العلاقات المصرية البريطانية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
العلاقات المصرية البريطانية 1951- 1954


محتويات

تقديم

منذ وقعت مصر تحت الاحتلال البريطاني عام 1882 برزت الحركة الوطنية المصرية التي تنشد الخلاص من نير الاستعمار البريطاني وتحقيق الاستقلال الوطني، ومن ثم غلب الصراع على العلاقات المصرية البريطانية وبلغ الصراع ذروته في ثورة 1919 التي عجزت عن تحقيق هدف الاستقلال التام ولكنها حققت لمصر درجة من درجات الاستقلال في إطار تصريح 28 فبراير 1922 الذي حدد إطار العلاقات المصرية البريطانية بالوجود العسكري البريطاني في مصر وحماية المصالح الاستراتيجية البريطانية الحفاظ على الامتيازات والمصالح الأجنبية في البلاد فيما تضمنته التحفظات الأربعة الشهيرة التي علقت تسوية تلك المسائل الحيوية التي لا يتحقق بدونها الاستقلال التام على مفاوضات تجريها الحكومة المصرية وبريطانيا.

وهكذا دخلت البلاد بعد التصريح مرحلة جديدة من تاريخها احتدم الصراع فيها بين الحركة الوطنية التي يقودها الوفد الذي أصبح حزبا سياسيا وإن ظل يدعي غير ذلك حتى 1952 والقصر الملكي إلي استفاد من التصريح وراح يستثمره في تدعيم سلطته الأوتقراطية والإنجليز الذين حاولوا الإبقاء على ألأوضاع الراهنة بإقامة توازن بين الحركة الوطنية المصرية والقصر، فحرصوا على تغليب مصالح القصر ومساندتها حتى تحول دون قيام عمل مباشر ضد مصالحهم الاستعمارية ودارت المفاوضات المصرية البريطانية كلما اشتد ضغط الحركة الوطنية لتتعثر دائما عند مسألة الجلاء ومسألة السودان حتى بدأت الظروف الدولية تتغير عند منتصف الثلاثينيات فأبرمت (معاهدة الصداقة والتحالف) بين مصر وبريطانيا عام 1936 فدخلت بإبرامها العلاقات المصرية البريطانية في مرحلة جديدة تبين خلالها المصريون من واقع تجربة الحرب العالمية الثانية أن معاهدة 1936 لم تكن توقيعها ولكنها كانت أداة لربط مصر بعجلة السياسة البريطانية رغم ما حققته من إلغاء الامتيازات الأجنبية والمحاكم المختلطة وعادت الجماهير تضغط من أجل تحقيق الاستقلال التام ووحدة مصر والسودان وفتح ملف المفاوضات المصرية البريطانية من جديد.

ولما كانت العلاقات المصرية البريطانية هي الأساس الذي قام عليه مشروع الاستقلال الوطني فقد اهتمت وحدة الدراسات التاريخية بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام بدراسة هذا الموضوع على مرحلتين أساسيتين:

أولاهما: المرحلة التي تبدأ بإبرام معاهدة 1936 حتى مفاوضات حكومة الوفد مع الإنجليز 19501915 وهي مرحلة كانت تموج بالمتغيرات الناجمة عن الحرب العالمية الثانية وانعكاساتها على الساحتين الدولية والمصرية.

وثانيهما: المرحلة التي تبدأ تبعثر مفاوضات الوفد الإنجليز وبروز الكفاح المسلح في العمل الوطني لأول مرة في تاريخ مصر حتى إبرام معاهدة الجلاء في 1954 على يد حكومة ثورة يوليو.

وجاءت دراسة المرحلة الأولى في كتاب ساهم في تأليفه نخبة من الباحثين الواعدين الذين وظفوا الوثائق البريطانية والوثائق المصرية المتاحة توظيفا جيدا لخدمة الدراسة وألقوا أضواء هامة على تلك الحقبة الحيوية من تاريخ مصر السياسي.

واليوم نقدم للقارئ الكريم هذا الكتاب الذي يعالج المرحلة الثانية والأخيرة التي انتهت بتحقيق الاستقلال الوطني على يد ثورة يوليو، فتوجت نضال الجماهير المصرية الذي استمر بنحو ثلاثة أرباع القرن، وبدأت مرحلة جديدة من تاريخ العلاقات المصرية البريطانية بلغ فيها الصراع ذروته في حرب السويس عام 1956.

وهذه الدراسة تقوم على استقراء الوثائق التاريخية البريطانية والمصرية استقراء دقيقا كما تعتمد على مذكرات الساسة الذين لعبوا دورا خلال الفترة موضوع الدراسة وعلى المراجع العربية والأجنبية التي تناولت أطراف من تاريخ تلك الحقبة الحافلة من تاريخ مصر وساهم في كتابة ثلاثة من الباحثين الجادين هم: د. علاء الحديدي ود. سامي أبو النور. ود. يواقيم رزق الذين عملوا معي بروح الفريق المؤمن بأهمية العمل وخطورته بالنسبة لتاريخ هذا الوطن العزيز فجاء عملهم مثالا يحتذى للتعاون العملي المشترك.

ولا يسع وحدة الدراسات التاريخية سوى أن نتوجه بالشكر والعرفان للأستاذ السيد يس مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام لرعايته لهذا المشروع العلمي الهام وتيسيره لكل الصعاب التي وقفت في وجه الحصول على الوثائق البريطانية حتى تم استكمالها لتغطية فترة الدراسة ولولا هذا العون الصادق ما استطعنا إنجاز هذا العمل الذي نأمل أن يسد فراغا في المكتبة التاريخية.

والله والوطن العزيز من وراء القصد.

3/ 1/ 1995

د. رءوف عباس حامد

رئيس وحدة الدراسات التاريخية

مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية.

الفصل الأول: الكفاح المسلح ودور جديد في الكفاح الوطني

الوضع السياسي العام

عاد الوفد إلى الحكم مرة أخرى بعد انتخابات 1949- 1950 بأغلبية برلمانية ساحقة، وكانت هذه العودة بعد غيبة استمرت أكثر من خمسة أعوام بمثابة عودة الروح ليس لحزب الوفد فقط بل لقطاعات هامة من الشعب المصري والحركة الوطنية المناهضة للاحتلال بصفة عامة فقد أقيلت حكومة الوفد السابقة تحت رئاسة مصطفى النحاس في 18 أكتوبر من عام 1944 بعد أن استنفدت الغرض من تشكيلها على أثر حادث 4فبراير 1942 الشهير.

وبعد أن شعر الملك أن الإنجليز لم يعودوا بحاجة ملحة إلى بقاء حكومة وفدية في الحكم، لذلك أسرع الملك بإقالة الوفد مطمئنا إلى عدم رد فعل الإنجليز من جانب وإلى أن سمعة الوفد الوطنية قد لطخت من جانب آخر وهكذا استمرت البلاد تحكمها أحزاب الأقلية منذ ذلك الوقت حتى انتخابات 1949- 1950 والتي أتت بأغلبية وفدية، على غير توقع القصر أو الوفد نفسه وفي نفس الوقت وصلت القضية المصرية إلى طريق مسدود على إثر المحاولات الفاشلة لكل من إسماعيل صدقي ومحمود فهمي النقراشي لحلها من غير طريق حزب الوفد فأثبتت الأحداث أنه لا غنى عن الوفد صاحب الأغلبية الشعبية وممثل الحركة الوطنية المصرية في أي مفاوضات مع الإنجليز مثل مفاوضات صدقي 1946 أو غير الإنجليز (مثل محاولة النقراشي لرفع القضية المصرية أمام مجلس الأمن في عام 1947 لحل القضية الوطنية كما أن الوفد نفسه بعد أن طالته اتهامات الأحزاب الأخرى بشأن حادث 4 فبراير 1942 حين أتى إلى الحكم بمساعدة قوات الاحتلال بشأن حادث 4 فبراير 1942 حين أتى إلى الحكم بمساعدة قوات الاحتلال الإنجليزية وهي رغبة الملك ممثل السلطة الشرعية في البلاد كان الوفد أيضا تواقا إلى استعادة ثقة الشعب المصري والحركة الوطنية وتأكيد زعامته ونضاله ضد الاحتلال من أجل الاستقلال التام خاصة أن الشعب المصري بصفة عامة والقوى السياسية الأخرى بصفة خاصة كانت مهيأة لعمل ما عمل ضخم من أجل دفع حركة الشعب في اتجاه حل القضية الوطنية.

خاصة بعد أن تغيرت الظروف والأوضاع الدولية والمحلية بعد انقضاء خمس سنوات على نهاية الحرب العالمية الثانية فمن ناحية كان اختفاء بعض القوات الدولية على أثر هزيمتها مثل ألمانيا وإيطاليا التي راهن البعض عليها الملك في وقت ما وبعض ضباط الجيش وقطاع من الشعب المصري إلى ظهور قوى دولية ليست بجديدة ولكن مكانتها الدولية قد عززت بعد الحرب مثل الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ناهيك عن انفجار حركات التحرر والاستقلال الوطني فيكل مستعمرات القوى الاستعمارية القديمة من الهند إلى أندونيسيا إلى سوريا ضد انجلترا وهولندا وفرنسا ولا شك أن الشعب المصري لم يكن بعيدا عما يدور حوله من تطورات تركت أثرها عليه وعلى الصعيد الداخلي فقد انتكست حركة الإخوان المسلمين على أثر حل جمعيتها والقبض على أعضائها واغتيال زعيمها حسن البنا (1949) أما حزب مصر الفتاة فقد خرج من الحرب العالمية الثانية منهوك القوى بعد اعتقال أعضائه وتشريدهم من قبل سلطات الاحتلال البريطانية ليمر بفترة تحول عقائدية يخرج منها بصيغة جديدة هي الحزب الاشتراكي وإن كانت التنظيمات الماركسية قد انتهت باتساع حركة التعليم والصناعة إلى حد ما إلا أن أثرها كان محدودا على مجمل الشعب المصري عامة لاقتصارها على بعض المثقفين والشباب من الطلاب والعمال ومع التحولات الاجتماعية والفكرية التي شهدها المجتمع المصري في سنوات ما بعد الحرب ازداد الاضطراب السياسي والاجتماعي فازدادت حركات العنف من اغتيالات مثل أحمد ماهر 1945 ثم محمود فهمي النقراشي 1948 إلى حسن البنا 1949 وحوادث إلقاء المتفجرات إلى حركات عصيان مدني واضطرابات أشهرها إضراب رجال الشرطة عام 48 ووسط ذلك الجو العام وجدت حكومات الأقلية التي حكمت مصر خلال تلك الفترة نفسها في موضع المناط به حفظ الأمن والنظام حفاظا على استقرار البلاد أولا وحفاظا على استمراريتها في الحكم ثانيا، فزادت إجراءات الأمن والبطش وجاءت حرب فلسطين عام 1948 لتعطي الحكومة فرصة إعلان الأحكام العرفية مرة أخرى وكانت قد ألغيت من قبل وهكذا كانت مصر في أواخر عام 1949 قد وصلت مرة أخرى وكانت قد ألغيت من قبل وهكذا كانت مصر في أواخر عام 1949 قد وصلت إلى طريق مسدود في اتجاه حل مسألتي القضية الوطنية والقضية الديمقراطية وكانت القوى السياسية الأخرى قد انهكت بفعل اشتباكها مع الإنجليز (مصر الفتاة) أو الحكومة (الإخوان المسلمين) وكان الوفد بما يتمتع به من رصيد وطني سابق وتراث تاريخي وزعامة وطنية على أتم استعداد لتسليم مقاليد الحكم مرة أخرى بعد انتخابات حرة ونزيه.

إلا أن الأغلبية التي أتت بحزب الوفد إلى الحكم مرة ثانية في انتخابات عام 1949- 1950 كانت أغلبية غير حقيقية إلى حد ما، حقيقة أن الوفد قد حصل على أغلبية برلمانية كاسحة (228- 319 مقعدا) إلا أن ذلك ما كان يعكس أغلبية شعبية فقد حصل الوفد على أصوات 50٪ فقط ممن اشتركوا في الانتخابات وكان هؤلاء بدورهم لا يتعدون ال50٪ ممن كان لهم حق التصويت أي أن الوفد قد حصل فقد على 25٪ من جملة الأصوات الانتخابية وكانت هذه بدورها أيضا تضم بين صفوفها أصوات الإخوان المسلمين والجماعات المعارضة الأخرى من ماركسية وغيرها التي كانت عليها أن تختار بين مرشحي الوفد أو مرشحي حكومات الأقلية من السعديين والأحرار الدستوريين بل إنه من اللافت للنظر أن 15% فقط من ناخبي مدينة القاهرة أكبر مدن مصر على الإطلاق قد شاركوا في الانتخابات في حين أحجم البقية أي 85% عن المشاركة وإن دل ذلك على شيء فهو يدل على أن النظام السياسي القائم حينئذ كان قد بدأ يفقد شرعيته تدريجيا وبدأ الشعب في الانصراف عن الحياة السياسية بصورتها التقليدية السابقة بحثا عن شكل جديد من أشكال الحركة السياسية حلال لقضيتي الاستقلال والدستور.

هذا التغيير في طبيعة الشعب الذي ظهر في عدد الذين اشتركوا في الانتخابات وعدد الذين صوتوا لصالح الوفد، لم يقتصر على الساحة السياسية وحدها دون أن يسعى الوفد نفسه، حقيقة أنه قد ظهر جناح ثوري من شباب الوفد متمثل في الطليعة الوفدية إلا أن حزب الوفد بصفة عامة في أوائل الخمسينات كان جو مختلف عن حزب الوفد في أوائل العشرينات وليس أدل على ذلك أنه بعد ثلاثة عقود من وزارات الشعب التي كونها سعد زغلول في عام 1924 وكانت قد سميت بوزارة الشعب لدخول ثلاثة أفندية من بينهم مصطفى النحاس لأول مرة إلى الوزارة تعبيرا عن تمثيلها لمختلف فئات الشعب وليس النخبة الحاكمة فقط من البشوات فإن وزارة 1950 كانت على النقيض تماما فإذا تمت مقارنة أول وزارة للوفد بآخر وزارة فإننا نجد أن وزارة الشعب في عام 1924 التي ضمت الأفندية كانت تعبيرا عن الاعتراف بممثلي الطبقة الوسطى المهنية الحضرية الصاعدة في ذلك الوقت واعترافا من قبل العناصر الأرستقراطية التركية الحاكمة بميزان القوى الاجتماعية 1950 فإننا نجد أن ممثلي القوى التقليدية أو النخبة الحاكمة لم يعدوا من الأرستقراطية التركية بل من أفندية الوفد الذين ظهروا في العشرينات والثلاثينات والذين فقدوا تمثيلهم للطبقة الوسطى الصاعدة بعد أن أصبحوا من البشوات المندمجين في النخبة السياسية الحاكمة بما يترتب على ذلك من ارتباطات اجتماعية واقتصادية وليس أدل على ذلك من تتبع تطور زعيم الوفد نفسه مصطفى النحاس باشا.

أما العناصر الجديدة في وزارة الوفد عام 1950 فلم تكن تضم ممثلي الجناح الثوري الجديد أي الطليعة الوفدية كما كان الأفندية في العشرينات بل ممثلي المصالح الكبيرة من كبار ملاك الأراضي الزراعية مثل فؤاد سراج الدين وكبار أصحاب رؤوس الأموال هكذا نرى أن العشرينات وفد سعد والنحاس كان مهيئا تماما للظروف السائدة في تلك الحقبة حيث كان يعبر بحق عن القوى السياسية والاجتماعية التي كانت تختم في ذلك الوقت حيث كانت الغلبة داخل الوفد لجناح المحامين الأفندية تحت زعامة [[مصطفى النحاس]] في مواجهة جناح الباشوات والأعيان من كبار الملاك الزراعيين أما في عام 1950 فقد انقلب الميزان مرة أخرى ولكن لصالح جناح كبار الملاك حين أصبح واضحا أن زعيم الوفد مصطفى النحاس ينظرك إلى زعيم جناح كبار الملاك الزراعيين على أنه خليفته المنتظر في زعامة الحزب وبذلك أصبح الوفد لا يمثل حركة التطور الاجتماعي كما كان في العشرينات بل على العكس كان يسير في اتجاه معاكس تماما لحركة تطور القوى الاجتماعية في مصر في بذلك الوقت وهو ما سنراه بعد حين.

وإذا كان الوفد قد سار على عكس التطور الاجتماعي إلا أنه اتبع التطور السياسي حين أعلن النحاس عن خطابه أمام العرش أن حكومته تنظر إلى معاهدة 1936 (المبرمة بينه وبين بريطانيا) على أنها لا تصلح أساسا للعلاقات المصرية البريطانية وإنه لم يعد هناك خيار سوى إلغائها والوصول إلى تفاهم جديد أساسه الجلاء الكامل للقوات البريطانية من مصر ووحدة وادي النيل (مصر والسودان) تحت التاج المصري وأن إلغاء المعاهدة لن يكون معارضا لميثاق الأمم المتحدة.

آخذين في الاعتبار الظروف المتغيرة التي أدت إلى إبرام المعاهدة في المقام الأول، ومثلها مثل اتفاقية الحكم الثنائي على السودان التي كانت قد أبرمت عام 1899 وبذلك يكون النحاس قد ألزم نفسه بإلغاء المعاهدة ليقوم بعد ذلك بأعظم أعماله وفي نفس الوقت أخطرها مثله مثل شمشون الذي هدم المعبد على أعدائه ونفسه فالرأي العام كان يضغط من أجل إلغاء المعاهدة وكان النحاس بحسه الشعب ورصيده التاريخي وخبرته السابقة يدرك جيدا أنه كان عليه أن يستجيب لإرادة الشعب إذا أراد الاحتفاظ بمكانة الشعبية كزعيم وطني ولكن كان يعلم في ذلك الوقت أيضا أن إلغاء المعاهدة دون أي خطة مسبقة ودون توفير البديل المناسب سيكون ضربا من الجنون لذلك كان على النحاس أن يستجيب للرأي العام الشعبي في نفس الوقت الذي يحاول الوصول فيه مع ما يمثلونه من أسلوب تفكير بعكس حقبة أو جيل معين وأصول اجتماعية وثقافية وخبرة سياسية وتاريخية كانوا لا يزالون متمسكين بالطريقة السلمي الشرعي كأسلوب عمل من أجل تسوية القضية المصرية وكان أسلوب المفاوضة هو التعبير العملي عن ذلك المنهج.

أما فكرة المواجهة الشعبية المسلحة وحرب العصابات كأسلوب لتحرير البلاد من قبضة الاستعمار الأجنبي فكانت أبعد ما تكون من أذهانهم بل إن أقصى درجات المواجه الشعبية كانت تتمثل في المظاهرات وبعض حوادث الاغتيالات التي كان الوفد نفسه أول من يدينها حين يصل إلى الحكم أرجع إلى تجرب الوفد منذ ثورة 1919 في تشكيل الحكومة الأولى له وحادث اغتيال السيردارلي ستاك البرياني قائد الجيش المصري في عام 1924 وتمشيا مع ذلك التفكير كانت قيادات الوفد لا ترى مبررا لأي عمل سياسي خارج إطار الحكومة طالما كانت هي في مقاعد الحكم وبما أنها قد تولت الحكم فإن للحكومة أولويات تختلف عن أولوليات أي حزب أو حركة شعبية خارج إطار الحكم وطبيعي أن يكون أول اهتمام للحكومة هو الحفاظ على المؤسسات الدستورية القائمة والعمل من خلالها حرصا على بقاء الحكومة نفسها وتدعيما لها.

وفي مصر كان الوضع أكثر تعقيدا لوجود مؤسسة دستورية قائمة لا تستطيع أي حكومة تجاهلها أو إسقاطها من حساباتها وهي مؤسسة القصر ولذلك فلا تعجب إذا احتلت مسألة العلاقة بين الحكومة الوفدية والقصر نفس الأهمية التي تحتلها العلاقة بين نفس الحكومة والإنجليز لذلك وجدت الحكومة الوفدية نفسها في المركز من مثلث رهيب يتكون أضلاعه الثلاثة من أولا المحافظ على علاقة حسنة مع القصر ضمانا لبقائها في الحكم في المقام الأول، ثانيا إلغاء المعاهدة والوصول إلى تسوية مقبولة للشعب المصري للقضية الوطنية حفاظا على مكانة الوفد الشعبية والتاريخية خاصة بعد حادث 4فبراير أخيار العمل من خلال المنهج أو الطريق السلمي الشرعي أي المفاوضات الذي كان أسلوب عمل الوفد والذي لا يرى عنه بديلا لأنه ببساطة أساس تفكير وفكر الوفد التوفيق بين هذه الأضلاع الثلاثة.

ومن سخريات القدر أن يكون النحاس في آخر وزارة له موصوفا بالتعاون مع الملك، وهو الذي أمضى حياته مدافعا عن الحقوق الدستورية للوزارات المنتخبة ومهاجما اعتداءات الملك على الدستور ولكن بسبب الأوضاع الجديدة وحفاظا من النحاس على العلاقة الحسنة مع القصر من أجل التفرغ لحل القضية الوطنية فإن الوفد تحت زعامة النحاس وبتشجيع من فؤاد سراج الدين انتهج ما عرف باسم سياسة التقارب مع الملك التي أثبتت الأحداث بعد ذلك أنها كانت مناهضة للتيار العام السائد في البلاد في ذلك الوقت ورغم مسئوليات أحزاب الأقلية من فساد الملك حين كانت في الحكم فإنه مسئولية الدفاع عن القصر، وبالتالي ما ارتبط به من فضائح وفساد أصبحت مهمة الحكومة القائمة حين أثارت المعارضة موضوع فساد القصر وما كانت الحكومة القائمة في ذلك الوقت سوى أحزاب الأقلية التي اندفعت في مهاجمة القصر وهي المسئولة أصلا عن إفساده من قبل ولكن تمشيا مع الرأي العام المعادي للقصر في ذلك الوقت والتي كانت حدة المشاعر المعارضة له في تصاعد مستمر وعندما قدمت المعارضة عريضتها الشهيرة للملك في 17 أكتوبر 1950 متهمة النظام بالفساد وتحذر من ثورة قادمة على الأبواب (وهو ما حدث بالفعل) فإن النحاس وصفها بأنها خالية من الحقائق ولا تستحق عناء الرد عليها وكان الوفد نفسه يمر بنفس الظروف التي يمر بها المجتمع المصري من صراع بين عناصر شابة جديدة ممثلة في الطليعة الوفدية لا ترى في التقارب مع الملك أي فائدة بل تستحث الوفد على الاستمرار في سياسته التقليدية بالعداء له وبين العناصر التقليدية التي كانت تحبذ سياسة التقارب مع الملك وكانت لهم الغلبة.

وهكذا استمر الوفد في سياسة التقارب مع الملك بل وتمادى فيها أحيانا إمعانا في كسب رضائه التام وسحقا لأي بذرة شك لدى الملك تجاه الوفد وحكومته.

هذا ما كان بخصوص الوفد مع الملك أما في علاقته مع الإنجليز فإن عاملا جديدا قد جعل الموقف أكثر تعقيدا وهذا العامل هو قضية فلسطين فقد رفض النحاس قرار الأمم المتحدة في عام 1947 الخاص بتقسيم فلسطين بين اليهود الصهاينة والمواطنين العرب المقيمين هناك وكان النحاس في ذلك منسقا مع التيار العام في مصر في عدائه للدولة الصهيونية الوليدة، وحين أصبح النحاس رئيسا للوزراء تابع سياسة من سبقوه في عدم الاعتراف بإسرائيل وقد تسبب ذلك في وجود عقبة جديدة وكبيرة في وجه حل الخلاف بين مصر وبريطانيا كانت العقبة الجديدة أو الحجة الجديدة التي ساقتها بريطانيا لتبرير عدم سحب قواتها عن مصر وتحقيق أهم مطلب وطني وشعبي وهو الجلاء التام إنه في ظل وجود حالة حرب بين مصر وإسرائيل فإنه من الصعب على الحكومة البريطانية الوفاء بالعهود التي قطعتها على نفسها لحكومة إسماعيل صدقي في عام 1946 بالجلاء عن مصر في خلال 3 أعوام بل إنه قد قيل أن بريطانيا قد ربطت بين إعادة فتح باب المفاوضات من جديد مع الحكومة المصرية وبين تحقيق تسوية سلمية بين مصر وإسرائيل قبل ذلك وطبيعي أن النحاس لم يرضخ لذلك النوع من الضغط وإن كانت بعض الأصوات من داخل وخارج الوفد كان ترى ضرورة تحقيق ذلك الطلب فقد نشر إسماعيل صدقي رئيس الوزراء السابق بيانا ذكر فيه بأن الاستمرار في تلك السياسة أي سياسة النحاس الرافضة لأجراء أي تسوية سلمية مع إسرائيل يعني أن مصر كانت تعادي الولايات المتحدة الأمريكية وتضع بريطانيا في موقف صعب وتؤجل تسوية قضيتها وتخسر سياسيا واقتصاديا دون أن تجني شيئا وقيل أن حامد زكي من داخل الوفد كان في نفس الرأي وفعلا فإنه عندما أعيد فتح باب المفاوضات بين مصر وبريطانيا فإن بريطانيا تحججت بعدم استطاعتها نقل قواتها إلى غزة كما اقترح النحاس بسبب ذلك فقد سأل السفير البريطاني في مصر وعضو وفد المفاوضة البريطاني، د. صلاح الدين وزير الخارجية المصري وعضو حزب الوفد عما إذا كان يدرك المسائل السياسية الخاصة بهذا الاقتراح الذي يتضمن عقد صلح مع إسرائيل وقد أجاب وزير الخارجية المصري على ذلك بأنه توجد اتفاقية هدنة قائمة بين الطرفين تمنع أي طرف من شن هجوم على الطرف الآخر ولكن السفير البريطاني لم تقنعه هذه الإجابة ورد على ذلك بأن اتفاقية الهدنة وحدها لا تكفي بل أنه يجب الوصول إلى تسوية نهائية مع إسرائيل تتضمن اتفاقية تسمح بموجبها للقوات البريطانية بعبور أراضيها حيث أن القوات البريطانية لا تستطيع دخول إسرائيل لملاقاة الأعداء دون موافقتها المسبقة.

فإذا انتقلنا إلى الركن الثالث من مثلث العلاقات الذي كان على الوفد العامل معه، وهو الرأي العام المصري أو الشعب بصفة عامة والقوى الاجتماعية السياسية النشيطة فيه بصفة خاصة وكانت الطبقة الوسطى الجديدة التي اتسعت وكبرت بعد الحرب العالمية الثانية وما صاحب ذلك من اتساع حركة التعليم وازدياد حجم خريجي الجامعات فإن هذه المجموعة من الخريجين كانت موزعة في الأساس بين حركة الإخوان المسلمين التي كان يزداد حجمها يوما بعد يوم، وحركة أحمد حسين التي أطلقت على نفسها اسم الحزب الاشتراكي يعد الحزب الأكثر تقديرا عن هذه القوى الاجتماعية الجديدة الصاعدة بعد الضربات العديدة التي تلقتها حركة الإخوان المسلمين خاصة بعد اغتيال زعيمهم حسن البنا في فبراير من عام 1949 واعتقال معظم قادتهم وقد ارتفع توزيع وصحيفة الاشتراكي صحيفة الحزب الاشتراكي وأصبح الهجوم على القصر أكثر حدة وبصورة مباشرة وأصبح مركز الوزارة الوفدية أكثر إحراجا خاصة مع سياسة التقارب مع الملك لذلك لم يكن غريبا على الوزارة أن تجتمع بعد أن أمر الملك بإغلاق تلك الصحيفة وأن تقرر وقف تلك الصحيفة بناء على أن أحمد حسين والحزب الاشتراكي يحضون على الثورة في البلاد وتغير نظامها الاجتماعي وبذلك يكون الوفد قد استعمل نفس كلام إسماعيل صدقي في عام 1946 وأصبح حزب ثورة 1919 هو الحزب الذي يقف أمام الثورة القادمة.

المفاوضات أو إلغاء المعاهدة

بينما استمر النحاس في سياسته الخاصة بالتقارب مع الملك، أعيد فتح باب المفاوضات من جديد مع الإنجليز ولكن في أجواء مختلفة تماما عن أي مفاوضات سابقة أجراها الوفد مع الإنجليز وليس أدل على ذلك من كلمات النحاس نفسه مخاطبا الفيلو مارشال سير وليم قائلا: نريد التوصل إلى حل يمكن أن نقنع به الحكومة والشعب والمعارضة فلا يخفى أن المعارضة مفتوحة الأعين وتربط بنا ولعلك تفهم وجهة نظري في إقامة نوع من التعاون المثمر بشرط جلاء القوات البريطانية عن بلادنا وفي موضع آخر يكرر محمد صلاح الدين وزير الخارجية نفس المعنى للسفير البريطاني السير رالف ستيفنون: وأنتم تعلمون ولا ريب أن هناك دعايات هدامة وأن في مصر معارضة مهما كان شأنها فيجب علينا أن نعمل حسابها في مسألة حيوية دقيقة كهذه المسألة.

ولا شك أن هذا يعد كلاما جديدا تماما ليس فقط عل البريطانيين بل أيضا على الوفد فلقد أدرك الوفد أنه لم يعد يستطيع أن يساوم البريطانيين على ثمن الاستقلال من موقع احتكاره للحركة الوطنية المصرية فلم يعد الحال كذلك في الخمسينات، بل أن الوفد نفسه أصبح يدرك أن مبدأ المفاوضات نفسه أصبح محل شك ومرة أخرى نعود إلى كلام صلاح الدين نفسه للتعبير عن ذلك الموقف في جلسة مفاوضات 24 أغسطس 1950 حين قال أرجو أن تعلم أن الرأي العام في مصر كان في السنوات الأخيرة قد اقتنع بأنه لا جدوى من المفاوضات وبأن علي مصر أن تعدل نهائيا عنها كوسيلة لإدراك حقوقها وأن تبحث عن كل وسيلة أخرى تستطيع بها تحقيق مطالبها .

ولكن الوفد بعد انتصاره في الانتخابات استطاع أن يواجه الرأي العام بأنه سيحاول ولكن الوفد بعد انتصاره في الانتخابات استطاع أن يواجه الرأي العام بأنه سيحاول المفاوضة من جديد وقبل الرأي العام ذلك منه على مضض ولسبب واحد هو يقين المواطنين في مصر والسودان من أن الوفدإذا دخل المفاوضة فإنه يدخلها على أساس تحقيق مطالب البلاد كاملة غير منقوصة فإذا فشلنا في هذه المرة فأخشى أن يفقد المصريون نهائيا كل رجاء في إمكان حل مشكلاتنا عن طريق المفاوضة وبذلك تزداد أزمة الثقة استحكاما ونصل إلى المأزق الذي لا مخرج منه، ولا يخفى عليكم ما في ذلك من ضرر بليغ للطرفين وكيف تستطيع الدعاية الشيوعية أن تستغله في الداخل والخارج بالإضراب بنا جميعا.

وبعد أن شرح د. صلاح الدين الموقف يكمل قائلا: والآن ينتظر الرأي العام بفارغ الصبر نتيجة مباحثاتنا وتطالبنا الصحافة كل يوم بأن نفصح لهم عما يجري وسيأتي قريبا جدا الوقت الذي يجب علينا فيه أن نصرح بشيء جدي ومن المرجح أن أغادر مصر إلى أوروبا في الأيام الأولى من شهر سبتمبر لأقابل النحاس وسأسافر بعد ذلك لأمريكا لحضور اجتماعات الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة ولا ينتظر أن أعود قبل نهاية أكتوبر أو أوائل نوفمبر أن البرلمان المصري يجب أن يجتمع في الأسبوع الثالث من نوفمبر وفي هذا الاجتماع يلقى خطاب العرش ولابد لنا فيه من أن نقدم إلى البرلمان وإلى الشعب حسابا عن سياستنا الخارجية ونتائجها في السنة المنصرمة، أي أن الأسبوع الثالث من نوفمبر هو في الواقع الحد الذي يتعين فيه أن نعرف مصائر الأمور بل يتعين أن نعرفها قبل ذلك بزمن كاف ليتسع لنا الوقت لأعداد ما نقول ويبدو واضحا من كلام د. صلاح الدين أن المفاوضات إذا لم تصل إلى نتيجة سريعة ومرضية، فإن الأمور قد تتطور إلى ما لا يحمد عقباه ليس فقط للبريطانيين بل أيضا للوفد، حيث أن النحاس أعلن في خطاب العرش بنفس العام أن معاهدة سنة 1936 قد فقدت صلاحيتها كأساس للعلاقات المصرية البريطانية وإنه لا مناص من تقرير إلغائها، ولا مفر من الوصول إلى أحكام جديدة ترتكز على أسس جديدة تقدرونها جميعا إلا وهو الجلاء الناجز الشامل ووحدة مصر و السودان تحت التاج المصري وفي نفس الخطاب يقول النحاس أنه في طليعة هذه الوسائل إعلان إنهاء اتفاقية 16 يناير و 10 يوليو 1899 الخاصتين بالحكم الثنائي في السودان ورغم كل هذه التحذيرات من جانب الوفد، إلا أن ذلك لم يحرك ساكنا للإنجليز وإن يجعلهم أقل تشبثا بموقفهم أو أكثر مرونة تجاه نداءات الوفد أو تحذيراته بل إن النحاس ذهب إلى إمكانية عقد معاهدة جديدة طالما أن مبدأ الجلاء قد أقر حين قال له الفيلد مارشال سليم مجادلا:

فإذا نشبت الحرب ونحن على اتفاق فستشترك في الدفاع عن مصر بلاد كثيرة فإن لم تكن في مصر قوات بريطانية فسيكون مضيعة لوقتي أن أطلب إلى هذه الشعوب إمدادي ببعض القوات وغيرها في حين أنني أنا نفسي قد غادرت البلاد ويرد النحاس يمكن مثلا في هذا الصدد أن نبحث في عقد معاهدة معكم جميعا ليطمئن الجميع وكان واضحا أن بريطانيا تمسكت تماما ببقاء قواتها في مصر وكانت تضع العراقيل أمام الوصول إلى أي اتفاق جديد لا يضمن استمرار بقاء قواتها في مصر فيمن ذهب محمد صلاح الدين إلى لندن لمتابعة المفاوضات مسألة بيفن وزير الخارجية البريطاني إذا كانت مصر تقبل مبدأ الدفاع المشترك مع دول أخرى مثل إسرائيل والعراق وهو ما رفضه الوزير المصري وكان صلاح الدين في مقابلة سابقة مع السفير البريطاني في القاهرة قد ذكر أن الوفد عندما كان في المعارضة قد رفض مبدأ الدفاع المشترك وإن أغلب المفاوضين قد رفضوا أيضا هذا المبدأ رغم تقرير الجلاء التام إشارة إلى معاهدة صدقي بيفن في عام 1946 وكانت إسرائيل هي الحجة التي ساقتها بريطانيا هذه المرة لإفشاء المفاوضات ونعود مرة أخرى إلى أحد جلسات المفاوضات حين سأل د. محمد صلاح الدين السفير البريطاني هل لي أن أسأل فيم كنت تفكر عندما أشرت إلى إمكان جلاء هذه القوات؟ قال السفير: إن النحاس قد اقترح انتقالها إلى غزة في محادثة مع الفيلد مارشال سليم وإذا كانت الحكومة المصرية تقترح أن ترابط هذه القوات في غزة فهل تدركون الملابسات السياسية لهذه الأمر بما في ذلك عقد صلح مع إسرائيل؟ فرد د. محمد صلاح الدين قائلا: نحن الآن في هدنة دائمة مع إسرائيل ولا تسمح هذه الهدنة بأن يهاجم أحد الطرفين الآخر أو أن يعتدى على خطوط الهدنة السفير: هذا لا يكفي إلا إذا كانت هناك حالة صلح نهائي واتفاق بأن تسمح إسرائيل بمرورنا في أراضيها إذ لا يمكننا أن ندخل إسرائيل عنوة لملاقاة جيش العدو.

في جلسة أخرى قال السفير أن الوضع الآن مختلف عن عام 1946 حيث كان يمكن نقل القاعدة أما الآن وكما استنتج د. مجمد صلاح الدين وزير الخارجية فإن قيام إسرائيل يمنع ذلك وهكذا وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود.

ورغم تعهد النحاس في خطبة العرش أما البرلمان المصري عام 1950 بإلغاء المعاهدة إلا أن بعض الكتاب والمؤرخين من أمثال الرفاعي مثلا يرجعون سبب إلغاء المعاهدة إلى أسباب سياسية داخلية وليس بسبب وصول المفاوضات إلى طريق مسدود. فمن الواضح أن الوفد رغم تعهده بإلغاء المعاهدة على لسان رئيسه النحاس باشا كان يأمل في الوصول إلى اتفاق مع بريطانيا يجذبه مخاطر إلغاءا لمعاهدة وآثارها غير المعروفة ولكن يبدو أن أحداثا داخلية معينة قد عجلت من قرار الوفد بإلغاء المعاهدة بعد طول انتظار وترقب من جانب الشعب للوصل إلى نتيجة ما للمفاوضات التي كانت تجري، سواء كانت تلك النتيجة بالسلب أو الإيجاب ويؤكد كاتب أخر استنتاج الرافعي حول الأسباب الداخلية التي أدت بالنحاس إلى إلغاء المعاهدة حين يذكر واقعة نقل كريم ثابت لنية الملك في إقالة الوزارة إلى فؤاد سراج الدين لذلك فإن إلغاء المعاهدة ما كانت إلا حركة من جانب النحاس لإجبار الملك على التخلي عن قراره على الأقل لبعض الوقت.

ويبدو أنه كان هناك كلام فعلا حول حكومة جديدة برئاسة الهلالي تقوم هي بإلغاء المعاهدة وبذلك تفوت على الوفد فرصة الظهور بمظهر البطل القومي المدافع عن حقوق الوطن واستقلاله وقد عقد اجتماع في 19 سبتمبر 1951 بين د. أحمد حسين وزير وفدي وعبد الفتاح عمرو (السفير المصري بلندن) وحسن يوسف (وكيل الديوان الملكي) لبحث تلك الفكرة ولكن يبدو أن الفكرة لم تلق الاستجابة اللازمة وتم التخلي عنها بعد ذلك ولذلك فإن النحاس كان في سباق حقيقي مع الزمن لإنقاذ وزارته وسط الشائعات الكثيرة بقرب موعد إقالتها فقد عاد الملك فاروق من أوربا في 14 سبتمبر ولم يقابل النحاس لمدة ثلاثة أيام كاملة لتنطلق الشائعات من جديد إلا أنه بعد لقاء الملك بالنحاس خرج الأخير من هذا الاجتماع وكله مديح للملك وقد فسر الوفديون ذلك قائلين أن النحاس خرج الأخير من هذا الاجتماع وكله مديح الملك وقد فسر الوفديون ذلك قائلين أن النحاس كان عليه كسب الملك لبعض الوقت حتى يستطيع تنفيذ خطته في إلغاء المعاهدة في 8 أكتوبر.

إلا أن قرار إلغاء المعاهدة لم يكن بالأمر الهين أو القرار السهل فقد رفضه في البداية العناصر الأكثر اعتدالا داخل الوفد مثل فؤاد سراج الدين مثلما رفضه رجال القصر من قبل وكان القرار يعد عملا جريئا تماما بمقاييس الساسة التقليديين والمعتدلين الذين وصفوه بأنه من جنون صلاح الدين كما قال سراج الدين بل أن بعض الوفديين ظل يماطل حتى يتم تجنب الوصول إلى إلغاء المعاهدة فوافق حامذ زكي على إعطاء بريطانيا فرصة أخرى كما طلب منهم السفير البريطاني رغم انقطاع المفاوضات ووافق النحاس على تأجيل فض الدورة البرلمانية ثلاثة أسابيع أخرى ولكن بريطانيا لم تقدم أي مقترحات جديدة في هذه الأسابيع الثلاثة فما كان من النحاس إلا أن ينفذ المعاهدة الذي قطعه على نفسه أمام البرلمان منذ عام سابق بإلغاء المعاهدة.

إنه لمن الصعب تماما تقدير الموقف وإرجاع الأسباب التي مدت بالنحاس في النهاية أن يقرر إلغاء المعاهدة فالخوف من إقالة الوزارة كان بالطبع عاملا مهما ولكن ليس العامل الوحيد، بل إنه كانت توجد عدة عوامل أخرى تحدثنا عنها ولكن عامل آخر كان بدأ يظهر على الساحة السياسية المصرية وهو الولايات المتحدة الأمريكية ويقال أنه عندما عاد حامد زكي من أوروبا قبل إلغاء المعاهدة فإن سأل النحاس إذا كان مستعدا لإلغاء المعاهدة فأجاب النحاس بأن الولايات المتحدة تساندهم وأن صلاح الدين أتصل بإبراهيم فرج من باريس وأخبره أن هناك ضغوطا على بريطانيا ويبدو أن هذا كان مجرد وهما من قبل صلاح الدين والنحاس إلا أنه لعب دورا رغم ذلك فلم يظهر أي دليل بعد ذلك على صحة ذلك الاعتقاد ولا ندري على أي أساس بني كل من النحاس وصلاح الدين ذلك الاعتقاد حول مساندة الولايات المتحدة لإلغاء المعاهدة أما بالنسبة للموقف مع الملك فقد أقنع سراج الدين النحاس بأن الملك لن يجرؤ على طردهم من الحكم بعد إلغاء المعاهدة وقد أختار النحاس يوم إلغاء العاهدة ليتوافق مع يوم إقالة أخر وزارة له في 8 أكتوبر 1944 وفي ذلك دلالة لا تخفى على الملك وفي نفس اليوم 8 أكتوبر لكن من عام 1951استهل النحاس خطابه أمام البرلمان المصري باستعراض أخر تطورات العلاقة المصرية البريطانية بادئا حديثه بغياب الحالة التي استوجبت عقد المعاهدة في عام 1936 وهي خطر قيام حرب عالمية جديدة ثم انتقل إلى خطاب العرش الذي ألقاه في 16 نوفمبر من العام السابق وتعهد فيه بإلغاء المعاهدة، ثم إلى انتهاء المباحثات بين وزيري خارجية البلدين في 15 ديسمبر 1950 باقتراح بريطانيا دراسة مقترحات لمجلس الوزراء على أن تبلغ نتيجتها للقاهرة في أواسط شهر يناير من عام 1951 ولكنها وصلت في 11 أبريل وفي يوم 24 أبريل أعلنت مصر رفضها لتلك المقترحات وقدمت اقتراحات مضادة التي وصل الرد عليها في 8 يونيو واستؤنفت المباحثات مرة أخرى ثم كان بيان وزير الخارجية البريطاني أمام مجلس العموم في 30 يوليو الذي أعلن فيه تمسك بلاده بالاحتلال والدفاع المشترك في وقت السلم بحجة الضرورات الدولية ومعارضتها لوحدة مصر والسودان تحت التاج المصري بحجة استطلاع رغبة السودانيين أولا وفي 16 أغسطس رد وزير الخارجية المصري على ذلك، ولكن وزير الخارجية الإنجليزي بعث في 17 أغسطس إلى النحاس ينفي فيه اتهام صلاح الدين لبريطانيا بإغلاق المباحثات (مما يعني أن الوفد كان مازال يأمل في المباحثات) وقد رد النحاس في 26 أغسطس إلا أنه في 21 سبتمبر تلقى من وزير الخارجية البريطاني أنه لا يستطيع تحديد موعد لإرسال مقترحاته فكلف النحاس السفير البريطاني في القاهرة أخبار وزير خارجية بلاده (بريطانيا) بأن الحكومة المصرية مرتبطة بإعلان خطتها في البرلمان قبل نفي دور الانعقاد الحالي في أوائل شهر أكتوبر على أكثر تقدير فلا مفر والحالة هذه من أن تصل المقترحات الجديدة على أساس تحقيق المطالب الوطنية قبل هذا التاريخ وبعد أن شرح النحاس كل ذلك قال عبارته المشهورة من أجل مصر وقعت معاهدة 1936 ومن أجل مصر أطالبكم اليوم بإلغائها.

معركة القناة

فجرت حركة إلغاء المعاهدة المشاعر الكامنة في الشعب المصري فانطلق المارد من القمقم محطما كل الأغلال التي كانت تقيد حركته من قبل ولم تكن هذه الأغلال مجرد قيود وجود قوات الاحتلال البريطانية أو النظام الملكي نفسه بل كانت أهم هذه القيود هي وقوع الشعب المصري أسير أسلوب تفكير حزب الوفد منذ نشأته في عام 1918 حتى ذلك اليوم فكما أوضحنا من قبل فإن الوفد لم ير أي طريق أخر لحل القضية الوطنية سوى الأسلوب السلمي الشرعي عن طريق المفاوضات ولا بأس من مظاهرة هنا وأحزاب هناك، ولكن استخدام الكفاح المسلح والثورة كأسلوب لتحرير البلاد كان غريبا تماما عن تفكير الوفد ذلك التفكير الذي تطبع بطباع قيادته من رجال القانون الذين كانت القضية الوطنية بالنسبة إليهم مثلها مثل أي قضية أخرى على ساحة القضاء وأن كانت هذه بالطبع هي أهم وأعظم قضية والساحة هنا ليست دار المحكمة ولكن العالم بأسره وليس أدل على ذلك من أن سعد زغلول نفسه بعد طول مباحثات وعناء مع راندي مكدونالد زعيم حزب العمال البريطاني ورئيس الحكومة ووفد المفاوضات في لندن عام 1924 قد أدرك بعد عناء أن المسألة ليست مسألة حق ولكن مسألة قوة نعم مسألة قوة وأن كل بعض الشباب المصري قد لجأ إلى أسلوب الاغتيالات سواء ضد مصريين متعاونين مع الاحتلال أو ضد قوات الاحتلال نفسها إلا أن هذه الحوادث ظلت أحداثا فريدة متفرقة وعارضة بل وكان لها أسوأ الأثر على وزارة سعد زغلول نفسه في عام 1924 وظلت الحركة الوطنية المصرية أسره الحل السلمي الشرعي القانوني طيلة ثلاثة عقود، حتى بدأ الشعب يتملل من أسلوب المفاوضات ولجأت حكومة النقراشي إلى الأمم المتحدة ولكنها فشلت وأثبتت بذلك أن كل الطرق السلمية وإن اختلفت أو تعددت وسائلها فمصيرها الفشل ثم كان الأمل الأخير في المفاوضات التي أجراها الوفد أثر عودته إلى الحكم مع بريطانيا ليثبت قراره بعد ذلك بإلغاء المعاهدة عدم جدوى أسلوب المفاوضات في حل القضية الوطنية وليس هناك خير من الوفد كشاهد على فشل هذا الأسلوب وأصبح البديل الذي كان يبحث عنه الشعب ولكن لم يكن مطروحا وبإجماع الآراء هو الكفاح المسلح ذلك الأسلوب الجديد الذي حظي بإجماع الشعب المصري في بداية الخمسينات وهكذا أكمل الوفد دوره التاريخي باستنفاد جميع الوسائل السلمية الممكنة لحل القضية المصرية وأصبح على الشعب الآن أن يبحث عن طريق آخر وهو ما حذر منه صلاح الدين وبدأت معركة القناة.

تدل جميع الشواهد التي تجمعت بعد ذلك أن حركة الكفاح المسلح قد بدأت بداية تلقائية تماما ودون أي أعداد أو تخطيط مسبق، بل حركة عفوية وليدة اللحظة والساعة وكرد فعل لإلغاء المعاهدة فلم تكن هناك أية دعوة لحركة تحرير مسلمة مثلما كان يحدث في الهند الصينية مثلا أو أديبات حول حرب العصابات ومدى ملاءمتها للطبيعة المصرية مثلا أوي أي شيء من هذا القبيل أي لم يسبق اندلاع الحركة أي تمهيد فكري أو أدبي وهو ما قد يفسر بعد ذلك ارتجاليه الحركة وتعثرها صحيح أن حوادث العنف في الحياة السياسية المصرية قد أخذت تتزايد بشكل مضطرد بعد الحرب العالمية الثانية ولكن تلك الحوادث لم ترق إلى مستوى حركة تحرير شعبية تستخدم أسلوب حرب العصابات في مهاجمة العدو بل كانت أقرب إلى الحوادث الإرهابية الفردية التي ما كادت تحدث حتى تتنصل منها نفس المنظمات التي ينتمي إلهيا الأفراد القائمين بتلك الحوادث ويكاد يكون الاستثناء الوحيد في ذلك حركة الإخوان المسلمين بما كان لديهم من متطوعين ذهبوا للقتال في حرب فلسطين عام 1948 ورغم عدم وجود بيانات عن حجم هؤلاء المتطوعين تنظيمهم مدى تدريبهم وتسليحهم ثم خبرتهم القتالية الفعلية بعد ذلك إلا أنه من الثابت أن عددا لا بأس به من شباب الإخوان قد شارك في حرب فلسطين وهناك اكتسب خبرة عملية ساعدته بعد ذلك بثلاث سنوات في معركةالقناة ويمكن القول أنه في ذلك التاريخ أي إلغاء المعاهدة في أكتوبر 1951 لم تكن لدي من القوى السياسية الأخرى الوفد الحزب الاشتراكي ناهيك عن السعديين والأحرار الدستوريين أي تنظيمات مسلحة علنية أو سرية أو أي خبرة قتالية أو تجربة ميدانية من قبل ومن الممكن القول أيضا أن تجربة عام 1948 بالنسبة للإخوان كانت بمثابة الأعداد أو التجربة الأولى لأحداث منطقة القناة بعد ذلك في عام 1951وبذلك يكون الوفد هو الذي ألغى المعاهدة وفتح الطريق أمام الكفاح المسلح والإخوان هم القوى السياسية الوحيدة التي كانت معدة لمثل هذا العمل وكانت مشكلة الحكومة الوفدية الكبرى مواكبة ذلك التطور الجدد الذي أطلقت عقاله هي نفسها مما وضعها في موقف في غاية الحرج فمن ناحية كانت على الحركة الوفدية الاستمرار في نهجها القائم على سياسة التقارب مع الملك وفي نفس الوقت كانت عليها أن تساير الحركة الوطنية التي بدأت تتبلور في شكل كفاح مسلح ضد قوات الاحتلال آخذة اسم كتاب التحرير التي بدأت تظهر وسط شباب الجامعات فما كان من الحكومة إلا أن أصدرت في أواخر نوفمبر 1951 بيانا من رئاسة مجلس الوزراء قالت فيه أن المجلس قرر بجلسة 25 نوفمبر 1957 أن تتولى الحكومة تدريب الكتائب بنفسها وفقا للنظام الذي تضعه هي مع السماح لأية هيئة أو فرد بجمع التبرعات لهذا الغرض ومن شاء التبرع لهذا الغرض فعليه أن يبعث بتبرعه إلى رئاسة مجلس الوزراء وقد عهدت الحكومة مسئولية كتائب التحرير تلك إلى عبد المجيد عبد الحق وزير الدولة من أجل تدريبهم وتنظيمهم وتم الإعلان عن تشكيل لجنة من الضباط المتقاعدين لمساعدته تتكون من اللواء صالح حرب محمد فتوح، حسين محمد باشا، وعلي المواوي بك.

كما اعتمدت الحكومة مبلغ مائة ألف جنيه لتدريب الفدائيين تدريبا عسكريا وأعلنت أنها ستقبل فقط من هؤلاء لخدمة الوطن وف نفس الوقت بدأت الحكومة سلسلة من التصرفات المضادة للحركة التابعة للأحزاب الأخرى فأصدرت قرارا بإلغاء معسكرات التطوع وحظرت على الأحزاب والهيئات جمع أية تبرعات لتمويل حركة الكفاح المسلح وقامت بشن غارات على مستودعات الحزب الاشتراكي سواء في القاهرة أو الشرقية.

بل يذهب البعض إلى اتهام الحكومة عامة وفؤاد سراج الدين خاصة بمحاولة عرقلة الحركة الفدائية حيث رأوا التفاف الشعب حول الكتائب غير الوفدية فحاولوا إيجاد كتائب وفدية فعمل فؤاد سراج الدين على جمع بعض نواب الوفد وطلب منهم إيجاد كتائب في دوائرهم ووعدهم بالإنفاق عليها وفعلا تألفت نواة بعض الكتائب ولكن كان ينقصها الروح الحية ويذهب البعض في اتهامهم لسراج الدين بأنه كانت له مصلحة حزبية أكيدة تقتضي إيقاف أعمال العدوان ضد الإنجليز لأن الاعتداء على القوات البريطانية يثير تلك القوات مما يجعلها تتحرش بالأهالي وتقوم بنسف القرى وأسر رجال البوليس مما يدفع الشعب إلى أن يطلب حلال جذريا وموقفا صارما من الحكومة التي ألفت المعاهدة فيتحرج مركز الحكومة وهو ما كانت تتفاداه كأي حكومة مسئولة عن حفظ الأمن والنظام وبذلك كان على الحكومة أن تنهج منهجين متناقضين منهج حفظ الأمن والنظام ومنهج مواكبة الثورة الشعبية الوليدة التي أطلقتها فأرادت أن تؤممها.

كتائب التحرير

قدرت إحدى التقارير البريطانية عدد أفراد كتائب التحرير بألف رجل فقط وقسمتهم إلى مجموعتين أساسيتين كتيبة أحمد حسين التابعة للحزب الاشتراكي ويقدر عدد أفرادها بمائتي رجل أما الكتيبة الثانية فكانت من جمعية الشبان المسلمين وكان عدد أفرادها ضعف عدد أفراد الكتيبة الأولى أي 400 رجل وهذا يتركنا مع ستمائة فرد آخرين لا نعرف إلى أي فريق ينتمون وفي الأغلب فهم مجرد شباب وطني ذهب للانضمام إلى الكتائب دون أي دافع أو انتماء حزبي وقد وصف نفس التقرير البريطاني أفراد هذه الكتائب بأن الغالبية منهم من الطبقة العاملة وإن كان يقودهم الطلاب الشباب من الأحزاب المختلة وهو ما يتناقض مع وصف بعض الذين شاركوا في الكتائب في ذلك الوقت من أن الغالبية كانت من الشباب الطلاب طلاب الجامعات خاصة ويظهر أن دور الطبقة العاملة قد تركز في الأساس في هجر معسكرات الجيش البريطاني الذي تركها بلا أيد عاملة تعتمد عليها مما خلق لها العدد من المشاكل والمصاعب.

وقد وصف أحد أعضاء الحزب الاشتراكي بعد ذلك يف تشكلت كتائب التحرير قائلا أنه بعد إلغاء المعاهدة ظهرت فكرة إنشاء كتائب التحرير وأقدم الحزب الاشتراكي على فتح باب التطوع للشباب في معسكرات بالعباسية وحلوان والإسكندرية والمنصورة والزقازيق وبلقاس ونلاحظ هنا الوجود الجغرافي لهذه المعسكرات التي اقتصرت على وجه بحري دون الصعيد خصوصا في القاهرة والإسكندرية والشرقية ويكمل عضو الحزب الاشتراكي شهادته قائلا أن شباب من ضبا الجيش المتقاعدين والعاملين هم الذين أشرفوا على التدريب في تلك المعسكرات ورغم فتح باب الاكتتاب الشعبي لجمع التبرعات إلا أن مشكلة الحزب لم تكن في نقص الأفراد ولكن كانت أساس في ضعف التمويل فكان لدى الحزب الشاب وينقصه المال رغم أن التبرعات التي كانت تصل للحزب من أجل الكتائب كانت تنتشر في قوائم منظمة بجريدة الحزب الاشتراكي إلا أن ذلك لم يشجع العديد من الناس على التبرع سنلاحظ أيضا أن بعض الأحزاب مثل أحزاب الأقلية كان لديها التمويل ولكن ينقصها الأفراد وللأسف الشديد فإنه سبب التنافس الحزبي فلم يحدث أي تنسيق أو تعاون بينهما ليس فقط بدافع الحرص على ظهور كل حزب بمظهر الوطني الوحيد ولكن بسبب اختلاف نظرة وأسلوب عمل كل فريق عن الأخر ويكمل نفس الشاهد شهادته قائلا أن أحمد حسين زعيم الحزب الاشتراكي كان في سجن الأجانب محبوسا على ذمة قضية صحفية لحظة الإعلان عن إلغاء المعاهدة وأنه أصدر أوامره إلى الشاهد بالسفر إلى منطقة القنال واستكشاف أحوالها من جميع النواحي ودراسة ما يمكن عمله والتمهيد لنزول الكتائب وذهب الشاهد إلى الإسماعيلية ورغم القبض عليه إلا أنه تمكن من كتابة تقرير عما يمكن عمله واستخلص الشاهد أنه لا يجب القيام بأي عمليات في الإسماعيلية حرصا على أرواح المواطنين لأن أية عملية بها ستؤدي إلى إزعاج الإنجليز إزعاجا لن يتورعوا معه على ارتكاب كل الجرائم ووصل الشاهد إلى نفس النتيجة بالنسبة لبورسعيد حيث قال إن أهالي بورسعيد لا يؤمنون بضرب الإنجليز إلا في حالة احتلال مدينتهم وهو ما كانا يتوقعونه ونرى هنا إن الشاهد لم يتبع بعض نظريات رجال حربا لعصابات من ضرورة إشراك الأهالي في المعركة حتى لو اضطر الأمر إلى توريطهم توريطا بمعنى أن قيام قوات الاحتلال بأعمال انتقامية ضد الأهالي يكون في مصلحة الثورة لأنه سيؤدي إلى مزيد من السخط من قبل الأهالي مما يدفعهم دفعا بالتشجيع والتهليل لكل حادث موجه ضد الإنجليز وهو أضعف الإيمان فالمطلوب كان معركة شعبية يشترك فيها كل أفراد الشعب بمختلف طبقاتهم وأعمارهم وفئاتهم وليس مجرد حركة مقصورة على مجموعة من الأفراد تحمل السلاح بالنيابة عن الشعب كله.

وللأسف فإن الخلافات الكثيرة كانت من أهم أسباب ضعف الحركة مما أثر على فاعليتها إلى حد كبير ومن مثال ذلك كتيبة خالد بن الوليد، وهي إحدى الكتائب التي ذاع صيتها لأنها كانت في الأصل مجموعة من أعضاء الحزب الاشتراكي التي كانت تقيم بالقرب من بلبيس والتي فصلت لأسباب ما وتجمعت مع بعض الذين كانوا مع سعد زغلول فؤاد وظهرت في اليوم التالي لاستشهاد عباس الأعسر ومثل أيضا الفريق عزيز المصري الذي لم يشك أحد في مدى جديته أو حماسه ولكن بعض الذين التفوا حوله كانوا مفصولين أو مستقلين من الحزب الاشتراكي من أمثال عبد الوهاب حسني المحامي. وبسبب هذه الخلافات الشخصية استحال التعاون بين مجموعة عزيز المصري والحزب الاشتراكي ورغم أن الأول كان يتمتع بالخبرة العسكرية والسمعة الوطنية والحزب الاشتراكي بوفرة الشباب والتنظيم الحزبي فذهب عزيز المصري ومجموعته إلى الحزب الوطني في ذلك الوقت سواء من حيث الأفراد أو الأسماء اللامعة البراقة وكان لدى الحزب الوطني التمويل اللازم لدى عزيز المصري الخبرة العسكرية ولدى الحزب الاشتراكي الشباب والتنظيم الحزبي فذهب عزيز المصري ومجموعته إلى الحزب الوطني في ذلك الوقت سوء من حيث الأفراد أو الأسماء اللامعة البراقة وكان لدى الحزب الوطني التمويل اللازم ولدى عزيزي المصري الخبرة العسكرية ولدى الحزب الاشتراكي الشباب المتطوع ولكن هؤلاء الثلاثة لم يجتمعوا ولو كانوا قد اجتمعوا ثلاثتهم كل بما لديه لكانت النتيجة حتما جد مختلفة وتكتمل الصورة حين نسمع عن جهود فؤاد سراج الدين التي سبق شرح أهدافها من أجل عرقلة أعمال عزيز المصري ومحاولة استقطاب كتيبة خالد بن الوليد كانت هذه الأقوال جزء من تقرير كتبه الأستاذ جمال طولان المحامي وعضو الحزب الاشتراكي عقب اعتقاله في الزقازيق عق حريق القاهرة وفيما يصف حالة كتائب التحرير بمديرية الشرقية ومحاولات الوزارة الوفدية في التأثير عليها ورغم وضوح مدى كراهية الشاهد لفؤاد سراج الدين وبعض أفراد حركة الكتائب الأخرى، إا أن ذلك لا يمنع أنها تلقى بعض الضوء على حركة الفدائيين في ذلك الوقت من خلال نظرة أحد شهود العيان من داخلها وللأسف الشديد فإن الباحث لتلك الفترة بالتحديد يواجهه بصعوبة العثور على أقوال ومذكرات من شاركوا في تلك الأحداث مباشرة، إلا من التقرير السابق، والذي تنقصه الحيدة والموضوعية للظروف التي كتبت فيها، ومن مذكرات اثنين من قادة الحركة من الإخوان المسلمين حسن دوح وكامل الشريف، نشرها الأول تحت عنوان كفاح الشباب الجامعي على القناة والثاني المقاومة السرية في قناة السويس وسنحاول من خلال هذين العملين أن نلقى بعض الضوء على تلك الحركة ولكن هذه المرة من خلال وجهة نظر الإخوان المسلمين.

من اللافت للنظر هنا أن كامل الشريف يعزي قيام الحركة السرية داخل الإخوان المسلمين التي عرفت باسم النظام الخاص إلى حسن البنا ولكن بهدف القيام بأعمال العنف ضد قوات الاحتلال البريطانية، خلافا للصورة العامة التي كانت سائدة من أن هذا النظام كان موجها ضد بعض المصريين المعارضين لحركة الإخوان المسلمين وعلى غير علم حسن البنا المهم أن أفراد هذا التنظيم السري كان يتم إعدادهم إعدادا روحيا قبل تنظيمهم ولكن للأسف الشديد فإن تدريبهم كان يتم على أساس فردي انعزالي وفي جو سري مكتوم ينقصه الوضوح والانطلاق وقد ترتب على هذا الوضع ضعف في الكفاءة العامة لهذه التشكيلات ذلك لأن الجندي يلزمه التدريب على أنواع كثيرة من الأسلحة وأن يمارس استعمالها بالذخيرة الحية، كما يجب أن يقوم بالتدريب دال تشكيل أكبر حتى تنسجم حركاته مع أفراد التشكيل عندما يقيمون بواجباتهم وواضح أن هذا القدر من التدريب الضروري كان مستحيلا بالنسبة لجنود النظام الخاص حيث يقوم التدريب كما قلنا على أساس فردي ضيق وفي جو من التكتم الشديد بعيدا عن عيون الحكومة وسطوة القوانين وحين ذهب عدد من المتطوعين من أفراد الجهاز إلى حزب فلسطين الأولى عام 1948 ظهر عجز ونقص هذا التدريب حين اشتبكت تلك القوات من المتطوعين مع القوات الصهيونية ذات التدريب العالي وطبعا ظهر الفرق في التدريب على نتيجة المعارك الأولى في النقب حيث كانت الخسائر كثيرة وسط صفوف الإخوان لدرجة إقناعهم بمعاودة التدريب من جديد ولكن أيضا على أسس جديدة وقد ساعدت ظروف الحرب على التدريب بشكل جماعي وفي جو مختل تماما عن التدريبات الأولى والتي كانت تتم بشكل فردي وسري. وظهر الفرق بين التدريبين حين اشتبكت القوات الفدائية الإخوانية بعد ذلك مع القوات الإسرائيلية دون الإصابة بخسائر كبيرة كالمرة الأولى حين انتهت الحرب وعادت تلك القوات إلى مصر كانت هذه القوات هي النواة التي تكونت من حولها القوات التي حاربت القوات البريطانية في منطقة قناة السويس بعد ذلك من خلال الخبرة السابقة التي اكتسبوها في حرب فلسطين والتي نقلها إلى الشباب الجديد الذي انضم إليها بعد ذلك وعلى هذا الأساس يمكن القول أن حرب فلسطين كانت للإخوان بمثابة البروفة الأولى أو الإعداد الحقيقي لمعركة القناة.

وحين ألغيت المعاهدة وفي موجة الحماس العارمة التي اجتاحت البلاد بصفة عامة والشباب بصفة خاصة واجهت تنظيم الإخوان مشكلة تدفق العديد من الشباب إلى مراكز الإخوان خاصة في منطقة القناة ومديرية الشرقية ولكن كان ينقصهم التدريب اللازم للاشتراك في أعمال فدائية فأقيمت مراكز تدريب خاصة في الشرقية بهدف إعادة تدريب الرجال الذين شاركوا من قبل وقد ساعد على نجاح هذه المعسكرات بتدريب مجموعات المتطوعين الجدد وقد ساعد على نجاح هذه المعسكرات عاملان العامل الأول هو توافر عدد لا بأس به من ملاك الأراضي من المتعاطفين مع الإخوان الذين يتطوعوا بأراضيهم كأماكن للتدريب أما العامل الثاني فهو يخص طرف الحكومة في البداية عن هذه المعسكرات وإلا كانت قد أغلقتها في البداية وهو ما فعلته بعد ذلك ومما يلفت النظر إلى الغالبية العظمى من المتطوعين كانوا من شباب الجامعات وليس على اعتبار أن الشباب أكثر حماس فقط مكن غير أو أن الفئات الأخرى أقل وطنية عن طلاب الجامعة بل لأن في طلاب الجامعات توافر عنصران ما كانا من الممكن توافرهما في الفئات الأخرى مثل الفلاحين وموظفي الحكومة فبالنسبة للفلاحين كان ثالوث الفقر والمرض والجهل قد أقعد الفلاحين عن المشاركة في أي حركة أو حتى الوعي بها أما بالنسبة للموظفين ورغم ظروفهم المعيشية الصعبة بسبب الغلاء والتضخم إلا أنهم وبلا شك كانوا أكثر إدراكا ووعيا من الفلاحين وباقي قطاعات الشعب المصري ولكن للأسف الشديد كان ينقصهم التنظيم الذي يجمع شملهم في وعاء واحد وقد قامت الجامعة بهذا الدور بالنسبة للطلبة مثلما تخيل ماركس أن يقوم المصنع بذلك الدور وسط العمال فكانت الجامعة ملتقى الشباب وحيث الجموع الكبيرة التي ما كانت بحاجة إلا لجهد يسير من أجل حشدها وتنظيمها وهو ما أفقد وسط موظفي الحكومة وبالقطع وسط الفلاحين المعدمين.

وبدأت التدريبات في المعسكرات التي أقيمت في الجامعة ثم مزارع الإخوان في الشرقية وكان التدريب مقسما إلى عدة مراحل: تكتيك خفيف ضرب نار، تفجير قنابل ودراسة التجارب الأخرى حرب العصابات كما بدأت جمع التبرعات العينية خاصة الأغطية وملابس التدريب وقد وصل عدد الذين تدربوا أو شاركوا في تلك المعسكرات على حسب تقدير حسن دوح إلى عشرة آلاف طالب وهو رقم كبير بمقاييس ذلك العصر إذا أخذنا في الاعتبار عدد السكان حوالي 18 مليون نسمة وقتذاك إلا أن هذا الرقم يبدو مبالغا فيه مبالغة واضحة وخاصة إن الأحداث التي تلت بعد ذلك تدفع المرء إلى التساؤل عن مدى فاعلية هذا الرقم لأن المسائل لا تقاس بالكم ولكن بالقدر القتالية خاصة أن مشكلة السلاح والحصول عليه كانت عقبة كأداء في طريق الاستفادة من تلك الأعداد إن صحت حيث أن القانون كان ينص على أن عقوبة حمل قطعة سلاح بدون ترخيص كانت تصل إلى ثمانية أعوام في السجن حقا كانت الحكومة في ذلك الوقت تغض الطرف عن الفدائيين وصرحت بحمل السلاح بشكل ضمني، إلا أنه لا يمكن الاعتماد على حسن نية الحكومة أو أهوائها المتقلبة في ذلك الوقت وهو ما حدث فعلا بعد ذلك حين أعلنت الأحكام العرفية عقب حريق القاهرة بعد ذلك بأشهر قليلة جدا وحتى إذا تم تجاوز القانون فإن نقص المال كان يقف حائلا أمام شراء أي سلاح إن وجد وإن كان بعض الأفراد قد يملكون سلاحا خاصة أصحاب الأراضي إلا أن ذلك كان بكميات محدودة للغاية لا يصلح لأعمال حرب العصابات فعلى سبيل المثال فإن بعض الوزراء الوفديين قد أخرجوا أسلحتهم من الخازن والتي كانت عبارة عن82 بندقية لي انفليد الإنجليزية التي استعملت في الحرب العالمية الأولى وأصبح الخفراء في مصر يستخدمونها وعلامة مميزة لهم بجانب الطاقية الصوف الطويلة والبالطو البني الطويل المهم أنه قد تم توزيع هذا السلاح المتهالك مع مائة ألف طلقة 303 على الإخوان في الإسماعيلية والزقازيق مثلا بمعدل خمس بنادق كل منقطة وحصلت كتيبة أحمد عبد العزيز في السويس التي سبق ذكرها على خمس بنادق أخرى في حين حصل كل من عبد الحميد صادق بابي صوير وحسين فهمي عضو مجلس الشيوخ كل على خمس بنادق أيضا وحصل الوفد في الشرقية على ثماني بنادق وبيعت باقي البنادق بسعر 38 جنيها للبندقية الواحدة والطلقة الواحدة بثلاثة قروش وهي أسعار عالية إذا وضعنا في الاعتبار تكاليف المعيشة عندئذ إلا أنه رغم هذا التسليح الهزيل وتلك البداية الضعيفة إرادة القتال والشعور الوطني الفياض التغلب على ذلك بشتى الطرق وإن كان نقص السلاح ظل يشكل عقبة رئيسية أمام العمل الفدائي وتطوره.

وقد استطاع فريق من الفدائيين رصد القوات البريطانية التي كانت موجودة في منطقة القناة في ذلك الوقت وقدرها على أساس أنها مكونة من لواء مشاة يقدر عدد أفراده بستة آلاف جندي متمركزين في منطقة التل الكبير ولواء مشاة أخر رئاسته في فادي لكن كتائبه موزعة بين السويس والإسماعيلية وكتيبة مشاة في بورسعيد وأخيرا لواء مدرع ثقيل ومما يدل على مدى انزعاج القوات البريطانية وحجم الخسائر التي منيت بها بعد ذلك إن هذه القوات قد زيدت بعد بدء الأعمال الفدائية حتى وصل عددها بعد أشهر قليلة إلى حوالي ثمانين ألف جندي، وليس هناك شهادة أبلغ ولا أدل من ذلك.

وقد توصل قادة الحركة إلى نتيجة مؤداها أنه بالظروف العامة التي كانوا فيها ومع إمكانياتهم المحدودة فإن خير سياسة عليهم ابتاعها كانت تتلخص في كلمتين اثنين فقط، وهي مضايقة الإنجليز فلم يكن الهدف هو الاستيلاء على أرض والحفاظ عليها بل القيام بعمليات هجومية تهدف إلى إيقاع أكبر عدد ممكن من الخسائر في صفوف العدو في معداته دون الدخول معه في معارك مكشوفة مهما تكن الدوافع والأسباب، بل الانسحاب على الفور بعد إتمام أي عملية أو حتى جزء منها حرصا على القوات الفدائية نفسها حيث أن الخبرة قد أثبتت أن عدم الرضا بغير النجاح الكامل تؤدي حتما إلى الإبادة الكاملة وعلى هذا الأساس كان لعنصري الوقت والمكان أهمية بالغة لذلك فإن الليل بظلامه الدامس كان أنسب وقت والأرض الوعرة ذات السواتر والتبات المرتفعة حيث تتوفر الحماية الطبيعة هي أفضل الأمكنة ولذلك كان على الفدائيين أن يعملوا على إخراج القوات البريطانية من معسكراتها وإقناعها بمطاردة الفدائيين حتى يصلوا إلى المكان الذي حدده الفدائيون كأنسب مكان لشن هجوم خاطف أو زرع لألغام وإقامة الشراك الخداعية.

ومن المفيد هنا أن نعرض بالتفصيل للمناقشات التي دارت بين قادة العمل الفدائي وسط الإخوان حول الخطة المثلى الواجب اتباعها في مواجهة القوات البريطانية وكانت الخطة الأولى تقضي بالعمل في جميع المناطق التي تمركز بها القوات البريطانية سواء في السويس أو بورسعيد أو التل الكبير وجميع القرى الواقعة بينهم بحيث يكون الضرب على الجميع في وقت واحد أما الخطة البديلة فكانت تقضي بالعمل ضد القوات البريطانية في مديرية الشرقية وحدها وقد بني أصحاب هذا الرأي وجهة نظرهم على أساس أن انطلاق الفدائيين من قواعدهم في الشرقية يسمح لهم بضرب القوات البريطانية والعودة إلى قواعدهم دون مشقة أو مجازفة كبيرة فضلا عن سهولة إمدادهم بالطعام والعتاد أيضا هذا من جانب أما من جانب آخر فإن العمل داخل مدن القناة سيجعل القوات البريطانية تضرب المدنيين دون تفرقة أو تمييز مما يعرض ألوف السكان هناك إلى خطر التضييق والحصار ولكن أصحاب الرأي الأول كان لهم الغلبة في النهاية على أساس أن:

1- أن ضرب القوات البريطانية في المناطق الداخلية يحتم عليهم أن يضعوا إجراءات دفاعية خاصة لك منطقة مما يزيد من إرهاقهم ولا يتحقق الذعر المطلوب إلا بأن يتوقع كل معسكر من معسكرات الجيش البريطاني أنه سيكون الهدف التالي للضربات.

2- إن العمل في تلك المناطق يجعل من العسير على القوات البريطانية تحديد قوة الفدائيين وبتالي العمل على القضاء على العمل الفدائي خاصة إذا حسن الفدائيون الاختباء وسط الأهالي.

3- إذا تم التركيز على الشرفية فقط فإن القوات البريطانية بما لديها من إمكانيات هائلة أن تقوي من وجودها داخل الشرقية بحيث يصبح التسلل إليها مستحيلا.

4- إذا تركز العمل الفدائي في الشرقية وحدها فقد يعطي ذلك مبررا للقوات البريطانية أن تحتل تلك المدينة بأكملها بحجة القضاء على العمل الفدائي هناك.

5- إن الهدف الرئيسي للعمل الفدائي هو القيام بعمليات ضد خطوط مواصلات العدو وحركة هذه الخطوط تعمل في داخل المنطقة بينما يعمل منها بمحاذاة مديرية الشرقية هو خط واحد فقط وبالتالي يسهل جدا على القوات البريطانية أن تحرسه

6- إنه إذا أمكن الاستفادة من السكان المقيمين في منطقة القناة فإن تموين الفدائيين عندئذ يصبح من الأمور الميسرة.

والذي حدث بعد ذلك كان خليطا بين تلك النظريتين فلم يكن العمل الفدائي كله منصبا في منطقة الشرقية ولا كان أيضا موزعا على إقليم القناة بأكملها بحيث كانت الضربات توجه في كل مكان وفي وقت واحد وقد مرت الحركة الفدائية بثلاث مراحل أساسية المرحلة الأولى والتي يمكن تسميتها بمرحلة الوخز وكان الهدف منها هو كسر هيبة القوات البريطانية عن طريق القيام بعمليات محدودة وسهلة تكفي لقتل بعض الجنود البريطانيين دون أن نعرض الفدائيين لأية خسائر ممكنة ثم يقوم الفدائيون بعد ذلك بالترويج لهذه الانتصارات في طول القناة وعرضها بهدف كسب ثقة الناس وإشاعة الثقة بينهم والتهوين والتقليل من قوة جيش الاحتلال البريطاني وقد أدت الصحافة المصرية خدمة عظيمة في هذا الشأن رغم أنها كانت تعمد إلى المبالغة غير المعقولة في بعض الحالات وحين أصبحت عمليات الوخز تلك لا تكفي وبعد أن اكتسبت الحركة الفدائية احترام الجميع وثقتهم كان الواجب الانتقال إلى مرحلة أكثر خطورة عن المرحلة السابقة وهي المرحلة التي تميزت بعمليات جريئة على نطاق واسع حيث سقط فيها عدد من الشهداء إلا أن ذلك لم يفت من عزيمة الفدائيين بل على العكس بل زاد من حماس الشعب وتعلقه بالحركة ولا سيما حين كان يتم إرسال جث الشهداء إلى القاهرة وعواصم الأقاليم حيث يدفنوا بعد جنازات شعبية مهيبة كان لها أبلغ الأثر في تعميق الشعور الوطني ودفع حماسة الشباب إلى الانضمام للحركة الفدائية وتعبئة الرأي العام المصري وراء الفدائيين في معركة القتال أما المرحلة الثالثة والأخيرة فكانت تقوم على الاستعداد لاحتمال أن تقوم القوات البريطانية باحتلال إقليم الشرقية أو حتى الزحف على القاهرة وهو احتمال لم يكن بعيدا كما سنرى فيما بعد من أجل إسقاط الحكومة الوفدية كوسيلة للتخلص من الحركة الفدائية كلها، وكانت خطة الفدائيين تقوم على أمرين هما:

1- تدريب بعض الفدائيين على استخدام الأسلحة والمفرقعات وإلقاء القنابل اليدوية للتعاون مع الفدائيين مستقبلا في حالة تقدم القوات البريطانية للقيام بأعمال التخريب ضد مؤخرة العدو.

2- تهيئة سكان القرى وحثهم على الاستعداد وشراء الأسلحة عن طريق المحاضرات والوعظ الديني ولكن ذلك لم يحدث فقد حدث حريق القاهرة وتطورت الأحداث في اتجاه آخر تماما هذا وقد تشكل لدى الفدائيين وعي خاص بأن الشعب وليس (الأرض) أي (المكان) هو قاعدة الانطلاق إلى العمليات المختلفة ضد القوات البريطانية ففي البداية كان التفكير يقوم على أسس تقليدية من حيث مدى قريب أو بعد القواعد التي سينطلق منها الفدائيون إلى مناطق العمل المختلفة وطبيعة الأرض في القاعدة ومدى سهولة الانطلاق منها والعودة إليها وتوفر المياه ومواد التموين فيها بشكل دائم والتأكد من عدم استطاعة القوات البريطانية مهاجمتها فجأة أو قصفها من الجو لإبادة من فيها وسهولة الانسحاب منها إلى منطقة أخرى إذا تمكنت القوات البريطانية من معرفة مكانها وبالتالي من مهاجمتها.

وقد انتهى الفدائيون إلى أن خير مخبأ ليس الأرض ولكن الجمهور بحيث تأتي الأرض في المرتبة الثانية ولا يبقى للأرض سوى واجب تكتيكي وهذا أدى بدوره إلى إيتكار (القاعدة الفرعية) وهي تقوم بعمل منطقة الوثوب وهي منطقة تقع بين القاعدة وبين مناطق العمل ضد القوات البريطانية وفي هذا الإطار ثم اعتبار المدن الرئيسية في القناة، الإسماعيلية، بورسعيد، قواعد للمقاومة، كما اعتبرت القرى الواقعة على مقربة من المعسكرات البريطانية في الشرقية مثل القرين والتل الكبير وأبو حماد أيضا قواعد أخرى وحين تطور العمل وأخذت القوات البريطانية تغير على المدن في حملات تطويق وتفتيش ثم اتخاذ عدد من المزارع القريبة مثل أبو سلطان مثلا قرب الإسماعيلية والمعازة وظهر الجبل قرب القنطرة الغربية كقواعد فرعية ومناطق وثوب.

وليس هناك أدل من شهادات العدو نفسه بالنسبة لتزايد حجم وفاعلية الأعمال الفدائية ضد القوات البريطانية فإيدني مثلا يكتب في مذكراته أنه حتى قبل إلغاء المعاهدة فإن الأعمال الإرهابية يقصد الفدائيين كانت تتزايد خاصة في منطقة القناة أما الآن يقصد بعد إلغاء المعاهدة فقد تضاعف وبتشجيع من الصحافة المحلية المصرية التي ظاهرة جديدة في المجتمع المصري أما الاتصالات بين المجتمعات يقصد بها المجتمع المصري والمجتمع البريطاني أي الجيش بعائلاتهم فقد انقطعت تماما وقد أمرت الحكومة العمالية حكومة بريطانيا بإرسال تعزيزات جديدة إلى منطقة القناة بالرغم من أن حجم القوات البريطانية الموجودة في منطقة القناة كان كبيرا بالفعل هنا تنتهي إيدن التي يعترف فيها إنه بالرغم من كبر حجم القوات البريطانية الموجودة في القناة إلا أن ذلك لم يكف بل اضطر إلى طلب قوات إضافية أما الشهادة الثانية فهي إحدى التقارير التي بعثت بها السفارة البريطانية في القاهرة إلى وزارة الخارجية البريطانية في لندن ويبدأ التقرير باتهام جنود بلوكات النظام في الإسماعيلية قوا الشرطة بمسئوليتهم عن البدء في إطلاق النيران على القوات البريطانية الموجودة في القناة إلا أن ذلك لم يكف بل اضطر إلى طلب قوات إضافية أما الشهادة الثانية فهي إحدى التقارير التي بعثت بها السفارة البريطانية في القاهرة إلى وزارة الخارجية البريطانية في لندن، ويبدأ التقرير باتهام جنود بلوكات النظام في الإسماعيلية (قوات الشرطة) بمسئوليتهم عن البدء في إطلاق النيران على القوات البريطانية في أربع حوادث على الأقل من 6 حوادث إطلاق نار على قوات الاحتلال بين يومي 3و 4 ديسمبر من عام 1951.

1- حادث إطلاق نار يوم 3 ديسمبر عام 1951 في هجوم على القوات البريطانية في منطقة بشمال غرب السويس أسفرت عن جرح جندي بريطاني.

2- في نفس اليوم (أي 3 ديسمبر 1951) قتل جندي بريطاني أخر في عربة جيب عسكرية بعد أن أطلق عليه جنود بلوكات النظام النار ) (لم يحدد المكان).

3- أيضا في نفس اليوم (3 ديسمبر 1951) لقي ثمانية جنود موريشيان تبع القوات البريطانية مصرعهم في كمين لعربتين عسكريتين وجندي وضابط بريطانيين (أي أن مجموع القتلى عشرة) بالقرب من بور توفيق.

4- في نفس اليوم أيضا (3 ديسمبر 1951) تم إطلاق النيران على مجموعة من الجنود البريطانيين في السويس وتم تبادل إطلاق النيران وقتل جندي بريطاني و 3جنود بوليس مصري واحد المدنيين وجرح 3 مدنيين واستسلم الآخرون.

5- تم تبادل إطلاق النيران بين 3 جنود مصريين و 6 جنود بريطانيين ولم يصب أحد.

6- في 4 ديسمبر 1951 أصيب ضابط بريطاني وجنديان بريطانيان حين أطلق عليهم النيران بجانب محطة تحليه مياه في القناة.

هذا التقرير وهو عن حوادث يومين فقط ويصف فيه كيف فقدت القوات البريطانية أحد عشر قتيلا وأربعة جرحى ويلقى باللوم على قوات بلوكات النظام يكشف فيه عن سبب الضراوة والشراسة التي هاجمت بها القوات البريطانية عسكر بلوكات النظام في الإسماعيلية بعد ذلك والمذبحة التي تمت مما أسفر عن حريق القاهرة الشهير ولم تكن هذه الحادث هي الحادث الوحيدة أو تقتصر فقط على حوادث إطلاق النيران بل إنه ي 3و4 يناير 1952 وقعت معركة في السويس بين الفدائيين من كتيبة الشهيد أحمد عبد العزيز وقوات الشرطة المصرية وبين القوات البريطانية أسفرت عن سقوط العديد من القتلى والجرحى من الجانبين ونسف الفدائيون فيه محطة المياه الخاصة بالقوات البريطانية ووقعت معركة أخرى في أبو صوير بالقرب من الإسماعيلية أستشهد فيها ثلاثة من الفدائيين وفي 9 يناير وقعت معركة أخرى في الطريق بين المحمسة وأبي صوير أستشهد فيا عباس الأعسر من كتيبة خالد بن الوليد هذه أمثلة على سبيل الذكر وليس الحصر وعندما تعددت الهجمات بدأت القوات البريطانية تقوم بحملات تفتيش عسكرية على القرى والمزارع بهدف الوصول إلى قواعد الفدائيين إحدى هذه الحملات استهدفت عزبتي (السبع أبار) و (أبو سلطان) في 11 يناير 51، وفي اليوم التالي هاجمت القوات البريطانية بلدة التل الكبير بثا عن الفدائيين إلا أن الفدائيين قاموا بنسف قضبان السكك الحديدية قبل وصول القطار المحمل بالجنود والذخيرة إلى معسكر التل الكبير وقعت معركة بين الفدائيين وقوات البوليس المصري وبين القوات البريطانية وتكرر القتال يوم 13 يناير ووقع اشتباك أخر في بلدة القرين كما لاحظ المؤرخ المصري طارق البشري أن معركة التل الكبير تعد نقطة تحول كبرى في العمل الفدائي لأنها كانت أول معركة مكشوفة بين الفدائيين وبين القوات البريطانية وظهرت فيها قوة الفدائيين لأول مرة كقوة مقاتلة متميزة تقف أمام القوات البريطانية كما أن مجال العمليات الفدائية قد بدأ في الاتجاه غربا من منطقة القناة إلى شرق الدلتا وكان هذا من شأنه أن يدفع القوات البريطانية أكثر فأكثر في اتجاه الدلتا حيث الكثافة السكانية الأعلى وسط القرى المصرية العديدة بفلاحيها ولا شك في أنه كان القتال قد تطور في هذا الاتجاه لكانت معركة قناة السويس وحركة الفدائيين قد بدأت تتخذ شكل حرب التحرير الشعبية الكاملة ولكن ذلك لم يحدث لأسباب عديدة سنوردها فيما بعد.

رد الفعل البريطاني

بدأت الحكومة البريطانية تفكر جديا في الوضع الجديد في مصر بصفة عامة ومنطقة القناة بصفة خاصة فتم تعزيز القوات البريطانية وزيادة حجمها وكانت السفارة البريطانية في القاهرة تشعر أن المقاومة ليست مقصورة على الشعب بل أيضا من قبل حكومة الوفد فتكتب بأحد التقارير المرسلة من السفارة البريطانية في القاهرة إلى لندن قائلة أن الجهود المتواصلة للحكومة المصرية من أجل جعل بقائنا في قاعدة القناة أمرا عسيرا يخلق وضعا يجبرنا على البحث عن طريق جديد من أجل إحكام سيطرتنا على القاعدة والقناة وإن الحكومة المصرية في وضع شائك بين المحافظة على واجباتها كحكومة مسئولة والضغوط الإرهابية التي تتعرض لها وبالتالي أما أن عملا عسكريا ما يجب أن يحدث مع تحمل العواقب أو الاحتجاج بشدة مع الانتظار لظرف سياسي أكثر ملاءمة بما يعنيه ذلك من احتمال فقد المزيد من الأرواح والوقت فما هو ذلك العمل العسكري الذي ذكره ذلك التقرير فورد هنا النص الكامل لمشروع حكومة عسكرية بمنطقة قناة السويس.

قامت لجنة من الإدارات المختلفة بوزارة الحرب البريطانية بوضع التقرير التالي حول إنشاء حكومة عسكرية بمنطقة القناة وتم مناقشة التالي:

(أ‌) مراجعة مسألة إنشاء حكومة عسكرية في منطقة القناة.

(ب‌) تقرير الإجراءات الإدارية المطلوبة لإنشاء مثل هذه الحكومة.

(ت‌) التوصية بالإجراءات الواجب اتخاذها وخاصة ما يتعلق منها بالجانب المالي الهدف من ذلك التقرير هو شرح المشاكل الإدارية ووضع خطة عمل.

الالتزامات الإدارية

إن العواقب المترتبة على إنشاء حكومة عسكرية تم دارستها في تقرير لوزارة الدفاع حصل عليه رؤساء الأركان وأرسل للسفير البريطاني في القاهرة رؤساء الأركان للقوات البريطانية في الشرق الأوسط للتعقيب عليه وإبداء الملاحظات.

أظهر ذلك التقرير أن التزامات الحكومة العسكرية هو المحافظة على السكان المدنيين مع بقاء القوات البريطانية ويجب أن يتم مراعاة الظروف التالية:

1- أن يظل الموظفون المصريون في مواقع عملهم وأن لا توقف الحكومة المصرية إمدادات التموين إلى القناة.

2- ألا يترك الموظفون المصريون أو العمال المصريون العاملون في القاعدة عملهم نتيجة لحركة عفوية أو ضمن حملة عامة لعدم التعاون مع البريطانيين بإيحاء من الحكومة المصرية وأن توقف الحكومة المصرية شحن إمدادات التموين.

النتيجة:

(أ‌) في حالة بقاء الموظفين المصرين: يظهر أنه في هذه الحالة فإن الحكومة العسكرية ستطلب عددا محدود للغاية من الضباط والسكرتيريين والمترجمين ولكن بعد مزيد من البحث أكتشف أن العدد المطلوب سيكون أكثر من ذلك بكثير.

(ب‌) في حالة ترك الموظفين لأعمالهم: لن تعرف نتائجها حتى ترى الحكومة العسكرية بنفسها النتائج. التموين

(أ‌) إذا لم تقطع الحكومة المصرية إمدادات التموين فلا توجد إذن مشكلة.

(ب‌) إذا قطعت الحكومة المصرية إمدادات التموين فإن ذلك سيولد مشكلة حيث أن عدد المصريين يقدر ب360 ألف نسمة وأربعين ألفا من الأجانب وبعد الدراسة أتضح أنه سيستغرق على الأقل 6 أسابيع قبل وصول إمدادات التموين لذلك يجب أن يتم الاحتفاظ بمخزون من التموين يكفي 6 أسابيع أما في منطقة القناة أو مكان قريب بحيث يصل في أسرع وقت خلال أسبوع.

تعليقات رؤساء الأركان في الشرق الأوسط:

1- في كل الاحتمالات فإن المصريين سيتركون أماكن عملهم.

2- رجح السفير البريطاني أنه في حالة قطع الإمدادات فإنه يمكن الضغط على الحكومة المصرية عن طريق قطع إمدادات التموين عن الجيش المصري المقاومة من الدلتا (غالبا المقصود هنا الموجودة في سيناء) وسكان سيناء البالغ عددهم 220.000 مدني.

3- في كل الأحوال أوصى السفير البريطاني ورؤساء الأركان باتخاذ الاحتياطات اللازمة تحسبا لاحتمل قطع إمدادات التموين.

4- أوصى أيضا السفير ورؤساء الأركان بعدم الاحتفاظ بالمخزون التمويني في منطقة القناة، أما في بريطانيا في أي مكان أخر يكون من الممكن شحنه على وجه السرعة لمنطقة القناة.

5- قال رؤساء الأركان إنه لاعتبارات إدارية وأمنية فلا يمكن اعتبار أن جميع السكان سيظلون تحت الإدارة العسكرية ويجب أن يرحل الكثير منهم.

الإجراءات المطلوبة

عامل الوقت

الحكومة العسكرية هي آخر ملاذ رؤساء الأركان سيمنحون سلطات محدودة للتعامل مع الإرهابيين (الفدائيين). السلطات الممنوحة تتمثل في الاستجواب والاعتقال والطرد وقد ثبتت أنها لا تكفي إذا ساء الموقف في هذه الحالة تكون الخطوة التالي هي إنشاء محاكم عسكرية لمحاكمة هؤلاء الذين يرتكبون أعمالا عدائية ضد القوات البريطانية.

من غير المحتمل إقامة حكومة عسكرية قبل هذه الخطوة ولكن هذه الخطوة قد تدفع المصريين إلى حملة من عدم التعاون وإعمالا لعنف بحيث تصبح بدورها مقدمة لحكومة عسكرية طبعا ذلك سيستغرق بعض الوقت حيث تتطور الأمور بحيث يكون هناك نسخة من الوقت بين كل خطوة وأخرى.

لذلك فالإجراءات التي يجب اتخاذها يجب تقسيمها إلى خطوتين:

1- الإجراءات التي تحتاج إلى الاستعجال بسبب عامل الوقت.

2- الإجراءات التي تكمل بين إنشاء المحاكم العسكرية وبين إعلان الحكومة العسكرية وتكون في حدود 14 يوما لاعتبارات التخطيط.

التحضير

خلا الأربعة عشر يوما يمكن عمل التالي:

(أ‌) يتم إحضار الموظفين بالمطلوبين من الخارج.

(ب‌) التحضيرات النهائية لتحرك القوات والتموين لمنطقة القناة تستكمل.

ولذلك يجب (اتخاذ ما يلي):

1- تقرير إي الإدارات تتوفى تقديم الموظفين المطلوبين والإدارات التي يجب أن تحصل على السلطات المطلوبة من أجل استدعاء هؤلاء الموظفين وأن تستكمل الوثائق المطلوبة للأفراد عند إعلان الحكومة العسكرية.

2- يتم رسم برنامج تفصيلي للمواد التموينية المطلوب استيرادها طبقا للإحصاء الحالي للسكان المصريين والأجانب.

3- إعداد خطة مفصلة لتحرك القوات والتموين على أساسها يتم التحرك عن الإعلان عن الحكومة العسكرية.

4- طبقا للوقت المتاح أربعة عشر يوما، فإن خطة استيراد وتحرك القوات والتموين كمية الطعام المطلوب تخزينها والأماكن التي تخزن فيها فيجب أن تقرر وأن يعد المخزون.

التوصيات

1- دعوة وزارة الدفاع لعقد اجتماع للقوات الثلاث (البرية والبحرية والجوية) لتقرير مسئولية كل فرع لتوفير الضباط المطلوبين.

2- دعوة وزارة التموين للاجتماع مع وزارة المواصلات والدفاع لوضع خطة مفصلة لاستيراد الطعام وتحرك القوات والتعيين والتوصيات وكميات الطعام المخزونة وأماكن تخزينها.

3- الاجتماع مرة ثانية عندما يتم تجهيز تقارير وزارة الدفاع والتموين .

واضح من التقرير السابق أن بريطانيا كانت تستعد لإعلان حكومة عسكرية في القناة لكن ثلاثة عوامل رئيسية جعلتها تتردد كثيرا قبل الإقدام على تلك الخطوة ثم العدول عنها نهائيا أولا كانت توجد مشكلة عدم تعاون الموظفين المصريين مما كان سيخلق مشاكل كثيرة نتيجة الحاجة إلى تعويضهم ببديل لن يكون سوى بديل بريطاني في هذه الحالة وهنا تظهر المشكلة الثالثة وهو نقص الأعداد اللازمة من الضباط البريطانيين الذين سيحلون محل الموظفين المصريين لا شك أن ذلك كان سيؤثر على أداء وقدرات القوات البريطانية نفسها حيث أن ذلك كان يعني سحب عدد لا بأس به من الأفراد المنوط بهم مهام قتالية، إلى مواقع إدارة مدنية وكان ذلك يعني الانتقاص من المجهود الحربي البريطاني في وقت تواجه فيه هذه القوات حركة شعبية عدائية وفدائيين إلى توفير الطعام والمؤن لحوالي ثلاثة وستنين ألفا من المصريين وأربعين ألفا من الجاليات الأجنبية عدا تموين القوات البريطانية نفسها.

وكانت الحكومة البريطانية قد بدأت تخطط على أساس أن الحكومة المصرية أما عاجزة عن السيطرة على الأعمال الفدائية ووقفها أو هي مشجعة لها تمشيا مع التيار الشعبي أو ما أسماه التقرير السابق الوقوع تحت إرهاب الفدائيين وأيا كان الاحتمال الأرجح فإن الحل المطروح كان الإعلان عن حكمة عسكرية في القناة فورا أو أرجاء ذلك إلى الوقت المناسب والواضح أن مشاكل إدارية وتموينية عديدة قد أرجأت الإعلان عن حكومة عسكرية على الفور، ولكن ذلك لم يمنع الحكومة البريطانية من أن تفكر في خطوة ثالثة بدلا من مجرد التأجيل حتى يتم الاستعداد للإعلان عن حكومة عسكرية في القناة وتلك الخطوة في احتلال القاهرة نفسها.

وبدء التفكير فعلا في مدى إمكانية احتلال القاهرة والإسكندرية والدلتا وتم وضع خطة تحت الاسم الرمزي rodeo بل أن رئيس هيئة أركان حرب القوات البريطانية الفيلد مارشال مونتجمري بطل معركة العلمين الشهير كتب تقريرا ذكر فيه إنه يرى احتلال القاهرة والإسكندرية الدلتا فورا وإنه عندما كان في باريس والتقى بالجنرال إيزنهاور قائد قوات حلف الأطلنطي وجد أنه هو ونائبه الجنرال عمر برادلي من أنصار احتلال مصر كلها فورا وأن كان من الصعب عليهما أن يتقدما بمثل هذا الاقتراح رسميا إلى الحكومة الأمريكية.

أزمة الحركة الفدائية في مصر

على الرغم من تنامي الحركة الفدائية في مصر بعد إلغاء المعادة وعلى الرغم من أن الحكومة الوفدية تعتبر المسئولة المسئولية الأولى عن انبعاث المقاومة المسلحة إلا أنها تتحمل أيضا مسئولية وأدها فبالنسبة إلى الكثيرين ممن شاركوا في تلك الحركة كان العدو هو الجيش البريطاني ونظر إلى حكومة الوفد على أنها حكومة وطنية فهي التي ألغت المعاهدة وتوقعوا منها أن تساعد الحركة المسلحة متناسيين عاملين أساسيين سبق ذكرهما وهما أولا تركيبة الوفد الاجتماعية والفكرية التي تقف أمام أي حرة مسلحة ثانيا أن الحكومة أية حكومة هي مسئولة أمام العالم داخليا وخارجيا وإن عليها أن تحفظ الأمن والنظام وكان نتيجة ذلك أمام العالم داخليا وخارجيا وإن عليها أن تحفظ الأمن والنظام وكانت نتيجة ذلك أن اضطرت الحكومة إلى اتخاذ مواقف متعارضة أحيانا مع الحركة الوطنية المسلحة مما اعتبر ضربا من الخيانة من قبل البعض وسبب الكثير من الإحباط واليأس وليس أدل على ذلك من كلمات عضو الحزب الاشتراكي السابق حين كتب يقول رأي كل ذي بصيرة أن أعمال الفدائيين بإمكانياتهم ومواردهم المحدودة هي عمليات انتحارية وأن الحكومة لا تقوم بواجبها كما ينبغي فأنسحب البعض من الميدان ولم يبق فيه سوى أربعة أو خمسة من الفدائيين تاهوا وسط الحزبية الممقوتة ووسط تحيز لجنة الكفاح لهيئة دون أخرى تبعا للتيارات السياسية التي تجتاز البلاد حتى أعلنت الأحكام العرفية وخيم على البلاد الظلام فانكمشت حركة الكتائب.

وقد تطورت الأحداث بسرعة رهيبة لتدفع الحكومة الوفدية في مواجهة الحركة الشعبية بصفة عامة والفدائيين بصفة خاصة حين وافق النحاس الذي كان لا يزال غارقا حتى أذنية في لعبة الأحزاب التقليدية على تعيين حافظ عفيفي رئيسا للديوان الملكي خوفا من تعيين على ماهر أو نجيب الهلالي عدويه التقليديين في ذلك المنصب رغما عن تصريحات حافظ عفيفي المؤيدة تماما لبريطانيا والمستفزة تماما للشعور الوطني ولم يرتفع النحاس في هذه اللحظة إلى مستوى الشعور الوطني وغلب مشاعره الشخصية على المشاعر الوطنية مما أدى إلى اشتباكات عنيفة بين المتظاهرين من جانب وقات الشرطة من جانب آخر في المظاهرات التي اندلعت خاصة يوم 17 يناير 1952 وارتفعت الأصوات تنادي بقطع العلاقات الدبلوماسية مع بريطانيا وكان من سخريات القدر أن قوات الشرطة في منطقة القناة كانت تحارب بجانب الفدائيين ضد القوات البريطانية في حين أن قوات الشرطة في القاهرة كانت تقوم بضرب المتظاهرين الذين ينادون بتطهير البلاد من المؤيدين للوجود العسكري البريطاني في مصر واستمرت الأوضاع في التدهور حتى يم 20 يناير 1952 حتى أطلقت النار ولأول مرة على قوات الشرطة من قبل إحدى المظاهرات الطلابية وطبقا لرواية إحدى الصحف فقد تحولت ساحة إحدى المدارس الثانوية إلى ساحة قتال حقيقية بين الطلاب المتظاهرين وقوات الشرطة راح ضحيتها قتيلان و 12 جريحا وقد هددت الحكمة بإغلاق جميع المدارس التي تحدث فيها مظاهرات ووقف طلابها وقد وجه النحاس نداء إلى الطلبة يصف فيه الوضع بأنه خطير جدا ويحذرهم من المهيجين الذين كانوا يسعون إلى توجيه مشاعرهم الوطنية تجاه الأعمال التخريبية وتم غلق جميع المدارس في القاهرة مع الجامعة لمدة أسبوع.

وتفاقم الوضع أكثر حين عين الملك عبد الفتاح عمرو (السفير المصري في لندن) كمستشار سياسي له فازدادت المشاعر سخطا ضد الملك وأصبح من المألوف سماع الشعارات المعادية للملك في المظاهرات وكان الجو العام متوترا للغاية مع الأخبار التي ترد من منطقة القناة عن نشاط الفدائيين والإجراءات المضادة التي كان يتخذها الإنجليز وجاء الانفجار حين أصدر فؤاد سراج الدين بوصفة وزير للداخلية أمرا لقوات بلوكات النظام الموجودة في الإسماعيلية قرار برفض الإنذار البريطاني بتسليم أنفسهم بأسلحتهم وبلا مقاومة ونتج عن المعركة التي تلت ذلك سقوط خمسين قتيلا وأكثر من مائة جريح وانتقلت الأخبار سريعا إلى القاهرة التي شهدت في اليوم الثاني سلسلة من أعمال العنف والتخريب أطلق عليها فيما بعد بيوم السبت الأسود مما دفع النحاس بوصفه رئيسا للوزراء إلى إذاعة بيان في الإذاعة في الساعة الحادية عشرة مساء هاجم فيه في البداية الفظائع البريطانية في منطقة القناة ثم استطرد إلى وصف أحداث التخريب التي وقعت بالقاهرة في ذلك اليوم على أنها من عمل الخونة الذين استغلوا الموقف من أجل القيام بأعمالهم الإجرامية ونشر التفرقة في صفوف الوطن ثم أعلن عن توليه شخصيا تنفيذ الأحكام العرفية وفي النهاية دعا النحاس إلى السكون والطمأنينة ووعد باتخاذ خطوات عملية من أجل تحقيق الأماني الوطنية وقد قيل أن عدة برقيات قد وصلت إلى القصر تبلغه بوجود قوات بريطانية قد تحركت من منطقة القناة وعلى بعد أربعين ميلا من القاهرة مما دفع القصر إلى إصدار قرار بإقالة النحاس.


ومن اللافت للنظر هنا السرعة التي أنفضت بها الحركة الوطنية المسلحة.

مما يدل على أنها لم تكن قد استكملت أسباب النمو اللازمة والقوة الكافية لتصمد في وجه إعلان الأحكام العرفية وقد يعود ذلك إلى عدة أسباب نوردها في النقاط التالية:

1- قصر المدة الزمنية التي نشطت فيها الحركة فهي نظريا قد بدأت مع إلغاء المعاهدة في 18 أكتوبر عام 1951 وعمليا في أخر نوفمبر بداية ديسمبر حين كانت إجراءات الاستعداد قد اكتملت من جمع التبرعات وتدريب المتطوعون وإعداد القواعد إلخ إلخ ذلك على افتراض أن كل ذلك قد تم بشكل جدي وعلى أسس سليمة وفي مدة زمنية قصيرة جدا فإن كان إعلان الأحكام العرفية كان في 26 يناير 1952 فإن ذلك يعني أن معركة قناة السويس لم تستغرق حتى 3 شهور كاملة وهي مدة زمنية قصيرة للغاية لأي حركة يشتد عودها خاصة إذا كانت حركة مسلحة في مواجهة قوات نظامية كبيرة ومدربة جدا مثل القوات البريطانية.

2- ذلك التناقض الذي وجدت حركة الكفاح المسلح نفسها فيه في علاقتها بالحكومة القائمة وهو نفس التناقض الذي وجدت الحكومة نفسها فيه أيضا مع الحركة فكل طرف كان في حاجة إلى الأخر ولكن كل طرف كان يريد الآخر لحدد معينة مما دفع الطرفين في النهاية إلى الإضرار ببعضهم البعض أكثر من الاستفادة من بعض البعض فالفدائيون كانوا يريدون مساندة الحكومة لهم بلا أي تحفظات وكانت الحكومة تزيد من الفدائيين أن يكونوا مجرد أداة ضغط خاضعة لها خضوعا تماما والنتيجة أن المساعدة التي كانت منتظرة من قبل الحكومة تجاه الفدائيين تحولت إلى اعتقالات ومصادرات وأداة الضغط تحولت إلى أعمال تخريب تحملت الحكومة مسئوليتها وكانت السبب في إقالتها.

3- ثالثا وأخيرا فإن الشعب نفسه القاعدة العريضة التي تنطلق منها أي حركة مسلحة في اتجاه واحد وتركز عليه كان موزعا بين عدة قضايا منها تشتت جهوده في النهاية لغير صالح الفدائيين فالمظاهر تخرج ضد الملك والمعركة الديمقراطية التي حمل لواءها الوفد ضد الملك وأحزاب الأقلية لا تقل أهمية عن المعركة الوطنية التي حمل لواءها الوفد والملك وأحزاب الأقلية وإن كان كل على هواه وبدرجة متفاوتة.

والمعركة الاجتماعية كانت قد بدأت تطفو على السطح بعد الحرب العالمية الثانية لمحاربة ثالوث المرض والفقر والجهل وفوق كل هذا وذاك كان الشعب مشتتا بين قوى سياسية قديمة تقليدية ممثلة في الأحزاب وقوى سياسية حديثة وصاعدة مثل الطليعة الوفدية داخل حزب الوفد أو الإخوان المسلمين أو الحزب الاشتراكي وأخيرا التنظيمات اليسارية خاصة وسط الطلاب والعمال كل ذلك أضعف من درجة التركيز على المعركة الوطنية وبالتالي أضعف الحركة المسلحة فكانت حركة يشوبها الكثير من عناصر القوة أهمها على الإطلاق هو إجماع الشعب عليها والوقوف خلفها.

الفصل الثاني: وزارات القصر والإنجليز

أوضاع القوى السياسية عشية حريق القاهرة

لم يكن حريق القاهرة في 26 يناير 1952 سوى نتاج طبيعي لتردي الأوضاع السياسية في البلاد فالنتائج الحقيقية للحادث إنما كانت تكمن فيما أظهره من تداعي النظام القائم وقتذاك بكل قواه ومؤسساته وتتأكد تلك الحقيقة من استعراض أوضاع القوى السياسية على الساحة وقتذاك وحركتها وطبيعة العلاقات التي ربطت فيما بينها.

فالوفد قد تولى الحكم في يناير سنة 1950 بعد أن ظل مبعدا عنه تحت وطأة القصر ما يربو على خمس سنوات وهذا بدوره قد أفضى إلى تخبطه في السلطة فلقد تنازعه في ذلك أمرا أولهما خطه الوطني وصدارته للحركة الوطنية مما حدا به إلى إلغاء معاهدة 1936 أملا في تصعيد مكانته الجماهيرية والثاني ممالأة القصر أملا في البقاء في السلطة بعد أن ظل مبعدا عنها وهذا بدوره كان يؤثر بالسلب حتما على شعبيته حقيقة أن تلك الخطوة من جانبه قد أثارت سخط الإنجليز عليه ووصلت العلاقة بينهما إلى منعطف حاد كما أنها وضعت القصر في مأزق سياسي فالملك لم يكن بدوره قادرا على الجهر بمعارضته للوفد بصدد إلغاء المعاهدة باعتباره مطلبا قوميا ومن ثم لم يكن أمامه ثمة بديل سوى مسايرته وبدا الملك في ذلك في موقف إذعان الكاره كذلك كان الحال بالنسبة للأحزاب السياسية الأخرى فعلى الرغم من عدائها للوفد إلا أنه لم يكن أمامها أيضا من سبيل سوى تأييد خطوته هذه.

وبحسابات القصر فقد تأثر موقفه من الناحية العملية باعتبارين أساسيين أولهما أن تأييده لإلغاء المعاهدة سوف يسيء إلى علاقته بالجانب البريطاني ثانيهما: أن الوفد سيدعم حكمه برصيد شعبي محسوب في مواجهة القصر مما سوف تنعكس آثاره بالضرورة على الصراع المرتقب بينهما إلا أنه سرعان ما تبددت مخاوف القصر من الحكومة النحاسية على هذا النحو سارت حكومة النحاس بفي علاقتها بالقصر لا تلوي على شيء اعتقادا منها بأن التقارب معه يكفل استقرارها في الحكم.

يبد أن ذلك لم يكن ليغير من سياسة القصر الأصلية نحوها فظل يتربص بها الدوائر كيما يقيلها دون أن يغيب عن تقديراته تدهور علاقتها بالجانب البريطاني.

اتضحت نوايا القصر بالفعل نحو الوزارة فيما كان من قيامه بعرقلة مسيرتها في الحكم والإساءة لها فمن دلائل ذلك ا،ها تقدمت للقصر بمرشحين لشغل مقعدين بمجلس الشيوخ، ورشحت كذلك عبد السلام النحاس شقيق رئيس الوزراء لرئاسة ديوان الموظفين وإزاء تباطؤ القصر في الاستجابة لمطالبها استدعى النحاس رئيس الديوان الملكي بالنيابة في 10 ديسمبر وأبلغه أن تأخير إصدار المراسيم وتأجيل البت في المسائل يعطل سير العمل بالوزارة وهدد بالاستقالة فما كان من القصر إلا أن وافق على تعيين مرشحه بهي الدين بركات وعبد الرحمن رضا مرشح الوزارة ورفض الموافقة على ترشيح شقيق النحاس لرئاسة ديوان الموظفين ومن ذلك أيضا ما كان من تعيين حافظ عفيفي رئيسا للديوان الملكي وبعد الفتاح عمرو مستشارا للشئون الخارجية بالديوان دون الرجوع إلى الوزارة فقرر النحاس الاستقالة إلا أنه ما لبث أن تراجع عنها ومنها أخيرا ما يمكن تبنيه من رغبة القصر في إصدار قانون من أين لك هذا وإصراره على تطبيق القانون بأثر رجعي منذ سنة 1939 وتبدو قيمة هذا الإصرار على ضوء ما كان يتردد وقتذاك من أن بعض الوفديين وأنصارهم قد أثروا ثراء فاحشا من وراء استغلال النفوذ.

أما أحزاب الأقلية السعديون الدستوريون الوطنيون- الكتليون) فيمكن القول بأن ائتلافهم التقليدي قد أصبح بلا قيمة سياسية فتلك الأحزاب كانت قد انتهت من الناحية الواقعية خلال تلك الحقبة، فالجانب الشعبي الذي ظلت تسعى لاجتذابه من الوفد قد فقدته سبيلها الوحيد للوصول إلى السلطة ونعني به القصر ذلك أن كتاب المعارضة الشهير الوحيد للوصول إلى السلطة ونعني به القصر ذلك أن كتابا لمعارضة الشهير للملك في صيف 1950 بما تضمنه من إشارة إلى فساد الحاشية وصورية النظام النيابي فضلا عن التلويح بنذر الفتنة كان من أصرح ما قيل للملك الذي حفظ للمعارضة تلك اليد عندما راحت تنتهج نحوه سياسة معناها التقرب إليه وممالأته والدلائل على ذلك كثيرة فمنها ما كان من إذعانها لمطالب الملك وحاشيته بالتدخل في أسعار القطن وتعديل لائحة البورصة لصالح مجموعة من التجار بل وتعدي الأمر إلى التستر على مفاسد الملك، فأصدرت في 10 أغسطس 1950 تشريعا يقضي بتنظيم أخبار القصر، صودرت بمقتضاه صحيفتا الأهرام والمصري لنشرهما أخبارا عن رحلات الملك للخارج دون أذن من وزير الداخلية ومن تلك الدلائل أيضا ما كان من تصدري الحكومة للدفاع عن الملك وحاشيته في قضية الأسلحة الفاسدة رغم أن وقائعها د جرت في عهد حكومات سابقة، إلا أن الحكومة النحاسية ما فتئت أن استصدرت مراسيم ثلاثة في 17 يونيو سنة 1950 كي تقنص ممن كانوا وراء تفجير الأزمة فأسقطت عضويتهم من مجلس الشيوخ وكان من بينهم محمد حسين هيكل رئيس المجلس وكان من الواضح كما يعترف وكيل الديوان الملكي أن الأمر قد جرى بترتيب بين القصر والوزارة السيئة.

ومن جانب آخر ساءت علاقة الحكومة الوفدية بالجانب البريطاني بسبب تشجيعها لحركة الكفاح المسلح في منطقة القناة، وبدأ السفير البريطاني مقتنعا بأنها تسعى لتدعيم وقفها بتشجيع الأعمال الفدائية بمنطقة القناة والتستر عليها ويبدي في نفس الوقت تشككه في أماكن الوزارة السيطرة عليه إذا ما طلب منه ذلك فضلا عن أن المقاطعة التي دعت إليها الحكومة قد أسفرت عن ترك نحو ثمانين ألفا من العمال المصريين لوظائفهم بالمعسكرات البريطانية فأصيبت بالشلل التام، مما أسهم أيضا في تزايد علاقتها سواء بالجانب البريطاني.

وعلى الرغم من أنه لا يوجد ثمة ما يؤيد الافتراض بوجود اتفاق ضمني بين القصر والإنجليز على إنهاء الوجود الوفدي في الحكم إلا أنه من الواضح أن إقصاء الوفد عن الحكم كان يمثل نقطة التقاء بين سياسة القصر والإنجليز.

بدأ الجانب البريطاني يسعى لحسم الموقف مع الوزارة النحاسية فمن خلال وساطة نوري السعيد و[[نجيب الراوي]] أوحى الإنجليز للحكومة برغبتهم في الجلاء بغية تهدئة الموقف والواقع أن الأمر لم يكن سوى خديعة كبرى انطلت على الحكومة الوفدية إذ فاجأها الإنجليز في 25 يناير سنة 1952 بمذبحة الإسماعيلية وفق خطة مرسومة استهدفت القضاء على حركة الفدائيين في منطقة القناة في تلك الظروف المضطربة اخترقت القاهرة في 26 يناير والحقيقة أن النتائج السياسية للحادث قد فاقت نتائجه المادية وكان القصر أكثر الأطراف غنما لا غرما فهو من جهة أنتهز تلك السانحة فبادر إلى إقصاء الوزارة النحاسية في 27 يناير 1952 ومن جهة أخرى تخلص من أحمد حسين وحزبه الاشتراكي من خلال محاولة إلصاق مسئولية الحادث بهما وغدا للقصر القدح المعلي عمليا في الحكم وكان عليه بعد ذلك أن يسارع إلى السيطرة على مقاليد السلطة في البلاد وسط مظاهر الفوضى والاضطرابات السائدة في البلاد أما عن البديل المناسب للحكم الوفدي فكانت وزارة يتعين أن تحظى برضاء القصر والإنجليز على السواء يكون عقد درها استعادة خاصة بعد أن ساءت علاقتها بالقصر على نحو ما مر بنا.

القصر ومحاولة استعادة السيطرة على مقاليد السلطة

إثر إقالة الوزارة النحاسية جرت في القصر مشاورات شارك فيها الملك رجال الديوان ومعهم إلياس أندراوس – للمستشار الاقتصادي للملك وكانت النية متجهة إلى اختيار [[نجيب الهلالي]] لتشكيل الوزارة إلا أنه أدرك بذكائه على حد تعبير وكيل الديوان الملكي أن اشتراك أندراوس مع حافظ عفيفي رئيس الديوان في مقابلته يدل على أن الأمور لا تسير في طريق قويم مما حدا به إلى الاعتذار عن الوزارة إلا أن الهلالي أشار على حافظ عفيفي بترشح علي ماهر لكي يشكل الوزارة الجديدة.

والواقع أن اختيار علي ماهر لرئاسة الوزارة الجديدة قد أثار ملاحظات عدة يتعين الإشارة إليها منها أولا: أن صلاته بالملك وأن كان قد أصابها الجفاء إلا أن جهود بعض رجال القصر المخلصين لعلي ماهر قد نجحوا في تأليف قلب الملك له، كما استطاعوا في الأسابيع الأخيرة للوزارة النحاسية أن يمهدوا الطريق لعلي ماهر باعتباره أصلح رجل لإنقاذ الموقف

ثانيا: أن اختيار علي ماهر كان يلقى قبولا من الوفد على نحو بات من المتوقع معه أن تنحسر موجة الهجوم الوفدي على القصر وعلى علي ماهر ذاته ولقد تأكدت تلك الحقيقة من الجانبين فمن ناحية ذهب قادة الوفد إلى الوزراء الجدد مهنئين كما ذهبوا إلى القصر الملكي وسجلوا أسماءهم في سجل التشريفات معلنين الولاء وفي المقابل عمد علي ماهر إلى ممالأة الوفد والتأكيد على أن سياسته في الوزارة سوف تكون استمرارا لسياسة سلفه مصطفى النحاس ومن ذلك أخيرا أن حافظ عفيفي عندما أبلغ السفير البريطاني بشكل سري قرار الملك بتغيير الوزارة وجرى التلميح له بعلي ماهر لم يبد اعتراضا عليه حقيقة أنه طلب مقابلة الملك قبل تشكيل الوزارة إلا أن رئيس الديوان طلب إرجاء الزيارة إلى ما بعد تشكيل الوزارة وباختصار فإن اختيار علي ماهر قد لقي قبولا من كافة القوى السياسية باعتباره السياسي الوحيد الذي تمكن من الاحتفاظ بعلاقة طيبة بهذه القوى.

ولقد تصور علي ماهر أن بمقدوره ترويض الملك وحاشيته معتمدا في ذلك على تاريخه في خدمة القصر وصلاته القديمة به في الوقت الذي تصور فيه الملك أن وجود علي ماهر في الحكم بمثابة امتداد لسلطته ونفوذه وكان من الطبيعي أن يؤدي ذلك التعارض إلى وقوع سلسلة من الأزمات بين الطرفين بدت أولاها عندما طلب إلياس أندراوس من علي ماهر تعيين كريم ثابت وزيرا في وزارته تلبية لرغبة الملك الأمر الذي رفضه علي ماهر وعلى الرغم من ذلك فقد تمكن القصر من أن يفرض عليه وزيرين هما مرتضى المراغي وزكي عبد المتعال تلا ذلك أن طلب القصر من علي ماهر تعيين كامل القاويش في وظيفة النائب العام بدلا من عبد الرحيم غنيم، وكان اسم القاويش قد برز في تحقيقات مقتل أمين عثمان، فضلا عن توثق صلاته بمحمد حسن شماشرجي الملك وانتهت الأزمة بتعيينه وكيلا لوزارة الداخلية وبصدد التعيينات أيضا طلب القصر تعيين محمد طلعت حكمدار للعاصمة، مما رآه علي ماهر استفزاز لمشاعر الإخوان المسلمين الذين كان يحرص على تهدئة خواطرهم وكسب ثقتهم فقام بترشيح أحمد عبد الهادي للمنصب إلا أنه ما لبث أن تراجع أمام ضغوط القصر فوافق على تعيين مرشحه ولا ريب في أن مسلك علي ماهر في مسألة التعيينات لم يمكن ليبعث على رضاء القصر عنه فالملك كان يشكو من عدم استجابة الحكومة لوجهات نظر القصر خاصة بصد التعيينات.

على الجانب الآخر اتبع علي ماهر نحو الوفد سياسة مبناها الوفاق والتفاهم أملا في أن يحظى بتأييده أو يتجنب معارضته في البرلمان على أقل تقدير خاصة وأن وزارته قد ضمن وراء غير حزبين الأمر الذي كان يضعف موقفها في مواجهة أي أزمات يكون البرلمان الوفدي مصدرها وبدت أول مظاهر التفاهم بين الوفد وعلي ماهر أثر ما اقترحه الأخير من تشكيل جبهة وطنية تتحمل مسئولية البدء في التفاوض مباشرة، فبادر الوفد إلى ترشيح صلاح الدين وإبراهيم فرج لتمثيله في الجبهة في الوقت الذي رفضت فيه أحزاب الأقلية المشاركة فيها وفي المقابل تمسك علي ماهر بالإبقاء على البرلمان الوفدي إمعانا في إظهار ثقته بالوفد.

والواقع أن تلك السياسة من جانب علي ماهر قد أثارت سخط القصر عليه فالملك كان راغبا في رئيس للوزراء يمتلك القدرة والشجاعة لتحطيم الوفد وعلى الرغم من الصعوبات التي واجهها علي ماهر فقد بذل العديد من الجهود الإصلاحية في مجال الضغط والشروع في إزالة آثار حريق القاهرة إصلاح ما جرى تدميره من منشآت فضلا عن استعادة الأمن والنظام في البلاد مما استلزم إجراء تعديل في الوزارة جرى بمقتضاه تدعيمها بأربعة وزراء جدد لمقابلة مطالب الإصلاح في البلاد.

لم يتغافل علي ماهر بصدد جهوده الإصلاحية عن تبني القضية الوطنية فمن جهته اجتمع بالسفير البريطاني يوم 12 فبراير وفاتحه في إيجاد حل لها واجتمع به مرة أخرى وسلمه برنامجا للمفاوضات فما كان جواب السفير البريطاني سوى مذكرة رسمية طالب فيها بسؤال وزيري الداخلية والشئون الاجتماعية في وزارة الوفد عن حوادث 6 يناير إلا أن علي ماهر لم يعبأ بالمذكرة أو الغرض من ورائها وصمم على الدخول في المفاوضات وتحدد أول مارس توقيتا لها ولقد كان علي ماهر صادقا بالفعل في نواياه بصدد المطالبة بالجلاء في بيانه إلى الشعب يوم 25 فبراير من أنه لا يفاوض الإنجليز في مبدأ الجلاء ولكنه يفاوض في تنفيذ الجلاء وتحقيق الوحدة وكان جادا فيما وعد به من أنه سيضع النتائج بين يدي الأمة وإذا فشل فسوف يمضي متعاونا في كفاح يشترك فيه كل مواطن ولعل اتجاهه لتشكيل جبهة وطنية للتفاوض مما ينهض دليلا على نواياه فضلا عن ذلك فقد وعد السفير البريطاني من أنه سوف يتخذ الإجراءات اللازمة لإنهاء حركة الكفاح المسلح في منطقة القناة بغية تهيئة المناخ المناسب للتفاوض.

على كل حال سارت خطة القصر لإقصاء الوزارة الماهرية في اتجاهين أولهما يهدف إلى اختيار البديل المناسب للوزارة الماهرية، أما الاتجاه الثاني فكان يتصل بخلق الظروف المناسبة التي تهيئ السبل لإقصائها عن الحكم.

وفيما يتعلق بالاتجاه الأول فقد كان من الجلي أن قرار تغيير الوزارة على نحو ما تشير إليه الوثائق البريطانية قد جرى اتخاذه بالفعل قبل أن يقدم علي ماهر استقالته فلقد أرسل الملك إلى حافظ عفيفي وإلياس أندراوس ليعرضا على الهلالي تشكيل الوزارة الجديدة إلا أنه أرجأ قراره لحين معرفة أي الوفد إلا أن الهلالي تراجع عن موقفه السابق ووافق على تشكيل الوزارة وفكر في ضم رؤساء الأحزاب إلى وزارته اقتناعا منه بأن تلك الخطوة سوف تجنبه معارضتهم أما عن الاتجاه الثاني فلقد اختار القصر من العلاقة بين علي ماهر والوفد مجالا له على أن يسبق ذلك التمهيد بأحداث انقسام داخل الوزارة يصعب رأبه وبدأ القصر راغبا في التعرف على اتجاهات السياسة البريطانية فقال إلياس أندراوس السفير البريطاني وأبلغه بأن الملك طلب من حافظ عفيفي الاستعداد للبدء في تغيير الوزارة بدعوة فشلها في مجال الإصلاح الداخلي، أما الوسيلة فتكون بالإيعاز لأربعة أو خمسة وزراء بالاستقالة وهم وزراء المالية والداخلية والتجارة والصحة والعدل وهم في جملتهم ليسوا على وفاق مع علي ماهر ولن يكون من الصعب الترتيب لاستقالتهم وإذا حاول علي ماهر تعيين بدل منهم عندئذ لن يوافق الملك ويطلب منه استقالة الوزارة كلها.

ولعل تحليل الموقف البريطاني من الوزارة يوضح بجلاء أنه لم يكن أقل من القصر طلبا لإقصائها عن الحكم إذ رأى في توثق صلاتها مع الوفد ما كان يمثل تحديا مباشرا للسياسة البريطانية التي استهدفت الانتقام من الحزب الذي ألغى المعاهدة ووقعت في وجه كافة الاتجاهات المؤيدة للوفد ثم أن تسويف الجانب البريطاني في الاستجابة لرغبات علي ماهر بصدد المفاوضات كان راجعا إلى تقديره لحجم علي ماهر الحقيقي فإذا كان قد نجح في السابق لتهيئة المناخ المناسب لإبرام معاهدة 1936 فإن علي ماهر من وجهة النظر البريطانية لم يكن الرجل المناسب حتى لمجرد التفاوض معه عام 1952 خاصة وأن طموحه السياسي قد تجاوز مبدأ المفاوضة حول الجلاء إلى التفاوض حول تنفيذه مما كن يتعارض تماما مع اتجاهات السياسة البريطانية.

بدأت الأحداث تتوالى سراعا في أول مارس ففي التاسعة والنصف صباحا تلقى علي ماهر من السفير البريطاني كتابا اعتذر فيه عن مقابلته لإصابته بوعكة صحية وبطبيعة الحال لم يكن موقف السفير البريطاني منبت الصلة بنوايا القصر نحو الوزارة على نحو ما مر بنا وفي الساعة العاشرة والنصف اجتمع مجلس الوزراء فجأة عقب زيارة ري الديوان لعلي ماهر وفي اجتماع مجلس الوزراء دارت مناقشات حادة حول مرسوم تأجيل البرلمان، وكان الملك قد وقعه بدون تاريخ ولم يرد علي ماهر مقتضى لتنفيذ المرسوم لأنه قد استصدره لمناسبة معارضة بعض النواب الوفديين في اعتماد الخمسة ملايين جنيه التي قررتها الوزارة لمساعدة المحلات التي نكبت في حريق القاهرة فلما انتهت المعارضة بإقرار الاعتماد ورأى العدول علن تنفيذ مرسوم التأجيل ووضع بيانا بهذا المعنى للنشر في الصحف فاعترض زكي عبد المتعال وزير المالية وأحمد مرتضى المراغي وزير الداخلية على هذا العدول ووصفاه بأنه لا يتفق وكرامة المجلس وقدما استقالتيهما من الوزارة بعد أن قامت الصحف بنشر مرسوم التأجيل في صباح نفس اليوم مما حدا بعلي ماهر إلى التوجه للقصر وتقديم استقالته حيث قبلت على الفور.

ونجاح القصر في إقصاء وزارة علي ماهر على هذا النحو يثير دلالات عدة ينبغي الإشارة إليها فمنها أولا بروز دور حاشية القصر من عناصر الموظفين غير المسئولين على حد تعبير وكيل الديوان الملكي مما تمثل في المشاركة بالمفاوضات التي جرت قبل تشكيل الوزارة الماهرية فضلا عن سعي هذه العناصر للمشاركة في سلطة القرار تحت ستار الرغبات الملكية من خلال محاولة إشراك كريم ثابت في الوزارة ثانيا: ظهرت المفارقة كبيرة بين اتجاهات القصر وعلي ماهر فالملك قد تصور أن علي ماهر سوف يكون أكثر طواعية لرغبات القصر واتجاهاته في الحكم في الوقت الذي اعتقد فيه علي ماهر أن بإمكانه التصدي لرغبات القصر ومواجهتها دون إغفال تحسين علاقته بكافة قوى التأثير السياسي على نحو يمهد سبيله للحكم: ثالثا: إدراك الجانب البريطاني لطبيعة الوزارة الماهرية المؤقتة فضلا عن نوايا القصر نحوها مما جعل يغل يده عن التفاوض معها وعلى الإجمال فقد تخلت الوزارة الماهرية عن الحكم بعد أن أظهرت مسيرتها تعارضا مع اتجاهات القصر والإنجليز.

محاولات الإصلاح الداخلي بين القصر والإنجليز

رأينا كيف أعد القصر العدة بالفعل قبيل استقالة وزارة علي ماهر في أول مارس سنة 1952 إذ تشكلت وزارة الهلال على الفور وكان المقرر أنها سوف تكون أفضل حالا من سابقتها بعد أن استقرت أوال البلاد المضطربة إلى حد ما وكان المقرر أيضا أن التطهير الذي اتخذت منه الوزارة هدفا سياسيا سوف يكسبها ثقة البلاد وتأييدها باعتباره المدخل الرئيسي للحكم الصالح وكان على الوزارة أن تشيع الثقة في نواياها لمحاربة الفساد على نحو كان يتعين معه أن تبدأ أولى خطواتها في هذبا المجال من القصر الملكي ذاته لكي تكسب ثقة الرأي العام في نواياها على الجانب الآخر فهي وأن حاولت البدء بالقصر كان عليها أن تتحسب النتائج مقدما خاصة وأنها بذلك تنال من نظام جاءت أصلا لتعضده.

وكان من المتوقع أن يصحب تعيين الهلالي طرد رجال الحاشية أو بعض منهم واستعبادا لشبهة تبعيتها للقصر كان لابد أيضا أن تضم وزراء من الشخصيات المستقلة التي لم تشتهر بالنزاهة والاستقامة فقط ولكن عرفت عنها مواقف سياسية شجاعة ضد الفساد مثل محمود محمد محمود رئيس ديوان المحاسبة السابق الذي كشف عن موضوع الأسلحة الفاسدة ومخالفات مستشفى المواساة مما أدى في النهاية إلى اصطدامه بالملك واستقالته ومصطفى مرعي الذي فجر الموضوع باستجوابه الشهير في مجلس الشيوخ وفقد مقعده بالمجلس بسببه وكان على الوزارة بعد ذلك أن تستند إلى قوة تتمكن بها من أن تضغط على الملك ورجاله ودخول أحد ممن وجهوا الاتهام إلى الملك يعني الاعتراف بصحة الاتهام ويكشف ضعفه وطالما أن الغرض من الوزارة كان بقصد ضرب الوفد أساس فلن يكون لها حينئذ ركيزة إلا الملك ذاته مما يعن أن تبعيتها له سوف تكون مطلقة.

ولعل استعراض طبيعة وظروف تشكيل الوزارة يوضح حدود التأثير المتبادل بينها وبين القصر فجميع أعضائها لم يكونوا من رجال السياسة وليس لهم طابع سياسي وكان من بين أعضائها زكي عبد المتعال وأحمد مرتضى المراغي ومحمود غزالي أما الأول والثاني فكانا وزيران في وزارة علي ماهر الثالثة وجاء تعيينهما في الوزارة الجديدة مكافأة لهما على معارضة علي ماهر ودورهما في أحداث الانقسام داخل وزارته أما محمود غزالي فقد كان وطيد الصلة بالإنجليز فضلا عن القصر وكان بطلا لإحدى أزماته مع الحكومة النحاسية السادسة ومن ثم فإن تشكيل الوزارة لم يكن بمنأى عن تدخل القصر ورغم اتجاه الوزارة للتطهير فضلا عن طابعها الإصلاحي إلا أنها كانت في التحليل الأخير وزارة قصر

كان من الطبيعي والأمر هكذا أن تستهدف الوزارة الوفد أساسا بحركة التطهير وبالفعل ألغت عدة لجان قضائية كانت مهمتها التحقيق في الوقائع التي تبلغ عنها وتنطوي على تصرفات تمس نزاهة الحكم واستهدفت كشف سوءات الحكم الوفدي ونشر الهلال عددا من التقارير الخاصة بذلك كما راح يكشف العديد من الفضائح المالية لجرم النحاس ثم قام بتفويض وزير المالية في إلغاء كافة المعاشات الاستثنائية التي كانت قد تقررت للمدنيين دن وجه حق في عهد حكومة الوفد ولقد أوغلت الوزارة في هذا الاتجاه إلى حد اعتقال فؤاد سراج الدين سكرتير عام الوفد وعبد الفتاح حسن وزير الأشغال السابق.

وإذا كانت تلك الإجراءات قد عضدت مكانة وزارة الهلالي لدى القصر إلا أنها استثارت الوفديين الذين تفرغوا لرد تلك الهجمات فنشروا في 15 أبريل نداء للشعب يطالبه بالا تشغله عمليات التطهير عن مطالبه قاصدا بذلك تحويل الأنظار عنها ووصف محاولات الهلالي للتطهير بأنها غير مشروعة وتتم بإيعاز من الجانب البريطاني وفي الحقيقة كانت تلك السياسة تلقى تأييد السفارة البريطانية باعتبارها مقدمة لسلسلة من الإصلاحات السياسية والاجتماعية نظرا لما سوف يترتب عليها نم استقرار الأوضاع الداخلية في البلاد بعد أن عانت السياسة البريطانية من اضطرابها ثم أن التطهير في الجانب الآخر منه كان خليقا بإضعاف الوفد وشعبيته بشكل أو بآخر مما كان يتسق مع الاتجاهات البريطانية.

على كل حال فقد حاولت الحكومة أن تتخذ من البرلمان مجالا آخر لتقليم أظافر الوفد فاستصدرت الوزارة مرسوما بتأجيل البرلمان لمدة شهر ينتهي في 2 أبريل سنة 1952 وقبيل انتهاء المدة استصدرت قرار بحل مجلس النواب في 24 مارس والدعوة للانتخابات في 18 مايو كما تقرر فتح أبواب الترشيح من 25 مارس لمدة عشرة أيام ثم مد أجلها لمدة أخرى مماثلة وبدأ التذبذب واضحا في موقف الوزارة فيصرح أنصارها بأنها تؤلف حزبا جديدا تدخل به الانتخابات يجمع الأخبار من الأحزاب السياسية ثم لا تلبث الوزارة أن تكذب الخبر وأعلنت أن الهلالي يرشح نفسه وتارة تعلن أنها ستتناول قانون الانتخاب بالتعديل ثم تعلن العدول عن قرارها هذا الاضطراب والتردد كان يعكس بطبيعة الحال ضعف الوزارة فأراد الوفد إحراجها فبادر إلى إعلان قوائم مرشحيه في كافة الدوائر في الوقت الذي تراجع فيه أنصار الوزارة عن إعلان أسماء مرشحيهم بسبب تخاذل الوزارة التي راحت تؤجل الانتخابات لأجل غير مسمى، مما زاد مركزها ضعفا على ضعف.

استمرت الوزارة في حركة التطهير فأعيد فتح ملفات قضية الأسلحة الفاسدة مما كان يعني أن صداما سوف يحدث مع القصر باعتبار أن خيوط الاتهام كلها كانت تنتهي فيه فلقد تصور الهلالي أنه سوف ينجح بالتحالف مع جماعة المسئولين بالديوان وعلى ر أسهم حافظ عفيفي في انتزاع الملك من المحيطين من الموظفين غير المسئولين بالقصر ويحقق هدفه في التطهير إلا أن التيار المعارض للهلالي من القصر كان قويا فلقد تحركت مجموعة كريم ثابت وأندراوس في وجه محاولات الهلالي وأوحت للملك بأن حركة التطهير قد تمتد إليه نفسه ورفع كريم ثابت مذكرة إليه يقترح فيها إقالة الوزارة بزعم أن ذلك يتفق مع مصلحة الملك على أن يكلف مرتضى المراغي بتشكيل الوزارة أو يكلف حسين سري بتشكيل وزارة محايدة لإجراء الانتخابات ولقد وافق الملك بالفعل على مبدأ تغيير الوزارة إلا أنه أرجأ التنفيذ إلى 15 أكتوبر سنة 1952.

ومن جانب آخر قرر وزير الخارجية المصري للسفير الأمريكي أن الملك يخضع لضغوط من الوفديين الذين سعوا لتوثيق علاقتهم بالقصر لإقصاء الوزارة القائمة بعد أن ظهر أن العديد من الإجراءات القضائية سوف تتخذ ضدهم وأنه من المتوقع أن يقوم الملك بإقصاء الوزارة كان من الطبيعي أن يثير احتمالات التغيير مخاوف السفارة البريطانية ولدى مفاتحة القائم بأعمال السفير البريطاني لحافظ عفيفي فيما تردد، راح يهدئ من خواطره وأخبره بأن الأمر لا يخرج عن كونه مجرد تآمر من الوفديين مع السفير الأمريكي للإيحاء بقرب عودتهم للحكم وطلب منه ألا يلقى بالا لتلك المكائد ذلك أن تغيير الحكومة الحالية لن يكون في صالح بريطانيا أو أمريكا أو حتى مصر ذاتها.

وعلى الرغم من هذا الموقف البريطاني المؤيد لبقاء الهلالي إلا أن الإنجليز على الجانب البريطاني غلو أيديهم عن التفاهم معهم على قضيتي الجلاء والوحدة مع السودان فكان من خطة الهلالي أن يحاول كسب اعتراف الدول الأجنبية بلقب ملك مصر والسودان وكان يسعى لأجراء مباحثات مع وفد سوداني تابع للسيد عبد الرحمن المهدي زعيم الأنصار وحزب الأمة هناك بغرض الوصول إلى حل لمشكلة السودان يسهل عليه مهمته في الاتفاق مع الإنجليز حول مسألة السودان وحدها إلا أن الإنجليز عليه بيان الجلاء الذي كان يطلبه الهلالي كما فشلت مباحثاته مع الوفد السوداني بسبب تدخلا لملك المستمر فيها.

من ناحية أخرى كانت وزارة الهلالي محورا للصراع بين جناحي القصر، فجناح حافظ عفيفي كان مؤيدا لفكرة استمرار الوزارة في الحكم واتجاهاتها نحو التطهير، أما جناح كريم ثابت وأندراوس فقد كان بادي التأثير على الملك مما ظهر أثره واضحا في ذمع الوزارة للاستقالة في 28 يونيو وبدأ حافظ عفيفي أيضا راغبا في الاستقالة من منصبه كرئيس للديوان تضامنا مع الوزارة.

ويمكن القول بأن تبني الهلالي لفكرة التطهير كان مدخلا ضروريا وهاما للحكم، باعتبارها ذات طابع سياسي اجتماعي مما كان من شأنه أن يكسبه تأييدا عريضا في البلاد في وقت لم يكن له ثمة ظهير سياسي سوى القصر وكان الظن أن الوزارة سوف يكون بمقدورها السير قدما في طريق التطهير وبدا القصر بالفعل مؤيدا لها في أولى خطواتها لما كان سيترتب على ذلك من النيل من سمعة الحكم الوفدي وإظهار مثالية فضلا عن تأييد الجانب البريطاني أيضا.

وواقع الحال أن الهلالي قد أخطأ بتصوره بجدوى معركة التطهير في غيبة التأييد الشعبي فكان خليقا به أن يهيئ للبلاد لدعوته لكي يكسب تأييدها بدلا من أن يخوض الصراع ضد الوفد مستهدفا إياه في وقت كان القصر ذاته أشد حاجة للتطهير باعتباره معقلا أساسيا للفساد ولا يريب في أن تأييد البلاد للهلالي كان من الممكن أن يكون ظهيرا لحركته حتى ولو كان ضد القصر ذاته وثمة خطأ آخر تردى فيه الهلالي فيما كان من قيامه بمحاولة التصدي للقضية الوطنية بشقيها الجلاء والسودان فضلا عن اتجاهه نحو الإصلاح الاجتماعي وكان حريا به أن يركز جهوده في الاتجاه الأخير لأن أي قدر من النجاح فيه كان خليقا بتعزيز موقفه في مواجهة الإنجليز بصدد التفاوض معهم فكانت المحصلة أن باءت بالفشل أولى محاولات الإصلاح بين اتجاهات القصر والسياسة البريطانية.

الصراع الداخلي في القصر وأثره على وزارة سري

عكست استقالة وزارة الهلالي الأولى في جانب منها صورة للصراع القائم بين جناحي القصر ولقد تمخضت عنها دلالة هامة على انتصار كريم ثابت وزملائه وأكدت على خضوع الملك لتأثيرهم بشكل مطلق وكان من الطبيعي أن تعمد تلك المجموعة إلى استغلال النجاح الذي حققته بإقصاء الهلالي عن الحكم وذلك من خلال الضغط على الملك بصدد اختياره رئيسا للوزراء يكون أكثر قدرة على التفاهم معهم عن الهلالي في الوقت نفسه كان حافظ عفيفي يتحرك بتأييد من السفارة البريطانية، وهو بدوره لم يكن ليستسلم بسهولة في مواجهة كريم ثابت وجماعته.

وإذا كانت المشاورات التي دارت داخل القصر بصدد اختيار الهلالي قد سجلت تدخلا من جانب جناح كريم ثابت وأندراوس فإن تلك التي جرت قبيل اختيار سري قد أكدت على رغبة هذه العناصر في الانفراد باختيار رئيس الوزارة القادم مما كان ينذر بعودة الصراع من جديد بين جناحي القصر فبينما كان حافظ عفيفي رئيس الديوان يجري اتصالاته بموافقة الملك مع بهي الدين بركات لتشكيل الوزارة حيث وافق بالفعل وبدا في اختيار أعضائها كان كريم ثابت وإلياس أندراوس يجريان اتصالاتهما بموافقة الملك أيضا بحسين سري لنفس الغرض ويتنبأ السفير البريطاني بأن فرصة بركات لتشكيل الوزارة تبدو ضعيفة وأن الملك يبدو غير راغب في غض الطرف عن نصيحة أندراوس وجماعته.

وبالفعل بدت الغلبة لاتجاه كريم ثابت وأندراوس إذ عهد الملك إلى سري بتشكيل وزارته الخامسة في 2 يوليو وذلك رغما عن محاولات حافظ عفيفي لإقناع فاروق بأن يعهد إلى بركات بتشكيل الوزارة بغرض إزالة الأثر السيئ الناجم عن إقصاء الهلالي عن الحكم والحقيقة أن اختيار أي من سري أو بركات لرئاسة الوزارة كان يثير مخاوف الجانب البريطاني بما وقر في اعتقاده من أن ذلك يعني التمهيد لعودة الحكم الوفدي ومن ثم فقد أرسلت الخارجية البريطانية تستطلع رأي سفيرها في مصر في أمر مفاتحة سري وبركات وبذل النصح لهما بعدم الموافقة على قبول تشكيل الوزارة الجديدة.

وفي تقديرنا أن تلك المخاوف البريطانية لم يكن لها ما يبررها خاصة وأن الملك لم يكن ليقبل بحال عودة الوفد إلى الحكم بأي صورة ثم أن حكومة سري ذاتها قد أظهرت جهدا واضحا مما تشير إليه الوثائق البريطانية ذاتها في الحد من تصاعد الاتجاهات المؤيدة للوفد بل ومقاومتها ورغم ذلك فقد ظلت المخاوف البريطانية قائمة فراح القائم بأعمال السفير البريطاني ينقل للملك من خلال إلياس أندراوس وجهة نظر حكومته من أن العلاقات الطيبة مع مصر لا يمكن أن تظل على حالها في ظل احتمالات عودة الوفد إلى الحكم وفي محاولة للسيطرة على أزمة الموقف داخل القصر وكبح جماح فريق كريم ثابت وأندراوس قابل القائم بأعمال السفير البريطاني حافظ عفيفي ألا يتراجع بحال عن تأثيره ونفوذه في القصر إزاء التطورات ونصحه بأن بقاءه في منصبه سوف يمكنه من إصلاح ما ألحقه الملك من فساد بمكانته أو ببلاده.

لم تقتصر جهود إلياس أندراوس وفريقه على حد التأثير على الملك في اختيار سري بل امتدت إلى بنية الوزارة ذاتها مما ظهر واضحا في اختيار كريم ثابت وزيرا للدولة مما اعتبره الرافعي من علامات انحدار المنصب الوزاري وبعبارة أخرى فقد أظهر تشكيل وزارة سري الخامسة، أن ها الفريق من حاشية الملك قد تعدى دوره أعمال الوساطة والتدخل في شئون الحكم إلى مرحلة المشاركة في صنع القرار وهذا بدوره ما كان يعكس حالة التدهور التي تردت فيها سياسة القصر فواضح أنها بكل المقاييس سياسة قصيرة النظر خاطئة بكل مسلماتها بعد أن أضحت مقاليدها عملا في أيدي عناصر من الحاشية افتقدت لأي قدر من المهارة السياسية أو المسؤولية وكانت مصالحها الشخصية هي محركها الأول.

كان الظن أن وزارة سري بطابعها الملكي سوف تكون أداة لتكريس حكم القصر إلا أنه بأن واضحا أن ذلك لن يتأتي من جانبها أو من جانب أية وزارة أخرى تلي الحكم وتتفاهم مع القصر بأي درجة أو تدين بالولاء له والتبعية في ظل وجود خطر حقيقي متزايد على نحو أصبح معه لا يهدد القصر فحسب بل والنظام القائم بكل قواه ومؤسساته وهو ما كن يتمثل في نشاط تنظيم الضباط الأحرار .

جاءت وزارة سري إلى الحكم في وقت تحرجت فيه علاقة التنظيم بالقصر إلى حد بعيد فرغم الطبيعة السرية لنشاط التنظيم إلا أن انتخابات نادي الضباط كانت ذات دلالة واضحة المغزى للصراع الخفي الذي دار بين التنظيم من جانب والقصر من جانب آخر فعندا تقرر إجراء الانتخابات بدت مساعي القصر لفرض صنيعته اللواء حسين سري عامر قائد سلاح الحدود مرشحا لرئاسة النادي في مواجهة اللواء محمد نجيب مرشح تنظيم الضباط الأحرار وحاول القصر تأجيل انعقاد الجمعية العمومية للنادي غير مرة حتى يوفر لخطته أسباب النجاح إذا اعترضت الجمعية العمومية على حسين سري عامر باعتباره من سلاح الحدود وهو سلاح غير مستقل لأنه يضم ضباطا منتدبين من كافة الأسلحة وبالفعل أجريت الانتخابات في 31 ديسمبر سنة 1951 حيث عمل أعضاء تنظيم الضباط الأحرار بمهارة وجد لإنجاح مرشحيهم رغم محاولات العناصر المؤيدة للقصر لتعديل لائحة النادي بغرض الزج بالعناصر الموالية للملك، إلا أن الأمر انتهى إلى تقرير إبعاد ممثلي سلاح الحدود عن التمثيل بمجلس الإدارة وأسفرت الانتخابات عن فوز محمد نجيب برئاسة مجلس الإدارة وخمسة من تنظيم الضباط الأحرار بعضوية المجلس.

وعلى الرغم من أن النتيجة جاءت في صالح تنظيم الضباط الأحرار إلا أنهم عمدوا إلى إرهاب القصر وصنائعه فجرت في يوم 7 يناير بعد ظهور نتيجة الانتخابات محاولة لاغتيال حسين سري عامر قام بها أربعة من أعضاء التنظيم هم جمال عبد الناصر وحسن إبراهيم وكمال رفعت وحسن التهامي .

بهذا المفاد جاءت نتيجة انتخابات مجلس إدارة نادي الضباط بمثابة أول اختيار قوة حقيقي لتنظيم الأحرار في مواجهة القصر ولم تكن محاولة اغتيال حسين سري عامر سوى محاولة أخرى من انب التنظيم لإشعار الملك بشكل غير مباشر بقوتهم الحقيقية أما القصر بطبيعة الحال فلم يستسلم في مواجهة الضباط الأحرار، فراح يحاول حسم الموقف الذي فجرته انتخابات نادي الضباط لصالحه فاستدعى الفريق حيدر اللواء محمد نجيب والقائم مقام إرشاد مهنا وأبلغهما رغبة الملك في ضم حسين سري عامر لمجلس إدارة نادي الضباط إلا أن نجيب أقنعه بعدم إمكان ذلك فما كان من الملك إلا أن أصدر في 15 يوليه سنة 1952 أمرا بحل مجلس إدارة النادي وتعيين مجلس إدارة مؤقت برئاسة اللواء [[على نجيب]] قائد قسم القاهرة وشقيق محمد نجيب وسحب الاعتمادات المخصصة لمبنى النادي الجديد وبعبارة أخرى فقد ألقى الملك القفاز في وجه محمد نجيب ومن وراءه من الضباط الأحرار .

وفي نفس الوقت صدرت حركت تنقلات ضخمة في الجيش وشعر التنظيم أن الغرض منها هو تشتيت شمل الضباط الأحرار وإحداث الارتباك بين صفوفهم ومن جانب آخر شدد القصر حصاره على محمد نجيب من خلال التركيز على رصد نشاطه وتحركاته واتصالاته باعتباره الواجهة المعلنة للتنظيم فخضع لرقابة محكمة من البوليس السياسي، ورغم ذلك فقد خرجت منشورات الضباط الأحرار وراحت توزع بانتظام مما جعل الكل يلمس أن شيئا ما يحدث داخل صفوف الجيش وعلى الإجمال فقد زادت حدة الصراع بين القصر وتنظيم الضباط الأحرار وبات كل طرف يتحين الفرصة للقضاء على الآخر.

ورثت وزارة سري هذا الموقف الملتهب بين القصر وتنظيم الضباط الأحرار وكان عليهما أن تعمد إلى التهدئة وبالفعل قابل الدكتور محمد هاشم وزير الداخلية محمد نجيب وعرض عليه منصب وزير الحربية وذلك بغرض القضاء على عوامل التذمر والسخط داخل صفوف الجيش ومن جانب آخر أبلغ سري الملك من خلال حافظ عفيفي بأنه سوف يقدم استقالته ما لم يوافق على تعيين محمد نجيب وزيرا للحربية الأمر الذي رفضه فاروق تماما خشية أن يكون نجيب هو عرابي رقم 2 على هذا النحو أبدى القصر تشددا واضحا إزاء محاولات سري.

وفيما يتعلق بموقف محمد نجيب فلا ريب في أن رفضه لمنصب وزير الحربية جاء متسقا وسلامة التقدير فهو لن يكون بقادر على تنفيذ أي إصلاحات بالجيش أو إزالة عوامل التمر والسخط بين صفوفه طالما استمر الفريق حيدر رجل الملك يشغل منصب القائد العام للجيش وكبار قادته على ولائهم المطلق للقصر ثم أن مطالب الإصلاح التي استهدفها تنظيم الضباط الأحرار لم تكن مقصورة على الجيش فحسب بل امتدت لتشمل النواحي السياسية والاجتماعية الأخرى يضاف لذلك أن قبول نجيب للمنصب قد يمكن القصر من رصد نشاط التنظيم وكشف أعضائه مما يمهد له السبيل للقضاء عليه.

أما القصر فقد كان من الواضح أنه لم يكن يقدر الحجم الحقيقي لتنظيم الضباط الأحرار أو خطورته على العرش بعد أن وقر في اعتقاده أن الأمر لم يكن ليخرج عن أن هناك لجنة من 12 ضابطا إشارة إلى الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار من الميسور القضاء عليهم بطردهم من الخدمة وعن الجانب البريطاني فراح يتجنب التدخل في الموقف بأي صورة لاعتقاده بأن الملك يسيطر بشكل مطلق وأنه ما فتئ يبرهن دائما على حقيقة واحدة مؤداها أنه مستعد للإطاحة بأي حكومة تكون اتجاهاتها متعارضة وسياسته على هذا يمكن القول بتقديرات القصر والجانب البريطاني فيما يتصل بتنظيم الضباط الأحرار وخطورته وهذا مما ساعد القصر بوجه خاص على التشدد في موقفه مما أضطر معه سري إلى تقديم استقالة وزارته في 20 يوليو سنة 1952 إلا أن الاستقالة لم تكن مجال حسما للموقف المضطرب أو علاجا له بقدر ما كانت دلالة أخرى على تهاوي مقاليد السلطة من يد القصر.

انهيار الكيان السياسي وزوال حكم القصر

إثر استقالة وزارة سري الخامسة أجرى الملك مشاوراته مع حافظ عفيفي رئيس الديوان وبات من المحتمل تكليفه بتشكيل الوزارة الجديدة والواقع أن هذا الاتجاه كان توطئة للقضاء على بقايا نفوذ رئيس الديوان على الملك ولا يمكن الافتراض بأن جناح كريم ثابت وأندراوس كان منبت الصلة بهذا الترشيح حتى يكون له الهيمنة الكاملة على القصر ولعل إدراك حافظ عفيفي لذلك دعاه إلى إقناع الملك بالرجوع عن الفكرة وراح بدوره يسعى لإقناع الهلالي بقبول تشكيل الوزارة الجديدة وبعبارة أخرى فقد رأت جماعة المسئولين في الديوان أن عودة الهلالي بسمعته في التطهير بما تحققه من تهدئة الضباط والخروج من الورطة التي يواجهها النظام بل العهد كله، سوف تحقق هدفا آخر بتوجيه ضربة نهائية للحاشية غير المسئولة.

أما الهلالي فقد بدا حريصا على تعضيد موقفه في مواجهة القصر ومؤامراته بما يتضح في الشروط التي وضعها كأساس لقبوله الوزارة وهي:

(أ‌) استمرار حركت التطهير التي بدأها في عهد وزارته الأولى.

(ب‌) يجب تعديل قانون الانتخاب على أن تجري الانتخابات عندما يرى هو إمكانية ذلك.

(ت‌) أن يستمر سريان الأحكام العرفية على أن تستخدم ضد من يثبت اشتراكهم في اضطرابات 26 يناير سنة 1952.

4- لا تدخل لغير المسئولين إشارة إلى عصبة القصر.

أما الملك فقد قبل راغما تلك الشروط باعتبار أن وزارة الهلالي كانت السبيل الوحيد للخروج من الأزمة الوزارية بعد أن ظلت البلاد بدون وزارة لمدة كانت تربو على الأربع والعشرين ساعة أما الهلالي فقد تصور أن شروطه التي أملاها على القصر كافية لتقليم أظافره والحد من تدخل كريم ثابت وأندراوس في شئون الحكم بزعم الرغبات الملكية.

ومنذ اللحظات الأولى لتولية السلطة بدأ الهلالي بنشاط ملحوظ في محاولة تهدئة المواقف المضطربة بين القصر والجيش وهو ما فشل فيه سري من قبل وأفضى إلى استقالته وبناء على ما أشار به حافظ عفيفي قام الهلالي بتعيين إسماعيل شيرين زوج شقيقة الملك في منصب وزير الحربية وباعتباره الرجل المناسب الذي يمكنه الاضطلاع بشكاوي الضباط الأصاغر كما قرر إحالة كل من اللواء حسين سري عامر قائد قوات حرس الحدود واللواء محمد نجيب إلى التقاعد.

وحقيقة الأمر أن الموقف الداخلي قد تفاقمت حدته، على نحو لم تفلح معه محاولات الهلالي للتهدئة إذ أن الجيش كان قد تهيأ بالفعل للتحرك ضد النظام القائم بكل قواه ومؤسساته ففي ظهر يوم 22يوليو عقد الضباط الأحرار اجتماعهم الأخير بمنزل خالد محيي الدين حيث جرت مناقضة الخطة الموضوعة واختير لها اسم نصر للاستيلاء على مقر القيادة العامة واعتقال كبار الضباط وتحددت الساعة الثانية عشرة مساء توقيتا لبدء العملية حيث تم بالفعل اعتقال اللواء حسين فريد رئيس هيئة أركان حرب الجيش وكبار الضباط بالقاهرة وفي صباح 23 يوليو كان الهلالي مجتمعا مع أعضاء وزارته في الإسكندرية حيث حاول التفاهم مع زعماء الحركة لمعرفة مطالبهم فأبلغه محمد نجيب وكان بالقاهرة بمطالب ثلاثة محددة وهي تكليف علي ماهر بتشكيل الوزارة وتعيينه أي محمد نجيب قائدة عاما للجيش وطرد مجموعة من حاشية الملك وهم محمد حسن وحلمي حسين وأنطوان بوللي .

ومن الناحية العملية فق كان الوجود الاحتلالي وليس القصر هو الجانب الأكثر تهديدا لحركة الضباط الأحرار وذلك على ضوء احتمالات تدخله في مواجهة الحركة لنصرة القصر وبصدد تأمين حركتهم سار الضباط الأحرار في اتجاهين:

أولهما استهدف الحصول على تأييد السفارة الأمريكية للحركة والثاني: تحذير الجانب البريطاني من مغبة التدخل والتلويح باستخدام القوة في مواجهته.

وفيما يتعلق بالاتجاه الأول قام علي صبري أحد أعضاء تنظيم الضباط الأحرار بالاتصال بالسفير الأمريكي كما يوضح له بواعث الحركة وأهدافها وقد نجح في الحصول على تأييده رغم أن الحركة ذاتها كانت مفاجأة للجانب الأمريكي وفيما يتعلق بالاتجاه الثاني فقد لعبت فيه الوساطة الأمريكية دورها فعن طريق أحد أعضاء السفارة الأمريكية بعث قادة الحركة برسالة للسفير البريطاني مؤداها أن الجيش يوف يبدي مقاومة منظمة ضد أي تدخل بريطاني وأن الحركة قامت أساسا للقضاء على الفساد الداخلي ولن تتعرض للسياسة الخارجية ولقد تأكدت المهارة السياسية لتنظيم الضباط الأحرار فيما ظهر من وراء ذلك من نتائج فلقد تحد الموقف البريطاني ليس فيما أظهره فحسب من عدم الاستجابة لمطالب فاروق بالتدخل مما أثار سخطه بل وبذهب إلى حد التفاهم مع قادة الحركة وبناء على تعليمات كريسويل القائم بأعمال السفير البريطاني توجه أحد أعضاء السفارة برفقة مساعد الملحق الحربي لمقابلة محمد نجيب وتوضيح الموقف البريطاني وإظهار الترحيب بأي حركة في مصر تقوم على محاربة الفساد وتحسين مستوى المعيشة للشعب المصري كأفضل سلاح لمحاربة الشيوعية وطلب الضمانات بأن الجيش سوف يحمي أرواح الأجانب وممتلكاتهم

ومن جانب آخر نقل السفير الأمريكي للملك وجهة النظر البريطانية من أنها تعتبر أن لا يعدو سوى أن يكون مسألة داخلية بحتة وأن الحكومة البريطانية غير راغبة في الزج بقواتها في مثل تلك الأغراض على هذا النحو تحدد الموقف البريطاني من القصر والضباط الأحرار بشكل حاسم أما عن باقي القوى السياسية فلا نكاد نرصد لها أثرا للتحرك على الساحة إزاء تطور الأحداث يوم 23 يوليو وبدا أنها أثرت الانتظار مترقبة ما سوف تسفر عنه الأحداث باستثناء الإخوان المسلمون فقد كانوا هم القوى الوحيدة التي قام بها الضباط الأحرار بالتنسيق معها قبل الحركة وكانوا على علم بتفصيلاتها وتوقيت قيامها وعلى الإجمال فقد كانت أوضاع القوى السياسية عشية 23 يوليو من العوامل المشجعة للحركة كما تستمر في طريقها.

وينبغي الإشارة إلى أن إذعان القصر للمطالب الثلاثة التي تقدم بها قادة الحركة على نحو ما مر بنا كان باعثا على اعتقادهم بأن القصر قد بات مهيض الجناح دون سند حقيقي يؤازره وهذا بدوره قد شجعهم على اتخاذ الخطوة التالية وهي عزل الملك والواقع أن الفكرة لم تكن واردة في مخطط الحركة يتأيد ذلك بما أشار إليه محمد نجيب من أن عزل الملك قد تقرر في اجتماع عقد ليلة 23/ 24 يوليو بعد الاطمئنان إلى ولاء القوات الموجودة بالإسكندرية للحركة وقد جرى في هذا الاجتماع اتخاذ كافة الترتيبات لوضع الفكرة موضع التنفيذ.

وبالفعل قدم محمد نجيب صبيحة يم 26 يوليو لعلي ماهر إنذار الجيش للملك بالتنازل عن العرش ومغادرة البلاد قبل الساعة السادسة من نفس اليوم وهنا عاد الدور الأمريكي للظهور مرة أخرى فإلى جانب محاولات علي ماهر لإقناع الملك بقبول طلبات الجيش راح السفير الأمريكي يسدي له النصح في نفس الاتجاه ووعده بضمان حمايته وأسرته حتى يغادروا مصر وبالفعل تنازل فاروق عن العرش لولي عهده وتولى مجلس سلطاته الدستورية وعاد فاروق وأسرته البلاد في مساء 26 يوليو سنة 1952 وانتقلت البلاد من عهد إلى عهد.

وخلاصة القول فإن حادث حريق القاهرة في 26 يناير قد أفضى إلى نتيجة أساسية وهي أن القصر قد انفرد تماما بسلطة اتخاذا القرار ولقد تأيدت تلك الحقيقة ليس فيما كان من إقالته للحكومة النحاسية فحسب بل وفيما كان من توالي وزارت قصر أربع على حكم البلاد على امتداد مسطح زمني لم يتجاوز الشهور الستة والواقع أن تعاظم سلطة القصر على هذا النحو لم يكن ينبئ عن قوته الحقيقية كمؤسسة للحكم بقدر ما كان نتيجة لتراجع تأثير الأحزاب السياسية على الساحة بعد أن فقدت الجماهير الثقة بها.

أما عن ممارسات القصر في السلطة فلا ريب في أن ما اعتراه من فساد ظاهر قد أثر على مكانته في البلاد ثم أن الصراعات التي دارت في جنباته بين جناحي حافظ عفيفي وكريم ثابت، قد أثرت بدورها أيضا على كيانه السياسي وأظهرت ما به من انقسامات خاصة وأن الملك نفسه كان محورا لتلك الصراعات إذ سعى كل فريق إلى محاولة السيطرة عليه ولقد انسحب أثر هذه الصراعات إذ سعى كل فريق إلى محاولة السيطرة عليه ولقد انسحب أثر هذه الصراعات الداخلية في القصر على طبيعة الوزارة وحددت مسيرتها في الحكم إلى حد كبير فالوزارات التي تولت الحكم وإن كانت ووزارات قصر في صبغتها إلا أنها تباينت في تبعيتها لأي من جناحي القصر وكأثر لخضوع الملك لتأثير كريم ثابت وإلياس أندراوس ومن إليهم من حاشية فكان من الطبيعي أن يكون القصر أعتى القلاع مقاومة لمحاولات التطهير التي جرت في تلك الفترة واتسع الخرق على الراقع ما كان من سوء تقديرات القصر السياسية فبدلا من أن يضع يده على ضمائر التذمر والسخط في الجيش ويعمد إلى علاجها راح يتبع سياسة خاطئة قصيرة النظر كان عمادها مفهومه التقليدي بتبعية الجيش وولائه له وسرعان ما بدت المفارقة كبيرة بين مفهوم القصر ونظرته للجيش وبين ما أصبح عليه الجيش بالفعل من استعداد حيقي للتحرك والخروج على العرش بعد أن كان من ركائز حكمه الأساسية.

وتسجل تطورات الأحداث المتلاحقة والتي تزامنت مع قيام حركة الضباط الأحرار ظهور الدور الأمريكي على ساحة السياسة المصرية فالواقع أن الجانب الأمريكي كان يبحث لنفسه عن دور سياسي يمكنه من منافسة الوجود البريطاني في مصر ومنازعة نفوذه ولقد هيأت أحداث الثورة بالفعل للسفير الأمريكي لكي يلعب دور الوساطة بين تنظيم الضباط الأحرار من جانب والقصر والإنجليز من جانب آخر أما الجانب البريطاني فلقد حدد موقفه من الحركة منذ قيامها فإحجامه عن التدخل لصالح القصر يمكن تفسيره بأنه لم يكن ليدافع عن قضية حليف ظاهر الفساد قد بدت بالفعل نذر هزيمته.

الفصل الثالث: الإنجليز وثورة يوليو 1952

الإنجليز في مصر قبل الثورة

منذ أن أحتل الإنجليز مصر في عام 1882 إلى منذ قيام الثورة في عام 1952 كان الإنجليز هم القوى الرئيسية في البلاد التي أثرت على مجرى الأحداث والتي ظلت بقية القوى السياسية الأخرى تشكل وتخضع لها حقيقة أن معظم الباحثين والدارسين لتاريخ مصر في تلك الفترة قد درجوا على وصف الحياة السياسية في مصر في تلك الفترة بأنها كانت صراعا بين قوى ثلاث، الإنجليز والقصر، الشعب إلا أن الإنجليز دون القوى الأخرى كان لهم الفوز الأكبر والسيطرة الفعلية شبه الكاملة على البلاد فالإنجليز قد احتلوا البلاد بقوات عسكرية هزمت القوات العسكرية المصرية على أثر ثورة عرابي عام 1881 تحت دعوى إنقاذ العرش الذي استنجد بالإنجليز حماية له من جيشه الوطني وهنا يهمنا التركيز على نقطة أن دخول الإنجليز إلى مصر كان بناء على الاستجابة إلى رغبة القصر وبعد الدخول في معركة حربية ضد الجيش المصري تلك الاستجابة التي لم تكن بعد ذلك في عام 1952 فأدت إلى جلاء القوات البريطانية جلاء تاما بعد ذلك بأربع سنوات.

فنتيجة استجابة الإنجليز لرغبة القصر (الخديوي توفيق) في الوقوف ضد جيشه الثائر ودون الدخول ي تفاصيل أسباب موافقة الإنجليز على الاستجابة لطلب الخديوي توفيق أن أحتل الإنجليز مصر بعد هزيمة الجيش المصري والقبض على زعيم الثورة ونفيه خارج البلاد ومن الممكن القول بأن بجانب احتلال الإنجليز لمصر في عام 1882 فقد ظهرت ثلاث نتائج أخرى نتيجة لأحداث عام 1882.

أولا تحطيم الجيش المصري والعمل بعد ذلك على عدم قيام جيش مصري من الممكن أن يشكل تهديدات للقصر وطبعا للإنجليز وبذلك لم يعد الجيش يشكل قوة سياسية في البلاد حتى جاء التوقيع على معاهدة 1936 وكان من أهم نتائج المعاهدة التوسع في حجم الجيش مرة أخرى مما أدى إلى دخول عناصر جديدة من الطبقة الوسطى إلى الجيش ولأول مرة بعد أن كان مقصورا على الطبقات العليا فكان ما مكان قبل ذلك حين دخل أنباء الفلاحين لأول مرة إلى الجيش بعد أن كان مقصورا على الأتراك والشراكسة وغيرهم من أبناء غير الفلاحين وإذا كان الإنجليز بعد احتلالهم مباشرة لمصر في عام 1882 قد وضعوا نصب أعينهم عدم السماح بتقوية الجيش خشية تكرار أحداث 1881 إلا أنهم ولظروف جو مختلفة وتحت ضغوط دولية ومحلية اضطروا إلى السماح ولو بقدر يسير للغاية للجيش أن يتوسع في عام 1936 فكانت النتيجة ثورة 1952 وتحرك الجيش ضد القصر مرة أخرى.

ثانيا: رغم أن الإنجليز قد دخلوا البلاد بناء على رغبة وحماية للعرش ونفذوا مخططهم في احتلال البلاد تحت هذه الحجة إلا أنهم كانوا يعلمون علم اليقين أن القصر باستبداده وفساده كان المسئول الأول عن ثورة 1881 لذلك وضع الإنجليز نصب أعينهم سياسة مزدوجة تقوم أساسا على تحجيم دور القصر من ناحية الاعتماد على قوى أخرى غير القصر من ناحية أخرى حتى لو اضطر الأمر إلى إنشاء مثل هذه القوى في حالة عدم وجودها فالإنجليز كانوا يعلمون أن القصر كان مصدر عدم استقرار وإن ارتباطهم بالقصر لن يتيح لهم حكم البلاد حكما سليما فبجانب ارتباط الإنجليز بقوى مكروهة شعبيا مما يعني توجيه عوامل السخط والغضب الشعبي ضد الإنجليز وهذا ما كان يعمل الإنجليز على تجنبه حصرا على علاقتهم بالشعب المصري ضمانا لاستمرارهم في احتلال البلاد فإنهم أيضا كانوا يعلمون أن القصر كمؤسسة غير قابلة للإصلاح ولذلك لا يمكن الاعتماد عليها في حكم البلاد أو حتى محاولة إصلاحها في المستقبل على أمل أن تساعدهم في حكم البلاد لذلك سارع الإنجليز فور احتلالهم لمصر إلى عدم إعطاء القصر الدور الذي كان يتطلع إليه عند مساندة الإنجليز له وإن كان توفيق قد أصبح مطية في يد الإنجليز عرفنا لهم بالجميل والشكر على إنقاذهم إياه لعرشه إلا أن خلفوه بدءا من عباس فالسلطان حسين فالملك فؤاد ثم فاروق عن هؤلاء لم يشعروا بنفس درجة العرفان التي شعر بها جدهم توفيق نحو الإنجليز وكانوا يشعرون أنهم أصحاب سلطة حقيقية وحق شرعي في حكم البلاد وليس الإنجليز وما دور الإنجليز إلا حماية للعرش فقط وهذا طبعا ما لم يرضه الإنجليز فالإنجليز أتوا لاحتلال البلاد إنقاذا لعرش ملك أهوج فاسد فقط بل لسياسة بعيدة المدى هي جزء من السياسة الخارجية الإنجليزية ككل وعلى هذا الأساس ما كانت العلاقة بين القصر والإنجليز علاقة وئام دائما بل أنه كثيرا ما شابها الاصطدام والتنافس والصراع وليس أدل على ذلك من حادثة الحدود في عهد الخديوي عباس وانتهاز فرصة الحرب العالمية الأولى في اسطنبول لعزله ثم فرض دستور 1923 على الملك فاروق بل إن رأي السير مايلز لاجسون المندوب السامي سابقا) السفير البريطاني في الملك فاروق لم يكن يخفي على أحد، حيث كان يحتقره أشد الاحتقار ويمسه بالولد نكاية عن سوء تربيته والإسراف في تدليله لذلك فإن الحفاظ على شخص الملك أيا كان لم يكن هدفا أصلا في السياسة البريطانية مما ظهر أثره في عام 1952 كما سنرى بعد قليل وإن حماية القصر ما كانت سوى حجة لتنفيذ سياسة أو سع وأبعد مدى من مجرد التدخل العسكري.

ثالثا: بناء على ما سبق سعى الإنجليز إلى كسب وفئة اجتماعية جديدة تكون خير سند لهم في حكم البلاد وحليفا أقوى من مؤسسة القصر التي كانت السبب في قيام ثورة شعبية 1881 والأغلب أنها كانت سبب ثورات شعبية أخرى وكان مجموع الفلاحين من المعدمين البؤساء لا حول لهم ولا قوة.

ورغم دعوى الإنجليز المستمرة بأنهم أصدقاء هؤلاء الفلاحين وما أتوا أصلا إلا لرفع الظلم الواقع على كاهلهم من الباشوات الأتراك إلا أن الفلاحين بأعدادهم الغفيرة وقلة تنظيمهم كانت تحول بينهم وبين أن يكونوا سندا قويا فعالا للإنجليز ومن هنا كانت الحاجة إلى خلق تقوية مجموعة جديدة يمكن أن تلعب هذا الدور وكان هؤلاء هم ملاك الأراضي الزراعية الجدد الذين بدأوا في الظهور بشكل قوي في حوالي منصف القرن الماضي حتى أشتد عددهم في نهاية القرن بفضل تأييد الإنجليز ودعمهم وأصبحوا يشكلون العامة الأساسية لحكم البلاد بجانب القصر بل منافسا له أحيانا (دستور 1923 ) وأكبر سند ونصير للاحتلال البريطاني ودون الدخول في تفاصيل ظهور هذه الطبقة وتطورها وعلاقاتها مع الإنجليز والقصر فإن هذه الطبقة لعبت الدور المطلوب منها تماما طيلة النصف الأول من هذا القرن في قيام الثورة في عام 1952.

مصر عشية الثورة

كما أوضحنا فإن الإنجليز قد عملوا على القضاء على الجيش وتحجيم دور القصر وتقوية دور كبار ملاك الأراضي الزراعية إلا أن هذه السياسة ذات الأبعاد الثلاثة بدأت تظهر عليها أعراض التغير حين سمح لمصر بعد توقيع معاهدة 1936 بإعادة بناء جيشها ولو بقدر محدود، وثانيا حين وصل الملك إلى درجة من الاستهتار والفساد بحيث أصبح الخلاص منه ضرورة تحتمها مصلحة الإنجليز أنفسهم، وأخيرا حين أصبح أيضا كبار الملاك الزراعيين من أهم أسباب السخط والتذمر في البلاد. فنتيجة لتطور علاقات الملكية في مصر منذ ظهور الملكية الخاصة في الأرض الزراعية (أي في منتصف القرن الماضي) وحتى منتصف القرن الحالي، أن أصبح حوالي نصف في المائة فقط من السكان يملكون حوالي نصف الأراضي الزراعية مما شكل خللا اجتماعيا كبيرا ظهرت أثاره في انتشار العديد من الأفكار التي تدعو إلى الإصلاح الاجتماعي بعضها معتدل مثل الدعوة التي أطلقت في مجلس الشيوخ من أجل تحديد الملكية الزراعية وبعضها متطرف مثل الدعوة الشيوعية وكان الإنجليز وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية وظهور الاتحاد السوفيتي كقوة رئيسية على المسرح الدولي.

أشد ما يكونون خوفا من انتشار نفوذ الاتحاد السوفيتي على المسرح الدولي من خلال عقيدتهم السياسية، أي الشيوعية ذات البريق الجذاب في البلاد التي تعاني من خلل خطير في هيكلها الاجتماعي وفقرا مدقعا حين تكون الشيوعية أكثر قبولا وانتشارا عنها في المناطق الأخرى وهكذا وصل الإنجليز إلى نتيجة مؤداها أن مصر بنظامها السياسي القائم على مؤسسة القصر التي يرأسها ملك فاسد ونظامها الاجتماعي وعمادها طبقة من كبار ملاك الأراضي الزراعية الجشعين الذين يرفضون حتى محاولات الإصلاح الاجتماعي وعمادها طبقة من كبار ملاك الأراضي الزراعية الجشعين الذين يرفضون حتى محاولات الإصلاح الاجتماعي المعتدلة قد أصبحت مهيأة تماما لاستقبال الشيوعية وإذا كانت الشيوعية تمثل الخطر الأول على الإمبراطورية البريطانية على صعيد العالم فإن مصر من الممكن أن تكون إحدى نقاط الضعف التي ينفذ منها النفوذ الشيوعي.

لذلك كان الإنجليز مع أي دعوة جدية للإصلاح بهدف منع المد الشيوعي.

ولا شك أن الإنجليز يعلمون أن البلاد تمر بحالة غليان واختبار ثوري فأعوام 45- 50 كانت مليئة بأحداث العنف والاضطرابات الاجتماعية ثم كانت عودة الوفد إلى الحكم حريق القاهرة في يناير 1952 التي كانت دلائله الاجتماعية والسياسية لا تخفي على أحد وما كان الجيش بعيدا عن ذلك بل أنه من الملاحظ أن التقارير البريطانية التي سبقت الثورة كانت تتحدث دائما عن وجود حالة سخط وتذمر داخل صفوف الجيش ولكن لم يؤخذ الأمر مأخذ الجد فإن الكلام أو التحاليل الإنجليزية ذهبت كلها إلى احتمالات عودة الوفد مرة ثانية إلى الحكم بدون الإشارة ولو من بعيد إلى احتمال تكرار أحداث عراي في عام 1882 ولكن من 20 يوليو أرسلت السفارة البريطانية في القاهرة بتقرير سري للغاية إلى وزارة الخارجية البريطانية في لندن تتحدث فيها عن بعض الشائعات غي المؤكدة حول تحرك عدد من وحدات الجيش في اتجاه الإسكندرية وما يقال حول رفض عدد من ضباط الجيش المصريين إطاعة الأوامر ثم يتحدث التقرير عن احتمال قيام تمرد عسكري وتكون هذه أول مرة يشار فيها إلى مثل الاحتمال وما سيؤدي إليه من فوضى لا محالة ثم تتوالي التقارير بعد ذلك صبيحة أو فجر 23 يوليو.

23 يوليو 1952

تحمل أو برقية أرسلت على وجه السرعة في الساعة السابعة إلا خمس دقائق من صباح يوم 23 يوليو النبأ التالي قوات متمردة تحت قيادة ضابط شاب في سلاح الطيران أتسولت على القاهرة وتطيعها قوات الشرطة وأرسلت (القوات المثمرة) رسالة خلال أحد أعضاء السفارة الأمريكية أنهم سيقاومون أي تدخل بريطاني وأن هدفهم هو محاربة الفساد فقط وليس لهم أي أهداف خارجية اللافت للنظر هنا ملحوظتان: الملحوظة الأولى هي تعاون رجال الشرطة مع رجال الجيش تعاونا كاملا بحيث بدا الأمر وكأن الشرطة كانت تترقب هي الأخرى عملا ما فما أن تحركت قوات من الجيش حتى تحركت معها الشرطة خاصة إذا وضعنا في الاعتبار إضراب رجال الشرطة في عام 1948 ثم مذبحة الإسماعيلية ضد قوات بلوكات النظام في يناير من نفس العام والملحوظة الثانية دور السفارة الأمريكية التي لعبت دور الوسيط من خلال أحد أفرادها بين القوات المتمردة والإنجليز فالملاحظ أن القوات المتمردة اختارت الاتصال بالسفارة الأمريكية حتى تنفي عن نفسها تهمة معاداة الغرب أولا ثم العمل على كسب ود الأمريكان واستخدامهم من أجل تخفيف الضغط عليهم من قبل الإنجليز من ناحية أخرى وهو ما اشتكى منه الإنجليز بعد ذلك مر الشكوى.

نعود إلى نفس البرقية التي حددت موقف الإنجليز من الأحداث الجارية بقولها: وجهة نظر الخارجية كانت دائما تقوم على عدم التدخل لحماية الملك ولكن قادة القوات البريطانية في قاعدة القناة يودون اتخاذ بعض الإجراءات لحماية قواتهم. وهكذا سقط الملك بلا حماية وهو الذي يظن أن الإنجليز لن يسمحوا قط للعرش أن يسقط مثلما فعلوا في عام 1882 ولكن توفيق كان غير فاروق وعام 1882 كان غير عام 1952 وخطر الثورة العرابية كان غير خطر انتشار الشيوعية.

ففي نفس اليوم في برقية أرسلت الساعة الخامسة إلا عشر دقائق ترسل السفارة البريطانية إلى لندن قائلة نحن نرحب بأية حركة في مصر تهدف إلى القضاء على الفساد كخير سلاح لمقاومة الشيوعية أي حتى لو اضطر إلى التضحية بالعرش والقبول بثورة عسكرية على نمط ثورة عرابي لأن هذه الثورة وقد أظهرت وحسن نواياها حتى ولو عن طريق إظهار أن لها صلة بالأمريكان وليس الإنجليز إلا أنها ما زالت تتبع المعسكر الغربي، ولن تفتح الطريق أمام الشيوعية مثلها كانت سياسات العهد السابق تهدد بذلك.

بل أن السفارة ترسل برقية أخرى في نفس اليوم في الساعة الحادية عشرة وست دقائق صباحا تتحدث فيها عن الملك فاروق الذي اتصل بالسفير الأمريكي في الثامنة صباحا طالبا منه التدخل من أجل حمايته هو وأسرته وأن كان الملك فاروق لم يطالب بالتدخل البريطاني تحديدا، إلا أن السفارة البريطانية كانت تعتقد أن ذلك كان هو المقصود لأن السفير الأمريكي اتصل بالسفارة البريطانية وطلب رأيهم فكانت الإجابة واضحة تماما والتي طلب نقلها إلى الملك وهي أن الحكومة البريطانية لن تستخدم قواتها لمثل ذلك الغرض (أي التدخل لحماية الملك) وأن كان سيتم نقل رسالة الملك إلى الخارجية البريطانية في لندن رغم معرفتهم مسبقا بالرد عليها واللافت للنظر هنا أيضا هو التجاء الملك أيضا إلى السفارة الأمريكية لكي تتوسط له بالأعمال في السفارة البريطانية برقيته قائلا أنه في اعتقاده الشخصي أن الضباط الثائرين لن يقدموا أي طلبات خاصة بالملك وأنه (أي الملك) لو التزم بالهدوء فمن الممكن أن يخرج من تلك الأزمة كملك دستوري يكرر كلمة دستوري.

تأكيدا لمغزاها وأن رسولا من نجيب أول مرة يذكر فيها اسم نجي ذهب إلى السفارة البريطانية وقال أن المسألة داخلية هدفها محاربة الفساد وهكذا نرى أن رأي القائم بالأعمال كانت أن هذه الحركة مجرد حركة تمرد من بعض وحدات الجيش وأنه لو أحسن الملك التصرف فإنه قد يستطيع الحفاظ على عرشه مع تقييد سلطته بقيود دستورية جديدة وقد ردت الخارجية البريطانية في لندن على برقية القائمة بالأعمال الإنجليزي وأقرته على ما ذكره في برقيته السابقة وتمنت وأن لا يتصرف الملك بواقع من الخوف ونصحت القائم بالأعمال أن يظل على اتصال بها أي الخارجية الإنجليزية في لندن وأن يصل إلى اتفاق مع نجيب وفي برقية أخرى من الخارجية البريطانية في نفس اليوم قالت أن الموقف مازال غامضا ولا يجب علينا (أي بريطانيا) أن نقف بجانب أي طرف، فنجيب قد يكون حاكم مصر ويجب تفادي دكتاتورية عسكرية وير حل هو تحول الملك إلى ملك دستوري أن أمكن لذلك يجب تطهير القصر من كريم ثابت وإلياس أندراوس لذلك فالخارجية البريطانية تقر نصيحة السفير الأمريكي للملك فاروق بالتزام الهدوء والتضحية ببعض المستشارين الفاسدين ولكن لن نتدخل عسكريا أكرر لن نتدخل عسكريا.

وهكذا نرى أن الخارجية البريطانية كانت ترى أن أفضل حل كان في أن تتمخض هذه الحركة عن تقييد سلطة الملك وأنه في أسوأ الاحتمالات قد يسفر الموقف عن دكتاتورية عسكرية أيا كان الأمر فإن من الواضح أن الإنجليز قد اتخذوا قرارا لا رجعة فيه بعد التدخل عسكريا تحت أي ظرف من الظروف.

وتبدأ الصورة تتضح للسفارة البريطانية حين يذهب مرتضى المراغي وزير الداخلية الأسبق إلى السفارة البريطانية في نفس اليوم ليقول لهم أن علي ماهر الذي كلفه الثوار أن يشكل الحكومة الجديدة مع الضباط المنشقين تحت زعامة كامل صدقي هم الذين قاموا بالانقلاب مدفوعين من قبل الشيوعيين والإخوان المسلمين وأن لهم ثلاثة مطالب هي:

1- حكومة تحت رئاسة علي ماهر

2- انتخابات فورية

3- إلغاء الأحكام العرفية.

وأن الملك فاروق قد انتهى ولا أحد يرى أن نفع منه وأن الانقلاب الأخير يستهدف الملك شخصيا وناشد مرتضى المراغي بريطانيا أن تتدخل وأنه لو سمح الإخوان والشيوعيين بإكمال عملهم (في رأي المراغي) فستجري انتخابات على الفور ويتم إصدار قوانين ثورية معادية للرأسمالية ويعقب مستر كرزويل القائم بالأعمال البريطانية على كلام مرتضي المراغي قائلا غالبا أن كلام المراغي مبالغ فيه لكن أخشى أن يكون جزءا من الحقيقة أن المنشقين مدفوعون بأفكار متطرفة للرأسمالية وتأتي بعد ذلك الخارجية البريطانية في نفس اليوم 23 يوليو إلى السفارة الإنجليزية في القاهرة ترج فيها أن يكون كلام المراغي هي محاولة لحمل الإنجليزي على التدخل ضد الثورة بحجة الخطر الشيوعي بعد أن ثبت أنهم لن يتدخلوا لحماية الملك وبعد أن رئيس الملك فاروق من تدخل الإنجليز يطلب من السفير الأمريكي أن يساعده على مغادرة البلاد ويحاول كانري السفير الأمريكي أن تمنع الملك بالبقاء من أجل منع قيام جمهورية متطرفة يؤيده في ذلك القائم بالأعمال البريطاني وأن ذلك يمكن أن يحدث إذا لم يقع تدخل عسكري مباشرة ضد الملك وهو ما لم يحدث حيث ينهار الملك ويغادر البلاد بعد محاصرة قوات الجيش الثائرة لقصر الملك في المنتزه بالإسكندرية وقد حدد الأمريكان حالتين فقط للتدخل في حالة وقوعهما أما الحالة الأولى فهو أن يثبت لديها أن الحركة القائمة حركة شيوعية والحالة الثانية أن تتعرض حياة الملك شخصيا للخطر، وهو ما لم يحدث وبعد أن تستقر الأمور برحيل الملك في 26 يوليو يكتب السفير البريطاني معربا عن مخاوفه من انزلاق مصر إلى الفوضى بعد عزل الملك الذي كان أحد أعمدة الاستقرار في البلاد، وبدأ في التساؤل عن مدي نفوذ الإخوان المسلمين والعناصر المتطرفة الأخرى في حركة الجيش ويقول أن المطلوب الآن من وجهة نظرة هو تقوية مجلس الوصاية من أجل تفادي فراغ دستوري وأن يكون أحد أفرادها من العائلة المالكية واعتبار حكومة على ماهر هي السلطة الدستورية وأن كان يحدد في برقية أخرى أن الدستور لم يحدد ماذا يحدث في حالة اعتزال الملك الحكم رغم إنه حدد مثلا ماذا يحدث في حالة وفاة الملك ويشيد السفير بنجاح على ماهر في تعيين الأمير عبد المنعم في مجلس الوصاية مقابل قبول رشاد مهنا من الجيش أما الثالث فهو السياسي القديم بهي الدين بركات على حد تعبير السفير البريطاني ونرى من البرقيات التي أرسلها السفير ومن قبله القائم بالأعمال أن بريطانيا رغم أنها كانت قد اتخذت قرارا بعد التدخل العسكري، إلا أنها كانت تتمنى استمرار الملك في الحكم كملك دستوري من أجل الحفاظ على قدر من الاستقرار في البلاد والحيلولة دون انزلاق مصر إلى الغرض حيث تكون لقمة سائغة في أيدي المتطرفين سواء من الشيوعيين أو الإخوان المسلمين.

الإصلاح الزراعي

وبعد أن تم القضاء على الملك، أهم ركائز السياسة الإنجليزية في مصر كانت الخطوة التالية للثورة هي القضاء على الركيزة الثانية للاحتلال الإنجليزي وهم ما أسمته الثورة بالإقطاع أي كبار ملاك الأراضي الزراعية الذين كانوا يحتكرون الأرض والحياة السياسية في البلاد وقد قيل الكثير عن سوء توزيع الملكية الزراعية في البلاد، وما كان يعني ذلك من خلل اجتماعي رهيب بدأت أثاره تظهر في شكل مصادمات بين الفلاحين وكبار الملاك والسلطات المحلية في بعض القرى.

ورغم تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية إلا أن كبار الملاك الذين شكلوا النخبة السياسية الحاكمة وقتئذ قد أصموا أذانهم عن أي دعوة للإصلاح والتغيير حتى بدأ قمة كبار الملاك الزراعيين أنفسهم من الإنجليز يقلقون من تفاقم الأوضاع وقصر نظر الطبقة الحاكمة مما كان يعني ليس فقط ضياع كبار الملاك بل حماتهم أيضا.

وكان طبعا الخطر الذي يخشاه الإنجليز أكثر من غيره هو خطر انتشار الشيوعية، وليس هناك تربة أكثر خصبا لانتشار الشيوعية من سوء توزيع الثروة القومية حيث يستفحل الفقر والجهل والمرض في حين تزداد الطبقة الحاكمة ثراء وتزداد الطبقة المحكومة فقرا وهذا ما كان يحدث في مصر عشية قيام الثورة في 23 يوليو عام 1952 وهنا نجد أن موقف الإنجليز أنفسهم كان مذبذبا إلى حد كبير منهم من جهة يعلمون علم اليقين أنه لا بديل عن الإصلاح الزراعي إذا أرادوا تجنيب البلاد الشيوعية ولكن في نفس الوقت كان السؤال أي إصلاح زراعي؟ ولا شك أنهم ما كانوا يودون تطبيق إصلاح زراعي راديكالي لإنقاذ البلاد من الشيوعية فإن أي إصلاح زراعي جذري كان بالنسبة للإنجليز لعدم تطبيق الشيوعية دون الإعلان عنها وهذا ما كان لا يرضى عنه الإنجليز بطبيعة الحال.

ليس أدل على موقف الإنجليز هذا من تعليق الخارجية البريطانية على مذكرة رئيس الوزراء البريطاني بشأن مصر في 26 أغسطس عام 1952 أي قبل إصدار قانون الإصلاح الزراعي في 9 سبتمبر من ذلك العام حين كتبت الخارجية الإنجليزية تقول أنه يجب تأييد جهود محمد نجيب للإصلاح الزراعي وإعادة كسب ثقة الشعب المصري في الحكومة الجديدة وعدم تأييد كبار الملاك ولا شك في نية علي ماهر الصادقة في الإصلاح لكن حماس الضباط من أجل اكتساب شعبية قد يدفعهم إلى اتخاذ خطوات غير عملية مثال ذلك الإعلان عن استصلاح مساحات شاسعة من الصحراء في حين أن وزير المالية أعلن أن نجيب قد استقطع 40 مليون جنيه من ميزانية العام القادم من أجل إنقاذ مصر من الإفلاس وحزب الوفد يعارض مثل هذا البرنامج وبالتالي فإن فرص اعتماد الجيش على جماعات متطرفة مثل الإخوان ستكبر وفي نفس المذكرة يكتب سيتم توزيع الأراضي الزراعية على الفلاحين وإلا سقطت مصر في أيدي الشيوعيين وأملنا الوحيد في تلك اللحظة هو علي ماهر.

فخلاصة القول كانت في رأي الإنجليز هو أنه يجب عليهم تأييد علي ماهر ونجيب وخطة الإصلاح ولكن بشكل دستوري ولا يجب عليهم أن يظهروا بمظهر الحماة لكبار الملاك فسياستهم تقوم منذ أيام كتشنر على مساعدة الفلاحين وأنه يجيب إدخال الولايات المتحدة في خطة إنجاح نجيب وبذلك رست السياسة الإنجليزية في مصر في ذلك الوقت عند تأييد الإصلاح الزراعي ولكن في إطار رسوم ترضى عنه بريطانيا وفي 26 أغسطس يصف تقرير إنجليزي أخر موقف علي ماهر بأنه ضعيف وكيف كان يجب عليه أن يكون أقوى من ذلك وأن يظهر بمظهر المدافع عن الإصلاح وكيف أن دور انجلترا في هذه اللحظة هو في كيفية جعل هذا الإصلاح ناجحا وكان الصراع بين أعضاء مجلس الثورة من جانب وعلي ماهر الذي شكل أول وزارة بعد الثورة من جانب أخر قد بدأت أثاره تظهر على السطح فعلي ماهر كان في النهاية من ينتمون إلى العهد السابق وكانت نظرة الضباط الشبان وكان على السفارة البريطانية لما لها من وزن في مصر خاصة وسط السياسيين القدامى من أمثال علي ماهر أن تحدد موقفها.

وكان لقرار الإنجليز بتأييد جهود الإصلاح الزراعي وإشراك الولايات المتحدة معهم وانعكاسات ظهرت أثارها بعد ذلك بين انجلترا نفسها والولايات المتحدة فيأتي السفير البريطاني في 20 أغسطس أن السفير الأمريكي قد قابل محمد نجيب وأعضاء مجلس قيادة الثورة في عشاء وحذر من المغالاة في الإصلاح الزراعي ثم يقابل السفير البريطاني علي ماهر بعد ذلك ويحمل نفس رسالة السفير الأمريكي وكان على ماهر قد اقترح في ذلك الوقت بتحديد الملكية الزراعية بـ 500 فدان وترك الباقي للتخلص منه خلال 5 سنوات على أن يكون الإيجار 21 جنيها طالما بقيت الضريبة 3 جنيهات ثم يخلص السفير البريطاني بعد ذلك إلى أنه من الأنسب ترك علي ماهر يحل مسألة الإصلاح الزراعي بطريقته وأن يقتصر دور الإنجليز على تقديم أي مساعدة فنية تطلب منهم.

وقد نشرت جريدة الديلي إكسبرس اللندنية خبر لقاء السفير البريطاني مع علي ماهر في صورة تحذير ضد تسلل الشيوعية تحت دعوى الإصلاح وقد اشتكى علي ماهر للسفير البريطاني من تدخل الجيش في تشكيل وزارته ومن برنامج الإصلاح الزراعي الذي يدعو إلى تحديد الملكية الزراعية بحد أقصى مائتا فدان، وأن ذلك سيكلف خزانة الدولة سندات بـ220 مليون جنيه وسيربك مالية البلاد ويحبط رأس المال الأجنبي كما اشتكى من أن اتصالات الجيش مع الأمريكان قد أعطت الجيش ثقة بأنهم مؤيدون تماما من قبل أمريكا التي ستحميهم من أي تدخل إنجليزي وقد بدأت أثار التدخل الأمريكي تظهر وتأتي بمفعولها حين أخبر السفير الأمريكي زميله البريطاني أن مجلس قيادة الثورة بدأ يفقد صبره لتأجيل برنامج الإصلاح الزراعي وأن المجلس قد أوضح للسفارة الأمريكية أنه إذا لم يتم تحقيق أي تقدم سريع في برنامج الإصلاح الزراعي فإن المجلس سيستغني عن علي ماهر كرئيس للوزراء ويحل محله السنهوري الذي يتمشى مع هواهم تماما وقد نصح السفير الأمريكي أعضاء المجلس بالاعتدال والصبر ونجح في الحصول على وعد منهم بأنهم لن يتخذوا أي إجراء ضد علي ماهر دون إعطاء السفير الأمريكي فكرة قبلها على الأقل بأربع وعشرين ساعة بناء على ذلك أرسل السفير الأمريكي فكرة إلى علي ماهر يحذر فيها من مخاطر التأخير في تنفيذ برنامج الإصلاح الزراعي ويعلق السفير البريطاني في تقريره أنه طبقا لما جاء بصحف صباح ذلك اليوم (5سبتمبر 1952) فقد استقبل علي ماهر مندوبين عن ملاك الأراضي الزراعية في اليوم السابق (4 سبتمبر 1952) الذين وافقوا من حيث المبدأ على تحديد الملكية الزراعية على أن يقدموا اقتراحاتهم حول طرق تنفيذ ذلك من خلال 48 ساعة ثم يذكر السفير الإنجليزي أنه سيقابل علي ماهر في اليوم التالي وسيثير معه نفس الموضوع الذي أثاره من قبل السفير الأمريكي وسيعرض مساعدته في تقديم المشورة والنصح حول توزيع الأراضي الزراعية ذاكرا له خبرة بريطانيا في ها المجال من قبل في كل من ألمانيا الاتحادية وتجربة التعاونيات.

وفي تقرير مطول عن الأوضاع الداخلية في مصر يؤكد السفير البريطاني أن علي ماهر قد وافق على إصلاح زراعي جذري كما يطالب به من أسماهم بالمتطرفين ونجح في تثبيت أعضاء حكومته حين أعيد تشكيلها (المقصود هنا 6 سبتمبر 1952) ولكن إذا قدم علي ماهر تنازلا ضد إرادته أي في اتجاه الإصلاح الزراعي فمن غير المحتمل في رأي السفير البريطاني أولا أن يلتزم به لفترة طويلة ثانيا لأن الضغوط التي على علي ماهر من قبل المتطرفين ستستمر لو سار في طريق الإصلاح الزراعي وأن علي ماهر أن يسير بشكل أسرع لو أراد الاحتفاظ بثقة الجيش ويكون من صالح بريطانيا أن تحذره من مخاطر التردد فلو أزيح علي ماهر من مكانة كرئيس للوزراء فقد يحل محله السنهوري رئيس مجلس الدولة أو سليمان حافظ الذي يرى الجيش أنهما أكثر التزاما بخطة من علي ماهر، وذلك يعني أن ميزان القوى قد انقلب أكثر من الحكومة إلى صالح الجيش وأن الحكومة قد أصبحت مجرد واجهة مدنية لتطبيق الإجراءات المتطرفة التي يريدها الجيش وأن الحكومة قد أصبحت مجرد واجهة مدنية لتطبيق الإجراءات المتطرفة التي يريدها الجيش وكثير من هؤلاء المتطرفين في الجيش قصيري النظر وعديمي الخبرة ولذلك ستشهد الساحة صراعا بين الإصلاحيين الحزبيين من أمثال علي ماهر وهؤلاء المسيطرون على مجلس قيادة الثورة الذين يدركون مدى حدود إصلاحاتهم المرتقبة ويشعرون بالمسئولية تجاه الأمن العام للبلاد والتطور الطبيعي للاقتصاد وعلى الجانب الآخر هناك المترفون في الجيش والإخوان المسلمون والوفد الذين يريدون الإسراع عن انهيار اقتصادي وهذه المجموعة من المتطرفين تنشر في جميع الأوساط والجماعات السياسية واحتمالات توحدها ليست بعيدة وتزداد الصورة تعقيدا إذا أخذنا في الاعتبار المؤامرات والانقلابات والقوى المضادة للإصلاح الزراعي ويكمل السفير تحليله للموقف بأنه لا يعول كثيرا على مقاومة مسلحة من قبل كبار ملاك الأراضي الزراعية واتباعهم تجاه برنامج الإصلاح الزراعي فهو لا يعتقد أن كبار ملاك الأراضي الزراعية قد ضيق الخناق عليهم وأنهم سيؤيدون أي معركة مناهضة للجيش تستطيع إخراجهم من مأزقهم هذا ويكمل السفير قائلا أنه يظهر أنه لو طبقت إجراءات جذرية فإن ذلك يؤدي إلى تداعي الإجراءات الأكثر راديكالية التي ستظل موجودة ويطالب بها المتطرفون أما عن الفلاحين فإن أمالهم في الإثراء السريع ستصاب بإحباط والعمال سينتظرون ثورة اجتماعية بعد الإصلاح الزراعي أسوة بما حدث للفلاحين في النهاية فإن الضباط المسيطرين على مجلس قيادة الثورة قد أظهروا اعتدالا حتى هذه اللحظة في المسائل الداخلية وأن حركة الجيش قد أفرزت نوعية من الرجال لم يتوقعه أحد والخطر أن هؤلاء المعدلين داخل مجلس قيادة الثورة والجيش سيفقدون مواقعهم إذا فشل برنامج الإصلاح الزراعي لصالح العناصر المتطرفة الذين سيتحولون إلى الهجوم على بريطانيا لتغطية فشلهم الداخلي لذلك فالنظام الجديد بحاجة ملحة إلى إثبات نجاحه في محاولته الإصلاحية الأولى لذلك يجب نصح رئيس الوزراء بعدم التشدد ويجب على انجلترا أن تدرس مساعدات عملية ممكن أن تقدمها للمعتدلين كالإفراج عن احتياطي الاسترليني الخاص بمصر في بنوك لندن حتى تستطيع البلاد أن تستمر لموسم الحصاد مع تقديم الخبراء اللازمين في مجال الإصلاح الزراعي أو غيره إلخ وإذا لم يفشل الإصلاح الزراعي بشكل عنيف فمن الممكن أن نرى أن عودة تدريجية للحياة الدستورية فقد أعلن مجلس قيادة الثورة عن انتخابات نيابية خلال أشهر قليلة ومع موقف الجيش المدعم للإصلاح الزراعي بدأت تظهر أثار ذلك بصدور قانون معدل للانتخابات كل هذه العوامل مجتمعة قد تفرز مجلسا نيابيا مختلفا عن المجالس السابقة التس سبقت حركة الجيش وهذا بالقطع لا يعني اعتزال الجيش بالكامل ولكن تأثيره سيكون بشكل غير مباشر من خلال رشاد مهنا مثلا في مجلس الوصايا فالأمر الواضح هو أن الجيش قد حل محل الملك في التدخل في الحياة السياسية حين يستدعي الأمر ذلك طالما أن المعتدلين والجيش كليهما تحت السيطرة فالأغلب أن ذلك ليس بالشيء السيئ.

هنا ينتهي التقرير البريطاني الذي كتبه السفير والملاحظ عليه نقطتان في غاية الأهمية.

أولا أن الموضوع خرج عن حيز الإصلاح الزراعي هل يطبق أم لا، إلى كيف يطبق وأصبح الإصلاح الزراعي هو محور الصراع بين من أسماهم السفير بالمعتدلين ويضعف من نفوذ المتطرفين ثانيا أن السفير كان لا يزال يأمل في الاحتفاظ بالإطار الدستوري للنظام السابق من قيام حكومة مدنية مدعومة من مجلس نيابي منتخب تحت ظل نظام ملكي وهو في ذلك لم يتمسك بالنظام القديم كاملا، فهو يعلم علم اليقين أن النظام القديم بفساده كان السبب أصلا في قيام الثورة وهو إلا أنه رأى بعض الإصلاحات وعدم تأييد الملك السابق إلا أنه كان يرى استمرار النظام السابق مع الاعتراف بالدور الجديد للجيش الذي حل محل الملك فبدلا من أن يحل الملك البرلمان أو يقيل الوزارة كما كان يحدث في الماضي يعلب مجلس قيادة الثورة نفس الدور ولا شك أن السفير البريطاني كان مخطئا وواهما في كتلا الحالتين وما زال أسير عصر الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس ولم يدرك المعنى الكامل لحركة الجيش حيث أن هذه الحركة لم تكن مجرد تحرك وحدات عسكرية تحت قيادة ضباط يطمعون في الاستيلاء على الحكم فقط أو تحركهم بعض النوازع المثالية المرتبطة بالإطار السياسي القديم بل كانوا انعكاسا لتطور وانقلاب اجتماعي في المجتمع المصري ظل يتفاعل طيلة أكثر من ربع قرن حين اشترك الأفندية ولأول مرة في تاريخ مصر في حكومة الشعب تحت قيادة الوفد برئاسة سعد زغلول عام 1924 إلى السيطرة الكاملة لهؤلاء الأفندية على الحكم من خلال أكثر فئات هذه المجموعة تنظيما وقوة أي الجيش جيش معاهدة 1936 الذي توسع في قبول الأفندية به فكانت ثورة الأفندية العسكرية عام 1952 يما يعني ذلك من سقوط النظام القديم ليس بشقه السياسي والدستوري فقط بل أيضا بشقه الاجتماعي والاقتصادي.

بعد يوم واحد من كتابة التقرير السابق عزل علي ماهر وشكل محمد نجيب ممثلا عن مجلس قيادة الثورة الوزارة بنفسه في 7 سبتمبر وفي 9سبتمبر أعلن عن قانون الإصلاح الزراعي وتنظيم الأحزاب في نفس الوقت.

الثورة والوفد

بعد أن تم القضاء على الملك ثم كبار ملاك الأراضي الزراعية من خلال قانون الإصلاح الزراعي بدأ النظام القديم يتهاوى تحت ضربات القوى الجديدة ممثلة في حركة الجيش وإذا كان النظام الملكي والدستوري قد استمر من خلال مجلس الوصاية إلا أن أسس ذلك النظام كان يتم القضاء عليها الواحد بعد الآخر وكان الدور الآن على القوى السياسية التقليدية ممثلة في الأحزاب القديمة بصفة عامة وحزب الوفد بصفة خاصة فليلة قيام الثورة كان مصطفى النحاس زعيم حزب الوفد ونائبه فؤاد سراج الدين يصطافان في أوربا لذلك فإن كل علي زكي العرابي رئيس مجلس الشيوخ حينئذ أن يقابل رجال الثورة إلى حين وصول زعيم الوفد من رحلته الأوربية ويبدو أن د. محمد صلاح الدين قد تحمس للثورة فطالب بالتطهير ليس فقط داخل القصر الملكي إنما أيضا داخل الأحزاب السياسية وقد عاد النحاس وسراج الدين ليلة 27 يوليو أي بعد عزل الملك ليجدا نفسيهما في وضع سياسي مختلف تماما عما ألفاه من قبل.

وقد بدأت الثورة أول أعمالها بإحياء قانون من أين لك هذا؟ وشكلت لجان التطهير ولا شك أن خبرة الوفد مع مثل هذه اللجان ما كانت تدعوهم إلى استقبالها بالطمأنينة والترحاب خاصة أن رئيس الوزراء الجديد الذي اختارته الثورة لم يكن سوى علي ماهر عدو الوفد اللدود وكان الوفد بطبيعة الحال متشككا في شخصه وبالتالي وزارة علي ماهر ونفوذ الإخوان المسلمين وسط ضباط الجيش وعندما ظهر بكل وضوح عدم رغبة كل من الإنجليز والأمريكان في التدخل ضد الوضع الجديد انهارت تدريجيا أي آمال كانت تراودهم في ضغوط انجليزية أو أمريكية على قيادة الجيش الجديدة من أجل عودة الوفد إلى الحكم مرة ثانية ووسط تلك الأحداث المتلاحقة والكلام عن التطهير وبداية عهد جديد بدأت أسهم صلاح الدين ترتفع كخير مرشح يحل محل مصطفى النحاس الذي كان يبلغ من العمر 73 عاما وقتئذ حيث كان المرشحان الآخران زكي العرابي أو عبد السلام فهمي جمعة رئيسا مجلس النواب السابقان يبلغان من العمر 71و 67 عاما بالتوالي لذا كان د. صلاح الدين يحبذ تطهير الوفد على أن يشمل ذلك فؤاد سراج الدين وعثمان محرم لا أن سراج الدين عارض ذلك تحت دعوى الحفاظ على وحدة الوفد وكان الجيش يؤيد صلاح الدين في ذلك ويود أن يحل عبد السلام فهمي جمعة محلا لنحاس وبرغم ذلك فإن الوفد كان أول من استجاب لنداء محمد نجيب بأن تنشر الأحزاب برامجها فنشر برنامجا في أغسطس وقام بحملة تطهير صغير داخله أسفرت عن طرد حامد زكي وزير الاقتصاد السابق لخلاف بينه وبين سراج الدين و 11 آخرين أقل أهمية وكانت لجنة التطهير داخل الوفد مكونة من د. صلاح الدين ومحمود سليمان غنام وعبد الفتاح حسن وعبد المجيد الرميلي تحت رئاسة زكي العرابي الذي كان يلح على تعيين فنسه نائبا للنحاس ود. صلاح الدين محل فؤاد سراج الدين وفي 11 أغسطس قابل كل من زكي العرابي وصلاح الدين اللواء محمد نجيب وكانا يتصوران أن جيب كان لا يعارض في بقاء النحاس مما دفع النحاس إلى عدم إجراء أي إصلاحات داخل الوفد مما أدى بالتالي إلى تقوية مركز فؤاد سراج الدين تمشيا مع ذلك قام النحاس وسراج الدين بشن حملة هجوم ضد النظام السابق وقامت جريدة المصري بإيحاء من سراج الدين على حسب اعتقاد الجيش بنشر وثائق مزورة بهدف إحراج النظام فقام الجيش باحتلال الجريدة لفترة قصيرة وغادر بعدها محمود أبو الفتح مصر إلى أوربا ومما زاد من شقة الخلاف بين الجيش والوفد اتقاد الجيش أن الوفد كان ضالعا في أحداث كفر الدوار الشهيرة 12و 13 أغسطس أما داخل قيادة الوفد فكانت الأغلبية تنادي بالإصلاح وانتشرت فكرة اختيار النحاس باشا شرفيا وزكي العرابي رئيس فعليا ولكن الأخير رفض لإيمانه بالنحاس زعيما فعليا وقد قام عدد من شباب الوفد بتقديم مذكرة إلى محمد نجيب بعدم صلاحية النحاس والقيادة القديمة لقيادة الحزب ووافق صلاح الدين على أن يكون المتحدث باسمهم وقابل محمد نجيب ورشح عبد السلام فهمي جمعة لرئاسة الحزب الذي قام بدوره بمقابلة محمد نجيب في 20 أغسطس واتفقا على عزل النحاس وفؤاد سراج الدين ولكن النحاس رفض التحرك من مكانه ورفض تقرير لجنة التطهير الحكومية التي أدانت عثمان محرم وفي آخر شهر أغسطس أعلن حزب الوفد أن سيكون من حق الأعضاء في المستقبل إبداء الرأي في اختيار القيادة وأن ميزانية الحزب ستوضع في حساب بأحد البنوك وفي 5 سبتمبر أعلن سراج الدين أن التطهير وظيفة القضاء وليس لجان الحكومة وأن الوفد له أفكاره الخاصة عن الإصلاح الزراعي وفي اليوم التالي أعلن علي ماهر رئيس الوزراء أنه سيتخذ إجراءات ضد النحاس لأنه لم يعلن عن أصل ثروته وفي 7 سبتمبر تم اعتقال فؤاد سراج الدين ضمن آخرين.

عندما حل محمد نجيب محل علي ماهر كرئيس للوزراء ودخل أعضاء الحزب الوطني الجديد المعروف عنهم العداء الشديد للوفد في الحكومة أصبح الإعلان عن حل الأحزاب مسألة وقت ففي 9 سبتمبر تم الإعلان عن حل الأحزاب لإنشاء أحزاب جديدة تتقدم إلى وزارة الداخلية موضحة تنظيمها ومصادرها المالية وأسماء المؤسسين وبعد موافقة وزارة الداخلية عليها يعقد الحزب اجتماعا وينتخب رئيسه وتوضع حسابات الحزب في البنك التي يجب أن تقدم للجمعية العمومية وأي شخص سبق اتهامه بالفساد يحرم من عضوية الحزب وتبعا لذلك فقد أعلن فؤاد سراج الدين استقالته من الحزب وظل رهن الاعتقال حتى بداية ديسمبر وفي 16 سبتمبر أعلن عن حل الحزب وتكوين لجنة طبقا لقانون الأحزاب الجديد من أجل إنشاء حزب وفدي جديد وتم استبعاد هؤلاء الذين كانوا رهن الاعتقال حتى تثبت براءتهم ولكن الوفد ما كان يتخلى عن زعيمه مصطفى النحاس باشا وبسبب هجوم سليمان حافظ وفتح رضوان عليه فقد عقدت اللجنة العليا لحزب الوفد اجتماعا يوم 27 سبتمبر وقررت فيه عدم تقديم أي أخطار لوزارة الداخلية لتكوين حزب جديد وقرر مصطفى النحاس تهدئة للأمور أن يتقدم بمرشحين مستقلين في حالة إجراء انتخابات عامة والعمل على إحراج النظام من خلال القضية الوطنية لذلك قرر النظام نقل أرض المعركة إلى داخل الوفد فقام محمد نجيب بجولة في البلاد ومن بينها بلدة النحاس.

في نفس الوقت الذي نشط فيه الوسطاء مثل بهي الدين بركات ورشاد مهنا ونجحا في الحصول على موافقة محمد نجيب وسليمان حافظ على تكوين حزب الوفد الجديد تحت الرئاسة الشرفية للنحاس وأن لا يدخل اسم النحاس وبعض الوفديين الآخرين في قائمة المؤسسين وكان ذلك العرض لمدة أربع وعشرين ساعة فقط وكان د. طه حسين من المحبذين لقبول ذلك العرض حتى لإنقاذ الأموال على أضعف الإيمان، وقد فشلت محاولة سابقة لسحب هذه الأموال حيث ظلت مجمدة تحت حجة أن الأحزاب لم تعلن بعد.

وفي 5 أكتوبر من عام 1952 نجح محمد الوكيل وزكي العرابي وأحمد حمزة في إقناع النحاس بقبول عرض الحكومة وفي 7 أكتوبر أعلنوا في الصحف عن نيتهم على تقديم مذكرة إلى وزارة الداخلية وكان عبد السلام فهمي جمعة وزكي العرابي وعبد الفتاح الطويل ومحمد الوكيل من ضمن أسماء المؤسسين أما النحاس فقد احتفظ بلقب الرئيس الشرفي للحزب مدى الحياة هنا اعترض وزير الداخلية على اسم النحاس كرئيس شرفي وعلى عبد الفتاح الطويل كأحد المؤسسين فقدم حزب الوفد اعتراضا في مجلس الدولة وعقدت جلسة في يوم 20 نوفمبر.

وحتى ذلك الوقت كان لا يزال شباب وقادة الحزب على إيمانهم بأنه من الممكن التوصل إلى صيغة تفاهم من حركة الجيش وبسبب المفاوضات التي كانت تجرى مع الإنجليز والوضع الاقتصادي الحرج الذي كانت البلاد تمر به في ذلك الوقت بدأ النظام الجديد يمد أغصان الزيتون من جديد إلى حزب الوفد على حسب تعبير التقرير البريطاني فتم الإفراج عن المعتقلين في الفترة من 23 نوفمبر إلى 5 ديسمبر وحاول النظام استمالة أحمد أبو الفتح في غياب شقيقه وفي 6 ديسمبر قام محمد نجيب بزيارة النحاس فقام الأخير برد الزيارة.

وبسبب تفسير النحاس الخاطئ لموقف الجيش الذي فسره على أنه ينم عن ضعف فقد رفض النحاس التعاون في مسألة الدستور وانتقد سياسة مجلس الثورة من السودان لذلك فإنه عندما أعلن عن تغيير وزاري في 7ديسمبر وظل محمد نجيب رئيسا للوزارة وسليمان حافظ نائبا للرئيس ووزيرا للداخلية كان فؤاد سراج الدين هو الوحيد الذي فهم أن الجيش كان يلعب من أجل كسب مزيد من الوقت ففي 14 ديسمبر تم الإعلان عن هيئة التحرير وفي 21 م نفس الشهر تم إصدار قانون جديد ضد الفساد قدم على أثره جميع الوزراء حتى عام 1939 لمحكمة خاصة لا تستأنف إحكامها وغالبية أعضائها من الضباط تلك المحكمة كانت بمثابة الإعلان عن إنهاء أي علاقة بين الحكومة والوفد والتي واكب بداية ظهور أعمال لجان التطهير وقد حاول الوفد ترشيح عبد الفتاح الطويل نقيبا للمحامين ولكنهم فشلوا أما على ساحة الجامعات فقد نشب صراع بين تحالف وفدي يساري من جهة ضد الإخوان المسلمين ومؤيدي الثورة من جهة أخرى وحين تقرر عمل احتفال لتسليم سلاح كتائب التحرير لعبد الناصر في الجامعة يوم 12 يناير عمل على إفشال ذلك الحفل إلا أن ذلك لم يمنع النظام من أن يضم بعض العناصر الوفدية مثل د. صلاح الدين وعبد السلام فهمي جمعه وطه حسين زكي العرابي في لجنة الدستور.

في ذلك الوقت حاول الوفد إقامة صلة من جديد مع السفير البريطاني اعتقادا منه أن النظام أصبح ضعيفا إلا أنه في 15 يناير عام 1953 تم اعتقال فؤاد سراج الدين مرة أخرى وخمسة وعشرين ضابطا وثمانين شيوعيا في نفس الوقت وفي اليوم التالي تم الإعلان عن حل الأحزاب وفترة انتقالية 3 سنوات وقد نجحت هذه الإجراءات في تحطيم معنويات حزب الوفد وإحداث انقسام بين صفوفه فصلاح الدين وطه حسين وعبد السلام فهمي جمعه وأحمد أبو الفتح أعربوا عن تأييدهم للنظام ولهيئة التحرير بشكل اقل هنا تنتهي عرض تقرير بريطاني كتبه السفير عن تطور الأحداث بين الثورة والوفد والملاحظ طبعا أن السفير يرجع محالة الوفد إقامة علاقة معه إلى اعتقاد الوفد أن النظام الجديد أصبح ضعيفا مما يحتم على الوفد العودة مرة ثانية إلى القوة التي ظلت مهيمنة على البلاد من قبل أن بريطانيا العظمى ولكن من الواضح تماما من سياق عرض الأحداث من خلال رؤية الجانب البريطاني أن السفارة كانت تدرك تماما أن أيام الوفد قد ولت وأن النظام الجديد وأن كان يبدو ضعيفا أحيانا إلا أنه من الذكاء بحيث يلعب من أجل كسب الوقت ولو إلى حين حتى يستطيع أن يكشف عن قوته مرة أخرى تماما كما فعل حين اعتقل قادة الوفد وأعلن حل الأحزاب وفي تقرير السفير إلى رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل أنه من الصعب تصور أن الوفد قادر على تحطيم الجيش أو العكس ولكن الجيش سيحتاج إلى الوفد في المستقبل في حالة افتقاده إلى الشعبية إذا حدث شقاق في التحالف بين الجيش والإخوان المسلمين وأن ذلك سيكون في مصلحة نجيب أولا أو قد يكون من الأفضل له أن يتحالف مع الإخوان.

أما إذا حدث انشقاق داخل الجيش فهل يؤيد الوفد نجيب أم يشجع الشقاق بهدف القضاء على الجيش بأكمله أيضا إذا تجددت أعمال العنف في القناة ضد القوات البريطانية فمن الصعب على الوفد ألا يلبي نداء الوطنية لكن في حالة الفشل فسيكون أول من يطعن النظام من الخل وينهار الجيش حينئذ عندئذ ويكون المؤنس الوحيد للوفد هم الإخوان المسلمين بعد أن ذهب نفوذ القصر ويؤكد السفير أما ما هو أكيد هو أن الوفد لم ينته بعد وأنه له نفوذه الذي يمكن إحياؤه وسط رجال الإدارة والعمد وأنه مما لا شك فيه أن قانون الإصلاح الزراعي قد أثر على كبار الملاك الزراعيين الذين يعتمد عليهم الحزب إلا أن ذلك قد يؤدي إلى أن يكون ما يسمى بالجناح اليساري في الحزب له اليد الطولى داخل الحزب.

بريطانيا والنظام الجديد

تتابعت الأحداث بعد ذلك بسرعة فبعد الإعلان عن الإصلاح الزراعي وإلغاء الأحزاب أصبح وجود النظام الملكي نفسه أمرا لا معنى له وأصبح الحديث عن الجمهورية وقرب الإعلان عنها مسألة وقت أن لم تكن أمرا محتوما ومن الجدير بالذكر هنا أن علي ماهر قد عارض في البداية إلغاء الملكية وأعرب لرجال الثورة عن رفضه في أن يستمر كرئيس للوزراء في ظل نظام جمهوري إلا أنه في نفس الوقت أعلن عن استعداده لقبول رئاسة الجمهورية إذا عرضت عليه وكان الكلام يدور حول الإعلان عن الجمهورية منذ شهر سبتمبر عام 1952 وقد كتب السفير البريطاني معربا عن رأيه في ذلك الوقت بأنه من غير الحكمة أن تعرض البلاد إلى من الإثارة مرة أخرى في ذلك الوقت وأنه ينوي أن يتحدث مع زميله الأمريكي حول هذا الموضوع من أجل دراسة إمكان معالجة ذلك الموضوع بأكبر قدر ممكن من الكياسة وبعد ذلك بفترة قصيرة يكتب السفير مرة أخرى أن الشائعات تتحدث عن بيان يلقيه اللواء محمد نجيب يوم 23 أكتوبر سيتم الإعلان فيه عن عزل الملك أحمد فؤاد ومنع أحفاد فاروق من عرش مصر وأن بذلك سيتبعه أما الإعلان عن الجمهورية أو تعيين الأمير عبد المنعم ملكا على عرش مصر ويعقب السفير أنه يميل إلى الإشاعات الثانية وأن كان ليس الآن وهنا نرى أن السفير البريطاني كان لا يزال متمسكا بالنظام الملكي حتى أخر لحظة رغم أن الإعلان عن الجمهورية لم يحدث إلا بعد ذلك بعدة أشهر في 18 يونيو عام 1953 وليس أدل من تعلق السفير بالنظام الملكي السائد من تفسيره لعزل رشاد مهنا من مجلس الوصاية فأولا كان عزله بمثابة المفاجأة الكاملة له باعترافه هو شخصيا بذلك قد أرجع ذلك إلى وجود خلاف بين رشاد مهنا ومحمد نجيب حيث كان رشاد مهنا يؤيد الإعلان عن جمهورية أو الخلافة وكان محمد نجيب يعارض ذلك ويذكر السفير بيان مجلس الثورة حول عزل رشاد مهنا الذي اتهمه بمعارضة الإصلاح الزراعي والتدخل في شئون الحكومة وأنه على اتصال بالصحافة الأجنبية ففي حديث مع مراسل الإذاعة البريطانية تحدث رشاد مهنا الذي اتهمه بمعارضة الإصلاح الزراعي والتدخل في شئون الحكومة وأنه على اتصال بالصحافة الأجنبية ففي حديث مع مراسل الإذاعة البريطانية تحدت رشاد مهنا عن السودان والجلاء عن مصر وأيد الوحدة بين مصر والسودان ثم أرسل نص الحديث إلى محمد نجيب على أن يذاع كبيان صادر عنه وكانت تلك الحادثة هي الفيصل في العلاقة بين مجلسا لثورة ورشاد مهنا فهو لم يكن من مجلس قيادة الثورة ويشك أصلا في انتمائه إلى الضباط الأحرار وعلى الرغم من عدم كونه من الإخوان المسلمين إلا أنه قد أظهر تعاطفا معهم وكان يعمل على تحويل الإخوان المسلمين إلى حزب سياسي ليحظى بتأييدهم له ويخلص السفير إلى نتيجة مؤداها أن عزل مهنا سيضعف من الاتجاه نحو الجمهورية.

وبعد عدة أشهر من قيام الثورة بدأت الخارجية البريطانية في تكوين تصور عام عن النظام الجديد بعد أن كانت تتحسس طريقها في البداية وتتساءل عن الأسلوب الأمثل في التعامل مع هذا النظام فانتهت إلى أن الثورة قد قام بها عدد من الضباط الصغار وعلى الرغم من توافر المعلومات عن وجود حالة سخط داخل الجيش إلا أن هذه المجموعة من الضباط قد نجحت في إخفاء نشاطها عن السفارة الإنجليزية ومعظم المصريين وكان نجاحهم السريع يعود إلى حسن التخطيط من جانبهم وافتقاد النام السابق إلى أي تعاطف شعبي وقد تعاملت بريطانيا مع النظام الجديد من البداية بحرص وحيطة كاملة خاصة وأن بعض أعضا الثورة كان لهم علاقات مع الجماعات المتطرفة وخاصة الإخوان المسلمين على الأقل في الماضي كان رأي بريطانيا أنه حفاظا على الصالح العام والاستقرار الداخلي فإن كان من الأفضل أن تستمر حكومة مدنية على أسس دستورية وعلى أساس أيدت بريطانيا وزارة علي ماهر في نفس الوقت كان اللاحتياطات والإجراءات العسكرية التي اتخذتها بريطانيا وسط قواتها في قاعدة القناة أثرها في الحد من اندفاع مجلس الثورة نحو اتخاذ إجراءات عنيفة أو متطرفة وبحلول شهر سبتمبر ظهرت على السطح مجموعة من الأحداث كان أبرزها الإعلان عن كشف مؤامرة داخل الجيش اضطرابات فلاحيه وعمالية ظهور الوفد كقوة سياسية من جديد، اعتقال أربعين من قيادات الأحزاب والنظام السابق مما دفع محمد نجيب إلى تشكيل الوزارة بنفسه في 7 سبتمبر عام 1952 قد رأت بريطانيا في الوزارة الجديدة دخول ثلاثة من العناصر المتطرفة مثل فتحي رضوان والشيخ حسن الباقوري في نفس الوقت الذي أصدرت فيه الولايات المتحدة قبل ذلك بعدة أيام بيانا تؤيد فيه برنامج الإصلاح الزراعي المرتقب وتشيد به.

وطبقا لمصادر المعلومات البريطانية السرية منها والعلنية فإن الاعتقاد الذي تولد لديهم هو أ،ه رغم أن سياسة النظام الجديد في حقيقتها سياسية إصلاحية إلا أن هدفها النهائي في الأغلب كان بناء القوة الذاتية المصرية حتى تستطيع استئناف المعركة الوطنية ضد بريطانيا في نفس الوقت الذي يستطيع فه مصر أن تحقق هدفها القومي هذا عن طريق استخدام أمريكا كأداة ضغط ضد بريطانيا لقبول المطالب المصرية.

ولكن بعد ثلاثة أسابيع من تشكيل محمد نجيب للوزارة تشير الدلائل إلى عكس ذلك فمحمد نجيب الذي كان يبدو صنيعة الضباط الصغار أصبح أكثر ثقة بنفسه مسيطرا على الأمور وإن كانت تقارير السفارة البريطانية والأمريكية في القاهرة تقول أن العناصر المعتدلة هي التي تسيطر على مجلس قيادة الثورة إلا أن ذلك لم يمنع من وجود خطرين قائمين: أولا أن هذه المجموعة ممكن أن تخضع لعناصر أو أفكار متطرفة فذلك ممكن أن يحدث عندما تشعر العناصر المتطرفة بالثقة نفسها فتبدأ في الظهور على السطح ثانيا في حال الفشل الداخلي فستلجأ نفس المجموعة إلى التطرف والشيوعية والعداء للغرب ها على افتراض استمرار النظام الحالي ولكن أيضا من الممكن أن يحدث انقسام في القيادة الحاكمة أو انقلاب جديد من قبل الوفد أو الإخوان المسلمين أو أي عناصر أخرى معادية للنظام ويخلص تقرير الخارجية البريطانية إلى الاتفاق مع السفارة الأمريكية في القاهرة على تأييد نظام محمد نجيب حيث أنه من الواضح أنه لا توجد أي حكومة بديلة تحول دون انتشار الفوضى وأن سياسة بريطانيا ممكن أن تعمل على الحفاظ على الاستقرار وتنمية الاتجاه نحو الاعتدال خاصة في السياسة الخارجية لذا تطلب وزارة الخارجية إمداد مصر بمساعدات مالية واقتصادية ومساعدة عسكرية في شكل عتاد أو تدريب أو خبراء على أن ترتبط هذه المساعدات بأسلوب أداء الحكومة المصرية.

ونقطة الضعف الأساسية في هذه السياسة القائمة على تأييد الاتجاه المعتدل هو أنها من الممكن أن تتحول إلى أداة ابتزاز في يد بعض العناصر من وجهة نظر الخارجية البريطانية حيث أنه من الممكن أن تكثر المطالب المصرية تحت حجة الحفاظ على الاتجاه المعتدل ويبدو أن الولايات المتحدة كانت موافقة تماما على هذه السياسة في محمد نجيب التي نتج عنه خلاف دائم مع السفارة الأمريكية في كل خطوة تؤخذ لأن المصريين أدركوا ذلك تماما بالنسبة إلى الولايات المتحدة كانوا على استعداد تام لاستغلال ذلك لمصلحتهم وبالتالي فعلى الحكومة البريطانية أن تصر على أن يكون هناك مقابل لكل خطوة تخطوها بريطانيا ويبدو من التقرير أن بريطانيا ما كانت تأمل في استقطاب النظام الجديد عن طريق إغراقه بالامتيازات كما كانت تفعل الولايات المتحدة بل كانت تفضل الأسلوب القديم في تقديم سياسة العصا قبل سياسة الجزرة بدافع عدم الثقة في النظام الجديد من ناحية خاصة وأنها بدأت تدرك أنه حتى لو أن النظام الجديد ليس شيوعيا كما كانت تخشى فإن أي نظام مهما كان معتدلا معاديا للشيوعية فهو في نهاية المطاف يجب عليه أن يكون معاديا لبريطانيا بحكم احتلال الأخيرة لبلاده وأنه من الاستحالة على أي نظام ليس فاسدا أو عميلا مثل النظام السابق أن يقبل بالوجود البريطاني وهنا كان تناقض موقف بريطانيا التي ما كانت ترضي بالنظام القديم لعلمها بأنه فاسد وسيؤدي إلى الشيوعية وما كانت ترضى بنظام آخر لأنه في النهاية سيكون وطنيا يطالبها بالجلاء فمن يرضى به بريطانيا لن يرضى بها ومن يرضى بحماية بريطانيا لن ترضى هي به، ومن هنا كان الدور الأمريكي المتزايد الذي عملت بريطانيا في البداية على تشجيعه ثم بدأت تشكون منه

مصر بين بريطانيا وأمريكا

بدأ السفير البريطانية في مصر يشكو أن السفير الأمريكي يسرق منه الضباط أو رجال الثورة فالخلاف الحقيقي في رأي السفير البريطاني يرجع إلى أن السفارة الأمريكية كانت تظن أن بإمكانهم أن يستخدموا نفوذهم الذي يحاولون أن يبدوه في صفوف الجيش في اتجاه الاعتدال وكان من الصعب التنبؤ بالمستقبل في ذلك الوقت لأن الخلافات بين الضباط بدأت في الظهور فقد كان المشكوك فيه القول أن البلاد بأكملها تقف موقفا صبا وراء حركة الجيش وفي ذلك الوقت فالإصلاح الزراعي والمشاكل بدأت تظهر في الجيش مثل المؤامرة التي كشف عنها أخيرا وكانت لا شك ليست الوحيدة والضباط المتطرفون الذين يطالبون بنصيبهم في الثورة ثم أخيرا الاتجاه الواضح لمجلس قيادة الثورة فيلعب دور أكبر في المسائل السياسية وأخذ الأمور بين أيديهم وليس أدل على ذلك من عدد الضباط الذين تركوا الجيش من أجل تولي مناصب إدارية في الحكومة مما سيؤثر دون شك في درجة كفاءة الجيش القتالية خاصة مع إعادة تنظيم الشرطة وعدائهم ضد الجيش مما سيؤثر على حفظ الأمن والنظام ويقول التقرير أن الجيش إذا أحس بضعفه فسيشعر بالحاجة إلى عمل شيء ما يجذب الأنظار لإقناع الرأي العام الداخلي في مصر أن حركة الجيش لم تفقد قوة دفعها وأنه إذا كان ذلك حتما فإن الأغلبية أن ذلك سيدفع مجلس قيادة الثورة إلى مواقف أكثر تشددا. وأن القيد الوحيد على المجلس هو خوفهم من احتمال تدخل بريطانيا بشكل سافر إلا أنه يبدو أن الولايات المتحدة فعلت ما بوسعها لإزالة مثل هذا الخوف لدى مجلس قيادة الثورة فالبيان الذي أصدرته أمريكا في 3 سبتمبر 1952 ثم البيان الأخر وصفه التقرير البريطاني أنه محاولة من كافري (السفير الأمريكي في القاهرة) لنهاية محمد نجيب وزمرته العسكرية على حسب وصف التقرير الإنجليزي وخلق انطباعا أن الولايات المتحدة ستساند النظام في مصر مهما فعل طالما أنهم لن يدخلوا عناصر شيوعية في الحكم، وأنه النظام في مصر ممكن أن يعتمد على الولايات المتحدة في منع أي تدخل بريطاني ورغم تفهم بريطانيا لدوافع أخرى لزيادة نفوذه عند الجيش إلا أن ذلك لا يجب أن يكون على حساب زيادة نفوذ المتطرفين في مصر الذين يعتقدون أنهم من الممكن أن يلعبوا بورقة أمريكا ضد بريطانيا ومن المفهوم أن الولايات المتحدة لا تملك وسائل التهديد بالعنف في الخف مثل بريطانيا ولكن ذلك لا يعني أن يستخدما العسل حسب تعبير التقرير مع المصريين دون أن يدركوا أن ذلك لا ينفع وأن بريطانيا لا تهتم بذلك مادام لا يؤثر ذلك على مركزها ونفوذها في مر وهو ما حدث فعلا بدفعنا إلى التساؤل عن دور أمريكا في ذلك الوقت فالواضح من كلام السفير الإنجليزي أن أمريكا كانت على استعداد تام لتأييد النظام الجديد طالما لا يضم أي عناصر شيوعية فهل انتهز عبد الناصر فرصة أزمة مارس بعد ذلك ليتخلص من الضباط الشيوعيين في مجلس الثورة من أمثال خالد محيي الين وقبل ذلك يوسف صديق وبذلك يطمئن الأمريكان حتى ينجح في استخدامهم ضد بريطانيا على نحو ما حدث بالفعل.

بريطانيا وعبد الناصر ومحمد نجيب

ومع بداية العام الجديد عام 1953 كتبت السفارة تقريرا حول الخلافات التي بدأت تظهر داخل مجلس الثورة نورده كما يلي:

1- النظام لا يخضع لمحمد نجيب لكن لمجلس قيادة الثورة، ولكن محمد نجيب بمثابة أب روحي أوريس مجلس إدارة وهو ليس أديب الشيشكلي في سورية، ولكن إزدياد شعبيته قد تدفع عددا من أعضاء المجلس إلى الغيرة منه.

2- المجلس (أي مجلس قيادة الثورة) ككل على اتفاق تام حول الأهداف في الاستقلال التام والإصلاح الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

3- الخلافات قد تكون حول الأساليب وقد تكون عميقة مثل جمهورية أم ملكية أفضل الإصلاح المنشود (لم تكن الجمهورية قد أعلنت بعد)

4- محمد نجيب بحكم سنة وطباعه ونضجه يقف وحيدا عن بقية أعضاء المجلس.

5- رغم تقارب السن والأحوال الاجتماعية إلا أن اختلاف الطبائع والانتماءات السياسية خاصة مع دعوة الأحزاب (لم تكن الأحزاب توصلت بعد) دفع الانتماءات السابقة إلى الظهور لكن بعد 15 يناير وقرار المجلس بالدكتاتورية العسكرية المفترض أن يتوحد الجميع.

6- عبد الناصر شخصية مسيطرة يستطيع أن يحمل معه الأقل حركة ونشاطا. وتأثير السادات يأتي بعد عبد الناصر ولا يوجد معتدل ومتطرف بصفة عامة وكل موضوع يبحث على حدة مثلا موقف جمال سالم من الإصلاح الزراعي كان عنيفا لكن في باقي المسائل نجده في غاية الاعتدال عبد الناصر رغم أنه كان من الإخوان المسلمين إلا أنه أكثر اعتدالا من السادات.

7- بجانب محمد نجيب فإن حسن إبراهيم وغالبا حسين الشافعي هما الأكثر اعتدالا في مسألة المفاوضات معنا.

8- المشكلة ليس في مجلس قيادة الثورة ولكن في الجيش بصفة عامة والشعب ومدى قدرة المجلس على الاحتفاظ بتأييدهم والسيطرة عليه فحتى الآن فإن الإخوان يؤيدونهم ولا خوف من تحالف الوفد مع الجيش.

ونلاح هنا أن هذه أول مرة يذكر فيها اسم س وأنه الشخصية القوية في المجلس وأن محمد نجيب معزول داخل المجلس بحكم السن على الأقل ويبدو من هذا التقرير وفي التقرير الآخر الذي سنعرض هل أن اهتمام الإنجليز الأول كان في مدى تأثير استقرار النظام وتماسكه على موقف النظام الجديد مع بريطانيا لأن ما كان يهم بريطانيا في الدرجة الأولى هو استمرار قاعدتها في قناة السويس وهي إذ أيدت نجيب أو غيره فبدافع أن ذلك في مصلحة بقاء بريطانيا في مصر ولذلك فإن حل مشاكل النظام الداخلية كان في رأي بريطانيا هو خير ضمان لاعتدال سياسة النظام الجديد الخارجية أما إذا فش النظام داخليا فإن ذلك كان سينعكس على المفاوضات المصرية البريطانية المقبلة بما يعني ذلك من مزيد من التشدد من جانب المصريين في المفاوضات المقبلة وتلخص الخارجية البريطانية الموقف حتى 15 يناير 1953 بالآتي:

1- عدم توصل النظام الجديد إلى حل للمشكلة الاقتصادية وحل سريع لمشكلة السودان وقاعدة قناة السويس.

2- حاول النظام الجديد بأغصان السلام للمعارضة عن طرق الإفراج عن المعتقلين وإعادة تشكيل الحكومة ودعوة الأحزاب قبل حلها للمشاركة في لجنة الدستور ولكن الهدف كان قط كسب الوقت وهو ما أدركته الأحزاب فسحبت تأييدها مما دفع الجيش إلى تكوين هيئة التحرير الذي يعده الوفد موجها إليه في الأساس.

3- أن فشل الجيش في الجبهة الداخلية دفعها إلى البحث عن نصر خارجي وكان الأمل معقودا على التوصل إلى حل سريع للمسألة السودانية ولكن المفاوضات لم تؤد إلى النتيجة المرجوة وحدثت أزمة ثقة في القيادة أخذت شكلا حادا.

4- زاد النقد الموجه إلى محمد نجيب لافتقاره إلى الحزم والقوة المطلوبين ولكن تعديل مجلس الوزراء أعاد الأمور إلى نصابها غير أن الأزمة عادة مع تعثر حل مسألة السودان مما دفع عبد الناصر إلى التقارب معا منها.

5- لا شك أن الخوف من المماطلة البريطانية وعدم القدرة على حل المشاكل الداخلية دفع النظام الجديد إلى زيادة حدة الهجوم على بريطانيا.

6- الكلام حول خلاف بين ناصر ونجيب مبالغ فيه، فالخلاف ليس على الأهداف ولكن على الوسيلة واستخدام القوة فالجيش يدرب بعض الرجال على حرب العصابات ولكن منذ مقابلة السفير البريطاني مع عبد الناصر ازداد الأخير اقتناعا بإمكانية الوصول إلى حل سياسي.

7- الخلافات داخل المجلس عسكت نفسها في الوزارة فمحمد فوزي وسليمان حافظ مع نجيب في حين أن فتحي رضوان مع ناصر ويوجه بعض النقد داخل المجلس ضد سليمان حافظ بسبب عدائه الشديد للوفد مما يجعل مهمة كسب بعض العناصر الوفدية أمرا صعبا.

8- أن أزمة النظام دفعت بعض العناصر القديمة إلى محاولة الاتصال بالسفارة البريطانية لأول مرة والتأكيد على أنه يمكن التوصل إلى تسوية مرضية للخلاف المصري البريطاني بعد انهيار حركة الجيش.

9- أن الإخوان المسلمين يؤيدون عبد الناصر .

وتبدو بريطانيا في الانتباه للخلافات داخل مجلس قيادة الثورة التي تكون مقدمة للأحداث التي عرفتها البلاد بعد ذلك بعام باسم أزمة مارس عام 1954 ورغم أن أول هذه الخلافات أخذت شكل اعتقال رشاد مهنا في صبيحة يوم 15 يناير عام 1953 التي أرجعتها مصادر السفارة إلى أزمة الثقة التي تعرض لها المجلس بسبب عدم التوصل إلى حل سريع لمسألة السودان فإنه من الواضح أن السفارة كانت قد بدأت تربط بين أي أزمة يتعرض لها النظام وبين حلمة الاعتقالات ضد المعارضة أو حملة هجوم ضد بريطانيا لتغطية تلك الأزمة في رأيها فقد أتهم رشاد مهنا بتدبير مؤامرة لقلب محمد نجيب مع عدد من المدنيين مثل فؤاد سراج الدين وإبراهيم طلعت والنبيل عباس حليم وطبقا للرواية التي وصلت إلى السفارة البريطانية فإن المؤامرة لم تكن مكتملة ولم تكن محمد نجيب بل ضد بعض الأفراد في مجلس الثورة الذين لم يحددوا وأن الغيرة من رشاد مهنا والتفاف بعض الضباط حوله دفعت المجلس إلى اتهامه بالمؤامرة وقد حاول الوفد انتهاز الفرصة ولو كان سمح له بذلك لظهرت حركة من أنصار مهنا والوفد والشيوعيين وكان الهدف من هذه الحركة هو تعيين رشاد مهنا رئيسا للوزراء أو وصيا على العرش والسماح لنجيب بالعودة للجيش كقائد عام، وإن قرار مجلس الثورة بالتحرك كان بالإجماع وكان أنور السادات أول من حبذ ذلك عكس ما يشاع من معارضته لذلك وكان تحت الإقالة الجبرية وأن مهنا رغم ادعائه بأنه من الإخوان إلا أنهم هم الذين نبهوا المجلس إلى ما يحدث وما يلفت النظر في هذه الرواية الدور المتزايد الذي بدأ يلعبه الإخوان فتقرير سابق يتحدث عن تأييد الإخوان لعبد الناصر وهذا التقرير يكشف عن الدور الذي يلعبه الإخوان في الإيقاع برشاد مهنا .

وتتابع السفارة البريطانية جولة محمد نجيب بعد ذلك في صعيد مصر في الفترة من 21 حتى مارس وتقارنها بجولة في الدلتا في خريف العام السابق حين كان يتحدث عن الإصلاح الاجتماعي وكيف أنه هذه المرة قد ركز على قضية الجلاء وإشاعة جو من الكراهية ضد الإنجليز على حسب تعبيرهم وكيف ظهر مركز عبد الناصر كالساعد الأيمن لمحمد نجيب خاصة عندما زار موكب نجيب مسقط رأس عبد الناصر في بني مر ووصفه نجيب له بأنه عقل وقوة حركة الجيش رغم أن عبد الناصر لم يحاول أن يظهر في الصورة بشكل لافت للنظر وتخلص السفارة من ذلك إلى أن مركز النظام قد تعزز بعد هذه الجولة خاصة بعد ظهور الحكم في قضية رشاد مهنا وأنصاره ولكن السفارة تتراجع عن هذه النتيجة بعد ذلك بأسابيع قليلة حين تكتب أن المعارضة للنظام قد زادت في الأسابيع الأخيرة وأكثر انتشارا عما كانت عليه في سبتمبر نوفمبر من عام 52 أو يناير مارس من ذلك العام عندما اتخذ النظام إجراءات مضادة ضد العناصر المناهضة ويظهر ذلك رد فعل الناس لخطب الضباط خاصة في الجولات التي قام بها هؤلاء الضباط خارج القاهرة حتى أن شعارات كتبت على الحوائط تقول أن فاروق كان أفضل من نجيب وأن جولة محمد نجيب في الصعيد تعد أٌل نجاحا عما بدت عليه في الوهلة الأولى وأن عددا من الضباط قد زار الأقاليم من أجل الحصول على لاتأييد لهيئة التحرير حيث طافوا الدلتا والصعيد مع التركيز على الإسكندرية ويظهر من استمرار تلك الحملة أن الشعب قد تعب من حكم الجيش فالخطب كانت مثل خطب نجيب في الصعيد وبدأ الاهتمام واضحا بالتجارة والصناعة عن طريق زيارة المؤسسات الصناعية والتجارية ولكن الكلام عن التنمية والتطور الاجتماعي والاقتصادي أصبح أكثر عمومية عن ذي قبل وأصبح التنديد ببريطانيا أكثر حدة رغم لا مبالاة أو عداء الجمهور المعادية للإنجليز خاصة رجال الصف الثاني من الإدارة.

فمحافظ الإسكندرية في حديث خاص أعرب عن صدمته لاستهتار حكام مصر الجدد أ/ا قائد الجناح حسن إبراهيم عضو مجلس الثورة فقد قال في عدة مناسبات أن الخطب ضد الإنجليز كان مبالغا فيها وقد وصف الإنجليز مؤيدي النظام بأنهم من أنصاف المتعلمين الذين يدعون العلم والحماقة ويفتقرون إلى الذكاء ويشكلون الأغلبية في الأوساط السياسية أو من يدعون الوعي السياسي وهم منتشرون في هيئة التحرير والإخوان المسلمين والمتطوعين في كتائب التحرير هؤلاء الذين يرسلون رسائل لمحمد نجيب مكتوبة بالدماء ويرسلون برقيات للسفارة البريطانية يطالبون فيها بالجلاء أو الفناء وترى السفارة أن حزب الوفد يقف من كل ذلك موقف المشجع بهدوء لمزايدات قادة الجيش ولا يمانع من وقوع عمليات انتحارية ضد الإنجليز لأنهم يعلمون أن مثل هذه العمليات ستتسبب في اضطراب داخل البلاد والنظام وبالتالي تهيئ احتمال عودتهم إلى الحكم ولكن ما لم يخطر ببالهم في (رأي السفارة) هو قدرتهم على الاحتفاظ بالسلطة بعد ذلك أما بالنسبة للإخوان فلا يبدو عليهم (في رأس السفارة) أنهم سعداء بالموقف فالمتطرفون منهم سعداء بالخراب الذي سيحل بالبلاد، أما المعتدلون فيخشون من نجاح الجيش ويغارون من النجاح المحدود لهيئة التحرير التي قد تتطور إلى منظمة بديلة عن الإخوان يمكن للجيش أن يعتمد عليها كما أنهم يخشون أن لا تتحمل منظمتهم الفترة المضطربة التي سيقدمون عليها في نفس الوقت فإن الإخوان المسلمين هم القوة المنظمة الوحيدة بجانب الجيش وهم أقرب ما يكونون من السلطة عن أي فترة سابقة ولا يريدون أن يصفوا أو يلحق بهم الدمار مع الجيش ولا شك أنه في حالة تدهور العلاقات مع بريطانيا إلى حد المواجهة المسلحة فإن الإخوان ولكتائب سيكونون تحت تصرف الجيش وأن الإخوان سيطالبون بثمن هذا التأييد على شكل دستور إسلامي وكيان مستقل مع حق الاحتفاظ بقوة عسكرية لهم وحتى لو رفض النظام دفع مثل هذا الثمن فمن غير المرجح أن يحجبوا تأييدهم عن الجيش في النهاية أما عن العمالة فإنهم مستاءون بعد أن أحبطت آمالهم ويظهرون اهتماما أقل بمحتوى الخطب ونظرا للقصور في النواحي المالية فلم يقم النظام بتمويل المظاهرات العمالية أما الفلاحون فيفتقرون إلى خدمات كبار الملاك الاجتماعية والزراعية التي لم يستطيع النظام الجديد أن يحل محلها فالمعدمون منهم يعملون بأقل من الأجر الرسمي بمقدار النصف أو الربع وحتى هؤلاء يتم التخلص منهم لعدم وجود عمل لهم وفي النهاية ينتهي رأي السفارة إلى أن النظام يمر بحلقة أو سلسلة من الأحداث من ظهور معارضة ضد النظام ثم حملة الاعتقالات بمعدل مرة كل شهرين وحركة المعارضة في شهر مايو من عام 1953 كانت أكثر حدة عن كل مرة سابقة لأن جهود النظام كانت موجهة ناحية المفاوضات مع الإنجليز أدى ذلك لعدم قدرة النظام على التعامل مع المعارضة مما أدى إلى تعنت الجانب المصري في المفاوضات حسب اعتقاد الإنجليز مثلهم ي ذلك مثل من سبقوهم وذلك بالتشدد في المسائل الخارجية لتعويض الفشل أو تغطية الإخفاق في المسألة الداخلية وأنه من الأرجح أن هذه المناورة قد نجحت وبالتالي فمن الممكن أن يستمروا في حملة الاعتقالات حتى ينجحوا رغم أن رأي السفارة أن النظام يقوم بعمل إجراءات تجعل من مهمتهم أكثر صعوبة في التوصل إلى جلاء القوات البريطانية فإذا تحقق لهم ذلك فإنهم ممكن أن يسكتوا المعارضة ولو إلى حين أن تظهر نتائج إصلاحاتهم الاقتصادية والاجتماعية.

ويستمر نفس التحليل طوال الأشهر التالي من أن معركة النظام أصبحت من أجل البقاء فقد ولت موجة التفاؤل والحماس والتوقعات بسبب المصاعب الاجتماعية والاقتصادية ولم تظهر نتائج الإصلاح الزراعي على الفور وبدأت الانشقاقات تدب في صفوف الجيش والمعارضة ضد التام تتسع ولم يكن أمام النظام من بديل سوى زيادة كبت الحريات والتشدد في المفاوضات مع الإنجليز على أمل التوصل إلى حل ينقذ النظام من ورطته ويصف تقرير بريطانيا أخر الوضع في منتصف عام 53 بأن النظام قد فشل في تحويل الانتباه من معركة البقاء التي يمر بها النظام إلى الأماني القومية وأن الإخوان منقسمون في كيفية التعامل مع الجيش وأن الفتور العام منتشر خاصة وسط العمال والفلاحين وأن النظام لم يعمل على تنشيط الشعور العام ولا سمح للقوى الأخرى ببذلك وعلى عكس من سبقوه لم يسع إلى تنظيم المظاهرات ولم يطلق الصحافة وأن معركة النظام من أجل بقائه أصبحت أقوى من معركته ضد الإنجليز ولكن هذا التحليل لم يكن سليما تماما حيث أنه قد ثبت بعد ذلك أن النظام كان أقوى مما ظهر في الأحداث التي وقعت بعد ذلك وأدت إلى التخلص من كل معارضي النظام بدءا بالإخوان حتى التخلص من نجيب نفسه.

بريطانيا وأزمة مارس

في 14 يناير من عام 1954 تم حل جماعة الإخوان المسلمين بعد اهتمامهم بمحاولة التأثير واختراق الجيش والبوليس، وكان رأي السفارة البريطانية أن العكس هو الصحيح بدليل أن عدد المقبوض عليهم وسهولة ذلك تم كما يبدو بعد إعداد مسبق كما أن وجود كمية من الأسلحة في منزل حسن العشماوي الريفي لا يعني شرط وجود مؤامرة ولكن كما هو معروف منذ زمن طويل أن هذه الأسلحة كانت من أجل القيام بأعمال فدائية ضد القوات البريطانية وعلى حسب تعبير السفارة البريطانية فإن الأدلة حول وجود مؤامرة إرهابية لقلب نظام الحكم تبدو متناقضة وتكمل السفارة رأيها في حل جمعية الإخوان المسلمين قائلة أن العلاقة بين مجلس قيادة الثورة والإخوان المسلمين متدهورة منذ فترة ولا يوجد أي دليل على أن أحداث الجامعة في 12 يناير كانت من تدبير الإخوان أو مقدمة الانقلاب جديد بل أنه من الأرجح أن الفرصة قد استخدمت إن لم يكن قد تم تدبيرها من أجل القضاء على الإخوان لماذا إذن في هذا التوقيت بالذات وكانت الإجابة للسؤال الذي طرحته السفارة على نسها هو: هل من أجل إطلاق يد النظام في الوصول إلى اتفاق معهم؟ لا لأنه من الممكن أن يكون الإخوان قد قرروا القيام بعمليات فدائية ضد القوات البريطانية لأحداث أزمة بين النظام والقوات البريطانية ولا يوجد دليل على ذلك بل الأغلب في الأحداث أزمة بين النظام والقوات البريطانية ولا يوجد دليل على ذلك بل الأغلب في رأي السفارة هو فشل النظام في خلق قاعدة للتعاون المشترك مع الإخوان حيث أن ضم بعض عناصرهم مثل الشيخ الباقوري إلى الوزارة لم يأت بالنتائج المرجوة وكان الخلاف هو دمج وحدا الإخوان في هيئة التحرير ودرجة التسليح إلخ وتغير الموقف في منتصف عام 53 عندما تقرر تقليم أظافر الهضيبي المرشد العام وأنصاره عن طريق السيطرة على مكتب الإرشاد في انتخابات أكتوبر ورغم نجاح مجلس قيادة الثورة إلى حد كبير إلا أن السيطرة على الإخوان والمجموعة الإرهابية لم تنجح وعندما فشل كل ذلك لم يبق سوى استخدام العنف وكانت أحداث الجامعة الفرصة المناسبة وتخلص السفارة إلى أن مستقبل الإخوان في هذه اللحظة أصبح غامضا فالنظام يحاول ضمهم إلى هيئة التحرير حيث أعلن إبراهيم الطحاوي مساعد السكرتير العام أن الهيئة تقبل الجميع على أن يكون ماضيهم غير ملوث و أنور السادات من خلال مقالات في الجمهورية يحاول استمالة القاعدة الإخوانية وحزب قيادتها في نفس الوقت.

فيكتب على أن النظام الحالي يحافظ على القيم التي أدت إلى نشأة الإخوان في المقام الأول وكن في رأي السفير أنه من الأفضل للنظام في ظل عزلته الحالية إما أن يضم إلى صفوفه الإخوان أو يحولهم إلى جمعية دينية بحتة. ورغم عدم اعتقاد السفارة بأن الهدف من حل جمعية الإخوان كان دفع المفاوضات المصرية البريطانية إلا أنه عمليا قد يؤدي إلى ذلك لأن الإخوان كانوا سيعارضون أي اتفاق مع بريطانيا وضربهم قد أزاح تلك العقبة وأن ذلك قد يدفع النظام إلى اكتساب الثقة بنفسه ولكن في نفس الوقت عليه أن يظهر بأن لا يقل وطنية عن الإخوان لذلك ترجع السفارة الأعمال الفدائية الأخيرة ضد قواتها في منطقة القناة إلى أنها من فعل المخابرات العسكرية المصرية من أجل إظهار النظام بمظهر المدافع عن القضية الوطنية وهو ما حدث بالفعل بعد ذلك حيث توصلت مصر إلى اتفاقية الجلاء مع بريطانيا في نفس العام.

وإذا كان حزب الإخوان قد اكسب النظام مزيدا من الثقة بنفسه، فإن ذلك قد انعكس على أعضاء مجلس الثورة أنفسهم حيث ظهرت الخلافات واضحة للعيان لأول مرة فيما عرف بعد ذلك باسم (أزمة مارس) فدون الدخول في تفاصيل الأزمة فإن محمد نجيب قدم استقالته في 14 فبراير ثم سحبها وفي 6 مارس قرر مجلس قيادة الثورة انتخاب جمعية تأسيسية تجتمع في يوليو من نفس العام وفي 25 مارس صدر قرار يسمح بعودة الأحزاب وفي نفس الوقت صدر قرار بحل مجلس قيادة الثورة يوم 24 يوليو من نفس العام ولكن في 15 أبريل صدرت ما يسمى بقرارات تأمين الثورة التي كانت رجوعا على كل القرارات السابقة وتم حرمان الوزراء الحزبين السابقين من حقوقهم السياسية وفي 17 أبريل أعلن عن تشكيل وزارة جديدة برئاسة جمال عبد الناصر وقد تابعت السفارة الإنجليزية هذه التطورات باهتمام بالغ لما لها من تأثير مباشر على سير المفاوضات التي كانت تجري في ذلك الوقت. وقد لاحظت السفارة مقالة أنور السادات في الجمهورية التي كتب فهيا أن محمد نجيب طلب بعد 5 مارس إعطاءه سلطات رئيس الجمهورية في ظل نظام رئاسي وأن حتى خالد محي الدين اعترض حيث أن الاتفاق كان على جمهورية برلمانية وأمام رفض المجلس سحب محمد نجيب اقتراحه وطالب بأن يكون رئيسا للوزراء وقد وافق المجلس واقترح عبد الناصر أيضا أن يكون رئيسا لمجلس قيادة الثورة وفي رأي السفارة أن الاتهامات التي كيلت ضد نجيب كانت متناقضة فهو كان يسعى للانفراد بالسلطة من ناحية وإلى عودة الديمقراطية فورا من ناحية أخرى ولا شك أنه كان يسعى إلى تصحيح أخطاء المجلس في رأي السفارة فبعد حل الإخوان المسلمين في يناير ومحاكمة الثورة ازداد الاقتناع لديه بضرورة تصحيح تلك الأخطاء عن طريق ضمان دستوري وترى السفارة أنه من المحتمل جدا أن نجيب لم تكن لديه أفكار واضحة حول الصلاحيات الدستورية لتحويل مجلس قيادة الثورة إلى حكومة فعالة، وأنه كان من الممكن أن يقنع بدوره لو أن المجلس كان على استعداد للأخذ ببعض آرائه بدلا من تجاهلها تماما ولو أن ذلك كان صحيحا كما ترى السفارة فإن ذلك قد يفسر في رأي السفارة قبوله لجمهورية برلمانية وتقييد سلطاته رغم أنه يبدو واضحا أنه كان غير مستعد لعودة الحياة البرلمانية فورا وأن يفكر في جمعية معينة فبعد عودة نجيب من زيارته للسودان في الأول من مارس فإن القوى المتطرفة من الجانبين كانت تعمل هي الأخرى فصلاح سالم كان يريد الاحتفاظ بالسيطرة المطلقة لمجلس قيادة الثورة وعلى الجانب الأحزاب فإن الأحزاب التقليدية كانت تريد استغلال الموقف على أمل أن يعاد نشاطها.

حتى السنهوري والعمري وسليمان حافظ ، مستشاري محمد نجيب اعتقدوا أن جمهورية رئاسية تجعله يعلب لصالح الأحزاب التقليدية فبعد الوصول إلى قرار تأسيس جمعية تأسيسية عن طريق الانتخابات المباشرة ورفع الرقابة أصبحت المسألة الأصلية وهي سلطات محمد نجيب موضوعا ثانويا أمام دعوة الديمقراطية ويبدو أن نجيب قد حمله التيار ولم يكن مستعدا لوقف الأحداث وواضح أن عبد الناصر كان يلعب لصالح كسب الوقت سواء رحب أو لم يرحب بعودة نجيب الذي يبدو أنه في البداية كان نادما حقيقة على قرار عزله والذي أدرك أن نجيب على استعداد للتخلي عن سلطاته أو الرجوع عن جمهورية برلمانية وأن عبد الناصر كان يعمل بصبر ودهاء لتعزيز موقعه وبدلا من قبول الحل الوسط الذي يعد نصرا معنويا لنجيب سمح بل شجع على إعادته في نفس الوقت الذي لم يقف فيه مع أشد أنصاره تطرفا جمال سالم ولم يستغل الأغلبية في المجلس التي تؤيده هذه السياسة التي بدأت برفع الرقابة عن الصحف أدت إلى عودة الأحزاب وكان هدفه هو خلق حالة تدفع إلى تدخل الجيش أو رد فعل لدى الشعب ضد الساسة التقليديين.

ولا شك أنه نجح في كسب الوقت وفي تدعيم سلطة المجلس في الجيش وإعداد الحرس الوطني وهيئة التحرير والنقابات العمالية للحركة وبالتالي تحدي نجيب على أرضه داخل الجيش وأثبت أنه سياسي محنك وهزم الساسة التقليديين في لعبتهم بموقعه كرئيس للدولة ورئيس للوزراء ويستطيع أن يحجب توقيه واستعمل ذلك الحق في التأثير على قرار 5 أبريل ومنع تقديم عبدا لجليل العمري أمام محكمة الثورة ولكنه ما زال يعتمد على عبد الناصر ومجلس قيادة الثورة أما التعامل فقد شعروا بقوتهم وعاد الإخوان إلى الساحة السياسية مرة أخرى وقد أثبت عبد الناصر ومجلس القيادة سيطرتهم على غالبية الجيش وكان لمرض محمد نجيب في ذلك الوقت بالذات أثره في ابتعاد العناصر المتطرفة دون أن يظهر البديل ولكنهم لم يعودوا يشعرون بالثقة التي كانوا يشعرون بها في بداية الثورة.

بدأ الإنجليز يعدون العدة لما بعد نجيب بل لقد تساءلوا حول احتمال اغتيال أو سقوط نجيب وهل يوجد من يؤيدونه هل يوجد زاهدي مصري (إشارة إلى زاهدي الذي قام بالانقلاب على مصدق لصالح الشاه إيران) بعد أن يثبت أن النحاس مصدق مصري على حد قول السفير البريطاني وكانت الاحتمالات القائمة من وجهة نظر بريطانيا هي:

1- أن يأخذ أحد أعوان محمد نجيب غالبا جمال عبد الناصر ، الزمام في يده ويشيد نظاما أكثر صرامة ودكتاتورية عن الآخر.

2- انقلاب جديد بتأييد من الوفد

3- انتشار الفوضى وحكم الغوغاء ينتج عنه سيطرة الإخوان أو ظهور زعيم جديد مؤيد من الوفد والإخوان وكان النتيجة بالنسبة للإنجليز أنه أيا كانت الاحتمالات فإن ذلك كان يعني مفاوضات أكثر صعوبة ولم يكن أمام بريطانيا عندئذ مفر من تأييد البديل أن ظهر ذلك البديل ولكن كان السؤال بالنسبة لهم هل يعني هذا التأييد أية التزامات مادية أو عسكرية؟ وكان رأي السفير أنه لا يوجد بديل ممكن مساعدته، وأن اغتيال نجيب أو ناصر سيؤدي إلى زيادة وحدة مجلس قيادة الثورة وقمع المعارضة وأن أي فرصة لتغيير القيادة من خلال وسائل أخرى تبدو ضعيفة.

وقد كتب الإنجليز تقريرا عرض على حلف الأطلنطي بعد أحداث مارس أشاروا فيه إلى أن أزمة مارس قد أصابت النظام في مصر بصدمة ولكن الجيش مازال يؤيد مجلس قيادة الثورة والأمور تحت سيطرتهم ولكن ما زال على النظام ترويض الطلاب وأن الخطر يكمن في الإفراج عن الإخوان المعتقلين كما أن وحدة مجلس الثورة والجيش ستظل قائمة إلى حين ولكن بقاء مجلس الثورة يعتمد على اتفاقية القناة أما الاحتلال الأرجح فهو أن يستمر النظام بعد الفترة الانتقالية التي أعلنها نجيب في يناير 1953 بثلاث سنوات وأن كان مع تعدد الأزمات فإن الهجوم على بريطانيا والغرب سيزيد كما أن فلسفة المجلس لم تعيرها الأحداث التي ما زالت معادية للشيوعية ونسبيا إلى حد ما مع الغرب ولا توجد حكومة بديلة في الأفق الحالي أكثر ملائمة للغرب من الحكومة الحالية أخيرا فإن استعمال عبد الناصر للعمال ضد نجيب سلاح ذي حدين لأنهم من الممكن أن يفلت زمامهم من يد الجيش وأن كان يبدو أن عبد الناصر مسيطر عليهم تماما.

وبعد شهر تقريبا تكتب السفارة من القاهرة أن موقف النظام قد تحسن خلال الأسابيع الماضية وأن المعارضة داخل الجيش قد تم القضاء عليهم مع اضمحلال سلطة محمد نجيب والقضاء على خالد محيي الدين ترى هل كان ذلك ثمن تأييد الأمريكان لمصر أمام بريطانيا) وأن أسباب الانقسام قد زالت فنجيب معزول لا حول له ولا قوة وأن عبد الناصر على درجة من القوة الآن بحيث يستطيع أن يقول لمراسل الأسوشيتد برس في 2 مايو أن محمد نجيب لا يهتم الآن سوى بواجباته الشكلية كرئيس للدولة دون أي دور يلعبه ويبدو أن جمال سالم كان يريد موقفا أكثر تشددا مع نجيب ولكن المجلس بصفة عامة متجانس وعبد الناصر أكثرهم تميزا معنويا وهكذا أدرك الإنجليز أن جمال عبد الناصر قد خرج منتصرا من أزمة مارس لذلك لم يكن مستغربا أن يتلقى الجنرال جلوب في الأردن تقريرا عن قرب عزل نجيب وذهابه إلى السعودية حيث وافق الملك سعود على إيوائه وأن لم يستطيع الإنجليز التحقق من صحة ذلك فعلى الأقل كانوا يعلمون أن أيام نجيب أصبحت معدودة بل أن السفير البريطاني يكتب أن زميله العراقي أخبره أن رئيس الوزراء السوداني حاول أن يتوسط بين نجيب وعبد الناصر وأن نجيب مستاء من اتهام عبد الناصر له بأن المظاهرات التي خرجت لتأييده كانت من أعداء النظام ككل وليس أنصاره فقط وأنه قانع بموقعه الآن على أمل أن يخفف من قبضة النظام التسلطية ويقول السفير العراقي أن نجيب لم يعقب على اتفاقية القناة بعد عبد الناصر لأن تعقيبه سيكون بلا معنى وأنه ينتظر التوقيع عليها ليعقب عليها كرئيس دولة وأنه موافق عليها إلا أنه من الواضح أن أيام نجيب أصبحت معدودة وقد أصبح مجرد رئيس شرفي.

وأتت محاولة اغتيال عبد الناصر في حادثة المنشية بالإسكندرية في شهر أكتوبر من قبل أحد عناصر الإخوان المسلمين لتزيد من شعبية عبد الناصر من ناحية وتعطي الفرصة له للتخلص من نجيب نهائيا فكما لاحظت السفارة الإنجليزية أن أحد زملاء عبد الناصر رأى أن محاولة الاغتيال هذه لن تهز معنويات النظام كما قال بل على العكس فإن رصيد التعاطف مع عبد الناصر سوف يزداد وتوافق السفارة على هذا الرأي ورغم أن نائب المرشد العام للإخوان المسلمين قد أرسل برقية تهنئة لعبد الناصر على نجاته إلا أن المتظاهرين أشعلوا النار في مقر الجماعة وتم اعتقال الكثير من الإخوان في القاهرة والإسكندرية والإسماعيلية ولم يمض شهر واحد حتى كتبت السفارة تقول أن محمد نجيب قد فشل في تأييد مشروع المعاهدة وأن الشائعات والدلائل تشير إلى قرب مواجهة بين رئيس الوزراء عبد الناصر ورئيس الجمهورية محمد نجيب وكيف أن الارتياح يسود الأوساط المعتدلة للمعالجة التي واجهت بها الحكومة حركة الإخوان رغم خيبة الأمل في عدم استقرار اتفاقية القناة بعد وبعد عشرة أيام تبرق السفارة الإنجليزية في القاهرة إلى لندن قائلة أنه تم عزل محمد نجيب رئس الجهورية بناء على قرار من مجلس الوزراء في اليوم السابق (13 نوفمبر 1954) وأن عبد الحكيم عامر وزير الدفاع وحسن إبراهيم وزير شئون الرئاسة قد أبلغا الخبر لنجيب الذي تقبل الوضع بهدوء وتم وضعه تحت الحراسة في منزل بالمرج وقد تم الربط بين الإخوان ونجيب عندما أعلن بصفة شبه رسمية أن اثنين من الإخوان أدانا محمد نجيب في محاولة الانقلاب الفاشلة وأن نجيب كان على اتصال بهما وأنه في حالة نجاح الانقلاب كان على استعداد للبقاء كرئيس للجمهورية كما تم عقد اجتماع لنقابات العمال لتأييد قرار عزل نجيب وأعلنت وزارة الخارجية أن عبد الناصر هو الذي سيقوم بمهام الرئيس وتكتب السفارة تعليقا على الأحداث في اليوم التالي قائلة أن كل الشواهد كانت تدل على أن عزل نجيب كان حتميا خاصة وأن اسمه قد ذكر في محاكمات الإخوان المسلمين أمام محكمة الشعب وتضيف السفارة أنه لا يوجد تفسير منطقي لهذا التوقيت بالذات لعزل نجيب ولا شك أن محاكمات الإخوان وربطه بهم كان أنسب وقت ولكن الاعتقاد كان في القضاء أولا على الإخوان قبل الالتفات إلى نجيب إلا إذا كان الشعور بأن القضاء أولا على الإخوان قد تم بالفعل وأن النظام من القوة بحيث يلتفت إلى نجيب وتضيف السفارة إلى رأيها فيما حدث أن النظام كان من الذكاء والحكمة بحيث لم يدع العمال للتظاهر بينما كانت الحركة ضد نجيب في فبراير متسرعة فإنها هذه المرة كانت نتيجة تخطيط طويل ومحكم خاصة بين صفوف القوات المسلحة وقد اعترفت انجلترا بالتغيير الذي رأته حتميا عندما أثيرت مشكلة الاعتراف بالنظام الجديد حيث كان لقب الملك ملك مصر والسودان وبعد الثورة أصبح مجرد رئيس الجمهورية دون إشارة إلى مصر أو السودان وبما أنه قد جرت العادة على أن توجه أوراق اعتماد السفير إلى رئيس الجمهورية دون تسمية على حسب رأي الإنجليز فلا حاجة إلى التحديد ولكنفي حالة نجيب ذكر الاسم كما لاحظ الإنجليز لذلك كان رأي الإنجليز أنه إذا طلبت الحكومة المصرية إعادة تقديم أوراق الاعتماد فالا مانع خاصة وأنها مسألة داخلية لا تغير من طبيعة النظام.

الخاتمة

واضح من تقارير السفارة البريطانية في القاهرة وردود الخارجية البريطانية في لندن عليها أن اهتمام بريطانيا الأول كان في بقاء قواتها داخل مصر أو على الأقل ضمان توقيع اتفاقية بعد أن تم إلغاء اتفاقية عام 1936 وأصبح هناك وضع جديد من الصعب تجاهله وبناء على ذلك فيمكن قياس ردود فعل الإنجليز للأحداث الداخلي في مصر من هذه النقطة فكان موقف الإنجليز من عدم حماية الملك وتشجيع أي حركة إصلاحية بناء على مقولة أن الفشل في المسائل الداخلية يولد التطرف في المسائل الخارجية.

وعلى هذا الأساس كانت بريطانيا ترى أن نجاح أي عمل داخلي من شأنه أن يسهم في تحرير أي اتفاق إنجليزي مصري وعلى هذا الأساس كان تشجيع الإصلاح الزراعي وأيضا لمحاربة الشيوعية تلك الحجة الجديدة التي يسوقها الاستعمار من أجل احتلال البلاد إلا أنه أصبح من الواضح بعد ذلك للإنجليز أن مسألة الإصلاح يتنازعها رأيان رأي الإنجليز ورأي الأمريكان ومن الممكن القول أن الأمريكان قد نجحوا في سرقة الثورة من بريطانيا وبدعوة عن بريطانيا نفسها وأصبح على بريطانيا أن تعترف بالأمر الواقع وأن القوى الجديدة خارجة تماما عن مجال تأثيرها وأن القوى القديمة أصبح لا نفع منها.

فحتى عندما شعرت الأحزاب التقليدية أن النظام الجديد يمر بلحظة ضعف وحاولت الاتصال بالسفارة البريطانية كما كان الحال في الماضي لم تعرهم السفارة أي اهتمام اعترافا منها بالواقع الجديد وعاشت على أمل الحفاظ بقدر الإمكان على الأوضاع القديمة حتى ولو بشكل صوري يتمثل في استمرار النظام الملكي لكن دون الملك غير أن هذا لم يمنعها من القبول بالنظام الجمهورية والتعامل معه كأمر واقع.

الفصل الرابع الدور الأمريكي في تحديد إطار التفاوض

الدكتور يواقيم رزق مرقص

كان للولايات المتحدة دور متميز في علاقة مصر بالغرب عموما وبمسألة الجلاء عن قناة السويس على وجه الخصوص وقد ظهر هذا الدور بشكل أكثر وضوحا منذ قيام ثورة يوليو 1952

فالولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي أحس الضباط الأحرار بأنها الأقرب إليهم ويمكن التفاهم معها وتفهمها لموقفهم، ولذلك نجمل موقفها في أول الأمر بترحيبها بالثورة المصرية منذ البداية لأنها رأت أن العهد البائد قد أثار السخط بالشكل الذي يقوي احتمال نمو الاتجاهات والميول الشيوعية وقد عبر السفير الأمريكي في القاهرة آنذاك جيفرسون كافري عن هذا الموقف بقوله: إن باستطاعة هؤلاء الشبان أن ينفذوا مصر من المد الأحمر الذي لا شك في أن مساوئ الملك فاروق والباشوات كانت ستمهد له ي شتى ربوع البلاد فهم سيقومون بتحقيق الإصلاحات وسيرفعون مستوى معيشة الأهالي، وسنشجعهم في هذا السبيل.

ولعله بهذا كان يعطيهم ثقة أكبر بأنفسهم أو لعل هذا يجذبهم نحو بلاده لأنهم في أول عهدهم لم تكن قدرتهم قد وضحت بعد كذلك لم تكن ثورتهم قد خرجت بعد عن نطاق الشعارات الستة التي أعلنوها بالإضافة إلى أن هذا وضعهم في مكان المقارنة بين من يصرح عنهم بهذا وبين البريطانيين الذين كانوا أكثر تشاؤما وتخوفا منهم.

فبعد أن أفاق ممثلو انجلترا السياسيين في مصر ومعهم قائد القوات البريطانية ي منطقة القناة ووزارة الخارجية البريطانية من الصدمة الأولى استقر رأيهم على عدم التدخل في شئون الثورة المصرية للأسباب الآتية:

أولا: لأن الضباط الذين استولوا على السلطة في مصر سيخلصون انجلترا من مأزق تاج مصر والسودان.

ثانيا: لأن هؤلاء الضباط كانوا يدركون أن الجيش المصري لا يستطيع مواجهة القوات البريطانية بحيث كان يتوقع منهم أن يقدروا أهمية وقف نشاط الفدائيين على المعسكرات الإنجليزية في منقطة قناة السويس هذا برغم إمكان السلطات المصرية إرهاق الإنجليز بحرب العصابات ووقف إمداد القاعدة البريطانية بالعمال الوطنيين

ثالثا: أن بإمكان الضباط أن يتفهموا المشاكل الاستراتيجية في أي مفاوضات تتعلق بمنطقة قناة السويس بحيث يمكن الثقة بهم.

لهذا اعتقدت صحيفة (التايمز) أن ما حدث في مصر لا يعدو أن يكون مسألة تتعلق بالسياسة الداخلية.

ونعود إلى بداية علاقة الولايات المتحدة الأمريكية بضباط ثورة يوليو أو اتصال الضباط بهم.

ففي الساعات الأولى لإعلان قيام الضباط الأحرار بثورتهم في ليلة 23 يوليو 1952 أرسل محمد نجيب الضابط علي صبري ضابط مخابرات الطيران المصري في ذلك الوقت إلى السفارة الأمريكية ليبلغهم بقيام الثورة المصرية وأنها حركة لا تستهدف التعرض للأجانب.

ويضيف محمد نجيب في مذكراته وصفا لهذا الضابط المصري بأنه كان وثيق الصلة بالملحق الجوي الأمريكي أما هو أي محمد نجيب فلم يتعامل مع الأمريكيين وجها لوجه إلا يوم خروج الملك فاروق من مصر في يوم 26 يوليو 1952 حيث التقى بالسفير الأمريكي جيفرسون كافري وتبادلا التحية العابرة دون أي حديث.

ويظهر هنا أن بعض الضباط كانت لهم علاقات سابقة ووطيدة بالأمريكيين إذا ما أضفنا إلى علي صبري القائمقام عبد المنعم أمين أحد كبار ضباط سلاح المدفعية في الجيش المصري واتصف بالحياة الاجتماعية النشطة وعلاقاته الوثيقة بالسفارة الأمريكية وانضم مؤخرا إلى ضباط الثورة فأحسن جمال عبد الناصر استغلال هذا الجانب فيه، فأرسله أيضا صباح يوم 23 يوليو 1952 ليخطر السفارة الأمريكية بنوايا الحركة واتجاهاتها بما في ذلك تمسكها أي الثورة بالتزامات مصر الدولية وأصبح جمال عبد الناصر يسمح له باستمرار بالاشتراك في أنشطة السفارة الأمريكية حتى في شكل عائلي.

ثم بدأ هذا الضابط بفتح بيته للقاءات رجال الثورة برجال السفارة الأمريكية بما فيهم رجال المخابرات الأمريكية ففي الجلسة الأولى بعد قيام الثورة بأيام حضر كل من مستشار السفارة الأمريكية روبرت ماكلينتوك ووليم ليكلاند وغيرهم ويقول محمد نجيب أن السفير الأمريكي كان موجودا كذلك وحضر من رجال الثورة المصرية: محمد نجيب وجمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وصلاح سالم وعبد اللطيف البغدادي وامتد هذا اللقاء لأكثر من أربع ساعات وكان وكان ذلك يوم 12 أغسطس 1952.

وفي هذا اللقاء تعرف كل طرف على خبايا الطرف الآخر بقدر كبير من الصراحة فصرح كافري بأن حكومته تخشى تسلل الشيوعية إلى مصر وترى ضرورة وجود أجهزة أمن قوية لحماية الشعب المصري كما عرض معاونة أجهزة المخابرات المركزية لها في هذا الأمر كما تحدث عن ضرورة ارتباط مصر بأحلاف ما اسماه (العالم الحر). ورد محمد نجيب قائلا: لا.. أنا اعترض.. فالشعب المصري بطبيعة لا يهتم بالشيوعية وأنا لا أخشى من أي تسلل شيوعي إلى مصر، كما أنني ضد أي استعمار وضد أي قيد على حريتنا كما أعلن أيضا رفضه لتعاون أجهزة الأمن مع المخابرات المركزية الأمريكية حتى لا تقيد حرية المواطنين وأما من حيث الأحلاف فلا حديث عنها قبل الجلاء الكامل غير المقيد بشروط.

ويضيف محمد حسنين هيكل أنه في هذه الجلسة طرح الضباط المصريون كثيرا من الأسئلة واستفسارات حول موقف الولايات المتحدة وسياستها ونواياها تجاه مصر ورجال ثورتها وأولوية أثنائها بتصريحات وآراء حول الأفكار الأمريكية مثل: مشروع الدفاع عن الشرق الأوسط، والمفاوضات من أجل الجلاء، وتسليح الجيش المصري مما كان بمثابة توضيح لخط العلاقات التي ستقوم بين الطرفين المصري والأمريكي.

وكان المتحدث في هذا المجال هو جمال عبد الناصر الذي قال بأن مسألة الدفاع عن الشرق الأوسط لا يمكن لمصر أن تفكر فيها إلا بعد تسوية ما كان يسمى بالقضية المصرية بشقيها الجلاء والسودان.

وهنا وعد الأمريكيون بأنهم سيستمرون في أداء دورهم النشيط في تحريك عملية التفاوض مع الإنجليز ودفعها إلى الأمام بل أنهم سوف يكثفون جهودهم لأنهم راغبون في التعاون مع النظام الجديد في مصر وقد اقتنعت السياسية الأمريكية بأن موضوع السودان يجب أن يكون نقطة البداية وبعده موضوع الجلاء.

وهكذا طرح رجال الثورة أوراقهم على مائدة الأمريكيين بثقة زائدة في أنفسهم وفي الأمريكيين إلا أن منهم من توجس خيفة من هذا ومن رجال المخابرات الأمريكية الذين أخذوا يترددون على مجلس قيادة الثورة فتجد محمد نجيب يحذر جمال عبد الناصر بقوله إن وجود رجال المخابرات الأمريكية في مجلس قيادة الثورة أمر خطير جدا وأن الأمريكيين يريدون تخريب الثورة أو القضاء عليها واحتوائها لتسير في ركاب الولايات المتحدة.

إلا أن رجال الثورة ظلوا في علاقاتهم برجال السفارة الأمريكية من خلال القائمقام عبد المنعم أمين، الذي اتصل به رجال السفارة يوم 19 أغسطس 1952 وطلبوا منه أن يخطر حكومة مصر باعتزام الولايات المتحدة إصدار بيان تعلن فيه تأييدها للنظام الجديد في مصر ليكون دافعا لطمأنتها على حسن نوايا الأمريكيين ودفع عملية الاتصالات المباشرة بين الطرفين وقد نص البيان على:

إن التقارير الواردة من القاهرة بخصوص البرنامج المعلن للحكومة المصرية الجديدة لإعادة الاستقرار السياسي والاقتصادي مشجعة ونحن نتابع الأحداث باهتمام بالغ ونتمنى لرئيس الوزراء علي ماهر وزملائه المدنيين والعسكريين كل توفيق ونجاح في جهودهم لحل المشكلات الداخلية لبلادهم.

وتستمر العلاقات بين الولايات المتحدة ومصر على أعلى درجة من الصداقة والتعاون وأن أملي من أجل مصلحة بلدينا أن تستمر هذه العلاقات في النمو، وكذلك العلاقات بين مصر وجميع بلدان العالم الحر في أن تتدعم وتقوي ونحن نتطلع إلى حقبة جديدة تنشأ فيها مجالات جديدة للتعاون والنفع المتبادل.

وهذه الوثيقة الأمريكية توضح أن الولايات المتحدة أكثر تتبعا للأحداث في داخل البلاد أكثر من البريطانيين الذين كانوا منتشرين في البلاد بشكل أكثر وأنهم عرفوا موقع القوة الحقيقة في النظام الجديد وأنه وأل الخيط الذي التقطوه لينسجوا منه علاقاتهم الجديدة مع المصريين على أعلى درجة من الصداقة والتعاون.

وأشارت فيها من بين السطور إلى قيادتها لمصر لتدخل بها في علاقات مع ما أسمته باستمرار العالم الحر وذلك في (مجالات جديدة) ولعل هذه المجالات الجديدة هي فاتحة موضوع الدفاع المشترك والارتباط بعجلة الغرب وخصوصا بالولايات المتحدة مما كان له أثره على لندن.

فعندما أرسلت إليها صورة من هذا البيان لتأخذ بها علما علقت الأخيرة عليه وكان رد فعلها الأول وكذلك رد فعل السفارة الأمريكية أنه في حين يعبر البيان بكل تأكيد عن مشاعرنا فإننا لا نرى له أية فائدة كبيرة وأنه قد يؤدي إلى طلبات جديدة من مصر للسلاح، وهي طلبات لا يمكن إجابتها في الوقت الحالي. ويبدو أن اقتراح البيان سببه النقد المتزايد في الصحافة الأمريكية لما يعتقد بأن القوى الغربية لا تبذل جهدا كافيا لاستمالة نجيب.

وهذا بعكس بلا شك قلق ساسة لندن من موقف الولايات المتحدة في هذه المرحلة الحاسمة وأن تصريحاتها هذه أتت بعيدة عن مشاعرهم فضلا عن توجسهم خيفة من طلب المصريين لسلاح كانت تخشاه في ذلك الوقت خصوصا وأن الفدائيين كانوا يقضون مضجعهم في منطقة قناة السويس منذ عام 1951.

وعللت البيان بأن نتيجة ضغط الرأي العام الأمريكي في عدم بذل جهود غربية في سبيل استمالة المصريين إليهم ومن هذا القلق أرسل أنتوني إيدن وزير الخارجية البريطاني برقية سرية إلى سفيره في القاهرة السير رالف ستيفنسون في 27 أغسطس 1952:

تنوي وزارة الخارجية الأمريكية إصدار بيان يعبر عن مدى الاهتمام والصداقة نحو النظام الجديد في مصر ورأي الشخصي هو أن هذا البيان وإن كان يعكس بصفة عامة مشاعرنا إلا أنه لن يفيد كثيرا وينتظر أن يدفع إلى تخمينات في مصر حول ما سيفعلونه وقد تفسره العناصر المتطرفة في النظام على أنه كارت بلانش من حكومة الولايات المتحدة يطلق يدهم تماما.

وبالرغم من أن حكومة صاحبة الجلالة لن تصدر مثل هذا البيان فإنه يهمني ألا يفسر ذلك على أنه خلاف جديد بين سياستنا وسياستهم فالخلاف الوحيد بيننا في هذا الشأن هو في جدوى فكرة إصدار مثل هذا البيان من عدمه.

وسنبلغ الصحافة هنا أنه في حين أننا نشاطر المشاعر التي يعبر عنها البيان الأمريكي فإننا لا نعتقد أنه من الضروري أن نصدر نحن مثل هذا البيان لأننا حققنا منذ البداية علاقة صداقة حميمة مع الحكومة المصرية الجديدة بدليل أن سفيرنا في القاهرة كان على صلة منتظمة باستمرار مع رئيس الوزراء.

وفي هذه الوثيقة معان كثيرة:

1- أن الولايات المتحدة الأمريكية أرسلت من البيان الذي كانت تنوي إصدارة صورا إلى كل من مصر وبريطانيا لتبعث الأمل في الأول وتحرج الثانية فهي لا تستطيع أن تتراجع فيه بعد أن علمت به القاهرة.

2- أنها تنفذ سياستها في إظهار شخصيتها في الشرق الذي أصبحت فيه مصر أبرز دولة وبعد أخذت بريطانيا العظمى على نفسها سياسية التقلص منه بعد انهيار اقتصادها وتحديد استراتيجيتها في أعقاب الحرب العالمية الثانية حتى تواجه الولايات المتحدة المد الشيوعي الذي بدأ يحاول أن يأخذ مكانته أمام هذا التقلص البريطاني.

3- أنه يحدد خشية الإنجليز من أن تنتهز الثورة في مصر تعاون الولايات المتحدة معها ضدها وكانوا أنئذ في حالة قلقة أمام مطالب المصريين الملحة بالجلاء.

4- يبدو أن الولايات المتحدة كانت قد أشارت على البريطانيين بإصدار بيان مماثل ليحس منهما المصريون بأنهم ليسوا بعيدين عن الغرب أو تأمينهم في عهدهم الجديد أكثر من الماضي ولكن واضح هنا أنهم يرفضون إصدار مصل هذا البيان وكانت المشكلة أمامهم هو عدم إظهارهم في هذه النقطة على خلاف بعضهم مع بعض أمام المصريين.

وانتهى إلى أنه سيكتفي بالتنويه في الصحافة بالمشاركة الوجدانية لمشاعر الأمريكيين ولا ضرورة لإظهار كتابه وأنهم على صلة سياسية بهم ولكن هناك فرق بين اتصالات الخصم المترقب التي يشوبها الشك والريبة وبين يد تحاول تقديم الصداقة أيا كان نوعها وإظهار جيفرسون كافري بأنه الأب الروحي للحركة.

ولقد كان هذا البيان دافعا لتحريك عقول ضباط الثورة ورجال الحكم في مصر إلى بداية دراسة الموقف بأكثر من دقة خاصة أنهم أحسوا بأنهم أمام قوتين أولاهما قديمة لها جذور من الكراهية والحقد في نفوسهم تتمثل في الاحتلال البريطاني وأخرى لم يكونوا بعد يعرفون عن مكنونات سرها كثيرا.

فأطلعوا على ملفات المفاوضات المصرية البريطانية ورأوا من خلال وثائقها ما اعتبروه سياسة بناءة من جانب الولايات المتحدة، ثم أن الصورة العامة الشائعة في العالم في تلك الفترة عن أمريكا كانت براقة ومشرقة سواء من ناحية القوة والحيوية وسلامة النية إلى درجة السذاجة.

وفي نفس الوقت كانت الولايات المتحدة تستغل مظهرها الساذج هنا في تثبيت مصداقيتها في نفوس المصريين لتثبيت دورها الإمبراطوري في المنطقة كما أسلفنا وتتضح نيتها من خلال مذكرة تقدير الموقف عن مصر بتاريخ 18 سبتمبر 1952 والتي جاء فيها أنه بعد دراسة محمد نجيب والتقييم المقدم من سفيري بريطانيا والولايات المتحدة.

نوافق أن التأييد المادي والمعنوي للنظام الحالي في مصر هو أحسن سياسة ينتظر أن تؤدي إلى تحقيق أهداف الولايات المتحدة والغرب بالنسبة لمصر، وهي التقارب بين المصالح المصرية والمصالح الغربية وبصفة خاصة:

(أ‌) اشتراك مصر في التخطيط للدفاع المشترك.

(ب‌) الوصول إلى تسوية لحل الخلاف المصري الإنجليزي

(ت‌) السلام مع إسرائيل.

كذلك نعتقد أنه لكي يحقق هذا التأييد أهدافه فإنه يجب تقديمه دون تأخير لأن تحقيق تقدم واضح هو أداة في برنامج النظام الجديد.

وفي نفس الوقت فإن اهتمام النظام المفاجئ بالنظر في المشاكل الدولية بخلاف ما أعلنه من التركيز على المشاكل الداخلية هو ظاهرة يجب رصدها.

إن علينا أن نخطرهم باستعدادنا لقبول تعهدات و/ أو تأكيدات سرية محددة بشكل واضح كأساس مقبول لسياسة التعاون والتأييد المادي بل وقد تكون على استعداد للنظر في بداية أخرى بما فيها احتمال قبول تعهدات و/ أو تأكيدات شفوية.

ونعتقد أنه إلى جانب التعهدات السرية فإن على مصر من جانبها أن تتخذ بعض الإيماءات المؤدية إلى طمأنة الرأي العام في الولايات المتحدة وغيرها من البلدان الغربية ومن ذلك مثلا تأييد موقفنا في حرب كوريا ودفع التعويضات للبلدان التي مات مواطنوها في حريق القاهرة وغير ذلك مما يخطر لنا أولهم وهذه الأمور ليست صعبة وسوف تكون دليلا آخر علينا على أن النظام الجديد هو مكنسة تزيح رواسب الماضي ونحن على يقين من أن تأثيرها في أمريكا سوف يكون كبيرا وسوف يكون له نفس الأهمية في بريطانيا.

إننا أخذنا علما برغبة المصريين في الحصول على سلاح أمريكي ولكن تزويد القوات المسلحة المصرية بمثل هذا السلاح قبل الوصول إلى اتفاق سلام مع إسرائيل سوف يثير داخليا هنا عددا من التساؤلات ونحن نقدر تماما حساسية مناقشة مشكلة إسرائيل مع النظام الجديد ونأمل أنه في وقت ما سيجد النظام نفسه قادرا على تقديم تصريح علني حول نواياه غير العدوانية تجاه إسرائيل.

وهكذا بدأت العلاقات المصرية الأمريكية تدخل دورا جديدا أوضحت فيه الولايات المتحدة أفكارها واتجاهاتها وبدأت تحدد موقفها وتعين نقاط مسارها في إطار هذه العلاقة.

قبل أن نسترسل في هذا المسار تشير إلى حالة الشعب المصري، التي درستها الولايات المتحدة وأفادت منا إفادتين:

أولاهما: خشيتها من انجرافه وراء الفكر الشيوعي الزاحف وهو الخطر الوحيد الذي من أجله أخذت الولايات المتحدة على عاتقها أن تحل محل بريطانيا في الشرق.

وثانيتهما: أن الورقة التي تلوح بها لحكام مصر في تقديم المعونات الاقتصادية لهم لتقوم قائمتهم في ظل النظام الجديد.

فكان الشعب المصري يعاني من فجوة اجتماعية واقتصادية كبيرة بين طبقاته وكانت عين الولايات المتحدة عليه حتى من قبل قيام الثورة ذلك عندما أعلن الرئيس ثرومان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية في 20 يناير 1949 برنامجا للسلاح والحرية ومن أربع نقاط تفرع عنه اتفاق بين مصر والولايات المتحدة هو برنامج التعاون الفني الأمريكي في 5مايو 1951 وكان تصرفها من كل هذا مواجهة الخطر الشيوعي من خلال تقديم المعونات الاقتصادية.

وفي نوفمبر 1951 زار الصحفي الأمريكي ستيوارت السوب مصر وتجول في أنحائها وأرسل انطباعاته إلى صحيفة (شيكاغو تايمز) ضمنها مقالا وصف فيه معاناة الشعب المصري من فقر مدقع في سواده الأعظم يقابله ثراء فاحش يتمتع به الحكام وانتهى إلى قوله إذا كانت بريطانيا قد استطاعت فيما مضى أن تحافظ على سيادتها بخلق طبقة الباشوات وجعلهم أصحاب النفوذ وبرشوتهم بعد ذلك ليكونوا أداة تسهل مصالح بريطانيا الاستعمارية فإن هذه الطريقة لم تعد عملية اليوم ولا مجدية إن الشعب الفقير أخذ اليوم يستيقظ وأخذ يشعر بالغبن الفاحش اللاحق به ولابد لها الشعب أن يثور بالقوة ضد الأوضاع في وقت قريب.

تلك كانت حالة مصر التي كان من نتائجها ظهور بعض الاتجاهات الشيوعية فكاكا من هذا الضغط والفروق الطبقية وجعلت تتماسك تارة وتنقسم أخرى، فالتحمت في عام 1947 في نطاق الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني ثم عادت لتنقسم بعد عام واحد فهذه اسكرا انقسمت إلى (المنظمة العمالية الثورية) (والمنظمة العمالية الثورية) المنظمة الشيوعية الثورة) وانقسمت المنظمة العمالية إلى (النجم الأحمر) تحشم أو (نحو حزب شيوعي مصري).

وأن هذه التنظيمات الأخيرة وإن لم تكن آثارها واضحة إلا أنها مثلث اتجاهات يسارية متطرفة لها خطورتها في موازين الغرب.

من أجل هذا تناولت الولايات المتحدة بداية الخيط من اتصال رجال الثورة بهم بالترحاب وبدأت تتدخل في المشكلة المصرية البريطانية المزمنة بطرقها الخاصة.

وكان تدخلها في المشكلة بشكل حذر، وفي إطار يختلف عن الإطار السياسي البحت وذلك لأن بريطانيا لم تكن تسمح بتدخل الدول بينها وبين مصر في المشكلة القائمة بينهما إذ لم يمكن تدويل القضية وهو ما كانت مصر دائما تسعى إليه من مصلحتا لما يتضمنه من إدخال أطراف أخرى لأنها كانت تصر على جعل منطقة قناة السويس قاعدة عسكرية رئيسية ترتبط بسلسلة القواعد البريطانية في منطقة الشرق الأوسط وفق نظام عسكري متكامل من أجل الدفاع عن الغرب في مواجهة الاتحاد السوفيتي.

وقد صرح دين اتشيسون وزير الخارجية الولايات المتحدة في الثالث من سبتمبر 1952 بقوله إنه يتطلع إلى عهد جديد يدخل فيه التعاون بين أمريكا ومصر مرحلة جديدة متسعة النطاق لقد حدثت تطورات مشجعة في مصر منذ اجتمعنا في آخر مرة ومن بين هذه التطورات البرنامج الإصلاحي الذي أعلنته الحكومة المصرية أننا نتتبع الأحداث ونراقبها بكثير من الاهتمام ونتمنى للوزارة كل نجاح في جهودها لحل المشكلات الداخلية.

ولهذا أصبحت هناك مراسلات بين حكومة الثورة في مصر وبين الولايات المتحدة الأمريكية حول التعاون بين البلدين والتي بدأت برسالة محمد نجيب إلى الرئيس الأمريكي حول هذا الموضوع بتاريخ 18 سبتمبر 1952 وضحت من الرد عليها في رسالة واشنطن بتاريخ 30 سبتمبر 1952 والتي تضمنت نصا لرسالة نجيب والمؤرخة في 18 سبتمبر ثم أجابتها على مطالبه بالآتي:

تبادل الولايات المتحدة مصر بشكل كامل رغبتها في التعاون ويسرها أن تبدأ فورا في مناقشات مع رئيس الوزراء محمد نجيب والحكومة المصرية بهدف تحديد مدى وطبيعة هذا التعاون وسيساعد هذا على سرعة تعيين الهدف إذا وضحت الحكومة المصرية بشكل أكثر تحديا وجهة نظرها بشأن المساعدة العسكرية والاقتصادية وستنظر حكومة الولايات المتحدة في هذه الآراء بكل عناية آخذة في الاعتبار العوامل العديدة التي تدخل في بناء العالم الحر، وحدود المتوافر من المعدات والأرصدة والطلبات العديدة الأخرى من الولايات المتحدة.

وهكذا بدأت تتسع مساحة التعاون بين البلدين ووضح اتجاه مصر نحو أمريكا وإن كان الرد يحمل معنى الحذر.

فبين حذر الولايات المتحدة وبين ضرورة تدخلها لخلو الساحة ممن يستطيع أن يقوم بدور توفيقي بين الطرفين المتصارعين مصر وبريطانيا بدأ التدخل الأمريكي في شكل جديد...

البحث عن نظام إقليمي للدفاع عن الشرق الأوسط

ازداد اهتمام الولايات المتحدة بالشرق الأوسط بسبب مصالحها من جهة ونظرا لما لمسته من ضعف أخذ يدب في نفوذ بريطانيا في هذا الإقليم من جهة أخرى ولهذا حرصت على أن يكون اشرق الأوسط حلقة أخرى في هذه القواعد الاستراتيجية والمراكز الدفاعية التي تعمل على إقامتها أي أن الدفاع عن الشرق الأوسط إن هو إلا جزء لا ينبغي أن ينفصل عن خطة شاملة لتأمين المصالح الأمريكية بوجه خاص واستعدادا للصراع في المستقبل.

من أجل هذا انتهزت الولايات المتحدة فرصة إلغاء مصر معاهدة 1936 وذلك في غضون عام 1951 وقدمت هي وفرنسا وانجلترا وتركيا متقرحات أربعة إلى حكومة الوفد في مصر آنذاك كانت:

1- أن مصر دولة من دول العالم الحر وبالتالي فإن الدفاع عنها له نفس الأهمية الحيوية لسائر الدول الديمقراطية كما للدفاع عن الشرق الأوسط بشكل عام.

2- لا يضمن الدفاع عن مصر وعن البلدان الأخرى في الشرق الأوسط إلا بالتعاون بين جميع الدول المختصة.

3- لا يضمن الدفاع عن مصر إلا بالدفاع الفعال عن منطقة الشرق الأوسط وبتنسيق هذا الدفاع مع الدفاع عن المنطقة المجاورة.

4- بناء على ذلك يكون من المرغوب فيه أن تنشأ قيادة متحالفة للشرق الأوسط تشترك فها الدول التي لها القدرة على الاشتراك في الدفاع عن المنطقة والإرادة في أن تقوم بذلك وأن المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وتركيا مستعدة لأن تشترك مع الدول الأخرى صاحبة الشأن في إنشاء مثل هذه القيادة.

ولكنه لما عرضت هذه الأفكار على حكومة الوفد تحت مسمى منطقة الدفاع عن الشرق الأوسط رفضتها ولما قامت الثورة وتغير نظام الحكم رأى المسئولون في الولايات المتحدة أرجاء عرض هذا الأمر على الحكومة الجديدة حتى يمكن الوقوف على رأيها في هذا وما إذا كانت ترحب بالفكرة أو تستمر على أسلوب الوفد في الرفض.

وبعد أن استقرت الأوضاع الداخلية إلى حد ما فبالنسبة للثورة ورجالها أصبحوا يبحثون كيف يبدأون في تنفيذ مبادئهم التي وضعوها كدستور للعمل الثوري وكانت أهم هذه المبادئ القضاء على الاستعمار إذ كانت مصر الثورة لا تعتبر نفسها حرة في أرضها وإرادتها مع وجود قاعدة أجنبية على أرضيها.

ولما أعلنت في البداية أنها في سبيل ذلك ستلجأ إلى التفاوض كأسلوب للوصول إلى جلاء القاعدة الأجنبية عن منطقة قناة السويس أعلنت كذلك عدم استعدادها لمناقشة أي منظمة للدفاع عن الشرق الأوسط.

وأنه في اللقاء الأول بين رجال الثورة وبين سفير أمريكا في القاهرة سبتمبر 1952 عرض السفير أن حكومته تخشى تسلل الشيوعيين إلى مصر وتحدث عن ضرورة ارتباط مصر بأحلاف العالم الحر بينما اعترض محمد نجيب على أساس أن الشعب المصري لا يهتم بالشيوعية أما من حيث الأحلاف فلا حديث عنها قبل الجلاء الكامل غير المشروط.

وقد استوعبت أمريكا الموقف وبدأت تدخل من ناحية أخرى هي أسلوب عرض التعاون مع مصر في المجالات الاقتصادية والعسكرية ودارسة هذه الأمور وقد وضح مما أعلنه دين أنشيسون وزير الخارجية الأمريكي في المؤتمر الصحفي في 3/ 9/ 1952 حول التطورات المشجعة لمصر وبرنامجها الإصلاحي قال فيه:

(إن الولايات المتحدة ترجو أن يتعاون الرئيس علي ماهر مع دول حلف الأطلنطي في الدفاع عن القناة ومنطقة الشرق الأوسط.

وقد بدأ بعد ذلك يظهر في أحاديث ساسة الغرب وفي تعليقات الصحافة الغربية بوجه عام والبريطانية والأمريكية على وجه الخصوص تعبير جديد أسموه الفراغ في منطقة الشرق الأوسط الذي سيخلفه جلاء القوات البريطانية عن قاعدة قناة السويس وبدأ المعلقون العسكريون في الصحف الصديقة لبريطانيا وخصوصا الولايات المتحدة يكتبون عن أهمية هذه القاعدة بإفاضة على أساس أن الجلاء العاجل غير المشروط كما كانت مصر تطلب يعني أن تترك منطقة الشرق الأوسط دون خط دفاع أو حلف دفاعي ودون قاعدة يصونها ذوو خبرة حتى يسهل استعمالها أوتوماتيكيا إذا وقع اعتداء شيوعي على هذه المنطقة الحيوية.

وقد لعبت الدعاية البريطانية دورا هاما في هذا الشأن وساعدها على ذلك الميل الأمريكي الطبيعي لبريطانيا بوصفها الحليفة الكبرى ولأن الشعب الأمريكي كان ينظر إلى قاعدة القناة على أنها خط الدفاع الأول ضد الشيوعية كما كانت بريطانيا تلقن الأمريكيين دروسا في أهمية القاعدة الكبيرة التي تكلفت ملايين الدولارات وتؤكد لها أن الجلاء الفوري عنها سيترك فراغا عسكريا ضخما في الشرق الأوسط يفتح الطريق للشيوعية للاستيلاء على المنطقة وما فيها من بترول تعتمد عليه أوربا اعتمادا أساسيا.

واشتركت شركة قناة السويس بنشر الإعلانات الضخمة في الصحف الأمريكية عن قناة السويس معلنة أنها ممر حيوي للملاحة الدولية وما استفادته التجارة الأمريكية في قناة السويس فالسفن التجارية الأمريكية التي اجتازتها تفوق ما تجتاز قناة بنما كل هذا ليفهم الأمريكيون أن الجلاء عن قاعدة قناة السويس يعرض التجارة الأمريكية للخطر.

ومن أجل كل هذا كان تركيز الحكومة الأمريكية في مقابلات المسئولين فيها مع المسئولين المصريين أو في كتاباتهم إليهم على اشتراك مصر في التخطيط للدفاع المشترك.

في حين كانت مصر ترفض تارة أو تسوف فيه إلى ما بعد إتمام الجلاء مرة أخرى هذا التسويف الذي كانت الولايات المتحدة تفهمه على أنه قد يكون وعدا باتفاق سري يمكن عقده بينها وبين مصر حول هذا الموضوع وهذا ما يظهره الخطاب المرسل منها إلى الخارجية البريطانية في 30 سبتمبر 1952 عندما تحدثت عن مسألة إمداد مصر بالسلاح راغبة في أن تستعمله في بناء الدفاع عن العالم الحر فقالت أنه من المقترح أن تقدم مصر تعهدات سرية معينة بشأن الأهداف بعيدة المدى للنظام الجديد وبهذا الشكل تعتقد أنه على مصر أن تدرس ما إذا كانت على استعداد لإعطاء تعهدات و / أو تأكيدات بما يفيد أن أحد الأهداف الأساسية النهائية لسياستها هو الاشتراك مع الولايات المتحدة ودول العالم الحر الأخرى في التخطيط من أجل الدفاع المشترك عن المنطقة وبالإضافة إلى ذلك ونظرا إلى أن الاتفاق على حل المشكلة المصرية البريطانية وثيق الارتباط بالدفاع عن الشرق الأوسط.

وحدث أن زار مصر كيرميت روز فلت بصفته مستشارا خاصا لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية في أكتوبر 1952 في إطار متابعة الأحداث في مصر وقد سأل عبد الناصر مباشرة عن تصور القيادة المصرية للدفاع عن الشرق الأوسط بعد الفراغ الذي سينشأ في المنطقة حتما إذا ما جلت القوات البريطانية عن مصر مع العلم بأن قاعدة قناة السويس هي أكبر قاعدة عسكرية في العالم ثم إنها الحلقة الرئيسية في سلسلة الدفاع الغربي عن الشرق الأوسط.

وكان رد عبد الناصر بأنه يعتقد أن الفصل بين المشاكل أدعى إلى سهولة الحل لكل منها على حدة فهو يفصل بين مشكلة الجلاء ومشكلة الدفاع عن الشرق الأوسط خصوصا وأن الدفاع عن الشرق الأوسط سيكون مسألة تهم كل الدول العربية المشتركة في ميثاق الضمان الجماعي تحت مظلة الجامعة العربية.

ثم تلاه بعد لك وصول وكيل وزارة الحربية الأمريكية (وليم فوستر) ليتابع الموقف أيضا وأكد على موقف أمريكا من مسألة الدفاع عن الشرق الأوسط بينما كان تركيز المصريين على شراء أسلحة من الولايات المتحدة فأبدى المسئول موافقته على هذا لدرجة أنهم وصلوا إلى التفاهم حول التفاصيل والثمن والأنواع المطلوبة وفي آخر المناقشة طلب فوستر قائمة بطلبات مصر من السلاح والتي سلمها إليه في اليوم التالي علي صبري الذي كان يعمل مديرا لمكتب عبد الناصر وحدثت بين الطرفين موافقة مبدئية.

ولكن فوجئ عبد الناصر بأن هناك شروطا لإتمام هذه الصفقة تمثلت في:

1- أن تدفع مصر جزءا من ثمن الأسلة مقدما بالجنية المصري.

2- تدفع جزءا أخر قطنا مصريا لمدة ست سنوات.

3- إذا وافقت على الانضمام لحلف الدفاع المشترك عن الشرق الأوسط تعفي من جميع الأقساط الباقية عليها.

وطلب الرئيس حذف الشرط الأخير وطلبت وزارة الحربية الأمريكية بعد أيام بعثة عسكرية مصرية لاختيار السلاح اللازم على أن تطلق يدها في الاتفاق على الأسعار وتحديد الكمية.

وسافرت البعثة في ديسمبر 1952 إلى واشنطن برئاسة علي صبري ولكنها ظلت هناك مدة طويلة نتيجة تسويف المختصين حتى شهر أبريل 1953 دون نتيجة حيث لم تف الولايات المتحدة بوعودها.

والإجابة عن التساؤل حول ها الموقف تكمن في العلاقة الأكثر توطدا بين بريطانيا والولايات المتحدة وهي بالطبع ذات شكل طبيعي بينما كانت بينها وبين مصر علاقة مفتعلة أو علاقة مصلحة ومن هذا المنطلق كانت المحادثات بين تشرشل وإيزنهاور الذي وصل إلى كرسي الحكم في تلك الفترة وكانا رفيقي سلاح إبان الحرب العالمية الثانية فلما علم تشرشل بأمر الصفقة أرسل إليه يقول:

إنني أناشدك بحق كل ما بين بلدينا من روابط بألا تفكر في تقديم أي أسلحة لمصر قبل أن يحدد الضباط الذين يحكمون مصر الآن موقف بلادهم نهائيا من موضوع الدفاع عن الشرق الأوسط.

وهكذا أبدى الأمريكيون تعاطفا بل وطاعة لأصدقائهم البريطانيين وعرقلوا عملية إمداد مصر بالسلاح خوفا على صدور الإنجليز في القناة كما قال تشرشل .

في حين أن الضباط الذين يحكمون مصر كانوا يدركون أن اصطناع القوة مع الإنجليز قد يؤدي إلى كارثة شبيهة بما حدث في مصر عامي 1951، 1952 وحدث أنه في 10 فبراير 1953 أن نشر أركان حرب الجيش المصري مذكرة استراتيجيه جاء فيها:

إنه بإمكان مصر وحدها أن تدافع عن القناة واقتصر واضع هذه المذكرة على الناحية الفنية وحدها وحلل المشكلة من زاوية غربية محضة على ضوء احتمال حدوث عدوان من جانب الاتحاد السوفيتي وقد أوضحت هذه المذكرة التي عزاها المراقبون إلى جمال سالم أن أهمية القناة من الناحية الاستراتيجية تتوقف على سلامة الملاحة في البحر المتوسط لأنه سيرتبط بالأمور الآتية:

أولا: إزالة قواعد الغواصات السوفيتية في ألبانيا.

ثانيا: نجاح القوات الحيوية الروسية في البلقان.

ثالثا: الدفاع عن اليونان وكريت.

رابعا: تدمير القواعد الحيوية الروسية في البلقان.

خامسا: المقاومة التي تبذلها البلدان الواقعة شرقي وشمال شرقي البحر المتوسط.

وهكذا بدأت مصر تقف بشكل المعتز بنفسه في مواجهة العملاق الأمريكي الذي حاول أن يتخذ مسلك اللف والدوران إرضاء لبريطانيا.

إلا انه كان على القيادة في مصر أن تسير غور العرب من حولها وموقفهم بوضوح من مسألة هذا الدفاع المشترك مركزة على ميثاق الضمان الجماعي لدول الجامعة العربية إلا أنه في الحقيقة لم يجد النضج الكافي في الفكر الاستراتيجي لأعضاء الجامعة العربية فهم لا يتنازلون لها إلا عن القدر اليسير من سيادتهم ثم إنهم يعتبرونها بعد كل مشكلة أو أزمة شماعة يعلقون عليها أخطاءهم فبدأ عبد الناصر يعتمد على قوة مصر وإيمان المصريين وطلب من الدكتور محمود فوزي وزير الخارجية البدء في الاتصال بالسفير البريطاني لتحديد موعد لبدء المفاوضات من أجل قضية الجلاء على أساس الفصل بين مفاوضات الجلاء وبين مسألة الدفاع عن الشرق الأوسط.

وفي يوم 2 مارس 1953 عقد مؤتمر صحفيا أعلن فيه:

أن الأمة العربية لن تصغي إلى أي وعود معسولة يقطعها الغرب على نفسه ففي حربين عالميتين استطاع الغرب أن يخدع العرب بوعود لا قيمة لها فوعودهم للشريف حسين أثناء الحرب العالمية الأولى لم تؤد إلى شيء كما أن احتلالها لمصر ترسخ أكثر بعد تلك الحرب.

وفي الحرب العالمية الثانية قدم الغرب وعودا جديدة للعربة ليحصل على تعاونهم وانتهت هذه الوعود إلى قيام دولة إسرائيل.

إن الولايات المتحدة الأمريكية خرجت من الحرب العالمية الثانية في دور البطل حامي الحريات لكنها ضحت بسمعتها بسبب تأييدها للدول الاستعمارية تحت ظن أنهم حلفاؤها في معركتها ضد الشيوعية أو أن الرئيس ترومان قد أضر إضرارا بالغا بهيبة أمريكا في الشرق الأوسط بسبب تأييده الأعمى لإسرائيل وأنه قد آن الأوان للولايات المتحدة لكي تعود لمبادئ الثورة الأمريكية ومبادئ ميثاق الأطلنطي.

أنه إذا واصل الاستعمار البريطاني في احتلاله لمصر فإن مصر لن تقبل أي تهديد وسوف يقاتل شعبها بكل ما لديه لينهي احتلال لأرضه دام سبعين عاما.

كانت التصريحات شديدة وواضحة وكشفت نوايا الغرب كما أوضحت موقف مصر العنيد مما انعكس على تصرفات الغرب كله تجاه مصر ولا أدل على ذلك من تدخل فرنسا هي الأخرى في موضوع محاولة توسيط تركيا وقد عقدت اجتماعات بينها وبين الأتراك ف 13 مارس 1953 لدارسة موضوع الدفاع المشترك عن الشرق الأوسط حضره: عدنان مندريس والدكتور فؤاد كيرولو وزير خارجية تركيا وانتهى المجتمعون إلى أن تركيا هي أقدر من أي حكومة من الحكومات في الدول الغربية على إقناع العرب بالاشتراك في هيئة الدفاع عن الشرق الأوسط في حين تردد الأتراك في ذلك معلنين أن تركيا ليست أقدر من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية على إقناع الدول العربية ولا سيما مصر بالاشتراك في منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط وأن تركيا تعتقد أن إنشاء مثل هذه المنظمة لا يمكن أن يتم إلا سويت الخلافات القائمة بين مصر وبريطانيا.

وهنا بدأت الأمور تتعقد وتدخل في دور أكثر جدية وصلابة خاصة عندما أحس المصريون بأن الولايات المتحدة بدأت تدخل في نقطة أخرى هي محاولة ربط وساطتها في مباحثات الجلاء بمسألة دخول مصر في هذه المنطقة.

والأكثر من هذا هو إحساس المصريين كذلك بمحاولة الأمريكيين احتواء الثورة ومحاولة محمد نجيب قطع الاجتماعات برجالهم وأعلن صراحة لوكالة اليونيتد برس وهو يلوح بالمفاوضات مع الإنجليز بأن مصر على أن يكون الجلاء غير مشروط بشرط فنحن غير مستعدين لمناقشة أي منظمة للدفاع عن الشرق الأوسط سواء كانت حلفاء أو ميثاقا أو تحت أي اسم تطلقه الولايات المتحدة عليه.

وقد أوضح محمد نجيب كذلك في مذكراته كيف كانت أمريكا دائما تربط جهودها في سبيل تسهيل مفاوضات مصر مع الإنجليز بمشروع الدفاع عن الشرق الأوسط فكثيرا ما كانت الولايات المتحدة تعلن أنها مستعدة لتقديم المساعدات لمصر وللتخلص من الاحتلال البريطاني لها إلا أن المتحدث سرعان ما يضمن حديثه الحديث عن مشروع الدفاع عن الشرق الأوسط ثم ينتهي الحديث برفض مصر لهذا الموضوع ويسود الجمود الموقف لفترة قد تطول أو تقصر.

وهكذا ربطت الولايات المتحدة وبين مشروعات الأحلاف بين مطالب المصريين وكانت في نفس الوقت تريد أن تتخذ هذا وسيلة للضغط عليهم للوصول إلى اتفاق بينهم وبين بريطانيا تنتهي منه هي إلى مكسب في منطقة الشرق الأوسط.

ومن ثم أصبحت المسألة معادلة صعبة ذات أطراف ثلاثة يحاول اثنان منها أن ينالا أكثر حظ م الثالث التي كانت تصارعهما من أجل حقها الواضح السليب كما كان العرب في جانبها في هذا مما كان له ثقله في حسابات الأمريكيين.

فعلى حين كانت الحومة البريطانية ترى أن علي الولايات المتحدة أن تؤيد وجهة نظرها على أساس أن بريطانيا في موقفها من الوجود في منطقة قناة السويس إنما تدافع عن مصالح العالم الحر، وهو ما كانت تنادي به الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك فإن الولايات المتحدة نفسها كانت ترى أن عداء العرب للإنجليز لما نالهم منهم إبان استعمارهم لهم من شأنه أن يعرقل مصالح الغرب كله ومصالحها البترولية على وجه الخصوص بل ويمكن أن يفتح الباب واسعا أمام المد الشيوعي.

من أجل ها اهتمت بأن تبذل مساعيها الودية حتى يصل الطرفان المصري والبريطاني إلى حل يحقق السلام في الشرق الأوسط.

وفي نفس الوقت لم تنس مشروعات الأحلاف في المنطقة لذلك حاولت جهدها في إقناع بريطانيا للوصول إلى حقل معقول لمصر خاصة بعد إعلان الدول العربية مساندتها لمصر وأنهم ينتظرون تسوية مسألة الجلاء عن منطقة القناة بشكل يرضيها.

ومن هنا بذلت الولايات المتحدة جهدا كبيرا ظهر الإعلان عنه في تصريح جون فوستر دالاس مباشرة بعد عقد الاتفاق بين مصر وبريطانيا أن الحكومة الأمريكية قد بذلك جهدا في سبيل ذلك أن حكومة الرئيس إيزنهاور كانت تعتبر مشكلة قاعدة قناة السويس من أخطر المسائل التي واجهتها وأن الحكومة الأمريكية قد طلبت بالفعل من كلا الجانبين أن يعملا بجد وعناية لإيجاد حل لهذه المشكلة.

في أثناء هذا كان المسئولين في حكومة مصر عاكفين على دراسة الموقف ومراجعة المواقف الأخرى خلال المفاوضات السابقة ودراسة سير وأسلوب المفاوضات فيها ومواقف الدول منها وانتهوا إلى تحديد موقفهم على أساس: أولا: أنه لا يمكن أن يكون لمصر استقلال حقيقي إلا إذا تم جلاء كل القوات الأجنبية عن أراضيها وهذا أمر لا يحتمل المساومة ومن ثم فإن إدراك الجلاء عن أكبر قاعدة عسكرية في العالم يحتاج إلى وقت وكانت هذه هي النقطة الوحيدة التي جيب أن تدور المفاوضات حولها على أن تكون غير مشروطة بأي شرط.

ثانيا: لا يمكن أن ترتبط قضية الجلاء عن مصر بأية مقولات عن ضرورات الدفاع عن الشرق الأوسط وإلا كان معنى ذلك استبدال علم أجنبي فوق مصر بعلم أجنبي أخر حتى وإن كان هذا العلم الأخير رمزا لحلف عسكري واسع تشترك فيه مصر وعلى فرض أنه كانت هناك ضرورات لترتيبات عسكرية واسع تشترك فيه مصر وعلى فرض انه كانت هناك ضرورات لترتيبات عسكرية مشتركة للدفاع عن الشرق الأوسط فإن مجرد بحث هذه الترتيبات لا يمكن أن يكون سليما إلا إذا كان لاحقا بإتمام الجلاء وليس فقط بتوقيع اتفاقية بشأنه.

وكان منطق مصر في هذا أن مصر المستقلة وحدها هي التي تستطيع أن تقرر ضرورات أمنها وأن تقترب هذه الضرورات من أطراف أخرى وأن تفترق.

ثالثا: إن الدفاع عن الشرق الأوسط وعن العالم العربي بالذات وهو الموضوع الذي يهم مصر لابد أن تحتمله وترتبه بالدرجة الأولى مجموعة الدول العربية المشتركة في ميثاق الضمان الجماعي لدول الجامعة العربية خصوصا إذا استطاعت هذه الدول أن تعيد بناء وتنظيم القيادة المشتركة بينها وأن تسلح جيوشها بما يتناسب مع مسئوليات الدفاع عن بلادها.

رابعا: إن التنمية الحقيقية لمصر بكل أبعادها الاقتصادية والاجتماعية لا يمكن أن تتحقق إلا إذا كانت مصر مستقلة سياسية وعسكريا ولكن الموقف الاقتصادي الذي وجدته الثورة أمامها منهارا والخزانة الخاوية يفرض على مصر أن تجد مصدرا للمساعدات وكذلك أن تجد مصدرا للسلاح وكان تفكيرهم في ذلك الوقت بالطبع في الولايات المتحدة قد تكون هذا المصدر بالنسبة للاثنين والتحدي الحقيقي الذي يتبقى يصبح إذن كيف تستطيع مصر أن تحصل على المساعدات الاقتصادية العسكرية من أمريكا دون أن تجد نفسها متورطة في ارتباطات والتزامات لا تريدها.

وبدأت فكرة الحياة تطوف برأس جمال عبد الناصر وإن كان قد رأى فيها صعوبة بسبب موقع مصر الجغرافي وحساسية هذا الموقع كما كان يبحث عمن يستطيعون تأهيل فكرته هذه بالتطبيق على ظروف مصر ولعله كان يحاول بها أن يتحلل من قيد الدخول في تكتل غربي ولو كان تحت أي مسمى.

ومن هذه المنطلقات رأي عبد الناصر أن يواجه الولايات المتحدة في مكانها وذلك من خلال السفير أحمد حسين الذي اختاره لهذه الدولة نظرا لصداقة الأمريكيين من قبل وأرسل معه مذكرة رسمية إلى الحكومة الأمريكية جاء فيها:

1- أن فكرة منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط التي تقترحها الدول الغربية أو أية منظمة من نوعها غير مقبولة بالنسبة لمصر فمثل هذا يعني ببساطة أن مصر سوف تستبدل بقوات بريطانية تحتل أراضيها قات من دول غربية تفعل نفس الشيء وهذا بدوره سوف يعني استمرار الاحتلال الأجنبي.

2- إن الدفاع عن الشرق الأوسط ينبغي له أن يرتكز على ميثاق الضمان الجماعي بين دول الجامعة العربية ولما كانت بريطانيا مرتبطة بمعاهدات مع العراق والأردن ثم إن الولايات المتحدة مرتبطة بمعاهدات مع المملكة العربية السعودية فليست هناك حاجة إذن إلى شيء إضافي.

3- بعد إتمام الانسحاب غير المشروط من مصر فإن مصر ستكون على استعداد لمناقشة أية أفكار للدفاع عن الشرق الأوسط.

4- إن مصر لن تكون شيوعية وهي على أي حال سوف تقاوم أي عدوان على أراضيها من واقع مصالحها الخاصة.

5- إن العلاقات مع بريطانيا قد تتطور إلى الأسوأ فسوف تقدر مصر كل التقدير كل مساعدات تقدمها الولايات المتحدة لإقناع بريطانيا بعدم الإصرار على البقاء في منطقة قاعدة قناة السويس.

6- إن مفتاح الموقف في الشرق الأوسط يرتبط بقوة مصر الاقتصادية والعسكرية وفي ها الصدد فإن حكومة الثورة في مصر تتطلع باهتمام إلى مناقشة جدية مع الطرف الأمريكي بهدف مساعدتها اقتصاديا ويمكنها من تسليح جيشها.

ومن هذا أوضح عبد الناصر موقف مصر بالإضافة إلى الإيضاحات الماضية المماثلة من أهم مسألة تعرقل البدء في مرحلة المفاوضات التي أخذت الولايات المتحدة على عاتقها تحريكها واستند في ذلك إلى سند شرعي بحت هو أن الدفاع عن المنطقة أساسه ميثاق الضمان الجماعي وهو التزام عربي يجب أن يكون محل احترام من كل الأطراف ثم إنه لم يغلق الباب أمام فكرة الدفاع المشترك التي تصر عليها دول الغرب عندما أرجا التفكير فيه بعد إتمام عملية الجلاء.

وانتهى إلى أن مفتاح الموقف في الشرق الأوسط في يد الأمريكيين بغية إحراجهم وتحميلهم المسئولية كاملة في هذا الصدد.

الوساطة الأمريكية ودروها في تحديد إطار التفاوض

بدأ دور التفكير في التفاوض بين البريطانيين والمصريين بعد الانتهاء من توقيع الاتفاقية بشأن الوضع في السودان وكان هذا التفكير نابعا من الطرفين في وقت واحد معتمدا فيه كل منهما على نفسه نظرا لما لاحظته كل منهما في موقف الولايات المتحدة.

فمصر رأت فيها الموقف المتميع غير الواضح وربط تعاونهما معا بمسألة الأحلاف العسكرية في المنطقة فأعلنت موقفها فيها سبق أن عرضناه من تصريحات ومذكرات.

أما بريطانيا فقد شاب علاقتها بها شيء من الشك وربما الحقد عليها، فهي التي تأخذ مكانها في الشرق بعد تقلص مكانها فيه بالإضافة على أن معاهدة السودان في نظرها كانت إجحافا بحقها أرادت أن تثأر له والذي يهمنا هنا هو إظهار نية البريطانيين بالنسبة للأمريكيين الذين أرادوا ألا يبدوا عن الساحة مهما كانت الظروف ففي تقييمهم للموقف بالنسبة للأمريكيين رأوا أن أخر ما سيواجههم في مفاوضاتهم المزمعة هو دور السفير الأمريكي في القاهرة لأنه في نظرهم سبق أن أضر بهم كثيرا من جراء تدخلاته عندما أراد أن يلعب دور الوسيط بين الطرفين وأشاروا إلى أنه كان يجب أن يكون في جانبهم كحليف.

وأبدوا خشيتهم منه نظرا لعلاقاته بالمصريين وأنه قد تورط أكثر من مرة فأعلن المصريين بمطالبنا الحقيقية في كل مسألة وكان هذا يسهل على المصريين أن يرفضوا ما تقدم به إليهم ولهذا فإن من الحيوي إذا أريد لمفاوضاتنا المقبولة مع مصر أن تنجح أن تقوم مستر دالاس وزير الخارجية الأمريكية بإخطار سفيره في القاهرة بأن عليه إذا لم يستطع مساعدتنا أن يقفل فمه ويصمت ومهما كان ما يفعله الأمريكيون وما يقولونه بصدد المفاوضات مع مصر فإننا لسنا على استعداد أن نعطي كثيرا للمصريين.

أما مصر فكانت في إعدادها لهذه المفاوضات قد أعلنت شروطها:

أولا: الجلاء غير المشروط.

ثانيا: عدم استعداد مصر لمناقشة أية منظمة للدفاع المشترك.

ثالثا: الاحتفاظ بالمعدات العسكرية والجوية الموجودة في قاعدة القناة.

رابعا: إصرار مصر على حقوقها والمستمدة من حق الشعوب الطبيعي في الحرية والاستقلال والمستندة إلى ميثاق الأمم المتحدة.

إلا أنه رغم تخوف الطرفين من الوجود الأمريكي في دائرة التفاوض فقد تقرر أن يبقى السفير الأمريكي جيفرسون كافري في مصر حتى يتم تسوية المسائل المعلقة بين الطرفين رغبة في استقرار الحالة في مصر والشرق الأوسط بصفة عامة وصرح بأن جلاء القوات البريطانية عن منطقة السويس نزولا عن إرادة المطالب الوطنية والتي لم يعد في مقدور أي دولة مهما كانت قوية تجاهلها لأن صرخة الشعب مهما كان مغلوبا على أمرة تبقى مدوية بقوة فلابد من الإصغاء إليها والعمل بما ندى به خصوصا في المرحلة الدولية الحاضرة التي تمر بظروف دقيقة للغاية.

وفي نفس الفترة نرى أن الرئيس الأمريكي يتخطى هذه المواقف ويرسل مباشرة إلى محمد نجيب في 24 مارس 1953 مذكرة مطولة جاء فيها:

أكتب إليكم يحدوني الأمل الأكبر بأن المباحثات بين حكومتكم وبين المملكة المتحدة حول مسائل ذات أهمية كبرى يمكن أن تبدأ في وقت مبكر إن شعب الولايات المتحدة قد أدرك بوضوح أكبر مما في أي وقت مضى أهمية الوفاق والقوة في الشرق الأدنى بالنسبة له وأن حكومة الولايات المتحدة لتقف على أهمية الاستعداد لمساعداتكم وحكومة الولايات المتحدة لم تراودها في أي وقت من الأوقات فكرة الاشتراك المباشر في هذه المباحثات إلا تلبية لرغبتكم وأؤكد لكم أن هذه الحكومة والشعب الأمريكي يفهمون ويقدرون الأماني الطبيعية لشعب مصر في التمتع بالسيادة التامة على أراضيه وكذلك أحطت علما بحالة الرأي العام في بريطانيا حيث تجابه الحكومة مشكلة عسيرة وأعتقد اعتقادا جازما أن الحكومة البريطانية تنوي نية صادقة في الاستجابة لمطالب مصر الأساسية.

وبعد هذه العبارات المشجعة يعود فيلمز إن الشعب البريطاني يريد أن يطمئن إلى أنه لم ينجم فراغ عسكري وأن تسهيلات القاعدة الباهظة التقنيات يمكن أن يستخدمها العالم الحر على الفور في أي أوقات الأزمات وأن مصر نفسها سوف تقف عسكريا مع العالم الحر ضد أي عدوان شيوعي محتمل وبوسعي أن أتفهم هذا الموقف كما أني على يقين أن بوسعي تفهمه لأن غرضه يتضح إذا كان لنا أن نقاوم الهجوم أو نواجهه.

فهو هنا يدخل مدخلا منزلقا إلى مسألة الدفاع المشترك بأسلوب تمهيدي ينتهي إلى قوله ورغبة أمريكا في هذا الموقف هي أن يختفي سوء التفاهم الطويل الأمر بين صديقين وأن يحل محله ترتيبات تقوم مصر ف ظلها كشريك متكافئ بدورها الرئيسي مع أعضاء العالم الحر ضد أي عدوان شيوعي محتمل وبوسعي أتفهم هذا الموقف كما أني على يقين أن بوسعي تفهمه لأن غرضه يتضح إذا كان لنا أن نقاوم الهجوم أو نواجهه.

فهو هنا يدخل مدخلا منزلقا إلى مسألة الدفاع المشترك بأسلوب تمهيدي ينتهي إلى قوله ورغبة أمريكا في هذا الموقف هي أن يختفي سوء التفاهم الطويل الأمر بين صديقين وأن تحل محله ترتيبات تقوم مصر في ظلها كشريك متكافئ بدورها الرئيسي مع أعضاء العالم الحر الآخرين في بناء دفاع فعال بمنطقتكم ولم يخطط أي لأي تنظيم دفاعي لكي يطلب من مصر أن تبدي موافقتها عليه مقدما وأن أملي لكبير في أنكم بعد أن يتم الاتفاق المبدئي بين مصر والمملكة حول الجلاء وصيانة قاعدة القناة في المستقبل سوف ترغبون على الفور في مناقشة الدفاع عن الشرق الأوسط إنه من مصلحتنا جميعا أن نرى تخطيطا للدفاع المشترك بين دول المنطقة.

فلم ينس الرئيس مآرب بلاده في تشكيل منظمة دفاع عن الشرق الأوسط في غمرة دوره في التوفيق وتحديد إطار التفاوض بين الطرفين بل وحدد لها موعدا هو بعد الاتفاق على المبادئ الرئيسية وهو ما أسماه الاتفاق المبدئي وليس بعد إتمام عملية الجلاء كانت مصر تطلب.

من أجل هذا بادر محمد نجيب وأرسل رده عليه في 10أبريل 1953 مشيرا إلى ضرورة الجلاء بصفة أساسية عن الأرض المصرية ثم بعد ذلك يأتي دور التفكير في أمر الدفاع المشترك فقال إن أمن واستقرار وقوة منطقة الشرق الأوسط من أهدافه الأساسية وأشار إلى أن الحكومة الأمريكية لعبت دورا حسنا في سبيل الوصول إلى اتفاق بشأن السودان.

ثم قال إنه طالما بقيت قوات بريطانية مسلحة في الأراضي المصرية فإن الفراغ العسكري في الشرق الأوسط سيستمر وبجلاء القوات البريطانية وضمان صيانة القاعدة تكون صداقة وتعاون الشعب أكبر مقاومة ضد العدوان من وجود القوات البريطانية.

ولقد كان لهذين الخطأين آثارهما ف أروقة السياسة في الشرق الغرب ففي الغرب بدأت الولايات المتحدة تهتم أكثر بدفع عملية التفاوض بين مصر وبريطانيا وسافر أنتوني إيدن وزير خارجية بريطانيا للقاء دالاس في واشنطن للتنسيق في العمل والمواقف وتحديد إطار المفاوضات على الأسس التي تقدمت بها مصر وأن دور أمريكا سيكون في المشاركة خارج أروقة التفاوض وتشترك إذا ما طلب منها ذلك على أن يكون الطلب بداية من مصر.

كما كان دالاس يجمع كل المعلومات حولت الموضوع بل وأبدى استعداده للمشاركة وقد تحفز لذلك وظهر هذا بلا شك في زيارته للمنطقة في 11مايو عندما توقفت الرحلة الأولى من المفاوضات على نحو ما سنرى مما يشير إلى حرض الولايات المتحدة على إنهاء المفاوضات والوصول إلى النتائج ولعل موقف الاتحاد السوفيتي من المنطقة المنخس في ظهرها للإسراع في هذا الشأن.

أما النشاط الأمريكي في القاهرة فكان على أشده فالسفير الأمريكي كان على اتصال دائم بالمسئولين في وزارة الخارجية المصرية ليدرس طريقة لدفع عملية المفاوضات بمحاولته إقناع المصريين بوجهات النظر الأمريكية كما فتحت أبوابها في واشنطن لامتصاص غضب المصريين فإنه في داخل الولايات المتحدة نرى السفير المصري ولم يكن قد قدم أوراق اعتماده في بعد- يجمع في منزله أقطاب وزارة الخارجية الأمريكية ممن اختصوا بمسائل الشرق الأوسط في اجتماع ظل لمدة أربع ساعات من أجل بسط فكر مصر وموقفها قبل أن يجتمع السفير بوزير الخارجية الأمريكي واستطاع أن يثير الأمريكيين ضد سيطرة بريطانيا على أفكارهم تجاه مصر ونجح في ذلك في لندن وأخرى في واشنطن دون أن تتاح لمصر كطرف آخر أية فرصة لعرض وجهة نظرها وأن مستر إيدن كسب الجولة الأولى تماما ونجح في حمل أمريكا على تبني وجهة النظر البريطانية إلى أبعد الحدود.

وفتح الأمريكيون صدورهم للسفير المصري ليشرح ضرورة أن تكون لأمريكا في الشرق الأوسط سياسة متحررة من سيطرة الإنجليز الذين يعانون من مركب النقص بسبب ضياع الجزء الأكبر من الإمبراطورية ونزوحهم مرغمين عن المرتبة الأولى بين دول العالم الأمر الذي يجعلهم يتشبثون بما لا يجوز التشبث به.

وأوضح السفير المصري أم مصر ليست شيوعية وأنها لا تريد أن تصبح شيوعية وأضاف أن مشروع الدفاع المشترك رفض من جميع الأحزاب ولا يمكن أن يكون النظام الحاضر أقل وطنية عن النظام الماضي كما أن الشعب يرى في هذا المشروع استمرار للاحتلال البريطاني في المكروه تحت ستار جديد، وأن مصر بدأت حربا مع خرافة الفراغ العسكري متأكدين أن هنا الفراغ العسكري متأكدين أن هذا الفراغ موجود وسيظل موجودا ما دام الإنجليز موجودين في قاعدة السويس.

هكذا فتحت الولايات المتحدة صدرها للإعلام المصري وإن كان محدودا وفي شخص السفير حتى توائم بينه وبين ما أعطته لبريطانيا من خلال زيارة وزير الخارجية البريطاني إليها ومباحثاته مع دالاس ثم زيارة دالاس للندن في تلك الفترة من أجل هذا الغرض.

على أية حال كانت الولايات المتحدة وقد وضعت مصالحها في المنطقة في المرتبة الأولى وقد جعلت من نفسها قلب ميزان ولو في الظاهر بين الطرفين المتصارعين بهدف دفع عملية المفاوضات وتحديد موعد لها في أقرب وقت على أساس ما أسمته روح الصداقة والود ونجمل إطار عملها في تلك المرحلة في:

أولا: امتصاص غضب الطرفين المتنازعين والعبور بهما فوق مرحلة الشك في نواياها هي: وذلك بالاجتماع بهما سواء في لندن أو في واشنطن أو في القاهرة.

ثانيا: دفع عملية الإعداد للمفاوضات بكل الوسائل الممكنة وذلك بتذليل الصعوبات التي تفرضها وإظهار حسن النوايا بينهما.

ثالثا: عرض خدماتها وإعلان نيتها في الاشتراك في المفاوضات إذا ما رأت مصر ذلك وأنها لم تحظ بالاشتراك المباشر في مائدة التفاوض فإنها ستظل شريكا من الخارج يراقب الأحداث ويصلح ذات البين إذا ما دعا الأمر ذلك.

رابعا: وعد مصر بتقديم المعونات اللازمة بعد أن تصل المفاوضات إلى مرحلة واضحة وإيجابية أي أنها علقت المعونات على جهد مصر في هذا الشأن.

خامسا: قبلت تأجيل التفكير في مسألة الدفاع المشترك عن الشرق الأوسط إلى ما بعد الدخول في الموافقة المبدئية على الجلاء وأن كانت مصر قد أبدت عدم رغبتها في تنفيذ هذا.

وهكذا تبلور موقفها ووضح كشريك فعال في عملية التفاوض بقي أن نشير في عجالة إلى موقف العرب في بداية المفاوضات وهو بلورة لموقفها السابق على طول مرحلة الإعداد لها.

دول الجامعة العربية تؤيد مصر

كانت الدول العربية كلها مؤيدة للموقف العربي المشروع على طول الفترة وعندما بدأ الفكر بتجسد في شكل عمل إيجابي اجتمع مجلس جامعة الدول العربي في أوائل شهر مايو 1953 وبلور أفكاره وحدد موقفه في شكل مذكرة من وزارة الخارجية للحكومات العربية جاء فيها:

1- تأييد مطالب مصر بشأن جلاء القوات البريطانية غير المشروط عن منطقة قناة السويس لأن عدم الإسراع في حل هذه المشكلة يحول دون الاستقرار أو الطمأنينة في الشرق العربي ولا يسمح بالتعاون الدولي على أساس الثقة والمودة المتبادلة فضلا عن أنه يسيء إلى البلاد العربية إساءة بالغة.

2- إن دول الجامعة العربية على استعداد للمساهمة بنصيبها كاملا في إقامة دعائم السلم على أساس قوى وفقا لما ارتبط به ميثاق الجامعة العربية وميثاق هيئة الأمم.

ودول الجامعة العربية قدر واجبها في الدفاع عن بلادها ضد أي خطر يهددها وستعمل في نطاق المنظمات التي أنشأتها على استكمال أسباب هذا الدفاع بكل الوسائل وهي إذ تؤكد حقها في الدفاع عن أمنها وسلامها وانتهاج الخطة التي تقتضيها المصلحة الوطنية ترى أن ما يحيط بالدول العربية سببه بقاء طائفة من القضايا العربية من غير حل يقوم على أساس الحق والعدل.

ومن أجل هذا ترى اللجنة أنه يجب أن تحل أولا وقبل كل شيء القضايا العربية حلا عادلا وفي مقدمتها قضيتها مصر وفلسطين.

3- ترى اللجنة السياسية أن معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي التي عقدتها الدول العربية تهيئ أسباب الدفاع عن الدول العربية وتكفل التعاون الاقتصادي والعسكري بينها.

في هذا الجو المعبأ والعيون السياسية المترقبة بدأ الدور الأول من المفاوضات.

الفصل الخامس: مفاوضات 1953 - 1954

الدور الأول من المفاوضات

كانت أطراف اللعبة ثلاثة: طرفان أصليان أو خصمان وهما: مصر وبريطانيا والثالث في موقف أو مراقب للموقف: وهي الولايات المتحدة الأمريكية .

وقد أوضحنا من قبل موقف الولايات المتحدة الأمريكية وبقي أن نقدم موقف كل من الطرفين الأصليين غداة البدء في المفاوضات فقد كان كلاهما في الحقيقة قد بدأ يفقد أعصابه فهي مرحلة حرجة في حياتهما معا فبريطانيا ستنقذ كبرى قواعدها في الشرق الأوسط، والتي ستمثل آخر مراحل انسحابها الكبرى من تلك المنطقة وذلك أمام عيون العالم ما بين عطوف وشامت،وتترك مصر التي احتلتها منذ عام 1882.

ثم يحدث هذا ف عهد رئيس وزراء –نستون تشرشل - صفق له العالم منذ عدة سنوات، بعد أن قاد انجلترا واشترك في قيادة الحلفاء إلى النصر في الحرب العالمية الثانية ضد دول المحور.

وهذه مصر ممثلة في قادة ثورتها الذين حملوا الأمانة وتعاهدوا أمام شعبهم على أن يحصلوا له على استقلاله وحريته مهما كان الثمن ووضعوا هذا المبدأ أول مبادئ ثورتهم.

ولم يكن الوقوف أمام الأسد البريطاني مهما بلغ من الكبر عتبيا بالأمر الهين فالإنجليز رجال سياسة على مر تاريخهم وأقوى من المصريين ومالكي ناصية القوة والمنعة في المنطقة.

ونعطي الآن أدلة وأمثلة على هذه الضغوط والدوافع في نفس الوقت ففي مصر رأى رجال الحكومة استمرار عمل الفدائيين في منطقة القناة وعملوا على تشديد الحصار حول القاعدة البريطانية لمنع تسرب أي مواد تموينية إليها من داخل الأراضي المصرية ولم يسمح بالعمل للمصريين داخلها وصاحب ذلك هجوم من جماعات فدائية منظمة على معسكرات تلك القاعدة والعمل على تخريبها وتخريب منشآتها وذلك منذ بداية الثورة واستمرت العمليات بصورة فعالة ومؤثرة عدة شهور حتى بدأت المفاوضات الرسمية في أبريل من عام 1953 .

وكان رجال الثورة قد وضعوا خطة صبورة طويلة الأمد تحمل احتمال العمود أمام قوى الإنجليز فاتفقوا على أن تستمر فترة الكفاح المسلح لخمس سنوات كفترة أولى على أن يكون أسلوب العمل الفدائي أفضل من تقابل جيشين منظمين وتألفت لجنة عليا في كل وزارة لتجنيد المتطوعين كما ألف كمال الدين حسين كتائب الفدائيين التي تحولت فيما بعد إلى كتائب الحرس الوطني.

وكان هدف هذا العمل حتى من حيث إجرائه ومظهره أن مصر لن تفاوض دون أن تشعر البريطانيين أن أبناءها على استعداد أن يموتوا من أجل قضيتهم وأن ظروفنا الآن أفضل للوصل إلى الحل الذي يرضينا فشماعة السودان التي كان يعلق عليها الإنجليز مسألة الجلاء عن مصر قد تحطمت والملك فاروق رأس النظام الفاسد قد رحل والشعب المصري الآن على أهبة الاستعداد ليأكل جنود الاحتلال بأسنانه ويقاتلهم بصدره.

وفي خطاب آخر لرئيس مصر أوضح فيه أكثر كيف سيكون التعامل مع البريطانيين إذا هم لم يعطوا المصريين حقهم ستحافظ مصر على استقلالها وحريتها حتى آخر رجال وآخر امرأة ومتى استأصل المصريون الاستعمار فليطمئن الغرب فسنكون أحرص منه على حريتنا واستقلالنا وإذا تعرضت مصر لأي عدوان فسنقف صفا واحدا ولن نتردد في محالفة الشيطان لرد العدوان.

وإذا لم تتخلص بلادنا من الاحتلال فسنسحب قواد الثورة من الحكومة لقيادة الشعب في حرب عصابات نشنها على الإنجليز وسننشر أعمال الفدائيين بطريقة تشعر هؤلاء أنهم يدفعون غاليا ثمن عدوانهم على بلادنا.

هذا من الجانب الفدائي أو أسلوب إقلاق الوجود البريطاني في المنطقة ومن جانب آخر كان الهجوم الإعلامي واستعماله في إثارة الخواطر ضد الإنجليز فقد استعملوه في شكل خطب وتصريحات كثيرا ما حملت معاني الإثارة للمصريين وتهديد العدو المحتل.

وكان محمد نجيب وجمال عبد الناصر أكثر رجال الحكم في مصر إدلاء بالتصريحات وإلقاء الخطب فكم أوضح محمد نجيب في خطبه هذه المعاني.

ففي زيارته لأسوان يوم 22 مارس 1953 قال لقد انتهينا من مسألة السودان بفضل اتحاد الأمة أما مسألتنا فاعلموا أننا لا نرضى إلا بالجلاء الغاصب دون قيد أو شرط أو نموت دون ذلك ونحن على أتم استعداد للتضحية والأمة كلها وراءنا وغير ذلك من الخطب التي حملت الكثير من هذه المعاني.

وكان الإنجليزي يتأثرون كثيرا بنتائج هذه التصريحات والخطب ويعملون لها حسابها لدرجة أن جعلوا لها ملفات لدراستها وحسابها بدقة وهذا هو السفير البريطاني في القاهرة يصرح للدكتور محمود فوزي وزير الخارجية المصري في مارس 1953 أن ملف الكولونيل جمال عبد الناصر قد أصبح مليئا بالمتفجرات وآخرها تصريح لوكالة رويتر هددنا فيه بحرب شعبية إن هذه التصريحات وغيرها تفسد الجو كله في لندن وتخلق رد فعل من العناد يستنفد كل ما أحاول أن أقوم به بوسعي وأكثر من هذا فقد بلغتنا معلومات أن هناك عملية لتدريب مقاتلين وإن هناك أعمال تحصينات هندسية على الطريق بين القناة والقاهرة.

وكان رد جمال عبد الناصر على حديث السفير أنهم لا ينتظرون منا أن نجلس هنا بلا عمل ونحن نعلم أن تهديدهم سيف سلط علينا فإما أن يفتحوا باب المفاوضات فنسمع منهم ونقول لهم ونرى كيف تسير الأمور وإما أننا سوف نجد أنفسنا سائرين إلى صدام تحكمه الحركة الذاتية للمواقف بصرف النظر عن رغبات الأطراف.

ولقد كان جمال عبد الناصر قد عدم ثقته في نوايا البريطانيين بل وفي قدرات المحافل الدولية من حوله وهذا ما أظهره في حديث له مع أحد الصحفيين عندما سأله: لماذا لا تنتظر مصر انتهاء سريان معاهدة 1936 وذلك في عام 1956 فكان رده أننا نؤمن تماما أن هذه المعاهدة لن يكون لأجلها نهاية لأن الإنجليز سيعرضونها كقضية على إحدى المحاكم الدولية ويحصلون بمقتضى هذا على حكم بمد أجلها وأننا كدول صغيرة لا نثق كثيرا بنزاهة هذه المحاكم لأننا نعرف أنها تحت إرادة الدول الكبرى تديرها من أجل مصالحها الخاصة.

هكذا كان اندفاع الشباب من رجال الثورة بعكس أسلوب طلب المفاوضات التقليدي في عهود ما قبل الثورة وتبادل الأوراق وإغلاق الأبواب بعد خروج المتفاوضين وكانت النتيجة واضحة في موقف البريطانيين من هذا الذي يجري فإن الإنجليزي منذ اللحظة الأولى لم يكونوا يريدون أن يسلموا بالجلاء ولم تكن حكومة المحافظين وعلى رأسها ونستون تشرشل بأقل إصرار على هذه السياسة. وكما تبادلت الحكومة البريطانية مع السفير البريطاني في القاهرة من البرقيات والمذكرات حول تقييم الحكم الجديد في مصر وتقييم رجاله واحتمالات الاستخلاف في قيادة الثورة ورئاسة الدولة وكانت تقودهم الظنون أحيانا أنه يمكنهم بوسيلة أو بأخرى تغيير نظام الحكم أو محاولة تغيير بعض عناصره ولكن السفير البريطاني يحسم هذه المزاعم بكتابه إلى روجر بتاريخ 10 نوفمبر عام 1953 بأنه لا بديل لحكومة مصر الحاضرة وأن مقتل محمد نجيب نفسه أو أحد القادة البارزين مثل جمال عبد الناصر سوف لا ينهي هذا الحكم أو النظام العام وأنه إذا ما حدث هذا فإن قيادة المجلس سوف تنعقد لأحد الضباط ويشيع آنئذ نظام أكثر صرامة وسنفاد منه.

كما أنه لم يلح في الأفق أي تحرك في الجيش لأعضاء هذا المجلس من الحكم ويبدو أن الإنجليز كانوا يحاولون إثارة العناصر التي كانت تتحكم في المجتمع كالأعيان وكبار الملاك ورجال الأحزاب ولكنهم فشلوا ويشير السفير إلى هذا في نفس هذا الخطاب إلى القلق الذي أصاب هذه الطبقة من جراء قيام الثورة وأنهم يحاولون أن يشتروا خليفة مناسبا من رجال الجيش يقصدهم لاستعادة قوتهم ولكن هذا أمر مشكوك فيه لأنه لا يوجد من يقوم بهذا العمل الآن وحتى إذا كان موجودا فإنه سيسقط لحاجته إلى تعقيدي كاف.

إن هؤلاء الناس يقصد رجال العهد الماضي الآن خائفون ومنقسمون على أنفسهم لدرجة أنه يبدو أنه لا يمكن لأي شخص أن يشق معهم إجراء من شأنه تجميع أي قوة مناهضة للنظام.. وحتى لو تصورنا أن نكون نحن عقدهم فإننا غير متأكدين من تحمل هؤلاء الناس مسئوليتهم وربما يؤثر على خط المفاوضات المستقبلة.

وهذا الخطاب يعكس محاولات الإنجليز في الداخل وكيف فشلت في الوصول على هدفها.

أما على الجانب الآخر في داخل بريطانيا فقد كان رئيس وزرائها في حالة نفسية سيئة وقد رأينا تصرفه مع إيزنهاور في الفصل الماضي ثم تصرفه الآخر في الإذن بتشكيل عملية عسكرية تحاول القضاء على النشاط العسكري للمصريين تحت اسم عملية روديو التي أعدها الإنجليز للتدخل العسكري وكانوا على وشك تنفيذها منذ أوائل أيام قيام الثورة ولكن عدم تنفيذها يعني على الأقل مراجعتهم لمواقفهم لو حدث هذا وحشيتهم مغبة هذا العمل الذي لم يصبح له محل في هذا العهد الجديد.

ولذلك يقول السفير البريطاني وهو أكثرهم إحساسا بالموقف إنني أصبحت على يقين من أن الوقت قد حان لكي أفوض في إبلاغ المصريين بأننا أصبحنا الآن على استعداد في وقت قريب لتحديد موعد لبدء المفاوضات. وقد بلغ من قلق البريطانيين وفقدانهم أعصابهم أن أثار هذا الخطاب أعصابهم أكثر فانقسموا بصدده إلى مجموعة ظلت متشددة على رأسها أنتوني هيد وزير الحربية البريطاني ورأت إبلاغ المصريين أن الحكومة البريطانية سوف تبلغهم بموعد المفاوضات في الوقت الذي يناسبها هي.

أما وزارة الخارجية وعلى رأسها السير ويلبام سترانج وكيلها الدائم ونائبه السفير جيمس بونكر فكانت ترى الموافقة على رأي السفير ستفنس ورأت أن التشديد في الوقت قد يدفع إلى عنف أكثر في منطقة قناة السويس لأن الأوضاع قد تغيرت وأن الأصدقاء التقليديين من العهد الماضي لم يعودوا موجودين فضلا عن استمرار المصريين في أعمال التدريب وأن الجيش هذه المرة سيكون مع الحكومة لأنهما واحد.

وبهذا كانت الخارجية أكثر واقعية وتعقلا وأن أعمال الفدائيين قد أتت ثمارها التي تمناها المصريون. وفعلا أرسل أنتوني إيدن وزير الخارجية إلى السفير البريطاني في القاهرة بأن يقبل البدء في اجتماعات تمهيدية واستكشافية غير رسمية مع المصريين وتم بالفعل عقد اجتماعين من هذا النوع.

وقدمت انجلترا في هذين الاجتماعين أسسا لمباحثاتها متضمنة خمس مسائل رأت أن تبحثها كوحدة واحدة: وهي أسلوب صيانة القاعدة في وقت السلم بهدف وضعها على أهبة الاستعداد إبان الحرب أسلوب الدفاع الجوي عن مصر طريق ونظام الانسحاب البريطاني من الأرض المصرية وبرنامج تقديم المساعدات الاقتصادية والعسكرية لمصر وعلقت السير في أية مفاوضات على الموافقة على هذه الأمور.

في حين رأى جمال عبد الناصر أن هدف الاجتماعات يجب أن يكون تحديد إطار لما ستدور بداخله من مفاوضات وعلى ذلك فإن الخطوة الأولى هي الاتفاق على المبادئ والتوقيع عليها وإعلانها في شكل المبادئ الأساسية للاتفاقية heads of agreemen ثم تدو بعدها المفاوضات التفصيلية على أن يقوم بها لجان متخصصة بمعنى أن الجلاء يكون أساس الاتفاق على أن يكون غير مشروط ويليه الاتفاق على المدة اللازمة لذلك وكذلك الإجراءات التي تتخذ حيال تنفيذه وكيفية ذلك.

أما الدفاع المشترك فهو قضية أخرى بالكامل وليست بندا من بنود الجلاء، لأن مصر أوضحت سلفا أنه لا ربط على الإطلاق بين الجلاء والدفاع.

ولم تصل هذه الجلسات التمهيدية إلى نتيجة محددة، ولم تكشف عن أسس جديدة للمفاوضات إلا أنها توصلت إلى قبول الطرفين مبدأ الدخول في مفاوضات رسمية حدد لها يوم 27 أبريل 1953 .

وعندما عرض على تشرشل تقرير عما دار في هاتين الجلستين تصرف بفقدان أعصاب طالبا من إيدن تأجيل المفاوضات إلى أجل غير مسمى فاختلف معه هذا الأخير وأصر على موقفه لتتم المفاوضات فعلا في حينها.

وهذا يشير إلى الجو العابس الذي بدأت فيه المفاوضات بين مصر وبريطانيا.

اتفاقية السودان وأثرها على بداية التفاوض بين مصر وبريطانيا

كانت مفاوضات السودان وما أحاط بها منذ أن بدأت في شهر أكتوبر من عام 1952 والتي انتهت بتوقيع الاتفاقية في فبراير 1953 ميدانا كبيرا للتجربة والاختبار أكثر من أربعة أشهر بطولها حافلة بالأحداث المتلاحقة والإرادات المتعارضة والتيارات والمناورات المكشوفة أو المستوردة ولقد استطاعت كل الأطراف من خلالها أن يقيسوا حجم القوة، ودرجة التصميم لدى كل منهم وأن يتصرفوا على أساليبه وعلى مزاجه وعلى التوازنات التي يستطيع أن يعتمد عليها أو يتحسب لها.

وبالتالي فإن كل الأطراف خرجت من هذه التجربة وهي تعيد التفكير وتراجع الحساب وتحاول تقييم مواقفها استعدادا لمرحلة جديدة.

فبعد السودان كان الدور بلا جدال هو الدخول في مرحلة التفاوض من أجل حل قضية الجلاء حيث كانت هي القضية الرئيسية في تفكير قيادة الثورة فلقد وصلت التطورات أخيرا بالجميع إلى النقطة الحرجة من أجل البدء في مفاوضات الجلاء ولقد كانوا يدركون وعلى رأسهم جمال عبد الناصر أن المفاوضات سوف تكون شيئا مختلفا عن تلك التي دارت بشأن استقلال السودان ففي حين أن مفاوضات السودان كانت بالدرجة الأولى قادرة على الرؤية السليمة والحركة السياسية النشطة فإن مفاوضات الجلاء سوف تكون صراعا من نوع آخر.

ففي 12 فبراير 1953 استطاعت القوتان المتفاوضتان حول مصير السودان مصر وبريطانيا أن توقعا اتفاقية بشأن الحكم الذاتي وتقرير مصير السودان وتحديد فترة انتقالية يتوافر للسودانيين فيها الحكم الذاتي الكامل وتعتبر هذه الفترة تمهيدا لإنهاء الإدارة الثنائية وتصفية هذه الإدارة.

وبقدر ما أعطت هذه الاتفاقية خطوة كبيرة طموحة للسودانيين على طريق استقلالها الكامل فقد أوضحت لهم الرؤية في العلاقات مع شقيقتهم مصر ومدى إيثارهم على نفسها فقد بدأوا بالسودان قبل أن يحصلوا هم على استقلالهم وبذلك كسبوهم صوتا في المجال العربي إلى جانبهم عندما يئون الأوان لتجميع الأصوات العربية في مواجهة الاستعمار وهذه نقطة تحسب لهم في سجل العلاقات العربية.

كما أن توصل الطرفين المصري والبريطاني إلى تفاهم حول مشكلة السودان وتوقيعها لاتفاق مشترك بشأنه في 12 فبراير 1953 مهد السبيل في حينه للانتقال إلى معالجة موضوع الجلاء عن مصر وفي ذلك صرح الدكتور محمود فوزي وزير الخارجية المصري للصحفيين عقب توقيع هذا الاتفاق بقوله إن هذا الاتفاق بعد خطوة إلى الأمام في الاتجاه الصحيح وإنا لآملون ومصممون على أن نتبعها بإذن الله وعونه خطوة مثلها متخطين الخطوة الثانية المرتقبة وهو يقصد بالخطوة المرتقبة مرحلة المفاوضات من أجل الجلاء عن مصر.

وعندما سأل متى ينتظر أن تبدأ محادثات الجلاء عن منطقة قناة السويس أجاب بقوله في أسرع وقت ممكن وإننا لا نحسب وقتنا بالسنيين ولكن بالدقائق والثواني.

وفي نفس هذا التاريخ جرى حوار قصير بين رئيس الوزراء المصري والسفير البريطاني في القاهرة يعكس تفهم الإنجليز لموقف المصريين وإلحاحهم في بدء التفاوض بعد أن ذاقوا طعم الانتصار في مفاوضات السودان.

السفير البريطاني: يسعدنا أن هذا الاتفاق سيفتح عهدا جديدا بين مصر وبريطانيا.

ورئيس الوزراء: إني لأرجو لك على أن المسألة الأولى، وهي مسألة سحب القوات البريطانية من منطقة قناة السويس هي ذات أهمية بالغة ونحن على استعداد لبحثها الآن.

السفير البريطاني: أرجو أن يكون هذا الاتفاق فالأحسن للجولة الثانية.

رئيس الوزراء: نود أن نعرف متى تكونون على استعداد لبدء المباحثات في شأن الانسحاب من القناة.

السفير البريطاني: سأبلغ مستر إيدن وسأخبركم فور تلقي رده.

وهكذا شجعت اتفاقية السودان الجانبين المصري والبريطاني على الدخول في المفاوضات فيما يتعلق بالجلاء بعد كسر حاجز الكراهية وتصور كل جانب للآخر ربما تصورا خاطئا كما أن قيام الثورة وتغير السياسة التقليدية كانت سببا جوهريا لأن تعيد بريطانيا حساباتها خاصة أمام إصرار الثورة على تحقيق مطالب مصر بتخليصها من الاحتلال البريطاني.

وهذا ما أوضحه جمال عبد الناصر في أحد تصريحاته:

وضعت نتائج الاتفاقية الخاصة بالسودان زمام المبادرة بين المصريين وبرهنت أن في إمكاننا أن نتولى قيادة الحركات الوطنية في أفريقيا بالطريق إلى النصر ولن يلبث عملنا أن نتولى قيادة الحركات الوطنية في أفريقياي بالطريق إلى النصر ولن يلبث عملنا أن يؤتي أكله، وسيدفع البريطانيون الثمن ولقد حذرناهم من هذه النتيجة بصراحة وأوضحنا لهم أننا نستطيع أن نجعل وجودهم غير محتمل في قناة السويس إلا أن هذه التصريحات والإلحاح والضغط الذي لم يكن البريطانيون على عهد به من المصريين من ذي قبل جعل البريطانيين يراجعون موقفهم الذي تتابعت أحداثه بسرعة كبيرة لم تكن هكذا إيقاعها لديهم من قبل في تعاملهم مع الدول التي استعمروها.

ولم تكن يدهم سريعة كهذا في التوقيع على اتفاقيات صلح أن استقلال ثم إن مصر ذاتها لم تكن مفضلة طرحت نفسها بشدة على تفكيرهم ولهذا قام الإنجليز بإعادة تقييم ما جرى في السودان وتزايد إحساسهم بأنهم خدعوا بل وغرر بهم حتى وقعوا في اتفاقية لا تتناسب مع مصالحهم في مصر.

ويبدو أن هناك نقدا شديدا وجه للحكومة البريطانية من داخل كواليس السياسة والصحافة والرأي العام لديها مما دفع السياسي العجوز الذي حكمته عقدة الاستعمار إلى الكتابة إلى إيدن وزير خارجيته ما يعكس كل هذه المعاني في مجتمعه فيقول في رسالته إنني أريد أن أفهم كيف وقعنا تلك الاتفاقية مع المصريين بشأن السودان.

وكان رد إيدن أغرب مما كتبه تشرشل فقال لم يكن أمامنا خيار آخر لقد أخطرني السير روبرت هاو بأن علنيا قبول أي شروط معقولة نستطيع الحصول عليها لأن الصاغ صلاح سالم سحب الأرض من تحت أقدامنا عندما استطاع أن يوفق موقف الجنوب من الشمال في السودان فأصر تشرشل على طلب تقرير الحاكم العام في السودان روبرت هاو لأنه لم يكن يتصور عدم وجود بدائل أخرى أمام المتفاوضين ولا أستطيع أن أقبل أنه كان علينا أن نوقع أية شروط تقدم إلينا.

ومن الطرفين أنه عندما وافته وزارة الخارجية بالأوراق المطلوبة وأطلع عليها رأس الحاكم العام بطلب إنقاذ ما يمكن إنقاذه طالب بالتحقيق مع هذا الحاكم العام وسال إذا كان الرجل يستحق معاش تقاعد.

وهنا انقلب تشرشل على المصريين وأراد أن يلحق القطار التالي بعد أن فاته القطار الأول وأراد أن يعاقبهم بالتلاعب وتمييع الموقف كما كان يمارس لعبته من قبل مع المفاوضين المصريين القدماء فنجده يؤشر على ملف المفاوضات المصرية البريطانية الذي طلبه بالآتي: علينا ترك موضوع السودان كما هو في الوقت الراهن ولكنه فيما يتعلق بمرحلة جديدة من المفاوضات مع مصر فإني أنصح بعدم التسرع.

وهكذا أصبح ما كسبه المصريون في صف السودان ضربة يمينية أفقدت أعرق الإمبراطوريات صوابها وجعلها تعيد حساباتها كل يوم فيما يعملونه مع هؤلاء الشبان المصريين فقد تغيرت الأوضاع في مصر بشكل لم تكن بريطانيا تظن أنها ستصل إليه والقادة الجدد لمصر ليسوا من الباشوات الذين تعاملوا معهم من قبل كما أنهم واعون لدروس التاريخ ودارسون الأحداث دراسة واعية عملية ومقدرون موقفهم وأن عملهم العسكري ودخولهم حرب فلسطين نمى لديهم مهارات لم تكن تتمتع بها من سبقوهم كالجرأة حتى في مواجهة الموت فقد تعاموا معه من قبل مع تأكدهم من التكتل الوطني من خلفهم ممثلا في الشعب والجيش.

وبالتالي وصلوا إلى حد الاستخفاف ببريطانيا خصوصا بعد أن أضاءت أمريكا الضوء الأخضر أمامهم.

المفاوضات

في هذا الجو المفعم بالقلق والتوتر أذاعت كل من القاهرة ولندن البيان المشترك التالي في يوم الخميس 16 أبريل 1953 .

اتفقت الحكومتان المصرية والبريطانية على بدء المباحثات قريبا في المسائل المعلقة بين البلدين وسيستقبل حضرة الرئيس اللواء أركان حرب محمد نجيب وحضرة الدكتور محمود فوزي وزير الخارجية حضرتي السير رالف ستيفنسون السفير البريطاني والجنرال السير بريان وبرتسون يوم 27 أبريل الحالي.

وبالفعل بدأت المفاوضات يوم 27 أبريل 1953 أي في موعدها المحدد في الساعة الحادية عشرة صباحا في دار رئاسة مجلس الوزراء المصري بالقاهرة وكان الوفدان مشكلين على النحو التالي.

أولا: الوفد المصري:

رئيس الوزراء اللواء محمد نجيب.

دكتور محمود فوزي وزير الخارجية

البكباشي جمال عبد الناصر .

قائد الجناح عبد اللطيف البغدادي

الصاغ عبد الحكيم عامر

الصاغ صلاح سالم

الأستاذ علي زين العابدين حسني.

ثانيا: الوفد البريطاني:

صاحب السعادة سير رالف سكراين ستيفنسون سفير بريطانيا في القاهرة جنرال سير بريان روبرتسون.

مارشال الجو الأول سيرارتر ساندرز

مستر م. ج. كريسويل .

بريجادير أ ج. ه. دوق

بريجادير أ. ف. و . هوب.

قائد سرب ج. ج . دافيز

وقد جاء السفير الأمريكي في القاهرة مع الوفد البريطاني بهدف الاشتراك رسميا في المفاوضات مما لم يقع موقع الارتياح لدى الوفد المصري والذي أصر على أن تظل المفاوضات مقصورة على وفدي الحكومتين ذواتى الشأن وحدهما فما وسع هذا السفير سوى الانسحاب وتم الاتفاق على أن تميل دور الوسيط أو المصلح عند الحاجة.

وظلت الاجتماعات تلتئم بهذا الشكل على مدى ست جلسات كان آخرنا تلك التي عقدت في يوم 8 مايو عام 1953 والتي صدر في ختامها بلاغ مشترك يقول أن المفاوضات أرجئت إلى أجل غير مسمى.

ونعود إلى تفصيل ما دار خلالها.

فبالنسبة للجلسة الأولى فقد بدأت بكلمة من رئيس الوزراء المصري بصفته صاحب القضية وبين المطالب المصرية وموقف مصر الفعال منها:

إن وجود قوات بريطانية على أرض مصرية لمدة إحدى وسبعين عاما قد أوجد بين شعبينا هوة وظلمة وبذر بذور الشك والشقاق بينهما وإلى جانب ما يعبر عنه وجود هذه القوات البريطانية من الناحية المادية كرمز للكفاح المرير الذي ليس له مبرر بين شعبي مصر والمملكة المتحدة فإن هناك ناحية أخرى أخطر في طبيعتها من الناحية الأولى وإني أقصد بذلك أزمة الثقة التي قلبت أساس التفاهم بين الشعبين.

فليس أمامنا سوى طريقين علينا أن نختار بينهما أحدهما التمادي في عدم الثقة والاستمرار في الصراع حتى يتم انسحاب القوات البريطانية الذي ليس منه بد.. والآخر طريق الحقائق وبعد النظر الطريق الذي سيؤدي سلميا إلى الانسحاب.. إن مصر مصر الحرة سوف تتطور بسرعة وبقوة حتى تستطيع أن تملأ أكثر من الفجوة التي تتخلف عن الانسحاب للقوات البريطانية تملأ هذه الفجوات لا بالقوات والمعدات وحدها بل بحماس أنبائها المتدفق المنبثق عن كلمة الحرية السحرية.

كما تؤمن إيمانا صادقا بأن ميثاق الأمم المتحدة يصلح أن يكون أساسا متينا للتعاون بين الشعوب الحرة لحفظ حريتهم وصيانة كرامتهم هذا إلى أننا قد قمنا وفق أحكام الميثاق بعقد ميثاق للأمن بين الدول العربية يهدف إلى دفع العدوان عن أي دولة من الدول المواقعة عليه وإني لمؤمن بإمكان بل وبلزوم تدعيم قوى الدول العربية حتى تصبح قوة فعالة لها أثرها.

ورد السفير البريطاني على هذه الكلمة بكلمة أخرى شكر فيها الحاضرين لحفاوتهم ثم قال لقد خولتني حكومة جلالة الملكة أن أنهي إليكم أنها تسلم طواعية بالمقترحات التي أبد يتموها في اجتماعنا الأخير الخاص بمحادثات السودان.

والتي بفضلها يمكننا أن نبدأ بالمسائل الهامة بينا ولذلك قد فوضتني حكومة جلالة الملكة كما فوضت جنرال سير بريان روبرتسون كمندوبين خاصين إني أتفق معكم في أن نحاول الوصول إلى وسائل عملية وأنظمة وعلامات جديدة بين بلدينا تحل محل النظم الحاضرة التي لم تعد تقبلها مصر وأن سير روبرتسون سوف يعرض بعد قليل صورة عامة عن قاعدة القتال من الوجهتين العسكرية والاستراتيجية ولما كانت مثل تلك الصورة العملية للقاعدة تشمل أمورا على درجة كبيرة من التقصير من الناحية الفنية لذا أرى لزما أن أفضل طريقة هي انتداب لجان تمثل خبراء عسكريين من البلدين لدراسة هذه الأمور وبهذا تتمكن من مناقشتها وإليكم الحقائق التي علينا أن نستوعبها.

1- وجود قاعدة على درجة كبيرة في منطقة القتال يمكنها أن تستوعب قوات كبيرة.

2- وجود أعداد كبيرة من القوات البريطانية المحاربة في هذه المنطقة.

3- الرغبة التي أبدتها الحكومة المصرية بأننا يجب أن نترك مصر الآن، فلنحاول إذن أن نجد حلال لهذه المشكلات.

سبق أن وقعتم على وجهة نظر حكومة صاحب الجلالة في الرسالة التي قام مستر كريستويل بتسليمها لوزير الخارجية في 28 مارس ولقد علمت أن الحكومة المصرية تنظر إلى هذه الأمور على وجهة نظر مختلفة وأن من الطبيعي أن تختلف وجهات النظر ولكن اعتقد أن هذا يتطلب تضامنا من الخبراء الفنيين لإيجاد حل علمي وإني لا أشك لحظة في أن مصر توافق تماما مثل بريطانيا العظمى إلى أن تكون القوات المعادية أبعد ما تكون عن شواطئ البحر المتوسط وعن أرض مصر ونحن لا نختلف في هذا الهدف.

ولقد كان الوفد المصري واضحا وحدد موقفه دون إطار واسع من الحديث الذي يميع بقية المطالب ووصل المتحدث المصري إلى لب المطالب بشكل مباشر.

وحقيقة بالنسبة لمسألة ملئ الفراغ لم يكن الحل المقدم عمليا لأن حماس أبنائها المتدفق ليس كافيا لملء الفراغ الذي كانت تشغله قوات بلغت 80,000 جندي تقريبا بكامل معداتهم وإن كان قد استند إلى الدفاع العربي المشترك ولكن على أية حال فإن الأمر في حدود مصر واضح حيث لم يكن هناك خطر يستهدفها كي تكون على استعداد وتسليح ووضع استعداد للمجابهة.

وعموما كانت الكلمة هادئة وقوية وهادفة.

أما بالنسبة لكلمة السفير البريطاني فبدأت مطمئنة للجانب المصري وأنه وافق على الأسلوب الذي كان قد طالب به جمال عبد الناصر في الجلستين الممتدتين من طرح العمل على لجان فنية متخصصة لدارستها وعرض على المفاوضين ثم حصر العمل في إطار النقاط الثلاث التي تضمنت وجهة النظر البريطانية ولو أنه لم يعد شيء بشأنها وإن كان قد رحب باختلاف وجهات النظر على أنه أمر عادي في مثل هذه المواقف ثم ختم حديثه بعبارة براحة وهي اشتراك بريطانيا مع مصر في الرغبة في إبعاد القوات المعادية عن المنطقة وهو طرق خفي لفكرة الدفاع المشترك عن المنطقة.

ثم تحدث بعد هذا سير بريان روبرتسون فأعطى اطمئنانا مبدئيا للمفاوضين المصرين ثم تناول موضوعه من ناحية الأهمية الاستراتيجية والعسكرية لمنطقة قناة السويس كما تناول مسألة ضرورة الدفاع عنها فقال.

لقد طال بقاء بريطانيا العظمى في الشرق الأوسط وكانت مازالت متعددة في تلك المنطقة ولكن ليس لحكومتنا إلا مصلحة واحدة هي استتباب الأمن في الشرق الأوسط وأن لمنطقة قناة السويس أهمية مجموعة دول الكومنولث وكانت مصر على الدوام مطمعا للغزاة نظرا لأهمية موقعها ونهتم أيضا بتركيا إذ هي أيضا بين مناطق الشرق الأوسط التي يتطلع إليها الغزاة وعلى ذلك فاهتمامنا لا يقتصر على الدفاع عن قناة السويس فقط بل يهدف إلى الاشتراك في الدفاع عن الشرق الأوسط ووجود قواتنا في قاعدة قناة السويس يمكننا من هذا الاشتراك ولذلك كانت رغبتنا اليوم هي تقوية بلاد الشرق الأوسط نفسها بشكل يمكنها من صد أي عدوان مستقبلا ولكن هذه البلاد لا نستطيع في الوقت الحاضر أن نصد أي عدوان سواء تحدث أم بقيت بمفردها.

لقد نما على علمنا أن هناك اقتراحا بأن تكون القاعدة تحت إشراف مصر ويهمني أن أوضح ما تضمنه مثل هذا الاقتراح من معان:

1- معنى هذا كما أعتقد أن نسلمكم القاعدة وأن تأخذ الحكومة على عاتقها المحافظة على هذه المعاني التي تبلغ قيمة محتوياتها مئات الملايين من الجنيهات... إن ذلك العمل لو قمنا به لدل على تفة من جانبنا لم يسبق له نطير في العلاقات الدولية.

2- وأن الجيش المصري سيشاركنا في تهيئة القاعدة من تسهيلات وإنني أعتقد أن هذا كسب كبير للقوات المصرية المسلحة.

3- إن مصر سوف تقوم بإدارة القاعدة بشكل منظم في وقت السلم وهذا معناه أن مصر ستقوم بتقديم ما يحتاجه العمل من أيد عاملة وطرق المواصلات اللازمة لإدارة القاعدة ونحن نرى أن تنشأ هيئة فعالة للدفاع وقت السلم حتى تكون على استعداد في وقت الحرب.

وثم أنهى حديثه بتحديد موقف بلاده من المنطقة في ثلاث نقاط:

1- أنها تهتم اهتماما بالغا بالشرق الأوسط وأن قواتها في منطقة القناة ليست من أجل القناة فقط بل من أجل الدفاع عن المنطقة كلها.

2- يجب إعداد بلاد المنطقة لصد أي عدوان.

3- إن القوات البريطانية في الشرق ليست كل إسهامهم في مهام المنطقة.

أما مسألة وجودهم في منطقة القناة فهي مسألة أخرى لأن مصر عندما تتسلم القاعدة من بريطانيا فستكون أمام مسئوليات جسام وأنهم يرون أن يظل إشرافهم الفني على بعض إجراء منشأتهم وأن هذه المسائل كلها ستكون محل دارسة المفاوضين

وانتهت الجلسة الأولى على هذا النحو وطلب جمال عبد الناصر في نهايتها أن تكون الجلسة التالي في اليوم التالي.

وكانت الجلسة التالي في اليوم الموافق الثلاثاء 28 أبريل 1953 في الساعة الحادية عشر صباحا حيث اتفق الجانبان على تشكيل أربع لجان:

اللجنة الأولى: تختص بدراسة برنامج عملي لانسحاب القوات البريطانية كجزء من الاتفاق.

اللجنة الثانية: تختص بدراسة الإدارة المستقبلة لقاعدة عسكرية فعالة في منطقة القناة تكون على استعدا في الحال عند قيام أي حرب ودارسة عدد الخبراء والفنيين اللازمين لهذا الفرض.

اللجنة الثالثة: لدراسة كيفية تنظيم الوسائل الأكثر تأثيرا في الدفاع الجوي.

اللجنة الرابعة: تختص بدراسة وتقرير احتياجات القوات المصرية إلى المهمات.

ثم تناولوا بعد ذلك مسألة إدارة القاعدة والإشراف عليها وصيانتها إذ أن القاعدة تعتبر كائنا يجب الاحتفاظ به حيا في حالة جيدة كتعبير محمود فوزي.

تساءل السفير البريطاني عن المقترحات المصرية فما تختص بإدارة القاعدة والاختصاصات التي ستوزع في هذا الشأن بينما رفض روبرتسون عبارة تسلم القاعدة التي وردت في المشروع المصري وطالب بتعديلها إلى تولي مصر شئون القاعدة وفضل أن تكون العبارة دراسة إدارة مصرية لقاعدة هامة وهو بذلك قد عم التعبير ليموه الموقف أمام المصريين.

أما الدكتور محمود فوزي فاعترض على تعبير قال روبرتسون المحافظة على القاعدة لنا وقال إن القاعدة مقامة على أرض مصرية ولذلك فهي قاعدة مصرية وهنا تدارك السفير البريطاني في الموقف وقدم صيغة أخرى لدراسة اقتراح مصري لإدارة قاعدة حربية في قناة السويس إدارة مصرية بطريقة فعالة حتى تكون على استعداد للعمل عندما تدعو الحاجة.

ثم انتقلوا إلى نقطة صيانة القاعدة وطلب السفير البريطاني أن يكون النص الرسمي خطة لصيانة قاعدة حربية في منطقة القناة في المستقبل وأبدى رغبته في استبدال كلمة تسلم بالعبارة رسم خطط لصيانة القاعدة في المستقبل فطلب رئيس الوزراء المصري إضافة عبارة إلى نهايتها وهي تحت إشراف المصريين.

وأخيرا تطرقوا إلى مسألة الدفاع الجوي عن القاعدة فطالب عبد اللطيف البغدادي بأن تقوم به مصر طالما القاعدة على أرض مصرية .. وأن اقتراحنا هو لدرس ورسم برنامج لتسليم القوات المصرية الجوية للدفاع عن منطقة القناة.

وهنا حدث خلاف أرجئ البت فيه الجلسة الثالثة.

وكانت الجلسة الثالثة في يوم الأربعاء 29 أبريل 1953 في الساعة العاشرة النصف حضرها نفس المفاوضين. وكانت قطة الخلاف التي شغلتهم طيلة هذه الجلسة هي اختصاصات اللجنة الثانية حيث أن اللجنة الأولى قد وفق الطرفان إلى الاتفاق عليها كتعبير السفير البريطاني وكان السفير البريطاني قد أعد عبارة تفسير مطلب البريطاني حول هذه اللجنة الثانية وضع الخطط لانتقال القاعدة الحربية في منطقة قناة السويس إلى مصر على أن تكون هذه الخطط لانتقال القاعدة الحربية في منطقة قناة السويس إلى مصر على أن تكون هذه الخطط كفيلة بالاحتفاظ بالقاعدة في حالة صالحة للعمل في وقت السلم حتى تستطيع القيام بوظيفتها بمجرد إعلان الحرب وعلى أن توضع التوصيات اللازمة في صدد المنشأت الموجودة في هذه القاعدة وما تحتوي عليه تلك المنشأت وأوضح بعد ذلك أن عبارة منطقة القاعدة تعني كل ما تحتوي عليه هذه المنطقة من منشأت ومصانع وغيرها.

وهو بهذا أراد أن يجر المفاوضين المصريين إلى متاهة أدخل فيها المفاوضون المصريون القادمون من قبل قيام الثورة فتاهت المعالم أمامهم وفشوا ولكن المفاوض المفاوض هذه المرة قد وعي الدرس فكانت الأسئلة محددة وطلب إجابات محددة كذلك.

فهنا سأل رئيس الوزراء عن هوية القاعدة هل هي مصرية أو لا، لأنه يعلم أن العتاد والمنشئات بريطانية بلا شك وكذلك حار السفير في الرد وراد أن يلقي عماما على الإجابة بإحالتها إلى ردود روبرتسون الذي وضع في مكان حرج فسلم بمطالب تسليم القاعدة لمصر على أن تتولى إدارتها أما الفنيون الذين سيديرونها فليكونوا بريطانيين للاحتفاظ بالمنشئات على أن تتولى إدارتها أما الفنيون الذين سيديرونها فليكونوا بريطانيين للاحتفاظ بالمنشئات على أن مصالحنا ستظل متصلة بها وحاول الخروج من المأزق متعللا بأسلوب التغير سيكون من شأن اللجان فيما بعد.

وبدت يقظة المصريين واضحة في تنفيذ كل قول في حينه عندما قال محمود فوزي بالنسبة لقول روبرتسون مصالح ستظل إن وجود أي مصالح أجنبية في مصر لا تتمشى مع موقفه وقال إني أفقد اتصال المصلحة في المخازن والمهمات والمنشئات وأيده السفير البريطاني في هذا وأضاف أن يكون الإشراف الفني والصيانة من شأن الإنجليز.

ولذلك أخذت مسألة الإشراف مناقشة طويلة كانت وجهة النظر المصرية فيها: الإشراف بريطاني على أرض مصرية وأن الثقة لابد أن تتوفر في المختصين المصريين في هذا الشأن بينما أظهر الجانب البريطاني الأساس بالسيادة المصرية في وجود فنيين بريطانيين للإشراف ولكن المصريين أصروا على موقفهم.

ولطالما كان المفاوض المصري ذكيا فعندما حاول السفير روبرتسون الدخول في أمثلة وأحاديث بعيدة عن موضوع ضرورة الإشراف المصري نبهه وزير الخارجية المصري بقوله بخيل إلى أننا في طريق متزلق فيجدر بنا أن نكون حذرين وعاد إلى إصراره على موقفه من أن يكون الإشراف مصريا.

وإزاء إصرار المفاوض المصري على موقفه طلب السفير البريطاني إرجاء الموضوع حتى تعمل اللجان عملها ولكن المفاوض المصري أصر على البت في الموضوع لأنه لا تخص اللجان وحاول إيجاد حل هو أن يكون الإشراف العام مصريا أما الإشراف الفني فيكون إنجليزيا بمعنى أن تكون الإدارة الفنية الفعلية في بعض المنشئات بريطانية.

وأنهى جمال عبد الناصر النقاش بأنه لما كانت معدات الجيش المصري بريطانية وإننا نتلقى من الجيش البريطاني على الدوام التعليمات بشأن إدارتها ويخيل إلى أنه بوسعنا أن نلجأ إلى نفس الطريق في إدارة التعليمات بشأن إدارتها ويخيل إلى أنه بوسعنا أن نلجأ إلى نفس الطرقة في إدارة المنشئات والمخازن والمعدات الموجودة في القاعدة فنيون مصريون وغير مصريين ولكن لا أستطيع أن أتخيل لقاء غير المصريين إلى الأبد ونحن على استعداد لتلقي التعليمات من الحكومة البريطانية كما هو الحال في الجيش المصرية فإذا لم يكن لدينا العدد الكافي من الفنيين لهذا الغرض فإني أظن أننا نستطيع الاستعانة ببعض الفنيين غير المصريين على أن تصدر إليهم التعليمات من الحكومة المصرية.

وانتهت الجلسة وتم في الاتفاق على إصدار البيان التالي لتوزيع علي الصحف: استؤنفت المباحثات اليوم في الساعة العاشرة والنصف صباحا ودامت حتى الساعة الثانية مساء يوم رأى المجتمعون عدم إصدار بيانات جديدة قبل الوصول إلى مرحلة جديدة وسيكون الاجتماع التالي في منتصف الحادية عشرة من يوم السبت الموافق 2 مايو 1953 بدار رئاسة مجلس الوزراء.

وتم الاجتماع فعلا في هذا التاريخ حيث النقاش استمرار الموضوع الإشراف على القاعدة وحثم حول اختصاص اللجنة الثانية وجدوا محمود فوزي حديثه حول المدة أو الوقت الذي يحدد للاتفاق وهنا حاول السفير البريطاني إحالتها إلى الحكومتين كمسألة سياسية لا تدخل في إطار عمل اللجنة الثانية وكانت النقطة الثانية هي طريقة التدريب للفنيين والثالثة الطرق التي تسلكها التوجيهات أو التعليمات.

وبدأ التلون البريطاني في تحويل النقطة الهامة الأولى إلى الحكومات بهدف التسويف والتأجيل وهو أسلوب البريطانيين في التفاوض ثم طرح القضيتين الأخريين للبحث وهما لبستا ذواتي قيمة في غياب الأولى.

هذا مما سرب الشك إلى نفوس المفاوضين المصريين خاصة بعد أن استرسل الحديث وتناول مدة بقاء الخبراء غير المصريين ولكن الدكتور فوزي قطع عليهم الطريق بأن طالبهم بمناقشة النقطة الأولى فهم المسئولون عن المفاوضات ككل وأصر السفير على الرجوع إلى لندن للوقوف على رأيهما فيها.

وكم قدمت من الأسئلة والتساؤلات حول مدة وجود الفنين البريطانيين من ناحية الجانب المصري ولكن الجانب الإنجليزي التزم جانب المراوغة لدرجة أن ذكر السفير البريطاني لسنا في سبيل سن تشريع مؤيد وليست المسألة مسألة مائة عام وأن هناك المخالفة البرتغالية وقد دامت حتى الآن 600سنة.

فكان تصريح رئيس الوزراء له يعكس مدى الشك الذي تكاثف لدى الجانب المصري إنني لا أشعر باطمئنان عندما تصرحون بأنكم لا تشرعون إلى الأبد إذ ذكرتم من برهة 600 سنة وإننا نبحث إن كان الوفدان يحاولان الوصول إلى حل للمسألة أم لا وحصر له نقتطي الخلاف بعد أن ذلل بقية الأمور في أمدة بقاء الخبراء الأجانب وعلاقة ذلك بتسليم المهمات البريطانية المختلفة.

وهنا تقدم السفير بمشروع مضاد حول اختصاص اللجنة الثانية كان لرسم خطط لتحويل منطقة القاعدة الحالية في منطقة القناة إلى الإدارة المصرية وستكفل الخطط أن تبقى القاعدة في حالة صالحة للاستخدام في وقت السلم وعلى استعداد للعمل فورا في وقت الحرب.

وعرض موضوع تكفل الحكومة المصرية بالمحافظة على الممتلكات البريطانية في القاعدة وموضوع الخبراء الأجانب دون تحديد مدة لذلك مما ظلت معه معلقة للجلسة التالية.

وعقدت الجلسة الخامسة في يوم الثلاثاء 5 مايو 1953 الساعة العاشرة والنصف صباحا وكانت المناقشات ملتزمة جانب الرفض من ناحية البريطانيين وخصوصا مسألة المدة الزمنية لوجود الفنيين البريطانيين حيث صرح روبرتسون ألا تتعرض اللجنة لمسألة المدة الزمنية للاتفاقات التي تقترحها فتقرير ذلك سيقوم به الوفدان وكان الوفد المصري خلال مناقشات واضحا ومتساهلا ولكن البريطانيين كانوا أكثر تعنتا ويظهر ذلك فيما يلي: فقد أعاد وزير الخارجية المصري عليهم مقترحاته طالبا إجابتهم عليها بالتحديد وراوغ السفير وكانت مقترحاته.

1- أن القاعدة من حيث السيادة والملكية والحيازة هي قاعدة مصرية.

2- إن المعدات البريطانية المتروكة عهدة مصر يديرها أقل عدد من البريطانيين وأكبر عدد من غير المصريين.

3- ترك لهم أسلوب توصيل التعليمات والتنبيهات لهؤلاء الفنيين.

4- ترك لهم أسلوب تدريب الفنيين المصريين.

وأما هذا نجد السفير البريطاني ليحتج على ما قاله وزير الخارجية من أنه إذا لم يكن الوصول إلى اتفاق مرض لمصر فإنه سيطلب أن يغادر البريطانيون البلاد ولم يرد على ما قدمه وزير الخارجية ثم دخل في متهات التعبيرات الأخرى كتحديد القاعدة ونقل ملكية المهمات مشروعا جديدا من أربع نقاط:

1- تتعهد الحكومة المصرية بموجب الاتفاق بضمان سلامة الممتلكات البريطانية الموجودة في القاعدة.

2- سيقتصر على العدد المطلوب من الخبراء البريطانيين إلى أقل عدد تدعو إليه الحاجة لإدارة هذه المنشآت

3- إنه أية إجراءات تقترح بشأن إدارة المنشآت لا تتناقص مع السياسة المصرية أو ملكية البريطانيين لهذه المنشأة.

4- لا تختص اللجنة بتحديد مدة للإجراءات التي تقترحها والمتفاوضون هم الذين يقرون ذلك. وعندما ثار الخلاف حول مدة بقاء الفنيين رفض السفير أن يجب إجابة شافية وقال بأنه يتصل بمدة الاتفاقية وأنه لا يستطيع أن يقترح حلا أفضل.

وانتهت الجلسة دون تحديد لأي شيء عرض عليها.

ودارت الجلسة السادسة والأخيرة يوم الأربعاء 6 مايو 193 حول نفس الموضوع دون إحراز أية نتائج حتى وزير الخارجية المصري

أبدأ حديثي بأن أذكركم بأن هذا هو سادس اجتماع لنا فقد تقابلنا في ست جلسات طويلة مضنية وكنا نحسب أن الأمر لا يحتاج إلى كل هذه الاجتماعات الطويلة بل ولا أكون صادقا في تعبيري عن وجهة نظر الفريق المصري إذ لك أذكر لكم مقدرا ما نشعر به من الاستياء بسبب بقائنا إلى اليوم في لف ودوران نجري وراء الألفاظ والعبارات دون تعرض للحقائق المادية كما أذكر لكم كذلك مقدار استيائنا مما يعزي إلينا من أننا نعمل على الدخول في تفصيلات لا موجب لها هي من صميم عمل اللجان وأرى لزاما أن أقرر أن هذا الزعم لا أساس له من الصحة على الإطلاق لقدر درس الوفد المصري مشروعكم الجديد وفي اعتقادي أننا قد حددنا مركزنا فإذا وثم مهلة للتفكير أو الاتصال بلندن فلكم ما تريدون إنني سمعت كلمة الصبر على لسان السفير والصبر بطبيعة الحال صفة جميلة ولكن لابد أن يكون له حد فلابد من وضع حد للجري وراء الألفاظ ولتعمد في شجاعة إلى الوقائع المادية والحقائق الملموسة.

وأعلن السفير بعد ذلك أنه لم يفلح في بيان ما أعتقد أنه عقبة يواجهها وطلب مراجعة حكومته في الأمر وطلب أن يكون التصريح للصحفيين استؤنفت المحادثات صباح اليوم بين الوفد المصري والوفد البريطاني ووصلت إلى مرحلة توجب الإعلان فيما بعد عن موعد الاجتماع التالي.

وبهذا انتهت المفاوضات ولم تصل إلى أية نتائج مادية ولكن المصريين خرجوا منها مؤمنين بضرورة الضغط على الجانب البريطاني أولا بعملهم وهو العمل العدواني ليقض مضجعهم ثم مزيد من التحرك لدى الجانب الأمريكي ليكون ذايد أخرى نقطع عليه معهم.

الموقف بعد توقف المفاوضات.

لم تنته الأمور بالطرفين عند حد توقف المفاوضات وإنما سار كل منهما في اتجاه وإن كان قد انتهى بهم إلى معاودة المفاوضات مرة أخرى.

فبالنسبة للمسار الذي اتخذه المصريون فقد تشعب إلى دورين دور عملي هو الدور الفدائي في منطقة القناة ضد البريطانيين ودور سياسي من أجل الضغط على أمريكا لتواصل دورها التوفيقي.

وقد صارح محمد نجيب الشعب حيث ألقى بيانا بالإذاعة يوم 19 مايو أعلن فيه قطع المفاوضات نتيجة محاولة البريطانيين العبث بالمبدأ الذي جعلناه أساسا للدخول في هذه المباحثات وهو جلاء الاحتلال عن أضنا كاملا دون قيد أو شرط ويعلم الله أننا لم ندخل المباحثات تسليما منا بأن المفاوضات هي الطريق للوصول إلى حقنا، وإنما لتحدد مع الإنجليز مراحل الجلاء وطريقة تنفيذه ولنظهر للعالم إذا ما فشلت المحادثات نوايا أولئك المستعمرين العاديين على حريتنا.

أننا قد عزمنا على أن نستخلص حقوقنا بأيدينا ولكن استخلاصنا لحقوقنا من غاصبينا ليس سهلا ولا هينا وإنما هو أمر وليس التنظيم المغيظ من عهد سد على المستعمرين المسالك.

وكان هذا الحديث بمثابة الدخول في دور يقوم أساسا على جهد المصريين تجاه الإنجليز وهو وضع جديد لم يعهده المصريون ولا الإنجليز أن يروا حكامهم يندفعون والشعب خلفهم إلى تخليص بلادهم بأيديهم بعد أن كان السبيل الوحيد المفاوضات وحسب حتى وإن كان هناك كفاح شعبي ضد الإنجليز قبيل الثورة ولكنه لم يكن معلنا من الحكام رسميا بهذا الشكل.

واستعدت حكومة الثورة لتنظيم المقاومة المسلحة منطقة القناة وازدادت أعمال الاشتباك بالقوات البريطانية وحدثت حركة تخريب حركة واسعة النطاق داخل المعسكرات البريطانية ومما تجدد ملاحظته أن حرب العصابات في القناة قد قسمت الرأي العام البريطاني ذاته، وهذا بعكس ما كان يحدث حين كان التدخل البريطاني في شئون مصر في الماضي يؤدي إلى انقسام الرأي العام المصري وهذا ما ستعضه عند الحديث عن موقف البريطانيين.

وأعلنت مصر في نفس الوقت أنها لم تعد تشعر بالحاجة إلى مساعدة انجلترا وحمايتها وإنها ستلجأ إلى العنف، وصرح الإنجليزي بأنهم سيواجهون العنف.

وفي ظل هذا العنف والعمل الفدائي المتكاثف على المعسكرات البريطانية بدأت مصر تلتزم بسياسة جديدة من شأنها الضغط على الولايات المتحدة وجذبها إلى جانبها لتكسبها عنصر ضغط على بريطانيا وهكذا استعملت مصر المسارين في وقت واحد: الجانب العملي الدموي والجانب التكتيكي السياسي.

فأعلنت التزامها بسياسة الحياد في الحرب ما لم نحل مشكلتها في منطقة قناة السويس حلا يرضيها وأعلنت من خلال سفيرها في واشنطن بأنها تفكر جديا في إصدار بيان رسمي تعلن فيه تصميمها على سياسة حياد دقيق إذا لم تتم تسوية مشكلة قاعدة القناة.

وهي في هذا كانت تحاول الاستفادة من البرود السياسي بين الإنجليز والأمريكيين في ذلك الوقت وهذا تجديد في الديبلوماسية المصرية عنها في الماضي فإن انجلترا كانت سياستها مع الأمريكيين تقوم أساسا على عدم الجري وراء الأمريكيين طلبا لمساعدتهم تحت زعم الحفاظ على الكرامة البريطانية.

أما بالنسبة للموقف البريطاني فلقد انقسم الرأي العام البريطاني إزاء مفاوضات الجلاء كما أشرنا سلفا وما دار بعده من عمل فدائي فكير من البريطانيين ظلوا على تفكيرهم القديم على أساس وجود ملك وساسة لا يزالون في مقاعد الحكم وكان من الواضح إما الإنجليز في قاعدة قناة السويس ضد رغبة الشعب المصري وهم بذلك يظهرون بريطانيا في شكل جيش أجنبي يحتل جزءا من الأرض المصرية ضاربين بالشعب المصري وحكومته عرض الحائط.

أو بأن يحققوا غرضهم بشن هجوم على العاصمة وإسقاط حكومة الثورة، ليعطوا الحكم لحكومة موالية لهم وفي كلتا الحالتين كان الحل هو الحل العسكري.

فبعد توقف المفاوضات كانت هناك ثورة في كواليس السياسية البريطانية كما رأينا ثم هذا أسلوبين لويد بقدم لمجلس العموم البريطاني أسباب فشل المفاوضات بأن الحكومة المصرية طالبت بإدارة مباشرة وفنية للقاعدة بعد الجلاء البريطاني، وأن يكون لها حق رفض الفنيين الذين يكونون موظفين لديها، وأن تمارس حق الفيتو لحق بمهمات ومنشآت القاعدة وتبديل وكلاتنا بآخرين من لدنها من أقصر وقت ممكن وإذا رضخت انجلترا لهذه المطالب فإن القاعدة سنستحيل إلى أطلال وأي إنسان بأي تفكير يرضى بهذا.

ثم تأتي لموقف تشرشل نفسه في تلك الفترة فقد أصابه الاضطراب وفقد أعصابه فأصدر أمرا إنذارا بالاستعداد للدرجة القصوى ووافق على تطبيق الخطة روديو إذا اقتضى الأمر وفي ظل الهياج وحلت إشارة إلى قاعدة قناة السويس بالآتي:

1- نزع سلاح وطرد كل أفراد القوات المسلحة المصرية من منطقة القناة.

2- نزع سلاح وطرد كل العناصر غير المتعاونة مع الإنجليز من السويس المصري والإدارة المصرية في منطقة قناة السويس.

3- إنشاء إدارة عسكرية لمنطقة القناة في حالة الضرورة

4- وقف كل إمداد بترولي من منطقة قناة السويس إلى القاهرة

5- دفع قوة لاحتلال منطقة العباسية.

وزيادة في هذا التصرف العصبي غير المدروس يستمر تشرشل في إصدار أوامره بالآتي:

1- وضع خطة لإجلاء الرعايا البريطانيين والإنجليز من القاهرة والإسكندرية والدلتا والاستعداد لترحيلهم إلى قبرص.

2- لا يتم تنفيذ الخطة روديو قبل أمر صريح من مجلس الوزراء البريطاني.

3- أن تفرز القوات البريطانية في منطقة قناة السويس بلواء ينقل إليها من مالطة

4- إرسال سربين من الطيران الحربي من مالطة إلى الخرطوم ليكونا هناك استعدادا للسيطرة على الحامية المصرية هناك.

وهكذا ترى أن موقف المصريين الذي بداه البريطانيون ففي مطالبهم في المفاوضات قد هز كراسي الحكم في بريطانيا ثم أن أعمال الفدائيين التي مهما بلغت فهي محدودة تثير هذا الجو العسكري كما لو كانت الحرب العالمية قد بدأت فهو نصر لمصر بلاشك لم تحرزه من قبل ووصلت إلى معظم أهدافها بل وشدت انتباه حكومات العالم إليها.


وأخيرا تدخلت وزارة الخارجية البريطانية في هذا الجحيم وطرحت مسألتين:

الأولى: ضمان سلامة الرعايا الإنجليز حيث إخلائهم.

الثانية: ضرورة البحث عن حكومة بديلة لهذه التي سببت لها كل هذا القلق ولكن هذا باء بالفشل لأنها لم تجد من يتعاون معها كما أن أصدقاءها القدامى من رجال الأحزاب أو الإقطاعيين لم يصح لهم حول ولا قوة.

هكذا كانت أحوال بريطانيا لمجرد إصرار المصريين على مطالبهم وقيامهم بالأعمال الفدائية في منطقة قناة السويس وأصابت بها نجاحا كبيرا بالإضافة إلى إحساس الأمريكيين بضرورة التحرك لإنقاذ الموقف الغربي كله من هذا الحرج الكبير فكانت:

زيارة دالاس للمنطقة:

بدأت الولايات المتحدة الأمريكية فصلا جديدا في دورها التوفيق بين القوتين المتصارعتين حيث كانت الضرورة قد دفعها إلى هذا بعد توقف المفاوضات بينهما وأصبحت المنطقة مشحونة بالمخاطر ومعبأة بكثير من الاحتمالات. وكانت فاتحة هذا الفصل الجديد هي زيارة لوزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس ليقوم بعمل على الطبيعة في شكل رحلة للمنطقة على رأس وفد من الساسة الأمريكيين للدراسة والاستطلاع دون اتخاذ قرارات معينة وقد تحدد لها يوم 11 مايو 1953 .

وكان الرئيس إيزنهاور مهتما بها لدرجة أنه أرسل قبل وصولها إلى المنطقة رسالة إلى اللواء محمد نجيب بتاريخ 8 مايو 1953 بخبره بإيعاده لدالاس والمستر ستاسن لمقابلة حكام مصر الجديدة وأوضح هل هدف هذه البعثة وهو إقامة روابط الصداقة الشخصية التي تسهم بالكثير في التفاهم بين الدول وأنها ستنتج دراية أوسع نطاقا بالتطورات البالغة الأهمية التي تجري في البلاد.

وقد استعد دالاس لهذه الزيارة كما لم يستعد من قبل مرددا أن المنطقة هي نقطة الارتكاز في العالم الحديث كله وأوربا الغربية التي كانت تمسك بمفاتيحها لم تعد قادرة أن تمسك بهذه المفاتح والقوى المحلية في المنطقة لم تصل بعد إلى الدرجة التي نستطيع فيها أن تدافع عن منطقتها وهذه القوى لها مطالبها الوطنية تستطيع أن تفهمها ونحن لا نريد أن نرى الروس في عمق الشرق الأوسط وبالقرب من مصالح حيوية كبيرة لنا فيه.

ولهذا فإن الرئيس إيزنهاور جعل الشرق مجال أول مبادرة له في السياسة الخارجية.

ومن هذا التصريح يتضح لنا دقة الموقف في المنطقة وتخوف الأمريكيين من تفجره ومن هو العدو الذي يقصدونه بالتخوف ثم تبني إيزنهاور بنفسه هذا الدور لاعتقاده أنه إذا استطاع أن يحقق السلام في المنطقة فإنما سوف يحقق كسبا لنفسه بجانب الكسب الذي سيحققه للغرب كله.

وصل دالاس إلى القاهرة يوم11 مايو كما كان محددا، وعقد مع رجال الحكومة المصرية أكثر من اجتماع رمسي وغير رسمي في دار رياسة مجلس الوزراء وفي بين السفير الأمريكي في القاهرة، ودارت أحاديثه حول ثلاث نقاط.

1- المفاوضات مع البريطانيين.

2- الدفاع عن الشرق الأوسط.

3- العرب وإسرائيل.

4- المساعدات الأمريكية للمنطقة وخصوصا لمصر.

إلا أن الملاحظ أن موضوع الدفاع عن الشرق الأوسط والضغط على مصر لدخول حلف بشأنه قد سيطر على معظم المناقشات خلال الاجتماعات وإن كان قد غلفه بغلاف براق وهو أن يكون الحلف عربيا بزعامة مصر، وبالطبع تحت يد أمريكا.

وتحدث دالاس عن رغبة الاتحاد السوفيتي في السيطرة على العالم بطريقة نشر المبادئ الشيوعية وأن الشعوب الحرة يجب أن تنظم نفسها مع حلفائها لكي تتصدى لهذا الخطر الداهم وأنهم في أمريكا مهتمون بعمل حزام للدفاع عن العالم الحر وأن الشرق الأوسط يمثل جزءا من هذا النزاع وعلى ذلك وجب على الدول العربية تشكيل حلف من بينها مصر لاستكمال هذا الحزام وأن حكومة الرئيس إيزنهاور عينت بدارسة مسألة الدفاع عن الشرق الأوسط بالاشتراك مع بريطانيا.

وأحس المتحدثون المصريون بهدفه فهو يريد أن تدخل مصر في خندق تتبع في قيادتها اليد الغربية وبهذا تكون مصر قد استبدلت الاستعمار القديم بآخر جديد، وكان رد محمد نجيب آنذاك هو أن الإنجليز يحتلون بلادنا فعلا رغم إرادتنا فهم الآن أعداؤنا ومن البديهي أنه يمكننا أن نختلف مع أعدائنا.

أن جلاء الجيش البريطاني هو أهم شيء أجمع عليه الشعب أما الحديث عمل حزام حول الاتحاد السوفيتي واشتراك مصر في خلف مع العالم الغربي فهذا أمر لا يمكنني البحث فيه الآن لكني أعدك بدراسة هذا الموضوع بعد جلاء الإنجليز وتحرير أرضينا ومن ناحية أخرى أكد محمد نجيب على رغبته في إقامة العلاقات المصرية الأمريكية على أسس سليمة لأن أمريكا ليست من الدول الاستعمارية وإنما دافعت من قبل عن حق الشعوب وحريتها كما أعلنها ديلسون في نقاطه الأربعة عشرة بعد الحرب العالمية الأولى الأطلنطي الذي أعلنها ديلسون في نقاطه الأربع عشرة بعد الحرب العالمية الأولى الأطلنطي الذي أعلن إبان الحرب العالمية الثانية.

وبهذا قطع نجيب برأي مصر في موقفها من الإنجليز وكذلك في موضوع دخولها الأحلاف بينما حافظ على مد الجسور مع الولايات المتحدة مما جعل دالاس يستجيب له في هذا بقدر رغبة المصريين في عزل المفاوضات عن الدفاع عن الشرق الأوسط وأوضح وجهة نظره في قضية الربط بين الاثنين على أساس أن خروج البريطانيين من القاعدة لا يلغي دور هذه القاعدة في الدفاع عن الشرق الأوسط وبمكره المعروف جعل مسألة المعونات في النهاية ليعلقها على قبول المصريين لما ردده وأسماه الاستقرار في المنطقة إن المنطقة بحاجة ماسة إلى هذه المساعدات والقضية أن هذه المساعدات ولا تستطيع أن تعطي فائدتها الكامل إلا في منطقة يسودها الاستقرار.

ولم يكتف دالاس بهذا وإنما أعاد الكرة مع جمال عبد الناصر فأدار حوارا معه حول نفس الموضوع.

فسأل جمال عن مهمة هذا الحلف في تلك الفترة فأخبره بأنه تعاون عسكري بين دول المنطقة ينظم قواتها ونسق التعاون بينها ويدير طرق المواصلات والقواعد العسكرية ويقوم على تدريب القوات فيها.

وعندما سأله عن العدو الذي يتعين على الحلف التصدي له، فأفهمه أن الخطر المحدق هو خطر الاتحاد السوفيتي الشيوعي وبالتالي فإن العدو وهو الجيش الأحمر وهنا رد عليه عبد الناصر نحن نعتر عن الانضمام لهذا الحلف لأنني أرى أن الدفاع عن الشرق الأوسط هو في صيانة الجبهات الداخلية فيه إن الذين تتحدثون عنه لا يدافع عن الشرق الأوسط في رأيي وإنما يزيده تعرضا للخطر ففكره الحلف إذن لا تنفع للدفاع عن الشرق الأوسط بل هي في حقيقتها خطر كبير على الشرق الأوسط.

إن الروس الذين تطلب مني أن استعد لقتالهم ليسوا خطرا علينا لأنه ليس في يدي دليل ولا تصرفاتهم معنا ما يوحي بمثل هذا الخطر أما الإنجليز الذين يطلب مني أن أقف معهم في الصف لأدافع عن بلادي فهم الآن الخطر الوحيد الذي يتهددنا الإنجليز احتلال قائم حتى هذه الدقيقة يغتصب قطعة من أرض وطني، والروس بعيدا عني لا يعرفونني ولا أعرفهم وهم على بعد خمسة ألاف ميل مني.

وغادر دالاس القاهرة دون حصوله على أية نتيجة وأذاع بيانا جاء فيه، إن من السابق لأوانه محاولة تشكيل منظمة للدفاع عن الشرق الأوسط على غرار الخطوط التي رسمتها حكومة ترومان ودعا الولايات المتحدة إلى مساعدة الجامعة العربية وأعلن أن حكومته تؤيد البيان الثلاثي تأييدا تاما فكان هذا اعترافا بفشله أمام مقاومة حكومة الثورة وصلاحيتها

هكذا كانت محاولة دالاس الربط بين مشروع الحلف وبين مطالب المصريين والضغط على المصريين للوصول إلى اتفاق مع بريطانيا ومن ثم أصبحت معادلة صعبة ذات أطراف ثلاثة يحاول اثنان منها أن ينالها حظا أكثر من الثالث التي كانت تصرعهما من أجل حقها المشروع السليب.

فعلى حين كانت الحكومة البريطانية ترى بأن على الولايات المتحدة أن تؤيد وجهة نظرها على أساس أن بريطانيا في موقعها في المنطقة إنما تدافع عن مصالح العالم الحر وهو ما كانت تنادي به الولايات المتحدة آنذاك فإن الولايات المتحدة كانت ترى أن عداء العرب للإنجليز بسبب ما نالهم إبان استعمارهم لهم من شأنه أن يعرقل مصالح الغرب ومصالحها هي ويمكن أن يفتح الباب أمام المد الشيوعي.

من أجل هذا اهتمت بأن تبذل مساعيها الودية حتى يصل الطرفان المصري والبريطاني إلى حل يحقق في نظرها السلام في الشرق الأوسط.

وفي نفس الوقت لم تنس مشروعات الأحلاف في المنطقة ولذلك حاولت جهودها في إقناع بريطانيا للوصول إلى حل معقول مع مصر خاصة بعد إعلان الدول العربية مساندتها لموقف مصر وأنهم ينتظرون تسوية مسألة الجلاء عن منطقة قناة السويس بشكل يرضيها.

أما في داخل بريطانيا فإن القلق كان قد استبد بتشرشل وأراد أن يلقي بطعمه المسموم في طريق المفاوضات لعل المصريين يلتقطونه فتكون القاضية عليهم.

فألقى خطابا في مجلس العموم البريطاني في يوم 12 مايو جاء برهانا على ذلك وتأكيدا على سوء نيته جاء فيه:

لم تسمع بريطانيا إلى هذه المفاوضات التي كانت تدور بينها وبين مصر حول قاعدة قناة السويس وأن المصريين هم الذين طلبوها وراحوا الآن ينفضون يدهم منها وأنهم يريدون التأثير على دالاس الذي وصل أمس إلى القاهرة وعلى أية حالة فإذا رغب المصريون في أي وقت في تجديد المباحثات فإنهم سيجدون الحكومة البريطانية راغبة في ذلك وإذا شاءوا تحديدها مع بريطانيا والولايات المتحدة معا فإن ذلك أفضل.

وإذا كنت خطب التهديد والوعيد ستترجم إلى أعمال فتتعرض القوات البريطانية إلى تجدد الهجوم عليها من الفدائيين فإن الجنود البريطانيين لن يكون أمامهم غير الدفاع عن أنفسهم.

وهذا يحمل معنى أن باب المفاوضات مازال مفتوحا متحركا بفعل الفدائيين الذين شددوا أعمالهم في منطقة القناة مما زاد من قلق البريطانيين في مصر ولندن كما زاد من تحرك الأمريكيين الذين أحسوا بخطورة الموقف في المنطقة وبداية تحرك السفارة السوفيتية بعقد لقاءات مع قادة الثورة في القاهرة كما زاد من مخاوف إسرائيل التي بدأت تظهر في الأفق باحثة عن مصالحها وسط هذا الجو العابس والذي انتهى إلى مباحثات غير رسمية بدأت في نهاية يوليو 1953 .

ونعرض لهذه المواقف قبل أن ندلف إلى دهاليز هذه المفاوضات.

أعمال الفدائيين المصريين في منطقة القناة وأثرها:

1- ازدياد القلق في لندن وإحساسهم بدخولهم مرحلة خطرة لدرجة أن احتجت السفارة البريطانية على هذا اعتبار أن المصريين هم المعتدون عليهم فكان رد رئيس الحكومة المصرية أنه يعمل على حفظ الأمن مع تقديره للشعور الوطني ثم حدث في نفس الوقت أن حضر ريتشارد كروسمان عضو البرلمان البريطاني محذرا المصريين من مغبة أعمالهم ضد البريطانيين في القناة، وأفهمه المسئولون المصريون أنهم هم الذين يدفعون الأمور على هذا الصدام وأن صبر المصريين قد نفذ وإن فشلت هذه المحاولات توسط السفير الأمريكي في القاهرة معلنا أن حوادث الصدام بين مصر وبريطانيا تهدد باضطراب في المنطقة وهي المنطقة التي يهم الولايات المتحدة استمرار الهدوء فيها خصوصا وقد اشتدت الحرب الباردة بينهم وبين الاتحاد السوفيتي.

كل هذا ولم تلن قناة المصريين أو يتوقف عملهم الفدائي مما دعا الخارجية البريطانية إلى إرسال إنذار إلى سفارتها في القاهرة بإجلاء رعاياها في القاهرة والإسكندرية وزيادة استعداد القوات البريطانية وتخزين المواد الغذائية في منطقة القناة وتحريك قوات إضافية إلى مصر وتجنيد ضباط الشئون الإدارية وإذا حدثت مضاعفات في الموقف فتصدر الأوامر بتحريك قوات بريطانية على القاهرة والإسكندرية وتنفيذ خطة روديو وذلك من أجل إسقاط حكومة الثورة وإحلال حكومة تكون أكثر ملاءمة لهم وأشاروا في هذا إلى علي ماهر.

ولكن جمال عبد الناصر رد على هذه الإثارة البريطانية في يوم 23 مايو 1953 بأن الحكومة المصرية متحملة المسئولية كاملة لحماية جميع الرعايا الأجانب بما في ذلك الإنجليز وأنهم جميعا في أمان ما عدا الجنود الإنجليز وحدهم.

وهنا بدأ الإنجليز يكيدون للفدائيين فادعوا يوم 9 يوليو 1953 باختفاء أحد جنود الطيران البريطاني بفعل الفدائيين متخذين هذا الحادث ذريعة الإثارة الرأي العام ضدهم واتخاذه سببا لزيادة حفظهم عليهم باتخاذ أي إجراءات يرونها وبدأوا يضغطون على محافظ الإسماعيلية معلنين إنذارا بسوء العاقبة إن لم يظهر هذا الرجل وحدثت عدة مصادمات بسبب ذلك إلا أنه ظهر في النهاية في باريس دون أي تعرض له وبذلك انكشفت قريتهم مما كان سببا في تمسك المصريين بموقفهم وازدياد تعاطف الأمريكيين معهم مما أحدث شيئا من الارتباك في العلاقات الأنجلوا أمريكية.

فقد اعتبر البريطانيون أن مواقف أمريكا مثلت عائقا كبيرا أمام جهودها السياسة في مصر وذلك من خلال عطفها عليهم ووعودها لهم بإعطائهم معونات اقتصادية وعسكرية، في الوقت الذي كان المصريون يرفضون المطالب البريطانية وحملوهم مسئولية فشلهم في الحصول على قاعدة فعالة في مصر، واستثاروا في ذلك دول الغرب وحلف الأطلنطي وكل دولة تستفيد من الملاحة في قناة السويس.

وإزاء شعورهم بعدم إمكانهم الضغط على الأمريكيين لوقف هذه المعونات المزمعة تماما والتي تصور أن الجانب العسكري فيها سيستعمل ضدها في منطقة القناة فقد رأت الخارجية البريطانية وجوب الاتفاق على خط حازم مع الولايات المتحدة، واقترحت اتفاقا حقيقا مع الأمريكيين.

ولعلهم مع ذلك كانوا مدفوعين عندما وجدوا أن الولايات المتحدة بدأت عدم الالتزام بخط الموافقة التامة على كل تصرفات الأخيرة كما كانت تتوقع، وأن الأمريكيين بدأوا بعد زيارة دالاس لمصر يتحدثون عن وجوب مراعاة المشاعر الوطنية المصرية ووضع السيادة المصرية على قناة السويس في الاعتبار وأنه يجب القيام بخطوة عاجلة وحاسمة للتوفيق بين الحد الأدنى في لمتطلباتهم للدفاع عن الشرق الأوسط وبين المشاعر الوطنية المصرية، كما رأى إيزنهاور ألا يتشدد البريطانيون في مطالبهم بل وتقديم تنازلات جديدة لمصر وكان الأمريكيون في هذا المسار أيضا مدفوعين بمصالحهم في المنطقة فقد لمسوا أن استمرار الصراع بين المصريين والبريطانيين سيفقدهم الكثير فسيفقدون تعاون الدول العربية في المنطقة وهو ما كانوا يسعون دائما من أجل إنمائه باستمرار فضلا عن فتح الباب أمام المد الشيوعي.

ومن ثم دخلوا هذه المرحلة بأكثر إيجابية وفاعلية ووضوح ففي 21 يونيو 1953 تقدمت الولايات المتحدة إلى بريطانيا باقتراحات أكثر واقعية وصراحة بأن تنسحب القوات البريطانية من مصر وأن تسلم القاعدة فعلا للمصريين للإشراف عليها مع الإبقاء على أقل عدد ممكن من الفنيين البريطانيين لتدريب المصريين على المنشآت في القاعدة بعد إتماما عملية الانسحاب.

كما تضمنت المقترحات الأمريكية مبدأ مهما، هو أن يتعهد المصريون ولكن بشكل سري بترك القاعدة متاحة في حالة وقوع هجوم أجنبي على إحدى الدول العربية للقوات البريطانية وكذلك الأمريكية بناء على المعاهدتين المبرمتين بين بريطانيا وبين الأردن والعراق وبين الولايات المتحدة وكل من السعودية وليبيا.

ولقد بدت من تلك المقترحات موافقتها في معظمها لمطالب المصريين مما أثار ثائرة البريطانيين بطبيعة الحال واتهامهم الولايات المتحدة بالتعاطف أكثر من اللازم مع خصومهم المصريين وتهددت العلاقات بينهما بالتوتر.

ولكن الولايات المتحدة أصرت على استمرارها فيما بدأته خاصة بعد أن وصفت تصرفات صديقتها بريطانيا بالحمق في تصرفاتها فعقد مؤتمر لوزراء خارجية كل من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وذلك لبحث المسألة المصرية وذكر وزير الخارجية الأمريكي أن موقف بلاده في هذا المؤتمر سيكون على أساس ما تقدم من مقترحات.

وكان رئيس جمهورية مصر قد أرسل كتابا إلى رئيس الولايات المتحدة يبدي فيه مقترحات الجانب المصري بناء على طلب إيزنهاور ودون الرجوع إلى بريطانيا في ذلك وقد كانت المقترحات المصرية تتلخص في:

1- تسليم القاعدة إلى القيادة المصرية على أن يكون هناك مستشار بريطاني يكون مسئولا عن تدريب المصريين الذين سيحلون محل الخبراء البريطانيين وأن يكون الفنيون البريطانيون الذين سيبقون في القاعدة في زي مدني، وذلك أثناء سريان السنوات الثلاث مدة الاتفاقية بناء على اتفاق كل من مصر وبريطانيا.

2- أن تكون القاعدة متاحة للعمل العسكري لحلفاء مصر في حالة تعرض إحدى الدول العربية لاعتداء أجنبي ويقصر الأمر على المشاورة في حالة التهديد بالعدوان على مصر أو على أحدى الدول العربية.

3- لا مانع لدى مصر من الاستفادة بخبرة الخبراء الأجانب بريطانيين أو أمريكيين أو غيرهم في الأمور العسكرية والاقتصادية من أجل تقديم البلاد

وهكذا استمت المقترحات المصرية بالمرونة ومسايرة المقترحات الأمريكية في معظمها ولعل ذلك بهدف سرعة الوصول إلى إنجاز المطالب المصرية وهو ما كان محل تقدير الرئيس إيزنهاور الذي أرسل الكتاب التالي في 5 يوليو 1953 ردا على هذه التقرحات.

أسعدني أن أتسلم من السفير كافري خطابك المؤرخ في 11 يوليو الجاري ومعه مقترحات حكومتكم بشأن قاعدة قناة السويس، وقد رحبت خاصة بالتأكيد التي أوضحتها عن استعداد مصر لتدعيم الاستقرار العسكري والاقتصادي والاستراتيجي في الشرق الأوسط.

إن المتقرحات التي قدمتها حكومتكم إنما هي خطوة هامة بالرغم من أنها كانت تعالج كل المسائل وإني أعتقد أنه يجب على أن أعرفك بكل صراحة أنني أجد في بعض النقط ما يعارض مصلحة الأمن في بلدي وهذه النقط هي: استخدام قاعدة قناة السويس في المستقبل ومدة الاتفاق بين مصر والمملكة المتحدة.

لا يخالجني شك في أن هذه النقط تمثل لك بعض المشاكل السياسية ولكني واثق من أنك تود المعرفة إنه في نظري أن أمن مصر يكون في خطر إذا نشبت حرب عالمية أخرى أو إذا وقع هجوم عدائي أو في مناطق أخرى خارج الدول العربية وأرجو أن تعطي هذه المسألة عنايتك كما أني أشعر أن مدة السنوات الثلاث لا تكفي لإعداد مشروع استراتيجي سليم في هذا العالم المضطرب.

وفي اعتقادي أن الخطوة التالية التي يجب اتخاذها هي استئناف الاتصالات بين الحكومة المصرية وممثلي الحكومة البريطانية في مصر وأن سيربراين روبرتسون الذي اشترك في المباحثات هنا سيكون على استعداد لبحث الحالة... وكجزء لحل عام فإنا على استعداد للنظر في التزامات جانب الحكومة الأمريكية والمصرية لمساعدتكم في مشروعاتكم لتقديم مصر اقتصاديا وتقوية قواتك المسلحة للاضطلاع بأعبائها المتزايدة وقد أخذت تعهدات من المملكة المتحدة أنها على استعداد للمساعدة أيضا وإني على استعداد للتفويض السفير كافري السلطة للدخول في مثل هذه المباحثات وأملي أن يمكننا التوصل إلى اتفاق وفي نفس الوقت الذي يوقع فيه اتفاقي بشأن القاعدة بين مصر وبريطانيا وستترك تفاصيل هذا الاتفاق يتفق عليها في مؤتمر مثل الذي أشرت إليه في مقترحاتك.

وهكذا استطاعت مصر بتقربها إلى جانب الولايات المتحدة وبشيء من المرونة في المطالب أن تضع بريطانيا في ركن حرج أظهرها بمظهر الاستعماري المتجبر من ناحية ومن المعاكس لصديقتها الولايات المتحدة الأمريكية من ناحية أخرى، وأخيرا تجبرها على معاودة التفاوض مع المصريين.

فقد غضب البريطانيون من هذا التدخل الأمريكي الذي وصل إلى ما يشبه الوصاية على سياستهم تجاه المصريين وأنهم أحسوا كذلك أن هذا سيتيح لمصر الوقوف بإصرار أمامهم ثم أن التفاهم بين مصر وأمريكا والذي وصل إلى ما يشبه التوافق لم يبق على البريطانيين سوى الرضوخ والتوقيع كما جعل فرصة تعاون الأمريكيين معم أقل من تعاونهم مع المصريين.

وبرغم احتجاج البريطانيين على أسلوب الولايات المتحدة واعتباره تدخلا أكثر من اللازم وذلك إبان مؤتمر واشنطن لتسوية الخلافات بينهما بصدد أس تسوية القضية المصرية وللوصول على أساس أتفاق لاستئناف المفاوضات مع مصر فإن الجانب الأمريكي لم يبد الاستعداد لتأييدي موقف البريطانيين تأييدا كاملا وظهر من موقف الأمريكيين تشجيع المصريين على قبول استئناف المفاوضات بشكل غير رسمي مع الجانب البريطاني على أن يعود الجنرال روبرتسون إلى القاهرة للإشراك في هذه المفاوضات.

وعلى هذا تم الاتفاق بين الوفد البريطاني وبين الدكتور محمود فوزي وزير الخارجية المصرية علي معاودة المفاوضات بشكل غير رسمي بهدف تقريب وجهات النظر بين الطرفين تمهيدا للدخول في مفاوضات رسمية. المفاوضات غير الرسمية.

هكذا بدأت مرحلة جديدة من التفاهم المصري البريطاني نتيجة الجهود الأمريكية المركزة الناجحة للوصل إلى نتيجة للفصل في هذا النزاع.

وبدأت فعلا أولى هذه الاجتماعات بشكل غير رسمي يوم 29 يوليه 1953 حيث مثل بريطانيا كل من مستر هانكي القائم بأعمال السفارة البريطانية ومعه الجنرال روبرتسون وممثل مصر الدكتور محمود فوزي وزير الخارجية وذلك من منزل روبرتسون واقتصر الاجتماع على التخطيط لاجتماعات مستقبلة واقترح روبرتسون أن يتخير الطرفان وقتا قريبا يعلنان فيه أن اتصالات غير رسمية حدثت وأن هناك تقابلات في مناسبات اجتماعية وقد أعلن عن ذلك بالفعل.

وقد حاولت سفارة باكستان أن تشترك في عملية استمرار هذه المفاوضات السرية فتم الاجتماع الثاني لهذه اللجنة في دارها بالقاهرة بدعوة من السيد الطبيب حسين القائم بأعمال سفارة باكستان وبذلك جهدا كبيرا لتقريب وجهات النظر حيث صدر في نهايتها بلاغ رسمي كان نصه كالتالي:

تمت الاتصالات غير الرسمية بشأن قاعدة قناة السويس وبهذه الطريقة ستبحث الوسائل التي ستؤدي إلى الاتفاق قبل استئناف المفاوضات رسميا.

وتم الاجتماع الثالث يوم 6 أغسطس 1953 حيث بدأت خلاله دراسة الموضوعات المتنازع عليها والتي استمر تناولها طيلة العديد من الجلسات غير الرسمية حتى توقفها يوم 21 أكتوبر 1953 .

ونظرا لأن كل مشكلة من تلك التي تناولوها بالبحث امتدت لأكثر من جلسة فسنعرض كلامها على حدة بشكل طولي على مدى تلك الجلسات مشيرين إلى الجلسة إذا كان ذلك ضروريا.

وضع قاعدة قناة السويس

فمن حيث استخدامها وحق عودة القوات الأجنبية إليها فقد تمسك الجانب المصري بأنه إذا تم الاتفاق فإن القاعدة تكون متاحة ومعدة للاستعمال وذلك في حالة حدوث هجوم مباشر على مصر وأن ميثاق الضمان الجمعي العربي القائم ورفض ضم تركيا أو إيران في حالة الاعتداء ثم عاد المفاوض المصري إلى مرونته وقبل أنه عند وقوع اعتداء على أحداهما فإنه تقوم مشاورات بين الحكومتين المصرية والبريطانية حول إعادة تنشيط القاعدة.

بينما أصر الجانب البريطاني على وجود إعداد القاعدة في حالة الهجوم على مصر أو على أي بلد عربي أو تركيا وإيران وأن المشاورات إنما تكون فيما عدا ذلك وفي نفس الوقت امتدح الأسلوب المصري لأنه وجد فيه ما يقرب بين وجهتي النظر.

وإزاء هذه المرونة المصرية وتقبل الجانب البريطاني لها بدأت المباحثات في دور أكثر تفصيلا فتناولوا عبارة إعمال القاعدة تساءل الجنب البريطاني علما إذا كان هذا الهجوم جديا وليس تهديدا أو دخول طائرة أو عدة طائرات قليلة تمر في الأجواء المصرية وحتى إذا ألقت بعض القذائف.

وأبدى البريطانيون عدم ارتياحهم على قصر النصر على الإشارة إلى ميثاق الضمان الجماعي عند تناول الهجوم على الدول العربية ولكن الجانب المصري أزال قلقهم بأنه يمكن أن ينصف في الاتفاق على أي هجوم حربي مباشر على أية دولة عربية عضو في ميثاق الضمان الجماعي.

وهنا وافق الجانب البريطاني على ذلك ثم تساءل عن وضع ليبيا لعله يحصل في هذا الجو على مكسب آخر وأعلن المصريون أنه لا داعي لهذا التساؤل فالبريطانيون موجودون هناك وأن ليبيا تفكر في الانضمام إلى ميثاق الضمان الجماعي فعاد الجانب البريطاني إلى طمعه في مزيد من المكاسب عندما طلب أن تضاف دول أخرى مثل الكويت على اعتبار أن الهجوم عليها يعتبر كأي هجوم على بلد عربي آخر عضو في الميثاق الجماعي.

ولكن المصريين تداركوا الموقف وأن الإنجليز يريدون أن يدخلوا بهم منزلقا كبيرا، فصرحوا بأن الهجوم المباشر الذي يتحدث عنه الإنجليز لا يمكن أن ينطبق على الإمارات العربية المتناثرة هنا وهناك حول شبه الجزيرة العربية وأن المصريين إنما يعنون أي هجوم مباشرة ومسلح على دول الميثاق وحسب ونطرق الحديث بعد ذلك إلى حالة الهجوم على إيران أو تركيا فذكر المفاوضون البريطانيون أن الأحداث الجارية في إيران في تلك الفترة قد تستمر فترة مما قد يكون تسهيلا للسوفيت لأن يتدخلوا أو يحتووها إلا أن بمحاولات الجانب المصري ترك البريطانيون إيران بينما أظهروا تمسكهم بتركيا.

وهنا قرر المصريون أنهم يرفضون لأن مجرد ذكر تركيا سيعيد إلى الأذهان ذلك الموقف الذي وقفته حكومة الوفد عام 1951 ويكرهها الشعب المصري فوق ذلك إلا أنه رغم هذا فقد تساهلت مصر عندما أعلنت استعدادها لإعادة تنشيط القاعدة في حالة تعرض تركيا أو إحدى الدول العربية وإن لم تكن عضوا في ميثاق الضمان الجماعي العربي للعدوان الخارجي رغم أنها لا تستطيع التعهد بذلك صراحة في الاتفاق وكانت ذريعة المصريين في هذا أنهم طالما يعملون على أساس ميثاق الضمان الجماعي العربي فإنهم يقفون على أرض تستطيعون الدفاع عنها أما إذا خرجوا عن هذا الإطار فسيعرضون أنفسهم لهجوم ليسوا مستعدين لمواجهته.

وأما هذا الإصرار المصري تخلت الحكومة البريطانية عن موقفها وقبلت وجهة النظر المصرية بخصوص تنشيط القاعة في حالة الاعتداء على الدول الأعضاء في ميثاق الضمان الجماعي وأن يقتصر الأمر بالنسبة لتركيا على المشاورة العاجلة بين الحكومتين المصرية والبريطانية.

كما أعلن الجانب المصري من جديد إبقاء مصر على احترامها لميثاق الأمم المتحدة وقاراتها فيما يختص بتركيا باعتبار أنه في حالة الاعتداء على تركيا ستعلن الأمم المتحدة وقوع حالة حرب عالمية.

ولكن الجانب البريطاني ظل متمسكا بموقفه بينما اقترح الجانب المصري إضافة مبدأ التشاور في حالة وقوع حرب عالمية إلى مشروعه السابق وكان ذلك في آخر جلسة نوقشت خلالها هذه العموميات وسنرى ما انتهى إليه أمر هذه النقطة في جلسات الانتهاء.

ومن المشكلات التي نوقشت كذلك خلال معظم الجلسات.

مشكلة الخبراء الفنيين

بدأت مناقشتها بجلسة 6 أكتوبر 1953 حيث دار الحديث حول القائد العام للقاعدة والمستشار الفني الذي أمكن تسميته المساعد الفني والخبراء وضرورة توضيح اختصاصات كل منهم وتنسيق العمل فيما بينهم. وكانت الحكومة البريطانية تطالب بوجود أكبر عدد من رجالها بشكل ما أسمته خبراء وطالبت بأكثر من أربعة آلاف خبير يظلون موجودين في القاعدة طيلة فترة الاتفاق وبعد إتمام الجلاء على أن يكونوا في زيهم الرسمي العسكري مهمتهم الحفاظ على أمن القوات البريطانية الباقية في القاعدة معلنين ارتداءهم الزي العسكري بأنه يوفر لهم الحماية الشخصية اللازمة.

ولما كان هذا المطلب يمثل شكلا من أشكال استمرار الاحتلال وفي ظل المرونة التي أخذها المصريون على عاتقهم ليصلوا إلى إنجاز مطالبهم فقد وافقوا على إبقاء عدد من هؤلاء الخبراء على ألا يزيدوا على أربعة آلاف خبير يظلون بعد إتمام الجلاء لفترة ست سنوات فهو في مظهره استمرار للوجود البريطاني المحدود في القاعدة ولكنهم قدموا هذا التنازل في البعض ليصلوا إلى إنجاز الكل فهم فعلا كانوا أمام حقيقة أن الفنيين سيكونون في واقعهم رجالا من القوات المسلحة البريطانية مما سيثير الرأي العام في مصر الذي سيتصور أنهم يتموا الجلاء كاملا كما تعهدوا.

وإزاء هذا وضع المصريون تحفظا على تساهلهم هذا وكان التحفظ هو ألا يرتدي هؤلاء الزي الرسمي العسكري إخفاء لصفتهم العسكرية كما أحس الجانب المصري بأنه عندما قبل أن يساهم في عدد الخبراء البريطانيين أحس أنه أنزلق في مسألة مدة بقائهم وهي ست سنوات ففي جلسة 11 أغسطس 1953 طرح هذه المشكلة مطالبا بتقصير هذه الفترة إلى ثلاث سنوات فرفض البريطانيون ذلك فجعل المصريون يناورن بأنهم أطول مدة يمكن أن يمنحوها وفي نفس الوقت تركوا الباب مفتوحا بأن قالوا بأنه يجوز النظر في هذا الأمر لدى اقتراب نهاية هذه السنوات الثلاث لتناقش مصر ما إذا كانت توافق على بقاء جانب صغير من هؤلاء الخبراء لمدة أو لمدد لا تزيد على سنة واحدة في كل مرة ثم ربطت هذا بما إذا كانت لندن ستوافق على إنقاص عدد هؤلاء الخبراء إنقاصا ملموسا على الأربعة الآتي.

ولكن البريطانيين لم يقبلوا هذه الأمور ذاكرين أن تقصير مدة بقاء الخبراء لا تفي بالغرض الموجودين من أجله لأن ذلك مرتبط بفترة استمرار الاتفاق ككل وتحت ضغط المصريين والأمريكيين من خلفهم جعل المفاوض البريطاني يقدم تسهيلا في هذا المجال وهو إنه إذا قبلها فإنما يقبلها لتحسب السنوات الثلاث ابتداء من تاريخ انسحاب القوات البريطانية إلا أنه من المتعذر عليهم أن يحددوا هؤلاء الخبراء من القوات الموجودة والتي كان يقدر عددها بثمانين ألفا.

وإزاء اعتراض المصريين علق الجانب البريطاني البت في هذا بأن طلب أن يرجع إلى لندن في هذا الشأن لأن توصية لندن لهم كانت أن يبقى هؤلاء الخبراء عشر سنوات.

كما طرح البريطانيون قبل قفل هذا الباب تساؤلا غريبا حول ما إذا كانت مصر مازالت موافقة على ما جاء في النقاط التي أرسلت إلى واشنطن حول التشاور عند اقتراب نهاية السنوات الثلاث في شأن إبقاء عدد من الخبراء بعد هذه الفترة.

فأفهمهم المصريون أن الاستياء المصري العام من وجود البريطانيين سواء كانوا جنود احتلال أم خبراء هو الذي يقود التفاهم بينهما وأن التشدد البريطاني سبب كذلك في رفض هذه الأمور ولذلك فلابد لبحث هذه النقطة من تغيير الجو وخلق جو آخر يمكن من خلاله التفكير في حل لمدة بقاء هؤلاء الخبراء.

ولم تثر حول الخبراء مناقشات من الجانبين بالنسبة للعدد أو الفترة وإنما هناك مسألة ثالثة لا تقل خطورة عن هاتين النقطتين وهي لباسهم الرسمي (الزي) واستغرقت المناقشات حولها عدة جلسات فالبريطانيون مصرون على أن يظل الخبراء بزيهم العسكري الرسمي معتبرين أن رفض المصريين لهذا المطلب سيشكل عقبة في طريق المباحثات بينما تمسكت مصر بموقفها إزاء هذا الزي لأنه لا يثير فقط شعور الشعب المصري بل أنه ليس من الأمانة الإعلان عن جلاء القوات البريطانية بينما هؤلاء يتحركون أمام المصريين في زيهم الرسمي مما يهز الثقة بهم.

مشكلة مدة استمرار الاتفاقية

وهذه إحدى المشكلات التي ظلت قائمة خلال كل المفاوضات سواء فيها هذه المفاوضات السرية أو ما تلاها من مفاوضات رسميه إذ أن الجانب المصري كان ينظر إلى سرعة إنجاز الجلاء على أنه مطلب ملح يحافظون به على موقفهم أمام الشعب وأمام الأحزاب التي كانت عائقا أمامهم وتمثل المعارضة بالنسبة لهم خاصة وأن مهم من كان له دور بارز في المفاوضات السابقة على قيام الثورة وإزاء إحساس البريطانيين بهذا لدى المصريين اتخذوا منه وسيلة للضغوط عليهم أولا لإحراجهم أمام هذه القوى ثانيا ليحصلوا به على أكبر قدر من المكاسب لهم.

فكان اقتراح البريطانيين أن تظل مدة سريان الاتفاقية عشر سنوات على الأقل لتكون كافية لتنفيذ المشروع واعتبروها أقصر مدة ممكنة لذلك بينما أخر المصريون منذ البداية على الوصول إلى أقصر مدة ممكنة فبدأ بعرض إضافة سنتين إضافيتين للاتفاق بعد السنوات الثلاث التي خصصوها أول الأمر للإبقاء على الخبراء ورفض البريطانيون ذلك.

وفي جلسة أول سبتمبر 1953 أعلن الجانب البريطاني وجهة نظره في هذا العدد وطالب بسنة ونصف للجلاء وثلاث سنوات للخبراء وسنتين ينتقل فيها العمل من الخبراء إلى من أسموهم (بالمفتشين) ثم بعد ذلك مدة غير محدودة للوصول على نهاية الاتفاق أي أن يكون مجموع المدة ست سنوات ونصفا يضاف إليها مدة غير محدودة. وأما اندهاش المصريين تراجع البريطانيون ليقرروا بأنه لا تصل مدة الاتفاق إلى عشر سنوات وهي الفترة التي طلبتها انجلترا من قبل.

لكن المصريين رفضوا متمسكين بألا تزيد المدة على خمس سنوات كحد أقص لسريان الاتفاق منذ يوم التوقيع عليها ولم يصلوا بعد ذلك إلى حل واضح.

مشكلات أخرى

كانت هناك مشكلات أخرى لم يصلوا إلى حل كذلك مثل: المفتشين وهم الذين كانوا سيقومون بالتفتيش على المنشآت العسكرية المتبقية بعد الجلاء لتكون معدة للاستعمال في حالات الهجوم وإعادة تنشيط القاعدة كما سلف وذلك بعد انقضاء سنوات بقاء الخبراء.

ومشكلة حق حيث رفض المصريون حق الطيران البريطاني وما سيترتب عليه من إقامة staging posts

كيف انتهت هذه المباحثات السرية:

ظلت هذه المفاوضات تسير نشطة في أول أمرها ألا أنها بدأت تتعثر منذ بداية جلسات شهر أكتوبر 1953 بسبب العقبات التي كان يضعها الجانب البريطاني في الطريق لدرجة أن الجانب المصري ظنا منه أنه وصل على الاتفاق على خطوط عريضة طالب بأن تكون الفرعيات بعد ذلك وذلك بجلسة 10 أكتوبر مكررين أنهم مستعدون لأن يعطوا إذا ما وصلوا إلى هذا بريطانيا تسهيلات أكثر من الطيران وهو أمر استغله البريطانيون فأرادوا أني ضعوا معه مطلب الزي وإطالة مدة استمرار الاتفاقية ومن ثم قبول بالرفض من جانب المصريين.

وهاتان كلمتان تصوران نهاية الموقف:

أولاهما: كلمة لورد سالزبوري يوم 9 أكتوبر أثناء سير المفاوضات في المؤتمر السنوي لحزب المحافظين من أن بريطانيا لم تصل بعد إلى اتفاق مع مصر بشأن مشكلة قاعة قناة السويس بل أنها لم تصل إلى اتفاق من ناحية المبادئ ولست متأكد أنها ستصل.

ثم أعلن أنتوني إيدن إذا أمكن الوصول إلى اتفاق فإن الحكومة البريطانية ستدافع عنه لأنه سيكون اتفاقا محققا لمصالحنا ومصالح شعبنا ولن يكون اتفاقا فرضته علينا دول حليفة. وهو بهذا يقصد الجهود الأمريكية. كان رد جيفرسون كافري في اليوم التالي إن الانتصارات العظيمة التي تسجل في ميدان الحكمة السياسية إنما هي وليدة المثابرة الرشيدة وإني لأدرك ما أتسمت به المحادثات غير الرسمية بشأن قاعدة قناة السويس من ثقة وإخلاص كما أدرك لحظات اليأس ونفاذ الصبر والقلق وانعدام الثقة إني شديد الأمل في أنه سيمكن التغلب على هذه الصعاب.

ورغم هذه العقبات كان حرص المصريين شديدا على نجاح الاتفاق والوصول إلى المبادئ الأساسية للاتفاقية لما ستناقشه اللجان فيما بعد ففي جلسة 12 أكتوبر تقدمت مصر حسن نواياها في إعطاء البريطانيين التسهيلات الممكنة كما اتفق على عقد اجتماع تال لعرض النقط الرئيسية لهذه الخطوط العريضة وهي:

أ- الديباجة

ب- استخدام القاعدة

ج- بدء الانسحاب

د- زي الخبراء

ه- تنظيم القاعدة

و- شئون الجو

ز- طول المدة الأخيرة

ح- بدء الانسحاب

ط- الخبراء وعددهم في تلك المدة الأخيرة.

وفي الجلسة الأخيرة من هذه المباحثات السرية يوم 21 أكتوبر 1953 حيث كان المفروض عرض صورتي المبادئ الأساسية للاتفاقية كما سيتفق عليه تفصيلا إلا أنه تم الآتي:

أولا: تم الاتفاق على الصيغة الخاصة بقناة السويس في الديباجة كما كانت تطلب بريطانيا وأن تكون مدة سريان الاتفاق سبع سنوات وأوضح المصريون أنه بانتهاء هذه المدة ينتهي الاتفاق بكل نواحيه بينما علقه الجانب البريطاني على رأي الطرفين في الاتفاق على ترتيبات جديدة.

ثانيا: أظهر البريطانيون ميلهم لقبول رأي مصر في أن يتم الجلاء في مدة خمسة عشر شهرا من وقت وضع الاتفاقية موضع التنفيذ.

ثالثا: طلب الإنجليز الإبقاء على أربعة آلاف خبير في السنوات الأربع والنصف الأولى 2500 خبير في السنتين والنصف الأخيرتين من الاتفاق بينما كان اقتراح المصريين الإبقاء على 4000 خبير في السنوات الأربع والنصف الأولى وألف في السنة الثانية و500 في السنة والنصف الباقية من الاتفاق.

رابعا: بالنسبة للزي فقد قامت مشادة بين الطرفين وأصر كل منهما على موقفه ولعل البريطانيين قد وجدوها محل خلاف يستفاد منه.

خمسا: قبلت مصر تقريبا بأن تتحمل مصروفات وتسهيلات المواني والانتقالات على الطرق المصرية في تحركات القوات البريطانية في تلك الفترة.

سادسا: وهذه ما جنح كل طرف فيها إلى الرفض وهي حق استخدام القاعدة حيث رفض المصريون قبول الدخول للدفاع عن أي دولة ليست عربية.

وهنا وصف الرفض من كلا الطرفين إلى وقف هذه المرحلة من التفاوض وهي المرحلة الثانية من الأعمال السياسية في سبيل الوصول إلى حل سياسي لمشكلة جلاء البريطانيين عن قاعدة قناة السويس.

بقي هنا أن نعرف جوانب أخرى لها تأثيرها في تسيير المفاوضات وعرقلتها منها:

إسرائيل

لم تغب إسرائيل عن الساحة فقد كانت تعد نفسها طرفا في هذا النزاع وبدأت تحاول فرض إرادتها وإظهار رغباتها وتحذر الولايات المتحدة وبريطانيا من مغبة جلاء القوات البريطانية عن منطقة قناة السويس وما ستسببه من أخطار عليها فمثلا عندما فكرت الولايات المتحدة النزول بثقلها لتسوية هذا النزاع وذلك بإرسال دالاس ليجس نبض المنطقة بزيارته الاستطلاعية السابقة الإشارة إليها زاره السفير الإسرائيلي في واشنطن وطرح عليه في صراحة سؤالين:

- كيف يمكن للإنجليز أن ينسحبوا من مصر دون تسوية سلمية موقع عليها من كل من مصر وإسرائيل.

- ماذا يحدث على الخطوط بين مصر وإسرائيل إذا انسحب الإنجليز دون تسوية تضبط الموقف.

- ماذا يحدث على الخطوط بين مصر وإسرائيل إذا انسحب الإنجليز دون تسوية تضبط الموقف.

وكان السفير الإسرائيلي أبا إيبان يحمل معه رسالة من موسى شاريت وزيرا لخارجية الإسرائيلي يفوض فيها دالاس في سؤال المصريين عن شروطهم في السلام مع إسرائيل.

إلا أن دالاس رغم وعيه للموقف وخطورته فقد طرح الموضوع في حذر وبسرعة على المصريين إبان زيارته لهم ولم ينتظر جوابا شافيا منهم.

ولعله في هذا أراد أن يشعر المصريين بأن إسرائيل لابد أن تكون في حسبانهم وفي نفس الوقت لا يريد أن يكون موضوعها مصدر قلق أثناء سير المفاوضات التي أراد لها أن تكون.

المعونات الأجنبية لمصر

ونقصد بها معونة بريطانيا والولايات المتحدة وقد تناولناها من قبل عندما استعملت للضغط على المصريين لقبول ما يقدم لهم من شروط في حدود مشكلة الجلاء عن منطقة قناة السويس.

وفي أثناء سير هذه المحادثات الأخيرة استعملت هذه المعونات بأكثر فاعلية فيما وضعت له من أغراض ورغم استعمالها هكذا فإن صمود المصريين وإظهار عدم اهتمامهم بها واندفاع الولايات المتحدة فيما خطته لنفسها من ضرورة الوصل إلى حل للمشكلة على يديها فلم يعط التهديد بها ثماره.

قام البريطانيون بالتنسيق مع الأمريكيين في استعمال هذا السلام فوضعوا برنامجا للمعونات العسكرية والاقتصادية بواسطة المملكة المتحدة والولايات المتحدة لمصر aprogram of military and economic assistance by the lilted kingdom an u. s loegypt من أجل الضغط على مصر لقبول المطالب التي تقدم بشأن أية اتفاقية ومن آثارها تمييع موقف الولايات المتحدة في ردها على محمد نجيب في يولية 1953 عند طلبه الأسلحة لمصرز

كما طالبت السفارة بسرعة التنسيق مع الولايات المتحدة في هذا المجال حيث أن الوقت قد أزف.

وقد عقد بسببه اجتماع بين ممثلي الطرفين على اعتبار أن المعونة العسكرية والاقتصادية ستكون جزءا أساسيا لعمل تسوية للخلافات مع مصر.

وكانت النقاط التي تناولوها في الاجتماع هي:

1- مقدار المعونة.

2- الشكل الذي ستقدم فيه.

3- الارتباطات التي ستتخذ حيال تنظيم العلاقات الأنجلو مصرية.

فبالنسبة للنقطة الأولى: اتفق على أن تضطلع الولايات المتحدة بنصيب الأسد قيمة ما سيقدم من معونات لمصر على أن يحس البريطانيون بأثر هذا في مدى تحسن نية المصريين لهم لأن منشآتهم ورجالهم في القاعدة هم الذين سيقبضون الثمن إن أمنا وإن دما ولذلك أوصوا الأمريكان بأن قيمة المعونة كبيرة.

وبالنسبة للبند الثاني فكانت المعونة في شكل منحة أو قرض له فترة سماح طويلة لسداده ولكن الشك البريطانيين في نوايا المصريين أوصوا بأن تسليم هذه المنحة لهم في شكل أقساط أو دفعات تكون متزامنة مع التسهيلات أو الموافقات التي يقدمها المصريون في المقابل للمفاوضين البريطانيين والتي تنتهي كل منهما أي المعونة والمفاوضات باتفاقية بإخلاص.

أما البند الثالث فقد أبدت الولايات المتحدة تخوفا وتحفظا بشأنه أما انجلترا فقد جعلت معونتها في شكل الإفراج عن الأرصدة المجمدة بينهما بشكل جزئي يتماشى مع ما تحرزه من مكاسب أثناء المفاوضات والعلاقات السياسية بينهما وتتماشى كذلك بشكل عكسي مع مدى قوة سلطة الحكم في مصر.

ويقول التقرير إن عمل الإنجليز هذا كان وراء إطالة أمد المفاوضات في تلك الفترة وأن الإفراج عن الأرصدة دون إحراز مكاسب يفقده قيمته السياسية ولقد اعتمدت لجنة المفاوضات لأعالي البحار overseas negotiation committees الإفراج عن مبلغ ما بين 15، 20 مليون دولار لمساعدة التجارة البريطانية في مصر ولكنها عادت فالغته عندما وقفت المفاوضات في مايو 1953 رغم أن الغرض من الإفراج كان اقتصاديا وليس سياسيا إلا أن اللجنة تداركت الهدف فعدلته.

وتناول التقرير المعونات العسكرية فورد فيه حاجة المصريين الكبيرة للمعدات البريطانية للأسلحة البريطانية التي يستعملها الجيش المصري وعلى الإنجليز أن ينتهوا إلى أن هذا العتاد سيستعمل ضدهم في القناة ولكن في نفس الوقت رأى البريطانيون أن إمدادهم بالعتاد سيظهر للمصريين حسن نواياهم وانتهى التقرير إلى التوصية بعدم منح المعونات العسكرية ولكن في شكل أنواع لا يمكن استعمالها ضدهم مع إعطائهم أولوية في مجال الإمداد بالسلاح.

وإزاء هذا شكلت لجنة بريطانية أمريكية بعد ذلك لدراسة احتياجات مصر اقتصاديا وعسكريا في المستقبل وحصرت هذه المعونات في شكل:

أ‌- هدايا – طائرات- دبابات – معدات حربية.

ب‌- زيادة الإفراج عن الأرصدة.

ت‌- معونات مالية لتنمية رأس المال المصري.

ولكن لم يحدث أن نفذ شيء من هذا وإما توقفت بتوقف المفاوضات كما رأينا وبهذا يمكن القول بأن أسلوب المعونات الأمريكية أو البريطانية كانت أماني براقة مرتبطة بالوصول إلى نهاية للمفاوضات في مصالحها بالدرجة الأولى.

مرحلة جديدة من الجهود السرية

أمام توقف مرحلة المباحثات السرية والتي كانت فترة هامة رغم عدم وصولها إلى نتائج بدأت الولايات المتحدة تعيد حساباتها وتقيمي الموقف العام وتقرأ صحفها فقد أصبحت لها مصالحها في الشرق تخشى عليها من الضياع وأن بريطانيا في تشددها لتنال أكبر قسط من المميزات ستكون رغم صداقتها سببا في ضياع جزء كبير من هذه المصالح ومن ثم أصبحت في موقف يحتم عليها ضرورة اتخاذ موقف ديبلوماسي أكثر فاعلية وهو التقريب بين مطالب كل من الطرفين المتنازعين سيما وأنه ظهر أمامها عامل يزيد من مسئوليتها في المنطقة وهم العرب الذين أصبحوا يتجهون إلى تأييد المصريين مما سيقف عائقا أمام الجهود الغربية والأمريكية التي كانت تسعى لتنميتها.

فرأت الولايات المتحدة أن التمادي مع بريطانيا في مساندتها سيورثها الصلف والتشدد أكثر مما سيدفع مصر ومن ورائها هذه الدول العربية إلى التمادي في الحياد بل وعدم التعاون مع الغرب وهذا سينتج عنه اضطراب التخطيط الغربي في المنطقة.

بينما نظر البريطانيون إلى مسألة انسحاب قواتهم من المنطقة في هذه الفترة وأمام التشدد المصري حول مطالبه سيكون مظهرا من مظاهر الضعف مما سيقلل من تأثيرها في الشرق الأوسط الذي كانت لهم السيطرة شبه الكاملة عليه.

ووسط هذا الزحام بدأ الجانب البريطاني يحس بثقل الجانب المصري لدرجه أنه كي يوازن بين خروجه من قاعدة القناة وبين احتفاظه بمركزه في المنطقة بدأ يفكر في نقل قواته إلى الأردن وهل سيأتي هذا النقل بفائدته وهي الحفاظ على علاقتهم بالمصريين للاستعانة بهم وقت اندلاع حرب تستهدف المنطقة وإشاعة الإحساس العام في العالم بوجودهم الفعال في المنطقة كدخولهم طرفا في حل المشكلة الفلسطينية.

ولكن هذه الفكرة ذابت في كأس الشك في نوايا المصريين هل سيدخلون معهم في حلف للدفاع عن الشرق الأوسط أم سيعطونهم ظهرهم حتى ولو كان وجههم سيكون لأمريكا لأن الأخيرة أيضا كانت في دائرة شكهم وإزاء هذا أقفل ملف هذا الاقتراح ورأوا أنهم يجب أن يبدأوا بالتنسيق مع الأمريكيين سيما وأن الأمريكيين كانوا مازالوا متمسكين بالخيط الأخير الذي توقفت عنده المباحثات السرية وهو الوصول إلى فكرة المبادئ الأساسية للمعاهدة وبدأ دالاس يعلن أنه مادام المصريون قد وصول إلى الإقناع بهذه الفكرة فيمكن للولايات المتحدة أن تمارس نوعا من الضغط عليهم ومن ثم بدأ صراع بين الصديقتين أمريكا وبريطانيا حول كيفية احتفاظ كل منهما بمصالحه في المنطقة مما أدى إلى صدام حول أسلوب التعامل مع الدول العربية بدءا بمصر.

ومن هنا أحست الولايات المتحدة بضرورة الوقوف في وجه السياسة البريطانية المتشددة والتي رأت فيها ضررا للجميع وأنها يجب أن تتشدد هي ضد الإنجليز واتخذت مسألة المعونات سلاحا في هذه المعركة بشكل أكثر استقلالا عن مسار البريطانيين وموقفهم فبدأت تلوح ببذل المعونات الاقتصادية والعسكرية لمصر أملا في دفع بريطانيا إلى العدول عن موقفها وبدأت بذلك تعدل عن قراراتها من قبل من ربط إرسال المعونات بالوصول إلى اتفاق مع المصريين وهكذا أصبح الضغط الأمريكي يتجه إلى كفة البريطانيين.

وقد أثار هذا الموقف الأمريكي مخاوف البريطانيين عندما تناقض مع خطتها الأولى، وأنهم في نفس الوقتي كانوا يشعرون بأن المصريين سوف لا يقبلون مقترحاتهم إلا إذا كانت هذه المقترحات تحظى بتأييد الأمريكيين كما اعتبروا أن تقديم المعونات الأمريكية سيضعف قوة المساومة البريطانية مع مصر عندما سيحسون أن الرباط بين الصديقين قد فصم وأن هذا الفصم سيستمر كدليل على الخلاف السياسي بين الصديقين وتصبح المسألة معه كما لو كانت مسألة استعمارية وليست مسألة دفاعية.

ولكن لم تقد بريطانيا الأمل في استعمال المعونات لصالحها رغم هذا فطلب منها على الأقل وقفها حتى يصل الطرفان المتنازعان إلى التوقيع على المبادئ الرئيسية للاتفاقية ووافقت أمريكا على هذا بشرط أن يقدم البريطانيون ذخيرة حربية لدفع إيحاء المصريين بأن بريطانيا لا تريد اتفاقية حقيقة أي أن الولايات المتحدة قد وافقت انجلترا على مطالبها على أساس تراجعها عن موقفها المتشدد مع المصريين وهكذا أصبح الضغط الأمريكي على بريطانيا.

وأعلن دالاس هذا صراحة طالبا بريطانيا بمسودة نص المبادئ الأساسية للمعاهدة أي موافقة بريطانيا عليها كشرط لاستجابة أمريكا لها في الضغط على المصريين ويبدو أن الموقف كان أكبر من أن يسوف فيه فأصدرت وزارة الخارجية البريطانية تعليماتها بأن يعد النص المطلوب فورا كما طلبت أن يتوجه سفيرها في الولايات المتحدة إلى دالاس ويتفاهم معه حول وجهات النظر البريطانية وأرسلت كذلك برقية إلى الخارجية الأمريكية تتضمن مشروعا للإسراع بجلاء القوات البريطانية.

وإزاء هذا التشدد الأمريكي أيضا وافق لورد سالسبوري دالاس على وجهة نظره لأنه ليس هناك أمل وقتئذ في الحصول من المصريين على موافقة على الاشتراك في تشكيل منظمة للدفاع عن الشرق الأوسط فالوقت لم يكن مناسبا.

وأعلن أن مسألة الدفاع هذه قد أسقطت من التعليمات الصادرة للسفارة البريطانية في القاهرة كأساس من أسس الاتفاق المزمع.

كما بدأت بريطانيا تعيد النظر في بنود المبادئ الأساسية للاتفاقية لتتواءم مع الموقف الجديد وذلك يتضح مما أرسله السفير البريطاني في القاهرة وهو أكثرهم إحساسا بالموقف من أنه لا بد أن تكون هناك نسبة مرونة في المطالب البريطانية تمشيا مع التكتيكات الأمريكية وذلك بالموافقة على :

1- تقليل أعداد الفنيين الذين سيشتركون في القاعدة.

2- تعديل صيغة حقوق الطيران وإشاعة أن القاعدة لابد أن تخدم مصالح العرب.

3- صيانة القاعدة يكون بالاشتراك مع المصريين.

4- تعديل عبارة التشاور لتكون بتشاور الطرفان معا خلال السنة الأخيرة من الفترة المحددة لاستمرار المعاهدة لتقرير التنظيمات الضرورية.

5- استبعاد تدخل الأمم المتحدة في حالة وقوع تهديد أو اعتداء.

وقد علل السفير استعمال هذه المرونة بأنها لإعطاء الأمريكيين إحساسا بأنهم مستعدون أن يأخذوا المشكلات المصرية في حسبانهم وأنهم مستعدون لمد يد العون لهم.

وفي 18 يناير 1958 أرسل السفير البريطاني في القاهرة تقريرا آخر حول نقد إرسال المعونة الأمريكية لمصر من أن إرسال المعونة الأمريكية لهم ربما بسبب برودة المفاوضات وأنه لا يرى سببا لاستعجال إرسال معونات لمصر قبل الوصول معهم إلى حل أيا كان في سبيل الوصول إلى اتفاق و أن السياسة الأمريكية في نظره كانت مشوبة باعتقاد أن مصر مازالت ضحية الاستعمار البريطاني وتستحق العطف الأمريكي وأنها تحت تأثير الرغبة في الوصول إلى حل سريع تقريبا وبأي ثمن ستفعل هذا.

وأبدى مخاوفه من نقطة أخرى جديدة هي أن الاعتبارات الأمريكية هذه إنما ارتبطت بالخوف من عدم شعبية النظام في مصر بمحاولة تأييده ومن ثم بدأ يوافي وزارته في لندن بكثير من التقارير المتتابعة حول مدى رسوخ النظام في مصر وموقف رجال الثورة من محمد نجيب ومدى سلطة جمال عبد الناصر وإمكانية الوصول معه إلى اتفاق وكانت الأزمة بدأت تطل على مجلس قيادة الثورة وكذلك الصراعات السياسية والحزبية في البلاد وإزاء هذه الأحوال المضطربة أراد السفير أن يسوف في المباحثات حتى ينجلي الموقف مما زاد من قلق المصريين وأضاف أكثر إلى شكهم في نوايا البريطانيين وظنوا أن تنازلهم في المباحثات السابقة قد يجبرهم إلى مزيد منها وطلب وزير الخارجية المصري من السفير الأمريكي في 21 يناير 1954 أن يفكر في الطريقة التي تعيد الكرة إلى الملعب مرة أخرى.

ولما وجدت الولايات المتحدة أن الكمثري قد نضجت وأن بريطانيا بدأت تفهم الموقف ومستعدة لعلاجه بتشدد أقل في الوقت الذي كان المصريون يطالبون كذلك بدأت عملها بالضغط عليهم وبدأ يطرح بعض القضايا المختلف عليها كاختبار للنوايا المصرية فطرح مسألة الهجوم على تركيا ووضع القاعدة للدفاع عنها فقال وزير الخارجية المصري أنه إذا طلبت الولايات المتحدة هذا فستقبل مصر في الوقت الذي لا تقبله من الإنجليز فوعده السفير خيرا بعد أن يستشير حكومته

وأما هذا التشوق المصري بدأت الولايات المتحدة ضغطها فتقدم سفيرها في مصر بمذكرة للحكومة المصرية مفادها الضغط عليها بقبول مقترحاتها في 21 أكتوبر 1953 باعتبارها أفضل ما يمكن التوصل إليه وأن الحكومة الأمريكية لم تقدم أية مساعدات اقتصادية لمصر قبل أن يتم التوصل إلى تسوية لمشكلة القناة فكانت صفعة مساعدات اقتصادية لمصر قبل أن يتم التوصل إلى تسوية لمشكلة القناة فكانت صفعة للمصرين لدرجة أن جمال عبد الناصر وصف الأمريكيين بالمبتزين

ولكن الأمريكان عادت إلى تهدئة هذه الثورة وتوجيه الموقف إلى التحرك فاقترحت عمل تقرير مشترك من السفارتين الأمريكية والبريطانية لوضع تصور لهذا التحرك ووعدت الولايات المتحدة من خلاله تقديم المعونات الاقتصادية لمصر عقب التوقيع على المبادئ الرئيسية لاتفاقية وقبل الانتهاء من التفاصيل النهائية حذرت مصر من التأجيل في التوصل إلى حل خشية فقدان هذه المعونة ولأن الحكومة الأمريكية لا تستطيع الاحتفاظ بالاعتمادات المالية التي تخصص لمصر إلى أجل غير محدود.

كما أوضح التقرير أنه يجب انتهاز فرصة نجاح المصريين في معاهدة السودان والقضاء على الإخوان المسلمين وإحساس مجلس الثورة بقوته وخشية على ضياع هذه الهيبة التي حصل عليها في فشل هذه الاتفاقية فإنهم سيواجهون إذا فشلوا بسلسلة من الكوارث في بلادهم فضلا عن المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي يعانون منها.

ويتضح من هذا أن الولايات المتحدة لم تكن كما اعتقد المصريون فيها وإنما كانت تسعى للضغط على الحركة السياسية لحكومة الثورة وأن مصر التي ستحصل على المعونات لابد أن تؤدي المقابل وهو حماية المصالح الأمريكية من خلال الاستجابة لمطالب البريطانيين.

ونجحت في ذلك ورضخ عبد الناصر وأعدا السفير بأنه سيوصي إخوانه في مجلس قيادة الثورة بقبول التراجع في مسألة حق العودة إلى القاعدة ليشمل الاعتداء على تركيا بالإضافة إلى الدول العربية في حين رفض ارتداء الخبراء البريطانيين لزيهم العسكري حتى ولو رفضت أمامها المعونات الأمريكية، وظلت مسألة الزي ورقة لعب بيد الأمريكيين.

أزمة مارس وأثرها على المفاوضات

شهر فبراير ونصف شهر مارس في حالة سكون نسبي لهذه المحادثات بسبب أزمة مارس التي طغت على الموقف فما بين مترقب للنتائج لانتهازها وهم البريطانيون وما بين خائف من النتائج وهم المصريون لأن استمرارها كان سيكون له أخطر العواقب في الداخل وفي الخارج ومن ثم لم يكن أمام عبد الناصر إلا الدخول في مغامرة سياسية ليشتري سمعة الثورة بأي ثمن فتقدم سرا دون علم من بقية أعضاء مجلس الثورة بعرض على البريطانيين من خلال الأمريكيين لتسوية مشكلة القاعدة بأسلوب تبادل التنازلات فتعطي مصر لبريطانيا حق العودة إلى القاعدة ففي حالة تعرض تركيا لعدوان خارجي في مقابل تنازل بريطانيا عن تمسكها بأن يرتدي خبراؤها الزي الرسمي مستغلا في ذلك العرض الذي قدمه وزير خارجيته الذي سبق أن أشرنا