الغرب في رؤية الحركة الإسلامية المصرية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الغرب في رؤية الحركة الإسلامية المصرية

إبراهيم البيومي غانم

أمة برس

للإعلام والنشر

مقدمة الناشر

ثمة مسلمات وبديهيات على طريق الحركة الإسلامية تحتاج من العقل الإسلامي وقفة تأمل وتدقيق ونقد ذاتي .

هذا التأمل والنقد تفرضهما التطورات التاريخية المعاصرة والخبرات المتراكمة والكفاءات التي يعز بها المولي سبحانه وتعالي الصف الإسلامي يوما يعد يوم إن رؤيتنا للغرب تمثل الآن أكثر من أى وقت مضي قضية هامة من بين المسلمات التي تحتاج إلى هذا التأمل والنقد.

الحماس المندفع والعنف المنفر لا مكان لهما بين يدي أمة هيمنتهم الإعلامية الطاغية محليا ودوليا بدأ الإسلام نفسه يتعرض للهجوم بوقاحة متناهية.ما أحوج أمتنا التي حملها الله دعوته لهداية البشرية جمعاء إلى رشد كل الراشدين وحكمة كل الحكماء وهمة كل الشباب .

إن الرشد والحكمة والهمة عناصر أساسية للقوة التي تحثنا عليها الآية الكريمة (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون بها عدو الله وعدوكم) (الأنفال من الآية :60)

لقد بدأ البعض يدعو إلى إعادة النظر في التقسيم التقليدي للكون إلى دار سلام ودار حرب ليصبح دار سلام ودار دعوة فلماذا لا يطرح للتدارس بين الثقاة من علماء الأمة ؟إن الحركة الإسلامية في حاجة إلى مراكز أبحاث حقيقية تابعة لها في الغرب ترصد وتحلل وتوجه ..

لماذا لا ينشأ لدينا في الأزهر وغير الأزهر علم "للاستغراب" إن جاز اللفظ اللغوي كما نشأ في الغرب علم الاستشراق وكان الغرض منه في الغالب أن ينفذ الغرب إلى مسام الجسد الإسلامي لإضعافه ومسخه؟

إن علماءنا وباحثينا لن يكونوا كمعظم أقرانهم الغربيين دعاة تشويه وفتنة ومسخ إنما حملة مشاعل نور وهدى تستنفذ ضحايا حضارة المادة المفتونة بالعقل البشري الجامح والقاصر .

محمد حازم غراب
جمادي الآخر 1414

قصية هذا الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

كانت الفكرة الأساسية لهذا الكتاب عبارة عن بحث موجز حول رؤية الحركة الإسلامية "للغرب" وكان من المقرر أن أقدم هذا البحث في الندوة العالمية التي نظمتها الجمعية العربية لعلم الاجتماع حول "صورة الآخر" في الفترة من 29 إلى 31 مارس 1993 بمدينة الحمامات (تونس) وقد قبل البحث بعد عرضه على لجنة التحكيم؛

وأرسل إلى الأمين العام للجمعية د. طاهر لبيب خطابا مؤرخا في 1 مارس 1993 تونس ليؤكد دعوتي للمشاركة في الندوة ولكن ظروفي الخاصة حالت دون ذلك فلم أسافر ولم يعرض البحث في جلسات الندوة وإنما تم الاكتفاء بعمل موجز له بالفرنسية ووزع على المشاركين في تلك الندوة.

ولم يمض شهر على "ندوة تونس" حتى دعيت للمشاركة بالبحث نفسه في ندوة "دراسة المجتمع المصري وهموم الباحثين الشبان" التي عقدت بالجامعة الأمريكية بالقاهرة في الفترة من 21 إلى 23 مايو 1993 بالتنسيق بين مركز بحوث الشرق الأوسط بجامعة عين شمس؛

وقسم العلوم السياسية بجامعة هارفارد بالولايات المتحدة وقسم العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة وقد قمت بعرض البحث في الجلسة الثامنة للندوة وعقب عليه أ. نبيل عبد الفتاح رئيس وحدة البحوث الاجتماعية والقانونية بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام .

ثم نشر تعقيبه وهو في حجم البحث الأصلي من حيث عدد الصفحات في كتاب له كفصل مستقل بعنوان " الغرب في رؤية الحركة الإسلامية المصري:تحولات الموضوعية والتبشيرية والتحيز"

وقد خضع البحث خلال هذه القصة للعديد من التعديلات والمراجعات والتطوير والإضافة والتنقيح حتى اكتمل في صورته الحالية ليصبح "كتيبا" صغير الحجم نعم .

ولكن موضوعه على درجة كبيرة من الأهمية وقد وقع اختيار "دار أمة برس " عليه لطبعه ونشره وذلك في إطار إصداراتها المتميزة من البحوث والكتب النافعة فللقائمين عليها جزيل الشكر وخالص الدعوات بالسداد والتوفيق ودوام التقدم

المؤلف

تمهيد

يمثل "الغرب" بكل أبعاده إشكالية كبرى تواجه الحركة الإسلامية المعاصرة أينما وجدت وأسباب ذلك كثيرة ومتشعبة وأغلبها له طابع ثنائي يجعل كلا من "الغرب" و"الحركة الإسلامية" ضدين لا يجتمعان "فالغرب" إشكالية بالنسبة للحركة الإسلامية وهي إشكالية في اتجاه مضاد بالنسبة للحركة الإسلامية وهي إشكالية في اتجاه مضاد بالنسبة له وكل منهما لا يمكنه أن يكون الآخر فـ"الشرق شرق والغرب رب وهيهات أن يلتقيا" على حد قول كيبلنج الشاعر الانجليزي المشهور .

والإشكالية في جوهرها بين الطرفين ليست جديدة بل هي امتداد لتراث العلاقة التدافعية بين كل من الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية وهذا التدافع سنة من سنن الله في خلقه لكي تستمر الحياة وتتجدد قال تعالي: (ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض, ولكن الله ذو فضل على العالمين) (البقرة – من الآية 251)

ومن منظور علاقة "الأنا" بـ "الآخر" فإن علاقة الحركة الإسلامية بالآخر بصفة عامة وبكبيرهم "الآخر الغربي" بصفة خاصة تشهد اهتماما مطردا في طرحها بمختلف أبعادها الفلسفية والفكرية والثقافية والسياسية ويمكن القول:إنها صارت موضوع بحث مكثف ضمن إطار شامل له جذوره التاريخية ومعطياته الواقعية واحتمالاته المستقبلية .

ولكن التصور السائد لدي جمهرة الكتاب والباحثين المحليين والأجانب فيما يتعلق برؤية "الحركة الإسلامية" للغرب وإدراكها له بصفة عامة هو تصور يميل إلى "الاختزال" و"التجزئة" و"التشويه" وذلك من خلال تأكيد أحكام مسبقة وانطباعات ذاتية يتم إضفاء الصفة العلمية عليها كما أن هذا التصور السائد يميل إلى "الانتقاء" و"الاتهام " أكثر من ميله إلى التحقيق والتقصي والاستقامة والقصد في إطلاق الأحكام وتعميم النتائج .

فالشائع لدى دارسي الحركة من زاوية علاقتها بالغرب هو أن رؤيتها له " ساذجة " و"جزئية " و" ظاهرية " و" غير فاهمة للمسألة الغربية " وأنها تدور في فراغ الرفض والعداء والرغبة المحمومة في الصدام مع "الغرب" بهدف نفيه أو الانتقام منه والقضاء عليه إن وجدت إلى ذلك سبيلا .

ونحن نرى غير هذا ونذهب إلى أن الحركة الإسلامية لها رؤية مركبة وشاملة للغرب وإن لم تكن مصاغة نظرية كاملة أو محكمة كما أن لها إزاءه مواقف متعددة المستويات ومتطورة بتطور الأوضاع والظروف السياسية والاجتماعية والدولية بصفة عامة ونرى أيضا أن الحركة الإسلامية نفسها قد أسهمت بنصيب في سيادة التصور المختزل عن رؤيتها للغرب وذلك بتقصيرها في القيام بتأصيل نظرتها للعالم المحيط بها بما فيه "الآخر الغربي" ولكن النصيب الأكبر قد أسهم به المفكرون والباحثون والكتاب الذين هم على خلاف مع الحركة الإسلامية أيا كان نوع هذا الخلاف .

والهدف الأساسي من هذا البحث هو الوقوف على مدلول مصطلح "الغرب" بأبعاده المختلفة وتحليل مكوناته التي تدركها "الحركة الإسلامية المصرية" وعلى ذلك فإن تناول "الرؤية الغربية" للحركة يخرج عن حدود هذا الهدف الأساسي للبحث وإن كان من العسير فصل الرؤيتين عن بعضهما البعض فصلا تاما إذا أن تصور كل طرف عن الطرف الآخر لابد أن يعكس التصور المقابل لدى هذا "الطرف الآخر" عن الطرف الأول.

وكل ما نورد قوله بهذا الخصوص هو أن "الرؤية الغربية" للحركة الإسلامية تشكل موضوع بحث قائم بذاته وليس بوسعنا أن نتناوله ضمن حدود موضوع هذا البحث أو الهدف منه .

إن موضوع هذا البحث يندرج في مجال علمي لا يزال بكرا في الوسط الأكاديمي العربي والإسلامي وهو رؤية "الغرب" من منظور "اللاغرب" أو رؤية "الآخر " من منظور "الأنا" الحضاري المستقل الذي يحتكم إلى المرجعية الإسلامية العليا ويرفض الزراية من سلفه كما يرفض الإزوار عن تراث أمته وذلك بغض النظر عن رؤية الآخر لذاته أو ما يشيعه هو عن نفسه أو عن غيره .

إن الحركة الإسلامية في حدود التعريف بها كما سيأتي ضمن هذا البحث والتي سنتناول رؤية ثلاث جماعات منها في مصر هي:الإخوان ،وجماعة الجهاد ،والجماعة الإسلامية تمثل نموذج "الأنا" المتوحد مع التراث الحضاري الإسلامي بمعناه الشامل في علاقته التدافعية مع الغرب بماله من تراث حضاري آخر .

هو في محصلته النهائية حصيلة لتجربة مجتمعاته في تاريخها القديم ،والوسيط والحديث،والمعاصر،وفي تقديرنا:أن البحث في رؤية "الحركة الإسلامية" للغرب في مصر وفي غيرها من شأنه أن يسهم في تعميق الوعي بالذات في مواجهة الآخر .

ذلك لأن هذه الحركة من حيث خلفيات نشأتها وتطورها ومجالات النشاط الفكري والعلمي لها إنما تعبر عن روح الموقف النقدي وعدم الاستسلام لسادة الآخر الغربي أو الانبهار به في أى ناحية من نواحي الحياة السياسية والعسكرية والثقافية.

ومن الملاحظ أن تعدد المصطلحات المستخدمة للتعبير عن "الإحياء الإسلامي" المعاصر يثير كثيرا من الجدل والخلط في الوسط الأكاديمي المتخصص في دراسة شئون هذا "الإحياء" ولذلك فسوف نقوم في البند أولا بضبط وتحديد مفهوم الحركة الإسلامية وذلك بوضعه في بناء متكامل من المفردات والمفاهيم والمصطلحات المستخدمة للدلالة على جانب أو آخر من جوانب الإحياء الإسلامي المعاصر؛

ثم نعرض بإيجاز لأصول رؤية الحركة للغرب لكي تستبين لنا الدوافع العقيدية والخلفيات التاريخية التي تقف خلف هذا الاهتمام الكبير الذي توليه الحركة للغرب ولتتضح أيضا أسباب تغلغله في وعيها على النحو الذي يعبر عنه خطابها الفكري والسياسي؛

وهذا ما سيتم تناوله في البند "ثانيا" ثم نتناول في البند "ثالثا" أبعاد الغرب في رؤية الحركة سواء من حيث دلالات مفهوم "الغرب" أو من حيث القضايا التي يثيرها لديها.

أما البند "رابعا" فسوف نخصصه لاستشراف مستقبل الغرب في رؤية الحركة وذلك ضمن رؤيتها لمستقبل العالم في ظل الإسلام ثم يكون الختام بعدد من الملاحظات والاستنتاجات المتعلقة بهذا الموضوع .

أولا:تعريف الحركة الإسلامية

ثمة عدد كبير من المصطلحات التي يستخدمها الكتاب والباحثون والإعلاميون للتعبير عن "الإحياء الإسلامي" الذي تشهده المجتمعات الإسلامية المختلفة ومصر في مقدمتها ومن تلك المصطلحات على سبيل المثال "الصحوة الإسلامية" و"السلفية الإسلامية" و"الأصولية الإسلامية" و"الاحتجاج الديني" و"الإسلام السياسي" و"الإسلام المسلح" ... الخ .

ولنا أن نتساءل عن السبب أو الأسباب التي أدت إلى ظهور هذا العدد الكبير نسبيا من المصطلحات وما هي المصادر التي تقوم بسكها ؟ وما هو مضمون كل مصطلح ودلالته ؟ ثم لنا أن نتساءل عن الإطار المرجعي للمصطلح الذي ينحدر من صلبه وينتسب إليه .

وتمثل الإجابة التفصيلية على تلك التساؤلات موضوع بحث مستقل لا موضع له هنا وتكفي الإشارة إلى خلاصته في هذا السياق وهي أن ثمة أسبابا داخلية نابعة من صميم نشاط "الإحياء الإسلامي" أدت إلى ظهور وتعدد مصطلحات محددة للتعبير عنه مثل " السلفية " والصحوة " و" التجديد"و " الإصلاح " وكلها مقرونة بصفة الإسلامية .

وأن هناك أسبابا أخري خارجية وغريبة عن المنطق الداخلي للإحياء وآليات عمله أدت بدورها إلى ظهور مجموعة من المصطلحات للتعبير عن شئونه المتعددة مثل "الأصولية" والتقليدية "والتطرف " و" العنف " وغالبا ما يقترن كل مصطلح بصفة "الإسلامية" أيضا .

وتوخيا للدقة فإنه يجب أن يبحث كل مصطلح في ضوء السياق الاجتماعي والتاريخي الذي ظهر فيه وفي ضوء نسبته إلى مصدره الذي سلكه وانتمائه إلى إطار مرجعي محدد وبذلك يتسق كل مصطلح مع مفهومه وينكشف الغرض منه .

وفي ضوء ما سبق لا يصير تعدد المصطلحات المستخدمة للتعبير عن "الإحياء الإسلامي" قرينا للفوضي المفاهيمية أو دليلا عليها أو شكلا من أشكالها ولكنه فيما نري تعبير عن واقع التنوع والتعدد في مجالات نشاط "الإحياء" من ناحية واختلاف منطلقات وزاويا النظر إليه من ناحية أخرى.

ويهمنا في هذا السياق أن نقوم ببناء نسق مصطلحي متكامل من تلك المفردات والمفاهيم المتعددة بحيث يكون هذا النسق أكثر قدرة على رصد وتحليل وتفسير مختلف جوانب ونشاطات "الإحياء الإسلامي" وسوف يتم تنسيقها طبقا لمضمون كل منها؛

وبطريقة تدريجية تنتقل بنا من العام إلى الخاص ومن الأصلي إلى الفرعي مع إعطاء أمثلة من الواقع المصري وننتهي إلى تصنيف أهم المصطلحات "الوصفية" التي غالبا ما تستخدم خطأ للتعبير عن الأحياء باعتباره "كتلة صماء" واحدة .

يبدأ هذا النسق بالمصلح المركزي وهو "الإحياء الإسلامي" الذي يشير إلى مختلف الأنشطة والجهود والأعمال والسلوكيات والأفكار التي تهدف إلى إعادة بث الحيوية في القيم والمبادئ والمعايير الإسلامية التي ابتعد عنها المسلمون أو أبعدوا عنها

وذلك من خلال استيعاب معانيها وتجسيدها في سلوكيات وممارسات يومية وفي نظم حياتية اجتماعية واقتصادية وقانونية ضمن ظروف الواقع الراهن ويرتبط الاتجاه إلى الإحياء الإسلامي بعملية إعادة اكتشاف المسلمين لهويتهم وتأكيدها في مواجهة التحديات المعاصرة وعلى رأسها التحدي الغربي ومن ثم فإن "الإحياء" يشمل جميع مظاهر النهضة على أسس إسلامية سواء في مجال العلم أو الفقه أو الثقافة أو السياسة وأنماط الحياة الاجتماعية وسلوكياتها اليومية على المستوى الفردي والجماعي في آن واحد .

ويشكل القائمون بعمليات "الإحياء" على مختلف المستويات اتجاها يتسع ويضيق طبقا لظروف كل مجتمع وهنا يظهر مصطلح "الاتجاه الإسلامي" الذي يضم بدوره عددا من "التيارات" و" الجماعات" التي تشكل في مجموعها الجسد الاجتماعي لاتجاه الإحياء الإسلامي وعندما تنشط فعاليات وتيارات وهيئات "الاتجاه الإسلامي" كل في مجاله فإن المحصلة العامة لهذا الناشط هي التي توصف بأوصاف "الصحوة الإسلامية" والبعث الإسلامي "والإحياء الإسلامي " كتتويج شامل لها .

وفي رأينا أن لكل جماعة أو هيئة أو مؤسسة أو حزب مهمة أو أكثر من مهامات "الإحياء الإسلامي" في مجالاته ومستوياته المتعددة بالمعني السابق ذكره وينظر عالم الاجتماع إلى تيارات وجماعات الاتجاه الإسلامي على أنها تشكل "حركة اجتماعية دينية" أو بيوريتانية "تطهرية" بينما يسميها خبير السلطة السياسية ورجل الأمن "حركة متطرفة" أما الكتاب والباحثون الغربيون والعلمانيون في المجتمعات الإسلامية فيصفونها بأنها "أصولية إسلامية" ونحن نسميها حركة إسلامية عاملة في ميدان "الإحياء الإسلامي".

ولكن بم تصف "الحركة الإسلامية" المصرية نفسها ؟ أو ما هو تعريفها لذاتها؟ إن الإجابة على هذا المستوى لابد أن تكون على لسان "أنا" الحركة ومن داخلها وهو ما سنثبته هنا من كتابات ووثائق كل من الجماعات الثلاث التي يتناول البحث رؤيتها للغرب.

وهي كما أسلفنا :

  1. جماعة الإخوان المسلمين .
  2. جماعة الجهاد الإسلامي .
  3. الجماعة الإسلامية .

جماعة الإخوان المسلمين

تؤكد وثائق الجماعة وكتابات قادتها ومفكريها على أنها جماعة "إسلامية" شاملة لكل المعاني "الإصلاحية" انطلاقا من الفهم الشامل للإسلام كنظام يتناول مظاهر الحياة كلها .

وقد عرفها مؤسسها الإمام حسن البنا فقال:

" إن الإخوان المسلمين دعوة سلفية ،وطريفة سنية، وحقيقة صوفية ،وهيئة سياسية وجماعة رياضية،ورابطة علمية ثقافية،وشركة اقتصادية وفكرة اجتماعية "ووصف الإخوان بأنهم "روح جديد يسري في قلب هذه الأمة فيحييه بالقرآن".

وقد حرص الإخوان دوما على التأكيد على أنهم "جماعة من المسلمين"

وليسوا جماعة المسلمين

" والفارق كبير وواضح ومن أحدث التعريفات الصادرة عن الجماعة ذلك التعريف الذي قاله أحد قادتها بمناسبة انتخابات مجلس الشعب التي خاضها الإخوان سنة 1987 فقد عرف الأستاذ مصطفي مشهور نائب المرشد العام للإخوان "التيار الإسلامي"

بقوله:

" إن التيار الإسلامي الذي نعنيه ليس قاصرا على الإخوان ولكن يتسع لكل مسلم ذكرا كان أو أنثي عرف معني انتمائه للإسلام وتعرف على ما يطلبه منه إسلامه من واجبات فدفعه ذلك إلى الحركة والعمل مع العاملين الصادقين لتحقيق مبادئ الإسلام أيا كان موقع هذا الفرد".

وجماعة الإخوان المسلمين تمثل أكبر الجماعات التي تشكل خريطة الحركة الإسلامية في مصر الآن وهي تعتبر أقدمها من حيث النشأة وأوسعها انتشارا وتمتلك خبرة طويلة في العمل التربوي والنشاط الاجتماعي ،والثقافي ،والإصلاحي والسياسي (أكثر من نصف قرن) ولديها رؤية إسلامية شاملة ومشروع للنهضة تتسع آفاقه التغييرية لتشكل العالم كله ضمن منهج يتسم بالشمول والتدرج والوسطية والاعتدال.

ومما يجدر التنويه به هنا أن نشأة الجماعة كانت في جانب أساسي منها رد فعل على التحدي الغربي الذي تعرضت له المجتمعات الإسلامية وفي مقدمتها المجتمع المصري وخاصة بعد إلغاء الخلافة العثمانية واكتمال السيطرة الأوروبية على العالم الإسلامي؛

ولذلك فإن تراث الجماعة فيما يتعلق برؤيتها للغرب يمتد إلى أكثر من ستة عقود خلت وهي فترة زمنية طويلة نسبيا في تاريخ الحركات الإسلامية المعاصرة ولم يعاصرها أى من جماعة الجهاد أو الجماعة الإسلامية إلا في العقدين الأخيرين فقط ويجب أخذ هذا البعد الزمني في الحسبان إذا حاولنا تقييم إسهام كل جماعة بخصوص هذا الموضوع وبخصوص غيره من الموضوعات والقضايا الأخرى.

جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية

نشأتا خلال السبعينيات في ظرف تاريخي واجتماعي مختلف عن الظرف الذي نشأت فيه جماعة الإخوان المسلمين في أواخر العشرينيات وقد تميزت كل من "جماعة الجهاد" و"الجماعة الإسلامية" عن بعضهما بشكل واضح بعد اغتيال الرئيس السادات سنة 1981 م.

وأصبح الفارق بينهما أكثر وضوحا في منتصف الثمانينيات وهذا الفارق تنظيمي ومنهجي "أسلوبي" أكثر منه فكرى أو مرجعي أو غائي .

وهما يلتقيان معا في نقد جماعة الإخوان إلى حد تسفيه آرائها وإدانة مواقفها وسياساتها المختلفة وخاصة إزاء السلطة والنظام القائم أما موقفهما من تلك السلطة والأوضاع القائمة فيتأرجح بين المنهج الانقلابي أى التغيير من أعلي والمنهج الثوري أي التغيير عن طريق تثوير الجماهير والسمة الأساسية لنشاطهما هي "السرية" إذ لا يشعر المجتمع بأى منهما إلا في مناسبة الإعلان عن وقوع حادث عنف مسلح "اغتيال مسئول حكومي اشتباك مع قوات الأمن هجوم على السياح الأجانب حرق أندية اللهو .." وعادة ما تصفهم وسائل الإعلام بأنهم " متطرفون ".

وتعرف جماعة الجهاد نفسها فتؤكد على أنها قامت على أساس فكرتي "السلفية "و" الجهاد" وتذكر أن تنظيمها الحالي قائم على ثلاث أركان هي "الفكرة " وقد بلورها محمد عبد السلام فرج في كتابة الفريضة الغائبة و" الخطة" التي وضعها عبود الزمر و"الفتاوي" التي أصدرها الشيخ عمر عبد الرحمن لإعطاء المشروعية الإسلامية.

وتؤكد الجماعة على أن خصائص حركتها هي أنها حركة عقائدية و" ربانية " و"سلفية" و" علمية" و " عالمية ". وتعرف حركة "الإسلام" نفسه بأنها "حركة تصحيحية لمسار البشرية ،لأنها امتداد لحركة الأنبياء والرسل على وجه الأرض من لدن آدم،وحتى خاتم الأنبياء صلي الله عليه وسلم "

أما "الجماعة الإسلامية" فتعرف نفسها بالآتي :

" هي ذلك التيار الإسلامي الناضج الذي ظهر بمصر في أوائل السبعينيات وكان له الدور الرائد في نشر المفاهيم الإسلامية الصحيحة حتى صارت أكبر معارض حقيقي لنظام السادات وكامب ديفيد"

وتقول الجماعة إنها تفهم الإسلام بشموله "وأن هذا الفهم يملي عليها المشاركة في جميع الأنشطة والمجالات السياسية والاجتماعية،والاقتصادية لخدمة الدعوة شريطة عدم تعارضها مع الإسلام"

ولكن تلك المشاركة التي تشير إليها الجماعة لا أثر لها ولا مظهر يدل عليها في الواقع الاجتماعي والاقتصادي المصري, وذلك على عكس ما تقوم به أو ينسب إليها في ميدان العنف السياسي وحوادثه المتلاحقة .

وللجماعة كتاب مستقل بعنوان "ميثاق العمل الإسلامي" وضعت فيه معالم منهجها وفكرها فيتسع محاور هي حسب ما ورد في الميثاق "غايتنا ، فهمنا ، هدفنا ، طريقنا ، زادنا ، ولاؤنا ، عداؤنا ، اجتماعنا" .

ولم تنجح حتى الآن " جماعة الجهاد" ولا " الجماعة الإسلامية " في التخلص من طابعها السري والتحول إلى حركة شعبية تجتذب الجماهير من مختلف طبقات المجتمع المصري؛

كما هو الحال بالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين التي تشارك في الحياة العامة بفاعلية تظهر في نشاطها السياسي " التحالف مع الأحزاب دخول الانتخابات .. الخ " النقابي وفي الاتحادات الطلابية ونوادي أعضاء هيئة التدريس بالجامعات فضلا عن الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والخدمية المختلفة .

ثانيا:في أصول رؤية الحركة الإسلامية للغرب

تؤسس الحركة الإسلامية رؤيتها للغرب على أساس عقيدي "ديني" وذلك في إطار فهمها للإسلام كمنهج كامل تنبثق منه رؤية شاملة للكون والحياة ،والإنسان ،والعالم والغرب ضمن هذه الرؤية الشاملة المنبثقة من الإسلام ليس إلا جزءا من كل هو "العالم"

ومن ثم فإنها عندما تنظر إليه تخضعه شأنه شأن غيره للمبادئ والمعايير والأحكام المستمدة من التصور الإسلامي وتتخذ من وقائع التاريخ ومن سجل العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب مصدرا لاستحضار الأدلة والشواهد التي تثبت بها صدق رؤيتها وسلامة موقفها من مختلف وجوه الغرب وجوانبه .

وينطبق هذا الكلام على الجماعات الثلاث "الإخوان والجهاد،والجماعة الإسلامية فهي تؤسس رؤيتها للغرب على أصول عقيدية ،وتعتمد في شرحها وبيانها لتلك الرؤية على " سجل التاريخ " كما أن أحداث الواقع المعاصر ومعطيته تضطرها إلى الاهتمام الشديد بالغرب" في مختلف أبعاده .

إن " العقيدة"و" التاريخ " و" الواقع" لا يغيب أى منها عن وعي الجماعات الثلاث وهي تصوغ رؤيتها حول الغرب وإن كانت كل جماعة تختلف عن الأخرى في الفهم والاجتهاد والاستنباط وفي اتخاذ المواقف العملية .

وفيما يلي سوف نتناول بقليل من التفصيل "الأصل العقيدي" أما شواهد التاريخ وضغوط الواقع فسوف يتم تناولها في سياق تحليلنا لأبعاد الغرب في رؤية الحركة كما سيأتي في البند ثالثا .

الأصل العقيدي:

قلنا إن الحركة الإسلامية تؤسس رؤيتها للعالم والغرب جزء منه على أصل عقيدي ديني وثمة أربعة مفاهيم أساسية تقوم بالدور الأكبر في صياغة تلك الرؤية وهذه المفاهيم هي :

(أ) العالمية: وهي صفة من صفات الرسالة الإسلامية فالإسلام هو دين للبشرية كلها وللناس أجمعين قال تعالي : (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا) (الأعراف من الآية 158) وهذه العالمية تفرض على المسلمين القيام بواجب تبليغها وتبليغها يجب أن يصل لكل إنسي يعيش على ظهر المعمورة .
(ب‌) وحدة الإنسانية: ولهذه الوحدة أصلان هما الآدمية التي تنسب البشر جميعا إلى أب واحد وأم واحدة و "العبودية" التي تجعلهم جميعا عبادا لله الواحد سبحانه وتعالي .
(ت‌) الجهاد: وهو مفهوم واسع والقتال من معانيه وهو رديف لنشر الدعوة بالحجة والبرهان حتى تبلغ الناس جميعا وليس لإكراههم على الدخول فيها أو اعتناقها إذ (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) (سورة البقرة من الآية 256).
(ث‌) أستاذية العالم في ظل الإسلام السلام الإسلامي: ويعني ذلك أن تكون ريادة البشرية وقيادتها في يد الأمة الإسلامية وساعتئذ سينعم العالم بالسلام الإسلامي وسيعيش الجميع في ظله آمنين متمتعين بحرياتهم المختلفة وفي مقدمتها حرياتهم الدينية ما لم يفسدوا في الأرض أو يعتدوا على الضعفاء .

إن تحليل تلك المفاهيم الأربعة في وثائق وكتابات الحركة الإسلامية المصرية موضع اهتمام هذا البحث يؤكد لنا أن الغرب في رؤيتها مرشح لأن يكون موضوع فعل وساحة عمل وميدان لنشر الدعوة والجهاد " لإخلاء العالم من الفساد " ولتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله .

وللإخوان المسلمين السبق في إعادة إحياء تلك المفاهيم والمناداة بها والتأكيد عليها وذلك منذ تأسيسها في أواخر العشرينيات يقول الإمام حسن البنا: " إن القرآن الكريم يقيم المسلمين أوصياء على البشرية القاصرة ويعطيهم حق الهيمنة والسيادة على الدنيا لخدمة هذه الوصاية النبيلة و إذن فذلك من شأننا لا من شأن الغرب (لمدينة الإسلام لا لمدينة المادة"

ويقول:"أما العالمية أو الإنسانية فهي هدفنا الأسمي وغايتنا العظمي وختام الحلقات في سلسلة الإصلاح" ولكل من "الجهاد" والجماعة الإسلامية أقوال متشابهة حول هذا المعني "فجماعة الجهاد تجعل أول خصائصها" أنها حركة عقائدية تؤمن بالله وتكفر بالطاغوت وتسعي إلى تحقيق ذلك في الواقع بكل الوسائل المشروعة بما في ذلك جهاد طواغيت الأرض حتى تسلم أو تزول

وأنها "حركة عالمية تدعو إلى تحيكم الإسلام في العالمين " وتقول "الجماعة الإسلامية":"إننا كمسلمين مأمورون بتحقيق سيادة شرع الله على أرض الله وعلى خلق الله وأن لا ندع أى طائفة على وجه الأرض تحكم الناس بغير شرع الله فمن أبي ذلك؛

ورفض الإذعان قاتلناه يقولون هذه وصاية منكم على البشرية نقول:هذه وصاية شرع الله ودينه على أرضه وخلقه ونحن مأمورون بتحقيقها لصالح البشرية بوصفنا خير أمة أخرجت للناس وأقل ما تتضمنه الإقتباسات السابق ذكرها ولها أشباه كثيرة في وثائق الحركة هو رفض زعامة الغرب للعالم ومنازعته عليها حتى تعود إلى الأمة الإسلامية ويمكننا أن نقرر باطمئنان أن كتابات الحركة الإسلامية المصرية بمختلف فصائلها لم تضف جديدا إلى ما كتبه حسن البنا بخصوص التبشير بانهيار حضارة الغرب؛

وحتمية صعود الحضارة الإسلامية وقيادتا للعالم وفقد تضمنت رسائله التأكيد على ذلك مرات عديدة وساق في مقالة كتبها سنة 1948 أربعة لدعم هذا الاعتقاد وهي:

  1. الدليل السمعي فنحن نقرأ قول الله تعالي : "والله متم نوره ولو كره الكافرون" "سورة الصف :من الآية 8" وقوله تعالي (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي) (سورة المجادلة :من الآية 21) وقوله تعالي (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم) (سورة النور:من الآية 55) ونحن لا نشك في هذه الآيات أبدا ونؤمن تمام الإيمان بأنها حق ".
  2. الدليل التاريخي: فأطوار التاريخ كلها منذ جاء الإسلام تدلنا على أنه أقوي ما يكون عودا وأنشط ما يكون مقاومة إذا أحدقت به الأخطار
  3. الدليل الحسابي: فالدور لنا لا علينا وإذا كانت الدورة الحالية قد سلمت مقاليدها للغرب الذي أحكم القيود وضيق الأغلال وضرب الدنيا بأساليب المطامع والمكايد والأهواء فاستخدم العلم في الهلاك والدمار ليصطلي العالم نار حربين قاسيتين وظهر جليا إفلاس هذه القيادة الغربية فلم يبق إلا أن تفلت عجلة القيادة فيقبض عليها خلفاء الله في أرضه من المؤمنين في هذا الشرق المنير .
  4. الدليل الكوني: فسنة الله التي لا تتخلف هي حسب ما ينص عليه قوله تعالي (كذلك يضرب الله الحق والباطل،فأما الزبد فيذهب جفاء،وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) (سورة الرعد: من الآية 17) وعندنا بحمد الله ما ينفع الناس ولهذا فنحن مطمئنون"
  5. وبعد مرور أربعة عقود تقريبا على ما قاله البنا هتف الشيخ عمر عبد الرحمن أمير الجماعة الإسلامية في شباب الجامعة في رسالة وجهها إليهم فقال:"أنا أبشركم بقيادة الأمة بأسرها وريادة الخلق بأكمله"
  6. والملاحظة الجديرة بالتسجيل هنا هي أنه فيما عدا كتابات الشهيد سيد قطب في نقد الغرب وحضارته الحديثة والتبشير بأن "المستقبل لهذا الدين" أى للإسلام على الصعيد العالمي فإن قادة ومفكري الحركة الإسلامية المصرية لم ينقدوا الغرب وحضارته نقدا علميا جادا يقوم على أسس معرفية واضحة ويستند إلى دراسة كافية بالجوانب المختلفة لهذه الحضارة المتقدمة ومكامن الضعف أو الخلل في بنائها الاجتماعي والسياسي والعلمي

وغالبا ما تأتي مثل هذه الدراسات النقدية من قبل أعضاء النخبة الإسلامية الجديدة وهم الذين تحولوا من العلمانية إلى الإسلام بعد أن أمضوا سنوات طويلة في دراسة الغرب والأخذ عنه والنموذج البارز في هذا المجال هو الدكتور عبد الوهاب المسيري .

إن معظم نقد الحركة الإسلامية المصرية للغرب وحضارته عبارة عن توجيه أحكام عامة بإدانة هذا الجانب أو ذاك من تلك الحضارة دون التعمق في ممارسة النقد من خلال البحث والتحليل والمقارنة المنهاجية ومن ثم فقد لاحظنا غلبة الطابع الحماسي المفعم بروح إيمانية قوية على الخطاب النقدي مسألة في حاجة إلى تعليل ليس هنا مجاله؛

ولكن إذا كانت تلك المعنويات الإيمانية العالية هي التي تحياها الحركة بصفة عامة وتؤثر عليها في نظرتها للغرب بصفة خاصة فإن السؤال الآن هو:ما هي الأبعاد المختلفة لمفهوم الغرب في رؤية الحركة الإسلامية؟ إن البند التالي هو محاولة للإجابة على هذا السؤال .

ثالثا :أبعاد مفهوم الغرب في رؤية الحركة

لا تهتم الحركة الإسلامية كثيرا بتحديد ما هو الغرب جغرافيا وإن كان لا يغيب عنها أن أوروبا هي الوطن الأصلي لهذا الغرب ،وأن أمريكا امتدادا له وأن الشرق الشيوعي (سابقا) والغرب الرأسمالي هما وجهان لعملة واحدة فكلاهما "غرب" في التحليل الأخير .

وتكشف لنا وثائق الجماعات الثلاث "الإخوان ،والجهاد والجماعة الإسلامية" عن تغلغل "الغرب" في وعيها باعتباره مجموعة مركبة ومعقدة من الخصائص والمقومات والأبعاد الثقافية والاجتماعية والفكرية والسياسية والاقتصادية والعسكرية والدينية ولكن أبرز أبعاد مفهوم الغرب حضورا وظهورا في رؤية الحركة هي الأبعاد المرتبطة به:

أولا: باعتباره استعمارا مارس الاستغلال والقهر ولا يزال في حق الشعوب المستضعفة وخاصة الشعوب الإسلامية .
ثانيا: باعتباره صاحب التقدم العلمي والتكنولوجي الحديث والمتطور .
ثالثا: باعتباره نمطا خاصا في الحياة له قيمه وعاداته وتقاليده وبناؤه الاجتماعي الخاص به وإلى جانب ذلك تحتل العلاقة بين "الغرب" والنظم الحاكمة في بلدان العالم الإسلامي أهمية كبيرة في رؤية الحركة وتكتب الجماعتان "الجهاد والجماعة الإسلامية" كثيرا حولها وخاصة حول علاقة مصر بالغرب والولايات المتحدة الأمريكية على نحو ما سنرى فيما بعد .

وفيما يلي نتناول أهم تلك الأبعاد التي تشكل في مجموعها مفهوم الغرب في رؤية الحركة الإسلامية المصرية من واقع وثائقها وكتاباتها المختلفة مع ملاحظة أهمية التمييز بين رؤية الحركة لهذا البعد أو ذاك من ناحية وموقفها منه ورأيها فيه من ناحية أخرى. ولنبدأ باستعراض أهم المصطلحات والنعوت التي تصف بها الغرب وتقرنها بذكره .

وصف الغرب

تأتي كلمة "الغرب" في كتابات الحركة الإسلامية موصوفة بمجموعة كبيرة من الصفات والنعوت التي ينصب بعضها على سياسات الدول الغربية ومواقفها وعلاقاتها مع العالم الإسلامي وينصب بعضها الآخر على جوانب مختلفة من الحضارة الغربية الحديثة بمعناها الواسع ولم نلاحظ اختلافا بين الجماعات الثلاث "الإخوان ،الجهاد ،الجماعة الإسلامية" في هذا الصدد.

فغالبا ما توصف سياسات الدول الغربية لدى كل جماعة بأنها " استعمارية مدمرة. " حاقدة " " عنصرية " " صليبية شرسة " " صليبية غريبة " " صليبية جديدة " تآمرية " " أوانها سياسات " نهب " عدوان " "وظلم " " استكبار "تقوم بها دول الكفر والإلحاد " أو " دول العالم النصراني " وأحيانا ينصرف الوصف إلى الغرب ككل فهو " الغرب البغيض "الملحد" "الصليبي" "الحاقد " "العدو الحضاري ".

وإذا كان سياق الحديث متعلقا بالأبعاد السياسية فغالبا ما يكون المقصود "بالغرب " هو " تحالف صليبي صهيوني استعماري " إلا لا تنفك " إسرائيل والصهيونية " عن مفهوم الغرب لدي الحركة الإسلامية ويؤكد الإخوان منذ الأربعينيات على وجود هذا التحالف المعادي للأمة وقد أسهب سيد قطب في بيان أبعاده وخلفياته وأهدافه وحذر من خطره على حاضر ومستقبل الأمة الإسلامية وشعوبها قاطبة وهو ما تدركه وتحذر منه أيضا كل من جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية .

أما الحضارة الغربية "فهي في نظر جماعة الإخوان حضارة مادية" وعاجزة عن قيادة البشر وإسعادهم وذلك لافتقارها إلى الجانب الروحي والأخلاقي وتستخدم جماعة الجهاد مصطلحا آخر لا تستخدمه جماعة الإخوان في وصف حضارة الغرب وهو أنها "جاهلية حديثة" ذلك حسب رأي الجهاد

جنت على الفطر وهدمت المعايير الإنسانية وعاش الإنسان في ظلها مسخا مشوها بعد أن فقد مقومات وجوده الأساسية إنها الحضارة المادية التي أفرزت الإلحاد وروجت للإباحية ولا تختلف الأوصاف التي تصف بها الجماعة الإسلامية "الغرب" عن تلك يصفه بها "الجهاد" وإن كانت الجماعة الإسلامية تستخدم إلى جانبها مصطلح "الكفر"

والخلاصة هي أن "الغرب" لا يحظي بأي وصف إيجابي كما أن حضارته الحديثة لا تحظي بأي احترام فيما عدا جانبها العلمي وبتحفظات كما سنرى بعد قليل .

الاستعمار:

هو أول " الغرب " حضورا في رؤية الحركة الإسلامية إذ لا يغيب عنها تاريخه الطويل في استعمار البلدان الإسلامية ونهب ثرواتها وتمزيق وحدتها والتآمر عليها باستمرار كما لا تغيب عنها أشكال وأساليب الاستعمار الجديد وأهمها التبعية السياسية والاقتصادي والشركات متعددة الجنسية التي تشد وثاق دول العالم الإسلامي ومجتمعاته بالغرب ومراكزه الصناعية والرأسمالية الظالمة .

ومن أكثر جرائم الاستعمار الغربي ذكرا وتنديدا بها في كتابات الحركة ووثائقه استغلال الثروات ونهبها منذ ما يقرب من قرنين والتآمر على الخلافة العثمانية حتى إسقاطها وتقسيم أملاكها بعد الحرب الأولي وتجزئة العالم الإسلامي وغرس إسرائيل في قلبه وإمدادها بأسباب الحياة الانحياز الدائم إلى جانبها وتسخير الهيئات الدولية (الأمم المتحدة) لخدمة أغراضها والدفاع عنها وهي تمارس العدوان وتغتصب الأرض وأخرا وليس أخيرا القيام بالعدوان العسكري المباشر على الشعوب العربية والإسلامية في العراق ولبنان وليبيا والبوسنة والهرسك.

إذن فالاستعمار لم ينته بالحصول على الاستقلال السياسي وأطماع "التحالف الصليبي " الصهيوني الاستعماري " ومؤامراته التي تسهب كتابات الحركة في الحديث عنها ويؤكد عليها قادتها وكبار مفكريها مرارا وتكرارا لا تزال مستمرة ويمدهم الواقع المأساوي بالكثير من الأدلة والشواهد الدامغة .

وبالرغم من أن ضحايا الاستعمار الغربي يشكلون أكثر من نصف شعوب الكرة الأرضية بما في ذلك الشعوب الإسلامية إلا أن الحركة الإسلامية في إدراكها ونقدها للاستعمار الغربي ومساوئه لا تركز إلا على الشعوب والمجتمعات الإسلامية ولا تكاد تمد بصرها إلى أبعد من ذلك ومن ثم لا نجد في كتابات قادة الحركة وكتابها ومفكريها حديثا عن الشعوب والمجتمعات غير الإسلامية التي عانت معاناة الشعوب الإسلامية من سطوة الغرب وسياساته الاستعمارية في أفريقيا وأمريكا الجنوبية وجنوب شرق آسيا .

وفي رأينا أن مبدأ عالمية الرسالة الإسلامية التي تؤمن بها الحركة وتدعو إليها وتبشر بها يفرض عليها السعي لمناصرة كافة الشعوب المقهورة والمستضعفة في كل مكان وأيا كان مصدر قهرها أو استضعافها وذلك حتى تعينها على نيل حريتها وتمهد الطريق لتبليغ رسالة الإسلام إليها بكل ما فيها من رحمة وعدالة ودعوة للإخوة الإنسانية .

والواقع أن الحركة بمختلف فصائلها مقصرة في هذا المجال تقصيرا واضحا .ومن جهة أخري , تنال الولايات المتحدة الأمريكية بصفتها زعيمة الغرب وحليفتها الصهيونية .

النصيب الأكبر من سخط وتنديد الحركة الإسلامية بالاستعمار باعتبارها وريثة الاستعمار القديم (وخاصة البريطاني والفرنسي) يقول الإخوان المسلمون إن عدونا الأكبر المتربص بنا دائما هو الصهيونية العنصرية الحاقدة على الإسلام والمسلمين عامة والعرب خاصة وحليفتها الولايات المتحدة الأمريكية التي هي قمة الاستعمار الوحشي في العصر الحديث والتي تفضل العدو الصهيوني المتسلط على ما عداه وترى جماعة الجهاد " أن أمريكا وإسرائيل لا زالتا تتعاملان مع عالمنا الإسلامي بصلف وغرور فاق كل الحدود وتندد دوما بالتبعية المهينة للغرب الصليبي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية " أما "الجماعة الإسلامية"

فترى أن أمريكا تريد أن تخضع منطقتنا راكعة عند أقدام الجالس في البيت الأبيض ولا تشك الحركة الإسلامية لحظة واحدة في نفاق الغرب النابع من عقليته الاستعمارية والمتجسد في ازدواجية مواقفه تجاه دعاوى حقوق الإنسان وحق تقرير المصير والحرية والشرعية الدولية والأدلة على ذلك كثيرة ومتكررة في فلسطين والخليج والبوسنة والهرسك والجزائر.. إلخ.

وتؤكد الحركة بصفة عامة على أن الاستعمار الثقافي والغزو الفكرى هما أخطر جوانب العلاقة الاستعمارية التي يربطنا الغرب بها كما لا تغفل تحليلاتها عن البعد المحلي الكامن في مجتمعاتنا وهو المتمثل في القابلية للاستعمار حسب تعبير مالك بن نبي وإذا أردنا التعبير بإيجاز عن وعي الحركة بهذا الجانب الاستعماري (الثقافي والفكري) بصيغة مفاهيمية مجردة

فإن أدق مفهوم يعبر عن ذلك هو مفهوم الوافد كنقيض لمفهوم الموروث فثقافة الغرب وآدابه وفنونه المجلوبة إلى مجتمعاتنا هي هذا "الوافد" أما "الموروث" فهو عبارة عن كل ما تمخضت عنه تجارب مجتمعاتنا عبر المراحل التاريخية الماضية وترفض الحركة قبول الوافد جملة وتفصيلا على نحو أعمي؛

كما ترفض رفض الموروث جملة وتفصيلا على نحو أعمي وتدعو بدلا من هذا أو ذاك إلى موقف وسط يميز بين الصالح فتأخذ به أيا كان مصدره وتسعي إلى تنميته وتطويره والفاسد فتتحاشاه أيا كان مصدره وتسعي للقضاء عليه والتخلص من سلبياته أيا كان مصدره كذلك.

التقدم العلمي والتكنولوجي الغربي:

بالرغم من أن "الحركة الإسلامية" لا تبدي انبهارا بالتقدم العلمي أو التكنولوجيا الغربية الحديثة إلا أنها تسلم بأن هذا الجانب هو من حسنات المدينة الغربية المعاصرة وهي لا تنكر أهمية هذا التقدم وضرورة أن يأخذ المسلمون بأسبابه حتى تتوفر لهم عناصر القوة الإمكانيات المادية للترقي .

ولكن الحركة تدعو إلى الحذر والحيطة في التعامل مع منجزات هذا التقدم ولا ترى من حيث المبدأ أن كل تلك المنجزات جديرة بالنقل والاقتباس .

فالإخوان المسلمون يرون أن المجتمعات الغربية قد وصلت من حيث العلم والمعرفة واستخدام قوى الطبيعة إلى درجة سامية وأنها قد عنيت بالتنظيم والترتيب وتنسيق شئون الحياة العامة تنسيقا بديعا يجب أن يؤخذ عنها

وفي ذلك يقول الإمام حسن البنا مؤسس الجماعة:

"إن الإخوان المسلمين يسلمون بأن نقتبس من غيرنا ما في نظمهم من معارف صالحة وشكليات نافعة ولكنهم يرون إلى جانب هذا أن تلبس هذه المعارف وتلك الأوضاع الثوب الإسلامي وأن تشيع فيها روح العقل الإسلامية ومن مراقبة الله والإخوة الإنسانية والابتعاد عن الأثرة "

ويتضح من ذلك أنهم يدركون خطورة بعض القيم اللصيقة ببعض منجزات التقدم التقني ومن ثم فهم يؤكدون على ضرورة تكييف تلك المنجزات بما لا يتعارض مع الأخلاقيات والقيم والمقاصد الإسلامية .

ويوجه الإخوان دوما نقدهم إلى التقدم العلمي الغربي من زوايتين:الأولي هي افتقاد التقدم إلى الإيمان بالله وحسن معرفته ودوام الاتصال به وانتظار الجزاء منه .

والثانية هي سوء استخدام الغرب لتقدمه في استعباد الشعوب وقهر المجتمعات الأخرى ونهب خيراتها وانتاج أسلحة الدمار والبطش والفتك التي تتنافي مع احترام كرامة الإنسان وآدميته .

إن البشرية في نظر الإخوان لاقت في ظل التقدم الحديث من العنت والشقاء والدمار أكثر مما سعدت بالراحة والنعيم والسبب هو في "افتقاد هذا التقدم إلى الضوابط الأخلاقية والقيم الروحية والإيمان بالله "

أما جماعة الجهاد فهي تدعو أيضا إلى "الحذر" في التعامل مع معطيات الغرب التقنية لأنها لم تعد تعبر عن التعامل مع مادة صماء بل أصبحت تكرس أنماط الحياة "الغربية ذاتها وترى الجماعة أيضا" أن الغرب لم ينجح في توظيف ما توصل إليه من تقدم علمي وتكنولوجي لصالح البشرية فلقد اهتم بسباق التسلح ليمتلك قدرات تدميرية كافية لتدمير الكرة الأرضية عشرات المرات وأنفق على ذلك أموالا طائلة في الوقت الذي يموت فيه كل يوم مئات الجوعي والمحرومون من الدول الفقيرة في العالم .

ويمكن القول بصفة عامة أن رؤية "جماعة الجهاد" للتقدم العلمي والتقني في الغرب تميل إلى الحذر منه والتقليل من شأنه بدرجة أكبر من ميل رؤية الإخوان المسلمين إلى ذلك بل إن بعض كتابات "الجهاد" تبالغ في التقليل من شأن التفوق المادي للغرب ومن تمكنه من عالم اليوم فهذا في رأي كاتب الجهاد ليس إلا تمكن غواية لا يلبث أن يزول ومثل هذا الرأي ينطوى على كثير من التحقير المتعمد للتفوق المادي والعلمي والتكنولوجي الغربي .

وتأخذ هذه المسألة لدي "الجماعة الإسلامية" منحي آخر فهي لا تحفل كثيرا بنقد تقدم الغرب في العلم والتكنولوجيا مقارنة برأي الإخوان والجهاد كما لا تبدى أى إعجاب بهذا التقدم وتركز بدلا من هذا وذاك على ما تراه "المشكلة الأساسية " التي تعاني منها البشرية وهذه المشكلة في نظر الجماعة ليست في نقص الموارد ولا في التخلف أو التقدم العلمي وليست في اختلال صور توزيع الثروات أو في غياب الديمقراطية إن مشكلة الناس الأساسية أنهم يرفضون أن يكونوا عبيدا لله أو يجهلون هذه القضية " طبقا لتعبير الجماعة في أهم وثائقها .

وإذا كانت الحركة الإسلامية بصفة عامة لها رؤيتها ورأيها بخصوص التقدم الغربي كأحد أبرز وجوه تفوق الغرب وسيطرته إلا أن رؤيتها لا تزال تعاني من قصور شديد في إدراك خطورة وأهمية العلوم الاجتماعية الغربية سواء بالنسبة لدورها في حياة المجتمعات الغربية نفسها أو من حيث صلتها بعلاقة الهيمنة والسيطرة التي يمارسها الغرب على بقية شعوب العالم وفي مقدمتها الشعوب الإسلامية .

إن تلك العلوم هي التي نظرت وأصلت "المركزية الغربية" وعالميتها وهذه المركزية وتلك "العالمية" لا ترضاها الحركة الإسلامية ولا تقر بشرعيتها أو بنفعها للبشرية .

ويرجع قصور إدراك الحركة لأهمية وخطورة العلوم الاجتماعية الغربية إلى أسباب متعددة أهمها:

(أ‌) قلة المتخصصين من أبناء الحركة في فروع العلوم الاجتماعية المختلفة وهذه ظاهرة عامة في معظم الجماعات الإسلامية داخل مصر وخارجها حيث نجد أن معظم الكوادر العلمية والفنية والفكرية هم من ذوي التخصصات العلمية (الطب والهندسة والكيمياء والرياضيات ..)
(ب‌) التأخر الشديد في العلوم الاجتماعية الإسلامية وجمودها على مقولات ومناهج فات عصرها وقد أدت هذه الحالة إلى سيادة العلوم الاجتماعية الغربية ومناهجها ونظرياتها حتى غلب على ظن الكثيرين والإسلاميون منهم أنها علوم عالمية وصالحة لكل المجتمعات دون أن يدركوا ما فيها من خصوصيات وتحيزات منهجية ومعرفية.

نمط الحياة الاجتماعية الغربية:

والمقصود بهذا النمط هو أسلوب حياة المجتمعات الغربية:

والمقصود بهذا النمط هو أسلوب حياة المجتمعات الغربية بما يقوم عليه ويحتويه من قيم وعادات وتقاليد وسلوكيات وعلاقات اجتماعية تطبع تصرفات الأفراد وتحدد رؤيتهم للعالم بصفة عامة بما في ذلك علاقتهم مع الآخر .

وتركز الحركة الإسلامية في رؤيتها لنمط الحياة الغربية على نقد الجوانب الأخلاقية،والسلوكية،والقيمية ،وتعتبرها من أكبر الأدلة على خواء الحضارة الغربية من داخلها ،وأكبر شاهد على فشلها في احترام الكرامة الإنسانية وحفظها بعيدا على الرذائل والمفاسد والمنكرات والشذوذ.

إن هذا الجانب الاجتماعي للغرب يجسد في نظر الحركة الإسلامية أمراض الحضارة الغربية ويكشف عن سيئات أعمالها ولعل أكثر الأمور إثارة لانزعاج الحركة في هذا الصدد هو أن مخاطر تلك الأمراض الاجتماعية بمعناها الواسع لا تقتصر فقط على حياة مجتمعات الغرب؛

بل إنها تجتاح المجتمعات كلها وفي مقدمتها المجتمعات الإسلامية من خلال وسائط وأفكار كثيرة ومتنوعة مثل:

"التقليد "و" التبعية " و" التغريب " و" العلمنة " و" الدعوة لتحرير المرأة" و" فصل الدين عن الدولة " و" الغزو الثقافي والفكرى " الذي يساعد عليه هذا التطور الهائل في وسائل الاتصال ونقل المعلومات والأفكار والأنماط السلوكية (الأقمار الصناعية،البث المباشر) .

ولا تفتر الحركة المصرية بجماعاتها الثلاث محل اهتمامنا عن التنديد "بالتقليد " و" التبعية " للغرب وإدانة كافة عمليات التغريب ومؤسساته التي تقوم به وترعاه في مجتمعاتنا (التعليم ،الإعلام ،والفن ،والأدب .. الخ)

وتدرك الحركة أن نمط الحياة الاجتماعية الغربية له تأثير قوى ومدمر على الهوية الذاتية لمجتمعاتنا ونمط حياتها ولا يأتي هذا التأثير المدمر على الخارج فقط بل يأتي أيضا من الداخل عن طريق "المتغربين" والخلاصة حسب رأي جماعة الجهاد هي "أننا نعيش داخل حيز مغلق من الغربيين والمستغربين ".

ويرتبط تقدير الحركة للحضارة الغربية بوجه عام برؤيتها لنمط حياتها الاجتماعية ورأيها في هذا النمط وموقفها منه فالإخوان المسلمون يرون أن الحياة الاجتماعية الغربية قامت على أسس مادية بحتة وأن هذه الأسس "تهدم ما جاءت به الأديان السماوية " وأن الإلحاد،والإباحية ،والتهافت على اللذة ،والأثرة ،والأنانية والاستغلال المقنن في المعاملات الربوية كلها مظاهر مادية أنتجت في المجتمع الأوربي فساد النفوس وضعف الأخلاق والتراخي في محارية الجرائم (..) وأثبتت هذه المدينة الحديثة عجزها عن تأمين المجتمع الإنساني .

وفشلت في إسعاد الناس على حد تعبير مؤسس الجماعة وهو ما عبر عنه مرشدها الحالي بقوله "إن الغرب يرزح تحت وطأة الإباحية وسعار المادية ووباء المخدرات التي فشلوا في حربها"

أما "جماعة الجهاد" فترى على لسان أحد قادتها وهو عبود الزمر "أن الغرب لم يقدم للبشرية سوى عوامل دمارها على المستويين العلمي والأخلاقي لقد قدم الغرب صورة قاتمة بالتحلل الأخلاقي وفقدان القيم السامية ،وانتشار الإيدز،والإدمان ،والمخدرات على نطاق واسع ،وهكذا شوهت الحضارة الغربية أخلاقيات الإنسان وانتكست بفطرته ".

وفي إحدى المراجعات التي قامت بها جماعة الجهاد لتقييم أسلوبها في إحداث التعيير الاجتماعي والتصدي لعمليات التغريب والعلمنة في مصر توصلت إلى أن الأنماط التي اتبعتها في التغيير حتى أواخر الثمانينيات دارت كلها حول مواجهة المنكرات المرتبطة بالمعاصي الظاهرة (مثل:شرب الخمر . وأندية اللهو والإباحية ...)

وتنبهت الجماعة من وقفتها هذه إلى أن التحدي القائم يدعو إلى تخطي تلك المنكرات إلى ما هو أعم وأشمل وليس معنى ذلك ترك المنكرات بل وضعها في إطارها الصحيح من عملية التغيير وأن الأولي بالاهتمام والمواجهة هي " تلك الأنشطة التخريبية الغربية والصهيونية بكافة صورها الثقافية والسياحية والعلمية ،وكذلك التصدي لكافة مراكز الإفساد المحلي ومنابعه "

ويرى الجهاد بهذا الصدد أن الإعلام والسياحة هما أهم جهازين لنشر وإشاعة القيم السافلة المستمدة من الحياة الغربية لمحاربة الإسلام في عقر داره ويضربون على ذلك مثلا بما يبثه التلفزيون والمحاولات الجارية لربطه بالإرسال الغربي عن طريق البث المباشر .. أما السياحة فهي حسب رأيهم "رأس حرية الاختراق الغربي لمجتمعنا" بما في ذلك "الاختراق الإسرائيلي الذي بلغ حدا لا يمكن السكوت عليه وذلك تحت مسمى السياحة "

ولا يختلف تقدير الجماعة الإسلامية ورؤيتها للحياة الاجتماعية الغربية عن رؤية الجهاد وإن كانت "الجماعة الإسلامية" تركز على نقد هذا الجانب الاجتماعي للغرب من خلال آثاره وتأثيراته في حياة المجتمعات الإسلامية وخاصة في حياة المجتمع المصري .

والخلاصة هي أن رؤية الحركة الإسلامية لنمط الحياة الغربية تؤكد على فساد هذا النمط وتفضح علله وأمراضه وتبين أن مادية هذا النمط مصادمة للفطرة الإنسانية ومناقضة للأصول الاجتماعية التي قررها الإسلام وهي الأصول التي تجمع بين الروحانية والمادية على أساس من الوسطية والتوازن والاعتدال بحيث لا يطغي جانب على الجانب الآخر .

علاقة الغرب مع النظم الحاكمة في العالم الإسلامي:

ليس الغرب متحالفا فقط مع "الصهيونية" ضد العرب والمسلمين بل وربما كان هذا هو الأكثر إثارة للاهتمام من وجهة نظر الحركة الإسلامية إنه يدعم أنظمة الحكم العربية والإسلامية القائمة ويمسك بحشاشة روحها في يده:إن شاء قبضها وإن شاء أطلقها .

وترى الحركة بصفة عامة أن أهداف الغرب من ذلك متعددة وأن أدناها:هو تحقيق مصالحة الاقتصادية وضمان سيطرته على ثروات المسلمين وأهمها هو "البترول" وأعظمها "هو إعاقة نمو الصحوة الإسلامية ومقاومتها بكل السبل" القضاء عليها إن أمكن ذلك.

وتسهب الحركة في كتاباتها ووثائقها في الحديث عن "الغرب" من زاوية علاقته "بالنظم الحاكمة" في العالم الإسلامي وفي العالم العربي على وجه التحديد كما تسهب في رصد وتحليل روابط التبعية وآليات التحالف المتبادل بين الجانبين وهنا يبدو الفارق كبيرا بين رؤية الإخوان المسلمين من ناحية ورؤية كل من "جماعة الجهاد " و" الجماعة الإسلامية " من ناحية أخرى .

فالإخوان المسلمون يرون أن "الغرب" له اليد الطولي في إيجاد وتثبيت النظم الحاكمة في معظم بلدان العالم الإسلامي وأن دعمه لهذه النظم هو آلية من آليات ربطها به وتبعيتها وولائها له وذلك في إطار مخططاته ومؤامراته التي لا تنتهي على الإسلام والمسلمين لضمان إخضاعهم ونهب ثرواتهم .

ورؤية الإخوان في هذه المسألة معروفة وذائعة وعادة ما يصوغها كتاب الجماعة وقادتها في صياغات شاملة تنطبق على أوضاع ونظم الحكم في العالم الإسلامي باستثناء عدد قليل لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة دون تخصيص لأى منها بالتبعية للغرب فالكل سواء وكمثال على ذلك قول .

مصطفي مشهور نائب المرشد العام للإخوان في كثي من مقالاته فبعد أن يذكر ما كان للأمة الإسلامية من حضارة لا مثيل لها ثم ما طرأ عليها من ضعف وطمع الأعداء فيها وغزوهم لبلادنا والمقصود هم الغربيون ودولهم

يقول:

" وخططوا لإبعادها (أى بلادنا) عن جوهر الإسلام ونشروا فيها الفساد والمنكرات كالخمر والميسر والربا والفحشاء وأسقطوا الخلافة وأثاروا الفرقة والنزاع بين المسلمين؛بل الحروب حول قضايا جزئية كالخلاف على الحدود وأقاموا نظم حكم شمولي متسلط في معظم إن لم يكن كل أقطارنا الإسلامية لتنفذ مخططاتهم التي تهدف إلى إبقاء بلادنا ضعيفة متنازعة يستغلون ثرواتها رخيصة ويوردونها مصنعة غالية
وهكذا لتبقي أقطارنا في تبعية ذليلة لهم بسبب عدم الاكتفاء الذاتي خاصة في الغذاء والسلاح فيخضع لأحكام العملاء مختارين أو مضطرين للسياسة التي يملونها عليهم وفي ظل هذا الضعف والغثائية ساعد الأعداء على غرس هذا الكيان الصهيوني الغريب في قلب الأمة الإسلامية كالغدة السرطانية ليزيد من ضعفها وليتوسع ويتمكن ويعيث في الأرض فسادا ."

ذلك هو وضع "أنظمة الحكم" وعلاقة الغرب بها وعلاقتها به وبمخططاته ومآربه في بلادنا كما يراها الإخوان المسلمون ورغم ذلك فإنهم لم يفقدوا الأمل في إمكانية صلاح أحوال الحكام وتغيير النظم القائمة بطريقة سلمية متدرجة لتستقيم على منهج الإسلام ويظهر هذا من خلال مناشداتهم المتوالية للحكام وولاة الأمور بالعودة إلى الإسلام وتعاليمه وأحكامه والعمل بها وهو ما يعني ضمنا ضرورة التحرر من وصاية الغرب وسياسات حكوماته المعادية لاستقلالنا ونهضتنا .

أما " جماعة الجهاد" فهي لا تعترف بادئ ذي بدء بشرعية حكام العالم الإسلامي كله ولا بأهليتهم للحكم وتندد بتبعيتهم الشديدة للغرب وتصفهم بأنهم "دمي نصبها الاستعمار ليحكم بها الأمة الإسلامية " و"أن هذه الدمي عبيد لأسيادها في واشنطن ،وباريس،ولندن ،وروما ،وبون ،وموسكو " وثمة علاقة وثيقة بين هذا التوصيف وبين عدم اعتراف جماعة الجهاد بشرعية أولئك الحكام فهم في رأيها "لا يدينون بنشأتهم إلى الوجود الغرب فحسب بل إن استمرارهم في حد ذاته رهن بإرادة الغرب المباشرة "

وتولي الجماعة اهتمام كبيرا بالعلاقة المتبادلة بين "الغرب" وخاصة أمريكا من ناحية و"نظام الحكم" في مصر من ناحية أخرى وتتناول هذه العلاقة من خلال مفهوم "التبعية " أو الموالاة" وترى أن مصر مرت بمراحل مختلفة في مسيرتها نحو التبعية السياسية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية

وأن "العلمانية" قامت بدور كبير في توثيق عرى هذه التبعية على كافة المستويات وآخر مرحلة من مراحل تلك التبعية وهي المرحلة الراهنة التي تصفها الجماعة بأنها " مرحلة التبعية المهينة للغرب الصليبي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية

وتعتقد جماعة الجهاد أن جدلية العلاقة بين الحكم في مصر من ناحية والغرب وخاصة أمريكا من ناحية ثانية تؤكد أن لهما هدفا مشتركا هو "القضاء على الحركة الإسلامية" فتارة تنظر الجماعة إلى الغرب على أنه ركن أساسي من أركان سياسة النظام المصري في مواجهة الحركة الإسلامية وتارة أخرى تنظر إليه نظرة عكسية فترى "أن إستراتيجية النظام المصري في محاربة الإسلام (كذا) مستمدة من رؤية الغرب في ذلك "

وتقول في وثيقة هامة من وثائقها "الحركة الإسلامية وترى أن الهدف هو" تصفية المد الإسلامي في مصر لأنهم كما يظنون لو نجحوا في ذلك فسيكونون قد قضوا على حركات إسلامية كثيرة منتشرة في المنطقة ويرى البعض أن جماعة الجهاد تبالغ في اعتقادها بأن للنظام المصري "إستراتيجية في محاربة الإسلام"

وأنه إذا صحت له مثل هذه الاستراتيجية فإنما هي لمحاربة بعض الجماعات الإسلامية ومنها جماعة الجهاد على سبيل المثال وليس الإسلام نفسه بأى حال والفارق كبير بين الحالتين ونظن أنه واضح أيضا ولكن كيف تبرهن الجماعة على دعواها بأن هذه الاستراتيجية مستمدة من رؤية الغرب في ذلك ؟

إن الجماعة تؤسس دعواها وفقا لحكمها بالكفر على الحكام الخارجين على حكم الإسلام:ففي ردها على ما ذهب إليه الشيخ ناصر الدين الألباني من وجوب صبر المسلمين على حكامهم الخارجين على حكم الإسلام قالت لا فرق بين أن يكون الكافر المتسلط على المسلمين أجنبيا أو محليا إذ أن علة وجوب جهاده قائمة في الحالين وهو وصف الكفر

كما أن الكافر المحلي صار بكفره أجنبيا عن المسلمين لقوله تعالي:(قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح)

وإذا صح هذا القول زالت عقبة أساسية من طريق التعاون بين الحكام وأعداء الأمة وعلى رأسهم الغرب فالكفر قد سوى بين الجميع ومن ثم أوجد أساسا موضوعيا للتعاون بينهم على الإثم والعدوان وتستنتج جماعة الجهاد من ذلك أن الاعتماد على الغرب عنصر حاسم في مواجهة الحركة الإسلامية استنادا إلى "التناقض "

بين الإسلام والغرب والرصيد العدواني الهائل الذي يكنه الغرب للإسلام كنتيجة طبيعية لصراعهما على مدى فترات طويلة من التاريخ وتنتقل الجماعة من هذا التصور العام لتطبقه على علاقة مصر بالغرب في مواجهة الحركة الإسلامية

فترى أن الغرب هو أحد أركان إستراتيجية "النظام المصري" في مواجهة الحركة الإسلامية كما أن النظام المصري وينطبق هذا على غيره من النظم العربية في رأي جماعة الجهاد هو بدوره أحد أركان إستراتيجية الغرب في القضاء على المد الإسلامي بصفة عامة .

فمن ناحية" النظام المصري " ترى الجماعة أن علاقته بالغرب تحتل مكانة بارزة في تصوره لمواجهة التحول الإسلامي ويظهر هذا من خلال:

(أ‌) من حرص النظام الشديد على التعلق بأهداب التحولات العالمية بالشكل الذي يعطيه قدرة أكبر على التخلص من الحركات الإسلامية في سبيل الارتباط الكامل بالغرب ومشروعه العالمي .
(ب‌) المساعدات والمنح التكنولوجية التي تساهم في تطوير جهاز الأمن وآلياته
(جـ) تدعيم وتنشيط السياحة الغربية التي تحمل قدرا ليس هينا من قيم الغرب وتقاليده التي تساهم إلى حد كبير في تدمير مجتمعاتنا

أما من ناحية الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية والدولة الصهيونية فترى الجماعة أنه يعتبر مصر حجر الزاوية "لنفوذه في المنطقة وذلك بمالها من أهمية إستراتيجية كبيرة ولذلك فهو يقوم بتدعيم الأنظمة العلمانية وخاصة مصر اقتصاديا وسياسيا حتى يتم تحقيق هدفين :الأول هو القضاء على ظاهرة التطرف الإسلامي والثاني هو تدعيم الأنظمة التي تمثل خط الدفاع الأول للغرب ضد الإرهاب القادم من العالم الإسلامي؛

ولا تكاد رؤية "الجماعة الإسلامية" تختلف عن رؤية جماعة الجهاد بهذا الصدد وذلك من حيث استخدام مفهوم التبعية (وموالاة أعداء الأمة) لوصف وتحليل علاقة لنظم الحاكمة بالغرب وتأكيدها على دور العلمانية في توثيق أواصر التبعية والتمكين للغرب وتحقيق أهدافه .

كما تركز "الجماعة الإسلامية" على علاقة الغرب مع النظام المصري بنفس الطريقة تقريبا التي تتبعها جماعة الجهاد وتضيف الجماعة الإسلامية على ذلك تفسيرها لمعظم السياسات المصرية باعتبارها محاولات من السلطة الحاكمة للتكيف مع رغبات الغرب ولتحقيق أهدافه بالدرجة الأولي وخاصة في مواجهة الحركة الإسلامية ولا تستبعد الجماعة أن تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بالتدخل لمنع قيام نظام حكم إسلامي في مصر

وتبرهن الجماعة على ذلك بقولها:

"إن أمريكا تنظر لمصر بموقعها الحيوى وثقلها الاستراتيجي كمركز لحماية مصالحها في المنطقة وأن ظهور نظام إسلامي حقيقي يهدد لا شك تلك المصالح بما يمثله من استقلالية وعدم تبعية وبما يلزم به الحكام من حماية مصالح الشعب المسلم ولو تعارضت مع مصالح الآخرين"

وهذا ولا شك سيجعل أمريكا تتدخل وبكل عنف لمنع قيام هذا النظام وتدعم الجماعة الإسلامية وجهة نظرها تلك بخلاصة استخلصتها من استقرائها لتاريخ التدخل الأجنبي في السياسة المصرية منذ الحملة الفرنسية إلى الآن؛

وهذه الخلاصة هي:

أن القوي العظمي في عالمنا تولي اهتمامها بمصر ولا تسمح فيها إلا بالأنظمة التابعة التي تخدم مصالحها وأن هذا هو الذي "يفسر بوضوح الحرب الصريحة والمستمرة ضد التيار الإسلامي الذي يهدد بوجوده مصالح كل من الشرق والغرب ويفسر الموقف البريطاني من الحركة الإسلامية في الأربعينيات عن طريق حكومات الأحزاب المتتابعة والموقف الأمريكي ثم الروسي ثم الأمريكي من الحركة فيما بعد ذلك عن طريق حكومات ثورة يوليو"

وتعتقد الجماعة أيضا أن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي تقف خلف التوجهات الأخيرة بالتعامل العنيف مع الحركة الإسلامية وخاصة في مصر وفلسطين

وذلك حسب رأي الجماعة لتحقيق أربعة أهداف هي:

  1. حرمان الحركة الإسلامية من بعض أبنائها الذين يحصدهم الرصاص .
  2. إصابة البقية الباقية من أبناء الحركة بالوهن والضعف .
  3. الإبقاء على الحركة في موقع المدافع دائما وشغلها بتضميد جراحها .
  4. إرهاب عوام المسلمين للحيلولة دون انضمامهم للحركة الإسلامية .

والخلاصة التي تهمنا هنا في حدود الهدف من هذا البحث هي أن رؤية كل من جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية لعداء الغرب وأطماعه الاقتصادية والسياسية في بلادنا لا تقتصر على حكومات الغرب والهيئات الدولية التي تسيطر عليها فقط وإنما تشمل أيضا الحكومات والأنظمة القائمة في مجتمعاتنا نفسها

والجماعتان تختلفان في ذلك مع جماعة الإخوان المسلمين التي تري إمكانية إصلاح تلك الحكومات والنظم ومن ثم فهي لا تضعها في كفة واحدة مع الغرب وحكوماته ويؤدي تصور الجهاد والجماعة الإسلامية بهذا الصدد إلى نتائج متعددة على صعيد إستراتيجية المواجهة وكما تتصورها هاتان الجماعتان وهذه قضية أخرى ليس هنا مجال مناقشتها .

رابعا:مستقبل العلاقة مع الغرب في رؤية الحركة الإسلامية

إن محاولة استشراف مستقبل العلاقات مع الغرب من منظور الحركة الإسلامية له لابد أن تنطوي على افتراض أساسي هو عدم رضاها عن واقع هذه العلاقة في ظل الأوضاع والنظم القائمة .

وإلى هنا ينتهي الاتفاق في وجهات النظر بين الإخوان من جهة وجماعة الجهاد والجماعة الإسلامية من جهة أخرى ويبدأ في الوقت نفسه التميز والاختلاف في رؤية كل من الطرفين حول الأصل العام الذي يحكم هذه العلاقة وأنماطا المتصورة وأدوات التعامل المستخدمة في تنظيمها للوصول إلى الصيغة المثلي لها وتحقيق الأهداف النهائية للدعوة الإسلامية .

وسوف نقدم فيما يلي خلاصة رؤية جماعة الإخوان وجماعتي "الجهاد والجماعة الإسلامي" معا لعدم وجود فروق جوهرية بينهما حول مستقبل العلاقة مع الغرب وذلك في ضوء الخطاب السياسي لتلك الجماعات ومقولاتها النظرية المتعلقة بالغرب وحضارته الحديثة وبواقع النظام الدولي الراهن .

لـ الإخوان المسلمين:الدعوة والجدال بالتي هي أحسن يرى الإخوان أن الأصل العام الذي يجب أن يحكم العلاقة مع الغرب ومع غيره من المجتمعات والدول غير الإسلامية هو الدعوة والجدال بالتي هي أحسن ومن ثم فإن "السلم" هو الأصل ما لم يقع العدوان أما وقد وقع هذا العدوان من جانب الغرب ودوله بطريقه منظمة ومتكررة على شعوب العالم الإسلامي منذ ما يقرب من قرنين فقد وجب "الجهاد" لرد العدوان .

وأصبح الغرب ضمن هذا السياق وهو العدو الأكبر وعلى رأسه الولايات المتحدة وإسرائيل كما أصبح النظام الدولي بأوضاعه القائمة ومؤسساته وهيئاته المختلفة محلا للرفض والإدانة لأنه ليس إلا تكريسا للظلم وتقنينا للعدوان الذي يمارسه الغرب في حق الشعوب العربية والإسلامية (فلسطين ،العراق ،البوسنة والهرسك ،ليبيا،الصومال ..)

ويرى الإخوان أنه ما لم تنته عداءات الغرب لنا فليس بالوسع إلا الجهاد ردا للعدوان ودفاعا عن النفس وتأمينا لحرية الدين والاعتقاد وللمؤمنين الذين يحاول الكافرون أن يفتنوهم عن دينهم وحماية للدعوة حتى تبلغ الناس جميعا وإغاثة المظلومين من المؤمنين أينما كانوا والانتصار لهم من الظالمين .

وكما سبق أن ذكرنا فإن الأصل العام الذي يجب أن يحكم العلاقة مع الغرب في نظر الإخوان هو الدعوة والبلاغ حتى تصل الرسالة الإسلامية إلى الغرب في عقر داره.

وهم يرون أن هذا فضلا عن كونه واجبا يفرضه الإسلام هو أيضا أمر ضروري لإنقاذ الغرب من نفسه وإنقاذ البشرية كلها من شروره وإعادة بناء العلاقة معه على أسس جديدة قوامها العدالة والإخوة والرحمة والتعاون والمشاركة في بناء السلم العالمي على قواعد الإخوة الإنسانية ليقوم النظام العالمي على أساس جديد من تآزر المادة والروح والإخوان ينادون بذلك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الآن.

وخلاصة رأيهم بهذا الصدد هو أنهم يرون إمكانية قيام وعلاقة تعاون وتعايش مع الغرب إذا كف ظلمه ومنع عدوانه .

الجهاد والجماعة الإسلامية:المواجهة والصدام الشامل

على النقيض من الإخوان نجد أن جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية تذهبان إلى أن الأصل العام الذي يحكم العلاقة مع الغرب هو "الصراع" وذلك كجزء من الصراع الدائم إلى يوم القيامة بين الخير والشر ويتجسد الشر سياسيا كما ترى جماعة الجهاد في محور أساسي هو تحالف " النجمة والصليب أى الصهيونية ودول الغرب وفي مقدمتها الولايات المتحدة .

وترى الجماعتان أن آثام الغرب على الأنام أصبحت شديدة الوطأة وأن بلادنا في مسيس الحاجة لإزالة رجس الجاهلية الغربية وتجنبها وإن هذه الجاهلية لم تتمكن إلا بعد أن ألحقت الهزيمة بالأمة الإسلامية وتخطت حضارتها وأن الغرب الذي دأب على "محاربة الإسلام "

صار يؤيد النظم العلمانية في العالم الإسلامي لأنه يخشي التحول الإسلامي الذي تتطلع إليه الحركة الإسلامية كما أنه يخشي يوم الثأر ومعني ذلك أن العلاقة مع الغرب في نظر الجماعتين تسير في طريق المواجهة والصدام الشامل في المستقبل, وتسهب جماعة الجهاد بصفة خاصة في الحديث عن فلسفة المواجهة "وحتمية الصراع" كما تهتم بتأصيل "الصدام الشامل"

ووضع أسس معركة الغد وهي ترى أن الهدف الأساسي للتحولات الجارية على الصعيد العالمي وقيام أوروبا الموحدة وهيمنة الولايات المتحدة على ما يسمونه "النظام العالمي الجديد" هو مواجهة الأمة الإسلامية والقضاء عليها .ولذلك فإن الصراع الإسلامي الغربي له أولوية خاصة ضمن خطة صراع الإسلام مع الجاهلية حسب تصور جماعة الجهاد.

إذن فالمستقبل لا يحمل إمكانية بناء علاقة تعايش أو تعاون مع الغرب والمطلوب طبقا لرأي الجهاد هو الاستعداد لعلاقة صراعية مصيرية تمليها التناقضات الجذرية والخلافات العقائدية والسياسية وتتضمن الكتابات والوثائق الصادرة عن الجماعة اقتراحات لخطة التصدي للغرب والتمهيد للمعركة الفاصلة أو الصدام الشامل

وأهم تلك الاقتراحات ما يلي:

  1. التصدي لكافة أشكال الهيمنة الغربية التي تهدف إلى إخضاع الشعوب ونهب الثروات
  2. شن حرب فكرية على الأفكار الضالة في عقر دارها وتكثيف حركة الدعوة للإسلام في كافة دول العالم الأخرى لتنقل المعركة إلى أراضي العدو وتوسيع دائرة الصراع تحقيقا لانحساره إلى الداخل وتحويله إلى موقع الدفاع
  3. التخلص من الارتباط بالغرب أو الشرق وتحرير القرار السياسي بتحقيق الاكتفاء الذاتي وقيام سوق إسلامية مشتركة بين كافة الدول الإسلامية لتتمكن من الصمود أمام التجمعات الاقتصادية التي تسعي إلى السيطرة على مقاليد الأمور في العالم من خلال القوة الاقتصادية
  4. توعية الأمة نحو المقاطعة الاقتصادية لكافة البضائع والمهمات والأدوات الواردة من الغرب وإسرائيل والتي تهدف إلى امتصاص أموال المسلمين والسيطرة على الأسواق
  5. التصدي لمحاولات الغرب لتقويض المشروعات الإسلامية بالتواطؤ مع الأنظمة الحاكمة
  6. استعادة رؤوس الأموال الإسلامية من البنوك الأجنبية والتي يحاربنا الغرب بأرباحها وذلك لاستثمارها داخل الإطار الإسلامي تحقيقا للتنمية وامتلاكا لأسباب القوة
  7. كسر الطوق الخلفي الذي يفرضه الغرب الأوروبي بالتفافه حول الجسد الإسلامي في دول القارة الإفريقية
  8. امتلاك الرادع النووى

وترى جماعة الجهاد أن مستقبل العلاقة مع الغرب سوف يتحدد في ضوء سلسلة من المعارك الفاصلة ومن خلال النتائج التي ستسفر عنها وهذه المعارك هي:

المعركةالأولي: وهي ضد الغزو الأجنبي للمنطقة الإسلامية ولما كانت المواجهة المنظمة من خلال أجهزة الدول الحاكمة غير واردة لتبعية معظم الحكام العرب للغرب فإنه يصير تجاوز هؤلاء الحكام شعبيا بالتصدي الفوري فرادي وجماعات عسكريين أو مدنيين لهذا التواجد على نطاق واسع .."
المعركة الثانية: وهي معركة تحرير الشعوب المسلمة وذلك من قبضة الحكام العلمانيين الذين لا يقيمون للإسلام وزنا ولا يحترمون لشرع الله ميثاقا, وهي معركة العدو القريب وهي لا تقل أهمية عن المعركة الأولي بل تسير معها جنبا إلى جنب.
المعركة الفاصلة: وهي معركة تحرير مقدسات الإسلام في فلسطين كمهمة مباشرة لدول المواجهة والتي ستكون وقتذاك تحت راية إسلامية فلا ينتظرن أحد أن يتحقق استخلاص فلسطين المحتلة على أيدي حكومات علمانية ارتمت في أحضان الولايات المتحدة الحليف الأول لإسرائيل بل إن تحقيق ذلك مرتهن بالإطاحة بهؤلاء الحكام وأعوانهم .
ثم تأتي بعد ذلك المهمة النهائية لهذه المعركة حيث تتم ملاحقة الباطل في شتى بقاع الأرض وتحطيم الطواغيت التي تقف عقبة في سبيل وصول الإسلام لعامة البشرية".
والخلاصة هنا هي أن مستقبل العلاقة مع الغرب سوف يتحدد من خلال "الصراع" وليس "التعايش" في رأي جماعتي الجهاد و"الجماعة الإسلامية " وأن هذا الصراع سوف يظل هو العامل الحاسم في صوغ تلك العلاقة وتنظيمها وضبطها ولعل هذا التوجه , وهو الذي يفسر لنا اهتمام الجماعتين على نحو مكثف بالحديث عن "الجهاد" والحض عليه والاستعداد له .

ففي رأيهما أن "عقيدة الجهاد" هي الركيزة الأساسية لبناء القوة الروحية والمادية لخوض كل تلك المعارك التي يفرضها التحدى الغربي و" الاخلاء العالم من الفساد وانتزاع قيادته من الغرب وإعادتها إلى الإسلام في ظل خلافة جامعة تنشر العدل وتحميه كبديل للنظام الدول القائم ولمؤسساته الظالمة .

تلك إذن هي خلاصة تصور الجماعتين لمستقبل العلاقة مع الغرب وهو تصور يختلف مع ما ذكرناه آنفا عن تصور جماعة الإخوان التي تتطلع إلى الإخاء الإنساني ودعوة الغرب إلى الإسلام وبناء السلام العالمي والتعاون بين بني البشر ونبذ أسباب الفرقة والصراع ورغم أن من أهداف جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية تبليغ الرسالة الإسلامية إلى العالم كله بما فيه الغرب إلا أنهما تتحدثان عن "الحرب " و" المعارك " و"الصدام" أكثر مما تتحدثان عن الدعوة ،والتبليغ ،والبيان .

ومن المؤكد أن الأفكار والتصورات التي تطرحها الجماعات الثلاث حول مستقبل العلاقة مع الغرب تحتاج إلى الكثير من المناقشة والجدل وإلى المزيد من التحليل والنقد والإثبات والدحض وبيان عناصر الاتساق وكشف مواضع الخلل والتناقض

وهي غير قليلة ولكننا سوف نقتصر هنا فقط على تسجيل ملاحظة نقدية عامة حول هذه المسألة وهي أن خطاب الجماعات الثلاث حول مستقبل العلاقة مع الغرب وأساليب التعامل معه يغلب عليه التعميم أكثر من التخصيص والإطلاق أكثر من التقييد والضبط

وهو لا يوضح على سبيل المثال ما إذا كانت هذه الرؤية أو الرؤى المستقبلية للعلاقة مع الغرب صالحة لمرحلة ما قبل قيام الدولة الإسلامية ؟ أم أن قيامها شرط مسبق لأعمال وتحقيق تلك الرؤي؟ أم أنها تصلح لما قبل قيام الدولة ولما بعده أيضا ؟ وما هي الحدود الفاصلة بين ما يعتبر خاصا بالمرحلة السابقة على قيام الدولة التي تسعي الحركة الإسلامية لتأسيسها وما يعتبر خاصا بالمرحلة التي تلي ذلك ؟

خاتمة:خلاصات عامة

لقد حاولنا في هذا البحث أن نستجمع "صورة الغرب" في رؤية الحركة الإسلامية المصرية وذلك من واقع كتاباتها ووثائقها الفكرية وسعينا لبيان مكونات هذا المفهوم وتحليل أبعاده المختلفة التي تدركها الحركة كما حاولنا استشراف مستقبل العلاقة مع الغرب من منظور الجماعات المصرية الثلاث (الإخوان والجهاد والجماعة الإسلامية)

ويمكننا الآن أن نستخلص الخلاصات الخمس التالية:

أولا: أن ثمة دوافع متعددة لاهتمام الحركة الإسلامية بالغرب فهو عدو حضاري وسبب أصيل في تأخير المجتمعات الإسلامية وعقبة كؤود في طريق الإحياء الإسلامي وسيادة الأمة الإسلامية ومصدر خطر على البشرية كلها بل وعلى شعوبه ذاتها كما أنه ميدان للدعوة والجهاد من أجل كبح جماحه حتى لا يقضي على الإنسانية .
ثانيا: أن رؤى وأفكار جماعة الإخوان المسلمين تجاه الغرب تميل إلى الاعتدال سواء في قبول بعض إيجابياته أو رفض سلبياته وهي تعتمد في ذلك على تراق رواد الإصلاح الإسلامي في العصر الحديث من أمثال الأفغاني ومحمد عبده، ورشيد رضا وحسن البنا أما جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية فتميلان إلى التشدد وتدعوان إلى تحديد الموقف من الغرب في ضوء حتمية الصراع معه ومع الأنظمة الحاكمة التابعة له وأما بالنسبة لمكتسبات التقدم العلمي والتكنولوجي الغربي فالمجتمع يدعون إلى الاستفادة بمكوناته الصالحة وتوظيف مكاسب الحضارة الإنسانية في تجديد بناء المجتمع الإسلامي .
ثالثا: بالرغم من وجود تشابه كبير في رؤى الجماعات الثلاث تجاه الغرب. إلا أنه لا يصل إلى حد التطابق . وهذا التماثل الكبير في رؤيتهم له ولا يعني بأى حال تماثل رؤيتهم في غير ذلك من الأوضاع والقضايا والمواقف المختلفة وخاصة على الصعيد الداخلي في ساحة المجتمع المصري
فلكل جماعة رؤيتها الخاصة وأسلوبها المميز في فهم الواقع وكيفية التعامل معه من أجل إصلاحه (الإخوان) أو تغييره كليا (الجهاد والجماعة الإسلامية) ولا يعدو التشابه الكبير في رؤيتهم للغرب أن يكون من قبيل وحدة الرأي حول شأن من شئون السياسة الخارجية التي عادة ما توجد خلافات جذرية حولها فيما بين الجماعات والأحزاب السياسية المختلفة داخل الوطن .
ويؤكد هذه الملاحظة أن رؤية بعض الاتجاهات والأحزاب السياسية ذات النزعة القومية أو الوطنية بل وحتى اليسارية لا تختلف في عمومها عن رؤية جماعات الحركة الإسلامية تجاه الغرب من الناحية السياسية على الأقل .
رابعا: أن الحركة الإسلامية المصرية في وضعها الراهن تتخذ موقفا نقديا صارما تجاه الغرب وخاصة على المستوى السياسي المباشر ولا تتصور مستقبلا أفضل العالم الإسلامي لا في ظل سيطرة الغرب على السياسة العالمية ولا في ظل أنظمة الحكم العلمانية والديكتاتورية والتابعة للغرب ومع ذلك فإن كتابات ووثائق الحركة لا تتضمن نقدا علميا رصينا للأبعاد والخلفيات الفلسفية والعرفية التي تقدمها العلوم الاجتماعية الغربية والتي تكمن خلف سياسات الغرب ومعطياته الحضارية وتوجهاته العدوانية وإنما تتضمن تلك الكتابات والوثائق فقط دعوة لممارسة هذا النقد وهي دعوة جديرة بالاهتمام.
خامسا: إن ما لم تدركه الحركة الإسلامية المصرية حتى الآن بشكل كاف في رؤيتها للغرب هو خطر تقدمه العلمي على حاضر ومستقبل البشرية قاطبة فهذا التقدم عديم الضوابط الإنسانية أو الأخلاقية وقد أضحت سلبياته كبيرة وهي تتزايد بمعدلات سريعة
ومن ذلك على سبيل المثال:
زيادة معدلات التلوث البيئي وزيادة نسبة البطالة وتهميش قطاعات واسعة من المجتمع وسرعة نضوب الموارد الطبيعية تلبية لمطالب نمط الإنتاج الرأسمالي الذي يتجه دوما نحو التوسع والانتشار ولو على حساب الاعتبارات الأخرى المرتبطة بالبيئة والبشر وحاضرهم ومستقبل الأجيال المقبلة .
إن معظم إدراك الحركة الإسلامية للغرب مركز حول الأبعاد السياسية بدرجة كبيرة والأبعاد الاقتصادية والثقافية والاجتماعية بدرجة أقل ولكنه في غفلة عن مخاطر التقدم العلمي الذي يقوده الغرب.
والحركة مقصرة بصفة عامة في نقد هذا التوجه والتحذير من تداعياته السلبية ولم نعثر على رؤية لها بهذا الصدد في كتاباتها ووثائقها المختلفة وبينما نراها تهتم بتحولات النظام العالمي والتطورات السياسية في أوربا وقمة ماستريخت فإنها لمتعلق مجرد تعليق على مؤتمر "قمة الأرض" الذي عقد في العالم الماضي ولا انتقدت موقف الولايات المتحدة الأمريكية زعيمة الغرب من قرارات هذا المؤتمر .