إخوان ويكي
بحث
 
 
صفحة  نقاش  اعرض المصدر  تاريخ 
مرحبا بكم في الموسوعة  ادخل / أنشئ حسابا 

باشوات وسوبر باشوات

من Ikhwan Wiki

(الفرق بين المراجعتين)
اذهب إلى: تصفح, البحث
(الثورة والثوار)
(الثورة تواصل الصعود)
سطر ٢٬٤٥٦: سطر ٢٬٤٥٦:
  
 
ولكن الكثير من الشبان الذين كتبوا لنا يتعلقون ب[[عبد الناصر]] أكثر من تعلقهم ب[[السادات]] وما دام هذا رأيهم فهم أحرار فيه و[[عبد الناصر]] برغم كل ما ذكرناه من مساوئ حكمه كانت له شخصية بطولية تجتذب القلوب وكانت فيه فروسية تفتن النفوس وهذا الطراز من الرجال يستهوي أفئدة الشباب وما زال شباب العرب في كل مكان يعتبرون [[عبد الناصر]] بطل العروبة الأكبر ونحن يسعدنا ذلك فقد مضي إلى ربه  وانقضي حكمه وبقيت صورته في القلوب ومثل [[عبد الناصر]] مثل نابليون فبرغم أن حروب نابليون حصدت أكثر من مليون شاب من شباب فرنسا فإن الفرنسييت جميعا – بل أوروبا كلها – بكته عندما مات منفيا في جزيرة سانت هيلانه سنة [[1821]], لأن أمثال نابليون وهارون الرشيد و[[عبد الناصر]] لهم دائما شخصيتان : تاريخية واقعية وأخري أسطورية ترجع إلى ما يتمتعون به من شخصية كارزمية ولو أننا كنا نملك وثائق عن العصر الناصري فربما كان قد تبين لنا الكثير من أخطائه يرجع إلى حاشية السوء التي كانت من حوله ..
 
ولكن الكثير من الشبان الذين كتبوا لنا يتعلقون ب[[عبد الناصر]] أكثر من تعلقهم ب[[السادات]] وما دام هذا رأيهم فهم أحرار فيه و[[عبد الناصر]] برغم كل ما ذكرناه من مساوئ حكمه كانت له شخصية بطولية تجتذب القلوب وكانت فيه فروسية تفتن النفوس وهذا الطراز من الرجال يستهوي أفئدة الشباب وما زال شباب العرب في كل مكان يعتبرون [[عبد الناصر]] بطل العروبة الأكبر ونحن يسعدنا ذلك فقد مضي إلى ربه  وانقضي حكمه وبقيت صورته في القلوب ومثل [[عبد الناصر]] مثل نابليون فبرغم أن حروب نابليون حصدت أكثر من مليون شاب من شباب فرنسا فإن الفرنسييت جميعا – بل أوروبا كلها – بكته عندما مات منفيا في جزيرة سانت هيلانه سنة [[1821]], لأن أمثال نابليون وهارون الرشيد و[[عبد الناصر]] لهم دائما شخصيتان : تاريخية واقعية وأخري أسطورية ترجع إلى ما يتمتعون به من شخصية كارزمية ولو أننا كنا نملك وثائق عن العصر الناصري فربما كان قد تبين لنا الكثير من أخطائه يرجع إلى حاشية السوء التي كانت من حوله ..
وقد بينت في الفصل السابق  أن التاريخ لا يعرف ماضيا او حاضرا ورجوت لهذا أن نستطيع الإفادة من تجارب العصرين الناصر والساداتي ..
+
 
 +
وقد بينت في الفصل السابق  أن التاريخ لا يعرف ماضيا او حاضرا ورجوت لهذا أن نستطيع الإفادة من تجارب العصرين الناصر والساداتي ..
  
 
ونحن اليوم في عصر جديد من عصور ثورتنا : عصر يتميز بالشرعية القانونية فقد انتهت إلي الأبد – نرجوا – عصور ما سمي بالشرعية الثورية وهي عصور الظلم والعدوان والحكم بأوامر تصدر  من السيد الأعلي المطاع , ولا معقب على ما يقرأ به  وعشرات الناس سجنوا بمكالمة تليفونية أو حتي بإشارة باليد ودخلوا السجون وماتوا  فيها  بعد المحنة والعذاب .. وإن من العجيب أن المصادرات والتأميمات استمرت حتي وفاة [[عبد الناصر]] لأن المسألة كانت نهبا غير منظم لموال الناس وعدوانا غير محدود على الأنفس والأموال ..
 
ونحن اليوم في عصر جديد من عصور ثورتنا : عصر يتميز بالشرعية القانونية فقد انتهت إلي الأبد – نرجوا – عصور ما سمي بالشرعية الثورية وهي عصور الظلم والعدوان والحكم بأوامر تصدر  من السيد الأعلي المطاع , ولا معقب على ما يقرأ به  وعشرات الناس سجنوا بمكالمة تليفونية أو حتي بإشارة باليد ودخلوا السجون وماتوا  فيها  بعد المحنة والعذاب .. وإن من العجيب أن المصادرات والتأميمات استمرت حتي وفاة [[عبد الناصر]] لأن المسألة كانت نهبا غير منظم لموال الناس وعدوانا غير محدود على الأنفس والأموال ..

مراجعة ٢٠:٥٣، ١٤ أبريل ٢٠١١

باشوات وسوبر باشوات
صورة مصر في عصرين

بقلم:د.حسين مؤنس

محتويات

تقديم

عندما أعلنت انجلترا أنها أباحت للباحثين الإطلاع على أوراق وزارة الخارجية التي انقضي على أحداثها ثلاثون عاما كنت من أوائل الذاهبين للإطلاع على وثائق مصر والعالم العربي .

وما كدت أتأمل مجموعات الوثائق حتي تعاظمي الأمر فهي ملفات كثيرة جدا وقدرت في نفسي – للنظرة الأولي – أنني أمام ألوف الوثائق وقراءتها فحسب تستلزم سنوات وتتطلب بصرا من جديد.

وعندما شرعت في القراءة أحسست أنني أمام عمل يتعذر القيام به , فكل وثيقة قرأت تتضمن من الحقائق ما يحتاج درسه وتحقيقه إلى البحث الطويل وملكني .. وأنا أعمل – شعور بالعجب : إن الانجليز لم يكونوا قط بالذكاء الذي كنا نتصوره أيام الاحتلال , ففي خطابات المندوبين الساميين وتقاريرهم تفاهات وسخافات وحماقات ووزارة الخارجية البريطانية ترسل إلى سفير مثل اللورد جورج لويد خطابات لوم وتقريع لا توجه إلى موظف صغير والسير روبرت فانسيتارت- الوكيل الدائم لوزارة الخارجية البريطانية خلال العشرينات والثلاثينات من هذا القرن – يكتب بيده على هامش تقرير كتبه اللورد لويد هراء وهذه العبارة تبلغ للمندوب السامي في مصر فيرسل خطابا إلى رئيس الوزارة البريطانية ورئيس الوزراء ..ز يقرأ الخطاب ويضع عليه " تأشيرة " غريبة فهي علامة استفهام وإمضاء منه هو عبارة عن جرة قلم بدون تاريخ .. ووقفت طويلا أمام تقرير عن مفاوضات عدلي كيرزون وتعجبت : فلا عدلي باشا يعرف ما يريد ولا كيرزون يريد أن يسمع شيئا , غنما هو يجلس للمفاوضة وذهنه مستقر على أن مصر هذه لن تستقل ولو بعد مائة عام وفكر عدلي باشا ليس بعيدا عن فكر اللورد كيرزون فإن آخر ما كان يتصوره هو استقلال مصر بأمور نفسها وهو يتصور أنه يقف موقف القاضي " العادل" بين بلدين متخاصمين أمامه هما مصر وبريطانيا وهو يري أن العدل أن تمنح بريطانيا مصر ظاهرا من الاستقلال يسد أفواه المشاغبين والغوغاء " من الوفد وخلافه " كما قال . وردا على سؤال من أحد أعضاء وفد المفاوضة البريطانية يقول : بالطبع نحن لا نطالب بجلاء بريطانيا الناجز عن مصر . إن بلادنا ي حاجة ماسة إلى رعايتكم ولكن عظمة السلطان غير مطمئن من ناحية الخديوي السابق وفرنسا وهو يرجو أن تمنحوه الفرصة ليثبت لكم أنه كفيل بالمحافظة على مصالح الانجليز والأجانب في مصر إذا وافقتم على نقل بعض سلطات دار المندوب السامي إليه !

أما مثل هذه العبارات أحسست أن الأمر يتطلب فعلا إعادة قراءة أصول تاريخ مصر الحديثة جميعا وهذا أمر لا يستطيعه المتخصصون في تاريخ تلك العصور.

ولكني إذا كنت لا أملك أدوات كتابة هذا التاريخ فإنني بعد أن صورت مئات من الوثائق وعدت بها إلى مصر وقرأتها فكونت في ذهني صورة قريبة جدا مما أتصور إنه حقائق عصر الباشوات والانجليز والملك , فإن تاريخ مصر قبل ثورة 1952 كان لعبة عميقة بين هذه الأطراف الثلاثة من ناحية والشعب المصري ويمثله الوفد المصري والحزب الوطني من ناحية أخري ومضيت أرسم لوحة مصر في عصر الباشوات مستعينا في ذلك بقراءات مطولة في الصحف المصرية وكل ما كتبه غير المصريين وهو كثير جدا والصورة كانت في النهاية كابتة حزينة وغير واضحة ولكنها تصلح أن تكون مقدمة لدراسة ذلك العصر الحزين .

واستطرت بعد ذلك إلى ثورة 1952 فوجدت نفسي بالفعل في ظلام دامس فالعصر الناصيري كله عصر بلا وثائق ولا ميزانيات يمكن تصديقها ولا كتابة ولا قراءة ولا حساب إنما هو أولا صراع بين عبد الناصر ومحمد نجيب ثم صراع بين عبد الناصر وزملائه. وهؤلاء يتصفون واحدا واحدا فلا يبقي في النهاية إلا عبد الحكيم عامر والصراع بينهما مرير طويل وكلمنهما يتترس من الآخر وراء قلاع وحصون هي أو هي من خيوط العنكبوت وفي أثناء الصراع بين الاثنين ينتقل السلطان الفعلي إلى طبقة غربية من فئران السياسة يسيطرون بالخبث والمكر والجهل والجشع على مصائر الناس وتحت ستار حماية النظام ارتكبوا أعمال عدوانية بالغة على هذا الشعب وأمواله وقيمة ونهبوا الأموال بلا حساب وأوهموا رئيسهم أن شعب مصر كله يتآمر عليه وإن القتلة والمغتالين يتربصون به عند كل منعطف ولم تقتصر عمليات القبض والصادرات ونهب الأموال على الخصوم السياسيين من رجال الأحزاب والإخوان, بل وضعوا في السجون مئات من الناس ممن لا تخطر السياسة لهم على بال , وبعضهم كانوا " عيالا" حقا حبسوهم ومضوا يعذبونهم بحثا عن أوهام مثل " التنظيم السري للإخوان " وما وجدت في دراساتي دليلا واحد يثبت أنه كان هناك تنظيما سريا للإخوان بعد أن أصيبت الحركة كلها بضربة قاصمة عقب إعدام رؤوسها الخمسة بعد محاولة اغتيال عبد الناصر في ميدان المنشية في 26 يوليو سنة 1954 وهي محاولة مدبرة يدور حولها ألف شك وشك.

اجتهدت في رسم صورة لعصر ما يعد الباشوات قدر ما تيسر لي , وما كدت أنشر الخطوط ( الحلقات) الأولي من تلك الصورة حتي تفضل المواطنون بمعلومات وتفاصيل كان على أن أدرسها بعناية لأستخرج منها ما أري أنه يزيد الصورة وضوحا وقرأت كل ما تيسر لى من الكتب التي ألفت على ذلك العصر في غير العربية فاتضحت لى الصورة أكثر وأكثر وعندما كتبت كتابي راجعته مراجعة تامة وأصلحته وقومته ثم أعددت الكتاب للنشر .. ثم رأيت أن أضيف ضمائر أو ملاحق تؤيد بعض ما ذهبت إليه , وكان عندي الكثير ولكنني رأيت أن أقف عند ذلك الحد فقد كان الإيجاز من أقصي غاياتي في هذه الدراسة .

وأرجو كل إخواتي المواطنين أن يثقوا أنني لأم أكتب هنا حرفا قصدت من ورائه المساس بشعور أحد وإذا تبادر شئ من ذلك إلى ذهن أحد فإني أرجوه أن يحسن الظن ويلتمس لى العذر .ز فما قصدت إلا خير هذا الوطن .

وقبل أن أختم هذه المقدمة أحب أن أبعث تحية من القلب لدار الزهراء وصديقي / الأستاذ أحمد رائف الذي دخل بشركته ميدان النشر عن نية صادقة في خدمة العلم وأهله .

والله سبحانه من وراء القصد والنية وهو سبحانه على كل مستعان .

المؤلف : د. حسين مؤنس

القاهرة في جمادي الأولي 1405 فبراير 1985

" خلال 150 عاما من تاريخ مصر ( 18051952) حكم الباشوات بلادنا وملكوا كل شئ فيها : السياسة والجاه وصدارة المجتمع والقصور والأموال والضياع , وفي يوليو 1952 انتزعت منهم الثورة السياسة وصدارة المجتمع ولكن : من الذي استولي على القصور والأموال والضياع ؟ السوبر باشوات : باشوات بلا ألقاب وأشراف بلا شرف وناس بلا إنسانية ومواطنون بلا وطنية... ".

هذه العبارة تتصدر معظم فصول هذا الكتاب .. وهي في تصوري لا ينبغي أن تمس شعور أحد من الناس فإن ثورة يوليو 1952 فعلا انتزعت قيادة السياسة وصدارة المجتمع من الملك والباشوات والانجليز .

والثورة – كما صورناها في هذا الكتاب – أكبر حادث في تاريخ مصر الحديث بعد ثورة 1919 وقد فتحت لمصر آفاقا واسعة وقدمت رجالا هم نماذج للوطنية والصدق والإيمان , وقدمت لمصر خدمات كبري في مقدمتها إجلاء الانجليز عن مصر ووضع حد لعصور طويلة سوداء من الاحتلال .. كل ذلك لا شك فيه .

ولكن لا شك أيضا في أن الظروف العسيرة التي أحاطت بالثورة – داخلا وخارجا – أتاحت الفرصة لجماعات من المغيرين الذين أنسلوا في الظلام واعتدوا وسرقوا ونهبوا فهناك أموال بلاد حدود كانت هنا قبل الثورة وهي ليست هنا الآن . وكل إنسان أدري بما فعل .

فإن كنت تري أنك من أهل الخير والإخلاص فأنت عندنا مصدق وأنت أبعد الناس عن أي مظنة سوء .

ومهما يكن فأنت مرجو أن تأخذ كل كلمة هنا على أحسن المحامل وأنت مشكور على إحسان الظن .

وما كتبنا عن سوء نية نحو أى أخ مواطن وما ندعو إلى بغض أو كراهة .

وكل ما نرجوه هو ألا يحدث غدا مرة أخري ما حدث بالأمس ونحن اليوم في عصر نهضة وحرية ولا نريد أن يشغلنا أمسنا عن غدنا .

باشوات وسوبر باشوات

" خلال 150 عاما من تاريخ مصر ( 1805- 1952) حكم الباشوات بلادنا وملكوا كل شئ فيها : السياسة والجاه وصدارة المجتمع والقصور والأموال والضياع وفي يوليو 1952 انتزعت منهم الثور السياسة وصدارة المجتمع ولكن : من الذي استولي على القصور والأموال والضياع ؟ السوبر باشوات ! باشوات بلا ألقاب وأشراف بلا شرف وناس بلا إنسانية ومواطنون بلا وطنية ..".

عالم الباشوات

إلى ما قبل الثورة يوليو 1952 كان في مصر عالم قائم بذاته محوط بأسلاك شائكة عالية ومحرم على غير أهله يسمي عالم الباشوات .. وكان الذين يعيشون في ذلك العالم المرهوب يتراءون لنا – نحن المحرومين خارج السوار – وكأنهم ديكة رومية أو طواويس : بذلات سوداء رسمية أنيقة طويلة الذيول .. وطرابيش حمراء وطويلة كأنها التيجان ومشية أنيقة رشيقة وأبهة في موكب حافل من الخدم والحشم والسفرجية والاغوات .. وسعادات الباشوات يعيشون في عالمهم هذا بعيدا جدا عن عالم الرعاه يأكلون أكل باشوات .ز ويشربون شرب باشوات .. ويتكلمون أيضا كلام باشوات كما كانت آلهة اليونان القديمة تعيش في عالمها الرفيع بعيدا عن الناس على جيل أوليمبوس.

وكان يميز الباشوات عن غيرهم من عباد الله المساكين أشياء كثيرة جدا ولكن أهمها أربعة : اللقب طبعا وهو نعمة من الله تهبط على السعداء ويتناولونها من يد حضرة صاحب الجلالة بتوصية وتزكية من فخامة المندوب السامي أحيانا .. وأحيانا أخري بدون توصية أو تكية وأحيانا ثالثة برشوة محترمة - أو غير محترمة – تقدم إلى صاحب الجلالة بواسطة أحد من أفراد حاشيته بعد أن يقتطع لنفسه منها ما تيسر بإذن من صاحب الجلالة أو بغير إذنه .. والميزة الكبري الثانية هي القصر أو السراي أو الفيلا لأن الإنسان الذي يسكن في شقة كان لا يمكن أن يصير باشا أبدأ..و ولابد للباشا – ثالثا – من السيارة والسائق .. لأن الباشوات لا يركبون الترام .. ورابعا العزبة أو الأبعادية ..ز إذ لا يمكن أن تتم الباشوية إلا بالعزبة .ز وسعادة الباشا رايح العزبة .. وجاي من العزبة ..

والغالبية العظمي من الباشوات كانوا وزراء لأن الباشوية تأتي فى العادة مع الوزارة ولم تأت بمفردها إلا لنفر ليل جدا من العباقرة من أمثال مصطفى كامل باشا وطلعت حب باشا وأحمد عبود باشا .. ومصطفى كامل كان من باشوات استامبول ... أى أن اللقب أتاه من يد السلطان ... وإلى أواخر أيام إسماعيل باشا كان كل باشوات مصر يصنعون فى استامبول .. أما الباشوات صناعة مصرية محلية فقد بدأ إنتاجهم على يد الخديوي إسماعيل : دفع 10 ملايين جنيه للسلطان وحصل على ترخيص إنشاء مصنع باشوات في مصر وكسب من وراء المصنع بعد ذلك مائة مليون .. وكان الحصول على الباشوية بالفلوس تقليدا مألوفا وسعرها كان أحيانا معروفا .. وكذلك كان وسطاؤها وسماسرتها أشبه بأصحاب توكيلات رسمية معروفة عند طلاب الباشوية وجامعي لتحف والانتيكات ..

وعندما تستعرض أسماء الباشوات تتعجب من أن بعضهم كان لا يخرج من وزارة إلا دخل وزارة .. كأن حكومة مصر لا تصلح أبدأ ولا تجوز إلا إذا كان معاليه فيها..

وصاحب الرقم القياسي في هذا هو حسين فخري باشا الذي تولي الوزارة 26 مرة ... ويليه حسين سري باشا الذي تولاها 25 مرة .. ثم علي ماهر باشا 23 مرة .. وإسماعيل صدقي باشا 19 مرة .. ومحمود فهمي النقراشي باشا 18 مرة .. وعثمان محرم باشا 14 مرة ... ومصطفى النحاس باشا 17 مرة .. هذا غير الرياسات والألقاب من صاحب المعالي إلى صاحب الدولة إلى صاحب المقام الرفيع ..

وكان المفروض أن كل الباشوات أغنياء ... ولكن واقع الحال ودفاتر البنوك تقول إن عشرات الباشوات كانوا أفقر من الأفنديات .. وبعضهم كان كل ما عندهم مرهونا حتي السيارة.. وفي أكثر من مرة أدخلوا رجلا الوزارة حتي يستطيع " المسكين " أن يسدد ديونه ويصلح أحواله ويجهز بناته لأن الباشوات في جملتهم كانوا عقلاء مدبرين .ز ولكن الست هانم حرم سعادة الباشا كانت دائما مسرفة تنفق من غير حساب ...

وقد حكي الصحفي الكبير محمد التابعي فى احد كتبه حكاية رجل حفي بين القصر ودار المندوب السامي حتي حصل على الوزارة والباشوية .. وكان فقيرا معدما أعطوه الوزارة وكأنها صدقة ... فما سمعت امرأته الخبر حتى أنفقت باسم معالي الوزير فوق العشرة آلاف في أسبوع واحد .. استأجرت قصرا وفرشته وتصيغت هي وبناتها وأكثرت الخدم والحشم واشترت أغلي ما في المحلات من الثياب كل ذلك بالدين . وعندما علم رئيس الوزراء بالخبر قرر إقالة ذلك الوزير الذي جلبت امرأته على الوزارة فضيحة .. ولكن دار المندوب السامي تدخلت وبقي الرجل . واضطروا إلى إدخاله الوزارات بعد ذلك خمس مرات متوالية حتي سدد ديونه وانستر بين الناس .. وهذا الرجل أدي للإنجليز خدمات تفوق ما أداه لهم المندوب السامي ...

فما من مرة أرادوا تدبير مكيدة للحركة الوطنية إلا عهدوا إليه بها , واشتهر أمره بأنه سياسي داهية عظيم.. أما الداهية حقا فكانت الست هانم حرمه فقد كانت تقيم الحفلات وتنفق المئات ولا أحد يدري من كان يسدد الحساب والمهم أنه كان يسدد..

ومعالي الباشا الوزير كان فقيرا ولكن الست هانم كانت غنية .. وكانت قبل الوزارة قبيحة نحيلة فأصبحت بعد الوزارة جميلة سمينة .. وابنتها قدرية هانم سمنت هي الأخرى وأصبحت جميلة وزوجها وكان محاميا " كحيانا" أصبح شخصية لها وزنها " بالذهب ودخل مجلس النواب وخرج من مجلس النواب وعاد إليه وتحول إلى سمسار وظائف وقضاء حاجات .. وسكن مع زوجته في فيلا عظيمة في حلمية الزيتون . وأصبح له ولزوجته صيت كالطبل..

وقد أتيحت لى ذات مرة الفرصة لأتسلل إلى عالم الباشوات.. ومن ذلك الحين لم أعد أحسد باشا على باشويته قط , فقد كان لي ولع في بعض سنوات الدراسة الجامعية بإعطاء الدروس الخاصة .. وابتكرت أسلوبا خاص فى إعداد الأولاد للنجاح فى امتحان الثانوية العامة حتي أصبحت اختصاصيا فى " تنجيح " الأولاد"..

وتوالت على الطلبات في حي الزيتون .. وكان إذ ذاك حيا حافلا بالهوانم والباشوات .. فكنت أدخل البيوت وأتأمل وقد خلقني الله متفرجا أحسن الجلوس والفرجة في هدوء .. ورأيت من مكمني من عجائب أمور الباشوات مالا يصدق .ز ورأيت أن كل أبهة الباشوات تكون أحيانا في الخارج فحسب .. أما داخل القصور فربك سبحانه وتعالي أعلم وقد أمر بالستر .. وفي ذات يوم قدمت لي سيدة جليلة هي حرم باشا عظيم إيصالا إلى المجلس الحسبي بستة جنيهات لأوقع عليه وأقول :" ولكن يا ست هانم إن الأتعاب ثلاثة جنيهات فحسب ".

فتقول : وستأخذ ثلاثة بلا زيادة .. ولكن هذا الإيصال للمجلس الحسب وأنا الوصية على أولاد أبني .

وأحاول المناقشة ولكن السفرجي عم عجايبي يهمس في أذني : امض يا حضرة الأستاذ إن كنت تريد أتعابك ... كلنا نوقع على مثل هذه الإيصالات ..

- ولكن أين تذهب هذه الأموال يا عجايبي ؟..

- خليها في سرك : الباشا والهانم الكبيرة والهوانم الصغيرات جميعا غارقون في الدين ..

- وقد تركت العمل في هذا البيت بعد شهر واحد عقب الامتحان وما أمسكني إلا أن تلميذي كان نجيبا لطيفا .ز وقد نجح وأصبح فيما بعد مهندسا رغم الجو العسير الذي كان يعيش فيه..

- وفي ذات يوم آخر أسمع السيدة حرم الباشا فى الصالون تقول للسفرجي :

- ما هذه القهوة المقرفة التي تأتيني بها .. خذها لسعادة الباشا في الجنينة وأعمل لي غيرها..

- سعادة الباشا شرب قهوته ..

- إذن خدها للخوجه..

- والخوجه هو أنا . فقال لها السفرجي هامسا :

- خفضي صوتك ياست هانم .. إنه هنا وهو يسمع .

- فتقول : وماذا في ذلك ؟ حتة خوجه ويريد أن يتآمر علينا ؟

- ويأتيني بها السفرجي وكله خجل .. فقد كان عند الرجل من الحياء والإنسانية فوق ما عند سيدته الهانم..

- وكنا جميعا لا نحب الباشوات أو عالمهم لأننا كنا نراهن سببا من أكبر أسباب متاعبنا مع الانجليز .. والحق أنه ليستوقف النظر كيف أن الباشوات ما عدا باشوات الوفد وعددا قليلا من الباشوات الآخرين كانوا يرون أنفسهم حلفاء للسراي والانجليز وأتباعا لهم .. وبعضهم كان يعيش كأنه موظف في السفارة البريطانية يتلقي كل تعليماته من موظف صغير في السفارة البريطانية يسمي السكرتير الشرقي ...

وفي 21 أكتوبر 1952 أرسلت بريطانيا إلى مصر سفيرا يسمي اللورد جورج لويد خلفا للماريشال اللنبي الذي استقال عقب أزمات الصدام مع سعد زغلول والوطنيين بعد مصرع السردار السير لى ستاك .. وكان اللورد جورج لويد استعماريا بريطانيا مغرورا .. لا يتمتع بذكاء يذكر .. وقد وصل مصر في ظروف أزمة وفيها من الباشوات نفر كنا نعدهم فطاحل من أمثال عدلي يكن وعبد الخالق ثروت ومحمد محمود ..

وكان حزب الوفد مطرودا من الحكم والبرلمان كان معطلا وعلى رأس الوزارة رجل من أكبر باشوات القصر والاستعمار هو أحمد زيور باشا .ز كان بعيدا جدا عن مصر والمصريين حتي يقال أنه كان لا يسحن الكلام بالعربية وقد سلم للإنجليز كل ما طلبوه بعد مقتل السردار .. من بين ذلك التخلي الفعلي عن السودان لبريطانيا وهذا الرجل هو الذي وافق على تسليم واحة جغبوب للإيطاليين فتنازل بذلك عن قطعة من أرض مصر . وقد كتب الأستاذ – محين محمد في ذلك كتابا هاما ينبغي أن يقرأ .. وكتب كذلك كتابا جميلا عن اللورد جورج لويد في مصر عنوانه : الشيطان .

والرجل لم يكن في لحقيقة شيطانا إنما هو كان بقية استعمارية سخيفة أتت مصر لتمارس على أهلها نوعا من الكبرياء لا معني له ولا نتيجة لا لمصر أو لبريطانيا .. ولكن الغريب أن ذلك الرجل السطحي القصير النظر لعب بباشوات مصر لعبا . كانت المهمة الحقيقية التي أرادوا منه أن يقول بها هو إقناع المصريين بتوقيع معاهدة تسليم واستسلام لبريطانيا كانت تتصور إذ ذاك أنها سيدة الدنيا وأن على الدنيا أن تمتثل لإرادة بريطانيا .

ومصر كانت قد تلقت ضربة مقتل السردار .. وخسرت فيها خسارة فادحة .. ولم تكن تستطيع أن تخسر فوقفت مكانها جامدة وتولي زعامة المعارضة فيها مصطفى النحاس .. وعرف النحاس ان هذا اللورد لانجليزي لم يأت إلا لغرض واحد هو إتمام ما بدأ به اللنبي من القضاء على بقية الاستقلال الزائف الذي حصلت عليه مصر بتصريح 28 فبراير 1922 وإرغامها على توقيع معاهدة مع بريطانيا تعترف فيها بالاحتلال البريطاني بصورة أو بأخري ..

وكان اللورد جورج لويد منذ البداية أقل من أن يستطيع تحقيق هذه الغاية .. لأنه كان رجلا مغرورا لا يتمتع بذكاء كبير .. ولو وقف منه الباشوات موقفا نصف حازم لهبطوا به إلى الأرض .. لأن أعداءه فى انجلترا كانوا كثيرين . وحزب المحافظين نفسه لم يكن يؤيده . وكان وزير الخارجية البريطانية يستثقله ويرحب بالخلاص منه .. ولم يكن هناك أسهل من إخراج هذا اللورد المستغرق في أحلام الاستعمار .

لكن الباشوات تصرفوا تصرفا لا يوصف إلا بأنه غبي , فكل الموظفين القدامي الذين تربوا في أحضان الاستعمار بالإضافة إلى نفر من أعيان الأرياف وبقايا خدم القصر القدامي تجمعوا لكي يصلوا إلى الحكم بأي طرق وكان الوفد في ذلك العصر يمثل أغلبية لا يمكن تحديها .. ومصطفى النحاس خلف سعد زغلول في رياسة الوفد في أغسطس 1927 , ولم يكن هناك سبيل لوصول غير الوفديين غلى الحكم مادام دستور سنة 1923 قائما ..

وهنا نجد هذه البقايا الرجعية كلها تتجمع تحت راية الملك فؤاد من ناحية اللورد جورج لويد من ناحية لتقوم بمأساة حقيقية على مسرح السياسة المصرية .. ومحمد محمود باشا لا يكاد يصبر . إنه عجول يريد أن يصل إلى رياسة الوزارة ولكي يصل إلى رياسة الوزارة كان لابد من إسقاط وزارة الوفد برياسة النحاس باشا وكان محمد محمود عضوا في تلك الوزارة لأنها كانت وزارة ائتلافية فأثار بالاشتراك مع نفر من أصحابه زوبعة سموها فضيحة أملاك الأمير سيف الدين .. وهذا الأمير كان ابنا للملكة السابقة . حدث ما جعله يطلق الرصاص على أحمد فؤاد عندما كان أميرا . فقبضوا عليه واتهموه بالجنون وحجزوا عليه .. وصارت ولاية أموره إلى المحامي مصطفى النحاس باشا .. فقيل إن مصطفى النحاس لم يتخل عن الوصاية وإدارة أملاك الأمير بعد صار رئيسا للوزارة وعملوها فضيحة ولم يكن ذلك صحيحا فغن النحاس باشا كان رجلا دقيقا عفيفا جدا .. وكان قد أوقف إدارته لأملاك الأمير ولكنهم زعموا أنه لم يفعل وجعلوها قضية نزاهة أثارتها الصحف المعادية للوفد .. وتحت ستار هذه المسألة لتي سميت بفضيحة أملاك الأمير سيف الدين أقيلت وزارة النحاس وتولي الوزارة محمد محمود باشا وتبدأ بذلك سلسلة وزارت السراي كلها حرب على الشعب وحقوقه .. وكل وزارة منها تأخذ تأشيرة الدخول من ذلك اللورد الانجليزي القابع في قصر الدوبارة منه يدير مصر ويتصرف في أمورها .. ومحمد محمود يعطل البرلمان ويلغي الدستور ويشرع في عمل دستور جديد وحزبه لم يحصل في الانتخابات السابقة إلا على كرسين . ولكنه يجري انتخابات ويحكم بدون مجلس نيابي وينزل بهذا الشعب مهانة بعد مهانة وهو يزعم أنه يحكمنا بيد حديدية .

ويجئ بعد إسماعيل صدقي باشا حليف القصر والمندوب السامي والخواجات وهو معدود من عباقرة الاقتصاد في تاريخيا السياسي وسنتحدث عنه في فصل من هذه الدراسة وهو لا يرضي بحزب الاتحاد الذي أنشأه الملك وجعل على رأسه يحي باشا إبراهيم .. بل ينشئ حزبا يسمي حزب الشعب ويجري انتخابات وينشئ " مجلس نواب " شغل يد " أو صناعة يدوية " وبين الحين والحين يجئ محمد توفيق نسيم بوزارة عجيبة تتألف من شلة من الباشوات لا يعرف أحد لهم سحنة .. إنما هم أصحاب معال وكفي وهم رغم كل شئ يتعلقون برضا اللورد ورضا السراي وإن كان بقية المصريين لا يعرفون عن معظمهم شيئا ..


وقد فشل جورج لويد في مصر فشلا تاما ونقلوه من مصر واستبدلوا به سفيرا يسمي السير برسي لورين .. كان دبلوماسيا ولكنه كان استعماريا لا يقل مغالاة فى استعماريته عن سالفه .. وربما كان الباشوات م الذين علموه لعبة امتهان الشعب وإهمال المصريين والعمل متعاونا مع الملك ولكن هذا الرجل كان أخف وطأة من السفير البريطاني الذي جاء بعده وهو السير مايلز لامبسون الذي أصبح فيما بعد يسمي اللورد كيليران .

وهذا الرجل كان إنسانا ضخما بالغ الخبث .. وتولي الحرب الكبري تقترب فاجتهد في إرغام زعماء مصر على توفيع معاهدة صداقة مع بريطانيا .. وقد نجح في ذلك لأن حزب الوفد وهو حزب الأغلبية المعارضة للاستعمار والسراي كان قد أصابه تحول جوهري في طبيعته وتركيبه .. فقد كان الوفديون يمثلون أيام البرلمان المصري الأول الطبقة الوسطي الكادحة المجاهدة.. وزارة سعد زغلول الولي كان فيها بعض الأفندية .. وكان فيها باشوات وبكوات .. ولكنهم في مجموعهم كانوا مساتير أو ما يطلق عليه اسم البورجوازية الغيرة ( لابيتيت بورجوازية ) ولكن طول عهد الوفد بالحكم والصراع مع الانجليز والسرايا وباشاواتهما أضعف من قوة الوفديين .. وكان النحاس باشا يري ن الحكم لا يجوز إلا له ما دام هو صاحب الأغلبية الشعبية .ز وكان على حق في ذلك .ز ولكن استمرار الأمر على هذا الوضع الذي يطلبه النحاس كان مستحيلا , فالملك لا يريد أن يري أمامه رئيس وزراء مصريا يقول إنه يمثل الشعب وإن لملك يمثل إلا الملك .

والملك فؤاد كان رجلا طماعا لا تعمر قلبه ذرة من حب حقيقي لمصر ولا هو كان يفكر في أمر رفاهية شعبها .. وقد استعان في عمله بباشوات السراي .. وبخاصة من كانوا يتولون رياسة الديوان الملكي منهم من أمثال حسن نشأت ومحمد توفيق نسيم وأحمد محمد حسنين وحافظ عفيفي .. وأظن أن هؤلاء كانوا أبغض الباشوات إلى المصريين لأنهم كانوا خصوما لهذا الشعب حقا .. وكان عداؤهم يتجه دائما نحو الوفد فهو يكرههم وهم يكرهونه .

وليس معني ذلك إننا نقول إنهم تجردوا من الفضائل فقد كانت لبعضهم فضائل وملكات طيبة.. ولكنهم وقفوا جهدهم كله على خدمة أنفسهم عن طريق الطاعة المطلقة الذليلة للملك والسفير البريطاني أحيانا .. وهذا وحده كان كافيا لكي يبغضهم الشعب بغضا بالغا . وأعتقد أيضا أنهم أبغضوا هذا الشعب ونفروا منه وجعلوا بينهم بينه سدا فضاعت عليهم فرصة إفادة مصر من مواهبهم وملكاتهم ..

وكانت مشاكل مصر كثيرة ولكنها كانت أيسر حلا من مشاكلها اليوم .. وواحدة منها كانت مستحيلة على الحل .. ولكن كان أحسن لنا لو تركناها على حالها وهي مسألة الاحتلال العسكري البريطاني وهي مسألة عسكرية لا تحل إلا بالقوة , وما دمنا لا نملك القوة العسكرية فلم يكن هناك سبيل إلى حلها حلا معقولا . وحلها المعقول كان يتأني مع النهوض بالمستوي الفكري والاقتصادي لعام للبلاد . فإذا تحسنت الحالة المعنوية قام شباب ضباط الجيش بإرغام الانجليز على الجلاء .. وهذا هو الذي بدأ يحدث بعد حادث 4 فبراير 1942 وعدوان الانجليز على مصر عدوانا صريحا وقحا .. ولكنه كان عاديا في العصر الاستعماري كله ..


المهم أن الوفد تحول مع الزمن إلى جماعة من الباشوات . وفقد في الحقيقة طابعه الشعبي المميز .. وكان رجاله قد دخلوا الوزارة والبرلمان مرة بعد أخري ... وفي كل مرة كانوا يخرجون أغني وأوفر مالا .. وتعاقبت الانشقاقات من الوفد حتي تعب مصطفى النحاس في النهاية .. وعندما تزوج زواجا متأخرا عشية عقد معاهدة سنة 1936 تجلي بوضوح ان الحزب تخلي عن قاعدته الشعبية ودخل في زمرة أحزاب الباشوات ..

حقا إننا لا نستطيع أن شك في الأمانة الشخصية لمصطفى النحاس أو أحد من كبار رجاله ولكن مزاج الرجل تغير مع الزمن وساء ظنه في الناس وخاصة بعد وقوع الفتنة بينه وبين مكرم عبيد وانفصال مكرم عنه وتأليفه حزبا وفديا جديدا يسمي الكتلة .. ومصطفى النحاس كان يحب مكرم عبيد وعندما اختلف معه وانفصل معه وانفصل احدهما عن الآخر تحطم الاثنان ... وسنتحدث عن مأساة النحس مع مكرم عبيد فيما بعد , والنحاس باشا بعد مكرم عبيد لم يعد إلى سابق عهده أبدأ .. ومكرم نفسه تغير ولم يعد ذلك البطل الشعبي الذي كان يبهرنا ونحن في مداخل الشباب .

والحق أن حياة مكرم عبيد مأساة فقد مصريا صميما مخلصا صادقا خارق الذكاء .. ولكنه كان عصبيا لا يكاد يضبط أعصابه .. وعندما أراد خصوم النحاس أن يقضوا عليه قرروا التفريق بينه وبين مكرم عبيد ... وتولي هذه المؤامرة باشا من عتاولة باشوات السراي هو أحمد محمد حسين باشا .. وقد قص محمد التابعي تفاصيل هذه المؤامرة الحزينة في كتاب له قرأته من سنوات ولم أعد أذكر عنوانه ..

وعندما تقرأ تفاصيل هذه المأساة وما يتصل بها من مآسي تمزق الوفد وتدهور يوما بعد يوم تشعر حقا أن عالم الباشوات كان عالما تعيسا .وقد ركزت الكلام هنا على الوفد لأن مصطفى النحاس كان دون شك أكبر باشوات العصر من كل ناحية .. لقد كانت له نقائصه الكثيرة .. وما في ذلك شئ ... ولكنه كان زعيم الغالبية الشعبية وكبير الباشوات وكان رجلا مهيبا محترما جدا رغم النقد الشديد الذي كان يوجه إليه ..

وكما تخصصت مجلة الكشكول في الهجوم على سعد زغلول في العشرينات من هذا القرن فقد تخصصت مجلات أخري كثيرة في هدم مصطفى النحاس والوفد .. وكان انفصال أحمد ماهر والنقراشي ضربة أليمة للنحاس .. ولكنها لم تؤثر كثيرا في الكيان العام لبناء الوفد نفسه ..

أما الذي أثر في الوفد فعلا وباعد بينه وبين الجماهير فهو اقترابه من الباشوات أصحاب الأراضي الواسعة واعتزازه بتأييدهم .. وكان ذلك طبيعيا لأن الوفد نفسه كان قد تحول إلى حزب مياسير وأغنياء ... وكل كبار أعضائه كانوا قد أصبحوا باشوات يملكون الأراضي الواسعة والعقار الكثير .. وفي هذه الحالة لا يطيق الحزب البقاء بعيدا عن السلطان لأن كيانه تنفسه أصبح يعتمد على البقاء في الحكم.. والأغنياء – أو الرأسماليون كما يقال – لا يهتمون بشئ قدر اهتمامهم بالسيطرة على السلطان السياسي .

وهذه الحالة النفسية – والمالية أيضا – التي كان فيها الوفديون فى أوائل الأربعينات هي التي تفسر لنا قبولهم تولي الحكم في 4 فبراير 1942 .. وهي غلطة بشعة اقترفها النحاس ولكنها مفهومة إذا نحن ذكرنا الغلطة الأخرى التي سبقتها وهي توقيع معاهدة سنة 1936 مع بريطانيا .. ويتوقعها انتهت وكالة الوفد عن الأمة وانتهت وظيفة بالتالي ..

لأن الوفد تألف وحصل على توكيل من الأمة للمطالبة بالاستقلال سنة 1919 وفي سنة 1936 قال إنه أتي بالاستقلال وقد أصر على البقاء بعد ذلك , ولكن بدون وظيفة , لأنه لم تكن لديه برامج إصلاحية من أي نوع .ز مثله في ذلك مثل بقية أحزاب العصر وباشواته ..

تخلي الوفد عن الزعامة ووقع الفراغ السياسي وكان لابد أن يملأ وهنا يبدأ السباق بين قوة جديدة لملء الفراغ وقيادة الشعب .. هنا تبدأ حكاية الإخوان المسلمين ومن إليهم ويتمهد الطريق لثورة 1952 ونهاية عصر الباشوات ..

من هنا اختفاء الوفد محتوما بعد قيام ثورة 1952 وما حدث بعدها ن تحولات سياسية واجتماعية وفي الوقت الذي كان الوفد فيه يتصفي كانت بقية الباشوات تتلاشي .. ومعظم القدامي منهم ماتوا أو تركوا ميدان السياسة وانصرفوا إلى العقارات والأملاك .. وكل الباشوات كانوا أصحاب عزب وأراض وعقارات ..

ولكن . أكان الباشوات إقطاعيين ؟... ذلك أمر يحتاج إلى نظر فإن للإقطاه مفهوما آخر يختلف تماما عما كان عليه باشوات العصر الماضي .. الذين كانوا يملكون فعلا ويكن هل كانوا يملكون الفلاحين ؟

هناك عدة أسئلة لابد من الإجابة عنها قبل الإجابة عن هذا السؤال أولها : هل يمكن حقا السيطرة على الفلاح المصري ؟... المعروف أن الفلاح المصري من أمهر الناس في التخلص من أى حمل باهظ يثقل كاهله ومنذ أيام الرومان قال مارسللوس ابينوس إنك لا تستطيع أن تأخذ من الفلاح المصري إلا ما يعطيك هو إياه .ز وبكوات المماليك وباشوات الترك وقفوا عاجزين أمام مكر الفلاح وسعة حيلته .. ومحمد على باشا لم يأخذ من الفلاح مليما فوق ما كان يحصل منه الملتزم اتركي .. ولكن الذي حدث هو أن محمد علي قضي على الملتزمين وأصبح هو نفسه الملتزم وقبض المال من الفلاح مباشرة .. فزاد دخل الباشا أضعافا ولم يخسر الفلاح شيئا جديدا...

وليس لدينا دليل حقيقي على أن باشوات العصر الماضي كانوا يزغمون الفلاح على بيع جاموسته ليفي بالإيجار . لأن هذا تصرف لا يفعله إلا مالك أرض غبي .. وليس أعز على مالك الأرض الذكي من فلاح نشيط منتج يعرف كيف يستخرج من الأرض أحسن ما فيها .. ويأخذ حقه يعطي الباشا حقه ... أما الفلاح الكسول المتواكل الخبيث فإن أمره لا يعني أحد قط وفي يومنا هذا يستعمل رجال الحكومة كل ما يستطيعون مع أمثال هذا الفلاح لأنه كارثة في كل مكان وزمان ..

وبعد أن انتهي عصر الباشوات وقات الثورة أقاموا محاكم للباشوات وإنه ليستوقف النظر أن خيانة الوطن لم تثبت على واحد منهم .. وخيانة المال كانت قليلة .. واللصوص من بين الباشوات كانوا قليلين جدا .. ومع ذلك فقد أخذوا كل أموالهم – اللصوص منهم وغير اللصوص – أخذوا أموالهم ووضعوها تحت الحراسات وأقاموا عليها رجالا قالوا لنا إنهم مخلصون صادقون أمناء وسنري ما كان من أمر هؤلاء المخلصين الأمناء..

فهل تخلص الفلاحون من متاعبهم ؟.. هل أنقذ الفلاح مما كنا نسميه الإقطاع ؟.. هل وجدنا في خزائن الباشوات كنوزا مخزونة ننفق منها على مشاريع الإصلاح ..؟ لكي نفهم هذا لابد من نظرة أخري أعمق إلى الباشوات وعالم الباشوات ..

الباشوات المصريون يدخلون

إن من يفكر في عصر ما قبل الثورة يتصور أن مصر عاشت في عصر الباشوات مئات السنين .. مع أن الباشوات ظاهرة قصيرة العمر في تاريخ مصر .. إن عمرها لم يزد على 150 سنة .. ففي سنة 1800 لم يكن في مصر إلا باشا واحد هو طاهر باشا الوالي التركي .. وفي سنة 1805 اختار المصريون باشا جديدا هو محمد علي باشا وأعطوه الجنسية المصرية وطلبوا إلى السلطان العثماني أن يعينه واليا على مصر ووافق السلطان .. وسافر طاهر باشا إلى استامبول وبقي في مصر باشا واحد نصف تركي ومصف مصري هو محمد على وتلك هي بداية قصة الباشوات في مصر.

ولكي تكون قصة الباشوات وعصرهم كاملة نعود إلى الوراء قليلا في 2 سبتمبر 1801 حيث تم جلاء الفرسيين عن مصر وانتهت مغامرة نابليون بفشل ذريع ..

وبجلاء الفرنسيين عن مصر تصور الأتراك أن البلاد عادت إليهم فأرسلوا تعليماتهم إلى صدر الأعظم يوسف باشا ضيا بأن يتسلم حكم البلاد ويقضي على بقية سلطان المماليك ويتم جلاء الانجليز عن مصر ... وغاب عنهم أن الدنيا تغيرت ..ز وأن عودة الماضي كما كان أصبحت مستحيلة.. لأن عاملين جديدين دخلا في الميدان :

الأول هو أوروبا متمثلة في فرنسا وانجلترا , وإنجلترا الآن هي المنتصرة وهي لن تكف من ذلك الحين عن السعي لاستيلاء على مصر .. والعامل الثاني هو الأمل القومي لمصري متمثلا في المشايخ وجماهير الشعب .... وجماهير الشعب المصري هي التي أحدثت التغيير الذي كان يمكن أن يكون حاسما .. ففيما بين أول مايو 9 يوليو 1805 برز شعب مصر في الميدان يقوده زعماؤه وخاصة عمر مكرم .

وفي 12 مايو 1805 اجتمع زعماء الشعب في بيت القاضي وهو دار المحكمة وأعلنوا ألا تفرض على أهل مصر ضريبة إلا بموافقة العلماء وكبار الأعيان وأن تخرج الحامية التركية وعصابات الجند المرتزقة المعروفة بالولاة من القاهرة وألا يسمح بدخول أي جندي المدينة حاملا سلاحه وان تعاد المواصلات بين القاهرة والوجه القبلي الذي سيطر عليه المماليك ..

ورفض خورشيد باشا الوالي التركي ذلك كله . فعزله الشعب في 12 مايو في 1805 في نفس بيت القاضي وقرر تعيين محمد علي ..

وفي المدة من أول مارس 1804 إلى هذا التاريخ وهو 12 مايو 1805 توالي على مصر خمسة ولاة أتراك خسرو باشا وقد خلع .. وطاهر باشا ( قتل ) وأحمد باشا (طرد) ثم على باشا الجزايرلي ( قتل) ثم خورشيد الذي قلنا إن شعب مصر خلعه واختار محمد علي ..ومحمد على كان من الممكن عزله في أى حظة بل حدث أن نقلته الدولة واليا لسلافيك .. ولكن الشعب تمسك به وأبقاه في مصر رغم أنف السلطان, والخطأ الأكبر جاء من أن عمر مكرم – زعيم الشعب – تراجع وقدم محمد علي واليا ربما لأن التقاليد جرت بأن يكون الوالي تركيا ..

ومن المؤكد أن عمر مكرم كان يشعر أن إخوانه المشايخ لم يكونوا مستعدين لتأييده.. وقد تآمروا عليه مع محمد على بالفعل وأسقطوه وانتهي أمره بالنفي غلى دمياط ... وحكاية مؤامرة المشايخ على عمر مكرم حكاها عبد الرحمن الرافعي بكل تفصيل .. ولكننا نتناساها .. لأننا نحب الحقيقة أبدأ.. والتاريخ عندنا لابد أن يكون محلي بالسكر ..

والمشايخ تخاذلوا أظهروا أنهم أقل من المواقف بكثير .. ل فقد تنافسوا على مشيخة الأزهر وولايات الأوقاف . وغابت عن أعينهم القضية الكبرى . ومحمد على تركهم يأكل بعضهم بعضا بعد أن استقر في الولاية وصدر الفرمان أو الأمر السلطاني بتعيينه واليا على مصر في 9يوليو 1805..

والشعب المصري الذي حارب الفرنسيين والانجليز والمماليك وانتصر عليهم جميعا وفرض إرادته على الدولة العثمانية كان يستطيع بزعامة عمر مكرم إلى جانب محمد علي أن يبدأ رحلته فى العصر الحديث ابتداء من يوليو 1805 .. ولكن محمد علي الألباني الأناني قاد هذا الشعب في الطريق الذي أراد .. وهو طريق صخور وأخاديد ومستنقعات عطلت مسيرته وسارت به في طريق مسدود ... وإذا كان محمد على قد استطاع أن يحقق شيئا لأنه كان رجلا غير عادي . وقد أسعده الحظ بنفر من أذكي رجال السان سيمونيين الفرنسيين من أمثال الكولونيل سيف ولينان دي بلفوند .. فإن أولاده كانوا في مجموعهم مجرد ألبانيين متتركين جهلاء مغورين جبناء عاجزين عن إدراك الخير الذي كان يمكن أن يعود عليهم لو أنهم ربطوا مصائرهم بمصائر شعب مصر .. فساروا في الطريق الذي يؤدي بمصر حتما إلى أيدي المستعمرين . أصبحنا أيام أسرة محمد علي صيدا وشعبا مقيدا عاجزا يتنافس عليه الإنجليز والفرنسيون .. أما الأتراك فقد أصبحوا الضباع الذليلة التي تأكل من بقايا السباع ... والشعب المصري الذي صنع محمد علي كان عليه أن يبدأ من جديد ويسير الطريق كله مرة أخري ليصنع نفسه وهذا هو الطريق المرير الذي سار فيه أحمد عرابي ومصطفى كامل وسعد زغلول .. وسعد زغلول , كان عمر مكرم الجديد .. تآمروا عليه ووقفوا مع السراي والانجليز ضده وعدنا بعد ثورة 1919 إلى صراع السلطة العقيم حتي تأذن الله وقامت ثورة يوليو 1952 التي فعلت ما كان ينبغي ان يتم سنة 1805 . وهو الإطاحة بالانجليز والأتراك وأسرة محمد على وتسلم زمام مصر..

والفترة قبل 1805 كانت عصر بكوات المماليك وهم عصابات من أسوأ من عرفت مصر من الحكام ... القواعد الأساسية للعمل السياسي في عصرهم كانت الجشع والطمع والخيانة والجهل والقسوة والغرور .

والفترة من 1805 إلى 1952 هي عصر الباشوات وهي التي سنتحدث عنها في هذا الكتاب ...

ومحمد على باشا لم يكن تركيا بل كان أرناءوطيا .. والأرناءوط كانوا فرعا من الألبان ز. ولكنه كان فرعا صغيرا من أهل الوادي .. لم يكن لهم قدر كبير عند الألبان .. وكان المفروض أن الألبان جميعا أتراك ولكن الأرناءوط وحدهم كانوا يتمسكون بأنهم أتراك ... كانت هذه عقدة نقص فيهم ..

وعقد النقص هذه جعلت محمد على يتمسك بأنه تركي ولم يذكر إلا في النادر نصفه الثاني وهو النصف المصري ... وهنا كانت مأساته ومأساة أهل بيته .. فهم كانوا أتراكا أدعياء ومصريين بالانتساب .ز ومن سوء حظهم أنهم لم يخلصوا لصفتهم المصرية أبدا..

ومحمد على حارب الأتراك بالمصريين .. والأتراك لعنوه واستعانوا عليه بالانجليز وحطموه .. وبعد أن حطموه جعلوه واليا علي مصر وترابعها فقط كما بدأ .. اعترفوا بتركيته ولكنه هو وأولاده لم يصبحوا أتراكا خالصين أبدأ ... لأن أسرة محمد على كانت تنقصها أشياء كثيرة منها الصدق والإخلاص والولاء .. وأما المصريون فلم يفهمهم محمد على وأولاده قط ولم يتعاونوا معهم على بناء الوطن المصري الحديث .. وكان على المصريين أنيبنوا وطنهم .. كانت الولاية والأموال أهم أشياء عند محمد على وأولاده دائما من مصر والمصريين وقد استعانوا عليهم بالأجانب جميعا ثم بالانجليز ... وأخيرا – وعندما يئس المصريون من جعل أسرة محمد علي مصرية – عزلوا آخر رجالها وهو فاروق أحمد فؤاد في 26 يوليو 1952 ثم أعلنوا الجمهورية وحكموا أنفسهم كما كان ينبغي من 1805 ..

وكان من بين الأجانب الذين استعان بهم محمد علي وأولاده على المصريين الباشوات .. وفي أول الأمر كان كل الباشوات أتراكا أو منتسبين إلى الأتراك واللقب علي أي حال كان يأتي من استامبول .. وإلى 1870 تقريبا كان الباشوات كلهم أتراكا أو شراكس أو روما ( من أصل يوناني ) أو أكرادا أو حتي إيرانيين أو شواما أو مغاربة من دخلوا في خدمة السلاطين ..

ومحمد على عندما قضي على المماليك وبدأ في بناء الدولة الجديدة .. احتاج إلى إطارات إدارية فاستعان بنفر من أقاربه ومن الأتراك وبقايا لمماليك وعين منهم مديرين ومسئولين إداريين ماليين وحصل لهم علي ألقاب الباشاوية وكانت فكرة تقول بأن المصري لا يصلح إلا ليكون فلاحا بفلح الأرض .. أما الحكم والإدارة فليسا من اختصاصه .. وبمضي الزمن أصبح جميع الأجانب .. بما في ذلك الأرمن والتركمان والجزايرلية والقبارصة والجرايتلية ... والمالطيون ... هم السادة الحاكين في الدولة والمتحكمين في الأموال .. أما المصريون فقد ظلوا خارج الأسوار وكان المفروض أن يظلوا خارجها إلى الأبد...

وكان اللقب أول الأمر مرتبطا بالوظيفة .. فمدير المديرية لابد أن يكون باشا .. وأحيانا كان السلطان يرسل إلى مصر بعض مماليكه وخدم قصره ليكونوا مديرين للمديريات في مصر .. هذا الطراز من الباشوات تجد أسماءهم لفظا واحدا دون لقب مثل شاهين باشا وأيوب باشا وراغب باشا ونيازي باشا ... وهكذا حتي عندما كانوا يعينون وزراء كانت أسماءهم في المرسوم تصدر بهذا الشكل .. والوزارة الأولي التي شكلها أرتين نوبار باشا صدر مرسوم التشكيل وفيه أسماء نوبار باشا ورياض باشا وراتب باشا وعلى مبارك باشا ..

أما نوبار فهو أرتين نوبار وهو أرمني .. وأما رياض فهو مصطفى رياض إسماعيل أفندي الوزان .. بدأ حياته كاتبا في ديوان المالية وترقي ثم دخل في المعية الخديوية وانفتحت أمامه أبواب الوظائف ووصل إلى رياسة الوزارة سنة 1879 .. وتخصص في كراهة المصريين حتي أصبحت هذه هي رسالته في الحياة.... ومن عجيب أمره أنه استقال من الحكومة عندما خفف الحكم على عرابي من الإعدام إلى السجن المؤبد ولهذا يشكك لناص في مصريته ويقولون : إن أصله من يهود سلانيك أو الدونمة وهم أتراك يهود أسلموا في الظاهر .. وقد اشتهروا بالدس للإسلام والمسلمين .. وهناك من يقولون : إن مصطفي كمال أتاتورك منهم .. وإلى هذا في رأيهم يرجع نفوره الشديد من العروبة والإسلام وهذا ليس بصحيح..

ومصطفى رياض طول حياته يمثل الباشوات غير المصريين وهو عثمان رفق باشا يقفان على قمة العداء للمصريين ..

أما راتب باشا أذي كان وزيرا للجهادية ( الحربية) في الوزارة المصرية الأولي سنة 1878 فهو من باشوات الترك وأصله من مماليك السلطان ثم أصبح ياروا للسلطان عبد العزيز ... ورافقه في زيارته لمصر ثم استقر فيها وانضم إلى باشوات الترك وأصبح وزيرا أكثر من مرة ..

وأما على مبارك ناظر الأوقاف والمعارف العمومية والأشغال العمومية بالنيابة في تلك الوزارة .. فهو المصري الوحيد هنا وهو لا مثل الباشوات المصريين لأنه رغم مكانته وتاريخه الفكري كان دائما من باشوات السراي وتاريخه الفكري جميل .. أما تاريخه السياسي فغير جميل ..

ثم نسمع بعد ذاك عن اثنين من باشوات الترك هما سعادة أفلاطون باشا ناظر الجهادية والبحرية وسعادة تلو ذو الفقار باشا ناظر الخارجية مؤسس أسرة ذي الفقار ..

أصله من سبي إ إبراهيم باشا في الموره .. فهو يوناني أتي إلى مصر عبدا مملوكا ثم صار هو وأسرته باشوات .. وقد أطلع هذا البيت عددا كبيرا ممن خدموا مصر بإخلاص واشتهروا بالأمانة والصدق مثل إبراهيم باشا ذي الفقار وسعيد ذي الفقار وغيرهم من كبار الشخصيات .ز وارجوا أن يذكر أولادهم ممن يقرأون هذا الكتاب وأن يتأكدوا أن الإشارة إلى أصلهم اليوناني أو الرومي ليس فيه أي مساس بمكانتهم وأقدارهم ..

ومن أيام سعيد باشا أي من 1854 ارتبطت الباشوية بملكية الأرض من ناحية وبالوظائف الكبرى من ناحية أخري .ز فكانت وظائف المديرين ومديري الدواوين ومديري حسابات الوزارات تحمل معها لقب الباشوية ومنحة من الأرض كانت تسمي أبعادية . وهذه كلها قصرت على الأتراك والشركس وحدهم أي أفراد الأسر الحاكمة والوزراء والمحافظين وكبار رجال المعية ( الحاشية) الخديوية ونظار دوائر الأمراء وكبار الضباط .

وقد قال اللورد ميلنر في كتاب " انجلترا في مصر إنهم كانوا يكونون ارستقراطية خاصة من أجناس الأتراك والشراكسة والأكراد وأتراك الأناضول ( أنا تولي ) ... والأتراك من أصول يونانية ( السلانكلي والأدرنلي والقبرصي والجريتلي والمورلي ) ثم الأتراك من مغربية ( الجزايرلي والقراضلي والتونس ) ويقول ميلنر: إن هذه الرابطة التركية جمعت هؤلاء بعضهم إلى بعض .. لأنهم كانوا يتكلمون التركية ويلبسون ويتصرفون في بيوتهم بالوظائف الكبري وحرصوا على ألا يدخل فيها المصريون , وسيطروا على الإدارة والاقتصاد والزراعة سيطرة تامة ..

ويقول اللورد كرومر في كتابه " مصر الحديث عندما احتلت انجلترا مصر سنة 1882 وجدوا هناك مجموعة من الأتراك المصريين يحتلون المراكز الأساسية في الحكومة ويملكون الأراضي الشاسعة ... ويترفعون على المصريين ويعتقدون ان احتكار الباشوات والوظائف الكبري وملكية الأراضي الشاسعة حق لهم من دون المصريين وكانوا يجتهدون في إبعاد المصرين عن السلطة في بلادهم بكل سبيل .. ويقول كرومر : إن ملكاتهم لم تكن على مستوي طامعهم .. ولكنهم استفادوا من وضعهم وأصبحوا يحتكرون كل مصادر الثروة من وظائف وأراض وأموال واعتبروا الفلاحين عاملين في أراضيهم ملكا لهم .. بل كان بعضهم يري العمد والمشايخ في نواحيهم من إتباعهم وخدمهم ..

وكان المصريين في أول الأمر لا يقبلون على ملكية الأراضي لأنهم كانوا فقراء والأرض تحتاج إلى مال لإصلاحها وريها وزرعها والعناية بأمرها .. ثم إن العوائد التي كانت مقدرة على الأراضي كانت عالية لا يستطيع الفلاح الفقير دفعها فكان يترك الأرض ويهرب منها ... وكانت عوائد الأرض أي ضرائبها بيد جماعات من لصوص الإدارة وكانوا قساة جفاة بلا ضمير أو إنسانية .. وكانوا لا يتورعون عن إلحاق أشد الأذى بصاحب الأرض الذي لا يؤدي لهم .. وإلى جانب العوائد المقررة إتاوات وغرامات تذهب إلى جيوبهم ومن هنا فإنه لم يكن يستطيع التعامل معهم غلا القوي العنيد العديم الأخلاق .

ومن هنا فضل الفلاحون المصريون التخلي عن الأرض بل الهروب من ملكيتها تخلصا من التعاون مع أولئك اللصوص.. وعلى باشا مبارك نفسه يحكي في ترجمة جياته : أن أسرته هاجرت من قريتها لأن الحكومة " رمت عليهم " أرضا وطالبتهم بعوائدها فتركوا القرية وهربوا .. وفي هذه الحالة كان الباشوات الأغنياء يتقدمون ويستولون على الأرض .. إما بإذن الخديوي وإما بوضع اليد .. وكانت الأبعاديات أشبه بالاحتكار لهم .. والأبعادية هي الأراضي الزائدة على زمام القرية المسجل في الدفاتر .. وكانت في الغالي تكون بورا فيستولي عليها الباشا منحة من الخديوي أو بوضع اليد ويستخدم الفلاحين في العمل فيا بالسخرة ويصلحها ويزرعها ويستولي على كل محصولها ... ويدخل في هذه الأراضي ما كان يعرف بالجفالك وهي أرض شاسعة .. مما وضع محمد على باشا يده عليه وصار ملكا للأسرة الفخيمة والخديوية ... وكانت هذه الأراضي معفاة من العوائد والضرائب .. فكان الباشوات يستولون عليها ويعمرونها ويستولون على محاصيلها ..

وحوالي 1858 اصدر سعيد باشا لائحة تعطي واضع اليد على أي أرض حق تملكها بشرط أن يدفع المال المقدر عليها .. وقد احتفظ الخديوي في هذه اللائحة بالحق في استرداد هذه الأراضي عندما يشاء ومن هنا حرص أصحاب الأراضي على أن يكونوا على علاقات طيبة مع الأسرة الحاكمة حتي لا تصادر أراضيهم .. ومن ذلك الحين أصبح الخضوع المطلق للخديوي شرطا من شروط الباشوية وملكية أراضيهم ... ومن ذلك الحين أصبح الخضوع المطلق للخديو شرطا من شروط الباشوية وملكية الأراضي .. وهذا هو الأساس البعيد الذي قام عليه جاه باشوات السراي وهم في نفس الوقت باشوات الانجليز ...

وهذا الطراز من الباشوات كانوا دائما لعبة السراي والانجليز ومنهم تكونت كل الأحزاب المناهضة للوفد والحركة القومية: الأحرار الدستوريون وحزب الاتحاد وحزب الشعب ولابد من الحذر من التعميمات هنا .. فإن الكثيرين من رجال حزب الأحرار الدستوريين لم يكونوا قط من باشوات السراي أو الانجليز إنم كانوا رجالا أحرار لم يشاءوا أن يندرجوا في زحمة الوفديين .. إما بسبب استغلال الشخصية ما نري عند عدلي باشا يكن وعبد الخالق ثروت باشا وعبد العزيز فهمي باشا وعبد الحميد بدوي باشا وإما نفورا مما كانوا يسمونه ديماجوجية الوفد .. ومن هؤلاء أهل علم وفضل وأدب كثيرون ..

وقد لقيت من هؤلاء أوائل أيام اشتغالي بالأدب أحمد محمد خشبة باشا وإبراهيم دسوقي أباظة باشا والأول كان من هواة التاريخ والثاني كان حافظا للشعر الدب ويدخل في هؤلاء محمد حسين هيكل باشا الأديب المعروف .

وفي القرن الماضي اتجه باشوات السراي غلى اغتصاب الأراضي وتوسعوا في ذلك .. وقد اشتهر من بين هؤلاء شاهين باشا الذي كثرت الشكوي من تعديه على أراضي الفلاحين فكان يتعصب المائة فدان والمائتين دون أن يبالي .. وكانت لهذا الرجل أساليب شريرة في التخلص من أداء " الميرني " أي الضرائب وكان جرئيا قحا لا يستحي من أن يقول : إن كانوا يقولون إني " حرامي " فهم " حرامية" أكثر وليس عيبا أن يسرق الحرامي حاميا آخر والحكاية رواها الصحفي السويسري ..

وهذا هو الذي جعل ذلك الصحفي يقول فر رسائله إلى الجورنال دي جيبت إن كل المصريين يرون أن سرقة أموال الحكومة حلال بل شطارة لن رجال الحكومة في ذلك العصر وهو النصف الثاني من القرن التاسع عشر كانوا – في نظر عامة المصريين – لصوصا ومالهم كله حرام وسرقته حلال ..

وكان هناك إلى ما قبل ثورة يوليو 1952 طريقة تقليدية باشوية في اغتصاب الأراضي والتوسع فيها فإن الباشا كان يمنح بمجرد حصوله على اللقب أو دخوله الوزارة أرضا في حدود مائة فدان من أراضي الجفالك مثلا ... وهي في الغالب تكون مهملة أو مما كان يسمي بالمتروك والمتروك هو الأراضي التي تخلي عنها الفلاحون لعجزهم عن سداد العوائد المقدرة عليها مضافا إليها الرشاوي الكثيرة لرجال الحكومة والإدارة .. فكان الخديوي يستولي عليها ويمنحها لباشواته .. والباشا – وزيرا كان أو مديرا – يتصل بزميله مدير المديرية لكي يسخر إدارات الدولة كالري مثلا في ري أرضه ويحشد الفلاحين للعمل فيها بالسخرة فتتحول الأبعادية إلى عزبة مثمرة ثم يغتصب الباشا فوق المائة فدان مائة أخري ..

وقد ذكرت الدكتور لطيفة محمد سالم في كتابها عن القوي الاجتماعية في الثورة العرابية رجلا يسمي شاهين باشا اشتهر بالتعدي على أموال الفلاحين وكان مفتشا لجهة بحري وداخله الطمع وأخذ من ورثة محمد أبي حمزة 100 فدان عشورية ( أي من أجود الأراضي التي تدفع عوائد وتقد بعشر المحصول ) من أطيان كفر الدوار ووبحيرة مقامة على زمام ناحية البريجات من أعظم أطيان تلك الجهة بمهماتها .. ومغروسة بكافة دوايرها أشجارا من سنط وجميز وساقيتين وآلات وعزبة قائمة بنفسها بطاحونة .. كما أنه أغتصب من فلاحي ناحية يتوخر - غربية – مائتي فدان وأمثال هذا الباشا اللص كانوا كثيرين جدا .. إلى قيام الثورة العرابية ..

إذن كان عالم الباشوات عالما أجنبيا غريبا عن مصر في مجموعه .. وهذا القول فيه تحوز ولكنه يصور نظرة المصري العادي إلى الباشوات وعالمهم في جملته كان مجتمعا نشأ حول البيت المالك الذي لم يشأ قط أن يعتبر نفسه بيتا مصريا .. والثورة العرابية قامت بالذات احتجاجا على ذلك الوضع الشاذ الذي كان يفترض أن كل خيرات مصر ووظائفها الرئيسية ينبغي أن تكون بأيدي الأجانب لو كانوا من حثالة أهل الأرض المهم ألا يكونوا مصريين ..

إذن فكيف ومن أين الباشوات المصريون ؟.. البداية خافية بعض الشئ لأنها جزء من الحركة القومية المصرية التي درس عبد الرحمن الرافعي الخطوط الرئيسية لتاريخها .. ويقوم المتخصصون في تاريخ مصر الحديث بدراسة ما يتسير لهم دراسته من بتفاصيلها وقائعها دراسة علمية بتفصيل ..

والبداية نجدها عند العمد ومشايخ القرى من ناحية وعند تجار المدن من ناحية أخري..

ذلك أن محمد على عندما وضع يده على كل أرض مصر واعتبرها أملاكا له يتصرف فيها ويمنح كما يشاء احتفظ لكل قرية بزمامها أي بالأراضي التي يسأل عنها العمد ومشايخ القري ونظار الزراعة ويطالبون بتحصيل الأموال عنها .. وكان من المحرم على أحد المساس بأراضي الزمام أى الأراضي التابعة للقرية رسميا . لأن هذه هي المنبع الرئيس لدخل الباشا محمد على وخلفائه من الأراضي ..

وكانت الحكومة تقدم للعمد ومشايخ القري بعض المعاونات مثل تقاوي القطن والقمح وأصول الأشجار مثل أشجار توت الحرير وقي مقابل خدماتهم كانت الحكومة تترك لهم 4 أفدنة من مساحة الزمام يزرعوه لحسابهم .ز فاهتم الكثيرون جدا من العمد ومشايخ القري بنصيبهم هذا فنهضوا به وتوسعوا فيه .. واشتروا أراضي لحسابهم ودخلوا في زمرة أصحاب الأملاك .. وبعض أذكياء أصحاب المنح من رجال الحكومة كانوا يتعاونون مع العمد والمشايخ في تنمية أراضيهم في مقابل مساحات واسعة من تلك الأراضي يتركونها لهم ليزرعوها لحسابهم .. والمثل المعروف عندنا هو رفاعة رافع الطهطاوي – ولم يكن باشا – ولكنه كان من كبار الموظفين وحصل على منح كبيرة من الأراضي شارك العمد ومشايخ البلاد في تنميتها حتي صار يملك 2500 فدان سنة 1880 .. وعلى مبارك باشا اتبع هذه الطريقة ووصلت أملاكه إلى 3000 فدان .

وذكرت الدكتورة لطيفة سالم في كتابها الأنف الذكر أمثلة أخري منها مثال على البدراوي وكان من تجار المحاصيل .. فكان يشتري محاصيل الأبعاديات وأراضي الوسيات ( وهي أملاك الأسرة الخديوية ) ويتاجر فيها .. وقد بدأ ظهوره من أيام محمد على باشا .. وفي أيام سيعد باشا حصل على منح كبيرة من الأراضي .. وسيعد باشا كان ميالا إلى المصريين عطوفا على الفلاحين ..ز ثم اشتري على البدراوي أرضا أخري ... ووصلت أملاكه في أواخر أيام سعيد باشا إلى 4000 فدان .. ومن هؤلاء أيضا حميد أبو ستيت... وكان من العمد ومشايخ القري في نواحي سوهاج ... فاجتهد في الزراعة وخدم أصحاب الأبعاديات وتعاون مع رجال الحكومة ... واشتري الأراضي وتوسع فيها ثم عين حاكما لمديرية جرجا ووصلت أملاكه إلى 5000 فدان ومثل هذا الرجل كان كثيرون ... منهم عائلات أباظة والشريعي وسليمان عبد العال والمنشاوي والهجين والعقاد وعبد الغفار وغيرهم ممن استطاعوا أن يصبحوا من كبار الملاك وداخلوا الحكام .. وبعضهم حصل على الباشوية مثل محمود سليمان باشا ( والد محمد محمود باشا) وحسن عبد الرازق باشا وكلاهما من باشوات الصعيد ..

ولكن الطفرة حدثت بعد سنوات قلائل من حكم إسماعيل باشا عندما أحاطت به المصاعب السياسية وتزايدت الديون وزاد الإسراف في إنفاق المال .. فأراد إسماعيل أن يعتمد على سند يقويه أمام السلطان والأجانب .. خاصة وقد انضم إليهم باشوات الأتراك .. فخطر بباله أن ينضم إل الجانب المصري ليستعينبه في صراعه للاحتفاظ بعرشه .. وتلك كانت الظروف التي أوحت إليه بفكرة الحكومة النيابية ومجلس شوري النواب .ز وكانت فكرة إسماعيل أن يكون أعضاء هذا المجلس من أعيان المصريين والعمد ومشايخ القرى .. واصدر لائحة هذا المجلس أو قانونه سنة 1866 وخلعه مجلسا استشاريا صرفا... أي ليس لقراراته أي قوة تنفيذية .. ثم أنه يجتمع بدعوة الخديوي ولمدة شهر واحد في السنة .. ولا دخل له في شئون الميزانية ومالية الدولة ..

وقد أراد إسماعيل بذلك أن يتظاهر أمام الأجانب بأنه رجل دستوري .. ومن المؤكد أنه لم يكن جادا فيما أراد .ولكن الشعوب تأخذ هذه المسائل جدا خالصا .. لأنها الفرصة الذهبية التي تتاح لها لكي تعبر عما يجيش في نفوسها .. وكان المصريون في ذلك الحين بالفعل في حالة من التعاسة لا توصف .. فكل المتاعب على أكتافهم .. وكل المكاسب لغيرهم ... البلاد فريسة لجماعات وحشية من الأفاقين والمحتالين على رأسهم الخديوي نفسه ورجال الحكومة التركية .. ثم قناصل الدول ومن ينضوي إليهم من الأوروبيين من كل صنف ..

وكما حدث في فرنسا .. عندما دعا الملك لويس السادس عشر " مجلس الطبقات " ليستعين بع علي فرض ضرائب جديدة ففتح على نفسه بذلك الطوفان فكذلك حديث لإسماعيل : ما كان يعلن لائحة مجلس شوري النواب حتي استيقظت الآمال وانفجرت العواطف القومية الحبيسة ..والمصريون الذين كانوا مبعدين عن كل ثروة وسلطان يريدون اليوم أن يستعيدوا حقوقه في وطنهم وينتصفوا لكرامة وطنهم الذي لم يحترمه الآخرون ..

وما كادت الانتخابات تبدأ حتي ظهرت قيادات شعبية جديد وطفرت إلى ميدان السياسة المصرية أسماء كان باشوات الأتراك يحسبونه في مراتب العبيد فانتخب أهل القاهرة موسي العقاد والحاج يوسف عبد الفتاح والسيد محمود العطار .. وانتخب أهل الإسكندرية الشيخ مصطفي جميعي والسيد عبد الرزاق الشوربجي.. وانتخب الغربية والمنوفية أتربي أبو العز وعلى كامل عمدة القصرية والحاج شتا يوسف عمدة أبي مندور .

ومن بطون الريف العمد قفز إلى مجلس شوري النواب في القاهرة ... وبدأنا نسمع في عالم السياسة بأسماء على الجزار ومحمد شعير وموسي الجندي , وأحمد أبي الحسين ونصر منصور الشواربي والإمام الشافعي أبي شنب وعلى حسن حجاج وأحمد أباظة والمعلم سليمان سيدهم وعامر الزمر وإبراهيم أحمد المنشاوي وجرجس برسوم وإبراهيم الشريعي محمد أبي سحلي وغيرهم وغيرهم ... وهكذا اقتحم الميدان السياسي المصري 75 مصريا قرروا أن ينزعوا السلطان من بلادهم من أيدي باشوات الترك والشركس وخلفائهم من الأجانب .

وقد عقد هذا المجلس أولي جلساته في 25 نوفمبر 1866 وكانت بديته أشبه بالمهزلة ز. فقد كان الأمر جديد جدا على النواب .. أما بالنسبة للحكومة فقد كان هزلا..ز وكان يمثلها الخديوي ونفر من باشواته : إسماعيل راغب باشا ( عين رئيسا للمجلس ) وشريف باشا وزير الداخلية وحافظ باشا وزير لمالية وعبد الله عزت باشا رئيس مجل الأحكام وإسماعيل باشا صديق مفتش الأقاليم ورياض باشا المهر دار حامل الأختام... وعقد الاجتماع في القلعة وهناك أيضا كان مقر الخديوي حتي انتقاله إلى قصر عابدين ..

ولكن هذا المجلس الذي بدأ وكأنه لا شئ . لم يلبث أن تطور حتي أصبح في حقيقة الأمر كل شئ ... من هنا نبعت الحركة القومية .. ومن هنا نشأت الثورة العرابية ومن هنا أيضا نشأ باشوات الفلاحين أو باشوات المصريين ..

وفي دور الانعقاد الثالث للهيئة النيابية الثالثة في يناير 1879 إلى يوليو 1879 ظهرت القيادات الشعبية الحقيقية :

محمود العطار وعبد السلام المويلحي وعثمان الحرميل والشيخ مصطفى الأنيابي والشيخ محمد كساب ويوسف رزق وعبد الشهيد بطرس وغيرهم ... ويبدأ الصراع بين الخديوي وباشوات الشعب وممثليه وطالب المجلس بالإشراف على مالية البلاد ... وأحرج نوبار باشا رئيس الوزراء .. وفي النهاية حل المجلس في جلسة 19 مارس سنة 1879 .. وسنورد هنا مقتطفات مما دار من المناقشات في هذه الجلسة الحاسمة بين مصطفى رياض باشا رئيس الوزراء وقادة الشعب .. ومنهم سيكون الباشوات الجدد:

رياض باشا: ابدي لكم كامل الشكر والثناء على ا أبديتموه من الهمم والمساعي الخيرية التي من اللزوم أن نكون فيها كرجل واحد..

محمد أفندي راضي : ( عمدة بلدة القسط وهو من نواب بني سويف ) يحتج على أنها دورة المجلس ويقول : والأمر الصادر الآن ذكر فيه أن المجلس انتهت مدته مع أنها ما انتهت .. وحاصل الأمر أنه لابد من عودة المجلس بعد المدة التي قررها لأجل رؤية تلك المسائل والملحوظات ...

عبد السلام المويلحي ( باشا ) : إن المجلس طالب بعدم قطع أمر في أي شئ كان إلا باشتراكه .. وأن بعض الأعضاء يقول إنه إذا كان يحصل ذلك ربما يحصل من الأهالي أمور لا يصح وقوعها ..ويكون مجلس النظار تحت المسئولية ..

رياض باشا : ما قلتموه الآن بخلاف لائحة المجلس والجاري لحد تاريخه .. ولا يمكنني أن أجاوب على ذلك منفردا .ز إنما ينظر فيه مجلس النظار والمأمول ألا يحصل شئ من الأهالي مما يكدر الراحة ..

عبد السلام المويلحي: المجلس لائحته أن ينظر في المنافع الداخلية والتصورات التي تراها الحكومة أنها من خصائصه ينظر فيها ويعطي قرارات تعرض للحضرة الخديوية..

ويصر رياض باشا على فض الدورة ويشكر أعضاء المجلس ..

محمد أفندي راضي : شكر سعادتكم مقبول . ولكن لا يمكن صرف المجلس إلا إذا نظر في المسائل التي حرر عنها ..... وفي الميزانية .. وبعد قليل يقول عبد السلام المويلحي – وكان زعيم المعارضة لاستبداد الأتراك والأجانب بما فيهم الخديوي والباشوات :من ضمن ما قدتموه سعادتكم أن أهالي مصر همج ... وأنه لا يوجد فيهم عشرة يفهمون ما يقال في الجرانيل .. مع أنه لا صح نسبة جميع الأهالي الحالة التى لا تليق ..

رياض باشا : الذي صار التنبيه على كتاب الجرانيل عنه هو ما يتعلق بالأمور التي لا تعلق لها بالقطر مثل أن الجورنالجي يكتب عبارة من الوراد بجرانيل الأوروباويين .. مع أن أولئك لهم قواعد وقوانين غير قواعد وقوانين بلدنا . ويدرجون أشياء مما يخدش أذهان العامة الذين لا يمكنهم التصرف في مثل هذه الأفكار .

محمد افندي راضي : لا نتوجه لطرق الاعتاب إلا إذا أعطي لمجلس النواب حقوقه وأجيبت طلباته .. وها نحن أولاء منتظرون الجواب الذي يرد من ذلك..

وهذه العبارة تذكرنا بالعبارة التي تنسب إلى دانتون ألتي قال فيها : نحن هنا باسم الأمة .. ولن نبرح أماكننا إلا على أسنة الحراب ..

إذن فقد رفض أعضاء المجلس حل الدورة إلا إذا أجيبت مطالب الشعب . وظهر بوضوح أن وزارة باشوات الترك والشركس مصممة على فض دورة المجلس بعد خمسة أيام من انعقادها ..وبالفعل استصدرت قرارا بحله بغيعاز من المراقبين الانجليزي مستر ريفرس ويلسون .والفرنسي المسيو ديلنيير وكانا وزيرين في وزارة رياض باشا ..

وعقد أحرار المصريين اجتماعا في دار السيد على البكري واعتبروا أنفسهم جمعية وطنية كان سنة 1879 .. وتلك هي مقدمات الثورة العرابية .. لقد دخل الباشوات المصريون ولن يخرجوا ..

نهاية عصر الباشوات

في الماضي كانوا يقولون لنا إن الفضل في وصول المصريين إلى الرتب العسكرية العالية ودخولهم عالم الباشوات في القرن لماضي يرجع إلى الخديوي محمد سعيد بن محمد على ( 18561863) لأنه كان يحب الفلاحين ويعطف عليهم .. هذا غير صحيح : لأن اقتحام المصريين عالم الرتب العالية والباشوية كان جزءا من تطور عام شمل البلاد .. فقد زاد السكان من 2,5 مليون أيام محمد علي إلى 4,5 مليون أيام سعيد ..وتضاعف حجم التجارة ست مرات , وتضاعف حجم الأراضي الزراعية من مليون فدان إلى 4 مليون فدان ..

وليس من المعقول أن يحصل كل هذا التطور ث يظل السلطان كله والخير كله في يد الخديوي وعدد من الباشوات حوله لا يزيدون على ألف .. كلهم من الترك أو الشركس و الأرناءوط أو الروم ( باوشوات أتراك أصلهم من بلاد اليونان وجزائرها وبلاد البلقان )..

والمصري بطبعه ذكي ونشيط ثم أنه هو الذي يزرع الأرض .. وهو الذي يسيطر عليها عن طريق العمد والمشايخ ونظار الزراعة والخولية... وقد رأينا في الفصل الماضي كيف اقتحم العمد ومشايخ القري عالم الغني والأملاك الواسعة وعندما تذكر ذلك كله نري أن دخول المصريين عالم القوي والسلطة والباشوية كان أمر لا مفر منه وقيام مجلس شوري النواب سنة 1866 كان في الظاهر بإيعاز من إسماعيل باشا لسباب شخصية خاصة به . ولكنه كان جزءا من التطور العام ... وتطور مجلس شوري النواب ومطالبة رجاله المصريين بحق الرقابة على الميزانية كان ظاهرة تاريخية طبيعية.. فقد جاء الوقت ليملك المصريون زمام الأمور في بلادهم ويخرجوا باشوات الأجانب من الميدان .

وقد ختمنا الفصل الماضي بطرف من المنافسة بين عبد السلام المويلحي محمد راضي – وكان يتحدثان باسم المصريين – ومصطفى رياض ممثل الارستقراطية غير المصرية ورأينا كيغ كان موقف رياضي سخيفا وسفيها ووقحا .. فقد كان يقول إن أهل مصر همج .. وليس فيهم عشرة يفهمون ما يقال في الجرانيل ..

وفي نهاية الحديث يقول محمد بك راضي وهو عمدة القسط ومن نواب بني سويف عبارة هي في ذاتها ثورة على حكومة الاستبداد .. وهي إعلان لميلاد العصر الجديد .. فقد كان من المفروض بعد أن أعلن مصطفى رياضي باشا نهاية الدورة البرلمانية أن يتوجه النواب لشكر الخديوي ... قال محمد راضي : لا نتوجه لطرق الأعتاب إلا إذا أعطي لمجلس النواب حقوقه أجبيت طلباته ..

وها نحن منتظرون الجواب الذي يرد عن ذلك ( الرافعي عصر إسماعيل.)

كان ذلك سنة 1878 وكان إرهاصا بقيام الحركة العرابية . فغن الباشوات المصريين كانوا قد اقتحموا الميدان يتقدمهم أحمد عرابي وعلى فهمي الديب وعبد العال حلمي ..

ومكان الخديوي إسماعيل قد أغرق مصر في الديون .. والديون أدت إلى التدخل الأجنبي .. واشترك وزيران أجنبيان: واحد انجليزي وآخر فرنسي في الوزارة .. وعندما قامت الحركة الوطنية التي ولدت في مجلس شوري النواب انتقلت القيادة في البلاد إلى المصريين ..

وفي صراعه مع دائنيه الأوربيين حاول إسماعيل أن يستعين بالمصريين .. وهذا في ذاته أخاف الأجانب .. لأن معظم الديون كانت غشا وتزويرا وسرقة ... فإذا أشرف مجلس النواب على لميزانية كان من حقه الإشراف على الديون وفحصها والتحقيق في مبالغها الحقيقية وأسعار فوائدها .. أي إن شكل الصراع سيتغير .. ويصبح صراعا بين الوطنيين والأجانب .. وهذا ما كانت تخشاه أوروبا .. ولهذا سارعت بالعمل علي عزل إسماعيل وتولية ابنه محمد توفيق ..وقد تم هذا في 26 يونيو 1879 ..

وانتقل الصراع من معركة بين المصريين وباشاواته إلى معركة بين الأجانب والمصريين .. والجانب هنا جهة واحدة تشم الخديوي وحاشيته وباشواته والخواجات ما بين قناصل وتجار ووكلاء شركات وأصحاب بنوك في مصر وممثلي بنوك في أوروبا ...

ويحيط بهؤلاء عدد هائل من اللصوص ولنصابين والمحتالين وتجار الخمور والقوادين والعاهرات من الأجنبيات ..ومعظم هؤلاء وأولئك كانوا جواسيس للدول أو للخديوي أو السلطان العثماني .

ومصر في ذلك الحين كانت سوقا رهيبة وميدانا لمعركة تستل فيها كل أساليب الصراع المالي والسياسي الدموي أيضا . وكان البلد غنيا فإن مساحة الأرض المزروعة بلغت خمسة ملايين فدان . وهذه الفدادين تزرع قنا وقمحا وأرزا وقصب سكر وكتانا وكل هذه كانت تصدر عن طريق لعملاء الأجانب . والمصريون كانوا خمسة ملايين ولكنهم في مجموعهم لم يكونوا يسيطرون إلا علي جزء من خمسين من ثروة بلادهم فقد كان هنا 4,5 مليون فلاح متوسط دخل الواحد منهم في السنة لا يزيد عن خمسة جنيهات مجيديه وكان المعروف أن المصري لا يأكل إلا خبر الذرة والجبن والملوحة والبصل . ولا يلبس إلا جلبابا واحدا طول حياته . جلبابا من البفتة وهي كلمة إيطالية مصرية ومعناها نسيج القطن الردئ .

وكان المصريون يعرفونها بالنسيج أو النيلة وهو صبغ مصري يستخرج من نبات مصري كان يزرع في الواحات ... والسبب في صباغته هو الرغبة في إخفاء قذارته إذا اتسخ .. لأن اللون الأبيض تظهر فيه كل الأوساخ .. وأدخل الانجليز نوع قماش القطن المسمي بالشيت وهي كلمة انجليزية ومعناها الصحفية الرقيقة من الورق أو القطن أو المعدن والمفروض أن الشيت كان أرخص أنواع قماش القطن في مثله في ذلك مثل البفتة ..

باسم هؤلاء المظلومين وقف عرابي وإخوانه يتحدثون .. ولكن من الحق أن نقرر أنهم كانوا بلا عدد أو رحمة أو إنسانية .. ولك يكن في الباشوات المصريين الجدد رجل صلب حقيقة إلا أحمد عرابي باشا .. أما عبد العال حلمي وعلى فهمي الديب فكان فيهما ضعف شديد .. بقية باشوات الحركة الوطنية كانوا قلقين غير مستقرين .. وكان اهتمام معظمهم موجها إلى مصالح أنفسهم دون مصالح الوطن .. ومن أمثلة ذلك موقف محمود سامي البارودي باشا وهو الشاعر المعروف وأصله شركسي .. ولكنه انضم للحركة المصرية وكسب منها .. ولكنه من البداية أبدي استعداده للتخلي عنها .

وعندما استقالت وزارة شريف باشا احتجاجا على التدخل الأجنبي في أغسطس 1879 اتفق أعضاؤها على ألا يشتركوا في وزارة تعارض المصالح القومية .. وثبتوا على ذلك إلا محمود سامي البارودي ومصطفي فهمي .. فقد دخلا الوزارة التي ألفها الخديوي توفيق برئاسته . ومثل هذا التخلي عن مصالح الشعب كثير في تاريخ الباشوات المصريين فإن الأديب المعروف محمد حسين هيكل باشا لم يصل إلى الوزارة إلا عن طريق السراي والانجليز .. واشترك في حكومات كثيرة أذلت الشعب وتنكرت لحقوقه .. وهذه حقائق لابد ان نعرفها .. ولابد أن نقولها لأننا نكتب أذلت الشعب وتنكرت لحقوقه .. وهذه حقائق لابد أن نعرفها .. ولابد أن نقولها لأننا نكتب هذه الدراسات لنكشف الغشاوات والأوهام عن عقول الناس . ولا ينفع الأمم إلا الحق ..والحق مر ولكن كل شئ له قيمة في الحياة لا نصل إليه إلا عن طريق مرارة الصراع وأخطاره . ومن أكبر عيوبنا أننا نغفل عن هذه الحقيقة .. ونصر دائما على أن نحصل على حلاوة الحياة دون مرارتها .. والنتيجة أننا لا نحصل إلا على المرارة وهذا هو الطبيعي .. ولو تحملنا مرارة الحياة لحصلنا على حلاوتها .. وعندما ننظر إلى خريطة الأرض ونري الروس يملكون وطنا يمتد من حوض الدنير إلى المحيط الهادي ينبغي أن نذكر أنهم فتحوا هذه الأراضي وعمروها ومات منهم في سبيل ذلك ملايين .ز ومثل ذلك يقال عن الأمريكيين أصحاب الولايات المتحدة فقد اقتحموا الفيافي والقفاز وأصروا علي الوصول إلى ساحل المحيط الهادئ في ملحمة مغامرات ومخاطرات مهما قلنا فيها فهي ملحمة بطولة , وفي رواية أمريكية مشهورة اسمها المجد الشمالي الغربي عبارة عظيمة قالها قائد فريق من الذين قاموا بالتوسع الأمريكي ناحية الغرب , فقد كانت أراضي أمريكا محددة بجبال الليجاني وأرادوا اقتحامها إلى الغرب عن طريق ممر شمالي غربي فتردد بعض الجنود في الاقتحام فقال لهم القائد: ستقتحم ولو مات نصفنا وسأل أحد الجنود : ولماذا يموت نصفنا ؟ فكان الرد : ليصل النصف الآخر إلى المحيط فقارن ذلك بوقوفنا بحدودنا عند الشلالات جنوب أسوان ولو أننا سرنا علي سياسة المصريين القدماء واقتحمنا لكنا دولة عالمية كبري. ونحن هنا لا نعقب على على مبارك ولكننا نقرر حقيقة وإذا كان على مبارك يستطع الصمود في الصراع الوطني ومال غلى الانضمام غلى جانب الخديوي طبعه ولا حيلة لنا فيه .. ولا نستطيع أن نلوم الناس لأنهم ليسوا بشجعان فإن الشجاعة صفة قد تكون في الإنسان أو لا تكون .

ومن بداية الحركة العرابية نجد الباشوات الأجانب يقفون كتلة واحدة ضد الباشوات المصريين وعلى رأس الباشوات غير المصريين لخديوي توفيق مصطفى رياض باشا وخلفهما كل المصالح وعلى رأس الباشوات المصريين كان يقف أحمد عرابي يؤيده بإخلاص عدد قليل من الشبان لم يكن فيهم من الباشوات أحد ولكن كان فيهم بكوات يعدون من مفاخر تاريخ مصر .. أشهرهم محمد عبيد وكان بكباشيا أي مقدما .. وقد ظل كذلك حتي استشهد في سبيل مصر في معركة اتل الكبير.

أما محمد شريف باشا فقد كان رجلا حرا شجاعات شهما .. ولكنه كان تركيا متمصرا وقد ناصر الحرية والدستور بكل بسالة وصدق حتي توفي بعد الاحتلال في مدينة جزانز في ألمانيا . وهو خليق بأن في الباشوات المصريين .

وعندما نقرأ تفاصيل الحركة العرابية نشعر بالحزن لحالة عرابي ومصيره .. لأن الرجل كان يحارب وحده تقريبا .. وكان معظم الباقي خصومه حتي الإمام محمد عبده .. فقد كان خصما صريحا لأحمد عرابي .. وله فيه آراء سيئة جدا.. وهو يقول إنه كان جاهلا مغرورا .. وعرابي لم جاهلا قط وإذا كانت ثقافته محدودة فإنه شعوره كان شعور مصري حر باسل .. وهذا لا يمنع من القول بأن المركز الذي وصل إليه اثر في نفسه فمال إلى الغني والاستبداد ... وهذا معقول وطبيعي فإن الرجل الذي كان قائم مقام مجهولا سنة 1870 وجد نفسه سنة 1880 على رأس حركة قومية فريدة من نوعها في ذلك العصر ..

فقد كانت أفريقيا وآسيا كلها مستعمرات .. ولكن البلد الوحيد الذي وقف ضد السيطرة الأوروبية واستبداد الحكام الخونة الظالمين كان مصر ..

والثورة العرابية لم تكن في نظر أوروبا ثورة محلية مصرية بل كانت بداية التمرد العالمي على السلطان الاستعماري كله ولهذا وقف الأوربيون جميعا ضد الثورة العرابية .. بل كان القنصل الاستعماري كله .. ولهذا وقف الأوربيون جميعا ضد الثورة العرابية .. بل كان القنصل الألماني في مصر من أشد الناس كراهة لعرابي ومن أعنف الداعين إلى القضاء عليه .. بل كان هناك في الجيش المصيري جنرال أمريكي يسمي شابيه لونج .. وكان المفروض أن يقف بعواطفه مع المصريين .. وكنا ننتظر أ، يقف على الحياد على الأقل .. ولكن شابيه لونج الأمريكي كان من أكبر المطالبين بإعدام عرابي وأصحابه وهذا طبيعي لأنه وإن كان أمريكيا فإنه جزء من الرأسمالية الغربية التي كانت تخاف الثورة العرابية .

وأمثال شابيه لونج من الأمريكيين كانوا أعداء الحركات القومية في المسكيك وأمريكا الوسطي والجنوبي .. وقد قال أحد رجال الحرية المكسيكيين عبارته المشهورة يرحم الله المكسيك وما أبعدها رحمة الله وما أقربها من الولايات المتحدة ..

ومهما حدث من عرابي فنحن نعذره .. ويكفيه موقفه في يوم عابدين في 9 سبتمبر 1881 .. لأن الذي فعله الناس معه في ذلك اليوم لا يوصف إلا بأنه مأساة حتي زميلاه عبد العال حلمي وعلي فهمي أرادا لتهرب والمسكين صعد إلى القلعة مرتين لكي يجمع إخوانه لأن اليوم كان عسيرا . وكان شعب مصر يعود إذ ذاك إلى مسرح التاريخ وقيادة بلده بعد غيبة مئات السنين ..

وعرابي واجه في ذلك اليوم الحاكم الأجنبي المستبد وأوربا كلها متمثلة في القناصل .. وفي وجه هذا كله وقف هذا الباشا الفلاح الباسل وهو – ولهذا وحده _ يستحق كل تمجيد مهما صدر عنه بعد ذلك ..

وعرابي خاض المعركة وانهزم ... ولم يكن له مفر من الهزيمة .. ولكن هذه الهزيمة .. كانت بداية النصر .. وما وصلنا إليه في حرب 6 أكتوبر بدأ عند أحمد عرابي وهو كبير الجيل الأول من الباشوات المصريين .

خسر الباشوات المصريون معركتهم الأولي .. وعاد الخديوي توفيق تؤيده قوات الاحتلال سنة 1882 وألف الخديوي وزارة جديدة من الباشوات غير المصريين : شريف باشا للرياسة والخارجية .. ومصطفى رياض باشا للداخلية وعمر لطفي باشا للحربية والبحرية ... وعلى حيدر باشا للمالية .. وعلى مبارك باشا للأشغال .. وأحمد خيري باشا للمعارف ... وحسين فخري باشا للحقانية .. ومحمد زكي باشا للأوقاف .. ويعنينا هنا على مبارك باشا .. فهو باشا فلاح من المشتغلين بالعلم والتاريخ .. ولكنه دخل في زمرة باشوات الترك ورفض أن يكون مناضلا في سبيل وطنه .. وحتي عندما ندبته الجمعية الوطنية المصرية لإبلاغ رغبتها في الاستمرار في الجهاد ضد الخديوي تخلي عنها وانضم غلى الخديو ..

وعين الخديوي – رأس الباشوات الأجانب المنتصرين – باشوات من الترك مديرين للمديريات .. بل عزل الشيخ محمد الأمبابي شيخ الأزهر الذي اختاره العرابيون .. وهنا وبعد هزيمة المصريين يتقدم نفر ممن كانوا مع عرابي في الثورة إلى رياض باشا يعرضون تقديم هدايا وشكر لقواد جيش الاحتلال سيمور وولسلي ودروري لو  : وهكذا كانت الهزيمة كاملة .. فهؤلاء الناس لم يكتفوا بالهزيمة بل أضافوا إليها ذل النفس .. وهل هناك أذل لنفسك من أن تشكر خصم بلادك على العدوان عليها ؟ هذا ما فعله محمد سلطان باشا رئيس مجلس واب الأسبق ومحمد بلك الشواربي ( كوفء على ذلك بالباشوية ) وعبد الشهيد أفندي بطرس وعبد السلام المويلحي بك ( كوفئ على ذلك بالباشوية ) ومحمود بك سيلمان والد محمد محمود باشا ( كوفئ على ذلك بالباشوية ) وأحمد بك السيوفي ( كوفئ على ذلك بالباشوية ) ولماذا فعل أولئك الناس ذلك ؟

محافظة  على الأموال والأملاك ! 

فإن هؤلاء الناس جميعا حصلوا بفضل الحركة الوطنية على عقارات كثيرة قبيل الثورة وأثناءها .. فخافوا عليها وأسرعوا يركعون أمام العدو حفاظا على المال .. وقديما قالوا أذل الحرص أعناق الرجال ..

ولماذا نذكر هنا هذه الحادثة ؟..

لكي يتعظ المصريون ويعرف ضعفاء النفوس منهم أن كل ما نفعله محسوب علينا الحقائق لا تخفي إلى الأبد والحقائق لابد أن تظهر وفي بقية تاريخ الباشوات سنري بعد ثورة 1919 من حقارات أعمال بعض الباشوات ما يندي له الجبين .. ونحن نريد أن ينتهي ذلك إلى الأبد .. لأن مصر ينبغي ألا تقع في أخطاء الماضي مرة أخري فليست هناك مرة أخر ي..

وبعد الاحتلال في سبتمبر 1882 صنع الخديو والانجليز عشرات الباشوات أعطوهم الألقاب والأراضي والوظائف .. وعلي رقاب هؤلاء تسلطن عباس حلمي الثاني .. وحسين كامل .. وأحمد فؤاد . اثنان من هؤلاء كانا لصين بكل معاني الكلمة عباس حلمي كان لصا حقيرا ونشالا.. وأحمد فؤاد كان قاطع طريق..

وقامت ثورة 1919 يقودها باشا من الفلاحين المصريين هو سعد زغلول وجديد بالذكر أن الاثنين الآخرين اللذين رافقاه إلى دار المندوب السامي البريطاني وهما عبد العزيز فهمي باشا .. وعلى شعراوي باشا .. كانا من أحسن الباشوات الفلاحين ( إلى ذلك الحين لم يكون قد وصلا إلى الباشوية ).

وبظهور سعد زغلول وتأليف الوفد المصري للمفاوضات تبدأ في دخول الميدان اجيال جديدة من الباشوات المصريين .. الوفد الأول تكون من اثنين من الباشوات : سعد زغلول ومحمد محمود... وثلاثة من البكوات هم : عبد العزيز فهمي بك .. وأحمد لطفي السيد بك .. وعبد اللطيف المكباتي بك .. والاثنان الأولان من هؤلاء سيصبحان باشوات .. ثم ضم الوفد إلى عضويته مصطفى النحاس وحافظ عفيفي .. وهذان سيصبحان باشوات .. ثم حمد الباسل باشا .. وإسماعيل صدقي باشا .. ومحمود أبو النصر ( باشا ) وسينوت حنا وجورج خياط .. وواصف غالي . وحسين واصف باشا وعبد الخالق مدكور باشا..

وفي أثناء المناقشات حول موضوع من يمثل الأمة وقع الخلاف بين سعد زغلول باشا وكيل الجمعية التشريعية المنتخب وعدلي باشا وكيل الجمعية المعين ..

وعاد الصراع بين الباشوات القدامي .. ويمثلهم عدل يكن . والباشوات المصريين ويمثلهم سعد زغلول .. وعدلي يكن كان دون شك من عظماء رجال الحركة الوطنية المصرية بالدور الجليل الذي قام به ... وبأخلاقه الرفيعة ونزاهته .. ولكنه يمثل باشوات الأتراك بموقفه العام إلى جانب السراي .. وبأسلوبه في العمل فهو تركي من فرع أنسباه البيت الحاكم من اليكنية..

وحول عدلي يكن تألف حزب الأحرار الدستوريين المناهض للوفد ..... وموقفه العام حتي قيام ثورة 1952 كان إلى جانب الانجليز والسراي .. وكلما انفصلت عن الوفد جماعة انضمت رغما عنها إلى صف باشوات السراي .. ثم ظهرت بدعي المستقلين .. وهم جماعة من المستورين وجدوا أن الأحسن لهم أن يقفوا منفردين في سوق الوزراء لكي تأخذ منهم السراي والانجليز من يكملون به الوزارات أو يؤلفون وزارات .. ثم ألفت السراي حزب الاتحاد من باشوات السراي .ز ثم جاء صدقي باشا وألف حزب الشعب منهم أرضا ..

والصراع الطويل الذي خاضته مصر من 1919 إلى 1952 أخذ في الواقع صورة صراع بين باشوات الفلاحين وباشوات الأتراك .. وليس من الضروري أن يكون باشوات الوفد جميعا فلاحين وباشوات الأتراك أتراكا أو شراكسة .. بل المهم هنا هو الموقف والاتجاه والسلوك .ز فهناك باشوات شعبيون يقفون مع الناس ويعيشون مع الناس .. وهناك باشوات أرستقراطيون لا يختلطون بالناس قط مع أنهم فلاحون أولاد فلاحون ...

وليس من الضروري أن يكون باشوات الفلاحين أفضل من باشوات الأتراك .. لأن المعكرين حفلا بالأفاضل وغير الأفاضل .. بالوطنيين والأنانيين .ز ومثال ذلك أننا كنا قبل الثورة نتندر بحلمي عيسي باشا الذي تولي وزارة المعارف مرارا كثيرة .. وتولي الحقانية والأشغال والأوقاف .. وبلغت السخرية منه أن صحف الوفد كانت لا تسميه إلا حلمي عيسي يصل باشا .. ثم انقضت أيام الباشوات بمجئ ثورة 1952 وحضرنا اجتماع الجمعية المصرية التاريخية فإذا حلمي عيسي باشا عضو معنا يحضر الجلسات والمحاضرات وتدور بيننا وبينه الأحاديث وإذا بنا أمام رجل عالم لطيف .. يطلب العلم ... ويشاركنا أحاسيسنا ..

ولكن جمهور المصريين ظلوا يرون أن باشوات النحاس باشا هم باشوات الشعب ..ومن عداهم فليسوا من باشوات الشعب .... حتي أحمد ماهر والنقراشي بعد خروجهما على النحاس وتأليفهما الحزب السعدي أصبح الناس ينظرون إليهما على أنهما من باشوات السراي .. ونسي الناس لهما جهادهما الطويل .. وبالفعل كان أحمد ماهر والنقراشي .. قد دخلا في زمرة باشوات السراي .. وقد أكدنا من هذه بعد قراءة مذكرات حسن يوسف باشا .

وهناك طائفة أخري من الباشوات وصلت إلى القوة والشهرة عن طريق لكفاءة الشخصية طلعت حرب باشا عن طريق الاقتصاد .. وعلي إبراهيم باشا عن طريق الطب ..ومصطفي مشرفة عن طريق العلم .. وأحمد عبود باشا عن طريق الصناعة .. والبدراوي عاشور باشا .. والمنشاوي باشا والشيشيني عن طريق الزراعة ومحمد فرغلي عن طريق تصدير القطن وهكذا ..

وسواء أكان الباشا باشوات الوفد أو السراي أو المستقلين فقد كانت أمر مصر كلها بيد الباشات .. فالباشوات هم أهل الحكم وأهل المال وأهل القصر والحياة ..

ومع مضي الزمن تحول الباشوات جميعا مصريين وغير مصريين إلى أغنياء أصحاب أملاك وأموال ولو في الظاهر على الأقل .. وكانت الوزارة طريقا سلطانيا للغني .. فالرجل منهم قد يملك خمسين فدانا مثلا فإذا دخل الوزارة أصبحت مائة .. لأنه يشتري أراضي رخيصة ويسخر الفلاحين ورجال الدولة في العناية بها فتصبح أرضا جيدة ... وتصبح مائتين تم ثلاثمائة وهكذا وهذه كلها كانت تزرع أحسن زراعة .. وتغل محصولا عظيما يبيعه الباشا إلى الخواجات ..

ومن ين الباشوات فئة تميزت بعلاقاتها الوثيقة مع الخواجات من أمثال إسماعيل صدقي باشا وحسن نشأت باشا وأمين يحيى باشا ومحمد فرغلي .. وقد اشتهر صدقي باشا بأنه اقتصادي عظيم .. ولكنه كان عدو لدودا للشعب .. والإهانات التي لحقت بالمصريين على يد صدقي وأحمد زيوار وتوفيق نسيم ويحيي إبراهيم وعبد الفتاح يحيي وإضرابهم لا تتصور وهؤلاء جميعهم كانوا يعملون باتفاق تام مع السراي والانجليز والخواجات ..

ولكن الباشوات جميعهم – باشوات الوفد وغير الوفد والباشوات المستقلين وباشوات الأراضي كانوا في مجموعهم طبقة واحدة من أهل القصور والسرايات والسيارات والخدم والحشم .. وأيا كان المعسكر الذي يقفون فيه فقد كانوا جميعا يؤلفون قيادة المؤسسة أو " الأستابلشمنت".. والآستابلشمنت مصطلح يطلق على كل العناصر القائدة لاي مجتمع سواء كانت متعاونة فينما بينها أو غير متعاونة .. فالباشا الوفدي أيا كانت درجة تسدده متعاون ضمنا مع الباشا غير الوفدي .. ومتعاون مع السراي والانجليزي والخواجات بصورة غير مباشرة .. لأن الباشوية تفرض على صاحبها مستوي معينا من الحياة وطريقة متميزة بنفسها من التصرف .. فالمظهر عندهم مهم جدا ولا غني لأي باشا عن الفيلا والسيارة والعزبة ... وعائلات الباشوات عائلات أرستقراطية .. وقد يكون الباشا رجلا متواضعا متبسطا .. ولكن السيدة حرم الباشا لابد أن تكون هانما عظيمة ذات مظهر عظيم وجاه وشمخة .. وبنات الباشوات دائما هوانم صغيرات متعلمات في المدارس الفرنسية .. وهؤلاء جميعا لا يختلطون بالناس .. وكل قصور الزمالك وجاردن سيتي والمعادي وبعض مصر الجديد وخط الزيتون والمرج ومحطات الرمل بالإسكندرية من استانلي وجليم فصاعدا كانت أحياء مقصورة على أفراد " الأستابلشمنت" وهم إما باشوات وإما بكوات في الطريق إلى الباشوية وإما خواجات ..

وكان اقتصاد مصر كله بيد الخواجات وشركائهم من الباشوات .. قبل الثورة لم يكن من الممكن أن يعمل إنسان في الاقتصاد أو التجارة الكبيرة أو الاستيراد والتصدير أو زراعة المستوي العالي : البساتين والقطن إلا إذا كان من الخواجات وأصحابهم من الباشوات ومن في مستواهم .. وكل هؤلاء كانوا يتعاونون مع البنوك ويشتركون في مجالس إدارة البنوك .. وكلها فيما عدا بنك مصر كانت بنوكا أجنبية .. والباشوات في مجالس إدارة البنوك .. وكلها فيما عدا بنك مصر كانت بنوكا أجنبية .. والباشوات في مجالس إدارتها كانوا أعضاء صامتين .. أو كمالة عدد .. وفي مجالس إدارة كل بنك أو شركة – حتي قناة السويس – كان هناك أعضاء من الباشوات وظيفتهم أن يقعدوا ساكتين ..

وكان من الواضح أن عالم الباشوات أيا كان طرازهم كان مرتبطا ارتباطا عضويا بالسراي والانجليز والخواجات كلهم هيئة واحدة حاكمة ز. تملك مصائر البلاد وكل خير فيها .. والعصر كان عصر الباشوات .. وكان من الواضح كذلك أن الملكية إذا سقطت سقط معها الانجليز والباشوات والخواجات لأن " الأستابلشمنت" أي التركيبة الحاكمة في أى بلد أيا كانت صراعاتها فيما بين بعضها وبعض ينتهي بها الأمر بأن تكون كتلة واحدة متماسكة متعاونة دون أن تدري ..

وهذا التساند بين جماعة الباشوات من كل الأحزاب مضافا إليهم المستقلون والسراي والانجليز والخواجات هو الذي قاد التركيبة أو ألاستابلسمنت إلى عقد معاهدة 1936 فإن كل عناصر الاستابلشمنت كانت قد تعبت واستهلكت : تعب النحاس باشا ووفده وتعبت السراي ورجالها وتعبت الانجليز وهم يرون الجو السياسي في العالم يتبلد بالغيوم .. وأصبحوا في حاجة غلى الاتفاق مع مصر .. وخاف الخواجات على أموالهم ومصالحهم بسبب التزعزع الهائل الذي شمل التركيبة كلها .. وخاصة عندما قامت وزارة النقراشي باشا بفصل الجنيه المصري عن الجنيه الانجليزي وبدأ سعره في السوق يهتز ..

عقدت معاهدة 1936 وتمت تصفية كل القوي العاملة في الميدان .. ولم تعد لها وظيفة لأن عالم ما بعد معاهدة 1936 كان جديدا .. وله مطالب وبرامج إصلاحية داخلية لم يستعد لها حزب من الأحزاب بما في ذلك الوفد .. وبعد معاهدة 1936 مباشرة عقدت اتفاقية مونترو وانتهت الامتيازات الأجنبية .. وظهر بوضوح ا، عالم الخواجات أيضا يقترب من نهاية ..

وفي الفترة من 1936 إلى يوليو 1952 ظهر بجلاء أن كل القوي العاملة في الميدان السياسي قد استهلكت .. والفراغ السياسي أصبح واسعا ... ورشح [[الإخوان المسلمون]] أنفسهم لسد الفراغ .. وبدأ الصراع بينهم وبين الأستابلشمنت ..

وخلال سنتي 1951 , 1952 ظهر بوضوح ان عالم الباشوات قد انتهي وأصبحوا عاجزين عن السيطرة على الأمور وقيادة المجتمع .. وحزب الوفد – المفروض انه حزب الجماهير أصبح حزب باشوات ..واتحد مع بقية الباشوات ومع السراي , وإن ظل النحاس باشا يقول إنه زعيم الشعب ..

ومن بداية 1952 ظهر تزعزع التركيبة كلها .. وحريق القاهرة يوم 26 يناير كان نذيرا خطيرا وكان إنذارا بيوم 23 يوليو 1952 .. وفي الفرنسية اصطلاح نصه إفلاس نظام .. فيظل النظام قائما .. ولكنه خاو من الداخل .. وقد فقد كل قوته وفاعليته .. وفقد ثقة الناس واحترامهم وتقديريهم وأصبح سخرية هذه بالضبط كانت صورة عالم الباشوات قبيل ثورة يوليو 1952 ولابن خلدون هنا تعبير جميل أحب أن أختم به هذا الفصل من تلك الدراسة فهو يقول : وتبقي الدولة قائمة بالوهم وقلة المطالب .. ( بضم الميم) وهذا التعبير ينطبق تمام الانطباق على عصر الباشوات وكل الأستابلشمنت الذي كانوا جزءا منه..

خرج الباشوات ودخل السوبر باشوات

قبل أن أترك عصر الباشوات وأدخل في عصر السوبر باشوات وباشوات السوبر .. أقف وقفة قصيرة لألقي نظرة على نظام الباشوات في مجموعه .. لنري ما له وما عليه . فيم أفاد ؟ لماذا عاش ؟ ولماذا مات ؟

ولد نظام الباشوات في مصر كما قلنا مع قيام دولة محمد علي باشا سنة 1805م... وكان كما رأينا نظاما تركيا امتد إلى مصر كما امتد إلى العراق والشام والسودان وبعض نواحي المغرب .. وكان الباشوات في مصر أتراكا وشركسا وأكرادا وروما ومغاربه – أ يجانب – أول الأمر ..وبارتداء من عصر الخديوي سعيد بدأ الباشوات المصريون في الظهور ثم زاد عددهم وأصبحوا طبقة مع بقية الباشوات مع السادة من أيام إسماعيل ( 18631879)..

ومنذ قيام مجلس شوري النواب ( 1866) بدأنا نري الباشوات الوطنيين أي الذين يتحدثون باسم الوطن ويقودون الحركة القومية .. وقد الصراع الطويل بين الباشوات الأجانب والباشوات المصريين والوطنيين في ناحية أخري . وهو صراع استمر متعادلا حتي نهاية أيام الملك فؤاد .. ثم رجحت كفة الباشوات المصريين ولم يعد في الميدان سواهم في أيام فاروق ..ولكن الباشوات في مجموعهم كانوا قد أصبحوا طبقة واحدة لا فرق فيها بين الباشوات الأجانب والباشوات المصريين .. وهذه الطبقة كانت لعمود الفقري لأستابلشمنت ( أي التركيبة السياسية والاجتماعية القائمة قبل الثورة ) ..

فنلاحظ بصورة عامة أن طبقة الباشوات ولدت في مصر حاشية ملوكية وعاشت عمرها كله حاشية ملوكية وحتي الباشوات الوطنيون الذين ظهروا ظهورا عظيما وتولوا قيادة الشعب من أيام مجلس شوري النواب من 1866 ثم أيام الحركة العرابية ابتداء من سنة 1879 ثم قادوا ثورة 1919 حتي هؤلاء انتهوا آخر الأمر بأن أصبحوا حاشية ملوكية .. حتي عبد العزيز فهمي ومكرم عبيد وأحمد ماهر ومحمود فهمي النقراشي ومصطفى النحاس وفؤاد سراج الدين .. وكل الباشوات الزراعيين ( البدراوي عاشور والشبكشي ومحمد هاشم ومن إليهم ) والباشوات الاقتصاديين ( طلعت حرب وإسماعيل صدقي وحسن مظلوم وأمين يحيى وأحمد عبود ومن في طبقتهم ) .. كل هؤلاء أصبحوا في النهاية جزءا من النظام الملكي القائم وحاشية ملوكية رغم ما كان بينهم من خصومات وحزبيات وصراعات وهم أيضا مرتبطون بالسفارة البريطانية ارتباطا وثيقا .. فالملك ينقل الحكم من طائفة ن الباشوات إلى طائفة وعندما تسقط وزارة وتقوم وزارة يذهب الجميع ليوقعوا في دفتر التشريفات والملك لا يستطيع أن يعهد إلى أحد في تأليف وزارة إلا بإذن الانجليز .. وعندما أراد فاروق أن يتجاهل حق الانجليز في هذه الناحية لطموه على وجهه .. وأرغموه على قبول الرئيس الذي أراده وهو مصطفى النحاس في حادث 4 فبراير المشهور..

ومن الغريب أن بعض المصريين استنكروا ما حدث يوم 4 فبراير 1942 مع أنهم يعرفون أنه كان لا يمكن أن تقوم وزارة مصرية قبل الثورة إلا بإرادة الانجليز .. وما حدث في تلك لمناسبة هو أن الملك ورجاله أرادوا مخالفة القواعد فأرغموا على العودة إليها .. وبعد قيام وزارة النحاس عادوا جميعا حبايب وجمعتهم كلهم مائدة السير مايلز لا مبسون ..

ولم يكن من الممكن أن يعين ورجل وزيرا أيا كان مركزه وانتماؤه الحزبي إلا إذا كان على علاقة طيبة بالسراي .. ومن أكبر الدلائل على ذلك أن القصر لم يرض عن ترشيح طه حسين للوزارة سنة 1950 ولكن النحاس باشا أصر على دخوله وكان على طه حسين أن يصحح فكرة السراي عنه .. فانتهز طه حسين فرصة افتتاح معهد الصحراء في سنة 1951 وألقي خطاب ترحيب بالملك قال فيه عبارته التي استنكرها الناس جميعا :" وأنت يا مولاي المثل الأعلى في الأخلاق " وبذلك أثبت ولاءه وصحح مركزه وضمن أن يكون وزيرا مرة بعد اخي..

وبالانتصار الثورة في 23 يوليو 1952 وعزل الملك في 26 يوليو عصر الباشوات جميعا مهما كانت انتماءاتهم الحزبية ومواقفهم السياسية .. لأنهم كانوا جميعا جزءا من القصر وحواشيه وقد تقطعت من زمن طويل الخيوط التي تصلهم صلة وثيقة بالشعب وقضاياه ومشاكله .

وهذه الصلة الوثيقة بين الباشوات والقصر هي السبب الأول في سقوط عصر الباشوات .. والسبب الثاني لسقوط مجتمع الباشوات هي صلة هذا المجتمع الوثيقة بالانجليز ودار المندوب السامي .. فلم يكن من الممكن أبدا أن يدخل رجل الوزارة إذا كان للإنجليز عليه اعتراض ..

ومن الغريب أن الباشوات – رغم اتصالهم الوثيق بالانجليز ودار المندوب السامي – لم يفهموا الانجليز قط .. وظلوا يرهبونهم كما كان باشوات الأتراك يرهبونهم أيام الخديوي توفيق .. وفي كل أحاديثهم وتصرفاتهم لا نلاحظ أنهم – حتي عمليهم الصريح أمين عثمان باشا – فهموا الانجليز.. وعرفوا مواطن الضعف فيهم .. أو تنبهوا إلى الخلافات والحزازات بينهم أو لاحظوا التدهور البالغ الذي نال مركز انجلترا في العالم بعد الحرب العالمية الأولي ثم الثانية .. ومصطفى النحاس ومكرم عبيد ومحمد محمود والنقراشي وكل باشوات العصر ظلوا يرهبون الانجليز رهبة شديدة ... ولو أنهم اهتموا بدراسة التطور الشامل الذي دخل على الانجليز وحياتهم لتعاملوا معهم علي صورة تمكن لهم تحقيق مكاسب ذات بال لبلادهم ...

ثم إن الانجليز في مجموعهم لم يكونوا إلى عصر ما بين الحزبين يتصفون بذكاء خاص أ بمستوي أخلاقي رفيع .. فرجال الحكم في انجلترا كانوا مثقلين بالعيوب والنقائص الخلقية .. ورجال السفارة البريطانية في مصر كانت بينهم حزازات وخصومات وكان المستوي الأخلاقي للكثيرين منهم موضع شك ... فكان في بعضهم غباء شديد وصلف غبي ز.. وإدمان للمسكرات وميل للعربدة والانحرافات الجنسية ..

وكان العمل الأول للمستر كين بويد رئيس الإدارة الأوروبية في وزارة الداخلية المصرية مراقبة رجال السفارة البريطانية نسائهم وتحذير المنحرفين منهم أو الإشارة بإعادتهم إلى بلادهم تحاشيا للفضائح .. وعلينا أن نقرأ الكتب الكثيرة التي تصدر الآن في انجلترا عن المجتمع الانجليزي بين الحربين لنري أن باشواتنا كانوا جاهلين تماما بالإنجليز ومن ثم فإنهم لم يعرفوا كيف يتعاملون معهم وخسروا كل معاركهم معهم ..

وتصور أن اللورد جروج لويد على جهلة وتفاهة تفكيرة وتصرفه الصبياني كان يخيف الباشوات المصريين وعلى رأسهم مصطفى النحاس ومكرم عبيد بحكاية استدعاء الأسطول البريطاني وضرب الإسكندرية أو احتلال الجمارك ... مع أن ضرب الإسكندرية كان عمليا أمرا مستحيلا .. ولو فعلته انجلترا مرة واحدة لسقطت الوزارة البريطانية لأن مدينة الإسكندرية وميناءها كان حتي قيام ثورة 1952 مركزين للأجانب .ز وكل البضائع الموجودة في الميناء كانت أجنبية .. وكل وكالات الشحن والتفريغ وكل مراكب البضاعة الموجودة في الميناء كانت أجنبية .. وكل وكالات الشحن والتفريغ وكل مراكب البضاعة والركاب – ما عدا 3 مراكب لشركة البوسطة الخديوية . وكان يملكها أحمد عبود – كانت أجنبية .. ومعظم سكان العمارات والفيلات على الكورنيش كانوا أجانب ... وهناك أيضا كانت القنصليات وكانت أحياء رمل الإسكندرية أجنبية في الغالب من سيزار وكامب شيوار حتي سان استيفانو وجليمونوبولو .. ومن هناك إلى المنتزه كانت ممتلكات أجانب أو باشوات وأملاك القصر فهل كانت مدافع الأسطول البريطاني تجرؤ على ضرب البلد والميناء بالمدافع لتقوم عليها الدنيا كلها ..؟

وحتي احتلال الانجليز لميناء الإسكندرية احتلالا عسكريا رمي بالقنابل كان مستحيلا وعديم الجدوي ... لأن كل الميناء كان يخدم الأجانب .. والأموال التي فيه أموال أجانب .. وإذا أقدمت السلطات البريطانية على تحصيل إيرادات الجمارك لحسابها فإن تلك كانت تعتبر عملية سرقة تلقي أشد النقد في العالم كله .. وما كانت انجلترا لتقدم عليها أصلا .. بل إن تسليم أحمد زيور بكل مطالب الانجليز بعد مقتل السر لي ستاك كان أمرا غير مفهوم .. فماذا كانت تستطيع انجلترا أن تعمله إذا رفضت مصر أداء الغرامة واستدعاء القوات المصرية من السودان ؟ كانت انجلترا ستستولي بالقوة على نصف مليون جنيه من حساب الحكومة في البنك الأهلي مثلا ( ومديره كان انجليزيا ) وهذه كانت تعتبر عملية سرقة علنية بالإكراه ... تنشأ عنها فضيحة دولية لبريطانيا .. أما رفض سحب القوات فكان يؤدي إلى حالة حرب بين القوات الانجليزية والمصرية في السودان ..وهي حرب كان من الممكن جدا أن تخسر انجلترا جولاتها الأولي وتكسب جولاتها الخيرة ..وهنا يكون أسر القوات المصرية وثم أخراجها إلى مصر عملا عسكريا من أعمال الاحتلال يزيد وحدة مصر والسودان في النهاية وتوكيدا ..

وبعض الباشوات يلقون التبعة في استسلام الحكومة المصرية بعد مقتل السردار على الملك فؤاد .. ولكننا نقول إن الملك فؤاد كان فعلا كارثة على مصر ولكنه إذا كان هو كارثة على مصر فإن جماعة الباشوات كانت كارثتين .... فإنها كانت مهما قلنا فيها قيادة جاهلة أو متواطئة ... وإذا نحن عذرنا أحمد عرابي لأنه أول مصري بل أول شرقي واجه أوروبا , فهو معذور إذ لم يعرف عن الغرب وسياسته إلا القليل .. فما عذر أعضاء الوزارة الائتلافية التي واجهت بريطانيا في شأن قانون حرية الاجتماعات وإصرارا بريطانيا على سحبه من مجلس الشيوخ في أبريل 1928؟ كانت هذه الوزارة تتألف من باشوات : مصطفى النحاس وجعفر والي وواصف بطرس غالي ومحمد نجيب الغرابلي وعلى الشمسي وأحمد محمد خشبة .. واثنين من الباكوات في طريقهما إلى الباشوية ( إبراهيم فهمي ومحمد صفوت ) وأفندي واحد هو مكرم عبيد .. ما عذر هؤلاء جميعا في الخوف أو التظاهر بالخوف والتردد ومحاولة التراجع والتنازل ثم سحب المشروع من مجلس الشيوخ إرضاء لبريطانيا وتمشيا مع لملك ؟ مع أن بعضهم درسوا في بريطانيا وكان ينبغي ان يكونوا أحسن معرفة بالانجليز من أحمد عرابي وأعمق إدراكا لسطحية رجل مثل نيفيل تشمبرلين وزير الخارجية البريطانية الذي اشتهر في العالم كله بغبائه ومنظره المضحك وهو يجري بمظلته إلى ميونيخ ليستسلم أمام هتلر ..

وإذا نحن التمسنا شيئا من العذر لهؤلاء فأي عذر يمكن التماسه لمحمد محمود الذي لم يكتف بما لحق بالوزارة التي كان عضوا فيها من هوان في موقفها من قانون الاجتماعات بل رضي بأن يشترك مع الملك والسفير البريطاني في القضاء على هيبة الجبهة المصرية بتدبير صنيعته جعفر والي وأتباعه عبد الحميد سليمان وأحمد محمد خشبة .. وتأليف وزارة ضمت فيمن ضمت أحمد لطفي السيد ..

حقا إننا اليوم في حاجة إلى إعادة تقييم كل رجال ما قبل الثورة من المصريين ابتداء من على مبارك ..

كل هذه كانت خطوات في طريق تدهور جماعة الباشوات .. فإن مصطفى النحاس تراجع واحتفظ بشئ من كرامته .. أما محمد محمود ومن معه فقد جثوا على الأرض أمام صعاليك من ذوي الملكات المتواضعة والتحالف الفكري الذي لاشك فيه .. فإن جيل أو ستين تشمبرلين الذي خاف منه باشوات أواخر العشرينات وأوائل الثلاثينات هو الجيل الذي مسح به هتلر الأرض مسحا ... وجعله ضحكة الدنيا .. وهتلر الذي نقول اليوم إنه كان مجنونا كان عبقريا بمعني الكلمة إذ هو قورن بمجموعة باشوات ما قبل الثورة .

أكان عجبا بعد ذلك أن يتلاشي الباشوات وعصر الباشوات ؟

سؤال أخير قبل أن نفرغ من عالم الباشوات .

هل كان الباشوات سعداء ؟

هلى كانوا طبقة حاكمة قوية تتمتع حقا بحياتها وبما أتيح لها من قوة ومال وسلطان ؟

الجواب : لا

لا كانوا سعداء ولا كانوا أقوياء ..

فهؤلاء الباشوات كان دخل معظمهم ما عدا الباشوات الزراعيين ونفرا قليلا غيرهم .. مثل طلعت حرب وأحمد عبود ومحمد محمود وعبد الحميد سليمان وأمثالهم في حدود الخمسمائة جنيه في الشعر تزيد قليلا أو تقل قليلا .. في وقت كانت فيه قوة الجنيه عشرين مرة مثل قوته اليوم .. ولكن نفقاتهم كانت أيضا كثيرة لأنهم في مجموعهم كانوا منفوخين على الآخر . السراي أو الفيلا والسيارة والسائق والطباخ والسفرجي والدادة والخدم والجنايني والبواب وخولي العزبة وناظر الزراعة ... هذا عدا المحاسيب والدلاديلز. وهناك الإنفاق على المظهر والملابس تعمل عند خياطين من مستوي ويليه , وبعض الباشوات كانوا يغسلون ويكوون ملابسهم في باريس . ثم هناك الست هانم وبنات الهانم وملابسهن ومصاغهن وجواهرهن والحفلات .. وهناك فرش البيت : السجاد والجوبلان والكريستوفل والنجف .. والمصيف في الإسكندرية الفيلا هناك بالخدم والحشم والمطبخ .. والكابينة على البحر والسهرات في سان ستيفانو والمديترائية ..

وأخيرا هناك السفر إلى أوروبا .. وكل باشا يحترم باشويته مستوزرا كان أو غير مستوزر كان لابد أن يقضي ولو شهر في أوروبا في السنة ما بين جنيف ولندن وباريس . وعند قامت الثورة في يوليو 1952 كان معظم كبار الباشوات .. وفي مقدمتهم النحاس وفؤاد سراج الدين في أوروبا , كل ذلك يتكلف المئات بل الألوف .. وعدد كبير جدا من الباشوات كانوا مدينين بصورة مستمرة .. وأملاك الكثيرين منهم كانت مرهونة ... وغالبيتهم كان واردهم يغطي صدارتهم بجهد بالغ..

ثم أنهم في مجموعهم كانوا تعساء أو لم يكونوا سعداء على الأقل .. كانوا يعانون من الأحقاد والضغائن والصراعات والخوف على المركز السياسي والمال والرعب من الخروج من الوزارة واضطرارهم بعد ذلك للتذلل للعودة إليها وكانوا جميعا مثقلين بمشاكل العائلة والهموم بشأن البنات خاصة وكلام الناس والإشاعات وألسنة السوء وتلميحات الصحفيين .. وقلم محمد التابعي خاصة كان يرهبهم , ثم هناك الأمراض وأمراض الباشوات والهوانم : السكر والروماتيزم والنقرس والكبد والأمعاء الغليظة وتكاليف العلاج ولاستشفاء في إفيان وإيكس ليبان .. كل هذه كانت تأكل أموال الباشوات أكلا .. وتحرمهم السعادة وهدوء البال والاطمئنان بل نوم الليل .ز ويكاد يكون العزاء الوحيد للبوشوات هو أولادهم وبناتهم .. فالحق ياقل أن معظمهم عرف كيف يربي أولاده ويجعلونهم رجال ممتازين أطباء ومهندسين وقضاة ومحامين ورجال اقتصاد .. والباقون من أولاد الباشوات هؤلاء مازالوا زينة مجتمعنا اليوم .. ومن حسن حظهم وحظنا أن الثورة أغلقت باب السياسة أمامهم فانصرفوا إلى أعمالهم.. كل منهم في تخصصه . فكانوا خيرا على البلد وبركة .. وفي كلامي عن عالم السوبر باشوات س أتحدث عن هؤلاء بشئ من التفصيل ..

وأختم كلامي عن الباشوات وعصر الباشوات بمشهد من واقع حياتي هو أشبه بالرمز على أفول شمس الباشوات .

في صيف 1951 كنت عائدا من إيطاليا في طريقي إلى أسبانيا لدارسة موضوع معهد الدراسات الإسلامية هناك .. ومررت بجنيف .. وفي سيري في شارع الألب ( روديزالب) ألقي فكري أباظة باشا يشتري في أحد المحلات .. وفكري أباظة كان باشا .. ولكنه كان رجلا من طراز فريد كان أديبا صحفيا مثقفا وافر الكرامة محترما لنفسه .. وكان برلمانيا ممتازا .. وفوق ذلك كله كان رجلا مهذبا جدا . وكانت بيني وبينه دائما صداقة وثيقة ترجع إلى عملنا معا في دار الهلال ..

وحياني ببشره المعهود وحرارة مودته الصداقة.. وقال لي : ما رأيك في أن تأتي معي إلى أوتي لدي برج .. أنا ذاهب إلى هناك. قلت : قد يكون عندك موعد .. ثم إنك باشا وكل من هناك من المصريين باشوات .. هذا بالضبط ما حب أن تراه .. الباشوات في الخارج .

وأيامها كان فندق دي برج أعظم فنادق جنيف .. كان ملتقي الاستقراطيين من كل أركان الأرض ومنها مصر.. ويهل على شرفة الفندق فكري باشا .. وتكون التحيات والسلامات .. وأنا بالطبع لم يكد يراني أحد .. وأنا أحب ذلك .. لأن الله خلقني متفرجا .. وأسعد أوقاتي مع الناس هو الجلوس صامتا أتفرج في تفوتني كلمة ولا حركة.

واسمع كلاما كثيرا كله تعليقات سخيفة وشتائم لباشوات في باشوات .. يومها كان رئيس الوزراء صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس . وكان في الوزارة طه حسين وحامد زكي وزكي عبد المتعال من أساتذة الجامعة . وكانت أطقم وزارات السراي على الرف .. والرف في الصيف كان جنيف .

والذي سمعته من هؤلاء الباشوات المحالين للاستيداع المؤقت في حق النحاس ووزراء النحاس وخاصة طه حسين وحامد زكي وزكي عبد المتعال وإبراهيم فرج وعبد اللطيف محمود بصفة خاصة .. كلام بذئ لا يليق بباشوات أو جرسونات ..

وانصرف الباشوات واحد بعد واحد . وبقيت مع فكري باشا لأننا كنا سنتغدي معا في مطعم أعرفه فيفيه .. ويقترب باشا أعرفه بالاسم من فكري باشا . ويطلب إليه أن يتحدث إليه على حدة .. ويستأذن فكري باشا ويخلو بالرجل بعيدا عني .. وأنظر إلى الرجل فأراه يتحدث في ذلة ومسكنة .. وملامح وجهه فيها استعطاف ورجاء .. وفكري باشا الطيب القلب يربت على ظهر الرجل وذراعه .. وكأنه يواسيه . والرجل يتحدث في صوت متهدج وأظن أنني رأيته يسمح دموعا ..

ويودعه فكري باشا ويعود إلي .. ونمضي إلى المحطة .. ونأخذ القطار إلى فيفه .. وفي المطعم الجميل وسط حديقة الكازينو حيث لا أثر للباشوات أجد فكري باشا مهموما جدا . وأسأله .. فيقول وهو يهز رأسه : هل رأيت فى حياتك باشا متسولا ؟ فهذا باشا متسول له ست سنوات لم يدخل وزارة .. استوزروه مرة لمدة سن وبضعة شهور فسكن القصر واشتري سيارة باكار .. وأنفق كل ما عنده واستدان ثم سقطت الوزارة ووقف الرجل في الطريق .

,الهوانم حرم الباشا وبناته دخلن عالم الهوانم من الباب الواسع ..واشتدت الأزمة المالية بالمسكين فلم يستطع العودة إلى عالم عاد الله أمثالنا..ز ولم يكن له معاش وزير .. وبعد أن حفيت قدماه عينوه ناظرا على وقف إحدي الأميرات براتب قدره مائة جنيه تمكن بها من الوقوف مستورا بين الناس .. ولن أقول لك ما قاله لى عن ديونه وسوء حاله وقد أمر الله بالستر .. ولماذا أتي إلى جنيف ؟ من أين المال ؟

أتي يا سيدي يجري وراء علي ماهر باشا .. فقد قبل له انه هنا .. وهو كان بالفعل عنا ولكنه سافر إلى لندن من أسبوع والإشاعات تقول أن وزارة النحاس ستستقيل أو تقال وهناك وزارة في الطريق .. والمرشح لرياستها علي ماهر باشا .. والمسكين لم يستطع أن يقابل علي ماهر باشا في مصر .ز فاستدان وأتي إلى هنا ليلقاه ... ولا تندهش فإن أمثال علي ماهر تقابلهم بكل سهولة هنا وتجلس معهم كيف تشاء .. لأنهم يتركون ثوب الجلال والأبهة على ظهر المركب .. وما أكثر الوزارات المصرية التي ألفت هنا وهذا الباشا أتي إلى ليرجو علي ماهر باشا ألا ينساه في وزارته القادمة لينقذه من الإفلاس والفضيحة .. وماذا سيعمل الآن ؟

استدان من صديق له ليسافر إلى لندن وراء علي ماهر باشا .. ثم إن أحد هلافيت البرنسات أعطاه خطب توصية إلى أحد رجال الخارجية وصاحبنا يرجو أن يتوسط له هذا الموظف لدي وزير الخارجية الانجليزية لدي المندوب السامي لدي علي ماهر ليدخل الوزارة القادمة .. ولم يدخل هذا الرجل الوزارة بعد ذلك قط .. لقد دفن عصر الباشوات بقيام ثورة يوليو 1952 ..ولكنه مات قبل ذلك بزمن طويل .. مات لأن الباشوات كطبقة فشلوا في القيام بدورهم .. فإن هذه الطبقات أو الجماعات السياسية أو جماعات المصالح إذا لم تحسن القيام بدورها تلاشت .. فقد تلاشت طبقة النبلاء الفرنسيين والأدواق والكونتات والمركيزات والبارونات .. لأنها عجزت عن القيام بدورها .. ثم لأنها ربطت نفسها ربطا متينا بالملكية .. وعندما سقطت الملكية تلاشت حواشيها .. وتلاشت لنفس السبب طبقة النبلاء ( الأيرلشكايت ) والألمان الفورست والهيرتسوج والجراف والبارون والفراي هير لأنها ربطت نفسها ربطا وثيقا بالقياصرة من آل هو هنتوليرن .. وتعاظموا على الناس بشكل لا يتصور ..

وعاشت طبقة اللوردات ل،ها عرفت كيف تقوم بدور نافع في المجتمع الانجليزي في كل ميدان .. وعاشت طبقة السمواري والشوجن في اليابان لأنها عرفت كيف تتبني قضايا الوطن . وعندما أراد ملوك اليابان تركيز السلطة في أيديهم لمواجهة الضغط الأوروبي كان الشوجن يملكون معظم الأراضي .. وكان لكل منهم جيشه الخاص فذهبوا جميعا وقدموا أراضيهم إلى الميكادو ... ووضعوا قواتهم تحت تصرفه . فنشأ الجيش القومي ووزع الملك الأرض على الفلاحين .. وعاشت طبقة الشوجن والساموراي وكل الأسماء اليابانية التي تسمع عنها اليوم من أبناء الشوجن : ميزوبتسي وكشيمودا وسوزوكي ومن إليهم .

أما الباشوات فقد ربطوا أنفسهم بالملك والانجليز والخواجات .. حقا إنهم لم يكونوا في مجموعهم في المعسكر المعادي للشعب .. لأن الطنيين منهم كانوا كثيرين بل لم يكن فيهم خونة او فاسدون بالمعني المعروف .. ولكن فاتهم أن يكون له دور إيجابي متميز في الحياة القومية و.... وعندم زال عصر الملوك والانجليز والخواجات تلاشي الباشوات ..

وقبل أن أترك عالم الباشوات وأدخل في عالم السوبر باشوات لابد أن أعترف بأن في كلامي هذا تعميما أحيانا .. والتعميم قد يوقع الإنسان في الخطأ .. فلا شك في أنه كان هناك باشوات يخرجون عن الصور التي وصفت .. ولكني أتكلم عن طبقة .. عن جماعة كبيرة دام سلطانها نحو قرن ونصف.. والحكام هنا على الجماعة في غالبيتها .. لا علي تفاصيلها .. خاصة أن هذه دراسة موجزة لا تحتمل كثرة التفاصيل . فإن كان بعض القراء قد أحس بشئ يسوؤه فإنني أعتذر له .. وأؤكد له حسن النية وسلامة القصد ... ونحن أولا وأخرا نؤرخ لمصر .. لا لهذا أو ذاك ..

قامت ثورة يوليو 1952 فانتهي عصر من تاريخ مصر والعالم كله عصر انتهي ... وبدأ عصر ... وسنتحدث عن الذين ورثوا الباشوات .. في العصر الجديد في الفصل القادم وما يليه .. ولكننا نقول هنا إن رجال الثورة حلوا في القيادة محل الملكية والانجليز والخواجات ورؤساء جماعات الباشوات .

ولكن الباشوات ويتبعهم الباكوات كانوا يشغلون مساحات ضخمة من حياة مصر .. وقد سدت قيادة الثورة فراغ القيادة .. ولكن بقيت مساحات شاسعة وأموال ضخمة بلا شاغل أو مالك ..

هنا دخل واحتل وتربع وتملك طراز جديد من الناس. هو طراز السوبر باشوات فمن هم يا تري أولئك الغزاة ..؟

ميلاد عصر السوبر باشوات

وقد حاول الباشوات خلال الشهور الأولي للثورة أن يحتفظوا بجزء من الأرض التي كانوا يقفون عليها .. ومصطفى النحاس وعلي ماهر – أكبر باشوات ذلك العصر – وكلاهما كان صاحب مقام رفيع حاولا – كل على طريقته وأسلوبه – أن يعيشا مع الثورة .ز ومصطفى النحاس كان أوضح وأسلم نية .. فقد كان يري نفسه ممثل الشعب لأنه رئيس الوفد .. وهؤلاء لا الشباب الذين قاموا بالثورة ينبغي أن يعملوا معه ويساعدوه على التخلص من معارضيه ومنافسيه – وهم رجال الملك والانجليز وفي رأيه وأن ينصروا الشعب وحكومة الشعب ويؤيدوا الوفد وكانت تلك هي خلاصة أحاديثه مع علي ماهر ومحمد نجيب عندما عاد من أوربا مسرعا عقب قيام الثورة ليتسلم الحكم أو ليشترك مع أولئك الشبان الوطنيين الصادقين الذين سيطروا على الموقف السياسي عقب قيام الثورة .

والذي غاب عن مصطفى النحاس أنه هو وحزبه قد كانوا أصبحوا من زمن طويل جزءا من النظام الملكي كان يوصف بأنه فاسد وصاروا قوة سياسية متعاونة تعاونا فعليا مع الانجليز المحتلين وإذا كان لابد أن يزول الاحتلال ويزول الحكم الملكي الفاسد .. فلابد أن يزول في نفس الوقت حكم الباشوات وأحزابهم كلها .. وفي مقدمتها حزب الوفد نفسه وعلى رأسه صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس باشا ..

والذي غاب أيضا عن مصطفى النحاس وبقية الباشوات أن بعض هؤلاء الشبان الذين قاموا بالثورة أو تزعموها على الأقل لم تكن لديهم فكرة واضحة عما حدث .. و هم تبينوا أهميته إلى ضحي 23 يوليو 1952 .. أي عندما اتضح أن الحركة انتصرت بأكثر مما كانوا يتصورون وأن الشعب الظامئ إلى العدالة والإصلاح يقف إلى جوارها .. ويعمل على أن يجعل منها ثورة لا مجرد حركة عصيان داخل الجيش هدفها إصلاح أحوال الجيش كما رأينا في نهاية الفصل الأسبق .. عنا فقط تبين لهم أن المنتصرين من أولئك الثوار هم سادة العصر الجديد وأصحاب السلطان فيه.. وأن الانجليز الذين كانوا يبدون في نظر الباشوات والسراي قوة هائلة ظهروا بحجمهم الحقيقي : قوة ثانوية إلى جانب الأمريكيين وهم القوة الأجنبية الجديدة التي بدأت ترث الاستعمار ممن ممثليه القدامي في الشرق الأوسط وكانت أول خطواتهم في ذلك السبيل و تأييد الحركة المصرية .. والسير رالف ستيفنسون آخر سفراء بريطانيا في عصر شبه الاحتلال تراجع ترك مكانه للمستر جيفرسون كافري سفير الولايات المتحدة ولهذا طلب الملك فاروق حمايته وبارح مصر تحت هذه الحماية ..

من ضحي ذلك اليوم .. وعندما تبين أن هناك دولة وسلطة وحكما وجاها وأموالا تنتظر المنتصرين بدأ الصراع على الغنيمة .. فمحمد نجيب الذي وضعه أولئك الشبان في المقدمة ليتلقي الصدمة أصبح سيد الموقف نتيجة لذلك لأنه حولها من حركة ضباط داخل الجيش إلى ثورة قومية واستولي على قلوب الجماهير بشخصيته وعقله ووطنيته وسلامة نيته ومظهره .. هذا كله كان كافيا ليقرر شبان الحركة ا، هذا الرجل لابد أن يختفي رغم أنه ظهر بمظهر محترم جدا .. وكان صورة جميلة لأول رئيس جمهورية عربية – بل أفريقية أو أسيوية - تنصر على المظلوم والملكية الفاسدة والاحتلال الخسيس .. لابد أن يختفي حتي ينفتح الطريق أمام شباب الثورة إلى الغنائم الضخمة التي تراءت لهم ..

كان لابد أن يختفي محمد نجيب ويزول عن رياسة الجمهورية بسبب إيجابياته بالذات . فلو أنه كان لا شخصية له أو إنسانا ضعيفا أو حقيرا فربما كانوا ابقوا عليها أطول مما أبقوا .. ولكن الرجل كان يكسب أرضا وشعبية واحتراما عالميا يوما بعد يوم .. والسودان بالذات كان متمسكا به فهو نصف سوداني ..

ومن المرجح أن محمد نجيب لو بقي لتمت وحدة وادي النيل حوله .. فهو سوداني بقدر ما كان مصريا .. وهو شعبي وبسيط دون تكلف .. وهو سليم من خبث السياسيين .. وأنا أتكلم هنا عن العناصر التي كان لها أثر في سير الحوادث .. أما ما يقال عن سلبيات شخصية محمد نجيب فلا أقف عدها طويلا لأن الرجل لم يسمح له بأن يبقي حتي تظهر النواحي السلبية من شخصيته بصورة تؤثر في الموقف أو سير الحوادث ..

ولا شك أنه كان له عيوبه ومن يخلو من العيوب ؟... ولكن الصورة العامة التي ظهر بها وشهرته بالنزاهة والبعد عن الصغار ومد اليد .. ثم ثقافته التي مكنت له من الظهور أمام العالم بمظهر مشرف جدا وكسبت احترام الرأي العام العالمي للثورة .. كل هذه كان من الممكن أن تكون بداية خط سليم لثورة قامت على مبادئ سليمة .. وما أعوزها من المبادئ السليمة أكمله الشعب الذي رمي آماله وآلامه جميعا إلى الثورة ورجالها .. وتسامي بهم إلي مستوي خلقي وقومي يعدل آماله .

وإذا كانت الثورة قد اتجهت من عبد عزل املك إلى أن تكون حركة عسكرية تتمثل في النهاية في صورة جماعة عسكرية حاكمة من الطراز التقليدي لذي كان سائدا في أمريكا اللاتينية وعرف بنظام الخونتا مليتار والخونتا فقط فإن الشعب بدد هذا الوهم .. وفرض على الثورة أن تكون ثورة شعبية قوميه . وكان محمد نجيب هو الممثل الصادق لهذا الاتجاه ..

ولكن من سوء رجال الثورة – وغريب أن أقول ذلك – أنهم انتصروا بسرعة لم يكونوا يتصورونها في حركة الاستيلاء على مركز قيادة الجيش ومراكز السلطة والحركة دامنت نصف ليلة .ز وقام بأخطر أدوراها البكباشي يوسف منصور صديق وتولي الإشراف عليها اللواء نجيب .. وفي الوقت الذي تمت فيه العملية الحاسمة وهي عملية الاستيلاء على مبني رياسة الجيش .. كان جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر بالقميص والبنطلون يتحسسان الأخبار بكل حذر وفي جيب كل منهما تذكرة دخول السينما الفالوجة بمصر الجديدة لكي يكونا بمأمن من العقاب في حالة فشل الحركة .. في حين أن أنور السادات كان بالفعل مع حرمه في سينما الروضة .. ولكنهم جميعا لم يلبثوا أن دخلوا في ثيابهم العسكرية وتجمعوا في غرفة القيادة حول اللواء محمد نجيب الذي أصبح القائد الأعلى الفعلي للقوات المسلحة صباح 23 يوليو 1952 ..

هذا النجاح السريع للحركة أضر بها إضرار شديدا . فلم تدر في الحقيقة إلا معركة الاستيلاء على مبني رياسة الجيش والقبض على حسين فريد وحسين سري عامر . ثم بدأت عملية اعتقال القيادات العسكرية والمدنية والاستيلاء على المباني الإستراتيجية الرسمية ومنها دار الإذاعة . إن هذا النجاح السريع أتاح الفرصة للذين لم يشتركوا ليقولوا إنهم هم الذين قاموا بالحركة .. ثم التفوا بسرعة حول اللواء محمد نجيب ليكونوا نواة القيادة الجديد للبلاد ..

من ذلك : ضحي 23 يوليو 1952 بدأت الصراعات .. فإن الغنيمة كانت عظيمة وسهلة .ز ونظام الملك والباشوات تتبدد .. وعلي ماهر مثل حكومة الباشوات هرب خلال الأيام الأولي للثورة متابعا في ذلك أساليب الثعالب وبنات آوي التي سار عليها – ونجح – طول حياته وقد فصلنا ذلك في الفصل الماضي .ز ففشل فشر ذريعا والملك كان قد ضاق بالملك وما أن أتيحت له فرصة التنازل حتي ابتدرها وخرج من البلاد في حراسة السفير الأمريكي ( كما دخل عمه البلاد عقب فشل الثورة العرابية في حراسة الجيش الإنجليزي) ..

والشعب الذي كان مصطفى النحاس يحسب انه معه تخلي عنه والتلف حول القيادة السياسية الجديدة التي يقودها اللواء محمد نجيب ..و لكن أعصاب القوة السياسية الحقيقية ظلت بأيدي العسكريين القابعين في الظل خلف اللواء محمد نجيب وبعد زوال القيادة العسكرية القديمة وتولي محمد نجيب رئاسة الجمهورية وابتعاده عن الجيش أصبحت القوة الموجهة للحوادث هي قيادة جماعة الضباط الأحرار وعلى رأسها جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر . وحتي لا يكون هناك شك في أن جماعة عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وحدها هي التي كانت ما أصبح يسمي الآن بالثورة .. استبعد جماعة القابعين في الظل كل الذين حملوا عبء الهجوم .. يوسف منصور صديق ومن معه وكما يحدث في مثل هذه الظروف يتلاشي أبطال الحركة الحقيقيون ويبقي ويتربع على العرش الذين ينقضون على الغنيمة .. الجنود يموتون والقادة ينتصرون .

وكانت الغنيمة ضخمة جدا .. فإن مراكز السلطة وكل مواقع القيادة بدت فارغة وكان لابد من مثلها .. دولة الباشوات سقطت وأصبحوا فينظر الشعب طائفة منبوذة لا تستحق أن تستبعد بل لابد من عقابها بحرمانها من كل مال وشرف .. و القيادة الجديدة التي وقف أمام الفراغ السياسي الهائل ولا تدري كيف تحتله أخذت ترسم خطتها للاستيلاء على كل شئ ..

وقد كنا إلى حين قريب نصدق ما كانوا يزعمونه من أنهم كانوا مستعدين للتخلي عن السلطات والعودة إلى المعسكرات إذا وجدوت من يتولي القيادة السياسية .. ولكن تبين لنا الآن وبعد أن انكشفت معظم الأوراق والأسرار بعد مقتل السادات ونشر عدد عظيم من المذكرات والحقائق ومنها مذكرات بعض رجال الثورة كبارا وصغارا أ،هم بعد أن اكتشفوا أنهم لم يقوموا بحركة بل بثورة .. وأن العصر القديم هم ورثته وتفتحت أمامهم أبواب السلطة والقوة السياسية .. لم يعد واحد منهم يفكر في التخلي عن نصيبه بل قرروا إزاحة محمد نجيب من الميدان لأن الرجل كان يفكر في أن يشترك الشعب في بقاء النظام الجمهوري في حين أنهم جميعا كانوا قد استقروا على أن يتولوا الكم باسم الشعب لا بإرادته.. وفريق منهم كان أقل من فريق آخر استنكارا لفكرة اشتراك الشعب في الحكم ولكنهم جميعا كانوا لا يميلون إلى التفريط ولو في جزئية من جزئيات السلطان .. وسترد في سياق هذه الدراسة أدلة كثيرة جدا تؤيد هذا القول ..

ولم يعد هناك إذن شك في أن القيادة الجديدة بدأت من اليوم الأول تعمل للقضاء على اللواء محمد نجيب حتي تكون الغنيمة كلها لها .. ولأن محمد نجيب مد جسورا بينه وبين الأمة والشرعية فتحدث عن الديمقراطية والدستور ورد الأمر إلى الأمة والاستفتاء فقد كان لابد من أبعادة.. لأن هؤلاء لا يريدون ذلك وزعموا أ،هم يخافون من العودة إلى الفوضي الماضية .. وقالوا أنهم يوقفون هذا التيار لكي يضمنوا سير الأمور فير طريق الثورة .. وكان ذلك خبثا من بعض منهم .. كما تري عند جمال عبد الناصر ومن أيده من أمثال عبد الحكيم عامر والأخوين جمال سالم وصلاح سالم .. سلامة نيى وطيبة قلب ن بعضهم كما نري عند كمال الدين حسين وحسين الشافعي .. ودليلا على عدم وجود رأي خاص معين عند معظم الباقين .. كما تري عند عبد اللطيف البغدادي وحسن إبراهيم .

أما السادات فلم يكن له موقف يذكر في هذه المرحلة .. ولهذا فقد انضم في النهاية إلى معسكر جمال عبد الناصر وانضم خالد محي الدين إلى محمد نجيب فخرج من قيادة الثورة بخروج محمد نجيب .. وسار في طريق وحده حتي اجتذبته الشيوعية فمال إليها عن جهل بها لا عن علم..

والذي يعرف الشيوعية لا يكون شيوعيا أبدا ... ومعظم أتباعها يكونون في العادة ممن لا يعرفونها إلا توهما وتعلقا بآمال لا تصدق أبدا ..

هنا - وفي مرحلة الصراع بين محمد نجيب من ناحية وجمال عبد الناصر ومن تبعوه من ناحية – تقتحم أبواب الميدان السياسي طائفتان كان لهما أسوأ الأثر على مصير الثورة ومسارهما فيما بعد ..

الطائفة الأولي هي طائفة الطامعين والطامحين من شباب الضباط ممن لم يشتركوا في الثورة .. ولكنهم رأوا فرص الغنائم والقوة والجاه مفتحة في الفراغ السياسي الذي دارت المعركة حوله بين جمال عبد الناصر ومن وعاونوه .. ومحمد نجيب ومن أيده .. وهؤلاء الصغار كانوا أتباعا في وظائف الجيش للكبار الذين تربعوا على عرض الثورة .. كلهم كانوا إلى ذلك الحين دون درجة العقيد .. وبعضهم كانوا ملازمين أوائل وثاني وربا نقباء ..

هؤلاء وجدوا جانبين يتصارعان من كبار ضباط الثورة .. جمال عبد الناصر ومن معه يدعون إلى الاستبداد وحصر الغنيمة في الضباط .. ومحمد نجيب يريد أن يرد الأمر إلى الأمة ويقيم الانتخابات فانضموا بجملتهم إلى جمال عبد الناصر من معه حتي يظل الأمر في العسكريين وهم منهم .. والطائفة الثانية كانت قد دخلت قبيل ذلك .. وهي طائفة بعض المدنيين ممن تمسحوا بالثورة ورجالها خلال الشهور الأولي لانتصارها وتقربوا إليهم متظاهرين لها بالرغبة في إفادتها بما لديهم من العلم من أمثال القانونيين سيد صبري وسليمان حافظ وعلى مسافة بعيدة بعض الشئ – عبد الرازق السنهوري ومن غير القانونيين رجال لم يكن لهمك في السياسة نصيب إلى ذلك الحين .. ولكن حركتهم الأطماع والسذاجة من أمثال احمد فكري أستاذ الآثار بجامعة الإسكندرية وإبراهيم سلامة وكان من أساتذة دار العلوم ..

هؤلاء أمثالهم جميعا عدا السنهوري حضوا تحريضا شديدا على الاستبداد أملا في أن تصيبهم الوزارة من يد المستدين .. وهؤلاء جميعا – عدا السنهوري – عرضوا أنفسهم لسخرية الناس .. وسليمان حافظ أراد أن يدل الناس على بالغ تقشفه فكان يسير ببنطلون قصير .. والوزارة كان يرأسها جمال عبد الناصر تحت رياسة محمد نجيب كانت تفعل أشياء عجيبة .. كانوا يعقدون مجلس الوزراء طول النهار ويتناولون سندويتشات الفول إظهار للتقشف .. وكان بعضهم يزعم أنه يذهب إلى الوزارة في الترام ..

والشعب في أثناء ذلك تائه صانع ... ينشدون أمامه أناشيد " الاتحاد والنظام والعمل " وهو يردد . وتكون المعارك الحاسمة بين جمال عبد الناصر ومحمد نجيب في مارس 1954 ويتولي القتال نفر من الضباط كلوا صغار فأصبحوا كبارا بالاعتداء بالضرب على أمثال السنهوري وكسب بهم عبد الناصر وشيعته المعركة الحاسمة التي قررت مصير الثورة .. فانتهي كل أمل في الديمقراطية الحرية ووئد الدستور المؤقت في مهده .. وتولي الرياسة جمال عبد الناصر وشيعته القليلة ومن حولهم مئات الضباط الذين لم يسمع احد بأسماء معظمهم إلى ذلك الحين ..

وهكذا صار حكم مصر إلى صورة تذرنا بما كان عليه الأمر أيام سلطنة المماليك : السلطان جمال عبد الناصر وأمراء المماليك من حوله وهم قيادة الثورة ثم الخشداشية وهم مماليك السلطان والأمراء وكانوا مئات : كل جماعة منهم في مكتب أمير من أمراء مجلس قيادة الثورة .. وتقاسم السلطان – من ناحية – جمال عبد الناصر وكانت له الحكومة المدنية والسياسية وكل ما يتعلق بمصالح الوطن .. وعبد الحكيم عامر – من ناحية أخري – وقد سيطر على الجيش وحوله إلى عمدية ضخمة يتربع هو على مصطبتها ومن حوله ألف شبح خفر وخفير .. واعتمد عبد الناصر على البوليس الحربي ومديره أحمد أنور الذي جعله سيفا مصلتا على الناس ...

والرجل كان ينفذ ما يأمره به جمال عبد الناصر .. ولم يكن يستطيع إلا أن ينفذ .. لأن عدم التنفيذ معناه أ، يصبح عدوا للجبهة الناصرية وهنا تدوسه الأقدام دون رحمة .. ثم أن ذلك المنصب كان يملك سلطات بلا حدود .

ودخلنا في دوامة الناصرية وتحول الحكم إلى استبدادية عسكرية وفرضت الرقابة علي الصحافة وكل صورة من صور حرية الرأي ... وأصبح لمصر كلها سيد واحد.. وكان الإخوان أول الأمر شركاء لشيعة جمال عبد الناصر .. فلما تم له النصر عصف بهم فلم يستثن إلا الشيخ أحمد حسن الباقوري الذي أعلن انفصاله عنهم قبل ان يدخل الوزارة ..

وسارت الأمور من ذلك الحين إلى موت عبد الناصر بحسب ما كان يراه هو وحده .. ولا معقب على آرائه لا تبديل لكلماته .. والذين يذكروا تلك السنوات التي انتهت بكارثة 1967 يسألون الله ألا يعيدها أبدا لأنهم كانوا يعيشون في ظلام دامس وخوف بالغ وما رأيك في عصر لم يكن فيه إلا صحفي واحد يتمتع بحرية الكلمة هو رئيس تحرير جريدة الأهرام ؟..

ومن مآثر عبد الناصر التي لا تنيسي عصفه دون رحمه من أيدوه من كبار الصحفيين وعلى رأسهم محمد أبو الفتح واحمد أبو الفتح ومصطفي أمين علي أمين ...

ومن ديسمبر 1952 أي من بدايات هذا الطريق الظلم بدأت الأعمال العنيفة التي ألحقت أسوأ الأضرار بهذا البلد .. لا لأنها في ذاتها كانت غير طبيعية سليمة . فإن الكثير منها كان ضروريا ولا مفر منه مثل الإصلاح الزراعي وإلغاء الملكية ..ولكن الشر جاء من سوء النية والأنانية التي أدت إلى الإسراع في اتخاذ القرارات دون تفكير سليم ودون تدبير محكم ..

وما دامت السلطة كلها قد انحصرت من ديسمبر 1952 في يد جمال عبد الناصر وأمرائه وخشداشيته .. فلم يكن هناك مفر من الخطأ .. بل الخطأ الجسيم لن الذين ارتضوا لأنفسهم أن يكون في خدمة المستبد من أهل التخصصات والخبرات كانوا بطبيعة الحال من طراز الندماء والأتباع ممن كانت أقصي أمانيهم أن يرضي عنهم الحاكم بأمره لا بأمر الله ..

فقد كان إلغاء الملكية عملا ضروريا .. لأن الأسرة العلوية فشلت في القيام بأى دور إيجابي نافع في تاريخ هذا البلد وأصرت على أن تظل أسرة أجنبية تحكم شعبا من الفلاحين الجهلاء . فكان لابد أن يجري التصرف في أملاك أفراد الأسرة وأموالهم على صورة تضمن مصالح الشعب والحفاظ على أمواله .. وهذه الأسرة كانت تتكون يوم ألغيت الملكية من 417 أسرة تملك من القصور والأراضي والعقارات ما يمكن تقديره دون مبالغة بربع ثروة هذا البلد .. فالملك والأمراء والأميرات في مجموعهم كانوا يملكون مثلا ما يقرب من المليون وربع المليون ن الفدادين أي نحو خمس أراضي مصر .. وهذه كلها كانت ملكيات شاسعة ولكنها كانت تدار إدارة زراعية ومالية محكمة .. وهذه الأراضي كانت تغل ن المحاصيل ما يعدل نصف إنتاج مصر الزراعي .. حقا كان هناك ظلم شديد على الفلاحين وكان من الممكن الاستيلاء على هذه الأراضي مع الاستمرار في إدارتها غدارة حكيمة مع رفع الحيف عن لفلاحين .

والمشكلة كانت ان إدارة الخاصة الملكية ودوائر الأمراء كانت تدار على نحو يعطي الأمراء ورجال زراعتهم أربعة أخماس قيمة المحصول في يبقي للفلاح إلا الخمس .. وفي ذلك ظلم بين وكانت الحكمة تقضي بأن تنتقل ملكية هذه الأراضي وتدار على نحو لا يضر بمحصولها , فيأخذ الفلاحون من الغلة نصيبهم الإنساني العادل وتبقي البقية للأمة .. أما مصادرة أملاك الملك والأمراء وأموالهم وقصورهم ثم التفكير فيما نعمله بعد ذلك فغن النتيجة أن معظم هذه الأموال نهبت نهبا .. فلا هي بقيت تحت إدارة الخاصة الملكية السابقة ودوائر الأمراء لتعرف أين هي .. ولا هي صارت إلى أيدي من يستحق على وجه سليم .ز بل هي تبددت بصورة مزرية فأما الأراضي الزراعية فتدهورت ..

وأما الأموال فنهبت وأما القصور وما فيها من جواهر وذخائر فقد نهبتها أيدي أمراء النظام المملوكي الناصري وحاشيته ..

لأن كل ما تبقي من محتويات هذه القصور 11000 قطعة من المصاغ والجواهر محفوظة في خزائن البنك المركزي في عهدة سيدة مريضة .. كانت موظفة في وزارة الثقافة هي السيدة ثريا منجي مصطفي ..وهي تلح في أن تعفي من هذه المسئولية وتطالب بمعونة مالية لها لتواجه مرضها ..

ولكن أحد لا يصغي لها . هذا أمر مفهوم لأنه إذا كانت كل كنوز سليمان قد نهبت ولم يبق منها إلا تاج الهدهد وهو من الريش .. فمن هو المجنون الذي يتسلم هذا لاحتاج الرخيص لكي يسأل بعد ذلك عن كنوز سيلمان ؟

الكلام كثير جدا .. والمقالات التي كتبت والكتب التي ألفت في هذا الموضوع كثيرة جدا آخرها كتاب حافل بالمعلومات والصور المحزنة وعلامات الاستفهام والتعجب عنوانه ومجوهرات أسرة محمد على والأربعين حرامي " ومؤلفه السيد الأستاذ حسين الرملي ..

وأعتقد انه ما دامت رياسة الدولة اليوم تتسم بالنزاهة والجدية والحرص على صالح الوطن ... فلابد من النظر في هذا الموضوع واتخاذ قرار فيه .. ولكنهم فيما يهمنا أمر الأملاك والقصور والجواهر وما ضاع منها وما بقي ؟..

يهمنا لو طائفة معينة هي جماعة من ضباط الصفوف الثانية وما تحتها . ممن كانوا يعملون في مكاتب رجال الثورة .. ويتبعهم عدد ضخم من المحاسيب والأقارب الأتباع , هم الذين تسلموا تلك الأموال والممتلكات الضخمة من أصحابها وكان المفروض أن يحصوها إحصاء دقيقا ويحافظوا عليها لتظل في ملكية الشعب . وقد تسلموها .. ولا يدري أحد ماذا جري لها بعد ذلك لأنها اليوم غير موجودة ..

والأمر هنا لا يقتصر على أملاك الملك ومحتويات القصور الملكية.. وهي ثروة قومية يملكها شرعا شعب مصر ... ولكن جاءت بعد ذلك مصادرات أموال كل طبقة الباشوات وأسرهم وأتباعهم ثم أملاك الخواجات وشركاتهم متاجرهم وأموالهم أي ثروة مصر القومية كلها ومدخرات مصر كلها خلال 150 عاما وهي غير موجودة اليوم .. فأين ذهبت ؟

إن الجواهر والأموال والرياش والفضيات والتحف لا تؤكل ولكنها تتهب تنتقل من قصورها إلى بيوت الناهبين أو تهرب ..

كان عبد الناصر يسمي عصر ما قبل الثورة عصر النصف في المائة .. أي أن نصفا في المائة من أهل مصر يملك مصر كلها بما فيها ومن فيها .. وبقية أهل مصر 99,5 في المائة لا يملكون شيئا...

وفي أيامنا هذه لازال الـ99,5 يملكون شيئا . فأين ذهبت أموال مصر ومدخراتها خلال نصف قرن..؟

يسأل عن ذلك السوبر باشوات ..

وعصر السوبر باشوات استمر حتي موت الرئيس السادات في ضحي 6 أكتوبر 1981 ..

وأنا هنا لا أتهم ولا أحكم , ولا أقول أن كان أتباع كبار رجال الثورة مسئولون عن تلك الأموال التي نهبت لأن الحق أنه كان فيهم أشراف كثيرون كان فيهم شبابا أخلصوا وصدقوا ولم يدنسوا أيديهم بشئ من المال الحرام ..

جريمة الشرعية الثورية

تاريخ مصر سجل أعاجيب

ولكن أعجب هذه الأعاجيب هي أن مخلفات من عثرنا على قبورهم من الفراعنة ملوك مصر القديمة ونسبتها إلى ما لم نجد إلى يومنا هذا أو وجدناه منهوبا فارغا لا تصل إلى واحد في الألف .. هذه المخلفات يبلغ عدد قطعها أكثر من مائتي ألف قطعة . والمعروض منها في متحف الآثار بالقاهرة 6372 والموجود في المخازن يبلع ما يزيد على 20000 قطعة . وإذا أضفنا إليها ما يوجد في متاحف العالم والمجموعات التي يملكها أفراد وما يوجد منها في متاجر الآثار بلغ عددها غلى ما يزيد على 50000 قطعة ..

وهذه مخلفات ملوك وأمراء وأشراف مصريين مضي على وفاة أقربهم إلينا 3000 سنة . أما الباقي من مخلفات ملوك مصر وأمرائها من أسرة محمد علي – ولم يمضي على عزل آخر ملوكها إلا ثلث قرن – فلا يزيد عدد قطعه على 11247 قطعة هي المحفوظة الآن في خزائن البنك المركزي !

وفي ليلة 23 يوليو 1952 كانت كل تلك الذخائر والممتلكات في موضعها في قصور أفراد الأسرة أى أن معظم الذين أخذوها – سرقوها بتعبير أدق – ما زالوا بيننا ومعظم القطع مازالت هنا مع أن بعض الذين سرقوا تصرفوا في الكثير منها بالتهريب إلى الخارج..

ومع ذلك فمازلنا عاجزين عن تعقب هذه المسروقات .وفي البلد اليوم حكومة على رأسها رجل هو الشرف بعينه وإذا كان الرئيس السابق أنور السادات لم يكن يجب أن يطول البحث في ذلك الموضوع لأن بعض الرذاذ أو الشظايا كان من الممكن أن يصل إليه فإن خلفه الكريم بعيد كل البعد عن هذه المظنة , ولابد أن يكون راغبا مثلنا في الكشف عن أسرار هذه المأساة ولهذا فنحن نكتب ونرجو .. وليس هدفي من هذه المقالات هو الفحص عن أمر هذه التحف والذخائر التي ضاعت فهذا عمل يحسنه غيري أكثر مما أحسن ولكن غرضي الحقيقي أعلي من ذلك وهو الكشف عن الآثار لمخربة لتلك الجناية على أخلاقيات الناس في هذه البلد .

وأصارح القارئ بما أريد أن أصل إليه

فإنه قد روعني كما روع غيري استشراء ما يسمي بتدهور الجهاز الإداري وزيادة شكوك الناس في الكثير من المسئولين وشكوك بعضهم في بعض وهم معدبون فلم يسبق فيما أعلم أن ارتكبت مخالفات واعتداءات على القانون والأخلاق كما يحدث في أيامنا هذه وأنا – مثلي مثل غيري من أبناء هذا البلد – أشعر بالقلق على الحاضر والمستقبل لن الفساد كالتعفن إذا لم يوقف فلابد أن يستشري لهذا فإنني أريد أن يقف هذا التيار .

ولكن يقف تيار الفساد فلابد أن نعرف طبيعته لأننا كلنا نعرف أن الفساد ليس جزءا من طبيعة إنسان بلدنا فنحن فيما أعرف من تاريخ بلدنا شعب قليل الميل غلى الفساد شديد التمسك بالصلاح وسلامة الخلق والضمير والتصرف .

وإذن فهذه الموجة المخيفة طارئة وغريبة عن طبع هذا الشعب وما دامت طارئة وغريبة عن طبع هذا الشعب فمن الممكن إيقاف تقدمها ثم قطع دابرها .

ولكي نصل إلى ذلك فلابد أن نعرف ما هي ؟ ومتي طرأت ؟ ولهذا فأنا أبحث وأنقب وأدر وأتعقب ويهمني طبعا أن توجد المسروقات , ولكن الذي يهمني أكثر هو أن تقطع اليد التي سرقت . حتي يسلم لنا هذا المجتمع , وحتي نستطيع أن نسلمه إلى الأجيال التي تأتي بعدنا ونحن آمنون ..

أما أن نترك السارق وما سرق فمعناه أننا نرضي عن السرقة ونقره على ما سرق . وفي هذه الحالة تكون نحن واللصوص سواء وقواعد الأخلاق تقول : إن الساكت عن اللص لص مثله .

وأضيف هنا أن السرقة هي الاستيلاء على شئ وادعاء ملكيته دون وجه حق سواء أوقعت السرقة في الخفاء أو عصبا أو بالحيلة أو بالتهديد أو خيانة الأمانة واستغلال النفوذ .

وأقول أخيرا إن كل سارق يعرف فيما بينه وبين نفسه أنه سارق , فكل رجل من حولنا يعيش على مال وصل إليه عن طريق التصرف غير الأمين في أموال التأميمات والمصادرات والحراسات يعرف أنه لص وكل من سلب من القصور شيئا واحتفظ به لنفسه أو هربه أو باعه لمهرب يعرف أنه لص وكل من وكل من يجلس في بيت يعرف أنه استولي عليه من الحراسات بغير حق أو غصبه من أهله يعرف أنه لص وكل من قبض مالا أو شيئا ذا قيمة في مقابل خدمة بغير وجه حق يعرف أنه لص , وكل من يضع قدمه النجسة على سجادة مسورقة يعرف أنه لص , وكل من يضيئ بيته بثريا مسورقة من القصور أو يأكل على مائدة مسروقة أو في صحاف فضية مسروقة يعرف أ،ه لص , وكل من تلبس في ديها أو على صدرها أو حول رقبتها جواهر مسروقة تعرف أن يدها تستحق القطع وصدرها ورقبتها في النار .

والمسروق كما نعرف ألوف الأشياء واللصوص وشركاؤهم وأسراتهم نتيجة لذلك ألوف , وكان منهم جرثومة فساد ..

ثم نتعجب من أننا كل يوم نعثر على لص أو فاسد ذمة أو آخذ رشوة أو خائن أمانة ! وكل يوم تقع أعيننا على ناس يتمتعون بأموال لا شك رائيها في أنها مسروقة ونتعجب من فساد الذمم وانتشار الرشوة وإهمال المرافق وتهاون بعض المسئولين كبارا وصغارا !! ثم وهذا هو أسوأ في الموضوع – تسليم الناس بان الأمر فسد ولا أمل في علاجه.

وأعجب من ذلك أننا نرجو مع ذلك ن يصلح الله الأحوال ! والله سبحانه لا يصلح حال ناس يشتركون في الفساد أو يسكتون عن الفساد أو ينامون مع الفساد تحت سقف واحد.

وكلامي هنا موجه إلى الذين يقرءون قول الله سبحانه في سورة الرعد ( الله يعلم ما تحمل كل أنثي ما تغيص الأرحام وما تزداد وكل شئ عنده بمقدار . عالم الغيب والشهادة والكبير المتعال سواء منك من أسر القول ومن جهر به ومن مستخف بالليل وسارب بالنهار له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم ).

فكيف والله نرجوا أن يغير الله ما بنا ويرفع عنا البلاء ونحن نري اللصوص ونرضي عنهم ونشاركهم العيش والطعام ؟

ومن أعجب العجب أن السارقين يخادعون الله فيحجون عاما ويعتمرون عاما والحجات والعمرات كلها بمال مسروق فإذا هم خدعوا الناس فهل يحسبون انهم يخدعون الله ؟

( يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم ) البقرة 9...

ما الذي حدث إذن؟ وكيف بدأ الفساد ؟

كانت البداية أمرا صدر في ديسمبر 1952 بمصادرة أملاك الملك وأسرته وأملاك كل أفراد أسرة المالكة من أراض وقصور ومحتوياتها وأموال .

وتمت العملية على أسوأ صور الفوضي فإن وزير المالية إذ ذاك أصدر أمرا بأن يخرج كل أفراد الأسرة من بيوتهم وتغلق وتشمع حتي يتسني للجان الجرد حصر محتوياتها ثم تعاد إليهم على أن تعتبر القصور وما فيها عهدة في أمانتهم يسألون عنها على أن يسمح لكل منهم بالإقامة في قصر واحد من قصوره وتترك له سيارة واحدة ويظل الأمر على هذا الوضع حتي تتخذ الدولة ما تراه في القصور وأصحابها وما فيها ..

أما قصور الملك , وكلها ملك لشعب , فكان المفروض أن تتسلمها لجان الجرد وتتخذ الإجراءات الكفيلة بالحفاظ على كل شئ فيها وتكونت لجنة مركزية للمصادرة والجرد وجعل على رأسها ضابط من أهل الأمانة والذمة هو الصاغ محمود يونس رحمه الله .

وإلى كل قصر من قصور الملك والأمراء – وعدد أسرهم 417 أسرة , ومعظمهم كان يملك كثر من قصر – كانت تذهب لجنة جرد .

والمسألة بدأت بقصور الملك والأسرة المالكة ثم اتسع الموضوع بمصادرة أموال من سموهم بالإقطاعيين ثم بعد حرب السويس في صيف 1956 – بمصادرة أملاك الأجانب وشركاتهم وبيوتهم ومتاجرهم وبنوكهم , ثم أصبح الأمر فوضي بلا ضباط . لأن جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر في حربهما – واحدا مع الآخر – انطلقا فيما اصبح يسمي : مزيدا من الإشتراكية مزيدا من الإشتراكية.

حتي أممت مخابز ومحلات حلوي ومصانع أثاث ومتجر صغيرة وما إلى ذلك لأن الأمر أصبح عملية نهب يقوم بها جيش من الغزاة.

وكل هذه العمليات يقوم بها مكتب رئيسي للجرد والمصادرة في جاردن سيتي تقوم فيه لجنة عليا للأموال المصادرة .

تصور والله أن لجنة عليا مثل هذه مركزها شقة في جاردن سيتي كانت تتولي عملية تنظيم استيلاء الغزاة على ما يمكن أن نسميه بأموال مصر ومدخراتها خلال قرن ونصف قرن من الزمن لأن الأمر بلغ ان كل من كان يطمع في شئ من رجال عبد الناصر وصاحبه كان يتقدم باتهام يعقبه الموافقة المصادرة والتأميم وفي العادة يكون الاستيلاء والنهب قد تما قبل ذلك .

وأنا شخصيا شهدت عملية مصادرة وتأميم لمخبز إلى جوار منزلي القديم في حي الروضة ومن غريب المصادفات أن اسمه مخبز الإخلاص وشهدت بعيني كيف نهب كل ما فيه حتي الإخلاص .

فأما الذين خافوا على أنفسهم من لجنة المصادرات ومكتب الأموال المصادرة من أمثال الصاغ محمود يونس و البكباشي (إذ ذاك) مشهور احمد مشهور فقد غسلوا أيديهم من تلك المأساة قبل أن تتحول إلى عملية نهب بشعة ..

واللجنة العليا للمصادرات كانت تختار لكل قصر أو بيت أو مصنع او متجر لجنة مصادرة تذهب إلى المكان المراد وتفاجئ من فيه بالأمر الذي كان ينزل على الناس كالقضاء المحتوم يحمله شبان من الأتباع والأنصار والمحاسيب والخشداشية .

وأنا أذكر هنا الأحداث بلا أسماء لأن الأمر مع الأسف الشديد صار كما قال صديقي الدكتور إبراهيم عبده في كتاب له ممتع عنوانه " تاريخ وثائق " اي ميراث بلا وراث ومال سايب بلا صاحب وبوابة بلا بواب , وبلدة بلا عمدة .

والقصور التي كان أولئك الناس يذهبون ليصادروا أموال أهلها باسم الشعب لم تكن محتوياتها مسجلة في دفاتر ومن هو الذي ينشئ دفتر جرد لمحتويات بيته ؟ ومندوب الجيش الغازي إذن يستطيع أن يأخذ ما يريد وبدلا من أن تحصي المحتويات في مكانها ثم يغلق المكان أو يترك عهدة في يد أصحابه كانت الأشياء الثمينة توضع في حقائب وتأخذها اللجنة وتمضي , إلى أين ؟.

وأقرأ الخبر الذي يرويه الأستاذ حسين الرملي في كتاب : مجوهرات أسرة محمد على والأربعين حرامي :

" وأمسك الأستاذ أحمد رفعت وكيل نيابة الأموال العامة الذي يحقق في هذه السرقات أكثر من دليل يثبت التلاعب وعمليات النهب والسرقة التي تعرضت لها هذه التحف والمجوهرات إنها أدلة ثابتة على وقوع سرقات وإن كان الفاعل ما يزال مجهولا يقول : إن مجموع الملفات الخاصة بمجوهرات أسرة محمد علي بلغ عددها حتي الآن 12000 ملف وكل واحد من هذه الملفات يحتوي على توصيات فني لكل قطعة من هذه التحف والمجوهرات على حدة واستطاع الأستاذ أحمد رفعت وهو يراجع هذه الملفات ورقة ورقة أن يكشف الكثير من عمليات ( الكشط) والتزوير مما يؤكد أن تلاعبا قد وقع في مجموعة هذه التحف والمجوهرات .

وهذا عن أملاك الأسرة المالكة والقصور وقد كتب عنها الكثير ولكن احد لم يكتب بتفصيل عما جري للأمراء والأميرات وقصورهم وما كان فيها وقد قلنا أن أسراتهم بلغت عشية الثورة 417 لكل منها قصورها وأموالها ما بين أرض وعقار ومنقولات وأموال .

أين ذهب ذلك كله ؟

وما الذي كان يحدث لأصحابه على أيدي رجال لجان الجرد والمصادرة ؟ وقد تبين للناس جميعا مدي ما كان في تصرفات رجالها من العدوان والنهب والاستخفاف بكل قيمة حتي لقد حكم السيد صلاح الشاهد كبير الياوران السابق أنه عندما تزوجت سيدة مصرية تسمي فتحية من الرئيس نكروما كلفه الرئيس عبد الناصر باختيار هدية مناسبة لها من مجوهرات أسرة محمد على فذهب إلى مخزن هذه الجواهر في البنك المركزي حيث وجدها في أقفاص !! وتأكد عند النظر فيها أن الأثمان المبينة عليه فيها سرقة كبيرة " (أقرأ بقية الخبر في كتاب حسين الرملي ص 76 وما يليها ).

والمهم هنا أن الرئيس عبد الناصر يكلف ياوره بأن يذهب ويختار " هدية مناسبة " لسيدة مصرية. مما يدل على أن سيادته ينظر إلى هذه الجواهر وكأنها ملكه , وكما أهدي منها لزوجة نكروما فلابد أنه أهدي منها لغيرها . ومن المؤكد على أي حال ان عبد الناصر والسادات ورجال الثورة جميعا كانوا يعترون كل تراث مصر ما قبل الثورة ملكا لهم يتصرفون فيه كما يشاءون, وهذا يؤكد ما قلناه من أن هؤلاء النفر الذين قاموا بتنفيذ التأميمات والمصادرات ممن كانوا يسمون أنفسهم رجال الثورة كانوا يرون أنفسهم غزاة وأن كل ما وجدوه كان في نظرهم غنيمة أقول إن ما حدث لقصور الأمراء وأموالهم كان أسوأ مما حدث للقصور الملكية وقصور الأمراء وكانت في القاهرة والإسكندرية وفي مراكز أملاكهم في الريف .

وفي كتاب الأستاذ الرملي أخبار عما جري على هذه قصر وما فيها من نهب بلا حساب حتي قصور الأمير عمر طوسون في شارع الهرم نهبوا ما فيه وحولوه إلى شبه مزبلة ( ص 85 وما يليها ) وقد حوكم ضابط يسمي حسن عثمان لسرقته سجادة , سرقها من قصر أحد موظفي القصر القدماء . وهنا يقول الأستاذ الرملي : وإذا كان العقيد حسن عثمان حوكم لسرقته سجادة فإن غيره نقل مفروشات قصر الملكة نازلي بالإسكندرية إلى منزله بعد أن أهدي القصر للزعيم السوداني السيد الميرغني دون استشارة زملائه ودون مساءلة لأنه كان ( صلاح سالم ) ص 49 وقد تبين لى أن العقيد حسن عثمان برئ مما نسب إليه , وأن مساءلة السجادة هذه دست عليه من خصوم له . وقد رد القضاء اعتباره فيما بعد ..

وبمناسبة صلاح سالم أروي خبرا نقله السيد الرملي عن الدكتور إبراهيم عبده فقد قال انه زار اللواء محمد نجيب في بيته في المرج . وكان مريضا , وكان معه صديقان له , قال الدكتور إبراهيم عبده :" فسألته عما يقال عن تبديد مجوهرات أسرة محمد علي خصوصا أنه أول رئيس للجمهورية , فإذا به يصيح على الفور : البداية صلاح سالم , مع الأسف الشديد , إن رجال الثورة انقلبوا رجال ثروة .. ( ص47) ويلي ذلك كلام كثير .

والكلام هنا طويل جدا . وأنا لا أريد أن أستطرد فيه حتي لا تتحول هذه المقالات غلى سرد معاد ومكرر لأخبار رواها غيري .

ولكن الذي أريد أن أصل إليه هنا هو أن الفساد بدأ من الرأس . فهنا ذكر صلاح سالم وفي كتابات أخري ذكر لرجال الثورة سواء أكانوا من الكواكب الأحد عشر التي تربعت على عرش مصر بعد الثورة وتولت الوزارات والحكم أم من اشترك في شئ من هذه الأعمال .

ولن أستطرد في هذا الكلام لأن غايتي ليست تقصي أمر هذه المسروقات ولكن الذي أريد أن أقوله هو أن معظم رجال الثورة قد تلاشي في حسابهم في ذلك الوقت معني الحق والقانون فالأموال – وهي أموال الشعب تنهب أو تترك لتنهب بلا حساب والكرامات تهدر بلا اكتراث ..

وقد زرت مرة المكتب الرئيسي للمصادرة والجرد في جاردن سيتي فرأيت العجب من غطرسة العاملين فيه وإذلالهم للناس دون رحمة . وزرته في صحبة سيدة مسنة كريمة كان لها أربعون فدانا تعيش من غلتها , وكانت قد عهدت إلى محمد شعراوي باشا بإدارتها لأنها مجاورة ليعش أراضيه , وكان محمد شعراوي قد قال كلاما لم يعجب جمال عبد الناصر فأمر بمصادرة أملاكه ومساحتها 4000 فدان , ولم يترك له حتي المائتي فدان التي كان القانون ينص على تركها لصاحب الأرض في ذلك الحين . وعبد الناصر كان يضع القانون ويخالفه دون حسيب , فكانت أملاك هذه السيدة ضمن ما صودر فذهبت معها أحاول توضيح الأمر للقائمين بأمر هذا المكتب فلقيت من المهانة فوق ما كنت أتصور , وعادت السيدة المكسينة إلى دارها وهي لا تجد قوت غدها ولم ينفعني في هذه المناسبة إلا الشيخ الباقوري أطال الله عمره فقد رأف بحال المسكينة ودبر لها من أموال الأوقاف 27 جنيها في الشهر عاشت عليها إلى وفاتها فكانت تدفع منها 14 جنيها إيجار بيتها وخمسة نفقات صيانة البيت والبواب والباقي قدره 8 جنيهات تعيش عليها كاملا , وعندما اشتد بها المرض كانت تنفق خمسة جنيهات في الدواء وتشتري بالباقي خبرا وتعيش على الخبز والماء .

ومن أعجب ما أذكره أن رجلا من رجال اللجان زارني مرة في إدارة الثقافة أيام كنت مديرها وعرض على أن يخرج لهذه السيدة أربعين جنيها في الشهر إذا هي كتبت سكنها باسمه ليرثها بعد وفاتها فرفضت وحذرته من المساس بها وقد توفيت هذه السيدة وأنا علي سفر فلما عدت ذهبت أزورها , فقال لى البواب غنها ماتت وأمضي إلى شقتها فيفتح لي الباب نفس الموظف وأجده أمامي كالبغل في بيجاما يقول لي في سخرية وشماتة : عرضت عليك أن آخذه بمقابل فأبيت , فها هو آل إلى ( ببلاش ).

فتصور هذا الرجل وكيف يرصد هذه السيدة لينقض على بيتها إذا ماتت ولم يمنعه من الانقضاض عليها في حياتها إلا أنه حسب أنها قريبة الشيخ الباقوري . ولنضف إلى هذا أن ذلك كان أيام مطاردة الإخوان المسلمين وفي الخمسينات والستينات كان مجرد شبهة الانتساب للإخوان تعني ضياع الإنسان أو اختفاءه ونفيه إلى الناحية المظلمة من القمر واتسع الأمر واستشري حتي كان الرجل يلقي في السجن بلا أمل في الخروج لمجرد أن إنسانا وشي به وقال إنه قال في حق الثورة كلمة , وشمل الاضطهاد الشيوعيين وبلغ أمر الاستهانة بحقوق الناس أنهم قبضوا مرة على ناس وألقوا بهم في السجن دون أن يقولوا للقائمين بالأمر في السجن شيئا عن جريمتهم فكتبوا في الدفاتر أمام سبب الحبس أنهم إخوان شيوعيون ولما نبههم رؤسائهم بعد ذلك إلى تناقض التهمتين قالوا : وماذا نعمل ؟ ما دمتم لم تقولوا لنا شيئا : كتبنا التهمتين فإذا لم تصح واحدة صحت الأخرى .

وهذا الخلط معقول من عساكر السجن ولكنه غير مقبول من رجل من كبار رجال الثورة زعم – ولا يزعم – أنه شيوعي ومع ذلك فقد استولي على قصر أمين باشا يحي في الإسكندرية وسكن فيه إلى جانب قصر آخر في القاهرة , وهذا الرجل تولي رياسة الوزارة في أوائل الستينات فأغلق الباب على المصريين جميعا وجعل البلد سجنا ومضي لا يستحي أن يكتب مقالات عن الحرية والإشتراكية , وما سماه بالرأسمالية الشعبية هي الغثاء بعينه . ومن أعجب ما قرأت في أيامنا هذه أن هذا الرجل - وقد عفي عنه – يحتج لأنهم يمنعونه من السفر في زعمه ! سبحان الله ! يحكم على شعب كامل بالسجن سنوات ثم لا يطيق أن يحال بينه وبين السفر مرة واحدة ؟!

وهذا الرجل الذي ظل يمتدح الشيوعية يسكن القصور ينسي أن شيخه لينين رفض أن يضعوا له تحت قدميه فرو دب في الشتاء وصاح من تظنوني ؟ القيصر ؟

لا والله يا لنين ما كنت بالقيصر ولكن القياصرة هم الذين تحدثوا باسمك في بلدنا أم العجائب ..

وما معني ذلك كله ؟

معناه أن القانون زال في معناه ومبناه عند قيادة الثورة نفسها والأموال والأرواح والحريات لم تعد لها قيمة من بعد قيام الثورة بقليل إلى وفاة عبد الناصر وتلك هي بداية ضعف القانون وتلاشي سيادته واستهزاء الناس به وما إلى ذلك مما نشكو منه اليوم .

ثم يسألني الناس : ماذا جري للبلد ؟

فهذا هو الذي جري للبلد أيها الناس . تلك هي البداية وهذه هي النهاية , فأي مدعاة للعجب هناك ؟

وفي تلك السنوات السود التي هانت فيها الأرواح والأموال نشأ ما يسمي بالشرعية الثورية ومعناها ان الثورة لها شرعية خاصة بها تسمح لها بالاعتداء على الأموال والأنفس دون حساب او محاسبة وأنه مما يؤلم النفس أن الذين أذاعوا فكرة الشرعية الثورية كانوا من زبانية رجال القانون الذين جعلوا أنفسهم مشرعين ومحللين ومحرمين وهم أساتذة ودكاترة وجهابذة باعوا العلم والضمير والشرف في سبيل التقرب من الغاصب وتسويغ ما يريد ..

وفي تلك السنوات كان كاتب العصر ينشر في الأهرام مقالات فيما سماه أهل الثقة وأهل الخبرة والأولون أولي بكل شئ , والآخرون لهم اللعنات وإلى جهنم وهكذا ضيعوا العلم أيضا .. والذين يعرفون تاريخ مصر يعلمون أن هذا البلد نجا من أسوأ ما مر به من محن وأزمات بفضل شيئين اثنين : احترم الناس للقانون وثقتهم في القضاة ثم احترامهم للعلم وأهله .

هذان هما العمادان اللذان قاما عليهما تاريخ مصر الحضاري كله فيجئ أولئك الناس فيعصفون بالقانون والقضاة وكرامات الناس جميعا على طول عشرين سنة... وهذا ما سموه بالشرعية الثورية .

ويراد بها أن الثورة – بصفتها تغييرا شاملا لكل الأوضاع التي كانت قائمة قبلها – لها الحق في أن تتخطي القوانين القائمة أو تلغيها .. تضع مكانها تشريعات أو قوانين يصدرها مجلس الثورة لحماية الحركة كلها من الأخطار التي لابد أن تحيط بها بعد قيامها . وهذه القوانين والأوامر تعتبر شرعية وشرعيتها هنا لا تستند إلى قانونية ولا تصدر عن الطريق العادي لصدور القوانين وليس من الضروري أن تعرض على مجلس الشعب لن الثورة والمفروض أنها قامت بالشعب ولصالح الشعب , تصبح هي الشعب ومجلس الشعب .

وبعد أن قضي جمال عبد الناصر على كل زملائه في مجلس الثورة أصبح – أتباعا لهذا المنطق – هو الشعب , وأوامره تصبح قوانين بمجرد إصداره إياها , وليس من الضروري أن تصدر مكتوبة أو موقعة يكفي أن ينطق بها سيادته لتصبح قوانين واجبة النفاذ وأحيانا كانت حركة يد من السيد الرئيس تعتبر أمرا رسميا واجب النفاذ . فيقولون له مثلا: وماذا نعمل في فلان ؟ فيشير بيده إشارة معناها : أزمة في أي داهية ويرمونه في أى داهية ويكون هذا أمرا رسميا داخلا ضمن ما سموه بالشرعية الثورية

والذي يؤسف له أن رئيس الدولة وجد في بعض رجال القانون من يؤيد هذا المنطق كتب كتبا في الشرعية الثورية هذه وكاتب العصر – وهو لسان عبد الناصر المعبر وكانوا يسمونه " البرين – تراست " أي ملاك الرحمة الذي جادت به المقادير على هذا البلد – لإنقاذه هذا الكاتب كتب مقالات كثيرة دافع فيها عن هذه الجريمة وقال غ، من حق رئيس الدولة أن يصدر من الأوامر ما يشاء إذا راي أن صالح الثورة يستدعي ذلك .

ومن بين ملاحق هذا الكتاب صورة من قرار جمهوري أصدره الرئيس عبد الناصر استنادا إلى تلك الشرعية الثورية يأمر فيه بسجن المواطن صلاح وآخرين وهو شئ لم يسمع بمثله أبادا غذ أن الآخرين هؤلاء يمكن أن يكونوا أهل مصر جميعا لأن الذين تولوا تنفيذ هذا الأمر وطاروا به لينفذوه كانوا يستطيعون أن يجروا من يشاءون من قدميه ويلقوا به حيث شاءوا دون حسيب أو رقيب فهذا قرار جمهوري صادر من رئيس الدولة باسم الدستور وهو مشمول بالنفاذ إلى هذا الحد وصل الأمر في الاستخفاف بالناس والحقوق والحريات .

وهذا يا سيدي دام طوال العصر الناصري السعيد .. بل هو بلغ ذروته بعد نكسة 1967 واختفاء عبد عامر وخلو الجو للرئيس وأعوانه فأصبح الكثيرون منهم يتصرفون في أمور المواطنين دون رادع .

والبلد زال منه القانون وروح القانون والذي أصاب أموال الناس وأعراضهم وكراماتهم تحت ستار الشرعية الثورية لا يوصف ثم تجد إلى يومنا هذا ناسا يقولون إنهم ناصريون .. وبعضهم معذورون لأنهم كانوا صبية وأطفالا في العصر الناصري ولم يعرفوا هذا العصر السعيد إلا سماعا . والكتب المدرسية التي درسوها وامتحنوا فيها كانت تقول لهم إن عبد الناصر بطل الأبطال وحامي الحريات وهو الذي خلق مصر ومصر قبله لم يكن لها وجود وعساهم الآن أن يكونوا قد عرفوا الحقيقة ..

ثم يسألونني : ماذا جري للبلد الأخلاق !؟

هذا هو الذي جري للبلد والأخلاق .

أما الحرية وهي أساس كل حضارة وتقدم فلم يكن لها في هذا البلد منذ قيام الثورة إلى وفاة عبد الناصر وجود ! وإذن فهذه هي العلة !.

إن البلد يخرج الآن من فترة مرض طويلة كان أولو الأمر يهدرون فيها بأيديهم وتصرفهم كل حق وكل قانون وكل علم وكل قيمة .. ولاشك في أن الذي قام به السادات فيما سمي بثورة التصحيح كان شيئا عظيما ولكن السادات أوقف سير الداء دون أن يشرع في العلاج وهو لم يتخلص قط من تراث العصر الناصري لأنه كما كان يقول – جزء منه ومشترك في المسئولية عن كل شئ وقع فيه .

وما عرفناه بعد موت السادات كثير , وما نشرته الصحف أثناء محاكمة قاتليه أكثر وما فسره الدكتور عبد العظيم رمضان في مجلة أكتوبر عن الآلهة وتحطميها أكثر وأكثر ..

ولا يمكن قط أن تقفل الدفاتر على ما فيها ويقالا: عفا الله عما سلف ولنبدأ من جديد لأن معني ذلك أننا ندع الفساد يستشري في الجسد , ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه لا ينحجر على ثار جرح , فالجرح إذا لم ينظف ويطهر نفر وقتل ..

ومأساة السادات أنه أراد أن يقفل الجرح على القيح , فكان هو أول ضحية للقيح .. وهذا الشعب موتور , ولا ينبغي أن ينحجر جرحه على ما فيه ولهذا فسنمضي مع هذه الدراسة إلى غايتها وها نحن أولاء نري أن السوبر باشوات كانوا يتكاثرون وشرهم يزداد يوما بعد يوم.

وقد وصلت جريمة الشرعية الثورية إلى ذروتها في الاعتداء الساخر على القضاء والقضاة.

وقد فض الأستاذ صلاح منتصر قصة الاعتداء كاملة وهو – بمركزه الصحفي الكبير يعرف من حقائق الأمور أكثر مما نعرف , وقد قصها في أحد مقالاته القيمة عن " الثورة وما بعدها " والمقال نشر في جريدة الأهرام في 20 / 3 / 1983 وقد كنت أريد أن أجعله ملحقا من ملاحق هذا الكتاب لأنه تكملة لازمة للكلام عن " جريمة الشرعية الثورية ".

قال الأستاذ صلاح منتصر تحت عنوان " غزو القضاء " وهو هنا يذكر القارئ بما كان يفكر فيه أهل الدول القوية الناجحة وما كنا نحن نفكر فيه .

في الوقت الذي كان اهتمام العالم فيه مركزا منذ بداية الستينات علي ملاحقة السباق الكبير الذي بدأ بني الدولتين العظميين أمريكا وروسيا لغزو الفضاء كان من بين اهتمام السلطة في مصر في ذلك الوقت ترتيب عملية غزو القضاء !

وكان من بين الأحداث الشهيرة التي تحمل صدام الثورة مع القضاء حادث اعتداء على عالم فاضل من كبار علماء القانون هو المرحوم د. عبد الرزاق السنهوري الذي كان خلال أزمة الصراع بين جمال عبد الناصر ومحمد نجيب فيما يعرف بأزمة مارس 1954 قد اختار الوقوف على جانب الديمقراطية ضد الدكتاتورية ودعا الجمعية العمومية لمستشاري مجلس الدولة إلي اجتماع قررت فيه تأييد الديمقراطية والحياة النيابية ولكن حدث في أثناء الاجتماع أن وصلت مظاهر تضم بعض عمال مديرية التحرير وآخرين " وتصادف أن كانت الحراسة قد رفعت من حول مبني المجلس في ذلك اليوم " فقامت المظاهرة باقتحام المبني وقاعة الاجتماع وضرب الدكتور السنهوري وزملائه وتمزيق القرار الذي اتخذوه بل أكثر من ذلك إرغامهم على توقيع بيان آخر يؤيد مجلس الثورة .

وفيما بعد انتصار عبد الناصر على محمد نجيب تم إقصاء الدكتور السنهوري منصبه .

وقد كان تصرفا غير عادي مثل هذا الاعتداء بالضرب على رئيس مجلس الدولة وإن كان الذين دافعوا عن هذا التصرف قد عابوا على الدكتور السنهوري إقحام جهاز قضائي كبير مثل مجلس الدولة في شبهة عمل سياسي اختار فيه الوقوف إلى جانب طرف من أطراف الصراع السياسي في ذلك الوقت .

ولكن ما هي إلا سنوات قليلة حتي بدأت الثورة نفسها منذ الستينات محاولة جر القضاء كله إلى العمل السياسي مكن خلال الإتحاد الاشتراكي .

والإتحاد الاشتراكي هو أحد درجات السلم السياسي الذي حاولت الثورة إعطاء الحكم الفردي مظهر الديمقراطية من خلاله ففي البداية كانت هناك هيئة التحرير ( عندما كانت معركة الوطن هي تحريره من المحتل الانجليزي ) ثم تغيرت اللافتة إلى الاتحاد القومي ثم إلى الإتحاد الاشتراكي .

وكان مفهوما أن هذا الإتحاد الاشتراكي هو الإطار الوحيد الذي يمكن من خلاله ممارسه أي نشاط سياسي ولكن عندما بدأ طرح فكرة ضم رجال القضاء إلى هذا الاتحاد قيل تبريرا لذلك إنه ليس تنظيما سياسيا وإنما هو إطار يضم تحالف قوي الشعب العاملة وأن رجال القضاء هم بعض أفراد هذا لتحالف الذي لا يجب بقاؤه خارجه وهكذا في مرحلة الشعارات يمكن أن يكون هناك الشئ ونقيضه .

وكانت أوضح مظاهر عملية غزو القضاء في مصر سلسلة من تسع مقالات نشرت في جريدة الجمهورية في الفترة من 8 إلى 26 مارس 1967 بقلم على صبري الأمين العام للإتحاد الاشتراكي في ذلك الوقت .

وفي هذه المقالات التي كانت تعكس تفكيرا رسميا من أكبر مسئول في الإتحاد الاشتراكي أوضح السيد على صبري أن رجال العدالة لن يتمكنوا من القيام بدورهم الأساسي الهام في المجتمع الاشتراكي إذا وقفوا بعيدين عن التنظيمات السياسية منعزلين عن العمل السياسي متباعدين عن نضال قوي الشعب العاملة .

وقال تأكيدا لرأيه إنه أصبح يعاب علي رجال العدالة أنهم كونوا طبقة انفصلت علي المجتمع وأصبحت أحكامها في غير صالح المجتمع بل ولصالح المستغلين والمنحرفين الذين لم تصدر الأحكام ضدهم لعدم ثبوت الجريمة حيث إن التفتيش كان باطلا أو لعدم كفاية الأدلة للإدانة .

وواضح أنه لم يكن الهدف من جر رجال العدالة إلى الإتحاد الاشتراكي وهو باعتراف أمينه العام يعد عملا سياسيا – إشراك هؤلاء الرجال في بعض القضايا التي يناقشها هذا التنظيم السياسي وإنما أيضا إملاء الأحكام التي يجب أن تصدر ضد الذين يري هذا التنظيم أنهم يعملون ضد مصالح المجتمع بصرف النظر عن القواعد والأدلة القانونية التى تتطلبها إدانة أى منهم .

هكذا جاء عام 1967 والاستعدادات أصبحت واضحة لاستغلال أية فرصة لإطلاق صواريخ غزو وإسقاط حصن استقلاله الذي ظل محتميا خلفه منذ إنشائه لا ينطق إلا بما يمليه ضمير القاضي , ونص القانون وروحه .

وكان هناك أكثر من صاروخ لتحقيق هذه الغزوة بدأت رءوسها تطل في ذلك الوقت وشملت على وجه التحديد :

1- إدخال القضاء إلى الإتحاد الاشتراكي وإرغامه على العمل السياسي بكل ما فيه من مناورات ومؤامرات .

2- فصل جهاز النيابة عن القضاء وضمه إلى رياسة الجمهورية .

3- إدخال ما يعرف بنظام القضاء الشعبي بما يسمح لغير القضاء المتخصصين بالجلوس في مقاعد القضاء .

ولكن تعطلت الغزوة بسبب وقوع هزيمة 1967 ثم حدوث التطورات التي كانت من نتيجتها ثورة الشباب في الجامعات لأول مرة على الثورة وخروج مظاهراتهم تصرخ علنا بما كان الهمس قد بدأ به في البيوت بعد أن طالت سنوات الصمت التي كان لابد ان تنتهي إلى ما انتهت إليه 5 يونيو 1967..

ورغم أن الجامعات والمعاهد قد أغلقت جميعها بعد أربعة أيام فقط من بدء مظاهرات الطلبة فقد أحدثت ثورة الشباب آثارها العميقة في قطاعات مختلفة من الشعب فمجلس الأمة في ذلك الوقت ملأت صدور بعض أعضائه كمية غير قليلة من هواء الحماس الساخن الذي أطلقه الشباب ومن ثم عقد المجلس جلسته الفريدة في 28 فبراير 1968 وهي الجلسة التي لم يسبق أن عقد مثلها لا قبل ولا بعد هذا التاريخ ..

وفي محاولة من جمال عبد الناصر لامتصاص الانفعالات قام بتشكيل وزارة جديدة أخذت اسم " وزارة المثقفين " لأنه تم الاستعانة فيها لأول مرة بعدد كبير من مديري وأساتذة الجامعات وهو اتجاه لم تكن الثورة تعرفه من قبل بسبب اعتمادها على " أهل الثقة " من غير الخبراء والمتخصصين..

وغير ذلك أعلن عبد الناصر أنه يعد لتغيير كبير من خلال برنامج سوف يطرحه على الشعب في بيان يلقيه يوم 30 مارس ..

وفي هذا الجو المشحون ببخار الشباب الذي فلت من الصدور وراح يلفح الكبار ويثير - ربما لأول مرة – تفكيرهم فيما وصلت إليه مصر اجتمع مجلس إدارة نادي القضاة يوم 25 مارس لمناقشة ترتيبات الاجتماع السنوي للجمعية العمومية للنادي والتي كان قد حدد موعدا لاجتماعها يوم 28 مارس ..

وإلى جانب الموضوعات العادية المألوفة قرر مجلس إدارة النادي أن يلقي رئيسه في الجمعية العمومية بيانا يعلن موقف القضاة من قضيتين أساسيتين :

الأولي عامة , وهي قضية الهزيمة العسكرية وضرورة تعبئة كل جهود الجبهة الداخلية لمعركة تسترد فيها مصر بالقوة ما أخذ منها بالقوة .

والثانية قضية خاصة , وتتضمن الموضوعات المختلفة التي كانت قد أثيرت حول القضاة والتى كان يري المجلس أنها تهدد استقلاله .. وفي ذلك وضع المجلس بيانا يتضمن النقط الأساسية التالية :

في مواجهة محاولة القضاء إلى الإتحاد الاشتراكي أعلن البيان البعد بالقضاة عن كافة التنظيمات السياسية حتي يتأكد لهم النقاء والتجرد والحيدة .

وفي مواجهة فصل النيابة العامة عن القضاء طلب بين النادي أن تبقي النيابة كما كانت منذ عرفت مصر التنظيم القضائي جزءا لا يتجزأ من السلطة القضائية يسري على رجالها ما يسري على رجال القضاء من ضمانات ويتوفر ا لهؤلاء من حصانات ..

وفي مواجهة فكرة القضاء الشعبي أكد البيان ضرورة تخصص وتفرغ القضاة بل أكد أن ما حدث في بعض الأحيان من تجربة منح سلطة الحكم إلى غير القضاة المتخصصين المتفرغين قد أثبتت فشلها في القديم والحديث ..

وقد انتهي اجتماع مجلس إدارة النادي بإقرار البيان الذي سيلقيه رئيس النادي المستشار ممتاز نصار يوم 28 مارس في الجمعية العمومية للنادي ومن بين الـ 51 عضوا الذين يضمهم مجلس إدارة النادي وقع 13 على البيان وتهرب اثنان من التوقيع واحدهما أصبح وزيرا فيما بعد في أيام الرئيس السادات ..

وعن طريق أحد الأعضاء الذين وقعوا على البيان تم إبلاغ " السلطات العليا " بمحتوي البيان وقد حاول شعراوي جمعة وزير الداخلية في ذلك الحين مع المستشار ممتاز نصار تارة بالإغراء وتارة بغيره أن بثنيه عن إلقاء هذا البيان أن حتي تأجيله إلى ما بعد 30 مارس بعد أن يلقي عبد الناصر بيانه ولكن ممتاز نصار لم يستجيب للإغراء ولم يخضع لغيره..

وفي جلسة عاصفة عقدتها الجمعية العمومية في موعدها المحدد يوم 28 مارس ألقي ممتاز نصار بيانه وكانت المفاجأة الأكبر أن مجموعة صغيرة جدا من الأعضاء كانت قد رتبت سرا طبعه في مطبعة شركة النصر للتصدير والاستيراد التي لم تفطن إلى محتوي البيان لأنه تم تغليفه داخل غلاف يحمل عنوان مجلة نادي القضاة التى كانت المطبعة تتولي طبعها ..

وقدر فضا الصحف " عملا بحرية عدم النشر " التى كانت سائدة ذلي ذلك الوقت نشر شئ عن البيان ولم تكن هناك في ذلك الوقت صحيفة معارضة أو حتي تحمل شبه العارضة تقوم بنشر ما تنشره الصحف القومية .. ولكن لأنه تم إيداع البيان في صالة النادي حصل الكثيرون من غير القضاة من المحامين وأستذة الجامعات وغيرهم على هذا البيان الذي ثارت القيادة السياسية لصدوره.

وبدأت المعركة التي كانت تجري سرا لغزو القضاة تأخذ صورة العلانية وخصوصا مع اختيار المرحوم المستشار محمد أبو نصير وزيرا للعدل وكانت له سابقة سنة 1955 عندما ا‘د قانونا خاص بتصفية مجلس الدولة من الذين لم تكن الثورة راضية عن تصرفاتهم وعن مواقفهم مع المرحوم السنهوري ..

ولكن إلى جانب وزير العدل الذي راجح يدير المعركة علنا عن طريق حركات الترقيات والتنقلات والندب كانت هناك عمليات سرية لم تكشف إلا فيما بعد قضية مراكز القوي عام 1971 – فلقد تبين من وقائع المحاكمات التي جرت أنه كان للتنظيم الطليعي السري التابع للإتحاد الاشتراكي فرع داخل القضاة ! وكان هذا التنظيم السري معروفا كجهاز أعلن عبد الناصر عن إنشائه منذ عام 1962 إلا أنه كان مجهولا كأفراد .

ولكن الذي لم يكن معروفا أن القضاء الي كان بعيدا عن السياسة قد أمكن التسلل إلى صفوفه وغزو جبهته وتجنيد قلة من أفراده في هذا التنظيم وأنه كانت هناك أكثر من مجموعة تعمل في صورة منفصلة يقود كلا منها احد البارزين من المسئولين في ذلك الوقت..

ولم تكن المأساة في قبول الذين يحملون وسام العدل مهمة التجسس على زملائهم وكتابة تقارير وافية عن تحركاتهم وأنشطتهم وإنما كانت المأساة الأكبر فيما تضمنه بعض هذه التقارير التي ترفع لقمة القيادة السياسية في ذلك الوقت بما يعكس إلى أى حد كانت الأطراف تفكر وتقرر ..

ومن مئات التقارير التي تم ضبطها – بعد مايو 71 – وعندي بعض صورها انقل رسالة كتبها مستشار ( حوكم تأديبيا وترك القضاء )..

كان يعد من أبرز الشخصيات العاملة في مجموعة سامي شرف سكرتير رئيس الجمهورية لشئون المعلومات في ذلك الوقت ..

تقول الرسالة وبالحرف :

اخي المناضل السيد سامي شرف , يسعدني أن أنقل لسيادتكم هذه الواقعة وهي صورة حية لحب الناس لسيادة الرئيس وإيمانهم برسالته ورسالة الكفاية والعدل توجهت أمس السبت مع زميل .. وكيل النيابة لصلاة العصر في مسجد السيدة نفيسة , وبعد الصلاة وأثناء زيارة الضريح سمعني زميلي – وكان يقف بجواري – وأنا أدعوا لسيادة الرئيس فشاركني الدعاء وقال لي غنه يعرف سيدة من أولياء الله الصالحين تقيم بجوار المسجد مباشرة وهي الشيخة نظيرة وأنها مبروكة وأشار على بزيارتها وأن نطلب منها الدعاء لسيادة الرئيس , فذهبت معه فاستقبلنا بالترحاب وهي سيدة تجاوزت الستين من عمرها وبعد أن تحدثت معها بعض الوقت طلبت منها الدعاء لسيادة الرئيس وانطلقت نقول " أنا دعياله .. وقلبي دعيله .. دا ملاك .. ده ابني .. هو جالي وأنا بأشوفه في الباطن وربنا شفاه وربنا راضي عنه . ثم تحدثت عن محمد نجيب وكيف أنها اكتشفت انه – في بداية الثورة – اتصل بالأغنياء والباشوات فاستاءت منه وأبلغت الأولياء وفي الصباح سمعت بخروجه .

وبعد فترة وجيزة قالت لى أنها زعلانة من زميلي الذي كان معي لأنه " كداب " فقد وعدها بان يأخذها في سيارته لزيارة سيدي إبراهيم الدسوقي ولكنه أخلف وعده معها فاعتذر لها زميلي بان سيارته تعطلت ومازالت في التصليح فقال إنها لا تريد منه شيئا ثم ودعناها وانصرفنا وقد لمست في حديثها معي أنها حقا من أولياء الصالحين وأنها تحب سيادة الرئيس وتؤمن برسالته وقد كنت أتمني أن أحقق للشيخة نظيرة رغبتها في زيارة سيدي إبراهيم الدسوقي لتدعو الله في مسجده لسيادة الرئيس ولكن إمكانياتي لا تسمح لي بذلك .. لعدم وجود سيارة عندي , ومن هنا فإنني أعرض هذه الرغبة راجيا أن تتفضلوا بتحقيق رغبة الشيخة نظيرة وأن تعرف أن سيادة الرئيس هو الذي حققها لها وأن يطلب منها مرافقها الدعاء لسيادته في مسجد سيدي إبراهيم الدسوقي ومعذرة أن تقدمت بهذا الرجاء ودمتم يا أخي العزيز سندا لنضالنا 23 / 11 / 1969 وإمضاء : المخلص ...

ولأنه على ما يبدو ا مثل هذه الرسائل لها طابع السرعة والعجلة في العرض فإنه في اليوم التالي مباشرة – يوم 24 / 11 – أشر الرئيس على الخطاب بقوله ممكن يصرف لها تذكرة سكة حديد أو ثمن التذكرة ذهابا وإيابا ما رايك ..

وفي 25 / 11 – كتب السيد سامي شرف في ذيل الرسالة : أفاد السيد... ( صاحب الرسالة ) بأن السيدة المذكورة مصابة بشلل في يدها اليمني وتمشي بصعوبة جدا وبفضل تيسير سيارة ومعها مرافق لتوصيلها لمسجد سيدي إبراهيم لدسوقي وإعادتها بعد ا، تقضي حاجتها هناك..

ولكن رئيس الجمهورية حسم هذه القضية بتأشيرة كتبها نفس اليوم الذي عرضت فيه عليه هذه الملاحظة إذ كتب يقول : سيارة تأسف .

ولم تكن هذه إلا واحدة من مئات الرسائل والتقارير التي كانت تعرض على وجه السرعة والعجلة وتتخذ فيها القرارات ويكتبها بعض الذين حملوا وسام العدل وأقسموا يمين الولاء للقانون .

ثم عودة إلى معركة غزو القضاء التي كان أكبر فصولها إثارة قد بدأ مع موعد انتخابات نادي القضاة في مارس 1969, وكان المرحوم أبو نصير وزير العدل قد حشد لها كل ما يستطيع لإنجاح مجموعة أطلق عليها " مرشحو السلطة " وهي مجموعة كانت تضم عددا من كبار الأسماء في ذلك الوقت .. وعندما تم فرز الأصوات جاءت النتيجة بنجاح 5 مستشارين هم : ممتاز نصار والمرحوم شبل عبد المقصود وعبد الوهاب أبو سريع والمرحوم عبد العليم الدهشان ومفتاح السعدي وخمسة من رؤساء المحاكم والقضاة هم يحيي الرفاعي وسليم عبد الله سليم وجمال خفاجي ومحمود بهي الدين عبد الله وحسن غلاب وخمسة من أعضاء النيابة هم المرحوم كمال زعزوع ومقبل شاكر وأحمد فؤاد عامر ومصطفي قرطام وحسن عابد .. ولم يكن من بين هؤلاء ال15 الذين نجحوا اسم واحد ينتمي إلى " مرشحي السلطة " ..

وكان لابد من إنهاء الغزو وبعمل حاسم تحددت له ساعة الصفر يوم 21 أغسطس 69 وهو موعد الحركة القضائية ولكي يكون مجلس الشعب في إجازة ..

وكان المرحوم أبو نصير بالاشتراك مع عدد من المخططين القانونيين قد أعدوا خطة الغزو في ثوبها القانوني ولكن وبعد أن استكمل أبو نصير كل تفاصيلها ولم يبق إلا الخطة التوقيع صدر قرار بإقالته من الوزارة وتعيين وزير جديد وضع اسمه على القرارات التي كان مفروضا أن يتوجها أبو نصير بتوقيعه ولكن التفكير ذهب في تلك الوقت إلى اختيار شخصية جديدة تصدر القوانين في ظلها بما يعكس إخراج العملية في صورة بعيدة عن الشكوك التي كانت تحيط بأبي نصير .

وهكذا في 31 أغسطس 1969 صدرت خمسة قرارات بقوانين تحمل الأرقام من 81 إلى 85وتشمل :

1- إنشاء محكمة عليا وهي التي تطورت فيما بعد إلى المحكمة الدستورية العليا .

2- إنشاء المجلس الأعلي للهيئات القضائية ولكن بعد أن أضيفت إليه النيابة الإدارية وإدارة قضايا الحكومة ولم يكونا في القانون القديم معتبرين من السلطة القضائية على أساس وجهة النظر التي تقول بأنهما يمثلان الحكومة بعكس القاضي أو عضو النيابة ..

3- إعادة تشكيل الهيئات القضائية بحيث من لا يجد اسمه ضمن هذا التشكيل يعرف أنه ما أحيل إل المعاش أو نقل إلى جهة أخري ..

وكان من بين الذين انطبق عليهم ذلك الاستبعاد أكثر من 200 أسم أولهم كل أعضاء مجلس إدارة نادي القضاة والذين أشارت تقارير أعضاء لتنظيم الطليعي إلى أن لهم نشاطا وطنيا وأكثر من نصف محكمة النقض وبعض الذين اشتركوا في إصدار أحكام لم ترض السلطات العليا وكذلك الذين أصدورا أحكاما بالبراءة في قضايا سبق وأن تحدث رئيس الدولة في خطبة عن المتهمين فيها وأدانهم أمام الشعب ولكن القضاء حكم ببراءتهم وأشهر هذه القضايا قضية السفير أمين سوكة الذي اتهم بالتجسس وحكم ببراءته في مارس 1969 إمام دائرة يرأسها المستشار سعيد كامل بشارة ومحمود عبد اللطيف في وزارة الأوقاف وقد اتهم بتدبير محاولة انقلاب لنظام الحكم .. وحكم المستشار فؤاد رشيد ببراءته في أبريل 1969 , والدكتور السمني الذي كان من بين أعضاء المحكمة التي برأته عام 1962 المستشار جمال المرصفاوي وكان قد سافر للعمل في الكويت ورغم ذلك تضمنته قرارات العزل ..

4- حل نادي وتشكيل لجنة جديدة لإدارته ..

5- إعطاء رئيس الجمهورية سلطة النقل والتعيين بقرار جمهوري ..

واستكمالا لمعركة غزو القضاء لابد من الإشارة إلى طعن واحد قدمه احد الذين مستهم قرارات الإبعاد وقد كان الوحيد الذي تمسك بحقه في الطعن في خلايا الثلاثين يوما التي حددها القانون للطعن في القرارات بقوانين التي صدرت ورغم كل المحاولات التي جرت لسد الطريق عليه حتي لا يتمكن من كتابة الطعن على الآلة الكاتبة ومطاردة كل مكتب يقوم بتسليمه هذه الأوراق لكتابتها حتي يضيع عليه موعد الطعن فلقد استطاع يحيي الرفاعي سكرتير نادي القضاة في ذلك الوقت والذي أبعد عن العمل القضائي أن يصل بطعنه إلى محكمة النقض في اليوم الأخير وقد طالب في طعنه بإلغاء كل القرارات التي أصدرها رئيس الجمهورية على اعتبار أنها مشوبة بعيب اغتصاب السلطة التي يجعلها تنحدر إلى مرتبة الانعدام لأن الأصل أنه إذا كان جائزا للحكومة في غير دورات مجلس الشعب أن تصدر قرارات بقوانين لها صفة العجلة عن الضرورة فإن هذه القرارات بقوانين لا يجوز ان تعيد تنظيم السلطة التشريعية أو السلطة القضائية وإلا انفردت السلطة التنفيذية بحق السلطتين الأخريين وإن مثل هذه القوانين التي تتعلق بنظام فصل السلطات لا تحمل أية عجلة وإنما يجب صدورها في شكل قوانين عن طريق السلطة التشريعية..

وقد قبلت محكمة النقض الطعن وقضت بانعدام القرارات الصادرة وإعادة صاحب الدعوي إلي عمله وكان ذلك في 21 ديسمبر عام 1972 واستفاد بهذا الحكم جميع الذين عزلوا ولو يعودوا إلي مناصبهم حتي ذلك التاريخ ..

وفي الوقت نفسه وفي فترة حكم أنور السادات ألغيت القرارات التي صدرت فيما عد القرار الثاني الخاص بإعادة تشكيل الهيئات القضائية ..

انتهي كلام الأستاذ صلاح منتصر

صدرت هذه القرارات في 31 أغسطس 1968

وفي أواخر مارس 1968 كان قد صدر بيان 30 مارس الذي قيل فيه إنه يفتح لمصر عصرا من الحرية والبناء والسعادة والرخاء وقد أشرت إلى مأساة هذا البيان ..

ثم يتساءلون عما جري للناس .. فهذا أيها ألعزة هو ما جري للناس .

والذي جري لهم وأفقدهم الإحساس بوطنهم وواجبهم نحوه هو هذا الحكم الغاشم الذي أحل لنفسه كل شئ وأهدر حرية القضاء وتسلط على القضاة ..

ونتيجة لهذا كله أصبح الناس يشعرون انهم يعيشون بدون قانون يحميهم أصبح المصريون يعيشون في وطنهم خائفين من حكومتهم .. وأصبح هم الواحد منهم أن ينفي عن نفسه تهمة الوطنية فإن الوطنية وحب الوطن والإخلاص له كانت خلال تلك الحقبة كلها جرائم يعاقب عليها صاحب السلطان ورجاله ..

وباسم جريمة كبيرة تسمي الشرعية الثورية ارتكبت جنايات أخري كثيرة جدا أكبرها مطاردة شعور الوطنية والولاء والإخلاص للحق والواجب والوطن ..

وهذا كلام أقوله لإخواني المصريين جميعا وأقوله – بصفة خاصة – للذين استمرءوا الحكم في ظل جريمة الشرعية الثورية ..

فقد كانوا هم أنفسهم يعيشون في خوف في ظل عبد الناصر , والواحد منهم كان فؤاده يرجف ليل نهار خوفا على المركز والنفوذ والروح أيضا .

وبلغ من خوفهم أنهم كانوا يلجئون إلى العرافات وقارئات الكف ليستكشفوا الغيب ويسبقوا المحظور ..

ورجال كانت بأيديهم مصائر الألوف كانوا يجلسون صغارا تافهين أمام قارئة الكف أو كاشفة مندل تبيعهم أمان النفس بقروش .. وهم معذورون

فإن الخوف إذا استشري شمل الجميع .. والأمن إذا استقر شمل الجميع ..

ولا شك أنهم اليوم يحمدون الله على عودة حكم القانون والأمن على النفس والمال وعسي أن يذكر ذلك كل من تحدثه بالاستبداد وإهدار حريات الآخرين لأنه هو نفسه سيكون – مهما بلغ – ضحية الاستبداد وإهدار الحريات والدماء ..

السلطان ومماليك السلطان

اما السلطان فلا شك في أنه كان رجلا عظيما وصانع تاريخ خرج من بني مر مركز أسيوط من قري الصعيد الأوسط وتزعم الثورة المصرية وواجه الاستعمار الغربي ببسالة نادرة .

وضرب بسيف البطل بين عيني الطغاة عندما أمم قناة السويس . فأفاق العرب وانفتحت أبواب للعالم الثالث وأوروبا لم تغفر لهذا البطل المصري جرأته فقررت القضاء عليه . وكان عليه أن يخوض معارك بلا نهاية وفي أثناء ذلك انطلق مماليك السلطان – السوبر باشوات – يفترسون مصر وكرامات أهلها وحرمة الوطن وداسوا بأرجلهم كل القوانين ووسعوا هوة الخلاف بين السلطان جمال عبد الناصر والسلطان المساعد عبد الحكيم عامر وقامت الحرب الأهلية بين الاثنين وانتهزوا الفرصة وانتبهوا كل شئ ,وصاح السلطان دفاعا عن نفسه : لقد أعطيت القانون أجازة ! وفي أجازة القانون بلغت غارة النهب والعدوان على الحريات والكرامات ما لم تعرفه في تاريخها أبدا كل ذلك لكي يلتهم خشداشية السلطان كل ثروات مصر , وصاح كاتب العصر :

أنا الصحافة والصحافة أنا !" أنا الفكر وحرية الفكر ! ولا فكرة إلا ما يقول السلطان لا مثقفين بعد اليوم لا ثقافة ولا علم ولا قانون ولا قضاء " وادعوا لمولانا السلطان بالعز والدوام وفي النهاية استدار مماليك السلطان وقضوا على السلطان نفسه , وفي 28 سبتمبر 1970 مات السلطان البطل واقفا كما تموت الأشجار .. مات محسورا مهزوما وخلا الجو للمماليك والخشداشية وبلغت موجة الظلم والإذلال مداها "..

السلطان وماليك السلطان

لكي نفهم حقائق ما حدث خلال السنوات الولي للثورة بعد أن أصبحت ملكا خاصا لجمال عبد الناصر وأعوانه لابد أن أعود قليل إلى الوراء لأنني أريد أن نكون على بينة من أمرنا فيما نروي من الأحداث .. والماضي يشرح الحاضر ويفسره .. والذي يحدث هنا أن الإنسان يشعر أحيانا بألم ما في جسمه .. وعندما يذهب إلى الطبيب يتبين له أن العلة بدأت من سنوات فيعود مع مريضه إلى الوراء لكي يعرف العلة من البداية حتي يستطيع أن يسير في العلاج على بينة من أمره ..

كان توقيع مصطفى النحاس على وثائق معاهدة 1936 توقيعا على شهادة وفاة حزب الوفد ... لأن " وفد" سعد زغلول حصل على توكيل من شعب مصر للدفاع عن حقوقه وتحقيق الاستقلال وإجلاء البريطانيين عن مصر .. وعندما قال مصطفى النحاس إن تلك المعاهدة تعني الاستقلال فقد انتهت بذلك وكالة المحامي .. وكان ينبغي أن يتواري ولكنه ظل في الميدان دون وظيفة .. والذي فعلته ثورة يوليو 1952 هو أنها دفنت الحزب الذي رفض أن يتواري بعهد انتهاء دوره التاريخي ..

ولابد أن نلاحظ هنا أننا بسبب قلة تجاربنا في عالم السياسة لا نكاد نفهم في حقائقها شيئا .. ونظام الأحزاب بالذات نظام جديد علينا .. ولهذا نحن لا نفهمه... ونتصور أحيانا أن الحزب هيئة أو جماعة من الناس وظيفتهم الرئيسية هي الصراع للاستيلاء على السلطان والبقاء فيه أطول مدة ممكنة والفوز بأكبر غنيمة .. وهذا هو التفسير المملوكي القديم للأحزاب . فإن المماليك كانوا أحزابا وظيفتها الأساسية هي الاستيلاء على السلطان والاستيلاء على السلطان لا يعرف الأخلاق , فهو صراع حياة أو موت والسياسة عند أسلافنا من منتصف العمر الراشدي إلى بداية القرن التاسع عشر كانت مذابح .. وحكم كل خليفة أو أمير أو سلطان كان يبدأ بمذبحة وينتهي بمذبحة .. ولا وجود لأي فكرة قومية أو وطنية في هذه المذابح .

وعندما دخلنا في العصر الحديث وعرفنا أشياء جديدة جدا علينا مثل الدستور والبرلمان أخذنا نطبقها على نفس طريقة المذابح .. حتي الدستور كنا نذبحه إذ لم يعجبنا ونكتب دستورا آخر مكانه .. وفي عصر الاحتلال الإنجليزي كنا نمارس الصراع الحزبي على طريقة المذابح ..ز ولكن بدون إراقة دماء .. وفي أول وزارة ائتلافية تكونت بعد وفاة سعد زغلول أراد محمد محمود أن يكون رئيس وزارة , واستعان في ذلك بالملك واللورد جورج لويد السفير البريطاني فتعلل بحكاية إدارة أملاك سيف الدين , وأراد أن يذبح بها مصطفى النحاس .. واستقال من الوزارة وتبعه في ذلك أنصاره وسقطت الوزارة وتولي محمد محمود رياسة الوزارة , وقال إنه سيطهر البلاد من الفساد وسيحكم لذلك بيد من حديد .. وألغي الدستور وهذا مثال من أمثلة ممارسة الحكم عن طريق المذابح الحديثة ..

وعندما قامت الثورة قلنا إن ذلك كله انتهي وإننا دخلنا في عصر الحرية وسيادة الشعب وانتهينا من حكاية الأحزاب ومذابح الأحزاب . وكان في البلد قبل الثورة حزبان اثنان جديران بهذا الوصف هما الوفد والأحرار الدستوريون أو حزب الوفديين . وقد مات هذا الحزب موتا طبيعيا بعد توقيع معاهدة 1936 . وكان ينبغي أن يعرف حزب الوفد أنه هو الآخر مات .. ولكنه رفض أن يدفن .. لأن فكرة أن الحزب تكوين سياسي يقوم على مبادئ وأفكار واتجاهات وسياسات محددة لم تكن معروفة عندنا .ز أما المعروف فهو أن الأحزاب أشخاص فالنحاس باشا هو الوفد .. كل من خرج على شخص النحاس يفقد صفة الوفدية وإن كان من رجال ثورة سنة 1919 .. ولهذا السبب ظن النحاس باشا انه ما دام هو موجودا فإن الوفد موجود مع ان الوفد بصفة جماعة تأسست حول فكرة المطالبة بالحرية والاستقلال كان قد انتهي بالفعل بعد توقيعه معاهدة 1936 التي جاءتنا كما قال النحاس نفسه بالاستقلال ..

ولا ينبغي أن يفوتني أن أذكر أن تلك المعاهدة كانت في نفس الوقت نهاية لأحزاب عصر الملكية والباشوات جميعا .. وفيما بين 1936 , 1952 ظلوا في الميدان بلا عمل أو وظيفة .. كانوا يتبادلون الحكم فيما بينهم بطريقة ليس فيها من الجدية شئ . والنتيجة أنهم تدهوروا كلهم .. وهذا هو السبب في الخلل المخيف الذي ساد العمل السياسي خلال تلك الفترة : الأحزاب بلا برامج .. زعماء بلا زعامة .. ووزراء بلا هيبة ..

ونياشين من صفيح على صدور خاوية كأنها الطبول ... وملك بلا جلالة .. وديوان ملكي تحول غلى وكر مؤامرات سياسية حينا وغلى مكتب سماسرة وزارات حينا آخر ... ونواب بلا انتخابات وقبة بلا برلمان .. وزفاف بلا عريس .. وموسيقي بلا فرح ووزارات تتألف لتنحل .. ورؤساء وزارات استهلكوا لطول ما دخلوا وخرجوا .. وواحد منهم هو أحمد نجيب الهلالي باشا لقيته أول يوم لتوليه وزارته الثانية فخيل إلى أنني أنظر إلى رأس ديك رومي كله غصون وعروق زرقاء وحمراء وخيل إلى أنه يتنفس بصعوبة .. وملكني العجب لأن هذا الجسد البالي الذي أراه غائر العينين أمامي .. تكلم بالأمس في الإذاعة وقال إنه سيصلح أمر مصر ويحكمها بيد من حديد .. والمسكين لم يطل عمره في رياسة الوزارة يومين . فقد تولي يوم 22 يوليو 1952 وفي الليل بدأت الثورة وكان التحول العظيم. وانتهي في ليل اليوم التالي العصر الطويل الثقيل الذي كان هو آخر رجاله ...

ونجيب الهلالي ووجهه المعروف وتنفسه الذي يشبه الحشرجة ويده الحديدية التي كانت ترتعش بفنجان القهوة .. اختفي من عصره كله في ليل التاريخ ..

ولا يفوتني هنا أن أقول : إن معاهدة 1936 رغم كل ما قيل عنها كانت خطوة لابد منها لقيام الثورة .. فقد انتقل الانجليز بمقتضاها من معسكراتهم في قصر النيل وبابا الحديد والقلعة في القاهرة ومعسكرات مصطفي باشا في الإسكندرية .. إلى منطقة القناة .. وانطلقت أيدي المصريين بعض الشئ لبناء جيشهم الجديد .. وفي منطقة القناة أثناء حرب فلسطين . وفكرة الثورة كلها اكتملت في ذهن جمال عبد الناصر وهو محاصر في الفالوجة ولم من الممكن أن يتم التنفيذ على النحو الذي تم به ليلة 23 يوليو لو كان الانجليز في معسكراتهم في قصر النيل وبابا الحديد وقلعة القاهرة وهذا كله لا يتعارض مع ما قلناه من أن التنفيذ لم يتم على يد عبد الناصر وحده . بل سبقه إلى التنفيذ والمواجهة وتحمل الصدم آخرون .ز وهؤلاء الآخرون عوقبوا على ذلك بالإبعاد والاختفاء من مسرح الحوادث بطرق هي أشبه بالرمز على ظاهرة العدوان التي سادت العصر كله بعد ذلك ...

وتمت الثورة على النحو الذي نعرفه جميعا .. وأيدها الشعب الذي طالما انتظرها بكل ما فيه من قوة .. ورغم كل الخلافات التي وقعت بين محمد نجيب وجمال عبد الناصر وجماعته .. وبين رجال الثورة بعضهم وبعض .. وهي خلافات ظهرت في النهاية في صورة صدع طولي بين جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر واستمر يتسع مع الزمن حتي أتي على الاثنين معا . رغم ذلك كله وتحت ضغط الشعب وتأييد شعوب العرب جميعا دخلت الثورة كلها في غمار حركة سياسية إصلاحية واسعة النطاق .. ولم يكن رجال الثورة قد استعدوا لهذه الحركة قبل قيامهم بأحداث 23 – 26 يوليو 1952 .. فكانت معظم المشروعات تبدأ وعليها طابع الارتجال .. وتستمر ارتجالية بعد ذلك ويتجلي هذا في أعمال مكتب الحراسات والأموال المصادرة .. وقد رأينا كيف أن الأمور كانت تجري هناك جزافا بلا نظام أو قاعدة أو قانون أو قواعد , والمسألة هنا لم تقتصر على جواهر أسرة محمد على التي طال الكلام عنها ..

فقد كانت هناك إلى جانب ذلك قصور وذخائر ورياش ونفائس أخري كثيرة جدا تم التصرف فيه على أسوأ صورة يمكن تصورها من الهرج والفوضي , واللجان التي كانت تحصل على أوامر الجرد والمصادرة وتنطلق بها .. كانت تجد نفسها في القصور أمام عائلات ملكها الذعر .ز ومال كثير سائب, والمال السائب يعلم السرقة .. وما دامت لجنة الجرد هي المرجع الأول والأخير فإن الدفاتر تحت يدها ,... وهي تثبت فيها ما تريد وتهمل مالا تريد .. ومالا تريد هذا كان كثيرا جدا .. ولا رقيب ولا حسيب .. وإذا كانت السيارة الرسمية الصغيرة التي حملت اللجنة إلى القصر المصادر لا تتسع إلا القليل .. فإن هناك سيارات وشاحنات أخري كثيرة تجئ في الليل وتحمل الكثير , والمال السائب لا يعلم السرقة فحسب بل يربي اللصوص..

وقد حكي لى رجل ممن شغل في ذلك العهد مركزا ضخما يسمح له برؤية كل شئ ... كيف كانت اللوريات تعبأ مرة بعد أخري بكل ما غلا ثمنه وتطوف بالبيوت توزع ما فيها إلى الفجر .. وقد شمل التوزيع الجميع كبارا وصغارا . وكلهم قبلوا ما جاءتهم به السيارات وأجازوه ..ز ولهذا لم يمكنهم بعد ذلك الاعتراض على شئ .ز وزوار الفجر الذين كانوا يطرقون أبواب الناس حاملين الموت والسجن و خراب البيوت لبعض الناس كانوا يطرقون أبواب أخرين حاملين السجاجيد والنجف وأطقم السيفر والفضيات والجواهر والأموال ..وكل شئ يتم في صمت وفي ذات يوم من أيام يونيو 1963 رأيت في دار السفارة – حيث كنت أعمل – امرأة تطلب مقابلة السفير .. والسفير يرفض ويأمر بإخراجها من دار السفارة .. فأخرجوها ودخلت بعد ذلك ولقيت السفير لبعض شئون عملي وسألني إن كنت رأيت هذه المرأة فأجبت بأنني رأيتها .. فكان عليقه لقد أمرت بعدم إدخالها السفارة .. لأنها " حرامية بنت كلب " وسكت .. كأن هذا كان شرحا واضحا مفصلا مقبولا ..

وبعد ذلك بشهرين ونصف دخلت مقهي مشهورا في مدريد يسمي مقهي خيخون فوجدت هذه السيدة جالسة مع صاحبة لها فنهضت إلى ودعتني إلى الجلوس وحكت لي حكايات كثيرة عما سرق منها وما نهب ومن بيتها قبل أن تخرج من مصر فأصغيت إليها مليا ثم قلت : إنني أري جواز سفرك يا سيدتي أنك يهودية مصرية .. وأري في الجواز خاتم يقول : ممنوع من مغادرة البلاد لحين صدور أوامر أخري .ز فهل صدر أمر برفع هذا المنع ؟..

وتنظر إلى المرأة وتقول :

لا لم يصدر .. وانظر في الجواز كيف شئت .. فلن تجد خاتم مغادرة البلاد ..

- إذن كيف خرجت ؟

- فكشفت عن ذراعها وأشارت إلى رسغها ثم إلى مرفقها وقالت :

- كان هذا كله من هنا إلى هنا مصوغات وجواهر ..

- فهززت رأسي .. وفهمت .. ونهضت بعد قليل لأنني لم أحب ن أسمع التفاصيل التي كانت تريد أن تقصها على وأيامها كان خيرا للمواطن ألا يعرف شيئا مما يجري في بلاده .. وهناك أناس كثيرون نالهم أذي شديد لأنهم كانوا يعرفون أشياء كثيرة .. ولعصر كان عصرا يستحب فيه الجهل .. وصدق من قال " ومن العلم ما قتل ط ... ولكن فهمت لماذا قال السفير تلك المرأة حرامية بنت كلب " .. لأن هذا السفير كان نفس الرجل الذي ذكرت أنه شغل وقت من الأوقات مركزا خطيرا يسمح له بأن يعرف الكثير .. وهذه " الحرامية بنت الكلب " كانوا قد أخذوا منها أشياء كثيرة ووعدوها بأن يردوا لها بعضها بعد أن يدبروا لها أمر الخروج من مصر .. وهاهي تأتي لتطلب أن يردوا لها بعض ما تم الاتفاق عليه فرفضوا حتي مقابلتها وقالوا أنها " حرامية بنت كلب ".

وإذن فهذا المال السائب الذي تبدد معظمه داخل بيوت كثيرين جدا ممن كانت بيده مقاليد الأمور في الخمسينات والستينات كبارا أو صغارا ومعظم المال المنهوب صار إلى أيدي الصغار .. وهؤلاء الصغار أصبحوا مع الزمن كبارا ... وبعضهم كان من رجال جمال عبد الناصر .. وبعضهم الآخر كان من رجال عبد الحكيم عامر ... وكلاهما كان يعطي ويغدق من مال الشعب وكان كله قد أصبح مالا سائب ... والكثيرون كانوا يأخذون من هذا ومن ذاك . والمال على أي حال كان مال الشيطان لا مال مصريين أو أجانب خرجوا أو طردوا من مصر ففي أعقاب العدوان الثلاثي على مصر في خريف 1956..

وواحد من هؤلاء عرفناه .. نال من شقق الحراسة أربعا بما فيها من متاع فسكن في واحدة منها وفرق الباقي علي أبنائه وبناته .. وواحد من الأبناء كان في التاسعة من عمره وله شقة بالتليفون في جاردن سيتس .. وقد زرت الرجل في شقته فوجدت نفسي في دار ملوكية . أرضها سجاد وأبوابها مرايا وفرشها حرير مما يقدر بألوف بعد ألوف من الجنيهات .. ولم أسأل : من أين لك هذا ؟... لأنني كنت أعرف الجواب .. المهم أن أولئك لناس الذين استحلوا المال الحرام ظلوا في الدولة وارتقوا في سلك الوظائف ..ووصلوا إلى الرياسات في كل ميدان بسهولة لا تصدق .. فالواحد منهم يكون في الجيش برتبة ملازم أول مثلا .. وبعد ثلاث سنوات من الثورة والعمل في مكتب ا؛د الكبار .. يكون قد انتقل من بيته القديم في السيدة زينب أو شبرا أو روض الفرج إلى شقة عظيمة مؤثثة أثاثا جميلا في حي جميل .. وكل ذلك لم يكلفه مليما . ويزداد رضا رئيسه عنه لأنه يأتيه بخيرات الدنيا دون أن يتكلف حتي مشقة الطلب .. ويرتقي صاحبنا إلى درجة مقدم .. ويعطونه سيارة وسائقا .. وهناك سيارة أخري في البيت أخذها يما أخذ من الأسلاب .. وهذه للست التي أصبحت سوبر هانم والأولاد الذين أصبحوا بهوات ...

ويبحث وهو جالس في مكتبه عن وظيفة كبري ينتقل إليها .. ويغادر الجيش وكل الأبواب مفتحة أمامه وتحت تصرفه .. وهو يجتاز .. لأنه قد أصبح شخصية ذات جاه ممدود واسم كالطبل .. دخول السلك السياسي .. ويرقي عندما يترك الجيش إلى رتبة عميد ( هكذا كان القانون ) .. ويدخل الخارجية مستشارا أو وزيرا مفوضا .. يدخل ويتخطي بمجرد دخوله مئات من المواطنين الذين تخرجوا في الجامعة قبل أن يحصل هو على الثانوية العامة ..

وهكذا يجد نفسه فوق الآخرين ورئيسا لهم ..وهو في الحقيقة أدني منهم وأقل علما .. ولكنه يعتبر ذلك حقا له لأنه من طبقة أخري غير طبقة الناس .. إنه من طبقة الغزاة الذين يستحلون كل شئ .. ولا يتصورون أن يجرؤ مواطن على استكثار أى وظيفة مهما كبرت على أى منهم .. ويرون أن من حقهم أن يفعلوا بأي مواطن آخر ما يريدون وكان هذا الأمر شائعا .. شمل كل ميادين حياتنا حتي المقصورة منها على المتخصصين من أهلها .. لن الموضوع لم يكن – فيما كانوا يقولون – موضوع تعيين ناس في وظائف بل كان موضوع توجيه حياة المصريين جميعا في الاتجاه الثوري الصحح بواسطة مواطنين من مستوي أعلي وإدراك أسلم وخلفيات أرفع ... وإذا كانت وظائف التدريس في الجامعات مثلا لا تسمح لغير الجامعي في توليها .. فليكن الأمين العام في كل جامعة من أبناء هذه الطبقة الممتازة .ز أو التي رأت نفسها ممتازة لمجرد ا،ها من نفس عجينة أعضاء مجلس الثورة .. وتضخمت وظيفة أمين عام الجامعة حتي أصبحت رقابة عامة على كل من في الجامعة من هذه أمين عام تلك الطبقة الممتازة .. ولأنه من هذه الطبقة فهو أقوي من مدير الجامعة .. ولهذا الغرض كان الجهاز الحاكم يتحري اختيار مديري الجامعات من طراز هل هين لين يؤمر فيطيع .. ويشار إليه بالأصبع فيهرول .. ونتيجة لذلك لم تعد مجالس الجامعات مجالس علماء أو أكاديميين بل أصبحت مجالس أنفار ..

وكان هجوم هذا الطراز الممتاز من المصريين شديدا جدا على الوظائف التي تعتبر ممتازة بطبعها من الناحية المادية ز. مثل وظائف .. وفي يوم من الأيام كان ثلاثة أرباع السفراء والوزراء المفوضين والمستشارين من طبقة الغزاة هؤلاء .. وإلى جانب هؤلاء كانت تقوم مكاتب الملحقين العسكريين في كل بلد من بلاد الدنيا .. وكل وكل مكتب كأنه سفارة .ز فهناك ملحق عسكري ومساعد ملحق عسكري وكتبه ثم عدد كبير من الحرس في وظائف سعاة وسائقين وطباخين وسفرجية .. وهناك قصور فاخرة تؤجر للسادة الملحقين والأموال تجري في أيدي هؤلاء كأنها الماء ولا حسيب ولا رقيب وكانت هناك حقائب دبلوماسية لهذه المكاتب .. والله وحده يعلم ما كان فيها رائحة غادية .ز ولكل حقيبة " حال " من المرضي عنهم ..

ومن أغرب ما مر بي إن واحد من حملة لحقائب هؤلاء فقد حقيبته ولم يتبين ذلك إلا بعد أن استقر في الفندق .. فقد كان في استقباله في المطار نفر من أصحابه وأصدقائه أعضاء المكتب وحراسه . وفي زحمة السلامات والأحضان نسي الجميع الحقيبة .. ولما كانوا جميعا لا يحسنون إلا اللغة العامية فقد كان علينا في معهد الدراسات الإسلامية أن نجري كالمجانين لنسترد تلك الحقيبة ..وقد كنا نحسب إنها تضم أسرارا قومية خطيرة وليتنا ما جرينا .. فقد كان معظم ما فيها – فيما علمنا - أشياء شبيهة بما يحمله " تجار الشنطة" في حقائبهم.. وكان اثنان او ثلاثة من أعضاء السفارة إذ ذاك من رجال المخابرات .ز فتصورنا – لسذاجتنا – أنهم سيبلغون خبر ما حدث إلى رئاستهم وسيكون سؤال وجواب .. ولكن شيئا من ذلك لم يحدث .. لا سؤال ولا جواب .. وأذهب بعد ذلك بسنتين في إحدي رحلاتي إلى أمريكا اللاتينية فأجد صاحبنا الذي أضاع الحقيبة وزيرا مفوضا في إحدي سفاراتنا هناك .. ويدعوني لغداء في بيته , فأجده يسكن فيلا تروع النفس وسط فدان من الخضرة والأشجار .. وقد استأجرتها له الدولة المسكينة . وأثثتها السيدة المصونة حرمه بأغلي الرياش..

وتقول لي : فرشتها على طراز فيلتنا في المعادي .. وفي أثناء الحديث أعلم أن هناك في سفارتنا تلك – حيث لا رعية لنا ولا تجارة و لا مصالح – سفيرا من نفس الطراز .. وسيادة السفير هذا كان إذ ذاك متغيبا في القاهرة لتشطيب عمارته .. كما قال لي السيد الوزير المفوض ..

كان ذك في أبريل 1965 .. وبعد سنوات يعطيني صديق كريم هو الأستاذ أحمد رائف كتابا دون فيه مذكراته أثناء اعتقال طويل قاسي آلامه وأوصابه خمس سنوات لغير ما ذنب جناه .

وأقرأ تحت تاريخ أبريل هذا وصفا مخيفا لما كان يعانيه منه هو ومئات ممن قبضوا عليهم وأودعوهم السجن من تعذيب يفوق الوصف .. ولا أريد أن أعيد هنا على سمع القارئ ما قرأت في هذا الكتاب للعدد الكبير الذي وضع فيها فقد أشرقت علينا شمس النهار وعددنا خمسة وأربعون بينما مساحة الحجرة التي يطلقون عليها " المخزن رقم 6 " متران في ثلاثة أمتار .. وكانت تفوح منها رائحة البول .... والصديد .. وتنطلق منها ألأنات الخافتة المكتومة ..فالتعليمات تقضي بعدم صدور أي صوت "..

وعلي رغمي تعود بي الذكري إلى الفيلا البديعة وسط المرج الأخضر يعيش فيها رجل أقل ما يقال فيه انه مهمل مضيع .ز ولكنه يا سيدي السوبر باشوات .. وهؤلاء المعذبون في الأرض خارج السجون وداخلها من طبقة أولاد الكلاب..

لا أعاد الله هذا العهد الكئيب ..

وألف رحمة من الله تنزل عليك يا أنور السادات ان أوقفت هذا البلاء ورفعت عن الناس سوط العذاب ..

كان عصرا أسود تلاشت فيه كل معايير العدل .. وهبط فيد قدر المواطن إلى الحضيض ..وكما هي العادة نزل البلاء بأصحاب الشرف والضمير والعلم والدين .. وتحولت مصر إلى سجن كبير .. لا دستور ولا قانون .. والطبقة الجديدة استحلت كل شئ . والذي ذكرته عن الخارجية ما هو إلا مثال .. ففي كل مكاتب الدولة ومرافق حياتنا دخل بلاء السوبر باشوات واقتصرت عليهم الوظائف الكبري هم وأقاربهم وأصهارهم والكارثة الحقيقية حلت بما يسمي بالقطاع العام .. فإن حركة التأميمات كانت كل يوم في زيادة .. وعبارة :" مزيدا من الإشتراكية .. مزيدا من الإشتراكية " كانت تخرب في كل يوم مئات البيوت والشركات والمحلات الناجحة لن المسألة لم تعد تطويرا اقتصاديا بل توزيع أسلاب وغنائم . حتي شركة كبري مثل شركة الحديد والصلب كانت رمزا من رموز الثورة تحولت إلى كارثة قومية , وألوف المواطنين فقدوا أموالهم لأنهم ساهموا فيها وفي غيرها .. وكان المسئولون يجتهدون في إقناع المواطنين بالمساهمة في هذه الشركات ويعدونهم أرباحا طيبة ..

وكان الناس يتحمسون ويشترون ليتبينوا بعد ذلك أن أموالهم ذهبت غلى غير رجعة لأن المسئولين لم يكونوا يستحون من أن يعلنوا ا، السهم في شركة الحديد والصلب مثلا.. الذي اشتراه الناس بجنيهين ورجوا ان يرتفع سعره غلى عشرة أو عشرين عدا ما يضاف إليها من الأرباح – هذا السهم نفسه قدره المسئولون بعد ذلك بخمسين قرشا .. وألوف الناس من صغار المواطنين خاصة ضاعت أموالهم دون أن يسمح لهم بمجرد الشكوي ... والمصيبة جاءت من أن الذين عينوهم لإدارة هذه الشركات كانوا أقارب ومحاسيب أي من السوبر باشوات . وعلى أيديهم خربن الشركات وضاعت أموال الناس .. وأدهي من ذلك وأمرا أن الواحد منهم كان إذا قام بواجبه وخرب الشركة كافئوه وعينوه مديرا لشركة أخري يخربها هي الأخرى ..

ولكي أعطيك مثالا عن أنواع الناس الذين كانت الدولة إذ ذاك تعهد إليهم في إدارة الشركات المؤممة .. أذكر لك أنني استقبلت في مدريد إنسانا غريبا فيما بعد أ،ه كان ضابط بوليس .. ولكنه في ذلك الحين كان قد أصبح رئيسا لمجلس غدارة شركة مخابز كبري في السيدة زينب .. تزل عليها سيف التأميم فقسمها نصفين.. وأصابها إصابة لم تقم منها بعد ذلك أبدا والسيد رئيس مجلس الإدارة يأتي إلى مدريد ليدرس نظام المخابز الشعبية في أسبانيا.. وأقول له إنني لا أعرف ان في أسبانيا شيئا يسمي المخابر الشعبية .. لأن أسبانيا في أيام فرانكو كانت دولة رأسمالية .. وأسبانيا على اى حال لا يمكن أن تشكو أزمة خبرا أو قمح لأنها ثاني بلاد أوروبا إنتاجا للقمح بعد روسيا .. ويقول لى الرجل : كيف تقول إن أسبانيا رأسمالية مع أن السفير أعطاني نشرة تقول إنها بلد اشتراكي ..؟

وأين هي هذه النشرة أيها العزيز؟

ويفتح حقائبه ويستخرج منها النشرة ويناوني إياها وفيها فقرة وضع صاحبنا خطا بالقلم الرصاص إلى جوارها .. والعبارة تقول إن أسبانيا دولة نقابية : وهي عبارة من عبارات الدعاية قالوها في أحدي مراحل عصر فرانكو ز. ومعناها الحقيقي أن الدولة إذا كانت قد ألغيت الحرية السياسية .. فقد نظمت النقابات وأطلقت لها حرية العمل وصاحبنا رئيس مجلس الإدارة فسر هذه العبارة بأن أسبانيا دولة اشتراكية وما دامت اشتراكية فلابد أن فيها مخابز شعبية اشتراكية .. وما دامت فيها مخابز شعبية فلابد أن يزورها سيادته ليدرس نظامها .. وهو لا يعرف أسبانية أو فرنسية أو انجليزية .. وفهمت من حديثه أنه يقوم بجولة دراسة في إيطاليا وفرنسا وانجلترا وأسبانيا لدراسة نظم المخابز .. ولما لم تكن هناك مخابز حكومية .. فقد جعلنا نأخذه إلى المخابز الخاصة... وكلما زار مخبرا قال : عندنا أحسن .. وحرصت على أن أجهده.. فكنت كل يوم آتيه بقائمة مخابز و ومطاحن يزورها .. وبعد ثلاثة أيام ضاق بي وقال:

- كفاية بقي أفران وقرف ..

- ولكن نقابة الطحانين والخبازين وضعت لك برنامجا حافلا ..

- شوف يا حضرة ... دول جماعة مجانين .. وأسبانيا بلد متأخر ونحن قد سبقناها بمراحل .. والمخابز التي أديرها أحسن من أي شئ زرته في أسبانيا ..

- ويجلس صاحبنا غلى مائدة الغداء عن السفير ويقول : تصور يا أحمد بك إنني عندما دخلت مبني الإدارة في المخابز ( في مصر ) لم أجد فيها صورة واحدة للرئيس جمال .. فعملنا خمسين صورة ببراويز مذهبة .. وأقمنا يوما سميناه يوم الرئيس .ز علقنا فيه الصور .ز وأعطيت العمال منحة من الرئيس لمدة ثلاثة أيام ..

- ولسوء حظ صاحبنا أن السفير كان في تلك الأيام من حزب عبد الحكيم عامر ... فقد كان خصومه قد دسوا له عند جمال عبد الناصر فلجأ إلي الناحية الأخري .. واعتصم بحبل من المشير .. وكانت تعجبني فيه أحيانا صراحته والرئيس جمال عبد الناصر أقصاه إلى مدريد لأنه كان طويل اللسان ويعرف الكثير ( وكان هذا كلامه لي )..

- وانتظر السفير حتي فرغنا من الأكل ... ثم أراد يشفي غليله في هذا الرجل . ويريني في نفس الوقت جرأته وعدم اكتراثه به .. فبدأ مع الرجل حديثا أشبه بالتحقيق بدأه بقوله :-

- الآن وقد قمت بواجبك . ودعوتك إلى الغداء من حقيق أن أعرف بصفتي سفيرا .. لماذا عينوك رئيسا لمجلس إدارة مخابز كبري وأنت لا تفهم في الخبز أو الدقيق .. ويفاجأ الرجل .. ويفتح فمه دهشا .. ويقول :

- وهل أنا عينت نفسي في هذا المنصب ...؟ سيادة الرئيس هو الذي اختارني ..

- لأنهم كذبوا على السيد الرئيس وهو لا يعرفك أما أنا فأعرفك الآن .. وقد طلبت ملومات عنك بالشفرة . وجاءتني : أنت وج فلانة ,, وفلانة أخت فلان ... وفلان أخوك .. وكلكم شلة يعلم بها ربنا .

- والذي دار بعد ذلك من الحديث لا يتسع له هذا الفصل ولكنه مثال .. مجرد " عينة" من أنواع السوبر باشوات .. وما كان يجري بينهم من حديث .. وما كان يربط بعضهم إلى بضع من علاقات ..

- ولماذا أقف عنده هذه التفاصيل ..؟

- لكي يعلم القارئ أولا حقائق السوبر باشوات وعصرهم ..

- ولكي أقول ثانيا : إن ضحيتهم لم يكن شعب مصر فحسب .. بل كان ضحيتهم الأولي هو الرئيس جمال عبد الناصر نفسه فقد عرف أولئك الثعالب كيف يسيطرون على رئيسي الثورة : جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر .. وقد رأينا في مقالات الدكتور عبد العظيم رمضان التي نشرها في مجلة أكتوبر تحت عنوان عام .. هو " تحطيم الآلهة" كيف أن السنوات السابقة لنكسة 1967 كانت سنوات الذروة بالنسبة لصراع جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر .. وكل منهم كان محاطا بسياج من الخشداشية كانوا هم الذين يقدمون إليه قوائم المعذبين والتقارير .. ويستصدرون منه الأوامر ..وجمال عبد الناصر الذي كان يدخل سيارته ليذهب إلى مكان يلقي فيه خطابا سياسيا يهز الدنيا كانوا يتجهون به في سكك ملتوية ويقولون له : لم نسر بك في هذا الطريق لأننا ضبطنا فيه وكرا للأعداء ز. وفي المكان الفلاني قبضنا على جماعة دبرت مؤامرة لاغتيال الرئيس..

وعندما تقرأ في " البحث عن الذات " للرئيس السادات أنه هو نفسه لم يكن يعلم شيئا عما جري لجيش بلاده صباح 5 يونيو 1967 .. وأنه ذهب إلي القيادة وهو يتصور أننا طحنا الأعداء طحنا فوجد جمال عبد الناصر في حالة ذهول .. ووجد المشير يمشي في إحدي القاعات ذهابا وجيئة وفي عينيه ودهشة .. فعرف أن مصر كلها والرئيس جمال والمشير عامر وقعوا في كارثة .

عندما تقرأ ذلك تعرف جناية السوبر باشوات على البلاد ورئيسها وقائدها الأعلى في المقدمة ..

لهذا أكتب هذا الكلام .. إنني لا أريد لهذه المآسي ن تتكرر .. وهي خدمة متواضعة أقوم بها لبلادي...

السوبر باشوات يأكلون السلطان

وبعد أن قتل المماليك البحرية سلطانهم سيف الدين قطز في بلبيس تركوا أشلاءه دون دفن وأسرعوا إلى القلعة وسلطنوا عليهم بيبرس وخرج المنادون في شوارع القاهرة يقولون: أمان يا أهل البلد أمان والعز والدوام لمولانا السلطان ...

أظن أن القارئ عرف الآن أنني أعود به إلى الماضي القريب لنبحث معا عن أصول المحنة التي نعاني منها اليوم من الامبالاه وعد الشعور بالانتماء وضعف الإحساس بصالح المجموع وإهمال القوانين فإن عصر سيادة السوبر باشوات هو الأصل في ذلك كله في العصر أصبح المصري الوطني المصري الذي يحس بالآم وطنه ويتحرك لتخفيفها يعاقب لأنه وطني , والمواطن الذي يطلبه السلامة هو المواطن الذي لا يهتم بمصائر بلده ويتبرأ منها .

وفي يوم من الأيام جاءني احد الطلاب مروعا لأنهم استدعوه إلى مصر ورجاني وهو في فزع ان أكتب للوزارة وأقول أنه شاب في حالة لا يتدخل في السياسة أبدا ولا يقول حرفا في شأن من شئون وطنه ! وبذلت غاية وسعي في حمايته دون أن أصمه بوصمة عدم اللامبالاة بوطنه ومصيره وكنت دائما أسأل نفسي : سبحان الله : نفق عليهم لكي يخدموا وطنهم ثم نعاقبهم إذا هم فكروا في أمر هذا الوطن..

ورئيس الوزراء في فترة من ذلك العصر ( 1961 -1965 ) وضع مصر كلها داخل سجن كبير , فلم يعد لأحد الحق في الدخول أو الخروج و ولكن أنصاره من السوبر باشوات فتح كل منهم لنفسه ثغرة في الجدار الخلفي وأصبح يدخل هو ومن يريد كما يشاءون بإذن وبدون إذن , بتأشيرة أو بدون تأشيرة ولكل شئ ثمن . وقال رئيس الوزراء السوبر باشوات هذا في احدي مقالاته العصماء : وما هي الحرية ؟... الحرية هي : أن يغلق الإنسان بابه على نفسه وعياله ويتعشي وينام وتلك هي حرية المواشي !.. أما هو فقد سكن قصر أحد الباشوات في القاهرة وقصر باشا آخر كبير في الإسكندرية , وعدد غرف القصرين معا خمسون غرفة وفيهما تسعة حماما واستحل لنفسه كل ما في القصرين دون أن يدفع مليما , ومدير مكتبه أصبح محافظا لمحافظة وبني لنفسه قصرا واجهته كلها من الرخام الوردي , وهذا هو معني الإشتراكية , والحرية عندهم , أما نحن بقية شعب مصر فقد أصبحنا مواشي يغلق علينا بابا الحظيرة وأمامنا العلف نأكل منه وننام .. هذا كل نصيبنا من الحرية والويل لمن جرؤ على تحظي حدود المواشي .

وقد بلغ عدد السوبر باشوات ذروته من 1956 إلي 1970 وسأجتهد في تصوير الجو الذي عاشت فيه مصر السوبر باشوات هذا بأمثلة يعرفها الكثيرون وأمثلة مما شهدته بنفسي , ومعذرة إذا أنا لم أذكر الأسماء فهذا مع الأسف تاريخ بلا وثائق ولكن لدينا وثيقة واحدة تشهد على العصر كله , والوثيقة لا يمكن إنكار صحتها أو المماراة فيها وهي ما سمي بهزيمة جيش مصر في حرب يونيو 1967 فإن مؤامرات السوبر باشوات حالت بين جيش مصر ودخول المعركة انتهت قبل أن تقوم لأن جيش مصر لم يدخلها قط والذين دخلوها من رجال مصر حاربوا وأثبتوا بسالة وانتصروا في المعارك التي خاضوها .

والرئيس السادات يحكي في كلامه عن مقدمات حرب أكتوبر أنه بعد أن أفاق من ذهول نكبة 1967 سمع أن قائدا من قواد المعركة الذين حاربوا وانتصوا يتداوي من جراحه في مستشفي المعادي , واترك الكلام هنا للرئيس أنور السادات فهو يقول في ص 241 وما يليها من " البحث عن الذات " اتصلت فورا بمستشفي المعادي العسكري رد القائد فسألته إذا كان عنده أحد ممن حاربوا في سيناء فأجاب بأن عنده لواء اسمه كمال حسن وشك إجراء عمليات جراحية له ولهم وقلت للقائد انتظر فسأكون معكم حالا ..

وأخذت سيارتي واتجهت إلى مستشفي المعادي.

وسألت كمال حسن علي : قل لى يا كمال بصراحة : أنت حاربت في سيناء ؟.

قال لي : ايوه يا أفندم , وعملت هجوم مضاد يوم 7 يونيو ..

قلت له : طيب طمني : سلاحنا كان ناقص ؟.

قال لي : أبد يا أفندم . الطلقة بتاعتنا مش بس كانت بتصيب الدبابة دي كانت من عنفها بتقلبها .

قلت له : طب احكيلي عن الهجوم .

قال مشيرا إل ضابطين صغيرين كانا في انتظاري معه قبل إجراء العملية لهم :_ دعهم يقصوا عليك ما رأوا وما حققوا فهم الذين فعلوا كل شئ , وأما أنا فعملي يقتصر على إصدار الأوامر .

وكنت سمعت عن الهجوم المضاد الذي كان يقوم به لواء مصري يوم 7 يونيو صحف العالم أشادت به حتي موشي ديان كتب عنهولكن الجميع كانوا يعتبرونه مجهودا فرديا وأمرا شاذا لا يصح أن يقاس عليه استعداد قواتنا المسلحة أو قدرتها على القتال ..

ولكنني بعد أن أدرت حوارا كبيرا مع ضباط اللواء وقائدهم أدركت الحقيقة , وهو أن كل ما قام به اللواء من بطولات كان يجب أن يكون القاعدة وكل ما عداه هو الاستثناء لولا تخبط القيادة وضعفها فقد أتضح أنه بناء على أوامر القيادة المرتبكة قطع اللواء في الثلاثة أيام الأولي 1000 كيلو متر في عملية ذهاب وإياب فقط من شأنها أن تضعف قدرة الدبابة على السير ولكن هذا لم يمنعهم من إسقاط 7 طائرات للعدو.. ورغم السيادة الجوية المطلقة لإسرائيل فلم يفقد هذا اللواء إلا عشرين دبابة على مدي ثلاثة أيام أى خمس قوته فقط !..

ثم يضيف السادات – عندما عرف ان الهزيمة لا ترجع إلى ما يقال من عجز المصري على القتال أو عدم قدرته على استيعاب المعلومات والمهارات اللازمة لاستعمال السلاح الحديث إنما ترجع إلى إهمال القيادة وفوضاها واضطرا بها -: إذن فإذا نحن هيأنا لجيشنا قيادة صالحة ونظاما واستقرارا أمكنه النصر .

وتلك كانت أولي خطوات السادات لتحقيق النصر . وآتيك فيما يلي بسطور كتبها ضابط شاب خاض حرب 1967 وهو يصف لنا منها ما حدث كما حدث وكلامه مطبوع منشور في كتاب متداول بين ايدي الناس , صاغه مؤلفة في صورة رواية اسمها " السمك الروسي " .

وقد أوردنا في الملحق رقم 7 من ملاحق هذا الكتاب فقرة من قصته تؤيد ما قلناه والكلام في هذه الفقرة بلسانه وهو الذي اشترك في الحرب وكلامه هنا وثيقة .

وهذا يا سيدي كلام ضابط من ضباط الجيش الذي قيل لنا أنه انهزم 1967 والجيش كما تري لم يدخل المعركة حتي يقال أنه انهزم أو لم ينهزم .

والذي نعرفه عن جيشنا في كل تاريخه انه جيش باسل وضباطه وجنوده لا يفرطون قط في واجبهم المقدس ولكن أولئك الناس شوهوا سمعته وجعلوه أضحوكة في أفواه الأمم ... وحرب الأيام الستة التي جعلت من موشي ديان بطلا دون بطولة هي كلها من صنع أولئك السوبر باشوات .

وهذه الكارثة كلها من أين جاءت ؟ كانت من صنع السوبر باشوات خشداشية السلطان من ناحية والسلطان المساعد من ناحية أخري وهؤلاء لم يكونوا يفكرون في نصر أو وطن إنما هم كانوا غزاة نهابين حصلوا ويحصلون على غنائم وتأمينا لهذه الغنائم .. كان عماؤهم يفكرون على طريقة " بابراك كارمل " الذي أسلم بلاده أفغانستان للروس ووقف في صف الجلادين الذين يعملون اليوم على الإجهاز لى البقية الباقية من الحياة في كيان ذلك الوطن . كلام من عندي ؟

لا والله .

وأرجع معي إلى كتاب " البحث عن الذات" لأنور السادات لكي تنري بعينيك مماليك السلطان يفترون السلطان وسآتيك بعد ذلك بمصاديق تؤيد كلام السادات :

فقد ذهب السادات لزيارة عبد الناصر في يوم جمعة في شهر فبراير 1967 ولنلاحظ هنا أن السادات لا يدافع عن نفسه إذ لم يكن له في الإدارة أر فقد كان رئيس مجلس النواب إنما هو يعطي صورة في مصالح عبد الناصر لهذا أرجو ألا ينكرها أنصار عبد الناصر الذين يريدون أن يقولوا للناس أجمعين أن مصر كلها لم توجد على خريطة الدنيا إلا يوم ظهر عبد الناصر وأنها زالت من على الخريطة يوم وصل السادات إلى السلطة وأعلن إصلاحات مايو 1971 التى انتشل بها بلاده من الهاوية والسبب في ذلك واضح : إن وصول السادات للحكم كان بداية النهاية لعصر السوبر باشوات ..

وأنور السادات في هذا اليوم وجد جمال عبد الناصر – الذي كان إذا ذاك أكبر زعماء الشرق الأوسط فنحن في فبراير 1967 وبيننا وبين الهزيمة والهاوية حوالي ثلاثة أشهر – وجده في أسوأ حال ويقول له السادات : مالك شايل الدنيا على دماغك ليه يا جمال ؟ واضح إنك شايل الدنيا على دماغك . قال أيوه : أنا فعلا شايل الدنيا على دماغي يا أنور .. البلد بتحكمها عصابة وأنا يستحيل أكمل بهذا الشكل , أن ابقي الرئيس المسئول واللي يحكم هو عبد الحكيم وينفذ اللي عاوزه .. طيب أخرج أنا أحسن وأروح أقعد في الإتحاد الاشتراكي ويتولي هو رئاسة الجمهورية ,وأنا مستعد ان أسأل عن الفترة اللي أنا قعدتها لغاية ما اخرج أجاوب عن أي شئ ..

ويستطرد السادات : كان واضحا أن عبد الناصر كان على معرفة بما يجري في البلد المشاكل المتراكمة , منذ 1962 وما تفعله لجنة الإقطاع بالناس وضراوة مراكز القوي سواء من ناحية عامر أو شعراوي جمعة وسامي شرف أو على صبري أو مستشاره الصحفي الأستاذ محمد حسنين هيكل وحجرهم على الحريات واحتكارهم لجميع الامتيازات .

قلت : مش معقول يا جمال تسيب رياسة الجمهورية وتقعد في الإتحاد الاشتراكي علشان عبد الحكيم عامر وأعوانه يحكموا مصر أنت عارف إن عبد الحكيم أسوأ من يختار معاونيه هم اللي تسببوا في فشل الوحدة مع سوريا ومع ذلك فعبد الحكيم متعصب لمعاونيه تعصب قبلي: تقول له : نشيل صدقي قائد الطيران يقول : قبل ما تشيلوه شيلوني أنا . خلقته كده . ولذلك أعتقد إن أفضل شئ إنك تجيبه وتكلمه بينك وبينه وبالشكل ده ممكن توصلوا لحل مع بعض .. قال جمال : والله الصورة سيئة يا أنور وأنا حاسس إننا داخلين على كارثة

بعد ذلك ببضعة أيام ذهبت لزيارة عبد الناصر فقالوا لي: إن عنده ضيفا , وانتظرت في حجرة مكتبه إلى أن يخرج الضيف وبعد ذلك جاء عبد الناصر وبادرني بالسؤال : تعرف يا أنور مين اللي كان عندي دلوقتي ؟ قال شمس بدران , فاكر حديثنا اللي قلت لك فيه على حكاية العصابة ؟ قلت له : آه.

قال لى : يا سيدي الحكاية كملت : شمس بدران جاي لي دلوقتي بيطلب رسمي ! إن المشير يأخذ رياسة الوزارة وحجته إيه ؟ إن البلد بتشتكي . مش عارف إن معظم الحاجات اللي بيشتكي منها الناس هي من تصرفاته وتصرفات أتباعه ..

ولابد أن أختصر الحديث فإن المجال لا يتسع ولكني أقول إن عبد الناصر وافق على أن يتولي عبد الحكيم رياسة الوزارة بشرط أن يتخلي عن رياسة القوات المسلحة ويخرج منها وكان ذلك ذكاء بعيدا لأنه إذا نجح في إبعاد عبد الحكيم عامر عن القوات المسلحة فقد انتهي عبد الحكيم عامر في أيام ..

ولا ننسي هنا أن عبد الناصر كان رجلا سياسيا بعيد الغور . وعبد الحكيم عامر لم يثبت أمامه من دون أبطال الثورة إلا أنه تترس في القوات المسلحة وملك زمام كبار رجالها والحكم كله كان حكما عسكريا على أى حال , ومن يملك السلاح فهو صاحب الأمر عبد الحكيم عامر بعد هزيمة 1967 فقد القلعة التي كان يتحصن فيها . ولم يلبث أن تصفي : انتحر أو قتل واقرأ مقالات الدكتور عبد العظيم رمضان عن موت المشير لتعرف التفاصيل ولكن عبد الناصر هنا يتبرأ من سيطرة السوبر باشوات مع أنه هو المسئول إلى حد ما عن وجودها .. فقد فتح الأبواب لطلائع هذه الطبقة لكي يقضي بها على محمد نجيب ثم على الذين كانوا يطالبون بحكم دستوري . والذين قادوا معركة ضرب السنهوري ومن غليه نالوا يطالبون بحكم دستوري . الذين قادوا معركة ضرب السنهوري ومن إليه نالوا من المكافآت ما تمنوا : السلطان أعزه الله فتح لهم الخزائن وحفن وأعطي من مال الناس وأترك الكلام للرئيس محمد نجيب :

وأصبح واحد منهم مديرا لأكبر مشروع إصلاح زراعي واستصلاح أراضي قامت به الثورة وأصبح بذلك أقوي وأوسع سلطانا من اقوي الوزراء وقد ضاعت ملايين كثيرة في هذا المشروع الذي تولي أمره رجل لم يسمع بالزراعة قبل ذلك إلا في المكتب والثاني أصبح رئيسا هيئة التحرير وكنت مهمتها تنظيم جماهير مصر تحت لواء الثورة . فكانت النتيجة أن فشلت هيئة التحرير فشلا ذريعا والثالث أصبح وزيرا ثم سفيرا وغيرهم وكل من هؤلاء تصرف في ملايين وفتح الباب لمئات الخشداشية ليصبحوا سوبر باشوات . ولما كان هؤلاء جميعا أقارب ومحاسيب فإن مولاهم الأول كان عبد الحكيم عامر وزير الحربية ونائب القائد الأعلي للقوات المسلحة وكما كان عبد الناصر يكون فرقة مماليك خاصة به فقد كون عبد الحكيم عامر فرقة مماليك وتترس في قلعة القوات المسلحة حتي لا يقضي عليه عبد الناصر كما قضي على رفاقه في قيادة الثورة ..

فلا حق لعبد الناصر إذن في الشكوي من المماليك والخشداشية لأنه مسئول عن استيلائهم على مرافق البلاد مسئولية عبد الحكيم عامر . والاثنان لم يعلما أن نفس التجربة تجربة الحكم بالأتراك والمماليك انتهت بالعباسيي إلى سيادة الأتراك عليهم وبالأيونيين إلى سيادة المماليك العباسيين أنهم فصلوا أنفسهم عن الأمة وتترسوا في قلعة الجند المرتزقة فلم يصبح لهم من السلطان إلا اسممه وانتهي الأمر بزوالهم أما الأيوبيون فلم يكن منهم في الحقيقة إلا سلطان إلا اسمه وانتهي الأمر بزوالهم أما الأيوبيون فلم يكن منهم في الحقيقة إلا سلطان واحد عظيم اسمه صلاح الدين وصلاح الدين أصبح بطلا بنصر حطين سنة 1187م ونصر حطين كسبه المجاهدون الأحرار من أبناء أمة الإسلام قبل دخول جند السلطان في المعركة ولو تولي المعركة قادة صلاح الدين من كرد وترك وتركمان لما كسبنا النصر أبدأ .

وأعود بك غلى كتاب " البحث عن الذات " لتتبع تاريخ المماليك والخشداشية يقول السادات في ص 222 وما بعدها :

" طبعا كان رد عامر على رسالة عبد الناصر بالنسبة لرئاسة الوزارة هو الصمت , فهو يعتبر القوات المسلحة مكانه الطبيعي ولا يمكن ان يتخلي عنها لسبب من السباب فهي مركز القوة الأولي .. بعد ذلك تطورت الأمور في لجنة الإقطاع ( لجنة مصادرة أموال الناس وفرض الحراسات عليها للتصرف في أملاكهم بعد ذلك ) فبلغت أقصي الضراوة في مارس وأبريل ومايو ( 1967) حيث عقدت آخر اجتماعاتها وكانت متجهة في تلك الفترة بالذات إلى تصفية العائلات وهي في رأي مسألة خطيرة .

في تقديري – والله أعلم – أن مستشاري جمال كانوا يغذون هذا الاتجاه في نفس عبد الناصر وكان أهمهم هو مستشاره الصحفي ( يري الأستاذ محمد حسنين هيكل وكان أيامها رئيس تحرير جريدة الأهرام ) فهو يمقت العائلات ويتحين الفرصة للشماتة فيها ولذلك كان طيبي له ضرب العائلات كلها وإذلال وإمتهان كرامة الناس حتي أن أهل الصعيد عندما كانت تفرض عليهم الحراسة كان الرجل يصرخ محتجا " آخذ نفقة زي الست ".

فقد كانوا يطلقون على المبالغ الضئيلة التي يدفعونها لمن تفرض عليهم الحراسة مقابل ما أصابهم كلمة " نفقة" وهي نفس الكلمة التي تطلق على المبلغ الذي يدفعه الزوج ليعول مطلقته .

واستمر الحال على هذا النمط إلى منتصف مايو حيث كان من المقرر أن يتم القضاء على العائلات كلها ابتداء بعائلات محافظة البحيرة ولكن دخلت علينا السحابة الرهيبة القاتمة في أواخر مايو وأوائل يونيو ( حرب يونيو 1967) فأوقفت تلك الإجراءات فكل كارثة لها جانب يقول المثل الانجليزي ( كل سحابة داكنة لها شريط فضي يبرق وسط العتمة ).

إلى هنا ينتهي كلام السادات

وقد حكي السيد محمد فرغلي في مذكراته التي نشرها تحت عنوان " عشت مع هؤلاء" أنهم بعد أن صادروا أملاكه وأمواله أرسلوا له شيطا بنفقة وقدرها جنيهان ونصف في الشهر وهذه سخرية عجيبة تدل على مدي حقدهم على الناس واحتقارهم لأقدارهم فبماذا نفسر تقديرهم جنيهين ونصف نفقة شهرية لرجل أخذوا منه الملايين ؟ بماذا نفسر ذلك إلا باستهتارهم بالناس والتلذذ بامتهان كرامتهم ؟ ويقول الرجل في كتابه بهذا الصدد: والشريط الفضي الذي يشير إليه السادات هو إنقاذ العائلات وبيوت السر الكريمة التي صفوا أملاكها وأرادوا إكمال الافتراس بالقضاء على الناس أنفسهم حتي لا يبقي منهم أحد يطالب بالأموال المغتصبة فيما بعد .

والفكرة ليست غريبة عن الفكر الشيوعي الذي كان مسيطرا على رؤساء السوبر باشوات في ذلك الوقت وأصلها عند لينين بعد أن انتصر على كيرنسكي رئيس حزب المنشفيك الذي قاد الثورة الروسية قبل لينين وعزل القيصر اتجه إلى التغيير عن طريق الانتقال ن القيصرية الغاشمة إلى الجمهورية الدستورية واعتمد في عمله علي أوساط الناس الذين تعودنا أن نسميهم البورجوازية تنقسم إلى قسمين :البورجوازية العالية وهي من نسميهم في مصطلحنا العربي بالمياسير ويدخل فيهم كبار لتجار وأصحاب الصناعة ورجال المال والحرفيون من أهل التخصصات العالية الذين نسميهم اليوم بأصحاب المهن الحرة ويدخل فيهم المثقفون والمفكرون والناجحون من أهل الفكر والبورجوازية الصغيرة وهي ما نسميه بالعربية بالمساتير أى الحرفيين من أي تخصص كان ممن يكسبون ما يقوم بحاجتهم ولا زيادة وأقل هؤلاء كسبا يسمون بالبروليتاريا وهي كلمة لاتينية تعني أهل الحاجة أي الذين لا يفي كسبهم بالحد الأدنى من حاجتهم وفي النهاية في قاع المجتمع نجد الحرافيش وهم ما يسمون في مصطلح الشيوعية باسم بروليتاريا الأسمال وقد كان كرينسكي يعتز بالبوزجوازية العالية والصغيرة فجاء لينين فاتجه رأسا إلى بروليتاريا الأسمال . وكان كرينسكي يريد مواصلة الحرب مع الأمان فأعلن لينين أنه لابد من إيقاف الحرب ليتوقف النزيف الرهيب من جبهات الحرب مع الألمان . وكان جنود الروس في أسوأ حالة يمكن تصورها كانوا يجرون أقدامهم في أسمال فعلا ولا سلاح ولا طعام ولا نصر ولا أمل في النصر فلقيت دعوة لينين قبولا منهم وتك الملايين من الجنود المساكين جبهات القتال وانقلبوا عائدين إلى الوطن في أسمال فعلا وانضموا تلقائيا إل جبهة لينين وبهم وبغيرهم من الساخطين على القيصرية والحرب اكتسح لينين خصومه وأتم الاستيلاء على السلطة .

واتجه لينين بعد ذلك إلى إبادة البورجوازية جميعا وخاصة المياسير منهم ولكن لينين ورجاله كانوا أصحاب أيدلوجية أى عقائديين ولم يدسوا الأموال في جيوبهم ولم يسكنوا قصور الإقطاعيين والمياسير ولا هم نهبوا بيوتهم إنما استخدمت الثورة كلها في تحويل روسيا التي كانت بالفعل مفلسة تماما – إلى بلد اقوي . ولينين مهما قلنا فيه كان رجلا مثقفا يدخل ضمن المثقفين وأصحاب الفكر والعلم ولهذا فلقد كان يحترمهم ويحرص على المحافظة عليهم ولهذا فقد أعفي من ضرباته أصحاب العلم والتخصص العلمي والفني منهم وخاصة النوايا الوطنية الطيبة لأنهم ثروة الأمة الحقيقية ولو لم يفعل لينين ذلك لما وجدت روسيا الشيوعية علميا تبني عليه .

أما السوبر باشوات الذين انقضوا على بلادنا والتهموا خيراتها من 1952 حتي 1970 فلم يكونوا عقائديين ولا أصحاب مبادئ وكان فيهم جهل شديد وعنف أشد , ولهذا فإنهم لم يحرصوا على علم ولا احتراما عالما بل اتجهوا إلى معاداة أهل العلم معاداة صريحة لأن العلم كرامة ووطنية والمستبد الجاهل يكره صاحب العلم ويضطهده ولهذا فإن عصر السوبر باشوات الذي اشتهر بالسرقة والنهب وإهدار القوانين وإيذاء القضاء وأهل العدل اشتهر أيضا باحتقار العلم وأهله والأدب ورجاله وكل ما يتصل بالعلم والفكر .

وجدير بالملاحظة هنا ما أشار إليه السادات من أن أهم السعين إلى القضاء على العائلات والمياسير وأهل النعمة – كبيرة كانت أم صغيرة كان مستشار عبد الناصر الصحفي .. وكان هو أيضا مستشاره الفكري .. فقارن بهذا موقف مكسيم جوركي كبير رجال الفكر في الثورة الشيوعية وصديق لينين إلى آخر حياته .. فإن جوركي وقف حاميا للفكر والعلم والفن وأهلهم جميعا .. وكان لا يتردد في مجادلة لينين وكف يد أتباعه عن امتهان كرامات الناس وإذلالهم وإليه يرجع الفضل في حماية جانب كبير من تراث روسيا العلمي والفني والفكري .. ومكسيم جوركي كان صاحب مبادئ وقد ظل يعيش على الكفاف إلى آخر أيام حياته .. أما المستشار الصحفي للرئيس عبد الناصر فكان قد تحول إلى رأسمالي موسر عظيم .. وإلى هذا يرجع فيما أحسب بغضه لأبناء العائلات والمياسير والمثقفين عامة .. وهو هنا لا يختلف عن بقية مماليك السلطان .

وأعود لأكمل كلام السادات فهو يكمل هذا الخط الذي أسير فيه بحثا عن السوبر باشوات الذين امتهنوا كل كرامة ومدوا أيديهم إلى كل مال وجعلوا انتماء المصري إلى وطنه جريمة يستحق عليه أشد العقاب .. قال في ص 222 من البحث عن الذات:

" سافرت في ذلك الشهر – هو مايو 1967 – إلى كوريا الشمالية ثم إلى موسكو حيث استمعت هناك إلى عبد الناصر وهو يلقي خطابه في أول مايو ... كان يتكلم عن الثورة المضادة والإقطاع .. ويستشهد بحادث وقع في قرية مجاورة لقريتي .. وسمعته يذكر إسمي .. فكنت أعجب كيف تنقل الحقائق إلى عبد الناصر .. ثم تصدر الأحكام دون فحص لهذه الحقائق ..؟

" القرية كانت كمشيش وقد كانت مسرحا فعلا فقطاع لم تشهد له البلاد مثيلا.ز ولكن أولئك الذين كان يستشهد بهم عبد الناصر كانوا في الواقع أسوأ من الإقطاع الذي نشهد به جميعا في المنطقة .. إذ كانوا شيوعيين ماركسيين يريدون أن يتوصلوا عن طريق مكافحة الإقطاع إلى تطبيق الماركسية ..وفي هذا السبيل لم يتورعوا عن امتهان كرامة المواطنين بأسوأ مما كانت تفعله لجنة تصفية الإقطاع .. ولم يكن هناك ما يدعوا لذلك لأننا صفينا الإقطاع في هذه القرية .. ووزعت الأراضي على الفلاحين قبل هذا التاريخ بسنوات طويلة "..

ويختتم السادات كلامه في ذلك الفصل قائلا ( ص 223) على أي الأحوال فإنه بعد 25 مايو 1967 لم تنعقد لجنة الإقطاع .. إذ ابتداء من 20, 21, 22 مايو دخلنا معركة التمهيد لكارثة 5 يونيو 1967"..

والرئيس السادات لم يفهم لماذا شرع نفر من السوبر باشوات ( ولم يكونا شيوعيين ولا ماركسيين إلا بالاسم ) في إبادة العائلات ظنا منه أن المسألة انتهت بمصادرة الأراضي وتوزيعها على الفلاحين ولكن الحقيقة أن الأراضي لم تكن تهم السوبر باشوات , لأنهم لم يكونا فلاحين أو مزارعين على أى حال , ولكن أصحاب تلك الأراضي كانت لهم بيوت وقصور في القاهرة والإسكندرية .. وهذه كلها استولي عليها أصحابنا .. ولكي يطمئنوا إلى أنها أصبحت ملكهم إلى الأبد كان لابد من القضاء على أصحابها تماما حتي ينعدم الحق بانعدام المطالب به ..

وبمناسبة الاتجاه إلى إبادة أهل البيوت وذوي النعمة .. أذكر حادثا صغيرا وقع في السفارة في مدريد فقد كان لنا هناك مستشار من أبناء الأسر الطيبة .. وسأخرج عن دائرة عدم ذكر الأسماء هذه المرة لأن الرجل الذي يدور حوله الحادث معروف للكثيرين وهو المرحوم محسن أباظة .. وكان من خيرة من عرفت من الباظيين ..ولم يكن الرجل غنيا .. بل كان من أهل اليسار وكان شكله مهيبا محترما وسلوكه سلوك من نسميهم بالذوات .. وهذا لم يعجب السفير الذي أتانا .. وكان سوبر باشا فجعل دأبه إهانة محسن أباظة الطيب والتعدي عليه نهره مرة وطرده من مكتبه مع إهانة شديدة ... وخرج الرجل الطيب وهو لا يكاد يري طريقه .. وأزوره في بيته فأجده يبكي .. وأتعجب من أمر السفير معه فأقول له – للسفير أقصد – بعد أيام وهو في حالة رضا : وما ذنب محسن يا سيدي السفير ؟..

وتكون الإجابة العجيبة .

- ذنبه : وهل هذا سؤال !... ألا يكفيك شكله ! إنه يتصور أننا ما زلنا في أيام الباشوات ..

- ولكنه ليس باشا ولا هو بغني ..

- هو الذي يقول لك ذلك ... لا تصدقه .. إنه راقد على ألوفات ومراته عدها أكثر .. أتعرف من هو أبو مراته ..

- لا يا سيدي السفير .

- ما دمت لا تعرف هذه الأشياء فلا تتكلم ..

- وأظن أن هذه كانت أول مرة في حياتي أري فيها مواطنا يعاقب لأنه محترم ولأنه من أسرة كريمة ..

- وما جري للسلطان عبد الناصر على يد مماليكه وللسلطان عبد الحكيم عامر علي يد خشداشيه يذكرني بسطور قرأتها في خطاب قرأت ترجمته إلى اللغة الانجليزية منشورا في مجلة لايف الأمريكية بعد موت عبد الحكيم عامر في صيف 1968 .. قالت المجلة أن عبد الحكيم عامر كتب الخطاب في سجنه قبل موته واستعان بأحد أنصاره في تسريبه إلى خارج معتقله ... والغالب أن الخطاب كله مفتعل .ز ولكن فيه عبارة وقفت عندها طويلا عندما قرأتها في حينها . يقول فيها : كنت أعرف أن هناك اعتقالا وضربا وتعذيبا .. ولكني لم أكن أتصور أبدا ا، الموجة تصل إلي ...

- وسواء كان الخطاب أصيلا أو مفتعلا . فإن العبارة كحقيقة تاريخية تصور تفكير الذين أنشئوا طبقة السوبر باشوات وسمحوا لهم بتلك العربدة بكل ثروات مصر وقيم وقوانين مصر . وكل قيمة من قيم هذا البلد ..

- وأظن أنني اقتربت الآن من تمام الإجابة عما يحيرنا الآن .. متي ويكف بدأت موجة عدم الانتماء والتسيب والعدوان علي كل قانون وقيمة ونظام ..؟

سادة العصر الحزين

إن ثورتنا – من حيث التنفيذ – ثورة ليلة .. بدأ العمل التنفيذي لها في الساعة السادسة مساء ليلة الثالث والعشرين من يوليو 1952 .. وقبل أن تأتي الساعة السادسة من صباح اليوم التالي 0 23 يوليو – كانت قد تمت الضربة الحاسمة واستقرت الأوضاع .. وفي الساعة السابعة صباحا أذيع نبأ قيام الثورة ونجاحها على الناس جميعا ... فرحبوا بها وأيدوها .. وتأكد نصرها بذلك لأنها أصبحت ثورة شعب بأسره لا ثورة جماعة من الضباط الأحرار .. وانتهي النظام السياسي القائم ولم يعد له حق في ولاء .. واتجه الولاء كله للنظام الجديد الذي قام ..

بل هي – من حيث التنفيذ أرضا – حركة ساعة .. لأن المعركة كلها كانت معركة الاستيلاء على مبني القيادة للقوات المسلحة بكوبري القبة , وعندما سقط هذا المبني تم الجزء الأكبر من المعركة .. وبقية الخطوات كانت توكيدا وتثبيتا وتأمينا .. ولو أن يوسف منصور صديق فشل في الاستيلاء على ذلك المبني والقبض على اللواء حسين فريد لما نجحت الثورة كلها .. لأن الثورة لم تكن لها خطة واحدة .. فلم تكن هناك خطة بديلة ثم أنها كانت حركة الضربة الأولي لها إلا خطة واحدة .ز فلم تكن هناك خطة بديلة .. ثم أنها كانت حركة الضربة الأولي : من يكسب فقد انتصر . ولو كان حسين فريد أقل غفلة مما كان لكان صاحب الضربة الأولي وفشلت الثورة ..

بل هي من حيث التنفيذ أيضا كانت معركة رجل واحد ضد رجل واحد: يوسف منصور صديق صديق ضد حسين فريد .. كأن النظام الملكي كله هذا الرجل المفرد حسين فريد .. وعندما وقع أسيرا انتهي النظام كله .. لأن هذا الرجل كان الممثل الوحيد للنظام القديم في مركز قيادته وقوته .. أما الباقون .. فكانوا في بيوتهم أو في مواقعهم ... على أي حال فمن وجد في بيته اعتقل . ومن وجد في الطريق إلى مركز عمله أسر .. أما الملك فقد أسقط في يده عندما رأي الجيش – وهو كان كل عماد قوته وضمان شرعيته – قد تخلي عنه .. أما الشعب فلم يكن للملك فيه أمل ولا مكان له عنده فقد سقطت الملكية العلوية من تلقاء نفسه .. لأنها كانت ثمرة ملصقة بغصن الشجرة لا نابتة من الغصن ..

وأما الوزارة التي تألفت في اليوم السابق فحسب – وزارة أحمد نجيب الهلالي الثانية يوم 22 يوليو 1952 – فقد تلاشت من الوجود وكأنها لم تتألف قط .. ومن عبر التاريخ ان خبر الثورة وصل الملك فاروق وهو في حفل أقامه لآله وخلصائه في قصر المنتزه تكريما لإسماعيل شيرين زوج أخته فوزية .. وكان فاروق قد ضغط على الهلالي ضغطا شديدا ليدخله الوزارة ووزيرا للحربية .. وما كان الهلالي يعلم حين تأبي وعارض قبول إسماعيل شيرين أن رفضه وقبوله سيان .. فالوزارة كلها تألفت بعد قيام الساعة وانتهاء العصر كله .. فقد كانت خطة الثورة قد رسمت واستقرت .. تقسمت أدوارها على الثوار ..

والثورات كالمعارك – يكون المعول فيها على التنفيذ أكثر من التخطيط ونحن جميعا قبل الثورة كنا ثوارا بالتفكير والتخطيط ولكن الضباط الأحرار كسبوا فخرها بالتنفيذ ..

وقد قرأت قبل أن أكتب هذه السطور كل ما كتبه من تيسرت لهم الكتابة عن ليلة 23 يوليو ممن شاركوا فيها .. وقد أحصيت كل الأسماء التي ورد ذكرها في أحدث تلك الليلة فما وجدتهم – أولا عن آخر – يزيدون على العشرين أقول : الذين ورد ذكر أسمائهم فحسب .. أي دون الذين شاركوا فيها وهم كثيرون والحمد لله ومهما نقرأ من الكتب فلن نجد إلا حوالي العشرين اسما . ولولا أنني التزمت بعدم ذكر أسماء لا وردتها لك .. ولكن عندك مثلا كتاب جمال حماد ( 22 يوليو ص 181 وما بعدها ) فلن تجد إلا نفس الأسماء تتكرر مرة بعد أخري :انها شخوص رواية .. والكتاب جيد .. وصاحبه شارك بنصيب محدود في صنع الأحداث والاعتماد عليه هنا مأمون خاصة أن صاحبه دخل الثورة وهو ثائر من الصف الرابع أو الخامس .. وظل بعد الثورة في هذا الموضع من مراتب رجال الثورة .. فلم يكن له صالح في أن يعيد ترتيب الأحداث على نحو يجعل دوره في صنع الثورة متوازنا مع ما وصل إليه بعدها ..

وثورتنا مثل كل الثورات لم تكن عادلة في إنصاف من شاركوا فيها .. وساء نظرنا في تفاصيل الثورة الفرنسية أو الأمريكية أو الروسية فإننا تجد أن المخططين للثورة يكونون دائما من أهل الإيمان بضرورتها مع هدوء الأعصاب واتزان العقل وضبط النفس .. أما الذين يقومون بتنفيذها فقد يكونون من بين أهل التخطيط وقد لا يكونون .. ولكنهم دائما يكونون من أهل الإيمان والبسالة والاندفاع .. وهم في اندفاعهم يخسرون في كثير من الأحيان حياتهم .. ولا يجنون ثمرات الثورة في معظم الأحيان .. أما الذين يجنون الثمار فقد يكونون من خارجها ولا علاقة لهم بالتخطيط لها أو تنفيذها .. إنما هم أهل ذكاء وتدبير وانتهاز للفرصة وسرعة في الحركة ... وهم لابد أن يكونوا بعد ذلك من أهل الأنانية والقسوة وقلة الإحساس بالعدالة .. لأن الثورة إذا نجحت وجاء دور جني الثمرات لم تعد المسألة مسألة إيمان أو استحقاق أو حق أو عدل .. بل مسألة ضرب وخطف وحيلة .. ولينين أتي مع أصحابه من زيورخ في سويسرا في قطار ألماني محكم الأقفال فاختطف ثمار الثورة كلها وقضي على الذين قاموا بها ..

وأشياء من هذا كله وقعت لثورتنا .. والكثيرون شاركوا في صنع الثورة وحزنوا لأنهم لأم يجنوا منها إلا المتاعب .. أذكر أن رئيس الحزب الشيوعي في لننجراد , وقف على رصيف محطة ليننجراد مع أعضاء اللجنة المركزية للحزب ينتظر لينين الذي كان قادما من فنلندا .. وكان الرجل قد حمل عبء الحركة كله في لينتجراد وبذل أقصي ما وسعه في تنظيم استقبال لينين .. وما كاد القطار يقف ويظهر لينين على السلك ويحيي الجماهير حتي لمح الرجل في عيني لينين الرماديتين الجامدتين نظرة أحس فيها بالموت .. ولينين أهمله تماما واندفع إلى منصة ووقف يخطب الجماهير .. واتجهت إليه جماعات الناس .. ووقف رئيس اللجنة وحده سار وحيدا إلى بيته .. وكان في أوائل من حكم عليهم لينين بالإعدام ونفذ فيه الحكم .. وقد حكيت القصة بتفاصيلها في دراسة سابقة ..

وقبل أن انتقل إلى النقطة التالية أقول أن كل الأسماء التي تمر بها وأنت تقرأ أحداث ليلة 23 يوليو – سواء أكانت لعشرين شخصا أو أكثر – قد أصبح أصحابها من الأثرياء كلهم اليوم في عداد أصحاب المال الوفير.. كلهم نال من المناصب ما كان يتمني وفوق ما يتمني .. وما كان يستحق ومالا ستحق .. وأقله ثروة اليوم لا يقل غني عن أغنياء مصر الباشوات .. وهذه حقيقة أقولها واترك التعليق عليها ..

وأعود فأمسك بخيط الحديث حيث تركته كلامي عن السوبر باشوات فأقول : إننا رغم قصر فترة تنفيذ الثورة – ليلة واحدة على أوسع تقدير – وعلي رغم قلة من ورد ذكرهم من أسماء من حملوا عبء التنفيذ لا نكاد نعرف الحقيقة.. لأن كل واحد من الذين كتبوا أحداثها فيما بعد – وهم نحو خمسة عشر من قرابة العشرين الذين أشرت إليهم انفرد بحكاية بعيدة عن حكاية الآخر .. وواحد منهم له أكثر من رواية وكل رواية من رواياته تناسب مركزه في الوقت الذي كتبها فيه .. والمؤرخ العارف بأصول صنعته لا ينكر هذا ولا يلجأ إلى الاتهام بالكذب أو التدليس .. فهذه طبيعة السياسة والعمل السياسي .. بل هذه هي طبيعة البشر في كتابه التاريخ .. فإن الحركة أن الثورة إذا نجحت وتفتحت أبواب المراكز والمكاسب والمغانم اجتهد كل إنسان في أن يوسع لنفسه مكانا بين صناع الحركة ... وعندنا على ذلك مثالان لا نزال نذكرهما لطلابنا تحذيرا لهم من تزييف التاريخ وأساليب التزييف .. المثل الأول هو خبر سرية ( أى حملة ) سيف البحر ( شاطئ البحر ) .. التي أرسلها رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان سنة الهجرة (مارس 623م).. وهي أولي مغازي الإسلام فإن الثابت عندنا أن الذين اشتركوا فيها حمزة بن عبد المطلب خمسة عشر رجلا كلهم من المهاجرين .. ليس فيهم أنصاري واحد .ز وذلك هو المعقول .ز لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان ملتزما إذ ذاك بما نصت عليه بيعة العقبة الثانية – وعلى أساسها هاجر الرسول وأصحابه إلى المدينة – وهي لا تلزم الأنصار بالاشتراك في القتال إلا دفاعا عن المدينة وهم بهذا غير مطالبين بالاشتراك في المغازي .. وكان أول اشتراكهم في سرية حمزة.. وأصل الحكاية يرجع إلى التنافس بين المهاجرين والأنصار على مراكز الفضل في الإسلام وجماعة الإسلام بعد الانتصار ..

والمثل الثاني صورة فوتوغرافية ظهرت في أيام ستالين وذاعت حتي أصبحت صورة رسمية .. وهي مع ذلك صورة مزيفة.. فإنها تصور لينين يخطب على منصة في الميدان الحمر خلال الأيام الأولي لتزعمه لثورة أكتوبر 1917 .. وعلى سلم المنصة كانت صورة ضابط من الحرس قريبا جدا من لينين.. فأمر ستالين برأس ذلك الرجل فأزيلت.. ووضع رأسها مكانها .. وبدا بذلك أنه – دون غيره – من رجال الثورة كان أقرب الناس إلى لينين منذ أيامها الأولي ومن ثم فهو أولي الناس بخلافته , وأصبحت هذه الصورة الزائفة صورة رسمية طوال عصر ستالين ..

وبالنسبة لموضوع دراستنا هذه فهي تضع يدنا على أصل بعيد من أصول ما ذكرناه من تززيف الحقائق وقلة احترام الناس للحق ..

ذلك أن نجاح الثورة السريع – والسهل كذلك – قلل من أهمية الدور الذي قام به العدد القليل جدا من الرجال الذين قاموا بالضربة الأولي واحتملوا صدمة الاستيلاء علي مبني القيادة العسكرية في كوبري القبة .. فإن العملية كلها لم تدم أكثر من نصف ساعة والهجوم الحاسم قام به ثلاثة : يوسف صديق وعمر محمود على وفؤاد عبد الحي ... والباقي كلهم وقفوا عند التنفيذ في الصفوف الثانية وما يليها .. وهذا لا يقلل من أقدارهم.. ولكن الثورة إذا كانت قد فشلت فهؤلاء الثلاثة هم الذين كان يحق عليهم حكم الإعدام أما الباقون فكانوا سيعاقبون ولكن بعيدا عن الإعدام ..

وكان النجاح السريع للحركة وقلة المسئولين الأساسيين عن التنفيذ ضارا بالثورة في النهاية .. ولو أن الثائرين حاربوا شهرا أو شهرين أو سنة مثلا لتحددت بدقة أكثر مراتب رجال الثورة ومراكزهم والجنرال فرانشيسكو فرانكو ومن معه خاضوا غمار معركة الثورة الأسبانية على طول أربع سنوات ( 1933 -1936) ومات فيها مليون من الناس على الجانبين .. وعندما انتهت الحرب لم يكن هناك شك في أن فرانكو هو البطل الأول والأكبر للمعركة.. وأن خوسيه أنطونيو دي ريبيرا هو مفكر الثورة .. لأنه وقع في يد الأعداء وأعدم في البكانتي ( لقنت) في الشهور الأولي لقيام الثورة .. فأصبح بلدك أول شهدائها ولم يعد هنا مكان لأن يزعم رجل آخر أنه أول الشهداء ..

أما في ثورتنا فإن مساحة الصورة كانت واسعة .. الذين وقفوا في الصف الأول منها كانوا قليلين جدا .. والأمور تمت بسرعة لم يستطع احد معها أن يتبين على وجه التحديد من فعل ماذا ؟.. وأصحاب التدبير وهدوء الأعصاب قفزوا بسرعة واحتلوا كل فراغ الصورة وأزالوا – دون صعوبة كبيرة القليلين الذين وقفوا في الصف الأولي .. والأمر هنا لم يقتصر – كما فعل ستالين – على قطع صورة رأس الجندي ووضع رأس نفسه مكانها ..

بل وصل الأمر إلى قطع رأس لينين نفسه ووضع رأس آخر مكانه .. وجمال عبد الناصر أزال صورة يوسف صديق ومحمد نجيب .. والرئيس السادات في احدي رواياته لأحداث الثورة صغر حجم الرئيس محمد نجيب حتي أصبح لا يكاد يري .. واسقط ذكر يوسف صديق وعمر محمود وفؤاد عبد الحي جميعا .. وبذلك أخلي المقاعد الثلاثة الأولي لجمال عبد الناصر وعبد الحكيم ولنفسه .. على الترتيب .. وبعد وفاة عبد الناصر ووصوله إلى الرياسة وضع نفسه في البداية ويليه – وعلى مسافة محترمة – جمال عبد النار وعلى مسافة غير محترمة وضع عبد الحكيم عامر .. وبعد مدة قصيرة أعيد شمل الصورة واتسعت فيها مساحة السادات حتي لم يعد هناك سواه .

وهذه كلها حقائق حزبية حول أسلوب العمل ذي ذلك العصر الحزين عصر العدوان الذي ملأ قلوبنا بالأحزان .. وأصل أحزاننا بدأ من الروءس أو الكبار.. فهم كانوا البادئين بالعدوان على المراكز والقيادات .. وأحزاننا كلها خلال ذلك العصر بدأت عندهم .ز وعلى الدرب الخطر سار مماليكم وأتباعهم .. والعصر كله عصر ظلم شامل لم يتوقف عن التوسع كأنه الحريق الهائل..

كل ذلك لا يهنا في المكان الأول .. ولكن الذي يهمنا حقا هو أثر تلك العمليات في الأخلاقيات التي سادت عصري عبد الناصر ثم أنور السادات .ز فإن تراث ليلة 23 يوليو للثورة كان شعب مصر : هو الذي أيد وناصر وتحمل وغطي على أعمال الاغتيال المعنوي أولا ثم المادي بعد ذلك , التي كانت تدور بين رجال الثورة .. والحقيقة أن توزع الكراسي بعد النصر لم يتناسب قط مع حقائق الأدوار .. وجمال عبد الناصر بعد انتصاره على محمد نجيب ثم على زملائه الذين وزع عليهم الكراسي بحسب تقديره إياهم احتاج إلى رجال يملأ بهم فراغ الصورة فمد يده وأتي بناس من الصفوف الخلفية ووضعهم محل أصحابه الأول ...

وعبد الحكيم عامر دفع من قلعته في القوات المسلحة برجال آخرين .. كل ذلك والبطل الحقيقي للثورة وهو الشعب لا يدري .. فإنهم لم يقولوا له شيئا .. والدولة أقامت وزير إرشاد وإعلام وظيفته ألا يعرف الناس شيئا .. وكان على الشعب أن يرضي بدوره الذي حدوده له في الرواية : دور الهتاف أو التهتيف بينما انتزعت التركة المادية لعصر الملك والباشوات من أصحابها ولم ترد إلى الشعب .. بل استقرت في جيوب من وضعوا اليد عليها .. ولم تعد الثورة ثورة مصر بل ثورة عبد الناصر .. بل إن اسم مصر كلها حذف وأصبحت مصر الإقليم الجنوبي للجمهورية العربية المتحدة وهي سلطنة عبد الناصر والذين وصلوا إلى قريب من السلطان ثم إلى السلطان المساعد أصبحوا أصحاب كل شئ..

محل الولاء لمصر حل الولاء لعبد الناصر .. وعلم مصر ذو الهلال والنجوم زال وحل محله علم عبد الناصر ... ومصر نفسها لم يعد لها وجود حتي يكون لها ولاء وعلم ومحل الاستحقاق والأهلية والعلم والنزاهة والشرف واحترام النفس حلت ثقة عبد الناصر ..

وأقرأ مقالات " أزمة المثقفين " لكاتب ذلك العصر وتعجب كيفما شئت من أن حق العطاء والمنع .. حق الثواب والعقاب بل حق الحياة والموت انتقل من الله سبحانه وتعالي إلى جمال عبد الناصر وحق الشفاعة انتقل من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كاتب العصر ومن في مستواه من مماليك السلطان .. ولماذا نكتب هذا الكلام ..؟

لوجه الله وحبا لمصر .. فما رأيت عبد الناصر في حياتي ولا دار بيني وبينه حديث إلا في موقف واحد وهو موقف لا يستحق حتي أن يذكر .. والرجل لم ينفعني ولكنه أضر بي لأنه أنزل ببلادي مساءات كبري وأنا أقول إنني أتمني لكل رئيس من رؤساء مصر أن يكون جمال عبد الناصر في شجاعته وقدرته على صنع التاريخ وقيادة الحوادث وجلال شخصه وجمال صورته .. ولكنني لا أتمني له أن يكون جمال عبد الناصر في عدوانه علي الناس واحتقاره للقانون وحقده على ناس بعينهم واستصغاره للعلم وأهله وعدم توقيره للقضاء .

ولكن الثمن الذي دفعناه ليرتفع تمثال عبد الناصر كان باهظا فعلا وتركته ثقيلة جدا.. وإذا أمكن القول أن الخسائر المادية يمكن تعويضها .. فإن الخسائر المعنوية عسيرة التعويض . وإلى يومنا هذا نحن نخوض معركة إصلاح التركة المعنوية .. والذين ألقوا بمسئولية التدهور الإداري والجرأة على أموال الدولة وفساد الإدارة واللامبالاة وضعف الانتماء القومي وما إلى ذلك على أنور السادات وحده يبدأون القصة من منتصفها الذي يعجبهم .. وكلامي هذا معاونة من مواطن متواضع لرئيس جديد صافي القلب ناصع الضمير من أبطال مصر فعلا .. فإن حقه علينا صدق النصيحة وقول الحق والحق في أيام عبد الناصر كان جناية وفي عصر السادات أصبح جنحة ونريد صادقين أن يصبح الحق في أيام مبارك رأس الفضائل جميعا ...

وسأقص هنا قصة من قصص العصر الناصير شهدتها بنفسي واجتهدت وسعي في تلافي أضرارها وأنا أحيكها هنا لأنها تصوير حقيقي للجو الذي عاشت فيه مصر أيام عبد الناصر والطريقة التي كانت الأمور تدار بها في ظله والقيم التي حكمت سير الأحداث خلال الستينات كلها ,وأنا أحيكها لأنني لا أتمني أن تتكرر وأحذر أهل وطني من الظروف التي جعلت وقوعها ممكنا .. وكعهدي في هذه الدراسة لن أذكر الأسماء ... وتاريخ العصر كله تاريخ وثائق .

والشهادة فيما أروي لله وحده ولن أذكر البلد الذي وقع الحادث فيه حرصا على سمعتنا هناك . ثم إن القارئ يفهم عني , وعدد كبير جدا من المواطنين سمعوا بالحادث والآن آتيهم به على حقيقته ..

كان ذلك يوم من أيام أبريل في سنة من سنوات الستينات وكنت أيامها اعمل مستشارا ثقافيا في احدي سفاراتنا ومديرا لمعهد الدراسات الإسلامية هناك .. وكنا أنا وزملائي فى المعهد نبذل أقصي الوسع في إنجاز المبني الجديد للمعهد والمحافظة على ذلك المبني الجديد من عدوان السفير.. والسفير كان مملوكا كبيرا من مماليك السلطان عبد الناصر وبعد أن جعله وزيرا أبعده إلى مدريد سفيرا .. بالضبط كما " نفي " السلطان قلاوون مملوكه المير أرجون إلى بلاد الشام وجعله نائبا للسلطان هناك وقال له فيما يحكي أمير المؤرخين المصريين أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي : والله لو عدت يا خشداش الكلب قصفت رقبتك..

ولكيلا تقصف رقبة السفير جعل يتسلي يقصف رقبة كل قرش تصل إليه بده من أموال الدولة .. ولابد أن أقول هنا إحقاقا للحق أن الرجل كانت في أعماقه شهامة واحترام لمن يحترم نفسه وتقدير للعلم وأهله .. وست سنوات عملت فيا معه لا أذكر أنه أساء إلي بكلمة .. وليس بيني وبينه أى خصومة تميل بي عن الحق ا, تحملني على إيذائه براوية القصة .. وعندما لقيته بعد سنوات وقد تاب إلى الله وأطلق لحيته وتوجه للحجاز سألني أن أدعو له وقلت له :

سيدي السفير إن الله سبحانه وتعالي يغفر من الذنوب كل خطأ في في حقوق الله – عدا الشرك - كالتقصير في العبادات والكذب والنفاق وما إلى ذلك ويغفر لك من ذنوبك ما وقع ضرره على شخصك مثل الخمر ولكنه لا يغفر للعبد عدوانه علي حقوق الناس أنفسهم وجوارحهم وأموالهم :

قال : تصدق يا فلان أنني قارفت من هذه الأخيرة شيئا .

على أى حال انت ذاهب إلى الله سبحانه وهو أعلم مني ومنك ما كان وما لم يكن ومغفرته تسع مل شئ .

أقول إن هذا السفير استدعاني إلى مكتبه فأسرعت إليه لأجده جالسا في مكتبه وكأنه غضنفر غاضب يكاتم سورته , والمستشار الصحفي أمامه منكمش داخل نفسه كأنه قط يتوقع وثبة الليث.. والملحق العسكري جالس ممدد الساقين وفي عينه لمعان غريب واحيي فيجئ الرد بنفس الصوت الذي تسمعه في رد التحايا في صيوانات العزاء .. والسفير يسأل في قلق عن المستشار . .. والمستشار كان قد خرج لبعض شانه ويعود قريبا إذن فكلنا في انتظاره ..ويعود فيستدعونه إلى مكتب السفير ويدخل ويحي ويقف في وسط الحجرة .. وتدور عينه بحثا عن كرسي فيقول السفير ..

- فيه حاجة يا سيادة السفير ؟

- إنت قلت إيه لسامي شرف ؟

- سامي شرف .. أنا لم أقل له شيئا ..

- بل قلت كثيرا وأريد أن أسمع ما قلت كلمة كلمة ؟

- إذن فهو تحقيق .. وإذ كان تحقيقا فأنا أريد تحقيقا رسميا ولجنة تحقيق ..

- لجنة رسمية يا ابن الكلب يا حرامي يا ضايع يا شحات ..

- ( معذرة فأنا لم أذكر هنا إلا أقل ما قيل من الشتائم والباقي يجرح الحشمة .... والغضنفر وقف والشرر يتطاير من عينيه والكلام يخرج كأنه الحمم ): جبتك من الشارع وعملتك بني آدم ووكلتك ولبستك يا جعان يا قليل الأصل ..

- يا سيدي السفير .. أنا لا أسمح..

ويندفع السفير نحو وهو يقول : وأنت مين أنت اللي تسمح أو ما تسحمش .

والملحق العسكري ينهض بحجة أنه يحول دون الشرب " يكتف : المستشار الصغير الحجم وكان ظهره قد أصبح في الحائط والسفير ينهال عليه بالضرب .. وأنهض لأحول بينهما ولكن هيهات .. فإن الضرب ينهال والمستشار يصيح :: شاهدين ... شاهدين .. ويسيل دمه والسفير يمزق له القميص ويقطع رباط الرقبة .. ولا أحد يسمع صوتي وأنا أرجو السفير أن يتمالك نفسه .ز فهذه أول مرة أري فيها رجلا محترما يضرب على هذا النحو .. وأري السفير يخلع حذاءه ويمسك بمقدمته ليضرب بالنعل ويملكني الخوف من أن تقع كارثة .. فضربة على الرأس من هذا النعل تكفي لقتل المستشار .. وأمسك بيد السفير وفيها الحذاء وأرجوا ألا يفعل ..ودم المستشار أصبح يسيل الآن بغزارة.. ونستخلصه من الموقف ونمضي به إلى الباب ..والملحق العسكري يبتسم فرحا بما حدث والسفير يقول : لا يخرج هذا الكلب من السفارة وأغلقوا الأبواب .. ويصعد المستشار السلم إلى حجرته ودمه يسيل على وجهه كله جروح وكدمات .. والسفير يستدعيني والمستشار العسكري ويقول : أريد منكما أن تقوما بجرد مكتبه وعمل محضر رسمي .. ابن الكلب الشحات بقي بني آدم .. جبته من الشارع عريان بفانلة ودلوقت عنده عمارة وأتومبيلات وفلوس ..

وصعدنا إلى غرفة المستشار لعمل الجرد .. إنه جالس على كرسي ورأسه إلى الوراء ليوقف رعافا أصابه ... جاكتة مقطعة على حجرة وقميصه مهلهل .. وملحق شاب في السفارة يدخل ليحضر الجر مرسلا من السفير ,وعلمنا فيما بعد أنه مخابرات .. ورغم كل ما أصاب المستشار من الضرب والأذى وما سال من دمه فهو يقظ متمالك أمره كالنمس .. نطلب منه مفتاح المكتب فيناولنا إياه .. ونفتح ونخرج الأشياء وهو ينظر يعيني الصقر ..

ونحن نسجل ما نخرجه من الأدراج قطعة قطعة .. ونجد منشورات بالرونيو مما ترسله الوزارة فنكتب : عدد كذا من المنشورات فيقول : منشورات لا .. قولوا خطابات دورية ومطبوعات .. إنه يعرف أن لفظ منشورات قد يذهب به في داهية فهو رجل مخابرات وتحقيقا .. ونجد في الدرج فيلما ونريد أن نسجله فيقول : بلا شده يا دكتور .. دي حاجات شخصية .. أحرقه أرجوك .. وأوافق على حرقه .. والملحق الجاسوس يجري ويبلغ السفير بأننا حرقنا فيلما ..والسفير يستدعيني ليحاسبني على ذلك ..وأقول له إنه كان فيلما خاصا ولا دخل له في الجرد ..

- خاص .. يعني إيه خاص .. أنتم متآمرون معه عليّ..

- سيدي السفير .. كان فيلما خاصا به وبسيادتك..

- وتتسع عين السفير ويقوم مسرعا فيفتح الخزانة غلى جواره ويبحث فيها ويقول : المجرم سرق الخزانة .. فين الفيلم ..

- حرقناه ..

- هاته لى محروقا ..

- ونأتيه به فيرتاح قلبه ويقول : كوي الي اتحرق .. ولكن هذا الكلب لن يخرج من السفارة.. سأقيده واحبسه في البدروم ..

- وينادي السواق والفراش .. وكلاهما مخابرات ويصدر الأوامر .. حاضر يا فندم وأقول :

- هذا غير ممكن يا سيدي السفير.

- مفيش حاجة اسمها مش ممكن .. واحنا بقالنا عشر سنين بنضرب ونحبس... إيه اللي تغير في الدنيا.. إحنا في أوربا يا سيدي السفير..

- هذه سفارة أرض مصرية .. وده مصري واحنا أحرار نعمل في أرضنا زي ماحنا عايزين ومحدش له دخل .. أنا قلت الولد ده راح يتحبس في البدروم مكتف يعني يتكتف ويتحبس..

- يا سيدي السفير هذا غير ممكن .. السفارة أرض مصرية .. ولكن ذلك لا يخرجها عن السيادة المحلية والسفارة لها حارس رسمي من رجال البوليس هنا ... وتحويل بدروم السفارة إلى سجن والاحتفاظ بسجين محبوس مقيد فيه أمر ممكن أن يؤدي إلى عواقب وخيمة ..

- وخيمة.ز فيه حاجة اسمها وخيمة عنادنا..؟ الظاهر أنك مش في الدنيا يا دكتور ..

عبد الناصر في بحر الظلمات

أواصل هنا حكاية قيام السفير المصري بضرب مستشاره ومستشار السفارة .. والحادث هنا يهمنا لأنه يصور لنا بشكل واضح جدا عقلية السوبر باشوات .. وكيف كانوا يديرون مصر على أنها ضيعة هم أصحابها وسادة كل من فيها.. ولا وجود في تفكيرهم أو تصرفهم لشئ اسمه وطن أو مواطنون أو قانون ..

السفير ضرب المستشار ومزق ملابسه وأسال دمه .. وهو بعد ذلك يريد أن "يكتفه" ويحبسه في بدروم السفارة حتي يقرر ما هو فاعل به بعد ذلك .. وأحاول صرفه عن هذه الفكرة فيقول : يظهر انك مش عايش في الدنيا يا دكتور..

وأقول: على أى حال .. قد قلت لك رأيي.. وأنت السفير وصاحب الأمر في هذه السفارة ..ويقول الملحق العسكري الذي سره كل ما حدث : احبسه فيه ... عندي ستة من الحرس في المكتب وسأجعلهم بعضهم يقفون على مدخل بيته ولا يسمحون له بالخروج ويمنعون الدخول عليه أو الخروج من عنده ..

والفكرة على غرابتها تعجب السفير فيقول :

- وأنا أرسل من هنا اثنين .. وعليك أنت ترتيب الحراسة بحيث تكون دائمة ليلا ونهارا..

- ويقول الملحق الشاب الجاسوس:

- وأنا على مراقبة التليفون .. أنا أعرف مدير قسم كبير وبعض البنات في التليفونيكا .. وبش قليل من المال نستطيع مراقبة تليفونه وتسجيل كل مكالمة منه أو إليه ..

- برافوا عليك .. وفلان - يريد الملحق العسكري – يدفع لك كل المصاريف ..

وكنت أعرف أن ما يقوله هذا الملحق العسكري مستحيل .. فم راقبه التليفونات في البلد الذي نعمل فيه كانت موجودة إذ ذاك .. ولكنها كانت اختصاصا من اختصاصات الدولة ومخابراتها.. أما مسألة المدير الذى يعرفه والبنات واللائي يعرفهم فلم يكن لهن في الواقع وجود ولكن الذي كان له وجود هي النقود التي سيأخذها .. وهي نقود بلا إيصالات لا عند الأخذ ولا عند العطاء .. مثلها في ذلك مثل الاعتمادات التي كانت تعطي لبعض المكاتب الفنية الملحقة بالسفارات .. فقد كان المفروض أنها تدفع رشي .. ( رشاوي ) لبعض الناس مقابل " خدمات " وواحد منهم أخذ مالا كثيرا وزعم انه أنفقه في تنظيم مظاهرات قال إنها خرجت تهتف بحياة الرئيس عبد الناصر في قلب عاصمة أوربية كبري ..

وواحد آخر منهم وقع في يده مقال يمدح الرئيس عبد الناصر ومعه رسم كاريكاتوري لطيف له يعبر عن قوته أمام الأوروبيين .. فيقطع المقال والرسم ويعطيه لمن يترجمه إلى العربية ثم يرسله إلى القاهرة ويزعم أنه أعطي الكاتب مبلغا كبيرا من المال وأعطي المصور مبلغا آخر .. وقال إنه لم يستطع أخذ إيصالات منهم , لأن أمثال هؤلاء الكتاب الكبار لا يوقعون على إيصالات قط .. ثم وضع النقود في جيبه ..والمقال أ‘جب رؤساءه في القاهرة فأرسلوا له حطاب شكر وتقدير .. وسيادة الرئيس أمر بزيادة اعتمادات الدعاية في مكتبه ..

وبالفعل سمح للمستشار بأن يعود إلى بيته ووضعت عليه الحراسة .. والحراس كان بعضهم رجالا في غاية السذاجة الجهل ..ومن أول ساعة استطاع المستشار أن يخدعهم واستدعي طبيبا كشف عليه وأثبت إصاباته .. وكتب تقريرا قال فيه إنه أصيب بارتجاج في المخ وأن ذلك سيسيبب له عاهة مستديمة وربما عجزا تاما عن العمل .. والطبيب استدعي طبيبن آخرين من مستشفي كبير .. وعقد الثلاثة " كونسولتو" بعد أن كشفوا على المخ والقلب بالكهرباء .. واعتمدوا التقرير مع بيانا الفحوص الكهربائية من إدارة المستشفي ومن وزارة الصحة وكل شئ بثمنه ..

وعندما اطلعت على هذه الكشوف والتقارير والمعتمدة بكل ما يمكن تصوره من أختام قلت في نفسي : إذا كان هذا السفير داهية .. فإن المستشار مارد من الجن..

ورغم تهديدات السفير فإني ظللت أزور المستشار .. وفهمت منه ان السفير كان قد سحب منه جواز سفره حتي يمنعه من السفر ..

وإلى هنا والحكاية – على بشاعتها – ربما كانت لا تستحق هذه الوقفة الطويلة عندها .. ولكن الذي حدث بعد ذلك كان أغرب .. وهو يدل على نوع الحكم الذي يسودنا في عصر السوبر باشوات من القمة إلى القاعدة ..

فقد مر بنا في تلك الأيام رجل يعمل في الرياسة وفهمت أنه ممن كانوا يستطيعون الدخول علي جمال عبد الناصر والخلوة به ليقول له ما يريد وعبد الناصر الذي كان يتعالي عن يقابل وزراءه كان يمنح ساعات من وقته لشاويشيه وخدم.. وكان يسمع لهم ويتأثر بكلامهم .. وجمال حماد الذي تعجب في كتابه ( 22 يوليو ص 206 -207) من أن الأخبار الهامة أيام الملك فاروق كانت لا تصل إليه إلا عن طريق محمد حسن السليماني شماشرجي الملك وأمينه الخاص " وحلقة الاتصال الوحيدة به " لابد أن يكون قد غير رأيه فيما بعد عندما رأي بنفسه أن أقرب الناس إلى عبد الناس كانوا في كثير من الأحيان أقل من الشماشرجي محمد حسن السليماني .. ونحن الذين نقرأ تاريخ دول الإسلام نعرف ان الذين كانوا يصنعون الخلفاء والسلاطين كانوا في معظم الأحيان الخصيان والنسوان وهذه كلها نتاج طبيعية للاستبداد..

وهذا الرجل من الرياسة سمع القصة من المستشار .. وجاءني ليسمع روايتي .. وأخذ معه حرم المستشار إلى القاهرة ودخل بها علي عبد الناصر .ز فحكت له الحكاية وأطلعته على قميص عثمان ( أقصد قميص المستشار الممزق وفيه بقع الدم ) .. فهل تتصور أن الرئيس استنكر الأمر أو هاله شئ فيه ..؟

لا والله .. ولا هو سأل السفير في شئ مما فعل .. إنما هم عملوا جواز سفر دبلوماسيا جديدا للمستشار وعادت به إلينا ..ولا أدري كيف ختموه في السفارة ليبدو أنه عمل فيها بدلا من جواز السفر المفقود واعتمدوا من الخارجية .. كل ذلك فعله وأداره من بيته ذلك المستشار الذي كان راقدا في سريره يعاني – فيما قالوا – من حالة ارتجاج في لمخ وإصابات ربما سببت له عاهة دائمة وعجزا تاما عن العمل ..

وأكون في بيتي ليلة فإذا التليفون يستدعيني .. وإذا المستشار يكلمني من المغرب خرج من بيته وأخذ سيارته ( المراقبة ) ووصل بها إلى جبل طارق ثم عبر إلى المغرب .. وهنا استقبله زميل له مستشارا سفارة أيضا كانت لديه تعليمات " بإحسان " استقباله وصرف راتبه وملحقات المرتب وتيسير سفره إلى القاهرة ثم نسمع بعد ذلك أنه عين مستشارا في سفارتنا في بلد عربي..

والذي علمناه بعد ذلك عما كان بين السفير ومستشاره قبل ذلك جعلنا نوقن تماما أننا نعيش في عصر عجيب مخيف .. فهناك داخل السفارة منافسات على نسوان وبنات . وهناك أموالا تصرف بلا حساب والقانون لم يكن في أجازة فحسب .. بل كان قد مات ودفنوه .. ورئيس الدولة كان يعلم هذه الحكاية وأبشع منها .. وكل ذلك كان عنده معقولا أو عاديا على الأقل ... فإنه هو نفسه أزال القانون ووضع نفسه محله ..

ولم يكن يستطيع –بداهة – أ، يعلم كل شئ .. فتولي الأمر من دونه السوبر باشوات دون حسيب أو رقيب .. ولا قيمة لإنسان أو لنفس أو دم .. وكل شئ أصبح جائزا ما دام يخدم أغراض السلطان أو السلطان المساعد .. وقد سبق أو أوردت صورة قرار جمهوري بالقبض على رجل معين " وآخرين وعندما تصل الفوضي والاستهانة إلى هذا الحد فمن العبث أن تتعجب من أي شئ ..

وأسمع هذه الحكاية .. وأنا لا أري حكايات .. بل آتيك بشواهد ودلالات تصور لك " نظام حكم السوبر باشوات وما كان يجري فيه . وهناك الكثيرون غيري ممن كانوا يعيشون مصر ويعرفون أكثر مما أعرف ..ولكنني هنا أقتصر على ما شهدته بنفسي وأستطيع القطع بصحته..

في ذات يوم يزورني – بتوصية وتزكية من السفارة – رجل طويل أصلع في الأربعينات من عمره قيل لى أنه موظف كبير مكلف بمهمة قومية تتعلق بمساعدة مصر لثورة الجزائر .. كان ذلك في أوائل 1960 ..

وقد قضي الرجل معي أكثر من ساعتين .. أطلعني على أوراق قال إنها بها وثائق سرية .. وبعد أن حكي الحكاية وترك الأوراق عندي إلى بعد الظهر فقد كان مدعوا للغداء مع السفير .. وجلست أفحص الأوراق واحدة واحدة .... كانت مراسلات وعقود شراء بها يزيد على المليون دولار بقليل من شركة اسمها شئ مثل المبادلات التجارية الدولية ومركزا في بروكسل .. وفهمت من الأوراق أنها كانت تتعلق بصفقة أسلحة وذخائر تشحن على سفينة من ميناء طنجة لتوصيلها إلى ثوار الجزائر في نقطة محددة على الساحل قرب مستغانم .. وقد بحثت فيما بعد عن هذه النقطة – وهي ميناء كما قيل في الوثائق – فلم أجدها ورجعت في ذلك إلى أطلس المستعمرات الفرنسية وفيه أوسع خرائط سواحل المغرب ... فلم أجدها .

وقد قال لى هذا الرجل شفاها أنه هو ومعاونيه دفعوا المبلغ كله على أقساط آخرها كان قبل تاريخ التسليم المتفق عليه بأيام ولكني لم أجد في الأوراق إلا إيصالا واحدا بنحو 98000 دولار والباقي بيانات من رجال مصريين يقولون إنهم دفعوا كذا بتاريخ كذا.. وإلى جانب كل بيان منها إمضاء هو مجرد قوس أو عقدة وعليها ختم الشركة ...

والذي حدث غ،هم – كما قال لي – بعد أن دفعوا الثمن كله إلى مركز الشركة في بروكسل فلم يجدوها في الشقة التي تعودوا أن يذهبوا إليها .. ولا وجدوا الافتة أو أي دليل على ا،ه كانت هناك شركة .. وعندما دقوا الجرس وفتحت لهم الأبواب وجدوا امرأة عجوزا محتالون وإنه يسكن هنا مع امرأته من ثلاثين سنة .. وهددهم بإبلاغ البوليس وأغلق الباب .

قلت : ولكن هذه الشركة لابد ا، تكون في بيان الشركات او في الغرفة التجارية في بروكسل..

فقال : لم نبحث ولم نسأل .. ولماذا نسأل وهذه هي بطاقة الشركة وخطاباتها وظروفها وعليها كلها البيانات الوافية مع أرقام التليفونات والسجل التجاري وكل ما شئت من البيانات ز. وهذه بطاقات المدير مساعده ورئيسه السكرتارية...ثم أطلعني على صور يؤيد بها دعواه:

صور له وبعض مساعديه في بيت المدير وعلى الشاطئ .. مع بناته .. لأن العلاقات بينهم لم تكن مجرد علاقات عمل .. بل علاقات عائلية .. والرجل ومساعداته من البنات يجلسن مع أصحابنا الذين فاوضوا على الصفقة وعقدوها في جلسات لطيفة كلها ود وصفاء و" آخر مزاج" على شاطئ أوستند ولكن هذا الرجل كله وشركته والسكرتيرات الجميلات والشاليه العائلي على البحر .. كل هذا اختفي الآن ومعه المليون دولار وزيادة . مكان هذا كله ليس لدينا إلا رجل عجوز وامرأته وشقة يقولان أنهما يسكنانها من ثلاثين سنة ..

وسفارتنا في بركسل ما رأيها في الموضوع ؟

سفارتنا هناك لا تعرف عن هذا الموضوع شيئا .. لا شأن للسفارات بمثل هذه العمليات ..

والمطلوب مني ؟

قيل لنا أنك تعرف طنجة جيدا وأن لك صداقات بالمسئولين فيها .. وأنا الآن ذاهب إلى هناك لكي اتصل بمكتب الشركة هناك وأعرف ماذا تم في حكاية الأسلحة وكان المفروض أ، يشحنها رجال الشركة على سفينة أسمها دافني من سبعة شهور ..

- قلت :

- حتي أستشير السفير ..

- قلت لك لا علاقة للسفارات بهذه الموضوعات..

- ولكنك اتصلت بي عن طريق السفير .

- كان لابد أن أتصل بالسفارة لكي يعلموا – مجرد علم – أنني أتيت إلى هنا ما كلفوني .. والسفير لا يعرف من ألمر شيئا ..

- أخي أريد أن افهم .. أنت تغديت مع السفير أمس وفهمت منك أنه على علم تام بهذا الأمر .

- إنه لا يعلم شيئا.. لا تنس أنه رجل سوري .. وهذه مسألة مصرية .

وكان ذلك أيام الوحدة مع سوريا - والسفير كان رجلا ممتازا ولكن السفارة كانت " شوربة " وزير مفوض سوري ومستشار مصري وسكرتير أول سوري وسكرتير ثاني مصري .. وضابط طيران سوري طائش متزوج من بنت مصرية كأنها طفلة .. وأمها سيدة متصابية مصبوغة الشعر والوجه تبحث لنفسها عن عريس .. وملحق عسكري مصري يقيم في باريس .. ومساعد له سيأتي إلى هنا ونحن في انتظاره .. والوزير المفوض السوري كاره للوحدة مع مصر يلعنها في كل مكان لأنه ان قبل الوحدة يتسلم اعتمادات سفارته بالدولار ويحول منها بالعملة المحلية ما يعادل ميزانية سفارته وضع الباقي في جيبه ..ويزعم أنه من أبطال تحرير سوريا ويقول : حررناها من الفرنسيين ليستعبدها المصريون ..

وسط هذه الفوضي كلها يأتينا ذلك الطويل الأصلع بحكاية حجمها مليون دولار انشقت الأرض وبلعتها .. وأحكي الحكاية كلها للسفير فأجد خبرها كله عنده .. لقد قصها عليه صاحبنا على الغداء .. ثم يقول لى أن السفير لا يعلم شيئا .ز كذب على طول الخط ويقول السفير :

- وتريد أن تذهب معه ؟

- لن أتحرك من هنا ولو طلبت أنت إلى ذلك ..

- ذلك رأيي أيضا .. سأقول له إنني لا أستطيع أن اسمح لأحد من أعضاء السفارة أن يشترك في مهمة لا بناء على أمر صريح من الخارجية .. ولكن كيف نقولها له ؟

- لا عليك أيها السفير لأنني لا أظن أنه سيتمسك بسفري معه .. لقد أحس إنني لا أصدق حرفا مما قال..

- وبالفعل .. لا هو سأل عني بعد ذلك ولا أنا سألت عنه ..

- وتنقضي على ذلك ثلاث سنوات .. ويأتينا سفير من مماليك السلطان ويسالني عن هذه الحكاية فأحيكها له وأقول له :

- ألم يعلم أحد شيئا عن مصير المليون دولار؟

- مليون إيه دكتور .. دول ثلاثة وأربعة وخمسة ... وزي الحكاية دي كثير..

- كلها ضاعت .؟

- كلها نهبوها .. وحكاية المكتب الذي يتعاقدون معه ويدفعون له الفلوس ثم يختفي بما فيه تكررت في بلجيكا وفرنسا وإيطاليا وهونج كونج وأصبحت روتينا..

- وبعد أيام رأيه صورة لهذا الطويل الأصلع مع مدير الشركة وأمراـه في الشالية على البحر فيتأملها ويقول :

- هو بعينه ..

- وتعرفه يا سيدي السفير ؟

- وكيف لا أعرفه وقد كنت أمباشي الكلية ؟ أ،ه من دفعة عبد الناصر .

- ولابد أنه في السجن الآن؟...

- سجن .. سجن إيه يا حضرة ؟ إ،ه الآن مدير شركة أقطان وشريك الإمام الليثي في الإسكندرية .. هذه حال بلدنا : عبد الناصر يرفد وعبد الحكيم يعين ..

- ولكن .. من هو الإمام الليثي يا سيدي السفير ؟

- حتي الإمام الليثي لا تعرفه .. ألم أقل لك إنك لست معنا في هذه الدنيا !

- وفي تلك السنوات – بعد الانفصال عن سورية خاصة – بلغت فوض الحكم في مصر ذروتها والخلاف بين عبد الناصر وعبد الحكيم عامر أصبح حربا أهلية ..

- وعبد الحكيم عامر السلطان الذي كان نائما في قصره ومقر ملكه في دمشق صحا يوما ليجد مماليكه الشوام قد خلعوه ووضعوه في طائرة شحنوه إلى مصر مع عتاولته الذين كانوا يتصرفون في سوريا كأنهم سادة عظام هبطوا من السماء ليصلحوا الكون .. وأموال بلدنا تجري بين أيديهم كأنها ماء الترع, وسهراتهم عربدتهم في شقق سكنوها في ضواحي دمشق كانت حديث الناس , وبنات سوريا بيضاوات شقراوات , ومكتب عبد الحكيم عامر هناك يتضخم ويزداد عددا , والجنيهات المصرية تشتري من أسواق بيروت برخص التراب وترسل إلى مصر في حقائب مكتوب عليه :" سري جدا" وملحقنا الثقافي هناك يرحمه الله يكاد ينفجر من الغيظ , ومكاتب الإعلام في دمشق وبيروت تبتكر الأعاجيب عن موت الناس في حب عبد الناصر .. ونشرات الدعاية التي لا تقرأ يدفعون فيها أموال قارون من أموال أتعس فلاح في الدنيا إذ ذاك وهو الفلاح المصري الذي كان مستورا أيام الإقطاعيين فأصبح معدما بعد نعمة الإصلاح الزراعي , فإن محاصيل القطن والأرز والبصل وما إليها لابد أن تصدر إلى روسيا وبلاد الكتلة الشرقية وفاء لأثمان الأسلحة التي ضيعنا معظمها في وديان الشياطين في حرب اليمن والأيرليفت من القاهرة إلى صنعاء أصبح شريانا مفتوحا ينزف دم مصر .. والفلاح عليه ا، يعمل كرقيق الأرض لأن مدد الأسلحة لابد أن يستمر .. خروتشيف يمتدح عبد الناصر ليبيعه أسلحته القديمة التي لم تعد تنفع روسيا في شئ , وحرب اليمن تصبح كابوسا على قلب عبد الناصر .. ولكنه لا يستطيع مساءلة عبد الحكيم , وحلم عبد الناصر البعيد في إرهاب أولئك الذين رفضوا الطاعة له من حكام الجزيرة يصبح كل يوم أبعد , والمشير عبد الله السلال يصاب بحالة اكتئاب ويدخل المستشفي ويرسلون إليه المرحوم إسماعيل يسن ليضحكه ولكنه لا يضحك ولا يتسلي .

- وتصل الأزمة بين عبد الناصر والمشير ذروة من ذراها . ويخاف ماليك السلطان السلطان المساعد العاقبة فيتوسطون بين الرجلين محافظة على الإقطاعيات التي كانوا يتربعون على عرشها واحتفالا بالصلح لابد أ، تدخل مصر في عهد جديد من الإصلاح الحقيقي لا " للعب العيال " كما كان سفيرنا الذي كنا معه يسميه المؤتمر الوطني العام وعشرات اللجان تنعقد والمصريون الطيبون يتنافسون في تقديم أحسن ما لديهم لخدمة وطنهم وسفيرنا يعلن أنه ذاهب إلى القاهرة وأسأله :

- - لكي تحضر المؤتمر الوطني ؟

- مؤتمر وطني إيه يا حضرة ؟ هذان الاثنان إذا اصطلحا انخرب بيتنا , لابد أن أكون هناك وإلا كنت أحد ضحايا الصلح ولا يمكنني لانتظار حتي يجئ في الحقيبة خطاب يقول : اطلب الموافقة على أن يكون فلان سفير بعدك..

- وذهب .. ولم يحضر المؤتمر ولكنه زار هذا وزار ذاك .. وأخذ " من ده خمسة ومن ده خمسة " كما قال ولكن الذين تحمسوا للمؤتمر ورفعوا " الميثاق " إلى مراتب الكتب المقدسة كانوا أهل وزارة الطبل والزمر , وبعض الأبرياء المغفلين .. ظنوا حقا أن هناك عصرا جديدا وعرسا يقام لافتتاحه ومبادئ سامية ترسم للوصول إلى العصر الذهبي ..

- وعبد الناصر يتمشي بين لجان المؤتمر ويتنازل بالاشتراك في المناقشات ,وواحد من الأدباء تبهره أضواء الزفة ويظن أ، هناك فعلا عريسا يزف إلى مصر هو العصر الزاهر ويقف في إحدي الجلسات ويفتح قلبه كله ويقول كل ما في نفوس إخوانه , ويجلس بعد ذلك سعيدا بما فعل ويشعر بالراحة التي يشعر بها مريض فتح خراجا واستراح منه والمسكين السليم النية لم يعلم أنه خرج بذلك من رحمة الله "" ووقع الشيخ في حفرة " كما يقول شيوخ الحديث , وكان عليه أن يخرج من الحفرة بأسرع ما يستطيع وإلا عاني في بطن الحوت ما عاناه سيدنا يونس , وفي نفس المؤتمر قام هذا الأديب الطيب القلب وأعلن أن جمال عبد الناصر قد حرر الكلمة في مصر لكل معني الكلمة , وخرج من المؤتمر وهو لا يعلم إذا كان قد عرف " من أين يبدأ " أو من أين ينتهي ..

- والحقيقية أن محنة الفكر والعلم وأهلهما في ظل السوبر باشوات كانت شديدة جدا وأهل الرأي جميعا زلزلوا زلزالا شديدا وكان كاتب العصر وصاحب القلم الوحيد فيه يطرب لذلك ويحكي كيف" لعبط بوزير من وزارة التعليم العالي وسلط عليه كلاب الصيد فأكلوه وهذا الوزير كان محترما جدا, وكانت عنده أفكار كثيرة منها أراد ضبط أمور الجامعة وأخذ أعضاء هيئة التدريس بشئ من الالتزام وطلب إليهم ألا يكونوا ضنينين بوقتهم على الجامعة التي انت موجة التدهور وعدم الانضباط تتعالي فيها .. ويبدو أن عبد الناصر لم يرض عن هذه الحركة , لأن الجامعة عنده كانت الطلاب الذين يهتفون له ثم الفراشين أما الأساتذة وبخاصة أحرار الفكر وأصحاب الرأي منهم فلم يكن بينه وبينهم عمار وكان أحب الأساتذة إلى قلبه أولئك الذين يقفون ببابه كالمتسولين .. وكلما ألقي خطبة كتبوا المقالات فلسفتها وما تتضمنه من الآراء التي لم تخطر ببال أرسطوا أفلاطون فأوعز عبد الناصر إلى كاتب مصر الأوحد بأ يفتح صفحات الأهرام لأعداء الوزير المصلح فتعاوروه بالمقالات حتي أهلكوه ومصر كلها كانت في رحلة مخوفة في بحر الظلمات يرفرف عليها علم القراصنة الأسود ..

- ويحكي صاحبنا كاتب العصر والأوان وعبقري الصحافة والأزمان حكاية زميل له كان رئيس تحرير صحيفة منافسة .. ورئيس التحرير هذا كتب افتتاحية ذات يوم .. وقرأها الرقباء على الجريدة قبل أن تطبع .. وكانت الصحافة بناء على الميثاق " حرة تماما وعبد الناصر كما قال أخونا حرر الكلمة في مصر بكل معاني الكلمة وأمر الرقباء رئيس التحرير بأن يعيد النظر في مقاله وكان الوقت متأخرا والطبع قد بدأ , واصدر رئيس التحرير أمرا بإيقاف الطبع ومصادرة الأعداد التي طبعت , ووضع أي شئ مكان الافتتاحية التى ألغيت ولكن نسخها ذهبت إلى أصحاب الأمر والنهي القابعين في مراكز السلطان ..

- ويضحك الكاتب الكبير ويقول :-

هذه أول مرة نسمع فيها أن رئيس تحرير صادر نفسه . ها ها ها والحكاية حكاها – كما قيل لي فيما بعد – في جمع من الصحفيين الأوروبيين وهم على عشاء معه في البنت هاوس على سقف مبني دار الأهرام والبنت هاوس بالباء الثقيلة هي الدور العلوي الذي يقيمه الرأسمالي أو المدير العظيم في أعلي مبني إدارته لكي يتعشي فيه – وهو على سقف الدنيا – مع مديريه أو خلصائه ويشرب فيه مع خليلاته.. وحكاية أخري من حكايات محنة الفكر والعلم في ذلك العصر الزاهر : فقد كان السلطان قد تفضل واختار أستاذا من أستاذا من أستاذة كلية الحقوق وجعله وزيرا للتربية والتعليم واجتهد الرجل وأظهر همة كبري ومضي يصلح التعليم ويزور المدارس والمعاهد ويضبط الأمور ,وتحدث الناس عن ذكائه وقدرته وما يمكن ان ينال التعليم من خير على يديه وسمعنا نحن جميعا بذلك وحمدنا الله عليه , ولكن ذلك لم يكن يعجب السلطان .. فما كان يطبق أن يذكر الناس إسما إلى جوار اسمه والحكاية مشهورة والغيرة داء من أدواء السلاطين وكم من وزير من وزراء الخلفاء والسلاطين طارت رأسه ثمنا لاجتهاده وثناء الناس عليه وشئ من هذا حدث للوزير الهمام الناجح في ذات صباح وجد نفسه قد أقيل والخبر نشر في الصفحة الأولي من الأهرام بأصغر بنط في ركن خفي في ظل إعلان ضخم وأسأل كاتب العصر في ذلك فيقول :

- لا يستحق أكث من ذلك ..

- ولم يزد عليها كلمة .. ولا هو حتي زانها بابتسامة.. ‘نما هو نفخ دخان السيجار في الهواء وكأنه يبصق على شئ .

- والوزير المذكور هنا هو الأستاذ الدكتور محمد حلمي مراد ..وكنا نقارب نكبة يونيو 1967 ومحنة الفكر وأهل العلم ذوي الكرامة والرأي قد بلغت ذروة رهيبة والسجون غصت بالأبرياء وأعمال التعذيب وصلت دركات رهيبة وأصبحنا فعلا في هولوكوست .. وحكاية التأميمات والمصادرات أصبحت حريقا التهم كل ثورة وكل مال , وشملت الحركة محلات حلوي ودكاكين صغيرة ووراء كل تأميم وقف واحد أو أكثر من السوبر باشوات ينتظر كأنه مستحق في وقف والقرار يصدر من هنا ويستولي هو علي المحل بما فيه من هنا , وكل محسوب يفصل من وظيفة يعين مديرا الشركة و عضوا منتدبا لمجلس إدارة .. وناس أتوا من الشارع وتولوا إدارة وشركات كبري كانت كلها تربح فانتكس حالها وانحدرت إلى صف الشركات الخاسرة حتي شركة قها وشركة إدفينا وكان إنتاجهما يباع مقدما لعدة سنوات بمكسب عظيم أصبحتا الآن في عداد الشركات الخاسرة والمسألة لم تكن اقتصادا أو إدارة بل توزيع أسلاب على محاسيب حتي الخدم وسواقط العمل كوفئوا على الخيبة بوظائف كبري ومن حسن الحظ أن الشركتين المذكورتين هنا قد خرجتا من عداد الشركات الخاسرة بعد أن تغير مجلسا إدارتيهما وكان ذلك بعد أن انتهي عصر السلطان ذلك العصر الحزين ..

لا خطيئة بغير ثواب

صديق كريم سألني : قل لي يا أخي : أنت مع عبد الناصر أم عليه ؟ وأجبته : أنا أوفر عليك العناء وأقول إنني أيها العزيز مع شيئين لا ثالث لهما : أنا مع الحق أولا , ومع وطني مصر ثانيا , فأنا مع كل من مع الحق ومع كل من مع مصر وهنا لا يكون الأمر أمر أسماء أعلام , بل مبادئ لأن مصر شئ وعبد الناصر شئ آخر , والسادات شئ ثالث , فإذا كان عبد الناصر مع مصر فهو يصبح مصر وأكون معه , ونكون كلنا مع لحق , وكذلك الأمر بالنسبة للسادات , ونحن بعد تجارب السنين ومراراتها لابد أن نكون قد فهمنا أنه ليس لنا إلا هذا الوطن . فإذا نحن خدمناه بصدق وإخلاص نجا ونجونا وأفلح وأفلحنا , ولا يتصور إنسان أنه يفلح وحده إذا خسرت مصر لأننا وبلدنا شئ واحد وكلنا ينبغي أن نخدم وطننا وينبغي أن نفهم أننا عندما نكون خدما لمصر فإن مصر تعزّ بنا ونحن نعزّ معها , إنه صاحبها وله الحق في أن يستخدمها كما يريد فهو بذل نفسه دون أن يدري ومصر هي الأرض والناس , وهي أرض مصر وناس مصر وعبد الناصر أذل أهل مصر , وامتهن حقوقهم وكرامتهم , ورفع قدر نفسه وهو يحسب أنه بذلك يرفع من قدر مصر .

وعبد الناصر ضيع جزءا عزيزا من أرض مصر ,. وأذل هذا الجزء من أرض مصر لأذل خلق الله بنص القرآن الكريم .ومحصلة ذلك كله كانت في مؤتمر الخرطوم بعد هزيمة 1967 عندما جلس عبد الناصر مسكينا مفلسا حطيما يعتذر – بغير كلام – لمن أراد أن يقضي عليهم بمغامرته في اليمن لأنه أصبح الآن في حاجة إلى أموالهم وعطفهم وصفحهم والناس أعطوه وصفحوا عنه . لأنه كان بالفعل قد مات ما بقي من عمره بما في ذلك بيان 30 سبتمبر

– كان إجراءات تشييع الجنازة .

 وشعب مصر الطيب العظيم عندما خرج في مظاهرات 9, 10 يونيو 1967 يطلب إلى عبد الناصر أن يسحب استقالته ويظل في الحكم لم يكن يحب عبد الناصر , ولا كان راغبا في المزيد من حكمه , وإنما هو خرج يبكي الأمل الذي ضيعه عبد الناصر , خرج يرفع العلم الذي سقط من يد رجال عبد الناصر , وإذا كان لابد أن يختفي عبد الناصر من الميدان فلا يكون ذلك أبدا بإرادة بن جوريون ,موشي ديان , بل يكون بإرادة شعب مصر . هم هزموه وحطموه ولكنهم لم يهزموا مصر فسارعت مصر ترفع العلم وتناوله لصاحب العلم ولسان حالها يقول : ارفع علمنا أيها الرجل وسر به ولنحاول من جديد.

ومثل هذا أقول عن السادات فلا يحسبن أحد أنه يعرف قدره أكثر مني فأنا أعرف أنه الرجل الذي أزال عنا كابوس الذل والمهانة والآلام التي قاسيناها على يد رجال عبد الناثر وقوانين 15 مايو كانت ثورة بكل معني الكلمة ثورة على الإذلال وامتهان القانون والعدوان على الأموال والكرامات أقدار المواطنين ,ونصر أكتوبر 1973 نصر رائع بكل المقاييس نصر ينعقد فخره بلواء أنور السادات وفضله الأكبر يكمن في أنه أتاح لجيش مصر العظيم الفرصة ليعمل ويظهر مواهبه ويكسب النصر وكل جندي من أولئك الأعزاء الذين بذلوا حياتهم رخيصة وعبروا وانتزعوا رايات النصر من العدو الخسيس له نصيبه وفضله.

وعندما أشهد فيلما من الأفلام التسجيلية التي تصور لنا مشاهد من معركة العبور فإنني أتمني لو كان في ميسوري أن أنهض وأمسح التراب عن حذاء أصغر جندي من أولئك الذين أراهم يطلقون المدافع , وينزلون القوارب ويمدون الجسور وأشعر في نفس الوقت بالعزة تملأ نفسي عندما أري أسراب طائراتنا تكر على العدو تحطم حصونه تحطيما لأنني أعرف ا، هذه الطائرات بعملها هذا انتزعت مفتاح النصر وعملت ما عجز عن عمله عبد الناصر , لأن رجال عبد الناصر قالوا له : لا تكن صاحب الضربة الأولي انتظر حتي يكونوا هم البادئين وعبد الناصر لم يعرف أن حروب اليوم ليس فيها إلا ضربة واحدة هي الأولي وهي الأخيرة ,من يكسب الضربة الأولي يكسب الحرب كلها : لأنه لا يوجد ربة ثانية وقائد طيراتنا في حرب أكتوبر كان يدرك هذا فأحكم ضربته الأولي فكانت قاصمة وقاضية وكانت هي النصر والقائد الأعلى في حروب اليوم يصدر الأمر بناء على تفاهم تام مع قادته العظام وقادته العظام يتصرفون في التنفيذ ..

ومن حسن حظنا إن قائد طيراتنا في تلك المعركة – محمد حسني مبارك – عرف أنها حرب ضربة واحدة حرب دقيقة واحدة فضرب وكسب ونصر مصر . فأنا عندما أعترف بالفضل للسادات فلابد أن اقدر أن هذا الفضل قسمة بينه وبين قادته العظام ومن يليهم من رجال جيش مصر ولكي أكون مع الحق في كل ما أقول ينبغي أن أقول: إنني أعترف بالفضل لكل القادرة العظام الذين جلسوا إلى مناضد العمليات واشتركوا في رسم خطة النصر وتنفيذها حتي الذين اختلفوا مع السادات بعد ذلك . وقال فيهم ما قال وقالوا فيه ما قالوا , فهذا كان بعد ذلك ولا علاقة له بنصر أكتوبر ونحن لا ننسي قول لله سبحانه :" ولا تزر وزارة وزر أخري ".

وأنا اقرأ أخبار العصر الناصري وأقف عند باندونج في أبريل 1955 وأشعر بالفخر إذ أري بطلنا المصري عبد الناصر يتألق كواحد من قادة الدنيا في مؤتمر عدم الانحياز وأعجب وبحسن تصرفه وشخصيته التي جذبت الدنيا إذ ذاك وأقرأ عن زيارة السفير الروسي شبيلوف لعبد الناصر في يوليو 1955 وعرضه تقديم أسلحة للجيش المصري ثم عقد صفقة الأسلحة التشيكية مع مصر في سبتمبر 1955 فأعرف لعبد الناصر فضله وأعجب ببسالته . فقد كان لتلك الصفقة أثر معنوي عميق في نفوس المصريين والعرب وأهل العالم الثالث. وأنا هنا أشعر بالزهو لأن مصريا حرر الإرادة المصرية أولا , ثم خطأ فأصبح واحد من أكابر زعماء الدنيا ثم خطأ خطوات أخري فأصبح أكبر زعيم سياسي في الدنيا خارج أوروبا والولايات المتحدة وروسيا .

ولكنني عندما أطوي الصفحة وأنظر إلى أحول المصريين في ذلك الوقت فإنني أري أن الثمن الذي دفعوه لكي يرتفع اسم واحد منهم يجعل الصفقة خاسرة مهما كانت قيمتها المظهرية فغير معقول أن يذل كل المصريين لكي يعز واحد منهم فحسب , وما كان يجري في مصر إذ ذاك كان أسوأ من أن يصدق والمصري الذي عرف ألوانا من الظلم والحرمان في العصور الماضية – أيام المماليك والأتراك مثلا - وعرف خيبة الأمل والحيرة ,والشك بل اليأس في أيام الانجليز والملك والباشوات هذا المصري بدأ يعرف لونا أسود من الظلم في أيام عبد الناصر , ظلم الخوف والإرهاب والسجن الطويل التشريد والفصل من الوظيفة والحسرة لجوع الأولاد , وإقفال الناس الأبواب في وجه المغضوب عليه وذل الحاجة إلى القرش بل إلى الرغيف .

وإذا كان المملوك يسرق لأنه حقير , والتركي يجلد لأنه غبي والباشا لا يكترث لأنه كان مشغولا بجمع مال يجعله ضمن الأثرياء فإن عبد الناصر كان يذل الناس ويعذبهم ويمتهن كرامتهم لأنه كان يحس أن مصر لا تتسع لإنسان آخر عزيز النفس مرفوع الرأس إلى جانبه كأنما كان يري أن تحرير الإرادة المصرية معناه ألا يبقي هي وجهها إلا رجل واحد له إرادة حرة هو عبد الناصر نفسه , وأي مصري آخر يفكر في أن له كرامة وعزة إلى جانب العزيز الأوحد إنسان منحرف , ينبغي أن يزول ومتمرد لابد أن يحطم , وخطر لابد من القضاء عليه .

وأذكر هنا حكاية قصّها علىّ مملوك السلطان الذي جاءنا سفيرا في مدريد , وكان الرجل يحتاج بين الحين والحين إلى رجل يفتح له قلبه ليسمع نغمة غير نغمة الخضوع والذل والملق التي كان يسمعها ممن حوله ليل نهار .

كنا في جزر الكنارياس , ونزلنا العاصمة ( لاسي بالماس دجران كنارياس) وزرنا حاكم المحافظة وهو قائد بحري بدرجة أميرال ثم أبلغونا أن الأميرال سيمر على السفير في الفندق ليرد الزيارة وجلسنا ننتظر في صالون خاص أعده الفندق للمناسبة ولم يكن مع السفير غيري وتأخر الحاكم بعض الشئ فظن السفير أن الـأخير مقصود يراد به المساس بكرامة السفير فبدأ يتحدث في الانسحاب إلى غرفته احتجاجا وبينما نحن في ذلك إذ حضر الأميرال المحافظ واعتذر عن التأخير وأبدي من الحفاوة بالسفير ما ملأ نفسه سرورا , ثم زاد على ذلك بما اطر به حقا و وهو أنه حمل له هدية ذات قدر فإن في أشبيلية مصنعا لصنف ممتاز جدا من الخزف يسمي لاكارتوخا , والهدية كانت طقما بديعا للسفرة من هذا الخزف بملأ صندوقا بد لي كأن حجمه متر في متر وزاد الأميرال على ذلك صينية صغيرة من الفضة لي ولما كان السفير – جريا على روح العصر – يري أن كل شئ لابد أن يكون لمماليك السلطان فقد ضم الصينية إلى " الصحارة" واعتبرها كلها هدية له ولم أحفل للأمر لأنك مع رجل كهذا لا تطلب إلا السلامة .

كأنما أحس أنه افتات عليّ فأراد أن يعوضني عما أخذ بالتطلف معي والنزوال إلى مستواي وفتح قلبه لي وفي عودتنا إلى الفندق نزلنا وطلب إلى السائق ن يذهب بالأشياء إلى غرفته في الفندق ثم يعود ليأخذنا لأنه يريد أن يتمشي معي على شاطئ البحر وأنشأ يقول :

كل غسيلهم القذر قمت بغسله ثم " بنفونني" بعد ذلك إلى آخر الدنيا كما تري هل تتصور يا فلان أن أحمد أبا الفتح كان صديقا لنا وحليفا للثورة قبل أن تقوم وبعد أن تمت وكنا نجتمع نده لنتدارس ونتشاور ونتسامر وتعيشنا عنده ليلة , وأسبغ الرجل علينا من فضله ,وسهرنا وتسامرنا وفي المساء اليوم التالي يناديني عبد الناصر ويقول :

تذهب الآن إلى بيت أحمد أبي الفتح وتقبض عليه وتحبسه .

وأدهش للأمر والنهي, وأنظر إلى عبد الناصر وأقول :

أمرك يا سيادة الرئيس , ولكن هذا الرجل صديقنا ومنا وعلينا وأمس فقط كنا عنده على أحسن حال من الود والصفاء فإذا كان قد بلغك عنه شئ فدعني أستوثق منه فأنا عليم ببواطن الأمور ولكن لعل شيئا قد خفي عليّ وينظر إلىّ عبد الناصر والشرر في عينيه ويقول في ازدراء :

- أنت عليم ببواطن الأمور ؟ أنت نائم على آذانك, والمؤامرة تحاك من حولي امضي لما آمرك به وأرجوك ألا تناقشني فيما آمرك به بعد الآن وما دمت تتصدع للدفاع عن أ‘دائي فسأريك عاقبة تصديك عليك أن تأمر قائد السجن بأن يشدد عليه ويعذبه ومن الليلة لا ينام إلا على البرش . وليكن في علمك أنني لن أتردد في أن أدوس على إبني نفسه بقدمي لو أراد أن يزحزحني عن الأرض التي أقف عليها.

- وكان لابد أن أصدع بما أمر فأخذت رجالي وياوري وذهبنا لتنفيذ هذه المهمة حتي لا أجد في نفسي حرجا من القبض علي صديق أكلنا معه إلي الأمس خبزا وملحا ظللت في سيارتي وأمرت ياوري والعساكر بأن يصعدوا إلى البيت ويأخذوا الرجل , وقام الياور العساكر بالمهمة وأتوا بالرجل فوضعناه فى " البوكس" دون أن أراه , وبعد أن أسلمناه للسجن وأبلغنا قائده تعليمات الرئيس قال لي الياور ونحن في طريق العودة :

- والفيلا , ماذا سنصنع بها ؟

- أى فيلا؟

- فيلا الرجل الذي أمسكناه الآن , إنها شئ فاخر لا يليق إلا بك . فنهرته وقلت له إنني لا أمد يدي على مال صديق ويكفي ما أصابه على يدنا .

- فيقول الياور:

- إذن بعد أنذك , آخذها أنا.

- تأخذها أنت !؟ أما أعطيناك الشقة التي اخترتها أنت بنفسك في جاردن سيتي ؟

- هذه أعطيها لأختي , وأخذ أنا الفيلا, ففيها حديقة ترد الروح , والأولاد في حاجة إلى حديقة.

- قال السفير: فشتمته ولعنت أبا خاشة, وقلت له : أما الرجل فقد قبضنا عليه وأودعناه السجن كما أمر الريس وأما عائلته فهي في رعايتي ولن يمس أحد بيته بأذي وأنا أنذرك أنت وأمثالك لو نظر واحد منكم إلى هذه الفيلا نظرة فالويل له مني .

- وبعد أيام أكون مع عبد الناصر فقال لي :

- منذ متي أنت وفلان حبايب ؟

- فحكيت له الحكاية فقال بعد تفكير:

- عندما أقول لك فلانا عدو لي وخطر علينا فمعني ذلك أني متأكد مما أقول وهؤلاء الناس كلهم يستحقون الحرق وليحمدوا الله على أننا نكتفي بوضعهم في السجن .

- ولكن يا سيدي الرئيس ما الذي بلغك عن هذا الرجل ؟

- وهل تظن ياسي فلان أنني ليس عندي غيرك؟ وهل تغيب عني حركة تصدر منك , أو من غيرك في هذا البلد ؟ افتح عينك يا فلان وأعلم أن ألف خيط ترتبط بكل أصبع من أصابعي هذه وأنا أقول لك هذا لكلام لأنك صديقي وأنا أحبك , أما غيرك فإنني أشد الخيط على رقبته حتي أخنقه .

- ويسكت قليلا ثم يعود فيقول : إن صدري ينفجر يا فلان وأريد أن أتحدث إلى رجل يفهمني إنهم يأخذون العيال يعملون منهم وزراء , وفلان ياوري الذي حدثتك عنه أصبح الآن من أقرب الناس إلى أذن الريس ولولا أنه يعلم أنني عظمة زرقاء لأكلني وعندما طال بي العهد في العمل البغيض الذي ارتبط باسمي أعفاني منه وعينني وزيرا في الحكومة الاتحادية مع اليمن وكانت وزارة تكسف , وشكوت للمشير والمشير أشار بإبعادي ..

وهذا الكلام أقوله لك لتعلم مشكلة لعبد الناصر فأنا أكبر منه وأقدم وقمت له بخدمات ما كان يستطيع القيام بها غيري ومن كانوا يجدونه يستطيع ان يقوم بصفع نقيب عمال على وجهه وكسر أنفه وسط الناس في المطار إلا أنا ؟ لقد كان لابد أن نفعل ذلك وكان لابد من تحطيم رأس هذا الرجل الذي طغي وظن نفسه بني آدم له كلمة وقيمة فما وجدوا والله لها غيري ثم ماذا كانت مكافأتي ؟ وزير في وزارة لا يحس بها أحد وفلان وهو عيل بالنسبة لي يمسك واحد من أعظم المشروعات الزراعية في البلد ويضعون تحت يده الملايين وهو لا يفرق بين كوز الذرة وعود البرسيم وها هو ذا اليوم ملك زمانه وعنده ملايين لا يعلم بأمرها إلا الله وتحت يده موظفون بمرتبات وزراء وألف سيارة مربوطة على بابه كأنه ملك.

- وأنا يعطيني المشير سيارة هالكة فآتي بها إلى هنا فيبلغون الريس أنني أخذت عشر سيارات أتاجر بها هنا والسيارة أنت تعرفها وقد رأيتها سيارة " خردة كحيانة " لا أعرف كيف أتخلص منها هل هذا عدل يا فلان ؟

- وأصمت برهة من الوقت ثم أقول .

- لا أدري يا سيدي السفير ولكنني كنت أتمني لو لم تقل لي من ذلك شيئا وقد كنت حمدت الله على أنك رضيت أن تتركني في حالي في المعهد أخدم العلم بعيدا عن هذه الأمور والآن أنت تستودعني أشياء تشبه الأسرار.

- فينظر إلى ويقول : أسرار؟ وهل تظن أن هذه أسرار أخشي أن تنتشر ؟ لو كنت أراها كذلك لقلت لك منها حرفا , وما قلته لك يعرفه مئات الناس , ولا يضيرني في شئ أن ينضاف إليهم واحد ولك أن تحكي عن كل حرف , فأنا لا أخشي أحدا والريس يعرف ذلك ويحبني من أجله ..

ومع ذلك فأنا يا سيدي السفير رجل كتوم طول عمري وما أسمعه من صديق لا يجري به لساني في أى موضع أخر قط وقد سرني أنك ألقيت إلى ببعض ما في نفسك ورأيت في عينيه نظرة تقدير ومودة وعادت السيارة فأخذتنا .

- ومن أطرف ما أضيفه إلى هذه المناسبة ان ذلك الرجل عندما نقل سفيرا إلى بلد أوروبي آخر كتب إلى من هناك خطابا كله تقدير بدأه بقوله إنه لم يكتب في حياته خطابا أكثر من عشرة أسطر وكان الخطاب يقع في ثلاث صفحات .

- وبمناسبة ما ذكرته عن حبس هذا الأستاذ الصحفي الكبير أذكر أن موجة المصادرات والتأميمات والاعتقال والتعذيب كانت تتصاعد من 1954 فصاعدا حتي بلغت درجة لم تعرفها مصر أبدا وشمل الخوف الناس أجمعين حتي أصبح المصري – أي مصري – لا يضمن أن ينام في بيته التالية وألوف المصريين أخذوا من بيوتهم بليل ولم يعودوا إليها أصلا أو عادوا بعد سنوات ..

- وصديق لنا من كبار أهل العلم ومفاخر هذا البلد فهو لغوي وعالم بالحديث وأديب لا ثاني له في عالم العرب والإسلام , أخذوه من بيته بليل بوشاية حاسد , والرجل الكريم الذي ينبغي أن تشتري كل لحظة من حياته بأغلي ما نملك قضي سنوات من سجن لسجن وخلال السنتين الأوليين لم يعرف أهله أين يكون , فقد انقطعت أخباره حتي خيف عليه ولم يردوه إلى بيته إلا بعد أن أشفي على الهلاك , ورجل آخر منهم عمل مع السوبر باشوات وكان من أوائل من عملوا في جرد القصور وإحصاء ما فيها وتلك كانت خطيئته فإن كل شئ رآه وأحصاه نهب بعد ذلك ومن ما رآه بنفسه وأحصاه : 24 فنجان قهوة بأطباقها وكلها من الذهب الخالص الرصين وقد قدر الخبير المثمن الذي عمل في اللجنة كل واحد منها بعشرة آلاف من الجنيهات فقد كانت كاساتها الذهبية مرصعة بالجواهر فلم يعد أحد في مصر يراها ولا عثر إنسان على دفتر الجرد الأول ولكن بعضها ظهر في فيينا وبعضها الآخر في باريس وصينيات مختلفة الأحجام من الفضة الخالصة مرصعة بالتوباز والعقيق والزمرد اختفت في مصر وظهرت في أكياسها من المحمل في الولايات المتحدة .

- ولقد ذكرني ذلك بمحافظة الفرنسيين رغم طول سنوات الثورة الفرنسية على كل قطعة من ذخائر قصور فرساى وتريانون واليتي – باليه وماليها فكلها ما زالت موجودة في قصورها أو في المتاحف ,ذكرت أرضا حرص الروس على المحافظة على كل " خشبة" كانت في قصور القياصرة والأشراف ول قطعة بلور في كل ثريا من ثريات المترو في لينجراد وموسكو , تذكرت ذلك وقلت في نفسي هذا هو الفرق بين ثورة تقوم على أيديولوجية وثورة تقوم علي مطامع هذا هو الفرق بين ثورة يقوم بها ناس مثقفون يعرفون قيمة الوطن وقيم الأشياء ولا ينظرون إلى السرقة والنهب لأن قلوبهم معلقة بمثل أعلي وثورة يقوم بها ناس ليس لديهم أي أيديولوجية ولا فكرة عن الثورات وكيف تقوم لخدمة الوطن لا لخدمة أفراد لقد أعدم روبسير رجلا سرق خاتما أخذه من أصبع جندي من جنود الملك قتل في الهجوم على قصور التويلدي وأعاد الخاتم إلى وزير المالية وكتب بيانا بذلك قال فيه إن هذه ذخائر فرنسا ولابد أن تظل لشعب فرنسا وأوجست روبسبير كان سفاحا كما نعرف ولكنه سفاحا له مبادئ وفي رأسه ثقافة كان يسوق الناس إلى المقصلة قبل أن يسوقوه لأنه معتقدا أن بقاءه هو نفسه ضمان لتحقيق أهداف الثورة .

ولينين لم يستطع الصبر حتي يعيدوا ترتيب ذخائر متحف الأيرميتاج فذهب إلى هناك في صحبه مكسيم جوركي لكي يملأ أعينهما من رؤية ذخائر الفن التي تملكها روسيا كان سفاكا للدماء ولكنه كان رجلا مثقفا له مبادئ وأيديولوجية ولهذا فإنه لم يكن لصا أو " حرامي" كما نقول لأن اللصوصية حقارة ولينين لم يكن حقيرا أبدا ( وجفري بك مملوك مراد بك وسرق جواهر كثيرة وأيمنة الحدادية – حرم مراد بك – بصقت في وجهه ورفعت السيف لتضربه به ومراد بك في انسحابه إلى الجزيرة بعد الهزيمة أسرع إلى بيته الصيفي في الجيزة فوجد مماليكه نهبوه فلم يتردد في الهجوم على قصر البرديسي في طريقه ونهبه لأنه – مثله مثل جفري بك – كان لصا ولم يكن فارسا أبدا , وكل التركيبة المملوكية كانت تركيبة خدم ولصوص ونهايين بلا كرامة ولهذا فقد كانت تهون عليهم كرامات الناس ويذلون الناس ولا يذل الناس إلا ذليل ولن تجد أبدا رجلا كريما عزيز النفس يرضي بذل احد وفردريك الأكبر ملك روسيا عندما قبض على نفر من القواد كانوا يتآمرون عليه أمر بإعدامهم جميعا بالرصاص إلا واحد تهافت وألقي بنفسه عند قدميه يقبلهما ويستعطفه فأمر بشنقه لأن نذل ذليل ..

وإذا نحن صرفنا النظر عما نهب وتبدد في جيوب السوبر باشوات لأنه متاع ضاع . والمتاع يمكن تعويضه – فإن أحدا لا يمكنه تعويضنا عما ضاع من احترامنا للنظام والقيم والأخلاقيات ولهذا فنحن لا نستطيع صرف النظر عنه لأنه ليس أضر بالشعوب من إخافة الناس وتهديد أمنهم وإهانتهم وإهدار كراماتهم , وخاصة إذا جاء ذلك كله عي يد أولياء الأمر لأننا شعب قروي منظم تنظيما عائليا منذ القدم تعودنا أن نلتمس القدوة في الكبار وشعب مثل شعبنا يتربي بالقدوة ويتعلم بالمثل الصالح فإذا كانت القدوة سيئة والمثل غير صاح كانت البلية بلا حدود .

وإننا لنصطدم اليوم بأمثلة مروعة من التعدي على أموال الدولة والناس , واجتراء بعض الأصاغر والأكابر على العرف والأخلاق فتتعجب ولا موضع للعجب فيما أري لأن عشرين سنة في مدرسة السوء هذه كانت كفيلة بأن تخرج هذه الصنوف من المردة المتجزئين على كل مال وعرف ومادمت قد كممت الأفواه وكبلت الصحافة والرأي فكأنك أطفأت الأنوار وأطلقت اللصوص وقطاع الطرق جرأتهم على النهب ودفعتهم إليه وشاركتهم فيه وفي إخفاء جرائمهم عن الناس ولا يكتم الحقائق عن الناس ويتستر على المجرمين والمعتدين إلا من كان شريكا لهم .

وفي القرن الهجري الرابع العاشر الميلادي تولي أمر بغداد رجل داعر من البويهيين فاتفق مع عدد كبير من قطاع الطرق في بغداد على أن يتقاسما النهب , وكان البويهي معدوم الحياء أصلا , فزعم لرؤسائه انه عهد بالشرطة إلى كبير قطاع الطرق كف أذاه عن الناس وكان هذا اللص يسمي حمدي ( بفتح الحاء والميم) فأقيم رئيسا لشرطة بغداد وتقاسم الحاكم غنائم النهب والسطو مع اللص باسم القانون , والقصة مشهورة رواها أبو الحسن على بن مسكويه في " تجارب الأمم" وهو تاريخ الخلافة العباسية في عصر الانحدار وهذا التاريخ مرسل في صورة أخبار وحكايات قصيرة ..

قال ابن مسكويه: إن مصيبة اللص رئيس الشرطة تعظمت , واشتدت البلوي والبويهي يتعامي ويتصامم وفي ذات صباح خرجت أخت الحاكم واسمها " لطيفة" في جواريها وخدمها إلى الحمام وتأخرن فيه حتي المغيب فإذ كن في طريقهن إلى القصر كبسهن اللصوص ونهبوا الجمل بما حمل , ووقعت لطيفة في المغنم وطلب الحاكم إلى شريكه اللص أن يعيد إليه أخته وجواريها فلم يستطع فما كان من الحاكم الخسيس إلا أن أعلن أن أخته لم تخطف ولم تختف , بل هي لم تكن في الرفقة أصلا وها هي ذي في دارها مصون فلما سمعت لطيفة ذلك أعماها الغضب على أخيها وكانت قد وقعت في يد لص زنيم يسزمها الخسف ويصر على أن ينزلها دار البغايا وبلغ غيظ لطيفة من أخيها الذي أماتها بالحياة أن استجابت لما طلب منها اللص وصارت تبذل نفسها للرجال وتقول : أنا لطيفة أخت زفت الدولة فتهافت عليها أهل الفسق , ووجدت نسوة الدار أن هذه الدعوة تجلب المال فصارت كل منهن تقول أنها لطيفة .

ويكمل القصة أبو حامد الغرناطي في " تحفة الألباب" فيقول إن البويهي عندما دبر قتل أخته لطيفة لم يستطع , لأن كل بغي في البلد أصبح اسمها لطيفة يقول أبو حامد فلم يبق في بغداد داعر إلا أصاب من شرف الوالي الخسيس بالاسم أو بالوهم .

ومن العجيب يا أخي ا، هؤلاء السوبر باشوات لا يصيبهم المكروه أبدا والمكاسب وأبواب الثراء تتفتح أمامهم دون جهد فيبدأ الواحد منهم بدار من الحراسة وبعد قليل تجد الدار قد امتلأت رياشا وتحفا وذخائر وبعد لك تجده أصبح مالك الدار والأرض دون أن يدري أحد كيف , ثم تجد الدار تعلو طبقة بعد طبقة حتي تصير عمارة والعمارة تلد عمارة والسيارة تلد سيارة وحسابه في البنك يلد حسابات. وقد كان عبد الناصر إذا غضب على إنسان أو بلغته في حقه وشاية ألقي به في السجن فإذا كان السجين رجلا طيبا من الأبرياء أو من أهل الدين والتقوى لم يخرج من السجن إلا أخر أيامه , فإذا خرج فعلي نقالة وإذا كان من السوبر باشوات لم يمكث في السجن إلا ريثما يستجم ثم يشمله العفو فيخرج من السجن برئ الذمة ولابد ن تعويضه والبركة في شركات القطاع العام أيام عبد الناصر فنجد صاحبنا مديرا لشركة والشركات عندهم كانت " على قفا من يشيل" والشركة لابد أن تخسر ولكن صاحبنا المدير لابد أن يكسب ثم يضيف إليها شركة أخري أو شركتين ويدفع فيها بأبنائه المحروسين وبناته وأزواج بناته وتكية السلطان واسعة . ثم تجد أبناءه قد فتحو شركات استيراد وتصدير أو مقاولات والمال ينصب عليهم كالسيل وإذا لم يكن للسوبر باشا مزاج في الشركات فأقل ما يعرض عليه وظيفة وزير مفوض أ سفير رأسا وهناك يكون النهب التمام وهكذا تجدهم كل يوم في مال أوفر ونعمة أسبغ.

وقد عرفنا سفيرا استقدم قريبا له فأنشأ شركة تجارية غير بعيدة من السفارة ومع أن السفارة كان يتبعها مكتب تجاري فإن الطلبات ترد إلى السفارة فتتلكأ في الدرج شهورا ثم يعهد بها إلى مكتب التجارة الجانبي بحجة أن المكتب التجاري لا يعتمد عليه لأن الذي يعمل فيه خريج التجارة والمفروض عندهم أن خريج التجارة لا يفهم في التجارة ولا خريج الهندسة يفهم في الهندسة ولا خريج الأزهر يفهم في الدين وهم وحدهم الذين يفهمون كل شئ تجارة وزراعة وطب وهندسة وآداب وإعلام ودين وصاحبنا يورد كل شئ والوقت ضاق بسبب تأخر الأوراق في درج السفير ولم يعد يتسع لمناقصات أو ممارسات ويتم الاستلام وتصرف الفواتير وغيرها والمال الحرام يستمر إلى ما لا نهاية .

وفي ذات يوم قيل لنا أن قريب السفير هذا وقع وصل إلى مطار القاهرة فقبضوا عليه وقلنا : جاء وقت الحساب وبعد سنتين وشهور أكون في باريس وأدخل فندقا عظيما لكي أسأل عن صديق فما يطيق مثلي تكاليف هذه الفنادق فأجد صاحبنا الذي قبضوا عليه متمددا في البهو كأنه ملك الزمان وإلى جانبه مقصوفة الرقبة امرأته حمالة الحطب وفي جيدها – سبحان الله يا أخي – عقد الماس إياه والقاعدة في عصورهم كانت لا خطيئة بغير ثواب واسترسالا مع المنطق قالوا حسنة بلا عقاب والذين سرقوا ونهبوا فازوا بالثواب كله والذين أحسنوا وصدقوا ونصحوا حلت بهم النقمة وحاق بهم العقاب أو الإهمال أو الازدراء على الأقل وأقل ما كان السوبر باشا يصل إليه درجة وكيل وزارة وهنا يندب حظه ويعد نفسه في المظلومين .

وأعجب من ذلك كله أنك لا تذهب إلى الحجاز في حج أو عمرة إلا وجدت منهم طائفة نهبوا ثواب الدنيا وسبقونا إلى ثواب الآخرة وفي لباس الإحرام يتبختر السوبر باشا والمصحف في يد والمسبحة في يد وفوق رأسه هالة القداسة من ذهب مرصعة بجواهر القصور .

الجمل وما حمل

كان الرئيس جمال عبد الناصر يبذل في عمله جهدا مضنيا.

كل الذين عرفوه وخالطوه وعملوا معه يشهدون أن الرجل كان في جهد متصل من الصباح الباكر إلى الليل. وفي الليل المتأخر عندما يخف ضغط المقابلات والاجتماعات كان الرجل يجلس إلى مائدة الطعام الواسعة وقد جعلها مكتبا وبسط عليها الملفات والتقارير والكتب , أخذ يقرأ ساعات طويلة من الليل وإلى جانبه تليفونات تصله بمراكز القوي والخلصاء ليتصلوا به إذا دعت الحاجة وليتصل بهم وقتما يريد .

والرجل كان ينام مجهدا ويصحو مجهدا وما أكثر الأيام التي بدأ يومه فيها وهو في غاية التعب واستمر يعمل ويغالب الإجهاد إلى الليل وقد ظهر عليه الإجهاد خاصة بعد أن أصيب بالسكر وأصبح في حاجة إلى شئ من الراحة , ولكن المشاغل كانت كثيرة جدا وكان هو يستعين عليها بالتدخين أحيانا كان يصل ما يدخنه إلى أربع علب في اليوم وثمانون سيجارة هي في ذاتها مرض .

وكان عبد إلى جانب ذلك زاهدا في الأموال والخيرات كان السلطان حبه الوحيد ولذته الوحيدة كان طعامه أقل طعام ولم يكن ينعم بالأكل إلا في النادر .

وفي الليل بينما كان غيره – ممن يعيشون من يديه – ينصبون الموائد ويأكلون ويشربون ألذ ما في الدنيا من مأكل ,ويسكنون في قصور كل ما فيها فخامة وترف – وكله من خيره هو – كان هو يتعشي خبرا وجبنا أبيض , ومعه أحيانا شئ من الخيار أو الخس و وفناجين القهوة السادة التي لا تنتهي .

وأنا عندما أسمع هذا الكلام لا أشعر بإعجاب أو إشفاق لأن أمثال هذا الرجل حملوا الأعباء الضخام لأنهم أرادوا أن يقبضوا بأيديهم على كل شئ لأنهم عشاق السلطان المطلق ويريدون أن يكون كل شئ في قبضتهم وقد روي عن عبد الناصر أنه قال مرة : لن أستريح حتي يأكل الملايين الثلاثون – وهم سكان مصر أيامه – من يدي هذه أي يكون هو المعطي الوهاب ولا معطي ولا وهاب غيره , ويكون هو الباسط والقابض فلا رزق ولا مال إلا من كفه وهذا تحميل للبدن فوق ما يطيق ولا يقدر على القدرة إلا القادر كما يقولون ولكن أصحابنا عشاق السلطان وهواة التحكم في رقاب الناس يجدون لذة في تعذيب أنفسهم بهذا الإرهاق .

وعبد الناصر كان له مساعدون كثيرون جدا ولكنه كان لا يثق في أحد منهم وكانوا هم يعرفون ذلك ويعرفون كذلك أنه لا يحترم لهم رأيا لقلة ثقته فهانت عليهم نفوسهم نتيجة لذلك ول يعودوا يخجلون من شئ ثم إن الناس كانت ترهبهم ظنا منهم أنهم موضع ثقة الرجل ..

والصحفي الكبير الذي كانوا يقولون انه مخزن الفكر للريس لم يكن في الحقيقة وفي أعظم أيام عزة وسلطانه أكثر من نديم أو مشير وعبد الناصر كان يضرب بكرامته عرض الحائط إذا أراد وقد تبنيت ذلك من قراءتي للمذكرات التي كان يكتبها في جريدة الشعب خاصة بما جري على الصحفيين الكبيرين علي أمين ومصطفي أمين وما أصابهما من سجن وضرب فأنت تجد صاحبنا يشير على عبد الناصر بالرأي أو يطلب منه اطلب وعبد الناصر لا يكاد يصغي إليه ولا يتم إلا ما في ذهن عبد الناصر نفسه لأنه لم يكن يثق في هذا الصحفي أو غيره أما أنه يدخل عليه ويتصل به وقتما يريد فمسألة لا معني لها لأن عبد الناصر كان في حاجة إلى أن يتصل بأحد وكان لابد أن يكون له سمير أو نديم أو إنسان يتحدث معه , وصاحبنا كان نديما سميرا واسع الذكاء كثير المعارف واسع الاطلاع وعبد الناصر كان يجد في الجلوس إليه والاستماع منه تسرية عن نفسه وتسلية وتخفيفا من وطأة العمل أما أن هذا الرجل كان صاحب رأي عبد الناصر فغير صحيح غلا فيما يتعلق بالتوافه والشكليات وقد كان هذا الصحفي يعرف عن أحوال الجيش قبيل إعلان الحرب 1967 الشئ الكثير ولكنه يجرؤ مرة واحدة على أن يقول الحقيقة لعبد الناصر بل لم يصارحه بما كان يدور في ذهنه وكان هذا الصحفي يسمع من الأمريكيين كثيرا جدا عن احتمالات الهزيمة أو أنها مؤكدة ولكنه لم يقل لعبد الناصر حرفا لأن وظيفته لم تكن البحث عن الحقائق وإطلاع الرئيس عليها بل التحري عن الحقائق التي يريد عبد الناصر أن يؤكدها لنفسه فيبلغه ما يشتهي, وإذا أراد أن يرتفع بإنسان أتته صفحة الرجل بيضاء من غير سوء .

وهكذا كانت للرجل ألف عين ومع ذلك فه لا يري إلا ما يريد أن يراه وقد خطر له مرة أن يؤدب نيكيتا خروتشيف فقال في بعض خطبه كلاما يتضمن نقدا شديدا لسياسة الروس حيال العالم العربي فلم يعن خروتشيف بالرد عليه وتبيان وجوه خطئه في كل المعلومات التي قالها ولكنه " سرب ط المعلومات إلى الإسرائيلين والمخابرات الإسرائيلية التي تولت – بطريقتها – إيصال " حقائق " عبد الناصر ورجاله لم يكن يعرفها هو عن نفسه ومساعديه وقد أرسلها له عن طريق أصدقائه من الأمريكيين الذين لم يكن بينه وبينهم حجاب ولم يوصلوها عن طريق رجال عبد الناصر وعيونه لأنهم كانوا يعرفون أن رجاله وعيونه غشاشون وقد أحاطوه بعد ذلك أفهموه أن خروتشيف يغار منه ولم يقل عبد الناصر شيئا وفي أحد خطبه قال خوتشيف أن عبد الناصر مراهق سياسي وأنه لا يزن كلماته وأفعاله حق الوزن وهذا الخطاب مشهور والذي تأدب في النهاية كان عبد الناصر في هزيمة يونيو 1967 ومن المعروف أن الذين أنزلوا به الهزيمة – أو بنا نحن بتعبير أصدق – كانوا الأمريكيين والإسرائيليين وتلك كانت في نظر عبد الناصر نهاية الدنيا ولهذا فلم تقم له في عالم لسياسة الدولية بعد ذلك قائمة وإن كان الاستبداد الناصري بلغ ذروته فعلا بعد الهزيمة والقضاء على عبد الحكيم عامر وخلو الميدان من كل منافس أو معترض .

وما الذي كان عبد الناصر يقرأ ؟ ومن الذين كان يقابل ؟ وما هي المسائل الرئيسية التي كانت تشغل ذهنه وقلبه ؟

أشياء كان يقدمها له ويشغله بها من حوله ومنهم الكثير من السوبر باشوات ومنهم أيضا ناس طيبون أكفاء ولكنهم كانوا عاجزين عن أن يفعلوا شيئا كثيرا وكان فيهم الكثير من الأمريكان والروس وبعض أهل ثقته وبعض خاصته من العرب أو مندوبوه في العواصم العربية سواء أكانوا سفراء أو ملحقين فنيين أم مندوبين خاصين .

وكان حول جمال عبد الناصر زحام شديد من الناس , ومن هؤلاء وغيرهم لأنه بعد أن كسب معركته مع محمد نجيب في فبراير 1954 بدا بوضوح أنه القوة الجديدة المحركة في عالم العرب واتجهت إليه الأنظار والآمال وأصبح – بسبب تدافع الحوادث في المنطقة محور النضال السياسي فيها واستغرقت شئون السياسة العربية والدولية وقت عبد الناصر كله وانصرف عن الشئون الداخلية وتركها لمن كان يظن انهم خدمة المخلصون ومعظمهم سوبر باشوات ..

وتفتحت أبواب المغانم والمكاسب أمام هؤلاء ومصر كانت إلى ذلك الحين بلدا غنيا وخزائنها عامرة وبترول العرب لم يكن قد دخل الميدان بعد بكل وزنه وقد غابت عن عبد الناصر الحكمة الذهبية التي تقول : لكي تكون سياسيا قويا خارج بلدك ينبغي أن تصرف كل جهدك لشئون داخل بلدك.

ومركز القوة الحقيقي لأي سياسي يكون داخل بلده لا خارجه ففي نفس الوقت الذي وصل فيه عبد الناصر إلى الرياسة المطلقة سقط أديب الشيشيكلي رئيس سوريا ودخلت المشكلة السورية في مرحلة حافلة بالأخطار وأصبحت من ذلك الحين إلى يومنا هذا جرحا داميل في الجسد العربي ينزف دون توقف والجانب الأكبر من متاعب العرب في العصر الحديث أصله سوريا لأن سوريا – وهي القطعة الكبري من القطع الأربع التي أنشأها الاستعمار من أشلاء بلاد الشام القديمة – أصبحت جغرافيا وبشريا وسياسيا واقتصاديا عاجزة عن القيام بأمر نفسها وبلاد الشام القديمة ( سوريا ولبنان وفلسطين والأردن) وحدة جغرافية بشرية سياسية اقتصادية كاملة فلمت مزقوها قطعا أصبحت كل قطعة كيانا كسيحا لا يمكن أن يقوم بنفسه قط , وخاصة بعد أن أقاموا على معظم ارض فلسطين ذلك الكيان الاستعماري المصطنع إسرائيل لأن الجيوبوليتيكا تقول أن الدول لا تعيش إلا إذا كانت أجسادا كاملة الأعضاء والأجهزة , مثل الوحدة المعنوية والتاريخية للعنصر البشري كفاية الموارد والمواصلات والاقتصاد , وهذا الكلام لا ينطبق على بلاد الشام وحدها بل علي كل بلاد الدنيا التي مزقها الاستعمار لخدمة مصالحة فاضطرب أمرها ولم تعرف الاستقرار أبدا وعند العرب شطر بيت من الشعر يعبر عن هذا المعني يقول " ولو ترك القطا ليلا لناما" أى أن طير القطا إذا كان قلقا في عشه فلأن هناك شيء يؤلمه أو يخيفه ويقض مضجعه ولو أنه ترك في حالة لنام..

وهذه هي حالة البلاد التي نشأت عن تقسيمات استعمارية قديمة مثل بلاد أفريقية التي قامت على حدود مستعمرات فهي ليست وحدات سياسي منسجمة البناء وإنما كيانات سياسية مصطنعة ولهذا فإن أمورها لن تستقر أبدا ولا يسودها الهدوء إلا مع حكومات الاستبداد والظلم وكبت الأنفاس – والاستبداد لا يدوم – ولابد أن يحدث الانفجار .

ولهذا فإن كل البلاد الإفريقية كالبراكين الخامدة : معرضة للانفجار في كل حين وأكثر الكيانات السياسية في العالم قلقا هي إسرائيل لأنها صناعة غريبة بحتة وكل دولة أوروبية أو أمريكية أيدتها جعلت ذلك لخدمة مصالحها هي ولا يمسك إسرائيل بعضها ببعض في الحقيقة إلا كراهية العرب وضعف العرب واختلاف بعضهم مع بعض ولو تماسك العرب وتوحدت كلماتهم عشر سنوات متوالية لتزعزعت أركان إسرائيل ولكن ذلك مستحيل لن الكثير من البلاد العربية نفسها صناعة استعمارية فهي في كيانها عوامل ضعفها وأوضح مثل على ذلك سوريا ولبنان .

وهذه أيضا هي حال وحدات بلاد الشام الأربع سوريا ولبنان والأردن وفلسطين فالتقسيم في ذاته كان جريمة قتل وعل هذه الجريمة بنيت جريمة أبشع وهي إنشاء دولة إسرائيل في فلسطين وإسرائيل – مهما قالوا فيها – كيان قلقل يشعر دائما بالضياع لأنه غير طبيعي فليس هناك شئ اسمه الشعب اليهودي إن الشعب الإسرائيلي شئ أنشأوه صناعيا لخدمة أغراض سياسية واقتصادية ومثله في ذلك " الأمريكان فروت كومباني ". فلكي تعيش إسرائيل لابد من شيئين :

دعم سياسي ومالي وعسكري متصل من الغرب والشرق على السواء لأن إسرائيل حائط مائل لابد أن يشد بالدعائم من الخارج والشئ الثاني هو أنه لكي تعيش إسرائيل فلابد من أن تموت بقية الوحدات السياسية التي تمزقت إليها بلاد الشام لبنان لابد ان يموت وسوريا لابد أن تموت والأردن لابد أن تموت وطبعا فلسطين لابد أن تموت والموت هنا سياسي وله أشكال شتي منها – مثلا – أن تصبح هذه البلاد كلها محميات أو مناطق نفوذ إسرائيلية ثم جاءت انجلترا فجعلت الأردن محمية بريطانية وقد تمكن الملك حسين من رفض هذه الحماية وشد بنيان مملكته الهاشمية ولكن متاعبه لا تنتهي وجاءت فرنسا فأرادت أن تجعل من لبنان امتداد فرنسيا كاثوليكيا وأنشأت نفس المحاولة وأنشأت هناك قلعة أمريكية وأفلت الزمام من رجال الدولة اللبنانية تكاثرت القلاع وقامت الحرب بيتها وهي الحرب الأهلية وانتهزت إسرائيل الفرصة وعملت على أن تنشئ لها هناك قلعة في لبنان وعلى عهدها من الطمع أرادت أن تجعل من لبنان كله قلعة إسرائيلية, أو قل امتداد سياسيا لها وانضمت القلعة الأمريكية في لبنان إلى القلعة الإسرائيلية وهذا هو الذي تعمل أمريكا له الآن . وكل ما تري وتقرأ مهما اختلف عنوانه أو لونه أو شكله هو محاولة أمريكية إسرائيلية لجعل لبنان امتدادا سياسيا لإسرائيل أو أمريكا أو هما معا والنتيجة واحدة على أى حال .. والذين يعتقدون أن إسرائيل وحدها هي التي تؤيد أنطون لحود خليفة سعد حداد مخطئون , والذين يظنون أن لبنان فيها سعد حداد واحد مخطئون أكثر وانطون لحود كان ولا يزال ضابطا في الجيش اللبناني .. والذين يتعجبون من اعتماد سوريا لا ينبغي لهم أن يتعجبوا الآن .

فسوريا وحدها لا يمكن إلا أن تكون كسيحة ولهذا لابد لها من الاعتماد على سند خارجي وما دامت إسرائيل تستند على أمريكا فلابد أن تستند سوريا على روسيا والذين يسرعون إلى إمداد سوريا بالمال من العرب – ظنا منهم أنهم إذا لم يقدموا هذا العون سقطت سوريا – واهمون . لأن النظام السوري سيسقط عندما تتخلي عنه روسيا مهما دفعوا له من أموال .

وهذه الأموال التي يقدمها العرب لسوريا بن ينال منها الشعب السوري شيئا على أى حال لأنها تدخل خزانة رئيس الحزب ولا تخرج منه . وخزانة الحزب هي خزانة رئيس الحزب وأسرته . وحزب البعث السوري مات من زمن طويل أو قل هو ولد ميتا . فلا وجود لشئ اسمه البعث إلا في أذهان ميشيل عفلق وطارق عزيز حنا عبد المسيح .. ولكنهم في سوريا لأمر ما لا يدفنون الموتي بل يعبدونهم.. ومنهم من يعبد الحاكم بأمر الله الفاطمي إلى اليوم – ومنهم نصاري في ثياب مسلمين هم النصيرية – ومنهم حافظ الأسد , ومنهم وثنيون في ثياب إسلامية مثل السامرة . فمأساة فلسطين هي مأساة بلاد الشام .. ومأساة بلاد الشام هي مأساة العرب المعاصرين .. وكل من يحاول علاج مشكلة فلسطين وحدها أو لبنان وحدها أو سوريا أو الأردن وحده واهم , لأن المشكلة الشامية واحدة لا تتجزأ وعندما تحل – يسمع الله منا – ستحل بقية مشاكل الشام والعرب , ولن يكون هناك مكان لإسرائيل دون أن يفعل شيئا للقضاء عليها ..

في هذه الغابة الشامية – التي لا يعرف احد طريقه فيها – ألقي عبد الناصر بنفسه منذ انفرد بحكم مصر في أبريل 1954..

ومصر لم تكن تبحث إذ ذاك عن زعيم بل عن طريق وجمال عبد الناصر عندما انفرد بأمر مصر قال إنه يعرف الطريق إلى الغاية وعندما عاد من باندونج زعيما عالميا قال إنه هو نفسه الطريق , وعندما أفلت من أزمة السويس في ينايرفبراير 1957 قال إنه هو نفسه الطريق والغاية والهدف وكل شئ , وسوريا التي تبحث دائما عن زعيم مدت إليه يدها ودعته غلى أن يكون زعيمها والشاب المصري الذي أصبح سياسيا عالميا تحول إلى زعيمين ومصر أصبحت الإقليم الجنوبي من كيان سياسي جديد اسمه الجمهورية العربية المتحدة ..

وهنا أصبح جمال عبد الناصر مشكلة أمريكية روسية .. لأن الدولتين الكبريين لمك يعجبهما أن يظهر بين العرب زعيم .. وحكايتهما مع عبد الناصر أقدم من ذلك . لأن كلا منهما كانت تحاول الاستيلاء عليه بطريقتها فروسيا قدمت صفقة الأسلحة في سبتمبر 1955 وأمريكا المفزوعة من شبح أيام دوايت أيزنهاور ووزير خارجية البالغ الذكاء والغباء معا جون فوستر دالاس – لجأت أولا إلى الاحتيال عليه .. فأحاطته بعدد لا نهاية له من رجال السياسة والمخابرات والأصدقاء والأعداء وعبد الناصر الذي ازدهاه انه أصبح زعيم العرب وشخصية عالمية رحب بهؤلاء جميعا وأصبحوا جزءا من حياته وتفكيره وعمله فهم يكتبون عنه المقالات بل الكتب ..

ومنذ عقد عبد الناصر صفقة الأسلحة لم يقل عدد الأمريكيين المحيطين بعبد الناصر عن عشرة في أي وقت نذكر منهم على سبيل المثال كيرميت روزفلت ووليام (بيل) راونتري ومايلز كويلاند وهؤلاء جميعا كانوا يعملون بناء على خطة مرسومة في دوائر السي – إي _ إيه ( المخابرات الأمريكية ) والبيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية ووظيفتهم الأساسية أن يكون عبد الناصر تحت نظرهم دائما وكل واحد منهم يدرس منه ناحية , وهم حريصون جدا على ألا يخلوا عدد من تايم ماجازين او نيوزويك أو الواشنطون بوست أو النيويورك تايمز من ذكر له حتي شعر انه مركز السياسة العالمية وكلما زاد النشر عنه زاد ترحيبا بهم وأنسا بمجالستهم ومع ذكائه وحرصه فلابد أن أسراره تتسرب إليهم والأسرار لا تهمهم في المكان الأول لأن السر الأكبر عندهم هو عبد الناصر نفسه .. إنهم يريدون أن يعرفوا حقيقته شيئا فشيئا ففهموه وملكوا مفتاح شخصيته وعرفوا كيف سيكون رد فعله لهذا الحادث أو ذاك بل وصلوا إلى أن يعرفوا كيف يجعلونه يقول " نعم " إذا أرادوا .. و" لا" إذا أرادوا .. فمن المعروف لنا أنه رجل عنيد جدا وشديد الاعتزاز بنفسه وهو حذر وبالغ الذكاء " يفهمها وهي طائرة" كما يقولون وهو يري أنه أذكي بمراحل من دوايت ايزنهاور وانطوني إيدن وجي موليه وكريستان بينو وغيرهم من أقطاب السياسة العالمية في وقته , ويعتقد أن خروتشوف خاتم في أصبعه أما نوري السعيد وفاضل الجمالي وكميل شمعون والملك حسين والجنرال جلوب فهم عنده أطفال .. وهؤلاء الرجال لا يدرسون عبد الناصر وحده , بل كل من حوله :

يدرسون أصدقاءه وأعداءه وأدواته الذين يعمل بهم .. وهؤلاء هم الخشداشية أو الشماشرجية .. ومنهم وزراء .. وهؤلاء الأمريكيون يعرفون كل القيادات حول عبد الناصر ومن يليهم ومن يليهم إلى سائق السيارة التي يضعها عبد الناصر تحت تصرفهم وهذا الشائق في الحقيقة رجل مخابرات وعبد الناصر يظن حسب ثقته في نفسه أنهم لا يعرفون ذلك , وقد تعلم عبد الناصر منهم كيف يتكلم الانجليزية دون صعوبة ..ز بل كيف يبدي ملاحظات ساخرة فى أسلوب لاذع أمريكي سليم , وهو يخاطب السفير الأمريكي هنري بايرود باسم التدليل الذي يخاطبه به خلصاؤه" هانك"

وقصة عبد الناصر مع الأمريكيين حكي أطرافا منها أمريكيون وانجليز كثيرون كتبوا عنه كتبا ولكن واحد منهم هو مايلز كوبلاند كتب كتابا يعتبر أساسيا في دراسة الأساليب الأمريكية في السيطرة على زعيم من زعماء العالم الثالث . ونحن نترجمه عادة باسم ( لعبة الأمم) ولكن يغيب عنا إن لفظ له معني آخر هو الصيد .. وصيد الحيوانات الكبيرة مثل الأسود والنمور , وإذن فإن موضوع الكتاب هو في الحقيقة " سيد الأمم" كيف تصطاد الأمم بعضها بعضا وكيف يصطادون الزعماء .

عبد الناصر الذي كان يظن نفسه وحشا كاسرا يخيف الدنيا تقلمت أظافره شيئا فشيئا وأصبح في النهاية شابا عنيدا عصبيا لا يخيف دون أن يدري . وخطوة خطوة تمهد الطريق للإيقاع به على النحو المحزن في يونيو 1967 وكان " الغزال " الذي أغروه به ليطارده ويقه في أثناء ذلك في الشرك هو سوريا تلك المعشوقة الفاتنة التي جرت وراء عبد الناصر ملهوفة لكي يكون منقذها وعبد الناصر ربما لم يحب سوريا ولكنه أحب نفسه زعيما وفي فبراير 1958 عقد زفاف عبد الناصر على المحبوبة وفي أبريل 1958 ذهب عبد الناصر – فتي النيل الأسمر الطويل القامة البهي الطلعة – إلى سوريا الزوجة الوالهة ومن حلب إلى دمشق خرجت الجماهير تحيي وتهتف حتي تنشق حناجرها وفي الميدان خارج قصر الرياسة في دمشق نامت ألوف السوريات الشقراوات زرقاوات العيون في انتظار الصباح ليسعدن بنظرة من المصري الفاتن وقلب عبد الناصر خفق وشكري القوتلي الزوج العجوز السابق للعروس الفاتنة والذي قام بدور المأذون يقول لعبد الناصر – مخلصا هذه المرة - : ربنا يعينك على ما بلاك, لأنه كان يعرف بلاده جيدا وجمال عبد الناصر عين عبد الحكيم نائبا للسلطان في دمشق وعاد إلى مصر ليواسي زوجته الأولي التي أصبحت قديمة , والفلاحة الطيبة الأصيلة التى تغفر لزوجها كل شئ استقبلت عبد الناصر بالدموع والزغاريد, ورئيس مصر أصبح يؤلف ثلاث وزارات في وقت واحد واحدة مركزية وثانية للزوجة الأولي الفلاحة التي أصبحت تسمي الإقليم الجنوبي وواحدة للزوجة الجديدة البيضاء الشقراء التي أصبحت تسمي " الإقليم الشمالي ".

وهذا العز أو ذاك الزواج لم يكونا حقيقين أو سعيدين أبدا , والزوجة الجديدة مطالبها لا تنتهي ومشاكلها – كما قلت في أول المقال – لا تقبل الحل , والتجار السوريون هجموا على مصر واستولوا على شوارع بأسرها من قلب العاصمة , والتهريب من سوريا إلى القاهرة أصبح سيلا متدفقا فهناك تعليمات بألا تفتح حقيبة لسوري ونائب السلطان في دمشق أنشأ لنفسه حاشية محترمة والسوبر باشوات وهم الذين انحرفوا عن الخط السليم للثورة واتخذوا شققا للأنس في أحياء مثل المهاجرين وقاسيون ونهر النيل أصبح يصب في سوريا ومصر التي كانت بلدا غنيا في بريطانيا رصيد من الذهب قدرة 500 مليون جنيه ( اضربها في 150 لتعرف قيمتها الحقيقية) أصبحت اليوم بلدا على وشك الإفلاس والوجة السورية تعرف ذلك وكما يحدث في أفلام كثيرة رأيناها عندما يفلس المعلم وتخلو محفظته وتصبح مجرد كيس فارغ تبدأ الزوجة " لاواعية" في تدبير الطلاق وفي سبتمبر 1961 يكون الانفصال على طريقة المعلمات القارحات ونائب السلطنة يصحو صباح يوم من أيام الخريف ليجد أنه لم يعد نائبا سلطنة بل لم تعد هناك نيابة سلطنة أصلا ويعود إلى القاهر ومعه حقيبة ملابس الزوج السابق فارغة ..

وبعد أن هدأت الأحوال بدأت تصل إلى القاهرة تباعا حقايب حاشية عبد الحكيم عامر جاء بها الخدم والأتباع الذين ظلوا هناك بعد هزيمة الانفصال وكانت حقائب كثيرة جدا مترعة بالموال والغنائم والذي يحكي لنا حكايتها ضابط سوري كان يعمل في المخابرات المصرية .. وقد قاسم أفراد الحاشية المصريين غنائمهم .. وبعد أن وصلت الحقائب كلها إلى مصر كافأناه على إخلاصه بتعيينه في الجامعة العربية ضمن حصة مصر .. والرجل كان ذكيا فأنشأ مع إخوته تجارة في مصر .. وعندما نقلت الجامعة العربية من مصر كان عند هذا الرجل من المال ما يستطيع أن يشتري به مبني الجامعة نفسه .

وكان انفصال سوريا عن مصر ونهاية الوحدة ضربة أليمة جدا للرئيس عبد الناصر ولم يؤلمه شئ في حياته السياسية مثل تلك الضربة . كان شعوره دائما شعور الإهانة الذي يحس به عاشق خانته الحبيبة الغشاشة وقد ظل سنوات طويلة بعد ذلك يحاول استعادة سوريا فلم يستطع وكان تعلقه بسوريا في النهاية هو سبب كارثة 1967.

فقد كان الروس والأمريكيون يعرفون ولعه بسوريا وشوقه في أن يثبت للسوريين أنه رجلهم وحاميهم والاثنان تعاونا على إيهامه بأن إسرائيل تحشد قواتها للهجوم على سوريا والسوريون استغاثوا به والآخرون عيروه بأنه ترك مضايق تيران منزوعة السلاح بعد جلاء الانجليز والفرنسيين والإسرائيليين عن سيناء ومنطقة القناة سنة 1957.. وتحمس الرجل ونهض لأنه كان بطلا وكانت الكارثة .

وعندما نقرأ بعناية كتاب " لعبة الأمم" نفهم أ،هم كانوا يعدون لها من زمن طويل وصديقه الذي كان يحبه ويفتح له قلبه ما يلزكوبلاند كان من كبار المدبرين للكارثة لأن الولايات المتحدة تريد إخراج عبد الناصر من الميدان ورتبت لذلك بعناية وصبر وذكاء وهذا لا يمنع من القول أن مايلز كوبلاند أعجب بعبد الناصر وأحبه , وقد أفادت أمريكا من ذلك الحب ..

وجمال عبد الناصر الذي كان لا يقابل وزراءه ولا يجلس مع وزير ويناقشه في خطة أو سياسة جمال عبد الناصر هذا كان يذهب ليتناول العشاء في شقة مايلز كوبلاند في القاهرة وفي صفحة 178 من ذلك الكتاب نقرأ : وفي أثناء ذلك ( يناير 1955) وصل هنري بايرود إلى القاهرة ( وتسلم عمله سفيرا للولايات المتحدة خلفا للمستر جيفرسون كافري ) وأتي بايرود وعبد الناصر وعبد الحكيم عامر وحسن التهامي لتناول العشاء في بيتي كما سبق أن ذكرت وقبل ذلك كنت بالاشتراك مع انجلبرجر قدبينا للسفير بايرود أرائنا في سلبيات حلف بغداد , وبايرود – بعيدا عن الجو الذي كان يعيش فيه في واشنطون – اقترب بعض الشئ من آرائنا إلى درجة أنه أثناء العشاء حث عبد الناصر على أن يتريث في إعلان رأيه ( في الحلف ) وأن يذكر أن الأمور يحتمل ألا تسير في الطريق الذي كان يبدو إذ ذاك أنها سائرة فيه على الأقل فيما يتصل بتأييد الولايات المتحدة وبريطانيا للخلف .

وهؤلاء جميعا كانوا يجتهدون في توجيه ذهن عبد الناصر في الاتجاه الذين يريدون وهو – لفرط ثقته في نفسه – يظن انه هو الذي يقودهم والحقيقة الأليمة هنا هي أنهم درسوه , أما هو فلم يدرسهم وبلغ من ثقته فيهم وتصوره ا،ه يقودهم ويقود السياسة الأمريكية عن طريقهم أنه أعطاهم حق الدخول إلى مقر القيادة على النيل وهذا المقر كان قصرا من قصور الملك أنشئ في نهاية " الجزيرة" إلى جانب حديقة النزهة التي كانت منتزها للشعب وحديقة النزهة أقفلت وتحولت إلى خرابة والمصريون فقدوا حديقتهم وحرم عليهم المسير في الشارع المؤدي إلى مقر القيادة أما الأمريكيون فكانوا يدخلون ويخرجون كيف شاءوا, وعبد الناصر يشتمهم في كل خطبة من خطبه يلعن سياسة أمريكا والشعب يصفق وبعد الخطبة يتغذي البطل مع الأمريكيين وهو يظن أنه مسح بهم وبسياستهم البلاط , كان عبد الناصر يلعن حلف بغداد , وأصدقاؤه الأمريكيون يشجعونه على أن يلعنه , ويؤكدون له أنهم غير راضين عنه ويقولون إن انجلترا هي التي وراء الحلف وهم وراءه بالباع والذراع ..

وطول عمري أقول أن الشعب المصري طيب وخير وصبور وغني بما هبه الله من صفات وخصائص مثله مثل الجمل : تعطيه القليل جدا فيعطيك الكثير جدا: تعطيه العشب الجاف والماء الأجاج والحطب فيعطيك لبنا وفيرا سائغا كالشهد ووبر كثيرا ناعما كالحرير ..ويصبر طويلا ويتحمل كثيرا ولكن رأسه دائما في السماء .

وبينما كان عبد الناصر يندفع في متاهات السياسة العربية والسياسة الدولية ويدخل لعبة الأمم أو صيد الأمم فإنه قد فاته أن يعد بلاده لتكون سنده في اللعب أو الصيد , وفاتته أكبر حقيقة من حقائق السياسة وهي أن أى رجل من قادة الأمم لا يستطيع أن يؤثر في مجري السياسة العالمية إلا بالقدر الذي يستطيعه شعبه الشعب هو الأساس والسياسيون والقادة هم الذين يقيمون البناء وهم مهما فعلوا لا يستطيعون أن يقيموا إلا بالقدر الذي يحتمله الأساس مهما ظن القائد أنه بطل أو موهوب في البناء على غير أساس من الشعب لن يقوم وكل شئ سيتهدم على رأس بانيه.

وكونراد أديناور يعتبر من أساطين السياسة في عصرنا هذا لأنه عندما تولي أمر ألمانيا عرف هذه الحقيقة جيدا فبدأ يبين وطنه أولا . بدأ كمتسول معتمدا على معاونات مشروع مارشال , وخلال السنوات الثماني الأولي من قيادته لم يفتح فمه في سياسة دولية قام هوولودفيج إيرهارث بنيان الاقتصاد الألماني في صمت الشعب الألماني بني مع قيادته بناء سليما قويا وألمانيا التي كانت حطاما في أواخر الأربعينات أصبحت مصانع ومدنا زاهرة في أواخر الخمسينات .

وعلى هذه القاعدة القومية الشعبية جلس أديناور يقول كلمته في السياسة العالمية وفرنسا أحست ان ألمانيا تفوقت عليها فسارعت ومنحت يدجول ثقتها, والجنرال شارل دي جول بدأ بإنشاء قاعدة دستورية جديدة واعتمد على الفكر والعلم ورجال العلم والصناعة وجاء برجل من أعلام الفكر هو أندريه مالرو وجعله وزير ثقافة وأندريه مالرو لم يتنازل لديجول عن ذرة من حرية فكره أو صراحته أو علمه كان ديجول يتحدث إليه ساعة ليقنعه بشئ وفي النهاية يقول مالرو : لا يا سيدي الجنرال , لا أستطيع ذلك لأنني غير مقتنع ويقول الجنرال : أنت رجل عنيد ناشف الرأس فيقول الوزير : أنا الذي أوصف بذلك يا سيدي الجنرال ؟ ويفهمها ديجول ويحترم رأي وزيره ويوم الأحد يتغذي أندريه مالرو على مائدة الجنرال في بيته الريفي في قريته كولومباي لي دوز اجليز ومدام ديجول هي التي تطهو الطعام وكل ذل تجده في مذكرات مالرو التي أطلق عليها أسا يصعب ترجمته إلى العربية .

وعب الناصر يقولون له إن وزيرا من وزراء التربية والتعليم يخالف سياسة الريس في وزارته ويريد أن يستقيل أو أن يكون وزيرا حقيقيا وهذه جريمة في نظر عبد الناصر وهو لا يسمح للوزير بأن يستقيل لأن الاستقالة معناها أنه يرفض العمل معه وهذا تطاول وقح على المقام العظيم وبعد أيام يقال الوزير المخلص المجتهد بضربة بالقدم تلقي به في الطريق .

والخبر ينشر في سطرين كلهما احتقار وأقول لصحفي العصر وصاحب رأي الريس " أو ما يسمي بمخزنة الذهني " فيقول ساخرا : لا يستحق أكثر من ذلك !

الحساب الختامي للعصر الناصري

أتابع هنا دراسة عصر عبد الناصر لا لكي أنبش الماضي بل لكي أنير طريق المستقبل لأن الماضي لا وجود له في مفهوم التاريخ وكل ما نسميه ماضيا إنما هو حاضر وما حدث اليوم بدأ بالأمس وأول الأمس والذي يعنينا من عصر عبد الناصر وما جاء بعده هو أن نصل إلى جذور مشاكل اليوم : الفوضي وعدم احترام القانون وضعف الإحساس بالجماعة وقلة الشعور بالانتماء لقد رأينا كيف أن راعي الجمل المصري وقف في النهاية وحيدا فريدا الجمل كل وبرك . وحمل الجمل ضاع وأحلام النصر ذهبت مع أمس الدابر ..

وعزاؤنا عما حدث هو أن غيرنا ممن كنا نظن أنهم أدري منا بحقائق الحرب والسياسة اقترف نفس الخطأ . ذلك أن موسوليني عندما أراد أن ينشئ إمبراطوريته الأفريقية بادئا بإتمام إخضاع ليبيا ثم غزو الحبشة فاته أن الشعب الإيطالي لا يريد هذه الإمبراطورية وغير مستعد أو مؤهل للعمل في إنشائها . بل لم يكن الشعب الإيطالي راغبا في دخول الحرب العالمية الثانية أصلا ولهذا فقد حلت الهزائم بالإيطاليين في ليبيا والحبشة ثم في الحرب الكبري والإيطاليون اليوم يقولون أنهم لم ينهزموا في أي من هذه الحروب لأنهم لم يدخلوها بإرادتهم بل كان موسوليني هو الذي حشرهم فيها . ومهما بلغت عبقرية موسوليني فإنه لم يكن ليستطيع أن يفعل .

وقد وقفنا في الفصل الماضي عند واحدة من الحقائق التي أدت إلى هذه النتيجة وهي أن عبد الناصر غابت عنه حقيقة الأمة وأنها الأساس , وأن أي زعيم مهما بلغت عبقريته لا يستطيع أن يحقق إلا ما تستطيعه أمته فعلا , فعبد الناصر كان يريد أن ينشئ إمبراطورية عربية ولكن شعب مصر لم يكن يريد أن ينشئ تلك الإمبراطورية , ولا هو كان قادرا على إنشائها كان يريد أن يعيش مع إخوانه العرب في سلام , كان يريد أن يتعاون مع أولئك الإخوان في تأمين الوطن العربي من الأخطار , ولهذا فعندما ذهب عبد الناصر للاشتراك في حرب اليمن ذهب وحده والذين أرسلهم إلى اليمن معظمهم لم يذهب للحرب بل للمتاجرة والكسب والقليلون المخلصون هم الذين حاربوا مع أحرار اليمن وماتوا وهم الذين جعلوا المشاركة مصر في ثورة اليمن معني وقيمة .

وقد سبق أن قلت مرة بعد أخري إنني أعرف قدر عبد الناصر وحقيقة دوره في تاريخ العرب وتاريخ مصر وعندما أقول ما أقول الآن فإنني أريد أن أصل إلى الحقائق التي تنفع هذه الأمة والحقائق وحدها هي التي تبقي وتنفع . وإذا كانت الأمة قد غابت عن عبد الناصر فقد غابت عنه حقيقة أخري وهي أن الحرية هي القاعدة الأساسية التي لا يستطيع شعب أن ينهض بدونها أن الحرية قوة للحاكم قبل أن تكون قوة للشعب والحاكم مهما كانت قوته المادية العسكرية لا يستطع أن يصل إلى النصر إذا كان شعبه مكبلا بالأغلال . والشعب الألماني نفسه – وهو من أقوي شعب الأرض وأوفرها علما وأكثرها مهارات – خسر الحرب لأن هتلر سلب هذا الشعب حيته وهتلر الذي حرم على شعبه الحرية وعاقب الناس عليها انتهت حياته منتحرا في قبر تحت الأرض فكان بذلك أشد الناس خسارة وأصبح في نظر التاريخ مجرما ..

وجمال عبد الناصر الذي بدأ حياته بطلا , فأرغم الانجليز على توقيع معاهدة الجلاء في أكتوبر سنة 1954, وأمم قناة السويس في يوليو 1956 أعتقد أنه صاحب الفضل الوحيد في ذلك كله ونسي أنه لم يكن ليستطيع أن يصل إلى شئ منه إلا بتأييد شعبه وأن كل قوته لا ترجع إلى شخصه بل ترجع في الحقيقة إلى إرادة الشعب ولأن عبد الناصر لم يكن يؤمن بالحرية فقد عادي كل الذين يحتاجون للحرية من المواطنين لكي يعملوا أو ينتجوا ويفيدوا بلادهم , وهم المفكرون والكتاب والعلماء والفنانون وهؤلاء هم عيون الشعب التي تري وعقوله التي تفكر وألسنته التي تتكلم , فإذا أخفيت الحقائق عن هؤلاء وإذا حيل بينهم وبين الوصول إلى الحق وحرم عليهم الكلام والكتابة أصبح الشعب كله بلا قيادة حقيقية وأصبحنا لا نعرف ماذا يريد الشعب أو ماذا يريد لأن جماهير الشوارع طيبة وساذجة وهي قوة ضخمة ولكن لا قيمة لها إلا إذا كانت على نور والزعيم الذي يعتمد على تصفيق الشوارع يعتمد على هواء , ن رجل الشارع لا يفكر في العادة وغنما هو يتصرف تصرفا جماعيا ويسير مع التيار وواجب الحكومة الصالحة أن تنورّ هذا الشعب بالحقائق وألا تكذب عليه أبدأ حتي لا يتحول الشارع إلى قوة مخربة .

وعبد الناصر غابت عنه هذه الحقائق ولهذا فقد سار طريقة غير مكترث بالشعب أو رأي الشعب بل عملت أجهزة الدعاية بأمره عل تضليل هذا الشعب وتسييره في الظلام والغريب أن عبد الناصر الذي كان يقف مع شعبه هذا الموقف كان رغم كراهته للأمريكيين لا يخفي عنهم حقيقة وأريك جونسون وكيرميت روزفلت وباتريك سيل كانوا يعرفون من عبد الناصر نفسه حقائق كل شئ يجري في مصر واقرأ كتاب لعبة الأمم لتري بنفسك وقد فات عبد الناصر أن أولئك الناس كانوا حوله ليدرسوه ويصلوا إلى مفاتيح شخصيته ووصلوا إليها وتحكموا فيه دون أن يدري فقد عرفوا أ،ه رجل عزيز النفس عنيد معتد بنفسه وأنك مهما قلت له فإنه سيفعل العكس . فكانوا إذا أرادوا منه أن يفعل شيئا طلبوا منه العكس فيفعل ما يريدون وسنري أن عبد الناصر اختلف هنا تمام الاختلاف عن أنور السادات فهناك مفاتيح لشخصية عبد الناصر وأنت تستطيع إذا عرفت المفاتيح أن تتوقع ماذا سيفعل أما السادات فقد استعصي على بريجينسكي وعلى هنري كيسنجر وهذا سر حملتهم عليه في بعض ما كتبوا وسننظر في هذا في الفصل القادم إن شاء الله .

أما المصريون الذي أحاطوا بعبد الناصر وألحقوا به أشد الضرر فهم الذين كانوا يقولون دائما حاضر يا أفندم!! ولماذا كانوا يقولون ذلك ؟ لأنهم كانوا يعلمون أن عبد الناصر لا يقبل غير الطاعة دون جدال , فإذا أنت جعلت نفسك خاتما في أصبعه بلغت منه ما تريد وعبد الناصر – كما قلنا كان زاهدا فيما يطمع فيه الناس من خير ومتاع نعمة ومال وترف . فلا مانع عنده من أن يعطيك بكلتا يديه إذا أنت كنت أداة من أدواته تخدمه بالصورة التي يجب : هو يأمر وأنت تطيع , في يستكثر عليك شيئا : تريد أن تكون وزيرا ؟ فكن وزيرا ! تريد أن تكون سفيرا ؟ فكن سفيرا ! تريد أن تسرق ؟ فاسرق ولا تخف ! بل كان عبد الناصر يفضل الذي يخطئ على الذي لا يخطئ لأن الخطأ ذلة للرجل في يده وأنا هنا لا أذيع سرا أو أكتشف اكتشافا لأن هذه الحقيقة عرفها عنه مل الناس وليس معني ذلك أن كل الذين عملوا معه وأطاعوه كان معيبين فقد كان فيهم ناس كثيرون محترمون خدموا بأمانة ونصحوا ولكن الطاعة كانت الصفة الأولي التي أحبها فيهم إنه لا يحب المعارضة ولا يطيقها والويل لمن يعارضه ولكن لماذا كان عبد الناصر لا يرضي بغير الطاعة الكاملة ؟ ولأن الغرام الأكبر لعبد الناصر كان السلطة أن السلطان أو القوة السياسية وهنا نقف وقفة قصيرة عند موضوع القوة السياسية .

المراد بالسلطة هنا هي السلطة السياسية أى السيطرة على الشعب أو الأمة وحكمها وسنري بعد قليل أن لها طريقين شرعيا وغير شرعي ولكن الذي يعنينا هنا هو .. السلطة في ذاتها ما هي ؟ إن مظهرها هو أن من يملكها يأمر فيطاع يصدر الأمر فينفذ ذلك الأمر ولكن كيف يقبض صاحب السلطة عليها ؟ إن الموظف العادي في الحكومة أو في شركة من الشركات يتمتع بسلطة في حدود القرار الذي صدر بتعيينه وقوة هذا القرار تكمن في أفمضاء الذي عليه فأنت مثلا مدير عام بقوة إمضاء صدر بتعيينك ممن فوقك وهو وكيل الوزارة وإمضاء وكيل الوزارة هو الذي أعطاك السلطة في مجال وظيفتك ووكيل الوزارة يستمد سلطته من قرار الوزير بتعيينه وهكذا حتي نصل إلى رأس الدولة وهو رئيسنا جميعا .

فالسلطة إذن يمكن أن نقول ا،ها خيط من الحبر يبدأ من الرئيس الأعلي ويستمر حتي يصل إلى اصغر العاملين في الدولة أو الشركة وهذا الخيط رمزي كما قلنا , وشرطه الأول هو أن يكون متصلا من خروجه من قلم الرئيس الأعلي إلى أسفل رئيسا للوزراء فينبغي أن يدعه يتصرف تصرفا كاملا في حدود ولايته فلا يتدخل فيها وينتقص من سلطته إلى في الحدود التي يعينها القانون ورئيس الوزراء ينبغي أن يكون تفويضه للوزراء كاملا دون تدخل منه إلا في حدود القانون فإذا وقعت تدخلات وتعديات خارج القانون فسد النظام كله ومن طبع الفساد أن يستشري كالمرض المعدي إذا لم يوقف استمر ينتشر وينتشر حتي يعم الجميع .

وعندما نصل إلى رئيس الدولة يكون السؤال : من أين يأخذ رئيس الدولة خيط الحبر الذي يعطيه قوة التصرف ؟

في نظام ديمقراطي مثل نظامنا الحالي الجواب واضح: إن رئيس الدولة يحكم بمقتضي تفويض أعطاه الشعب إياه . وهذا التفويض حصل عليه الرئيس بالانتخاب نحن دعينا نتيجة هذا الانتخاب الدولة في يوم معين فذهبنا واخترناه أو اختارته الأغلبية وبمقتضي نتيجة هذا الانتخاب قام مجلس الشعب المنتخب منا أيضا بتسليم السلطة إلى الرئيس الجديد فهو يحكم بتفويض منا وتأييد وهو يعين الوزراء والوزراء يعينون من يلونهم وهكذا وكل شئوننا تجري وفق نظام للسلطة والحقوق والواجبات هو الدستور فالدستور هو الإطار القانوني العام لكل تصرف أو ملك ( بكسر الميم ) أو سلطة ! هذا في النظم الديمقراطية أي الشورية مثل نظامنا الحالي منذ ولاية الرئيس حسني مبارك وهو لهذا واثق منا ونحن واثقون فيه وهو مطمئن إلينا ونحن مطمئنون إليه وهو يحكم بالدستور ونحن وضعنا الدستور فهو آمن ونحن آمنون وهو ونحن جميعا في حمي الدستور والقوانين فكيف تولي عبد الناصر ؟

عبد الناصر انتزع السلطان من الرئيس محمد نجيب انتزاعا بالقوة في فبراير 1954 كان محمد نجيب قد تولي السلطة بترشيح من الضباط الأحرار بقيادة عبد الناصر كانوا يريدون منه أن يكون صورة يحكمون في ظلها ولكن الشعب تعلق بمحمد نجيب ولذلك لابد من إبعاده بالقوة أصبح عبد الناصر الرئيس الفعلي ممثلا للضباط الأحرار وبعد أن صار رئيسا بالفعل طلبوا من الشعب تأييد الأمر الواقع وبدأوا يحكمون جماعيا ولكن عبد الناصر كان يحس في نفسه أن هذه الثورة كلها من صنعه وان النظام الجديد ملكه ولن يصلح إلا إذا كان هو صاحب السلطان الوحيد فيه ولم يكن هذا بالشئ الجديد في التاريخ بل هو يحدث كثيرا بعد قيام الثورات .

ذلك أن الثورة إذا قامت يكون لها هدف واضح مشترك فيه القادة والشعب ولكن الذي لا يكون واضحا هو الطريق إلى تحقيق هذه الأهداف , وبعد انتصار الثورة يتبين قادة الشعب والثورة ان هناك أكثر من طريق ويبدأ الخلاف بين القادة على الطريق ,وهنا ينتصر الأذكي والأجرأ والأقسي والأسرع والأعنف وليس من الضروري أن الذي ينتصر هو صاحب الطريق الأسلم والأقرب أو الأكثر استقامة هنا تتلاشي الأهداف والمثل العليا في زحمة الصراع وقد يكون المنتصر في النهاية هو أبعد الناس عن الغايات الأساسية والمثل العليا .

والذين بدأوا الثورة الفرنسية بالاستيلاء على الباستيل في 14 يوليو 1789 وألغوا الملكية وأعدموا الملك والملكة ولم يكونوا يعرفون أ،هم يزيلون ملكا ليفسحوا الطريق أمام إمبراطور والإمبراطور نابليون الأول الذي رفعه مجلس الشيوخ إلى المنصب في 18 مايو 1814 أصبح يعتقد أنه هو الثورة وهو الطريق وهو الأهداف وهو كل شئ , وكان هذا بداية لتجارب مريرة وآلام كثيرة ولم تشعر فرنسا أنها استقرت فعلا إلا في سنة 1959 عندما تولي ديجول وأعلن الجمهورية الخامسة بإرادة الشعب فعلا وبلا تزييف .

شئ من هذا حدث لثورتنا , فإن جمال عبد الناصر عندما انتصر على محمد نجيب وأصبح رئيسا الفعل دعا الشعب إلى تأييد هذه الرياسة وأقام استفتاء وأعلن دستورا مؤقتا ولكن عبد الناصر أصبح يشعر أنه الثورة كلها وهو الطريق وهو الغاية ومصر كلها أصبح عليها أن تخدم عبد الناصر وعبد الناصر لم يكن له إلا حب واحد: هو السلطة مثله ذي ذلك مثل نابليون وهتلر وموسوليني .

وهؤلاء الرجال الذين يتملكهم حب السلطان يتلاشي في اعتبارهم كل شئ إلا أشخاصهم مصر كلها لم يعد وجود لأن الوجود كله كان لعبد الناصر وفي إحساسه أنه ليس ابن مصر بل مصر من صنع يده قبله لم توجد مصر ( إلا في خطبه) وبعده لا يمكن ان توجد مصر وفي حديث له مع مجلة لايف الأمريكية سنة 1958 سئل : ماذا تظن أن يحدث لمصر بدونك ؟ فكان الجواب الغريب تنقسم إلى حزبين : حزب مع روسيا وحزب مع أمريكا ! وما دام قد وصل إلى السلطان بالقوة فقد أصبحت القوة عنده وسيلة سهلة لتحقيق ما يريد والقانون أصبح هو عبد الناصر هذا يفسر لك كل ما حدث في عصر عبد الناصر الحسن والقبيح على السواء كل ما يخدم سلطته فهو حسن وكل ما لا يخدم هذه السلطة فهو سئ من يخدمه ينل الدنيا ومن يعارضه يمض إلى الجحيم إذا أراد أن يخالف روسيا فإن مصر كلها تريد أن تحالف روسيا وإذا أراد أن يغزو اليمن فمصر كلها لابد أن تغزو اليمن وإمام اليمن لابد أن يزول لأنه لم يؤمن بعبد الناصر لا يهم كم ستخسر مصر في حرب اليمن لأن المهم هو أن عبد الناصر يريد ولأنه يريد فمصر كلها لابد أن تطيع .

ولكن : من الذي يفتح لطريق أمام المستبد ليصل بالاستبداد إلى مداه ؟ حاشية السوء أو من نسميهم هنا بالسوبر باشوات . كبار المستبدين يكونون دائما من عشاق السلطان لا طعام يغريهم ولا شراب ولا نساء ولا ترف ولا متاع السلطة فقط هكذا كان لينين وستالين وموسوليني وهتلر ولينين لكي يضمن السلطان المطلق جعل ستة من اليهود وزراء في مجلس وزراء يتألف من تسعة أشخاص لأن أى يهودي لن يطمح إلى رياسة روسيا وهؤلاء اليهود الوزراء أدوات مأمونة من أدوات استبداده وجمال عبد الناصر عندما أصبح رئيسا للجمهورية قرب إليه رجالا من الصفوف الخلفية واتجه إلى التخلص من كل رجل من أصحابه له شخصية أنور السادات فهم هذه الناحية واكتفي بأن يكون رئيسا للمؤتمر الإسلامي أو رئيسا لمجلس النواب هكذا يكون قريبا وبعيدا في نفس الوقت هكذا يكون داخل الحاشية وخارجها معا ونفر من أعضاء مجلس الثورة جعلوا من أنفسهم هراوات في يد عبد الناصر وبهراواته ضربوا الآخرين لهذا كان لابد ان يمنحهم عبد الناصر شيئا من السلطان عندما قام كل من هؤلاء بما أراده منه عبد الناصر كان لابد من إبعاده لا كراهية فيه بالضرورة بل لكي يستعيد عبد الناصر ما أعطاهم من سلطان إذ لا يجوز أن تكون ذرة من السلطان في يد إنسان غير عبد الناصر .

إن عاشق السلطة يغار عليها مما يغار الرجل على امرأة يحبها والمستبد عندما يريد أن يتخلص من رجل لا يهتم بالطريقة المهم أن يختفي وهتلر عندما أراد التخلص من رودولف هيس أوعز إليه بالهرب إلى انجلترا ليكون وسيطا في الصلح وعندما وصل هيس إلى انجلترا أ‘لن هتلر أنه خائن مرتد و والرجل ما زال إلى يومنا هذا يؤدي العقوبة التي حكم بها هتلر عليه إنه سجين سبانداو.

وعبد الناصر عندما بدأ التأميمات لم يكن يطمع في شركة من شركات أحمد عبود ولا كان يطمع في مصنع سيد ياسين للزجاج ولكنه كان يريد أن يجرد كل مصري من أي سلطان ولو علي مصنع زجاج أو سماد وعبد الناصر وزع شركات عبود على أنصاره ومحاسيبه وأخذ شركة مصانع الزجاج من سيد ياسين وهو مواطن تفخر به مصر وأعطاها الواحد من أنصاره لم يكن يعينه ماذا حدث للمصنع ولكن الذي كان يعينه هو أن يجمع كل السلطة في يده , والثلاثون مكليونا لابد ان يأكلوا من يده كما كان يقول و لقد ضرب الاقتصاد المصري كله بتأميماته لكنه لم ينظر إلى شئ من ذلك المهم ألا يبقي على ظهرها رجل رافع الرأس إلا هو .

والحاشية أو السوبر باشوات يسرهم ذلك لأن كل شركة تؤمم يقعد على تلها واحد منهم ولا حسيب ولا رقيب وينفتح الباب أمام الأقارب والأصهار ويتسع المجال لكل مخالفة وجمال عبد الناصر رأي أن الإخوان المسلمين يطمعون في السلطان فنزلت الضربات عليهم دون رحمة هم وأقاربهم وأصهارهم وأصدقائهم ومعارفهم إلى سابع جار. هنا يدخل الإرهاب . والإرهاب سلاح مخيف عرفته الإنسانية من آلاف السنين ولكن لينين جعله علما له أساليبه وسيكولوجيته: أقبض على عشرة رجال في الفجر واسحبهم من أرجلهم إلى السجون ودع نساءهم يبكين وأولادهم يصرخون يرتجف البلد كله وقد سبق أن شرحت ذلك في دراستي عن لينين جوزيف جويلز وزير دعاية هتلر كان شيطانا عبقريا وهو الذي ابتكر عبادة الزعيم وطقوس تلك الإرهاب وهو الذي اخترع تنظيم القمصان البنية ومواكب التأييد وأساليب الفزع والإرهاب وهو الذي اختار هاينربش وهيملر جعل الإرهاب فنا أسود ستالين رمز الإرهاب الدموي تعلم الكثير من هيملر وفي مدرسة هيملر تعلم رجال موسوليني ورجال ألمانيا الشرقية وفي مدرسة الروس والألمان الشرقيين تخرج زبانية الإرهاب في العصر الناصري ورمزهم الأكبر حمزة البسيوني ومن الغريب أن هؤلاء الإرهابيين الدمويين لا يتمتعون بشئ في الدنيا ولن ينالهم خير في الآخرة وعبد الناصر كان يعرف أن حمزة البسيوني رجل تعيس ولكنه كان يعتقد أنه سعيد بهذه التعاسة .

لقد أشار الرئيس السادات في البحث عن الذات إلى واحدة من حوادث التعذيب في العصر الناصري وهي حوادث تعذيب الناس وامتهان كرامات المواطنين والاتجاه إلى تصفية العائلات في كمشيش منوفية ( صـ222- 223) وصدر أخيرا حكم القضاء في إحدي قضايا التعذيب هذه نشرته جريدة الأحرار في 30 مايو 1983 ول آتي به بنصه هنا ولكني سأكتفي بفقرات منه تكفي للغرض من هذه الدراسة , قالت المحكمة في حيثيات الحكم " إن الفترة التي جرت فيها أحداث هذه القضية فيما بين سنتي ( 19661967) هي أسوأ فترة مرت بها مصر في تاريخها القديم والحديث وهي فترة قد ذبحت فيها الحريات وديست فيها كل كرامة للإنسان المصري ووطئت أجساد الناس فيها بالنعال " وأتوقف هنا عن إيراد بقية الحيثيات لأن يدي لا تطاوعني على كتابتها لبشعتها .

وهذا حكم قضاء مصري وهو وثيقة تاريخية حاسمة ولماذا دفعت مصر هذا الثمن الباهظ كله ؟ لكي يحكم رجل واحد..

ومع هذا فإن هذا الرجل لم يحكم وحده أبدأ كان هناك دائما نائب السلطان عبد الحكيم عامر ينغص عليه ملكه ويشاركه فيه بحق النصف , وعبد الناصر كان يحتفظ لنفسه بحق التصرف المطلق فيما يتصور أنه المسائل الكبري: العلاقات مع الدول الأجنبية وخاصة روسيا وأمريكا والعلاقات مع الدول العربية وما إلى ذلك هنا كانت كلمته هي الأولي والأخيرة , أما ما عدا ذلك فكان عبد الناصر يعتبره مسائل صغيرة يتركها للمماليك والخشداشية ..

وقد فات عبد الناصر أن هذه الأمور التي كان يعتبرها مسائل صغيرة هي ثلاثة أرباع اهتمامات الناس , والمواطن العادي تشغله المكان الأول تلك الأشياء الصغيرة: لقمة العيش والمسكن والمواصلات ودخول الأولاد المدارس وحرية التصرف والعمل والقول والأمن على النفس والمال والأهل .. هذه كلها تركها عبد الناصر لمساعديه هم الذين كانوا يتولون التموين والزراعة والصناعة وشركات القطاع العام والحراسات والتصدير والاستيراد وما إلى ذلك وهذا كله تقاسموه فيما بينهم وتصرفوا فيه كأنه تركة صارت إليه ولا حسيب ولا رقيب وكانوا إذا أرادوا الاستيلاء على بيت رجل لفقوا لصاحبه أى تهمة وألقوا به في السجن وشردوا أسرته أو فصلوه من وظيفته وجعلوه متسولا ويقولون لعبد الناصر إنه عدو للنظام أو أنه من الإخوان أو شيوعي أو أي شئ ونادرا ما كان يهتم بالتحقيق مما يقولون وحوادث كمشيش التي أتينا بطرف من حيثيات حكم القضاء فيها قيل لعبد الناصر أن ضحاياها إقطاعيون خطرون وهذا كان مبررا أكثر من كاف لإنزال أسوأ العقاب بأي إنسان..

وهذا يفسر لك كيف أن جماعة السوبر باشوات وهم خدم عبد الناصر وعبد الحكيم عامر استولوا على ثروات مصر وخربوا شركاتها ودمروا أرضها الزراعية بينما عبد الناصر يسعد بإلقاء الخطب التي كان يتصور أنها تهز الدنيا وما كانت في الواقع تؤثر في سير الحوادث إلا بقدر محدود جدا بل كانت تأتينا بأسوأ النتائج فقد أهلكنا عبد الناصر ليسقط نوري السعيد وأنفق في سبيل ذلك الملايين ومع ذلك فإن الذي جاء بعد نوري السعيد كان عبد الكريم قاسم ونوري السعيد مهما قلنا فيه كان باشا محترما يعرف الأصول , وفي محادثات سرسنك كان صلاح سالم يتطاول عليه وكان نوري السعيد يرد بأدب , حقا إنه كان خبيثا ولكنه كان مهذبا أما عبد الكريم قاسم فقد كان خبيثا وقليل الأدب وحقيرا وفي بغداد أقام سيركا سماه محاكمات الثورة وأتي بقريب له يسمي عباس المهداوي وجعله رئيس المحكمة وأذيعت المحاكمات بالتيلفون والذي قاله عباس المهداوي في عبد الناصر وزعماء مصر وثورة يندي له الجبين ومن راديو صوت العرب بالقاهرة كان يرد عليه المسكين أحمد سعيد بشتائم أقسي وأشد إقذاعا.

وهذه هي صورة الكفاح العربي في عصر السوبر باشوات ولكي سقط جمال عبد الناصر رجلا مثل كميل شمعون أنفق في بيروت الملايين بلا حساب , ونصفها استقر طبعا في جيوب السوبر باشوات والذين يقولون أن عبد الناصر وضع أساس ازدهار بيروت المالي ابتداء من 1954 بما ألقي فيها من أموال مصر يقولون الحق , وباليت هذا كله نفع في شئ فإن في شئ فإن جمال عبد الناصر لم يسقط كميل شمعون رغم ذلك كله ! وأيام كميل شمعون كان الحكم في لبنان مشتركا بين الموارنة والسنة والشيعة وأما اليوم فإن الكتائب وحدها هي التي تحكم لبنان ونار كميل شمعون ولا جنة الكتائب .. وهل هذه كانت كل خسائر ؟

لا والله خسرنا ما هو أهم من الأموال والجواهر والقصور خسرنا فرصة ذهبية نحاول اليوم أن نستنقذ بعضها فإن عبد الناصر بعد أن أنفرد بالحكم من أبريل 1954 كان يستطيع أن يفعل لمصر ما فعله لينين لروسيا وفرانكوا لأسيا وتيتو ليوغوسلافيا وما وتسي تونج للصين ..

كل هؤلاء كانوا مستبدين ولكنهم على الأقل استخدموا الاستبداد في النهوض ببلادهم وإدخالها في عصر جديد لأنهم كانوا يملكون حصيلة طيبة من العلم والثقافة .

ففي سنة 1954 كانت مصر ما زالت بخيرها كله , كان عدد سكانها أقل من 30 مليون وكان سكان القاهرة مليونين .. والناس كانوا يثقون في عبد الناصر ثقة بلا حدود وكانوا مستعدين للسير معه في طريق الإصلاح وكان البلد حافلا بالرجال والكفايات والعلماء وكان لينين رغم كل شئ يحترم العلم والعلماء ويعتبر جامعتي موسكو وليننجراد معقلين وطنيين وكذلك كان فرانكو وهذا الرجل الأخير وضع قيودا تمنع الرأسماليين من الانحراف ثم أطلق لهم حرية العمل دون أن يصادر أموالهم فقاموا بالنهضة الاقتصادية الكبري وجعلوا أسنابنا تاسع الغنية في العالم اليوم وأول بلاد العالم في السياحة ..

ومشكلة التموين التي نعاني منها الآن كان حلها ممكنا منذ أيام عبد الناصر والتقارير والدراسات التي قدمها إليها العلماء والمتخصصون المصريون كانت كفيلة بالعلاج أيام كان العلاج ممكنا ولكن عبد الناصر كان يلقي بها في الأدراج ولا يقرأها وخذ مثلا واحد:

مترو الأنفاق مشروعة وضع وقدم لعبد الناصر سنة 1956 ولم تكن الشوارع قد غصت بما فيها كما هي اليوم وكان تنفيذه أيسر من اليوم عشرات المرات ونحن سننفق فيه اليوم ما بين 25, 30 مليونا. أما في سنة 1957 فكانت تكاليفه 5 ملايين وكانت المدة المقدرة للتنفيذ 5 سنوات أو 10 مهما كان فإن مترو الأنفاق كان قد تم . وكنا تفادينا مشاكل المواصلات المستحيلة .

ومشروعات إنشاء المدن الجديدة في الصحراء كلها قدمها لعبد الناصر رجال مصريون مخلصون , ولكن عبد الناصر كان يحتقر العلماء ويحتقر الكتاب والأحرار ويحتقر كل صاحب رأي وكرامة وقد تقدم له مهندس مصري صادق بكل وجوه النقد والنقص في مشروع السد العالي وكل ما قاله هذا الرجل المخلص كان حقا ونحن نعالجه اليوم ولكن عبد الناصر عاقب ذلك الرجل وطرده من الحكومة وأنا أكتب هذه السطور ويقرأها عالم مصري جليل كان يشرق سنة 1955 على مجلس أبحاث الذرة ومجلس العلوم وكان قد وضع مشروعا يجعل مصر صاحبة أول مفاعل ذري خارج أوروبا سنة 1962 , ولكن عبد الناصر اضطهده وطرده والرجل غادر مصر وعمل في الأمم المتحدة وأنشأ إحدي منظماتها الكبري وأصبح ثالث رجل في الأمم المتحدة كلها ..

ولينين وفرانكو وتيتو بجامعات بلادهم واحترموا مجالس الأبحاث وعلموا الناس النظام والنظافة ولينين كان يستقبل الناس جميعا وهو جالس إلا مديري الجامعات ومدير أكاديمية العلوم ومحافظ متحف الارميتاج في ليننجراد وهو الوحيد الذي كان يغلظ في الكلام للينين كما كان الأديب مكسيم جوركي , وكان لينين يستمع لكلامه بكل احترام ..

تلك هي خسارتنا الكبري بسبب الاستبداد وهو رأس الرذائل السياسية كلها

السادات وحصانة الأبيض

آن الأوان فيما أحسب لكي نفرغ من هذه الدراسة فإن غايتي منها كانت منذ البداية مراجعة الحساب الختامي لما حدث في مصر في عصرين متوالين : ما قبل الثورة وما بعدها ولم يكن غرضي التاريخ للعصرين فهذا مطلب آخر يتناوله له المؤرخ بطريقة أخري وعدة أخري .

ولم أكن أقدر منذ البداية أيضا أن أقول الكلمة الأخيرة في كل موضوع تناولته هذه الدراسة بل أردت مجرد فتح طريق جديد في النظر إلى تاريخنا وكل الذي قلته هنا إنما هو رأي والرأي فتتلاقي الآراء ويكن الحوار ومن الحوار السليم تخرج الحقيقة وهذه – فيما أحسب هي وظيفة الكاتب : أن يحرك الأذهان ويفتح الباب للحوار السليم . أما الكاتب الذي يظن أن كلامه هو أفضل لخطاب ولا معقب عليه فليس حزم ولكن يضايقني منه استبداده برأيه وقوله دائما :" وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه ولا معقب عليه ". وهذا أيضا مالا يعجبني في العقاد أحيانا وهو إحساسه بأن ما ينتهي إليه فكره وما يجري به قلمه هو الحق والمنطق والعلم جميعا ومادون ذلك فما هو بحق أومنطق أو علم .

والذي يعجبني في كتابات مفكري ما قبل الثورة الفرنسية : فولتير ومونتسكيو وروسوود الأمبير وبقية الموسوعيين ومن عاصرهم من أهل الفكر في انجلترا وألمانيا هو أن كتاباتهم تفتح دائما باب الحوار فإن الميزة الكبري لهؤلاء جميعا هي أنهم حركوا الفكر وأخرجوه من الجمود إلى الحركة وهذا هو الذي يجعلك تقرأ ما كتبوه مرة بعد أخري وفي كل مرة تتكشف لك نواح جديدة للفكر والرأي .

إلى شئ مثل هذا قصدت عندما استقر رأيي على ان أكتب في هذا الموضوع وجعلت أشرع في جمع المادة له منذ صيف عام (1981) وكل ما كنت أمله هو أن أكون كمن يرمي الكرة في الملعب ويسعد برؤيتها تنتقل من واحد إلي واحد وهذا فيما أعتقد هو أحسن تصوير لما نقوله – دون أن نطبقه – بعبارة الرأي والرأي الآخر فكل الذي قلته وأقوله رأي ولكل قارئ بعد ذلك رأيه ولو أن المناقشة تتجلي في لنهاية عن أنني أخطأت في معظم ما قلته فهذا لا يقلل قط من شعوري بأنني أسهمت بنصيب ما في توجيه الأذهان إلى ما ينبغي أن تتجه إليه وهو البحث عن الحقيقة.

ولكي أكون متفقا – منذ البداية – مع القارئ أقول إن العبرة عندي في كل عمل هي النتايج التي يعتد بها والتي يعود خيرها على الشعب فإن الأمة عندي هي البداية وهي النهاية وكل خير لا ينال الأمة كلها فهو ليس بخير وكل خير يقتصر على طائفة دون طائفة فهو شر ومن هنا كانت حملتنا على السوبر باشوات لأنهم استولوا على الثمرات المادية لكل عصر الباشوات وانفردوا بها غصبا وسرقة وتدليسا هذا أيضا هو لباب نقدي للرئيس عبد الناصر رغم أنني أعرف مكانه الضخم في تاريخ مصر والعالم العربي المعاصر كله فقد نادي بالحرية ثم جعلها احتكارا لنفسه فحسب, وطالب بحقوق الشعوب ثم انفرد وحده بكل الحقوق وقال : ارفع رأسك يا أخي فقد مضي عصر الاستعباد ثم عمد إلى قطع رأس كل مواطن حاول رفع رأسه , ورد الناس بذلك إلى عصر من الذل والخوف هو أسوأ من كل ما رأت مصر في تاريخها وقد أتينا بفقرة من حكم محكمة مصرية على ذلك العصر في حيثيات حكمها في قضايا تعذيب كمشيش وهو حكم حاسم فيما نر ي..

وقد أخذ على بعض القراء أنني في كلامي عن طبيعة الحكم في العصر الناصري اعتمدت على عبارات وردت في كتاب " البحث عن الذات" للرئيس السادات , وقالوا إن هذا رأي مفرد لا يصح التعويل عليه وحده وقالوا أيضا أن السادات لا يمكن اعتباره شاهدا منصفا على عصر عبد الناصر. وهؤلاء الإخوة عندهم حق في ذلك ولكنني تصورت أن أحسن حكم على عصر عبد الناصر هو عبد الناصر نفسه وما دام عبد الناصر يقول للسادات إن البلد في أيامه كانت تحكمها عصابة , فهذا كان كافيا في رأيي , فإذا لم يكن كافيا فإلي القارئ رأي الفريق محمد فوزي وهذا الرجل الجدير بالإعجاب هو القائد العظيم الذي بقي في الميدان بعد هزيمة يونيو 1967: عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وشمس بدران قدموا استقالاتهم ولزموا بيوتهم , وبقي هذا الرجل وحده يجمع شتات القوات المسلحة التي مزقوها وأقل ما يقال في هذا الرجل أنه عسكري مصري شهم وصادق وقد قلنا مثل هذا الكلام عن الرئيس حسني مبارك واللواء كمال حسن علي .

والفريق محمد فوزي يقول إن الصراع المرير على السلطة بين عبد الناصر وعبد الحكيم عامر انتهي إلى سيطرة ما يسميه " بالبيروقراطية العسكرية " وإن المنتصر فبهذا المجال كان عبد الحكيم عامر ومن يسميهم جنرالاته , فلم يبق لقائد الثورة ورئيس الجمهورية نفوذ على تلك القوات إلا مجرد التوقيع على قرارات ترقية الضباط إلى رتبة الفريق والفريق أول فقط ومنذ عام 1965 دخلت البيروقراطية العسكرية بثقلها في الحياة المدنية للبلاد وأوكل عبد الناصر للمشير عامر وأعوانه مهمات داخلية مدينة صرفة مثل القضاء على الإقطاع وإصلاح بعض المرافق والتحقيق في بعض القضايا السياسية, واستخدمت القوات المسلحة أجهزتها الكثيرة والقوية .. واستخدمت الغش والإغراء والتعذيب ..

وهذه السطور تكفي لتأييد ما قلناه . ومن عصر عبد الناصر .. انتقل إلى عصر السادات ...

وأحب أن أذكر القارئ الكريم هنا بأنني لا أؤرخ لعبد الناصر أو السادات وإنما أنا أؤرخ لمصر .. وأزن الأمور بمقياسها الأقرب سلامة وهو جداولها أو ضررها على الأمة , فإن الأمة هي الباقية . وما يبقي لها أو فيها هو الذي يهمنا في المكان الأول ولو أن عبد الناصر أشرك الأمة معه في الرأي وأعانها على تحمل مسئولياتها وترك لها من الحرية ما يمكنها من المشاركة في صنع تاريخ بلدها بالقدر الذي ينبغي لها لما كانت مسئوليته بهذه الجسامة ولكنه كما قلنا قصر الحرية وصنع القرار على نفسه وجرد الأمة كلها من كل رأي . وأخافها وأفزعها وأسكت صوتها وتحمل وحدة كل المسئوليات فكان عليه أن يتحمل كل التبعات وقد حاول بعد هزيمة 1967 أن يلقي التبعة على عبد الحكيم عامر لكيلا يكون هو مسئول عن هزيمة يتحمل هو مسئوليتها الكاملة دون الجيش فإن الجيش كما يقول نجيب محفوظ في عبارة بالغة الحكمة : تلقي أمرا بالهزيمة فانهزم " وسأعود إلى عبارة نجيب محفوظ برمتها قبل الفراغ من هذه الدراسة لأنها حكم دامغ على الاستبداد ومصائبه وهي رجاء صادق في ألا يعود . وهذا أيضا رجاؤنا وهذه في لانهاية هي الغاية الكبري التي توخيتها من وراء هذه الدراسة .

ليس لدينا واحد يؤيد القول بأن أنو السادات كان الخلف المنتظر لجمال عبد الناصر حقا إنه كان نائبا لرئيس الجمهورية وكان مرشحا بالتالي لأن يكون خلفا لعبد الناصر لو أن الأمور كانت تسير إذ ذاك سيرا دستوريا لكن العصر الناصري كله دارت حوادثه, أو معظم حوادثه, خارج الشرعية والقانون والدستور بل الإنسانية , لأن عبد الناصر كان قد جعل نفسه الشرع والقانون والدستور .

وبعض الكتاب يقولون إن عبد الناصر وصل إلى هذا الوضع الغريب برضا الأمة لأنه كانت هناك ف يزعمهم رابطة كارزمية بين الشعب المصري وبينه . وكارزمية هنا مشتقة من ويراد بها الهيبة أو القداسة التي تكون لشخص ما علي قلوب الآخرين مثل هيبة الولي في قلوب مريديه أو الموهبة التي يتمتع بها بعض الناس وتجعلهم قادرين على السيطرة على الجماهير .

وأدولف هتلر مثلا كانت له شخصية توصف بأنها كارزمية على تابعية . وإلى حد ما نستطيع القول بأن كارزمية عبد الناصر كانت حقيقة بالنسبة لأتباعه من العرب , لأن دكتاتورية عبد الناصر لم تكلفهم شيئا والشعب المصري وحده هو الذي تحمل نفقات إمبراطورية عبد الناصر , أما بقية العرب فلم يروا من عبد الناصر إلا خيرا – فيما عدا السعودية من 1962 إلى 1967 وهي فترة تدخل عبد الناصر في اليمن – وعبد الناصر كان يجفن مال مصر بكلتا يديه ويلقي للعرب . ومن أغرب تصرفاته في هذا المجال أن الطلبة العرب في جامعات مصر كانوا جميعا يتعلمون دون مقابل بعد إعلان الوحدة مع سوريا منح عبد الناصر الطلاب السوريين والفلسطينيين رابتا قدره 12 جنيها لكل منهم في الشهر مع السماح لهم بتناول الوجبات في المدن الجامعية دون مقابل فلما وقع الانفصال عن سوريا صدر أمر عبد الناصر بان ترفع مكافأة الطلاب السوريين والفلسطينيين إلى 24 جنيها في الشهر ومن كان منهم مقيما في احدي المدن الجامعية أعفي من كل الرسوم بالإضافة إلى الراتب المضاعف وهذا كله لكي يري السوريون أبناء الزوجة الناشر أن زوج أمهم رجل بطل كريم إلى أقصي حدود الكرم ..

وعبد الناصر دائما كان بالنسبة للعرب المعلم البلدي " القييس" الذي ينفق علي أصحابه في المقهي بكلتا يديه في حين أن امرأته ( مصر ) ف ي البيت تضرب رأسها في الحائط ومعها نصف ريال تركه لها المعلم لتدبر منه كل شئ في آخر الليل يعود وقد أنفق ما في جيبه ويطلب من الزوجة التعيسة أن تقدم عشاء عظيما .. فإذا لم تسارع به إليها ضربها .

ولا يتصور مصري مقادير الأموال التي ألقاها عبد الناصر في بيروت ليبني أسطورته وصحفيون كانوا لا يساوون قلامة ظفر أصبحوا أصحاب ملايين من أموال مصر التي أعطاهم عبد الناصر وأي هلفوت لبناني كتب سطرا في مديح عبد الناصر تقاضي ثمنه ذهبا . وهنا وفي عالم أموال تصرف من اللعنة التي تسمي المصروفات السرية حيث تعطي الأموال بلا إيصالات وحيث يكون النهب هو القاعدة لا تعرف من أخذ ماذا!

ومئات المصريين ذهبوا إلى لبنان للقيام بما يسمس بالدعاية وعادوا أغنياء , والاستعلامات أصبحت لها أيام عبد الناصر حقيبة وربك أعلم بما كانت الحقائب تفعل .

ثم إن عبد الناصر كبل مصر بالأغلال ووضع شعبها في التخشيبة فكانت تلك فرصة العمر للبنان والقاهرة التي كانت مركز العربي فقدت مركزها وبيروت أخذت مكان القاهرة وأخونا سعيد لأنهم هناك يهتفون ك يحي عبد الناصر هو الذي أنشأ بيروت لم تبالغ.. ,: وكارزمية عبد الناصر في العالم العربي بنيت بمال المصريين ,أما كارزمية عبد الناصر عند المصريين فقد كانت رهبة وخوفا . حقا إنه أعطي العمال ما سماه بالمكاسب الإشتراكية ولكن العطاء هنا كان من رأس المال لاحي من رأس مال الشركات والهيئات وكان الحق أن يعطي العمال هذه المكاسب ولكن مع العمل على زيادة الإنتاج وتحسينه فيكون العطاء جزءا من الربح لا فضلا و" حسنة" من المعطي .

وكل الدنيا أعطت العمال كل الحقوق وكل التأمينات ولكنها عرفت في نفس الوقت كيف نرفع كفاية العمل لتغطي زيادات المرتبات والتأمينات والمعاشات دون إضرار بالشركات ورؤوس أموالها . وعمال الشركات في إيطاليا وفرنسا وألمانيا يأخذون خمسة أضعاف ما يأخذه العامل المصري ولكن قدرتهم الإنتاجية وكفايتهم المهنية تزيد عشرة أضعاف على كفاية على كفاية العامل المصري ولهذا فإن الميزان لم يختل أبدا هناك والرخاء عم الوطن وعماله أما هنا فإن الزيادات لم يصاحبها أي جهد للارتفاع أو التوعية القومية والمهنية للعمال , فزاد الإنفاق وقل الإنتاج , وفي يومنا هذا معظم الشركات المؤممة تخسر لأن نفقات العمال تستهلك 80 في المائة من ميزانيات الشركات والمؤسسات ولا يبقي إلا 20 في المائة لف،تاج الحقيقي ولتعويض استهلاك الآلات والمنشآت فضلا عن تجديدها .. وهذا كلام أقوله لأبين كيف أن أسلوب العمل الناصري جعل النعمة نقمة ..

لم يكن السادات إذن الخلف المنتظر. ورجال اللجنة المركزية الذين عرفناهم باسم مراكز القوي كانوا ينظرون إليه في ترفع عظيم ولم يكن لديهم شك في أنهم سيصنعون الرئيس الجديد على هواهم وهذا في ذاته نفع السادات لأنهم استناموا إلى هذا الغرور بل بلغ من غرورهم أنهم قدموا استقالاتهم ليحرجوه ولكنه أثبت انه أذكاهم أجمعين فتحرك بسرعة وذكاء وارتكن إلى مركز القوة الحقيقي وهو الشعب ومجلس الشعب وفي أيام قلائل كان قد تخلص منهم وأودعهم السجون وبوضعهم في السجون سقط حكم الإرهاب وتمهد الطريق لإعلان قوانين 15 مايو 1971 وهي المعروفة بثورة التصحيح , وهي ثورة فعلا . وللمرة الولي من عشرين عاما هبت على مصر والمصريين نسمات الحرية وتمهد الطريق إلى نصر أكتوبر العظيم .

وهناك من يقولون إن صاحب الفضل الحقيقي في النصر هو جمال عبد الناصر لأنه بعد بيان 30 مارس 1968 بدأ في بناء الجيش المصري من جديد . وهذه كلها فروض وأوهام وعبد الناصر ما كان سيوفق إلى الانتصار علي إسرائيل أبدا .. والسبب ؟ كما ستري في فصل الثورة والثوار من هذا الكتاب ..

السبب أن عبد الناصر لم يؤمن بالحرية قط ورغم هزيمته وما أعقبها لم يتخل عن استبداده أبدأ ولا هو رفع عن المصريين فتيلا من القيود التي قيدهم بها ومن المستحيل على أي شعب أن ينتصر في أي حرب إذا كان خائفا مقيدا بالأغلال . ,الشعب الألماني نفسه وهو من أعظم الشعوب المقاتلة في التاريخ وأقدرها على صنع السلاح - خسر الحرب لأنه كان خائفا مقيدا بالأغلال أيام هتلر . وقد قال هذا الكلام وينستون تشيرشيل في مذكراته قال إنه لم يشك في النصر على الألمان في أحلك سنوات الحرب بينما كانت طائرات الاستواكا تدك لندن والمدن الانجليزية دكا خلال عامي 19421943 وكان سبب إيمانه بالنصر هو أن الشعب البريطاني شعب حر وحلفاؤه أحرار يحاربون ثلاثة طواغيت : هتلر وموسوليني والقيصرية اليابانية.

والسادات بثورة التصحيح خطا أول خطوة نحو النصر وكان رجال الجيش المصري أسعد الناس بقوانين الحرية وفي مذكرات الفريق محمد فوزي عبارات تدل على أن كل عمليات الإرهاب التي مارستها مراكز القوي على الشعب امتدت غلى داخل الجيش وذلك طبيعي لن الجيش هو الشعب . قال الفريق فوزي :" وتعرض ضباط كثيرون للطرد والمحاكمات السرية والإحالة إلى المعاش من غير الطريق التأديبي ". وخطوات التحري التي قام بها أنور السادات كانت أساسية لأنها أزاحت عن صدور المصريين جميعا – مدنيين وعسكرين – كابوسا رهيبا . وبدا رجال الجيش يعملون ليكسبوا نصرهم الذي يستحقونه .

واستجابت الأمة الخطوات التحرير.. وأيدت رفع الحراسات وإعادة تيسرت إعادته إلى الناس من الأموال المصادرة وكسب السادات أول انتصاراته وثبتت مكانته وبدأت شخصيته تتجلي وتخرج من الظل الذي كان عبد الناصر يبسطه علي كل من كان حوله .

ونشطت المخابرات الأمريكية للإحاطة بالسادات وإيقاعه في نفس الشرك الذي وقع فيه سابقة ولكن اتصالاتهم الأولي به أظهرت لهم شخصية شرودا عسيرة على التحديد أو البرمجة ذلك أن السادات – نتيجة لطبيعة المغامرة وتجربته الطويلة في ميدان المغامرات - لم يكن إنسان سهلا , وقد نشر نفر من أكابر رجال السياسة الأمريكية الذين تعاملوا مع السادات مذكراتهم وبين أيدينا الآن مذكرات هنري كيسنجر وزبيجنيو بريجنسكي وجيمي كارتر – تكشف لنا عن مدي الغرور والسطحية وسوء النية التي تنطوي عليها قلوب أولئك الذين يصنعون السياسة الأمريكية .

وأنا أدهش لما قرأته في مذكرات بريجنسكي, فهذا أستاذ جامعي صار سياسيا , فلما كتب كانت كتابته أستاذ ولكن الشئ الذي استوقف نظري هو الشر العظيم الذي ينطوي عليه هنري كيسنجر نحو مصر والعرب رغم كل ما كانوا يقولون عنه ومذكرات كيسنجر تكشف عن حقيقة أخري لابد أن نعرضها وهي أن شاه إيران كان عدوا لدودا لمصر والعرب. وقد ساءه انتصار مصر في حرب أكتوبر وبذل أقصي جهد لإيقاف النصر المصري ومنع الطائرات السوفيتية المحملة بالأسلحة من المرور في أجواء إيران .

وعندما نقرأ هذه المذكرات كلها قراءة تبين لنا أن السادات كان يخوض فعلا – حتي قيامه بالمبادرة – معركة عنيفة ذات جبهات متعددة وأدوار مختلفة وانه كان بالفعل كما يقول بيت شعر عربي معروف :" هزبرا أغلبا لا قي هزبرا".

ويمكن أن نقسم فترة رياسته كلها إلى أربع مراحل : المرحلة الأولي مرحلة تثبيت مركزه . وقد استمرت حتي حرب أكتوبر والمرحلة الثانية هي مرحلة استرجاع الأرض المصرية المحتلة وقد انتهت تلك المرحلة باتفاقيات كامب ديفيد . والمرحلة الثالثة هي مرحلة إقناع المصريين وغير المصريين بالدخول في علاقات سلام مع إسرائيل . وخلال هذه المرحلة خسر السادات معظم أصدقائه في العالم العربي . والمرحلة الرابعة الأخيرة هي مرحلة ما بعد السلام . وتلك كانت أحرج مراحل حياته رئيسا لمصر لأنه كان يستطيع الانتفاع بما وصل إليه من نجاح في تحرير الأرض لانتهاج خط إصلاحي حقيقي داخل مصر . ومصر من الناحية الداخلية والنفسية كانت في أشد مصر الحقيقية , وحجم متاعب هذا الشعب . رجل يعرف أن اشد ما تحتاج إليه مصر من قيادتها بعد معارك الحرب والسلام هو الجلوس في هدوء ودراسة المشاكل الداخلية وإعادة تنظيم الشعب المصري ومواجهة مشاكله ومواجهة جادة .

وكانت أمام السادات فرصة ذهبية لبداية السير في ذلك الطريق من منتصف 1978 ولكن السادات أضاع هذه الفرصة وتصور أنه بلغ ما لم يبلغه إنسان قبله وما لن يبلغه إنسان بعده وتصور أنه هو وحده كسب حرب أكتوبر هو وحده استعاد سيناء وهو وحده الذي يعرف ماذا يعمل وماذا لا يعمل . وأخذ صورة سيد ارستقراطي عظيم له في كل ركن من أركان مصر قصر ملكي يقيم فيه . وحاشية ضخمة تجري وراءه لتخدمه في قصوره وأسرة ملوكية تصاهر أصحاب الملايين وهو في الشتاء في أسوان والإسماعيلية وفي الصيف في الإسكندرية .والدنيا كلها تجري لتسعد بلقائه حيث يكون . والسيد العظيم يستيقظ في الحادية عشرة صباحا ويبدأ العمل في الواحدة بعد الظهر . وطائرة بوينج 707 وطائرة هليكوبتر مربوطتان ببابه كما كانت الخيل تربط بأبواب الخلفاء والسلاطين . والملابس تصنع عند ديور وبيبر كاردان . وسيد مصر العظيم تحول إلى " ستار" عالمي : ومجلة شيترن تنشر صورته على غلافها وفي يده وردة وتمنحه لقب أشيك رجل في الدنيا واللغة الوحيدة التي تعجبه هي المديح وهو لهذا لا يحتمل النقد , وصدره يضيق بأية مراجعة وتلك هي الفترة أخطاء السادات التي كلفته ثمنا باهظا. تلك هي فترة الأخطاء والاكسترافا جانسيا القاتلة ومعظم الذين أبغضوا السادات داخل مصر تكونوا خلال هذه الفترة لأن المسريين يحبون الغني والترف لأنفسهم فقط فإذا وصل غيرهم إلى الغني والترف والمال فلابد أن يكون لصا ولا يمكن أن يكون ماله حلالا أبدأ .

وقد قرأت كل ما كتب عن السادات خلال تلك الفترات الأربع من حياته ولو أردت أن أقف موقف الدارس والمحلل لطالت هذه الدراسة وتجاوزت حدودها ولكنني أوجز آرائي على قدر فهمي لما قرأت , ولا ننسي هنا أنني أؤرخ لمصر وشعب مصر فأنا لست ناصريا ولا سداتيا ولكنني مواطن صري عادي لا يعنيني إلا ما يصل إلى شعب مصر كله من خير ..

ومن المؤكد من هذه الزاوية أن قوانين مايو واستعادة سيناء وقناة السويس ونقل مصر من المعسكر الروسي إلى المعسكر الغربي كل ذلك كان خيرا لشعب مصر ومجدا حقيقيا للسادات . ومن المؤكد أيضا أن الصورة التي أخذها السادات بعد السلام مع إسرائيل كانت صورة ضارة به أمام شعب مصر . فمصر بعد السلام والإخراج من المعسكر السياسي العربي كانت في حاجة إلى رجل يخلع عن نفسه زهو السلطان وأبهة الملوك ويجلس للدراسة والبحث والعلاج لأن مصر كانت محتاجة إلى طبيب يداوي وقلب يواسي ويد حانية تأسو الجراح . ولم تكن قط بحاجة إلى سوبر ستار عالمي . وجراح مصر تكاثرت بعد السلام بقدر ما كانت تتكاثر قبله وعلاج جراح مصر العميقة التي أصبحت صدوعا طولية خطرة ما كانت لتعالج بزيادة المساعدات الأمريكية ولا تعالج بل تتزايد بمزيد من الانضواء تحت جناح أمريكا والسادات الأمريكية كان يقول إنه لا يزال في معسكر عدم الانحياز . والسؤال هو :كيف تكون غير منحاز وأنت تتلقي 1500 مليون دولار مساعدات من الولايات المتحدة كل سنة؟

أنور السادات خلال المراحل الثلاث الأولي كان بطلا حقا استعمل ذكاءه كله في خدمة مصر وكسب . كان فوزه بالرياسة وتغلبه على مراكز القوي وإعلان قوانين التصحيح في 15 مايو 1971 ضربات معلم . ومن أغرب ما قرأت في ذكريات مراد غالب أن الرئيس عبد الناصر كان خلال 1970 يعد عبد اللطيف البغدادي ليخلفه وعبد اللطيف البغدادي من أعاظم قادة ثورة 1952 وأكثرهم جلالا وأوفرهم احتراما في قلوب المصريين مثله في ذلك مثل كمال الدين حسين, ولكن مشيئة الله أرادت أن يكون أنور السادات هو خليفة عبد الناصر .

وأنور السادات حقق لمصر ما كانت تصبو إليه : النصر وتحطيم أنف إسرائيل واستعادة الكرامة والثقة في النفس ثم استعادة الأرض وفتح قناة السويس والتحرر من السوفييت ومرة أخري ينبغي أن أقرر أن هذا كله لم يحققه السادات وحده بل حققه بتأييد شعب مصر الكامل ولا أقول هنا الشعب والجيش أو الجيش والشعب , لأن جيش مصر هو شعب مصر وأبطال الجيش الذين أقدموا وانتزعوا النصر وحققوا ما كان يبدو مستحيلا هم أبطال شعب مصر . وكيف كان السادات يستطيع الوصول إلى النصر دون قادة الجيش العظام ؟ وقادة الجيش العظام كيف كانوا يستطيعون تحقيق النصر دون شباب ضباطهم البواسل ؟ وكيف كان شباب الضباط يحققون مهامهم لولا جنودهم العظام ؟ والجنود العظام كيف كانوا يستطيعون دك الحصون الإسرائيليين على رؤوس من فيها إلا إذا كانوا الطليعة المقاتلة في الجبهة لشعب عظيم كان كله في المعركة وراء الجبهة ؟.

والذي عاناه السادات في مفاوضات السلام من أجهزة السياسة الأمريكية بكل تياراتها وأنانياتها وصراعات رجالها وتعقد الخيوط التى تتكون منها , ومن بينها الخيط أو قل الحبل الإسرائيلي الذي كان يمثله رجل خطر مثل سيحا دنيز سفير إسرائيل في الولايات المتحدة الذى عاناه السادات من تلك السياسة الأمريكية وخيوطها المخيفة شئ لا يصدق وخروجه سالما من تلك الغابة يؤكد أنه بطل حقيقي والذي عاناه من المنافق الأكبر والثعبان الصهيوني الإسرائيلي الأخطر وهو كيسنجر كان أمرا رهيبا .

والذين يلعنون اتفاقات كامب ديفيد لا ينبغي أن يلعنوها لأن الذي فعله السادات ليخرج منها بأرض بلاده كان شيئا لا يستطيعه إلا أنور السادات وحده بكل ما يعجب أنصاره وما لا يعجب أعداءه ز وعندما رأي كيسنجر أن السادات يعرف ما يريد وهو تحرير الأرض ويتجه إليه في تصميم وإصرار أراد أن يغرقه وكيسنجر الذي يعلم أن أى محاولة للسادات ليكسب أكثر مما كسب لن يعود عليه إلا بالخسارة كان يقول .. ارفض هذا واطلب أكثر نعطك أكثر بالضبط كما يلح صاحب الكازينو على من يكسبون في مواصلة اللعب ويغريهم بمزيد من الكسب لكي يغرقهم في الخسارة ولكن السادات المقامر الأبدي كان بطل هذه اللعبة وعندما نجا السادات من المخاطر وأخذ ما يريد صاح كيسنجر ك هذا الرجل لا يحلم إلا بدخول السويس على ظهر جواد أبيض كأن هذا عيب ! وحتي في هذا تفوق السادات على كيسنجر وكل جهابذة الإدارة الأمريكية فلم يبدأ بدخول السويس على الحصان الأبيض ولكنه بدأ بدخول العريش وأتي بالديب من ديله حرفيا .

ويصيحون : ولكن جزءا من سيناء منزوع السلاح ! ياللسذاجة ! إن كل اليابان منزوعة السلاح وكل ألمانيا الغربية منزوعة السلاح فانظروا أين اليابات وأين ألمانيا الغربية هناك أشياء يأتي بها القائد وأشياء لابد أن يأتي بها الشعب والسادات أتاكم بما كان عليه أن يأتيكم به والباقي علينا نحن نستطيع أن نغزو إسرائيل في سيناء نغزوها بالمنتجات والمحصولات والصادرات . أليس هذا بالحرف هو الذي فعلته اليابان ؟ غزت أمريكا وهي منزوعة السلاح وتحت الاحتلال, يا خسارة ! هذا العمل العظيم كله ضاع جزء كبير من ثوابه على السادات لأنه نسي أن معركة ما بعد السلام لم تكن تحتاج إلى بذلة الفيلد مارسال هيرمان جيرنج التي أصر السادات على أن يحشر نفسه فيها وفيها مات . نسي أن الشعب المصري شعب طيب فقير لا يجب أن يري بطله يعيش في عشرة قصور ويصل الجمعة في قفطان من صنع بيي كاردان ويغمض عينه على كل أعمال السوبر باشوات القدامي الذين تربوا في عصر عبد الناصر والجدد الذين تربوا تحت جناحه أو وراء ظهره وجمال عبد الناصر الظالم المستبد الزاهد المتقشف ظل في مكانه من قلوب المصريين والعرب بطلا خالدا : البطل الذي جعل سوء بخته بطلا أكبر . حكتك يا مقلب القلوب !

وبعد كتابة هذا أتاني من يبلغني أن الرئيس السادات لم يكن يصنع ملابسه في باريس وغنما كان يصنعها له خياط مصري معروف ذكروه لي باسمه وأنا أصدق هذا ولكنني أقول إنه بالنسبة لشعب مثل شعبنا يحلو له أن يتظاهر بالفقر ( خوفا من العين ) .

حتي المياسير منا يحلو لهم أن يصورا أنفسهم فقراء ! وبالنسبة لشعب كهذا تكون الأوهام والشائعات أفعل من الحقائق ومظهر السادات كان أكثر من أن يقبله هذا الشعب بعقليته التي ذكرناها وأنا شخصيا كان يعجبني مظهر السادات وأناقة السادات بل كان لا يعنيني في كثير أن يقال أنه يشتري بعض ملابسه من محلات شارع فويور سانت أو فورية في باريس في فإن نفرا من أعظم رجال الدنيا يشترون ملابسهم من هنا , ولكن عندما يكون تعاملك مع شعب تربي على أن يستكثر اى نعمة على الآخرين ويستقل أى نعمة على نفسه يكون مظهر السادات هذا خطأ يعاقب عليه !.

أمس واليوم وغدا

لا أذود الطير عن الشجر
قد بلوت المر من ثمره
فامض لا تمنن على يدا
منك المعرف من كدره
ضل من أسري إلى سفر
غير مأمون مدي سفره

" أبو نواس"

بهذا الفصل كنت أرجو أن أختم هذه الدراسة .. لا لأنها انتهت بل لأن دوري فيها هو الذي انتهي .. ودوري الذي لا أجرؤ على أن أتعداه هو فتح باب الدارسة الجادة المخلصة الصادقة لمعرفة أمس وأول أمس.. لكي نعرف أين نحن اليوم وأين سنكون .. غدا.. لأن أمس لم يمت.. لا ولا مات أول أمس وقد انتهينا – جماعة المؤرخين – إلى أن " الماضي" لا وجود له .. فكل التاريخ حاضر .. وكله مستقبل .. وتأمل ذلك في أمر نفسك .. فقد كنت أنت أول الأمس طبيا وبالأمس كنت طفلا .. فلا الطفل مات في كيانك لا ولا الصبي ولا الشاب ماتا .. وتحارب طفولتك حية في كيانك .. وكذلك صبوتك .. والزمان يمضي وأنت معه .. مهما تتقدم بك سنوات العمر فإن صباك يلازمك وشبابك يظل حيا فيك ..وعندما تغلق عينيك في ساعات الاسترخاء فإن شريط حياتك يمر أمام عينيك ويعطي حاضرك قيمة ومعني.. وفي النهاية تشعر انه لا أمس هناك ولا أول أمس ولا اليوم .. إنما هو نهر الحياة يمضي وأنت معه .. أو أنت تشهده من موقعك على المجري .. وأحداث كثيرة جدا مما حدث لك في صبوتك مستقبلا لأنك تتمني أن تعود ..

وأظن أن هذا رد يقنع الذين كانوا يقولون لن ناصحين ك دع الماضي يمض إلى حال سبيله ولا معني لنبش القبور .. ولكنهم يرون الآن أن هذا الماضي نفسه لا وجود له.. وليس في التاريخ قبور .. وقد كان أسلافنا يكتبون على القبور عبارة إسلامية هي الغاية في العمق والحكمة وهي :

هو الحي الباقي .. وهم لا يريدون بذلك أن يذكروا الموتي بأن الله حي لا يموت لا فإن الموتي لا يقرءون ما علي شواهد القبور .. ولكن الذين يقرءون ذلك هم الأحساء .. وكل أعمالهم باقية يحاسبهم عليها الحي الباقي ..

لقد كتب أكثر من كاتب يقولون :" عفا الله عما سلف " وهم يرددون بذلك جزءا من آية كريمة من سورة المائدة بشأن تحريم الصيد في الحرم والله سبحانه عفا عما سلف من باب الرحمة والتحذير . والمراد أن صيد الحيوان في الحرم لا ينبغي أن يتكرر .. ولكن الذين ظلوا يرددون هذه الفقرة من الآية الكريمة دون فهم أو إحساس مهدوا الطريق لصيد الناس في الحرم .. ومسلم بن عقبة المري جلس على كرسي عند الحرم وأمر جنوده بأن يصيدوا المسلمين في الحرم . هل يعفو الله سبحانه وتعالي هنا عما سلف ؟ وهل يوجد في حساب التاريخ شئ يسمي ما سلف ؟ إن أصحابنا هؤلاء يستطعيون أن يقولوا آمنين : عفا الله عما سلف.. لأنهم كانوا فيما سلف جالسين آمنين في مكاتبهم .. أما غيرهم في يستطعيون أن يقولوا ذلك لأن الكثيرين منهم أصيبوا بأمراض مزمنة في الكلي والكبد وهم في ظلام المعتقلات فيما سلف ..

وأول أمس هو عبد الناصر وجيله .. وأمس هو السادات وجيله .. واليوم نحن أمام جيل متحير يبحث عن الطريق وقد أظلتنا حرية لا شك فيها ... ورئيس هذا الجيل يطالبنا بالصدق والإخلاص والعمل والإنتاج .. ويقول صادقا إن هذا هو طريق الخلاص الوحيد .. ولكن الطريق مليء بالصخور والعقبات .. وهذه الصخور والعقبات هي تراث ما سلف .وحيثما تلفتنا وجدنا عتاولة ما سلف يسدون الأفق فكيف نسير ؟ إنهم متترسون في قلاع قامت كلها على السلب والنهب والكذب .. وهم مفرضون علينا كأنهم قدر محتوم .. وهذه الشركات التي تخسر جميعها لماذا تخسر ؟ ومصانع النسيج التي كان لابد أن تكسب لماذا تخسر ؟ وشركات كانت بالأمس تدر الخير فلما أصبحت عبثا علينا ؟ ولماذا تتكرر حوادث تصادم القطارات ويد العقاب لا تصل إلى المسئول أبدا ؟ ولماذا تتهاوي العمائر على رءوس الناس ولا تصل يد القانون إلى المسئول ؟ كل هذه نتائج ما سلف الذي يطالبوننا بأن ننساه .. وكل هذه نتائج العصر الذي ساده استبداد عبد الناصر ورجاله .. ثم السادات وأسلوبه في سياسة أمور هذا الشعب .. هذه نتائج استفتاءات السادات التي كان يجريها له ورجال داخليته ويعلنون له نتجتها في منظر يندي له الجبين ورئيس الدولة واقف كالعروس ز. والوزير يلقي أمامه قصيدة مدح ليس فيها كلمة صدق ..

والتليفزيون يصور الكذب بالألوان .. ونحن جالسون نتأمل هذا كله ونتساءل : هذا في بلدنا أو في بلاد نيا نيام ؟

لقد ذرفنا دموعنا كلها على أنفسنا على وطننا وعندما كان مصرع السادات الرهيب لم تكن في عيوننا قطرة دمع .. إننا نعرف قدر الرجل وما أدي لمصر من خدمات : نعرف أنه أخرجنا من الظلمات بثورة مايو ونعرف أنه فتح امام الجيش العزيز أبواب النصر , ونعرف أنه استعاد لنا سيناء والقناة وحطم كبرياء إسرائيل وأنشأ في المنطقة كلها وضعا جديدا .. ولكننا لا ننسي أبدا أنه هو وعبد الناصر أضاعا علينا فرصة الأبد .. فبينما كان يضيعان وقتنا في هزليات ومسرحيات ومؤامرات وحروب عربية أهلية كانت إسرائيل تنبي وتنشئ .. كانت تنشئ المزارع والطرق والمطارات تحت الأرض وتبني مصانع لسلاح .. كانت تعلم شعبها النظام والقانون .. ونحن نحارب القانون .. كانت تحيل الرمال إلى مزارع ونحن المزارع إلى رمال .. وقوانين الإشتراكية لم تصدر عن حب العمال أو الزراع وإنما عن حقد على كل من كان صاحب مال أو نعمة .. ومصر أنفقت قرنا ونصفا لكي تنشئ في بلادنا قاعدة من المثقفين العلماء فجاء عبد الناصر ليعلن الحرب على كل مثقف وصاحب علم ..

والذين أنشئوا المصانع وفتحوا لنا أبوابا للعلم والتقدم عوقبوا ونزعت منهم مصانعهم وأعطيت من يخربها ويفسدها .. وما يسمي بالمكاسب الإشتراكية أصبح نتيجة للحقد وسوء النية والجهل مصائب قومية .. والعامل المصري الذي قالوا له إنه سيدخل الجنة ما زال إلى يومنا هذا يبحث عن الجنة .. والجنيه الذي كان أيام الباشوات جنيها أصبح في أيام السوبر باشوات وعباقرة الإشتراكية عشرة قروش .. والعامل الذي تهلل عندما سمع إعلان القوانين الإشتراكية وظن أنه تخلص من استبداد صاحب رأس المال وجد أنه تخلص من سيد ليجد نفسه عبدا لمائة سيد .. وهؤلاء السادة الجدد متسولون يريدون أن يتحولوا إلى سادة أغنياء .. وكلهم أصبحوا أغنياء وهو وحده الذي حصد الهشيم وقبض الريح.. وعندما يقف اليوم عامل ويصيح : يا ناس ... أشتري البطيخة بأربعة جنيهات ؟

فينبغي أن نقول له : ليس لذنب ذنبنا ولا ذنب لاشتراكية ..وإنما المسئول أنت أولا ... ثم الذين قدموا لك الإشتراكية على هذه الصورة .. فإذا كنت تريد أن يقف غلاء الأسعار فلابد أن تسمح لنا في أن نعيد النظر في الصورة التي قدمت إليك بها الإشتراكية فقد قالوا لك : هذه هي المكاسب الإشتراكية .. والإشتراكية مكسب حقا .. ولكن لابد أن ندفع دون ثمن .. وأنت تريد الإشتراكية فادفع ثمنها وهو العمل والاجتهاد وتحمل مسئولية الإنتاج والمحافظة على المواعيد .. أما أن تأخذ دون أن تعطي فهذا الأمر مستحيل .. وأنت تشكو من أن كيلو اللحم في طرقه إلى العشرة جنيهات وستدفعها .. بل سيجئ اليوم الذي لا تجد فيه اللحم .. لا بعشرة ولا بعشرين .. فإذا شئت أن يقف هذا التيار فلابد أن نجلس نحن وأنت ونعيد النظر في كل ما قدموه إليك بإسم الإشتراكية ... فتأخذ ما لك وتعطي ما عليك .. وبدون هذا لن يتصحح المسار أبدأ .. ومن أين تأتي المصاعب التي تعانيها في الجمعية التعاونية ؟... أليست تأتي من عمال آخرين مثلك ؟ إنهم يطبقون الإشتراكية بنفس الطريقة التي تطبقها أنت في مصنعك .. ولكنك تحس هنا بالتعب لأنك تدفع الثمن .. أما تصرفك غير المعقول في مصنعك فإن الذي يدفع ثمنه هي الأمة كلها .. ولهذا فأنت لا تحس به .. فإن كانت الإشتراكية الناصرية تعجبك ولا تريد أن تتخلي عن شئ منها فلا أحد يناقشك في ذلك وهذا حقك ولكن ينبغي ان تكف عن الشكوي في هذه الحالة ..

ومن أعجب العجب أن عبد الناصر والسادات كانا يصران على أن تنفرد الدولة بكل الأخطاء .. كان ذلك حق من حقوق السيادة .. أما الشعب فليس من حقه أن يجرب أو يخطئ .. والنتيجة هي ما تري .. دين يصل إلى 13 مليار دولار.. وفي مخازن الدولة بضائع غير قابلة للبيع لسوء نوعها بستة آلاف مليون دولار .. فالمجموع 19 مليار دولار .. وقد كانت كل المصانع تخسر أيام عبد الناصر والسادات ..ولكن البلد كافيه رصيد مدخر من عصر الباشوات الذي لعنوه . أما الآن فقد انتهي الرصيد .. وكان ينبغي أن تحل علينا بركات الإشتراكية .. ولا بركة للاشتراكية الناصرية لأنها عطاء بدون عمل .. عطاء يدفع الآخرون ثمنه .. والآخرون أفلسوا الآن .. والإشتراكية ليست إحسانا من الدولة على الناس .. ولا هي تدليلا من الدولة للعمال .. إنها أخذ وعطاء.. ومكاسب الإشتراكية كان لابد أن تتحقق من عمل العمال واجتهادهم وجودة إنتاجه موصيانتهم لمصانعهم .. أما أن يخربوا آلات المصنع أما أن يعمل الواحد منهم ساعتين بدل ثمان .. أما ألا تكون هناك أى رقابة على نوع العمل ومستواه .. أما أن يكون هناك ثواب ولا عقاب .. فهذا أمر لا يجوز ولا يكون .. والخاسر في النهاية هو العامل ..

والعامل لمصري الذي يتمسك بما يسميه المكاسب الإشتراكية في مصر .. هو نفس العامل الذي يهرب منها إلى بلد هو قمة الرأسمالية مثل السعودية أو الكويت ويعمل هناك ويكسب لأن صاحب العمل هناك إذا كان في حاجة إلى خمسة عمال فليس هناك قانون يلزمه بأن يأخذ خمسين ..وليس هناك فنظام يلزمه بأن يدفع أجر عامل متمارض أو عامل يترك العمل ليزور أخته ..والمصنع الكبير هناك يدار بعشرة عمال مصريين يبدأون العمل في الثامنة صباحا ولا يفرغون منه إلا في السادسة بعد الظهر .. والعامل الواحد هناك يأخذ أجر عشرة عمال في مصر .. ولهذا فهو يتفاني في عمله ويستغني عن سراب المكاسب الإشتراكية ..وفي بيروت مطابع لا يعمل فيها إلا عمال مصريون .. وهؤلاء العمال يعملون بدون قوانين بل بدون عقود .. ولكن صاحب العمل ينتفع بقدراتهم إلى أقصي حد ويعطي الواحد منهم عشرة أضعاف ما يأخذه في مصر ويكسب هو عشرين .. والكتاب يطبع في بيروت بأيد مصرية .. ويتكلف نصف تكاليف الكتاب الذي يطبع في مصر.. والعامل المصري هناك عامل فحسب .. أي يؤدي عمله ولا شأن له بصاحب العمل أو أمواله .. أما هنا فإن العضو في نقابة العاملين في المصنع يتساءل: كيف يركب المدير سيارة ؟ ومن أين ؟ لأنهم يقولون له : أ،ت صاحب المصنع .. مع أن المصنع ملك الأمة كلها .. ولأن العامل عندنا يحسب أنه صاحب المصنع فإنه انتهي وتلاشي كعامل . وأصبح لا يأخذ أجرأ وإنما نصيبه في وقف كبير .. وأغلي ماكينة في الدنيا يخربها العمال في يوم ويستمرون في تقاضي أجرهم .. وهي مخروبة معطلة ..

وعندما أنشئوا دار الكتب الجديدة أتوا بآلة ثمنها مئات الألوف وظيفتها أن تحمل الكتب على سير من المخازن إلى حيث يجلس القارئ .. كما هو المتبع في أحدث دور الكتب في الدنيا .. وعمالنا خربوا هذه الماكينة من أول أسبوع وتوقف ( السير ) الذي يحمل الكتب .. وعدنا إلى نظام دار الكتب القديمة .. والكتاب تطلبه وتنام ساعتين ثم لا يأتيك.. وكل العمال الذين عينوا ليديروا الماكينة ..ز يأخذون رواتبهم كاملة مع العلاوات والحوافز والمكافآت... وهؤلاء العمال كان ينبغي أن بقال لهم إن رأس مال لبلد الوحدة هو عمل عماله ولا مورد أخر غير هذا .. فإذا كان لابد من أن تكون هناك مكاسب اشتراكية فهذه المكاسب لابد أن تأتي من عملنا وجهدنا كلنا . وليس من المعقول أن نهمل ونتهاون ونخرب ثم ننتظر مكاسب .. لأن عملنا هو رأس المال فمن أين نعيش ؟ على نعيش على المعونة الأمريكية ؟ وهل أمريكا تعطي المعونات دون ثمن ؟ إن هذه الدنيا كلها قائمة على نظام ز ولا يمكن أن تقوم أبدا على خطب الرئيس عبد الناصر .. والرخاء لن يتحقق أبدا بتسلق أعمدة النور والأشجار والهتاف : بالروح والدم نفديك يا سادات وياليتكم مع ذلك كله فديتموه ..

وعبد الناصر كان يقول للناس إن هذا البلد يتكون يتكون من طائفتين عمال وباشوات والعمال هم الأشقياء .. والباشوات يعيشون على كدح العمال .. فأوجد بذلك صدعا طوليا خطرا في البناء الاجتماعي لمصر .. مع أنه يعلم تماما أن كل الصادقين المخلصين من أبناء هذا البلد عمال .. فأنا عامل والطبيب عامل والمهندس عامل والمدرس عامل .. وكلنا نعمل متكاتفين لما فيه صالح بلادنا .. ونحن في مصر بسبب قصورنا عن إدراك حقائق الحياة نقول : إن في انجلترا حزب عمال .. مع أن الذي في انجلترا هو حزب عمل لن العمل يشمل الجميع .. والوزير نفسه عامل .. ولهذا فإن أحدا في الدنيا لا يناقش في حقوق العمال لأنها حقوق العمل والعاملين جميعا .. وأنا أعتبر نفسي عاملا وأؤدي عملي بإخلاص العامل المجد وصدقه .. ولأنني أؤدي عملي بإخلاص وصدق فإنني أقبل مبدأ الثواب والعقاب ولا أجد شيئا من الظلم في أن أتحمل عقوبة عمل غير متقن قمت به أو تقصير وقعت فيه لأن هذه هي القاعدة .

وأنا أقول لكم إننا لو اتبعنا جميعا قواعد العمل السليمة وعرفنا أن كل كسب يصل إلينا لابد أن يأتي من جهد أيدينا لكنا أسعد بلد في الدنيا .. وأنا مستعد لأن أعطي أى عامل في مصر خمسة أضعاف ما يأخذه لو اتبع قواعد الإشتراكية السليمة لا الإشتراكية الشوارعية التي نادوا بها ولم نجن منها إلا الفقر والأزمات والغلاء .. وينبغي ألا يتكرر منظر الرئيس السادات وهو يزور مزرعة قالوا له إنها نموذجية .. ووضعوا أمامه أكوام الخضروات ويقلبها سيادته ويمسك واحدة ويكسرها ويذوقها ثم يقول :

- عظيم .. بكم تبيعون الكيلو للناس؟

- بخمسة قروش يا سيادة الرئيس ..

- لا... كفاية ثلاثة.. هذا كفاية عليكم ..

- ثم يمضي سيادته وعدسة التليفزيون تصور ..وثمن كيلوا الخضار أصبح بأمر من الرئيس ثلاثة قروش .. ولكن في التليفزيون فقط لأن الرئيس نفسه كان يعرف أن سعر الكيلو في السوق ثلاثون قرشا ... هذه هي اشتراكية التليفزيون ..وهذا هو رخاء البوليتيكا .. والنتيجة أن سعر الكيلو من الخضار اليوم أصبح خمسين قرشا .. وغدا يصبح ستين .. لأن حياة الشعوب حقائق وليست لعبا .. والاقتصاد علم له قواعد وقوانين لا مدخل إليها من لعب السياسة وأساليب الجلا جلا..

ألم نكن يوما من الأيام ملوك القطن ؟ ألم يكن قطننا ذهبا تتزاحم الدنيا على شرائه...؟

ألم تكن مصر أكبر مركز لصناعة الكتاب العربي ؟ ألم يكن الناشرون الطيبون في حي الأزهر يصدرون من المصاحف ما قيمته إذ ذاك خمسة ملايين من الجنيهات في العالم ؟ ألم نكن نطبع الكتب الأندونيسية والملاوية والأوروبية ونحتكر صناعتها في العالم ؟ فكيف خبنا اليوم وأصبحنا عاجزين حتي عن طبع الكتاب العربي ؟ ألم يكن بلد مصري واحد هو دمياط يصنع الأثاث لنصف العالم العربي ؟ ألم يكن تجار الموبيليا في دمياط يعاملون الدنيا كلها ويبيعون بالملايين من مصانع صغيرة ؟ أين ذهب ذلك كله ؟ وهل كان عمال المطابع في مصر إذ ذاك يموتون من الجوع ؟ وهل كان صناع الأثاث في دمياط لا يجدون ما يطعمون به أولادهم ؟ عندكم شيوخ العمال فاسألوهم .. كانوا سادة عظاما وأسطوات ومعلمين ملء الخدوم .. وهؤلاء المعلون أرسلوا أولادهم إلى المدارس الابتدائية والثانوية والجامعة ودفعوا لهم المصاريف من كسب يدهم لا من إحسان أصحاب المصانع .. لقد كانوا سادة بعملهم وصدقهم وإخلاصهم .. وأولادهم اليوم أطباء ومهندسون وحرفيون تفخر بهم مصر .. وكان الوالد يحتفظ بولد واثنين للصنعة الشريفة وفي ذلك العصر عرفت مصر الرخاء والاستقرار وعزة العمل والعمال ومأساة العصرين الناصري والساداتي هي قلة الصدق مع الله ومع النفس ومع الناس فكل شئ يتم وكأنا في مسرحية وكل الذين أمامنا ممثلون .. ممثلون غير مجيدين . ولكنهم ممثلون ..

وعبد الناصر دخل حرب اليمن وهو يقول إنه يساند الحرية .. ثم أتضح بعد ذلك أنه أرسل قواتنا إلى اليمن لكي يعاقب رؤساء عربا تجرءوا على نقده .. واقرأ خطب الريس عبد الناصر خلال سنتي 1962 و1963 لتري ذلك بكل وضوح .. واقرأ مقال الأستاذ محمد حسنين هيكل في الأهرام بتاريخ30 فبراير 1962 تحت عنوان : وداعا يا صاحب الجلالة . ثم اسأل نفسك : وهل كان شعب مصر يريد العدوان على أى جار عربي حتي نجرد الحملات العسكرية لقلب الأوضاع في الجزيرة العربية ؟... وهل كان شعب مصر يريد إنهاء مرحلة التضامن العربي والدخول في حرب أهلية داخل الوطن العربي نفسه ؟ إن هذا بالضبط هو ما قرره الميثاق بإملاء من عبد الناصر .فقد جاء في الفصل التاسع منه .. إن الاستعمار اتحد مع الرجعية العربية وأصبح من المحتم ضربهما معا..

وهل كان من صالح شعب مصر أن تسخر قواته وموارده لخدمة طموح رجل واحد أو خدمة عواطفه والانتقام من خصوم شخصيين له في العالم العربي ؟ ثم ألم يكن في البلد برلمان يستشار ؟ هل مصر كلها عبد الناصر وعبد الحكيم عامر ؟ وهل كان من اللائق أن يقال إن مصر تدخلت في اليمن لنقل الشعب اليمني غلى الحضارة ؟( خطاب عبد الناصر في عيد العمال في 1/5/64) وهل كان شعب مصر يتمتع إذ ذاك بالحرية والعدل حتي يذهب شعب مصر برسالة إلهية إلى اليمن لنشر العدل والحرية فيه ؟( خطاب عبد الناصر في استقبال القوات العائدة من اليمن في 30/ 5/ 1963) أم أن الحقيقة أن عبد الناصر وعامر أحسا بعد الانفصال عن سوريا بأن مركزهما قد اختل في العالم العربي فسعيا إلى الدخول في مغامرة جديدة على حسابنا وعلى حساب قواتنا ؟عندك فصل كامل عن هذا الموضوع في كتاب أحمد يوسف عن " الدور المصري في حرب اليمن " ص 42 وما يليها فاقرأ لتعرف المزيد..

هذه التصرفات كلها كانت نتيجتها أن المصري العادي ز. وهو أساس الشعب المصري فقد الثقة في نفسه وفي عمله .. ومن هنا جاءت نكبة اللامبالاة وعدم الانتماء .. لأن الشعب عندما يحس أن قيادته غير صادقة معه تنتابه حيرة ويأس ويفقد الطريق وما دام قد فقد الطريق فإنه يهيم على وجهه دون توجيه أو غاية .. ومعظم الهائمين ينتهي بهم الأمر إلى اليأس والخمود ولكن بعضهم يندفع وراء اتجاهات خطرة لا يعلم إلا الله مداها .. والسادات عندما كان يسخر مما سماه انتفاضة اللصوص كان لا يشعر أنه يسخر من نفسه .. لأن اللصوص هؤلاء كانت فيهم جماعة أدي بها التيه في بيداء اليأس إلى الوقوع في أيدي أصحاب الاتجاهات الضالة , وهؤلاء وضعوا في يدهم السلاح .. والمأساة انتهت كلها في مشهد الرهيب في ظهر السادس من أكتوبر 1981..

في ذلك اليوم لم يؤد السادات حساب أخطائه بل حساب أخطاء كل المتسلقين على أكتافه والآكلين من يده والشاربين من دم مصر .. هو دفع الثمن وهم ظلوا في أماكنهم .. كل واحد منهم ما زال متربعا على ما سرق ونهب .. وكل واحد منهم كتب ما وراءه وأمامه لأولاده وامرأته .. واطمأنوا بذلك على أنهم أنشأوا طبقة السوبر باشوات جونيور .. لقد كان الثمن الذي دفعه السادات باهظا جدا لأنه سدد بذلك فواتير ألف لص ولص وألف متسلق ومخادع ووصولي وغشاش ونصاب .. وآدم سميث قال إن كل المطالبات المالية لابد أن تسددها جهة ما في النهاية .. ثم قال إن هذه الجهة هي الشعب .. وفي حالتنا هذه كان السادات هو الذي سدد في دقيقة واحدة فاتورة حسابه وألوف الفواتير الخاصة بسوبر باشواته .ز وكلهم عادوا ليلة الكارثة إلى أهلهم( وبعضهم عاد إلي عشيقته) وجلسوا سعداء في بيوتهم التي اشتراها لهم السادات .. وكلهم اتصلوا بالتليفونات مع أولادهم وبناتهم في مساكنهم الفاخرة ليطمئنوا على أن كل الأسرة بخير .. حتي سيارات الأسرة وكبيناتها في المنتزة ظلت بخير .. ونسوانهم جلسن يتفرجن على أفلام الفيديو لأن تليفزيون الشعب المصري كان في حداد وهم لا شأ، لهم بهذه الشعب المصري وما أصابه... وسوبر باوشات الانفتاح فتحوا السيارات وأخرجوا زجاجات الويسكي التشيفاس بهذا كله قضي تلك الليلة في مورج مثلج مظلم .. وفي الصباح ووري التراب ..

والآن .. وهذا هو الفصل قبل الأخير من تلك الدراسة يسألني الناس .. وما العمل ؟ وكيف يكون العصر الجديد عصر رخاء ؟ وجوابي على ذلك انه لا يصح إلا الصحيح.. وكل شئ ينبغي أن يطابق مسماه .. والحقائق ينبغي أن تكون ملك الجميع .. والحرية الصادقة لابد أن تكون طريق الوطن .. والصدق لابد أن تكون أساس كل المعاملات .. صدق مع النفس ..وصدق مع الله .. وصدق مع الناس ..

وصدقوني : لو أن السادات خطر بباله أن ينشي أكاديمية للقطط تتعلم فيها كيف تتصرف في مفتاح الكرار لتقدم جهبذ صعلوك ليدير هذه الأكاديمية .. وكتب كل منهم المقالات في فلسفتها .. مثل هذه العربدة بالقيم والمعاني ينبغي أن تختفي وكل سارق ينبغي أن يعاقب على ما سرق .. وكل رجل غير كفء لابد أن يزال من مكانه ورجل يتولي وظيفة كبري في الحزب الوطني الديمقراطي لا يجوز له قط أن يبيع فيلا يملكها بمليون جنيه .. لا ثمنا للفيلا في ذاتها بل ثمنا لتصريح حصل عليه بفضل مركزه بإقامة مبني ارتفاعه ثلاثون دورا مكان الفيلا .. وكل ذلك باتفاق مع المشتري قبل توقيع العقد ..

مثل هذا العمل جرمية في حق الوطن وينبغي ا، يعاقب الجاني .. والرجل الذي فعل ذلك يدهش كيف وصل الخبر إلى رجل مثلي قابع في بيته .. ولكني أقول له : أيها الإنسان : إذا كانت عيناك لا تريان إلا ما هو أمامك فإن عيون الناس تري كل شئ .. داخل الجدران وخارج الجدران .. وعين الله تري ما تحاول أن تخفيه أنت في أعماق نفسك السوداء ..

وأنا الآن أسأل : هل هناك جدوي من وراء إنشاء كلية تسمي كلية الدراسات الوطنية ؟ أو كلية السادات للعلوم الإدارية ؟ وماذا يدرس فيها غير ما يدرس في كليات العلوم السياسية والاقتصاد في جامعاتنا ؟ تريدون تخريج كوادر ممتازة للحزب ؟ إذن فنحن أعضاء الحزب نقول لكم إن هذه تجربة خطرة وقد سبقكم إليها الملك فاروق عندما أنشأ الحرس الحديدي .. وحزب الوفد عندما أنشأ القمصان الزرقاء .. فهل انتفع فاروق بحرسه الحديدي ؟ وهل انتفع الوفد بقمصانه الزرقاء ؟..

ثم ما هي دورات التدريب لشباب قادة الحزب ؟ هل سمعتم مثلا أن حزب المحافظين أنشأ – على حساب الدولة – معاهد تدريب لشباب يرشحهم للقيادة ؟ ولماذا نختار شبابا بعينهم ونعدهم ليكونوا سادة هذا الشعب في المستقبل ؟.. وإذا كانت جامعاتنا الأصلية " غرقانة" في متاعبها .. وطلابها لا يجدون سبيلا إلى العلم ويتخرجون في الجامعات ليجدوا أنفسهم أمام الضياع .. فلماذا ننشئ معهدا لطائفة من المحظوظين ليكونوا هم وحدهم الناجين وسط أجيال المساكين ؟

إن الإشتراكية أيها الناس ليست توزيعا للتعاسة بالقسطاس .. ومستقبل مصر موضوع جدي فلماذا تلعبون به ؟ إن رئيسنا الحالي ينادي صادقا بأن طريق النجاة الوحيد أمامنا هو الإنتاج الذي يطلب في الأسواق .. فلماذا لا نصغي إليه ؟ لماذا لا نقف معه نؤيده بالصدق المطلق والعمل الجاد والأمانة الكاملة ؟..

وبقيت سطور أريد أن أعتذر فيها لك من ساءته مني كلمة أو إشارة .. فما قصدت غير الحق . ولا كان لي مطلب وراء الصدق .. ولا صالح لي غير صالح مصر , مصر التي خرجت إلى الدنيا وهي مستعمرة وقضيت عمري أحلم بأن أراها أسعد بلاد الدنيا .. ولن أتنازل عن هذا الحلم أبدأ...

أعتذر لكل من آلمته كلمة... وعذري لديكم أن نفسي لو كشفتم عنها لما وجدتم فيها غير الآلام .. ولا يعزيني ويمسكني في الحياة إلا حب مصر والأمل في مصر والرجاء من الله سبحانه ..

أعتذر للأخ اللواء محمد حسن عثمان عما بدر مني عن غير قصد .. وأشكر كل من تعهدني بتصحيح الخطاء على طول دراسة أعددت لها ثلاث سنوات .. وآخر ما أختم به هذا الفصل شكر من القلب وتمنيات من القلب بالتوفيق للسيد الرئيس حسن مبارك فلولا الحرية التي ننعم بها معه ما وصلت إلى القارئ كلمة واحدة من هذا كله .. والله سبحانه من وراء القصد .. وهو رب القلوب ورب الأحرار الصادقين ..

الثورة والثوار

يكتب إلى كثيرون خطابات – تعليقا على ما أكتب عن الباشوات والسوبر باشوات يزعمون فيها أنهم من أبطال الثورة وصناعها .. وبعضهم بتفضل فيبين في حكايات طويلة النصيب العظيم الذي قام به في التمهيد لثورة 23 يوليو 1952 والعمل البطولي الذي قام به ليلة الثورة والأيام التالية لها وبعضهم يؤكد أن نصيبه في عمل الثورة كان نصيب المخطط والمفكر أى أنه – باختصار – صانع الثورة وبعضهم يؤكدون أنهم أصحاب مشروعات كبري هي من مفاخر الثورة ولولاها لما كانت ..

ولهؤلاء جميعا أقول – أن اتضحت لنا جوانب كثيرة من الصورة كانت خافية عنا وبعد الكلام الكثير الذي كتب ونشر إن الذي قام بهذه الثورة هو شعب مصر دون سواه إنه بطلها الوحيد والذي تم ليلة 23 يوليو كان حركة محدودة المدي والأهداف , حركة جيش داخل الجيش نفسه والذي جعلها ثورة هو دخول شعب مصر في الميدان وإخراجها من نطاق حركة إصلاح داخل الجيش إلى ثورة عامة تضع حدا لعصر من عصور تاريخ مصر وتبدأ عصر آخر .

وإليكم البرهان على صحة ما أقول : ولن آتي هنا بشئ من عندي بل سأستشهد بآراء كتاب آخرين أفاضل يعرفون بحكم مواقعهم في السياسة والصحافة أكثر مما أعرف , وسأبدأ بمقال – وهو في الحقيقة وثيقة – نشره الصحفي الكبير الأستاذ صلاح منتصر في عدد الأهرام الصادر في 24/7/ 1983( ص7) هو الحلقة الأولي من سلسلة تحقيقات عظيمة القيمة عن الثورة وما بعدها.

قال الأستاذ منتصر في هذا المقال العظيم في تفصيل حقيقة ما كان رجال الثورة يريدونه وما حدث في نفس الليلة من تدخل الرئيس محمد نجيب في صيغة البيان الذي كان رجال الثورة يعدونه لإذاعته على الشعب صباح 23 يوليو 1952 وهو تدخل أساسي كانت نتيجته تحول الحركة المحدودة داخل الجيش إلى ثورة شعبية قومية عامة .

إن احدي الحساسيات الغريبة التي كانت عند جمال عبد الناصر ومن بعده أنور السادات ضيق أى منهما بمن كان يحاول وضع ما حدث يوم 23 يوليو 52 في إطاره الصحيح ..

ذلك أن ما حدث في هذا اليوم لم يكن من باب اليقين انقلابا , ولم يكن من باب التوثيق " ثورة "..

لم يكن انقلابا لأن الذين اشتركوا في عمليات تلك الليلة ودبروا لها لم يكن في فكرهم – كما أثبتت الأحداث والدراسات – التخطيط لاختطاف الحكم , وهو هدف أي انقلاب .

ولم يكن ثورة لأن الثورة في مفهومها العلمي تعني فلسفة سياسية واقتصادية واجتماعية حددها سلفا الذين قاموا بها واتفقوا عليه بحيث يمكن التعرف – ولو من بابا الشكل – على هذه الفلسفة من خلال البيان الأولي الذي أذاعه أنور السادات صباح يوم 23 يوليو 1952 .

وكما يروي جمال حماد الضباط الأحرار والذي وثق أسرار يوم 23 يوليو وما قبله وكان شاهد على أحداثها , فإنه بعد أن سيطر الضباط الأحرار على مبني رئاسة الجيش ووصول اللواء محمد نجيب تحول مكتبه إلى أشبه بخلية نحجل فقد جلس حول المكتب عدد من قادة الضباط الأحرار وكانت المناقشات تدور بينهم بشأن الموقف بأصوات مرتفعة .

وكما يقول جمال حماد حرفيا : في هذا الجو الملئ بالضجيج انسحب ضابطان من وسط المجموعة التي كانت في مكتب محمد نجيب هما عبد الحكيم عامر وجمال حماد ودخلا غرفة المؤتمرات التي كانت تواجه مباشرة مكتب اللواء محمد نجيب , وأغلقا باب الغرفة عليهما من الداخل وجلسا على مقعدين متجاورين على مائدة المؤتمرات الخشبية الفخمة يلتقطان أنفاسهما ويستعيدان الهدوء الذي افتقداه خلال وجودهما بمكتب اللواء محمد نجيب .

وكان الغرض من هذه الجلسة المغلقة هو كتابة البيان الأول للثورة الذي سيوجه من اللواء محمد نجيب إلى الشعب المصري من دار الإذاعة في السابعة صباحا واتفق الزميلان على النقاط الأساسية التي ينبغي أن يضمها البيان ودوناها في ورقة صغيرة ثم لم يلبث عبد الحكيم ان ترك زميله وحده بالغرفة ليتيح له فرصة صياغة البيان الأول لثورة في هدوء , وعكف جمال حماد على صياغة البيان وفقا للنقاط التي تم الاتفاق عليها مع عبد الحكيم وبعد عدة مسودات استقر رأيه على الصيغة النهائية التي كتبها على ورقة فولسكاب بيضاء بقلمه الحبر . ولم يستغرق ذلك أكثر من نصف ساعة عاد بعدها عبد الحكيم إلى الغرفة حيث قرأ البيان في اهتمام وأبدي رضاءه التام .. وعندما عرض البيان على اللواء محمد نجيب وافق على الصيغة ولكنه رأي إضافة بعض الكلمات إلى البيان فأخرج قلمه وكتب بعض الكلمات حشرا بين السطور المكتوبة ثم وقع على البيان بإمضائه وانحصر التعديل في عبارة واحدة كانت في الأصل : وإني أؤكد أن الجيش اليوم كله أصبح يعمل لصالح الوطن متجردا من أية غاية فأصبحت بعد التعديل وإني أؤكد ( للشعب المصري ) أن الجيش اليوم كله أصبح يعمل لصالح الوطن ( في ظل الدستور) مجردا من أية غاية هذه هي رواية جمال حماد الذي كتب البيان الذي أذاعه أنور السادات صباح يوم 23 يوليو وقد كان المفروض كما يروي جمال أن يذيعه هو أي جمال حماد بنفسه ولكن تم تكليفه بمهمة أخري منعته من إذاعة البيان . ومن المؤكد أن جمال حماد كان صادقا في كل ما كتب .

وببعض التفكير فيا حكاه عن البيان الأول الذي عرف الشعب المصري منه ما حدث في الجيش المصري ذلك اليوم يمكن استكشاف ما يلي :

1- أن هذا البيان بكل الأهمية الكبيرة التي يعكسها تم وضعه باتفاق بين شخصين اثنين.. أى أنه لم يكن تعبيرا عن فكر ثوري لمجموعة ذابت في فلسفة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية واحدة وإنما كان جهدا شخصيا لاثنين من الذين اشتركوا في عمليات تلك الليلة وليس هكذا تكون الثورات ....

2- أن قائد العمليات الحقيقي وهو جمال عبد الناصر لم يقرأ البيان طبقا لرواية كاتبه مما يعني أنه لم تكن لهذا القائد الفلسفة الثورية التي لابد أن يرجع إليها من كتب البيان حتي يتضمنها بيانه .. وليس هكذا يكون قوات الثورات..

3- إن الإضافة البسيطة التي أضافها اللواء محمد نجيب والذي كان في سن الأب لمجموعة الضباط الشبان الذين خرجوا ينفذون عملية 23 يوليو أشارت إلى ما لم يتنبه إليه الجهد الشخصي للشابين عبد الحكيم عامر وجمال حماد الذين فكرا وكتبا البيان ..

4- لقد أضاف محمد نجيب عبارتي ( للشعب المصري ) وفي ظل الدستور ) وهاتان الإضافتان تعنيان ان الفكر الذي كتب به البيان كان بعيدا عن أن البيان موجه إلى الشعب - لأهداف أي ثورة – وان هناك دستورا ينبغي احترامه ..

ذلك أن عبد الحكيم عامر وجمال حماد عندما فكرا في البيان وكتابته كان تفكيرهما متجها كلية إلى إبلاغ باقي وحدات الجيش بما حدث لأن ما حدث هذه الليلة لم يكن ثورة إنما كان كما أطلقوا عليها – عن حق – حركة قصد بها الجيش ولهذا جاء البيان الأول لهذا الحركة يقول بالنص .. واجتازت مصر فترة عصبية في تاريخها الأخير من الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم وقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبير على الجيش وتسبب المرتشون والمغرضون في هزيمتنا في حرب فلسطين , أما فترة ما بعد هذه الحرب فقد تضافرت فيها عوامل الفساد وتآمر الخونة على الجيش وتولي أمره إما جاهل أو فاسد حتي تصبح مصر بلا جيش يحيمها.. وظل ذلك فلقد قمنا بتطهير أنفسنا وتولي أمرنا في داخل الجيش رجال نثق في قدرتهم وفي خلقهم وفي وطنيتهم ولابد ان مصر كلها ستلقي هذا الخبر بالابتهاج والترحيب .. أما من رأينا اعتقالهم من رجال الجيش السابقين فهؤلاء لن ينالهم ضرر وسيطلق سراحهم في الوقت المناسب وإني أؤكد للشعب المصري أن الجيش اليوم كله أصبح يعمل لصالح الوطن في ظل الدستور مجردا من أى غاية وأنتهز هذه الفرصة فأطلب من الشعب ألا يسمح لأحد من الخونة بأن يلجأ لأعمال التخريب أو العنف لأن هذا ليس في صالح مصر وإن أي عمل من هذا القبيل سيقابل بشدة لم يسبق لها مثيل وسيلقي فاعله جزاء الخائن في الحال وسيقوم الجيش بواجبه هذا متعاونا مع البوليس وإني أطمئن إخواننا الأجانب على مصالحهم وأرواحهم وأموالهم ويعتبر الجيش نفسه مسئولا عنهم والله ولي التوفيق .

إمضاء لواء أ.ح محمد نجيب

ولا أظن أن أية دراسة لهذا البيان الأول لما جري يوم 23 يوليو يمكن أن تخرج بفلسفة ثورة أراد البيان التعبير عنها أو فكر معين تسعي إليه ..

كان كل ما يدور حوله البيان هو ما كان يجري داخل الجيش وقيام هذا الجيش بتطهير نفسه من الذين كانوا يتولون أمره من الجاهلين أو الفاسدين ... ولهذا كان أصدق تعبير عمار جري يوم 23 يوليو أنه كان بالفعل حركة تطهير داخل الجيش باركها الشعب وأيدها .

ولأن فاروق كان يمثل قمة الفساد الذي يرأس هذا الجيش فقد كانت الخطوة التالية بعد تطهر الجيش من قيادته الفاسدة تطهير مصر كلها من رأس هذا الفساد .. من الملك ..

وكان اعتقاد شباب الحركة من الضباط الأحرار أنهم بذلك يستطيعون تسليم الحكم للسياسيين المحترفين أعضاء الأحزاب السياسية في ظل الدستور القائم ولكن كما شاركت الأحزاب أثناء وجود الملك في فساد الشارع السياسي فإنها بعد خروج الملك شاركت في تحويل حركة الجيش إلى سلطة تسعي إلى الحكم ويتصارع رجالها أولا من أجل الإمساك بسلطة الحكم ثم بعد ذلك تحديد أهدافها لتصبح ثورة ....

وإنما أبدأ بهذه الفقرة الكبيرة من مقال الصديق الأستاذ الصحفي الكبير صلاح منتصر على تواليها لأنها صادرة عن رجل محايد وباحث عن الحقيقة مثلي ولا يمكن اتهامه فيما أظن بما يوجه إلى بعض ما أتلقي من خطابات الكثيرين الذين يزعم كل منهم أنه صاحب الثورة أو صاحب جزء رئيسي فيها ومن ثم هؤلاء السادة يكتبون إلى باسم الثورة متحدثين باسمها لأن كلا منهم يزعم انه هو صانعها او أحد صناعها ويوجه إلىّ الكلام على أنني وأمثالي دخلاء على الثورة والفكر الثوري ومن ثم فأنا في تصورهم أجاوز قدري إذ أكتب عن الثورة .

ومن أيام دار حوار بيني وبين رجل أعتقد أنه ابن من أصغر المشاركين فيما وقع ليلة 23 يوليو وقد زعم أنه هو الذي دبر الثورة وأن دوره فيها يفوق بمراحل دور جمال عبد الناصر وأنو السادات والآن أقو لهم إنني أكتب لأنني وأمثالي من المواطنين المتواضعين حقيقة أصحاب الثورة لا يشاركنا في ذلك إلا الرئيس محمد نجيب فهو الوحيد بين الذين قاموا بالحركة كان يشعر بان هذه الحركة إنما هي ثورة تحرير لا مجرد حركة إصلاح داخلي في الجيش ولهذا فقد أضاف بيده الإضافتين اللتين نقلهما السيد جمال حماد في كتابه مع أنهما تعنيان المفترق الضخم بين الحركة التي قام بها عبد الناصر وزملاؤه ليلة 23 يوليو والثورة التي حدثت بعد ذلك , وقادها محمد نجيب طوال مدة رياسته القصيرة وباركتها جماهير شعب مصر والسودان والأحرار في العالم العربي وكان ذلك يناقص اتجاه جمال عبد الناصر وبعض زملائه الذين رأوا في انتصار الحركة فرصة لي يستولوا عليها كلها , وقد كان جمال عبد الناصر يتمتع بقدرات كبيرة في مسائل التدبير الخفي والتحرك الواعي نحو القبض على السلطان . ونحن الذين ندرس التاريخ نفترض أن هذه طبيعة معروفة وجدت في الكثير من حالات ا الثورات الأخرى وأكبر مثال على ذلك نابليون بونا برت الذي عرف كيف يتحرك خطوة خطوة بعد نجاحه في الحملة الإيطالية والعودة من الحملة المصرية وفي سرعة الفهد عرف كيف ينقص على الفريسة التي كان يتربص بها وتمكن من القيام بانقلاب 18 نوفمبر من السنة الثامنة للثورة (1799) وأقام حكومة القنصلية وكان هو القنصل الأول ومعه سييس ودوكلوا وعقب هذا الانقلاب مباشرة سارع بوضع دستور 1799 وأجري على أساسه انتخابات في فبراير 1800 وحصل فيها على ثلاثة نابليون رئيسا للدولة في فرنسا وصاحب الكلمة المطلقة فيها والثورة الفرنسية التي أقامت لتعزل ملكا وجدت نفسها في 18 مايو 1804 تتوج امبرطورا , بعد أن هز قلوب الفرنسيين بعد انتصاره في أولي مواقعه (الكبري ) وهي مارنجو( 14 فبراير 1804) وقد ارتكب في الطريق جرائم بشعة مثل مقتل الدوق .

وكذلك كان الحال مع الثورة الروسية التي قامت في أكتوبر 1917 لتحرر الإنسان الروسي من سلطان ورجال الإقطاع والكنيسة فوجدت نفسها في النهاية فريسة لأعتي مستبد عرفه التاريخ وهو لينين وقد قصصت في كتاب طريق الدم كيف تمكن لينين خطوة خطوة وبسرعة خاطفة أيضا وبمواهب المدبر الخطر القادر على التدبير الخفي من وضع يده على السلطة الكاملة في روسيا كلها وإبادة خصومه باسم الثورة والحرية ووضع قواعد نظام الاتحاد السوفيتي القائم إلى اليوم .

ومعني ذلك أن لكلل ثورة من الثورات تاريخين , تاريخ ظاهر وهو الواضح المعلن للناس , وفيه يصور ذلك المدبر الخفي الساعي إلى القبض على السلطة نفسه – بعد انتصاره – في صورة البطل المجاهد في سبيل العدل والحرية وحقوق الجماهير وتاريخ باطني – هو الحقيقي – الذي يحكي قصة صناع الثورة الحقيقيين الذين التهمهم المدبر الخفي الخطر في طريقه وكيف تمكن بطل الحرية بأساليب الغدر والأنانية وجمود العقلية من القبض على السلطان والقضاء على الحرية .

وهذا هو الذي حدث لثورتنا . وأحب أن أقول إن ذلك ليس عيبا ولا عارا وإنما هو الحقيقة التي ينبغي أن يعرفها الناس حتي لا يخدعوا مرة أخري وحتي لا تجوز عليهم الحيلة وتتكرر لعبة خداعهم وتسخيرهم لصالح مستبد طاغية والتاريخ تجارب وتجارب الأمم مهما كانت مريرة فهي دروس وهي تساوي المتاعب التي يلاقيها الشعب فيها إذا عرف هذا الشعب كيف يستفيد من التجارب وهنا وظيفة المؤرخ الدءوب المتحرر عن الهوي الذي يعود إلى تاريخ الثورة ويستعين بشهادة ورجالها وشهود من شارك فيها إذا تيسر له ذلك ليكشف الحقائق – أو ما يري أنها حقائق – ويعرضها للناس .

وقد قلت إن محمد نجيب انفرد بين الذين قاموا بالحركة بفهم معني الثورة والإيمان بالحرية والديمقراطية والصدق في معاملة المواطنين واشترك معه في ذلك نفر من شبابا ضباط الثورة أهمهم خالد محيي الدين ويوسف صديق وأحمد شوقي فأما الأخيران – وهما اللذان قاما بالعمل الأكبر ليلة 23 يوليو – فقد كان لابد أن يزالا من الطريق حتي تعاد كتابة أحداث الثورة على نحو يجعل من جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر بطليها الوحيدين وكل من عداهما يحي في مرتبة ثانية أو ثالثة أو لا يذكر أصلا ..

أما محمد نجيب فلم يكن من المستطاع إزاحته من الطريق بنفس هذه السهولة فهو رئيس الجمهورية وهو رجل صلب العود متمسك بمبادئه وقد اعتزم جمال عبد الناصر أن يأتي به ويتخذه واجهة يسيطر بها علي الجيش ويقنع الشعب والرأي العالمي بها ثم يزيله ويضع نفسه في الرياسة مكانة كما عزل ستالين صورة لينين وهو يخطب على نحو يجعله هو التالي له في الرياسة في المثال الذي ذكرناه آنفا .

وقد تم لمال عبد الناصر التغلب علة محمد نجيب وإزالته من الرياسة والحلول محله ولكن على صورة من العنف والقسوة أساءت إلى عبد الناصر أكثر مما أساءت إلى محمد نجيب فأما نجيب فقد عزل وضع فيما يشبه المعتقل في بيت في المرج ولكن ظل له مكانه في تاريخ الثورة لروحها ولبابها وضحية لمؤامرات الذين انتزعوها من أيدي الشعب وفرضوا عليه الدكتاتورية.

قد حكي الأستاذ صلاح منتصر في مقال نشر في جريدة الأهرام بتاريخ 21/8/1983م في سلسلة مقالاته القيمة عن الثورة كيف كان كل جهد جمال عبد الناصر في أثناء رياسة محمد نجيب القصيرة موجها إلى إزاحته عن الطريق , وفي سبيل ذلك جمع أعضاء مجلس الثورة حوله – عدا خالد محي الدين – لأنهم مثل عبد الناصر – كانوا قد جلسوا في مقاعد الرياسة والقيادة وذاقوا طعم السلطان ولم يعودوا يطيقون أن يتخلوا عنه أو يشركوا أحد معهم فيه أما يوسف صديق فقد أقصي وعوقب بالإبعاد ولم يلبث أن توفي وكذلك حدث لأحمد شوقي .

والحكاية طويلة ولكن الذي يهمنا هنا هو الطريق الذكي الملتوي الذي سلكه عبد الناصر ليصل في النهاية إلى الرياسة المطلقة مستخدما في ذلك معظم أعضاء مجلس الثورة فأصدر المجلس في 25 فبراير 1954 بيانا قال فيه إن محمد نجيب رئيس الجمهورية لم يكن قائد الثورة ولا له فضل فيها إنما هو دخيل عليها لم يعرف عنها شيئا إلا قبل قيامها بشهرين ولم يرأس مجلسها إلا بعد شهر من قيامها , وأنه لا هم له يوم تنصيبه رئيسا إلا إقصاء إخوانه الضباط الشبان أبطال الثورة من مراكزهم , وإنه يحاول العودة بالبلاد إلى الوراء وتسليم الحكم للأحزاب القديمة وعندما وقف مجلس الثورة أمامه موقفا حاسما قدم استقاله فقبلها المجلس .

وفوجئ جمال عبد الناصر مدير ذلك كله بأن جانبا من الجيش يقف مع محمد نجيب وكذلك قام الرأي العام يؤيده, فقد كان الرجل قد كسب لنسفه صورة شعبية جميلة وأصبح في نظر العالم كله رمزا على حركة تحريرية تقدمية تسير بمصرفي طريق الديمقراطية الصحيحة وأثارت شخصيته في السودان وعواطفه مصرية سوادنية وقد أحس السوادنيون بذلك إحساسا عميقا وبدا منهم استعداد لتحقيق وحدة وادي النيل تحت رياسته ونتيجة لهذا كله قامت مظاهرات عنيفة خلال يومي 20, 26 فبراير 1954 مؤيدة محمد نجيب وانتهي الأمر بأن اضطر مجلس قيادة الثورة إلي الرجوع فيما كان قد قرر وأعلن في مساء 1954 في بيان قصير عودة نجيب إلي رياسة الجمهورية واطمأنت الخواطر إلى ذلك البيان وحسب الشعب أن ثورته عادت إلى مجراها السليم وجاء التأييد من السودان لمحمد نجيب ولكن عبد الناصر لم ييأس وإنما بدا يرتب من جديد لإزاحة محمد نجيب والتخلص من كل القوي التي أيدته فيما كان يدعو إليه من عودة الحرية والديمقراطية .

وقد اتجه عبد الناصر إلى تركيز جهده كله علي الجيش مستعينا في ذلك بعبد الحكيم عامر وكانت شئون الجيش قد وكلت إليه وكان أيامها أصفي أصفيائه وموضع ثقته الكاملة فتمكن من استمالة معظم رجال القيادة إلى جانبه وجانب عبد الناصر فلما تم لهما ذلك قاما بالضربة الحاسمة في 25 مارس 1954 فأعلن مجلس الثورة انه اتخذ قرارات بحل نفسه والسماح بعودة الأحزاب وإجراء انتخابات حرة مباشرة خلال ثلاثة أشهر أو أربعة تأتي بمجلس نواب ويؤلف مجلس النواب الجديد لجنة تأسيسية تكون لها سلطة البرلمان وتنتخب رئيس الجمهورية .

وكان جمال عبد الناصر قد ضمن تأييد الجيش له وعرف أن معظم رجاله سيرفضون تلك القرارات وسيطالبون مجلس الثورة بالإستمرار في عمله , وكان يعرف كذلك أن شعب مصر كله لم يكن إذ ذاك ينفر من شئ قدر نفوره من عودة الأحزاب القديمة وأن الجماهير لابد مطالبة باستمرار مجلس قيادة الثورة حاسبة أن محمد نجيب سيظل في رياسة الجمهورية وتلك هي الضربة التي احكم تسديدها جمال عبد الناصر فإن الجيش الآن معه والرأي العام معه وكان قد عمل حسابه على تنظيم جموع 29 مارس 1954 التي قضت على محمد نجيب وكل مؤيديه وكل دعاة الحرية والديمقراطية تحت ستار حماية الثورة وكان الرأي العام إذ ذاك مبغضا لعصر م قبل الثورة لا يريد عودته بأي سبيل فاستغل عبد الناصر هذا الميل عند الجماهير وأخذ يقويه , وزعمت دعايته أن محمد نجيب يريد أن يعيد عصر الباشوات وأن النظام الجديد في حاجة إلى تأييد الشعب فيما سيتخذه من إجراءات ثورية للحيلولة دون الارتداد إلى عصر الباشوات وما كان يسمي إذ ذاك عصر الإقطاع والأحزاب الفاسدة .

وقد عرف عبد الناصر كيف يتخلص من محمد نجيب وكل خصومه في سرعة خاطفة قبل أن نفيق الجماهير وكانت وقائع 29 مارس 1954 المؤسفة التي سلمت زمام مصر لعبد الناصر وحده بتأييد جماهير قيل أنها شعبية غاضبة للثورة .

وسأرجع هنا في تفصيل إذ ذاك إلى كلام محمد نجيب نفسه في كتابة " كلمتي للتاريخ" وهو كتاب رجل أمين صادق وسأستعين هنا بحديث أداره معه صحفي الروائي والصديق الكريم الأستاذ إحسان عبد القدوس نشره في جريدة " الوفد" بتاريخ 29 مارس [[1984]] وسآخذ الكثير من كلام محمد عبد القدوس لأنه يعبر عن إحساس جيل جديد من شبابا المثقفين في مصر نحو ما فعله عبد الناصر إذ ذاك لكي يصل إلى السلطان المطلق في مصر.

قال ممهدا للحديث الذي أجراه مع محمد نجيب : يوم 29 مارس سنة 1954 كان يوما حزينا وكئيبا في تاريخ مصر في هذا اليوم انتصرت الدكتاتورية التي كان يقودها جمال عبد الناصر على التيار المنادي بالديمقراطية ويطالب بإطلاق الحريات والذي كان يتزعمه اللواء محمد نجيب أول رئيس الجمهورية في هذا اليوم المشئوم ألغيت كل القرارات التي كان قد سبق إعلانها – تحت ضغط القوي الديمقراطية – في يومي 5, 25 مارس سنة 1954 والتي كانت تتلخص في إطلاق حرية الأحزاب وإجراء انتخابات حرة وإلغاء الأحكام العرفية .. ثم بدأ الحكم الديكتاتوري .

وجاء انتصار الديكتاتورية النهائي بخطة وضعها عبد الناصر وزمرته تقضي بتدبير مظاهرات مفتعلة تهتف بسقوط الحرية !!! وهذا ما حدث فعلا..

ففي يوم السبت 27 مارس سنة 1954 بدأت أغرب مظاهرات في تاريخ مصر وربما في تاريخ العالم ... تهتف بسقوط الحرية .. وتعلن الديمقراطية !! وهذه المظاهرات كانت مكونة أساس من خمس فئات هم عمال مديرية التحرير, تم نقلهم بسيارات اللواري إلى القاهرة وقوات من الحرس الوطني .. وقوات من البوليس الحربي , بعد أن ارتدوا جميعا الملابس المدنية وتم تسلحيهم بالعصي والآلات الحادة , عدد من أنصار هيئة التحرير وعدد من القيادات العمالية تم شراؤهم للوقوف إلى جانب الدكتاتورية مثل رئيس اتحاد عمال النقل .

وأخذت المظاهرات تطوف بشوارع القاهرة وهي تهتف بهتافات لم يمس عبها أحد من الأولين أو الآخرين مثل تسقط الحرية !! تسقط الديمقراطية !! يسقط البرلمان ! يسقط المتعلمون !!

وطبقت المظاهرة الشعارات التي ترفعها إلى وقاع عملي يدل على طبيعتها .. ولأول مرة في تاريخ مصر نجد مظاهرة تهاجم مجلس الدولة – حصن القضاء – وتعتدي على رئيسه الدكتور عبد الرزاق السنهوري بالضرب الشديد وكانت إحدي الصحف قد نشرت أن الجمعية العمومية لمجلس الدول سوف تجتمع بدعوة عاجلة من رئيس المجلس بصورة تشعر بأن الاجتماع له صلة بالأحداث الجارية فما كان من المتظاهرين إلا أن اقتحموا المجلس وكادوا يفتكون برئيسه وقد اتهم الدكتور السنهوري أمام النيابة العامة جمال عبد الناصر بتدبير الحادثة كما أنه رفض مقابلته عندما زاره بعد الاعتداء عليه .

وتكررت المظاهرات التي تهتف بسقوط الحرية مرة أخري لمدة يومين متتاليين حتي استجابت لها الديكتاتورية وألغت كل أثر للديمقراطية وبدأ الحكم البوليسي .

وبعد الاعتداء على مجلس الدولة انتهي عصر القانون وحقوق الإنسان وبدأ عصر الغاب..

لقاء مع : محمد نجيب

نحن الآن في شهر مارس 1984 ... مرت ثلاثون سنة كاملة على سحق الديكتاتورية للحرية ... الدنيا تغيرت .. الأحوال تبدلت ... مات عبد الناصر ... وخلفه السادات ثم قتل السادات وخلفه مبارك ,, وأخذت شمس الحرية في الشروق من جديد ... وعودة الوفد هي إحدي العلامات المؤكد على ذلك .

ولكن ماذا عن أخبار محمد نجيب ؟

لقد تغير حاله وتبدل إلى الأفضل مثله مثل مل شئ في مصر . خرج في أيام السادات من عزلته الإجبارية التي كان عبد الناصر قد فرضها عليه في المرج .. وأكرمه الرئيس مبارك فأعطاه فيلا في شارع ولي العهد ليقضي فيها بقية عمره : ذهبت لأزوره هناك الفيلا صغيرة شكلها حديث جدا وسط المنال العتيقة بالمنطقة . هناك " مشروع" حديقة داخل الفيلا لم يكتمل بعد.. وصعدت إليه في الطابق الثاني من منزله المكون من دورين . وقابلته في حجرة نومه .. الرجل طريح الفراش... يا إلهي كم غيرته السنون الشيب زحف عليه .. عمره تجاوز الثمانين بكثير صافحته وجلست بجانبه .. أخذت أتامل الصور الموجودة بالحجرة .. هناك صورة له أيام شبابه مع زوجته .. وأخري مع أولاده وصورة له أيضا مع مجموعة ضباط يبدو أنهم من دفعته وهناك صورة للسادات وهو بالملابس العسكرية وأخري للرئيس حسني مبارك .

أفقت من تأملاتي للصور على صوته المرتعش وهو يقول " أهلا وسهلا " انتبهت .. قدمت له نفسي : مندوب " جريدة الوفد"

رد مبتسما : يحيا الوفد ولو فيها رفد , ثم قال لي : طلباتك؟

قلت له : أريد أن أجري حديثا مع سيدتك حول أزمة مارس سنة 1954 بمناسبة مرور ثلاثين سنة عليها .

أجابني : أسمع يا بني .. أنا تعبان أشكو من الأوجاع في عيني .. فى أذني في رأسي أنا أصدرت كتابا في هذا الموضوع بعنوان " كلمتي للتاريخ" .. اقرأه جيدا انقل منه ما تشاء على لساني .. وأنا موافق حتي لو نقلت الكتاب كله .

قلت له : ولكن هذا لا يمنع من إجراء حديث معك

رد قائلا : علشان خاطرك بقي.. لولا معزة الوفد .. ومعزة والدك ( إحسان عبد القدوس ) كنت اعتذرت.

قلت للرئيس السابق محمد نجيب : ما رأيك بداية في عودة الوفد إلى الحياة السياسية مرة أخري ؟

أجاب : خير وبركة عودة الوفد بمثابة عودة الروح إلى الديمقراطية . أنا أحب الوفديين ... وياما دافعت عن النحاس .

سألته : وكيف دافعت عنه ؟

أجابني : ارجع لكتابي تلاقيها .

ورجعت إلى كتاب " كلمتي للتاريخ" الذي وضعه محمد نجيب فوجدت في صفحتي 99, 100 ما يلي :

قدم جمال عبد الناصر لمجلس الثورة كشف بأسماء بعض الزعماء السياسيين ممن رأي بصفته وزيرا للداخلية اعتقالهم وكان بين الأسماء مصطفى النحاس لتحديد إقامته ورفضت ذلك ووافقني المجلس بعد معارضة شديدة وشطب اسمه من كشف المعتقلين ووقعت الكشف , ولكن فوجئت بأنهم أعادوا اسمه للكشف بعد توقيعي عليه , واعتبرت ذلك تزويرا لا اقبله وإساءة لا تغتفر .

قلت للواء محمد نجيب : لقد كنت تقف على رأس التيار الذي كان يمثل الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان .. كانت الغالبية العظمي من الشعب معك .. ومع ذلك انتصرت الديكتاتورية التي كان يمثلها عبد الناصر ... فما السبب في ذلك ؟

أجابني : أسباب كثيرة .. قيادات الشعب كانت في السجون .. الإرهاب الاعتقالات .. تكميم الصحافة ... الدعاية المضادة .

ورغم أن إجابته كانت تمثل جزءا من الحقيقة فإنها لم تكن تمثل الحقيقة كلها غاب جزء منها وهو أنه رفض استخدام القوات المسلحة في الصراع مع أنه كان بمقدوره ذلك بسهولة .

ويشرح اللواء محمد نجيب في كتابه في صفحة 221 أحد السباب الأساسية التي دفعته إلى عدم استخدام القوات المسلحة في الصراع مع عبد الناصر فيقول : جاءني معلومات جديد مؤكدة أن اتفاقا قد تم بين الأمريكان وبعض أعضاء مجلس الثورة على هذه المؤامرة وأن قوات الاحتلال البريطاني وضعت في حالة استعداد وأنها احتلت مواقع متقدمة علي طريق السويس .. القاهرة للتقدم في حالة حدوث اشتباك مسلح لاحتلال القاهرة .

ويضيف نجيب قائلا :

" وأجمعت أمري على رفض استعمال القوة .. لم أوافق على تحريك قوات عسكرية ولم أوافق أيضا على اعتقال أعضاء المجلس بعملية قد تعرض حياتهم للخطر وقد تعرض استقلال مصر للضياع ". سألته : سيادة اللواء .. لو كنت تعلم ما سيفعله عبد الناصر بعد استيلائه على الحكم .. هل كنت ستمضي في طريق الصراع إلى نهايته؟

أجاب قائلا : يقينا لو كنت اعرف لما ترددت في الاختيار .. عبد الناصر ودا البلد في داهية بل في ستين داهية .

ثم اخذ يعدد لي جرائمه

- أبشع انتهاكات لحقوق الإنسان وكرامته.

- هزائم عسكرية.

- إفلاس عسكرية.

- إفلاس مالي .

- إفلاس أخلاقي .

ثم قال ل محمد نجيب : تصور يا أخي بدأت الانحرافات وأنا مازلت موجودا في السلطة وقد ثرت وغضبت .. كل ذلك مذكور في كتابي .

وعدت بسرعة إلى الكتاب فوجدت في صفحة 170 ما يلي :

" كانت تصرفات بعض الضباط الذين انطلقوا في أنحاء المجتمع مندوبين للقيادة أو ممثلين لهيئة التحرير قد أساءت إلى الثورة ولوثت ثوبها ببقع سوداء شائبة , وقد بلغني أن أحد الضباط خسر على مائدة الميسر عدة مئات من الجنيهات في ليلة واحدة .. وأصدرت قانونا لتحريم الميسر في المحلات العامة والخاصة ,, ومنع مضاربات البورصة على الموظفين حماية لهم وإرساء لقواعد وقيم أخلاقية جديدة وفي مرة ذهبت لزيارة أحد أعضاء مجلس القيادة في منزله فوجدت فنانا يصنع له تمثالا يتكلف 200 جنيه وكنت أعرف أن حالته المالية لا تسمح بذلك فعنفته ورجت غاضبا .

ولاحظت في إحدي المرات ونحن نقبل على تناول العشاء في مجلس القيادة أن بعض أدوات المائدة كانت من الفضة ومكتوب عليها " القصور الملكية " وثرت ثورة عنيفة وأبعدت الضابط الإداري المسئول عن ذلك وأمرت بإعادة هذه الأدوات إلى القصور الملكية".

وفي صفحة 171 من الكتاب وجدت مفاجأة لم أكن أتوقعها ... يقول محمد نجيب بالحرف الواحد " اذكر مع الأسف واقعة ربما يكشف التاريخ يوما عن مزيد من حقائقها .. كنت متجها في عربتي إلى نادي الضباط بالزمالك تهنئتهم بعيد الأضحي وكان معي في العربة البكباشي جمال عبد الناصر واقترب مني جمال – وكان ذلك قبل أن يصبح نائبا لرئيس الوزراء – وقال لي:

- أني أود أن أعرض عليك أمرا ناقشته مع بعض الزملاء .. وأصغيت إليه بإهتمام وبدأ يتحدث قائلا :

- أعتقد أن ظروفنا الحاضرة تقتضي أن ننظر إلى مستقبلنا ومستقبل حركتنا ونحن الآن تحيط بنا عواصف مضادة لا نعرف مصيرنا معها ..

- ثم استطرد قائلا :

- ولذا فكرت أن يأخذ كل عضو من أعضاء المجلس مبلغ عشرة آلاف جنيه وتأخذ أنت أربعة عشر ألف جنيه فيكون المجموع 134 ( ألفا) وقد طلبت من زكريا أن يحجزهم لنا نقود جديدة .

- ويقول محمد نجيب : ورأيت الدم يغلي في رأسي ولم تحتمل أعصابي الحديث فصرخت في وجهه طالبا منه أن يسكت حتي لا ينفجر رأسي من هول ما سمعت وبدأت أعنفه تعنيفا شديدا على ما استباحه لنفسه من مال الشعب.

- وكان رد جمال ضحكة عصبية وهو يردد متعلثما:

- أنا كنت متأكد إنك حترد على بالشكل ده.

- ويقول محمد نجيب في كتابه على هذا الحادث :" أعطاني ذلك مؤشرا على اتجاه جديد في سلوك الزملاء أقول مع الاسف إني ما توقعته ولا تخليته .

- قلت للرئيس السابق : وما رأيك في حكم السادات الذي خلف عبد الناصر بعد أن مات ؟

- أجاب قائلا : السادات رجل عظيم .. ويكفي أنه أزاح كابوس الدكتاتورية الذي جثم على بلادنا منذ سنة 1954.. أطلق الحريات أعادة سيادة القانون أصلح الكثير من أخطاء عبد الناصر وأعاد سيناء إلى مصر مرة أخري .

- قلت له : ولكن ألا تري معي أنه قد انحرف هو الآخر وأصبح ديكتاتوريا ؟

- رد قائلا : لا ... ابدأ... كان أرحم من عبد الناصر بكثير ويكفيه فخرا حرب أكتوبر وفي عهده تم وقف التعذيب وإذا كانت هناك أخطاء له فحسناته ترجح سيئاته وفي النهاية كل حاكم بشر له أخطاء وحسنات المهم التفكير في مصلحة مصر وليس في دعم الحكم المطلق .

- وسألته: وما رأيك في حكم الرئيس مبارك؟

- أجابني : هذا الرجل يذكرني بشبابي وأنا أحبه .. إنه يحترم سيادة القانون وأحكام القضاء ويعمل على تحقيق الإصلاحات الاجتماعية وإصلاح علاقات مصر مع الدول الأخرى وهو رجل نظيف ... بعيد عن ألأنانية والمطامع الشخصية وحب الزعامة وفي عهده تسير بلادنا كل يوم خطوة في طريق الديمقراطية .

- سؤال أخير وجهته إلى الرئيس السابق محمد نجيب : ما هي الدروس المستفادة من أزمة مارس وانتصار الدكتاتورية ؟

- أجابني : الديمقراطية ولا شئ غيرها ...

- إلى هنا ينتهي ما نقلته من حديث الأستاذ محمد عبد القدوس مع الرئيس السبق محمد نجيب وما يتضمنه من مقتبسات من كلام محمد نجيب ولم يكد عبد الناصر يتخلص من محمد نجيب وكل من يؤيد الحرية والقانون حتي اندفع في سرعة خاطفة يحقق هدفه الرئيسي وهو الانفراد بالحكم , فعاد مجلس الثورة وهو رئيسه ثم أصبح رئيسا للجمهورية وبدأ يحكم حكما مطلقا دون معارضة لأن كل معارضة له خيانة للثورة تستوجب العقاب والعقاب هنا يتم على يد السلطة التنفيذية لأنه ألغي السلطة القضائية وجعل نفسه القاضي الأعلي الذي يحكم بالشرعية الثورية التي هي عنده فوق الشرعية القانونية والدستورية وفي هذا الغمار سيطر جمال عبد الناصر على كل زملائه أعضاء مجلس الثورة ولم يعد خارجا عن سلطانه إلا عبد الحكيم عامر المتحصن في قلعة الجيش ولم يكن هذا ليضيره فقد كان عبد الحكيم عامر إلى ذلك الحين صديقه وحليفه وشريكه بل ضمان قوته وعصاه الغليظة التي يضرب بها لأنه صاحب الكلمة الأولي في القوات المسلحة .

- وعبد الحكيم عامر اعتبر هذه القوات " عموديّة" هو عمدتها ومكتبه كان مسطبة حقيقية فيها دردشة وضحك واستخفاف بالناس وإلقاء في السجون والمشير كان يشير بإصبعه فيذهب الإنسان إلى الجنة أو النار.

- وهذا الذي فعله جمال عبد الناصر هنا إنما هو " روتين" بالنسبة لتواريخ المستبدين كلهم يتصرفون على هذا النحو الذكي السريع ويعرفون كيف يضعون أيديهم على كل جوانب السلطة برضي ظاهري من الشعب في البداية لأن الشعب يكون في ظروف الثورات والانقلابات في حالة خوف ن عودة الماضي البغيض ويتصور الناس أن هذا الحاكم الجديد بأمره هو المنفذ وهو طوق النجاة ولابد من تأييده حفاظا على الثورة وثمراتها وضمانا لاستمرارها.

- واندفع الشعب يؤيده كما فعل الشعب الفرنسي مع نابليون بعد انقلاب بردمير كما رأينا .

ولكن نابليون أعطي الشعب الفرنسي في مقابل ما أخذه منه مجدا عسكريا ما زالت فرنسا كلها تطرب لذكرياته فقد أنشأ ما أسماه بالجيش الهائل وعدته أساسا نصف مليون مقاتل غير الإضافيين والمساعدين وبفضل هذا الجيش وعبقرية نابليون العسكرية أصبحت فرنسا فيما بين 1804, 1812 بالفعل سيدة أوربا وانتصارات نابليون وهي فرنسية كانت تعتبر انتصارات أوربية تحريرية لأن جيوشه كانت تحطم إمبراطورية النمسا مرة بعد أخري وفرنسا بسطت سلطانها الفعلي على ألمانيا وإيطاليا واسبانيا وهذا هو العصر الذهبي للسيادة الفرنسية السياسية والعسكرية فى أوروبا وهو مهما كان الرأي فيه والثمن الذي دفع مقابله مجد قومي , لأن جيوش نابليون كانت تشق الأرض الأوروبية رائحة غادية وكانت تضع نهاية لعصور استبداد فردي ,وتبذر بذور الحرية والعصر الجديد.

أما عبد الناصر فلم يعط شعب مصر أي مقابل لما فقد معه من حريات وأمجاده كلها أمجاد خطب واتحاد وهمي مع سوريا , وهو اتحاد لم يجن البلدان منه إلا المتاعب ثم التدخل الأهوج في اليمن , ثم الهزيمة الكاسرة للظهر بعد ذلك . وقد قال بعض أنصاره إن كل الدول في روسيا سنة 1812 يريد بذلك الدفاع عن هزيمة يونيو 1967 ومقارنتها بهزيمة نابليون في روسيا سنة 1812 وعودته من روسيا بعد أن تحطم جيشه العظيم ومن سبعمائة ألف فرنسي عاد إلى فرنسا أقل من مائة ألف ولكن نابليون على الأقل بني مجدا عسكريا , ولم يهزم إلا عندما تجمعت عليه أوروبا كلها فأين هذا مما حدث في حروب عبد الناصر ؟!.

وبعد هزيمة يونيو 1967 تنبه الشعب إلى الثمن الفادح الذي دفعه ليرتفع عبد الناصر إلى سراب خادع سمي بزعامة العرب .

إن جيشنا لم يهزم في حرب 1967 بل هو لم يحارب أصلا لكي يقال إنه إنهزم وقد أثبت ذلك في أحد ملاحق هذا الكتاب بقطعة من رواية السمك الروسي التي ألفها ضابط شاب ممن اشتركوا في حرب 1967 وانهزموا دون أن يحاربوا أ كما عبر عن ذلك نجيب محفظ في مقال قصير كتبه في الأهرام: إن الجيش المصري صدرت له الأوامر بأن ينهزم فانهزم وهذا ما يحيكه عصام دراز في قصته تلك .

باختصار وقعت الهزيمة القاصمة إذن واحتل الإسرائيليون سيناء وعسكروا على ضفة القناة وبدأوا يطالبون بحظهم منها وبدأوا يرسمون خططهم على أساس الاستيلاء عليها وعلى خليج السويس الذي بدأت خرائطهم تسميه خليج سليمان وبعد ذلك بقليل بدأ سحب القوات المصرية من اليمن بعد مغامرة قامت على سوء النية وانتهت بسوء العاقبة .

مثل هذه الكارثة جلبها على قومه أدولف هتلر ولم يكن هتلر بالمجنون ولا المغفل ولكنه كان واحدا من أولئك الذين يستولي عليهم عشق السلطان والسيطرة على العقول بالخطب البليغة ومظاهر القوة ولكن حتي أدولف هتلر أعطي شعبه شيئا قبل يصل إلى نهايته البشعة , فقد تسلم مستشاريه الرايخ الثالث من يد المريشال " هون هند مبورج" في يناير 1933 واندفع بعد ذلك في بناء قوة عسكرية لم يسمع بمثلها التاريخ قبل ذلك ..

وألمانيا التي كانت تعاني من الفقر والذل والمهانة وانتشار البطالة والمرارة نتيجة لمعاهدات فرساي انتعشت أصبحت أقوي دولة في أوروبا والصناعة الألمانية استردت سابق سمعتها وهتلر في بناء الرايخ الثالث لم يؤمم مصانع كروب أوأ . أى . جي أو قلاع الصناعة في دوسلدورف وحوض الرود بل ضم رجال الصناعة إليه , وأنشأ مصانع عسكرية كبري في بلاد مثل شفايفورت واكتسحت البضائع الألمانية الجيدة أوساق العالم وحوالي 1938 إلى قبل قيام الحرب بعامين كانت ألمانيا في طليعة بلاد أوروبا حضارة وازدهار والفرق الاتحادية الكبري أو البوندزياتي كانت تبهر أبصار الدنيا وعاد جنون العظمة عنده بشئ من الخير على ألمانيا فقد كان يطلب إلى وزير الإنشاء عنده وهو البرت شبير أن يبني له منشآت من الخير على ألمانيا فقد كان يطلب إلى وزير الإنشاء عنده وهو البرتشبير أن يبني له منشآت لم تعرفها أوروبا منذ أيام الرومان ولن تعرف مثلها لألف عام , فقامت المباني العظيمة الساحقة وأصبحت البلاد مثل نورميج مدنا كأنها من صنع الخيال وكل هذه تحطمت أثناء الحرب العالمية الثانية ولكن بقيت للشعب الألماني تلك الخبرة الضخمة التي كسبها أثناء سنوات الحرب ولولا ذلك لما استطاعت ألمانيا النهوض بعد الهزيمة التعليم وهبوط الثقافة وانهيار الصناعة التي كانت قائمة , واضطراب شئون العمال وإفسادهم بما سمي بمكاسب الثورة والعمال المصريون كانوا قطعا سيصلون إلى خير منها لو لم توضع كل هذه القوانين الارتجالية .

وقد قرأت في ذلك مقالا ممتعا للكاتب الصديق الصحفي الأستاذ محمد جلال كشك وهو مقال عظيم القيمة فيما يتعلق بتعريفنا بالأساليب الناصرية وسأورد جانبا كبيرا من كلامه شاهدا على ما أقول وأنا لا أورد هذه الشواهد والحقائق عن طبيعة الاستبداد الناصري لكي أشهر أو أتهم , فمالي في ذلك أرب ولا صالح وإنما نحن نكتب عن معني لكي ننير طريق المستقبل ونكشف جوانب الأخطاء الماضية حتي لا نقع فيها مرة أخري .

والله يعلم أن تقديري لشخصية عبد الناصر وذكائه عظيم , وهذا ما يزيدني ألما , ذلك أنه كان يستطيع أن يخدم مصر والعرب ألف مرة أكثر مما فعل , لأنه كان موهوبا حقا ولأنه كان يتمتع بما يسمي بسلطة سحرية على الجماهير فيملك زمامها ويجعلها تسير طوع إشارته وتتحمس لكل ما يقول وتعمل دون تفكير لا من ناحيته أو من ناحيتها وهذا هو ما يسمي بالكارزمية أي سحر الشخصية وجاذبيتها والقوة الغلابة التي تنبعث منها وأدولف هتلر بالكارزمية أي سحر الشخصية وجاذبيتها والقوة الغلابة التي تنبعث منها وأدولف هتلر تمتع بهذه الخصائص إلى درجة لم يسمع بمثلها في التاريخ حتي إن مئات الألوف من الألمان كانوا إذا رأوه جن جنونهم وهتفوا : هايل هتلر .. هايل... هايل ! ...دون وعي وكان سحر نابليون على ضباطه وجنوده لا يصدق , وفي اوسترلينز أمر فرسانه بالهجوم على مدفعية العدو فاندفعوا واستولوا علي المدفعية وسقط منهم ألوف دون أن يشعروا كما قال أندريه موروا , وكذلك كانت سيطرة لينين على الجماهير الروسية وأتاتورك على جماهير الأتراك. ولو أوتي عبد الناصر جزءا مما أوتي كمال أتاتورك من بعد النظر والحكمة ( فيما عدا موقفه من الإسلام والعرب ) لاستطاع ا، ينقلنا خلال العشرين سنة التي حكمها من العالم الثالث إلى العالم الثاني . ,معظم مشاكلنا اليوم آتية مما حدث خلال الفترة الناصرية ويكفي أن أقول لك إن جمال عبد الناصر لو أمهل الرئيس محمد نجيب سنتين اثنتين لكانت مشكلة وحدة مصر والسودان قد تحققت في ذلك الوقت برضي شعبي وادي النيل كله واجتماعه حول راية محمد نجيب المصري السوداني ولقامت دولة وادي النيل السودانية المصرية لتصبح أول دولة أفريقية في مصاف دول العالم الكبري وكل ذلك ضاع لكي يصبح عبد الناصر رئيس مصر يهرول وراء رياسة العرب ..

وأعود إلى مقال الأستاذ محمد جلال كشك لأورد منه فقرات تكشف لنا من الأساليب الناصرية ما نجهله لن جلال كشك باحث صحفي كاتب مطلع يعرف من أسرار الحوادث ما يغيب عنا قال في مقال بعنوان :" في الذكري الثلاثين لوفاة الحرية ( نشر في مجلة أكتوبر , عدد 391 الصادر في 22 أبريل 1984):

ففي مثل هذه الأيام في ربيع 1954 خرجت لأول وآخر مرة في تاريخ مصر مظاهر تهتف:" تسقط الحرية"!

وفي مثل هذه الأيام ألغيت الحريات بناء على طلب الشعب وفتحت المعتقلات لتستقبل كل من ساهم في العمل السياسي في تاريخ مصر ... وألغيت الأحزاب والصحف وحلت النقابات وانتهكت حرمة الجامعات المصرية ..

في مثل هذه الأيام ألغيت الحريات بناء على طلب الشعب و وفتحت المعتقلات لتستقبل كل من ساهم في العمل السياسي في تاريخ مصر .. وألغيت الأحزاب والصحف وحلت النقابات وانتهكت حرمة الجامعات المصرية ..

في مثل هذه الأيام من ثلاثين سنة ضرب رئيس مجلس الدولة " علقة " وزرع زعيم الثورة " القنابل" في قلب عاصمة وطنه . وبعث رئيس جمهورية مصر يستأذن مجلس الثورة في ذبح " العجل" الذي نذره إذا ما أعلنت الوحدة مع السودان لأنه لا يستطيع توفير العلف للعجل , بعد تحديد إقامة أول رئيس جمهورية لمصر هو والعجل !..

ومن المؤكد أنهم أضاعوا الوحدة مع السودان ولكن ما من مؤرخ سجل لنا ما إذا كانوا قد سمحوا بصرف العلف للعجل أو تركوه يموت مع الحرية وسيبقي هذا السؤال في ضمير التاريخ والناصريين جمعيات الرفق برؤساء الدول الثورية !

وفي ربيع 1954 تجمعت إرادة الشعب المصري ممثلة في أحزابه من أقصي اليسار إلى أقصي اليمين حول مطلب واحد هو : إنهاء الحكم العسكري وعودة الجيش إلي مهمته الوحيدة وهي الدفاع عن الوطن عند الحدود .. وبالتالي قيام حياة ديمقراطية قائمة على الانتخابات وحرية الصحافة وتعدد الأحزاب وكل ما تعارفت الشعوب عليه في صراعها ضد الطغيان ...

وكانت غالبية القوات المسلحة وبعض أعضاء مجلس الثورة نفسه يؤيدون هذا الموقف فضلا عن محمد نجيب وكان يؤيد هذا الموقف خالد محيي الدين ويوسف صديق ورشاد مهنا.. وجمهرة من ضباط الصف الثاني في تنظيم الضباط الأحرار الذين هالهم – كما جاء في مذكرات بغدادي – أن الشعب الذي عانقنا في الشوارع صباح يوم الثورة يبصق علينا الآن ..!

وكان هؤلاء الضباط قد قاموا بحركة 23 يوليو وأيدهم الشعب على أساس أن الجيش سيتولي تحرير إرادة الشعب المصري من استبداد القصر واستجابته للتدخل البريطاني ثم يترك للشعب مسئولية بناء النظام الديمقراطي الذي يحقق أهدافه ولكن الزعيم الحقيقي للثورة لم يكن يؤمن بالديمقراطية بل كان يعتقد – كمال قال للسفير الأمريكي كافري في تصريح أكثر من مشهور – " أن إعطاء الشعب المصري الديمقراطية اليوم , يعادل إلقاء أولادي في الشارع باسم حريتهم في التصرف "... ولم يكن رحمة الله عليه يهتم كثيرا بمدي تأثير الشعب لوجهة نظره فكما يروي عبد اللطيف بغدادي أحد أقطاب تلك الفترة أن عبد الناصر حضر إلى اجتماع مجلس الثورة وقال لهم :" إن هذه الثورة ليست لها قاعدة شعبية تعتمد عليها وليس هناك من يؤيدها لا من الشعب ولا من الجيش وان الذين قاموا بالثورة تسعون ضابطا فقط وأنهم في تناقض حتي أصبح عددهم خمسين ضابطا الآن " وعلقت على كلامه هذا بقولي : معني هذا أننا نفرض أنفسنا على هذا البلد ؟ فرد على بالإيجاب فقلت : في هذه الحالة يجب علينا أن "نروح" إذا كان هذا هو الوضع .

وقد حدث عكس ذلك فالشعب هو الذي " روح" لأن قائد الثورة كان يؤمن بأن الرجل القوي " أغلبية وكانت له وسائله في تنفيذ ذلك فقد أورد بغدادي واقعة " مذهلة " عن عجائب تلك الفترة ولو أن ألأكثر ذهولا منها هو أن المؤرخين لم يهتموا بها !!

قال بغدادي بالحرف الواحد : أشار جمال عبد الناصر إلى أن هناك ستة انفجارات قد حدثت في نفس اليوم وكلها في وقت واحد وفي أماكن متفرقة واحد منها في مبني محطة السكة الحديد واثنان بالجامعة وأخر بمحل جروبي .. إلخ وكان غرضه من الإشارة إلى هذه الانفجارات هو توضيح أن هذا حدث نتيجة لسياسة اللين والميوعة الظاهرة في موقف الحكومة وكان محمد نجيب مصر على اتخاذ الإجراءات العادية ومعارضا في اتخاذ أية إجراءات استثنائية .

ويكمل بغدادي بقنبلة سابعة إذ يقول :

" اعترف لنا جمال عبد الناصر وهو على فراش المرض أن الانفجارات التي كانت قد حدثت وأشار إليها في الاجتماع إما هي من تدبيره لأنه كان يرغب في إثارة البلبلة في نفوس الناس ليشعروا أنهم في حاجة لمن يحميهم على حد قوله ".

( مذكرات بغدادي الجزء الأول صفحة 146).

وكان رحمه الله لا يعرف المهادنة في قضية السلطة فهو لم يتردد في زرع القنابل لتسقط في جروبي والجامعة , حيث تتجمع الرجعية في الأول والبراجوازية الصغيرة في الثاني . بل أيضا في محطة السكة الحديد حيث جماهير الشعب الغافلة , ومن الغريب أنه بعد تلك الحادثة ببضعة شهور أرادت جهة أخري زرع البلبلة في مصر فقامت المخابرات الإسرائيلية بتنفيذ الانفجارات في أهداف أمريكية وبريطانية وهو ما عرف بعد ذلك بعملية " لافون" ثم فضيحة " لافون" التي ظلت تخيم على السياسة الإسرائيلية ربع قرن وشكلت فيها أكثر من لجنة تحقيق حتي سقط مدير المخابرات الذي نفذ العملية ثم "بنحاس لافون" وزير الدفاع الإسرائيلي الذي أمر بتنفيذها بل أصابت " بن جوريون" نفسه مؤسس إسرائيل ومصمم انتصارها في حرب 1956 .. واعتبرت فضيحة لأنها عرضت سلامة المواطنين إسرائيليين لخطر رغم " الهدف " القومي الذي أوحي بها .. أما عندنا فلا أحد يهتم حتي الآن بتحقيق هذه الواقعة التي أشار إليها بغدادي , ولو ليبرئ تاريخ مصر وتاريخ الزعيم من مثل هذا العمل .. أعني تعريض سلامة المصريين للخطر في سبيل استمرار سلطة ( خمسين ضابطا ) لا يتمتعون بتأييد الشعب ولا الجيش !

كانت أياما قاسية في ربيع عام 1954 فبعد أن تمت تصفية الوضع داخل الجيش واستقال خالد محيي الدين ووافق على السفر ل خارج وتم اختطاف رئيس الجمهورية واحتشد نحو نصف مليون مصري كانوا قد تجمعوا في ميدان عابدين على استعداد للزحف إلى حيث تأمر قيادتهم السياسية لإنقاذ الديمقراطية المصرية إذا بالشهيد عودة يأمرهم بالانصراف والنوم مبكرا ..

وكانت غلطة سياسية أو مساومة ساذجة .. لا أحد يدري, ولكن الشهيد عودة رحمه الله دفع ثمنها شخصيا كما دفعه الإخوان المسلمون ومصر كلها .. عندما انقض في اليوم التالي زوار الفجر الذين لا ينامون على من ينامون ويصلون الفجر !

وضرب رئيس مجلس الدولة " علقة" وهي بالطبع الأولي من نوعها في تاريخ مصر ونسأل الله أن تكون الأخيرة .. فهذا الوطن تميز باحترام القضاة منذ عهد الفراعنة فتري على مقابرهم " فرعون" العظيم يقف خاشعا خائفا أمام ميزان العدالة الذي يمسك به قرد أو قط أو حتي بقرة ... وربما كان ذلك عن قصد فالهدف هو تأكيد أن شخص القاضي لا يهم فما دام يمسك بميزان العدالة وما دام يجلس على كرس القضاء فلابد أن يخضع لفرعون ذاته .. هكذا استقر في ضمير المصريين احترام القضاء حتي في أحلك عصور المماليك خضع السلطان لحكم القضاء بأن يباع السلطان في سوق الرقيق ... إلى أن ضرب رئيس مجلس الدولة " علقة " وظهرت كائنات بشرية من طراز " الدجوي" وطرح مبدأ عام الفصل بين السلطات لأنه شعار بورجوزاي مضلل!..

ويعترف بغدادي أن الذين ضربوا رئيس مجلس الدولة في مبني مجلس الدولة أعلي سلطة قضائية في مصر وقتها قد نقلوا في لوريات تابعة للشئون العامة الخاصة بالجيش وطلبوا بترولا سلفة من السلاح الجوزي الذي وفره لهم على الفور ( وكان بغدادي يشرف على السلاح الجوي ) وهو يفتخر بسرعة الانجاز في " صرف بترول السلاح الجوي للذين ضربوا رئيس مجلس الدولة ولكنه بنسي ما أورده في نفس المذكرات.. وهو أنه لما وقع العدوان الإسرائيلي على مصر في عام 1956 وطلبوا من قائد الطيران المصري إياه أن يشن هجوما جويا على مدن إسرائيل وقوات إسرائيل اعتذر بأن " الجاز" خلص أو كما قال بغدادي أن السلاح الجوي ليس لديه بترول .. واندفع بغدادي يهاجم تفريط قائد الطيران في البترول , ونسي أن البترول ضاع في تسيير لوري المؤيدين للسلطة أهم من تسيير السلاح الجوي .. وأن ضرب " الرجعية " مقدم على ضرب إسرائيل .. وأن من أعان ظالما سلطه الله على أخيه بالحراسات .

ثم يستطرد الأستاذ جلال كشك فيقول تحت عنوان  :" موت صحيفة ":

في ربيع 1954 منذ ثلاثين سنة ماتت حرية الصحافة , واسمحوا لى أن أحكي قصة صحيفة وقصة صحفي من ضحايا مأتم الحرية وهي صحيفة الجمهور المصري وأبو الخير نجيب صاحبها ... فقد صدرت في عنفوان المد الشورى الحقيقي ( 19501951) واشتهرت بالإثارة الناجحة ضد الاستعماريين الأمريكي والبريطاني وأحزاب الأقلية والقصر.. فهي مثلا التي اكتشفت " العسكري الأسود " الذي استخدمه السعديون في تعذيب الإخوان المسلمين واستطاع محرر الصحيفة الأستاذ " سعد زغلول فؤاد " أن يأتي به إلى المحكمة كان السعديون ينكرون وجوده .. وهي التي أثارت ضجة عالمية عندما نشرت خبر سفينة أبحاث أمريكية تجري تجارب جرثومية على أسري الحرب الكورية ..

غير أن أبرز مواقفها هو تبنيها للكفاح الشعبي في منطقة القناة بعد إلغاء المعاهدة وقد نشرت إعلانا عن استعدادها لدفع ألف جنيه لمن يقتل" أرسكين" وأرسكين هذا هو قائد الجيش الاحتلال البريطاني في مصر وقتها .. وربما لا يفهم الجيل الجديد مغزي ذلك ولكن تخيل لو ا، جريدة عربية في الضفة الغربية تنشر عن مكافاة لمن يأتي برأس قائد جيش الاحتلال الإسرائيلي أو صحيفة جنوب لبنان المحتل والمنسي .. أو صحيفة تصدر في كابول عاصمة أفغانستان تنشر علنا إعلانا يدعو لقتل قائد جيش الغزو السوفيتي .

وقد جن جنون الانجليز وفقدوا برودهم وتقدموا بطلب رسمي أخيرا ضمن الوثائق البريطانية المفرج عنها يطلبون محاكمة أبو الخير نجيب ومعاقبته ولكن حكومة مصر " الرجعية " رفضت هذا الطلب بل احتجت على مجرد تقديمه وكان على الانجليز أن ينتظروا عامين وثورة حتي يتحقق مطلبهم ويصدر ضد أبو الخير نجيب أقسي حكم في تاريخ الصحافة المصرية .

كان أبو الخير نجيب قد كتب مقالا في العهد الملكي بعنوان : التيجان الهاوية " تحدث فيه عن مصير الملوك الذين ينحرفون ونشر المقال الذي يعرض بملك البلاد ولم يتعرض احد لكاتبه لأن مصر كان بها حرية صحافة وضمانات تحمي حرية الصحافة .. فلما جاءت الحركة المباركة كانت قيادتها من الصاغات والبكباشية ورتبتهم يرمز لها " البتاج" على أكتافهم ثم غيرت الثورة ذلك وأخلت النسر محل التاج .. وفي فترة " البلبلة" أى الانفرجة الأخيرة في مارس 1954 كتب أبو الخير نجيب يقول إنه فكر في كتابة مقال بعنوان :" النسور الهاوية "..

ألقي القبض عليه وهو يتناول طعام الغداء .. وحكوكم أمام محكمة الثورة برئاسة عبد اللطيف بغدادي الذي منعه من الدفاع عن نفسه وقاطعه بضرب متواصل بالمطرقة حتي انكسرت وطار جزء منها فاصطدم بجبهة المتهم وسال منها الدم في حضرة القضاء وحكموا عليه بالأشغال الشاقة خمسة عشر عاما بتهمة التفكير في كتابة مقال ..

ومرت الأيام ! وكبر الأطفال .. والصبي الذي تركه أبو الخير يتساءل في حيرة .. ماذا جني أبوه ليحرم منه حيا ؟... ولماذا لم يعتقله الانجليز ولا الملك .. بل..؟

المهم كبر الابن وانضم إلى منظمة الشباب وأصبح من جيل الثورة ... ووقف في أحد الاجتماعات وصاح على طريقة السلف الصالح في عهود الظلام :" متظلم يا أفندينا"..

وكان المسئول , ولا يهم شخصه فربما كان سامي شرف أو شعراوي جمعة .. فلا أحد يهتم باسم عشماوي .. ولا التاريخ يذكره بعد أن يسقط من على منصة الإعدام .. المهم كان المسئول منشرح " المزاج" فقال للفتي :" شبيك لبيك القرارات الثورية بين يديك".

وتشجع الفتي وقد فتحت له ليلة القدر .. وطلب العفو عن أبيه .. وقد كان ... وصدر أمر الإفراج ليلا في نفس اليوم.. والذين نسوه في السجن سنين لم يطيقوا أن يبيت ليلة واحدة بعد ما صدر المر ... وفتحوا باب زنزانته في الليل , وكان يطبخ طعامه على الورق , وهو من الممنوعات في الثورة .ز فبادر الضابط قائلا" رحنا التخشيبة يا بيه؟!" فرد الضابط: لا.. حتروح بيتكم !

وقال أبو الخير نجيب : أنا لا أعرف أين بيتنا !..

كانت الأسرة التي تدهور حالها قد انتقلت إلى بيت اصغر ولم يهتم هو ولا اهتم احد بتعريفه بالعنوان الجديد فلا أحد يعطي عنوانه لسكان القبور .. وهو لا يسألون ... وبدأ الحديث عن منزل المحرض على قتل جيش الاحتلال .. وكاتب " التيجان الهاوية " .. وذهب أبو الخير نجيب إلى بيته في منتصف الليل بعد غيبة تزيد على عشر سنوات ...

ذهبنا نهنئه بالإفراج .. فقال : كرامتي كإنسان لم تسحق يوم محاكمتي ولا سجني بل سحقت بالإفراج عني بهذه الطريقة .. كسروا قلبي .. بعد ما سروا قلمي ... ليست المهانة في بطش الحاكم بل في مثل هذا العفو . ولم نعلق فقد كنا في غني عن الحاكم وعفوه ..

أما حكاية مظاهرة " تسقط الحرية " فقد نشرت بعد ذلك تفاصيلها وقبل إن الرئيس عبد الناصر دفع ألفي جنيه لصاوي الذي نظم المظاهرة والذي لقبه الشعب بعد ذلك بصاو أحمد بصاو .. على وزن اللورد هاو .. أشهر خائن في تاريخ بريطانيا .. وقد دافع الرئيس بعد ذلك عن هذا بأنه سبق خالد محيي الدين الذي كان - في رأيه – سيعمل نفس الشئ لضرب الثورة .. وكان رحمه الله عليه يستشهد دائما بتلك الواقعة كلما حدثوه عن موقف الشعب أو الرأي العام فيقول : لا تحدثون عن الرأي العام أنا اشتريته بألفي جنيه ..! وبعد .. ففي الذكري الثلاثين لوفاة الحرية أقول للشباب راقبوا الله ومستقبل وطنكم في الانتخابات القادمة . جنبوا وطننا محنة أخري ..

وكان لابد من هذا الاستطراد وما يتعلق به من التعليقات لكي تتبين لنا بعض الملامح الخافية في تاريخ العصر الناصري .

وبعد مقتل الرئيس السادات نشرت مذكرات الكثيرين من رجال الثورة وكلهم يقولون إن عبد الناصر استبد بهم واعتدي على الحريات برغمهم , ولكن هذا غير صحيح . والذي نعرفه نحن أن قادة الثورة جميعا – بعد أن استتب لهم السلطان – كانوا يعتقدون أنهم دون سواهم أصحاب هذه الثورة وصناعها وقادتها وورثتها بل ورثة مصر والمتكلمون باسم مصر , وأنا شخصيا أكن احتراما عميقا لاثنين من قادة الثورة الأول وهما السيدان كمال الدين حسين وعبد اللطيف البغدادي لأنهما على جانب كبير من الثقافة وصدق الوطنية والرغبة في العمل لصالح البلد . فأما كمال الدين حسين فثقافته دينية وهو رجل صادق التقي شديد الإخلاص في عمله , وأما عبد اللطيف البغدادي فيتميز بصدق وفهم ومقدرة إدارية عظيمة وخلال السنوات الأولي للثورة استطاع أن يدخل علي مدينة القاهرة إصلاحات جوهرية غيرت صورتها فقد أصلح شوارع البلد وأرصفته وأعطاها هيئة جميلة, وقد قضي على الاثنين جمال عبد الناصر في عنف بل سجن كمال الدين الذي كان ساعده الأيمن في يوم من الأيام وقد عزله وأزال عنه كل سلطان لأنه في وقت ما وربما في أوائل الستينات كسب كمال الدين حسين شعبية كبري بسبب ما أري الناس من حزمه وحسن تصريفه للأمور أثناء رحلاته الإصلاحية في محافظات مصر وتحدث الناس من حزمه وحسن تصريفه للأمور أثناء رحلاته الإصلاحية في محافظات مصر وتحدث الناس بفضله وقدرته وتلك كانت في نظر جمال عبد الناصر جريمة تستحق العقاب فلم يسترح إلا بعد أن أقصاه من كل سلطان والأزمة بيتع عندما احتج على بعض تصرفاته أمر بسجنه فسجن .

وأما عبد اللطيف البغدادي فقد عاقبه بما أري وقدم من خدمات لوطنه , وقد حكي الرجل قصته في مذكراته المطبوعة المتداولة بين الناس وهي من أمتع ما كتبه رجال الثورة وأصدقه فليرجع إليها من يريد ولكن رجال الثورة جميعا بما فيهم هذا الفاضلان لم تكن لديهم على الجملة نظريات عقائدية أو أيديولوجية كان كل ما ليدهم حماس لم يكونوا يؤيدونه بالديمقراطية أو الحرية ومن هنا فإنهم بعد أن تمكنوا من السلطان لم يكن لديهم الاستعداد – وفي أسوأ الظروف – للسماح للشعب بأي نصيب من المشاركة في الحكم , وقد نشر السيد عبد المجيد فريد وكان في أعقاب هزيمة 1967 من أقوي شخصيات الحكم الناصري في مجلة الوادي ثم في جريدة الأهالي صفحات مما سمته هذه الجريدة أوراق عبد الناصر السرية تكشف لنا عن حقائق تفكير زعماء الثورة واتجاهاتهم بعد الهزيمة وسآتي فيما يلي بفقرات من تلك الأوراق السرية تكشف لنا عن أن جماعة الثوار لم يكونوا ثوارا ولم تكن لديهم أفكار عقائدية أو إيمان حقيقي بالمبادئ التي كانت أجهزة دعايتهم تدعيها لهم والفقرات أختارها من المجموعة الثانية من تلك الأوراق السرية وقد نشرت في جريدة الأهالي في عددها الصادر في 10/ 8/ 1983 وعنوانها مناقشات حادة بين معاوني عبد الناصر تكشف اتجاهاتهم الفكرية وقد أدخلت الجريدة تعليقات على ما ذكره السيد / عبد المجيد فريد فتركتها كما هي لما فيها من فائدة :

اعترف عبد الناصر في أول اجتماع له للجنة التنفيذية العليا للإتحاد الاشتراكي في أغسطس 1967 أي بعد مرور شهرين على النكسة بأن النظام يحتاج إلى تغييرات جذرية بعد أن كشفت الأحداث عن وجود خلل خطيرا به أدي إلى أن النظام أصبح يأكل نفسه على حد تعبير عبد الناصر ..

وقد اقترح عبد الناصر في ذلك الاجتماع أن تنشأ معارضة تتخذ قيام حزب معارض للإتحاد الاشتراكي الذي اقترح أن يتحول إلى حزب على أن تجري انتخابات جديدة لمجلس الشعب ومن يحصل عليه الأغلبية يتول الحكم .

وقد عارض جميع أعضاء اللجنة التنفيذية العليا فكرة عبد الناصر على أساس أن ظروف البلد – إلى أن تتم إزالة آثار العدوان – لا تسمح بذلك .. وتقدموا ببديل لاقتراح عبد الناصر أن تجري إصلاحات عاجلة لأجهزة الحكم ..

وقبل عبد الناصر اقتراحهم أمام معارضتهم الجماعية لاقتراحه .. وعلى أساس أن يكون الإصلاح المستهدف إصلاحا شاملا .. وطلب من زكريا محيي الدين أن يشارك في اجتماعات اللجنة بعد ذلك , الوزراء المختصون بأوجه الإصلاح المقترحة , وكان أول هذه الاجتماعات في الرابع والعشرين من ديسمبر 1967 .. وقد حضر الجلسة إضافة إلى أعضاء اللجنة التنفيذية العليا من الوزراء :د. عبد المنعم القيسوني , المهندس سيد مرعي د. عبد الوهاب البشري د. نزيه ضيف د. لبيب شقيرد. حسن عباس زكي وكمال رفعت وعبد المحسن أبو النور المشرف على جهاز الإتحاد الاشتراكي في تلك الفترة .

عرض عبد الناصر على المجتمعين الهدف من اللقاء الذي يتم بهذه الصورة السياسية لأول مرة لأهمية وعمق الموضوعات التي ستناقش إجراء إصلاح شامل لأجهزة الحكم واستمرت تلك الجلسة أكثر من خمس ساعات ولكن .. ولم يتحدث فيها أحد من الوزراء ... رغم محاولات عبد الناصر لإثارتهم للاشتراك في الحوار ... ووصل إلى حد الاستفزاز المقصود بدون جدوي ... وقد ركز عبد الناصر حديثه حول موضوع أساسي وهو " آمال الناس" والقدر الممكن تحقيقه منها .. كما أكد على ضرورة العمل الشاق من خلال الإصلاح – كما قال – للقيام بثورة جديدة أو الإقدام على أي عمل جنوني – حسب تعبيره – من أجل أن يوفر الأمل للناس .. هؤلاء الذين منحوه ثقتهم المطلقة يومي 9, 10 يونيو .. رغم أن النظام بأكمله كان قد سقط على الأرض بعد الهزيمة العسكرية.

أصر عبد الناصر على أن يشترك الوزراء في اللقاء وأن يتحدثوا بصراحة وبلا حرج عن عيوب الحكم وسببها , لهذا طلب استمرار الحوار في جلسة ثانية وثالثة ورابعة إلى أن تتحدد تماما أوجه الخلل وتوضع خطة الإصلاح المنشود .

كانت الجلسة الثانية بعد يومين من اللقاء الأول , وقد بدأت في السابعة مساء يوم الثلاثاء 26 ديسمبر وافتتحها عبد الناصر موجها حديثه إلى الوزراء .. " ألا يكفي صمتكم بالجلسة الماضية؟" أود أن أسمع ألان آراءكم ومقترحاتكم بشرط أن تكونوا صرحاء وهنا تكلم الوزراء الواحد بعد الآخر .

كان أول المتحدثين الوزير محمود يونس قال :

- إن الإصلاح المطلوب للنظام يجب أن يشمل كافة المجالات وأعتقد أننا نحتاج إلى عدة اجتماعات لأن الملاحظات متنوعة ... أولها ..فائض العمال الموجودة لدي بعض المؤسسات والوزارات ولابد من حل لاستخدام هذا الفائض استخداما مثمرا ثم موضوع آخر يسبب إزعاجا في المصانع والشركات وهو تدخل الجماعات القيادية للإتحاد الاشتراكي في أعمال الإدارة والموضوعات الفنية .

[ كانت الجماعات القيادية للإتحاد الاشتراكي تعتبر بمثابة الجان لتنظيم السياسي الموسعة على المستوي القاعدي وكانت تضم القيادات السياسية والقيادات التنفيذية على ذلك المستوي ..]

إن أعضاء هذه الجماعات ليسوا على المستوي الإداري والفني المناسب للقيام بمثل هذا الدور وحتي في وزارتي تثير قيادات الإتحاد الاشتراكي المحلية تساؤلات قد لا يكون من المناسب أن أرد عليها .. ولو استمر هذا الوضع ستزداد الأجهزة التي تسألني كوزير أجهزة الإتحاد الاشتراكي وأجهزة الأمن وأجهزة الرقابة الإدارية .. بحيث تعوق عملي وعمل أي وزير في متابعة أعماله الأساسية .

عبد الناصر : كلام غريب من محمود يونس .. هل بعد 11 سنة من ممارستك لوظائف قيادية عليا لا تعرف أنت مسئول أمام من؟ وغير مسئول أمام من ؟ يا محمود يونس أنت مسئول عن واجباتك أمامي وكذلك مسئول عن واجباتك حسب نص الدستور أمام مجلس الأمة .. ولكلمة ( الأجهزة) التي رددتها تعبير غير مصري .. أما عن نقد وتدخلات قيادات الإتحاد الاشتراكي فأنتم كوزراء نسيتم أنكم سياسيون قبل أن تكونوا وزراء .. ولو كنتم في قيادات الإتحاد الاشتراكي معاملة أخري ..

يقال أحيانا إن الوزراء قيادات فنية وغير سياسية .. كلام غير سليم .. نحن الآن نمر بمرحلة انتقالية في بناء الدولة وبناء تنظيمنا السياسي ويجب أن يعين الزير من بين قيادات الإتحاد الاشتراكي وعن طريقه ..

أنا حائر معكم.. !! تقولون لابد من الديمقراطية ومش عايزين حد من العاملين عندكم يتكلم .. وتقولون عايزين الديمقراطية ومش عايزين حد ينتقد أو يشارك العمل ... كيف أوفق بين هذه الرغبات المتضاربة ؟ من رأيي أن تكونوا مسئولين أيضا عن نجاح السياسي في وزارتكم . والوضع السياسي بالنسبة لى أفضل كلما توسعنا في الديمقراطية لأني سأكون في مركز أوسع حتي ولو تضايق الآخرون .

الآن والناس صوتها اعلي من زمان وقدرتها على نقد النظام تضاعفت .. فإذا منعت الجماعات القيادية للإتحاد الاشتراكي أن تنتقد أو أن تتبني مطالب الناس ماذا سيحدث ؟ سيحدث أن يخرج تنظيم شيوعي ا, تنظيم إخواني ويتبني نفس الملاحظات التي لم تقبلوها من قيادات الإتحاد الاشتراكي .

في وقت ما منعنا عمل تنظيمات سياسية داخل الجامعات .. بعد ذلك ظهر مباشرة نشاط سياسي آخر داخل الجامعات .. أحزاب تحت الأرض ! شيوعية .. وإخوان اليوم وصلني تقرير من باريس يقول إ هناك تحالفا بين الشيوعيين المسلمين والإخوان المسلمين تحت إسم ( الحزب الاشتراكي الإسلامي ) ويطالب الحزب الجديد بالاستيلاء على الحكم سواء بالقوة أو بالمنطق ..

عبد الناصر: لا أعتقد أن الحلف الذي أشار إليه التقرير المذكور كان قائما أعود إلى موضوع الجماعات القيادية .. يجوز أن بعضهم أخطأ .. علينا أن نصحح وندربهم تدريبا سياسيا... ولكن لا يجوز أن نمنع الناس بتوعنا من أن يتكلموا ..

محمود يونس :.... ولكنهم سيتكلمون في موضوعات فنية ..!

عبد الناصر : يا أخي اتركهم يتكلموا .. وبعد ذلك قل لهم إن الموضوعات التي أثيرت موضوعات فنية واشرحها لهم .. وهؤلاء الناس بتوعنا وإحنا مسئولين عنهم توعيتهم .. نستفيد بتجربة الروس

أنور السادات : أعود للموضوع الأصلي .. بعد النكسة في شهر يونيو خرج الناس في الشارع وقالوا رأيهم ... أن يبني جمال عبد الناصر النظام من أول وجديد , الجانب العسكري والسياسي وفعلا بدأت الناس تشعر ببدء عملية البناء العسكري التي يقوم عبد الناصر شخصيا بكل جدية وهم يطلبون الآن بدء عملية البناء السياسي أيضا مثل العسكري , ولكن في الحقيقة البناء السياسي يختلف عن البناء العسكري وفي غاية الصعوبة لأنه بناء ضخمن ومتنوع يحوي كل فروع النظام فهو يشمل الحكومة ومجلس الأمة والمؤسسات والإتحاد الاشتراكي وأجهزة الإعلام , كما أن الإصلاح الاقتصادي الذي نبحثه الآن جزء من هذا البناء وقد سبق أن واجهت دول أخري مثل ظروفنا تمكنت من إعادة البناء وعلينا أن نستفيد من تجربتها ومن دروس التاريخ ... فمثلا روسيا واجهت هزيمة كبري أمام الألمان في الحرب العالمية الثانية ولكنهم بعد ذلك وقفوا على رجلهم وأعادوا البناء إعادة كاملة .. نشوف ماذا عملوا .. ولو أني شخصيا لا أعرف كيف قاموا بهذا العمل الضخم ...

عبد الناصر : أقول لك يا أنور ماذا عملوا ؟ كانوا يجتمعون ويستمعون للدراسات والاقتراحات ويضعون قراراته على أساسها ولكن عندما تفشل تلك القرارات يحاكمون صاحبها ... فمثلا يقترح عليه واحد زي الدكتور القيسوني اتخاذ إجراءات اقتصادية معينة ويقول إنها لن تؤثر على زيادة التنمية ... فيوافقون على رأيه وينتظرون آخر السنة زيادة التنمية إن لم تزد التنمية فعلا بالقدر المطلوب .. شنقوه .. وأظنك قرأت أن ستالين في ذلك الوقت شنق حوالي 1500 واحد من أعضاء المؤتمر ومجلس الوزراء ومجلس السوفييت .. إيه رأيك يا أنور ( ضاحكا ) ؟:

الناشر : سمع عبد الناصر كثيرا عن فترة حكم ستالين وخاصة الممارسات الإرهابية ..

- أنور السادات المهم عند الناس هو أنها تلمس الإصلاح بنفسها .. علما بأنها مستعدة لأن تتحمل أكثر مما تعاني الآن ولكن بشرط ... أن يشوفوا " القدوة" من فوق لا أتخيل أن السيد الرئيس نحمله وحده إصلاح الجهاز السياسي كما حدث بالنسبة للإصلاح العسكري , يجب ألا نتهرب وعلينا أن نشيل ... المعركة اليوم حياة أو موت ,..... وإذا كن عايزين نأخذ إجراءات تسبب حرمانا للشعب .. مافيش مانع ولكن بشرط أن نعيش كلنا ظروف الحرمان ..

الدكتور القيسوني : أنا اشتركت في الوزارة لأول مرة عام 1954 وكان على أساس مبدأ التوسع الاقتصادي ومازلت مؤمنا بذلك المبدأ وملتزما به ولكن سبب المشكلة الاقتصادية الآن هو ما حدث من عام 1959 حتي الآن وذلك بسبب ما يلي :-

أولا : غننا حاولنا أن نعمل حاجات أكثر من طاقتنا , كما ارتفعت ميزانية القوات المسلحة من 68 مليون جنيه إلى 270 مليون جنيه فى الخطة الأولي بينما كانت الخطة مبنية على زيادة الخدمات العامة بمقدار 8 % فقط.. لهذا حدث خلل في التوازن الاقتصادي ..

ثانيا : توسعنا أيضا في خدمات العامة مثل المدارس والمستشفيات بأكثر مما كان مقدرا لها كذلك توسعنا كثيرا في تشغيل العمال : وبسبب هذا التوسع حدثت زيادة في أرقام الاستهلاك وبالتالي نشأ العجز في ميزان المدفوعات كما حدث نقص في المدخرات عن الأرقام التي كانت محددة بالخطة بحيث لم تزد عن 12 % بينما قدرناها بـ 20% وبالتالي زاد اعتمادنا على الخارج لتمويل مشروعاتنا .

ثالثا: زاد إنتاجنا فعلا في الخطة الأولي للتنمية ( من 61 إلى 1965) من 35 إلى 40% عن سنة الأساس وقد أثارت هذه الزيادة إعجاب جميع الاقتصاديين في العالم ولكن لو كنا زدنا اهتمامنا بالكفاية الإنتاجية أيضا لكنا حصلنا على زيادة في الإنتاج دون زيادة كبيرة في الميزانية المخصصة للاستثمار .

رابعا: عن قضية فلسطين .. لماذا نتحمل بمفردنا تكاليف الدفاع عن هذه القضية العربية .. مطلوب الآن في الميزانية تشكيل ثلاث فرق عسكرية إضافية وهذه تتكلف مصاريف إنشائية 66 مليون جنيه ومصاريف من 8 إلى 10 ملايين جنيه .

عبد الناصر : أنت عايز مساهمة من دول البترول العربية .. يجب ألا تنسي أن المساهمة الاقتصادية التي قدمتها تلك الدول في مؤتمر الخرطوم لم تكن لمساعدتنا بقدر ما كانت من أجل أن يتحللوا من التهديد بإعلان قطع البترول الذي كان مثارا في ذلك الوقت .

الدكتور القيسوني : إني أتحدث عن الوضع بعد إزالة العدوان .. يجب أن تشترك معنا الدول جميعها في الالتزامات المالية التي تحتجها قضية فلسطين ..

نقطة أخري عن الوضع العربي ... لماذا لا ينشأ نظام اقتصادي عربي مشترك كما هو موجود بين دول أوربا الغربية وبين الكتلة الشرقية بغض النظر عن الاختلافات السياسية والاجتماعية الموجودة حاليا بين الدول العربية ز. إن ما هو موجود حاليا من مشروعات عربية مشتركة حبر على ورق .. ولم يظهر منها عمليا أي مشروع كامل .. إصلاح القطاع العام .. لا هدمه

عبد الناصر : ( موجها كلامه للدكتور القيسوني ) أحب أعلق على المذكرة الاقتصادية التي قدمها أخيرا الدكتور القيسوني .. عايزنا نتخذ إجراءات اقتصادية جديدة علما بأنه سبق أن اقترح زكريا محي الدين منذ ثلاثة شهور فقط اتخاذ إجراءات أخري أى أن كل ثلاثة أشهر نتخذ إجراءات معينة .. غير معقول ولا أوافق على هذا الأسلوب من الحكم .. إذا كنتم عايزين تحملوا الناس زيادة جديدة في ألسعار وفي نفس الوقت تقترحون تثبيت أو خفض الأجور ماذا ستعطون للناس في مقابل ذلك ؟ وماذا بقي لهم من الأمل في الحياة .. لو اتخذنا إجراءات اقتصادية ولم نعط الناس شيئا يبقي هذا خطأ كبير ويبقي وجودنا في الحكم لا داعي له وتصورنا للمستقبل عطاه الصدأ . في هذه الحالة يصبح من الأنفع أن يأتي للحكم أناس آخرون أفضل منا في تصورهم للمستقبل وفي قدرتهم على حل المشاكل ..

أحب أن أوضح لكم حاجة عن أسلوب تفكيري قبل إصداري القرار .. الجلسات هنا تسجل تسجيلا كاملا .. بالإضافة إلى ما يسجله عبد المجيد فريد كتابة . بعدها أعيد الاستماع إلى ما قيل بالجلسات وإلى ما أثير من موضوعات واتخذ القرار على ضوء المناقشات .. أنا لا أدخل الجلسات وفي ذهني رأي محدد ومسبق .. مثلا كيف نقرر إقامة مصانع جديدة في الخطة القادمة ونحن غير قادرين على استغلال مصانعنا الحالية بكل طاقاتها .. علمت من زكريا أخيرا أن هناك معدات ثلاثة مصانع مازالت موجودة في صناديقها منذ فترة غير قصيرة ولو أن عزيز صدقي يقول إنها 26 مصنعا وليس ثلاثة مصانع فقط... موضوع آخر علينا ان نجد له حلا ..التزامنا السياسي بتشغيل الناس .. وإذا قلتم لى غير ممكن .. يبقي ما فائدتنا وما فائدة وجودنا في الحكم .. هل من أجل أن نمارس سلطة على الناس فقط ؟

مفروض أننا سياسيون وأن كل تصرفاتنا يحكمها الإطار السياسي .. مثلا ما حدث في وزارة العمال التي تحكم بريطانيا في الوقت الحاضر .ز صحيح اتخذت إجراءات اقتصادية في الفترة الأخيرة وخفضت سعر الإسترليني مرتين متتاليتين ولكن بحسابات سياسية دقيقة هي انه باق على فترة حكمها وإجراء الانتخابات الجديد ثلاث سنوات وأن الإجراءات الاقتصادية الأخيرة وتخفيض الإسترليني الحالي سيؤثر بنتائج اقتصادية إيجابية للشعب البريطاني قبل نهاية السنوات الثلاث .. هذا تحرك اقتصادي سياسي محسوب .

أشار البعض في مقترحاته إلى تحرير وحدات القطاع العام .. أنتم الوزراء المشرفون هل مؤسسات القطاع العام وأنتم القادرون على التحرير المطلوب أو أن نغير النظام كله إلى نظام مماثل للمؤسسة الاقتصادية العام لكي ندمره فهو أمر غير مقبول سياسيا .. وزي ما بيقول صلاح جاهين في رسم له بالأهرام .. الواحد لما جلا بيته تتوسخ يغلسها .. مش يحرقها ..؟

زكريا محيي الدين : السيد الرئيس أثار الآن عدة موضوعات هامة يجب أن نبحثها تفصيلا .. وأن تكون إطار عملنا وتفكيرنا .. وفيد تقديري أن أي خلل في التوازن الاقتصادي له اثر كبير على التوازن السياسي .. وفي رأي بالنسبة لإعادة النظر في الإطار التنظيمي لمؤسسات ووحدات القطاع العام علينا أن نتجنب في النظام الجديد تسلسل المسئوليات المعمول بها في الأجهزة الحكومية وإلا ستسمر التعقيدات وتزداد الوحدات تدهورا ..ولها أري أن يكتفي الوزراء بمسئولية المتابعة المستمرة دون التدخل التفصيلي في مسئوليات الوحدات .

عبد الناصر : اقترح أيضا أن ندرس التجربة اليوغوسلافية في الإصلاح الاقتصادي الشامل التي قامت هناك أخيرا كما أرجو أن لا تقتصر خطة الإصلاح على جوانب معينة بل يجب أن تكون شاملة .

- عزيز صدقي : الوضع الحالي يعتبر وضعا مؤقتا ولهذا يجب ألا نحيد عن مبادئنا في التنمية في الخطة الخمسية الأولي , والعائد من السد العالي ومن حقول البترول الجديدة .. سيزيد من قدراتنا علي الانطلاق في الخطة القادمة .

- من رأيي أن مذكرة الدكتور القيسوني أخذت جانبا واضحا من التحفظ , ولابد من معالجة الموقف الاقتصادية الحالي بحيث ننطلق ونستخدم كافة الإمكانيات المتوفرة لدنيا مثل تشغيل مشروعاتنا الحالية بأقصى قدرة إنتاجية استخدم القروض المتاحة لنا من دول الكتلة الشرقية والتوسع في المشروعات المشتركة ..

- لبيب شقير : العامل البشري عامل أساسي لنجاح أو فشل وحدات القطاع العام وقد لوحظ أن وجود شخص سياسي على قمة الوحدة الإنتاجية يسهل العمل كثيرا ويزيد الإنتاج ويصبح التفاهم مع القاعدة العمالية أمرا يسيرا بعكس الحالات التي بها قيادات فنية فقط فبالرغم من مستواها الفني العالي فإنها فاشلة في إدارة الوحدة وفي تحريك وفي تحريك العاملين بأقصى جهد لهم وبالتالي يتأثر الإنتاج بنقطة أخري يجب أن لا ننساها وهي التأثير النفسي الذي يتعرض له القطاع العام .. إذا ما استمرت حملات النقد عليه .

- أما عن التوسع في الاستثمارات الأجنبية , الذي يدعو إليه الدكتور القيسوني فإني أعارض رأيه في هذا الموضوع... لأن احتمالات مساهمة الاستثمارات الأجنبية الغربية في دولة تطبق النظام الاشتراكي أمر مشكوك فيه إلى حد كبير واستمرت اقتراحات الوزراء ومناقشتها واستمر تشجيع عبد الناصر لهم ليشتركوا في تصور المستقبل بكل صراحة ووضوح .. حتي اقتربت عقارب الساعة من الواحدة صباحا ولم ينته الحوار .. فأجلت الجلسة إلى اليوم التالي 27 ديسمبر ..

- الجلسة الثالثة ديسمبر 1967

- بدأت الجلسة الثالثة لبحث الإصلاح المطلوب للنظام مساء اليوم التالي للجلية السابقة أي يوم الأربعاء 27 ديسمبر 1967 في نفس القاعة بالدور الثالث عشر بمبني الإتحاد الاشتراكي على كورنيش النيل وحضر الاجتماع نفس الحاضرين أى أعضاء اللجنة التنفيذية العليا والوزراء التسعة ..

- اشترك الوزراء في الحوار والتعرض لعيوب النظام في الجلسة الثانية بعد صمت طويل منهم في الجلسة الأولي شجعهم عبد الناصر في الجلسة الأخيرة ليقولوا ما في قلوبهم وما يرددونه في جلساتهم الخاصة ونما هذا الإحساس بينهم واستعد كل منهم ليدلي بالمزيد في الجلسة الثالثة.. بدأت الجلسة .. وبدأت الزهور تتفتح .. وتعبر عن شكلها ولونها ... وكان أولها الدكتور سيد مرعي .

قطاع جديد مشترك

سيد مرعي : أعرف دائما أن كل نظام يعتمد على حزب ما يتولي مسئولية الربط السياسي بين القاعدة الجماهيرية والقيادة وكان المفروض أن يكون الإتحاد الاشتراكي ومجلس الأمة هما حلقة الربط بين مجموع الشعب والقيادة السياسية , ولكن في رأيي أن هناك سلبية واضحة بين القاعدة والاتحاد الاشتراكي ومجلس الأمة الحالي , كذلك هناك ثغرات وخلافات واضحة بين مجلس الأمة , والتنظيم السياسي والإتحاد الاشتراكي بحيث أعطوا الفرصة للآخرين من اليسار المتطرف واليمين ليستغلوا الموقف والخلافات لصالحهما لذلك يجب التحرك العاجل من أجل الربط بين هاتين المؤسستين السياسيتين , ومن أجل تحديد واضح لهما والمسئوليات الإتحاد الاشتراكي وخاصة أن صور الصراع ستزداد عنفا ووضوحا بعد تشكيل اللجنة المركزية .

أما بالنسبة للوضع الاقتصادي ومظاهر التضخم المشار إليها في المذكرة الاقتصادية المقدمة فإن رأيي:-

أولا : بالنسبة لقطاع الزراعة : أري ضرورة تغيير طبيعة الاستغلال الزراعي التي اتبعناها منذ الثورة حتي الآن حيث لا أتصور أن تقوم بتوزيع وتفتيت الأراضي الجديد التي تم إصلاحها على ملكيات صغيرة وأقترح أن تشكل لها شركات زراعية مع إعطاء أهمية كبري للتصنيع الزراعي .. إن تحويل الاستزراع إلى نوع من التصنيع تكاليف باهظة .

ثانيا : ما زالت عملية استثمار مياه السد العالي وكهربائية عاجزة وغير مستغلة استغلال كافيا ولابد من التوسع فيها.

ثالثا : لا أعتقد أن صورة شركات القطاع العام مظلمة كما عبر عنها بعض الزملاء ولكن المشكلة أن بعض شركاته في الوقت الحاضر تنقصها بعض الإمكانيات وكذلك لا أتوقع أي تجارب من تشجيع وتنشيط القطاع الخاص في إطار ما أثير بشأنه في الجلسات السابقة .. ولذلك أقترح أن ينشأ قطاع جديد بين القطاع العام والقطاع الخاص سمي ( القطاع المشترك ) وتمشي هذا الإجراء إلى حد مع ما حدث من تطوير اقتصادي في النظام اليوغوسلافي وكذلك مع ما تم من تطوير جديد في النظام الزراعي ببولندا.. وللمزيد ن التوضيح الاقتراحي .. فإني أقصد بالقطاع المشترك ذلك القطاع الذي يشارك فيه رأسمال الحكومة ورأسمال القطاع الخاص أو هيئة مشاريع مشتركة أما عن " أمل الناس" الذي أشار إليه الرئيس في حديثه بالجلسة السابقة فإني شخصيا أتصور أن بعض هذه الآمال فيما يختص بالفلاحين تتلخص فيما يلي :-

أولا : مشاركة الفلاحين في الاستزراع .

ثانيا : تحقيق أمل كل فلاح في امتلاك أرض زراعية.

ختاما الاقتراحاتي , أود أن أعود إلى " القطاع المشترك " الذي سبق أن أشرت إليه من حيث التطبيق العملي في الصناعة مثلا لا نقوم بتطبيقه على مصانع المحلة الكبرى أو مصانع كفر الدوار , ولكن يمكن تطبيقه على المصانع الجديدة مثل مصنع شبين الكوم ومصنع ميت غمر , كذلك يمكن تطبيقه على مشروعات السياحة وما يمثلها من مشروعات .. إن خلق مثل هذا القطاع سيخلق التنافس , وكذلك الحافز المستمر الذي ننشده جميعا من أجل إصلاح اقتصادنا ..كيف نقيمه

عبد الناصر : لدي بعض التساؤلات عن القطاع الجديد الذي يقترحه سيد مرعي . أنا أفهم أ،ه يمكن في هذا القطاع لعدد من الناس أن يقيموا مشروعا على أن تكون الملكية ليست فردية وإنما للعمال وأن تكون الإدارة في هذه الحالة " إدارة ذاتية" إن رأسمالية الدولة التي نسير عليها في الوقت الحاضر هي أول مرحلة من مراحل الإشتراكية وعندما يحدث في هذه المرحلة أن تعجز الدولة عن القيام بمتابعة المشاريع والوحدات الإنتاجية عليها في هذه الحالة أن تطور أساليب المتابعة إلى أساليب أكثر فعالية وأكثر نجاحا , أما أن ننتقل ألان مرحلة " الإدارة الذاتية" فهذا يحتاج منا إلى تفكير عميق .. إن أعتقد أن الهدف النهائي من تطبيق الشيوعية أن تختفي سلطة الحكومة وتحل محلها ( الإدارة الذاتية) سواء في القرية أو المصنع وفي كافة المشاريع والأنشطة .. فهل وصلنا الآن إلى مرحلة التطبيق الاشتراكي بحيث يمكننا تطبيق الإدارة الذاتية ..؟ بينما نشكو على جميع المستويات من تدخل العمال في أعمال الإشراف والإدارة هل نحن مستعدون لإعطاء العمال حق الإدارة الذاتية...؟

سيد مرعي : في تصوري أننا نبدأ بالنظام التعاوني وبداهة لا يمكننا أن نقفز في الوقت الحاضر إلى مرحلة ( الإدارة الذاتية) كما في الدول الصديقة .. مثل التطوير الذي جري في القطاع الزراعي اليوغسلافي والتطوير الذي شمل مزارع بولندا , وحتي التطوير الذي طبق في الاتحاد السوفيتي .

علينا أن نعمل على أن تكون الحوافز مستمرة لكي تغطي آمال الناس المستمرة ولو أصبحت الحوافز محدودة فلن تحقق الهدف المطلوب منها إن السلبية التي نعاني منها في الوقت الحاضر هي سلبية العمال والفلاحين ولهذا أري أن الحل الوحيد لمواجهة هذه السلبية هو مواجهتها المستمرة .. كما أكرر بالنسبة للقطاع الزراعي أهمية التوسع في التصنيع الزراعي لأنه تصنيع لا يخيب أبدا ولا سيما أننا أهملناه كثيرا بحيث لم نتحرك فيه إيجابيا باستثناء تصنيع قصب السكر .

- عبد الناصر : آسف لأني لم أفهم كثيرا ما يقصده سيد مرعي عن " القطاع المشترك " وخاصة بالنسبة لنفاصيله من حيث التطبيق وأعتقد أننا لن نغير نظامنا من حيث الزراعة أو من حيث القطاع العام , لأني أعتقد أن التطبيق العملي لكليهما لم يأخذ الوقت الكافي لكي نعلن حكمنا ... بالنجاح أو الفشل ولكن ممكن أن نقوم الآن بعمليات إصلاح أو تحسين لهما أما التغيير الشامل لهذين القطاعين فمن الممكن التفكير فيه على ضوء دراسة نظرية وعملية عام 1970 وحينئذ يمكن تغييره إن لزم الأمر , أما بالنسبة لقطاع الحرفيين والتعاونيين فمن الأسهل والأكسب أن نتركهم الآن على أساس أنهم قطاع خاص بشرط أن نسعي لنقدم لهم التيسيرات الممكنة.

- عزيز صدقي: أعتقد أن الأنسب لنا فيما يخص " القطاع المشترك" في الوقت الحاضر هو " التعاونيات" وخاصة لو يسرنا لها التسهيلات اللازمة للإنتاج ويعتبر مشروع التعاونيات للصناعات الموجودة بالهند مثالا ناجحا وصالحا للأخذ به في مجتمعنا أما عن " القطاع المشترك" فلنا تجربة أود أن أذكرها لسيد مرعي وهي تجربة مصنع ( سورناجا) للخزف والصني فقد سمحنا للعمال بشراء أسهم تمليك , ولكن بعد فترة تبين لنا أن أغلبهم باعوا أنصبتهم من الأسهم لغير العاملين وتدهور إنتاج المصنع , وبعد أن استلم القطاع العام المصنع زاد زيادة ملحوظة وتوسع أفقيا ورأسيا وأصبح من المشاريع الناجحة أما عن انتعاش القطاع الخاص فأنا لست مع سيد مرعي في أنه لا يتوقع أن يكون تجاوبه إيجابي, لأننا لو يسرنا له بعض الإمكانيات وسمحناه له بالدخول في المناقصات الحكومية .. فيستحرك كثيرا .

- أما عن مستوي الإنتاج بمصانع القطاع العام فالسبب يرجع إلى أننا حولنا العمال إلى موظفي حكومة تقليديين لهذا يجب أن نعمل فورا على تحرير عمال المصانع من القيود المالية واللوائح الحكومية من أجل أن ينطلقوا في الإنتاج فمثلا ليس من المعقول أن نمتنع عن زيادة أجر العامل وإعطائه حافزا مستمرا .. لأنه وصل إلى الحد الأعلى المربوط درجته .. سبب غير منطقي . أما عن الأمثلة التي قيلت عن زيادة الإنتاج عن طريق مجالس الإنتاج أو العمل الاشتراكي فقط , فإني أري أن نقيم هذه الأمثلة تقييما دقيقا لأني أعتقد أن نجاحها كان مظهريا فقط , كذلك عن الأمثلة التي قيلت عن استخدام العوادم ببعض المصانع . فإني أعتقد أنه كان نجاحا مظهريا أيضا .

- الناشر : يقصد الدكتور عزيز صدقي بهذا الحديث بعض التجارب العملية لزيادة الإنتاج بمصانع منطقتي حلوان والقليوبية نتيجة لعمل مكثف قامت به قيادات وأعضاء منظمة الشباب التابعة للإتحاد الاشتراكي في تلك المناطق , وكذلك تجارب أخري قامت بها منظمة الشباب بالتعاون مع الجماعات القيادية للإتحاد الاشتراكي في مصانع بمنطقتي شمال وجنوب القاهرة لاستخدام العوادم استخداما مفيدا ومنتجا , وقد كانت نتائج هذه التجارب الأولية ناجحة في ذلك الوقت , ولكن كان من البديهي وفي إطار الصراع الذي كان موجودا بين الجهاز السياسي والجهاز التنفيذي ألا يستقبلها رجال الإدارة بتلك المصانع وكذا بوزارة الصناعة استقبالا حسنا لأنها جاءت عن طريق شباب وقيادات التنظيم السياسي وليس عن طريقهم التقليدي.

- لبيب شقير : رأيي أن معالجة القطاع الخاص تختلف حسب نوعه , ولكن أسلوبه في المعالجة ... في القطاع الزراع أري أن التعاونيات ..

- ونكتفي بهذا القدر من تلك " الأوراق السرية " فكلها تجري على هذه الوتيرة : ناس يتكلمون دون أن تكون لديهم خططا أو مناهج وآراء تلقي على المائدة لتتلاشي بعد حين ويطول المجلس أو يقصر ولكن النتيجة قليلة جدا وذلك هو المنتظر فقد كانت أمام رجال الثورة فرص ذهبية للعمل فأضاعوها , وكان لديهم في هذا البلد ملكات يعتد بها فقضوا عليها أو احتقروها وربما عاقبوا أصحابها .

- وهم عندما تولوا أمر هذه الأمة كانت خزانتها عامرة بالمال وكان إطار الشرعية القانونية قائما يصون المجتمع ن التدهور إذا صرفنا النظر عن وزراء عصر ما قبل الثورة وكان فيهم رجال كثيرون أهل علم وفضل وخبرة ولكن فرص العمل أمامهم كانت قليلة جدا بسبب قصر أعمار الوزارات فما تكاد الوزارة تتألف ولا يكاد الوزراء يستقرون في نكاتبهم حتي تبدأ المناورات والقلاقل لأن لعبة تنقيل الحكم بين رجال الأقلية الذين لا يؤيدهم الشعب جعلت أى لون من ألوان الاستقرار الحقيقي مستحيلا وكان ذلك قطعا في ذهن ممثلي السلطان والانجليز الذين كانوا يسمون سفراء وهم في الواقع حكام بأمرهم ورجل مثل السير مايلز لامبسون عمل في مصر سنة فألفت وسقطت فيها وزارة ومثل هذا لا يمكن إلا أن مقصودا والغرض منه ألا يستطيع هذا البلد بناء شئ خاصة وأن الملك فؤاد كان قد وضع قواعد للحكم شريرة لا يعود منها على الوطن خير , فهو نفسه كان رجلا قليل العلم و ولم يكن يجيد لغة واحدة , لا العربية ولا التركية أو الفرنسية أو الإيطالية وكان يحكم مصر دون أي انتساب قلبي إليها , وكل همه موجه إلى التمتع بلقب الملكية الذي حصل عليه نتيجة لتضحيات هذا الشعب , والظهور بأبهة كاذبة وتوجيه رجال خاصته الملكية إلى الاستكثار من لعقارات والأموال ,ومحاولة الظهور أمام الأوربيين بانه الرجل المتحضر الوحيد في ذلك البلد " ألتعيس من أصحاب الجلالبيب الزرقاء " كما كان يحلو له أن يقول في أحاديثه مع من كان يلقاهم من الأجانب .

- ومن ناحية أخري فقد كان ممثلو بريطانيا في مصر من مستوي إنساني وثقافي وحضاري حقيقي و وبما كان أجدرهم بالاحترام السر إيفلين بيرنج ( لورد كرومر) فقد كان هذا على الأقل رجلا استعماريا يدير المستعمرة المصرية لحساب بلاده ويراوغ الدول ويمنح رعاياها ما يري من المنح ولامتيازات من أموال مصر حيت تسكت عن منافسة بريطانيا ولكنه كان يدير " المزرعة المصرية ط فتزداد المحاصيل دون أن يعطي الفلاحين إلا ما نقيم الأود , وهم مثل سوائم المزرعة يعطف صاحبها عليها ويطعمها وإذا هو فعل , فلكي يحلبها أو يذبحها في النهاية ومن هذه الناحية استطاع كرومر أن ينشئ مشروعات ري وطرق وضبط الإدارة وشئون المال وقد تمكن ممن تلاقي الكوارث المالية وسداد أقساط الديون بل استوفي سداد بعضها واختار وظفين أكفاء من الانجليز وغيرهم من الأوربيين لإدارة السكك الحديدية والجمارك وشئون الري والوزراء في نظره كانوا أختاما توضع على ما يصدره هو من قرارا وأوامر حتي الخديوي كان في نظره مجرد موظف في الحكومة البريطانية والخديويان اللذان عمل معهما وهما توفيق وعباس حلمي كان يعترفان بذلك ويتصرفان على هذا النحو وواحد منهما وهو توفيق – كان في نظره غبيا لا يفهم شيئا والثاني – وهو عباس حلمي – كان يراه غلاما غرا ورجلا لصا , وكان يواجهه بهذه الحقيقة دون اكتراث وعباس حلمي كان يعرف أنه لص ولا يستحي من سرقة أموال الحكومة وأراضيها دون حياء ولكي يحد كرومر من سرقاته أنشأ وزارة الأوقاف واشترط أن يكون وزيرها رجلا مسئولا عنها أمامه في مجلس الوزراء .

- وبعد كرومر يجئ الدون جورست وهو رجل حقير أراد أن يوقع البلاد في مأساة النزاع الطائفي ثم جاء بعده كيتشنر وكان عسكريا بريطانيا متكبرا متجبرا لا يكاد ينظر في وجوه الناس وخلفه النبي جاء في أعقاب كرومر واكتفي من الدنيا بنصره الرخيص على الأتراك بمعاونة العرب ولقب لورد أوف مجرد الذي حصل عليه وبعد ذلك جاء جورج لويد وهو ارستقراطي بريطاني زائف سطحي مغرور ومخرب ومن المؤسف أن رجالات مصر في أيامه سمحوا له بأن يلعب بهم لعبا في مقابل إعطائهم الوزارات ورئاسة الوزراء ثم طردهم منها وخلفه فيفيل هندسون وكان دبلوماسيا تقليديا حول غلى استعماري ثار على طريقة اللعب بالوزارات ورؤسائها ثم أتي السير مايلز لامبسون الذي أصبح فيما بعد اللورد كيلرن وهو رجل سوقي لا يستحي وبالإضافة إلى ذلك فقد كان يتصرف في غباء وتصرفه في إسناد الوزارة إلى مصطفى النحاس في 4 فبراير تصرف سخيف كان يمكن تلافيه بإمهال النحاس باشا لإجراء انتخابات تتم في أسبوع وتتولي الوزارة تولية قانونية شكلا ولم يكن هناك أي معني لهذه المظاهرة العسكرية والذهاب بالدبابات إلى قصر عابدين لإرهاب صبي كان لا ينقصه رعب , ولكنه بهذا التصرف أعطانا فرصة لنزنه بوزنه الحقيقي وقد أساء إلى كل السياسيين المصريين – وفي مقدمتهم مصطفى النحاس وعاونه في ذلك رجال من أمثال أحمد محمد حسنين وأمين عثمان وغيرهم ممن لا يتسع المقام هنا لذكرهم .

- ورغم هذه الخلخلة السياسية المستمرة كانت البلاد عامرة بالرجال وإذا كان الوزراء متغيرين فقد كان هناك وكلاء وزارت ومديرون محترمون استطاعوا أن يسيروا بالأمور سيرا طبيعيا والإدارة المصرية في عصر ما قبل الثورة لم يدخلها خلل كثير وإن كانت تشكو من جمود كثيرا جدا .

- ولكن البلد على الجملة كانت بخير ك كانت الأسعار مستقرة والأرزاق متوفر والفقراء المعدمون كانوا كثيرين ولكنهم زادوا فقرا وإعداما بعد الثورة لأن رجال الثورة استخدموا العمال استخداما سيئا وإجراءات التأميم والمصادرة والحراسة أفسدت النظام العام في شركات كانت تعمل وتكسب حقا إن البلاد كلها كانت في حاجة إلى تغيير حاسم للنظام كله تغيير يذهب بالقصر والانجليز ويصحح مسار الديمقراطية ويضبط الإدارة ويتجه بالبلاد كلها وجهة جديدة ي ظل استقلال حقيقي .

- وقد حققت الثورة هذا الاستقلال ولكنها أساءت استعماله ومصر أصبحت مستقلة ولكن المواطن المصري عرف الخوف والهوان والذل والظلم على نحو لم يعرفه أيام الاحتلال .

- وهذه القطعة التي أوردتها من مناقشات عبد الناصر مع رجاله ترينا معظم السبب في ذلك فإن الرجال الذين اجتمعوا بعبد الناصر كان فيهم شخصيات محترمة جدا مثل محمود يونس وعبد المنعم القيسوني ولكن ما يكاد الواحد منهم يفتح فمه حتي يستخف به عبد الناصر ويرد عليه مؤنبا لأنه في الحقيقة كان يريد أولا وقبل كل شئ أن يظل هو على حالية السيد الأعلى لهذا البلد ولا معقب على كلامه أو تصرفاته , ثم يطالب الناس بعد ذلك بإبداء الآراء! ومثله فذ ذلك رجل وقف في الطريق فسده كله بحجمه ثم قال للناس الآن نظموا المرور وحذار أن يمس واحد منكم طرف ردائي .

- وفيما يلي أورد فقرات من مقال آخر كتبه الأستاذ الصحفي الأديب صلاح منتصر يلقي فيه أضواء أكثر على شخصية عبد الناصر وطريقته في العمل نشرها في الأهرام بتاريخ 25/8/1983 وأنا أعتذر له عن نقل هذه الفقرات الكثيرة من كلامه الجيد ولكن ما حيلتي وليس أمامي مراجع أو وثائق أخري أستقي منها وأعول عليها ؟

- قال بعد أن تحدث عن أولئك الذين يحاولون أن يبرئوا عبد الناصر من كل ما وقع فيه من أخطاء :

- أخطاء عبد الناصر لم يكن – في رأيهم – يعرف بها وكانت الظروف أو الآخرون وحدهم هم المسئولين عنها وانتصارات أنور السادات قام بها غيره أو ساعدته الظروف عليها وكان وحده مسئولا عن أخطاء عهده !

- وهي عملة امتهان لأي عقل يحترم نفسه وإهانة أكبر للحاكم الذي يحاولون تبرئته بدعوي انه لم يكن يعرف خصوصا إذا كان هذا الحاكم الذي يقولون أنه لم يكن يعرف في وزن عبد الناصر أو أنور السادات وقد كانت للسادات أجهزته الخاصة يستطيع بها المعرفة إذا أراد وليس الذنب ذنبنا أنه لم يعرف , وكانت لعبد الناصر أجهزته العديدة التي ل يكن يغمض عينه ليلة دون أن يقرأ تفاصيل التفاصيل عن كل ما جمعته .

- لا أستطيع بأية صورة من الصور إذن قبول منطق من يقول إن عبد الناصر الذي حكم 18 سنة وليس 18 شهرا لم يكن يعرف بما يجري من عمليات تعذيب ولا ما كان يجري من مظالم الحراسات ولا ما وقع من انتهاكات للحريات أو ما جري في عصره للقضاء أو الصحافة أو ما حدث في القطاع العام من انحرافات .. وبنفس المنطق فإنني لا أستطيع أبد بأية صورة من الصور قبول من يقول إن أنور السادات الذي حكم 11 عاما وليس 11 أسبوعا لم يكن يعرف بما وقع في عصره من تجاوزات أو انحرافات سواء من بين أفراد أسرته أو من آخرين اغترفوا من " سبيل " الانفتاح" . الحاكم الذي لم يكن يعرف لا يصح أن يكون حاكما ولا يجوز احتراما لعقولنا قبول أعذار جهلة والأصح من هذا كله إدراك أنهم هم الذين كانوا يعرفون وفي أيديهم وتحت سلطانهم وسائل وأجهزة العلم والمعرفة بينما الشعب – بكل الأسف – هو الذي لم يكن حقيقة يعرف وكان في مرحلة خطيرة من خداع النفس والخديعة . وعندما بدأنا نعرف كانت تغيرات كثيرة أشبه بالكوارث قد وقعت .

- لقد عرفنا ولكن بعد أن نشرت محاضر اجتماع الرئيس عبد الناصر مع أعضاء اللجنة التنفيذية العليا منذ أسابيع قليلة وهي محاضر جمعها عبد المجيد فريد سكرتير رياسة الجمهورية في كتاب ونشرتها مجلة الوادي من قبل وأعادت جريدة الأهالي نشرها أخيرا على أساس أنها صفحات من أمجاد عبد الناصر – أقول عرفنا من هذه المحاضر أن أعضاء هذه اللجنة التنفيذية العليا التي كانت تمثل أكبر هيئة سياسية في مصر لم يتكلموا عندما كان يجب الكلام وأن أعضاءها السبعة عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وزكريا محيي الدين وأنور السادات وحسين الشافعي وعلى صبري وصدقي سليمان كانوا جميعا يخافون قول الحقيقة !

- وإذا كانت أعلي هيئة حاكمة تخاف – وهي بالقطع م تعرف ممن تخاف ولماذا تخاف – فكيف يكون حال الذين في قاع درجات السلك وكيف كانت مشاعرنا إذا نحن قد فتحنا أفواهنا ؟.

مع ذلك إنصافا للحق فلقد تكلم البعض أو حاول و وكان منهم على سبيل المثال كمال الدين حسين الذي هوته الأهوال التي كانت تجري للإخوان المسلمين عندما قبض علي 24 ألفا منهم عام 65 على رأسهم الشهيد سيد قطب الذي أعدم بتهمة تدبير انقلاب ضد نظام الحكم .. هزت كمال الدين حسين سياط العذاب التي تعرض لها هؤلاء الإخوان المسلمون فكتب إلى عبد الناصر رسالة قصيرة عنوانها " اتق الله " وفي نفس اليوم الذي كان عبد الناصر يحتفل فيه بعيد زواج ابنته الكبرى هدي تلقي كمال الدين ردا على رسالته في صورة أمر بالاعتقال في استراحة بالهرم , أحيطت بالأسلاك والحراسة وماتت زوجته وهو داخل هذه الاستراحة لا يستطيع أن يخرج لوداع جثمانها !

- لقد عرفنا – ومن خطاب ألقاه عبد الناصر أمام مجلس الأمة يوم 23 نوفمبر 67 نوفمبر 67 – أننا في ساعات حرب يونيو القليلة خسرنا 80 في المائة من معداتنا الحربية وأننا في خلال هذه الأيام الكثيبة المفجعة فقدنا ما هو أغلي وأفدح : 10 آلاف جندي قتيل 1500 ضابط شهيد , 5000 جندي أسير , 500 ضابط أسير !!

- لقد عرفنا ومن نفس المحاضر التي نشرتها جريدة الأهالي لاجتماع جمال عبد الناصر مع أعضاء اللجنة العليا ا، عبد الناصر – بعد الهزيمة التي فقدت فيها مصر كل هذا الذي فقدته من شباب وذخيرة وكرامة بعد ذلك – يقول وبنص كلامه من المحضر : قابلت عبد الحكيم وحاولت إقناعه دون جدوي بأنه ليس منطقيا أن يبقي بعد الهزيمة العسكرية قائدا عاما ويكفي أن يكون نائب أول لرئيس الجمهورية ولكنه رفض كلامي وسافر غضبان إلى بلدته في المنيا !!

- إلى هذا الحد يصل الأمر بالرئيس عبد الناصر في محاولة إقناع قائد الهزيمة بترك منصبه العسكري والاكتفاء بمنصب نائب رئيس الجمهورية ز. ولو فعلها عبد الحكيم وقبل العرض لكان ربما حتي اليوم حاكما لمصر !

- إن الذي أصبح اليوم معروفا – ولكن بعد أن حدث ما حدث – أن جمال عبد الناصر كان هو الذي اختار عبد الحكيم عامر ليكون القائد العام للجيش لأسباب أمنية بحتة لا علاقة لها بالعسكرية او الحرب أو قدرات الدفاع .. كان عبد الحكيم هو أقرب الجميع إلى قلب عبد الناصر ( كان عبد الناصر يحمل مشاعر مميزة لعبد الحكيم وخالد محي الدين وقد أطلق اسميهما على ولديه )و وخوفا من ضباط مجلس قيادة الثورة أنفسهم اختار عبد الناصر عبد الحكيم لقيادة الجيش ليضمن به نزع أية أظافر يمكن أن تطول لزملائه الذين اشتركوا معه في العمل السري تحت الأرض طوال زمالة الضباط الأحرار .

- ولقد وضحت قدرات عبد الحكيم عامر العسكرية منذ حرب 56 التي انتهت بهزيمة عسكرية