح المجال للتربية الإسلامية - عقيدة وعبادة وقيما ومثلاً وبحوثا في مجالات الإسلام المتنوعة - لتأخذ حظها ، أسوة بمواد المناهج الأخرى -عملية وأدبية ورياضية- من حيث الكم والنوع والامتحان والمدرس المختص ، لتحقيق التكامل التربوي في تكوين الإنسان الكامل والمواطن الصالح الذي تفجر معاني الإيمان ودعائم الإسلام في قلبه ، معاني الوفاء والفداء والاستشهاد في سبيل الله ، دفاعا عن الأرض والعرض ، وعن المبادئ والأمة ، وعندئذ تكون أمتنا مهيأة للنهوض من كبوتها ، واستئناف مسيرتها ، والاضطلاع بدورها في أداء رسالتها للعالمين ، فتعود أمة السيادة والقيادة والريادة بإذن الله وعونه ﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾.

وفي المجموعات الثانية تحت عنوان التمهيد للمؤتمر سبع فقرات هي :

- أن تمثل جميع البلاد العربية والإسلامية دون استثناء ، ولو مثل القطر أو البلد بشخص واحد ، وأن يكون الوفد مناسباً في عدده مع أهمية الدولة ، وعدد شعبها ومكانتها في المحيط الإسلامي ، ومع وزن المدعوين علمياً واجتماعيا وسياسيا.
- توجيه الدعوة لشخصيات مؤيدة وحيادية ومعارضة ، إذا كانت الأخيرة معقولة ومتزنة.
- التشاور في شأن المؤتمر مع عدد من الشخصيات المخلصة والصديقة ، إما باستدعائها ، وإما بزيارتها في بلد إقامتها.
- توجيه الدعوة لمنظمات غير إسلامية لترسل ممثلين عنها بصفة مراقب ، مثل : الأمم المتحدة ، الفاتيكان ، منظمة العفو الدولية ، الوحدة الإفريقية ، منظمة المؤتمر الإسلامي ، عدم الانحياز.. إلخ.
- زيارات خاطفة يقوم بها واحد أو أكثر لعدد من البلدان والأقطار ، بغية القيام بدراسة مستأنية للشخصيات ، لمعرفة ما تمثله من وزن شخصي ، وثقل شعبي ، ومكانة سياسية ، وقيمة علمية في محيطها بهدوء ودقة وكتمان.
- أن تشارك في الإعداد لهذا المؤتمر في الدراسة والاتصال والزيارات ، شخصيات عراقية لها وزنها وصلاتها الوثيقة بالشخصيات الإسلامية العالمية ، من أمثال : الندوي ، وطفيل ، وخورشيد ، والغزالي ، وممثل الزعامة الدينية في السنغال ونيجيريا ، والقرضاوي وشيخ الأزهر ، وتقي عثماني ، ومفتي تونس ، ومفتي المغرب ، واتحاد الطلاب المسلمين في أمريكا وإنكلترا ، وحركة الشباب الماليزي برئاسة أنور إبراهيم ، والجماعة الإسلامية في شبه القارة الهندية ، والمفكر جاردودي ، وموريس بوكاي وغيرهم.
- يحسن أن يكون موعد الانعقاد في مطلع الصيف ، وبعد الانتهاء من الموسم الدراسي ، وفي موسم الإجازات الصيفية ، كي يتاح لأكبر عدد من المرغوب بحضورهم تلبية الدعوة والمشاركة في المؤتمر.

استلم وزير الأوقاف هاتين الورقتين في 25- 1 - 1985 تحت عنوان : التمهيد للمؤتمر كما رأينا ، بارتياح وقبول حسب ما بدا لنا ، دون أن يكون لهذه المقترحات وما جاء فيها من نصح صريح موقف سلبي تجاهنا ، أو تحفظ حيالنا ، أو ردود حادة أو غاضبة ، الأمر الذي شجعنا وجرأنا على توسيع دائرة النصح التي أدت إلى إصلاح الخلل في أمور عديدة كلما حانت الفرص أو وجدنا إلى ذلك سبيلاً ، نقتصر على إيراد أمثلة منها محدودة ، كان النصح فيها يقدم إلى الرئيس العراقي أو إلى نائبه طه ياسين رمضان.

ب- في الخامس عشر من شهر ربيع الأول عام 1408 الموافق 1987 فاجأ الرئيس صدام العراق والعرب والمسلمين بقرار يقضي أن يكون مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم عيدا قوميا للمسلمين ولغيرهم ، تحتفل الأمة كلها ( دولة وشعبا ومنظمات ) به ، وتذكر بالمبادئ السامية والمتقذة التي بلغها الرسول صلى الله عليه وسلم للعالمين بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، ودعا الوزارات والمؤسسات وجميع رجال الدولة الكبار ، كما دعا البعثات الدبلوماسية ورجال السلك السياسي في بغداد إلى المشاركة في قاعة الاحتفالات الكبرى لإحياء ذكرى سيد الخلق ، ورسالته الخالدة والخاتمة ، فكان يوماً مشهودا ملأ قلوب أبناء العراق ، ومن يعيش على أرض العرب سعادة وسرورا ، واستبشارا بتحول عظيم نحو الإسلام ، واتباعا لسيد الأنام ، عليه أفضل صلاة وأزكى سلام.

انتهزت هذه الفرصة لتذكير الأمة بمبادئ الإسلام ورسالته المنقذة ، وأخلاقه العظيمة ، وقدرته على النهوض بالعرب والمسلمين ، ليعودوا خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله.

سارعت إلى كتابة هذه الرسالة العفوية السريعة دون مقدمات أو بروتوكولات ، ورفعتها بالحال إلى الرئيس صدام مباركًا ومشجعا على هذا التوجه الميمون :

السيد رئيس الجمهورية العراقية صدام حسين حفظه الله :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد : فإن مولد محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم كان ميلاد الأمة العربية مجدا وحضارة وسؤددا.

لقد أرسى سيد الخلق محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم للعرب وحدة عتيدة ، لم تقم على غير مبادئ الرسالة العظيمة قط على مدار التاريخ في القديم والحديث ، وبنى لأمتنا حضارة مجيدة أساسها الرحمة والحب والأخوة الإنسانية ، ما زالت قادرة على إنقاذ البشرية من الدمار الذي يتهددها ، كما أشاد لأمته صرحا من العدالة كانت المجتمعات البشرية وما تزال تحلم بتحقيقها ، وتلهث وراءها ذات اليمين وذات الشمال ، وأعلن المساواة الكاملة بين الناس جميعاً لا فرق بين أبيض وأصفر وأسود ، منذ خمسة عشر قرناً في تطبيق فعلي لحقوق الإنسان ، لم تبلغه حضارة اليوم رغم الإقرار النظري لهذه الحقوق في ميثاق الأمم المتحدة عام 1948 ، وشق لهم طريق السعادة والفوز في هذه الحياة الدنيا ، وفي الدار الباقية ، وقادهم هو وخلفاؤه ومن سار على هديه من نصر إلى نصر حتى رفرفت أعلامهم على بقاع الأرض وفي العالمين.

يا سيادة الرئيس الموقر :

إن الرسالة الإسلامية التي أقامت لأمتنا وحدتها ، وشيدت حضارتها ، وأرسلت عدالتها ، وصنعت أمجادها ، لقادرة دون سواها أن تفعل ذلك مرة أخرى ، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها كما قال الصديق رضي الله عنه ، فنعود كما كنا خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله.
إن اهتمامكم العظيم بميلاد الرسول العظيم الذي تمتلئ قلوب العراقيين بحبه ، والإيمان بتعاليمه لهي البشرى بإذن الله للنصر القريب الذي لا يخص العراقيين وحدهم ، بل ستشمل فرحته الكبرى الشعب العربي والعالم الإسلامي وكل محب للحرية ، وعاشق للسلام.
ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ، ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم ، ويسألونك متى هو قل عسى أن يكون قريباً.
15 ربيع الأول 1408 هـ
المراقب العام
7 تشرين الثاني 1987
للإخوان المسلمين في سورية
عدنان سعد الدين
ج- كان الأستاذ محمد المباركفي مقدمة المفكرين الإسلاميين الذين قرأوا الفكر القومي ، وسبروا أغواره ، وما ينطوي عليه من تطلعات ، وما ينبثق عنه من برامج وأفكار ، وما تفرع من تنظيمات قومية وعلمانية وليبرالية وراديكالية ، وناقش أصحابه ، والتقى رجالاته ومؤسسيه ، ووضع يده على ما يتطلع إليه البعثيون والناصريون وأمثالهم ، وما يتفرع عنهم ، فحملته هذه الدراسة المعمقة والإحاطة الشاملة على تأليف كتابه : ( الأمة العربية في معركة تحقيق الذات ).

مبرهنا على أن العرب لن ينهضوا بغير الإسلام ، ولا يملكون مقومات استئناف دورهم الريادي من دونه ، وإن جميع محاولاتهم بما فيها استعارة الفكر من الخارج ومن الأيديولوجيات الوافدة ، لن تجديهم نفعا ، وواجه ، رحمه الله ، كل دعاة القومية والعلمانية بفكره المقنع ، وأدلته الدامغة ، وفي مقدمتهم ميشيل عفلق.

رأيت في هذا الكتاب خير ما يهدى ويقدم إلى قادة الحزب في العراق من منظرين ومسؤولين ، فاشتريت من مكتبات عمان عشر نسخ ، وضعتها بين يدي قادة الحزب : صدام ونوابه وأعضاء في القيادة ، وكان في مقدمتهم صدام حسين قائلاً : أقدم لكم كتاباً تليدا وضعه أحد رجال الفكر والحضارة والإصلاح الأستاذ محمد المباركعن مقومات الأمة العربية ومستقبلها وطريق نهوضها ، رجاء التفضل بقبوله ، آملا أن يكون في وقتكم المليء بالأعمال الكبيرة ، متسع للاطلاع عليه ، أو على بعض فصوله ، وتقبلوا أزكى سلام وأعطر تحية. في 9- 4- 1990.

د- في منتصب عام 1991 أصدر العراق قانونا للأحزاب السياسية -وإن لم يكن له تأثير على أرض الواقع- فاحتوى على مادة مسيئة للإسلام ، لا يمكن السكوت عنها ، فخاطبت نائب الرئيس طه ياسين بكتاب جاء فيه : لقد أثار قانون الأحزاب السياسية كثيرًا من التساؤلات والتفسيرات ، من أهمها وفي مقدمتها :
- هذا التباين بين أقوال الرئيس ، وبين النص على إقصاء الإسلام عن السياسة.
- نصت المادة الخامسة من القانون على منع إجازة تأسيس الحزب السياسي على أساس زج الدين في السياسة ، أو على أساس الإلحاد أو الطائفية أو العنصرية أو الإقليمية أو العشائرية ، ليأتي إبعاد الدين عن السياسة في سياق الأوبئة والأمراض الاجتماعية كالطائفية والإلحاد والشعوبية.

إن العرب والمسلمين يقفون مع العراق في محنته وتصديه للهجمة الصهيونية والاستعمار بقيادة أمريكا بعد أن أعلن العراق مواقفه الإيمانية ، ورفع راية الجهاد وشعار الله أكبر ، وجعل الإسلام دستورا أسمى ( من كلمة لصدام ) تسير في ركابه وفي ظل مبادئه الوطنية والقومية دون أن تخالفه أو تخرج عليه أو على أحكامه ، فإذا سمعوا مواداً لقانون الذي بدأت الإذاعات العالمية مثل مونت كارلو تعلن عنه ، وتؤكد على إقصاء الدين العمل السياسي ، فإن ذلك سوف يؤدي إلى بلبلة في وقت نحن أشد ما نكون فيه إلى المزيد من التلاحم وتعميق الثقة وتأكيد المواقف المبدئية كي نقطع الطريق على الذين طبعوا الدستور في إشارة منهم إلى مادة مماثلة تقصي الدين عن السياسة ، ويفرضون على العراق وشعبه حصارا لئيما ، ويهددون ويتوعدون.

إن الهدف الذي ترمي إليه المادة الخامسة في قانون الأحزاب هو قطع الطريق على الصراعات الطائفية التي تمزق الوطن ، وتعرض وحدة الشعب للخطر ، يمكن أن تؤدي إلى النتيجة نفسها لو جاءت كلمة الطائفية بدلاً من كلمة الدين ، فنصت على عدم جواز قيام أي حزب على أسس طائفية أو مذهبية تخص فئة من المواطنين دون الفئات الأخرى.

فهل يمكن استدراك هذا التصحيح فتهدأ النفوس وتطمئن القلوب هنا وهنالك ، فتكون حجة المدافعين دامغة ، وحجة المشككين داحضة؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الدين النصيحة.. إلخ ومن هذا المنطق نقدم هذا المقترح.

لم تمض أيام حتى قرأنا في جريدة أردنية ، أرجح أنها الدستور ، أن الحكومة العراقية أجرت تعديلين ، أحدهما خاص بالأكراد ، وثانيهما خاص بقانون الأحزاب ، وتعديل المادة الخامسة بما لا يمس الإسلام في قانون الأحزاب أو في العمل السياسي.

هـ- نشأت في العراق حركة صوفية تسمى الكسنزانية ، سجل العلماء والفقهاء الموثوقون عليها مآخذ كبيرة في مخالفاتها الشرعية ، وفي انحرافاتها ، وقد فاجأت المجتمع العراقي في مطلع عام 1992 ببدعة شاذة وانحراف كبير ، إذ أصدرت تقويما مطبوعا على ورق صقيل ، وصادر عن مطابع رسمية يحمل اسم التقويم المحمدي ، فراعني ما قرأته فيه من تاريخ جديد غير التاريخ الهجري لم أسمع به من قبل ، وفيه مسخ للأشهر القمرية التي أجمع المسلمون على تسميتها منذ فجر التاريخ الإسلامي ، وخلاصة الشذوذات فيه :
- درج الغربيون على تسمية المسلمين بالمحمديين تشبيها بالأديان الأخرى التي سمي أتباعها أديانهم باسم النبي الذي جاءهم ، فاليهود ينتسبون إلى يهودا ، والمسيحيون إلى المسيح ، وكذا الأديان غير السماوية كالبراهمة والبوذيين وغيرهم ، أما المسلمون فقد سماهم القرآن بالمسلمين نسبة إلى الدين الخاتم ، لا إلى النبي الذي حمل لهم الرسالة العظيمة الخاتمة.
- اجترأ التقويم على الشهور القمرية فسمي بديلاً منها أو ما يوازيها ، متناسبا أن الشهور القمرية قد وردت في السنة النبوية على لسان المصطفى صلى الله عليه وسلم ، كقوله : اللهم بارك لنا في رجب وشعبان ، وبلغنا رمضان ، وقوله صلى الله عليه وسلم : من صام رمضان ، وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله.

رفعنا إلى السيد النائب مذكرة احتجاج على هذه الفئة المنحرفة التي تجرأت على تشويه التاريخ الهجري الذي أجمع المسلمون منذ ظهور الإسلام وحتى يومنا بأن بدء التاريخ الإسلامي هو يوم هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة وأقام دولته المباركة على أرضها الطاهرة ، ولم يجرؤ على مخالفة ذلك إلا القذافي الذي ذهبت محاولته الفاشلة أدراج الرياح ، وشرحت المذكرة جميع الشذوذات التي وردت في التقويم الذي طبعته مطبعة رسمية وأنفقت عليه بسخاء ، وروجت له الإذاعة والتلفزيون ، وذكرت أن صاحب التقويم الكسنزاني رغم أنه استجاب للرئيس في إعادة كتابة التاريخ ، جاهلاً أو متجاهلا الفرق الواسع والبون الشاسع بين إعادة كتابة التاريخ لإبراز الصفحات الغر في أسفاره ، وتنقيته من الزيف والدس والتزوير ، وهذا ما كان يحض عليه كبار المفكرين من أمثال سيد قطب ومحمود محمد شاكر رحمهما الله ، وبين المسخ والتشويه والعبث في المعالم والثوابت والأصول التاريخية التي أجمعت الأمة عليها بكل فرقها ونحلها وما تزال.

تستلم السيد النائب المذكرة ، وبذل جهده لوأد هذه الفتنة ودفنها في مكانها ، فتم القضاء المبرم عليها ، وكأنها لم تكن بفضل الله ، ثم ، بجهود النائب في استجابته السريعة رحمه الله.

و- إن أهم ما خاطبنا به العراق -باسم التحالف الوطني السوري- مذكرة تتضمن حلا لأزمة العراق بعد دخول جيشه إلى الكويت ، بعد أن شعرنا أن الخطر على العراق والعرب أضحى محدقا ، وهو وشيك الوقوع في كارثة لا يعلم إلا الله خطرها ومداها ، ولذا فلابد من مصارحة القيادة العراقية بالكارثة الوشيكة والتفكير بالخروج منها بسلام ، وقد صاغ المذكرة التي تقدمنا بها باسم المكتب السياسي للتحالف : الأستاذ شلبي العيسمي الأمين العام المساعد السابق للقيادة القومية لحزب البعث.

بالرغم من إدراكنا أن وقعها سيكون ثقيلاً على نفوس القيادة العراقية ، ونظرا لطول المذكرة اكتفى بنقل فقرات منها تبرئة للذمة ، وقياما بأداء واجب النصيحة مهما كان الحديث عنها مرا وثقيلا :

السيد الرئيس صدام حسين المحترم

تحية واحتراما : رأينا من الواجب أن نضع بين أيديكم بعض الآراء التي نعتقد أنها قد تنطوي على فائدة في هذه المرحلة العصيبة التي يتقرر فيها مصير أمتنا ومستقبلها ، في حدود معلوماتنا واجتهادنا ، وتحليلنا للأوضاع العربية والدولية الراهنة.

ومهما يكن من أمر فإن ما يشفع لنا في تقديم هذه الآراء هو حرصنا الشديد على أن يبقى العراق القائد لمسيرة التحرر والنضال ضد الإمبريالية والصهيوني وأتباعهما ، وأن تتحقق أهداف الأمة العربية في الوحدة والتحرر.

إن العراق قد بنى جيشا قوياً بثروته وجهد أبنائه ، يستطيع به الذود عن الوطن والأمة ، ويقيم التوازن الاستراتيجي بصورة حقيقية مع العدو الصهيوني ، ويضع حداً لعربدته ، كما فضح الادعاءات الزائفة لبعض الأنظمة العربية ، وفي مقدمتها النظام السوري الذي يزعم أنه يعمل لتحقيق هذا التوازن ، للخداع والتضليل وابتزاز الأموال من دول الخليج ، لهذا كله فقد لاحظنا أن الحملة الشديدة المغرضة والمفتعلة على العراق بدأت في الربع الأول من هذا العام 1990 ، بحجة الدفاع عن الشرعية الدولية والقانون الدولي ، بكلمة حق يراد بها باطل.

ومما زاد في حرج هؤلاء الأعداء وفضح تلك الذرائع الزائفة ، وضع قضية فلسطين في الواجهة من اهتمام العالم وفضح أساليب الغرب ومقاييسه المزدوجة تجاه القضايا العالمية المتماثلة ، ومن ثم فضح أغراضها في الهيمنة على النفط العربي ، وابتزازها لثروات العرب وشعوب العالم الثالث ، والإبقاء على إسرائيل قوة راجحة ومهيمنة في المنطقة العربية ، ومن ثم تمكينها من تحقيق أحلامها التوسعية في إقامة إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل ، وهذا ما يفسر لنا التوافق التام بين ما ينادي به بوش وإدارته ، وما تنادي به إسرائيل واللوبي الصهيوني من تصريحات حاقدة تعبر عن استراتيجية مشتركة تهدف إلى تدمير قوة العراق العسكرية وقيادته الوطنية.

انطلاقا من هذا التحليل ، وإبطالا للذرائع التي استخدمتها أمريكا وحلفاؤها الحاقدون ، والتي استطاعت أن تثير بها قطاعا واسعا من الرأي العام العالمي الرسمي ضد العراق ، وأن تسخر مجلس الأمن وهيئة الأمم في إصدار القرارات المعادية والمؤذية للعراق تمت بضغوط وإغراءات أمريكية ، ورشاوى بأموال عربية ، نقول : انطلاقا من ذلك كله ، وثقة منا أنكم تدركون بعمق أبعاد التآمر الأمريكي والأوربي والصهيوني على العراق والأمة العربية ، فإننا نجد من المفيد اعتماد بعض المرونة في الاتجاه الذي يعزز جانب التسوية السليمة ، ويبعد احتمالات الحرب ، الأمر الذي يسمح لنا أن نقترح تقديم مبادرة جديدة باتجاه السلام وفق ما ترونه ممكنا ومناسبا لهذه الفترة وإلا فحسبنا أننا توخينا ذلك وأردناه.

وبعد : فلكي يكون الحل عربياً ، واستبعادا للهيمنة الأمريكية عليه : هل يمكن القبول بعقد مؤتمر قمة عربية لبحث الأزمة من جميع وجوهها؟ والقبول بما يتخذ بالأكثرية وفق الضوابط والشروط التالية في حالة المطالبة بانسحاب القوات العراقية من الكويت.. يشترط :

- تزامن انسحاب القوات الأجنبية من السعودية والخليج.
- إلغاء كل القرارات الجائرة التي صدرت عن مجلس الأمن ضد العراق.
- استئناف المفاوضات السابقة لضمان الحقوق المشروعة في الكويت.
- تأكيد العرب على تبن واضح وحاسم لمؤتمر دولي لحل قضية فلسطين حلا عادلا وشاملا وفق ما تراه مناسباً منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد لشعب فلسطين.
- التعهد بالوقوف إلى جانب العراق أو أي دولة عربية يقع اعتداء عليها من أي جهة ، ولا سيما إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ، أي اعتماد ميثاق الدفاع العربي المشترك والالتزام به.
- إيجاد صيغة محددة لضمان الدعم الاقتصادي الفعال من الدول العربية الغنية للدول العربية الفقيرة ، وربما كان من الأجدى في تحقيق هذه المبادرة إن لقيت من جانبكم قبولاً أن يتم طرحها من جهة عربية.

أما إذا كان لا بد أن يأتي الحل على الصعيدين العربي والدولي ، فإننا نقترح أن يعلن العراق استعداده لقبول مبدأ الانسحاب من الكويت ضمن الشروط التالية :

- أن يكون الانسحاب متزامنا مع انسحاب القوات الأجنبية من السعودية والخليج.
- أن يترك حل ما يسمى بأزمة الخليج إلى الجانب العربي.
- أن يصدر قرار عن مجلس الأمن الدولي بعقد مؤتمر دولي للسلام لحل القضية الفلسطينية والقضايا المتعلقة بالمنطقة في غضون عام 1991.
وفي الختام : تقبلوا من المكتب السياسي للتحالف الوطني لإنقاذ سورية خالص الاحترام والتقدير مع أطيب التمنيات بالتوفيق والنصر المؤزر.
25- 12- 1990
المكتب السياسي
للتحالف الوطني لإنقاذ سورية

لم تلق مذكرتنا وما انطوت عليه من مقترحات وتحذيرات أذنا صاغية من الرئيس صدام ، بل كان نصيبها الإهمال وعدم الالتفات إلى أي شيء ورد فيها ، واستمر العراق في الطريق الذي اختاره وسار به حتى وصل إلى ما وصل إليه.

للتحالف الوطني لإنقاذ سوريةكان النائب يغمز جانبنا كلما التقيناه حول المذكرة ، ويقول معرضا : أهذا كل ما وصلتم إليه واقتنعتم به؟ وكأنه يعيرنا ويعتبر أننا ارتكبنا الخطأ الفادح!!

ز- بدأ سقف علاقتنا مع العراق ينخفض ، ووتيرتنا تضعف جراء حادثين منفصلين متباعدين ، اعتبرهما العراقيون التفافا حولهم ، ونكوصا أو نكثا عن الاتفاق معهم.

كان الأول في أول عام 1985 ، عندما التقيت مع الدكتور حسن هويدي بالسيد نائب الرئيس ، فعرض الدكتور حسن أمام السيد النائب أن فرصة تلوح للحوار مع النظام السوي ، ونحن لا نخسر في ذلك شيئاً ، غير أننا نسير غورهم ونكشف عن نواياهم ومواقفهم.

أجاب النائب : هذا أمر يخصكم ولا نتدخل به ، ولكن طالما أنكم تعرضون الأمر علينا ، لمعرفة رأينا فيه ، فنقول : إن لهذا التفاوض أو الحوار سلبيات ليست لصالحكم ، فإذا عرف السوريون ذلك فإن هذا يضعف من شعبية الإخوان في الداخل ، ويعرض تنظيمكم للتفكك ، وفتح الباب لعدد من أعضاء التنظيم بالتراجع والخروج من الجماعة ، ثم ماذا نقول نحن لجمهورنا وأعضاء حزبنا وهم يتساءلون عن صلة الإخوان بالنظام والتفاوض معه؟ فهل لكم أو لديكم موقف أو نشره نواجه بها تنظيمنا؟

بدأت الانتقادات تترى من أعضاء المكتب السياسي كلما عقد المكتب جلساته ، فقد قال أبو عبدو -أمين الحافظ- إن لقاء قادة تنظيمكم بضباط مخابرات للتفاوض معهم لا يليق بكم ، وهذا مأخذ كبير عليكم.

وقال أبو عمر - محمد عمر برهان- : كل اتصال يجب أن يكون بعلم التحالف ، لكن فوجئنا بالإخوان يفاوضون ثم يخبرون.

في لقاء لاحق مع النائب قال فيه : نحن نعرف الطليعة تماماً ، وقد تبين لنا أنهم خطرون ، ولا بد أن يلتقوا بحافظ أسد ، أما لقاء الإخوان بالعدو ، فقد حذرنا منه بوضوح تام ، ولا أجد أي إيجابية في هذا اللقاء.

إن تأثير ذلك -التفاوض- سينعكس على الإخوان أولاً ، ثم على التحالف ، ولا بد من علاج هذا الأمر ، ونحن مقتنعون بأن السلطة سوف تكرر اتصالها بالإخوان.

أما اللواء محمد الجراح فقال : لقد بوغتنا بالاتصال بين الإخوان والسلطة ، وسوف يكون لهذا الأمر أثر على الوضع في سورية كلها ، ولا سيما أن السيد النائب قد حذر من مغبة هذا اللقاء.

وقال النائب : أنا قلق من أي سلاح يسلم للإخوان منذ ثلاثة أشهر ، وهناك مجموعات بكاملها سوف تتعرض للسقوط في الداخل إذا شاع لديهم أمر التفاوض!! إننا -نحن الحزبيين- لم نتوقف ، ونحن مستمرون في معارضة النظام ، وأوضاعنا أفضل من ذي قبل ، وحزبنا تجنب الضربات ، إنني أتساءل : كيف يتفق التلاؤم بين الانشغال بالحوار مع العدو ، وبين الكفاح المسلح؟ إذا كان رئيس الجماعة ومجموعة كبيرة من قيادته منشغلة منذ ثلاثة أشهر بالمفاوضة مع العدو ، لقد قلت للجنة : استمروا حتى لا يشعروا ( الإخوان ) بأننا سبب توقفهم ، لكن شعورنا أن جو الإخوان غير مناسب.

فلا بد من معالجة نفسية شباب الإخوان في هذا الجو ، لأنه ليس مستبعدا أن يستسلم شباب الإخوان بعد انطلاقهم من العراق يحملون السلاح.

إن وضعنا أفضل من أي وقت مضى ، فعندنا حماسة ، وعندنا حركة ، وعندنا تحفز ، ونحن نوزع بياناتنا ونشراتنا ، ولكن لم نقرر أن نبدأ وحدنا ، وإن كان ذلك باستطاعتنا. وأملنا أن يتجاوز الإخوان ظروفهم الصعبة.

ح- لم يمض شهر على هذه الحوارات النكدة حتى صدر عن حزب البعث السوري -القيادة القومية- نشرة داخلية عن شهر شباط عام 1985 جاء فيها : أعلن ناطق باسم وزارة داخلية نظام حافظ أسد أن رئيس النظام قد أصدر عفواً خاصاً عن تنظيم الطليعة المقاتلة - تنظيم عدنان عقلة- بعد اتفاق وقعته القيادة المنهارة -للطليعة- مع ممثلين عن المخابرات الأسدية في إحدى المدن الأوربية ، ويقضي باستسلام عناصر التنظيم الموجودين في الخارج ، وبتقديمهم نقداً ذاتيا لمسيرتهم السابقة ، وبالإعلان عن توبتهم ، وعن ولائهم للنظام ، واستعدادهم للعمل تحت مظلته والدفاع عنه ، فكان هذا بمثابة عقد استسلام ذليل بين نظام فاشي خائن ، وبين قيادة منهارة ومتواطئة.

لقد شملت الاتصالات أكثر من طرف وأكثر من شخصية ، ولكنها لم تسفر عن نتيجة ملموسة إلا مع جماعة عدنان عقلة.

إن أهم أهداف حافظ أسد تتلخص في السعي إلى تصفية المعارضة الوطنية بكل فئاتها ورموزها ، وهو عندما يمد الجسور مع بعضها إنما يريد من ذلك الإيقاع بها ، والتشكيك بمبادئها ، وتشويه نضالاتها ، وتفتيت وحدتها التنظيمية ، وزعزعة ثقة شعبنا وأمتنا العربية بها ، وليقطع الطريق على قوى المعارضة الوطنية كيلا تستعيد قوتها ونشاطها وحيويتها ، ليضعف أمل الشعب في الخلاص وإقامة البديل الديمقراطي الذي يطمح إليه.

لقد أعلمنا الإخوان المسلمين بشكل مباشر ، وقلنا لهم : إن حافظ أسد رجل مخادع ، ولا يمكن الاطمئنان إليه ، كما أوضحنا لهم بأن النظام يهدف من وراء التفاوض إلى تفكيك قواهم ووحدتهم التنظيمية ، وإن أي تفاوض في ظل المعادلة الراهنة للصراع مع النظام هو استسلام وإذعان له ، وإن مواجهة النظام الأسدي هو الخيار الممكن الوحيد لتحرير سورية من هذا الكابوس الثقيل.

إن المطلوب في هذه المرحلة ليس فقط فضح جرائم النظام وخياناته ودوره التآمري داخل الساحة الوطنية والقومية ، وإنما استنهاض كل قوى الشعب وطاقاته ومناضليه كي يفوتوا الفرص على النظام الفئوي الذي استباح أرض الوطن ، وعاث في البلاد فساداً وإجراما وتسلطا لم تشهده أعتى الدكتاتوريات في العالم.

لا مهادنة مع نظام خائن ، ولا تفاوض مع متآمر ، بل حرب شعبية مستمرة ومتصاعدة ومكشوفة ، حتى تتحرر سورية وتعود إلى مكانتها في الجسد العربي المتحرر المقاتل من أجل الأهداف السامية.

القيادة القطرية المؤقتة لحزب البعث العربي الاشتراكي
أواخر شباط 1985
ط- لم تمض على هذه النكسة في علاقاتنا الوطيدة مع العراق الشقيق ، حتى أصبنا بنكسة أخرى أشد إيلاما ، إذ أن أحد عناصر التنظيم غير المنضبطة ، بدأ يكثر من السفر من بغداد إلى عمان عن طريق التنظيم بالصلاحيات التي حصل عليها للتحرك ، وقد ارتاب مدير مكتبنا الأخ منذر كوجان رحمه الله من هذه الأسفار غير المبررة ، وطلب من هذا العنصر التوقف عن السفر ، وما كنا نعلم أن هذا العضو كان همزة وصل بين تنظيم ناشئ محدود التشكيل من وراء قيادته في بغداد ، وبين عناصر في الخارج مرتبطة بهذا التنظيم ، ولم نكن ندري أنه تحت مراقبة شديدة ، وأن أنفاسه تحصى عليه ، وفجأة ألقي القبض عليه وعلى قيادة هذا التنظيم ، فاحتج بأنه يتحرك بإذن منا أو بتوجيهنا ، فاستدعى نائب المراقب العام ف. ط إلى المكتب السوري للتحقيق معه ، أو للاستفسار منه وهم يستغربون هذه التهمة أو هذا السلوك الذي لم يلحظوا طيلة سنوات أي خلل أو التفاف بالعلاقة معهم ، ولم يمض إلا وقت قصير حتى تبين لهم كذب هذا الادعاء ، وأن تنظيمنا بعيد كل البعد عن هذه الصلة ، وعن ذلك التحرك.

اقتصرت التحقيقات على 52 عضوا من التنظيم الناشئ ، ورغب المسؤولون بعدم التوسع ، وأطلق سراح العشرات ، وصدرت أحكام بالإعدام على خمسة منهم هي قيادتهم ، فاضطررنا إلى بذل المساعي لإصدار العفو ، وقد يسر الله ذلك ، وخفف الحكم أولاً ، ثم أطلق سراحهم في مرحلة لاحقة ، أما صاحبنا فلم يكن في مقدورنا التخلي عنه أو تركه لمصيره الذي يتراوح بين الإعدام والمؤبد ، بالرغم من أنه ألحق بالتنظيم كله أشدا لأذى ، فلم نعد نحظى بالتسهيلات التي تشمل جوازات السفر والالتحاق بالجامعات وبالبرامج الإذاعية التي كنا نشرف عليها وعلى جميع فقراتها ، وعلى التحرك الواسع بالأسفار والأنشطة الأخرى الكثيرة ، ولم نعد نجد مفرا من مخاطبة الرئيس بشأن هذ1ا العنصر الذي سولت له نفسه أن يلتف علينا ، ويلحق بنا من الأذى ما ألحقه بنا ، فرفعت كتاباً إلى الرئيس صدام هو ثالث كتاب رفعته إليه خلال عقدين من الزمن :

سيادة رئيس الجمهورية العراقية الرئيس صدام حسين حفظه الله ورعاه.

إن ما طوقتم به أعناق شباب سورية ومجاهديها من يخر عامر وفضل غامر ، أذهب عنهم وحشة الغربة ، وفراق الأهل ، فألقوا في العراق الشقيق الوطن بعد أن غادروا الوطن ، ووجدوا في العراقيين الأهل بعد أن فارقوا أهلهم وأرحامهم.

هذه السياسة الأخوية التي أرسيتم قواعدها في القطر العراقي الشقيق تشجعنا أن نلتمس من سيادتكم إصدار عفو عن عن ولدنا وأخينا ( ز. و. ع ) الذي ما زال نزيل السجن منذ حوالي عامين لخطأ صدر عنه ، وكلنا معرض للخطأ ومجانبة الصواب ، ولكن الذي يحملنا على رفع هذا الالتماس أن ( ز. و. ع ) شاب نشأ منذ نعومة أظفاره على الجهاد ، وقارع الظالمين البغاة على أرض الشام ، وتعرض للتنكيل والتشريد هو وجميع أفراد عائلة كريمة مجاهدة قدمت الفداء والشهداء ، وفقدت شبانا كالليوث قضوا شهداء منهم : شقيقة غ. ع رحمه الله الذي طارده الطغاة في الشارع وصرعوه ، ومنهم شقيقه ( ع. و. ع ) نزيل بغداد وضيفها الذي خطب من عمان وأعدم في دمشق ، ومهم شقيقه ( م. و. ع ) الذي انتزع إعجاب السوريين كلهم بشجاعته وثباته في محكمة الطاغية التي قضت ظلماً بإعدامه ، هؤلاء جميعاً أبناء رجل شهم ذي نخوة ومروءة اغتاله المجرمون في منزله يوم عدوانهم على حماة المجاهدة ، كما أنهم أبناء امرأة صالحة مكثت في السجن طويلاً قبل وفاتها ، لأنها أم لهذه الكوكبة من الشهداء المجاهدين.

لقد قضى كل أبناء العائلة شهداء ومعتقلين ومطاردين ، وقضى معهم حفيدهم شنقا ، وكثير من ذويهم ما زالوا يقبعون في سجود الطاغية في دمشق منذ بضعة عشر عاماً.

نلتمس يا سيادة الرئيس إصدار عفو عن ولدنا وأخينا ( ز. و. ع ) لأنكم أهل لإصدار العفو الذي هو من سجاياكم ، وأخونا أهل لأن يشمله عفوكم لأنه من المجاهدين الصابرين.

وتفضلوا يا سيادة الرئيس بقبول أزكى التحيات ، وأخلص آيات الود والامتنان.

المراقب العام للإخوان المسلمين في سورية
عدنان سعد الدين
15- 10- 1409 هـ
20- 5- 1989 م

لم يمض يومان أو ثلاثة على استلام الرئيس لهذه الرسالة عبر مساعد مدير المخابرات أو مدير المخابرات بالوكالة السيد فاضل صلفيج العزاوي نزيل سجون بغداد الآن ، حتى صدر مرسوم رئاسي بالعفو ، فاتصل هاتفيا أبو العباس فاضل عزاوي وبشرني بذلك ، وقال : يمكنكم غداً أن تذهبوا إلى السجن وتستلموا سجينكم منه.

ذهبت إلى سجن أبو غريب ، والتقيت بجميع المسؤولين فيه ، ووقعت في خمس دوائر على استلامه هي : إدارة السجن ، ودائرة الأمن ، ودائرة المخابرات ، ودائرة الشؤون الاجتماعية.. إلخ وأركبته بجانبي وذهبت به إلى المنزل ليتناول طعام الغداء ، الذي أعددته لهذه المناسبة.

18- في نهاية هذا الفصل أو هذا البحث الذي طال الحديث عنه لأهميته وكثرة العبر فيه ، وتشعب بحوثه وموضوعاته أختم هذا البحث بذكر عدة ملحوظات ذات أهمية لابد من إيرادها والتنويه عنها في العمل السياسي.
الملحوظة الأولى : إننا طيلة هذه العلاقة لم نعتمد أو نأخذ من الإسلام برأي شاذ أو ضعيف أو مرجوح ، بل استندنا على الآراء المتفق عليها والمعتمدة بالإجماع أو على رأي الجمهور.

إن الذين يأخذون من الفقه بالآراء الشاذة أو الضعيفة في علاقاتهم مع الآخرين ، تقربا إليهم ، أو إرضاء لهم ، إنما يرتكبون خطأ فادحا ، لأن ذلك يضعفهم أمام أنفسهم وتجاه الآخرين ، وينال من قدرهم ومكانتهم ، لقد كتبنا بيان الثورة الإسلامية ومنهاجها من أوله إلى آخره دون أن نأخذ بحكم ضعيف أو رأي شاذ ، لأن الإسلام غني بمبادئه وأحكامه وفقهه وساحات اجتهاده ، والذي يود التأكد من ذلك ، نأمل منه أن يقرأ المنهاج بكامله ، ليتأكد أن الجماعة اعتمدت في مشروعها الإسلامي في الحكم وبناء المجتمع ، وفي العلاقات السياسية والدولية على الأحكام التي لا يختلف عليها العلماء والفقهاء والمجتهدون.

الملحوظة الثانية : الابتعاد عن المجاملة والمداراة والخطاب الممزوج بالمداهنة ، إذ ينبغي على الداعية ، وعلى من يسير في طريق الدعاة أن يحافظ على كرامته الدعوية ، وعلى مرءوته الشخصية ، وهذا لا يتنافى مع الطيب من القول ، وأن يقول للناس حسناً ، ولذا لمس العراقيون منا عدم المجاملة كما يفعل الكثيرون إن لم نقل الجميع بإرسال البرقيات المطولة في كل المناسبات الشخصية والوطنية والقومية والدينية ، فقد درجنا منذ وطئت أقدامنا أرض العراق الطيبة ( التي ضمت في حناياها مئات الصالحين والعارفين وآل البيت والمبشرين بالجنة والخلفاء الراشدين ) أننا لا نأخذ بأسلوب المجاملة ، وإرسال البرقيات التي تعني العراقيين بما في ذلك عيد الفطر وعيد الأضحى ، الأمر الذي ألفه منا العراقيون وقبلوه ، فصار أمراً معتادا.
الملحوظة الثالثة : رفضنا أن يستخدم التحالف الذي دخلناه أو أن يزج به في تأييد مواقف حزبية للبعث ولغيره ، وفي ذات يوم قرأنا برقية باسم التحالف موجهة لميشيل عفلق في إحدى المناسبات ، فأنكرنا عليهم ذلك في اجتماع المكتب السياسي ، ثم كررنا هذا الإنكار في اجتماع الهيئة التأسيسية متسائلين : من قرر إرسال هذه البرقية؟ فقيل لنا : قد وافق عليها ممثل الناصريين وممثل البعثيين ، فقلت : ولكننا لم نستشر ، ومن ثم فإن هذا الموقف لم يأخذ صيغة القرار الصادر عن المكتب السياسي.

ثم قلنا لهم على مسمع من أعضاء الهيئة التأسيسية :

لدينا مناسبات كثيرة ، مثل استشهاد إمامنا حسن البنا ، وذكرى كبير الدعاة الدكتور الشيخ مصطفى السباعي ، ووفاة كبير المفكرين في الجماعة الأستاذ محمد المباركرحمهم الله جميعاً ، وسوف نرسل من طرفنا البرقيات بهذه المناسبات باسم التحالف ، فأجابوا جميعاً :

لن يتكرر هذا التصرف مرة أخرى.

ولا يزال الذين حضروا هذه الاجتماعات من أمثال الأخ الأديب عبد الله الطنطاوي الذي يذكر هذا الحديث بتفاصيله.

الملحوظة الرابعة : إن جميع هذه الإنجازات التي أثبت بعضها في هذه الأوراق ، إنما هي من إنجازات الجماعة ، وتصب في خانتها ، لأننا كنا نتحرك بقرار منها ، وبمواقفها وتوجيهها ، وهي من ثم ليست إنجازات ذات طابع شخصي تنسب إلى أشخاصنا وذواتنا وأفراد من تنظيمنا ، إنه بفضل الله تعالى أولاً وتثبيته ثانيًا ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ ومن ثم فهي من إنجاز جماعة الإخوان المسلمين الراشدة التي لها الفضل سابقًا ولاحقا بكل عمل أو مسعى أنجزناه ، وأقدمنا عليه ، وإن لهذه الجماعة فضلاً على الأفراد والجماعة والمجتمع ، لا ينكره إلا جاحد ، أو مضيع للجميل.
الملحوظة الخامسة : مواجهة المستجدات والمتغيرات والمعطيات والأحداث الطارئة ، بفهم عميق ، وإدراك دقيق ، وإحاطة تامة ، لمواجتهها بما ينبغي من مرونة وتكيف ، مستلهمين ذلك من ثوابت عقيدتنا ، وأحكام شريعتنا ، والحكمة في كل تصرفاتنا ومواقفنا ، والقرارات المتخذة من قيادتنا ، وفي السيرة النبوية حلول لكل ما واجهه المجتمع الإسلامي الأول بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم في معالجات مرنة ، وحكيمة ، ففي صلح الحديبية خرج الرسول صلى الله عليه وسلم من المدينة على رأس ما يقارب ألفا وخمس مئة معتمر من أصحابه في رحلة تعبدية خالصة ، لكن قريشاً حالت دون ذلك ، ومنعتهم من دخول مكة والطواف حول الكعبة.

غير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام أصروا على أداء العمرة ، ونزلوا على أرض الحديبية على بعد 25 كم من مكة ، وبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت والاستشهاد تحت الشجرة في أعلى درجات الاستعداد لمواجهة قريش ، ولا سيما بعد أن أشيع أن عثمان بن عفان أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم لمفاوضة قريش قد قتل أو اعتقل ، وعندما عاد عثمان ، وحضر سهيل بن عمرو مندوباً عن قريش ، اتفق الطرفان على تأجيل الزيارة إلى عام قادم ، وتم توقيع صلح الحديبية الذي ظن بعض الصحابة ، ومنهم عمر بن الخطاب أن فيه تساهلاً من المسلمين مع القرشيين ، وحيفا في حقهم ، ثم أدركوا فيما بعد حكمة الرسول صلى الله عليه وسلم وبعد نظره وما حققه الصلح من مكاسب للمسلمين.

في مثال صلح الحديبية رأينا كيف واجه المسلمون بقيادة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم المواقف والمتغيرات ، وما طرأ من مستجدات ، مرة بثلاث مراحل : السفر إلى مكة لأداء العمرة ، ثم رفع الاستعداد إلى أعلى مستوياته عندما بايع الصحابة نبيهم صلى الله عليه وسلم على الموت ، ثم التوقيع على معاهدة يبدو التساهل في بنودها كما ظن البعض ، وهي كما أثبت الواقع ، وكما جاء في القرآن الكريم فتح الفتوح في العهد النبوي إذا اعترفت قريش لأول مرة بكيان المسلمين ، ووقعت معهم معاهدة هدنة وأتاحت للمسلمين نشر الدعوة في الجزيرة ، ومخاطبة ملوك الأرض ، ودعوتهم إلى الدخول في الإسلام .. إلخ مما جعل المعترضين يشعرون بالندم ، ويتوبون إلى الله على موقف طارئ وقفوه تجاه صلح الحديبية.

أ- بعد مباحثات ومراجعات مع العراقيين طال أمدها ، خصصت لنا إذاعة المعارضة ركناً باسم صوت المجاهدين ، مدته ساعة في كل يوم ، وكان تردده قوياً يغطي مناطق العراق ولينال والأردن وسورية وفلسطين ، وكانت مناهجه وبرامجه والكلمات التي تلقى عبره : إخوانية صرفة ، في استنهاض همم المسلمين في مواجهة أعداء الإسلام ، ولا سيما الصهاينة المعتمدون, وكان لذلك تأثير كبير في الأرض الفلسطينية المحتلة كما علمنا ذلك من أبناء الضفة والقطاع الذين كنا نلتقيهم في البلاد الأوربية والقارة الأمريكية التي كانوا يذهبون للدراسة في جامعاتها ، كما ترك هذا الركن أثراً إيجابياً في الشمال العراقي بين الأكراد ذوي الاتجاه الإسلامي.

لقد استمر هذا الركن ثلاث سنوات ، حتى جدت أحداث في بلادنا وفي المنطقة كلها ، ذكرنا بعضها الذي أضعف موقفنا تجاه العراقيين ، فانخفض صوت الإذاعة المخصصة للمعارضة ، ومعها انخفض صوت المجاهدين ، قبل أن تتوقف الإذاعة كلياً في ظروف بالغة القسوة والتعقيد.

ب- في المؤتمر الإسلامي الشعبي الذي أراد له الرئيس العراقي أن يكون همزة صلة مع بلدان العالم الإسلامي ، فمنحه صلاحيات واسعة ، وتبرع بتكاليف ألف طالب ثم رفع العدد إلى ثلاثة آلاف طالب من العالم الإسلامي يدرسون على نفقته في العراق : علوم الشريعة واللغة العربية ، كما سمح للمؤتمر أن يوجه الدعوات إلى شخصيات إسلامية ذات وزن وشهرة من دول العالم الإسلامي ، وأن تشكل وفود لزيارة الدول الإسلامية ، وكان من صلاحيات المؤتمر إقامة مؤتمرات شعبية واسعة في العراق ، نفذ منها سنة مهرجانات كبيرة من مختلف الأطياف العراقية ، وكانت الدعوة فيها إلى الإسلام واضحة وصريحة ، حتى طغى هذا النشاط على نشاط الحزب الحاكم بصورة ملموسة.

تناوب على منصب الأمين العام للمؤتمر الإسلامي : بشار عواد ، وعرفان عبد الحميد ، وعبد الرزاق السعدي، وعبد ال لطيف هميم، وكانت ميزانية المؤتمر كبيرة في أيام المؤتمر الأخيرة ، لتغطي كل مناحي النشاط في الأسفار ، وفي المؤتمرات ، وأخيراً إصدار مجلة : المفكر المسلم ، كلفت بالإشراف عليها ، فصدر منها سبعة أعداد مليئة بالمقالات والبحوث والدراسات الإسلامية ، كان منها التعريف بشخصيات كبيرة توليت دراستها ونشرها في المجلة ، كان منها : أبو الحسن الندوي من الهند ، ومحمد أمين الحسيني من فلسطين ، ومحمد الحامد من سورية ، ومحمد ناصر من أندونيسيا ، وقد جاء ذكر الإمام البنا الصديق الحميم للشيخ محمد الحامد ، ونبذة عن حياته وإخلاصه واستغراقه في الدعوة الإسلامية التي وهبها وقته وقلبه وعقله ، فانتشرت في مصر ، وفي الوطن العربي والعالم الإسلامي ، وقد حضر الشيخ إبراهيم النعمة كبير علماء الموصل إلى مقر المؤتمر في الأعظمية ، فالتقاني وعانقني قائلاً : ما كنت أتصور صدور مجلة إسلامية في العراق تتحدث عن الدعاة الكبار ، ولا سيما الإمام الشهيد حسن البنا طيب الله ثراه ، حتى رأيت ذلك وقرأته بعيني في مجلة المفكر المسلم ، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

أضحى مقر المؤتمر الإسلامي الذي كنت الأمين المساعد له للشؤون الفكرية والثقافية والإعلامية ، مقصودا في الزيارات واللقاءات والندوات ( في مقره الجديد الذي بني خصيصا كمقر للمؤتمر ) من شخصيات عراقية تمثل كل المذاهب والأطياف من أكاديميين وشيوخ من السنة والشيعة ، وضيوف من البلاد العربية والإسلامية ، تؤم المؤتمر الذي كان يعج بالنشاط دون توقف.

وفي تقديري وكما رأيت فإن المؤتمر كان مؤهلا لتأدية دور كبير في نشر الدعوة ، وفي إقامة صلات وثيقة في أقطار العالم الإسلامي لولا هذه الحرب الخليجية المشؤومة التي دمرت كل شيء بعد دخول الجيش العراقي إلى دولة الكويت الشقيقة.

جـ- في هذه الفترة الكئيبة ورغم قسوة الظروف : تحقق أمران مهمان ، ألمحت مسبقاً إلى أحدهما ، وهو إصدار عفو عن مجموعة الإخوان التي حاولت أن تنشئ تنظيما وكان قد صدر حكم الإعدام على خمسة منهم ، فأثمرت المساعي الحميدة بفضل الله وتوفيقه إصدارالعفو عنهم ، وخروجهم من سجونهم ، وقد مر معنا من قبل تفصيل ذلك.

أما الأمر الثاني ، فإن العراق كان قد أغلق في وجوه الإخوان كثيرًا من الأبواب التي كانت مفتوحة على مصراعيها ، ولاسيما الجامعات التي توقفت -بتوجيه قيادي- عن قبول الإخوان في كلياتها ، وفي الدراسات العليا على وجه الخصوص ، جراء مواقف الإخوان التي مر ذكرها.

وجدت أن هذه السياسة العراقية تجاه الإخوان سوف تلحق ضرراً كبيراً بشباب الجماعة دونما ذنب اقترفوه أو خطأ فادح ارتكبوه ، فاضطررت إلى التحرك لدى المسؤولين في مكتب النائب ، وفي المكتب السوري ، محتجاً على حرمان أبنائنا من فرص الدراسة وهم أهل لها خلقا وتفوقا ، وبعد جهود حثيثة ، فتح الباب بشكل محدود إذ تم قبول ستة للدراسات العليا عام 1995 ، وفي عام تالٍ تم قبول خمسة عشر طالبا في جميع الاختصاصات ، واستمر هذا الأمر حتى مطلع العام 2003 قبيل الحرب بأسابيع بمعدل سبعة عشر طالبا في كل عام ، وكانت جميع الأسماء من أعضاء الجماعة الذين استلمت أوراقهم من مكتب الطلاب بواسطة الأخ أبي حازم ، حتى بلغ عدد الذين تم التحاقهم في الدراسات العليا في بغداد حوالي 125 طالب ماجستير ودكتوراه ، تخرجوا أو تخرج معظمهم ، وعملوا أساتذة ومدرسين في جامعات اليمن ، والسعودية ، ودول الخليج ، والأردن بفضل الله وعونه وتوفيقه ، بل إن بعضهم -وهم قلة- أكمل دراسته وحمل شهادات الدكتوراه بعد احتلال العراق في ظروف قاسية وأخطار محدقة رعيبة.

وفي ختام هذا المبحث الذي لو توسعت بتفصلاته لاحتاج إلى مجلد ، أسجل شهادة يسألني الله عنها : أن ما رأيناه ولمسناه في العراق ، وما قدم لنا خلاص العقدين الأخيرين من القرن العشرين من دعم على كل الصعد ، ( نعجز عن سداده ) دونما شرط أو مقابل أو طلب ، فجزى الله العراق وأهله خير الجزاء وفرج كربتهم وكتب لهم النصر والتوفيق.

  • * *

التجربة الثالثة مع اليمن الشقيق

كان اليمن وما يزال مصدر خير وبركة مذ حظى بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له بقوله : اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا ، ومذ بشره الرسول المعصوم بأن الإيمان يمان والحكمة يمانية ، وهذا ما لمسناه لقاءاتنا مع اليمنيين ، وما لمسناه في زياراتنا لأرضه وشعبه على مدى عدد من السنين.

1- كان كبير دعاء اليمن الشيخ عبد المجيد الزنداني حفظه الله وبارك في جهوده الكبيرة والمثمرة على مختلف الصعد ، كان يقيم لفترة طويلة ، منقطعة ومستمرة في السعودية ، وعلى أرض الحجاز ، وشاء الله تعالى أن يتعرف على الشيخ سعيد حوي رحمه الله في مدينة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويطلع على جهوده في الكتابة والتأليف ، ووضع المناهج التربوية التي يقدمها للأجيال الصاعدة في الوطن العربي ، وفي البلاد الإسلامية ، فتوثقت العلاقة بين الشيخين الكبيرين ، وأعجب الشيخ الزنداني بما خطه يراع الشيخ سعيد من كتابات مفيدة وبرامج عديدة ، وبحوث شملت جوانب منوعة من الفكر والفقه والدراسات القرآنية والسنة النبوية ، وفي حقول التربية والتزكية وتهذيب النفوس.

حمل الشيخ الزنداني ، أجزل الله له الأجر ، ما وصل إلى يده من كتابات الشيخ سعيد حوي رحمه الله إلى بلده اليمن ، واتخذ منها مصدراً ومنهاجا لتنظيم الإخوان المسلمين الذي أقامه وشيده الشيخ الزنداني مع عدد من إخوانه المقربين منه والمتعاونين معه من أمثال : الشيخ ياسين عبد العزيز ، ومحمد اليدومي، وعبد الوهاب الآنسي، وعبد الرحمن العماد، فحلت بالتنظيم الناشئ بركات اليمن ، ليصبح تنظيم الإخوان على أرض اليمن السعيد ملء السمع والبصر ، وليكون ثمرة وامتدادا لما قدمه أبناء الشام أو أحد أبنائها ، لتعم البركة القطرين اللذين حظيا بدعوة سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم : اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمنا.

ملأ هذا التنظيم الإخواني العتيد أصقاع اليمن ، وانتشر في ساحاته ، وفي كل مجالاته السياسية والتربوية والاجتماعية ، حتى لم يعد تجاهله ممكنا في الانتخابات والحكومات والمرافق الأخرى ، وهو الذي ضم تحت عنوان : التجمع اليمني للإصلاح : كبار شيوخ القبائل ، وعلماء الدين ، وطيفا واسعا من المثقفين وطلاب القبائل ، وعلماء الدين ، وطيفا واسعا من المثقفين وطلاب الجامعات ، والقبائل المنتشرة في جبال ووهاد اليمن وأعماق أصقاعها.

2- وجد الإخوان السوريون فيما أصابهم من كوارث على أيدي حكومة الأقلية في سورية ، في اليمن ملاذا وأمنا كالذي وجدوه في الأردن والعراق الشقيقين قبل ذلك ، وفي نفس الفترة من الستينيات والسبعينات والثمانينيات من القرن الماضي.

وجدوا صدور إخوانهم اليمنيين مفتوحة على كل المستويات ، فقد حظى قادة الإخوان السوريين باستقبال الرئيس اليمني لهم في مناسبات عديدة ، وكنت أحد الذين التقاهم السيد الرئيس لساعة وثلث الساعة في حديث ودي وأخوي تضمن أفكارا وآراء مفيدة ، فيما يتعرض له السوريون من نكبات وكوارث من الحكومة الطائفية في دمشق.

كما استقبلنا مرارا وتكرارا الشيخ عبد الله حسين الأحمر شيخ مشايخ قبيلة حاشد ذات الثقل القبلي الكبير ، ورئيس البرلمان لدورات عدة ، وأحد كبار الشخصيات والزعامات الوطنية في اليمن ، ولمسنا منه المودة والتعاطف فيما أصابنا من ضر وابتلاء.

3- كانت اليمن تعاني من معارضة الشيوعيين واليساريين في اليمن الجنوبي ، ومن عاصمتها عدن ، والذين امتد تأثيرهم إلى اليمن الشمالي بالتعاون مع اليساريين في الشمال من أمثال عبد الفتاح إسماعيل الذين كانوا أشد تطرفا في شيوعيتهم من بعض زعماء الدول الشيوعية ، وكانت الحكومة السورية تحتضن هذه المعارضة التي تشن هجماتها على حكومة صنعاء ، وتقوم بأعمال التخريب والتدمير في أنحاء اليمن الشمالي وفي أطرافها بتوجيه من مكتبها في دمشق الذي تغذيه وترعاه وتسانده حكومة الأقلية السورية.

بالمقابل تحرك تنظيم الإخوان المسلمين في اليمن بالتعاون مع شيوخ الإسلام ، وشيوخ القبائل ، وشكلوا قوة عتيدة تصدت للزحف الشيوعي الذي يتحرك من الجنوب بمساندة عناصر يسارية من الشمال ، فكسروا شوكتهم ، وقلصوا ساحاتهم ، وردوهم خائبين ، ثم شكل الإخوان وحلفاؤهم جيشا شعبيا بجانب الجيش الرسمي ، وما زال الجيشان ينتقلان من نصر إلى نصر ، حتى توجت انتصاراتهم بضم عدن والجنوب كله في أوقات لاحقة إلى الشمال ، ليرى العرب أول وحدة يمنية ضمت الشمال والجنوب في دولة اليمن العتيدة الكبرى ، فخاب أمل الشيوعيين ، وأمل الطائفيين الذين دعموا الشيوعيين وساندوهم ، وخاب أمل بعض العرب الذين وقفوا مع شيوعي عدن وزودوهم بالمال والسلاح ، ودعموهم بكل أسباب الدعم ، فخابت آمالهم الحثيثة والخسيسة ، وقد خاب من حمل ظلماً.

4- أنشأ الإخوان والعلماء وحلفاؤهم المعاهد العلمية الدينية في كل أرجاء اليمن وأصقاعه على أسس يغلب عليها الطابع الشرعي ، فأقبل عليها أبناء اليمن الذين يحرص ذووهم على تنشئتهم نشأة إسلامية ، وتزوديهم بعلوم الشريعة الغراء ، فبلغ عدد المنتمين إلى هذه المعاهد مئات الألوف ، وكان للمعاهد استقلال مالي وإداري وكأنها وزارة للتعليم قائمة بذاتها ، واستمر الحال هكذا سنوات حتى انتهى أمرها إلى الاندماج في وزارة التربية بصيغة اتفق عليها المعنيون جميعاً بشأن التعليم الرسمي ، وشأن المعاهد الدينية التي أدت واجباً كبيراً ، فعمت الثقافة الشرعية والعلوم الإسلامية أرجاء اليمن وأصقاعه.

والذي يعنينا من أمر هذه المعاهد إبان نشأتها واستمرارها لسنوات : أنها فتحت أبوابها لأبناء الإخوان المسلمين السوريين ، فوجدوا في رحابها وساحاتها ومؤسساتها الإدارية مجالاً فسيحا للعمل والتوظيف والدعوة ، فاستوعبت منهم مئات المدرسين والإداريين ، فأفادوا واستفادوا في ظروفهم القاسية ، الأمر الذي ساعد على تكوين تنظيم عتيد للإخوان المسلمين السوريين في اليمن السعيد ، كما تركوا أثراً كبيراً في منتسبي المعاهد ، كما يصرح بذلك قادة العمل الإسلامي في اليمن ، وقد سمعنا ذلك منهم.

وقد لاحظ القادة المعنيون بالشأن اليمني أن المناطق التي غلب على أبنائها خريجو المعاهد تشهد هدوءا واستقرارا ، تفتقر إليه مناطق يمنية أخرى.

5- ومن الأعمال الجليلة التي قدمها اليمن الرسمي : تخصيص عدد من المقاعد الجامعية بمعدل خمسة وعشرين مقعدا في كل عام شملت كل الاختصاصات العلمية والأدبية ، كانت مرشحة للزيادة ، فتخرج أبناء الجماعة في الجامعات اليمنية ، وحملوا الشهادات الجامعية والتخصصات العالية ، وما تزال كليات الجامعات اليمنية تضم أعداد من أبناء أعضاء جماعة الإخوان المسلمين السوريين الذين وجدوا في اليمن الشقيق ملاذا لأمنهم ، وأمكنه لأعمالهم ووظائفهم ، ومقاعد جامعية ودراسات عالية لأبنائهم.

علاوة على ذلك فقد خص اليمن أبناءنا بإقامة خمس سنوات ، على أرضه وهي لغيرهم لا تزيد على ثلاث سنوات بأي حال ، كما ساوى في الدراسات العليا بين إخواننا وبين اليمينين في تكاليف الدراسة ، وفي بعض الأحيان كان يعفيهم منها ، فهل يستطيع إنسان وفي أن ينسى هذه الأيدي البيضاء التي امتدت بالخير والمعروف لأعضاء تنظيمنا على مدى خمس وعشرين سنة بفضل الله أولاً ، ومن ثم بفضل إخواننا اليمنيين في التجمع ، وفضل المسئولين وعلى رأسهم الرئيس اليمني علي عبد الله صالح ، فجزى الله الجميع خير الجزاء ، وأثابهم على أفضالهم وحفظهم من كل سوء ، وألهمهم وهداهم إلى كل ما يرضي الله تعالى في العاجلة وفي الباقية.

ولا يفوتنا في نهاية هذه الفقرة أن نسجل أن كثيرًا من أبناء الجماعة الذين أغلقت الجامعات في دول الخليج أبوابها في وجوههم ، انتقلوا إلى اليمن ، أو أرسلوا أبناءهم إليها ، ليجدوا البديل والعوض عما فاتهم في أقطار عربية أخرى ، كما وجد من قبل ومن بعد حملة الدكتوراه الذين تخرجوا في جامعات ومعاهد العراق بالعشرات وظائف لهم في الجامعات اليمنية ، فشغلوا فيها كراسي جامعية مرموقة ، وأضحوا من الأساتذة اللامعين والدكاترة المشهورين في عداد أساتذة الجامعات اليمنية ، ومن مدرسي طلاب الماجستير والدكتوراه والدراسات العليا ، والمشرفين على الذين يحضرون لحمل الشهادات العليا.

6- رأينا في نطاق البحث عن الصلة بالعراق ، ما فعله اليمنيون غيرة على العراق ، وخشية من الكيد الصهيوني ضده ، وفي هذه الفقرة أعود إلى الموضوع ذاته لإيراده في البحث عن صلتنا باليمين الشقيق ، والذي يعتبر من إنجازات اليمن التي لا تنسى ، ومن الأعمال الوطنية التي تدل على غيرة اليمنيين على أبناء الشعب العربي في أي قطر من أقطاره ، سواء أكان قريباً من اليمن أم بعيداً عنه.

لقد طلب مني ذات يوم كبير قيادي تنظيم الإخوان اليمنيين وأنا في منزله في صنعاء أن أحمل رسالة عاجلة إلى القيادة العراقية ، إذ تلقى إخوان اليمن من إخوانهم في سفارة اليمن في باريس وثيقة خطيرة حول ما تبيته إسرائيل لضرب العراق أو ضرب مؤسسات ذات طبيعة عسكرية وأمنية واقتصادية على أرضه.

فقد خطط الصهاينة لضرب العراق ، أن يتحرشوا بالأردن ، ويفتعلوا معه صداما ، سوف يهب العراق لنجدته ، كما هي طبيعة العراقيين ، فيكون في ذلك مدعاة أو ذريعة لشن هجمات جوية على الأهداف التي قرروا تدميرها.

طلب مني قائد الإخوان في اليمن تسليم هذا المخطط إلى القيادة العراقية بالسرعة الممكنة ، ليحيط العراق علماً بما يبيت له من تآمر وكيد ، فعدت على جناح السرعة إلى بغداد ، وطلبت لقاء مع نائب الرئيس لأسلمه الرسالة المكتوبة التي بعث بها كبير إخوان اليمن إلى العراق ليتجنب ما يخططه له العدو الصهيوني.

قلت للسيد النائب : هذه الوثيقة أحملها إليك من إخواننا اليمنيين ، أضعها أمامك كما استلمتها دون أن أحدث فهيا أي زيادة أو نقصان أو إضافة أو تعليق ، بل هي كما حملتها من صنعاء ، لتتدبروا أمركم حيالها ، فنظر فيها مليا ، وأطال النظر لدقائق ، مع أن قراءتها لا تستغرق أكثر من دقيقتين بالقراءة المستأنية ، ثم تناول ورقة وكتب عليها بيده اليسرى كلمات لم أرها ، ولا أعرف مضمونها ، ووضعها في غلاف رسمي موجود على مكتبه ، وقرع الجرس ، وسلم الغلاف بصمت إلى مراسله.

بعد لحظات قطعت الصمت ، وسألت النائب : ألا ينبغي أن يطلع الرئيس على محتوى الوثيقة؟

فأجاب على التو : لقد استلمها وأضحت بين يديه وعلى مكتبه.
فلذت بالصمت ، ولم أزد على ذلك شيئاً.
وأرى من الواجب أو المفيد إيراد نص الوثيقة كما هي في نطاق البحث الخاص باليمن وإنجازاته ، وصلتنا الوثيقة معه.

سري للغاية :

تدمير العراق هدف استراتيجي مشترك لإسرائيل وأوربا الموحدة : أفاد أحد مصادرنا بفرنسا نقلاً عن أحد ضباط المخابرات الفرنسية ، ويدعي المسيو أوديان أن هناك هدفا استراتيجيا تسعى كل من إسرائيل وأوربا الموحدة إلى تنفيذه ، وهو تدمير القوة العسكرية العراقية ، وأفاد بالحرف الواحد أن هناك شيئاً ثقيلاً يرتب للعراق ، ولن يترك مستقرا ، أما البروفسور جون دنكور -عميد كلية العلوم بجامعة ليون- أحد أقطاب اليمين الفرنسي وصديق حميم للمسيو أوديان -فقد أفاد بأن سيناريو تنفيذ الهدف سيمضي على النحو التالي :

سيمضي جورباتشوف بتغذية التحولات الجارية في الاتحاد السوفياتي ، وفي أوربا الشرقية ، وذلك لتهيئة الأجواء لتوحيد الاتحاد السوفياتي مع أوربا الشرقية ، وكذا مع أوربا الغربية ، وبمعنى آخر فأن الاتحاد السوفياتي يسعى لابتلاع أوربا كلها بشقيها الشرقي والغربي -وذلك بالتعاون مع قيادات الماسونية العالمية- وفي نفس الوقت سيقوم الاتحاد السوفياتي بتهجير خمسة ملايين يهودي إلى فلسطين المحتلة.

- يروي هذا نقلاً عن زاخاروف عالم الذرة السوفييتي المنشق -.

بعد قيام أوربا الموحدة في 1- 1- 1993 ، ستكون إسرائيل قد أكملت كل الاستعدادات العسكرية ، وذلك بالتنسيق مع أوربا الموحدة ( وربما مع الاتحاد السوفياتي وأوربا الشرقية ).

وذلك من أجل اجتياح الأردن ، وبعد إكمال عملية الاجتياح ، ستقوم إسرائيل بتهيجر عرب الضفة الغربية وقطاع غزة إلى الأردن المحتل ، وبالطبع فإن العراق سيتدخل إزاء الاجتياح الإسرائيلي للأردن حيث ستقوم إسرائيل بتوجيه ضربة قاصمة للعراق ، تستهدف مراكز الصواريخ ، والقواعد العسكرية ، والصناعات العسكرية ، والبنية الاقتصادية دون اجتياحها.

وأضاف البروفيسور جون دنكون : بأن أوربا الموحدة وإسرائيل لن يتركا العراق الذي يمثل أقوى دولة عربية في مواصلة صناعاته العسكرية خاصة في مجالات الصواريخ وصولا إلى الصناعات الذرية ، وسوف يتم تدمير ذلك عن طريق حرب تدميرية شاملة تبدأ مع بدايات 1993 ، وربما يتأخر تنفيذ ذلك الهدف سنة أو سنتين لكن لم يتأخر عن عام 1995 ».

وأيا كان هذا الرأي بهذه الوثيقة والتسليم أو عدم التسليم بكل فقرائها ، فقد أوردتها كما هي ، إبرازا لموقف اليمين النبيل من جهة ، وتحذير العراق على وجه السرعة من جهة أخرى.

7- بعد أن ضيق الخناق على تنظيم الإخوان السوريين كيلا يستطيعوا عقد اجتماعاتهم والتقاء مؤسساتهم ، ولا سيما مجلس الشورى ، وجدوا على أرض اليمن السعيد متسعا ، فعقدوا اجتماعات مجلس الشورى لفترة حققت لهم ما يريدون من سن أنظمتهم ، واتخاذ قراراتهم ، واستمروا على ذلك ردحا من الزمن ، إذ قامت جهات عربية بتحريض اليمنيين لمنعهم الإخوان السوريين من عقد مجلس الشورى على أرضهم ، فلم يشأ الإخوان إحراج إخوة اليمن والمسئولين فيه بعد أن لمسوا منهم كل تأييد ودعم ، ولم تعي جماعة الإخوان المسلمين أن تجد البديل في ملاذات أخرى ، لتتابع مسيرتها يصبر وثبات واتكال على المولى جل جلاله وتباركت أسماؤه وصفاته ، فالحمد لله دائماً وأبدأ والحمد لله الذي تتم بفضله الصالحات أولاً وأخراً.

وإن خير ما أتم به هذه الفقرة عن صلاتنا بالقطر اليمني الشقيق : هو ما بدأت به من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : الإيمان يمان والحكمة يمانية ، وقوله صلى الله عليه وسلم : اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا ، وكلنا أمل وثقة أن تستمر البركة في ربوعهما وعلى شعبهما ببركة دعوة سيدنا النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم.

  • * *

التجربة الرابعة مع المملكة العربية السعودية الشقيقة

انتقل الألوف من شباب الجماعة وعائلاتهم إلى رحاب المملكة السعودية ليجدوا الأمن والأمان في ربوعها والعمل في أنحائها ، كما وجدوا تعاطفا كبيراً من شخصيات سعودية مشهود لها بالتمسك بأهداب الإسلام والغيرة عليه وعلى أبنائه ، وعمل المعروف وبذل الخير ، ومد يد المساعدة إلى كل من يعاني من ضائقة في داخل المملكة وفي خارجها ، فوقف كثير من هؤلاء مع السوريين في محنتهم ، وتألموا لألمهم ، ولما أصابهم في سبيل الله من كيد الحاقدين ، وكان على رأس هؤلاء وفي مقدمتهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله وأجزل له المثوبة.

كان رحمه الله يوجه النداء تلو النداء يناشد فيه المسلمين من داخل المملكة وفي خارجها أن يقفوا مع السوريين في نكبتهم التي ألحقها بهم حكم الأقلية الذين اغتصبوا السلطة في دمشق ونقشوا أحقادهم الطائفية ضد الشعب السوري المؤمن ولا سيما المتدينون منهم.

1- فتحت الجامعات الرسمية في جميع التخصصات أبوابها لأبناء سورية المهجرين في المدينة المنورة ، وفي مكة المكرمة ، وفي جدة وأبها والمدن السعودية الأخرى ، فأتاح هذا الموقف النبيل لأبناء جماعة الإخوان السوريين ، ولغيرهم من المطاردين في عقيدتهم أن يكملوا دراستهم ، ويحملوا الشهادات الجامعية ، ويحصلوا على الوظائف الرسمية وغير الرسمية ، وكان أشد السعوديين المرموقين تعاطفا في إفساح المجال في التعليم الجامعي وغيره ، الأساتذة الشيوخ : عبد الله عبد المحسن التركي ، وعبد الله نصيف ، ومحمد عمر الزبير ، ومحمد عمر جمجوم ، وأصهار الأمير عبد الرحمن : نايف وسعود الشعلان وغيرهم كثيرون.
2- استقبلنا الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية أكثر من مرة في مكاتبه في الرياض وجدة والطائف ، وزناه ذات يوم بصحبة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة والدكتور حسن هويدي رحمهما الله في الطائف بترحاب كبير ومودة ظاهرة ، ويسر لنا أمور الإقامة لعدد كانوا قد وجدوا صعوبة في الحصول عليها ، فاستقام أمرهم ، واستقر حالهم في سكناهم وفي أعمالهم وتجارتهم ، كما استقبل خادم الحرمين الشريفين الملك الأخ الشهيد أمين يكن بمسعى من بعض الإخوان الكبار كالدكتور معروف الدواليبي رحمهم الله جميعاً ، كما لمسنا تعاطفا من الأمير عبد الله بن عبد العزيز -ولي العهد إذ ذاك- واستقبل بعضاً من المحسوبين على الإخوان المسلمين.
3- كانت مناسبات الحج والعمرة فرصا ثمينة للالتقاء بإخواننا من جميع الأقطار ، ولعقد اجتماعات لهيئاتنا ومجالسنا ، وحل الكثير من معضلاتنا ، ومقابلة شخصيات سعودية كثيرة ، متعاطفة معنا ، وداعمة لنا في محنتنا ، وزيارة رجال سعوديين ، عرفوا بالفضل والخير ، وما أكثرهم في أرض الحرمين الشريفين.

إن بركات الحرمين الشريفين كانت -وما زالت- بلسما لجروحنا ، وعزا كبيراً لما لحق بنا من ضر ، وأصابنا من مكروه.

استمر حالنا مع المملكة العربية السعودية ، دخولاً وخروجا ، وإقامة ومزاولة للوظائف والأعمال ، حتى امتدت الضغوط لملاحقتنا ، فتقلصت الفرص ، وضاقت السبل ، وأغلقت الجامعات أبوابها في وجوه طلابنا إلا قليلاً ، غير أن هذا لم يؤثر في إقامتنا على علاقتنا الحسنة بالحكومة ، ولا بالشخصيات السعودية الدعوية والمرموقة ، ولم تنل من الأمن الذي نعمنا به على أرض البقاع المقدسة وما حولها ، كما هو حالنا في العراق الشقيق ، وفي المملكة الأردنية الهاشمية الشقيقة ، وفي الجمهورية اليمنية الشقيقة سواء بسواء.

  • * *

التجربة الخامسة مع منظمة التحرير الفلسطينية

كانت علاقتنا مع منظمة التحرير الفلسطينية متشابكة ومعقدة ، وذات أهمية بالغة ، تستدعي بحثاً مطولاً خاصاً بعلاقة المنظمة مع العراق التي مر ذكرها في صفحات سابقة ، وفي بحث المساعي التي قمنا بها بين العراق والمنظمة ، فلا حاجة لتكرارها ، ألا وهي المصالحة بين العراق والمنظمة التي استحالت من عداوة إلى صداقة ، ومن جفاء مستحكم إلى تعاون وثيق ، وهذا ما لا ضرورة لنا في بحثه ، لأنه ورد مفصلا عبر الحديث عن علاقة المنظمة بالقيادة العراقية ، كما لا أجد حاجة للبحث عن الصلة بالمنظمة ، وكيف تمت العلاقة مع السيد ياسر عرفات لتناولنا لها كذلك في ما سبق.

1- في 22- 10- 1984 تم لقاء في بغداد ما بين السيد ياسر عرفات ، وثلاثة من أعضاء المكتب السياسي للتحالف وهم : الفريق أمين حافظ ، والأستاذ شلبي العيسمي ، وكاتب هذه السطور ، وقد تميز هذا اللقاء عن سابقيه بأنه كان صريحاً وواضحا وجادا ، فبعد ساعات من أحاديث المجاملة من كلا الفريقين ، طرح سؤال مؤداه : متى ننتهي من هذه اللقاءات التي تبدأ بالإعلان عن ضيق الوقت ، وأن أبا عمار ليس لديه أكثر من ساعة سيغادرنا بعدها إلى سفر بعيد؟

فأجاب عرفات : حددوا أنتم الوقت الذي يناسبكم لأحضر إليكم دونما إعلان ، لنجلس وقتاً كافيا ، مهما كان طويلاً ، لنضع استراتيجية التعاون ، وأشارك فيها بنفسي ، ضمانا لعدم تسرب أي شيء عن هذه المرحلة.

وهكذا وضع عرفات الكرة في مرمى التحالف ، وإن أي تقصير في هذه العلاقة سوف يتحمل التحالف أو الأحزاب المشتركة فيه مسئوليتها.

إن محصلة الأحاديث التي وردت في لقاء الثاني والعشرين من تشرين الأول عام 1984 كما وردت على لسان رئيس المنظمة هي :

أ- إن حالة الركود التي يعاني منها النظام السوري بلغت حد الانهيار الاقتصادي ، بل وصلت حافة الإفلاس لأن عدداً من الدول تعتبر سورية مفلسة ، وترفض التعاون مع البنك المركزي بهذا الاعتبار.
ب- ثمة تذمر كبير في أوساط الجيش المغلوب على أمره ، فمحاصرتنا في طرابلس كشفت عن ذلك ، فكثيراً ما كان ضباط الجيش يحذروننا قبل مباشرتهم قصفنا ، كي نتجنب وابل قذائفهم ولو كانوا جادين في قصفهم لدمروا المدينة ، وقضوا علينا ، وبعض الضباط الذين تعاطفوا معنا هم الآن في غياهب السجون ، لتحذيرهم لنا ، فالصراع في سورية ما زال على أشده ، وإذا كان حافظ أسد قد كسب الجولة فيه ، فإنه لم يحسمه بعد لصالحه.
ج- شكا عرفات من وضع الجزائر ، لأنها نقضت ما تعهدت به ، وتراجعت عن التزاماتها حيال منظمة التحرير الفلسطينية مقابل وقوف سورية مع الجزائر في صراعها مع المغرب من أجل الصحراء.

بعد هذا اللقاء بثلاثة أسابيع وردت برقيتان من عرفات إلى مكتب المنظمة في بغداد ، يوجه فيهما الدعوة إلى محمد الجراح وإلى أبي عامر لحضور المجلس الوطني في عمان مع شخص آخر يختاره كل منهما للمشاركة في جلسات المجلس ، فعقد المكتب السياسي جلستين طارئتين ، اتخذ فيهما عدداً من القرارات منها :

- قبول الدعوة والمشاركة في جلسات المجلس ، والاستعداد للسفر إلى عمان.
- زيارة مكتب المنظمة للاستفسار عن نقاط حول الدعوة والمشاركة ، وظروف السفر والإقامة وغير ذلك.
د- طرح الإخوان فيما بينهم أسماء الأشخاص الذين تختارهم قيادة الجماعة ، أحدهم ليكون رفيق أبي عامر في سفره ، فوقع الاختيار على الأخ الأستاذ عبد الله الطنطاوي ، فتوجه إلى عمان ، وتبعه أبو عامر في اليوم التالي.

هكذا نستطيع القول : إن العلاقة بين المعارضة السورية من جهة ، وبين منظمة التحرير الفلسطينية من جهة أخرى قد ازدادت رسوخا ، وقطعت أشواطا مهمة ، سواء أكان ذلك عبر التحالف الوطني لإنقاذ سورية من جهة ، أو بيننا وبين المنظمة في علاقة ثنائية من جهة أخرى.

وقد تقدم أبو عامر لقيادة الجماعة ببيان حول هذه المرحلة وتداعياتها وإنجازاتها في 19- 11- 1984 ، واختتمه بالقول المأثور : والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

2- عقدت الدورة السابعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني في 22- 29 من تشرين الثاني عام 1984 ، فكان الحدث الأكبر اكتمال النصاب القانوني للمجلس بحضور 261 عضوا من أعضاء المجلس الوطني من أصل 384 ، توفي منهم ستة أعضاء ، ويقيم أربعة في جنوبي لبنان والضفة الغربية المحتلين.

ومن الجدير ذكره أن بقية الأعضاء لم يحضروا جلسات المؤتمر لمعارضتهم لقيادة ياسر عرفات ، أو لمعارضتهم لمكان انعقاد المؤتمر في عمان ، أو للضغوط التي تعرضوا لها بغية منعهم من المشاركة في اجتماع المجلس الوطني ، سواء أكانت هذه الضغوط من قبل نظام حافظ أسد أو من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي.

لقد تغيب كذلك عن المشاركة في المجلس : المنشقون عن فتح ومنظمة الصاعقة المحسوبة على النظام السوري ، والجبهة الشعبية بقيادة جورج حبش ، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين الموالية لموسكو قيادة نايف حواتمة ، غير أن منظمة فتح التي تشكل 80- 85% من المنظمة استطاعت أن تغطي هذا العجز في الغياب ، فاعتبرت فتح أنها نجحت في تفويت فرصة المماطلة في عقد المجلس بالنسبة للمنظمات المقاطعة.

أ- يجيء انعقاد هذه الدورة ، والمنظمة تعاني من الانشقاق بعد معارك البقاع وطرابلس التي خاضها الفلسطينيون ضد بعضهم البعض ، ولهذا قالت المصادر الفلسطينية : إن فتح ذهبت إلى المجلس الوطني من أجل الحفاظ على الوحدة الفلسطينية ، وبناء التحالفات في الساحة العربية ، ومع كل هذه الخلافات فإن خالد القاهوم الرئيس السابق للمجلس الوطني قال في مؤتمره الصحفي الذي عقده في دمشق بتاريخ 21- 11- 1984 : لن أوافق على قيام أكثر من منظمة تحرير واحدة موحدة ، أما بسام أبو شريف فقد قال : إن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لن تشارك في أي نشاط انشقاقي يستهدف عقد اجتماع مواز للمجلس الوطني الفلسطيني أو اختيار قيادة جديدة.

أما فلسطينيو الضفة الغربية فكان اهتمامهم الأكبر هو التخلص من الاحتلال الإسرائيلي ، فإذا كان انعقاد المجلس في عمان ودعمهم لعرفات سيحققان هدفهم ، فهم مع المؤتمر ومع عرفات.

لقد تعمد العدو الإسرائيلي منع عرفات من تحقيق النصاب المطلوب لتثبيت شرعية الثلثين ، لكن أعضاء المجلس في الضفة الذين كانوا سجناء الممانعة الصهيونية ، حيث أبلغتهم حكومة العدو أنهم إذا ما خرجوا لحضور اجتماعات المجلس الوطني ، فلن يسمح لهم بالعودة ، وبالرغم من تدخل جهات عديدة عربية وأجنبية ، ظل العدو على رأيه.

في بداية المؤتمر ألقى عرفات رئيس المنظمة والقائد العام للقوات الفلسطينية خطاباً أمام المؤتمر ، فاستهله بالقرآن الكريم ، وبمخاطبة الملك حسين والضيوف وأعضاء المجلس ، فأكد على عدة حقائق.

الحقيقة الأولى : هي الديمومة المستمرة لمنظمة التحرير بعد فشل التحالف الأمريكي الإسرائيلي وجميع القوى المعادية لشعبنا ، فانعقاد مجلسنا الوطني الذي هو قاعدة الشرعية للنضال الفلسطيني ، وإطار السلطة العليا ، لأكبر دليل ، وأسطع برهان على أنه ما من قوة في العالم تستطيع تدمير منظمتنا أو تجاوزها.

الحقيقة الثانية : التي يؤكدها انعقاد المجلس بعد كل الذي جابهناه من معوقات وضغوط استهدفت تعطيله ثم تأجيله في محاولة يائسة لشل المؤسسات الفلسطينية كلها ، أن شعب فلسطين متمسك بحرية إرادته النابعة من موقف وطني متجذر في أعماقه ، ومن إيمان لا يتزعزع بحق في صياغة قراره الوطني الفلسطيني المستقل على قاعدة الالتزام بقضايا أمتنا العربية ووحدة المصير.

الحقيقة الثالثة : هي الأصالة الديمقراطية في الساحة الفلسطينية ، وأن إيمان شعبنا وكوادرنا ومقاتلينا في الثورة الفلسطينية لم يتزعزع ، وها هو اجتماعنا اليوم ليؤكد هذه الحقيقة ، ويعلن بكل العزم والحزم ، بأن مجلس المنظمة ومؤسساتها الشرعية هي وحدها المؤهلة لحل كل خلاف ، والبت في أي قرار ، أو أي اجتهاد.

بعد هذه الحقائق الثلاث تبقى حقيقة رابعة نستلهمها من انعقاد دورتنا هذه في عمان ، ونقولها بصوت عال : وهي أن ما يربط بين شعبينا الأردني والفلسطيني من أواصر القربى والأخوة والعروبة ، وما يجمع بينهما من وحدة المصير والهدف أقوى من كل ما يمكن أن تفرضه ظروف عابرة أو طارئة.

وأرجو باسمكم أن أتقدم من الأردن -ملكاً وحكومة وشعبا- بالشكر والامتنان لاستضافتهم هذه الدورة ، كما أشكر الضيوف والأصدقاء الذين تكبدوا متاعب السفر ليكونوا معنا وحولنا.

إننا رغم الحرية المريرة التي خضناها في التصدي للاجتياح الصهيوني للبنان ، والتي استمرت 88 يوماً ، ووقف إطلاق النار في 10-6- 1982 ، لم نحاول التركيز على سلبية أي موقف عربي ، بقدر ما ركزنا على الإشادة بتلك الملحمة الأسطورية ، في مواجهة أكثر من ثماني فرق عسكرية بما يعادل 75% من الجيش الإسرائيلي ، بجانب قواته الجوية والبحرية ، وحسبنا التقرير الأمريكي الذي نشرته جريدة الواشطن بوست يوم 10- 10- 1984 الذي كشف عن جزء هام من الخسائر الإسرائيلية في هذه الحرب ، والذي اعترف بأن إسرائيل خسرت في حرب لبنان 4195 إصابة و612 آلية ، و23 طائرة و3400 قتيل ، بالرغم من الجراح التي أصابتنا حيث فقدنا أكثر من 72 ألف شهيد وجريح فلسطيني ولبناني.

ولا شك أن التحالف الأمريكي الإسرائيلي ، وقد هاله أن يجد الثورة مستمرة ، قرر استكمال حربه علينا بأسلوب مخابراتي ، استهدف ساحتنا الداخلية ووحدتنا الوطنية ، عرف ما أسموه التمرد داخل فتح تحت شعارات مزيفة ، ثم جاءت فيه المأساة الموجعة في الحصار المزدوج في مدينة طرابلس ، ومخيمي البداوي ونهر البارد ، حيث كانت إسرائيل تقصف من البحر ، وبعض العرب -قوات حافظ أسد- تقصف من البر ، يلتقون من حولنا في أول ظاهرة خطيرة من نوعها في مجرى الصراع العربي الإسرائيلي منذ بدأ هذا الصراع ، فكانت المحصلة أكثر من عشرة آلاف شهيد وجريح ، ورحيل ثان عبر البحر في غضون عام واحد من الزمن ، ثم بدأت حملة تشكيك وتشويه رهيبة ، رفعت شعارات مزيفة ، خدمة للمخطط التآمري الإسرائيلي الأمريكي وأعوانهم ، وإنها لمناسبة أن أحيي من هنا شعب لبنان ، وطلائعه الثورية الحقيقية التي تصدت لمشروع -كمب مورفي الجديد- إذ أشير إلى بندين منه :

ضمان عدم عودة مقاتلي منظمة التحرير إلى الجنوب اللبناني ، وضمان ما يسمى بأمن الحدود الشمالية لما يسمى إسرائيل من الفدائيين الفلسطينيين ، لنكشف حجم هذه المؤامرة وأبعادها.

نقول هذا بكل الوضوح ، لكي يفهم شارون ، ومن يفكرون على طريقته ، بأننا سنقف كلنا وقفة رجل واحد مع إخوتنا وأهلنا في الأردن لتحطيم أحلا شارون ، وللرد على تهديداته الخطيرة للأردن ، وأخيراً إذ تعلن هذا بكل الوضوح كي لا يتبادر لأي ذهن ، ولأي جهة كانت أية أوهام حول أي وطن بديل غير فلسطين. ثم ختم هذا المقطع من خطابه بالآية القرآنية الكريمة : ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.

ب- ثم تحدث عن مسئولية في قيادة منظمة التحرير ، مستشهدا بقول خليفة رسول الله سيدنا أبي بكر : لقد وليت عليكم ولست بخيركم ، فإن أحسنت فأعينوني ، وإن أسأت فقوموني ، واستشهد بقول سيدنا عمر الخليفة العادل : رحم الله امرءا قوم اعوجا عمر ، لذلك أعتبر بقائي في موقع المسئولية الأولى مع إخواني في اللجنة التنفيذية أو إبعادنا عن هذا الموقع هو من اختصاص هذا المجلس ، باعتباره الشرعية الفلسطينية ، وصاحب القرار الوطني الفلسطيني المستقل.

أيها الإخوة والأخوات : إنني إذ أدعوكم لممارسة حقكم وما انتخبتم من أجله ، أدعو لكم أن يوفقكم الله لما فيه خير شعبكم ، ونصرة قضيتكم ، ولما فيه خير أمتكم.

تحدث كذلك في الجلسة الافتتاحية الملك حسين حيث أكد حرصه على الهوية الوطنية الفلسطينية وعلى منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد لشعب فلسطين.

3- وبعد أن تحدث في هذه الدورة السابعة عشرة : عشرات من ممثلي الدول والمنظمات الرسمية والشعبية والحزبية ، مؤكدة جميعاً على الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني ، وأن المنظمة هي الممثل الشرعي الوحيد لشعب فلسطين ، وأنه ليس لأحد حق التدخل في شئونها الداخلية ، والمساس بمؤسساتها الشرعية ، ثم تحدث ممثل المعارضة السورية في إحدى جلسات المؤتمر الوطني لإنقاذ سورية.
أ- وقبل إيراد خطاب المعارضة السورية الذي ألقاه السيد جاسم علوان ، أشير إلى أن فصائل المعارضة السورية قد بلغت ستة عشر فصيلا ، شملت اليمين واليسار والعرب والأكراد ، والإسلاميين والأحزاب الليبرالية... الخ إذ عقدت هذه الفضائل مؤتمرا فيما بينها على هامش المؤتمر الوطني الفلسطيني قررت فيه توحيد جهودها ومواقفها ، وأن تكون كلمة أطياف المعارضة كلها موحدة ، يلقيها أحد قادتها باسمها جميعاً.

وقد وقع الاختيار على السيد جاسم علوان ذي الاتجاه الناصري ، فكان لكلمته صدى واسع في دمشق وجنوبي سورية ، حيث استمع السوريون بشغف واهتمام كبيرين لكلمة المعارضة السورية التي بثها ونقلها التلفزيون الأردني.

كانت كلمة المعارضة السورية التي تحدث باسمها السيد جاسم علوان رائعة -والتي اتفق عليها وتعاونت على صياغتها كل فصائل المعارضة- نالت استحسان أعضاء المؤتمر وإعجابهم ، فاستقبلوها بحماسة بالغة وشغف كبير ، ومما جاء فيها :

بسم الله الرحمن الرحيم : من سورية التاريخ والنضال والشهداء ، من سورية عز الدين القسام وسعيد العاص ، وكل المجاهدين الذين لبوا نداء فلسطين ، وعرفتهم ربي القدس والقسطل والجليل ، من فلسطين الحرة ، ويعلو قراره الوطني المستقل.

سيادة الأخ القائد ياسر عرفات :

السيد رئيس المجلس الوطني الفلسطيني

الإخوة والسادة أعضاء المجلس ، والضيوف المحترمين.

إن شعبنا العربي السوري لم يعرف منذ بداية الغزو الصهيوني لأرضنا : قضية وطنية أقدس من قضية فلسطين ، ولا قضية قومية أعز من قضية فلسطين.

إن جماهير شعبنا العربي السوري قد رأت في هذه الثورة الفلسطينية منذ أيامها الأولى ثورة على كل القيود والحدود التي حاول خصومنا أن يقيدوا بها شعبنا العربي ، ويسدوا في وجهه طريق الكفاح والتحرير والوحدة.

في هذا الطريق كانت ثورتكم المشعل ، تواجه الاحتلال الاستيطاني الصهيوني بكل جبروته ووحشيته ، وتواجه القوى الإمبريالية التي تقف وراءه ، وعلى رأسها الإمبريالية الأمريكية ، وكانت -ثورتكم- في الوقت نفسه -تتلقى بصدرها ومن وراء الظهر الكثير من طعنات التآمر والغدر.

وهنا يجز في نفوسنا أيها الإخوة ، وفي قلوب أبناء شعبنا العربي السوري أن يحتل النظام الحاكم في بلدنا المنكوب سورية موقع الصدارة بين هؤلاء المتآمرين الغادرين ، وينخرط في مجرى إستراتيجية العدوان والمخططات الصهيونية بحيث لا تختلف فعاله وكبائره قيد شعره عن أعمال العدو الصهيوني نفسه ، إلا بما يحاول تغليفها به من أردية وأكاذيب وباطنية ، فما من مؤامرة على فلسطين ، وعلى الثورة الفلسطينية إلا وكان النظام الحالي في سورية شريكاً رئيسيا فيها ، سواء من حيث الإعداد أو التنفيذ.

أضاف المتحدث باسم المعارضة السورية جاسم علوان : هناك في لبنان تجلي دور حافظ أسد ونظامه على حقيقته في مخطط التآمر ضد فلسطين الكيان والقضية والثورة ، بل ضد لبنان والأمة العربية كلها ، فبعد أن ثبت عجز العدو الصهيوني عن مواصلة زحفه لملاحقة المقاومة الفلسطينية وقيادتها ومقاتليها في البقاع والشمال ، وصولا إلى اقتحام مخيم نهر البارد ، ومخيم البداوي وحصار طرابلس ، ولم يكن ذلك مجرد تكرار واستكمال لما فعله العدو الصهيوني في الرشيدية وعين الحلوة وبيروت ، بل كان يتم بالمشاركة السافرة بين قوات حافظ أسد وقوات شارون ، فكان حصار طرابلس مزدوجا من النظام السوري الذي يقصف المخيمات والمنظمة من البر ، ومن العدو الصهيوني الذي يقصفها من الجو.

أيها الإخوة : إن هذا النظام الأسدي لم يكتف بحربه ضد منظمة التحرير الفلسطينية في البدوي والبارد وطرابلس في حصارها المزدوج ، بل واصل حملته التصفوية ، المادية والجسدية والسياسية ضد فلسطين قضية وثورة وثوارا ، ولعل أبرز ما في هذه الملاحقة ما تعرض له هذا المجلس الوطني بالذات ، إذ بذل حافظ أسد شخصيا كل ما يمكنه من جهد لمنع انعقاده عن طريق المنظمات المصادرة ، أو عن طريق الضغط والسمسرة والسعي لدى بعض الأنظمة العربية حتى لا تجدوا مكاناً تجتمعون فيه.

لم يكن لحافظ أسد أن يبلغ ما بلغه من تنفيذ هذا الدور لو لم يعمل في ظل تواطؤ ودعم وصمت على الصعيدين العربي والدولي من أجل ضرب شعب سورية العربية ، وتدمير قواه وشل إرادته ، وتمزيق وحدته الوطنية ، باعتبار أن هذا الشعب كان دائماً السد المنيع في وجه أي تآمر على قضايانا الوطنية والقومية ، وبالذات قضية فلسطين المقدسة.

لقد كمم حافظ أسد الأفواه ، وملأ السجون والمعتقلات بخيرة أبناء شعبنا ، فهناك ألوف المناضلين في سجون المزة وتدمير وأقبية التحقيق والتعذيب ، آلاف المناضلين من كل أبناء شعبنا وطوائفه وفئاته وقواه السياسية ، من الإخوان المسلمين والبعثيين والناصريين والشيوعيين ، من المسلمين والمسيحيين ، ومن الدروز والأكراد ، ومن العلويين أيضاً.

ختم السيد جاسم علوان كلمته قائلاً : جئنا لننقل لكم رسالة شعبنا الذي آلى على نفسه أن يجاهد بكل غال ونفيس من أجل إقامة نظام وطني ديمقراطي يحرر سورية ، ويعيد لها دورها التاريخي ، ووجهها العربي المشرق ، نظام يطلق الحريات الكاملة للشعب كله ، للمسلمين والمسيحيين ، لليسار واليمين ، لكل الأحزاب والمنظمات دون أي استثناء.

هذا هو الطريق الوحيد أيها الإخوة لتصحيح الوضع برمته ، فالوضع العربي الآن منكوب بسورية المنكوبة ، وستظل أوضاعنا العربية تتدهور من سييء إلى أسوأ ما لم تتعاف دمشق ، وتعود قلب العروبة النابض ، والقاعدة الأساسية للثورة الفلسطينية ، ولجبهة شمالية شرقية هي حجر الزاوية في بناء ذاتية عربية قادرة على كسر الخلل في ميزان القوى مع العدو الصهيوني.

أيها الإخوة: على هذا الطريق جئنا إلى مجلسكم الوطني الفلسطيني ، تمد يد شعب سورية إلى يد شعب فلسطين ، يد التضامن والتحالف والصدق ، لا يد التآمر والخيانة والغدر.

جئنا لنقول كلمة واحدة ، هي كلمة سورية ، كلمة سورية التاريخ والنضال والشهداء والمجاهدين ، كلمة سورية المعارضة بكل أحزابها وتياراتها ، كلمة التيار الإسلامي بإخوانه ومجاهديه ، كلمة سورية الشعب ، إنها كلمة العهد ، العهد يا فلسطين ، العهد يا شهداء فلسطين ، العهد يا ثورة فلسطين ، العهد يا منظمة التحرير ، العهد يا أبا عمار.

إننا ماضون في هذا النضال إلى أن نزيح الكابوس الطائفي الاستبدادي من على صدر الأمة ، أو ليست سورية صدر الأمة؟ ونسير معاً في الخندق الواحد ، وبالبندقية الواحدة ، وتحت الراية الواحدة ، إلى أن تتحرر فلسطين ، وتتطهر القدس ، وتتطهر فلسطين ، إنها لثورة حتى النصر.

ب- كذلك رفع الإخوان المسلمون في الأردن مذكرة إلى الرئيس وأعضاء المجلس الوطني الفلسطيني في دورته السابعة عشرة جاء فيها :

يا إخوتنا أبناء فلسطين الأعزاء

يا إخوتنا في بلاد العروبة والإسلام

يا حفدة أجيال الفتح والجهاد

يا خير أمة أخرجت للناس

أيها الإخوة أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته : إننا نغتنم انعقاد الدورة السابعة عشرة لمجلسكم الوطني لنقول كلمتنا ، ونتوجه بكل صدق وإخلاص إلى كل عضو من هذا المجلس الكريم بمكنونات صدور آلاف الشباب المسلم في فلسطين ، وفي هذا البلد ، وفي ارض العروبة والإسلام ، وهم يرقبون اجتماعكم على كلمة الفصل التي أنزلها الله من فوق سبع سماوات : ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليهود وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾.

إننا باسم هذه الجموع نذكر إخواننا بمجموعة من القضايا والحقائق التي ليست بخافية عليهم ، نقتطف منها ما يلي :

أولاً : لا يخفى عليكم ، أيها الإخوة ، أن الأطماع اليهودية تعتمد إستراتيجية ماكرة ، تقوم على فلسفة شعب الله المختار ، الذي يملك ، وغيره لا يملك ، والذي من حقه العيش على حساب دماء كل شعوب الأرض.
ثانيًا : أنتم أول المستهدفين بكل مخططات هذا المكر ، وبكل شراهة الأطماع اليهودية ، ثم من جاوركم من إخوانكم حيث يعلم اليهود أبناءهم أن شرقي الأردن جزء من الخريطة اليهودية ، في حين نجد كثيرًا من أصحاب القضية لا يسمحون بتعليم أبنائنا أن فلسطين المحتلة عام 1948 جزء من الأرض العربية والإسلامية ، ليس خافيا عليكم أن التآمر الدولي حليف استراتيجي لليهود.
ثالثًا : كما لا يخفى عليكم أن الإسلام هو العدو التاريخي والإستراتيجي لدولة العصابات اليهودية ، وأن القرآن الكريم كتاب الله تعالى هو الذي ثبت -أكد على- الجرائم اليهودية عبر آلاف السنين لتكون دروسا لنا وعبرا ، يقرأها المؤمنون ليلا ونهارا.
لقد حيل بين الإسلام وبين القضية بحجة إبعاد الدين عن حلبة الصراع ، كمعلم من معالم التقدم والثورة مرة أخرى.
رابعًا : وليس خافيا عليكم أن أمتنا مذ فقدت إستراتيجيتها الثابتة تحت وطأة النزوات الطائشة والأهداف الشخصية والارتباطات الدولية ، تعيش في ردود أفعال ، فهي تستدرج في مزالق السياسة الاستعمارية ، ويلوح لها الماكرون ببريق الآمال الخادعة ، ويعللونها بلعاعات الدنيا ، فهم يقدمون لها الحياة المادية عوضاً عن الكرامة ، والرق عوضاً عن الحرية ، والحكم الذاتي عوضاً عن فلسطين عمر والمظفر قظز وصلاح الدين.
خامسًا : وليس غائباً عن إخوانكم ما يتحمله الشعب الفلسطيني المجاهد من عنت الاحتلال ومرارة الحرمان ، وقسوة البعداء ، وتجهم الأقرباء.
سادسًا : وإنه لمن الحقائق المسلمة أن فلسطين ملك للأجيال ، قديمها وحديثها ، وملك للأبناء والأحفاد ، وليس من المروءة أن تتنازل عن حق أجدادنا ، ولا عن حق أحفادنا.

يا إخواننا أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني.

إن الله يشهد ، والملائكة يشهدون ، والناس يرقبون ، والتاريخ يفتح لكم مكان الصدارة فيه ، ولا تكون الصدارة إلا للثابتين على حقهم ، المجاهدين في سبيل قضيتهم ، المؤمنين بإستراتيجية لا تتزحزح عن شعار : لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود ، حتى يقول الشجر والحجر ، يا مسلم ، يا عبد الله : هذا يهودي ورائي فاقتله.
سابعًا : وإن الحل الذي ما وراءه حل ، هو تعبئة الأمة للجهاد والاستشهاد ، وقد أصبح معلوماً أن اليهودي لا يقف أمام أمة ترغب بالموت والشهادة.

وأخيراً... فإن الإخوان المسلمين الذين ربط الله قلوبهم بقلوبكم ، والذين تدفقت دماؤهم على ثرى فلسطين ، ليتمنون أن يتمخض مؤتمركم الكريم عما يلي :

- تأكيد حق الأمة في كامل التراب الفلسطيني ، وفيما اغتصبه اليهود من أرض الجولان ولبنان وسيناء.
- رفض كافة الحلول السلمية التصفوية.
- الدعوة إلى وحدة الصف الفلسطيني والعربي والإسلامي.
- المطالبة بصندوق إسلامي لدعم صمود الشعب الفلسطيني ، ويحسن كفاءة الصناديق القائمة.
- المطالبة بالتعبئة الجهادية على جميع المستويات التربوية والاجتماعية والسياسية والعسكرية.

سدد الله خطاكم لحمل راية الجهاد لتطهير أرض الإسراء والمعراج ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ، ﴿ فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾.

الإخوان المسلمون في الأردن

ج- وفي ذات الوقت رفع التحالف الوطني لإنقاذ سورية -والإخوان إحدى ركائزه الأساسية- مذكرة إلى المجلس الوطني الفلسطيني في هذه الدورة السابعة عشرة جاء فيها :

إن التحالف الوطني لإنقاذ سورية يتوجه بتحياته إليكم مشفوعة بتمنياته لكم بالنجاح ، وإذا كان اضطراركم لإخلاء بيروت قد أدمى القلب ، فإن ما وقع عليكم في طرابلس ، واضطراركم لإخلائها كان أشد ألما وأعمق جرحا ، ومع أنكم خرجتم من طرابلس أيها الصناديد ، فإنكم لم تغادروها ، فلقد بقيتم شعلة فداء ووقفة عز في قلب كل عربي في طرابلس وفي غيرها.

أيها الإخوة : للمرة الثانية نتحدث إليكم في مؤتمركم من خلال رسالتنا ، بعد أن تحدثنا إليكم في مؤتمركم السابق ، وإن ما تضمنته رسالتنا السابقة أكدته الأحداث التي تلت بين المؤتمرين.

إن الشروط الموضوعية التي صنعها تاريخ شعبنا في سورية وأرضها التي اختارها الله لها ، هي التي قالت ، وستظل تقول : إنه ما من طريق قادر على الوصول بكم إلى فلسطين إلا طريق دمشق ، وإن حافظ أسد هو الذي سد عليكم طريق دمشق منذ سلم هضبة الجولان وجبهته المنيعة عام 1967 دون قتال ، وهو الذي يعمل من خلال مخطط لرفع : لثورة الفلسطينية من مأزق لمأزق حتى يوردها حتفها.

إن حافظ أسد ، لغم تاريخي في جسد أمتنا العربية ، يعمل على الفتك بها لمصلحة عدوها ، وإن كل ما اقترفه من مجازر في سورية ، وما أثاره في لبنان من فتن وبين طوائفه ، يؤكد هذه الحقيقة التي تهدف إلى سجن كل قوة عربية في هذه المنطقة لصالح العدو الصهيوني ، وتمكينا له في توسعه ، وتوفيرا لأمنه ، ولسنا بحاجة للقول ، ولا أنتم بحاجة للسماع بعد الذي واجهتموه في طرابلس من حافظ أسد الذي ينقذ ما يسمى خنجر إسرائيل خطوة خطوة.

أيها الإخوة : لقد ثبت لديكم أن الثورة الفلسطينية عندما لا تستطيع الدخول من دمشق ، فإنها تخرج من طرابلس ، وإن الشعب السوري هو حبل الأمان بالنسبة لكم ، وهو العروة الوثقى التي أمر الله أن نتمسك بها ، وإن الجدي اليوم أيها الإخوة هو التنفيذ -لأن التخطيط قديم ومكشوف- فحافظ أسد يطارد اليوم الثورة الفلسطينية خارج حدود سورية ولبنان ، وهو ساع وراء تمزيقها لتذهب ريحها ، أو لم يطاردكم حتى في الجزائر؟

والمرض ينخر جسده كما ينخر الحقد قلبه ، وإن حمى شديدة تشب في قلبه ليحبط انعقاد مؤتمركم هذا ، لقد هدد كل فلسطيني مقيم في سورية من حضور المؤتمر ، وإلا فلن يستطيع العودة إليها!! إنه يعمل على تفريغ المنطقة المحيطة بالعدو من الثورة الفلسطينية ، ليمنح العدو درع أمان وحزام أمان ، ومع أن عداوته الشخصية لأبي عمار رئيس المنظمة لا يصعب تفسيرها ، فإن أبا عمار بصموده الرائع مع أبطال المقاومة في بيروت تسعين يوماً على مشهد من حافظ أسد وقوى الصمود غير الصامدة ، قد كشف خيانته ، وخلع عليه لباس الزيف والذل والمهانة ، ومع ذلك فإنه يجعل من خلافه مع أبي عمار ، وطلبه التخلص منه ذريعة لقطع رأس الثورة الفلسطينية والقضاء عليها.

أيها الإخوة : إن حافظ أسد طرف أساسي في الحرب العراقية الإيرانية ، وهو يعلن ذلك ويفاخر به ، فما الذي يخشاه السادة الملوك والرؤساء من حافظ أسد أكثر من ذلك؟ إنه يقتل الثورة الفلسطينية ويطاردها ، ويحدث المذابح للشعب السوري ، ويشعل الفتن في لبنان ، ويعتدي على الشعب العراقي ، ويرد التحية للجيش العراقي الذي هب لنجدة سورية عام 1973 ، وساهم في إنقاذ دمشق من السقوط بيد العدو ، يرد له ذلك بأن يقاتله متحالفا مع خميني ، ومع الصهاينة.

أيها الإخوة أعضاء المؤتمر الوطني في دورته السابعة عشرة :

إن الثورة الفلسطينية من أكبر ثورات التحرير في هذا العصر ، بل هي أكبرها بعد أن أوشك أن يبلغ عمرها سبعين عاماً منذ وعد بلفور ، وإنها قادرة بعون الله على أن تتغلب على أعدائها من الخارج مهما بلغ جبروتهم إذا استطاعت أن تحافظ على صفاتها ووحدتها ، وإن التحالف الوطني لإنقاذ سورية -المعارضة السورية بكل أطيافها- منطلقاً من كون شعبنا في سورية شريكاً في معركة المصير في فلسطين ، وليس مجرد حليف ، يعلن عن تأييده لمنظمة التحرير الفلسطينية وقيادتها الشرعية ، وحرصه على وحدتها ، واستقلالية قرارها ، ويدين كل محاولة لإخضاعها والتسلط عليها من أي جهة كانت.
إننا واثقون بأن المنهج الديمقراطي القائم على الحوار هو الضمان الحقيقي لحل ما يطرأ من خلافات في أثناء الممارسة والتطبيق ، وإن كل موقف أو تصرف يهدف إلى تعطيل دور المؤسسات الديمقراطية سينتهي إلى أن يكون موقفا معاديا للثورة الفلسطينية نفسها ، وهو يفضي بالتالي إلى أن يكون عدوانا على الشعب الفلسطيني الذي تمثله منظمة التحرير الفلسطينية.
إن التحالف الوطني لإنقاذ سورية يحييكم ثانية ، ويعاهدكم باسم شعبنا في سورية على الثأر لكل دم فلسطيني وسوري ولبناني سفكه حافظ أسد.
عاشت الثورة الفلسطينية ملتحمة مع الشعب السوري المجاهد ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأمانة العامة للتحالف الوطني لإنقاذ سورية

20- 11- 1984م

د- اتخذ المجلس الفلسطيني عدداً من القرارات كان منها :
- انتخاب الشيخ عبد الحميد السائح رئيسا للمجلس خلفا لخالد الفاهوم ، فنال 188 صوتاً ومعارضة 4 أصوات وامتناع 11 عن التصويت ، واعتبار 6 أصوات لاغية.
- أعاد المجلس انتخاب ياسر عرفات رئيسا للجنة التنفيذية.

- انتخاب المجلس لجنة تنفيذية جديدة تشكلت من : فاروق القدومي ، ومحمود عباس ، وعبد الرحيم أحمد ، وجمال الصوراني ، والمطران إيليا الخوري ، وجاويد الغصين ، وفهد القواسمة ، وعبد الرزاق اليحي ، ومحمد عباس -أبو العباس- ومحمد ملحم.

وكانت أهم القرارات التي صدرت عن الدورة السابعة عشرة هي :

- الحرص على ضرورة متابعة الجهد لتحقيق وحدة وطنية فلسطينية مستقلة الإرادة والقرار داخل وخارج الأرض المحتلة -فلسطين- إضافة إلى التنظيمات الشعبية المسلحة ، بجانب الشخصيات الوطنية الفاعلة.
- إن المجلس إذ يعتبر أن حق تقرير المصير والعودة وإقامة الدولة الفلسطينية هي المدخل والأساس لأي تحرك سياسي عادل لقضيتنا ، فإنه يؤكد قراراته في دورته السابقة حول موقفه من القرار 242 الذي لا يتعامل مع قضيتنا كقضية شعب وحقوق ، وإنما كقضية لاجئين ، ويتنكر من ثم لحقوقنا الوطنية.

كما أكد المجلس رفضه لجميع المشاريع التي لا تتضمن هذه الحقوق.

- إن المجلس الوطني ، مستلهما تاريخ شعبنا في علاقاته العربية ، وإيمانا بقومية قضيته ، اتخذ جملة قرارات تنطلق من هذا كله ، وتستهدف بناء واقع عربي قادر على مواجهة تحديات هذا التحالف في هذه المرحلة.

فبالنسبة للأردن قرر المجلس مواصلة السعي لتطوير العلاقات معه بهدف تنسيق الجهد المشترك من أجل تحقيق أهدافنا الواحدة بتحرير الأرض والإنسان الفلسطيني ، استنادا إلى قناعاتنا الثابتة بالمصير الواحد.

وبالنسبة لسورية التي نقدر تاريخها النضالي وأهميتها الجغرافية والسياسية والعسكرية ، فقد أوصى المجلس بتجاوز ما أصاب العلاقات الفلسطينية السورية من توتر وتخريب ، والتسامي على الجراح والآلام ومشاعر المرارة بهدف تصحيح العلاقة على أسس واضحة وصريحة تضمن حرية الإرادة والقرار الوطني ، والتعامل المتكافئ في إطار الالتزام القومي ، بعيداً عن التدخل في الشئون الداخلية لأي من الفريقين من أجل حشد كل الطاقات في مواجهة التحالف الأمريكي الإسرائيلي ومخططاته ، كما أوضح المجلس تقديره لمكانة مصر ودورها ، والثوابت في العلاقات العربية المصرية ، وطلب المجلس من اللجنة التنفيذية للعمل على تعزيز العلاقات بين الشعبين المصري والفلسطيني.

وقد أشاد المجلس بالجهود التي تقوم بها اللجنة التنفيذية والسيد ياسر عرفات لوقف الحرب العراقية الإيرانية ، ووقف نزف الدم بين الشعبين الجارين المسلمين ، كما أكد المجلس على توثيق العلاقات بين الدول العربية الشقيقة وتطويرها وفق قرارات الدورة السادسة عشرة.

وأكد المجلس على دعم نضال الشعب الفلسطيني من أجل تحرير أرضه وشعبه ، ثم وقف المجلس تحية إجلال الشعب الفلسطيني من أجل تحرير أرضه وشعبه ، ثم وقف المجلس تحية إجلال للشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة ، لصموده الرائع في مواجهة الاحتلال الصهيوني وممارساته العنصرية والإرهابية ، دفاعا عن حريته وأرضه ومقدساته ، ولا سيما بيت المقدس ، وما يتعرض له المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي ، ومقدساتنا الإسلامية والمسيحية لدنس الاحتلال وأخطار التهويد.

وسمى المجلس هذه الدورة السابعة عشرة بدورة الشهداء ، كما حيا المجلس الأسري في الأرض المحتلة ، وفي جنوبي لبنان ، وأكد المجلس جميع القرارات التي تحكم علاقات الصداقة بين منظمة التحرير والدول الاشتراكية ، ودول منظمة المؤتمر الإسلامي ، وكتلة عدم الانحياز ، والصين الشعبية ، ومنظمة الوحدة الإفريقية ، ودول أمريكا اللاتينية ، وسائر الدول والقوى والحركات التي تناضل في سبيل الحرية والاستقلال والعدل والسلام المناهضة للإمبريالية والاستعمار والتمييز العنصري.

وأخيراً... عبر المجلس في اختتام أعماله عن شكره وتقديره للأردن الشقيق ملكاً وحكومة وشعبا على استضافته للدورة السابعة عشرة ، وإلى الجزائر واليمن الديمقراطي واليمن الشمالي ، وإلى الملك فهد وقادة مجلس التعاون الخليجي ، وإلى تونس لاستضافتها قيادة منظمة التحرير ، وإلى العراق الشقيق الذي قدم الدعوة لاستضافة مجلسنا الوطني في بغداد ، والذي لا يزال نصيرا لشعبنا ، وشريكا في نضاله ، وإلى السودان ، وإلى الملك الحسن الثاني رئيس لجنة القدس ، وإلى جميع القادة العرب الذين وقفوا إلى جانبنا ومعنا في مسيرتنا النضالية لتحرير وطننا.

- إن إيماننا لكبير بأن النصر آت لا ريب فيه ، وأن أهدافنا الوطنية ستتحقق بإذن الله ومشيئته.

المجد والخلود لشهدائنا الأبرار ، وإنها لثورة حتى النصر.

هـ- كتب جهاز الإعلام للإخوان المسلمين بإشراف وجهود الأخ الأستاذ عبد الله الطنطاوي تقريراً حول هذه الدورة السابعة عشرة ضمنه لقطات ذات مغزى كان منها :
- وجه المجلس نداء باسم القدس والمسجد الأقصى إلى إيران يناشدها فيه إيقاف الحرب ، وتوجيه الجهود والقدرات الإسلامية لتحرير الأرض والمقدسات.
- قال تيسير خالد عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية المقيم في عمان ، ولم يحضر جلسات المجلس بالرغم من أنه عضو فيه :

تعتبر الدورة الشرعية ، وإن الذين يشككون في شرعية الدورة يرتكبون خطأ سياسياً كبيراً ، لأن هذا يعني زوال المنظمة.

- شارك اثنان من المستقلين في أعمال المجلس.
- أبلغت الجبهة الديمقراطية التي قاطعت المجلس رسميا : أنه إذا كانت هناك أزمة تواجه اكتمال النصاب ، فإن عدداً من أعضائها مستعدون للالتحاق بالجلسة ، فشكرهم عرفات على هذه المبادرة ، وأبلغهم بأنه لا حاجة إلى تنفيذها ، وكان ثمانية من أعضاء الجبهة قد قاطعوا جلسات المجلس وهم أعضاء فيه.
- قام الإعلام الأردني بدور كبير بنقل الجلسات المفتوحة ، كما نشرت الصحف الأردنية مع محاضر الجلسات ، المقابلات مع أعضاء المجلس والقيادة الفلسطينية ، ودخلت في سجال ضد الحملة على انعقاد المجلس.
- باب من المرجح نقل رئاسة المجلس الوطني من دمشق إلى عمان ، بعد انتخاب الشيخ عبد الحميد السائح رئيسا له ، ويقضي العرف بأن يكون المقر في مكان إقامة رئيسه.
- قال الرائد عبد السلام جلود الرجل الثاني في النظام الليبي : إن اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني هو اجتماع للإخوان المسلمين.
- لوحظ أن الملك حسين لم يذكر إسرائيل بالاسم إطلاقاً ، وإنما كان يشير إليها بصفة عدو ، ولم يذكر اسم سورية في تعرضه لمحاولات احتواء منظمة التحرير ، وأنه أكد عدة مرات عدم وجود حلول أو مبادرات جديدة مطروحة لحل أزمة الشرق الأوسط.
- صرح عرفات بأن حاكما عربياً -القذافي- وضع قاذفة قنابل في حالة الاستعداد في شرقي لبنان منذ عدة أيام في مهبط رياق -شرقي لبنان- وهي منطقة تسيطر عليها سورية -لقصف القاعة التي يجتمع فيها القادة الفلسطينيون في عمان ، وأن الطائرة ، أعدت للقيام بهذه الجريمة النكراء!!!

رفضت سورية بشدة القرارات التي أصدرها المجلس الوطني ، ووصفتها بأنها باطلة وغير شرعية.

مثل المغرب أحمد بن سودة مستشار الملك الحسن الثاني فقال : نحن الرجعيين العرب نقدس القضية الفلسطينية ( وقد سبق لنا أن تعرفنا على أحمد بن سودة في الرباط ، وهو الذي يوصف بأنه من رجال المهمات الصعبة ).

والله أكبر ولله الحمد
جهاز الإعلام
المكتب السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في سورية
و- عندما أذيع اغتيال السيد فهد القواسمة في عمان بعد ضمه للجنة التنفيذية بساعات في هذه الدورة السابعة عشرة على أيدي عملاء النظام الطائفي في دمشق ، تداعى أعضاء الأمانة العامة للتحالف الوطني لإنقاذ سورية إلى جلسة طارئة بتاريخ 30-12- 1984 لبحث موضوع الاغتيال وقرروا ما يلي :
- ذهاب وفد من الأمانة العامة مشكل من : أبو عامر وأمين الحافظ ، لتعزية المنظمة بالفقيد ، وكانت التعزية للسيد عزام الأحمد مدير مكتب منظمة التحرير في بغداد.
- إرسال برقية تعزية باسم التحالف إلى مقر المنظمة في تونس ، وإرسال صورة عنها إلى مقر المنظمة في عمان.
- أن يشارك وفد من التحالف بتشيع الجنازة في عمان ، فتشكل وفد من الأخ أبي عامر ، ومن السيد عبد الله قوجه من مكتب الأمانة العامة الذي يقود التحالف.
- سافر الوفد مساء الأحد 30- 12- 1984 ، وانضم إليه الشيخ أبو النصر البيانوني أمين عام الجبهة الإسلامية في اليوم التالي لوصوله.
- في صباح الاثنين في 31- 12- 1984 شارك الوفد بتشييع الفقيد إلى مثواه الأخير في إحدى مقابر عمان ، وقدم وفد التحالف إكليلا من الزهر حمل اسم : التحالف الوطني لإنقاذ سورية ، كما زار الوفد مقر المنظمة في عمان منذ الصباح الباكر ، ثم انتقل إلى مسجد الجامعة لأداء الصلاة على الفقيد ، وشاركت سيارتان باسم التحالف في موكب حافل للجنازة.
- ألقى أبو عامر رئيس وفد التحالف كلمة في الجماهير المحتشدة ساعة الدفن ( بعد كلمة السيد عرفات ) كانت قوية وجريئة ومؤثرة أثارت انتباه وأشجان المشيعين ، فبادر عدد منهم إلى أبي عامر معربين عن امتنانهم ، وقد نقلت الصحافة الأردنية نبأ مشاركة وفد التحالف ، وأشارت إلى كلمة رئيس الوفد.
في الساعة الخامسة من مساء هذا اليوم زار وفد التحالف سفر المنظمة مرة أخرى لتقديم العزاء إلى قيادة المنظمة ، ممثلة برئيس اللجنة التنفيذية السيد ياسر عرفات ورئيس المجلس الوطني الشيخ عبد الحميد السائح ، وعدد من أعضاء اللجنة التنفيذية للمنظمة.
- في منتصف الليل تم لقاء مغلق مع السيد ياسر عرفات في القصر الذي نزل فيه ضيفا على الحكومة الأردنية ، واستمر اللقاء حتى الثانية بعد منتصف الليل ، وكان التعاطف القوي متبادلا ، ووجهات النظر متطابقة ، والتقويم لنظام أسد ولطبيعة المرحلة الخطيرة التي تمر بها أمتنا والقضية الفلسطينية واحداً.
- في اليوم التالي الثلاثاء الموافق 1-1- 1985 قام الوفد بزيارة آل الفقيد في منزلهم ، وقدم لهم التعازي باسم التحالف الوطني السوري المعارض ، كما قدم بعض الواجبات التي تلاحظ في مثل هذه المناسبة -كيس رز وكيس سكر وكيس قهوة- فكان لمشاركة وفد التحالف أبلغ الأثر في نفوس آل الفقيد ، وقد أعربوا عن امتنانهم قائلين : لقد تركت مشاركتكم في العزاء أثراً كبيراً في نفوسنا لم تتركه مشاركة أي وفد آخر.
- تمت لقاءات عديدة مع بعض التيارات السياسية ذات الولاء لبعث العراق ، وقلبنا معها وجهات النظر في كثير من قضايا الساعة ، وفي مقدمة ذلك : العلاقة الوشيجة بين العروبة والإسلام ، والموقف من نظام حافظ أسد وانحرافاته.
- دعانا السيد عبد الرحمن الأحمد -عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير- إلى حفل عشاء في فندق القدس ، فكان عشاء عمل استمر ثلاث ساعات كشف فيه المضيف عن الكثير من جرائم حافظ أسد.
- كما دعانا الأستاذ الكاتب الصيدلاني أمين شقر ، وهو البعثي المخضرم إلى منزله يوم السبت الموافق 5- 1- 1985 ، فكانت حوارات وتقليب وجهات نظر حول العديد من القضايا الراهنة ، وسلمنا مقالا كان قد نشره في مجلة الدستور الأسبوعية التي تصدر في لندن عن العروبة والإسلام ، وهو مقال جيد ، وقد استمر اللقاء في منزله زهاء ساعتين.
لقد طلبوا منا تزويدهم بما لدينا من منشورات ليوزعوها في أوساطهم ، فلبينا طلبهم فوراً ، وقدمنا لهم صندوقا مليئا بمنشوراتنا مثل : حماة مأساة العصر ، ومجزرة حماة ، وتدمر المجزرة المستمرة ، وقانون العار رقم 49 لعام 1980 ، وبيان الثورة الإسلامية ومنهاجها ، وبيان الإخوان حول الحرب العراقية الإيرانية ، وميثاق التحالف الوطني ، وميثاق الجبهة الإسلامية ، ونشرة النذير ، وتقرير منظمة العفو الدولية ، ثم أرسلنا لهم بناء على طلبهم دفعة أخرى من نشراتنا إلى عمان من بغداد.
- زرنا الأستاذ هاني الحسين -المستشار السياسي لعرفات- بناء على ترتيب تم الاتفاق عليه مع رئيس المنظمة في منزله مساء الأحد الموافق 6- 1- 1985 استمر ساعتين ونصف الساعة ، فكان الحديث ممتعا وشيقا ، وكنا مرتبطين بموعد ، فعرض الأخ أبو عامر على السيد هاني الحسن مشاركتنا في طعام غداء في اليوم التالي في منزل الأخ محمد السيد -أبو زياد- فلبى الدعوة على الفور ، وكأنه واحد منا ، ومما قاله على طعام الغداء : إنه كان منظماً في الجماعة ، بل كان بالتنظيم الخاص للإخوان المسلمين في دمشق عام 1954 وما أعقبه ، وقد درب مع مجموعة من الإخوان للقيام بأعمال جهادية ، ثم ذكر البيعة وشروطها ، ورسائل الإمام الشهيد حسن البنا ، وسواها من الذكريات التي يحن لها عندما كان عضوا في الجماعة.

ومن ذكريات المستشار هاني الحسن قوله : حين ذهبنا إلى فيتنام ، قال لنا الزعيم الفيتنامي الجنرال جياب : إن لديكم -يقصد العرب والمسلمين- تاريخا عظيماً تستطيعون به إثارة حماس شعبكم ، أما تاريخنا في فيتنام ، فإنه لا يمتد أكثر من مئتي عام.

وقال : بعد القيام بعدة دورات في ألمانيا الشرقية وفيتنام على حرب العصابات وسواها ، اكتشفت أن كثيرًا من التوجهات والمبادئ الثورية وفلسفتها موجودة في كتاب الله تعالى ، وفي السيرة النبوية المطهرة ، وضرب على ذلك مثلاً حرب العصابات التي هي حرب القلة ضد الكثرة ، وانتصار الفئة القليلة على الفئة الكثيرة ، وهذا ما ذكره القرآن الكريم : ﴿ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.

وقال : حين كانت النية عقد المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر ، كانت فتح تتمنى أن لا توافق الجزائر على عقده على أراضيها ، ولكنها كانت محرجة ، ولا يمكنها أن تطلب هذا من الجزائر ، وعندما قال رئيس عربي للأستاذ هاني الحسن : إن الجزائر محرجة ، وتعتذر عن انعقاد المؤتمر في أراضيها ، كانت الفرصة المنتظرة قد حانت ، فطار هاني إلى الجزائر ، وانطلق يبرر للجزائر حرجها ، متقبلا عذرها مع شكره لها ، ثم عاد فرحا هو وزملاؤه ، لأن انعقاد المجلس في الجزائر سيجعل حضور عملاء النظام السوري الأسدي ممكنا ، وهم يودون التخلص من صائر العملاء ، وهكذا عقد في عمان.

وقال الحسن : كان كثير من الدول تصدق مزاعم نظام أسد من أن النصاب القانوني لشرعية المجلس لن يكتمل.

فالملك فهد أخبر المنظمة بأن النصاب لن يكتمل ، فأجبناه : نحن نتحمل المسئولية.

وقال ريغان لطارق عزيز : إن النصاب لن يكتمل ، فأجابه طارق عزيز : نحن نعرف الفلسطينيين أكثر منكم.

وتحدث هاني الحسن عن إيران حديث القريب العارف ، لأنه كان إلى جانب الخميني ، وكان الخميني يستشيره في كثير من القضايا القانونية والدستورية والأمنية ، ثم قال السيد هاني : لدى إيران ثوابت مذهبية شيعية تحد من حركتها السياسية ، ولا تنتهي بها إلى قرار صحيح ، فمثلاً لا يستطيع ولا يعقل أن يأمر الخميني بوقف إطلاق النار ، ويتراجع عن إسقاط صدام حسين ، لأنه إمام معصوم ، وتراجعه عن قراره بوجوب إسقاط صدام والنظام العراقي ، يعني عدم العصمة ، أي يعني سقوط الخميني.

وقال الحسن أخيراً : لم أشعر بسنيتي -أي انتمائي لأهل السنة والجماعة- قبل التقائي بالخميني وزمرته المتعصبين جداً ضد أهل السنة ، لأن تربيتي الإخوانية لم تترك في نفسي أي أثر للتعصب الطائفي أو المذهبي ، وضرب ذلك مثلاً يتعاطف الإخوان مع آية الله الكاشاني ومع مصدق ، ومع نواب صفوي في زيارته لدمشق والقاهرة.

ز- بعد أن أثمرت المساعي الحميدة التي قمت بفضل الله ببذلها للمصالحة بين منظمة التحرير الفلسطينية والقيادة العراقية ، فحل التفاهم والتعاون محل العداء والخصومة ، وأضحى الفريقان حليفين حميمين ، وبعد أن زالت الأسباب التي أدت إلى سوء التفاهم بين القيادة العراقية وحماس لأسباب مر ذكرها وشرحها ، وصارت الزيارات إلى بغداد من قيادة حماس متكررة ومألوفة ، وبعد أن افتتحت حماس مكتبا لها في بغداد ، والتحق عدد من قادتها وكوادرها بالدراسات العليا ، بعد هذين النجاحين بإحكام الصلة بين العراق والمنظمة من جهة ، وبين العراق وحماس من جهة أخرى ، كان من الضروري أو من الواجب إقامة صلة أخوية بين المنظمة وحماس ، أو بين قيادتي فتح وحماس تفضي إلى التنسيق والتعاون وتوحيد المواقف بين الطرفين في كفاحهما ضد العدو الصهيوني المغتصب لفلسطين ، والمحتل لأرضها ومقدساتها.

لم يكن هذا الأمر سهلاً ولا ميسورا ، لأن حركة حماس التي استيقظت تأييد قطاع عريض في الوطن العربي والعالم الإسلامي ، أضحت في نظر فتح كجهة منافسة تشكل خطراً على مستقبلها ، فتشن عليها حملات إعلامية مليئة بالتهجمات والاتهامات ، لترد عليها حماس بالمثل.

لم يكن أمر التقريب بينهما سهلاً أو ميسرا ، لا سيما أن أيديا خارجية آثمة من إسرائيل وأمريكا وأوربا وبعض العرب تغذي هذا العداء ، وتذكي أواره ، بيد أن هذه الصعوبات والتعقيدات لم تدفع بنا إلى اليأس ، بل زادتنا إصرارا على وجوب المصالحة بين أبناء الشعب الواحد والقضية الواحدة.

- إن من يعرف عرفات ، ويتعامل معه -كالذي صادفناه- يدرك أن لدى الرجل مرونة عجيبة ، وأنه لا يغلق الباب أمام أحد ، وفي وجه أي جهة ، مما بلغت درجة العداء بينه وبينها ، وهو يعترف بذلك ، ويفاخر به ، ويضرب على ذلك مثلاً بأنه حضر موسم الحج ، وباشر في منى برمي الجمرات ورجم الشيطان ، قذف خمس جمرات واحتفظ باثنتين ، فسئل عن سبب ذلك ، فكانت الإجابة : حتى تحتفظ بخط الرجعة ، ولا يقطع الطريق على الحوار مع الشيطان ، كنت أسمع منه ذلك وهو يضحك بأسلوبه الساخر ووداعته المألوفة.
- أما رجال حماس ، فلديهم هذه المرونة والاستعداد للمصالحة والحوارات مع الآخرين ، ولا سيما أبو عمار ، لذلك لم أتوقف قط عن الحديث مع الفريقين في وجوب المصالحة والحوار ، بالإضافة إلى ما تتمتع به قيادة حماس من ضوابط إيمانية وأخلاقية وجهادية ، فكانت الاستجابة منهم مضمونة وجاهزة ، غلا أن الأمر كان عسيرا ، لأن النفوس معكرة والقلوب مكدرة ، ولذا احتاج الأمر إلى جهود متواصلة كلما سنحت فرصة أو جاءت مناسبة ، فاستغرق هذا الأمر وقتاً طويلاً دونما يأس أو قنوط. ودخل عقد التسعينيات ونحن على هذه الحالة نراوح في مكاننا ، حتى هدأت الخواطر ، وجدت أحداث جعلت القلوب تقر ، والآمال تكبر في تقريب وجهات النظر بين فتح وحماس.
- وذات يوم كنا على طعام غداء في الخرطوم حضرة نصر يوسف الذي استلم وزارة الداخلية في حكومة فتح فيما بعد ، فقال : لماذا لا تبذلون مساعيكم في تقريب المواقف بين حماس وفتح ، كيلا تحدث تصادمات تؤدي إلى ما لا يحمد عقباه؟

عدت إلى عمان ، وعرضت الأمر على الدكتور إسحاق الفرحان ، ومن بعده على يوسف العظم رحمه الله ، فلم ألق تجاوبا لسلبية النظرة إلى أبي عمار ، فباشرت الأمر بجهودي المتواضعة ، فعقدنا جلسة في منزل نصر يوسف بحي أم أذينة حضره عن حماس الأخ محمد نزال ، وجرى حوار انتهى إلى كتابة وثيقة ، قمت بتحرير مضمونها بمعاونة الطرفين ، خلاصتها أن كل فريق حر بآرائه ومواقفه وما يتخذ من قرارات ، وثمة خط أحمر لا يجوز تجاوزه من أي من الفريقين في القتل أو التخوين.

وقع السيدان نصر يوسف ومحمد نزال على هذه الوثيقة التي اطلع عليها أبو عمار فيما بعد بزمن غير بعيد ، وأعجب بها قائلاً :

- سوف أضم لكم مندوب السيد عرفات في الرياض السيد أو كرش.
-فكانت خطوة مهمة وحاسمة على طريق التقارب بين فتح وحماس.
- ذات يوم قال لي د. موسى أبو مرزوق : لعلك تتحرك ببذل المساعي بين فتح وحماس ، فقلت له :
- أفصح عما تقصد وتريد.

فأجاب على الفور : عقد اجتماع بيننا وبين السيد ياسر عرفات ، وكان الأخير ضيفا على المملكة الأردنية الهاشمية في قصر الهاشمية ، فسرعان ما استجاب لذلك ، واتفقنا على ساعة محددة يتم اللقاء فيها بمنزل الفقير إلى عفو ربه.

وكم كانت خيبة الأمل في نفسي أمر من الحنظل ، عندما حضر أبو عمار ، وتخلف موسى عن الحضور مكتفيا بإرسال مندوب عنه بدعوى أن قيادته لم توافق ، يا للعجب ، أما كان الأولى به أن يحصل على موافقة المكتب السياسي لحماس قبل أن يطلب مني الاتصال والتمهيد لعقد اللقاء والحوار؟!! الأمر الذي أدمى قلبي ، وحملني على اللجوء إلى الله ، والشكوى إليه سبحانه على مثل هذا السلوك ، وقد سمع مني أعضاء مكتب حماس عبارات الشكوى إلى الله على هذا الموقف الحرج الذي وضعونا فيه دون مسوغ!!

إن السياسية ، كما تتطلب الذكاء والدهاء وبعد النظر والكتمان في بعض الأمور ، فإنها تتطلب النقاء والصفاء والصدق والاستقامة والإخلاص.

- تركت هذه الحادثة في نفسي غصة عجزت عن ابتلاعها ، وشعر أعضاء المكتب السياسي لحماس بذلك كلما التقيتهم والتقوني ، ثم تجددت المحاولة مرة أخرى. ودخلت في هذه المساعي عناصر محسوبة على فتح كان السيد صالح القلاب في مقدمتهم ، وعملوا على تصفية الأجواء ، والاتفاق على عقد لقاء قريب ، وكان ذلك في منتصف التسعينيات ، وجرى التباحث عن مكان عقد الجلسة ، فقال قادة حماس : في منزل أبي عامر ، تعويضا عن الخطأ الذي ارتكبوه ، والخلل الذي أحدثوه ، فقال السيد صالح القلاب :

- ومن هو أبو عامر؟

فقالت قيادة حماس : أبو عمار يعرفه ، فاذكر ذلك له.

فلم يلبث أبو عمار أن استجاب على الفور ، وتم الاتفاق على اليوم الذي تلا الحديث على عقد اللقاء.

- حضر أبو عمار في اليوم التالي بحراسة مشددة من الحرس الملكي ومن حرس فتح ، ووقف شباب الإخوان على رأس الشارع ليقوموا بالدلالة على مكان المنزل ، ولم تلبث قيادة حماس التي تعرف البيت أن حضرت ، والتأم الجمع بين أبي عمار ومعه الكنفاني والقلاب وعدد آخر من قيادة فتح ، وبين قيادة حماس : خالد مشعل ، ومحمد نزال ، وآخرين.

- كان المنزل خاليا من أفراد العائلة ، فامتلأت غرفه ومدخل العمارة بالحراسات.

وجلس الوفدان معاً في مودة وابتسام ، فافتتحت الجلسة مشيدا بهذا اللقاء ، وذكرت أن الذي يجمعنا أكثر مما يفرقنا إن كان يوجد ما يفرق ، فنحن أبناء شعب واحد ، ووطن واحد ، وقضية واحدة ، فقال أبو عمار في مداخلة : وأبناء عقيدة واحدة.

- استمر اللقاء ما بين الثانية عشرة ليلا إلى الثانية بعد منتصف الليل ، وكانت الأحاديث ودية تفيض بالآمال العريضة ، والتعاون المثمر ، والكفاح المشترك ، وكان من أهم الموضوعات التي طال الحديث عنها ، عقد حوار موسع في السودان حيث وجه المسئولون السودانيون دعوة للفريقين ليحضروا إلى الخرطوم. فظهر من فحوى الحديث أن أبا عمار وقيادة فتح لا يرغبون بذلك ، مداراة للمصريين الذين كانوا يرغبون أن يتم اللقاء في القاهرة ، الأمر الذي أحرج حماس التي استجابت لدعوة السودانيين ، فقلت للفريقين :
- إذا كان لقاء الخرطوم يسبب لفتح حرجا فالأمر يسير ، إذ إنني مستعد غداً للسفر إلى الخرطوم وتطييب خاطر السودانيين والاعتذار لهم ، واستئذانهم بالتحول إلى القاهرة ، وهم الحريصون على التفاهم بين حماس وفتح ، ولا أظن إلا أنهم سيستجيبون.
- في الثانية والنصف بعد منتصف الليل انتهى الاجتماع ، وغادر الجميع المنزل في جو مفعم بالتفاهم والأمل والاستبشار.

ومرت الأيام لتشهد العلاقة بين أبي عمار والمنظمة وفتح ، وبين حماس مدا وجزرا حتى انتهت إلى ما انتهت إليه من توتر وصراع ، عملت إسرائيل بكل أساليبها ، واشتراطاتها ، ومن خلفها ومن أمامها أمريكا وأوربا وعدد من الدول العربية على تمزيق الصف الفلسطيني ، حتى لا تقوم للفلسطينيين وحدة ولا كيان ولا دولة ، يواجه بها السرطان الإسرائيلي الذي يتوسع ويتمدد على حساب فلسطين والعرب أجمعين.

والأمل بالله كبير ، والمبشرات النبوية معروفة ، ومقروءة بحسن الخاتمة السياسية ، وبالنصر المؤزر الحاسم على الصهاينة المجرمين ، ومن يقف وراءهم من المعتدين والظالمين ، مهما طال الزمان ، وامتدت الأيام ، فالله غالب على أمره ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

4- استمرت العلاقات بيننا وبين منظمة التحرير بقيادة أبي عمار في نمو واطراد كبيرين ، وكانت تزداد على مر الأيام وثوقا وتعمقا ، بل وتعاونا ، أورد منها نماذج على ما كان بني الجانبين من علاقات وصلات :

أ- بعد فترة لم تكن بعيدة تلقى مكتب الأمانة العامة للتحالف الوطني لإنقاذ سورية عن طريق سفارة فلسطين في بغداد برقية السيد ياسر عرفات -ردا على برقية عزاء من التحالف للسيد عرفات بعد الغارة الإسرائيلية على مقر المنظمة في حمام الشط بتونس ، جاء فيها : يبالغ التقدير تلقيت برقيتكم بالتعزية في شهدائنا الأبرار الذين سقطوا إثر العدوان الإمبريالي الإسرائيلي الأمريكي على مقر منظمة التحرير الفلسطينية في تونس ، وإذ أشكر لكم مشاعركم الدافئة ، ومواقفكم الوطنية المخلصة لأوكد لكم أن العدوان الأمريكي الصهيوني ، ومؤامرات عملائهم في المنطقة ، لن تزيدنا إلا ثباتا وقوة وعزما ، على مواصلة النضال وتصعيده من أجل استعادة حقوق شعبنا الوطنية الثابتة ، وتحرير أرضنا المقدسة ، أرض فلسطين المباركة.

ونحن على ثقة أن شعب سورية الشقيق يقف إلى جانب نضال شعبنا مهما تكالب عليه الأعداء ، ومعاً وسويا حتى النصر ، إلى القدس الشريف بإذنه تعالى ، وإنها لثورة حتى النصر.

في 28- 10- 1985م.
ياسر عرفات
رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحريرالفلسطينية
القائد العام لقوات الثورة الفلسطينية
ب- أرسل المراقب العام للإخوان المسلمين في سورية برقية إلى السيد ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية جاء فيها :

بارتياح بالغ ، وفرحة غامرة تلقينا نبأ قيام الدولة الفلسطينية الفتية كخطوة مباركة على طريق التحرير الكامل لفلسطين الشقيقة الغالية.

الإخوان المسلمين في سورية يؤيدون جمهورية فلسطين الناهضة بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية التي تمثل الشعب الفلسطيني بكل فئاته كتعبير عن وحدة وطنية عتيدة ، كيلا يتقدم على تحرير الأرض وتخليص الوطن من الغزاة المحتلين أي اعتبار آخر.

إن شباب سورية جند مستنفر للجهاد في سبيل الله دفاعا عن كل شبر من فلسطين ، ولا سيما القدس الشريف ، والأقصى المبارك ، أولى القبلتين ، وثالث الحرمين الشريفين.

الأمل كبير بالله أن تدخلوا المسجد الأقصى ظافرين كما دخلها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب أمير المؤمنين.

عشتم ، وعاشت فلسطين دولة عربية مستقلة ، تقوم على دعائم الحق والعدل والشورى والخلق القويم.

﴿ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾.

20- 11- 1988م
المراقب العام للإخوان المسلمين
في سورية
عدنان سعد الدين

فجاء الرد من السيد ياسر عرفات للمراقب العام للإخوان المسلمين في سورية ، وهذا نصه :

المراقب العام لتنظيم الإخوان المسلمين في سورية :

تحية مباركة وبعد : أشكركم على تهنئتكم الأخوية الصادقة ، بإعلان قيام دولتنا الفلسطينية المستقلة ، وعاصمتها القدس الشريف.

إن إعلام قيام الدولة الفلسطينية المستقلة كما أعلنها مجلسنا الوطني الفلسطيني في دورته التاسعة عشرة غير العادية ، يشكل تتويجا مجيدا للجهاد الشاق الطويل الذي يخوضه شعبنا منذ أكثر من سبعة عقود ، كما يؤكد أيضاً على إرادته الوطنية الصلبة في الاستمرار بجهاده المقدس ، والعمل على تعزيز وتصعيد انتقاضته الوطنية المباركة بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية ممثله الشرعي الوحيد ، وبدعم ومؤازرة الأحرار والشرفاء في أمتنا العربية الإسلامية ، وفي العالم أجمع ، من أجل تحرير وطنه من نير الاحتلال الصهيوني وتمكينه من ممارسة حقوقه الوطنية غير القابلة للتصرف.

وإذ يعتز شعبنا المجاهد بهذا الموقف الأخوي والإسلامي الذي يقفه تنظيم الإخوان المسلمين في سورية بقيادتكم ، إلى جانب قضيته المقدسة ، فإن شعبنا ليتطلع بكل ثقة إلى سيوفكم ، وسيوف أشقائه في أمتنا الإسلامية ، لمؤازرته ومساندته من أجل مواصلة جهاده المقدس حتى النصر ، وإنهاء الاحتلال عن أرضه الفلسطينية ، وتحرير القدس الشريف أولى القبلتين ، وثالث الحرمين الشريفين ، ومسرى النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعاصمة دولته المستقلة ، وبلوغه استقلاله الوطني التام.

وإذ أؤكد باسمي شخصيا ، وباسم شعبنا المجاهد عميق شكرنا ، وتقديرنا لكم ، ولتنظيمكم المجاهد ، لأتمنى لكم الصحة والتوفيق ، ودوام التقدم والنجاح.

وفقنا الله جميعاً في العمل الجاد من أجل مصلحة وخير وتقدم أمتنا الإسلامية ، وقضيتها الأولى المقدسة ، قضية شعب فلسطين المجاهد ، ومعاً وسويا لنصلي في القدس الشريف المحرر ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

29- 11- 1988م
ياسر عرفات
القائد العام لقوات الثورة الفلسطينية
رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية
- قام تنظيم الإخوان المسلمين السوري بخطى متتابعة للتقريب بين الثورة الفلسطينية ، وحركة الجهاد الأفغانية ، كان من أهمها سفر مبعوث عرفات خضر اللحام -أبو خالد- إلى باكستان والالتقاء بقيادة الحزب الإسلامي ورئيسها قلب الدين حكمتيار، ثم سافرنا إلى داخل أفغانستان بترتيب من الحزب ودخولنا الأرض الأفغانية المحررة ، وزيارة أسرى الحكومة الأفغانية الذين أسرهم الحزب الإسلامي.
أ- كانت هذه العلاقة بين الفلسطينيين والأفغان تسبب حرجا للفلسطينيين في صلاتهم مع السوفيات ، إلا أن عرفات لم يعجزه وجود مخرج لذلك ، إذ وظف صلته الجديدة مع الأفغان في حل أمور معلقة بين السوفيات والأفغان ، إذ وقعت شخصيتان عسكريتان من ذوات الرتب العالية أسرى بأيدي مقاتلي الحزب الإسلامي ، فأبدى عرفات استعداده لحل مشكلة الأسيرين ، والعمل على إطلاق سراحهما مقابل مكتسبات يشترطها الأفغان من السوفيات ، وكانت جهات سياسية عدة قد تدخلت في الأمر دون جدوى ، لأن الحزب الإسلامي رفض كل الوساطات في هذا الموضوع. وبعد أخذ ورد بين عرفات وحكمتيار ، طرح أبو عمار حلا يرضي السوفيات والأفغان جميعاً ، ويتلخص بإطلاق الأسيرين السوفيتيين كهدية للقدس الشريف وفلسطين ، ويطلق السوفيات مقابل ذلك خمسين أسيرا أفغانيا تابعين للحزب الإسلامي ، وقد تمت الصفقة على هذا المنوال بعد مخاض عسير ، فأرضى عرفات كلا من السوفييت والأفغان ، ووثق علاقاته بالأفغان ، دون أن يكون ذلك على حساب علاقاته بالسوفييت.
ب- أعرب عرفات لحكمتيار عن امتنانه له على إطلاق سراح الأسيرين السوفيتيين ، وأرسل له برقية مطولة تفيض بالشكر والعرفان بالجميل وهذا نصها :

الأخ المجاهد المهندس حكمتيار أيده الله.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وأسأله سبحانه وتعالى لكم التوفيق لما فيه خير الشعب الأفغاني الشقيق وخير المسلمين.

أخي المجاهد حكمتيار : يشرفني أن أكتب إليكم لأحييكم تحية الجهاد والثورة ، ولأنقل إليكم من أرض القدس الشريف تحيات إخوانكم المجاهدين من شعبنا الفلسطيني الذي يصعد اليوم من مقاومته وجهاده ضد المحتلين الصهاينة في انتفاضة شعبية مباركة عارمة تعم كامل مدننا وقرانا ومخيماتنا ، مضيفا إلى سجلات الخالدين أسماء جديدة على طريق الشهادة والجهاد ، وآلافا أخرى من الجرحى والمعتقلين ، وهو في نفس الوقت يقف صامدا مرابطا في الجنوب اللبناني مع إخوانه الوطنيين والمسلمين اللبنانيين يواجهون منفردين آلة الحرب الإسرائيلية الأمريكية وعدوانها المستمر على القرى اللبنانية والمخيمات الفلسطينية في الجنوب اللبناني.

إن شعبنا الفلسطيني المجاهد وهو صامد هذا الصمود الأسطوري في انتفاضته المباركة ، رغم قلة الدعم والمساندة التي نتلقاها ، مصمم على المضي قدما على تحقيق النصر مهما غلت التضحيات ، وهو يتطلع إلى اليوم الذي تتوجه فيه طاقات الأمة العربية والإسلامية وقدراتها لتحرير أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ، لتحرير القدس الشريف ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.

أخي العزيز : إنه في الوقت الذي نتصدى فيه للاعتداءات الصهيونية اليومية المتلاحقة علينا في لبنان ، وفي الوقت الذي نتابع فيه انتفاضة شعبنا المباركة ودعمها بما يلزم من وسائل الاستمرار والتعاهد ، وصولا لتحقيق كامل حقوقنا الوطنية المشروعة بما فيها حقنا في تقرير المصير ، وإقامة دولتنا الفلسطينية المستقلة ، وعاصمتها القدس الشريف بعون الله ، فإننا نتابع باهتمام شديد وجاد ما يجري على أرض أفغانستان الشقيقة ، وتطورات الوضع هناك ، موقنين بأن قضايا المسلمين هي كل لا يتجزأ ، ولأن فلطسين ومقدساتها هي محور الجهد الإسلامي الذي يجب أن يكون ، فإن منظمتنا معنية بكافة قضايا المسلمين ، كما هي معنية بتوجيه كل الجهد الإسلامي والعربي والدولي نحو هذه القضية المقدسة التي تمثل كراهة المسلمين والمجاهدين والأحرار في العالم أجمع ، ومن هنا لا بد أنكم شعرتم كما شعرنا بهذه الفرحة الغامرة التي عمت الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها .

عندما توقفت والحمد لله هذه الحرب المدمرة بين إيران والعراق ، والتي كانت تهدد وحدتنا وطاقاتنا وإنساننا المسلم ، والتي وضعت اقتصاد المسلمين على شفير الضياع ، كما أنها أفقدتنا مئات الألوف من المؤمنين ، وسفكت الدم الإسلامي الطاهر في غير مكانه الصحيح ، وهدت كياننا الإسلامي بكامله ، وكما بذلنا لوقف الحرب العراقية الإيرانية ، وتم النجاح والحمد لله رغم مسعانا المتواضع للوصول إلى هذه النتيجة الطيبة ، فقد رأينا من واجبنا الإسلامي والأخلاقي أن نتوجه إلى إخوتنا في أفغانستان الشقيقة لتساهم في وقف نزف الدم المسلم من أبناء الشعب الواحد ، وإن فلسطين لن تألو جهدا في وضع ثقلها العربي والإسلامي والعالمي لتحقيق هذا الهدف السامي النبيل ، والذي يقربنا خطوات أخرى من القدس الشريف ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.

أخي العزيز المهندس حكمتيار : لا يفوتني أيها الأخ المجاهد أن أتقدم باسمي وباسم منظمة التحرير الفلسطينية ، وباسم شعبنا المجاهد بالشكر على تكريمكم لفلسطين وللقدس ولنا في الموافقة على إطلاق سراح اثنين من أسرى السوفيات مقابل أسرى مجاهديكم في كابل ، ونحن إذ نثمن لكم هذا التكريم الذي لم تكرموه لأحد من قبل ، لنعدكم بأن فلسطين ومجاهديها وقادتها لن ينسوا لكم ذلك ، وبدورنا ، فقد عملنا جهدنا لدى الأصدقاء السوفيات الذين أكرموا فلسطين بدورهم ، وذلك بقبولهم بحث القضية الأفغانية معكم شخصيا ، وبرعاية فلسطينية ، وبهذا الصدد اتخذت القيادة السوفياتية خطوات إيجابية عديدة ، تم إبلاغنا بها ، وسوف يبحثها معكم موفدنا الأخ خضر اللحام. وفي الوقت الذي نتمنى فيه لكم ولإخوانكم كامل التوفيق ، فإننا نأمل بإطلاق سراح الأسيرين هدية فلسطين كما قلتم قبل انعقاد دورة مجلسنا الوطني التاسعة عشرة ، خلال الأيام القادمة ، وسوف نقوم بتحرير خمسين مجاهدا من مجاهدي الحزب الإسلامي كخطوة أولى على طريق الحل الشامل معكم ، وأهلا بكم أخا كريماً ، ومجاهدا صادقاً ، ينال منا كل التقدير والاحترام ﴿ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ والله من وراء القصد ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أخوكم : ياسر عرفات
رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية
القائد العام لقوات الثورة الفلسطينية
ح- أضحت لقاءاتنا مستمرة مع منظمة التحرير الفلسطينية عبر قياداتها ، وعلى رأسهم السيد ياسر عرفات في عمان وبغداد وتونس وأماكن أخرى ، ومن ذلك أننا استلمنا دعوة من عرفات لحضور اجتماع المنظمة في تونس ، فلبينا الدعوة ، ونزلنا ضيوفا على المنظمة.

حضرنا عدداً من اللقاءات العامة والخاصة ، غير أننا فوجئنا بمندوب عن رفعت أسد برتبة عميد ، يعرض علينا عقد جلسة معه ، ليعرب عن براءة سيده من مأساة حماة ، ومن المآسي الأخرى ، فغادرت للتو فندق الدبلوماسي الذي كنت نزيلا به ، وتوجهت بالحال إلى إحدى الشقق التابعة للمنظمة ، والمستخدمة لإعلام الرئاسة الفلسطينية عن طريق خليل الزبن المسئول عن الشقة ، والذي وافته المنية فيما بعد باغتياله بالطريقة التي تم فيها اغتيال الضابط الفلسطيني سعد هايل وغيره من القادة الفلسطينيين الذي ذهبوا ضحية مؤامرات الموساد في أوربا وغيرها ، ومؤامرات بعض الأنظمة العربية المعادية للمنظمة.

أما اللقاءات مع عرفات وبعض أعضاء اللجنة التنفيذية مثل أي جهاد وأبي مازن -قبل أوسلو وتداعياتها- وهواري -اليد الضاربة عند أبي عمار في بغداد- فقد كانت مستمرة وكثيرة ، وكلها أو معظمها تدور حول معارضة نظام الأقلية في سورية ، تمهيدا للتخلص منه ، والعودة بسورية إلى النظام البرلماني الذي استمرت عليه منذ فجر الاستقلال ، وحتى وقعت فريسة الانقلاب الذي أطاح بحريات السوريين في 8-3- 1963.

6- أخذ السيد عرفات على عاتقه دعم المعارضة السورية بإصدار مجلة شهرية لهم في باريس باسم الفيحاء ، على غرر مجلة اليوم السابع الأسبوعية التي تصدرها منظمة فتح التي كان يشرف عليها السيد بلال الحسن في باريس ، غير أن مطالب الذين ندبوا إلى إصدار الفيحاء كانت باهظة ، بل تزيد على تكاليف اليوم السابع الأسبوعية مع أنها شهرية ، فصرف النظر عن الموضوع ، وضاعت الفرصة بسبب اشتراطات وطلبات بعض السوريين المعارضين غير المنطقية وغير المقنعة.
أ- شعرنا أن السوفيات يريدون الخروج عن المأزق الذي وقعوا فيه باجتياحهم لأفغانستان ، وأنهم عجزوا عن تطويع المجاهدين الأفغان ، والتغلب على طبيعة الأرض الأفغانية الوعرة التي تشكل الجبال 80% من مساحتها ، فرغبوا بالانسحاب مع حفظ ماء الوجه ، وقد ذكرت تفصيلات ذلك في صفحات سابقة ، عندما عرضت الأمر على المنظمة للتوسط بين السوفيات والأفغان ، وأن السوفيات استوضحوا من السافرة الفلسطينية في بغداد عن الجهة التي تقدم هذا العرض ، وأن السفير الفلسطيني عزام الأحمد التقاني ونقل إلى استيضاح السوفيات عمن يقوم بهذه المساعي الحميدة ، فأخبر السفير موسكو بذكر كاتب هذه السطور بعد الاستئذان بذلك ، وطرحت الموضوع بشيء من التفصيل ليقوم الفلسطينيون بهذا الدور بعد أن أفسد طارق عزيز هذه المساعي التي كان المقصود منها تمكين العراق من صلاتهم بالسوفيات وهم مصدر تسليحهم في حربهم مع إيران ، كما حاول إفساد العلاقة بين حماس وبغداد من قبل.
قام الفلسطينيون بالدور ، وجرت لقاءات بين الأفغان والسوفيات بمساعي عرفات في تونس وبلغراد ، وهذا ما أتاح للفلسطينيين القيام بأدوار مهمة في هذا المجال ، عرضنا لبعضها كالذي قام به ياسر عرفات ما بين حكمتيار والقيادة السوفياتية.
ب- استمر عرفات في حواره مع المعارضة السورية أو بالأصح مع قيادة الإخوان المسلمين السورية ، وفي بذل المساعي المستمرة لفتح آفاق جديدة أمامهم ، وكان واضح الحماسة لإيجاد جسور أو علاقة بين قيادة الإخوان وبين القيادة المصرية ، لقناعة عرفات بأهمية مصر ودورها في المنطقة ، وتأثيرها بالأحداث وعرض علينا القيام بزيارة القاهرة والالتقاء بالسيد محمد عبد السلام مدير المخابرات المصرية ، وعندما لمس منا تخوفاً وترددا برر ذلك بقوله : إن علاقته بمصر هي عن هذا الطريق ، وهو أمر اعتيادي ، ليس فيه أي حرج.

ذهب وفد من الإخوان مؤلف من الإخوة : عبد الله الطنطاوي وفاروق طيفور ، وكانت هذه السطور ، فتمت زيارة الوزير رئيس المخابرات ذي الطبيعة الدمثة والأسلوب اللطيف ، وكانت ثمة فرصة لتناول عدد من الموضوعات ، مثل العلاقة مع السودان ، أو مع الجبهة الإسلامية بقيادة الدكتور الترابي ذات الأفق الرحب العالمي الذي يتجاوز الحدود الإقليمية ، وقد استقبل محمد عبد السلام ، الدكتور الترابي بعد ذلك بوقت قريب ، ومهد له للقاء السيد الرئيس حسني مبارك لمدة استغرقت ثمانين دقيقة.

لقد لمسنا في لقائنا مع الوزير محمد عبد السلام أن مصر لا تطمئن إلى النظام في سورية ، وأنها تتمنى وجود معارضة قوية في وجه النظام السوري الذي يشكل مصدر اضطراب وفتن في بلاده وفي جميع دول المنطقة. بعد هذا اللقاء الوحيد الذي تم بمسعى عرفات رحمه الله ، أحال المدير موضوع سورية إلى مساعده اللواء عماد ، فتمت معه عدة لقاءات ، شارك فيها الإخوة الذين مر ذكرهم. ثم شعرنا بعد ذلك أن العلاقة مع اللواء عماد ، ومن ثم مع هذه المؤسسة ليست بالأمر السهل ، فهم يستعجلون الحصول على ما يريدون ، وإن كان الذين يزورنهم لا يملكون ذلك ، وضنوا علينا حتى بالتحاق طالب واحد بإحدى جامعاتهم ، فبدأنا بالتراجع خطوة إلى الوراء ، ثم توقف هذا الاتصال الذي لم يكن مجديا ولا مفيداً ، ولا نشعر معه بالراحة أو الطمأنينة.

7- كان سفراء فلسطين سندا من تحركنا في عدد من البلاد العربية والإسلامية ، مثل بغداد والمغرب وتونس وماليزيا وغيرها ، ثم تطور هذا التعاون مع المنظمة لتشكيل لجان تنسيق وتعاون ، ضمت اثنين من الإخوان هما : أبو بشير وأبو عامر ، واثنين من العراقيين هما : مدير المكتب السوري أبو النمر وأبو العباس ، بالإضافة إلى السيد هواري مندوباً عن ياسر عرفات ، وقد استمر هذا التنسيق لفترة طويلة ، شمل الحدود والوثائق وأشياء أخرى ، ثم انضم إلى هذا التنسيق مندوبون من لبنان من المتخاصمين مع سورية من جماعة عون والقوات ، لم يلبث أن انتهى بعد أن لمسنا من بعضهم في صدد التهجم على إسرائيل أو ذمها أن الصلة معهم ليست مفيدة ، ففهمن من ذلك أن هذا الذي يسمي نفسه أكرم كان على صلة مع الصهاينة ، فابتعدنا عنهم ، وعن أي لقاء معهم ، وهذا يذكر بكلام منسوب للإمام محمد عبده الذي كان يبرأ من السياسة ويذم الفعل : ساس يسوس ، وهذا يشير إلى أن العمل السياسي وما يجره على العاملين فيه إلى حقول ألغام سوف تنفجر بأصحابها ، إذا لم يكونوا على حذر شديد ، ولم يتلمسوا مواضع أقدامهم في كل خطوة يخطونها ، كما ينبه هذا الأمر التنظيمات الدعوية والجهادية ، وذات الأيدلوجية أن لا يزجوا بشبابهم في الخضم السياسي إلا إذا تأكدوا من أنهم بلغوا درجة الثبات والحصانة والمناعة في اختلاطهم بالآخرين ، ولا سيما ذوو الأفكار والمبادئ المناوئة.
أ- وقعت المنظمة في صراعات على الأرض اللبنانية مع النظام السوري ، ومع الحركات اليمنية الانعزالية كان داميا ، وكان لا بد لهم من إنجاد الفدائيين في لبنان ، وبخاصة في الشمال ، لكنهم لم يكونوا يملكون أسباب التحرك من العراق إلى دعم مخيماتهم وتنظيماتهم في لبنان ، ولا أسباب التنقل بوسائط لابد منها ، وكان هذا الأمر ميسورا لدينا نحن جماعة الإخوان السوريين ، فمددنا لهم يد المساعدة ، وهيأنا للمئات منهم أسباب السفر إلى لبنان عبر قبرص والبحر ، وقد تم ذلك بنجاح ، وكان بطل الحلبة في هذه المساعي الأخ محمد منذر كوجان رحمه الله ، ونور ضريحه ، ووسع مدخله ، ورفع شأنه وقدره في جنات النعيم ، فكان يسهر الليل كله ليهئ لحلفائنا الفلسطينيين سبل التحرك والسفر إلى لبنان لإنجاد إخوانهم في المخيمات والأماكن التي كانوا محاصرين بها.
ب- فتحنا للمنظمة طريق التعارف مع المجاهدين الأفغان كما مر معنا ذلك بشيء من التفصيل قبل صفحات قليلة ، وزيارات للحزب في مقره في بيشاور ، وفي داخل أفغانستان المحررة من الاحتلال السوفياتي ، وكان من أهم اللقاءات التي تنوعت أماكنها لقاء في بغداد الذي هيأت له منظمة التحرير ، وضم قيادة المكتب السياسي للحزب الإسلامي ، ووفدا من السوفيات مشكلا من مندوبي الداخلية والخارجية والمخابرات في الحكومة السوفياتية ، وعندما علمت مصادفة بهذا اللقاء ، توجهت إلى فندق الرشيد حيث تنزل الوفود ، ففوجئ رئيس المكتب السياسي بزيارتي له ، وعلمي بحضوره ، وبمشروع المفاوضات بين الأفغان والسوفيات التي هيأت لها قيادة عرفات ، فاعتذر قائلاً : إن الذين عرفناهم عن طريقكم اشترطوا علينا هذا التكتم ، فذهبت لمقابلة عرفات في منزل سفيره عزام الأحمد ، فتنصل من هذا التصرف ، وتبرأ منه زاعما أنه جرى بغير استشارته!! فأدركت واقتنعت بأن هذه المنظمات تمكر وتغدر ، وقليل منها -إن وجدت- على طريق مستقيم ، فتحدثت لأول مرة بكلام جارح مع عرفات منذ عرفته.
فعلى الذي يمارسون المهمات السياسية التفاوضية أو التصالحية أو التوسطية ، أو يعقدون الاتفاقات بكل ألوانها مع الآخرين من أحزاب ومنظمات ومقاومين أن يأخذوا حذرهم ، وأن يتلمسوا مواقع أقدامهم في كل خطوة يخطونها ، لأنهم يسيرون في حقول ألغام ، وفي أرض مزروعة بالعبوات ، وصدق الله العظيم ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾.
ج- كان عبد الله لبيب -هواري- مندوب عرفات في التنسيق معنا -حاد الطبع ، ناري المزاج ، فاصطدم بفاضل براك مدير المخابرات العراقية -أو بيريا العراق- أخطر مدير للمخابرات العامة عرفته العراق في عهد صدام حسين ، فحرض الرئيس العراقي ضد هواري ، فعومل بقسوة ، وأبعد عن العراق ، فأغاظ هذا التصرف مساعد فاضل براك السيد فاضل صلفيج العزاوي الذي كثيرًا ما حذرنا من براك قائلاً : يستطيع أن يتخلص منكم دون أن يسأله أحد ، فأحذروه ، واضبطوا ألسنتكم وتحركاتكم ، وخذوا حذركم ، أمام الجميع ، بل أمام أقرب الناس إليكم!!

كان فاضل صلفيج عاجزا عن فعل أي شيء ، يحاول أن يخفف من الإجراءات التي اتخذت ضد هواري ، لكن التنسيق ظل مستمراً معه ، لانتهاز أي فرصة يستطيع خلالها إخراج هواري من أزمته في بغداد ، كما كان التعاون بيننا وبين هواري مستمراً لم يتوقف ، وشاء القدر أن يسند منصب مدير المخابرات ( بعد إزاحة بارك عن موقعه وزجه في السجن ، ثم إعدامه ) إلى السيد الفاضل صلفيج العزاوي ، فسارع ببذل جهوده لإلغاء قرار الإبعاد الذي اتخذ ضد هواري ، فسجلت رسالة باسم هواري ليسلمها المدير الجديد إلى الرئيس ، وقد سارت الأمور في الطريق المرسوم ، فعاد هواري إلى بغداد ، وعادت الأمور إلى مجاريها ، وانتهت أزمة حادة ما كان لعرفات أن ينجو من شرورها أو على الأقل من غبارها ، وما كان لها أن تنتهي لولا إبعاد فاضل براك عن رئاسة المخابرات العامة العراقية.

لقد كانت حاجتنا ماسة لعودة هواري إلى نشاطه ، والذي كان كلاماً نافذاً لدى رئيسه عرفات ، وهذا الذي بذلناه لإخراجه من محنته في بغداد هو اقل ما ينبغي علينا فعله ، لأنه كان يقف معنا في كل ما يواجهنا من أزمات وعقبات ، ولا سيما في رومانيا عندما اعتقل لنا سبع من تنظيمنا وحكم عليهم بأحكام متفاوتة تتراوح بين خمس سنوات والمؤبد ، فكنا بحاجة إلى ما يساوي مليونا ونصف مليون دولار لتخليصهم من هذه المحنة التي وقعوا في حبائلها -لأن الرومان يفدون السجناء بالمال- فكان هواري معاً وبجانبنا في حل هذه الأزمة سياسياً وماليا ، والمنظمة ذات نفوذ واسع في العالم ، ولا سيما في دول المنظومة الاشتراكية في شرقي أوربا.

8- من الأعمال المهمة التي استطعنا أن نرد بها للفلسطينيين بعض ما لهم في أعناقنا من دعم وتعاون ، أن السيد هواري كان على صلة وثيقة بجهات أمنية عالية المستوى قدموا له خدمات كبيرة لا تنسى ، لكنهم فوجئوا بأحداث مثيرة ، وتفجيرات في الدوار الثامن من جبل عمان ، ذهب ضحيتها أبرياء من المارة ، كان منهم أحد رجال الدين المسيحي ، فتحركت الأجهزة المعينة لتبحث عن الأيدي التي ارتكبت هذه الأعمال المنكرة ، وكم كانت الصدمة لديهم عندما علموا أن هواري لم يكن بمنأى عن هذا العمل بالرغم مما قدموه له من دعم لا ينسى ، الأمر الذي انعكس سلباً على العلاقة بين منظمة التحرير الفلسطينية وبين الحكومة الأردنية.

بذل عرفات مع المسئول الأمني الكبير ، مع قمة السلطة والقائد العام جهودا مضنية لحل الأزمة والحفاظ على الصلة الحسنة بين عمان والمنظمة دون جدوى.

أ- كانت صلتنا مع المسئول الأمني الكبير في أحسن حالاتها ، إذ أسدى لنا من المعروف ما لا ينساه إنسان في قلبه ذرة من الوفاء.

عرضنا على المسئول حلا بإنهاء الأزمة مع هواري ، وطي هذا الملف بشرط أن يكون الأردن آمنا ، ويصبح هواري صديقا ، وكان المنطق الذي خاطبت به المسئول الكبير أن نتوجه إلى العدو في خصوماتنا ، بدلاً من أن يكون الكيد فيما بيننا ، وأن يحصر هواري عداءه أو صراعه مع العدو الإسرائيلي عوضاً عن عدائه للوطن ، وأن لا يحاصر الأردن العمل الموجه ضد العدو ، واتفقنا على عقد اجتماع في أحد مكاتبنا ، اقتصر على المسئول وهواري وكاتب هذه الأحرف ، وبعد مقدمة هادئة وهادفة تلامس شغاف القلوب ، تم الاتفاق على أن لا يصدر عن هواري أي شيء يمس الأردن بأذى ، أو بسبب له حرجا في واقعة وفي أوضاعه السياسية ، وأن لا يسبب المعنيون أي مضايقات للمقاومة تعرقل توجهها الفدائي ضد العدو الصهيوني خارج الأردن ، وبدت لي ضرورة توثيق الاتفاق ، فتناولت نسخة من القرآن الكريم ووضعتها أمام كليهما على الطاولة ، وطالبت الصديقين أن يقسما ويعاهدا الله جل شأنه على التقيد بالالتزام ، وإذا بدا لأحدهما ما ينكره على الآخر ، راجعه مباشرة لحل أي إشكال قد يشوب هذه العلاقة التي تم العهد والقسم على رعايتها.

ب- جن جنون عدد من ضباط فتح الأمنيين من هذا التقارب والتفاهم الذي تم بين المسئول الكبير وبين هواري ، وأرسلوا برقية حاقدة ضد هواري ، وطالبوا بإبعاده والبعد عنه ، ففوجئ هواري بعدم السماح له بدخول الأردن وإعادته بالطائرة التي أقلته من بغداد ، فكان هذا النبأ صفعة مؤلمة لي بعد إجراء المصالحة والتعاهد على رعايتها ، ولدى مراجعة المسئول ، كرر لي اتهامات ضباط الأمن في منطقة فتح قائلاً : صاحبنا لا يلتزم ، فقلت له : وقد استلمت صورة من البرقية أحضرها هواري :

انظر إلى برقية الاحتجاج لترى أنها مليئة بالأكاذيب ، فقد ذكروا فيها أن هواري دخل بجواز سفر سوداني ، وأنتم تعلمون وكذا أجهزتكم أنه دخل بجواز عراقي ، وذكروا أن جوازه دبلوماسي ، وهو كما تعلمون جواز سفر عادي ، فإذا كانوا قد حشدوا هذه التلفيقات في برقية لا تتجاوز خمسة أسطر ، فكيف تسمع شهادتهم ويؤخذ برأيهم؟ وكيف نصدق مزاعمهم؟

وبعد برهة صمت قلت : أعرض عليك أيها الصديق حلا يخرجنا من هذه الورطة ، وهو أن تمنعني من الدخول أو البقا في عمان حتى أخرج من هذا الحرج بعد أن كنت الوسيط والشاهد على الوفاق والاتفاق والمصالحة التي وثقت بالعهد والقسم على كتاب الله تعالى.

فسكت قليلاً ، ثم قال : ادع هواري للمجيء إلى عمان ، وحدثه الآن بالهاتف.

فتناولت سماعة الهاتف من على مكتب الصديق المسئول ، واتصلت بهواري ، وأشعرته أن سوء التفاهم قد زال ، وأن عمان ترحب به ، وبعد ساعات كنت في استقباله في مطار عمان الدولي ، وركب بجانبي وأوصلته إلى منزله في حي صويلح ، ومنذ ذلك الحين استمرت العلاقة بين هواري والمعنيين في عمان نقية صافية كالماء الزلال ، لا تشوبها شائبة ، ولا يعكرها شيء لفترة طويلة ، نال فيها هواري -أبو طارق عبد الله لبيب- الثقة والتسهيلات ، وما إلى ذلك حتى وافته المنية في حادث سير غامض على أرض العراق ، بالقرب من مدينة الرمادي في جو مغبر وطريق تجري فوقه إصلاحات ، فأودت به سرعته الفائقة التي عرف بها إلى تدهور السيارة ووفاة الصديق هواري ، لتنطوي صفحة من الجدل لدى قيادة فتح والمنظمات الفلسطينية ودول الجوار ولا سيما النظام في سورية التي كان يكن هواري لنظامها كرها ومقتا شديدين ، وكذا المنظمات المعادية لحركة المقاومة الفلسطينية التي تتحدث عن الإرهاب والإرهابيين والدول المعادية ، وفي مقدمتها إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية التي كانت وزارة الخارجية فيها تنشر في تقريرها الدوري السنوي قائمة بأسماء الإرهابيين ، كان هواري يتصدرها في كل عام.

أما نحن الإخوان فقد خسرنا صديقا وفيا لم نلمس منه غدرا أو أي تصرف تشكو منه ، بل وقف بجانبنا ،ودعمنا بكل ما يستطيع بصدق وإخلاص وتفان بما له من كلمة نافذة لا ترد لدى رئيسه وقائده أبي عمار ، رحمهما الله ، وعفا عنهما ، وتغمدهما بالرحمة والغفران.

  • * *

التجربة السادسة مع السودان الشقيق

بدأ اهتمامنا مبكراً بالقطر السوداني الشقيق ، تحدونا آمال عريضة في بناء مجتمع إسلامي يكون نموذجا لشعوب الأمة الإسلامية التي تتوق إلى العيش في ظل نظام إسلامي يتطلعون إلى نموذج له حتى يحاكوه ويقتدوا به.

بدأت العلاقة منذ عام 1968 عندما حضر الدكتور حسن الترابي إلى أبو ظبي عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة بتكليف من القانوني والمشرع الكبير الدكتور عبد الرزاق السنهوري ، لصياغة مشروع دستور لدولة الإمارات العربية المتحدة الناشئة ، فالتقينا طويلاً ، واستعرضنا أحوال العرب والمسلمين ، ولا سيما السودان وسورية والتنظيم العالمي للإخوان المسلمين الذي يقوده مكتب الإرشاد من القاهرة ، وكان للدكتور الترابي ملحوظات مهمة تتعلق بالعمل الإخواني في سورية ، وبمكتب التنسيق الإخواني في العالم العربي الذي كان يرأسه الأخ الكبير ومراقب الإخوان عصام العطار.

منذ ذلك التاريخ والصلة تزداد وثوقا في السودان بعدما لمسنا فيهم من حيوية ونشاط وطموح وخطط عملية ، واتساع دائرة تنظيمهم في السودان حتى بلغ الجنوب وأطراف السودان الأخرى.

في المجلس الإسلامي الأوربي الذي يرأسه سالم عزام التقت نخبة من العالم الإسلامي كان منهم : الصادق المهدي وحسن الترابي من السودان ، وعلى هامش اللقاء ، تم حوار مع الترابي والمهدي حول مستقبل السودان ، اقترحت عليهم فيه أن يضعوا مخططا للسودان ما بعد النميري الذي استنفد أسباب حكمه ، واقترب من الطريق المسدود ، وقلت لهما : أنتما تمثلان الحركة الإسلامية بشقيها ، التقليدية وعلى رأسها الصادق المهدي ، والحديثة وعلى رأسها حسن الترابي ، فإذا تعاونتما بصدق نجحتما ، ونجح معكما السودان ، وإذا اختلفتما ، وتصارعتما ، خسرتما وخسر معكما السودان ، وأرى أن تضعوا ملفات جاهزة بالتعاون مع الشركات العالمية المختصة فيما يتعلق بمشروعات المستقبل والنهوض الذي يشمل تطوير الزراعة وتحديث السكك الحديدية والطرق البرية ، التي تربط كل مناطق السودان بشبكة أوتوسترادات حديثة ، والمواصلات الجوية والنهرية والمواني ، لأن الذين يحكمون ، لا يجدون لديهم الوقت لمثل هذا بل ينشغلون بأمور الحكم اليومية ومتطلباته الثقيلة حتى عن أفراد أسرهم.

راق هذا الحديث لهما ، ولا سيما للسيد الصادق المهدي الذي دعاني لزيارة السودان ، لاستكمال بحث هذه الموضوعات في الخرطوم.

لم تمض فترة قصيرة حتى التقيت السيد إبراهيم المصري الذي مر بالسودان ، والتقى الصادق ، فحمل لي على لسانه التأكيد على زيارة الخرطوم.

رافقت السيد أحمد عبد الرحمن وزير الداخلية في نطاق المصالحة بين النميري وتنظيم الدكتور الترابي ، إلى منزل السيد الصادق في أم درمان ، وتناولنا أوضاع السودان ، ووجوب إنقاذه من أزماته التي يتخبط بها ، فقال الصادق لأحمد عبد الرحمن :

- أنت وزير داخلية في حكومة نميري ، فهل تملك صلاحيات الوزير؟ وهل لك صلات بأجهزة الأمن التابعة للوزارة؟

فلم يجبه بأي كلام.

1- لم تتوقف مساعي التقريب ما بين حزب الأمة والجبهة الإسلامية ، أو بالأصح بين الصادق المهدي وحسن الترابي ، وكان مساعد المهدي عبد الله أحمد ، شديد الحرص على التفاهم بين الطرفين ، فكنا ننتقل معاً بين القيادتين ، فتشكلت بجهود أخرى أول وزارة ائتلافية ضمت القوى الكبيرة في البرلمان وهي : الأمة والاتحادي والجبهة ، ولكنها لم تعمر طويلاً ، وسرعان ما انفرط عقدها ، فجرت مباحثات هذه المرة ما بين الأمة والجبهة فقط ، فتشكلت وزارة نالت أكثرية نسبية في البرلمان ، مما أثار حفيظة الآخرين في البرلمان وفي خارجه ، وأكثر المشاغبين على هذه الوزارة كان مجلس الكنائس في السودان الذي كان يتمتع بنفوذ واسع في الجنوب ، وكلمة نافذة في الشمال ، وتأييد خارجي كبير.

سمعت من السيد الصادق قوله : إن مجلس الكنائس يتحرك ضد الوزارة بنشاط وعداء كبيرين.

فقلت له : إنهم هكذا من قبل.

فقال : لم يسبق لهم أن وقفوا هذا الموقف العدائي وبهذه الشدة كما هو الحال الآنز

لم يحتمل مجلس الكنائس ومن يقف معهم وخلفهم في الداخل والخارج تشكيل الوزارة من تيارين إسلاميين يمثلان القديم والحديث ، فما زالوا ومن اصطف معهم يعملون على هدم هذه الوزارة حتى أفشلوها ، فلم تعمر طويلاً كسابقتها.

إن التعاون بين المهدي والترابي ، كما لاحظنا من الاتصال بهما ، لم يكن صافيا ولا نقيا ، بل كان كل من الصديقين اللدودين يتحفظ كل واحد من الآخر ، ويضمر له أو ضده غيرة وحسدا ، رغم ما بينهما من صلات قديمة ، ونشأة متقاربة منذ مقتبل العمر ، ومصاهرة قربت ما بين العائلتين ، وبتقديري لو أن التعاون بينهما كان صادقاً وصافيا لكان لهما شأن آخر في أحداث السودان ، وفي مسيرته السياسية ، وفي تطوره وتقدمه واستقراره ، لكن هذا لم يحدث ، وجر التنافس غير المفيد بين المهدي والترابي على السودان أضراراً بالغة ، وخسرانا ظهرت آثاره السلبية فيما بعد على الحياة السياسية في السودان ، وعلى استقراره.

وما زال هكذا دأب الزعيمين حتى كتابة هذه السطور إذ إن صلتي بالسيد الصادق لم تتوقف ، فقد شكلوا معارضة من خمسة أحزاب هي الأمة والاتحادي والبعث والشيوعي ، وحزب المؤتمر الشعبي ، فسألت الصادق عن تقويمه لهذه القوى فقال : الاتحادي يتلقى التوجيه من مصر ، والشيوعي يفتش عمن يرتبط به بعد أن انفرط عقد المنظومة الاشتراكية ، وحزب البعث بعد الذي حل بالعراق لا وزن له ، والترابي بتصريحاته أضحى يحرج أقرب الناس إليه.

قلت : ولماذا تزج بتنظيمك الكبير في هذا التشكيل الضعيف غير المتجانس؟

فقال : الترابي هو الذي يطلب الانضمام إلي!!

2- اتسعت دائرة الخلاف بين التنظيم العالمي بقيادة مكتب الإرشاد ، وبين الإخوان المسلمين -الجبهة القومية الإسلامية- في السودان ، ومرت العلاقة بين الطرفين بأزمة ثقة حول الصلة التنظيمية بينهما ، كانت تستفحل أحيانًا بينهما لأسباب وعوامل عدة ، يأتي في مقدمتها تصريحات الدكتورحسن الترابي حول موضوعات فقهية ، ولا سيما فيما يخص المرأة وغيرها من فتاوى شرعية كانت تقابل بالاعتراض ، وأحياناً بالرفض والاستنكار.

كان مكتب الإرشاد شديد الحساسية حيال الإخوة في السودان ، وينظر إليهم كالمتمردين على وحدة الحركة بقيادة مكتب الإرشاد ، وكنا في التنظيم العالمي نشعر بالخطورة ، إزاء هذا الخلاف ، ونعمل على تطويقه كيلا يتحول إلى انقسام داخل جماعة الإخوان المسلمين العالمية ، وكنا نلح على الإخوة المصريين كي يعملوا على ضبط النفس ، وأن يتحمل بعضنا بعضاً فيما هو مختلف عليه ، فاتخذ التنظيم العالمي قرارا بالتحرك إلى الخرطوم لتقريب وجهات النظر ، وتطيب الخواطر والنفوس ، والعمل الجاد على بقاء الحركة موحدة مهما بلغت حدة الخلاف في داخلها.

في نهاية الأسبوع الأول من شهر مارس/ آذار عام 1981 تشكل وفد من التنظيم العالمي ضم الإخوة : خيري الآغا أبو أسامة ، ومحمد عبد الرحمن خليفة أبو ماجد ، وعبد الله المطوع أبو بدر ، وأبو عامر عدنان سعد الدين كاتب هذه السطور ، وتوجه إلى الخرطوم ، وبعد زيارات متنوعة وحوارات واسعة ، ثم اللقاء مع قيادة الإخوة السودانيين وجرى النقاش الطويل والموسع الذي انتهى إلى الاتفاق التالي في 10-3- 1981 ، وهذه هي نصوصه :

بحمد الله تعالى وتوفيقه ، قامت اللجنة المكلفة من التنظيم الدولي للإخوان المسلمين بزيارة الخرطوم ، وتم الاتفاق على ما يلي :

- الإخوان المسلمون في السودان جزء من حركة الإخوان المسلمين العالمية ، وهم معها مناصرة في المنشط والمكره ، ولكنهم من حيث التنظيم مستقلون ، ويرون في الوقت الراهن أن يشاركوا في مجلس الشورى وغيره من المؤسسات الإخوانية الأخرى دون الالتزام بالبيعة أو بقرار الأكثرية ، وإنما يرون التنسيق وتطوير دواعي التقارب بين التنظيمات الإخوانية حتى تتم الوحدة التنظيمية إن شاء الله.
- يتخذ الإخوان المسلمون في السودان موقفا شبيهاً إزاء الحركات الإسلامية الأخرى في العالم ، ولكن بدرجة متفاوتة حسب قربها وبعدها من المنهج العام للإخوان المسلمين.
- اتفق على أن يكف جميع الإخوان عن الحملات المنشورة وغيرها ، وأن تقتصر المناصحة على الدوائر المسئولة.
- يعتمد الإخوان المسلمين في السودان علاقات تعاون ثنائي مع تنظيمات الإخوان المسلمين بدرجات متفاوتة ، حسب مقتضيات العمل الإسلامي.
- الإخوان المسلمين بقيادتهم وأجهزتهم المنبثقة عن مؤسسات الحركة الشرعية هم التنظيم الشرعي الوحيد للحركة الإسلامية في السودان ، ولا ينبغي أن تجري دون علمهم اتصالات مع عناصر أخرى على أساس التعامل الإخواني.
- اتصل أعضاء اللجنة بتنظيم الإخوان المسلمين في السودان ، بشأن عودة الصادق عبد الماجد وإخوته إلى التنظيم ، فوافق التنظيم على المبدأ بشرط الالتزام بالجماعة ، وتحفظوا على بعض الأفراد ، ثم اتصلت اللجنة بالأخ صادق وإخوانه ، فاعتذروا عن الرجوع إلى الجماعة ، فاتفقت اللجنة مع الطرفين ، أن يعملا دون إثارة لخصومة بينهما ، ودون احتكاك في مجالات العمل.

- تطرق الإخوة الزائرون إلى آراء الأخ الدكتور حسن الترابي ، وما تثيره من إشكالات تنظيمية ، وما ينسب إليها البعض من خطأ وطلب الإخوان الزائرون أن يتحرى في إبداء الآراء الوضوح والبيان الكامل ، واجتناب الإثارة ، وشرح الإخوان السودانيون رأي التنظيم في هذا الموضوع ، ثم استمع الإخوان الزائرون إلى توضيحات الأخ حسن الترابي حول ما نسب إليه من آراء.

سائلين المولى سبحانه أن يوفقنا للخير ومرضاته ، والحمد لله رب العالمين.

حرر الوثيقة بتكليف الطرفين -أبو عامر- كاتب هذه الكلمات ، ووقع عليها أعضاء اللجنة كل باسمه ، كما وقع عليها أربعة من القيادة السودانية هم : حسن الترابي ، وعبد الله سليمان العوضي ، والتيجاني أبو جديري -رحمه الله- وأخ رابع من مسئوليهم.

3- استفحل النشاط الشيعي في السودان تحت عناوين متنوعة ، منها افتتاح مراكز باسم نشر الثقافة وإطلاق تسميات عليها باسم مركز الزهراء وغيره توحي بالطابع الشيعي ، وباسم خط الإمام بالجامعات التي أغدق عليها الإيرانيون بسخاء ، وخصصوا للطلاب الذين ينحازون إليهم مئة دولار شهريا -ربع مليون جنيه- وشجعوا في أجواء الطلاب والمراهقين فيهم على المتعة وروجوا لها!! فشعر السودانيون بأخطار هذا التحرك واتساع دوائره ، وجرت مباحثات مع كبار المسئولين السودانيين والمعنيين على العمل الجاد في تطويق هذه الظاهرة ، والحد من أخطارها.

في 8-9- 1985 قمنا بزيارة السودان باسم المؤتمر الإسلامي ، شملت الأحزاب السياسية وقادتها ، وعددا من الطرق الصوفية والشخصيات المعروفة ، ودخلنا في حوارات مع الكثيرين ممن غابت عنهم الحقائق ، وخدعوا في ظواهر الأشياء ، ولم يفطنوا إلى الفساد الذي بدأ في أوساط الجامعات التي بدأ العدد من أبنائها يهملون الفرائض ، ويتركون صلاة الجمعة ، بدعوى انتظار ظهور الإمام ، ناهيك عن الفساد العريض الذي تسببه الدعوة إلى نكاح المتعة في أوساط الشباب والمراهقين.

كان لجولتنا أثر ملموس ونتائج باهرة أكثر مما كنا نتوقع ، فعدنا من زيارة السودان ، ونحن نشعر براحة الضمير على ما أديناه من واجب تجاه دعوتنا وأمتنا.

قمت بدراسة موسعة عن هذه الرحلة قدمتها لإخواني ، أثبت منها مقتطفات لأهميتها ، لأن الدراسة واسعة ، لا يتسع البحث لإيرادها كاملة.

زيارة وفد المؤتمر الإسلامي للسودان

حوالي 70% من مساحة الوطن العربي يقع في القارة الإفريقية ، وأكثر من ثلثي الشعب العربي يعيشون في هذه القارة ، ولذا فهي القارة المؤهلة لأن تكون قارة العرب والمسلمين ، من بين القارات الخمس أو الست في كوكبنا الأرضي.

القطر السوداني الشقيق هو العمق الإستراتيجي العربي والإسلامي في قارة أفريقيا ، ولا سيما في شرقها ووسطها ، ولهذا فالصراع في السودان وعلى السودان على أشده ، لا يهدأ ولا يتوقف ، إلا ليزداد حدة وشدة وشراسة ، ففي هذه البقعة من وطننا تتضح ظاهرة التحدي بين الحضارات المتصارعة ، وأكثر ما يبدو هذا التحدي في جنوبي السودان في صورة احتكام وصدام عسكري ، قومي حضاري لغوي.. الخ بين العروبة والإسلام من جانب ، وبين الوثنية والزنجية مدعومة من مجلس الكنائس العالمي ، ومن الشيوعية الدولية -ولا سيما من كوبا- بآن واحد ، أو متسترة بواحدة منهما أو من كليهما.

4- الأحزاب والتيارات السياسية في السودان :

إذا تجاوزنا التحليلات والدراسات التي تنشرها المجلات والصحف ، واعتمدنا على الدراسة الميدانية في أرض الواقع ، نجد أن السودان نهب كل التيارات المتناقضة على أرضه ، ومعظمها إن لم تكن جميعها مرتبطة بشكل أو بآخر بقوى دولية خارج السودان ، وكل تيار يحاول أن يثبت وجوده في الفترة الانتقالية -سابقًا- التي أتيح له فيها حرية الحركة والعمل السياسي المكشوف.

وبالرغم من وجود أكثر من ثلاثين تنظيما على الساحة السودانية فإن التيارات الأساسية هي :

أ- الأنصار -حزب الأمة- وهم أكثر عدداً من التيارات الأخرى ، غير أنهم متفرقون ومنقسمون على أنفسهم إلى ثلاثة أقسام ، ويحاولون لم شمهلم ، وأبرزهم وأمهرهم وأكثرهم حنكة هو الصادق المهدي ذو الصلات الواسعة عربياً وإسلاميا ودوليا ، وقد كان لنا معه جولة واسعة انتهت إلى التفاهم المبدئي حول عدد من النقاط والمواقف ، ولا سيما حرب الخليج كما يحلو للبعض تسميتها.
ب- الختمية -الحزب الاتحادي- وهي القوة الجماهيرية الثانية من حيث العدد ، إلا أن الانقسام في صفوفها أشد مما هو عليه في صفوف الأنصار ، غير أن لهم رصيدا في صلتهم بمصر ، ولديهم عدد من الشخصيات ذات الحنكة السياسية والخبرة في شئون الحكم والعمل الشعبي ، وأبرز شخصية فيهم هو راعي الحزب والطائفة عثمان المرغني ، الذي يغازل في -تلك الآونة- الدكتور حسن الترابي تمهيدا لعمل مشترك أو تنسيق في المواقف كحد أدنى للتفاهم بينهما.
ج- الحزب الشيوعي ، بالرغم من تماسكه وعدم انقسامه ، وتسليط الأضواء عليه ، والدعاية الإعلامية له في الأوساط الغربية والشرقية ، فإنه من دون قاعدة جماهيرية ، ومن دون مستقبل في السودان ، وبالرغم من المحاولات التي يبذلها قادته في تمسحهم بالإسلام للتقرب إلى الجماهير ، فإنهم يزدادون وهنا على وهن ، ويظهرون في المجتمع بثوب النفاق والتملق والاعتراف الضمني بأنهم غرباء عن مجتمع العروبة والإسلام.
د- الجبهة الإسلامية القومية ، يقودها تنظيم الإخوان المسلمين في السودان ، ورغم الهجوم الشديد على الترابي الأمين العام للجبهة ، لقربه من النميري في نطاق المصالحة بين النميري والجبهة ، ووقوع الخلاف بينهما في وقت لاحق ، رغم هذا الهجوم العنيف من الأحزاب التقليدية ، ومن الأحزاب اليسارية ، فإن هذه الجبهة شقت طريقها ، ونمت بصورة فاقت طموحات مؤسسيها ، لأن معظم أتباع الطرق الصوفية قد انضموا للجبهة ، عندما خرج الترابي ورفقاؤه من سجن النميري إثر انقلابه عليهم ، وبعد سقوط النميري وكان قد وجه لهم تهما خطيرة ، عقوبة كل واحدة منها الإعدام ، عقد قادة الجبهة مؤتمرا جماهيريا قدرته إذاعة مونت كارلو بعشرين ألفا ، وقدره البعض بخمسين ألفا ، ويصر قادة التنظيم وأنصاره على أنه ضم مئة ألف من المؤيدين ، بينما كان عدد مؤتمر الجبهة الوطنية المناوئة للجبهة الإسلامية التي تضم عدداً من الأحزاب : حوالي عشرة آلاف من المواطنين.

على كل حال ، فإن تنظيم الإخوان في السودان قد استطاع ، تحت غطاء المصالحة خلال سبعة أعوام ، أن يثبت قواعده في المجتمع السوداني ، وأن يتغلغل في الأوساط العمالية والطلابية والريفية والنسائية ، وفي دوائر الدولة المدنية والحساسة ، وأن يستقطب عدداً كبيراً من كبار وصغار الموظفين ، مما اضطر الدوائر الغربية -ولا سيما أمريكا- أن تنصح النميري أن يعجل بضرب تنظيم الإخوان ، بل إن الكتائبية -قد حدد للنميري فترة شهر لتصفية التنظيم ، وإلا فإنه سوف يشكل خطراً على نظامه ، وعندما شنت أجهزة النميري ونائبه محمد عمر الطيب حملتها على الإخوان ، بعد أن مهد لها النميري بكلمة من الإذاعة ، وبالمارشات العسكرية ، وأعلن أنه ألقى القبض على قادة التنظيم تمهيدا لمحاكمتهم ، أكد الإخوان أن معظم القيادات طليقة ، وأن عهدا من الكفاح السري بدأ لمقاومة النميري ، ودخول المعركة الفاصلة معه ، بعد الدراسة المستأنية وإعداد العدة اللازمة ، وعندما بدأت المظاهرات العارمة تملأ شوارع العاصمة المثلثة ، صرح النميري من واشنطن بأن الإخوان وراءها ، وإن قياداتهم التي توارت عن الأنظار هي التي تحرض الشعب السوداني ، ليناقض نميري تصريحه وتصريحات أجهزته بأن جميع القيادات قد اعتلقت ، وألقي القبض عليها لتقديمها إلى محاكم أمن الدولة.

والخلاصة فإن تنظيم الإخوان المسلمين السوداني -الجبهة- مستقل إداريا عن تنظيمات الإخوان الأخرى ، ولديه مقومات في العمل السياسي والاجتماعي من أبرزها :

- يؤمن بالعمل الجماهيري والاختلاط بكل فئات الشعب ، ويدرب أعضاءه على تقديم الخدمات للمجتمع ، ولا سيما الفئات الكادحة من خلال مؤسسات عديدة ، منها : منظمة الدعوة ، ووكالة الإغاثة ، وحل أزمة المواصلات ، وغيرها من المؤسسات التي لا يتسع الحديث عنها في هذه الصفحات.
- يهتم هذا التنظيم بالعمل النقابي والنشاط الاقتصادي ، وبالجمعيات ذات الأنشطة العديدة ، ولذا سيطر لسنوات عديدة على اتحادات الطلاب الجامعيين والثانويين ، وعلى عدد من النقابات العمالية الشهيرة مثل نقابة السكك الحديد في عطبرة ، وعلى نقابات المزارعين ، وكذا بالنسبة للاتحادات النسائية.
- لا يشترط في تحالفاته السياسية وحواره مع الآخرين اتحاد الأفكار ، بل يكتفي بالتفاهم حول المواقف التي تخدم المصلحة العليا للأمة والوطن.

- له تأثير أدبي واسع على الحركات الإسلامية في شمالي إفريقيا ، ولا سيما في القطر التونسي ، وفي شبه القارة الهندية وعلى الأخص في لاهور لدى قيادة القاضي حسين أحمد أمير الجماعة الإسلامية في باكستان.

- تكونت لديه نظرة خاصة للعراق ، ولا سيما موضوع حربه مع إيران ، بعدما كان في بداية الحرب أقرب في تأييده لإيران ، فتخلى عن هذه النظرة بعد وقوفه على تفصيلات هذه الحرب ، وبعد تجاربه السياسية والاقتصادية مع إيران ، كما شرحوا لنا ذلك ، فانحاز إلى العراق في حربه الطويلة مع إيران.
- لهم تأثير ملموس على الجاليات الإسلامية في أوربا وأمريكا وكندا ، ولهم علاقات وثيقة بالمسلمين السود في القارة الأمريكية وفي عدد كبير من الدول الإفريقية مثل نيجريا وأوغندا ودول أخرى كثيرة في إفريقيا.
هـ- حزب البعث العربي الاشتراكي : التباين كبير في تقدير قوة الحزب بين قادة الحزب وخصومه ، فالأمين العام للحزب الأستاذ بدر الدين المدثر ، يتكلم كأنه قائد السودان ، والآخرون ينظرون إلى تصريحاته ، ومحاضراته بالاستنكار والاستخفاف ، ولذا أتجاوز هذا الجانب ، وأتكلم عن المواقف والأفكار والتوجهات للحزب ورئيسه.

إذا صح أن العروبة يمكن أن تنفصم عن الإسلام كما طرح ذلك الأستاذ ساطع الحصري في أربعينيات القرن العشرين ، ورد عليه أنطون سعادة مفندا هذا الرأي ومؤكداً أن العروبة لا تنفصل عن الإسلام في معرض هجومه على العروبة ، ودفاعه عن فكرة الأمة ونشوئها وربطها بالأرض ، أو قل : إذا صح افتراق العروبة عن الإسلام في قطر كلبنان ، فإن هذا لا يمكن أن يحدث بأي صورة من الصور على أرض السودان ، ولهذا كان طموحي كبيراً في إقامة تحالف أو تعاون أو تنسيق أو تعايش على الأقل بين الاتجاهات الإسلامية والعربية في السودان لمواجهة التآمر الرامي إلى سلخه عن الوطن العربي والعالم الإسلامي ، وفي طليعة المتآمرين أو رأس الحربة فيهم : إسرائيل ، ومن الشرق بالزحف الباطني بدعم من جميع الحاقدين على العرب والمسلمين ، بهدف إقامة دولة باطنية صفوية قرمطية تمتد من بحر الخزر إلى شواطئ المتوسط ، ومن جنوبي تركيا إلى شمالي باكستان.

إن طروحات حزب البعث السوداني بقيادة بدر الدين المدثر تذكر بما كان عليه الحزب في سورية في الأربعينيات من لاقرن الماضي ، عندما كان بعض شبابه يهتفون : تسقط الرجعية ردا على الخطيب الذي يبدأ حديثه بـ بسم الله الرحمن الرحيم ، وغير ذلك من الأفكار والطروح التي أحدثت بلبلة مؤذية ، وردود فعل حادة ، وأحياناً غير واعية في أوساط العاملين للإسلام -علماء وعامة وأحزابا- أدت إلى صراعات ونزاعات كان مآلها أن تصاب الأمة كلها بسهم مسموم في قلبها النابض من جراء هذا الصراع المفتعل بين العروبة والإسلام ، والذي يحقق للأعداء أهدافهم دون أن يكلفهم شيئاً.

- كان مخطط التحرك لوفدنا الإسلامي يشمل الزيارة واللقاء والحوار مع شخصيات دينية وسياسية رسمية وشعبية ، تحقق فيها عقد جلسات مع أعضاء المجلس الإسلامي الأعلى في السودان ، والجبهة الإسلامية القومية ، والأستاذ صادق عبد الماجد رئيس مجموعة الإخوان المرتبطة بمكتب الإرشاد في القاهرة ، والسيد الصادق المهدي ، ومنظمة الدعوة الإسلامية ، وشخصيات سودانية أخرى.
- تم اللقاء في مقر المجلس الإسلامي الأعلى ، حضره عشرة من الأساتذة والشيوخ ، كان منهم الدكتور عبد الرحمن محمد سعيد أمين عام منظمة الدعوة الإسلامية التي تضم مجموعة مؤسسات ، أهمها وكالة الغوث للجنوب السوداني وعدد من البلدان الإفريقية ، فشرحنا لهم ظروف الحرب بين إيران والعراق ، وما يبيته الخمينيون في هذه الحرب المدمرة من مكر وكيد للعراق وللعرب وللمسلمين ، فكان التجاوب كبيراً ، بل أكبر مما توقعناه.
- عندما وصلنا إلى الخرطوم قرأنا مقابلة لوفد إيراني برئاسة وكيل الخارجية الإيراني شيخ الإسلام في جريدة الراية المحسوبة على الإخوان ، فوجهنا انتقادنا للجريدة.

في اليوم التالي وجه السفير العراقي الدعوة على طعام الغداء إلى الدكتور الترابي وعدد من إخوانه ، فلبوا الدعوة ، كما دعا السفير عدداً من الشخصيات ، وفي هذا اللقاء قرر أعضاء القيادة في الجبهة برئاسة الترابي مقاطعة الوفد الإيراني ، وعدم استقباله أو الالتقاء به ، ربما لإصرار الإيرانيين على استمرار الحرب.

كان حديث الترابي وإخوانه مبعث ارتياح عميق في نفس السفير العراقي جراء ما سمعه من مواقف وآراء وتحليل وتفسير حول الصراع بين العروبة والإسلام من جهة ، وبين أعدائهما من جهة أخرى.

بدت قناعة الترابي التامة بموقف العراق من الحرب بين العراق وإيران ، وفي أمور أخرى ، وأبدى استعداده التام للتفاهم والتعاون والحوار ، ومما مهد لهذه القناعة ليس حواري معه من قبل فحسب ، بل ما سمعه من شروح من صديقه الحميم الدكتور محمد يوسف المقيريف من موقف القيادة العراقية ، وما قدمه من توضيحات إثر زيارته للعراق ، وعودته منها إلى السودان كأمين عام لجبهة إنقاذ ليبيا.

- بعد أن اتفق السفير العراقي مع مكتب الصادق المهدي على زيارتنا له في مكتبه ظهرا ، لم نتمكن من الوصول إليه في الوقت المحدد ، فذهبنا إلى منزله مساء ، فحضر بعض أنصاره ، واعتذر هو عن الحضور ، فأعربنا عن أسفنا لما حدث في النهار ، وكتب رسالة عتب للسيد الصادق المهدي سجلت فيها مكان نزولنا في الفندق ، وغادرنا المنزل.

في الصباح حضر إلى الفندق مرافق الصادق ، ورغب إلي الذهاب إلى الصادق ، لأنه بانتظاري ، ولم يكن يعرف من الذي حضر في الليل إلى منزله ، وقال : كلفني أن أصبحكم وحدكم.

وعندما شرحت لزميلي عضو الوفد شجعني كثيرًا ، فذهبت إلى مقر حزبه ، وخلال ثلاث ساعات تناول الحديث أربعة موضوعات وهي : رأيه في حزب البعث وفي بدر الدين المدثر ، فكان كلامه قريباً من كلام الترابي على ما بين الاثنين من خلاف ، وموقفه من الذين يشوهون سمعة الإسلام بإدعائهم أنهم يطبقونه ، كالنميري وضياء الحق ، ووجوب اتخاذ موقف واضح حيال ذلك ، وانتقد الترابي في مجاملته للنميري ، وكيف تجاوز الحدود المعقولة ، وأخيراً رأيه في الحرب العراقية الإيرانية ، ثم اتفقنا على إصدار بيان موقع من نخبة من قادة الفكر لفضح هذا الاستغلال ، وانصب الحديث خلال ذلك الوقت وعلى مدى ساعتين عن الحرب وعن إيران.

خلاصة رأي الصادق : أنه كان معجبا بإيران في أول الأمر لاستطاعتها إزالة طاغوت الشاه ، كما قال ، وأنه يريد تضييق الهوة بين السنة والشيعة ، ثم أدرك أن حكومة إيران متحجرة ، لا تؤذي غيرها فقط ، بل تؤذي نفسها وشعبها أيضاً ، وتشوه سمعة الإسلام ، ويقول : لا بد من تحرك حيال هذه الحرب ، وأنه يأخذه على عاتقة وفي المحيط الذي يستطيع التحرك فيه.

قلت : ولكن صديقك سالم عزام جنح نحو ممالأة إيران.

فقال : لقد أدرك هذا ، ويريد أن يصحح خطيئته ، ثم قال : يبدو أن للعراقيين موقفا سلبياً مني.

قلت : هذا وهم ، فالسفير هو الذي حثنا على زيارتكم تقديرا لكم.

فقال : هذا شيء طيب ، وعندي استعداد للتفاهم معه والحوار حول هذا الموضوع وغيره.

وفي الختام حددنا للسفير وللآخرين مقترحات كان منها : توجيه النصح للمدثر بالتوقف عن الهجوم على التيار الإسلامي في صحيفته وتصريحاته ، ولا سيما تهجمه على الفكر الإسلامي ، مهما كان تعليله لذلك ، وأوردنا أمثلة على ما يفعله ويقوله ، واقترحنا دعوة الترابي والمهدي إلى العراق ، فإن هذا سوف يقلب الموازين رأسا على عقب في السودان ، وفي شمالي إفريقيا ، وفي كثير من الدول الإفريقية ، وفي أوساط الجاليات الإسلامية في أوربا وأمريكا ، وفي أوساط التنظيمات الإسلامية في الخليج وفي شبه القارة الهندية ، وفي بعض الدول الآسيوية كماليزيا... الخ. بالنسبة للترابي ، وبالنسبة للصادق المهدي الذي له صلات واسعة في الغرب ، وفي محيط كثير من الإيرانيين في داخل إيران وفي خارجها.

لقد كانت زيارة الوفد إلى السودان مبدعة ، قلبت الموازين ضد الحرب العراقية الإيرانية ، وصححت كثيرًا من المفاهيم الخاطئة ، وأكسبت العراق مواقع مهمة في حربه مع إيران للعمل على إيقافها ، وإيقاف نزف الدم بين الدولتين الجارتين ، وأسأل المولى جل وعلا أن يحفظ لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ويحفظ لنا بلادنا وأمتنا ، وأن يتنزل علينا بالنصر المؤزر والفوز المبين.

عضو الوفد الإسلامي
عدنان سعد الدين
ز- انفجر الحلاف بين النميري ومستشاره الدكتور حسن الترابي والجبهة الإسلامية القومية ، بتحريض من أمريكا ورئيسها بوش كما هو سابقًا وكما نشرت ذلك مجلة الأسبوع العربي ، وأضحى أصدقاء الأمس أعداء اليوم ، وبدأت مرحلة من الصدام بين نظام النميري وتنظيم الجبهة الإسلامية القومية.

اتصل الأخ الأستاذ زين العابدين الركابي يذكر تفصيلات ما يجري ، وأن الترابي مع عدد من إخوانه رهن الاعتقال ، ولابد من التحرك.

قمت بزيارة للسفير السوداني في بغداد ، فاستقبلني في منزله ، وأبدى كلانا أسفه على ما يجري في السودان ، فسلمته نص برقية رجوته أن يرفعها إلى ا لنميري استنكارا لما يحدث ، وتحذيرا من مغبة هذه السياسة الخطيرة ، استلمها السفير السيد علي أحمد علي الذي لمسنا منه الخلق الرفيع والأدب الجم ، واعدا بإرسالها ، وهذا نصها :

سيادة رئيس جمهورية السودان جعفر محمد نميري المحترم.

لقد راعنا وهز مشاعرنا ما تناقلته وكالات الأنباء عن مطاردة رجال الدعوة الإسلامية واعتقالهم في السودان الشقيق.

إن اعتقال نواب الأمة في البرلمان ورجال القضاء ، وكبار رجالات الدولة من دعاة الإسلام يتنافى مع إعلان الدولة عن عزمها في تطبيق الإسلام ، وصوغ المجتمع السوداني وفق مبادئه وتوجيهه.

لقد استبشر أعداء العرب والمسلمين في كل الأنحاء بملاحقة الحكومة السودانية لأبناء الدعوة الإسلامية على أرض السودان ، وطمأنهم بأن السودان يسير في طريق مسدود ، عندما أقدم على الصدام مع رجال الدعوة الإسلامية بعد صدامه مع جميع الفصائل والفئات الأخرى.

يا فخامة الرئيس : إن المجتمع الإسلامي لا يقيمه ويبنيه إلا الإسلاميون ، ومن ثم فإن ملاحقة دعاة الإسلام يعني في نظر المنصفين والمراقبين نكسة إلى الوراء ، وتراجعا عن تطبيق الإسلام في الدولة والمجتمع.

نناشدكم إعادة النظر في موقفكم من الدكتور حسن الترابي وإخوانه.
في 15- 3- 1985
عن قيادة الإخوان المسلمين في سورية
عدنان سعد الدين

وعد السفير بإرسال هذه الرسالة إلى النميري ، ثم سافر إلى الخرطوم ، فسمعنا عن نبأ وفاته المفاجئ ، فحزنا عليه ، وأرسلنا إلى الخرطوم الأخوين عبد الله الطنطاوي ، ومنذر كوجان لتقديم التعزية لعائلته بعد الذي رأيناه فيه من خلق كريم وأدب رفيع.

هل أرسل السفير هذه الرسالة كما وعد؟ أم كان وعده حياء منا ، ثم أودعها بالملف؟

بعد فترة زمنية حضر إلى السفارة السودانية السيد إبراهيم مطر كواحد من كبار موظفي السفارة ، ورأى هذه الرسالة بالملف ، فاحضرها لي لأستلمها منه ، فهل أرسل السفير صورة عنها ، واحتفظ بأخرى؟ علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى.

5- ازدادت الصلة قوة وتمكينا بين العراق والسودان ، وتجاوز الدعم العراقي للسودان في كل المجالات العسكرية والصناعية والبترولية وغيرها الطموحات ، وانتقلت إلى الصلات المباشرة والمشاورات حول القضايا الكبيرة ذات الصلة بمستقبل الأمة على الصعيد القومي -العربي- ، إذ حضر الأستاذ علي عثمان نائب الرئيس على رأس وفد من الجبهة الإسلامية القومية في مؤتمر عتيد انعقد في بغداد حول الحرب العراقية الإيرانية حضره الأستاذ محمد حسنين هيكل عام 1987وشخصيات كبيرة من الوطن العربي والعالم الإسلامي.

وعندما كان الأستاذ علي عثمان جالساً على المنصة في إحدى الجلسات ، استلم دعوة من السيد النائب طه ياسين رمضان ليعقد معه لقاء ، فاضطر إلى الانسحاب من المنصة وتكليف الأستاذ إبراهيم السنوسي ليحل محله.

عدنان سعد الدينكان اللقاء مفيداً ومثمرا ، إذ عرض النائب السوداني على النائب العراقي عروضا أعجب بها ، وانبهر من أهميتها ، من ذلك أنه قال :عدنان سعد الدين

- إمداد يديك لنتعاهد على نشر اللغة العربية -وهذه هي القومية- في كل القارة الغفريقية ، بينما حزبكم -حزب البعث السوداني- عرض على جازنغ -الذي كان يقود حربا في الجنوب ضد الشمال- أن تكون الإنكليزية هي اللغة الرسمية.

عدنان سعد الدينفقال النائب [[العراقعدنان سعد الدين]]ي : وهل يعقل هذا؟

فأجاب النائب السوداني : لك أن تطلب مني الدليل على ما كان أذكره لك.

ثم ختم الأستاذ طه ياسين رمضان هذا اللقاء المطول بقوله :

- قبل أن ألقاك كنت أشك بكل ما أسمعه من أبي عامر حول حركتكم وأفكاركم ، وأظن كلامه من قبيل الانحياز الحزبي ، ولكن بعد أن التقيتكم ، أدركت أنه كان على صواب في كل ما كنا نسمعه منه.
أ- تتابعت الزيارات المتبادلة بين النائبين لبغداد والخرطوم ، وقد تركت الزيارة الأولى للأستاذ علي عثمان لبغداد أثراً طيباً في نفسه ، جعلته مشدودا إلى بغداد وأهلها ، ودائم التفكير بها ، فلم يلبث بعد عودته إلى الخرطوم أن سطر رسالة للسيد النائب الأول العراقي طه ياسين رمضان تفيض بالمودة والذكرى العطرة ، جاء فيها :

الأخ الكريم السيد النائب الأول الأستاذ طه ياسين رمضان.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :

فإن زيارتي للعراق الشقيق على رأس وفد الجبهة الإسلامية القومية لمؤتمر السلام ، وكذا زيارتكم شخصيا تركت في نفسي أثراً طيباً لا أنساه.

إن الموضوعات التي تناولناها كانت مهمة للغاية ، استهدفت تعزيز التعاون الجاد المثمر بين أبناء الشعب الواحد على طريق الوحدة لشعبنا العربي وأمتنا الإسلامية ، لتنهض بجماهيرنا إلى المستوى اللائق بها ، والذي يحاكي أمجادنا التليدة ، وتاريخنا الأعز.

إننا نتطلع إلى استكمال المباحثات مع الإخوة في العراق الشقيق ، للعمل معاً على تقوية أواصر الصلات الأخوية بين السودان والعراق.

إننا في السودان لن ننسى دعم العراق لبلدنا بالسلاح والذخيرة ، وهو في حالة حرب ضروس يدافع عن أرضه وكرامته ، كما لن ننسى العون السخي لبلدنا عندما حلت به الفيضانات رغم انشغالكم في محو آثار الحرب التي خضتموها بشجاعة وثبات لثماني سنوات.

إنني باسم الجبهة الإسلامية القومية في السودان أبعث لقيادة العرق الشقيق ، وعلى رأسها الرئيس المجاهد صدام حسين ، وإلى جيش العراق الباسل ، والشعب العراقي بأسمى آيات الود ، وعاطر التحيات ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

center>الخرطوم يوم الاثنين في 12- 2- 1989<</center>

[[علي عثمان محمد طهعلي عثمان محمد طه
نائب الأمين العام للجبهة الإسلامية القومية

ب- لم يمض على إرسال هذه الرسالة حوالي عام حتى ألحق بها رسالة أخرى مماثلة جاء فيها :

الأخ الكريم النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء الأستاذ طه ياسين رمضان المحترم.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، يسرني أن انتهز مناسبة زيارة الأخ الكريم أبو عامر لبلادنا ، لأجدد العهد وأؤكد العزم على المضي على طريق وحدة أمتنا العربية ، وهي تواجه التحديات ، وتعيش محنة التآمر الأمريكي ، والتحريض البريطاني ، والتغلغل الصهيوني في أنحاء الوطن العربي والعالم الإسلامي والإفريقي ، وتشهد التمدد اليهودي بالهجرة إلى فلسطين المحتلة ، كما أعبر لكم عن تأييدنا التام لموقف العراق الشقيق بقيادة الرئيس المجاهد صدام حسين -حفظه الله- وهو يتخذ إجراءات الحسم والردع لمحاولات التسلل والتخريب لمقدرات الشعب الشقيق.

إن كرامة الأمة وسلامة أمنها فوق كل اعتبار ، ولا تخضع لمساومة أو مجاملة ، وذلك ما يعبر عنه موقفكم الوطني الشجاع.

لكم خالص التحايا وموفور التقدير
محمد
في 19- 3- 1990
أخوكم
علي عثمان محمد طه
الخرطوم

هكذا بلغت درجة التفاهم والتواد بين السودان والعراق ، وارتقت إلى المستوى الذي رأيناه من تعاون أعربوا في مراسلاتهم عن بعضه ، وسكتوا عن البعض الآخر.

6- مستشارية التأصيل :الخرطوم

كان السودان في مقدمة الدول العربية والإسلامية المنشغلة في أمر الدعوة الإسلامية بل كان أسبقها جميعاً في التفكير في تأصيل الإسلام وتثبيته في نفسية الفرد ، وفي أعماق المجتمع ، ولذا أنشؤوا في ديوان الرئاسة أو في القصر الجمهوري دائرة خاصة بهذا الموضوع ، أسموها : مستشارية التأصيل ، وأسندوا المسئولية فيها إلى الرجل الصالح الدكتور الشيخ أحمد علي الإمام رئيس جمعية علماء السودان. عكف الشيخ أحمد على هذا الموضوع ، وأنشأ دراسة خاصة بذلك موسعة ومفصلة.

زارني الشيخ في الفندق حيث أقيم ، وعرض علي هذه الدراسة وطلب مني بعد الإطلاع عليها ، إبداء الرأي فيها ، وإبداء الملحوظات عليها ، والتقويم الدقيق لها.

عكفت على هذا المشروع لمدة ثلاثة أيام ، فوجدته واسعا فضفاضا ، لا قبل للشيخ مهما كثر معاونوه أن يضطلع به ، أو يقدر على تنفيذه أو تنفيذ بعضه أو شطره!!

رفعت إلى استشارية التأصيل عبر رئيسها المسئول عنها الشيخ أحمد علي الإمام مذكرة ضافية ضمنتها رأيي الصريح ، ووجهة النظر التي أعانني الله بفضله على تسجيلها وتقديمها وهذا نص المذكرة التي تقدمت بها عام 19- 8- 1989

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً.

الحمد لله الذي بنعمته وفضله تتم الصالحات ، والصلاة والسلام على الرحمة المهداة والنعمة المزجاة ، من أرسله الله شاهدا ومبشرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، وبعد :

فإن وجود هيئة أو جهة معنية بشأن مستقبل الإسلام ، وتأصيله في المجتمع السوداني أولاً ، ومن ثم بديار الإسلام كافة لأمر يدعو إلى الارتياح والاطمئنان ، ويعتبر في ذات الوقت خطوة سابقة ورائدة ، لا سيما إذا اضطلع بمسئوليته رجل ذو بصيرة يرى أو ينظر بنور الله ، ونحسبه هكذا والله حسيبه ولا نزكي على الله أحداً.

أ- في حقل الأهداف لخطة العمل في مستشارية التأصيل سجلت الخطة أربعة عشر هدفا ، وفي حقل الوسائل احتوت الخطة ثلاثة وثلاثين بندا أو وسيلة ، وعندما نقرأ الأهداف ، واحداً تلو الآخر ، نجد أن عمل المستشارية يشمل كل جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، ويرمي إلى تأصيل فقه الأولويات ، ونشر وسيادة قيم الإسلام في الأجهزة والمنظمات والمؤسسات ، ويسعى إلى تعظيم شعائر الله ، وتثبيت مفاهيم الإسلام في السياسة العامة والقرارات التنفيذية ، وتأصيل القوانين والنظم وقواعد الولاية العامة ، والارتقاء في سلوك المسئولين في تعاملهم مع المواطنين ، وأخيراً ، تبليغ رسالة الله إلى البشرية جمعاء.
ب- أما الوسائل ، فتشمل جهود العلماء والخبراء لمعالجة القضايا المعاصرة ، وتأسيس مجمع الفقه الإسلامي ، ورعاية المنظمات الدعوية ، والتعاون مع مؤسسات العمل الاجتماعية في تأصيل القيم الإسلامية ، وتنظيم عمل التأصيل في قطاعات متخصصة علمية وسياسية واقتصادية واجتماعية ودعوية وتعليمية ، وتوثيق التعاون مع المعنيين في التعليم العالي والجامعات والمعاهد المتخصصة والمراكز العلمية ، وتنظيم الدراسات العلمية والبحوث في مجال تأصيل القضايا وبيان الأحكام ، وتأصيل الدراسات المستقبلية على قواعد وأصول الأحكام الشرعية ، وتنظيم علاقة عمل مع مؤسسات الاتصال والثقافة ووسائل الإعلام ، بغرض التعريف بتوجهات السودان الحضارية والاستفادة من التجارب الإسلامية والإنسانية.
ج- بعد قراءة مستأنية لأهداف التأصيل ووسائله -وقد أوردت مقتطفات منها- عاودتها مثنى وثلاث ورباع ، فوجدتني أمام عمل كبير يشمل جميع جوانب المجتمع السوداني ، ويتناول كل مرافق الحياة الإيمانية والتعبدية والأخلاقية والفكرية والسياسية والاقتصادية والإعلامية والتعليمية والقانونية والمدنية والعسكرية و... الخ فأدركت أن السودان بكل قدراته ومؤسساته ووزاراته وهيئاته ينوء بحمل مسئولية خطة التأصيل وتنفيذها ، فأشفقت على مستشارية التأصيل من ثقل العبء الذي اضطلعت به وحملته على عاتقها ، أن ترهقها تلك الخطة الطموحة ثم تنهكها ، لا سيما إذا صبت جهدها وطاقتها على الكيف دون الكم ، وعنيت بالروح والجوهر ، قبل الشكل والمظهر.
من جهة ثانية ، فالتأصيل فيما أفهمه يرمي ضمن ما يرمي ، إلى التبديل والتحويل ، وأحياناً يضطر إلى الإبعاد والحذف والبتر ، وبتعبير آخر ، يضطر إذا اقتضى الأمر إلى الاستئصال ، فيثير من ثم حفيظة المعوقين والفاسدين والمستغلين والمنتفعين والانتهازين ، وأحياناً يستفزهم ويدفع بهم إلى البغضاء والعداء ، وتارة إلى الحقد والكيد ، وعندئذ يفرض علينا صراعا نحن عنه في غنى ، وننشغل بإطفاء النار من حولنا ، ويكون هذا بالتأكيد على حساب مهمتنا الكبرى التي تهدف إلى تحقيقها خطة التأصيل ، وربما فوجئنا بأناس نحسبهم صالحين ، يقفون في الصف المناوئ إن ظنوا أن التأصيل قد ينال من مواقعهم أو من مصالحهم التي يقاتلون دونها في المجتمع أو في مؤسسات الدولة والحكم.
د- انطلاقا من الفهم الذي قدمت عن مستشارية التأصيل ، والمهمات الموكولة إليها ، والأعباء الملقاة على عاتقها ، فإن الهدف الوحيد والكبير والأهم الذي يختصر ويختزل الأهداف الأربعة عشر التي تناولتها الخطة ، كما أتصوره :
- هدف التأصيل : التمكين للإسلام وترسيخه في نسيج الفرد وتكوينه وتركيبه وكل شئونه ، وفي مرافق المجتمع وبنيته وأعماقه ، بحيث لا يمكن للفرد ولا للمجتمع أن ينفك عن دين الله ، ولا عن هدي مصطفاه ، لا باختياره ، ولا بإرغامه.
- تكوين المستشارية : تتكون مستشارية التأصيل من رئيس وعدد محدود من العلماء ، الأذكياء والأتقياء ، يتراوح عددهم بين الخمسة والعشرة ، يتفرغون للتأصيل ولا ينشغلون بسواه ، إلا ما كان من أعمال شكلية لا تستهلك طاقاتهم وأوقاتهم ، يضاف إليهم عدد من غير السودانيين المشهود لهم بالفهم والاجتهاد وإدراك مقاصد الشريعة ، والإحاطة بالأوضاع المعاصرة وبالواقع ، يحضرون إلى السودان في السنة مرة أو مرتين ، ليشاركوا إخوانهم السودانيين في مهمتهم الجليلة.
- أرى أن يعمل مجلس التأصيل في الغرف الخلفية بعيداً عن الأضواء والإعلام ، في جو يسوده الصفاء والتفكير الهادئ ، وأن توضع بين أيديهم وتحت تصرفهم كل المعلومات التي يطلبونها عن أي مؤسسة أو وزارة أو دائرة أو يحتاجون إليها ، وأن يبذلوا جهدا مضنيا في تقديم الحلول ، وترتيب الأولويات في سلم التغيير -بما يشبه مجالس التخطيط في بعض جوانبها- للبدء في تنفيذ الأيسر والأسهل والأقرب متناولا ، ثم ينتقلوا بعد ذلك إلى الأصعب منالا وتنفيذا والأكثر تعقيدا ، ثم تحال الدراسة أو المشروع إلى ذوي القرار ، ليأخذ طريقه إلى التنفيذ بعد أن يأخذ الصيغة الدستورية أو القانونية أو القرار الإداري.
- لا مشاحة في الاصطلاح. ليس من الضروري أن تحدث التغييرات بأسماء وعناوين إسلامية صارخة ، بل المهم حدوث التغيير كيلا تحدث ردود فعل أو ضجيج من الرافضين والمتربصين ، وكما قال فقهاؤنا : لا مشاحة في الاصطلاح ولا بالتسميات ، بل نود أن يستقيظ العالم ليفاجأ بالبناء قد اكتمل ، والدولة المحمدية قد تجذرت ، وتمكنت في الأرض أركانها وقواعدها.
- ولنضرب على ذلك مثلاً : أن يتناول مجلس أو ستشارية التأصيل موضوعا بعينه مثل : الحياة أو بناء الحياة العسكرية أو الحياة التعليمية ، أو الصناعية ، بعد تقديم المعلومات الكاملة بصدد الموضوع المطروح على البحث ، بعد الاستعانة بكبار المختصين بالحياة العسكرية إن كان الموضوع ذا صلة بالحياة العسكرية ، أو التعليمية ، ثم ترفع الدراسة والمقترحات أو المشروع للجهات المعنية ، لينال الموافقة ، ويصدر به مرسوم أو قانون أو لائحة مصدقة حسب الأصول الرسمية!!
- توظيف الطاقات المطلوبة : توظف مستشارية التأصيل كل الطاقات والقدرات في الدولة والمجتمع لخدمة هدفها الأسمى في التأصيل ، والتي تشمل أنشطة الدعوة والتعليم والتشريع والتقنين والخدمات الأخرى ، وإذا ما وجدت نقصاً في جانب يتطلبه تأصيل الإسلام كمجمع الفقه أو غيره أو ما يشبهه أشارت على الرئاسة أو أصحاب القرار بتأسيسه أو إنشائه أو إكماله ، أو تصحيح مساره دون أن تنشغل به أو ترتبط به.
- وأخيراً... إذا ما صار لدى المستشارية مشروع جاهز كمحطة لدراسة عميقة ، وبحوث دقيقة ، واستلهام لروح الإسلام وأحكامه ، وفهم واع للظروف الداخلية والخارجية ، وللبيئة وللواقع ، وتهيئة النفوس على تقبل المشروع التأصيلي لدى أبناء الأمة كالذي حصل في المدينة المنورة عندما بلغ التهيؤ مداه ، فأبطلوا الخمر وسفحوها في طرقات المدينة كما يسفح الماء الآسن دون تردد أو تباطؤ ، عندئذ يصدر بالمشروع التأصيلي قانون أو مرسوم رئاسي ، أو لائحة أو أمر أو توجيه حسب طبيعة المشروع ، من صاحب الولاية أو الصلاحية ، ليأخذ طريقة للتطبيق والتنفيذ في ميدانه الخاص به ، سواء أكان في حقل التعليم أو الإعلام أم الجيش أم الشئون المالية أم المؤسسات الأمنية ، أم في المجال الروحي ، بعد أن تكون قد أخذنا بكل أسباب نجاحه.

كل هذا نفعله ونضجه في الغرف الخلفية دون أن ينشغل بها أو يلتفت إليها أو يفطن لها المتربصون في داخل البلاد وفي خارجها.

إن جميع الأعمال الكبيرة والتغييرات الجوهرية ، والتحول الجذري الهائل في حياة الشعوب والأمم تطبخ في الظل والقاعات الخلفية ، ويقوم بها رجال ومستشارون لا يبرزون على مسرح الأحداث ، ولا يفطن لهم أو لأهميتهم أحد ، ولا ينشغلون بالممماحكات والصراعات ، وإنما يقدمون لولي الأمر أو القائد أو الرئيس أو السلطان ، عصارة عقولهم وذوب نفوسهم وأرواحهم ، وخلاصة تجاربهم وبحوثهم ، فهم المستشارون ، وهم بطانة الخير التي ينظر السلطان ببصرها ، ويسمع بأذنها ، ويفكر بعقلها ، ويتحرك برأيها ، أولئك هم الأصفياء الأتقياء الأنقياء الأخفياء ، الذين إذا ذكروا لم يعرفوا ، وإذا غابوا لم يفتقدوا.

اللهم اجعلنا واجعل الأخ النقي التقي أحمد علي الإمام منهم والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

center>19- 9- 1998<</center>

الفقير إلى عفو ربه
عدنان سعد الدين
7- استمرت العلاقة مع السودان منذ ما يزيد على أربعين عاماً بدأت في عام 1968 ، ولا تزال ، لم تنقطع خلالها الزيارات المتتابعة والمشهورات في عهود النميري وسوار الذهب والفترة الديمقراطية ، وفي ظل ثورة الإنقاذ ، ضمن ترتيب منسق ، تكون فيه الزيارة كل ثلاثة أشهر ، ثم كل ستة أشهر ، ثم حسب الظروف والمناسبات.

كان الفقير إلى عفو ربه يقدم المقترحات والمشورات بل والانتقادات بكل إخلاص وصدق ، أملا أن يحقق مشروع المجتمع الإسلامي أو الدولة الإسلامية نجاحا يكون قدوة للمجتمعات في البلاد العربية والإسلامية ، وكلها تتوق إلى العيش في ظل الإسلام ، ولكنها لا تملك الخبرة أو التجربة لبلوغ ذلك.

كانت المشورات والمقترحات تلقي أذنا صاغية وترحيبا صادقاً ، وهذا ما شجع على الاستمرار في السير على هذا الدرب في الصلة مع السودان الذي يخوض صراعا قاسيا لإقامة البناء الإسلامي على أرض السودان.

تكونت لدي قناعة في تسجيل النصح والمشورة في صيغة مذكرات مدروسة ، كالذي تقدمت به حول مشروع مستشارية التأصيل ، واستمر الحال هكذا طيلة ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي ، ثم عبورها إلى مطلع هذا القرن.

كان موضوع التربية والتزكية والسلوك من الموضوعات التي تقدمت بها إلى الإخوة السودانيين الذين كان السيد علي عثمان النائب الأول أكثرهم رعاية لهذه المشورات ، وهو الرجل الذي يتمتع بمواهب وخصائص قلما تجدها لدى غيره.

حملت مسودة كتاب التزكية والسلوك قبل أن أدفع به إلى المطبعة ، فشكل النائب لجنة كان هو واحداً منها ضمت مديري جامعة أم درمان ، وجامعة القرآن والدكتور عبد الرحيم علي صاحب الحكمة والحنكة ، وكبار المفكرين لمناقشة المشروع بعد أن وزعت صور عنه ، وسلمت لكل عضو فيهم ، فلاقى قبولاً وترحيبا ، فقال البروفسور عبد الرحيم علي : لقاء جاء هذا في وقته ، والسودان بأشد الحاجة إليه بعد انخراطه في العملية السياسية ، وما يوافقها من أخطار على الدعاة وعلى رجال الدولة.

استمر اهتمام السودانيين بكتاب التزكية والسلوك حتى انتهى الأمر إلى طباعته في السودان بعد تفويضهم بذلك ، وتقريره كمنهج رسمي في الاتحاد العام لطلاب السودان في كل أنحاء القطر.

كان من أهم المذكرات أو الدراسات التي تقدمت بها إلى الأشقاء السودانيين بحث مسهب تحت عنوان :

( السودان الحديث أو السودان المستقبل )

ولأهمية هذا الموضوع فيما ينبغي الاهتمام به في السودان أو أي بلد من الوطن العربي والعالم الإسلامي يتطلع أن يعيش تحت مظلة الإسلام ، نثبت نصوصه أو معظمها كالآتي :

أ- مقدمة في طبيعة الدولة :
كما أن المناهج التربوية والتعليمية في تطور دائم وتغير مستمر لتواكب التطورات والمتغيرات التي هي من طبيعة الحياة ، كلي تعد المواطن لاستيعابها ، والتعايش معها ، فإن على الدولة أن تجدد نفسها ، وتطور وسائلها وأدواتها ، بل وخطابها ، وتعيد النظر بصورة دائمة في صلاتها وعلاقاتها مع المجتمعات الأخرى ، وإلا فإنها تكون قد بلغت سن اليأس ، ودخلت مرحلة الشيخوخة ، ليؤول أمرها إلى السقوط والزوال كما قال ابن خلدون ، وهذا الأمر الحتمي لا يتنافى مع تمسك الدولة بالمبادئ والأفكار التي قامت عليها الدولة ، وبنت بموجبها قواعدها وسياساتها ، فالخليفة العادل الزاهد عمر بن الخطاب رأى في بلاد الشام أشكالا وترتيبات في تنظيم الدولة ليس مألوفا في المدينة المنورة عاصمة الخلافة ، وعندما شرح له وإليه معاوية الأسباب الموجبة لذلك أقره عليها وباركها له.
ب- الدولة الحديثة ومنطق العصر :
إن مفهوم الدولة الشائع يرفض قيام الحكومات الدينية ، ويحذر منها ، ويشن عليها حربا باردة ، وأحياناً ساخنة بدعوى أنها تفرق بين الناس ، أفراداً وشعوبا ، وتضطهد الآخرين ، وتثير الأحقاد ، استنادا إلى ما خلفه تاريخ القرون الوسطى ، عندما تسلطت الكنيسة على الشعوب ، وحاربت العلم والمعرفة ، وأحرقت علماء عباقرة ، وادعت ملكيتها للجنة تبيع للمشترين بموجب صكوك الغفران مساكن وحدائق فيها ، لذلك سرعان ما أقنعت أمريكا العالم كله بوجوب القضاء على حكومة طالبان في أفغانستان دون أن تجد معارضاً كالذي واجهته في العراق ، وبتأثير هذه الموجة العارمة ، والمدعومة إعلاميا وسياسيا وعسكريا ، تراجع كثيرون من علماء أو دعاة الدولة الإسلامية في طروحهم ، وعدلوا أو غيروا في إعلامهم وتصريحاتهم وحواراتهم في السعودية واليمن وماليزيا وباكستان.. الخ .
حتى إن عضو مكتب الإرشاد الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح المعروف بنباهته ودقة تصريحاته قياساً على أقرانه ، ذكر في حوار أجرته مع إذاعة لندن :
- إننا لا ندعي أننا نمثل الإسلام ونطبقه ، ولكننا نتخذ منه مرجعا ، كما يتخذ الشيوعيون من الماركسية مرجعا ، لنقدم للمجتمع مشروعنا بإقامة المجتمع المدني الذي نصيب فيه ونخطئ ، دون أن نزعم أن هذا هو الإسلام ، أو أننا نمثل الإسلام دون الآخرين ، وهذا هو موقف الإمام حسن البنا -وذلك في معرض رده على الماركسي رفعت السعيد في حواره معه.
ج- ما بين الإسلام ومنطق العصر :
أنستطيع أن نوائم بين منطق العصر في مفهوم الدولة وبين الثبات على الإسلام؟ أقول بكل ثقة : نعم ، فالأمر ليس مستحيلا ولا عسيرا ، ولكنه يتطلب فهما وإدراكا ووعيا وقراءة لأفكار الآخرين وما يدور في عقولهم ، لنصل إلى ما نريد ، دون أن نعطي للخصوم والمتربصين فرصة أو ذريعة للانقضاض علينا ، والنيل من مشروعنا الإسلامي ، والتهجم عليه ، والتشنيع به تمهيدا لإفشاله وهدمه.
لم يعد في تقديري مقبولاً أن يقف المسئول الأول وأصحاب القرار في الدولة في التجمعات الجماهيرية والمهرجانات والمؤتمرات الصحفية ، ليرفعوا سيوفهم أو بنادقهم أو عصيهم ، ويقولوا بأصوات مدوية : نريد تطبيق الشريعة ، نريد إقامة الدولة الإسلامية ، وإننا لن نتساهل في هذا الأمر ، ولن نتراجع عنه ، ولو كلفنا حياتنا.

والسؤال الذي يطرح نفسه ويدور في خلد كثيرين ، وتتحرك به ألسنتهم : من يمنعكم من تنفيذ ذلك ، وأنتم في السلطة ، إن كنتم قادرين على ذلك ليكون الإسلام واقعاً حياً دونما إحداث استفزاز أو ضجة؟

وإذا كان الظرف غير موات ، فلماذا هذه الإثارة ، وهذا التحدي للقوى المتربصة التي تضع أصابعها على الزناد؟

وإذا كان الأمر يحتاج إلى وقت ومراحل ، فلماذا لا نباشر تطبيق ما يمكن تنفيذه دون ضجيج أو عجيج أو الانجرار إلى صدامات ومعارك ليست من صالحنا في شيء؟

نستطيع أن نخاطب العالم كله ، وشعبنا في مقدمته ، بكلام ننفذ منه إلى ما نريد دون أن نمكن المتربصين من نفث سمومهم ، ليستطيع المسؤولون أو ذوو القرار أن يتفقوا فيما بينهم على صيغ وتصريحات وبيانات وأجوبة للصحافة ووسائل الإعلام الأخرى نغطي بمفرداتها كل ما له صلة بالحياة العامة من سياسة واقتصادية وثقافية وفكرية وإدارية ودولية.. إلخ .

والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى ، من ذلك : نهدف إلى تطبيق مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين جميعاً بصرف النظر عن أي انتماء في العرق أو المعتقد ، فالحرية للجميع دون استثناء ، كفالة حرية التعبير لأبناء الشعب جميعاً ، إشاعة العدل بين المواطنين ، لا فرق بين شمال وجنوب ، أو شرق وغرب ، العمل الدؤوب على رفع مستوى المعيشة ، وتأمين حاجات المواطنين في معيشتهم وسكنهم وعلاجهم وتعليمهم ، تشجيع القطاع الزراعي ، وتمليك العازمين على إحياء الأرض واستثمارها ، تخفيف العبء عن المواطن في مجال الضريبة والمرافق الأخرى ، الارتقاء بمستوى المرأة ، لتلحق بالمكانة التي كانت عليها المرأة العربية المؤمنة أيام عائشة وحفصة والخنساء وخولة ، والعالمات في كل فنون المعرفة ، ولا سيما في الأدب والفقه والحديث والطب وغيرها ، الديمقراطية والحرية والتعددية والإصغاء إلى الرأي الآخر من مقومات حياتنا السياسية ، التأكيد على بث مكارم الأخلاق والآداب العامة على أساس الأمانة والصدق ، وإنجاد الآخرين ، ومد يد العون للجميع ، الارتقاء بالتعليم ليواكب التطورات المعاصرة ، ويستجيب لكل دواعي النهضة والتقدم والازدهار ، إقامة أفضل العلاقات والصلات مع أشقائنا وجيراننا والدول الصديقة ، كبيرة وصغيرة ، لإشاعة الأمن ، واستقرار الأوضاع في الوطن العربي ، والعالم الإسلامي ، والعالم الثالث على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.. إلخ.

من اليسير أن نتعامل مع عشرات بل مئات الصيغ التي لا تنطوي على استفزاز أو تخويف أو إشاعة التوتر والفرقة والعداء أو الصدام مع الآخرين. إن الشعارات الحادة لم تعد مجدية ، والسياسة الناجعة أو السياسيون البارعون يتجنبونها في أقسى الظروف ، وأحياناً في ظل الحروب ، ويحتفظون بخط الرجعة ، وتصليح الأمور دون اللجوء إلى قطع الطريق أو كسر الجسور ، ورب قائل يقول : إن بعض التصريحات حول الثبات على المبدأ ، والتأكيد على تطبيق الإسلام ترمي إلى تطمين الأكثرية المؤمنة القلقة على مصير الدعوة ، وهذا وارد ومفهوم ، وإذا اضطررنا أن يكون بين فترات متباعدة من جهة ، ويصدر عن غير رئيس الدولة أو نوابه مثل وزير الإعلام أو الثقافة بكلام ههادئ وعبارات مصطفاة ، ومنطق عذب حسب التوجيه القرآني ﴿ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ ﴾ و ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾و ﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا ﴾ و ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾..إلخ ، فالرئيس ومن ينوب عنه لجميع المواطنين ، مسلمين وكتابيين ووثنيين ، وهو المرجع الأخير لفض النزاعات ، وحل الخلافات ، فيما يشجر بين المواطنين ، وهو المصدر الأعلى والأخير لتطمين أبناء الشعب بأسرهم.

د- هذه المرحلة بالغة الدقة والخطورة :

في تقديري أن الأيام المقبلة صعبة وخطيرة ، وأن المعركة المقبلة من أعقد المعارك في تاريخ الوطن ، بل هي أشد عسرا من المعركة العسكرية التي استغرقت عشرين عاماً دون جدوى ، معركة المستقبل القريب عقائدية وأيديولوجية وفكرية وثقافية وحضارية.

النائب الأول في الاتفاقيات المبرمة مع الجنوبيين المدعومين من قوى قوية وحاقدة ، إنه يأتي متحفزا للبرنامج -الأجندة- الذي يحمله تحت إبطه. فهل لدينا برامج أو خطط نواجه بها بأسلوب سياسي وحضاري راق دونما نكث أو توتر؟ المعركة هذه حاسمة ، فإما أن يبتلع الجنوب ومن يسانده الشمال ، وإما أن يكون فتحاً مبينا للقارة السوداء كلها ، فهل نحن مؤهلون لذلك؟ أخشى وأضع يدي على قلبي أن يكون استعدادنا ضعيفاً ودون الطموح ، لأن الكثيرين من أبناء الدعوة ، ومن يعول عليهم في هذا الشأن منشغلون بالتجارة والشركات والربح والتطلع إلى الوظائف والمواقع الحكومية مع ضعف أو خور في الحياة الروحية والأخذ بالعزائم والصلة الدائمة بالله ، والتي لا يجوز فيها للدعاة والمخلصين والمجاهدين أن يضعفوا أو يفتروا حتى في أشد الأوقات والظروف حرجا ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾.

هـ- العمل السياسي والنشاط الدعوي :

الذي أراه هو فصل العمل السياسي عن النشاط الدعوي ، بقصد التخصص وتوزيع المسؤوليات ، كي يتقن كل فريق المهمات التي توكل إليه ، وليس من باب فصل السياسية عن الدين كما قد يتبادر إلى ذهن البعض ، فالصحابة الذين حملوا راية الإسلام ، وأبلغوا للبشرية كافة ، تخصص كل فريق أو كل فئة بأمر تحملوا مسؤوليته ، فأبو هريرة وعائشة وعبد الله بن عمرو عملوا في موضوع الحديث الشريف وعلم الرواية ، وخالد وسعد والمثنى انصرفوا إلى العمل العسكري وقيادة الجيوش وفتح الأمصار ، وابن عباس وأبي بن كعب اشتغلوا بالتأويل والتفسير وعلوم القرآن ، وهكذا ﴿ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ ﴾.

أرى أن يفرغ المؤتمر الوطني للشؤون السياسية بضوابط دقيقة من حيث التصريحات والأداء والحوار داخليا وخارجيا ، وأن تتلقى كوادره دورات مكثفة ومركزة ، يقوم عليها فريق عرف ذووه بالخبرة واللباقة والحذاقة وضبط اللسان ، وبعد النظر ، والسيطرة على الخواطر ، والشعور بالمسؤولية ، وعدم الانجرار إلى ردود الفعل الحادة التي تكلف الدولة والحكومة والوطن خسائر كبيرة ، وأخطارا لا يعلم إلا الله مداها.

وأن تتفرغ الحركة الإسلامية للعمل الدعوي دن أن تخوض في غمار السياسة كي تشق طريقها مهما كان وعرا ، وأن تخترق الحواجز في تبليغ الدعوة وجذب غير الملتزمين وغير المسلمين إلى رحابها ، وعلى أن يكون برنامج الحركة الإسلامية على ثلاثة محاور :

- إحياء رسالة المسجد طبقا لبرنامج مدروس كي يعود مصدر الهداية والتكوين والتربية والإشعاع ، وتخريج الورعين والزاهدين والدعاة ، لينطلقوا بهذه الروح الربانية والصديقية كروح يسري في وأوصال الأمة كلها فيحييه بالقرآن ، ولسان حالها يقول :

ركضا إلى الله بغير زاد

إلا الهدى وعمل الرشاد

ولا أعني بذلك الخطب والخطباء ، فلدينا في هذا تجربة طويلة ، فقد كان دعاة بلاد الشام كالسباعي والحامد وكثيرين يخطبون بكلام كالسحر ، ويستفزون أبناء المدن الكبرى بالألوف ، ثم يتلاشى تأثيرهم بعد وقت قصير ، كما يتلاشى بخار الماء الذي صعد تحت تأثير الحرارة المرتفعة ، ثم لا يبقى منه شيء.

المهم هو تكوين مجموعات على نار هادئة ، وتخريج الدعاة المخلصين من الحلقات العلمية والربانية التي تتلقى توجيهاً عالياً وساميا يأخذ بالعزيمة والتجرد ، ومثل هؤلاء يحدث بهم التغيير والنهوض ، كما حدث مع العارف الكبير بالله عبد القادر الكيلاني والجنيد وابن قيم الجوزية رحمات الله عليهم ، وأرى أن لا أمل من أي نهضة روحية ، أو انبعاث رباني قادر على التأثير والجذب قبل أن تعود للمسجد رسالته.

- الزحف دعويا -لا سياسياً- على الجنوب ، كما يزحف الجنوبيون -هجرة وسياسة- على الشمال ، مع الحذر الشديد من الخوض بالأمور السياسية ، سواء كان بالانتخاب أو الجدل ، أو تسفيه آراء الآخرين ، كيلا نعطي أي ذريعة للآخرين من خصوم وجنوبيين وغير مسلمين للردود الحادة ، والدخول في صدامات تعطل مشروعنا الدعوي ، وتشغلنا عن نشر الدعوة والرسالة ، وعن تأليف القلوب.
- توعية الجماهير والقطاعات الشعبية عامة ، وتعبئة المواطنين بالهداية الربانية والمحمدية ، ولغة الحب الخالص في الله ، عبر المؤسسات والمناسبات والدراسة المستفيضة في التزكية والسلوك ، ومثل هذه المهمة لا يستطيعها إلا المؤهلون لها ﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ﴾ ولا أعين بذلك الخطابة والخطباء - كما ذكرت من قبل- فهم كثير ، ولدى البعض منهم قدرات فائقة في البيان ، وفي زلاقة اللسان ، بيد أن تأثيرهم سرعان ما يتلاشى أره بعد وقت قصير.

إن العبد المؤمن القادر على التأثير والنهوض بهذه المسؤولية العظيمة هو الذي طهر قلبه من الشوائب ، كالتعلق بالدنيا ، وحب الجاه ، والشهرة ، والشهوات ، الثروات ، حتى لا يبقى في قلبه ما يشغله عن الله ، بل يملأه بالتجرد والإخلاص ، ومخافة الله ورجائه ومحبته ، وجعل الموت واليوم الآخر نصب عينيه ، لا يغيب عن خاطره ، والسيطرة على لسانه فيما ينطق به ويلفظه ﴿ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ والورع فيما يأخذه وما يدعه ، والزهد بكل الزخارف الفانية ، وبالدنيا برمتها ، فهي لهو ولعب وغرور ، وليس زهدا في الحرام فقط ، بل بكثير من صنوف الحلال ، كما قال الشيخان أبو بكر وعمر.

ثم يروض نفسه على الصبر الذي هو نصف الإيمان ، ينتقل إلى جنة الرضا والتسليم بما يقدره الله عليه ، ويرضاه له ، ثم يرتقي إلى مقام الشاكرين ، ليكون قد اجتاز مدارج التزكية ، واستكمل أسبابها ، وارتقى إلى مقامها القرآني ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ﴾.

وعندئذ يكون قد أصبح مؤهلا للسير في طريق السالكين ، في الذكر والورد القرآني وصيام النافلة ، وقيام الليل والتهجد ، وإسعاف من حوله من أبناء المجتمع ، والأخذ بيد الضعفاء والفقراء والمعوزين ، وتطهير المجتمع من النقائص والرذائل ، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأسلوب مؤثر ، ﴿ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ ﴾ ثم ينتهي الأمر بالسالك إلى مقام المجاهدين في سبيل الله ، بكل الضوابط الشرعية والعقلية والسياسية ، مراعيا في ذلك دقة الظرف وأدب الوقت « لم أومر بقتال ».

ولكن هل تتحقق هذه البرامج والمناهج بالتمني والكلام والخطب والحوارات؟ والإجابة الوافية : لا ، فلا مناص من دورات تدريبية وترويضية تستغرق أشهرا ، تقوم على أمرها ثلة من ذوي القلوب الكبيرة التي تقدم النموذج الذي يقتدى ، وتمر بها كوادر الحركة الإسلامية فوجا إثر فوج ، ينفذون التعليمات والتطبيقات بهدوء ، وبعد عن الضجيج والأضواء ، حتى إذا استكمل كل فريق عدته في التزكية والسلوك انطلق إلى دروب العاملين لأداء واجبه في المهمات التي أوكلت إليه.

تحدث أحد العارفين الكبار وهو محمد بن المنكدر في معاناته في السيطرة على نفسه وخواطره ، فقال : كابدت نفسي 40 سنة حتى استقامت ، وقال آخر وأظنه عبد القادر الكيلاني : قدت نفسي فترة طويلة وهي تبكي -مكرهة- ثم قدتها وهي تضحك -طائعة- ، وكان بعضهم يتحدث ساعات فلا يترك في نفوس السامعين الأثر المنشود ، وكان بعضهم إذا بدأ بالبسملة ، فاضت العيون بالعبرات ، وهذا حال الربانيين الصادقين الذين تعلقت قلوبهم بالله ، ولم تعد تلتفت إلى سواه.

هذا الموضوع يشغلني ، ويستغرقني منذ حوالي عقدين ، حتى أعان الله على إنجاز كتاب : في التزكية والسلوك ، والفقير إلى رحمة ربه وعفوه يقدم نفسه للمشاركة في تنفيذ هذا المنهج مع الذين يشرفون على تنفيذه ، مهما تطلب ذلك من وقت وجهد ، والله المستعان.

لا يعني الفصل بين العمل السياسي والنشاط الدعوي أن يسير كل باتجاه بعيد عن الآخر ، بل يتمم كل منهما الآخر ، فالعمل السياسي يحمل واجهة سياسية مبرمجة ، وينطوي على روح دعوية ، والنشاط الدعوي يحمل واجهة دعوية بينية ، ولكنه ينطوي على إدراك سياسي ، ويصب في خانته تلقائياً في بناء الدولة والمجتمع عبر الانتخابات ، ودعم الكيانات والمؤسسات دون أن تحسب عليه ، أو يواجه بها ، كيلا تؤثر على المسيرة الدعوية التي لا يستطيع عدو أو خصم أن يتصدى لها ، أو أن ينكرها على ذويها طالما أنها لا تنافسه على البرلمان أو الحكم أو السلطة أو الجاه.

و- مقترحات في الاقتصاد :

النظام الرأسمالي ظالم في معظم جوانبه ، والنظام الاشتراكي فاشل في أكثر تطبيقاته ، فالأول مبني على الطمع البشري في الإنسان الذي لا يملأ عينه إلا التراب ، والثاني بسبب تسلط الأحزاب الشمولية ، والمتنفذين على المؤسسات والمشروعات المؤممة لينهبوها ، ويهربوا المليارات إلى البنوك في العالم الإمبريالي حسب تعبيرهم وثقافتهم- الذي يحاربونه.

كان الشيوعيون يسقطون كل فشل يمنون به على الإقطاع والبروجوازية ، وبعد أن صفاً لهم الجو ، وأمسكوا بناصية الحكم ، ولم يبق من أثر في مجتمعاتهم للإقطاع ولا لرأس المال ، واستمروا في الحكم زهاء سبعين عاماً ، دونما منافس أو معارض ، استبان بعد سقوط المنظومة في الاتحاد السوفياتي ، وفي أوربا الشرقية ، أن دهاقين الشيوعية قد ملأوا أيديهم وجيوبهم وبنوك الغرب بالمليارات التي نهبوها من أقوات الشعوب التي زعموا كذباً وزورا أنها هي الحاكمة ، أو أنهم يحكمون باسمها وبتفويض منها.

والذي أراه وأقترحه أن نعمد إلى نظام التمليك بضوابط الشرع والعدل ، مبرأة من الاستغلال والمراباة والغش والاحتكار وما إليها.

لقد أوحت لي زيارة المؤسستين العتيدتين في أجياد والمصفاة ، وما رأيته فيهما من إنصاف للمهندس والعامل ، ومن رعاية صحية وتعليمية وترفيهية ، ورواتب مجزية أو مناسبة ، وعلمت أن تكاليف كل مشروع قد بلغ حوالي ثلثي مليار دولار ، وأنه في طريقه لتسديد تكاليفه ، فبدا لي أن يتحول كل مشروع منهما ، ومشابه لهما إلى أسهم يقدر كل سهم بدولار أو عشرة دولارات حسبما يقدره ويرسمه المختصون ، ويطرح للبيع ، على أن تكون الأفضلية للعاملين بالمصنع من مهندسين وعاملين ، وأن يوضع حد أعلى لتملك الأسهم للمهندس ثم العامل ، كيلا تسيطر فئة صغيرة على المشروع ، وأن يكون له مجلس إدارة تمثل الفنيين والعاملين حسب نظام ولائحة لإدارة المشروع ، وأن يقتطع ثمن الأسهم من رواتب الذين تملكوا الأسهم على فترات مريحة بمعدل ثلث الراتب أو ربعه أو خمسه حسبما تقدر الدراسة التي يعدها مختصون ، وأن تنفق هذه الأثمان على مشروع مماثل أو مشروعات أخرى ، فلا تمضي فترة ، حتى يكون المهندسون والعاملون مالكين بما دفعوه من رواتبهم ، فيزول التناقض بين المالك -الدولة أو الرأسمالي- الذي يحرص على جني الأموال من الربح على حساب العامل أحيانًا ، وبين العامل الذي يحاول الحصول على دخول مجزية عن طريق المطالبة الدائمة والإضرابات ، دون أن يكون لديه الحافز على زيادة الإنتاج ، لكنه بعد التملك يعمل بإخلاص وحماسة ، لأنه شريك في ملكية المشروع أو المصنع أو المؤسسة ، سواء أكان ما يتقاضاه من دخل ، أو بما يملك من أسهم ، ستعود عليه بالنفع فيما تحققه المؤسسة من نجاح وربح وتقدم.

هذه السياسة الاقتصادية في التمليك ، تنهي الصراع والتناقض بين الطبقات أو الفئات ، وتزيد الإنتاج ، وتنهض بالمؤسسات الاقتصادية والمنشآت ، ويتيح للدولة إقامة مشروعات كثيرة ، تنشئها ، وتستعيد تكاليفها ، ثم تعمد إلى تمليكها ، ثم تنشئ مصانع أو مؤسسات أخرى جديدة -حسب حاجة المجتمع ، وما يقتضيه تطوره وازدهار واكتفاؤه- بالمبالغ التي استملتها ثمناً للأسهم وملكتها حسب الضوابط المنوه عنها. وسياسة التمليك هذه تتفق والفطرة التي فطر الله عباده عليها ، والغرائز التي أثبت علم النفس وجودها في تركيب النفس البشرية ، وإحداها غريزة التمليك.

إن انشغال الدولة في تملك المشروعات بصورة دائمة ، وبالإشراف المباشر على الكبير والصغير فيها ، يصرفها عن أمور جوهرية في الحكم ، وينتهي بها إلى ما انتهى إليه الحكم الاشتراكي الذي ينكر ذووه الطبيعة البشرية والفطرة التي فطر الله الناس عليها ، زاعمين أنها من بقايا رواسب الحياة البورجوازية.

هذه أفكار موجزة ، تستدعي حوارات موسعة ومفصلة بين المعنيين والفنيين ، لقبولها أو رفضها أو تعديلها ﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ والحمد لله في الأولى والآخرة ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، والله ولي التوفيق.

3 محرم 1426 الموافق 14 - 2 - 2005
الفقير إلى عفو ربه وغفرانه
عدنان سعد الدين
8- لم يكد ينقضي شهران على تقديم المذكرة التي ورد ذكرها وتفاصيلها ، حتى أتبعتها بمذكرة أخرى ، تناولت تفصيلات جديدة ، وتقاطعت مع بعض الأفكار في المذكرة السابقة ، غير أنها تحتوي على خطوات وبرامج إجرائية فيما يخص التنفيذ والتطبيق ، كما أنها تنبه إلى مخاوف يمر بها السودان من مكائد وأخطار ، يبيت له من داخله ومن خارج حدوده ، وقد تقدمت بهذه ال مذكرة الثانية - شأن التي سبقتها - إلى السيد النائب المعروف بفطنته ودقته ومتابعته للموضوعات ذات الصلة بمصير العباد والبلاد ، والصبر على ذلك صبرا يذكر بصبر سيدنا أيوب عليه السلام.

وهذه مقتطفات تشمل معظم ما احتوته هذه المذكرة من أمور تم التنويه عنها.

أ- فمنذ أكثر من شهرين تركت السودان ، والبال منشغل به خشية أن ينال منه الكائدون والمتربصون في داخله ومن خارجه ، والحاقدون عليه ، تركت السودان مشفقا على شعبه من موجة الغلاء التي تجتاحه ، وتكاد تطحنه ، ولا سيما أبناء الطبقة الوسطى في السكن والغذاء وغيرهما ، تركت الخرطوم والخوف يملأ القلب على المسؤولين في الإدارة السودانية من مديرين وموظفين في الوزارات والإدارات والمؤسسات والشركات والمكاتب من طغيان حب الدنيا على أكثرهم ، واستغراقهم في الاهتمام بالمال والمنصب والسيارة والعمارة والجاه وحب الشهرة ، قائلاً لنفسي : إذا أصيبت التجربة السودانية بأي نكسة أو فشل ، وقد هيأ الله تعالى لها الأرض الواسعة الزاخرة بالكنوز ، والفئة التي التزمت بمنهج الإسلام ورفع رايته ، وبهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وسارت على خطاه ، والتي عرفت بالصبر والحكمة وطول الأناة ، أفلا يكون ذلك مدعاة لتحطيم آمالنا -نحن أبناء الإسلام- وإغراقنا في لجج اليأس والقنوط؟!

بعد شهرين من التأمل داخل النفس والحوار مع الذات تبلورت في خلدي مقترحات ربما كانت نافعة لمن كان له قلب مطمئن ذاكر ، أو ألقى السمع وهو شهيد.

وإذا لاقت الفكرة التي تقدمت بها في مذكرتين سابقتين ، والتي ترمي إلى انصراف الحركة الإسلامية في السودان للعمل الدعوي بكل جوانبه ، وأخص بها : إحياء رسالة المسجد ، وتوعية الشعب بكل الوسائل المتاحة ، وإسعافه بما يعينه على مواجهة الظروف المعاشية الصعبة ، والتحرك في الجنوب بعيداً عن الأنشطة والطموحات السياسية مهما كانت المغريات ، والنأي عن الصراع حول الوزارة والنيابة والولاية وغيرها ، وترك ذلك للمؤتمر الوطني ، وكلا النشاطين يصب في المربع الآخر ، فالحركة الإسلامية ترفع راية العمل الدعوي ، وتنطوي في أهدافها البعيدة على المحصلة السياسية ، أو تكون هي إحدى ثمراتها ، والمؤتمر الوطني يرفع علم البرنامج السياسي وينطوي على العمل الدعوي ، فكلاهما يتمم عمل الآخر ويكمله.

وفي هذه المفكرة أقتصر في البحث على رسالة المسجد المبرمجة ، لأن ما عداها يأتي امتدادا وثمرة لها.

ب- منذ أشرقت شمس الإسلام على البشرية ، كان المسجد مبعث النور والهداية ، ومركز البحوث والعلوم ، ومعهد التربية والتزكية ، وعرين المجاهدين الذي انطلقت منه رايات الجهاد والفتوحات ، والمقر الدائم لأبناء المجتمع الذي تنصهر فيه جموعهم في وحدة إيمانية متآخية ومتعاونة ومتكافلة ، كما كان المسجد ساحة للقضاء والحكم بما أنزل الله ، وإبرام عقود الزواج ، وغير ذلك من كل ضروب الأنشطة والفعاليات الاجتماعية غيرها.

إن مشروع أو برنامج التزكية الذي تقدمت به إليكم والذي استخلصته من حياة العارفين وال ربانيين الذين كتب الله على أيديهم النهوض بالأمة وتربية أبنائها ، وحمايتها من أعدائها ، بدءاً من الحسن البصري رحمه الله رائد منهاج التزكية والسلوك ، ووصولا إلى حسنن البنا مجدد الإسلام في القرن الرابع عشر الهجري ، دونما إيجاز مخل بتحقيق الغاية ، أو إطناب ممل لا يستطيعه إلا المختصون الكبار دون سائر الناس.

وإذا كان محور العملية التربوية هو المعلم ، فإن محور الرسالة المسجدية هو العالم أو الشيخ أو الإمام أو المصلح الذي يجسد في كلامه وعمله وسلوكه وروحه هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم ، والذي اتبعوا نهجه من الأولياء والصديقين من أمثال الحسن البصري والمحاسبي والقشيري والجنيد البغدادي والغزالي والكيلانيو ابن تيمية وابن قيم الجوزية ، ومئات من أمثالهم ، هيأتهم العناية الربانية للأمة الإسلامية في عصورها وأمصارها ليكونوا ورثة النبوة في أداء الأمانة ، وتبليغ رسالة الله إلى خلقه.

ولكن من أين نأتي بأمثال هؤلاء الرجال الأفذاذ في عصر تغرق الموجة المادية الناس بمن فيهم شريحة من المتدينين إلا من رحم الله؟

ولذا فلا مناص من التفكير الواقعي والعملي والممكن تنفيذه كي لا يضيع الوقت والعمر في الأحلام والأوهام. حـ- أرى أن نخصص في كل ولاية من ولايات السودان مسجدًا ذا أهمية في مكانته ومكانه في مركز الولاية من حيث الموقع والبناء والمرافق ، وأن تخصص في العاصمة المثلثة ثلاثة مساجد ، فيكون المجموع ثلاثين مسجدًا ، نختار لها أرباب القلوب الكبيرة -قدر الممكن- والهمم العالية ، والعزيمة الصادقة ، يمنحون رتبة وزير أو وكيل أو مدير عام ، وتخصص لهم رواتب مجزية ومنزل مريح وسيارة ، وغير ذلك ، ليتفرغ للمهمة الكبرى التي سيناط به أداؤها ، ثم تحدد له برامجه ومهماته التالية.

- يؤدي الواجبات التي يضطلع بها أئمة المساجد في السودان من إمامة وتدريسا ، وإلقاء خطبة الجمعة ، وإفتاء المصلين ورواد المسجد عما يسألونه ويستفسرون عنه.
- يختار من أبناء الولاية ، أو يختار له -وهو الأجدى- عدداً يتراوح بين عشرين وخمسة وعشرين من الأذكياء والأتقياء ليعايشهم ، ويدربهم ، ويأخذ بأيديهم ، تأديبا وتعليما وترويضا وسلوكاً طبقا للمنهاج الذي يتناول التزكية من كل جانبها ، والذي أعانني ربي على وضعه ، وضمه كتاب في التزكية والسلوك ، على طريق الخلوة أو المرابطة كما كان يفعل المهديون والسنوسيون ، بمنطق العصر ووسائله المتاحة والمتطورة ، يستمر فيها المريد أو التلميذ مدة لا تقل عن ثلاث سنوات إلى خمس سنوات دأبا ، لا تقطعها إلا إجازات محدودة لأيام يزور فيها التلميذ أهله ، ثم يعود ليستأنف سيره.

تقوم هذه الثلة أو المجموعة بعد أن يتأكد إمامها من نجاحها وسيطرتها على نفوسها ، وتحررها من الرغبات والأطماع والشهوات والنزوات والتعلق بالدنيا ، والميل إلى الشهرة والجاه والمال ، والانصراف الكامل إلى طاعة الله ، والجهاد والمجاهدة في سبيل إعلاء كلمته ، وتحكيم شريعته ، والفناء في محبته ، هذه الثلة التي يشهد لها الشيخ أو المربي القدوة أنها اجتازت هذه المرحلة بنجاح ، وسيطرت على خواطرها ونفوسها سيطرة كاملة ، تصبح مؤهلة لتبليغ دعوة الله ، ليس في السودان وحده شمالاً وجنوبا ، بل في القارة الإفريقية جمعاء على طريقة الداعية الكبير أحمد ديدات.

هذا العمل الكبير تخصص له إدارة في أجهزة الحركة الإسلامية ترعاه وتشرف على تنفيذه ، وتتفقد سيره طبقا لخطة أو جدول يحدد عدد الجولات على هذه المساجد أو المراكز -أو الرباطات- الثلاثين ، كل ثلاثة أشهر أو أربعة ، لتتأكد من حسن التطبيق والتنفيذ ، وتخصص لهذه الإدارة ميزانية تكافئ حركتها ومهماتها ، ومتفرغون وأدوات للنقل والاتصال وغير ذلك من لوازن التحرك ، وأنوه -كما قلت من قبل- إلى أنني مستعد لأن أضع نفسي تحت تصرف هذه الإدارة للعمل معها في التخطيط والتنفيذ والإشراف والجولات فيما تبقى من بقية في هذه الدنيا قبيل الرحيل المحتوم.

هل ينبغي أن ننتظر سنوات حتى يؤتى هذه الجهد أكله؟ والأيام تمر ، والأخطار تزداد ، وإغراءات الحياة تلح على شبابنا وأبنائنا؟ وإذن لابد من عقد دورات شهرية ينخرط بها ، ويؤتى إليها بالموظفين ذوي الأهمية ، وبالأشخاص الذين يمسكون بناصية الأعمال المؤثرة ، أو الذين يحتلون مفاصل ذات أثر بالغ في الوزارات والإدارات والمؤسسات والمشروعات والأجهزة.. إلخ ، ليلحقوا بهذه الدورات المتتابعة.

وهذه الدورات وإن لم تبلغ الغاية مما ورد في الفقرة السابقة ، إلا أنها تخفف من ضغوط الإغراءات الحياتية في المال والجاه ، وتحرك في النفس عوامل الخبر والتقوى والبر الراكدة في الأعماق ، وتشعل في القلب نار الخوف من الحي القيوم ، والرجاء برحمته وعفوه ، فيكون لذلك بعض الأثر الحسن في التزكية والسلوك وأداء الأمانة وكبت روح الطمع والتعلق بالدنيا دار المتاع والغرور ، وتضيق الخناق على الفساد المالي والإداري المستشري في كل بلادنا ، وا أسفاه ، وحبذا لو تكررت هذه الدورات شهراً أ وبعض شهر من كل عام كما تفعل الجيوش للجنود كيلا يهملوا أو ينسوا التدريب الذي تلقوه من قبل على حمل السلاح.

د- والخلاصة : إن إحياء دور المسجد ، وتفعليه في حياة المسلمين تشمل : صناعة الرجال والدعاة ، وتكوينهم ، وتربيتهم ، وتزكيتهم ، تمهيدا لدفعم إلى الساحات كافة ، كما تشمل إقامة الدورات الشهرية أو بعض الشهرية ، لتحصين رجال الدولة وقادة المجتمع ، ليكونوا عامل ارتقاء ونهوض ، وتثبيت للأمة في مسارها أو سيرها إلى الله ، شأن الجبال في توازن الأرض أن تميد بأهلها ، بالإضافة إلى الأعمال المعهودة من إمامة وتدريس وخطابة وإفتاء وما يتبع ذلك ، ومن المفيد للغاية ، بل ومن الواجب تشكيل حلقات فقهية للجميع ينضم إليها -اختيارا- الراغبون من رواد المسجد ، وإلزاما للمرابطين الدائمين ، وأبناء الدورات المؤقتين للتمييز بين الحلال والحرام ، ولمعرفة وفهم سائر الأحكام.

وأخيراً ، فإن الإدارة المشرفة على هذا العمل الجليل تبادر إلى إصلاح أي خلل يشوب أو يضعف هذا المنهاج من خلال التطبيق والتنفيذ عبر الإشراف والجولات ، عندما تكتشف أن إماماً غير جدير بهذه المسئولية لتغييره ، أو طالبا يغلب على طبعه الفساد أو الفشل لإبعاده واستبداله.

في الساعات الأخيرة من زيارتي للسودان ، قلت للسيد النائب :

إن أزمة الغلاء تطحن شريحة واسعة من السودانيين ، ولاسيما أبناء العاصمة الذين يشكلون شطرا كبيراً من سكان القطر ، فبادرتم إلى القول : ادع الله لنا أن يعيننا في التغلب على هذه الأزمة ، وهذا يعني أنها خارج السيطرة ، وأنها مستحكمة وأنها تشغل حيزا كبيراً من اهتمامكم وهمومكم ، وهذا أمر متوقع بعد زحف شركات البترول والمشروعات الكثيرة إلى السودان ، وما تملكه من رساميل كبيرة ، ليس بمقدور السودانيين منافستها ولو كانوا من أهل السعة والثراء.

تأتي في طليعة هذه الأزمة أسعار العقارات وأجورها ، وكذا أسعار المواد الأساسية كالطحين والسكر واللحم والسمك ، فليس بمقدور الفقراء وأبناء الطبقة الوسطى منافسة الشركات ، فشركة البترول والشركات المماثلة تستطيع استئجار العمارة ذات عشرات الشقق بكاملها ودفع أجورها بملايين الدولارات ، فمن الذي يستطيع مجاراتها من الموظفين ، بمن فيهم ذوو الرواتب المجزية للعثور على السكن المناسب؟!!

أما أسعار الغذاء فقد صارت فلكية ، فكيلو سمك العجل يساوي في السعر بضعة وثلاثين ألف جنيه سوادني ، وهو الذي يصطاده السودانيون من النيل الذي يجري من تحت أقدامهم ، وسعر كيلو لحم العجل أو الضأن يبلغ بضعة عشر ألف جنيه في بلد يملك أكبر ثروة حيوانية في العالم ، أما سعر كيلو السكر ، فإنه يزيد أكثر من خمسين بالمئة على مثليه في الأردن الذي يستورده ، ويضيف على ضريبة مرتفعة غير مباشرة ، وكذا حال الطحين والأرز وغيرهما.

ربما يكون لهذا أسبابه من التضخم والطفرة الاقتصادية بعد ظهور البترول ، والتهريب إلى دول الجوار ، وما إلى ذلك مما يحيط بمعرفة تفصيلاته الاقتصاديون والماليون والمعنيون ، ولكن هل نترك المواطنين ينوؤون تحت كابوس الغلاء وكلكله عشر سنوات أخرى؟ لا بد من التفكير الجاد بحل الأزمة أو التخفيف من وطأتها وقسوتها.

هـ- ولنكتف بالحديث الموجز عن أزمة السكن وأزمة الغذاء ، إذ ليس من المنظور القريب حل أزمة السكن لأن الطلب عليه شديد ، يفوق العرض ويزيد عليه ، وبهذا الصدد أذكر بما لجأت إليه بعض الحكومات حيث خصصت ضاحية من ضواحي العاصمة للبعثات الدبلوماسية ، وضاحية للشركات ، وأقطعت كل سفارة أو شركة قطعة أرض تبنيها أ وتستأجرها ، أو تنشئ الحكومة عمارات وفللا أو منازل تقوم شركات البناء بتشييدها ، ثم تؤجرها للسفارات والقنصليات وما إليها بأسعار تغطي تكاليفها بفترة قصيرة ، ثم تشكل دخلا مجزيا للدولة بعد سنوات قليلة ، فإذا توقفت البعثات والشركات عن طلب العقارات في داخل العاصمة ، انخفضت الأسعار ، وعادت لسابق عهدها أو بزيادة معقولة.

أما أسعار الغذاء لاسيما اللحم والسمك والسكر والطحين وفاتورة الكهرباء فهي فادحة ومرهقة للمواطنين, هي أعلى من مثيلاتها في الأقطار العربية ، وربما كان تخفيضها أمراً عسيرا لأسباب مر ذكرها ، ويطول شرحها ، فلا مناص ، والحال هكذا ، من دعم الحكومة لعدد من المواد الرئيسية في حياة المواطنين ، وأخص اللحم والسكر ، فاللحم يغني عن السمك ، والذرة تردف الطحين ، ولا أتصور أن الدولة تعجز عن تأمين المادتين -اللحم والسكر- في العاصمة عن طريق البطاقة ومتعهدي اللحوم ، ليستلم المواطن أو العائلة حصة كل أسبوعين ، أي مرتين في الشهر من المتعهد في الحي بالسعر المنخفض ، وتستلم العائلة حصتها من السكر على رأس كل شهر ، وبالمقدار الذي يحدده العارفون بطبيعة الاستهلاك ، وحبذا تخفيض أسعار الكهرباء ، مهما كان تحمل الدولة ، تخفيضا عن كاهل المواطن الذي أرهقته فاتورة الكهرباء بسعرها الذي يفوق أمثاله في جميع البلاد العربية ، وأن لا تنتظر كثيرًا ، حتى يكتمل مشروع الكهرباء فيه ، بعد أن قيل إنه سيعمل كاملاً عام 2007 وإذا بعام 2009 يأتي ليعمل طوربينان من عشرة ، وإذا بالكهرباء تنقطع وتسبب أضراراً بالغة للمواطنين. و- أنهي هذه المذكرة بعدد من الملحوظات ، فأكر الأولى متسائلا :

هل الذي ذكرته ضرب من الأوهام والأحلام؟

وهل يجيء هذا النصح تغريدا خارج السرب؟

وأنني لا أدرك الواقع الذي لا يحيط به إلا رجال السلطة وحدهم؟

وهل الدولة عاجزة عن معالجة هذه الأزمات في حدها الأدنى الذي ذكرت؟

ربما ، غير أنني أشير إلى نصح الفضيل بن عياض لهارون الرشيد عندما رآه يسعى ، فقال له :

يا هارون : ارق الصفا.

قال : فعلت.

قال الفضيل : كم عدد هؤلاء؟ ( وأشار له إلى مجموع الحجيج. ).

أجاب هارون : خلق كثير.

قال الفضيل : كم عدد المسلمين؟

قال الرشيد : عدد لا يحصيه إلا الله.

فقال الفضيل بن عياض : كل واحد منهم مسؤول عن نفسه ، إلا أنت فمسؤول أمام الله عنهم جميعاً.

فبكى هارون بدموع سخية ، فتركه الفضيل يذرف عبراته ، ويمسحها بمناديل ، ثم مضى.

وفي ملحوظة ثانية ، نذكر أن أمريكا تناقض نفسها ، فتثني على السودان ، ثم تعمل على إيذائه ، فما الذي تريده؟ وما هي دوافعها؟

هل الروح الصليبية التي بدت لكل ذي عينين وأذنين في سياسة الفريق الأمريكي الحاكم؟ في عهد بوش.

هل هو التحريض الإسرائيلي الذي يتخذ لنفسه مواقع عسكرية على حدود السودان أو في جواره عبر تعاونه مع حكومة أريتريا الدموية؟ ودول الجوار الأخرى.

هل الطمع الشره في بترول السودان الواعد عالي الجودة؟

هل الخوف من استقرار الحياة السياسية السودانية تمهيدا لقيادة إفريقيا ذات الأكثرية المسلمة؟ أياً كان الأمر ، فالتساؤل الوارد : هل البحث عمن يحرك العربة الأمريكية.

هل تحريض بعض المعارضين ( من ذوي الكيد ) للأمريكان على تغيير الحكم في السودان كما قرأت ذلك في صحيفة أردنية وسلمت للنائب وللبروفسور عبد الرحيم على صورة عنها؟

أياً كان الأمر ، فأرى أن لا تأتي التصريحات المضادة لأمريكا من السيد الرئيس حفظه الله شخصيا ، بل نتعامل معها على طريق السيد النائب والسيد مصطفى عثمان بالتهوين من شأنها ، وعدم المناطحة معها ، مع الأخذ بالاستعداد قدر الاستطاعة ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ ولتأت الردود اللينة من الناطق باسم الخارجية أو الإعلام أو أي جهة معينة أخرى.

وتأتي الملحوظة الثالثة والأخيرة حول منهاج التوعية والتربية والتزكية والسلوك الذي يرمي إلى تثبيت وتطهير القلوب ، والنفوس ، وتحصين الرجال والنساء من المسؤولين في الإدارة الحكومية والمجتمع في حال الاقتناع به ، وإنه طريق الفوز في دنيانا ، وفي يوم يفر المرء من أخيه ، وأمه وأبيه ، وصاحبته وبنيه ، وفصيلته التي تؤويه ، مؤكداً كما ذكرت من قبل أكثر من مرة ، أنني على استعداد لتقديم جهدي المتواضع في أي مرفق من مرافقه ، أو مرحلة من مراحله ، سواء أكان ذلك في الإدارة المعنية في الحركة الإسلامية التي سبق التنويه عنها ، أم بالإشراف المباشر للمجموعات المرشحة والمختارة ، أم بالجولات على المراكز أو المساجد أو الرباطات كما جاء ذكر ذلك من قبل ، أو أي عمل أضطلع به فيما تبقى لنا من أيام في هذه الدنيا الفانية قبل الرحيل الحتمي إلى جوار الله ، سائلين المولى أن يجعل خير أعمالنا خواتيمها ، وأسعد أيامنا يوم نلقاه بقلوب سليمة نقيض يحبه وتعظيمه والتوكل عليه ، وتفويض الأمر كله إليه.

والحمد لله الذي بنعمته وفضله تتم الصالحات ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

20 - 10 - 1426 هـ - 23 - 11 - 2005م
الفقير إلى عفو بارئه ورازقه
عدنان سعد الدين

وبالرغم من أن هذا المجلد خاص بالعلاقات السياسية لجماعة الإخوان المسلمين السورية في الثمانينيات من القرن العشرين ، فإن العلاقات مع السودان حالة استثنائية خاصة اقتضت أن تستمر العلاقة والصلة والتشاور معه تتمة سنوات القرن العشرين ، وفي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ، فاقتضى التنويه إلى ذلك ، سائلاً المولى سبحانه أن يحفظ السودان ويأخذ بنواصي أهله وقادته إلى التوفيق ومرضاة الله سبحانه.

  • * *

التجربة السابعة مع المجاهدين الأفغان

في عام 1979 انفجرت الثورة الإسلامية في أفغانستان ، كما انفجر في نفس العالم الصدام بين المعارضين السوريين ، وبين حكومة الأقلية التي سطت على الحكم واستولت على السلطة عن طريق لواء في الجيش السوري قاده العقيد زياد الحريري ، تاركاً الجبهة مع العدو ، واتجه إلى دمشق ، لتسقط في أيدي تكتل طائفي شكل له الحريري واجهة سرعان ما تم الاستغناء عنها بعد حوالي مئة يوم بعد انقلاب الثامن من آذار عام 1936.

في هذا العام 1979 تمت الاتصالات بين قادة المجاهدين السوريين وبين قادة المجاهدين الأفغان الذين اتخذوا من مدينة بيشاور الباكستانية القريبة من الحدود الأفغانية مقرا لهم ، فكانت الزيارات والاتصالات لا تتوقف ولا تنقطع ، وكانت المشاروات وتبادل الخبرات والتعاون بين السوريين والأفغان قائمة على قدم وساق.

قمت بعشرات الزيارات إلى بيشاور ، وتعرفت عن قرب إلى قادة الجهاد الأفغاني ، وتكون لدي انطباع وتقويم لكل واحد منهم ، ولكل تنظيم من تنظيماتهم السبعة التي رفعت راية الجهاد الأفغاني ضد الاحتلال السوفياتي لأفغانستان.

عندما دخلت القوات السوفياتية إلى أفغانستان لدعم الحكومة الشيوعية فيها ، لم تكن حركات الجهاد الأفغاني قد ولدت ، أو ظهرت على الأرض الأفغانية ، فكان من اليسير على القوات السوفياتية الثقيلة أن تصل إلى قمم الجبال وسفوحها ، وإلى الواحات في العمق الأفغاني.

وعندما بلغ عدد مجاهدي أفغانستان مئات الألوف ، لم يكن بمقدور القوات السوفياتية أن تتحرك ( في بلد تشكل الجبال الشاهقة من أرضه حوالي ثمانين بالمئة من مساحته الكلية ) كما يحلو لها ، بل أضحت كالمحاصرة ، وفي حالة لا تحسد عليها.

إن عشرات الزيارات إلى بيشاور وممر خيبر والأراضي الأفغانية أتاحت لنا أن نعيش تفصيلات الجهاد الأفغاني من كل جوانبه ، وهذا موجز عن نشوء حركة الجهاد والمراحل التي مر بها.

1- بدأ الاحتلال السوفياتي لأفغانستان عام 1979 ، وكان المجاهدون جميعاً في داخل أفغانستان ، وعندما اشتدت الوطأة على المجاهدين ، قرروا الذهاب إلى داخل الأراضي الباكستانية ، والاستقرار في مدينة بيشاور القريبة من الحدود الأفغانية ، وكان من رأي برهان الدين رباني ، كما تقول مصادر أفغانية ، أن يأخذ بالحل السياسي مع الحكومة الروسية ، ولكن حكمتيار -أحد المجاهدين الأفغان الكبار- رأى الأخذ بالحل العسكري ، لذلك استقطب المجاهدين الذين أخذوا برأيه ، وبدأت بذلك مسيرة الجهاد الأفغاني الذي انتهى بتحطيم الغزو السوفياتي ، ومن ثم الاتحاد السوفياتي نفسه.

بذلك يكون قلب الدين حكمتيارأول من رفع السلاح في وجه الغزو الروسي لأفغانستان ، وكان رباني يحمل حكمتيار المسؤولية عن الخسائر في صفوف الأفغان ، غير أن قافلة الجهاد كانت قد شقت طريقها كإحدى أخطر الحركات الجهادية في القرن العشرين.

تم الإفراج عن بعض السجناء ، كان بينهم عبد رب الرسول سياف المحكوم عليه بالإعدام ، والذي تم الإفراج عنه عن طريق الخطأ ، وسرعان ما انتقل إلى بيشاور ، والتقى مع فضائل المجاهدين ، ومع قادتهم مثل : برهان الدين رباني رئيس الجمعية الإسلامية في أفغانستان ، وغلب الدين حكمتياررئيس الحزب الإسلامي الأفغاني ، ومولوي يونس خالصرئيس الفرع الآخر من الحزب الإسلامي ، وصبغة الله مجددي رئيس أصغر المجموعات الجهادية ، وسيد أحمد جيلاني رئيس الجبهة الوطنية ، وهو من أصل عراقي ، وثقافته غريبة محضة ، لأنه نشأ وعاش في الغرب ، ومولوي محمد نبي رئيس جمعية علماء أفغانستان سابقًا ، ورئيس حركة انقلاب إسلامي بين فصائل المجاهدين ، بالإضافة إلى الأستاذ سياف الذي شكل تنظيم الاتحاد الإسلامي لتحرير أفغانستان.

اتفق قادة الجهاد مع سياف على الاندماج في تنظيم واحد ، فتشكل الاتحاد الأول للمجاهدين الأفغان ، وانتخاب سياف رئيسا له.

حاولت الدول الكبرى التدخل وتمزيق الصف الأفغاني وشراء أو جذب بعض الفضائل ، فاستطاعوا التأثير على بعضهم مثل مجددي وجيلاني ، وإلى حد ما مولوي محمد نبي ، فذهبوا إلى الغرب مثل ألمانيا وبريطانيا وأمريكا ، فحدث رفض من داخل هذه الحركات الثلاث ، فبرز مولوي محمد مير بالانفصال عن سيد أحمد كيلاني ، وقام بتشكيل الجبهة الوطنية لإنقاذ أفغانستان ، كما قام رجلان من حركة الانقلاب ، وانفصلا عن محمد نبي ، وشكل كل منهما جماعته تحت اسم حركة انقلاب إسلامي والرجلان هما مولوي رفيع الله مؤذن ، ومولوي نصر الله منصور ، فتمت الأمور بتشكيل الاتحاد الإسلامي لمجاهدي الأفغان على النحو التالي :

1- الأستاذ عبد رب الرسول سياف : رئيسا.
2- الأستاذ قلب الدين حكمتيار: نائباً للرئيس.
3- الأستاذ برهان الدين رباني : مسؤول اللجنة العسكرية.
4- مولوي يونس خالص: مسؤول اللجنة المالية.
5- مولوي محمد مير : مسؤول لجنة الإفتاء.
6- مولوي رفيع الله مؤذن : مسؤول لجنة القضاء.
7- مولوي نصر الله منصور : الأمين العام.

سارت الأمور لبعض الوقت على ما يرام ، فمجلس الشورى بأعضائه السنين كانوا على قلب رجل واحد ، وكذا كان قادة الاتحاد ، إلى أن دب الخلاف بينهم حول الجانب المالي ، فمنهم من اتهم سياف بصرف معظم المال لتنظيم حزبه ، ومنهم من اتهم التوزيع بنسب بعيدة عن مراعاة ثقل كل تنظيم من التنظيمات السبعة ، فحكمتيار يبلغ عدد تنظيم حزبه من المجاهدين ثمانين ألف مجاهد ، وعدد أتباع نصر الله يبلغ عشرين ألفا ، فكيف يستلم كل منهما مقدار ما يستلم الآخر؟ واتهم مولوي يونس خالصمسؤول اللجنة المالية بأنه استلم مبلغ 30 مليون باسم الاتحاد ، أنفق منها 13 مليون روبية واحتفظ بـ17 مليون لم يصرح بها ، بدعوى أن اللجنة العسكرية واللجنة الصحية لم تقدما كشوفا بالمبلغ الذي استلموه!!

فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون ، بل ويتهمون كالذي حدث في أحد اجتماعات مجلس الشورى.

دعي رباني وحكمتيار إلى إيران لحضور احتفالات ذكرى الثورة الإيرانية ، فسافرا دون موافقة الاتحاد كما أعلن سياف ، فاقترح مجلس الشورى في غيابهما تغيير رؤساء اللجان ، فلم يوافق رباني بعد عودته على التغيير ، ولم يعد يحضر اجتماع اللجنة السياسية التي أسندت إليه ، وكذلك الأمر بالنسبة لمولوي يونس خالصالذي ترك الاتحاد ، لكن تنظيمه لم يترك الاتحاد.

سافر رباني إلى فرنسا بدعوة من الرئيس الفرنسي دون أن يستأذن من الاتحاد.

سمي من جديد أسماء اللجان في الاتحاد من : أحمد شاه زي ، ومولوي محمد مير ، ومولوي رفيع الله مؤذن ، وواحدي أحمد زي ، ومولوي عبد الحي زعفراني ، ومولوي سلطان عزيز ، والأستاذ سيد ملا صديق.

ازداد عدد المهاجرين الأفغان إلى باكستان فبلغوا ثلاثة ملايين مهاجر ، وعدد المهاجرين إلى إيران أكثر من مليون مهاجر ، وعدد المهاجرين في داخل أفغانستان إلى حوالي 8 ملايين مهاجر.

يقدر المعنيون عدد المجاهدين في أفغانستان بثلاث سنة ألف مجاهد ، موزعين على التنظيمات السبعة كالتالي :

80 ألف مجاهد تابعون للأستاذ حكمت يار.
70 ألف مجاهد تابعون للأستاذ رباني.
60 ألف مجاهد تابعون للأستاذ سياف.
30 ألف مجاهد تابعون للأستاذ مولوي يونس خالص.
20 ألف مجاهد تابعون للأستاذ محمد مير.
20 ألف مجاهد تابعون للأستاذ رفيع الله مؤذن.
20 ألف مجاهد تابعون للأستاذ نصر الله منصور.

علماً بأنه يوجد حوالي 800 ألف غير مسلحين ، كما يوجد في بيشاور معسكرات : أبو بكر ، وسلمان الفارسي وهما تابعان لسياف ، ومعسكر ورسك تابع للأستاذ حكمت يار ، ومعسكر خالد بن الوليد تابع للأستاذ رباني.

2- استمر التعاون بيننا وبين الأفغان على كل الصعد ، وفي كل الميادين سواء أكان ذلك في أفغانستان أو في أوربا أو في العراق ، وقد جاء ذكر التعاون بين العراق والأفغان في الفقرة الخاصة بالعراق ، وبين الأفغان ومنظمة التحرير في الفقرة الخاصة بمنظمة التحرير الفلسطينية ، فلا داعي للتكرار.

كانت اللقاءات المشتركة مع الأفغان ، كما نوهت ، مستمرة في أوربا ، ومن ذلك لقاء في فرانكفورت بين وفد أفغاني وآخر سوري عام 1984.

كانت مجموعة الأفغان تتألف من : محمد ولي عضو الحزب الإسلامي في ألمانيا ، مسؤول المكتب الإعلامي.

ومن عبد الكريم بوبال عضو الاتحاد العام واتحاد الطلبة الأفغان ، وعبد الكريم رئيس اتحاد المجاهدين الأفغان ، ومثل الحزب الإسلامي رئيس الحزب -فرع أوربا-.

وكانت مجموعة الإخوان السوريين تتألف من : كاتب هذه الأحرف ، وثلاثة من الإخوان أعضاء اللجنة السورية في ألمانيا.

كان موضوع اللقاء : بحث مجالات العمل المشتركة وسبل تعميق الصلاة والتعاون.

بدأت الجلسة بحديث عام عن أوضاع الإخوة الأفغان في الداخل والخارج ، وعن المشكلات التي تحيط بقضيتهم ، خصوصاً ما يتعلق بصلتهم بإيران ، وذكروا أنهم مضطرون للتعامل بصورة دبلوماسية مع الإيرانيين مع اقتناعهم بأن الثورة الإيرانية تقف منهم موقفا معاديا ، ففي الاحتفالات الإيرانية -الفجر- دعي كل من رباني وحكمتيار ، وتكلم حكمتيار ساعة ونصف ، أوضح خلالها الموقف السيئ الذي تقفه إيران من الثورة الأفغانية ، وشرح دور وحقيقة الثورة الإيرانية ، وبالرغم من وجود عدد كبير من المراسلين والصحفيين لم تنشر كلمته ، وإنما اكتفى بنش الخبر إذ أذاعوا فقط : بأن أحد رجال الفكر الأفغاني قد ألقى كلمته.

وفي لقاء آخر مع الصحفيين أوضح حكمتيار التعصب المذهبي الذي تنتهجه إيران.

كما ذكر الإخوان الأفغان أن الحكومة الإيرانية قد نقلت مركزهم الرئيسي من طهران ، واستبدلت به مكتبا صغيراً في مدينة مشهد ، كما أن اللاجئين والمهاجرين الأفغان ، لا يتمتعون بالمعاملة الحسنة ، ولا يستطيعون الانتقال من مكان لآخر إلا بترخيص ، وبسبب الحدود الطويلة التي تبلغ 2500 كم التي تفصل بين الولايات الأربعة المحررة على حدود الأفغان وإيران ، فإنهم مرغمون على مدارة السلطات الإيرانية ، فلو أغلقت هذه الحدود ، لتعرض الإخوة الأفغان إلى متاعب وصعوبات كبيرة ، ولأصبحوا فريسة سهلة للروس.

تعرض أبو عامر في إجابته إلى وجوب كشف حقيقة النظام الإيراني الذي يتعامل مع أعداء الإسلام في أكثر من مكان ضد أبناء الإسلام ، وأن على الأفغان أن يتخذوا موقفا صريحاً تجاه الحكام الإيرانيين حتى يسقطوا الحجة من أيديهم ، إذ إن الإيرانيين وفي كل مناسبة يزعمون أنهم يدعمون المجاهدين الأفغان ، ويقفون إلى جانب الثورة الأفغانية ، وهذا يغاير الحقيقة ، الأمر الذي يضلل كثيرًا من المسلمين في أنحاء المعمورة ، وإن سكوت الأفغان ، سيجلب لهم من الضرر أكثر ما يجلب لهم من المنفعة.

كما نوه أبو عامر إلى ضرورة اللقاء بين الأطراف المتعددة للمجاهدين ، ولاسيما بين الأخوين سياف وحكمتيار ، اللذين يكمل أحدهما الآخر ، ولا نجاح لأحدهما من دون أخيه ، وذلك على الصعيدين الداخلي والخارجي.

وقد أكد الإخوة الأفغان تضامنهم مع الاتحاد الجديد على الرغم من اقتناعهم الضمني بعدم جدواه ، علماً بأن هؤلاء الإخوان وكثيراً من الأفغان العاملين في أوروبا ينتمون للحزب الإسلامي بقيادة حكتيار.

طلب الإخوة الأفغان دعم إخوانهم العرب ، خصوصاً في مجال نشر الكتب الإسلامية ليقفوا في وجه المد الشيعي ، لأن إيران ترمي بكميات ضخمة من الكتب في الفقه والفكر الشيعي في أفغانستان ، فلا يجد الشباب المسلم والمجاهد غير هذه الكتب لينهلوا منها ، فاقترح عليهم أبو عامر اقتراحات عملية في هذا الصدد ، ثم انتقل المجتمعون لبحث أمور تنظيمية لتوثيق التعاون على كل المستويات ، من إعلام ورصد ومال وتعبئة ومجالات أخرى ، واتفقوا على لقاء دوري فيما بينهم.

22 شعبان 1404 هـ 23 أيار / مارس 1984

3- كانت الصلة بيننا وبين سياف وثيقة ومتينة لا يتقدم عليها إلا الصلة مع حكمتيار الذي وجدنا فيه النموذج الأمثل في قيادة العمل الجهادي ، والالتزام بضوابط الشريعة الإسلامية كما سوف يأتي لاحقاً.

كان سياف فصيحاً في اللسان العربي حيث تخرج في الأزهر الشريف ، وكان حديثه عن الإسلام شافياً ، فكانت ، كما سبق ، الصلة معه قوية والتعاون مستمراً.

كان بعض السوريين يتطلعون إلى الذهاب لأفغانستان لينالوا شرف الجهاد مع إخوانهم ضد الروس الغزاة ، لكن بعضهم لا يستطيعون الاستمرار وتحمل أعباء الجهاد ، وما يتطلبه من صعوبة ومشقة ، كان منهم وفي مقدمتهم الدكتور علي المصري من أطباء حماة ، فكان يلح على الالتحاق بالمجاهدين وترك عمله كطبيب في الفجيرة إحدى الإمارات في دولة الإمارات المتحدة ، وبعد وصوله إلى بيشاور لم يلبث أن عاد بعد أن مكث مع الأفغان فترة قصيرة.

لهذا أوكلنا شؤون هؤلاء السوريين أو بعضهم من الراغبين في الجهاد إلى عبد رب الرسول سياف ، وأرسلنا إليه رسالة بتاريخ 17 - 3 - 1985 جاء فيها :

بسم الله الرحمن الرحيم

الأخ الكبير المجاهد عبد رب الرسول سياف حفظه الله :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وأسأله تعالى أن يحفظكم وإخوانكم من كل سوء ، وأن يتجلى عليكم بتأييده ونصره ، وإنه أكرم من سئل ، وأعظم من أجاب وبعد :

أ- ثمة لفيف من إخواننا الكرام يتطلعون إلى الوقوف بجانبك ، والجهاد معكم ، وتقديم جهودهم وخبراتهم إليكم ، وقد وافقت قيادة الجماعة على طلبهم بالتوجه إليكم ، ليكونوا بإمرتكم وتحت قيادتكم.
ب- نود الإشارة إلى أن ظروفنا في سورية أفرزت حالات صعبة ، نجم عنها اجتهادات لعدد من الإخوان في صف الجماعة تحملنا على توضيح أمر ذي بال : أن تكونوا مسؤولين عن هؤلاء الإخوان الكرام إداريا وتنظيميا من حيث الضبط والربط والسمع والطاعة بصورة تامة.
حـ- ونذكر الأخ الكريم أن لنا مندوباً بقربكم هو الدكتور مصطفى حمادي ليقوم بمهمة ضابط الاتصال بيننا وبينكم ، ليستمر التنسيق والتعاون معكم بشكل منضبط ودقيق ، بإذن الله لصالح الحركة الجهادية في بلدينا كليهما ، أفغانستان المجاهدة ، وبلاد الشام التي بارك الله حولها.

بارك الله جهادكم ، وحفظ جندكم ، وخذل عدوكم ، وكتب لأفغانستان الظفر والفوز ، وقيام دولة الإسلام في ربوعكم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

في 17 - 3 - 1985
أخوكم
عدنان سعد الدين
4- بعد التعرف على قادة المجاهدين ، وعلى تنظيماتهم ، وبعد الاختلاط بهم ، والإحاطة الكبيرة بأنماط تفكيرهم ، وأساليب عملهم ، تولدت قناعة عميقة لدي بأن حكمتيار ، يتمتع بصفات ومزايا تقدمه على سواه من قادة المجاهدين ، من حيث الوضوح والصدق والاستقامة ، ودقة التنظيم ، والالتزام الصارم بالمبادئ الشرعية والآداب الإسلامية والأحكام الفقهية ، كما أنه لا يداهن على حساب عقيدته وقناعاته أي جهة ، ولا يجامل الدول الكبرى الطامعة في أفغانستان ، وفي مقدمتها روسيا وأمريكا ، فعندما زار قادة المجاهدين الأمم المتحدة ، قابل القادة الرئيس الأمريكي ريغان في البيت الأبيض ، باستثناء حكمتيار ، لقناعته أن الولايات المتحدة ستوظف هذه الصلة لمصالحها في صراعها بالحرب الباردة ، دون أن يضمن المجاهدون المواقف التي يطمحون إليها.

قويت شوكة الجهاد الأفغاني ، واشتد ساعدها ، وكان حكمتيار والحزب الإسلامي الذي يقوده في مقدمتها ، من حيث العدد والعدة والمساحة التي يحتلها بعد انتزاعها من السوفييت على الأرض الأفغانية ، حتى إن رئيس الاستخبارات العسكرية الباكستانية حميد كل الذي يمسك بالملف الأفغاني ، اعتبر أن حكمتيار يمثل 40% من قدرات المجاهدين ، وأن التنظيمات الستة الأخرى بمجموعها تمثل 60% منها.

لم يأت العام 1988 حتى كان قلب الدين ذا شوكة قوية ، تقربه والآخرين من النصر على السوفيات ، ولذا أعلن للمسلمين جميعاً في شتى أقطارهم الميثاق التاريخي الصادر عن قادة الجهاد في أفغانستان ، ممهورا بتوقيعه باسم الاتحاد الإسلامي لمجاهدي أفغانستان.

عدنان سعد الدينوللأهمية البالغة لهذا الميثاق حيث الضوابط الشرعية والوعي السياسي المتقدم ، والروح الجهادية النقية ، نورد معظم ما ورد في بنوده وفقراته. عدنان سعد الدين

أ- أيها المسلمون في كل مكان : يا أنصار دين محمد صلى الله عليه وسلم ، أيها الغيورون على الحرمات ، والسائرون على طريق الجهاد ، والجادون في أمور دينهم ، يا من ترجون نصر الله ، وتحلمون بإعلاء رايته ، وتتمنون رؤية المجتمع المسلم واقعاً حياً ، إلى كل مسلم في أنحاء المعمورة نكتب بياننا هذا ، لئلا يكون للناس علينا حجة ، وحتى تكون شهادة للتاريخ ووثيقة ترجع إليها الأجيال.

الآن وبعد عشر سنوات ، ما تجرع الجيش الأحمر غصصا مثلها ، ولا ذاق من الويلات والهزائم ، وما تكبد من الخسائر ، وما لحقه من مصائب وتدمير أكثر منها ، في هذه السنين الحالكة في تاريخه ، والتي فقد خلالها ، حسب اعتراف حكومة كابل ، حوالي ألف وأربعمائة واثنتين وسبعين طائرة تدميرا وإسقاطا ، وحوالي ألف وخمسمائة طائرة استهلاكا بكثرة استعمالها ، وفقد حوالي أربعة عشر ألف آلية ، وقتل من جنود الجيش الأحمر قرابة خمسين ألفا ، بالإضافة إلى مئة ألف من الجيش الشيوعي الأفغاني والميليشيات والأتباع والمنافقين ، ودعك من حوالي ثلاثة وأربعين مليون دولار ينفقها ( العدو ) يومياً في أفغانستان ، وهو بحاجة إلى ثمن القمح الأمريكي الذي يشتريه ، ولا يجد له سوى بيع رصيد الذهب لديه ، كما فقد فوق أرض أفغانستان ألف طيار لا يمكنه تعويضهم خلال عشر سنوات قادمة.

بعد أن اقتربت أسود الله من النصر ، وبعد أن جرت الدماء أنهارا تروي تربة كابل والهلمند وجيحون ، وبعد أن سقط قرابة مليون ونصف من الشهداء من خيرة أبناء هذا القرن ( العشرين ) وبعد أن تحولت آلاف القرى إلى أطلال خاوية ورسوم بالية ، وبعد أن خلفت الحرب ما يزيد على المليون من الثكالى والأيامي والأرامل واليتامى والمعوقين والمشوهين ، وبعد تدمير المساجد وتمزيق الأسر ، وإخراج ما يزيد على عشرة ملايين من المهاجرين من بيوتهم ، وتشتتهم خارج أفغانستان وداخلها بين الأدغال والغابات وقمم الجبال.

بعد هذا كله ، وعندما رأى العالم كله أننا لم تحن رؤوسنا العواصف الهوج ، ولم تنثن عزائمنا إزاء المحن القاسية ، وعندها أدرك الناس كلهم أنهم أمام جند لله من طراز غريب ، وأن الحرب لا تزيده إلا صلابة ، طلع علينا الغرب مشفقا علينا ، وبرزوا في ثياب الناسكين الناصحين ﴿ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ وتقدموا إلينا كمحكمين وقضاة وأوصياء يقولون : حقنا للدماء و... لابد من الوصول إلى حل يرضاه الروس حتى يخرجوا ، بأن يرجع الملك حاكما أو نحكم بأفغانستان رجلاً علمانيا أفغانيا تربى في أحضان الغرب ، ليس بالمنغلق ولا بالمغتصب ، وجاء مؤتمر يالطة الجديد.

ب- تضمنت معاهدة يالطة الجديدة في جنيف بنودا سرية كثيرة ، وبنودا ظاهرة هي : انسحاب روسيا خلال تسعة أشهر ، وعدم التدخل في شئون أفغانستان الداخلية ، أي منع وصول المساعدات من أيدي المسلمين إلى المجاهدين ، وإغلاق الحدود الباكستانية في وجوههم ، مع بقاء مساعدات روسيا لحكومة كابل الشيوعية!! ووجود قوات دولية لمراقبة الحدود ، ويترتب على هذا : الصفة الشرعية لحكومة كابل الشيوعية والمفاوض المختار مع الأمم المتحدة ، ويحتمي السوفيات بمظلة الأمم المتحدة وهو أقوى منها ، ويذكي نار الخلاف بين فصائل الجهاد ، وبين المجاهدين وبين باكستان الحليفة للمجاهدين ، ويقطع الصلة بين المجاهدين والمسلمين والعرب الداعمين له ، ويحكم على المجاهدين بالعزلة ، وحرمانهم من التأييد السياسي الدولي.

إنها بنود خطيرة ترمي إلى تحويل أفغانستان إلى منطقة منزوعة السلاح ، وإغراقها بالترف كي يجتثوا عقيدة الجهاد.

تحركت روسيا في ظل هذا التآمر على الشعب الأفغاني ، فكانت مأساة بخاري إذ عقدت مع المجاهدين سابقًا اتفاقاً اشترطت فيه وضع السلاح ، فعادوا إلى حياة الدعة ، فلم تلبث روسيا أن انقضت على بخارى وابتلعتها ، وهذا ما فعلته في القفقاس إذ خدعت شعبه بأن روسيا ستمر في طريقها إلى أتاتورك الذي تآمر معها بدعوى مساعدة الشعب التركي ، وعندما دخل الروس قفقاسيا عمل فيه من المجازر الرهيبة ما لم يشهد له التاريخ نظيرا.

من المظاهر التي تجعلنا على يقين من حيث طوايا الروس : إدخال القوات الروسية باسم ميليشيا أفغانية ، وبعد التحقيق مع الأسرى اعترفوا أنهم دخلوا مع مئة وخمسين ألف روسي من الجيش الأحمر ممن يتقنون اللغة الفارسية من الأوزبك ، متظاهرين بأنهم ميليشيا أفغانية ، وأن روسيا كلفت ثلاثين جنرالا روسيا للبحث عن أماكن صالحة لإنشاء قواعد عسكرية في الشمال مع أفغانستان تحت وصايتها ، وعمل أنفاق تحت نهر جيحون الفاصل بين روسيا وأفغانستان ، ونقل بعض الوزارات من كابل إلى بلخ -مزار الشريف- تمهيدا لجعل الجزء الشمالي من أفغانستان تحت وصايتها ، وتخزين أكوام من الذخائر والأسلحة تكفي الجيش الأحمر لخمس سنوات على الأقل ، ( مع أننا نأمل بإذن الله أن تكون هذه الذخائر من نصيب المجاهدين ليواصلوا جهادهم ضد الروس المحتلين ). وأخيراً حشد أعداد كبيرة من المستشارين الروس ، والذين نرجع أنهم من ضباط الجيش الذين دخلوا بثياب مدنية للتمكين للروس في احتلال أفغانستان ، وإغراق كابل وتكبيلها بما يزيد على أربع مئة معاهدة فرضتها روسيا على ضيفتها الحكومة الشيوعية في أفغانستان.

ج- ذكر الميثاق الأسباب التي حملت الغرب ومعه روسيا على الهرولة لتطويق المجاهدين بالخداع والمكر السياسي ، فقال الميثاق : لأن الغرب أدرك أن الجهاد الأفغاني أضحى نموذجا حياً ، وأسوة حسنة ، ومثالاً فريدا أمام الشعوب المظلومة التي تريد أن تتحرر من إسارها أو تحطم قيودها ، وما الانتفاضات التي نراها في بولندا وأرمينيا وأذربيجان ، وصرخات الله أكبر المدوية في رحاب المسجد الأقصى والأرض المباركة ، والحياة التي بدأت تدب في الولايات الإسلامية التي ترزح تحت الاستعمار الروسي إلا انعكاسات لنور الجهاد الذي يضيء أرجاء أفغانستان.

ولأن هذه القوى قد يئست أن تحتوي الجهاد الأفغاني ، إذ وجدتها صلبة المكسر. وأن الجهاد الأفغاني قد تحول إلى مدرسة إيمانية تربوية للعالم الإسلامي كله ، حتى إن جنرالا أمريكيا قال : إن استمرار الجهاد خطر على مصالح أمريكا في العالم الإسلامي. أعقبه الرئيس السابق نيكسون على التليفزيون الأمريكي بقوله : الخطر هو الإسلام. كذلك الرعب العالمي من وصول المسلمين إلى الخلافة الإسلامية -أي جمع كلمة المسلمين- بعد أن أطاحوا على يد أتاتورك في 3-3- 1924 ، وأيضاً الخوف الدولي من أن تتحول أفغانستان إلى قاعدة صلبة لانطلاق الجهاد في العالم أجمع.

وحمل الميثاق روح الجهاد والنشوة التي يشعر بها المجاهدون ، فجاؤوا بمعان إيمانية ، وشعارات قرآنية وإسلامية ، وأدبيات مما شاع على ألسنة أبناء الدعوة في الوطن العربي والعالم الإسلامي. ومنها : نحن مسلمون ، لا نذل إلا لرب العالمين.

مسلمون مسلمون مسلمون

كحيث كان الحق والعدل نكون.

نرتضي الموت ونأبى أن نهون.

في سبيل الله ما أحلى المنون.

نحن أبناء محمد صلى الله عليه وسلم : ﴿ مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ، ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. نحن مستعلون بإيماننا -على فقرنا وقلة حيلتنا- ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. نحن نعتقد أن العزة للمؤمنين وحدهم ، وهم يستمدونها من رب العالمين ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ، نحن نعتقد أن طريق عزتنا في الدنيا والآخرة هو الجهاد مع الإيمان ، ونحن ندعو الله أن نكون من الطائفة المنصورة ، والعصابة الظاهرة ، ففي الحديث الصحيح :

« لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم ، لا يضرهم من خالفهم حتى تأتي الساعة وهم على ذلك ».

نحن نعتقد أن التوحيد في الأرض ورفع الراية الإسلامية مرتبط بالقتال.

« بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له ، وجعل رزقي تحت ظل رمحي ». حديث صحيح رواه أحمد.

﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.

نحن قدوتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام في ميدان التحدي وساح النزال ، فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتحدى الدنيا بأسرها ، فيقول رب العزة له ﴿ قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ ﴿195﴾إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾.

﴿ بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾.

« فالله مولانا ولا مولى لهم ».

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾.

وأما خليفته أبو بكر رضي الله عنه ، فقد رد على الصحابة الذين جادلوه في أن يؤخر بعث أسامة كما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً : والذي نفس أبي بكر بيده ، لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولو لم يبق في القرى غيري لأنقذته.

نحن نعتقد أن الأمر كله لله. ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾.

﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ (2).

نحن نعتقد أن الشرق الملحد والغرب وأمريكا لا تملك من الدنيا ذرة.

﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ ولَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ﴾(3).

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾(4).

ج- نحن قررنا مواصلة الجهاد والسير على هذا الطريق الشائك الطويل حتى ينصرنا الله أو نهلك دونه ، وقد توكلنا على الله وهو حسبنا ونعم الوكيل.

﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ﴿2﴾ وَيرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾.

﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴿173﴾ فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾.

سأحمل روحي على راحتي

وألقي بها في مهاوي الردى

فإما حياة تسر الصديق

وإما ممات يغيظ العدى

نحن بدأنا الجهاد بالحجارة والعصي ، فنصرنا الله وأيدنا ، ولم نكن نعرف أحداً ، ولا يتعرف علينا أحد ، ولكن الله أمدنا بروح منه ، نحن نملك بعض الأسلحة ، ونستطيع أن نواصل عشرات السنين بإذن الله ، وإذا سدت أبواب الأرض ، فأبواب السماء مفتوحة ، وإذا تنكر لنا البشر ، فرب البشر الذي نجاهد في سبيله سينصرنا ويؤيدنا ﴿ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾(5).

نحن نقاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، وقد قدمنا مليونا ونصف المليون من الشهداء ، وماذا علينا لو قتلنا جميعاً في سبيل الله ، من أجل إقامة دين الله في الأرض ، وحتى تسعد البشرية بالحكم الإسلامي.

﴿ وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾(6).

نحن مسلمون ليس لأحد من العالمين وصاية ولا ولاية ولا سلطة علينا.

إننا نعتبر هذه المؤتمرات مؤامرات دولية علينا وعلى الإسلام ، ونحن نرفهضا أصلاً وفرعا ، وهي باطلة بطلانا تاماً.

إن راية هذا الجهاد واضحة منذ أول يوم ، إنها معركة بين كفر وإسلام ، بين إلحاد وإيمان ، بين الشيوعية وبين القرآن.

لقد قمنا ضد الطاغوت داوود الأفغاني ، وتراقي الأفغاني ، وحفيظ الله أمين الأفغاني ، ثم استمر الجهاد ضد بابراك كارمل الأفغاني ، ونجيب وسادتهم الروس. إن الجهاد لإزالة الطواغيت واستبدالهم بمسلمين ليكون الدين كله لله ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾.

ونقول ختاما : إن جند الله صمموا على مواصلة البذل والتضحية ، ولا يحسبن إخواننا في العالم الإسلامي الذين تركونا نواجه مصيرنا وحدنا ، أنهم في منأى من الحساب يوم القيامة ، أما الذين وقفوا معنا ، فنحن ندعو الله لهم الأجر والمثوبة والغفران.

إن نصرة المسلمين إذا اعتدي على شبر من أرض المسلمين تصبح فرضاً ، فبلاد المسلمين كلها بمنزلة البلدة الواحدة ، وهذا محل إجماع.

يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى : فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين ، فإنه يصير دفعه واجباً على المقصودين ، وعلى غير المقصودين كما قال تعالى : ﴿ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾. وكما قال ابن عابدين في حاشيته 3/ 238 : وفرض عين إن هجم العدو على ثغر من ثغور الإسلام ، فيصير ( الجهاد ) فرض عين كالصلاة والصوم ، ولا يسعهم تركه ، ومن ثم يفترض على جميع أهل الإسلام.

ففي الحديث الشريف : « ما من امرئ يخذل امرءا مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه ، وتنتهك فيه من حرمته إلا خذله الله في موضع يحب فيه نصرته ، وما من أحد ينصر مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه ، وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته ». حديث حسن رواه أبو داوود.

انتهى هذا الميثاق التاريخي الذي صدر على شكل بيان بالعهد والميثاق التاليين : أيها المسلمون في كل مكان : نعاهد الله على استمرار مسيرتنا الجهادية -إن شاء الله- ونطمئنكم أننا لن نخون دماء الشهداء ، ولن نبيع دموع الأيتام ، ولن نجلس على موائد اللئام ، ولن نساوم على ديننا وأعراضنا ونبيعها بثمن بخس ومتاع رخيص.

إن دموع اليتامى تقض مضاجعنا ، وإن آهات الثكالى تؤرق أجفاننا ، وإن دماء الجرحى التي مازالت تنزف ، وأرواح الشهداء التي ترفرف تمثل شبحا رهيبا يجعل أيدينا ترتعش أن تكتب حرفاً واحداً نخون فيه أمانتنا وأمانتكم.

إن المآسي التي شهدتها أرض أفغانستان ، تطاردنا في يقظتنا ومنامنا ، وتحول بيننا وبين بيع أفغانستان.

إن الجلوس على مائدة يشرب عليها كأس خمر : حرام ، فكيف الجلوس على مائدة تشرب عليها أنهار الدم؟

أيها المسلمون : إن ربكم سائلكم غداً عن أفغانستان ، فأعدوا لربكم جواباً.

إنه سائلكم عن هذه الدماء التي سفكت ، وهذه الأرواح التي أزهقت ، فماذا تجيبون إن فرطتم وقصرتم؟

﴿ انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. سننطلق ونحن ننشد :

حطموا ظلم الليالي

واسبقوا ركب المعالي

واشرفوا كل العوالي

وابذلوا كل الغوال

وانصروا دين محمد

يا غارة الله جدي السير مسرعة

من أجل نصرتنا يا غارة الله

فالله أكبر ولا عزة إلا بالإيمان ، والله أكبر ولا حكم إلا بالإسلام ألا هل بلغنا ، اللهم فاشهد.

تم إصدار هذا الميثاق التاريخي بالتشاور مع قادة الجهاد.

سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك.

صدر في بيشاور في 3 شعبان سنة 1408هـ الموافق 21 مايو/ أيار سنة 1988.

قلب الدين حكمت يار
رئيس الاتحاد الإسلامي لمجاهدي أفغانستان
5- منذ وقت مبكر ، وبالتحديد منذ عام 1985 خططت الولايات المتحدة لضرب العراق وسحقه ، وقد سمعت من شخصية مرموقة في أوساط رجال الأعمال أن وزيرا أطلعه على خطة أمريكية لضرب العراق ، ولكنها تنتظر الفرصة المناسبة ، وعندما نشبت الحرب بين إيران والعراق عملت أمريكا على تغذيتها واستمرارها بكل الأسباب ، وعندما توقفت الحرب بين الدولتين الجارتين اللتين استجرتا إلى هذه الحرب المدمرة لكلتا الدولتين ، التمست أمريكا أسباباً وذرائع للإجهاز على العراق ، وخاضت ضده حربين ، قضت في الأولى على مقومات الحياة العسكرية والاقتصادية ، وقضت عليه في الثانية عام 2003 قضاءً مبرما.

كانت أمواج القصف لا تتوقف عن بغداد في الأولى ، وكانت تعاود قصف المنشأة ذات الأهمية مرات عدة حتى تسويها بالتراب.

في هذه الأثناء ، كنا نطوف البلاد العربية والإسلامية ونحرض أهلها رسميين وغير رسميين على الوقوف بجانب العراق ، والعمل على إطفاء نار الحرب ، فكنا نسافر إلى دول آسيا مثل ماليزيا وباكستان.. الخ ، ونتصل بقادة الجهاد الأفغاني لنستفزهم كي يقفوا مع البلد العربي الإسلامي الذي قرر الغربيون بروح صليبية تدميره.

اتصلنا من بيشاور بالسيد حكمت يار عن طريق حزبه ، الذي خاطبناه باللاسلكي وهو في ميدان القتال ، وطلبنا منه اتخاذ موقف جهادي لمساندة العراق ، وهو الذي يعتبر الحركة واحدة سواء في أفغانستان أو العراق ، فلم يخيب أملنا ، بل سرعان ما أصدر بياناً فيما يخص أزمة الخليج جاء فيه :

أفغانستان : وجه المهندس قلب الدين حكميتار رئيس الحزب الإسلامي بياناً عبر الهاتف اللاسلكي من داخل الجبهات في أفغانستان ، ونشرته جريدة مونستير بوست قاله فيه : إن قصف بغداد من قبل الحلفاء ، إن دل على شيء فإنما يدل على وحشية القوة الكافرة ، وحقدها على المسلمين ، وإن المعرض للخطر هو الشعب العراقي البرئ ، وليس من حق الحلفاء ، أن يتخذوا الشعب العراقي ضحية لعدوانهم.

وقال : إن الأمة الإسلامية يجب أن لا تسكت على العدوان الأمريكي على العراق ، وإذا لم تضع حداً لتصرفات أمريكا اليوم ، فليتوقع المسلمون كل يوم طغيانا جديداً ، سواء من الأمريكان أو من غيرهم.

فإذا تلقت أمريكا اليوم درسا قاسيا ، فلن يكون بوسع النظام الأمريكي الكافر ، وعملاته الذين أحضروه إلى المنطقة ، أن يقدم على الطغيان بعد اليوم.

وعبر القادة الميدانيون -أعوان حكمت يار- عن أسفهم الشديد للقصف العشوائي على بغداد الذي لم يشهده التاريخ -من قبل- وقالوا : إن هذه حرب ضد الأمة الإسلامية ، ودعوا المسلمين إلى رفع لواء الجهاد لأنه الحل الوحيد للتخلص من القوى المتحالفة ، وعملائها.

وقال حكمت يار : بعد أن سيطر اليهود على أولى القبلتين -القدس- يخططون للسيطرة والاستيلاء على الحرمين الشريفين ، وإن على المسلمين أن يكونوا يقظين ، وأن يقفوا مع العراق ضد الحشود الصليبية الأخيرة بقيادة الحلفاء وعملائهم في المنطقة.

إذاعة مكتب المجاهدين

6- اشتد النزاع بين فصائل المجاهدين ، واستحر القتل في صفوفهم ، ففقدوا خير رجالهم وقادتهم ، وتهدم شطر من كابل بعد أن كان صامدا في ظل الحكم الشيوعي.

في إحدى زياراتي للخرطوم ، طلب مني السيد عنايت القائم بأعمال السفارة الأفغانية في الخرطوم أن نتحرك لحقن دماء الأفغان ، وأن لا نكتفي بسماع الأخبار ، والوقوف متفرجين.

نقلت الرسالة للدكتور حسن الترابي ، فأجاب على الفور :

- شكل وفدا برئاستك ، وتحركوا إلى أفغانستان.

فقلت : هناك أمران يتوفران لدى السودانيين في باكستان وأفغانستان ، وهما : معرفتهم بلغة البشتون الأفغانية ، والغطاء الدبلوماسي الذي يحظون به بإسلام أباد وكابل ، فتشكل الوفد برئاسة ياسين عمر الإمام ، ونائبه عدنان سعد الدين ، وعضوية أمين حسن عمر ، ينضم إليهم محمد إبراهيم السفير السوداني في كابل والمقيم في بيشاور لظروف الصراع في أفغانستان.

أ- أمضينا أسبوعين في هذه المهمة ، منهما ثلاثة أيام في بيشاور وإسلام آباد ، وباقي الأسبوعين في داخل أفغانستان ، وكانت الرحلة شاقة من حيث وعورة الطريق ، واشتداد البرد ، والقصف المتبادل بين المقرات التي كنا نقصدها ، وننتقل منها وإليها ، ومع ذلك كانت الرحلة بلسما للضمير وراحة وسعادة نفسية ووجدانية كبيرة.

وهذه أهم معالم ومقومات الرحلة إلى أفغانستان في مسعى للوساطة بين المتخاصمين وإطفاء نار الفتنة فيما بين فصائل المجاهدين.

غادر الوفد إلى باكستان في 25 جمادي الأولى 1415 الموافق 30- 10- 1994 بعد أن رسم لنفسه خطة التحرك حسب التالي : استكشاف الساحة الأفغانية وامتداداتها السياسية والمذهبية ، ليكون التحرك على بصيرة ، فكانت البداية من إسلام أباد ، ثم من بيشاور حيث تم اللقاء بالجنرال حميد كل من منزله ، والاستماع إلى تقويم مطول منه باعتباره الخبير الأول في المسألة الأفغانية ، إذا تلخصت رؤية الجنرال بالنقاط التالية :

الأوضاع الدولية جميعها تدفع باتجاه حسم الوضع في أفغانستان ، لأن الولايات المتحدة باتت تخشى من تنامي الاتجاهات المتطرفة في أوساط الجيش الروسي ، وإن تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية في روسيا قد يهدد بعودة شكل من أشكال الحرب الباردة ، تريد أن تسبقها أمريكا بإعادة تشكيل المنطقة على الوجه الذي تريده ، وروسيا من جهتها تخشى من انفلات الوضع في آسيا في حالة عدم الاستقرار في أفغانستان مما يهدد مصالحها في أفغانستان وفي آسيا الوسطى ، وباكستان تشعر بقلق حيال استمرار الصراع الأفغاني واتساع دائرته ، ولا سيما في منطقة القبائل المتاخمة لأفغانستان ، كما أن إيران تشعر أن الحرب تستمر على حساب تفتيت الكيان الشيعي في أفغانستان ، ولذا يرجع الجنرال بأن تدفع كل القوى الإقليمية والدولية باتجاه تسريع التوصل إلى حل ، وهذا ما يفسر تحرك الأمم المتحة عبر ممثلها المستيري المكلف بتكوين حكومة من عناصر علمانية وجهادية تشرف على الانتخابات ، وإبراز حكومة يترأسها شخص تختاره الأمم المتحدة.

ويرجع الجنرال أن استعداد المنظمات الجهادية للسلام قد أصبح الآن أكبر بعد الإنهاك من الحرب الطويلة ، كما يرجح أن حكمت يار مستعد للسلام بعد استيلائه على مطار بغرام ، ويرى كل أن تكون مهمة وفدنا تقتصر على تقويم الوضع ، ريثما تتهيأ الظروف ، ويرى أن يشارك الدكتور الترابي في المرحلة النهائية ، وسوف يكون الجنرال في الخدمة.

ب- بدأنا الجولة على القادة الأفغان بزيارة آصف زعيم ما يسمى بالحركة الإسلامية الشيعية في قندهار ، وهم من الهزارة ، فكانت آراؤه تتلخص في أنه يدين الحرب الداخلية ، ويحمل حكمتيار مسئولية كبيرة ، ويبدي استعداده لأي مسعى بالصلح بين المتخاصمين ، وكان يعلق شعار المؤتمر الشعبي العراقي في الصالون الذي استقبلنا فيه ، إشارة إلى عضويته في المؤتمر الإسلامي الشعبي في بغداد.
- انتقلنا إلى السيد أحمد جيلاني الذي رحب بالوفد ، وعبر عن تأييده لمبادرة الأمم المتحدة ، وانتقد المنظمات الجهادية ، واتهمها بأنها تسعى للسلطة ، ويرحب بأية جهود للمصالحة ، وأنه في موقف المحايد بين الفصائل.

وبالقرب من بيشاور تمت زيارة مولوي محمد نبي زعيم الحركة انقلاب إسلامي ، وكانت آراؤه تتلخص في : إدانته للحرب ، وأنه في موقع المحايد ، ويرفض مهمة الأمم المتحدة التي تهدف إلى فرض حل غير إسلامي على أفغانستان ، وأنه يرحب بوفدنا ، ويدعو لجهوده بالنجاح.

- وفي اليوم التالي دخلنا بيشاور ، والتقينا الجالية السودانية ، وقمنا بزيارة يونس خالص زعيم الحزب الإسلامي جناح خالص ، فأوضح أنه : ضد الحرب وهي برأيه غير دينية وأنه في موقع الحياد ، ويرفض الحل الذي يقدمه المستيري باسم الأمم المتحدة ، وأن الحل ينبغي أن ينبع من الأفغان ، ثم رحب بالوفد وجهوده على طريق المصالحة ، كما التقى وفدنا بالقائد عبد القدير ، وهو من قادة يونس خالص ، وهو والي قندهار ، واتحاد ولايات المشرق الثلاث ، ومقره في جلال أباد ، ويعتبر الرجل القوي الحكيم الذي حفظ سلام الولايات المشرقية عبر تأسيس ما يسمى بشورى المشرق والتي تشارك فيها كل المنظمات ، وهو يحفظ النظام والأمن بحزم ، وقد تناول الوفد طعام الغداء مع الوالي عبد القدير ، وكان موقفه مشابها لموقف زعيم الحزب يونس خالص.
- في بيشاور التقى الوفد ، مندوب الرئيس رباني صديق شاكري ، والذي زار الوفد في مقر إقامته ، ورحب بالوفد ، ثم لخص موقفه بالعتب على حكمت يار الذي كان يشترط إبعاد دستم ، ثم تحالف معه ، وأنهم يتحفظون على خطة الأمم المتحدة ، ونصح بمقابلة قاضي أمين الذي عين عضوا في اللجنة الوطنية التي كونها المستيري ، ثم رحب بجهود اللجنة ، وقال بأنه سيبذل جهده لتسهيل مهمتها ووصولها لكابول وإنجاح عملها.

لقد برر القاضي أمين مشاركته باللجنة كيلا يترك المستيري يفعل ما يشاء ، وقد أدى تدخله إلى إقناع اللجنة بتعديلات في عملها ، أهمها أن يكون ممثلو الجهاد هم العنصر الأساسي في خطة الأمم المتحدة ، ومع ذلك أكد على أنه لا يمكن للجنة الأمم المتحدة أن تكون مصدراً لأفغانستان.

التقى الوفد مع قطب الدين هلال نائب حكمتيار ورئيس المكتب السياسي الذي وعد بترتيب الرحلة إلى جهار آسياب مقر قلب الدين ، ثم لخص موقفه بأن الحرب مؤسفة ، وأن الموقف العسكري للحكومة -حكومة رباني- سيء ، وأن الحزب يحاصرها ، وأن القادة الشوعيين يلعبون دوراً كبيراً في أمن كابل ، وأن الحزب يتحفظ على خطة الأمم المتحدة ، ثم رحب كغيره بمهمة اللجنة ، وأنه سيعمل على تسهيل مهمتها ، وأن قائد الحزب في جلال آباد ، سوف يتولى مهمة إيصالنا إلى جهاز آسياب التي تبعد 20 كم عن كابل.

رحل الوفد في 4- 11- 1994 بالبر إلى جلال آباد ، وفي المساء التقينا القائد فضل الله مجاهد ممثل الحزب الإسلامي ، حيث تقرر أن ينطلق الوفد من منزله في اليوم التالي مع حراسة الحزب ، بعد أن سمع القائد مجاهد يعرب عن أسفه باستمرار الحرب ، وأن وجود الشيوعيين هنا وهناك سبب المشكلة والنزاع ، وأن السبب الأساسي للحرب أزمة الثقة بين قادة المجاهدين ، وكذا تدخل الدول الأجنبية مثل روسيا والهند وطاجسكتان الذين يدعمون الحكومة ، وأن الوضع العسكري للحكومة سييء للغاية ، وأن الحل يكمن في حكومة مؤقتة محايدة ، ونزع سلاح كابول ، ودعا للوفد بالنجاح والتوفيق.

تم اللقاء بالمهندس حكمتيار أول الفرقاء الرئيسيين ، ودار معه حوار طويل ، وذكرت اللجنة أن وجود دستم بجانب قلب الدين قد ضاعف أزمة الثقة ، فقال المهندس :

- إن دستم ليس له ثقل ، وأنه تحت السيطرة.

وقال : إن موقفه العسكري متقدم ، وأنه قد أحاط بهم ، ولو يبق أمامه إلا المطار العسكري في بغرام لاحتلاله.

وحمل سياف سوء الموقف ، وأن الحرب لا تمضي لصالحهم ، ولم يبق لديهم إلا الأموال التي تعطيها لهم روسيا والهند. وقال : إن موسكو طبعت لهم 1500 مليار أفغاني ، وأن الدولار يساوي 3400 أفغاني ، لذلك قبل رباني ومن معه بلجنة وساطة من القادة الميدانيين برئاسة نظام الدين حقاني ، وأن هذه اللجنة قدمت مقترحا وافق عليه ووقعه ، وأن اللجنة وعدته بتأمين توقيع رباني وسياف ومسعود على نفس المقترح الذي يتلخص بتشكيل حكومة مؤقتة من شخصيات جهادية دون القادة ، وإخلاء كابول من السلاح الثقيل ، وأن يكون الأمن في كابول والطرق المؤدية لها من مسئوليات الحكومة المؤقتة ، وأن يكون رئيس الدولة ورئيس الحكومة شخصاً واحداً ، ومعه عشرة وزراء ، وليس له حق دخول الانتخابات التي ينبغي أن تجري في غضون ستة أشهر ، ثم تستلم الحكومة المنتخبة المسئوليات من الحكومة المؤقتة ، وأخيراً ، وقف إطلاق النار مع انتقال الحكم من رباني إلى الحكومة المؤقتة.

في اليوم التالي ذهب وفدنا إلى كابل حيث قصد وزراة الخارجية ، التي رعت ضيافة الوفد وإنزاله في استراحة تابعة للحكومة ، وكان القصف الصاروخي مستمراً على كابول ، وبعد استراحة ذهب الوفد إلى بغمان والتقى سياف ، فدار حوار مستفيض استمر لأكثر من سبع ساعات ، وقد تفاءل سياف بوجود فرصة أفضل للمصالحة بين الفرقاء الذين أنهكهم القتال ، حتى أوشكوا على قبول خطة المستيري الذي رفض سياف الالتقاء به ، بل وحذر رباني من القبول بمشروع المستيري ، وإلا فسوف يحاربه كما حارب نجيب ، وأنهما اتفقا على رفض تعيين لجنة من الأمم المتحدة ، بل لابد أن تكون اللجنة في حال تشكيلها من المجاهدين ، أو ممن يختارهم المجاهدون.

وقال سياف : إن المعارك الدائرة هي تخطيط أمريكي لنزع سلاح أفغانستان ، وتفريغه في صدور المجاهدين ، وسحب الثقة محلياً ودوليا من الجهاد الأفغاني بعد أن استنفد أغراضه الأمريكية ، وأن دستم والمليشيات هي الورقة التي تلعب بها أمريكا في هذا الصراع ، وأن حلفاء أمريكا جيمعا يضغطون لإشراك دستم ( تركيا وباكستان وغيرهما ) وإن تحول دستم من رباني إلى حكمتيار كان بإشارة أمريكية حتى لا تنتهي الحرب بهزيمة حكمتيار ، حسب تقديرات سياف ، الذي أكد أن رباني يحتفظ بشيوعيين في صفه ، وأنه لا بد من إبعاد الشيوعيين من صفوف المجاهدين ، ويرى سياف أن الصراع الدائر الآن هو صراع عل السلطة ، وأورد تفصيلات كثيرة في هذا الشأن ، بدأها منذ بدايات الجهاد الأفغاني ، ثم لخص سياف الموقف بالنقاط التالية : أن قلب الدين لا يتورع عن فعل أي شيء يبلغ به ما يريد ، وأن رباني يعمل بعقلية حزبية ضيقة ، وأن ثقة الناس بالمجاهدين في تراجع ، وأن الدول الأجنبية تعمل جاهدة على إضعاف المجاهدين ، والمجيء بحكومة غير إسلامية.

ثم أبدى سياف تفاؤله من توصل نظام الدين حقاني لاتفاق بين المتخاصمين ، مع تحفظه على آراء حكمتيار حول المجاهدين والانتخابات غير الممكنة في تقدير سياف لوجود السلاح بأيدي الناس وعدم وجود إحصاء يمهد للانتخابات ، وللطبيعة القبلية السائدة ، والشيء الممكن هو إحضار ممثلين للولايات والقادة الميدانيين ، وأن وقف إطلاق النار ينبغي أن يبدأ بمجرد الاتفاق ، وليس بنقل السلطة ، وطلب سياف من الوفد أن يضغط على حكمتيار لإبعاد دستم ، وأنه على استعداد لضمان الاتفاق إن نكثت الحكومة -رباني- في عهدها ، وأنه في هذه الحالة سوف ينضم إلى حكمتيار ويقف بجانبه ضدها.

ذهب وفدنا في اليوم التالي لمقابلة رباني ، فاستقبله بحرارة بالغة ، وأعطى الوفد تفصيلاً عن الأوضاع الراهنة ، جاء فيها : أن حكمتيار كان يحاربنا لوجود دستم بجانبنا ، والآن يتحالف معه ، والآن لا بد من الإسراع بالحل الداخلي تجنباً للحلول الخارجية ، وأننا أعلمنا المستيري أن الحل لابد أن ينبع من الداخل ، وأن يشكل اللجنة من المجاهدين وممثلين عن الولايات ، وليست من شخصيات تختارها الأمم المتحدة ، وأننا وافقنا كما أخبرنا حقاني على الصلح والقبول بحكومة مؤقتة ، ولإخلاء كابل من السلاح ، وطلب أخيراً منا الضغط على حكمتيار لإيقاف إطلاق النار.

تناول وفدنا طعام الغداء مع الرئيس رباني ، ثم التقينا بعدد من ممثلي التنظيمات المشاركة في الحكومة ، ومنهم محمد علي جاويد من حزب الوحدة ، وكذلك زعيم جناح الوحدة أكبري ، وكذاك وزير العمل الذي يمثل الشيعة جناح محسني ، ومع رئيس القضاء من تنظيم مولوي محمد نبي.

غادر وفدنا في المساء إلى بلدة جيل السراج على بعد 180 كم شمالي كابول حيث التقى بأحمد شاه مسعود الخصم العنيد لحكمتيار ، وإحدى العقد التي استعصت على الحل شأن قلب الدين ، فاستمر اللقاء معه خمس ساعات ، لخص فيها آراءه والموقف التالي : ترحيبه بالوفد ، ورغبته في إيجاد حل قاطع لكل الصراعات ، وإيقاف القتال بأسرع فرصة ممكنة ، وأن أمريكا تريد أن تفرض رؤيتها ، وأن كابل بأيدينا ، وأننا رغبنا إلى حكمتيار بإخراج الشيوعيين بالتدرج لكنه رفض ، وهو أي حكمتيار يقصف كابل ، والأمم المتحدة بعد تمزيق صف المجاهدين تحاول فرض حكومة علينا ، وحكمتيار يريد حكومة مؤقتة ، وقد وافقنا على ذلك ، ويريد إخلاء كابل من الأسلحة فوافقنا بالرغم من أن كابل بأيدينا ، وهو يريد انتخابات بالإجماع ، وهذا مستحيل ، ولذا قلنا بالأكثرية.

وفي الختام أكد مسعود قبوله للحل المطروح ، وبالانتخابات على أن يلتزم حكمتيار بإيقاف إطلاق النار ، كما أكد استعداده للقاء حكمتيار وهو الرأي الذي اقترحته عليه.

تركنا الأستاذ ياسين ونحن في أوج المهمة الصعبة التي كنا مستغرقين بها ، وسافر إلى لاهور لحضور مؤتمر خاص بكشمير!! فعدنا -نحن أعضاء الوفد الثلاثة- إلى كابول ، ومنها إلى بغمان حيث يقيم سياف ، فعقدنا معه جلسة طويلة أكد فيها على أهمية التنسيق بين وفدنا ولجنة نظام الدين حقاني ، وكرر أن هناك فرصة للصلح ، وطلب من الوفد الضغط على حكمتيار لتقريب وجهات النظر ، وإبعاد دستم ، وعندئذ يستطيع سياف أن يعلن في مؤتمر صحفي انحيازه إلى حكمتيار ، وفي المساء جمع سياف أعضاء وفدنا مع لجنة الصلح الأفغانية برئاسة حقاني الذي اقترح تأخير الذهاب إلى جهاز آسياب حيث يقيم حكمتيار ، حتى يحصل على توقيع رباني ، فأكد وفدنا للجنة الصلح أن العمل سوف يكون بأيديهم كيلا يكون الحل من خارج الأفغان ، وأن وفدنا سيكون مساندا وعامل تقريب ، وأن تكون الوساطة الأفغانية هي واجهة هذا المسعى وهذه المصالحة.

وفي اليوم التالي وقع رباني على وثيقة معدلة حول تعريف المجاهدين ، وإجراء الانتخابات بأي طريقة ممكنة ، بغرض تشكيل مجلس شورى بالاختيار من الولايات في حيز الاحتمالات ، فعقد الوفد لقاء قصيراً بعد توقيعه على الوثيقة ، فودعناه في طريقنا إلى جهاز آسياب.

حمل الوفد وثيقة حكومة رباني إلى جهاز آسياب والتقى المهندس حكمتيار الذي سارع إلى رفض الوثيقة بعد التعديلات التي حدثت لها ، فدار نقاش نص على قيام الحكومة أولاً وعلى إجراء الانتخابات ، وعدم اللجوء إلى الاختيار ، فوافق قلب الدين على التعديل ، وعلى أن يتم تسليم السلطة في غضون أسبوعين.

عاد الوفدان إلى بغمان ، وعقد لقاء مع سياف الذي اطلع على مقترحات حكمتيار فوافق على البندين الخاصين بالانتخابات ، ووقف إطلاق النار ، وقال :

- إنه لابد من اللقاء مع حكمتيار ليتم الاتفاق على نقاط الخلاف ، ويتم الاتفاق على وقوفه مع حكمتيار في حال عدم التزام الحكومة بوعودها ، وأن التخلص من دستم ليس عسيرا في حال الاتفاق ، كما علمنا أن خلافات تدب بين أنصار دستم وأنصار حكمتيار في الشمال ، واتفقنا أن يعمل حقاني رئيس لجنة الوساطة لتنظيم اللقاء في المنطقة المحايدة بين مواقع سياف وحكمتيار.

في اليوم التالي عدنا إلى كابول ، والتقينا الرئيس رباني في مقابلة قصيرة بسبب تعرض القصر لقصف صاروخي ، فاتفقنا على ما يلي :

وافق رباني على انتخابات عامة ، وعلى أهمية وقف إطلاق النار ، وإخلاء كابول من الأسلحة الثقيلة ، وعلى تسليم السلطة إلى حكومة مؤقتة يتفق عليها الطرفان والجهات الأخرى.

عدنا من كابول إلى بغمان ، والتقينا بسياف ، ولخصنا له الموقف في التأكيد على النقاط المعدلة ، وأن النقطة المتعلقة بتشكيل لجنة الانتخابات لابد أن تخضع لملحق يفسرها ، عقب لقاء مباشر بين سياف وحكتيار ، واتفقنا أن يتصل سياف بنظام الدين حقاني ، لترتيب اللقاء ، وطالب سياف وفدنا أن يواصل مهمته ، ووعدناه بأن وفدا سوف يأتي لمواصلة العمل إن لم يتيسر لهذا الوفد الذي كان على أهبة السفر أن يعود إلى متابعة المهمة.

عاد الوفد مرة أخرى إلى حكمتيار ، وأكد له أن الحكومة موافقة على إجراء الانتخابات ، كما أكدنا على ضرورة وقف إطلاق النار ، فاشترط أن يغادر الجنود غير النظاميين إلى مناطقهم ، فطلبنا أن يتم ذلك دون إعلان ، ثم وافق على الاقتراح السابق بأن يقترن وقف إطلاق النار بإعلان نقل الحكم إلى الحكومة المؤقتة ، وطرحنا عليه اللقاء بسياف ، فوافق على مضض ، واشترط حضور رباني ، واتفقنا على أن ينظم ويرتب حقاني لهذا اللقاء الثلاثي ، وعندما أعربنا عن رغبتنا في السفر اعترض بشدة ، وطلب بقاء الوفد ليستمر في القيام بمهمته ، فوعدناه بالعودة بعد أن أمضينا ثلاثة أسابيع ، واتفقنا أن يبقى الأخ محمد إبراهيم عضو الوفد وسفير السودان في كابل على اتصال دائم بجميع الأطراف ، فغادرنا في اليوم التالي جهار آسياب إلى جلال أباد ، ثم إلى بيشاور في طريقنا إلى الخرطوم.

ج- عقد أعضاء وفدنا اجتماعا في بيشاور لتقويم عمل اللجنة ، وما حققته من إنجاز بعد ثلاثة أسابيع شاقة في التنقل الدائم بين القيادات المتخاصمة تحت القصف الدائم ومخاطره ، وفي طقس اشتدت برودته ، وغطت الثلوج السفوح والقمم السامقة التي لا تكاد نرى منها بطون الوديان ، ووعورة الطرق الصخرية التي تعيق السير وأحياناً توقفه ، فوصلنا إلى النتائج التالية : أن الرحلة بفضل الله وعونه ، كانت مثمرة ، وإن لم تبلغ الغاية المنشودة ، وأن جميع الأطراف كما لمسنا راغبة في سلام مؤقت ، لما بلغوه من إنهاك وانقسامات داخل كل فصيل أو تنظيم ، كما اقتنعنا أن قيام الحكومة المؤقتة ، وإجراء الانتخابات لن يشكل أكثر من هدنة ، وأن المعارك ربما تندلع مجددا ، ولذلك فلابد من تلمس حل ناجح للمشكلة قبل انقضاء الهدنة ، وأخيراً ، اتفقنا على أهمية تقديم مساعدات فنية في مسألة الانتخابات ، وربما في مسألة فصل القوات بتكوين لجنة من عدة أقطار إسلامية ، ومن جهات غير رسمية ، للفصل بين القوات في المناطق التي تقيم بها قوات الفرقاء المتنازعة.

7- لم يطل مكثنا في الخرطوم حتى عدنا أدراجنا إلى أفغانستان عن طريق بيشاور في رحلة ثانية كما جاء ذكر ذلك ، كانت من حيث الأهمية مليئة بالأحداث والإنجازات على مستوى تنظيم الدولة والإعداد الفكري والدستوري لقيام دولة أفغانستان الإسلامية ، وعندما التقينا الجنرال حميد كل في كابل قال : لمست الأثر الإيجابي لزيارتكم الأولى والذي لم أكن أتوقعه ، مما يشجع على استمراركم وفي وساطتكم المباركة بإذن الله. لمسنا ترحيبا حارا من جميع الفرقاء لهذه الوساطة ، وقبولا صادقاً غير متكلف لمباشرتها ، رغبة من الجميع في الخروج من الأزمة المستحكمة ، وإطفاء للنار التي تلتهم الأخضر واليابس في أفغانستان ، وبالرغم من أنهم رفضوا ، أو رفض معظمهم وساطة المستيري ممثل بطرس غالي الأمين العام للأمم المتحدة ، ووساطة الأمين العام للمؤتمر الإسلامي ، بل ورفض بعضهم استقبال الغامدي باعتباره في نظرهم موظفا صغيراً لدى بعض الأنظمة.

الح الجميع على استمرارنا بالوساطة ، وعدم التوقف في هذا المسعى ، بل بدأ بعضهم يأخذ بوجهة نظرنا ، ويصغي إليها باهتمام.

شعرنا بالوساطة بعيداً عن الأضواء ، وعن الأسلوب الذي يستفز الأفغان ، كما تورطت بذلك دول وجماعات وهيئات ، وتحركنا خلف لجنة من العلماء الأفغان ، مراعاة للنفسية الأفغانية الجبلية.

وعدناهم بالاستمرار في أداء واجبنا ، وبعد أن فغرنا من أمور ضرورية في الخرطوم ، وطلبنا من أحد أعضاء الوفد -محمد إبراهيم- أن يستمر معهم كي لا يحصل أي انقطاع ، فالتحقنا به سراعا بفضل الله. ثم انتهينا إلى توصيات في موضوع الوساطة التي مر ذكرها وهي :

أن يستمر الوفد في مسعاه بعد الذي لمسناه ، وتأكدنا منه في ترحيبهم وقبولهم وحرصهم على ذلك ، والمعروف عن الأفغان أنهم لا يخضعون ولا يقبلون الوسطاء بيسر ، ولا سيما من يمارس عليهم وصاية ، أو يكلمهم من عل.

كان تحركنا وحديثنا باسم المؤتمر العربي الإسلامي الشعبي في الخرطوم ،وبتكليف من أمينه العام الدكتور حسن الترابي.

كنا نؤكد لهم بين الفينة والفينة أننا جئنا إلى أفغانستان تحرقا على الدماء الزكية التي تراق بدون مسوغ شرعي أو منطقي أو سياسي ، فأفغانستان بحاجة إلى كل أبنائها وكل أصدقائها ، وأن الأفغان مجاهدون راشدون لا يحتاجون إلى أوصياء ولا إلى وسطاء ، ولذا نضع أنفسنا في خدمة الوسطاء الأفغان والمجاهدين الأفغان ، لنتحرك بالشكل الذي يرونه نافعا ومفيدا ، فإذا بنا نرى أن وفد الوساطة المشكل من العلماء حريصا أن نكون بجانبه في رحلاته وتحركاته.

- ينبغي أن يلحق أعضاء الوفد ويعودوا كما جاء ذكر ذلك لاستئناف مهماتهم ، لأن الموضوع معقد ودقيق ، ويمر بأحرج المراحل ، إذ إن فترة الشيخ رباني ستنتهي قريباً ، وسينشأ فراغ في الحكم ، وسيجر البلاد إلى حرب لا تبقي ولا تذر ، بل ربما كانت أمر وأدهى من كل ما سبقها من حروب ، فالضباط السابقون في حكومة تجيب التحق بعضهم بهذا الفريق ، وبعضهم بالفريق الآخر ، وهم يسعون لتسعير الحروب وإيقاد نارها ، والتدخل على أشده من باكستان وإيران وكازخستان والهند وطاجاكستان وأوزبكستان... الخ والسلاح وافر في كل الجهات ولدى كل الأطراف.

والخلاصة : إن العمل على إخماد نار الحرب الأهلية في أفغانستان من أجل الأعمال ، ويأتي في رأس قائمة السلوك الجهادي ، وفيه عز الدنيا والآخرة ، وإذا ما أثمر فإن أفغانستان تغدو إحدى قلاع الإسلام العتيدة ، خبرة في الحرب ، ووفرة في السلاح ، وشجاعة قل مثيلها ، في دعم الصف الإسلامي في معاركه ضد الصليبية والصهيونية وأعداء الإسلام بكل شرائحهم ، والله الهادي إلى سواء السبيل ، وبالله التوفيق.

19- 14- 1994
نائب رئيس الوفد
عدنان سعد الدين
ب- نصح حميد كل الشخصية المهمة في القضية الأفغانية ، أن يصار إلى وضع ميثاق يجمع عليه الأفغان بكل أطيافهم ويحتكموا إليه في حال أي خلاف يدب في صفوفهم ، كيلا يتكرر خطيئة الباكستانيين عندما قامت دولتهم على العناوين والمشاعر دون أن يعمدوا إلى وضع ميثاق يجتمعون عليه ، كان قلب الدين أسرع الأفغان إلى التجاوب مع فكرة الميثاق.

قدمت اللجنة ، بعد التشاور ، ميثاق دولة أفغانستان الإسلامية إلى الفصائل الجهادية في سياق مسعى المصالحة التي تقوم به اللجنة ، وهذه هي نصوصه الموجزة في صياغته النهائية.

ميثاق دولة أفغانستان الإسلامية

- تكون الحاكمية في دولة أفغانستان الإسلامية لله وحده ، والمرجع الوحيد والنهائي في كل المنازعات والقضايا هو الكتاب الحكيم والسنة المطهرة.
- الحكم في دولة أفغانستان الإسلامية يسند لمن يلتزم بالحكم بما أنزل الله ، ويحظى باختيار الشعب له ، عبر آلية انتخابية يحددها الدستور ولا يجوز لأحد أو جماعة الوصول للسلطة عن طريق القوة ، واستعمال السلاح ، اعتماداً على قوة داخلية أو خارجية أياً كانت.
- دولة أفغانستان الإسلامية دولة شورية موحدة ، تحكم رئاسيا ، ويكون رئيس الدولة هو رأس السلطة التنفيذية ، ورمز السيادة الوطنية في آن واحد.
- سلطة سن القوانين الشرعية والقابية على الحكومة من مسئولية مجلس الشورى ، وقرارات المجلس ملزمة للسلطة التنفيذية.
- السلطة القضائية في دولة أفغانستان الإسلامية سلطة مستقلة ، ووظيفتها القيام على تحكيم الشريعة ، وإقامة العدل ، والحفاظ على الحقوق الفردية والعامة.
- الشريعة الإسلامية هي المرجع لكل القوانين والتشريعات والمناهج والسياسات.
- من حق القضاء إبطال أي قرار يخالف الشريعة الإسلامية ، أو يتجاوز على حقوق الأفراد ، ولأي جهة أو فرد الحق في مراجعة المحاكم لإبطال مثل تلك القرارات.
- جميع المواطنين في دولة أفغانستان الإسلامية متساون أمام القوانين ، ويتمتعون بكل الحقوق المدنية والسياسية التي تعلنها المواثيق الدولية ، وتقرها الشريعة الإسلامية الغراء.
- الحريات السياسية مكفولة في دولة أفغانستان الإسلامية لجميع المواطنين دون تمييز ، بما في ذلك حرية التعبير والتنظيم ، ولا يجوز أن تستغل الحرية السياسية وسيلة لتمزيق الوحدة الوطنية ، أو تهديدا لاستقلال البلاد وهويتها الإسلامية.
- تعمل الدولة أو المجتمع في دولة أفغانستان الإسلامية على تحقيق أهداف الجهاد الإسلامية ، وتطوير ودعم الروح الجهادية ، والخدمة العسكرية واجب على كل أفراد الشعب الأفغاني ، للدفاع عن سيادة البلاد واستقلالها ووحدتها وكيانها الإسلامي. والله على ما نقول وكيل.

في 6- 1- 1995

ج- أعقب الاتفاق على الميثاق في مطلع عام 1995 اتفاق سلام بين الفصائل ، وبمساعي وتعاون اللجنة الرباعية التي تضم ثلاثة سودانيين وكاتب هذه السطور ، ومجموعة من العلماء الذين يتمتعون بثقة الشعب الأفغاني ، تضمن عدداً من المبادئ التي يتطلبها قيام الدولة المستقرة في أفغانستان :
- تنصيب حكومة مؤقتة : إن تنصيب حكومة مؤقتة في أفغانستان يتم بنقل كل سلطات الدولة إليها في وقت لا يتجاوز اليوم الأول من شهر رمضان 1415هـ ومنتصف العام الميلادي 1995م ، وسوف تكون الحكومة المؤقتة ذات تفويض محدود ، ولفترة للحكم لا تتجاوز ستة أشهر ، وسوف تتشكل الحكومة من أشخاص أخيار ذوي اقتدار ، ليسوا من الأعضاء الفاعلين في الأحزاب ، وسوف يقدم كل طرف إلى لجنة الوسطاء قائمة بعشرين شخصاً من هؤلاء ، وستعرض القائمتان على لجنة تضم مفوضا من كل طرف بحضور لجنة الوسطاء ، وسيكون هؤلاء مفوضين لاختيار رئيس الدولة ، وأعضاء مجلس الوزراء ، وقاضي القضاة ، وهيئة للانتخابات مكونة من سبعة أعضاء ، ومن ضمن الأسماء الواردة في القائمتين ، وفي حال تعذر اتفاق ممثلي الطرفين ، يكون للوسطاء الحكم الملزم بينهما ، ويجب تشكيل الحكومة المؤقتة في غضون ثلاثة أيام من التوقيع على الاتفاق.
- تجري الانتخابات تحت إشراف هيئة انتخابات مستقلة عن الحكومة خلال ستة أشهر من تشكيل الحكومة المؤقتة ، وسوف تجري الانتخابات على أساس التصويت المباشر لجميع المواطنين ( يستثني النساء في الانتخابات الأولى ) لانتخاب رئيس الدولة ، وأعضاء مجلس الشورى ، وذلك عبر بطاقتين منفصلتين ، ويتم التصويت في آن واحد ، وتقوم هيئة الانتخابات بوضع اللوائح التي تحدد أهلية المرشح والناخب والإجراءات الانتخابية ، وفي حال وجود ضرورة تقتضي تأجيل الانتخابات ، فإن هيئة الانتخابات سترفع الأمر إلى لجنة الإشراف في مدة أقصاها أربعة أشهر من توقيع الاتفاق ، ويحق للجنة الإشراف أن توافق على التأجيل لفترة لا تتجاوز الثلاثة أشهر ، أو تقوم باستبدال هيئة الانتخابات للمضي قدما في إجراء الانتخابات.
- تتوقف جميع الأعمال القتالية فوراً ، وتسحب القوات إلى أماكن تجمع خلال أسبوعين من تشكيل الحكومة المؤقتة ، ومن يخالف هذا الأمر ، سيتعرض للمحاكمة تحت طائلة الخيانة العظمى ، وسوف يتم إخلاء المدن والطرق الرئيسية والثغور من الوحدات المسلحة ومن المقاتلين ، وستناط مهمة حفظ الأمن في هذه الأماكن بوزارة الداخلية في الحكومة المؤقتة ، والتي يحق لها إذا اقتضى الأمر إعداد قوة خاصة لحفظ الأمن في كابل وفي غيرها ، وسوف تسحب كل الأسلحة الثقيلة إلى مستودعات الأحزاب والتنظيمات بناء على توجيهات هيئة الصلح التي يحق لها تحديد أماكن هذه المستودعات.
- تتشكل هيئة الصلح مبدئياً من عشرة أشخاص ، وتتسع فيما بعد ، لتصل إلى واحد وخمسين عضوا ، وتضم ممثلا لكل حزب ، وممثلين للمحافظات ، وأحد عشر شخصية من العلماء ، ويتم تشكيل هيئة الصلح مباشرة مع تشكيل الحكومة المؤقتة ، وتنتخب رئيسها فور انعقادها للمرة الأولى ، وتستمر أعمال هيئة الصلح إلى حين انتقال السلطة للحكومة المنتخبة.
- سيتم تشكيل هيئة انتخابات من سبعة أشخاص محايدين ، تعلن أسماؤهم مع إعلان تشكيل الحكومة المؤقتة.
- تشكيل لجنة إشراف من قائمة متفق عليها ، وتشتمل على شخصيات بارزة من شعوب الأمة الإسلامية ، تكون مهمتها تسهيل تنفيذ هذا الاتفاق ، إلى أن يبلغ الأمر تمامه بتنصيب الحكومة المنتخبة ، ويجوز لها أن تشتمل على مراقبين من الأمم المتحدة ، ومن منظمة المؤتمر الإسلامي ، ولن يقتصر عملها على مراقبة تنفيذ هذا الاتفاق ، بل سوف تقضي في المنازعات ، وتضطلع بتفسير بنود هذا الاتفاق.
- لا يحق لرئيس وأعضاء الحكومة المؤقتة ، وأعضاء هيئة الصلح ، وأعضاء هيئة الانتخابات خوض الانتخابات المقبلة.

تم التوقيع على الاتفاق بضحور شهود أفغان وغير أفغان ، ختمون بعبارة والله خير الشاهدين.

- لقد حضرت اختيار وترشيح تشكيل لجنة الإشراف من كبار الشخصيات من الأمة الإسلامية ، وكان من السوريين الذي رشحوا فيهذه اللجنة فضيلة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى ، وكاتب هذه السطور.
8- جرت الأمور في أفغانستان على غير ما كنا نسعى ونتمنى ، فالتدخلات الأجنبية زادت شدة واتساعا ، والانقسام بين الفصائل ، ولا سيما بين أحمد شاه مسعود القوة الضاربة في الجمعية الإسلامية التي يقودها رباني الذي نصبه وزيرا للدفاع في حكومته ، وبين حكمتيار ، وكلاهما كالصخر في صلابته وعناده ، فذهبت جهود كثيرة بذلها المسلمون سدى ، ولم يتوقف نزف الدم بين الإخوة الألداء ، وفي صفوف المجاهدين الذين قهروا السوفيات ، لكنهم لم يستطيعوا قهر جموحهم وخلافاتهم التي استحكمت ، فلم تعد الجهود المبذولة بذات جدوى.
أ- إن لأفغانستان مقومات وخصائص انفردت بها عن الأقطار الإسلامية كافة ، فالطبيعة الجغرافية والطبوغرافية تجعل منها قطرا عصيا على الغزاة والمحتلين ، فالجبال شاهقة الارتفاع ، تبلغ ألوف الأمتار ، وهي شديدة الوعورة ، لا يسلكها ، ولا يصبر عليها إلا الذين ولدوا في شعابها وعلى سفوحها ، وكأنهم جزء من صخورها وتكوينها ، أما شعبها فلا يقل صلابة عن طبيعتها الجغرافية ، فهو شعب صلب عنيد ، لا يخضع لطاغية ، ولا ينحني أو يستسلم لمعتد أو محتل ، وقد تعرضت أفغانستان لغزوات كثيرة ، فهي المعبر إلى آسيا الوسطى ، وحلقة الاتصال بين العمق الآسيوي ومناطق الشرق الأوسط ، فارتدت تلك الغزوات على أدبارها ، ومنيت بالهزائم المنكرة ولا سيما بالنسبة للإيرانيين ، أما تمسكهم بالإسلام فحدث عن ذلك بلا تردد أو حرج ، وكأن الله بحكمته وقدرته سلط الأفغان على من يريد بالإسلام وأهله شراً ، وبهذه الروح شهدت الأرض الأفغانية ظهور دول قوية ذات شوكة.

كان الغزنويين من أشدهم بأسا وأقواهم شكيمة ، فكسرت دولة الغزنويون شوكة الغزاة ، وكان محمود الغزنوي أبرز رجالهم وقادتهم من كبار القادة المسلمين العظام في تاريخ المسلمين ، والحديث طويل عن السلاجفة الذين نصر الله بهم مذهب أهل السنة والجماعة ، وخضد شوكة الحركات الباطنية التي استفحل أمرها ، وكادت تكتسح العالم الإسلامي بعد الجرائم الوحشية التي أشاعتها في عاصمة الخلافة الإسلامية بغداد وما حولها ، وتسلطهم على الخلفاء العباسيين ، وما الحديث عن البويهيين وشرورهم ببعيد عن المؤرخين والباحثين.

لقد عادت لأهل السنة والجماعة عزتهم وكرامتهم على يد الشعوب التركية منذ وقت مبكر ، بعد أن ابتلى المسلمون بالحركات الباطنية -كالبويهيين وأمثالهم- من الفرس الذين أشاعوا البدع والمنكرات والشذوذات ضد العقيدة الإسلامية النقية ، وضد الأحكام الشرعية والتقاليد والسنن التي تلقاها أبناء الإسلام جيلاً بعد جيل عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه الكرام ومن تبعهم بإحسان.

ب- يطلق الباحثون -ومنهم محمد حسنين هيكل- على أفغانستان اسم : سقف العالم لما عرفت به من شدة البأس والمراس ، ولصفات أخرى ، وكأن الله جل جلاله بحكمته قضى أن يؤدب بها الطغاة والسفاحين ، فإذا انتقلنا من القرون الوسطى والأدوار التي اطلعت بها أفغانستان ، إلى العصور الحديثة ، ولا سيما القرون الثلاثة الأخيرة ، فإن بريطانيا التي كانت في القرن التاسع عشر الميلادي من أقوى الدول الاستعمارية في العالم برا وبحرا ، والتي امتد نفوذها إلى القارات الخمس ، فصارت الشمس لا تغيب عن أملاكها في إفريقيا وأمريكا وآسيا واقيانوسيا ، ثم حملتها أطماعها على اقتحام أفغانستان والتوغل في جبالها وأرضها الوعرة ، فتصدى الأفغان ذوو البأس لعدوانها ، وخاضوا معها معركة رهيبة ضد جيشها العتيد على ضفاف نهر كابل ، الذي يصل ما بين العاصمة وأكبر واحات أفغانستان جلال أباد ، المحاذية للحدود الباكستانية والقريبة من ممر خيبر ، فكانت ساحة المعركة التي شهدناها ذات يوم في إحدى رحلاتنا الداخلية في أفغانستان مقبرة للجيش البريطاني الذي كان عدده خمسين ألف جندي وضابط ، فلم يبق إلا طبيب ومرافقه اللذان أخبرا عن الكارثة التي حلت بالإنكليز والبغاة ، فكان القرن التاسع عشر قرن الكارثة التي حلت بالإنكليز على أرض أفغانستان.

لم يقرأ الدب الروسي عن كارثة الإنكليز ، ولم يتعظ من ثم بما حل بهم في أفغانستان ، فغرتهم الآلة العسكرية التي كان الجيش الأحمر يملكها ، فتورطوا كما رأينا من قبل تفصيلاً ، فحل بالسوفيات ما حل بالإنكليز من قبل ، ولا حاجة بنا إلى تكرار ما ذكرناه من خسائر الروس ونكبتهم التي مهدت لسقوط إمبراطوريتهم التي كانت تثير الرعب بقدراتها النووية واتساع رقعتها ما بين المحيط المتجمد والمياه الدافئة ، وما بين العمق الآسيوي والبعد الأوروبي ، وما يدين لها من ولاء الأحزاب الشيوعية في العالم أجمع ، وهكذا كانت نكبة السوفيات في القرن العشرين.

وكأن القدر كتب على الأمريكان الذين دعموا الصهاينة في اغتصاب فلسطين ، وتدمير شعبها قتلا وتهجيرا ، أن يأتي دورهم في العقوبة على ظلمهم ، فاستخفوا بأفغانستان وحرضوا شعوب العالم وعشرات الدول ضدها ، وبعد عشر سنوات قالوا وقال حلفاؤهم في العدوان : إن النصر غير ممكن في أفغانستان ، فلابد من الحل السياسي ، وليس العسكري ، إنهم يتجرعون الغصص ، ويعيشون حيرة لا يدرون كيف يخرجون منها ، فالبقاء نكبة مستمرة في نزف المال والدماء ، وخروجهم مندحرين سوف يلحق بهم ذلا وانكسارا ، وكان القرن الحادي والعشرين سيكون قرن النكبة على الأمريكان ، كما كان القرن العشرون قرن تمزيق الإمبراطورية السوفياتية ، والقرن التاسع عشر قرن فناء الجيش البريطاني على ضفاف نهر كابل القريب من العاصمة.

ج- بيد أن الذي يحز في النفس ويفري الكبد ويدمي الفؤاد ، ما انتهى إليه المجاهدون الأبطال من تفرق كلمتهم ، وتمزيق صفهم ، والصراع الدموي فيما بينهم ، حتى استحر القتل ، وقضى على خيرة قادتهم الذين عرفنا بعضهم عن قرب ، والذين كان صبرهم وسمتهم وتضحياتهم تذكر بحياة الصحابة رضوان الله عليهم ، رحمهم الله وغفر لهم ، ورد المجاهدين الأفغان إلى رشدهم.

إن فترة الجهاد في ثمانينيات القرن الماضي قد أضحت تاريخا للاتعاظ ، فمولوي محمد نبي ومولوي يونس خالصقد طواهما الموت ، وأحمد جيلاني ، وصبغة الله مجددي قد انحازا إلى الغرب منذ وقت مبكر ، وسياف ، ورباني تعايشا مع الاحتلال الأمريكي بجانب كرزاي ، بعد أن كانا في صفوف المجاهدين الأولى ، ولم يبق على ما كان عليه من مقارعة المحتل إلا حكمتيار الذي أشرت قبل صفحات إلى ما يتحلى به من ثبات واستقامة وتمسك بأهداب الإسلام ، وأن ما لديه من ثبات واستقامة ما يقدمه ويرجح كفته على من عداه من قادة المجاهدين منذ البدء ، وها هي ذي الأحداث تثبت أنه ما يزال يناوئ المحتلين الأمريكان وحفاءهم ، ويقاومهم دون مهانة أو مساومة ، ويصارعهم دون كلل أو ملل ، كما كان حاله أيام الجهاد ضد السوفيات ، وهذا ما يجدد الأمل في انتصار قريب للملا عمر ومن يسير في ركابه ، وللمهندس حكمتيار وحزبه الإسلامي ، وللشعب الأفغاني كما تشير الدلائل ، وكما يصرح أعداء أفغانستان أنفسهم يائسين من أي نصر ، وكما يدل موقف كرزاي الذي يتوسل لتفاهم مع المجاهدين الذين استوردوه من أمريكا ، وجاؤوا به من عمله في المطاعم التي كان يديرها في أمريكا ظنا منهم أنهم يخدعون به الأفغان ، باعتباره منهم ويتحدث بلسانهم.

أما موقف رباني وسياف فيذكرنا بقوله تعالى : ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ ، وقوله صلى الله عليه وسلم « اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك » ، وقوله صلى الله عليه وسلم « اللهم إنا نسألك حسن الخاتمة ».

التجربة الثامنة مع جمهورية باكستان الإسلامية

منذ بدأت الاضطرابات والصدامات في سورية في أوخر سبعينيات القرن الماضي ، كانت باكستان إحدى محطاتنا الرئيسية ، ومراكزنا الأساسية ، لاعتبارات عدة ، منها أنها مقر لقيادة الجهاد الأفغاني الذي ربطتنا به علاقات متينة وتعاون وثيق ، كما رأينا ذلك في البحث عن العلاقة مع قادة الجهاد الأفغاني ومنظماته ، فكان مقرنا إلى بيشاور لا يتوقف على مدى عشر سنين ، كما أن مركز الثقل للجماعة الإسلامية التي أسسها الإمام أبو الأعلى المودودي والمنتشرة في شبه القارة الهندية وما حولها ، إنما هو في باكستان ، والجماعة صورة عن الإخوان المسلمين في البلاد العربية ، أو هي شبيهة بها في مبادئها ووسائلها وأساليبها في التربية والفكر والنشر والحراك السياسي.

لقد كانت مقرات الجماعة الإسلامية مفتوحة لنا ، وأبوابها مشرعة أمامنا في لاهور -مقرها الرئيسي- وإسلام أباد وبيشاور وغيرها ، وكان تجاوبهم معنا كبيراً جداً ، وكأننا بين ظهراني جماعة الإخوان المسلمين التي ننتمي إليها في بلادن العربية.

كان المودوي أحد أئمة الحركة الإسلامية في القرن العشرين ، وقد زار منذ وقت مبكر مقرات الإخوان في سورية ، وعندما حضر إلى حماة أواخر الأربعينيات كلفني إخواني بتقديمه كمحاضر في مركز حماة ، وكنت في العشرين من العمر بعد انتمائي للحركة أو للجماعة بأربع سنوات ، وشاء القدر أن نشارك في تشييع جنازته في لاهور ، ونسافر على عجل ، ونحضر صلاة الجنازة عليه والتي أمناً فيها الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله ، وكنا -كضيوف- في الصف الأول بجانب الرئيس الباكستاني ضياء الحق رحمه الله.

استمرت العلاقة مع الجماعة بقيادة خليفة المودودي الشيخ طفيل محمد الذي كان لا يقل حماسة لنا وتجاوبا معنا عن سابقه المودودي.

غير أن العلاقة شهدت ازدهارا بين الإخوان والجماعة في عهد القاضي حسين الذي عزم على التجديد في أساليب العمل ووسائله ، والخروج بالجماعة من الدوائر الضيقة التي كانت تعتمد فيها على النخبة إلى ساحة العمل الجماهيري العام ، وفي الميادين السياسية والأنشطة الطلابية والاجتماعية في باكستان ، متأثرا بمنهج الحركة الإسلامية في السودان.

1- وللأهمية البالغة لجمهورية باكستان الإسلامية ، والتي بلغ عدد سكانها عند كتابة هذه السطور 180 مليونا ، ولكونها دولة نووية ، وذات دور كبير في دول آسيا -إيران والهند وأفغانستان وغيرها- فإنها تتعرض لضغوط ومؤامرات غربية وهندية.. الخ ، لنسأل الله تعالى أن تخرج منها سالمة معافاة.

الواجب يقتضي منا حيال هذه الدولة الشقيقة والمساندة لنا : أن تقدم عن نشأتها وأهميتها والمراحل التي مرت بها صورة عبر تقرير موجز أعدة تنظيمنا وممثلونا في باكستان في 5- 3- 1985.

انفردت باكستان بالقيام على أساس إسلامي ، فقد ضحى ألوف مؤلفة من أبنائها في مقاومة الإنجليز والهندوس ، لتحقيق هذه الهدف الكبير ، إلا أن باكستان ، ويا للأسفن لم تنمكن من إقامة الدولة الإسلامية بما تعنيه هذه الكلمة من معنى دقيق ، فالزعماء الذين قادوا حركة الاستقلال ، والذين وعدواً المسلمين في شبه القارة بإيجاد دولة إسلامية مستقلة -باكستان- لم يوفوا بوعودهم ، الأمر الذي جعل العلماء المخلصين يقودون حملة قوية صادقة ضد المحاولات التي ترمي إلى إجهاض المشروع الإسلامي ، فاستطاعوا أن يسيطروا على الأوضاع ، بدعم من الجماهير العريضة والفئات الشعبية التي كانت مستعدة للدفاع عن الإسلام ، وحمايته من مناوئيه.

في عام 1952 ، وعندما بدأ الاتجاه نحو الإسلام يأخذ مساره الصحيح ، وأخذت المحاولات التطبيقية طريقها نحو التنفيذ ، فوجئت باكستان بالحكم العسكري لأول مرة -يرجع أنه بتأييد خارجي- فاستلم الجنرال محمد أيوب خان السلطة ، كقائد عام وحاكم عسكري للبلاد ، فاستمرت فترة حكمه عشر سنوات لم يبد للحكم الإسلامي خلالها أي ظهور.

وبالرغم من التعسف في فترة هذا الحكم ، تابعت القوى الإسلامية العمل لنصرة الإسلام.

أ- تبع هذا الحكم العسكري حكم عسكري آخر بقيادة جنرال آخر هو يحيى خان الذي لم يكن كما ذكر الباكستانيون ، من أهل السنة والجماعة ، فأجرى انتخابات ، ظهر فيما بعد ، أنها معدة عام 1970 ، فكانت صدمة مؤلمة للجماعة الإسلامية ، حيث حصل العلمانيون والشيوعيون والحركات المعادية للإسلام في باكستان الشرقية على أغلبية الأصوات.

بعد نشوب حرب عام 1971 مع الهند تمزقت باكستان شر ممزق ، إذ انفصلت باكستان الشرقية عن الغربية ، ووقع جيشها -جيش باكستان الغربية- في الأسر في بنغلاديش ، وتسلم ذو الفقار علي بوتو -المعروف بعدائه للإسلام- الحكم في باكستان الغربية ، فكانت هذه الفترة بالغة القسوة على باكستان ، وشهدت البلاد حالة من الفوضى ، وأحكم بوتو قبضته -وهو يحكم باسم الديمقراطية على باكستان- فكان أسوأ دكتاتور عرفته البلاد ، حيث انتشرت عمليات النهب والاغتيالات والاعتقالات على نطاق واسع ، وقد تنبهت الحركات الإسلامية لذلك ، وقامت بتحريك الرأي العام ، والقيام بمظهرات واسعة ، فعسى بوتو لتهدئة الأوضاع بالإعلان عن انتخابات جديدة في باكستان عام 1977 ، فقام حلف وطني باكستاني عريض ضد بوتو ضم معظم فئات الشعب الباكستاني ، حتى أضحى تياره كاسحا بقيادة المفتي محمود ، فعمت المظاهرات ، وقتل المئات ، وأقدم بوتو على أكبر عملية تزييف للانتخابات بتاريخ باكستان ، فتحرك الجيش في 4- 7- 1977 بقيادة الجنرال ضياء الحق فزج بوتو في السجن وأجرى له محاكمة انتهت بإعدامه ، وأعلن أن البلاد الإسلامية وستبقى كذلك ، ووعد بإجراء انتخابات عامة حرة خلال 90 يوماً من استلامه السلطة ، لكنه لم يف بوعده واستمر في الحكم إحدى عشرة سنة.

بمرور الوقت بدأ ضياء الحق يعطي حكمه وجهاً إسلاميا ، ويبدأ خطبه بآيات من القرآن الكريم ، لكن ذلك كله كان شكليا ، وعلى الورق ، وبقي المجتمع على حاله دون تغيير يذكر ، وبقيت البلاد على ما هي عليه من فقر وحرمان ، وبقي المرتشون والمختلون تحت حماية الدولة يرتعون في مصير الناس كما يريدون.

ب- كانت سياسة الحركات الإسلامية هي العودة بالبلاد إلى الديمقراطية وإنهاء الحكم العسكري ، فأجرى ضياء الحق استفتاء عام 1984 وانتخابات عامة 1985 ليحكم لفترة خمس سنوات أخرى واعدا بإنهاء الحكم العسكري والعمل على تثبيت دعائم الإسلام.

لم يستجب الشعب لدعاوى ضياء الحق ، ولم يشارك في الاستفتاء أكثر من عشرين بالمئة ، ولكن الحكومة التي نظمت الاستفتاء ذكرت أن النسبة بلغت 75% وكان الخاسر الأكبر في الانتخابات هي الجماعة الإسلامية التي لم تنل إلا عشرة مقاعد من أصل 226 مقعدا ، لأن الانتخابات جرت في غياب الأحزاب بصورة فردية.

وقفت باكستان على مفترق الطرق ، فإما العودة إلى الحياة المدنية وتوزيع السلطات بين الرئيس ورئيس الوزراء ، أو لا تغرق في مستنقع حكم عسكري جديد!

كانت صلاتنا -نحن إخوان سورية- قد توثقت بالرئيس الباكستاي ضياء الحق وتكررت الزيارات إلى منزله مرارا ، وقد شعرت في أثناء جولاتنا في باكستان ، وزياراتنا للحركة الإسلامية الرئيسية ، أن أزمة حادة قائمة بين الرئيس وبين قيادة الحركات الإسلامية ، فنصحنا الرئيس بالعم لعلى إيجاد جو من التفاهم بينه وبينهم ، فأبدى استعداد كبيراً لذلك ، ورغب إلينا أن نقوم بهذه المساعي الحميدة ، وكان الذي أقام هذه العلاقة بيننا وبين الجنرال هو مفتي باكستان الشيخ تقي عثماني وابن مفتيها عن طريق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله الذي كانت تربطه بالعثماني وبكبار علماء باكستان علاقات علمية وأخوية وشيجة ، فكنا نأتي ضيوفا على الرئيس الباكستاني ونزوره في منزله ، وعندما رغب إلينا بتقريب وجهات النظر بينه وبين القادة المسلمين ، استجبنا نحن الثلاثة الذين يتكون منا الوفد السوري : الشيخ عبد الفتاح أبو غدة والدكتور حسن هويدي رحمهما الله ، وكاتب هذه السطور.

كانت الحركات الإسلامية الكبرى في باكستان هي : الجماعة الإسلامية بقيادة القاضي حسين ، وجمعية علماء باكستان برئاسة شاه أحمد نوراني ، وجمعية الحديث برئاسة إحسان إلهي ظهير ، وجمعية علماء الإسلام برئاسة المفتي محمود وولده من بعده ، فوجئنا أن ضياء الحق عمل على تقسيم هذه الحركات ليكسب منها من يقف بصفه ، فنجح في تنفيذ ذلك في جمعية علماء الإسلام وجمعية علماء الحديث ، كما فوجئنا بأن الثقة مفقودة بين قادة هذه الحركات وبين ضياء الحق ، لأنهم جميعاً قالوا : إن ضياء الحق لا يتقيد بوعد أو بميثاق وأنه مكن للشيعة في باكستان من مراكز حساسة في الدولة ، كما فعل في وزارتي الدفاع والداخلية ، وأنه يعد ويخلف في إجراء انتخابات على مدى أكثر من عشر سنوات ، حتى أعطى لحزب الشعب بقيادة عائلة بوتو فرصة في أن يجمع صفوفه ، وينظم قواعده ، ويكسب الرأي العام لجانبه بعد أن نكث الجنرال بكل وعوده ، ولذا -قالوا- إنهم لا يثقون بكلامه ولا يمكن لهم أن يركنوا لموماقفه ووعوده ، وكانت حجة الجنرال أنه إذا أجرى انتخابات ، كما يطالب بذلك قادة الحركات الإسلامية ، فإن حزب الشعب سيفوز بها ، وكان الرد على ذلك بأن الحركات تحمله مسئولية ذلك لأنه ينكثه للوعود خسر ثقة الشعب الذي انحاز بأعداد كبيرة إلى حزب بوتو.

لقد لمسنا من ضياء الحق مثل هذه السياسات في علاقته مع الآخرين ، فعندما طلبنا منه أن يقف حياديا في الحرب بين إيران والعراق ، وأن يقوم بدور الوسيط لإطفاء نارها وعد بذلك إذا انسحب العراق إلى الحدود بين الدولتين ، ولما حدث ذلك ، وانسحب العراق من الأرض الإيرانية ، أزداد ضياء الحق انحيازا لإيران ، لأسباب غير مفهومة ، هل كان تقربا لإيران؟ أم لتنشيط التجارة مع إيران التي كانت تستورد كميات كبيرة من الرز وغيره من باكستان؟

وعندما وعدنا بفتح أبواب الجامعات أمام طلابنا السوريين بعد أن طوردوا في سورية وغادروها ، وعدنا بذلك ، كما وعدنا بتدريب عدد من شبابنا ، ولكنه كان في كل الحالات لا ينفذ من كلامه شيئاً ، فكان البعد بين ما يعد به وبين تنفيذه كما هو بين المشرق والمغرب!

ج- وعندما لمسنا في ضاء الحق تخاذلا في علاقاته وتراجعا عن وعوده ، ورفعنا له مذكرة نذكره فيها على ما اتفقنا عليه معه بشأن طلابنا وشأن وعوده الأخرى ، بعد التشاور مع الجماعة الإسلامية ، الذين وعدونا بتسليم مذكرتنا إليه.

تسلم منا خليل الحامدي ، سكرتير أمير الجماعة ، ومدير دار العروبة المتخصصة بترجمة كتب المودودي وغيرها من الأردية العربية ، مذكرتنا في 30- 9- 1984 في أثناء لقائنا به في الخرطوم ، وهذا نصها :

فخامة الجنرال ضياء الحق رئيس جمهورية باكستان الإسلامية الموقر.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وأسأله تعالى أن يسدد خطاكم إلى ما يرضي الله سبحانه ، ويحفظ باكستان وشعبها من كل سوء وبعد :

فقد حظينا بلقياكم أربع مرات في عام واحد ، وتلقينا موافقتكم الكريمة على إلحاق نفر من شبابنا بجامعاتكم في باكستان ، وحملنا لهم البشرى بذلك في كل مرة ، بل وأسررنا في ىذان إخوتنا من قادة المسلمين في العالم الإسلامي بهذا الأمر ، وأن فخامة الرئيس قد فتح قلبه وبلده إلى شبابنا من سورية ، ليلتحقوا بالجامعات الباكستانية ، وقد بنى الشباب آمالهم على إكمال دراستهم بناء على موافقة فخامتكم ، والآن وبعد انتظارهم الطويل وانتظارنا ، نرجو من فخامتكم أن تصدروا أمركم بتنفيذ موافقتكم الكريمة للجهات المختصة في الجامعات الباكستانية ، ليعلم إخواننا المسلمون في العالم ، وأبناؤنا في سورية وخارجها أن الوعد الذي تفضل فخامة الرئيس به ، وأكده لوفد الجبهة الإسلامية في سورية قد أخذ طريقه بالتنفيذ ، إن لم يكن لجميع الطلاب الذي قدمنا أسماءهم فللمتيسر منهم ، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. في 30- 9- 1984

المخلص
عدنان سعد الدين
عن وفد الجبهة الإسلامية في سورية
2- اتسعت الهوة بين ضياء الحق والجماعة الإسلامية ، وبدت رغبته جلية في كبتها وإسكات صوتها ، بعد أن وقفت بجانبه في الاستفتاء وفي مواقف أخرى أملا منها في تبني المشروع الإسلامي ، فخسرت الجماعة تعاطف الشارع وبعض العلماء والجمعيات معها ، ليأتي دور ضياء الحق ، فيضيق عليها ، ويضعف تحركها ، وكانت جمعية الطلبة أقوى تنظيمات الجماعة ، بل هي التنظيم المتحرك والمعارض وذو التأثير الكبير في الجامعات الباكستانية ، فسلط ضياء الحق أجهزته الأمنية على جمعية الطلبة الإسلامية ، وأطلق لها العنان بالتنكيل بالطلاب واستخدام وسائل من التعذيب وأساليب قذرة يعف القلم عن ذكرها ، ولم تكن معروفة أو مسبوقة قبل ضياء الحق في باكستان بما في ذلك عهد بوتو ذي الوطأة القاسية على معارضيه ، وعندما ضج الشعب الباكستاني والوسط الطلابي من أساليب أجهزة ضياء الأمنية ، اضطر ضياء الحق أن يصرح وينفي ما يتعرض له الطلاب الجامعيون من أعضاء جمعية الطلبة إحدى أقوى التنظيمات التابعة للجماعة الإسلامية.
أ- رفع نائب رئيس جمعية الطلبة راشد نسيم مذكر إلى الجنرال محمد ضياء الحق في 12- 5- 1984 جاء فيها : نأسف أن نبين بالنيابة عن الأوساط الطلابية في باسكتان أن تصريح الجنرال ضياء الحق بتاريخ 6- 5- 1984 في مطار لاهور الذي نفى فيه تعذيب الطلبة من قبل إدراته ، يعتبر حتما غير صحيح ، وسعيا ممقوتا لتغطية الحقائق.

إن مئات من الطلاب تعرضوا لأساليب وحشية من التعذيب في المعتقلات خلال قترة الحركة الطلابية ضد قرار الحكومة الاستبدادي بإغلاق الاتحادات المنتخبة والمنظمات الطلابية الصادر في شهر شباط/ فبراير الماضي. إن ضحايا عديدة قد عريت ، وأحرقت أماكن حساسة في أجسامهم بالسجائر والشموع ، وقلعت أظافرهم ، وتحمل آخرون التعذيب الوحشي والسباب والتهديدات من قبل البوليس.

لم يرحم البوليس حتى آباء الطلبة وأقاربهم وحتى النساء في بعض المناطق ، وقد أخذ كثير من الشباب إلى مراكز البوليس والمعتقلات والأماكن المهينة ، واتهموهم بتهم عديدة ملفقة ، ولا يزال العنف المفرط مستمراً بحق الطلبة حتى الآن.

لقد ثبت زيف التصريح الذي أدلى به ضياء الحق ، والذي نفي فيه ممارسة التعذيب مع الشباب المسلم في 6-5 - 1984 ، وذلك بجدول الحقائق الثابتة من التعذيب وأنواع العنف الأخرى المفرطة الموضحة في نهاية المذكرة ، وهي بحاجة إلى تقرير كامل ووثائق عن جميع الحالات ، يستوعب مئات الصفحات.

إن إسلامي جمعية الطلبة تتحمل المسئولية كاملة عن صحة هذه الحوادث المذكورة ، وكذلك الحالات الكثيرة التي لم ترفق هنا ، ويمكن إبرازها عند الطلب من المحكمة لهذا الغرض.

في 9 آذار/ مارس قامت وحدة من أفراد البوليس بمهاجمة مسجد رشيد في حي أجهزة بلاهور ، واعتقلوا 70 طالبا ، كانوا يحضرون دروس القرآن ، فمنع البوليس التجمعات لإقامة صلاتي العصر والمغرب ، وكان المسئول عن العملية هو المدير الإداري للشرطة المدعو نيازي في منطقة أجهرة لاهور وقد كبل الطلبة جميعاً من أيديهم وأرجلهم ، وأخذوا إلى معتقل الوحدة ، وطرحوا جميعاً في غرفة واحدة مساحتها 3 × 4م ، ثم قام البوليس يضرب الجميع بالعصي وهم مكبلون ، ثم تبع ذلك نقل ثمانية من الطلبة المرقوفين إلى منطقة وادي رود على دفعتين ، وقام البوليس بتعريتهم وتعذيبهم حيث أحرقت أعضاؤهم الحساسة ولحاهم ، وأجزاء عديدة من أجسامهم بالسجاير والشموع ، كما تم نقل فوجين آخرين إلى شارع لتن حيث عروا أيضاً وقام البوليس بإدخال العصي بقوة في أدبارهم ، وهي واحدة من أغرب وأشنع عمليات التعذيب المعروفة حتى الآن.

هاجم البوليس في 29 فبراير/ شباط اجتماعا كان يضم 400 طالب داخل حرم كلية الطب في كراتشي ، وألقى ما يزيد على مئة قنبلة مسيلة للدموع ، وأجبر بعض الطلبة على التعري ، وقد أسفر الهجوم عن 20 جريحاً و30 معتقلا.

ضرب طالب في ملتان حتى الإغماء ، فحمله البوليس في دراجة ركشا ، وضرب الطالب رشيد حسن هاشمي سنة ثالثة كلية طب بكعب المسدس من قبل البوليس داخل الكلية في طريق بوسان حتى أغمي عليه ، ونقل بواسطة دراجة ركشا إلى جهة غير معروفة.

بتاريخ 28 آذار/ مارس قامت مجموعة من الجيش عددها 12 فرداً بمساعدة البوليس المزودين بالمسدسات والهراوات واعتقلوا الطلبة : منور حسن ، وراجا محمد يعقوب ، وسعيد أحمد ، وعاصف محمود ، وهم من طلبة البنجاب ، وقد ضربوا بعنف شديد ، وضمدت جراحاتهم في معتقل الوحدة ، ثم أخذوا إلى السجن المدني الذي رفض استقبالهم مبدئياً ، بسب نزف جراحهم الشديد ، وتخوفا مما يترتب على ذلك من مسئوليات ، ولذلك قام البوليس بنقل الطلبة الأربعة إلى قسم الطب الشرعي في منطقة أناركلي ، حيث أثبت الجراح التابع للبوليس في تقرير كتابي -لدينا نسخة منه -خطورة الجراح ثم قام بالتخفيف من خطورتها تحت ضغط الإدارة ، ثم حول الطلبة إلى مستشفى ميو الرئيسي في لاهور ، ثم قام البوليس بتسليم الطلبة إلى السجن المدني ، وقد احتفظوا بهم دون طعام ، ومنعوا من النوم بالقوة لمدة 24 ساعة ، ثم وضع الطلبة عمداً داخل زنزانة فيها بعض مهربي المخدرات وعلى عكس المتوقع ، فقد تفاعل المهربون بصورة مدهشة مع الطلبة ، بعد أن رأوا ملابسهم التي عليها بقع الدم ، وقاموا بتأمين ملابس نظيفة وبعض الطعام.

ضرب بعض الطلبة بعنف في سجن فيصل آباد ، كما قام البوليس بربط آصف راشد عالم كير الطالب في السنة الأخيرة في طلب البنجاب في سيارة جيب ، وسحب حول مكتب المحافظة خلال فترة استجوابه في الليل.

وعندما فشل البوليس في اعتقال آصف أمين سر الجمعية في ملتان طاردة وأطلق عليه النار فنجا بأعجوبة ، واعتقل خالد كوهر في كلية ملتان ، بعد أن وضع فوهات المسدس على رأسه ، وعرى البوليس كاملين خان من كلية الحكومة ، وضرب أمام العديد من الآراء والطلاب ثم سلط البوليس سائقي الشاحنات في المعتقل على الطالب ليمارسوا معه.. على مرأى ومشهد من الجميع!! وعندما أراد الطالب فضل الحق في قسم الهندسة الكيميائية جامعة البنجاب تأدية صلاة الفرض داخل معتقل الوحدة ، أمر البوليس بتعريته وجلده بشدة ، وعندما فشل البوليس باعتقال فواجا عبيد الرحمن أحد المرشحين لانتخابات مجلس جامعة ملتان ، اعتقلوا أخاه الأصغر الذي كان طريح الفراش ، ووضعوه في السجن تحت أوامر الحكم العسكري ، وهذا ما فعلوه بأحد أبناء ملتان عندما فشلوا باعتقاله فألقوا القبض على أحد موظفيه ، ثم ألقي القبض على السيد أختر لأنه جار لأحد زعماء الطلبة المطلوبين.

وأخيراً أوردت المذكرة أسماء عدد من الطلاب الذين تعرض أقرباؤهم للتهديدات والسباب والتعذيب في لاهور ووالبندي وبهاولبور وملتان... الخ.

إن جمعية الطلبة المسلمين مستعدة لعرض الحقائق والشهادات والوثائق لإثبات التعذيب على نطاق واسع في جميع أنحاء باكستان من قبل إدارة ضياء الحق ، وتطلاب بتشكيل لجنة من المحامين والصحفيين للكشف عن الجرائم غير الإنسانية بحق الطلبة منذ شهر شباط عام 1984.

لقد صرح ضياء الحق بأنه يتحمل المسئولية الشخصية كاملة عن أي تعذيب أو إهانة ضد الطلبة ، وإذا كان الرئيس يعني ذلك حقاً ، فإننا ندعوه للظهور أمام اللجنة المقترحة ، والموافقة على قراراتها ومشاهداتها أمام الحقائق المعروضة.

ب- لسوء الحظ فإن الرئيس ضياء الحق يحاول خداع وتضليل العامة من الباكستانيين واللجان العالمية فيما يتلعق بالحوادث الأخيرة للطلبة ، إذ كانت أوامره لتحريات معينة ، هي من قبيل ذر الرماد في العيون ، فالمحققون هم في الحقيقة موظفون مأجورون ، وهم بأنفسهم خططوا ونفذوا سلسلة التعذيب والإهانة للطلبة ، وقد أكمل الرئيس المسرحية باستدعاء النائب العام للبوليس في البنجاب ، وجعله يحلف يميناً كاذباً بالله -غموسا- أمام الصحفيين بوجوده أن الإدارة والبوليس بريئان تماماً من أي تعذيب أو إهانات اتهمتا بها!!

والحقيقة أن هذه ليست المرة الأولى التي يستغل بها الرئيس الجنرال اسم الإسلام لنشر الأكاذيب ، وتمرير فظائعه الشنيعة ، وأن النظام العسكري قد وضع خطة لتدمير كل المعاهد في البلاد ، وإهانة الطلاب ، وهي جزء من هذه اللحظة لإجبار شباب باكستان للاستسلام ، تمهيدا لاستمرار الحكم العسكري غير الشرعي في باكستان.

إننا نذكر الجنرال ضياء الحق وأعوانه ومن معه في الحكومة العسكرية : أن المجتمع الطلابي في باكستان لن يتركهم بمنجاة عما ارتكبوه من جرائم دون أن ينالوا العقوبة والجزاء العادل ، كما أنهم لن يستطيعوا النجاة من غضب الله العظيم يوم الحساب العسير ، ومن حكم التاريخ عليهم بإذن الله.

3- بعد أن كشف ضياء الحق عن سياسته ومواقفه ، واستفحل الخلاف بينه وبين الجماعة الإسلامية ، وبعد أن شرعت أجهزته بالتنكيل بجماهير الطلاب الجامعيين الموالين للجماعة الإسلامية ، بالأساليب الوحشية التي رأينا أمثلة منها ، جهر أمير الجماعة ميان طفيل محمد بموقفه ، وعبر عن استنكار الجماعة لما آل الأمر إليه على يد الجنرال ، فعقد مؤتمرا صحفيا ، اكتفى بذكر بعض الإجابات دون ذكر الأسئلة رغبة في الاختصار ، وكان ذلك في نهاية عام 1984 فقال : منذ عام 1979 أعلنت الأحكام العرفية في شهر أكتوبر/ تشرين الأول ، فمنعنا من التحرك والتعبير ، فتجنبنا الصدام مع الحكم العسكري العرفي ، وصرنا ندعو في نطاق ما يزعمه الحكم من أنه يريد الإسلام.

إن الرئيس يعلن أنه يريد الإسلام ، ولكن تصوره عن ذلك قاصر وخاطئ ، ولا يملك رؤيا عن الشريعة التي يجب تطبيقها في كل شئون الحياة ، في المعاملات والعبادات والاقتصاد... الخ ، فالحاشيةا لتي يعتمد عليها الجنرال في تطبيق الإسلام هم من البيروقراطيين الذين تربوا في ظل السياسة البريطانية ، ويتعاملون بالرشوة ونشر الفساد ، فأين هم من أحكام الإسلام ومفاهيمه ، بل إنهم يقفون سداً منيعا أمام نطبيق الشريعة.

إن ضياء الحق وبالمفهوم البريطاني الذي عمل على وجود القاديانية ، ونشرها ، سمح لهم بنشر ضلالاتهم ، إلا أن الشعب الباكستاني أحبط ذلك ، فأعلن مروق القاديانية من الإسلام ، وأنها تعمل على محاربته فأحبط الباكستانيون ( والمودودي وجماعته في المقدمة ) ما صنعوا ، وهذا ما نبه الدول الأخرى إلى أخطار القاديانية.

إن ضاء الحق طارد اتحاد الطلبة واضطهدهم ، فاستنكرت الجماعة الإسلامية هذا العمل الهمجي -حسب تعبير طفيل محمد- وعملت الحكومة على استدراج اتحادات الطلبة لضربه وسحقه ، وعذبت شبابهم عذاباً شديداً ، وخلعت ملابسهم وضربوهم وهم عراة ، وأحرقوا بالشمع الأماكن الحساسة من أجسادهم ، وعلقوا بعضهم أربعين ساعة ، ولم يسمح لهم بأداء الصلاة ، وقبضوا على آباء وأمهات بعضهم ، واستعملوا كل أساليب القهر والإذلال لأهل المعتقل وأقاربه.

كانت الحكومة تخطط لجر الجماعة للصدام ومقاومة الحكم العسكري ، فيقضي الجيش على الجماعة قضاء مبرما ، لكننا صبرنا ، وعالجنا الأمر بحكمة ، وتحكمنا بأعصابنا ، ومنعنا الشباب من الصدام المباشر ، ففوتنا الفرصة على الحكم العرفي بسحقنا.

ويقول أمير الجماعة طفيل محمد في مؤتمره الصحفي : إن هذه الإجراءات أي إلغاء الاتحادات الطلابية واستدراج الطلاب إلى الصدام مع الحكومة مخطط مدروس ، خطط له من قبل روسيا والهند ضد باكستان ، حيث أرادت تلك القوى أن يقع الصدام بين الجماعة الإسلامية وضياء الحق ، عندئذ يضعف الحكم ، وتنتهي المعارضة ، الأمر الذي يعطي الفرصة لتغيير السلطة ، ووضع عملاء الروس والهند على كراسي الحكم.

أود أن أطمئن الجميع أن قوة الجماعة الشعبية قد زادت ، وسوف تحقق بإذن الله تقدما إذا أجرى ضياء الحق انتخابات في عام 1985 ، فالجماعة بفضل الله تنادي بالفكر الإسلامي الصحيح دون إفراط أو تفريط في العقائد ، وهي التي اهتمت بنشر العقيدة والفكرة الصحيحة المستمدة من الكتاب والسنة في باكستان وكشمير والهند ونيبال وسيربلانكا ، ونؤكد أن هذه الفكرة تنتشر بقوة في القارة الهندية والحمد لله.

أما حال أفغانستان ، فقد عرف الإمام المودودي رحمه الله خطر الزحف الشيوعي منذ أكثر من عشرين سنة ، وركز جهده على جامعة كابل ، فترجمت كتبه إلى الفارسية ، ووزعت على طلابها ، ومعها كتب الحركة الإسلامية التي كان لها انتشارا كبير في أفغانستان ، فنشأ جيل إسلامي حمل لواء الجهاد ضد الدب الروسي والمد الشيوعي ، من أمثال سياف وحكتيار ، ورباني وغيرهم ، ومنذ أن قام الغزو الروسي لأفغانستان ، ونحن نساعد المجاهدين بكل ما وأتينا من قوة مادياً وأدبيا ، فلقد أقمنا المستشفيات ، وساعدنا المهاجرين ، وحاولنا توحيد الصفوف داخل حركات الجهاد ، وسنظل نقدم ما نستطيع حتى تقوم راية الإسلام على ربى أفغانستان إن شاء الله.

أما الحكومة فإنها تقوم بتقديم المساعدة ، ومع أن ضياء الحق يعذبنا ويشردنا ، فإننا نقول كلمة الحق لا نخشى في الله لومة لائم ، فالرئيس ضياء الحق يقدم للأفغان كل ما يستطيع.

لقد أسهبت في الحديث عن ضياء الحق ، وتمسكه بالسلطة رغم الوعود الكثيرة التي بذلها بالعودة إلى الحكم المدني بانتخابات نزيهه والعمل الجاد على تطبيق الإسلام ، فصادم جميع التيارات السياسية وكانت الجماعة الإسلامية آخرها ، وكيف أسرف ضد أبناء الجامعات الباكستانية تنكيلا وتعذيبا.

إن ما أعنيه من هذه الخاتمة هو تنبيه العاملين للإسلام والعازمين على العودة به كاملاً إلى المجتمع والحياة بكل جوانبها ، أن لا يركنوا في تطبيق الإسلام وتحكيم شريعته على وعود حاكم أو سلطان مهما كانت الثقة به كبيرة ، لأنه سوف يختلف مع التيارات الإسلامية كما يختلف مع غيرها ، لأنها ستطالبه بالتنفيذ ، لكنه يتوقف أو يرجئ ذلك لاعتبارات شخصية وسياسية وخارجية.

فيرى أنها عقبة في طريقه ، فيعمل على إزاحتها والتخلص منها. فإذا ركن الإسلاميون إلى وعود الفرد ، فإنهم سيواجهون أمثال النميري وضياء الحق وعبد الناصر الذي وعد بالالتزام بالإسلام أول عهده بالانقلاب عام 1952 ، وبعض قادة الثورة الجزائرية التي قامت على أساس الإسلام ، والجميع نكصوا بوعودهم ، وطاردوا أبناء الحركة الإسلامية ، وأعدموا قادتها كما حدث في مصر ، أو حاولوا إعدامهم كما كان حال النميري بتحريض من الرئيس الأمريكي بوش ، أو طاردوهم كما فعل ضياء الحق في باكستان.

إن الضمان في تطبيق الإسلام وجود قاعدة قوية ذات نفوذ وقرار ، تلزم به الرئيس أو السلطان باسم أهل الحل والعقد ، أو البرلمان ذي الشوكة ، أو تنظيم عتيد مؤثر ، فيذعن المسئول طائعا ، أو يستبدل به من هو خير منه : إن تتولوا يستبدل قوما غيركم.

  • * *

التجربة التاسعة مع الجمهورية التركية الشقيقة

منذ كلفت بمهمة المراقب العام سنة 1976 ، تطلعت مع إخواني إلى إقامة صلات مباشرة مع الأتراك على كل الصعد الرسمية والشعبية بدوافع كثيرة ، واعتبارات تشمل العقيدة والتاريخ والجغرافيا والحدود الطويلة والمصالح المشتركة ، ولجوء عدد كبير من السوريين المطاردين إلى الأرض التركية وغيرها ، ولم يدخل العالم 1977 إلا وقمت بزيارة تركيا ، والتقيت الأستاذ