المشير وأنا

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
المشير وأنا


محتويات

إهــــداء

إلى الرجل ... الذي أحب غيرنا أكثر , فأحببناه أكثر ... أحب مصر أكثر من نفسه , وأحب الجيش أكثر من أولاده , وأحب الشعب أكثر من أهله .. إلى روح الشهيد عبد الحكيم عامر.

أهدى هذا الكتاب

برلنتي

المقدمة

أقدم هذا الكتاب – المشير وأنا – بعد خمسة وعشرين عاما من وفاته , وخلال هذا الربع قرن , تحملت من الضيق فوق ما يتحمل البشر , وأنا أتابع عبر السنين , ما يشاع وينشر من افتراءات ضد عبد الحكيم عامر , فإن الأجهزة السرية والتنظيمات التي تعقبته حيا , واصلته تعقبها له ميتا... وكأن قادة هذه الأجهزة , لم يكفهم ما انزلوه بالشعب المصري من هزائم , ممثلة فى هزيمة 5 يونيو سنة 1967 , فواصلوا حملتهم عن طريق جيش تابع لهم من الإعلاميين , والصحفيين والكتاب وهم قادرون على تصوير ما يشاءون على أنه الحقيقة والواقع , مهما كان فيما ينشرون من أكاذيب وافتراءات.

وكان يزيدني ألما أنى أعرف الحقيقة وأكتمها , وما كان بيدي نشرها , رغم أنى حاولت مرارا, ولكن دون ذلك تصدى الأجهزة والتنظيمات , ذوى القدرة والمقدرة بالتهديد مرة , وبالتشهير مرة أخرى .

وكان حريا بى أن أنشرها خارج مصر , لولا أنى أكره اللجوء إلى جهات خارجية لنشر كتاب , اعتبره موضوعا مصريا صميما , لأن هذا الموضوع قضية مصرية , وأشخاصه مصريون , فلا ينبغي أن يطبع وينشر بأيد غير مصرية .

إن أهم ما تنطوي عليه هذه المذاكرات , هو ذكريات الفترة الواقعة ما بين 5 يونيو عام 1967 حتى وفاة جمال عبد الناصر.

ولا أظن إن فى مصر كلها من لم يكتو بنار هذه الحقبة , ولأني مصرية , فقد اكتوين بها مع سائر المواطنين , ولكنى انفردت بنصيب أوفر من العذاب بحكم زواجي من المشير عبد الحكيم وبحكم ما عرضني له هذا الزواج من الاعتقال, والتشهير والتعذيب فى مبنى المخابرات العامة , وبحكم المضايقات والتعقب بعد الخروج وإطلاق سراحي .

ولكن وقوف الأجهزة حائلا بيني وبين نشر المذكرات لم يطل , ففى شرع الزمان إن دوام الحال من المحال , فكان إن تبدل الحال , واختفى الباطشون باختفاء أوقاتهم , وابتلعهم الزمان و وأخلى ما بيني وبين مذكراتي .

إن الحقيقة " أمانة فى عنق من يحملها , والله يقول :" إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها" فكان لزاما أن أضع هذا الحمل عن عنقي , وأنا شاهدة على كثير من الحقائق التى مرت بى خلال حياتي معه .

ولذا فإن أول أهداف مذكراتي – المشير وأنا – هو جلاء الحقيقة , كما رأيتها وعشتها فى بيت المشير , تلك الحقيقة التى شوهت وطمست عمدا عن رجل ما أحب شيئا مثلما أحب مصر وجيشها , وما دافع عن شئ بقدر ما دافع عن الحرية , والديمقراطية ذلك الرجل هو المشير عبد الحكيم عامر الذى قضى عليه بالموت , بسبب حبه لخالص لمصر ذلك الحب الذى لا تشوبه شائبة شرقية ولا غربية , وهو بالتحديد , ذلك الحب الذى ينبغي أن يموت فى نظر أ‘داء الوطن.

إن هزيمة ه يونيو , ومصرع المشير , أذيعت قصتهما من جانب واحد , هو جانب جمال عبد الناصر , ومراكز القوى , وبعض أعضاء مجلس الثورة , ممن التزموا طريق " الموافقة" على الدوام لضمان سلامتهم , حتى لا يطاح بهم مقلما أطيح بمحمد نجيب , و[[يوسف صديق]] , وعبد المنعم أمين , وصلاح سالم , وجمال سالم , وكمال الدين حسين , وغيرهم ممن لا تخفى أسماؤهم على الجميع.

أما الجانب الآخر فقد أخرس لسانه , إما بالقتل , أو السجن, أو التهديد . وقد آن الأوان لهذا الجانب الصامت أن يتكلم , لأن الحقيقة لا تعرف من جانب واحد. ويكفى هنا أن أشير إلى هزيمة الجيش فى 5 يونيو , وما أعقب ذلك من حملة تشهير ضد جنوده وضباطه وقياداته , كما أشير إلى ملاحظة أمة أخرى , تكشف عن دور مراكز القوى أو ألأجانب الذى يتكلم – فى إلحاق الهزيمة بالجيش وإلصاق التهمة بعبد الحكيم عامر وإطلاق الشائعات لتشويه جيش مصر – هذه هى الأجهزة والتنظيمات !!

والملاحظة الهامة التى أشرت إليها , هى أن جيش 5 يونيو المهزوم هو ذاته جيش السادس من أكتوبر المنتصر , وإن قيادات أكتوبر هى ذاتها قيادات 5 يونيو , هى ذاتها ضباط الجيش فى الحرب 1956 .

وأضيف إلى الملاحظة السابقة ملاحظة أخرى , هى أنه لا يمكن إعداد جيش قوى خلال بضعة أعوام هى الفترة من عام 67 إلى عام 1973 , وأن الجيش الذى عبر هو نفسه الجيش الذى تعرض لمؤامرة خمسة يونيو , وكان صاحب الفضل فى تكوين جيش مصري قوى , هو المشير عبد الحكيم عامر و بوصفه مسئول عن تحقيق أحد مبادئ الثورة وهو " إنشاء جيش وطني قوى" .

ولقد استطاع المشير أن يقوم بالمهمة الجليلة , فأنشأ جيشا قويا من حيث الكم والكيف , فبينما كان الجيش قبل الثورة لا يزيد على عشرين كتيبة أصبح تحت قيادة المشير عبد الحكيم عامر جيشا مؤلفا من مائتي كتيبة , أما من حيث الكيف فقد أنشأ الكلية الفنية العسكرية , وهى من أرقى الكليات العسكرية فى العالم ومهمتها تخريج علماء عسكريين , وأنشأ الصاعقة, والمصانع الحربية , وفى عهده بدأوا فى إنتاج طائرات وإجراء تجارب لغواصات وقاموا فعلا بتجربة غواصة جديدة .

إن إنشاء جيش قوى وطنى كان أحد المبادئ الستة للثورة , وفى وصف الجيش بأنه " وطنى قوى" كان مكمن الخطر , الذى أودى بحياة المشير , وأوقع الهزيمة فى 5 يونيو بالجيش المصري عن طريق التآمر لا عن طريق الحرب !!

لقد نجح عبد الحكيم عامر فى إنشاء هذا الجيش الوطني القوى , فكان لابد من مؤامرة حاكها الروس لتمزيق هذا الجيش , وتدمير قادته عن طريق عملائهم و لأن عبد الحكيم وقادة الجيش الوطنيين كانوا يمثلون عقبة فى طريق أحلامهم فى إقامة قواعد لهم على أرض مصر , تمهيدا للسيطرة والاحتواء .

كان عبد الحكيم يريد وطنا خالصا , بلا تبعية ولا هيمنة أجنبية فهو القائل :" الشيوعي عميل, والأمريكي عميل , أنا مصري" ولذلك وجب التخلص منه ومن جيشه.

ونشير هنا إلى أن الروس لم يتمكنوا من إقامة قواعد لهم فى مصر إلا بعد هزيمة 5 يونيو والتخلص من عبد الحكيم عامر والقادة الوطنيين. فهم الذين استدرجوا مصر إلى هذه الحرب,وعملائهم أجهزوا على بقية القادة الوطنيين فى الجيش وعلى رأسهم عبد الحكيم عامر , وبعدها افتتح الباب أمامه, فأقاموا قواعدهم ,وأدخلوا خبراءهم العسكريين حتى أصبح عددهم يربو على الستين ألفا داخل الجيش المصري , وأفلح هؤلاء العسكريون الروس فى شل حركة الضباط المصريين داخل الجيش, ,وبلغ بهم الأمر إن صارت قواعدهم داخل مصر منطقة محرمة على المصريين ... حتى بلغ الأمر أن قاعدة روسية منعت وزيرا مصريا من دخولها , وكلنا نذكر واقعة طرد الخبراء الروس التى قام بها الرئيس السادات.

وبعد أن خلت البلاد منهم حارب الجيش وانتصر , وكان هو ذاته الذى انهزم وشوه فى حرب يونيو , والفارق أنه حارب وليس على أرض مصر أى وجود للسوفييت و بل إن عملاءهم أيضا كانوا أبعدوا عن مراكز القيادة , حوكموا بمحكمة أمن الدولة العليا , بتهمة العمالة والتآمر وصدر ضدهم أحكام فى القضية رقم ( 1) لسنة 1971 .

إن تبرئة المرحوم المشير عبد الحكيم عامر مما ألصق به من تهم وشائعات هى الهدف الأول من كتابة هذه المذكرات.

وأطرح هنا سؤالا :" إذا كان المشير قد تخلى عن مناصبه , رفض العودة إليها رغم الإلحاح فلماذا حوصر بيته بلواء كامل من لواءات الجيش , ولماذا انتزع انتزاعا أمام أعين أبنائه ولماذا لم ينتحر إلا بعد أن أصبح بين أيديهم وبعيدا عن العيون ؟!

ولقد طلب المشير مرارا أن يقدم للمحاكمة .. فلماذا لم يحاكموه , ليظهروا للعالم صحة ما نسبوه إليه من أخطاء وإدعاءات إلا أن يكونوا قد خافوا أن تظهر براءته أو خافوا إن تظهر الحقيقة فتضر من أرادوا إدانته؟!

أما الهدف الثاني فهو التأكيد على أن المبدأ الرئيس لعبد الحكيم عامر هو الولاء الكامل للوطن ورفض العمالة بأى صورة من صورها.

ومن المهم هنا أن أوضح أتى لست ضد مبادئ ثورة 23 يوليو فلا أحد يقف ضد مبدأ العدالة الاجتماعية أو إقامة جيش وطنى أو إقامة حياة ديمقراطية أو الوحدة العربية , وغير ذلك من المبادئ فهى يؤمن بها كل وطنى مخلص لبلاده .

وأوضح أيضا أن جمال عبد الناصر ليس هو ثورة 23 يوليو لأن الثورة مبادئ , وبقدر ما تحقق الثورة من مبادئها بقدر ما تؤكد وجودها , وبقدر ما تهمل من مبادئها بقدر ما تهمل من وجودها . فإن أخطأ جمال عبد الناصر , فليس معنى ذلك أن المبادئ خاطئة , دائما, وإنما معناه أن حاكما فردا أخطأ, أما المبادئ فنحن نتمسك بها ونجلها ونشارك فى ذلك كل الشرفاء فى مصر والعالم العربي.

إن مأساة عبد الحكيم عام67 لا تتحدد إلا فى كراهية الروس له , وثانيا مع جمال عبد الناصر , وهذا الخلاف كان يقوم على مطالبة عبد الحكيم المستمرة بضرورة التخلص من الروس , والانفتاح على الغرب , وإقامة حياة ديمقراطية , حتى يحترمنا العالم , وإقامة أحزاب سياسية ويكون لكل حزب صحيفة , مع إطلاق حرية التعبير وتوفير حصانة صحفية للصحفيين , وتشجيع رأس المال الخاص !!!

كان هذا هو " مشروع عبد الحكيم عامر " الذى أثار ضده حفيظة الروس , خصوصا أنه قابل فعلا وفدا أمريكيا بفندق شبرد عام 1966 بالاتفاق مع جمال عبد الناصر بل وأقنع ناصر بمقابلتهم الذى قابلهم فعلا برئاسة الجمهورية , وأثناء هذا الاجتماع وجهوا الدعوة للمشير لزيارة أمريكا , ولكن جمال أرسل بدلا منه أنور السادات .

وعلى هذا نستطيع القول أن ناصر وعامر كانا صديقين على طرفى نقيض و ويؤكد هذا قول لمشير " أليس من مهازل القدر , أن يكون أصدق صديق لى , هو ألد عدو لي؟!"

فماذا يكون رأى الروس وعملائهم فى مثل هذا الرجل ؟!

بالطبع يكون الرأي أن رجلا كهذا يجب التخلص منه لكن كيف؟

تجدون الإجابة بداخل هذا الكتاب""

الفصل الأول

نفيسة

" التفكير فى الماضي " هو أحد خصائص العقل البشرى ويكاد يكون له على طبائع الناس قوة الغريزة , وقد أدى هذا إلى أن التفت خلفي ناظرة إلى حياتي السابقة كلها , والآن وأنا أقف على تل من السنين , انظر إلى الماضي فأرى حياتي كلها تبدو وكأنما قد ألفت لى خصيصا , وأنى قد أعطيت فيها دورا بالغ الأهمية والحيوية .

ومنذ البدائية اختارت لى العناية الإلهية مولدا كان له أكبر التأثير فى تشكيل وجداني وإعطائي المفاهيم التى كانت بالنسبة لى زادا فى رحلة الحياة الشاقة .

كان مولدي بحى " باب الشعرية" فى بيت جدي حيث كنا نعيش أنا وأمي وأبى " الابن الوحيد لجدي " وقد ظللنا فى هذا البيت حتى بلغت الرابعة تقريبا و ثم انتقلنا للسكنى فى حى " السيدة زينب" تاركين بين جدي.

وبالطبع لا أذكر من هذه الفترة الكثير وإن كان القليل الذى رسخ فى وجداني – ولا أقول فى ذاكرتي – قد وضع حجر الأساس فى بناء شخصيتي.

إن ما أذكره جيدا من تلك الفترة وما تلاها هو ( جدى) دفقة حنان دافئة اخترتها وجداني , وعاشت فى كياني على مر السنين , وكانت لى زادا ومددا يمدني بالعون والقوة عند الشدائد التى أصابتني فيما تلى ذلك من سنين , والتى وقعت فى مرحلة من أهم مراحل التاريخ المصري المعاصر والتى سيبقى تأثيرها لأجيال طويلة قادمة .

كان رحمه الله عليه من سالكي الطريق ... متصوفا من أبناء سيد" محمد أبو خليل " الولي الصالح ومن أقرب مريديه.

ولذا نشأت منذ ميلادي وأذناي تتلقيان دائما اسم الجلالة " حى" وهتاف الذاكرين الهائمين" مدد".. كانت حلقات الذكر تعقد فى بيت جدي , وكان يوم " الحضرة" يوما زاهيا بين الأيام فالطعام والحلوى كان متعة لطفولتي , حيث يصير البيت كله فى مثل هذه الليالي فى حالة من الاهتمام والانسجام .

وليلة الذكر ليلة ينشغل لها كل من فى البيت كبيرا وصغيرا لأهميتها وقدسيتها فكانت أمي تنشغل عنى بقيامها بالخدمة فى تلك الليالي .

جدي هو العالم المتصوف الشيخ محمد حسن على حواس , من مشايخ الطرق الخليلية وله مقام فى جامع سيدى " الطشطوشى" فى حى باب الشعرية , وكان رحمه الله شديد التقوى ومنه تلقيت أول مفهوم من المفاهيم التى يسير الإنسان على هديها فى حياته فقد فهمت منه أن الرجل المسلم هو" الجنتلمان" الحقيقي بالمعنى السائد فى هذا العصر ,وأن من يتصف بأخلاق الإسلام يكون رجلا معاصرا فى كل زمان ومكان , ويكون نوعا ممتازا من الرجال إذا كان مسلما حقا وملتزما بآداب الإسلام ومتحليا بأخلاقه , كثيرا ما كنت أراه يساعد جدتى فى أعمال البيت ,ولا يأنف من الذهاب بنفسه إلى السوق لشراء ما يلزم البيت رغم تمتعه بمكانة بارزة, وشخصية محترمة فى الحي الذى يعيش فيه و ورغم أن له مريدين يتمنى الواحد منهم لو قام على خدمته ليل نهار . هذا المفهوم الذى طبعه جدي على وجداني لم يعط لى بصورة درس أو موعظة أو نص من نصوص الدين وطلب إلى حفظه وإنما كان واقعا ماثلا أمام عيني فى شخص جدي " الشيخ حواس"

ولكن الحياة فى بيت جدي لم تدم " فسرعان ما انتقل بنا أبى من حى باب الشعرية إلى حي السيدة زينب , وهى أولى الرحلات الكبرى فى حياتي فقد كان انتقالا من حياة إلى " حياة" تختلف عن الأولى اختلافا كبيرا وفيما يخصني – فوق ذلك – فإنى كنت انتقلت من حيث السن – من الطفولة إلى بداية الصبا.

تفتحت عيناي على الدنيا , فى حى " السيدة زينب" ففيه دخلت المدارس وفيه عرفت الصداقة ورأيت أناسا ذوى عقول شامخة ,وأناسا ذوى عقول منحطة وعرفت الجوع والشبع والفقر والغنى , وعرفت التحدي والتسليم وفيه عرفت المسلم بالعمل , والمسلم بشهادة الميلاد ولكن الأهم من ذلك هو معرفتي بأن كل هذه الأشياء المتناقضة هى فى النهاية تنصهر كلها فى بوتقة واحدة اسمها " الحي الشعبي".

ومن الوقائع التى لا أستطيع نسيانها لأثرها القوى الذى انطبع مثل " الكى" على حياتي وكأنما اختارتها لى الأقدار لتدفعني إلى اتخاذ موقف معين , أو لإدراك عبرة ما من عبر الحياة و لتقوية شعور ما من مشاعري..

أذكر أنه كان يسكن فى البيت المقابل لبيتنا , طبيب شاب , استلفت نظري بأناقته وحسن هندامه , ومظاهر الشباب البادية عليه , وذات يوم كنت أقف فى شرفة بيتنا أنظر إلى الطريق و فرأيت شيخا مهدما , خارجا من البيت المقابل ,وحوله رجال يسندونه , فسألت أحد الواقفين من أهل حارتنا:

- من هذا الرجل ؟ - فأجابوا :" الدكتور"!

- أدهشني الرد وعدت أسأل " لماذا"؟

- قالوا" الخمر أكلت كبده"!!

- "الخمر!!" اخترقت الكلمة رأسي فنبهت عقلي بعنف إلى وجود شيطان غامض اسمه " الخمر.

- وكأني لم أسمع مثل هذه الكلمة من قبل , ولم أعرف أن هناك ساحرا يمارس سحره الأسود " الخمر " ومن سحره اللعين حول شابا يانعا, إلى عجوز ذابل البدن والحيوية ..

- كانت هذه هى المرة الأخيرة التى رأيت فيها جارى الدكتور , الذى كان مثار إعجابي بتناسقه الخلاب , ضاع الدكتور ... استقر فى وجداني أنه من الحماقة .. الإدمان

وحملت فى قلبي كراهية وحذرا منها , وتعاملت معها فيما بعد – معاملتي لرفيق من طبائعه الغدر والأذى ولم أجد من يشاركني هذا الرأي , بل ويحمل ضد الخمر آراء أشد صرامة وجهامة سوى المشير عبد الحكيم عامر . كان رحمه الله يكره الخمر وشاربها كرها شديدا , ويرى أن الرجل الذى يشرب الخمر حتى يغيب عن وعيه , ويصير هزؤه بين الآخرين رجلا غير جدير بالاحترام.

كان من حظي يومان جميلان فى كل أسبوع هما " الجمعة والثلاثاء " ففي هذين اليومين كنت أرى جدي " الشيخ حواس".

ففى يوم الجمعة .. كان يزورنا فى الصباح الباكر آتيا من " باب الشعرية" فيدخل علينا بوجه بشوش , حاملا الفطائر والحلوى عامر القلب بالحنان , فما نكاد نلتف حوله وهو يفض اللفائف ووجهه ملئ بشاشة ونورانية لا أعرف كيف أصفها ولن أنسى ما حييت رقة يد مثل يديه وهما تتلمسان رءوسنا وتربت على ظهرونا , والنعمة الكبرى حين يضمنا إلى صدره مداعبا ملاطفا وهو يقرأ بصوت هامس شيئا من القرآن والأدعية .

وكذلك كنت أراه يربت على كتف أمي بإشفاق ,وهو يتمتم بقراءة القرآن.

أما يوم الثلاثاء. فله شأن آخر وله بهجة أخرى ففي هذا اليوم تنتقل الأسرة كلها إلى بيت جدي لأنه يوم " الحضرة" وهو عندنا يوم عيد وفرح , وحتى يومنا هذا كلما تذكرت تلك الليالي الربانية , يخيل إلى أنى أشتم رائحة المسك والبخور والصندل وماء الورد وكأني أسبح فى فضاء وردى معطر على إيقاع ألفاظ الجلالة " الله... الحي.... القيوم .... الواحد .... الأحد .... القهار .... اللطيف.... الودود".

ليلة يعجز لساني عن وصف جمالها ورقتها ودفئها

على هذه الوتيرة كانت تمضى بى الحياة وأنا أنمو يوما بعد يوم وانتقل من عام دراسي إلى آخر حتى دخلت المدرسة الثانوية.

كنت فى حاجة إلى مدرس يساعدني على فهم الدروس وشرحها وتطوع ابن خالة لى بأن يحضر مدرسا يقوم بهذه المهمة , كان هذا الرجل صديقا لابن خالتي وقد ذكره بكثير من عبارات المديح والإشادة بعقله الراجح , وعلمه الغزير وفهمنا أنه ليس مدرسا بل موظفا فى مصلحة البريد , وذكر من مآثره أنه حاصل عل ماجستير فى العلوم السياسية والمالية وأن عمه هو " محمد حسنين هيكل باشا" "باشا...." اسكرتنى هذه الصفة فيه.. كان عالم الباشاوات بالنسبة لى عالما أسطوريا , وإن يدخل رجل من هذا العالم إلى بيتنا أمر يهز الوجدان .

وجاء اليوم , وحددت ساعة مجيئه قرب المساء , ومنذ الصباح لم يكن لى شغل سوى العناية يهندامى وزينتي , ونظافة حجرة الجلوس , ومدخل الشقة .

وكلما اقترب الوقت زاد قلقي ,ووساوسي... فقد صورت لى الوساوس أن حجرة الجلوس ليست فى حالة ملائمة , وخطر لى أن أعيد نظافتها وترتيبها فخلعت الثوب الأنيق , خوفا من الاتساخ ولبست ثوبا قديما وما كدت انتهى من هذا وأنظر إلى الحجرة بعين الرضا.. حتى دق جرس الباب فجريت إليه لأفتحه فإذا بى وجها لوجه أما " مصطفى هيكل".

أنا التى تزينت منذ الصباح الباكر أجد نفسي فجأة أمامه بثيابي الممزقة البالية صافحته وأنا فى حالة يرثى لها وصافحني وعلى وجهه ابتسامة هادئة واثقة وهو يقول أنت برلنتي..؟

نعم ... تفضل.

وتقدمته وأنا حافية القدمين مبللة الوجه بالعرق إلى حجرة الجلوس ولم أجد هذا الرجل الآتي من عالم الباشوات كما تخيلته . فارع الطول , بالغ الأناقة والوسامة , بل كان رجلا فى ثياب عادية قصير القامة ضامر الجسم .

ولكن... فى خلال ساعة من الدرس الأول كان قد استولى على مشاعري... ورغم إن الفارق بيني وبينه كبيرا , رغم ذلك فقد أسرني . فى هذا اللقاء وفيما تلاه من لقاءات كنت أشعر بأنني لا أقرأ معه كتابا مدرسيا. وإنما كنت أقرأ معه" كتاب الحياة" كان مصطفى هيكل من ذلك النوع من الرجال الذى لا يستولى عليك منظره , بل يستولى عليك مخبره كان دمثا, واسع الثقافة واستطاع بشخصيته المتميزة أن يحرك عقلي للتفكير ويحرك قلبي أيضا.

وخلال هذه اللقاءات تفتحت عيناي على دنيا غير الدنيا التى كنت أعيش فيها فقد كان يتناول فى حديثه كل شئ , النجوم والسماء , والأدب والأدباء , والصراع الاجتماعي وطبقات المجتمع , وكان هذا الموضوع بالذات محببا إليه غاية الحب فقد كان ماركسيا – رغم كونه من عائلة باشوات – ومنه عرفت لأول مرة ما هى الماركسية – وكان طبيعيا مع هذا النشاط الذهنى الذى أصابني أن يرد على لساني سؤال مثل " من هو الله؟"

ولم يكن أمامي سوى جدى الشيخ حواس لألقى عليه هذا السؤال . وكان من عادة جدى رحمه الله , أن يستريح فى فترة الظهيرة , وأصبح من عادتى أن ألازمه فى تلك الفترة إذا تصادف وكان فى بيتنا ومهمتي فى هذه الحالة أن أدعك قدميه ويعطيني نظير كل قدم " قرش صاغ".

فى فترة القيلولة هذه سألته عن الله , ولم يبد على جدي أنه صدم بهذا السؤال و وإنما أجابني بكل هدوء , وبصوت اكتسب نبرة غريبة من الخشوع " كنت كنزا مخفيا فأردت أن أعرف فخلقت الخلق فبه عرفوني ".

ورغم أنى لم أفهم فى ذلك الوقت معنى هذا الكلام " وهو حديث قدسي" إلا أن شيئا ما كان فى إجابته جعلها ترسخ فى ذاكرتي دون أن أنساها ...ومن يومها , يمر العام وراء العام , ومعانيها تتضح لى .. المعنى وراء المعنى تتضح لى سموا وإدراكا يستعصى على الشرح فثمة معان لا يجد الإنسان لها ألفاظا تفصح عنها, إنما هو فقط يجدها فى قلبه شعورا فياضا.

المهم ظلت علاقتي بمصطفى هيكل عدة سنوات , ظل خلالها يغذى عقلى بالثقافة بأن يحدثني مرة عن هذا الشئ أو ذاك , بأن يعطينى كتابا لأقرأه وكنت أقرأ ما يعطيني من كتب استجابة لميل غريزى عندى إلى المعرفة والاطلاع ولعلى ورثت هذا عن أبى الذى زرع فى الميل إلى القراءة لأني كنت دائما أراه وبيده كتاب , وكان محدثا لبقا فتعلمت منه أن المعرفة تفيد المتحدث فى الاجتماعات والجلسات.

وتطورت علاقتى " بمصطفى هيكل" فأصبح اللقاء لا يتم فى بيتنا فقط وإنما تعداه إلى لقاءات خارج البيت وكان أكثرها فى حديقة الأزبكية , وكان كل لقاء أتعلم منه شيئا جديدا , أو أقرأ كتابا جديدا ويناقشني فيه بعد قراءته ليعلمنى كيف أحلل ما أقرأه وأفهم أبعد مما توحى ظاهر الكلمات .

فى تلك الفترة عرفت أسماء كثيرا من الأدباء والمفكرين, وقرأت بعض أعمالهم وكان فى مقدمتهم مكسيم جوركى , ديستوفيسكى, وتولستوى , استيفان زفايج , وسومرست موم واونوريه دى بلزاك و وفى علم النفس لفرويد وأدلرويونج ثم أعطانى بعض أمال ماركس " وأنجلز" وكان منها كتاب رأس المال لكارل ماركس .. وكان من أكبر الكتب إثارة لاهتمامي " الأم" لمكسيم جوركى.

وفى تلك الفترة اعتبرت نفسى مثقفة وأجدنى هنا أقفز فوق الأحداث لأروى واقعة حدثت لى فى أحد لقاءات مع المشير " عبد الحكيم عامر".

كانت قراءاتي الكثيرة , ومجادلاتى مع مصطفى هيكل قد جعلت منى محدثة لبقة , وإن كانت فورة الشباب تخرج بى أحيانا فى النقاش والحديث عن حد اللباقة , إلى حد اللماضة, فى هذا اللقاء مع المشير كان لسانى يتدفق بأسماء الأعلام من كبار الأدباء والمفكرين ويتشدق بأقوالهم ونظرياتهم...

كان المشير يصغى إلىّ بهدوء فقد كان رحمه الله هادئا وكان لهدوئه " سلطان غريب" على من يحادثه أو يحاوره , ثم قطع على تدفقى وزهوى بسؤال بسيط :_

" هل قرأت القرآن"؟".

ولا أدرى لماذا انتابني الخجل وأنا أرد عليه بالنفى , مع أنه سؤال عادى للغاية وربما سمعه الكثيرون , وأجابوا أيضا بالنفى دون خجل ولكن سؤاله هذا البسيط :" هل قرأت القرآن؟" كان سؤالا متغلغلا نافذا إلى القلب واقتلع غروري اقتلاعا, وربما كان ذلك لطبيعة السائل ( وطبيعة المسئول) .

كان السائل هو ( المشير ) بطبيعته وسجاياه ونقاء سريرته و نفاذ بصيرته بكل تلك الخصال التى عرفتها فيه, والتى سوف أتحدث عنها فيما بعد. وكان المسئول هو أنا حفيدة الشيخ حواس , والشيخ التقى المتعبد فكان سؤاله هذا الذى ألقاه علىّ بهدوء وإيمان سببا فى أن أرى بوضوح مدى ما فى حياتي من مفارقة غريبة ... ومدى ما أمتاز به من جهل.

قال رحمه الله :-" لعلك أيضا لم تقرأى شيئا عن عمر بن الخطاب .. هل تعرفين شيئا عن عدالته وحياته وعظمته..؟

قلت " أعرف عنه . كرم الله وجهه..

فقهقه ضاحكا .. وقال أكرمك الله أهذا كل شئ ؟؟

أعود إلى قصتي مع ( مصطفى هيكل) الذى كان مهتما بتغذية عقلى بألوان من المعرفة والثقافة كان ينتقيها هو لىّ, ولم يكن معنيا بعواطفى رغم أن مكان اللقاء كان شاعريا بين الخضرة والزهور بحديقة الأزبكية , إلا أنه فيما يبدو كان يعدنى إعدادا خاصا للقيام بدور رسمه لى , ولم يفصح عنه بوضوح , وأنى الآن لآرى ذلك حين استرجع ذكريات تلك الفترة البعيدة من حياتى , ولعل القصة التالية تبين للقارئ ما أعنيه من هذا الكلام .

ذات يوم جاءنى ومعه حقيبة كتب قال وهو يشير إليها " سأطلب منك القيام بمهمة , أترين هذه الحقيبة ..؟" قلت :-نعم... وماذا بها؟

قال :- منشورات !! وبعد ذلك أخذ يوضح لىّ المطلوب , وكان الأمر كما رسمه لىّ أن أحمل هذه الحقيبة إلى محطة الأتوبيس ,فإذا جاء وركبته أنزل فى محطة كذا,... وسوف يكون هو فى انتظاري ليأخذها منى , وأخذ يوصيني بالتزام الهدوء والثقة والثبات ..

وبالطبع تظاهرت أمامه بالثبات . وإن كانت الحقيقة غير ذلك .

جاءت ساعة الصفر , وحملت الحقيبة وسرت بها إلى محطة الأتوبيس كما طل منى بالضبط كانت أمام صيدناوى الخازندار , وعند المحطة تسمرت تماما فى مكاني فقد استولى على الذعر وشل حركتي فلم أستطع مبارحة مكاني على الرصيف حيث كنت أرى الأوتوبيس يأتي وراء الأوتوبيس دون أن أجد القدرة على الحركة لركوبه ... ومكثت على هذه الحال الفترة طويلة فلا أنا أعود أدراجي إلى البيت , ولا أنا أتقدم لتنفيذ هذه المهمة.

وكانت من أقسى التجارب التى تعرضت لها فى حياتي .

وفجأة رأيته غلى جوارى ومد يده إلى الحقيبة وأخذها منى وهو يقول : لا أنت ما تنفعيش خالص.. بالشكل ده حايقبض عليك البوليس حتى لو مكانش عارف عنك حاجة .. ولم تكد حقيبة المنشورات تخرج من يدى حتى خرج الرعب من قلبى , عدت إلى البيت متعبة ولم يحاول مصطفى هيكل بعد ذلك أن يطلب منى شيئا ,وإنما مضت الحياة بيننا كالمعتاد يعطينى دروسا فى البيت , ودروسا فى الحديقة و وكنت أنمو وازداد نضجا , وعلاقتى بمصطفى تنمو هى الأخرى , وتزداد قوة ... وبعد تجربة " حقيبة المنشورات " بدأ سلوكه معى يتسم بالعاطفة , ولم تعد غايته كلها منصرفة إلى عقلي فقط , بل بدأ يولى عواطفي اهتماما خاصا . وكأنما هو لم يعد يدخرنى " للنضال " وإنما ادخرنى للزواج وصارحني بذلك واتفقنا عليه.

وفى ذات يوم سألني والدي بخشونة : أين كنت ؟ لم أرد على الفور لأنى أدركت أن أحدا رآنا ووشى بى . ولما كانت طبيعتى تكره الكذب فقد أجبته باستسلام : كنت مع مصطفى هيكل.

قال بسخرية :- حقا وهل من عادة البنت المحترمة المهذبة أن تقابل الرجال فى الشارع ثم نظر إلىّ غاضبا وقال : ولماذا تقابلينه خارج البيت ؟

قلت : إنه يريد أن يتزوجنى .. سيأتي اليوم ليخطبنى!!..

قال أبى بغضب : ومن قال أننا نريد أن نتزوج ؟ أنا لا أوافق على زواجك منه فى هذه السن .. فعليك أن تكملي تعليمك أولا. وحين يأتى سأطرده . ودق جرس الباب فدق قلبى , أسرعت بفتحه , فوجدت مصطفى هيكل أمامى قلت له هامسة : أبى قد رآنا هز مصطفى رأسه بهدوء ومضى حيث يجلس أبى فى انتظاره.

وفور دخول مصطفى على أبى أطلعه على خبر فى الجريدة التى بيده , وكان الخبر يتناول إحدى القضايا السياسية الهامة , والتى كانت تشغل بال لمجتمع فى ذلك الحين وكان أبى قارئا , مهتما بالسياسة كأغلب جيله . كثير الجدل حولها وكان مصطفى هيكل يدرك نقطة الضعف عند أبى الذى تجاوب بسرعة مع الموضوع والذى بسببه نجح مصطفى هيكل فى صرف ذهن أبى منذ الوهلة الأولى عما كان يشغله ويثيره فاندفع يعلق على الخبر , ويدلى بآرائه السياسية فى الوزارة والأحزاب , والإنجليز , والثورة وهكذا أفلح مصطفى منذ اللحظة الأولى فى إحباط مفعول القنبلة الزمنية التى كانت فى انتظاره .

وشرع بعد ذلك يغذى غرور أبى بإظهار إعجابه بآرائه " الخطيرة" فى السياسة ويبدى دهشته لسعة اطلاعه , وسداد رأيه فاندفع أبى – وقد أسكره المديح – يبسط وجهات نظره العميقة فى السياسة وحين دخلت عليهما بالشاي كان الحديث بينهما يدور بانسجام , وعلى غاية ما يكون الانسجام حتى إنهما لم يشعرا بى وأنا أضع الصينية أمامهما وانسحب فى هدوء وترقب .

ومضى الوقت والنقاش بينهما حام , حتى أصبح كل منها على سجيته .. لدرجة أن مصطفى حين رآنى داخلة فى المرة الثانية طلب منى أن أرفع أقداح الشاى الفارغة وأن أصنع لهما قهوة وكأنه هو صاحب البيت .وبعد أن أتممت دراستي الثانوية أشار على مصطفى بدخول " المعهد العالي للفنون المسرحية" وحدد لى قسم النقد .

وكنت قد نشرت مقالات فى مجالات فنية و إحداهما يديرها المرحوم " عثمان العنتبلى " ومجلة أخرى اسمها " أهل الفن" ودنيا الفن – وكانت مقالاتى بعنوان " فيتامينات الفن" واقترحت فيها إنشاء مكتبات فى الأحياء تتيح لأبناء البسطاء الاطلاع وتثقيف أنفسهم , ,كتبت قصة قصيرة بعنوان " ناقد ناشئ" ومقالة أخرى بعنوان " السينما حرب على المسرح" ... وكانت كلها محاولات.. وكنت أتمنى أن أكون كاتبة أو صحفية.

وذات يوم دخل علينا الأستاذ : زكي طليمات " عميد المعهد . وما كادت عيناه تقع علىّ حتى بدأ يتفحصنى ثم قال لى : ماذا تفعلين هنا فى قسم النقد . نحن نحتاج إليك فى قسم التمثيل وبه تدرس معظم العلوم التى بقسم النقد وأخذنى إلى قسم التمثيل , والمسافة بين النقد والتمثيل, والمسافة بين النقد والتمثيل خطوات وغيرت هذه الخطوات مصيرى كله وكانوا يعدون مشروعات التخرج وهى عبارة عن مسرحية يقوم بالتمثيل فيها مجموعة من طلبة المعهد على مسرح قاعة " إيوارث الأمريكية" وقبل الامتحان بأيام فوجئ الأستاذ زكي طليمات بغياب البطلة " ملك الجمل" الطالبة فى السنة النهائية والتى ستقوم بادوار البطولة فى المسرحية , وكانت الرواية التى اختارها الطالب " عبد الغنى قمر" لمشروعه للتخرج هى " الصعلوك" ووقع فى مأزق بغياب البطلة.

وجاءنى الأستاذ زكي طليمات ,وطلب منى القيام بتمثيل الدور أمام عبد الغنى قمر انقاذا للموقف, وقلت له لن أستطيع , ولكنه أجاب مؤكدا : بل تستطعين وجذبنى من يدى إلى إحدى الحجرات الفسيحة , ووضع النص بين يدى و وبدأ فى تلقنى الدور والحركة " الميزانسين" وتركنى لعبد الغنى قمر الذى استمات فى تحفيظى الدور جيدا و وإلا فإن فرصة السنة النهائية ستضيع من يده .

وجاءت ساعة الظهور على المسرح , وكنت قبلها فى دوامة حفظ الكلام والانبهار بفكرة أن سأقف لأمثل أما المشاهدين , ولكن ما كاد يحين موعد رفع الستار حتى انتبهت, وهى انتباهه أقرب إلى الإغماء , منها إلى الصحوة .. ففجأة أصبحت وجها لوجه أمام الجمهور وهالنى أن أرى صفوفا من الرؤوس السوداء والعيون المحملقة التى تملأ الصالة وتغوص فى الظلام . وبدأ التمثيل وبدأت ألقى " محفوظاتى" وأنا نهب للقلق والارتباك وزاد الهرج فى الصالة فقد كان أغلب الجمهور من الشبان والشابات , وكان مشهد البداية فى المسرحية فى حجرة النوم بملابس بها بعض الإغراء ,وحدث تصفيق وصفير بدرجة جعلتنا لا نسمع حوار بعضنا البعض ولم ينقذنى سوى إغلاق الستار فجأة وصعود زكي طليمات على خشبة المسرح مخاطبا الجمهور ومؤنبا له. وتحدث عن ضرورة احترام المسرح وعن قدسيته , ودعاهم إلى التزام الصمت , وهدد إن هم عادوا إلى الهرج مرة أخرى فإنه سوف يلغى العرض .

وفتح الستار مرة ثانية و وبدأ التمثيل وعبد الغنى قمر يشجعنى وفى هذه المرة كانت أعصابى أهدأ , مما ساعدنى على الاندماج وحسن الأداء. وانتهى العرض ولا أدرى كيف وتصاعد التصفيق وجاء عبد الغنى يهنئنى ويشكرنى على نجاح العرض ..

وزاد من سرورى أن الأستاذ زكى هنأنى وامتدح تمثيلى وأحسست بالزهو فإنها أول مرة أحظى فيها بهذا التقدير الجماهيرى , وإن هذه نشوة لا يعرفها سوى من ذاق حلاوتها .

كان من أثر نجاح المشروع أن فاز " عبد الغنى قمر " بالدبلوم وفزت أنا بميزات العام الدراسى .. ونجحت. وبدأن نجمى يضئ بسرعة الصاروخ وكنت أحصل على بطولات سينمائية رغم أنى كنت ما زلت طالبة بالمعهد .

أما هيكل فإنه صرح لى فى يوم من الأيام بأنه ينوى السفر إلى لخارج للدراسة وأدركت أن الدراسة لم تكن هى الدافع وإنما الهروب بنفسه من الهلاك بعد أن رأى زملاءه يؤخذون الواحد بعد الآخر إلى المعتقل ورغم ادراكى لهذه الحقيقة او استنتاجى لها إننا لم نتحدث عنها فيا بيننا.. وبعد سنوات من سفره إلى باريس وصلنى منه خطاب يدعونى فيه إلى اللحاق به فى باريس للزواج والحياة هناك . لأنه قرر الهجرة وما كنت أستطيع ترك والدتى وأخوتي للعيش بالخارج إلى الأبد فقد كنت فى ذلك الوقت مسئولة عن رعاية أخوتى ..

وفى خضم عملى السينمائى والإذاعى والمسرحى وبعد أن أصبحت نجمة فى وقت قصير تعرفت بعدد من الصحفيين والمثقفين والكتاب المميزين. مما جعلنى أشعر أنى فى حاجة إلى مزيد من الاطلاع وكنا نجتمع كل خميس بمنزلى وأنا فى غاية الشوق لرؤيتهم والاستمتاع بأفكارهم الفنية دائما بما قرأوه , وكان من المترددين على ندوة الخميس أحمد بهاء الدين , وأنيس منصور , نجاح عمر وزوجها محمود المراغي , عدلى فهيم , حجازى مهجة عثمان وكثيرون ممن تفخر الحياة الثقافية بهم وبالرغم من المكاسب المادية والشهرة فقد كنت أشعر بوحدة قاتلة , وإن شيئا ما ينقصنى وللأسف لا أعرف ما هو:! .. لمن أتعطر وأتزين ؟.. كانت مشاعر غريبة خاصة أنني كنت أنفر من مجرد التفكير فى الزواج لما رأيت وسمعت عنه !! واتسعت الدائرة عن طريق عملي اختلطت بالأجانب من الفنانين والفنيين واستمتعت بأن أكون مضيفة لهم فى بلدى, وعرف عنى هذا فكانوا يقصدونني مباشرة وأطلقوا على اسم " برلنتي عبد النيل) وكانوا يقولون إني أشعرهم بأنني سفيرة لمصر عندهم.

وتمضى حياتي على هذه الوتيرة . الوقوف أمام الكاميرات , ندوة الخميس , وتلبية دعوات السفارات ثم الانفراد بنفسى , وحيرتي فى نهاية المطاف ... هكذا كانت حياتي فى أواخر عام سنة 1960 , وكنت أتعرض لنقلات فجائية , أبرز ما فيها , أنى لا أختارها ولا أسعى إليها!!

وفى ذات ليلة كنت مدعوة إلى حفل مستر باتل – سفير الهند فى منزله بالزمالك – تكريما لقنصل أمريكا فى القاهرة , وكان الحفل يبدأ فى الساعة الثامنة والنصف ولكن نظرا لانشغالي بالتصوير فى أحد الأفلام فقد ذهبت بالمكياج , وحال دخولى هلل كثير من معارفي من الجانب فى حفاوة وود, وهم يهتفون بى مرحبين "هو... " برلنتي عبد النيل".

ولم يمض وقت طويل حتى تألفت حولي حلقة من السفراء وأعضاء السلك الدبلوماسي , وأصبحت هى الحلقة الرئيسية فى حفل السفير المقام بحديقة منزله . وفيما نحن نتبادل الأحاديث , الفكاهات السارة أحسست برجل يقف خلفي ويزاحم الرجل الواقف بجواري , كان يضغط عليه – وكأنه فى أوتوبيس مرذحم – ليحتل مكانه , ثم دفعه بقوة دفعة أزاحته عن مكانه , وأصبح بعدها الرجل الواقف خلفي واقفا بجواري , وفى غمرة دهشتي من هذا السلوك مال الرجل على أذني حتى أصبح فمه فى أذنى مباشرة وقال لى هامسا : " أنا فلان الفلانى .." مخابرات)

اعتراني الارتباك والخجل , فإن الهمس يعد عيبا فى مثل هذه الحفلات وأحسست بأن جميع العيون ترقبنى وساد الصمت .

رفعت عينى نحو الشاب – وكان طويلا اسمر – وقلت له بالإنجليزية – حتى يفهم الجميع -: وما شأني أنا بالمخابرات.. إنني فنانة ولا دخل لى بالسياسة والواقع أنني تعمدت الحديث بالإنجليزية حرصا على صداقتي بالرجال العاملين بالسلك الدبلوماسي , وحرصا على ثقتهم فى هذه الثقة التى دفعتهم إلى أن يفتحوا لى أبواب بيوتهم لأخالط زوجاتهم وأبنائهم .. مسلك كهذا كفيل بإدخال الشك إلى قلوبهم وابتعادهم عنى خصوصا أن أغلبهم يلم ببعض اللغة العربية . ثم مال الشاب الأسمر مرة أخرى على أذنى ثم همس " الريس وصل" .

نظرت حولى غير مصدقة فأنا لم أسمع لفظا أو جلبة أو أى شئ مما يصاحب مقدم الرؤساء , وأشار لى الرجل بيده , فنظرت إلى حيث أشار , فرأيت رجلا متوسط الطول خجولا , يقف بمفرده تحت إحدى الأشجار و قلت لرجل المخابرات : هل البروتوكول يقضى بأن الرجل هو الذى يأتى للسيدة إذا كان يريد الحديث معها , وليس من اللائق أن يدعوها إليه , ثم ما شأنى أنا بكل هذا ؟؟

وعلى كل إذا كان يريد الحديث معى فليتفضل . كان الصمت والوجوم قد عاد إلى الحفل بعودة رجل المخابرات, وحين قلت له هذا الكلام السابق لاحظت ظل ابتسامات ترفرف على شفاه الحاضرين .

انتهت الحفلة , وعدت إلى البيت و أغلق الباب ورائى حتى سمعت جرس التليفون يرن .. رفعت السماعة فجاءني من الطرف الآخر صوت رقيق مهذب يقول :" أنا صلاح بدر مدير المخابرات الحربية " وصمت وواصل حديثه الهادئ قائلا : اسمعي يا مدام برلتنى .. نحن نعرف أنك وطنية , فرددت عليه : طبعا قال:- إذا كان هناك خطر يهدد الوطن , وطلب منك المساهمة فى حماية وطنك من هذا الخطر فهل تمانعين؟

قلت له :- إذا رأيت خطرا فلن أنتظر حتى يطلب منى ذلك بل سأعمل من تلقاء نفسي . أجاب : عظيم ... ونحن لا نريد منك أكثر من ذلك فأنت يا مدام برلنتى صديقة لعدد كبير من الأجانب , وكل ما نريده منك أن تؤدى خدمة للوطن وحماية للثورة , فأنت بالنسبة لنا وجه نادر لمعرفتك العميقة برجال السلك الدبلوماسى , وكل ما نطلبه منك أن تكتبى تقريرا عن أى شئ تسمعينه ..

قلت له على الفور : اسمح لى .. أنا بنت بلد , ولا أخون من وضع ثقته فى , وليس من عادتي أن أنقل كلاما قيل أمامي , هؤلاء الناس أنا دخلت بيوتهم وأكلت معهم " عيش وملح" ثم أننى فنانة ولا دخل لى بالسياسة :" الفن هو كل حياتى " قال الرجل بأدب ورقة :- إذن لا نطلب منك كتابة تقارير, لكن هل نطمع فى إنك إذا رأيت شيئا فيه خطر على أمن مصر أو الثورة تخبرينا عنه ؟

قلت : - طبعا

قال صلاح بدر منهيا حديثه :- هل لديك مانع إذا اتصلت بك مرة أخرى؟

قلت : أبدا يشرفني ذلك .

وانتهت المكالمة ووضعت السماعة فى دهشة من أن يكون هذا الرجل الخجول الرقيق رجل مخابرات , فأنا لم أكن قد رأيت من قبل رجلا من المخابرات.

ومرت أيام كنت قد نسيت خلالها هذه الواقعة وفى ذات يوم زارتني فى بيتى كاتبة دينية معروفة وبعد أن جلست قالت :

- هناك شخص يريد أن يأتى لزيارتك.. فهل لديك مانع ؟

- سألتها : ومن هو؟ - إنه شخصية هامة , أحد المسئولين فما رأيك ؟

- ولماذا يريد أن يزورني ؟

- لا أعرف , هو بنفسه سوف يخبرك إذا وافقت على الزيارة وبعد محاولات بينى وبينها قلت لها فى النهاية :" لا مانع فليتفضل".

قالت قبل انصرافها : هل لديك مانع أن آتى معه؟

- قلت أبدا " أهلا وسهلا".

- انصرفت السيدة وبقيت وحدي وبعد ساعة تقريبا دق جرس الباب , وعندما فتحت وجدت أمامي " السيدة الكاتبة" ومعها رجلان , أفسحت لهم الطريق , فإذا بالرجلين يدخلان ويدوران فى أنحاء الشقة , فاحصين مدققين بنظراتهم هنا وهنا ثم سألني أحدهم :" أين باب المطبخ؟".

فادللتهما على مكانه , فذهبا إليه ,و استطلعا المكان بل واستطلعا كل منافذ الشقة وبعد أن انتهيا بارحا البيت صامتين .. وبقيت أنا والسيدة فى انتظار الشخصية الهامة المجهولة .

- لم يمض وقت طويل حتى دق الجرس مرة أخرى , وعندما فتحته رأيت أمامى رجلا ممتلئا قليلا مبتسم الوجه . دخل الزائر , وبعد أن استقر به المقام انشغلت قليلا بإعداد الشاى فقد كان من عادتى صرف الشغالة بعد الظهر .. وبعد أن قدمت الشاى جلست فبدأ الرجل الحديث بالسؤال التقليدى عن الصحة والحال ثم قال :

- نحن نعرف يا مدام برلتنى أنك نجمة محبوبة , وأن كثيرا من الأجانب المهمين المقيمين فى مصر يحبونك ويصادفونك ويهمنا حقا أن تتعاوني معنا .

- سألته : ومين حضرتك ..؟

- بدت الدهشة على وجهه ثم تساءل بأدب : ألا تعرفين صلاح نصر ..؟

-لا لا أعرفه .. يعنى بتشتغل إيه حضرتك؟ ضحك الرجل وهو يتفرس فى وجهي غير مصدق, ثم قال : صلاح نصر مدير المخابرات , قاطعته بقولى :

- ولكن مدير المخابرات اسمه صلاح بدر!!

- قال : صلاح بدر مدير المخابرات الحربية .. لكن أنا مدير المخابرات العامة .. إن عملنا ينحصر فى نطاق الجانب , ومهمتنا هى العمل على حماية الوطن من الجانب الذين قد يقوم بعضهم بنشر مبادئ خاطئة أو عمل شبكات جاسوسية تستهدف الأضرار بمصلحة الوطن و إن عمل المخابرات ضروري مصر من أعدائها وهو عمل يتسم بالوطنية وأظنك يا مدام برلتنى توافقين على ذلك ..

- قلت : طبعا..

- استرسل صلاح نصر قائلا : إنك تختلطين بالأجانب , وتسمعني منهم كل ما يقولون وتعرفين كيف يفكرون وكل ما نطلبه هو تقرير لن يستغرق من وقتك أكثر من دقائق

- قلت له : حقيقة أنا لا أذكر الجزئيات لأن تكوينى العقلى لا يهتم بالجزئيات وإذا قرأت كتابا فلا أذكر تفاصيله وإنما أذكر الخطوط العريضة به .

- دار صلاح نصر بعينيه فى أنحاء المكان وقال : هذه الشقة صغيرة .. ولا تناسبك سوف نعطيك شقة كبيرة , ونؤثثها لك بشكل فاخر.

- تساءلت : لماذا؟

قال : حتى تكون صالحة لنشاطك , ولائقة لاستقبال الضيوف

- قلت : ولكنى لا أريد ذلك ..

- قال : لماذا؟

- لأن هذه الشقة شقتي استطيع أن أقابل بها من أشاء ولا أستقبل فيها من لا أريد .

- ابتسم صلاح نصر قائلا والشقة الأخرى ستكون شقتك أيضا

- لا.. ليست شقتي.. أنا أحب هذا المكان , فكل شئ صنعته بنفسي ووفق رغبتي وأنا أعيش حياتي راضية .

- بماذا ؟ بأربعمائة جنيه هم كل رصيدك فى البنك ؟

هذا أكبر مبلغ ادخرته , وأنا أعتبره ثروة كبيرة وسعيدة به ..

- قال وكأنه لم يسمع اعتراضي : ستكونين فى أمان تحت رعايتنا , وإذا حدث وتهددك أى خطر فنحن سنقوم بحمايتك منه فإنك لن تدركي إن هناك خطرا أم لا.

قلت مصممة على رفضى: أنا لا أصلح لمثل هذه المهمة ’ أنا أحب وطنى حقا ولكنى أخدمه عن طريق الفن فأنا لا أعرف شيئا عن السياسة .

- قال برقة : المسألة مسألة اختيار نحن نشرح لك الميزات ولك حرية الاختيار ثم قال : هل تسمحين بالسؤال عنك بين وقت وآخر ؟ ألا ترغبين فى سماع صوتنا .. ورددت بقولي أبدا أهلا بك ويشرفني ذلك .

الفصل الثانى

الطريق إلى قدرى ... إلى عامر!!

كانت من المترددات على ندوة الخميس صديقة تعمل صحفية بروزا ليوسف وفى صباح أحد الأيام رن جرس التليفون وكانت المتحدثة هى الصديقة الصحفية . قالت : هل أستطيع أن أراك اليوم ؟

قلت لها : ولكن اليوم هو الثلاثاء وليس الخميس !!

قالت : أعرف ذلك .. ولكن لابد من رؤيتك اليوم لأمر هام جدا .. هل أستطيع أن أمر عليك لنتحدث ؟ ... وجاءت الصديقة وقالت لى : لقد رشحتك للانضمام إلينا !!

- تساءلت بدهشة .. أنتم .. من ؟

- قالت - تعرفين أن أعداء الثورة كثير , وإننا يجب أن نعمل على حمايتها من أى عدو لمصلحة الوطن , والجماهير الكادحة ولبقاء الدافع الثوري مستمرا لابد من إزالة أى عائق فى طريقه ونحن نعمل من أجل ذلك ... وقد رشحتك وهناك اجتماع سوف يعقد غدا ولابد من حضورك !!

- قلت لها : أنت تعرفين أنى لا أهتم بالسياسة وحتى الجرائد لا أقرأها إلى درجة أنى لا أعرف رجال الثورة ... ولا أتحدث فى شئ غير الفن ..

- قالت : إن كل ما تقولينه هو فى الحقيقة سياسة , فالفن سياسة و والاقتصاد سياسة , ومشاكل الناس التى تعالجها الأفلام سياسة ,... إن السياسة تدخل فى كل نواحي نشاطنا اليومي وهكذا ترين أنه من الضروري أن تنضمي إلينا وتحضري الاجتماع غدا

- سألتها – ومتى سيكون الاجتماع ؟

- فى الثامنة والنصف غد .

- قلت لها : دعيني أفكر .. ولكنها أصرت .

- واتفقنا على أن تمر بى فى المساء لتصحبني إلى مكان الاجتماع فسألتها وأين سيكون ؟ أجابت : فى شارع الهرم ولن أخبرك بتفاصيل أكثر فربما تغيرين من رأيك غدا فلا داعي لأن تعرفيه .

- وفى اليوم التالي , كنت قد انتويت الذهاب معها بدافع الفضول , وأصبح كل ما يشغلني هو اختيار اللبس والزينة , وعندما اقترب الموعد , لبست ثوبا أبيض ذا أكمام طويلة وحذاء ذا كعب منخفض , واخترت تسريحة شعر معينة جعلتنى أبدو كطالبة أنيقة رشيقة .وعندما جاءت صديقتي فى الموعد سألتها : ما الغرض من هذا الاجتماع ؟

- أجابت : إن السلطة يهمها أن تعرف ما تعانى منه الجماهير لتعمل على رفع المعاناة ومقاومة السلبيات التى قد تضر بمصالح الناس , وأن الطريقة المألوفة هى كتابة التقارير غير الصادقة , فكيف يعرف " اللى " فوق متاعب وأوجاع " اللى تحت " بصدق؟ إن المهمة التى تقوم بها هى إعطاء الحاكم صورة صادقة عن مشاعر الناس , ولذا فقد تم انتقاء الأفراد ذوى السمعة الحسنة والجرأة ليقوموا بذلك .

- بدا لى هذا الكلام معقولا ومنطقيا , كما كان فى عصر عمر بن الخطاب الذى كان يتجول بنفسه فى الأسواق ليتفقد أحوال الرعية " كما درسناها فى المدارس " فالحياة المعاصرة من الاتساع والتعقيد بحيث يكون مثل هذا العمل نافعا ومبصرا للحاكم .. فى الطريق قالت إن الاجتماع فى مكان سرى .

- وما هى إلا لحظات حتى وصلنا فرأيت بيتا من دور واحدا بحديقة ورأيت الأضواء قوية تشع من كل ركن فيه , وعددا من الرجال متناثرين حوله وعند المدخل , وبدا لى المكان لا هو سرى ولا شبه سرى , فقد بدا لخيالي أن المكان الذى نقصده لابد أن يكون مكانا غامضا يختبئ فى الضباب والظلام , والدخول إليه يكون تسللا والحديث همسا ..

- دخلنا وأول ما استرعى نظري هو الإهمال الواضح فى طريقة تنسيق الأثاث بل إن المكان كله كان يبدو بسيطا فقيرا .. ورأيت فى هذا المكان عددا قليلا ن الناس المتناثرين هنا وهناك فى انتظار مجئ السادة المسئولين .

- وطال انتظاري حتى مللت , وأعربت لصديقتي عن رغبتي فى الانصراف ,ولكنها قالت " من العيب" أن تنصرفي خاصة أنى قد أعطيتهم اسمك , فانتظرت على مضض ورغبتي فى الانصراف تزداد دقيقة بعد دقيقة.

- وفجأة أصاب الحاضرين اهتمام وحركة وسرى همس " وصل ... وصل " فاهتممت مع المهتمين , وتنبهت حواسي لما يجرى من حولي ثم دخل " عبد الحكيم عامر" ومن معه ولأني كنت فى المؤخرة فقد رأيت رؤوسا تتحرك وسط الناس القليلة من الحاضرين الذين تجمعوا لاستقباله.

- كانت فى مؤخرة القاعة منصة وهى عبارة عن مائدة مستطيلة وخلفها كنبة وعندما جلس الجميع استطعت أن أرى عبد الحكيم ومن معه , كان هو وسط وعن يميه وشماله أشخاص لا أعرفهم وأخذت أتفرس بفضول فى وجه عبد الحكيم عامر هاهو أمامي .. واحد من الضباط الذين يحكمون مصر , وأدهشني أن أجده فى ثياب عادية , ولا تبدو عليه طلاوة الرجل المودرن , كان يرتدى بذلة زرقاء , وكرافتة أزرق مخططا , وتسريحة شعره قديمة .

- وبدأ الاجتماع بكلمة مختصرة ألقاها عبد الحكيم عامر فينا على قدر ما أذكر :

- تعرفون جميعا الغرض من هذا الاجتماع ،إن الثورة حريصة على مصالح الجماهير , وإقامة حياة اجتماعية آمنة بالنسبة لأنباء الوطن والذي نريده منكم هو إبلاغنا عما يعانيه الناس من متاعب أو مظالم بل ونريد منكم تعرفينا بأخطائنا , فإن كان ثمة قرار خاطئ , أو انحراف فى أي موقع من المواقع فإننا نعتمد عليكم فى تعرفينا بكل ذلك حتى نقوم بإصلاحه والعمل من أجل مصلحة البلد والإنسان المصري كان يتكلم بصوت هادئ وبلهجة عادية للغاية واختتم كلمته القصيرة بقوله :

- والآن أريد أن أسمع منكم لأنا جئنا لنسمع منكم , سكت" عبد الحكيم عامر

- " قام أحدهم ليتكلم فإذا به يفيض مدحا وثناء للثورة ورجال الثورة , ومضى على هذه الوتيرة يتحدث بحماس , وأنا لا أدرى من أين يأتي بهذه الألفاظ الرنانة, ولا من أين يستمد هذا الحماس الطاغي , وهو يمدح ويثنى ويتملق ..

- وانتهى الرجل من كلامه وجلس, وقام آخر وتبعه آخر وكلهم تحدثوا كما تحدث أولهم مدحا وثناء فى للثورة ورجال الثورة, وكأنه ليس فى الإمكان أبدع مما كان , واستبد بى ميل قوى للحديث, فنهضت معربة عن رغبتي فى الكلام , ويبدو أن حديثي بصوت هادئ لم يصله , فطلب منى " عبد الحكيم عامر " أن أتقدم , فسرت إلى أول الصفوف حتى أصبحت قريبة من المنصة فقال لى وهو يتفحصني بعينيه غير الواضحتين وبصوته الهادئ تفضلي .

- قبل أن أتكلم أريد الأمان!! ولم أكد أقول ذلك حتى أحسست بمن تجذب طرف ثوبى ومن يلكزني ويشد حزام وسطى .

- وقال عبد الحكيم عامر : الأمان من أى شئ؟

قلت: الأمان من ألا أخرج من هنا إلى المجهول ... الأمان لأضمن أنى سأبيت الليلة فى بيتى .

قال عبد الحكيم عامر , وقد شاب صوته نبرة ساخرة: لك الأمان .. تكلمي.

قلت دون أن يشد أحد ثوبى هذه المرة ويلكزني:

- لى صديقة اختفى أبوها .. أخذوه من الدار إلى النار ولا أحد من أهله يعرف أين هو.. أو ما هى التهمة , ولا يجدون من يجيب على أسئلتهم من المسئولين ,أو يدلهم على مكان والدهم !!... فكيف حدث مثل هذا الأمر ,ومن المسئول عنه ؟

- غضب عبد الحكيم عامر وتلفت إلى من بجانبه قائلا:

- كيف حدث هذا .. أهذا معقول .. ومرة أخرى امتدت الأيادي تلكزني وتشد طرف ثوبى .. ثم رأيت عبد الحكيم يلتفت إلى من خلفه " وكان علي شفيق " وتحدث معه قليلا ثم قال :

- إن والد صديقتك قد تم القبض عليه عن طريق المباحث العامة ... وسوف أرى هذا الموضوع وأتخذ الإجراءات المناسبة , وانفض الاجتماع , وفى طريق العودة قالت صديقتي مندهشة .." ما هذا الذى فعلته" قلت :" فعلت ما يجب أن يفعل" وقلت ما يجب يقال .. فإن لم يكن الكلام على هذه الصورة فإني لا أرى داعيا لمثل هذه الاجتماعات ... أتظنين أنهم عملوا هذا ليسمعوا قصائد المدح أو ليسمعوا عن السلبيات والانحرافات .

- وعدت إلى بيتى آمنة لأنام بين أمى وأخوتى . وفى ذات ليلة اتصل بى صلاح نصر عن طريق التليفون ولما رفعت السماعة جاءنى صوته مداعبا:

" أهلا باللمضة.. إيه اللماضة دى كلها .." وأنهى حديثه معى فى تلك الليلة قائلا : اتصلنا بالمباحث العامة , يمكنك الاتصال بصاحبتك لتطمنيها على والدها... إن اعتقاله تم عن طريقها وقد أمر سيادته " يقصد عبد الحكيم عامر " بالتحقيق معه تمهيدا لإطلاق صراحة خلال أيام , ثم قال : على كل حال كان تصرفك طبيعيا . ثم ودعني ووضع السماعة . بعد ذلك اليوم فوجئت بصلاح نصر يزورني مساء وبعد تبادل التحية قال :" أريد أن تأتى معى الآن ". سألته مندهشة ... الآن ... لماذا؟ قال :" ستقابلين بعض الشخصيات الهامة " فسألته : ومن هم : ستعرفين حين تصلين . قلت : لا أذهب .. فليس من عادتي الذهاب لملاقاة ناس لا أعرف من هم !!

كان صلاح نصر ذكيا , وقد أدرك منذ أول لقاء بينى وبينه مدى صلابة رأيي وعنادي فلم يحاول الإلحاح أو المناورة وإنما قال : أنا أعرف أنك " بنت بلد" وأنا سوف أخبرك على شرط ألا يعرف أحد أنى أخبرتك وأنا أثق فيك, أعطيني الموافقة على شرطي .. قلت : موافقة .. قال : ستجدين هناك سيادة المشير عبد الحكيم عامر وهو يريد أن يتحدث معك ..

كانت الليلة من الليالي الباردة , وانطلقت بنا العربة فى شوارع شبه خالية من المارة وعندما وصلنا إلى مكان اللقاء وجدته مكانا منعزلا غارقا فى الظلام قلت لصلاح نصر فى نبرة مزاح أخفى بها شكوكي ... إيه الحكاية .. واخذني على فين ؟ دخل بى صلاح نصر إلى حجرة ضعيفة الضوء , يجلس فيها عدد من الرجال الغارقين فى معاطفهم وكوفياتهم وطوقيهم حتى إن الناظر إليهم لا يستطيع التعرف على ملامحهم , وقدمهم لى صلاح نصر بأسماء وصفات أظن أنها جميعها منتحلة .. وكان من بينهم رجل ينادونه يا " دكتور" وكان هذا الدكتور هو " عبد الحكيم عامر " وكان مرتديا طاقية ينزل طرفها حتى حاجبيه ويتلفح بكوفيه تخفى نصف وجهه , فلم يعد ظاهرا من وجهه سوى عينيه , ويضع نظارة , وإذا كان عبد الحكيم يريد أن يكسب ميزة فى الحوار بتخفيه, فقد اكتسبت أنا أيضا ميزة فى كوني أعرفه وهو لا يعرف أنى أعرفه وأبدى صلاح نصر ملاحظة عدم حضوري الاجتماعات وتساءل لماذا لا أواظب على الحضور فقلت :

- وماذا أقول فى مثل هذه لاجتماعات !! إنى أرى المتحدثين لا يقولون سوى قصائد مدح وثناء فماذا تنتظر فى جو ملئ بالنفاق مثل هذا .

- رد على بقوله :

- يمكنك أن تقولي ما تشاءين . فأنت " لمضة" تستطعين الكلام فى كل ما تشاءين

- قلت : لمضة مع مين؟ مع شوية ضباط ؟

- قال : إذن فأنت لا تعرفين شيئا عن الضباط . إن كثيرين منهم واسعوا الثقافة..

- وأخرجت سيجارة ولم أجد معى ثقابا فإذا بعبد الحكيم عامر يخرج ولاعته رغم تخفيه ويشعل لى السيجارة , قلت وأنا أنظر إلى وجهه على ضوء الولاعة :

- أنت تشبه شخص أعرفه !!

- قال شخص تعرفينه ؟.. من هو "!!

- أنت تشبه " الأستاذ عبد الحكيم عامر "!!

- عاد إلى مقعده وأغرق فى الضحك , سألني أحدهم وكان عباس رضوان :

- وما هى ثقافتك أنت؟

- قلت : قرأت لسومر ست موم , وبلذاك ودارون و....

- رد عبد الحكيم :

- يعنى كلهم خواجات :... هل قرأت للمنفلوطي أو الجاحظ أو شوقي أو طه حسين .. هل قرأت عن عمر بن الخطاب ؟

- أصابني الوجوم , فأنا لا أعرف شيئا إلا القليل .. ثم سمعته يقول :

- طيب يا مسزسبجتى؟!!

- قال : نعم.. أليس الإيطاليون يحبون " المكرونة الأسباجتى" وأنت لا تعرفين ولا تقرئين سوى للخواجات أنت مسزسباجتى !! أحسست أنه أفحمني .. وكنت نادرا ما أفحم ووصال سؤالي:

- لمن قرأت أول ما قرأت ؟

- قلت :- كان أول ما قرأت هى رواية " الأم – لمكسيم جوركى" وقرأت أيضا ليسويفسكى , وتولستوي.قال فى نبرة ساخرة :

- لكنهم شيوعيون .. يعنى !! ثقافة عيالى .. ثم قال : اقرئي القرآن واقرئي عن عدالة عمر بن الخطاب واقرئي عن مصطفى كامل ,ومحمد فريد والجاحظ .و أن الطفل يتعلم أول ما يتعلم الأشياء التى حوله , والتى هى قريبة منه أما أنت فلم تنظري للأشياء القريبة منك , ولم تعرفيها , ومع ذلك تدعين معرفتك بالأشياء البعيدة , كان يجب أن تعرفي شيئا عن أبناء بلدك أولا, وأن تعرفي شيئا عن ثقافة دينك ولغة وطنك العربية فتاريخ بلادك ملئ بالثقافة والمواقف العظيمة والبطولات.

وعقب ساخرا " ولا إيه يا مسزسباجتى" ..أدرك عبد الحكيم نقطة ضعفي وهى جهلي بأي شئ عن الأدباء العرب والمسلمين وعن الشخصيات الإسلامية . وكان يبدو معجبا بهم غاية الإعجاب انتهت المقابلة بعد ذلك انصرف عبد الحكيم عامر ومن معه أولا وراءهم أنا وصلاح نصر الذى قام بتوصيلي حتى منزلي .

- قلت : كانت حياتي كلها ملكا للفن وأمي وأخوتي و لندوة الخميس وأصدقائي من عائلات السلك الدبلوماسي وأصبح ما حدث لى فى الاجتماع الأول على هامش حياتى ولم اندمج فيه. كان بالنسبة لى عارضا انتهى وعدت إلى نشاطي العادي من تمثيل وأحاديث صحفية وما إلى ذلك.

- وفى ذات يوم .. وكان من أيام الخميس – اتصل بى فى الصباح " علي شفيق " وسألني " هل أنت مشغولة اليوم ؟ قلت : عندي ندوة الخميس فى المساء . قال :

- " خسارة" إذن اتصل بك فى يوم آخر .

- قلت له :" إن الأمر فى يدى". كلها التزامات أملك التخلص منها الليلة .. وحددنا موعدا فى المساء لنلتقي فى ذات المكان الذى تقابلنا فيه المرة السابقة ,وكان لابد ن الاتصال بكافة صديقاتي وأصدقائي من أعضاء ندوة الخميس معتذرة بظروف طارئة .

- وفى الموعد ركبت عربتى وانطلقت بمفردي إلى مكان اللقاء , وعندما دخلت المكان لم أجد أحدا على الإطلاق سوى رجل ذى ثياب مدنية يقوم على حراسة المكان فسألته إن كان أحد قد حضر .. قال لم يأت أحد .. أوقفت سيارتي بالحديقة , وبقيت بداخلها لمدة عشر دقائق دون أن يحضر أحد , آنذاك أدرت المحرك وانطلقت عائدة .. ولمحتهم قادمين فى سيارة ولكنى لم أتوقف وواصلت السير راجعة إلى البيت .. وعندما دخلت شقتى لم تمض دقائق حتى رن جرس التليفون كان المتحدث علي شفيق سأل " لماذا انصرفت" قلت : انتظرت حوالي ربع ساعة علاوة على أنى جئت متأخرة ثلث ساعة .. أخذ منه عبد الحكيم عامر السماعة وقال لى بهدوء : أم تشاهدينا؟

- قلت : نعم رأيتكم ولكن البروتوكول يقضى أن ينتظر الرجل وليس العكس , وقال بلهجة حاسمة لا تخلو من رقة :" نحن جميعا فى انتظارك " ولم ينتظر ردى!!

- عدت إلى الفيلا مرة أخرى ,وهناك وجدت عباس رضوان , وصلاح نصر وعبد الحكيم عامر وبعض معاونيه – وعند دخولي نهض واقفا ليستقبلني ببشاشة وقد أثرت فى نفسى طريقة لقائه المفعمة بالرقة والبساطة.

- وفى هذا اللقاء لاحظت لأول مرة هناك شابا يلازم عبد الحكيم عل الدوام , لفت هذا الشاب نظري بانشغاله الكامل لكل ما يخص عبد الحكيم , واهتمامه العميق المخلص بمتابعة وتلبية أوامره حتى قبل أن يطلبها منه عبد الحكيم وكأنما كان يحس بما يدور فى رأسه .كان شابا أبيض اللون هادى الملامح , خجولا يوحى بالثقة والطمأنينة . من ذلك النوع الذى تألفه النفس وتطمئن إليه , عرفت فيما بعد أن هذا الشاب هو محمد متولي السيد" السكرتير المخلص لعبد الحكيم عامر .

- وعند وصولي كانوا يناقشون موضوعا غمض علىّ فلم أدرك عمن يتحدثون فهم حريصون على تجنب ذكر الأسماء .

- ولكنى فهمت أن عبد الحكيم عامر كان يشعر بالضيق من أفعال شخص ما وكانوا يتحدثون بطريقة توحى بأنهم أصدقاء للطرفين ويبذلون جهدهم لتخفيف الأمر على عبد الحكيم الذى كان مهموما ضائقا بكل هذه التبريرات إلى حد أن سمعته يقول : وهى إسطال مالها .. والجبنة القريش مالها!!...

- وقد عرفت فيما بعد أن إسطال هى بلدته ..

- ولم يستمروا فى مناقشة هذا الموضوع .. فقد التفت إلى عبد الحكيم فجأة قائلا : كيف حال مسز سباجتى؟

- قلت : مبتسمة بخير ..

- قال : وكيف حال أصدقائك الطليان؟

قلت : بخير فى أحسن حال .

سألنى: أريد أن أعرف ما الذى يعجبك فى الأجانب ؟

قلت : أنهم صرحاء وصادقون , وإذا خرجت معهم عاملونى باحترام يعاملون المرأة وكأنها " أميرة" والواحد منهم لا يفرض نفسه على المرأة ولا يعطى لنفسه حقوقا لمجرد خروجه معها مرة " لشرب الشاى مثلا" فلا يتدخل فى شئونها الخاصة , ولا يفرض نفسه على حياتها.

قاطعنى قائلا: ألم تجربي صداقة أحد من المصريين ؟

قلت : كانت لى تجربة مرة .. زيجة فاشلة . جعلتني لا أفكر فى الارتباط و الزواج

قال : والرجل الشرقي ... ما عيبه؟

قلت : عيبه أنه يفرض نفسه على حياة المرأة الخاصة لمجرد أن التقى بها مرة , أو شرب قدحين من الشاى , أن عاملته برقة ويتصرف معها وكأنه اشتراها!!.. تصور أن صحفيا التقيت به مرة وعاملته بلطف وذوق فإذا به يتصل فى اليوم التالي تليفونيا , وإذا به يسأل فى أول الحديث " ماذا تفعلين الآن" ورغم ضيقي بالسؤال فقد أجبته : لا شئ سوى أنى أنتظر صديقا .. فسأل : من هو؟...

قلت له : ماذا تقصد بهذا السؤال ؟

قال : إننى أسأل!!..

قلت : وأنا أجيب على سؤالك .. وتحولت المكالمة بعد قليل إلى عتاب ونقار ويقول : لماذا تعاملينني هكذا ؟ من حقى أن أعرف ..

قلت له : فكر فى لواجبات قبل الحقوق .. هل بيننا هذه الحقوق والواجبات وهكذا تصور أننى ملك له بفنجاى شاى!!

قاطعني بقوله : سيمون دى بوافوار يعنى !!..

قلت : أننى معجبة جدا بحياة سيمون دى بوافوار وجان بول سارتر..

سأل : لماذا ؟

قلت : لأن كلا منهم يحترم حرية الآخر , ويعيشان معا فى حالة توافق عقلي وانسجام نفسى , لهذا أعجب بهما لأنى أؤمن بأن الإنسان حر ولا يجب أن يفرض عليه شخص آخر إرادته ..

قال عبد الحكيم : ولكن الحرية ينبع منها الالتزام بدافع الاحترام

قلت : لم أجرب هذا الشعور ولم أجد هذا الشخص .. ساد الصمت لحظة..

ثم قلت له : هل تسمح لى أن أحدثك بصراحة؟

قال تفضلى :

قلت : فى المرة السابقة عرفتك ..

قال باسما : وأنا أدركت أنك عرفتنى

قلت : فى هذه الحالة أرجو ألا تغضب من قولي " شوية ضباط"

قال :" أنت معزورة",, فمن أين لك أن تعلمي شيئا عنا ؟ أنني أحب القراءة منذ كنت طفلا فى الصعيد , وكان لدينا مكتبة ليس بها سوى بضعة كتب لا تعد على الأصابع ولكن هذه المكتبة امتلأت بالكتب التى كنت آتى بها من القاهرة لقراءتها , وأصبحت القراءة من عادتي , فلا أستطيع النوم مهما كان الوقت متأخرا قبل أن اقرأ شيئا ..

قلت : نعم لاحظت ذلك ... وبعد قليل سألته :

هل تسمح لى أن أبدى ملاحظة ؟ نظر إلى مشجعا وهز رأسه بالإيجاب فقلت " رغم أنك رجل سياسى , وقائد عسكري فقد لاحظت أنك خجول ". قال : أنت تحكمين على بسبب انطباعك عن اللقاء السابق , والواقع أننا كنا نشعر بالارتباك لأن هذه هى المرة الأولى التى تحضر مجلسنا امرأة وكنت ... ورد عباس رضوان ضاحكا : وكنا نتصورها الأخيرة .. وأكمل عبد الحكيم : ولا تتصوري مدى ترددي قبل أن أقبل هذه الجلسة .

ثم قال لى ما دمت تسألين فهل تسمحين بسؤال لك عن شئ ؟

قلت نعم .

قلت لأني لا أحب الانتظار فهو يثيرنى بالضيق حتى إذا كنت أنتظر أحدا فى بيتي فإنى لا ارتدى ثيابي للمقابلة إلا أن يحضر... هذه طبيعتي .

فقال وفى صوته رقة وعتاب " ألا تنتظرين حتى تعرفي السبب؟ أليس من الجائز أن شيئا ما حدث لنا ؟

هزتني منه هذه الملاحظة ثم سمعته يقول : لو كنت غبت عن هذه الجلسة اليوم لضاعت منك الهدية .

صدمتني كلمة هدية وقلت بتلقائية أنا لا أقبل هدايا من أحد !!

قال باسما : ولكن هذه الهدية ستقبلينها !!

قلت بعناد : لا لن أقبلها . ضحك قائلا: أراهن أنك ستقبلين؟

قلت معاندة : أراهن أنى لن أقبل..

وعلى الفور التفت إلى متولى , الذى أدرك مراده , فأسرع بإحضار الهدية : قدم لى عبد الحكيم نسخة جميلة من القرآن الكريم لها غلاف بديع. قلت :" حقا هذه لا أستطيع رفضها ".

قال ضاحكا : " أرأيت أنك متسرعة فى الرد والحكم على الأشياء و ثم قدم لى كتابا آخر , نظرت فيه فإذا به كتاب " عبقرية عمر" للعقاد , وتقبلت الهدية الأولى من المشير : كتاب الله وعبقرية عمر, أحسست فى هذا اللقاء بحفاوة لم أجد لها مثيلا من قبل حتى أنهم عند الانصراف خرجوا جميعا حتى باب العربة ,وسلم على عبد الحكيم وودعني الآخرون واتفقنا على غير موعد.

الأشباح .. فى الطرق إلى قدري

تعرضت حياتي فيما تلى ذلك من أيام , إلى مفاجآت غريبة , ومقابلات غير متوقعة وعروض تجئ , كأنها وعود لا يفى بها صاحبها ويلوح بها الناس , ثم يختفون وكأنه أشباح تظهر وتختفى .

من ذلك أنى فوجئت يوما بـ" مرسي سعد الدين " قال :

أريد أن أتى لزيارتك لتكلم معك فى أمر هام . فقلت له : اتفضل . ولما جاء قال لى:

إن شركة فوكس تريد وجوها مصرية , وقد رشحتك وأرسلت صورتك إليهم ثم سكت لبرهة واستطرد:" إن مستر جون مدير شركة فوكس , قد أرسل برقية ينبئنا بوصوله , وأرى أنه ستكون مجاملة رقيقة لو أنك جئت معى المطار لاستقباله .

قلت له : آسفة .. لا أستطيع الذهاب .

فتساءل مرسى ... لماذا "...!

قلت : لأنه من غير اللائق أن أذهب لمقابلة رجل لا تربطني به صداقة .. إنه عمل يتعارض مع الكرامة ..

قال : لا أرى ذلك ما دمت مرشحة للعمل فى أفلام أمريكية..

قلت له : ياه .. ده أنا بقيت مشهورة فى أمريكا , ولما أحس بالسخرية فى صوتي اطلعنى على التلغراف الذى وصل من مستر جون ( من لندن)

مضى على ذلك أيام .. إلى أن طرق بابى سيدة بدينة , وكان وجهها مألوفا لدى وبرفقتها شاب قدمته لى على أنه مسيو " موريس" وشرحت لى السيدة مهمة موريس فى القاهرة وهى انه جاء لمشاهدة بعض الفنانات , لينتقى وجوها مصرية للعمل فى بعض الأفلام الفرنسية , وأن مسيو موريس هو ابن صاحب شركات العربات الشهيرة ( أعتقد رينو) ووجدت مسيو موريس يتحدث الفرنسية بطلاقة أهل فرنسا , ولا يعرف كلمة واحدة من اللغة العربية رحبت بالزائرين وتذكرت أن السيدة البدينة تعمل " كومبارس" فى السينما وإن كان ليس بينهى وبينها معرفة على الإطلاق , وتركتها وذهبت إلى المطبخ حتى فوجئت بالسيدة البدينة تدخل ورائي حاملة بيدها صرة منتفخة , هى عبارة عن منديل أبيض رجالي , وفتحت السيدة الصرة أمامي , فإذا بداخلها عدد من الأساور الذهبية والخواتم المرصعة بفصوص من الماس , وبعض أقراط دقيقة الصنع..

نظرت بدهشة إلى هذه الثروة الملقاة تحت عيني وسألتها :" ما هذا" ؟

فأجابت : هدية بسيطة لك ... من المسيو موريس !! وتملكني الغضب وخرجت لمسيو موريس قائلة:" لماذا تقدم لى هدية مسيو موريس ؟ على أى أساس فعلت هذا ؟ خذ هديتك .. ولولا أنك فى بيتى ضيفا لطردتك من هنا .

قال مسيو موريس معتذرا وهم يلملم أطراف صرته على كنزه الثمين .. أنا شديد الأسف .. فأنا لا أعرف تقاليد بلدكم , ولا أعرف شيئا عن عاداتكم ولكن هذه المرأة التى جاءت لى إلى هنا هى التى أشارت على بذلك .. وسألت المرأة بالعربية , ثم ترجمت له سؤالي بالفرنسية " هلى تعرفينني ؟ أجابت .. لا .. ترجمت له إجابتها ثم سألتها : هل شاهدتك قبل الآن وتكلمت معك ؟.. هل زرتني فى بيتي هذا ؟ قالت : لا قلت لها تفضلي الآن ولا تحاولي أن تأتى مرة أخرى..

وكرر موريس اعتذاره , وانصرفا معا , ومن الطريف أن أذكر هنا للقارئ , أن مسيو موريس هذا ظهر لى مرة أخرى فى المخابرات العامة , وكان ذلك بعد موت المشير , فقد واجهوني به هناك , فإذا به يتكلم العربية " أحسن منى " وإذا به مصرى من أب مصرى وأم فرنسية وأن مسيو موريس ليسه اسمه الحقيقي وسألوني عند المواجهة : " هل تعرفين هذا الرجل ؟ "

قلت : نعم أعرفه فقد جاءني يوما زائرا , وسردت على مسامعهم كل ما حدث فى تلك الليلة والراجل يصدق على كل كلمة أقولها ..

بعد واقعة مسيو موريس ببضعة أيام رن جرس التليفون فى منزل وعلى الطرف الآخر جاءني صوت يقول : مدام برلنتي ؟

قلت : نعم .. من المتحدث؟

قال : أنا الدكتور

سألته : الدكتور من ؟

قال بصوته الهادئ .. ألا تعرفين من يتحدث إليك ؟

قلت : لا ..

قال : طيب ووضع السماعة ..

لم أذهب لحضور الاجتماعات سوى تلك المرة .. فلم تستهونى, وكنت أضيق بمثل هذه الاجتماعات المرسومة وكنت أشعر بأمور غريبة تحدث حولى , أمور غامضة لا أعرف دوافعها , ففجأة تطلبني السينما العالمية , يزورنى غرباء فى منزلى , وأقابل فى ليلة شتاء باردة رجال غامضين متخفين فى بيت خافت الأضواء , ويتصل بى مجهولون وغير ذلك مما لا أذكره .

وفى ذات يوم اتصل بى " أنور عمار " صاحب صحارى سيتى , وأنبأني أن وفدا سينمائيا أجنبيا وصل إلى مصر لعمل إنتاج سينمائي مشترك , وأنها فرصة عظيمة بالنسبة لى أن أقابل هذا الوفد وأتعرف على أفراده , وقال إن الوفد سيسهر فى صحارى سيتي ودعاني للعشاء هناك للتعرف عليهم .

قلت له : كيف يمكن أن أذهب لقضاء سهرة فى مكان عام مع قوم لا أعرفهم ولا تربطني بهم صلة !! تساءل وماذا فى ذلك ؟

قلت : إنه يعد منافيا للذوق , ولم يقطع الأمل , فأنهى حديثه قائلا :

- الكلام فى التليفون لن يكون نافعا وسوف أحضر إليك لنتحدث قليلا ...

جاء أنور عمار بالفعل إلى بيتي , وأعاد على مسامعي ما سبق قوله ,وزاد : أنت " فيديت" والمفروض منك أن تقابلي كثيرا من الناس, أنت ممثلة ونجمة فلا تضيعي على نفسك فرصة دخولك إلى ميدان السينما العالمية .

لم يغير ما قاله من تصميمي وقلت له : لا أريد السينما العالمية إذا جاءت بهذه الصورة .

وانصرف أنور عمار دون أن نتفق على شئ ووسط هذه العروض التى كانت تنهال على من السينما العالمية بصورة غزيرة وفجائية جاءني عرض قبلته على الفور دون تحفظ ولم يكن من السينما العالمية و وإنما هو فيلم مصري اسمه " بنت البادية ".

إن الأسلوب الذى جاءتني به هذه العروض قد حرك فى أعماقي غرائز الحذر التى تنبه الكائن الحي , عند اقتراب الخطر لا تراه العين ولا تسمعه الأذن, ولا يدركه العقل الواعي .

ولم تكن العروض الفنية وحدها هى التى تأتيني وإنما أيضا عروض للزواج لا سبقها " حب " ولا يعقبها " حب".

اتصل بى يوما " مرسي سعد الدين" واتفقنا على أن يذهب معى إلى حفل يقام بإحدى السفارات " لأن عربته بها تلف" وفى الطريق فاجأني بأن عرض على الزواج .. وطبعا رفضت , فلن يسبق إن كانت بينى وبينه علاقة عاطفية بأى شكل من الأشكال وقلت له بصراحة أنه ليس " التيب" بتاعى , والغريب أنه بعد ذلك بأيام طلبنى فى التليفون وكانت محادثة غريبة وغامضة , فهو يسأل ولا يلقى بالا لإجابتي , وإنما يجيب هو بإجابة من عنده غير التى أجيب بها حتى لقد خيل إلى أن شخصا ما يقف بجواره ليتابع هذا الحدث المفتعل .. بل وسألته فعلا " هل أحد بجانبك" .. فأجاب .. لا .. لماذا؟

لأنك تبدو كمن يحرص على أن يسمع شخصا آخر أشياء لم أقلها , وكان مرسى يريد أن يؤكد لهذا الشخص حقيقة ما , أو أكذوبة ما على أنها الحقيقة .. لا أدرى بالضبط قال لى :

- هل فكرت فى الأمر؟

- أي أمر؟

- عال ... متى نلتقى ؟.. لابد طبعا أن تختاري الدبلة بنفسك ؟

- أى دبلة ؟

- إتفقنا إذن!!

- على هذه الوتيرة كانت تمضى مكالمته التليفونية معى و وأنا لا أفهم شيئا مما يقول أو يبغى من وراء مثل هذه المكالمة..

أشياء كثيرة كنت أقف حيالها عاجزة عن الفهم.. وطرق كثيرة تفتح أمامي ولا أجد القدرة على السير فيها , بل أقف على مشارفها ولسان حالي يقول مع ابن الرومي " إلا من يربنى غايتى قبل مذهبي , ومن أين والغايات بعد المذاهب"

يطابق هذا البيت من الشعر مسيو موريس الذى سبق الحديث عنه فإنه عاد فى اليوم التالي بعد أن أخذ ميعادا للإعتذرا , وكان بمفرده وجاء وكرر اعتذاره بجهله بأساليب الحياة الاجتماعية فى مصر , وأظهرت له أنى سامحته , وكان يتصل بى بعد عودته من فرنسا كل فترة قصيرة .

وفى يوم اتصل بى موريس قائلا : أرجوك سأشترى فيلا بمصر الجديدة فأرجو منك رؤيتها قبل أن أمضى عقدها .. فأنا لا أعرف الأسعار هنا وأريد نصيحتك " وكان قد عرض على الزواج فى إحدى مقابلاته لى وأعطاني مهلة للتفكير " وفعلا حضر إلى وأخذته فى عربتي يسوق وأنا بجانبه ووراءنا أختي ولما وصلنا الفيلا وجدتها مفروشة وأحس بدهشتي فقال : معروضة هكذا علىّ بما فيها.. تجولت داخل الفيلا وفى حجرة من الحجرات وكانت أختي تتأمل باقى الفيلا .. وجدته يتصرف بطريقة غير لائقة , فزجرته قائلة : كنت أظنك " رجلا راقيا" ولكن خاب ظني فيك.. وخرجت مسرعة وجاءت أختي على صوتي , وبعد أن ركبنا العربة . سألتني أختي ماذا بك ؟ قلت لها ما حدث وعلقت قائلة : ده راجل نصاب لأنه تصرف كما يتصرف " السوقة" وقالت لى أختي : ما رأيك فى استدراجه لشقتنا وإعطائه " علقة" وقلت : لا يكفى أنى اكتشفت حقيقته .

وبعد ساعتين تقريبا من وصولي المنزل جاءتنى مكالمة من " الدكتور " قال بعد أن حيانى , أين كنت ؟

قلت وأنا ما زلت غاضبة : والله كنت فى مشوار سخيف .

فأجاب ضاحكا : " كيف"

فأجبته : ذهبت مع رجل كنت أظنه محترما فإذا به إنسان خسيس , صحبنى أنا وأختى لمشاهدة فيلا يريد شراءها فذهبنا معه ورويت به القصة كلها , وأنهيت حديثى بقولي " أنني أشعر بالضيق من نفسى ".

فتساءل .. لماذا؟

قلت : لأني أحس بأنني خدعت فى التغرير بى .. مما يجعلني أشعر بأنني غبية..

رد ضاحكا : مش قوى ..

كان صوته فى هذه المحادثة طليقا مرحا غير عادته , وفى نهاية المحادثة قال لى :

- أريد أن أراك حالا , عندي شئ هام أريد أن أكلمك بصدده .. كان يتحدث ببساطة , وفى منتصف الحديث قال فجأة : اسمعي : تعال زى ما أنت , تأخذي بعضك وتنزلى على طول هنا".

- غادرت المنزل فى الحال , فقد جاءت المكالمة فى وقتها, وهناك وجدته واقفا ينتظرني فى الحديقة مرتديا قميصا وبنطلونا , وحالما وقعت عيناه على هتف مرحبا - أهلا عروستي !!

- خيل إلى أنى أخطأت السمع , ظننت أنه قال كلمة أخرى توهمتها " عروستي, ولم يكن من الممكن أو الجائز أن أسأل أو أستوضح حقيقة الكلمة ... وسار معى حيث يجلس الأعضاء التقليديون – زملاؤه وأصدقاؤه عباس رضوانصلاح نصر – ومدير مكتبه علي شفيق ومتولي.


- قال المشير ضاحكا:

- أنا الذى سأقدم لك العشاء هذه الليلة ... فى المرة السابقة أحضرت لنا العشاء ولكن هذه المرة على أنا..

- قلت ضاحكة : ولكن هذا العشاء سيسب بلك المتاعب , فأنت موظف ودخلك مهما كان محدودا – أما أنا فإني أكسب فى الشهر ألف جنيه على الأقل ضحكوا , وقال عباس رضوان :

- هو أنت دايما لمضة , إنه يقول سأعشيك قولى له متشكرة!!

- قاطعته معترضة  : لا... أخاف عليه .. إن انفق ثمن العشاء من مرتبه أن يصاب بأزمة مالية .

كانوا جميعا فى هذه الليلة على سجيتهم والمشير بالذات كان على طبيعته , ولأول مرة أراه بهذه الصورة يروح ويغدو , ويتحدث ويضحك فما كنت أراه إلا جالسا فى كرسيه لا يبرحه حتى أنى لم أكن أعرف طول قامته إلا فى وداعي.

كان المرح يسود المجموعة كلها , والطبيعة ذاتها كانت تزهو ببهجة الربيع , الأشجار مورقة والأزهار متفتحة والألوان من حولنا زاهية , وصوت أم كلثوم يغرد فى الحديقة والليلة كلها مزيج من الأنغام والعطور والضحكات .

قال المشير موجها الحديث إلى " ياللا يا عروستي حضري لنا العشاء" لم يعد ثمة شك أنه بالفعل يقول" عروستي " وأنا لم أخطئ سماعها فى هذه المرة ولا فى سابقتها قلت متسائلة : " عروستي أجاب بوجه باش سعيد " طبعا عروستي"

تساءلت وما معنى هذه الكلمة ؟

أجاب :" معناها .. عروستي . ألا تعرفين معنى عروستي ؟

لم اصدق أنه يقصد المعنى الذى أعرفه , وظننت أن هذه الكلمة تعنى شيئا آخر عندهم سألته قال :

- إن معناها فى الصعيد هو ذات معناها هنا وفى كل مكان فى مصر ..

- قلت مترددة .. إذن تقصد عروسة .. عروسة ؟

- قال  : طبعا عروسة بحق وحقيق !! قلت : بأي معنى ؟

- قال وبسمته تتسع : بمعنى عروسة ... وزواج ... وأبناء لزمت الصمت وقد بدأ على الوجوم , ولاحظ المشير ذلك فقال لى :" تعالى نتمشى فى الحديقة" أخذني وسار بى بين الأشجار ومشيت معه والصمت يظلنا, إلى أن بلغنا بقعة بين الأشجار فقال لى مشير إلى الأرض " إجلسى" فجلست على النجيل وجلس هو بجواري

- قال : هل تعرفين لماذا قلت لك عروستي ؟

- قلت : لا أعرف .. أجاب :" لأنك نجحت فى الامتحان"!!

- غمرتني الدهشة متسائلة : امتحان ؟ أى امتحان!!

- ضحك بسرور ومرح وقال :" يبدو أنك لا تدركين ما يجرى من حولك .. وعلى كل حال فأنت ما زلت صغيرة ولا تعرفين كثيرا عن الدنيا .

- قلت : ولكنى أريد أن أعرف ما هو هذا الامتحان ؟

- هز عبد الحكيم رأسه وهو يردد سأقول لك كل شئ .

- وتكلم .. وأحسست أن رأسى يدور كلما أوغل فى الحديث , فقد عرفت الأن أنى حمقاء .. أنا كنت حمقاء خلال العام الأخير , فكل ما رأيته كان خداعا وتمثيلا متقنا , قام به رجال محنكون بداية من أعمار عمار ,ونهاية بمسيو موريس ابن المليونير الفرنسي المشهور والذي ينطق الفرنسية " بالإغ" عرفت الآن أنه مصري أبا عن جد .. وعروض الزواج وعروض العمل فى السينما العالمية , كل هذه لم تكن حقيقة , كان المشير يسترسل شارحا لى الامتحان الذى نجحت فيه , ودون أن أدرى ما هو الغرض منه , ودون أن أدرى – حتى – كيف نجحت فيه !!...

أصبحت فريسة لمزيج من الغضب والدهشة فتساءلت " لكن " لماذا كل هذا ؟ أجاب المشير " لدواعى الأمن" جاء الرد مثيرا لمزيد من الحيرة والغموض , فما علاقتى بدواعي الأمن الذى يتكلم عنها . وكأنما كان يقرأ خواطري , ويدرك ما يدور فيها من استفسارات فقد واصل حديثه موضحا , لعلك لا تعرفين إن من كان مثلى يصبح هدفا للكثير من .. وهؤلاء الكثيرون على استعداد لأن يدفعوا الملايين ثمنا لرقبتي .. فكان ضروريات أن تتأكد أجهزة الأمن .. من أن من اختارها لأضع بين يديها رقبتي وأسرار الدولة أنها لا ثمن لها .. وقد برهنت على أنك امرأة لا ثمن لها أنت امرأة لا تشترى ولهذا قلت لك " عروستي".. فأنت الآن تصلحين زوجة للمشير..

وضحك المشير قائلا : هل تعرفين أن عباس رضوان علق على ذلك بقوله : يا ناس حرام عليكم ده لو راجل كان سقط ..

تدفق فى صدري غيظ كظيم , إذن فقد كانت عروض الزواج وعروض التمثيل وكان الذهب والمال , والشباب .. كانت هذه كلها شراكا تنصب وأنا أسير كالعمياء !!

قلت : إذن فقد كانت أنا فأر تجارب طوال هذه المدة وأنا لا أدرى .

كان عبد الحكيم عامر فى تلك اللحظة بشوشا لين الجانب , تهزه الفرحة والإعجاب بنجاحي فيما أسماه الاختبارات أما أنا فقد أحسست بالهوان فقلت محتجة :

- ألم يكن من اللائق أن تسألني أولا عن رأيي فى الزواج ؟

- قال : فى حالة مثل حالتي يكون الوضع بعكس ما هو سائد , ففى مثل حالتي تفرض احتياجات الأمن نفسها ولذا يجب أن أوافق أنا أولا – ثم يعرض عليك الأمر .. لم أعد قادرة على منع تيار الغضب المتدفق فى شراييني فقلت بانفعال :

- وما رأيك بعد كل هذا الذى فعلته – ما رأيك أنى لا أوافق . نهضت غاضبة وانطلقت نحو عربتي ورآنى الرجال الجالسون فى الحديقة فأسرعوا نحوى متسائلين عما حدث.

- وإذ رأونى أركب العربة ,والغضب باد على وجهى حاولوا تهدئتى ومنعي من الانصراف , وقال علي شفيق : انتظري سيادتك واشرحي لنا ما حدث وحاول صلاح نصر أن يثنينى عن عزمي , ولكنى لم أصغ لهم , وحتى لو أصغيت , فما أظنني قادرة على رد نفسى , وقد استبد بى شعور بأنى وردة تعبث بها الريح ,وانطلقت بعربتي مغادرة المكان .

- عدت إلى بيتى وأنا فى حالة من التشتت والتمزق , لا أعرف كيف أصفها ومضى الوقت دون أن أحس به وكأني فى غيبوبة.

- فى تلك الليلة زارنى صلاح نصر قال : ما هذا فعلتيه أيها المجنونة قلت غاضبة نعم .. مجنونة .. ألا تعرف أنى مجنونة , فما هو الجديد فى ذلك ؟ قال محاولا تهدئتى : أنت تعرفين أن الأجهزة لابد أن تقوم بدورها ... وما كنت لأتدخل فى مثل هذا الموضوع لولا أنه لا يعنى " المشير" أو يعنيك وحدكما.. ولكنه يتعلق بالأن إنه يتعلق بالمشير وبعبدالناصر وبمصر .. ولذا فإن ما حدث كان لابد أن يحدث والحمد لله فإن المخابرات تعتبرك " نظيفة" تليق بزوجة المشير.. قلت :

- إن ما حدث كان طعنا لذكائي وموهبتي وأنوثتي , ولن أبقى فى مصر و سأسافر إلى بيروت بجلابية , وسأشتغل وأعيش هناك فأنا لا أريد البقاء هنا .. واصل صلاح : لست أرى داعيا لكل هذا الغضب فهو عرض للزواج .

- قلت : ليس غضبى لذلك .. فهو رجل ممتاز ولكنى اكتشفت فجأة أن كل ما حدث لى كان زيفا واستهتار بعواطفي :إن " لدواعي الأمن" .

- وأجهشت بالبكاء , بكيت طويلا وبحرقة , وقال صلاح مازحا : ها أنت تبكين كالطفلة!! أهذا بدلا من أن تفرحي , ألا يرضيك أنك المرأة الوحيدة التى قابلها المشير الرجل المتدين وأنه يعرض الزواج؟ - قلت له : دعني بضعة أيام حتى أستطيع أن ألم شتات نفسى وأفكر ..

- وفى اليوم التالي لم أكن استعدت توازني بعد , ثم جاءتني مكالمة تليفونية ردتنى فجأة إلى قلب الإعصار وكان صاحبها منتجا إيطاليا سبق لى معرفته مع بعض الفنانين الإيطاليين ومعظمهم اشتغلوا فى أفلامه .. ويملك استوديوهات خارج روما .. قال لى فى التليفون أنه عاد من إيطاليا وسيبقى فى القاهرة عشرة أيام ,وأنه يقيم الآن فى فندق شبرد , وإعطائي رقم الغرفة ,وطلب منى إعداد نفسى للسفر بعد عشرة أيام, وذكرنى بالعشرين فى المائة من العمولة من أجرى على كل عقد أوقعه.

- وضعت السماعة وأنا أشعر بعجزي عن التفكير , فإن الهواجس والشكوك كانت تعربد فى عقلي كأنها الريح العاتية .. وحاولت أن أضع نفسى خارج المشكلة فلم أفلح , ورحت أفكر إذا كانوا قد فعلوا بى ما فعلوا بدواعي الأمن .. أو ليس من الجائز أن أقتل .. أو أسجن .. وكله لدواعي الأمن . أليس من الجائز أن يطلقني لدواعي الأمن .. فأنا أسير إلى المجهول تحت عيني شبح مروع اسمه " دواعي الأمن"

- والمنتج الإيطالي .. هل أقبل عرضه وأصبح نجمة عالمية ؟... أم أصبح زوجة لعبد لحكيم عامر .

- فجأة.. دق جرس الباب.. دهشت .. من عساه يأتي الآن فى هذا الوقت المتأخر ؟.. فتحت الباب فإذ بى أجد " عبد الحكيم عامر " واقفا أمامي .

تسمرت فى وقفتى وعجز لساني عن الحركة .. قال المشير برفق " ألن تسمحي لى بالدخول ؟ .. تنبهت وأفسحت له الطريق ,ودخل وخلفه متولى ومشى عبد الحكيم رأسا غلى الصالون بينما بقى متولى فى الصالة .

دخلت خلفه فوجدته جالسا مادا ساقيه , مسندا رأسه إلى الوراء , كان يبدو كمن يستريح بعد تعب شديد , وظل ممدا فى استرخاء وهدوء وصمت فترة من الوقت . كنت خلالها أجلس على كرسي قريب منه .

نهض فجأة ووقف ممشوقا وقال بلهجة آمره انهضي نظرت نحوه صامتة قال : ستأتين معى الآن !!

سألته : إلى أين ؟..

قال سنذهب لأريك شيئا هاما ..

كنت ارتدى ملابس بسيطة تصلح للخروج , خرجت أنا ومتولى أولا , ركبنا العربة : ثم هبط المشير بعدنا بدقائق , جلست على المقعد الأمامي بجوار متولى الذى كان يقود السيارة أما المشي فكان بالمقعد الخلفي وقد غاص قليلا في قلب السيارة .

قادني إلى نفسى المكان ورأيت هناك من حرسه " أبو المعاطى " وسكرتيره علي شفيق وسمعت المشير يصدر أوامره , وصوته ينطلق قويا قاطعا , فبدا لى بصورة لم أرها من قبل .

وأخذني المشير إلى الداخل , وهناك قادني إلى قاعة واسعة لم أكن قد رأيتها من قبل حتى ظننت أنه ما أخذني إلى هذا المكان إلا ليجلدني !!...

وقف وسط القاعة .. قال لى : اجلسي .. جلست على الأرض , وجلس هو بجواري وفى أثناء جلوسي لاحظت أن فى نهاية القاعة شاشة عرض سينمائي .

قال المشير بهدوء : أنت غاضبة لأنك تعرضت للاختبارات .. ,ربما كنت تتساءلين لماذا كل هذه الأفعال ؟.. إن ما أشاهده كل يوم يجعل الإنسان لا يثق فى النساء !!

قلت معترضة : ولكن هناك كثير من النساء الفاضلات مثل والدتى ووالدتك فليس النساء جميعا على شاكلة واحدة.

قال : ستعرفين المبرر القوى لما أقول ,ولما أعانيه من شكوك .. هل تريدينى أن تعرفى ؟

قلت نعم ..

اعتدل المشير فى مجلسه وأصدر أمره بصوت مرتفع من قلب القاعة " الشرط رقم كذا " وقد لى عبد الحكيم عامر البرهان , وأطلعني على حقيقة لم تخطر ببالي يوما أنها كانت حقيقة وما كنت لصدق لو لم أكن قد رأيتها بعيني على الشاشة لقد نزل الأمر على كالصاعقة لهوله وفساده وبعده عن التصديق .

وقال لى المشير فى النهاية ... " هل صدقت"؟

قلت :" نعم صدقت"

نهض المشير وعلى وجهه حزن دفين من تأثير ما شاهدناه ,ولم يترك نفسه لخواطره طويلا , فسرعان ما تخلص والتفت إلى قائلا :" تعالى معي ". وصحبني إلى لحديقة الغناء التى تحيط بالمكان.

قادنى إلى مائدة عليها أطيب الطعام , لحوم , فاكهة, حلوى , وحولها باقات الورود التى جمعت من الحديقة وزينت بها لمائدة وما حولها.

نظرت إلى هذا كله فى دهشة فلم أعتد أن أرى بذخا فى اجتماعاتهم بل ولم أعتد أن يقدموا لى طعاما وأنا التى كنت أحمل لهم الطعام .

ودعانى عبد الحكيم إلى الجلوس وقال بصوت عطوف : بعد الذى عرفته وشاهدته فلا شك أنك تلتمسين لنا العذر فى إجراء هذه الاختبارات التى أغضبتك .. والآن هل توافقين على الزواج ؟

استطاع عبد الحكيم بلطفه ورقة وقوة منطقه أن يطفئ من ثورتى وإن كان اختلاط الأمور فى نظرى لا يزال قائما , فلم يكن من السهل أن يعود النظام إلى عقلى بمثل هذه السهولة والسرعة .

وواصل حديثه : ستتم الخطوبة فى وقت قريب وبعدها نحدد موعد الزواج , لقد تفاهمت مع والدتك على كل التفاصيل على أن يظل أمر الخطوبة والزواج سرا لفترة .

قلت له : ولكنى سأسافر إلى إيطاليا لأمثل بعض الأفلام هناك !

قال: لا..لا سفر بعد الآن فما عاد يليق بك الذهاب وحدك إلى بلاد غريبة ثم العودة.

قلت : ولكن المنتج الإيطالي موجود الآن فى القاهرة , وقد أعد لى كل شئ واتفقنا على السفر بعد عشرة أيام .

قال المشير : أنا لا أقبل أن تسافر امرأة سوف أرتبط بها لتعايش الأجانب فإما السفر .. وإما الزواج..

قلت :.. وما يمنع أن أسافر حتى لا تضيع مثل هذه الفرصة .. خاصة أننا لم نخطب فعلا ويمكن تأجيلها بضعة شهور لحين عودتى من إيطاليا .

قال مصمما : قلت لا... لن تسافري.

كان الموقف بالنسبة لى هائلا .. فأنا بين إغراءين قويين : الزواج من رجل آراه ممتازا والسينما العالمية بكل فتنتها وجاذبيتها.

أنقذني عبد الحكيم من حيرتي حين سألني :

- أين يقيم المنتج الإيطالي ؟

- فى فندق شبرد ..

- اطلبيه .. أدرت القرص وعندما أجاب سألت عن المنتج وقيل أنه موجود وما هى إلا لحظة حتى جاءنى صوته قلت له :

- أنا برلنتى..

- وفيما نحن نتبادل التحية مد عبد الحكيم يده وانتزع السمعة من يدى ووجه حديثه بالإنجليزية إلى المنتج قائلا بعد أن وجه له تحية مقتضبة:

- أنا خطيبها .. إنها بجواري الآن .. لا داعي للحديث معها . سنتزوج .. تقاليدنا لا تسمح بذلك . ستترك السينما نهائيا ولا داعي للمحاولة ووضع المشير السماعة ...

- وفى اليوم التالي فوجئت بوالدتي تدخل على قائلة إن الدكتور طلبها, ويريد ذهابها إليه وأن متولى ينتظر فى العربة ..

- وهناك قابلنا عبد الحكيم , ولاحظت أن لحديث يدور بطريقة , من يعرف كل منهم الأخر واكتشفت أنها تعرف كل الموضوع بما فيه الخطوبة .

- واتفق عبد الحكيم ليلتها مع والدتى على خطوبتى وقال لها :" سوف اتصل بكم قريبا لنحدد الموعد وإتمام الخطوبة ولا أريد أن يخرج هذا الأمر على ثلاثتنا أنا وأنت وبرلنتى كان عبد الحكيم عامر يثق فى والدتى ثقة كبيرة , ويتحدث معها ببساطة عن أمور يعرفانها وأجهلها أنا, كانا صديقين من وراء ظهري .. فهل يا ترى تعرضت والدتى لاختبارات مثلما تعرضت أنا؟؟ .. وإلا فما سر هذه الصداقة التى اكتشفتها فجأة وما سر هذه الثقة البادية فى معاملته لها, وفى حديثه معها ؟

- مر يوم .. ويومان ... وثلاثة .. وفى اليوم السابع دق جرس التليفون لنجد المتحدث هو الدكتور الذى انفق وقتا يتحدث فيه مع والدتى دون أن أدرى , فيما كان الحديث , وفى النهاية وضعت والدتى السماعة والتفتت تزف إلى موعد الخطوبة قائلة : أنه يوم الخميس المقبل .. مبروك

- وجاء يوم الخطوبة فأعد متولى الطعام والحلوى وما إلى ذلك..

- ثم جاء عبد الحكيم كان يفيض حيوية وبشرا ومرحا .. وبدأ أنيقا مهندما وفى صحبته شقيقاه ورجلان آخران هما فى الغالب من حراسه .

- وفى منتصف السهرة فاجأني بأن قدم لى سوارا ذهبيا بسيطا , وكنت أتزين بطقم من الذهب المرصع بالماس اشتريته منذ سنوات مؤلف من بروش وحلقين أسورة وعقد وخاتم , فلما البسنى عبد الحكيم سواره الذهبي بدا فقيرا منطفئا بجوار الطقم المرصع بالماس واضطرني ذلك إلى خلع طاقمي والإكتفاء بهديته التى أبقيتها فى يدى دبلة وسوار ذهبي متواضع هى كل شبكتي أنا نجمة السينما.

- سار التلاقي بعد الخطوبة تليفونيا وعلى غير ميعاد .. ومن مكان غير معروف يعجز خيالى عن تصور ما هو ولا أين هو , وأصبحت هذه المحادثات تقربني من عبد الحكيم لما كشفته لى من جوانب هذه الروح الطيبة , المليئة بالرجولة وسعة الأفق والحب الغامر للناس . وقد حملت هذه المكالمات إلى أذنى شيئا أحبه فى الرجل , هو الصوت ووقعه فى أذنى كان صوته تأنس إليه النفس فيه دفء أبوي نقى تتفتح له القلوب , كنت أجد الجرأة على نقده , وكان ببساطة وسعة صدر يتقبل النقد , بل ويعترف بالخطأ ,ويعتذر إذا وجب الاعتذار, وكان أحيانا يقطع المحادثة فجأة قائلا : سأكلمك بعد قليل ولم يكن يرد على سؤالي لماذا أو أين أنت الآن ؟

وفى إحدى المكالمات قال فى اقتضاب : انتظري متولى سيمر عليك غدا فى الساعة الثامنة .

وفى الموعد جاء متولى وصحبني فى عربته ولدهشتي وجدت العربة لا تتوقف عند المكان الذى التقى فيه مع المجموعة , بل تجاوزته وظلت تسير حتى بلغنا طريقا متفرعا من شارع الهرم ,وهو شارع حدائق الأهرام ,وتوقفت العربة أمام شاليه صغير يقع أمام قصر المرحوم – المطرب محمد فوزى.

دخلت الشاليه ووجدت صالة واسعة ليس بها سوى كراسي من القش وترابيزة وحجرتين خاليتين.

وبعد قليل .. دخلت عربة صغيرة ماركة " نصر" ونزل منها عبد الحكيم ومعه علي شفيق وآخر من حرسه . ورآني عامر فأقبل نحوى بشوق ولهفة ولأول مرة قبلنى على وجنتى ثم سألني : ما رأيك فى هذا المكان ؟ .. ولم ينتظر جوابي .. وقال " حاجة كدة فقايرى على قدنا " ثم أكمل مازحا " لا تليق بنجمة كبيرة زيك"

قلت متأثرة :" " وجودك فى هذا المكان يعطيه أكبر القيمة" ابتسم قائلا : وزى ما إنتى شايفة .. مفيش أثاث لغاية ما تفرشيه على مزاجك ".

أصبح عامر بعد ذلك يوجه لى الملاحظات الكثيرة الخاصة بثيابى الضيقة واكتافى العارية ,وكنت استجيب راضية دون أن يأمرنى .. فقد كانت له طباع المروضين ..

كانت هناك تعاقدات لأعمال فنية فأتممتها .. ولم أتعاقد على شئ جديد.

مر أسبوع بأكمله دون أن يتحدث عبد الحكيم , وعندما طلبني أخيرا لم يطل الحديث وإنما طلب منى الحضور إلى فيلا حدائق الأهرام .

وذهبت إليه من فورى , وهناك وجدت معه صلاح نصر , وأحسست إن فى الأفق شيئا غامضا وغير طبيعي , فإن عامر لم يبد ميلا كبيرا للحديث معي , وإنما كان صلاح نصر هو الممسك بزمام الحديث وعامر يجلس صامتا جادا شاردا قال صلاح نصر :

- كيف حالك ..

- بخير..

- واضح أنك بخير .. الأخبار تقول عنك أنك بخير , وأنك تتحركين كثيرا هذه الأيام أدهشتني هذه الإجابة فسألته: ما معنى تتحركين كثيرا ؟

- قال وهو يهز كتفيه :" يعنى .. تتحركين .. تتكلمين كثيرا".

- أوجست من كلامه خيفة , وتحرك الشك فى أعماقي فسألته :

( أتكلم كثيرا , ماذا أقول ) .. قال محاورا:" يعنى تحكين الحكايات . قولى لنا أنت ماذا كنت تقولين ؟..

قلت : ( هذا الأسلوب فى الكلام لا يعجبني ) فأجاب ( ولا يعجبنا نحن أيضا )

نظرت إلى عامر فوجدته يترقب صامتا مهموما هذا الحوار الغريب الذى يجرى بينى وبين صلاح نصر.

لم أدر كيف أتصرف , فإن حديث صلاح نصر يحتم على اتخاذ موقف, حديث هجومي, طابعه المناورة , والتخابث , والأمر من ذلك أن شعورا داخليا سيطر على بأنهم يجرون تحقيقا معى ..

قلت لصلاح نصر : إننى عشت حياتي كأنني رب أسرة مكافح , وكان ذلك بسبب كلمة أعطيتها لأمى , كانت وعدا أن أتكفل بها وبإخوتي. ثم واصلت حديث وقد ألمنى أن أجد نفسى فى هذا الوضع ( أرجو أن تتكلم بوضوح لأفهم ما تقول) ودار بينى وبينه حوار غريب غامض , كأنه ألغاز , فلما ضاق صدري قلت ( أرجوك تكلم بصراحة وإلا سأغادر هذا المكان) ونظرت إلى عامر فوجدته مازال على صمته وكأن الأمر لا يعنيه فزدانى هذا حيرة وغيظا ونظرت فى عيني صلاح نصر و فوجدت فيهما الإصرار على المطاردة والتعقب ,وردا على عبارتي الأخيرة قال ألم تقابلي أناسا وتحدثت معهم عن خطوبتك لسيادة المشير ؟.. أليس كذلك ؟ رغم أننا اتفقنا على إبقاء الأمر سرا لدواعي الأمن؟).

اجتمع فى ذاكرتي لقاء كان بينى وبين الكاتبة الدينية, سألنى فيه عن سر اختفائي أثناء تصوير المسلسل وهو مالا يتوقعه منى أحد فقلت لها : لأوقف التساؤل والتخمينات – أننى مخطوبة لأحد المسئولين فى الوزارة ذكرت هذه الواقعة على الفور لصلاح نصر والمشير وأضفت( إننى لم أذكر اسم أحد ولم أحدد الوظيفة) وأنى أتحداك أن تثبت أنى ذكرت اسم أحد , وأقسم بالله العظيم أننى لم أذكر اسم أحد , قال بإصرار : ( أنت كاذبة).

حينئذ فقط بدأ المشير يبدى اهتماما و فهو يعرف طبيعتى .. يعرف أنى حين أشعر بالظلم أغضب , وأننى حين أكذب أضحك .

كنت بالفعل امتلئ غضبا , فتركتهما وانطلقت باكية إلى الخارج .

أسرع المشير خلفى , وسمعت صلاح نصر يقول ( سيبها دى حاتودينا فى داهية حانلاقى ناس داخلين علينا بالمدافع الرشاشة ونحن بدون حرس )..

أدركني المشير عند العربة وكنت قد بدأت فى فتح بابها ودخلت , وأنا فى ثورة غضبى وتوقف المشير بدوره , لا يدرى كيف يتصرف .. وعندما أدرت محرك السيارة خفض رأسه حتى أصبح مواجها لوجهى , واطل من نافذة العربة قائلا( معلش .. طولي بالك .. هو برضه عنده حق .. تعالى بس .. تعالى )..

لم أصغ إلى حديثه وانطلقت بالعربة إلى بيتي .. ولم أكد أفتح باب شقتي حتى سمعت رنين التليفون فأغلقت الباب ورائي لأجيب الهاتف ,جدت المشير على الطرف الآخر ,وما كاد يسمع صوتي حتى قال  : ( تمالكي أعصابك يا عيلة ) .. قلت له : والله العظيم أنى لم اذكر اسمك لأحد .. وأتحداه أن يواجهني بمن قال ذلك ... بل وأصر على ذلك .

أظهر المشير تفهما لموقفي , وفسر الأمر بأن السيدة المذكورة – سنية قراعي – ربطت بين مقابلاتي السياسية وبين رفضي للأعمال الفنية وتغيير أسلوب تعاملي , واستنتجت بذكائها وجود علاقة بينى وبين المشير إن مثل هذه المواقف التى تقتحم حياتى , لتثير فيها الزوابع الفجائية أثقلت قلبى بالشعور إن أمثل خطرا داهما عليهم جميعا , وإن كنت فى الحقيقة لا أدرى لماذا ؟ كنت أشعر أنى هدف للشكوك والمراقبة بلا مبرر قوى يدعو إلى كل هذا.

وكان المشير أحينا يساعد على زيادة هواجسي بانقطاعه طويلا عن زيارتي أو محادثتي ومن ذلك ما حدث ذات مرة , حين ظل شهرا كاملا لا أراه ولا أسمع صوته وبالطبع أقلقني هذا الوضع الذى لم أعد أعرف فيه إن كنت مرتبطة أو غير مرتبطة ويزيد الأمر سوءا أنني لا أعرف رقم تليفونه لأطلبه , حين كان ينقطع لا أعرف عنه شيئا.

وفى يوم بعد عودتي من الخارج دق جرس التليفون وسمعت صوتا يقول لى بعد أن نطقت كلمة ألو .. وجدته يقول لى " أيوه " ثم صمت .. عرفت صوته على الفور واشتعل غضبى فهو يتكلم بعد شهر ليقول " ايوه " ثم ينتظر منى أن أتكلم .

قلت معاتبة ( هل هذا معقول ) تجاهل سؤالى ودهشتي وسألني ( أين كنت)؟.. هذه هى المرة الثالثة التى أطلبك فيها اليوم ولا أجدك) قلت : أهذا هو الكلام الذى تقوله لى بعد شهر من عدم السؤال عنى ؟ .. قل لى : أين كنت أنت ؟

قال ببرود :" كنت موجود "..

أغاظني رده : موجود فى القاهرة ولا تسأل عنى .. شهرا بأكمله ؟!)

قال بغموض :" ألا تعرفين السبب؟..

قلت باندفاع : لم أفعل شيئا

كنت أشعر أنى أتكلم مع شخص غريب ملئ بالجفوة , والغموض , والمكر تراجعت عن أسلوب العتاب وقلت له : نتقابل ..لابد أن نتقابل .

قال : " هذا غريب ... أنت تريدين رؤيتى "؟!!

قلت : الغريب حقا أن تسأل هذا السؤال .

قال : ولماذا تريدين مقابلتى ؟.

أحسست أنه يعنى ما يقول .. وأن هناك سوء تفاهم .. فصممت على لقائه وإذ لمس الحاحى وإصراري قال :" ألا تخافين منى ؟"

قلت : لا .. لست خائفة ..

قال : احتمال أن أقتلك !

قلت : موافقة .. إن كنت قد أخطأت فأنا مستعدة لقبول هذه النتيجة وأفضل أن أراك. فى كنج مريوط إذا سمح وقتك بذلك.

قال : إذن نتقابل .. وحدد لى اليوم والساعة .

وبالفعل ذهبت إلى الإسكندرية والفضول يملؤني لمعرفة ماذا حدث ولم يكن يعادل فضولي سوى شوقى لرؤيته ..

وفيما أنا على هذه الحال من اللهفة والفضول توقفت عربتي وتبين لى أنى نسيت تزويدها بالوقود الكافى لمثل هذا السفر ,وضاع منى وقت طويل حتى وجدت من يمد لى يد العون وقد ساعدتني عربة فى الطريق وأحضرت لى البنزين .

وصلت متأخرة عن الوعد ساعتين فوجدته جالسا فى تراس الفيلا ومعه شخص ثان وكانا يحتسيان الشاى قال لى بعد أن أستقر بى المقام :" انظري إلى هذا الشخص .. من تظنينه ؟" كان ذهني مشغولا ومشتتا من تأثير السفر .

نظرت إلى وجه الرجل وقلت :" أظنه أحد أقاربك "... قال :" أين ذكاؤك انظري جيدا"

تفرست فيه تفرسا بغير إمعان , وإذا لاحظ المشير حيرتي , لم تركني طويلا وقال " هذا عبد المنعم عامر .. أخي الأكبر " وعقب " يعنى لما أكبر حاأبقى كده)

وبعد قليل قال المشير :" كنت أظن أن الخوف سيمنعك من الحضور – ألا تخافين أن أدفنك هنا فى الصحراء "؟

قلت معاندة :" أنا لا أخاف ".

قال :" إذن تعالى معي " . وأمسك بيدي , ودخل بى إلى الصالون الفيلا . وبعد أن أجلسني وجلس جاء سكرتيره ببعض الأوراق , جلس المشير يقرأ بإمعان , وبين الحين والحين يقول تعليقا وهو ينظر إلى :

" إذن - أنا طظ فيا "... وحتطلعى عنيا؟!!

- قلت مستنكرة .. ما هذا الذى تقول ؟

- قال " أقول كلامك ... والمكالمة مسجلة بصوتك ".

- اجتاحت عقلى ريح مزمجرة , وعصفت الحيرة بكيانى كله , حاولت جاهدة أن أتذكر هذه المكالمة التى يشير إليها .. متى؟ ومع من؟.. وعن أى شئ؟ وفى قمة حيرتي وارتباكي سمعته يقرأ بصوت مسموع .

- " لا ... لو مامشيش كويس أنا حاطلع عنيه .. واشتكيه فى المحكمة ؟!... صرخت فيه ... انتظر لحظة.. أشكوك فى المحكمة ؟! ماذا بينى وبينك لأشكوك فى المحكمة ؟! هل هناك قضية , أو عقد بينى وبينك ؟!..

- صمت المشير وفكر مليا فى حديثي , فقلت له :

- " أتعذبني شهرا كاملا بلا سبب – أهذا هو العدل الذى تتحدث عنه كثيرا ؟

- طوى المشير الصفحات التى بيده ولم يكمل قراءتها , وكان لم يقرأ منها سوى الصفحات الأولى فقط .

- كانت كلمة " أشكوه فى المحكمة هى برهان براءتى" وغلب على الشعور بالظلم . لا لذنب اقترفته سوى حبى لرجل سياسى . فانخرطت فى البكاء . ثم تمالكت نفسى وقلت له :

- " لقد جئت لكي أعرف فقط .. وسأرحل حالا " ولم يتركني المشير , فما زال بى حتى ذهب غضبى وتصالحنا . إنه أول شخص أحببته فى حياتي , وكان صدقي معه بلا حدود بدافع من إعجابي به , ولكن هكذا السياسة .. دواعي الأمن !

- كانت الأفلام السينمائية هى وسيلة التسلية فى لقاءاتنا , وكنا نقضى السهرات القليلة إما فى بيت الزوجية المرتقب فيلا الأهرام – وإما فى شقتي بالعجوزة .

- وكان المشير يفضل فى الغالب الأفلام التى اختيرت موضوعاتها من روائع الأدب العالمي , وإما من النوع العلمي الخيالي , أو من الموضوعات الإنسانية التى تمجد فضيلة من فضائل الطبع الإنساني ومعهم نوع آخر قد يبدو مستغربا بجوارهم ذلك النوع هو أفلام رعاة البقر .

- وكان لعامر وجهة نظر معينة فى مثل هذه النوعية من الأفلام فقد كن يقول لى عن شخوصها ," هؤلاء الرجال ليسوا مجرمين " إن هذا العنف الذى يمثلونه هو ثورة فى مواجهة دنيا تكشر عن أنيابها , انظري كيف يقاسون , وهم يبنون حياتهم .. إن هؤلاء الرجال هم بنوا أمريكا بسواعدهم القوية , التى نراها أحيانا تطلق النار يمينا وشمالا . أنهم ليسوا رعاة بقر فقط , بل هم أيضا رعاة حقول وبساتين وبيوت تضمهم هم وزوجاتهم ,وكيف إن الصبيان والبنات أيضا يكافحون بجوار أبائهم وأمهاتهم وكيف يدافعون عن الأرض بدمائهم .. هؤلاء هم الذين بنو أمريكا , ودفعوها إلى مقدمة الشعوب ولا أظن أن ما يقال عن أنهم جماعات مغامرة هاجرت من أوروبا إلى أمريكا . فليس المغامرون فقط والفارون من وجه العدالة هم الذين يتركون أوطانهم ويهاجرون , وقد يكون العكس صحيحا , فأصحاب المبادئ أيضا يهاجرون وأصحاب الأفكار الجديدة والطموحات العالية أيضا يهاجرون . إن منهم صاحب المبدأ , ومنهم صاحب التجربة ومنهم جماعات دينية ... مثل هذه الأفلام وغيرها كانت هى اللون المفضل عندنا .

- لكن عامر يبدو مهموما فى أغلب الأوقات , كثير التفكير والتأمل ميالا لاقتناص الحكمة والموعظة من أى عمل أدبى أو فنى يطالعه .

- ولم أستطع أبدأ أن أعرف أسبابه كآبته , وإن كنت قد ربطت بينها وبين حادث الانفصال بين مصر وسوريا الذى وقع فى سبتمبر من عام 1961 .

- وإذا بدا عدم سؤالى غريبا , فإن الأغراب منه ألا أسأل عن موعد الزواج بعد أن أصبحت مخطوبة !!..

- والحقيقة أنى فى هذه الفترة لم أكن استعجل الزواج , فكل ا كان يتملكنى هو شعور بالسعادة فى تواجده معى بصرف النظر عن كوننا رجلا وامرأة ..

وكانت بداية هذا الشعور الذى استبد بى واستفحل عندى , هو فى تلك الليلة الحالة بكنج مريوط والتى قال لى فيها ك اصبري.

- كانت ليلة من الليالي النادرة التى ننتزعها من براثن المهام والمشاغل و" دواعي الأمن " ولا أنكر أنى فى ليلتي هذه.. همت به هياما , ويبدو أن دلالا أنثويا بدر منى وترامى عليه .. لكن عامر أيقظني من نشوتى حين نظر فى عيني طويلا ثم ربت على ظهري قائلا بغموض : لا بأس اصبري ثم صمت طويلا وقال وعلى شفتيه ابتسامة " يمكن تقولي أنى راجل فلاح متخلف, لكن بصراحة كده أنا راجل بأركب طائرات وغواصات وعرضه أن أموت فى أى وقت , واللي زيى ما ينساش ربنا " بدأ عقلي يفيق , وأنا أتأمل كلماته .

وكان عبد الحكيم عامر يبدى لى الحب ,ولكنه لم يبد لى هياما قط, ولم تظهر منه بوادر رغبة من رغبات الرجال , فهو دائم الحديث عن الأخلاق , حريص على الصوم والصلاة.

تناسيت يوم الزفاف , ولم أعد أسمح له بأن يراود خيالي , إلى أن جاء يوم فوجئت فيه بوالدتي , ومتولي يدخلان على شقتي بالعجوزة ... كان وجه أمى يبدو جادا بصورة أثارت قلقي , وزاد توجسي حين قالت باقتضاب " ارتدى ملابسك" .. سألتها بدهشة " لماذا"؟

أجابت " الدكتور سيحضر الآن"

قلت دون وعى " الآن؟... لماذا؟"

قالت أمى فى دهشة من سؤالي :" أنه خطيبك, ويريد أن يأتى لزيارتك أليس من حقه ؟.. أحسست أنها تعلم شيئا وتخفيه عنى , وقد أثار هذا هواجسي . فلعل " إجراءات الأمن " وراء هذه الزيارة , وعبثا حاولت أن أعرف شيئا من والدتى .. ثم جاء المشير ..

دخل علينا البشوش , وراءه علي شفيق , واختص أمى بملاطفاته وأحاديثه المرحة , وبعد أن أمضى لحظات على هذه الحال , وجم , ثم قال موجها الحديث إلى والدتى: -

- استعمى جيدا لما سأقوله الآن – فأنا أريدك شاهدة على كل كلمة فيه.. ثم ولى وجهه ناحيتي وفاجأني بقوله :

- أظن كفاية بقى لعب عيال .. مسألة الخروج والسفارات والتمثيل .. مفيش خروج خالص , ومش عايز شغل.

- قلت : معنى ذلك أن أمكث فى البيت فلا خروج ولا عمل .. ماذا أصنع إذن؟

- قال :" تفعلين كما تفعل كل زوجة .. تستقر فى بيتها .. وقد انتظرت حتى تنتهى الأعمال التى تعاقدت عليها, والحمد لله قد انتهت فى عقود جديدة بعد ذلك .

- تساءلت : لماذا ؟!

- قال :" لأنني لا أريد لزوجتي أن تشتغل بالتمثيل , كما أنى رجل لا أحب أن تعمل زوجتي ".

قالت أمى مؤيدة له :" طبعا .. التمثيل ليس لنا وكنت دائما أتمنى أن تبتعد ابنتي عن هذا الميدان .. والحمد لله أن جاءت هذه الفرصة أخيرا..

- ولكنى واصلت حواري ومعارضتي وقلت :

- " لكن مسرحية العش الهادئ لم تنته بعد.. وليس من المعقول أن أتركها قال : كم يوما تحتاجين ؟

فقلت : حوالى أسبوعين ..

قال : إذن الزواج بعد أسبوعين .. وصبر على حتى استوعب ما قال ثم واصل :

- وبعد الزواج لا خروج إلا بإذن منى.. ثم وجه حديثه إلى والدتى قائلا :

- كل الملابس التى هنا اجمعيها يا ماما .. وضعيها فى حقيبة , وكذلك جميع الصور هاتيها , كان لدى " ألبومات " تجمع كثيرا من الصور التى التقطت لى أثناء الحفلات والرحلات و وحدث إن كان عامر فى زيارتى يوما فأطلعته عليها وأنا فى زهو وسرور وتفرج عليها واحدة واحدة , ثم ردها وهو يعلق " شئ عظيم " ولم أفهم مقصده من "شئ عظيم" سوى الآن عندما طلبها ليمزقها.

- قالت أمي فى حماس " أيوه كده ربنا يحميك .. أنا اللى سأحضر لك الصور " وقامت من فورها بجمع ثيابى السواري , وذات الصدر المفتوح , وكنت أراها تقوم فى همة وحماس يساعدها فى ذلك متولى . وما هى إلا لحظات حتى كانت ثيابي فى حقيبة , وصوري فى يد المشير , الذى راح ينظر إليها قائلا:

- بقى نفيسة بنت ابن الشيخ حواس ترقص مع خواجات – والله عال – إيه ده قاعدة وسط هيئة أمم بفستان بالشكل ده ؟! – ويحملق فى الصورة ثم يمزقها , وأنا أمامه أشعر بالغيظ لفقدان صوري التى كنت أعتز بها وبعد أن انتهى من تمزيقها , نظر إلى متسائلا :

- غاضبة !! – نعم – " هذا غضب مؤقت – وسيزول فيما بعد حين تعرفين ".

- قلت وأنا فى دهشة صادقة : أنت تبدو لى اليوم رجلا صعيديا تماما .. إننى لم أرك من قبل بهذه الصورة .

- أجاب بهدوء: لأننى لم أكن زوجا لك من قبل . ثم واصل ساخرا :" أتظنين بذلك تكونين سيدة متحضرة ,.... أهذه هى الحضارة التى تفهمينها؟..

إن الحضارة ليست انحلالا وفسادا .. إن الحضارة جد, عرق , وذكاء , وعلم ... ليست خلاعة .. إن ما تظنينه حضارة هو فى الحقيقة قشور ..

أراك تتكلمين كثيرا عن الحضارة .. هل اخترعت شيئا أو أضفت شيئا للحضارة ؟

ثم صمت ونظر إلى بوجه عطوف ومبتسم قائلا : أنت أصلك لسة صغيرة .. وإحنا مش عاوزين الخواجاية برلنتي .. إحنا عايزين نفيسة..

وكان وقع " نفيسة" على نفسى وقعا غريبا , أيقظ بداخلي حقيقة كانت راقدة وراء بريق الحياة التى كانت أعيشها أنذاك من فن وثقافة . وانطلاق وأوصلت وجداني بوجدان عبد الحكيم عامر " الصعيدي المؤمن"

ثم قال ليرضيني :" هيا بنا نتمشى قليلا".

ولا أنكر أنى فرحت بهذا الاقتراح , فهذه أول مرة يدعونى للتمشية غادرنا جميعا المنزل, وبعد أن أوصلنا والدتى إلى منزلها بجوارى , خرجنا إلى الطرقات . وما كان أعظم سعادتي فى تلك اللحظة , وأنا بجانيه يحنو على ليزيل من نفسى ما أصابني من ضيق منذ لحظات .. ولم يعد الذى بجانبي رجلا من الضباط الأحرار , ولا من رجال الدولة وإنما مجرد خطيب يتنزه مع خطيبته فى عربة تجوب شوارع القاهرة , ولأول مرة أضع رأسي على كتفه وأحسست لحظتها بالاطمئنان والراحة , وكأن حملا ثقيلا انزاح عن صدري فطوال حياتي أعيش فى كفاح , وعلى كاهلي عبء أسرة والتزامات ثقيلة , والآن أشعر بأنى ألقى هذا العبء عن كاهلى .

وتمضى بنا العربة إلى شارع الهرم ومازال متولى يصعد بنا حتى وصلنا إلى الطريق الصحراوي , وعاودني القلق . فما زال شبح إجراءات الأمن لا يريد أن يبرحني فقلت مازحة :" هل سنذهب إلى الإسكندرية

قال المشير لمتولى " قف هنا " وقفت بنا العربة فى الطريق الصحراوي , وهبطنا منها والصحراء من حولنا تسطع فى ضوء القمر ,ومن داخل العربة يصلنا صوت أم كلثوم يشدو بأغنية الأطلال " هل رأى الحب سكارى مثلنا"..

وكان جوابى على سؤال أم كلثوم " نعم أنا والمشير"..

وجاءت لحظة العمر و وعبارات الشكر لله تتحرك على شفتى أمى فقد استجاب الله لدعائها فخرجت ابنتها نفيسة من حياة الفن إلى " بيت العدل"

وأقبلت ساعة الصفر , وقد تأهبت لها بثوب أبيض طويل الأكمام , مقفول الصدر وحذاء أبيض , وأقبل متولى لينقلنا إلى بيتنا الجديد رافقنى فى ليلة زفافى , أمى , وأختى زهرة , وأخى الأصغر هشام وخالتى الحاجة فتحية وكان هؤلاء هم كل " معازيم العروسة".

وهنا فى ذات الفيلا التى شاهدتها من قبل , والتى قال المشير فيها أنها ستكون بيت الزوجية , لم أجد سوى مائدة للطعام , وضعت فى جانب من الصالة , وفى الجانب الآخر بعض المقاعد " الفوتيل" وبعض الأرائك , أما الجدران فقد أعيد طلاؤها ,ودخلت المطبخ فوجدت دولابا فى الحائط مليئا بالأطباق والحلل , وبوتاجازا صغيرا وثلاجة.

وبعد جولتى الاستطلاعية هذه لبيتى الجديد حملت حقيبتى ودخلت حجرة النوم ,ولم أكد أفعل حتى وقفت فى وسطها مبهوتة غير مصدقة لا أرى , فلم يكن بها سرير, ولا دولاب للملابس ولا تسريحة ولا شئ سوى مرتبة فرشت على الأرض !!

أهذه حجرة نومى ليلة عرس!!

أهذه حجرة نوم عبد الحكيم عامر , وزوجته برلنتى عبد الحميد نجمة السينما ؟!

أفقت من ذهولى على غضب يعصف بكيانى , فجلست القرفصاء على المرتبة , وعيناي تملأهما الدموع , ويبدو أن جلوسي على هذه الحال قد طال فإن أمي جاءت للبحث عنى فلما وجدتني على هذه الحال وقفت تحدثني بكلمات طيبة مواسية , لتزيل من نفسى ما أصابها من حزن وتذكرني بأن كل شئ يمكن شراؤه فى وقت لاحق , وليس المهم الآن , إنما المهم ما سيكون ويكفيني سعادة أننى تزوجت رجلا طيب الأخلاق عذب الطباع.

واستطاعت كلماتها أن تخرجني بعض الشئ من هذه الحال , فنهضت وأصلحت أيضا ملامح وجهى , وبدلتها من الحزن والهم إلى السرور والفرح , مستعينة فى ذلك بمواهبي التمثيلية , وخرجت عليهم فى دور العروس المرحة فى ليلة زفافها , وإن كنت أضمرت مواجهته حين نخلو إلى بعضنا .

كان ترتيب السفرة والزهور ترتيبا يخلو من لمسة الجمال , ولعله كلف به أحد حراسه وكذلك الكنب والكراسى , فشرعت من فوري فى إعادة الترتيب وتنسيق الزهور وكذلك نثرت بعض الوسائد الصغيرة التى كانت معى ذات الأوان الزاهية على الأرائك مما أضفى جمال فى المكان .

ثم جاء المشير وأخوته حسن عامر ومصطفى عامر ومعهم أنور السادات وكان قد سبقه للحضور علي شفيق وأبو المعاطى , كان المشير يبدو عريسا بحق و يأخذ العين بأناقته ورشاقته وسعادته التى تضئ وجهه وعينيه كان الإشراق باديا على كل شئ فيه وقد دعانى ما لمسته فيه من فرح وسعادة إلى استبعاد فكرة مواجهته التى أضمرتها غضبا فى قلبى , فقد عز على أن أكون سببا يقلل من هذه السعادة التى ما رأيت مثلها من قبل ..

وتم عقد القران فى تلك الليلة . ورأيت عبد الحكيم عامر يطوى ورقة الزواج فور الانتهاء من كتابتها وتوقيعها ويضعها فى جيبه ثم يميل إلى الوراء مسندا رأسه على حرف المقعد , مادا ساقيه , واسترخى استرخاء من يجد الراحة بعد سفر طويل ..

وزاد تصميمي حين رأيته على هذه الحال , على ألا أنغص عليه ليلته , فمحال أن يجرؤ القلب على خدش هذه الفرحة الطاغية الصافية التى قد لا ينالها الإنسان إلا لساعات قليلة خلال عمره كله .

عقد القران ووزع الشربات ,وزاط المعازيم وهم قليلون – وتألق الحفل بالبهجة والفرحة وواظبت أنا من ناحيتي على " التمثيل" فأخذت أروح وأغدو ضاحكة , أجامل الحاضرين , وانتهز المشير فرصة وقوفي بجانبه فى إحدى المرات , فهمس فى أذنى , قائلا :

أعترف أنك ممثلة ممتازة ... بس عينك بتقول إنك زعلانة".

كان المشير دقيق الملاحظة , ويملك شفافية القلب و فما انطلى عليه تمثيلى , وأدرك ما أعانى فأصبح ينتهز كل فرصة ليداعبنى بقوله السابق .

وعندما شارف الحفل نهايته قلت له هامسة " لماذا لا نقضى الليلة فى كنج مريوط " فأجاب على الفور " نحن ذاهبون فعلا إليها " ثم نظر مبتسما وعيناه تفيضان حبا.

وبالفعل سافرنا إلى الإسكندرية فى تلك الليلة وفى صحبتنا والدتى وإخوتى وعندما وصلنا إلى كنج مريوط ودخلت الفيلا كان كل شئ فيها قد تغير , فحجرتي أنيقة جديدة ,وكل شئ فى الفيلا قد استبدل بغيره أكثرة جدة ما عدا حجرة الصالون .

أكملنا السهرة فى حديقة الفيلا , والسعادة تملأ الجو حولنا فهنا ومنذ تلك الليلة كانت بداية عمرى فأنا لم أولد من قبل سوى الأن , ولم أوجد فى الدنيا سوى الآن ..

هنا كانت بداية عمرى الحقيقي , الذى لم يزد عن بضع سنوات ولكنها كانت هى كل حياتي , وما عداها وما سبقها كلاهما لا شئ.

كنجى حبيبتي

لا توجد بقعة فى الأرض, تعلقت بها ذاكرتي , مثل " كنج مريوط" التى كنت أملك فيها الفيلا قبل الزواج , ثم قضينا فيها أول يوم من أيام الزواج , لذا فلى بها بعض الذكريات الغالية التى تتعلق بى وبالمشير بعد الزواج .

وأذكر أن جمال عبد الناصر , وعبد الحكيم عامر كانا فى أجازة صيفية طويلة ببرج العرب , وقد انتهزنا – أنا والمشير – هذه الفرصة لنقضى معا وقتا أطول من المعتاد ونسينا الرسميات تماما , وتحول المشير إلى طالب فى الكلية , أو إلى ضابط صغير فصار من عادتنا أن نخرج إلى الصحراء حاملين السندوتشات وترامس الشاى والقهوة ونقضى أوقات سعيدة نتجول فى الصحراء ولم يكن البدو الذين نمر بهم يعرفون من هو أو من أنا فلم نكن فى نظرهم سوى " أفندى والست بتاعته"

وقد جعل هذا التعامل معهم أكثر بساطة وأكثر تلقائية فنتجاذب معهم أطراف الحديث على سجادة يحضرها البدو لنا وتدور علينا أقداح الشاى .

كان المشير يحب مجالستهم ويداعب أطفالهم ويطعمهم بيده , ثم نغادرهم بعد أن يمنحهم بعض المال , ونحن نشعر بسعادة غامرة .

ثم نعود إلى البيت فنجد " متولى" حارسه الأمين فى انتظارنا فيطلب منه إحضار بعض الكتب. كان من عادة المشير أن يحضر من عربته بعض الكتب من مكتبة منزله بالقاهرة وقد قرأنا معا فى هدوء الصحراء " المدينة الفاضلة " لأفلاطون" وبعض الأعمال الأدبية لجان بول جرفنى الحديث مرة عن " كارل ماركس" فإذا به ينظر إلىّ ضاحكا وقال :

- إنها نظرية عظيمة .. ولكن أصحابها نسوا أهم شئ وهو الإنسان , الذى حولوه إلى مجرد " ترس" فى ماكينة, مع أن الإنسان هو القيمة , وهو العقل وهو صانع هذه النظرية ومن الأحداث التى لا أنساها , تلك الحادثة التى وقعت , عندما أردت إشعال نار المدفأة فقد ووجدتها تخبو , ولم أكن " ست بيت" ولما كانت الليلة باردة فقد رأيت أن أجج النار , بإلقاء بعض الكيروسين عليها .. وما كدت افعل حتى اشتعلت النار بصور تهدد بالخطر و وكادت تصل إلىّ وأنا أقف وعلبة الكيروسين فى يدى , وبصورة لا شعورية وجدتني أقف بين المشير وبين النار خوفا عليه فإذا به يدفعنى بعيدا , ويأخذ العلبة من يدى وبعد أن تم إطفاء النار وجلسنا صامتين قال بعد قليل :" انتى واقفة تحميني من النار , ومش خايفة على نفسك ؟"

- نظرت إليه وقد ملأنى إحساس بالحنان , وفى قرارة نفسى كنت مستعدة فعلا لأن أحميه بحياتي .

- وكنا أحيانا نذهب إلى الإسكندرية , وقد أمضينا فيها أوقانا سعيدة, ولم يكن يزورنا أحد سوى بعض أسر من أقارب المشير , ومن الشخصيات التى كنا نحب زيارتها لنا أنور السادات وكان إذا دخل البيت نادى بصوته الجهورى " يا ...حااااكيم" وكأنه يغنى أوبرا , وهو يتميز بخفة الظل , وحسن الدعابة وهو من الناس الذين تطيب عشرتهم لما فيه من بساطة ولباقة عند الحديث.

ولم يكن أنور السادات وحده هو الذى يزورنا فى الإسكندرية و بل أحيانا ما كان يأتى بعض زملاء عامر فى الثورة .

وحدث فى ليلة ممطرة , أن جاءنا عباس رضوان حاملا حذاءه تحت إبطه وعندما رأيناه على هذه الصورة ضحكنا وقال له عامر :" كويس " علشان ما تنسوش أيام زمان .

وقد لاحظت أن جمال عبد الناصر , وعبد الحكيم , وعباس رضوان وصلاح نصر وشمس بدران كانوا يؤلفون شلة واحدة , وفى الأجازات يقضون مع بعضهم وقتا طويلا وكان من عادة جمال إطلاق أسماء وصفية أو كودية على زملائه من أعضاء مجلس الثورة فيقول جمال مثلا : مش" النسناس" كلمنى النهاردة أ مش " الفريزيان عدى على " أمبارح". ولم يكن فى بيتنا فى كنج مريوط تليفون فإذا أراد الرئيس رؤية المشير فإنه إما أن يرسل أنور السادات أو يطلب متولى أو علي شفيق فى استراحة المشير المواجهة لاستراحة جمال عبد الناصر , فيحمل أى منهم الرسالة الشفهية إلينا , والغريب أنى لم أطلب تركيب تليفون , ولم أدرك أن هذا الأمر كان غريبا إلا الآن وأنا أكتب هذه المذكرات!! ومن الأمور التى فوجئت بها بعد الزواج , هو اكتشافى أن عبد الحكيم عامر خجول للغاية ..ولم يكن يعرف كيف يتعامل مع النساء ,ولا يعرف تنسيق الحديث وكان يقول لى " أنا راجل فلاح .. وماليش أى علاقات .. تزوجت وأنا صغير .. وطلعت أمقت ما يغضب الله – واقبليني أنت على هذه الصورة ". كان على عكس ما يشاع عنه تماما , فهو جاد , خجول, يحافظ على الصلاة وأشهد أنى لم أراه يدخن الحشيش أو يشرب الخمر فى يوم من الأيام .

القنبلة

فى كنج مريوك كان شهر العسل وفى الأيام الأولى كنت أعيش فى غلالة من الأحلام والأماني , وكأن الأقدار أرادت أن تعيدنى إلى الصواب وعالم الحقيقة , فوقعت حادئة صغيرة ولكنها كانت كافية لتوليد تيار من القلق يلازمني طوال حياتي مع المشير تلك الحياة التى اختتمت بالقلق الأكبر , أو بالأصح الفاجعة الكبرى , ألا وهى موت المشير , على النحو الذى أشيع بين الناس بصورة تجعل قصة موته لغزا فى تاريخ السياسة المصرية المعاصرة.

كانت كل الدلائل تشير إلى سهرة ممتعة , سوف أقضيها مع لمشير , ففيما كان بعض العاملين يعدون وجبة الطعام فى المطبخ بإشراف والدتى , كنت أتنزه أنا وهو فى الحديقة المحيطة بالفيلا ونلتقط بعض الصور التذكارية .

ثم تناولنا العشاء ,ونحن فى حال من الانشراح والسرور جلسنا نستمع إلى أم كلثوم وحولنا والدتي وشقيقاتي , وفجأة سمعنا صوت " كلاكسات " وعلى الفور نهض المشير وقد بدأ عليه الاهتمام وأجاب على نظراتي بقوله : هذه من عند الرئيس!!

وبالفعل ما كاد ينتهى من كلامه حتى دخل علينا متولى الذى يرابط فى استراحة المشير حيث التليفون – وأبلغه أن الرئيس جمال عبد الناصر يطلبه .

لبس عبد الحكيم ثيابه على عجل , وخرج مع متولى ولما سألته : إلى أين هو ذاهب أجابنى :" عندما أعود سأحكى لك كل شئ".

خرج المشير وبعد قرابة الساعة عاد ليقول لى أنه سيقضى الليلة عند الرئيس حيث يريده لأمر هام ,ابتسم فى وجهى قائلا بأنه سيعود غدا بإذن الله .

ضاعت السهرة الجميلة التى ظننت أن سأقتنصها من دوامة المشاكل التى تأخذه منى أكثر الوقت , وآويت إلى فراشى مبكرة.

وفى اليوم التالى قرب الظهر عاد عبد الحكيم وعزمت منه أنه رافق جمال عبد الناصر فى القطار إلى القاهرة ثم عاد !!

وعندما أبديت له دهشتى إذ إن سفر عبد الحكيم لم يكن مقررا بالطبع عرفت ذلك من الليلة السابقة حيث كان عبد الحكيم لا يبدو عليه أن هناك ما يشغله , وأنه سيقضى معنا الوقت على راحته .

عندما أبديت لعبد الحكيم هذا فقال :

-أنت تعلمين أنى مسئول عن سلامة الرئيس.

وما معنى هذا؟

ضحك وقال :- الحكاية أن بعض أجهزة الأمن أبلغت الرئيس أن القطار الذى سيسافر به من الإسكندرية إلى القاهرة قد تكون به " قنبلة" وقد طلبنى جمال ليقول لى ذلك , فكلفت بعض رجالي بالتفتيش ولكنهم لم يعثروا على شئ , ولكن الريس ظل غير مطمئن .. فلم أجد أمامى لإقناعه بخلو القطار من أى خطر سوى أن أرافقه أثناء الرحلة , وكانت هذه هى الطريقة الوحيدة لطمأنة جمال .

سألت ببلاهة : وماذا لو كانت هناك قنبلة فعلا؟

ضحك بشدة وقال : كنا متنا بالطبع وشعرت لحظتها أن القنبلة ليست فى القطار فقط بل هى أصبحت فى حياتي أيضا وأدركت لحظتها أنها لن تكون تلك الحياة الوردية الناعمة التى ظننت أننى سأنعم بها بزواجي من النائب الأول لرئيس الجمهورية وتأكد هذا المعنى بالطريقة التى انتهت بها رحلة شهر العسل , فبعد هذه الحادثة – أى فى اليوم الثالث – تقرر عودتنا فجأة إلى القاهرة ففى الصباح قضينا وقتا حالما أنفقته فى الرعاية بعبد الحكيم وأحاطته بحبي وأحسست أن أمتلكه فى تلك اللحظات , فاخترت له طعام الإفطار والبدلة والكرافتة وفى غمرة هذا الحلم أيقظني بقوله : " سنعود اليوم إلى القاهرة"

وفى هذه اللحظة ظننت أننا سنكمل هذا الشهر فى القاهرة , ولكن كان كل هذا وهما وسرابا , فعلى باب الفيلا ,نحن نتأهب لركوب العربة قال لى :" اركبي أنت فى هذه العربة " أما أنا , وأشار إلى عربة أخرى تقف أمام عربتى " فسوف أركب هذه "

وسار بنا الموكب فى الطريق الصحراوى هو فى المقدمة وأنا فى العربة التى تسير خلفها وطوال الطريق لم تلتق العربتان ولم نتبادل حديثا إلى أن أصبحنا داخل القاهرة وذهبت أنا وحيدة إلى بيتى.

دور عبد الحكيم فى الثورة

قبل الدخول فى تفاصيل حياتى المقبلة مع المشير والتى وقعت فيها الأحداث التاريخية خلال السنوات الأخيرة من عمره.

أجد من الأهمية أن أضع تحت عينى القارئ , دور عبد الحكيم البارز فى ثورة 23 يوليو حتى تكون ماثلة فى خياله , وهو يرافق – معى – عبد الحكيم وسط تقلبات الأحداث السياسية , والعسكرية , بما تخللها من مؤامرات ودسائس , ومناورات ,ولعل ذكريات بداية الثورة , أن تلقى بضوئها الكاشف على ذكريات نهاية عبد الحكيم.

نشر كثير من المعلومات عن عبد الحكيم عامر والضباط الأحرار وكتب الكثير عن قيام الثورة وكيف قامت وعن الأدوار التى قام بها كل واحد منهم.

وقد أتيح لى بعد وفاته أن أطع على الملف الخاص به , إذ فاجأني يوما صلاح نصر بأن وضع بين يدى أوراقا قائلا أقرئيها فهى ملف عبد الحكيم عامر...

ولا شك أن الكثيرين يعرفون الكثير عن مسقط رأسه , وتاريخ مولده , والمناصب التى تولاها , وتواريخ توليها إلى أخر هذه البيانات التى يعرفها الجميع لذلك لن نشغل القارئ بها .

كان للمشير الفضل فى تجنيد أكبر عدد من الضباط الأحرار , وقد ساعد على ذلك موقعه فى الجيش حيث كان " برئاسة المشاه" تحت قيادة محمد نجيب بل أنه هو الذى جند محمد نجيب نفسه "أول رئيس للجمهورية " وضمه إلى الضباط الأحرار وذهب المشير إلى جمال ثلاثمائة وتسعة وعشرون ضابطا حرا اشترك منهم فعلا فى أحداث ليلة 23 يوليو ما لا يقل عن ثمانين ضابطا حرا.

فى عهد وزارة إبراهيم عبد الهادي سنة 1949 وقع جمال عبد الناصر فى مأزق كاد يتسبب فى فشل الثورة بإفشاء سر تنظيم الضباط الأحرار إليك الواقعة.

استدعى عبد الناصر إلى مكتب الفريق عثمان المهدي – رئيس أركان حرب الجيش وهناك جلس ينتظر بمكتب البكباشى عبد العزيز فتحي , مدير مكتبه , ثم خرج الثلاثة واستقلوا سيارة إلى مكتب رئيس الوزراء , ولم يكن عبد الناصر يعرف سبب استدعائه وكان يحمل فى جيبه أوراقا يمكن أن تكشف نشاط التنظيم السرى بها أسماء بعض الضباط الأحرار وفى مكتب رئيس الوزراء استبد القلق بعبد الناصر فما كاد يدخل إلى مكتب سكرتير رئيس الوزراء حتى استأذن فى الدخول إلى دورة المياه ... وهناك أخرج الأوراق ومزقها ثم ألقى بها فى المرحاض وعاد بعد أن تخلص من هذا الموقف.

ويبدو أن عثمان المهدي قد لاحظ قلق عبد الناصر , فقد بادره بعد عودته من دورة المياه سائلا :" هل معك أوراق " فأجابه عبد الناصر " تخلصت منها" وقد تم اللقاء بين عبد الناصر ورئيس الوزراء فى هذا اليوم وقد حذره من القيام بأي نشاط سياسى وكان هذا التحذير هو سبب الاستدعاء .

وقد حدثت مشادة بين عبد الحكيم وعبد الناصر بعد ذلك بسبب هذه الواقعة حيث أبدى عبد الحكيم استياءه من قلة حذره , وذهابه إلى مكتب رئيس أركان الحرب ثم إلى مكتب رئيس الوزراء وهذه الأوراق فى جيبه .

فى حرب سنة 1948 التى خاضها الجيش المصري ضد إسرائيل و قام عبد الحكيم عامر ومعه صلاح سالم , ومحمد أبو نار , وغيرهم بمهاجمة مستعمرة " ديرسنيد" وأدوا مهمتهم بنجاح , وأثناء العودة اكتشف عبد الحكيم – بعد أن عبروا الأسلاك الشائكة – غياب أحد الجنود الذين كانوا معهم فلم يتردد لحظة فعاد عبر الأسلاك الشائكة – غير مبال بتحذير الزملاء ووجد الجندى مصابا فاختبأ هو والجندى حتى هدأت الدوريات الإسرائيلية ثم حمله وعاد رغم إصابة عبد الحكيم فى ذراعه.

وقد نجح عبد الحكيم فى إدارة معركة " نينساتيم " وهى واحدة من أشرس المعارك التى خاضها الجيش المصري فى حرب فلسطين , وكانت هذه المستعمرة تعطل تقدم قواتنا وتقديرا لكفاءته وشجاعته عين أركان حرب اللواء العاشر الذى كان يرأسها محمد نجيب.

كان عبد الحكيم عامر هو الذى أقنع صلاح نصر بالانضمام غلى تنظيم الضباط الأحرار, ثم دبر أول لقاء بينه وبين جمال عبد الناصر الذى أعجب بثقافة صلاح نصر ونظر إلى عبد الحكيم قائلا : أنا سعيد بانضمام صلاح إلى التنظيم ".

فى ساعة الصفر وقع خطأ كاد يؤدى إلى اشتباك قوتين و قوات يوسف صديق وقوات عمر محمود علي الذى وصل فى موعده , وفوجىء بوجود قوات عند بوابة مبنى رئاسة الجيش فظن أنها قوات معادية , فأمر جنوده , بتعمير بنادقهم والاستعداد لإطلاق النار .. لولا جرأة ويقظة عبد الحكيم عامر الذى كان يعرفه عمر محمود علي , فأظهر نفسه مقتربا من القوة المتحفزة , وعندما وقعت عليه عين عمر محمود علي بالكتيبة الثالثة عشرة أدرك أن القوة التى أمامه هى من قوات الثورة , وقد انضمت القوتان وحاولوا اقتحام المبنى , وإلا أن جندى الحراسة اعترضهم وبدأ يصيح ويصرخ محاولا تنبيه الحرس ولم يجد عبد الحكيم بدا من تحذيره .. تم إطلاق الرصاص عليه , وحينئذ اقتحموا المبنى بعد أن رمى عبد الحكيم " السلاحليك" من على البوابة .

وفيما كانوا يقتحمون المبنى وقف عبد الحكيم أمام بوابة مقر القيادة , ليقبض على القادة وهم يوافدون الواحد تلو الآخر , ويأمر بالتحفظ عليهم وإرسالهم إلى مبنى الكلية الحربية المواجهة لمبنى القيادة .

كان عبد الحكيم عامر " دينامو الثورة... والمحرك لنشاطها " يتابع تنفيذ الخطة بعين يقظة .. وقد لاحظ وجود مدفع فوق مبنى القيادة وخشى أن يستعمله أحد , فأطلق عليه الرصاص حتى لا يستخدمه أحد. عبد الحكيم عامر هو الذى كتب " بيان الثورة" الذى أذاعه أنور السادات , وقد ذكر هذه الحقيقة " فتحي رضوان" فى مقاله الذى نشر فى جريدة الوطن بتاريخ 19 يوليو سنة 1984 , معربا عن دهشته لبعض من نسب هذا البيان غلى أكثر من واحد ومنهم جمال حماد .

والحقيقة أن الدور الذى قام به جمال حماد ليلة الثورة لم يزد عن ملازمة , القائمقام أحمد شوقي – قائد الكتيبة 13 – لتأمين سلامة الضباط الأحرار , حيث إن عبد الناصر خشي أن يقوم أحمد شوقي بالتبليغ عن الضباط الأحرار و لأنه كان قريبا من اللواء احمد طلعت حكمدار العاصمة , فأمر عبد الناصر الصاغ جمال حماد واليوزباشي جمال القاضي بملازمته وعدم تركه إلا بعد أن تتحرك القوات , أما أحمد شوقي فقد صحبهما إلى منزله وكان لبقا قلم يحاول الاختفاء عن أعينهما وما كان يتحرك إلا برفقتهما..

قال لى المشير يوما : وهو يستعيد ذكريات بداية الثورة , قال لى عن ذلك البيان أنه كان قد كتبه وأعطاه لأخيه حسن ليحمله معه خوفا من أن يقع له – أى المشير – ما وقع لجمال عبد الناصر حين ذهب إلى القيادة وفى جيبه أسماء أعضاء التنظيم – وفى الليلة السابقة على الثورة عاد إلى منزله ليرتدى الزى العسكرى ثم استرد الخطاب من أخيه حسن عامر ووضعه فى جيبه إلى أن أعطاه لأنور السادات . وقد سألته لحظتها " لماذا اخترت أنور السادات بالذات" فأجاب ضاحكا :" علشان أدبسه" ,يعرف أن مشوار السينما مانفعش ,ومما حكاه لى عامر أن أحداث هذا اليوم ,أن جمال عبد الناصر كان يرقب عملية اقتحام مبنى الرئاسة وهو على رصيف الكلية الحربية وهو فى ثياب مدنية , وكان قد تم الاتفاق على ذلك بينه وبين عبد الحكيم عامر , حتى فشل الهجوم وقبض عليهم فإن عبد الناصر يستطيع مواصلة الثورة.

الفصل الثالث

شهر عسل....وسنوات بلا عسل

بعد عودتنا من كنج مريوط على النحو الذى ذكرته سابقا , اتضح لى أنه من المستحيل أن يكتمل شهر العسل , فقد انتهى بنهاية الأيام الثلاثة الأولى.

أما ما أعقب ذلك من أيام ,وشهور وسنوات فقد حفلت كلها بأحداث ومفاجآت كنت أراها بعين الزوجة , أقدارا كاسحة , تحول بينى وبين اللقاء , والنجوى والتسامر مع عبد الحكيم عامر , وفى الأوقات القليلة التى تتاح لنا فيها خلوة , كان كل منا يعبر عن حبه للآخر وتعلقه به , وكانت هذه اللحظات القليلة هى كل ما سمحت لنا به الأقدار فلم تكن سعادتنا بضخامة حكايتنا , ولم تكن بضخامة ما أشيع وروى عنى وعن عبد الحكيم عامر فيما بعد.

والحق لم يكن ثمة مفر من وحدتى , فالرجل الذى تزوجته كان يعطى كل وقته لمسئوليات منصبه , وكنت كأى مواطنة أعرف أخباره , وأنباءه من الصحف , والإذاعة والتليفزيون , فأعرف أنه اليوم فى اليمن , أو فى السويس , أو فى موسكو , أو فى الجزائر ..

كانت مسئولياته كثيرة , فإلى جانب مهامه السياسية كنائب أول رئيس الجمهورية وقتها إن الإنسان – أى إنسان- يمكن أن يكون مشغولا بدرجة تجعله لا يجد وقتا يرى فيه من يحب !!..

وكنت أشكو له إحساسي بالوحدة , ورغبتي فى قضاء وقت أطول معه , فكان يرد على بقوله " أنا لا أملك نفسي .. أنا ملك للثورة والناس والمسئولية".

كان مثل هذا القول يؤثر فى تأثيرا عميقا , ويولد فى نفسي إعجابا به , يضاهى شوقي إليه .

والحق إن المشير كانت به صفات أحببتها , منها انهماكه الشديد المخلص فى سبيل المبادئ التى يؤمن بها , وتلقائيته مع من يعرفهم ويثق بهم , كما أنه كزوج كان عطوفا لين الجانب وأنى لا عجب كيف كان يمكن لإشاعات الحشيش والمجون , والغراميات أن تنتشر عن رجل لا يجد وقتا لراحة بدنه .

وقد مر العام الأول من زواجي – سنة 1963 – أنا لا أجد ما أفعله سوى ممارسة الرياضة فى حديقة المنزل .

والحق أنى كنت قد بدأت أخاف على رشاقتي وقوامي, فأنا أعيش فى راحة ولا أبذل جهدا كما تفعل كل زوجة فى بيتها , فحاجاتي كلها مقضية , ولم أكن أخرج إلا نادرا – فلا أزور ولا يزورني أحد – وكان خروجى الوحيد إما لذهابي إلى السينما " بصحبة متولى" وكثيرا ما كان يأتى أحد من حرس المشير إلى داخل السينما أثناء العرض يهمس " الدكتور وصل" فاضطر إلى مغادرة القاعة والعودة إلى البيت , وإن لم أذهب إلى السينما فإنى كنت أتجول حول البيت بالعربة مع متولى أيضا أو علي شفيق .

ومر عام 1963 ومع بداية سنة 1964 حدث تغيير فى حياتي... الحمل وعندما عرف عامر , كانت فرحته لا توصف , فأخذ يتكلم كثيرا عن الولد المنتظر وماذا نسميه؟.. كما يحدث عادة بين الأزواج .

ويبدو أن القدر أبى لهذه الفرحة أن تتم فأجهضها وأجهض معها الجنين .. ولذلك قصة فى إحدى زيارات صلاح نصر , قال لى مازحا :" أيوا يا ست حملت .. وبكدة اترستقتى".

أحسست بالإهانة , وبجرح فى كبريائي , وكأنني امرأة تافهة لا تستطيع أن تضمن زوجها إلا بالإنجاب. قلت له :-

عامر عنده سبعة أولاد .. ولم يمنعه هذا من الزواج مرة أخرى . وكانت هذه العبارة سببا فى زوال البهجة من نفسي , وحل محلها الكدر والضيق وقد لاحظ عامر ما اعتراني من تغيير و كان يسألنى " ماذا بك" فأجيب :" متعبة".

انتهت السهرة , وقبل انصرافهما , قال لى عامر :" خللى بالك من صحتك .. ولا تجهدي نفسك". ونظرت إلى صلاح وأنا أقول :" إن شاء الله ".

ولم أنم ليلتها .. كيف فسرت علاقتنا على هذا النحو , بعدما ضحيت بالنجومية والشهرة لأعيش فى منزل متواضع من حجرتين ورضيت أن أقبع هنا فى انتظار زوج لا أعرف متى يجئ.. ومتى يسعدني ببقائه معى ليلة أو ليلتين فى الأسبوع كان يعطيني مائتي جنيه فى الشهر كمصاريف لك شئ : الأكل والإيجار والنور .. وأحيانا عزومات الأصدقاء .

ثم لا أخرج إلا بإذن ومعى حارس.. ولا أستطيع دعوة أية صديقة عندى لدواعي الأمن , وكأنني فى سجن انفرادي . إذا لم أكن قد تحملت هذا من أجل حب كبير , فلأي شئ أعيش تلك الحياة التى لا تتحملها أى زوجة عادية وليست نجمة سينمائية .

قد تكون حياة الوحدة سببا فى تزايد الغضب بداخلي , وإعطائي وقت فراغ أجتر فيه بداخلي حديث صلاح نصر مع ما صاحب ذلك ن توتر واستثارة , وكان طبيعيا فى تلك الحالة ألا أحظى بنوم مريح , وأن أصحوا من نومى بجسد مرهق وأعصاب متوترة .

ويبدو أن القدر كان ينسج حكاية لم أنتبه إليها , فقد واصل نسجها حتى أتمها فى الصباح .. فما كدت أغادر غرفة نومي , وأتقدم من السلم وأشرع فى الهبوط , حتى وجدتني أسقط على السلم وأنا أصرخ , وكانت لحظات أعانى فيها آلاما قاسية ثم غبت عن الوعي وأفقت على وجود طبيبة بجانبي , قالت وهى تربت على خدي :"حمد لله على السلامة ... يا .. خسارة.. كان ولد" وقد عرفت إنى أجهضت الجنين , وراحت الطبيبة تواسيني وتوصيني بعد الحزن .. أو الانفعال وأن أهتم بصحتي .

ثم جاء عبد الحكيم ولاحظ أنى فى حالة إعياء ولا أستطيع الوقوف , فأحاطني بيديه وهو يردد.. سلامتك .. شدي حيلك.

ومر يومان على هذه الحادثة تمالكت فيهما بعض قواي , والحق أن آلام البدن بدأت تفارقني ,ولكن الغضب من تلميحات صلاح نصر لم تفارقني وصح عزمي على إبلاغ المشير بما قاله صلاح .. فانتهزت لحظة كان فيها جالسا إلى جانبي – وكنا وحدنا – فقلت له فجأة:

_ هل جريمتي أنني أحببت مشيرا ؟!!

- بلاش فلسفة وخشي فى الموضوع..

- أنت تسمع لكل الناس بصدر رحب , فاتركني اعبّر عن مشاعري بطريقتي قال بشكل رسمي اتفضلى...

- بصراحة, هلى أنا كسبت ماديا أو اجتماعيا بزواجي منك ؟ أم خسرت؟

قال بشدة: منذ متى تحسبين علاقتنا بحساب المكسب والخسارة , ومن متى يحسب الأخذ والعطاء بين زوجين؟

قلت : أرجوك أنا أتساءل فقط , وليس معنى ذلك أن هذا هو تفكيري.

قال : أنا لا أحب الألفاظ ولا الديباجات , تكلمي بصراحة , فلست بحاجة إلى مقدمات .. فأنا أعرفك جيدا .. أجيبي بسرعة ماذا حدث ؟!

أخبرته بما قاله لى صلاح نصر فلم يصدق وقال :" هوه قالك كده"؟!

- أنا لا أكذب.

امسك التليفون على الفور وكلم صلاح الذى قال له ضاحكا : معقول تأخذ الموضوع بالشكل الجاد ده ؟

وأعطاني عامر السماعة وسمعت صلاح نصر يقول : لم أتصور إن هذه الكلمة تفعل فيك كل هذا .. أنا كنت باهزر!!

تركت هذه الحادثة أثرا عميقا وغائرا فقد شعرت وكأنني فى بلاط ملكي ولا خبرة لى فى التعامل مع رجال السياسة والحكم .. ولكنى تعلمت أن تكون كل تصرفاتي بحساب , وكل كلماتي بحذر , ونسيت البساطة التى كنت أتعامل بها طوال حياتي وأحسست فجأة أننى كبرت أعواما ,ولكن معاملة عامر لكريمة وحنانه وحبه كل ذلك احتوى مشاعري وأقبلت مرة أخرى على الحياة بأحاسيس أكثر قوة ونضجا.

من عالم الفن إلى عالم السياسة

عادت المياه إلى مجاريها بينى وبين عامر بعد حادثة الإجهاض ولكن أنا لم أعد أبدا كما كنت أصبحت أعيش فى مناخ كله سياسة , قلبي معلق برجل يعمل فى السياسة وبدأ عقلي يتنبه إلى ما يجرى من حولي , وما يدور من أحاديث بين عامر وزواره من رجال الدولة .

وفى تلك الليلة التى قال فيها صلاح نصر ملاحظته التى اغضبتنى , تذكرت سؤال صلاح للمشير " ألا زلت غاضبا من صاحبك " ودار بينهما كلام عن خصام وخلاف بين المشير و"صاحبك".

وتذكرت أن مثل هذا الحوار كان يتردد كثيرا فى مجالسنا عندما يأتينا زائر مثل صلاح أو أنور السادات , أو عباس رضوان أو عصام خليل وغيرهم " الرجل عايز..." الراجل مش عايز" " صاحبك زعلان من كذا" " وهو لا يرضى عن كذا".

وكان " الراجل " أو " صاحبك" إشارة إلى جمال عبد الناصر – كما فهمت بعد ذلك وترسخ فى ذهني إحساس بأن هناك خلافا دائما بين عبد الحكيم عامر وجمال عبد الناصر .

وإذا كان هذا الشعور قد تأكد عندى فإن شعورا آخر يناقضه كان مؤكدا بدوره وهو الصداقة بينهما .. وكان طبيعيا أن يدفعنى الفضول – والخبرة الجديدة – إلى محاولة معرفة أسرار الخلاف بينهما بسؤال المشير عن ذلك .

وكان بطبعه كتوما حذرا , ولذا لم أكن افلح فى استخلاص سر منه إلا بعد أن يكون قد فقد أهميته بمرور الوقت , مثال ذلك خلافهما عام 56 وخلافهما عام 61 وكذلك عام 63 ثم عاد 67.

إنه تاريخ بالخلافات , وقد استبدت بى الدهشة لاكتشافي هذه الحقيقة فالصورة التى كانت راسخة فى ذهني أن بين الرئيس والمشير ,روابط قوية من الصداقة والإخوة والتفاهم , حتى إن كل منهما أطلق اسم صاحبه على ابن من أبنائه.

كان ثمة خلاف بين الرجلين وقد صرفت اهتمامي لمعرفة أسباب الخلاف , الذى يتردد صداه تلميحا آنا, وصراحة آنا آخر , بين جدران منزلى .

فمثلا عرفت أن المشير كان يعارض جمال عبد الناصر , فى تطبيق قوانين الإصلاح الزراعي , فى سوريا بعد الوحدة , والاستيلاء على ملكيات الملاك الذين ينتمون لأحزاب سياسية , وأبناؤهم يتولون مناصب قيادية فى الجيش السوري , كما أنه عارض قرارات التأميم التى أدت إلى تأميم " الشركة الخماسية" بسوريا وهى إحدى الشركات الكبرى التى تضم أكبر الاقتصاديين الذين يسيطرون على النشاط الاقتصادي هناك , وقد كانت هذه الشركة صاحبة دور كبير فى الانفصال كما عارض تأميم البنوك التى يعتمد عليها رجال الأعمال والتجارة . مما أكد بعد نظر عبد الحكيم عامر.

إن عدم فهم طبيعة الحياة الاقتصادية فى سوريا , كان أحد الأسباب القوية لهذا الانفصال , الذى بدأ غريبا لكثيرين بعد التحالف بين مصر وسوريا , ذلك لأن عماد الاقتصاد السوري يقوم على التجارة وليس على الزراعة فجاءت قرارات التأميم لتشل هذا النشاط التجاري.

بالطبع تبع ذلك قيام حكم بوليسي فى سوريا على غرار الحكم القائم فى مصر , ولم يكن عبد الحكيم راضيا عن ذلك كله .

وقد أرسل عامر رسالة مع صلاح نصر – قبل الانصراف – حذر فيها جمال عبد الناصر, موضحا حرج الموقف فى سوريا , وطلب منه فيها سحب السراج فورا , والذي كان هو الحاكم الحقيقي لسوريا آن ذاك , وتفويض المشير لاتخاذ الإجراءات لمنع الانفصال ولم يصل الرد حتى وقع الانفصال .

وكان من الأمور التى حزت فى نفس المشير عبد الحكيم آنذاك , هو إذاعة خبر تحرك طائرته من سوريا إلى مصر, وهذا خبر كان من الممكن أن يعرضه للموت من المدفعية الإسرائيلية المضادة للطائرات .

وعندما هبطت به الطائرة فى مطار القاهرة , لم يجد فى انتظاره صديق عمره وشريك كفاحه جمال عبد الناصر !!.. وإنما وجد كمال الدين حسين , ولم يكتم عبد الحكيم مشاعره فقال لكمال الدين ساخرا :" هوه الريس كان متوقع عدم وصولي؟!!"

وفى عام 62 كنت ألحظ عندما نلتقى , أنه يعانى من قلق غامض ويبدو دائما صامتا مشغول البال , ولم أسأله فى تلك الفترة عما يقلقه .. ولم أتمكن من معرفة السبب إلا بعد الزواج , ومرور حوالى عامين على حالة القلق والشرود اللذين كنت ألحظهما عليه أثناء خطبتنا .

كان ذلك الشرود والقلق اللذين كنت ألحظهما عليه أثناء خطوبتنا بسبب ما يسمونه " بأزمة مجلس الرئاسة" وتلك الواقعة أخرى تشير إلى الخلاف بين الرجلين " عامر وناصر" إذ يبدو أن جمال أراد أن يقلص نفوذ المشير فى تلك الفترة , وأن يسحب منه كثيرا من اختصاصاته , فألف مجلسا للرئاسة!!

وفوجئ عبد الحكيم فى أحد اجتماعات المجلس , بأن جدول الأعمال يتضمن " النظر فى تخصصات قائد القوات المسلحة, واقتراح آخر بأن يكون لمجلس الرئاسة الحق فى نظر الترقيات , وتعيين قادة الكتائب, وإبعاد العناصر التى يرى أنها غير صالحة للجيش , إما بعزلهم , أو تعيينهم ملحقين بسفاراتنا فى الخارج !!

ولم يكن عبد الناصر يرأس هذا الاجتماع ,فقد اعتذر عن رئاسته بحجة " الوعكة الصحية" وترك رئاسة الجلسة لعبد اللطيف البغدادي.


وقد أراد المشير تأجيل مناقشة هذه المقترحات إلى حين التشاور مع عبد الناصر , خاصة أن الرئيس السابق محمد نجيب كان قد طلب هذه الصلاحيات لنفسه , ورفض جمال بحجة أن هذا يحوله إلى ديكتاتور , ويخلق شللا وتفرقة بين أفراد الجيش , وهاهو ذا يحلل لنفسه ما سبق وحرمه على محمد نجيب.

ولكن عبد اللطيف البغدادي , أصر على مناقشة جدول الأعمال دون أرجاء, وأيده بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة السابق .

وعندما أردوا أخذ الأصوات , اعترض عبد الحكيم , موضحا أن هذا معناه أن يصبح لكل عضو أنصار فى الجيش يكون ولاؤهم لهذا العضو , فيصبح الجيش فرقا مختلفة ,وليس لهم ولاء واحد لقائد واحد .

ورغم ذلك فقد أصروا على أخذ الأصوات, وكان المؤيدون للاقتراح هم : بغدادي و أنور السادات , زكريا محيي الدين , حسين الشافعي , علي صبري , نور الدين طراف . والمعارضون هم : كمال الدين حسين , كمال رفعت , حسن إبراهيم الشرباصي. ولما وجد عبد الحكيم أن معه أقلية بعضو واحد , غضب وترك المجلس بعد أن أعلنهم بالاستقالة من مجلس الرياسة , والجيش .

وإلى القارئ نص الاستقالة التى قدمها عبد الحكيم عامر سنة 1962 :-

عزيزي الرئيس جمال عبد الناصر,,,

بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...

أرى من الواجب , وأيضا من الوفاء , أن أكتب لك معبرا عن رأى مخلص رغم الأحداث الأخيرة , فبعد عشر سنوات من الثورة , وبعد أكثر من عشرين عاما من الصلة بينى وبينك , لا يمكنني أن أعتزل وأترك الحياة العامة دون أن أبوح لك بما فى نفسى كعادتي دائما , أنني أعتقد أن الانسجام والتفاهم بين المجموعة التى تشارك فى الحكم أمر ضروري , وأوجب من ذلك الثقة المتبادلة بين أفراد هذه المجموعة , وقد وجدت فى الفترة الأخيرة أن الأسلوب الغالب هو المناورات السياسية , ونوع من التكتيك فضلا عن مالا أعلمه من أساليب الدس السياسي , الذي قد أكون مخطئا فى تصوره , رغم أن الحوادث كلها , والمنطق يدل على ذلك , والنتيجة التى وصلنا إليها اليوم خير دليل على هذا التصور فقد استطاع هذا الأسلوب إن يتغلب على ما كنت أظنه مستحيلا ,وهو تحطيم صداقتنا وما نجم عن ذلك من أحداث لا داعي لذكرها , فكلها لا تتفق مع المصلحة العامة فى شئ المهم فى هذا الموضوع أنني لا أستطيع بأى حال من الأحوال أن أجارى هذا الأسلوب السياسي لأننى لو فعلت ذلك لتنازلت عن أخلاقي , وأنا غير مستعد لذلك بعدما انقضي نصف عمري, الذى أريد أن أحدثك عنه بخصوص نظام الحكم فى المستقبل , فإنني أعتقد أن التنظيم السياسي القادم كى يكون مثمرا أو ناجحا يجب أن يبنى على الانتخابات من القاعدة إلى القمة , بما فى ذلك اللجنة العليا للاتحاد , وبما فى ذلك اللجنة التنفيذية العليا , وإن أتت اللجنة العليا بدون انتخابات حقيقية فسيكون ذلك نقطة ضعف فى التنظيم الديمقراطي للاتحاد , وإن ما يجب أن نسعى إليه هو تدعيم الروح الديمقراطية بعد عشر سنوات من الثورة , والتى لا أتصور بعد كل هذه الفترة وبعد أن صفي الإقطاع , ورأس المال لمستغل , ومنحتك الجماهير ثقتها دون تحفظ , أن يكون هناك ما تخشاه من ممارسة الديمقراطية بالروح التى كتب بها الميثاق .

وخصوصا إن الملكيات الفردية الباقية, القطاع الخاص , لا يشكلان أى خطر على نظام لدولة . كما أنه ليس هناك ما يمنع إطلاقا انسجام هذه القطاعات مع النظام الاشتراكي.

كذلك الأمر بالنسبة إلى الصحافة , فيجب أن يكون ضمانات من الناس من كتابة تراثهم وكذلك يتمكن رؤساء التحرير , والمحررون من الكتابة دون خوف أو تحفظ .

وقد تكون هذه الضمانات عن طريق اللجنة التنفيذية العليا , أو نظام آخر يكفل عدم الخوف من الكتابة , وتوهم الكاتب أنه سيطارد أو يقطع رزقه , وخصوصا أن الآراء التي ستعالج لن تخرج عن مشاكل الناس , والسائل التنفيذية , وبعض المناقشات فى التطبيق الاشتراكي , وفى هذا فائدة كبيرة لأنه سيعبر عن الآراء التى تدور فى خلد بعض المواطنين .

دعي وأن أودعك أن أحدثك أيضا عن الحكومة ورأيي فيها , قبل كل شئ , لا يمكن أن تسير أى حكومة فى طريقها الطبيعي , نحو الحكم السليم , إذا كان الحكم فى حد ذاته ممسوخا ومشوها , فيجب أولا أن نستفيد بتجارب العالم, وحكوماته التى عاشت مئات السنين مستقرة منتظمة , دون حاجة للتغييرات الشاملة كل فترة قصيرة من الزمن, وفى رأيي أن النظام الطبيعي للحكم يكون كالآتى :

أما حكومة رئاسية ويرأس الوزارة فيها رئيس الجمهورية , ويكون مسئولا أمام البرلمان مسئوليه جماعية مع وزرائه , وبدون الدخول فى التفاصيل يمكن أن يكون هناك نائب للرئيس. وإما حكومة برلمانية يرأسها رئيس الجمهورية , ويكون رئيس الإتحاد الإشتراكي هو رئيس الوزراء . ولا أريد أن أدخل فى التفاصيل لكى تكون أيضا مسئولة الوزارة جماعية أمام البرلمان كما ورد فى الميثاق .

على كل , أى من هذه الحلول موجود فى النظام , أو على الأصح على رأسه ضرورة وطنية بمجرد إبدائه , ولكن أعتقد أن أى تصرف غير ذلك, سيكون بداية لنهاية لا يمكن معرفة مداها.

ودعنى أيضا قبل أن أودعك , أن أقول لك أن اختلاطك الشخصى بالناس ضروري فإنه يعطى الثقة المتبادلة ويعطى إحساسات متبادلة ويعطى أيضا أفكارا متبادلة وهذا هو الطريق الطبيعي للارتباط بأفراد شعبنا قيادات المستقبل .

أما انعزالك التام فإنه سيجعل صور الناس عندك أسطر على ورق, أو أسماء مجردة لا معني لها وهذا فى رأيي لا يمثل الواقع , فالعقل والعاطفة من مكونات الإنسان , ولا تستطيع أن تفصل بينهما كلمة , لكن يجب الجمع بينهما فى الطريق الصحيح , وهذا لا يكون إلا بالاتصال الشخصي , وهذا أيضا هو الطريق الوحيد لإظهار شخصيات للقيادة تعتز برأيها دون خوف , ولكنها فى الوقت نفسه تثق بقيادتها وتحترمها , وهذا النوع من الناس أنت فى حاجة إليه و بل وطننا كله محتاج إليه. ،نوع جديد لم يتمكن منه حب المنصب ليسكت عن الخطأ , ولم تأخذ الأضواء نور بصره فيضحى بكل القيم ليعيش فى هذا الأضواء .

وأنا أودعك أيضا أرجو من الله أن لا يحدث منى ومنك ما يجعل ضميرنا يندمان على الإقدام عليه , ويجعلنا صغارا فى أعين أنفسنا , ويكفي فى رأيي ما حققه أهل السوء إلى الآن , فقد نجحوا فيما تمنوا وفيما كانوا يعتبرونه مستحيلا.

لا أريد أن أطيل عليك , ولكنى أبديت آرائي لك فيما أعتقد أنه لمصلحة العامة ,وليكن فراقنا بالمعروف , كما كانت عشرتنا بالمعروف, والله أسأل أن تتم حياتنا بشرف وكرامة , كما بدأناها بشرف وكرامة ... ورغم كل شئ ... ورغم كل ما أعلم ... فإني أدعو الله من قلبي بالتوفيق وأتمنى لك الخير ..

وأدعو ربى أن يوفقك فى خدمة هذه الأمة ولخيرها والسلام

القاهرة 1/ 12/1962

عبد الحكيم عامر

الستة الكرام

من العبارات التى كانت مألوفة لأذني , وتقال مصحوبة بالضحكات , والتعليقات هى عبارة " الستة الكرام" وعندما سألته ذات مرة عن معنى هذه العبارة قال لى :" أنهم الستة الذين قدمت لهم استقالتي – أعضاء مجلس الرئاسة – الذى شكله جمال عبد الناصر, ليضحك به عليه ويتولى هو كل الاختصاصات .

ولكن جمال استدعاني, وتقابلنا فى " برج العرب" وهناك شرحت له وجهة نظري فى نظام الحكم وقلت له طلبات تخص الناس .. وأنهم لازم يحسوا بالأمان ولازم يكون فيه نظام حكم يحترمه الشرق والغرب , ويتناسب مع طبيعة شعبنا وأخلاقه , وفعلا وعدني بالدراسة , وشكل لجنة من كبار مثقفى مصر فى معظم العلوم , وبدأت مناقشات حرة وعلى ضوئها صدر الميثاق ,قد اشتركت فى تعريف جناحى الحرية .." مش بس الحرية الاجتماعية هية المهمة, وإنما لازم الحرية السياسية أيضا جناحا الحرية".

والستة الكرام هم الستة الذين كانوا ضدى عند التصويت على المقترحات التى وضعها عبد الناصر , وأصر بغدادي على مناقشتها.

ولكن هل انتهت الخلافات بين عامر وناصر بنهاية هذه الأزمة؟ إن الذى اتضح لي من خلال معاشرتي لعامر , ومن خلال الأحاديث التى كان يتبادلها مع زواره فى بيتى بل ومن خلال ثرثرة بعض رجال عامر عند تواجدهم عندنا وأن الخلاف بين المشير والرئيس و كان خطا رئيسيا فى هيكل لعلاقة بينهما .

فقد كان بينهما من خلاف , بقدر ما كان بينهما من تعاون واتفاق , وقد يسأل سائل كيف اتفقنا وعلام اختلفنا؟

ولأن الوفاق كان علانية , والخلاف كان سرا فإن كيفية اتفاقهما كانت واضحة لكل الناس فهما اللذان قاما بالثورة معا , وهما اللذان طردا الملك معا , وهما اللذان توليا أعلى منصبين فى البلاد : الرئيس ونائبه.

ورغم ذلك لم يقتنع عبد الناصر وقال إن حساباتي تقول إن هذه الدول الكبرى لا يمكن أن ترتكب هذه الغلطة الكبيرة .

والواقع أن الخبراء السوفييت لم يكونوا قد وصلوا إلى القاهرة , وكان الجيش قد غير من وقت قريب سلاحه من سلاح غربى, إلى سلاح شرقى , ولم يصل الخبراء لتدريب الجيش إلا فى أواخر سنة 1958.

لذا عندما وقع العدوان الثلاثى , ولم تكن ظروف الجيش مناسبة من حيث التسليح والتدريب , لمواجهة هذا العدوان .

ويوم العدوان كان ناصر حاضر إدارة المعركة ومعه أعضاء مجلس قيادة الثورة , وكل واحد منهم يدلى برأي مختلف .

كان عامر منصرفا بذهنه له إلى المعركة , دون أن يلقى بالا إلى الآراء التى تتخبط من حوله , وهذا ما جعله يستنتج اشتراك قوات انجليزية وفرنسية مع قوة الإسرائيلى لأن أعداد الطائرات كانت أكثر بكثير من قوة الطيران الإسرائيلي وعلى هذا اقترح عامر على جمال سحب القوات من سيناء , لأن ما يحدث هو كماشة لوضع الجيش المصري فى مصيدة واعترض على هذا القرار من الموجودين عبد الناصر , والبغدادي وزكريا محيى الدين .

وأصر عامر على الانسحاب خوفا من هلاك الجيش وحينما أصروا على رفض الانسحاب ثار عامر فى وجه عبد الناصر تنحيته عن المعركة ليقودها ناصر بنفسه , ولكن عبد الناصر تراجع ووافق على الانسحاب وكان الانسحاب منظما وتم الحفاظ على معظم قوة الجيش .

وكان هذا أول خلاف بينهما بعد الثورة أثر فى علاقتهما وجعل بينهما حساسية دائمة بينهما بعد الثورة , اثر فى علاقتهما, حتى أن جمال كان لا يفتأ فيما تلى ذلك من سنوات يعاتبه بين الحين والحين بقوله :" لا أستطيع أن أنسى أنك ثرت فى وجهي وخاطبتني بصورة غير حسنة أمام بغدادي وزكريا !!" كان جمال قد طلب من المشير طرد صدقي محمود من الطيران ,وإجراء تحقيق مع القادة لتهدئة الشعب مما أصابه نتيجة الغزو , والغارات المكثفة داخل القطر المصرى , ولكن عامر رد عليه بقوله :-

" مين اللى يتحاكم؟... صدقي محمود علشان ما قدرش يحارب فرنسا وانجلترا وإسرائيل, بجزء من سلاح لم تصل بقيته بعد؟!! واللا صدقي هوه اللى أمم القناة ؟.. اللى يتحاسب هو الذى قدر تقدير الموقف خطأ"..

رفض عامر أن يكون صدقي هو كبش الفداء وانصرف غاضبا , ولأن جمال كان يعرف إن عامر لن يتصل به , لما يعرف من عناده فقد اتصل بصلاح وطلب منه التدخل .

ولكن صلاح نصر قال لجمال : إن عامر طيب القلب, ولو أنك اتصلت به فستنتهي الأزمة , وبالفعل طلب ناصر عبد الحكيم ,وطلب منه أن يظل موضوع الاستقالة سرا بينهما إلى أن يلتقيا ويناقشا الأمر , ثم دعاه إلى مقابلته , فوافق عامر وذهب إليه وهناك رفض ناصر استقالة عامر , وتم الصلح بينهما..

قصر البرملى

بعد حادثة " الإجهاض " بأسابيع فاجأني المشير بالحضور إلى المنزل ومعه متولى وقال لى :" أعدى حقيبتك لأننا سنسافر إلى الإسكندرية ..

كانت كلمة " الإسكندرية " هى كلمة السر , التى تفتح أبواب السعادة , فى نفسي فما كدت أسمعها حتى قفز قلبي من الفرح , وأسرعت لإعداد الحقيبة والملابس , وكل ما يلزم للرحلة .

وفى العربة جلست بجانبه , وكان هو يتولى القيادة وانطلقنا فى الطريق الصحراوي ومتولى خلفنا فى عربة أخرى , لحظات فى حياة الإنسان لا ينساها !! كانت هذه اللحظة واحدة من تلك اللحظات , لقد بدا لى كل شئ جميلا , الصحراء الممتدة أمام البصر والرمال الغارقة فى ضوء الغروب الذهبى , وغناء أم كلثوم يضيف جمالا إلى جمال الصحراء .

وبين الفينة والفينة أقدم له قدحا من الشاي أو فنجانا من القهوة أو سندوتشا , وظللنا على هذا المنوال حتى وصلنا إلى كنج مريوط , وفوجئت بأنه لم يعرج فى الطريق إلى كنج مريوط , بل واصل السير فسألته : لماذا لم تنحرف إلى الفيلا ؟! أجابني بهدوء " اصبري" .

تبين لى أننا فى الطريق إلى استراحة المشير" التى فى برج العرب , وكان يطلق عليها قصر " البرملى" وهى بناء مهيب يشبه القلعة , وكانت ملكا لرئيس المخابرات البريطانية فى شمال أفريقيا وكان يدعى " برملى" توقف المشير أمام الاستراحة , فغادرنا العربة ودخلنا..

كانت القاعات واسعة , ونظامها المعماري جميلا , ومع ذلك فقد كان وضاحا أنها تفتقر إلى لمسات المرأة , فهذا الجمال المعماري , كانت عليه مسحة من الصرامة , ومع ذلك فقد كنت سعيدة وفرحة لوجودى معه. كان فى حجرة السفرة ساعة حائط كبيرة , وقد بدأت تدق معلنة الثانية عشرة – منتصف الليل- وفاجأني عامر بأن أخرج علبة أنيقة , قدمها لى قائلا " ولو أنها جاءت متأخرة - كل سنة وانتى طيبة".

فتحت العلبة فإذا بها سوار جميل رقيق قدمها لى عامر فى ذكرى زواجنا .. وقد أثر فى نفسي أن يتذكر هذه الذكرى وسط مشاغله الكبيرة , لو أنه نسى , ولم يقدم لى شيئا لما كنت أعاتبه , لعلمي بمدى ما هو فيه من اهتمامات ومسئوليات كثيرة .

وفى اليوم التالي أراد المشير أن يأخذني فى رحلة إلى البلاج وكان مخصصا له شاليه على شاطئ برج العرب , فى مكان لا يبعد عن الاستراحة أكثر من بضع دقائق.

أخذني عامر فى عربته ,وذهبنا بمفردنا إلى الشاليه الذى لم يكن قد زاره من قبل , وقد ترك أمر الإشراف عليه وتفقده من حين لآخر إلى متولي أو غيره , بإشراف علي شفيق.

وعندما دخلت العربة إلى بداية الطريق المؤدى إلى الإستراحة , رأينا شيخا بدويا يمسك بيده عصا غليظة طويلة - شومة- وقد اقبل علينا رافعا عصاه زاعقا فينا " ارجع يا أفندي .. هنا ممنوع"...

ويبدو أن المشير قد أعجبه الموقف , ولأننا جئنا هنا طلبا للراحة والمتعة , فقد وجد فى هذه البداية الظريفة ما يدعوه للتفكه , فقال للرجل :-

" أحنا جايين عايزيين نقعد هنا شوية أنا و" الست" وأخرج من جيبه عشرة جنيهات قدمها للرجل قائلا :" نريد أن نجلس ولو نصف ساعة ".

ولكن البدوى دفع يد المشير بعيدا وأخرج مسدسا من تحت ملابسه ثم تراجع إلى الوراء مهددا : امشوا من هنا حالا وإلا حا أفرغ فيكم الرصاص".

وأدركنا فى هذه اللحظة " علي شفيق" الذى أقبل علينا ضاحكا ,لما رآه البدوي قال مرحبا باهتمام " هلا يا بيه " فقال له علي شفيق " دول ضيوفنا" حينئذ بدأ الهدوء على البدوي وأخذ يرحب بنا – أنا والمشير – ويدعونا للدخول ومنذ ذلك اليوم أصبح هذا الشيخ البدوي من المقربين إلى قلب المشير , ,أصبح أحد رجلين ظل يرعاهما ويرعى أسرتيهما طوال حياته ,وكان الأول هو الجندي الذى تصدى للضباط الأحرار ليلة الثورة , وصمم على منعهم من الدخول إلى مقر القيادة , فاضطر إلى إطلاق الرصاص عليه . وكانت هى الطلقة الوحيدة فى الثورة البيضاء .

المهم دخلنا ,وضعنا متاعنا , وتأهبنا للنزول إلى الماء , فقد كان للشاليه شاطئ خاص ولم ير عامر بأسا من أن ألبس المايوه وأجلس على البلاج .

أذكر هذا اليوم كحلم فقد كان ومضة نور فى حياتي المكفهرة المليئة بالضباب والأسرار , والصراعات . يوم سعيد .. لهونا فيه على الشاطئ , كأننا طفلان لا تقلقهما أمور الدنيا فى شئ . إن أكثر لحظات المرأة سعادة , هى اللحظة التى تستأثر فيها بالرجل الذى تحبه, وقد استأثرت به فى هذا اليوم النادر من حياتي, سبحنا معا فى الماء , وجرينا على الشاطئ, بل تناولته هو شخصيا بالرعاية فقصصت له شعره وسويت له شاربه ,ومكثنا على هذه الحال حتى غابت الشمس .

وبعد أن ارتدينا ثيابنا , عاد بى المشير إلى الاستراحة وقضينا هناك الليل , وفى الصباح رأيت علي شفيق ومتولي يحملان المدافع الرشاشة , بل إن المشير نفسه أقبل على وبيده مدفع رشاش وأعطاه لى ,وهو يسألنى :-

تعرفي تضربي نار " ولما أجبته بالنفي قال :-

- " تعالى أعلمك"..

وبدأ يعلمني كيف استعمل المدفع الرشاش وكيف أصوب على الأهداف.. وبدأنا نتدرب , وكان يشاركنا فى التدريب كل من علي شفيق , ومتولي , ثم عقد المشير مباراة فى " التنشين" بينى وبينهما ,والمدهش أنى أحرزت النصر عليهما " حظ المبتدئين". مما دعا عبد الحكيم إلى الضحك طويلا , ثم قدم لى جائزة الفوز " خمسة جنيهات" أخدها من علي شفيق عقابا له على عدم اهتمامه بالتمرين الدائم .

انتهت المباراة وجلسنا نشرب الشاي وفى تلك الأثناء قال لى عامر :-

-" ستذهبين مع متولى إلى كنج مريوط" أما أنا فسأنتظر لأن بعض الزائرين سيأتون وبعد ذلك سألحق بك فى " الكنجى".

عبد الناصر فى ضيافتنا

وصحبني " متولي " إلى " الكنجى" ومكثت هناك بمفردي اليوم بطوله , وفى المساء سمعت صوت " الكلاكسات" فأسرعت فرحة إلى الحديقة للقاء المشير وفيما أنا أقبل مندفعة صوب العربة , رأيت الباب يفتح, وإذا بجمال عبد الناصر أمامي!!

توقفت على الفور فهذه أول مرة أراه فيها – وتطلعت إليه وقد شملني الوجوم , وامتلأت نفسي هيبة منه , ونظرت إلى المشير , فرأيت فى عينيه نظرة عطف وتشجيع ,ومما ساعدني على تمالك أعصابي , فبدأت الترحيب به " أهلا وسهلا" أننى سعيدة بأن تزورنا , وأن أراك بيننا"..

ولم يزد جمال عن كلمة واحدة " إزيك" ومضى رأسا يتجول فى الحديقة ,ووجدت نفسى أسير خلفه , وكأننى أنا الضيف , وهو صاحب البيت.

وفى حديقة الفيلا , كان جمال وعامر يتمشيان هنا وهناك , ويثرثران , أما أنا فقد انهمكت فى إعداد المائدة , والكراسي والأطباق ,وكل شئ , وأثناء انهماكى فى ذلك كان يصل إلىّ صوت ضحكاتهما.

وبعد أن تم كل شئ , ودعوتهما للجلوس فوجئت بعبد الناصر يعترض على الجلوس فى الحديقة قائلا :" نقعد جوه أحسن".

قال ذلك ثم سار رأسا إلى الداخل ,ونحن وراءه ,وفى بهو الفيلا مشى جمال وهو يفحص محتوياتها .. وينظر حوله متفرجا على هذه اللوحة , أو ذلك الكرسي ثم تخير لنفسه مقعدا , وجلس :...

وعدت أنا إلى إعداد المائدة من جديد ,نقلها من الخارج إلى الداخل بعد أن نقلتها من الداخل إلى الخارج.

وكان جمال عبد الناصر يتفرج على فى ذهابي وإيابي وكأنه يستمتع بما أنا فيه من إجهاد وحيرة.... وقد انضم إلى الرئيس جمال عبد الناصر فى تلك الزيارة كل من أنور السادات ,وعصام خليل .. وقد لاحظت أن من طبيعة هؤلاء الرجال , التحفظ الشديد فى وجود النساء , وخاصة إذا كانت المرأة زوجة واحد منهم , ورغم ذلك فقد أحسست طوال الوقت أنني تحت عينى جمال عبد الناصر .

كانت له عينان متغلغلتان , تسبران غور من يقف أمامه.

وبعد أن اجتمع شمل الأربعة جمال وعامر والسادات وصلاح, على المائدة للعب البوكر والتى كان قد جهزها علي شفيق , وقف جمال إلى أن انضم الآخرون ثم جلس وجلسوا معه وكأنهم فى احد الاجتماعات الرسمية ..

لم يكن البوكر بقصد المقامرة بل يلعبون فقط للتسلية وبدل النقود كان يعطى للجميع أقدارا متساوية من " الفيشات " ليلعبوا بها . وبعد أن اتخذوا أماكنهم , ظللت أنا حائرة , لا أدرى ماذا أفعل أو أين أجلس وشلمنى ارتباك فجلست على كرسي يبعد قليلا خلف المشير وأثناء اللعب أخذت اقترب منه قليلا حتى أصبحت بجواره مباشرة.

وبين الحين وآخر , كان عبد الناصر يلتفت ناحيتي ويشملني بعينيه دون أن يتكلم كنت أشعر أنني الوحيدة فى هذه المجموعة التي يعتبرونها غريبة عنهم وقد رسخ عندي هذا الظن بطريقة لا أعرف كيف تسربت إلى نفسى .

وأثناء اللعب كانوا يثرثرون, ويعلقون ككل الناس فى تلك اللحظة . والغريب أن جمال عبد الناصر كان ثرثارا كثير الكلام فى مثل هذه الجلسات .

ولكن ما لفت نظري أثناء لعب " البوكر" هو الطريقة التى يلعب بها كل من جمال وعبد الحكيم وقد كانت من الوضوح بحيث إنها أصبحت مثار تعليقات وتلميحات ذكية تصدر منهم.

مثال ذلك , أنى لاحظت أن المشير – وقد كنت انظر فى ورقه_ " يهرب" من عصام قائلا :"باس" ويتركه يفوز , رغم أن الورق الذى بيده كانا قويا ويستطيع به أن يكسب عصام خليل!!

ولكن هروب عامر لم يرحم عصام من هجوم جمال عبد الناصر , وأنور السادات فظل يخسر ويخسر حتى أصبح عدد الفيشات التى أمامه قليلا جدا , فإذا بالمشير يزيح ناحيته " كبشة" من الفيشات التى أمامه , وعندما بدرت منى دهشة لما فعل قال عصام ضاحكا :" أصل المشير شايف أن الفيش قرب يخلص وهو ما يضربش ضعيف".

وقد حدث أثناء اللعب , أن توالت جولتان كان التصعيد فيهما بين ناصر وعامر فقط وكنت أرى عامر " يهرب" رغم أن بيده ورق معقول , إلى أن جاء دورا بدا فيه التصعيد بين جمال وعامر , ورأيت الورق الذى بيد عامر ضعيفا للغاية , ولكن لدهشتي الشديدة وجدته يصمد أمام جمال فكلما صعد جمال المبلغ زاد عليه عامر حتى جاءت لحظة كشف الورق لتحديد الرابح , فإذا بعامر يربح!!

كان ورق عامر ضعيفا , ولدهشتي رأيت أن ورق جمال أضعف وأنه كان طبيبلف" حتى أن الأخير توقف عن اللعب وراح يسأل عامر " لماذا دخلت معى هذه المرة .. بينما هربت منى فى المرتين السابقتين ... أريد أن أعرف".

ولكن عامر لم يعطه إجابة شافية أبدأ , رغم إلحاح ناصر لمعرفة السر الذى دعا عامر لقبول الرهان هذه المرة ومات عامر وبعده ناصر دون أن يعرف السر.

وقد أفضى لى عامر بهذا السر بعد ذلك , قال وقد جاءت ذكرى هذه اللحظة فى الحديث " أصل جزء من خد الريس الشمال بيصفر لما يكون " بيكذب" أو"بيبلف". " فأعرف ذلك وأدخل له".

قلت له :" أنتما متفاهمان" ومع ذلك فإن ما يجبرني أنكما مختلفان تماما .. فكيف اتفق النقيضان بهذه الصورة ؟!

قال عامر :- ما حدش فاهم الريس .. الريس ده ثروة لمصر ولينا .. لكن ما يحبش حد يعارضه , ولا تكون له إرادة ... إنه يريدني قويا وطرطورا .. وهذا مستحيل , وهو يعرف أن لن أكون طرطورا ,كلما وقع خلاف , أتركه يندم , فهو يعرف أنى لا أعمل ضده , بل الحقيقة أنى مسئول عن سلامته , وأنا الذى كونت حرسه الخاص ... وما زلت مسئولا عن أمن الرئيس وأمن البلد..

قلت :- ألاحظ رغم كثرة خلافاتك معه .. أنك تحبه .

قال : اننى أحبه وأخاف عليه .. ولا أطيق أن أراه متألما , ولقد كان مريضا ودخل المستشفى – فى بداية الثورة – فلم أستطع مفارقته وظللت قريبا منه ولم تطاوعني نفسى على تركه عندما بلغني خبر وفاة أمى فى حادثة سيارة إلا بعد أن رتبت نظام الحراسة بصورة تجعلني مطمئنا , عندها فقط عدت إلى المعسكر لأرى السائق .

- إلى المعسكر؟!

- كان أحد المجندين – وتعرفين أن بيتي يقع داخل معسكر الحلمية – وكانت أمى فى عربة ومعها اثنتان من بناتي ..

وعندما رأت العربة قادمة عليهن , احتضنت بناتي وعرضت نفسها للصدمة فأنقذا حياتهما.. كانت امرأة عظيمة " يرحمها الله"

سألته : ,ماذا فعلت مع العسكري المجند ؟!

قال : كان المسكين مذهولا تماما عندما وصلت إلى هناك فقد كان كل من حوله يتوعدونه بالويل والأهوال , لأنه قتل أم القائد العام – وكنت قد عينت فى هذه السنة قائدا عاما كما تمنت لى دائما – ولذا عندما رأيته على هذه الحال , طمأنته وأعطيته أجازة لتستريح أعصابه من الصدمة , وقلت له : هذا قضاء الله وحمد الله على نجاة بناتى.

المعارضة

كان عبد الحكيم بمثابة الصديق المعارض لجمال عبد الناصر وكان مجلس قيادة الثورة يضم معارضين فى البداية فكان عبد الحكيم يجد فيهم سندا وعونا عند اتخاذ القرارات ولكن عدد المعارضين ظل يتناقض على الدوام , مما سبب ضيقا شديدا لعبد الحكيم عامر و حدث ذات يوم – وكنا فى أواخر عام 1965 أن جاء المشير والحزن باد على وجهه وجلس متجهما صامتا لا يقول شيئا . سألته .. إن كان يريد أن يأكل .. فرفض . وكان يرفض الطعام " كعادته" عندما يغضب أو يحزن , ولا يتناول فى تلك الساعات سوى الشاى والقهوة مع إشعال السجائر الواحدة تلو الأخرى , لم أجد بدا ن سؤاله عما به فقال : " لا شئ قلت :" ولكنى أرى وجهك حزينا قال بلا مواربة :" بالضبط هذا هو ما أشعر به ". سألته : لماذا؟".

قال والضيق ظاهر فى صورته : تصوري .. واحد من أشرف الرجال يريد أن يتركنا فماذا أفعل ؟.. بهذه الصورة سأجد نفسي وحيدا بين مجموعة كلها من طراز " موافقون" فإذا بقيت أنا وحدي الذى يجادل ويعارض فسوف يكون شكلي مش ظريف .

سألته : من هذا الرجل ؟...

قال : كمال الدين حسين .. كلنا نعرف أنه راجل دوغرى, راجل تقى , وطني ليس له أطماع أو مكاسب , صريح وجرئ وكنت أشعر أنه سند لى فى المجلس .

وكان سبب غضب كمال الدين حسين الاعتراض على نظام الحكم , وإن مجلس الرئاسة الذى شكله عبد الناصر ليكون أعلى سلطة, وعليه دراسة المشاكل وإعطاء القرارات , لم يعد يؤدى دوره , بعد أن انفرد جمال عبد الناصر بالسلطة وباتخاذ القرارات وإصراره على تجاهل الأعضاء , وعدم تمرير أى مشكلة خاصة بالبلد عليهم , وقد أرسل كمال الدين حسين خطابا إلى عبد الناصر , أثناء اعتقالات الإخوان المسلمين والمحاكمات الخاصة بهم هذا نصه:

=== نص خطاب كمال الدين حسين إلى جمال عبد الناصر ===

إلى السيد الرئيس /جمال عبد الناصر ... رئيس الجمهورية

من كمال الدين حسين.. ( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد لا خير فىّ إذا لم أقل لك .. اتق الله ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا)

لا خير فىّ إذا لم أقلها لك ... اتق الله..

" ومن يتق الله يجعل له من أمره رشدا ".

اتق الله : قالها سبحانه وتعالى لنبيه الكريم " يا أيها النبى اتق الله ولا تطع الكاذبين والمنافقين"اتق الله : ولا تكن ممن قال فيهم سبحانه وتعالى :- "وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم".

اتق الله : أمر بها الله الرسول والمؤمنين .. وأمر بها الرسول أصحابه والمؤمنين .. وقالها الخلفاء والأئمة لولاتهم وللمسلمين وقالها المسلمون للخلفاء والأئمة والولاة وبعضهم بعضا.

قالتها تلك الأمة التى أعزها الله بقوله :-

" كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله"...

صدق الله العظيم .. وسلام على من اتبع الهدى

كمال الدين حسين ( توقيع ( 12/10/1965)

وأعطى كمال الدين حسين هذا الخطاب إلى المشير ليعطيه إلى جمال عبد الناصر وقد ثار عبد الناصر عندما قرأ خطاب كمال الدين حسين وحاول المشير تهدئته قائلا :" من حقه علينا أن يتكلم وأن نسمعه" – فهو عنصر نقى ومن الخطأ أن نخسره . ولكن عبد الناصر كان ثائرا فاقدا لأعصابه يصرخ قائلا:" اتق الله يعنى إيه... اضرب نفسى بالطبنجة ؟... دين ايه اللى عايزه وشريعة إيه؟...

وأصدر جمال أمرا باعتقال كمال الدين حسين , وتحديد إقامته , ووضع حراسة مسلحة عليه .

ولم يجد كمال الدين حسين بدّا من إرسال خطاب إلى عبد الحكيم عامر بعد تحديد إقامته أرسل إليه يقول :-

بسم الله الرحمن الرحيم

يا عبد الحكيم .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

كلمة صريحة وأخيرة لن تنزعج بعدها "... يا عبد الحكيم لم أجد بدا من أن أقولها لك بعد كل ما حدث وإن كنت قد ترددت كثيرا فى الكتابة لك.. فإنى حين نويت لم أتردد فى أن أكون صريحا ..

اليوم أصبحت يا عبد الحكيم أعتقد أن لا حياة لى فى بلدي الذي أصبحت أري فيه جزاء كلمة " اتق الله" هو ما أنا فيه وما أهلى فيه .

عندما قلت لكم : اتقوا الله , قصدت أن تتقوا الله فى هذا الشعب الذى قمنا لخلاصه واسترداد حريته .

قلت لكم اتقوا الله بعد أن ألجمتم جميع الأفواه .. إلا أفواه المنافقين والمتزلفين والطبالين والزمارين .

قلت لكم اتقوا الله لأنكم استنعجتم هذا الشعب , وأنا لم أكن أرضى ذلك أصبحت الآن لا أطيق الحياة فى هذا الجو الخانق .. وأرجو أن تيسر لك معرفة درجة الاختناق فى هذا الجو .. وإذا لم يتيسر لك ذلك فالمصيبة تكون أعظم فإذا كانت قد بقيت لديكم بقية من أخوة كانت بيننا يوما من الأيام فإني لا أطلب سوى أن أخرج أنا ومن يريد من أسرتي التى نالها أيضا نصيب وافر من إجراءاتكم إلى السعودية , لأبقى بجوار رسول الله حيث أقضى ما بقى من حياتي مستخلصا روحي لنفسي وديني لله ..

فاليوم يمكنني أن أرى صورة المستقبل لهذا الوطن بعد أن كان جزائي على كلمة الحق " اتق الله" ما أنا فيه" وأنت تعلم يا عبد الحكيم أنه لن يمكنكم ان تعتقلوا روحي وإن اعتقلتم جسمي..

وأنت تعلم يا عبد الحكيم أنكم لا تملكون أى حق شرعي فيما قمتم به نحوى إلاّ حق الدكتاتورية والطغيان .. وإذا جاز أن يكون لها حق ...

وأنت تعلم يا عبد الحكيم أنكم لم تتقيدوا بشرع جاههم .. وهم إذا لم يكونوا قد فهموا معنى القانون رقم 9 لسنة 1964 فإنهم سيعرفون معناه جيدا الآن.

أنا آسف أن تتحول ثورة الحرية إلى ثورة إرهاب لا يعلم فيها كل إنسان مصيره .. لو قال كلمة حرة يرضى بها ضميره ووطنه .. فإذا قيل لىّ أو للناس أن هناك مفهوما آخر للحرية فهذا هو التضليل وحكم الهوى الذى يضل به الشيطان أولياءه لينسوا قانون الله وشرع الله وشرع الإسلام ... الذى جاء ليخلص الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد... حرية يتساوى فيها أبناء آدم وحواء أمام الله ... أما الشرع أما الحكم الألهى الذى لا يقبل التأويل واللف والدوران.

يا عبد الحكيم ... مهما كانت التفاسير والشعارات فالحرية هى الحرية التى عبر عنها عمر بن الخطاب حين قال ( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا) وحين قيل له " اتق الله " قال ( لا خير فيهم إذا لم يقولوها ولا خير فينا إذا لم نسمعها).

وأنت يا عبد الحكيم أنني لن أستعطف ولن أخاف إلا الله وأنا حين أكتب إليك الآن فإني لا أطلب شيئا غير الرحيل عن هذه الأرض التى يئست إن تقال فيها كلمة حق فضلا عن أن يقام فيها ميزان عدل ... وإن أبيتم على ذلك فإن وليي هو الله اتكل عليه وأنيب " وإنا لله وإنا إليه راجعون"...

يا عبد الحكيم , إن إجراءاتكم هذه التى أصابتني إن كنت قد تحملتها فى صبر فإن الصدع الذى أصاب مشاعري تجاه من أمر بها صدع يصعب رتقه .. وبقائي هنا مشقة لى ولكم وأنت تعلم يا عبد الحكيم حينما جئتني فى مارس سنة 1965 وقلت لك إنني مستعد للاعتقال أو القتل أو أى شئ آخر .. قلت من نفسك ( اعتقال إيه يا شيخ ... والله أنا اللى بيجى يعتقلني أضربه بالرصاص, أنا فكرت فى هذا ولكنى لم استسغه لأن هذا يتنافى مع إيماني وجاء يحدثني هلال كرجل وعلى لسان رجل , ومع ذلك كانت النتيجة أهلي وضيوفي الذين تصادف وجودهم فى منزلي حينئذ , وأنا لا أعرف مصيرهم حتى الآن كما لا يعلم أحد من أفراد الشعب سبب أو مكان أو مصير أى شخص يعتقل منهم , وإذا مات أحدهم ... لأى سبب يكتفى بأن يخطر أهله بأنه قد هرب أو أنه اندفن فى مكان كذا,وتحت رقم كذا ... حجرة رقم كذا .. كان إنسان حيا فأصبح رقما مدفونا ...

يا عبد الحكيم إن ما قمتم به نحوى جريمة مثل الجرائم التى ارتكبت تجاه المواطنين .. طبعا مع تغيير فى الشكل ...

وكانت الرجولة يا عبد الحكيم تقتضى أن يواجهني واحد منكم منه ماذا جرى ... لماذا انطبقت السماء على الأرض من كلمة حق " أن اتقوا الله " ولكن للأسف خانتكم شجاعتكم فأبيتم هذه المواجهة , واستخدمتم سلاحا لا يقنع عقلا حرا ولا يكبل ضميرا حيا ولا يئد إيمانا وتقوى , ولكن يورث النفس مرارة وأسفا , وإذا لم يواجهني أحد منكم فلماذا لا أواجه بمحكمة عادلة شرعية , على الأقل لأعرف ما هى التهمة الموجهة لىّ ما دام قد أصبح أمرا طبيعيا .. فى زمن الحرية ... أن يعتقل الناس وتصادر حرياتهم دون أو توجه لهم تهمة .

أنا أتحدى أى اتهام , وأتحدى أن يواجهني أحد بأى تهم تبرر ما حدث طبعا أنى أخرج من حسابي عمليات التلفيق لأنى ما زلت أنكر عليكم اللجوء مع مثلى لمثل ذلك .

يا عبد الحكيم , ألم أقل لك فى مارس الماضي : ما هى ضمانات الحرية ؟... فقلت : " نحن ضمانات الحرية " وقلت لك أنى لا أثق فى ذلك ... وهذه الأيام تأتيني بالبرهان بأن للحرية ضمانات وأنتم الضمانات ؟!.. كل شئ جايز..

ألم أقل لك يومئذ إنه إذا لم يتنازل عن تألهه وفرديته فلا فائدة للعمل معه .. فهل يا ترى هذا الذى جرى لمواجهة كلمة " اتق الله " هو دليل هذا التنازل؟

كلمة صريحة أقولها يا عبد الحكيم : أنى أرثى لهذه الحال , ومع ذلك أتمنى أن يهديكم الله ... لا تغضب أنت الآخر يا عبد الحكيم ... راجع نفسك ولا يغلبك الهوى والغرض , راجع ضميرك قبل الثورة 23 يوليو وعلى مدى سنين من هذه الثورة , ثم انظر أين ينتهي بكم الطريق .. طريق الحرية ... أقدس ما منح الله للإنسان .

يجب أن تعلم يا عبد الحكيم رأى الناس فيكم , وما يحسونه نحوكم ... لقد أصبحتم للأسف جلادين ... نتيجة تدعو تدعو للرثاء وحصاد مر لثورة 23 يوليو التحريرية الكبرى تتجرعه الملايين المستذلة .. بعد ما وضعت فى الثورة وقيادتها آمالها وأعطتها الكثير , واستأمنتها على الكثير .. على الحرية... ولكن أين الأمانة الآن ؟! ... والله يأمركم أن تأدوا الأمانات إلى أهلها ... وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ... لقد بددت الأمانة .. ووسدت الحرية ... ونعيش هذه الأيام وكأنه ليل لا يبدو له فجر.

يا عبد الحكيم لا تتصور أنى مبتهج لما جرى , ولكنى حقيقة أشعر بالأسى وأقول :" يا حسرة على الرجال .. يا خسارة على الثورة ". وأشعر بالذنب وأحس بتأنيب الضمير لأنى مكنت الطغيان من أن يسلب هذا الشعب حريته وكرامته وإنسانيته ... ومهما كانت الشعارات الزائفة التى تتردد والإدعاءات التى تقال فالناس جميعا يعرفون حقيقتها .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كمال الدين حسين

25/10/ 1965

وجاءني المشير عامر حائرا يقول لىّ اقرئي هذا الخطاب ... وبعد أن قرأته قال لى :- ماذا أفعل ؟... لقد زرته مرارا وجلست معه ساعات طوال لأثنيه عن رأيه , ولكنى وجدته متعصبا لوجهة نظره , لا يريد أن يسمعني .. وكنت مع جمال أمس , وأعطيته الخطاب ليقرأه , وقال لى عامر أنه وجد جمال يثور بشدة ... قائلا لعامر :- ماذا يريد كمال ؟... ثم صاح ناصر بشدة أكثر قائلا : هل يريد أن نترك الإخوان المسلمين يقتلون ويعملون مذبحة في الشوارع .. وقال له عامر :- كمال إنسان نقى ونحن فى حاجة إليه ...

وأصر عامر على بذل محاولات جديدة مع كمال الدين حسين فأرسل له هذا الخطاب وكان منفعلا وكأنه يخاطب كمال أمامه .

" نص خطاب عبد الحكيم عامر إلى كمال الدين حسين "

عزيزي كمال ..

بعد السلام عليك ورحمة الله وبركاته .

لقد تعودت ألا تزعجني الصراحة .. لأن الصراحة هي الطريق إلى الفهم الصحيح .. ودعني أيضا أصارحك القول , وقد تعودت أن أقول ما أعتقد ولا أخشى فى ذلك إلا الله وضميري ..

أن طبيعة الرسالة التى تلقيتها منك كانت بمثابة صدمة عنيفة , فقد نسفت فى نظري جميع القيم والروابط التى تجمعنا , وفى رأيي لم يكن هناك ما يبررها على الإطلاق فهي مرسلة , وسأعبر عن ذلك مخلصا , وصادقا ..." من كمال رسول الله إلى عبد الحكيم كسرى أنو شروان"... فنحن نؤمن بالله واليوم الآخر , وكنت أنتظر ان تكون رسالتك فى مثل هذا الوقت .. وهذه المؤامرات الإجرامية التى تدبر والتى كان الغرض منها التحطيم والقضاء على نفوس بريئة والرجوع بها إلى الخلف سنين طويلة .. كنت أنتظر على الأقل أن تستنكر ذلك , وما عهدت فيك إلا الوفاء , وما عهدت منك أن ترى الأمور بهذه الطريقة الغريبة التى لا أعلم , ولا يعلم إلا الله كيف وصل بك الأمر إلى ذلك ... ارجع إلى نفسك يا كمال , وتأمل كل شئ بهدوء , وبنفس خالية من الغضب والنزعات .. فكر فى الأمور بعيدا عن المؤثرات , وبعيدا عن كلام المغرضين , وهمساتهم , وافتراءاتهم ... الذين لهم هو , والذين لا يبغون إلا مصلحة ذاتية من ورائك .. وقد وجدوا فى شخصك الأمل الذى يحقق لهم أهدافهم فهم يدعون الكلام باسم الحق ,وهم لا يريدون سوى الباطل .

إن المؤامرة الأخيرة التى دبرها الإخوان المسلمون المتعصبون , مؤامرة لا يمكن وصفها بأنها جريمة ضد شعب بأكمله .. بل جرائم قتل باسم الإسلام .. ودماء تسيل وخراب يعم باسم الإسلام ... هل هذه الحرية التى يطالب بها هؤلاء الذين يريدون فرض أنفسهم على الناس بالقتل والخراب .والله هذا لا يقره دين , ولا يقره أى شخص عنده إنسانية ,... أننى تابعت التحقيق خطوة خطوة ,والمؤامرة فيها أكثر مما نشر حتى الآن أيريد سيد قطب الذى كنت توزع كتبه ... أن يصنع من نفسه نبيا عليه الوحي ... يأمر بقتل الناس ويدمر البشر ؟؟.. أهو ظل الله على الأرض ينهى حياة من يشاء من العباد ...لا أعلم كيف لم يحدث هذا العمل فى نفسك الألم كل الألم .... وكيف اكتفيت بإرسال خطابك لى بالمعنى الذى سبق أن ذكرته لك .. هل فكرت ماذا كان سيترتب على نسف محطات الكهرباء فقط .؟...توقف المستشفيات , وفاة المرضى رجالا ونساء وأطفالا , القاهرة بلا ضوء .. بلا مصانع يعمل فيها آلاف العمال .. أصبحوا عاطلين .. الناس لا تجد قوت يومهم .. بل لا يجدون حتى الماء ليشربوه , مجارى تطفح فى الشوارع والمنازل .. أوبئة تفتك بأرواح لن تعوض طبعا !!..

باسم ماذا يحدث هذا ؟ .... بأمر من يحدث هذا ؟... حكم من هذا ؟.. حكم ممن جعلوا أنفسهم خلفاء الله فى الأرض . أنه اغتيال لشعب ولحريته ولحياته ,لتقدمه بل أيضا لمعاشه اليومي .. وماذا يكون شعورك وأولادك فى منطقة تتفجر منها مواد النسف ؟... ماذا يكون شعور كل أب .. كل أم ... كل أخ؟... فكر قيلا يا كمال دون تحيز ودون غضب لأن هذا هو حكم الطغيان بكل معانيه .. حكم الغابة بكل صوره .. هذا هو الإرهاب لك ما تحمله هذه الكلمة من معنى مرّوع.

هل الإخوة والوفاء تعنى تأييدك لهذا العمل ؟.. أم تعنى أنه كان يجب عليك استنكاره؟!

هل المبادئ الإسلامية والإنسانية و تقرك على ألا تحارب هذا بكل قوتك , وإن تؤيده فى خطابك الأول الذى يدل معناه على ذلك.

أمعنى ذلك أنك توافق على قتلنا وهذا فى رأيي أبسط الأمور فلكل أجل كتاب , ولكن كيف يطاوعك ضميرك , وكيف تقنع نفسك بالموافقة على اغتيال شعب ؟

تعرضت فى كلامك عن الثقة فينا .. وأنا بدوري أقول إنك لم تخطئ بثقتك فينا , وكل ما أريده منك وأرجوه أن تفكر بعيدا عن كل مؤثر أو مظهر , ولا تجعل أي تصرف شخصي أو تصرف بسيط يؤثر على جدية هذه الموضوعات.

إننا , وأنا من جانبي سنعمل على المحافظة على مصالح شعبنا و وسنحافظ عليه ضد أية محاولات من هذا الطابع , بكل وسيلة ممكنة , وكما ذكرت حقا فى خطابك الأخير أن الناس يعرفون الحقيقة , ولكن ليست الحقيقة التى تتصورها أنت .. والتى طبعا يصورها لك بعض الناس الذين تعتبرهم ثقة وإن كلامهم لا يقبل المناقشة .

وتقول أنك تريد أن تخرج إلى السعودية ؟... هل هى بلد الحريات ؟.. هل هى بلد الإسلام ؟... ما هذا يا كمال .. عجيب والله هذا التفكير . أن النبى صلى الله عليه وسلم كان بشرا... ومات كما يموت البشر .. وإن جلوسك بجانب قبره لن يعطيك شيئا, لا تخدع نفسك يا كمال جرد نفسك يا كمال من كل الاعتبارات مليا وستري الأمور بغير هذه العين خصوصا بالنسبة للحقائق التي سطرتها لك ولا تقبل جدلا..

ثم بعد ذلك كلمني عن القانون .. ويزعجك أن يصدر مثله!! ... وهذا ليس موضوعا جوهريا , ومهما أخطأت الثورة يا كمال فإنها تصحح أخطاءها .. ولكنها ما كانت قاسية وما كانت منتقمة , وأنت تعلم ذلك , وشاركتنا أفكارنا وفى جميع الأحداث التى مرت بشعبنا منذ 23 يوليو 52 .. وتعلم جيدا كيف تفكر وكيف نتصرف .

إن الذي يقضي على الحرية , ويقتلها , هو التعصب مهما كان شكله , ومهما كانت الشعارات التى يختفي فيها ,إن كان تحت الإسلام , أو تحت إصلاح أو غيره ... إن بلادنا يتآمر عليها الاستعمار والرجعية .. ألا يكفى ذلك حتى تخرج هذه الفئة لتضع البلاد تحت رجمته , وتجعلنا فى قبضته مرة أخرى ربما إلى سنين طويلة لا يعلم إلا الله عددها .

هل هذا مفهوم الحرية ؟ ... وهل هذه هى الحرية؟.. التى أعلنها الإسلام أنا أقول كلا وألف كلا هذا هو الكفر بعينه , بل هدم للقيم البشرية والإنسانية بأكملها .

هل توافق يا كمال أن يحكم هذا الشعب مقل هذه الحيوانات الكاسرة التى نزعت من قلوبها الرحمة , تعصب أعمي لا يرى إلا فى القتل والتهديد وسيلة لكل شئ .. وبأمر من ظل الله على الأرض سيد قطب . وهل هذا هو الحكم ؟ .. إن الله برئ من القتلة والسفاكين. لماذا أنت عاتب إذن ؟ .. إن عتابي عليك أكثر وأعظم !!.. أليس من حقي وأنا بشر ولست نبيا ولا داعي أنى أوتيت من الحكمة كلها أو بعضها !! أليس من حقي أن أصاب بصدمة حين أجد أن هذا هو أسلوب تفكيرك الجديد , وهذا ما يقره ضميرك , وهذا ما تراه حقا .. أنني يا كمال كما تعرف لا أخاف أحدا ولا أخشى شيئا إلا الله وضميري .. لولا سفري لفرنسا لجابهتك بهذه الحقائق مع ضعف أملى أنك ستستمع لما أقوله .. وتقتنع بالحقائق الملموسة .. أننا لم نمنع الناس عنك إلا خوفا عليك ...

قد نختلف فى الرأي لكن أرجو أن تصغي إلى نفسك . وتفكر فى الآراء .. وتطرح المسائل الصغيرة جانبا ,وطبعا أنت حر فى أن تأخذ بها أو تلقيها فى عرض البحر ,ولكن لى الحق في أن أكتب إليك ناصحا , بأمانة وصدق , كما كتبت إلى لائما وناصحا , هل تذكر حين كنت فى الحكم وجميع السلطات فى يدك , سياسية وتنفيذية , وهذه حقيقة , وكنت حر التصرف , وهذه حقيقة أيضا , ولم يحدث طوال هذه الفترة إن اختلفت على المبادئ التى تثور عليها بل كنت متحمسا لها وكنت أضد تطرفا , وربما تذكر قوانين الإشتراكية سنة 1961 والآراء التي أيدتها أنت شخصيا فى الاجتماع بالإسكندرية وكنت يا كمال متطرفا إلى حد كبير ومتحمسا للقوانين أشد التحمس هذه حقيقة أيضا !!

ماذا تغير إذن بعد كل ذلك حتى تتحول هذا التحول المفاجئ المتطرف أيضا , وفجأة كل شئ خطأ وتصبح الحريات مغتالة .. على حد تعبيرك الذي لم أهضمه مطلقا . وفجأة حدث كل ذلك .. ما الذي غير أفكارك بهذه السرعة الكبيرة ؟ ... ما الذي أفقدك توازنك بهذه الدرجة , حتى تنقلب أفكارك فجأة ؟..

لقد تناقشت أكثر من مرة فى أفكارك ,وتطارحت الحجج والبراهين وصدقني والله ما وجدت فى أرائك – التي أصر أنها ظهرت فجأة – شيئا منطقيا... بل وجدت لديك إصرارا غريبا , وعقلك يرفض أن يناقش , بل تصمم على ما أنت فيه .. أن تطبيق أي نظام حكم يحتاج منا جميعا إلى إعادة النظر فى خطواتنا من حين لآخر فجلّ من لا يخطئ .. وأظن ألا تعتبر نفسك معصوما من الخطأ .. ولا أظن أن يصل بك الأمر إلى هذا الحد.. ولكن كل الشواهد تدل على غير ذلك . فأنت تريد فرض رأيك , ورأيك أنت فقط فى نظرك هو الصحيح.. وهذه هي الدكتاتورية فى أعنف مظاهرها ياكمال .. وهذا هو قتل الحريات وضربها ضربة قاسمة .. كل منا يرى عيوب غيره وحبذا لو فكر فى عيوب نفسه و لماذا لا تحاول إن تجابه نفسك , وتعرف عيوبك ؟.. كما تبحث عن عيوب الآخرين ؟... وتبالغ فيها إلى أقصى الحدود !!

إن حاولت أو فعلت بالنسبة لنفسك يكون حكمك على الأمور أقرب إلى الصواب ولا تختلط الأمور فى ذهنك هذا الاختلاط الفظيع لا تجعل حالتك النفسية تؤثر على تفكيرك ولا تجعل الكلام من حولك له قدسية .. وهم فى قرارة أنفسهم يعملون طلبا للنفوذ وطلبا للسطوة والشهرة , وعندي على ذلك أمثلة كثيرة واقعية , أمثلة حية غير مبنية على استنتاج أو كلام الغير .. إذا فكرت جيدا . وحلت كل شئ مع نفسك بصراحة ووضوح ستجد أنى كنت خير ناصح حتى ممن تظن أنهم أقرب وأخلص الناس إليك.

وأعود مرة أخرى وأقول كيف تتصور إن تولد الحرية فى ظل الدمار والخراب ؟ وإن يكون لفئة أن يتكلموا ويأمروا باسم الله , مفوضين منه يفعلون ما شاءوا هل هذه هى الحرية ؟ هل هذا هو طريق الديمقراطية؟

أقول بدوري يا كمال " اتق الله فى نفسك" .." اتق الله فى شعب مصر" .." اتق الله فى حياة الناس وأرزاقهم.. ولا تظلم نفسك . ولا تظلم الناس معك" فقد حاولت جهدي إن شرح لك الحقيقة وإن كانت مرة .. ولكنك دفعتني إلى ذلك دفعا .. وأقول وأنا مرتاح الضمير أنى أديت الأمانة ولعلك ترى الأمور على حقيقتها بعيدا عن المؤثرات التى وقعا تحت تأثيرها فترة من الزمن , وإن حدث ذلك كان نقدا عظيما مع نفسك , وكان نعمة وبركة من الله على الجميع .

وقد ترددت أن أكتب خوفا من أن تكون قد سددت أذنيك – لا تريد أن تسمع أحدا إلا إذا حدثك على هواك , وعلى ما تحب .. ولكنى قررت أن أرد عليك قدر جهدى ومناقشة الموضوعات التى أثرتها ليست صعبة وقد ناقشناها معك مرارا , وما أقتنع أحد من الذين ليس لهم غرض بما تقول يا كمال . والسلام عليك ورحمة الله وبركاته .

عبد الحكيم عامر

4/11/ 1965

ملاحظة:

أنى أخشى حكم التاريخ عليك أن يقول كمال حسين انقلب على الحكم متبنيا أفكارا جديدة , لأنه ابتعد عن السلطة التنفيذية والسلطات التى كان يمارسها .

كتبت إليك لتعرف الجانب الآخر من الصور , التي قد تكون التهمت عقلك وسط خضم المتكلمين والمتحدثين وأنى أكتب لك ما أعتقد وعن صدق .. والحديث طويل ولا تتسع له هذه الصفحات القليلة ... ولكن لعل الله يجمع ما تفرق ويهدى , ويرتق الصدع , وإنه على كل شئ قدير .

عبد الحكيم عامر

4/11/1965

وقال لى عامر أنه من شدة تمسكه بوجود كمال الدين حسين معهم فى الحكم أن ظل معه الخطاب يومين حتى يضيف إليه ما يعن له إضافته لإقناع كمال والاستفادة منه كعنصر نقى وجرئ , وكان المشير يعقب بمرارة "- " ما هو مش معقول أفضل أقول رأى مناهض لجمال طوال الوقت وحدي , أنا محتاج لرجل نظيف وشجاع حتى يحدث توازن فى المناقشات التى تهم البلاد فالآخرون موافقون على طول الخط .. لأنهم يعرفون مصير من يعارضه .. ولهذا كان خطاب عامر لكمال طويلا حتى يضمن إيصال وجهة نظره إليه كاملة , وكان أيضا حريصا على إزالة الخلاف مع ناصر ويقول عامر لأن ذلك سيجعل مهمتي صعبة ولا استطيع أن أعارض وحدي"!!..

والنجم إذا هوى

لم يكن قلب المشير ينوى لى كراهية لجمال عبد الناصر , فالخلاف الدائم بينهما , لم يبذر فى قلبه بغضا أو حقدا تجاه الرئيس.

كان ذلكما استشعره من حديث عامر, حتى وهو فى أشد حالات الضيق والغضب كان يؤكد خوفه عليه وحرصه على حياته , وكانت عبارة " أنا مسئول عن حياته " من العبارات التى يرددها المشير كثيرا حتى أصبحت " لازمة " فى طريقة حديثه عن جمال .

والغريب – مما بدا لى – أن المشير قد وسع نطاق حراسته , فلم تعد للحماية من الاغتيال أو الخيانة فحسب بل أراد أن يحميه من " طالعه" أيضا .

ذلك لأن جمال كان يؤمن بالتنجيم , له عرافون يستدعيهم من مختلف بقاع الجمهورية فمن قنا كانوا يحضرون له " سيدي أحمد القنائى" وينزلوه فى لوكاندة بسيدنا الحسين.

ومن القاهرة " الشيخ عبد المقصود محمد سالم " رئيس جمعية القرآن بالسيدة زينب وكان عبد الناصر يتردد عليه فى مقره هناك..

بل إن الأساقفة يدير المحرق بأسيوط, لم يتركهم جمال واستعان بهم فى رؤية الطالع والتنبؤ بالمستقبل.

وكان الشيخ عبد المقصود محمد سالم يعالج الرئيس " علاجا روحانيا " فقد كان جمال أحيانا يصاب بحالة من الهياج العصبي.

ومن المشايخ الذين كان جمال يتردد عليهم , الشيخ محمد منصور الأودن , وقد بطش به جمال فى أواخر أيامه لصداقته بمحمد نجيب.

وأنى أذكر هذه الأشياء الآن , لما كان لها تأثير على علاقة جمال بالمشير , ولما كانت تسببه من هموم وقلق للمشير , كان عامر يفضى بها إلىّ أحيانا.

وقد يكون من الضروري أن أورد هنا نبوءة إحدى العرافات , التى قالتها لجمال وعبد الحكيم , ذات يوم قبل الثورة , وهما بعد لم يزالا شابين طموحين يمتلئ قلباهما بالآمال والأحلام..

قالت لهما العرافة :"إن نجميكما مرتبطان ببعضهما , فإذا علا أحدكما يعلو معه الآخر .. وإذا هوى أحدكما هوى معه الآخر .. وسيكون لكما صيت ينتشر فى كل مكان .. وقد روى لىّ المشير هذه النبوءة وذكر أن العرافة رفضت رفضا باتا أن تأخذ منهما أجرا على ذلك !!...

كان من رأى عامر أن العرافين دجالون , ورغم ذلك فإنى أرى الآن أن هذه النبوءة سواء كانت نبوءة أم هذيان - أراها قد صدقت تماما على حياة هذين الرجلين , فقد كافحا معا , وارتفعا معا, وهويا معا , فإن عبد الناصر لم يعش بعد المشير سوى ثلاثة أعوام قضاهما فى العذاب , لا بسبب الهزيمة وحدها , وإنما بسبب المرض والآلام الشديدة التى عانى منها جمال فى أواخر أيامه , ومن الطريف أنهما ماتا فى شهر واحد هو " سبتمبر".

قلت أن المشير كان يريد حماية عبد الناصر من طالعه أيضا . فكان يحاول إقناعه بالحجة أن ما يقوله المنجمون ليس إلا كذبا , وإن أفعالهم من قبيل الدجل والشعوذة ولكن جمال لم يكن يلقى بالا إلى كلام عامر .

وقد أراد عامر ذات مرة إن يقدم لجمال دليلا على دجل العرافين ,وكان مقررا أن يلتقي جمال بواحد منهم فى قصر السلطان حسين بالدقى فاشترط عامر أن يترك لرجاله تفتيش الدجال قبل دخول القصر كما أمر بتفتيش القصر وتنظيفه خصوصا الحمام الذى من عادة الدجال الدخول فيه ليقرأ تعاويذه.

ولما جاء الدجال أمر المشير بإدخاله إلى الصالون , وما كاد يدخل حتى جلس على الأرض وشرع فى إظهار براعته , فطلب من المشير أن يكتب أسئلة فى ورقة . فكان الدجال " يعزم" عليها ثم يعطيها للمشير فإذا بها الإجابة عما سأل.

قال عامر :- هذا لا يكفى .. هذا من ألعاب الحواه .. وهناك كثيرون يفعلون ذلك فقال الدّجال :" سوف ترى الآن .. فأنت " معمول لك عمل" من أقرب الناس إليك " ابتسم المشير قائلا:" طيب وريني شطارتك".

وانتظر المشير ساعتين ولكن الدجال لم يستطع أن يفعل شيئا فتركه ناصر وعامر إلى حجرة أخرى ليشربا القهوة.

وسرعان ما صاح الدجال :" لقد ظهر العمل"

فقال له المشير " يعنى ظهر لما سيبتك؟" بلاش كلام فارغ..

رد الدجال :" ولكنهم فتشوني قبل أن أقابل سيادتك".

نظر المشير إلى صبى جاء مع الدجال وقال :" ولكنهم نسيوا يفتشوا اللى جنبك".

هذه الخزعبلات , كان لها جانبها الواقعي فى حياة عبد الناصر , فقد خلقت حوله بطانة من المغرضين الذين وجدوا فى إيمان جمال بالتنجيم وسيلة للهيمنة , والتسلل إلى حياته وإقامة عازل يحول بينه وبين زملائه , وخاصة عبد الحكيم عامر الذى عانى كثيرا من خبثهم ,ودسهم , و ومكرهم , وتشهيرهم ... وكان أكثر اثنين تأثيرا على جمال هما سامي شرف ومحمد فوزي ... وكان المشير يشكو , خاصة من سامي شرف مرّ الشكوى , فقد كان يمد العرافين بالمعلومات عن طباع عبد الناصر وعاداته , وتعريفهم بما يحب جمال ويكره , وآماله بالنسبة لمحاولاته الزعامة العربية , فيمكنهم ذلك من إجادة الشعوذة فى حضرة جمال عبد الناصر !!..

كان العرافون يقولون لجمال مثلا :" أنك سوف تدخل معركة كبيرة ,أنه سوف يأتى النصر الكبير الذي لم يحققه قائد من قبل " أو " سوق تقوم فى البلاد العربية وسوف تكون من أسباب ازدياد زعامتك" أو" ستكون زعيما يحكم أكثر البلاد العربية ".

وكان جمال يحب سماع هذه النبوءات ويفرح لذلك. وحدث أن سامي شرف جاء بأحد العرافين من لبنان , وكلفه ذلك آلاف الجنيهات وقد سمع جمال من هذا العراف كلاما يشبه هذا الكلام الذي ذكرته , وكما هى العادة , وكان لابد من شعوذات وأفعال غريبة تقنع جمال بصحة ما يقول .

مثال ذلك, أنه طلب إحضار بعض المصاحف فلما جاءوا بها و ظل يعزم عليها ثم قال :" افتحوها .. فستجدون فى كل مصحف شعرة ".

وقد وجدوا بالفعل فى كل مصحف شعرة بهذه الأساليب الماكرة, أفلح سامي شرف وأجهزته ومعاونوه من السيطرة على جمال عبد الناصر , وبذر بذور الشك والحذر من عبد الحكيم عامر أكثر الناس إخلاصا وأكثرها حرصا على مصالح الوطن , ولذا كان عالم التنجيم من المنغصات فى علاقة عبد الحكيم بعبد الناصر.

التنجيم والتجسس والتآمر

أيكون حب التنجيم نابعا من الميل إلى التجسس ؟ وهل الميل إلى التجسس دافعا للتآمر والغدر ؟... ربما .. فإن سامي شرف الذى كون فرقة المنجمين هو نفسه الذى كون " التنظيم السري داخل الكلية الحربية , والجيش " ووضع على رأسه " نسيبه" محمد فوزي وصحيح أنه تم بأمر جمال عبد الناصر – فلم يكن يجرؤ أي أحد أن يفعل شيئا إلا بموافقة جمال الشخصية – إلا أن هذا الأمر جاء بعد دس ووقيعة بين عبد الحكيم عامر وجمال عبد الناصر . بل إن هذا التنظيم أساسا كان موجها ضد عبد الحكيم عامر , لأضعاف قوته وضربه من داخل الجيش . ويؤكد هذه النية , تسميته باسم " جيش عبد الحكيم" صاحب التسمية هو سامي شرف ونشرها من تبعه من الأجهزة التى تغطى القطر المصرى وساعده أيضا محمد فوزي , وشعراوي جمعة وعبد المجيد فريد , هذه المجموعة كونت فى تاريخ الثورة , وما سمى بمراكز القوى .

وقد تضافرت أطماعهم مع أطماع الروس فى الهيمنة على مصر , ومن الواضح أن أهدافهم لابد أن تكون هدامة بحكم تكوينهم على هذا النحو .. ولأن عبد الحكيم عامر كان معارضا للنفوذ السوفيتي من منطلق إيماني , وكان مختلفا مع عبد الناصر لما فى طبعه من ميل إلى الديمقراطية وتاريخ الثورة حافل بالمواقف التى تبين الخلاف بين روح الديمقراطية عند عبد الحكيم , " روح الديكتاتورية عند " عبد الناصر" ولأن هذا هو موقف عبد الحكيم , فقد كان طبيعيا أن يصبح هو " وجيشه" هدفا للتآمر لذا عندما جاءت حرب سنة 1967 كان الجيش الذى يحارب فى نظرهم هو جيش عبد الحكيم ,وليس " جيش مصر" والواقع أنهم كانوا قد وصلوا فى تآمرهم إلى مدى بعيد , فعبد الحكيم يكره الروس ولا يسمح بتدخلهم داخل الجيش ولا إعطاء امتيازات وتسهيلات وقواعد لهم إذن فهو لا ينبغي أن يقود وقد وضعوا العراقيل فى طريق عبد الحكيم عامر مما أدى إلى النهاية المؤسفة للجيش وقائده فى حرب 67 مما سيأتي ذكره فيما بعد عند الحديث عن مصرع عامر !!...

وكان مما قامت به جماعة سامي شرف من أعمال المشير هو تسريبها أخبار زواجه بى بل وطبعت منشورات بهذا المعنى بقصد إحراج المشير , إذ ذاك فكر المشير فى إعلان زواجنا وفاتح عبد الناصر فى الأمر , فطلب ناه التأجيل وإن يتفقا على إعلان الزواج فى ظروف أفضل , وكانت حجة عبد الناصر " إن السرية فى الزواج عملية أكثر " لأن الناس تنظر إلينا - يقصد الضباط الأحرار – على أننا مجرد آلات تحكم وتعمل لمصلحة البلد ... وخصوصا أننا جئنا بعد الملك فاروق .. فالناس تنظر إلينا كقديسين , وقد أبلغني المشير بما كان يفكر فيه وبما قاله له جمال عبد الناصر و ولما لاحظت عليه الضيق بسبب ذلك قلت له لأسرى عنه :

ماذا ينقصنا : ألسنا سعيدين؟..

قال :" أنا لا أحب هذه الأوضاع " أحب أن أكون مرفوع الرأس ولا أحب أن يكون فى حياتي نقطة ضعف تؤخذ علىّ , أنت لا تعرفين قذارة لعبة السياسة ثم أنى لا أحب أن أعيش بشخصيتين .. ولا أحب أن أظلم أحدا... وهذا من حقك فلماذا أحرمك من حقوقك؟.. هو عبد الحكيم عامر فقط الذى تزوج مرة ثانية ؟ خلاص !! أهذه هى المشكلة التى تؤرق البلد!!..

قلت أنني أقدر ما تقول .. ولكن أنا أكره الرسميات , ولا أطيق الحرس , وحركاتي مرصودة ورجال حول البيت وداخل البيت " دواعي الأمن .. تأنى " ولا أخرج إلا بحرص .. فما الذى سأستفيده من إعلان زواجنا ؟

قال المشير ضاحكا :" انتى عيلة " ولا أظن أحدا يكره أن يكون زواجه معلنا .. إلا إذا كنت قد أصبحت فيلسوفه وأنا لا أدرى ..

وبعد صمت قصير قال :- " لا أحب أن اشعر أنى ظلمتك". فقلت له :" ما دمت سعيدة معك فلن أكون مظلومة ".

كانت رغبة عامر صادقة فى إعلان زواجنا ولكن معارضة جمال عبد الناصر منعته من ذلك وقد برهنت على صدق رغبته بأن تغير أسلوب التحفظ الشديد الذى كان يتبعه حين يأتي لزيارتي.

على كل أحسست أنه يبذل جهدا ويتحايل – كلما أمكن - لأكون معه أطول فترة ممكنة رغم مسئولياته الجسيمة وظروفه الصعبة ناهيك بكونه رب أسرة أخرى وقد فوجئت به ذات يوم – يرسل لى " متولي " وكان ذلك فى شهر رمضان المبارك , وطلب منى متولي إعداد حقيبة بها بعض الملابس لى ولأختي الصغيرة التى كانت تقيم معنا , ولم أدر إلى أين نحن ذاهبتان , فقد تعودت ألاّ أسأل وكنت أظن أننا سنذهب إلى الإسكندرية.

وأخذني متولي فى عربة " نصر" ورأيته يجتاز ميدان الجيزة فى الطريق إلى العباسية فسألته برغمى :" إلى أين ؟" فأجاب :" عند بيت سيادته"

ملأتني الحيرة فسألته :" كيف تذهب إلى منزل المشير؟"

قال :" أوامر سيادته كده .. لأنه سيمكث بعض الوقت بمنزله بالحلمية !! ورأى أن المشوار سيكون طويلا من الحلمية للهرم, فقرر أن تقطني بجانبه فى منزل " بقشلاقات" الجيش فى الحلمية .. لذلك أرجو وضع الإريشاب والنظارة وقت دخولنا القشلاق.

كان المنزل الذى أقمت فيه يخص أحد رجال المشير وقد سرتني هذه الرحلة , لأني وجدت فيها تجديدا فى نظام حياتي ووجدت المنزل مكونا من دور أرضى ودور أول , ومساحاته كبيرة ولكنها غير مفروشة بالكامل كأنها استراحة بأحد المصايف , ولما وجدت نفسي وحيدة أخذنا أنا وأختي نتمشى بين حجرات البيت ونظرت من شباك حجرة النوم فوجدته يطل على ممر ضيق ينتهي باستراحة عامر ,ووقع بصري على ابنه جمال ومعه أخوه الأصغر نصر وكنت أعرفهم واحدا واحدا , وكثيرا ما كان عبد الحكيم يحدثني عنهم .

ومن الطريف أنه كان أحيانا يحدثني بالتليفون من حجرة نومه فى منزله , وكان عادة ما يقطع الحديث وهو يضحك قائلا " الجاسوس وصل " وكان يعنى بذلك اصغر أولاده " صلاح" الذى لا ينام إلا بعد أن يمر على والده مهما كان الوقت متأخرا.

وأمضيت بعض الوقت فى مشاهدتهم وهم يدخلون ويخرجون حتى اقترب موعد الإفطار فجاءني متولي يحمل عليها الطعام.

أفطرت – أنا وأختي- بمفردنا . وبعد لحظة بحثت عن كتاب لأقرأه فلم أجد حتى جريدة أو مجلة , فانتابني الضيق والملل , وفيما أنا كذلك رأيت عامر يقف أمامي فى وسط الصالة. على عبد الحكيم تأخره بأنه كان مع الرئيس. وتسامرنا برهة قال لى خلالها أنه سيبقى معي حتى السحور .. ثم قال متأففا " أرأيت التمزق الذى أنا فيه؟" إن أمنيتي أن أبيت هنا الليلة , ولكنى لا أستطيع !!... قلت له :" كل شئ له تمن .. والعبرة بجوهر العلاقة وليست بالشكل والمظاهر".

أخذ يضحك وهو يقول :" أيوه قوليلى شوية من الفلسفة العيال بتاعتك دى ".

وما زال يحدثني حتى اخرجنى من حالة الضيق ثم سألني :

" هل كنت صائمة"؟"

كان المشير يحضني على الصوم والصلاة وشدد على ذلك , فالتزمت بالصلاة والصوم.. ومكث المشير معى إلى السحور – كما وعد – ثم انصرف .

وفى اليوم التالى حضر وفاجأني بقوله :" تعالى معى ..." سألته فى دهشة " معاك فين؟" كنت أعرف أنه من المستحيل أن نخرج معا وسط هذا القشلاق الملئ بالضباط والجنود ولم يمهلني فأخذني من يدي وهبطنا السلالم, وسار بى فى الممر الضيق حتى وجدت نفسي على أعقاب بيته فى الحلمية , وما كدنا ندخل حتى أجفلت فزعة , فقد رأيت أسدا يقف فى مواجهة الداخل من الباب.

ضحك المشير وهو يقول لى :" لا تخافي .. هو من الخارج أسد .. لكنه من الداخل قش " وتحسس بيده رأس الأسد قائلا " ده صلاح ابنى بيركبه "... وأنت تخافين منه ؟

وعشت فى هذا المنزل أياما لا أذكر عددها , ولكنها كانت كافية لتعيد انسجامنا , وكان جمال عبد الناصر يطلبه أحيانا على التليفون وفى مرة من المرات , سمعت عامر يقول له ؟

- ولا شجاعة ولا حاجة .. مش مراتى؟ ... كتر خيرها أنها راضية كدة!!.. وربت المشير على ظهري وهو يكمل حديثه :

- أنا تعبت على ما روضتها على حياتي دى .

وبهذه المناسبة أقول إن عبد الناصر كان يسميني" المتوحشة", ولم يكن عبد الناصر هو الوحيد الذي أطلق علىّ أسما , فقد كانت لى عدة أسماء يناديني بها أحيانا أصدقاء ناصر فمثلا عباس رضوان كان يسميني " اللمضة" وصلاح نصر كان يسميني " الخواجاية" وأنور السادات كان يسميني " الليدى بي بي" أما عبد الحكيم فقد أطلق علىّ " مسز سباحتي"

الحذر من الروس

كان المشير لا يخفى شكوكه فى النوايا الروسية , ويصرح بها إلى المقربين منه , وربما كان السبب هو إيمانه بالله وهذا وحده يجعله على النقيض تماما مع القادة الروس الذين يتخذون من إنكار وجود الله ركيزة أساسية فى العقيدة الماركسية!!

هذا عن الجانب الديني .. أما عن الجانب السياسي فقد كان المشير يؤمن بالإنسان والديمقراطية وكثيرا ما حث جمال عبد الناصر على الأخذ بالأساليب الديمقراطية فى إدارة شئون البلاد , وكان هذا أيضا على النقيض من السوفيت الذى يطبقون " ديكتاتورية البروليتاريا" والحقيقة عى ديكتاتورية اثني عشر شخصا هم المجلس الأعلى للسوفيت .

ولما كان الروس قد أصبحوا أصدقاء رغما عنا , ولحاجتنا إليهم ولما كان مؤشر البوصلة السياسية متجها ناحية الاتحاد السوفيتي , ولما كانت القرارات الإشتراكية قد صدرت فإن عبد الحكيم عامر قد أصبح جسما غريبا فى هذا التكوين المؤلف من الروس , وجمال عبد الناصر ومراكز القوى .

ولأن المشير كان قويا ومحبوبا من لجيش وله ركائز قوية بين الضباط الأحرار , فإن نبذ هذا الجسم الغريب لم يكن ممكنا لمجرد الرغبة فيه .. وعلى ذلك امتلأ المناخ السياسي – المصرى السوفيتي – بالدسائس والمؤامرات والتشهير والكراهية وقامت مراكز القوى بأجهزتها - التى لا تحصى ولا تعد – بدورها الماكر الشرس فى الحياة المصرية , وسارت البلاد فى طريق وعر منذ ذلك الحين وناء كاهلها بوقائع ضخمة تمت فى حيز ضيق من الزمان : بناء السد ، حرب اليمن ، حرب 1967.

فإذا كانت مصر المناضلة – فى تلك الحقبة – تفتك بها الصراعات من الداخل ومؤامرات الإمبريالية من الخارج , فإن عام 1967 وبما حفل به من مآس يصبح نتيجة طبيعته للأوضاع التى كانت سائدة فى مصر آن ذاك.

وإذا كان المشير قد كره الروس فإن الطبيعي أن يكرهه الروس . إن أسوأ أنواع الكراهية هى تلك التى لا ينبغي أن تظهر علانية للناس و فتتحول فى الخفاء إلى مواد عطنة لزجة مليئة بالجراثيم والطفيليات والسموم وعلى هذه " القبيحة" أن تظهر بوجه مستعار يسر الناظرين .

وكنت بحكم زواجي من عبد الحكيم عامر , قد أدركت وجود هذه الكراهية التى أقدمها هنا من خلال عدة مواقف وحوارات, بعضها در بينى وبين المشير وبعضها بين المشير والقادة السوفييت..

وفى ذات يوم دار حوار بينى وبينه , وكان من عادته عندما يسمعني أجادله وأملأ فمى بكلمات ضخمة مثل " التقدمية " و" السلام العالمي" .. " كفاح الشعوب" إلى آخر هذه الألفاظ التى يعرفها المثقفون كان يرد ساخرا " أنت شيوعية"

وفى هذا الحوار الذى نحن بصدده الآن قلت له : لماذا تكره السوفييت؟.. إن الماركسية نظرية جديدة.

قال :- نعم هى نظرية جيدة... ولكنها غير واقعية ..

وبدا لى هذا التعبير غريبا . فلأول مرة أسمع من يصف الماركسية بأنها غير واقعية بينما أصحابها يباهون الدنيا " بواقعيتها " ويبدو أن المشير قرأ تعجبى فقال :

- أن جمال النظرية ليس دليلا على واقعيتها .. ويكفى أنها عاملت البشر على أنهم نوع من الآلات المتشابهة , وتجاهلت الطبائع البشرية التى هى من صميم الواقع .. ويكفى أن الروس انفسهم لم يطبقوها فى بلادهم بشكل كامل .

قلت : هم على الأقل نافعون لنا .

ويبدو أن هذا لم يعجبه منى , فرد باقتضاب :

" هم ينفعون أنفسهم أولا" ولم أتراجع فواصلت مناقشتي: أكنت تفضل أن نكون أصدقاء للإمبريالية, وهل تفضلها على الماركسية ؟. قال :" ليس هناك شئ اسمه الإمبريالية .. أو الماركسية . هناك شئ واحد اسمه " المصلحة الخاصة " أنهم جميعا .. وإن اختلفوا .. على عقيدة واحدة اسمها " المصلحة الخاصة ".. والعاقل من يتجاوز هذه الأسماء ويدخل فى لب الموضوع .

كان لب الموضوع بالنسبة له هو " مصلحة مصر" ولم يقبل أن يقايضه بأي مصلحة أخرى لذا أصبح عدوا للشرق وعدوا للغرب , وعدوا لمراكز القوى .

كان إذن يرى مصلحة مصر فوق كل مصلحة , وكان هذا سر معاناته الحقيقية .. وكان يتألم للوضع الذى وجدت مصر نفسها فيه , وعبر عن ذلك بقوله :" إحنا عاملين زى الشحات اللي لابس بدلة مرقعة .. حتة من روسيا... وحتة من يوغوسلافيا .. وحتة من الهند".

وكان يؤمن بقدرات الشعب المصر إيمانا لا حد له , وقد روى لى أخى الصغر هشام قائلا :

كنا جالسين نشاهد التليفزيون .. الذي كان يعرض فيلما عن إحدى الدول الإفريقية الفقيرة جدا – ولا يذكر أخى اسمها – وأظفر الفيلم حالة الفاقة والتخلف فى هذه الدولة فقلت معلقا: هذه الدولة تشبه مصر !!

غضب من المشير غضب حقيقيا وقال:

- لا تشبه مصر بهذه الدولة , مصر دولة عظيمة , والمصريون شعب عظيم .. نحن نستطيع أن نصنع حضارة تفوق حضارة الفراعنة .

وأعود إلى أحاديث عبد الحكيم معى والتي عرفت منها ذلك الجدل الدائر بين القيادة المصرية والقيادة السوفيتية .. ,الذي رأيت فيها أن الصداقة بيننا بينهم صداقة مشبعة بالخصومة , فالروس لم يكونوا قوما سذجا أو عاطفيين تأسرهم كلمة الصداقة ,وإنما كان همهم الحقيقي هو الهيمنة الكاملة على مصر أى أن نزعتهم كانت " استعمارية" وليست نزعة تعاونية من أجل رخاء البشرية لذا ما كانوا يعطوننا شيئا إلا وأخذوا منا مقابلا يفوق هذا الشئ , فإذا كان المقابل المطلوب ضخما ويصعب على القيادة المصرية تقديمه فإن الروس من ناحيتهم كانوا يمسكون أيديهم عنا ولا يعطوننا ما نريد حتى ولو كان ذلك لإنقاذ حياتنا " قمحا" .. وقصة قطع الغيار والمعدات الحربية التى طلبتها مصر بإلحاح من روسيا , والتي تلكأت روسيا فى تقديمها حتى وقعت حرب سنة 1967 فدخلها الجيش المصري وهو يعانى نقصا شديدا فى تقديمها حتى وقعت حرب 1967 فدخلها الجيش المصري وهو يعانى نقصا شديدا فى المعدات والذخائر هذه الواقعة خير دليل على صدق ما أقول , فقد كان الروس يريدون من مصر أن توافق على قواعد وتسهيلات لهم وكان يقود المعارضة لرفض مثل هذه الطلبات المشير عبد الحكيم عامر .

وعندما زار المشير روسيا على رأس وفد 1966 عومل الوفد معاملة سيئة .

فى البداية قالوا إن وزير الدفاع بالوفيسكى مريض ولن يستطيع مقابلتهم ,ولذلك رأى المشير – حسب البروتوكول المعروف – أن يقابلهم شمس بدران وزير الحربية المصري حينذاك وبقية أعضاء الوفد .

وعقد الاجتماع على هذه الصورة – بدون عبد الحكيم وبالوفيسكى – وحين شرع واحد من الوفد المصري فى الحديث رفض الجانب الروسى الاستماع وقال :" هناك موضوع هام قبل عرض طلباتكم ... وهو الموافقة على تسهيلات للأسطول السوفييتي ,إقامة قاعدة للاستطلاع داخل الأراضي المصرية.

وقد رد الفريق صدقي محمود قائلا :

كيف تنسون أننا منذ بداية الثورة ,ونحن نرفض مبدأ القواعد الأجنبية..وليس من المعقول ونحن نقود حركة تحرير فى المنطقة أن يطلب منا قبول هذا .. وعلى كل حال هذا موضوع كبير ولا نستطيع نحن إبداء الرأى فيه .

وعندما عادوا إلى عبد الحكيم وأبلغوه بما دار قال لهم : تصرفكم مضبوط وفعلتم الصواب .

طلب عامر التعجيل بالسفر بعد ذلك اللقاء بين الوفدين – المصري والروسي – ورفض تنفيذ البرنامج الذي أعد للزيارة ولكن كوسيجين رجاه أن يؤجل سفره يومين حتى لا يظهر الخلاف أمام العالم.

ولما كان البرنامج قد الغي ,والمحادثات أيضا ألغيت , فإن الروس أخذوا المشير ومن معه فى زيارة منطقة تربى فيها الخنازير البرية للتفرج عليها وقضوا هناك وقتا وتم تصوير الرحلة سينمائيا.

والحوار الذي دار بين عبد الحكيم وخروشوف إبان زيارة هذا الأخير لمصر ليشارك فى احتفالات تحويل مجرى النيل , كبداية لبناء السد العالى يلخص أيضا حقيقة الموقف.

جرى هذا الحوار فيما كان خروشوف وعبد الحكيم فى السفينة النيلية , وقد سمعت القصة فى حوار دار بين عامر , وصلاح نصر فى بيتنا بالهرم سمعت صلاح نصر يقول :

سيادتك كنت موفقا مع خروشوف واستطعت أن تأخذ موافقة على مطالب كثيرة كنت تأخذ وكلما طلب هو رفضت وراوغت

ابتسم عامر :

وكان خرشوف يحب عامر و لذلك كان جمال " يزق عامر على خرشوف لأنه يلبى طلبات عامر أغلب الأوقات .. وكان خرشوف أكثر الزعماء الروس التزاما بتعهداتهم لمصر , وفى الزيارة التى نحن بصددها كان قد تعهد بإمدادنا بوسائل " ميكنة زراعية " ومساعدة مصر فى إرسال المعدات للأراضي الزراعية التى ستقوم مصر باستصلاحها بعد السد العالي وقد عاد خرشوف إلى بلاده بعد هذه الرحلة الناجحة وقد صدم عبد الناصر وعامر عند عزل خروشوف بعد هذه الزيارة بعد أشهر ..

سحر بريونى

أخذ جمال عبد الناصر بسحر بريونى منذ أول زيارة قام بها إلى يوجوسلافيا واستضافة تيتو له فى قصره بجزيرة بريونى , ولم يكن جمال الطبيعة المزهوة بالورد والزهور هو سر إعجاب جمال عبد الناصر بالجزيرة, وإنما القصر المقام هناك , والمنشآت التى أقامها تيتو , ووسائل الرفاهية والمتعة فعاد جمال وحلم جزيرة بريونى لا يفارق خياله..

وقال لعبد الحكيم عامر بعد عودته : أنه لم يستطع النوم لشدة إعجابه بجمال حجرة النوم التى بات فيها , فقد أخذته بفخامتها , وزخارفها وعقب على ذلك بقوله لعبد الحكيم عامر " إن تيتو قد نجح فى ترشيد أركان حكمه .. ومن حقه أن يحيا حياة مرفهة تعوضه عما لقيه من متاعب فى أول حياته "..

وكانت جزيرة بريونى فى خيال جمال عبد الناصر , عندما كان يتجول فى حدائق المعمورة عام 1957 ووقعت عيناه على الأرض الفسيحة حول القصر , ورأى فيها مكانا مناسبا للتريض ومقابلة زعماء العالم فكان أن أمر لمهندس على السيد , أحد مهندسى القوات المسلحة - بإقامة استراحة واختار لنفسه بقعة مساحتها سبعون فدانا لإقامة فيلا أطلق الاستراحة رقم "1" وعلى بعد حوالي كيلومتر أقيمت فيلا أخرى , أطلق عليها الاستراحة رقم "2" وخص بها عبد الحكيم عامر .

ثم طلب من نفس المهندس إقامة كبائن على جزيرة الشاي بقصر المنتزه وكان على نفس الجزيرة استراحة الملك فاروق , فأخذها جمال لنفسه وتم إنشاء بيوت وفيلات صغيرة لإقامة حرسه وموظفيه.

واستولى جمال على جزيرة تقع أمام قصره هناك فى المعمورة , وحشد فيها كل وسائل الحياة الناعمة , ومن طائرات هليوكوبتر , لنشات على أحداث طراز , كما جهزت الشواطئ بمعدات الصيد .

واقتداء بتيتو – أيضا – بنى فى قصر الحكمة قصرا فاخرا , وكان للملك فاروق هناك استراحة خشبية صغيرة لكن جمال حولها إلى استراحة لخدمه

وفى منشية البكري كان له بيت صغير , داخل قشلاق الجيش أقام فيه منذ بداية الثورة , ثم هدمه واستولى على المكان كله , وحوله إلى حدائق واسعة وأقام فيها دورا للسينما , وحماما للسباحة وملاعب للتنس ومختلف الألعاب . وأقام لنفسه بيتا من طابقين وبنا أسانسير وفى غرفة الطعام بالبيت توجد مائدة تسير بالكهرباء وتفتح جوانبها آليا وهى تطوف على الجالسين ليختاروا منها ما يشاءون من أطايب الطعام . وقد حدث يوما أن قال عبد الحكيم لجمال مازحا " بيقولوا عليك بقيت ديكتاتوري زى تيتو..." فرد عليه عبد الناصر " يا ريتنى سعيد زى تيتو ".

كان الرئيس والمشير ومعظم زملائهما يقضون أغلب أوقاتهم فى الجزيرة التي بالمعمورة كما كانت لهم رحلات صيد يقومون بها فى البحر الأحمر على متن السفينة "فخر البحار " أما المرافقون فإنهم يكونون على سفينة أخرى وراءهم اسمها " انتصار"

وفى هذه الرحلات كانوا يحيون بحرية كاملة , لابسين المايوهات والبرانيط التي تحميهم من لفحة الشمس . وفى ذات يوم جلست أراقب متولي وهو يعد لوازم هذه الرحلة البحرية فسألته :" ما هى الأشياء التي تتطلبها الرحلة ؟" فأجاب ضاحكا:" من الإبرة للصاروخ يا أفندم" كان ناصر لا يأمن لأحد فكان يطلب من رجال المشير إعداد مستلزمات الرحلة حرصا منه على عدم تدخل أحد من سكرتاريته فى شئونه الخاصة ... أو حتى السماح لهم بمرافقته فى هذه الرحلات واضعا بذلك حاجزا بينه وبين موظفى مكتبه .. كما أن جمال كان يعلم مدى حسن اختيار عبد الحكيم لرجاله , وفوق ذلك كان يتحمل مسئولية المحافظة على حياة الرئيس وقد ترك ناصر هذه المهمة لعامر منذ أمد طويل , لأنه لم يأمن على حياته أحد غيره .

كان المشرفون على رحلات الصيد هذه, يزودون الرحلة باللحوم على مختلف أنواعها وكذلك البقالة المستورد منها والمحلى , وبالذات الجبن الأبيض المستورد من هولندا وسويسرا , وليس الجبن القريش كما يقول أحد الصحفيين المعروفين , كما يزودنها بالكافيار والأسماك المدخنة , والفواجرا , التونا , والأنشوجة أما الحلويات فيؤتى بأنواعها المختلفة من المحلات فوق ما يصنعه الطباخون فى الباخرة , ويحضرون أيضا جميع أنواع الفاكهة المحلى منها والمستورد , التفاح والكريز اللذين كان يحبهما جمال عبد الناصر , واحد منهم صمم أن يضع الكريز فى الشمبانيا , أما الأناناس فكان يؤتى به من الخارج بالطائرات ويتوج كل هذا بأنواع المشروبات العادية وغير العادية , من الكازوزة والمياة المقطرة إلى الويسكى والكونياك والشمبانيا العادية والروزية" البمبى" .

كل ما أذكره هنا عن المعمورة وإن الفضول استبد بى مرارا لمعرفة كل ما يدور هناك خاصة وأنها - فى نظري – مكان يأخذ منى المشير أياما كثيرة فهل كان عبد الحكيم غارقا فى الملذات أيضا ؟

كان من الضروري أن أعرف الجواب , فأنا امرأة , والغيرة تأكل قلوب النساء إذا بدا لهم إن شيئا ما يأخذ منهن أزواجهن.

قلت له يوما :" لم لا تأخذني معك إلى المعمورة ؟!"

فأجاب بفتور " لا مكان لنا هناك ... فماذا عساك تفعلين هناك .. أنها مكان ملئ بالجنود والحراس , وكل مالا يخطر على بالك .. مملكة"

قلت بصوت متباك:" ولكنك تذهب إلى هناك .. وتتركني هنا وحدي"

ضحك المشير :" أذهب إلى هناك لأن الرئيس هناك .. ولأني نائب الرئيس ... وتأكدي أن ذهابي إلى المعمورة بالنسبة لي عمل وليس لهوا .

وفى مرة أخرى قال لىّ وكنا مقبلين على أحد الأعياد:" سأذهب لمقابلة الرئيس فى المعمورة ... لأنى أفضل أن أطلب منه شيئا للناس وهو فى المعمورة .. لأنه يكون عادة فى حالة مزاجية طيبة".

وبالفعل ذهب إليه .. واستطاع أن يقنع جمال بتقديم منحة للعمال والموظفين بمناسبة العيد .

قلت متخابثة :" ولكنه عمل ظريف ... أليس كذلك؟!!

ضحك عبد الحكيم مرة أخرى , وكأنما أراد أن يضع حدا لإلحاحي ومحاوراتي فقال " لا تتعبي نفسك فلا يمكن أن آخذك إلى المعمورة . وثقي أن الأمر لو بيدي لما ذهبت إلى هناك قط...."

ولم أكن أشك فى كلامه عن نفسه , فإن الأيام التى عشتها معه كزوجة لم يكن فيها ترف ولا بذخ ومكنتني معاشرته من معرفه شخصيته الميالة إلى البساطة والبعد عن التكلف واغتراف الملذات..

والقصة التي أسوقها هنا قد تعطى القارئ صورة وواضحة عن شخصية عبد الحكيم عامر , فى المرة الوحيدة التي زار فيها عبد الناصر بيتنا بالهرم , حدث أثناء جلوسه إن تعطل جهاز التكييف وكان قديما ماركة " كولدير" وبذلت محاولات لاصلاحه دون جدوى .فبدأ الضيق على جمال , وأصبح عصبيا , وأبدى اهتماما زائدا بإصلاح الجهاز ورغم ذلك لم يعمل ..!!

وقال له عبد الحكيم معلقا :" أرأيت يا جمال .. لقد تعودنا الترف , ولم نعد نطيق الجلوس بلا جهاز تكييف .. ليتنا نستمع إلى حديث رسول الله الذى يقول فيه : " اخشوشنوا فإن النعمة لا تدوم" ولم يرد جمال !!

المشير والأجهزة

فى عام 1966 شكلت " اللجنة العليا لتصفية الإقطاع بناء على قرار جمهوري وتولى رئاستها المشير عبد الحكيم عامر النائب الأول لرئيس الجمهورية .

وقد كتب على أن أتعرض لآلام نفسية بعد موت المشير , وأنا أرى أنيابا تنهش لحمه ميتا دون أن أقدر على دفعها عنه , وكانت رئاسته لهذه اللجنة من المواضيع التي أوغلت فيها السنة كثيرة تتحدث بالسوء والتشهير به ولما أدعته من ممارسات ظالمة ومع أن أمور الدولة لم تكن من اختصاصي كربة بيت إلا أن الرجل الثاني فيها كان من اختصاصي بحكم انه زوجي.

ومن حقى أن أدافع عن زوجي عن الرجل الذي كان كل دنياي فى الفترة , وقد سكت لسانه وتكلمت ألسنة السوء .

وأبدأ دفاعى بأن أقدر للقارئ ما قاله شاهد كان مطلعا على الكثير بحكم عمله , فوق أنه كان واحدا من أعضاء لجنة تصفية الإقطاع , وأعنى به صلاح نصر . الذى كتب فى مذكراته يقول :

بالرغم من الجهود التى بذلتها اللجنة, وبالرغم مما حققته من رفع الظلم عن كثير من الناس - كما هو مثبت فى محاضرها – فأن السلطة بعد مصرع المشير , نقضت كل قرارات اللجنة الثورية التى كان يباركها جمال عبد الناصر بعد النكسة , وأوكل إلى لجنة جديدة كان أعضاؤها فى اللجنة القديمة !!! مهمة إعادة النظر فى قرارات اللجنة القديمة.... لقد وجدت السلطة بعد فتنة سنة 1967 إنها فى مأزق . وأرادت أن ترضى الإقطاع فنصح أهل المشورة أن يمسحوا أخطاء اللجنة القديمة فى المرحوم المشير عبد الحكيم عامر .

والواقع أنها كانت تمثيلية من تمثيليات الحكم لإيهام الرأي العام الداخلي , بأن لجنة التصفية الإقطاع التي كان يرأسها المشير عامر – هي من أهم البلاء فى إصدار القرارات الظالمة .. على حد قولهم .

لا أريد أن أوسع فى هذا الموضوع فحسبي أنني أعطيت صورة لما كان يحدث داخل اللجنة .

على أن ثمة نقطة هامة لابد أن أذكرها ... لقد كان عبد الناصر يهدف إلى شئ ماكر من إسناد رئاسة هذه اللجنة إلى المشير عامر ... لقد أراد أن ينال المشير نصيبا من كراهية الناس , مثلما كرهوا من قبل جمال سالم فى محكمة الثورة , وكما كرهوا كل من صور لهم على أنه عدوّ الشعب .

هذا كلام صلاح نصر , ,أنى لأرى ما يقول على ضوء أحوال المشير , وبعض العبارات التى سمعتها منه , وبعض الحوار الذي دار أمامي فى جلسات أصدقائه بمنزلنا عندما يكون فى زيارتي .

فى مرة من هذه المرات سمعته يقول : أعمل إيه ؟ ... كل ده من تحت الأجهزة .. أصله بيحب السرية .. نظامه بقى كده..

وتفصيل هذا الكلام , أن الأجهزة التي كونها عبد الناصر – وهى كثيرة – كانت تقوم بأعمال غاشمة ضد ملاك الأراضي متذرعة بقرارات" لجنة تصفية الإقطاع"

وهذه الأجهزة المشار إليها , كانت من أجهزة الأمن العديدة مثل المخابرات العامة المخابرات العسكرية , المباحث العامة, المباحث الجنائية العسكرية , مخابرات رئاسة الجمهورية , وأجهزة كثيرة تتبع عبد الناصر مباشرة يقوم عملها على التجسس ,والتصنت ومن وسائلها التعذيب والقهر والتلفيق , والتشهير , والقتل .

أما عبرة " أصله بيحب السرية" فقد كانت إشارة إلى جمال عبد الناصر , فمن الغريب أنه ظل يمارس أسلوب التنظيم السري الذى اتبعه قبل الثورة , ظل يمارسه بعد الثورة أيضا وعلى سبيل المثال أذكر " التنظيم " داخل الجيش الذي كلف سامي شرف بتكوينه وقد كان هذا التنظيم سببا فى غضب عبد الحكيم عامر الذى خاف أن يؤدى ذلك إلى تشتت ولاء الضباط و ثم ما ضرره التنظيم والسلطة كلها فى يديه , وأصر وقتها عبد الحكيم على حل هذا التنظيم , وقد حل فعلا بعد مشادة بينه و بين جمال, وأن اتضح بعد ذلك أن الحل كان ظاهريا!!!...

والواقع أن مكتب الشئون فى العامة فى القيادة للقوات المسلحة كان مسئولا عن تأمين الجيش إلا أن جمال عبد الناصر لم يكتف بذلك , فقام بتشكيل خلايا أخرى عن طريق سكرتيره , سامي شرف , وعلمت أن عبد الناصر كان يلتقى سرا مع أعضاء هذه الخلايا – وهو رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة!!!

وقد أدى هذا إلى خلق توتر فى العلاقة بين ناصر وعامر , وظل التوتر يزداد حتى تحول إلى مجابهة صريحة .

ذلك لأن جمال عبد الناصر , كان يريد أن يضمن ولاء جيل من طلبة الكلية الحربية, فيضمن بذلك ولاءه له بعد التخرج , واختار لهذه المهمة احد الضباط الأحرار وهو " إبراهيم الطحاوي" وعهد إلى شخص يدعى الشيخ دنيا وتكون مهمته توجيه هذه الجماعة ايديولوجيا . وكان الشيخ دنيا يزعم أنه أيضا يتنبأ بالغيب وقد تنبأ لجمال بحرب 1965 فنال بذلك ثقته .

وقد ظل هذا التنظيم فى إخفاء إلى أن اكتشفه عبد الحكيم عامر سنة 1956 فوقعت مواجهة بين عامر وناصر وانتهت بموافقة ناصر على حل هذا التنظيم .

ونعود إلى لجنة تصفية الإقطاع , ومراعاة عبد الحكيم مبادئ أساسية للعمل بها فى هذه اللجنة , وهي مراعاة الظروف الاجتماعية لمن تفرض عليهم الحراسة , ومراعاة الجوانب الإنسانية عند التعامل معهم ومراعاة المواقف الوطنية لمن كانت لهم المواقف وطنية أو لأحد أجداده مثل هذه المواقف .

وكان أشد ما يضايق المشير هو خروج الأجهزة عن هذه المبادئ الإنسانية وهى تتعامل مع الإقطاعيين... وأستشهد هنا بأقوال صلاح نصر .

حقا لقد وقعت بعض الأخطاء فى التنفيذ , شأن ما يحدث فى أى موقع من مواقع العمل ولكن حين اكتشفت اللجنة هذه الأخطاء قام المشير بتصحيحها .

أذكر أننى علمت أن الشرطة العسكرية , والمباحث الجنائية العسكرية قد قامتا بأعمال عنف أثناء قيامهما بمهمتهما فأبلغت المشير عامر الذى أسرع فطالب بوقف مثل هذه الأعمال ولأنقل من محاضر جلسات اللجنة ما قاله المشير عامر فى جلسة السادس من يوليو سنة 1966.

"قبل أن أبدأ العمل لدى ملاحظة أود أن أبديها , بشأن الأجهزة التي تعمل فى موضوع الإقطاع فى الريف , فقد بلغنا من أكثر من مصدر للمعلومات, أن هذه الأجهزة تتصرف تصرفات عنيفة مع الناس, وهذا غير مقبول مطلقا , ورؤساء الأجهزة مسئولون شخصيا عن هذا , وعليهم المرور على أجهزتهم للنظر وتحرى الحقيقة , فإذا كانت هناك تصرفات بهذا الشكل , فعليهم أن يحدوا منها , لأننا لا نريد تصرفات عنيفة مطلقا كالضغط على الناس وضربهم , وما إلى ذلك ... إن الأمور كلها ستضح ونحن لا نريد العنف , ولسنا فى حاجة إليه , ولا ينبغى أن تظهر الأجهزة الحكومية وإن يقوموا بالتنبيه بعد القيام بمثل هذا العمل مرة أخرى , أو تكرار حدوثه , وإذا لم تكن هذه الأمور قد حدثت وكانت هناك مبالغة فيجرى التأكيد بعدم حدوثها , وأخص بالذكر فى هذا الموضوع , الشرطة العسكرية والمباحث الجنائية العسكرية ..

وقد يكون مناسبا – ونحن بصدد الحديث عن لجنة تصفية الإقطاع – أن أذكر حقيقة عرفتها من المشير وأصدقائه ,وهى أن جمال عبد الناصر , عندما قرر تحديد الملكية , كان قد رأى أن يكون الحد الأقصى خمسة أفدنة , ولكن عامر قاله له : إذن أنت لا تعرف كيف يعيش الفلاحون ؟! ... إن المائة فدان التى يملكها واحد, إنما يعيش منها فى الحقيقة هذا الواحد وأبنائه العشرة , وأبناء أبنائه وزوجاتهم , وإن يكون الحد الأقصى خمسة أفدنة معناه خراب بيوت هؤلاء الناس , الذين جئنا من أجلهم , ونحن نسعى إلى العدل لا إلى خراب البيوت !!..

ويذكر لى عامر , أنه فى إحدى الرحلات , التى أغرى عامر الرئيس على القيام بها ليشعره بالفلاح فى الصعيد , استقبلهما الناس بالحفاوة البالغة , والهتاف , يذكر لى انه قال لجمال :" انظر كيف يحبك أهل القرى ... فلماذا تستجلب كراهيتهم بتحديد الملكية وهم جمهورك الحقيقى"...

كانت هذه الرحلة والمشروع قيد البحث , وعندما تأكد لعبد الحكيم أن جمال مصر تماما على ذلك , جاهد حتى يجعله يغير رأيه ,ويجعل الحد الأقصى للملكية الزراعية خمسين فدانا , بدلا من خمسة أفدنة ...

لقد حورب عبد الحكيم عامر حيا , وافترى عليه ميتا , حورب من التنظيمات السرية التى كونها جمال وحورب من مراكز القوى , وحورب من عملاء الروس وحورب من الأقلام المرتزقة التى تعمل بإيعاز من سامى شرف وأجهزته , والتى لفقت له تاريخا مزيفا لقاء دراهم معدودة , وسرقت أدواره فى الثورة ووزعتها على آخرين فصنعوا بها لأنفسهم بطولات زائفة .

ولا أجد أفضل مما قاله صلاح نصر فى مذكراته , ردا على هؤلاء  :" أين كانوا هؤلاء الذين يهاجمون اليوم ما كان بالأمس ؟... إما أنهم كانوا منافقين يسيرون فى الزفة. وإما كانوا إمعات فى الحكم لا حول لهم ولا قوة , وإما كانوا موتورين نتيجة ما أصابهم على يد الثورة حينما قامت بتصفية أعداء الثورة "...

ومن العبارات التى سمعتها بأذني من المشير فى كثير من المكالمات التليفونية عبارة " هو المعفن مش ناوى يبطل تقارير؟... ما يسيب الجيش فى حاله ,وكفاية عليه المدنيين.

وذات مرة بعد محادثة تردد فيها عبارات من هذا القبيل , التفت إلىّ المشير بعد أن وضع السماعة قائلا :" تصوري إن المعفن قدم تقريرا للريس بيقول أنى قلت راح أنفى الريس وأوديه يوغلاسلافيا ... والغريبة لما زعلت من الكلام الفارغ ده قال لى :" يا عبد الحكيم ...ده حتة موظف من ضمن موظفين عندي " طب ما هو شوية الموظفين دول همه اللى ح يودوه ويودوا البلد فى داهية ".

كان عامر يشكو مر الشكوى من تآمر هذا المعفن ضده وضد قادة الجيش الوطنيين ويقدم تقارير ملفقة عن ضباط الجيش الذي اسموه فيما بينهم " جيش عبد الحكيم عامر لإيغار صدر جمال عبد الناصر ضد المشير.

وبالطبع فإن " المعفّن" هو الإسم الذي كان يطلقه عامر على أحد الرجال العاملين مع جمال فى أجهزته البوليسية المتعددة, وكان من عادة جمال التهوين من شأن هؤلاء الأشخاص وتعمد إهانتهم أمام عامر وآخرين .. ثم ينظر لعامر قائلا :_ إحنا ثوار يا حكيم... وده مجرد موظف عندي".

وما كان يدرى إن " حتة الموظف سيكون سببا رئيسيا فى الخلاف بين ناصر وعامر ". مصايد لعبد الحكيم فى الجو والبر !!

فى أواخر عام 1966 , وربما فى أوائل عام 1967 – لا أذكر التاريخ بالضبط – كان عامر فى طريقه إلى منزلنا بكنج مريوط وبصحبته صلاح نصر , وعباس رضوان وعصام خليل , وفى الطريق الضيق الموصل لمنزلنا وقع حادث تصادم بين عربة المشير وعربة كانت تعبر هذا الطريق.

وعندما دخلوا علىّ وحكوا تفاصيل ذلك الحادث على مسامعي, بدا علىّ الانزعاج, فقال لي المشير ضاحكا:" ما تخافيش ... عمر الشقى بقى".

ضحكوا جميعا, وذكرهم هذا القول بحادثة طيران كادت تؤدى بحياة المشير عام 1966. وقد روى عصام خليل وكان مرافقا للمشير فى ذات الطائرة , ومعهما معظم القادة العسكريين .. روى قصة هذا الحادث الذى وقع فى روسيا أواخر عام 1966 , عندما ذهب وفد بقيادة المشير للتفاوض مع الروس حول الأسلحة التى يحتاجها الجيش المصري , وأشياء أخرى " كالقمح" وكانت العلاقات بين مصر والاتحاد السوفيتي فاترة فى تلك المرحلة بسبب رغبة السوفييت فى إقامة قواعد بحرية , ومراكز استطلاع بعيدة المدى فى مصر ولكن عامر والقادة رفضوا , ولذا فقد كان الروس يبذلون غاية جهدهم لإبعاد المشير والقادة عن السلطة!!

كانت الطائرة التي تحمله ومعه صلاح نصر , والفريق أول صدقى محمود وعصام خليل والفريق عزت قائد البحرية , تقترب من موسكو حين تلقى الطائرة إشارة من مطار موسكو تفيد بأنهم لا يستطيعون استقباله فى المطار بحجة سوء الأحوال الجوية ونصحوه بالهبوط فى مطار ليننجراد .. والغريب أن مطار ليننجراد طلب من الطيار المصري وكان يدعى " دغيم" الهبوط قبل الممر المعد للنزول !! أطاع الطيار التعليمات ففوجئ بأنه أمام مصنع ضخم!!

ولولا مهارة الطيار غير العادية , وقدراته على السيطرة لما استطاع أن يرتفع فى الوقت المناسب وحوّل مسار الطائرة بسرعة أفقدتهم التوازن داخل الطائرة!! وقد علّق صلاح نصر على رواية عصام خليل بقوله:

أنا قدمت لجمال عبد الناصر وللروس الأدلة العلمية على أن هناك سوء نية من حجرة المراقبة .. ولم يستطيعوا تبرير هذا الحادث !!

وقال عامر: يعنى هية أول مرة؟.... أنا عارف أن الروس عايزين يخلصوا منى بأى شكل عشان يقدروا يسيطروا على الجيش , لأني طول ما أنا عايش لن أقبل احتلالهم لبلدي.

واستطرد المشير:

ناصحين قوي: نطلب منهم قمح , يطلبوا قصاده قاعدة بحرية داخل البلاد, ويطلبوا تسهيلات للأسطول بتاعهم !!

إن ما لفت نظري هو مآزق الطائرات التى كان من قدر عبد الحكيم أن يتعرض لها... ففي عام 1956 , وبالتحديد فى أواخر أكتوبر, كان المشير فى زيارة لسوريا حين وقع العدواني الثلاثي على مصر , فقطع المشير زيارته – وكان ذلك فى الحادي والثلاثين من الشهر ذاته _ وقرر العودة إلى مصر , بعد أن تم الاتفاق على تشكيل قيادة القوات المسلحة على أن يكون مقرها القاهرة ..

وترصدت قوى الأعداء تحركات عبد الحكيم , يحدوها الأمل فى التخلص منه بإسقاط طائرته, ولكن القدر تدخل فحدث أن تأخرت طائرة المشير وكانت هناك طائرة أخرى تحمل مرافقيه , فأقلعت قبل طائرة المشير , فظن الأعداء أنها طائرة المشير فأسقطوها, ولا يعرف حتى الآن مصير هذه الطائرة المنكوبة ولا مصير من فيها !

أما الحادث الثالث المتعلق بالطائرات . فقد وقع عام 1967 حينما بدأ هجوم الطيران الإسرائيلي بينما طائرة المشير معلقة فى الجو – وكان ذلك الطيران بأمر عبد الناصر – ومرة ثالثة نجت طائرته من السقوط .. وإنه لمن الغريب , إن كانت الفخاخ كلها منصوبة فى الجو لعبد الحكيم .. ولكنها سوء نية مبيتة , ظلت تتعقبه , بسبب ولائه الكامل لمصر , دون أن يفضل عليه ولاء الشرق , أو ولاء الغرب , ظلت تتعقبه إلى أن تمكنت منه فى نهاية المطاف , فحرمت مصر ابنا بارا من أبنائها.

والدليل على ما أقول هو ذلك الحديث الذي در بينهم فى تلك الليلة كعادتهم حين يجتمعون فإن السياسة تكون هى الموضوع الرئيس الذي يشغلهم... وكان مما قاله المشير فى تلك الليلة:

- يا جماعة .. اللى حأقوله ده مش معناه إني ضد مساعدة أي حركة تحررية تريد الاستقلال عن أي نوع من أنواع الاستعمار .. لكن فاقد الشئ لا يعطيه – ابتدينا أنا والريس نحس أنها أوامر فى صيغة طلبات .. قفوا إلى جانب البلد الفلانية – ابعتوا فرق للبلد العلانية لأنها قريبة من حكمكم ولازم تساعدوها !! الله ومصر ما يحبوش لها أنها تقوى, وتستطيع الدفاع عن نفسها .. لما نطلب أسلحة نحارب بيها فى اليمن يدونا ..

نساعد بيها أى بلد .. يدونا .. وإحنا عمالين نبعت أسلحة وذخيرة وولادنا بيحاربوا فى كل حتة , بيمنما بلدي محتاجة للأجهزة اللى تحميها !! والأدهى من ذلك .. إن إحنا مع أمريكا ومش معاها ... ومع روسيا ومش معاها!!


لازم كلنا نفهم إن إحنا مش أذكى منهم لنستمر فى اللعب على الحبلين .. طيب دول الغرب بيعتبرونا عنصر قلق لهم , ونظامنا يؤثر على مصالحهم فى المنطقة , وبيكلموا جمال بعجرفة لأنه بيشتمهم , فلما نيجى نطلب منهم حاجة – حتى ولو كانت مواد تموينية – بيرفضوا ... وروسيا ما هياش الصاحب ولا حاجة وانتوا عارفين أن ده رأى الرئيس كمان... لما أسأله : إيه اللى زانقنا على البهدلة دي, يقول لي" هو فيه حد قدامنا غيرهم ما إحنا محتاجينهم ".

الخلاصة ان كلهم دول استعمارية .. دي حقيقة وما نضحكش على بعض . لا أحد يعطي دون أن يأخذ ثمن ,ونحن لن نقبل أن نعطي أحدا شبرا من أرض مصر ... وهم لن يعطونا الأجهزة التي تحمينا من أي غارة فى أعمق ..المسألة محسوبة , وكان من رأى عامر أننا – والدول العربية – لعبة فى أيدي روسيا ... ووراءها المعسكر الشرقى ولعبة فى يد أمريكا ووراءها لمعسكر الغربة وكان يقول .. كل من أعطى كان يريد أن يأخذ , ولكن الوطنية منعت القيادة المصرية من التفريط فيما تعهدت به وقامت من أجله ثورة 23 يوليو عام 1952.

ومن الطريف أنه فى نفس السنة التي نحن بصددها – 1966 كان المشير يرأس وفدا لزيارة باكستان ليحسن العلاقة بيننا وبينهم .

وطلب عبد الناصر من عبد الحكيم أن يقترح سحب قوات الطوارئ الدولية التى كان وجودها بسبب إذلالا لناصر إذا تهم بأنه " يحتمى فيها " ويجعجع بالتصريحات .

وكان تصور ناصر أنه عندما يرسل عامر هذه الإشارة من باكستان عن طريق اللاسلكى فإن أجهزة الغرب ستلتقطها.

كان هذا التصرف من ناصر للضغط على الغرب.

وفعلا أرسل عامر هذه الإشارة ولكن هذه المناورة لم تخدع دول الغرب , وإذا كان المشير قد تعرض لمحاولات قتلة بنصب هذه المصايد الجوية وفإنه أيضا تعرض لنوع آخر من المصايد الأرضية .

وإنى إذ أستعيد ذكرياتي فى وحدتي الآن , أرى الفخاخ التى كانت منصوبة وموضوعة أمام أعيننا بصورة تسر الناظرين !!! بل كنا نراها مصدر فخر ورضى , ولا أدعى هنا الإحاطة الكاملة بكل ما حيك من مؤامرات ضد المشير ولكنى أذكر فقط كل ما أعرفه ولا شك أن ما خفى كا أعظم.

ذكرت لكم إن خروشوف كان يردد فى معرض المديح لعبد الحكيم عامر قوله :

_ إن ناصر إذا أراد من الروس شيئا فإنه يرسل لنا عبد الحكيم عامر لأنه يعرف إننا نستجيب لمطالبه .

كما أن الروس كانوا إذا تحدثوا عن المشير , فإنهم لا يقولون أبدأ " الرجل الثانى" بل يحرصون على قول " الأول مكرر".

كان الروس بلا شك يهدفون من وراء ذلك إلى إيغار صدر جمال عبد الناصر ضد " المشير" فهم يعلمون غرام ناصر بالسلطة , كما يعلمون شكوكه القوية , وعدم ثقته بأى إنسان , وهم يعلمون فوق ذلك أن السياسة بلا قلب .. فانظر إلى هذه العبارات " يلبون المطالب إذا جاءت عن طريق عبد الحكيم " فماذا يكون شعور جمال وهو الزعيم العربى ورئيس الجمهورية حين يرسخ عنده هذا الظن ؟

وانظر إلى عبارة " الأول مكرر" أنها تعمد منهم لإفهام عبد الناصر بأنه ندّ له .. وهو رجل لا يقبل ندّا إلى جانبه .

أم يكن كل هذا تحريضا لعبد الناصر على التخلص من " الأول مكرر" والمفضل لدى الروس .. هذه الأفعال هى إحدى معالم الطريق التى أدت إلى نهاية المشير عبد الحكيم عامر نهاية مأساوية .

ولم يكن فقط هم الذين ينصبون له الفخاخ فى الجو والبر , بل إن ناصر نفسه كان ينصب له فخاخا على الأرض , وإن كنت عاجزة حتى الآن عن فهم مراميه من وراء ذلك .

وعلى سبيل المثال أذكر هذه الواقعة :" بعد الانقلاب الذي أطاح بأحمد بن بيلا – فى الجزائر – واستيلاء هواري بومدين على السلطة , بعد هذا الانقلاب شاب العلاقات المصرية الجزائرية بعض التوتر والشكوك . وبعد تبادل الخطابات بين جمال عبد الناصر وهواري بومدين , تقرر سفر المشير إلى الجزائر لمحاولة تصفية الأجواء وقبل اتخاذ هذا القرار دار الحوار التالى بين عامر وناصر ,وقد سأل ناصر المشير:

- ما رأيك ؟... فأجاب المشير :

- الإنقلاب وقع وقضى الأمر ..... وأرى أن نكون واقعيين , فإنها بلادهم وهم أحرار فيها.... ووافقه عبد الناصر على هذا الرأي , واتفقا على خطة المباحثات التي سيجريها المشير في الجزائر , علي إعلام الجزائريين عدم اعتراض مصر علي هواري بومدين مع إبداء رغبة مصر للإطمئنان على سلامة بن بيلا.

وفى الجزائر استقبل هواري بومدين " عبد الحكيم عامر " وبدأ إجراء المباحثات وفى أثنائها جاء من يهمس فى أذن هواري بومدين بكلمات نهض على أثرها واستأذن عبد الحكيم فى الغياب لحظات وغاب بومدين بكلمات نهض على أثرها واستأذن عبد الحكيم فى الغياب لحظات , وغاب بومدين ثم عاد وبيده " راديو ترانزستور" ووضعه أمام المشير ليسمع !!..

كانت إذاعة " صوت العرب " المصرية تذيع مقالات هيكل ,وهو يهاجم فيها الانقلاب الذى قام به " بومدين" ويعدد محاسن بن بيلا , وما يتمتع به من شعبية كبيرة ويتنبأ بفشل الانقلاب .

ثم بدأ البرنامج يذيع الأناشيد العسكرية قبل أن يعود مرة أخرى إلى كلام هيكل وأخذ البرنامج يذيع فقرات تتخللها أناشيد عسكرية كل فقرة وأخرى .

وقد وضع هذا التصرف عامر فى موقف لا يحسد عليه , وأظهره بصورة من جاء ليخدعهم !! وهذا قد يعرض عامر لأذى حكومة بومدين الثورية بما فى ذلك سوء المعاملة أو على الأقل الفتور والنفور تجاه عبد الحكيم عامر , الذى جاءهم بنية صادقة ورغبة حارة فى إعادة حبال الود بين الدولتين العربيتين.

ولم يجد عامر تبريرا يسوقه لبومدين سوى القول بأن هذا مجرد تصرف شخصي من هيكل وأنه ترك عبد الناصر مريضا فى القاهرة .

ولما عاد قال لجمال : ألم نكن متفقين على كل شئ قبل سفرى ؟ ... فكيف حدث هذا؟

قال عبد الناصر :" وماذا أفعل .. الإذاعة معتادة على إذاعة مقالات هيكل والصحافة حرة والإذاعة حرة "!!

صرخ المشير:" يا خبر اسود ... أتقول لى هذا الكلام ؟

قال عبد الناصر : يعنى.... أعطيك تبريرا كالذى أعطيته أنت لبومدين.

وقد تجنب بومدين مصر بعد ذلك , وشك فى حسن نيتها .

وقد عاتب عامر هيكل أيضا بعد حديثه مع عبد الناصر فما كان من هيكل إلا أن قال :" سيادتك عارف ... أنا مغلوب على أمرى .. وسيادتك عارف كل حاجة "!

وقد تعرض عامر لنفس التصرف – أو لنفس الفخاخ – عندما سافر إلى الأردن لمقابلة الملك حسين , ففيما هو هناك يعمل على تحسين العلاقات , فوجئ بمقال لهيكل يشتم فيه الملك حسين!!

ولا أستطيع بالطبع أن أحيط بكل التصرفات المتشابهة , وإنما ذكرت ما ظهر لى منها وما عرفته من المشير رحمه الله رحمة واسعة , وتلقاه كما يتلقى كل شهيد مظلوم.

كانت السياسة الخارجية لمصر فى تلك الفترة , تعانى ذبذبة قاتلة , لذا كانت رغبة عبد الناصر قوية فى أن تلقى سفينة السياسة الخارجية مراسيها فى أى مياه .. لقد أبحر فى المياه السوفيتية , فلم يصل إلى مرفأ , وحاول الإبحار فى المياه الأمريكية , ولكن جونسون قال لا نثق فى جمال عبد الناصر .. فهو مندفع ويشتمنا بألفاظ بذيئة" وكان هذا الرد كافيا لإغلاق باب المحاولات لإعادة الثقة بين مصر وأمريكا .

وفى نفس العام - أيضا - حاولت مصر إزالة أسباب الخلاف بينها وبين فرنسا , فأرسلت وفدا إلى فرنسا برئاسة المشير عامر لمقابلة ديجول .

وأذكر هنا حوارا دار بينى وبين المشير قبل سفره فى هذه الرحلة , وكان عبد الناصر يعلق أمالا كبيرة على هذه الرحلة , وقال للمشير هذه مهمة صعبة " وبالمناسبة كان جمال يطلق على عامر " رجل المهمات الصعبة ".

قال لى المشير : أعدوا لى أوراقا بها بيانات عن فرنسا ولكنى غير مقتنع بها .. فأنا لا أحب الخطب الإنشائية .. أحب أن أقول ما أحسّه وما أنا مقتنع به , أمّا هذا الورق فلن أخذه معى .

سألته : لماذا أنت ذاهب إلى فرنسا ..

قال :" لمحاولة كسر الجمود بيننا .. وإيجاد صلات ثقافية وعلمية , فإن فرنسا هى بلد العلم والثقافة ..

قلت له :" بالضبط ... هذه هى الحقيقة ... إن الثقافة والأدب والعلم هم الذين يبقون انظر إلى غزو نابليون لمصر , لقد استطاع أن يحتلها بجيشه ثم أرغم على مغادرتها ... فما الذي يبقى من هذا الغزو ؟... لقد جاء ومعه الرصاص بعثة علمية ... ولم يبق من هذا الغزو سوى الثقافة ... حجر رشيد ... المطبعة .. كتاب وصف مصر .. هذا هو ما بقى بعد نابليون وجيشه.

وأعددت للمشير بعد ذلك ملخصا عن تاريخ حياة ديجول , وكفاحه وحكومته التى كونها فى المنفى .

سافر الوفد المصري وكان لقاء عامر وديجول لقاء طيبا , حتى أن ديجول وصفه بقوله :" لقاء بين فرنسا الجديدة , ومصر الجديدة " وكان اللقاء حديث وكالات الأنباء الشرقية والغربية ووصفوه بأنه لقاء تمت فيه المحادثات الهامة , والصريحة والدقيقة التى أذابت تلال الجليد التى تراكمت فى طريق العلاقات العربية الفرنسية منذ عام 1956.

نبات خبيث فى بستان وحدتي

بعد أشهر من الزواج , اكتشفت إنى أعيش فى فراغ , فلا أنيس ولا جليس , سوى " متولي" وآخرين عند البوابة وهما اللذان عهد إليهما أحيانا بالحراسة وأحيانا أخرى لتلبية طلبات المنزل .

كانت تسليتى الوحيدة , أن أخرج بالعربة لأتجول بها قليلا فى الشوارع المحيطة بالفيلا , وفى إحدى الجولات وجدت نفسى فى الشارع الذي يسكن فيه " محمد كامل حسن المحامى " وبهذا الاسم لطويل اعتادت أن تقدمه الإذاعة عند إذاعة تمثيلية من تأليفه.

ولما كانت لى به معرفة سابقة و وإن كانت غير عميقة إذ سبق لى التردد على منزله و بنية الحصول على قصة سينمائية من تأليفه فلم أجد بدا وأنا فى حالتي تلك من الرغبة فى العثور على شخص أتحدث إليه , لأسرى عن نفسي , لم أجد بدا من أن أقوم بزيارته وفاجأت متولي الذي كان معى بزيارته.

قابلنى محمد كامل حسن بحفاوة فى فيلته المزدحمة بزوجتيه وبناته وعلا " زياطهم " وهم يرحبون بى , ويتساءلون عن سر انقطاعي الطويل عن زيارتهم .

كان محمد حسن يعيش فى بيت واحد مع زوجتيه , الأولى أم أولاده , وهو سيدة فى مثل سنه .

والثانية زوجته الجديدة وكانت صغيرة السن شديدة الجمال .

فى هذا اليوم انتحى بى كامل حسن المحامى جانبا وأخذ يشكو سوء الحال, مدللا على ذلك بسؤالي:" هل تسمعين لى شيئا فى الإذاعة فى هذه الأيام ".

وبالفعل لم أكن أسمع له شيئا عنه فى الإذاعة بعد أن كان اسمه من الأسماء التى تسمع يوميا كمؤلف لمسلسلات بوليسية إذاعية وبكى الرجل أمامي وهو يسألني:

- كيف يمكن أن يطعم زوجتيه وبناته , ومع أن رائحة غريبة كانت تفوح من فمه وهو يحدثني ,. وأثرها واضحا على حركاته , إلا أن قلبي امتلأ شفقة عليه , وحزنا من أجله فما كاد يسألني إن كان معي شئ من المال " سلفة" - كما قال – حتى وجدتني أعطيه كل ما معي .

كانت هذه الشفقة بداية لعلاقة أسرية , سببت لى آلاما نفسية لا تطق , لكثرة ما رأيت من مواقف محزنة بينه وبين إحدى زوجتيه , أو بينه وبين نفسه , فكثيرا ما كانت تنتابه نوبات سكار ينهار على أثرها ... وتساعد الحالة التى هو فيها على زيادة البكاء والانهيار .

أصبح مألوفا أن أراه غارقا فى مشاكله وعائلته , فأخذتنى النخوة وظننت أنى قادرة على شفائه من هذه العلة التى تدمره وتدمر أسرته وتسئ إلى العلاقة التى بينه وبين زوجتيه , وكان هذا القرار من أحمق القرارات التى اتخذتها فى حياتي , فقد أدت إلى زيادة الروابط بيني وبين هذه الأسرة الحزينة.

والحق لم يكن محمد كامل حسن الذى وجدته هو نفسه الرجل الذى كنت أعرفه من قبل , كان مثقفا فنانا , وشخصية لامعة , بدأت تشق طريقها بنجاح فى عالم التأليف الإذاعي وكان لبقا ذكيا , محبا لقصص المغامرات ذات الطابع البوليسي , وكانت جعبته لا تنفد من الحكايات والطرائف المسلية , أما هذا الذى أراه أمامي الآن فقد كان شيئا مختلفا , وبالطبع رددت كل هذا إلى العلة التي وجدته واقعا فى براثنها, هذه العلة التي قررت محاربتها فتحولت - دون أن أدري – إلى دون كيشوت - أحارب طواحين الهواء.ففى كل مرة يزورني , كنت أحضه على ترك عادته والالتفات إلى أعماله , ولا أتركه إلا عندما أصبح على يقين من أنه تأثر بقولي , واستجاب لنصائحي وكان اليقين يأتيني من إظهاره للاقتناع والندم , وبذل الوعد بالإقلاع عن ما يغضبني , فأتركه وأنصرف وأنا في سعادة غامرة , بعد أن أزوده بقدر من المال يعينه على مواجهة ظروفه الصعبة .

وفى الزيارة التالية , كنت أجد دائما أن ريمة عادت إلى عادتها القديمة ... ولك يكن هو وحده " ريمة" فأنا أيضا كنت " ريمة" التي تعود إلى نصيحته , ومحاولة إقناعه بأنه يدمر نفسه وبيته , بإصراره على التمادي فى ذلك , والتوقف عن الكتابة .

ثم وقعت فى الخطأ الثانى عندما أخبرتهم بأننى قد تزوجت , وبالطبع جاء ذلك التصريح بعد ما رأيت من رغبتهم الدائمة فى أن أزورهم , ويتساءلون عن سبب الغياب أحيانا وكنت بدوري أشعر بحرج من غموض موقفي حيالهم فلم أعد قادرة على قطع صلتي بهم تلك الصلة التى ربطتني بروابط الشفقة والمسئولية والحب لأسرته والتسرية عن نفسي بزيارتهم .

لم أجد بدا من إرضاء فضولهم بإبلاغهم أنى تزوجت من " دكتور" وأصبح الإسم الذى يتردد بيني وبينهم عن زوجي المجهول هو " الدكتور" .وأدى هذا الخطأ إلى خطأ أكبر .. دعوتهم لزيارتي فى الفيلا التى أقيم بها أنا والمشير وبالطبع . لم أكن أجرؤ على ذلك لولا أن المشير كان قد أصبح على علم بهذه العلاقة, وقد ناقشني فى الأمر قائلا :" إن هذا خطأ " فأنت تقولين أنهم من الوسط الفني , وتعلمين أن الوسط الفني كثير الفضول والثرثرة , ولكن ذريعة الوحدة التى أعيش فيها والتي كنت أبرز بها زيارتي لأسرة كامل حسن جعلته يقبل الأمر على مضض فقد كان يشفق علىّ فى قرارة نفسه من هذه العزلة التى وضعني فيها , ولكن لم يكن باليد حيلة .

ثم أقنعت المشير برغبتي فى دعوتهم إلى بيتي , وكعادته راح يناقشني بهدوء .. وقال أنت تعرفين إنى آتى إلى هنا بلا حراس , ودخول غرباء إلى البيت قد يكون فيه خطر علىّ وأنت تعلمين أنى مسئول عن أمن الرئيس وأمن البلد كله .. ثم أنه متزوج من امرأتين .. هذا فى منتهى الخطورة .

قلت , لا خطر – هم قوم بسطاء – فى ظروف صعبة , وأنا أجد تسلية فى صحبتهم فسكت ولم يعقب بشئ .

سمح لى عبد الحكيم عامر باستقبال الرجل وزوجته فى منزلى , واتفقنا على أن تكون هذه الزيارات فى أوقات لا يكون هو موجود فيها .

وكان من الطبيعي أن أتحدث مع عبد الحكيم - بين وقت وآخر – عن هذا الصديق الذي يزورني, وأطلب مساعدته خاصة إنه فى ظروف سيئة , ومتوقف عن الكتابة وليس له إيراد من أملاك أو أى شئ آخر ورغم ذلك بدأ القلق يساورني من تصرفات كامل حسن , فإصراره على التمادي فى عادته , كان يجعله دائما فى حالة غير سوية , فهو إما يشتبك فى مشاجرة مع زوجتيه , وإما يبكي وينهار شاكيا غدر الزمان , وأنهما السبب فى لجوئه إلى الهروب , وإما يتجول فى الحديقة.

وفى زيارة له لاحظت كثرة تردده على المطبخ كل بضع دقائق , وبعد حوالى نصف ساعة رأيته مقبلا وهو يسير بصعوبة , فقلت له " ألم نتفق على ألا تفعل بنفسك ما يضرها " قال بلسان متلعثم :" أنا تعبان.." فقلت له :" بل أنت أهملت فى حق نفسك – ولا تستطيع أن تقف كما أنت الآن ... وإذا كنت ستبقي على هذه الحال فلن أستطيع الاستمرار فى مقابلتكم".

وأخذته من يديه وشرعت أطوف به فى إرجاء المطبخ بحثا عن زجاجة الدواء .. وبالفعل وجدت زجاجة وراء بضعة أكياس الخزين , أمسكت الزجاجة ورفعتها إلى أعلى فوقعت من يدى وتهشمت فى الحوض , ونظرت إليه فرأيت الكراهية فى عينيه .. كأنى قتلت ولدا من أبنائه.

وقد صرخ فى وجهي قائلا :" حرام عليكي"!!

وحاولت أن أناقشه قلت له إنه يخسر صحته وماله .. يخسر كل شيء حتى عمره ودينه .. ولم يكن يبدو عليه أنه يصغي إلىّ وانخرط فى بكاء شديد وهو ينظر إلى " الحوض"!! واحترت ماذا أفعل , إنه مرهق ولا يري شيئا فى الدنيا إلا رغباته .

وفى تلك الليلة بات هو وزوجته عندى , على كنبة فى الصالون , فلم يكن يستطيع الوقوف من شدة الإرهاق.

أما أنا فقد أمضيت ليلة قلقة لم يغمض لى فيها جفن , وأنا افكر بأنى وضعت حياة عامر وحياتى فى يد رجل يضر بنفسه فما بالك بغيره .. ولم أجد له عذرا يبرر ما هو فيه على هذه الصورة , فأنا أقوم بتلبية كل طلبات أسرته.

ولأول مرة أخفي شيئا عن عامر , فلم أشك له معاناتي مع كامل حسن ولا شرحت له شيئا عما يكون عليه حين تعاوده النوبة .

وفى الصباح وجدته مشغولا بوضع باقة من الزهور – جمعها من الحديقة – على المائدة ثم أعد لى ولزوجته طعام الإفطار , واعتذر عما حدث بالأمس , ووعدني بعدم العودة إلى المضايقة وأنه سيحاول الإقلاع عن هذه العادة.

وبعد أيام اتصلت بى زوجته , وأخبرتني أنه خفف كثيرا من عادته , وأنه مقتنع بنصيحتي ... فدعوتهما على الغداء .

جاءوا .. وبينما نحن جالسون فوجئت بعامر متنكرا أمامى .. كان عامر يرتدى كوفية وبيريه , ويضع على عينيه نظارة كبيرة .

قدم عامر نفسه على أنه الدكتور " وبعد أن جلس قال لى :" إيه رأيك فى المفاجأة دى "؟ ثم بدأ يتجاذب أطراف الحديث مع ضيوفي وأثناء الحديث تكلم عنى كامل حسن حديثا كله مدح وإطراء بشكل مبالغ فيه .

وقال له عامر :" بيلا – يقصدني – حدثتني عنكم كثيرا حتى أني أردت رؤيتكما بنفسي وأرجو أن تكونا على مستوي تقديرها.

ثم انصرف عامر متعللا ببعض المشاغل والطريف أنه بعد انصرافه قال كامل حسن " هوه دكتور فى إيه" ... شكله مش غريب علىّ".

وفى يوم من الأيام أثناء زيارة كامل وزوجته لى فوجئت بزوجته تقف فى الحديقة تثرثر مع عبد المنعم أبو زيد – حارس البوابة – كانت تضحك معه بصورة أثارت غضبى . فناديتها وأفهمتها أن الكل يعرفون أنك معرفتي فينبغي أن تكون كل تصرفاتك على مستوى مكانتك معى وقلت لها :" إن هذا يحط من قدرك وقدري أيضا " وقد بررت لى الموقف بقولها أنها كانت تطلب " أكلة كباب " لأن نفسها فيها فحذرتها من معاودة الحديث معه , وإذا كانت تريد شيئا تطلبه منى أو من متولي , ومتولي يأمر عبد المنعم أبو زيد أو أبو المعاطى لأنه المسموح له فقط بالتواجد داخل الفيلا. عندما دخلت المنزل وجدت كامل حسن منتهزا فرصة غيابي زوجته ليفعل ما هو ممنوع أحسست بالغضب, وحزنت عليه وعلى نفسي , التى وضعتها فى موقف حرج , فأخذت من يده الزجاجة وهشمتها على الأرض .

لم يبك هذه المرة , وإنما نظر إلى الدواء المراق على الأرض و وشظايا الزجاج المتناثرة وأحسست أنه صار يكرهنى , ورغم ذلك , فقد كنت حريصة على مصلحته , ومصلحة زوجته فأردت مصالحته قائلة :" سأصنع لك كوبا من الليمون.. يروّق دمك" فقال على الفور" لا .. أنا الذى سأصنع لك الليمون .. لأكفر عن تصرفي".

قلت له :" أنني لا أريد منك شيئا سوى أن تكون يقظا وكنت فى قرارة نفسي اشعر بالقلق لرؤيتي زوجته منصرفة عنه .. وواصلت برغبة صادقة فى نصحه :" حرام عليك ما تفعله بنفسك .. ستخسر كل شئ .. انتبه إلى أسرتك".

ثم ذهب لصنع الليمون وانشغلت أنا بالقراءة وبعد فترة طويلة رأيته قادما بخطى ثقيلة حاملا كوبا من الليمون , ومد يده المرتعشة بالكوب نحوى فسقط منه فصرخت فى وجهه " تانى .... يا نهارك اسود" وقمت مهرولة أفتش عن الزجاجة .. وبالفعل وجدت ما أبحث عنه مخبأة فى الحديقة وسط الزرع , وأحسست أنني فى كارثة حقيقية ولا أدرى كيف أتخلص منها.

كنا فى النصف الأول من عام 1966 , وفى هذا العام كان عامر مشغولا للغاية وكان غيابه عن بيتي يطول عدة أيام , وأحيانا عدة أسابيع مثلما حدث فى رحلته إلى اليمن فقد استغرقت خمسة وأربعين يوما , وكان من المعتاد عند زيارته لى أن يعلم جمال بهذه الزيارة حتى لا يقع خطأ فيطلبه بمنزله فى الجيزة " بيت الأولاد" .

وفى يوم جاءنى المشير مبتسما وقال لى " سأحقق لك رغبتك .. استعدى للسفر إلى لندن"

لم يسافر معى المشير فى تلك الرحلة , ولم يتركنى " بالطبع " أسافر وحدى بل صحبني أخوه مصطفى عامر و وفى المطار بلندن استقبلنا رجل مصري ومعه زوجته الألمانية , وكان المشير قد أخبرني بأنهما سينتظراني , ويصاحبني لمشاهدة معالم البلد .

وفى لندن تصورت أنني سأخرج لمشاهدة لندن , والسير فى شوارعها ولكن مصطفى عامر اعترض قائلا :" الأوامر أنك تنامي فى الساعة العاشرة مساء .. لأن سيادة المشير قد يتصل بك ليلا ".

ثم تركني مصطفى قائلا :" أنا خارج أشوف أصحابي .. والعيال تنام بدري ثم ضحك وانصرف .

ووجدت نفسى وحيدة فى حجرة ضيقة فى أحد الفنادق العادية , ولم أجد ما أفعله سوى مشاهدة التليفزيون أو تصفح بعض الجرائد التى وجدتها بالحجرة وبعد فترة دق جرس التليفون , ووجدت على الطرف الآخر عبد الحكيم عامر كان يريد الاطمئنان على سلامة وصولي , وأثناء الحديث سألني عن الجو فى لندن فأجبته بأنني لم أر شيئا .

وفى اليوم التالي , جاء الرجل وزوجته الألمانية وصحباني إلى المتاحف , ثم عادا بى إلى الفندق ثانية , أما مصطفى عامر فقد اختفى عن ناظري وانغمر فى زحام المدينة .

ثم جاءت مكالمة أخرى من عامر وفاجأني فيها بطلب العودة فورا من لندن , لأحضر احتفالات عيد الثورة ,... ولم أدر لماذا قال لى ذلك . فأنا لا أحضر معه أى احتفالات رسمية . ولكنه أصر على طلبه فرجوته إرجاء سفري إلى ما بعد باكر ليعطيني الفرصة – ولو ليوم واحد – لأشترى بعض ما يلزمني فوافق على ذلك بصعوبة.

عدت لمصر وجاء عامر إلى المنزل أزلت ابتسامة غضبي لضياع رحلتي إلى لندن سدي , ثم برر إصراره على رجوعي بأنه يرغب فى وجودي قريبة منه أثناء احتفالات الثورة وأنه يمكنه البقاء معى عدة أيام فلم يشأ أن تضيع هذه الفرصة .

رن جرس التليفون فرفع عامر السماعة وبعد أن سمع صوت المتكلم أعطانى السماعة وجدت المتكلم حسن وزوجته وأبديا الرغبة فى زيارتي الآن , ولكني اعتذرت لهما بأن الدكتور موجود فقررا الحضور فى الصباح وقبل أن أضع السماعة طلب مني كامل حسن إرسال السيارة لإحضاره لأنه لا يملك ثمن بنزين سيارته .

وبعد أن وضعت السماعة قال لى عبد الحكيم :" أما زلت تثقين فى هؤلاء الناس . إن أوضاعي وظروفي ليست عادية ".

ولم أجد ما أرد به , فقد سبق السيف العزل.

وفى الصباح كنت أجهز نفسى للسفر إلى كنج مريوط عندما حضرا لزيارتي وعندما علما بسفري استعدا هما أيضا للسفر معى ولم تفلح محاولاتي فى إرجاعهما عن عزمهما فقد غلبني كامل حسن ببكائه , فقد كان سريع التأثر مضطرب الأعصاب وقال لي من بين دموعه :" ليس لنا غيرك .. أنا فى حاجة إلى التغيير" وقد أصابني الضعف فلم أجد بدا من اصطحابهما معي , سافرنا فى عربتين فى الأولى أنا وأختي الصغيرة زهرة ويقودها متولي . وفى الثانية محمد كامل حسن وزوجته سهير فخري ويقودها عبد المنعم أبو زيد ..

وفى نهاية الطريق الصحراوي , لم ينحرف متولي فى الطريق الجانبي المؤدى إلى كنج مريوط , بل واصل سيره إلى الإسكندرية مباشرة فسألته :" إلى أين ؟ فأجاب أن المشير استأجر فيلا " بسان لوران" لتكونى سيادتك فى مكان قريب من المعمورة , لأنه لا يتحمل مشقة الذهاب من المعمورة إلى الكنج . وعندما وصلنا إلى الفيلا أخذنى جمالها , وفخامة طرازها.

كان القصر واسعا , دهاليز وأبهاء , حتى لقد أحسست أننا نتوه فيه , وعثرنا على سرداب يقود إلى البحر , ولأول مرة أرى حديقة فوق السطوح !! كان مزروعا بالنجيل – تراس كبير على البحر – وبه موائد للعب البنج بونج ,ولا أنكر أنى وجدت فى غرابة تفاصيلها الداخلية ملهاة . فوق أن القصر كان يبدو مهملا , وبدأت زوجته فى إعداد الأماكن التي سنبيت فيها وتنظيفها , بينما انصرف كامل حسن لإعداد العشاء ,واضطررت إلى إرسال متولي لشراء عدد من المصابيح الكهربائية إذ كانت الفيلا خالية منها.

وقضينا يومنا فى ثرثرة وضحك ومشاهدة التليفزيون , وكان متولي هو المسئول عن راحتنا وتلبية مطالبنا , أما أبو المعاطى وعبد المنعم أبو زيد فقد أقاما عند البوابة للحراسة.

وفى اليوم التالي كانت تنتظرني مفاجأة ظريفة هى زيارة المشير ومعه شقيقه حسن عامر وولده أمين وطارق ولقد سعدت معهما , وسعدا معي ونشأت الألفة بيني وبينهما حتي إنهما رفضا العودة مع الدهما ,لولا أنه وعدهما بالرجوع بعد إحضار البيجامات من المنزل ثم انصرفوا جميعا.

وفى اليوم التالي جاء عامر ومعه صلاح نصر وعباس رضوان ,وأثناء السهرة , همس صلاح نصر فى أذني , بأنه غير مطمئن لوجود هذا الرجل – يقصد محمد كامل حسن المحامي وزوجته – وكرر إعلانه هذا الرأي مرة أخرى أمام عامر .

ولقد تحقق ظن وفراسة صلاح نصر , أو بالأصح سوء ظنه , فإن ما طرأ على كامل حسن من تغير , فيما تلي ذلك من أيام , وضعنا جميعا أمام تجربة مزعجة للغاية , حين تنتابه العلة يفقد وعيه تماما وبدأت حالته النفسية تنهار , فأعلن أنه يري أشباحا ,وأن هناك من يتجسس عليه من وراء النوافذ.

وذات يوم فيما نحن نيام صحوت مذعورة أنا وأختى التي كانت تشاركني حجرتي على صراخ صادر من حجرة كامل حسن , فأسرعنا إليها, وهناك وجدنا كامل حسن جاثما على زوجته , ويداه مطبقتان على عنقها , بينما هو يصرخ قائلا" سوف أقتلك ... سوف أقتلك ".

صرخت فيه " هل جننت ... ماذا تفعل؟" فاستدار نحوى , فرأيت عينيه .. زائغتين , ولا تركزان على شئ.. أما زوجته فكانت راقدة مذعورة , وآثار أظافره على عنقها وكتفيها .

ظل كامل حسن ينظر إلينا نظرات مذهولة, وهو لا يقوى على الوقوف . جذبته من ذراعه فسار معى كالطفل , حتى أجلسته على الأريكة , فجلس يحكي متعلثما عن أناس يطاردونه , وأناس ينظرون إليه من خلف الشبابيك , فأخذت بيده إلى التراس وقلت له :" انظر بنفسك ... لا يوجد أحد غيرنا .. ليس أمامك أحد , وليس هناك غير البحر , ثم أننا فى الدور الثانى " قال مؤكدا :" هم ينظرون من وراء النوافذ " قلت :" وأين يقفون ... هل يقفون على الماء ؟ أم فى الهواء ؟".

كنت فى الواقع أشعر بالخوف منه فى تلك اللحظة , على أنه فجأة انفجر في بكاء عنيف , فاضطررت إلى نهره" إيه الفضيحة اللى أنت عاملها لنا دى .." قال مشيرا إلى زوجته :" هى التى تضايقني... هى التي تغضبني .. أعطني الزجاجة لكي أرتاح وأنام " وفى الصباح جاء متولي ومعه طعام الإفطار وعندما سألني أين يضع ما معه قلت له على الفور :" دع كل هذا من يدك ... واتصل فورا بالمشير ... فالأمر بلغ حدا لا يمكن السكوت عليه .. فسألني عما حدث؟ فأخبرته بما وقع , وتدخلت زوجته فى الحديث قائلة أنها لن تعيش معه بعد اليوم خوفا على حياتها .. واستشهدت بنا على أننا رأيناه يخنقها وهددت بالهرب والاختفاء فى مكان لا يعرفه أحد .

وبالفعل جاء عامر , ومعه صلاح نصر , وفور وصوله طلب من متولي استدعاء طبيب جعلني لا أقوي على مواجهتها.

وعندما جاء الطبيب , وقام بفحص كامل حسن المحامى أكد أنه ليس مصابا بهذه العلة فقط , بل أيضا بمرض" البارانويا" وشرح لنا أن من أعراض هذا المرض , أن المريض يتوهم رؤية أشخاص لا وجود لهم وسماع أصوات وإن المريض لا يدرك ذلك ولابد من علاجه بالمستشفى وكان عامر كريما كعادته , فطلب من الدكتور أن يقوم بكل الإجراءات المناسبة مهما كانت تكلفتها , وحاول الطبيب اعطاءه بعض الحبوب , ولكن كامل رفضها , وقال الطبيب إن المريض بمثل هذا المرض لا يقتنع بالعلاج , وتكون بداية الشفاء عندما يبدأ فى إدراك حالته المرضية .

أمر عبد الحكيم عامر متولى بأن يرسلهما مع عبد المنعم أبو زيد إلى منزله بالقاهرة حتى تعلم أسرته بحالته , ولابد من موافقتها قبل دخوله المستشفى وقد وافقت الأسرة على علاجه .

ثم ذهب به عبد المنعم أبو زيد إلى مستشفى بهمان ومعه تقرير الطبيب وتولى علاجه الدكتور " فتحي لوزه".

ولم أر كامل وزوجته بعد ذلك , وإن كان متولي يأتيني بإخباره , وذات يوم أبلغني أن كامل حسن احتال عليهم فى المستشفي للخروج , بحجة أنه يريد أن يرى أولاده, وفي الطريق ادعى أنه يريد شراء علبة سجائر , فأذن له الممرض الذي يرافقه و ثم فوجئ به عائدا بعد فترة وهو يسير ببطء وتثاقل ويتعلثم فى الكلام فقال له الممرض غاضبا " يا أستاذ .. خربت بيتي !!"

هذه القصة باعها محمد كامل حسن المحامى لبعض الصحف العربية , بعد موت المشير .. ولم يكن صادقا مع" الشاري" فقد أعطاه بضاعة مغشوشة , قصة ملفقة ولم يراع فيها حرمة ميت , ولا حرمة بيت رحب به آواه وقبض ثمن بضاعته .

وإنى لأشعر بالحزن , لأن بعض الصحف قبلت نشر هذه الأكاذيب التى وردت على لسان محمد كامل حسن , والصول عبد المنعم أبو زيد حارس البوابة على باب الفيلا وعلى باب القصر حيث كانت هناك حجرتان حجرة له والأخرى للبواب .

وقد حكم عليه بالسجن على عبد المنعم أبو زيد لاستغلال اسم المشير فى تحقيق مآرب له فكيف رضيت الصحف أن تنشر كلاما مأخوذا عن مصدرين لا يوثق بهما ... فأحدهما " مريض" والآخر " مدان".

لقد كان هذا الرجلان امتدادا للأهداف المعادية لوطنية عبد الحكيم عامر و والمتمثلة فى سامي شرف , وشعراوي جمعة وغيرهما فكأنهم لم يكتفوا بتشويه صورته حيا فأرادوا تشويهها ميتا .

قضية الصيرفى

جاءت والدتى يوما لزيارتي فى بيتنا بالهرم , وعلى غير عادتها كانت متجهمة , ولم تفلح محاولات المشير , الذي كان يحبها ويحترمها, من إخراجها من حالة العبوس التي هي فيها , وأدهشني أنا أيضا ما لاحظته عليها من خجل وتردد.

وفى النهاية نظرت إلى عامر قائلة:

- تعرف إني أحبك كواحد من أبنائي .. من أجل هذا أريد أن أحدثك فى موضوع محرج..

رد عامر : ليس بيننا إحراج يا ماما .... قولي ما تشائين. لشدة غيرتي على سمعتك بأقول لك ... بشرط ألا تغضب .. فكل ما أريده هو مصلحتك .

قال المشير : أعرف هذا يا ماما .. أعرفه .. ولكن أخبريني بما يقلقك , وسأعمل على راحتك .

قالت والدتي بحزن: لم أكن أعرف يا ولدي أنك تشارك الصيرفي فى تجارته , إلا عندما أخبرتني جارتي.. وهنا أطلق المشير العنان لضحكاته .. لطرافة القصة بالنسبة له , ثم طلب منها أن تحكي له الحكاية من أولها دون أن تتحرج من أي شئ.

قالت والدتي :" ذهبت لزيارة إحدى جاراتي القدامى بحى السيدة زينب .. وهى الآن تعيش فى الدرب الأحمر , فى بيت له مشربية , فجلسا خلفها ننظر إلى الطريق , فرأينا عربة " كامبون" كبيرة ملأى بالبضائع والصناديق وحولها عدد كبير من الناس , ينقلون ما عليها إلى داخل مخزن يقع أمام بيت " أم نعناعة " جارتى ... وقالت لى - وهي لا تعرف أنك زوج ابنتى – هذا مخزن المشير عبد الحكيم عامر .. يهربون البضاعة ويحضرونها هنا لتخزينها ثم يبيعوها ... فسألتها :

هل جاءوا قبل ذلك أيضا ؟

قالت جارتى :" منذ عدة شهور وهم على هذه الحال . المشير بيتاجر ويستغل مركزه ... من يستطيع أن يقول له " تلت التلاتة كام"!!

اعتدل عامر فى جلسته وسألها باهتمام:

هل معك العنوان ؟

طبعا .

وفى الحال أمسك عامر التليفون , وطلب رقما ثم روى حكاية والدتي في التليفون .. وسمعته يقول :" أريد مراقبة دقيقة ... وأن يضبط الجميع فى حالة تلبس.. كما أريد أن أعرف من يشارك الصيرفى, عليك بالتحري وأريد النتيجة غدا ".

أنهى عامر المكالمة ثم التفت إلىّ قائلا وهو يبتسم :" ماما .. تأتي بأخبار لما تأت بها المباحث العامة ... وغدا سوف نعرف النتيجة, وفي هذه الحالة سوف تكون لك مكافأة قانونية ".

قالت والدتي:

مكافأتي أن أكون سعيدة .. عندما يعلم أهل الدرب الأحمر أنك برئ من هذا الموضوع ... ضحك عامر قائلا...

- لا تصدقي أى سوء عني يا ماما ... فأنا أخاف الله ..

هذه القصة بدأت أمام عيني فى بيتي بالهرم , وبالفعل علمت بعمل كمين , وضبط المتهمين , وكانا الصيرفى وعبد المنعم أبو زيد , ودهشت لهذا الذي ظننته معدما .. وكنت أمده بالعون بين حين وآخر يمكن أن يكون شريكا للصيرفي!!

بعد القبض عليهما بأسابيع جاءتني سهير فخري – زوجة كامل حسن – مذعورة وأخبرتني أن عبد المنعم أبو زيد قبض عليه .

لم أكن أعرف ما بينهما من معرفة لذا حكيت لها ما حدق , بداية من كلام والدتي حتى القبض عليهم متلبسين , وقلت لها إن عبد المنعم أبو زيد كان يسرق الأوراق من مكتب المشير ويدون فيها طلبات على أنها من مكتب المشير , باعتبارها من مستلزمات الاستراحات , ثم يضعها بين الأوراق المقدمة لعلي شفيق فيوقع عليها وهو لا يدرى وأنهيت كلامى لها بقولى : نحن نعيش هنا كمصريين شرفاء .. بينما هو يسئ إلى طهارة المشير وإلي سمعته وانصرفت سهير ولم أرها بعد ذلك قط..

وفاء رغم السياسة

رأى الناس عبد الحكيم عامر , في إطار السياسة والعسكرية , ولا أدرى القدر الذى أتيح لهم رؤيته فى إطار إنساني , وهو من وجهة نظرى كان الإطار الحقيقي المتوافق مع الإنسانية والوفاء للأصدقاء والوقوف غلى جانب الحق كلها صفات كان عامر يقدمها على العمل السياسي إذا صادف فيه قسوة أو غدرا , أو ظلما .

ولم يكن القهر مقصورا على عامة الناس , بل أنه أصاب حتى أعضاء مجلس قيادة الثورة .. وقد وقف عبد الحكيم إلى جانب الحق والصداقة بالنسبة لزملائه , الذين وقع بينهم وبين جمال عبد الناصر خلاف , وإليكم عدد من المواقف الإنسانية .

صلاح سالم

عندما توفى المرحوم صلاح سالم رفض عبد الناصر أن يذهب ليعزى أسرته... ورفض أيضا السير فى جنازته , لأنه على حد قوله لا يمثل السلطة الآن ... فهو رجل مدنى عادي.

ثار المشير على عبد الناصر , وقال: إن هذا الرأي فى منتهي القسوة إلى زميل لنا في الثورة .. وشريك لنا فى الكفاح وقال له :

- أوعى ما تروحش الجنازة ... دى تبقى مصيبة والناس تلعنا .. الراجل مات ... عايز منه إيه تانى ؟

ورد ناصر على عامر : أنا عاوزك أنت كمان ما تروحش تمشى فى الجنازة !!

ولكن المشير رد : سأذهب .. وليس هذا فقط ... بل سأقف مع أسرته .. أتلقى العزاء طول الليل حتى لو على رقبتى .

وتركه وذهب إلى منزله بالحلمية ليغير ملابسه .. وهو غاضب على ما وصل إليه الرئيس من قسوة . دق جرس التليفون , وكان المتحدث عبد الناصر وقال :

- استناني يا حكيم ... أنا جاى معاك .. وفعلا ذهبا معا للعزاء وفى المأتم همس المشير فى أذن الرئيس:

- إيه رأيك بقى ؟... شوف فرحة أولاد صلاح بينا , خففت من مصيبة موته , وشوف وجودنا أسعد الأسرة قد إيه؟!

وقال ناصر : عندك حق .. كنت سأندم لو ما جيتش .

ورفض الرئيس الذهاب للجنازة يعتبر تصرفا بسيطا بالنسبة لما كان يفعله مع أولاد صلاح سالم, فقد أراد ناصر أن ينكل بأولاده فسحب منهم العربات ليرغمهم على ركوب الأتوبيس .. وأوقف مخصصاتهم , حتى يلهثوا وراء لقمة العيش ... ولكن المشير وقف أمام جميع هذه الأوامر وأعاد إليهم جميع حقوقهم .. وكان يطمئن عليهم بنفسه ويشرف على تنفيذ مطالبهم .

وليس هذا أمرا عارضا من المشير ولكنها أخلاقياته مع الجميع , فحين يغضب عبد الناصر على أحد كان معني ذلك .. أن الدنيا قد غضبت على هذا الشخص ..

وكما قال لي عامر : إن هذه التصرفات قد سببت كثيرا من الخلاف بينهما وكان مما حكاه عامر لى :

في أوائل الثورة عندما أحس ناصر أن جمال سالم يعارضه كثيرا ... تخلص منه ولم يكفه ذلك بل أراد أن ينكل به ليكون عبرة لغيره من أعضاء مجلس الثورة ولمن يريد أن يقف أمامه , فبعد أن جرده من كل مناصبه , سحب كل مخصصاته ليكون بلا أجنحة فى الحياة حتى العربة التى كان يركبها سحبها منه .

وشكا جمال سالم للمشير الذي تدخل وأعاد له البعض منها بعد محاولات مع الرئيس ناصر وصلت إلى حد المشاحنة .

وكان المشير يزوره دائما خاصة أنه لازم الفراش مدة طويلة ... وكان يرسل له الأطباء ويعالجه فى المستشفيات العسكرية .. نظرا لظروفه المادية السيئة التى وضعه فيها عبد الناصر .. وظل المشير يزوره حتى بعد الهزيمة وبعد التنحى عام 1967.

على نجيب

ولم تله ظروف الهزيمة المشير عن القيام بواجبه نحو صديقه وزميله عضو مجلس قيادة الثورة أيضا اللواء على نجيب ... وهو شقيق الرئيس السابق محمد نجيب .. فقد وقف المشير إلى جانبه حينما مرض ودخل المستشفى فى الوقت الذي كان محمد نجيب محددة إقامته والعداوة بينه وبين عبد الناصر ضارية . والأمثلة كثيرة على أصالة المصري عامر وإنسانيته , وإحساسه بالغير .. فالناس لم تكن عنده أسماء على ورق – كما قالها عامر فى استقالته – كما كان يفعل عبد الناصر .

فى بداية الثورة أقدم عبد الناصر على التخلص من عبد المنعم أمين لأنه أقدم منه .. ورغم دوره البارز فى الثورة فلم يشفع له ذلك ... وسلط عليه أجهزته للتشهير بزوجته الفاضلة وبه ... ووجد عبد المنعم أمين نفسه قد جرد من كل مناصبه وسحبت منه العربة التى يركبها هو وعائلته .. وعلم المشير بذلك فأرسل له عربته المخصصة له من رئاسة الجمهورية .. ولم يكن لديه غيرها .. واعتبر عبد الناصر هذا التصرف تحديا له من المشير ولكن الأخير قال له :" أرجوك اقبلني كما أنا فلن أتغيّر".

وظل الاتصال قائما بين اللواء عبد المنعم أمين ,والمشير ولم تتغير علاقتهما .. بل إن المشير أقنع عبد الناصر بزيارة عبد المنعم وكان هذا داعيا لباقى أعضاء مجلس قيادة الثورة لزيارته اقتداء بالرئيس وكان المشير يخبرنى أحيانا بأنه سيتأخر فى العودة , لأنه سيزور صديقه عبد المنعم ... فإذا عاد بدأ يحكى لى عن الزيارة , وكيف أن صديقه إنسان مثقف , ذكى وزوجته سيدة فاضلة , وهما على مستوى عال من الخلق , وانه استمتع بالسهر عنده .

يوسف صديق

وعندما نكل جمال عبد الناصر بالمرحوم يوسف صديق, وكان عضوا بارزا من أعضاء مجلس الثورة .. الأمر الذي عليه - رحمه الله – فمرض وطلب أن يدخل مستشفى لعلاجه على نفقة الدولة .. ولكن عبد الناصر رفض .. رغم أن هذا حق لأى ضابط صغير .


واتصل المرحوم يوسف صديق بعبد الحكيم عامر , وشكا له فأمر المشير على الفور بإدخاله المستشفى ,وعمل كل الترتيبات اللازمة بما يليق بعضو مجلس قيادة الثورة ووقف المشير إلى جواره ورغم ضغط ناصر واتهامه بأنه يتحداه بهذه الأعمال.

أنور السادات

كانت بين عبد الحكيم عامر , وأنور السادات مودة حميمة , لم تفلح أعاصير السياسة فى اقتلاع جذورها ... ولم يفتر اهتمام المشير بصديقه أنور قط طوال فترة بينه وبين عبد الناصر – وكانت كثيرة – وهناك مواقف لم يجد أنور من يجرؤ على مناصرته سوى عبد الحكيم عامر . نذكر منها الآتى :

فى عام 1963 أراد أنور السادات أن يقدم استقالته فذهب المشير ليطلب منه أن يقنع جمال عبد الناصر بقبول الاستقالة لأنه – أى السادات – يريد أن يعيش فى ميت أبو الكوم"وطبعا لم تكن المشكلة فى تقديم الاستقالة , وإنما كانت من خوف أنور السادات من أن يبطش به جمال عبد الناصر !!

وقد قام المشير بهذه الوساطة فعلا , بل رشح أنور السادات لرئاسة مجلس الشعب فى العام التالي " على ما أذكر ". ومن الطريف أن أنور السادات , كان يملك فى أوائل الثورة , عربة كاديلاك مستهلكة , تقف به أحيانا فى الطريق وهو ذاهب لمجلس الشعب !! ... ,ولا تسير إلا" بالزق" ولم يرض عبد الحكيم عامر , للصديق , ورفيق الكفاح أنور السادات ذلك فأرسل له عربة " فيات 1800 – فرحمته من التعطيل و"الزق".

وإنى لأتذكر مرات عديدة كان عبد الحكيم يتأخر خلالها ساعة أو ساعتين عن موعد مجيئه و وفى ذات يوم سألته عن سبب التأخير فقال لى:

إن هذه الساعة قد أسعدت أسرة كاملة .. لقد كنت فى زيارة أنور السادات , وأنا أحرص على ذلك بين الحين والحين فأنت تعرفين أنه فى ظروف صعبة .

وكان المشير فى هذه الظروف يكثر من زيارة صديقه , ويداعب أطفاله ,ويحملهم على كتفيه , بل أنه كثيرا ما كان يصطحب معه أنور السادات فى سفرياته خارج البلاد رغم اعتراض عبد الناصر على ذلك , .... وكان هدف عامر هو رفع الروح المعنوية لأنور السادات وإشعاره بأنه يشارك فى الحكم كما شارك فى الثورة .

وهناك واقعة تجمع بين الطرافة والأسى , وقد حدثت هذه الواقعة فى برج العرب تعهد فيها المشير عامر وأنور السادات – كل منهما للأخر – بأنه إذا مات أحدهما مات أحدهم أو اغتيل فإن على الآخر أن يرعى أولاده , وقرأ الفاتحة على ذلك .

الفصل الرابع

قبل العاصفة

نحن الآن فى الزمن الواقع بين أغسطس 1966 ومنتصف سبتمبر 1967 ... وأنا لا أحكى ذكرياتي عن تلك الحقبة , لأقول الناس , إني كنت زوجة فلان , أو إني فعلت كذا وكذا , ليس هذا هو مقصدي البتة , لأن تلك المرحلة لم نكن فيها - المشير وأنا – سوى مصريين , انصهرا مع ملايين المصريين فى بوتقة الزمن الواقع بين أغسطس ويونيو من العام الذى يليه, في نار البوتقة انصهر المصريون وتحولوا إلى سبيكة واحدة , دامعة العينين , ذاهلة, مدهوشة ,ولسانها يهذى بأسئلة ماذا .... وماذا ... وكيف ؟

ولعلى أخص نفسي بأنى كنت أول المذهولين , قبل أن يشمل الناس الذهول الأكبر . ففى النصف الثانى من عام 1966 شعرت بالحمل , وربما كان هذا الشعور هو النسمة الندية فى هجير تلك الأيام , وقد شاركني عبد الحكيم سعادتى بهذا النبأ حين زففته إليه وتحت وطأة ذكريات الحمل السابقة , راح يحذرنى من بذل أى مجهود , ويدعوني إلى العناية بصحتي وربما كان هذا النبأ هو الشئ الوحيد الطيب و فى أيامه الأخيرة , الحافلة بالمؤامرات, والمكر, والخيانة ,والقتل.

ولم يمض سوى أسابيع , ونحن على هذا الحال , إلى أن كان يوما رن فيه جرس التليفون فرفعت السماعة لأجيب , فإذا بى أجد جمال عبد الناصر على الطرف الآخر .. وبتلقائية قلت له بعد الترحيب ... تريد حكيم؟... ها هو معك ولكنه قال بسرعة :"لا" أريد أن أكلمك أنت أولا".

لزمت الصمت المطبق , وأنا أستمع لما قاله لى , وأذكره هنا للقراء ما قال جمال عبد الناصر - أنا وافقت على الحمل ...فإذا كان المولود بنت حنأخذها منك ونربيها .. أما إذا جاء ولد راح نسيبه لك , ادينى حكيم .

أسلمت سماعة التليفون لعبد الحكيم ,وأنا أرتعد غضبا .. وبعد انتهاءالمكالمة, نظر عامر إلى وجهي متسائلا:

-" ماذا بك؟..." فسردت له ما قاله عبد الناصر , فصمت ولم يعقب , وبدا عليه الشرود لحظة , ولكني لم أسكت فقد ضايقني أن يناقش معى هذا الأمر رجل غريب غير زوجي, فقلت : لا أقبل هذه المعاملة ... فأنا أعرف كيف أربي أولادي أكثر من أي أم جاهلة !! كنت أتحدث بصوت مرتفع مما أغضب عامر فقال لى حدة:

- أنا لا أحب أن يعلو صوتك ... أنت فى عصمة رجل.

قلت والغضب يعميني:

- الرجل يقرر.. ولا يقرر له الآخرون .. خاصة إذا كان القرار ماسا بأموره الشخصية ثار عامر وصاح بي :

- تزوجتك .. وكان هذا قراري, وطلبت منك ابنا ... وكان هذا قراري .. ولكنك تقبعين هنا ولا تعرفين شيئا عن قذارة لعبة السياسة .

أعترفت له بأننى لست سياسية ,وكل ما أريده هو أن أحيا حياة طبيعية , واختتمت ثورتى بالبكاء .. أخذ عامر يهدئني ,ويواسيني ثم قال :" اتركي هذا الأمر لي , فأنا كفيل به".

وإلى هنا ...لا أدري على وجه التحديد كم مرت بحياتي أحداث غريبة , لا أعرف لها تفسيرا حتى هذه اللحظة .. أحداث كأنها حلم امتد شهورا , وكأنما هذه المكالمة كانت إيذانا بهبوب رياح من الدخان تحمل أشباحا .. وفى هذا الدخان , لا أذكر سوى ومضات من الرؤى.

أصبحت أتنقل من مكان إلى مكان , وفى صحبة أناس لا أعرفهم , ويخيل إلىّ أننى أقمت خلال هذه الأشهر فى عشرة أمكنة متفرقة فى جميع أنحاء القاهرة .

أذكر منها الآن مكانا غريبا .. كان بناء قديما ضخما واقتادوني إلى البدروم .. وأدخلوني حجرة واسعة ,ملحق بها دورة مياه.. ثم أغلق علىّ الباب .

كان هناك من يأتيني بالطعام والشراب والدواء .. يقدمه لى ,ويطمئن على أحوالي ثم ينصرف مغلقا الباب خلفه .

وفى ذات يوم سمعت صوت امرأة يصيح من الخارج بصوت عال :

- انتي يا ست باللي جوه

فأجبت صاحبة الصوت الذى لا أدرى من أين يجئ لعلها ساكنة من ساكنات هذا البناء الحجري القديم الكبير .. أجبتها :

عايزة إيه؟!

- بتعملى إيه عندك؟

- قاعدة....

- طيب قاعدة لوحدك ليه كده؟

- همه جابونى هنا ...

- همه مين ؟

- ما أعرفش.

-طيب ما تفتحي !!

- ما أقدرش ..

- انتى متجوزة ؟

- أيوه ..

- طب والراجل اللى بيبجى لك ده جوزك .. واللا يبقي مين؟

- لا مش جوزي .

ولم أر تلك المرأة ولا أعرف من هى , كما أنى لا أعرف أين يقع هذا المكان ؟ وبعد بضعة أيام أخذوني من هذه الحجرة وأسكنوني بيتا فى الزمالك ... فيلا تقع فى شارع " أحمد حشمت" فقد رأيت اسم الشارع وأنا فى العربة .

فى هذا البيت الذي مكثت فيه حوالي الشهر زارني المشير كما زارني عباس رضوان وصلاح نصر .

ومن مكان إلى مكان ظلوا ينتقلون بى, إلى أن استقر بى المقام قبل الوضع بشهرين فى فيلا بشارع الميرغني بمصر الجديدة , وهي ملك لطبيب من أقرباء اللواء عصام خليل وكانوا يأتون بوالدتي أحيانا لزياراتي .

كانت الطبيبة التي تباشرني أثناء الحمل هي الدكتورة إيزيس خليل شقيقة اللواء عصام خليل.

وفى هذه الفيلا اعتاد المشير أن يزروني بين وقت وآخر , وكان أحيانا يلتقط لى صورا فوتوغرافية وأنا حامل ,ولما كنت لا أخرج , فإن الدكتورة ايزيس كانت تصر على أن أتمشى داخل البيت .

إلى أن جاءت ساعة الوضع وتصادف أن اتصل المشير تليفونيا فأخبرته الدكتور ايزيس بأن وقت الوضع قد حان , فأخذ يتابع عملية الوضع بالتليفون كل ربع ساعة .

وقد حدث الوضع فى أثناء إحدى مكالماته , وقالت له الدكتور إيزيس :" مبروك جالك ولد".

ولم يمضى وقت طويل حتى كان المشير بيننا وحمل ولده عمرو وهو سعيد غاية السعادة ثم أرقده على السرير وأخرج بطارية رفيعة , أضاءها ونظر بها فى عيني الطفل وفى أذنيه و بل راح يفحص كل بقعة فى جسده , وصاح عندما رأى " الوحمة" فى فخذ عمرو الشمال :" الله دى الوحمة بتاعتى " ثم يقول لى :" اهه شوفى "! وكان يعلق أثناء فحصه لعمرو " العينين دول عينيا"- الودان دى ماركة مسجلة فى العيلة . دا فيه ملامح من أبى " وهكذا ...

وفى تلك الاثناء دخلت والدتى , ولما رأته يسلط ضوء البطارية إلى عينى عمرو قالت له مستنكرة :" لماذا تفعل ذلك .. إنه حرام .. لا يصح أن تضع الضوء فى عينيه هكذا . فقد يضر بصره ".

واستمع عبد الحكيم إلى كلامها , فأطفأ البطارية ثم حمله قليلا , وهو فى ظاهر السعادة والسرور ..وقد أقمنا السبوع احتفالا بالمولود الجديد .

وقد أقام السبوع عدد من النساء يتألف منى ومن زوجة اللواء عصام خليل وبناتها السبع , والدكتورة ايزيس خليل , ووالدتى وإخوتى .

ثم انتقلنا إلى منزلى بالهرم – لأول مرة منذ شهور – وواصلنا هناك احتفلنا , وانضم إلينا المشير وصلاح نصر وعباس رضوان وعصام خليل , واثنان من حرس المشير هما متولى وأبو المعاطى.

وبهذه المناسبة قدم جمال عبد الناصر هدية لعمرو , وكانت " ما شاء الله " بيضاوية الشكل ها إطار من ذهب يحيط بلوح صغير أخضر كتبت عليه " ما شاء الله " وكنت أعلقها فى عربة عمرو.

أما صلاح نصر , فقد قدم لى ميدالية ذهبية على هيئة مصحف وأرسل أنور السادات قطعة موبيليا بها راديو, وجهاز تسجيل , وبيك أب ,وهى ماركة " سابا" وجدتها فى الصالون عند عودتى إلى البيت, وكانت تنبعث منها الموسيقى .

وعدت إلى الحياة الطبيعية فى منزلي بالهرم وخرجت من هذه الدوامة التي لم افهم أسبابها . ولكن بعد الخروج ببضعة أسابيع انتاب الحياة العامة نوع من الحمى ... ففى أوائل شهر مايو من عام 1967 بدأ الحديث فى الصحف ووكالات الأنباء عن حشود إسرائيلية على الحدود السورية .

بيتي والخراب

عندما يعلو نذير الحرب , فإن أوضاعا اجتماعية وأسرية تتغير , ويشمل الارتباك أنماط الحياة المعتادة وأكثر الناس عرضة لهذا التغيير هم العسكريون وأسرهم .

وأسرتي الصغيرة التى كانت مؤلفة مني , ومن عامر ومن عمرو ولدنا , قد بدأت تتأثر بحديث الحرب , فإذا بي – أنا الزوجة الآمنة – أتعرض وزوجي وولدي لهزات عنيفة أعقبتها عاصفة اقتلعت أسرتنا اقتلاعا .

والعاصفة التى دمرت بنيان حياتنا كانت – ككل العواصف – تتجمع قواها فى الفضاء الخارجي .. وكان الفضاء الخارجي بالنسبة لى هو أجواء السياسة العالمية والمحلية التى اختلطت فيها قوى الغرب والشرق وقوى مصر وإسرائيل ومراكز القوى فى مصر .

ولأن هذه العناصر التى ضربتنا , قد تصاعدت وتفاعلت بعيدا عن مجال رؤيتي وتجربتي ولأنها كانت المقدمة – والمؤشر – لما أصاب عبد الحكيم عامر , كان من الضروري وضعها أمام أعين القراء .

وتدفعنى العاطفة إلى تقديم صورة لا تبرح خيالي كلما استعدت ذكرياتي مع عبد الحكيم هى صورة أب يحتضن ابنه الرضيع , ويبدى قوة فى الاحتضان, وينفق وقتا أطول , ذلك الأب كان عبد الحكيم والابن عمرو عبد الحكيم .

ثم يرفع ابنه أمام عينيه وينظر مليا ويقول :" يا ترى راح أعيش لغاية ما أشوفك راجل ".

وكنت أدهش لكلامه فأسأله :" لماذا تقوم هذا الكلام ؟ فيكون جوابه – الذي اعتدت سماعه منه -" أنا دوري ينتهي بعد الحرب مع إسرائيل " ولا أعرف لماذا كانت تسيطر عليه هذه الفكرة."

ومن المواقف التى قال فيها هذه العبارة موقفه يوم حكاية القنبلة التى أشيع أنها فى قطار عبد الناصر, والتى سبق ذكرها فى هذا الكتاب فقد قال لى بعد عودته من السفر عندما قلت له :" ألا تخاف من ركوب قطار من المحتل أن تكون فيه قنبلة "؟ فكان جوابه " لا تخافي .. فدوري لن ينتهي إلا بعد نهاية الحرب مع إسرائيل"!!

أروى هذه القصة , لدهشتي الشديدة , حينما كان يقولها قبل حرب 1967 , ولدهشتى الأشد بعد هذه الحرب , وللقارئ أن يكذب القصة أو يصدقها وكان لى أيضا أن أرويها أو لا أرويها , فهي ليست مؤثرة فى سير الأحداث ولا تقوم – ولا تصلح – دليلا على موته منتحرا أو مقتولا.

إنما هي ذكريات قلب جريح , ألحت على الخيال , وأنا أكتب , فلم أجد مناصا من وضعها على الورق .

ونعود للعاصفة فنتحدث عن عناصرها التي تجمعت خارج بيتي ثم هدمته .

إن تلك العاصفة تكونت من ثلاثة عناصر رئيسية هى : الهزيمة , التنحي, الموت.

الهــــزيمة

من منا لم تعصف به هزيمة يونيو عام 1967 , وأثارت فى عقله التساؤلات والشكوك والمخاوف .

ولا شك أن الهزيمة كانت نتيجة ... ولما كان المنطق يقتضى أن تأتي النتائج وفق المقدمات فغن من الهام جدا أن نلقي نظرة على هذه المقدمات .

إن القدر قد اختار أن تكتب هذه المقدمات على ظهر صفحة حرب اليمن و أما وجه الصفحة فإنه يقول : إن الجيش المصري كان يعانى إرهاقا ونقصا فى الأسلحة والعتاد بل ونقصا فى الجنود أيضا و إذا كانت ثلاث فرق كاملة من أحسن فرق الجيش المصري تقاتل فى اليمن – وهى كما قيل تمثل خمسين فى المائة من الجيش – فإذا أضفنا إلى ذلك تخفيض ميزانية الدفاع عام ( 19661967) لأدركنا حالة الجيش السيئة الذى فرضت عليه هذه الحرب.

ومما زاد حالة الجيش سوءا , هو تلك} السوفيت فى إرسال ما طلبته مصر من قطع غيار للأسلحة بالإضافة لأسلحة التى وصل بضعها .. وكلما ألّحت مصر فى طلب هذه المعدات ... والتى كان متفقا عليها – ألح السوفييت فى طلب الامتيازات والممثلة فى رغبتهم فى إقامة قاعدة بحرية وتسهيلات لخدمة الأسطول الروسي وإقامة محطة للإنذار المبكر يديرها الروس على الأراضي المصرية .

وكان عبد الحكيم عامر والقادرة الوطنيون يعارضون هذه المحاولات الروسية وقد سمعت المشير يقول ذات مرة :" لقد كافحنا طويلا للتخلص من الاستعمار البريطاني فهل تقبل الآن استعمارا روسيا يأتى على أيدينا !"

ويجدر بنا هنا أن نشير إلى أن مصر كانت قد وضعت مشروعا فى أوائل الستينات بهدف إلى تصنيع السلاح محليا , وقد شرعت فيه فعلا و وأسندت إلى اللواء عصام خليل مهمة الإشراف عليه, وقد نجح باتصالاته فى استقطاب العلماء الألمان وكاد المشروع ينجح لولا أن الروس غضبوا وهددوا بأن الاستمرار فى هذا المشروع يعنى الامتناع نهائيا عن تزويد مصر بأى سلاح وخيرت مصر بين خيارين :" إما تسليح الجيش تسليحا كاملا روسيا وإما الاستمرار فى مشروع صناعة الأسلحة محليا "... وقد وجدت مصر نفسها مضطرة للتخلي عن هذا المشروع بل وإغلاق ما تم إنشاؤه منها .

ولما كان الشئ بالشئ يذكر فإن مشروع الصواريخ المصري –القاهرة والظافر – قد لقى نفس المصير ولكن بصورة أخرى .. فقد تعقب رجال المخابرات الإسرائيلية العلماء الألمان الذين يعملون فى هذا البرنامج وقتلت منهم من قتلت ,وهددت الآخرين بالقتل ... واستمروا .. لكن الروس أصروا على قفل المشروع أيضا .

ونعود إلى الجدل الدائر بين مصر والروس حول طلبات الأسلحة , ففى قلب المناورات والمماطلات و فاجأنا الروس بنبأ " الحشود الإسرائيلية " على حدود سوريا وقد اقترح على جمال إرسال وفد للتأكد مما قاله له الروس , وبالفعل أبلغ المشير الفريق صدقى محمود بأن الرئيس يريد منه الذهاب إلى سوريا للتأكد من وجود حشود إسرائيلية على حدودها .

وذهب الفريق صدقى , وتأكد بنفسه على الطبيعة من عدم وجود حشود كما ادعى الروس !! وفور عودته قدم تقريرا عما رآه من نسختين واحدة للرئيس جمال والنسخة الأخرى للمشير عامر كما جرى العرف .. وطلب من الرئيس جمال عبد الناصر ألاّ يستجيب إلى استفزاز الدعاية السعودية والأردنية , التى تشنع أن عبد الناصر " يتحامى" فى قوات الطوارئ الدولية , لأن قواتنا ليست على استعداد للدخول فى حرب شاملة مع إسرائيل فى هذا الوقت , وذكر فى التقرير أنه فى حالة استجابة الروس لاحتياجات الجيش وخصوصا القوات الجوية , فإن هذه القوات ستكون عام 1970 فى موقف يمكنها من مواجهة إسرائيل .

والغريب أن الروس أصروا – رغم تقرير صدقي محمود قائد القوات الجوية – على آن هناك حشودا إسرائيلية على الحدود السورية وقالوا إن البحرية السوفيتية التقطت إشارات تفيد بذلك .

فى هذه الاثناء بدأ " ليفى اشكول" – رئيس وزراء إسرائيل – يهدد وينذر, وبدأ العرب يهددون وينذرون ... أسفر هذا التهديد المتبادل عن قرار جمال عبد الناصر بسحب قوات الطوارئ الدولية من شرم الشيخ , وإغلاق مضيق العقبة فى وجه الملاحة الإسرائيلية.. ونشير هنا إلى ما كان معروفا من نقاط اعتبرتها إسرائيل من دواعي الحرب .. وهى خمس نقاط إحداها: إغلاق خليج العقبة فى وجه الملاحة الإسرائيلية .

إذن كان القرار الذى اتخذه عبد الناصر , بإغلاق المضيق كان يعنى الحرب بالضرورة ولذا فإن قوله بعد الهزيمة انه لم يكن يتوقع حربا قول فيه نظر !!

سحبت قوات الطوارئ إلينا مرة أخرى و يدعوننا " بضبط النفس" وأصبح لزاما على مصر التي غضبت وتحمست وتأهبت وخططت أصبح لزاما عليها أن " تضبط النفس وبسبب ذلك وقع خلاف بين ناصر وعامر .

وقد صارت مراحل الخلاف منذ بداية الحديث عن مراحل الحرب حتى وقوع الهزيمة على النحو التالي :

كان قرار سحب الطوارئ , قرارا سياسيا و يستلزم تنفيذه قرارا عسكريا و فكان أن أصدر عبد الحكيم عامر أمر القتال رقم 1 وفيه تحدد الهجوم يوم 28 مايو 1967.

وفى نفس اليوم الذي صدر فيه القرار , تسلمت القاهرة رسالة من الرئيس جونسون يناشدنا فيها بضبط النفس , وتوضح رغبة الولايات المتحدة فى ألا تعرقل مصر مساعيها لتحقيق السلام فى المنطقة , وأكد الروس نفس الرغبة لجمال عبد الناصر كما أن فرنسا أعلنت أنها لن تكون مع البادئ بالحرب ولذلك قرر جمال عبد الناصر الاتصال بعبد الحكيم عامر تليفونيا وأصر على إلغاء قرار القتال رقم ( 1).

ولما أعترض عبد الحكيم عامر قائلا :" إن الانتظار هزيمة للجيش المصري قبل أن تبدأ الحرب " قال جمال : هذا قرار سياسي وعليك تنفيذه , وبهذا ألغى القرار رقم ( واحد)

والذي كان يهدف إلى تنفيذ الخطة " فهد" وهي تقضي بتوجيه ضربة " إجهاض " إلي مطارات إسرائيل العسكرية ومواقع هامة .

وكان المشير عاكفا على دراسة ما يجب عمله فى مكتبه ,وحوله قادة الجيش الفريق صدقى محمود , الفريق أنور القاضي , والوزير شمس بدران , وأحمد أبو نار وآخرون.

ويروي الفريق صدقي محمود قائد القوات الجوية قصة هذا الاجتماع قائلا:" طلبني المشير حول مائدة الاجتماعات حيث دخل علينا جمال عبد الناصر فجأة وكان واضحا أن المشير فوجئ بزيارته فقال :" الله .. مش تقول انك جاي يا ريس ... علشان نستعد"!

ورد عليه جمال عبد الناصر بقوله :" أصلى بقالي يومين ماشفتكش وقلت أعدى أشوفك" وجلس الرئيس ثم سألا بشكل عفوي عن موعد وصول القوات العراقية إلى الجبهة الأردنية فقال له اللواء صادق :" على ما أذكر خلال يومين أو ثلاثة.."

فقال جمال عبد الناصر معلقا " لو اليومين دول عدّو يبقى نفدنا بجلدنا "

وفى هذا الاجتماع طلب المشير أن تبدأ مصر بالضربة الأولى وحدد لها يوم 28 مايو لكن جمال عبد الناصر رفض هذا الرأي واقترح أن ننتظر ونتلقى الضربة الأولى , ثم نبدأ نحن بالضربة الثانية !! فرد عليه الفريق صدقي محمود ثائرا :" إيه اللى أنت بتقوله ده .. دى تكسحنا ,... ولن تستطيع الطيران النهوض تكملة الحرب .. وسيحارب الجيش مكشوفا بلا غطاء جوى ".

وقد برر ذلك عبد الناصر بقوله فى هذا الاجتماع :" لنترك إسرائيل تقع فى خطأ العدوان " وتبدأ هى المعركة ثم نرد عليها... وواصل جمال قوله :" أن تقرير الروس عندي بيقول لو انتظرنا الضربة الأولى من إسرائيل ستكون الخسارة 20% فقط ودى محتملة".

وسأله عبد الحكيم عامر : " وما يضمن أن إسرائيل ستكون وحدها ؟"!

وعلق صدقي بقوله :" حتى إذا أخذنا بتقرير الروس .. أى 20% خسائر – إذا كانت إسرائيل وحدها ... ولو تدخلت الدول الكبرى فالخسائر حاتوصل 90%".

رد جمال عبد الناصر :" إمال التقرير اللي عندي بيقول إن الخسائر حاتكون 20% فقط" رد صدقى :" مش أنا اللى مقدمه .. الروس هم اللي مقدمينه".

وهمس جمال للمشير :" ماتشوف حكاية صدقي ... وتفهمه الموضوع".

فقال المشير لصدقي :" قصد الريس ننتظر الضربة أولى من اليهود , وإلا حنحارب الأمريكان ؟" ثم وقف جمال على الخريطة , وبدأ فى تغيير مواقع الفرق بنفسه ,واعترض المشير بقوله " ده تغيير جذرى فى الخطة اللى بيشتغل فيها أجيال من سنة 1956".

وأبدى عبد الناصر اهتماما بالدفاع عن غزة وأصر على تغيير مواقف الفرق ونقلها إلى أماكن أخرى ,واعترض المشير قائلا :" ده تغيير خطير وسيضعف خطوط دفاعنا ".

ورد ناصر :" إن الدفاع عن غزة مسالة حيوية سياسيا ودعائيا , فماذا سيقول عني العرب وأنا الذي أعدهم أن أرد لهم فلسطين , فتسقط غزة والعريش ؟

وغضب عبد الناصر من رفض عامر للتغييرات الجذرية فى الخطة التي أمر بها ناصر وانصرف ثائرا حتى أنه نسي " الكاب" فجرى خلفه شمس بدران ومعه الكاب , ورافقه فى الطريق إلى منزله محاولا تهدئته.

وعندما رجع عامر , حاول تهدئته ,وإصلاح ذات البين , وبعد حوالى الساعة اتصل ناصر بعامر وبعد مناقشة, قال عامر :" حاضر حا أنفذ التغيير!!"

وكانت المخابرات العامة برئاسة صلاح نصر قدمت آخر تقرير لها إلى جمال عبد الناصر وفى هذا التقرير أشارت إلى أنه ليس من المستبعد أن تكون كل من الولايات المتحدة وإسرائيل قد توصلتا إلى اتفاق على قيام إسرائيل منفردة أو مشتركة بعمليات عسكرية موجهة إلى الجمهورية العربية المتحدة. وفى 2 يونيو قدمت المخابرات العامة تقريرا حددت فيه – عن طريق مصادرها – أن إسرائيل ستقوم بضربتها الأولى فى مدى 48 ساعة وإن هذا الموعد مناسب لإسرائيل لأنه يسبق وصول القوات العراقية إلى الأردن وتمركزها هناك .

وكانت المخابرات العامة قد قدمت من قبل ذلك – فى النصف الثانى من مايو – إن الأحزاب إسرائيلية وكذلك الحكومة , تربط بين الملاحة وسيادة إسرائيل ومكانتها ويعتبر هذا بمثابة اعتداء على حقوق إسرائيل والشعوب الأخرى ,وإن إسرائيل تعتزم بإصرار تأمين حرية الملاحة فى الخليج , ولذلك كانت الصورة أمام القيادة السياسية فى وقت مبكر وجدية إسرائيل وعزمها على تأمين حرية الملاحة فى خليج العقبة باستخدام القوة .

وعندما زار جمال عبد الناصر , ومعه المشير عبد الحكيم عامر قاعدة أنشاص الجوية , سأل بعض الطيارين جمال عبد الناصر :" امتى حنحارب يا ريس ؟" ابتسم جمال قائلا :" مش حنحارب"!!!

أصاب الطيارين الإحباط وسرت بينهم همهمة , واعتراضات , وأحس المشير بغضب الطيارين , الذين بدوا لعينيه كمن قيدوا بالحبال ليقتلوا , ولذلك تلكأ عامر إلى أن انصرف ناصر , فقال عامر للطيارين :" ما تخافوش يا أولاد , احنا راح نحارب , استعدوا لغاية مايجيلكم أمر القتال", وسأل هيكل صدقى محمود :" هل حقيقي حانخسر 80% لو انتظرنا الضربة الأولي"قال له صدقى :" على أقل تقدير " فصاح هيكل " يا نهار اسود ... والراجل ( يقصد جمال عبد الناصر) عامل حسابه على أنكم مش حاتخسروا أكثر من 20 %".

والتفت إلى المشير عامر قائلا :" ما تكلم صاحبك – يقصد جمال - يرجع عن الكلام اللي فى دماغه ده" وفى هذه الأيام سادت البلبلة والقلق نفوس القادة والجيش وأحس بعض الطيارين باحتمالات عدم القيام بالضربة الأولى , وانتظار المبادأة من قبل إسرائيل, التي كانت فى تلك الأثناء تتوعد وتهدد وكان عبد الحكيم عامر عارفا بما يسود الجيش من مشاعر الترقب والتحفز للقتال , وفى محاولة منه لتهدئة المقاتلين أشار على جمال بزيارة مطار " أبو صوير".

وقام الرئيس ومعه المشير بهذه الزيارة , وهناك تحدث عن احتمالات الحرب والسلام وأنه من الممكن أن تحل الأزمة سلميا.

وكانت هذه القاعدة تضم عددا من أكفأ الطيارين المقاتلين وكان بينهم - بخلاف القادة – تحسين زكى والد ويني ,والمليجي وأحمد فؤاد وكثيرون غيرهم .

وفى نهاية حديث ناصر ابدي بعض الطيارين رغبتهم فى الحوار مع الرئيس فأمر ناصر بإخراج الصحفيين ما عدا هيكل .

وسأل أحد الطيارين :" لماذا لا نمسك بزمام المبادأة بأيدينا ونبدأ بالضربة الأولى ؟"

ورد ناصر بسؤال :" وليه ما تردش بالضربة الثانية".

وثار آخر وقال :" من وجهة نظري كطيار .. إن من يمتلك السماء يمتلك الأرض "

وقال آخر :" يا ريس انتظارنا معناه الموت لنا..."

وأصر الطيارون على أن يكون البدء بالضربة الأولى من مصر خاصة أن الطائرات كلها على الأرض مكشوفة.

وإزاء إصرارهم وافق جمال عبد الناصر على البدء بالضربة الأولى , وتنفيذ خطة" فهد" التي وضعها المشير مع قواده بعد عدوان 56 واشترك فيها جيلان من القادة فى تدريبات الجنود وإعداد الأرض وقد طلب المشير من الرئيس أن تكون الموافقة كتابية لطمأنه الطيارين.

وقد وافق جمال عبد الناصر على كتابة الورقة وهى تفيد موافقته بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة بأن على القوات المسلحة المصرية أن تبدأ بالضربة الأولى وقد استلم هذا الأمر اللواء طيار إسماعيل لبيب رئيس عمليات الدفاع الجوى وفى اليوم التالي نشر هيكل فى الأهرام بأننا لن نبدأ بالحرب فثار الطيارون ومزقوا صحف الأهرام التي كانت بأيديهم. وفى مساء 3 يونيو كان هناك اتفاق بين المشير والفريق صدقي محمود على الذهاب إلى الجبهة فى اليوم التالى الموافق 4 يونيو ولكنه فوجئ بمكالمة من الرئيس عبد الناصر يبلغه فيها أن السفير السوفيتي جاء منزعجا من أمر القتال الذي أصدره عبد الحكيم عامر ولكن جمال قال للسفير السوفيتي أن أمر القتال قد صدر ووزع على القيادات , وأنه – أى السفير – إذا كان يريد إلغاءه فعليه بالذهاب إلى عبد الحكيم عامر بمنزله بالجيزة.

وبالفعل حضر السفير إلى منزل المشير ورابط فيه حتى جاءت مكالمة تليفونية من جمال إلى عامر يطلب منه إلغاء أمر القتال و وأنبأه بأنه تلقى تأكيدا من واشنطن وموسكو بأن إسرائيل لن تبدأ العدوان ضد مصر والعرب .

ولذلك وجب علينا ضبط النفس , وبعد هذه المكالمة غادر السفير منزل المشير وتلقى المشير مكالمة من الرئيس فى ساعة متأخرة من الليل وطلب منه تأجيل سفره إلى اليوم التالي لأن وفدا عراقيا سيسافر معه . وقد اتصل المشير بالمطار يوم 4 يونيو ليعتذر للفريق صدقي محمود والذي كان ينتظر المشير فى المطار.

كان مقررا أن تقلع طائرة المشير فى الساعة الخامسة من فجر 5 يونيو – مع أول خيط من خيوط الضوء.

– ولكن فى اللحظة الأخيرة جاءت مكالمة من ناصر يطلب من المشير تأجيل الإقلاع إلى الساعة الثامنة

ساعة الصفر

فى تمام الثامنة من صباح 5 يونيو 67 كان جميع قواد الجيش المصري فى غير مواقعهم !!

في طائرة معلقة فوق سماء سيناء لا تجد لنفسها مطارا تستطيع النزول فيه كان المشير ومعه عدد من القادة , والباقون كانوا فى مطار " تمادا" ينتظرون النصف المعلق فى السماء .

فى هذه الساعة كانت طائرات إسرائيل تدمر جميع المطارات المصرية فى سيناء.

فى هذه الساعة كان يجرى تدمير الجيش المصري فى الصحراء وتشريد أفراده.

فى هذه الساعة كتب التاريخ أغرب هزيمة عرفها الإنسان .

والسؤال الذى يطرح نفسه هنا. " كيف آمن عبد الحكيم عامر – ومن معه – على أنفسهم فركبوا طائرة , وحلقوا بها في سماء الميدان ,وحديث الحرب يتردد ويتصاعد منذ أسابيع؟

إذا كان عبد الحكيم عامر فى نفسه ذرة من شك فى احتمال قيام إسرائيل بضربة ضد الجيش المصري فما نظنه كان يركب طائرته ,معه قواده والحرب وشيكة الوقوع وهو الرجل الذى تعرض للقتل مرات سابقة – كما ذكرنا فى هذا الكتاب فى باب " مصايد جوية وبرية".

إذن هو كان مطمئنا .. وهو الرجل الذي كان يصر علي أن تبادر مصر بتوجيه الضربة الأولى على مطارات إسرائيل وهو الذى اصدر أمر القتال رقم ( 1) محددا موعدا للهجوم بيوم ( 28) مايو ) ثم أمر القتال رقم (2) والذي حدد فيه الهجوم يوم (3) يونيو ,قد ألغى عبد الناصر هذين الأمرين , ومن أين أتى الاطمئنان إلى قلب عبد الحكيم – بعد الشك – وبعد محاولة البدء بالهجوم مرتين ؟!!

يتداعى إلى الذهن – بدون دعوة – تأكيد موسكو – المشفوع بالتهديد – على حتمية " ضبط النفس" يؤازره تحذير واشنطن لمصر , بعدم عرقلة مساعيها " للسلام" فى المنطقة وتدعو إلى " ضبط النفس" ولقد أصرت الدولتان الكبيرتان على ذلك – وقصة السفير الروسي معروفة – مع بذل الوعود والتأكيدات على أن إسرائيل لن تبدأ بالضربة الأولى إذن اطمأن رئيس الجمهورية و طمأن نائبة الأول وقائد جيوشه عبد الحكيم عامر فكان أن سعى ومعه القواد إلى حبسهم فى قفص معلق فى الفضاء حين بدأت المعركة!! وإلى هنا... فإن المنطق , والواقع يبرئان ساحة عبد الحكيم عامر من مسئولية إدارة المعركة التي وقعت وهو " غائب غيابا قهريا !!

إن هذا يدحض الزعم بأن جمال عبد الناصر أبلغ القادة بأن الهجوم سيقع 5 يونيه فقد كان من باب أولى أن يبلغه لقائده المسافر إلى الميدان .

إذا كان القائد العام غائبا فمن كان حاضرا ؟..

كان حاضرا القائد الأعلى للقوا ت المسلحة جمال عبد الناصر .

وكان حاضرا محمد فوزي يلي المشير بوصفه رئيس أركان القوات المسلحة والمسئول عن الإبلاغ والإنذار عن أى اختراق لمجالنا والإبلاغ والإنذار عن أي اختراق برى لمسرح العمليات التي يرأسها جمال ونائبه عامر . وصلاح محسن , قائد جيش الميدان .

هؤلاء كانوا مطلقي السراح والمعركة أمام أعينهم وكان عليهم قيادة المعركة وتوجيهها ولكن مركز قيادة الجبهة كان مغلقا فى ذلك اليوم !!

وهذا مسئولية محمد فوزي – الثاني بعد المشير – ورئيس هيئة أركان القوات المسلحة وبإغلاق مركز القيادة أصبحت حلقة الوصل بين القيادة العامة ومسرح العمليات مقطوعة وكما يقول اللواء الدغيدى : " إغلاق القيادة هو قطع رأس القيادات المسلحة وموت عقلها والإغلاق هو موت مركز عمليات الجبهة بل هو القبر بعد الحياة ".

فهو حوكم الفريق على أكبر جريمة فى كارثة 67 .

وبوجود المشير فى الجو بأمر من عبد الناصر, أصبح طبيعيا أن تكون المدفعية المضادة مقيدة لوجود طائرات صديقة فى الجو _ حسب التعبير العسكري – وفق القوانين الدولية وقد تلقت قيادة الجبهة صرختين للإنذار مبكرا الأولى جاءت من الهجوم على " أم بسيس" فى الخامسة والربع – حيث شوهد هجوم إسرائيل بالدبابات – ولم يتعرض لأي مقاومة جوية ومن هنا قررت إسرائيل ضربة جوية خاطفة .

ولو وصلت إشارة " أم بسيس" إلى عبد الحكيم عامر – الذى أقلعت طائرته فى الثامنة والنصف لكان لدى عبد الحكيم عامر عذر فى شن هجوم على إسرائيل باعتبارها بادئة بالعدوان .

ويقول اللواء عبد الحميد الدغيدي :" حتى الساعة السابعة وأنصف وكان من الممكن صد القوات الإسرائيلية لولا القادة الغائبون عن مسرح العمليات محمد فوزي وصلاح محسن !! وصرخة الإنذار الثانية " عنب" أطلقها عبد المنعم رياض من" عجلون" فور إقلاع الطائرات الإسرائيلية .. هذه الصرخة لم تصل !!!

إذن:

المشير مقيد في الطائرة .. ومركز القيادة بالجبهة مغلق ومفتاحه في جيب محمد فوزي . وقائد جيوش الجبهة صلاح محسن – غير موجود.

والتعليمات والأوامر لا تصل إلى القوات ولا إلى القيادة العامة.

وطائرات إسرائيل تهجم بكثافة وتعربد فوق مطارات سيناء ومصر .

والقوات البرية التي غير جمال عبد الناصر موقعها " التغيير الجذري باعتراف القادة في الخطة قبل يومين تعانى تشتتا , وأصبحت صيدا سهلا للطائرات المغيرة والدبابات المهاجمة.وفى مركز القيادة كان جمال عبد الناصر يدير المعركة وقد شاهد على الخريطة تدمير المطارات المصرية , وضرب القوات البرية فى سيناء وظل حتى انتهت الحرب ثم غادر المبنى إلى بيته .

هذه الصورة علق عليها اللواء الدغيدى بقوله :" لو كان أحسن الجيوش يقف فى نفس موقفنا لما تغيرت النتيجة".

وعلى هذه الصورة وقعت هزيمة 5 يونيو 1967.

بعدها خرج على الناس من يريد وضع المسئولية وناشر الشائعات : محمد فوزي, وسامي شرف المسئولان – الطلقاء – عن القيادة والتوجيه فى ذلك اليوم .

ويجد ر بى أن أذكر القارئ هنا , بأن سامي شرف هو منشئ التنظيم السري بالجيش الذى كان يرأسه داخل الجيش محمد فوزي والذي خلق في حياتنا ما يسمى بمراكز القوى .

وبعد أن هبط المشير وأخذ طريقه إلى القيادة كان أول ما فعله هو مطالبة الروس بسرعة إرسال طائرات لتعويض السلاح الجوى المصري عما فقده بالضربة الأولى , وأبدى الروس موافقتهم ووعدوا بإرسالها بأسرع وقت ولكن الطائرات لم تصل وعندما سألت مصر أجاب الروس بأن الطائرات كانت فى الطريق لولا يوغو سلافيا رفضت عبورها للمجال الجوى ليوغوسلافيا وقد اتضح كذب هذا الإدعاء .

وفى السابع من يونيو , استدعى عبد الحكيم السفير الروسي إلى مكتبه بالقيادة فلما جاء سأله عبد الحكيم :" لماذا لم تصل الطائرات التى قلتم أنها فى الطريق ؟" أجاب السفير :" لقد شرحنا ذلك وقلنا أن تيتو منع الطائرات من التحليق.."

وقاطعه المشير غاضبا :" أنت كاذب" ثم استطرد وقد استبد به الغضب تماما :" قلتم إن هناك حشودا .. ثم اتضح أنه لا توجد حشود ... وقلتم إن إسرائيل لن تبدأ بالحرب .. ثم بدأت إسرائيل بالحرب .. وقلتم أن تيتو منع الطائرات من عبور أجواء يوغو سلافيا ثم اتضح أنه لم يمنعها.."

قال السفير :" أنتم ترفضون إجابة طلباتنا .. لابد من موافقتكم على مطالب روسيا حتى نستطيع أن نقنع اللجنة المركزية بالموافقة على منحكم ما يحتاجه جيشكم"!!

صرخ المشير :" ماذا تعنى .. أتأتي الآن لتعرض علينا قبول طلباتك فهل تظن أننا قد غرقنا .. أننا لن نفرط فى شبر من أرض مصر .."

ولم يتمالك عبد الحكيم أعصابه , فطرد السفير وطارده حتى باب مكتبه أمام أعين الجميع ,شوهد السفير وهو يجرى مهرولا إلى آخر القاعة , وقد شهد هذه الواقعة على سبيل المثال لا الحصر : اللواء بحري محمود عبد الرحمن و مدير مكتب المشير للشئون البحرية وقائد القوات البحرية فى حرب أكتوبر 1973.

واتصل المشير بعد ذلك بجمال عبد الناصر وقال له :" جالك كلامي مش قلت لك إن الروس حايغرقونا .. أتفضل يا ريس , السفير الروسي كان عندي بيقول مش هانبعت طيارات إلا لما نوافق له على طلباته .. هوه إحنا طلعنا الإنجليز علشان ندخل الروس ؟!"

التنحى

يخطئ من يظن أن المؤامرة على مصر انتهت " بهزيمة الجيش" فما زالت منها فقرات لم تتم , وقد تمت فى غمرة الذهول الذي أصاب الناس جميعا وأضاف إليه جمال مزيدا من القلق عندما أعلن على الناس عزمه على التنحي .

وفى خضم الهياج , والاضطراب , تم حياكة باقي خيوط المؤامرة

كانت المؤامرة لا تهدف فقط إلى تدمير الجيش بل تهدف إلى احتواء مصر كلها ووضعها تحت الهيمنة السوفيتية .

لذا اتجهت المساعي – تؤازرها مراكز القوى – الامتلاك الحاكم نفسه .... ويؤكد هذا الاتجاه تصرفات السوفييت فى هذه الفترة على النحو الذي سوف أذكره فى حينه .

ولعل هذه الواقعة التي وقعت فى 7 يونيه تشير إلى استمرار المؤامرة التي لم تنته بنهاية 5 يونيه.

فى هذا اليوم أفلح اللواء صدقي الغول , فى العبور سالما بالفرقة الرابعة مدرعات والتى كان يطلق عليه " جوهر الجيش المصري " ووقف اللواء صدقي الغول أمام قائد جيش الميدان – صلاح محسن- ليعطى التمام , برجوع الفرقة المدرعة سالمة تماما .

وفيما هو واقف رن جرس التليفون على مكتب صلاح محسن , وفهم اللواء صدقي الغول أن المتكلم هو المشير عبد الحكيم عامر , وسمع صلاح محسن يقول : إن الفرقة الرابعة مدرعات – لم تصل !!

وبعد وضع السماعة قال له اللواء صدقي الغول :" كيف تقول إنى لم أصل .. وأنا واقف أمامك وبدّيك التمام؟" فرد عليه صلاح محسن بقوله " صدرت أوامر جديدة بعودة الفرقة إلى سيناء مرة أخرى " وعادت الفرقة فأبيدت عن آخرها!.

وبهذه المناسبة تحضرني كلمات قالها لي عبد الحكيم بعد الهزيمة وتركه مناصبه , قال: " أنا كنت بادي أوامر, وحد تانى يلغيها .... ويدي أوامر أخرى عكسية".

والتجربة التي سبق ذكرها عن الفرقة الرابعة , والتي أذيع أمرها فيما بعد , أكدت لي صدق ومعني ما قاله المشير فى ذلك, وهو قول من أقوال كثيرة , سمعتها منه وهو في محنته وأحزانه وسأذكرها فى حينها .

ومن المفيد أن نستعيد تفاصيل ما وقع بين جمال عبد الناصر, والمشير عبد الحكيم عامر فى ليلة الثامن من يونيو 1967 فبعد صدور قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار , حدث اجتماع ضم الرئيس جمال عبد الناصر , والمشير عبد الحكيم عامر والوزير شمس بدران, وفي هذا الاجتماع اتفق الثلاثة على :" ضرورة ترك مناصبهم , والإتيان بوجه جديد يتولي رئاسة البلاد , ويستطيع التفاهم مع الغرب". وقال عبد الحكيم عامر :" أنني أقترح أن يرأس البلاد الزميل زكريا محيي الدين"

ظهر على وجه جمال عبد الناصر الامتعاض وعدم الرضا , فقال له المشير :" أنت عارف ياريس إن مافيش بيني وبين زكريا أي ود أو صداقة ... وإننا كنا دائما نصطدم ونختلف في الرأي, ولكننا الآن أمام مصلحة مصر , واسم مصر , ومستقبل مصر ". ورد عبد الناصر :" زكريا وجه غير مقبول ... وأنا لا أوافق عليه , وأرشح بدلا منه شمس بدران". قال عامر :" إذا كان اعتراضك على زكريا , إنه وجه غير, فإن شمس بدران وجه غير معروف وغير مقبول . ثم كيف ترشح من كان وزير حرب وخسرها ؟!" قال عبد الناصر : نبحث عن أسماء أخرى".

فقال المشير:" إحنا أخذنا بمبدأ أن اللي ييجي هيكون واحد من أعضاء مجلس قيادة الثورة المشتركين حاليا فى الحكم , وليس أمامنا سوي زكريا , وأنور , وحسين ..."

وواصل المشير دفاعه عن زكريا – الذي أعلم أنه يقدره فعلا – قائلا :" زكريا عمل في وزارة الداخلية منذ جاء للحكم .. ويستطيع إدارة السلطة التنفيذية".

قال عبد الناصر :" طب يا سيدي خلاص .. نزلت على رأيكم".

وكان المشير يعلق بمرارة على ما حدث :" نزل على رأيي .. قال يعني خلاص راجل ديمقراطي , هو طبعا كان عايز شمس لأنه وجه مكروه وغير معروف ..."

وفي الاجتماع أيضا أمر آخر , لم يحظ بالاهتمام كسابقه , فقد طلب عبد الحكيم , والإفراج عن الرجال المسجونين بالسجن الحربى وضمنهم ضباط وعساكر مدرسة المشاة وعبد المنعم أبو زيد " صاحب القضية المعروفة " كما اتفقوا على أن يذاع مع خطاب التنحي استقالة عبد الحكيم وشمس .

خرجوا من الاجتماع , ولم يخامر المشير الشك فى أن هذا الاتفاق سيوضع موضع التنفيذ أو أن ما حدث ممكن أن يكون خدعة , في هذا الوقت التي تترنح فيه مصر تحت وطأة الضربة المباغتة التي أطاحت بآلاف من شباب ورجال مصر , لا زالت جثثهم ملقاة على رمال سيناء .

تم الاجتماع يوم 8 يونيو وحتى ذلك التاريخ ومنذ حوالى الثانى من يونيو لم أكن قد شاهدت عبد الحكيم إلا لماما , في فترات لا تجاوز الواحدة فيها الدقائق العشر كان فيها يطمئن على أحوالى , ويشاهد ولده عمرو , وكأنه يودعه , ثم ينصرف بصحبة من جاءوا معه فقد كان يأتي دائما , ومعه رفقاء من زملائه كصلاح نصر , أو عصام خليل أو عباس رضوان وغيرهم .

ثم انقطعت عني أخباره إلا من الصحف والتليفزيون – منذ الخامس من يونيو – حتى هذا اليوم : الثامن من يونيو .

فقد جاءني الحارس الأمين - محمد متولي – وقال " عايزين سيادتك ضروري عشان نروح للمشير " واصطحبني إلى منزل عصام خليل , وأدخلوني حجرة نوم معتمة , تبينت فيها المشير جالسا على طرف السرير , مسنودا إلى ظهره, وقد أسند رأسه إلى الوراء , وكان يدخن بشراهة .

كنا وحدنا بالحجرة وبابها مفتوح وبالخارج كان عصام خليل صاحب البيت , وعباس رضوان وشقيقا عبد الحكيم حسن ومصطفى .

وقفت أمام عبد الحكيم , وهممت أن أقول :" أزيك" .." أزيك إيه ؟" . وهو زى ما أنا شايفاه".

كان وجهه حزينا مكتئبا وبدنه مهدلا على السرير ,وبجواره فنجان من القهوة فارغ وقد حدثت نفسي بأنه لابد أن يكون الفنجان المائة ... لما أعرفه من عادات المشير حين يغضب أو يحزن , فإنه يعكف على القهوة والشاي ويعاف الطعام .

لم أجسر أمام هذه الصورة علي قول أي شئ , وبينما القلق يلعب بى سمعت صوته يقول :" أنا عايز أقعد لوحدي".

لم أدر ماذا أقول و أو ماذا أفعل , وإن لاح لخاطري أنهم جاءوا بي دون علمه راجين أن أفلح فى إخراجه ن هذا الصمت الكظيم .

وشعرت أن علي واجبا نحو الرجل الذي أحببته قائدا شامخا , وأراه الآن مهزوما منكسرا واجبي أن أفعل شيئا , أو أقول شيئا رغم علمي بأنه لا يكاد يشعر بوجودي .

حزمت أمري وقلت له :" الحزن ده ما فيش منه فايدة دلوقت ما هو التاريخ ملئ بالحروب وقواد انهزموا ورجعوا انتصروا ..."

قال بصوت خفيض :" وهل حاربت حتى أهزم؟"

فاجأنى أرد , وإن كان قد شجعني على الاسترسال فى الحديث و فقلت :" مهما كان اللي حصل .. فأنت أقوي منه". ثار عبد الحكيم عامر وهاج ونظر نحوي بعنين ملتهبتين :" انتى ما تعرفيش حاجة اللي حصل مش نتيجة حرب .. دا نتيجة خيانة .." وأشاح عني بوجهه وقد أمسك عن الكلام .

وبعد فترة صممت , سمعته يتكلم :" ولادي ماتوا متكتفين , ما قدروش حتى يدافعوا عن نفسهم ..".ولا أدرى أكان يحدثني أم يحدث نفسه فى تلك اللحظة , فلزمت الصمت وقد غمرني حزن وذهول .

تلفت المشير حوله ثم صرخ :" فين الشنطة ؟.... فين الشنطة؟" فدخل على صيحه متولى , وقال له متلجلجا:" الشنطة... كنا عايونها ...و..."

وصاح عبد الحكيم :" بلاش كلام فارغ ...هاتوا الشنطة ... انتوا صدقتوا كلام المعفن وشوية العيال بتوعه ؟ ... بتصدقوا الإشاعات ؟ ... هاتوا الشنطة"..

وأسرع متولى فأحضر حقيبه " سامسونايت" وقدمها لعامر.

كنت أراقب ما يجرى وأنا صامتة . أخذ المشير الحقيبة وفتحها , فإذا فيها مسدس وبعض الأوراق والأدوية , وأخرج عامر زجاجة دواء - لعله مهدئ – وتناول منها حبة .. كان يشكو صداعا , ولذا طلب الحقيبة لأن بها الدواء .

لم أكن أعرف شيئا عن الإشاعة التي تحدث عنها , ولا من " المعفن" الذي ذكره .. وقد عرفت أن الإشاعة قالت أن المشير ينوى الانتحار .. لذا رأى رجاله المخلصون , أن يبعدوا المسدس عن يده , فأخفوا حقيبته .

وتنفيذا لما اتفقوا عليه فى اجتماعهم الثلاثي ألقى عبد الناصر خطاب التنحي فى مساء يوم 9 يونيو 1967.

وقد لاحظت كما لاحظ الكثيرون أن خطاب التنحى يتضمن وعودا ومشاريع .. أى أن فى مضمونه ما يكذب فكرة التنحي.

والخطوات التي صاحبت وأعقبت التنحي , توضح مكر عبد الناصر بعبد الحكيم وشمس بدران , وأنه استغل الاستقالة لصالحه , فدفع بهما إلى الظلام , وصعد وحده إلى القمة بناء علي ... طلب الجماهير !!!

وأولى الملاحظات هي وقف جميع المواصلات داخل القاهرة قبل إلقاء خطاب التنحي فتكاثر الناس فى الشوارع, واقفين أو سائرين أما السكك الحديدية فقد عملت على تزويد المدن بمزيد من الجماهير التابعين للدولة .. وهكذا أصبح الناس جميعا وقوفا يستمعون إلى الخطاب .

الملاحظة الثانية : أن أعضاء الإتحاد الإشتراكي ,والمنظمات التابعة لسامي شرف وعبد المجيد فريد , وغيرهما صدرت إليهم الأوامر بالبقاء فى مكاتبهم منذ صباح اليوم وقبل إلقاء الخطاب بساعات .

الملاحظة الثالثة : الشائعات التي أطلقها جهاز سامي شرف , ومراكز القوى ضد الجيش وعبد الحكيم عامر وإليكم بعض ما شاع :" الجيش جرى وخاف يحارب " " كان عبد الحكيم عامر بيحشش ساعة اليهود ما دخلوا " " عبد الحكيم خد سبايك ذهب من اليهود علشان يسيبهم يدخلوا " " الطيارين كانوا عاملين حفلة بيرقصوا مع واحدة رقاصة ".. إلى آخر هذه الشائعات التي حمل بعضها بذاءات , وصور فاضحة, لا يليق بي ذكرها .

هكذا كان المسرح معدا تماما للخطاب التاريخي بالتنحي .. وفور انتهائه قام الجميع بأدوارهم ... وتحركت المواصلات كلها بالمجان .

وتحرك أعضاء الإتحاد الإشتراكي المرابطون فى مكاتبهم , وحرضوا الجماهير , ورددوا الهتافات.

وذهبت جماعة من البوليس الحربي فى ثياب مدنية , جاذبين معهم حشدا من الناس لمهاجمة منزل زكريا محيي الدين – الذي شارك فى وضع خطة الثورة والذي لم يعلم بتوليه الرئاسة إلا من الخطاب – ورددوا هتافات ضده ورجموا بيته بالحجارة .

وركب الناس المواصلات – وقد تحركت بعد توقف – فأخذتهم جميعا إلى مكان واحد هو بيت جمال عبد الناصر .

وسخرت المواصلات كلها , الحديدية وغيرها من أتوبيسات الإصلاح الزراعي , وهيئة المواصلات وعربات القطاع العام بكل شركاته وهيئاته لحمل الناس من الأقاليم مجانا إلى القاهرة ومنها إلي بيت جمال عبد الناصر .

ويؤكد ذلك ما قاله صلاح نصر فى مذاكراته إذ روى القصة التالية :

وليس أدل على أن الأمر كان مخططا له , من تلك المظاهرات المنظمة التي تحركت إلى بيت زكريا محيي الدين, فور إلقاء بيان عبد الناصر , تهتف بسقوط زكريا محيي الدين والإمبريالية الأمريكية .

والواقع أن هناك جموعا غفيرة من الناس خرجت من تلقاء نفسها بعد سماع تنحى عبد الناصر ولأن الأمر الذى لا جدال فيه أن التنظيم السياسي كان لديه فى اليوم التالي تعليمات من رئاسته بالخروج والمناداة بعودة عبد الناصر .

ومن الأمور المضحكة المبكية , أن بعض وحدات الإتحاد الإشتراكي التابعة للأقاليم أخطأت التقدير فوصلت إلى مشارف القاهرة قبل إعلان التنحي مساء التاسع من يونيو بساعة أو أقل فتجمعت بعرباتها ولافتاتها فى مداخل القاهرة .

وكان أول من وصل إلى القاهرة فوج الإتحاد الإشتراكي التابع لبني سويف , الذى وصل قبل إعلان بيان التنحي و بما يقرب من الساعة , فانتظر فى الجيزة حتي سمع البيان في الإذاعة وتحرك إلى منشية البكرى .

أما أمانة القاهرة لديها التعليمات بالتحرك قبل إذاعة البيان , وسرعان ما كانت وحداتها متراصة حول منزل عبد الناصر مع الجموع التى خرجت من تلقاء نفسها .

وأخذت لوفود تأتي من خارج القاهرة تطالب بعودة الزعيم .. ونجحت اللعبة وحققت التمثيلية هدفها .

ولم ينس المتظاهرون أن يمزقوا أى " يافطة" عليها اسم عبد الحكيم عامر أو صورته وأن يضربوا كل من يخرج على النص ,ويهتف باسم عامر .

ونشير إلي أن الهتاف والذي ألفته ألسنة الجماهير المصرية والتنظيمات هو " ناصر عامر"

وفوجئ أصحاب المحال والأكشاك بمن ينتزع من محالهم صور عبد الحكيم عامر ويتركون صور جمال عبد الناصر التي بجانبه .

وقامت فرق " الشحن"" بإثارة مشاعر الجماهير الوطنية , وإلهاب النعرة القومية وظهرت فوق رءوس الجماهير آلاف " اليفط " الخشبية والقطنية – القماش – وعليها مكتوب شعارات متشابهة تعلن عن تمسك الجماهير بالرئيس ومطالبته بعدم التنحي!!

وعلى الجانب الآخر , كان هذا هناك شعب يغلى فى الخفاء لكن غليانه , انحسر فى منزل عبد الحكيم عامر .

لقد أحس الضباط بالغضب وشعروا بالمهانة إن جمال عبد الناصر – وهو قائدهم الأعلى – لم يقل عنهم كلمة فى خطابه رغم الفئة التى تقلت الضربة .

كانوا يعرفون أبرياء , وأنهم لم يحاربوا بل أرغموا على الوقوف مستسلمين لموتهم . ذهب الضباط إلى منزل المشير بالجيزة, بعد أن سمعوا بعودة ناصر إلى الحكم منفردا وطالبوا بعودة المشير عامر إلى مناصبه .

كان المشير لحظتها فى منزل اللواء عصام خليل إشفاقا وخوفا على من يدفعهم حبهم له إلى التجمهر حول منزله فيبطش بهم جمال عبد الناصر .

وقد حاول نصر , وشمس بدران ,حسن عامر شقيق المشير إقناعه بالذهاب إلى الجيزة لمقابلتهم ولكنه أرسل إليهم يعتذر ورفض الضباط قائلين : لن ننصرف إلا إذا أعطانا وعدا بعودته إلى القيادة .

لم يجد الحكيم بدا من الذهاب بنفسه لتهدئتهم وصرفهم,لكنه ما كان يصل حتى تجمع حوله الضباط , وقد غلبهم الحماس فحاول بعضهم رفعه هاتفين باسمه .

وطلب منهم المشير أن يختاروا عشرة من الضباط ليعرضوا عليه مطالبهم ,ودخل إلى حجرة مكتبه , فجاءه ممثلون عن الضباط قائلين :" هؤلاء يمثلون جميع أسلحة الجيش وقد جاءوا يطالبونك بالعودة إلى القيادة فهم يرفضون أي قائد سواك".

وقد رد عليهم المشير بقوله :" أنا استقلت خلاص ولا أريد العودة " فأجابه الضباط " لازم تخرج يا أفندم تكلمهم بنفسك لأنهم لن يقتنعوا بما نقول ".

فخرج إلى الشرفة ,وطلب منهم الرجوع إلى قياداتهم لأن الظروف لا تسمح بغيابهم عن وحداتهم والعدو على حافة القناة فرفضوا مغادرة المكان.

اضطر المشير إلى النزول لهم بنفسه ولكن ما كاد يصل إلى أرض الحديقة حتي أحاط به الضباط وأرادوا حمله على الأكتاف و فدفعهم بعيدا عنه عليهم وعاد إلى الشرفة .

كان الضباط الغاضبون يملئون الحديقة ويجلسون فى طرقاتها ودخل عامر حجرته وأجرى اتصالا تليفونيا بجمال عبد الناصر فقال له جمال سأرسل لك هيكل .

وجاء هيكل فلما رأى هذه المظاهرة العسكرية فى منزل المشير, اتصل بعبد الناصر وشرح له الموقف وتكلم عبد الحكيم مع عبد الناصر و وقال له جمال :اعدهم بلقائهم فى القيادة الساعة 12 باكر .. لأن باكر سنتقابل ونخلص المواضيع .

وبعد هذه المكالمة نظر هيكل إلى المشير ثم إلى هذه الجموع وقال للمشير :" عبد الناصر كان عنده يوم 9, 10... وآدى 9 ,10 بتاعتك, الجيش كله مجمع على التمسك بك".

وتحدث المشير إلى الضباط الموجودين قائلا بما معناه :" إن الموقف خطير .. ولا يحتاج مظاهرات.. أحنا بنحاول نصلح اللي نقدر عليه .. فأرجوكم – من أجل مصر – ن كل واحد يذهب إلى موقعه وبكره إن شاء الله حاكون معاكم فى القيادة " صفق الضباط وهتفوا باسمه ... وقد عرفوا بمكالمة عبد الناصر وظنوا أن الاتفاق قد تم على عودته .

شهد هذه الواقعة عشرات الضباط والقادة ومنهم محمد فوزي ورواها لى كل من متولي وأمين عامر وصلاح نصر.

وفي وقت متأخر من ليلة هذا اليوم تكلم عبد الناصر , مع المشير تليفونيا وأعرب لمشير عن مخاوفه وقلقه بسبب اضطراب الأوضاع وتواجد العدو على حافة القناة , ورد المشير بكلمات التطمين والتشجيع , وفى نهاية المكالمة تمنى كل منهما للأخر ليلة سعيدة.

وفى الصباح – يوم 11 يونيو – سمع المشير فى الإذاعة قرار تعيين محمد فوزي قائدا عاما للقوات المسلحة.

ولما سمع الضباط بالقرار ثاروا فى القيادة رافضين محمد فوزى , ودخلوا مكتبه, وقالوا له إن جميع الضباط مستعدون للتوقيع على عدم الاعتراف إلا بالمشير عبد الحكيم عامر قائدا للقوات المسلحة , وإبلاغ عبد الناصر بذلك و بل إن بعضهم فكر فى طرد فوزى من القيادة . وذهب الضباط إلى المشير ولما لم يجدوه فى منزله بالجيزة ذهبوا إلى منزل جمال عبد الناصر لإبلاغه بذلك, فقابلهم الليثى ناصف– رئيس الحرس الجمهوري – قائلا :" ممنوع حد يقترب الآن من هذا المكان " فانصرفوا.

وفى تمام الخامسة من نفس اليوم خرج منشور بإحالتهم إلى الاستيداع.

وقد أراد الضباط أن يعيدوا عبد الحكيم إلى القيادة بالقوة لأنهم رأوا فى رجوع عبد الناصر بدون المشير عامر خدعه لا يقبلونها . وقالوا :" نحن معنا دبابات ونستطيع أن نحاصر الرئيس ونجبره على قبول عودة المشير والضباط المحالين إلى الاستيداع".

في قلب هذه العواصف والغليان كان الناس جميعا حيارى غاضبين تكتنف عقولهم سحابات من الإيهام والغموض إلا نفرا قليلا ظل فى كامل وعيه وثباته , ذاك هم المتآمرون أنفسهم!!

الذين خططوا .. ونفذوا .. ومازالوا يتابعون بقية خططهم حتي تتحقق ويتحقق لهم ما يريدون .

ولقد عرضت صورتين , الأولى للناس فى الشوارع والميادين .. تلك الأحداث الظاهرة أمام أعين الجميع .

والصورة الثانية , للضباط الثائرين , الرافضين لعودة جمال بغير المشير .. والمتمسكين بقائدهم الذى يحبونه ويقدرونه , وقد جرت هذه الأحداث أما بعض الأعين بعد أن جرت الأحداث الأولي أمام أعين الجميع .

أما الصورة الثالثة فهي التي جرت بعيدا عن الأعين .. وتمثلت فى أوامر ,وترتيبات واحتيالات .

ولنبدأ من البداية مرة أخري.

بعد أن غادر المشير مبني القيادة , وبعد لقائه العاصف بالسفير الروسي , ذهب إلي منزله بالحلمية , فوجد حشدا من القادة منهم شمس بدران , ومحمد فوزى وعصام خليل وكانت دماء لمشير تغلي فى عروقه , والثورة تحتدم فى صدره , فأخذ يردد أمام القادة :" خدعونا ... غرقونا ".. وأعلن عن عزمه على إلقاء بيان يشرح فيه الخيانة للشعب .

وحاولوا تهدئته وقد اكتظ بهم البيت وأراد شمس بدران أن يأخذه إلى منزله ليفكرا معا.. وفى منزل شمس بدران ذى الحجرتين , لم يجدوا فيه اتساعا لهذا الزحام فذهبوا جميعا إلى ذلك المنزل الذى دعيت إليه عن طريق متولي وتم لقائي بعبد الحكيم على الصورة التي شرحتها من قبل . وفى هذا المنزل , تلقي المشير مكالمة من جمال الذي طلب منه عدم التوجه إلى الإذاعة وعدم إذاعة أى بيان , ووعد بأنه – أى جمال – سيقوم بنفسه بإصدار البيان .

وجاء التاسع من يونيو , موعد إذاعة البيان , والذى أسمّوه بيان التنحي وقد تبين بعد إلقائه , بأن عبد الناصر لم يف بتعهداته للمشير وشمس بدران بأن يكون البيان متضمنا تنحى جمال وعامر – فقد خلا من استقالة عبد الحكيم.

وبعد إذاعة البيان – التنحي – تكلم ناصر تليفونيا مع سامي شرف وطلب منه – وجميع موظفي رئاسة الجمهورية – بألا يغادروا مكاتبهم حتي تعليمات أخري.

ويروي الجيار الشاهد على هذه المكالمة ,أن عددا من الأوامر تلقاها سامي شرف بعدد مرات " حاضر يا أفندم" التي رددها سامي شرف كثيرا وقد كانت هذه الأوامر هي: عدم إذاعة بيان التنحي مرة أخري!!!

يذاع بيان زكريا محيي الدين – بعد مراجعته مع هيكل – لا تذاع أية بيانات أخرى لشخص سواه .

مجموعة من الضباط المسلحين , تذهب لمحاصرة الإذاعة والتليفزيون, ويعلق محمود الجيار بقوله : بعد هذه المكالمة , تغير حال سامي شرف , فقد استعاد ثقته بنفسه , بعد أن أمسك بكل الخيوط , وشرع سامي شرف يلقي الأوامر .. وهو الذي كان قبل قليل يبكي ويولول, حتي سمع صراخه وتشنجه من كانوا خارج حجرته لأن الرئيس سوف يتنحي.

انتهت رواية الجيار ,ونواصل حديثنا.

بعد أن تبين للمشير أن عبد الناصر أخل بالتعهد و وأغفل إذاعة استقالته , وإن رجال جمال من المنظمات السرية وكوادر الإتحاد الإشتراكي, وقد بدأوا فى تحريض وإثارة الجماهير لتطالب بعودة جمال , بعد أن تبين للمشير كل ذلك صمم على أن يذاع بيانه , فكتب بيانا وأعطاه لبعض الضباط وطلب منهم التوجه لمبنى الإذاعة والتليفزيون وإذاعته .

ولكن الرجال فوجئوا بفرقة مسلحة – من الحرس الجمهوري – تحرس مبني الإذاعة ولديها أوامر من سامي شرف , بألاّ يسمحوا لأحد بالدخول أو إذاعة أى بيان .

سبقت الإشارة إلى مفاجأة تعيين محمد فوزي قائدا عاما وقد ترتب على ذلك أن قرر عبد الحكيم السفر إلى بلدته " اسطال " إحدى قرى صعيد مصر.

قبل سفره ذهب لوداع جمال عبد الناصر , وفى هذا اللقاء دار حوار بين جمال وعامر على النحو التالي : عامر: جيت أودعك قبل ما أروح أسطال .. وإن شاء الله ناوى أعيش فيها على طول ناصر : أوعي تكون زعلت من قرار محمد فوزي .. ده قرار من أجل الأمن , ولظروف سياسية خارجة عن إرادتي..

عامر: الله.. همه الروس كمان بيتدخلوا فى سياستنا الداخلية ؟

ناصر : ده قرار مؤقت. وقرارك أنت حايطلع بعد أيام.

عامر : ومين قالك أني حا أقبل الرجوع .. المسالة انتهت يوم ما خطبت من غير ما تجيب سيرة لية ولا لشمس .. كان معناها إيه ؟

ولم يرد ناصر وواصل عامر :

عامر : فيه نقطة تانية أهم من كل ده وهي أن عودتك تعني أننا ارتمينا فى أحضان الروس ! أو بمعني آخر بقينا محتلين من الروس واليهود .

ناصر : وإحنا يا حكيم قدامنا غيرهم ؟

عامر : أنت قوام نسيت إلاجتماع الثلاثي.. ما احنا قلنا الكلام ده كله ... وقلنا أن زكريا وجه يريح الأمريكان ... وأنت وافقت على كده.

ناصر : بصراحة الروس أبلغوني رسميا , أنهم لن يتعاملوا معنا , وأنت ترأس الجيش أنت أصلك عاملت السفير الروسي معاملة وحشة جدا , ده أنت وجعت بطنهم لما بعت لهم الرسالة اللى بتتهمهم فيها بالخيانة ... وأنك حاتفضحهم أمام العالم .

لم يأتي عامر ليودعني قبل سفره إلي اسطال و ولم أكن قد رأيته منذ تلك الليلة التي ذهبت فيها إليه فى بيت عصام خليل . ما أبشع الأوقات التي ترغم الإنسان على الرحيل دون أن يقول وداعا لابنه وزوجته.

وبقيت فى بيتنا بالهرم , تعصف بعقلى الهواجس , أتمني أن يكلمني أحد ... أن يشرح لي أحد ... أن يفهمني أحد... لا أحد.

بقيت وحيدة, لا يؤنس وحدتي سوي خالتي " الحاجة فتحية" وولدي الرضيع واصحب عمرو هو لمسة الدفء الوحيدة فى هذا الصقيع , الذي جمد حياتي , الذي جمد حياتي , كان عمرو يرضع بنهم وقد أثار هذا خوف خالتي , فالحكمة البلدي تمنع أرضاع الأطفال من لبن الأم الحزينة المضطربة حتي لا يصيبه الأذي.

وشرعت خالتي " فتحية" فى تقديم وجبات من اللبن الصناعى لعمرو , لتصرفه عن الرضاع مني . وأحمد الله كثيرا لأن هذا قد أفاد عمرو عندما اعتقلوني فى مبني المخابرات العامة بعد ذلك .

سافر عامر إلى اسطال , يرافقه أخوه حسن عامر , وفي حوار جري بينهما سأل حسن عامر :" ليه تسرعت وسافرت البلد ؟" أجاب عامر فى اقتضاب:" أنا خايف على حياتي".

وأثناء الرحلة أبدي عامر قلقه :" أنا خايف على الأولاد " وفهم حسن إن " الأولاد" هم ضباط الجيش وأفراده .. كان المشير قلقا لما سوف يحدث لهم من بعده .

لم يقدر لعبد الحكيم أن يصل إلى اسطال فى ذلك اليوم فقد تلقى مكالمة من عبد الناصر يدعوه فيها للعودة إلي القاهرة وذكر له أن وجوده فى القاهرة سيدعو إلي تهدئتهم واطمئنانهم.

وعاد عامر إلى القاهرة .. وفوجئ بأن عبد الناصر قد شكل لجنة من زكريا محيى الدين سامي شرف ومحمد فوزي وكلفت هذه اللجنة بعزل كل أنصار المشير عبد الحكيم عامر من الضباط , فأدرك أن عبد الناصر طلب عودته , ليكون حاضرا عملية التنكيل برجاله من الضباط دون أن يستطيع إنقاذهم .. فيسقط فى أعين رجال الجيش.

رفض البقاء فى القاهرة , وعاد مرة أخرى إلى قريته " اسطال" وفى هذه المرة أقام هناك ضيفا على أخيه المزارع " مصطفى عامر " فلم يكن المشير يمتلك بيتا هناك أما بيت والده " العمدة" فقد أهمل منذ بداية الثورة .. وقد أقام معه هذه المرة شمس بدران.

وفيما كانت عملية التصفية والتنكيل بالضباط تجرى , قامت الأجهزة السرية بإطلاق شائعات حول عامر وسر إقامته فى أسطال " وقالت : إن ما يجرى لضباط قد تم الاتفاق عليه بين عامر وناصر , وإن المشير سيبقي فى اسطال بعيدا عما يجرى حتي تتم التصفية , ويعود فيتسلم القيادة"

كانت الضربات تتولي , وهذا الأخيرة وضعته فى أسوأ الأوضاع كمن حوصر بين نارين ولما كان من المستحيل عليه دائم الاتصال به عبر التليفون ,يدور بينهما حديث عادي فى الغالب تتخلله شكاوى عبد الناصر من شعوره بالوحدة ومن خوفه على الجيش وعلى البلاد .

وقد حاول عبد الناصر إرجاعه إلى القاهرة ,ولكن عامر كان يرفض بإصرار – رغم كثرة مكالماته اليومية – وتعدد من بعثهم إليه ليقنعوه بسلامة الفكرة ولكنه كان يرفض ويقول لكل من يحدثه : كيف أعود إلى القاهرة وأولادي فى الجيش يعذبون؟"

رحلة صيد

هذه الرحلة لم يرتحل فيها الصياد, فقد أقام خطته على استدراج صيده ..والصيد عبد الحكيم عامر – لزم قريته , ويحيط به أهله وأقاربه , رفض الخروج من مكمنه , رغم كل الإجراءات والمحاولات.

كان عبد الحكيم عامر قد زهد فى السياسة زهدا حقيقيا و وصارت كل أمنيته أن يبقي في قريته مواطنا لا يشغله سوي حقله أو تجارته أو أي عمل من المحتمل أن يمارسه .

وفي قرارة نفسه , كان يعلم أن حكما بالموت قد صدر ضده , فهو رجل السياسة الذي يجيد قراءة العلامات الدالة على نوايا الأجهزة السرية . وأذكر القارئ بأن هذه الأجهزة قد أشاعت – كذبا أن المشير حاول الانتحار ولكن تم إنقاذه , ومعنى ذلك – لدى الناس – أن من أراد الانتحار مرة قد يعود إلى محاولته فينتحر , وإذن فنيتهم مبيتة أن يقتلوه.

بهذا الزهد , وهذا اليقين مكث فى إسطال , متخذا كل الترتيبات لتحقيق أمله المتواضع فاستدعى زوجته الأولى وأبناءها , وأقاموا فى منزل خاله... أما أنا فقد أراد اسكانى وعمرو فى اسطال ولكن لم يجد سكنا, فبحث عن شقة فى سمالوط ( وجه قبلى) فلم يوفق.

وفى ساحة الصيد, كان بدل الكلاب ذئابا وثعالب وقد نشطت أجهزة محمد فوزي, وسامي شرف , بتنظيماتها السرية ,والذي بدأ أحدهم فى الكلية الحربية ثم انتقل إلى الجيش بدأوا فى توسيع رقعة الشقاق بين جمال وعامر ,وترسيخ نية جمال على التخلص من المشير بأن نقلوا إلى جمال عبد الناصر , وصورة للضباط القاصدين إلي اسطال , لمقابلة قائدهم المستقيل . بل ونقلوا أقوالا على لسانه يتحدي فيها جمال ويهدد بنفيه.

إن المؤامرة ما كانت لتتم فصولها إلا بالخلاص من أحد الرجلين جمال عبد الناصر أو المشير عبد الحكيم عامر .. توطئة للخلاص من الآخر ..لصالح من؟ لصالح مراكز القوى وأسيادهم.

كان على عبد الناصر أن يستعيد صيده الشارد عبد الحكيم عامر أن يرده إلى القاهرة بعيدا عن قريته وأهله فكان يخاطبه يوميا بالتليفون يثرثر معه ويأخذ رأيه فى ما هو مزمع عليه من تغييرات ويشكو له وحدته وقلقه:

- أنا وحيد يا حكيم.... ولازم تكون جنبي, إحنا تعودنا نناقش المشاكل مع بعض ونفكر فى مصلحة البلد مع بعض .

وهكذا يسير الحوار التليفوني اليومي بينهما . ثم انتقل جمال إلى مرحلة أخري هي إرسال من يحاول إقناعه بالعدول عن نية البقاء فى اسطال والحضور إلي القاهرة أرسل أولا عباس رضوان , وهو واحد من الشلة التي وصفت بأنها " شلة المشير وعبد الناصر " وهم صلاح نصر وشمس بدران.

ذهب عباس رضوان إلي اسطال واجتمع بالمشير ثلاث ساعات فى محاولة أقناعه والعودة إلى القاهرة , وكان العرض الذي جاء به جمال عبد الناصر , هو أن يقبل المشير منصب نائب الرئيس ونائب القائد الأعلى ولكن بدون اختصاصات , وكان مما قاله المشير فى هذا اللقاء :" أنت ناسي يا عباس عبد الناصر .. يدي نياشين ماتكلفهوش حاجة.. وبعدين يركنا زى بغدادي في الثلاجة .. وإذا كان بغدادي رفض أن يكون يافطة" فهل يقبل عبد الحكيم فى آخر أيامه أن يكون " يافطة"... ,علشان إيه ؟! علشان المرتب.. طب أنا معاشي يكفيني"... ومن الوسائل التي حاول عباس أن يقنعه بها هي حديثه عن أولاد المشير – يقصد ضباط الجيش – الذي يجري اعتقالهم ويفصلون كل يوم ويحالون إلي لمعاش وهم فى أوج شبابهم.

ورد المشير بقوله :" سأتحدث مع جمال بخصوص الضباط ... ولكن المبدأ أن الجيش والسياسة تضحية .. فكل من يدخل الجيش يعرف أنه من المحتمل أن يموت ... كذلك من يدخل ميدان السياسة , معرض للخروج منها ..." ولم ير عباس فائدة , فعاد إلي القاهرة ولما فشل عباس رضوان أرسل جمال صلاح نصر فى طائرة خاصة إلى اسطال وقال للمشير فور وصوله :" إن الرئيس أوفده فى طائرة خاصة وطلب منه أن يعود والمشير فى نفس الطائرة". وقد عرض صلاح نصر نفس العروض التي عرضها عباس رضوان فلما رفض المشير قال له صلاح نصر :" هناك عرض آخر وهو أن تتولي أنت – أي المشير - رئاسة الجمهورية بينما يتولى جمال عبد الناصر رئاسة الإتحاد الإشتراكي..."

قال المشير :" طبعا هو يريد أن يحرقني بطريقة قانونية – مثلما فعل مع محمد نجيب – أنا أصدر قرار كرئيس للجمهورية وهو يجمع الإتحاد الإشتراكي ويزايد على القرار.. مثلا :

إذا فرضنا ضريبة ما طالب الاتحاد الإشتراكى بإلغائها ... وإذا حددت الحكومة سعر أحد المحاصيل , طالب الإتحاد الإشتراكي برفع السعر , وعن طريق هذه المزايدات لا يبقى أمام الشعب إلا أن يخرج فى مظاهرات – زى بتاعه 9, 10 ويطالب بإقالة رئيس الجمهورية , وبهذا يرتاح مني سياسيا وعسكريا".

وعند وداع المشير لصلاح نصر قال له عامر :" استحلفك بالله يا صلاح , بلغ الرئيس ألاّ يعطى إذنه للعيال " الشيوعيين الذين حوله – الذين عودوه على أن يستمع إلى الأشرطة قبل النوم ... هؤلاء مستمرون فى الوشاية ,والكذب وتلفيق التسجيلات ... وأنت تعلم أن جمال " ودنى" وهؤلاء العيال" راح يودوه فى داهية" وأنا أخاف عليه منهم لأن جمال جعل لهم قيمة وترك أيديهم تمتد فى كل مكان مثل الإخطبوط حتي التفتت عليه هو نفسه . الله يكون فى عونه.

بالنسبة لى ,كنت قد علمت بإقامة المشير في اسطال , من متولي ولقد أشعرنى هذا النبأ ببعض الطمأنينة , فإنه قد بعد عن مسرح الأحداث , واستقال وانتوى أن يعيش كبقية خلق الله – يرعى بيته وأولاده وعمله .

وكانت الإقامة فى اسطال, موضوعا للحديث بينى وبينه أحيانا فيما خلا من الأيام وله إرهاصات تأتي من قبيل المداعبة أحيانا . لذا فقد هتف نفسي إلي اسطال.

منيت نفسي بالآمال وقلت أخيرا سأجد بيتا مستقرا وزوجا وابنا بيننا في حياة هادئة فكان أن سافرت إلى اسطال وذهبت حاملة له أخبارا عمار يجرى فى القاهرة .

كان الشعب فى تلك الأيام التي أعقبت الهزيمة قد وجه سخطه للجيش , لم يراع العملاء ربهم فى جيش مصر وشعبه , فراحوا يغدون هذا السخط بالأكاذيب,.... والشائعات المضللة , واشتركت أكثر من جهة فى ذلك كأجهزة الدعاية والتنظيمات مراكز القوى.

هذه الأجهزة كانت تقدم لعبد الناصر الكبريت , ويشعل هو النار .. تقدم له التقارير الملفقة عن مؤامرة يدبرها عبد الحكيم لقلب نظام الحكم , واعتقاله , وعن ضباط يتوافدون على اسطال لوضع الخطط وتلقى التعليمات.

وكان عبد الناصر يشعل النار بمواصلة القبض على ضباط الجيش وإرسالهم إلى السجون حتي أنهم قبضوا ذات مرة على دفعة كاملة من الضباط هى دفعة شمس بدران!! كانت مصر كمن أصيبت بالحمى , واستغلت الأجهزة هذه الحال , لإيقاع مزيد من الهزيمة بالجيش المصري ... فبعد الهزيمة فى ميدان القتال , وجد الجنود أنفسهم يواجهون هزيمة فى ميدان المجتمع ... وافلح المغرضون فى أن يجعلوا العسكريين يخجلون من زيهم العسكري ولكم تحمل الضباط والجنود – من أشرف أبنائنا – السخريات والتلميحات الخبيثة , تحملوها صامتين – فأضافوا إلى شجاعتهم , صبرا تنوء بحمله الجبال , فإذا الخبثاء – من حيث لا يعلمون – يبرزون الصفات الحقيقية للجندي المصري عبر التاريخ وهما صفات الشجاعة والصبر .

بل إن الأمر بلغ بهذه الأجهزة إلى حد بث رجالهم بين الجماهير لمشاكسة من يصادفونه من جنود أو ضباط وأحيانا كانوا يمزقون ملابسهم .

كانت هذه الشائعات وهذه الصور , هي التي تملأ مشاعر الجمهور المصري .. ولم احتمل سماع الأكاذيب التي تقول عامر خان بلاده , وأنه يدبر عملية انقلاب ضد جمال عبد الناصر .

أخذني أحد أفراد مكتب المشير لأني لا أعرف الطريق – وهناك دخلت أول بيت صادفني , من بيوت أقاربه , وكان يقع وحيدا بين الحقول بعيدا عن القرية فى هذا البيت – وهو بيت أحد أشقاء المشير – أرسلت ن ينبئه بوجودي.

جاء المشير وابتدرني بقوله :" إيه اللي جابك؟"

قلت " جئت لأراك .. أطمئنك على عمرو.."

ثم سردت عليه ما يتردد فى القاهرة من شائعات يطلقونها ضده , وضد الجيش وأعربت له عن قلقي وخوفي بسبب ذلك , لما قد يكون مدبرا له فى الخفاء , فقال لي :" عبد الناصر يريد إعادتي إلي الحكم بدون حكم ... وأن يضعني موضع المسئولية دون أن يكون لى يد فيما يجري.. وإذا كنت لم أستطع – وأنا فى قوتي – أن أصلح من شأنه .. فماذا أفعل وأنا مجرد لافتة تدل على مناصب وهمية ؟.. أنا لا أقبل , ولن أقبل أن أكون هذا الرجل الذي يريده .. أنأ الآن وأنا بعيد عن الحكم فأنا قنبلة موقوتة تزعجه ... ولابد أن يستجيب لطلباتي .. ليس من أجلي ولكن لتبرئة الجيش قبل كل شئ "

قلت له ك لم تسافر وتجلس معه... فربما تصلان إلي نتيجة وربما تجدان حلولا تفيد البلد.

قال : عبد الناصر لا يجري جراحه لشفاء المريض بل يقدم له مهدئات ... وهذا هي عادته .. ولو كنت أعرف أنه سيتغير , لما ن انتظرت حتي يقول لي أحد سافر ... ولكن هو يريد أن يغير من الشكل دون أن يتغير هو .. وأنا أحبه شخصيا ,لكن أحب مصر أكثر .. ومصر ليست لى وحدي وليست له وحده ...

صمت طويلا ثم قال : بطريقته دي .. يبقى الروس همه اللي حايكموا مش هو " أحسست بهم شديد كان وجه عبد الحكيم يبدو مرهقا يعصف به القلق والحزن , ولم أجد قدره على قبول دعوة العشاء التي أعدها لى أصحاب البيت ... رغم إصرارهم وكرمهم المأثورين عن أهل الصعيد.

طلبت من عبد الحكيم أن أمكث هذه الليلة , وأعود فى الصباح ولكنه قال لي :" ما يصحش أسيب الناس اللي معايا وأقعد معاكي .. وما يصحش أسيبك لوحدك " وعدت إلى القاهرة بقلب مثقل بالأحزان .

طوال هذه الأيام كان المشير يقاوم الإغراءات ويقفز فوق الفخاخ المنصوبة له ببراعة وفشلت كل محاولات إقناعه بالعودة إلي القاهرة .. ,في النهاية أرسل له جمال محمد حسنين هيكل . فعاد به إلى القاهرة .. فكيف حدث هذا ؟

لقد أصابوا عبد الحكيم فى نقطة ضعفه .. حاصره عبد الناصر أولا بالمودة العائلية فأرسل لزيارته , زوجته وأبناءه, وكلمه فى التليفون , معاتبا وقائلا أنه أرسل أبناءه " ولو كنت تريد أن آتي بنفسي لترجع معي فإني آت إليك ".

من سجايا عبد الحكيم التأثر بالكلام الرقيق , وقد يصل به التأثر إلى حد الخجل ... وكان عبد الناصر يعلم عنه هذه الصفات فواصل حديثه التليفوني قائلا :" حابعت لك هيكل يمثلني وأرجوا أنك ما تكسفنيش المرة دى".

وجاء هيكل فشكا له المشير من أن جمال يريد أن يحول كل من حوله إلى " طراطير" وسرد على مسامعه كلاما يشابهما قاله من قبل لعباس رضوان وصلاح نصر . ولكن هيكل جاء هذه المرة ومعه عرض جديد , مشفوع بدفء الصداقة , والعلاقات الأسرية ,كان عرض هيكل هو أن الرئيس على استعداد لقبول شروط عبد الحكيم بالإفراج عن الضباط المسجونين , وإعادة من أحيل إلى المعاش . بدت هذه الفكرة طيبة فى نظر عبد الحكيم فعاد إلى القاهرة , ويراوده أمل فى وقف مذبحة الضباط وإبراء الجيش من كل ما نسب إليه بسبب الهزيمة .. أدي هيكل دوره بنجاح فقد افلح فى الظهور بصورة الصديق للاثنين , والولاء للاثنين وبعد عودته مباشرة اتصل بجمال عبد الناصر ليخبره بوصول المشير أو بالأحرى وصول الصيد إلى الصياد .

ولم يمض وقت طويل حتي كان عبد الناصر فى منزل عبد الحكيم , جاء مرتديا قميصا وبنطلونا وخلفه سيارة حرس .

استقبله عامر بحفاوة دافئة فيها عبق الصداقة القديم , ودخلا إلى الصالون فى منزل عامر وأغلق الباب خلفهما ومكثا هناك ساعات .

وفى هذا اللقاء قال له عبد الحكيم :" أؤكد لك إنى ممكن أرجع مجرد جندي فى الجيش ... وأحارب زي أي جندى .. بس لازم أقولك إحنا ما عملناش ثورة علشان تنتهي بنهاية حياتنا , لابد من وضع نظام حكم يا جمال .. نظام حكم يا جمال يقوم على الديمقراطية والحرية والمبدأ السادس للثورة.

إما أن نعمل نظاما رئاسيا تكون فيه رئيس دولة ورئيس الوزارة فى وجود برلمان منتخب انتخابا حرا وبدستور حديث يعطي البرلمان حق محاسبة رئيس الدولة وكذلك الوزراء وسحب الثقة منهم .

وإما نظام برلماني تكون أنت فيه رئيس الدولة ويكون رئيس الوزراء مسئولا أمام البرلمان الذى يملك حق سحب الثقة منه ومن الوزراء ,وتكون هناك معارضة نتفق فيها على التفاصيل على الأقل يكون هناك حزبان فى البداية وإن كنت أفضل ثلاثة أحزاب وإن زادوا فلا يزيدون عن خمسة أو ستة على الأكثر.

أرى أن يكون لكل حزب معارض صحيفة على أن تكون الصحافة حرة بهذا يستقر الحكم فى مصر ولا يكون حكم جمال عبد الناصر ولا عبد الحكيم عامر ... وإنما حكم الشعب للشعب . وبهذا نكون قد قمنا بثورة فعلا.. ثورة أدت دورها وسلمت الشعب مقاليد أموره .

وقال جمال عبد الناصر " حافكر يا حكيم ... وأديلك خبر"

وخرج الاثنان من الصالون , ورآهما الجميع وعبد الناصر يحيط كتف عامر بيده والسرور ظاهر عليهما بما يوحى أن المياه عادت إلى مجاريها وسار معه عامر مودعا حتى السيارة .

الرضا ... والغضب

طار نبأ اللقاء الذي انتهى بالأحضان بين الرئيس والمشير – إلى كل رجال الجيش فسارت موجة من التفاؤل والسرور بين ضباط الجيش وجنوده , وبدأ عشرات من الضباط يتوافدون على منزل المشير مهنئين بالعودة ومؤكدين لقائدهم الحب والولاء.

هذا الرضا بين الجيش بعث الغضب فى نفوس تعمل فى الخفاء أصحابها من رجال الأجهزة السرية والعملاء من هذه الطغمة التي أحاطت بجمال عبد الناصر وأرادت للبلاد أن تسير فى ركب المعسكر الشرقي .

أما جمال عبد الناصر فقد بدأ فعلا الإفراج عن بعض الضباط , وإعادة بعضهم إلى عملهم والبعض الآخر وعد المشير بتعيينهم فى وظائف مدنية أو فى السفارات المصرية بالخارج .

وقد أدى هذا المسلك إلى طمأنة عبد الحكيم عامر وازدهار موجة التفاؤل فى نفوس رجال الجيش. وكان على الأجهزة أن تباشر نشاطها فوجود المشير أثار المخاوف لدى السوفييت وأنصارهم فعداوته لهم معروفة وميوله للغرب أيضا معروفة.

وبدأت التقارير تأخذ طريقها إلى جمال عبد الناصر تحوى أسماء الضباط المترددين على منزله بوصفهم أعضاء فى مؤامرة تهدف إلى إعادة المشير للسلطة بالقوة .

بدأت تصل المشير أنباء أخري عن ضباط لا يترددون عليه وليس لهم صلة به . وكان المشير عندما يبلغه نبأ اعتقال بعضهم يتصل بجمال عبد الناصر ويسأله عن سبب الاعتقالات لهذا وذاك , وكان عبد الناصر يجيبه " لا أعرف" فيتصل بفوزى فيقول له أنها اعتبارات أمنية .

ولم تكتف الأجهزة باعتقالات رجال الجيش بل أنها تحولت فجأة إلى اعتقال عدد من رجال السياسة القدامى ومن رؤساء الأحزاب السابقة ممن ليس لهم علاقة بالهزيمة!! وأدرك عبد الحكيم عامر أن هذه الأعمال هى استمرار للجنة الثلاثية التي شكلها جمال عبد الناصر لتصفية أنصار عبد الحكيم من الجيش هذه اللجنة التي كانت مكونة من زكريا محيي الدين محمد فوزي وسامي شرف .

ولم يشك لحظة فى أن التصرفات إنما جاءت لصرف نظره عن مطالبه الوطنية التي تتلخص فى إقامة حياة ديمقراطية فى مصر , وإلا فما معني القبض على رجال الأحزاب القديمة , أولئك الذين يملكون الخبرة والممارسة الحزبية والقادرون على إقامتها إذا اتجهت النية لذلك .

إلى أن جاء يوم فوجئ فيه المشير بسحب حرسه الخاص , مخالفين بذلك تقاليد الدولة التي تضع حرسا على أعضاء مجلس قيادة الثورة , بل وبعض الوزراء حتى وهم خارج الخدمة , فمثله يتربص به الأعداء لقتله , ولم يجد المشير بدأ من أن يكون لنفسه حرسا من أهالي قريته ,كان فى البيت بعض الأسلحة الصغيرة فوزعها عليهم .

وزاد الأمر سوءا أن بعض الضباط المفصولين ذهبوا , وأقاموا فى بيت المشير مما مكن رجال الأجهزة السرية من إيغار صدر جمال عبد الناصر , أكثر من ذى قبل , حتي إنه أراد أن يتأكد بنفسه ففي ذات يوم فوجئ الحرس الخاص بعبد الحكيم عامر بزيارة عبد الناصر دون سابق إخطار.

فى هذه الزيارة اجتمع الاثنان فى حجرة مكتب المشير وقد عاتب المشير جمال على سحب الحرس , ولكن جمال رد عليه كالمعتاد بأنه لم يكن يعرف , وبأنه سيحقق فى الأمر .

وأظهر له عبد الحكيم عدم الاقتناع بهذا الكلام لأنه يستحيل على محمد فوزي أن يتصرف بدون علم جمال خاصة إذا كان الأمر يتعلق بعامر .

ولما كان عامر رجلا من رجال الحكم فى مصر فهو بحكم موقعه كان ملما بالأساليب التي يتبعها أجهزة الدولة . بل هو يعلم جيدا أن ما هو الآن نتيجة مقاومته لعمليات الاختراق السوفيتي للكيان المصري . لذا لم تنطل عليه أساليب عبد الناصر عند أدعائه الجهل أو وعده " بإجراء تحقيق".

ويؤكد هذا القول ما قاله صلاح نصر فى مذكراته إذ قال بالحرف الواحد! " الواقع أن الهجوم على القوات المسلحة والمخابرات العامة, بدأ منذ أواخر عام 1966 بخطة محكمة من الشيوعية الدولية , التي كانت تصف هاتين المؤسستين بالرجعية وحاولت أن تثبت كثيرا من الشائعات الهدامة على القوات المسلحة والمخابرات العامة , ويرجع السبب فى هذا الهجوم إلى عدة عوامل :

أولا : هجوم المشير عبد الحكيم عامر على الشيوعيين المحليين فى خطابين ألقاهما في القوات البحرية , والقوات المسلحة عام 1967.

ثانيا : القضاء على الأجهزة الوطنية التي كانت تحمي الثورة حتى تستطيع الشيوعية أن تزحف وأن تتحرك بحرية.

ثالثا : كانت المسئوليات الضخمة , التي أسندها عبد الناصر إلى المشير عامر – فى السنتين الأخيرين – محل حقد زملائه من أعضاء مجلس الثورة .

رابعا: محاربة المخابرات العامة للشيوعية بحكم مسئولياتها فى مراقبة أى نشاط أجنبي مضاد .. وقد استطاعت المخابرات العامة أن تضع يدها على ثلاث قضايا شيوعية إحداهما القضية المعروفة باسم " الحزب الشيوعي العربي " وأخري كان مجالها مدنية الإسكندرية وثالثة كان رئيس شبكتها أحد ضباط المخابرات الروسية فى السفارة السوفتية بالقاهرة , وقد أصدر عبد الناصر تعليماته بوقف أي إجراء فى هذه القضية للمحافظة على العلاقات مع السوفيت.

خامسا : كان لابد من القضاء على القوات المسلحة والمخابرات العامة , تمهيدا للاعتماد على الحزب ومنظمات الشباب كما هو متبع فى الأنظمة الشيوعية

سادسا : ظهور تكتلات فى الحكم هدفها تفويض دور القوات المسلحة والمخابرات .

هذه التكتلات كانت تكمن فى الآتي : تكتل برئاسة على صبرى فى الإتحاد الإشتراكي تكتل برئاسة سامى شرف فى الخارجية والأجهزة الإدارية تكتل برئاسة زكريا محيي الدين ويضم بعض الأجهزة التنفيذية .

أنقل إلى القارئ كلمات صلاح نصر لتساعده على تصور الإطار الذي كان يحيط بمأساة عبد الحكيم عامر .. وأنها مأساة ذات أبعاد سياسية ولكنها لا تحمل الجنسية المصرية . فإن البعد الإنساني فيها ليبدو – لعيني أنا على الأقل – شديد الأهمية بعيد الغور فقد اختارت لى الأقدار القاسية موقعا يتيح لى كل العذابات الممكنة من هذا الجانب الإنساني .

والآن فلنواصل معا ذكريات الأيام الأخيرة من حياة عبد الحكيم عامر والتي كان مسرحها منزل عبد الحكيم فى الجيزة.

قلت إن عبد الناصر فاجأ عبد الحكيم بالزيارة بعد أن سحب الحرس , وأقام عامر حرسا من أهالى قريته ولم يدر المحيطون بعامر هل جاء ناصر ليتأكد من صحة التقارير والوشايات .. أم جاء ترضية لعبد الحكيم عن سحب الحرس ؟

على كل حال – وكما هى العادة – فقد دار بينهما حديث طويل و بدأ أولا بعتاب عن سحب الحرس واعتذار بالجهل من قبل عبد الناصر .

وكان موضوع الحوار هو أفكار عبد الحكيم التى بسببها كان هذا الخلاف الطويل المرير , أفكاره عن المطالب الوطنية , وكان رد جمال : أن الوقت لا يسمح بغير التركيز على إعادة بناء الجيش , واستكمال الأسلحة الناقصة ... والشئ الذي يجب أن يحدث الآن هو عودتك لمنصب النائب الأول ونائب القائد الأعلى .

فسأله عبد الحكيم:" والاختصاصات ".

فأجاب جمال : هذه المسألة تحتاج وقتا .. ويحتاج إلى تكوين لجنة لوضع الاختصاصات الخاصة ب القائد العام للقوات المسلحة : محمد فوزي.

وجد المشير نفسه يواجه التسويف والمماطلة مرة أخرى , وأدرك أنه يواجه أسلوب فتح الباب ثم غلقه فى وجهه كلما همّ بالدخول .... سياسة أحياء الأمل ثم قتله أما عينيه.. والخطر يحيط به..

قال المشير " ما رأيك يا جمال .. اعرض عليك فكرة ستريحك جدا .. ما دمت لا ترتاح لى وأنا داخل الحكم , ولا ترتاح وأنا خارج الحكم ... إذن دعنى أسافر إلى الخارج لأقيم هناك بشرط أن تصدر عفوا عاما عن جميع الضباط الموجودين بمنزلي وإعادة الضباط المفصولين.

قال جمال :" أوافق على اقتراحك وعلى شروطك إلى أين تريد السفر؟"

قال عامر :" إلي إيطاليا".

فرد جمال :" لا... أوافق على يوغوسلافيا".

قال عامر بغضب :" هل أسافر لكي تعتقلني عند تيتو بتاعك؟"؟... أتظن يا جمال أنى لم أعد أفهم وجهة نظرك .. هل تريد أن تعتقلني وتحدد إقامتي .. إذن فأنا لن أسافر .. لقد سحبت اقتراحي.

وانتهت الزيارة إلى لا شئ وكانت قد تمت فى الدور الثاني من بيت المشير حيث تقيم زوجته وأبناؤه , وقد صعد به المشير إلى حيث يقيمون كعادته فى معاملة جمال أيام الصفاء و وفى أثنائها قطع عليهما الحوار نقر الباب فخرج المشير ليرى من الطارق , فرأى جلال هريدي قائد الصاعقة الذي فصله جمال – وهو من الضباط المعتصمين ببيت المشير .. انتحي به عامر بعيدا عن الحجرة وسأله :" ماذا تريد؟ قال جلال هريدي  :" يا أفندم... الحمد لله .. لقد جاء بقدميه.. وهذه آخر فرصة .. أستطيع أن آخذه فى حقيبة العربة .. والنيل بجوارنا .. وأتاويه ".

غضب المشير غضبا شديدا من جلال وقال بصوت خفيض : ألا تعرف أنه فى بيتي ... ما تقوله عيب وعار .. ولولا أن الظروف لا تسمح لكنت حاكمتك يا جلال .

كان من اثر هذه الظروف على عامر إن زادت يقظته وتحفزه وقد نقل إليه المحيطون به وأنهم رأوا إحدى سيارات المخابرات العامة تقف أمام المنزل .

وقام أحد الضباط المقيمين بمنزل المشير بإمساك طاقم المراقبة , وأخذهم إلى داخل المنزل ليراهما المشير , وقد استشاط غضبا , وطلب صلاح نصر – مدير المخابرات العامة – وقال له بصوت زاعق " أنت بتراقبني يا صلاح ؟ وأنكر صلاح نصر أن هناك مراقبة , ثم أسرع إلى بيت المشير , لاقناعه بأن هذا الطاقم لم يكن يراقبه , وأن المتبع إلا تقف السيارة المراقبة بجوار البيت المراقب وإنما تقف بعيدا عنه وإن هذا الطاقم ربما كان مكلفا بمهمة لا تتعلق بالمشير , ولكن المشير لم يقتنع .

ولا شك أن ما جرى كان فى سياق الإستفزازات المتعمدة التي دأب سامي شرف على تعريض عبد الحكيم عامر لسلسلة من الأعمال المثيرة للأعصاب الداعية إلى الغضب والسباب , ثم نقل كل هذا مع الإضافات فى تقارير إلى جمال عبد الناصر .

فقد استمرت أعمال المراقبة وظهرت عربات المخابرات العامة ,والمباحث الجنائية حول منزل المشير , وعلى أول الطريق المؤدي إلى بيته , بل وامتد انتشارها فى المنطقة كلها حتى أن عربات المراقبة والعربات المصفحة كانت ترى فى ميدان الجيزة وميدان الجامعة وقوات أخرى من البوليس الحربي ,والمباحث العامة , كل هذه القوات ا\لمحاصرة رجل واحد شبه أعزل يحيط به بضعة ضباط معزولين هذا الرجل الوحيد , ظلوا يضيقون عليه الخناق بينما يحدثونه عن المناصب العليا , والعودة إلى السلطة .

وحدث أن وقع حادث زاد النار اشتعالا , وأسقط الأقنعة ,وكان بطله " جلال هريدي" كان المشير قد اصدرا أمرا بألا يغادر هريدى المنزل بأي حال من الأحوال فقد دأب جلال على معاكسة رجال المراقبة المرابطين خارج المنزل , بأساليب, تثيرهم , وفوق ذلك كان عامر على علم بأن جلال مطلوب القبض عليه خارج منزل المشير وليس بداخله كما نصت أوامر الإعتقال.

وقد أطاع جلال ولزم البيت لا يغادره بتاتا , وذات يوم , جاءت مكالمة تليفونية من زوجة جلال تطلب فيها رؤيته , فحدد لها جلال مكان المقابلة عند أول سور حديقة المشير من جهة النيل .

وقبل أن أكمل القصة , أقف بالقارئ عند جلال هريدي نفسه , ضابط الصاعقة المصري الشجاع , وقبل المضي فى الحديث , اعتذر مقدما عما قد أسببه للقراء من ألم , لمحنة هذا البطل المصري.

فى حرب سنة 1967 استطاعت فرقة من رجال الصاعقة , يقودهم جلال هريدي, من اقتحام الحدود الإسرائيلية , والتوغل داخل أرض العدو, والقتال ببسالة , للدفاع عن كرامة الوطن , وقاموا بعدة أ‘مال تخريب فى منشآت الجيش الإسرائيلي,و وكان هذا الفعل مثالا لشجاعة الجندي المصري إذا أتيح له أ، يقاتل , وهى الصفات التي أراد لها المتآمرون فى حرب سنة 1967 أن تمحي من سجل الجندية المصرية ولعل المواطنين جميعا – الذين عاشوا هذه الحقبة – يذكرون نداءات الإذاعة المصرية المتكررة والتي أثارت دهشة المواطنين وتساؤلهم , تلك النداءات كانت " عد يا جلال .. أنت وأحمد حلمي .. عد يا جلال أنت وأحمد حلمي..."

كان " جلال " المقصود هو جلال هريدي الذي يقود فرقته للقتال داخل أرض العدو هو نفسه " جلال هريدي " الضابط المفصول ,الملتجئ إلي بيت قائده عبد الحكيم عامر هو نفسه العائد من مهمته القتالية , والتي أدها بنجاح , فوجد , أبواب السجن ترحب به , ونشير هنا إلى أن أحمد حلمي لقى نفس المصير !!!

ونعود إلى القصة ... ذهب جلال لمقابلة زوجته , وفيما هو يتحدث معها , جاءت سيارة بها ضابطان وسائق , هبط الضابطان من العربة , واقتربا من جلال يريدان القبض عليه فما كان من ضابط الصاعقة إلا أن شهر مسدسه وتراجع بخفة إلى الوراء ثم أطلق النار فأصاب أحد الضابطين . كما أصاب عجلة أمامية من عجلات السيارة وتمكن من القفز فوق سور حديقة المشير وجري إلى الداخل .

كان المشير نائما , فصحا على صوت طلقات الرصاص , وظن أنها معركة لاقتحام الفيلا فخرج إلى الشرفة ومعه مسدسه , وبعض القنابل اليدوية , وكان حراس البيت من أهالي قرية المشير . قد حملوا أيضا أسلحتهم وتأهبوا لإطلاق النار ولكن عودة جلال هريدي سالما هدأـ الجميع .

وكان بيت هيكل يقع على مقربة من بيت عامر , فلما سمع صوت طلقات الرصاص جاء ليستطلع الخبر فقال المشير وهدأ من غضبه , ثم استأذن منه لأداء مهمة عاجلة ويعود بعدها .

وكانت المهمة أن يذهب إلى بيت جمال عبد الناصر , يروي له ما رأى, وبالطبع وجد جمال على علم بما حدث , وقال لهيكل :" خلاص بقي فيه حكومة ثانية فى بيت عبد الحكيم , وبتضرب فى حكومتنا أنا اللي أديت أوامر باعتقال جلال هريدي .. وقال هيكل للرئيس إن هذا الموضوع ثانوي قد يفسد المفاوضات الدائرة مع المشير ... ثم عاد هيكل إلى بيت عبد الحكيم ليبلغه أن الرئيس جمال يشعر بالأسف لما جري , وأنه أمر بإعادة الحرس .

وأنبه هنا أنه كان من عادة جمال أن يتصل بعامر ويخبره بما دار بينه وبين الوسيط وفعلا عاد الحرس ... ولكن بأشخاص غير الذين كان قد عينهم المشير ... أى بأشخاص يلتقون تعليماتهم من محمد فوزي.

وكانت المراقبة التليفونية من الأمور الاعتيادية اليومية فى منزل جمال عبد الناصر بمنشية البكري حيث أنشأ جهاز مراقبة تليفونية على أحدث طراز ويستطيع بواسطته أن يتجسس على الحياة الخاصة لمعظم زملائه بطريقة بالغة البساطة فهذا الجهاز يستطيع التجسس على أى تليفون فى أنحاء الجمهورية بمجرد إدارة قرص , التليفون بالأرقام الثلاثة اليمنى من الرقم فيقوم الجهاز بتسجيل مكالمات هذا التليفون.

وانتهز هذه الفرصة, لأروي واقعة تسجيل حديث تليفوني جري بيني وبين المشير بعد زواجي فى أواخر 1964 , سجلت الأجهزة السرية هذا الحديث , وعلم المشير بذلك عن طريق بعض مصادره , ولكن لم يكن يعلم الجهة التي قامت بالتسجيل فذهب إلى عبد الناصر غاضبا شاكيا له ما حدث , ولكن عبد الناصر راح يهون الأمر فى نظر المشير وأنبأه بأن المسجل حديث عادي لا يعني شيئا و ولكن عبد الحكيم قال غاضبا " ليس هذا هو المهم ... أريد أن أعرف من سجله , وأين هذا الشريط الآن ... فى يد من ؟!

قال عبد الناصر بهدوء " أنه عندى هنا" وأشار بيده إلى خزنة حديدية فى مكتبه , ثم قام وفتحها أمام المشير وأشار بإصبعها قائلا :" ها هو ... أنه فى أمان " ثم أغلق باب الخزنة ولما رأى عبد الحكيم أن جمال لم يعطه الشريط – كما كان متوقع - انصرف , وقد سألت المشير :" لماذا لم تطلبه منه ؟" أجابنى :" لأنه لا يحب أن يجد فى كل إنسان نقطة ضعف ,ولم أشأ أن تكون هذه نقطة ضعفي عنده ... فلم أبدى اهتماما.

وأذكر هنا بمزيد من الألم بقية هذه القصة التي لم يشهدها المشير فقد وقعت بعد موته لم يكن الشريط " فى أمان " كما زعم عبد الناصر لعبد الحكيم لا هو , ولا شريط آخر سجلوا عليه ما جرى فى غرفة النوم ذات مساء بين زوج وزوجته .

وقع هذان الشريطان فى يد محمد فوزي فماذا تظنون أن يفعل بهما ؟

أنها قصة مخجلة ويغلبنى الحياء كلما تذكرتها .. ولكن الواجب يفرض على تجاهل خجلي وألمي وأحكيها للناس . عليها تكون صرخة امرأة مظلومة , استبيحت حرمة حياتها المشروعة لتصبح أداة للتسلية والتشفي لدي صغار النفوس كبار السلطة , ولعلها تحرك الضمير الإنساني فيمنع أي جهاز من أجهزة الدولة قادر على ملاحقة الناس , من أن يمارس هذه الصغائر التي لا علاقة لها " بالأمن " فى الواقع وإنما لها علاقة بشهوات النفس وضغائنها وبكل قلب مريض.

يقول تعالى : ( ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا )

ولكنهم تجسسوا واغتابوا فقد حكي بعض الضباط جانبا مما شاهدوه فى معسكرات الجيش ... وتقع هذه المشاهد عندما يزورهم أحد القادة ويدير الشريط , ويذيع على مسامعهم نص الحديث العاطفي الذي جري بيني وبين زوجي , عبد الحكيم عامر فى يوم من الأيام , وتتردد على ألسنة بعض الكبار من أنصار مراكز القوي التعليقات البذيئة التي يأباها إحساس أي مواطن وترفضها رجولة أى رجل كما يرفضها الدين والعرف , والأخلاق .

تلميحات خبيثة , تفوح برائحة, وتكشف عن حال من التدني يثير الغثيان – كان الغثيان ينتاب بعض الضباط – فعلا- ممن تصادف وسمعوا .. فإذا خرجوا من الخيمة بصقوا على الأرض معربين عن عميق اشمئزازهم .

وإذا كانت إذاعة هذه الأشرطة , بين الجنود مثيرة للاشمئزاز, فما عساها تثير إذا أذيعت على مسامع فتاة بريئة, لم تنحط الخامسة عشرة من عمرها , وأرغموها على الإنصات هذه الفتاة هي أختى زهرة , ولها قصة سأذكرها فى حينها.

ونعود إلى منزل عبد الحكيم عامر المحاصر بالعيون والآذان ,وقد ذكرنا أن تليفونات المنزل وضعت تحت المراقبة ... والواقع أن المشير وكل المقيمين بالبيت كانوا يعلمون هذه الحقيقة فكانوا يسلون بأ‘طاء معلومات مضللة من خلال التليفون .

وإذا كان البعض راح يلهو بالرقابة التليفونية على هذا النحو , فإن جلال هريدى أن يسخر منهم على نحو آخر .. فخرج بملابسه المدنية , ومشى إلى أخر سور الحديقة , حيث كانت سيارة مرابطة وبها ضابطان ,وقف جلال يتحدث إلى أحدهما , ثم انقض عليه فجأة وأخذ منه مسدسه , وصوبه غليهما فاستسلما . وأخذهما إلى المنزل وصعد بهما إلى عبد الحكيم عامر .

كان المشير يعلم أن الضابطين لا ذنب لهم . فهما يطيعان الأوامر فلم يوجه لهما لوما وإنما اتصل بشعراوي جمعة وأسمعه كلاما فيه تعنيف وسخط , وطلب منه إبلاغ ذلك لجمال عبد الناصر . ثم أفرج عن الضابطين.

وظل الضباط الذين كفت أيديهم عن القتال , يقاتلون فى سبيل النجاة بأنفسهم وهم يرون الحصار يضيق عليهم وإن الصياد قد أصبح قريبا جدا من فريسته .

وقد لاحظ هؤلاء الضباط يوما أن الرقابة الملتفة حول منزل المشير هى من رجال الجيش هذه المرة وكانوا يعرفون هؤلاء الأفراد فاستأذنوا المشير فى وضع كمين لهم.

وقد استطاع جلال هريدي , وحسين مختار , وآخرون , أن يقبضوا على ضابطين وجنديين وقد أفرجوا عن الجنديين بعد أن قدموا لهما الشاي والسجاير , وعندما أخذوهما لمقابلة المشير عرف منهما أنهما من المخابرات العامة فقام المشير بمحادثى تليفونية مع كل من صلاح نصر , وحسن عليش وكيل المخابرات , وسألا كلا منهما إن كانت الأوامر قد صدرت له بمراقبته , أم أنه أرسل هذه المجموعة من تلقاء نفسه ... وكانت مفاجأة صلاح نصر وحسن عليش , أ، أدركا أ، تنظيمات سامي شرف لم تكن قد تغلغلت فقط فى الجيش إنما فى المخابرات أيضا!!!

وتكلم عامر مع هيكل عبر التيلفون وطلب منه إبلاغ جمال عبد الناصر بالكف عن أ‘مال الصغار فعنده – اى ناصر – مهما أخري كثيرة وكان مما قاله لهيكل " هو مفيش فى مخه غير عبد الحكيم وجلال هريدى؟"

وظلت المحاروة , والمداورة على أشدها بين الفئة الصغيرة المعتصمة , والمخابرات الحربية والجيش والأجهزة السرية والشرطة العسكرية.

إلى أ، جاء يوم 23 يوليو , وبدأ الاحتفال بأعياد الثورة وتقرر أن يلقى جمال عبد الناصر خطابه فى القاعة الكبرى بجامعة القاهرة وخطر ببال جلال هريدى ان يذهب إلى القاعة الكبرى بجامعة القاهرة , ويترقب خطبة جمال عبد الناصر , وكلما قال كلاما قاطعه مصححا ومنتقدا .

كانت عملية فدائية غير معقولة وغير مقبولة , ولكنها من وحي ظروف غير معقولة وغير مقبولة أيضا من وحي القهر الذي يمنعهم من الخروج ومن إيصال صوتهم للناس عن طريق الإذاعة , أو التليفزين أو الصحف وكلها تابعة لعبد الناصر ... فبلغ بهم الضيق منتهاه حتي فكروا فى عمل كهذا.

ولكن عبد الحكيم رفض الفكرة , بل وأنب جلال هريدي على التفكير فى أ‘مال فدائية لا تقدم ولا تؤخر.

وفى ذلك اليوم – 23 يوليو – وضعت قوات كبيرة وحشرت أسلحة ثقيلة على كل الطرق المؤدية إلى منزل المشير, كما أن جمال عبد الناصر غير طريقه فلم يمر – كالعادة - بشارع مروان بالجيزة إنما مر عن طريق كوبري الجلاء إلى الجامعة.

وقد فوجئ الجميع , بحضور هيكل فى ذلك اليوم , وليبقي مع المشير أثناء إلقاء الخطاب ولم يذهب مع عبد الناصر للمرة الأولى والأخيرة ... فهل جاء لمراقبة ما يحدث ومنع القيام بأعمال كالتي فكر فيها جلال هريدى ؟

وكان مثيرا للدهشة عن عدم رضائه عن بعض تصرفات جمال , ولم يتجاوب معه المشير , فقد كان يشك فى أن جمال يستغل هيكل .

وتوالت الضغوط على عبد الحكيم عامر وتعددت أشكالها ووسائلها فإلى جانب الحشود المسلحة حول بيت المشير كانت الإشعاعات بمحاولة انتحار المشير تتردد من جديد بل أنهم نظموا مسيرات من بعض الشباب التابعين للأجهزة , سارت أمام بيت المشير وهم يرددون الهتافات ضده ... وقد وقع هذا فى فترة من فترات سحب الحرس , فأوئك أن يؤدى إلى مأساة لأن الضباط المحاصرين داخل الفيلا , تأهبوا لإطلاق الرصاص على المتظاهرين, ولكن المشير منعهم مذكرا إياهم أن هؤلاء أطفال أبرياء وأ، اللوم يقع على عاتق من حركوهم وحشدوهم ..

ومرت الأيام... إلى أن جاء هيكل ذات يوم حاملا البشرى بموافقة جمال عبد الناصر على سفر المشير إلى إيطاليا ... أو أى بلد يختاره !!

وافق عبد الحكيم وطلب تنفيذ شروطه بإنهاء مسألة الضباط الموجودين فى منزله , إما بإعادتهم إلى الجيش وإما بإحالتهم إلى المعاش ,وتم اتصال تليفوني بجمال فوافق على شروط عامر .

وفى اليوم التالي , بدأ المشير استعدادات السفر ,والتفكير فيمن يأخذه معه إلى إيطاليا وبعد يومين جاءه من يخبره برفض جمال عبد الناصر لفكرة السفر إلى إيطاليا , وأنه يقبل إذا كان السفر إلى يوغوسلافيا.

ولأول مرة يتحدث عامر إلى جمال فى لهجة عنيفة إذ طلبه فى التليفون وقال له :" دى مش بلد أبوك ... أنا لا رايح ايطاليا ... ولا رايح يوغوسلافيا ولا منقول من هنا ... واللي عايز تعمله اعمله ".

أزمة أخرى

لم تكن الأزمة السياسية هى الأزمة الوحيدة التي يعاني منها عبد الحكيم بل كانت هناك أزمة أخرى , تلد المزيد من القلاقل فى حياة المشير تلك هي أزمته المالية !!

وبغض النظر عن الشائعة التي أطلقتها الأجهزة , من أن المشير باع البلد لإسرائيل! وقبض ثمنها سبائك ذهبية , فإن من المؤكد أن عامر كان يبحث عن مشتر لأرضه للإقامة فى اسطال , والإنفاق على أسرته والمقيمين معه , قدرها بمبلغ ستة آلاف جنيه , ولما لم يعرض أحد عليه أن يقرضه هذا المبلغ فكر فى بيع الأرض إلا أن أخوته وأبناء عمومته أخبروه بأن الوقت غير مناسب للبيع لعدم وجود محاصيل زراعية .وامتلأت نفس عبد الحكيم بالمرارة , حين تبين له عجزه عن معالجة أزمته المالية , ول حتي عن طريق الاقتراض ... فلم يجد من يقرضه .

وانتقل المشير إلى منزله بالجيزة, فزادت حاجته إلى المال للإنفاق منه على أسرته وعلى من يعيشون معه فى الفيلا من الضباط وأهل قريته . وقد علمت من بعض موظفيه الذين كانوا فى الجيزة بضائقته المالية , وأن أهل بيته يعيشون طوال الأسبوع على الفول والطعمية والعدس فبادرت إلى بيع بعض ما أملك من حلي بمبلغ ألف وخمسمائة جنيه , فلما جاء لزيارتي فى بيتنا بشارع الهرم قدمت له المبلغ ولكنه رفض تماما أن يأخذه رغم الحاحي واستعطافي , ولما أصر قلت له اعتبرهم قرضا – وكله من خيرك – ولكنه رفض رفضا باتا ,ولم أجد وسيلة سوي بإعطاء المبلغ لأحد حراسه المخلصين – متولي – فأعطاه له بعد عودته .

وبالطبع استنفدت النفقات الألف والخمسمائة جنيه , كما استنفدت من قبل الستة ألاف جنيه ثمن الأرض التي كان قد وجد لها مشتريا فيما بعد .

كانت النفقات باهظة بالنسبة للعدد الكبير الموجود معه فكان أن طلب من صديقه فى الدراسة وعضو مجلس الأمة " محمود عبد الله " أن كان فى زيارة له أن يتصل بالدكتور محمود عبد الرازق ليبحث له عن مشتر لقطعة أرض يملكها فى الجيزة وقد وجد الدكتور محمود من يشتريها وكان المشترى هو الطبيب إبراهيم بدران وزير الصحة الأسبق – الذي وافق على شرائها بمبلغ ثمانية آلاف جنيه كثمن لنصف قطعة الأرض وأراد الدكتور بدران أن يؤجل الدفع حتي يتم التسجيل ولكن الدكتور محمود عبد الرازق قال له إن المشير فى حاجة إلى عربون لينفق منه حتي يتم التسجيل فكتب الدكتور بدران شيكات بالمبلغ كله ولا زالت الأدلة وتواريخ الشيكات موجودة .

أنا وهو وعمرو

كيف أصف حالي خلال تلك الأشهر التي أعقبت الهزيمة كلما عدت بالذاكرة أراني امرأة أعطاها الله كل شئ وسلب منها كل شئ , كان مع العطاء حرمان , أعطاني زوجا بارزا وبطلا قوميا , وسلبني حق الزهو بهذا الزوج , أعطاني بيتا محوطا بالحراس وسلبني الإحساس بالأمان أعطاني ملكا ,وسلبني مملكة!! كيف أصف لكم حالي خلال تلك الأِشهر , أنا برلنتي عبد الحميد نجمة السينما وزهرة المجتمع , وزوجة عبد الحكيم عامر , المحارب الثائر ,والنائب الأول لرئيس الجمهورية كيف أصف لكم حالي؟

إنه ليكون من عبر الدهر , أن أقول لكم : كان حالي حال , العوز, والفزع , والحيرة لم أجمع بزواجي ثروة , فالمشير لم يكن ثريا , ولم أحقق شهرة فهي كانت لى من قبل أن أتزوج , ولعلها خبت قليلا بالزواج .

ولم أتمرغ فى ترف , فقد كان بيتي صغيرا من حجرتين وصالة وما زال موجودا – بشارع حدائق الأهرام – بالجيزة عار تقريبا من الرياش والأثاث , وقد أخذ مني – وكان إيجارا – بعد موت المشير .

ولم أنعم بقرب حبيب فقد كان كانت مهام الدولة , وشواغل الجيش , تأخذ مني زوجي أياما , وأسابيع وشهورا أحيانا .

هذا هو الحال , الذي لم أنل منه سوي التشهير بي بكل الوسائل التي تملكها الأجهزة والعملاء بإطلاق الشائعات التي صورت حياتي مع المشير وكأننا اثنان يغترفان من الملذات ما طاب لهما كأمير وأميرة فى إحدي حكايات ألف ليلة وليلة.

وانطلقت أقلام مسمومة تدعي لنفسها الإحاطة بما يجري فى دخيلة بيت المشير ويدعي صاحبها لنفسه مناقشات دارت معه حول زواجه بي,وهل أنا زوجته حقا أم لا ؟

وأن المشير قال له كذا وكذا !! ... وأنه اعترض على قول المشير بكذا وكذا , وما كان هذا الدعي ليجرؤ على الإقتراب حتى من بوابة المشير , وما كان له من علم أكثر مما قدمه له حارس البوابة فى مجالس خارج البيت , ذلك العسكري المنحرف الذي دخل السجن وبهذه الترهات التي أخذها من الحارس , مضيفا إليها أكاذيب الأجهزة السرية , التابعة للعملاء أصبحت عنده بضاعة , أخذ يروج لها ويروي عنها الحكايات وكأنه " جبرتي" الثورة الذي يسرد تاريخها.

وليس أدل على الجبروت أن مروجي الشائعات ضد المشير – رحمه الله – لم يجدوا شيئا يذكرونه فهو من القلائل فى جهاز الدولة الذين ليست لهم أملاك فى أى مكان . هؤلاء لم يجدوا شيئا يذكرونه ضده سوى قصة زواجي به !!!

كان زواجي طي الكتمان وقد تم فى مارس عام 1963 ولم يعلم به أحد من العامة إلا بعد الهزيمة عن طريق الأجهزة التي سربت النبأ فى سياق حملة التشهير.

ويجول بخاطري الآن أن التشهير بالزواج أمر بالغ الغرابة , فإذا كان زواج " برلنتي وعبد الحكيم" نبأ مثيرا إلا أنه ليس نبأ معيبا .. فالزواج ليس عيبا , حتى ولو كان من زوجة ثانية , وأن الدهشة لتستبد بي أن تكون فى بلد يبيح فيه الشرع والقانون والعرف الزواج بزوجة ثانية ثم نعتبر هذا مادة للتشهير!!

ولم يسرق المشير ولم يغرق نفسه فى الملذات , ولم يجرب ترف العيش وما كان لديه المال أو الوقت لذلك .

قالوا : مجلس الحشيش والأنس قالوا مجالس اللهو والمجون , وقالوا ...وقالوا.... وقالوا... ولو كان كل ما قالوه حقا لقدموا تسجيلات فيديو وتسجيلات فيها صخب هذه المجالس المزعومة وهم القادرون على التصنت والتجسس والتسجيل ,ولكان أولى بمحمد فوزي وسامي أن يذيعا أشرطة الفيديو والتسجيلات بدل من الحديث التليفوني والمناجاة الزوجية فى حجرة نومي فهاتان لا عيب فيهما , ولا يدلان على فساد طبع فى صاحبهما أما مجالس اللهو , فإنما تكون دليلا حقيقيا لفساد المشير.

لو كان ما قالوه حقا وصدقا لفعلوا ذلك وعرضوا على ضباط المعسرات شيئا آخر – غير التسجيل الذي أثار اشمئزازهم – من قائدهم الطروب . وحين ازداد ضخ الشائعات وبلغ مسامع المشير بعض منها سمعت حديثا تليفونيا بين عامر وناصر فى تلك الآونة , كان عامر يقول غاضبا " قول للعيال" الشيوعيين اللى عندك يبطلوا التشهير بالجيش .. علشان أنت منه .. واللا نسيت؟.... وبعدين أنا مش فاهم ... انتوا فاضيين للدرجة دي .. ما فيش حاجة فى البلد شاغلاكم غير عبد الحكيم عامر ؟

وقد بلغت درجة التشهير حدا جعل الأجهزة الواقعة تحت سلطان مراكز القوى القيام بطبع منشور وتعليقه فى بعض مقار الإتحاد الإشتراكي , ووضع نسخ منه تحت أعقاب الأبواب ليقرأها الناس يتضن المنشور كلاما فحواه أن المشير باع البلد لليهود , وأنه تزوج برلنتي عبد الحميد , وأنجب منها ولدا , وأن قواد الجيش تركوا مواقعهم وهربوا وفر وراءهم الضباط والجنود وأن عبد الحكيم عامر منع عبد الناصر من دخول مقر القيادة بالقوة ومنعه من إدارة المعركة , ومنشورات أخري قريبة من هذه المعاني لا أذكرها فإن فحواها قد نقلت إلى عن طريق بعض أصدقاء المشير.

وأحمد الله أن الأجهزة لم تجد فى تاريخي منذ طفولتي شائبة تدينني فى مسلك أو موقف ما وإلا كانوا ذكروها فى منشوراتهم .

كيف أصف حالي فى تلك الفترة , وأنا امرأة صغيرة وطفلها تجد نفسها فجأة تائهة فى غابة من رجال المخابرات والمباحث بأنواعها , والشائعات وتمضي بها الأيام مبلبلة الخاطر لا تستطيع أن تستوعب أحداث اليوم ولا تعرف كيف يأتي الغد !

جاء المشير فجأة وهو دائما فجأة فأسرعت للقائه فرحة بمقدمة وكان أول ما سأل عنه :" أين عمرو" قلت " هو مع خالتي فتحية " وذهب لإحضاره .

حمل المشير عمرًا فرحا به , وأخذ يلاعبه ويقبله , ثم شرع يلقي به لأعلي ويتلففه بين يديه فأصابني الجزع خوفا عليه من السقوط فسخر من خوفي وجلس محتضنا عمرو إلى صدره , ونظر إلى قائلا" خلي بالك منه .... معاكي عبد الحكيم أهه".

سألته :" هل تناولت طعاما " فأجابني بالنفي وكنت أعرف عنه العزوف عن الطعام إذا كان مهموما أو غاضبا .

وعدت إلى المشير ونظرت إلى وجهه الشاحب الشارد , وسألته عن أحواله المالية فقال لى أنه باع نصف الأرض للدكتور إبراهيم بدران (المستشفي حاليا)

قلت:" لماذا إذن أنت مهموم؟"

لم يرد المشير فقلت له :" لم لا نترك القاهرة ونعيش فى سمالوط"

أجاب :" سيان .. فهو لن يتركني هنا أو هناك ... إني أعرف جمال إذا جريت جري ورائي حتى يعقرني ".

كان الحوار متقطعا ثقيلا .. فهو غارق فى أفكاره يضم عمرو – بين الحين والحين – فى صمت .

كنت أنتظر منه مواصلة الحديث وتعلقت عيناى بشفتيه , فأنا التي تعيش أيامها مترقبة متسائلة , اتشبث بحديثه حين يجئ لعلي أفهم منه شيئا أو أتيقن من خبر , أن أسمع أنباء جديدة .

وتكلم المشير متسائلا عايز مني إيه؟.. أنا سبت له كل حاجه .. أروح اسطال يجبني .. أقوله أسافر يقول يوغوسلافيا ... جاب ناس مكاني وبيقول عايزني .. طب اديني اختصاصاتي يقول لما أعمل لجنة)

وراح مني عامر فى صمت مرة أخرى . كنت أصغي بكل جوارحي مسخرة عقلي لفهم معني كل جملة يقولها ... ولما طال صمته , قلت مترددة !( جايز خايف من حاجة)

ارتفع صوته فجأة وكأن صوتي أرعبه (من إيه؟.... خايف من إيه؟... من واحد ساب له كل حاجة... نائب رئيس مش عايز , ولا نائب القائد الأعلى...

أنا رفضت أكون رئيس جمهورية , زى ما قال الروس .

تنبهت حواسي كلها , وكأن شيئا وخزني رئيس جمهورية ....روس ... بدأ لى هذا القول غريبا , وأنا التي كنت أصغي لأفهم , وإذ به يردني إلى عدم الفهم المطبق .

ولا أنكر أن الإثارة هيجت مشاعري وزادت فضولي , وما كان من الممكن أن أصمت مهما ملأتني الرهبة فقلت : هل ... هل تصبح رئيس جمهورية ؟

ابتسم عبد الحكيم ابتسامة واهنة ونظر إلىّ برفق وعيناه تدوران على وجهي وقرأت في عينيه عبارته المعتادة " والله انتي ولا فاهمة حاجة "!!

قال المشير بسرعة , وكأنه ينهي موقفا تورط فيه:

- اصلهم جولي ... السفير يعني ...وقال لى أن الروس مستعدين يساعدوني عشان أبقي رئيس جمهورية .. وأنا رفضت ... بتتآمروا علينا . وأنا بلغت جمال باللي حصل ... وقلت له الروس دول زي التعابين , خللي بالك منهم .. دول عايزين يغرقوا البلد ويسيطروا عليها .. عايزنا نبقي زي دول حلف وارسو ".

لم يعد فى رأسي سوي الحيرة ولعل عامر لاحظ حيرتي فاستطرد :" طب ما هو جمال نفسه عرض على رئاسة الجمهورية ... أنا مش عايز... بس نفسي أعرف هو عايز مني إيه ؟".

ثم أعطاني عمرًا ,, ونهض استعدادا للانصراف .

كانت الأحداث تتابع ونحن فى بيتنا الصغير نتلقف الأنباء ونستمع إلى الأخبار وأصبحنا فريسة للقلق والتوتر ولا نملك سوي انتظار مجئ عبد الحكيم لنظمئن. ولم أكن قد رأيته منذ الزيارة الأخيرة والتي كان يبدو فيها مهموما مشغول البال .

لذا كان مجيئه باعثا على السرور فى نفسي وزاد سروري وثقتي أن رأيته منشرح الصدر منصرفا إلى مداعبة عمرو مطلقا ضحكات مرحة .

سألته عن صحة صلاح نصر – وكان قد أصيب بأزمة قلبية – فقال :" أحسن من الأول ... كنت عنده وبعدها زرت جمال ".

بدت لى زيارة الرئيس مفاجأة , فرحت استفسره عن هذه الزيارة وهو يجيب وقد عرفت منه أنه بينما كان فى زيارة صلاح نصر مع عباس رضوان اقترح على عبد الحكيم زيارة عبد الناصر فى منزله , خاصة أنهما قريبان منه , ولقي اقتراحه قبولا لدى صلاح نصر وشجع عبد الحكيم على قبوله . فقاما بزيارته وتناولا العشاء معه , بل وأمضينا وقتا للفرجة على أحد الأفلام فى قاعة السينما بمنزل جمال وطوال السهرة كان جمال مصمما على أن يجلس عامر بجانبه وقبل الانصراف كانا قد تصافيا وسار معه جمال عبر الحديقة حتي ركب عبد الحكيم العربة .

فصل الخطاب

جاءت رسالة من مكتب " الرئيس" للمشير تفيد بأن جمال عبد الناصر يدعو عبد الحكيم عامر إلى العشاء فى يوم 24 أغسطس, وسرى النبأ بين أنصار عبد الحكيم عامر ... فانقسموا بشأنه قسمين , قسم كان يغلب عليه التفاؤل , ويتنبأ بأن يسافر جمال مصطحبا عامر , إلى مؤتمر القمة العربي, الذي سيعقد يوم 28 أغسطس بمدينة الخرطوم وقد أشاع هذا الظن , أن هذه الدعوة جاءت بعد اللقاء الأخير بين جمال وعامر بحضور عباس رضوان وما أعلنه عبد الناصر بعد ذلك عن الصلح بينه وبين عامر .

أما المتشائمون فقد داخلتهم الريب والشكوك بخصوص هذه الدعوي فهم يرون ازدياد الاعتقالات بين ضباط الجيش وازدياد الشائعات عن انتحار المشير , بالإضافة إلى أن جمال كان إذا أراد دعوة المشير , فإنه يكلمه شخصيا بنفسه , ولم يسبق قط أن جعل بينهما وسيطا , فجمال يطلب عامر ويسأله من منا يحضر لزيارة الآخر , وأحيانا يترك للمشير الاختيار فيقول له عامر أنا فى البيت تحب تيجي أمتي , وهكذا يتفاهمان ببساطة ويحضر جمال إلى عامر بمنزله بالجيزة ولكن هذه الدعوة قد جاءت – لأول مرة – عن طريق مكتب الرئيس .

أما عبد الحكيم نفسه فقد أبدى تفاؤلا واستبشارا بهذه الدعوة.

وفى عصر ذلك اليوم – الرابع والعشرين - كنت فى حديقة منزل الزوجية أمارس هوايتي فى العناية بالزرع .

فجأة سمعت صوت كلاكس سيارة المشير . فتركت ما بيدي وجريت كالطفلة إلى السيارة أفتح بابها وأفتش كالعادة فى تابلوه العربة أبحث عن الحلوي والشيكولاته , نظر إلى المشير مبتسما: والله إنتي رايقة قوي ... ولا دريانة بحاجة .

وتنبهت إلى نظراته وحركاته يشوبها القلق . فنظرت إلى متولي الذى نظر إلى الأرض أدبا منه , وصامتا كالعادة , ولاحظت وجود عباس رضوان أيضا فصافحته ثم انصرف سبقني المشير إلى داخل المنزل . سألته :" تحب أعمل لك ليمون؟"

قال بإهتمام" لا... فين عمرو؟"

كان عمرو ما زال رضيعا فى حوالي الشهر الرابع من عمره ترعاه خالتي المقيمة معنا فى حجرة صغيرة معدة فى الناحية الأخري من الشاليه.

حاولت أن أسأله ماذا به ولكنه قال بحسم:" أرجوكي قولي للحاجة تجيب عمرو عايز أشوفه".

وذهبت إلى خالتي وأخذته منها , وكان يستعد للنوم وتلقفه من يدي ودخل إلى حجرة النوم يداعبه ويقبله ويهدهده – وهو فرح ولما رآني خائفة قال :" لا تخافي .. إن يدي لا تؤذي من أحب .. فما بالك بابني؟" ووضعه على السرير ووقف بجانبه قائلا :

لا أعرف لماذا يذكرني بأبي كلما نظرت إليه .

قلت معلقة :" إن شكل الأطفال لا يظهر بوضوح فى هذه السن " فرد علي :" تعالي انظري إلى هذه الأذن , أنها ماركة مسجلة فى عائلتنا , العينان حتي الوحمة على الفخذ الشمال - سبحانك يا رب فى نفس المكان .

وقلت ضاحكة :" ولماذا نسيت الأنف الكبير أيضا ؟"

قال باعتزاز :" طبعا .. صعايدة ... لازم تدافعوا عن بعض واستمر المشير يداعب عمرو إلى أن نام فأخذته ولكنه أخذه وضمه إلى صدره ضمة قوية طويلة , أشعرتني بالخوف... ثم تركه لى وهو يقول :" بشرط أن أراه قبل مغادرة المنزل".

ذهبت بعمرو وحين عدت وجدت عامر قد تخفف من ملابسه ونام مستلقيا على ظهره , وقد بدا على وجهه الشرود والتفكير فجلست صامتة إلى جواره ولما لم يحدثني سألته : ماذا بك؟" فنظر إلى قليلا ثم قال :" كان مالك ومال الهم اللي أنا فيه ده ؟.. واحدة زيك صغيرة وحلوة , كان زمانها دلوقت بتتفسح وتخرج وتهيص .. إنتي اتظلمتي معايا"

قلت الحمد لله الذي أنعم علينا بعمرو .. ماذا أريد أكثر من ذلك ؟"

ثم عاد إلى الصمت وكان متولي قد نقل إلى بعض المخاوف من هذه الزيارة المرتقبة لذا قلت له لمجرد الرغبة فى الحديث :" أنا مش مستريحة للمقابلة دي ".

فإذا به يعتدل قائلا ": دى المرة المائة التي أسمع فيها هذه الجملة النهارده!!

رحت أجادله :" لماذا لم يحضر إليك كما كنتما متفقين , حسب المكالمة التي دارت أمامي؟" قال المشير : قال لى تعبان .. ,عنده أنفلونزا ".

كان هذا القول استنتاجا حيث إن المكالمات لتي جرت بينهما فى الأيام السابقة كان عبد الناصر يشكو أثناءها من إصابته بالأنفلونزا وكا المشير يعلق على ذلك :" ده صوته باين عليه "

وساد الصمت .. قطعه بسؤالي فجأة " مم تخافين ؟... تكلمي بصراحة ".

قلت :" قد يغضبك كلامي قال مشجعا " متصوره إيه ... قولي" قلت بسرعة :" يقتلك".

ضحك المشير .. فقلت :" يقبض عليك ... ويفتعل أدلة اتهام ... ويعمل محاكمة أى كلام تصدر حكما بإعدامك". رجع إلى الوراء وهو يتنهد :" يعمل لى محاكمة ؟ يا ريت ... ده اللى بتمناه .. محاكمة عسكرية ... عشان أقدر أرد فيها على الإشاعات اللي محفظينها لبتوع الإتحاد الإشتراكي .

ثم نظر إلى قائلا : فكرك راح لبعيد ... شوفي أنا أقول لك يقدر يعمل إيه .. يحدد إقامتي".

ثم وصف لى وضع القوات التي تحاصر منزله . واستطرد : مش راح يسكت بعد رفضي العمل معاه... فلو اشتركت معاه فى الحكم حايشعر بالأمان ... ولذلك هو لابد يصفي خلافاتنا قبل سفره إلى الخرطوم المهم بلاش تقلقي ... أنا كلفت قرايبي فى الصعيد كي يختاروا بيتا صغيرا نعيش فيه هناك .

لم يكن متولي وأنا فقط اللذان يشعران بالقلق من هذا اللقاء المنتظر , فإن حسن عامر شقيق المشير قال بوضوح " إن عامر إذا ذهب فسوف يعتقله جمال .. من يوم تمثيلية التنحي وكل اللي بيحصل خدعة – وأنا غير مقتنع بيه - ... لأن اللي بيقوله بيعمل غيره "

وكان هذا أيضا رأي صلاح نصر وشمس بدران وقد ابدي صلاح نصر تشككا فى نوايا جمال عبد الناصر .

قلت للمشير :" لماذا لا تقبل ما يعرضه عليك جمال ... وتشاركه العمل لمصلحة البلد ... كما كنتما دائما ؟"

قال بحزن :" الكلام ده كان ينفع قبل الحرب ... لكن دلوقتي .. بعد أولادي ما ماتوا من غير حرب ومن غير ما يملكوا حتى الدفاع عن نفسهم

قلت له : فلتكن الحلول مرحلية "

رد على بغضب : انتي فاكراني إيه .. موظف أقبض مرتبي ومخصصاتي , وأتفسح فى أوروبا أنا راجل ثوري ولن أقبل هذا .

تساءلت فى يأس :" وإيه الحل ؟"

قال :" هو بيطلب المستحيل إني أقعد جنبه طرطور " قلت :" أنت قلت إنك تريد أ، تبتعد عن السياسة ونحن فى اسطال .

قال :" ما سابش لى فرصة الإبتعاد هو غرق فى أحضان الروس وصفي قادة الجيش والتشكيلات المؤهلين – أحسن الرجال دلوقت فى السجون أو على المعاش , طلبات الروس كده .. لأنهم لو بره السجون , مش ها يقبلوا وجود عساكر , وضباط روس يصدروا الأوامر – ولا الاحتلال البريطاني – دايما كنت أقول له إن الروس دول حايغرقونا .. ودايما رده : هو إحنا قدامنا غيرهم ؟

واستمر عامر فى الحديث قائلا :" لابد من التفكير فى نظام حكم يحترمه العالم .. ولن يحترم حكومات العالم نظاما دكتاتوريا من غير أحزاب ولا حرية صحافة .. ولا حرية إصدار صحف . شكلنا غريب لا هو نظام رئاسي ... ولا برلماني حاجة كدة متفصلة على شخص واحد إزاي يآمن أى نظام يتعامل معانا على مصالحه .

مضي الوقت ونحن فى حوار إلى أن سمعت طرقا على شباك حجرة النوم من الحديقة وصوت متولي يقول : الساعة اتناشر يا أفندم .

قام عامر يستعد للخروج وخرجت إلى القاعة فوجدت متولي يجهز الحقيبة للمشير جلست صامتة انظر إليه وهو يعد حاجيات المشير كان القلق يبدو عليه , ولما كنت أعرف رأيه في هذا اللقاء فقد رغبت فى الثرثرة معه وسألته :" لماذا هو قلق " فأجاب :" أنا لست مرتاحا لهذاالتصرف فلم يتعود الرئيس أعطاء مواعيد لسيادة المشير عن طريق أحد .

قلت له :" وليه ما قلتش لسيادة المشير كده ؟"

بدا الخجل على وجه متولي وقال :" قلت له ... وكان حايضربني بالنار.."

استغربت وسألته :" إزاى؟"

قال متولي :" واحنا فى الطريق لسيادتك قلت له .. يعني لو سيادتك تعتذر وبلاش تروح بحجة أنك مريض ... أنا غير مطمئن يا أفندم ؟

فسألني :" وضح كلامك ... حاتكلمني بالألغاز".

قلت :" خايف يعمل مع سيادتك زي ما عمل مع كمال الدين حسين ".

وواصل متولي حديثه : أول ما سمع الكلام ده ... راح فاتح تابلوه العربية وطلع المسدس وزعق لى .. إزاي تسمح لنفسك تتكلم عن الريس بالشكل ده ... لو كلمتني تاني فى الموضوع ده راح أضربك بالرصاص " وبالطبع اعتذرت له .. فقال :" إزاي تفكر إن الريس يعمل معايا كده؟ .... دا عشرة ثلاثين سنة وأكتر ... ومش ممكن يفكر فى حاجة زى دي أبدا .

- وإنى لأعتقد الآن أن المشير تحدث إلى متولي بهذه الصورة خوفا على متولي نفسه لئلا يكون الحديث قد سجل بصورة ما .

وقطع علينا الحوار نداء المشير " يا عمرو" وكان يقصدني فأسرعت إليه فسألني :" أنت حاطة الغيارات فين؟"

قلت ضاحكة :" أنت مش ناوي تحفظ مكان الحاجة ... بعد السنين دي كلها .. البدل هنا و" قاطعني"" مش حتعود ... الست عندنا تعمل لجوزها كل حاجة .. سايباني وقاعدة تتسايري .. عايزة تعرفي إيه؟

ناولته الثياب وأنا أسأل:" يعني ضروري المشوار ده ؟"

قال وهو يرتدي ملابسه فى عجلة " ما تقلقيش .. جايز لأن الريس مسافر الخرطوم يوم الثلاثاء . وعايز ياخدني معاه .. وأول ما نبعد عن المنافقين اللي حواليه ونقعد مع بعض بنتفاهم وكل شئ بيتحل "؟

أتم المشير ارتداء ثيابه , وطلب رؤية عمرو ولم يتنازل عن رغبته برغم قولي إنه نائم أحضرت عمرو فأخذه بين يديه وضمه إلى صدره وقبله " فتفلفص عمرو وزام وحاول أن يخربش وجه المشير " فضحك وقال " ده وحش مش عيل .. العيال تعيط وده يزوم".

ثم بدا على وجه المشير الجد , ونظر إلى المرآة قائلا :" إذا لقيتي المرآة مكسورة أو أي شئ مكسور أعرفي على طول أنهم استعملوا معايا العنف وإذا لقيتي بقعة دم تعرفي إن الموضوع فيه دم , يعني إشارة تتبعي أخباري فيها إشارات ورموز تعرفي منها كل حاجة.

وفكر قليلا ثم قال :" لو اعتقلوني فى البيت حاتعرفي أخباري أما لوخدوني حتة تاينة واعتقلوني بعيد راح أبعت إشارات معناها عايز أعيش .. أطلب كتابا , ماكينة حلاقة دي إشارات تفهمي منها إني لسة حي"

دارت بي الأرض .. فإن كلامه دفعني بعنف – وعلى غفلة – من مناخ التفاؤل إلى مناخ الظنون وانكشف الغطاء عن المجهول المتوعد بالويل والثبور

قلت له : إيه ده .. المسألة مخيفة بالشكل ده؟"

كان الذعر يملؤني وأنا أتحدث فقال لى :" عايزك تتصرفي كزوجة المشير – عايزك تبقي هادية وأعصابك قوية ... احتمال كبير يكون فيه نية لقتلي ... خصوصا أن التنظيمات مطلعة إشاعات بين الجيش والأهالي بأني حاولت الانتحار .. دي طريقتهم يطلعوا الإشاعة ويشوفوا رد الفعل .. وبعدين ينفذوها ".

سألته :" ,مين اللي عايز يقتلك ؟"

لم يرد على سؤالي , وإنما قال :" أوعي تصدقي أني أنتحر .. لو كنت عايز أنتحر كنت انتحرت يوم ستة ولا سبعة يونيو ... أنا راجل مؤمن ,مش عايز أموت كافر ".

سألته وأنا مذهولة :" لكن ليه كل ده ؟"

قال : لأنهم عارفين .. لو حاكموا أصغر عسكري فى الجيش حا أروح المحكمة فى عربة مصفحة واتكلم وساعتها يعرفوا مين اللي يتحط فى القفص .. عشان كدة لازم يقتلوني , وينفذوا من المأزق ده ".

خرجت مني صرخة " يا خبر أسود " فاستيقظ عمرو وأخذ يبكي , نظر إلى المشير معاتبا لا مش دي برلنتي ... لازم تبقي أقوي من كده .. وعلى كل حال دى كلها احتمالات وممكن تزول بزوال الخلافات ".

وجاء متولي ليبلغ المشير بوصول عباس رضوان فقال المشير :" لازم أمشي دلوقت "

وأعطاني عمرو فأخذته وأنا شبه غائبة عن الوعي , وعندما رأيت المشير يتحرك مبتعدا ناديت خالتي وأعطيتها عمرو ثم عدوت خلفه , ووضعت رأس على صدره ولكنه ربت على رأسي ثم مضي صامتا .

كانت دموعي تنهال وأنا أمشى معه إلى بوابة الحديقة , وقلت له :" عندما تعود غدا من عند الريس لازم أشوفك على طول .. فلن أنام حتى أراك ولو لدقيقة واحدة قال :" بسيطة"

أوصلته إلى السيارة ولم يكن بها سوى عباس رضوان الذى أدار موتور العربة فور رؤيته للمشير قادما ... وانتظرت حتى صعد المشير واستقر بجانب عباس رضوان فأمسكت بيده وقبلتها لأول مرة وأنا أقول :" ربنا معاك" فأشاح بوجه ليخفي تأثره قائلا:" ربنا معانا كلنا".

وقال لى عباس رضوان والعربة تتحرك :" تصبحي على خير يا بيلا .. خلي بالك من عمرو ". وتحركت العربة , وتابعتها حتى اختفت عن عيني.

مضى الليل وطلع الصباح ولا أدري كيف انقضي هذا اليوم فأنا انتقل داخل البيت وأؤدي أعمالا لا قيمة لها مجرد تحريك لأشياء صغيرة من أماكنها إلى أماكن أخرى أو أنظف كوبا من الشاي أو أقوم على رعاية عمرو وكأن عقلي فى ذلك اليوم قد توقف وأجد نفسي فجأة فى لحظة عودة المشير من لقائه مع جمال عبد الناصر ومن لطف الأقدار أني ظفرت فى ذلك اليوم بسماع صوته , فقرب العصر جاءني منه تليفون ودار بيني وبينه حوار قصير سألته : بتتكلم منين"

قال :" من البيت".

قلت :" وميعادك مع صاحبك؟"

قال :" الساعة ثمانية باليل"؟

قلت:" وحاتعمل إيه لغاية ثمانية".

قال :" قال عبد الحليم حافظ جاي عندي".

قلت :" ولماذا لا أراك ساعة قبل أو بعد عبد الحليم ".

قال :" عبد الحليم أتكلم كثير عشان ياخد ميعاد وما اقدرش أخلي بيه".

وضعت السماعة وأنا فى دهشة من ردوده القصيرة المقتضبة ورغبته فى إنهاء المكالمة بسرعة وتذكرت أنه حذرني من قبل من أن التليفونات مراقبة .

وانتظرت زحف المساء ومنذ بداية الليل , وأنا أتلهي لتسكين قلقي .. اتفرج على التليفزيون , أو أقرأ كتابا أو أسمع إلى الراديو ... وفى كل الأحوال لم أتفرج ولم اقرأ , ولم أسمع

جاءت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل ولم يأت المشير .. لم يأت .

قضيت الليل ساهرة لم يغمض لى جفن , ولم يهدأ لى بال , ولكي أطيب نفسي خاطرها , رحت التمس الأسباب وأقول – لعل الرئيس دعاه إلى مشاهدة فيلم , وبدأوا متأخرين ... فإن كانوا قد بدأوا فى الثانية عشرة أو الواحدة , فلن يعود عبد الحكيم قبل الثالثة أو الرابعة صباحا ...وقد جاءت الرابعة صباحا ولم يأت المشير .

طلبته فى بيته وظل الجرس يدق ولا من مجيب , وأدهشني هذا فإن التليفون يدق فى غرفة الحرس وهم دائمون هناك ليلا ونهارا , لم يعد أمامي سوي الانتظار .. انتظرت وما كان يظهر ضوء النهار حتى خرجت ومعي أختي زهرة وركبنا العربة , وانطلقت ومعي زهرة إلى بيت لمشير لاستطلع الأخبار .وفى أول شارع الطحاوي بالجيزة – حيث بيت المشير – لاحظت أعدادا كثيرة من رجال البوليس الحربي, فهدأت من سرعة العربة وسرت ببطء حتى اقتربت من سور الحديقة فرأيت الجنود متربصين حول البيت وبعضهم الآخر كان منتشرا فى الحديقة .

أبطأت فى سيري بطأ شديدا وجاءني خاطر أن أدعي أني قريبة متولي وأطلب من أحد العساكر أن يناديه .

توقفت العربة أمام بعضهم وقبل أن افتح فمي بالكلام رأيته يشير بيده لأبتعد ويقول بصوت خافت يفيض خطورة روحي ... روحي .... إمشي من هنا ".

عدت إلى البيت وقد أطبقت على وحدة قاتلة , هل رأى أحدكم " كابوس" وهو يقظان " يخنقني الآن كابوس يقظتي أتخبط بين جدران بيتي , وشعور بالعجز يفتك بي وفى لحظة غضب أمسكت بسماعة التليفون لأنقل عبرة للناس الذين لا أعرفهم ولا يعرفونني لأقول لكل من يرد على ندائي أن " المشير اعتقلوه "

ولا أنسي ما تلقيت من ردود فى ذلك اليوم , لا أنساها لتناقضها أحيانا ولجفوتها أحيانا أخرى ولكني لم أكف, كأني فى حالة هوس يرغمني إرغاما على إذاعة نبأ اعتقال المشير بالطريقة الوحيدة التي أملكها .... التليفون .

كانت الأصوات المجهولة – وغير المجهولة – تأتيني عبر التليفون معقبة على النبأ الرهيب :" يا ساتر يا رب " ثم يغلق التليفون ... أو يقول " مين ... إيه ده " ثم يغلق بسرعة أو يقول وإحنا مالنا .... أو " إيه يعني " ثم يغلق التليفون.

كان واجبي أن أفعل شيئا وأشد العذاب أن يجب عليك الفعل دون أن تدري ماذا تفعل ؟

فبعد توزيع المنشورات التليفونية على النحو الذي ذكرته زاد عندي الشعور بالوحدة والعجز وانتظرت أن يأتيني أي شخص من رجال عبد الحكيم ليقول شيئا عما يجري أو جري ولكن أحدا لم يأت ولا حتي متولي حارسه الأمين الملازم لعبد الحكيم .

ومع الوقت أخذت مشاعر الخوف تتكاثر , وإحساسي بعزلتي يتزايد , فأنا لا أجد من أطلبه ,ولا أجد أحد يطلبني وكأن، جميع الروابط التي تربطني بالوجود قد تقطعت وفجأة رن جرس التليفون فجريت إليه ورفعت السماعة فإذا بي أسمع على الطرف الآخر صوت عبد الحكيم يتحدث فى رتابة وبلغة تلغرافية :" أنا كويس .. أنا كويس خللي بالك ن عمرو.

سألته أين أنت , كيف حالك ولكن لم يبد عليه أنه سمعني فهو لم يرد على أي سؤال من أسئلتي , وإنما ظل يردد عبارته السابقة :" أنا كويس ... أنا كويس ... خلى بالك من عمرو" ثم وضع السماعة وتركني فى حيرة من أمر هذه المكالمة ... لماذا لم يرد هل هو لم يسمع صوتي ... وأعتقد الآن أنه كان يحدثني من جهاز يرسل ولا يستقبل ... فصدق علينا المثل القائل :" أعمي ينادي على أطرش لا ده شايف ولا ده سامع ".

وضعت السماعة وجلست وحيدة وخيل إلى أن الدنيا تتباعد عني , أين الأصدقاء , أين الحراس ورجال المشير؟!

ولما كان من المستحيل أن أطيق هذه الحال فقد قررت الخروج إلى الشارع , وطلبت من خالتي " فتحية" أن تأخذ عمرو إلى منزل بالعجوزة , وأوصيت أختي " زهرة " بألا تبرح البيت ولا تأتي بأي عمل في المنزل , بعيدا عن التليفون .

وفيما أنا منطلقة بالعربية فى الطريق , عاودني هوس إذاعة النبأ ’ فكنت أقف بالعربة أمام أى جماعة أصادفها وأقول لها " المشير عامر حددوا إقامته : المشير عامر راح يقتلوه "

وتجاهلني الناس , وفروا من أمامي .. لم يهتم أحد بمناقشتي , ولم يدفعهم الفضول للسؤال عن أي شئ !! كانوا ينظرون إلي واجمين , فإن انتهيت من كلامي تباعدوا , وكأنهم رأوا شبحا لا إنسانا يتمزق ألما وغضبا .

رحت أدور بعربتي كالتائهة فى الشوارع , أنظر إلى الحشود من رجال الشرطة العسكرية والمباحث الجنائية , وهيئات أخري لا أعلمها ... والعربات المصفحة التي تقف فى ميدان الجيزة والجامعة , وكل الشوارع المحيطة بسكن عبد الحكيم عامر .. الجنود بملابس الميدان فى كل مكان , ينشرون على المنطقة من الجهامة والرهبة.

دخلت بالعربة شارع النيل , ولم أكد أمضي فيه , حتي تذكرت صديقة لي تسكن فى نفس الشارع على مقربة من بيت المشير.

تلقفت مشاعري هذا التذكر باهتمام تشوبه الراحة ... ها أنا أجد من أتحدث إليه فأسرعت إلى بيتها.

كانت تلك الصديقة , هي " مدام ظافر" زوجة الكاتب السياسي السوري " ظافر الصابوني"

لم تكن مدام ظافر على علم بما بيني وبين عامر – أو هكذا كان يبدو لي – وقد اعتدت زيارتها لمعرفة قديمة تربطني بهذه الأسرة , بل وزارني عندها حسن عامر , ومصطفى عامر عدة مرات , وكان المشير نفسه يتصل بي هناك أحيانا باسم " الدكتور " ولعلها شعرت بهذه العلاقة على نحو ما , وإن لم تصارحني ما دمت لم أصارحها.

استقبلتني " مدام ظافر " بحفاوتها وودها المعهودين , بل ولاحظت هذه المرة زيادة فى الحنو والرقة , وأخذتني إلى شرفة منزلها المطل على النيل فجلست هناك شاردة أنظر إلى مياه النهر وأفكر فى الفيلا القريبة مني حيث بيت المشير.

وأفقت من شرودي على صوت الطباخ , وهو يقدم فنجان الشاي , وبعد أن وضعه أمامي , وقف يقول :" أمبارح كان فيه دوشة يا ست هانم فى بيت المشير "!

سألته :" ليه"

أجاب :" كان فيه ضرب نار ... وضباط وعساكر كتير , والحتة كلها كانت مقلوبة"

أظهرت للطباخ فضولا , وميلا إلى الإنصات فاسترسل قائلا :" تصوري حضرتك الميدان بتاعنا ده – يقصد ميدان الجيزة – مليان دبابات وضباط وعساكر ... وعربيات جيش على الكوبري .. أنا يا ست هانم شفت كده جريت على فوق وقلت للست .. وبصينا من البلكونة , شفنا مراكب شكلها غريب – يقصد اللنشات العسكرية – وبعد شوية سمعنا ضرب رصاص .

أصابني ذعر , فسألته بتلقائية :" حد مات؟"

رد بقوله : ماحدش عارف حاجة ... كل الناس كانت خايفة تقرب من بيت المشير !"

لم أكن أرغب فى أن ينهي حديثه .. فتساءلت :" كل ده حصل فى بيت المشير؟"

قال الطباخ :"آه... ,الجيران قعدوا يسألوا بعض ولا حد عرف يجاوب"

قالت مدام ظافر :" كل الناس كانوا مذعورين , وغير مصدقين لما يحدث ... وسمعت بعض الناس يقولون : لعله انقلاب فى الجيش .. وكنا نسمع طلقات الرصاص , بين الحين والحين"

وأنقل للقارئ حكاية هذا اليوم كما عرفتها بعد من أمين عامر , وعباس رضوان وأقارب المشير وأصدقائه.

بعد أن أصبحت المنطقة كلها محاصرة بالدبابات , والجنود , وبقوات يقودها محمد فوزي ,واللواء محمد صادق رئيس المخابرات الحربية و الليثي ناصف قائد حرس رئيس الجمهورية وسعد عبد الكريم مدير الشرطة العسكرية .

عندما أحاطت القوات بمنزل المشير أغلق محمد أبو نار البوابة الحديدية ليمنع دخول أحد إلى القوات المحاصرة .

وكانت الخطة تقضي بالقبض على كل الموجودين بمنزل المشير من الضباط والأهالي حتي لو اقتضي الأمر تدمير المنطقة كلها...

وطلب محمد فوزي من شمس بدران – عبر الباب الحديدي – أن يسلم نفسه هو ومن معه . ولكن شمس رد عليه بأنه لن يفتح الأبواب إلى عند مجئ المشير والاطمئنان عليه .

وكرر فوزي طلبه بتسليم أنفسهم ,وأصر شمس على عدم فتح الباب لهم . إذ كانت تعليمات المشير بألا يسلم نفسه هو ومن معه , مهما كانت الظروف .

كان فوزي مرءوسا لشمس بدران وأصبح الآن قائدا للجيش وأصبح الموقف مليئا بين الاثنين بالكراهية وجرت بينهما استفزازت كلامية بدأها محمد فوزي قائلا لشمس " أيام الأنزحة راحت خلاص .. وما عدش ليك قيمة..." ورد شمس :" أنت ولا حاجة .. وحاتفضل طول عمرك ولا حاجة" وتبادلا ألفاظا أخري كلها شتائم وإهانات .

وأثناء هذه المهزلة حضر عباس رضوان – بناء على أوامر جمال عبد الناصر – وجاء عباس رضوان وطلب من محمد فوزي الإبتعاد عن البوابة , وترك الأمر له , فقال له محمد فوزي :" الريس كلمني دلوقت .. وقال إنك جاي " وابتعد محمد فوزي إلى الرصيف المقابل .

ثم فتح الضابط باب الفيلا لعباس رضوان , فدخل , وفور دخوله سمع صراخا فى الداخل وبكاء أبناء المشير وبناته , وكان هذا طبيعيا للتوتر الشديد الذي تعرض له هؤلاء الصغار ,وهم يرون جيشا كاملا يحاصر فيلا والدهم .

واستطاع عباس رضوان أن يقنع الضباط بتسليم أنفسهم , مستغلا صراخ أولاد المشير للتأثير على الضباط المعتصمين ... وأنه لا ينبغي لهم أن يقوموا بتعريض أبناء المشير لمثل هذا الموقف .

وقد تم الاتفاق على ذلك بين عباس وشمس أثناء اجتماعهما فى غرفة نوم المشير ولم يجد شمس بدران بدا من الموافقة على التسليم , حرصا على حياة المشير – بعد أن أفهمه عباس أن المشير رهينة – وحفاظا على أهله وكذلك حفاظا على المنطقة كلها , فلو وقع اشتباك لدمرتها قوات محمد فوزي حسب الأوامر !!! وبعد أن توصلا إلى هذا القرار اتفقا أيضا – فيما بينهما – على حرق كل أوراق المشير خاصة أنها كانت مؤلفة من عدد من نسخة الاستقالة 62 , والبوسطة الدورية , وكان عبد الناصر قد أمر الجهات المختصة بقطعها عن المشير , لكن هذه الجهات كانت ترسلها بطرق خفية , وكان المشير قد طلب مرارا من المقيمين معه التخلص من هذه الأوراق , خوفا وقوعها فى أيدي الأجهزة , فيضار القادة المسئولون عن إرسال هذه " البوسطة" واستغرفت عملية حرق هذه الأوراق أربع ساعات , ومن المضحكات – أن كان فى المآسي مضحكات – أن يقال فى أثناء محاكمة شمس بدران أن هذه كانت أوراق المؤامرة التى أحرقوها , فهل يكتب الناس مؤامراتهم فى تلال من هذه الأوراق فى حين أن خطة الثورة نفسها لم تكن مكتوبة سوي فى ورقة بحجم الكف .

ومن قبيل هذا التلفيق , وما وقع عند لقاء عامر وجمال فى منزل الأخير بمنشية البكري , وكان ذلك عقب عودة جمال بعد " تمثيلية التنحي" وتصادف وقت اللقاء .. إن كانت هناك سرية صغيرة من الجيش , فأراد أفرادها التعبير عن مشاعرهم قبل عبد الناصر وعبد الحكيم فخرجوا يقودهم أبو نار يهتفون " ناصر , عامر" وكان هذا هو هتافهم الوحيد – عند بيت عبد الناصر , وهذا هو أيضا كان هتاف الجماهير فى الشوارع . وهذا أيضا شائع فى الأغاني – وكان هدفهم إظهار الولاء لرئيس الجمهورية ولقائد الجيش.

وقد تم القبض على جميع أفراد هذه السرية , وصورتها أجهزة الإعلام من محمد فوزي المجئ لاستلام الضباط الذين أخرجهم عباس رضوان مستغلا صراخ بنات المشير وإني لأرى أن عبد الناصر , قد استغل عباس رضوان – صديق المشير – ضد مصلحة المشير نفسه دون أن يدري , وسلم الضباط لقمة سائغة لأجهزة عبد الناصر .

وكان تعليق المشير عندما علم أن شمس سلم نفسه :" أنا قلت له ما تسلمش وما يهمكش حياتي , مصر أهم , دي ثورة تانية" .... قاوم مهما حدث , واضرب , لازم الناس تصحي وتعرف إيه اللي بيحصل فى بلدها .

زاد ما سمعته من مخاوفي وقلقي .. وخفت أن يكون قد أصابه مكروه... وكنت أعلم أن فى منزله المحاصر الآن , عددا كبيرا من ضباط الصاعقة المفصولين , وعددا من أقارب وبلديات المشير جاءوا من اسطال لحراسته , وأن الفيلا مليئة بالأسلحة الخفيفة .

وتداعى إلى خيالي فى تلك اللحظة , حوار دار بيني وبين عبد الحكيم عامر حول هؤلاء الضباط قلت له ساعتها :" وجودهم عندك حا يوسع الخلاف بينك وبين الريس ..."

أجابني عامر :" بالعكس ... أنا عملت كده علشان أحمي الريس من تهورهم ... لأنهم معروفون ومحبوبون بين أفراد الجيش .. ووجودهم عندي ضمان لعدم تورطهم فى أي عمل عسكري ضد الريس .. أنا قصدي أحميه منهم فى الحقيقة..... لأنهم شاعرون بالمهانة من الإشاعات اللي طلعتها الأجهزة بتاعة سامي شرف وشعراوي جمعة عن الجيش".

وافقت على صوت مدام ظافر تقول " السياسة شئ فظيع .. عندنا فى سوريا السياسة تفرق بين الأخ وأخوه ... والأب وابنه ... السياسة تفسد أى إنسانية , ولا تستغربي من حدوث أي شئ , ما دام الأمر قد وصل إلى حد اعتقال المشير وتحديد إقامته .

كانت تتكلم وهي تتفرس فى وجهي , وكأنها تقدم لى الحديث شخصيا , وبدأت الدموع تنهال رغما عني .. وأظهرت مدام ظافر عطفا وتفهما , وقالت بصوتها الناصح العطوف : "لا...لا ينبغي هذا الآن – لا تضعيي الوقت فى البكاء ... يجب أن تظلي قوية .. حتي تكوني مستعدة لما قد يفعلون .

نظرت إليها فى فزع :" يفعلون ؟... يفعلون ماذا؟.

ابتسمت فى رفق قائلة :" يفعلون الكثير .. لن يتركوا ثقبا فى بيتك دون أن يفتشوا فيه ولن يدعوا ورقة دون أن يقرأوها .. وسيراقبون تليفونك , ويتبعون خطواتك , لا تبكي الآن ... ورتبي أمورك .

نبهتنى مدام ظافر لما لم أكن منتبهة له فقد كان لديها خبرة بالأساليب البوليسية والصراعات السياسية ... ولم تضيع وقتا فأخذت تستحثني – وقد انكشف المستور – على الإسراع إلى بيتي وعمل اللازم لما قد ... يفعلون .

قدمت لى :" مدام ظافر " كثيرا من النصح , ونصحتني بأن أدع عمرو فى أيد أمينة , ولا أرضعه فى تلك الظروف .. وأنا أتأهب لمرحلة مريرة.

خرجت من عندها إلى بيتي مباشرة , وقد استقر قراري على ترك هذا البيت والإقامة فى شقتي المطلة على النيل , ولممت ثيابي ,وبعض الأشياء التي أعتز بها وكان أكثر الأشياء استيلاء على اهتمامي على ثياب , فقد جمعتها فى الحقيبة , كما وضعت كتبه فى صناديق وأشرطة أم كلثوم التي كان يحبها .

وطلبت أخي هشام عن طريق التليفون , ودعوته ليساعدني فى حمل الحقائب والصناديق , وأعطيت أختي هذه الحقائب لتضعها فى منزلها عند والدتي حتي لا تتعرض للتفتيش والمصادرة وغادرت بيت الزوجية .

عدت إلى منزل فى شارع النيل , وفور عودتي اكتشفت أنه لم يبق معي سوي عشرين جنيها وكان هذا هما جديدا , فمن أين أنفق ؟... كان المشير يعطيني مصروفا شهريا مائة وخمسين جنيها ثم أزاده إلى مائتين .

شغلني التفكير فى هذا بعض الوقت , وتـذكرت لحظتها يوم جاء المشير وبصحبته أخوه الأكبر " عبد المنعم عامر " وأعطاني المشير حقيبة " سامسونايت " وقال لى ضعي كل ما معك من مصاغ فى هذه الحقيبة " فوضعت كل مصاغي وحليي دون مناقشة فوضع المشير فيها ألف جنيه ثم أغلق الحقيبة وأعطاها لأخيه قائلا:" دي بتاعة بيلا... شيلها معاك أمانة " فأخذها الحاج عبد المنعم عامر .

فى قلب حيرتي فى هذه اللحظة لحظة اكتشاف الحاجة إلى مال , أدركت مدي بعد نظر المشير .. ولم أكد ألتقط أنفاسي حتي استفزتني فكرة أن يتصل بي المشير فى بيتنا بالهرم فقررت العودة إليه مرة أخرى , ,لم أصغ إلى اعتراضات خالتي " الحاجة فتحية " وشقيقي لخوفهما علىّ من الذهاب وحدي ليلا فى مثل هذه الظروف.

عدت إلى بيت الزوجية بالهرم , وجلست انتظر دق جرس التليفون فانتزعت السماعة بسرعة قال :" مازلت حيا أرزق ... كوني مؤمنة بالله وإرادته , عمرو معاكى كعبد الحكيم تماما ... احرصي عليه ... النية لقتلي أصبحت مؤكدة ... الروس يلعبون دورا فى منتهي القذارة ... ينفذون مخططهم , والراجل - يقصد الريس - غارق معهم لأذنيه ... سيأكلوننا واحدا واحدا ...ثم اختنق صوته – الأمر لله –"

وقطع الصوت , كان صوت عبد الحكيم عامر , وتشنجت يدي على السماعة التليفون"

لا أريد أن أبعدها عن أذني أشعر بقبضة باردة تعتصر قلبي .. ,تدوي فى رأسي عبارته : " النية لقتلي أصبحت مؤكدة ".

ولأول مرة أشعر كيف يكون الإنسان محاصرا وهو طليق ... لا أحد أذهب إليه , لا مغيث استغيث به سوى الله , لا شئ أستطيع أن أفعله من أجل عبد الحكيم ليس أمامي سوي التليفون.

عاودت فعلتي, أكلم الناس أقول لهم :" المشير متحددة إقامته ... المشير حايقتلوه ... مش عايزين يحاكموه عشان الناس ماتعرفش الحقيقة..."

وكان الجواب على صرخاتي هو ذاته كل مرة : يا ساتر يا رب ... إزاي ...ده يا ستي إنتي مين ؟ وفي كل الأحوال كان الخط يغلق فى وجهي .

وفى الطريق فعلت نفس الشئ لم أكن أملك سوي هذا الفعل وكما كان الناس يغلقون التليفون فى وجهي كان يفرون من أمامي فى الطريق !!

ولما أصابني الإرهاق قصدت إلى منزل صديقتي " مدام ظافر" وجلست فى غرفة بيتها انظر إلى النيل , وإلى بيت المشير وسألت " مدام ظافر " التي كانت بجواري :" ماذا سيحدث الآن ؟ قالت لا يستطيع أحد أن يعرف ماذا يمكن أن يحدث ".

سألتها :" ماذا سيفعلون به؟

قالت :" لا أحد يدري .... فقد يحاكمونه" قاطعتها : يا ريت – قد يضعونه فى المعتقل .. المهم ألا تشغلي بالك الآن بهذه التساؤلات وانتبهي لنفسك وولدك عمرو ...

وقطع حديثنا صوت جرس الباب فترقبنا القادم , فإذا القادم أمين عامر – ابن شقيق المشير حسن عامر ... استقبلته فى لهفة , فهو يعيش فى منزل عمه – المشير – ولديه كل أخباره وكان محبوبا من عبد الحكيم ويثق به .

كان أمين شابا فى الثامنة عشر تقريبا وقال حين دخل " سألت عنك فى الشقة قالوا فى الهرم أو عند مدام ظافر .... ,لقيتك هنا"

ثم أخرج من جيبه مائتي جنيه ... مصروف الشهر – وقدمها لي.

سألته عن أحوال عمه فأكد لى أنه فى حال طيبة , وأنه يقضي وقته إما فى قراءة كتاب وإما فى لعب الشطرنج أو مع أحد أولاده .

سألته:" ألم تعرف ماذا جري عند لقائه بجمال عبد الناصر فى منزله ".

سكت أمين عامر ثم قال : أشعر أن عمي فى محنة كبيرة ... زى ما يكون منتظر موته .

أفزعني هذا القول , وقلت له :" ما الذي دعاك إلى هذا القول ؟"

قال :" عمي أظهر لى معصمه صباح اليوم , فإذا به بقعة زرقاء ودهشت لذلك فسألته عن السبب فقال :" ده حصل لما زقيت زكريا أصلى ما رحت عند الريس لقيته لامم الشوية " بتوع آمين" كان هناك زكريا والشافعي وأنور السادات , وأنا كنت عارف أنه محضر التسجيلات زي عوايده ... ,عايز يسجل لي وابتدأ يكلمني عن جلال هريدي, ولكني كلمته فى أحوال البلد , والحريات , وطبعا ما كانش قادر يواجهني ... فكان يدخل يقول كلمة ويخرج , وطلبت منه يتعمل لى محاكمة عسكرية علنية , عشان الناس تعرف مسئوليتي ومسئوليته عن الهزيمة ,وحاأقول اللي جري "

ولكن الريس قال لى :" مش ممكن لأن اسمك مرتبط بإسمي ".

وخرج ثم عاد برهة وقال :" إحنا قدرنا نتحفظ عليك ونحدد إقامتك " فقلت له :" اخرس قطع لسانك ... أنت حا تتحفظ عليه ؟" وهجمت عليه وقلت له :" الرجولة أنك تواجهني راجل لراجل مش لامم الشوية بتوعك ؟" ... ولولا حاشني زكريا كنت حاأضربه على الخدعة القذرة دي – يقصد عزومة العشاء – كان أمين عامر يتحدث وأنا أصغي إليه باهتمام شديد وكنت استدرجه لمواصلة الكلام كلما أبدى فتورا فى الحديث كنت أريد أن أعرف كل شئ عن عبد الحكيم فى هذه اللحظة , ووجدت في أمين الذى يقيم معه بصفة دائمة, فرصة لا أريد أن أضيعها فطلبت منه سرد كل التفاصيل عن لقائه الأخير بجمال .

استمر أمين يروى لى لسان عمه :" أنا قلت لزكريا ... يا زكريا أنت مصيرك مرتبط بمصيري .. وزعقت لحسين الشافعي وقلت له :" أنت بقالك خمستاشر سنة ماقلتش رأي ..ودلوقتي جاي تقول رأيك فى اللي ما تعرفوش... وبعدين خرجت من الباب لقيت ضابط ماسك مدفع رشاش صرخت فيه :" إذا كنت راجل أضرب بالرصاص .. عبد الحكيم عامر واقف قدامك أهوه".

وختم أيمن حديثه بقوله :" هذا ما رواه عمي عن اعتقاله فى منزل الرئيس .." قلت لأمين :" وكيف حاله هو " قال :" قلق.... وطلب مني أن أذهب إلى المنزل لاستفسر عن صحة عمرو , واديكي المصروف ".

ولما سكت قلت له :" هيه ... وبعدين ... قول كل اللي تعرفه . فقال :" بالأمس قلت لعمي – يقصد المشير – إن هناك إشاعة عن جلال هريدي بتقول إنه انتحر فقال لى : " يبقى ناويين يقتلوه ... زي ما طلعوا الإشاعات عني وقالوا أني انتحرت .. وأديني عايش أهوه ". اسمع يا أمين تعالي معي .

وأخذني وسار بي إلى حجرته وكتب ورقة بها :" إذا مت أو حدث لى شئ فسيكون عبد الناصر هو الذي قتلني , وكتب مثلها عدة نسخ ووقع بإمضائه وطلب مني أن أحتفظ بها".

وأطرق أمين عامر برهة ثم قال :" إن عمي يتوقع نقله " فسألته , لماذا ؟... وما هو الفارق بين هنا أو أي مكان آخر , ما دمت لا تستطيع الدخول أو الخروج , وحول البيت حرس رئاسة الجمهورية , ورجال المخابرات اللي تابعين لرئاسة الجمهورية , والمنزل ليس به سوى أولاد عمي ومرات عمي ... ولا أعتقد أن هناك داعيا للنقل , فما الفرق ؟!

قال عمي :" لا... فيه فرق ... البيت هنا فيه شهود , حتى لو كانوا من رجالته - فهو لا يستطيع أن يفعل شيئا أمام كل هؤلاء الشهود ... وسألت عمي :" شهود على إيه ؟"... إن كان عايز يقدمك لمحاكمة يقدمك ! قال عمي :" مين اللي يحاكمني ؟.... ويحاكمني على إيه ؟... ما أنا كان فى أيدى كل حاجة وسيبتها له ... وبرضه مش عايز يسبني ... هو مش راح يستريح إلا لما يخلص مني ".

وأظهر أمين عامر رغبة فى الانصراف , فقلت له : " بلغ المشير بأني سأوزع صور استقالته ... ومنشورات عن الوضع الحالي وحقائق ما جري فى الحرب ".

وانصرف أمين على أن يأتي لزيارتي غدا , لتظل الصلة بيني وبين عبد الحكيم قائمة من خلال ابن أخيه , وليبلغني رد المشير .

وفى اليوم التالي – عندما جاء أمين – سألته عما قاله المشير بخصوص المنشورات.

قال أمين :" عندما ذكرت ذلك ... قال إنها جريئة ... وممكن تعمل أى شئ ".

وكان عبد الحكيم عامر لين الجانب بالنسبة لأبنائه , ولأبناء اخوته,وبالذات أمين عامر ابن أخيه حسن عامر , وعودهم عبد الحكيم على المناقشة معه فى جلساتهم العائلية وقد نقل لى رد عبد الحكيم ثم اطرق قليلا قبل أن يعود إلى الكلام , وأنا أترقب .. قال :

" كنت أتحدث مع عمي عنك..." فابتسمت مشجعة على مواصلة الحديث, لاحظت أن علامات الخجل ظهرت عليه مما أثار حيرتي , واستطرد أمين :" كنت أقول له إنك - يقصدني – شجاعة جميلة ومثقفة .. فقال لى .... مش دي اللي أبوك كان مش موافق عليها ؟" واستطرد أمين وهو يقاوم خجله :" قال لى عمي :" إنني لم أتزوج لمجرد أنني أريد امرأة جميلة ... ولكني وجدت فيها صفات جذبتني إليها كالذكاء ... الثقافة ... والشخصية الجذابة ... يا أمين بيلا إنسانة ممتازة ".

كان عبد الحكيم معتادا على مثل هذا القول , إذا جاء ذكرى فى حديث بينه وبين إخوته , وأبناء عمومته , لأن موجة المعارضة لزواجه مني , كانت قوية داخل الأسرة خصوصا أن زوجته الأولي قريبته , فكان يحرص على أن يفهمهم – كلما سنحت الفرصة – إن زواجه بى ليس نزوة منه ... وليس هوا .. وأنه وجد فى الصفات, ما عبر عنه ذات مرة لجمال عبد الناصر , أثناء فترة خطوبتي إذ قال له جمال :" يقولون إن برلنتي جميلة جدا " فرد عليه عبد الحكيم عامر عامر بقوله :" ليست مسألة الجمال ... ولكنها امرأة أغنتني عن صداقة الرجال ".

وإني لأشهد هنا , إن عبد الحكيم لم يكن من الرجال طالبي المتعة , محبي الطعام والنساء والحشيش, لم يكن عامر فيه شئ من هذا .. كان ثائرا , عاشقا لوطنه , رافضا للهيمنة الأجنبية , والعجيب أننا نسينا تماما مغزى أن يحبه رجال الجيش هذا الحب .

استطاعت الأجهزة – الموالية للسوفيت – تشويه صور عبد الحكيم , عامدة متعمدة تمهيدا لخطة التخلص منه ... وقدمت للناس " حكايات" لا دلي على صحتها , والعجيب أنهم صدقوا الحكايات التي أطلقتها الأجهزة أى أنهم صدقوا مالم يروا ...,كذبوا ما رأوا, وأعني به " حب الجيش لعبد الحكيم عامر" تلك الحقيقة التي لم يكن يجهلها فى مصر أحد . ألم يكن لهذا مغزى؟!!

إن حب الجيش لعبد الحكيم عامر , حمي حياة عبد الناصر ,وحمي الثورة من أى قلاقل أو اغتيالات .

نظرت إلى أمين عامر الجالس أمامي مطرقا فى صمت . ولم يكن هناك ما يسيطر على تفكيرنا سوى عبد الحكيم عامر وسألته :" ألم يأت أحد قط لزيارة عمك فى هذه الفترة ؟".

هز رأسه نفيا , ثم قال :" الوحيد الذي مسموحا بزيارة عمي هو هيكل ... ولكن حتي هذا لم يأت للزيارة ..ومع أن عمي أرسل له عدة مرات – بعد تحديد الإقامة طبعا .

إلا أن كل من ذهب إليه , لم يفلح فى العثور عليه ...."

وبقدر ما آلمني هذا الكلام , بقدر ما دهشتي و فأنا كنت أعلم أن هيكل صديق للمشير , وأفصحت عن تفكيري لأمين , الذي قال لى:" عمي قال لى أن هيكل جاء لزيارته يوما – وطلب منه مستعطفا أن يتعهد له برعاية أولاده – أى أولاد هيكل – إذا حدث له شئ وأن هيكل – فى بداية الخلاف بينه وبين جمال – قال لعمي ... إذا لم يصطلحا فلا بقاء له فى البلد .. وأنه سيجد نفسه مضطرا إلى حمل حقائبه ومغادرة مصر .

وصمتنا .. كان الحزن مخيما علينا .

لا شئ فى القلب سوي المخاوف , ولا شئ فى العقل سوى عبد الحكيم عامر قطع أمين الصمت بقوله :" وقعت قصة غريبة فى بيت المشير .." وابتسم ابتسامة واهنة وقبل أن أقول شيئا استطرد :" وجدنا شخصا مختبئا داخل المنزل .. زاغ من القوة التي أخذت الضباط واختبأ تحت السرير فى إحدى الغرف.. وظل هناك حتي عثرنا عليه كان فى حالة إعياء شديدة .. وقد علمت السلطات بوجوده وطلب العميد الماحي تسليمه وفعلا سلم العميد أيوب نفسه ..."

سألت أمين :" وماذا قال عمك عبد الحكيم

أجاب :" قال لى أن العميد أيوب كان يرافق شمس بدران فى رحلاته إلى موسكو حتى آخر زيارة له قبل 5 يونيو مباشرة وحضر جميع المقابلات التي تمت مع القادة الروس , وبالطبع فإنه استمع إلى التأكيدات التي أبدأها الروس بخصوص موقفهم معنا إذا نشبت الحرب بيننا وبين إسرائيل , وبالذات ما دار بين جريتشكو وشمس ".

و استطرد أمين وقد عاودته المخاوف :" يبدو أن عمي كمن ينتظر مصيره .. وأن حياته قد أصبحت فى خطر ..لذلك فهو يتحدث معي عن أشياء كثيرة ويكلمني فى أمور ما كان يخوض فيها معي من قبل .

سألت أمين :" وكيف يقضي وقته ؟"

قال :" إنه غالبا ما يجلس فى حجرة الصالون يقرأ .. ورأيت معه مؤخرا كتاب " المتمرد" لألبير كامي" وأحيانا نلعب الشطرنج معا وإذا أخطأت فى اللعب يصحح لى اللعبة .. وأحيانا يتسلى بتعليم أولاده لعبة " البريدج" وأحيانا يكون منبسطا فيلعب معهم لعبة " المونو بولى"

سألت أمين :" وما هي أخبار العائلة "

قال :" الاعتقالات مستمرة .. اعتقلوا والدي حسن وعمي مصطفى ووضعوا أملاكهما تحت الحراسة ".

ثم قال وهو يطوح يديه :" إذا كان جمال عبد الناصر يعتقل أقاربه ,... أفلا يعتقل أقارب عبد الحكيم عامر؟".

سألته: تقصد مين"

قال الأستاذ حسن حسين ... ابن خالة زوجة عبد الناصر – زوج أخت المشير !! ثم سألني أمين عامر :" هل تعرفين شقيق عبد الناصر.... الطيار حسين عبد الناصر.." قلت :"أعرفه" قال أمين :" جمال طرده من الطيران وهو ما زال برتبة رائد !!"

قلت لأمين :" ذلك لأنه زوج ابنة عبد الحكيم الكبرى , وكان يناصر عمك دائما فى المناقشات بينه وبين جمال , ويؤيد وجهة نظر عبد الحكيم فى نظام الحكم الديمقراطي.. بل ويقول لأخيه عبد الناصر إن عمي عبد الحكيم على حق فى تصوره لعلاج المشاكل ".

وكان آخر مواقفه .. وقد قالها لجمال عبد الناصر – بأنه يري أن عبد الحكيم لا يطلب لنفسه شيئا وأن كل مطالبه بعد التجارب التي خضناها , وأوصلتنا لما نحن فيه لا تزيد على المطالبة بنظام حكم ديمقراطي ... وأن المشير يريد أن يعرف الناس حقيقة ما جري وقت الحرب وقبلها وبعدها ... وهذا حق بديهي وكان حسين معترضا أيضا على تصفية الجيش , مع أن حسين حسين عبد الناصر هو أقرب الإخوة إلى قلب جمال ".

رد أمين :" ومع هذا طرده" وانصرف أمين عامر , وبقيت لحظة غارقة فى أفكاري وحاولت " مدام ظافر" أن تجعلني أتناول بعض الطعام , ولكني اعتذرت لها , فلم تكن بي أى رغبة فى الأكل .

خرجت من بيتها وركبت عربتي وفى طريقي سرت ببطء , متلكئة أمام بيت المشير وعيناي تجوبان حوله وخلال الحديقة والشبابيك لعلي أري عبد الحكيم ... ورفعت عيني إلى حجرة نومه بالدور الأول , والتي كان يقيم بها "أخيرا عامر" ... وهي فى جناح آخر المنزل , مكونة من حجرة نوم , وحجرة بجانبها وبها حمام كبير أما فى بداية الدور فتوجد حجرة الحرس ثم الصالونات على يمين الداخل .

كنت قد عشت فى هذا المنزل فترات قصيرة حين كانت السيدة حرم المشير " أم الأولاد" تصطاف بالإسكندرية, نظرت إلى هذا الدور راجية أن أرى المشير فى أى مكان منه ولكني لم أفلح... واصلت سيري كسيرة الخاطر إلى منزل بشارع النيل وستقبلتني خالتي " الحاجة فتحية " فرحة بمقدمي وأعربت عن قلقها لغيابي , وسألتني أين كنت ؟"

سألتها عن أخبار و أو مكالمات تليفونية :" لم يرن الجرس ولو مرة واحدة غلط ".

قلت لها :" هذا طبيعي ... لا أحد يعرف أني هنا ... والشقة مهجورة منذ وقت طويل"

قم أقبلت على عمرو ... والغريب أني لم أحس ميلا إلى ملاطفته وكأن مشاعري قد حدّدت إقامتها بداخلي. كان الخاطر المسيطر على تفكيري فى تلك اللحظة هو محاولة طرق أى باب لإنقاذ عبد الحكيم ... ولكن الأبواب كلها كانت مغلقة استعرضتها فى خيالي واحدا واحدا ... ووجدت استحالة أن أدخل واحدا منها .. هل أشكو إلى رئيس الجمهورية .. هل أذهب للإذاعة ... هل ألجأ إلى الصحافة .. هل أذهب إلى النيابة ... لا فكلها جمال عبد الناصر !!

هذا هو النظام الذي كان يرفضه عبد الحكيم ويشاء القدر الساخر أن يجسد لى معني الديكتاتورية , ويذيقني هذا المعني قسرا ويحرقني به حرقا , فأعيش التجربة كاملة تجربة القهر وحكم الفرد .

كل وسائل الغوث المشروعة , كل أطواق النجاة كل منصات المحاكم ... كلها تكاد تكون ملكية فردية لحاكم فرد .

رددت عمرو إلى خالتي وهرعت كالمحمومة إلى الطريق مرة أخري .. ولكن أخذت عند نزولي كمية من الأوراق على كل منها نص استقالة عبد الحكيم عامر التي قدمها لجمال عبد الناصر عام 62 – وهي غير التي أراد إذاعتها – كان المشير قد طبع منها ألف نسخة لتوزيعها حين عجز عن إذاعة استقالته وبيانه عن الحرب وتمثل وجهة نظره فى الحكم , وقمت بتوزيع أكثرها فى مختلف المحافظات . ولكن عبد الناصر أعتبر هذه الاستقالة منشورا سياسيا يستوجبه اعتقال صاحبه , بل واعتقال من تضبط معه نسخة منها كما فعل مع بعض أعضاء مجلس الشعب فى ذلك الوقت وفى الطريق, وزعت كل ما معي من صور الاستقالة فى أماكن متفرقة , ولم يحدث – ولدهشتي – أن سألني أحد عن مضمونها , ولم يناقشني أحد فيما جاء فيها ولم يسألني أحد عن " الموضوع".

خيل إلى أنني انقلبت شبحا لا يراه الناس , ولا يسمعونه .. أنا لم يعد لى وجود . عدت إلى المنزل مرهقة خلعت ملابسي واستلقيت على السرير فأخذني نعاس متقطع ولا أدري كممن الوقت مضي على غفوتي , ولكني صحوت فزعة على صوت طرق شديد على الباب قالت خالتي وفى صوتها رنة خوف :" يا ساتر يا رب من يأتي فى هذه الساعة .

قلت لها :" افتحي الباب , وانظري ريثما ألبس شيئا فوق القميص ..." وقبل أن أتم ارتداء الروب فوجئت برجال أمام حجرة نومي !!

غضبت خالتي وثارت :" عيب كدة.... اتفضلوا على الصالون لغاية ما تغير ملابسها .."

ردوا عليها ببرود عجيب "حاندور وشنا وهي بتلبس .. بس ما تقفلش الباب".

أشرت لخالتي أدعوها للهدوء , فلا داعي لرفع الصوت فى هذا الوقت المتأخر من الليل ظلت خالتي واقفة معي إلى أن أتممت ارتداء ملابسي .

خرجت إلى الصالة فوجدت عددا كبيرا من الرجال منتشرين فى كل مكان بالشقة... يفتشون كل شئ , يرفعونه الأثاث ويمزقون المراتب ...ويفتحون الدواليب ... يفعلون ذلك بسرعة ونشاط ,وكأنهم فى هجوم ساحق على موقع عسكري ... وأنه لم يكن يوجد سواى , وعمرو الرضيع وخالتي .

جلست على المكتبة فى الصالون وتركتهم يفتشون فلا حول ولا قوة ... اللهم إلا التسليم بمشيئته, وبين الحين والحين يأتي واحد يقول لرئيسه :" مفيش حاجة هنا يافندم".

كان على رأس القوة ضابط مباحث دمث الأخلاق يميل لونه إلى السمرة , ويميل بدنه إلى السمنة , وعلى ما أذكر كان اسمه " محمد أو أحمد صالح" ... كان صوته يشوبه بعض الحياء ... وقد شجعني هذا على مخاطبته ... فقلت له :

-كنت أنتظركم ... ولكنكم تأخرتم كثيرا ... اقترب مني وقال بهدوء: كنا مشغولين شوية ..

- ربنا يقويكم ... إن شاء الله قبضتم على مصريين كتير , لأنهم فى الحقيقة أخطر من اليهود!!

خرج فى تلك اللحظة آخرهم وأعلن :" ما فيش حاجة يا أفندم" عندئذ استدار نحوي قائلا :" أرجوا أعطائي مفاتيح المنزل وهنا ومنزل الهرم واتفضلي معانا هناك "

قلت :" اسمح لى أمر على والدتي " فقاطعني :" بلاش الوالدة دلوقت .. فيه فرقة راحت عندها". ملأني الفزع فقلت :" والدتي ... هذه السيدة الحاجة .. يدخل شقتها عساكر وهي فى هذه السن ... ماذا تستطيع أن تفعل امرأة تعرف الطريق إلى شارع فؤاد ؟... ماذا تريدون منها ؟".

تذكرت والدتي , وأختي الصغيرة البكر الطالبة بكلية الطب , وأخوتي من الشباب وخفت عليهم من التحرش بالبوليس.

ثرت قائلة " والدتي لن تتحمل مشاهدة هذا كله ".

أكد ضابط المباحث سمو أخلاقه , إذا قال بصوت خافت " لا تعتقدي إني راض عن ذلك ... ولكن هذه .. وأشار إلى البدلة الرسمي... ترغمني على التصرف بهذه الصورة "

أخجلني رده فلزمت الصمت .

ذهبوا بي إلى منزل بالهرم وفتشوا فى كل شئ ووجدوا صورا فوتوغرافية , التقطت لى فى حفلات بعض السفارات , وبعض لقطات من المسرحيات والأفلام التي مثلتها وبعض خطابات المعجبين , أيام انشغالي بالفن , شاهدوا كل شئ , وقرأوا كل ورقة وأخذوا كل عنوان حتي عنوان الجزار , أو بقال !! أخذوا يسألونني عن أسماء من معي فى الصور وعن وظائفهم ..وشملني برود عجيب وأنا أرد على أسئلتهم وذات مرة أجبت على السؤال بقولي :" دول سفراء دول العالم ..روحوا اقبضوا عليهم ... واقفلوا السفارات لأنني التقطت لهم صورا.."

ثم طلب الضابط مني مفاتيح الخزنة فأعطيتها له , وفتحها وأخذ يفتش كل شئ فيها , ثم أخرج سلسلتي مفاتيح وسألني :" لمن هاتان السلسلتان؟" قلت :" هما لجمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر .. سادهم الوجوم برهة , وفحصها الضابط وأنا ألاحظ حيرته , ثم قال لى :" ولكنهما برجان مختلفان" كانت السلسلتان بكل منهما ميدالية فى قلبها رسم برج صاحبه على : مينا سوداء: وكان عبد الناصر برج الجدي أما عبد الحكيم فقد كان برج القوس .

قلت لأرد على ملاحظة الضباط:" هذان البرجان هديتا عيد ميلاد "

قال :" أتعرفين جمال عبد الناصر ؟"

قلت :" لا .. ولكن مصطفى عامر هو الذي طلبهما ليقدمها بنفسه ,واصلوا التفتيش ثم اقترب مني رئيسهم قائلا :" خذي كل احتياجاتك .. فستغلق الشاليه بالشمع الأحمر .

ولن تستطيعي المجيء إلى هنا لفترة طويلة ".

شكرت الضابط على حسن معاملته وأدبه .

أعادوني ثانية إلى شقتي بشارع النيل فوجدت أنهم خصصوا رجلين للبقاء معي في الشقة طوال الليل و... وعلى الباب وقف اثنان آخران , وانتشر عدد منهم على السلم.

أما منزل والدتي – وهو فى شارع قريب مني – فقد أرسلوا أربع عربات " جيب" تحمل جنودا مسلحين بالمدافع الرشاشة , وما كادت العربات تقف حتي هبط منها الرجال وصعدوا مسرعين إلى الشقة .. وقال لوالدتي التي أصابها الفزع :" عايزين نفتش الشقة ... مباحث" وكان الآخرون قد بدأوا فى تمزيق المراتب وقلب الأشياء وعاثوا فى جميع الحجرات فسادا . وقد حدث أن اثنين أرادا أن ينقلا كرسيا من مكانه فما كاد يهمان برفعه حتي سقطت رجل الكرسي المتهالك , وجو الرجلان, ونظر لبعضهما البعض ثم التفتا إلى والدتي وابتسما .. قالت لهما :" معلهش أصلى ما أحبش أسيب بيتي القديم " ثم حشدوا والدتي وأخوتي جميعا فى عربة وجاءوا بهم إلى منزلي بينما واصلوا هم تفتيش شقة والدتي بدون وجودها . وفى هذه المرة أخذوا معهم كل ما جئت به من شقتي بالهرم.

حبسنا جميعا داخل الشقة يملؤنا الإحساس بالقهر والعجز ... تحيط بنا رشاشات تصوب نحونا والأيدي تمزق وتقلب , ويبعثر كل ما نملك داخل بيوتنا ... ولا اعتراض .... ولا حق فى الاعتراض هم أصحاب الحق كله , والجبروت كله .

لم يكن قد مضي على عودتي من منزل الهرم أكثر من نصف ساعة حين أخذوني أنا ووالدتي إلى مبني المخابرات العامة بعد عودتي من الهرم.

وفى هذا المبني صعدوا بي إلى الدول الأول , عبر سلم ضيق ووضعوني بحجرة على اليسار تقع فى أول الدهليز الطويل أما والدتي فقد وضعوها فى حجرة أخري .

كانت الحجرة التي أنابها تحتوي على مكتب حديدي وكرسي وراءه وكرسيين على جانبي المكتب وإلى جانب الجدار كان يوجد سرير حديدي .

أظهروا لطفا ولينا فى معاملتي وقدموا إلى السجائر والقهوة , بعد عشاء مؤلف من دجاج مشوي وبعض أنواع السلطة قدموها وهم يقولون بطلف " حاجة كدة على قد الحال "

سعدت بهذه المعاملة واستراحت نفسي .. ثم جاءوا لاستجوابي .

كنت جالسة إلى المكتب الحديدي , وبعد أن قدموا الاعتذار عن اضطرارهم لإحضاري بدأوا استجوابهم بقول أحدهم :" نحن نعرف أنك زوجة المشير عبد الحكيم عامر"

أجبت على الفور " أنا لست زوجة المشير عبد الحكيم عامر".

بدا أن إجابتي فاجأتهم , وتبادلوا النظرات ثم قال أحدهم " لقد جئنا بك إلى هنا باعتبارك زوجة المشير .

" قلت :" ومن قال لكم أنني زوجته .."

قال " ولكنك تقيمين فى بيته ".

قلت :" ليس هذا بيت عبد الحكيم , ولكنه بيت مصطفى عامر ".

تركوني فى حيرة من الأمر وأغلقوا على الباب بالمفتاح , جلست فى وحدتي داخل الحجرة وكان أول ما طفا على سطح ذاكرتي قول عبد الحكيم لى :" ليس فى حياتي شئ يأخذونه علي – أنت نقطة ضعفي الوحيدة .

عادوا إلى بعد قليل , وقال احدهم أمك بتقول إنك زوجة المشير عبد الحكيم عامر "

قلت بإصرار:" أمي لا تعرف زوجة من أنا ".

قال :" وابنك ... ابن مصطفى وابن عبد الحكيم "

قلت :" ابن مصطفي!!!".

تركوني مرة أخري وأغلقوا على الباب . ذهبوا إلى والدتي – كما أخبرتني فيما بعد – وقالوا لها :" ابنتك تقول أن الولد ابن مصطفى عامر ".

ثارت أمي وقالت لهم , كيف تقولون هذا .. ده لو ابن مصطفى لكنت مزقته بيدي هو ابن المشير عبد الحكيم عامر .

عادوا إلى مرة أخري وكنت قد ازددت تمسكا بقولي , بعدما وضح لى مدي الحيرة والارتباك اللذين وقعهما فيها إنكاري أني زوجة عبد الحكيم عامر .

إن اهتمامهم الزائد بأن أكون زوجة عبد الحكيم جعلني على ثقة من فعلت الصواب لا أدري لماذا اتبعت هذه الخطة معهم ... وليس لى من تعليق سوي أن أقول أن الله ألهمني هذه الإجابة , وكانت هي سبب نجاتي من الأهوال , ونجاة كل من أعرفهم من زملاء وأصدقاء وأقارب وأولاد عامر – أقصد الضباط – التي رأيتها على أيديهم بعد ذلك .

قضيت تلك اليلة فى الحجرة : وفى اليوم التالي عادوا إلى استجوابي وانفقنا النهار والليل فى قول :" أنت زوجة من إذن" " أنا زوجة مصطفى عامر " أنا لست زوجة عبد الحكيم عامر "

كنت أنتظر حلول المساء يراودني أمل فى أن يفتحوا باب زنازنتي , ويقول لى أحدهم " اتفضلي روحي بيتك ".... وسبب الأمل أن أحدهم قال لى بعد استجوابي , ردا على سؤالي" متي أخرج" قال " فى المساء أخبرك ..."

كلمة – قيلت عرضا – وربما هزرا – فتعلقت بها , فإن الحنين إلى بيتي وولدي , فاض بقلبي بينما يمسكون بخناقي فى هذه الحجرة الضيقة المقبضة .

وفي الليل سمعت صوت الباب يفتح فخفق قلبي وقلت لعلهم جاءوا ليفرجوا عني .

دخل رجلان وقالا لي :" تفضلي معانا .." وسارا بي فى الممر الطويل الضيق , وفي نهايته انحرفنا يمينا , ودخلنا حجرة واسعة تتوه فيها العين .

كان المكتب أول ما وقع عليه بصري ورأيت رجلا حنون النظرات والملامح , والصوت كان يجلس خلف المكتب .

وقريبا منه , على مقعد ضخم , رأيت كومة لحم هائلة , خليطا من الأذرع والسيقان يعلوها رأس ضخم له وجه شديد العبوس والاشمئناط , ونظرة شديدة العداء .

هذا – كما علمت فيما بعد – كانا حلمي السعيد ذى الوجه العطوف و ,أمين هويدي ذي الوجه العبوس .

فور دخولي نهض حلمي السعيد واستقبلني برقة ولطف ودعاني للجلوس .

أما أمين هويدي فقد ظل مضطجعا فى كرسيه , واضعا ساقا على ساق , وطرف حذائه يعترض الفراغ الكائن أمام المكتب .

جلست وشغلني الرجل الضخم بنظراته التي تسكب على بغضا مما يفيض به قلبه ... وعجبت فأنا لم أكن قد رأيته من قبل , ولا أذكر أن قد وقع بيني وبينه ما يستوجب منه كل هذه الكراهية . دارت عيناي فى المكان ورأيت فى مواجهتي نافذة عريضة , تتدلي من حافتها أسلاك كثيرة وتذكرت أن علي أن على نافذتي بعض الأسلاك أيضا إذن هم يسألونني هناك ويسجلون لى هنا !! مد حلمي السعيد يده , ولمس زرارا فى رقعة ذات أزرار كثيرة موضوعة فى درج مفتوح من أدراج مكتبه .. وبالطبع كان معني هذا أنه بدأ التسجيل .. قال حلمي السعيد:

كيف حالك؟  : بخير

وعمرو؟  :بخير

إذ ذاك مال قليلا إلى الأمام وهو يقول :

لا تعتقدي أننا ضدك .. فنحن نحب المشير .. وكلنا نكن له الحب والتقدير .. ولكنها الظروف هى التي دعت إلى ذلك .. وإن شاء الله تخرجين من هنا بسرعة .. بس عندنا شوية أسئلة وعاوزينك تجاوبي عليها .. قلت : " خير ".

قال:" نحن نعرف أنك مصرية جدعة بنت بلد .. ولا تحبين الكذب .. وأنت بالطبع زوجة سيادة المشير ؟" على الفور قلت :" لا ... أنا زوجة مصطفى عامر "

قال بصوته الحنون المخملي" لماذا تتخدين موقفا .. إننا من أصدقاء المشير وبيننا عشرة طويلة .

وتمرت فيك العشرة ؟.

صمت برهة ثم استأنف :

- نحن نعرف أنك زوجة المشير عبد الحكيم عامر .. ولهذا جاءوا بك إلى هنا .. الأوامر صدرت بالقبض على زوجة المشير عبد الحكيم عامر .. فذهبوا إلى منزلك بالهرم .. ومنزلك بشارع النيل .. لأنك زوجة المشير .. ومصطفي عامر متزوج , ولدينا ورقة منه يؤكد فيها إنك زوجة عبد الحكيم عامر وورقة من حسن عامر بأنك زوجة أخيه المشير عبد الحكيم عامر . فماذا ترفضين الاعتراف بهذه الحقيقة؟

قلت :" إذا أردت الحقيقة فهي أني زوجة مصطفى عامر .." وأريد أن أعرف ما هي جريمتي؟... هل الزواج أصبح جريمة ... ورغم أني لست زوجة المشير .. ولكن افترض – فهل هذه هي جريمة أن أكون زوجة المشير ؟

قال أمين هويدي بجفاء : ليس هنا شئ اسمه افتراض نحن متأكدون ... فلماذا تنكرين؟".

ثم قال بلهجة مستفزة تفيض اشمئزاز" أم لأن المشير فى مأزق فأنت تتخلين عنه .. كنا نظنك أكبر من هذا .."

قلت :" عندما أخرج من هنا ... سوف تعرف أني كنت أكبر مما تخيل .."

قال حلمي السعيد :" إذن عمرو ... ابن مين؟

قلت :" ابن مصطفى عامر "

قال :" أخبرناك أن لدينا ورقة من مصطفي عامر يقول فيها أنك زوجة أخيه المشير الحكيم عامر وأن عمرو ابن أخيه عبد الحكيم عامر..."

قلت :" هذا موضوع عائلي ولا يهمكم أمره ... وحين أخرج سوف نتولي علاجه معا" قال حلمي السعيد :" ولكننا نريد لك ولعمرو أن تأخذا حقوقكما , ومستحقاتكما الرسمية ".

قلت :" شكرا... لا أريد منكم شيئا". ناقوس الخطر يدق بداخلي , وأدركت أن بساط الحرير منزلق إلى الاعتراف , بأسماء من زاروه أو كلموه , او جاءت على لسان أحدهم معلومة أمامي , وما يتبع ذلك من مواجهات واتهامات بين رجال المشير المقربين وتلطيخ صورتهم جميعا.

قال أمين هويدي بلهجة مباغتة " هل تعرفين لغات أجنبية ؟"

ابتسمت :" أعرف إنجليزي وفرنساوي .. وبعض الإيطالية".

قال لعجالة " هل تذهبين إلى السفارات الأجنبية ؟"

وسؤال ثالث :" هل كنت تقابلين السفراء الغربيين؟"

أجبته وقد أخذتني قسوته :" نعم .. ولكن جمال عبد الناصر يعرف الإنجليزية ويقابل السفراء ..... لم لا تحققون معه؟"

رد بصرامة :" جاوبي على أد السؤال !!!"

داهمتني ذكري الشائعات .. تلك التي أشاعوها .. عني .. فقالوا أني عميلة أمريكية !! وقالوا يا لسخف ما قالوا – أني اختفيت قبل الحرب بأيام ... كنت خلالها فى إسرائيل ... وأن هذا سبب النكسة !!!

قلت فى نفسي :" لقد لفقوا حكاياتهم عني , وهاهم أولاء يريدون تلفيق الدليل ... وشعرت بالخوف الشديد ..ونظرات أمين هويدي تلاحقني فى انتظار الإجابة قلت:" إن رئيس الدولة قدوة للناس... فإذا أنا فعلت ما يفعله فلن أكون بعيدة عن الصواب وساد الصمت .. ثم مد حلمي السعيد يده وضغط على الزرار الموضوع فى درج من أدراج مكتبه ... انتهي التسجيل , وانتهت المقابلة.

وفى نهاية الليل نفضوا أيديهم مني , وأعادوني معصوبة العينين – كما أخذوني- إلى منزلي.

وفى البيت , وجدت والدتي .. وأخوتي وعرفت منهم أن والدتي لم تمكث فى مبني المخابرات سوى ساعات كانوا جميعا فى منزلي على النيل , وقالت والدتي أنهم الآن يفتشون شقتها , وسألتني والدتي :" ليه يا بنتي بتنكري جوازك من المشير ؟ ده راجل يشرف, قلت : أنا عملت كده لمصلحته لو قلت أني مراته مش حايبطلوا أسئلة واعتقالات ,وحايأخوا ناس كتير لكن لما أنكر معرفتي بيه مش حايكون فيه سؤال تاني .

قالت والدتي :" سمعنا إشاعات إنك عميلة أمريكية" قلت لها :" معلش يا ماما دي سياسة".

ثم انتحيت بأختي زهرة وشرحت لها لماذا قلت أنني زوجة مصطفي عامر وأوصيتها إذا سئلت هذا السؤال , أن تقول لا أعرف , ورحت أشرح لها :" إذا قلتي أعرف فلن تنتهي , وسيسألونك عن صلاح نصر , وعباس رضوان وعصام خليل وكل اللي بيجوا عندنا .

قاطعتني زهرة :" و أونكل أنور السادات ؟"

قلت :" ولا أنور السادات .. قولي إنك لا تعرفين شيئا وتمسكي بهذا".

على مدي يومين لم تكف عمليات التفتيش والتنقيب فى منزلي ومنزل والدتي ... نقلوا كل شئ وحفروا كل شئ ومزقوا كل شئ كانوا كمن أصابتهم الحمي , وقالت والدتي:" يأخذوننا خارج الشقة ليخلو لهم الجو , ليواصلوا البحث ثم يعيدونا ونظرت إلى شقتي , حتي جدارنها التي كنت بطنتها بألواح خشبية كسروها , وكشفوا الحائط الذي خلفها والصناديق الصيني لتي كنت قد أحضرتها من منزلي بالهرم أخذوها جميعا بحثوا .... بحثوا.... بحثوا وفي النهاية كفوا عن البحث ... وتفرغوا لي. يستطيع كثير من القراء أن يعودوا بالذاكرة معي إلى الوراء إلى تلك الأيام من النصف الثاني لعام 1967.

وقتها امتلأت الصحف – بإيعاذ من سامي شرف , ومحمد فوزي , بتساؤلات خبيثة عني , وعن المشير , وعن أخيه مصطفي وطرحت القضية عن طريق عملائهما من الكتاب المنتمين إلى أجهزتهما السرية .

  • هل هي زوجة مصطفي عامر ؟

وانبرت الأقلام , المغرضة , تناقش وتحلل وتقول رأيها فى مسالة كوني زوجة مصطفي وأخري تقدم البراهين الكلامية – المأخوذة من أجهزة المخابرات – أنني زوجة عبد الحكيم عامر ..جري هذا العبث ليشغل الناس بمسألة " لغز برلنتي" فى وقت هم فيه أحوج ما يكون لمن يفسر لهم " لغز الهزيمة". ولم يستح رؤساء الأجهزة السرية فى أن يعرضوا حرمات الناس للهتك , وشرفهم للشبهات وهم يعلمون أن عبد الحكيم عامر من أسرة " صعيدية تتمسك بالتقاليد وتحافظ على الشرف .

لم يستحوا... ولم يتقوا ربهم , فألقوا بهذه الحكاية فى ساحة الإعلام لتصبح مادة من مواد التلاهي " التي يلهون بها الناس ويشغلون عقولهم عن صميم القضية وأصبح معرفة " أنا زوجة من" أهم من معرفة من خان الجيش المصري فى حرب 67 ..؟!

أوغل الليل ... وساد السكون الحاني على منزلي المهشم , وهاجمتني الأفكار تكسر مشاعري , كما كسر الرجال بيتي تقتحم عقلي صور من أحداث هذه الأيام يحيط بها الغموض والإبهام رغم وضوحها للعين!! أنا أخاف على ابني , وأمي وأخوتي أخاف على عبد الحكيم أخاف على أبنائه , وأهله وأخوته .

فجأة شق سكون الليل دقات عنيفة على بابي فقمت مفزوعة لأفتحه وما كدت أفعل حتى انهمر إلى الداخل سيل من العساكر والضباط المتعجلين ... تسوقهم رغبة عارمة محمومة إلى تفتيش كل شئ يصادفونه , ولم يقلل من اندفاعهم أنهم فتشوا من قبل مرات ومرات ... وكل مرة يأتون بنفس الحماس , ونفس العجرفة ونفس القسوة ... ويختتمون مرتهم بنفس الاعتقال .

أخذوني فى هذه الليلة – أنا وأمي وشقيقتي زهرة – إلى مبني المخابرات العامة ولم ينسوا أن يعصبوا أعيننا كما تعودوا .

القوا بي إلى قلب الحجرة ذاتها , التي كنت بها من قبل ولكن المعاملة لم تكن هي ذاتها كما كانت من قبل .

هذه المرة تسود الجهامة والغلظة على طباع من أحاطوا بي فى المرة الأولي كانت " فرقة الاستجواب " رجلين فقط أما هذه المرة فقد أصبحوا أربعة وكان أولي علامات الحفاوة أن تركوني بلا طعام ولا سجائر طوال الليل وفيما تلي من أيام أصبح الطعام والسجائر من أدوات التعذيب التي يعذبونني بها .

أما الطعام .. فلم تكن بي شراهة له فى يوم من الأيام .

أما السجائر.. فقد ركبني بشأنها عناد أصم .. فلا أطلبها , ولا أقربها إن جاءوا بها وبذا أعطبت لهم هاتين الأداتين .

وفى سجني هذا تذكرت المشير فى سجنه . وقاسمته الشعور بالوحدة . وتساءلت : " ماذا تراهم يفعلون به . أنهم لا يتورعون عن فعل أي شئ , مادام لا شئ يردعهم وظللت أفكر ماذا يريدون مني .. لم أكن ضالعة فى مؤامرة لقلب نظام الحكم... لم أكن خطرا , ولم أكن عدوا فما الذي يريدونه مني .. أنني حتي لم أعرف ماذا يريدون من المشير ... ولاح فى خاطري أنهم ربما أرادوا استغلالي كسلاح ضد المشير !! فتح الباب .. ورأيت من خلاله رجل يهرول ذهابا وغيابا وجيئة... والمكان تسوده الرهبة .

دخل الحجرة فجأة أربعة أشخاص , ذوى وجوه متجهمة , وعيون جامدة , يتحركون كأنهم آلات . لم يبد عليهم أنهم رأوني وتناثروا فى الحجرة من حولي ماعدا رجلا سمينا أصلع جاحظ العينين جلس هذا " الجاحظ " إلى المكتب وأنفق وقتا باسطا ذراعية على حافة المكتب ناظرا إلى نظرة طويلة بكماء .. ثم أشار بيده إلى وإلى الكرسي الذي أمام المكتب فجلست.

ورغبت فى كسر حاجز الرهبة الذي أقاموه حولي على هذه الصورة فقلت :" الساعة كام من فضلك؟ أجاب بصرامة:

الوقت مش مهم...

- قلت: ولكنه مهم بالنسبة لى – فما السبب الذي جعلكم تقتحمون على الحجرة فى هذا الوقت من الليل؟

أجاب بغلظة :" إحنا هنا نعمل اللي إحنا عاوزينه".

عناد قام بداخلي وتحفزت جوارحي كلها , وتأهبت للمواجهة فقلت " يعني حرب أعصاب ؟"

قال :" هذا يتوقف عليك" قلت :" كيف"؟

وكأنهم كانوا ينتظرون " كيف" حين تخرج من فمي , فقد بدا رد فعلها قويا عليهم فالتفتوا حولي , ولانت أصواتهم , وقال واحد منهم :" إحنا عاوزين بس ندردش معاكي.. ونسأل شوية أسئلة ... ,إذا تعاونتي معانا بشكل إيجابي ... راح تخرجي على طول .

سألته :" أتعاون معاكم فى إيه ؟"

قال آخر برقة ومداهنة ". بيقولوا عليك أنك ست مثقفة .وبنت بلد ... والمفروض مواقف ز يدي إنك تبقي معانا ... لأن مصلحة البلد أهم من الأشخاص .

تساءلت :" وإيه مصلحة البلد فى وجودي هنا ؟ وإيه مصلحة الشعب المصري فى اعتقالي وحرماني من ابني , وجرجرة أمي وبهدلتها ... والتفتيش .. والرجالة الليى داخله خارجة علينا طوال الليل ؟... إيه مصلحة البلد فى كل ده ؟"

ولما انهيت كلامي تقدم مني شخص لم يكن قد تكلم من قبل , بل طوال الوقت كان يقف متباعدا متعاليا , مصطنعا عدم الرضا والاستخفاف بسلوك زملائه ... كان أنيقا وديعا وسيما " ابن ناس"

قال " ابن الناس " : إنتي طبعا زوجة المشير ... ويهمك مصلحته , ومن مصلحتك ومصلحته إنك تتكلمي , عشان ترجعي بيتك على طول .. وتشوفي ابنك ... ووالدتك ترجع بيتها , وإحنا طالبين حاجات عادية ما تضرش المشير يعني .. كان بيقابل مين , وبيزوره مين , وهو بيزور مين وكانوا يتكلموا عن إيه ؟ قلت له بقوة " أنتم ناسيين حاجة ... ناسيين إني مش زوجة عبد الحكيم ... أنا زوجة مصطفى عامر!! تلتفتوا إلى بعضهم ... ,ظهرت فى عيونهم الحيرة والتساؤلات , فبادر الجاحظ إلى التدخل نظر إلى طويلا بعينيه الجاحظتين .. كعادته قبل أن يبدأ الحديث ثم قال :" أنت حا تتكلمي وإلا نوسخ اسمك ... ونقول عنك حكايات قذرة .. وإحنا نقدر نعمل الأدلة اللي تثبت إنك أى حاجة... إحنا عاوزينها.

تدخل آخر فى الكلام قائلا :" نقول مثلا .. بتشتغلي فى بيت دعارة .. انتي مش قدنا ... إحنا نملك كل شئ ... وإنتي ما تملكيش أى شيء ... المشير إقامته محددة لا يقدر ينفعك , ولا حتى يقدر ينفع نفسه .

اقترب " ابن الناس" بكرسيه مني بعض الشئ وقال :

_ شوفى يا مدام .. إحنا مش ممكن نؤذى حد ... إلا إذا أجبرنا على كده ... وكلنا بنحب المشير وما نرضاش نضره .. لكن أنتي راح تضطرينا على تصرفات إحنا مش عايزينها حاولي تتعاوني معانا ... وإحنا مستعدين لإرضائك .

ثم تلطف صوته . ومال ناحيتي كصديق إلى صديق :" بيني وبينك المشير خلاص .. انتهي .. ومافيش داعي تعرضي نفسك للخطر ... وإذا كنت خايفة حد يؤذيكي وكانت ليكي شروط أنك تعيشي بره مثلا ... إحنا مستعدين نتفاهم على " الرقم " اللي يخليكي بره أحسن عيشة .. وتربي ابنك فى أحسن مدارس فى أوربا ... شفتي إحنا ممكن نفيدك إزاي ؟

واستطرد متطلفا:

- أما إذا ما فيش تجاوب معانا .. حتخسري كتير .. لأننا عارفين كويس غ،ك زوجة المشير , ولما رحنا نجيبك جبناكي بصفتك زوجة المشير , وقولك إن مصطفي زوجك يضرك ... لأن معناه إنك مرات مصطفي و‘شيقة المشير !!

غرس الرجل سيفا محميا فى لحمي بكلماته الأخيرة .. كانت تعريضا واضحا بشرفي .. وسمعتي ... وتهديدا بضياع أبوة ابني وضياع كرامة أبيه .. استفزاز .. وقررت ألا أستفز .

اتضحت لى نواياهم .. إنهم يريدون التشهير بعبد الحكيم عامر , ولأنهم لم يجدوا فى حياته ما يشير فقد أرادوا استغلالي لمساعدتهم فى تحقيق هذه المأرب لكن .... هيهات .

قلت للرجل :" أنا لا يهمني عبد الحكيم عامر .. أنا زوجة مصطفى عامر "

صفعتهم كلماتي كما كانت تصعقهم كلما قلت , إنني زوجة مصطفي عامر , لأن هذا القول يوصد الباب أما أي أسئلة أخري كانوا قد أعدوها من قبل على أساس إني زوجة عبد الحكيم .

قال أحدهم : وابنك؟ .. سنأتي به ونضعه فى حجرة مجاورة لتسمعي صراخه طول الليل .. كانوا يتلمسون " نقطة ضعفي " فيضغطون على بها إلى آخر مدي فتصنعت حال كراهية ونفور وأنا أردد بانفعال:" أحضروه أمامي , وقطعوه ... قطعة .. قطعة .. ولن أسألكم ماذا تفعلون به ... أنني أكرهه فهو نحس , ولا أريد أن أراه !!

شملهم استنكار شديد وقال أحدهم :

- أعوذ بالله !! .. إنتي ما عندكيش قلب خالص !!

أحسست بالرحلة لأول مرة فقد أفلحت فى إثارة اشمئزازهم من أمومتي الجامدة وتخلصت من " نقطة ضعف".

وإلى هنا تركوني وانصرفوا.

بعد انصرافهم , مكثت وحدي فى الحجرة , مهدودة العافية لما بذلت من مجهود عصبي , وفكرت فى الحال الذي أنا فيه , وفي هؤلاء القوم الذين يسعون إلى تدنيس سمعة واحد من رجال الثورة وشريك وصديق رئيس الجمهورية .. نعم هو " التدنيس" فلو كان كل غرضهم أن يعرفوا زوجة من أنا ؟ فليس هذا مجهولا من جمال عبد الناصر , ولا من أجهزته , وكان يستطيع أن يخبرهم .. خاصة انه كان صاحب فكرة كتمان خبر الزواج حتى يتفقا - هو والمشير – على إعلانه فى وقت مناسب ... وفوق ذلك هو الذي أطلق اسم " عمرو" على ابننا وبدأت أغفو...

انتبهت على صوت الباب وهو يفتح .. واندفعت كتيبة الاستجواب , بأفرادها الأربعة إلى داخل الحجرة , تحركوا حولي بذات جمودهم وآليتهم , وقال أحدهم بجفاء " قومي.. الموضوع أصبح خطيرا... ومش حاتفلتي المرة دى!!"

رجوتهم أن يتركوني بضع ساعات لأنام , ولكنهم رفضوا بشدة قائلين : إنتي ش فى بيتك ... إنتي هنا تبعنا .

كان أحدهم يحمل حقيبة سفر مغلقة وآخر بجواره ممسكا بمفتاحها وقدمه لحامل الحقيبة ليفتحها .

وراقبت عملية فتح الحقيبة , وأنا أتساءل عن الشئ الخطير الذي بداخلها والذي خصص له رجلان كاملان من رجال الدولة !!

فتحت الحقيبة .. وأخرجوا منها بذلة . وقال أحدهم:

وجدنا هذه فى أحد الدواليب منزلك ..

ثم ماذا؟

- انظري .. وأشار بأصبعه إلى الجيب الداخلي للجاكت ... حيث كان اسم عبد الحكيم مطرزا على حافة الجيب .

جلس " الجاحظ " وراء المكتب وقال :" تقدري تفتكري دلوقت"

قلت له :" إيه هية جريمتي .. إذ كان فيه جريمة قدموني للمحاكمة ".

قال : إحنا هنا المحكمة ".

وكان على أن أقدم تبريرا لهم فقلت :

البدلة مكتوب عليها اسم عبد الحكيم عامر... وهو أخو جوزي عبد الحكيم عامر ... فيه شئ يضر البلد من وجود البدلة فى الدولاب عندى؟ .. هو أخوه ومن حقه يزوره فى أى وقت .

قالوا جميعا فى نفس واحد تقريبا:

يعني أنتي شفتي المشير.

قلت " شفته مرات قليلة .. لما كان بيجي مع أخوه عشان يزوروا مصطفى" رفع أحدهم أمام عيني سلسلتي المفاتيح وقال :" وجدنا السلسلتين دول فى الخزينة الحديد الموجود فى حجرة نومك .. واحدة عليها برج الجدي , والثانية بنفس الموديل وعليها برج القوس.

قلت لهم :" مصطفي قاللي اعملي سلسلتين للمفاتيح واحدة لجمال عبد الناصر وواحدة لعبد الحكيم عامر لانهم شافوا الموديل ده معاه فطلبوا زيها .

قال الجاحظ :" سألنا مصطفى وقال إن ما شافتيش السلستين دول من قبل كده ... يبقي الريس شافها مع عبد الحكيم ... وتبقي انتي زوجة عبد الحكيم.

وكأني ذكرت أسماء سحرية – لا بشرية – فأصابتهم بالبلاهة , والجمود , وانتابهم حيرة فأخذوا ينظرون إلى بعضهم.

قلت خلال الصمت :" دي هدايا لهم وكان مصطفي ناوي يديها لهم بنفسه , لأني ما أعرفش الرئيس جمال وماليش معرفة قوى بالمشير . الحكاية أن المشير شافها مع مصطفي وجمال شافها مع المشير فطلب واحدة زيها .

شملت الحجرة لحظات صمت يتبادل فيها النظرات واجمين ثم قطع الصمت " ابن الناس " بقوله :

أنا بقول نسيب المدام تستريح شوية ... لأننا تقلنا عليها وكفاية كده دلوقت .

خرجوا .. وسمعت صوت الباب يقفل بالمفتاح , فاستلقيت على السرير الحديدى الموجود بالحجرة ... ,آلمتني الوسادة كأنها محشوة بالرمل والزلط , وقد انتابني الأرق من الملل رغم الإرهاق وأنفقت ساعات أستجدي النوم دون جدوى.

أردت الذهاب إلى الحمام فقمت إلى الباب أدق عليه كالمعتاد ولكن لم يستجب لى أحد واصلت الدق فترة ثم يئست فعدت لأستلقي على السرير ورحت أفكر فيما أحاطوني به من سرية تامة , فليس مسموحا لأى شخص فى المبني أن يراني أو يدخل الحجرة وحين أطرق الباب طالبة الذهاب إلى دورة المياه يأتي شخص ليسير أمامي ومهمته إغلاق جميع الأبواب التي أمر بها . ورجل آخر يقوم بمنع ظهور أي شخص إلى أن أعود إلى حجرتي ويغلق على الباب.

ثم خطر لى خاطر آخر رحت أقلبه فى رأسي وهو أن أطلب رؤية جمال عبد الناصر وأتكلم معه فلعل صداقته القديمة للمشير ومعرفته الشخصية بي يكونان عونا لى على الفور بإزاحة الجدار الذي فصل بينه وبين المشير ذلك الجدار المؤلف من مراكز القوي المسيطرين على عبد الناصر وأصحاب مصلحة فى هذا الشقاق .

وقلت لنفسي :" كيف يرضي لى أن أنام هنا فى هذا المبني الملئ بالرجال , وهو يعف أنني زوجة صديقه , وأن هذا التصرف يجرحه كواحد من أبناء الصعيد .

كنت أعرف أني أهذى.. فالرجل الذي حدد إقامته أقرب الناس إليه ,, والذى كان يقول عنه :" لو فتحتم قلبي لوجدتم عبد الحكيم متربعا فيه " ... هو – جمال عبد الناصر – الذي طرد شقيقه الطيار حسين حسين عبد الناصر – وهو أقرب أشقائه إلى قلبه – من الخدمة ... هذا الرجل ... عل يهتم بمجاملتي وأنا الغريبة بالنسبة إليه ؟

غلبني النوم فى النهاية , فرحت فى سبات عميق . ولا أدرى كم من الوقت نمت , ولكني صحوت على صوت رجال بالحجرة وقال لى أحدهم :" قومي .." قلت الساعة كام رد أحدهم :" أربعة بعد الظهر".

قلت :" أنا خبطت على الباب كتير كنت عايزة أروح الحمام لكن محدش رد على ..." إذا كانت دى زنزانة انفرادية أرجوكم جهزوا لى جردل بجوار المكتب. ضحك أحدهم وقال :" لا إحنا بس كنا مشغولين شوية ".. كنت أنام بملابسي كاملة وكأني فى الشارع , فلم أعد أعرف متى يفتحون على الباب , ويدخلون واعتدلت فى جلستي ثم نهضت واقفة وأنا أشعر بإرهاق شديد .

كان الجاحظ قد أخذ مكانه وراء المكتب وكان معهم شاب تبدو عليه الطيبة اخرج هذا الشاب مجموعة صور من جيبه كلها لى قبل زواجي التقطت فى حفلات السفارات والاستقبالات وأخذوا يعرضون على الصور ويسألون :" من هذا " " ومن الذى تسلمين " ." ومن الذي يطبع قبلة على يدك ".... الخ.

زاد يقيني بأنهم يبحثون عن وسيلة للتشهير بعبد الحكيم .

قلت " للجاحظ ": الأستاذ أمين هويدي سألاني فى المرة اللي فاتت وجاوبت .. تدخل " ابن الناس" قائلا :" معلش .. ده موضوع تاني .. موضوعنا النهارده عن الصور.. كلمينا بالتفصيل عنها , احنا عارفين إنك على صلة بالدبلوماسيين, وإنك الوحيدة اللي بتقعد بعد انتهاء الحفلات الرسمية وتجالسين أسرهم يعني القعدات " الأنتيم" هل كانت لك علاقة بأحدهم؟

قلت :" ليه تاعبين نفسكوا معايا , وأنتو تبعتوا بالأكذوبة أو التشنيعة اللي أنتم عايزينها .. إلى مكان أنتم عارفينه .. وتبقي على لسان كل المصريين فى أربع وعشرين ساعة .

قال " ابن الناس " إحنا عايزين نسمع منك أنت.

قلت لو كان لى علاقات ما كنتش حزت على الثقة والاحترام داخل أسرهم وأنت بنفسك قلت كده دلوقت .

سأل : الجاحظ : أنتي ليكي صداقة بالأمريكان ؟

قلت " علاقتي بيهم مجرد حضور الحفلات الرسمية .. زيي زيغ يرى .

فجأة سألني :" امتي اتجوزتي المشير؟"

ولم أرد .

قال بغضب :" أنا باسألك". قلت :" وأنا جاوبت ميت مرة ".

قال : لكن عندنا اللي يثبت إنك مراته .

كانت الساعة قد تجاوزت السابعة وهم يتحدثون ويشربون القهوة والشاى . ثم تركوني وانصرفوا.. "مواجهات"

أيقظتني من نومي هزة عنيفة , ملأت قلبي ذعرا وفتحت عيني , فإذا هم يدفعونها أمامهم دفعا , وتفرست فيها بعينين يغشاهما النعاس فإذا هي الدكتورة إيزيس خليل شقيقة اللواء عصام خليل.

جاءوا بها أمامي وأجلسوها , وسألها أحدهم .

- هي دي اللي ولدتيها ؟

صحت قبل أن تجيب :" أنا ما أعرفهاش , ولا عمري شفتها قبل كدة:

كانت الدكتور إيزيس ذكية وفهمت مرادي فقالت :

- الحقيقة .. المدام اللي ولدتها كانت تشبه دي لكن الثانية شعرها أفتح شوية ولونها أبيض من دي .. وأسمن شوية .

واسقط فى ايديهم ... أما أنا فشعرت بالارتياح / بنجاتي من هذا المأزق وشكرت للدكتور – فى قرارة نفسي بديهتها خصوصا أنها هي التي كتبت شهادة ميلاد عمرو بيدها .

تقدم " الجاحظ" من الدكتور إيزيس ورمقها بنظرة صارمة وهو يقول :

- انتي مش قلتي إنك تعرفيها وولدتيها ؟

قالت الدكتورة إيزيس :

- الموضوع ده كان من شهور .. وأنا دكتورة أولد عشرات كل شهر .. وقلت لو شفتها احتمال أن أفتكرها :

قال " ابن الناس ": ما هي نفس المدام اللينتي ولّدتيها.. بس ساعتها كانت صابغة شعرها أفتح شوية .. بصي لها كويس وإنتي حتتعرفي عليها .

قلت بسرعة :" أنا قلت لحضرتك أني ما اعرفهاش .. وما شفتهاش خالص قبل كدة"

وأكدت إيزيس بشجاعة :" أنا كمان ما أعرفش الست دي.

لأول مرة يأتي شخص من خارج هذا المبني وأرادوا أن يأتوا بها كشاهدة علىّ ولكنها تحولت إلى شاهدة عليهم !!

اندفعت إلى الحديث مستغلة وجود هذه الشاهدة:

- انتم بتعملوا فينا إيه ؟... إيه جريمتي دلوقت ؟... إيه يهمكم إن كنت متجوزة مصطفى ولاّ عبد الحكيم.

وإيه يفيدكم لو كانت الدكتور اللي ولدتني ولاّ لأ؟ .. هو الإنجاب جريمة؟

قال " ابن الناس " : لأ طبعا .. بس عايزين نعرف من مين ؟

أجبت :" قلت لك من مصطفى عامر "

قال :" ومصطفى عامر قال إنك مرات أخوه وعمرو يبقى ابن أخوه ".

قلت :" وإيه هية مشكلتكم إذا كنتم تقدروا تلزقوا أى تهمة لأى واحد؟

ولما وجد " ابن الناس" إن الحوار أصبح غير مرغوب فيه , لوجود الدكتورة إيزيس أنهي المقابلة قائلا :" كفاية كدة "

ولكني ثرت قائلة :" اتهموني بأى حاجة .. ودوني السجن ... حاكموني .. انتوا مبهدليني ومبهدلين أمي وأخوتي .. ليه .. وعاوزين منا إيه .. حرام عليكم , وأخذت أصرخ وأبكي .

نظرت إلىّ إيزيس متأثرة وقالت :" معلش يا مدام .. ما تعمليش فى نفسك كده ربنا موجود".

وفى عجلة أخرجوها من أمامي وخرجوا معها.. " وابن الناس" يبتسم.

الآلة الكاتبة

ذات يوم جاءوا بجلبتهم كالمعتاد , وخرجوا بي من الحجرة إلى الحجرة الواسعة التي فيها حلمي السعيد وأمين هويدي من قبل .

وفور دخولي الحجرة , وجدت أمامي " فتوح" خطيب أختي زهرة – يقف مرتبكا أصفر الوجه .

وكان حلمي السعيد جالسا وراء ذات المكتب ذى الأزرار , ولم يكن معه أمين هويدي هذه المرة وإنما رجل آخر كان طويلا أصلع , وعرفت أن اسمه نسيم.

قال حلمي السعيد موجها حديثه إلى فتوح:

قل لنا بقي إيه حكاية الآلة الكاتبة .

- مكنة إيه ؟... مش فاهم.

وتدخلت فى الحديث بسرعة :

الآلة دي جابها مصطفى وقال إنها بتاعة أخوه المشير .. وعايز يشيلها عندنا , وعشان خايف لحسن الضباط يكتبوا عليها منشورات .. وأنا أديتها لفتوح يشيلها عنده ومالوش دعوة بحاجة .

تمالك فتوح أعصابه ... وتصرف بذكاء قائلا: آه أنا شيلتها .. بتاعتها وشالتها عندي.

وكانت قصة هذه الآلة الكاتبة , أن عبد الحكيم أراد أن يبعدها عن منزله , فأعطاها لى لأحفظها عندي فأعطيتها لخطيب أختي زهرة ليضعها فى منزله .

انتهت المقابلة فأعادوني إلى الزنزانة .

شاهد السجن

مواجهة أخرى وضعوني فيها أمام " عبد المنعم أبو زيد" حارس استراحات المشير الذى استغل اسم المشير عبد الحكيم عامر فى ممارسة أعمال تجارية وحكم عليه بالسجن .

جاءوا به ليؤكد أنني زوجة عبد الحكيم عامر , وأمامي سألوه.

- تعرف المدام ؟

- طبعا دي حرم سيادة المشير..

- سألوه:" متأكد"

قال :" مدام برلنتي عبد الحميد .. كنت دايما أروح الفيلا واشتريلهم اللي محتاجينه حتي البيت اللي فى إسكندرية أنا اللي كنت بأشرف عليه .

نظر إلىّ أحدهم قائلا :" إيه رأيك بقي تعرفي الراجل ده.

قلت : أعرفه .. كان دايما بيجي عندنا .. وطبيعي أن المشير كان بيبعت حاجات لأخوه , وكان هو اللي بيجيبها إيه الغريبة فى كدة؟

قال عبد المنعم : والله دى ست طيبة وكريمة , وعمرنا ما شفنا منها حاجة وحشة هو فيه إيه ؟

شاهد من الماضي

اتضح لى الآن أنهم مثلما نقبوا فى أرجاء بيتي فى أرجاء حياتي, ففي ليلة من ذات الليالى , أخرجوني من زنزانتي إلى المكتب ذى الأجهزة والأسلاك .

وفى هذه المرة أفلحوا فى إثارة دهشتي إلى درجة الارتباك.

وجدت أمامي" موريس " الشاب الفرنسي العاشق , الذي جاء يعرض علىّ نعيم الدنيا , ممتلأ فى الثراء والشباب والوسامة.

كان آخر ما أتوقعه , أن يأتوا به من باريس .. وآخر ما أتوقعه أيضا أن يتكلم العربية! ولكنه فاجأني بآخر ما أتوقع .. كان لسانه عربيا خالصا , ويتحدث بالبلدي حين أجاب على سؤالهم إن كان يعرفني فأجاب :

- دي مدام برلنتي عبد الحميد..

كنت لا أزال أبحلق فيه مأخوذة , بأن أراه ينطق بالعربية وهو الذى أفهمني أنه لا يعرف منها حرفا واحد.

إيه حكايتك معها؟

- أنا رحت لها .. ومعايا واحدة كومبارس.. وعرضت عليها مصاغ وفلوس .. ولكنها رفضت وزعلت .. وطردتني.. فاعتذرت بأني لا أعرف التقاليد المصرية .

سألوه : وهل ذهبت معك إلى الفيلا , اللي فى مصر الجديدة.

قال : أيوه .. راحت أختها معانا .. كده.. يعني حركة جدعنة ..

سألوه :" هية كانت مجندة فى المخابرات؟

قال :" لأ .... اللي أعرفه أنه أتعرض عليها ... ورفضت...

مواجهة غيابي

قد نعلم جميعا أن عذاب البدن , ليس هو أشد أنواع العذاب , ولكننا بالتأكيد لا نعلم جميعا ما هو أشد أنواع العذاب ؟

فإنزال الألم له زبانية متخصصون وحاذقون وقادرون على تجاهل أى صرخة ألم !! كان السؤال الذى شغل أذهان الرجال فى مبني المخابرات العامة والذي حشدوا له المحققين من أرفع الرتب , والمستجوبين البارعين , والمعذبين الشرسين.

كان السؤال – كما تعرفون – هو " هل أنا زوجة عبد الحكيم عامر ؟"

والمؤسف فى الأمر – وربما المضحك أيضا – أن الجواب الصحيح على هذا السؤال كان يعلمه جمال عبد الناصر , وعدد من أعضاء مجلس قيادة الثورة مثل أنور السادات وعدد من كبار رجال الدولة , والضباط الأحرار مثل صلاح نصر شمس بدران عصام خليل وعباس رضوان والأجهزة السرية المتعددة وعلى رأسها سامي شرف وشعراوى جمعة وهذان أصحاب المنشورات التي وزعت فى وسط المدينة عامي 64 -65 عن علاقتي بعبد الحكيم عامر , ومنشور آخر يذكر بأن برلنتي عبد الحميد حامل من زوجها عبد الحكيم عامر .

ويعلمه أيضا من قاموا بتسجيل ما دار بغرفة النوم من خدم عبد الناصر ناهيك عن قدرة جمال عبد الناصر نفسه – بجهاز التسجيل فى منزله – على أن يسجل كل ما يدور فى منزل عبد الحكيم عامر .

ومع ذلك فإن الزبانية الذين أحاطوا بي كي ينتزعوا مني الجواب , كانوا يفعلون ذلك بأمر من جمال عبد الناصر !!

وليرغموني على الاعتراف – بما يعرفونه – ألقوا بي فى مبني المخابرات العامة ما يزيد على الشهر ونصف الشهر.

وللوصول إلى غايتهم فقد اتخذوا من أسلوب المواجهة , عامل ضغط علىّ لأقول لهم أنني زوجة عبد الحكيم عامر , وقد سلف القول عن مواجهتي بالدكتورة إيزيس ومواجهتي بموريس رجل المخابرات الذى مثل على دور الشاب الفرنسي .

وواجهوني بفتوح هزاع خطيب أختي زهرة .

ثم واجهوني بأختي زهرة دون أن يأتوا بها إلى وجها لوجه .

لم تكن زهرة تزيد على الخامسة عشرة من عمرها حين وقعت لها هذه القصة كانت طفلة بريئة كل ذنبها أنها أقامت معي لتؤنس وحدتي فى بيت الزوجية بالهرم.

وبالطبع لم أكن أعلم أن شقيقتي الصغيرة حبيسة الزنزانة التي بالقرب من زنزانتي وأترك لكم زهرة لتروي قصتها . تقول زهرة :

" ذات يوم زارنا رجال من المخابرات العامة وكان تصرفهم هادئا وهو يقولون لىّ" سنأخذك لزيارة أختك – يقصد برلنتي – وسوف نعيدك على الفور"؟

فرحت بهذا الكلام ونهضت من فوري لاستعد للذهاب معهم وعمت الفرحة جميع أفراد الأسرة , وطلبوا مني إبلاغها السلام وتطمينهم على أحوال برلنتي .

ذهبت معهم وأنا أكاد أطير شوقا لرؤيتي " لأبلة بيلا" التي أخذت من بيننا ذات مساء .

وبعد أن ركبنا السيارة وضعوا عصابة فوق عيني فأحدث هذا فى نفسي أثرا سيئا وليته كان هو كل السوء فى رحلتي التي ذهبت فيها بكل فرح واطمئنان.

فكوا العصابة عندما وصلنا , وأخذوني إلى حجرة وأجلسوني بها وعيناي تدوران بحثا عن " أبلة برلنتي" فقلت لعلهم سيأتون بها الآن .

وفجأة صلتوا ضوءا قويا على وجهي وبدأوا يسألونني:

- مين اللي كان بيزور منزل المشير عند برلنتي ؟

- ما أعرفش.

طب عمرو.. ابن المشير ولاّ لأ؟

- معرفش .

ما تعرفيش إزاي .. انتي مش كنتي قاعدة معاها؟

- طب بتسألوني ليه ... ما هي عندكم روحوا أسألوها .

- هية مش برضه مرات المشير؟

- معرفش ومش حا أقول حاجة .. وما أعرفش حاجة .

كنت أسمع أصواتا ولا أرى وجوها فالضوء الباهر مسلط على وجهي وقد بدا أنهم يئسوا من هذه الطريقة فقال أحدهم :" شكلك كدة بيقول إن دماغك ناشفة .. طب احنا حانوريكي حاجة عشان تعرفي حقيقة أختك اللي بتدافعي عنها ".

وجاءوني بجهاز تسجيل قالوا وهم يشعون السماعات حول أذني :

الشريط ده فيه كلام ما يصحش إن إحنا نسمعه عشان كدة راح نسيبك تسمعيه لوحدك.

وبعد ان رفعوا السماعات عن أذني, قالوا :" الشريط ده سجلته لعبد الحكيم شوفي بقي أختك شكلها إيه.."

قالت :" أختي ما تعملش كدة.. والصوت ده مش صوتها ".

قال أحدهم :" إنتي تاعبة نفسك ليه .. أمك جات هنا وقالت إن برلنتي مرات عبد الحكيم. وأنتي مش عايزة تقولي ليه ؟" صرخت:" طب عايزين مني إيه بعد كده ... انتوا بينكم وبيني إيه مش روحي أنا أقدر أخصلكم منها أحط بنسة فى فيشة الكهرباء وأموت.."

وأخذت فى الصراخ والعويل , ويبدو أنهم أخذوا تهديدى مأخذ الجد ففتشوا حقيبتي خوفا من أن يكون بها أى شئ يساعد على تنفيذ وعيدى.

ثم أخذوا فى تهدئتي قائلين :" خلاص يا ستي .. إحنا آسفين .. مافيش أسئلة تاني دلوقت تحبي تتعشي إيه ؟

وفى الواقع كان الجوع قد اشتد بي فطلبت " زبادي بالسكر" جاءوا بالزبادي , وعلبة مليئة بالسكر ولا حظت أن السكر به شوائب صغيرة سوداء فقلت لعله " سكر تموين " فقد أعتدنا أن يكون السكر – أحيانا – غامقا , وبه هذه الشوائب وقد تكون بقايا شاي متناثرة فيه .

وضعوا الزبادى والسكر وتركوني وحدى وأغلقوا الباب, فأقبلت على الطعام ووضعت عدة ملاعق من السكر على الزبادى وأكلت .

لم يمض وقت طويل , حتي بدأت أشعر بدوار , ويثقل فى يدى ورجلي فقلت أنهم وضعوا لى المخدر فى الطعام وخفت أن يفعلوا بي شيئا وأنا مخدرة كان على السرير ملاءة فلففت نفسى بها جيدا حتى أصبحت مثل الكرنبة , وكان معى " دبوس مشبك" كبير شبكت به طرف الملاءة وقلت إن غبت عن الوعي واستيقظت بعد ذلك سأعرف إن كان حدث لى شئ أثناء غيبوبتي أم لا من ملاحظة الدبوس.

دخلوا علىّ الحجرة وأنا فى هذه الحال وعاودوا أسئلتهم عن المشير وبرلنتي وعمرو.. وتمسكت بالإنكار. قالوا: طب والماكينة .. كان فيه آلة كاتبة ... يا ترى راحت فين ... رموها فى الترعة واللا نقولها عن حد ؟

قلت :" مكنة إيه ؟.... ما أعرفش حاجة عنها .."

فى تلك اللحظة كانت تقف على خدى ذبابة وشعور المخدر يتزايد فى يدي وأشعر بعدم القدرة على هشها قلت :" فيه دبانة واقفة على وشي .. قد الضفدعة"

صاح أحدهم :" يا نهار اسود دى مسطولة , وبتتفلسف!!"

زاد علىّ تأثير المخدر فبدأت ألهث ,وأحسست بالاختناق , فكفوا عن استجوابي وأحضروا طبيبا .

غادروا الحجرة جميعا ما عدا الطبيب الذى جلس على طرف السرير , وبدأ فى مداواتي قلت للدكتور :" عملوها ووقعوك فيها .. أنا حاموت فى إيديك".

قال الرجل :" يا انهار اسود .. دي عايزة تلبسني تهمة"

ولم يتركني الطبيب وظل ملازما لى طوال الأزمة التي استمرت حتي الصباح .

زالت الأزمة واستعدت قواي بفضل رعاية الطبيب , وتركت بمفردى قليلا ثم فجأة فتح الباب , ورأيتهم يدخلون رجلا حافي القدمين يرتدى قميصا نصف كم , أوقفوه أمامي كان الرجل يبدو مرهقا شاحبا , وعيناه تنظران إلى الإمام وكأن لا حياة فيهما.. تفرست فيه , فتبينت إنه متولي ؟"

سألوه :" تعرف دي؟"

قال " دي زهرة يا أفندم أخت مدام برلنتي !

سألوه :" دي كانت مع أختها فى بيت المشير؟

قال :" أيوا يا أفندم" ؟

إذ ذاك التفتوا إلىّ:" ما قولك الآن فيما يقوله متولي ؟"

قلت :" أنا ما أعرفوش ... وإيه السجاير اللي مطفية فى رجليه وإيده هو ... انتوا عذبتوه".

قالوا :" لا دى تقحيات فى رجله بس".

كان أثر إطفاء السجائر فى يدي متولي وفى قدميه واضحا , وعلى ذراعيه المكشوفتين .. وكان يبدو فى حالة يرثى لها ولذا قلت صارخة :" دى سجاير مطفية فى إيديه ورجليه ".

قال أحدهم " قلنا لك دى تقيحات"

ثم التفت إلى متولي وسأله :" إيه اللي فى رجلك يا متولي؟"

فأجاب على الفور :" دى تقيحات يا أفندم !" بدأت أصرخ وأبكي وأردد:" ما أعرفش حاجة .. هية عندكم اسألوها .. أنا مش حاأقول حاجة ... ولا حاتعرفوا مني حاجة ... أنا عايزة أموت نفسي .. أنا حاأموت نفسي .

سحبوا متولي وخرجوا جميعا . وبقيت وحدي خلف الباب المغلق.

عجوز فى سن الشباب

أصبحت الأفكار قاتمة , والنفس معاندة وجلست أفكر فيما آل إليه حالي ..وكلما خلوت إلى نفسي - حين يتركوني – أروح أفكر فى المشير وفى ولدي عمرو .

ثقيل على القلب أن يتحمل حزنا فكيف به إذا تحمل حزنا , وألما, وخوفا لا أدري ماذا ماذا فعلوا بالمشير ولا بوالدتي ولا بأخوتي وفيما أنا فى هواجس عادوا .

دخلوا على قائلين :" ياللا يا مدام .. تعالي معانا " نهضت معهم وخرجنا وفى تصرفاتهم خشونة وجفاء.

أحسست بانقباض , وهم يسيرون بيّ عبر الممر الطويل وفى النهاية وجدنا سلما نزلنا عليه وفى نهايته رأيت بابا حديديا كبيرا يفتح على حارة ضيقة . اتجهوا بى ناحية اليسار وفتحوا بابا دخلوا منه , فإذا بنا أمام بناء آخر .. ثم دخلوا ممرا طويلا مظلما .. وعند أول حجرة على اليسار دخلنا .

كانت جدران الحجرة مليئة بالثقوب , وتوقعت أن يكون بها أجهزة تصوير وتسجيل ثم وقعت عيناي على شيخ مهدم جالس على كرسي يرتدي قميصا نظيفا , وحذاء بدون جورب .

نظر إلى الرجل فلاحظت بقعة من الدم فى قميصه وآثار حروق بادية فى الجزء العاري من قدمه صرخت فزعة : - متولي...!!

كان متولي شابا يفيض نشاطا وصحة أما الآن فالوجه أصفر ميت , وعينان خابيتان منكسرتان .

واصلت صراخي : ايه اللي عملتموه فيه يا كفرة .. إزاى خلتوه كدة؟

كانت أول مرة أفقد أعصابي , فهذا الرجل المهدم أمامي , آثار غضبي وحزني .

ويبدو أن صراخي وكلامي كان مفاجأة لهم , وهم الذين أرادوا أن يكون " متولي: مفاجأة لى ولما كانت أجهزة التسجيل تدور فلم يكن مستحبا أن تسجل ما قلت !!

وفيما أنا أفكر فى أنهم قد يستغلون متولي ضد المشير وفى كيفية منع هذا الاستغلال نهض متولي ليصافحني.

رأيته يحاول الوقوف بصعوبة وخطا نحوى خطوة واحدة فتبينت أنه يعرج .. وأقترب مني الجاحظ مهددا : إذا صرخت مرة ثانية مش حاتخرجي من هنا إلا جثة هامدة .

قلت والغضب يعصف بي قهرا عني : بعد اللي أنا شفته تهون الدنيا واللي فيها .. ولو موتوني تبقوا عملتم فيّ معروف ... وصمتوا قليلا وخلال صمتهم سألت متولي :" عملوا فيك إيه ؟" نظر إلىّ متولي بعينين زائغتين ... ولم يرد .

صاح فيه أحدهم :" مش دى مرات المشير؟".

قال متولي بصوت ضعيف :" آه ... طبعا .. سيادتها مرات سيادة المشير .

وسأله آخر متجوزين من أمتي ؟

قال :" من سنين طويلة يا أفندم .. لا أذكر سنة 62 .. أو سنة 63 ..

قال الجاحظ:" أحكى لنا موضوع الماكينة ".

قال متولي:" فى يوم سيادة المشير قال ليّ خذ المكنة من البدروم , أحسن حد من الضباط يكتب عليها حاجة ضد الريس ... ووديها عند المدام , وفعلا وديتها عندها فى الهرم وما أعرفش عنها حاجة بعد كدة .

قاطعه " الجاحظ" ":" ومين كان بيكتب عليها المنشورات؟"

قال متولي :" ما فيش حد كتب منشورات فى البيت .. وإذا كان فيه منشورات تقدروا تتاكدوا إذا كانت حروف المكنة هية اللي فى المنشورات واللا لأ".

صاح الجاحظ" : مش عايز تحليل ... جاوب على قد السؤال.

وإلى هنا تحوطوا بي بينما تباعد الشاب الأنيق " ابن الناس " الذي كان يبدو لى أنه المتفرج الوحيد على هذه اللعبة.

أمطروني بالأسئلة وكانت إجاباتي تساؤلات عما فعلوا بمتولي , وأردت أن أفسد التسجيل والتصوير الدائر طوال الوقت فأشرت إلى الدم الذي يلطخ قميص متولي :" شايفين الدم اللي على قميصه .. شايفين التعذيب اللي على جسمه .. ليه عملتم فيه كدة ؟"

إذا ذاك تصرفوا معي بقسوة وعنف ... سحبوني ... وجروني إلى أعلي .... وفى الدهليز الطويل ظلوا يدفعونني إلى أن بلغت حجرتي ... ثم دفعوني دفعة قوية ألقت بى على الأرض وأغلقوا الباب.

بقيت مكاني لا أتحرك , وأنا أقول فى نفسى :" إذا كانوا عملوا كدة مع أصغر رجال المشير .. أما حايعملوا إيه فى المشير؟

الحلـــــم

نهضت متثاقلة , وارتميت على السرير الحديدى , والأفكار والهواجس تطن فى دماغي وتذكرت قول عبد الحكيم ليّ: إنه مثل كلب الصيد إذا تركته , يجري ورائى يعقرني"

وها هو ذا يجري وراءنا الآن بكل قواه .. ولم يترك رجلا ولا امرأة قريبا أو نسيبا فهو يطارد الجميع حتي يعقرنا جميعا.

ثم انتبابني الإعياء فاستغرقت فى النوم .

رأيت فى منامي , أني أنام على سرير أبيض , ثم دخل عليّ عبد الحكيم فى بدلة رمادية ويبدو عليه الحزن .

فرحت بمقدمة وطلبت منه أن يجلس بجواري ... لكنه رفض قائلا :" لأ خليني بعيد " ومشي إلى كنبة منخفضة بجوار الحائط وجلس عليها , وقال لى :" أنا جاي من السفارة الروسية .." قلت : السفارة الروسية " قال :" نعم".

سألتها :" كنت بتعمل إيه هناك ؟" قال " حاتعرفي كل شئ بكره ".

وصحوت فى الصباح , وأنا أشعر بحزن عميق لا أدرى سببه , وقضيت النهار قلقلة وعندما أحضروا لى طعاما الغداء لم أجد شهية للأكل .

وفى المساء جاءت فرقة الاستجواب , وعندما رأوني على هذه الحال من الاكتئاب والفتور نظروا غلى بعضهم البعض ثم سألني أحدهم :" مالك النهاردة؟"

قلت :" مش عارفة .. بس حزينة وقلقانة".

قال الجاحظ :" أحنا صبرنا عليكي كثير .. وآن الأوان علشان تتكلمي .. إحنا عرفنا أنك مدربة على أعمال المخابرات بس ده مش حايفيدك.

سألته :" مدربة ؟ .. وفين؟".

لم يرد واسترسلت :" حاأتدرب على إيه وليه ؟... هوه أنا كنت أتصور فى يوم من الأيام إنه يحصل لى كدة .. اللي بيحصل ليه دلوقت ما يخطرش على بال حد ولو كافر ".

قال :" احنا عارفين أنك زوجة المشير .. مش عايزة ليه تعترفي؟"

اصبح الحديث معادا مملا .. ولم أعد أسمع شيئا سوي أفواه تفتح وتقفل ولم تفلح تهديداتهم فقد كان الأمر بالنسبة لهم عملا, أما بالنسبة لّ فهو حياة .

فى هذا اليوم رفضوا صرف سجائرى وما سألتش ليه .. أما العشاء فقد احضروا ليّ نصف رغيف جاف وعليه قطعة جبن أكثر جفافا ولكني تركته فتركوني .

وكالمعتاد .. أمضيت وقتا مع الهواجس والظنون , حتي غمرني النوم وفى هذه الليلة أيضا رأيت عامر فى المنام .

رأيتني مستلقية على الأرض فوق مرتبة فى حجرة ضيقة ودخل عليّ عامر مرتديا قميصا أبيض فى بني .... ووقف عند الباب وقال لى بصوت هامس :

" افهمني كويس اللي راح أقوله دلوقت ... فيه اتنين راح ييجوا يأخذوني وهيكون باين عليهم أنهم بيعاملوني يمنتهي الرقة .. ويطلبوا مني الخروج معاهم ... ولكن ما تصدقيش تصرفاتهم .. ولما أخرج بصي ورايا وانتي حاتعرفي كل حاجة ".

وفعلا أقبل الرجلان على المشير مرحبين به ... وتأبط كل منهما ذراعا وقالا بلطف :" اتفضل سيادتك معانا ".

نظر عامر إلىّ بحزن وكأنه يذكرني بما قال , ثم خرج معهما وهما يتأبطان ذراعيه .

قمت من مكاني لأنظر وراءه ... فوجدتهم يعبرون صالة كبيرة تنتهي ببضع درجات من السلم ثم باب خارجي وما كدت أصبح عند رأس السلم حتي رأيتهما يجرانه جرا ويسيئون معاملته ... نزلت السلالم عدوا فرأيتهم يركبونه سيارة , بدأـ تتحرك واستدارت ناحية اليسار .

ثم رأيت العرب تقف أمام فيلا قديمة مكونة من دور واحد وحولها سور ... ثم رأيت الرجلين يدفعانه إلى داخل المبني , وبعد أن غابوا أمام عيني وقفت أنظر ... وما هي إلا لحظات حتي دوي صوت انفجار ..ورأيت دخانا , ونارا ينبعثان من هذا المبني .

رائحة الموت

استيقظت في الصباح وأطياف الرؤيا عالقة بخيالي وحزنها يملأ قلبي عيناي تسكبان الدموع رغما عني , لم أكن أشعر أني أبكي , برغم الدموع المنهمرة بغزازة على خدى.

ودخل الحجرة , فريق الاستجواب , وما كدت عيونهم تقع علىّ وأنا فى هذه الحالة حتي وقفوا صامتين وعلامات الإستغراب على وجوههم .

وكان أول من تكلم " ابن الناس" الذي سألني:" بتعيطي ليه .. دى أول مرة نشوفك بتعيطي .. فيه إيه ؟"

قلت :" أنا مش بعيط ... لكن مش عارفة دموعي بتنزل . نظروا إلى بعضهم صامتين . ثم التفت واحد منهم إلى جانب السرير حيث كان يوضع جهاز راديو واحد منهم كان قد انتزعه منذ يومين .

قال :" ابن الناس ":" فيه حد قالك حاجة ؟"

قلت :" الباب مقفول بالمفتاح ... م ومش بأشوف حد غيركم ... يبقي مين حايقول ليّ.. وحايقول لي إيه؟"

قال الجاحظ:" عشان كدة بنسأل .. أنت بتعيطي ليه؟".

قلت :" مش عارفة ... بس حاسة بحزن شديد ... مش عارفة ليه .. لم يبتسم هذه المرة على غير عادته – ثم نظروا إلى بعضهم البعض فى حيرة ..وغادروا الحجر ة صامتين .

وبعد دقائق دخلت الحجرة امرأتان , كل منهما ترتدي بنطلونا وبلوزة ... وجلسا معي فى الحجرة .

طلبت الذهاب إلى الحمام فأخذاني إليها . وهناك عرضت علىّ إحداهما أن أخذ دشا, فرحبت بالفكرة , وما كدت أعطي الموافقة , حتي امتدت أيديهما لتخلعا عني الثياب بطريقة مقززة ... وأصابعها تندس إلى أجزاء من جسمي , وتتحسس ,وتتلصص , وتبحث , فصرخت فيهما وهممت بالانصراف فصاحت إحداهن :" استني" وتقدمنني الأخرى لتغلق الأبواب التي نمر بها فى الممر الطويل .

وتغيرت معاملتهما معي , ومالتا إلى العنف والقسوة فكرهت وجودهما . سألت : أنتم جايبينكم معايا ليه؟

قالت إحداهن :" علشان نونسك ونساعدك.."

قلت :" لكن أنا مش محتاجة مساعدة ".

ردت الأخرى :" حانقعد معاكي .. عايزة واللا مش عايزة , حانقعد معاكي.

أدركت أنهما جاءتا لمراقبتي داخل الحجرة .. لم يتركاني أغيب عن أعينهم , إن خرجت إحداهما بقيت الأخري ... وأصرتا على أن يظل مصباح النور مضاء حتي الصباح !!

وفى الصباح اختفت المرأتان ... وجاءني الأربعة بكراسيهم , وألقوا أمامي بنسختين من جريدتي الأهرام والأخبار ... وأخذ عيني المانشيت الكبير " انتحار المشير".

ولا شك أن رد فعلي , لم يخطر لهم على بال قط . فإن نوبة من الضحك تملكتني وتزايدت , وأنا أرى رد فعلهم , فانطلقت أضحك ... وأضحك.. وأضحك.

كان ابن الناس " يبتسم.. وقد تعود أن يبتسم خلسة كلما فشلت هجمة من هجماتهم !! قالوا مستغربين :" أنتي بتضحكي لأنه مات ؟"

ولم يعرفوا فى الواقع سر ضحكي , فقد ألقي الله فى روعي , أن هذه الجريدة مزورة وأنهم صنعوها خصيصا لي , لاقناعي بان المشير مات فينتابنى اليأس وأعترف لهم بكل ما يريدون .

ولم يأتني هذا الخاطر من فراغ فقد حدث إن كان جلال هريدي – قائد الصاعقة – فى سوريا مقبوضا عليه بعد الإنفصال فقد أرسل جمال عبد الناصر فرقة صاعقة بقيادة جلال هريدى للإستيلاء على مدينة حلب , وبعد وصول الفرقة أمره جمال عبد الناصر بتسليم نفسه ومن معه , فقبضوا عليه ووضعوه فى سجن " المّزة" وعذبوه تعذيبا شديدا ولكنه لم يتكلم ... فطبعوا له جريدة بها أخبار عن وقوع انقلاب فى مصر , وعن مقتل جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر .

وإزاء هذه الأخبار تكلم جلال هريدي وسجلوا له شريطا أذيع بالتليفزيون السوري ,وفيه نقد مرير لجمال عبد الناصر , ولما سألوه عن عبد الحكيم عامر شكره وقال :" كان راجل طيب وجدع ... الله يرحمه "..

ولما عاد جلال هريدي – بعد حرب سنة 67 وهو يظن أنهم سيستقبلونه استقبال الأبطال فى مصر وجد أمرا بالقبض عليه واعتقاله.

لذا فقد ظننت أنهم يلعبون معي نفس اللعبة الآن.. فكان هذا سر انخراطي فى الضحك.

قال " الجاحظ " وهو ينظر إلىّ كمن ينظر إلى مخلوق عجيب :" أنتي إنسانة غريبة قوي ... ما عندكيش قلب!!".

قلت :" إذا كان مات .. فهو مش أكثر من أخو جوزي .. وأحزن عليه طبعا باعتباره مصريا , وكان بيشارك فى حكم مصر .

تقدم" ابن الناس" مني وقال :" إحنا عايزين مصلحتك ... مش حاتقدرى تخدي معاش ليكي ... ولا معاش لابنك ... وراح يضيع حقك بالطريقة دي .. وهو مات وانتهي والحي أبقي من الميت ... فكري فى مصلحة ابنك ... إحنا نقدر نخليكي تخدي كل اللي يناسب زوجة المشير .. فيلا تعيشي فيها ... وعربية بالسواق ... وحرس كله على حساب الدولة .. وده حقك الدستوري.

وكان جوابي مزيجا من الضحك ... وقد أحسست فعلا بذهولهم .. ثم تركوني , وعقلي يرفض فكرة موت المشير.

نزهة حول مبني المخابرات

فى مساء هذا اليوم جاء " ابن الناس" وقد بدت عليه الطيبة والوداعة . وقال برفق " أعتقد إنك محتاجة تغيير .. تعالي نطلع من الأوضة دى ونتمشي شوية بره ... وفعلا خرجنا ".

وجدت الباب الحديدي مفتوحا عن آخره ووجدت المبني محاطا بسور كبير يطل على حارة .

فى هذه الحارة أخذنا نتربص ذهابا وجيئة .

بدأ الحديث معي بقوله :" احنا وحدنا دلوقت .. وأنا عايز مصلحتك علشان تخرجي من هنا بسرعة ... ودى آخر فرصة لية علشان أنقذك من الجو ده ... دول وحوش ... ويقدروا يعملوا أى حاجة , وأنتي دلوقت وحدك ... ولا حد عارف عنك حاجة ... ولا أنتي فين وإنتي عارفة ما فيش أسهل من تأليف حكاية عنك وتبقي فى خبر كان ... ونقدر نخلي الرأى العام يلعنك ... مثلا حكايات تمس شرفك ... عشان كدة عايزك تتصرفي بذكاء المرة دى ... ونتكلم بصراحة فى كل شئ عشان أقدر أنقذك من الوحوش دول .

سألته :" عايز إيه ؟"

قال :" إحنا عارفين كويس إنك مرات المشير ومعانا ورق من حسن ومصطفي أخوه المشير أنك مرات أخوهم , وقالوا إن عمرو يبقى ابن أخوهم المشير , ودلوقت بما أنك مراته , عايزين نعرف منك مين كان بيزوره , أو يكلمه , وتحركاته بعد الحرب , وآراءه عن الحرب , وأى كلام قاله عن الهزيمة .

قلت :" قلت لحضرتك إنى ما أعرفش المشير". قال :" دي آخر مرة حاتشوفينى فيها .. ودورى انتهي لغاية كدة ....

استجواب بالكرباج

انتهت الفسحة ... وعاد بي " ابن الناس" إلى زنزانتي. وتركني فيها ويبدو أنهم كانوا فى انتظار عودتي من مرحلة " الدحلبة" فما هي إلا دقائق حتي فتح الباب , ودخل الجاحظ وأخذني إلى الدور الأرضي ... ووجدت نفسي داخل الحجرة ذات الثقوب فى حوائطها لتسجل الصوت والصورة .

لاحظت تغييرا فى طباع الجاحظ فبدأ قاسيا فظا يتصرف معي بوقاحة !!

وقال بلهجة نابية :" مش راح تطلعي من هنا أبدأ ... عندنا أوامر ... يا احنا يا إنتي .. تذكرت قول المشير :" السياسة لعبة قذرة ... وأنا لا أصلح لها " فعلا أنها لعبة قذرة ... وأحسست بالهوان فهان على كل شئ وتمنيت الموت فرار من هذا الأصلع تلميذ أجهزة عبد الناصر.

أمسك " الجاحظ" كرباجا بيده , وأمسك بي اثنان ... وضعا يدي فوق رأسي .. وانهال الكرباج يمزق جسدي , ,..... أفقت فوجدت نفسي مرتمية على الأرض بنفس الحجرة ونظرت بصعوبة فوقعت عيناي على وجه لم أره من قبل كان يتكلم وكنت أسمعه بصعوبة ... قال :" إحنا عندنا أوامر يا إحنا يا إنتي .. حاتفضلي تتضربي كل ساعتين .. يعني ياتموتي ... يا تتكلمي ما فيش ثالث".

وعاود ضربي بالكرباج حتي فقدت الوعي مرة أخري .. وعندما أفقت قال الجاحظ :" أكلك من النهاردة حايكون عيش حاف ومية , ومش حاتدوقى سيجارة , ومش حا تخرجي من هنا أبدأ ... كل يوم فيه نظام جديد.. وحاتتمني فى يوم من الأيام إنهم يدوكي العيش الحاف .. يا إحنا يا إنتي.."

نفس عبارة " الجاحظ"... لقد أعطوه الضوء وأصبحت أيامي معدودة ... وكم أتمني الموت .

ومكثت فى هذه الحجرة المفزعة دون أن أدري كم من الوقت قد مر علي . وكلما أفقت بعد نوبة جلد , أجد طبيبا يضمد جراحي.

نظرت إلى " الجاحظ" وقلت عايزة أشوف الراجل اللي كان بيتمشي معايا.. سألني :" عايزاه فى غيه؟"

قلت:" حا أتكلم معاه.."

قال :" لما نشوف أخرتها معاكي ... ياإحنا يا أنتي ".

وبالفعل جاء " ابن الناس " واشترطت أن يكون الحديث بيني وبينه على حدة وقال أنا مش قلتلك , ونصحتك..."

قلت له :" إذا كنت ما اتكلمتش ... فده مش بس عشان أحمي المشير , لكن عشان كمان أحمي عبد الناصر .

باغته قولي .. فسألني بسرعة " أنتي تعرفي الريس ؟"

قلت :" ما أقدرش أجاوب ... لكن المفروض أن واحدة زيي , حصل لها كل ده من غير ما تتكلم يبقي مش حاتتكلم ... في أي ظرف حتي لو هددوا حياتي وحياة ابني الرضيع ".

تساءل :" وليه ما تتكلميش ".

كنت أشعر أنه يحمل ميكرفونا فى جيبه , يرسل إلى أجهزة التسجيل فى المبني .. فقلت فى نفسي , لعل هذا التسجيل يرسل ما أريد قوله للرئيس عبد الناصر ,فقلت :

- الحقيقة إن البكرة مكعبلة جدا ... والخيوط داخله فى بعضها , وإذا بدأت أفكها ... حاتنفك كل الخيوط ... وعدم فك البكرة راح يفيد كل الأطراف .

- نظر إلى مبتسما وقال :" مصيبة لو كنتي تعرفي الريس ونطلع مش فاهمين حاجة .

- قلت :" مش لوحدك"

- قال :" وازاي أفهم".

- قلت:" من مصلحتك إنك ما تفهمش .. وإلا راح تبقي مكاني .ز وانتهت المقابلة ومكثت تشغلني ألآم بدني عن كل شئ حتى صرت لا أدري أأنا فى يقظة أم فى نعاس .

فما كان فى جسمي موضع أستطيع أن أميل عليه .. فكنت أنا م ولا أنام وبين الحين والحين يومش فى رأسي " ابن الناس" ورسالتي لجمال عبد الناصر , وأعيش بين الخوف والرجاء فلعلها تأتي بنتيجة ويفرج عني , ولعلها ... تدفعهم إلى قتلي ,. وما كان على سوي الإنتظار الملي بمشاعر الألم .

وبعد يوم تقريبا جاءوا قادمين فى عجالة وإهتمام ورفعوني من فوق الأرض بعناية .. وأجلسوني على كرسي , وبدأوا في تقديم الطعام والسجائر ولم أعد قادرة على فهم لماذا فعلوا بي ما فعلوا ؟... ولا لماذا يفعلون ما يفعلون الآن ؟!! فجأة أصبحوا فى منتهي الرقة والدماثة ... فركبني الخوف إن الإنسان فى هذا المكان يخاف البسمة كما يخاف العبوس يخاف الرقة كما يخاف القسوة فهم يعودونك على أ، توجس شرا من كل شئ .

وسألتهم :" انتوا عايزين إيه ؟"

فقال أحدهم :" إحنا عاو زين منك حاجة ... موضوعك عند الريس .

إذن فقد جاءهم الأمر برفع أيديهم عني ,وحملوني حمل إلى حجرتي الضيقة بالدور الأول , فلن أكن أستطيع السير ... وأحضروا لى طبيبا قدم لى عقاقير لا أعرفها وضمد جراحي .

ولم أدر أمرت أيام أم ساعات حتي تمكنت من السير ولم تعد تطالعني منهم سوي وجوه باشة ودودة!!

وعجبت.. كاني فى وسط فريق تمثيل, يؤدي أفراده أدوارا مختلفة .. ولم أطمئن !!

وفى أحد الأيام بعد ان زاروني زيارة ودية – خرجوا وتركوا الباب مفتوحا ورأيت من فتحة الباب الشاب الصغير الذى سبق وأعطاني إشارة بمعني أن شخصية هامة ستأتي ... وأعطاني الشاب إشارات هذه المرة بهذا المعني .

ولم يمض وقت طويل حتى ساد الهرج والمرج , فى الممر الذي به حجرتي , ودبت فى المبني حركة نشة من كنس وتنظيف , ونقل موبيليا وأبواب تقفل وتفتح ... ثم جاء من أغلق الحجرة بالمفتاح.

ووفى حجرتي كانت تصلني أصوات الأقدام المهرولة دهبا وإيابا فى الممر الضيق بعد ساعات حضر " ابن الناس " ومعه شاب طويل أسمر اللون أصلع , ثم أخذاني إلى الحجرة الفسيحة ذات الأسلاك ويبدوا أنها حجرة رئيس هذا المبني ومنها إلى حجرة صغيرة ملحقة بالمكتب .

وجدت شخصا يجلس إلى مائدة مستديرة ... ,كان أمامه كرسي شاغر , طلبوا مني الجلوس عليه .

جلست أنظر إليه صامتة ... إلى أن عرفني بنفسه :" أنا سامي شرف !!"

منتشيا بحالة من التيه , والعجرفة , والتحدي وأخذ يهز جذعه بحركة رتيبة وهو يقول :" أنا كنت ما أقدرش أدخل المبني ده .. دلوقت خلاص المبني رجع لنا ... وأبو رقبة طويلة – يقصد شمس بدران – بقي تحت أيدى ... والدم حا يبقي للركب .. حكاية ثورة بيضة دي خلاص انتهت .."

وتذكرت قول المشير :" حيخربوا البلد ..." وخيل إلى أني أشم رائحة عفنة واسترسل سامي شرف , وهو يتيه عجبا على كرسيه " أنا كنت عنده النهارده .. وقلت له يبطل قنزحة .. خلاص راحت عليه ... ورقبته الطويلة دي .. حأكسرها .. لأ .. دأنا حا أمحيها خالص ... هاها هاها"..

وضحك سامي شرف بقوة وإن كنت لم أر أين النكتة فيما قال :

ثم أكمل حديثه :" وأنا حا أخلي رقبته الطويلة... تبقى قد السمسة".

واهتز جزلانا وهو يضحك ثم قال :" ولا قدر يرد علي .. وأما ما كنتش عارف أكلمه ... وكل ما أكلمه يقفل السكة فى وشي .. أهو دلوقت ما عندوش تليفون فى السجن يقفله فى وشي"

ثم أرسل ضحكات الشماتة , وهو يرمقني بعينيه , ولعله كان يريد مني أن أشاركه الضحك على ما يظنه فكاهة .

ثم قال :" الريس مبسوط منك ... وبيقولك نجحت فى الامتحان ..وبيطمنك أنت وإبنك عمرو فى حمايته وأنا معايا جواب من الريس ".

وأخرج من شنطة " سامسونايت " خطابا فى حجم " الفولوسكاب" مكون من ورقتين وأعطاهما لى بينما هو مستمر فى كلامه :

" دى أسئلة من الرئيس جمال عبد الناصر شخصيا علشان تجاوبي عليها"

من جمال عبد الناصر إلي السيدة برلنتي عبد الحميد ..

كانت الورقة بخط جمال عبد الناصر ..

بدأ ناصر خطابه بطمأنتي بأني سأكون فى أمان مهما قلت – أنا وابني عمرو – ومهما كان فيه من جرائم , وأن ألأمر سيكون سرا لا يعلم به أحد , وأن مع سامي شرف ظرفا به ورق وأستطيع أن أكتب فى الورق ما أشاء , وأضعه فى الظرف – يريد أن يتأكد من حسن نيتي تجاهه . وذلك بالإجابة الصريحة على أسئلته.

ومما جاء فيها أيضا : " أنت لا تعلمين أن الجيش يغلي مثل البركان.. وأنت يهمك بلدك .. وهناك خطورة على البلد .. ولا أعرف الضربة من أين تأتي ؟... وأى معلومة عندك ستفيدنا , وتساعد على تكملة الصورة لدينا أو تكون خيطا يوصلنا إلى ما يفيدنا – وأنا أعرف أن حكيم بيتكلم معك فى كل شئ , واعتبري هذا صكا مني بالأمان لك ولعمرو الذي أعتبره كابني تماما.

ثم أشار إلى استطاعتي العيش فى الخارج , وأن يوضع لى فى أى وقت اختاره مبلغ يكفيني ويغنيني طول حياتي .

أسئلة عبد الناصر

وكانت الأسئلة تدور حول رأي عبد الحكيم عامر فى علاج الهزيمة لأنه قال له – أى لجمال – أنه من الممكن علاج ذلك , ويريد هذا الرأي بشكل تفصيلي لان عامر قال " أنها مشكلة يمكن حلها " وهو – أى ناصر – يتساءل كيف؟

ثم ماذا يقول عامر عن ناصر أثناء حديثه معي وهل كان عامر يسمي ناصر اسما وصفيا ؟

وما هو موقف صلاح نصر من بعد الهزيمة .. وأرائه وأقواله بالنسبة لعبد الناصر ؟

وكذلك موقفي عباس رضوان بالنسبة لجمال عبد الناصر ؟.. وعصام خليل وهل كان يزور حكيم كثيرا بعد الهزيمة ؟.... وماذا قالوا فى جلساتهم معي فى بيتي بالهرم ؟

وأثناء استغراقي فى القراءة كان سامي قلقا يتحرك فى أرجاء الحجرة . ثم يجلس على كرسيه ثم ينهض مرة أخري ليسير فى الحجرة حولي. ثم فاجأني بسؤال عجيب :

- سيادة المشير كان رأيه إيه فى الروس... وهل تحدث عن شي بالنسبة لهم ؟

ولم ينتظر إجابتي فاستطرد : إحنا عارفين أن سيادة المشير بيكره الروس ..لكن كان بيقول إيه عنهم ؟

نظرت إليه وقلت " المشير واضح .. وبيقول رأيه للريس بصراحة ... وضروري إنك عارف خطبه فى الجيش اللي قال فيها شيوعي عميل .. أمريكي – إحنا مصريين. يعني كان رأيه بيعلنه فى كل مناسبة رسمية وغير رسمية .

- قال :" آه .. إحنا عارفين ده .. لكن سيادته مقالش كلام عن أحداث ... أو مقابلات - يعني اي تفاصيل – خاصة بالروس ؟

وأطرقت برأسي ناظرة إلى خطاب الريس . أتابع قراءة الأسئلة كان الخطاب يتضمن أسئلة عن قواد الجيش الذين كلموا المشير وزاروه , وعما كانوا يقولون وما هي أسماؤهم ؟

وأين كان يذهب عبد الحكيم فى الشهور الأخيرة ... ومع من كان يتقابل؟

ثم سؤال عن الآلة الكاتبة وأين خبئت؟

وبعد أن انتهت من قراءة الخطاب , سألت سامي شرف :" لم يرسل معك الرئيس ظرفا؟"

قال :" هذا الظرف " وناولني الظرف الذى فتحته فوجدت به ورقتين فارغتين بحجم الفولسكاب .. وبدأـ فى الكتابة :

من برلنتي عبد الحميد إلى جمال عبد الناصر .

وأوضح هنا للقارئ أن بدأت الخطاب بهذا الاستهلال ظنا مني أن هذا هو الشكل المناسب فى المخاطبات الرسمية ... مثلما قرأت فى خطاب عبد الناصر . ,حتي لا أقع فى خطأ لا يتفق مع " البروتوكول" وأدرك الآن كم كنت ساذجة!!

وقبل أن أمضي فى الكتابة فكرت أن موضوع الآلة الكاتبة " لن يضر أحدا ... ورأيت أن أشغل به الصفحات ولأكسب وقتا للتفكير – المهم شرحت قصة الآلة الكاتبة وكيف أن متولي أحضرها فى صندوق من الكارتون , حتى لا يستعملها الضباط المقيمون فى منزل عبد الحكيم عامر بالجيزة حتي يمكن تضيق الخلاف بينه وبين ناصر , وعندما وصلتني أعطيتها لخطيب أختي ليدفنها فى إحدي القري , وأنا مستعدة لإحضارها بنفسي , لإثبات حسن نيتي وليتأكد الرئيس من أنها لم تستعمل ضده , وكنت متأكدة من ذلك وظهر فعلا صدق قولي فى التحقيقات.

وقلت بشكل عام :" أن الجميع يحبون الرئيس ويتناولون سيرته بالحسني .

أما عن سؤال عن رأي عامر فى الهزيمة وكيف تحل مشكلتها , فأنا لا أعرفه أما الأشرطة التي سجل عليها أسباب الهزيمة فإني لم أسمع عنها قط . وختمت خطابي بأن ناصر لن يجد شخصا وفيا يثق فيه ولا يطعنه من الخلف مثل عامر وأنه فعلا يحبه ويحترمه . ويقف ضد أي إنسان يحاول مجرد الإساءة إلى ناصر ورجوته ألا يسمح لأحد أن يتدخل بينهما .

طويت الورقتين ووضعتهما فى الظرف وأغلقته ... وقلت لسامي شرف :" بلغ الريس أني مش عايزة حاجة ... ولكن لى طلب واحد فقط .. هو أن أري عامر .

قتلوا عامر

حين نطقت اسمه , فاضت نفسي لوعة وحزنا , وغلب على شعور بالاختناق واسترسلت متوسلة إليه :" أرجوك ... عايزة أشوفه, مش عايزة أى حاجة غير أني أشوفه وأطمئن عليه ".

ويبدو أن سامي شرف تأثر بحالتي فتهدج صوته وهو يقول :" ما نقدرش لأنه عيان ".

قلت :" أذهب معك إلى أى مكان يكون فيه وبعدها رجعوني تاني ".

قال :" الحقيقة هو حصلت له حادثة ".

فرت الدموع من عيني , وأنا أقول " حادثة .. ازاى "

قال متلجلجا :" كنا بننقله .. من مكان لمكان ... وجت فيه رصاصة " هببت واقفة وأنا ابكي وقلت مستعطفة :" حصلت له حاجة ؟" أرجوك كلمني بصراحة .

قال:" لا ... الرصاصة جت فى ذراعه بس ... وهو بيتعالج ".

سألته :" فين؟"

قال سامي شرف : فى مكان سري .. ما تقدريش تدخليه .."

سألته :" وحالته خطرة؟"

قال محاولا أن يقربني من الكارثة ويعدني للخبر الرهيب :

" هو حالته تعبانة قوي .. مش معروف حايعيش واللا لأ".

ركعت على قدميه مستعطفة : أبوس رجلك . وديني له.."

ولما ازداد ضغطي عليه قال :" أنا عايز أعصابك تكون جامدة . وتتحمل اللي راح أقوله ".

قلت :" عايزة الحقيقة ".

بعد تردد أدار وجهه وقال :" هو انتحر!!"

وكان انفجارا وقع فى دماغي فصرخت بلا وعي :" قتلوه , المشير ما ينتحر دا مؤمن بالله .. عامر ما يموتش كافر ..."

وكأن صراخي شفرة سرية معناها : زلزال!!"

فى غمضة عين تبدلت الدنيا وساد الظلام .

دارت بي الأرض ودارت الغرفة ,,ووجدتني أتخبط وسط أجسام بشرية تتزاحم حولي ... وكأني نقلت – بلمسة شيطانية – إلى خلاط الأسمنت والزلط .. يدور بي ويدور , وأنا أتصادم مع حجارته واتفلفص وأتألم وصراخي ينطلق من داخلي فيدوي صداه برأسي ,و صدري وكل جوارحي: قتلوك يا عامر .. قتلوك يا عامر .." والبرق يخطف بصري .. أين أنا , من هؤلاء الناس ومتي ينزلون بي ضربتهم القاتلة , أتكون طعنة فى الظلام أم رصاصة معدة بيد أحدهم ... أم تراني أموت خنقا ؟!!

أحاطت بي أذرع تشدني إلى الخلف فامتلأت خوفا وامتلأت قوة فرحت أتقافز بينهم وأتملص من أيديهم الممسكة بي تسحبني .. وصراخي يكاد يحطم الجدران الصماء وهم يسحبونني .. ويسحبونني والبرق يومض فى المكان وهو يسبحونني وعلى وميضة تبنيت أريكة بجوار الحائط , وأحسست وكأن صراخي أصابهم بالجنون " قتلوك يا عامر قتلوك يا عامر.. كنت اصرخ ولا أستقر على وضع وأحسست أنهم يريدون أن يفعلوا شيئا ولكن حركتي الدائبة تحول بينهم وبين ما يريدون وعلى وميض البرق رأيت أجساما فى ثياب بيضاء ... وكأني فى مشهد رعب فى بيت الأشباح وصراخي الملتاع يدوي ويدوي " قتلوك يا عامر .."

والجنون من حولي يتزايد والظلام يغرق كل شئ حتي السواعد التي تمسك بي لا أري وجوها وكأني فى كابوس يملؤني رعبا وحزنا وغضبا .

أصبحت فى كرب شديد ومن وسط الظلام , امتدت يد حانيه أعادتني لمستها إلى الصواب – وبارك الله فى صاحب هذه اليد العطوف – يد أمسكت يدي وراحت تضغط عليها بانتظام المرة تلو المرة , وكان صاحبها يقول لى " خدي بالك ..... خدي بالك ".

أفقت .. وأدركت أني كنت متجهة إلى الموت وهذه اللمسات المحذرة نبهتني ... فغيرت اتجاهي . لم أكف عن الصراخ فما كنت قادرة على الصمت ووصلت : لازم حد قتله... مش معقول الريس يكون عارف ؟ ... ده أكتر واحد بيحب الريس واكتر واحد يخاف عليه .. وهو اللي كان حاميه قولوا للريس من النهاردة ما ينامش إلا وتحت مخدته مسدس .. ده الوحيد اللي ماكنش يخون ..."

لا أدرى كم عاما أنفقتها خلال هذه الثواني .. كل ثانية دهر من العذاب والفزع .

ويبدو أن عباراتي الأخيرة جاءتني بالإفراج .. فإذا بكل شئ يسكن فجأة ويضاء النور واختفي سامي شرف , وأدركت أن الخطر على حياتي قد زال , وأخذنى" ابن الناس " إلى حجرتي وأنا أمشي معه بصعوبة شديدة .

وأغلق باب الحجرة على وعلى المرأتين الملازمتين لى , واللتين تلقيتاني فور دخولي الحجرة وحملتاني إلى السرير الحديدي حيث رقدت شبه ميتة أو جثة لا دليل على الحياة سوي أنفاس تصعد وتهبط .

وفى مرقدى الخشن غمرتني الذكرى .. ورفض عقلي أن يصدق ان المشير انتحر .. وذاكرتي تعيد علي بعض أقوال المشير وتليمحاته إلى احتمال قتله . والرؤيا التي رأيتها وقوله لى " انظري خلفي .. وستعرفين كل شئ ".

لم أصدق أبدأ , رغم الضرب والإرهاب والإغراء ان المشير انتحر!! ولكن عقلي الرافض بدأ يتجه بي وجهة أخري وتبني فكرة أن المشير لم يمت ,وإنما هو مسافر إلى " يوغوسلافيا" – كما عرض عليه جمال عبد الناصر وقرر البقاء هناك حتي تستقر الأمور.. وإن اتفاقا بينه وبين جمال قد تم على ذلك , وإن إطلاقه إشاعة انتحاره , إنما هي للتمويه .. حتي يتم القضاء على القلائل داخل الجيش فيدعوه جمال للخروج من مخبئه .. وسيعود فهو على قيد الحياة .

وتمسك عقلي بهذه الفكرة فرحت أقلبها , وأستحسنها واقتنع بها .. بل ورأيتها معقولة للغاية ..فعشت بها وارتاحت نفسي رغم آلام البدن وخشونة الفراش .

مكثت أياما حتي تماثلت للشفاء , وكانوا خلالها يحسنون معاملتي , فقدموا لى الطعام والسجائر مما أكد لى صدق ظنوني فى بقاء المشير على قيد الحياة .

ما أعجب الإنسان هؤلاء الزبانية تحولوا إلى مواطنين مجاملين .. والحديث بيني وبينهم يجري بلطف وسهولة ما دام قد توقف الإستجواب .

بل إن باب الزنزانة ترك مفتوحا بلا أقفال أو متاريس وأصبح فى إمكان أختي زهرة أن تزورني وفى إمكاني أن أزورها فى حجرتها .. ووجدنا – أنا وهي – فى هذه الزيارات تسرية عن النفس , وفى أول مرة جاءت فيها إلى حكت لى قصة المخدر الذى وضعوه لها فى السكر مع الزبادى وعما فعلته من لف نفسها بملاءة السرير لفا محكما .. وضحكنا كثيرا من هذه القصة وسألتني زهرة".

- صحيح أبيه مات؟

كانت تقصد المشير فأجبتها وأنا أتخذ سمت العارفين ببواطن الأمور : " لا جمال سفره يوغوسلافيا .. وطلعوا إشاعة أنه مات لغاية الأحوال ما تهدأ فى الجيش .. وراح يرجع تاني .

قالت بفرح :" يعني ما متش يا أبلة ؟"

قلت :" لا يا حبيبتي.. دي خطة عاملها هو وجمال .. وأنا كنت عارفة الحكاية دي من الأول ".

وهكذا عشنا أياما فى مبني المخابرات العامة فى هدوء بلا تعذيب ولا استجواب بل وتلقينا فيها معاملة طيبة.

عبد الناصر على التليفون

وذات مساء قرب منتصف الليل , رأيت الجاحظ واقفا أمامي باحترام شديد وهو يقول " تليفون يا أفندم" ورافقته إلى المكتب حتي جاءت المكالمة . وضعت السماعة على أذني فإذا بى اسمع صوت جمال عبد الناصر:

- أزيك يا برلنتي .... عاملة إيه ؟

- ودهشت من هذا السؤال فهو يعلم أين أنا وماذا حدث لى " حاكون عاملة إيه ؟"

- رددت عليه بقولي :" الحمد لله".

- قال جمال :" مبروك ... نجحت فى الامتحان .. أنت حاتروحي خلاص . لكن حاأحدد إقامتك " يعني ما فيش خروج ولا دخول , ما فيش زيارات أنا ماشي فوق رمال متحركة ,ومش ناقص دوشة , مش عايز أى مخالفة لتعليماتي , وزي ما كنتي ماشية بالضبط تمشي مش عايز أسمع كلام عنك ما فيش شغل طبعا ".

قلت :" لكن يا ريس حضرتك عارف .أني مسئولة عن أمي وأخوتي . ده غير عمرو وإذا ما اشتغلتش حايعيشوا أزاي؟"

قال : أنا عارف .. وحاأعمل حساب إنك ما تحتاجيش حاجة أنت وعمرو ده زي ابني "

قلت: اللي تشوفه حضرتك.. بس أنا لى رجاء ". (صمت) فقلت :" " عايزة أعرف ... عامر مات .. واللا سافر يوغوسلافيا ؟"

- قال :" أنت شايفة إيه ؟"

- قلت :" شايفة إن سيادتك سفرته يوغوسلافيا لغاية الحال ما يهدأ وترجعه تاني ".

- قال :" كويس" ثم ضحك قائلا :" مش وقته .. بعدين حاتعرفي " وانتهت المكالمة .

بعد هذه المكالمة , وفي الصباح أخذوني وأختي زهرة إلى " إدارة المباحث العامة " فى لاظوغلي, ومكثنا هناك ساعتين لإتمام بعض الإجراءات ثم حملونا فى سيارة إلى منزلي بالعجوزة وخيروني بين الإقامة فى شقتي قبل الزواج أم فى الهرم فاخترت الإقامة فى العجوزة لأنها آهلة بالسكان .

من السجن إلى السجن!!

نزلنا من العربة على بعد أمتار من العمارة التي أقطن فيها , وأكملنا الباقي سيرا على الأقدام وكان أول ما لاحظته هذا العدد الكبير من رجال الشرطة والمخبرين المنتشرين أمام العمارة وكأن المكان ينتظر زائرا كبيرا !!

باب الأسانسير كان يحرسه اثنان وصعد معي اثنان , وعلى باب الشقة اثنان ,وفى قلب الشقة اثنان ليقما معي ... أما السلم فقد تناثروا عليه يراقبون الصاعد والهابط فأنا ممنوع الاقتراب مني !!

تحولت العمارة إلى سجن محاط بالحراس والمخبرين ... سجن ليس فيه سوي سجين واحد هو أنا . أما باقي السكان فقد قرأوا المحذور فتباعدوا عني تماما.

ولا أنكر فرحتي بالإفراج , ,لم تنل من هذه الفرحة صدمتي بتلف شقتي فقد أخذتني الفوضي الضاربة فى أرجائها حال دخولي كل شئ مبعثر وكل شئ منكوش ولكن .... كل شئ دأب وأصبح فرحة غامرة حين ألقوا بطفلي على صدري , قبلته وضميته , وضغطته فى أحضاني واختفي عن نظري كل شئ فى الوجود ما عداه ... والتصق بي عمرو أحسسته كتلة دافئة لينة , تريد أن تتوغل داخل صدري بحثا عن الحنان , وبدافع غريزى أعطيته ثديي الذى غاب عنه شهرا ونصف الشهر .. وكم أفرحني – وبالتأكيد أفرح عمرو أيضا أن وجدته يدر لبنا للطفل المحروم ... الذي نزل به عقاب دون ذنب جناه .

لم أستطع إبعاده عني .. كلما حاولت .. التصق بي وظل معي حتي غلبني وغلبه النعاس.

وفى اليوم التالي كانت قد ولت لحظة اللقاء السعيد وواجهت الواقع العابس ... واقع العزلة من الحياة والناس فى شقة مشوشة كتيبة يشاركني فيها رجلان غريبان ليلا ونهارا حتي التليفون قطعوا عنه الحرارة.

جنيهاتي العشرون كل ما أملك – أنفقتها سريعا فكوب الشاي يكلفني – فوق ثمنه – ثمن الكوب والبراد والملعقة فكل أدوات منزلي وجدتها مفقودة .

وأصبحت خالية الوفاض ولم يبّر جمال بوعده فلم أجد أحد يقدم الطعام أو المال أو أى عون كان يساعدني أنا وأختي وخالتي وطفلي الرضيع على العيش .

ونضب المال فأصبحنا مهددين بالجوع بل إن الجوع قد مسنا فعلا , وأعلن الرضيع عن جوعه بالصراخ والبكاء فقد كان لبن الثدي شحيحا بسبب الاعتقال وسوء صحتي .

كل السبل أصبحت مسدودة فى وجهي فلا جار يغنيني ولا صديق يمد يد العون ولا أهل .. أمي حددت إقامتها فى شقتها وأختي زهرة حددت إقامتها وهى فى شقتي وباقى أخوتي صغار فى حاجة إلى من يعولهم وعائلهم – وهو أنا – محددة إقامته.

خرجت إلى أحد المجندين الواقفين على باب الشقة قلت له :" الفلوس اللي معايا خلصت .. وما عدتش عارفة أجيب فلوس منين .. أعمل إيه دلوقتي ؟"

قال الرجل :" بيعي أى حاجة .."

نظرت حولي فوعت عيناي على راديو ترانزستور فأمسكته وأديته له :" ده ينفع"..

قال :" نعم" وأخذه مني وغاب وقتا ثم عاد وأعطاني عشرة جنيهات ثمن الراديو فشكرته .. طلبت منه شراء بضعة كيلو من البطاطس ,وزجاجة زيت وزجاجتى لبن .

وعشت على البطاطس المسلوقة – أو المقلية وأصبحت هى وجبتي الوحيدة وأحيانا كنت أطلب من المخبر أن يشترى لنا " كتغيير" سندوتشات فول أو بذنجان مقلي.

فى هذه المعيشة الضنك هبت على نفحة سرور ومن عجب أنها أتت من حارسي الضابط المقيم معي – إذا اقترب مني معرفا نفسه :" أنا فلان ... أبو الليل" رفعت عيني إلى وجهه مستغربة فأردف وهو يبتسم على استحياء " أبو الليل" وأكد على حروف الكلمة .. فأدركت ما يريد قوله فإن عائلة " أبو الليل" هي عائلة والدة عبد الحكيم عامر وواصل الضابط مواسيا :" معلهش .. أزمة وتزول بإذن الله .. وفرج ربنا قريب " أحيت كلماته بصيصا من الأمل فى نفسي واستمر الضابط يقول بأدب جم " عن نفس" أنا قاعد فى الصالة مش حتحرك منها واعتبريني مش موجود خالص " وحا أبقي أشوف حكاية الحراسة داخل الشقة ".

نعمة هبطت على من السماء ز فالطمأنينة , وسكون النفس من نعم الله الكبري على الإنسان وفى هذا الوقت كنت قد فقدتهما تماما .. فالخوف كان رائدي ليلا ونهارا رغم كثرة الحراس من حولي .... فأنا لم أكن خائفة سوي من حراسي .

وأنفقت من الجنيهات العشرة على مدي أسابيع ثم نفدت ولما ضاقت بي الحال ولم يأتني عون أو مدد طلبت من الضابط المقيم معي أن يبلغ المأمور " بقسم العجوزة" أني أطلب رؤيته لأمر هام , فوعدني بأنه سيفعل .. وقد بر بوعده ففي اليوم التالي جاء مأمور قسم العجوزة .

شرحت للمأمور حالتي ..وقلت له أنا وعائلتي تحت مسئوليتكم فلا يعقل أن تتركونا بلا طعام, وطبعا الشقة ليست بها مزرعة حتى نقطف ونأكل منها , ولا أنتم تركتوني حتى اعمل وأخرج للبحث عن حل .. يعني أنا لو خرجت من بابا الشقة وقتلت أى أحد من الواقفين على الباب فإن وضعي سيتحسن لأنه سيقبض على وأحاكم وقد أبرأ وفى الوقت نفسه سيقدمون لى الطعام بالسجن . أرجوا تبليغ المسئولين أني سأصرخ من البلكونة... وأقول لكل من فى الشارع والواقفين على محطات الأوتوبيس ما يحدث معي .. ومع أسرتي . أستمع إلى المأمور بإهتمام , ثم وعدني بأن يبلغ كلامي للمسئولين ثم انصرف .

لكن ضغط الحياة المستمر وضاقت بي الدنيا بما رحبت كنت قد استنفدت كل ما يمكن بيعه من قطع صغيرة مثل الساعة سلسلة المفاتيح أى شئ معى أعطيه للمخبر فيذهب ويعود إلى بثمن بخس نتقوت عليه أنا ومن معي .

وكان طبيعيا أن تطول أوقات الإفلاس ,ويعضنا الجوع وكان أقلنا تحملا للجوع هو ولدى الرضيع عمرو ... الذى أصبح صراخه وبكاؤه يدويان على الدوام فى الشقة . ولما طال بكاؤه , سألني أحد المجندين عما به , فقلت له جائع وكأن الرجل أصيب بصدمة كهربائية فقد انطلق من أمامي إلى الخارج وهو يزعق " لا إله إلا الله .. لا إله إلا الله.. لا حول ولا قوة إلا بالله .." وغاب المخبر لحظات كان خلالها زميله يقرأ القرآن بصوت مرتفع على باب شقتي , حالة انتابت هذين المخبرين الطيبين , لما يريانه من تجويع طفل رضيع .

وأصبح هذا منوالا فى حياتي , يجوع عمرو ويبكي , ويجري المخبر ليشتري على حسابه – زجاجة لبن , والثاني يقرأ القرآن بصوت مرتفع .

إلى أن جاء يوم ظل فيه قارئ يقرأ القرآن ، يرفع صوته ويرفع صوته حتى أصابته حالة من الهوس , فنهض واقفا وهو يصرخ :" لا حول ولا قوة إلا بالله .. لا إله إلا الله .. لا إله إلا الله ... وارتمي على الأرض وهو يرتعد ويردد عبارات التكبير والحوقلة .

خرجت على صراخه لأستطلع الخبر , وزملاءه مجتمعون . ثم جاءت سيارة الإسعاف وحملوه إليها ولم أره بعد ذلك .

ومرت الأيام .. ولم يف جمال عبد الناصر بوعده , وأصبحت البطاطس المسلوقة والملح هما كل طعامي إذ لم يعد لدي زيت أقلي به البطاطس .

وذات يوم كنت واقفة فى مشرفة منزلي وقد ركبتني الهموم والأحزان أفكر فى الحال الذى أصبحت فيه وهو حال بدا لي أسوأ من المعتقل فهناك كانوا يقدمون لى الطعام على الأقل . فهل تراهم حددوا إقامتي , وضيقوا على العيش كوسيلة من وسائل التعذيب حين ألين وأرضخ لمطالبهم؟

وعادت إلى ذاكرتي , زيارة الجاحظ فى زنزانتي بالمعتقل جاء ومعه ورقتا فولسكاب تتضمن الأول منها وعد بالإفراج عني ووضع مليون دولار ونسف مليون دولار لإبني عمرو فى أى بنك أختاره فى الخارج مع السماح لى بالسفر والإقامة حيث أشاء ووعد بحمايتي من أى انتقام أو أذي حتى أغادر البلاد وأن تحقيق هذا كله مشروط بموافقتي وتوقيعي على ما جاء بالورقة الأخيرة وانه بمجرد وقوفي أمام شاشة التليفزيون والإدلاء بتصريح أردد فيه ما جاء بالورقة المذكورة وشرعت فى قراءة الورقة الأخيرة ولم أقرأ سوي بضعة أسطر حتس أحسست بالغثيان والاشمئزاز لما جاء فيها كانت تؤكد ما سبق كلامه من شائعات ويزيد عليها أنواع من الرذائل يشيب لهولها الولدان , وقد مزقت هذه الورقة لحظتها فى ثورة غضب فقال لي " حتدفعي ثمن عملتك دي" قلت على الفور :" يا ريت عشان أستريح من العيشة دى .... خلصوني بقي.... أنا كرهت الدنيا .. يمكن الموت أرحم..."

وفيما أنا غارقة فى خواطري أحسست ربتى على كتفة ... فنظرت , فإذا بجارتي المسيحية التي تلاصق شرفتها شرفتي , سألتني السيدة الطيبة – الشجاعة – عن حالي فحكيت لها ما أعانيه , وما أبيعه من أشياء صغيرة أعثر عليها داخل حقائبي .

شجعتني السيدة بكلمات طيبة ثم قالت لى : حاولي تبيعي حاجة كبيرة تكفيكي عدة أشهر .

استحسنت الفكرة , وكانت عندي سجادة " سينواه" يربو ثمنها على الألف جنيه حملتها ودليتها من شرفتي وناديت على المارة :" يا ناس .. أنا هنا متحددة إقامتي جعانين ومعاناش فلوس وعايزة أبيع السجادة دي"

وقف المارة ونظروا إلي وقال بعضهم :" دى مدام برلنتي , إنها مدام برلنتي "

قال بعض المارة :" لكن معناش فلوس تكفي ثمنها"

قلت : ما يهمش ... معاكو كام... أى حاجة هاتوها .."

ورأيت بعض الناس يضرب كفا على كف فى حيرة , ورأيت آخرين , يجمعون ثمن السجادة وقد اشتراها رجل وزوجته بخمسين هى كل ما كان معهما وانطلقا بها فرحين بحملهما الثمين .

وفى يوم من الأيام جاءت أختي لزيارتي ففرحت لرؤيتها ورحت أسألها عن أحوال والدتي فإذا بها تحكي صورة شبيهة بما أنا فيه , باعت امي حاجات بيتها لتأكل هي وأخوتي بثمنها وقالت أختي :" سمعتها تقول أنها باعت كل ما قدم لها من هدايا فى أعياد ميلادها ".

وحكت أختي حكاية غريبة أحزنتنا جميعا فقد قرأت أمي فى الجورنال نبأ انتحار المشير فلم تتمالك نفسها وراحت تصرخ وتولول فأسرع البوليس واستحضر لها عربة مستشفى الأمراض العقلية , وصعدوا إليها " بالقميص " ومعهم طبيب , قالوا للطبيب هذه السيدة مجنونة وتصرخ وتهذى وقد سألها الطبيب :" لماذا تصرخين ؟ فقالت " جوز بنتي مات ... ما اصرخش عليه .... ما أعيطش :" وبدأ الطبيب يسألها عن اسمها وعن اى يوم نحن فيه وعن الأيام .. ثم قال لمن حوله من رجال الشرطة :" دى أعقل مني ومنكم وانا لا يمكن أمضي على حاجة زى دى".

وكان قرار الطبيب الشريف سببا فى نجاة والدتي من الحبس فى مستشفي المجانين انصرفت أختي بعد أ، عرفت أنهم فى حالة من الإفلاس تشبه حالتي .

مرت الأيام بطئية كئيبة شعرنا فيها بالجوع ,واليأس , والملل , وفى ذات مساء جاء إلى الشقة كل من حلمي السعيد وأمين هويدي وفى يد أحدهما شنطة " سامسونايت" قابلتهما فى الصالون وفور جلوسهما فتحا الحقيبة , وتركاها مفتوحة فأدركت إن الحديث سيسجل .

بدأ حلمي السعيد الكلام بقوله :

- عاملة إيه .. ازيك... وازاى عمرو

- أكملت : وازى الهرم وأبو الهول ... ولجو... أنت جاي عشان تسألني عن الجو .. خش فى الموضوع من فضلك .

- قال " جئنا نسألك عن الآلة الكاتبة .

- وكانت وقتها قد بدأت محاكمة عسكرية لبعض قادة الجيش يرأسها حسين الشافعي ودار بخلدي انهم يريدون الإيقاع بي وتلفيق قضية ضدي .. والتسجيل دائر .

قلت :" موضوع الآلة الكاتية اتكلمت فيه مع الريس .. وقلت كل حاجة للريس .. وممكن تسألوا الريس.

- تعمدت إقحام اسم الرئيس فى كل جملة لأفسد التسجيل فلا يصلح تقديمه للمحكمة .

- قاطعني أمين هويدي بقوله :" مالناش دعوة بكلامك مع الريس .. إحنا جايين هنا نسألك بس عشان جايز ده يساعدنا وانتي قلتي انك سلمتيها لمتولي , ومتولي سلمها لفتوح .

- قلت :" مالكوش دعوة ازاى بكلامي مع الريس إذا كنت أنا قلتلة كل حاجة وهوه عارف كل حاجة والرئيس رئيسكم كلكم بعيده ما اقدرش أتكلم مع حد .

- ولم يخرجا بطائل فى هذه المرة أيضا ونجوت بعون الله من شراكهم .

- أحمد الله أنهم لم يسدلوا ستائر سوداء على نوافذ شقتي ليمنعوا عني النور ورؤية السماء والنيل المتهادي أمام منزلي وكان الخروج إلى الشرفة هو بالنسبة لى " رحلة نزهة أو حديقة الأورمان .

- خرجت إلى الشرفة أسري عن نفسي بالمشاهدة أو بمناجاة ربي أن يفك أسري ولكم بكيت وكم تألمت وكم غفوت فى هذه الشرفة .

- وكان من لطف الله بي أن أتاح لي – رغم الحراسة المشددة – زائرا مواسيا عبر الشرفة جارتي المسيحية .

- بعد يوم من أول حديث لها معي قالت لي فى اليوم التالي , إن المباحث هاجمت شقتها وأنهم راحوا يستجوبونها عما دار بيني وبينها من حديث وماذا قلت لها .. وها أعطيتها شيئا لتخفيه عندها فى شقتها .

- قلت لها :" وهمة خللوا عندى حاجة أديها لحد؟ .... دول أخذوا كل شئ , حتى أقلام الحبر الذهبية أخذوها ".

واستطردت جارتي :" قلت لهم .. وفيها إيه .... واحدة جارتي واتكلمت معاها ... إيه اللي يمنع ؟"

ثم سألتني بغتة :" إيه الشريط اللي بيتكلموا عنه "

- قلت :" مش عارفة شريط إيه ده "

- ولم يكن ممكنا أن أقول لها الحقيقة ولعل القارئ يذكر سؤال سامي شرف لى – وأنا فى المعتقل – عن هذا الشريط والحقيقة أنه شريط مسجل عليه حديث تليفوني بين جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر عقب الهزيمة , وفيه اعترافات على لسان عبد الناصر عن أخطائه التي أدت إلى الهزيمة وقد أعود مرة أخري إلى الحديث عنه فى هذا الكتاب .

- قالت جارتي وقد رأتني كاسفة البال  :" انتي شايلة الهم كده ليه .. انتي لسة صغيرة وجميلة وممكن تشتغلي ," تكسبي" ... الحالة دى مش حاتستمر على طول .. ومتهيأ ليّ أنهم همه اللي متضايقين دلوقت من الحاجات اللي بتعمليها دي" وكانت تقصد بيع السجادة من الشرفة وإلقاء بعض الأشياء على المارة ليبعثوا لى بثمنها .

- ذكرت قصة هذه السيدة الشجاعة المصرية , التي غلبت إنسانيتها على خوفها من رجال المخابرات .

- كما ذكرت قصة الدكتورة إيزيس شقيقة الطيار عصام خليل وموقفها فى مبني المخابرات العامة .

- كما ذكرت قصة ضابط المباحث الدمث المهذب الذي قتل فى مكتبه بأربع رصاصات . كما ذكرت قصة الطبيب " الشريف" الذي رفض الموافقة على اتهام والدتي بالجنون .

- وقصة المخبر الذي كان يقدم زجاجات اللبن لأبني عمرو وزميله الذى أصيب بحالة هوس وانهيار .

- وقصة الضابط المقيم فى شقتي وأدبه وعفته وحرصه على حرمة البيت كما سأذكر قصة الدكتور " الظواهري " وأريحيته ووطنيه .

أذكر هؤلاء الشرفاء الذين تصرفوا وفق ما تمليه عليهم طبيعتهم المستقيمة رغم الحديد والنار والإرهاب ورغم أن بعضهم إصابة الأذى لمجرد أن أظهر عطفا علىّ ... أذكرهم لأنهم كانوا بوارق أمل فى ظلمة حياتي .. ولأقدم برهانا على صلابة شعبنا ونقائه ونبله ... وأنه مهما اشتدت عليه قبضة الظلم يظل نبيلا شامخا معتصما بدينه وتقاليده , وأخلاقه .

وفى هذا السياق تأتي – أيضا – قصة مأمور قسم العجوزة الذى أشرت إليه من قبل هذا المأمور جاء لزيارتي يحمل " وردة قدمها لىّ وهو يقول بروح مفعم بالود والحنان :" مبروك – تحديد الإقامة انتهي ".

أخذت منه الوردة شاكرة فرحة بالنبأ السعيد بينما استطرد :" من الآن انتهي كل شئ ... بإمكانك الدخول والخروج .. واحنا – وأشار إلى المخبرين- حنعزل من هنا "

قلت ضاحكة :" أو أعزل أنا زى بعضه .. بس أخرج وضحك المأمور , ثم أعاد تهنئتي وانصرف تاركا فى نفسي أثرا طيبا و هو الأثر المصري الذي يتركه المصريون العظماء فى أى مكان يوجدون به .

الخروج إلى أين

انقلب البيت الوادع الحزين , إلى فرح صاخب وانطلقنا نهنئ بعضا بعضا بالأحضان والقبلات – أنا وأختي وخالتي وعمرو – ألا ما أجمل الحرية .

وكان على أن أتأهب لأول مرة أخرج فيها إلى الطريق , بعد عام ونصف من الحبس والتعذيب والجوع رفعت " الإيشارب" من فوق رأسي لأمشطه , وتذكرت ان شهرا مضي دون أن أمشط شعري !!

وأمسكت بخصلة من شعري فى مؤخرة رأسي وهالني أن وجدتها تخرج من بين أصابعي ونظرت لها بهلع ... أن شعري يتساقط !! ربطت رأسي على الفور ولبست ثياب الخروج وغادرت المنزل قاصدة عيادة لدكتور محمد الظواهري . عندما أدخلتني الممرضة عليه كان منشغلا على مكتبه بالكتابة على بعض الأوراق وجلست صامتة فى انتظار أن يفرغ لى .

رفع الدكتور الظواهري رأسه ونظر إلىّ برهة ثم ضيق عينيه ومال ناحيتي قائلا:" مين... مدام برلنتي عبد الحميد؟"

ثم اعتدل فجأة وهو يقول :" وكمان دفعت كشف ؟" ثم فتح درج مكتبه وأخرج قيمة الكشف ودسها فى حقيبتي وهو يواصل حديثه :" كلنا حاسيين . كنا عارفين اللي انتي فيه ... أنت ست عظيمة . أنتي مش عايزة حاجة .. من جنيه لألف لخمسة تحت أمرك ". ثم أعطاني أدوية " للعلاج" .

ذهبت إليه لأعالج شعري فعالج نفسي .. أعاد بصيصا من الثقة وبصيصا من الأمل وأضاف إلى رصيدي من الطيبيين طيبا آخر وتصورا معي امرأة عاشت عاما ونصفا وهى " منبوذة" ثم إذا خرجت قابلت الدكتور الظواهري – أكرمه الله – كان هذا جرعة دواء أعدها القدر لعلاج آلام لنفس.

خرجت إلى الطريق أتعثر فى مشيتي فلم أكن أعرف أن المسجون قد يحتاج إلى التدريب حين يفك أسره .

وفى تجوالي كنت أشعر بهيبة من الناس والعربات واحتجت إلى أيام حتي أعود إلى سابق عهدي أمشي بخطي منتظمة , بلا هيبة ... حرة أغدو وأروح كما أشاء لكن الحرية التى فرحت بها فى البداية أسلمتني لليأس مرة أخري كما أسلمني السجن للبيت وأسلمني البيت للحرية فمشكلتي لا زالت قائمة ... الطعام .

وأحسست أن يدا شحيحة تمسك بمصيرى , وتعطيني أسباب الحياة بالقطارة العمل محرم على فكيف أكون حرة وأنا ممنوعة من العمل ؟

كيف أكون حرة وهنا من يسير خلفي فى كل مكان ... ليراقبني !!

وفى حالتي تلك يصبح البيت ملاذا للإنسان حتى ولو كان بيتا خاويا .. وبيتي لم يكن خاويا كان فيه طفلي الرضيع فأصبحنا نلوذ – أنا وهو – بالجدران الصماء .

وكان ضعف صحتي , سببا فى ظهور العلل , التي كانت أولاها سقوط خصلة كاملة من شعري ثم آلام الصدر والظهر .. ومع تزايد هذه ؟ الآلام اضطررت إلى استحضار طبيب .

كان الطبيب الذي حضر إلى منزلي هو الدكتور " إسماعيل السباعي " وكان رجلا جهير الصوت صريح الطبع , فبعد أن كشف علىّ ورأى آثار التعذيب على ظهري أشاح بوجهه قليلا وقد بدأ على وجهه الغضب والتوتر ثم استعاد توازنه قائلا :

- انتي فاكره يعني أنك بطلة .. إيه اللي عملاه فى نفسك ده .. وإيه اللر ربطاه على دماغك .. انتي ناوية تعيش فوق فى السماء على طول .. انزلي على الأرض ... خليكي واقعية .. إيه البطولة والزيطة اللي عايشة فيها دي... انتي فاكرة أن بكدة يبقي عندك كرامة ؟ لازم تشتغلي وتجيبي فلوس علشان تحافظي على كرامتك .

- لو رحتى مثلا الشيراتون واديتي للجرسون شلن وجنب منك واحدة أى كلام وادته عشرة جنيه حايحترمها ومش حايعبرك اخرجي واشتغلي خليتي إيه للست الجاهلة؟

ألقى على الدكتور " إسماعيل السباعي " هذه الكلمات اللذعة فكانت سببا فى إشعال حميتي ولا شك أنه أراد استنهاض همتي .. وقد كان له ما أراد – جزاه الله كل خير – فقد بدت أفكر فى الحلول للخروج من أزمتي الطاحنة وكان لكلامه لمسة السحر التي أعادت إلى عقلي صوابه .

- وحتى هذه اللحظة كنت أعيش على أمل أن المشير لا يزال حيا .. ولم يكن عندى أنباء عما جري له قبل سفره أو ماذا يجري الآن .

إن الظن بأن المشير لا زال على قيد الحياة , كان يقينا وشكا فى نفس الوقت , ولعل النفس المضطربة , والواقع المرتعش , ساعدا على تقبل هذين النقيضين , وسمحا لهما بالعيش فى بيت واحد وهو عقلي.

ولأن هذا العقل يعي كثيرا من المواقف , والأحاديث التي تمت بين جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر, وكلها مواقف وأحاديث تنفي الظن بأن جمال يفتك بعامر .

هذا الأمل لم يكن وهما كله , فإن الذاكرة تعي كثيرا مما نقله إلى عبد الحكيم من مشاعر وأفكار , توحي بالمسئولية عن جمال عبد الناصر , والخوف عليه وتوحي أيضا بان مصير كل منهما يتبع الأخر ويزامنه , من ذلك قول عبد الحكيم لى ذات مرة :" هوه ما يعرفش أن نهايته حتكون مع نهايتي .... لأن وجودى فى الجيش حاميه , وحامي البلد من الروس وحاميه أيضا من عملائهم اللي حواليه ".

ولقد كان عبد الحكيم يمثل بالنسبة لجمال , العقل المتأني الذي يحد من اندفاعه.. والاسم الذي أطلقه جمال على عبد الحكيم فيه خير دليل على طبيعة هذه العلاقة القوية بين الاثنين فى فترة الإعداد للثورة , ذلك الاسم هو " جيني" وكان الاسم المفضل لدي عبد الناصر عند مخاطبته , وهو اختصار لإسم " جان جاك روسو " الفيلسوف الفرنسي , الذى أطلقوا عليه فيلسوف الثورة الفرنسية , وصاحب كتاب العقد الاجتماعي , الذى كان له أكبر الأثر فى صياغة القوانين الفرنسية وقد جاءت هذه التسمية , لما كان يبديه عبد الحكيم من ميل إلى الديمقراطية , وتقبل الحوار , ومراعاة الجوانب الإنسانية والاجتماعية عند التفكير قرار ما , مثل " قانون تحديد الملكية" مثلا والذى أبدي فيه عامر رأيا كان سببا فى إنقاذ الآلف من الأسر فى قري مصر ونجوعها وأنصاوره وإصراره فى تعريف جناحي الحرية بالميثاق ,هما الدالة الإجتماعية , وأيضا العدالة السياسية . وغيرهما وهو ما سبق الإشارة إليهم . لذا لم يكن ما يبديه عبد الناصر لعبد الحكيم إلا انعاكسا لما يبديه المشير من الرأي الصواب والإخلاص , والميل إلى الرحمة والتراحم منذ صداقتهما المبكرة.

والاثنان يرويان قصة وقعت لهما فى أحد الأيام – وكان ذلك عقب عودتهما من حرب جمال حماد – إذا كانا فى العربة معا , وتوقفت العربة عند إشارة المرور , كان اليوم من أيام الشتاء الباردة ونظر عبد الحكيم فوقعت عيناه على صبي فى ثياب ممزقة ينام على الرصيف عاريا من أى غطاء يحميه من الصقيع فاغر ورقت عينا عامر والتفت إلى جمال, فإذا بعينيه مغرورقتان أرضا .

هذا القلبان النابضان بحب الوطن وحب الناس, وحب بعضهما البعض , جمع القدر بينهما فى الحياة الاجتماعية والعسكرية والسياسية .

وفى العلاقات الاجتماعية , كانت الأواصر لا تربط الصديقين فقط , بل وبين أسرتيهما برباط قوي .

ومن أمثلة ذلك علاقة عامر محمد عامر – عم المشير – بجمال عبد الناصر – صديق ابن أخيه – وكان رجلا طيبا عطوفا , يرعي الأبوة كلا من عامر وناصر , فإذا تصادف وركب الحاج عامر مع عبد الناصر فى عربته ( الأوستن) – وكان ذلك قبل الثورة – فإن جمال يدخل بها محطة البنزين ,بعد ملء الخزان يلتفت إلى الرجل قائلا :" اتنين جالون يا عامر بيه " فيدفع الرجل ثمن البنزين , فالعلاقة بينهما علاقة شاب بعمه الطيب القلب.

وفى إحدى المرات ذهب الحاج عامر إلى منزل جمال عبد الناصر , وكان قد سمع أن زوجته – أى جمال – تضع وليدا , وفى البيت لم يجد جمال , وإنما وجد عبد الحكيم عامر يحمل " خالد" ابن جمال عبد الناصر !.. إن الإندماج الأسري بينهما كان حميما ونبيلا حتي إن أبناء جمال كانوا يتعلقون " بعم عبد الحكيم " حين يزورهم بل يحمل بعضهم على كتفه ولا يتردد أبناء جمال فى طلب ما يشاءون من عبد الحكيم عامر .

إن ما كان بينهما هو الكفاح , والإخوة , والتراحم , والتزاوج بين الأسرتين , واحزناه.

لا.... لا يقبل العقل أن يكون جمال قد فتك بعامر وكيف يقبل ... وكيف يعقل وما عنده فى مكنون الذاكرة كل هذا ويزيد .

كيف يقبل وفى مكنون الذاكرة موقف عبد الحكيم يوم ثورة سلاح الفرسان عام 1954 يوم كتب مجلس الثورة بأجمعه , وعلى رأسه جمال عبد الناصر استقالاتهم تحت ضغط الحصار الذى يقوده خالد محيي الدين . وبذلك تكون الثورة قد انتهت فى الواقع وسلمت السلطة للشيوعيين .

لم يكن عبد الحكيم موجودا ولكنه سماع النبأ توجه إلى مجلس الثورة . وعند دخوله وجد الجميع صامتين كأن على رؤسهم الطير وكان جمال عبد الناصر جالسا مطرقا بوجهه إلى الأرض واضعا رأسه بين كفيه , وفجأة انفجر جمال عبد الناصر بالبكاء حين رأي عبد الحكيم وقال له :" الثورة انتهت والبلد ضاعت " . ورد المشير :" لن تضيع البلد.. أنا القائد العام للقوات المسلحة , وأنا الوحيد الذى لم يستقل بعد ... ومش معقول البلد تضيع وأنا واقف أتفرج عليها ..."

وبدأ عبد الحكيم عامر وسط ذهول الجميع – يلقي بأوامره إلى معاونيه , حتي تم حصار سلاح الفرسان وحلقت الطائرات فوقه . واتصل عبد الحكيم بخالد محيي الدين قائلا :" إذا ما خرجتش يا خالد أنت وإللي معاك وسلمتوا أنفسكم , حا أهد السلاح عليكم ".

ودخل شمس بدران وأحضر المعتصمين داخل لسلاح ,وأصدر عبد الحكيم قرار بإعادة مجلس الثورة .

لم" " يسرق" عبد الحكيم الثورة وقد كان فى إمكانه بصفته القائد الأعلي للجيش ولكنه أنقذها فلم يكن التآمر والانتهازية من سجايا عبد الحكيم عامر فاستلمها وسلمها لجمال عبد الناصر.

وقام جمال عبد الناصر من فوق الكرسي, ليصافح عبد الحكيم ويعانقه , بعد أن انزاحت الغمة وهو يقول لعامر :" أنت كنت وأنت بتكلم الضابط يا حكيم , وبتدي الأوامر عامل زي نابليون ..." واستطرد جمال يقول :" أنت عملت اللي كان نفسي أعمله ... ,ما كنتش قادر"

كيف لعقل يعي كل هذا , أن يصدق الوساوس التي تصور مقتله ؟

ما أثقل أحزان القلب .. وما أشد حيرة العقل , فلا يسخرن أحد مني حين أقول له الأن أنني – رغم كل هذه الأحداث – كنت أحيا بوهم , يصور لى المشير على قيد الحياة.

أفقت من شرودي على بكاء عمرو فأسرعت إليه , وأعددت وجبة طعام , ونظرت إلى القماش الممزق الذى ألف به عمرو فتذكرت إن جميع ملابسه فى بيتنا بالهرم فقلت أذهب لأري الفيلا وأحضر بعض ثياب عمرو .

وعلى باب الفيلا, خرج لى " سفرجي " لا أعرفه فسألته :" أنت مين ؟ قال الرجل :" انتي الليى مين ؟" قلت له أنا صاحبة الفيلا . قال :" لا..... صاحبتها الست الكويتية":

أحسست بدوار وأسرع الرجل بإحضار مقعد لى عندما لاحظ أن على وشك السقوط جلست على الكرسي لأستريح ثم قلت له :" إزاي خدت الفيلا وأنا لا زلت ساكنة ولم أتنازل عن عقد الإيجار ..." فحكي لى الرجل إن عددا من رجال الجيش جاءوا فى عربة كبيرة وحملوا كل شيء وألقوا به فى العربة , دون عناية أو حرص , ويقول الرجل :" والله صعبت علينا حاجتك يا ست واحنا شايفنهم بيخلوها ويكسروها , ويحطوها فى العربية وبعيدن العربية خدت العفش ومشيت".

عدت إلى بيت والغضب يفتك بى فتكا ولزمت داري كسيرة القلب , أجتر أحزانا لا تنتهي والأيام تمضي كئيبة خاوية .

ألم أقل منذ البداية , أن للعذاب خبراء متخصصين أنني الآن فى مختبر قسوتهم ووحشيتهم سجنهم تعذيب وإفراجهم ضياع .

بلغت حدا لا يطاع عنده العيش ماذا يريدون مني حيرتني الإجابة على هذا السؤال كل يوم ازداد سوءا فلا عمل ولا عون ولا معاش ولا سفر الأبواب كلها موصدة فى وجهي.

وغلبني الشعور بالقهر , وأنا أتذكر ما نقله لى أحدهم عن لسان سامي شرف عقب الإفراج عني إذ قال :" ستة أشهر بس .. وها تيجي زاحفة على ركبها لحد عندي وتعمل اللى أنا عاوزه" أكل مراد مسئول كبير فى الدولة أن تأتي إليه امرأة زاحفة على ركبها ؟!

أما أن الأجهزة الظافرة تريد بيّ ما هو أسوأ من ذلك , إذا ماذا تفعل امرأة شابة لا تجد ثمن اللبن لرضيعها , ولا تجد ثمن القوت لأسرتها ولنفسها... ماذا تفعل ؟ إذا كانوا يريدون ذلك فإن مطالب البدن تموت بموت البدن , خرجت من البيت , يخيم على قلبي حزن ثقيل قاتم , وركبت عربتي المتهالكة انطلقت بها على غير هدي , والغريب أنه لم يخطر على بالي أن أبيع العربة فإن بيع أى شئ لم يكن ليخطر لى على بال ولولا أن المخبر قال لى :" بيعي حاجة" لما فكرت فى بيع الأشياء الصغيرة ولولا أن الجارة قالت لى :" بيعي حاجة كبيرة " لما بعت السجادة .

ووفى الطريق فى أول شارع الهرم مررت بإحدى الصدليات فاشتريت منها علبة أسبرين ومررت ببائع كازوزة فاشتريت منه زجاجة كوكاكولا وانطلقت بعربتي إلى فيلتي المسلوبة بشارع الهرم , وبالقرب منها أوقفت العربة وتطلعت إلى الفيلا , أسرح فى أرجائها , وهجمت على خيالي ذكريات الماضي مع المشير فى تلك الفيلا, واسترجعت كل جزء منها , وما فعلته من تحسينات وتجميل ,ورأيت الدنيا موحشة والبقاء أمر يفوق الاحتمال . وبلعت الأسبرين مستعينة بزجاجة الكوكاكولا ...وتركت نفسي للمصير المحتوم.

أفقت من غيبوبتي على أصوات تتكلم كل حوارا بين طبيبين شابين الأول يقول " يا بص... دى الظاهر مدام برلنتي عبد الحميد " والآخر :" مش معقول" قال الصوت الأول :" الظاهر جابوها هنا غلط .." وكنت قد تمكنت من فتح عيني ونظرت حولي فهالني المنظر فى عنبر أحد المستشفيات العامة – وأظنها كانت أم المصريين – رأيت حولي المرضي وصور البؤس مرتسمة على وجوههم ففزعت قائلة :" أين أنا؟"

قال لى أحد الطبيبين :" معلش يا مدام برلنتي .. حاننقلك من هنا ". كان الشاب الذي جاء بي إلى المستشفي , ومعه ولده ووالدته , لا زالوا واقفين فحملوني فى عربتهم – وقد علموا أني برلنتي عبد الحميد وذهبوا بي إلى مسشتفي الشبراويشي. وقضيت يوما فى المستشفي .. وفى اليوم التالي لم أطلب الخروج خوفا من مطالبتي بثمن الإقامة والعلاج .ومر يوم ... ويومان .... وثلاثة .... وتوالت الأيام وتكاثر الدين وأصبحت حبيسة هذا الدين , ولا أدري ماذا أفعل أو كيف أتصرف وآتي بالمال اللازم لسداد الدين .

فوضت أمري لله , وانتظرت. فى اليوم العاشر اتصلت بي صديقة لتقول أن هناك من يسأل عني وكان السائل رجلا جزائريا كان رفاقه أصدقاء قدامي , قد اعتادوا زيارتي , عندما كنت فى بداية حياتي الفنية وقد عرفتهم كمجموعة متلازمة وكان يبدو عليهم أن ثمة أمرا خطيرا يشغلهم وأن قضية ما أظنها قضية النضال تستحوذ على كل اهتمامهم كانوا يعانون من شظف العيش وكنت أمدهم بالعون بين الحين والحين , وعندما قامت الثورة في الجزائر, سافروا إلى وطنهم ولم أسمع عنهم إلا الآن وأنا فى المستشفي .

قالت صاحبتي  :" هوه عايز يزورك ... ولا يعرف ظروفك , يقدر يجي بدون إحراج ؟" قلت لها :" لا مانع ... متي ؟"

قالت :هو بجانبي ... هل يستطيع الحضور الآن ".

قلت :" أهلا وسهلا".

وجاءني الصديق الجزائرى فى المستشفي فوجدته فى حال غير التي عرفته عليها , إذ يبدو عليه اليسر والراحة ... وأخبرني أنهم خيروه بعد الاستقلال بين تولي منصب أو العمل بالتجارة فاختار التجارة .

وأخبرني الرجل بأنه علم بما يجري لى وأنه جاء ليطمئن على ثم اسمعني بعض كلمات التشجيع وانصرف.

وبقيت وحدى لأواجه مشكلتي , وأفكر فى طريقة سداد بها دين للمستشفي حتي أصابني الإرهاق , وغلبني النعاس .

صحوت, وكان أول ما شغل تفكيري , إن الدين ازداد ... وجاءوا لى بالإطار والفاكهة يقدمونها مشفوعة بالبسمات , والتمنيات , وما دورا أن قلبي يغوص كلما أكلت , أو شربت أو نمت .

بعد الإفطار تناولت كتابا كنت أضعه على مائدة قريبة وما كدت أفتحه حتي أوشك قلبي على التوقف .. من يصدق أن بداخل الكتاب " ألف جنيه !!

وتذكرت بالعرفان الصديق الجزائري الذي جاءني وغافلني ,وضع هذه الألف وانصرف ولم أره بعد ذلك قط.

وخرجت من المستشفي الذى دخلته مريضة مفلسة خرجت صحيحة البدن وأحمل فى جيبي ثروة !! فضل الله الغامر , يهز القلب الغافل ... رزقني الله من حيث لا أحتسب , فى لحظة قالت لى فيها الدنيا " مستحيل" .. إذ ذاك فتحت كتابا فوجدت به ألف جنيه .

ذهبت إلى داري محملة بالهدايا والأكياس الملأي بأطايب الطعام ومررت على بيت والدتي محملة أيضا بالهدايا و وكم كانت سعادتي وأنا أري أخوتي يفضون اللفائف ويفتحون الأكياس ويزيطون .

وفى البيت صليت شكرا لله , واستغفرت لنفسى إذ أوشكت على قتلها ,وأوشكت على الموت كافرة فقيرة فمنحني الله مغفرة وأعطاني حياة غنية ... سبحانك ربي ..

ونال عمرو نصيبه من الرفاهية طعاما وثيابا جديدة ويخطئ من يظن أن الطفل لا يشارك أهله سعادتهم وأحزانهم فقد بدأ عمرو مشاركا – كأنه يفهم – فى تلك المسرات التي غمرت الأسرة على حين بغتة وبعد أن كنت أداعبه أنا فقط أصبحت أتلقي منه المداعبات وكأنه يحاول إضحاكي بكل حصيلته اللغوية التي لا تزيد على كلمة واحدة هي من أجمل الكلمات " ماما " ولا أستطيع أن اصف فرحة القلب وأنا أراه يحاول مداعبتي بنطقها , مقطعة , ومنغمة , مهدهدة. ومضي يوم أو يومان .. واكتشفت أن الطعام والشراب لا يصرفان عن القلب الهموم أن شاغلي الأكبر هو عبد الحكيم عامر أين هو الآن , وماذا جري له وما هي أخباره ؟

إلى أن جاء يوم رأيت فيه... أمين عامر داخلا على فكان لرؤيته فرحة تفوق رؤيتي للألف جنيه داخل الكتاب .

كان أمين _ كما أسلفت – ابن شقيق عبد الحكيم عامر ولأنه كان مقربا من عمه عبد الحكيم ويعيش معه بصفة دائمة كواحد من أبنائه فقد لازمه طوال فترة تحديد إقامته واستمع إلى أقواله وتعليقاته وراقب أفعاله وتصرفاته , ولذا فقد كانت سعادتي كبيرة حين وجدت أكثر الناس دراية بالمشير فى الشهور الأخيرة.

وبدأ أمين الكلام معتذرا عن انقطاعه بسبب الحراسة التي كان يجدها حول العمارة كلما جاء فهو لم يكف ن التردد , ومراقبة العمارة من الرصيف المقابل – حسب وصية عمه المشير ان يخللي باله من عمرو وأم عمرو – فكان يجي ليطمئن علينا وحكي أ،ه ذات مرة جازف وصعد بالأسانسير فصعد معه أحد المخبرين وفوجيء بمخبرين آخرين على بابا شقتي فتظاهر أنه يقصد الشقة المجاورة فوقف وضغط على جرس الباب والمخبرون يراقبونه ,وحمد الله أن أحد لم يكن بالشقة , فعاد إلى الأسانسير وهو يقول للمخبرين :" الظاهر محدش جوه ". وضحكنا على ذلك ولكن ماذا عن أخبار المشير؟

صمت أمين عامر طويلا وهو ينظر إلى وقد أصابته حيرة مفاجئة وعلى وجهه انفعالات من لا يدري ماذا يقول ؟!

أثار صمته مخاوفي فسألته مباشرة :" المشير كويس؟... هو حي واللا ميت ؟"

نظر إلى صامتا مشككا فزاد الوسواس فى صدرى فصرخت .

-ما تتكلم ... هو مات صحيح؟

أفلت لسانه قائلا :" بعد ماخدوه بيومين".

سألته :" خدوه على فين ؟"

قال :" خدوه ... شالوه من أيديه ورجليه .. وخدوه ... وبعدين قتلوه !

صرخت :" قتلوه ؟!! وأفزعت صيحتي عمرو الرابض فى أحضاني فبكي , فأسرعت إلى خالتي الحاجة فتحية , وأخذته من بين يدى.

لم ينطق لساني كلمة غير كلمة " قتلوه" امتلأ بعدها دماغي بالطنين , وأحسست بالدماء تركض فى شراييني , ودق قلبي بعنف وبدأت أترنح فى جلستي , فحملوني إلى الكنبة , وأرقدوني عليها .

وبدأت اشعر كأن يدا لينة تشد خدي الأيمن وشعرت بأن خدى يشتد ويشتد ... ورحت فى غيبوبة .

أفقت على إحساس بوخز إبر فى وجهي , وأصوات مختلطة تصل سمعي . وما كدت أفتح عيني حتى وقعتا على وجه الدكتور " حسني عياد " الذى رأي إفاقتي من الغيوبة فقال : ما أنتي وشك زى القمر أهه.. وعال العال .. بس أنا عايز منك إنك تبقي هادية .... ما فيش نرفزة .... مفيش زعل ... عشان تقدري تنتبهي لابنك ... واللا عايزاه يبقي يتيم الأب والأم كمان ... وإن شاء الله تخفي قوام ... لأنه مهم أنك تخفي بسرعة